لاحقة أمير داغ
— 203 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تلقَّيتُ خبرَ وفاة المرحوم الحافظ "أحمد المهاجر" ورحيلِه عن الدنيا، فهزَّني وأبكاني كما فعل بي رحيلُ "عبد الرحمن" نفسِه، فی إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
لقد خدمني الحافظ "أحمد المهاجر" بنفسه وعائلته بكلِّ صدقٍ وتَفانٍ طَوال ثماني سنين، وعَمِل جادًّا جاهِدًا للأنوار هو وأولادُه وأحفادُه وزوجتُه وأصهارُه، وكانت جميعُ دروسه ومواعظه من الأنوار، وكانت أهمُّ وصيةٍ دنيويةٍ أوصى بها قُبيل وفاته بدقائق أنْ رجا من "الحافظ الشامي" إكمالَ كتابة رسائله النورية.
— 204 —
وكان قد كتب إليَّ قبل يومين من وفاته رسالةً شَعَر فيها یی بكرامة الصدق یی بما كتبتُ إليكم في حينه من أني أفضِّل "صاوة" على "بارلا" وأتمنى أن أُدفَن في مقبرتها، فكتب إليَّ قائلًا على سبيل المقابلة والاعتراض: قلتَ إن "بارلا" هي وطنكم الثاني، فلماذا لا تأتي إليها؟ ولماذا تُفضِّل عليها أماكنَ أخرى؟ لقد كانت "بارلا" هي المدرسةَ النوريةَ الأولى، فلا بد أن يكون بها قبرُك.
هكذا كتب إليَّ مُذكِّرًا في رسالته التي نقَلَ إليَّ مضمونَها الحافظ "توفيق الشامي". أنزلَ الله على روحه جزيلَ الرحمات، آمين.. وجعل قبرَه كدارِه منزلًا للقرآن والنور، آمين.
وليس لدي أدنى شبهةٍ في أن كرامة الصدق هذه تُثبِت أن طلاب النور تُختَم حياتُهم بالإيمان، وأنهم مَظهرٌ لحُسن الخاتمة.
عَزُّوا أهلَه وأقربائه نيابةً عني، وبلِّغوهم أنني أُشرِكه في جميع دعائي.
ثانيًا: كتب إليَّ أخونا "رأفت" قائلًا: إن في إسطنبول حاجةً ماسَّةً للأنوار، فالجميع يحتاجون إليها حاجتَهم إلى الخبز.
ويَذكر أن أخانا "شمس الدين يَشيل"، وهو طالبُ نورٍ وثيقُ الارتباط بالأنوار كثيرُ المطالعة لها، يُلقي درسًا من حقائق رسائل النور، فيَحضُر وعظَه الآلاف.
ويُعقِّب "رأفت" على هذا قائلًا: يتبين من هذا أن رسائل النور لهؤلاء الناس كالخبز، يحتاجون إليها كلَّ يوم.
وقد قدَّم "رأفت" نُسَخًا من الأنوار لبعض الشخصيات الهامة، وهو يَطلب نسخةً من "معجزات ذي الفَقار" مصححةً من قِبَلي.
نُسلِّم على الجميع وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭
— 205 —
نهنئ "خسرو"، وندعو له بالتوفيق في أعمال التصحيح والتوزيع والتدبير والتواصل ونشرِ الأنوار وتوصيلها؛ على أن له مع هذه الوظائف الهامة تصحيحاتٍ بخطِّه الجميل المشرِق نراها في كثيرٍ من النُّسَخ، وأفهم من رسالته أنه يَنسخ الرسائل بشكلٍ مستقل.
