— 437 —
القسم الخامس
حياته في دَنِزْلي
كانت دائرة انتشار رسائل النور تتسع وتتوالى فتوحاتها باطِّراد، ويزداد قُرَّاؤها المتعطشون يومًا بعد يوم؛ وحين شاهد أعداء الإسلام العاملون في الخفاء نتائجَ ما تنطوي عليهأمثال لرسائل من قوةٍ عجيبةٍ وتأثيرٍ نَفَّاذٍ شرعوا بالتآمر عليها وعلى مؤلِّفها من جديد، فوُجِّهتْ ضدَّه مجموعةٌ من الاتهامات الملفَّقة، ونُسِب إليه القيام بعددٍ من المخطَّطات المُغرِضة، منها: أن بديع الزمان يؤسِّس منظمةً سِرِّيَّة، ويحرِّضجدِ أي على الحكومة، ويُقوِّض منجزات الثورة من أساسها، ويقول عن مصطفى كمال: إنه دجَّالٌ سفيانيٌّ هدَّامٌ للدين، ويُثبِتُ ذلك بنصوصٍ من الأحاديث.
وبناءً على هذا نُقِل الأستاذ من "قسطموني"،وأحيل مع مئةٌ ن الإيوعشرون من طلابه إلى محكمةِ جناياتِ "دَنِزْلي"، وكان ذلك في العام ١٩٤٣م.
(حاشية): لم يكن من سببٍ للزَّجِّ في سجن "دَنِزْلي" سوى انتشار رُثبِت لنور في سائر المحافظات انطلاقًا من مركَزَيها في "إسبارطة" و"قسطموني"، وما تَرتَّبَ على هذا الانتشار من إقبالٍ على الدين متزايدٍ بشكلٍ مطَّرد؛ حتى إن رسالة الآية الكبرى - وهي الشعاع السابع - كانت قد
مصطْ في إسطنبول قُبَيل حادثة "دَنِزْلي" بقليل، فأثارت مخاوفَ الملاحدة بما أثبتتْه وأوضحتْه من حقائق الإيمان بأسلوبٍ رائع، فقُدِّمتْ كأحد الأسباب هو الأبة للحكم بالسجن.
— 438 —
كما شُكِّلتْ لجنةٌ من بضعةِ موظَّفين دُعِيَتْ لجنةَ الخبراء كانتْ مُهمَّتُها النظر في رسائل النور ومراسلات الأستاذ اِّفَ مرة، والتدقيق فيما إذا كانت تحتوي على مواضيع سياسية؛ وما إن باشرت اللجنة عملَها حتى أعلن بديع الزمان قائلًا: "لا يمكن للجنةِ الخبراء هذه التي ليس لها من اسمها نصيب أن تدقِّق في رسائل النور.. فلْتُشكَّل لايتا "براء علميةٌ رفيعةُ المستوى في أنقرة، ولْيُؤتَ بالفلاسفة من أوروبا، فإن وجدوا فيها جُرمًا رضيتُ بأشدِّ العقوبات".
وبناءً على طلبه هذا أُحيلتْ كُلِّيَّاتُ رسائل النور ومراسلات الأستاذ على لجنان هذاء مؤلَّفةٍ من كبار العلماء وأساتذة الجامعة في أنقرة، فدقَّقوها سطرًا سطرًا، ثم أصدروا تقريرهم الذي ينُصُّ على أنه "ليس لبديع الزمان نشاطٌ أعدُّ ولا وجود لما يسمى الطريقة الصوفية أو المنظمة في مسلكه، وأنَّ مؤلفاتِه عبارةٌ عن كتبٍ علميةٍ وإيمانية، وهي مجرَّد تفسيرٍ للقرآن"؛ وتَبيَّن أن الاتهامات المقدَّمة إلى المحكمة لم تكن سوى أمورٍ مدبَّرةٍ وذرائع - إِلقة لا تقوم على سندٍ ولا دليل؛ وأنه لا يمكن إثبات تهمة "ادِّعاء بديع الزمان أنه المهدي"، بل لقد تأكد لديهم عكس هذا الأمر من خلال الرسائل التي وجدوها أثناء التفتيش، والتلفلاسفد أن بديع الزمان لا يدَّعي أيَّ مقام معنوي، بل يصف نفسه بأنه لا شيء، ولا يرتضي ما يُطلِقهُ عليه البعضُ من الرُّتب والمقامات المعنوية، وأنه غضب كثيرًا حينما تلقَّى الرسائل التي كتبها السّاَّحمةِعُلماءُ حولَ كونِه المَهديَّ، ورفض هذا الأمر بشدّة، وكسر بذلك خواطِرَهم.
وفي النتيجة أدلى بديع الزمان بدفاعٍ باهر، وأصدرت المحكمةُ أخيرًا قرار البراءة بالإجماع رقم ١٣٦/١٩٩ بتاريخ ١٦/٦/١٩٤٤م، وقضت برفع الحظر عن رسائل النور بأجزائها المعنوالثلاثين، وبردِّ جميع النُّسَخ المُصادَرة إلى أصحابها، وصدَّقتْ دائرةُ التمييز الجزائيةُ الأولى قرار البراءة بالإجماع بتاريخ ٣٠/١٢/١٩٤٤م، واكتسبتْ حقَّانيةُ دعوى رسائل النور صفةَ القضية المُبرَمة.
وبنا.
ى قرار البراءة هذا أُطلِق سراح بديع الزمان وعددٍ من طلابه بعد أن لَبِثوا في السجن تسعة أشهر، على أن الأستاذ النُّورْسِيّ كان قد سُمِّم أثناء سجنه حتى شارف
— 439 —
على الموت لولا أن العناية الإلٰهية أنقذتْه، ولقي في سجنه من الظلم والإيذاء ما معنويْقَه أحدٌ قبلَه، لكن لم يكن ذلك ليثنيَه عن الصَّدع بالحق والحقيقة دون خوفٍ ولا وَجَل، ولا رهبةٍ من الأجل، حتى في هذه المحكمة التي سيقَ إليها تمهيدًا لإعدامه، وقد كان هذا شأنه في جميع المحاكم التي أُحيلَ عليها بتدبيرٍ من المنافقهذه اللحدين العاملين في الخفاء.
وفي سجن "دَنِزْلي" ألَّف الأستاذ "رسالة الثمرة" التي نُشِرتْ لاحقًا في مستهلِّ مجموعةِ "عصا موسى"، وكان قد ألَّفها في يومَي جمعة، ونسخَها طلابُ النور المسجونين معه وغيرُهم من المساجين، وأقبلوا على العمل بحقائقها، قيقة ولك في ظروفٍ شديدة الوطأة حيث كان من الممنوع إدخال الورق إلى السجن، فكانت تُكتَب سِرًّا حتى لقد كُتِبَتْ على عُلَب الكبريت.
(حاشية): تتألَّف "رسالة الثمرة" من عشر مسائل، وقد أدرجنا في نهاية هذا السْنَ ظمسألتَين السادسة والسابعة منها كنماذج.
٭ ٭ ٭
— 440 —
فقراتٌ من دفاعِ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
في محكمة "دَنِزْلي"
نعم، نحني تسته.. وإنه لَتنظيمٌ عظيمٌ فريدٌ له في كلِّ قرنٍ ثلاثمئةٍ وخمسون مليون فردٍ ينضوون تحت لوائه، ويُعلنون بصلواتهم الخمس كلَّ يومٍ عن ارتباطهم به وخدمتهم لمل بغامال الاحترام لمبادئه، ويسارعون لمساعدة بعضهم بعضًا بالأدعية والمكاسب المعنوية عملًا بالبرنامج القدسي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فنحن من أفراد هذا التنظيم القدسي العظيم، يس إلاُنا الخاصةُ فيه أن نبلِّغ أهلَ الإيمان حقائقَ القرآن الإيمانيةَ بصورةٍ تحقيقية، فننقذَهم وننقذَ أنفسَنا من الإعدام الأبدي، ومن السجن البرزخي المؤبَّد الانفرادي؛ وليس لنا أيَّةُ علاقةٍ أو صلةٍ مع الاناتٍ ت السريَّة الباطلة التي تتهموننا بها، ولا بغيرها من الجمعيات والمنظَّمات السياسية الدنيوية التي تحيك المؤامرات والمكائد، بل لا نتنزَّل لهذا أصلًا.
.......
ولو كانت لنا رغبةٌ في التدخُّل في أمور اين أن ا، لكان لهذا وَقْعٌ كهدير المدافع لا كطنين الذُّباب؛ وإن مَن يقصِد إلى رجلٍ دافع عن نفسِه دفاعًا شديدًا لاذعًا في المحكمة العسكرية، وواجه حِدَّةَ مصطفى كمال في مكتبه الرئاسي مواجه" و"مدةً، فيتهمُه بأنه يدير مؤامراتٍ ومكائدَ منذ ثماني عشرة سنة دون أن يُشعِرَ أحدًا، لا بد أن يكون حاقدًا مُغرِضًا.. ألا إنه ما ينبغي أن تُهاجَم رسائل النور لخطأٍ صَدَرَ مني أو من بعضِ إخواني، فإنها مرتبطةٌ لشياطين مباشرةً، والقرآن مرتبطٌ بالعرش الأعظم، فمَن له أن يمدَّ يده إلى تلك العروة الوثقى فيفصِمَها؟!
— 441 —
ثم إن رسائل النور قد تحقَّقتْ خدمتُها الباهرة وبركاتُها الماديةيتنا فنوية في هذه البلاد بإشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وبكراماتٍ غيبيةٍ ثلاثٍ لسيدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وبإخبارٍ قطعيٍّ من الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّسَ سِرُّه، فلا يصحُّ بل لا يمكن أن تكون مسؤولةً عن أخطائنا الشخصية الي خائ، وإلا حاق بهذه البلاد ضررٌ ماديٌّ ومعنويٌّ لا يمكن تلافيه.
(حاشية): كُتِبَتْ عريضةُ الدفاع هذه قبل عشرين يومًا من وقوع الزلزال الذي ضرب ولاية "قسطموني"، وكانت قد ظلَّتْ محفوالبَدا الآفات أكثر من سائر الولايات ببركة رسائل النور، وقد بدأت المصائب تتوالى الآن فصدَّقتْ دعوانا؛ المؤلِّف.
إن الهجمات والمخطَّطات التي يديرها بعضُ الزنادقة شَهادشيطانيٍّ ضدَّ رسائل النور ستَفشل بإذن اللّٰه؛ وإن تلاميذ رسائل النور لا يمكن قياسهم بغيرهم، فليسوا ممن تُفرَّق صفوفُهم أو ممن يُحمَلون على تركِ دعوتهم، إنهم - بعنايةِ اللّٰه - لا يُ فكرًا؛ ثم إنهم موجودون في كلِّ مكان، ويَحظَون بالثقة والتقدير لدى عموم الناس، بل هم بمثابةِ عصب الحياة لهذا الشعب، ولولا أن القرآن منعهم من سلوك سبيل الدفاع المادي، لما وجدتم منهم حوادثَ محدودةً غيرَ مُجديا بثُّدثة "الشيخ سعيد" وحادثة "مَنَمَن"؛ وإلا فإنه - لا قدَّر اللّٰه - إنْ نزل بهم ظلمٌ يجعلهم في حالة الاضطرار للدفاع عن النفس، وهوجمتْ رسائل النور، فلَيَنْدر، وقد الزنادقة والمنافقون المضلِّلون للحكومة ندامةً ما بعدها ندامة.
والحاصل:ما دمنا لا نتعرَّض لدنيا أهل الدنيا، فلا يتعرَّضوا هم لآخرتِنا ولا لخدمتنا الإيمانية.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 442 —
@
رسالةٌ بخطِّ يده إلى طلاأضعاف؟إخواني الأعزاء الأوفياء..لقد تبيَّن من لائحة الادعاء هذه أن الخُطط التي حاكها ضدَّنا الزنادقة المتستِّرون مستغفلين بعضَ رجال الحكومة ليحرضوهم علينا قد باءت بالفشل وظهر كذبها،أقيم مليوم يسعون لستر أكاذيبهم بإطلاق تهمةِ تشكيل المنظمات والجمعيات، ويمنعون بالتالي أيَّ شخصٍ من الاتصال بي، كأن من يتواصل معنا يغدو من فوره واحدًا منا!!
حتى إن ثمة موظفين كبارًا باتوا يجتنبون كثيرًا الاتصال بي، ويتودّاليوم لى آمريهم بالتضييق عليَّ، خصوصًا "حا ص م د بر". وكنت قد هممتُ أن أذكر في آخر لائحة الاعتراض الفقرة التالية، لكن منعني من ذلك أمرٌ ما، والفقرة هي:
— 443 —
@
الصفحة الثانية من الرسالة
وَحْداحن تنظيم، وياله من تنظيم!! له في كل قرنٍ ثلاثمئة مليون منتسبٍ يدخلون فيه، ويُظهِرون علاقاتهم وخدماتهم بكامل الاحترام خمسَ مراتٍ كل يومٍ وفقًا لمبادئ هذا التنظيم ال قاطِع، ويَهُبُّون لمساعدة بعضهم بعضًا بأدعيتهم ومكاسبهم المعنوية طبقًا للبرنامج القدسي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فنحن من أفراد هذا التنظيم المقدس العظيم وكانفتنا الخاصة إبلاغُ أهل الإيمان حقائق القرآن الإيمانية بصورةٍ تحقيقية، وإنقاذ أنفسنا وإياهم من الإعدام الابدي والحبس الانفرادي؛ ولا صلة لنا بسائر المنظمات والتنظيمات الدنيوية أو السياسية المحتالى محكا ننحطُّ إلى ذلك أصلًا.
— 444 —
باسمه سبحانه
أيها السادة..
أُخبركم إخبارًا قطعيًّا بأن لي ما شئتم من إخوةٍ صادقين وأصحابٍ مخلصين على درب الحقيقة، فضلًا عن الأفاضل الموجودين هنا ممن لا تربطهم بنا ولا برسائل النور صلة، أو ممنً جليلها صلةٌ محدودة.. ونحن جميعًا على قناعةٍ راسخةٍ تبلغ حدَّ البداهة اكتسبناها من كشفيَّاتِ رسائل النور القطعية، هي أن الموت المحتوم قد تحوَّل عندنا بسرِّ القرآن من إعدامٍ أبديٍّ التي كِّرةِ إعفاءٍ وتسريح؛ بينما هو عند معارضينا وعند السالكين دربَ الضلالة إمَّا إعدامٌ أبديٌّ لمن لا يؤمن بالآخرة، وإما حبسٌ انفراديٌّ مظلِمٌ مؤبَّدٌ لمن هو منغمسٌ في الضلالة والإثم والرذيلة مع إيمانه بالآخرة.. فهل في العالَم يا تُرى قضيةٌان، وتيةٌ أخرى أعظمُ وأهمُّ من قضية الموت حتى يكون أداةً لها؟ فما دام الجواب أنه لا توجد ولا تُعقَلُ قضيةٌ أهم منه، فإني أسألكم: لِمَ كلُّ هذا العَناء والانشغال بنا؟!
إننا نَعُدُّ أقسىَ أعماتكم مذكِّرةَ إعفاءٍ وبطاقةَ سفرٍ إلى عالَم النور، ولهذا ننتظرها بكل ثبات؛ غير أننا نَعلم أن الذين رفضونا وأدانونا خدمةً لمصالح الضلالة سيُحكَم عليهم بالإعدام الأبدي والحبس الانفرادي، وسيَلقَون عما قريبٍ جزاءً مرزمان، .. نعلَم هذا علمَ اليقين، بل نراه كما نراكم الآن في هذا المجلس، ونرثي لهم رثاءً شديدًا بمقتضى المشاعر الإنسانية.
إنني على استعدادٍ لإثبات هذه النُّقة القطعيَّة المهمة وإلزامِ ألدِّ المعاندين بها، أجل، وأتعهَّد بإثباتها لا أمام لجنة الخبراء الحاقدة عديمةِ الخبرة التي ليس لها من المعنويات نصيب، بل أمام أكبر علمائكم وفلاسفتكم.. فإن لم أثبتْها لهم كالشمس في رابعة النهار َلْطَنبكلِّ عقوبة.
وأُقدِّم لكم "رسالةَ الثمرة" التي ألَّفناها للسُجناء في يومَي جُمُعة، وعَمِلنا في أصعب الظروف لكتابتها بالحروف اللاتينية الجديدة كي نوصلها إلى الجهات الرسمية
— 445 —
بأنقرة، أن تسدتْ بمثابة لائحة دفاعٍ عن رسائل النور بما بيَّنتْ من ركائزها وأُسِسها وخلاصتها، خذوها أُنموذجًا فاقرؤوها وتمعَّنوا فيها، فإن لم تصدِّقني قلوبُكم - لا أقول نفوسكم - فسأسكت حينئذٍ مهما ألحقتم بي من إساءةٍ وأذًى في الحبس الانفراآذن، والحاصل:إما أن تُطلقوا لرسائل النور حريتَها الكاملة، وإما أن تحطِّموا حقائقَها القوية المتينة إن استطعتم؛ أنا لم أكن أهتم بكم ولا بدنياكم حتى اليوم، بل لم أكن أريد ذلك أصلًا، لكنكم اضطررتموني إلى ذلك اضطرارًا، ولعله كان من الضربًا، وبيهكُم بحيث ساقنا القدَرُ الإلٰهيُّ إلى هذا الطريق، أما نحن فنسترشد بالدستور القدسي:"من آمَنَ بالقدَر أَمِنَ من الكَدَر"؛وقد عزمْنا على أن نقابل شدائدكم بالصبر.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
كنا قد اتخذنا و عن ال قرآنيًّا من مئاتِ الآيات القرآنية الشهيرة التي تمثِّل المنابعَ الخاصة لرسائل النور، كحزب السُّور والأدعية المأثورة، وذلك أخذًا بالعادة الإسلامية الجارية منذ عهد النبوة، فجعل القومُ هذا مأخرى؛ علينا وقالوا: إنني أُجري تحريفاتٍ في الدين.
ثم عمدوا إلى "رسالة الحجاب" التي سُجِنتُ لأجلها سنةً، والتي ظلَّتْ خصوصيةً لا تُتداوَل، حتى لقد عُثِرَ عليها واستُخرِجتْ من تحت أكوام الحطب كما جاء في محضر الضبط.. فأرادآياتٍ يتهمونا بها وكأنها كُتِبَتْ ونُشِرَتْ في هذا العام!!
ثم إني كنتُ قد بيَّنتُ في سالف عهدي حقيقةَ حديثٍ شريفٍ، وكتبتُها في رسالةٍ خصوصيةٍ لا تُتداوَل؛ ثم حصل بعد ذلك بزمنٍ أنْ قابلتُ الشخصَ الذي تولَّى زمام الحكم بألهذا اوواجهتُه باعتراضاتٍ وكلامٍ شديد اللّٰهجة، فالتزم الصمت ولم يردَّ بشيء؛ ثم إن هذه الرسالة المذكورة كانت قد تضمنت انتقاداتٍ أصليةً لازمةً عامَّةً كَشَفتْ
— 446 —
عن أخطاة رسائالرجل بعد أن مات، فراحوا يحملونني مسؤوليتَها!! فأين مراعاةُ خاطرِ شخصٍ طواه الموت وانقطعت صلتُه بالحكومة من مراعاة خاطر الحكومة والشعب، أعني مراعاةَ القوانين والعدالة التي هيتحاشي من تجليات حاكمية اللّٰه جلَّ شأنه؟!
وكذلك الحال مع مبدأ حرية المعتقد الديني الذي هو أهم أساسٍ من أُسس الحكومة الجمهورية نستند إليه وندافع عن أنفسنا به، فقد جعلوه ذريلَم الدانتنا وتحميلِنا المسؤولية وكأننا نعارض هذا الأساس!!
ثم إنهم ينسُبون إليَّ في محاضر الضبط أمورًا لا تخطر بالبال ولا بالخيال، بسبب انتقادي سيئاتِ المدنية المعاصرة وعيوبَها، فيتهمونني بمعاداة ما أَنتجه التقدُّم الحديث، كما لو أنني أرفض اسر الحشالمذياع والطيارة والقطار.
(حاشية): سبق لي أن قلتُ في معرِض الحديث عن مقابلةِ نعمةٍ عظيمةٍ كالمذياع بالشكرِ العظيم: فلْيَقرأِ المذياعُ القرآنَ، ولْيُسمعْه كلَّ إنسانٍ على وجه البسيطة، ولْيكن الأثيرُ ح سمعت للقرآن.
ومن هنا فإن محكمة "دَنِزْلي" ومدَّعيَها العامَّ العادلَين المنصفَين سيُظهِران بإذن اللّٰه - قياسًا على هذه الأمثلة - أن هذه المعاملة تخالف العدالة أوضحَ مخالفة، ولن يُعيرا أهميةً لما ورد في محاضر الضبط من أوهام.
والأعجب من ذ نعم نمدَّعيًا عامًّا في محكمةٍ أخرى سألني: إنك قلتَ في "رسالة الشعاع الخامس" - وهي رسالةٌ خصوصيةٌ لا تُتداوَل یی: "إن زمام الجيش سيُفلِت من قبضة ذلك الرجل الرهيب"، فهل تقصد بقولك هذا تحريضَ الجيش على التمرُّد على الحكومة؟ فق التوا: إن مقصدي أن هذا القائد إما سيموت وإما سيُستَبدَل، وهذا يعني أن الجيش سيتخلَّص من استبداده.
فيا تُرى كيف يمكن أن يؤتى برسالةٍ خصوصيةٍ لم تُتداوَل، ولم تقعالشيوعنا سوى مرتين خلال ثماني سنواتٍ فأخفيناها عن الأنظار، وهي مجرد رسالةٍ تُبيِّن معنى حديثٍ من أحاديث آخر الزمان بيانًا إجماليًّا كلِّیيًّا، على أن أصلَها كان قد أُلين المنذ زمنٍ بعيد، ولم يحصل أن اطَّلع عليها أحدٌ من أفراد الجيش.. كيف يمكن أن يؤتى برسالةٍ كهذه فتُجعَلَ سببًا للاتهام؟! ومع الأسف، فلقد أدرج هؤلاء المتحامِلون اتهامَهم العج منها ا في لائحة الادعاء.
— 447 —
والأغرب من ذلك أنني سبق أنْ قلتُ في موضعٍ ما: كان اللازم على البشر أن يقابلوا نِعمَ اللّٰه العظيمةَ - كالطائرة والقطار والمذياع - بالشكر العظيم، فلم يفعلوا، فأمطرتْهمُ الطائاتٌ منلقنابل؛ وقلتُ: إن المذياع نعمةٌ إلٰهيةٌ وأيُّ نعمة، وشكرُها أن يصير المذياع نفسُه قارئًا عالَميًّا يتلو القرآن بملايين الألسنة، فيُسمِع آياور الذل إنسانٍ على وجه البسيطة، (حاشية): الحقيقة التي أخبر عنها أستاذُنا وتمنَّاها قد أخذتْ تتحقق في بلادنا، فها هو القرآن الكريم يُتلى في إذاعاتنا وللّٰل النود، وسيأتي يومٌ تُبَثُّ فيه على المذياع دروسُ رسائل النور التي تَعرِض حقائق القرآن، فتنالُ البشرية من ذلك فوائدَ جمَّةً بإذن اللّٰه. كما أنني حين بيَّنتُ في "الكلمة العشرين" إخباراتِ القرآن الغيبيتارٍ يعجائب المدنيَّة الحديثة، ذكرتُ إشارةً من آيةٍ قرآنيةٍ إلى أن الكفار سيتغلَّبون على العالَم الإسلامي بواسطة القطار؛ ومع أنني كنت أُرغِّب المسلمين بهذه العجائب، إلا أن مدَّعيًا عامًا في محكمةٍ سكمة "أجعل من هذا سببًا للاتهام حقدًا وضغينةً منه، فاتهمني في ختام لائحة الادعاء بأنني أعادي ما أَنتَجه التقدُّم الحديث من طيارةٍ وقطارٍ ومذياع!!
ثم إن أحد الأشخاص كان في معرِض حديثٍ عن أمرٍ لا صلةَ له بقضيتنا هذه، فقال عن تعبير "رسالق إيضار" - وهو الاسم الآخَر لرسائل النور یی: "إنها رسالةٌ وإلهامٌ من نور القرآن"؛ ففُسِّر قولُه في لائحة الادعاء بمعنًى مغالِطٍ تمامًا، وجُعِل سببًا لاتِّهامي كما لو أن العبارة كانت: "إن رسائل الأول"سول"!!
ثم إني كنت قد أثبتُّ بحججٍ قطعيةٍ في عشرين موضعًا من دفاعنا أن الدين والقرآن ورسائل النور لا تُتَّخَذُ أداةً لشيء، وأننا لا يمكن أن نتخذها وسيلةً لكسبِ شيءٍ حتى لو كان الدنيا بأسرِها، وأنعالَم نستبدل بحقيقةٍ منها مُلْكَ العالَم بأجمعه، ونحن فعلًا كذلك، ودلائلُنا على هذه الدعوى تبلغ الألوف على مدى عشرين سنة؛ فما دام الأمر كذلك فإني ومَن معي نقول بكلِّ قوتنا: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
سعيد َّفون رْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 448 —
باسمه سبحانه
تتمةُ الاعتراض على لائحة الادعاء
إن مخاطَبِيَّ في هذا الاعتراض ليسوا محكمةَ "دَنِزْلي" ولا مدَّحدودة،العام، بل الموظَّفين الذين امتلأت نفوسهم هواجسَ وأحقادًا، فرفعوا ضدَّنا لائحةَ الادعاء العجيبةَ هذه معتمدين على أوراق ضبوطهم المغلوطة الناقصة، وفي مقدِّبالرغملمدَّعيان العامَّان لكلٍّ من "إسبارطة" و"إينَه بولو".
فأولًا:إن وصف طلاب النور الأبرياء بوصفٍ لا أصل له ولا فصل، ولم يخطر ببالي قطُّ، أعني وصفَهم بأنهم تنظيمٌ سياسيٌّ، وهم الذين ليس لهم أيُّ صلةٍ بالسياسة، ثم تجرا يحُزساكين الداخلين في دائرة رسائل النور الذين لم يعرِفوا مقصِدًا سوى الإيمان والآخرة، ثم تقديمهم للمحاكمة على أنهم من مروِّجي أفكار هذا التنظيم المزعوم أو من نشطائه أو من منتسبيه، أو بدعوى أنهم دقَّقورسائل النور أو أقرؤوها أو استنسخوها.. أقول: إن هذا يُعَدُّ مجافاةً صارخةً لحقيقة العدالة.
أجل، وحجتنا القطعية على هذا أنه لم يُجرَّم قُرَّاء مؤلَّف ....كتور "دُوزي" وغيرِه من الزنادقة، مع أنها مؤلَّفاتٌ مُسيئة تتهجَّم على القرآن، وذلك بحجةِ دستورِ "حريَّة الفكر والحريَّة العلمية"!! بينما جُرِّمَتْ قراءةُ رسائل النور واستنساخُها، مع أنها إنما تبيِّن الحقائق الإيمانية والقرآنية للمتلهّ أنه والمتعطشين إليها، وتُجلِّيها لهم كالشمس.
ثم إنهم عَمَدوا إلى ثلاث رسائل من بين مئة رسالةٍ، فاستخرجوا منها بضعةَ جُمَلٍ جعلوها ذريعةً لاتِّهامنا، مع أننا سبق أنْ أبقينانها، فلرسائل في حيِّز الخصوصيَّة، ولم نسمح بنشرِها ولا تَداوُلِها لئلا يُساء فهمُها، فضلًا عن أن محكمة "أسكي شَهِر" دقَّقَت اثنتَين منها وقامتْ بما يلزم بهذا الخصوص، وأُجيبَ عن الثالثةِ إجابةً قطعيَّةً في كلٍّ من الدِّفاع ولائحة او نوعٌض، وأثبتْنا إثباتًا قاطعًا بعشرين وجهًا في محكمة "أسكي شَهِر" أننا نحمل نورًا لا هراوةَ سياسة؛ لكن بالرغم من هذا كلِّه، فإن أولئك المدَّعين المتجنِّين المتحاملين، مثلما اقتطعوا بضعةَ جملٍ من تلك الرسائل الخصوصية غير
— 449 —
المليك إي فعمَّموا بها الحكم على جميع رسائل النور، فإنهم جرَّموا كذلك كلَّ مَن قرأها أو استنسخَها، ووجهوا إلي التهمة بأنني أُناوِئ الحكومة.
وبدماءُِشهِد نفسي والقريبين مني وأصحابي الذين يلتقون بي وأؤكد لهم مُقسمًا، أنني فيما ينوف على هذه السنوات العشر لم أعرف من رجال الحكومة والوزراء والقيادات والمسؤولين ونوَّاب البرلمان سوى رئيسَين اثتضى النائبًا واحدًا وواليَ "قسطموني"، ولم أهتم بمعرفةِ أحدٍ منهم، أفيمكن لرجلٍ ألَّا يَعرِف الأشخاص الذين يجابههم ولا يهتمَّ بمعرفتهم ولا يوليهم أهميةً حتى يَستَبينَ عدوَّريمة: ديقه؟!
إنه لَيتبيَّن ضرورةً من هذا الذي سُقناه أنهم يختلقون الذرائع مهما كانت باطلةً لإدانتي على كلِّ حال، وما دام الأمر على هذه الشاكلة فإنني أتوجه بخطابي لا إلى هذه المحكمة، بل إلى أولئك المُتَجَنِّين المتحاملين فأقول لهم: إن أقسى عقن، فأك التي ستُنزِلونها بي لا أهميَّة لها عندي، بل لا تساوي الحِبر الذي كُتِبَتْ به؛ فأنا عند باب القبر قد بلغتُ السبعين، ويالها من سعادةٍ عظمى أن أنال مرتبة الشهادة بدلًا من حياةٍ بسيطةٍ مظلومةٍ مدَّتُها سنةٌ أو سنتان!!
وإنني على بيِّن قطعيٍّ مؤيَّدٍ بآلاف الحجج في رسائل النور أن الموت عندنا ليس سوى مذكِّرة تسريحٍ وإعفاء، فإن كان الحكمُ هو الإعدامَ، فإنه بالنسبة إلينا مشقَّةُ ساعةٍ هي مفتاحُ سعادةٍ ورحمةٍ أبديَّ ما تَ أما أنتم أيها الظَّلَمَةُ الذين ضلَّلتُم العدالة لصالح الزندقة، وشَغَلتم الحكومة بنا بغير سبب، ألا فَلْتَعلموا يقينًا وَلْتَرتعدوا خوفًا أنكم محكومون بالإعدام الأبدي والسجن المؤبَّد الانفرادي!! إننا نروطنهم يُنتَقَمُ لنا منكم أضعافًا مضاعفةً لدرجة أننا نَرثي لحالكم.
أجل، إن حقيقة الموت التي أفرغَتْ هذه المدينةَ في المقابر مئات المرات لا بقائلًاها تطلُب مطلبًا وراء هذه الحياة، وإن الحاجة إلى حلٍّ يُخلِّصُ من إعدام الموت هي حاجةٌ ضروريةٌ قطعيَّةٌ أعظمُ وأهمُّ وألزَمُ من جميع قضايا البشر؛ ولقد وجد تلاميذ النور هذا الحلَّ، وقدحال كل رسائل النور بآلاف الحُجج، أفلا يدري الذين يتَّهمون
— 450 —
الرسائلَ وتلاميذَها بذرائع واهيةٍ أنهم هم المتَّهَمون بنظر الحقيقة والعدالة؟! إنه لأمرٌ يدريه حتى المجانين.
إن ثمة ثلاثَ موادَّ ِيرِ وِس على هؤلاء المتجنِّين المتحاملين، وتُوهِمُهم بوجود تنظيمٍ سياسيٍّ مزعوم:
أولُها:العلاقة الوثيقة بيني وبين طلابي، وهي علاقةٌ ممتدةٌ منذ القديم كأنها أُخُوَّة، وقد حسِبوها تنظيمًا.
ثانيتُها:أن انتشاَاقٍ ل رسائل النور في كلِّ مكان، وسماحَ قوانين الجمهورية لهم دون تعرُّض، وتصرُّفَ بعضِهم كأنهم جماعةٌ إسلاميةٌ، دَفَعَ للظن بأنهم تنظيم، والحال أنه ليس لهؤلاء الطلاب الثلااضي، إالأربعة نيةٌ في تنظيمٍ ولا ما شابهه، وإنما هي الأُخُوَّة الخالصة والتسانُد الأخرويُّ في الخدمة الإيمانية المحضة.
ثالثتُها:يقول أولئك المتجنُّون المتحاملون: "إن سعيدًا وإخوانَه هم على كل حالٍ معارضون لنا ولقوانين ولكنتمة التي تسمح لنا أن نمارس رغباتنا غيرَ المشروعة باسم المدنية والتحضُّر، وعلى هذا فهم بالضرورة تنظيمٌ سياسيٌّ معارض"؛ يقولون هذا الكلام في أذهانهم لما يعرفونه من أنفسهم من ضلالةٍ وتهافتٍ على الدنيا.
وأنام الان أيها الأشقياء المساكين.. لو كانت الدنيا أبديَّةً، وكان الإنسان مخلَّدًا فيها، وكانت وظائف الإنسان منحصرةً في السياسة وحدَها، لأمكن أن يكون لافتراءا يطالعه معنى.
ثم إني لو دخلت الأمر من باب السياسة لما وجدتم عشرَ جُمَلٍ في مئةِ رسالة، بل لوجدتم آلاف الجُمَل السياسية المناهِضة.
ثم لو فرضنا جدلًا أننا مثلَكم نعمل بكل قوتنا لأجل الدنيا ومُتَعِها وسياس ووَصَ وهو فرَضٌ لا يمكن حتى للشيطان أن يقبله أو يُقنِع به أحدًا - فإليكم إذًا سيرتَنا، فما دامت لم تقع منا حادثةٌ واحدةٌ طَوالَ عشرين سنة، وما دام لكلِّ حكومةٍ معارضون ألدَّاء، وكانت الحكومة تنظر إلى ما باليد وليس لها أن تنظر إلى على أ، فليس لكم أن
— 451 —
تُحمِّلونا أيَّةَ مسؤولية؛ وآخر قولي أنْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أنْ يَذكرى قديمةً وواقعةً لطيفةً على سبيل الدفاع، كانت بقيتْ سِرًّا في محكمة "أسكي شَهِر"، ولم تَرِدْ رسميًّا في الضبط، ولم تُسجَّل في دفاعاتي.
سألوني هناك: ما رأيك في النظام الجمهوري؟ فأجبتهم قائلًا: إن سيرة حياتي التي بحوزتكم تُثبت أنني جمهدةُ المتديِّنٌ مِن قَبْلِ أن تولدوا أنتم جميعًا باستثناء رئيس المحكمة، وخلاصة ذلك أنني كنتُ في ذلك الحين - مثلما أنا اليوم - مُختَليًا تحت قبةِ ضريحٍ مهجور، وكان يأت وتفسّحَساء، فكنتُ أنثر حباته للنمل، وأكتفي بالخبز والمرَق؛ فكان الذين يسمعون بهذا الأمر يسألونني عن سببه فأجيبهم: إن أُمم النمل والنحل هذه أممٌ جمهورية، وأنا أنثر حبات الحَساء للنمل احترامًا لحرصها على الجمهورية.
ثم قالوا لي: إنك تخالف السل بمحلّلح!! فأجبتهم: لقد كان كلُّ واحدٍ من الخلفاء الراشدين خليفةً ورئيسَ جمهوريَّةٍ في الوقت ذاته، فالصِّدِّيق الأكبر رضي اللّٰه عنه كان بلا شك بمثابة رئيسِ جمهوريةٍ فيها العشرة المبشرون بالجنة والصحابة الكرام رضي اللّٰه عنهم؛ إلا أنهم لم يكونوئحةَ دء اسمًا بغير مسمَّى، وشكلًا بغير مضمون، بل كانوا رؤساء جمهوريةٍ متديِّنين يحملون معاني العدالةِ والحرية الشرعية بحقيقتها.
فيا أيها المدعي العام.. ويا أعضاء المحكمة.. إنكمعدامَهنني بنقيضِ ما أنا عليه منذ خمسين سنة!! فإن تسألوني عن الجمهورية العَلمانية، فإني أعلم أن العَلمانية تعني لزوم الحياد، فكما أنها لا تتعرض للملاحدة وأهل الفجور بمقتضى دستور حرين حاجعتقد الديني، فإنها كذلك لا تتعرض للمتدينين وأهل التقوى، فهذا ما أعدُّه حكومةً عَلمانية.
— 452 —
لقد انسحبتُ من الحياة السياسية والاجتماعية منذ عشر سنين - وقد أصبحتِ الآن عشرينَ سنة - ولا أدري الحال التي آلَتْ إليها اكما أن الجمهورية، فإن بلغت بها الحال من الخطورة أن تسنَّ قوانين تحاسب العاملين لأجل الإيمان والآخرة، أو تأخذَ بمثل هذه القوانين لصالح الزندقة والعياذ باللّٰه، فإنني أعلن لكم وأحذِّركم دون خوفٍ ولا وجل، أنْ لو كانتْ لي فنالتنفسٍ ما تردَّدْتُ في التضحيةِ بها في سبيل الإيمان والآخرة، فافعلوا ما شئتم.
وأقول لكم ردًّا على حكمكم الظالم الذي أنزلتموه بحقي، حكمِ الإعدام والأشغال الشاقة: إنني وفقًا لكشفيَّات رسائل النور الَّباتالا أُعدَم.. بل أُعطى مذكِّرة تسريحٍ وإعفاء، وأَرحل إلى عالَم النور والسعادة؛ أما أنتم أيها الأشقياء الذين تسحقوننا لصالح الضلالة.. فإنني أعلم أنكم محكومون بالإعدام الأبدي والسجن المؤبَّد الان أن انانتقامًا تامًّا لنا منكم.. أعلم ذلك وأراه.. ولأجل هذا فإني مستعدٌ لتسليم روحي بقلبٍ مطمئن؛ وآخر قولي أنْ: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أيها السادة.. لقد بِتُ وهذا قناعةٍ قطعيةٍ مبنيَّةٍ على أماراتٍ كثيرةٍ أن الهجوم علينا ليس ناشئًا عن دعوى استغلال المشاعر الدينية أو الإخلال بالأمن الداخلي كما زُعِم.. كلا.. إن هذا سءاتٍ لاذب.. وإنما يُتَهَجَّمُ علينا لإيماننا ولخدمتِنا للأمن والإيمان، وهو هجومٌ يجري لصالح الزندقة لا لصالح الحكومة؛ وأسوق على هذا حُجةً واحدةً لما كجج الكثيرة:
وهي أنه خلال عشرين سنة قرأ عشرون ألف شخصٍ عشرين ألف نسخةٍ وجزءٍ من رسائل النور وتلقَّوها بالقبول، ومع ذلك لم تقع من تلاميذ رسائل النور أيَّةُ حادثةٍ
أصولهُخِلُّ بالأمن، ولم تسجِّل الحكومةُ عليهم شيئًا من هذا القبيل، ولم تستطع المحكمتان - السابقة والحالية - أن تعثر لهم على أيَّةِ حادثةٍ من هذا النوع؛ وأفلانيأن مثل هذه الحملة المُغرِضة الشديدة المكثَّفة لا بد أن يَظهَر مصداقُها بحوادث في غضون عشرين يومًا، ما يعني أن المادة القانونية الفضفاضة رقم (١٦٣) التي تشمل بحكمها جميع المتديِّنين والدُّعاة شمولًا يناقض مبدأ حرية المعتقد الديني، ليست سوى ق استباائفٍ يرتديه الزنادقة ليستغفلوا بعضَ رجال الحكومة ويُضلِّلوا العدالة، ليحقِّقوا ما يَصْبُون إليه من القضاء علينا.
فما دامتْ هذه هي الحقيقة، فإننا نقول بكلّ شكرناوتينا من قوة: أيها الأشقياء الذين باعوا الدين بالدنيا وتَرَدَّوا في حضيضِ الكفر المطلق.. افعلوا ما بدا لكم.. ألا فلْتكنْ دنياكم وبالًا عليكم في الحال والمآل.. ولْتكنْ رؤوسُنا فداءً للحقيقة القدسية التي فدَتْها من قامي أنوسُ مئاتِ ملايين الأبطال.. إننا مستعدون لكلِّ ما عندكم من عقوباتٍ وإعدام.. فالحال خارج أسوار السجن أسوأ مئةَ مرةٍ منها في داخله.. فلا وجلمدارسرية في ظل هذا الاستبداد المطلق.. لا وجود لحرية الضمير ولا للحرية الدينية ولا العلمية.. ولم يبق لأهل الشرف والدين وأنصار الحرية من سبيلٍ سوى السجن أو الموت.. إننا على ربنا معتمدون.. و إِنَّا للّٰهِ وَإِنَّاثة "الْهِ رَاجِعُونَ.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السيد علي رضا رئيسَ المحكمة..
إن لي طلبًا ورجاءً مهمًّا للدفاع عن حقوقي، ذلكما وصلا أعرف الحروف الجديدة اللاتينية، وكتابتي بالحروف القديمة يشوبها نقصٌ كثير، فضلًا عن أنهم لا يسمحون لي بالتواصل مع الآخرين، بل أنا أشبه ما أكون في زنزانةٍ منفردة، حتى إن
— 454 —
لائحة الادعاء سُحِبَتْ مني بعد خمس عشرا العزةً من تسليمها لي؛ ثم إني ليس لي القدرة على توكيل محامٍ، حتى إن دفاعي الذي قدَّمتُه إليكم لم أستطع الحصول على نسخته بالحروف الجديدة إلا بمشقةٍ بالغة، ولم يصلني قسمٌ منه إلا سِرًّا.
ثم إني كنت قد استكتبتُ "رسالةَ الثمرة" التي تعدُّ لاْبٌ جَفاعٍ عن رسائل النور وخلاصةً لمسلكها، استكتبتُها لأقدِّم نسخةً منها للمدعي العام وأُرسِل نسخةً أو نسختَين إلى الجهات الرسمية بأنقرة، فصادروها مني ولم يردُّوها إلى الآن، مع أننا حين كنا في محُ الكَسكي شَهِر" أرسلتْ عدليَّتُها آلةً كاتبةً إلى السجن، فكتبْنا بواسطتها نُسَختين من دفاعاتنا، وكتَبَتِ المحكمةُ بدورها نُسخًا أخرى؛ ومن هنا فإن طلبي المهمَّ هو أن توفِّروا لنا آلةً كاتباصٍ السمحوا لنا بجلبها، كي نكتبَ دفاعنا بالحروف الجديدة، ونكتبَ أيضًا الرسالةَ التي هي بحكم لائحة دفاعٍ لرسائل النور، ثم نُرسلَ نسخًا منها إرةٍ، وٍ من وزارة العدل ومجلس الوزراء والبرلمان ومجلس شورى الدولة؛ لأن رسائل النور هي أساس لائحة الادعاء بأجمعها، والدعوى أو الاعتراض الموجَّه ضدها ليس حادثةً جزئيةً أو مسألة شخصية حتى لا تُولى كبيرَ أهميَّة، بل هي مسألةٌ عامةٌ بمثابةِ حادثةفسهم مَةٍ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه البلاد وشعبِها وحكومتها، وهي بالتالي تستقطب اهتمام العالَم الإسلامي بصورةٍ بالغة الأهمية.
أجل، إن الذين يهاجمون رسائل النور من وراء الكواليس هم أنفسهسياسي،ن يمكِّنون للكفر المطلق بذريعة السياسة اللادينية، تحرِّكهم في ذلك أيادٍ أجنبية، بغيةَ أن يحطِّموا أعظم قوةٍ للشعب في هذا البلد، ألا وهي المحبة والتقدير والأخوة التي حياةُ ُها العالَم الإسلامي تجاهه، وليبثُّوا بدلًا منها الكره والقطيعة معه، ولهذا استغفلوا الحكومة، وشوَّشُوا القضاء مرتين، وقالوا: "إن طلاب رسائل النور يتخذون الدين أداةً للسياسة، وقد يَضرُّون بأمن لَيَين".
أيها الأشقياء.. صحيحٌ أن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة.. غير أنها في سبيل تحطيمها الكفرَ المطلق تنقض أساسَه وهو الفوضوية الهدَّامة المتمرِّدة، وترفض رأسَه وهو الاستبداد المطلق؛ وبذلك حقَّقتْ اساتِ الأمن والاستقرار والحريَّة والعدالة؛
— 455 —
وما "رسالة الثمرة" التي هي لائحة دفاعها إلا حجةٌ من مئات الحجج على ذلك، فلْتدقِّقها هيئةٌ علميةٌ واجتماعيةٌ رفيعة المستوى، فإن لم تصدِّق ما قلتُه رضيتُ بكل عقوبةٍ، بل حتى بأقسى إعدام.
ال ثان
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السيد رئيسَ المحكمة.. اتُّخِذَتْ ثلاثُ موادَّ أساسًا في لائحة القرار:
أولُها:تُهمة الجمعية أو التنظيم.
وأنا أُشهِديلةٍ، َ تلاميذ رسائل النور الموجودين هنا، وجميعَ مَن التقى بي أو قرأ الرسائل أو كَتَیبَها، أُشهِدُهم جميعًا بأعيانهم؛ فاسألوهم: هل قلتُ لأحدٍ منهم: إننا سنشكِّل تنظيمًاُثبِت ًّا أو جماعةً نقشبندية؟!
إن ما أردِّده على الدوام هو أننا نعمل على إنقاذ إيماننا، وليس بيننا من صفة التنظيم سوى أننا أفرادُ جماعةٍ إسلاميةٍ مقدَّسةٍ ينتسب إليها عموم أهل اوالأست، ويربو عدد أفرادها على الثلاثمئة مليون؛ وأننا - بالنظر إلى خدمتنا للقرآن وأُخوَّتِنا مع عموم أهل الإيمان الذين سمَّاهم القرآنُ حزبَ اللّٰه - قد وجدنا أنفسنا في دائرة حزب اللّٰه وحزب القرآن.
فإن ك. وما هو المعنى المقصود في لائحة القرار، فإننا نعترف به من صميم قلوبنا بكلِّ فخر، أما إن كان المقصود شيئًا آخر فلا علم لنا به.
المادة الثانية:يريدون إعادتَنا إلى ما كانت الحال عليه قبل تسع سنين، وتحميلَنا مسؤوليةَ جرمٍ قضينا عقوبت والإي خلال إساءتهم تفسيرَ جُمَلٍ وردتْ في بعض الكتب، كی"رسالة الحجاب" و"رسالة الخطوات السِّتِّ وذيلِها"، وهي رسائلُ كان سبَقَ لمحكمةِ "أسكي شَهِر"بالأنوَّقتْها وانتقدتْها وصدر بسببها عقوبةٌ مخفَّفة، واعترف
— 456 —
قرارُ الاتهام وصدَّقه تقريرُ ضبطِ "قسطموني" بأنها رسائل خصوصيةٌ لا تُتداوَل، وأنها كانتْ موضالحال ي صناديق مُسمَّرةٍ تحت أكوام الفحم والحطب بهيئةٍ تؤكد أنها لم تكن معدَّةً للنشر على الإطلاق.
المادة الثالثة:استُخدِمتْ في مواضع عدةٍ من لائحة القرار عباراتُ "إمكانِ الوقوع" بدلًا من "الوقوع" نفسِه، كعبارة: "يمكن أن يُخلَّ بأمن الدو
سأ: "يمكن أن يقوم بكذا"؛ فإذا كان لكلِّ إنسانٍ إمكانيةُ أن يَقتُل، أفيُحاسَب على هذا الإمكان؟!
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السا في حسَ المحكمة.. أقدِّم لكم لائحة دفاعي التي أرسلتُها عريضةً إلى رئيس الجمهورية والجهات الرسمية بأنقرة، وأُرفِق بها الرسالةَ الجوابية الواردة من رئاسة الو بل احوالتي تُبيِّن اهتمامَها بلائحة الدفاع هذه وقبولها بها.
يتضمن هذا الدفاعُ الردَّ القطعيَّ على الهواجس والأوهام الباطلة التي صاغَ منها مقامُ الادِّعاء اتهاماتٍ ضدَّنا؛ كما أن تقرير لجنة الخبراء كان قد بُني على مَحاضرِ ضبطٍ سطي خشيت مغرِضةٍ مرفوعةٍ من أماكن أخرى، وحوى الكثيرَ من الأقوال المغالِطة المخالِفة للواقع، وقد سبق أن قُدِّم دفاعي هذا لائحةَ اعتراضٍ على تلك اللجنة، وأُو ونظرٌثلةً على ذلك:
سبق أن ذكرتُ لكم أنهم حين أرادوا إدانتي بالمادة رقم (١٦٣) في محكمة "أسكي شَهِر" قلتُ لهم:
إن موافقة نوابٍ يساوي عددُهم نفسَ رقم المِلى المذكورة، أقصد موافقةَ مئةٍ وثلاثةٍ وستين نائبًا من أصل مئتي نائبٍ في حكومة الجمهورية، على تخصيص مبلغ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ تركيةٍ لإنشاء جامعة دار العلوم في "وان".لُ
: إن موافقةَ
— 457 —
هذا العدد من النواب على مشروعي هذا، والحفاوةَ التي لقيتُها من حكومة الجمهورية تجاهه، يُسقِطان عني حكم المادة رقم (١٦٣).
إلا أن لجنة الخبراء عَمَدتْ إلى كلامي هذااكستانفتْه وجعلتْه: "إن مئةً وثلاثةً وستين نائبًا طالبوا بملاحقة سعيد"!!
ثم جاء مقام الادعاء يحمِّلُنا المسؤولية بناءً على هذه الاتهامات الباطلة جملةً وتفصيلًا، في حين أن الهيئة ا#453
ت رفيعةَ المستوى التي شُكِّلتْ بقرارٍ من مجلسكم، بعد أن دقَّقت جميع أجزاء رسائل النور أصدرتْ قرارها بالإجماع ونصُّه: "لقد تَبيَّن أنه لا يوجد في كتاباتة عن ت وتلاميذِ رسائل النور ما يدل صراحةً أو ضمنًا على نيةِ اتخاذِ الدين أو المقدَّسات أداةً للتحريض على الإخلال بالأمن، أو إنشاءِ تنظيم، أو تدبير مؤامراتٍ ضد الحكومة، كما تَبين من مراسلات تلاميذ سعيدٍ أنهم لا يضمِرون أيَّة نواني الحةٍ تجاه الحكومة، ولا يهدُفون لإنشاء تنظيمٍ سياسيٍّ أو انتهاجِ منهجِ طريقةٍ صوفية".
كما قررت الهيئة بالإجماع "أن تسعين بالمئة من رسائل سعيدٍ النُّورْسِيّ لا تخالف أصولَ العلم والحلشُّعُالدين في شيء، فضلًا عن أنها كُتِبَتْ بإخلاصٍ وتجرُّدٍ عن الغايات الدنيوية، وقد أُلِّفَتْ كلُّ واحدةٍ منها لتفسير آيةٍ أو بيانِ معنى حديثٍ شريف، وسِيْقَتْ فيها الأمثلة لتوضيح العقوا من متعلقة بالدين والإيمان والإلٰه والنبوة والآخرة، وهي رسائل تحوي في تسعين بالمئة منها آراءً علميةً، ونصائحَ أخلاقيةً للشيوخ والشباب، ومناقبَ رفيعة، ووقائعَ ذاتَ عبرةٍ مستقاةً من تجارب الحياة، وليس فيهاالنور
يمكن أن يُعَدَّ مَساسًا بالحكومة أو إدارة البلاد أو استقرارها؛ وهي صريحةٌ في أنها لا تهدُف للإخلال بالأمن سواءٌ بتشكيل تنظيمٍ ما أو اتخاذ الدين أداةً لشريعة؛ا، وأن مراسلات تلاميذ الرسائل فيما بينهم ومراسلاتِهم مع سعيدٍ النُّورْسِيّ تندرج في هذا الإطار، أما بقية الرسائل التي تبلغ قرابة العشر رسائل، فهي رسائل خصوصيةٌ فيها نوعٌ من الشكوى وليسد أفئدطابعٍ علمي".
ومن هنا فإنه لَيؤسِفُنا أشدَّ الأسف ما أقدم عليه مقامُ الادِّعاء حين صرف النظر عن هذا التقرير الصادر عن الهيئة العلمية الرفيعة المستوى، ووجَّه إل لك، فاتهامات على
— 458 —
نحوٍ يثير العجَب، بناءً على تقريرِ لجنة الخبراء القديم الناقص المشوَّش، وإننا بلا شك نرى هذا أمرًا لا يليق بالإنصاف الذي عُرِفَتْ به هذه المحكمة العادل شهرينلقد كان صنيعهم برسائل النور أشبه بصنيع البكتاشي - إن جاز التشبيه - إذْ قيل له: لِمَ لا تصلي؟ فقال: إن القرآن يقول: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ، فقيل له: أكمِل الآية، أي: وَأَنْتُمْ هو يبحَى، فقال: لستُ حافظًا!!
فكذلك كان أمرهم مع رسائل النور إذِ اقتطعوا منها جُمَلًا، وتركوا ما يتمِّمها ويبيِّن نتيجتَها، وسيُشاهَد في لائحة دفاعي التي سأقدِّمها - إن قورنتْ بلائحة الادعاء -يرًا ين أو أربعون مثالًا على هذا، وسأبيِّن واقعةً لطيفةً من هذه الأمثلة:
فقد صَدَرَ من مقام الادعاء في محكمة "أسكي شَهِر" - نتيجةَ سهوٍ ما - عبارةٌ تقول عن دروس رسائل النور الرض الأة: إنها تُفسِد الناس، ثم تَراجَعَ مقام الادعاء عن هذه العبارة؛ وبعد مضيِّ سنةٍ على هذه الحادثة تحدَّث أحدُ تلاميذ رسائل النور - واسمه عبد الرزاق - إلى الشخص الذي صدرتْ منه تلك العبارن يقول له: أيها الشقي!! إنك تتطاول على إرشاداتِ رسائلِ النور التي هي مَظهَرُ تقديرٍ بإشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آية قرآنية، والتي تحقَّقتْ قيمتُها الدينية بإخبارٍ غيبيٍّ لثلاثِ كمحاكم من كرامات سيدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وبإخبارٍ قويٍّ للغوث الشيخ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سرُّه، والتي لم تُلحِق بالبلاد ولا بالعباد أيَّ ضررٍ طَوالَ هذه السنوات العشرين، بل أري على آلاف من أبناء البلد وعلَّمتْهم، وقَوَّتْ إيمانَهم، وقوَّمَتْ أخلاقهم، فتقول عنها: إنها تُفسِد!! ألا تخشى اللّٰه؟! قطع اللّٰه لسانَك.
فعٍَّ آخَامُ الادعاء في هذه المحكمة إلى كلام هذا التلميذ المُحِقِّ الذي ردَّ به على الشخص القائل: "إن سعيدًا ينشر الفساد فيما حوله" فاقتطع هذه العبارة واكتفى بها!! وأنا أُحيل هذا العمل على إنصافكم وضميركم.
ثم إن مقام الادعاء أراد الطعن في د" والهائل النور ذات البُعد الاجتماعي فقال: "إن محلَّ الدين ومقامَه الضمير والوجدان، ولا ارتباط له بالحكم والقانون،
— 459 —
بل إنه حين ارتبط بهما في السابق حصلت اضطرابات اجتماعية"، وأنا أقول: إن الدين ليس مجرَّد الإيمان وحدَه، بل العملُ الصالح هو جزؤلأنه لَر، فهل تظنون أنه يكفي الخوفُ من السجن أو التوجُّسُ من مُخبري الحكومة لردعِ مرتكبي الموبقات التي تسمِّم الحياة الاجتماعية من قتلٍ وزنًى وسرقةٍ وخمرٍ وقمار؟! إن كان الأمر كذلك فيلزم إذًا تعيينُ شرطيٍّ ومُخبرٍ في كلِّ بيتٍ بل إلىلدُّنيكلِّ شخص ليحجزوا الغُواةَ عن الموبقات؛ ومن هنا فإن رسائل النور تقيمُ مع كلِّ شخصٍ في كلِّ وقتٍ رقيبًا معنويًّا من جهة الإيمان ومن جهة العمل الصالح، يذكِّره بسجن جهنم وبالغضب الإلٰهي فيَقِيْه السيئات بسهولة.
ثم إن مقام َتُهم عاء وجد تواقيعَ على توافقاتِ رسالةٍ لطيفةٍ ذاتٍ كرامةٍ بديعةٍ، فزعم أن هؤلاء الموقِّعين هم أفرادُ جمعيةٍ أو تنظيم!! أفرأيتم التواقيع الموجودة في دفاتر الباعة.. أتعني وجود جمعيةٍ كذلك؟!
ولقد وقع شيءٌ من هذا القبيل في محكمة "أسكي شَهحيث تُلما أجبتُهم عن ذلك وأظهرتُ لهم "رسالةَ المعجزات الأحمدية" عَجِبوا من الأمر؛ فلو كان ما بيننا تنظيمًا دنيويًّا لانفضَّ عني مَن تضرَّروا بسببي، ولَسادت بيني وبينهم القطيعة والبغضاء بلا شك؛ إذًا ف يُحصَ لي أنا ومَن معي صلةً بالإمام الغزالي لا تنقطع، لأنها صلةٌ أخرويةٌ لا تتوجه إلى الدنيا، فكذلك هي حال هؤلاء المتديِّنين الأتقياء الأنقياء الخُلَّل النو أبرموا صلةً وثيقةً بمسكينٍ مثلي لأجل دروس الإيمان لا غير، وهذا هو منشأ الوهم المزعوم حول وجود تنظيمٍ سياسي.
أختم قولي بیحَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْأنَّه وَكِيلُ.
الموقوف في الحبس المنفرد
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 460 —
هذا القِسْم بالغُ الأهمية
باسمه سبحانه
مقطعٌ مهمٌّ من الكلمة الأخيرة
السيد رئيسَ المحكمة.. أيها السادة.. كونوا علددٌ كب. فإن إدانةَ رسائل النور وتلاميذِها هو بمثابة إدانةِ الحقيقة القرآنية والحقائق الإيمانية خدمةً لمصلحةِ الكفر المطلق لا غير، وهو بالتالي محاولةٌ لكلِّ الجادة الكبرى المُقامة منذ ألفٍ وثلاثمئةِ سنة، والتي يسير عليها في كل قرنٍ ثلاثمئة مليون مسلم، تلك الجادة المؤدِّية إلى الحقيقة وإلى سعادة الدارَين لثلاثمئة مليار مسلم.. إنه عملٌ يستجأهلُ ايكم نقمةَ هؤلاء واعتراضَهم عليكم، لأن السالكين في هذه الجادة يدعو خَلَفُهم لسَلَفِهم ويعينونهم بحسناتهم وأدعيتهم، فضلًا عن أن عملَكم هذا سماءِ االويلات لهذا الوطن المبارك.
فيا تُرى ماذا سيكون جوابكم إن سُئلتُم في المحكمة الكبرى أمام هؤلاء الثلاثمئة مليار مدَّعٍ: لماذا لم تتعرضوا لكتاب الدكتور "دوزي" المسمَّى: "تاريخ الإسلام"، وهو من أوَّلِه إلى آخره هجومٌ سافرٌ على دي يسمح سلامكم ووطنكم؟! ولماذا سمحتم بقراءة مؤلَّفات الزنادقة في مكتباتكم؟! ولماذا لم تتعرضوا لتلاميذها مع أنهم يشكِّلون جمعيةً بمقتضى قوانينكم؟! بل لماذا لم تتعرضوا حتى للجمعيات والتنظيمات التي تعارض سياساتكم كالتنظيمات الإلحاديةزْلي" وعية والثورية الفوضوية والمنظمات العريقة في الإفساد والتخريب؟! ثم لماذا تعرَّضتم لأشخاصٍ لا علاقة لهم بشيءٍ من السياسة، يقرؤون مؤلَّفاتٍ تُعنى بالحق والحقيقة كرسائل النور ا نِعَم مجرَّد تفسيرٍ لحقائق القرآن، يقرؤونها ليسيروا على جادة الإيمان والقرآن الكبرى، ولينقذوا أنفسَهم وإخوانَهم في الوطن من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي؟! و حاجة أطلقتم على الأخوَّة والصحبة الأخروية القائمة بين هؤلاء المتديِّنين الخُلَّص وصفَ التنظيم مع أنهم لا صلة لهم بأيِّ تنظيمٍ سياسي؟! ولماذا حكمتم بإدانتهم وأصررتم على إدانتهم بقانونٍ عجيبٍ غريب؟! ونحأذى وا نسألكم السؤالَ نفسَه.
— 461 —
إن خصومَنا من الزنادقة والمنافقين الذين ضلَّلوكم وضلَّلوا العدالة، وأشغلوا الحكومة بنا على نحوٍ يُلحِق الضرر بالبلاد والعباد، إنما يفعلون ما يفعلون من خلال إطلاقمن الص الاستبداد المطلَق اسم "الجمهورية"، وتمريرهم الارتداد المطلَق عن الدين تحت اسم "نظام الحكم"، وتسميتهم التحلُّلَ والرذيلةَ: "مدنيةً"، والأوامرَ المزاجيَّةَ التعسفيَّةَلِب علريَّةَ: "قانونًا"، وبذلك يضللونكم ويشغلون الحكومة ويُنزلون بنا النكبات والمِحَن، فيوجهون ضرباتهم للوطن والشعب وحاكميةِ الإسلام خدمةً للمصالح الأجنبية.
أيها السادة.. إن وقوع أربع زلازل ممن عزمٍ في أربع سنواتٍ متزامنةً تمامًا مع تعرُّض تلاميذ رسائل النور للظلم والاضطهاد، وتوقُّفَ الزلازل مع توقُّف الهجوم عليهم، إنما يشير إلى أنكم أنتم ا، وقدلون عن البلايا والمصائب السماوية والأرضية التي ستنجُم عن قرار الإدانة الذي ستصدرونه بحقنا الآن.
الموقوف في السجن الانفرادي والتجريد المطلق بسجن دَنِزْلي
مرٍ فيالنُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
جزءٌ من الكلمة الأخيرة
أيها السادة.. خطر بقلبي خاطرٌ حين كنتُ مستغرقًا في استغرابٍ وحيرةٍ شديدين من إصراركم على تهمة التنظلمستقبهي تهمةٌ فنَّدناها بردٍّ قطعيٍّ صدَّقتْه هيئةُ الخبراء بأنقرة بالإجماع، بينما تُصِرُّون على سَوقِها ضدَّنا لتكون ذريعةً لإدانتنا المدبَّرة مسايرةً لمقامقسم الِعاء.. أسرد لكم هذا الخاطر وأنا في وضعٍ لا يتيح لي معرفة أوضاع الحياة الاجتماعية الحالية، فأقول:
— 462 —
إن الصداقة، والجماعة المتآخية، والاجتماعات الأَخَوية، والتجمُّع والتآخي الأخرويَّ الخالص، هي حجرُ أساسٍ في الحياة الاهرًا،ية، وحاجةٌ ضروريةٌ في الفطرة البشرية، ورابطةٌ من أهمِّ الروابط وأقواها في حياة الناس، بدءًا من الأسرة والقبيلة وصولًا إلى الشعب وعالَم الإسلام وعا القلبإنسان، ونقطةُ استنادٍ لكل إنسانٍ في مواجهة الموانع المادية والمعنوية التي تُعيقُه عن القيام بوظائفه الإنسانية والإسلامية، ومَبعثُ سُلْوانٍ له في مواجهة ما يضرُّه ولاالخَواعلى ردِّه.
وما دامت هذه الصداقة والجماعةُ والاجتماعات نزيهةً عن الأغراض السياسية، لا سيما ما يقوم به تلاميذ النور من اجتماعاتٍ على دروس الإيمان الجديرة بكلِّ تقديرٍ واستحسان، وهظمى مناعاتٌ تنطوي على أُخوةٍ في طريق الحقيقة، وتساندٍ في مواجهةٍ ما يضر الوطن والشعب، وصداقةٍ خالصةٍ في درس الإيمان والقرآن تكون وسيلةً قطعيةً لسعادة الدين والدنيا والآخرة، فلا شك أن مَن يطلق عليها وصوتغييرتنظيم السياسي" هو إما مغفَّلٌ مخدوعٌ غايةَ الخديعة؛ وإما فوضويٌّ شريرٌ يعادي الإنسانية بهمجيَّة، ويناوئ الإسلام باستبدادٍ وتسلُّط، ويخاصم الحياة الاجتماعية بأحطِّ وأفسدِ ما في الفوضوية الهدَّامة، ويحارب الوطنَ والشعبَ وحاكساقوه لإسلام والمقدساتِ الدينية بارتدادٍ وتمرُّدٍ وعِناد؛ وإما شيطانٌ زنديقٌ يعمَل على إفساد هذا الشعب وقطع شريان حياته خدمةً للأجنبي؛ فيستغفل الحكومة ويضلِّل العدالة بغيةَ أن يصِل إلى سلاحِناأبد حتوي الذي ما زلنا نستعمله ضد أولئك الشياطين والفراعنة والفوضويين، ليوجِّهَه إلى وطننا وإخواننا أو يُحطِّمه.
الموقوف
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
أيها السادة.. اسمحوا لي أن أتحدث أمامكم بحديثٍ هو في الظاهر حديثٌ معكم، لكنه في المته، وخطابٌ أَرُدُّ به على منظَّمةِ إفسادٍ سريةٍ تَتَّخذ أشكالًا مختلفة، وتهاجم حقيقةَ القرآن وحقائقَ الإيمان بشتَّى الوسائل منذ ثلاثين أو أربعين سنة، بغيةَ إفساد الشعب وتمزيق الوطن خدمةً لمصالح الأجنبي والكفر والإلحاد؛ يئًا، اطب
— 463 —
به المسؤولين المتحاملين ذوي التفكير السطحي، والجهاتِ التي ضلَّلتْ هذه المحكمة وروَّجتْ لهذه المنظَّمة بلَبوسٍ إسلامي.
(أُلغِي هذا الحديث الخطير مع صدور قرار البراءة في اليوم التالي)
الموقوف في السجن الانفرادمالَ اجريد المطلق
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
جوابٌ مُحِقٌّ عن سؤالٍ مهم
سألني عددٌ من الشخصيات من كبار المسؤولين: لماذا لم تقبل عرضَ مصطفى كمال بتعيينكفَسَّرا عامًّا في "كردستان" والولايات الشرقية بدلًا من الشيخ السنوسي، مع منحِك راتبًا مقداره ثلاثمئة ليرة؟! فلو كنتَ قَبِلتَ العرضَ حينَها لكنتَ سببًا في إنقاذ م"رسالةلافِ الأرواحِ ممن راحوا ضحية الثورة هناك!!
فأجبتهم: إنني بدلًا من أن أُنقِذَ لهؤلاء حياةً دنيويةً مقدارُها عشرون أو ثلاثون سنة، قامتْ رسائل النور بعملٍ يعوِّض تلك الخسارات أضعاهيب مناعفةً آلاف المرات، إذْ صارتْ وسيلةً لإكسابِ مئات الآلاف من أبناء الوطن حياةً أخرويَّةً تمتد ملايين السنين؛ ولو أني قبلتُ ذلك العرض لما ظهرتْ رسائل النور التي تحمِل سرَّ الإخلاص، والتي لا يمكن أن تكون أداةاملًا ٍ ولا تابعةً لشيء.
حتى إني في معرِض الحديث عن أولئك الذين حكموا عليَّ بالإعدام من جراء الصفعات الشديدة التي توجهها رسائل النور، قلتُ لمن معي من إخواني الأعزاء في السجن: اشهدوا أنه إنالأفعاَ هؤلاء إيمانَهم برسائل النور ونَجَوا بها من الإعدام الأبدي فإنني مُسامحٌ لهم من كلِّ قلبي.
وبعدما صدر قرار براءتنا قلتُ لمن كانوا يضايقونني بمراقبتهم الصارمة في مدينة "دَنِزْلي" ولرؤسائهم ولقائد ارغم منوللمفتشين:
— 464 —
إن من كرامات رسائل النور التي لا تَقبل الإنكار، أنه بعد تسعةِ أشهرٍ من التدقيق والتمحيص في عشرين سنةً من حياتي قضيتُها مظلومًا، وفي المئات من رسائلي ومراسلاتي، وفي أحوال الآلاف من التلاميذ، لماء النر على أيَّةِ وثيقةٍ تدل على وجود تيارٍ أو تنظيم، ولا على أيَّةِ علاقةٍ بمنظمةٍ داخليةٍ أو خارجية، بحيث إن مثل هذا الوضع العجيب لا يمكن أن يكون نِتاجَ تفكيرٍ وتخطيط؛ وطالت ه لو جيء بشخصٍ ما فكُشِفَ عن أسراره وشؤونه الخاصة على مدى بضعِ سنين، لظهرتْ حتمًا عشرون مادةً تُخجِله أو تُدينه.
فما دامت هذه هي الحقيقة، فإنكم إما أن تقولوا: إن هذا عملٌ يديره ويقف وراءَه دهاءٌ شديدٌ لا يُبارى، أو تقولوا:دةٍ، كِفظٌ إلٰهيٌّ بغاية العناية؛ فإن كان دهاءً فلا شك أن مواجهةَ دهاءٍ كهذا خطاٌ فادحٌ يعود بالضرر على الوطن والشعب، وإن كان حفظًا إلٰهيًّا، فالتعرُّض لمثل هذا الحفظ الإلٰهي والعناية الربانية لذه الش تمرُّدًا فرعونيًّا.
فإنْ قلتم: إننا إنْ تركناك وشأنَك فلم نراقبْك ولم نتعقَّبْك، لأمكنَ أن تعكِّر علينا حياتَنا الاجتماعية بدروسك وأسرارك التي تُخفيها؛ أقول لكم: لقد وقَعتْ جميعُ دروسي بلا استثناء بيدِ الحك كانلقضاء، فما عُثِر فيها على مادةٍ تستوجِب سجنَ يومٍ واحد.
ثم هذه رسائلي المئة والثلاثون، يوجد منها ثلاثون أو أربعون ألف نسخةٍ يتداولها أفراد الشعب بعنايةٍ واهتمام، ولا تعود عليهم لرابع وى النفع؛ وقد نظرتْ فيها المحكمتان السابقةُ والحالية فلم تعثرا فيها على مادةٍ تستوجب المسؤولية، فأصدرت المحكمةُ الحاليةُ حكمَها بالبراءة، بينما أصدرت المحكمةُ السابقةُ حكمَها طلة، ي ستة أشهرٍ على خمسةَ عشر شخصًا من بين إخواني المئة والعشرين الموقوفين، ولم تنطلق في هذا الحكم من أرضيةٍ قانونية، بل من قناعةٍ شخصيةٍ، متذرِّعةً بوجودِ بضع كلماتٍ في مئةٍ وثلاثين رسالة تمسُّزاء - ن شخصٍ مشهورٍ ذي مقامٍ دنيوي، وليس هذا إلا حجةً قاطعةً على أن تعرُّضكم لي ولرسائل النور ظلمٌ شنيعٌ مبناه وهمٌ باطل؛ على أنه ليس لي من درسٍ جديدٍك أني يبق لي سرٌّ خفيٌّ كي تعملوا على تعديله وتقويمه من خلال المراقبة.
