السيرة الذاتية
— 367 —

الآية الكبرى

مُشاهَداتُ سائحٍ يسألُ الكون عن خالقه
(تُعرَف رسالةُ الآية الكبرى أيضًا بی"الشعاع السابع" وهي حول التوحيد، وتتألف في الأصل من مقامَين، والنصُّ المُدرَج هنا قسمٍ من "المقام الثاني")
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
لما كانت آياتٌ قرآنيةٌ كثيرةٌ كهذه الآيةِ الجليلة تبدأُ - في تعريفها بخالق الكون - بذكر السماوات التي هي أسطعُ صحائف التوحيد، وأكثرُ ما يطالعُه باستمتاعٍ كلُّ إنسان، وينظر إليه بدهشةٍ في كلِّ آن؛ كان من المناسب أن يُستَهلَّ بها.
نعم، إن كلَّ ضيفٍ يأتي إلى مملكةِ الدنيا ودارِ ضيافتها يشاهِد - كلما فتح عينيه وقَلَّبَ نظَرَه - مَضافةً في غاية الكرم، ومعرِضَ مصنوعاتٍ في غاية الإتقان، ومعسكرًا وميدانَ تدريبٍ في غاية المهابة، ومُتنزَّهًا في غاية الإمتاع والإبهار، ودارَ مطالعةٍ في غاية الحكمة والمعنى؛ فتتحرك لديه الرغبة لمعرفةِ مَنْ صاحبُ دارِ الضيافةِ الجميلة هذه؟ ومَنْ مؤلِّفُ هذا الكتاب الكبير؟ ومَنْ سلطانُ هذه المملكة العظيمة؟ وبينما الضيفُ في حالةٍ من شدةِ الفضول لمعرِفته والتعرُّف عليه، إذْ أطلَّ وجهُ السماواتِ الجميلُ المكتوبُ بزخارفِ النور قائلًا: اُنظُر إليَّ.. سأخبِرك بمن تبحث عنه.
— 368 —
فنظر إليها فرأى تَجلِّيَ ربوبيةٍ ترفعُ مئاتِ آلافِ الأجرامِ السماوية بغير عَمَدٍ فلا تهوي، بعضُها أكبرُ من أرضنا بألفِ مرة، وبعضُ هذه أسرعُ من قذيفة المدفع بسبعين مرة.
وتُسيِّرها جميعًا معًا بسرعةٍ فائقةٍ بلا تصادُم..
وتُسْرِجُ تلك المصابيح اللامحدودة على الدوام من غير وَقودٍ وبلا انطفاء..
وتُدير تلك الكُتَلَ العظيمة المتناهية في الضخامة دون أن يَصدُر عنها ضجيجٌ أو اختلال..
وتُشغِّل تلك المخلوقاتِ الهائلة في وظائف - كوظائف الشمس والقمر - فلا يكون منها أيُّ عصيان..
وتتصرَّفُ بها جميعًا، في الوقت ذاته، بالقوة ذاتها، وبالأسلوب ذاته، وبسِكَّةِ الفطرة ذاتها، وبالصورة ذاتها، عبر فضاءٍ شاسعٍ لا يتناهى ولا تحدُّه أرقامٌ تمتد بين دائرتي القطبين، تصرُّفًا لا يشوبه نقصان..
وتُخْضِعُ تلك الكُتل الهائلة الحاملةَ لقُوًى متجاوزة، فتجعلها مطيعةً لقانونها لا تتعدَّاه..
وتُنظِّف وجهَ السماء فتجعله أجملَ وأسطعَ ما يكون، ولا تسمح لشيءٍ - كمخلَّفات هذا الحشد اللامتناهي - أن يُلوِّثه..
وتَسوقُ تلك الأجرام كأنها جيشٌ منتظمٌ يُجري مناورة؛ وتَعرِضُ - بدوران الأرض - هذه المناورةَ المَهيبة بصورها المختلفة وأشكالها الحقيقية والخيالية، تعرِضها كلَّ ليلةٍ وكلَّ عامٍ أمام أنظار مخلوقاتها المُشاهِدةِ كأنها مَشاهِد سينمائية.
إن هذه الربوبية الظاهرة، وما تبدَّى في فعَّاليَّتها من حقيقةٍ مركَّبةٍ من التسخير والتدبير والتدوير، والتنظيم والتنظيف والتوظيف، لَتَشهَد بعَظَمَتِها وإحاطتها - كما هو مشاهَد - على وجوبِ وجودِ خالقِ تلك السماوات ووَحدته؛ وعلى أن وجودَه أظهَرُ من وجود السماوات؛ وقد ذُكِر هذا بمعناه في المرتبة الأولى من المقام الأول فقيل فيه:
— 369 —
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجودهِ في وَحدتهِ السماواتُ بجميعِ ما فيها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التَّسخيرِ والتَّدبيرِ والتَّدويرِ، والتَّنظيمِ والتَّنظيفِ والتَّوظيفِ الواسعةِ المُكَمَّلَةِ بالمُشاهَدة.
ثم إن جوَّ السماء الذي هو محشرُ العجائب هتفَ مخاطبًا ذلك الضيفَ المسافر القادِمَ إلى الدنيا، فقال له بصوتٍ هادرٍ: اُنظر إليَّ، فمعي يمكنك أن تجِدَ مَن تبحثُ عنه بشغَف، وتعرفَ من أرسلك إلى هنا.
نظر الضيف إلى وجه الجو.. مكفهرٌّ لكنَّه رحيم؛ وسمع هديره.. مفزِعٌ لكنَّه مبشِّر؛ فرأى السحاب المعلَّق بين السماء والأرض يؤدي وظائف في غايةِ الحكمة والرحمة، إذْ يسقي بستانَ الأرض؛ ويُمِدُّ أهلَها بماءِ الحياة؛ ويُعدِّلُ الحرارة؛ ويُسْرِع لنجدةِ كلِّ بقعةٍ بحسَب حاجتها.
وفضلًا عن هذه الوظائف وأمثالها من الوظائف الأخرى الكثيرة، فإنه رأى السحاب يملأ الجوَّ فجأةً ثم يختفي وتَذهب جميعُ أجزائه للاستراحة فلا يُرى لها أثر، كأنه جيشٌ منتظمٌ يَظهَر ويتوارى وفقًا لأوامر فورية؛ حتى إذا ما تلقَّى الأمر: "انطلق للإمطار" اجتمع فملأ الجو في غضون ساعةٍ، بل في دقائق، ووقف كأنه ينتظر أمر القائد.
ثم نظر المسافرُ إلى الرياح في الجو، فرأى أن الهواءَ يُستخدَم في وظائفَ جمَّةٍ بغاية الحكمة والكرم، حتى كأن كلَّ ذرةٍ من ذَرَّاتِه التي لا شعور لها تَسمعُ الأوامرَ الصادرة من سلطان الكون، فتَعرِفُها وتنفِّذها بقوته، وتؤدِّيها بانتظامٍ دون إهمالٍ أو إبطاء؛ فتؤمِّن النَّفَس لكلِّ نَفْسٍ على هذه الأرض، وتنقل المواد اللازمة للأحياء كالحرارة والضياء والكهرباء، وتنقل الأصوات، وتكون واسطةً لتلقيح النباتات، إلى غير هذا من الوظائف والخدمات الكُلِّية الجمَّة التي تَستخدِمها فيها يدٌ غيبيةٌ استخدامًا بمنتهى الشعور والعلم والحيوية.
ثم نظر إلى المطر، وتأمَّل في قطراته اللطيفة البرَّاقة العذبة المرسَلةَ من العدم ومن خزينةِ رحمةٍ غيبية، فرأى فيها وظائفَ وهدايا رحمانيَّةً جمَّةً، حتى لكأنَّ الرحمة
— 370 —
تجسَّدتْ في هيئةِ قطراتٍ تنسابُ من الخزينة الربَّانية، ولأجل هذا سُمِّي المطر «رحمةً».
ثم نظر إلى البرق، واستمع إلى الرعد، فوجدهما يُستخدمان في خدماتٍ عجيبةٍ غريبةٍ جدًّا.
ثم حوَّل نظره والتفت إلى عقله وقال لنفسه: لا شك أن هذا السحاب الجمادَ العديمَ الشعور، الشبيهَ بالقطن المندوف، لا يعرفنا، ولا يُسارِع لإمدادنا إشفاقًا علينا من تلقاء نفسه؛ ولا ريب أنه لا يَظهَر أو يَختفي بغيرِ أمرٍ؛ بل لا بد أنه يتحركُ بأمرِ آمرٍ قديرٍ غايةَ القدرة، رحيمٍ غايةَ الرحمة؛ فيختفي دون أن يترك أثرًا، ويظهَر فجأةً ليقوم على رأس عمله، فيملأ عالَم الجو ويُخْلِيْهِ - بين حينٍ وآخر - بقرارٍ وقوةٍ من سلطانٍ فعَّالٍ متعالٍ، عظيمٍ ذي جلال، لا يزال يكتب على لوح عالَم الجوِّ بحكمةٍ، ويمحو بالإعفاء، ويجعل منه لوحَ محوٍ وإثبات، وصورةَ قيامةٍ وحشر.
ولا شكَّ أيضًا أن هذا السحاب يَركب متنَ الرياح بتدبيرِ مُدبِّرٍ حكيمٍ في غاية اللطف والإحسان، وفي غاية الربوبية والكرم، يركَبها وهو يُقِلُّ خزائنَ مطرٍ أمثالَ الجبال، فيُغيثُ بها الأماكنَ المحتاجة، كأنه يَرِقُّ لحالها فيبكي بعيونٍ دامعةٍ، ويرسُم البسمة بالأزاهير، ويُلطِّف لَفْحَ الشمس، ويرُشُّ الماء على البساتين كأنه إسفنجة، ويغسِل وجه الأرض وينظِّفه.
ثم إن هذا المسافرَ المُحِبَّ للاستطلاع قال لعقله:
بالرغم من أن هذا الهواء جمادٌ لا حياة فيه ولا شعور، وبالرغم من أنه على الدوام مَوَّارٌ بلا قرار، عاصفٌ متقلِّبٌ بلا هدفٍ ولا ثبات، إلا أنه بصورته الظاهرية ينطوي على مئاتِ آلافِ الأعمال المُتْقَنة والإحساناتِ والإمداداتِ الحكيمة الرحيمة التي تأتي بواسطته إلى الوجود، مما يُثْبِتُ بالبداهة أن هذا الخادم الجوَّال وهذه الرياح الموَّارة لا حركةَ لها من تلقاء نفسها، وإنما تتحركُ بأمرِ آمرٍ في غاية العلم والقدرة، وغايةِ الكرم والحكمة؛ حتى كأن كل ذرَّةٍ من ذراتها جنديٌّ يعرِف كلَّ عملٍ يُناط به،
— 371 —
ويَسمعُ ويَفهمُ جميعَ أوامرِ هذا الآمر؛ فتطيع كلَّ أمرٍ ربانيٍّ جارٍ في الهواء من تنفُّسِ جميع الحيوانات وإعاشتها، وتلقيحِ النباتات ونموِّها، وتأمينِ الموادِّ اللازمةِ لحياتها، وتصريف السُّحُب وإدارتِها، وتسييرِ السفنِ بلا وقودٍ وجريانِها، وإيصالِ الأصوات، خصوصًا إيصال الأحاديث عبر المذياع والتلغراف والهواتف اللاسلكية، ونحوِ هذه الخدمات وغيرها من الخدمات العامَّة الكلِّیيَّة؛ ومع أن ذرَّاتِ الهواء متماثلةٌ تتألف من مادَّتَين بسيطتين كالآزوت ومولِّد الحموضة "الأوكسجين"، إلا أنني أراها تُستَخدَم من قِبَل يَدِ حكمةٍ بكمالِ الانتظام في مئاتِ الآلاف من أنماط الأعمال الربانية على وجه الأرض.
فحَكَم السائح قائلًا: إن مَن يَستعمل الرياح تصريفًا في خدماتٍ ربانيةٍ لا حَدَّ لها؛ ومَن يَستخدم السَّحاب تسخيرًا في شؤونٍ رحمانيةٍ لا حدَّ لها؛ ومَن أوجد الهواء على تلك الصورة؛ كما صرَّحت الآية: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ليس إلا الربُّ الواجبُ الوجود، القادرُ على كلِّ شيء، العالِمُ بكلِّ شيء، ذو الجلال والإكرام.
ثم نظر إلى المطر فرأى فيه منافع بعدد حباته، وجَلواتٍ رحمانيةً بعدد قطراته، وحِكَمًا بمقدار رشحاته؛
ورأى هذه القطرات الجميلة اللطيفة المباركة تُخلَقُ ببالغِ الانتظام والجمال، وتُرسَل وتَهطِل بميزانٍ وانتظامٍ عجيبين - خصوصًا البَیرَدَ الذي يأتي في الصيف - بحيث لا يمكن أن تُخِلَّ بهذا الميزان والانتظام الرياحُ العاتيةُ ذات الأعاصير التي تتصادم لشدتها الأشياءُ الضخمة، بل لا يمكنها أن تُصادم بين قطراته فتَجمع بينها وتؤلِّفَ منها كُتَلًا تُخلِّف الأضرار.
ورأى هذا الماءَ المركَّب من مادَّتين بسيطتَين جامدتَين لا شعور لهما - هما مُولِّد الماء ومولِّد الحموضة، أي الهيدروجين والأوكسجين - يُستَعْمَل في أعمالٍ بالغةِ الحكمة خصوصًا للأحياء، ويُسْتَخدَم في مئاتِ آلافِ الخدمات والصنائع الحكيمة الشُّعوريَّة المختلفة.
— 372 —
إذًا، فهذا المطر الذي هو بذاته رحمةٌ مجسَّمة، لا يُصنَع إلا في خزينةِ الرحمة الغيبية للرحمن الرحيم؛ وبنزوله يفسِّرُ الآيةَ: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ تفسيرًا عمليًّا.
ثم استمعَ إلى الرعد، ونظر إلى البرق، فرأى هاتين الحادثتَين الجويَّتَين العجيبتَين تُفسِّران تمامًا الآيتين: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، و: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ تفسيرًا عمليًّا، وتُخبران فضلًا عن ذلك بقدوم المطر وتُبشِّران به المحتاجين.
أجل، إنَّ إنطاقَ الجو فجأةً بِدَوِيٍّ هادرٍ من لا شيء، وتبديدَ ظلمته بضوءٍ باهرٍ من نورٍ ونار، وإشعالَ سُحُبٍ أمثالِ جبالٍ من قطنٍ هي بمثابةِ مِضخَّاتِ ماءٍ وثلجٍ وبَرَد، ونحوَ هذه الوضعيَّات الغريبة الحكيمة، لَتَقْرَعُ رأسَ الإنسان الغافل المُكِبِّ على وجهه وتقول له مُنبِّهةً: اِرفع رأسك، اُنظر إلى عجائب ذلك الفعَّال القدير الذي يريدُ أن يعرِّفِ نفسَه، فكما أنك لستَ سدًى، فكذلك هذه الحوادث لا يمكن أن تكون سدًى، بل كلُّ واحدةٍ منها تؤدي وظائفَ ذات حِكَمٍ جمَّة، وتُستَخدَم من قِبَلِ مدبِّرٍ حكيم.
وهكذا سمِعَ هذا المسافرُ الشَّغوف شهادةَ حقيقةٍ ساميةٍ جليَّةٍ في الجو، تركَّبتْ من تسخيرِ السَّحَاب وتصريفِ الرياح وتنزيل المطر وتدبيرِ الحادثات الجوية، فقال: آمنتُ باللّٰه.
وتُعبِّرُ فقرةُ المرتبةِ الثانية من المقام الأول عن مشاهداتِ هذا المسافر فيما يتعلق بالجو، فتقول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده الجوُّ بجميعِ ما فيه، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والتصريفِ والتنزيلِ والتدبيرِ الواسعةِ المُكَمَّلةِ بالمشاهدة.
(حاشية): تنبيه: كنتُ أريدُ أن أوضِّح بقدرٍ ما مراتبَ التوحيد الثلاث والثلاثين التي مرَّتْ في المقام الأول، لكنني اضطُرِرْتُ للاكتفاء ببراهينها المختصرة جدًّا وبمجرد ترجمتها بسبب وضعي الصحي وعدم سماح حالتي؛ ولما كانت ثلاثون رسالةً من رسائل النور، بل مئةٌ منها، قد بَيَّنتْ - كلٌّ على حِدَةٍ - قسمًا من تلك المراتب الثلاث والثلاثين مع دلائلها بأساليب مختلفة، فإنَّ التفصيلَ يُحالُ عليها.
— 373 —
ثم إن كرةَ الأرضِ خاطبتْ بلسانِ حالها هذا المسافر المتفكِّر الذي أَلِفَ السياحةَ الفكرية، فقالت له: ما تَجْوالُك في السماء، وفي الفضاء وفي الهواء؟ تعالَ، سأُعَرِّفُكَ بمن تبحثُ عنه، شاهِد وظائفي، واقرأ صحائفي.
فنظرَ، فرآها تُشبِه مَولَويًّا مجذوبًا تَخُطُّ بحركتَيْها في أطرافِ ميدانِ الحشرِ الأعظمِ دائرةً يَنتُج عنها حصولُ الأيام والفصول والسنين.
ورآها سفينةً ربَّانيَّةً مَهِيْبَةً مُسَخَّرةً تَحمِل على متنها مئةَ ألفِ نوعٍ من ذوي الحياة بجميع أرزاقهم ولوازمهم، وهي تَمْخُر بهم عُبابَ الفضاء بكمال التوازن والنظام، وتطوف في سياحةٍ حول الشمس.
