السيرة الذاتية
— 793 —

رسالةٌ من عالِمٍ فاضلٍ مقيمٍ بالمدينة المنوَّرة، وعى حقائق رسائل النور وجرَّد نفسه لخدمة الإسلام

حضرةَ أستاذنا المحترم المبجَّل فاتح القلوب.. أقبِّل يديكم الكريمتين، وأضرع إلى ذي العزة والجلال أن يديم عليكم وعلى طلابكم الأعزاء الأوفياء الصحةَ والسلامة.
وصلني خبرُ براءتكم التي يجدر وصفُها بأنها عيدٌ للمسلمين، فسرَّتْني وأفرحَتْ قلبي كما سَرَّتْ وأفرحَتْ جميع طلاب النور، وكيف لا أُسَرُّ وهذه البراءة تعني انتصار الروح على الماديات، والنور على الظلمات، والإيمان على الكفر، والحق على الباطل، والتوحيد على الشرك، والعرفان على الجهل؟!
أجل، فعلى مرِّ السنين التي خَلَتْ نُصِبَتْ أمام فيض النور عقباتٌ كسلاسل الجبال الشاهقة، وأُقيمتْ عوائق كالهُوى الساحقة، وها هو شلال النور في نهاية المطاف يشق طريقه على نحوٍ معجزٍ، فيحطم السدود، ويكتسح العقبات، ويبدِّد بالنور كلَّ الظلمات.
كانوا يقولون: "إن التجليات الإلٰهية التي تتراءى مع الخوارق المعجِزة تَكِلُّ عن وصفها الأقلام، وتتضعضع الأفكار، وتَذوي شعلة الإلهام وتستحيل رمادًا"، والحقيقة أنني أشعر بهذا العجز يجتاح كياني إزاء هذا النصر الفريد، إذْ تنفتح لفكري وإلهامي آفاقٌ رحبةٌ لا تتناهى، وترتسم الدنيا في ناظريَّ مسجدًا نورانيًّا مَهيبًا، وتغشى كلَّ شيءٍ من حولي حالةُ وجدٍ عميق واستغراقٍ شامل، ويتجلى في كلِّ ذرةٍ سرٌّ سبحانيٌّ من قول الحق جلَّ شأنه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، فأجدني حائرًا في وصف هذا الحدث السعيد، أَأَصِفه بأنه نصرٌ عظيم؟ أم فتحٌ مبين؟ أم إنقاذٌ إلٰهيّ؟ أم عيدٌ يعمُّ أرجاء الدنيا؟ ذلك أن النصر الإلٰهي الذي تَكَلَّلتْ به هذه الدعوة القدسية قد قوَّى عزائم الدعاة المجاهدين في العالَمين الإسلامي والإنسانيِّ، وبعث الحياة في أرواحهم، وأورث إيمانهم حماسًا ومَضاءً.
أجل، فلقد كان اليأس يخيم على مسلمين كثيرين لم يكن كمُلَ بعدُ إيمانُهم وعزمُهم وتفانيهم وأملُهم، فكانوا يرون تحقُّق مثل هذا النصر ضربًا من الخيال
— 794 —
والمُحال، ولكن جاءت رسائل النور تستمد نورَها ومددَها من القرآن الكريم المتنزِّل من آفاق العرش الأعظم شمسَ هدايةٍ وإرشادٍ للبشرية جمعاء.. جاءت فحركت مياه القلوب الراكدة، فأحالتْها بحارًا هادرةَ الأمواج، وحطَّمتْ قيودَ أعوام الجفوة والحرمان التي كبَّلت الآمال والأمنيات.
إن هذه الأسفار التي انبجست من ينبوع النور مُترَعةً مددًا وحكمةً، قد لبَّت حاجات الإنسان الأزلية والأبدية الكامنةَ في أفكاره ومشاعره، والثاويةَ على نحوٍ خاصٍّ في أعماق روحه ووجدانه الملتهب، وأخرجتْها من محيط الظلمات بأمواجه العاتية ولُجَجِه الدامسة إلى آفاق النور المتلألئة الصافية.