إنني محتاجٌ اليوم إلى حريتي أشدَّ الاحتياج.. كفى ملاحقاتٍ ومراقباتٍ ظالمةً لا داعي لها ولا جدوى منها ط بدعوىعشرين سنة.. لقد نَفِد صبري.. ولعلي أدعو عليكم
— 465 —
دعاءً لم أدعُ به من قبل لضعفي وشيخوختي.. وإنها لحقيقةٌ لا شكَّ فيها أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب.
ثم إن أولئك الظلمة الأشقياء الذين يتبوَّؤون مناصبَ دنين خَزِهمةً قالوا لي: إنك منذ عشرين سنةً لم تعتمر قبعتَنا ولو مرةً واحدة، ولم تحسِر عن رأسك في المحاكم السابقة والحالية، وبقيتَ على زِيِّك التقليدي، مع أنه قد التزم بالزي الحديث سبعةَ عشر مليونًا؟!
فقلتُ لهم: إنني أُفضِّل أن آخذ بالتقوى وتِك.
ة الشرعية، فأرتدي الزيَّ الذي يرتديه سبعةُ ملياراتٍ من الأماجد الكرام، على أن أرتدي بالإكراه القانوني والرخصة الشرعية زيًّا يرتديه لا لأنه عشر مليونًا، ولا حتى سبعةُ ملايين، بل سبعةُ آلافٍ من السِّكِّيرين المفتونين بأوروبا، هم وحدَهم من يرتديه راضين مختارين.
ولا ينبغي أن يقال عن رجلٍ مثلي ترك الحياة الاجتماعية منذ خمسٍ وعشرين سنة: "إنه يعاندنا ويعارضنا"؛ بل حتى لو كان يُعثَعِنادًا، فما دام مصطفى كمال نفسُه عجز عن كسره، ولم تقدر عليه محكمتان، ولم يقدر على النيل منه رجالُ الحكومة في ثلاث محافظات، فمن أنتم حتى تحاولوا عبثًا كسرَ هذا العناد، فتَضرُّوا بسعيكم هذا الحكومةَ والشعب؟!
ولنفرض أنني معارضٌ سياسي، فإن النورُتصوَّر من رجلٍ قطع صلتَه بالدنيا ومات معنًى منذ عشرين سنة - بإقراركم یی، أن يُبعَث ثانيةً ليخوض في مواجهتكم غمارَ حياةٍ سياسيةٍ تضرُّه ولا تنفعُه.. إنَّ توَهُّمَ المعارضة السياسية من رجلٍ كهذا ليس إلا جنونًا؛ ك حين م الكلام الرصين مع المجانين جنونًا، فإنني أترك الكلام مع أمثالكم.
وقلتُ لهم: افعلوا ما شئتم، لا مِنَّة لكم عليَّ؛ فأغضبهم قولي هذا وأسكتهم في الوقت نفسه.
وآخر قولي: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيية الوحَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
٭ ٭ ٭
— 466 —
حين نُقِل بديعُ الزمان سعيد النُّورْسِيّ وطلابُه إلى المحكمة، عَمِل أعداء الإسلام على نشر أجو٭ ٭ ٭وف والرهبة، ودفعوا الجهات الرسمية لنشرِ معلوماتٍ مِلْؤُها الكذب والافتراء، وسَعَوا في إبعاد الناس عنه وعن رسائل النور، ودبَّروا المكائا الظّقاع بين طلاب النور وشقِّ صفِّهم وزعزعةِ تساندهم.
وكان الإجراء المتَّبع غالبًا بحقِّ الأستاذ النُّورْسِيّ في كلِّ سجنٍ دخله أن يوضَع في زنزانةٍ انفراديةٍ ويُمنَع من مقابلة الآخرين، ولهذا كتبَ كعادته رسائلَ إلى طلابه الذؤلفات وا معه في سجن "دَنِزْلي" نفسه ينبههم ويوصيهم فيها ألا ينخدعوا بالحملات المغرِضة، ويُطَمْئِن حاجتهم الروحية إذ كانوا بأحرِّ الشوق إلى لقاء أستاذهم الحبيب، وكانوا فٍ - إِابل يتولَّون خفيةً عملية الحصول على رسائل الأستاذ ومؤلفاته التي يكتبها في السجن، ونُدرِج هنا بعضًا من هذه الرسائل.
٭ ٭ ٭
(ضُمَّتْ هذه الفقرة إلى "الملاحق" لوقوعها بيد المسؤولين الرسميين عن طريق أحد الماته يغن)
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
قبل حلول شهر رمضان المبارك بيومٍ واحد، كانت درجةُ حرارتي قد أخذتْ تتجاوز الأربعين نتيجةَ تسمُّمٍ كما أكَّد الطبيب، وهو أمرٌ نرجِّتُ.. فٍ أنه من تدبير أعدائنا الزنادقة العاملين في الخفاء؛ في ذلك الحين حضر كلٌّ من مدعي عام "قسطموني" ومفتشون من الشرطة إلى منزلي لتفتيشه؛ وعلى إثر تلك اللحظة شعرتُ من قبيل الحسِّ قبل الوقوع أن ثمة خطبًا جَللًا سيَحُلُّ بي، بالإيا التسمُّم الحادَّ مُفْضٍ إلى الموت، فتضرَّعتُ من أعماق قلبي أن تُقبَض روحي في أحضان إخواني الأعزاء في ولاية "إسبارطة" وأُدفَن في ثراها المبارك.
— 467 —
وفتحتُ الحزب القرآني الأكبر، فظهرتْ لي الآية الكه الذيوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وقالت لي: تأمَّل فيَّ، فتأمَّلْتُ فإذا بمعناها الإشاريِّ يقدِّم لي ولنا سُلْوانًا بثلاث أماراتٍ قويَّة، ويأتي على مصوريةً ذه فيجعلُها بوجهٍ ما في حكم العدم، ويجعلُ نفييَ في المرة الخامسة إلى "إسبارطة" دليلًا على قبول دعائي القلبيِّ ذاك.
الأمارة الأولى:أن حروفها تُساوي بالحساب الأبجدي ، وما ب الشَّدَّات ألفًا وثلاثمئةٍ واثنين وستين، وهو ما يوافق تاريخ السنة الحالية بحسب التقويم الهجري ويقول معنًى: اصبر.. وسلِّم للقضاء الرباني الناما سلّ. أنت تحت نظر العناية فلا تهتم.. داوم على التسبيح والتحميد في جوف الليل.
التحليل: ٣ر : ٦٠٠؛ ٤ن : ٢٠٠؛ س، م : ١٠٠؛ ص، ف، م : ٢١٠؛ ٤ ك، ع : ١٥٠؛ ٣ ح، و، ي : ٤٠؛ ل، ٩ ب، د، و، ٤ا : ٦٢. المجموع يساوي ْقَ كُوثلاثمئةٍ واثنين وستين. فتَوافُقُ هذا الرقم مع نفس تاريخ هذه السنة في نفس الوقت الذي أصابتنا فيه هذه المصيبة يُعدُّ أمارةً قوية.
.......
لم تُمْفرادي مارة الثالثة لعدم لزوم بيانها الآن.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
وبتأثير هذه الحادثة قَرأتُ دعاءً من أدعية سيدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، في وقتٍ عزمتُ فيه جازمًا أن أفتدي إخواني الأبرياء بنفسي راضيًا ركتُ جي، وشرعتُ أبحثُ عن السبيل لذلك، فخطر ببالي فجأةً أن سيدنا عليًّا نفسَه قد دعا قائلًا: ربِّ آمِنِّي، وأنكم ستَخرجون بسلامةٍ بسرِّ هذا الدعاء إن شاء اللّٰه.
أجل، فقد أخبر سيدُنا عليٌّ رضي اللّٰه عنه في دعائه هذا عن رسائل النور بصورتينارجٌ عأشار إلى "رسالة الآية الكبرى" بقوله:"وبالآيةِ الكبرى آمِنِّي من الفَجَتْ"،وهو بهذه
— 468 —
الإشارة يومئ إلى أنه سَيَحُلُّ بطلاب رسائل النور خطالدواملَل بسبب "رسالة الآية الكبرى"، ثم يتضرَّع قائلًا أنْ آمِن تلاميذَ النور من هذه المصيبة والفَجَتِ بحقِّ "الآية الكبرى"، فيجعل من هذه الرسالةِ ومنبعِها شفيعَين.. نعم؛ فالمصيبة التي وقعتْ بحجةِ طباعةِ "رسالة الآيلذين يرى" قد صدَّقَتْ تمامًا ذلك الرمز الغيبي.
كما أنه بعد الإشارة بالتسلسل في نهاية هذا الدعاء إلى أجزاء مُهِمّةٍ من رسائل النور، يقول في خاتمة هذا الدعاء في الصفحة المقابلة لها:
وتِلكَ حُرُوفُ النُّورِ فَاجمَع خَوَاصَّهلآلات وحَقِّق مَعَانِيهَا بِهَا الخَيرُ تُمِّمَتْ
أي: "إن كلمات رسائل النور هي حروفها، ولقد أشرنا إلى تلك الكلمات، فاجمع أنت خواصَّها، وتحقَّق من معانيها، فإنَّ جميعَ الخير والسَّعادة بتمامها"، وليس المراد بفقرة: "تحقق من معا حدٍّ روف" حُروفَ الهجاء التي لا تُعبِّر عن المعنى المراد، بل المقصود معاني الكلمات الواردة في الرسائل المسماة بی"الكلمات".
لا يعلم الغيب إلا اللّٰه
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْى حذر.نَا أَوْ أَخْطَأْنَا
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أهنئكم من جميع كياني بليلةِ القدر التي انقضتْ، كما أهنئكم بالعيد القادم، وأستودعكم وحدانيَّةَ أرحك حملةاحمين ورحمتَه.
ومع أني أراكم غيرَ محتاجين للسُّلْوان، لأنمَن آمَن بالقدَر أَمِنَ من الكَدَر،إلا أنني أقول لكم: لقد رأيتُ السُّلْوانَ التام الذي تَبثُّه الآيةُ الكريمة بمعناها الإشاضطرًّاوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.
وبيان ذلك أنني في الوقت الذي كنتُ أخطط فيه للانصراف عن الدنيا والإقبال على تقضيةِ شهر رمضال المقكينةٍ وراحةِ بال، إذْ وقعتْ هذه الحادثة التي لا تطاق ولا
— 469 —
تخطر بالبال، فوجدتُها عينَ العناية لي ولكم ولأُخوَّتنا ولرسائل النور ولشهر رمضان؛ فأما ما يتعلَّق منها بي فأبيِّن فائدتَين أو ثلاثًا من فوائدها الجمَّة اأسكي ش.
فأُولاها:أنها دفعتني للجِدِّ والاجتهاد في رمضان بنشاطٍ شديدٍ وعزمٍ والتجاءٍ وتضرُّعٍ، مغالِبًا المرضَ الشديد الذي ألمَّ بي.
وثانيتُها:أنه كانت لي رغبةٌ شديدةٌ - كما في كلِّ عام - في أنْ ألتقي بكم وأكون قريبًا ا:سنشولقد كنتُ أرضى أن أتحمل هذه المشاقَّ التي قاسَيتُها على أمل أن آتي إلى "إسبارطة" وألتقي ولو بواحدٍ منكم.
وثالثتُها:أن جميع الأحوال الأليمة، سواءٌ منها ما كان في "قسط إلا رأو في الطريق أو هنا، قد أخذتْ تتبدَّل فجأةً بشكلٍ يفوق العادة، وظهرتْ يدُ العناية في كلِّ أمرٍ جرى على خلافِ ما كنتُ أرجو وأتوقَّع؛ مما يجعل المرء يردِّد:الخَمَنَّا اختاره اللّٰه.
وأكثر ما يثير تفكيري أن هذه الحادثة قد دفعتْ أشدَّ الناس وقوعًا في الغفلة - أعني مَن يشغلون مناصبَ دنيويةً رفيعة - أمري؛َتْهم لقراءةِ رسائل النور بمنتهى التدقيق والانتباه، فمهَّدت بذلك الطريقَ لفتوحاتٍ في ميادين جديدة.
ثم إنه برغمِ جميعِ الآلام والحسرات التي توالتْ عليَّ من جرَّاء ما تلاقون من شدائد، وهذا أكثر مسفٍ نرُّ في نفسي فضلًا عن آلامي، إلا أن وقوعَ هذه الحادثة في شهر رمضان المبارك الذي تُضاعَف فيه العبادة إلى مئةِ ضعف، وكونَها مصيبةً يتضاعف بها الأجر إلى عشرة أضعاف، قد ضاعف أجورَكم إلى الألف، وإن وقوع حادثةٍ كهذه مع أشخاصٍ أفاضل مخلصين أأذى لا قد تلقوا الدرس تامًّا من رسائل النور، وعلموا أن الدنيا فانية، وأنها ليست سوى مَتْجر، وضحَّوا بكلِّ شيءٍ في سبيل الإيمان والآخرة، وآمنوا بأن كلَّ هذه الشدائد المؤقتة في هذه المدرسة اليوسفية ستعود عليهم بفوائد ومَسَرَّاتٍ داعة المقول: إن وقوع حادثةٍ كهذه لأمثالكم تُبَدِّل حالكم التي تثير الشفقة والرثاء إلى حالٍ تستحق التهنئة والتقدير والاستحسان لصبركم وثباتكم؛ فقلتُ كذلك: الحمد للّٰه على كلِّ حالٍ سوى الكفر والضلال.
— 470 —
وفضلًا عن هذه الفوائد العمثل هذليَّ، فإن لهذه الحادثة فوائد أخرى كثيرةً تعود عليكم وعلى أُخوَّتنا وعلى رسائل النور وعلى شهرنا المبارك هذا، بحيث إنني على يقينٍ من أنه لو رُفِع الحجاب لقلتم: لك الشكر يا ربنا.. فلقد كان هذاأشكر صء والقدر الإلٰهيان عنايةً لنا.
فلا تَعتُبوا على مَن كان سببًا لهذه الحادثة، فإن المخطط الرهيب الشامل لهذه المصيبة كان قد رُسِم منذ أمدٍ بعيد، لكنها وقعتْ خفيفةً معنًى، وستزول سريعًا إن شاءيمكن أه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاء..
لا تجعلوا لليأس إليكم سبيلًا بسرِّ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
أنَ مسؤوظٌ جدًّا لوجودي بقربكم.. أُكلِّم خيالَكم بين الفَيْنة والفَيْنة فأجد السُّلْوان.
اعلموا أنه لو أمكن تحمُّلُ الشدائد التي تعانونها لتحمَّلتُها عنكم بكل فخرٍ ومحبة.. لقد أحببتُ من أجلكم "إسبارطة" وما حوللكائناحببتُها بأحجارها وترابها، حتى إنني أقول - وسأقولها رسميًّا یی: لو أن حكومة ولايةِ "إسبارطة" حكمتْ عليَّ بالعقوبة، وبرَّأتني حكومةُ ولايةٍ سواها، لاخترت الأولى على الأخرى.
أجل، فأنا من "إسبارطة" نظرًا لثلائمةٌ فبارات، ومع أني لا أستطيع إثبات ذلك تاريخيًّا إلا أن لدي القناعةَ بأن سعيدًا الذي جاء إلى الدنيا بناحية "إسپاريت" قد مرَّ بأصله من هنا.
ثم إن ولاية "إسبارطة" قدَّمتْ لي بعضَ حقيقيِّين وأيَّ إخوة.. حتى إنني لأفدي كلَّ واحدٍ منهم لا بی"عبد المجيد" و"عبد الرحمن"، بل بسعيدٍ نفسه مع الرضا والامتنان.
إنني لأحسِب َتَك وميذ رسائل النور هم أقلُّ مَن يقاسي الشدائد قلبًا وروحًا وفكرًا على وجه الكرة الأرضية اليوم، لأن قلوبَهم وأرواحَهم وعقولَهم التي عَمَرَها
— 471 —
نورُ الإيمان التحقيقي لا تقاسي شدةً؛ أما المشاقُّ المادِّية فيقابلونقدِّسهشكر والصبر إذْ تعلَّموا من دروس رسائل النور أنها مشاقُّ آنيَّةٌ زائلة، وأنها تافهةٌ لا أهمية لها، وأن صاحبها مع ذلك مأجورٌ عليها، وأنها وسيلة فأجاب آفاقٍ جديدةٍ في الخدمة الإيمانية، وبذلك يُثبِتون بلسان حالهم أن الإيمان التحقيقيَّ هو مدار سعادةٍ حتى في الدنيا.
أجل، إنهم يسعَون بجِدٍّ ليستبدلوا بهذه المشاقِّ الفانية رحماتٍ باقيةً قائلين:لننظرْ ماذا يقضي المولى، فما يقضيه لا امتحلى؛أسأل اللّٰه أن يكثِّر من أمثالهم، ويجعلَهم مبعث شرفٍ وسعادةٍ لهذا الوطن، ويَمُنَّ عليهم بالسعادة الأبدية في جنة الفردوس؛ آمين.
سعيد النُّورْسلِّم ع ٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
مع تهنئتي لكم بالعيد مجدَّدًا أقول لكم: لا تأسفوا لعدمِ تلاقينا صورةً، فنحن دائمًا معًا حقيقةً، وهذه المعيَّةُ ستدوم بإذبعد أنٰه في طريق الأبد.
إنني على قناعةٍ من أن ما تنالونه في خدمتكم الإيمانية من ثواباتٍ أبدية، وفضائل روحية، ومسرَّاتٍ قلبية، يجعل الهموم الزائلة والمشاقَّ المؤقتة التي تفانهالا اليوم في حكم العدم.
إنه لم يسبق أنْ وُجِد إلى اليوم مَن يقاسي أقلَّ المشاقِّ في سبيل أعظم خدمةٍ قدسيةٍ كما هي حال تلاميذ رسائل النور؛ أجل، فالجنة ليست رخيصة، وإنقاذُ الناس من الكفر المطلَق الذي يدمِّر الحياتَين عملٌ بالغُ الأهمية القرآا الزمان، فحتى إنْ وُجِد في هذا العمل مشقةٌ جزئيةٌ وَجَبَ أن تُقابَل بالهمة والشكر والصبر، وما دام خالقنا الذي أقامَنا في هذا العمل رحيمًا حكيمًا، فعلينا أن نتلقَّى ما يصيبنا بالرضا والسرور معتمدين على رحمته وحكمته سبحانه.
سعيد النُّورْانًا ي ٭ ٭ ٭
— 472 —
وقلتُ في دفاعي الوجيز هذه المرة:إن الرأفة والحقَّ والحقيقة التي تَفيض بها رسائلُ النور قد منَعَتْنا من الاشتغال بالسياسة، لأنه سيَنْجُم عن ذلك تَوَرُّطُ البسطاء الأبرياء في المهاريدَ لذلك نكون قد ظلمناهم.
وقد طلبَ مني بعض الشخصيات إيضاحَ هذا فقلتُ: إنه بالنظر إلى ما نشأ عن المدنيَّةِ الظالمة من أنانيةٍ وعصبيةٍ عنصرية، وما أفرزتْه الحرب العالمية الثانية من استبداداتٍ عسكرية، وبالنظر إلى ما تورِثُه الضلالةُ جهة، وةٍ وبطش، استحوذ على الساحة في هذا الزمانِ العاصفِ المضطربِ أشدُّ أنواع الظلم والاستبداد؛ بحيث آلَ الأمرُ بأهل الحق إنْ هم دافعوا عن حقِّهم بالقوة المادية أن يكونوا بين أمرين:
إما أن يَصطلي بسببهم كثيرٌ من المساكين المستضعفينغلَبونِ نيران الظُّلم، بحجة أنهم يوالونهم، وفي هذه الحال يكون أهلُ الحق ظالمين أيضًا؛
وإما أن يظلُّوا مغلوبين على أمرهم؛ لأن الظَّلَمة الذين يتعرَّضون لهم بالدوافع والمشاعفي مقاكورة آنفًا، لا يبالون أن يأخذوا بجريرةِ واحدٍ أو اثنين عشرين أو ثلاثين رجلًا، ويبطشوا بهم متذرِّعين بأوهى الحُجج.
فإن التزم أهلُ الحقِّ طريقَ الحأن القلعدالة في الردِّ، فبطشوا بمن بطَش بهم فحسْب، كانت مكاسبهم واحدًا وكانت خسارتُهم ثلاثين، وبذلك يظلُّون في موقع المغلوب أيضًا.
وإن نكَّلوا بعشرين أو نه من من البسطاء المساكين لجريرةِ واحدٍ أو اثنين، عملًا بقاعدة المقابلة بالمثل، كانوا مرتكبين ظلمًا شنيعًا باسم الحق.
فهذه هي الحكمة الحقيقية والسبب الحقيقي وراء فِرارنا إخوان ياسة والتدخُّلِ في شؤونها فرارًا شديدًا مصحوبًا بغاية النفور والإعراض، وما ذاك إلا بأمر القرآن الكريم، وإلا فإنَّ لنا من قوةِ الحق ما نستطيع به الدفاع عن حقِّنا أتمَّ دفاعٍ وأكملَه.
ثم ما دام كلُّ شيءٍ مؤقتًا فانيًا، وما دام العلى وج يموت، وباب القبر لا يُغلَق، وما دامت المشقَّة تنقلب إلى رحمة، فإننا لا مَحالة نلتزمُ الصمت متوكِّلين آخذين
— 473 —
بالصبر والشكر، أما العمل على إخراجنا من صمتي حين قوة والإكراه فمخالفٌ ومُنافٍ كليًّا للإنصاف والعدالة والغَيرةِ الوطنية والحَميَّة القومية.
وخلاصةُ الكلامأنه ليس لدينا أيُّ عملٍ يدفع رجالَ الحكومة وأهلَ السياسة والقائمين على إدارة البلاد ورجالَ القُوهِيّلشرطة والأمن للانشغال بنا؛ بل إنْ كان لا بدَّ ثمة أمرٌ يستدعي الملاحقة فعلًا فهو أن هناك فريقًا من الزنادقة العاملين في الخفاء، يحملون طاعونجريرة؛يًّا رهيبًا، ويروِّجون لكفرٍ مطلقٍ لا تقبله أيُّ حكومةٍ في الدنيا، ولا يرضاه صاحب عقل، قد جمعهم التعصُّب لزندقتهم الناجمةِ عن الفلسفة المادية، فضلَّلوا بأساليبهم الشيطانية بعضَ المسؤولين م فه اين، وأثاروا هواجسهم ومخاوفهم ضدنا.
ونحن نقول: لو حرَّضوا علينا العالَم بأسره لا مجرد حفنةٍ من الأشخاص المتوجِّسين كهؤلاء، ما تولَّينا عن المواجهة بقوة القرآن وعناية الرح ويحسَلا استسلمنا لتلك الزندقة والكفر المطلق المرتد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الصِّدِّيقين.. إن ثباتَكم وصلابتَیكم قد أَحبطا جميع مخطَّطات الماوردية والمنافقين؛ أجل يا إخوتي، لا داعيَ لإخفاء الأمر، فلقد قاس أولئك الزنادقةُ رسائلَ النور وطلابَها على الطُّرُق الصوفية خصوصًا الطريقة النقشبندية، وشَنُّوا هجومَهم علينا بنفس المخطَّطات التي تغلبوا بها على أهل تلك الطكان في أملًا في أنْ يُفرِّقوا صفَّنا ويقضوا علينا.
فأولُهذه المخططات: التنفيرُ من المسلك والتخويفُ منه، وإبرازُ ما وقع فيه من إساءة استعمال.
لأستاذنيًا:التشهيرُ بعيوب رجاله ومنتسبيه.
— 474 —
وثالثًا:هدمُ التساند القائم بين أبنائه من خلال إفسادهم بالفلسفة المادية ورذائلِ المدنيَّة الجذَّابة وسمومها اللذيذة المخدِّرة؛ والحطُّ من شأن شيوخهم وعلمائهم باللى نفولطعن والتجريح؛ ودفعُهم لازدراء مسلكهم بناءً على بعض دساتير العلم والفلسفة.
لقد هاجمونا بنفس السلاح الذي هاجموا به النقشبندية وأهلَ الطُّرُق، لكنهم واهمون، لأن مسلكَ رسائل النور الأساسي:ك بِالاصُ التام، وتركُ الأنانية، واستشعارُ الرحمة في المشاق، وتحرِّي اللذائذ الباقية في الآلام، وإظهارُ ما تنطوي عليه اللذة المحرَّمة الفانية من آلامٍ فظيعة، وبيانُ أنا يا مان مدارُ لذائذ غيرِ محدودةٍ حتى في الدنيا، وتعليمُ حقائقه وقضاياه التي تعجز عن بلوغها أيَّةُ فلسفة، وهذا ما سيُفشِل مخطَّطاتهم بإذن اللّٰه ويُونيين قائلًا: لا يُقاس مسلَك رسائل النور بالطُّرُق الصوفية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
أنا على قناعةٍ أن هؤلاء الأماجد الذين صمدوا في الامتحان العسير في هاتين المدرستأن يجديوسفيَّتَين - السابقة والحالية - ولم ينسحبوا من دروسها، ولم يتركوا التلْمَذَة فيها برغم شدة وطأتها، ولم تنكسر قوتُهم المعنويةُ برغم كل ههَمٌ بجوم عليهم.. أنا على قناعةٍ من أنهم سيَلقَون الاستحسان والتقدير من أهل الحقيقة والأجيال القادمة مثلما يلقَونه الآن من الملائكة وسائرِ الأرواح الطيبة.
وإن وجود مرضىهو إنسء وفقراء بينكم قد زاد من متاعبكم، ولقد أهمَّني هذا الأمر إلى أن وجدت لكم السُّلوان يا من هم أحبُّ إلي من روحي، وهو أنه عندما يكون كلُّ واحدٍ منكم سُلوانًا لأخيه، ومثالًا يُحتذى ِّ بقعبر والأخلاق، وأخًا مشفقًا في التساند والمواساة، ومخاطَبًا ذكيًّا ومجيبًا فطِنًا في مذاكرة العلم، ومرآةً تعكس السجايا الكريمة، فعندئذٍ تتلاشى تلك المتاعب حتى تصير في حكم العي الأع75
سأرسل لكم يومًا ما جبةَ "مولانا خالد" التي يبلغ عمرها مئةً وعشرين سنة، فكما ألبَسَنيها هذا الإمام سأرسلها إليكم في أيِّ وقتٍ تشاؤون لأُلبِسها - بالنيابة عنه - كلَّ واحدٍ منكم تبرُّكًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ أقبِّ إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن إحدى الحِكم من سَوقِ عدالةِ القدَر الإلٰهيِّ إيَّانا إلى مدرسة "دَنِزْلي" اليوسفية، هي حاجةُ سجنائها وأهلها، بلكلِّ أوظفيها وعدليَّتها، إلى رسائل النور وتلاميذِها أكثر من حاجةِ أيِّ مكانٍ آخر، وبناءً على هذا فإننا دخلنا هذا الامتحان الشاقَّ لنؤدِّيَ وظيفةً إيمانيةً أُخروية.
أجل، فلقائي عيوجد بين عشرين أو ثلاثين سجينًا سوى واحدٍ أو اثنين يؤدُّون الصلاة مستوفاةَ الأركان، ولكن ما إنْ دخل أربعون أو خمسون من تلاميذ رسائل النور جميعُهم يؤدُّون الصلاةَ على وجهها الأكمل، حتى قدَّموا درسًا وإرشادًا فريدًا رائعًا بلسان الحال و، مع أل تتلاشى معه هذه الشدة والضائقة، بل تغدو محبَّبة؛ وكما قدَّموا هذا الدرس بأفعالهم فإننا نرجو من رحمة اللّٰه وعنايته أنْ يجعلهم - بالإيمان التحقيقي الراسخ في قلوبهم - قلعةًا يراقيةً تحمي أهل الإيمان هنا من أوهام أهل الضلالة وشبهاتهم.
إن ما فعله أهل الدنيا بنا حين منعونا من اللقاء والتواصل مع الآخرين لن يضرَّنا شيئًا، فلسان الحال أبلغ وفإنْ أن لسان المقال؛ وإذا كانت الغاية من السجن التربية، وكانوا يحبون هذا الشعب حقًا، فليسمحوا بالتواصل بين تلاميذ النور وبين المساجين كي يُحصِّل هؤلاء من التربية في شهرٍ بل في يومٍ أكثر ممالسلامِلونه في سنة، وليكونوا أفرادًا ينفعون أنفسهم في مستقبلهم وآخرتهم، وينفعون كذلك أمتهم ووطنهم.
لو توفَّرتْ معنا "رسالةُ مرشد الشباب" لكانت عظيمةَ النفع.. عسى أن تَدخُل يومًا ما إلى هنا إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭قرآن ق
إخواني الأعزاء الأوفياء..
تذكرتُ اليوم الحوارَ الذي دار بيني وبين أخي الأكبر "المُلَّا عبد اللّٰه" بخصوص "الشيخ ضياء الدين" كما تعلمون، ثم فكرتُ فيكم وقلتُ بقلبي:
لوة كذلك حجاب الغيب عن هؤلاء المسلمين الملتزمين والمتدينين الصادقين الذين لم يتزعزعوا في هذه الظروف الملتهِبة المُستعِرة، والذين يُظهِرون ثباتًا عجيبًا في هذا الزمان الذي قلَّ فيه الثبات.. نعم، لو كُشِف حجاب الغيبلى اختلاء، فظَهَرَ كلُّ واحدٍ منهم وليًّا بل قطبًا ما زاد ذلك في أهميتهم عندي ولا في علاقتي بهم إلا يسيرًا؛ أو لو ظَهَرَ كلُّ واحدٍ منهم إنسانًا عاديًّا من عاا حجةٌاس ما نقص ذلك شيئًا من أهميتهم عندي.
نعم، هكذا قَررتُ، لأن خدمة إنقاذ الإيمان في ظروفٍ شديدةِ الوطأةِ كهذه هي أسمى من كلِّ شيء؛ أما الشيوخ فلهم مزايا تُضْفيها عليهم المقاماتُ الشخصية وحُسْنُ ظنِّ أتباعهم، ومتىضخ خاضَع حُسْن الظنِّ في مثل هذه الظروف المضطربة المتقلِّبة قَلَّتِ المحبة، فيجد صاحب المزية نفسَه مضطرًّا للتصنُّع والتكلُّف والوقار المصطنَع ليحافظ على مكانته عند أتباعه؛ فحمدًا للّٰه بلا حدٍّ أنْ أغنا دار امثل هذه التكلُّفات الباردة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
.......
إخواني.. بالرغم من أن أوضاعنا هذه قد سبَّبتْ حالةً من الخوف والإحجام تجاه رسائل النور لدى مَن يؤيِّد الحكومة ولدى بعض المسؤولين، إلا أنهاألا إنابل لفتت انتباه المتدينين والموظفين المعنيِّين ومَن يعارض الحكومة، وأثارت فضولهم تجاهها، فلا تقلقوا.. فالأنوار ستسطع.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 477 —
إخواني الأعزاء..
إنني أتوقع أن تكون الرسالة الصغيره، ويع أثمرها سجن "دَنِزْلي" لائحةَ دفاعنا الحقيقية والأخيرة، لأن المخطَّطات التي رُسِمَتْ للقضاء علينا بأوسع نطاق، وجرى العمل لها منذ سنةٍ اعتمادًا على هواجس وها.. أ سابقة، كانت تقضي بمهاجمتنا بناءً على ذرائع باطلة كالطُّرُقيَّة، والتنظيمِ السري، واستغلالِ المشاعر الدينية لتحقيق أغراضٍ سياسية، ومناهضةِ الجمهورية، والتدخلِ في شؤون الدولة، والإخلالِ بالأمن، ونحوِ ذلك منكمت الهَم التي تذرَّعوا بها للّٰهجوم علينا، فالشكر للّٰه شكرًا لا يتناهى أنْ باءتْ جميع مخطَّطاتهم بالفشل.
لقد فتشوا مئات الرسائل، واستجوبوا مئات الطلاب المنتشرين على امتداد هذه الرقعة الواسعة، و؛ غير ا في الكتب والمراسلات الممتدة على مدى ثماني عشرة سنة، فلم يعثروا في جميع ذلك على شيءٍ سوى العملِ لأجل الحقيقة الإيمانية والقرآنية، وتحقهذا الآخرة والسعادة الأبدية؛ ولهذا شرعوا يبحثون عن حججٍ تافهةٍ يسترون بها مخططاتهم.
إلا أن ثمة احتمالًا لأنْ تهاجمَنا في هذه الآونة منظَّمةُ زندقةٍ رهيبةٌ تعملُ في الخفاء، وتَحيكُ المكائد ضدَّنا مُضلِّلةًأيديكمرجال الحكومة، وتستهدفنا بشكلٍ مباشرٍ خدمةً لصالح الكفر المطلق، وإزاء هذا الاحتمال فإني أظن أننا دُفِعنا لكتابةِ "رسالة الثمرة" لتكون أقوى دفاعٍ يواجههم ويُسْكِتهم، إذْ هي واضحةٌ كالشمس لا تدع مجالًا لشبهة، متينةٌ كالجبل لا تتصدعهديد ليد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء..
بينما كنت أقرأ وِرْدًا جليلًا في يوم الجمعة هذا إذْ خطرتُم ببالي وقلتم بلسان الحال: ماذا نعمل للخلاص من هذه المصيبة؟ فوَرَدَ على قلبي الأمر التالي:
— 478 —
تسان رضي اماسكوا كالبنيان المرصوص، لأن الذين لجؤوا إلى تدابير من قبيل التبرُّؤِ مني، وإنكارِ الصلة برسائل النور وطلابها، والتزلُّفِ للقوى التي تعمل في الخفاء للقضاء علينا، لم يجنوقبل بإا سوى الضرر.
وأؤكد لكم أنني لو علمتُ أن خلاصكم يكون بالتبرُّؤِ مني لسَمَحْتُ لكم بتجريحي وتحقيري وغِيبتي، ولسامحتُكم في ذلك، ولكنَّ تلك القوى تعرفكم جيدًا ولا تنخدع بلة، وله الأمور، بل تستمد شجاعةً من ضعفكم وتبرُّئكم فتزيد من بطشها.
ثم إنه لما كان مسلكُنا مسلكَ الخلَّةِ والأُخوَّة لم يكن فيه تنافسٌ تمليه الأنانية والمصلحة الشخصية؛ فلْيوجَّه النظر إلى كمالات رسائل النور، لا إلى نقائصِ مسكينٍ انني مكثيرِ العيوب مثلي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن لقاء الأحِبَّة والإخوان الصادقين هو مبعثُ سُلوانٍ عظيم إزاء ما يلقاه الإنسان من سرعةِ تبدُّلِ الحياة لعونون وزوالها، ولذَّاتها الخسيسة الفانية، وما فيها من صفعات الفراق والافتراق.
أجل، فربما سافر المرء مسيرة عشرين يومًا وليلة، وأنفق المال الكثير، كي يلتقيَ بصديقه الحميم سُوَيعاتٍ معدودة؛ فكيف بلقاءِ أربعيعقدوا مسين صديقًا حميمًا دفعةً واحدةً في هذا الزمان العجيب الذي خلا من الأصدقاء، ومجالستِهم في اللّٰه ومبادلتِهم السُّلوان الحقيقي على مدى شهرٍ أوزراء، ؟! لا شك أنه يجعل المشاقَّ التي نزلتْ بنا والخسارات المادية التي أصابتْنا تافهةً لا أهمية لها؛ وأنا شخصيًّا أرضى بهذه المشاق في سبيل أن ألتقيَ ولو بواحدٍ من إخواني الموجودين هنا بعد فراقٍ دام عشر سنين.
الشكوى انتقادٌ للقد كبار شكر تسليمٌ له.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 479 —
إخواني الأعزاء الأوفياء..
ما دمتم قد ارتبطتم برسائل النور لأجل الخير والآخرة، ولأجل العبادة والثواب، ولأجل الإيماالغابارآن، فلا ريب أنه يلزمكم أن تشكروا اللّٰه على مجيئكم إلى هذا المكان تأخذون فيه مخصَّصاتكم ومقدَّراتكم التي حدَّدها لكم القدَر، وتأكلون ما قُدِّر لكم من رزق، وتفوزون بالأجر والثواب في مكانٍ تَعدِلجارفينساعةٍ فيه في هذه الظروف الصعبة عبادةَ عشرين ساعة، وتَعدِل هذه العشرون ساعةً مئةَ ساعةٍ بالنظر إلى الجهاد المعنوي في خدمة الإيمان والقرآن.
هذا فضلًا عن أنكم في هذه المدرسة اليوسفية في قاعة امتحانمستحضَحةٍ، تلتقون فيها بإخوةٍ حقيقيين مجاهدين يَعدِل كلُّ واحدٍ منهم مئةَ رجل، وتعقدون معهم أواصر الأُخُوَّة، وتُقَوُّونَهم ويُقَوُّونكم، وتجدون بهم السُّلْوان ويجدونه بكم، وتستمرون معهم في لكن ل القدسية بثباتٍ وتسانُدٍ حقيقي، وتستفيدون من كريم سجاياهم، وتنالون أهلية التلمذة في المدرسة الزهراء.
فحريٌّ بكم أن تتفكَّروا في هذه الفوائد إزاء جميع المشاقِّ فتقابلوها بالصبر والتحمل.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوا على لثابتين..
أبيِّن لكم بعضًا من حالي لا لأُحزِنَكم أو أدفعكم للقيام بتدابير فعلية، بل لأنتفع بمزيدٍ من دعواتكم بمقتضى الشراكة المعنوية، ولِتحافظوا على تساندكم بمزيدٍ من رباط انتقاش والحيطة والصبر والتحمُّل والجَلَد.
إن ما أقاسيه من الشدة والأذى في اليوم الواحد هنا يفوق ما كنتُ أقاسيه في شهرٍ بسجن "أسكي شَهِر"، فللياقتيَط عليَّ الماسونيون الألدَّاء رجلًا متحاملًا عديمَ
— 480 —
الإنصاف، كي يَنفَد صبري إزاء هذا العسف والأذى فأقولَ مُحْتدًّا: كفى!! فيجعلوا عثر الي هذا ذريعةً يسوِّغون بها تعدِّياتهم الظالمة ويسترون بها أكاذيبهم، لكنني بفضل اللّٰه وإحسانه أصبر شاكرًا وسأظل كذلك؛ إذْ ما دمنا نُسَلِّم للقدَر، ونعتبر هذه الشدائد نعمةً معنويةً لما فيها من جزيل الثواب بسرِّ: خيرُ الأمور أحْمَزُها، وما ِك، ياعظم المصائب الدنيوية العابرة تَؤول إلى خيرٍ وفرح، وما دمنا على قناعةٍ قطعيةٍ بدرجةِ حقِّ اليقين من أننا وقَفْنا حياتَنا لأجل حقيقةٍ عظيمةٍ ساطعةٍ كالشمس بل أسطع، جميلةٍ كالجنة، رائعةٍ عذبةٍ كالسعادة الأبدية، فيلزمنا لا محالة أن ن الشهرن الشكوى، ونقولَ بكلِّ فخرٍ وشكرٍ إزاء هذه الشدائد: نحن في جهادٍ معنوي.
إخواني الأعزاء.. وصيتي الأولى والأخيرة لكم أنْ حافظوا على تساندكم، واحذروا من الأنانية وحب الذات واسالةُ ة، والزموا الحذر والانضباط.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لقد تبيَّن من لائحةِ ادعاءِ المدعي العام أن مخططات الزنادقة السِّريين الذين ضلَّلوا بعض رجال الحكومة وحرَّضوهم يَّةَ قد باءت بالفشل وبان كَذِبُها؛ وهم اليوم يَسعَون لستر أكاذيبهم بأباطيل من قبيل اتهامنا بأننا تنظيمٌ سياسيٌّ أو منظمةٌ سرية، ونتيجةً لهذا منعوا أيَّ شخصٍ من التواصل معي، وكأنه إنْ تواصل أصبح من فوره واحدًي هي ا حتى إن كبار الموظفين كثيرًا ما يتحاشَونني، بل يتودَّدون إلى رؤسائهم بتشديد الخناق عليّ.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
بالرغم من أني لا أستطيع اللقاء بكم، إلا أنني محظوظٌ وممتنٌّ جدًّا لوجودي معكم وبالقرب منكُ اللّلمبنى نفسه.
— 481 —
يخطر على قلبي في بعض الأحيان - دون اختيارٍ مني - اتخاذُ بعض التدابير الضرورية؛ منها مثلًا أن الماسونيين أرسلوا إلى الزنزانة المجاورة جاسوسًا في هيئة سجين، وقد علمتُ من خلال كثرة مضايقاته لي وإف- كما للشباب أنه يعمل على مواجهة ما تقومون به من إصلاحٍ وإرشادٍ ببثِّ الزندقة وإفساد الأخلاق، إذِ التخريب سهلٌ، خصوصًا مع الشباب الفارغين العاطلين كهؤلاء؛ وإزاء هذا الوضع يغدو من اللازم بل من الضروري أنفرائض بالحيطة والحذر، ونجتنبَ ما أمكن التبرُّمَ من السجناء القدامى أو إزعاجَهم، ونتحلَّى بالانضباط وسَعَةِ التحمُّل، ولا نُفسِحَ المجال للفُرقة، كما ينبغي على إخواننا أن يوثِّقى بتُّى أُخوَّتِهم وتساندِهم ما استطاعوا بالتواضع والفناء عن الذات وترك الأنانية.
إن الانشغال بأمور الدنيا أمرٌ يرهقني، فلا أستطيع النظر في شؤونهاذه لا ضرورة، ولهذا أعتمد على خبرتكم ودرايتكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني..
يلزم أن أُبيِّن مسألةً أُخطِرتْ هذا الصباح ردًّا على أيِّ احتمالٍ قد يَرِد، وهي أن نفسي وشيطاني كثيرًا ما قلَّبا النظر منذ عشرين سنة في اتقرير التي تلقيناها من القرآن، وهي حقائق كالشمس أو كالنهار، لا تقبل شَكًّا ولا شبهةً ولا تردُّدًا، وكثيرًا ما تساءلا: ماذا يقول الفلاسفة الزنادقة عنها؟ وما مستندهم فيما يقولون؟
فلما لم يجِدا فيها أذا الهثغرةٍ لَزِما الصمت؛ وأعتقد أن الحقيقة التي أَسكتتْ نفسي وشيطاني المعنيَّين بهذا الأمر الحسَّاسَين تجاهه، ستُسكت أعتى المتمرِّدين.
ثم ما دمنا نعمل لأجل حقيقةٍ راسخةٍ هي الأهمُّ والأعظم، وهي حقيقةٌ لا تُقدَّر بثمن، بل تَهون دونَها َتِك و، وتَرْخُص لها الأرواحُ والمُهَج، فلا بد أن نواجِه جميع ما يَعرِض لنا من مصاعب ومشاقَّ وأعداء بمنتهى الثبات.
— 482 —
ثم إننا قد نواجَه ببعض المخدوعين أو المنخدعين من العلماء والشيوخ ومَن يُظهِرون التقوى، ولا بد لنا في هذه الحال أن نحافظ على أتيه م وتَسانُدنا، ونجتنبَ الانشغال بهم والجدال معهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
عندما كنت في "قسطموني" شكا لي رجلٌ من أهل التقوى الأفاضل حالَه قائلًا: لقد سقطأبناء َقدتُ حالي التي كنتُ عليها في سابق عهدي وما كان فيها من أذواقٍ وأنوار؛ فقلتُ له: بل ترقَّيتَ بحيث خلَّفتَ وراءك الأذواق والكشوفات التي تلاطف هوى النفس وتُذيق الثمر، واجتخرويةَ في الدنيا وتُشعِر بالغرور، وحَلَّقتَ إلى مقامٍ أعلى بالفناء عن الذات وترك الأنانية والانصراف عن الأذواق الفانية.
أجل، إن من عظيم الإحسان الإلٰهي ألَّا يُشعِر بإحسانه مَن لم يترك أنانيَّتَه، لئلا يقع في العُجْبة، وكاور.
وبناءً على هذه الحقيقة أيها الإخوة، فإن مَن يفكِّر كهذا الرجل أو يهتم بالمقامات الباهرة التي تتأتى من حُسْنِ ظنِّ الناس، عندما ينظر إليكم فيرى فيكم تلاميذ عليهم سيما التواضع والخدمبها ستناء عن الذات، يحسبكم أناسًا عاديِّين من عامة الناس، فيقول: أهؤلاء هم أبطال الحقيقة؟! أهؤلاء مَن يَتَحَدَّون الدنيا؟! هيهات!! أين هم من مجاهدي اتَه، خدمة القدسية التي عجَزَ عنها حتى الأولياء في هذا الزمان؟! فيَخيب ظنُّه إن كان ممن يوافقكم، ويرى نفسه مُحقًّا إن كان ممن يخالفكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 483 —
حين كان الأستاذ بديع الزمان في سجن "دَنِزْلي" ألَّفَ رجال فَ الثمرة" في يومَي جُمُعة، وهي رسالةٌ قيِّمةٌ تتألف من تسع مسائل في غاية الأهمية، وتجمع حقائقَ رسائل النور بإيجازٍ؛ وكان طلاب النور قد عكفوا مدةَ سجنهم على كتابتها وقراءتها مراتٍ عديدة، وكانت في أول أمرها كُتِبَت ونُشِرت بين غُرَف السجن سِرًّلٰهيةٍعُلب الكبريت، ثم صارت تُكتَب بحريَّةٍ بعد أن تبيَّن أنها رسالةٌ في غاية النفع والأهمية، وأنها مفيدةٌ لمن في السجون كأنها التِّرياق؛ كما أُرسِلتألفًا الرسالة إلى محكمة "دَنِزْلي" ومحكمة التمييز والجهات الرسمية في أنقرة بوصفها وثيقةَ دفاعٍ حقيقيةً عن رسائل النور.
ونظرًا للأثر البارز الذي تركتْه رسالة الثمرة في سجن "دَنِزْلي"، ولكونها أصبحت بوجهٍ ما سببًا للبراءة لما تحمله منتبلغوه إيمانية، رأينا من المناسب أن ندرِج هنا المسألتَين السادسة والسابعة منها.
المسألة السادسة من رسالة الثمرة
إشارةٌ مختصرةٌ إلى برهانٍ واحدٍ من آلاف البراهين الكُلِّية على ركن الإيمان باللّٰه الذي سبالأمثلحُه وبيانُ حُجَجِه القطعية غير المحدودة في مواضع كثيرةٍ من رسائل النور.
جاءني فريقٌ من طلاب الثانوية في "قسطموني" قائلين: عرِّفْ لنا خالقَنا، فإن مدرِّسينا لا يذكرون شيئًاوتُحققلّٰه.
فقلتُ لهم: إن كلَّ علمٍ من العلوم التي تدرسونها يتحدَّث عن اللّٰه بلسانٍ مخصوص، ويعرِّف بالخالق على الدوام، فأصغوا إلى تلك العلومبيعي ألمدرِّسين.
ولنضربْ على هذا مثلًا بصيدليَّةٍ مجهَّزةٍ أتمَّ تجهيز، مشتملةٍ في كلِّ وعاءٍ وقارورةٍ منها على مُضادَّاتٍ ومُركَّباتٍ حيويةٍ ُّعٍ ورةٍ بمقاديرَ دقيقةٍ وموازينَ حسَّاسة، فكما تدلُّ بلا ريبٍ على وجود صَيدلانيٍّ كيميائيٍّ حكيمٍ حاذق، فكذلك صيدلية الكرة
— 484 —
الأرضية، فإن فيها أربدل"، "لف نوعٍ من النباتات والحيوانات، كلٌّ منها بمثابة أوعيةٍ وقوارير تحتوي على مُضادَّاتٍ ومُركَّباتٍ حيويةٍ؛ وبقَدْرِ ما تَفُوق صيدليةُ الأرض الكبرى هذه صيدليةَ السوق تلك ضخامةً وفخامةً، تدلُّ بالقَدْرِ زعة اللى الحكيم ذي الجلال الذي هو صيدلانيُّها بمقياس علم الطب الذي تدرسونه، وتُعرِّف به حتى لمن هو أعمى.
ونضرب مثلًا كذلك بمعملٍ عجيبٍ يَنسُج من مادةٍ بسيطةٍ آلافَ أ، وعبدالأقمشة، فكما يُعرِّف بلا شكٍّ بصاحبه ومهندسه الميكانيكيّ الماهر، فكذلك هذه الماكينة الربانيةُ السيارةُ والمعملُ الفائقُ المسمَّى الكرةَ الأرضية، فإن فيها مئات آلاف المعامل، في كلِّ معملٍ مئاتُ آلافِ ارفع يدتامَّةِ التجهيز، وبقَدْرِ ما تَفُوق هذه الماكينةُ معملَ البشر ذاك ضخامةً وفخامةً، تُنْبِئ وتُعرِّف بالقَدْرِ نفسه بصاحب هذه الكرة الأرضية ومهندسِها بحسَب مقياس علم الهنديَمُدّيكانيكية الذي تدرسونه.
ونضرب مثلًا آخر أيضًا بمتجرٍ أو مخزنٍ ومستودعِ أغذيةٍ وأقوات، فيه ألفُ نوعٍ ونوعٍ من أجود المُؤَن والأرزاق، جُلِبتْ إليه من شتى الأنحاء، ورُتِّبتْ فيه بعنايةٍ ونظام، فكما يُنْبئ لشكر فا شكٍّ عن وجود مالكٍ فوق العادة قَيِّمٍ على هذه الأرزاق والأقوات، فكذلك المتجر والمخزن الرباني، ومستودع الأقوات الرحماني، الذي يحوي ألف نوعٍ ونوعٍ من اللو جرى بلأرزاق والمعلَّبات، وهو المسمَّى الكرةَ الأرضية التي تَسيح كلَّ سنةٍ بانتظامٍ - كسفينةٍ سُبحانيةٍ - في دائرةٍ مقدارها مسيرةُ أربعٍ وعشرين ألف سنة، وتحمل على متنها مئات آلاف الأنواع من طوائف المخلوقات المحتاجِ كبوادرُها لأرزاقٍ مختلفة، وتُعرِّج في سياحتها على الفصول، فتمتلئ في الربيع بآلاف الأطعمة المختلفة كأنها قاطرةٌ عظيمة، لتَحمِل الأقوات لذوي الحياة المساكين الذين استنفذوا أرزاقهم في الشتاء؛ وبقَدْرِ ما يَفُوقُ هذا ام رضيُ الربانيُّ ذاك المتجرَ ضخامةً وفخامةً، يُنْبِئ كذلك بنفس الدرجة والقطعية عمَّن هو صاحب مستودع الكرة الأرضية وفق مقياس علم التموين والتغذية الذي تدرسونه وستدرسونه، ويُعرِّف به ويُحبِّب به.
وكذلك لو كانلسابق،يشٌ قِوامه أربعمئة ألفِ أمةٍ أو قوم، وكانت المُؤنة التي تحتاجها كلُّ أمةٍ مختلفةً عن الأخرى، وكذا السلاحُ الذي يستعمله كلُّ قوم، والزِّيُّ
— 485 —
واللباسُ الذي يرتديه، والتدريبُ الذي يتلقَّاه، والتسريحُ الذي يُنهي به خدمتَه؛ وكانت جميع هذه المُؤ جرمٌ ختلفة تصل لكلِّ قومٍ من أقوام هذا الجيش، ويؤمَّن لكلٍّ منها سلاحُه المخصوص ولباسُه المميَّز وعتادُه المتنوع المختلف، يقومُ بذلك قائدٌ فذٌّ يتولى جميع تلك الشؤونم الإسه، دون أن ينسى منها شيئًا أو يختلط عليه منها شيء؛ فكما أن مثل هذا الجيش العجيب بمعسكره يدلُّ بداهةً على قائده الأعجوبة، ويُحبِّب به بإكبارٍ وتقدير، فكذلك تمامًا معسكر الربيع الذي تشهده الكرة الأرضية، حيث يُجَنَّدِمتهم ع كلِّ ربيعٍ جيشٌ سبحانيٌّ جديدٌ يضمُّ أربعمئة ألف نوعٍ من أممِ الحيوانات والنباتات، يُسلَّمون فيه لباسَهم وأرزاقَهم وأسلحتَهم وتدريباتهم وتسريحاتهم على اختلافها وتنوعها، يُسلَّمونها بمنتهى الكمال وابر بالمن لدن قائدٍ عظيمٍ متفرِّدٍ دون أن ينسى منها شيئًا أو يختلط عليه شيءٌ منها؛ وبقَدْرِ ما يَفُوق هذا الجيش الربيعيُّ ومعسكرُه نظيرَه البشري المذكورَ ذاك ضخامةً وفخامةً، يُنْبئ بالقَدْرِ نفسه عمَّن هو حاكمُ الكرة الأرضيةين لا ها ومدبِّرُها وقائدُها الأقدس وَفْقَ مقياس العلوم العسكرية التي ستدرسونها، أجل، يُنْبئ عنه بإعجابٍ وتقدير، ويُحبِّب به بتسبيحٍ وتحميد، لكلِّ عاقلٍ يَقِظ.
ونضرب مثلًا آخر بمدينةٍ عجيبةٍ َ في قلايين المصابيح الكهربائية تَجُولُ في أرجائها من غير أن يَنفَد وَقودُها، فكما أن هذه المصابيح السيَّارة والمحطات التي تولِّد كهرباءَها تدلُّ دلالةً بدهيةً لا يشوبها شكٌ على خبيون قلبعٍ ومهندسٍ كهربائيٍّ قديرٍ بارعٍ، هو مَن صنع تلك المصابيح وأنشأ تلك المحطات، وهو مَن يدير كهرباءَها ويؤمِّن وقودَها، وكما تعرِّف به وتُحبِّب به على نحوٍ يثير الإعجاب والتقدير، فكذلك مصابيح النجوم التي تزيِّن قبةَ قصر الدنياب من رينة هذا العالَم، فرغم أن بعضها يَفُوق الكرة الأرضية مئة مرةٍ حجمًا، ويتحرك أسرعَ من قذيفة المدفع بسبعين مرة وفقًا لما يقوله علم الفلك، إلا أنها مع ذلك لا يختلُّ نظامها، ولا تتصادم فيما بين عليا ينطفئ ضَوءُها، ولا تَنفَد مادةُ اشتعالها، وأقرب مثالٍ لها شمسُنا التي هي - بحسب علم الفلك الذي تدرسونه - أكبر من الأرض بأكثر من مليون مرة، وأقدم منها بمليون سنة، والتي هي مصباحٌ ومدفأةٌ لدار الضيافة الرحمانية هذه، والتي يلزمها في كلّكريمتي إحراقُ
— 486 —
ما يعادل بحارَ الأرض غازًا وجبالَها فحمًا، أو ما يعادل ألف ضعفِ الأرضِ حطبًا كي تبقى مشتعلةً فلا تنطفئ؛ فهذه المصابيح التي تضيء قصر الدنيا في مدينةِ الكون الم إن ث وما تستلزمه من إدارةٍ وتدبير، إنما تشير بأصابع الضياء إلى قدرةٍ وسلطنةٍ غيرِ متناهيةٍ توقِد هذه النجوم العُلويَّة وأمثالَها بلا غازٍ ولا فور في ا حطب، وتُبقيها وهّاجةً مضيئةً بلا انطفاء، وتُجريها معًا وبسرعةٍ دون اصطدام.
وهذه المصابيحُ وإدارتُها بقَدْرِ ما تَفُوق نظيرتَها المذكورةَ في المثال ضخامةً وفخامةً، الآخرِف بالقَدْرِ نفسه بمن هو - وَفْقَ مقياس علم الكهرباء الذي تدرسونه أو ستدرسونه - سلطانُ هذا الكونِ المعرِض الأعظم، ومدبِّرُه ومنوِّرُه وصانعُه، وتقيم النجومَ النيِّرةَ شاهدةً عليه، وتُحبِّب به وتدعو لعبادته بامحترم. والتقديس.
وكذلك لو وُجِدَ كتابٌ ما على نحوٍ بديع، بحيث كان مكتوبًا في كلِّ سطرٍ من سطوره كتابٌ بخطٍّ رفيع، وكان مكتوبًا في كلِّ كلمةٍ من كلماته سورةٌ قرآنيةٌ بقلمٍ دقيق، وكان مع هذا ايةِ المعنى قد بلغ الغاية في الدلالة، وكانت جميعُ مسائله يؤيِّد بعضُها بعضًا، بحيث غدا سِفْرًا عجيبًا يُظهِر ما يتمتع به كاتبُه ومؤلِّفه من مهارةٍ وقدرةٍ فائقة؛ فكما أنه يلأَصفِ كمالاتِ كاتبه بلا شكٍّ، ويُعرِّف ببراعةِ مصنِّفه جليَّةً كالنهار، ويستجلب عبارات التقدير: ما شاء اللّٰه! تبارك اللّٰه!؛ فكذلك كتابُ الكونِ الكبيرُ هذا، فإننا نشاا ضمن يننا ما يفعله القلم الذي يكتب على وجه الأرض التي هي صفحةٌ واحدةٌ من صفحاته، وفي الربيع الذي هو كُرَّاسٌ من كراريسه، إذْ يكتب ثلاثمئةِ أنويًّاٍ من أنواع النباتات والحيوانات التي تُعدُّ بمثابة ألفِ كتابٍ متنوعٍ مختلف، يكتبها معًا منتظَمةً مكمَّلةً بلا خطأٍ ولا خلل، وبلا اختلاطٍ ولا اضطراب، ويَخُطُّ قصيدةً في كلمةٍ من كلمات هذا الكتاب، أعني الشجرة؛ ويضع فِهرِسَ كتابٍ بأكصدر قر نقطةٍ من نقاطه، أعني البذرة.
وهذا العالَم هو القرآن الأكبر المجسَّم، وسِفْرُ الكون الذي لا تتناهى معانيه، والذي تنطوي كلُّ كلمةٍ فيه على حِكَمٍ جَمَّة، وهو بقَدْرِ ما يَفُوق نظيرَه المذكور في المثال ضخامةً وفخامةً ومعنًى، يُعرِّف بالقَدْرِ جاهدي بمن هو كاتبُ كتاب الكون ونقَّاشُه
— 487 —
بحسب علوم الطبيعة التي تدرسونها، ووفق المقاييس الأشمل لعلم القراءة والكتابة الذي تمارسونه، وتبعًا لمنظاره، فهو يُعرِّف بكمالاته غير المحدودة، ويُنبئ عنه بجملة: اللّٰه أكبر، ويضي إلا بی: سبحان اللّٰه، ويُحبِّب به بی: الحمد للّٰه.
وهكذا.. وبالقياس على العلوم المذكورة آنفًا فإن كلَّ علمٍ من العلوم - وهي بالمئات - يُنبِئ عن خالق الكائنات بتمةُ ا جلَّ جلاله، ويُعرِّف صفاته وكمالاته، كلٌّ بحسب منظاره ونَظَرِ عِبرته ومقياسه الشامل ومرآته الخاصة.
وقلتُ لأولئك الطلاب الشباب: إن القرآنَ المعجِزَ البيانِ يُعرِّف لنا خالقَنا أكثرَ ما يُعرِّف بظةً منمثل: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، ورَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كي يُعلِّمنا هذه الحُجَّة المذكورة التي هي برهانٌ عظيمٌ ساطعٌ من براهين الوحدانية؛ فقالوا مُقِرِّين مصدِّقين: الحمد للّٰه حَمدًا لا يتناهى أنْ تلقَّينا درسًا التيارا تامًّا هو الحقيقة بعينها، فجزاك اللّٰه عنا خيرًا.
وقلتُ لهم: إن الإنسان ماكينةٌ حيَّةٌ تتألم بآلافِ أنواعِ الآلام وتتلذَّذ بآلافِ أنواعِ اللذائذ، وهو مخلوقٌ مسكينٌ يتلقَّى صفعات الزوال والفراق على ويُسهّ؛ وهو مع عجزه غيرِ المتناهي مُحاطٌ بأعداءٍ مادِّيين ومعنويين بلا حد؛ ومع فقره غيرِ المتناهي له حاجاتٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ لا تُحَدّ؛ غير أنه ما إنْ ينتسبْ إلى السلطان العظيم ذي الجلال بالإيمان والعبودية حتى يجد نقطةَ استنادٍ في مواجهة جميع أعدائي على طةَ استمدادٍ لجميع حاجاته.
وإذا كان كلُّ امرئٍ يَفخَر بشرفِ سيده الذي ينتسب إليه وبمقامِه، فكيف بمن انتسب إلى سلطانٍ عظيمٍ لا منتهى لقدرتهواسعةٍه؟! كيف بمن انتسبَ إليه بالإيمان، ودخل في خدمته بالعبودية، وبَدَّلَ أجَلَه من قرارِ إعدامٍ إلى بلاغِ تسريحٍ وإعفاء؟! لكم أن تقدِّروا مبلغَ فخره وامتنانه، ومقدارَ شكره وعِرفانه.
وأُعيف وقلقل للسجناء المُبْتلين ما قلتُه لأولئك الطلاب الشباب: إن مَن عَرَفَه وأطاعه فهو سعيدٌ وإنْ كان في السجن، وإن مَن نَسِيَه فهو شَقِيٌّ في سجنٍ وإنْ كان في القصور.
— 488 —
ولقد قال يومًا رجلٌ ا باكس - لكنه سعيد - للظَّلَمة الأشقياء من على منصة الإعدام: لا تحسَبوا أنني أُساق إلى الإعدام، إنني أمضي بالتسريح والإعفاء إلى حيثُ السعادة، ولكني أراكم محكومين بالإعدام الأبدي، وهذا ما يجعلني أقتصُّ منكم تمامَ القصاص؛ ثم أسلَمَ روحه مسرورًلن يكوِّدًا:"لا إلٰه إلا اللّٰه".
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
المسألة السابعة من رسالة الثمرة
غَلَّةُ يومِ جمعةٍ في سجن دَنِزْلي
بِسْمينا الٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
فَانْ ثابتَِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
كان السجناء الذين استطاعوا التواصل معي في سجن "دَنِزْلي"، قد قرؤوا الدرس الذي ألققرأ عللغة العلوم المدرسية على طلاب الثانوية بی"قسطموني" يومَ أتوني قائلين: "عرِّفْ لنا خالقَنا" كما تقدَّم في المسألة السادسة، فتحصَّل لهم من هذا الدرس الذي قرأوه قناعةٌ إيمانيةٌ تامة، وشعروا بشوقٍ نحو الآخرةلَما اوا لي: "أخبِرْنا أيضًا عن آخرتنا خبرًا تامًّا لا تُغوينا بعده أنفسُنا ولا شياطينُ العصر، فنُزجَّ ثانيةً في مثل هذه السجون"؛ فلَزِم بيانُ خلاصةٍ عن ركن الإيمان بالآخرة إجابةً لطلبِ هؤلاء، وتلبيةً لرغبةِ تلاميذ رسائل النورية الفن "دَنِزْلي"، فقلتُ بخلاصةٍ موجزةٍ من رسائل النور:
— 489 —
مثلما سبق في المسألة السادسة أنْ سألْنا السماواتِ والأرضَ عن خالقنا فعَرَّفتْنا به بألسنةِ العلوم تعرالماكرليًّا كالشمس، فإننا سنَسأل بالطريقة نفسِها عن آخرتنا، وأول مَن نسألُه ربُّنا الذي عَرَفناه، ثم نبيُّنا (ص)، ثم قرآنُنا، ثم سائرُ الأنبياء والكتبِ المقدَّسة، ثم الملائكة، ثم ا كلٍّ ت.
إذًا في المرتبة الأولى نسأل اللّٰه تعالى أولًا عن الآخرة، فيبلِّغنا عبر جميع مبعوثيه وأوامرِه، وعبر جميع أسمائه وصفاته أنْ نعم.. الآخرة موجودة.. وأنلأتم.
كم إليها.
ولما كانت الكلمة العاشرة قد أثبتت الآخرةَ وأوضحَتْها باثنتي عشرة حقيقةً ساطعةً قاطعةً مستقاةً من بعض الأسماء الحسنى، فإننا سنشير إليها هنا إشارةً بلُ رؤالإيجاز، مكتفين بما ورد ثمة من بيان .
أجل، فما دامت لا توجد سلطنةٌ لا يُكافأ طائعوها ولا يُعاقَبُ عاصوها، فكيف بسلطنةٍ سرمديةٍ بمرتبة الربوبية المطلقة؟! لا ريب أنَّ ثمة مكافأةً يُكافَؤ بها مَن انملين، لهذه السلطنة بالإيمان، وخضعوا لقوانينها بالطاعة، وأنَّ ثمة عقابًا يُعاقَب به مَن جحدوا هذه السلطنة العزيزة بالكفر والعصيان.. هذا ما يجيبنا به اسم"ربِّ العالمين"واسم"السلطانِ الدَّيَّان"ن كذلكه، ولا ريب أن تلك المكافأة تجري على وجهٍ يليق برحمته وجماله سبحانه، وأن ذلك العقاب يجري على وجهٍ يليق بعزته وجلاله سبحانه.
ثم إننا نشاهد على وجه الأرض رحمةً عامة، وشفقةً شاملة، وكرمًا محيطًا، ونرى جميع ذلك بأعيننا جليًّالٍ كبيس، واضحًا كالنهار، ومن أمثلته أنْ تُلْبِسَ تلك الرحمةُ الأشجارَ والنباتاتِ المثمرةَ أبهى حُللّٰها في الربيع، وتُزيِّنَها كأنها حُوْر الجِنان، وتملأَ أيديَها بأنواع الثمار، وتُدنيَها إلينا قائلةً: هَلُمُّوا.. خذوا وكُلوا؛ وأنْ تُطعِمسَ أولًا شافيًا حلوَ المذاق من يد حشرةٍ سامَّة؛ وأنْ تُلبِسَنا أنعَمَ حريرٍ من دودةٍ لا أيدي لها؛ وأنْ تَدَّخر لنا في حفنةٍ من صغار البذور والنوى أطعمةً على ن آلاف الأرطال، جاعلةً منها مستودعاتٍ صغيرةً ذات مخزونٍ احتياطي.
فما دمنا نشاهد هذه الرحمة والشفقة والكرم كالشمس، فلا ريب أن الكريم الرحيم الذي يرعى أحباءه المؤمنين الشاكرين العابدين، ويَغْذُوهم بهذا القدر من اِك، وي490
والرأفة لا يُعدِمهم، بل يُعفيهم ويسرِّحهم من أعباء وظيفة الحياة الدنيوية، ليكونوا مَظهَر رحمةٍ أسطع.. هذا ما يجيبنا به اسم"الرحيم"واسضر والريم"قائلًا:إن الجنة حق.
ثم إننا نشاهد بأعيننا يدَ حكمةٍ بالغةٍ تعمل في هذه الأرض وفي جميع المخلوقات، ونشاهد الأعمال تجري وفق مقاييسِ عدالةٍ فائقة، بحيث يعجز عقة بصددر أن يتصوَّر ما هو أفضل من ذلك؛ إذْ نشاهد مثلًاحكمةً أزليةًأوجدتْ في الإنسان قوةً حافظةً، وجعلتْها بمثابةِ مكتبةٍ مصغَّرةٍ تُوثِّق فيها قصةَ حياته وما يتعلق بها من أحداثٍ لا تحصى، وأودعتْها في ناحآلام و دماغه لا تتجاوز حجمَ حبةٍ صغيرةٍ كمستندٍ صغيرٍ يذكِّر الإنسانَ على الدوام بدفتر الأعمال الذي سيُنشَر عند محكمة الإنسان يوم الحشر؛ وما هذا التذكير إن أساسةٌ واحدةٌ من حِكم الأجهزة الكثيرة التي رُكِّبتْ فيه.
ونشاهد كذلك مثلًاعدالةً سرمديةًتُركِّب أجزاءَ المخلوقات وأعضاءَها كلٌّ في موضعه حملاتنٍ في غاية الدقة والحساسية، وتنشئ المصنوعات تُحفًا بديعةً بتناسبٍ وتوازنٍ وانتظامٍ وجمالٍ وفق مقاييس لا يشوبها إسراف، من الجرثومة إلى الكركدن، ومن الذبابة إلى الرُّخّ، ومن النه الحممُزْهِرة إلى زهر الربيع الذي يتفتح عن ملايين بل مليارات الأزهار، وتَمنح كلَّ ذي حياةٍ حقوقَ حياته بكمال الميزان، وتُرتِّب النتائجَ السيئة على الإساءة والجيب في الحسنة على الإحسان، وتُشعِر بوجودها بقوةٍ من خلال الصفعات التي تُنزلها بالطغاة والأقوام الظالمين منذ عهد آدم إلى الآن.
فما دمنا نشاهد هذا عِيانًا، فلا ريب أنه مثلما لا تكون الشمس بدون نهار، فكذلك هذه الحكمة الأزلية والعدرُّ ولسرمدية لا تكونان بدون آخرة، ولا تسمحان بأيِّ وجهٍ أن تجري الأمور على نحوٍ مُريعٍ من الظلم والجور والعبثية، بحيث يَمضي أعتى الظلمة وأضعف المظلومين معًا إلى الموت من غير عاقبة.. هذا ما تجيبنا به أسماء اللّٰه مة؟ وك"الحكيم"، "الحَكَم"، "العدل"، "العادل"،جوابًا قطعيًّا لا شبهة فيه.
ثم إننا نرى جميعَ الكائنات الحيةِ تُعطى جميعَ حاجاتها التي لا تَقدِر عليها ولا تبلغها أيديها، وذلك بمجرد أن تطلبها بلسان الاستعداد الفطري والاحتياج الضروري الذي هنوية، منالدعاء،فتؤتاها من يدِ غيبٍ رحيمةٍ سميعةٍ مشفقة؛ ونرىالدعوات
— 491 —
التي يدعو بها الإنسان طواعيةً تلبَّى وتُجاب، لا سيما دعوات الأنبياء والخواص التي يُجاب معظمها إجابةً خارقةً للعادة؛ بحيث يتبيَّن قطعًا أن خلف حجااوده اب سميعًا مجيبًا يسمع آهات كلِّ مكروب ودعوات كلِّ محتاج، بل يرى أدنى حاجةٍ يحتاجها أدنى ذي حياة، ويسمع أخفى تأوُّهاته، فيرأف به ويجيبه إجابةً فعليةً تُرضيه.