ثم نظر في صحائفها فرأى كلَّ صحيفةٍ من صُحُف أبوابها تُعرِّف ربَّ الأرض بآلاف الآيات، ولكنه لم يجد وقتًا ليطالعها جميعًا، فنظر في صحيفةٍ منها فحسب، وهي صحيفةُ إيجادِ وإدارةِ ذوي الحياة في فصل الربيع؛ فشاهد صورَ أفرادٍ لا حدَّ لها من مئةِ ألفِ نوعٍ تُفتَح من مادةٍ بسيطةٍ فتحًا بغاية الانتظام؛ وتُربَّى بغايةِ الرحمة؛ وتُعطَى بذورُ بعضِها جُنَيحاتٍ رقيقةً بغاية الإعجاز فتطير وتَنتشر؛ وتُدارُ بغايةِ التدبير؛ وتُطعَمُ ويُعتنى بها بغايةِ الشفقة؛ وتُمَدُّ بأرزاقها الطيِّبة اللذيذة المتنوعة اللامحدودة إمدادًا بغايةِ الرحمة والرزَّاقية، فتصِلها من العدم ومن التراب اليابس، ومن قطرات الماء، ومن بذورٍ، ومن جذورٍ كالعظام متشابهةٍ لا تختلف فيما بينها إلا قليلًا.
كما شاهد أن كلَّ ربيعٍ يشبه قاطرةً تحوي مئةَ ألفِ نوعٍ من الأطعمة واللوازم، تُحمَّل من خزينةِ الغيب بكمال الانتظام، وتُرسَلُ لذوي الحياة بمنتهى النظام؛ لا سيما إرسال الحليب المُحلَّى المحفوظ المرسَل للصغار غذاءً في معلَّبات، مُعلَّقةً مَدافِقُه في صدورِ الوالدات المُشفقات.
فكلُّ ذلك يُظهِر عظيمَ الشفقة والرحمة والحكمة، ويثبِت بالبداهة أنه جَلْوةُ رحمةٍ وإحسانٍ من رحمٰنٍ رحيمٍ في غاية الشفقة والتربية.
— 374 —
والحاصل: إن هذه الصحيفة الحياتية الربيعية إذْ تُظهِر مئاتِ آلافِ نماذجِ الحشر الأعظم وأمثلتِه، تُفسِّر الآيةَ التاليةَ تفسيرًا عمليًّا باهرًا: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وإن هذه الآية بدورها تعبِّر تعبيرًا مُعجِزًا عن معاني هذه الصحيفة.
فوعى ما تُردِّده الأرض بجميع صحائفها وبمقدارِ عِظَمِها وقوَّتها إذْ تقول: لا إلٰه إلا هو.
ولقد ذُكِرتْ شهادةٌ مختصرةٌ لوجهٍ واحدٍ من عشرينَ وجهًا، في صحيفةٍ واحدةٍ من صُحُفِ كرة الأرض العظيمةِ التي تَربو على عشرين، للتعبير عن مشاهداتِ هذا المسافر وعن معناها في سائر الوجوه والصحائف، فجاء في المرتبةِ الثالثة من المقام الأول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الذي دَلَّ على وجوب وجوده في وَحدته الأرضُ بجميع ما فيها وما عليها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والتدبيرِ والتربيةِ والفَتَّاحيَّةِ، وتوزيعِ البذورِ والمحافَظةِ والإدارةِ والإعاشةِ لجميعِ ذوي الحياة، والرحمانيَّةِ والرحيميَّةِ العامَّة الشاملةِ المكمَّلةِ بالمشاهدة.
ثم إن هذا المسافر المتفكِّر صار كلما قرأ صحيفةً قَوِيَ إيمانُه الذي هو مفتاحُ السعادة، وزادت معرفتُه التي هي مفتاحُ الترقِّيات المعنوية، وتبدَّتْ له درجةٌ أخرى من حقيقةِ الإيمان باللّٰه التي هي أساسُ جميع الكمالات وأصلُها؛ فنال لذائذَ وأذواقًا معنويةً جَمَّةً أثارتْ شغفَه بشدة؛ ولهذا فإنه برغم الدروس الباهرة القطعيَّةَ التي سمِعها من السماءِ والجوِّ والأرضِ أخذ يردِّد: هل من مزيد؟ فسَمِع من البحار والأنهارِ العظيمةِ أصواتَها الحزينة العذبة، وأذكارَها بهديرٍ ووجدٍ، تقول بلسان الحال والمقال: اُنظُرْ إلينا واقرأْنا نحنُ أيضًا.
فنظر، فرأى البحارَ مع أنها مائجةٌ موَّارةٌ بالحياة على الدوام، ومع أن من شأنها خِلقةً الانسكابَ والانسياحَ والاجتياحَ، ومع أنها قد أحاطت بالأرض فأُجرِيتا معًا في
— 375 —
دائرةٍ مقدارها خمسٌ وعشرون ألف سنة، تقطعُها الأرضُ في سنةٍ واحدةٍ بغاية السرعة؛ إلا أن البحار مع هذا لا تسيح ولا تنسكب ولا تطغى على جارتها اليابسة؛ ما يعني أنها تتحرَّك وتَسكُن وتُحفَظُ بأمرِ وقوةِ مَن له مُطلَقُ العظمة والقدرة.
ثم نظر إلى ما في جوف البحار فرأى جواهر بغايةِ الجمال والزينة والإتقان، ورأى فضلًا عن ذلك انتظامًا عظيمًا في إعاشةِ آلافِ أنواع الحيوانات وإدارتها، وتولُّداتِها ووَفَيَاتِها، وكمالًا بديعًا في تأمين أرزاقها ومخصَّصاتها من خلالِ رملٍ بسيطٍ وماءٍ أُجاج، ما يُثْبِتُ بالبداهة أنها إدارةٌ وإعاشةٌ من قديرٍ ذي جلال، رحيمٍ ذي جمال.
ثم نظر الضيفُ إلى الأنهار، فرأى منافعها ووظائفها ووارداتها وصَرْفِيَّاتها على قَدْرٍ عظيمٍ من الحكمة والرحمة، بحيث تُثْبتُ بداهةً أن جميع الجداول والعيون والغُدران والأنهار الكبيرة إنما تنبع وتجري من خزينةِ رحمةِ الرحمٰن ذي الجلال والإكرام؛ بل تُدَّخَر وتُصْرَف بنحوٍ يفوق المألوف حتى رُوي أن "أربعة أنهارٍ تجري من الجنة"، بمعنى أن هذه الأنهار لكونها فوق الأسباب الظاهرة بكثير، لا بدَّ أنها تنبُعُ من خزينةِ جنةٍ معنوية، وتجري من فيضِ منبعٍ غيبيٍ لا يَنضُب.
فمثلًا النيلُ المبارَكُ الذي حوَّل صحراء مصر إلى جنة، ينبع من الجنوب من جبلٍ يدعى "جبل القمر"، ويجري بلا انقطاعٍ كبحرٍ صغير، فلو أن صَرْفيَّاته في ستة أشهرٍ جُمِعتْ وجُمِّدتْ لكانت أعظم من ذلك الجبل، مع أن حيِّزَها منه ومخزنها فيه لا يبلغان سُدُسَه!
أما وارداته فلا يُخزَن في مخازنه إلا اليسيرُ من مياه الأمطار، لشحِّها في تلك المنطقة الحارة، ولشدة عطش أراضيها التي سُرعان ما تمتصُّ الماء؛ فلا يمكن للمطر البتَّةَ أن يحافظ على ذلك التوازن الواسع بين الواردات والصَّرْفيَّات؛ ولهذا فإن الرواية التي تفيد أن النيل المبارك ينبع من جنةٍ غيبيةٍ فوق العادات الأرضيَّة تُعبِّرُ عن حقيقةٍ في غايةِ المعنى والجمال.
وهكذا رأى من البحار والأنهار شهادةً واحدةً وحقيقةً واحدةً من بين آلاف الشهادات والحقائق العظيمة كالبحار؛ ووعى أن عمومها يُردِّدُ بالإجماع وبقوةِ
— 376 —
عِظَمِ البحار: لا إلٰه إلا هو، وأنها تُبرِز على هذه الشهادة شهودًا بعدد مخلوقات البحار.
وتعبيرًا عن معنى شهاداتِ البحار والأنهار ذُكِر في المرتبة الرابعة من المقام الأول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته جميعُ البحارِ والأنهار بجميعِ ما فيها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والمحافظةِ والادِّخارِ والإدارة الواسعةِ المنتظَمةِ بالمشاهدة.
ثم إن الجبال والصحارى نادَتْ ذلك المسافر المستغرق في السياحة الفكرية، فقالت له: اقرأ صحائفَنا أيضًا؛ فنظر، فرأى أن وظائفَ الجبال الكُليَّةَ وخدماتها العموميَّةَ قد بلغَتْ من العَظَمةِ والحكمةِ ما يُحيِّر العقول.
منها مثلًا أن الجبال برزتْ من الأرض بأمرٍ رباني، فسكَّنتْ حِدَّتَها وغضبَها وهيجانَها الناشئ من الانقلابات الداخلية في باطنها؛ وأنَّ الأرضَ تتنفَّس بثَوَران الجبال عبر منافذها، فتتخلَّص من الهزَّات والزلازل التي تُلحِق الأضرار، فلا تُفسِد راحةَ ساكنيها أثناء دورانها.
إذًا، فكما تُقامُ السفينة على الصَّواري لتحفظ توازنها وتقيَها من الاضطراب، فالجبالُ كذلك بهذا المعنى صَوارٍ ذاتُ خزائن لسفينةِ الأرض، كما يُعلِن ذلك القرآنُ المعجِزُ البيانِ في آياتٍ كثيرةٍ مثل: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا.
ومثلًا إن ما يوجد في باطن الجبال من أنواعِ الينابيع والمياه والمعادن والمواد والأدوية اللازمة لذوي الحياة، قد رُتِّب وادُّخِرَ وأُحضِرَ ببالغِ الحكمة والتدبير والكرم والاحتياط؛ بحيث تُثْبِتُ هذه الجبال بداهةً أنها خزائنُ ومستودعاتٌ وخَدَمٌ لقديرٍ لا نهايةَ لقدرته، حكيمٍ لا نهايةَ لحكمته.
عَقَلَ السائحُ هذا، ثم قاس على هاتين الجوهرَتَين سائرَ وظائفِ الجبال والصحارى وحِكَمِها العظيمة عَظَمَةَ الجبال، فوجدها بعموم حِكَمِها - خصوصًا من
— 377 —
جهةِ ادِّخاراتها الاحتياطية - توحِّدُ وتَشهَدُ قائلةً: لا إلٰه إلا هو، شهادةً وتوحيدًا بقوَّةِ الجبال وثباتها، وبِعِظَمِ الصحارى وسَعَتِها؛ فقال: آمنتُ باللّٰه.
وللتعبير عن هذا المعنى ذُكِر في المرتبة الخامسة من المقام الأول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده جميعُ الجبال والصحارى بجميعِ ما فيها وما عليها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الادِّخارِ والإدارةِ ونشرِ البذورِ والمحافظةِ والتدبيرِ، الاحتياطيَّةِ الربانيَّةِ الواسعةِ العامَّةِ المُنتَظَمةِ المُكَمَّلةِ بالمشاهدة.
ثم بينما كان المسافر يتجوَّل بفكره في الجبال والصحارى إذِ انفتح له بابُ عالَمِ الأشجار والنباتات، فدَعَتْهُ قائلةً: هلُمَّ تجوَّلْ في عالَمِنا، واقرأ سطورنا أيضًا؛ فدخل، فرأى مجلسَ توحيدٍ وتهليلٍ قد أُقيم بغايةِ الأُبَّهة، وحلقةَ ذِكرٍ وشُكرٍ قد شُكِّلتْ بغايةِ الزينة، ووعى من ألسنةِ أحوالِها كأنها تُردِّد معًا وبالإجماع: لا إلٰه إلا هو.
ذلك أنه رأى ثلاث حقائق كليَّةٍ كبرى تدلُّ وتشهَدُ على أن جميعَ النباتات والأشجار المثمرة تشهَد مُسَبِّحةً بألسنةِ أوراقِها الفصيحةِ الموزونة، وبأقوالِ أزهارِها الجَزْلةِ المزيَّنة، وبكلماتِ ثمراتِها البليغةِ المنتظَمة، فتقول: لا إلٰه إلا اللّٰه.
أُولاها: حقيقةُ ومعنى الإنعام والإكرام المقصودَين، والإحسانِ والامتنانِ الاختياريَّين؛ وهو أمرٌ ظاهرٌ فيها بأجلى صورة، فكما يُحَسُّ به في كلِّ فردٍ من أفرادها، يُشاهَدُ كذلك في مجموعها كالشمس في رابعة النهار.
ثانيتُها: التمييزُ والتفريقُ بحكمةٍ وقصدٍ، والتزيينُ والتصويرُ باختيارٍ ورحمةٍ؛ وهو أمرٌ لا يمكنُ إحالتُه على التصادف بأيِّ وجه، بل يُشاهَد حقيقةً ومعنًى فيما لا يُحَدُّ من الأنواع والأفراد واضحًا كالنهار، ويُظهِرُ أنها آثارُ صانعٍ حكيمٍ ونقوشُه.
ثالثتُها: فتحُ صُورِ مئاتِ آلافِ الأنواعِ من تلك المصنوعات اللامحدودة؛ كلٌّ بشكله وطِرازِه؛ بغايةِ الانتظام والميزان والزينة، من بذورٍ وحبَّاتٍ محدودةٍ معدودةٍ متماثلةٍ، بسيطةٍ جمادٍ، متطابقةٍ أو متشابهةٍ، مختلِطةٍ؛
— 378 —
ففَتْحُ صورِ جميعِ أنواعها البالغة مئتَي ألفٍ، وفَلْقُها كُلًّا على حِدَةٍ بتمايزٍ وانتظامٍ، وبموازنةٍ وحيويةٍ وحكمةٍ من غير خطأٍ ولا اختلاط، حقيقةٌ أسطع من الشمس، يُثْبِتُها شهودٌ بعددِ أزهار الربيع وأثمارِه وأوراقِه وموجوداتِه.
فلما علِم ذلك قال: الحمد للّٰه على نعمةِ الإيمان.
وقد عبَّرتِ المرتبةُ السادسة من المقام الأول عن معنى هذه الحقائق والشهادات، فذُكر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماعُ جميعِ أنواعِ الأشجارِ والنباتاتِ المُسبِّحاتِ الناطقاتِ بكلماتِ أوراقِها الموزوناتِ الفصيحاتِ، وأزهارِها المُزَيَّناتِ الجزيلات، وأثمارِها المُنْتظماتِ البليغاتِ، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الإنعام والإكرامِ والإحسانِ بقصدٍ ورحمةٍ، وحقيقةِ التمييزِ والتزيينِ والتصويرِ بإرادةٍ وحكمةٍ، مع قطعيَّةِ دلالةِ حقيقةِ فتحِ جميعِ صورها الموزوناتِ المُزيَّناتِ المتباينةِ المتنوِّعةِ غيرِ المحدودةِ من نَواتاتٍ وحباتٍ متماثلةٍ متشابهةٍ محصورةٍ معدودة.
ثم إن مسافر الدنيا الشَّغوفَ هذا المستغرقَ في السياحة الفكرية، والذي ازداد بالترقِّي ذَوقًا وشوقًا، بينما كان قادِمًا من حديقة الربيع يحمل باقةَ معرفةٍ وإيمانٍ بقدرِ الربيع، إِذِ انفتح لفكره التوَّاق إلى المعرفة ولعقله المشتاق إلى الحقيقة بابُ عالَمِ الحيوانات والطيور، فدَعَتْه بمئاتِ آلافِ الألسنةِ المختلفة والأصواتِ المتباينة قائلةً: هَلُمَّ إلينا.
فدخل، فرآها بجميع أنواعها وطوائفِها وأُمَمِها تُردِّد بالاتفاق وبلسان الحال والمقال: لا إلٰه إلا هو؛ جاعلةً وجهَ الأرض في هيئةِ رِباطِ ذكرٍ ومجلسِ تهليلٍ عظيم.
ورأى كلَّ واحدٍ منها يمثِّل بذاته قصيدةً ربانية، وكلمةً سُبحانيَّة، وحرفًا رحمانيًّا ذا معانٍ؛ فهو يَصِفُ صانعَه ويَحمَدُه ويُثْني عليه، حتى لَكأنَّ أحاسيسَ هذه الحيوانات والطيور وقُواها وأجهزتَها وأعضاءَها وآلاتِها كلماتٌ موزونةٌ منظومةٌ، وأقوالٌ بليغةٌ منتظَمَة.
— 379 —
وشاهد ثلاث حقائق عظيمةً محيطةً، دالَّةً دلالةً قطعيَّةً على شكرِها لخلَّاقها ورزَّاقها، وعلى شهادتِها له بالوحدانية بكلماتها وأقوالها:
أُولاها: حقيقةُ الإيجادِ من العدم بحكمةٍ، والإبداعِ بإتقانٍ، والخَلْقِ والإنشاءِ باختيارٍ وعِلْم، والإحياءِ ونفخِ الروحِ الذي يدلُّ على تجلِّي العلم والحكمة والإرادة بعشرينَ جهةً؛ وهي حقيقةٌ لا يمكن ردُّها بأيِّ جهةٍ إلى المصادفة العشواء، أو القوة العمياء، أو الطبيعة الصمَّاء؛ بل تَنهَضُ برهانًا باهرًا مؤلَّفًا من شهودٍ بعددِ ذوي الأرواح يَشهَد على وجوبِ وجودِ الذاتِ الحيِّ القيوم وصفاتِه السبع ووَحدتِه.
ثانيتُها: حقيقةُ التمييز والتزيين والتصوير العظيمةُ القويَّةُ المشاهَدةُ في هذه المصنوعات غيرِ المحدودة، إذ يمتاز أحدُها عن الآخر بعلامةٍ فارقةٍ، وشكلٍ مزيَّن، ووزنٍ مقدَّرٍ، وتصويرٍ منتظم؛ بحيثُ لا إمكان ولا احتمال لأن يكون صاحبُ هذا الفعلِ المحيطِ الذي يُجلِّي آلافَ العجائب والحِكم بكلِّ جهةٍ إلا من هو القادرُ على كلِّ شيء، العليمُ بكل شيء.
