— 218 —
جوابٌ عن سؤالٍ خاص
هذا سرُّ عنايةٍ كان قد كُتِبَ للتداول الخاص منذ القديم، وأُلحِق بختامِ "الكلمةِ الرابعةَ عشرة"، غير أن أكثر النُّساخ قد نَسُوه بطريقةٍ ما فلم يكتبوه، وهذا يعني أن موضعَه اللائق والمناسب إنما كان هنا، ولأجل هذا خَفِيَ عليهم.
تسألني: لماذا يوجد في "الكلمات" التي ألَّفتَها مُستَقِيًا من القرآن قوةٌ وتأثيرٌ قلَّما يوجد في كلام المفسرين والعارفين؟ حتى لَيوجد في السطر أحيانًا من القوة ما يضاهي صفحة، ويوجد في الصفحة من التأثير ما يضاهي كتابًا.
فالجواب: بما أن الشرف في هذا يعود إلى إعجاز القرآن لا إليَّ، فإنني أقول بلا حرج: إن هذا هو حال معظم "الكلمات"؛ لأنها تصديقٌ لا تَصَوُّر؛ وإيمانٌ لا تسليم؛ وشهادةٌ وشهود لا معرفة؛ وتحقيقٌ لا تقليد؛ وإذعانٌ لا التزام؛ وحقيقةٌ لا تصوُّف؛ وبرهانٌ ضمن الدعوى لا مجرَّد دعوى.
وحكمةُ هذا السر هي أن الأسس الإيمانية كانت محفوظةً مَصونةً في السابق، وكان التسليم قويًّا، وكانت معارف العارفين وبياناتُهم في الفرعيات مقبولةً كافيةً وإن كانتْ بلا دليل؛ لكن لما مدَّت الضلالة العلمية في هذا الزمان يدَها إلى الأسس والأركان، فإن الحكيم الرحيم ذا الجلال - وهو المُحسِن المتفضِّل بالدواء الناجع لكلِّ داء - قد أحسَنَ إلى مؤلَّفاتي العائدةِ لخدمة القرآن، وتفضَّلَ عليها بشُعلةٍ من ضربِ الأمثال التي هي أسطعُ مظاهرِ إعجازه، رحمةً منه بعجزي وضعفي وفقري واحتياجي.
فأحمدُ اللّٰه أنه بمنظارِ ضربِ الأمثال قُرِّبَتْ أبعدُ الحقائق.
وبجهةِ الوحدة في ضربِ الأمثال جُمِعَتِ المسائلُ المتفرِّقة غايةَ التفرُّق.
وبسُلَّمِ ضربِ الأمثال يُسِّر الوصولُ إلى أعلى الحقائق.
— 219 —
وبنافذةِ ضربِ الأمثال حَصَل يقينٌ إيمانيٌّ بالحقائق الغيبية والأسس الإسلامية قريبٌ من الشهود.
فاضطر العقل للتسليم، وسَلَّم معه الخيالُ والوهم؛ بل حتى النفسُ والهوى، وألقى الشيطان سلاحَه راغمًا.
والحاصل أنه حيثما وُجِد في مؤلَّفاتي جمالٌ وتأثير فإنما هو من لمعاتِ التمثيلات القرآنية، وإنما نصيبي الطلبُ مع شدة احتياجي، وتضرُّعي مع غاية عجزي؛ فالداءُ دائي والدواءُ دواءُ القرآن.
٭ ٭ ٭
خاتمة المسألة السابعة
تُبيِّن هذه الخاتمة سِرًّا عظيمًا من أسرار العناية، وتزيل الأوهام الواردةَ أو المحتمِلةَ الورودِ على الإشارات الغيبية المذكورة في صورة عناياتٍ إلٰهيةٍ ثمانية؛ وهي أربع نكات:
النُّیكتة الأولى:
كنا قد ادَّعَينا في المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين" أننا استشعرنا إشارةً غيبيةً من سبعِ أو ثماني عناياتٍ إلٰهيةٍ كُلِّيَّةٍ معنويَّة، وأننا شاهدنا جلوةَ هذه الإشارة الغيبية في النقش الموجود تحت عنوان "التوافقاتِ" المسمَّاةِ العنايةَ الإلٰهية الثامنة.