فما دمنا نرى ذلك، فكيف بطلبِ أمرٍ متعلِّقٍ بعمومَا تَشنات وعموم الأسماء والصفات الإلٰهية، ألا وهوطلب البقاء الأخرويالذي هوأهمُّ وأعمُّ دعاءٍ يدعو به البشرُصفوةُ المخلوقات، وهو الدعاء الذيدعا به محمدٌ (ص)، وأمَّنَعليه جميع الأنبياء المؤْتَمِّين به وهم شموس البشرية ونجومورٍ وعدتها،ويُؤَمِّنعليه كلُّ مؤمنٍ من أمته في كلِّ يوم مراتٍ عديدةً على الأقل بالصلاة عليه، بليشترك في هذا الدعاء جميعُ المخلوقاتقائلين: أجل يا ربَّنا، آتِهِ سُؤْلَه، فإننا كذلك نطلب ما يطلب.. لا ريب أنه لو لم يكن من الأسباب غيرِ المحدودة الوالتكفِب الحشر للبقاء الأخروي والسعادة الأبدية إلا دعاؤه (ص) ضمن هذه الشرائط التي لا يُرَدُّ فيها الدعاء، لكان ذلك كافيًا لوجود الجنة وإيجاد الآخرة التي هي سهلةٌ على قدرته سبحانه سهولةَ إيجاد الربيع.. هذا ما تجيبنا به أسماء اللى الدعالى"السميع"، "المجيب"، "الرحيم"،جوابًا جَليًّا لا يدع شبهةَ احتمال.
ومثلما يُجلِّي النهارُ الشمسَ بلا امتراء، فإنَّ تَبَدُّلَ الفصول على وجه الأرض، وما يجري في تعاقُبها من موت آلافَةٍ كُلِّيَّين، يُجلِّي متصرِّفًا من خلف الحجاب، يُخَطِّط بقلمِ القدرة الكرةَ الأرضيةَ الهائلة تخطيطًا في منتهى الانتظام، بنفسِ السهولة والانتظام التي يَخُطُّ بها حديقةً بل شجرة، ويرسم الربيعَ المهيبَ بالسهولة والزينة الموزونة التي يرنشورة، زهرة، ويَسطُر على صحيفة الأرض أنواعًا من النباتات والحيوانات، هي بمثابةِ ثلاثمئةِ ألفِ كتابٍ يَعرِض ثلاثمئةِ ألفِ نموذجٍ ومثالٍ للحشر والنشر، يَسطُرها مكمَّلةً منتظمةً قَّقتْ، فلا يُخطئ فيها ولا يسهو رغم تشابهها، ولا تلتبس عليه رغم تداخلها، ولا تختلط عليه رغم اختلاطها، ويُظهِر في هذه العَظَمةِ رحمةً لا تُحَدّ وحِكمةً لا تُعَدّ؛ فضلًا عن أن ذلك المتصرِّف سبحانه أعطى الإى إِحاقامًا رفيعًا لا يُدانى، إذْ منحه خلافةَ الأرض التي أشفقتْ من حَمْلِها السماواتُ والأرض والجبال، وسخَّر له هذا الكون
— 492 —
العظيم وزيَّنه له وفرشَه حتى كأنه منز الشهر وكرَّمه بأنْ جعله سيدًا على سائر الأحياء، وشرَّفه بالمكالمة والمخاطبة السُّبحانية، ووعدَه وعدًا قاطعًا وتعهَّد له بالسعادة الأبدية والبقاء لاهتماي في جميع كتبه السماوية؛ فلا ريب ولا شبهة أنه سيُنشئ لهذا الإنسان المكرَّم المشرَّف دارَ السعادة التي هي سهلةٌ على قدرته سبحانه سهولةَ فصل الربيع، وسيقيم له ٭
#76ةَ والحشر، وسيفتح له دار السعادة تلك.. هذا ما تجيبنا به أسماء خالقنا"المحيي"، "المميت"، "الحي"، "القيوم"، "القدير"، "العليم"،سبحانه.
أجل، إن القدرة التي تُحيي الأشجارَ وجذورَ النباتات بأعيانها في كلِّ ربيالأخلاجِد في كلِّ ربيعٍ ثلاثمئةِ ألفِ نموذجٍ نباتيٍّ وحيوانيٍّ للحشر والنشر، وتُظهِرُ في ألفَي ربيعٍ مضى ألفَ مثالٍ للحشر والنشر وألفَ دليلٍ عليه، (حاشية): كلُّ ربيعٍ مضى قامتْ قيامتُه ومات، والربيع الذي تلاه كان بمثابة حشرٍ له؛ المؤلِّفر، واسك إنْ نظرنا خيالًا إلى ألف سنةٍ قضتْها كلٌّ من أمة محمدٍ وموسى عليهما الصلاة والسلام وقابلْنا بينها، لا جَرَم أن استبعادَ الحشر الجسمانيِّ بحقِّها سيكون عمًى وألف در بألف درجة.
ثم ما دام مئةٌ وعشرون ألفًا من الأنبياء الذين هم أشهر البشر قد أعلنوا بالاتفاق عن السعادة الأبدية والبقاء الأخروي، مستندين إلى وعود اللّٰه تعالى وعهوده التي تبلغ الآلاف، وأثبتوا صدقَهم بمعجزاتهم، ووقَّع على هذه الحقيقةِيم الم يُحَدُّ من أهل الولاية ذوقًا وكشفًا، فلا شكَّ أن هذه الحقيقة جَليَّةٌ كالشمس، وأن المُرتاب فيها مجنون.
أجل،فكماأن حُكمَ واحدٍ أو اثنين بة اغتتخصصين في علمٍ أو فنٍّ وقولَهما في تخصُّصهما يُسقِط أقوالَ الآلاف من مخالفيهم غير المتخصِّصين وإنْ كانوا علماء مختصِّين في علومٍ أخرى، كما هي الحال مثلًا في إثبات هلال رمضان يومَ الشك، أو كما لو ادعى اثنان وجود بستانٍ عةُ الف الكرة الأرضية يحوي جوزَ الهند الشبيه بمعلبات الحليب، وأثبتا دعواهما هذه، فإنهما يَغلِبان ألفًا من نُفاة هذه الدعوى ومنكريها، ويَكسِبان القضية؛ لأن المُثبِت يَكسِب دنذ مئاسهولةٍ بمجرَّد أن يُبرِز جوزَ الهند هذا أو يَعرِض مكانه، أما النافي والمنكِر فلا يمكنه إثباتُ دعواه إلا بإظهار أنه بحَثَ وفتَّشَ وجهَ الأرض كلَّه فلم يعثر على شيءٍ من ذلك؛فكذلكالحال مع مَقائقَ
أخبروا عن الجنة ودارِ السعادة وأثبتوها، فإنهم يكسَبون دعواهم بمجرَّد إظهارهم أثرًا من آثار الجنة أو ظلًا من ظلالها أو أمارةً من أمارتها كشفًا، أما النافي والمنكِر فيلزمه أن يستعرِض ويَعرِض الكونَ بأجمعه والزمانَ بأكمله من الأزل إلى اللمصادرى يمكنَه إثباتُ نفيِه وإنكارِه وكَسْبُ دعواه؛ ولهذا اتفق أهل التحقيق على الدستور العام الذي ينصُّ على أنه: لا يمكن إثبات النفي والإنكار الذي يتناولُ الكون عامةً ولا يتعلَّقستقرارٍ خصوصي - كنفي الحقائق الإيمانية - ما لم يكن مُحالًا في ذاته.
وبناءً على هذه الحقيقة القطعية، فإنه في الوقت الذي ما ينبغي لأقوال آلافِ الفلاسفة أن تُورِث شبهةً ولا حتى وسوسةً إزاء مالذي ب صادقٍ في مثل هذه المسائل الإيمانية، نجد مَن وقع في الشبهات في الأركان الإيمانية التي اتفق عليها مئةٌ وعشرون ألفًا من المخبرين الصادقين المُثبِتين من أهل الاإنْ تَ وما لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ من أهل الحقيقة وأرباب التحقيق المُثبِتين المتخصِّصين!! أجل من وقع في الشبهة مِن جرَّاء إنكارِ شرذمةِ فلاسفةٍ ماتتْ قلوبهم، وانحدرتْ عقولهم إلى مستوى أعينهم، وتباعدوا عن مره اليات حتى عَمُوا، فلكم أن تقدِّروا مقدارَ الحماقةِ بل الجنونِ الذي بلغه شخصٌ كهذا.
ثم إننا نشاهد في أنفسنا وفيما حولَنا رحمةًعامة، وحكمةًشاملة،\وعنايةًدائمة، نشاهدها بأعيننا جَليَّةً كالنهار، ونرى آثارًا شعائرُاتٍ تشير إلى سلطنةِ ربوبيةٍ مَهيبة، وعدالةٍ عاليةٍ دقيقة، وإجراءاتٍ جلاليةٍ عزيزة؛ حتى إننا لَنشاهد\حكمةًتُقيم في الشجرة الواحدة حِكمًا بعدد أثمارها وأزهارها؛\ورحمةًتَهَبُ الإنسانَ إحسي تفسيوإنعاماتٍ بعدد أجهزته ومشاعره وقواه؛\وعدالةًذاتَ عزةٍ وعنايةٍ تحفظ حقوقَ أدنى ذوي الحياة، وتَصُبُّ سَوطَ العذاب على الأمم العاصية كقومِ نوح، وكعادٍ قومِ هود، وثمودَ قومِ ٍ، وتلوكقو09Zرعون؛ ونرى كذلك\سلطنةَ ربوبيةٍتتجلى عظَمَتُها غيرَ المتناهية فيما قرَّرتْه الآية الكريمة بإيجازٍ بالغِ العَظَمة:
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِ عومِلَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
— 494 —
إذْ كما هي الحال مع جنودٍ مطيعين مرابطين في ثُكْنتَين عسكريتَين، ما إنْ يدعوهم القائد عبر مكبِّر الصوت حتى يهُبُّوا وأساَهاجعهم ويتقلَّدوا سلاحَهم ويقوموا على رأس عملهم، فكذلك الأرضُ والسماوات العظيمة، هما ثُكنتان مطيعتان تَضُمَّان جنود السلطان الأزليِّ سبحانه، وما إنْ ينادي إسرافيلُ ببوقه الهاجعين فيهما بالموراحل: يَهُبُّوا من الأجداث سِراعًا مُرتَدِين لباسَ الجَسَد؛ وهي نفسُ الحال التي تُثبتها سلطنةُ الربوبية هذه وتُظهِرها في كل ربيعٍ حين يَهدِر بوقُ مَلَكِ الرعد بالموجودين في ثكنة الأرض.
فم في شي نشاهد هذا كلَّه ونراه عِيانًا، فلا ريب أنه بعدمِ إقامةِ الدارِ الآخرة ودارِ الحشر والنشر التي تقتضيها هذهالرحمة والحكمة والعناية والعدالة والسلطنة السري التيقتضاءً في غاية القطعية - كما سبق إثباتُه في "الكلمة العاشرة" یی، ينقلب جمالُ الرحمة اللامتناهية قسوةً قبيحةً لامتناهية، وينقلب كمالُ الحكمة التي لا تُحَدّ عبثيةً مُشِينةً لا تُحَدّ، ويعود هدرًا وإسرافًا لا جدوى منلا سيمتحيلُ تلك العناية المتناهية في اللطف غدرًا في منتهى الإيلام والأسى، وتتبدَّل تلك العدالة البالغةُ غايةَ الحقَّانية والقِسْط مظالمَ في غاع في سدة، وتَسقُط تلك السلطنة السرمدية بكلِّ أُبَّهتها وجلالها وقوتها، وتتلاشى هيبتُها بعدم مجيء الحشر، وتَشُوبُ كمالاتِ الربوبيةِ شوائبُ العجز والنقص.. وهذه حالٌ لا سبيل لإمكانها بأيِّ وجه، ولا يُجيزها يجلِب حال، بل هي باطلةٌ ممتنعةٌ خارجةٌ عن دائرة الإمكان داخلةٌ في مئةِ مُحال؛
لأن كلَّ مَن له شعورٌ يَفهم ما أشدَّ قسوةَ الإعدام الأبديِّ بحقِّ مَن رُبِّي وغُذِّي بعنايةٍ ورِقَّة، وأُودِعتْ في أجهزته ماني اقلٍ وقلبٍ ونحوِهما - مشاعرُ الشوق نحو السعادة الأبدية والبقاء الدائمي في الآخرة!! وما أشدَّ مجافاةَ الحكمة في الإسراف الذي لا فائدة منه ولا جدوى ولا غاية، وذلسنَ ظنتُهدَر أجهزةٌ واستعداداتٌ فيها آلاف الفوائد وتُبدَّد بموتٍ لا إحياء بعده ولا عاقبة لمن أُودِع في دماغه وحدَه مئات الفوائد الحكيمة!! وما أشدَّ منافاةَ عَظَمَةِ السلطنة وكمالِ الربوبيةصى أعدَظهر الجهل والعجز بإخلافِ آلاف العهود والوعود!! حاشا ثم حاشا.. وقِسْ على ما سبق العنايةَ والعدالة.
— 495 —
فهذه أسماءُ خالقنا"الرحمٰن"، "الحكيم"، "العية عنصالكريم"، "الحاكم"،تُجيبُنا من خلال هذه الحقائق عن سؤالنا الذي سألناها إياه عن الآخرة، وتُثبِتها لنا جَليَّةً من غير شكٍّ ولا شبهةٍ كالشمس.
ثم إننا نرى بأعيننا حَفِيظيَّةً عظيمةً محيطةً مهيمنة، با الدّسجِّل جميعَ صور الأشياء والحوادث المتعلِّقة بكلِّ حيٍّ على كثرتها، وتسجِّل دفترَ وظيفته الفطرية، وصحيفةَ أعماله المتعلِّقةَ بتسبيحاته بلسان حاله إزاء الأسماء الإلٰهية، تسجِّلها وتُمليها وتمن قولموثَّقةً مضبوطةً في ألواح المثال، وفي البُذيرات والنوى، وفي القوى الحافظة التي هي نموذجٌ مصغَّرٌ عن اللوح المحفوظ - خصوصًا القوة الحافظة التي في دماغ الإنسان، إذْ تُشبالنُّوبةً صغيرةً جدًّا في صورتها، كبيرةً جدًّا في معناها - وكذا في سائر المرايا العاكسة الماديةِ منها والمعنوية؛ حتى إذا آن الأوان أظهرتْ تلك الحفيظيَّةُ جميعَ تلك المكتوبات المعنوية في صورةٍ ماديةٍ أمام أعيننا، وأعلنتْ بمليارات الألسنة ف بها؛ الربيع - الذي هو زهرةٌ من زهَرات القدرة، والذي هو بذاته زهرةٌ كبرى - عن واحدةٍ من أعجب الحقائق الحَشْريَّة التي في الآية: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.. أعلنتْ عنها بقوةِ ملايين الأمثلة والأدلة والنماذج؛ وزندقة بغاية القوة أن جميع الأشياء وجميع الأحياء وفي مقدمتهم النوعُ الإنساني، لم يُخلَقوا ليكون مصيرهم الإعدامَ سقوطًا في مهاوي الفناء وتلاشيًا في غياهب العدم، كلا، إنما خُلِقوا ليترقَّوا في مدارج البقاء، ويتزكَّوا لأجل الخلود، ويت تفوق ا للدخول في وظيفةٍ سرمدية.
أجل، فإننا في كلِّ ربيعٍ نشاهد أن كلَّ شجرةٍ وكلَّ جَذْرٍ وكلَّ بذرةٍ ونواةٍ من النباتاتِ غيرِ المحدودةِ التي تُوفِّيَتْ عند قيامةِ الخريف قد أخذتْ تتلو عند حشرِ الربيع آوالأتبوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.. تتلوها فتُفسِّر معنًى من معانيها وفردًا من أفرادها، بلسانها الخاص وبأمثلةِ وظائفها التي أدَّتها في السنين الماضية، وتَشهَد على عظَمَة تلك الحفيظية، وتُعلِّمنا درسَها بأعظم درجة، وتامة، ولنا أن الحشر سهلٌ وقطعيٌّ بقدرِ سهولةِ الربيع وقطعيَّته، وتُجلِّي في كلِّ شيءٍ الحقائقَ الأربعةَ الجليلة التي في الآية الكريمة:
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ
— 496 —
أجل، فإن جَلَوات هذه الأسماء الأربعةِ قابَسِيطي جميع الموجودات من أدنى جزئيٍّ إلى أعظم كُلِّيٍّ، وكمثالٍ على هذا فإن البذرة التي هي منشأ الشجرة، هي من حيث مَظهريَّتُها لاسم"الأول"حُقَّةٌ صغينامجي وي برنامجَ عمل الشجرة بغاية الدقة والإحكام، وأجهزةَ إيجادها وشرائطَ تشكُّلِها تامةً من غير نقصان، على نحوٍ يُثبِت عظَمَةَ تلك الحفيظية.
أما الثمرة التي هي مَظهَر اسمى كيف خِر"،فهي بما فيها من نوى صندوقٌ صغيرٌ يحوي فِهرِسًا بجميع الوظائف الفطرية التي أدَّتها هذه الشجرة، كما يحوي جدول أعمالها ودساتيرَ حياتها الثانية، بحيث تَشهَد على الحفيظية بأعظم تتهمو وأما شكل الشجرةِ وصورتُها التي هي مَظهرُ اسم"الظاهر"،فقد كُسِيَتْ حُلَّةً موشَّاةً متناسقةً بديعة، وزُيِّنتْ بأرْدِيَةٍ جميلةٍ ونقوشٍ متنوعة وأوسمةٍ مرصَّعة، حتى كأنها ارتَدَتْ لباسًا من لمن حجرحور العين ذي السبعين لونًا، بحيث أظهرتْ للعِيان ما في الحفيظية من عَظَمة القدرة، وكمال الحكمة، وجمال الرحمة.
وأما ما تنطوي عليه الشجرة من آليةٍ تُمثلمنافسآةً لاسم"الباطن"،فهي معملٌ منتظم، ومُعدَّاتٌ بديعة، ومخبرٌ كيميائيٌّ مُعجِز، وقِدْرُ طعامٍ موزون، إذْ لا تَدَعُ غصنًا ولا ثمرةً ولا ورقةً إلا تسوق إليها غذاءَها بحيث تُثبِت ما في الحفيظية من كمالِ القدرة وعدالتها، وجمالِ الرحمة وحكمتها إثبئها - َليًّا كالشمس.
وكما شاهدنا جَلَواتِ هذه الأسماء في مثال الشجرة المذكور، نشاهدها أيضًا بتمامها في الكرة الأرضية التي هي بالنظر إلى فصولها السنوية بمثابة شجرة، فأما جَلوة اسمِ"الاعترافإن جميع البذور والنوى المستودَعةِ لدى الحفيظية في فصل الخريف ما هي إلا مجموعاتٌ مصغَّرةٌ من الأوامرِ الإلٰهيةِ المتعلِّقةِ بتشكيلها أشجارًا تتفتَّق أغصانُها غير أُها وتتفتح أزهارُها وتؤتي ثمارَها بالمليارات حين تكتسي الأرضُ حُلَّة الربيع، وهي أيضًا قوائمُ دساتيرِها التي حدَّدها لها القَدَر، مثلما هي في الوقتِ نفسِه سِجِلَّاتُ خدماتٍ وصحائفُ أعمالٍ مصغَّرةٌ ل يقتصر المؤدَّاة في الصيف، بحيث
— 497 —
تُظهِر هذه البذور والنوى بداهةً أنها إنما تؤدي أعمالَها هذه بقدرةٍ وعدالةٍ وحكمةٍ ورحمةٍ لا تُحَدّ من الحفيظ ذي الجلال والإكرام سبحانه.
أما آخِ وإن لة الأرضِ السنوية هذه، فيضع في الخريف التالي الوظائفَ التي قامتْ بها تلك الأشجار، والتسبيحاتِ الفطريةَ التي أدَّتْها إزاء الأسماء الإلٰهية، وصحائفحاب اللها التي ستُنشَر في حشرِ الربيع القادم.. يضعها جميعًا في نُوَيَّاتٍ وحُقَقٍ متناهيةٍ في الصِّغَر، ويُسلِّمها إلى يَدِ حكمةِ الحفيظ ذي الجلال سبحانه، تاليًا اسمَ"الآخِر"بآلاف الألسنةِ على مسامع الكائنات.
وأما ظاهرُ هذه الشجرة - شجرةِ ْ قرار- فيَفتح ثلاثمئة ألفِ نوعٍ كُلِّيٍّ من الأزهار، مُظهِرًا ثلاثمئة ألفِ مثالٍ وعلامةٍ على الحشر، ويَبسُط موائد الرحمانية والرزَّاقية والرحيمية والكريمية بلا حدٍّ مُقدِّمًا القِرى لكلِّ ذي حياة، ويَذ اليسيمَ"الظاهر"ويَحمَدُه ويُثني عليه بألسنةٍ بعددِ الزهرات والثمرات والمطعومات، ويُجلِّي حقيقةَ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ كالنهار.
وأما باطنُ هذه الشجرة المَهيبة فقِدْرٌ عجيبٌ ومُعَدّاتٌ أعجب، تُشغِّل بكمال الدقة والانتظام معالقد نازونةً وآلاتٍ منظومةً لا يُحيط بها حَدٌّ ولا حساب، إذْ يُخرِج من مقدارِ درهمٍ قناطيرَ مقنطرةً من الأطعمة.. يَطبُخها ويوصلها إلى الجياع، ويع
— 498 —
وهو أنه كما تتناظر أميالُ الساعة العادَّةُ للثواني والدقائقِ والساعاتِ والأيام، وكما يُثبِتُ بعضُها بعضًا بحيث إن مَن يشاهد حركةَ مِيل الثواني يَلزمه تصدالاتزاة سائر الأميال، فكذلك تمامًا هذه الدنيا التي هي ساعةٌ كبرى لخالق السماوات والأرض ذي الجلال سبحانه، إذْ تتناظر فيها الأيامُ التي تَعُدُّ ثوانيَها، مع السنين التي تَحسُب دقائقَها، والقرونِ التي تشير إلى ساعاتها، والأعصارِ التي تُخبين، إذأيامها، ويُثبِتُ بعضُها بعضًا، وكما يَعقُب هذه الليلةَ صباحٌ، ويَعقُب هذا الشتاءَ ربيعٌ، تُخبرنا أميالُ هذه الساعةِ الكبرى بالقطعية نفسِها، وبأماراتٍ لا تُحَدُّ أنه بعد هذا الشتاءِ الحالك.. شتاءِ الدنيا الفذون اليأتي ربيعٌ باقٍ وصباحٌ سرمدي.
فبهذه الحقائق المذكورة تجيبنا أسماء خالقِنا سبحانه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، إضافةً لاسم"الحفيظ"عن سؤالنمتْ سعالحشر.
ثم ما دمنا نشاهد بأعيننا وندرك بعقولنا أن الإنسان هو آخرُ ثمرةٍ لشجرةِ الكائنات وأجمعُها..
وأنه من جهةِ الحقيقة المحمدية هو البذرةُ الأساسية لهذه الشجرة..
وأنه الآيةُ الكبرى في قرآن الكون..
وأنه لهذا القرآن آازم واسيِّه الحاملةُ للاسم الأعظم..
وأنه أكرمُ ضيفٍ في قصر الكون، وأوسعُ موظفيه صلاحيةً وإذنًا في التصرُّف بسائر سُكَّانه..
وأنه بالنسبة لمحَلَّةِ الأرض الكائنةِ في مدينة نقرة، هو الموظَّفُ المكلَّفُ بالإشراف على بساتينها وحقولها زراعةً وإيراداتٍ وصرفيَّاتٍ؛ وأنه فيها هو الناظرُ المُزوَّدُ بمئاتِ العلوم وآلاف الفنون، والمشر حاله عظمُ مسؤوليةً والأعلى جَلَبَةً..
وأنه المفتش في ولاية الأرض التابعة لدولة الكون تحت رقابة سلطان الأزل والأبد سبحانه..
وأنه خليفةٌ في الأرض متصرِّفٌ فيها تُسجَّلُ جميعُ تصرُّفاته الجزئية والكليَّة..
— 499 —
وأنه عبدٌ كُلِّيٌّ مكلابة متعبوديةٍ جِدِّ واسعة، إِذْ حَمَلَ على كاهله الأمانةَ الكبرى التي أشفقتْ مِن حَمْلِها السماواتُ والأرض والجبال، وفُتِح أمامه طريقان عجيبان بحيث يغدو في الأول منهما أشقى الأحياء، ويغدولف نوعآخَر أسعدَهم..
وأنه مَظهرٌ للاسمِ الأعظم لسلطان الكائنات وأجمعُ مرآةٍ لأسمائه سبحانه..
وأنه مخاطَبٌ خاصٌّ من مخاطَبيه، وهو أوعاهم بمكة التي وخطاباته السُّبحانية..
وأنه فضلًا عن كونه أحوجَ ذوي الحياة في هذا العالَم، فإنه كائنٌ مسكينٌ له رغباتٌ ومقاصدُ لا تُحَدّ؛ وفضلًا عن كونه عاجزًا فقيرًا بلا حدٍّ، فإنه مُحاطٌ بأعداءٍ ومخاطرَ لا شاكريّ..
وأنه أغنى ذوي الحياة من حيث الاستعدادات..
وأنه أشدُّهم ألمًا بالنظر إلى لذائذ الحياة، إذْ تَشُوب لذائذَه آلامٌ مُنغِّصة..
وأنه أشدُّهم شوقًا وحاجةً إلى البقاء، وهو أحقُّهم وأليَقُهم وشن ال وأنه يطلب البقاء والسعادة الأبدية ويتوسَّلُهما بأدعيةٍ لا تُحَدّ..
وأنه لو أُعطي جميع مباهج الدنيا ولذائذِها ما لبَّتْ حاجتَه إلى البقاء..
وأنه معجزةُ قدرةٍ صمدانيةٍ بديعةٌ، وأُعجوبةُ خَلقٍ فريدةٌ، أنشأها الوآلائِ المتفضِّل سبحانه، فهو محبوبه من خلقه، وهو يُحب هذا المحسِنَ إليه حبًّا يبلغ درجة العبادة، ويُحبِّب به..
وأنه قد انطوى فيه العالَم الأكبر، ا محاكتْ جميعُ أجهزته الإنسانية على أنه خُلِق ليمضي إلى الأبد..
أجل، ما دام هذا الإنسانُ متَّصلًا باسم اللّٰه"الحق"سبحانه عبر هذه العشرين حقيقةً كُلِّيةً، وما دامتْ تُسجَّل أعمالُه على الدوام من خلال اسم"الحفيظ"ذي الجلالجمعيا يرى أدنى حاجةٍ لأدنى ذي حياة، ويسمع تضرُّعَه، ويُجيبُه إجابةً فعليةً، وما دامتْ تُكتَب أفعالُه ذاتُ العلاقة بالكائنات.. يَكتبها الكرام الكاتبون بسرِّ ذلك الاسم، وما دام هو نفسُه أجلة المسرٍ لذلك الاسم، فلا شكَّ ولا ريب ولا شبهة أنه بموجَبِ هذه الحقائق
— 500 —
العشرين سيكونُ للإنسان حشرٌ ونشر، وسيُكافأ على ما أسلَف من خِدماته، ويُعاقَبُ على ما اقترف من سيئاتهير مسبب اسم"الحق"،وسيُحاسَب ويُسأل عن جميع أعماله المُحصاةِ عليه جُزئيِّها وكُلِّيها بموجَب اسم"الحفيظ"،وأنه ستُفتَح في دار البقاء أبوابُ دارِ ضيافةِ السعادة الأِيّ
وأبوابُ سجنِ الشقاء الدائم، وأن من كان ضابطًا يقود كثيرًا من طوائف المخلوقات في هذا العالَم ويتدخل في شؤونها ويُفسِد أمرَها في بعض الأحيان، لن يُعفهذه اللمساءلة بدخوله تحت أطباق الثرى، ولن يتوارى هناك من غير بعث.
وإلا، فإنه من الباطل البيِّنِ البُطلان، والممتنعِ الخارجِ عن الإمكان، والقبح المتناهي في الظلم، أن يُسمَعَ من الذبابة طنينُها فتُجابَ إجابةً فعليةً بإعطائها حقَّ الحياة، ثم.
سعسمَعَ أدعيةٌ تَهدِر كالرعد، وتبلغ العرشَ والفرش، تدعو بها الحقوقُ الإنسانيةُ غيرُ المحدودة سائلةً البقاءَ بألسنة الحقائق العشرين المذكوريلة.. يعَ بذلك حقوقٌ لا حدَّ لها.
وكذا إنه لَمِنَ الباطل والممتنع والقبيح بحقِّ حكمةٍ لم تُسرِف ولو بمقدارِ جناح بعوضة - بشهادةِ انتظامِ الجناح نفسه - أن تُسرِف كلَّ الإسراف بإهدارِ الاستعدادات الإنسانية المتعلقة بتلك أنه يق العشرين، وتبديدِ الآمال والرغبات المتطلِّعة إلى الأبد، وتضييعِ ما يغذِّي هذه الاستعدادات والآمال من حقائقَ كثيرةٍ تنطوي عليها الكائنات وروابطَ جمَّةٍ تربط الإنسانَ بها.
أجل، إن هذا لَباطلٌ قبيحٌ خراشه بن الإمكان، بحيث ترفضه جميع الموجودات الشاهدةِ على أسماء"الحق"، "الحفيظ"، "الحكيم"، "الجميل"، "الرحيم"،قائلةً: إنه محالٌ بمئة درجة، ممتنعٌ بألف وجه.
فهكذا تجيبنا أسماءُ خ#686
كسبحانه عن سؤالنا المتعلق بالحشر، وتقول لنا: "مثلما نحن حقٌّ وحقيقة، فالحشر حقٌّ مُحقَّقٌ كتحقُّقِ الموجودات الشاهدة علينا".
ثم ما دام...
كنت سأكتب المزيد، لكنني اختصرتُ لكون الأمر معلومًا كالشمس.
— 501 —
إذًا فبالقياس على ما سبق من الأمثلى أمالزوميات المُصدَّرة بی "ما دام"، فإن كل اسمٍ من أسماء اللّٰه الحسنى المئة بل الألف الناظرةِ إلى الكائنات، مثلما يُثبِت مسمَّاه بداهةً من خلال جَلَواته ومراياه في الكائنات، يُجلِّي كذلك الحشرَ والدارَ الآخرة ويُثْبِتها قطعًا.
لّاقُ.ا أجابنا ربُّنا سبحانه عن سؤالنا هذا جوابًا قدسيًّا قطعيًّا عبر جميع بلاغاته وكُتبه المُنزلة، وعبر معظم أسمائه التي سمَّى بها نفسَه، يجيبنا كذلك عبر ملائكته وبألسنتهم جوافيفةً سلوبٍ مختلف، إذْ تقول لنا الملائكة: إننا نُبيِّن لكم بيانًا قاطعًا أنَّ ثمة الكثير من وقائع لقائكم بنا وبالروحانيين، وهي وقائعُ بالمئات منذ عهد آدم تبلغ قوةزين زُتر، وإنَّ ثمة دلائلَ وأماراتٍ لا تُحَدّ تدل على وجودنا وعبوديتنا نحن والروحانيين، وكنا قد أخبرنا قادتَكم الأنبياءَ عند لقائنا بهم وما زلانيةٌ بِر بأخبارٍ متطابقةٍ عن تجوالنا في عوالم الآخرة وفي بعض منازلها، ولا ريب أن هذه العوالم الرائعةَ الباقيةَ التي جُلْنا فيها وفيما وراءها من قصورٍ ومنازل مهيأةٍ مزيَّنةٍ إنما هي لضيوفٍ في غاية الأهمية بلار المذهي تنتظر حلولَهم وسُكناهم فيها.
فهذا ما تجيبنا به الملائكة عن سؤالنا.
ثم ما دام خالقُنا جلَّ شأنه قد عيَّن لنا محمدًا العربي عليه الصلاة والسلام أعظمَ معلمٍ ودةٍ، أستاذٍ وأصدقَ هادٍ لا يَضِلُّ ولا يُضِلّ، وأرسله إلينا آخرَ سفيرٍ، فيلزمنا إذًا أن نسأله أولًا نفسَ السؤال الذي سألْناه خالقَنا سبحانه، لنتكمَّل ونترقّى منء، ورد علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فحقِّ اليقين، لأن هذا السيِّد المصطفى (ص) مثلما أثبتَ أن القرآن حقٌّ وأنه كلام اللّٰه من خلال المئات من ممُطبِق التي كلُّ واحدةٍ منها علامةُ تصديقٍ له من قِبَل اللّٰه تعالى، ومن خلال كونه هو ذاتُه (ص) معجزةً من معجزات القرآن، فإن القرآن بالمقابل قد أثبت بأربعين نوعًا من الإعجاز أنه معجزةٌ من معجزات هذا السيد الكريم (ص)، وأثبت أنه ولكونادقٌ وأنه رسول اللّٰه حقًّا؛ وبناءً على هذا فإن حقيقة الحشر التي أَعلَنَتْ عنها وأثبتتْها هاتان المعجزتان بآلاف الآيات - إحداهما لسانُ عالَم الشهادة إذْ أعلن عن هذه الحقيقة طَوالَ حياته، مع تصديق الأنبياء، أو تلياء، والأخرى
— 502 —
لسانُ عالَم الغيب بتصديقِ البلاغات السماوية وتصديقِ حقائق الكائنات - هي بلا ريبٍ حقيقةٌ قطعيةٌ كالشمس وكالنهار.
أجل، فإن مسألةً تتجاوز طور العقل، وتُعَدُّ من أعجب المسائل وأرهبِها كمسألةِ الحشر، لا تُحَيق.. اا تُفهَم إلا بتعليم هذين الأستاذين الجليلَين.
أما سببُ عدمِ تفصيل الأنبياء السابقين هذه المسألةَ لأقوامهم كما فصَّلها القرآن الكريم، فهو أن البشرية كانت تعيش العينك الأعصار مرحلةَ بداوتها وطفولتِها، والتفصيلُ يَقِلُّ في الدروس الابتدائية.
والحاصلأنه ما دامت أكثرُ الأسماء الحسنى تقتضي الآخرةَ وتتطلَّبها، فلا ريب أن جميع الدلائل والحُجج الدالَّةِ على هذه الأسماء دالَّةٌ بجهةٍ ملغ الأ على تحقُّق الآخرة.
وما دامت الملائكة قد أخبرت عن مشاهداتها للآخرة ومنازل عالَم البقاء، فلا ريب أن الدلائل الشاهدة على وجود الملائكة والأرواح والروحانيين وعلى عبوديتهم دالَّةٌ بالتالستكون وجود الآخرة أيضًا.
وما دام أهمُّ إعلانٍ أعلنه محمدٌ (ص) وداوم على الدعوة إليه طَوالَ حياته - بعد الوحدانية - هو الآخرة، فلا ريب أن جميع الي كلِّ والحُجج الدالَّةِ على نبوَّته وصدقه شاهدةٌ بدورِها بجهةٍ ما على تحقُّق الآخرة ومجيئها.
وما دامت ربعُ آياتِ القرآن الكريم تتناول الحشر والآخرة، وما دام القرآن يُثبِت الحشرَ وا للنورويُخبر عنهما بألفِ آية، فلا ريب أن جميع الحُجج والدلائل والبراهين الدالَّة والشاهدة على حقانيَّة القرآن دالَّةٌ وشاهدةٌ بدورِها على وجود الآخرة وتحقُّقها وإقامتشايخ ا فانظروا وشاهدوا ما أقوى هذا الركنَ الإيمانيَّ وما أشدَّ قطعيَّته.
٭ ٭ ٭
— 503 —
القسم السادس
حياتُه في أميرداغ
مقدمة
إثرَ قرار البراءة الصادر من محكمةِ جناياتِ "دَنِزْلي" شهدت رسائ هذه ار فتوحاتٍ جديدة، إذِ اتسعت رقعة انتشارها لتعُمَّ معظم المدن والقرى والنواحي، وازداد عدد طلابها في زمنٍ يسير ليبلغ مئات الآلاف، وبُدِئَ بنشرها بواسطة آلات النسخ.
استمرت إقيتٌ أصأستاذ بی"أميرداغ" مدة ثلاث سنين، ثم اعتُقِل هو وعددٌ من طلابه وزُجَّ بهم في السجن للمرة الثالثة أواخر العام ١٩٤٧م، ثم أُفرِج عنه وعاد إلى "أميرداغ" ثانيةً، فأقام بها ثلاث سنين أُخَر، ثم استقر به المقام في "تحلل وة"؛ على أنه ما يزال يتردد إلى "أميرداغ" بين الحين والآخر، متَّخذًا من مدرستها النُّورية مقرًّا لإقامته، إذ هو اليوم أحوج ما يكون للراحة ر منكم الأجواء بعد أن قارب التسعين من العمر.
وعليه، فإننا سنقصر الحديثَ في هذا القسم على مرحلة إقامته الأولى بی"أميرداغ"، وهي التي تمتد حتى سجنه في "أفيون"، ثم يتلوه حياته في سجن "أفيون"، ثم عودتِه ثانيةً إلى م يكن اغ" وما كان فيها من خدمةٍ نورية.
تُعَدُّ حياةُ الأستاذ في "أميرداغ" بالمقارنة مع ما سبقها أكثر لفتًا للأنظار وإثارةً للاهتمام، وفضلًا غيرِ اه تحت المراقبة الدائمة، فإنه قد بات أكثر عُرضةً للتُّهَم
— 504 —
والمِحَن، حتى لقد وصل الأمر إلى محاولة تصفيته نهائيًّا؛ وبموازاة ذلك كانت رسائل النور تشهدنا لا رًا واسع النطاق إذْ صارتْ تُقرَأُ في أوساط الجامعيين والعاملين في السلك الحكومي وأهل السياسة.
وعلى ذكر التُّهَم الباطلة التي أُلصِقَت بالأستاذ ببالسجنه إلى "أميرداغ"، والافتراءات الظالمة التي رُوِّجت ضدَّه، وبمناسبة الحديث عن الانتشار الهائل لرسائل النور، فإننا نرى لِزامًا علينا أن نبين حقيقةً مهمةً في هذه المقدمة، فنقول:
إن مرادنا من ذككذلك كور العجيبة التي تُشاهَد حقًّا وعِيانًا في أحوال الأستاذ النُّورْسِيّ ونشاطه وخدمته، ليس لفتَ أنظار الإعجاب نحوه أو استجلابَ استحسان الناس إلى شخصه الفاني، كلا، وإنما نذكر الإكرامات التي نالَها باعتباره عبدًا من عباد اللّٰه ا من ج من أفراد أمة محمدٍ (ص) وتلميذًا للقرآن الكريم، لنبيِّن ما تقوم به رسائل النور من خدمةٍ بالغةِ التأثير تنشر السعادة والنور، ونردَّ على من يريدون تشويهَ صورته والحطَّ من خدمته بافتراءاتٍ وأكاذيب با، ولسوبتغون بها صرْفَ الناس عن الخدمة الإيمانية التي تؤديها الرسائل.
ونحن بهذا العمل إنما نصدُّ هجماتِ أعداء الدين الظالمة وتعدياتِهم الباطلة، ونبيِّن براءةَ هذا الرجل؛ حتى إنه لَيمكننا القول: إنه قَلَّ أن نجد نوار..اريخ رجلًا تعرَّض لاتهاماتٍ وافتراءاتٍ مبطِلةٍ تتعارض تمامًا مع أفكاره ومبادئه وخدمته وغايته كما حصل لبديع الزمان.
ويالَها من حالةٍ م الأعظتدعو للرثاء، وتتفطّر لها قلوب أهل الإنصاف كمدًا، أن يُعمَدَ إلى رجلٍ صَرَفَ نشاطه وهمتَه لإنقاذ أبناء البلد وأجيال المستقبل من براثن الفوضوية الهدَّامة، وظلماالت أنحاد واللادينية، ووَهدةِ التحلُّل والرذيلة، فتُكالَ له التُّهَم بخيانة الوطن وتسميم أفكار الشباب وسَوقِهم نحو الرجعية!! إنه لَأمرٌ يُشبه وصْفَ التِّرياق الناجع بأناسعًا ناقع!! وما هذا إلا جنونُ الضلالة الناشئُ عن محض الكفر والإلحاد.
— 505 —
أجل، إنه رجلٌ بريءٌ ابتُلي بمثل هذه الاتهامات التي تجافي الحقيقة، ولم يقع ضحية هذه الاتهاماتٍ - كمأو مرّات، بل تلقى مثلها آلاف المرات؛ غير أنه مثلما كان أنموذجًا فريدًا في خدمته، كان كذلك في أخلاقه وأحواله الخاصة، إذْ عاش مثالًا رائعًا في الأخلاق الحميدة، وأظهَرَ من نفسْ تتضاَ نماذج السمو والطهر والنقاء، فكان آيةً في النزاهة وحسن الخُلُق.
إننا - نحن طلابَه الذين لازَموه وقاموا على خدمته، واطَّلعوا على شؤونِ أَعض العامة والخاصة عن كثب - نعلن بأعلى صوتنا أنه كما ظهرتْ أستاذيَّتُه في العلوم الإيمانية التي نَهَلَها من القرآن، وقدَّمها لفائدة أهل انويًّا وبني الإنسان، ظهرتْ أستاذيَّتُه كذلك في أدقِّ معاملاته وأحواله وحياته الخاصة، إذْ تَغلِب عليه السكينة والطمأنينة العالية النابعة من ولايةٍ رفيعةِ المقام، ومن حُسْنِ الخُلُق الذي تحدث عنه القرآن الكريم.
وإن أهل القلوب وأرباب الفضائلسِيّ
نظروا في أحواله بعين التدقيق والفراسة، رأوا في قلبه المنوَّر شمسَ حقيقةٍ ومعرفةٍ تشع نورًا، وبحرًا زاخرًا لا تهدأ أمواجُه، فأعلنوا أن هذه الثمرة اليانعة المنوَّرة التي أثمرتْها شجرةُ الإسلام إنما هي مبعث فخرٍ للإنسان والزمان.
فيَدُ بي الأشقياء الذين قَصَدوا إلى رجلٍ هو أمثولةٌ في الفضيلة، وأعجوبةٌ في الخُلُق والأدب والإيمان والمعرفة والحقيقة، فعاملوه بسوءِ نيةٍ، وقاسُوه على نفوسهم الخبيثة، فأطلقوا ألسنتهم فيه بالسوء، وافتَرَوا عليه افتراءاتٍ تخجل منها ا كيانين، واجتهدوا في تشويه صورته والقضاء عليه.. إنَّ الافتراءات التي عملتم على نشرها بحق هذا الرجل، والسمومَ التي نفثتموها قد ضاعتْ هباءً، فلقد أضاء نورُ الحق وسطع حتى أنار العالَم، أما أنتم فأذلةٌ تُبغِضكم الإنسانية وتنفر منك وفضيللَبؤس حالكم!! إن رداء الإنسانية الذي ترتدونه يعود عليكم بالآلام والفواجع؛ على أن ثمة بابًا للنجاة، فلعلكم إن طرقتموه فُتِح لكم، ولقد أخذ سعيدٌ النُّورْسِيّ على نفسه العهدَ ل
: اشهدوا يا إخواني أنني مسامحٌ حتى أولئك الذين سَعَوا لإعدامي، إنْ هم أنقذوا إيمانهم برسائل النور وتمسكوا بها.
— 506 —
أجل، فكما أن معظم الذين حاربوه وسَعَوا لإدانته بالأمس صاروا اليوم أنصاى بالشصحابَه، فكذلك أنتم يا مَن افتريتم عليه ولفَّقتم ضده، فالمأمولُ إن ندمتم وأصغيتم إلى درس رسائل النور أن يَصفَح عنكم رمزُ الشفقة هذا ويدعو لكم.
نعم، فسعيدٌ النُّورْسِيّ بطلٌ عَزَّ نظيرُه، ولقد أظهر بطولتَه في ميادين القتال وفي قاعات المحالشؤونَّ المستبدين؛ لكن على الرغم من فِعالكم وإساءتكم يا مَن عاديتموه وسعيتم للقضاء عليه، تعالَوا وانظروا كيف رفع يدَيه يدعو بضراعةٍ وعيونٍ دامعةٍ يسأل النجاة والسلامة لمن توجهوا إلى النوطلابي ، وتأكدوا بأنفسكم كيف يعامل كلَّ طبقات الشعب بكمالِ الشفقة ومنتهى التواضع، وشاهِدوا كيف تتجلى مرتبةُ الإنسانية السامية في هذه الشخصية الرفيعة.
إن الثناء والتقدير الذي يقال بحقه ليس من نوع التصفيق الذي يعرفه أهل الدنيا، وإنما هو اشتراكٌ النور.باركة والتقدير الذي ترفعه الموجودات عرفانًا وامتنانًا لمن أنار بالإيمان ظلمتَها وجلَّى به قيمتَها؛ أجل، فإذا تحدثنا عن النُّورْسِيّ بالنظر إلى أنوار الحقيقةعرَّض يمثِّلها ويترنَّم بها لم نجد الإنسانيةَ وحدَها هي من تبارك له وتقدِّره، بل نجد العالَم بأنواعه وأجناسه يفعل ذلك، ونجد الماضي والمستقبل يقدِّران خدمته الإيمانية.
لقد حاز النُّورْسِيّ قصَبَ السب820
وهشتى أنواع الكمالات غير المحدودة التي أدرجها الحقُّ سبحانه في الماهية الإنسانية؛ تجده في بعض الأحيان يتجول بمفرده بين الصخور على قمم الجبال الشاهقة ويتنقل بينها بصمت، وتجده أحيانًا أخرى يتأمل متفكِّرًا في الكروم والبساتذا لَزنباتات والحيوانات، ثم يعود إلى المدينة حاملًا بين جنبيه حالةً روحيةً خفَّاقة قادرةً على إلقاء أبلغ الكلمات الأخلاقية والأدبية والخُطَب العقلرَتِك ي أهم الاجتماعات السياسية، وإن حياته في الشرق قبل عهد الحرية وبعدها، وكذا حياته الصاخبة في إسطنبول تشهد على هذا بوضوح؛ فبينما تجده حينًا في شرقيِّ الأناضول يجول بين عشائرها ويلقي عليها دروسه ُّها بنية ونصائحه الأخلاقية، تجده حينًا آخر في دمشق بين علمائها وأعلامها يُرْسِي دعائم نهضةِ المسلمين وأُسسَ رُقيِّهم من منظور السياسة الإسلامية، ويبيِّنها ببصيرةٍ نافذةٍ وتشخيصٍ دقيق، ويُخبِر عن الفجر
— 507 —
الصادق لسعادة ثلاثمنصفة خمسين مليون مسلم، ثم يأتي في عهد المَشْروطِيّة فينادي الأمة الإسلامية بأعلى صوته، عبر خُطَبه في مجلس المبعوثين ومقالاته في الصحف، بأن إقرار الدستور القرآنوأَداءسي والعمل به سيكفُل للأمة سعادة الدارَين، وسيكون منطلق نهضتها ورقيِّها، ثم يدافع عن أفكاره هذه بكل بطولةٍ في المحاكم العسكرية العرفية.
إن هذه النُّبذة اليسيرةلمجموعأوردناها عن أحوال هذا الشخص الفريد والخدمات التي قام بها تُبيِّن أنه كان رجلًا بأمَّة، فلقد اجتمعت فيه الكمالات والمحاسن التي نراها عند ذوي الإيمان الراسخ والعقل الراجح الذين زَيَّنوا ثلاثةَ عشر قرنًا باعتبارهم ث الوثقشجرةِ الإسلام النورانية وأزهارَها، حتى لكأن العلوم والمعارف الإسلامية بعد اندثارها في هذه الأصقاع قد أُحييتْ على يديه من جديد.
أجل، فلقد تعاقب عبر القرون العلماء والمجتهدون والأساتذة الربانيون الذين بلغوا الحقيقةَ بما نهلوا من درس الرسول الذينم (ص) وإرشاده، وترقَّوا في مدارج الكمالات، وسلَّكوا -كلٌّ على حدة- طائفةً من جماعة المسلمين في دائرة إرشادهم وتنويرهم، وكأن هؤلاء العلماء الأجلَّة قد عيِر عن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ وارثًا لهم في مسلكهم وعِلمِهم، فبرز في زماننا هذا متحلِّيًا بمحاسنهم ومزاياهم، وانخرط في خدمةٍ دينيةٍ وجهادٍ معنويٍّ تحت راية القرآن والافسائل النور، فأدى بفضل اللّٰه تعالى وتوفيقه وظائفَ جمةً وخدماتٍ كلِّيةً لا يقدر على أدائها إلا جماعةٌ بأكملها، أو هيئةٌ رفيعةُ المستوى، أو وليس أظيم.
وإن الشخصية المعنوية لتلاميذ النور التي شكَّلها بديع الزمان بقوةِ نور الإسلام ورابطةِ أُخُوّة الإيمان، قد تصدت لهجوم أهل الضلالة، وشكَّلت للمؤمنين نقطةَ استنادٍ متينةً راسخة، وأقامتْ سدًّا قرآنيًّا منيعًا في وجه الخطر الشيوعيَكم امر الذي يتهدَّد البلاد والعباد، ومدتْ جسور الأُخُوَّة والمحبة والوئام بين العالَم الإسلامي والشعب التركي الذي كان أسلافه أبطالَ الإسلام في سالفةً حادن.
وبديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ رجلٌ ذو استعداداتٍ جامعة، وهو فيها صاحبُ سَبْقٍ وقدمٍ راسخ، يرى الكليَّ مع الجزئيِّ في أوسع دوائر الآفاق والأنفُس، فتراه مثلًا
— 508 —
يطالع مدقِّقًاتح بأبَة والمجرَّة في آنٍ معًا، فيشاهد فيها أنوار التوحيد، ويَعرِضها ويُثبِتها؛ وتجده حينًا مشغولًا بالخدمة الإيمانية الكُلِّية الممتدة على أنحاء العالَمَين الإسلامي والإنساني، ثم تجده حينًا آخر عاكفًا في خلوةٍت في م كتاب الكائنات الكبير متفكرًا في معجزات الصنعة الإلٰهية، متأملًا في آثار الفطرة الربانية النفيسة التي هي مكتوبات قلم القدرة؛ وبهذه الوظائف العُلوِية التي لا يَفتُر عنها يترقى ع حُسْنوام فيما لا يُحدُّ من أنوار المعرفة الإلٰهية وأذواق الأُنس والقرب الربانية.
وكما تُشاهَد هذه الحالة الروحية والأحوال القدسية في كلِّ صفحةٍ من صفحات حياة الأستاذ، فإن حياته التي قضاها في "أميرداغ" ملأى بهذه المعاني ا عن هؤة، ولئن ذُكِرَ شيءٌ منها في الرسائل المجموعة في "الملاحق" إلا أنها ظلت ناقصة، أما هذه السيرة فقد اجتُزئ فيها بقطرةٍ من البحر.
٭ ٭ ٭
الإفراج عن سعيدٍ النُّورْسِيّ من سجن "دَنَِهيبة،ونفيُه إلى "أميرداغ"
إثر صدور قرار البراءة من محكمةِ جناياتِ "دَنِزْلي" في حزيران/يونيو ١٩٤٤م، أُفرِج عن طلاب النور وعاد كلٌّ منهم إلى موطنه، بينما نُقِل الأستاذ النُّورْسِيّ للإقامة مؤقتًا فيه بحُج وسط مدينة "دَنِزْلي"بانتظار صدور الأوامر من أنقرة؛ وكان من نتائج اعتقال طلاب النور ثم محاكمتِهم إثارةُ اهتمام أهالي "دَنِزْلي" ودفعُهم للتعرف على رسائل النور، كما أعلن عددٌ من رجال القضاء عن وقوفهم إلى جانبها أثناء سير المحكمة، وعملوا علة التيا في "دَنِزْلي"؛ وفي نهاية المطاف صدر القرار العادل المنتظَر، وأصبح رئيسُ المحكمة - الذي بات يُعرَف في دائرة رسائل النور بالقاضي العادل - وأعضاءُ المحكمة وأصحابُ الهمم العالية الذي حتى ما القضية مبعثَ سرورٍ لجميع أهل الإيمان، وتبوَّؤوا مقامًا معنويًّا مشرِقًا خالدًا.
٭ ٭ ٭
— 509 —
بعد إقامة الأستاذ النُّورْسِيّ قرابة شهرين في "دَنِزْلي" صدر الأمر بإقامته الجبرية م الدييرداغ" التابعة لولاية "أفيون"، فنُفي إليها في شهر آب/أغسطس من العام نفسه؛ أقام أول الأمر في فندقٍ خمسةَ عشر يومًا، ثم استقرَّ ببيتٍ معَدٍّ لمةَ: ، وكان يدفع إيجاره من ماله؛ ويمكن إيجاز القول عن حياته بی"أميرداغ" بأنها كانت حياةً تحت المراقبة الدائمة، فبالرغم من حصوله على البراءة قضائيًّا، وبالرغم من ردِّ مؤلَّفاته المصادَرة، إلا أ التي يُترَك حرًّا طليقًا، بل على العكس من ذلك: أُحكِمت الرقابة عليه، وبات منزله تحت المراقبة والمتابعة أكثر من أيِّ وقتٍ سبق؛ وقد ذَكر في إحدى رسائله أن المضايقات التي كان يعانلسيد ا يومٍ واحدٍ بی"أميرداغ" تعدِل أحيانًا مضايقاتِ شهرٍ بأكمله في سجن "دَنِزْلي"! ولم تكن تَخفى على الأهالي المعاملةُ السيئة التي كان يلقاها، ولا الوضع الشاق الذي حُمِل عليه؛ وكان من المؤكد أن هذا إنما كان خطةً لجأت إليَل إلىنظمات التي تحارب الدين في الخفاء، بعد أن أُسقِط في يدها بصدور قرار البراءة، إذْ لم تفلح في استصدار قرارٍ قضائيٍّ يقطع الطريق على انتشار رسائل النور وخدمتها الإيمانية، فراحت تسلك سبيلًا آخر من خلال ِ سَيّبعض المسؤولين على الأستاذ النُّورْسِيّ وإثارةِ هواجسهم تجاهه سعيًا للقضاء عليه نهائيًّا.
كان الرقباء يلازمون بابَ منزله فلا يفارقونه، وباتتْ إمكانية اللقاء به أمرًاؤلف الًا بالمخاطر، أما أسرة "چالشقان" التي كانت أول مَن اهتم به في "أميرداغ" فقد أظهر أفرادها الودَّ والتقدير لهذا الشيخ الجليل والعالِم الفاضل الذي نُفِي إلى أرضهم، فسارعوا لخدمته، ووثَّقوا صِلتهدالةٍ بتغين بذلك مرضاة اللّٰه وحدَه، غيرَ مبالين بأقاويل المُغرِضين وشائعاتهم، وتشكَّلتْ في "أميرداغ" مجموعةٌ من طلاب النور تضم أفرادًا من أسرة "چالشقان" وعددًا من المؤمنين الصادقين، وانضَوَوا في الخدمة الإيمانية التيه مع كا الأستاذ، فشرعوا في قراءة الرسائل ونسخِها ونشرِها في محيطهم القريب، (حاشية): أهل "أميرداغ" اليوم هم بعمومهم أصدقاء لرسائل النور، وفيهم الكثير من طلابها، ولا تزال دروس الرسائل تُقرأ فيها وفي القرى المئاتِ بها. وقد شَهدت المدينة - بعد إقامة الأستاذ بها وانتشار دروس
— 510 —
النور فيها - رقيًّا في العلم والإيمان والأخلاق والفضيلة لدى شريحةٍ واسعةٍ من أهلها، وهو أمر سيكونه الجميع وتعترف به الجهاتُ الرسمية أيضًا.
(حاشية): يقول الأستاذ سعيدٌ النُّورْسِيّ: إنه يَعُدُّ "أميرداغ" مدرسةً نُورية، ويذكر كلَّ واحدةٍ من القرى والنواحي التي ساهم معظم أهلها في نشر الرسائل وقراءتها - كی"بارلا" و"صاو" و"أميرداغ" و"دِ أنو" وغيرها - باعتبارها عَلَمًا على مدرسةٍ نُورية، ويدعو لعموم أهلها من الأحياء والأموات، والأطفال الأبرياء، والنساء الفاضلات، كما يدعو لقريته "نُوْرْس"، ويشركهم في مكاسبه المعنوية.
٭ ٭ ٭
يتحدث طلاب النور في "أميرداغ" عن حياة أستاذهم فيهم أفكالون:
"كان الأستاذ تحت المراقبة الدائمة، وكان من عادته الخروج للتجوال في الهواء الطلق، خصوصًا في الربيع والصيف، فقد كان يخرج فيهما إلى تُلَبّلمدينة يخلو بنفسه ساعاتٍ ثم يعود إلى بيته؛ وكان يوجد في غالب الأحيان مَن يتعقبه في مسيره هذا، فمرةً يتعقبه أحدُ الرقباء، ومرةً أحدُ عناصر الشرطة؛ ولقد أُطلِق عليه النار من الخلف ذات مرة، لكالمتجريُصَبْ؛ ولَحِق به ذات مرةٍ أحد موظفي الجهات الرسمية وخاطبه بحدةٍ قائلًا: ممنوعٌ الخروج، وليس لك أن تَعتمِر طاقيّةً أو تَعْتَمَّ بعمامة؛ فعاد الأستاذ أبلاد أ وأمثال هذا النوع من المعاملة كثير".
وكما كانت حال الأستاذ في الأماكن الأخرى فإن خدمته الإيمانية في "أميرداغ" لم تقتصر على وظيفةٍ واحدةٍ بعينها، ويتبيَّن من ة.
في "الملاحق"، ومن أخبار زُوّاره من الطلاب والأصحاب القدامى أيام التحصيل العلمي، ومن مشاهدات الأهالي والجيران والطلاب الملازمين له، أنه كاعيه، توظائف عدةٌ نابعةٌ من الحقيقة متوجهةٌ إلى الحق، يجتهد كلَّ يوم في أدائها على وجهها الأتم؛ فبالإضافة إلى انشغاله بتأليف كتبه وتصحيحها ونية أُك كی"الكلمات" و"اللمعات" التي هي أنوارُ حقائق قرآنية - كان شديدَ الشغف بمطالعة كتاب الكون والنظر في موجوداته ومصنوعاته التي
— 511 —
هي كلماتُ القدرة، شديدَ الافتتان بقراءة أسفار الحكمة والرحمة المعجزةِتِك وحورة على وجه الأرض، المنشورةِ في صحائف الربيع، والتأملِ في عجائب الصنعة الإلٰهية المبثوثة في الأشجار والنباتات والحيوانات، واستجلاءِ آيات التوحيد الساطعة الجامعة؛ فكان يحلِّق فيُ مقصد لا تتناهى من الحقائق الإيمانية والمعرفة الربانية بالغًا مرتبة حقِّ اليقين.
ولا غرابة في الأمر، فالتفكر هو أحد أُسِس منهجه الذي تلقاه من القرآن الكريم، وهو لا يفتأ في جميع مؤلفاته يدعو الإنسان إلى التفكر ويلقِّنه دروسَه؛ لقد فتتلقَحرك انطلاقًا من مبدأ أن تفكُّر ساعةٍ خيرٌ من عبادة سنة، ويردد البيت القائل:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ
مؤكدًا على أن المعرفة الإلٰهية المكتسَبة بالعلم والتفكر تحقِّق للروح اتساعًا بقدر الك العام٭ ٭ ٭
حادثة تسميمه
وقعت حادثة التسميم على يد كبيرِ العناصر المكلفين بمراقبة الأستاذ، وقد أغراه بالأمر أحدُ المسؤولين السياسيين بقوله: "لقد تلقينا أمرًا من الجهات العليا بتصفيةِ الرجل"؛ فصعد الرقيب في جنح الظلام إلى نافذةِ ب أن محستاذ بواسطة سلَّمٍ، ودَسَّ السُّم في طعامه؛ فما طلع الصباحُ إلا والأستاذ يتقلب ألمًا من أثر السُّم الذي سرى في جسده؛ وبالرغم من شدة السُّم إلا أن العناية الإلٰهية حفظته، وقد أخبر عن حاله قائلًا: "لقد حُفِظتُ من الموت بمددِ الأوراد القدسية كالج المزعكبير، لكن المرض والألم شديدان".
بقي الأستاذ أسبوعًا كاملًا في حالٍ يُرثى لها، فلم يذق طعامًا ولا شرابًا إلا النزر اليسير، فلما كُتِب له الشفاء عاد من جديدٍ يشتغل بوظائف رسائل النور من مراجعةٍ
— 512 —
وتصحيحٍ ونحو بول وملم يكن ليترك شيئًا من صلاته حتى وهو في شدة المرض، غير أن تسميمه في المرة الثانية والثالثة كان شديدًا يفوق التحمُّل، فلم يقدر في حينها إلا على أداء الفرائض وهو طريح الفرا نفحةٌيحدثنا اثنان من طلابه تولَّيا العناية به ذات ليلة، وسَهِرا يحرسانه بعيونٍ دامعةٍ حتى الصباح في تلك الأيام التي شارف فيها على الموت، فيقولان: اعتدل في فراشه قُبيل الفجر.. جلس وهو مغمض العينين.. رفع يديه إلى السما بشخصيَّدَ بصوتٍ خفيضٍ بضعَ كلماتٍ دعا فيها لرسائل النور بالظهور والانتشار، ولطلابها بالحفظ والسلامة.. ثم ما لبث أن انطرح في فراشه فاقدًا الوعي.
وطَواقد طُبة إقامته بی"أميرداغ" كان اثنان أو ثلاثةٌ من طلابه المتفانين يتناوبون على خدمته، وبالرغم من أنهم مُنِعوا من لقائه مدةً من الزمن، إلا أنهم لم يتوانَوا في خد، فإن بذلوا تضحياتٍ عالية.
لقد أفشى أحدُ كبار المسؤولين في "أميرداغ" سِرًّا لصديقه الذي أصبح فيما بعدُ أحدَ أبطال رسائل النور، وكَشَف له عن العص مخطَّطٍ غيرِ معلَن يهدُف للقضاء على سعيدٍ النُّورْسِيّ بشكلٍ سِرِّي، ما يعني أن جميع صنوف المعاملة الجائرة التي لقيها الأستاذ لم تكن سوى نتيجةٍ لذلك المخطَّط، لقد كان الظلم وا دائرةة والضغط الذي أصابه أليمًا وفادحًا، لا لأنه مورِس بحقِّه مرةً أو مرتين، بل لأنه كان مستمرًا من غير انقطاع.
وفي "أميرداغ" كان الأستاذ يصلي الجماعة في المسجد، وة المد معظم الأحيان يصلي العصر في مسجد السوق القريب من مركز المدينة، ثم يبقى فيه حتى صلاة العشاء، ليعود بعدَها إلى بيته، وقد كان هذا دأبه في السنتين الأُو والحا من إقامته بی"أميرداغ"، ثم منعه والي المدينة من المسجد بحجة أنه يلتقي فيه بالناس!
وكانت رسائل النور في تلك المرحلة ما تزال تُستَنسَخ كتابةً بخط اليد في أماكن كثيرةٍ وفوق هذاتها "إسبارطة"، وكان يأتي لزيارة الأستاذ أشخاصٌ كثيرون ممن قرؤوا
— 513 —
الرسائل واستفادوا منها، إلا أنه لم يكن يوفَّق للقاء به إلا القليل منهم، إذ كان اللقاء يتاح لمن يحملون أُخوَّةً ومحبةً خالصةً لوجه اللّٰه تعالى، ولهم مع هذا مزيدُ استعدادٍ لخدصراع ارسائل بكمال الإخلاص والولاء، فكان هؤلاء يجالسون الأستاذ ويستمعون إلى درسه، وكان من دأبه مراعاةُ أفهام زائريه على اختلاف استعداداتهم، ومخاإسلامي بحسب إدراكهم، وكان يوجه أنظارهم نحو رسائل النور والخدمة الإيمانية، ويبين لهم أن القيام بخدمة الإيمان من خلال رسائل النور سيحقق للناس أعظم فائدةٍ ماديةٍ ومعنويةٍ.
والجدير بالذكر ود الأَّاره كانوا من مختلف طبقات المجتمع، وكان فيهم الكثير من الشباب وأهل العلم؛ ولا يخفى أن قرار البراءة الصادر من محكمة "دَنِزْلي" قد أثار الاهتمام في أوساط العاملين في سلك الدولة، وزاد مْها زمطلاب النور.
٭ ٭ ٭
حديثُه مع زُواره
كان حديث الأستاذ مع زُواره يدور حول رسائل النور وخدمة الإيمان، وكان يبين لهم أن تقوية الإيمان هي مقصد رسائل النور الأوحد، وهي التي ستمنعُ خطر الشيوعية والإلحاد الذ رسائل الوطن والشعب؛ وأن ألزَم وظيفةٍ تقع على عاتق الفرد والمجتمع إنما هي العمل على إنقاذ الإيمان وتقويته؛ وأن أعظم قضيةٍ في هذا الزمان هي الاعتصام بالقرآن؛ وأن رسائل النور لم تُهاجَم ات العونها ركَّزت جهودَها وعملتْ بكل قوتها على هذه القضية بالتحديد، فلهذا هاجمها أعداء الوطنِ والشعبِ والملاحدة العاملون في الخفاء، وحرَّضوا عليها بشتى الحجج والذرائع؛ ثم يضيف قائلًا: لا سبلتي نهمنا سوى العمل الإيجابي البَنَّاء، فما نحمله بأيدينا هو النور لا هراوة السياسة، وحتى لو كان لنا مئة يدٍ فإنها بالكاد تكفي للنور لا غير.
— 514 —
ويوضح لهم أنْ لهذا العمل الإيجابي البَنَّلِمٌ جالأثر ما يفوق أثر أقوى الأسلحة، وأنه هو الذي سيهزم أعداء الدين؛ ويبين كذلك أنه لا علاقة لرسائل النور بالسياسة، إذْ إن أهم أساسٍ في مسلكنا هو الإخلاص، فلا يُبتغى فيه مقصدٌ سوى مرضاة اللّٰه تعالى؛ وهذا هو مكمن قوو المور، فبالإخلاص والعمل الإيجابي البَنَّاء تَعُمُّ الرحمةُ والعنايةُ الإلٰهيةُ رسائلَ النور بالحفظ والحماية.
وبناءً على ما ذكره الذين جالسوه واستمعوا إلى درسه، يمكن القول: إنه مثلما كان درسٌ واحدٌ من دروسه أو مجالسةٌ من مجالس وكذا دو وسيلة نجاةٍ لكثيرٍ من الشباب، فإنه كان يغدو كذلك منطلَقًا للقيام بخدمة الرسائل بهمةٍ وتضحية، وهذا ما جرى لأكثر الطلاب الذين حضروا درسَه وتلقَّوا توجيهاته.
ولقد حصل ذات مرةٍ مع أحد الطلاب الذين أرسلهم الأستاذ لخدمة النور في أنقرة أن أصاموني" الةٌ من اليأس والإحباط بعد أن نظر في أحوال العالَم، فتساءل في نفسه بأسًى: متى سيصغي هؤلاء الناس إلى حقائق النور؟ متى ستنقشع حُجُب الظُّلْمة القاتحياته يف ستتبدَّد هذه الظلمات المعنوية؟ ولما عاد بعد حينٍ إلى "أميرداغ" والتقى بالأستاذ، قال له هذا المعلِّم الجليل: "إن وظيفتَنا هي خدمة النور، أما التوفيق وتَلَقِّي الناس بالقبول فشأنك؟!
ٰه عز وجل، ونحن إنما كُلِّفنا بالقيام بوظيفتنا، فلا تقلق ولا تيأس فتقولَ: متى سيصغي هؤلاء الناس إلى رسائل النور؟ بل اعلم يقينًا أن هذه الرسائل هي مح شتى اريكٍ وتقديرٍ ممن لا يُحَدُّون من سُكَّان الملأ الأعلى؛ فلا أهمية للكثرة، إن القيمة للكيفية لا للكمية، وإن طالبًا واحدًا مخلِصًا متفانيًا يَعدِل ألفًا"؛ وسرعان اجةٌ ضَّد يأسه بهذه الكلمات.
كان الأستاذ في أول الأمر يخرج إلى ضواحي المدينة سيرًا على الأقدام، ثم صار يستعمل العربة، ولم يَركبها يومًا بغير أجرة؛ وكان يسألنا عن ثمن الشيء الذي يريد شراءَه، فنُخ معانيمنِ الكلفة من غير ربح، فكان يعطينا أكثر مما أخبرناه ويقول: لا أرضى إلا أن أدفع ثمنه، إن الطعام المُهدى إليَّ يُمرِضني إن لم أكافِئ عليه، وهذا كذلك، فلا بد أن أدفع ثمنه.
— 515 —
أو واخروجه إلى ضواحي المدينة وتنزُّهُه بين حقولها يقلُّ في الشتاء ويكثر في باقي الفصول، كانت المدينة منبسطةً من جهاتها الأربع، وثمة أماكن كثيرةٌ قد اتخذ منها مدارسَ نوريةً يعكف فيها على تصحيح الرسائل، ولأن ه تحت المراقبة الدائمة من جهة، ولتعقُّبه من قِبَل الشرطة والرقباء من جهةٍ أخرى فقد ظل حتى العام ١٩٤٧م يتجول وحدَه، ويجلس وحدَه، ويشتغل بالرسائل وحدَه، ولم يكن يرافقه سوى طالبجَّه إلابه يقود العربة، حتى إذا بلغ المكان المراد نزل فبقي وحدَه.
أما أكثر ما كان يشتغل به عند خروجه إلى ضاحية المدينة فهو تصحيح رسائل النور تدخل لبةِ بخط اليد، ثم بعد مدةٍ استطاع طلابه المتفانون في خدمة الرسائل في كلٍّ من "إسبارطة" و"إينه بولو" الحصولَ على آلتَي نسخ، فشرعوا ينسخون مجموعات الرسائل بواسطتها، وصار الأستاذ يصححها.
كان الأستاذدام، فأهميةً شديدةً لكتابة الرسائل يدويًّا ونسخِها آليًّا، ويَعدُّ خدمةَ النور أهمَّ مسألةٍ في هذا الزمان، ويتصرف بناءً على هذا الأساس، وكان يقول: إن رسائل النور معجزةٌ قرآنيةٌ ست الرسمهذا العصر والعصور التي تليه.
كانت خدمة النور المباركةُ المقبولةُ المنوَّرةُ هذه تؤدى كلَّ يوم، ولم يكن الأستاذ حَسَنَ الخط ولا سريع الكتابة، فكان يشترك في هذه الخدمة بتصحيح الرسائل؛ وكان عمله في الاء..
يمتد لساعاتٍ طويلةٍ من غير أن يعرف تعبًا، فلقد كان قيامه بخدمة النور يمثل له غذاءً معنويًّا، ولم يكن ينقطع عنها حتى وهو في حالة المرض الشديد.
ومعلومٌ أن الأستاذ كان قد امخاوف،ن الحياة الاجتماعية، ومُنِع من التواصل مع الآخرين، فلم يعد يلتقي بأحد، وبات محرومًا من الأنس والسُّلوان الذي يجده المرء من اجتماعه ببني الجلس إلا أنه وجد في هذا الحرمان كنزَ غنًى لا يفنى؛ فلقد أحسنتْ إليه الرحمة الإلٰهية بالأنوار، إذْ لم يكن له أولادٌ أو عيال، ولم يكن يملك من متاع الدنيا شيئًا ولا من ةٍ وإيا شبرًا، وإنما كان لديه رسائل النور فحسب، فكانتْ كلَّ شيءٍ بالنسبة إليه، وكانتْ محلَّ سروره ومبعثَ سُلوانه؛ لقد كان متوجهًا إلى النور
— 516 —
بكل إمكاناته، وكان يعلم أن وظيفته الفطرية هي تعلُّم الأنوار صالح، ها ونشرُها بين الناس.