ثالثتُها: حقيقةُ فتحِ صُوَرِ ما لا يُحدُّ من الحيوانات بمئاتِ آلاف الأنواع من قطراتٍ تُسمَّى نطفةً، ومن بيوضٍ وبُوَيضاتٍ محصورةٍ محدودةٍ، متماثلةٍ أو متقاربةٍ أو متشابهةٍ، بماهيَّةٍ معجزةِ الحكمة، وعلى هيئةٍ في غاية الانتظام والموازنة من غير خطأ؛ وهي حقيقةٌ ساطعةٌ تُنوِّرها أدلةٌ وأسانيدُ بعدد الحيوانات.
وهكذا رأى المسافرُ وتَلقَّى الدرسَ تامًّا، أنه باتفاقِ هذه الحقائقِ الثلاثِ تُدلي جميعُ أنواعِ الحيواناتِ بشهادتها قائلةً: لا إلٰه إلا هو، بحيث إن الأرض تُردِّدُ بمقدارِ عَظَمتها وكأنها إنسانٌ هائل، وتُعلِن بماهيَّةٍ تُسمِعُ أهلَ السماوات: لا إلٰه إلا هو.
وقد عَبَّرَتْ عن معنى هذه الحقائقِ المذكورةِ المرتبةُ السابعةُ من المقام الأول، فذُكِرَ فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجودِه في وحدته اتفاقُ جميعِ أنواعِ الحيواناتِ والطيورِ الحامداتِ الشاهداتِ بكلماتِ حَواسِّها وقُواها وحِسِّيَّاتِها
— 380 —
ولطائفِها الموزوناتِ المنتَظماتِ الفصيحات، وبكلماتِ جهازاتها وجوارحِها وأعضائِها وآلاتِها المكمَّلةِ البليغات، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الإيجادِ والصنعِ والإبداعِ بالإرادة، وحقيقةِ التمييزِ والتزيينِ بالقصد، وحقيقةِ التقديرِ والتصويرِ بالحكمة، مع قطعيَّةِ دلالةِ حقيقةِ فتحِ جميعِ صورِها المنتَظَمةِ المتخالفةِ المتنوِّعةِ الغيرِ المحصورة من بيضاتٍ وقطراتٍ متماثلةٍ متشابهةٍ محصورةٍ محدودة.
ثم إن هذا المسافر المتفكر أراد الدخول إلى عالَم الإنسان ودنيا البشر، كي يمضي قُدُمًا في مراتب المعرفة الإلٰهية التي لا تُحَدّ، وفي أذواقها وأنوارها التي لا تتناهى، فدعاه أولَ مَن دعاه الأنبياء.
فدخل، ونظر أولًا في منازل الزمان الماضي، فرأى جميع الأنبياء عليهم السلام، وهم أكملُ البشر وأنورُهم، يذكرون مردِّدين معًا وبالإجماع: لا إلٰه إلا هو؛ ويُعلنون دعوى التوحيد بقوةِ معجزاتهم الساطعة المصدَّقة اللامحدودة، ويعلِّمون البشر بدعوتهم إلى الإيمان باللّٰه، ليرفعوهم من مرتبةِ الحيوانية إلى درجةِ الملَكيَّة.
فجثا على ركبتيه في هذه المدرسة النُّورانية ليتلقى الدرس من أساتيذها الذين هم أشهرُ مشاهير الإنسانية وأسمى أفرادها، فرأى في يدِ كلِّ واحدٍ منهم معجزاتٍ هي علاماتُ تصديقٍ أهداهم إياها خالقُ الكون، ورأى أنه قد صدَّقتْ بإخبارِ كلِّ واحدٍ منهم أمةٌ وطائفةٌ عظيمةٌ من البشر ودخلتْ في الإيمان، وعندئذٍ أمكنه أن يقدِّرَ مبلغَ القوَّةِ والقطعيَّةِ الذي تحظى به حقيقةٌ اتفقَ على تصديقها وأجمعَ على الحُكم بها مئةُ ألفٍ من هؤلاء السادة الكِرام الأجلَّاء الصادقين.
وأدرك عِظَمَ الجنايةِ والخطيئةِ غيرِ المحدودة التي اقترفها أهلُ الضلالةِ بإنكارهم حقيقةً أثبتَها ووقَّعَ عليها هؤلاء المخبِرون الصادقون بمعجزاتهم غيرِ المحدودة، كما أدرك شدةَ استحقاقهم لعذابٍ غير محدود؛ وعلِمَ عِظَمَ الحقِّ والحقيقةِ التي بلغها الذين آمنوا بهم وصدَّقوهم.
وتَبَدَّتْ له مرتبةٌ أخرى عظيمةٌ من مراتبِ قدسيَّةِ الإيمان.
— 381 —
أجل، فإن إجماعَ هؤلاء المخبرين الجادِّين - أعني الأنبياء عليهم السلام - وتواترَهم واتفاقَهم في المسائل المُثْبَتة؛ وتَوافقَهم وتَسانُدَهم وتَطابُقَهم في الإثبات؛ فضلًا عن معجزاتهم التي لا تُحَدُّ، والتي تُمثِّلُ تصديقًا فعليًّا لهم من قبلِ الحقِّ سبحانه؛ والصفعاتِ السماوية الكثيرة النازلة بمعارضيهم المُظهِرةِ لحقَّانيَّتهم؛ وكمالاتِهم الشخصية الدالَّة على أنهم حق؛ وتعاليمِهم المطابقة للحقيقة؛ وقوةِ إيمانهم الشاهدة لصدقهم، وجِدَّيتِهم التامة وتضحياتِهم، وما بأيديهم من الصُحُفِ والكتبِ القدسية؛ إضافةً لما لا يُحَدُّ من تلاميذهم الواصلين باتباعهم إلى الحقيقة والكمالات والنور، الشاهدين بأن طريقهم حقٌّ وصواب؛ إنما يمثِّل قوَّةً لا تواجهها أيَّةُ قوةٍ في الدنيا، ويَنهَضُ حُجَّةً لا تُبقي من التردُّد والشبهة شيئًا.
وفَهِم أن دخول التصديق بعموم الأنبياء في أركان الإيمان منبعُ قوةٍ عظمى، ونال من دروسهم إمداداتٍ وبركاتٍ إيمانيَّةً جمَّة.
وهكذا عَبَّرتِ المرتبةُ الثامنة من المقام الأول عن معنى درسِ المسافر المذكور هذا، فذُكِرَ فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماعُ جميع الأنبياءِ بقوَّةِ معجزاتهم الباهرةِ المُصدِّقةِ المصدَّقة.
ثم إن هذا السَّياحَ الطالبَ الذي نال من قوَّةِ الإيمان لذةً عُلويةً سامية، بينما كان قادمًا من مجلس الأنبياء عليهم السلام، إذْ دعاه مَن يُسَمَّون بالأصفياء والصِّدِّيقين، وهم العلماء المتبحِّرون المجتهدون المحقِّقون، الذين أثبتوا دعاوى الأنبياء عليهم السلام بالأدلة القويَّة القطعيَّة بصورةِ علم اليقين، دعَوْه إلى مدرستهم.
فدخل، فرأى آلافَ العباقرة والجهابذة، ومئاتِ آلافِ المدقِّقين وأهلِ التحقيق العالي، يُثبِتون المسائلَ الإيمانية المُثْبَتة، ويبرهنون عليها بتدقيقاتهم العميقةِ التي لا تدَعُ مقدارَ ذرةٍ من شبهة، وفي مقدمة هذه المسائل: وجوبُ الوجود والوَحدة.
أجل، إن اتفاق هؤلاء في الأصول والأركان الإيمانية بالرغم من اختلاف
— 382 —
استعداداتهم ومسالكهم، واستنادَ كلِّ واحدٍ منهم إلى براهينه القوية اليقينية لَحُجَّةٌ عظيمةٌ لا يمكن معارضتها إلا ممن عساه - إن وُجِد - أن يكون له مثلُ مجموع ذكائهم ودِرَايتهم، وبرهانٌ يضاهي عموم براهينهم؛ وإلا فليس بمقدور المنكِرين أن يواجِهوا بشيءٍ سوى الجهالة والأجهليَّة والإنكار في صورة العِناد والمكابرة في المسائل المنفيَّة التي لا يمكن إثباتها، ومن يُغمِض عينيه يجعل لنفسه النهارَ ليلًا فحسْب.
وعَلِمَ هذا السَّيَّاح أن الأنوار التي نشرها أساتذةُ هذه المدرسة الواسعة المهيبة وعلماؤها الأجلَّاء المتبحِّرون، قد أضاءتْ شطرَ المعمورة منذُ أكثر من ألف سنة، ووجدَ في نفسه من القوَّة المعنوية ما لو اجتمع عليه أهلُ الإنكار طُرًّا ما استطاعوا أن يُضِلُّوه أو يُزحزِحوه ولو مقدارَ شعرة.
وهكذا أشارت المرتبةُ التاسعةُ من المقام الأول بإيجازٍ إلى الدرس الذي تلقَّاه المسافر من هذه المدرسة، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وحدته اتفاقُ جميع الأصفياء بقوَّةِ براهينهم الظاهرةِ المحقَّقة المتَّفِقة.
ثم إن هذا المسافر المتفكِّر، التَّوَّاق لمعاينةِ الأذواقِ والأنوارِ الكامنةِ في زيادةِ قوة الإيمان، وفي الترقي والسُّموِّ به من درجة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، بينما كان قادمًا من تلك المدرسة، إذْ دعاه الألوف بل الملايين من المرشدين القدسيين الساعين إلى الحقيقة على الجادَّة المحمَّديَّة الكبرى، الواصلين إلى الحق، البالغين عينَ اليقين، في ظلِّ المعراج الأحمديِّ - على صاحبهما الصلاة والسلام - دعَوه إلى رِحابِ زاويةِ إرشادٍ ومجلسِ ذكرٍ ورِباطٍ وتَكْيَةٍ قد بلغت الغاية في الفيوضات والأنوار، واتسَعَتْ سَعَةَ الصحارى بتلاحُقِ ما لا يُحَدّ من التكايا والزوايا الصغيرة.
فدخل، فرأى المرشدين من أهل الكشف والكرامات يعلنون للكائنات وجوبَ الوجود والوَحدةَ الربانية مردِّدين بالاتفاق والإجماع: لا إلٰه إلا هو؛ استنادًا لكشفياتهم ومشاهداتهم وكراماتهم.
— 383 —
وكما تُعرَف الشمس بواسطةِ ألوانِ ضيائها السبعة، فقد شاهَدَ بعلمِ اليقين شدةَ ظهور وسطوع الحقيقةِ التي وقَّع عليها بالاتفاق والإجماع هؤلاء العباقرة القدسيُّون، والعارفون النورانيُّون، الموجودون في الطُّرُقِ الحقيقية المتغايرة، والمسالكِ القويمة المختلفة، والمشاربِ الحقِّ المتنوِّعة، ألوانًا وضَّاءةً متباينة، وأطيافًا نيِّرةً متعددة، تتجلَّى من ضياءِ الشمسِ الأزلي بسبعين لونًا، بل بعدد الأسماء الحسنى.
ورأى إجماعَ الأنبياء عليهم السلام، واتفاقَ الأصفياء، وتوافُقَ الأولياء، واتفاقَ هذه الإجماعات الثلاثة معًا، أسطعَ من ضياء النهار الدالِّ على الشمس.
وهكذا أشارت المرتبةُ العاشرةُ من المقام الأول إشارةً موجزةً إلى الفيضِ الذي ناله هذا الضيف من التَكْيَة، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماعُ الأولياء بكشفيَّاتهم وكراماتِهم الظاهرةِ المحقَّقة المصدَّقة.
ثم إن سيَّاحَ الدنيا هذا الذي عَرَف أنَّ أهمَّ الكمالات الإنسانية وأعظمَها، بل منبعَها وأساسَها إنما هي محبةُ اللّٰه الناشئةُ من معرفته والإيمانِ به، رفع رأسَه ونظر إلى السماوات مبتغيًا - بكل قواه ولطائفه - مزيدًا من الرقي في قوةِ الإيمان ورسوخِ المعرفة، فقال مخاطبًا عقلَه:
بما أن أثمنَ ما في الكون: الحياة، وموجوداتُ الكون مُسَخَّرةٌ لها..
وبما أن أثمنَ ذوي الحياة ذوو الأرواح..
وبما أن أثمن ذوي الأرواح ذوو الشعور..
وبما أن الكرة الأرضية - لأجل هذه القيمة - تُملأ وتُخلى على الدوام في كل سنةٍ وفي كلِّ قرنٍ، تكثيرًا لذوي الحياة..
فلا بدَّ إذًا أنْ يكون لهذه السماوات المَهيبة المزيَّنة أيضًا أهلُها وسُكَّانُها المناسبون لها من ذوي الحياة وذوي الأرواح وذوي الشعور؛ فقد نُقِلتْ منذ القديم
— 384 —
رواياتٌ بدرجة التواتر عن حوادثِ رؤيةِ الملائكة ومكالمتهم، كحادثةِ تَمَثُّلِ جبريل عليه السلام ورؤية الصحابة له في مجلس النبي (ص)؛ فيا ليتني أحظى بلقاء أهل السماوات فأعرفَ بمَ يفكرون، إذْ إنَّ أهمَّ قولٍ بحقِّ خالقِ الكون قولُهم؛وبينما هو مستغرقٌ في تفكيره هذا إذْ سَمِع صوتًا سماويًّا يقول له:
ما دمتَ تريد لقاءنا والإصغاء لدرسنا فاعلَمْ إذًا أننا أولُ من آمنَ بالمسائل الإيمانية التي جاءتْ بواسطتنا إلى جميع الأنبياء عليهم السلام، وفي مقدمتهم محمدٌ (ص) عبر القرآن المعجز البيان.
وأنَّ جميع الأرواح الطيِّبةِ منا المتمثِّلةِ المرئيَّةِ للناس، تَشهد بالاتفاق بلا استثناء على وجوبِ وجودِ خالقِ هذا الكون ووَحدتِه وصفاتِه القدسيَّة؛ وقد أخبرتْ بذلك إخباراتٍ يوافق كلُّ واحدٍ منها الآخر ويطابقه؛ فتوافُقُ هذه الإخبارات التي لا تُحَدُّ وتطابقُها دليلٌ لك كالشمس.
فعرَف قولَهم هذا، وسطع نورُ إيمانه حتى بلغَ السماوات.
وهكذا أشارت المرتبةُ الحاديةَ عشرةَ من المقام الأول إشارةً موجزةً إلى الدرس الذي تلقَّاه هذا المسافر من الملائكة، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته اتفاقُ الملائكةِ المتمَثِّلين لأنظار الناسِ، والمتكلِّمين مع خواصِّ البشر، بإخباراتهم المتطابقة المتوافقة.
ثم إن هذا الضيف الشَّغوف المتلهِّف بعد أن تلقى الدرسَ في عالَم الشهادةِ بجهةٍ ماديّةٍ وجسمانيّةٍ من طوائفَ مخصوصةٍ بلُغاتِها وألسنةِ أحوالها، رغِبَ في السياحة والمطالعة وطلبِ الحقيقة في عالَم الغيبِ وعالَم البرزخ؛ فانفتح له بابُ العقولِ المستقيمة المنوَّرة والقلوبِ السليمة النورانيَّة، التي لا تخلو منها طائفةٌ من طوائف البشر، والتي هي بمثابةِ نواةٍ للإنسانِ ثمرةِ الكون، والتي يمكنها برغم صِغَرها أن تنبسِطَ معنًى بقدر الكون.
— 385 —
فنظر، فرأى أنها برازخُ إنسانيةٌ بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة، وأنها - بالنسبة إلى الإنسان - نقاطُ التَّماسِّ والمعاملة بين كِلا العالَمَين، فقال لعقله وقلبه: تعالَيا، فالطريق المؤدي إلى الحقيقة من باب أمثالكما أقصر؛ وعلينا أن نستفيد الدرسَ هنا لا كما تلقَّيناه من ألسنة الطُّرق الأخرى، بل بمطالعةِ أوصافِ العقول والقلوب وكيفياتِها وألوانِها من حيث الإيمان.
وأخذ يقرأ، فرأى جميعَ العقولِ المستقيمةِ المنوَّرةِ، المختلِفةِ غايةَ الاختلاف استعداداتُها، المُتخالِفةِ المتباعدةِ مذاهبُها، تتوافق اعتقاداتُها في الإيمان والتوحيد بكمالِ التحقق والرسوخ، وتتطابق يقينياتُها وقناعاتُها بثباتٍ واطمئنان؛ ما يعني أنها مرتبطةٌ ومستندةٌ إلى حقيقةٍ لا تتبدَّل، وضاربةٌ في حقيقةٍ متينةٍ بجذورٍ لا تُقتَلَع؛ وعلى هذا فإجماع هذه العقول على نقطة الإيمان والوجوب والتوحيد هو سلسلةٌ نورانيةٌ لا تنقطع، ونافذةٌ مُشْرِقةٌ تُطِلُّ على الحقيقة.
ورأى كذلك جميعَ القلوب السليمة النورانيَّة، المتباينةِ مشاربُها، المتباعِدةِ مسالكُها، تتطابق في التوحيد، وتتوافقُ في الأركان الإيمانية مشاهداتُها وكشفيَّاتُها باتفاقٍ واطمئنانٍ وانجذاب؛ ما يعني أن هذه القلوب النورانيَّةَ المقابِلةَ للحقيقة، الواصلةَ إليها، المتمثِّلةَ لها، والتي كلُّ واحدٍ منها عرشُ معرفةٍ ربَّانيَّةٍ مُصغَّر، ومرآةٌ صمدانيَّةٌ جامعة، إنما هي نوافذُ مُشرَعةٌ على شمس الحقيقة، وأنها بمجموعها مرآةٌ عظمى - أشبه ببحرٍ - تعكس تلك الشمس.
وفهم أن اتفاقَها وإجماعَها على وجوب الوجود والوَحدة مرشدٌ أكبر ودليلٌ أكمل لا يَضِلُّ ولا يُضِلّ؛ بحيث لا إمكان ولا احتمال بأيَّةِ جهةٍ أن يَخدعَ وهمٌ باطلٌ أو فكرٌ لا حقيقة له أو صفةٌ لا أصل لها عمومَ هذه الأنظار الحادة العظيمة المستمرَّة الراسخة أو يوقعها في حسٍّ غلطٍ؛ وفهم أن العقل الفاسد السقيم الذي يقبل احتمالًا كهذا هو عقلٌ يردُّه ويرفضُه حتى السوفسطائيون الحمقى المنكرون للموجودات.
