لاحقة أمير داغ
— 130 —

ثانيًا:

أخونا "عليٌّ الصغير" صاحبُ الروح الكبيرة، ومِقدامُ "المباركين"، وأنموذجُ "عبدِ الرحمن" و"لطفي" والحافظِ "عليٍّ الكبير"، يسأل سؤالًا يقول: لِمَ تَحشِدُ رسائلُ النور كلَّ هذا الحشدِ الهائل فيما يتعلق بالأركان الإيمانية، مع أن إيمان المؤمن العامِّيِّ هو كإيمان الوليِّ العظيم، كما عَلَّمَنا المشايخُ من قَبْلُ؟
— 131 —
والحال أن هذا سؤالٌ ورَدَ الجوابُ عنه في مواضع كثيرةٍ من رسائل النور.. أولُها ما ذُكِرَ في مباحثِ المراتب الإيمانية "من رسالة الآية الكبرى".
ومنها بيانُ الإمامِ الربَّانيِّ مُجدِّدِ الألف الثاني المذكورُ في أواخرِ الرسالة نفسِها، إذ يقول رضي الله عنه:
"إنَّ أعظمَ مَقصَدٍ للطُّرُقِ ومنتهى جميعِها هو انجلاءُ الحقائق الإيمانية، وإنَّ تَوَضُّحَ مسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ وضوحًا قطعيًّا هو خيرٌ من آلافِ الكرامات والكشفيات".
ومنها الفقرةُ المقتبَسةُ من "المَلاحق"، والمدرَجةُ بآخر "الآية الكبرى".
ومنها المسألةُ العاشرةُ من "رسالة الثمرة"، فإنها بَيَّنتْ حكمةَ تَكرارِ القرآنِ وتفصيلِه وإفاضتِه البيانَ في التوحيدِ وأركانِ الإيمان، وهي حكمةٌ جارٍ حكمُها بتمامه على رسائل النور، إذْ هي تفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن.
وفضلًا عن هذا، فإن أجزاء رسائل النور التي بَيَّنتِ الإيمانَ التحقيقيَّ والتقليديّ، والإجماليَّ والتفصيليّ، وأبانتْ كيف يَثبُت الإيمانُ أمام جميع الهجمات والوساوس والشبهات ويتصدى لها، قد تضمنتْ من الإيضاحات ما يجيب عن سؤال أخينا "عليٍّ" فلا يدع حاجةً إلى مزيدٍ منا بعد ذلك.
والجهة الثانية للمسألة أن الإيمان ليس مجردَ تصديقٍ إجماليٍّ تقليدي، بل كما أن للشجرة مراتبَ وانجلاءاتٍ من النواة الصغيرة إلى النخلة الباسقة الكبيرة، وكما أن للشمس مراتبَ وانجلاءاتٍ من مثالها المُشاهَد في مرآةِ اليد، إلى انعكاسها على سطح البحر، إلى الشمس ذاتِها؛ فكذلك الإيمانُ، له حقائقُ كثيرةٌ أيَّما كثرة، إذْ للألْفِ اسمٍ واسمٍ من الأسماء الإلٰهية، ولسائرِ الأركان الإيمانية، حقائقُ كثيرةٌ مرتبطةٌ بحقائق الكون، حتى لقد اتفق أهلُ الحقيقة على أن أعظم العلوم والمعارف والكمالات الإنسانية هو الإيمانُ والمعرفةُ القدسيةُ التفصيليةُ البرهانيةُ النابعةُ من الإيمان التحقيقي.
— 132 —
نعم، فالإيمان التقليدي سُرعان ما ينهزم أمام الشُّبهات، بخلاف الإيمان التحقيقي، إذْ هو أقوى منه بكثير، وأوسعُ منه بكثير، فضلًا عن أن فيه مراتبَ كثيرة، منها مرتبةُ علم اليقين التي تتصدَّى بقوةِ براهينها الكثيرةِ لآلافِ الشبهات، بينما ينهزم الإيمان التقليديُّ بشُبهةٍ واحدةٍ في بعض الأحيان.
ومن مراتبِ الإيمان التحقيقيِّ كذلك درجةُ عين اليقين، ولها مراتبُ كثيرة، بل لها درجاتُ ظهورٍ بعدد الأسماء الإلٰهية، وتَصِلُ إلى درجةٍ يمكن لصاحبها أن يقرأ الكونَ بأسره كأنه قرآن.
ومن مراتب الإيمان التحقيقيِّ كذلك مرتبةُ حقِّ اليقين، ولها مراتبُ كثيرة، والأكابرُ أهلُ هذا النوع من الإيمان لو هاجمتْهم جيوشُ الشبهات كلِّها ما استطاعتْ أن تنال منهم شيئًا.
إن آلافَ الكتب التي صنَّفها علماءُ علم الكلام استنادًا إلى العقل والمنطق، إنما تَعرِضُ طريقًا برهانيًّا عقليًّا إلى تلك المعرفة الإيمانية؛ وإن مئات الكتب التي ألَّفها أهلُ الحقيقة، إنما تَعرِضُ تلك المعرفةَ الإيمانيةَ من زاويةٍ أخرى استنادًا إلى الذوق والكشف؛ أما الجادَّةُ القرآنيةُ الكبرى، والمنهاجُ القرآنيُّ اللاحِبُ المعجِز، فإن ما يَعرِضه من الحقائقِ الإيمانيةِ والمعرفةِ القدسيةِ أقوى وأسمى بكثيرٍ مما بيَّنتْه مؤلَّفاتُ أولئك العلماء والأولياء.
وإن رسائل النور تُفسِّر هذا المنهاجَ الجامعَ الكُلِّيَّ السامي للمعرفة، وتتصدى باسم القرآن والإيمان لتيارات التخريب والتدمير الكُلِّية العاملةِ لحسابِ عوالم العدم، والتي ما زالت دائبةً منذ ألف سنةٍ في محاربةِ القرآن، والإضرارِ بالإسلام والإنسان.
فلا جَرَمَ بإزاء هذا أن تَحشِدَ رسائلُ النور حَشدًا لا يُحَدّ، كي تتصدى لأعداءٍ لا تُحَدّ، وتغدو بنور القرآن وسيلةً للحفاظ على إيمانِ أهلِ الإيمان؛ ولقد جاء في الحديث الشريف: "فَوالله لأنْ يَهديَ الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم"،
— 133 —
وجاء في الأثر: "تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سنة"؛ حتى إن الأهميةَ البالغةَ التي يوليها النقشبنديون للذكر الخفي، إنما هي لأجلِ الوصول إلى هذا النوع من التفكر.
أُسلِّم على جميع إخواني وأدعو لهم فردًا فردًا.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