وندَّعي أن هذه العنايات الكلِّيَّة السبع أو الثماني قويَّةٌ وقطعيَّةٌ، لدرجةِ أن كلَّ واحدةٍ منها تُثبِت على حِدَتها تلك الإشارات؛ ولو فرضنا مُحالًا أن بعضَها بدا ضعيفًا أو أُنكِر، لم يُخِلُّ ذلك بقطعيَّةِ الإشارات؛ إذْ مَن لم يقدر على إنكار تلك العنايات، لا يمكنه إنكار تلك الإشارات.
— 220 —
لكن لما كانت طبقات الناس متفاوتة، وكانت طبقة العوام - وهي أكثرُها - تعتمد على المشاهدة أكثر من غيرِها، فقد غدت التوافقات أظهرَ تلك العنايات وأعمَّها، مع أنها ليست أقواها، بل سائرُ العنايات أقوى منها، ولهذا اضطررتُ لبيانِ حقيقةٍ بصورة الموازنة لدفع الأوهام الواردة على التوافقات.
وبيان هذا أننا قلنا فيما يتعلق بتلك العناية الظاهرة: إنه يُشاهَد في مواضعِ وُرود كلمتَي "القرآن" و"الرسول الأكرم (ص)" في الرسائل التي ألَّفناها توافقاتٌ لا تُبقي أيَّة شبهةٍ في أنها تُرتَّب بقصدٍ فتأخذ هيئةَ التوازي؛ ودليلُنا على أن القصد والإرادة ليسا منا أننا لم نَقِفْ على هذه التوافقات إلا بعد ثلاثِ أو أربعِ سنين، ما يعني أن ذينِك القصد والإرادة كانا غَيبيَّين كأثرٍ من آثار العناية؛ فأُعطيَتْ هاتان الكلمتان تلك الهيئةَ الغريبةَ في صورة التوافق تأييدًا محضًا لإعجاز القرآن والمعجزات الأحمدية، وصارت بركتُهما خاتَم تصديقٍ لإعجاز القرآن والمعجزات الأحمدية، بل عمَّتْ بركتُهما الأكثريةَ العظمى من الكلمات المتماثلة، فحظيتْ هي الأخرى بتوافق، إلا أنه توافقٌ وقع في صفحاتٍ محدودة، أما هاتان الكلمتان فيشاهَد توافقُهما في أكثر الرسائل، فضلًا عن مشاهدته في رسالتَين بجميع صفحاتهما.
ولقد قلنا مرارًا: إن أصل هذا التوافق يمكن أن يوجد بكثرةٍ في الكتب الأخرى، لكن ليس بتلك الدرجة من الغرابة الدالة على القصد والإرادة العالية.
وبعد، فعلى الرغم من أن دعوانا هذه لا تَقبَل الإبطال، إلا أنها قد تبدو بظاهر النظر كأنها باطلةٌ من جهةٍ أو جهتين:
إحداهما: أنه يمكن أن يقال: إنكم رتبتم هذا التوافق بعد تفكيرٍ وإمعانِ نظر، وإنْ كان القيامُ بأمرٍ كهذا بقصدٍ فهو سهلٌ يسير.
فنقول جوابًا عن هذا: إنْ كان يكفي في الدعوى شاهدان عَدْلان، فإن دعوانا بأن الأمر وقع بغير إرادةٍ منا ولا قصد، وأننا لم نقِف عليه إلا بعد ثلاثِ أو أربعِ سنين، يمكن أن يوجَد لها مئة شاهدٍ عدل.
— 221 —
وأذكر نقطةً بهذه المناسبة، وهي أن هذه الكرامة الإعجازية ليست من نوعِ إعجازِ القرآن الحكيم في درجةِ بلاغته؛ لأن قدرة البشر لا تستطيع أن تسلك طريق إعجاز القرآن فتبلغ درجتَه، أما هذه الكرامة الإعجازية فلا يمكن أن تحصل بقدرة البشر، ولا مدخل لقدرتهم فيها، ولو تدخلت لكانت مُصطَنعةً ففسدَتْ.
(حاشية): في "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر"، وردتْ كلمة "القرآن" تسع مرات متوافقةً في صفحةٍ واحدةٍ من إحدى النُّسخ، فوصلنا بينها بخطٍّ فظهرت كلمة "محمد" (ص)؛ وفعلنا الأمرَ نفسَه في الصفحة المقابلة التي وردتْ فيها كلمة "القرآن" متوافقةً ثماني مرات، فظهر لفظ الجلالة "اللّٰه"؛ وفي التوافقات كثيرٌ من هذه الأمور البديعة.
لقد شاهدنا بأعيننا مصداقَ ما جاء في هذه الحاشية؛ بكر، توفيق، سليمان، غالب، سعيد.