فقال بعقله وقلبه معًا: آمنتُ باللّٰه.
— 386 —
وهكذا أشارت المرتبتان الثانية عشرة والثالثة عشرة من المقام الأول بإيجازٍ إلى المعرفة الإيمانية التي استفادها هذا المسافر من العقول المستقيمة والقلوب المنوَّرة، فذُكِر فيهما:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الذي دلَّ على وجوب وجوده في وَحدته إجماعُ العقول المستقيمةِ المنوَّرةِ باعتقاداتها المتوافقة، وبقناعاتها ويقينيَّاتها المتطابقة، مع تخالُفِ الاستعدادات والمذاهب؛ وكذا دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته اتفاقُ القلوب السليمة النورانيَّة، بكشفيَّاتها المتطابقة، وبمشاهداتها المتوافقة، مع تبايُن المسالك والمشارب.
ثم إن هذا المسافرَ السائحَ في العقل والقلب، الناظرَ إلى عالَم الغيب عن قُرْب، طرَقَ بابَ هذا العالَم بلهفةٍ متسائلًا: وماذا يقول عالَم الغيب يا تُرى؟
أي: ما دام يُفهَمُ بالبداهةِ وجودُ ذاتٍ خلفَ حجاب الغيب يريدُ أن يُعرِّفَ نفسَه في عالَم الشهادة الجسمانيِّ بما لا يُحَدُّ من مصنوعاته المتقَنةِ المرصَّعة، ويريد أن يتحبَّبَ بما لا يتناهى من نِعَمِه الجميلة المزيَّنة، ويريد أن يُخبِرَ عن كمالاته الخفيَّة بما لا يُحصى من آثاره المعجِزة البديعة.. يريد ذلك كلَّه ويُعلِن عن نفسه بالأفعال ولسانِ الحال إعلانًا أظهَرَ من التكلُّم والمقال؛ فلا بُدَّ أنه يُعرِّف نفسَه ويتحبَّب ويتكلَّمُ قولًا وتكلُّمًا، مثلما عرَّف نفسَه وتحبَّب وتكلَّمَ فعلًا وحالًا؛ وما دام الأمر كذلك فينبغي علينا أن نَعرِفه من ظُهوراته في عالَم الغيب.
فدخل قلبُه إلى ذلك العالَم، ورأى بعينِ عقلِه حقيقةَ الوحي تهيمن في كلِّ آنٍ على جميع أطراف عالَم الغيب بظُهوراتٍ في غاية القوة؛ ورأى أنه تأتي من قِبَل علَّامِ الغيوب عبر حقائقِ الوحي والإلهام شهادةٌ على وجوده ووحدته سبحانه أقوى بكثيرٍ من شهادات الكون والمخلوقات؛ إذْ لا يَترك ذاتَه ووجودَه ووَحدتَه لشهاداتِ مصنوعاته وحدَها، بل يتكلَّم بكلامٍ أزليٍّ يليق بذاته؛ ولا حدَّ لكلامِ مَن هو حاضرٌ ناظرٌ في كلِّ مكانٍ بعلمه وقدرته؛ وكما يُعرِّفه معنى كلامِه، فإن تكلُّمَه يُعرِّفه بصفاته.
— 387 —
أجل، لقد عَلِمَ هذا المسافرُ أن ثبوتَ حقيقةِ الوحي وتحقُّقَها قد بلغتْ درجةَ البداهة، وذلك من خلال تواترِ مئةِ ألفٍ من الأنبياء عليهم السلام؛ واتفاقِ إخباراتِهم من حيث هي مَظهَرٌ للوحي الإلٰهي؛ ومن خلال معجزاتِ ودلائلِ الكتبِ المقدَّسة والصحف السماوية التي هي ثمراتُ الوحي ووحيٌ مشهود، والتي صدَّقتْها الأكثريةُ المطلقة من النوع البشري واتخذتْها دليلًا وإمامًا.
ووعى أنَّ حقيقةَ الوحي تُعبِّر عن خمسِ حقائق قدسيةٍ وتُفيضُها:
أُولاها: ما يُطلَق عليه التَّینَزُّلات الإلٰهية إلى عقول البشر، فمخاطبةُ البشر بحسَبِ عقولهم وفُهُومهم تَنزُّلٌ إلٰهي.
أجل، إن الذي أنطقَ جميعَ ذوي الأرواح من مخلوقاته، ومَن هو العليم بما ينطقون، لا شكَّ أن من مقتضى ربوبيَّته أن يُخاطبهم بجنسِ كلامهم.
ثانيتُها: إن الذي - لأجل أن يعرِّف نفسَه - خَلَق الكون بمصاريفَ عظيمةٍ لا تُحَدُّ، وملأه من أوله إلى آخره بالروائع والبدائع، وجعله يتحدث عن كمالاته بآلاف الألسنة؛ لا بدَّ أنْ سيُعَرِّف نفسَه بكلماته كذلك.
ثالثتُها: إنه كما سمِعَ مناجاةَ الناس الحقيقيين وشُكرَهم - وهم صفوةُ الموجودات، وأحوجُها، وأرقُّها، وأكثرُها اشتياقًا - فأجابهم على مناجاتهم وشكرهم فعلًا؛ فإنَّ من شأن الخالقيَّة أن يجيبهم كلامًا.
رابعتُها: إن صفة المكالمة التي هي لازمٌ ضروريٌّ من لوازم العلم والحياة وظهورٌ وضَّاءٌ لهما، لا بدَّ أن توجد بصورةٍ محيطةٍ سرمديةٍ لدى مَن له علمٌ محيطٌ وحياةٌ سرمديَّة.
خامستُها: إن الذي أودع العجزَ والاشتياق، والفقرَ والاحتياج، والقلقَ من المستقبل، والمحبَّةَ والتَّوَلُّه، فيمَن هم أشدُّ مخلوقاتِه العاجزةِ الفقيرة محبةً ومحبوبيةً، وأشدُّهم قلقًا واحتياجًا إلى نقطةِ استناد، وأشدُّهم لهفةً لأنْ يجدوا مالكَهم وصاحبَهم، لا شك أن من مقتضى أُلوهيَّته أن يُشعِرهم بوجوده من خلال تَكلُّمه هو.
— 388 —
وهكذا فَهِم أن دلائلَ وجودِ واجبِ الوجود ووحدتِه التي أفادتْها بالإجمال عمومُ الوحياتِ السماويةِ المتضمِّنةِ لحقائقِ التنزُّلِ الإلٰهي، والتعرُّفِ الربَّاني، والمقابلةِ الرحمانيَّة، والمكالمةِ السُّبْحانيَّة، والإشعارِ الصَّمَدانيّ، هي حُجَّةٌ أقوى من شهادةِ أشعة الشمس على الشمس في رابعة النهار.
ثم نظر إلى جهة الإلهامات، فرأى أن الإلهامات الصادقة نوعٌ من المكالمة الربانيَّة، وأنها وإنْ كانت تشبهُ الوحيَ بجهةٍ ما، إلا أنَّ بينهما فرقَين اثنين:
أولهما: أن الوحي، وهو أعلى من الإلهام بكثيرٍ، إنما يحصل معظمُه بواسطة الملائكة، أما الإلهام فأكثر ما يحصل بغير واسطة.
فكما تجري - مثلًا - أوامرُ السلطان ومكالماتُه بصورتين:
إحداهما: أن يرسل أحدَ مبعوثيه إلى أحد وُلاته باسم عَظَمةِ السَّلْطنةِ والحاكميَّةِ العمومية، وربما عقد مع هذا المبعوث الوسيط اجتماعًا، إظهارًا لأهميةِ الأمر وعَظَمةِ الحاكميَّة، ثم بلَّغه مرسومَه بعد ذلك.
والأخرى: أن يُجري مكالمةً لا بعنوان السلطنة ولا باسمها العمومي، بل بشخصه هو، فتكون مكالمةً خصوصيةً بهاتفه الخصوصي في معاملةٍ جزئيةٍ مع أحد خَدَمه الخاصِّين الذين تربطه بهم علاقةٌ خاصة، أو مع واحدٍ من عامَّةِ رعيته.
فكذلك السلطانُ الأزليُّ سبحانه؛ كما أنَّ له - باسمِ ربِّ العالمين وبعنوان خالقِ الكون - مكالمةً بالوحي وبالإلهامات الشاملة التي تقوم بمهمة الوحي؛ فإن له كذلك أسلوبَ مكالمةٍ بصورةٍ خصوصيَّةٍ مع كلِّ فردٍ وكلِّ ذي حياة من حيث هو ربُّهم وخالقُهم؛ إلا أنها مكالمةٌ من وراء الحُجُب وبحسَبِ قابليَّاتهم.
الفرق الثاني: أن الوحي صافٍ لا ظلَّ له، خاصٌّ بالخواص؛ أما الإلهام فله ظلٌّ، تخالطه الألوان، وعمومي؛ وله أنواع كثيرة كإلهامات الملائكة، وإلهامات البشر، وإلهامات الحيوانات؛ وهو بأنواعه الكثيرة جدًّا يُشكِّلُ أرضيةً لتكثيرِ الكلماتِ الرَّبَّانيَّة عددَ قطراتِ البحار؛ وفَهِم السائح أنّ هذا يفسِّر وجهًا من وجوه الآية: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي.
— 389 —
ثم نظر إلى ماهيَّة الإلهام وحكمته وشهادته، فرأى أن ماهيَّتَه وحكمتَه ونتيجتَه تتركب من أربعةِ أنوار:
أولُها: ما يُطلق عليه: التودُّد الإلٰهي؛ فكما يتودَّد سبحانه إلى مخلوقاته فعلًا، يتودَّدُ إليهم كذلك قولًا وحضورًا ومَعِيَّةً؛ إذ هو مقتضى الوَدوديَّة والرحمانيَّة.
ثانيها: أنه كما يجيب دعاء عباده فعلًا، يجيبهم كذلك قولًا من وراء الحُجُب؛ إذْ هو شأنُ الرحيميَّة.
ثالثُها: أنه كما يُلبِّي فعلًا تضرُّعاتِ واستغاثاتِ واستمداداتِ خَلْقِه الذين نزلتْ بهم مصائبُ أليمة وأَلَمَّتْ بهم أحوالٌ شديدة، فإنه يُمِدُّهم كذلك بأقوالٍ إلهاميةٍ هي بمثابةِ نوعِ مكالمة؛ إذْ هو لازمُ الرُّبوبيَّة.
رابعُها: أنه مثلما يُشعِرُ - إشعارًا فعليًّا - بوجوده وحضوره وحمايته ذوي الشعور من مصنوعاته، وهم مع شدَّةِ عجزهم وضعفهم، ومع شدَّةِ فقرهم واحتياجهم في أشد الحاجة والشوق لأنْ يجدوا مالكهم وحاميهم ومدبِّرهم وحافظهم؛ فإنه يُشعِر كذلك - إشعارًا قوليًّا - بوجوده وحضوره بعضًا مُعيَّنًا من خَلْقِه على وجه الخصوص، بهاتفِ قلبِه، وبحسب قابليَّته، ببعض الإلهامات الصادقة التي تُعَدُّ بمثابة نوعِ مكالمةٍ ربَّانيَّة؛ إذْ هو مقتضًى ضروريٌّ واجبٌ من مقتضياتِ رأفةِ الأُلوهيَّة ورحمةِ الربوبيَّة؛ هكذا فَهِمَ السائح.
ثم نظر إلى شهادة الإلهام، فرأى أنه لو كان للشمس - فرضًا - حياةٌ وشعور، وكانت ألوانُ ضيائها السبعةُ سبعَ صفاتٍ لها، لكان لها بهذا الاعتبار نوعُ مكالمةٍ بجَلواتها وأشعتها الموجودةِ في ضيائها؛ وعندئذٍ سيُرى بالمشاهدة وجودُ مثالِها وانعكاسِها في الأشياء الشفَّافة، وأن لها مكالمةً مع كلِّ مرآةٍ ومع كلِّ شيءٍ برَّاقٍ، ومع قِطَعِ الزجاج والقطرات والفقاعات، بل حتى مع الذَّرَّات الشَّفَّافة، وأنها تجيب حاجاتِ هؤلاء كلًّا بحسَب قابليَّته، وأن هؤلاء يشهدون على وجود شمسهم، وأنه في جميع هذا لا يمنعُ فعلٌ فعلًا، ولا تُزاحمُ مكالمةٌ مكالمةً.
— 390 —
وكما كان الأمر في مثالِ مكالمةِ الشمس هنا، فكذلك هو بالنسبة إلى مكالمةِ الشمسِ السرمديِّ سلطانِ الأزل والأبد ذي الجلال، وخالقِ جميع الموجودات ذي الشأن والجمال، فإنه يُفْهَمُ بداهةً أن مكالمتَه سبحانه مكالمةٌ كُلِّیيَّةٌ محيطةٌ كعلمه وقدرته، تتجلى في كلِّ شيءٍ بحسَب قابليَّته، فلا يمنعُ ولا يخالِطُ سؤالٌ سؤالًا، ولا عملٌ عملًا، ولا خطابٌ خطابًا.
وعَلِم عِلْمَ يقينٍ أقربَ إلى عينِ اليقين أن جميع هذه الجَلوات والمكالمات والإلهامات، تشهد بأفرادها ومجموعها وتدُلُّ بالاتفاق على حضور الشمسِ الأزليِّ ووجوبِ وجوده ووَحدته وأَحَدِيَّتِه.
وهكذا أشارت المرتبتان الرابعة عشرة والخامسة عشرة من المقام الأول إشارةً موجزةً إلى درس المعرفةِ الذي تلقَّاه ذلك الضيف الشَّغوف من عالَم الغيب، فذُكِر فيهما:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ الواحدُ الأحد، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماعُ جميع الوَحْياتِ الحقَّةِ المتضمِّنةِ للتنزُّلات الإلٰهية وللمكالمات السُّبحانية وللتعرُّفات الربَّانيَّة وللمقابلات الرحمانية عند مناجاة عباده، وللإشعارات الصَّمَدانيَّة لوجوده لمخلوقاته؛ وكذا دَلَّ على وجوبِ وجوده في وحدته اتفاقُ الإلهامات الصادقة المتضمِّنةِ للتودُّدات الإلٰهية وللإجابات الرحمانية لدعواتِ مخلوقاته، وللإمدادات الربَّانيَّة لاستغاثاتِ عباده، وللإحساساتِ السُّبحانيَّةِ لوجوده لمصنوعاته.
ثم إن سَيَّاحَ الدنيا هذا قال لعقله: ما دمتُ أبحثُ عن خالقي ومالكي بواسطة موجوداتِ هذا الكون، فلا ريب أن أَولى من ينبغي أن نزورَه فنسألَه عما نبحث عنه هو محمدٌ العربيُّ (ص)، إذْ هو أشهرُ الموجودات وأكملُها حتى بشهادة أعدائه، وهو أرفعُها بيانًا وأسطعُها عقلًا، وهو أعظمُ قائدٍ وأشهرُ حاكم، وهو مَنْ أنار بفضائله وقرآنه أربعةَ عشر قرنًا؛ فلا بد إذًا من الذهاب إلى عصر السعادة.
— 391 —
فدخل بعقله إلى ذلك العصر، فرآه قد أصبح بفضل ذلك السيد الكريم عصرَ سعادةٍ للبشرية حقًا؛ ذلك أنه أخرج بالنور الذي جاء به أشدَّ الأقوام بداوةً وأُمِّيَّةً فصَيَّرهم في زمنٍ يسيرٍ أساتذةَ الدنيا وحُكَّامَها.
ثم إنه قال لعقله: علينا أولًا أن نعرف شيئًا عن قيمةِ هذه الشخص الفريد (ص) وحَقَّانِيَّةِ أقواله، وصِدْقِ إخباراته، ثم نسأله عن خالقنا؛ فشَرَعَ بالتحري فوجد ما لا يُحصى من الدلائل القطعيَّة، نشير هنا إلى تسعةٍ كُلِّيَّةٍ منها على سبيل الإيجاز:
أوَّلُها: اتصافه بجميعِ الأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، حتى شهِدَ له بذلك أعداؤه؛ وظهورُ مئاتِ المعجزات على يديه كما ثبت بالنقل القطعي الذي يبلغ بعضُه حدَّ التواتر؛ كانشقاقِ القمر بإشارةٍ من إصبعه كما صرَّحت الآية الكريمة: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وفِرارِ جيشِ عدوِّه بحفنةِ ترابٍ رماها في وجوههم فدخلتْ أعينَهم كما صرَّحت الآية الكريمة: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّٰهَ رَمَى، وكنبعِ الماء من بين أصابعه الخمسة كالكوثر، وسَقيِه جيشَه الظمآن من هذا الماء إلى أن ارتوى.
ولما كان المكتوب التاسع عشر المسمَّى "المعجزات الأحمديَّة" على صاحبها الصلاة والسلام - وهو رسالةٌ بديعةٌ ذاتُ كرامة - قد بيَّنَ ما يزيدُ على ثلاثمئةِ معجزةٍ من هذا النوع بأدلةٍ قاطعةٍ، فقد أحال السَّيَّاحُ المعجزاتِ المذكورة آنفًا على هذه الرسالة قائلًا: إنَّ مَن كان على هذا القدر من الكمالات والأخلاق الحسنة، مع هذا القدر من المعجزات الباهرة، كان بلا مريةٍ أصدقَ الناس حديثًا، وأنزَهَهم عن الكذب والحيلة والخداع ونحوِها من خصال الوُضعاءِ عديمي الأخلاق.
ثانيها: أنه يحمل في يده مرسومًا صادرًا عن صاحب هذا الكون؛ وهو مرسومٌ يصدِّقه ويتلقاه بالقبول أكثرُ من ثلاثمئة مليون إنسانٍ في كل قرن، ألا وهو القرآن العظيم الشأن المعجِزُ من سبعةِ وجوه.