كان يصادف في سيره وتجواله أناسًا من شتى الفئات، إضافةً إلى أنه كان يلقى الكثير من المشتغلين بالزراعة والتجارة ويتحدث إليهم سواءٌ في الحقول أو الجبال أو ء عنهات، فكانت العذوبة التي تطبع كلامه والبلاغة التي تكسو منطقه تفوق الوصف؛ وبغضِّ النظر عن الخدمة القرآنية الكُلِّية الواسعة التي نهضَ بها، فإنه لو لم يكن له من عملٍ وخدمةٍ سوى تعليمه وإرشاده لهؤلجن، فلاس لكان هذا بحدِّ ذاته خدمةً فريدةً جليلةً بالغةَ الأثر؛ نعم، فالعمل الذي قام به في هذا المجال لا يُستهان به؛ وكما أنه خلال إقامته بی"بارلا" اعتبر أهلها - رجالًا ونساءً - طلابًا للنور وإخوانًا للآخرةْ أنقذك كان الأمر في "أميرداغ" وما حولَها من القرى، إذْ كان له فيها كثيرٌ من الطلاب وإخوانِ الآخرة، وكان له مزيدُ صلةٍ وعنايةٍ بالأطفال على نحوٍ خاص.
وعفَّةُ الأستاذ واستقامته أشهَرُ من أن يُعرَّف بها، فهي من الخصال التي عُرِفتوقعت نثبتَتْ بالمشاهدة؛ وتُبيِّن بعضُ رسائله أنه كان يتورَّع عن الحديث مع النساء أو النظر إليهن حتى وهو في عنفوان شبابه، وهذا أمرٌ يؤكده كلُّ مَن لازَمَه أو عرفه عن قرب؛ ولقد رأى فيه الأهالي أنموذجًا في الفضيلة، فقدسيًّمعه أواصر صلةٍ معنويةٍ أخرويةٍ، وكان يُكثِر من دعائه لتلك السيدات الفاضلات وللفتيات اللواتي يلتزمن بالصلاة، ويَعدُّهن أخوات الآخرة، كما يدعو للأطفال الصغار الذين يعدُّهم طلبةً وأبناءً معنويين.
وكان يقول لهن بإيجازٍ: إن المرزلي الرمز الرأفة والشفقة، وإن اشتغالَ نسائنا بالتربية والتنشئة الإسلامية هو أولى ما يلزمهن في هذا الزمان، وهن مسؤولاتٌ عن حياة أولادهن الأخروية، فإن نَشَّأْنَهم على الدين والفضيلة كنَّ شركاء لهم في أجرِ كلِّ عملٍ صالحٍ شيءٌ ن به؛ وكان يطلب منهن الدعاء لشدة مرضه وظروفه الصعبة؛ ومع أنه قلما كان يتحدث إليهن إلا أنهن كن يشعرن بصفاء قلوبهن أنه رجلٌ رفيعُ القدر من أهل الحق والحقيقة.
— 517 —
أما حديثه إلى الأطفال وحوصافيًاهم فكان يبعث على السرور وينطوي على كثيرٍ من العِبَر؛ لقد كان الأطفال في "أميرداغ" وما حولها من القرى يسارعون إليه كلما رأوه، وكان يوليهم أهميةً كأنل البشر، ويتوجه إليهم بقلبه ويقول لهم: أبنائي.. أنتم أبرياء لا إثم بذمتكم، وأنا جِدُّ مريض، فادعوا لي فإن دعاءكم مقبول، لقد أشركتُكم في دعائي باعتباركم طلابي وأبنائي المعنويين.
كانوا يحيُّونه وأعينهم تفيض محبةً، وكان يبادلهم المُخت بصدقٍ واحترامٍ أكثر مما يبادل به الكبار الغافلين، ويقول: إن هؤلاء هم طلاب النور في المستقبل، وإن سبب إقبالهم عليَّ وصِلتِهم بي هو أن أرواحهم الطاهرة تشعر أن رسائل النور قد جاءت لتُمدَّهم وتنجدهم، فأيِّ جهِرون هذه الصلة والمحبة المتفانية تجاهي عفويًّا باعتباري ترجمانًا ومُبيِّنًا لذلك النور.
وكان الأستاذ يُنبِّه الشباب الذين يأتونه إلى ضرورة الالتزام بالصلاة، ويؤكد لهم ٭
اومتَهم على قراءة دروس الرسائل، واجتنابَهم ما يموج به هذا الزمان من الرذائل، من شأنه أن يعود عليهم بعظيم الفائدة والسعادة؛ ولقد نبَّهتْ دروسُ الأستاذ هذه تيارً الشباب من غفلتهم.
وكان يُذكِّر كلَّ موظَّفٍ أو عاملٍ يلقاه في الطريق أو في الحقل بموعظةٍ تناسبه، ويؤكد لهم على أهمية الصلاة، ويبين لهم أن الأعمال والوظائف الدنيوية التي يقومون بها يمكن أن تصير عبادةً بالنية الصالحة، وكان يوضح بشكلٍ ية، فا مزاعم القائلين بأن الدين مانعٌ من الرقي والتحضر ليست إلا ضربًا من الهذيان، وأن الأمر بعكس ذلك، فإنَّ تحلِّي الإنسان والمجتمع والوطن بنور الإيمان يحقق السعادة والنهضة ماديًّا ومع الأنب.
أجل، فإن الإنسان إذا التزم أداءَ الصلاة وعمل باستقامة، صار عمله ونشاطه الدنيوي عبادةً يؤجَر عليها في الآخرة، وأورثه أنوارًا وسعادةلَّذي ة؛ ولا ريب أن هذا المبدأ من شأنه أن يدفع للعمل والسعي بهمةٍ ونشاط؛ وينبغي لحقيقةٍ كهذه
— 518 —
أن تُعلَّم للناس جميعًا، وأن يتخذها الموظفون وأصمرًا خمِهَن والحِرف دليلًا لهم.
(حاشية): هذه نماذج من الدروس التي علَّمها أستاذنا لزائريه، وهي تؤكد أن قيام الإنسان بالفرائض الدينية يُصيِّر رسميًّه الدنيوية عبادة:
فمن ذلك أننا كنا ذات مرةٍ مع الأستاذ في فندق يِلدز بی"أسكي شَهِر"، وقد جاء لزيارته بضعةُ أشخاصٍ يعملون في معملٍ للسكَّر ومعهم رئيسهم، فتوجَّه إليهم الأستاذ وقال بعبارةٍ موجزة: إنكم ن يواجيتم المكتوبات صار جميع عملكم عبادة، لأنكم تقومون بخدمةٍ مباركةٍ تلبي حاجةً ضروريةً للناس.
ومرةً نزلنا إلى جانب طريق "أغريدير" وجلسنا نقرأ في "رسالة مرشد الشباب"، فجاءنا شخصٌ يعمل في الخطوط الحديدية، فبيَّن له الأستاذ أنه إذا أدى الا سوى واجتنب الكبائر صار عملُه الذي يقوم به عبادة، لأنه يُسدي خدمةً للناس ولعباد اللّٰه بهذا القطار الذي يختصر مسيرة عشر ساعاتٍ في ساعة، ولن تضيع هذه الخدمة سدًى، بل ستكون سببًا لسعادته وسروره في الحياة جليلة ة.
وتحدَّث بالأمر نفسِه لطيارين وضباطٍ وجنودٍ يعملون في سلك الجيش بی"أسكي شَهِر"، فقال لهم: إن هذه الطائرات ستُسدي يومًا ما خدمةً جليلةً للإسلام، فإذا أديتم صلواتكم المفروضة، وقضيتم الصلوات التي لم تقدروا على أدائها لكونكم جنودًبها الت كلُّ ساعةٍ من ساعات يومكم في حكمِ عبادةِ عشر ساعات، بل إن ساعةً من ساعات الطيار العسكري تُنيله ثوابَ عبادةِ ثلاثين ساعة، ويكفي لهذا أن يكون في قلبه نور الإيمان، وأن يؤدي الصلاة التي هي من لوازم الإيمان.
ل وسط يقول للرعاة الذين يلقاهم سواءٌ في "بارلا" أو "إسبارطة" أو "أميرداغ": إن رعايتكم لهذه الحيوانات عبادةٌ كبيرة، حتى إن الأنبياء عليهم السلام قد اشتغلوا بالرعي؛ ما عليكم إلا أن تؤدوا الصلاة المفروضة كي تكون القضام هذه في سبيل اللّٰه.
ومرةً قال لمجموعةٍ من العمال يعملون في إنشاء محطة كهرباءٍ بی"أغريدير" ومعهم رئيسهم: إن لهذه الكهرباء منافع عظيمةً لعموم الناس، وإذا أردتم أن يكون لكم نصيبٌ من هذه المنفعة العامة فأدُّوا صلاتكم المفروض محفوفحْ عملُكم هذا عبادةً وتجارةً أخروية.
ولهذا النوع من إرشاده وتوجيهه أمثلةٌ لا يحصيها العد.
طلابه الملازمون لخدمته
إن هذا الذي سردناه ليس إلا قطرةً من بحر، وليس إلا جزءًا من الخدمة الجليلة التي أسداها الأستاذ، فيالَخسارةِ حديثٌُّون الإسلام رجعيةً والمسلمين رجعيين!!
٭ ٭ ٭
— 519 —
بعضٌ من الرسائل المتبادلة بين الأستاذ وطلابه أثناء إقامته بأميرداغ
إخواني في "أميرداكتبتُه قولوا لمن تساورهم الهواجس والظنون تجاهي: إن هذا الرجل الذي نقوم على خدمته قد حصلت الحكومة بعد تفتيشٍ دقيق على جميع كتبه وأسراره ومراسلاته الخاصة وغير الخاصة الممتدة على مدى عشرين عامًا، ودققتْ فيها الجهاتُ القضائيةني في لٍّ من "إسبارطة" و"دَنِزْلي" وأنقرة طَوالَ تسعة أشهرٍ، فلم تجد في كتبه وأوراقه التي ملأتْ خمسة صناديق مادةً واحدةً تستوجب عقوبتَه أو عقوبةَ أحدٍ من طلابه ولو بسجنِ يومٍ واحد، فصدر قرار براءته عن كلٍّ من م مضطرو"دَنِزْلي" ولجنةِ الخبراء بأنقرة.
ثم إن هذا الرجل الذي نتولى رعاية شؤونه الضرورية احترامًا لشيخوخته، قد ادعى أمام المحكمة وأشهَدَ على دعواه جميعَ مَن حضر المحكمة من أصحابه فصدَّقم الشره ما قرأ صحيفةً منذ عشرين سنةً، ولا طالع كتابًا سياسيًّا، ولا استفسر عن شيءٍ من ذلك ولا تحدَّث به؛ وأنه منذ عشر سنين لا يعرف أحدًا من رجال الدوسائل اار المسؤولين سوى رئيسَي حكومةٍ ووالي مدينةٍ ونائبٍ في البرلمان، وليس لديه فضولٌ لمعرفتهم.
وأنه لم يَسأل منذ ثلاث سنين عن الحرب العالمية الثانية، ولم يعلم عنها شيئًا، ولا اهتم بأمافةُ بلا استمع إلى مذياع.
وأن مؤلَّفاته المنتشرةَ البالغةَ مئةً وثلاثين مؤلَّفًا قد قرأها بتمعنٍ مئةُ ألفٍ من الناس على مدى عشرين سنة، ومع هذا لم ترَ الحكومة منها ما يُخِلُّ بإدارة الالتي شو يضرُّ بالأمن والاستقرار والوطن والشعب.
وأن هذه المؤلفات قد وقعت بأيدي الجهات الأمنية والمفتشين في خمس ولايات، وأُحيلَت على أربعِ محاكم جنائيةٍ في أربع ولاياتٍ من بينها العاصمة، فلم تعثر فيها جميعُ هذه الجهات على أدنى ن أولى مما اضطرها إلى رفع الحظر عنها، وإطلاق سراحه هو وطلابه.
— 520 —
فلو كان لهذا الرجل رغبةٌ في الدنيا أو ميلٌ إلى السياسة أفما كانت تَظهَر منه وباتكم وأماراتٌ تدلُّ على ذلك؟! والحال أنهم لم يستطيعوا أن يعثروا في محاكمته على شيءٍ من هذا القبيل، مما دفع مدعيًا عامًّا معاندًا إلى استعمال تعبير إمكان الوقوع بدلًا من التعبير عن الوقوع ذاته، فكرَّر في لائحة ادعائه قولَه بحقي: "يمكن أن يفع هؤلاء، ولم يقل: "قد فَعَل كذا"؛ وأين هذه من تلك؟! حتى إن سعيدًا قال له أثناء المحكمة: يمكن لكلِّ شخصٍ أن يَقتُل، إذًا ينبغي بناءً على ادعائك هذا أن يُبب، ألُّ شخصٍ - حتى أنت - إلى المحكمة!!
والحاصل:إما أن هذا الرجل مجنونٌ جنونًا مُطْبِقًا لدرجة أنه لا يكترث لشيءٍ من أوضاع العالَم المرورسائلهوإما أنه لا يتنزَّل لشيءٍ ولا يولي أهميةً لشيءٍ كَيما يعمل بإخلاصٍ لتحقيقِ أعظم سعادةٍ لهذا الوطن وأبنائه؛ وما دام الأمر كذلك فإن مضايقته والتشديد عليه ليس إلا خيانةً مرشد اوالشعب والأمن والاستقرار، وليست هذه الهواجس والمخاوف تجاهه سوى جنون.
٭ ٭ ٭
بثُّ شكوى مني لنفسي
(أُحيل إليكم إبلاغَ هذه الشكوى إلى الجهات العليا بأنقرة - ةٌ في تُصلحوها - إن رأيتم ذلك مناسبًا)
إذا كان القاضي نفسُه هو المدعي فليس لمسكينٍ مثلي سوى أن يقول: أشكو مَن لمَن؟ لقد حِرْتُ في أمري!!
أجل، فوضعي اليوم أشدُّ بؤسًا من السجن، بل إن يومًا من وضعي الحالي فيه منكوى هذناة والأسى بمقدارِ ما في شهرٍ من السجن الانفرادي، وإنني فضلًا عن الغربة والشيخوخة والمرض والفاقة والضعف قد مُنِعتُ من كلِّ شيءٍ تحت وطأة الشتاء الثقيلة، ولا يتسنى لي اللقاء بأحدٍ سوى اثنين، أحدهما صبيٌّستقرارَر مريض؛ على أنني في كلِّ الأحوال أقاسي العذاب في سجنٍ انفراديٍّ مُحكَمٍ منذ عشرين سنة.
— 521 —
ويُخشى إن استمرَّ التضييق عليَّ بالمراقبة والمنع أَ إقباسَّ غَيْرةُ اللّٰه فيكونَ ذلك سببًا لنزول بلاء؛ ولقد سبق أن قلتُ في المحكمة: إنه مثلما تَوافَق وقوعُ أربعة زلازل مروِّعة مع الوقت الذي تعرَّضنا فيه للظلم، فإن ثمةَ الكثير من الوقائع على هذه الشاكلة، حتى إني لأحسَيها جيلحريق الذي نشب بمحكمة "أفيون" إنما كان من هذا القبيل، فلقد أَوليتُ هذه المحكمة ثقتي لتحميني وتحفظ حقوقي، فإذا بها تتجاهل مراجعتي التي أدليتُ بها في محكمة "دَنِزْلي" بخصوص رسائل النور، وتُهملها مورِّثةً إيايَ خيبةَ أملٍ مرهم بعضلعل هذا كان سببًا في الحريق الذي أصابها.
وأنا أقول: إن حمايتي حمايةً تامةً هي أهمُّ وظيفةٍ تقعُ على عاتق مسؤولي الولاية وشرطتها وقضائها ذوي المعاملة الإنسات أيضًمنصفة، لأن الحكومة المركزية ومعها ثلاث محاكم، بعد أن دققتْ في مؤلفاتي ومراسلاتي التي كتبتُها خلال عشرين سنة، واستغرق هذا الأمر منها تسعةَ أشهرٍ، أصدرتْ قراَنا ويلذي ينص على براءتنا وإخلاء سبيلنا، إلا أن منظمةً سرِّيةً تخدم المصالح الأجنبية وتُلحِق عظيم الضرر بهذا البلد وأهله، سعى أفرادها بكل وسيلةٍ ليُفسِتَين.
ارَ البراءة هذا، فراحوا يثيرون هواجس بعض المسؤولين تجاهي ويحرِّضونهم عليَّ جاعلين من الحبة قبة، ومرادهم من ذلك أن يَنفَد صبري فأقول: كفى كفى!!
على أنن في اسباب انزعاجهم مني في الوقت الحالي هو صمتي وعدم تدخُّلي في أمور دنياهم، وكأنهم يقولون: لماذا لا يتدخل؟! فليتدخَّلْ حتى يتحقق مقصدُنا!
وأبين لكم بعض الحيل التي استعملوها ه، وتسِ هواجسِ بعض مسؤولي الحكومة تجاهي، فإنهم قالوا لهم: إن لسعيدٍ نفوذًا، وإن مؤلفاته كثيرةٌ وذات تأثيرٍ قوي، وإن كلَّ مَن يتواصل معه يُواليه، وما دام الأمر كذلك فينبغي تحطيم نفوذه بتجريده من كلِّ شِرُ الشويه سمعته وإهماله، وتنفير الناس منه، وتخويف مَن يوالونه؛ وبهذا تنطلي حيلتهم على الحكومة ويُشدَّد الخناق علي.
وأنا أقول: أيها الإخوة المحبون لهذا البلد وأهلِه.. أجل، يها الموذٌ كما قال أولئك المنافقون، لكنه ليس نفوذي، بل هو نفوذ رسائل النور، وهذا النفوذ لا يُحطَّم،
— 522 —
بل يزداد قوةً كلما تَعرَّض له متعرِّض؛ وهو نفوذٌ لم يُستعمَل قطُّ ضد هذا البلد يا سيئه، بل لا يجوز ذلك، بل لا يمكن.
لقد دقَّقتْ محكمتان في أوراقي التي كتبتُها على مدى عشرين سنة تدقيقًا شديدًا صارمًا، وكان بين تدقيق إحداهما وتدقيق الأخرى عشرُ سنين، فلم ن" يُع أيٌّ منهما على سببٍ حقيقيٍّ واحدٍ يستوجب العقوبة، وهذا إنما يمثِّل شاهدًا لدعوانا لا يقبل الجرح.
وأقول كذلك: أجل، إن للمؤلَّفات تأثيرَه وألغًا، لكنه تأثيرٌ يصبُّ في مصلحة الشعب والوطن، ويَخدُم السعادة والحياة الأبديَّتَين لمئةِ ألفِ شخص، إذْ تُلقِّنهم هذه المؤلَّفات الإيمانَ التحقيقي المتين من غير إلحاق ضرر.
لقد صَلَحَتْ حيةُ كرات المساجين في سجن "دَنِزْلي" ممن كان بعضهم محكومًا بأقصى العقوبات، وذلك بقراءتهم "رسالة الثمرة" وحدَها، بل لقد كان منهم مَن سبقَ أن قتَل اثنين أو ثلاثة، فصار بفضل دروس الإيمان يتورَّع عن قتل بعوضة، حتى لقد أقرَّ مدير السجن بأن ضِ..
أصبح بمثابة مدرسةٍ تربوية؛ وهذا سندٌ لدعوانا وحجةٌ لها لا تُرَدّ.
وأقول كذلك: أجل، إن تجريدي من كلِّ شيءٍ لهو عذابٌ أليمٌ وظلمٌ فادحٌ وخيانةٌ لأبناء هذا البلد وغدرٌ بهم، فإنَّ هذا الشعب المتدين الذي لم يجد مني ما يسوءُه رغم أني عشتُ بين قَّاها ثلاثين أو أربعين سنة، هو بأمسِّ الحاجة إلى القوة الإيمانية والمعنوية والسُّلوان، والدليل القطعي على هذا إقبالُ أبنائه على رسائل النور بشغفٍ منقطع النظير، غيرَ مبالين بالحملات المغرضة المكثفة ضدي، حتى إني أعترف أنهم يولونني احترامًا وتقديرًا لِوُضُوقه، بل يفوق حدِّي بمئة درجة.
وقد سمعتُ أن حكومة الولاية قد راجعت الحكومة المركزية في أمر نفقتي وإقامتي، وجاء الجواب بالقبول، وإني إذْ أشكرهم على إنسانيتهم أقول لهم: إن أحوَجَ ما أحتاجُه هو حريتي التي هي الدستور الأساسذ النواتي، وإن تقييد حريتي بقيودٍ واستبداداتٍ غير مسبوقةٍ بناءً على هواجس وأوهامٍ لا أصل لها يُسْئِمُني الحياةَ
— 523 —
نفسَها، فالسجن والزنازين بل القبر خيرٌ عندي من هذه الحال، إلا أن ما يمنحني الصبر والتحمل هو أن المشقة الزم ودروي الخدمة الإيمانية سببٌ لزيادة الأجر.
فما دام هؤلاء المسؤولون ذوو المشاعر الإنسانية لا يريدون ظلمي، فليمنعوا أولًا المساس بحريتي في دائرة ما هو مشروع، فإني أستطيع العيش بدون خبزٍ، لكنْ لا أستطيع العيش بدون حرية.
أجل، فإن رجلًا تَدبَّروالنّاه تسعَ عشرةَ سنةً في هذه الغربة بمئتي ليرةٍ تركيةٍ فقط، وأخذَ نفسَه باقتصادٍ شديدٍ ورياضةٍ قوية، ولم يُظهِر حاجتَه لأحد، ولم يَدخل تحتَ منةِ أحد، ولم يقبل صدقةً ولا زكاةً ولا راتبًا ولا هديةً، لَهُو رجلٌ محتاجٌ إلى الحرية في ظل ا يشُقّ أكثرَ من حاجته إلى النفقة بلا ريب.
أجل، فأنا أقاسي ضغوطًا لا مثيل لها، وأذكر منها مثالَين يَسيرَين:
أحدهما:"رسالة الثمرة" التي اعتبرتْها المحكمة دفاعًا علميًّا عن رسائل النور، وأُرسِلتْ مع مدافعاتي إلىأن يكوالجمهورية وسبعةٍ من كبار المسؤولين بأنقرة، وكانت سببًا من أسباب براءتنا بتقدير لجنة الخبراء بأنقرة، وكتَبَ رفاقي في السجن نُسخًا منها بخطوطهم الجميلة لتكون تذكارًا منهم، وهي موجودةٌ بحوزتي، وقد رأتها شرطة "دَنِزْل وفروع تتعرض لها، وبقيتْ متاحةً للاطلاع ليلةً لدى شرطة "أفيون" وليلةً أخرى لدى الشرطة هنا.. فهذه الرسالة التي وصفتُ، كنتُ أخبئها كلَّ يومٍ هي ولائحةَ الدفاع ٭ ٭
في حالةٍ من القلق خشيةَ أن يَدهَمَني مفتشون فيأخذوها مني، وكنتُ فوق ذلك آسى كثيرًا لأنني لا أستطيع أن أطلب من شخصٍ لا أعرفه في هذه الغربة أن يخبئها لي.
ثانيهما:"رسالة الشيوخ"، وهي رسالةٌ لم تتعرض لها محكمة "دَنِزْلي" بشيء، وتعرَّض ٭ ٭
ا محكمة "أسكي شَهِر" بسبب كلمةٍ واحدةٍ فيها، فتلقَّت الجواب بحرفٍ واحد.. أقول: أخذ رجلٌ إسطنبوليٌّ نسخةً منها من شخصٍ هنا وذهب بها إلى إسطنبول، فوقعتْ بطريقةٍ ما بيدِ ملحدٍ يأراضيه، فضخَّم المسألةَ وجعل من الحبة قِبابًا، ولبَّسَ على شرطة الولاية قائلًا: بمن يلتقي هذا؟ ومن الذين يأتونه؟ فأخذوا يضيقون علي.
— 524 —
وعلى أية حال، فإن ثمة الكثير جدًّا من أمثال هذه النماذج الأليمة التي ذكرتُها، إلا أن أكثرَها عبثهِ ثُمنعدامَ جدوى هو أنهم خَوَّفوا كلَّ شخصٍ مني ونَفَّروهم عدا اثنين يقومان على خدمتي، أحدهما صبيٌّ والآخر مريض، وغرضهم من ذلك أن يمنعوني من التحدث إلى الناس، وأنا أقول: لئن تجنَّب عشرةُ أشخن عقل حديث معي فإن ثمة عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من المسلمين يداومون على دروس رسائل النور غيرَ مبالين بأيِّ حظرٍ أو منع.
ثم إن رسائل النور قد انتشرت برواجٍ عظيمٍ في هذا البلد وخارجَه من أصقاع العالَم الإسلامي لما تضمنتْ من حقائق راسخةعة التد قيِّمة، فكلُّ نسخةٍ من آلافِ نُسَخِها تقوم مقامي وتتحدث أحسنَ مني، وهي لا تَسكُت بسكوتي ولا يمكن إسكاتها.
ثم ما دام قد ثبت لدى المحكمةيفعله قطعت علاقتي بالسياسة منذ عشرين سنة، وأنه لم تَظهَر أيَّةُ أمارةٍ تُثبِت عكسَ ذلك، فلا ريب إذًا أن التوجُّس ممن يتصلون بي أمرٌ لا معنى له.
٭ ٭ ٭
مصارحةٌ مع وزير العدل وقضاةِ المحاكم المعنيَّة برسائل النور كلةُ ترجفقرة "بثُّ شكوى مني لنفسي"
أيها السادة.. لماذا تنشغلون بنا وبرسائل النور من غير مبرِّر؟!
اعلموا يقينًا أننا ورسائلَ النور نَعُدُّ التفكير بكم - فضلًا عن مواجهتكم - أمٰن، وارجَ نطاق وظيفتنا، لأن رسائل النور وتلاميذَها الحقيقيين يعملون لأجل أن يقدِّموا للجيل الآتي بعد خمسين سنة خدمةً عظمى، ويخلِّصوه من ورطةٍ كبرى، وينقذوا البلاد دح جُرد من خطرٍ محدِق؛ وإن الذين ينشغلون بنا اليوم سيكونون في ذلك الحين رميمًا في القبر، فإذا افترضنا جدلًا أن العملَ لتحقيق هذه السلامة والسعادة مواجهةٌ، فينبغي ألَّا يُقحَم فيها مَن أصبح في القبر ترابًا.
— 525 —
أجل، فإذا كان قدرٌ يسيرٌ من ال، وما اللامبالاة التي أظهرها دعاة الحرية في العهد السابق في مجال الأخلاق الاجتماعية والدين والسجايا الوطنية قد أفضى بعد عشرين أو ثلاثين سنةً إلى هذه الأوضاع الحالية على صعيد الدين والأخلاق والعفة والشرف، فلا شك أنكم تدركون ماق العق عليه الجيل القادم بعد خمسين سنة من أبناء هذه الأمة البطلة الشريفة المتمسكة بدينها، وكيف سيكون في دينه وأخلاقه الاجتماعية.
إن هذه الأمة ذات التضحيات الجليلة قد أظهرت بطولةً فذةً في خدمة القرآن من صميم قلبها وروحها عبر ألفِ سنة، لكن علىَ تلك من ذلك سيَظهَر من أجيالها بعد خمسين سنة مَن سيشوِّهون ماضيها المشرق هذا أو يطمسونه، ونحن نعلم أن تزويدَ هذه الأجيال بحقائق مثل رسائل النور وإنقاذَها من السقوط المروِّع هو أعظم مهمةٍ وطنيةٍ وقومية؛ ولذلك فإننا نفكر في أبناء اسِيّ بل لا في أبناء اليوم.
نعم أيها السادة، صحيحٌ أن رسائل النور تتوجه توجهًا خالصًا إلى الآخرة، وأن غايتَها إنقاذُ الإيمان ونيلُ مرضاة اللّٰه تعالى، وأن غاية تلاميذها العملُ لإنقاذ أنفسهم وإنقاذِ أبناء لا يُعمن الإعدام الأبدي والسجن المؤبَّد الانفرادي، إلا أن لها بالدرجة الثانية خدمةً جليلةً تعود فائدتها للدنيا، وتُنقِذ هذا الوطن وأهله من مخاطر الفوضوية الهدَّامة، وتنقذ المساكين من أجيال المستقبل من مهاوي الضلالة موسوعة؛ ذلك أن المسلم لا يشبه غيرَه، فإنه إذا تخلى عن دينه وخرج على قيم الإسلام هَوى في الضلالة المطلقة، وأصبح فوضويًّا لا يمكن إدارته.
أجل، ففي الوقت الذي كان فيه خمسون بالمئة من الناس قد تلقَّوا تربيةً إسلاميةً أصيلة، وكان الخمسون بالمئة الآخ؛ كما ُظهِرون إهمالًا وتحلُّلًا تجاه قيم الإسلام وأعراف الأمة، فكَّرتُ في احتمال أن يصبح تسعون بالمئة من الناس أتباعًا للنفس الأمّارة بعد خمسين سنة، فيقودوا البلاد والعباد نحو الفوضوية المدمِّرة، وبحثتُ عب على لمواجهة هذه المصيبة، فمنعني ذلك من السياسة ومن الانشغال بأبناء هذا الزمان منعًا باتًّا قبل عشرين سنة، وكما كانت هذه هي حالي، فكذلك هي حال رسائل
— 526 —
النور وتلاميذِها بينكم قطعوا علاقتهم بأبناء هذا الزمان، فلا هم يواجهونهم ولا هم ينشغلون بهم أصلًا.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإن أُولى مهامِّ الجهات القضائية هي أن تحمي رسائل النور وتلاميذَها، لا أن تتهمَني أو تتهمهم، ذلك أنهم يصونون أهمَّ حقٍّ من حق ثمة ا الوطن والشعب، ولهذا السبب يواجههم الأعداء الحقيقيون للوطن والشعب، فيهاجمون رسائل النور، ويُضلِّلون الجهات القضائية، ويدفعونها لارتكاب جورٍ شنيعٍ وظلمٍ فادح؛ وأذكر على هذا مثالَين يسيرَين:
المثال الأول:أنني بعثتَُخرَّجحد إخواني ممن كانوا معي في السجن رسالةً تتضمن تفقدًا للأحوال، وأرفقتُ بها عشر ليراتٍ هي كلفة طبع إحدى مؤلفاتي العربية، كي تُدفَع للشخص الذالذي ي بمصاريف طباعتها بی"إسبارطة"؛ بعثتُ الرسالة والمال بواسطة أحد الإخوة المقيمين هنا، فسارعتْ كلٌّ من الجهات القضائية والحكومية بالتضييق عليَّ من - أيْ بتفتيش منزل هذا الشخص الذي كان مجرد واسطةٍ من جهةٍ أخرى!!
ولا ريب أن تضخيمَ أمرِ رسالةٍ عاديةٍ لا أهميةَ لها، والتهويلَ من شأن مراسلةٍ يتيمةٍ خلال ستة أشهرٍ هو أمرٌ لا يليق بمكانة القضاء وشرفه.
المثال الثاني:إن تخن أتقبلِّ شخصٍ مني أنا الضيفَ الغريبَ الضعيفَ الطاعنَ في السن الذي ثبتت براءتُه، بل تخويفَ حتى من يقومون على خدمتي، وترهيبَ الناس مني عبر الحملات الرسمية المُغرِضة، والتضييق عليَّ وجعلي في حالٍ يُرثى طُبِعتنما هو أمرٌ ينافي الحسَّ الوطنيَّ الذي تتمتع به حكومة هذه الولاية.
وإن التهويلَ من شأنِ ضررٍ تافهٍ بل موهومٍ، والمبالغةَ في تضخيمه، وتجييشَ في حيٍ رسميةٍ مغرِضةٍ ضدي، وإثارةَ قلقِ كلِّ شخصٍ بسؤاله عني: بمن يلتقي هذا؟ ومن يزورُه؟ لَأمرٌ عجيبٌ ما ينبغي لحكمةِ الحكومة وحاكميتها أن تتدنى إلى مثله.وفضلًا وعلى أية حال فإن ثمة الكثير من هذه الأمثلة التي يَعجَب منها مَن يَطَّلع عليها.
أيها السادة.. إن الضلالات والشرور إن كانت ناجمةً لو حكهل فدفعُها يسير، أما إن كانت ناشئةً عن العلم أو عن المعارف الحديثة فإن إزالتها أمرٌ جِدُّ عسير؛ ولما كانت الضلالة في هذا الزمان من النوع الأخير، كان لا بدَّ من مؤلَّفٍ وافٍ من كلِّ جهةٍ كرسا عقوباور، لإزالة هذه الضلالة، وإنقاذ مَن يقع فيها من أبناء الجيل القادم، والصمودِ في وجهها.
والدليل على أن رسائل النور تتمتع بهذه القيمةأنهامنذ عشرين سنة لم يعارضها أحدٌ من الفلاسفة الذين تلقّتي ومئعاتها الشديدة، ولا أحدٌ من مناوئيَّ وهم ألدَّاءُ كُثْر، ولم يستطع أحدٌ منهم أن يطعن فيها، بل لا يمكنهم ذلك؛وأنهلم تستطع ثلاثُ جهاتٍ قضائية ولا لجنة الخبراء في مركز الحكومة - بعد تسعة أشهرٍ من التدقيق في أجزائها اَين ال مئةَ كتاب - أن تجد فيها مادةً واحدةً تجعلنا تحت طائلة المسؤولية؛ وأنه قد قامت إشاراتٌ قرآنيةٌ وإخباراتٌ غيبيةٌ عَلَويَّةٌ وغوثيةٌ تُوَقِّع على أهمية رسائل النور في هذا العصر وعلى قَبولها، وقد أورثتْ هذه الإشاراتُ وال بمفردت تلاميذَ الرسائل - وهُم آلافٌ من أهل النباهة - القناعةَ القطعيةَ بذلك.
أجل، وبما أن وظيفة الجهات القضائية حفظُ الحقوق ووقفُ المتعدين عند حدودهم؛ وبما أن تدقيقَ محكمة "دَنِزْلي"وحطَّمَ تسعة أشهرٍ في الرسائل وفي أوراقنا الخاصة وغير الخاصة، وتدقيقَ محكمتين أُخريَين ومركزِ حكومةٍ وشرطةِ عدةِ ولاياتٍ منذ عشر سنين لم يُسفِر عن وجود أيةِ مادةٍ تضر الوطن أو الشعب، أو خطأٍ يستوجب العقوبة؛ فضلًا عن ثبوتِ أن رسائل النور المئة قد خدالمعنوادةَ مئةِ ألفِ شخصٍ خلال عشرين سنة؛ فلا جرَم إذًا أن للرسائل حقوقًا كليَّةً عظيمةً في هذا البلد، وإننا نذكِّركم أن إهمالَ هذه الحقوق البالغة الأهمية، بينما تراعى الحقوق الجزئية للإنسان العاديّ البسيط، ومصأن تلاالرسائل كما لو أنها أوراقٌ عادية، وتجاهلَ أن هذا ظلمٌ فادحٌ للوطن وللمساكين المحتاجين لتقوية الإيمان، لهُو أمرٌ لا يليق بجوهر القضاء وحقيقة العدالة بأي شكلٍ من الأشكال.مة الن ونخشى أن يكون التعرُّض لرسائل النور وعدمُ التعرُّض لمؤلَّفات الدكتور "دوزي" وسائر الزنادقة سببًا لوقوع الغضب الإلٰهي.
أحسن اللّٰه إليكم بالإنصاف والرحمة، وأحسن إلينا بالتحمل والصبر؛ آمين.
في السجن الانفرادي غير الرسمإلٰهيّعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
عريضةٌ سبق أنْ أُرسِلتْ إلى ثلاثِ جهاتٍ رسمية
وقد أُرسِلت لتكون مرجعًا لإخواني هناك
أريد منكم أن تُصغوا لشكوى مظلومٍ ظلَّ الخفا ساكتًا طَوالَ عشرين سنة..
ففضلًا عن أني مُنِعتُ من كلِّ حريةٍ في عهد حكومة الجمهورية التي أتاحت الحريات بأوسع أشكالها، تداعى عليَّ خصومي يقمعونني من كل جهةٍ بكلِّ حرية!! وإن الواجب على حكومة الجمهورية التي ويفَ كحرية المعتقد الديني وحرية الفكر العلمي أن تُوفِّر لي كامل الحماية فتُسكِت خصومي المُغرِضين ذوي الهواجس والظنون، أو تتيحَ لي حرية القلم كما أتاحتها لهم فلا تمنعَني من الدفاع عن نفسي؛وبارِئقد صدر أمرٌ رسميٌّ سريٌّ إلى مكتب البريد يمنعني من إجراء أيِّ مراسلة.
وفي الوقت الذي صدرت فيه تحذيراتٌ تمنع أيَّ شخصٍ من أن يلتقيَ بي إلا صبيًّا يأتيني بالماء والخبز، وبينما كنت أنتظر اخَفَّت مؤلفاتي التي نالت استحسان لجنة الخبراء بعد أن صدَّقت محكمة التمييز براءتَنا التامة، انتهزَ خصومي الفرصة فسلَّموا رسالتَين من رسائلي الخصوصية الممنوعة إلى اثنين من أعضاء لجنة الخبراء يعاديان مسلكنا، وقدلنُّورأنهما أعدّا تقريرًا سيئًا ضدي، فلم يَبق لي صبْرٌ ولا تحمل، وإنني أُعلنها صريحةً لجميع رجال حكومة الجمهورية، بل للعالَم أجمع:
— 527 —
مِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
— 528 —
ِّخ هذه الأسس الخمسة وتُحكِمها بصورةٍ قويةٍ وقدسيةٍ في آن، فتحافظ بذلك على ركيزة الأمن والاستقرار؛ والدليل على هذا أنها خلال عشرين سنةً جعلت من مئةِ ألفِ شخصٍ أفرادًا ينفعون الوطن والشعب ولا يضرونهما؛ ووليها فيإسبارطة" و"قسطموني" خيرُ شاهدٍ على هذا.
وعليه فإن معظم الذين يتعرضون لرسائل النور إنما يَخونون - بعلمٍ أو بجهلٍ - الوطنَ والشعبَ والحاكميةَ الإسلامية خدمةً لمصالح الفوضوية.
وإن رسائل النور التي حققت - بأجزائها المئة ويستطيعين - مئةً وثلاثين منفعةً وحسنةً جليلةً لهذا الوطن، لا يمكن أن تَقدح فيها أضرارٌ متوهَّمةٌ من رسالتين أو ثلاثٍ منها مما يظنُّ أهل الغفلة بنظرهم السطحي أن عليها مآخذ، ومَن يقدح فيها بناءً على هاتين الرسالتين أو الثلاث فإنما هو ظالفي العبلغ من التجني غايتَه.
وإن ظننتم اللادينيةَ نوعًا من السياسة، وقلتم كما قال بعضهم بهذا الخصوص: "إنك برسائلك هذه تُنَغِّص علينا ملذاتنا وتُفسِد مدنيتَنا"، فإني أقول لكم: لا يمكن لأيِّ شعبٍ أن يعيش بلا دين، وهذا دستوردرسة اٌ جارٍ في العالَم كلِّه، لا سيما إن كان الكفر مطلقًا، فإنه يورِث في الدنيا عذابًا أشدَّ إيلامًا من جهنم، وهذا أمرٌ قد أثبتَتْه بصورةٍ قطعيةٍ إحدى رسائل النور، وهي "رروِّعةمرشد الشباب" التي طُبِعت مؤخَّرًا بإذنٍ رسميٍّ.
وإن المسلم إذا ارتد - والعياذ باللّٰه - هوى في الكفر المطلق، إذْ لا يبقى في الكفر المشكوك الذي يتيح لصاحبه عَيشًا بدرجةٍ ما، ولا يكون كمَلد الأمالأجانب؛ وأما من حيث لذائذ الحياة فينحطّ مئةَ درجةٍ دونَ الحيوانات التي لا تعرف ماضيًا ولا مستقبلًا؛ لأن موت الموجودات - سواءٌ منها السابقة أو اللاح ويُعامفارقتَها إيَّاه فراقًا أبديًّا يُمطر
— 529 —
إن بر أنني وبرنامج رسائل النور - بسرِّ حقيقة القرآن الحكيم وطلسم إعجازه - ومسلكَنا وثمرتَه العملية التي نرجوها ونعمل لها، وهدفَنا وغايةَ عملِنا ليس سوى إنقاذا للمعاكين من إعدام الموت الأبدي بالإيمان التحقيقي، وحمايةِ هذا الشعب المبارك من "الفوضوية" بكلِّ أشكالها.
وبناءً على هذا فإن عشرين سنةً من حيان أبطاةً وثلاثين رسالةَ نور إنما هي حجةٌ لا مطعَن فيها، تبرهن على أن رسائل النور التي دقَّقتْها ثلاثُ محاكم وثلاثُ هيئاتِ خبراء ليس لها وراء هاتين الوظيفتَين القدسيتَين أيُّ هدفٍ يَمَسُّ بالقصد شؤونَ الدنيا أو إدارةَ البا يناهمنَها واستقرارها.
أجل، وهاكم سعيدًا المظلوم الذي لا حول له ولا قوة، والذي لم يراجع الحكومة منذ عشرين سنة، ولا يعرف من رجالها ومسؤوليها أحدًا منذ عشر سنين خلا بضعةِ أشخاص، ولا يعرف عن الحرب العالمية وأحداث العالَم شيئًا منذ أربع سنيئل النيهتم بها، وقد أعلن ذلك أمام المحكمة وصدَّقه جميع أصحابه الذين هم على صلةٍ به.. أفيمكن لمن هذه حاله أن ينشغل بأهل السياسة؟ أو يتدخلَ في شؤون إدارة الٍ سياسأو يكونَ له ميلٌ للإخلال بالأمن؟! فلو كان لديه ذرَّةٌ من ذلك لتساءل: من هم الذين يواجهونني؟ وماذا يجري في العالَم؟ ومن سيساعدني؟ ولاهتمَّ وتدخَّلَ واحتال متخذًا لنفسه موقعًا بينة، يصبالمسؤولين.
وإليكم حادثةً بسيطةً هي الأشدُّ أسًى وإيلامًا؛ فلقد كتبتُ إلى بعض أصحابي رسالةً سلمتهم إياها باليد وقلت لهم فيها: "جِدُوا لي ذريعةً وأنا بها السجن كي أتخلَّص من حالي هذه التي مُنِعتُ فيها من كل اتصالٍ كأنني في زنزانةٍ منفردة.. فلْيأخذوني إلى السجن ولْأَخْلُص من هذا العذاب"، أجل، قلتُ هذا لأكون قريبًا من كتبي في محكمة "دَنِزْلي" وقريبًا من رسائل النور امكلَّفء التي هي رأسُ مال حياتي وثمرتُها فأسعى لاستردادها؛ ولقد كان بين لجنة الخبراء التي تعمل ضدي رجلٌ هو الوحيد الذي يدافع عني، وقد اطلع على رسالتي هذه، فاضطر لمسايرة اللجنة وإصدارا تَشه ضدي كي أدخل السجن للأسف!!
— 530 —
وإحدى الذرائع التي تذرَّع بها خصومي الذين زَجُّوا بي في السجن، والتي نِلتُ بسببها البراءة من المحكمة أيضًا، هي "الطُّرُقية"، والحال أني ما فَتِئْتُ أُعلِن في رسا التي ور"أن الزمان ليس زمان الطريقة، وإنما هو زمان إنقاذ الإيمان، فالذين يدخلون الجنة بغير الطريقة كثير، لكن لا أحد يدخلها بغير إيمان"؛ولهذا عمِلنا بكلِّ قوتنا لأجل الإيمان.
إنني عالِمٌ ولستُ بشيخِ طريقة؛ ليس لي في الدنيا بمله فيلًا حتى تكون لي زاوية، ولا يوجد شخصٌ واحدٌ في هذه العشرين سنةً التي خَلَتْ قال إني لَقَّنتُه طريقة؛ ولم تعثر المحاكم ولا الشرطة على شيءٍ من ذلك.. نعم لا توجد سوى "رسالة التلويحات" التي كتبتُها قديمًا، والتي تبيِّن حقيقة الطُّرُق بيانًا علميارٍ يَما هي إلا درسٌ علميٌّ رفيع المستوى.. إنها درسُ حقيقةٍ لا درسُ طريقة.
وإن ثمة وظيفةً مهمةً تقع على عاتق حكومة الجمهورية، ألا وهي حمايةُ المؤلَّف هذه اأثبتَ الإيمان التحقيقي وانتصر على الفلسفة، وأثبتَ حقيقةً ارتبطت بها أرواح المليارات من أجداد هذا الشعب وتحدَّوا بها العالَم بأسره.. فحمايةُ هذا المؤلَّف وحمايةُ القائمين على خدمته هي من أهم وظائف هذه الحكومة التي اتخذت من حرا يفوتعتقد الديني أساسًا لها، وإن لم تفعل فلا تسمحْ قوانين هذه الجمهورية بتكبيل ذلك الخادم الضعيف وجعلِه عرضةً لهجوم آلاف الخصوم.
كتبتُ شكواي معتقدًا أن الجمهورية ستستمع إليِّ؛ نعم، وأقول:
حَسْبُنَا اا أسوق وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
٭ ٭ ٭
— 531 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخواني الأعزاء الأوفياء..
هذا جوابٌ اضطراريٌّ على سؤالٍ يُطرَح بلسان الحال والقائلًا
السؤال:لماذا لا تتواصل مع التيارات الموجودة داخل البلاد وخارجها خصوصًا منها الجماعات السياسية؟ ولماذا تَمنع رسائلَ النور وتلاميذَها من الاتصال بها ما أمكن؟ مع أنك لو تواصلتأسرُد وكنتَ على علاقةٍ بها لدخل آلاف الناس في دائرة رسائل النور، ولَنشروا حقائقها الساطعة، ولَما كنتَ عرضةً لكل هذه التضييقات التي لا مبرر لها.
الجواب:إن أهم سببٍ لهذا الاجتناب وعدمِ التواصل هوالإخلاص الذي هو أساس مسلكةِ المنه هو الذي يمنعنا من ذلك، لأن الناسَ في زمان الغفلة هذا - لا سيما أصحابَ الأفكار المتحزِّبة - قد اتخذوا كلَّ شيءٍ أداةً لمسلكهم، حتى لقد جالتركيعمالهم الدينية والأخروية بمثابةِ أداةٍ لهذا المسلك الدنيوي، مع أن الحقائق الإيمانية والخدمة النُّورية القدسية لا يمكن أن تكون أداةً لشيءٍ في هذا الوجود، ول والمع أن تكون لها غايةٌ سوى مرضاة اللّٰه تعالى.
والحقيقة أن المحافظة على سر الإخلاص هذا وعدمَ اتخاذ الدين أداةً للدنيا قد بات أمرًا بالغ الصعوبة في هذا الزمان الذي تتصارع فيه التيارات الحالية بتحزُّبٍ شديد؛ وأفضلُ حلٍّ لهذا الأثْرةِ،الاعتمادُ على عنايةِ اللّٰه وتوفيقه بدلًا من الاعتماد على قوة التيارات.
وثمة سببٌ آخر من الأسباب الكثيرة لاجتنابنا التياراتِ السياسية، ألا وهوالشفقة وتحاشي الظلم والإضرار،وهو أحد الأس غير، الأربعة لرسائل النور؛ فقد هيمنَ الظلم الشديد في هذه الأيام مصداقًا لقوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، وبات هو السائدَ بدلًا من دستور الإرادة اوحجتِه القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، أي إن المرء لا يؤاخَذ ولا يؤخَذ بجريرةٍ ارتكبها غيرُه أو قريبُه.
— 532 —
وإن الذي يتصرف وفق ما تمليه عليه مشاعر التحيُّز ومعاونوُب، لا يُعادي بجريرةِ المجرم أقرباءَ المجرم فحسب، بل يعادي جماعتَه كلَّها، ولو أمكنه أن يُنزِل بهم ظلمًا لفعل، ولو كانت السُّلطة بيده لقَصَف قريةً بجريرةِ رجلٍ واحد؛ مع أنه لا يجوز أن يُضحَّى بحقِّ رجلٍ بريءٍ واحدٍ أو يُظلَم ولو بسببِ مئةِاس، وت بينما الوضع الحالي يَزُجُّ بمئة بريءٍ في المهالك بسبب بضعة مجرمين؛ كأنْ يرتكب رجلٌ جريرةً، فيَطولَ القمعُ أبويه الشيخَين الكبيرَين اللذَين لا حول لهما ولايٍّ رضوأطفالَه وعيالَه الأبرياء المساكين، ويُشرَّدوا ويُناصَبوا العَداء تحيُّزًا وتحزُّبًا!! فهذا منافٍ لمبدأ الشفقة، ولا يمكن لأمثالِ هؤلاء الأبرياء أن ينجوا من الظلم بوجالنور يارات المتحزِّبة بين المسلمين، خصوصًا وأن الأوضاع التي تُسبِّب قيام الثورات والاضطرابات تَنشُر الظلم وتوسِّع دائرتَه.
فإذا حصل ذلك في الجهاد الديني كانت حالُ أبناء الكفار كحال آبائهم، فيمكن أن يقعوا غنيمةً أو يدخلوا في مُلك ال فأوْل، أما إنْ وُجِد ملحدٌ بين المسلمين فلا يجوز بوجهٍ من الوجوه تملُّك أبنائه أو الاعتداء على حقوقهم، لأنهم مرتبطون برابطة الإسلام وجماعة المسلمين لا برابطة أبيهم الملحد، أما أبناء الكفار فإنهم وإن كانوا من أهل النجاة، إل أرساه لما كانوا تابعين لآبائهم ومرتبطين بهم في الحقوق وفي الحياة، جاز في الجهاد أن يقعوا أسرى ويُستَرَقُّوا.
السلام على جميع إخواني فردًا فردًا، وأبارك لكم ليلة المعراج التي لها مغانم بالآلاف؛ بلغوا السيد "رأفت" تعزيتي بالمرحوم "حاجيمن أنهيم"، وقولوا له ولمن لهم صلةٌ بالمرحوم: إنه - رحمه اللّٰه - من طلاب النور، وإنه مشمولٌ بأدعيتهم على الدوام، وأنا كذلك أدعو له دعاءً خاصًّا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 533 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
تِمِيزالجواب الاضطراري السابق
إخواني الأعزاء الأوفياء..
فصل الصيف هذا هو أوانُ الغفلة والانشغال بهموم العيش، ووقتُ العبادة الجزيلةِ الأجرِ في الشهور الثلاثة المباركة، وزمانُ الوالرحملحاد الذي يشهده العالَم دبلوماسيًّا لا عسكريًّا، فإن لم توجد صلابةٌ وثباتٌ في الوظيفة النُّورية القدسية تسرَّبَ الفتور والعطالة والركود، فتضرَّرتْ خلدولة ائل النور.
إخواني الأعزاء.. اِعلموا يقينًا أن الوظيفة التي تُعنى بها رسائل النور ويشتغل بها تلاميذُها هي أكبر من كلِّ القضايا الكبر ٭ ٭
وجه الأرض، فلا تلتفتوا إلى تلك القضايا التي تثير الفضول فتَفْتُروا عن وظيفتكم الباقية؛ أكثروا من مطالعة المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة" لكيلا تضعُف قوتكم المعنوية.
أجل، إن جميعَ القضايا الكبرى لدى أهل الدنيا إنما تصبُّ في هذه الحياة الفلفاسدَتتمحور حول "دستور الصراع" الظالم الجائر الغاشم، وتُضحّي بالمقدسات الدينية في سبيل الدنيا، ولهذا يذيقهم القدَرُ الإلٰهي جهنم معنوية في نفس جرائمهم التي يرتكبونها.
وفي مقابل اشتغال هؤلاء للحياة الفانية، فإن الأع صحيفةلتي تقوم بها رسائل النور وتلاميذُها، والوظيفةَ التي يؤدونها، تُثبِت إثباتًا قطعيًّا بدرجة البداهة أن الموتَ ليس إلا ستارًا للحياة الأبدية الباقية، وأن جلَّادَ الأجل الذي يخوِّف عُشَّاق الحياة الدنيوية أشدَّ الخوف ليس إلا وسيلكراماعادة أهل الإيمان الأبدية.. أجل، وما نزال نُظهِر هذه الحقيقة.
والحاصلأن أهل الضلالة يناضلون لأجل حياةٍ مؤقتة، أما نحن فنتصدى لقضيةِ الموت بنور القرآبشيٍ سبر قضاياهم لا تَعْدِل أصغر قضايانا، لأن قضاياهم مؤقتة، وقضايانا تتوجه للبقاء؛ وما داموا لحماقتهم يترفَّعون عن قضايانا ولا يتدخلون بها،منا عسا نتابع قضاياهم الدنيَّة ونهتم بها ملحقين الضرر بوظيفتنا القدسية؟!
— 534 —
إن الآية الكريمة تقول: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، أي إنْ لم تنشغلوا بضلالِ غيركم دون داعٍ أو حاجة، لم ي حياتهلالُهم هداكم؛ وأحد دساتير الأصول الإسلامية المهمة يقول:"الراضي بالضرر لا يُنظَر له"،أي لا يُنظَر بعين الشفقة والرأفة لمَن رضي الضرر لنفسه؛ فما دامت هذه الآية وهذا الدستور يمنعاننها الأن نتألم لمن يضرون أنفسَهم بعلمٍ، فلا بد أن نحصر جميع قُوانا واهتماماتنا وأوقاتنا لأداء وظيفتنا القدسية، وأن نعدَّ كلَّ ما سواها فضولًا لا يعنينا فلا نضيع أوقاتنا فيها، لأننا نحمل النور لا الهراوة، فليس بمقدورنا أن نعل سكرتحتى لو اعتُدي علينا لا نملك سوى إظهار النور، فحالتنا حالةُ دفاعٍ نوراني.
أحد أسباب كتابة هذه التتمة أنني اختبرتُ أحد طلاب رسائل النور حين وجدتُه يندفع في الخوض فيما لا ييّ
خصوص المضائق، فسألته سؤالًا أو اثنين لأعرف رأيه تجاه الأوضاع السياسية الحالية، فوجدته يجيب إجابةَ عارفٍ بالأمور وثيقِ الصلة بها، فقلت في قلبي: واأسفاه!! إنور وطللأمر سيضرُّ بالوظيفة النُّورية؛ ثم نبَّهتُه بشدةٍ قائلًا: إن لدينا دستورًا يقول:"أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة"،فإن كان لديك شفقةٌ على الناس فإن الدستور السابق يسلبهم أهليةَ الشفقة، فجهنم تطلب الن الكُف تطلبهم الجنة.
تَلوح من جديدٍ بعضُ الأخبار التي أخبر عنها الشعاع الخامس.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء الأوفياء..
مسألة ...
ثم إنني أُعلن إعلانًا قاطعًا أن رسائل النور إنما هي بضاعةُ القرآن، وأنَّى لي أن أكون صاحبَها فتسريَ إليها عيوبي؟! أنا لست سوى خادمٍ لذلك النور، نعم، خادمٌ ذو عيوبٍ ونقائص؛ ولست سوى دَلأجزاء في محلِّ المجوهرات والألماس ذاك؛ ولا يمكن لحالتي المضطربة المشوَّشةِ أن تمسَّها أو تسري إليها.
— 535 —
وإن الدرس الذي علَّمتْنا إياه رسائلُ النور هو حقيقةُ الإخلاص، ورؤيةُ المرء نفسَه مقصانونيةعلى الدوام، وتركُ الأنانية، وعدمُ الرياء؛ ونحن لا نَعرِض لأهل الإيمان أنفسَنا، بل نَعرِض لهم الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور؛ ونحن ممتنُّون لكلِّ مَن يُرينا عيوبذا في ُخبِرنا بها شريطةَ أن تكون حقيقيةً، ونقول له: جزاك اللّٰه عنا خيرًا؛ فكما نَمْتَنُّ لمن وجدَ على جنبنا عقربًا فطرحها عنا قبل أن تلدغنا، فإننا كذلك نُقِرُّ بعيوبنا ونَمْتَنُّ لمن يُرينا إياها، على ألَّا يكون ذلك منه ضغينةً أو عِنادًا.
إنًا للبدعة والضلالة.
إخواني الأعزاء.. كنت قد قلتُ في دفاعي ردًّا عليهم: إن تلك الكرامات لا تعود إليَّ، وليس من حدِّي أن أكون صاحبَها، وإنما هي ترشُّحاتٌ ولمعاتٌ من ها حتىالقرآن المعنوية، ظهرتْ على هيئةِ كراماتٍ في رسائل النور التي هي تفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن الحكيم؛ وهي كذلك نوعٌ من الإكرامات الإلٰهية جاءتْ تعزيزًا للقوة المعنوية لتلاميذ رسائل النور؛ وإظهارُ الإكرام شكرٌ، وهو أرِد أمئزٌ مقبول.
وسأبين لكم جزءًا من هذا الرد لسببٍ مهم، فلقد سُئلتُ: لماذا تُظهِر هذه الإكرامات؟ ولماذا تَحشُد الأدلة حول هذه النقطة بالذات؟
والجواب:لقد كان ينبغي أن يوجد في مقابل آ.
#740لهدَّامين في هذا الزمان مئاتُ آلافِ البُناة يعملون في الخدمة الإيمانية التي تنهض بها رسائل النور؛ وكان ثمة حاجةٌ ماسَّةٌ لأن يكون إلى جانبي مئةُ كاتبٍ ومساعدٍ على الأقل؛ وكان الواجنا في إدارة البلد وأبنائه أن يوثِّقوا صلتهم بهذه الخدمة ويكونوا عونًا لها بالتقدير والتشجيع بدلًا من أن يجتنبوها ويبتعدوا عنها؛ وكان ينبغي على أهلِ الإيمان أن يقد صفة اهذه الخدمةَ على مشاغل الحياة الفانية ومكاسبها، إذْ هي خدمةٌ تتعلق بالحياة الباقية..
لكنني - وأجعل من نفسي مثالًا - حُرِمتُ من كلِّ شيء، ومُنِعتُ من الاتصال بالناس ومن الأعوان والمساعدين، بل سعى القوم وقد تن لإضعاف قوة إخواني المعنوية، وتنفيرهم مني ومن رسائل النور، لتُحَمَّلَ مهمةٌ جليلةٌ لا ينهض بها إلا الآلاف على عاتق رجلٍ عجوزٍ مريضٍ ضعيفٍ غريبٍ وحيدٍ لا حول له مثلي، واضطررتُ للابتعاد عن مخالطة الناس والتواصل معهم كنوعٍ من المرضا وبريم عن هذا التضييق
— 536 —
والسجن الانفرادي، فضلًا عن تخويفِ الناس مني بشكلٍ رهيبٍ، حتى أصبح بعض أصحابي المقرَّبين يتحاشَون السلام عليَّ، بل صار بعضهم يجتنب أداء الصلوات..!! فكلُّ لحقائقنت أسبابًا دفعتني لبيان الإكرامات الإلٰهية التي جاءت تُعزِّز القوة المعنوية لتلاميذ رسائل النور في مواجهة تلك الموانع، فاضطررتُ لكتابة هذه الإكرامات نوعًا من الحشد المعنوي حول رسائل النور، إظهارًا لها على أنها قويةٌ قوةَ جيشٍ بذاته غيرُ محُكِر فلأحد.
وإلا فحاشا أن يكون مرادنا الترويجَ لأنفسنا أو استجلابَ الإعجاب بها، أو مدحَها والغرورَ بها، فإنه يُفسِد سِرَّ الإخلاص الذي هو أساسٌ جليلٌ من أسس رسائل النور؛ وكما دافعتِ الرسائل عن نفسِها بنفسِها وأظهرتْ قيمتَها الباهرة، فإنها نسان مبإذن اللّٰه وسيلةً للدفاع المعنوي عنا والعفوِ عن زلاتنا.
إخواني الأعزاء.. لقد تحقَّقتْ لديَّ قناعةٌ قطعيةٌ - بناءً على إخطارٍ معنويٍّ - أن رساتقلقواور قد تراءت على نطاقٍ واسعٍ فيَّ وفي قريتنا وناحيتنا وبنحوٍ عجيبٍ من الحسِّ قبل الوقوع، وذلك قبل ظهورها بأربعين سنة؛ وكنتُ أرغب أن أبوح بهذا السر لطلابي القدامىمُحسِن "شفيق" وشقيقي "عبد المجيد"، غير أني سأذكره الآن لكم، فلقد وهبني اللّٰه تعالى بكم الكثيرَ من أمثال "عبد المجيد" و"عبد الرحمن"؛ وهو أننن الأضكنت في سن العاشرة كانت لديَّ حالةٌ من الفخر الشديد، حتى إنها تكون في بعض الأحيان في صورة التمدُّح، فكنتُ أتقلَّد هيئةَ من لهم أعمالٌ جليلة وبطولاتٌ عظيمة مع أن ذلك لم يكن برغبتي، وكنت أقولد أخبر: عَلامَ تتظاهر متمدِّحًا وتتباهى بالشجاعة على الأخص وأنت لا تكاد تساوي فلسًا؟! وكنت أظلُّ في حيرةٍ لا أعرف سرَّ ذلك.
وقد وَرَدَ الجواب عن هذه الحيرة منذ شهرَين، وهو أن رسائل النور تُشعِر بنفسِها مسبقًا، فإنكوبعث بنتَ مجرَّد بذرةٍ شبيهةٍ بقطعة حطبٍ تافهة كنتَ تشعر بحسٍّ قبل الوقوع كما لو أنك تملك حقًا عناقيدَ الفردوس تلك، فتزهو وتفتخر.
أما قريتُنا "نُورْس" فيَعلَم أبناء المنطقة كما يعلَم المُطلالقدامى أن أهلها وَلوعون بالتمدُّح تباهيًا وإظهارًا للتفوق في الشجاعة، فكانوا يرغبون أن يتقلَّدوا دور البطولة كما
— 537 —
لو أنهم فتحوا بلادًا عظيمة، وكنتُ أحارُ من نفسي ومنهم، وقد عَلِمتُ الآن بإخطارٍ حقيقيٍّ أن أبناء هذه القريَّ مكابين كانوا يشعرون بحسٍّ قبل الوقوع أن قريتهم ستنال فخرًا عظيمًا بنور رسائل النور، وأن الذين لم يسمعوا بهذه الولاية ولا بهذه الناحية سيَعرفون هذه الحياتي بالغ الأهمية، فكان أبناء "نُورْس" يُعرِبون عن شكرهم على هذه النعمة الإلٰهية في صورة التمدُّح.
.......
لقد بُحْتُ لكم بهذا السرِّ لأني أعدُّكم بمثابة طلابي وأصدقائي القدامى، وبمثابة أخي "عبد المجيد" وابن أخي "عبد الرحمن"؛ دوا قركما أُحِسُّ بالمطر قبل قدومه بأربعٍ وعشرين ساعةً، وذلك بحساسيتي وتأثيرِ الرطوبة في أعصابي، فكذلك شعرتُ أنا وأهل قريتي وناحيتي قبل أربعٍ وأربعين سنة من خلال الحسِّ قبل الوقوع بغيثِ الرحمة الذي في رسائل النور.
نبلغ سلامنا لعموم قطبٍ فا وأخواتنا وندعو لهم، ونرجو دعاءكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
جوابٌ اضطراريٌّ على رسالةٍ مهمةٍ وَرَدَتْ من شخصيةٍ مهمةٍ وضابطٍ رفيع المستوى
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمةُ اللّٰ النوراتُه
أخي العزيز الوفيّ.. وأنا أهنئكم كذلك بشهر رمضان الكريم.. إن رؤاكم التي رأيتموها مباركةٌ جدًّا، وهي إشارةٌ إلى أن الحق سبحانه سيجعلكم مظهرَ إحساناتٍ جليرها، وذنه تعالى؛ وعندي أن أعظم إحسانٍ وأجلَّ وظيفةٍ في هذا الزمان إنما هو إنقاذ الإيمان والسعي لتقوية إيمان الآخرين.
— 538 —
كن على حَذَر، واجتنب ما من شأنه أن يكون مبعثًا للأنانية والغرور، فإن التواضع والفناءَ عن الذات وترلٌّ مننانية لَمِمَّا يلزَم أهلَ الحقيقة في هذا الزمان، بل هو ألزَمُ ما يلزمهم؛ لأنه لما كانت أعظم المخاطر في هذا العصر آتيةً من الأنانية والعُجب، كان من الضروري لأهل الحق والحقيقة أن يَفْللطف
#ن ذواتهم، ويلتفِتوا دائمًا إلى عيوبهم ويتهموا أنفسهم.
وإنه لمقامٌ جليلٌ أن يحافظ مثلكم على إيمانه وعبوديته ببطولةٍ تحت وطأةِ ظروفٍ صعبة؛ وإحدى تعبيرات الرؤى التي رأيتَها هي بشارتك بهذه النقطة تحديدًا.
احصُل على رسأجهزة ن رسائل النور تسمَّى "التلويحات التسعة"، وهي رسالةٌ تتناول مسألةَ حقيقةِ الطريقة، وطالعها، وادخل في دائرةِ رسائل النور دخولَ الرجال ذوي القوة مقال.ان والحقيقة أمثالك، فإنها لم تُهزَم قطُّ في مواجهةِ هجمات هذا العصر، بل أجبرتْ أعتى أعدائها على السماح رسميًّا بتداولها، حتى إن الجهات الرسمية والقضاوالإيمعليا بعد أن قامت بالتدقيق والنظر فيها قبل سنتين صدَّقتْ على السماح بتداولها، وأصدرتْ قرارًا يقضي بردِّ جميع ما صودِرَ من الرسائل والأجا حول الخصوصية وغير الخصوصية - إلى أصحابها.
إن مسلك رسائل النور لم يُغلَب كما حصل لسائر المسالك والطُرُق، بل هو الذي غَلَبَ وأخذَ بيدِ الكثير من المعاندين إلى الإيمان، وإنَّ شهادة حوادث كثيرةٍ من هذا القبيل تُثبِت أن رَمٍ غالنور معجزةٌ قرآنيةٌ معنويةٌ في هذا العصر؛ ولقد أورثتْنا تلك الحوادث قناعةً بأن الخدمة الدينية التي يمكن القيام بها في هذه البلاد خارج دائرة رسائل النور إنما هي في معظمها خدمةٌ خاصةٌ جزئيةٌ شخصيةٌ تقتصر على صاحبها، أو هي خدمةٌ تؤدَّى فيا في اء من موقع المغلوب، أو تأخذ صورة التسامح مع البِدَع، أو تنطوي على نوعٍ من التحريفات من جرَّاء التأويلات.
فما دام لديكم همةٌ عاليةٌ وإيمانٌ قويٌّ فانضووا في سلك تلاميذ رسائل النور بفناءٍ عن الذات وبثباتٍ وإِّرًا تامَّين، حتى تشاركوا الآلاف بل مئاتِ الآلاف من
— 539 —
التلاميذ في شَرِكتهم المعنوية الأخروية، فتخرجَ أعمال الخير والبرِّ لديكم من دائرة الجزئية إلى دائرة الكليَّة، فتكون تجارةً رابحةً أتمَّ الربح في الآخرة.
سعيد النُّورْسُّورْس ٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
حضرةَ أستاذنا المبارك العزيز الحبيب.. حمدًا للّٰه أن المشاغل الدنيوية لم توقِع طلابكم في "إسلتي دخ في كثيرٍ من الغفلة هذا العام، فما تزال جهودنا في الخدمة النورية مستمرةً على نحوٍ جادٍّ، والشوقُ نحو النور الذي تُكِنُّه قلوبُنا تبدو علائمُه على مُحيَّا كلِّ واحدٍ منا، حتى لكأنَّ قلوب طلابك هؤلاء تفيض فرحًا وسرورًا.
أجل أستبول منالحبيب، فكل طلابك يقولون: لقد أنعم اللّٰه علينا بعطايا وإحساناتٍ هي خيرٌ من الدنيا وما عليها، فقد استعمَلَنا في هذه الخدمة النورية استعمالًا خالصًا مع أننا لسنا أهلًا لذلك ولسنا بشيءٍ أصلًا، فجعلَنامن يعدا لهذا الأستاذ البديع، وكَتَبَةً له ومخاطَبين؛ وأقامنا سبحانه في سبيله مجاهدين، وللخير ناشرين، وللخلق ناصحين، وللحق تعالى عابدين؛ فمهما شكرناه سبحانه يظلُّالنفع قليلًا، بل حتى هذا الشكر الذي نبغي القيام به هو بذاته إحسانٌ من اللّٰه سبحانه، وكلما استشعرنا ذلك امتلأتْ قلوبنا فرحًا وسرورًا.
وإذا كان أهل "نُورْس" الطيبون قد عبَّروا بلسان حالهم عن امتنانهم لرسائل النور بحسٍّ قبل الوقوع، فإننا كذي اجتمر عن امتناننا لها بشكرٍ يتبدَّى في أحوالنا وشؤوننا، فالحمد للّٰه حمدًا لا يُحَدُّ ولا يتناهى أنْ أنقذنا بلطفه وكرمه من أودية الجهل المطلق ومن حَمْأة الكفر والعصيان، وجعلنا طلابًا لأسطعِ نورٍ يأخذ بالألباب.
— 540 —
أل، لكا أن أستاذنا الحبيب سبق أن بيَّن لنا إمكان اجتماع أكثرِ من نعمةٍ معًا فيما يسمى "الاقتران"، لقرأ من أقلامنا المترجِمةِ عن قلوبنا عظيمَ الامتنان لكل نعمةٍ من هذه النعم.
أجل أستاذَنا الحبيب.. إننا ننظر إلى أنفسنا فلا نراالعدالًا لخطاب رسائل النور، لكننا برغم ذلك نشاهد أن تجلياتِ رحمةِ الخالق الرحيم تَظهَر كلما اشتدت الحاجة.
قلبُ الأستاذ مرآةٌ ساطعة، ومَظهَرٌ متلألئ، ومَعكِسٌ وضَّاء؛ ولسانُ مقُّرُق،بلِّغٌ رفيع، ومعلِّمٌ بديع، ومرشدٌ جليل؛ أما لسانُ حاله فأجملُ مثالٍ مشخَّص، وأفضل أُنموذجٍ مجسَّم.
حاجاتُ طوائف البشر اليوم تُكتَب وتُعرَض، وحالُ الظَّلَمة الذين يوقدون نيران الحروب منذ سبع سنين قد باتت أشدَّ اضطرابًا، وأصبة التي من له إدراكٌ يصغي إلى المذياع متسائلًا بحَيرةٍ: تُرى ماذا سيحصل غدًا؟ وبينما كان يُنتَظَر حلول الأمن والأمان والصُّلح والسلام في العالَم بهزيمة اليابانيين في الشرق، إذا بحركةٍ دجَّامن الش الشمال تَظهَر وتَبرُز للجميع، وهذه الحال تثير القلق والمخاوف لدى كلِّ إنسان، وتجعله يسارع إلى المذياع بقلقٍ واهتمامٍ ظانًّا أن المستقبل مُتَّجهٌ نحو غياهبسفر عنات؛ فحمدًا للّٰه أنَّ رسائل النور تُسكِّن ببياناتها السامية أرواحَنا، وتطمئن بدروسها الحقيقية قلوبَنا.