تذكَّرتُ الآن فجأةً طلابَ مدرسة "صاوة" النورية.. "الحاج حافظ" والمرحوم الحافظ "محمد" وإخوانَهما، و"المحمَّدِين" و"الأحمدِين"، والأبرياءَ الصِّغار، والمباركين الكبار، وسائرَ الأبطال، فرَغِبتُ من صميم قلبي أن أقضيَ مدةَ حياتي بقربهم، وتمنيت أن أُدفَن بعد موتي في مقبرتهم؛ فورَدَ على الفور خاطرٌ يقول: صحيحٌ أن وجودَك مادةً في ولاية "إسبارطة" مركزِ المدرسة الزهراء مصدرُ فائدةٍ وسعادةٍ بجهاتٍ كثيرة، إلا أنه بحسب مسلك النور ومشرب طلاب النور فإنكم معًا على الدوام، لا يَحجب بعضَكم عن بعضٍ زمانٌ ولا مكان، وسواءٌ كنتم في الشرق أو الغرب، أو في الشَّمال أو الجنوب، أو في الدنيا أو البرزخ، فإنكم معْنًى معًا في مجلسٍ واحد، والعونُ المعنويُّ بين طلاب النور قائمٌ دائم، وهو غيرُ منقطعٍ عنك.
هكذا وَرَدَ الخاطر فهدَّأني، وقلت: ما دام للأنوار في كلِّ مكانٍ أيادٍ كثيرةٌ قويةٌ تَحمِلُها وتحافظ عليها وتجتهد في نشرها، فليس من الكسل في شيءٍ إنْ حصلتُ على قسطٍ من الراحة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنئكم بليلة البراءة المباركة التي خَلَتْ، وبشهر رمضان المبارك القادم.. لقد شاهدنا بتعجُّبٍ أمارةً على أن ليلة البراءة في هذه السنة كانت كثيرةَ البركات والكرامات لطلاب النور، وذلك أني قبل هذه الليلة بقليلٍ كنتُ منشغلًا بتصحيح "عصا موسى"، فإذا بحمامةٍ حَطَّتْ عند النافذة ونظرَتْ إليَّ، فقلتُ لها: هل جئتِ
— 206 —
ببشارة؟ فدخلتْ إلى الغرفة ولم تَجفُل، وكأننا أصحابٌ منذ القديم، ثم صعِدَتْ إلى "عصا موسى" وقعدَتْ فوقها ثلاثَ ساعات، (حاشية): نعم، شاهدنا ذلك بأعيننا: نور الدين، محمد، إسماعيل. فقدمتُ لها الخبز والأرز فلم تأكل، وبقيَتْ إلى المغرب ثم غادرَتْ، ثم جاءت ثانيةً فبقيَتْ عندي طَوالَ ليلة البراءة حتى الصباح، فلما اضطجعتُ جاءت إلى رأسي فلامستْه برفقٍ كأنما تقول: أستودعك الله، ثم خرجَتْ وذهبَتْ؛ ثم بينما كنتُ في اليوم التالي محزونًا، إذْ جاءت فمكثتْ عندي ليلةً.
إذًا لقد أراد هذا الطائر المبارك أن يهنئنا بی"عصا موسى" وليلةِ البراءة.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
كَتَب "محمد فيضي" و"أمين" اللذان هما لی"قَسْطَموني" بمثابة "خسرو" و"سليمان رشدي".. كَتَبا ما يتعلق بسيرةِ حياةِ أستاذِهما في "قَسْطَموني"، وقد قبلتُ ما كتباه من غير أن أبدِّل ما فيه من ثناءٍ زائدٍ أَولَوني إياه بحسن ظنهم.. وسببُ قبولي إياه أن مسؤولًا كبيرًا في "أفيون" وجَّه إليَّ إهانةً بواسطة رقيبٍ بغيةَ كَسْرِ إقبال الناس عليَّ، لكيلا تأخذ هذه الولاية بالأنوار وتتنورَ بها كما فعلتْ "دَنِزْلي" و"إسبارطة"، ومع أني تحمَّلتُ الأمر، إلا أني حزنتُ لتأثُّر الطلاب الجُدد هنا.