ولما كانت "الكلمةُ الخامسة والعشرون" الشهيرةُ المسماةُ "رسالةَ المعجزاتِ القرآنية" - وهي شمسُ رسائل النور - قد بيَّنتْ بالتفصيل وبالأدلة القويَّة أن هذا القرآنَ معجزٌ بأربعين وجهًا، وأنه كلامُ خالق الكون، فقد أحال السَّيَّاح عليها قائلًا: إنَّ مَن
— 392 —
كان مبلِّغًا وتَرجُمانًا لمرسومٍ هو عينُ الحق والحقيقة، لم يمكن أن يقع منه الكذبُ أو يُتَصَوَّر بحقِّه؛ إذْ هو بمثابةِ جنايةٍ على ذلك المرسوم وخيانةٍ لصاحبه.
ثالثُها: أن ذلك السيد الكريم (ص) قد جاء بشريعةٍ، وإسلامٍ، وعبوديَّةٍ، ودعاءٍ، ودعوةٍ، وإيمانٍ، ما وُجِد مثلُها ولا عُرِفَ أكملُ منها مِن قَبْلُ ولا من بعد.
أجل، فلا مثيل لشريعةٍ ظهرتْ من رجلٍ أُمِّيٍّ، فأدارتْ خُمُسَ النوع البشري على مدى أربعة عشر قرنًا بالحقِّ والعدل، بقوانينها الدقيقة التي لا تُحد.
وكذلك الإسلامُ الصادرُ عن أفعال هذا السيد الأُمِّي وأقواله وأحواله؛ فإنه لا مثيل له من قبل ولا من بعد من حيث كونُه الهاديَ والمرجعَ لثلاثمئة مليون إنسانٍ في كل قرن، والمعلِّمَ والمرشدَ لعقولهم، والمنوِّرَ والمصفِّيَ لقلوبهم، والمربِّيَ والمزكِّيَ لنفوسهم، ومدارَ النَّماء ومعدِنَ الترقِّياتِ لأرواحهم.
ولا نظير أيضًا لهذا الشخص الكريم من قَبْلُ ولا من بعد من حيث إمامتُه في جميعِ أنواعِ العبادات في دينه، وكونُه أتقى الناس وأخشاهم للّٰه، ومجاهدتُه المتواصلة الفَذَّة، ومراعاتُه لأدقِّ أسرار العبودية مراعاةً تامةً حتى في أشد الخُطوب، وقيامُه بهذه العبادات مبتدئًا غيرَ مقلِّدٍ أحدًا، وأداؤه لها بتمام معناها، جامعًا بين مبدئها ومنتهاها على الوجهِ الأكمل.
ثم إنه في الجوشن الكبير - الذي هو واحدٌ من آلاف أدعيته ومناجاته - يصف ربَّه وصفًا رفيعَ الدرجة بمعرفةٍ ربانيةٍ عظيمة، بحيثُ لم يستطع أهلُ المعرفة ولا أهل الولاية منذ ذلك الزمان أن يبلغوا مرتبتَه في تلك المعرفة، ولا درجتَه في ذلك الوصف، رغم تلاحق الأفكار، وهو ما يُظهِر أنه لا مثيل له حتى في الدعاء؛ ومن ينظر إلى الموضع الذي بُيِّنَ فيه معنى فقرةٍ قصيرةٍ من فقراتِ الجوشن الكبير التسعةِ والتسعين في مستهلِّ رسالة المناجاة، لن يسعه إلا القول بأنَّ هذا الجوشن لا مثيل له أيضًا.
وكذا ما أبداه في تبليغ الرسالة ودعوةِ الناسِ إلى الحقِّ من صلابةٍ وثباتٍ وشجاعة؛ بل لم يكنْ منه مقدارُ ذَرَّةٍ من تردُّدٍ أو قلقٍ أو خوف رغم شدة المعاداة التي لقيها من الدول العظمى والأديان الكبرى، بل حتى من قومه وقبيلته وعمومته؛ فلقد
— 393 —
تحدى وحدَه العالَم بأسره حتى غَلَبَه وظَهَر عليه وجعل قيادَه للإسلام؛ إن هذا لَيُثبِتُ أنه لم يكن له مثيلٌ حتى في الدعوة والتبليغ ولا يمكن أن يكون.
ثم إنه من حيث الإيمان يتحلى بيقينٍ راسخ، وقوةٍ فائقة، ورُقيٍّ مُعجِز، واعتقادٍ عُلْويٍّ يُنير الدنيا؛ فعلى الرغم من أن جميعَ الأفكارِ والعقائدِ وحكمةِ الحكماء وعلومِ الزعماء الروحيين المهيمنةِ في ذلك الزمان قد خالفتْه وعارضتْه وأنكرتْ عليه، إلا أن ذلك لم يُوْرِثْه ذرَّةَ شبهةٍ أو تردُّدٍ أو ضَعفٍ أو وسوسةٍ في يقينه أو اعتقاده أو اعتماده أو اطمئنانه؛ بل إنه لَينهَلُ من فيضِ مرتبته الإيمانية في كلِّ حينٍ جميعُ مَن ترقَّوا في المعنويات والمراتب الإيمانية، وفي مقدمتهم الصحابة وجميعُ أهل الولاية، ويرونه في أعلى درجاتها، مما يُظهِر بالبداهة ألَّا نظير له حتى في إيمانه.
وهكذا أدرك السَّيّاحُ وصدَّق عقلُه بأن مَن كان صاحبَ شريعةٍ لا نظير لها، وإسلامٍ لا مثيل له، ودعاءٍ لا مكافئ له، مع عبوديَّةٍ فائقة، وإيمانٍ مُعجِز، ودعوةٍ تتحدى العالَم؛ لم يكنْ لِيَكذِب أو يَخدَع بأي شكلٍ من الأشكال.
رابعُها: كما أن إجماعَ الأنبياء عليهم السلام دليلٌ في غاية القوة على وجود اللّٰه ووحدانيته، فإنه كذلك شهادةٌ في غاية الإحكام على صدقِ هذا السيد الكريم (ص) ورسالته؛ ذلك أن كلَّ ما عليه مدارُ صدقِ هؤلاء الأنبياء ونبوَّتِهم من صفاتٍ قدسيةٍ ومهامَّ ومعجزاتٍ موجودٌ بأعلى رتبةٍ عنده (ص) ومصدَّقٌ تاريخيًّا.
أي إنه كما بَشَّر الأنبياءُ الناسَ بمجيئه (ص) وأخبروهم به بلسان المقال في صُحفهم وفي التوراة والإنجيل والزبور - وقد أُثبِتَتْ في "المكتوب التاسع عشر" أكثرُ من عشرين إشارةً مبشِّرةً وَرَدَتْ في الكتب المقدسة وبُيِّنَ بعضٌ جليٌّ منها بيانًا حسنًا - فإنهم بألسنةِ أحوالهم أيضًا، أي بنُبوَّاتهم ومعجزاتهم، يُصدِّقون هذا السيد الكريم الذي هو مُقدَّمُهم في مسلكهم وأكملُهم في وظيفتهم، ويوقِّعون على دعواه؛ وكما دلُّوا على الوحدانية بالإجماع وبلسان المقال، فإنهم يشهدون أيضًا بالاتفاق وبلسان الحال على صادقيَّته (ص).
هذا ما أدركه السائح.
— 394 —
خامسُها: كما دلَّ على الوحدانية أُلوفُ الأولياء الذين وصلوا - باتباع هذا السيد واقتفاءِ أثره والأخذِ بدساتيره وتربيته - إلى الحق والحقيقة، وبلغوا الكمالاتِ والكراماتِ والكشفيَّاتِ والمشاهدات؛ فإنهم يشهدون بالإجماع وبالاتفاق على صادقيَّةِ أستاذِهم هذا ورسالته.
ورأى السائح أنَّ مشاهدةَ هؤلاء الأولياء بعضًا من إخباراته (ص) عن عالَم الغيب ورؤيتَهم لها بنورِ الولاية، وتصديقَهم واعتقادَهم بعمومها بنورِ الإيمان، إما بدرجةِ علمِ اليقين، أو عينِ اليقين، أو حقِّ اليقين؛ إنما يُجلِّي كالشمس درجةَ حَقَّانيَّةِ هذا السيد - أستاذِهم - وصادقيَّتَه.
سادسُها: إن الملايين من الأصفياءِ المدقِّقين، والصِّدِّيقين المحقِّقين، وعباقرةِ الحكماء المؤمنين، الذين بلغوا أسمى مقامٍ في المراتب العلمية بما تلقَّوا من درسِ هذا السيد الكريم وتعليمِه الحقائقَ القدسيةَ التي جاء بها، والعلومَ العاليةَ التي اخترعها، والمعرِفةَ الإلٰهيةَ التي كشَفَها - برغم أُمِّيَّته یی؛ مثلما صدَّقوا الوحدانيةَ بالاتفاق - وهي أسُّ أساسِ دعواه - وأثبتوها بالبراهين القوية؛ فإن شهاداتهم بالاتفاق على حقَّانية أستاذهم الأعظم وحقيقةِ قولِ معلمهم الأكبر لَحُجةٌ كالنهار على رسالته وصادقيَّته؛ وما رسائلُ النور بأجزائها المئة - مثلًا - إلا برهانٌ واحدٌ على صدقه (ص).
سابعُها: إن الطائفةَ العظيمة المُسمَّاة الآلَ والأصحاب، وهم أشهرُ مَن عُرِف من البشر بعد الأنبياء بالفِراسةِ والدِّرايةِ والكمالات، وأجلُّهم حُرمةً، وأكثرُهم شهرةً، وأقواهم تديُّنًا، وأبعدُهم نظرًا، قد أدَّاهم تحرِّيهم في أحوال هذا السيد الظاهرةِ والخفية، وتفتيشُهم في أفكاره، وتدقيقُهم في شؤونه بكمالِ الرغبة وغايةِ التَّنبُّه ومنتهى الجِدِّية.. أدَّاهم بالاتفاق وبالإجماع إلى تصديقٍ راسخٍ لا يتزعزع، وإيمانٍ قويٍّ لا يتصدَّع، بأن هذا السيد الكريم (ص) هو أصدَقُ مَن في الدنيا وأسماهم وأولاهم بالحق والحقيقة؛ وقد وعى السَّيَّاحُ من هذا دليلًا كالنهار الدالِّ على ضياء الشمس.
ثامنُها: مثلما يدلُّ هذا الكون على مُوجِده ومدبِّره ومرتِّبِه، وعلى كاتبه وصانعه ونقَّاشه الذي يتصرَّف فيه تصويرًا وتقديرًا وتدبيرًا كأنه كتابٌ أو قصرٌ أو مَعرِضٌ أو
— 395 —
مُتنزَّه؛ فإنه يقتضي ويتطلب أيضًا وجودَ مرشدٍ عظيم القدر، وكشَّافٍ صادق، وأستاذٍ محقِّقٍ، ومعلِّمٍ صادقٍ؛ يَعرِف ويُعرِّف ما في خِلقته من مقاصدَ إلٰهية، ويُعلِّم ما في تحوُّلاته من حِكمٍ ربانية، ويُدرِّسُ نتائجَ حركاته الوظيفيَّة، ويُعلِن عن قيمةِ ماهيَّته وعن الكمالات في موجوداته، ويُعبِّر عن معاني هذا الكتاب الكبير.. أجل يقتضي الكونُ وجودَ هذا المرشد المعلِّم ويتطلبه بل يَدُلُّ عليه في كلِّ حال.
ومن هذه الجهة عَرَفَ السَّيَّاحُ أن الكون يشهد كذلك على حَقَّانيَّةِ هذا السيد الذي كان خَيرَ مَن قام بهذه الوظائف، وبأنه لا ريب أسمى وأصدقُ موظَّفٍ لدى خالِق الكون.
تاسعُها: ما دام يوجد مِن وراء الحجاب مَن يريد أن يَعرِض كمالاتِ إتقانه وإبداعه عبر مصنوعاته الحكيمة المتقَنة..
ويريد أن يُعرِّف نفسَه ويُحبِّبها من خلال مخلوقاته الجميلة المزيَّنة اللامتناهية..
ويريد مِن خلال نِعَمِه اللذيذة الثمينة بغيرِ حساب أن يُحمَد ويُشكَر..
ويريد من خلال هذه الإعاشة والتربية العامَّة الشفيقة الحامية، بل حتى من خلال هذه الإطعامات والمآدب الربانية المعروضةِ بصورةٍ تلبي أدقِّ أذواق الأفواه وجميعَ أنواع الاشتهاءات.. يريد أن يُتوجَّه إلى ربوبيَّته بالعبادةِ بشكرٍ وامتنانٍ ووَلَه..
ويُظهِرُ أُلوهيتَه بخلَّاقيةٍ وفعاليةٍ حكيمةٍ مدهشة، وبإجراءاتٍ وتصرفاتٍ عظيمةٍ مهيبةٍ، كتبديل الفصول وتحويل الليل والنهار واختلافهما، ليُتوجَّهَ إلى أُلوهيته بالإيمان والتسليم والانقياد والطاعة..
ويريد أن يُظهِر حقانيَّتَه وعدالتَه في كلِّ حينٍ بحمايته للخير والأخيار، ومَحْقِه للشرِّ والأشرار، وإهلاكه للظالمين والكاذبين بالصفعات السماوية..
فلا ريب ولا بد أنَّ أحبَّ مخلوقٍ لذلك الذات الغيبي، وأصدَقَ عبدٍ له، ومَن يَحُلُّ طِلْسِمَ خِلقةِ هذا الكون ويكشف مُعمَّاه بخدمته التامة لمقاصدِ خالقه المذكورة، ومَن هو دائم التحرُّك باسم خالقه، دائمُ الاستمداد منه، دائمُ الاستعانة به، ومَن هو مَظهَرُ إمداده وتوفيقه؛ سيكون ذلك السيدَ الكريمَ المسمَّى محمدًا القرشي (ص).
— 396 —
ثم قال السَّيَّاح لعقله: ما دامت هذه الحقائق التسعُ المذكورة تشهَد لصدقِ هذا السيد الكريم، فلا ريب أن يكون مدارَ شرف بني آدم، ومدارَ افتخار العالَم؛ وهو الجدير بأن يقال عنه: إنه فخرُ العالَم وشرفُ بني آدم؛ وإن هيمنة الدستور الرحماني الذي بيده - أعني القرآن المعجِزَ البيان - بعَظَمةِ سَلْطَنتِه المعنوية على شطر المعمورة،إضافةً لكمالاته الشخصية وخِصاله السامية لَيُظهِر أن أهمَّ شخصيةٍ في هذا العالَم هو هذا السيد الفريد، وأن أهمَّ قولٍ بحقِّ خالقنا قولُه (ص).
فتعالَ وانظر؛ لقد كانت غايةُ حياته وأساسُ دعوته الشهادةَ والدلالةَ على وجود واجب الوجود ووَحدته وصفاته وأسمائه، وإثباتَه وإعلانَه والإعلامَ به، استنادًا إلى قوةِ مئاتِ المعجزات القطعيَّة الظاهرة الباهرة، وآلافِ الحقائقِ العالية الراسخة التي يتضمنها دينُه.
إذًا، إن الشمسَ المعنويَّةَ لهذا الكون، وأسطعَ براهين خالقنا هو هذا السيد الكريم المدعوُّ حبيبَ اللّٰه، إذْ توجد ثلاثةُ إجماعاتٍ كبرى لا تَضِلُّ ولا تُضَلّ، تؤيِّدُ شهادتَه وتصدِّقها وتوقِّعُ عليها:
أولُها: التصديقاتُ الصادرةُ بالإجماع من الجماعة النُّورانية المشهورةِ في العالَم باسم "آل محمد (ص)"؛ وفيها آلافُ الأقطاب والأولياء العِظام ذوي البصيرة الغيبية والنظر الثاقب، كالإمام عليٍّ رضي اللّٰه عنه القائل: لو رُفِع الحجابُ ما ازددتُ يقينًا، وكالغوث الأعظم قدَّس اللّٰه سِرَّه، الذي كان يشاهِدُ وهو على الأرض العرشَ الأعظم وعَظَمَةَ مثالِ إسرافيل عليه السلام.
ثانيها: التصديقاتُ الصادرة بالاتفاق من الجماعةِ الشهيرةِ المعروفةِ في الدنيا باسم "الصحابة"؛ فقد صدَّقوا بإيمانٍ قويٍّ جعلهم يُضحُّون بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وعشائرهم؛ وهم الذين بعد أن كانوا قومًا من البدو لا كتابَ لهم في ظلماتِ عصر الفترة، وفي محيطٍ أميٍّ خالٍ من الحياة الاجتماعية والأفكار السياسية، إذا بهم في زمنٍ جِدِّ يسيرٍ يصبحون أساتذةً ومرشدين، وساسةً وحكامًا عادلين لأرقى الأمم والحكومات حضارةً وثقافةً وحياةً اجتماعيةً وسياسية، ويديرون العالَم من شرقه إلى غربه إدارةً تبسُط العدل والسلام في أرجاء المعمورة.
— 397 —
ثالثُها: التصديقاتُ الصادرةُ بالتوافق وبدرجةِ علم اليقين من الجماعة العظمى التي فيها ما لا يُحَدُّ من العلماءِ المتبحِّرين المحقِّقين الذين نشؤوا في أمَّته (ص)، وهم موجودون في كل عصرٍ بالآلاف المؤلفة، مجتهدون في مختلف المسالك، متفوِّقون عباقرةٌ في كلِّ فنٍّ.
وعلى هذا حكم السائحُ بأن شهادة هذا السيد (ص) على الوحدانية ليست شهادةً شخصيةً جزئيةً، بل هي شهادةٌ كُلِّيَّةٌ عموميةٌ لا تتزعزع، ولا يمكن بأيَّةِ جهةٍ أن تواجهها جميعُ الشياطين لو اجتمعت.