النكتة الثالثة:
نشير إلى سِرٍّ دقيق من أسرار الربوبية والرحمانية بمناسبةِ الإشارة الخاصة والإشارة العامة.
إن لأحد إخواني قولًا جميلًا سأجعله موضوعَ هذه المسألة، وهو أنني عرضتُ عليه ذات يومٍ توافقًا جميلًا فقال: إنه جميل، بل كلُّ الحقائق جميلة، غير أن التوافقات والتوفيقات التي في هذه "الكلمات" أجمل.
فقلت: نعم، كلُّ شيء جميلٌ إما في الحقيقة، وإما بالذات، وإما باعتبار نتائجه، وهذا الجمال عائدٌ إلى الربوبية العامة والرحمة الشاملة والتجلي العام؛ والإشارةُ الغيبية في هذا التوفيق أجمل كما قلتَ، لأن جمالها عائدٌ إلى الرحمة الخاصة والربوبية الخاصة والتجلِّي الخاص؛ ونقرِّب هذا إلى الفهم بتمثيلٍ فنقول:
إن للسلطان رحمةً سلطانيةً تشمل جميعَ أفراد الرعية من خلال قانونه وسَلطنته العامة، بحيث يكون كلُّ فردٍ محلًّا للطفه ومَظهَرًا لسَلطنته بشكلٍ مباشر، ويكون لكلِّ فردٍ في هذه الصورة العامة علاقةٌ خاصةٌ بالسلطان.
لكنْ من جهةٍ ثانيةٍ، فإن للسلطان إحساناتٍ وأوامرَ خاصةً فوق القوانين العامة، إذْ يُحسِن إلى فردٍ من أفراد رعيته أو يُوْليه عنايةً أو يُبلِّغه أمرًا.
— 222 —
وعلى غرار هذا المثال، فإن لكلِّ شيءٍ نصيبَه من الربوبية العامة والرحمة الشاملة لواجب الوجود الخالقِ الحكيمِ الرحيم، وله علاقةٌ به سبحانه على قدر نصيبه من الربوبية والرحمة؛ وإن له سبحانه تصرفًا في كل شيءٍ بقدرته وإرادته وعلمه المحيط، وله تدخُّلٌ وربوبيةٌ في أدنى شؤون الأشياء، فإليه سبحانه تَحتاج جميع الأشياء في جميع شؤونها، وبعلمه وحكمته سبحانه تُقضى أمورها وتُنظَّم أعمالُها؛ وليس للطبيعة أن تَعزُب عن دائرة تصرُّف ربوبيته، أو تتدخَّلَ فتكون صاحبةَ التأثير، وليس للمصادفة أن تتدخَّل في شؤونه الموزونة بميزان الحكمة الحسَّاس.
ولقد نفينا دورَ الطبيعةَ والمصادفةَ بحججٍ قاطعةٍ في عشرين موضعًا من الرسائل، وأعدمناهما بسيف القرآن، وبيَّنَّا استحالة تدخُّلهما؛ لكنَّ أهل الغفلة عَمَدوا إلى الأمور التي لم تُعرَفْ حكمتُها ولا سببُها بنظرهم، وهي أمورٌ واقعةٌ في دائرة الأسباب الظاهرية من الربوبية العامة، فأطلقوا عليها اسمَ المصادفة؛ وخَفِيَتْ عليهم قوانينُ بعضِ الأفعال الإلٰهية التي لا يُحاط بحكمتها، والتي استترت بحجاب الطبيعة فلم يروها، فردُّوها إلى الطبيعة.
أما الثانية فهي الربوبية الخاصة، والعناية والنجدة الرحمانيتان الخاصتان، بحيث إن الذين لا يطيقون وطأة القوانين العامة يُسارع لنجدتهم كلٌّ من اسم "الرحمٰن" و"الرحيم" فيُعينانهم إعانةً خاصة، وينقذانهم من الشدائد؛ ولهذا يَستمدُّ منه سبحانه كلُّ حيٍّ لا سيما الإنسان، ويتلقى منه المدد كل آن؛ فإحساناته في هذه الربوبية الخاصة لا تحتجب خلف المصادفة، ولا تُرَدَّ إلى الطبيعة حتى لدى أهل الغفلة أنفسهم.