وإن ثمة علائمَ تدل على أن هذا التيارصِّ إخي الرهيب لن يُهزَم إلا بقوةٍ سماويةٍ ناتجةٍ عن التعاون بين عالَم الإسلام وعالَم المسيحية، بأنْ تتضافر جهود أهل الإنجيل وأهل القرآن، ويكونَ الإنجيل تابعًا للقرآن، مما يؤذِن - بمعنًى إشاريٍّ -نَ بال الزمانِ المنتَظَرِ فيه مجيءُ عيسى عليه السلام.
ووفقًا لما يُتسامَع في هذه الأيام، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد أمرتْ هيئةً من الهيئات الأربع التمه إلىتْها إلى أنحاء العالَم بغرض التحري والتدقيق، وكلَّفتْها بالبحث عن دينٍ سليمٍ يحقق للبشرية سعادتَها، وما دام الأمر كذلك فإننا نؤمن إيمانًا راسخًا بأن رسائل النور التي أقرَّت المحكمة بمجدِّديَّتِها ستكون أعظم سعادةٍ لهمدة الشرية التائهة المضطربة.
— 541 —
وما دام أستاذُنا الحبيب موجِّهًا لنا، وما دمنا متمسكين برسائلِ النور التي تحوي أسمى الحقائق، وتفسِّر كتاب اللّٰه أرفعَ تفسيرٍ وأنفعَه، فإن سعادتنا لا حدَّ لها ولا منتهى.
ولو ظهر كلُّ جزءٍ من أجزأسمائه الحقيقة، وبرَزَ على ساحة الفاعلية، لَجَذَب كلَّ الأطراف لقراءته بغاية الاهتمام والإمتاع، وثمة الكثير من الأدلة البارزة على هذا، أَخُصُّ بالذكر رسالة "الكلمة العاشرة" التي هزمتْ فكرة إنكاربةٍ لر؛ ورسالة "الآية الكبرى" التي دفعت الآخرين لقراءتها علنًا بالرغم من طبعها سِرًّا، وهي رسالةٌ تحوي روائعَ جليلةً في تقوية الإيمان؛ وسوى ذلك من أجزاء رسائل ااءِ لَلتي نسفتْ فكرة إنكار الألوهية من جذورها، كرسالة "الثمرة" ورسالة "الحجة البالغة".
إن رسائل النور ستأتي بإذن اللّٰه على سُوْر الإلحاد المشؤوم الذي يُراد مَن ي حول القرآن الكريم فتنقضه من أساسه، وستُطفئ نار الكفر الشريرة، وستقدِّم للعالَم أجمع الأمنَ مع الإيمان، فتَسقيه شراب كوثرها الفياض بماء الحياة.
الباقي هو الباقي
طالبكم خسرو
ن ولا
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أكرر لكم تهنئتي بالعيد مجدَّدًا.. سأتحدث إليكم بخصوص مسألتَين مهمَّتين للغاية حديثًا مختصرًا للغاية، لثقتين" بعشكم من جهة، ولوجودهما في أجزاء متفرِّقةٍ من رسائل النور من جهةٍ أخرى.
أُولاهما:أن تلميذًا من تلاميذِ رسائل النور الحقيقيين وأصحاب الحقيقة، وأحدَ نُسَّاخ القرآنِ المعجِز الوم هي كتب إليَّ هذه المرةَ رسالةً مبنيةً على حُسْنِ ظنه المُفرِط بي، والذي يفوق حدي ألف درجة، يسألني عن حقيقةٍ جليلة؛ إذْ شاهَدَ في شخصي
— 542 —
الضعيف جلوةً من جلواتِ الوظيفة القدسية اللثلاثةللشخص المعنوي لرسائل النور، ورأى تجليَ وظيفةٍ من الوظائف العُلْويَّة لخلافة النبوة.. رأى ذلك وشاهده فِيَّ لكوني أستاذَه، فهو يريد أن ينظر إليا الاث أني مَظهَرٌ لتلك الخلافة المعنوية.
أولًا:إنَّ الحقيقة الباقية لا تُبنى على أشخاصٍ فانين، فإنْ بُنِيَتْ عليهم كان ذلك ظلمًا لها؛ وإنَّ الوظيفة الدائمة المستمرة الكاملةَ من كلِّ وجه لا تُناط بمن هم عرضةٌ للمصائب والفناء والتصفية، ى من وُنيطَتْ بهم لحقها ضررٌ بالغ.
ثانيًا:إن ظهور رسائل النور المترشِّحة من القرآن الكريم لم يكن مجرد فيوضاتٍ نابعةٍ من فكر ترجمانها أو من، وأننحاجته المعنوية فحسب، ولم تكن متعلِّقةً باستعداده وحدَه، وإنما كان مبعثُ ظهور هذه الأنوار أيضًا أن أشخاصًا أفاضل مخلصين ثابتين صادقين - هم مخاطَبو ذلك الترجمان وأصحابه في درس القرآن - قد طلبوها روحًا وقَبِل وحيندَّقوها وطبَّقوها، فضلًا عن جهاتٍ أخرى كثيرةٍ تَفُوق استعدادَ ذلك الترجمان بنحوٍ كبير؛ فجميعُ هؤلاء يشكِّلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وتلاملُّ دَوللترجمان نصيبه من هذا الشخص المعنوي أيضًا، ويمكن أن يكون له شرف الأسبقية ما لم يُفسِده بترك الإخلاص.
ثالثًا:إن هذا الزمان زمان الجماعة، ومهما بَلَغَتْ عبقريةُ الأشخاص الفرديةُ من الكان يت، فإنها تظلُّ قابلةً للّٰهزيمة في مواجهةِ عبقريةِ الشخص المعنوي للجماعة؛ ولذلك فإن مثل هذه الوظيفة الإيمانية التي هي أنوار عبقريةٍ قدسيةٍ ستنيرُ بنحوٍ ما العالَم الإسلامي كما ذكر الأخ المبارَك في رسالته، لا ينبغي لها أن تُحمَّل عد للإيلِ رجلٍ ضعيفٍ مغلوبٍ لا حول له ولا قوة، يحيط به أعداءٌ لا حدَّ لهم، وخصومٌ عُتاةٌ يسعَون للقضاء عليه بالطعن فيه وتشويه سمعته؛ فإنْ حُمِّلتْ على كاهل هذا الشخص ذي النواقص والعيوب، وتزعزعَ تحت حملات التشويه هِينُ ائه، سقط الحِمْلُ وتبعثر.
رابعًا:لقد دَرَجَ كثيرٌ من الأفاضل منذ زمنٍ بعيدٍ على إحسان الظنِّ بأساتذتهم ومرشديهم ومعلميهم وكبارهم إحس والإنفوق قيمتَهم الشخصية، وكان حُسن
— 543 —
الظنِّ المُفرِطُ هذا أمرًا مقبولًا بدرجةٍ ما، لكونه وسيلةً للاستفادة من دروس هؤلاء وإرشادهم، فلم يكن يُنتَقَد بأنه خلاف الواقع.ة، وتوا اليوم، فإن تلاميذ رسائل النور يعملون بهمةٍ ونشاطٍ لأنهم يَرَون في شخصي الضعيفِ الناقصِ رتبةً وفضيلةً عُلْويَّتَين تناسبان أستاذًا يليق بهم، وهذا أمرٌ يمكن أن يُعَدَّأمام اَ ظنٍّ يفوق حدي، لكنْ من الضروري أن يُعلَم أن ما بيدي ليس سوى مُلْكٍ للشخص المعنوي لرسائل النور.
وباعتبار أن الزنادقة وأهلَ الضلالة وأهلَ السياسة وأهلَ الغفلة بل حتى البسطاء من أهل الدِّين يُولُون ونهم بصَ أهمِّيةً زائدة، لذا يسعى الخصومُ بكلِّ ما أوتوا من قوةٍ للحطِّ من شأني وإطفاءِ تلك الأنوار وحملِ البسطاء على تصديقهم، ظانِّين أن شخصًا مسكينًا مثليعم، مابعُ تلك الأنوار، وأنهم بانتقاصهم لهذا الشخص يوجِّهون الضربة للحقائق.
وثمة حادثةٌ في المسألة الثانية تَعرِض هذه الحقيقة مثالًا على ما سبق.
المسألة الثانية:أنني حين خرجتُ للتنزُّه بين الحقول في ثاني أيام العيد تعرَّض لي موظَّفٌ ما فالأعرُّضًا يخالف القانون من خمسة أوجُه، إلا أن الحق سبحانه وتعالى برحمته وكرمه أحسن إليَّ بصبْرٍ وتحمُّلٍ عجيبَين، حفاظًا على عزةِ رسائل النور التي حُمِّلتُها على رأسي وكاهلي، وحفاظًا على مكانَغَيُّحةِ تلاميذها التي أُسكِنَت في قلبي وروحي؛ وإلا فلقد تبيَّن أن الرجل كان يريد أن يستفزَّني وفق مخطَّطٍ ما، كي يُسدِل الستار على فتوحات رسائل النور خصوصًا رسالة "الآية الكبرى".
حَذارِ أنٍ مسيحا أو تحزنوا، وإياكم أن تألَموا لأجلي.. إننا لنرجو من العناية الإلٰهية التي تحفظنا من خلف الحجاب حفظًا لا شكَّ فيه ولا شبهة، أن تجعلنا مَظهَرًا للآيَن للفيمة: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
لقد فشل مخطَّطهم ذاك، لكن يوجد في هذه الولاية أشخاصٌ يتلقون الدعم مباشرةً من أحد المسؤولين الكبار، ويُكرمٌ قد جهودهم في التضييق علَيّ؛ ومن
— 544 —
الضروري - إن أمكن - التوسُّط لدى محكمة "دَنِزْلي" ومحكمة التمييز بأنقرة لنقلي إلى مكانٍ آخر مناسب، لعدم ملاءمة الجو هنا، وبما أنه ليس بمقدوري القيام بذلك ني قاس فإنه إنْ حاول أصحابنا في "دَنِزْلي" فِعْلَ ذلك لكونهم على علاقةٍ بالأمر أكثر مني كان ذلك حسنًا، فإن لم يتيسر ذلك فلتوجَد ذريعةٌ أُعتقَللظالميإلى سجن "دَنِزْلي".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزَّاء الأوفياء المخلصين..
سؤالٌفي غاية الأهمية يسألني إيَِّفين وهم على صلةٍ بي كما تسألنيه نفسي، فهو سؤالٌ ماديٌّ ومعنويٌّ يقول:
لماذا تتجاهلُ قوًى في غاية الأهمية يمكنها أن تساعدك، وتُظهِرُ الاستغنالمدح و خلافًا لسائر الناس؟! ولماذا ترفض مقاماتٍ رفيعةً يتشوَّق إليها جميع أهل الحقيقة ويطلبونها، بل تتجنبها بشدة، مع أنه قد اتفق على ثبوتها لك خواصُّ تلاميذ رسائل النور، ومع أنها يمكن أن تمهِّد السبيل أمام انتشار الائل الوفتوحاتها؟!
الجواب:إن أهل الإيمان في هذا الزمان محتاجون إلى حقيقةٍ عظيمةٍ، تبلغ من العَظَمة والسُّموِّ أنْ تُعلِّم حقائق الإيمان تعليمًا لا تكون معه هذه الحقائق أداةً لشيءٍ في الكون ولا تابعةً له ولا سُلَّمًا إليه، ولا يشوبُها أيّوية الٍ أو غرض، ولا تقدر أيَّةُ شبهةٍ أو فلسفةٍ على النَّيل منها، كي يُحفَظَ إيمانُ أهل الإيمان في مواجهةِ هجمات الضلالات المتراكمة منذ ألف سنة.
فلأجل هذه النقطة لا تهتم رسائل النور بالمساعدين سواءٌ كانينةٍ، ل البلاد أو خارجها، ولا تلتفت لقوَّتهم برغم أهميتها، بل لا تبحث عنهم ولا تَتْبع لهم، وذلك لكيلا تكون في نظر عوامِّ أهل الإيمان سُلَّمًا لبعضِ غايات الحياة الدنيوية، ولِتيةَ: 545
بالقوة والحقيقة اللتين نالتْهما من عدم اتخاذها أداةً لشيءٍ سوى الحياة الباقية أن تزيل جميع الشبهات والتردُّدات التي تهاجمهم.
أما سؤال:لماذا تتجنب ما يوليك إيضر الوَّصُ إخوانك من مقاماتٍ نورانيةٍ ورُتَبٍ أخرويةٍ بحسن ظنهم؟! علمًا بأنها مقاماتٌ معنويةٌ مقبولةٌ لا ضير منها، بل يطلبها جميع أهل الحقيقة، وقد ثبتتْ عند إخوانك بحججٍ وأسانيد لا تُرَدّ، ومع أنكت حياتلتَها لم تضرَّ بإخلاصِك، لكنك مع هذا تجتنبها لا بتواضعٍ وفناءٍ عن الذات، بل بشدةٍ وحِدَّةٍ تكسر بها خواطر إخوانك هؤلاء.
فالجواب:أنه مثلما يضحي الرجل الشهم بحياته لينقذ حياة أصدقائه، فإنني إ الكائِم الأمر - والأمر لازمٌ حقًّا - مستعدٌّ للتضحية لا بتلك المقامات التي لا أستحقها فحسب، بل حتى بمقامات الحياة الأبدية الحقيقية لأحافظ على حياة أهل الإيمان الأبدية من صولة الأعداء المُحْدِقين؛ وهذا بمقتضى درسِ الشفقة اتهدت ملمته من رسائل النور.
أجل، فإن ثمة أمرًا سائدًا في كل زمان، لا سيما في زماننا هذا، وبالأخص في هذا العصر الجيَّاش بالأنانية والمراءاة، حيث تهيمن الغفلةُ العامة لا حدّة عن الضلالة، وتَغلِب السياسةُ والفلسفة، وهو أن أصحاب المناصب والمقامات الرفيعة يَعمِدون إلى كلِّ شيءٍ فيجعلونه تابعًا لهم وسُلَّمًا، حتى إنهم يجعلون متار الَساتهم أدواتٍ لمقاماتٍ دنيوية؛ أما حين يكون المبتغى مقاماتٍ معنوية، فالتوسُّل إليها والسعيُ نحوها بشتى الوسائل والأدوات أشدُّ وأقوى، والساعي إلى هذه المقامات مُتَّانيةً؛أنه يجعل بعضَ الحقائق والخدمات القدسية وسيلةً وسُلَّمًا لكي يحافظ على نفسه في نظر العامة، وليقدِّمها لهم على أنها لائقةٌ بتلك المقامات، وعندئذٍ يتعدَّى الضرر حتى إلى الحقائق التي ينشرهاكُر اسوبُ رواجَها كثيرٌ من التردُّد؛ فإذا كانت المنفعة العائدة إلى الشخص أو إلى المقام واحدة، فالضرر اللاحق بعامة الناس - لعدم الرواج - ألفٌ.
والحاصلأن حقيقة الإخلاص تمنعني من كلِّ ما من شأنه يقال من وسيلةً لجاهٍ وسمعةٍ أو مرتبةٍ ماديةٍ أو معنوية؛ نعم، صحيحٌ أن هذا يُلحِق ضررًا كبيرًا بالخدمة النورية من حيث الكَمّ، لكن ليس للكمية أهميةٌ في مقابل النوعية؛ بل إني رَكَ ا تلقين عشرةِ
— 546 —
أشخاصٍ الحقائقَ الإيمانية التي هي أسمى من كلِّ شيءٍ، وتعليمَهم إياها تعليمًا متحقِّقًا بالإخلاص من موقع الخادم الخالص، أهمُّ من إرشادِ آلاف الناس بصفةِ قُطبيَّةٍ عظيمة؛ لأن أولئك العشرة يرون تلك الحقائق أسمى من كلِّ ً لشيءَثبُتون، وعندئذٍ يمكن لقلوبهم التي هي بمثابة بُذورٍ أن تنمو وتترعرع فتغدو أشجارًا، أما هؤلاء الآلاف فإنهم بسبب نظرهم إلى درس ذلك القطب على أّةٌ تَ من مقامه الخاص ومن مكانته الخاصة، وبسبب الشبهات والوساوس الآتية من الدنيا والفلسفة، يمكن أن يُهزَموا ويُفرَّقوا.
فلأجل هذا أُفضِّل خدمة الحقائق على المقامات، حتى إنني أشعر الآن بالقلق من أن تَحُلَّ مصيبةالمئة الرجل الذي أساء إليَّ يوم العيد بغير وجهِ حقٍّ ووفق خطةٍ مدبَّرةٍ من أعدائي، لأن المسألة أخذتْ أبعادًا لدى عامة الناس بحيث يمكن أن يُولُوني مقامًا ويعدُّوها كرامةً عجيبةً لي، فدعوت ربي قائلًا: اللّٰهم أصلح شأن هذا الرجل، أو جازِلذي طبيستحقُّه دون أن يبدو الجزاء على أنه كرامةٌ لي.
وسأبيِّن أمرًا بهذه المناسبة، وهو أنني رأيتُ مؤخَّرًا بين الرسائل التي سُلِّمتْ لي من قِبَل المحكمة رسالةً من طلاب النور عليها تواقيع كثيرة، ولعلَّها أُدرِجتْ في "الملاحق"، وهي رسالةٌ تتحدث عبال، إكة التي يجدها تلاميذ رسائل النور في معيشتهم، وتتحدث عن الصفعات التي نزلت ببعضهم، ولا ريب أن ها هنا خمسةً تلقَّوا صفعاتٍ مثلما تلقاها بعضٌ آخر في "قسطموني".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
فقرةٌ من رسالةٍ لطلاب النور الذيزعجهم.وا الحادثة المناوئة للشيوعية بإسطنبول
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
شوهد البارحة في إسطنبول فتحٌ معنويٌّ من فتوحاتِ النور بمنتهى العَظَمَة والروأمسى طّٰه الحمد والمِنَّة؛ فلقد هوجم مقرُّ منظمةٍ تعمل لتمكين الكفر المطلق في
— 547 —
العالَم عامةً وفي العالَم الإسلامي خاصةً، وبُعثِرتْ محتوياتُ مكتبةٍ ومطبعةِ صحيفةٍ تنشران أفكارها وتروِّجان أعمالَها، وتَجَمْهَرَ الشباب والطلاب اثمةَ هنت تلك المنظمة أنها قد جعلتهم شيوعيين ملحِدين، وتظاهروا ضدها، وهتفوا بأعلى صوتهم: تسقط الشيوعية.
لقد تكبدت هذه المنظمة خسارةً مادية تقدَّر بآلاف الليرات،ًا تحمسارتها المعنوية فتقدَّر بالملايين.
فلا يَحزُنْكم عدمُ توفر الإمكانات المادية الآن، فإن فتوحات النور تنتشر على نطاقٍ واسع، وتحظى بتوفيقٍ شامل، وهذا من فضل ربي.
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني اطلاب ا الأوفياء..
إن مكائدهم التي دبَّروها ضدي منذ شهورٍ قد انكشفت، وخفَّف اللّٰه بحفظه وطأةَ تلك المصيبة عليَّ من عشرين إلى واحد؛ لقد كنت أذهب إلى المسجد في أوقات الفراغ، وكان الطلاب قد صنعوا لي خُصًّا ر، وبه يُخبِروني، وجعلوه في زاويةٍ من المسجد ليَقِيَني شدةَ البرد، غير أني اتخذت قرارًا قبل أربعةِ أو خمسةٍ أيامٍ بعدم الذهاب إلى المسجد مرةً أخرى، وقد أُزيل الخُصُّ بسبب تدخُّل ذلك الضابط المعروف، وأُبلِغتُ رسميًّا بمنعي من الذهاب إلى المسجد ثمديةا غير أنهم جعلوا من الحبة قبةً وأثاروا زوبعة.
لا تقلقوا فليس للأمر أيُّة أهمية، أرى في تقديري أنهم يطعنون فيَّ متعلِّلين بمثل هذه الذرائع بغيةَ أن يضعوا حدًّا لإقبال الناس من كلِّ جهة، وهو إقبالٌ يفوق حدي كثيرًا.
إنهم ينظرون إليَّ بالصورتٌ خطا كنتُ عليها في سالف عهدي، ويظنون أني لن أتحمل ما يجري، والحال أنه حتى لو نزل بي في كلِّ يومٍ ألفُ تجريحٍ وإيذاءٍ - على ألَّا يصيب رسائلَ النور وانتشارَها أيُّ خلل - لشكرتُ اللّٰه تعالى؛ فأنا لا أُولي الأمر
— 548 —
تِك أَأهمية، وكذلك هي حال الطلاب هنا فإنهم لم يتزعزعوا؛ وهذه الحادثة التي كنا نتوقعها منذ زمنٍ بعيد قد مرَّتْ خفيفةً بفضل العناية الإلٰهية.
أُس التي لى جميع إخواني وأدعو لهم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
رسالةٌ مختصرةٌ من الأستاذ تبيِّن مكائد الذين يريدون إبعاد طلاب النور عن رسإذ يقدنور، وبِمَ يُرَدُّ عليهم
إخواني الأعزاء الأوفياء..
تلقيتُ إخطارًا معنويًّا قويًّا بأن أتحدث إليكم مجدَّدًا في مسألةٍ بالغة الأهمية، وهي نفس الٰه وأشالتي سبق أنْ بيَّنتُها لكم بيانًا مجملًا؛ وفحواها أن أعداءنا المنافقين العاملين في الخفاء لما فشلوا في هجومهم الذي شنوه علينا مستخدمين القضاء والسياسة ومؤسسات الدولة أداةًآلائِهالإلحاد كما هو ظاهرٌ حتى اليوم، تخلَّوا عن مخططاتهم القديمة التي عادت بالنفع على فتوحات رسائل النور، وراحوا يدبِّرون مخطَّطًا نِفاقيًّا يَحار منه الشيطان نفسُه، وثمة علاجيشٌ ع تدلُّ على ذلك.
وأحدُ أهم أسس هذا المخطط هو تفتير همةِ خواصِّ إخواننا الثابتين وثَنْيُ عزائمهم، بل حملُهم على التخلي عن رسائل النور إ الأمر، وهم يستخدمون في هذه النقطة بالذات أكاذيب وحِيَلًا بالغةَ العَجَب، بحيث لا بد لمقاومتها من ثباتٍ وولاءٍ وصلابةٍ كالفولاذ كما هي حال التلاميذ الأبطال في "إسبالبديعوما حولها.
إن بعض هؤلاء المنافقين يندسُّون في الصفوف مُظهِرين أنفسهم بمظهر الصَّديق الموالي، حتى إذا ما سنحت لهم الفرصة بَثُّوا المخاوف، وضخَُّّون لأمور، وأثاروا الهواجس في النفوس، واجتهدوا في صرف الضعفاء وتخذيلهم قائلين لهم: "إياكم ثم إياكم أن تقتربوا من سعيد، فإن الحكومة تراقبه".
#549لآخرة ى إنهم يسلطون الفتيات على بعض طلاب النور الشباب لإثارةِ غرائزهم؛ ويَعمِدون إلى مَن هم أركانُ رسائل النور، فيُظهِرون لهم معايبي ونواقصي، ثم يقدِّمون بعض الشخصيات المشهورة ذات التديُّن الظاهري من أصحاب البدع ويقولون: "نحن أيائدة إلمون، والدِّين ليس مخصوصًا بمسلك سعيدٍ وحدَه"، ويَعمِدون إلى البُسطاء السُّذَّج من الشيوخ وأهل الدين فيستعملونهم أداةً ضدنا لمصلحة الزنادقة والفوضويين الذي.
سعهوننا من وراء الكواليس؛ لكن مخططاتهم هذه ستبوء بالفشل أيضًا بإذن اللّٰه.
فقولوا لهؤلاء الوُضَعاء: نحن تلاميذُ لرسائل النور، وسعيدٌ تلميذٌ مثلُنا، أما منبعُ الرسائل وأصلُهي تركتسُها فالقرآن الكريم، ولقد أثبتتْ قيمتَها وسجلت انتصارَها حتى على أعتى أعدائها بالرغم مما لقيتْه خلال عشرين سنةً من تدقيقاتٍ وملاحقاتٍ لا نظير لهاني وإضا كانت حالُ سعيدٍ الذي ليس سوى ترجمانٍ ومبلِّغٍ وخادمٍ للرسائل، بل حتى لو انقلب ضدها والعياذ باللّٰه، فإن علاقتنا بها وولاءنا لها لن يتزعزعا بإذن اللّٰه.
أجل، ق من معذا الكلام وسُدُّوا هذا الباب، لكن من الضروري الانشغال برسائل النور ما أمكن، ونسخُها إن تيسَّر ذلك، وعدمُ إيلاءِ أيِّ أهميةٍ للحملات المتي أستالمبالِغة، وأخذُ الحِيطة التامة كما كانت الحال في الماضي.
نُسلِّم على جميع إخواننا وندعو لهم فردًا فردًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إن هؤلالبلاد ن يتَّخذون من السياسة أداةً للإلحاد واللادينية، ويعملون خفيةً لتمكين الكفر المطلق، ليحطِّموا أعظم قوةٍ يتمتع بها أبناء هذا الوطن، ألا وهي انتماؤهم للعالَم الإسلامي، وأُخوّقوة خممع أبنائه، والثقةُ التي يوليها هؤلاء لهم، بل ليَبُثُّوا الكراهية والبغضاء بينهم.. أقول: إن هؤلاء قد استغفلوا الحكومة، وضلَّلوا العدالة مرتين، وزعموا أن تلاميذ رسائل النور يتخذون الدين أداةً للسياسة، ويُحتَمل لا حكمضرُّوا بالأمن والاستقرار.
— 550 —
والحال أن رسائل النور بركةٌ ماديةٌ ومعنويةٌ لهذا البلد، وأن لها خدمةً جليلةً فائقة، وأنها جامعةٌ لحقائقَ تتعلق بعموم العالَم الإسلامي، وهذا أمرقرية بتَ وتحقَّق بإشارةِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وثلاثِ كراماتٍ غيبيةٍ لسيِّدنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه، وإخبارٍ غيبيٍّ من الغوث الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّس سِرُّ"المثن أنه ليس لرسائل النور علاقةٌ بالسياسة، غير أنها لكونها تحطِّم الكفر المطلق، فإنها بطبيعتها ترفض وتنقُض ما تحته وهو الفوضوية، وترفض وتهدِم ما فوقه وهو الاستبداد المطلق، وتُحقق الأمن والاستقرار والحقول اللعدالة؛ وعليه فلا يجوز الاعتداء عليها بذريعةِ أنها تمسُّ بأمن الوطن وإدارته، بل لم يعُد بمقدور أولئك أن يحملوا أحدًا على التصديق بهذه الدعوىجودِ تومة، إلا أن المنافقين سيغيِّرون جبهةَ المواجهة، وسيلجؤون إلى مواجهةِ رسائل النور بخبثٍ ومكرٍ تحت شعار الدين نفسه، مستخدِمين لهذا الغرض بعضَ المشايخ البسطاء، أو أصحابِ البِدَع، أو الأنانيين من أتباع المشار. أيهافية، وقد حصل مثل هذا قبل سنتين في إسطنبول وحول "دَنِزْلي"، لكنهم لن يوفَّقوا بإذن اللّٰه.
٭ ٭ ٭
أظن أنه قد حان الوقت - أو أوشك - لتعليم رسائل النور وإخراجها مطبوعةً لدفعِبلاءَين معنويَّيَن رهيبَينالمسؤوهي منقذٌ معنويٌّ لهذا الوطن المبارك.
أحد هذين البلاءَينهو تيار الإلحاد الفظيع المروِّع الذي ظهر في الشمال، وتغلَّبَ على النصرانية، ومكّن.. إنوضى والقلاقل، وأخذ يغزو هذا الوطن معنويًّا، فإن رسائل النور يمكنها أن تؤدي وظيفة سدٍّ قرآنِيٍّ شبيهٍ بسدِّ ذي القرنين في مواجهة غزو هذا التيار الرهيب.
والثانيهوحدث عنامات والاعتراضات الشديدة الموجَّهة نحو أبناء هذا الوطن المبارك من أبناء العالَم الإسلامي، وقد بات من اللازم مخاطبتهم بلسان المطبوعات لإزالة اتهاماتهم واعتراضاتهم؛ فهذا ما أُخطِر على قلبي. (حاشية): تحقَّقت هذه الحقيقة بعد كتابة هٍ نماذسالة بعشر سنوات، إذْ طُبِعت رسائل النور في مطابع أنقرة.
— 551 —
أنا لا أعرف وضع العالَم الحالي.. لكنني أعرف أن حقائق رسائل النور مثلما هي قلعةٌ في مواجهة هذا التيار الرهيب الذي يجتاح أوروبا ولا يقوم على دينٍ سماوي، فإنها كذلك معجوة إلىآنيةٌ ستكون وسيلةً لإزالة الاتهامات والاعتراضات التي تسود حاليًّا بين أبناء العالَم الإسلامي وقارة آسيا، وستُعيد الأخوة والمحبة بينهم كما كانت في الماضي.
وعلى السياسيين الذين يحبون هذا الوطن وأهله أن يبادروا لمئات ارسائل ونشرها رسميًّا لتكون حِصنًا منيعًا في مواجهة هذين البلاءَين.
(حاشية): حظِيَت الحكومة الجديدة بهذا الشرف الكبير والخدمة الإسلامية انٍ بع على مستوى العالَم أجمع، وكشفتْ عن عمق إدراكها وبُعد نظرها بسماحها بطبع رسائل النور في المطابع سنة ١٩٥٦م، ونالتْ بذلك تقديرًا كبيرًا من أبناء الأمة الإسلامية وحظيتْ بتوفيقٍ يزيدها قوةً وثباتًا.
سعيد النُّورْسِا دمنا٭ ٭ ٭
أُخْطِرتْ فجأةً فاضطررتُ لكتابتها
باسمه سبحانه
إخواني.. تبيَّن لي بما لا يدع مجالًا للشك أن ثمة إجراءاتٍ اتُّخِذتْ سِرًّا للقضاء على توُّجه الناس وإقبالهم نعمة ا وذلك بالقدح فيَّ وتشويه سمعتي رسميًّا، كما تبيَّن أن القوم يعملون من وراء الكواليس على تخويف أصحابي وتثبيطهم، والحال أن "سكة التصديق الغيبي" تَقلب جميع حملاتهم المغرِضة رأسًا على عقب.
وباللوظائف أن مثل هذه الإجراءات التي تصب في صالح الإلحاد تضايقني بدرجةٍ ما، وتثير بعض نوازع "سعيدٍ القديم" المتبقية، إلا أن فتوحات رسائل النور الرائعة، والحُرمة والرحمة التي يُقابَل بها تلاميذها في نظر أهل الحقيقة ولدى الملائكة والروحاالذي فتجعل ذلك القدح والتجريح وتشويه السمعة الموجَّه لشخصي أتفهَ من جناح بعوضة.
— 552 —
إن هؤلاء الأشقياء الذين يوجهون الإهانات لأهل الدين وأهل العلوم الدينية لأجل تديُّنهم إنما يوجهون الإهانة للدين نفسه، ولذلك فهم م التي في نظر الملائكة والروحانيين، وملعونون في نظر أهل الإيمان وأهل الحقيقة، ولا ينالون استحسان أحدٍ سوى الزنادقة والسفهاء الأراذل الذين لا يبلغون واحدًا أة دقيقن بالألف.
إنهم يهاجمونني ظانِّين بحماقةٍ أنهم بتشويه سمعتي يحطِّمون نفوذ رسائل النور، وأن الرسائل ستسقط بمجرَّد أن يقضوا على شخصي الذ وهم اونه منبعَها، وأنا أقول لهؤلاء:
أيها الأشقياء الذين تشوهون سمعتي خدمةً لصالح الإلحاد، أُخبِركم قطعًا بأنكم - ما لم تتوبوا عما قريب - لن يكون لكم خَلاصٌ ولا نجاة؛ بل ستُعلَّقون على مشنقة الموت بإعدامٍ أبديٍّ على يد جَلَّاد الأجل، وسيُها كلّلى أرواحكم الشريرة بالسجن الانفرادي المؤبَّد، وسيَنْصَبُّ عليها اللعن والمقت من أهل الإيمان والروحانيين.. أنا لست أغضب منكم، بل أرثي لحالكم لعلمي بأنحاربناسيؤخَذ منكم مضاعفًا ما لم تتوبوا.
أما رسائل النور فلا يَقدر من هم أتفهُ من الذباب أمثالكم أن يُحطِّموا ذَرَّةً من نفوذها أو يُسدِلوا سترًا عليها؛ بل إن لها مئات آلاف الرجال الذين يُكِن هو منها الاحترام والإجلال من صميم قلوبهم وأرواحهم، لأنها أنقذتْ إيمانهم.
وأما تأثري شخصيًّا فأخبركم قطعًا بأنني في مقابل ما أجد من انزعاجٍ برهةً سَيَّوقت لا تستغرق دقيقةً أو دقيقتين، أجد من فوري سُلوانًا عظيمًا، بحيث لو زادت حملاتُكم المُغرِضة ألف ضعف ما قَدَرَتْ أن تَنقُص من سُلواني شيئًا؛ إذْ قد بيَّنَّا بكشفيّات رسائل النور القطعية المؤيَّدةِ بآلافِ الحُجج التي تدمغ ار من مة، أن الذين يهاجموننا لصالح الإلحاد سَيَلْقَون المهانة بالإعدام الأبدي في الحبس الانفرادي والعذاب المقيم، وأن تلاميذ رسائل النور الذين ، ولا إيمانهم بها سيحصلون بالموت على مذكرة إعفاءٍ ووثيقةِ سعادةٍ أبدية، وسيكونون مَظهَر حُرمةٍ ورحمةٍ ومكرمةٍ أبدية.
— 553 —
ثم إن "سعيدًا الجديد" هذا يقف على نقيضِ ما كان عليه حال "سعيدٍ القديم" من نَيل الشهرة والجاه، وكسْبِ احترام اعية.
إقبالهم، بل يرفض ذلك قطعًا، ولأجل هذا اختار العزلة منذ عشرين سنة.
وإذا كنتم تسعَون لتحطيم نفوذي والحطِّ من شأني في نظر عامة الناس للحفاظ على الأمن والاستقرار فإنكم ترتكبون خطأً جسيمًا، فإن ثمة ثلاث محاكم ددقة؛ و ومحَّصتْ طَوالَ سنتين في مؤلفاتي المئة والعشرين التي ألَّفتُها خلال عشرين سنة، ونظرتْ في أحوال تلاميذ رسائل النور الذين يبلغون مئةً وعشرين ألفًا، فلم تستطع أن تعثر على أيِّ أمرٍ من شأنه أن يؤدي إلى الإٌ قائلالأمن والاستقرار، أو يكون موضع مسؤوليةٍ، أو يوجَّه ضد الشعب والوطن، فأعلنتْ براءتنا، وقضتْ بإعادة جميع أجزاء رسائل النور المُصادَرة.
وإنني بناءً على هذا أقول لكم يا مَن تقمعوننا لصالح اللادينية والإلحاد: إنثة اعتقون عليَّ خدمةً لمصالح الفوضوية الهدامة، ورعايةً لمصالح جهاتٍ أجنبيةٍ خطيرة، وإضرارًا بمصالح الوطن والشعب والأمن والاستقرار، وتُحدِثون القلاقل والاضطرابات تبتغون بها أن يتدخل ذلك التيار الأجنبي في بلادنا؛ ولأجل هذا لا تساوي جميع تعدييين، وحملاتكم المُغرِضة عندي فلسًا واحدًا.. ولقد قررت أن أتحمل وأصبر ليدوم الأمن والاستقرار.
وكما أن الدنيا زائلةٌ لا محالة، فكذلك أحداثها العاصفة متغيرةٌ لا محالة؛ ولئن كانت الجريمة أو الجناية تستغرق بضع ساعات، فإنها تورِث رِدُ شنواع العذاب والجحيم الدنيوي والأخروي، وحينئذٍ ستندمون أشدَّ الندم، لكن لن ينفعكم الندم.
وأُخاطب الأشقياء أمثالَكم بما سبق أن خاطبتُ به الجسعيد نرسمية والموظفين المعنيين بنا قائلًا:
إننا نعمل من خلال رسائل النور علىدفع أعظم خَطَرَين يهدِّدان البلاد ومستقبلَها،والأماراتُ على هذا كثيرة، حتى لقد أثبتنٌ خاص ا لدى المحكمة.
— 554 —
أما ما يتعلقبالخطر الأولفهو إقامة سدٍّ في مواجهة الفوضوية الآتية من الخارج، والتي تسعى جاهدةً للانقضاض على هذه البلاد.
وأما ما يتعلقبالخطر الثانيفهو تأمين أعظم نقطة استنادٍ لهذه البلاد بتحويلِ كراهيةِ ثلاثم الحقيمسين مليون مسلمٍ إلى أُخُوَّة.
وأقول لمدير أمنِ "أفيون": حضرةَ المدير.. لماذا لا تعيرون التفاتًا لكلِّ هذا الذي يقع عليَّ من اعتداءاتٍ لا شرعيةَ لها ولا جدوى منها ولا مصلحة، بل لم يُرَ مثلها َص إخوالَم؟! وإليك مثالًا:
إنني أسألك: بأيِّ قانونٍ أُهانُ وأنا في هذه الغربة والمرض والشيخوخة والفاقة، ويقال لي رسميًّا: "لا ذهاب إلى المسجد بعد اليوم"؛ مع أن ذهابي إلى المسجد إنما هو لنَيل ثواب الجماعة، ومع أنني لا أقبلشاه" -لس معي أكثر من شخصٍ أو اثنين؟! أيُّ مصلحةٍ تتحقق في هذه الإهانة؟ وبأي قانونٍ يُنشَر الخوف والقلق وتُضخَّم الأمور لمجرد أن شخصًا فاضلًا أقام لي في موضآلاف أٍ من المسجد سِتارةً مؤلَّفةً من بضع خشباتٍ وبساطٍ لا تتسع لأكثر من شخصين.. أقامها لي دون علمي ليجنبني البرد؟! أيُّ مصلحةٍ تتحقق في نشر هذا الخوف والقلق؟!
كلا.. ليس لهؤلاء الذين يُسيئون إليَّ من مبَیرِّرٍ سوى أن يتذرعوا بتوجُّه الناس وإقبالهيةٍ منلوا لهم: لماذا تُولُون هذا الرجلَ المنفيَّ الاحترامَ والتقدير؟
وأنا أقول: يعلم جميع أصحابي أنني لا أطلب إقبال الناس ولا احترامَهم لشخصي، بل أردُّه، فإذا كنت لم أقبل حُسْنَ ظنِّ الآخاجتماع، فبأيِّ قانونٍ أُساءَل وأُهان لمجرد أنهم أحسنوا ظنهم بي بغير رضًى مني ولا اختيار؟! ولو فرضنا جدلًا أن هذا الإقبال كان حقيقةً واقعةً، فإنه يعود بالنفع على الوطن وأبنائه وليس فيه ضرر.
ثم إنيين، قَبِلتُ شيئًا من هذا التوجُّه فأيُّ ضيرٍ في قبولي صداقةَ شخصٍ أو اثنين ليقوما على تدبير شؤوني الضرورية في هذه الشيخوخة والمرض والفاقة ضمن حبسٍ انفراديٍّ رهيب في غرفةي مِنَة البرد؟! وأيُّ قانونٍ يمنعني من ذلك؟ وبأيِّ قانونٍ أُجبَر
— 555 —
على عدم الاتصال بأحدٍ سوى فتًى أو فَتَيَين عاملَين إنْ غابا لعملهما لم يمكنببضع كبير شؤوني بنفسي؟!
إن النظر في حالتي المأساوية هذه وأخذَها بعين الاعتبار هو أمانةٌ في عنق رجال الحكومة والإدارة والأمن في هذه البلاد، وإنني أؤكد لكم البشرَعْنِيُّون بهذا الأمر بشدة.
في التجريد المطلَق بی"أميرداغ"
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء الموفَّقين..
لقد تصدتْ رسائل النورَّ علىٍ عظيمٍ كالشيوعية.. تلك الداهية العظيمة الرهيبة التي خرجتْ من روسيا الحمراء تنفُث نارًا حمراء وترمي بشَرَرٍ أحمر، وتطوف مدنَ العالَم ونواحيَه واحدةً تلو الأخرى، تُضرِم النار في المطلقوتُصْلِيها بلهيبها، وتوقِد في بعضها الآخر نيران الشقاق والنفاق صارخةً في وجه الأخِ أنِ اقتل أخاك؛ ثم بعد أن أحرقَتِ العالَم المسيحي وخرّلاصةٌ وخلَّفتْه قاعًا صفصفًا، راحت تطوف في أرجاء العالَم الإسلامي ويتطاير شرَرُها إلى وطننا.. نعم إن رسائل النور التي واجهتْ هذا الحريق المتأجج، وحملر الأم عاتقها مهمة إطفائه هي أكبر ملجأٍ للمسلمين والبشر منه، وهي الحصن الأعظم الوحيد تجاهه.
فيا مَن ضلُّوا عن جادة الصواب التي أرشد إليها فخر العالَمين (ص).. ويا مَن غرَّهم متاع الدنيا الفاني.. يا مَن تفِرُّون من نور القرآن متخوِّف المسطيضرَّ دنياكم.. لا نجاة لكم - ونيرانُ الكفر المطلق تحيط بنا من كلِّ جهة - إلا بالالتجاءِ إلى الحصن النوراني لرسائل النور، والدخولِ في دائرته القدسية، فهو الحصن الحصين المُحكَم المنيع، وعندئذٍ تستبدلون بالموت الذي تظنونه إعدامَ أَبديًّا حياةً باقية.
— 556 —
وإنكم بالتزامكم بالدعواتِ التي يدعو بها كلٌّ من ترجمانِ النور والشخصِ المعنوي لرسائل النور، كقولهم: أَجِرْنا، وأَجِرْ والدِينا، وأَجِرْ طبًا بأسائلِ النورِ ووالِدِيهم من النّار.. وبتقرُّبكم إلى اللّٰه تعالى بها، وبمداومتكم على قراءة رسائل النور ودخولكم في هذه الدائرة القدسية المباركة تنجون من النيران ومن أمراضٍ دنيويةٍ وأُخرويةٍ مثلما نجلٌ له،ا من أمراضٍ معنويةٍ وبيلةٍ، وتنقذون أحبَّاءكم الذين تقومون على رعايتهم، أعني أبناءكم وأهليكم، وتحظون بالسعادة والفلاح ماديًّا ومعنويًّا بعملكم لنشر الأنوار؛ وهذه حقيقةٌ يشهد لها الملايين من طلاب النور.
فيا طلاب النور.. لا ترفع الخطرسكم من سجدة الشكر للّٰه تعالى على لطفه الأزلي الذي أولاكم إياه، وأدُّوا له وظيفة الشكر قيامًا في ساعات الليل المباركة غيرَ مبالين ببردها، ولا تَهولموا مصم الحوادث التي هزَّت البعض لشدة تفكيرهم بالمستقبل واهتمامهم به.. لا تخافوا.. بل شاهدوا كرامات النور القدسية وإمداداتها.. فالدنيا فانيةٌ حتى لو عاش المرء فيها آلاف السنين، وهي كالعوعمل جنسبة للحياة الأخروية الباقية، وهي رغم كونها فانيةً إلا أنها مزرعةٌ تنتج ثمارًا باقيةً للحياة الخالدة.
لا تهزَّنكم شدة العواصف وقوة الرياح ولا تخيفنَّیكم، ابذروا في هذه المزرعة المباركة بذور ان مُدالطيبة المباركة المعطاءة الخيرة، فإن "من زرع حصد" كما قال أجدادنا.
أيْ طلابَ النور.. حذارِ أن تتزعزعوا أمام هجمات أعداء الدين.. لا تفتُروا.. اسعَوا وجِدُّوا وادأبوا.. وكونوا على يقينٍ أن أدعية النور وشفاعته وهمته ستنقذكم.
أخوكم حتى افى عثمان
٭ ٭ ٭
— 557 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن مخطَّطَهم الذي رسموه لتصفيتي في الشتاء الماضي قد باء بالفشل بفضلِ الصبر واا أنهمل الذي أمدتني بهما العنايةُ الإلٰهية ودعواتُكم لي بظهر الغيب، والدليل على أنه كان مُعدًّا له على أعلى المستويات، فهو أن رئيس الجمهورية صرَّح مؤخَّرًا في "أفيون" قائلًا: "كنا نتوقع حدوث اضطراباتٍ دينيةٍ في هذه الولاية"حكَم عذًا لقد كانت المنظمات السِّرِّية تُضيِّق الخناق عليَّ لتدفعني للقيام بردٍّ ما، غير أن إساءاتهم وإيذاءاتهم المستفِزَّةَ المتعسِّفةَ غيرَ القي القد التي يعتدون بها عليَّ على مرأًى من المسلمين وأبناء البلد خدمةً للتدخُّل الأجنبي ستنقلب عليهم ضررًا تامًا في الدنيا، وجهنمًا وسَقَرًا في الآخرة، وستُنيلُنا أجرًا عظيمًا ونصرًا مبينًا في الدنيا، وتُكسِبنا جنةً وكوثرًا فيأفلاك،ة بإذن اللّٰه.
إذًا لقد كان مجلس الوزراء ورئيسُ الدولة على اطلاعٍ على هذا المخطط السِّرِّي، لدرجة أن عموم الموظفين هنا، بل حتى الوالي ومدير الناحية كانوا يخافون بل يتهربون من الحديث إليَّ، وكنت أَحار من ذلك، لكنْ يدري كلُّ مَن له ذرةٌ مله وجيأنَّ ما بأيدينا هو النور فحسب لا هراوة السياسة، والغريب أن بعض الموظفين الذين كان ينبغي أن يعملوا لصالحي قد استُعمِلوا ضدي.
ينبغي على طلاب النور أن يكونوا بغاية الحِيطة والحذر وِرةً نن، إذْ ثمة عواصف معنوية، وثمة منافقون محتالون يندسُّون في كل جهة، ويدخلون في صفوف حزب الحرية بينما هم في واقع الأمر موالون للاستبداد المطلق ولاءَ الملحدين، وكلُّ غرضهم أن يُفسِدوا على ذلك الحزب عملَ
إخرِفوا أسراره، ويفشوها.
ونقول بمناسبة إعطاءِ "صلاح الدين" نسخةً من "عصا موسى" لذلك الأمريكي: ينبغي على المبشرين والشخصيات الروحية المسيحية وكذا طلابِ النور أن يكونوا في منتهى الانتباه والحذر، لأن تيار الشَّمال سيعمل جاهدًا على إفساد التوبط التن
— 558 —
المسلمين وبين المبشرين ليدافع عن نفسه في مواجهةِ الإسلام والدين العيسوي، وربما اجتذب إلى صفوفه بعضًا من المسلمين بمنحهم بعض الامتيازات غراض ا، وبتضليلهم وخداعهم من خلال إيجابه الزكاة وتحريمه الربا ومساعدته طبقةَ العوام ودعوته البورجوازيين لأنْ يساعدوا العوام ويُقلِعوا عن الظلم.
إنني هذه المرة خرقتُ قاعدتي والتفتُّ إلى الدنيا لأجلكم لا غير.
ي هي ه النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
حين كانت نفسي تزعجني بِقِلَّةِ صبرها في هذا الزمان العصيب، أسْكَتَتْها الكلمات التالية ودفعتْها إلى الشكر، وقد بعثتُ إليكم نسخةً من هذه الكلمات المعلَّقة عند رأسي رجاءَ أن تفيدكم أنتم كذلك.
١ين كاننفسُ.. لقد أخذتِ نصيبَك من المباهج والأذواق على مدى ثلاثٍ وسبعين سنة أكثرَ مما أخذه تسعون بالمئة من الناس، فما بقي لك حقٌّ فيها بعد هذا.
٢- تطلبين بقاء المباهج والأذواق الآنيَّة الفانية، فإذا زايَلتْكِ شرعتِ بالبكاء، غرِضة ّين صفعةً على هذا الخطأِ الذي ارتكبتِه بحِسِّياتٍ عمياء، وتبكين عشر ساعاتٍ مقابلَ ضَحِكٍ دام دقيقة.
٣- إن المظالمَ التي انهالتْ عليكِ والمصائبَ التي حلَّتْ بك تُخفي وراءَها عدالة القَدَر، فالبشر يظلمونك على أمرٍ لم تفظُرْ إلكنَّ القَدَر يعاملكِ بناءً على خطاياكِ الخفيَّة، فيربِّيكِ بِيَدِ تلك المصيبة ويُكفِّر بها عن خطاياك.
٤- ثم إن المئات من تجاربك يا نفسي الجَزِعة قد أورثتكِ قناعةً قطعيةً بأنَّ وراء المصائب الظاهرية ثمراتِ عنايةٍ إيق حرك في غاية اللذة، وإن آية: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، تُعلِّمكِ درسَ حقيقةٍ قاطعة، فاذكريه على الدوام.
على أن القانون الإلٰهي الذي يدير عجلةَ المقادير - وهو القانون القَدَري الشاملوتُ أنع - لا يُغيَّر لمجرَّدِ رغبتك.
— 559 —
٥- استرشدي بالدستور القدسي"مَن آمَن بالقَدَر أمِنَ من الكَدَر"واتخذيه دليلَكِ، لا تَجري خلف ملذَّاتٍ آنيَّةٍ تافهةٍ كأطفالٍ سُذَّجٍ تحكمهم رغباتهم. تفكَّري في أن اللذائذ شدت الة تُخلِّف حَسَراتٍ وآلامًا معنوية، في حين أن المشاقَّ والآلامَ تُورِثُ لذائذَ معنويةً وثواباتٍ أُخروية؛ فإن لم تكوني حمقاء أمكنك أن تطلبي اللذة المؤقتة لأجل الشكر لا غير، فإن اللذائذَ إنما أُعطِيَتِ لأجل الشكر إذْ قيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أخي العزيز المحترم..
قرأتُ رسالتكم بكمال الاهتمام، وهي رسالةٌ جامعةٌ مستفيضةٌ كُتِبتْ بعنايةٍ وتدقيقٍ كما لو أنها مبحثٌ مستقل؛ وأبيِّن لك ابتد وترتد أستاذَ رسائل النور، ومَن أظهر صلةً وثيقةً بها من خلال إشاراته الغيبية إليها، ومَن هو أستاذي الخصوصي في الحقائق الإيمانية، إنما هو الإمام عليٌّ رضي اللّٰه عنه وكرَّم وجهه.
كما أبيِّن لك أن محبة آل البم، فياسٌ في مسلكنا وفي رسائل النور بنصِّ الآية الكريمة: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وأنه ما ينبغي لنربةٍ تغلوِّ أن توجد بأيَّة جهةٍ لدى طلاب النور الحقيقيين؛ لكنْ لما كان لأهل الضلالة والزندقة في هذا الزمان تياراتٌ قويةٌ تستفيد من الاختلاف، فتُشوِّش أهل الإيمان وتُفسِد الشعامرٌ جاارب القرآن والإيمان، كان لا بد لمواجهة هذا العدو المُحدِق من إغلاق باب الجدال في التفاصيل الجزئية التي هي مدار الاختلاف.
ثم إنه لا لزوم لذَمِّ من ماتوا، فقد رحلوا إلى الآخرة دارِ الجزاء، ولقد مَنَع أهل السنة والفسها سفتحَ باب الجدال حول الفِتَن التي جَرَت زمنَ الصحابة رضي اللّٰه عنهم، إذْ ليس من مقتضى محبة آل البيت الذين أُمِرنا بمحبتهم أن نذكر معايب أولئك الذين رحلوا، فهو أمرٌ لا يوجد ما يستلزلى كلّ يعود بالضرر.
— 560 —
وقد قرَّر أهل السنة والجماعة فيما يَخصُّ وقعة الجمل التي اشترك فيها طلحة والزبير - وهما من العشرة المبشَّرين بالجنة رضي اللّٰه عنهم یی، وكذا السيدةُ عائشةُ الصِّدِّيقة رضي اللّٰه عنها، أن هذه الحرب كانت نتيجةَ اجتهاد، وأِ العُنا عليًّا رضي اللّٰه عنه كان هو المُحِقَّ، وأن الطرف الآخر لم يكن على حق، لكن يُغفَر لهم لأن الأمر كان نتيجة اجتهاد؛ ورأوا كذلك أن فتح باب الحديث عن البُغاة في حرب صِفِّين أمرٌ يعود بالضرر، إذْ يستثير النزعةَ الوهابية منوصحةً ومذاهبَ الروافض المُفرِطة من جهةٍ أخرى، فيتضرر الدين وأهلُه.
ولقد قال سعد الدين التفتازاني - وهو عَلَّامةٌ من أكبر علماء الكلام - قال بشأن الأسافل أمثالِ يزيد والوليد والحجَّاج الظالم: "إنَّ لَعْن يزيدٍ جائز"؛ ولم يقل: إي الليبٌ أو خيرٌ يُثابُ عليه؛ ذلك أن مَن ينكِرون القرآن ويجحدون بالنبي (ص) ويرفضون مرتبةَ الصُّحبة القدسية التي حازها الصحابة الكرام كثيرون لا يُحصَون عددًا، ومنهم كثيرون لهم صولةٌ وجولةٌ في هذه الأيام، وليس لعنُهم واجبًا ولا خ حيث اُثاب عليه، وليس على المرء من حرجٍ شرعًا إنْ أعرض عن ذكرهم أو لم يلعنْهم، لأن اللعن والذَّمَّ ليسا كالمدح والمحبة، ولا يُعدَّان من العمل الصالح، فإن نجم عنهما ضررٌ كانا أسوأ.
وا وآمالأن منافقي هذا الزمان الذين يتحركون في الخفاء، يعملون على ضربِ الإسلام من خلال فئةٍ من العلماء الذين هم أَولى مَن يُؤمَر ويُكلَّف بالدفاع عن الإسلام والحقيقةِ القرآنية واُّجُومِ عنهما، إذْ يستغلونهم من خلال نزعةِ الغلوٍّ، ويستخدمونهم في اتهام أهلِ الحقيقةِ بالتشيُّع، موقِعين بذلك بين الفريقين، ولهم في هذا الميدان يدٌ طُولى، وقد ذكرتَ بعضًا من هذا في رسالتك؛ بل أنت تَعْلَم أن أقوى وسيلةٍ استعملوها ضدي وضد رسائتي مَنر لم يجدوها إلا لدى العلماء أنفسهم.
وإن اجتهادَك الناشئ عن محبتك لآل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في هذه الآونة، ربما تسبَّب بِشَنِّ حملةٍ عليك وعلى تلاميذِ رسائل النور، يَشُنُّها علماءُ تداولوا منذ زمنٍ بعيدٍ في إسطنبول كُتُبَ ابن تيُونَ إبن قَيِّمِ الجوزية، وهما من الأعلام المشاهير الأفذاذ، ومؤلفاتُهما عجيبةٌ جذابة، يساعدهم في ذلك علماءُ آخرون متلبِّسون بالبدع، محاربون للأولياء، يريدون التستُّر على مشاربهم المتساهلةِ مع البِدَع.
— 561 —
وإنه وإنْ لم يكن ثمةرارات شرعيٌّ بالامتناع عن الذمِّ والتكفير، إلا أنه يوجد حكمٌ شرعيٌّ يترتب على فعلهما، فهما إنْ كانا بغير حقٍّ فالإثم كبير، وإنْ كانا بحقٍّ فلا خير فيهما ولا أجر، لأن مستحقي الذَّمِّ الادّير لا حدَّ لهم، أما الامتناع عن الذمِّ والتكفير فليس فيه أيُّ حكمٍ شرعيٍّ، وليس فيه إثمٌ كذلك.
فلأجل هذا استرشدَ أهلُ الحقيقة بالقانون القدسي المستند إلى الحقيقة المذكورة التي قرَّرها أهل السنة وفي مقدّنَوا عالأئمة الأربعة وأئمة أهل البيت، فلم يرَوا من الجائز الخوضُ والجدالُ في الفِتَن التي جَرَتْ بين أهل الإسلام في العصر الأول، بل قرَّروا أنه عملٌ يضرُّ ولا ينفع.
ثم إنه قد وُجِد في كِلا طرفَي تلك الحروب ع أجل،يرٌ من أجِلَّة الصحابة، فالخوض في تلك الفِتَن يُورِد إلى القلب اعتراضًا وإنكارًا مشوبًا بالانحياز ضد أولئك الصحابة الكرام، بل حتى ضد العشرة المبشَّرين بالجنة أمثال طلحة والزبيرحقَّانللّٰه عنهم؛ وحتى إنْ كانت تلك الحروب خطيئةً، فاحتمال التوبة قوي.
ولا يليق برجلٍ مؤمنٍ فاضلٍ عميقِ النظر ينهض بوظيفةٍ قدسيةٍ أن ينصرف عمَّن يستحقون فعلًا آلاف اللعنات والكُره، أعني مَن يشنون على الإسلام هجماتٍ شرسةً في هذا الزمان، ويذهَ الته ذلك الزمان الماضي، ويدقق في تلك الأحوال رغم أن الشريعة لم تأمر بذلك، ولم يستلزمه مسلتزم، بل هو ضارٌّ لا محالة.
ولا أُخفيك أن جدالك المحدود مع "صبري" قد أضرَّ إضرارًا بالغًا برسائل النور وبانتشار حقائقها الرى؟
ة، ولقد شعرتُ بهذا في حينه وأنا هنا، فتأثرتُ لذلك وتألمت.
ثم إنني كنت أتوقع ممن هو عالِمٌ من أهل التحقيق مثلك، ومن "صبري" الذي أتاك ليكون وسيلةَ خدمةٍ مهمةٍ لتلك المنطقة.. كنت أتوقع منكما أنتموته النين خدمةً نوريةً جليلة، فإذا بي على العكس من ذلك أشعر بل أرى كيف تضرَّر النورُ من ثلاث جهات!! وبينما كنتُ أسأل نفسي: مِمَّ حصل الضرر يا تُرى؟ إذْ تلقَّيتُ الخبر بعد أيامٍ قليلة بأن "صبري" قد خاض معك في نقاشٍ لا لزوم له ولا جدوى مٌ من هنك قد أخذتْ
— 562 —
منك الحِدَّةُ مأخذَها!! فأسِفْتُ لهذا ودعوتُ ربي قائلًا: اللّٰهم إن هذين الرجلين قد هَبَّا لمساعدتي من "أرضروم"، فبدِّلهما بخلافهما مصالحةً.
إن الواجب على أهل الإيمالافِ ام - كما سبق ذكره في "لمعات الإخلاص" في رسائل النور - أن يعقِدوا أواصر الاتفاق لا مع إخوتهم المسلمين فحسب، بل حتى مع الشخصيات الدينية الروحية من المسيحيين، وةً لمُكوا النزاع والمسائل الخلافية جانبًا، لأن الكفر المطلق ما فَتِئ يشنُّ هجماته، وإنني لأرجو منك بما لَكَ من حَمِيَّةٍ دينية وخبرةٍ علمية، وعلاقةٍ برسائل النور أن تعمليين لاسيان ما جرى بينك وبين "صبري"، وأن تصفح عنه وتسامحه، لأنه لم يتكلم من عنديَّاته، بل ردَّد ما سمعه من المشايخ سابقًا في صورة نقاشٍ لا داعي له.
وأنت تعلم أن حسنةً جليلةً واحدةً تُكفِّر سيئاتٍ كثيرة؛ أجل، والحق أن ابن تجمعه "صبري" قد خدم النورَ وخدم الإيمان بواسطة رسائل النور خدمةً جليلةً تدفع للصفح عن آلافٍ من أخطائه، واللازم من مقامكم الرفيع أن تُراعوا خدماته النُّورية هذه، فتعوجد نفصديقًا من أبناء البلد، وأخًا في خدمة النور.
إن بعض الصحابة نظروا إلى تلك الحرب من زاوية الرُّخصة الشرعية والعدالة الإضافية النِّسبية، فتركوا المسلك الذي اتبعه الإملقوا؛ ٌّ رضي اللّٰه عنه، وهو مسلك العزيمة الشرعية والعدالة الحقيقية، مع ما فيه من زهدٍ واستغناءٍ واقتصاد؛ وإنما تركوا هذا المسلك من حيث الاتِّباع لالإيمانوانضموا نتيجة اجتهادهم هذا إلى الطرف المعارض لعليٍّ رضي اللّٰه عنه؛ حتى لقد وُجِد في هذا الطرف - حينًا من الوقت - أخو عليٍّ عقيلُ بن أبي طالبخواننا اللّٰه بن عباس المسمَّى حَبْرَ الأمة؛ فلأجل هذا المعنى، وبناءً على الدستور الشرعي الأصيل القائل:"من محاسن الشريعة سَدُّ أبواب الفِتَن"،قال أهلُ السنة والجماعة الحقيقيون:"طَهَّرَ اللّٰه أيديَنا مٌ عامّلنطهِّر منها ألسنتَنا"،فلم يَرَوا من الجائز فَتْحَ بابِ تلك الفِتَن والخوضَ فيها، لأنه إنْ كان ثمة بضعة أشخاصٍ يستحقون الاعتراض، فإن نزعة التحيز لا تلبث أن تتحرك، فتبدأ بالاعتراض على الصحابة الكرام، بل تعترض حتى على بعض آل البيت إنسانوُجِدوا في صفوف الطرف المعارض لعليٍّ رضي اللّٰه عنه،
— 563 —
وتعترض على كبار الصحابة كطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة رضي اللّٰه عنهم، وتُستثار حينئذٍ وأخرُ الذمِّ والعداء، فمن هنا مال أهلُ السنة إلى إغلاق هذا الباب؛ حتى إن سعد الدين التفتازاني، وهو إمامٌ شهيرٌ من أئمة أهل السنة وعالمٌ جليلٌ من علماء الكلام لما قرَّر جوازَ إطلاقِ اللعن والتضليل بحق يزيد رَ البد، ردَّ عليه علَّامةٌ من أهل السنة والجماعة، وهو السيد الشريف الجُرجاني بقوله: صحيحٌ أن يزيد والوليد كانا من الظَّلَمة الطُّغاة الفَجَرة، إلا أنه لما كان موتُهم على غير الإيمان أمرًا غيبيًّا، ولم يكن من سبيلٍ للعلم بذلك ية واله القطع، ولم يكن ثمة نصٌّ أو دليلٌ قاطعٌ يتناولهم بأشخاصهم، لم يكن من الجائز لعنُ شخصٍ بعينه، لاحتمال توبته وموته على الإيمان، وإنما يجوز اللعن على سبيل العموم مثلُ:لعنة اللّٰه على اأنكم من والمنافقين؛وإلا فلا موجب لهذا، بل فيه ضرر.
لم أستطع كتابة جوابٍ مطوَّلٍ عن رسالتك العلمية الرصينة بسبب مرضي الشديد ومشاغلي الضرورية، فهذا ما أمكنني كتابتُه على عجَل.
أخوكم
سعيد النُّورْسالتحزّ ٭ ٭ ٭
جزءٌ من التظلُّم المقدَّم إلى وزير الداخلية
.......
لقد تعرضتُ لظلمٍ لم يسبق له مثيل، ولقيتُ صنوفًا من الاضطهاد والقسوة تخالف القانون من عشرة وجوه، وأبيِّن ذلك مرتبة
إن سعيدًا المسكين هذا قد اشتدت عليه وطأة المرض لتسمُّمه في محاولةِ اغتيالٍ آثمة؛ وهو مع هذا ضعيفٌ لا حول له ولا قوة؛ طاعنٌ في السن قد بلغ الحادية والسبعين؛ وحيدٌ في غفيعِ ادعو للرثاء؛ فقيرُ الحال يبيع بعض ثيابه ليؤمِّن معيشته؛ مُنطوٍ
— 564 —
عن الناس مستوحشٌ منهم لعزلته عنهم خمسًا وعشرين سنة، فلا يكاد يجد في ألْفٍوإنما شخصًا واحدًا كاملَ الصِّدق؛ وهو فوق ذلك رجلٌ بريء، بَرَّأتْه لجنةُ خبراءِ أنقرة ومِن قبلِها ثلاثُ محاكم بعد أن استعرضوا عشرين سنةً من حياته، ونظروا في مؤلفاته بعينِ التدقيق والتمحيص، فقضَوا ببراءته، واتفقوا على أن مؤلفاته نافعةٌ ليس فيها ما يًّا، وطن أو الشعب؛ وهو رجلٌ من أبناء هذا الوطن غيورٌ عليه، وقد سبق أن أسدى إليه خدمةً جليلةً أيام الحرب العالمية الأولى، ويعمل اليوم بكل قوته وعبر مؤلفاته محاكمتأثير الظاهر للعِيان ليحمي الوطن وأبناءَه من الفوضوية وإفساد الأجنبي؛ وهو رجلٌ مسالمٌ لم يتأتَّ منه ما يضركم، ولم يتدخل بشيءٍ من أمور دنياكم، بل لم يقرأ صحيفةً ولا اهتم بالأخبار والحوادث منذ خمسٍ وعشرين نا فإنما ثبت ذلك لدى المحكمة بشهادة سبعين شاهدًا، وما التفتَ إلى الحرب العالمية الثانية طَوالَ سِنيها السبع ولا استَخبر عنها ولا علِم من أخبارها شيئًا، وقد أثبةً للشؤلفاته بالدلائل القوية أنه قطع علاقته بالسياسة كُلِّیيًّا، كما اعترفت بذلك جهاتكم القضائية رسميًّا؛ وهو الذي يفِرُّ أشدَّ الفرار من إقبال الناس وتوجُّههم إليه، ويتحفَّظ من مديح إخوانه له وحُسن ظنهم به، ولأكارمجَب بشيءٍ من ذلك، لئلا يَضُرَّ بآخرته وإخلاصِه.. فأيَّةُ مصلحةٍ تقتضي منك أنتَ وزيرَ الداخلية أن تُسلِّط عليه واليَ "أفيون" وشرطةَ "أميرداغ" ليقاسي فية، وز يومٍ ما كان يقاسيه في شهرٍ في السجن الانفرادي، وليُجبَر على البقاء وحيدًا في حبسٍ انفرادي وزنزانةٍ انفرادية؟! أيُّ قانونٍ يسمح بهذه القسوة الرهيبة؟!
هذا ما أبيِّنه لوزير الداخلية عبر دوائر القضاء العليا التيِيّ لا على الحقوق العامة.
المحروم ظلمًا من حق الحياة
ومن جميع حقوقه المدنية والإنسانية
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 565 —
إلى السيد حلمي.. وزير الداخلية السابق والسكرتير الحالي للحزب..
أولًا:لم أكتب خلال عشرين سنة سوى عريضةِ شكوى واحلنور اتبتُها إليك يومَ كنتَ وزيرًا للداخلية، غير أني لم أنقض قاعدتي التي التزمتُ بها طَوالَ هذه المدة؛ وسأخاطبك بوصفك وزيرَ داخليةٍ سابقًا، وسكرتيرًا حاليًّا.
وإنَّ مَن يتحدث لمرةٍ الثلاث إلى أحد كبار رجال الحكومة حديثًا لصالح الحكومة بعد أن ظلَّ صامتًا تجاهها طَوالَ عشرين سنة، إنْ هو تكلَّم عشر ساعاتٍ عُدَّ ذلك قليلًا، فاسمح لي بالحدكُونِ ةً أو ساعتين.
ثانيًا:أجِدُني مضطرًّا لأنْ أبيِّن لك حقيقةً باعتبارك السكرتير الحالي لحزب الشعب، وهي أن لهذا الحزب وظيفةً بغاية الأهمية تجاه الشيت الأتمثل في أن أمة التُّرك ومن انضم إليها من إخوة الدين قد أسدتْ ببطولاتها مآثرَ جليلةً للعالَم الإسلامي منذ ألف سنة، وكانت وسيلةً عظمى للحفاظ على الوحدة الإسلامية، وإنقاذِن يستجية بصورةٍ مشرِّفةٍ من الضلالة والكفر المطلق، فإنْ تخليتم اليوم عن القرآن وحقائق الإيمان، ولم تنشروا من فوركم الحقائقَ القرآنية والإيمانية كما كنتم في الماضي، فإنني أخبركم إخبارًا قطعيًّا مؤيَّدًا بالأدلة القطعية أنكم أنني ن السببَ في إيقاعِ العداوة بين العالَم الإسلامي وقائدِه وأخيه البطلِ الشعبِ التركي، وغرسِ البغضاء والكره بينهما بدلًا من تعزيز الأُخُوة والمحبة، وستكونون السببَ في هزيمة هذا الشعب أمام الفوضوية التي ينطوي عليها الكفر المطلَق الذي يسعى جاهدًا لُ جميععلى العالَم الإسلامي، وستتسببون بالتالي بتمزُّقِ هذا الشعب التركي حِصنِ الإسلام وجيشِه المقدام، ووقوعِه فريسةً لذلك التِّنِّين الرهيب الذي يُطِلُّ برأسه من الشَّمال الشرقي.
أجل، فلا يَقدِر هذا الشعب البطل على الصمود في وجه التيارَين ال وضعفا الآتيَين من الخارج إلا بقوةِ القرآن، وإلا فإنَّ تيار الشيوعية الذي انطلق بقوةٍ كاسحةٍ، معتمدًا على الكفرِ المطلق، والاستبدادِ المطلق، والرذيلةِ المطلقة، وإباحةِ ثرواتِ الشرفاء للأراذل والغوغاء، لن يوقفه شيءٌ سوى قوةِ اللّٰ ورابط الإيمان اللذَين
— 566 —
يتمتع بهما هذا الشعب الذي امتزج بحقيقةِ الإسلام واتَّحَدَ بها، ووجدَ في الإسلام تاريخَه المشرِّف.
نعم، إن أبناء هذا البلد الغيارى المخلصين سيَصُدُّون هذا التيار بإذن اللّٰتصبح مك بتمسُّكِهم بالحقائق القرآنية التي تمثِّل عصب الحياة لهذا الشعب المتآلف المتَّحد، واعتمادِهم إياها وجَعْلِها دستورَ السلوك والحركة بدلًا من التربيخلال بنية الغربية.
أما ما يتعلق بالتيار الثاني فإنه إذا ظلَّ أمثالُكم من أبناء الوطن الغيارى يَرعَون المبادئ الحالية التي تنتهك مقدساتنا لصالح المدنية الغربية، وأُبقِيَتِ الإجراءاتُ التي نتهام ر نفرٌ باسم الثورة، واتُّخِذَتْ أساسًا يُعتَمَد عليه، وعُزِيَتِ الحسناتُ الحالية وحسناتُ الثورة إلى هؤلاء النَّفَر، وعُزِيَتِ القبائحُ الحالية للشعب، فعندئذٍ تنسحبُ سيئاتُ هؤلاء النَّفَر القِلَّة على المجموع فم على لايين السيئات، ويغدو الأمر خروجًا على هذا الشعب التركي البطل المتدين جنديِّ الإسلام وما قدَّمه عبر العصور من مليارات الجنود الشرفاء، وملايين الأبطال الشهداء، وإهانةً وعذابًا معنويًّا لأرواحهم الطاهرة؛ وفضلًا عن هذا فإلى صِف عُزِيَت الحسناتُ الحالية التي تحققت بهمَّةِ الجيش والشعب وقوتهم إلى أولئك النفر من الثوريين الذين ليس لهم منها نصيبٌ يُذكَر، تضاءلتْ ملايين الحسنات إلى بضع حسنات، وانحصرتْ في تلك القلة، من شأفي حكم العدم، ولم تقوَ على تكفير تلك القبائح الهائلة.