وهكذا أوجزت المرتبةُ السادسة عشرة من المقام الأول الإشارةَ إلى الدرس الذي تلقَّاه ضيفُ الدنيا ومسافرُ الحياة السائحُ بعقله في عصر السعادة من تلك المدرسة النورانية، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ الواحدُ الأحدُ الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته فخرُ العالَم وشرفُ نوعِ بني آدم، بعَظَمةِ سلطنةِ قرآنِه، وحَشْمةِ وُسْعةِ دينه، وكثرةِ كمالاته، وعُلْوِيَّةِ أخلاقه، حتى بتصديق أعدائه؛ وكذا شَهِد وبرهَنَ بقوَّةِ مئاتِ معجزاته الظاهرة الباهرة المصدِّقةِ المصدَّقة، وبقوَّةِ آلافِ حقائق دينه الساطعة القاطعة، بإجماعِ آله ذوي الأنوار، وباتفاق أصحابه ذوي الأبصار، وبتوافق محقِّقي أمته ذوي البراهين والبصائر النوَّارة.
ثم إن هذا المسافر الذي ما زال يستزيد من غير كَلَل، والذي عرَفَ أن الإيمان هو حياةُ الحياة وغايةُ الحياة في هذه الدنيا، قال لقلبه: هيا بنا نراجع الكتاب المسمَّى القرآنَ المعجزَ البيان فنعرفَ ماذا يقول؛ إذْ هو كلامُ مَن نبحثُ عنه وقولُه كما هو معلوم، وهو أشهرُ كتابٍ عرَفَه العالَم، وهو أسطعُ الكتب نورًا وأقواها حاكميةً، وهو الكتاب الذي يتحدى على مَرِّ الأعصار كلَّ مَن لا يُسَلِّم له؛ لكنْ علينا أن نُثبِت أولًا أنَّه كتابُ خالقنا؛ فشرَعَ في التحرِّي.
وبما أن هذا السَّيَّاح كان من أبناء هذا الزمان، فقد نظر أولَ ما نظرَ في رسائل النور التي هي لمعاتٌ من لمعاتِ الإعجاز المعنويِّ للقرآن الكريم، فرأى أن رسائلها
— 398 —
المئةَ والثلاثين هي نُكاتٌ لآياته الفرقانية، وأنوارٌ من أنوارها، وتفاسيرُ أصيلةٌ لها؛ ورأى كذلك أنه لم يقدر أحدٌ على مواجهتها رغم أنها نَشَرت الحقائقَ القرآنيَّةَ في كل جهةٍ بجهادٍ عظيمٍ في زمنٍ شديدِ العناد والإلحاد؛ مما يُثْبِتُ أن القرآن الذي هو أستاذُها ومنبعُها ومرجعُها وشمسُها سماويٌّ ليس من كلام البشر.
حتى إن حجةً قرآنيةً واحدةً من بين مئاتِ الحجج في رسائل النور، وهي "الكلمة الخامسة والعشرون" مضافًا إليها آخِرُ "المكتوب التاسع عشر"، قد أثبتتْ إعجازَ القرآن بأربعين وجهًا، بحيث إن مَن طالعها لم يعترض عليها أو ينتقدْها، بل أُعجِب بإثباتاتها وقدَّرها ببالغ الثناء.
وقد أحال السائحُ إثباتَ وجهِ إعجاز القرآن وكونَه كلام اللّٰه حقًّا على رسائل النور، إلا أنه أولى اهتمامًا ببضع نقاطٍ تُظهِر عَظَمَتَه فأشار إليها إشارةً موجزة:
النقطة الأولى: مثلما أن القرآن بجميعِ معجزاته وبجميع حقائقه الدالَّةِ على حقَّانيَّته معجزةٌ لمحمدٍ (ص)؛ فكذلك إنَّ محمدًا (ص) بجميع معجزاته ودلائل نبوَّته وكمالاته العلمية معجزةٌ من معجزات القرآن وحجةٌ قاطعةٌ على أنه كلام اللّٰه.
النقطة الثانية: إن القرآن فضلًا عن تبديله الحياةَ الاجتماعية في هذا العالَم تبديلًا حقيقيًّا نُورانيًّا يفيض بالسعادة؛ فإنه كذلك قد أحدث تحوُّلًا عظيمًا في نفوس الناس، وفي قلوبهم وأرواحهم وعقولهم؛ وأحدثَ تحوُّلًا كذلك في كلٍّ من حياتهم الشخصية والاجتماعية والسياسية..
وأدامَ هذ التحوُّل وأدارَه؛ بحيث إن آياته البالغة ستةَ آلافٍ وستمئةٍ وستًّا وستين آيةً تُتلى بكمالِ الاحترام في كل آنٍ على مدى أربعةَ عشر قرنًا بألسنةِ ما يَنُوف على مئةِ مليون إنسانٍ على الأقل..
وبحيث إنه يُربِّي الناس، ويزكِّي نفوسَهم، ويصفِّي قلوبَهم، ويمنحُ الأرواحَ رُقيًّا وسُمُوًّا، ويعطي العقول استقامةً ونورًا، ويَهَبُ الحياةَ حياةً وسعادةً..
فلا ريب أنَّ كتابًا كهذا ليس له مثيل، بل هو كتابٌ استثنائيٌّ مُعْجِزٌ فريد.
— 399 —
النقطة الثالثة: إن القرآنَ قد أظهر منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا بلاغةً جعلتْ قصائدَ أشهر الشعراء المعروفةَ بالمعلَّقات السبع الذائعةَ الصِّيت المكتوبةَ بالذهب المعلَّقةَ على جدار الكعبة؛ تهوي من عليائها أمامه؛ حتى إن ابنة الشاعر لبيد قالت حين كانت ترفعُ قصيدةَ أبيها عن الكعبة: أمَّا وقد جاءت الآيات فليس لمثلكِ ها هنا مقام.
بل إن أعرابيًّا من أرباب الفصاحة لما سَمِع آيةَ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ خَرَّ ساجدًا، فقيل له: أأسلمتَ؟ قال: لا، إنما سجدتُ لفصاحةِ الآية.
وفضلًا عن ذلك فإن آلاف الأئمة العباقرة والأدباء المتفنِّنين في علم البلاغة، كی"عبد القاهر الجُرجاني" و"السَّكَّاكي" و"الزمخشري"، قد قرَّروا بالاتفاق والإجماع أنَّ بلاغة القرآن لا تُنال، إذْ هي فوق طاقة البشر.
ثم إن القرآن ظلَّ منذ ذلك الحين يتحدى كلَّ مغرورٍ متبجِّحٍ من الأدباء والبلغاء، ويدعوهم إلى ميدان المعارَضة قائلًا لهم بأسلوبٍ يثير حفيظتَهم ويُحطِّم غرورَهم: ائتوا بسورةٍ من مثله، أو اقبلوا الذلَّ والهلاك في الدنيا والآخرة؛ فما كان من البلغاء المعاندين في ذلك الحين إلا أنْ تركوا الطريق الأقصر، وهي الإتيان بسورةٍ من مثله، واختاروا عليها الطريق الطويلة، طريقَ المحاربة التي تلقي بأنفسهم وأموالهم إلى التهلكة؛ وهذا يُثبِت أن المُضيَّ في تلك الطريق القصيرة غير ممكن.
ثم إنَّه قد ظهرتْ منذ ذلك الزمان إلى يومنا هذا ملايينُ الكتب العربية، منها ما كتبه أولياءُ القرآن برغبةٍ في تقليده والتشبُّه به، ومنها ما كتبه أعداؤه بدافعٍ من معارضته وانتقاده، وهذه الكتب في متناول الأيدي، وما زالت تترقَّى بتلاحق الأفكار، لكنْ ما بلغَ واحدٌ منها شأوَ القرآن؛ حتى إنه لو استمع إليها شخصٌ من أبسط الناس لقال بلا تردُّد: إن هذا القرآنَ لا يُشْبِهُ شيئًا منها ولا هو بمرتبتها؛ إذًا فهو إما دُونها جميعًا، أو فوقَها جميعًا؛ وليس في الدنيا أحدٌ بل ولا كافرٌ أو حتى أحمقُ يقول عن القرآن: إنه دونَها جميعًا؛ وهذا يعني أن مرتبة بلاغتِه فوقها جميعًا.
— 400 —
ولقد قرأ رجلٌ آيةَ: سَبَّحَ للّٰهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فقال: لا أرى في هذه الآية ما يُعَدُّ بلاغةً فائقة!! فقيل له: اذهبْ إذًا كهذا السَّيَّاح إلى ذلك الزمان، واستمع إلى الآية هناك؛ فتخيَّلَ الرجلُ نفسَه هناك قبل نزول القرآن، وإذا به يرى موجوداتِ العالَم في حالةٍ مزريةٍ يخيم عليها الظلام في دنيا فانيةٍ لا تستقر على قرار، وهي فوق هذا جمادٌ بلا شعور، معطَّلةٌ بلا وظيفة، في فضاءٍ خالٍ مترامي الأطراف بلا حدود.
وما إن سمع هذه الآية من لسان القرآن حتى رآها تُميطُ حجابًا قاتمًا عن وجه الدنيا والكون فتُنيرُه، حتى شاهد هذا الخطابَ الأزليَّ والمرسومَ السرمديَّ يُلقي الدرس على ذوي الشعور المنتظمين الصافِّين بالتوالي على مَرِّ العصور، ويُظهِر هذا الكونَ كمسجدٍ كبير، فيه جميع المخلوقات - وفي مقدمتها السماوات والأرض - قائمةٌ على رأس عملها في حالةٍ من السعادة والامتنان، تؤدي وظيفتَها بهمةٍ ونشاطٍ في ذكرٍ وتسبيحٍ جَيَّاشٍ بالحياة.
فلما ذاق درجةَ بلاغةِ هذه الآية قاس عليها سائرَ الآيات، فوعى حكمةً واحدةً من بين آلافِ الحِكَم التي أدامتْ عظَمَةَ سلطَنَةِ القرآن بكمالِ الاحترام أربعة عشر قرنًا بلا انقطاع، وبسطتْ رصانة بلاغته على شطر المعمورة وخُمسِ النوع البشري.
النقطة الرابعة: إن القرآن لَيُظهِرُ حلاوةً وعذوبةً حقيقيةً فلا يَمَلُّه تاليه، مع أن كثرة التكرار تُورِثُ المرءَ سآمةً حتى من أحلى الأشياء وألذِّها؛ بل إنه لَيَزداد حلاوةً بتكرار التلاوة، وذلك عند مَن لم يَفسُدْ قلبُه ولم يَخْتَلَّ ذوقُه؛ وهذا أمرٌ مُسلَّمٌ به لدى الجميع منذ القديم، حتى صار مضرِب المثل.
ثم إنه لَيُبدي أيَّما نضارةٍ وفتوةٍ وشبابٍ وغرابة!! فمع أنه مضى على نزوله أربعة عشر قرنًا، وصار بمتناول يدِ كلِّ إنسان، إلا أنه ظلَّ محافظًا على نضارته كأنه أُنْزِل الآن؛ وما يزال أهلُ كلِّ عصرٍ يَرون فيه جِدَّةً وشبابًا كأنه يخاطبهم بالذات.
ومع أن كلَّ طائفةٍ علميةٍ اتبعتْه واقتدتْ به في أسلوب تعبيره، وأبقتْه قريبَ المنال لتستفيد منه في كل آن، إلا أنه ظلَّ محتفظًا بذاتِ الغرابةِ والفَرَادة التي ينطوي عليها أسلوبُه وطرازُ بيانه.
— 401 —
النقطة الخامسة: إن للقرآن جناحَين؛ أحدهما في الماضي والآخر في المستقبل؛ فجذرُه وأحدُ جناحيه: الحقائقُ التي اتفق عليها الأنبياء السابقون..
فكما صدَّقهم القرآن وأيَّدهم، وكما صدَّقوه بلسانِ حالِ تَوافقِهم؛ فكذلك ثمراتُ القرآن التي تستمد حياتَها منه كالأولياء والأصفياء، وكذا جميعُ علوم الإسلام الحقيقية، وجميعُ طُرُق الولاية الحقِّ التي نشأتْ وترعرعتْ تحت كنف الجناح الثاني، ودلَّتْ بتَیكَمُّلِها الحيِّ على أن شجرةَ القرآن المباركةَ مدارُ الحقيقة والفيض والحيوية، فإن جميعَ هذه تَشهد أن القرآن عينُ الحقِّ ومَجمَعُ الحقائق، وأنه فذٌّ فريدٌ لا مثيل له في جامِعِيَّته.
النقطة السادسة: إن جهاته السِّتَّ نورانيَّةٌ تُبيِّن صِدقَه وحَقَّانِيَّیتَه.
أجل، فمن تحته: أعمدةُ الحجة والبرهان؛ وفي أعلاه: لمعاتُ سِكَّة الإعجاز..
وأمامَه وهدفُه: هدايا سعادة الدارين؛ وخلفَه ونقطةُ استناده: حقائقُ الوحي السماوي..
وعن يمينه: ما لا يحصى من العقول المستقيمة التي صدَّقته بالأدلة؛ وعن يساره: القلوبُ السليمة والضمائر النقيّة التي اطمأنتْ إليه اطمئنانًا راسخًا، وسلَّمتْ له وانجذبت إليه بمنتهى الصدق..
فكما تُثبِت هذه جميعُها أن القرآن قلعةٌ سماويَّةٌ أرضيَّةٌ بديعة، حصينةٌ منيعة، توجَد كذلك سِتَّةُ مقاماتٍ تُوقِّعُ على أن القرآن هو عينُ الحق، وأنه صادقٌ لا يأتيه الباطل، وأنه ليس من كلام البشر:
فأوَّلها إمضاءُ وتصديقُ المتصرِّف في هذا الكون، الذي جعل سُنَّةَ إظهارِ الحُسنِ وحمايةِ الخير والحق ومَحْقِ المخادعين والمفترين وإهلاكِهم دستورًا لفعاليَّته في هذا الكون؛ إذْ منحَ القرآنَ مقامَ حرمةٍ ومرتبةَ توفيقٍ هي الأعلى في الدنيا رفعةً وقبولًا وحاكميَّة.
وكذلك اعتقادُ ذلك السيد الكريم (ص) الذي هو منبع الإسلام وتَرجُمان القرآن؛ إذْ كان أقوى الناس اعتقادًا بالقرآن وأعظمَهم احترامًا له؛ وكونُه في حالٍ تشبِه النوم عند
— 402 —
تَنَزُّل القرآن عليه؛ وعدمُ بلوغِ سائرِ كلامِه منزلةَ القرآن، وعدمُ مشابهته إياه؛ وبيانُه من خلال القرآن ما مضى وما سيأتي من الحوادثِ الكونية الحقيقية الغيبية، بيانًا جازمًا لا يخالطه تردُّد بالرغم من أُميَّته؛ وعدمُ وُجدانِ أيَّةِ حالةِ كذبٍ أو حيلةٍ منه برغم أنظار التدقيق الكثيرة عليه من حوله؛ وإيمانُه وتصديقُه الراسخ بكل حكمٍ مین أحكام القرآن؛ وعدمُ زعزعةِ أيِّ شيءٍ له؛ فكلُّ هذا يُوقِّع على أنَّ القرآن سماويٌّ حقٌّ، وأنه كلامٌ مباركٌ للخالق الرحيم جلَّ جلاله.
وكذلك ارتباطُ خُمس النوع الإنساني بل القسمِ الأعظمِ منه بهذا القرآن الذي بين أيديهم ارتباطَ انجذابٍ وتديُّن؛ وإصغاؤهم له إصغاءَ مُنقادٍ إلى الحق توَّاقٍ إليه؛ واجتماعُ الجنِّ والملائكة والروحانيين وتحلُّقُهم عليه كالفَراش عند تلاوته وهم في حالةٍ من الشغف إلى الحقيقة كما شهدتْ بذلك أماراتٌ ووقائعُ وكشفيَّاتٌ كثيرة؛ فجميعُ هذا إمضاءٌ على أنه مقبولٌ لدى جميع العوالم، وأنه قد تبوَّأ أسمى مقام.
وكذلك أخْذُ جميعِ طبقاتِ النوع البشري - مِن أغباهم إلى أذكاهم، ومن عامِّيِّهم إلى عالِمهم - أخْذُهم نصيبَهم كاملًا من درس القرآن، وفهمُهم أعمقَ الحقائق منه؛ واستخراجُ كلِّ طائفةٍ من مئاتِ طوائف العلوم والفنون الإسلامية، لا سيما كبارَ المجتهدين في الشريعة الكبرى، وجهابذةَ المحقِّقين في أصول الدين وعلم الكلام، استخراجُهم جميعَ الحاجات والمسائل المتعلقة بعلومهم واستنباطُهم إياها من القرآن؛ فإنما هذا إمضاءٌ على أن القرآن منبعُ الحق ومعدِنُ الحقيقة.
وكذلك استنكافُ مَن لم يُسلِم من بلغاء العرب - وهم أئمة الفصاحة - عن معارضته مع شدة حاجتهم إليها؛ وعجزُهم إلى الآن عن الإتيانِ بسورةٍ تضاهي وجهَ إعجازه البلاغي فحسب من بين وجوه إعجازه السبعة الكبرى؛ وسكوتُ مَن أتى من عباقرة العلماء ومشهوري البلغاء إلى يومنا هذا.. سكوتُهم عاجزين عن معارضته ولو في وجهٍ إعجازيٍّ واحد، مع رغبتهم في ذيوع صِيْتِهم بذلك؛ إنما هو إمضاءٌ على أن القرآن مُعجِزٌ، وأنه فوق طاقة البشر.
— 403 —
أجل، فإنه لما كانت قيمةُ الكلام وعُلْوِيَّتُه وبلاغتُه تتجلى بذِكْرِ: ممن جاء؟ وإلى مَن جاء؟ ولِمَ جاء؟ لم يكن من سبيلٍ لأنْ يماثلَ القرآنَ مماثلٌ أو يدانيه مُدان.
ذلك أنه خطابُ ربِّ العالمين، وكلامُ خالق الأكوان، ومكالمتُه التي ما مِن أمارةٍ تُشعِر بأنها مصطنعةٌ أو مقلَّدةٌ بأيَّةِ جهة.
والمخاطَبُ به هو المبعوثُ باسم جميع بني الإنسان، بل باسم جميع المخلوقات، أشهرُ نوعِ البشر وأرفعُهم ذكرًا، ومَن ترشَّح الإسلامُ العظيمُ من قوةِ وَسَعَةِ إيمانه، حتى عَرَجَ به إلى مقام قاب قوسين، ونزَلَ بمظهريَّةِ المخاطَبة الصمدانيَّة.