وبناءً على هذا السر، فقد نظرنا إلى الإشارات الغيبية التي في إعجاز القرآن والمعجزات الأحمدية على أنها إشارةٌ خاصة، وأيقنَّا أنها نجدةٌ خاصةٌ وعنايةٌ خاصةٌ تُظهِر نفسَها أمام المعاندين، فأعلنَّا عنها ابتغاء مرضاة اللّٰه تعالى وحدَه، عفا اللّٰه عنا إن قصَّرنا؛ آمين.
﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾
٭ ٭ ٭
— 223 —
صورةٌ أُخِذَت للأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ أولَ مجيئه إلى "بارلا"
— 224 —
إخواني..
سأبيِّن لكم فكرةً تنفعكم فيما يخصُّ العلاقة بين الأستاذ والطلاب ورفاقِ الدَّرس؛ وهي أنكم طلابي من جهة، وهذا أمرٌ فوق حدي، ورفاقُ درسي من جهةٍ أخرى، ومعاوِنيَّ ومستشارِيَّ من جهةٍ ثالثة.
إخواني الأعزَّاء.. إن أستاذكم ليس معصومًا عن الخطأ، بل من الخطأ الظنُّ أنه بلا خطأ؛ فإذا كان وجودُ تفاحةٍ فاسدةٍ في بستانٍ لا يضرُّه، ووجودُ نقدٍ مزيَّفٍ في خزينةٍ لا يَحُطُّ من قيمتها، فإن الإنصافَ يقتضي - بسرِّ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها والسيئة بمثلها - ألا يُعكِّر القلبَ وقوعُ سيئةٍ أو خطأٍ ما، ولا ينبغي أن يدفع للاعتراض على الحسنات الأخرى. إنَّ المسائل المتعلقة بالحقائق قطعيَّةٌ صريحةٌ لا شبهة فيها؛ لأن كُلِّيَّاتها وبعضَ تفصيلاتها نوعٌ من السُّنوحات الإلهامية.
ألا فلتعلموا يا إخواني ويا رفاق درسي أنكم إن رأيتُم مني خطأً فأعلَمتموني به دون حرجٍ كنتُ مسرورًا بذلك، بل حتى لو انتقدتموني بسببه لقلتُ لكم: جزاكم اللّٰه خيرًا؛ إذْ لا يُلتَفَتُ إلى الخلق في سبيل مراعاة الحق؛ ولا نَرُدُّ حقيقةً إرضاءً لأنانية النفس الأمَّارة، بل نَقبلُها على الرأس والعين وإن جهِلْنا ماهيتَها؛ مراعاةً لمقام الحق.
وأنتم تعلمون أنَّ هذه الوظيفة الإيمانية وظيفةٌ بالغةُ الأهمية في هذا الزمان، فما ينبغي أنْ تُلقى على عاتقِ شخصٍ ضعيفٍ مثلي مشتَّتِ الفكر عديمِ الحيلة، بل لا بد من مساعدته بقدر المستطاع.
وإننا في سياق اشتغالنا بالحقائق الجليلة منذ سنتين، أنعم اللّٰه علينا من كمالِ رحمته بتوافقاتٍ لطيفةٍ هي أشبه ما تكون بالفواكه والثمار، فلَطَّف بها أذهاننا وأمتعَها، ووجَّهها نحو الحقيقة القرآنيَّة الجليلة، وجعل هذه الثمار غذاءً وقوتًا لأرواحنا، فصارت فاكهةً وقُوْتًا في آنٍ واحد كالتَّمر، واتَّحدت الحقيقةُ والزِّينةُ والمزِيَّة.
نحن يا إخواني محتاجون في هذا الزَّمان إلى قوةٍ معنويَّةٍ عظيمةٍ لمواجهة الضلالة والغفلة، لكني أقول بأسف: إنني بالنظر إلى شخصي مفلسٌ في غاية الضعف، ليس لي
— 225 —
كرامةٌ خارقةٌ أُثبِت بها هذه الحقائق، ولا عندي همَّةٌ قدسيَّةٌ أجذِب بها القلوب، وليس لي موهبةٌ علويةٌ أُسخِّر بها العقول، ولكن عسى أن أكونَ خادمًا مستجديًا في حضرة القرآن الحكيم، أستمدُّ بعضَ أسراره لأقمعَ عنادِ أهل الضلالة المكابرين، وأضطرَّهم إلى الإنصاف، وقد استشعرتُ في التوافقات إكرامًا إلٰهيًّا من قبيل الكرامة القرآنيَّة، فتمسَّكتُ بها بكلتا يديَّ.