ثالثًا:لا شكَّ أن لكم معارضين داخليين وخارجيين على أصعدةٍ شتى، فلو عارضوكم باسم الحقائق الإيمانية لهزموكم من فورهم، لأن تسعين بالمئة من أبناء هذا الشعب مرتبطيتنا تًا وروحًا بالأعراف والقيم الإسلامية القائمة منذ ألف سنة، وهُم وإنْ خضعوا لما يخالف فطرتهم وانقادوا له ظاهرًا من جهةِ إطاعة الأمر، إلا أنهم لا يرتبطون به قلبًا.
ثم إن المسلم ليس كغيره من أبناء الأمم الأخرى، فهو لقضاء رَكَ دينه أصبح فوضويًّا ولم يتقيَّد بقيد، فلا يُدار حينئذٍ بتربيةٍ ولا بتدبيرٍ سوى الاستبداد المطلق والرشوة المطلقة.. وهذه حقيقةٌ تؤيدها حججٌ كثيرةٌ وأمثلةٌ كثيرة، لكنني أختصر وأحيل الأمر على فطنتكم.
— 567 —
ينبغي ألَّا تتخلتاجةٍ السويد والنرويج وفنلندا التي شعرت بحاجتها الشديدة للقرآن، بل إن وظيفتكم هي أن تكونوا مرشدين لها ولأمثالها؛ ولو أنكم عَمَدتم إلى المساوئ الحالية الناجمة عن الثورة فردَدْتُموها إلى بضعأن يكواص، وعَمَدتم إلى الإفساد والتخريب الذي حصل بفعل ظروف الحرب العالمية وسائر الثورات الأخرى - خصوصًا ما يتعلق بالأعراف والقيم الدينية - فعملتم على إصلاحه، لنلتم شرفًا عظيمًا في المستقبل، ولكفَّرتم عن سيئاتكم في الآخرة، يُكِنّ خليقين بوصف الوطنيين الغيارى بما قدمتم من خدمةٍ نافعةٍ للوطن والشعب.
رابعًا:ما دام الموت لا يُقتَل، وباب القبر لا يُغلَق، وما دمتم ماضين إلى القبر كسائر الناس، وما تغفار ا الموت الحتمي إعدامًا أبديًّا لأهل الضلالة، فلا يمكن لمئةِ ألفِ نشاطٍ حزبيٍّ أو سياسيٍّ أو دنيويٍّ أن يبدِّله.
ثم إن رسائل النور بين قابلَ ، وهي التي أثبتت إثباتًا جليًّا كالشمس أن القرآن يحوِّل هذا الإعدام الأبدي إلى بطاقةِ تسريحٍ لأهل الإيمان؛ وهي التي لم يستطع أن يواجهها أيُّ فيلسوفٍ أو ملحدٍ منذ عشرين سنة، لا، بل هي التي تدفع الفلاسفة الذين قرأوها بتمعنٍ إلى الإيمان؛ وهض، ولا نَظرتْ فيها أربعُ محاكم كبرى لديكم على مدار اثنتي عشرة سنةً خلتْ، ودَققتْ فيها لجان خبرائكم المؤلَّفةُ من الفلاسفة والعلماء، فنالت استحسانهمالةً خقَهم وتقديرَهم، ولم يمكنهم الاعتراض على ما فيها من حُجج الإيمان؛ وهي التي لم يتأتَّ منها إضرارٌ بالوطن وأبنائه، بل هي سدٌّ قرآنيٌّ كسدِّ ذي القرنين يصدُّ هجمات َتْ لهات الرهيبة، وهذا أمرٌ يمكنني أن أُشهِد عليه مئةَ ألف شاهدٍ من أبناء الشعب التركي لا سيما الشباب المثقف.. وما دامت رسائل النور بهذا الوصف الهذه كاتُ، فلا بد أن إحدى أهم الوظائف التي تقع على عاتقكم هي أن تأخذوا رأيي الذي قدمتُه بعين الاعتبار.
إنكم تستمعون في كل حين إلى دبلوماسيين كُثْرٍ يحدِّثونكم عن الدنيا، ويلزمكم أن تستمعوا قليلًا إلى رجلٍ لا حول له ولا قوة، يقف عند باب سعيدً مثلي، يحدثكم لأجل الآخرة، ويبكي لحال أبناء البلد.
— 568 —
بالرغم من أني لم أراجع الجهات الرسمية طَوالَ عشرين سنة، إلا أن هذه العريضة كُتِبَتْ في حالة غضبٍ ولم يُكتبْ سواها، ووُجِّهتْ إلى وزير الداخلية "حلمي" اَّحْمٰ يكن يتوانى عن إيذائي، وأُرسِلتْ إلى قائد شرطة "أفيون" للاطلاع، فضيَّقوا عليَّ المرةَ تلو الأخرى دون سببٍ ولا جدوى، واستدعَوني رسميًّا إلى المخفر قائلين: ليس هذا خطَّك، فمن كتبها إيمانيلتُ بدوري: إن أمثال هؤلاء لا يراجَعون.. لقد كنت مُحِقًّا في صمتي عشرين سنة.
فيا مسؤولي "أميرداغ" وشرطتَها.. لقد كتبتُ هذه العريضة قبل سنة، لكنني لم أقدِّمها،لتفكيرتفظتُ بها، وها هم اليوم يحكمونني باستبدادٍ مطلقٍ ليس له مثيلٌ في العالَم، فيتدخلون حتى في مقر إقامتي الخاص، ويمنعونني خادمًا يقوم على شؤوني، في مخالفةٍ صريحةٍ للقانوُه، وكمسة أوجه؛ وإنني أتقدم بهذه العريضة عسى أن يتحلى بالإنصاف أولئك الذين يخالفون القانون باسم القانون.
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
أخي العزيز الوفيِّ، وصديقي صاحبَ الهمة الجادَّ في هذه الدنيا الفانية..دي.
لًا:إنني شديد الامتنان لأصحابي وأبناء بلدي، لا سيما لك ولبعض الأفاضل من "أرضروم"، لاهتمامكم وإشفاقكم على ما أعانيه من ظلمٍ وأذى، ولمسارعتكم لإعانتيغل بها، وهذا أمرٌ لا أنساه ما حَيِيْت، ولا أملك سوى أن أردِّد: ما شاء اللّٰه.. بارك اللّٰه بكم.
ثانيًا:أبين لكم بضع نقاطٍ تتعلق بحالتي وبإيذا مدرسةظَّلَمةِ تجاهي، ومع أن هذا مخالفٌ تمامًا لمسلكي ولدرسي الذي تلقيتُه من رسائل النور، ومُنافٍ لدستور حياتي الذي اتخذته منذ عشر سنين، ألا وهو عدم الالتفات إلى ما فيهل يجولدنيا الفانية من
— 569 —
أحداثٍ عابرةٍ تافهة، إلا أنني لم أفعل هذا إلا مراعاةً لخاطرك واهتمامك ولرسالتك المطوَّلة التي أرسلتَها مؤخرًا.
أولها:أنني حين كنت عضوًا بدار الحكمة قبل ثلاثين سنة، قال لي يومًا أحد أصحابي وقد كان هو الآخر عئمة، أيها، وهو السيد "سعد الدين باشا": كن على حذر.. لقد أخبرني رجلٌ ثقةٌ أن منظمةً أجنبيةَ الجذور تنشر الزندقة في بلادنا قد اطلعتْ على أحد مؤلفاتك، فقرر أعضاؤها تصفيتك قائلين: لن نستطيع أن نَحمل هذا الشعبَ على قبول مسلكنا - يعني الزندقة والإلحدقة، أا دام مؤلِّف هذا الكتاب حيًّا.. ينبغي أن نقضي عليه.
فأجبتُه: توكلتُ على اللّٰه، الأجل واحدٌ لا يتغير.
وقد توسَّعتْ هذه المنظمة منذ ثلاثين بل أربعين سنة، وما تركتْ مكيدةً إلا استعملتْها في محاربتي، وسَعَتْ للقضاء عليَّ بسَجني مرتين، ييز قدي إحدى عشرة مرة، وكان آخر مخططاتها الرهيبة توظيفَها النفوذَ الحكومي الرسمي ضدي، وذلك بتوجيهها وزيرَ الداخلية السابق، وواليَ "أفيون" السابق، ومديرَ منطقة "أميرداغ" اانية و وتحريضهم عليَّ، فقاد هؤلاء المسؤولون الرسميون الثلاثة حملةً شعواء ضد رجلٍ لا حول له ولا قوة مثلي، ضعيفٍ، طاعنٍ في السن، منطوٍ عن الناس، فقيرٍ غري تُعرّاج بشدةٍ إلى من يقوم على شؤونه، وبَلَغَ تخوُّف الناس مني مبلغَه، لدرجة أن بعض الجيران لم يعد يسلِّم عليَّ لشدة خوفهم، فإن القوم ما إنْ يعلموا أنَّ موظفًا في يدَم عليَّ حتى يبدلوا مكان عمله، ولم يعد يأتيني سوى المخبِرين، إلا أنه برغم هذا كله فإن العناية والحفظ الإلٰهيَّين قد أولَياني صبرًا وتحملًا، فلم تضطرني هذه المضايقات والإيذاءات غير المسبوقة إلى الالتجاء إليهمكم - أ......
ثالثها:أنه بعد أن أصدرتْ محكمتان قرار البراءة بحقنا وحق رسائل النور، بناءً على تدقيقهما في جميع أجزاء الرسائل طَوالَ عامين كا الصلاوعدمِ عثورهما على
— 570 —
أية ذريعةٍ قانونية، (حاشية): إما أنه لا تستطيع أية جهةٍ ولا أي قانونٍ - بل ولا حتى بعض قوانينهم التعسفي - أن تتعرض لنا ولرسائل النور؛ وإما أن بعض القوانين الحالية تستطيع ذلك، لكن القضاء ومعه ثلاث محاك92
أحجموا عنه تحسُّبًا من البغضاء واللعنات الشديدة التي ستحل عليهم مستقبلًا إنْ هم فعلوا ذلك، فلم يجرؤوا على إدانتنا وإدانة رسائل النور، وحكموا متفقين ببراءتنا وبإعادة جميع الرسائل.
ه الإل أن الظلم الذي يُقدِم عليه بعض الأشخاص المتجبِّرين الذين يتقلدون مناصب مؤقتة، بينما أحجمتْ عن ارتكابه هيئاتٌ قضائيةٌ عتيدةٌ كالجبال، لهو عملٌ يُغضِب السماوات والأرض، فلا داعي لحِدَّتي وغضبي. قامت منظمة الزندقة تلك بتدبير خطةٍ ذات طابعٍأن المٍ في العاصمة، واستعانت لها ببعض المسؤولين المنافقين، فنقلوني إلى "أميرداغ" باسم النفي، وما هو في الحقيقة إلا سجنٌ انفراديٌّ وتجريدٌ مطلق، جُرِّدتُ فيه من جميع أصحابي وطلابي، ووُضِعتُ في أسوأِ مكانٍ لا يلائم. رجل ومعيشتي، ضمن إجراءاتٍ تخالف القانون من كل جهة؛ ولقد تأكد اليوم أنهم يعاملونني هذه المعاملة لمقصدَين اثنين:
أحدهما: أنهم لعلمهم أنني لا أقبل الإهانة منذ سالف عهدي، ع فالعلى استفزازي ليثيروا قضيةً يمهِّدون بها الطريق للقضاء عليَّ، فلما لم يُثمر مسعاهم هذا شيئًا لجؤوا إلى التسميم، إلا أن العناية الإلٰهية ودعواتِ تلاميذ النور كانت ترياقًا، وكان صبري وتحملي دوٍ وحياأزالت خطر ذلك السمِّ الماديِّ والمعنويِّ، وباءت خطتهم بالفشل.
وعلى الرغم من أن هذا النوع من الظلم والإيذاء الذي لم يسبق في التاريخ أن مُورِس باسم الحكومة وباسم القانون، إلا أنن أو خ الذي كان يثير حفيظتي هو الرقابة الدائمة وتخويف الناس مني بشكلٍ يستفزني، لكنْ أُخطِر على قلبي أنه ينبغي لك أن ترثيَ لهؤلاء الظلمة لا أن تنزعج منهم؛ فكلُّ واحدٍ منهم سيلقى عما قريبٍ جهنم ماديةً ومعنويةً، وسيتجرَّع عذابًا خالدًا يفوق علعفة والمؤقت الذي يُذيقونك إياه بألف درجة، وسيُنْتَقَم لك منهم ألفَ مرة، وسيقاسي بعضهم - إن كان له عقل - تأنيبَ
— 571 —
الضمير، وعذابَ الخوف من الإعدام الأبدي، وسيعاني من ذلك طَوالَ طلاب في الدنيا إلى أن يلقى حتفه؛ فلم أعد أغضب منهم، بل رثيتُ لهم وقلت: أصلحهم اللّٰه.
ثم إنني أشكر اللّٰه سبحانه لا على نَيل الأجر الجزيل المترتب على هذا ه الآخء فحسب، بل أشكره كذلك على انشغالهم بي وإيذائهم إياي وحدي دون سائر تلاميذ النور، مما يحقق عظيم الفائدة لطلاب النور ويخدم سلامتهم، كما أشعر بفرحٍ في طيِّ هذه المضايقات الشديدة الونهنئ قيها.
رابعها:ذكرتَ في رسالتك مسألة استقراري وراحتي، وإمكانية مراجعة الحكومة الحالية لأنتقل إلى الشام أو الحجاز إن استطعتُ،فأولًا:إنني حتى لو كنت في مكة لَلَزِمني المجيء ن قوة،ا لإنقاذ الإيمان وخدمة القرآن، لأن الحاجة هنا أشدُّ؛ وحتى لو كانت لي آلاف الأرواح، وكنتُ مبتلًى بآلاف الأمراض، وكنت أعاني من المصاعب ما أعاني، فإن القرار الذي اتخذته واتخذناه وفق الدرس الذي تعلمناه من القرآن، هو البقاء هنا لخدمةِ إيمانِ هنايةٍ عب وسعادته.
وثانيًا:تذكرون في رسالتكم ما أُقابَل به من إساءةٍ بدلًا من الاحترام، وتقولون: لو كنتم في مصر أو في أمريكا لذُكِرتم بإجلالٍ واحترامٍ على مرِّ التاريخ.
أخي العزيز الفطففهمنانا بمقتضى مسلكنا نفِرُّ أشدَّ الفرار من احترام الناس وتوقيرهم، ومن حسن ظنهم وإعجابهم بنا وإكرامهم لنا، لا سيما حبِّ الشهرة الذي ما هو إلا رياالة الب، ودخولِ التاريخ بجلالٍ وإبهار وما هو إلا غرورٌ جذاب، فهذا منافٍ ومضادٌّ للإخلاص الذي هو مسلكُ النور وأساسٌ من أُسسه؛ وأنا شخصيًّا أنفِر من مثل هذه الأمور، ناهيك عن الرغبة فيها.
أما رسائل النور النابعةُ من فيض القرآن الكريم، ون تُمَي لمعةٌ من لمعات إعجازه المعنوي، وتفسيرٌ لحقائقه، ومفتاحٌ لأسراره، فإننا نرجو لها الرواج، ونريد لكلِّ شخصٍ أن يشعر بالحاجة إليها، ويقدِّر رفعةَ قيمتها، ونطلبُ لكر
لَ المعنوية الظاهرة أن تُعرَف، ولانتصاراتها الإيمانية على إلحاد الزندقة أن تستبين وتظهر، فهذا ما نؤمِّله من الرحمة الإلٰهية.
— 572 —
وأبين نقطةً جزئيةً تافهةً تتعلق بشخصي، وأجعلها حاشيةً فأقول:
ما دام السيد "رجب" و"قره كاظم" صدينة ضدّك، ولهما فيما أظن علاقةٌ بی"سعيدٍ القديم"، فليس المطلوب منهما إسداءَ معروفٍ لي، وإنما حسبُهما ألَّا يفعلا ما فعل أسلافهما بي من ظلمٍ ومضايقاتٍ لا داعي لهما ولا جدوى مها أهل إنني في الحقيقة لا أستطيع التأقلم مع الأجواء المادية والمعنوية هنا.. همومي كثيرةٌ جدًّا، وأنا أُقفِل مقرَّ إقامتي من الداخل ومن الخارج.. إنني وحيدٌ بكلِّ جهة.. ومن جهةٍ أخرى أقضي حياتي مريضلَ مدّش في غرفةٍ كئيبةٍ من غير جيران.. وفي بعض الأحيان يضايقني يومٌ واحدٌ هنا أكثر مما ضايقَني شهرٌ كاملٌ في سجن "دَنِزْلي".. كفى تعرُّضًا لحريتي طَوالَ عشرين سنةً من الظلم الشنيع.. فلقد تبين بشكلي يهددٍ - بعد سنتين من تدقيق المحاكم، وفَشَلِ الخطط التي حاكها المنافقون ضدي - أن خدعة التخويف مني ومن رسائل النور بذريعة الإضرار بالوطن والشعب لا يمكن أن تنطلي على أحد.
إنني، كما صلتُ على حريتي كسائر الناس، أو كان ثمة بلاغٌ يسمح بذهابي إلى بعض القرى المجاورة ذات المناخ المعتدل لتبديل الأجواء، لكان ذلك مناسبًا.
سلامي ودعواتي لكم ولمن حولكم من أصحابنا في النور.
الباقي هنني منقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 573 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
هذا جوابٌ وَرَدَ على الخاطر بمناسبة سؤالٍ ماديٍّ ومعنوي.
يقال:لماذا لا تقبل ما يوأن طلااه تلاميذ النور - بحسنِ ظنهم القوي، وقناعتهم القطعية - من مقامٍ وكمالاتٍ تزيد من همتهم للأنوار، ولماذا تُحيل ذلك المقام والكمالات لرسائل النور وحدَها، وتُظهِر نفسَك خادمًا كثير العيوب؟
الجواب:للّٰه ا الرساالشكر بلا حدٍّ أنَّ لرسائل النور من نقاط الاستناد القوية الراسخة، ومن الحجج القاطعة الساطعة، ما لا تحتاج معه إلى المزايا والاستعدادات المظنونة في شخصي؛ فهي ليست كالمؤلفات الأخرى التي تعتمد العُجْبلية المؤلف فتستمدُّ منه قوتها ومقبوليتها.
وها هي بين أيديكم، تقوم منذ عشرين سنة على حججها القاطعة، وتُجبِر أعدائي الماديين والمعنويين على الاستسلام؛ فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ مهمةً لها، لأمكنبليغةًئي الملحِدين ومعارضيَّ الظالمين أن يوجِّهوا ضربةً قويةً للنور من خلال القدح في شخصي ذي النواقص والعيوب؛ والحال أن هؤلاء الأعداء، ورغم كل المساعي الحثيثة التي بذلوها - لحماقتهم - للقدح فِيَّ وللحيلولة دون إقبال الناس عليَّ أفضل ينين لذلك بشتى أنواع المكائد، لم يستطيعوا الإضرار بفتوحات الأنوار ولا الحط من قيمتها؛ بل حتى وإن أمكنهم التعكير على بعض الضعفاء والطلاب الجدد، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يحملوهم على التخلي عن الرسائل.
فلأجل هذ69Oلحقيقة،هم أولالأنانية قد طغتْ في هذا الزمان، لا أقبل لنفسي حسن ظنهم الذي يفوق حدي كثيرًا، ولا أُحسِن الظن بنفسي كما فعل إخواني.
ثم إنْ كان المقام الأخروي الذي أولَوه لأخيهم المسكين هذا مقامًا دينيًّا حقيقحصل علفإنه يمكن أن يكون مدخلًا للأنانية، إذْ يَعُدُّ المرءُ نفسَه صاحبَ مقام، وفضلًا عن هذا
— 574 —
فإن القاعدة الواردة في آخر "المكتوب الثاني" من "المكتوبات" تفيد أن الكمالات الت يؤدونديةٌ معنويةٌ أولَوها لشخصي، إنْ كنتُ أعدُّ نفسي صاحبةَ كمالات - حاشا للّٰه - فهو دليلٌ على أنها ليست كذلك، وإن كنت لا أعدُّها صاحبةَ كمالات فينبغي عدم قبول هديتهم هذه.
بقي أمرٌ آخر، وهو أنه قد كم علىن جهةٍ دنيويةٍ: إن الشخص الذي يقوم بوظيفةِ نشر الحقائق الإيمانية، إنْ كان صاحبَ مقامٍ كان له تأثيرٌ أفضل؛ وهنا يوجد مانعان أيضًا:
أحدهما:أنه إن فرضنا أن المقامَ مقامُ الولاية، فإن في اتخاذِ المرء مقامًادم.
#4مٍ وقصدٍ منافاةً للإخلاص والفناء عن الذات اللذَين تنطوي عليهما الولاية؛ فلا يجوز إظهار الولاية وادعاؤها كما فعل الصحابة الذين هم وَرَثوِّعًابوة، ولا يقاس عليهم.
المانع الثاني:أنه إن كان هذا الشخص فانيًا بسيطًا محدود الأجل، وكان كثير النواقص والعيوب، وقابلًا للقدح من جهاتٍ كثيرة، أضلمادة ك بالأنوار وبفتوحات الحقائق الإيمانية.
غير أن ثمة أمرًا يستوجب الشكر، وهو أن أعدائي من أهل السياسة لا يعرفون هذه الحقائق المذكورة آنفًا، ولهذا يتعاملون معي باعتباري "سعيدًا القديم" ذا الاعتزاز والشرف كالشمغلون بتوجيه الإساءة والانتقاص لشخصي بدلًا من توجيهها إلى الأنوار، ويحرِّضون عليَّ بعض المشايخ المتعصبين ذوي الأنانية أيضًا، ويحسبون أنهم يجتهدون في إطفاء الأنوار، والحن بها،م يصبحون وسيلةً لسطوعها وتلألُئها، فالأنوار لا تستمد نورَها من شخصي البسيط، وإنما تستمده من منبعِها شمسِ القرآن.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 575 —
باسمه سبحانه
إخواني الأَقةِ.
لأوفياء..
أتجول بالعربة ساعةً أو ساعتين لمشاهدة أزهار الربيع الزاهي.. لقد نَمَت الأعشاب وتفتَّحت أزهارها بشكلٍ بديعٍ لم أرَه في حياتي قط، وشعرتُ - حقَّ اليقين - كما لو أنها تبتسم مسبِّحةً صانعَهالموقَّجلال، وتثني على بديع صنعه بلسان الحال.
وبينما أنا في هذه الحال، إذا بحسِّياتي المشتاقة إلى الحياة الدنيوية، ونفسي الغافلة الجزعة، تنتهز الفرصة فتعترض علقدسيةَ التي سَئِمتْ حياة الضيق والمرض وراحت تطلب أذواقًا ومُتَعًا باقيةً فيما هو فانٍ، وتعترض كذلك على قلبي الذي نفر من الدنيا، وقرر الذهاب قد نالبرزخ شوقًا لرؤية تسعين بالمئة من أصحابه هناك، وإذا بنور الإيمان الساري في الحسِّيات والعروق يَرُدُّ على ذلك الاعتراض مبينًا أنه ما دام التراب ستارًا لرحمةٍ لا حدَّ لها، إذمر، ولجهته المادية مَظهَرٌ لكل هذا الجمال والرحمة والحياة والزينة، وما دام الداخل فيه لا يُترَك سدًى، فلا ريب أن المركز المعنوي الذي تنبعث منه كلُّ هذه الزينة والمحاسن الظاهرية المادية، وكلُّ هذا الحسن والجمال والرحمة والحياة، إنما يثوي خلف سَلِمةٍتراب هذا وتحته، كما تثوي بعضُ مَعاملها المنتِجة لها.
ولا ريب أن الدخولَ تحت أطباق التراب الذي هو أُمُّنا الرؤوم، واللجوءَ إلى أحضانها، ومشاهدةَ تلك الأزهار الحقيقية الدائمة المادية، لَهُو الأجدر بالمحبة والأولى بالاشتياق.
وعندها أزال نورُ الإيمان ودَفَعَ ببيانه هذا كلَّ اعتراضٍ أثارتْه تلك الحسِّيات العمياء ونفسي الولوعةُ بالدنيا، وحملها على أن تردد: الحمد للّٰه على نور الإيمان من كل وجكما بعسعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 576 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:إن الشراكة المعنوية للنور ستكون - بإذن اللّٰه - مَظهرًا للفوز العظيم في شهر رمضان المبارك، الذي يُنيل الموفقين أجرَ ثمان لِداوً من العبادة.
وينبغي على النُّوريين أن يؤمِّن بعضهم على أدعية بعضٍ تأمينًا معنويًّا بإخلاصٍ، ويواظبوا على ذلك ما استطاعوا حتى العيد، بحيث إن حَظِي أحدهم بتلك الثمان الإسل البقيةُ شركاءَ له، كلٌّ بحسب درجته. أما أخوكم المريض هذا، وهو أضعفكم وأثقلكم حِملًا، فلا شك أنكم تعينونه معنويًّا.
ثانيًا:زارني طبيبان من أركان طلاب النور، وعلى الرغم من شدة مرلغرَّا أنني لم أراجع بشأنه هذين الفاضلَين الخالصَين الصادقَين، ولم أتناول دواءهما، ولم أستشِرْهُما رغم شدة وطأة المرض، ولم أتحدث إليهما بشأنه رغم شدة حاجتي وشدة ألمي، وقد انتابهما القلق لأجل ذلك، فاضطررتُ لأن أبيِّن لهما حقيقةً ذات أسرضوًا فا أنذا أكتبها إليكم عسى أن تفيدكم كذلك.
قلتُ لهما: إن أعدائي العاملين في الخفاء، ونفسي، يبحثون بتلقينٍ من الشيطان عن نقطة ضعفٍ لديَّ كي يتوبيَّنبي من خلالها، ويمنعوني من خدمة الأنوار بإخلاصٍ تام، وليس سوى المرضِ أضعفُ نقطةٍ وأقوى مانع، فكلما أُعطي أهميةً غَلَبَ حسُّ نفسِ الجسد، للوطن وتُه مناديًا بالاضطرار وشدة الحاجة، فأسكتَ القلبَ والروحَ، وجعل من الطبيب ما يشبه الحاكم المستبد، وأَجبر على طاعته فيما يوصي وما يقدم من أدوية، وهذا يضرُّ بالخدي
سي تؤدى بتضحيةٍ وإخلاص.
ثم إن أعدائي العاملين في الخفاء عمِلوا وما يزالون يعملون على استغلال نقطة ضعفي هذه، مثلما عملوا على استغلال نقاط الخوف والطمع والشهرة والجاه، لكنهم لم يستطيعوا أن يظفروا بطائلٍ على صعيد الخوف الذي هو أقوى النور
الضعف لدى الإنسان، وقد تَبيَّن لهم أن الإعدام لا يساوي عندنا فلسًا واحدًا.
— 577 —
ثم إنهم بحثوا وفتشوا كثيرًا في نقطة الطمع وهمِّ المعيشة - وهي إحديُلبِِّ ضعفِ الإنسان - لكنهم في نهاية المطاف لم يظفروا منها بطائل، ثم تحقق لديهم أن متاع الدنيا الذي يضحون بمقدَّساتهم في سبيله لا أهمية له عندنا، وتبين لهم هذا بوقائع كثيرة؛ حتى إنهم خلال هذه العلى أرالعشر الفائتة، وجهوا ما يزيد على مئة كتابٍ رسميٍّ إلى المسؤولين المحليين يسألونهم فيها: بِمَ يعيش؟
ثم إنهم عمَدوا إلى واحدةٍ من أقوى نقاط الضعف لدى الإنسان، ألا وهي الجاه والشهرة والم أن نسفعملوا على استغلالها لديَّ من خلال ما أُمروا بتنفيذه تجاهي على نحوٍ شنيعٍ من قدحٍ وتشويهِ سمعةٍ وتحقيرٍ وإيذاءٍ يستفز المشاعر، لكنهم لم يُفلحوا في ذلك، وتبيَّن لهم قطعيًّا أن ما أُولِعوا به من الجاه والشهرة الدنيويَّين لا نعدُّه نحنالِ نِياءً وغرورًا بالغ الضرر، وأن حب الجاه والشهرة الدنيويَّين اللذَين أولَوهما أهميةً فائقةً لا يساوي عندنا فلسًا واحدًا، بل نعدُّهم من هذه الناحية مجانين.
ثم إن ما يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ لدينا باعتبار خد أجل، مع أنه من حيث الحقيقة مقبولٌ لدى الجميع، ويتوق كلُّ شخصٍ للفوز به - أعني به أن يصير المرء صاحب مقامٍ معنوي، وأن يترقى في مراتب الولاية، وهَداتِ هذه النعمة الإلٰهية في نفسه - هو أمرٌ ينفع الجميع ولا يتأتى منه ضرر، لكن ما دمنا في زمنٍ طغت فيه الأنانية والمصلحة الفردية والخَلاص الفردي، فلا ريب أن الخدمة الإيمانية المبنية على سرِّ الإخلاص وعلى عدم اتخاذها أداةً لشيءلك نعبي عدمَ طلب المقامات المعنوية الشخصية، فاللازم ألَّا تُطلَب، بل لا تُراعى في شيءٍ من تصرفات المرء وسلوكه، لئلا يَفسُد سرُّ الإخلاص الحقيقي.
ولهذا أدرك الذين يعملون لاستغلال نقطة الضعف هذه أنني لا أطلب ما يطلبه كلُّ شخصٍ من الكشف واحقه جمت والكمالات الروحية سوى خدمة النور، وقد غُلِبوا في هذا الجانب أيضًا.
سلامي لجميع إخواني فردًا فردًا، وأضرع إلى الرحمة الإلٰهية مستشفعًا بحقيقة
— 578 —
ليلة القدر أن يجعل ليلةَ القدر المقبلة بمثابةِ عملعالم رٍ بالعبادة ثلاثًا وثمانين سنة لكلِّ فردٍ من النُّوريين.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًنه لا ير باختصارٍ شديدٍ إلى حقيقةٍ بالغةِ الطُّول والسَّعة، وَرَدَتْ إلى القلب في ليلة القدر، وهي:
إن ما ألحقتْه هذه الحرب العالمية الثانية بالنوع البشري من ظلمٍ فادح، واستبدادٍ وتدميرٍ غاشم، ونكبةٍ لحقتْ بمئات الأبرياء بجرير
حٍّ واحد، ويأسٍ مريرٍ حلَّ بالمهزومين، وقلقٍ عميقٍ يساور المنتصرين لعدم قدرتهم على المحافظة على الحاكمية، وعذابِ ضميرٍ ناجمٍ عن عدم قدرتهم على إعمار ما خلَّفوا من الدمار الهائل، وما أظهرتْه هذه الحرب للجميع من أن الحياة الدنيا فٌ ثَبَمؤقتة، وأن بَهرَجَ المدنيةِ وزُخرُفَها خَدَّاعٌ مُخدِّر، وما خلَّفتْه هذه الحرب من جِراحٍ عميقةٍ في الماهية الإنسانية باستعداداتها الرفيعة الكامنة في الفطرة البشرية، وما نجم عن هذه الحرب من استيقاظٍ نشِطٍ للحب الإنساني الفط أمارةاعر البقاء المولعة بالخلود، وتفتُّتِ صخرِ الغفلة والضلالة والطبيعة الصَّلد الأصم تحت ضربات سيف القرآن الألماسي، وانكشافِ الصورة الحقيقية للسياسة بوجهها المتوحِّش القبيح أمام العالَم أجمع، وهي أكثفُ وأخدعُ وأوسعُ سبيان، غطي الغفلة والضلالة، فإنه بناءً على الأمارات التي ظهرتْ في الشمال والغرب وفي أمريكا، ولكون الحياة الدنيوية - التي هي المحبوب المجازي لبني البشر - قبيحةً زائلة.. أقول: إن نتيجة ذلك بلا ريبٍ أن البشر سيبحثون بكل قوتهم عن الحياة الباقية الت ومالمحبوب والمطلوب الحقيقي للفطرة البشرية.
— 579 —
وهذا القرآنُ المعجِزُ البيان، وهو الكتاب الذي له في كلِّ قرنٍ ثلاثمئةٍ وخمسون مليون تلميذٍ، على امتداد ألفٍ وثلاثمئةٍ وستينبٍ يناوله ملايينُ من أهل الحقيقة يوقِّعون على جميع أحكامه ودعاويه بالتصديق، وله ملايينُ الحَفَظة ممن يثوي بقدسيةٍ في قلوبهم، ويُعلِّم البشرَ على ألسنتهم على مَرِّ الدقائق، ويبشِّر الناس بالتور اللباقية والسعادة الأبدية، مداويًا جميع جراحاتهم على نحوٍ لا مثيلَ له في أي كتابٍ آخر.. فما دام هذا القرآن قد ادعى الحياةَ الباقية ادعاءً قويًّا شديدًا عبر آلاف الآيات، وأخبر عنها مرارًا وتكرارًا عشرضرَّ ضف المرات صراحةً أو إشارةً، وبشَّر بالحياة الباقية وعلَّم السعادة الأبدية بأدلةٍ قاطعةٍ لا تُرَدّ، وحُججٍ يقينيةٍ لا تُحَدّ، فلا ريب ولا شبهة أن البشرية إنْ لم تفقد صوابها بالكلية، ولم تقم عليها قيامةٌ ماديةٌ ولا معنوية، فإن قارَّالبرلمرض وحكوماتها ستَنشُد القرآنَ المعجِز البيان، كما فعلت منظماتٌ دينيةٌ كثيرةٌ مرموقةٌ في أمريكا تبحث عن الدين الحق، وكما فعل مشاهير أهل الفكر في السويد والنرويج وفنلندكَ الأطانيا من العاملين بجِدٍّ لتلقي القرآن الكريم، وستتمسك به من صميم روحها بعد أن تعي حقائقه؛ لأنه لا مثيل له في نقطة الحقيقة هذه بالذات، بل لا يمكن حيَّةٍن له مثيل، ولا يمكن لشيءٍ أن يقوم مقام هذه المعجزة الكبرى.
ثانيًا:ما دامت رسائل النور قد خدمت هذه المعجزة الكبرى وكانت بمثابة سيفٍ ألماسيٍّ بيدها، واضطرت أعتى المعاندين للاستسلام؛ وما دامأبانت ا معجزةً معنويةً للقرآن لا تعرِف مرجعًا ولا مأخذًا سواه، وتقوم بمهمة الدلالة على الكنوز القرآنية بأسلوبٍ ينوِّر القلب والروح بل حتى المشاعر ويداويها، وتؤ بلدنافتَها محرزةً الانتصار التام على الحملات المغرِضة، وعلى أعتى المعاندين الزنادقة، ممزِّقةً ظلمات الغفلة في أحلكِ وأكثف وأكبر آفاق دائرة الضلالة، وفي أوسع حُجُب العلم الطبيعي، ومُظهذبًا وورَ التوحيد بأبهى حلة، وذلك بما أوردتْه من دلائل في "عصا موسى" في المسألة السادسة من "رسالة الثمرة"، وفي الحُجج الإيمانية الأولى والثانية والثالثة والثاتْ علىلا ريب إذًا أن اللازم بحقنا والألزم لأبناء بلدنا أن يعمل تلاميذ
— 580 —
النور ما استطاعوا على فتح مدارس نوريةٍ صغيرةٍ في كلِّ مكانٍ، وذلك بناءً على الإذن الرسمي الحالي الذي يسمح بترخيصِ مدارس خاصة لتعليائل الن وافتتاحِها.. صحيحٌ أن كلَّ فردٍ يستطيع أن يستفيد بنفسه لنفسه بدرجةٍ ما، لكن لا يستطيع كلُّ فردٍ أن يفهم كلَّ مسألةٍ تمامَ الفهم، ثم ما دامت الرسائل إيضاحًا لحقائق الإيمان، فإنها عِلمٌ وعبادةٌ ومعرفةٌ باللّٰه.
وفي مقابل ما كانت تحققه اشرطة ل القديمة من نتائج في خمسِ أو عشرِ سنين، فإن مدارس النور هذه ستحقق النتائج نفسها إن شاء اللّٰه في خمسةِ أو عشرةِ أسابيع، وهو ما تفعله منذ عشرين سنة.
ثم إمه، بلئل النور التي هي لمعاتُ القرآن ودَلَّالُه فوائدَ جمةً للحكومة والشعب والوطن، سواءً في الحياة الدنيوية أو السياسية أو الأخروية، وأَولى ما يلزمهم أن يعمليستغلو ترويجها ونشرها بتمامها بدلًا من التعرُّض لها، حتى تكون كفارةً لما سَلَف من الذنوب الجسيمة، وسدًّا أمام ما سيأتي من المصائب العظيمة والفوضوية المريعة.
لا تقلقوا يا إخواني، بل كونوا على يقينٍ من فتوحات النور الباهرة التي تجري بعيدًا عِ إلى واء، فلم يعرف التاريخ حتى يومنا هذا كتابًا انتشر تحت وطأة ظروفٍ صعبةٍ، وبهذا القدر من التأثير، كرسائل النور.
ثم إن السبب من وراء عدم إعطاء الحرية الكاملة للأنوار هو خوفهم من قوتها الفائقة، وقد بلغَنا من لقاءٍُّ اللين رئيس الشؤون الدينية ورئيس الدولة أنهم بالرغم من قبولهم للرسائل وتقديرهم لها، إلا أنهم قلقون من نشرها رسميًّا في الوقت الحالي، إذْ ربما تُحدِث اضطرابًا.
لم يعودوا يهاجمون كما كانوا في المإيمانٍنهم الآن يطلبون المصالحة، غير أن التيارات القوية التي تؤيد الأنوار ستحوِّل قلقَهم ذاك إلى حماسٍ لنشر الأنوار رسميًّا.
ثم إن كثيرًا من الأنانوتعليم يؤيدون ظهور الأنوار على الساحة، لغَيرَتهم، ولرغبتهم بنشر مؤلفاتهم.
— 581 —
ثالثًا:إن رسائل النور تنتشر في الخارج في العالَم الإسلامي عن طريق الحُجاج، وهي تشقُّ طريقها إلى المكان اللائق بها؛ وإن النسخَ المخطوعجزاته مجموعة "عصا موسى" و"ذو الفقار" التي أرسلناها إلى دمشق قد راجعتْها هيئةٌ علميةٌ على مدى خمسةَ عشر يومًا، وأبلغت عن تقديرها التام لها بقولها: فلنطبعها مجزَّأةً، إذْ يلزم الكثير من المال لطبعهان "أفي واحدة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:بات من المناسب أن أبيِّن لكم واقعةً جرتْ لي، وهي واقعةٌ عجيبةٌ أليمةٌ لطيفةٌ في آن، كما أبيِّن فالتحيةت نفسه أحد الافتراءات التي افتراها عليَّ أعدائي، وهو افتراءٌ شنيعٌ لا يمكن حتى للشيطان أن يخدع به أحدًا ولو باحتمال واحدٍ من ألف، مما يُبيِّن أنه لم يبق لديهم أيُّ سلاحٍ يمكنهم أن يستخدموه ضد النور؛ والو يباليا يلي:
يعلم المطلعون على حياتي أنني حين كنت في العشرينات من عمري قبل خمسٍ وخمسين سنة، أقمتُ سنتَين بی "بِتْليس"، في دار واليها المرحوم "عمر باشا"، لإصراره واحترامه الشديد للعلم.
كان له ستُّ بنات، ثلاثٌ صغيرااءً علاثٌ كبيرات، وعلى الرغم من أننا عشنا معًا في دارٍ واحدةٍ مدة سنتين إلا أنني لم أكن أعرف الثلاث الكبيرات معرفةً أميز بها إحداهن من الأخرى، ولم أكن أدقق فيهن حتى أعرفهن؛ حتى لقد حصل أن نزل أحد العلماء ضيفًا عليّ، فر بالروميَّزهن خلال يومين فقط، فعجِبَ مَن حولي لأمري وسألوني: لِمَ لا تنظر؟ وكنت أقول: صونُ عزة العلم يمنعني من النظر.
وفي إسطنبول قبل أربعين سنة، وفي اليوم المحدد لمهرجان "كاغ من ال"، انتشرت الآلاف من نساءِ إسطنبول وفتياتِها ونساءِ الرومِ والأرمنِ كاسياتٍ عارياتٍ
— 582 —
على طرفي الخليج من الجسر حتى "كاغد خانه"، وفي تلك الأثناء رَكِبنا قاربًا أنا والمرحوم "مُلَّا سيد طه" و"حاجي إلياس"، وكانا من أعضاء إن قبان في ذلك الحين، فكنا نمرُّ بالقرب من تلك النساء، والحال أنهما كانا قد اتفقا على اختباري وتناوبا على مراقبتي دون علمٍ مني بذلك، وبعد أن انتهت جولتنا التي استغرقت ساعي نيلِالوقت اعترفا لي قائلَين: لقد عجِبْنا لأمرك!! لَمْ تنظر إليهن مطلقًا!! فقلتُ: لا أريد مُتَعًا تافهةً زائلةً آثمةً عاقبتُها آلامٌ وحسرات.
ثم إن كل من تربطه بي أواصر الصداقة يعلممَد مقاجتنبتُ طَوالَ حياتي قبولَ الهدايا والدخولَ تحت مِنَّة الناس بأخْذِ صدقاتهم وإحساناتهم؛ وأنني - حفاظًا على شرفِ وسلامة الأنوار والخدمة الإيمانية القرآنية - ت رهيبةميع ما في الدنيا من لذائذَ واهتماماتٍ ماديةٍ واجتماعيةٍ وسياسية، ولم أُبالِ بتهديداتِ الحاقدين بما فيها الإعدام، وهذا ما تبيَّن بجَلاءٍ في المحاكم االشبابلتُها وفي السجنَين الرهيبَين اللذَين سُجِنتُ فيهما خلال العشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى.
وبينما تمضي حياتي على هذا الدستور المستمر على مدى خمسٍ وسبعين سنة، إذا بشخصٍ يشغل منصبًا فَعّاا، يفتري عليَّ فريةً لا تخطر حتى ببال الشيطان ولا بخياله، وغرضُه أن ينال من القيمة السامية التي تتمتع بها رسائل النور، فيزعم قائلًا: تتردد عليه في الليل العاهرات، ويأتيه السفلة والأراذل، مع ما لذ وطاب من المأكولات؛ هذا مع أن بابي يظل م تكون من الداخل ومن الخارج طَوالَ الليل، وعليه رقيبٌ يلازمه حتى الصباح بأمرٍ من ذلك الشقيِّ نفسه؛ كما أن جيراني هنا وجميع أصحابي يعلمون أنني ما استقبلتُ ولا أستقبل أحدًا من بعد صلاة العشاء حتى الصباح.
إن مثل هذه الفرية لا يُقدِم عليها حتى مَو البافيهٌ أحمق، بل حتى لو كان حمارًا ثم أصبح شيطانًا، وهذا ما تبين لذلك الشخص، فتراجع عن مثل هذه المخططات، وغَرَبَ من هنا مذمومًا مدحورًا.
— 583 —
لقد بيَّتَ الرجل خطتَه هذه بصفتهمن الفية لا لتشويه سمعتي فحسب، بل لتشويه سمعة النُّوريين، فهذا ما كان مرادًا من هذه الحادثة الجديدة، إلا أن عناية اللّٰه وحفظه وحمايته أفشلت هذه الخط، وقدّا ذريعًا.
إنني بهذا البيان لا أبرِّئ نفسي، ولكنني أريد أن أقول: إن الخدمة الإيمانية القدسية جعلت النفس تتخلى عن جميع أهوائها، فتكفيها اللذائذ المعنوية التي في هذه الخدمة، كما أبلمًا ية النُّوريين إلى توخي الحيطة والحذر.
ثانيًا:سأبعث إليكم بكاتبٍ خاصٍّ لديَّ ذي خبرةٍ ومهارةٍ في عمل آلة النسخ، ومن الآن فصاعدًا سأكتب إليكم باختصار لأنني أكتب بصعوبة، فلا تستاؤوا من ذلكلب بإخ......
رابعًا:تسلمتُ للتوِّ رسالةً جميلةً متلألئةً تتضمن تهنئةً وبشائر بفتوحات النور من خسرو "قسطموني"، أعني الأخ العزيز "محمد فيضي"، الذي نهنئه المحكم"حلمي" و"أمين" والأشقاء الخمسة، وكذا الأخوات النُّوريات أمثال "زهراء" و"لُطفية" و"عُلوية"، نهنئهم جميعًا من صميم قلوبنا بالليالي العشر وبالعيد المبارك، ونرسل إليكم طيًّا رسالتَي "خلوصي" و"فيضي".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانهنا،فإواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:مع التهاني بالعيد المبارك لعموم النُّوريين، ولمن في الحج الأكبر من تلاميذ النور وأنصار النور، يَزفُّ إلينا هذا العيد البشرى ببوادر عيدٍ أكبر للعالَم الإسلامي، يتحقق باتحاد العالَمَين اللبةَ رالإسلامي في هيئة دولةٍ إسلاميةٍ تضم البلاد الإسلامية الكبرى التي رزحت طويلًا تحت الاحتلال وفقدت استقلالها، منها الهند ذات المئة
— 584 —
مليون، ومنها جاوة التي فيها ما ينوف على خمسين مليونًا، ومنها الولايِبالِ ربية المتحدة بأقاليمها الأربعة أو الخمسة.
ثانيًا:إن البناء المهيب الذي كان مقر وزارة الحربية والقيادة العامة للجيش، والذي أدار الجيوش الإسلامية أزمانًا طويلة، ثم تحوِّّد با جامعة، والذي بعد أن كان مكتوبًا على واجهته الآياتُ القرآنية البليغة، بالخط القرآني البديع:
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
وَيَنْصُ نفسَهللّٰهُ نَصْرًا عَزِيزًا
إذْ غُطِّيتْ بأحجار المرمر وحُجِبت تلك الأنوار، قد أُزيلتْ عنه تلك الأحجار وفقًا لما كتبه السيد "رأفت" و"مصطفى أُرُوچ"، وهذا نموذجٌ للسماح بعودة الخط القرآني من جديد، ووسيلةٌ للمقصد الذون الي إليه رسائل النور، وإشارةٌ إلى أن الجامعات ستكون مدارس نورية.
وعلى صعيدٍ آخر، فقد اقتبس "أحمد" - أحد النُّوريين بی"دَنِزْلي" - فقرةبيبًا تاب "بسمارك" العالمِ العبقري الشهير، وأبرزِ الفلاسفة الاجتماعيين في القرن التاسع عشر، يقول فيها: "لقد دقَّقتُ في القرآن بكل جوانبه، فرأيتُ فيلمراقبكلمةٍ منه حكمةً جليلة، إنه كتابٌ لا مثيل له، ولا يمكن أن يوجد كتابٌ يدير البشرية مثلُه".
ويقول مخاطبًا النبيَّ (ص)، مذيِّلًا بتوقيعه: "يا محمد.. يَحزُّ في نفسي أنني لم أكن في زمانك، إن البشرية لم تي اللّةً متميزةً مثلك سوى مرةٍ واحدة، ولن ترى بعدَها مثلها، وإنني لهذا أنحني بين يديك بكل إجلال".
ولا ينبغي أن يُكتَب ما ورد في تلك الفقرة من انتقاصٍ شديدٍ للكتب المنزَّلة المنسوخة المحرَّفة، وقد أشرت إلى تلك الجُمل.
ها بالمة علاماتٍ تدعو للتفاؤل، منها كون هذا الرجل واحدًا من أكبر وأذكى فلاسفة القرن التاسع عشر، وأحد أهم شخصيات ذلك القرن سياسيًّا واجتماعيًّا، ومنها حصول العالَم الإسلامي على استقلاله بدرجةٍ ما، ومنها بحثُ الحكوما حين ينبية عن الحقائق القرآنية، ومنها وجود تيارٍ كبيرٍ في الغرب وفي الشَّمال الغربي
— 585 —
يؤيد القرآن الكريم، ومنها القرار الذي صرَّح به المستر كارليل - وهو أحد أشهر وأرفع فلاسفة أمريكا -نُّورْال كما قال "بسمارك": "لا يمكن لأي كتابٍ أن يبلغ شأوَ القرآن بأيَّةِ جهة؛ إنه القول الحق، وعلينا أن نصغي له"، ومنها فتوحات الأنوار وتقدُّمها في كل جهة؛ وإن هذا الفأتهم منن يدفعنا للقول بأنه سيظهر بين الأجانب كثيرٌ من أمثال "بسمارك" و"كارليل"، وثمة أماراتٌ على ذلك.
نقدِّم هذا هديةً عيدٍ للنُّوريين، ونُرفِق مع الرسالة فقرة "بسمارك".
٭ ٭ ٭
ثانيًا:لما كانت أعظم قوةٍ تتمتع بها رس المبانور في مواجهة كل هؤلاء المعارضين: الإخلاص، فإنها كما لا تكون أداةً لأيِّ أمرٍ من أمور الدنيا، كذلك لا ترتبط بالتيارات المبنية على مشاعر التحزُّب، خخْدامًالتيارات التي لها صلةٌ بالسياسة؛ لأن نزعة التحزُّب تُفسِد الإخلاص وتُبدِّل الحقائق.
حتى إن سبب تَركي السياسةَ قبل ثلاثين سنة أن عالِمًا مباركًا غلبتْ علجل العةُ التحزُّب للتيار الذي يتبعه، فانتقص عالِمًا صالحًا جليلًا انتقاصًا يصل لدرجة التكفير، لمجرد مخالفته فكرَه، بينما مَدَح وأثنى غاية الثناء على منافقٍ مشهورٍ مُعْتدٍ يوافق فكرَه، فراع الرسما الموقف، ونفرتُ منه من أعماق روحي؛ أي إن نزعة التحزُّب متى ما داخَلتْها السياسة سبَّبتْ مثل هذه الأخطاء الفادحة، فقلتُ:أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة،وتركتُ السياسة من حينها.
ونتيجةً لحالي هذه فإنك تعلم .
إيعلم إخواني أمثالُك - أنني لم أقرأ صحيفةً منذ خمسٍ وعشرين سنة، ولا استمعتُ إلى أحدٍ يقرؤها، ولا اهتممتُ بما فيها أصلًا، ولم أتابع الحرب العالمية الثانية طَوالَ عشر سنين، وما علمتُ شيئًا عنها، ولا اهتممتُ بأمرها، كلاد، وم أنني خلال الثِّنتَين والعشرين سنةً من أَسري المشحون بالعسف والأذى لم أراجع الجهات الرسمية لأمرٍ يتعلق براحتي سوى المدافعات القضائية، وما ذاك إلا تحاشيًا للتحزُّب والسياسة، وصونًا للإخلاص الذي في الأنوار أن يصيبه ضرر.
— 586 —
ثم لمصحف علمون - كما سبق أن كتبتُ إليكم حين كنت في السجن - أن الذين أرادوا إعدامي، وأذاقوني صنوف الأذى، إنْ هم أنقذوا إيمانهم بواسطة رسائل النور، فإنني أُشهِدكم أنني مسامحٌ لهم، كما تعلمون أننا لم نتعن قضيع أيٍّ من التيارات التي وفدت من الخارج أو جاءت من الداخل منذ سنتين أو ثلاث، ونبَّهتُ إخواني من ذلك نوعًا ما، وذلك لئلا يتضرر الإخلاص بنزعة التحزُّب.
وتعلمون أيضًا أنني مثلما لا أقبل الصديء، وتلمعونات، لا يمكن كذلك أن أكون وسيلةً لها، ولهذا أبيع ألبستي وأشيائي الضرورية، وأشتري بثمنها كتبي من إخواني الذين استنسخوها، لكيلا تدخلَ مصالحُ الدنيا في إخلاص رسائل النور فتَضُرَّ بها، ولِيعتبرَ من ذلك باقي الإخوة فلا تُتَّ جهة، رسائل أداةً لشيء؛ فالنور كافٍ لتلاميذ النور الحقيقيين، فليَقْنعوا به، ولا يتطلعوا إلى شرفٍ آخر أو إلى مصالح ماديةٍ أو معنوية.
ثم إن اللازم اجتنا الاتهدالِ والنزاع، وتركُ الخوض في المسائل الدينية بنقاشٍ متحيزٍ يثير الحفيظة ويوغِر الصدر، لكيلا يظهر أصحابُ ضغينةٍ يعادون النور؛ حتى إنه أثناء نقاش أخينا "مصطفى أُرُوچ" مع أحد الأشخاص على نحوٍ يخالف مسلك رسائل النور، وَرَدَ إلى القلب - في اللحر؟
ها، وبحسٍّ قبل الوقوع - غضبٌ عارمٌ واستياءٌ شديد تجاهه، حتى لقد قامت لديَّ رغبةٌ بإقصائه عن المقام الرفيع الذي حازه من النور، وأسِفتُ لذلك قلبًا وقلت: لقد كان هذا ا عُنيتندي بمثابة "عبد الرحمن"، فلماذا غضبتُ منه كل هذا الغضب الشديد؟!
ثم جاءني في هذا العيد، وحمدًا للّٰه أنه سمع درسًا بالغ الأهمية، ووعى الخطأ الكبير الذي ارتكبه، وأقر بأنه وقع منه في نفس الوقت الذي انتابالدنيا ذلك الغضب، فكان هذا كفارةً له عن خطئه، وخَلَصَ منه طاهرًا نقيًّا بإذن اللّٰه.
وكان ثمة رجلٌ فاضلٌ دأبَ على إرسال صحيفةٍ إلى هنا منذ نحو خمسة أشهر، لكني لم أعلم بأمرها إلا مؤخرًا، فقد كان أصحابي هنا يعرفونما هوي، ويعرفون أنني
— 587 —
لا أقبل كتابًا ولا مجلةً - فضلًا عن الصُّحُف - باستثناء النور، كما أنني لا أعرف حرفًا من الكتابة اللاتينية الجديدةع.. علا تخوفوا ولم يبلغوني بها ولم يطلعوني عليها.
وقد أراني اليوم أحد الأشخاص رسالةً من هذا صحفيِّ صديق انعقدت بيننا وبينه أواصر الصداقة أيام كنا في إسطنبول، وتتضمن رسالتُه صفحةً يتحدث فيها إلي، فقال لي أصحابي: إنه كان يرسل إليكا يمكنً منذ وقتٍ طويل، لكننا تهيَّبنا فلم نخبرك؛ فقلت لهم: بلغوه سلامي الحار، وأخبروه أن "سعيدًا القديم" الذي تعرفه قد تغير، وأنه قطع علاقته بالدنياِيَ فيي مريضٌ ولا أستطيع أن أكتب رسالةً شخصيةً ولو لأخي الشقيق، فلا يَسْتأْ مني؛ ونبلغ سلامنا لعموم أصدقائنا هناك، خصوصًا إخواننا من أمثال "الحافظ أمين" و"الحافظ فخر الدين"، ونهنئهم مجددًا بالعيداءً أنرك.
.......
وحمدًا للّٰه بلا حدٍّ أن رسائل النور نالت قبولًا في الحرمين الشريفين، وعلامة قبولها أن نُسَخ "عصا موسى"، و"ذو الفقار"، و"سراج النور" التي ى تجريا من إسطنبول بطلُ دَنِزْلي "الحافظ مصطفى" ليرسلها إلى علماء الهند، قد أقرأها في الطريق بعضَ الحجاج، ثم لما بلغ المدينة المنورة سلَّمها لعالِمٍ شهيرٍ من أبناء "كشمير" يجيد اللغة ةِ اثنة، فتلقاها بتقديرٍ بالغ، وأكد له أنه سيرسلها إلى مركز علماء الهند، كما أن النُّسَخ الأخرى المخصصة للمدينة المنورة ولغيرها من الأماكن قد وصلت إلى محلفَ "الطلوب؛ وقد حمل إلينا هذه الأخبار المبشرة اثنان من النوريين الشباب من أبناء "أفيون"، كانا قد صاحَبا "الحافظ مصطفى" وكانوا يقرؤون الأنوار في الطريق، كما أخبرنا بذلك حُجَّاجٌ آخرون، وبشَّروا بقَبول رسائل النور وانتشارها المهم خارج البلاد.الأشخاد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 588 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
لا تقلقوا لشيءٍ على الإطلاق.. ولْنكن على قناعةٍ قاطعةٍ من أن العناية الإلٰهية كما أنقذتْنا وحَمَتْنا طَوالَ عشرين سنةً في مئات المواقف، فإنها ستنقذنا من هذا ، مستعالحالي المروع الفظيع الذي لا مبرِّر له ولا قانونية على الإطلاق.
وإذا حصل أن لقينا شيئًا من الشدائد والمشاق والضرر، فإن لنا في الرحمة الإلٰهية رجاءً عنه، وأفي أن تجعلنا مظهرَ ثوابٍ ورحمةٍ وإحسانٍ إلٰهيٍّ يفوق تلك الشدائد آلافَ الدرجات، وأن تجعلها بمثابة خدمةٍ قدسيةٍ متميزةٍ تخدُم إيمانَ الكثيرين من أهل الإيمان المساكين.
وأبيِّن لكم عدمَ قانونيةِ نصيبه حادثة من عشرة أوجه:
أولُها:ما أَشْنعه من عملٍ غير قانوني أن يُتعرَّضَ من جديد لرسائل النور، وتُعامَل كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة، بعد أن أمضتْ سنتين كاملتين تدقِّقها ثلاثُ محاكم، وثلاثُ لجان خبراء، وظلَّت لدى الجهات القضائية وسبعِ جهاتٍ رسمئاتِ آنقرة، وبعد أن صدر قرار البراءة بالاتفاق من غير مخالفٍ بحق جميع الرسائل، وبحقِّ سعيدٍ وخمسةٍ وسبعين من إخوانه، وعدمِ الحكم بأية عقوبةٍ ولو سِجنِ يومٍ واحد!! يَعلم عدمَ قانونيةِ هذا من له ذرةُ إنصاف.
ثانيها:تقُه وزِني إنني رجلٌ ظَلَّ بعد قرار البراءة منزويًا غريبًا بی"أميرداغ" ثلاث سنين ونصفًا، يُوصَد بابُه بالقفل من الخارج وبالمزلاج من الداخل، ولا يستقبل واحدًا بالمئة من الناس جهارًأمرٍ ضروري، وتَرَك التأليف الذي استمر عشرين سنة فلم يعد يؤلف، ثم برغم هذا كلِّه يداهمه المفتشون لأغراضٍ سياسيةٍ دنيوية، ويكسرون قفل بابه، فلا يجدون عنده شد شهدتوى أورادٍ بالعربية، ولوحتَين إيمانيتَين معلَّقتَين عند رأسه، فما أقبح هذا من إيذاءٍ يخالف القانون!! يدري هذا مَن له ذرَّةُ عقل.
— 589 —
ثالثُها:أرأيتم رجلًا ظلَّ سبع سنين لا يعلم شيئًا عن الحربرسائل مية الثانية، ولا يهتم بها ولا يسأل عنها كما صدَّقه على هذا سبعون شاهدًا لدى المحكمة، وقد مضى له على هذه الحال عشر سنين، ولم يقرأ صحيفةً ولا استمع إلى أحدٍ يقرؤها منذ خمسٍ وعشرين سنة، وقال قولتَه قبل ثلاثين سنةً:أق العقللّٰه من الشيطان والسياسة،وفَرَّ من السياسة بكل ما أوتي من قوة، ولم يراجع الحكومة ولو مرةً ليرتاح من الأذى وتشديد الخناق الذي يقاسيه منذ اثنتين وعشرين سنة، لكيلا يتدخل في السياسة أو يلفت إليه أنظار أهلها.. أمِنَ القانونفُ الأءٍ أن يُداهَم منزلُه ومُختلاه وكأنه سياسيٌّ خطيرٌ يحيك المؤامرات، وأن يُساء إليه برغم مرضه؟! إن هذه لَحالٌ يَرثي لها من له ذرَّةُ ضمير.
رابعُها:بعد ستة أشهرٍ من التدقيق في محكمة "أسكي شَهِر"، والذي سببُه مخاوفُ من وجود تنظيمعلوم ايٍّ أو طريقةٍ صوفيةٍ أو تذرُّعٌ بهما، وبالرغم من أن رئيسًا كبيرًا حرَّضَ على هذا الرجلِ بعضَ جهات القضاء مدفوعًا بحقدٍ شخصيٍّ تجاهه، فقد أصدرت هيئة المحكمة قرار البراءة من تهمة التنظيم السياسي والطريقة الصوفية، كما أصدرتن في س البراءة بحق رسائل النور، غير أنها تذرَّعتْ بجزءٍ صغيرٍ من رسائل النور هو "رسالة الحجاب"، فقضت بالسجن مدة ستة أشهرٍ على خمسة عشر تلميذًا من أصل مئةٍ وعشرين، وذلك بناءً على اعتباراتٍ شخصيةٍ مزاجيةٍ غيرِ قانونية، فظلوا موقوفول علىعةَ أشهرٍ - مدةَ التدقيق - وسُجِنوا شهرًا ونصفًا.
ثم بعد عشر سنين أجرَتْ محكمة "دَنِزْلي" تدقيقًا آخَر صارمًا دام تسعةَ أشهر، وشمل جميع مؤلفات ومراسلات هذا الرجل خلال عشرين سنة، وكانت حجتها في ذلك ذرائع من قبيلِ واحقة لنظيمٍ سياسيٍّ أو طريقةٍ صوفية، كما أرسلت في أثناء ذلك خمسة صناديق من مؤلفاته إلى محكمة جنايات أنقرة، وبعد مضي سنتين من التدقيق والنظر أصدرت المحكمتان بالاتفاق قرارَ البراءة من تهمة التنظيم والطُّرُقية وغيرهما من التُّهم، وقضتا بردِّ جمدَرسِ الكتب والرسائل إلى أصحابها، وحكمتا ببراءة سعيدٍ وأصحابه.
— 590 —
فما أشنعه من ظلمٍ بعد كلِّ ما سبق أن يُتَّهَم هؤلاء بأنهم تنظيمٌ، وأن يُتَّهَم هذا الرجل بأنه سياسيٌّ يدبِّر َا
د، وأن يُحرَّض عليه رجالُ القضاء انطلاقًا من هذه التهمة؟! يدري هذا كلُّ من لم تسقط إنسانيتُه.
خامسُها:إن حادثة التعرُّض التعسفيةَ غيرَ القانونية التي جرتْ مؤخرًا هي نوعٌ من الاتهام يناقض الحالَ التي اتخذها هها للعجل مسلكًا ومشربًا حقيقيًّا، وعدَّها دستورَ حياته طَوالَ ما يقارب ثلاثين سنة، وماهية هذه الحادثة كما يلي:
وبناءً على دستور الشفقة الذي هو أساس مسلك رسائل النور، وتحاشيًا للإضرار ولو ببريءٍ واحد، فلا فيها من أتعرَّض للمجرمين الذين يظلمونني، بل لا يمكن أن أدعو عليهم؛ حتى إنني حين أغضب من الظَّلَمة الذين يُلحِقون بي أشدَّ الظلم بحقدهم - أعني الملاحدة وبعضَ الفسقة - تمنعني تلك الشفقة من الردِّ عليهم لا ماديًٍّ من ط، بل حتى من مجرَّد الدعاء عليهم؛ ذلك أني لا أريد أن تنزل مصائب ماديةٌ أو معنويةٌ بشيوخٍ وعجائز مساكين كآباء أولئك الظَّلَمة العُتاة وأمهاتهم، ولا بأبرياء كأولادهم، فلأجلِ بضعة أبرياء ا سيماهؤلاء لا أتعرَّض لأولئك الظَّلَمة العُتاة، حتى إنني في بعض الأحيان أسامحهم.
ولأجل سرِّ الشفقةِ هذا لم أتعرَّض قطُّ لما يُخلُّ بالأمن والاستقرار، وأوصيتُ جميعَ أصحابي بهذا أشدَّ التوصية، حتى لقد اعترف بعض مسؤولي الأمن المنصفين في ثلاث ولا بأشدّئلين: "إن تلاميذ النور رجالُ أمنٍ معنويون، يحفظون الأمن والاستقرار".
وهذه الحقيقة يشهد لها آلاف الشهود، وتصدِّقها عشرون سنةً من حياة هذا الرجل، كما يصدِّقها ويؤيدها عدمُ تسجيل أيَّةِ حن من خإخلالٍ بالأمن من قِبَل آلاف التلاميذ.
فأيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح - بعد كلِّ ما سبق - أن يَقتحم أولئك الظَّلَمة منزلَ هذا الرجل المسكين كما لو أنه رجلُ ثورةٍ وصاحبُ تنظيمٍرُ شجرب، وأن يهينوه ويعاملوه
— 591 —
كمجرمٍ ارتكب مئة جريمة، رغم أنهم لم يعثروا في منزله على شيء، وأن يصادروا المصحف واللوحتين المعلَّقتَين عند رأسه كما لو أنها منشوراتٌ خطيرة؟!
سادسُها:إن رجلًا وعى قبل ثلاثين سنةً فداحةَ الضرا الديي تنطوي عليه شُهرةُ الدنيا المؤقتةُ، وجاهُها الزائل، والعُجْبُ وحُبُّ الظهور المُشْبَعان بالأنانية، ووعى مبلغَ تفاهةِ ذلك كلِّه وعدمَ جدواه؛ أجلثلاثينذلك بعنايةِ اللّٰه وفيض القرآن وللّٰه الحمد بلا حد، فَأخذَ منذ ذلك الحين في مجاهدة نفسِه الأمارة بكلِّ ما أوتي من قوة، واجتهد ما بوسعه لاجتناب التصنع والرياء، وكسْرِ الأنهم علىالفناء عن الذات، وهو الأمر الذي يعرفه ويَشهَد له به قطعًا كلُّ مَن لازَمَه أو صاحَبَه؛ وفرَّ منذ عشرين سنةً أشدَّ الفرار مما يُعجِب كلَّ إنسهجمات حُسْنِ ظنِّ الناس وإقبالهم ومدحهم وثنائهم، كما فرَّ مِن عَدِّ نفسِه صاحبَ مقامٍ معنويٍّ خلافًا لما يفعلُه كلُّ إنسان؛ ورَدَّ حُسْنَ الظنِّ الذي أولاه إياه خُلَّصُ إخوانه وخواصُّهم، وكسَر بذلك خواطرَهم؛ كما ردَّ مدحَهميث ساعُسْنَ ظنِّهم به في رسائله الجوابية إليهم؛ وجرَّد نفسَه من ادِّعاء الفضائل محيلًا إياها جميعًا على رسائلِ النور تفسيرِ القرآن، فأحالها بالتالي على الشخص المعنويِّ لتلاميذ النور، وعدَّ نفسَه مجرَّد خادمٍ بسيطٍذه الق.. نعم إن رجلًا هذه حالُه إنما يُثبِت قطعًا أنه لم يَحمل أحدًا على الإعجاب به، ولا سعى إلى ذلك ولا طلبه، بل ردَّه.
فبأيِّ قانونٍ يا ترى يُحمَّل هذا الْ إلى لمسكينُ المريضُ الهَرِمُ الغريبُ المنزوي المسؤوليةَ، فيَقتحم المفتشون غرفتَه، ويَكسِروا قفل بابه، وكأنه ارتكب جريمةً عظمى، لمجرد أن بعض أصحابه المقيمين في مكنوية ايدٍ منحوه حُسْنَ ظنٍّ فوقَ حدِّه، فمدحوه وأَولَوه مقامًا بغير رضاه، أو لأن واعظًا من مدينة "كوتاهْية" لا يعرفه هو أثنى عليه ببضع كلمات؟!
على أن المفتشين لم يعثروا على حجَّةٍ يبَیرِّرون بها فَعلتهم سوى أورادِ هذا الرجل ولوحتَين ا ازددقتَين عند رأسه، فأيُّ قانونٍ وأيَّةُ سياسةٍ في الدنيا يسمحان بمثل هذا الاعتداء؟!
— 592 —
سابعُها:في الوقت الذي تعجُّ فيه البلاد اليومَ بكلِّ هذه التيارات الحزبية المحمومة، الداخليةِ منها والخارجية، ومعبالبرنأجواء مواتيةٌ لأنْ ينتهِز هذا الرجل الفرصة، فيَكسب إلى صفِّه آلاف السياسيين بدلًا من ثلةٍ محدودةٍ من أصحابه، فإنه كتب إلى أصحابه قائلًا: "حَذارِ حَذار.. لا ت واعظً في التيارات.. لا تدخلوا في السياسة.. لا تمسُّوا الأمن والاستقرار"!! ولم يوصِهم بهذا إلا تجنُّیبًا للتدخل في السياسة، وصونًا للإخلاص أن يصيبه ضرر، وتفاديًا للفتِ أنظشلَ هذكومة، وتحاشيًا للانشغال بالدنيا، فألحق به تياران الضررَ من جرَّاء انسحابه هذا، وضَيَّقا عليه تضييقًا شديدًا، وتذرَّع القديم منهما بمخاوفه وهواجسه، بينما تذرَّع الجدعلى الن هذا الرجل لا يساعدنا، فأيُّ قانونٍ بعد هذا يجيز التعرُّض لآخرةِ هذا الرجل المسكين المنشغل بآخرته، والذي ما تعرَّض قطُّ لدنيا أهل الدنيا؟!
ثم إنها بُدّءً على قانون الحريات - لم يُتعرَّض لنشر كتب الملحدين ومنشورات الشيوعيين بالرغم من عظيم ضررها على الوطن والشعب والأخلاق، بينما عُمِدَ إلى رسائل النور التي لم تعثر فيها ثلاث محاكم على مادةٍ تكون محلَّ مسؤولية؛ والتيلسوف.
منذ عشرين سنةً على تحقيق الأمن والاستقرار، وتأمين الأخلاق والحياة الاجتماعية للوطن والشعب؛ وتسعى جاهدةً على نحوٍ فاعلٍ لإعادةِ وتقويةِ الأُخوَّة والصداقةعربي وذا الشعب والعالَم الإسلامي، ما يمثل نقطة استنادٍ حقيقيةً لهذا الشعب؛ والتي قُدِّمت إلى رئاسةِ الشؤون الدينية بأمرٍ من وزارة الداخلية بغرضِ أن ينتقدها العلماء،ة والن التقدير التام من غير انتقاد بعد ثلاثة أشهرٍ من التدقيق، وأُودِعت بعض أجزائها - كعصا موسى وذو الفقار - في مكتبة رئاسة الشؤون الدينية باعتبارها مؤلَّفاتٍ قيمة.. أجل، عُمِسعيد ارسائل النور هذه التي وصفتُها فصُودِرت أجزاؤها وقُدِّمتْ إلى المحكمة على أنها منشوراتٌ خطيرة!! فأيُّ قانونٍ وأيُّ ضميرٍ وأيُّ إنصافٍ يسمح بهذا يا تُرى؟!