وبينما كنت مهمومًا إذْ وصلتْني رسالةُ "محمد فيضي" هذه ملؤها الصِّدق والوفاء والعرفان والاحترام، فردَّتْ إهانةَ هذَين صفعةً على وجهَيهما، وبدَّدتْ وقعَها عليَّ فجعلَتْه كالعدم، ومسحَتْ عني الحزن فلم تُبقِ منه شيئًا؛ وتحقَّقَ عندي أنَّ مجيءَ هذا المدح والتقدير مِن موفَّقَين رفيعَين، وقتَ وقوع هذه الإهانة المتعسِّفة الجَبرية من مَخذولَين وضيعَين، ما هو إلا كرامةٌ للصدق الذي يتحلَّى به "فيضي" و"أمين".
٭٭٭
— 207 —
إخواني..
تَبيَّن الآن أن استدعائي إلى المخفر، وإحضاري إلى مركزٍ حكوميٍّ بذرائع لا لزوم لها، إنما كان بقصدِ إهانتي وامتهاني أمام الناس، وإظهاري في أعينهم بمظهر المتهَم!!
لم أعد أحتمل.. ينبغي العمل على عدم وقوع هذا ثانيةً، راجِعوا قاضي الجزاء، وعيِّنوا محاميًا وكيلًا عني، وليذهبْ إلى المخفر بدلًا عني متى لزم الأمر.. فإنه لَعذابٌ أليمٌ لِرجلٍ منزوٍ منذ خمسٍ وعشرين سنةً أن يلتقيَ بأشخاصٍ دأبُهم الإهانةُ كهؤلاء!!
لقد قضيتُ ثماني سنواتٍ في "قَسْطَموني" لم ألتقِ بالوالي إلا مرةً واحدةً بعد إلحاحه، ولم أذهب إلى مخفر الشرطة إلا مرتين، أما هنا فقد ذهبتُ إلى المخفر أكثر من عشر مراتٍ لغير سبب!! لن أذهب بعد الآن.. حَصِّلوا تقريرًا من طبيب، وإلا فسيَلحَق بهذه المدينة ضررٌ ماديٌّ ومعنوي.
٭٭٭
إن الهزَّاتِ الأرضيةَ التي وقعتْ هنا ليلةَ أمس، قد تَزامنَ وقوعُها مع تضييقِ رقيبِ المخفر علَيَّ، وإضرارِه بنشاطِ طلابِ النور ونَسْخِ الأنوار.
فقد قام هذا الرقيب مدعومًا من مسؤولٍ كبيرٍ في "أفيون" بتوجيه الإهانة والشتيمة لي في كلامه مع خادمي، وصرخ بوجهه في المركز الحكوميِّ قائلًا: اِذهب وبلِّغه هذا الكلام.
وطَلب من الحرس وعناصر الشرطة العسكرية إحضاري بأمرٍ من مدير البلدة، وقال لهم: أحضِروه إلى هنا ولو كان مريضًا.
إنَّ تَزامن هذه الهزاتِ الأرضيةِ الأربعِ الشديدةِ غيرِ المسبوقة مع هذه التصرُّفات التي تُضمِر السوءَ لي وللأنوار ولهذا البلد قطعًا، إنما يُبيِّن أن رسائل النور وسيلةٌ لدفع
— 208 —
البلاء، وأنها كلما عُطِّلتْ وَجَدَ البلاءُ فرصةً سانحةً فنزل، وهذا مُصدَّقٌ بمسألة الهزات الأرضية الأربع التي ذكرها "خسرو" في مدافعتي.
بخصوص "مصطفى عثمان" الذي أسدى للأنوار خدماتٍ كثيرةً في مدةٍ يسيرة، فإن رسالته المسطورةَ بغاية التواضع والفناء عن الذات، تُثبت صدقَه الخالص ووفاءَه وإخلاصَه، وتُظهِر أنه ارتقى إلى مصافِّ الخواصِّ الذين مضى لهم خدمة الأنوار خمسَ عشرة سنة، وكفى بمجموع "عصا موسى" الذي نَسَخه دليلًا على هذا.
الآن، وفي هذه الدقيقة التي أكتب فيها، بدأتْ هزةٌ أرضيةٌ خفيفة.
٭٭٭