أجل، لقد استشعرتُ إشارةً قطعيَّة في "إشارات الإعجاز" وفي "رسالة الحشر" اللتين ترشَّحتا من القرآن، فهما عندي كرامةٌ قرآنيَّةٌ، سواءٌ وُجِد لهما نظير أم لم يوجد.
٭ ٭ ٭
أخي العزيزَ الوفيَّ الدَّؤوب..
إنَّ وظيفتَك القرآنيَّة التي تقوم بها مبارَكةٌ كلُّها، أسأل اللّٰه أن يوفِّقك ويُبعِدَ عنك الفتور ويزيدَك همةً ونشاطًا.
سأبيِّن لك دستورًا من دساتير الأُخُوَّة يجب أخذه بعين الاعتبار، وهو أن الحياة ليست سوى نتيجة الوحدة والاتحاد، وإن الاتحاد الممتزج متى زال زالت الحياةُ المعنويَّة، وكذلك التساندُ متى اختلَّ فقدت الجماعة معناها، كما أشار إليه قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
وكما تعلمون فإنَّه إنْ كُتبتْ ثلاثُ ألِفاتٍ كلٌّ على حِدة كانت قيمتُها ثلاثة، أما إن كُتِبت بتساندٍ عددي صارت قيمتها مئةً وإحدى عشرة؛ وكذلك الحال بالنسبة إليكم، فإنَّ ثلاثةً أو أربعةً من خُدَّام الحق من أمثالكم إن تحرَّكوا فُرادى دون تقاسُمٍ للأعمال، كانت قوَّتُهم قوَّةَ ثلاثةِ رجالٍ أو أربعة؛ أما إن تحرَّكوا بأُخوَّةٍ حقيقيَّة، وبتساندٍ يجعل بعضَهم يفخر بمزايا بعض، وبتفانٍ فيما بينهم يَبلغ درجة أن يكون الواحد عينَ الآخَر، أصبح هؤلاء الأربعةُ أربعَمئةٍ من حيث القوة والقيمة.
— 226 —
أنتم بمثابة القائمين على مولِّدات كهرباءٍ ستنير بلدًا عظيمًا لا "إسبارطةَ" وحدَها على كِبَرها، ولا بدَّ لمسنَّنات الآلة أن تتعاون فيما بينَها، فلا محل للحسد والغيرة بينَها، بل على العكس، إنما هو السرور والامتنان لوجود مزيدِ قوةٍ في المسنَّن الآخَر؛ فلو كان لمسنَّنٍ ما شعور، ورأى مسنَّنًا آخَر أقوى منه، لامتنَّ لذلك وسُرَّ به؛ لأنه يخفِّف عنه عبءَ وظيفته.
وإنَّ من يحملون على كواهلهم كنزًا نفيسًا عظيمًا - أعني كنزَ خدمة الحقِّ والحقيقةِ وخدمةِ القرآن والإيمان - يشكرون ويشعرون بالفخر والامتنان كلما انضمت إلى كواهلهم كواهلُ أخرى قويَّة.
حذارِ أن تفتحوا بابَ الانتقاد فيما بينكم، فثمة أشخاصٌ كثيرون خارجَ دائرة إخوانكم يستحقُّون الانتقاد.
إنني كما أفتخر بمزاياكم، وأنظر إلى ما ليس عندي منها فأُسَرُّ لوجودها فيكم وأعدُّها مزايا لي؛ فعليكم أنتم كذلك أن تنظروا إلى بعضكم كما ينظر أستاذكم إليكم، وليكن كلُّ واحدٍ منكم ناشرًا لفضائل الآخَر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
أستاذيَ المحترمَ الحبيب..
إنَّ كلَّ كلمةٍ من "الكلمات" - أقصد كلَّ رسالةٍ من رسائلكم - هي بحدِّ ذاتها دواءٌ عظيم ويَنبوعُ مددٍ أَنهَلُ منه الفيض الغزير، حتى إنني كلَّما قرأتُها رغبتُ في إعادة قراءتها من جديد، ثم لا أجد ما أعبِّر به عن أذواقٍ إلٰهيةٍ ساميةٍ أشعر بها حين أكررها؛ وإنني على تفاؤلٍ لا يخالجه شكٌ بأن مَن قرأ ولو بعضَها بإنصافٍ لأذعن للحق وأقرَّ به؛ حتى لو كان مُنكِرًا لعدَلَ عن طريق الإنكار، أو كان فاسقًا لتاب وأناب.
خسرو
٭ ٭ ٭