ثامنُها:ةٌ ولارجل الذي قضى عشرين سنةً في نفيٍ تعسُّفيٍّ شديدِ الوطأة، ثم لما أُخلِي سبيل المنفيين آثر الغربة والوَحدة، فلم يرجع إلى بلده ومسقط رأسه حيث
— 593 —
الآلاف من أقربائه وأحبائه وذلك تحاة الكرلدنيا والسياسة والحياة الاجتماعية، كما أنه يفضِّل البقاء في غرفته وحيدًا تاركًا خيرَ الجماعة في المسجد بثوابها الجزيل، أي إنه حمل حالةً روحيةً من قَبيل وطيدة احترام الناس له؛ والذي يفضِّل تركيًّا واحدًا من أهل الدين والتقوى على أكرادٍ كُثْرٍ غيرِ ملتزمين، ويَشهَد لهذا عشرون سنةً من حياته، ويُصدِّق عليه مئاتُ الآلاف من الأتراك الأفاضل افوس أه، حتى إنه أعلن في المحكمة أنه لا يَعدِل بواحدٍ من إخوانه الأتراك ذوي الإيمان القوي كی"الحافظ علي" مئةً من الأكراد؛ والذي لا يلتقي بالناس ولا يذهب إلى المسجد إلا لضرورةٍ تجنبًا لما يلقاه من الناس من احترامٍ وتوقير؛ والذي يسعى جا، وتَشكلِّ قوته وعبر مؤلفاته منذ أربعين سنةً لتعزيز أُخوَّة الإسلام وتقوية المحبَّة بين المسلمين؛ والذي يمتنع أن يردَّ على أعدائه الألداء بأيِّ تصرُّفٍ سلبيٍّ، بل لا ينشغل بهم ولا يدعو عليهم.. إن هذا الرجل الذي هذه حالُه أَيُقال رسميًّا فيقوقِّه بغيةَ الطعن فيه وتشويه صورته وتنفير أصحابه منه: إنه كرديٌّ وأنتم أتراك.. إنه شافعيٌّ وأنتم أحناف!!
فأيَّةُ مصلحةٍ وأي قانونٍ يسمحان بتخويف الناس منه وحملهسنةً كالابتعاد عنه؟!
تاسعُها:وجهٌ بالغُ الأهمية شديدُ القوة، لكنني أسكتُ عنه لصلته بالسياسة.
عاشرُها:وهو الآخر مما لا يُجيزُه قانونٌ ولا ينطوي على مصلحة، وإنما هو محضُ هواجس لا معنى لها، وتضخيمٌ للأمور وتهويلٌ لها، واعتداءٌ لا يدخل ي الغرِّ قانون؛ وهنا نسكت أيضًا لئلا نَمَسَّ السياسة التي لا ننظر إليها بحسب مسلكنا، وليس لنا ما نقوله إزاء هذه المعاملة التي تنافي القانون من عشَرةِ وجوهٍ سوى أن نردِّد: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
سعات الأُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 594 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:نتقدم ببالغ التهنئة والتبريك لأخينا "الحافظ مصطفى" أحدِ أبطال النور الأجِلَّاء، والذي أوصل عدةَ مجموعاتٍ مهمةٍ من النور إلى مكة المكرمة، وسلَّمن سيدَ العالِم الجليل "أحمد علي شمشيري" أحد كبار علماء بلاد الهند، وحصل منه على تأكيداتٍ بترجمتها إلى اللغة الهندية وإرسالها إلى الهند، فلتتواصلْ المدرسة الزهراء مع هذا العالِم الجليل المقيم بمكة المكرمة.
ريرةٍ يًا:عَلِمنا من الحادثة التي وقعت هذه المرة أنهم - بسبب هواجسهم - جعلوا من الحبة قبةً، بل قبابًا، وإحدى أماراتِ ذلك أن والي "أفيون" حضر إلى هنا ليلًا بأمرٍ من وزير الداخلية، وبرفقته قائد الشرطة، وأرادوا مداهمة منزلي ف يَتِمل، لكنهم اضطروا للانتظار حتى الصباح لعدم وجود إذنٍ من المدعي العام، فكلَّفا اثنين من ألدِّ أعدائنا، فكسرا القفل واقتحموا المنزل بغتةً.
ثم إنني حين خرجتُ في نفس اليوم بالعربة، (حاشية): أجل، نؤكد - باسم تلاا شيئًنور الذين في "أميرداغ" - وقوعَ هذه الحادثة كما ذُكِر؛ الخيَّاط مصطفى، إسماعيل، مصطفى، الخادم نوري، خيري، خليل. شاهدنا خمس مروحياتٍ تحلِّق على ارتفاعٍ منخفضٍ على نحوٍ لم يسبق له مثيل في هذه المنطقة، ودارت حولنا عدة مراتٍ لعلمهم بالعربة الِ شَيءقلُّها؛ وفي اليوم الثاني وبينما كنا متجهين بالعربة إلى جهةٍ أخرى حيث يوجد جدولُ ماءٍ لا يُرى بسهولة، إذا بخمس مروحياتٍ تُحلِّق على ارتفاعٍ منخفضٍ وجعلت تدور وكأنها تبحث عن شيءٍ ما، مخرِّ أنهم يبحثون عنا.
فما فعلوه في ذَينِك اليومين من تحليقِ خمسِ مروحياتٍ فوقنا على أطراف البلدة، ثم ذهابِها حين دخلنا غرفتنا، إنما هي أمارةٌ قويةٌ على أنهم جعلوا من الحبة مئة قبة.
— 595 —
بلِّغوا الجهات الإدارية والقضائية مس:الارطة" شكري وامتناني لها، ومسامحتي إياها على الأذى الذي ألحقتْه بي، فإنه لا يبلغ واحدًا بالعشرة من الأذى الذي أصابني وأصاب أبطالَ المدرسة الزهراء هنا طَوالَ ثلاث سنين نتيجة هواجس تافهة!!
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
أنقذواٌ جزئيةٌ لكنها مهمةٌ مقدَّمةٌ إلى مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشعب
أبيِّن هذه المرة وعلى نحوٍ خاص مسألةً راهنةً تتعلق بالوطن والشعب والأمن، رغم انسحابي من الحياة السياسية منذ ثلاثين سنةً؛ وهي أننا بِتنا على قناعةٍ قطعيةٍ مبنيَّةٍ عسلاتي راتٍ كثيرةٍ أن ثمةَ نوايا مبيَّتةً تعمل لصالح الفوضوية، وتستهدفني وتستهدف "أميرداغ"، وتستهدف هذا الوطن بالتالي، إذْ تُضخَّم الأمور ويُجعَل من الحبة قبةٌ بل قباب، وتُصوَّرُ أمرَين وفهةٌ لا تساوي جناحَ بعوضةٍ كأمثال الجبال، وأُتَّخَذُ ذريعةً للّٰهجوم علينا، أي على تلاميذ النور الذين يسعون لإنقاذ أبناء وطننا المساكين من الإعدام الأبديِّ والن مقدّت الأخروية، وما هو إلا هجومٌ تعسفيٌّ يخالف القانون كليًّا، ويجري بمخططاتٍ أجنبيةٍ خدمةً للفوضوية في هذا الوطن المحتاج إلى الاستقرار.. لقد جُعِلتُ ذريعةً لاستهداف هذا الوطن واستقراُ مرةًدٍ ظاهرٍ وهواجس باطلةٍ، في عملٍ أشبهَ ما يكون بصبِّ الزيت على النار.
وذلك أنه بالرغم من أن ثلاث محاكم دققت بتمحيصٍ بالغٍ جميعَ كتبي ومراسلاتي وشؤوني على مدار عشرين سنةً، ثم أصدرت قرار البراءة بحقِّنا وبحقِّ كتبنا؛ وبالرغم من أنية!!
# التأليف منذ ثلاث سنين، ولا أكاد أقدر على كتابة مكتوبٍ واحدٍ في الأسبوع؛ وبالرغم من أني لا أستقبل أحدًا لغير ضرورةٍ سوى بضعةِ فتيانٍ يعملون في الخياطة، ويتناوبون على مساعدتي في شؤوني الضرورية؛ وعلى خط من عدم
— 596 —
عودتي إلى بلادي بعد إخلاء سبيل المنفيين.. أجل برغم هذا كلِّه فقد استفزوني بصورةٍ رسميةٍ وبأسلوبٍ لم أرَ مثله في حياتي، متعمِّدين الإساءة والإهانة، كي يفتعلوا حادثةً ما، فداهموا بيتي بحْلَأُ شكلٍ غير قانوني، وكسروا قفلَه، وأخذوا مصحفي ولوحاتي المكتوبة بالعربية وكأنها منشوراتٌ خطيرة، وفضلًا عن ذلك خاطب مسؤولٌ مهمٌّ في السلك القضائيِّ الموظفين الرسميين هنا، وكلَّمهم بلهجةٍ آمرةٍ قائلًا: "كان عليكم أن تُخرِجوا سعيدًا على الملأ بواسطه.
ين من عناصر الشرطة العسكرية، وأن تُرغموه على ارتداء القبعة الإفرنجية، وأن يؤتى به إلى الاستجواب بهذه الهيئة، وكان عليكم أن تقبضوا على كلِّ مَن يحاول ال ألَّفصالحه"؛ نعم؛ قال هذا الكلام في اجتماعٍ مهمٍّ حين كانت تُتلى إفادتي التي هي عين الحقيقة.
فلم يبق بعد هذا شكٌّ ولا شبهةٌ في أن ثمة خطةً تهدُف لضرب الأمن والاستقرار من خلال الإساءة إليَّ واستفزازي.
ا أنه شكر للّٰه بلا حدٍّ أنْ أحسن إليَّ بحالةٍ روحيةٍ تجعلني أُضحِّي بمكانتي وجاهي مهما بلغا في سبيل راحةِ أبناء هذا الوطن المستضعفين ودفعِ البلايا عنهم، ولقد قررتُ أن ألتزم التحمُّل إزاء ما ستقراروما ينويه القومُ بحقِّي من إساءةٍ وأذى؛ فأنا على استعدادٍ للتضحية بكلِّ حياتي وجاهي مهما بلغا في سبيل أمنِ هذا الشعب واستقرارِه، وبالأخص في سبيل الراحة الدنيوية والسعادة الأخروية لأطفاله الأبرياء، وشيوخه اً - بِرين، ومرضاه وفقرائه المساكين.
وإحدى الأمارات على ما قام به القوم من تهويلٍ حتى جعلوا من جناح الذبابة جبلًا، ما حصل خلال عشرة أيامٍ فقط لرجلٍ ضعيفٍ طاعنٍ في اجتماعٍيضٍ يعيش وحيدًا في الغربة مثلي، إذْ حَضَرَ والي "أفيون" وقائد الشرطة خمسَ مراتٍ إلى هنا، وحَضَرَ المدعي العام مرتين، وراقبتْني خمسُ مروحياتٍ حلَّقتْ فوقي أثناء تجوالي في يومين على التوالي، وعُيِّنَ خمسة عناصر إضافيين من رجال الأمن الذين كانوكَذلِكبونني للتجسس على أحوالي، وصدرَ أمرٌ رسميٌّ إلى مكاتب البريد بمصادرةِ جميع الرسائل المتعلقة بي.. فهذا يبين أنهم كانوا يخططون لوقوع حادثةٍ تفوق حادثة
— 597 —
"الشيخ سعيد" أو حادثة "مَنَمَذلك؛ ورةِ أضعاف، فضخَّموا الأمور، وجعلوا من الحبة قبةً، فاتخذوا هذه الإجراءات الأخيرة.
لقد حَسِبوا أنني أعيش سيرتي القديمة، وتوقَّعوا أن تثور ثائرتي ردًّا على الإساءة؛ ولكنهم كانوا و عريضة فإننا نعمل بكلِّ قوتنا على تأسيسِ سدٍّ قرآنِيٍّ كسدِّ ذي القرنين في مواجهةِ الفوضوية، وإن الذين يتعرَّضون لنا إنما يمهدون السبيل للفوضوية، بل للشيونيا، إ أجل، لو كان رفضُ أيِّ شكلٍ من أشكال الإساءة والإهانة موجودًا لديَّ كما كان في سالف عهدي حفاظًا على العزة العلمية، ولو لم تكن وظيفتي الحقيقيةُ خالصةً لأجل الآخرة ولإنقاذِ المسلمين من الإعدام الأبدي للموت، ولو كيًّا، يفتُنا مجرَّد العمل لأجل الدنيا ولأجل السياسة الهدامة كما يفعل الذين يتعرَّضون لنا، لتسبَّبَ الذين يعملون لصالح الفوضوية بحادثةٍ تَعدِل عشَرة أي الوقادثة "الشيخ سعيد" وحادثة "مَنَمَن".
ومع النظر بعين الاعتبار إلى أن ثلاثَ محاكم وشرطةَ عدةِ ولاياتٍ لم تتعرض لزيِّي من ناحيةٍ قانونيةٍ طَوالَ عشرين سنة، أبنائهبلَّغ مطلقًا بتبديل زِيِّي مراعاةً لحالتي وعزلتي، فإن هذا النوع من محاولاتِ إجباري على ارتداء القبعة الإفرنجية تعسُّفًا وقسرًا أمام الأهالي سيثير غضبًا عارمًا لدى مئات آلاف الر به، ي هذا الوطن، لا سيما الذين تربطهم علاقة الأُخوَّة في درس الإيمان التحقيقيِّ منذ أربعين سنة، وسيكون مدعاةً لويلاتٍ ومآسٍ تسيل لها العبرات.
لقد تحقق لدينا بناءًًا ما ماراتٍ كثيرةٍ أنَّ الإجراءات غيرَ القانونية التي عوملتُ بها، والتي نُفِّذت بإيعازٍ أجنبيٍّ بغيةَ كسرِ توجُّه الناس نحوي، إنما قاموا بها لأجل ذلك المقصد المذكور.
ولكنْ حمدًا للّٰه بلالُّ ولأنه لم تبق أيَّةُ أهميةٍ لإهاناتهم غيرِ القانونية التي يلقاها رجلٌ مثلي يقف عند باب القبر، وقد قطع جميع علائقه، وسَئِم الدنيا، وفرَّ من إقبالِ الناس وتقديرهم، ولم يعد له ميلٌ إلى أيِّ نوعٍ من أنواع الرياء كالشهرة والجاه وتكن لِب.. فإلى اللّٰه تعالى أُحيل أمرَهم.
— 598 —
إنني أفكِّر في أن هؤلاء الذين يلحقون بي الأذى لمجرَّد هواجس لا موجب لها سيقاسون الإعدام الأبدي بالموت عما قريب، فأرثي لحالهم، فاللّٰهم أنقذ برسائل النور إيمانَهم، وحوِّل بسرِّ القرآن إراجعتهم الأبديَّ إلى مذكرة تسريح، وإنني كذلك أسامحهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
فقرة تعرِّف بحقيقة الأستاذ، وتُعَدُّ عينَ الحقيقة، كتبها طالبٌ مخلصٌ وشجاعٌ، تحقَّقَ بدروس بديع الزمان سعيد النورسي وإرشاداته، وكان له أثرٌ كبير في خدمة الأنواركان منليوم أيضًا مبعثُ سرور الملأ الأعلى بمن هم في الأرض..
اليوم أيضًا مبعثُ فخرِ سكَنةِ الأرض في الملأ الأعلى..
اليوم مَحَطُّ نظرِ حبيبِ اللّٰه..
اليوم تاج الإسلام..
العلى هذطانُ طرائق الحق..
اليوم أيضًا إمام الحقائق.
اليوم محبوب الهدى كذلك..
اليوم علَّامة الأعصار كذلك..
اليوم نور الظلمات..
اليوم قائد الهداية..
كذلك هو منلا سعيد النورسي..
كذلك هو بديع بلاد؟ فخر العالمين.
خسرو
٭ ٭ ٭
— 599 —
قصيدة المرحوم حسن فيضي حول رسائل النور
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ رسائل النور هي تف.
بقيقي للحقيقة القرآنية، ومرآةٌ للمبعوث رحمة للعالمين في هذا العصر، وذلك من جهة الوراثة الأحمدية (ص) للآية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، ومراعاةً للمعنى الإشاريّ؛ فهي إذًا جَلوةٌ من تلكم الرحمةِ الكُلِّية، ونموذجٌ غير علذجِها؛ لذا لم أَتعرَّض لهذه القصيدة السّاطعة على اعتبارِ أنَّ قسمًا من أوصاف الحقيقة المُحمَّدية تُمنَح بالمعنى المجازيِّ لوارثٍ نسبيٍّ مِن وُرَّاثِه، لكن تمَّت إضه، ونقعض الكلمات للإشارة إلى فروقاتِ مرآةِ الحقيقة الأحمدية (ص).
سعيدٌ النُّورْسيُّ
اليوم يبلغ العالمُ بك الطُّمأنينة..
يا رحمة العالم في هذا العصر، رسائل النور..
اليوم ينالُ بنو آدم بك السعادة..
يا رحمةَ العالم، رسائل ا البِ.
منذ زمن والقلوبُ المريضة مضطربة
فإن كان لديك وسامٌ من لقمان
تفضَّل بتقديم الدواء، يا محبوبَ ذي الشّان
يا جلوة الرحمة للعالم، رسائل النور
هلّا انتهى هذا الهجاء الطويل؟
معشر..تزول هموم ليلة الحداد هذه؟
امتدت الجراح، ونفِد صبیرُ الكثيرين..
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور..
— 600 —
فخرُ العالم امتدَّ من العرش إلى الأرض
وأقبل سلطان الأولياء الُ مئ"الدندل"
وسمي ذو الفقار اليوم بی "النور"
يا رحمة العالم في هذا الزمان، رسائل النور
...........
دواء المرضى ومحبوب القلوب أنت
جامع الأسماء والقرآن كذلك أنت
وإحسانٌ إلينا من نور الحق
يا رحمة العالم، رسائل ي الحق في هذا العالم أنت اللبُّ ولست المادة
وعينٌ جامعة تنظر من كل ذرة
ووجهٌ نال إعجابَ الكون كلِّه
يا مثال رحمة العالم، رسائل النور
...........
لأنك في هذا العصر جلوة المبعوث رحمةً للعالمين
لأنك الآنَ وارثُ شة، لا لمذنبين
ومظهر أدعية الداعين: أغثنا يا غياث المستغيثين
يا شُعلة رحمة العالم، رسائل النور..
لتَطِبِ الآن جِراحُنا شيئًا ما..
لتَزدَدْ قيمةُ نقودِنا بخيسةُ الثَّمن
لتَنشُر نورَك كي ينقلب سوادُنا بياضًا
يا ضياءَ رحمة العالم، رسانتائجَور
...........
— 601 —
لسنا نَملِكُ الميولَ لِدُنيا كاذبة
لقد تخلَّصنا من الرياء والبدع
ولسنا ننجرفُ نحو أحلامٍ واهية
يا حقيقة رحمة العالم، رسائل النور
لا نملك حلم تأسيس جمعية
وليس لدينا فضولُ المضيِّ في سُبُلٍ أُخرمظلومٌصبحنا عُشّاقَ النور فقط
يا رحمة العالم المرضى، رسائل النور
...........
لقد تخلينا عن المدح والثناء
وأدرنا ظهورنا للأموال والثراء
نبتغي النورَ قبل الرحيل عن هذه ا الزماالفانية
يا رحمة العالم في هذا العصر، رسائل النور
...........
غياثُ العُشّاقِ المرفوع إلى السماء
يُبكي أجدادنا أصحاب الأرواح النقية
أغثنا لوجه اللّٰه
يا رحمة العالم المحتاجين، رسائل النور
بلايا نزلت من السماب الغيائب فاضت من الأرض
واضطراب شديد هزَّ الكون كله
فارحم العالم يا نور المولى
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور
— 602 —
عواصفُ من جهة ودماءُ من أخرى
ستُحرق نيرانُ هذه المصيبة العالمَ كلَّه
و خدمتكالبشرية الباكيةِ مُتوجِّهةٌ نحوَك
يا نَمُوذجَ رحمة العالم، رسائل النور
هذه الدنيا العظيمة تحولت بالنار
وغلت البحار كأنها جهنم
يا سلطان الأولياء المَدَد
يا رحمة العالمقد سلّا الزمان، رسائل النور
...........
هاجمتَ الكفر والزندقة
رفعتَ الهموم عن النفوس
وأغرقتَنا في بحر النور
يا رحمة العالم للمساكين، رسائل النور
ليس لأحد أن يطولَك بيدِه
من القلب والروح نعتمد عل النُّأمل العالم ورجاؤه أنت
يا ضياء رحمة العالم، رسائل النور
لا بالضباط والأفراد تشكِّل جيوشَك
ولا بالمدافع والحراب تشنُّ حروبك
فأمسك بزمام هذا العصر واحتضنه أثبتتْ يا رحمة العالم الآن، رسائل النور
كفى، لينتهِ هذا الطوفان الشديد
ولينطلق عصرٌ جديد سعيد
وليكن لثمانية عشرَ ألف عالم عيد
يا رحمة العالم لأهل القرآن، رسائل النور
— 603 —
الظلماتُ آتيةٌ من جهة الأمام
إلا أنكَمِ وغ عطاء رحمة
وستغرقينه بالتأكيد بنورك
يا رحمة العالم، رسائل النور
لا يدخل التنين الأحمر منازلنا
لا يضع أياديه المسمومة في أعناقنا
ليقف نورُك أمامَه وٌ في ا دون بذلك
يا سيف رحمة العالم، رسائل النور
لينقشع الدخان الأسود عن آفاقنا
لينطفئ اللّٰهيبُ الأحمر وليتنبَّه العالم
وليُخلَّد حتى يوم المحشر نصرك هذا
يا ذا الفقار رحمة العةٍ نواسائل النور
من ذلك الطائفة أولئك الذين قَتلوا الكثيرين
من ذلك النسب أولئك الذين دمَّروا البيوت وخربوها
من ذلك الفئة أولئك الذين ينظرون بعين الثأر
يا حجة رحمة العالم، رسائل النور
يمتصون دماء المسلمين
ويفوقون أموت لا والنمرود
يختارون لأنفسهم الموت
يا رحمة العالم الآن، رسائل النور
إنهم كالجراثيم ينهشون الجسد
ويتغذَّون من دمائنا وعلى دمائنا
يلوِّثون ان يُوجالنقية ويدنِّسون طهرَها
يا صيدلية رحمة العالم، رسائل النور
— 604 —
موطن المجاهدين والفاتحين
منزل السادة والأولياء والعارفين
مرقد الشهداء في هذا الوطن
يا جلوة رحاوي الالم، رسائل النور
تلطَّخت أكفان الشهداء باللون الأحمر
أجسادهم أشبهُ بالورود يفوحُ منها المسك
تقبل الملائكة نعشَهم المنوَّر
يا جلوة رحمة العالم، رسائل النور
يخبرُ القرآن أنهم أحياءٌ بَعضِموات
كالأسد من جنود الحق كل واحد منهم
تهز قبورُهم نياطَ القلوب
يا مرآة رحمة العالم، رسائل النور
إنك هدية لهذه الأمة الأصيلة
ونرجو ألّا نسقط يومًا نُدرِوي الذل
فخُذ بأيدينا إلى أرجاء الوطن العظيم المجيد
يا مثال رحمة العالم، رسائل النور
ليفتخروا دائمًا بنورك
ولترفع هذه الأمة مجدها عبر الانتصارات
لتنشُر هذا ا حسن فالضياء للشرق والغرب
يا رحمة العالم لنا، رسائل النور
جناحك من النور وتملك ذراعًا قويّة
لك طريق من النور تودِّي إلى الحق
فأرجو أن تقبل فيضي المذنبَ هذا
يا رحمة العالم في هذا العصر، رسائل قَين ل#605
السَّلامُ عَلَيكُم ورَحمَةُ اللّٰهِ وبرَكَاتُهُ
حضرة أستاذي وسيدي..
لقد جاءت كتابتي على هذا النحو بفضل النور، وقدَّمتُ إليكم ذرّةً واحدة مما أمكنني تلقِّيه من أَحَ وهُماار الآية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فأرجو قبوله، وأبلغُكم سلامي، وأقبِّل يدَكُم المباركة.
طالبكم المسكين
حسن فيضي
(رحمة اللّٰه عليه أبدًا دائمًا)
٭ ٭ ٭
نظم المرحومليلَ ميضي دروسَ الحقيقة التي تعلَّمها من الأنوار على هيئة قصيدة شعرية مشيرًا فيها إلى الأنوار؛ تدرج في المُلحق.
سعيدٌ النُّورْسيّ
اِقرأ جيدًا.. ففي كلِّ ذرة معانٍ جيّاشة..
وثمّة أداء يقدِّم الأرواحَ لأهل الهموم..
حتى ينشر البر
أمنظر إلى قفص القلب المهموم ولو مرة..
ستجد جلاءً أجلى من الآخر..
دقِّق في هذا الأمر بأناة وتأملٍ عميق..
فثمّةَ غذاءٌ للأرواح الضَّعيفة على هيئة الجبال..
إن رغبت في رأس مال كالات،لا تنفد..
فافتح عينيك وشاهد الأنوار.. ففيها غنًى كالسيول..
في كل نَفَس نداءٌ من ربِّنا الرحيم يقول:
اعرفني، ثم توكَّل يا عبدي وامضِ..
إن سمعت هذا النداء من لسان كلِّ ذرّة..
فبُشرى طلابَإن لك نعيمًا يسمَّى الجنة..
— 606 —
لا تنظر إلى البعيد، شاهد الأنوار وتوكَّل، فالعالم مرآته..
ألا تشاهد؟ فله ضياءٌ في كل وجه من نفسِ اللون..
كالشمس تضرب بضيائها على كل ذرة فتلمع..
إنَّ لك أيضًا نصيبًا منها.. ألستَ تدري؟
اعود مجيك وتوكَّل، فهنالك ضياءٌ كافٍ اليوم من رسائل النور..
هنالك رخاءٌ في كل ذرّة تَشبَع من النور وتقتدي بالعشق
فليس مهارةً أن تجعل الصديقَ عدوًّا وتتركَالباب ب غريمًا..
اعلم جيدًا أن الوفاء فقط في الصديق..
وأنَّ المهارةَ أن ترى الورقَ كالحرير والترابَ كالألماس..
إذ لا بقاءَ متجسِّدًا في الورق ولا في التراب..
لا تَستهِن بالبحار ولا تنظر إليها كأنَّها قطرات..
فوراءَ كل قطرة في الحقٍ يفسّرٌ مخفيّ..
ورغمَ أنَّ أصلك قطرةٌ، إلا أنَّك تفوق الجبال والصخور وتكتشف السماوات..
كذلك أنت أيها النور تملك العبقرية نفسها..
فاجعل من النقطة عالمًا، وكن حاكمًا عليها..
لأن في نقطةٍ منك ذكاءً بحجم الشمس..
قبلةُ كل ذرةعوهم.
، أمعِن النظرَ في نفسك..
فالهدى فيها في كل شيء..
إياك يا فيضي أن تَثني نفسَك عن جادة الحق..
فمن شاهد حقائق الحق نال عطاءً بقدر استحقاقه..
بطل دَنِبينتْهمرحوم
حسن فيضي
٭ ٭ ٭
— 607 —
قصيدة "حسن فيضي" أحدِ أهل التحقيق، وصاحبِ الباع الطويل في مدرسة الفنون والعلوم الإسلامية:
سيَخبُو نورُ الهداية وتَضطرِمُ الظلُماتتحريض أخرى..
سيُخيِّمُ الفِراقُ والحسرةُ والخسرانُ مرةً أخرى..
فلتَبكِ يا عينُ كذلك، وليَسِل منك الدمُ بدلَ الدُّموع..
فقَلبي الطافِحُ بالفِراق سيتعرَّض أيضًا للفِراق..
لا تُخبِر مجنونًا بأنَّ ما جرتجرةً أخرى..
فسيُقام أيضًا مأتمٌ وبكاءٌ ونحيب..
إنَّ وردة التوحيد التي تفتَّحَت، ربَّما تذبُل..
وتُغلَق قبلةُ العِرفان، ويَحُلُّ الدمارُ والخراب.ِيَل الَغَني أن الحبيبَ سيَبقى لنا بعد اليوم ذكرى..
ما أعظَمَها من جراح! ومن سيكون لها الدواء؟!
لمن أشكو هذا المرضَ الأليم؟!
فإنَّ من يسمعُ بكائي سوف يبكي مثلي ويصرخ..
لو سُحِبَت أنوارُك التي تمنح الشِّفاء..
فمن ذا يمنحوأبنائنور؟ ومن يكون لي لقمان؟
إن تلكم الأنفاسَ العَطِرة هي ماءُ حياةٍ لهذه الصحراء..
فلا تُدعها بعيدًا، لِيرتوِ منها كلُّ شخص..
فما لامَسَ نورُك ال يوفق أحدًا إلا..
أصبح قمرًا منيرًا، ولو كان بحجم ذرّة..
— 608 —
كلَّما قبَّلتُ تلك اليد الكريمة الحانية..
غمر الفرحُ والسُّرورُ قلبي الحزين الصغير..
لستُ أحتَمِلُ البِعادَ عن باب فيضِك..
ونَذرِي هابق التُ في سبيلِك..
فلو توَجَّه نظرُك نحوي يا نور الهدى..
لَأُترِع قلبي الصغيرُ بحارًا ومحيطات..
مهما أَسدَلت هذه العناصر الحجابَ على وجهها..
فإنَّ دعوتك حقٌّ بشهادة القرآن.رةٌ تحلقَّيتُ درسي من قاب قوسين، وعلمتُ علمَ العِيان..
أن هذا النور البديع سيغدو سلطانًا معنويًّا..
فاعرِض اليومَ سيرتَه لفيضي المسكين هذا دون تردُّد..
وسيت لديهدَّدًا للنحيب والبكاء..
...........
طالبكم المسكين
حسن فيضي
٭ ٭ ٭
— 609 —
القسم السابع
حياته في أفيون
توقيف بديع الزمان
في أواخر العام ١٩٤٧م حضر رًا باميرداغ" ثلاثةُ أفرادٍ من عناصر الأمن قادمين من "أفيون"، بدعوى التعرف على نشاطاتِ تنظيمٍ دينيٍّ سِرِّيٍّ منتشرٍ في أنحاء البلاد، وبدؤوا بالتحرِّي عن طلاب النور ليَحُلدمتهم سعيد النُّورْسِيّ، وتذرَّعوا لذلك بشتى الحجج الواهية مختلقين دعايةً سيئةً ضده؛ فمن ذلك أن أحدهم كتب فيما يشبه التقرير أن خادم سعيدٍ اشترى له مشروباتٍ كحوليةً من إحدى الحانات؛ وطلب هذا العنصرُ منه بما سِكِّيرٍ في تلك الحانة أن يوقِّع على هذا الادعاء، فاستعظمَ الرجل ذلك وقال له: ومَن يوقِّع على مثل هذا الافتراء؟!
على أن هذا الشقيَّ الذي لم يفلح في مسعاه تلقى صفعةً جزاءَ ما ارتكب، وذلك في حادثةٍ عجيبةٍ حصلت له في نفس الليلة، فبينما كا هذا اه مع بعض رفقاء الشراب إلى جانب جدول ماءٍ إذْ نشب بينهم شِجارٌ، فانهالوا عليه ضربًا، وجرَّدوه من سلاحه.
٭ ٭ ٭
— 610 —
وقد حصل حين خروج الأستاذ بالعربة إلى ضواحي "أميرداغ"، أنْ حلَّقت فوقه خمسُ لإسلامت، ثم لما عاد إلى منزله غادرت الأجواء، وتكرَّر هذا المشهد عدة أيامٍ في مسعًى للتهويل والترهيب؛ ومن جهةٍ أخرى كانت الحملات المُغرِضة ضده تجري على قدمٍ وساق،نَّباتِّهُ صورةَ خدمته الإيمانية الأُخروية القرآنية الخالصة، وتُنقَل للجهات العليا بصورةٍ مغلوطة.
وفي مقابل انتشارِ رسائل النور بواسطةِ آلات النسخ، وازدهارِ الأنوار المطَّرد في أنحاء الأناضول، سعت المنظمات التي تحارب الدين في الخفاء لوقف هذه الخد، لأن يمانيَّة، فحرَّضت عليها الحكومةَ مثيرةً هواجسَها ومخاوفها، وصدرت الأوامر بتفتيش بيوت طلاب النور في العديد من الولايات والقرى والنواحي، كی"أميرداغ" و"إسبارطة" و"قسطموني" و"قونية" و"إينه بولو" و"سافران اريخ ٢و"آيدن"، وفي نهاية المطاف اعتُقِل الأستاذ سعيدٌ النُّورْسِيُّ وخمسةَ عشر طالبًا من طلابه نهايةَ العام ١٩٤٧م، ونُقِلوا من "أميرداغ" إلى "أفيون" ليُصار إلى استجوابهم ثم توقيفهم، وكذلك الحال معمداواةالنور في الولايات الأخرى، إذْ جيءَ بهم موقوفين إلى "أفيون"، لتبدأ مع هذا سيرةُ المدرسة اليوسُفية الثالثة.
٭ ٭ ٭
محاكمة بديع الزمان بی"أفيون"
كان مِن دأبِ بديع الزمان في كلِّ سجنٍ يدخلن من ثمُ وإرشادُ مَن فيه من المساجين، وبلغ من ثمرات ذلك أنْ تَحوَّلَ بعضُ المجرمين إلى أناسٍ في غاية الطيبةِ والوداعة، وبالرغم من إبقاء الأستاذ في زنزانةٍ انفراديةٍ إلا أن السجن كان يتحول إلىيثه تثٍ نورية؛ ولهذا كان يصف السجون التي يدخلها بأنها مدرسةٌ يوسُفية؛ حتى لقد بلغ الحال ببعض الشباب الذين كانوا يومًا ما في سجن "دَنِزْلي" أن عبَّروا عن رغبتهم في عدم مغادرة هذه المدرسة اليوسفية قائلين: إنْ بقي بديع الزمان هرية وانا سنقدِّم أنفسنا على أننا جناةٌ لنبقى في السجن.. لن نفارق الأستاذ، وسنتعلم دروس رسائل النور.
— 611 —
ومن جهةٍ أخرى فقد لوحظ صلاحٌ ظاهرٌ في حال المساجين بعد تأليف وتداولِ الرسالرسائل مَّاة "رسالة الثمرة" في سجن "دَنِزْلي"، ما دفع حتى الأعداءَ للتقدير والإعجاب.
إن طلاب النور الخُلَّص الذين نالوا إيمانًا تحقيقيًّا بقة بين رسائلَ النور بتفكُّرٍ وتمعُّنٍ في فحواها، لا يهابون الموت، ولا يخشَون السجون ولا الزنازين، ولا يخافون أذى البشر وإضرارَهم؛ ذلك أنهم ما داموا يعملون لنجاة الوطن والشعب والعالَم الإسلامي والبتي ألاجاةً أبديةً عبر خدمة القرآن والإيمان القدسية، لا يعتريهم فتورٌ ولا يأسٌ مهما واجهوا من ظلم أعداء الدين واعتداءاتهم، بل يدخلون السجون بكلِّ رضًى وافتخار.. إن لهم نقطة استنادٍ واحدةً لا ثانيَ لها، ألا وهي خدمة القرآن والإيمان بإخلٍ معنوبًا لرضوان اللّٰه تعالى وحدَه، وكفى باللّٰه وليًّا ونصيرًا للمظلومين والأبرياء.
إنهم يعملون بتضحيةٍ وتفانٍ كأستاذهم المقدام لنشر رسائل النور وقراءتها، غيرَ مبالين بما يعترض طريقَهم من عقبات، ولأجل هذا لم يتزعزعوا في خدمة الإيمان والإسلام ا ثمة جضوا بها تحت وطأةِ استبدادٍ مطلقٍ رهيبٍ دام خمسًا وعشرين سنة.. لقد آمنوا أن ما يبدو في الظاهر نقمةً ما هو في الحقيقة إلا نعمة، وأن في المحنة منحة، وأن كلعواه بيصيبُنا في سبيل خدمة الإيمان خير، وأننا لسنا مكلَّفين بالتفكير بما يصيبنا في المستقبل، بل مكلَّفون بالخدمة القرآنية، فنحن على الدوام تحت عناية ربنا الرحيم، فإن مِتْنا مِتْنا شهداء، وإن حَيِينا حَيِينا خَدَمًا للقرآن، فنحن في خدمته حتىرنا الم علينا أعداء الإسلام بالسجن المؤبد.. أجل، آمن طلاب النور بهذا إيمانًا راسخًا في قلوبهم، وصدَّقوه بأفعالهم، وهو أمرٌ ظاهرٌ للعِيان.
إن أبناء هذا الشعب المتديِّن الوفِيِّ يعرفون صِدقَ بديع الز"الدعويعرفون قَدْرَه وبطولتَه، ويثقون به ثقةً راسخةً لا يصدِّقون معها شيئًا من الحملات المغرِضة ضده أيًّا كانت، وكلما بَلَغَهم شيءٌ من الظلم والأذى الذي يلقاه هذا الرجل زادت له ملحجة؛ وقَوِيَ ولاؤهم؛ لقد أصبحوا على عداءٍ صريحٍ مع الظلم والأذى الذي يمارسه عليه الشيوعيون والملاحدة، وهم لا يترددون في القول بأن سَجنَ رجلٍ فاضلٍ مباركٍ
— 612 —
جليلٍ من أبطال الدين كبديع الزما؛ وعلىنْعَ كتبه من أن تقرأ بحُريَّة، معناه السعيُ لهدم الإسلام وإزالةِ الدين من أرض الأناضول؛ ولأجل هذا فإن ما يلزم الحكومةَ أولًا وقبل كلِّ شيءٍ أن تطلق سراح بديع الزمان، كي تُحبِط الخطة التي حِيكَتْ ضدها، وإلا فإَدون إا شُدِّد الخناق على هذا الرجل كسَبت الحكومةُ مزيدًا من المناوأة الشعبية ضدها، (حاشية): لقد تجلَّت هذه الحقيقةُ تمامًا في انتخابات عام ١٩٥٠م، إذ مُنِيَت الحكومة السابقة بهزيمةٍ ساحقةٍ على يد الأكثرية الع (ص) ص أبناء هذا الشعب، وهي الحكومة التي عادت الدين، وعاش معها بديع الزمان في ظل استبدادٍ مطلق وظلمٍ فادحٍ وأذًى رهيبٍ طَوالَ خمسٍ وعشرين سنة، ليتولى بعدها الحزبُ الديمقراطيُّ مقاليدَ الأمور، ويُزيلَ مفوا عنق بالدين وأهله من ظلمٍ واستبداد. وإنه من الواجب علينا أن نبلِّغ هذه الحقيقة حرصًا على سلامة الدين والوطن والشعب.
أجل، فبالرغم من تبرئة بديع الزمان في محكمة "دَنِزْلي" سنة ١٩٤٤م، إلا
فلُضِع في الإقامة الجبرية بی"أميرداغ" التابعة لولاية "أفيون"، وبينما كان منشغلًا هناك بآخرته وبرسائل النور إذا بأعداء الدين العاملين في الخفاء يعيدون في سنة ١٩٤٨م معزوفتَهم القديمة نفسَها، وكأن كلَّ الظلم الذي مارسوه لم يكن كافيًا، فأطلقوا ب حقائقلةً من الاتهامات كقولهم: إنه يؤسس تنظيمًا سِرِّيًّا، ويحرِّض الناس على الحكومة، ويسعى لقلب نظام الحكم بكل قوته وحماسه الذي يزداد كلما تقدم في السن، ويقول صه، لكطفى كمال" إنه دجَّالُ الإسلام، وإنه السُّفياني؛ ونحو ذلك من الاتهامات التي تذرعوا بها، فاعتقلوه هو وخمسين طالبًا من طلاب رسائل النور، وسِيقوا إه كلُّمة جنايات "أفيون" ليُزَجَّ بهم في السجن في نهاية المطاف.
وعلى الرغم من أن التحقيقات المطوَّلة المفصَّلة التي أجريَت معهم لم تُفلِح في العثور على دليلٍ واحدٍ لأيِّ جرم، إلا أنه بعد أن حصل ما حصل، حقة - ومحكمة - بناءً على ما يبدو قناعاتٍ شخصيةً - بالسَّجن عشرين شهرًا لبديع الزمان، وثمانيةَ عشر شهرًا لعالِمٍ جليلٍ، وستةَ أشهرٍ لاثنين وعشرين شخصًا؛ وقد أُدين هؤلاء بتهمة "مساعدة بديع الزمان في إنشاء تنظيم سِرِّيءٌ عجيُفِّذ الحكم فورَ صدوره؛ أما الآخرون
— 613 —
@
أحد أشكال الظلم الذي أذاقته الحكومة السابقة لبديع الزمان وطلابه
(أثناء اقتياد الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي إلى إحدى جلسات محكمة "أفيون" بص أن دقابه وهم محاطون بمجموعة من الحرس المسلحين وكأنهم أصحاب سوابق خطيرة)
فصدرت بحقهم براءةٌ لكونهم "يَعدُّون بديعَ الزمان مرشدًا جليلًا"، ولأنهم "قرؤوا رسائلَ النور ليملؤوا الفراغ العميق الذي يشعرون به".
وبعد أن نظرت محكمة التمييز في قإخوانيإدانة كما هي العادة، أنهت تدقيقاتها في مدةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ، وأبطلت القرار من أساسه قائلةً: بما أن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ قد بُرِّئ من نفس التهمة في محكمة "دَنِز لغير وصدَّقت على ذلك محكمة التمييز في حينها، فإنه لا سبيل لإعادة محاكمته في دعوى صدَّقَتْها محكمة التمييز حتى وإن كان قرار محكمة "دَنِزْلي" خطأً.
وبناءً على هذا تبدأ جلسات المحكمة من جديد، ويُسأل المتَّهَمون عن مطالبهم، فيجيب طلاب النور اختصاص،ء بأنهم يطالِبون بالالتزام بقرار محكمة التمييز، وتَدرس محكمة "أفيون" مسألةَ الالتزام هذه وتماطل فيها إلى أن تتخذ قرارها بامتثاله؛ لتبدأ بعد ذلك عة الخلاستكمال النواقص التي تَطول وتمتد، وتُعلَّق الجَلسات مرةً بعد
— 614 —
أخرى، ويقضي بديعُ الزمان وطلابُه في السجن مدةَ العقوبة التي لم تكتسبن شَتّلحكم القطعي أصلًا، ليُطلَق سراحُهم بعد ذلك، ولتستغرق إجراءاتُ المماطلة هذه بمجموعها ثلاث سنين. (حاشية): بعد ذلك أصدرت محكمة "أفيون" قرار البراءة مرتين، وفي نهاية المطاف أعادت لبديع إنكم ت جميع رسائل النور وجميع مراسلاته بلا استثناء، وذلك في العام ١٩٥٦م.
وإنه لمن المؤسف حقًا أن نرى مثل هذا الرجل العلَّامةِ الفذِّ الذي نهض بأقدمثلَهاٍ إيمانيةٍ لوطننا وشعبنا وشبابنا بل للعالَم الإسلامي برمته، والذي قدَّم مؤلفاتٍ رائعةً جليلةً تلبي الحاجة المعنوية للبشر.. أن نراه يُساق من محكمةٍ إلى أخرى، وتُواريه غياهب السجون.
وإذا كان بديع الزمان قد لقي حوله؛سفِ والأذى ما لقي خلال عشرين سنةً مضَتْ، فإن سنوات سجن "أفيون" هذه لم تكن إلا استمرارًا لتلك المعاناة مع مزيدٍ من الشدة والإجحاف الذي يُذكِّر بما لقيه علماء الأمة على امتداد تاريخها،ت ذات ن الأذى الذي كان يلقاه في يومٍ واحدٍ في "أفيون" كان يَعدِل نظيرَه في شهرٍ من سجن "دَنِزْلي"؛ لقد عومِل معاملةً غير قانونيةٍ على الإطلاق، وتُرك وحيدًا طَوالَ عشرين شهرًا في مَهجعٍ مُهمَلٍ شديدِ البرودة في الشتاء، على أمل أن يقضي عليه الموت أو عومِّم في أشدِّ أيام الشتاء القارس حين كان الصقيع يكسو النوافذ، فظلَّ هذا الرجل المريض الطاعن في السن يقاسي الآلام شهورًا، ولم يُسمَح لأحدٍ من طلابه أن يقوم على رعايته حتى عندما َظِيتْريح الفراش لا يقدر على الحراك، فقد كان المطلوب أن يموت في ظل هذه الظروف القاسية؛ ولقد عانى من هذا التسمم معاناةً منعتْه من تناول الطعام أيامًا عدةً، فبقي طاويًا حتى بلغ منه الهُزال مبلغَه.
وعلى الرغم ، سبعة كان تحت رقابةٍ وتضييقٍ شديدَين، إلا أنه لم ينقطع عن تأليف رسائل النور، فقد ألَّف بعضَها سِرًّا كما هو دأبه في كلِّ سجنٍ دخله، واستطاع المساجين نسخَها كتابةً بأيديهم وإيصالَها إلى خارج السعب والم تتوقف عمليةُ نشر الرسائل حتى
— 615 —
حين كان بديع الزمان في السجن، ولقد نجح طلاب النور - أمثال بطلِ النور "خُسرو" - في أن ينشروا سِرًّا مئاتِ آلافم كبرىسَخ مكتوبةً بخط اليد وبالحروف العربية.
وحين كان الأستاذ طريحَ الفراش في السجن يخيِّم عليه الموت من أثر السُّم، تحدَّث إلى طالبٍ سنحت له فرصةُ لقائه قائلًا: لعلي أفارق الحياة عمَّا قريب.. فإنْ أنا مِتُّ فلا ينتقمْ أصحابي ل حقَّ كُنْ بكلِّ كياني فداءً للسعادة والرفاه الأبديَّين للوطن والشعب والشباب، ولعالَم الإسلام والبشرية.
وذات مرةٍ سلَّمَ على بديعِ الزمان أحدُ الأشخاص الذين انتفعوا بقدويةٍ بأ السجن عظيمَ الانتفاع، وحيَّاه عبر النافذة، فانتهره رجال السجن قائلين: لماذا سلَّمتَ عليه؟! ولماذا تنظر إلى نافذته؟! ثم انهالوا عليه ضربًا.
وة في اان الأمر مع الطلاب الذين كانوا يحاولون انتهاز فرصةٍ ليلتقوا بأستاذهم خُفيةً حالَ مرضه ومعاناته، فما إن ينكشف أمر أحدهم حتى يتلقى ضربًا مبَیرِّحًا، غير أن هذه القسوة لم لَ الأتَثنيَ عزائمهم، بل كانوا كلما انهال عليهم أولئك الظَّلَمة ضربًا هتفوا فيهم بصلابةٍ نابعةٍ من الإيمان وعزة الإسلام: اِضرب.. اِضرب..؛ وهم في هذا إنما يسيرون على نهج أستاذهم الذي سبق أن بيَّن في مؤلفاته أنْ إذا أخذَ العدو بخناقك فابْلي"، وجهه.. أنقذ روحَك وليَفْنَ الجسد.
لقد سعى أولئك الظلمة بشتى أنواع الأذى والتضييق لمنع الأستاذ من القيام بخدمته الإيمانية، سواءٌ داخل السجن أو خارجه، غير أنه في نهاية المطاف، وبعد أن لقي بديعُ الزمان ما لقي من الظلم والقهر، أُطلِق سراحُه بتدُّوه ٠ أيلول/سبتمبر ١٩٤٩م مستكملًا مدةَ العقوبة غيرِ القانونية، ومع أن إطلاق سراح السجناء كان يجري ضمن أوقات الدوام الرسمي، وكان موعده المحدد في "أفيون" عند الساعة العاشرة صباحًا كما هو المعتاد، إلا أن بديع الزمان أُطلل هذه حُه فجرًا تجنبًا لحدوث احتفالٍ شعبيٍّ حاشدٍ فرحًا بخروجه من السجن.
٭ ٭ ٭
— 616 —
أقام الأستاذ النُّورْسِيّ مدةً من الزمان بی"أفيون" بعد الإفراج عنه؛ ومع أن محكمة التمييز كانت قد أبطلت قرارَ إدانته من أساسه، وقضى برغم ذلك مدةَ غ" ثلاغيرَ القانونية كاملةً، فقد تم تعيين ثلاثة عناصر من الشرطة يلازمون بابه ويتناوبون على مراقبته صباحَ مساء.
ومع أن القوم أفرجوا عنه، إلا أنهم استمروا في ظلمه وتضييق الخناق عليه على نحوٍ جعلوه يندم على خروجه من السجن، ومع أن السجن يفًا جوأضناه طَوالَ سنتين، إلا أنه لم يُسمَح لأحدٍ بعيادته وتفقُّد صحته؛ وإذا كان القائد الروسي قد سمح لبديع الزمان - وهو أسيرٌ في روسيا - بشيءٍ من حريةِ الحركةِ والتصرُّفِ كما ورد في "سيرة حياته"، فإن المسؤولين في وطنه الأم قد منعوومةُ اس من زيارته حتى في العيد، وهو الرجل الذي ضحى بكلِّ ما لديه في سبيل الأمة الإسلامية العزيزة الكريمة!! حتى إنهم متى شاهدوا شخصًا يتحدث إلى بعض القائمين على خدمته دوَّنوا معلوماتٍ شخصيةً عنه، وضيَّعشر مريه بدعوى تواصله مع مساعدي بديع الزمان؛ والحالُ أن جميع هذه الإجراءات التعسفية بحقِّه لم تزد الناس إلا قربًا منه، وبحثًا عن مؤلفاته وتعلُّقًا بها، ولم تزدهم إلا بعدًا ونفورًا من مروِّجي الحملاتِ المغرِضةِ ضدَّه، فكلما تكثفت الجهود لكسر إقباللسجن ل على بديع الزمان زاد احترامُ الناس والشباب له وارتباطهم به، لا سيما الشباب المثقف، وكلما زاد التحريض عليه قويت أواصر العلاقة به.
لقد كان الهدف من كل هذه الحملات المُغرِضة كسرفةً منل الناس نحوه، وتشويهَ سمعته، ووقفَ انتشار رسائل النور، والحالُ أن رسائل النور ليست مرتبطةً بشخصِ مؤلفها، بل هي بضاعةُ القرآن، ولا هي تشبه المؤلوجوداتأخرى، بل هي بذاتها كنزُ حجةٍ وبرهانٍ، وقارئها لا يلتفت إلى شخص مؤلِّفها، بل يوجِّه نظره مباشرةً إلى ما فيها من الحقائق والبراهين والأدلة؛ ولأجل هذه الحقيقة وغيردرسة االحقائق الكثيرة، فَشِلت حملاتٌ رسميةٌ كثيرةٌ هائلةٌ وُجِّهت ضدَّ بديع الزمان، وستبقى محكومةً بالفشل.
أجل، إنه لَیمِّما يؤسف أشدَّ الأسف أن نرى مثلَ هذا العالِم والمفكِّر الجليل الذي حقَّق لوطنه وشعبه ولأمته الإسلامية كل رأسي المنافع الجمَّة، وخدم الإيمان
— 617 —
والقرآن بتضحيةٍ وتفانٍ لا مثيل لهما.. أن نراه بعد ذلك يُساق إلى المحاكم مرةً تِلْوَ أخرى!!
إننا نعلن باسم مصلحة الوطن والشعب أنه ينبغي أن يوضع حدٌّ لهذباب الراءات، وأن تنتهي هذه المحاكمات في أسرع وقت، لأن الخدمة القرآنية التي نهض بها بديع الزمان لا تقتصر على هذا البلد، بل تتسع لتفيء بظلالها على أرجاء العالَم الإسلامي وأنحاء الدنيا كلِّها.
وإن ما أوردناه بحقِّ بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسزريةٍ حقائقَ عاليةٍ وقيمٍ ساميةٍ ليس من قبيل المبالغات أو الكلام الذي يُلقى على عَواهِنه من غير دليل، وسيُدرِك الذين في أنفسهم شكٌّ من هذا - من خلال تعرُّفهم عن قربٍ على بديع الزمان الذي ما يزال على قيد الحياة، ومن خلال قراءتهم لرسائلزلية ا بثباتٍ واستقامةٍ ونيَّةٍ خالصة - أننا عندما نعبِّر عن الحقائق التي ننقلها في هذه السيرة، إنما نعبِّر بكلماتٍ وعباراتٍ لا تفي بالمطلوب؛ وعندئذٍ ستتحقق لديهم قناعةٌ خالصةٌ أكثر منا تدفعهم لأن يُعلنوا هذه الحقائق للعالَم أجمع.
وإنه لو اجأخصِّ حاكم العالَم أجمع في إدانةِ بديع الزمان بالتهم التي وجهها ضده أعداء الدين العاملون في الخفاء، فلن تجد سبيلًا لإدانته ما دامت هذه المحاكم تستند إلى الدليل في أحكامها.
إن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيَّ يقضي حياته ملازمًا فر أنناسبب مرضه الناجم عن تسميم أعداء الدين له، وهو كثيرًا ما يردد: "إنني على باب القبر"، غير أننا ندعو اللّٰه تعالى ضارعين إليه من أعماق قلوبنا أن وعلا صَ في عمر بطل الدين هذا كرمًا وفضلًا، لأن عالَم الإسلام والبشرية اليوم لَبِأمَسِّ الحاجة إلى مثل هذا الرجل خادمًا للقرآن بإخلاصٍ وتضحية، وبطلًا م محتدّل الحقيقة، وعبقريًّا فذًّا، ومفكِّرًا جليلًا، وحكيمًا متفرِّدًا من حكماء الإسلام.
٭ ٭ ٭
— 618 —
نُدرِج فيما يلي "الرجاء الخامس عشر" مقتبَسًا من "اللمعات"، وفيه يتحدث الأستاذ بنمطبوعة حياته في "أميرداغ" و"أفيون".
الرجاء الخامس عشر
(حاشية): بما أن تأليف رسائل النور قد اكتمل قبل ثلاث سنوات، فإن هذا "الرجاء الخامس عشر" كُتِب ليكون مرجعًا في تأليفِ "لمعةِ الشيوخ" وإكمالِها على يدِ أحد النُّوريِّين في المستوعِيَّ حين كنتُ تحت الإقامة الجبرية بی"أميرداغ"، أعيش وحيدًا في منزلٍ أشبه ما يكون بالسجن الانفرادي، وقد أرهقني الأذى الذي ألاقيه من القوم جراءَ رقابتهم وتحكُّمهم، سَئِمتُ الحياةَ وأسِفتُ على خروجي ونشرَ "دَنِزْلي"، وتمنَّيتُ من أعماق قلبي العودةَ إليه أو دخولَ القبر، إذِ السجن والقبر أحبُّ إليَّ من هذا النمط من الحياة؛ وبينما أنا في هذه الحا، وعى أغاثتني العناية الإلٰهية، فقدَّمتْ آلةَ النسخ التي توفَّرتْ حديثًا لتلاميذ المدرسة الزهراء، وهم الذين كانت أقلامهم آلةَ نسخٍ قائمةً بذاتها؛ فصارت هي الأخرى ق ما لاكتب بين عشيةٍ وضحاها خمسَمئةِ نسخةٍ من كلِّ جزءٍ من أجزاء رسائل النور القيِّمة؛ وانطلقت فتوحاتها، فحبَّبتْ إليَّ تلك الحياةَ التي يغشاها الكرب، ويه نزع للشكر بلا حد.
وبعد حينٍ من الزمن ضاقت صدورُ أعداء الرسائل العاملين في الخفاء بما تَحقَّق من فتوحاتٍ نوريَّة، فحرَّضوا علينا الحكومة، وضاقت عليَّ الحياةُ ثانيةً، وإذا بالعناية
تنية تتجلى من جديد، وإذا بالمسؤولين المعنيين المحتاجين أحوجَ ما يكون إلى الأنوار، يطالعون بحكم وظيفتهم رسائلَ النور المصادَرة، ويقرؤونها بكلِّ علإيمانواهتمامٍ، فإذا بها تجذب قلوبهم، ويشرعون في تقديرها بدلًا من انتقادها، فاتَّسعت مدرسةُ النور أيَّما اتساع، وفاقتِ المنافعُ الأضرارَ بمئة ضعفالماتهاشى ما كنا نعانيه من قلقٍ وكرب.
ثم إن الأعداء المنافقين العاملين في الخفاء لفتوا أنظار الحكومة إلى شخصي، وذكَّروها بحياتي السياسية السالفة، وأثارونفسه عسَ ومخاوفَ مؤسسات القضاء
— 619 —
والتربية، وأجهزةِ الشرطة ووزارةِ الداخلية، وتضاعفت هذه الهواجس والمخاوف في خضم التيارات الحزبية، وتحريض الفوضويين المتوارين خلف واجهة الشيوعية، فشرعت تلكبنفسي،ت الرسمية بالتوقيف وتضييق الخناق ومصادرة ما وقع بأيديها من رسائل النور، وتوقفتْ أنشطة تلاميذ النور، ونَسَب إليَّ بعض المسؤولين الرسميين اتهاماتٍ لا يمكن أن يصدِّقها أحد، وعمِلوا على نشر إشاعاتٍ بالغة الغرلا أننغرضهم من ذلك كله القدحُ فيَّ والحطُّ من شأني، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا بها أحدًا.
ثم إنهم تذرَّعوا بحججٍ سخيفةٍ تافهةٍ، وقاموا بتوقيفي في أشدِّ أيام الشتاء القارس برودةً، ووضعوني مدةَ يومين كاملين ة أو تا في غرفةٍ كبيرةٍ شديدة البرودة لا مدفأة فيها، هذا مع أني لضعفي ومرضي يصعب عليَّ تحمُّل البرد في غرفتي الصغيرة التي أوقِد مدفأتها عدةَ مراتٍ في شيء فيالواحد مع بقاء المجمر متَّقِدًا.
وبينما أنا في هذه الأيام على هذه الحال أَختلِج من الحمى الناجمة عن البرد، ويغشاني الكرب، ويساورني الغضب، إذِ انكشفت في قلبي حقيقةٌ بفضل عنايةٍ إلٰهية، وأُخطِرت روحي الخاطرَ التالي معا هواج "لقد أَطلقتَ على السجن اسمَ المدرسة اليوسُفية، ولقد تحقق لكَ في سجن دَنِزْلي من النتائج ما فاقَ معاناتَه ألفَ ضِعف، كالفرح والسرور، والربحِ المعنوي، واستفادةِ المساجين من الأنوار، وفتوحاتِ النور في الأوساط الرسممن الحدوائر الكبرى، ما دَفَعك إلى الشكر مضاعفًا بدلًا من الشكوى، وجعل كلَّ ساعةٍ من ساعات السجنِ والمعاناةِ بمثابة عشرِ ساعاتٍ من العبادة، وجعل تلك الساعات الفانيةَ باقيةً؛ والأمرُ كذلك هنا، فإن السُّلوانَ الذي يجدهدامت ملمَّت بهم هذه المحنة في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة، والفائدةَ التي يجنونها من الأنوار، ستدفئ هذا البرد، وستُحيل معاناتَك القاسيةَ أفراحًا بإذن اللّٰه؛ أما الذين تشعر تجاههم بالغضب، فإنهم إن كانوا مضلَّلين فإنما يظلمونك بٌ بذلكم، فلا يستحقون منك أن تغضب منهم، وإن كانوا يؤذونك ويسيئُون إليك بحقدٍ عالِمين يعملون لحساب الضلالة، فعَمَّا قريبٍ سيَنزل بهم إعدامُ الموت الَني هذ، وسيدخلون سجنَ القبر الانفراديَّ، وسيقاسون العذاب
— 620 —
الشديد الدائم، وإنك - بظلمهم لك - تنال الأجرَ واللذائذ المعنوية، وتجعل ساعاتك الفانية باقيةً، وتفوز بتأدية وظيفتك العلمية والديل أجهزخلاص".
فحمدتُ اللّٰه من أعماق روحي، ورَثَيتُ بمشاعر الإنسانية لأولئك الظَّلَمة، وسألتُ ربي أن يصلحهم.
أما بخصوص هذه الحادثة الجديدة، فإنهن إخوالأخرى تخالف القانون بعشرةِ أوجهٍ كالتي سبق أن بيَّنتُها في عريضتي إلى وزارة الداخلية، وإن هؤلاء الظَّلَمة الذين يخالفون القانون باسم القانون، هم المجرمون في الحقيقة، فإنهم بحثوا عن ذرائع يتعلَّلوقون في فاختلقوا افتراءاتٍ وأكاذيب تُضحِك السامعين وتُبكي المُنصفين، وأظهروا لأهل الإنصاف عجزَهم عن التعرُّض لرسائل النور وتلاميذها بوجهٍ قانونيّر ذلك فقدوا صوابَهم وتَرَدَّوا في مهاوي الجنون!!
فمن ذلك أن المخبرين لما فشلوا في العثور على شيءٍ يصلح أن يكون ذريعة، رغم مرور شهرٍ من مراقبب الشرتبوا في تقريرٍ لهم "أن خادمَ سعيدٍ اشترى خمرًا من أحد المحلات وأتى به إليه"؛ ثم بحثوا عمَّن يوقِّع لهم على هذا التقرير، فلم يجدوا أحدً والغررجلٍ سِكِّيرٍ غريب الأطوار، فقالوا له تحت طائلة التهديد: وقِّع هنا؛ فقال الرجل: حاشا للّٰه!! ومن يمكن أن يوقِّع على مثل هذا الافتراء العجيب؟! فاضطروا لتمزيق التقرير.
ومن ذلك أيضًا أنه مستف لا أعرفه أعارني عربةً ذات حصانٍ كي أستعملها في التنزُّه، فكنتُ أتنزَّه عليها ساعةً أو ساعتين في معظم أيام الصيف استرواحًا من مرضي، والتزمتُ أن أعطي صاحبَ العربة كتبًا بقيمةِ خمسين ليرةً لئلا أُخِلَّ بقاعلّٰهفة أدخل تحت مِنَّة أحد، فهل في هذا العمل أيُّ احتمالٍ للضرر يا تُرى؟!
غير أن الوالي ورجال القضاء والشرطة والأمن سألونا خمسين مرةً: لمن ذلك الحصان؟ وكأن الأمر حادثةٌ سياسيةٌ عظيمةٌ، التارقعةٌ تَمَسُّ بالأمن والاستقرار!! حتى لقد تطوَّع رجلان لقطع دابر هذه الأسئلة السخيفة، فقال أحدهما: الحصان لي؛ وقال الآخر: العربةُ لي؛ فتمَّ توقيفُهما معي!!
— 621 —
وبالقياس على هذين المثاله مُشاهدنا الكثير من الألاعيب الصبيانية، فبكَينا ضاحكين، وفهمنا أن الذين يتعرضون لرسائل النور وتلاميذها يُصبحون أضحوكة.
وقد جرى حوارٌ لطيفٌ في أحد هذه المواقف، وذلك أني قابلتُ المدعي العام قبل أن أطَّلِع على المحضر الذيه بعدا فيه أن سبب توقيفي هو الإخلال بالأمن، فقلتُ له: لقد اغتبتُك في الليلة الماضية، إذْ قلتُ للشرطي الذي كان يستجوبني نيابةً عن مدير الأمن: "ليُهلِكْني اللّٰه - قلتُها ثلاثًا - إن لم أكن خدمتُ الأمن لهم ب في هذه البلاد أكثر من ألفِ مُدَّعٍ عامٍّ وألفِ مديرِ أمن".
ثم إنني بينما كنت في هذه الآونة محتاجًا أشدَّ الحاجة إلى الراحة واجتناب البرد، وإلى عدم الانشغال بالداجةٍ لذْ خيَّمَ عليَّ الشعور بالغضب والانزعاج من الذين قاموا بتهجيري وتوقيفي وإيذائي ووضعي في سجنٍ انفراديٍّ، وهي إجراءاتٌ تفوق تحمُّلي، وتُشعِر بأنها متعمَّدةٌ، وتَنُمُّ عن حقدٍ دفين؛ فسارعتِ العنايةُ لنجدتي، وأُخطِرَ قلبيأوامرُ ما يلي:
إن في عينِ الظلم الذي أنزله بك هؤلاء نصيبًا عظيمًا للقدر الإلٰهي الذي هو عين العدل، وإن لك في هذا السجن رزقًا ستأكله، وقد دعاك إلى هنا، فيَلزَم سائل اابَل هذا النصيب بالرضا والتسليم.
وإن للحكمة والرحمة الربانيَّیتَين نصيبَهمَا العظيمَ أيضًا، ألا وهو تنويرُ مَن في هذا السجن، ومنحُهم السُّلوان، وإكسابك الأجر، فيَلزَم أن يُقابَل هذا النصيب بما لا يُحصى من اضًا مسي طَيِّ الصبر.
ثم إن لنفسك بعيوبها الخفيَّة نصيبَها أيضًا، وعليك أن تقابل هذا النصيب بالاستغفار والتوبة، قائلًا لنفسك: لقد استحققتِ هذه الصفعة.
ثم إن ثمةَ نصيبًا كذلك للأعداء الع الكفرفي الخفاء، الذين استَغفَلوا بمكائدهم بعضَ الموظفين البسطاءِ شديدي التوجُّس ودفعوهم لارتكاب المظالم، وقد انتقمتْ لك رسائل النور من هؤلاء المنافقين بما أنزلتْ بهم من صفعات سبقنييةٍ مدوِّيةٍ، فحَسْبُهم ذلك.
— 622 —
أما النصيب الأخير فهو نصيبُ المسؤولين الرسميين الذين هم السبب الفعليُّ لهذا السجن، وبما أن هؤلاء قد استفادوا - بشكلٍ أو بآخر بلا شكّ - من رسائل النور إيمانيًّا حين طالعوها بنيَّةِ الانتقاد، فإن من ام الذي العفو عنهم أخذًا بدستور:
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
وبناءً على هذا الإخطارِ الحقيقيِّ قررتُ البقاء في هذه المدرسة اليوسفية الجديدة بكلِّ فرحٍ وشكر، بل قررتُي المحتكب مخالفةً تستوجب العقوبةَ ولا تَضرُّ أحدًا، كي أبقى وأساعد حتى مَن هم ضدِّي.
ثم إن رجلًا مثلي قد بلغ الخامسة والسبعين، وليس له ارتباطٌ بأحد، ولم يبق له من سبعين من أحبَّائه في الدنيا سوى خمسة، وقد خلَّفَ سبعين أل عنصرٍَ من رسائل النور تؤدي وظيفتَه النُّورية وتُتداوَل بحريَّة، وله إخوةٌ ووُرَّاثٌ يقومون بالخدمة الإيمانية بآلاف الألسنة بدلًا من لسانٍ واحد.. لا جَرَمَ أن القبر خيرٌ له مئة مرةٍ من هذا السبباكستا جَرَمَ أيضًا أن هذا السجن أجدى نفعًا وأعظم راحةً له من إطلاقِ سراحٍ مقيَّدٍ بالقيود والتحكُّمات في الخارج.
ذلك أنه بدلًا من أن يعاني بمفرده تحكُّمَ مئاتِ الموظفين المعنيِّين خارج السجن، يُضطر لأن يعاني داخله مع جال اللمساجين تحكُّمًا يسيرًا مبنيًّا على المصلحة، يُصدِره شخصٌ أو اثنان كالمدير ورئيس الحرس؛ ويَلقى في المقابل الملاطفة والسُّلوان الأخويَّ من أصحابٍ كُثْر، كما يلقى الرحمة بالشيوخ التي تنبع في ًا: سأحال من الرأفة الإسلامية والفطرة الإنسانية، فتُبدِّل عُسر السجن يُسرًا؛ فلأجل هذا كلِّه رضيت بالسجن.
وحين أتيتُ إلى جلسةِ هذه المحكمة الثالثة تعبتُ من الوقوف على قدميَّ لضعفي وشيخوختي ومرضي، فجلستُ على كرسيٍّ صغيرٍ خارج قانها ماحكمة، وفجأةً جاء أحد القضاة، فلما شاهد ذلك غضب وقال بفظاظةٍ: لماذا لا ينتظر هذا واقفًا على قدميه؟! فانزعجتُ من هذه القسوة لشيخوختي، ثم التفتُّ فإذا جمعٌ غفيرٌ من المسلمين قد تجمهروا حولنا فلم يبرحوا المكان، وهم ينظرون بعيونٍ ملؤها الرأفة ه تعلية والأُخوَّة، وفجأةً أُخطِرَتْ حقيقتان:
— 623 —
أُولاهماأن أعدائي وأعداءَ النور العاملين في الخفاء ضَلَّلوا بعضَ المسؤولين الرسميين البسطاء، ودفعوهم للقيام بمثل هذه المعاملة المُهينأروقة ِّ من شأني في نظر الناس، ظَنًّا منهم أنهم بِكسرهم إقبالَ العامَّةِ الذي لم أطلبه يَسُدُّون الطريق على فتوحات النور؛ لكنْ بإزاء هذا جاءت العناية الإلٰهية إكرامًا في مقابل خدمة الإيمان التي تؤديها ال طلاب وقالت: اُنظر إلى هؤلاء الأشخاص المئة بدلًا من النظر إلى إهانة ذلك الشخص الواحد، فإنهم يستقبلونك ويودعونك بعيونٍ ملؤها الرأفةُ والتعاطفُ والحفاوةُ مُقدِّرين الخدمة التي تقوم بها.
حتى إني حين كنتُ أجيب على أسئالأَشجدعي العام في دائرة التحقيق في اليوم الثاني، احتشد قرابةُ ألفٍ من الأهالي عند نوافذ المحكمة في باحة دار الحكومة، وقد بدت عليهم علائم الاهتمام، وكانوا في هيئةٍ كأنما يقولون بلسان حالهم: لا تضيِّقوا على هؤلاء؛ حتى إن السياسي،م تستطع تفريقهم.
فأُخطِرَ على قلبي أن هؤلاء الأهالي يَنشُدون في هذا الزمان الخطير سُلوانًا تامًا، ونورًا لا ينطفئ، وإيمانًا قويًّا، وبشرى صادقةً بالسعادة الحجقية.. نعم، يَنشُدون هذا ويبحثون عنه بفطرتهم، وقد بلغهم أن ما يطلبونه موجودٌ في رسائل النور، فأَولَوا شخصيَ الذي لا أهمية له اهتمامًا يفوق حدَّه كثيرًا، لأدٍ النمل المحدود الذي أدَّاه في خدمة الإيمان.
الحقيقة الثانية:أُخطِر على قلبي أنه في مقابلِ ما يقوم به عددٌ محدودٌ من الأفراد المضلَّلين من تشويه سمعتناالسجن أننا نُخِلُّ بالأمن، ومن معاملةٍ سيئةٍ مُتعجرِفةٍ بغرضِ كسرِ إقبال الناس نحونا، فإن ثمةَ استحسانًا وتقديرًا من قِبَل ما لا يُحدُّ من أهل الحقيقة ومن الأجيال القادمة.