لقد انبلج هذا النصر القدسي شمسًا إلٰهيةً بعد سنين طِوالٍ من الصمت المُطبِق والغفلة العميقة والظُّلمة الخانقة، فبَشَّر بيقظةٍ قريبةٍ للبشرية التائهة بحثًا عن سبيل النور؛ ذلك أن الدين ليس حاجةً للمسلمين فحسب، بل هو حاجةٌ أزليةٌ وأبديةٌ لبني الإنسان كافَّة، وإن البشرية التعيسة تعاني اليوم بصدرٍ يلتهب نارًا من ويلات حرمانها نعمةَ الدين، وحسبُها من نتائج هذه الداهية المريرة دخولُها حربين عالَميتَين خلال ربع قرن، وهي اليوم تندفع متهوِّرةً تَطرُق باب حربٍ عالميةٍ ثالثة.
لقد بات واضحًا للعِيان اليوم أن الإسلام هو القوة الوحيدة القادرة على لَمِّ شمل بني الإنسان ومؤاخاتهم تحت رايةٍ عالَميةٍ واحدة، تَهُبُّ على مُستظِلِّيها نسماتُ الأمن والاستقرار والسعادة والرفاه من آفاق النور وجنان النعيم؛ ذلك أن حال البشرية اليوم هي أشبه ما تكون بحالها قبل مجيء الإسلام، وكما أنقذها في ذلك الحين من ويلاتها الأبدية فإنه اليوم قادرٌ على فعل الشيء نفسه من جديد؛ أجل، وهو وحدَه اليد الحانية التي ستُضَمِّد جراحَ ملايين بل مليارات القلوب النازفة عبر القرون؛ ومهما ظهرتْ في الأفق أضواء خدّاعةٌ بين الحين والآخر، فليس المستقبل للأضواء التي تستمد نورها من شموسٍ آفلة، بل المستقبل للشمس الأزلية الأبدية التي تستمد نورها ومدَدَها مباشرةً من رب العالَمين سبحانه، فهي التي ستبقى ما بقيت الدنيا، وهي التي ستُحرق كلَّ مَن يسعى لإطفائها.
— 795 —
أستاذي الغالي المبجَّل.. لا يخفى عليكم أنه قد ظهرت في الآونة الأخيرة بعض حركات التنوير والإرشاد التي تعمل لخدمة هذه الدعوة القدسية، إلا أنه لم تؤدِّ أيٌّ منها العملَ الجليل الذي أدَّته رسائل النور، ولم تَنَلِ النصر الإلٰهي الذي نالتْه، ذلك أن هذا الطريق هو الطريق المقدس الذي سار عليه الأنبياء والأولياء والعارفون والصالحون، وسار عليه بالأخص ملايين الشهداء الأبطال الذين ضحَّوا بأرواحهم في سبيل مولاهم سبحانه؛ وحَقٌّ على مَن يريد السير على هذا الدرب الشاق أن يضع نصب عينيه الموانع والعقبات العظيمة التي ستعترضه؛ أجل، ويجب عليه أن يتحلى بمثل ما أولاكم اللّٰه إياه من إيمانٍ راسخٍ، ومعرفةٍ إلٰهيةٍ سامية، وإخلاصٍ فريدٍ، وتجرُّدٍ عن الذات بشكلٍ خاص، لأن أصول الدعوة والإرشاد والتنوير التي تَتَّبعها رسائل النور بهذا الصدد تتمتع بمزايا متفردةٍ تمامًا.
أطلب منكم الدعاء بالتوفيق للقيام ببحثٍ معمقٍ بهذا الخصوص يفتح آفاقًا جديدةً في الفكر والمشاعر والروح والوجدان، لأحظى بشرف تقديمه لإخواني في الدين في كتابٍ مستقلٍّ مفصَّل، فإن هذا الموضوع النُّوريّ هو من العمق والأهمية بحيث لا يمكن الحديث عنه في مقالاتٍ أو رسائل موجزة.
إن الشباب الذين فتحتم قلوبَهم النقيَّة بنور الإيمان والقرآن هم أثمن جوهرةٍ وأهمُّ موجودٍ، وهم أسطع دليلٍ على هذا النصر الإلٰهي، وإن هذا الشباب الطاهر الذي خاطبتُ أرواحَهم ومشاعرهم الأصيلة في كلِّ بيتٍ من أبيات قصيدتي "حديث النور" هم أولئك الشباب الذين تتقد أفئدتهم حبًّا للحق والحقيقة.
أقدِّم إليكم هذه القصيدة التي كتبتُها بإلهامٍ يفيض وجدًا بالنصر الذي حظيتْ به دعوة النور، وأرجو أن تتفضلوا بقبولها.
أُقبِّل يديكم الكريمتين مِرارًا، وأرجو دعواتكم المباركة أستاذيَ المحترم.
من أبنائكم المعنويين
علي عُلوي
٭ ٭ ٭