ثم إن هذا الخطاب يبيِّن ويوضِّح المسائلَ المتعلقةَ بسعادة الدارين، ونتائجِ خلق الكون وما فيه من المقاصد الربانية..
ويبيِّن ويوضِّح كذلك إيمانَ ذلك المخاطَبِ الكريم المستوعبَ لجميعِ الحقائق الإسلامية، وهو أوسعُ إيمانٍ وأسماه..
كما يعلِّم ويَصِف شؤونَ الصانعِ المبدع لهذا الكون العظيم، إذْ يَعرِضُ كلَّ ناحيةٍ من نواحيه ويقلِّبها كما لو أن الكون خريطةٌ أو ساعةٌ أو منزل..
فلا ريب أن الإتيان بمثل هذا القرآن المعجزِ البيان محال، ولا ريب أن درجةَ إعجازه لا تُنال.
وكذلك تِبيانُ مفسِّري القرآن من آلاف العلماء المتفنِّنين والمدقِّقين ذوي الذكاء الرفيع - ممن بلغت تفاسير بعضهم ثلاثين أو أربعين مجلدًا بل حتى سبعين - تِبيانُهم بدلائلهم وأسانيدهم ما لا يُحَدُّ من مزايا القرآن ونُكاته وخاصِّياته وأسراره ومعانيه السامية، وإثباتُهم وكشفُهم الكثيرَ من إخباراته الغيبية عن كل نوعٍ من أنواع المغيَّبات؛
ومن هذه التفاسير رسائلُ النور المئةُ والثلاثون التي أظهرَ كلُّ جزءٍ منها حقيقةً من حقائق القرآن ونورًا من أنواره، وأثبتتْ كلُّ رسالةٍ منها مزيةً من مزاياه أو نُكتةً من نُكاته بالبراهين القاطعة؛ خصوصًا "رسالةُ المعجزات القرآنية" و"المقام الثاني من الكلمة العشرين" التي استخرجت من القرآن كثيرًا من عجائب المدنيَّة كالقطار
— 404 —
والطيارة؛ و"الشعاعُ الأول" المعروف بی"الإشارات القرآنية" الذي عرَّف بإشاراتِ الآيات المشيرة إلى رسائل النور وإلى الكهرباء؛ والرسائلُ الصغيرة الثماني المسمّاة بی"الرموزات الثمانية" التي تُظهِر ما في الحروف القرآنية من عظيمِ الانتظام والأسرار والمعاني؛ ورسالةٌ صغيرةٌ تثبِتُ إعجازَ آخرِ آيةٍ في سورة الفتح من جهةِ الإخبار بالغيب بخمسةِ أوجُه.
فجميعُ هذا إنما هو إمضاءٌ على أن القرآن معجزةٌ وأُعجوبةٌ لم يأتِ مثلها، وأنه لسانُ عالَم الغيب في عالَم الشهادة هذا، وأنه كلامُ عَلَّامِ الغيوب.
وهكذا فهِم سَيَّاحُ الدنيا أنه لأجلِ مزايا القرآن وخاصِّياتِه المذكورةِ المُشارِ إليها آنفًا في النقاط الستِّ، والجهات الستِّ، والمقامات الستِّ، دامتْ حاكميتُه النورانية المَهيبة، وسلطنتُه القدسية العظيمة، مضيئةً وجوهَ العصور، منوِّرةً وجهَ الأرض، أكثر من ألفٍ وثلاثمئةِ سنةٍ بكمال الاحترام..
كما فَهِم أنه لأجل هذه الخاصِّيَّات أيضًا نال القرآن امتيازاتٍ قدسيةً، منها أن كلَّ حرفٍ من حروفه يعود بعشرِ حسناتٍ وعشرِ أجورٍ على الأقل، ويُثمِر عشرَ ثمراتٍ باقية، بل إن بعضَ آياته وسُوَره يُثمِر كلُّ حرفٍ منها مئةَ ثمرةٍ بل ألفًا بل أكثر، ويَزدادُ نورُ كلِّ حرفٍ وثوابُه وقيمتُه في الأوقات المباركة من عشرةٍ إلى مئات..
فقال لقلبه: إن هذا القرآن المُعجِز من جميعِ جهاته قد شَهِد بإجماعِ سوره، واتفاقِ آياته، وتوافقِ أسراره وأنواره، وتطابقِ ثمراته وآثاره، شهادةً مُثبَتةً بالدلائل على وجودِ واجبِ الوجود الواحد الأحد، وعلى وَحدته وأسمائه وصفاته، بحيث ترشَّحتْ من شهادتِه شهاداتُ جميعِ أهل الإيمان التي لا تُحَد.
وهكذا ذُكِر في المرتبة السابعة عشرة من المقام الأول على سبيل الإشارةِ الموجزةِ إلى درس التوحيد والإيمان الذي تلقَّاه هذا المسافر من القرآن:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الواحدُ الأحدُ، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته القرآنُ المعجِز البيان، المقبولُ المرغوبُ لأجناسِ المَلَك والإنسِ والجانّ، المقروءُ كلُّ
— 405 —
آياته في كلِّ دقيقةٍ بكمال الاحترام بألسنةِ مئاتِ الملايين من نوعِ الإنسان، الدائمُ سَلْطنَتُه القدسيَّةُ على أقطار الأرضِ والأكوان وعلى وجوه الأعصار والزمان، والجاري حاكميَّتُه المعنويَّةُ النورانيَّةُ على نصف الأرض وخُمسِ البشر في أربعة عشر عصرًا بكمال الاحتشام؛ وكذا شَهِدَ وبرهنَ بإجماعِ سوره القدسيةِ السماويةِ وباتفاقِ آياته النورانيَّةِ الإلٰهية، وبتوافُقِ أسراره وأنواره، وبتطابق حقائقه وثمراته وآثاره بالمشاهَدةِ والعِيان.
ثم إن هذا الضيفَ المذكور وعابرَ سبيلِ الحياة الذي عرَف أن الإيمان هو أثمنُ رأسِ مالِ الإنسان؛ إذْ لا يُملِّك الإنسانَ الفقيرَ مزرعةً فانيةً أو دارًا مؤقتةً، بل يُملِّكه الكونَ العظيم، ويمنحُه مُلكًا باقيًا عَرضُه السماوات والأرض؛ ويهيِّئ له - وهو الفاني - لوازمَ حياةٍ أبدية؛ وينقذه - وهو المسكينَ الذي ينتظر مشنقة الأجل - ويُخلِّصه مِن الإعدام الأبدي؛ ويفتح له كنوز السعادة السرمدية؛ قال لنفسه:
هيا نتقدَّم؛ فلكي نحظى بمرتبةٍ أخرى من مراتب الإيمان اللامحدودة علينا أن نراجع مجموعَ هيئةِ الكون فنسمعَ ماذا يقول، لنُكَمِّل وننوِّر الدروسَ التي تلقيناها من أجزائه وأركانه.
فنَظَر إلى الكون بمنظارٍ واسعٍ محيطٍ أخذه من القرآن، فرآه على قدرٍ عظيمٍ من الدلالة والانتظام، بحيث يبدو ككتابٍ سبحانيٍّ مجسَّم، وقرآنٍ ربانيٍّ مجسَّد، وقصرٍ صمدانيٍّ مزيَّن، وبلدٍ رحمانيٍّ منظَّم.
ورأى أن جميعَ سُوَرِ هذا الكتاب وآياتِه وكلماتِه، بل حتى حروفِه؛ وكذا جميعُ أبوابه، وفصوله، وصفحاته، وسطوره؛ بما يجري عليها في كل حينٍ من محوٍ وإثباتٍ بالغِ الدِّلالة، وتغييرٍ وتبديلٍ بالغِ الحكمة، مثلما تُعبِّر بداهةً وبالإجماع عن وجودِ وموجوديَّةِ نَقَّاشٍ ذي جلال، كاتبٍ ذي كمالٍ، عليمٍ بكل شيء، قديرٍ على كلِّ شيء، مصنِّفٍ يرى كلَّ شيءٍ في كلِّ شيء، ويَعلم مناسبةَ كلِّ شيءٍ مع كلِّ شيء، فيراعي جميعَ ذلك؛ فإنها بجميع أركانها وأنواعها، وأجزائها وجزئيَّاتها، وسكَّانها ومُشْتَمِلاتها، ووارداتها ومصاريفها، وتبديلاتها القائمة على المصلحة، وتجديداتها القائمة على
— 406 —
الحكمة؛ تُعلِن بالاتفاقِ عن موجوديَّةِ ووَحدةِ صانعٍ فريدٍ، وخبيرٍ عالٍ، يعمل بقدرةٍ لا حدَّ لها، وحكمةٍ لا منتهى لها.
كما رأى أنّ ثمة حقيقتَين عظيمتَين واسعتَين متناسبتَين مع عَظَمَةِ الكون تثبتان شهادةَ الكون العظيمةَ هذه وتَشهَدان لها:
الحقيقة الأولى: حقيقة «الحدوث والإمكان» ، التي أبصرها حكماءُ الإسلام وعباقرةُ علماءِ أصول الدين وعلمِ الكلام، وأثبتوها بما لا يُحَدُّ من البراهين.
فقد قال هؤلاء: ما دام التغيُّر والتبدُّل جاريًا في العالَم وفي كل شيء، فلا بدَّ أنه حادثٌ فانٍ ليس بقديم..
وما دام حادثًا فلا بدَّ له من صانعٍ أحدَثَه..
وما دام يستوي في ذات الشيءِ وجودُه وعدمُه ما لم يوجد سبب؛ فلا يمكن على الإطلاق أن يكون واجبًا أو أزليًّا.
وما دام قد ثبت بالبراهين القطعية عدمُ إمكانِ إيجادِ الأشياءِ بعضَها بعضًا بالدَّور أو بالتسلسل الباطِلَيْن المُحالَيْن.. فيلزَم إذًا بلا شكٍّ موجوديَّةُ واجبِ وجودٍ؛ يكون نظيرُه ممتنعًا، ومِثلُه مُحالًا، وجميعُ ما عداه ممكنًا، وما سواه له مخلوقًا.
أجل، لقد هيمنتْ حقيقةُ الحدوثِ على الكون، فترى العينُ أكثرَها، ويرى العقلُ سائرَها.
ذلك أننا نشاهد في كل سنةٍ عالَمًا هائلًا يفارق الحياة أمامَ أعيننا في فصل الخريف، إذْ يُتوفَّى مئةُ ألفِ نوعٍ من النباتات والحشرات، كلُّ نوعٍ له أفرادٌ لا تُحَدّ، وكلُّ فردٍ بمثابةِ كَوْنٍ تسري فيه الحياة؛ غير أنَّها وفاةٌ تجري بمنتهى الانتظام، إذْ تُخلِّفُ تلك الكائناتُ بذورَها ونواها وبويضاتها - التي منها يكون حَشْرُها ونَشْرُها في الربيع، والتي هي كذلك معجزاتُ الرحمة والحكمة، وبدائعُ العلم والقدرة - وتُسَلِّمها برامجَ أعمالها وجداولَ وظائفها التي أدَّتْها، وتستودعها أمانةً لدى حكمةِ الحفيظ ذي الجلال وحمايته، ثم تموت؛ حتى إذا جاء فصل الربيع بُعِثَت تلك الأشجارُ والجذورُ المتوفَّاة،
— 407 —
وعادتْ بأعيانها إلى الحياة، وأُوْجِدتْ أمثالُ تلك الحشرات وأُحْيِيَتْ أشباهُها، فكانت جميعُ هذه بمثابةِ مئةِ ألفِ دليلٍ ومثالٍ وعنوانٍ للحشر الأعظم؛ كما أنها إذْ تَنشُر برامجَ أعمالِ موجوداتِ الربيعِ السابق وصحائفَ وظائفه كالإعلانات، تَعرِض مثالًا لآيةِ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.
والأمر كذلك من جهةِ هيئةِ المجموع، ففي كلِّ خريفٍ وربيعٍ يُتوفَّى عالَمٌ هائل ويَحدُث عالَمٌ آخرُ جديد؛ وتجري كلٌّ من هذه الوفاة والحدوث على نحوٍ عظيمٍ من الانتظام، وتَقَع فيهما وَفَيَاتٌ وحُدُوثاتٌ لأنواعٍ عظيمةٍ بغاية الميزان والانتظام، حتى لكأنَّ الدنيا نُزُلٌ ضخمٌ تُستضاف فيه الكائناتُ الحية، وتأتيه عوالمُ سَيَّالة ودُنًى سَيَّارة، فتؤدِّي وظائفها فيه ثم تغادره.
وهكذا فوجوبُ وجودِ ذاتٍ ذي جلالٍ يُحْدِث في هذا العالَم كائناتٍ ذاتِ وظائف، ويُوجِد دُنًى ذاتَ حياة، بكمال العلم والحكمة، والميزان والموازنة، والانتظام والنظام، ويستعملها بقدرةٍ ويستخدمها برحمةٍ في مقاصد ربانية، وغاياتٍ إلٰهية، وخدماتٍ رحمانية؛ وكذا قدرتُه اللامحدودة، وحكمتُه اللامتناهية؛ إنما هي أمورٌ تتجلَّى للعقول بداهةً كالشمس.
ونختم البحث في مسائل الحدوث محيلين إياها إلى رسائل النور وكتبِ مُحقِّقي المتكلِّمين.
أما جهةُ الإمكان فهي الأخرى قد هيمنتْ على الكون وأحاطتْ به.
ذلك أننا نرى كلَّ شيءٍ كُلّیِيًّا كان أو جزئيًّا، كبيرًا كان أو صغيرًا، وكلَّ موجودٍ من العرش إلى الفرش، ومن الذرَّات إلى السَّيَّارات؛ إنما يُرسَلُ إلى هذا العالَم بذاتٍ مخصوصة، وصورةٍ معيَّنة، وشخصيةٍ مميَّزة، وصفاتٍ خاصة، وكيفياتٍ ذاتِ حكمة، وأجهزةٍ ذاتِ مصلحة..
والحال أن إعطاءَ هذه الذاتِ والماهيةِ المخصوصةِ تلك الخصوصيةَ من بين إمكاناتٍ لا تُحَدّ..
— 408 —
وإلباسَها هذه الصورة المعيَّنة ذات العلاماتِ الفارِقةِ المنقوشةِ المناسِبةِ من بين إمكاناتٍ واحتمالاتٍ بعدد الصور..
وتخصيصَ هذا الموجودِ المتقلِّبِ بين إمكاناتٍ بمقدارِ أشخاصِ بني جنسه بامتيازٍ يليق بشخصيَّته..
وإيداعَ صفاتٍ خاصةٍ نافعةٍ توافقُ ذلك المصنوع الذي لا شكل له، المتردِّدَ بين احتمالاتٍ وإمكاناتٍ بعدد أنواع الصفاتِ ومراتبها..
وتجهيزَ هذا المخلوق المتحيِّر التائه الذي لا يعرف وجهةً بالنظر إلى إمكانِ وجودِه بطُرُقٍ وأشكالٍ لا تُحَدّ، وتزويدَه بتلك الكيفيَّات ذات الحكمة، والأجهزة ذاتِ العناية، من بين إمكاناتٍ واحتمالاتٍ لا تُحَدّ..
ما هي إلا شهاداتٌ ودلالاتٌ وإشاراتٌ بعددِ جميعِ الممكنات كُلِّيِّها وجزئيِّها، وبعددِ إمكاناتِ ماهياتِ كلِّ ممكنٍ وهُويَّاته وهيئاته وصُوَره وصفاته ووضعياته المذكورة؛ تشهد على وجوبِ وجودِ واجبِ وجودٍ يخصِّص ويُرجِّح ويُعيِّن ويُحدِث؛ وعلى قدرته اللامحدودة، وحكمته اللامتناهية، وعلى أنه لا يخفى عليه شأنٌ ولا شيء، ولا يُعجِزه شيء، وأن أعظمَ شيءٍ هيِّنٌ عليه كأصغر شيء، وأن إيجادَ الربيع سهلٌ عليه سهولةَ إيجاد شجرة، وإيجادُ الشجرة سهلٌ عليه سهولةَ إيجاد بِذرة. وهذه الشهادة الصادرة عن حقيقة الإمكان إنما تُشكِّل أحد جناحَي شهادة الكون العظمى.
وبما أن أجزاء رسائل النور - خصوصًا الكلمتين الثانية والعشرين والثانية والثلاثين، والمكتوبين العشرين والثالث والثلاثين - قد أثبتتْ بالتمام شهادةَ الكون بجناحَيها وحقيقتَيها، وأوضحتْها تمام الإيضاح، فإننا نحيل عليها لنختم هذه المسألة الطويلة جدًّا.
أما ما يُثبِت الجناحَ الثاني للشهادة الكلية العظمى الآتية من مجموع هيئة الكون فهو:
الحقيقة الثانية: وهي حقيقة التعاون التي تُشاهَد في المخلوقات الساعيةِ - في خِضَمِّ التقلُّبات والتحولات المستمرة - لصيانةِ وجودِها ومُهِمَّتها، وأداء وظيفتها والحفاظ على حياتها إن كانت من ذوي الحياة، وهو تعاونٌ يَفوق قدرتها بالكُلِّیيَّة.
— 409 —
فمن ذلك إمدادُ العناصر لذوي الحياة، خصوصًا إمدادَ السحاب للنبات؛ ومساعدةُ النبات للحيوانات، ومعاونةُ الحيوانات للإنسان؛ وتغذيةُ الصِّغار بالحليب السائغ من الأثداء كالكوثر؛ وتأمينُ جميعِ ما تحتاجه الكائناتُ الحية من حاجاتٍ كثيرةٍ وأرزاقٍ خارجة عن اقتدارها وتسليمِها إياها من حيث لم تكن تحتسب؛ بل حتى مسارعةُ ذرَّاتِ الطعام لتعمير خلايا الجسم؛ ونحوُ ذلك من الأمثلة الكثيرة لحقيقة التعاون بالتسخير الرباني والاستخدام الرحماني؛ فهذه إنما تُظْهِر بشكلٍ مباشرٍ الربوبيَّةَ العُموميَّة الرحيمة لربِّ العالمين الذي يدير الكون بأجمعه كأنه قصر.
نعم؛ إن المتعاونين الذين يَظهَرون بمظهَر مَن له شعورٌ وشفقةٌ مع أنهم جماداتٌ لا شعور لها ولا شفقة، لا ريب أنهم يُدفَعون إلى هذا التعاون بأمرٍ وقوةٍ ورحمةٍ من ربٍّ رحيمٍ حكيمٍ ذي جلال.
وهكذا فشهاداتُ الحقائق العظيمة، كالتعاون العموميِّ الجاري في الكائنات؛ والموازنةِ العامةِ والمحافظةِ الشاملةِ الجاريتَين بكمال الانتظام، بدءًا من السَّيَّارات ووصولًا إلى أعضاء ذوي الحياة وأجهزتهم وما في أبدانهم من ذرَّات؛ والتزيينِ الدائرِ قلمُه من وجه السماوات المتلألئ، إلى وجه الأرض المُزيَّن، بل حتى إلى وجوه الأزهار المزركشات؛ والتنظيمِ الساري حكمُه من درب التبَّانة والمنظومة الشمسية إلى أمثال الذُّرَةِ والرُّمَّان من الثمرات؛ والتوظيفِ الذي يَعُمُّ تكليفُه جميعَ الموجودات، بدءًا من الشمس والقمر، والعناصر والسحاب، حتى النحلات؛ وهي شهاداتٌ عظيمةٌ بقدرِ عَظَمَة هذه الحقائق، إنما تُثْبِتُ شهادة الكون وتُشَكِّلُ جَناحها الآخَر. وبما أن رسائل النور قد أثبتتْ هذه الشهادة العظيمة ووضَّحتها، فإننا نكتفي بهذه الإشارة الموجزة هنا.
وهكذا أشارت المرتبةُ الثامنة عشرة من المقام الأول بإيجازٍ إلى الدرس الإيماني الذي تلقَّاه سَيَّاحُ الدنيا من الكون، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الممتنعُ نظيرُه، الممكِنُ كلُّ ما سواه، الواحدُ الأحد، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته هذه الكائناتُ الكتابُ الكبيرُ المُجَسَّم، والقرآنُ
— 410 —
الجِسْمانيُّ المعظَّم، والقصرُ المزيَّنُ المُنَظَّم، والبلدُ المُحْتَشَم المنتَظَم؛ بإجماع سُوَره وآياته وكلماته وحروفه، وأبوابه وفصوله، وصُحُفِه وسطورِه؛ واتفاقِ أركانه وأنواعه، وأجزائه وجزئيَّاته، وسَكَنَتِه ومشتَمِلاته، ووارِداته ومصارفه؛ بشهادةِ عظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الحدوثِ والتغيُّر والإمكان؛ بإجماعِ جميع علماءِ علمِ الكلام، وبشهادةِ حقيقةِ تبديل صورته ومشتَمِلاته بالحكمة والانتظام، وتجديد حروفه وكلماته بالنظام والميزان؛ وبشهادةِ عظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التعاونِ والتجاوبِ والتسانُدِ والتداخلِ والموازنةِ والمحافظةِ في موجوداته بالمشاهدة والعِيان.
ثم إن هذا الرجلَ المسافرَ التوَّاقَ الشَّغوفَ الذي أتى إلى الدنيا وبحث عن خالقها، وارتقى ثماني عشرة مرتبة، وبلغَ عرشَ الحقيقة، وترقَّى بمعراجٍ إيمانيٍّ من مقامِ المعرفة الغيابيَّة إلى مقامِ الحضور والمخاطبة.. خاطب روحَه قائلًا:
مثلما حصل بالمدح والثناء الغيابِيَّين اللذَين في أول الفاتحة طمأنينةٌ وسكينةٌ فارتقاءٌ إلى خطابِ إِيَّاكَ، فإنَّ علينا أن نتحوَّل عن البحث الغيابي ونتوجَّهَ بالسؤال مباشرةً إلى مَن نبحث عنه؛ إذِ السؤالُ عن الشمس التي تُظهِر كلَّ شيء إنما يتوجَّه للشمس ذاتها.
أجل، فمن يُظهِرُ كلَّ شيء يُظْهِر ذاتَه أكثر من كلِّ شيء؛ وعلى هذا فكما تُرى الشمسُ وتُعرَف من خلال أشعتها، فكذلك يمكننا بنسبةِ قابليَّتنا أن نجتهد في التعرُّف على خالقنا من خلال أسمائه الحسنى وصفاته القدسية.
ولما كان لهذا المقصِد طُرُقٌ لا تُعَدّ، ولطُرُقه مراتبُ لا تُحَدّ، ولمراتبه حقائقُ كثيرةٌ وتفصيلاتٌ طويلة؛ فإننا سنقتصر في هذه الرسالة على بيان حقيقتَيْن من حقائقِ مرتبتَيْنِ لطريقين من طُرِقه باختصارٍ وإجمال:
الحقيقة الأولى: حقيقةُ الفعَّاليَّة المستولية الشاملة للكون بأسره، وهي حقيقةٌ محيطةٌ دائمةٌ منتظمةٌ مدهشة تُرى بالمشاهدة رأيَ العين إذْ تديرُ جميعَ الموجودات السماوية والأرضية وتُبدِّلها وتجدِّدها؛
— 411 —
و حقيقةُ تَظاهُرِ الرُّبوبيَّة المحسوسةِ بالبداهةِ في طيِّ هذه الفعالية الحكيمة بكل جهاتها؛
وحقيقةُ تَبارُز الأُلٓوهيَّة المدرَكَةِ بالضرورة ضمن حقيقةِ تَظاهُرِ الربوبية التي تنشر الرحمة بكل جهةٍ.
وهكذا؛ فمِن هذه الفعَّاليَّة الحكيمة الحاكمة الدائمة وخَلْفَ حجابها: يُحَسُّ بأفعالِ فاعلٍ قديرٍ عليم، كأنها تُشاهَد.
ومِن هذه الأفعال الربانية المدبِّرة المُربِّية وخَلْفَ حجابها: تُعرَف بالبداهة بدرجةِ الحسِّ الأسماءُ الإلٰهية الموجودةُ جَلواتُها في كل شيء.
ومِن هذه الأسماء الحسنى ذات التجليات الجلالية والجمالية وخَلْفَ حجابها: يُفهَم وجودُ الصفات القدسية السبع وتَحَقُّقُها فهمًا بدرجةِ علمِ اليقين، بل عينِ اليقين، بل حقِّ اليقين.
ثم إنه بتجلياتِ هذه الصفات القدسية السبع، وهي تجلياتٌ غيرُ متناهيةٍ ذاتُ حيويةٍ وقدرةٍ وعِلمٍ وسمعٍ وبصرٍ وإرادةٍ وتكلُّمٍ تَشهد بها جميعُ المصنوعات: تُعلَم موجوديَّةُ موصوفٍ واجبِ الوجود، ومسمًّى واحدٍ أحد، وفاعلٍ فردٍ صمد.. تُعلَم علمَ يقينٍ قطعًا وبداهةً وضرورةً على نحوٍ يتجلَّى لعينِ الإيمان في القلب أظهرَ وأسطعَ من الشمس.
ذلك أن الكتاب الجميل ذا المعاني يستلزم فعلَ الكتابة بداهةً، والدار المنتظمة تستلزم فعلَ البناء بداهةً؛ وكلٌّ من فعلَي الكتابة الجميلة والبِناء المنتظم يستلزمان اسمَي الكاتب والبَنَّاء بداهةً؛ وهذان يستلزمان صنعتَي الكتابة والبِناء وصِفَتَيهما؛ ثم إن كلًّا من الصنعتَين والصفتَين تستلزمُ بالبداهة ذاتًا موصوفًا وصانعًا ومسمًّى وفاعلًا..
فكما لا يمكن أن يكون فعلٌ بلا فاعل، ولا اسمٌ بلا مسمًّى، لا يمكن كذلك أن تكون صفةٌ بلا موصوف، ولا صنعةٌ بلا صانع.
وبناءً على هذه الحقيقة والقاعدة، فإنَّ هذا الكون بجميع موجوداته هو بمثابةِ كتبٍ ورسائل غزيرة المعاني لا تُحَدّ، كُتِبَتْ بقلم القَدَر؛ وبمثابةِ قصورٍ وأبنيةٍ لا تتناهى شُيِّدتْ بمطرقة القدرة..
— 412 —
فكما يُشير كلُّ فردٍ منها ويَشْهَد بآلافِ الوجوه، وكما تُشير هي بمجموعها وتَشْهَد بما لا يُعَدّ من الوجوه، بالأفعال الربانية الرحمانية اللامتناهية، وبالجلوات اللامحدودة لألفِ اسمٍ واسمٍ من الأسماء الإلٰهية منشأِ تلك الأفعال، وبالتجليات اللامتناهية للصفات السُّبْحانيَّة منبعِ تلك الأسماء الحسنى، إشاراتٍ لا حدَّ لها وشهاداتٍ لا نهاية لها على وجوبِ وجودِ الذات ذي الجلال ووحدته، وهو الأزليُّ الأبديُّ أصلُ تلك الصفاتِ القدسيةِ المحيطةِ السبعِ وموصوفُها؛ فإن جميع ما في هذه الموجودات من محاسن وجمالات، ونفائس وكمالات إنما يَشْهَد على الجمالات والكمالات القدسية التي تليق بالأفعال الربانية والأسماء الإلٰهية، والصفاتِ الصَّمدانيَّة والشؤوناتِ السُّبْحانيَّة وتُوافقها، كما تشهد هذه جميعُها بالبداهة على الجمال والكمال القدسيَّيْن للذات الأقدس سبحانه.
وهكذا فحقيقةُ الربوبية المُتظاهِرةُ في حقيقة الفعالية تُظهِرُ نفسَها وتُعرِّف بها من خلال تصرفاتها وشؤونها، كالخلق والإيجاد والصنع والإبداع بعلمٍ وحكمة؛ وكالتقدير والتصوير والتدبير والتدوير بنظامٍ وميزان؛ وكالتحويل والتبديل والتنزيل والتكميل بقصدٍ وإرادة؛ وكالإطعام والإنعام والإكرام والإحسان برأفةٍ ورحمة.
وكذلك حقيقةُ تبارُزِ الألوهية الموجودةُ المحسوسةُ بالبداهة في حقيقةِ تَظاهُرِ الربوبية، تُعْلِن عن نفسِها وتُعَرِّف بها أيضًا من خلال الجلوات الرحيمة الكريمة للأسماء الحسنى، والتجليات الجلالية والجمالية للصفات الثبوتية السبع: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.
نعم، فكما تُعَرِّف صفةُ الكلام بالذاتِ الأقدسِ سبحانه من خلال الوحْيات والإلهامات، تُعْلِن أيضًا صفةُ القدرةِ عنه من خلال آثاره المتْقَنة التي هي بحكمِ كلماته المجسَّمة، وتصِف قديرًا ذا جلال، وتُعَرِّف به، مُظهِرَةً الكونَ من أوله إلى آخره بماهيةِ فرقانٍ مجسَّم.
وتُعْلِنُ كذلك صفةُ العلم - بمقدارِ جميعِ المصنوعات الحكيمة المنتظمة الموزونة، وبعددِ جميعِ المخلوقات المُدارَةِ المُدبَّرةِ المُزَيَّنةِ المُمَيَّزة بالعلم - عن ذاتٍ أقدسَ فردٍ هو موصوفُ تلك المصنوعات والمخلوقات.
— 413 —
أما صفة الحياة؛ فكما يدُلُّ على تحقُّقِها جميعُ الآثار المنبِئةِ عن القدرة، وجميعُ الصور والأحوال المُنتظَمة الحكيمة الموزونة المزيَّنة المنبِئةِ عن وجود العِلم، وجميعُ الأدلة المنبِئةِ عن سائر الصفات، إضافةً لدلائل صفة الحياة؛ فإن الحياة أيضًا بجميع دلائلها تُعلِن عن الذاتِ الحيِّ القيوم مُظهِرةً جميعَ ذوي الحياة - الذين هم مراياها - شهودًا؛ وتُحيل الكون من أوله إلى آخره مرآةً كبرى مؤلَّفةً من مرايا بلا حَدٍّ تَتَجدَّد وتَتغيَّر على الدوام، لإظهارِ النقوش والجلوات واحدةً تلو الأخرى بتجدُّدٍ في كلِّ وقت.
وبالقياس على هذا فإن صفات السمع والبصر والاختيار والكلام تُعرِّف كذلك كلُّ واحدةٍ منها بالذات الأقدس وتُعلِنُ عنه بقدر الكون.
ثم إنه كما دلَّتْ هذه الصفات على وجودِ الذات ذي الجلال، فإنها تدلُّ بالبداهة أيضًا على وجود الحياة وتَحقُّقِها وعلى كونه سبحانه حيًّا..
ذلك أن العلم علامة الحياة؛ والسمع أمارتُها؛ والبصرُ خاصٌّ بالأحياء؛ ولا يمكن أن تكون الإرادة إلا بالحياة؛ والاقتدارُ الاختياري إنما يوجد في ذوي الحياة؛ أما التكلُّم فشأنُ من هو حيٌّ عالِم.
وهكذا يتبيَّن من هذه النقاط أن لصفة الحياة من الدلائلِ والبراهينِ المنبِئةِ عن وجودها ووجودِ موصوفها ما يبلغ سبعة أضعاف الكون، حتى غَدَتْ هذه الصفة أساسَ جميع الصفات ومنبعَها، ومصدرَ الاسم الأعظم ومدارَه.
ولما كانت رسائل النور قد أثبتت هذه الحقيقة الأولى بالبراهين القوية وأوضحتها بما يكفي، فحسْبُنا هذه القطرة من هذا البحر.
الحقيقة الثانية: التكلُّم الإلٰهي الآتي من صفة الكلام.
فإنه بسرِّ الآيةِ: لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي...: لا منتهى للكلام الإلٰهي؛ وإن أظهَرَ علامةٍ تُنبئ عن وجودِ ذاتٍ ما: تَكَلُّمُه؛ إذًا فهذه الحقيقة تَشهَد شهادةً بلا انتهاء على موجوديَّة المتكلِّم الأزلي ووَحدته.
— 414 —
ولما كانت قد جاءت شهادتان قويَّتان لهذه الحقيقة بما بُيِّن في جهةِ الوحْيات والإلهامات في المرتبتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من هذه الرسالة؛ وجاءتْ كذلك شهادةٌ واسعةٌ من جهةِ الكتب المقدسة السماوية المُشارِ إليها في المرتبة العاشرة؛ وجاءتْ شهادةٌ أخرى ساطعةٌ جامعةٌ من جهة القرآن المعجز البيان في المرتبة السابعة عشرة؛ فإننا نحيل بيانَ هذه الحقيقة وشهادتها على تلك المراتب.
هذا وإن أنوارَ وأسرارَ الآية العظيمة: شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ التي أعلنتْ هذه الحقيقةَ بإعجازٍ وعبَّرتْ عن شهادتها مع شهادة سائر الحقائق الأخرى قد جاءت كافيةً وافيةً لمسافرنا هذا حتى إنه لم يستطع أن يتقدَّم أكثر.
وهكذا ذُكِر في المرتبة التاسعة عشرة من المقام الأول ما يلي إشارةً لتفسيرٍ موجزٍ للدرس الذي تلقاه هذا المسافر من هذا المقام القدسي:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الواحدُ الأحدُ، له الأسماء الحسنى، وله الصفاتُ العليا، وله المثل الأعلى، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدتِه الذاتُ الواجبُ الوجودِ بإجماعِ جميعِ صفاتِه القدسيَّة المحيطة، وجميعِ أسمائه الحسنى المتجلِّية، باتفاقِ جميعِ شؤوناته وأفعاله المتصرِّفةِ بشهادةِ عَظَمَةِ حقيقةِ تَبارُزِ الأُلوهيَّة في تَظاهُرِ الربوبيَّةِ في دوامِ الفعَّاليَّة المستوليةِ بفعلِ الإيجادِ والخَلْقِ والصُّنعِ والإبداعِ بإرادةٍ وقدرةٍ، وبفعلِ التقديرِ والتصويرِ والتدبيرِ والتدويرِ باختيارٍ وحكمةٍ، وبفعلِ التصريفِ والتنظيمِ والمُحافظةِ والإدارةِ والإعاشةِ بقصدٍ ورحمةٍ، وبكمالِ الانتظامِ والموازنةِ، وبشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ أسرارِ:
شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
٭ ٭ ٭
— 415 —
ألَّفَ الأستاذ رسالةَ المناجاة هذه - وهي "الشعاعُ الثالث" - إضافةً لرسالة "الآية الكبرى" وبضعِ رسائل أخرى حين كان في "قسطموني"، وهي بمجموعها نماذجُ ساطعةٌ تُبيِّن كيف كانت تمضي حياته هناك، وما القضايا التي أولاها اهتمامَه، وعلى أيِّ المسائل تمحورتْ خدمتُه.
أجل، فقد كان سعيد النُّورْسِيّ - كما تشهد الحقائق التي تضمنتْها هذه الرسائل - يعمل جاهدًا لتقوية الإيمان التي هي أوجبُ خدمةٍ للوطن والدين.
٭ ٭ ٭
مقدمة
مثلما تدل هذه الحجة الإيمانية الثامنة على وجوب وجوده ووحدانيته سبحانه، تدلُّ كذلك على إحاطةِ ربوبيته وعَظَمَةِ قدرته بدلائل قطعية، وتدلُّ أيضًا على إحاطة حاكميته وشُمول رحمته وتُثْبِتُهما، كما تُثْبِت إحاطةَ حكمته وشُمولَ علمه لجميع أجزاء الكون.
والحاصل أن لهذه الحجة الإيمانية الثامنة ثماني مقدِّمات، في كل مقدِّمةٍ ثماني نتائج، وهي تُثْبِتُ هذه النتائج بأدلتها في موضعها، ولهذا كان لها مزايا رفيعةٌ سامية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