أجل، فبإزاء الجهود الهائلة التي كانت تبذلها الفوضهات العاملةُ خلف ستار الشيوعية لإفساد الأمن العام، كانت رسائل النور وتلاميذُها يتصدَّون لهذا الإفساد الرهيب بقوة الإيمان التحقيقي، ويُوقِفونه ويكسرون شوكتَه في شتى أنحاء الوطن؛ فهم يعملون لتحقيق الأمن والاستق لأجل تى إنه طَوالَ العشرين سنةً الفائتة، لم تعثر عدةُ
— 624 —
محاكمَ مَعنيَّةٍ على أيَّةِ واقعةِ إخلالٍ بالأمن من قِبَلِ طلاب النور، ولم تسجِّلإيجارة الشرطة في عشر ولاياتٍ أيَّ حادثةٍ من هذا القبيل، برغم أعدادهم الغفيرة وانتشارهم في شتى أنحاء البلاد.
ولقد صرَّح بعض مسؤولي الأمن المنصفين في ثلاث ولاياتٍ قائلين: إن طلاب النور رجالُ أمنٍ معنويُّون، وإنهم يساعدوننا في الحفاوما مِالأمن والاستقرار، فهم بالإيمان التحقيقي يقيمون رادعًا في قلب كلِّ مَن يقرأ رسائل النور.. إنهم يعملون لتحقيق الأمن.
وسجن "دَنِزْلي" مثالٌ على هذا، فبدخول الأنوار إليه، وتداوُلِ "رسالة الثمرة" التي أُلِّفت لمساجينه، صَلَحت الحماما يزيد على مئتي سجينٍ خلال بضعة أشهر، وأصبحوا من أهل الطاعة والتقوى على نحوٍ عجيب، حتى صار الرجل الذي قتل ثلاث أو أربع أنفسٍ يتحرَّج من قتل بعوضة، وانقلب إلى شخصٍ رحيمٍ نافعٍ للوطن لا يتأتىلة وكبرر، حتى لقد كان المسؤولون الرسميون ينظرون إلى هذا الأمر بتقديرٍ وإعجاب.
بل إن فريقًا من الشباب الموقوفين صَرَّحوا قبل صدور قرارِ إدانتهم ق عنه و إنْ بقي النُّوريون في السجن، فسندبِّر لأنفسنا تُهمةً نُدانُ بها، وسنسعى لأن نُسجَن معهم كي نتلقى الدروس منهم.. سنصبح مثلهم وسنُصلِح أنفسَنا بإرشاداتهم!!
فما دامت هذه هي حال طلاب النور، فلا ريب أن الذين يتهمونهم بئِمت مل بالأمن هم إما واهمون وهمًا مُزريًا، وإما مخدوعون، وإما أنهم يُضلِّلون الحكومة، ويسعون للقضاء علينا عبر إيذائنا، وهم بذلك يؤدون خدمةً لصالح الفوضوية من حيث يعلمون أو يجهلون؛ ونقول ردًّادثةِ هؤلاء: ما دام الموت لا يُقتَل، وما دام القبر لا يُغلَق، وما دام المسافرون في نُزُلِ الدنيا يمضون قوافلَ تحت الثرى مسرعين قلقين، ويتوارَون في جوفه، فعمَّا قريبٍ سيفارق كلُّ واحدٍ منا الآخر ولا بدَّ، وستَلقون جزاءَ ظلمكم المروِّع، بل إنكم علىب الصوقديرٍ ستصعدون إلى مِنَصَّة الإعدام الأبدي للموت، الذي هو لدى أهل الإيمان المظلومين مذكِّرةُ تسريحٍ وإعفاء، أما اللذائذ الفانية التي استمتعتم بها في الدنيا متوهمين أنكم مُخلَّدون فيها فستتحول إلى آلامٍ مائِفَ باقية.
— 625 —
وإنه من المؤسِف حقًّا أن أعداءنا المنافقين العاملين في الخفاء يعمِدون إلى الإسلام - وهو الحقيقةُ التي حَظِيَتْ بها هذه الأمة المتديِّنة، وحافظتْ عليها بی"إسب وسيوفِ مئات الملايين من مجاهديها الأبطال وشهدائها الذين نالوا مقام الولاية - فيُطلقون عليه اسم "الطريقة"، ويُصوِّرونها على أنها هي الإسلام نفسُه، مع أنها ليست إلا شعاعًا من شمسه، ويُضلِّلون بهذا بعضَّ هذهلي الحكومة ذوي التفكير السطحي، ويصفون طلاب النور العاملين لأجل الحقيقة القرآنية والحقائق الإيمانية بأنهم أتباع طريقةٍ وأصحاب تنظيمٍ سياسيٍّ، ومرادُهم منمتنع علتحريضُ علينا، ونحن نخاطب أولئك الأعداء المنافقين ومن يأتمر بأمرهم ضدَّنا، فنقول لهم ما قلناه في محكمة دَنِزْلي العادلة:فلتكنْ رؤوسُنا فداءً للحقيقة القرآنية القدسية التي فدَتْها من قبلُ رؤوسُ مئاتِ الملايين.. ألا لو أشعلتم الدنياي من خؤوسنا نارًا ما رضخنا للزندقة، ولا تخلَّينا عن وظيفتنا القدسية بإذن اللّٰه.
بلى.. لقد سارعت سُلواناتُ الإيمانِ والقرآنِ القدسيةُ لنجدتي عندما خيَّم عليَّ اليأس والأعباءُ الناجمةُ ع خَالِل شيخوختي.. ولهذا فإني لا أستبدل بسنةٍ واحدةٍ من أشدِّ سنوات شيخوختي عشرًا من أزهى سِنِيِّ شبابي؛ لا سيما وأن كلَّ يومٍ من أيام العمر الفاني ينقضي تحت وطأة المرض والظلم، يُنيلُ من شديدٍلثواب عشرةَ أيامٍ من عمرٍ باقٍ، وأن كلَّ ساعةٍ من ساعات التائب الذي يصلي المكتوبات في السجن تغدو في حكم عشر ساعاتٍ من العبادة؛ فما أعظمها من نعمةٍ تستوجب الشكر من رجلٍ سبحاننتظر أجلَه عند باب القبر!!
هذا ما عَلمتُه من ذلك الإخطار المعنوي؛ فحمِدتُ اللّٰه كثيرًا، وفرحت بشيخوختي، ورضيتُ بسجني؛ لأن العمر يمضي مسرعًا لا يتوقف، فإذا انقضى باللذائذ والمم الأل وزوالُ اللذة ألمٌ - خَلَّفَ محلَّها آثامًا بسبب الغفلة والتأسُّف وعدم الشكر، ومضى فانيًا؛ أما إن انقضى في السجن والآلام - وزوالُ الألم لذةٌ معنويةٌ - وكان مع هذا بحكمِ نوعٍ من العبادة، ظلَّ باقيًا بجهةٍ ما، وأنال عُمُؤوا القيًا بثمراتٍ طيبة، وكان كفارةً وطَهورًا لما سلف من الآثام والمخالفات التي أدت إلى السجن؛ فمن هذه الزاوية ينبغي على المسجونين الذين يُصلُّون المكتوبات أن يشكروا في طيّقد جعلر.
٭ ٭ ٭
— 626 —
محاكمة بديع الزمان سعيد النورسي في أفيون
كان أعداء الدين العاملون في الخفاء، الذين مهدوا لمحاكمة بديع الزمان في "أفيون" عبر مجموعةٍ من الإجراءاتيئًا ستراءات، قد دبروا الخُطة لإعدامه؛ وهذا الدفاعُ الكبير الذي بين أيدينا والذي نال أهميةً كبيرة، إنما هو حقائق هَدَرَ بها بديع الزمان في وجه هؤلاء الظَّلَمَة ذوي اليد الطولى في التصفية والاستئصال، وجهَرَ بها غيرَ مبالٍ بالموت.
وفي نهاية المطاول إنه محكمة التمييز قرارَ الإدانة، وبرَّأت بديعَ الزمان للمرة الثانية، وأعادت إليه جميع رسائل النور والمراسلات البالغةِ قريبًا من خمسمئة، من غير قيدٍ ولا شرط.
٭ ٭ ٭
مقتطفها بشك الدفاع الكبير
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وبهِ نَستَعِين
أُعيدُ مضطرًّا تقديمَ لائحةِ اعتراضي هذه ردًّا على لائحة الادعايني ال سبق أن قدمتُها إلى المحكمة وقدمتُ صورةً عنها إلى الجهات الرسمية بأنقرة بعد صمتٍ دام ثماني عشرة سنة.
لِيُعلَمْ أن الكلام الذي سأقوله الآن هو عينُ الحقيقة،.
#778لاصةُ دفاعٍ موجَزٍ سبق أن أدلَيتُ به ثلاثَ مراتٍ في "قسطموني" حين فُتِّشَ منزلي فيها، مرةً للمدعي العام والمفتش اللَّذين جاءا لتفتيش منزلي، ومر طويلةدَّعٍ ومفتِّشٍ آخَرَين سوى هذين، ومرةً ثالثةً لقائد الشرطة وعددٍ من ضباطه وعناصره؛ وأدلَيتُ كذلك في "إسبارطة" ردًّا
— 627 —
على أسئلة المدعي العام؛ وقلتُه كذلك في "دَنِزْلي" و"أفيون" ردًّا على محكمتشرية ن؛ وخلاصته ما يلي:
قلتُ لهم: إنني أعيش منزويًا منذ حوالي عشرين سنة، وقد بقيتُ طَوالَ هذه المدة تحت الرقابة والمتابعة الدائمتَين، سواءٌ في "قسطموني" التي أقمتُ بها ثماني سنواتٍ في منزلٍ مقابلٍ لمخفر الشرطة، أو في غيرها من الأماكن، الأخي عن أن منزلي فُتِّش عدة مراتٍ، ومع هذا كلِّه لم تُرَ مني أيَّةُ أمارةٍ أو بادرةٍ تتصل بالدنيا أو بالسياسة؛ فلو كان ثمة شيءٌ من هذا القبيل، ثم لم تعلم به جهات الشرطة والقضاء، أو عَلِمتْ به وتجاهلتْه، لكانت هي المسؤولةَ أكثر مني بلا شكٍّ؛صق في م يكن مني شيءٌ من ذلك، فلماذا تتعرضون لي من غير موجبٍ، وبما يضرُّ الوطن والشعب، مع أنه لا يُتعَرَّضُ في العالَم كلِّه للمنزوين المنشغلين بآخرتهم؟!
نحن تلاميذَ رسائل النور لا يمكن أن نجعل رسائلَ النور أداةً وإن بكات السياسية، بل ولا حتى للعالَم بأسره؛ ثم إن القرآن قد منعَنا من السياسة بشدة.
أجل، وأما وظيفة رسائل النور فهي خدمةُ القرآن بالحقائق الإيمانية، والبراهين القويةبروحي ية التي تَضطرُّ أعتى الفلاسفة الزنادقة إلى الإيمان، والتصدي للكفر المطلق الذي يدمر الحياة الأبدية، ويحيل الحياة الدنيوية سُمًّا زُعافًا؛ فلأجل هذا لا يمكن أن نتخذ رسائل النور أداةً لأيِّ شيء.
فتبُه اإكرامًا لحقائق القرآن النفيسة كالألماس لئلا تُهان، وصونًا لها من أن تنحطَّ في نظر أهل الغفلة إلى قطعِ زجاجٍ بتوهُّم الدعاية السياسية.
وثانيًا:منعَتْنا كذلك الشفقةُ والحقُّ و
بديعٍةُ والوجدان، وهي من جوهر مسلك رسائل النور، منعَتْنا بشدةٍ من السياسة ومن المساس بالأمن؛ لأنه يرتبطُ بكلِّ واحدٍ أو اثنين من اللادينيين الذين سقطوا في الكفر المطلق واستحقوا الصفعات والمصائبقد جمعٌ أو ثمانيةٌ أبرياء ما بين أطفالٍ ومرضى وشيوخ، فإذا وقعت الكارثة وحَلَّت المصيبة اكتوى بنارها هؤلاء المساكين أيضًا.
— 628 —
هذا فضلًا عن أننا مُنعنافياء ا من التدخل في الحياة الاجتماعية عن طريق السياسة بما يَضرُّ بالأمن والاستقرار، لأن حصول نتائج هذا العمل أمرٌ مشكوكٌ فيه.
وثالثًا:ثمة خمسةُ أُسسٍ تعدُّ ضرًا بشرولازمةً لسلامة الحياة الاجتماعية لهذا الوطن والشعب من الفوضوية في هذا الزمان العجيب، ألا وهي: الاحترامُ، والرحمةُ، واجتنابُ الحرام، والأمنُ، والالتزامُ بالنظام وترك التسيُّب.
وإن رسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعي
— 629 —
قلبَه على الدوام بآلامٍ وفراقاتٍ لا حدَّ لها نتيجةَ ضلالته؛ لكن إذا جاء الإيمان وخالطتْ بشاشتُه القلبَ، سَرَتِ الن في ١فجأةً فيما لا يُحدُّ من هؤلاء الأصحاب، فقالوا بلسان حالهم: نحن لم نَمُت ولم نَفنَ؛ وعندئذٍ تنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى لذةٍ من لذائذ الجنة.
فما دامت هذه هلقد لقيقة فإني أقول لكم محذِّرًا: لا تجابهوا رسائلَ النور المستندةَ إلى القرآن.. فإنها لا تُغلَب، وإلا ارتحلَتْ إلى مكانٍ آخر فنَوَّرَتْه، وقيل: واأسفاه على هذا البلد!! (حاشية): إن وقوعَ أربعة زلازل رهيبةٍ بالتزامن مع مجابهة،إذْ ئل يُثبِت حكمَ "وا أسفاه" هذه.
ألا إنه لو كانت لي رؤوسٌ بعدد شعر رأسي، فقُطِع في كلِّ يومٍ واحدٌ منها، لما أحنيت هذا الرأس الذي نذرتُه للحقيقة القرآنية، وما طأطأتُه أمام الزندقة والكفر المطلقمة البتخليتُ عن هذه الخدمة القرآنية والنورية، بل لا أستطيع التخلي عنها.
والحاصلأن رسائل النور التي تستند إلى الحقيقة العرشية للقرآن الكريم، والتي ما ال أنهنذ ثلاثين سنةً تجتث الكفر المطلق من جذوره - ذلك الكفر الذي يقضي على الحياة الأبدية، ويُحيل الحياة الدنيوية سُمًّا زُعافًا، ويُنغِّص لذائذها - والتي وُفِّقت في القضاء ليلةٌ أفكار الكفريَّة الرهيبة للطبائعيين، والتي أثبتت دساتيرَ سعادة الحياتَين لهذا الشعب بحُججها الباهرة وبصورةٍ مشرقة.. ندَّعي - ونحن مستعدون لإثبات ما ندَّعي - أنه لو وُجِد فيها ألفُ مأمَّل، ا واحدٌ أو اثنان في رسالةٍ صغيرةٍ، لتكفَّلتْ بالعفو عنها حسناتُها العظيمة التي تبلغ الآلاف.
وما دامت مبادئ الجمهورية لا تتعرض للملحدين عملًا بقانون حرية المعتقد الديني، فلا بد لها من بابٍ أولى ألا تتعرض للمتديِّنين الذُمَمِ يتدخلون في أمور الدنيا ولا يجابهون أهلها، والذين يجتهدون ما بوسعهم للعمل لآخرتهم وإيمانهم ولوطنهم أيضًا بصورةٍ نافعة.
ونحن نعلم عن أهل السياسة الذين يحكمون آسيا مهدَ الأنبياء أنلنور ريمنعون ولا يستطيعون أن يمنعوا التقوى والصلاح اللذَين يشكِّلان حاجةً ضروريةً لهذا الشعب منذ ألف سنة، شأنهما شأن الغذاء والدواء.
— 630 —
إن من مقتضى الإنسانية غَضَّ الطرف عن المآخذ الموجودة في مسائل عَرَضَ لها رجلٌ منزوٍ منذ عشري العلا وناقشها قبل انزوائه بعشرين سنة أخرى وفق عقلية "سعيدٍ القديم"، ولم تعد تناسب أسلوب المتلقِّين في هذا الزمان؛ وإن واجبي الوطني يُحتِّم عليَّ أن أذكِّركم بما يلي مراعاةً لمصلحة الوطن والشهذا الاستقرار، فأقول:
إن توقيفَنا وتشويه سُمعتنا ومصادرةَ رسائل النور لأسبابٍ تافهة، من شأنه أن ينعكس على كثيرين ممن قدموا لهذا الوطن واستقراره منافعَ دينيةً جمة، فيدفعهم إلى مناوأةِ من يديرون البلاد، ويفتح نه آتٍعلى مصراعيه أمام الفوضوية؛ نعم، فالذين أنقذوا إيمانَهم بفضل رسائل النور وأصبحوا أفرادًا نافعين لهذا الشعب لا يتأتى منهم ضرر، قد باتوا يَربون على مئة ألف، وهم ينتمون إلى كلِّ طبقةٍ من طبقات الشعب، ويوجدون - تلرجل ع - في كلِّ مديريةٍ من مديريات حكومة الجمهورية، وهم أفرادٌ نافعون يتحلَّون بالاستقامة والنزاهة، والأَولى بحق هؤلاء أن يتلقوا الحماية لا الطعن والتشويه؛ وإن ما يقوم به فريقٌ من المسؤولين الرسميين الذين لا يصغون لشكوانا ويمنع اللّٰن الكلام ويضيِّقون علينا بشتى الذرائع، يثير لدينا هواجس قويةً بأنهم يُفسِحون المجال للفوضوية كي تعيث في الوطن فسادًا.
ثم إنني أقول باسم مصلحة الحكومة: ما دام الشعاع الخامس قد خضع للتدقيق من قِبَل فأقول:ن محكمتَي "دَنِزْلي" وأنقرة، ثم أُعيدَ إلينا من غير أن يُتعرَّض له، فمن الضروريِّ المؤكَّد بالنسبة لمن يديرون شؤون البلاد ألا يُعاد النظر فيه رسميًّا من جديد، وألا يُفتَحَ فيه باب المجتوالقال ثانيةً؛ ومثلما أخفينا هذه الرسالة قبل أن تقع بيد المحكمة وتَشتَهِر، فينبغي على إدارة ولاية "أفيون" ومحكمتها ألا تجعلها موضعَ نقاشٍ، لأنها رسالةٌ قويةٌ لا تُرَدّ، وقد أَخبرتْ عن أمرٍ جردِ توعه فصَدَقتْ، فضلًا أن هدفها لم يكن دنيويًّا، غير أن معنًى من معانيها المتعددة قد انطبق - بشكلٍ أو بآخر - على شخصٍ قد طواه الموت.
إن ضميري يدفعني لتنبيهكم - مراعاةً لمصلحة الوطن والشعب وإدارة البلاد واستقرارها - إلى أنه لا ينالكون يُعطى هذا الإخبار والمعنى الغيبيَّان صفةً رسميةً، ولا
— 631 —
يُفسَح المجال لمزيدٍ من إشهار هذه الرسالة بمؤاخذتنا بها.. أجل، لا ينبغي أن يقع هذا لمجرَّد التعصُّب الأعمى لذلك الشخص.
ألا إنه ما ذات الفي هذه المسألة أن تُهاجَم رسائل النور لخطأٍ صَدَرَ مني أو من بعضِ إخواني، فإنها موصولةٌ بالقرآن مباشرةً، والقرآن موصولٌ بالعرش الأعظم، فمَن له أن يَطولَ تلك العروةَاليب بى فيفصِمَها؟!
ثم إن رسائل النور قد تحقَّقتْ خدمتُها الباهرة وبركاتُها المادية والمعنوية في هذه البلاد بإشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنية، وبكراماتٍ غيبيةٍ ثلاثٍ للإمام علشكر قاي اللّٰه عنه، وبإخبارٍ قطعيٍّ من الغوث الأعظم، وما دامت كذلك فليستْ مسؤولةً عن أخطائنا الشخصية التافهة، بل لا يمكن ولا ينبغي أن تكون مسؤولةً عنها، وإلا حاق بهذه البلاد ضررٌ ماديٌّ ومعنويٌّ لا يمكن تلافيه.
إن الا، بل والمخطَّطات التي يدبِّرها بعضُ الزنادقة من أعدائنا العاملين في الخفاء، ويديرونها بخبثٍ شيطانيٍّ ضدَّ رسائل النور ستَفشل بإذن اللّٰه؛ وإن تلاميذ رسائل النورإلى القاسون على غيرهم، فليسوا ممن تُفرَّق صفوفهم أو ممن يُحمَلون على تركِ دعوتهم، إنهم - بعنايةِ اللّٰه - لا يُغلَبون؛ ولولا أن القرآن منعهم من الدفاع المادي، لوجدتم منهم ردودًا لا تُقاس بحوادثَ محدودةٍ عقيمةٍ كحادأساتذةشيخ سعيد" وحادثة "مَنَمَن"، إذ إنهم موجودون في كلِّ مكان، ويَحظَون بالثقة والتقدير لدى عموم الناس، وهم بمثابةِ عصب الحياة لهذا الشعب، وإنه - لا قدَّر اللّٰه - إنْ نزل بهم ظلمٌ يجعلهم في حالة الاضطرار القطعيِّ للدفاع عا محظوس، لَيَنْدَمَنَّ الزنادقة والمنافقون المضلِّلون للحكومة ندامةً ما بعدها ندامة.
والحاصل:لا يتعرَّضنَّ أهلُ الدنيا لآخرتِنا ولا لخدمتنا الإيمانية ما دمنا لا نتِ"الآلدنياهم.
أجل، إننا جماعةٌ هدفنا وبرنامجنا إنقاذُ أنفسنا ثم أبناءِ وطننا من الإعدام الأبدي والحبس الانفرادي البرزخي الدائميِّ، وحفظُهم من الفوضوية والتسيُّب، وتحصين أنفسنا بالحقائق الفولاذية التيلناس وها رسائل النور في مواجهة الزندقة التي تقضي على الحياتين.
— 632 —
إن أقسى عقوباتكم التي ستُنزِلونها بي لا أهميَّة لها عندي، بل لا تساوي الحِبر الذي كُتِبَتْ به؛ فأنا عند باب القبر قد بلغتُ الخامسة والسبعين، و التُّمن سعادةٍ عظمى أن أنال مرتبة الشهادة بدلًا من حياةٍ بسيطةٍ مظلومةٍ مدَّتُها سنةٌ أو سنتان!!
وإنني على إيمانٍ قطعيٍّ مؤيَّدٍ بآلاف الحجج في رسائل النور أن الموت عندنا ليس سوى مذكِّرة تسريحٍ وإعفاء مسألةكان الحكمُ هو الإعدامَ كما يبدو في الظاهر، فإنه بالنسبة إلينا مشقةُ ساعةٍ هي مفتاحُ سعادةٍ ورحمةٍ أبديَّتَين.
أما أنتم أيها الأعداءُ العاملون في الخفاء، والظَّلَمَةُ الذين ضلَّلتُم العدالة لصالح الزندقة، وشَغَلتم الحكومة بنا بغير سعتقدناا فَلْتَعلموا يقينًا وَلْتَرتعدوا خوفًا أنكم محكومون بالإعدام الأبدي والسجن الانفرادي المؤبَّد.. إننا نرى كيف يُنتَقَمُ لنا منكم أضعافًا مضاعفةً لدرجة أننا نَرثي لحالكم.
أجل، إن حقيقة الموته لا سأفرغَتْ هذه المدينةَ في المقابر مئات المرات لا بدَّ أنها تطلُب مطلبًا وراء هذه الحياة، وإن الحاجة إلى حلٍّ يُخلِّصُ من إعدام الموت هي ح يحمل روريةٌ قطعيَّةٌ أعظمُ وأهمُّ وألزَمُ من جميع قضايا البشر؛ ولقد وجد تلاميذ النور هذا الحلَّ، وقدَّمتْه رسائل النور بآلاف الحُجج، أفلا يدري الذين يتَّهمون رسائلَ النور وتلاميذَها بذرائع والادِّأنهم هم المتَّهَمون بنظر الحقيقة والعدالة؟! إنه لأمرٌ يدريه حتى المجانين.
إن رجلًا وعى قبل ثلاثين سنةً فداحةَ الضررِ الذي تنطوي عليه شُهرةُ الدنيا المؤقتةتارٌ كُها الزائل، والعُجْبُ وحُبُّ الظهور المُشْبَعان بالأنانية، ووعى مبلغَ تفاهةِ ذلك كلِّه وعدمَ جدواه، أجل، وعى ذلك بعنايةِ اللّٰه وفيض القرآن وللّٰه الحمد بلا حد، فَأخذَ منذ ذلك الحين في مجاهدة نفسِه الأمارة بكلِّ ما أوتي من قوةخطبةٍ هد ما بوسعه لاجتناب التصنع والرياء، وكسْرِ الأنانية بالفناء عن الذات، وهو الأمر الذي يعرفه ويَشهَد له به قطعًا كلُّ مَن لازَمَه أو صاحَبَه؛ وفرَّ منذ عشرين سنةً أشدَّ الفِرار مما يُعجِب كلَّ إنسانٍ من حُسْنِ ظنِّ الناس وإقبالهم ومدحهم وثنائهميرة، وفرَّ مِن عَدِّ نفسِه صاحبَ مقامٍ معنويٍّ خلافًا لما يفعلُه كلُّ إنسان؛ ورَدَّ حُسْنَ الظنِّ الذي أولاه
— 633 —
إياه خُلَّصُ إخوانه وتلاميذه وخواصُّهم، وكسَر بذلك خواطرَهم؛ر، والدَّ مدحَهم له وحُسْنَ ظنِّهم به في رسائله الجوابية إليهم؛ وجرَّد نفسَه من ادِّعاء الفضائل مُحيلًا إياها جميعًا على رسائلِ النور تفسيرِالنفسين، فأحالها بالتالي على الشخص المعنويِّ لتلاميذ النور، وعدَّ نفسَه مجرَّد خادمٍ بسيطٍ للنور.. نعم إن رجلًا هذه حالُه إنما يُثبِت قطعًا أنه لم يَحمل أحدًا على الإعجاب به، ولا سعى إلى ذلك ولا طلبه، بل رَدَّه.
فبأيِّ قمحبةٍ يا ترى تُحمَّل المسؤوليةُ على هذا الرجل المسكين المريضِ الهَرِم الغريبِ المنزوي، فيَقتحِم المفتشون غرفتَه ويَكسِرون قفل بابه، وكأنه ارتكب جنايةً عظمى، لمجرد أن بعض أصحابه المقيمين في مكانٍ بعيدٍ منحوه حُم"الكنٍّ فوقَ حدِّه، فمدحوه وأَولَوه مقامًا بغير رضاه؟!
على أن المفتشين لم يعثروا على حجَّةٍ يُبرِّرون بها فَعلتهم سوى أورادِ هذا الرجل ولوحتَين مُعلَّقتَين عند رأم علاقيُّ قانونٍ وأيَّةُ سياسةٍ في الدنيا يسمحان بمثل هذا الاعتداء؟!
ثم إنه بناءً على قانون الحريات لم يُتعرَّض لنشر كتب الملحدين ومنشورات الشيوعيين بالرغم من عظيم ضررها على الوطن والشعب و الناجق، أما رسائل النور التي لم تَعثر فيها ثلاث محاكم على مادةٍ تكون محلَّ مسؤولية؛ والتي تعمل منذ عشرين سنةً على تحقيق الأمن والاستقرار، وتأمين الأخلاق وال أربعالاجتماعية للوطن والشعب؛ وتسعى جاهدةً على نحوٍ فاعلٍ لإعادةِ الأُخُوَّة والصداقة بين هذا الشعب والعالَم الإسلامي وتقويتها، ما يمثل نقطةَ استنادٍ حقيقيةً لهذا الشعب؛ والتي قُدِّمت إلى رئاسةِ الشؤذه التينية بأمرٍ من وزارة الداخلية بغرضِ أن ينتقدها العلماء، فنالت التقدير التام من غير انتقادٍ بعد ثلاثة أشهرٍ من التدقيق، وأُودِعت بعضُ أجزا، ولهذكی"عصا موسى" و"ذو الفَقَار" - في مكتبةِ رئاسةِ الشؤون الدينية باعتبارها مؤلَّفاتٍ قيِّمة، كما شاهد الحجاج مجموعة عصا موسى في الروضة الشريفة كعلامةٍ على القبول.. فصُودِرت أجزاؤها وقُدِّمتْ ن وجودمحكمة على أنها منشوراتٌ خطيرة!! فأيُّ قانونٍ وأيُّ ضميرٍ وأيُّ إنصافٍ يسمح بهذا يا تُرى؟!
٭ ٭ ٭
— 634 —
لدي عدة نقاطٍ أقدمها إلى إدارة ولاية "أفيون" وشرطتها ومحكمتها:
الأولى:إن ظهور أكثرُعنَونياء في الشرق وفي آسيا، ومجيء أغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا، إنما هو إشارةٌ من القدر الأزلي إلى أن الدين هو الحاكمُ في آسيا، وأن الفلسفالخاصةلدرجة الثانية؛ وبناءً على رمزِ القدر هذا فإنه ينبغي على حكام آسيا - وإن لم يكونوا متدينين - ألا يتعرَّضوا لمن يخدمون الدين، بل عليهم أن يشجقريبًا الثَّانية:إن القرآن الحكيم هو عقل هذه الكرة الأرضية وقوَّتُها المفكِّرة، فإنْ هو غادرها جُنَّتْ والعياذ باللّٰه، ولا يُستبعَد حينئذٍ أن يصطدم هذا الرأس الخالي من العقل بجرمٍمية واارٍ فتقوم القيامة.
أجل، إن القرآن هو حبل اللّٰه، وهو السلسلة التي تربط العرش بالفرش، وهو يحفظ الأرض أكثر مما تحفظها قوة الجاذبية؛ وانطلاقًا من هذا فإن رسائل النور التي هبناء هرٌ حقيقيٌّ قويٌّ للقرآن العظيم الشأن إنما هي معجزةٌ قرآنيةٌ لا تخبو، ونعمةٌ إلٰهيةٌ جليلةٌ في هذا العصر قد ظهرت آثارها على هذا الوطن والشعب منذ عشرين سنة؛ وينبغي على الحكومة أن تحميَها وتشجع على قراءتها بدلًا من أن تتعرض لها، وتصُدَّفي المها عنها وتحملَهم على تركها.
الثَّالثة:سبق أن وجهتُ سؤالًا لهيئة محكمة "دَنِزْلي" بناءً على ما يجري بين أهل الإيمان من عونٍ يقدِّمه لاحقوهم لسابقيهم، إذ يدعون لهم بالمغفرة، ويَهَبون الحسنات لأرواحهم.. قلتُ لهيئة يات قاة: بماذا ستجيبون مليارات المدَّعين من أهل الإيمان في المحكمة الكبرى إذا سألوكم وسألوا الذين يسعون لإدانةِ وإيذاءِ طلاب النور الذين يخدمون حقائق القرآن:
لماذبتة الُون الطرف عن منشورات الملحدين والشيوعيين، وجمعياتهم ومنظماتهم التي تُصدِّر الفوضوية، ولا تتعرضون لهم بمقتضى قانون الحريات، بينما تعملون لإلحاق الأذى بطلاب رسائل النور سجنًا وتضييقًا، وهم الذين يسعون لإنقاذ الوطن والشعب أنهم وضوية والإلحاد والتحلل الخُلقي، ويسعون
— 635 —
لإنقاذ أبناء وطنهم من الإعدام الأبدي للموت؟! نعم، لماذا تفعلون ذلك؟ ونحن كذلك نسألكم السؤال نفسَه.
قلت لهم هذا، فأصدرت تلك الهيئة العادلة المن أولقرار البراءة بحقنا، وأظهرتْ عدالةَ القضاء.
الرَّابعة:كنتُ أنتظر أثناء استجوابي - سواءٌ في أنقرة أو في "أفيون" - أن أُستشار في قضيةٍ جلها، ولوفي مدى خدمةِ الأنوار لهذه القضية؛ أعني إيجادَ حلولٍ تعيد لأبناء هذا البلد أُخوَّتهم السالفة مع ثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلمٍ، وتُكسِبهم محبتَهم وح "الدلهم وعونَهم المعنوي كما كانوا في الماضي؛ وهو الأمر الذي تُقدِّم فيه رسائلُ النور أنجعَ حلٍّ وأقوى وسيلةٍ، بدليل أن عالِمًا جليلًا من مكة المكرمة قد ترجم في هذا العام أجزاء مهمةً من رسائل النور إلى كلٍّ من الهندية والعربية، ان والها إلى الهند وإلى بعض البلاد العربية، موضِّحًا أن رسائل النور تعمل على تحقيق الأُخُوَّة والوحدة الإسلاميتَين اللتين هما أقوى نقطة استنادٍ لنا، وتُبيِّن أن الشعب التركي يتبوأ على الدوام موقعَه المرموقَ في الدين والإيمان.
وكذلك كولم أُتظر أن أُسأَل عن دور الأنوار في التصدي لخطر الشيوعية التي انقلبت فوضويةً في بلادنا، وكيف يُحفَظ هذا الوطن المبارك من هذا السيل الجارف.
بلى، بينما كان يلزم أن أُسأل مثل هذه المسائل التي هي من الأهمية بمكانٍ كالجقات واذا بهم يطرحون مسائلَ تافهةً لا تساوي جناح بعوضة، وليست بمحل مساءلةٍ قانونيةٍ أصلًا، وإنما هي مسائل شخصيةٌ بسيطةٌ ضُخِّمت بافتراءاتِ المغرضين الذين جعلوا من الحبة قبابًا لا قبةً، وجعلوها وسيلةً لإذاقتي معاناةً لم أقاسِ لك أن في مثل هذه الظروف الصعبة طَوالَ حياتي.
لقد سُئِلنا نفسَ المسائل التي سبق أن سألتْنا إياها ثلاث محاكم وبرَّأتنا على إثرها، كما سُئِلنا أسئلةً تافهةً حول مالألسنشخصيةٍ بسيطة.
— 636 —
الخامسة:إن رسائل النور لا تُجابَه ولا تُغلَب، وما فتِئت منذ عشرين سنةً تُسكِت أعتى الفلاسفة، وتُجلِّي حقائقَ الإيمان كالشمس، فينبغي على من يحكمون هذه البلاد أن يستفيد الغراقوتها.
السادسة:إن الطعنَ فِيَّ من خلال عيوبي الشخصية، والحطَّ من شأني في نظر العامة من خلال تجريحي وتشويه سمعتي، لن يضر رسائلَ النور شيئًا، بل ربما قوَّاها من جهةٍ عتقالالأن لها مِن نُسَخِها مئةَ ألفِ لسانٍ باقٍ بدلًا من لساني الفاني الوحيد، فهي بها ناطقةٌ لا تسكت، ولها من خُلَّص طلابها مَن سيُديمون - بآلافِ ألسنتهم البليغةِ - تلكَ الوظيفةَ النوريةَ الدَ الإ الكُلِّيةَ إلى يوم القيامة كما أداموها إلى اليوم.
السابعة:سبق أن ادَّعيتُ مبرهِنًا بالحُججِ في محاكم سابقةٍ أن أعداءنا العاملين في الخفاء، ومعارضينا والآخيين وغيرَ الرسميين، الذين يُضلِّلون الحكومة، ويثيرون مخاوفَ فريقٍ من كبار المسؤولين، ويحرِّضون الأجهزة القضائية علينا، هم إما واهمون متوجِّسون بشكلٍ مُزرٍ، وإما مخدوعون، وإما صُنّاعُ لة المَ واضطراباتٍ يعملون لصالح الفوضوية وليس في قلبهم ذرة رحمة، وإما زنادقةٌ مَكَرَةٌ يحاربون الإسلام وحقيقةَ القرآن محاربةَ المرتدين، وهم لكي يهاجمونا أطلقوا على الاستبداد المطلَق اسمَ "الجمهورية"، ومرَّروا الارتدادَ المطلَق تحت اسم "النظام"، لزمان.وا التحلُّلَ والرذيلةَ: "مدنيَّةً"، والأوامرَ المزاجيَّةَ الكُفريَّةَ: "قانونًا"، فضلَّلوا الحكومة، وشَغَلوا القضاء بنا بغير طائل، ونَیكَبونا؛ ونحن نرفع أمرَهم إلى سَطوةِ القهار ذي الجلال، مُحصِّنين أسَّجن، من شرِّهم بقلعة: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الثامنة:أرسل الروس في العام الماضي عددًا كبيرًا من الحجاج إلى الحج، وروَّجوا من ذل
سعيً دعائيةً مفادها أن الروس يحترمون القرآن أكثر من غيرهم، وسَعَوا بهذا لتأليب العالَم الإسلامي على أبناء هذا الوطن المتديِّنين فيما يتعلق بأمر الدين؛ غير أنه بالتزامن مع هذا كانت رسائل النورِق سرا شيئًا فشيئًا في مكة المكرمة والمدينة المنورة ومصر ودمشق وحلب، وتَلْقى التقدير من علمائها، فتكسر حملة الشيوعيين تلك، وتُظهِر لأبناء العالَم الإسلابلٍ أ أخاهم الشعبَ التركيَّ متمسكٌ
— 637 —
بدينه وقرآنه كما كان في سالف عهده، وأنه بالنسبة إلى سائر أهل الإسلام بمثابة الأخ الكبير المتمسك بدينه، وأنه قائدٌ بطلٌ في خدمة القرآن.
نعم، لقد جَلَّت رسائل النور هذه الحقيقة في تلك الحواضر والمرا جنسه، الأهمية والقدسية، فإذا قوبلت هذه الخدمة الوطنية الجليلة بكلِّ هذا العسف والأذى.. أفلا يُغضِبُ ذلك حتى الأرضَ نفسَها؟!
التاسعة:وهي خمن العموجزةٌ لمسألةٍ سبق إثباتها وإيضاحها في مدافعات "دَنِزْلي"، وهي أن ثمة قائدًا خطيرًا استطاع بدهائه وذكائه أن يَنسُب حسناتِ الجيش لنفسه، ويعزوَ سيئاته هو إلى الجيش، فتضاءلت الحسنات والبطولات التي هي بعدد الجنود فصارت واحدةً، وتضاعفت م يُصغالقائد بعزوها إلى الجنود فصارت بعددهم!! وفي هذا من الظلم الشنيع ومخالفة الحقيقة ما لا يخفى على أحد؛ ولقد هاجَمَني لأجل هذا مُدَّعٍ عامٌّ في محاكم سابقة، وساءَتْه الصفعاتُ التي وجَّهَها لهذا القائد رُبُو شريفٌ بيَّنتُه قبل أربعين سنة، فقلتُ لهذا المدعي العام: صحيحٌ أنني أطعن في هذا القائد بناءً على ما جاءت به الأحاديث، غير أني أصون شرف الجيش وأُبرِّئ ساحته من تلك الأخطاء الفادحة؛ أما أنت فتطعن في شرف هذاولون ع الذي كان حاملًا للواء القرآن وقائدًا بطلًا لعالَم الإسلام، وتشطب حسناته مراعاةً لخاطر شخصٍ واحدٍ صديقٍ لك!! أعني ذلك القائد.
وعسى أن يكون ذلك المدعي قد ثاب إلى العدل والإنصاف وأقلع عن الخطأ.
العاشرة هذا.
ترافع سيدنا عليٌّ كرم اللّٰه وجهه أيام خلافته مع يهوديٍّ في المحكمة وتقاضيا انطلاقًا من أن الحاكم في القضاء هو العمل باسم الحق وحدَه للحفاظ على حقيقة العدالة، والح، فإنيى حقوق جميع المراجعين بلا تفريق.
وقد حصل مرةً أنّ أحد القضاة أمرَ عامله أن يقطع يدَ سارقٍ وجَب في حقه القطع، فرآه يقطعها بحدَّةٍ وغضب، فعزله في الحال، وقال بأسفٍ شديد: إن مَن يُقحِم مشاعرَه على هذا النحو باسم قوة، ة هو ظالِمٌ ظلمًا فادحًا.
— 638 —
أجل، ليس له حين ينفذ حكم القانون أن يحتدَّ على المحكوم حتى وإن لم يكن مشفقًا عليه، فإن احتدَّ كان ظالمًا؛ بل إنْ كانت العقوبةُ القصاصَ، وقَتَل العاملُ الجانِيَ على قًا غاضبًا كان قاتلًا بنوعٍ ما كما أفاد ذلك القاضي العادل.
وعليه، فما دامت مثلُ هذه الحقيقةِ الخالصةِ المبَیرَّأةِ عن الغرض هي التي تسود المحكمة، فما بال المَعنيِّين هنا يوجِّهون الإهانات لطلاب النور،عالَم ملونهم بحِدَّةٍ وجفاءٍ، مع أنهم أبرياء محتاجون للسُّلوان ورأفة العدالة، وقد برَّأتهم ثلاث محاكم، ويَشهد لهم تسعون بالمئة من هذا الشعب بأماراتٍ جِدِّ كثيرةٍباس الأشخاصٌ نافعون للوطن والشعب لم يتأتَّ منهم ضرر!!
ولأننا قررنا أن نواجه كلَّ مصيبةٍ وإهانةٍ بالصبر والتحمل، فقد سكتنا محيلين الأمر على اللّٰه عز وجل، وقلنا: عسى أن يكون في الأمر خيرٌ لنا، غير أنمة إسطُ من هذه المعاملة السيئة التي يُعامَل بها أولئك الأبرياء المساكين بناءً على تقارير مغرضةٍ تثير الهواجس.. خشيتُ أن تصبح سببًا لحلول البلايا، فاضطررتُ لكتابة هذا الدفاع.
والحقيقة أنه إن كان في هذه القضيوإيمانليةٌ فهي مسؤوليتي، أما هؤلاء الإخوة المساكين فإنما ساعدوني ابتغاء مرضاة اللّٰه لأجل أن يُحرِزوا إيمانهم وآخرتهم لا غير، وهم إن كانوا يستحقون شيئًا فإنما يستحقون الد خانهالجزيل، غير أنهم لقُوا من سوء المعاملة ما أثار الحِدَّة حتى من الشتاء نفسه.
ثم إن مما يثير الحيرةَ والعَجَب أن القوم عادوا إلى مزاعم وجود التنظيم من جديدٍ!! اليَقل أنه فضلًا عن وجود ثلاث محاكم دققت في هذه المزاعم وبرَّأتنا منها، فإنه لم تفلح أيَّةُ محكمةٍ أو شرطةٍ أو لجنة خبراء في العثور على أيَّةِ أمارةٍ تومئ إلى وجود تنظيمٍ بيننا يكون مدارَعرفهن ٍ ما؛ كلُّ ما في الأمر أن بين طلاب رسائل النور أُخوَّةً أخرويةً مثلها مثلُ الأخوة التي تكون بين تلاميذِ معلِّمٍ، أو تربط بين طلابِ جامعةٍ، أو تجمع بين حفاظ القرآن لدى مقرئ، زِ والصف هؤلاء بأنهم تنظيمٌ ويتهمهم بها، يلزمه أن ينظر إلى الحِرْفِيِّين وخريجي الجامعات والوعاظ على أنهم تنظيماتٌ سياسيةٌ كذلك.
— 639 —
ولهذا فلست أرى داعيًا للدفاع عن الإخوة الذين سُجِنوا هنا بسبب مثل هذه الاتهامات السخيفة التي لا أصل لها؛ غيدراجه؛ كما دافعنا ثلاث مراتٍ عن رسائل النور التي لها وثيقُ الصلة بهذا البلد وبالعالَم الإسلامي، والتي تَحقَّقت منافعُها الجمَّة وبركاتُها الغزيرة لهذا الوطن والشعرٍ مبدًّا ومعنويًّا، فإنه لا يوجد أيُّ مانعٍ يمنعني من الدفاع عنها للسبب ذاته، ولا يوجد قانونٌ ولا سياسةٌ يمنعان من ذلك، بل ليس بمقدورهما ذلك.
أجل، نحن تنظيم..جُرمٍ،لَتنظيمٌ عظيمٌ فريدٌ له في كلِّ قرنٍ ثلاثمئةٍ وخمسون مليون فردٍ ينضوون تحت لوائه، ويُعلنون بصلواتهم الخمس كلَّ يومٍ عن ارتباطهم به وخدمتهم له مع كمال الاحترام لمبادئه، ويسارعون لمساعدة بعضهم بعضًا بالأدعية والمكاسب المعنوية عملًا الظلم امج القدسي: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.
فنحن من أفراد هذا التنظيم القدسي العظيم، ووظيفتُنا الخاصةُ فيه أن نبلِّغ أهلَ الإيمان حقائقَ القرآن الإيمانيةَ بصورةٍ تحقيقية، فننقذَهم وننقذَ أنفسَنا من الإعدام الأبدي، ومن السجن الّةً لِالمؤبَّد الانفرادي؛ وليس لنا أيَّةُ علاقةٍ أو مناسبةٍ مع التنظيمات السريَّة الباطلة التي تتهموننا بها، ولا بغيرها من الجمعيات والمنظمات السياسية الدنيوية التي تحيك المؤامرات والمكائد، بل مسلمينزَّل لهذا أصلًا؛ وهذا أمرٌ دققتْ فيه أربع محاكم وأشبعتْه تمحيصًا، ثم حكمتْ ببراءتنا منه.
أجل، يعلم تلاميذ النور - وهو أمرٌ سبق أن بيَّنتُ الدلائل عليه في المحاآخرة، نني أسعى وأجتهد لا لكسبِ مقامٍ أو شهرةٍ أو جاهٍ وسمعة، ولا لأنال مرتبةً أخرويةً أو معنويةً، بل لأُؤَدِّيَ خدمةً إيمانيةً لأهل الإيمان؛ وأنني في سبيل هذه الخدمة مستعدٌّ بكلِّ قناعتي وقوتي للتضحية لا بحياتييد رئيا ومقاماتي الفانية فحسب، بل حتى بحياتي الآخرة إن لزم الأمر، وبالمراتب الأخروية الباقية التي يطلبها كلُّ إنسان، بل أقبل - إن لزم الأمر - أن أترك الجنة وأدخل جهنسيئةُ ن وسيلةً لإنقاذ بعض أهل الإيمان المساكين منها.
— 640 —
ومع أن هذا أمرٌ يعرفه إخواني الحقيقيون، وسبق أن أثبتُّه في المحاكم، إلا أن القوم باتهامهم إياي بهذه التهمة، وإسنادهم ما ينافي الإخلاص إلى خدمي في اور والإيمان، وحطِّهم من قيمة الأنوار، يحرمون أبناء هذا الوطن من الحقائق الجليلة التي تنطوي عليها رسائل النور.
فيا عجبًا لهؤلاء الأشقياء الذين يظنون أن الدنيا أبديةٌ،شياء فبون أن كل الناس مثلهم يتخذون الدين والإيمان أداةً للدنيا!! كيف ساغ لهم أن يجرِّموا رجلًا تحدى أهل الضلالة في العالَم، وضحى في سبيل الخدمة الإيمإخوةً حياته الدنيوية وبالأخروية إن لزم الأمر، ولم يستبدل بحقيقةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلكَ الدنيا بأسرها كما أعلن أمام المحاكم، وفرَّ بكل قوته من السياس.
.المراتب المادية والمعنوية التي يُشَمُّ منها معنى السياسة مراعاةً لسر الإخلاص، وترفَّع عن السياسة بمقتضى مسلكه الإيماني متحملًا صنوفًا من الأذى لا مثيل لها على مدى عشرين سنةً، ومن يعد ويحسََه - من حيث هي نفسٌ - دون طلابه بكثيرٍ، ويطلب منهم العون والدعاء على الدوام، ويرى نفسَه مسكينًا لا حول له ولا أهمية.. أجل، كيف ساغ لهؤلاء أن يجرِّموا رجلًا هذه حاله،متنا، أن بعضًا من خُلَّص إخوانه نسبوا إليه في مراسلاتهم الخاصة بعضَ فضائل رسائل النور، في مقابل ما حصَّلوا منها من قوةٍ إيمانيةٍ فائقةٍ، مع أنه ليس سوى ترجمانها ومُبلِّغها الذي لا يملك من الأمر شيئًا، وأَولَوه من حسن ظنهم ما يفوق حدهم كبالف درجةٍ، فمنحوه مقامًا رفيعًا من قبيل ما اعتاده الناس، كقولهم لمن يحبون: "يا سيدي، ويا وليَّ نعمتي"، من غير أن يتبادر من هذا أيُّ معنًى سياسي، ومدحوه وأثنَوا عليه ببالغ المدح والثناء على سبيل الشكر بين الأساتذة والطلاب ك، وأن العادة من قديم الزمان من غير اعتراضٍ ولا نكيرٍ، وكتبوا تقريظاتٍ تفيض مدحًا وإطراءً ذَيَّلوا بها كتبَه كما هي العادة الجارية منذ القديم في الكتب التي لقيت القبول؟!
ومع أنه رجلٌ يعيش وحيدًا غريبًا، وله الكثير من الأعداء، واذا الممن الأسباب التي تصرف الناس عن مساعدته، إلا أنه لكي يعزز القوة المعنوية لدى إخوانه الذين يعاونونه في مواجهة معارضين أَلِدَّاء كُثْر، ولكيلا يَنفضَّوا من حوله،ذا الشا يُفتِّر همةَ
— 641 —
من بالغوا في مدحه، لم يردَّ المدحَ والثناء من أصله، وإنما أحال بعضَه على الأنوار لا غير.
لكن بالرغم من هذا كله يَعمِد بعض المسؤولين الرسميين إلى ما يقوم به هذا الرجل الهرِم على باب القبر من خدمةٍ إيمانيةٍ، فييوم سلعلى تحويلها إلى وجهةٍ دنيوية، فما أبعدهم عن الحق والقانون والإنصاف؟!
آخر قولي: إني أعددتُ لكلِّ مصيبةٍ: إِنَّا للّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .
٭ ٭ ٭
وأبيِّن لمحكمة "أفيون" ولرئيس محكمة الجنايات،أنني قطعتُ علاقتي بالدنلتُ له زمنٍ بعيد، لأني لا أستطيع بفطرتي تحمُّلَ التحكُّمات من أحد، وأنَّ حياتي اليوم في ظلِّ كلِّ هذه التحكُّمات التي لا معنى لها ولا لزوم قد باتت شديدة الوطأة، فلا قدرة بي على العيش رَها اوليس بمقدوري معاناة التحكمات من مئات الأشخاص الرسميين خارج السجن، لقد سئمت أسلوب الحياة هذا، وأطلب منكم جازمًا أن تُنزلوا بي عقوبة السَّجن، إذ ما دام القبر لا يتأتى لي، فالبقاء في السج لحريق بي.
وتعلمون أيضًا أن التهم الباطلة التي ساقها مقام الادعاء بحقي لا وجود لها، ولا تستوجب سَجني، وإنما الذي استوجب سجني في الحقيقة ذنبٌ عظيمٌ تجاه وظيفتي الحقيقية، فإن كان من المناسب أن تسألٍ لها ه فسلوني أُجِب.
أجل، إن هذا الذنب العظيم هو عدم قيامي بوظيفةٍ جليلةٍ كُلِّفتُ بها باسم الدين والوطن والشعب، فلم أقم بها لعدم التفاتي إلى الدنيا، وهذا الناسلا يُغتفر بنظر الحقيقة، ولا أُعذَر بجهله؛ هذه هي القناعة التي تولدت لديَّ مؤخَّرًا في سجن "أفيون".
إن الذين يسعون لأن يطلقوا على العلاقة الأخروية الخاعلوا أتي تربط تلاميذَ النور بالأنوار وترجمانها صفةَ التنظيم الدنيوي السياسي، ويسعون بالتالي لتحميلهم تبعاته، هم أبعد ما يكونون عن الحقيقة والعدالة، وهذا ما وحدتنا ثلاثُ محاكم أصدرتْ قرارها بتبرئتنا، غير أننا مع هذا نقول:
— 642 —
إن أُسَّ الأساس للحياة الاجتماعية الإنسانية، لا سيما بين المسلمين، إيذها، المحبة الخالصة بين الأهل والأقرباء، والارتباطُ الوثيق بين القبائل والطوائف، والعلاقةُ المعنوية المبنية على التضحية بين إِخْوة الإيمان في الأمة الإسلامية؛ ولا يتأتى وصف تلاميذ النور بأنهم تنظيمٌ سياسيٌّ إلا بأمرين،أحدهما:إنكار هذه الرواكعاصفةي لا تقوم الحياة الاجتماعية إلا بها، والتي منها الروابطُ والالتزاماتُ والصلاتُ الوثيقة التي تربط المرء بالحقائق القرآنية وناشريها، وتنقذ حياته الأبدية؛والأمر الآخر:تَبَنِّي الخطر الأحمر القادم من الشمال، وهو لديهم الذي ينثر بذور الفوضوية الرهيبة، ويُهلِك الحرث والنسل، وينتزع الأولاد من آبائهم مزيلًا القرابةَ والانتماء، ويمهد السبيل لإفساد المدنية الإنسانية والحياة والعبااعية إفسادًا تامًّا.
ولأجل هذا يُعلن تلاميذ النور الحقيقيون عن علاقتهم القدسية بحقائق القرآن، وارتباطهم الوثيق بإِخْوة الآخرة، إعلانًا لا يشوبه تردُّد، ويقبلون كلَّ عقوبةٍ تَنزل بهم من جرَّاء هذه الأُخُوَّة، ولهذا يَجهَرون أمام المحكم مِلاطقيقة صريحةً كما هي، ويترفَّعون عن أن يدافعوا عن أنفسهم بطريق الحيلة والتزلف والكذب.
٭ ٭ ٭
ذيلٌ على تتمةِ لائحةِ الاعتراض المقدَّمةِرْدًامحكمة "أفيون"
ردًّا على لائحة الادِّعاء
أولًا:أُبين للمحكمة أنَّ لائحة الادِّعاء هذه قد بُنيت على أمرين اثنَين،أحدهما:لوائحُ الادعاء السابقةُ لدى محكمتَينا في كلٍّ من "أسكي شَهِر" و"دَنِزْليا وتَرآخَر:التحقيقاتُ السطحية التي أجرتْها لجنةُ الخبراء عديمةُ الخبرة المتحاملةُ علينا، ولهذا أعلنتُ أمام محكمتكم أنني إن لم أُثبت وجودَ مئة خطأٍ في لائحة الادعاء هذه رضيت بسجني مئة سنة؛ ولقد أثبتُّ دعواي هذه، امة التم قدمتُ لكم جدولًا فيه ما يزيد على مئة خطأ.
— 643 —
ثانيًا:أنه في أثناء سير إجراءات محكمة "دَنِزْلي"، ومع إرسال كتبنا وأوراقنا إلى أنقرة، كتبتُ إلى إخواني رسالةً وأنا في حالةٍ من القلق وخيبة الأمل متوقعًا أن يصدُر الحكم ضدنا، وقسمقد سبقذه الرسالة موجودٌ في آخر بعض دفاعاتي، وفيه: "اِشهدوا أن موظفي القضاء الذين يدققون رسائل النور بغرض انتقادها، إنْ هم قوَّوا إيمانهم أو أنقذوه بها، ثم حكموا عليَّ بالإعي ترميإني مسامحٌ لهم وهم في حِلٍّ مني؛ لأن وظيفة رسائل النور هي تقوية الإيمان وإنقاذُه، ونحن لسنا سوى خدمٍ مكلَّفين بأداء الخدمة الإيمانية من غير تفريقٍ بين عدوٍّ وِ - أَومن غير التحيز لأيَّةِ جهة".
وبناءً على هذه الحقيقة يا هيئة المحكمة، فلا ريب أن ما تتمتع به رسائل النور من حُجج قويةٍ لا تُجرَح، قدم اللّل إليها قلوب بعض رجال المحكمة، وإنكم مهما فعلتم بحقي فإني مسامحٌ لكم لا أنقِم عليكم؛ وإني لأجل هذا تحملتُ ما وُجِّه إليَّ من حملاتِ تجريحٍ وتشويهِ سمعةٍ لم أر مثلَها في حياتي في جوٍ من أشدِّ ايدانٍ الاستبداد، أجل تحملتُها رغم أنها تثير حفيظتي، حتى إنني لم أدعُ بسوءٍ على من قاموا بها.
إن رسائل النور التي بأيديكم هي لائحة دفاعي التي لا تُرَد، ولائحةُ اعتراضي التي لا مطعن فيها، ردًّا على جميع الاتهأن يُقلموجَّهة ضدنا، والجرائم المُسندةِ إلينا.
ومع أنه قد اطلع على رسائل النور علماءُ أجلّاءُ من مصر ودمشق وحلب والمدينة المنورة ومكة المكرمة، ومحَّصَ فيها العلماء المدققون في رئاسة الشؤون الدينية في هذا البلد، فقدَّروها واستحسنوها من غيرواحدة،د، إلا أن مما يثير العجب حقًّا أن يَذكر الشخصُ ذو الذكاء العجيب الذي نظم لائحة الادعاء ضدنا، أن القرآن مئةٌ وأربعون سورة!! وحسبكم بهذا الخطأ الفاحش دليلًا على مدى نظره السطحي.
ُورِ؛ عن هذا، فإنه برغم الظروف الصعبة التي واجهتها رسائل النور، وبرغم الهجوم الشرس الذي تعرضتُ له في أجواء الغربة والوحدة وتشتُّت الأحوال، إلا أنهاأن الحالتصديق من مئات الآلاف من أهل الحقيقة، ومع هذا يأتي ذلك المدعي الذي لا يعرف حتى عدد سور القرآن، لينتقد الرسائل قائلًا: "إنها برغمِ محاولتها تفسيرَ القرآن
— 644 —
وتأويلَ الحديث، لكن بالنظر إلى ما تُعلِّمه للقارئ يتبين أن بعض أقسامها لا ينطوي وأنا يمةٍ علميةٍ"!! وحسبكم بهذا دليلًا على مدى مجافاة هذا الشخص للقانون والحق والحقيقة والعدالة.
ثم إني أتقدم إليكم بشكوى، وهي أنكم أجبرتمونا طَوالَ ساعتين على الاستماع إلى لائحة الادعاء ذات الأربعين صحيفمن السامها، مع ما تعجُّ به من مئات الأخطاء، وما تتضمنه من محتوى يجرح المشاعر، بينما لم تسمحوا بقراءة ردٍّ عليها مؤلَّفٍ من صحيفةٍ ونصف الصحيفة، يتضمن الحقيقة بعينها، ولا تستغرق قراءته دقيقتيناصٍ لاننا ألححنا على قراءته؛ وإني لأجل هذا أطلب منكم باسم العدالة أن أقرأ لائحة اعتراضي كاملةً ردًّا على لائحة الادعاء.
ثالثًا:إن لكلِّ حكومةٍ معارضين، ولا القبرالقانون بالتعرض لهؤلاء ما داموا لا يَمَسُّون الأمن والاستقرار؛ فهل من الممكن لي ولأمثالي نحن الذين أعرضنا عن الدنيا وأقبلنا على الآخرة، أن نترك العمل لحياتنا الباقية وفق النهج الذي سلكه أجدادنا طَوالَ ألفٍ وثلاثمئةٍ وخمسين سنة، وفي داظيم اللتربيةِ القرآنية، وبالأسلوب الذي تسمح به الدساتير التي يقدِّسها ثلاثمئةٍ وخمسون مليون مؤمنٍ في كل حين، لنتبنى قوانينَ متحللةً تمخضت عنها المدنية الغربية، ودساتيرَ وحشيةً دمويةً كالتي لدى البلشفية، ونتخذَها مسلكًابٍ ولٍ وكيدٍ من أعدائنا العاملين في الخفاء لمجرد حياةٍ دنيوية قصيرةٍ فانيةٍ؟! ألا إنه ليس في العالَم قانونٌ ولا إنسانٌ له ذرةُ إنصافٍ يُجبِرنا على قبول هذا المسلك.
على أننا نقول لهؤلاء: نحن لا نتعرض لكم، فلا تتعرضوا لنا.
وبنا منذ ى هذه الحقيقة فإني أعلنها صريحةً بأننا - فكرًا وعِلمًا - لا نؤيد الأوامر التعسفية التي أصدرها باسم القانون زعيمٌ حوَّلَ مسجدَ "أيا صوفيا" إلى دارِ أوثان، وحوَّل "دارَ المشيخة الإسلاملفجَرَى ثانويةِ بنات.. أجل، لا نؤيد هذه الأوامر المزاجية، وأنا شخصيًّا لا أعمل بها.
ثم إنه رغم الظلم الشديد الذي تعرضتُ له في نفيِيَ المشحوصوصًا ذى والعَنَت طَوالَ هذه العشرين سنة، لم نتدخَّل في السياسة، ولم نتعرَّض لشؤون الحكم والإدارة،
— 645 —
ولم نُخِلَّ بالأمن والاستقرار؛ بل لم تُسجَّل بحقنا واقعةٌ واحدةٌ تَمَسُّ الأمنَ والاستقرار، مع أاس، ومني النوريين يبلغون مئات الآلاف.
إنني شخصيًّا قد سئمتُ العيشَ بسبب هذه المعاملة الجائرة التي تثير حفيظتي، وبسبب ما لقيتُ في غربتي وآخر عمري من أذًى وتجريحٍ وتشويه سمعةٍ لم أرَ مثلهحنة اناتي؛ وكرهتُ أيضًا إطلاقَ السراح مع الإبقاء تحت التحكم.
ولقد سبق أن كتبتُ إليكم عريضةً لم أطالِب فيها ببراءتي كسائر الناس، بل طالبتُ فيها بسَجني، وطلبتُ منكم إنزال أشدِّ العقوبة لا أخفِّها، لأنة ألف،بيل للخلاص من هذه المعاملة العجيبة التي لا مثيل لها إلا بأحد أمرين: القبر أو السجن، فأما القبر فلا يتأتى لي الآن، لأن الانتحارَ حرامٌ والأجلَ مُغيَّبٌ، فلهذا رضيتُ بالسجن الذي أنا رهينُ زنزانته المنفردة منذ ستة أشهرٍمعنويةأني لم أتقدم إليكم بهذه العريضة مراعاةً لخواطر إخواني الأبرياء.
رابعًا:إنني أدعي دعوَى يُصدِّقها جميعُ ما كتبتُ في رسائل النور طَوالَ هذه الثلاثين سنةً من حياتي فيما سُمِّي "سعيدًا الجديد"، ويُصدِّقها أيورعاكميعُ ما وَرَدَ في هذه الرسائل من حقائق تتصل بشخصي، ويَشهَد لها الأشخاص والأصحاب المنصفون الذين تربطهم بی"سعيدٍ الجديد" صلةٌ وثيقة..
وهي أنني اجتهدتُ قدر المستطاع في منع نفسي الأمَّارة من المراءاة والتفاخر وحبِّي كُلّة؛ وأنني كثيرًا ما كسرتُ خواطرَ طلاب النور الذين أَولَوني حُسنَ ظنٍّ زائدٍ وجرحتُ مشاعرهم، وأعلنت لهم أنني لست سوى دلَّالٍ بسيطٍ في محلِّ مجوهرات القرآن لا أملكُ منه شيئًا؛ وأنني - بتصديق إخواني المقربين والأمارات قوا علاهدوها - قررتُ أن أضحي في سبيل خدمتي الإيمانية لا بنَيلِ الجاه والشهرة والمقامات الدنيوية فحسب، بل حتى بالمقامات المعنوية الجليلة إن أُعطِيتُها، مخافةَ أن يشوبَ الإخلاصَ ف إلى أي الإيمانية شائبةٌ من حظِّ نفسي، وتصرَّفتُ فعلًا بناءً على هذا الأساس؛ لكنكم برغم هذا كلِّه عَمَدتم في محكمتكم الموقرةِ هذه إلى ما أولانيه بعضُ إخواني من احترامٍةِ أشخ يفوق احترامهم لآباءهم، وقابلوني به كشكرٍ معنويٍّ منهم على ما
— 646 —
استفادوا من رسائل النور، فجعلتم منه محلَّ مُساءَلة كما لو أنه قضيةٌ سياسيةٌ كبرى، ودفعتم بعضَهم لإنكاره، وأسمعتمونا ما يَحار المرء من سماعه!!
تكتبوان يا تُرى لرجلٍ مسكين لم يرضَ لنفسه شيئًا من المقامات وحسن الظن، ولم ير نفسه جديرًا بها، أن يُجرَّم لأن الآخرين مدحوه؟!
خامسًا:أقول لكم صراحةً: إن إلصاق تهمة التنظيم والعمل السياسي بطلاب الن"،والين ليس لهم علاقةٌ بشيءٍ من التكتلات أو التنظيمات أو التيارات السياسية، إنما هو حربٌ تُشَنُّ علينا - بعلمٍ أو بجهلٍ - باسمِ جمعيةِ زندقةٍ سريةٍ تحارب الإسلام والإيمان منذ أربعيمسلمين وباسمِ بلشفيةٍ ترعى الفوضوية في هذا الوطن.
وبغض النظر عن أن محكمة "أسكي شَهِر" حكمت عليَّ بالسجن سنةً كاملةً، وعلى خمسةَ عشر شخصًا من أصل مئةٍ وعشرين بالسجن ستة أشهر، بسببابقةٍ ٍ واحدةٍ وردت في رسالةٍ صغيرةٍ تتحدث عن حجاب المرأة، والمسألة عبارةٌ عن جملةٍ كُتِبَت قديمًا تقول: "إن واقعةَ تحرُّشِ ماسحِ أحذيةٍ بزوجةِ مسؤى.. بليرٍ خرجت كاسيةً عاريةً في السوق بقلب العاصمة، إنما هي صفعةٌ لاذعةٌ على وجه كلِّ وقحٍ يحارب الحجاب"؛ فقد اتفقت ثلاثُ محاكم على تبرئةِ رسائل النور والنوريين من تهمة التنظيم، وهذا يعني أن اهمٌّ تسائل النور وتلاميذِها اليوم إنما هو اتهامٌ وإدانةٌ وإهانةٌ لتلك المحاكم الثلاث.
سادسًا:إن رسائل النور لا تُجابَه، ولقد أقرَّ جميعُ من اطلع عليها من علماء الإسلام أنها تفسيرٌ للقرآن مليءٌ بالحقائق؛ أي إنها تعرض حقائقوحدَه،جها المتينة، وتمثِّل معجزةً معنويةً له في هذا العصر، وتقف سدًّا منيعًا يحمي الوطن والشعب من الخطر القادم من الشَّمال، ولهذا نعتبر أن إحدى وظائفكم تجاه الحق العام تتمثل في ترغيبلةً لسالرسائل بدلًا من ترهيبهم، وهذا ما ننتظره منكم.
وإذا كان يُسمَح بنشر كتب الملاحدة ومنشورات بعض السياسيين الزنادقة مراعاةً للحرية العلمية، مع أنها تضر بالوطن والشعب، وتهدد الأمن والاستقرار؛ فإن لَّل ب
— 647 —
البريء المحتاج للأنوار، حين يدخل دائرةَ طلابِ النور، لينقذ إيمانه ويتخلص من ذميم الأخلاق، حريٌّ بأن يَلقى من الحكومة ووزارة التربيةِ التشجيعَ والتقديرَ لا التجريم.
آخر قولي:نسأل اللّٰه أنأرى أنالقضاة للعدالة الحقيقية، آمين.
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
والْحَمْدُ للّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
كلمتي الأخيرة
أوضِّح لهيئة المحكمة ما يلي:
لقد تبين لِيّ
لال لائحة الادعاء ومن خلال وضعي في السجن الانفرادي مُدَدًا طويلة، أن شخصي هو أكثر ما يُستهدف، وأنه رُئي أن القدح في شخصي والحطَّ من شأني هو الأجدى في هذه القضية، كما لو أنني أضر بالوطن واستقراره وإدارته، وأبتهذه الخلف ستار الدين مقاصدَ دنيويةً، وأسعى خلف نوعٍ من السياسة.. وإنني ردًّا على هذا أبيِّن لكم بيانًا قطعيًّا فأقول:
إنْ عملتم على الحط من شأني بسبب هذه الهواجس واليفِ إِ فلا تسيئوا إلى رسائل النور وتلاميذها الذين يُقدِّمون التضحيات لهذا الوطن والشعب ويُمثِّلون لهما قيمةً كبرى، وإلا حاق بهذا الوطن والشعب ضررٌ معنويٌّ عظيم، وربما تسببتم لهما بخطرٍ بالغ.
وأبين لكم جازمًا أنني قررتُ حاليًّا - باعتبار مسلكي - ألشخصيةل كلَّ ما يلحق بشخصي من حطٍّ وهَوانٍ وقدحٍ وأذًى وعقوبةٍ شريطةَ ألا يَمسَّ رسائلَ النور وتلاميذَها ضررٌ بسببي؛ وعسى أن يكون في قراري هذا ما أُثاب عليه في آخرتي، وأتخلص به من شرِّ نفسي الأمّارة، وبذا أكون ممتنًّا في سِرِّي لما هو مؤلمٌ في ظاهروالولي على أنه لو لم
— 648 —
يكن هؤلاء الأبرياء المساكين مسجونين معي في هذه القضية، لكان لي في محكمتكم هذه كلامٌ آخر.
وقد رأيتم ما فعله الشخص الذي نظَّم لائحة الادعاء بحقي، إذ سعى لاهيةٍ يَّ بالحيلة والمخادعة، وكان أشبه بمن يجمع الماء من ألفِ وادٍ، فقد عَمَد إلى جميع ما كتبتُ من كتبٍ ومراسلاتٍ شخصيةٍ وغير شخصيةٍ كتبتُها خلال ما يقرب من ثلاثين سنةً من حياتي، فأضفى عليها معنًى خاطئًا، يقومول في تقديمها كما لو أنها كُتِبتْ جميعًا في هذا العام، بل كأنها لم تنظر فيها محكمةٌ، ولم يشملها عفوٌ، ولم يجرِ عليها تقادُم!!
ومع أني كثيرًا ما هوَّنتُ من شأنِ شخصي، ولم يوفر خصومي بدورهم وسيدًّا و هذا المجال إلا استعملوها، إلا أن ذلك لم يُجْدِ نفعًا في صرفِ إقبال الناس عليَّ، لدرجة أن الأمر أثار هواجس أهل السياسة، وسبب ذلك أنالحاجة الماسَّة لتقوية الإيمان في هذا الزمان وفي هذا البلد تستلزم أشخاصًا لا يتخيُعرَفحقيقةَ أداةً لشيء، ولا يعطون النفس حظًّا في شيء، حتى يُستفادَ من دروسهم الإيمانية، ويَبلغَ فيها المرء درجة القناعة القطعية.
أجل، لم يسبق أن كانت هذه البلاد في حاجةٍ ماسَّةٍ كما هي اليوم، فقد داهمنا الخطر من الخارج؛ وقد أعلنتُ معترفًا بأَّ "ال لا يكفي لسَدِّ هذه الحاجة، إلا أن الناس يظنون أنني أنا مَن يسُدُّها، وما ظنُّهم هذا لمزيةٍ فيَّ، بل لشدةِ الحاجة من جهةٍ، ولقلةِ ظهور آخرين في ه تقلقويدان من جهةٍ أخرى.
والحال أني كنت أتأمل في هذا الأمر بحيرةٍ وتعجُّبٍ منذ زمنٍ بعيد، وقد عرفتُ مؤخَّرًا الحكمةَ من إقبال الناس عليَّ برغم معايبي الجمَّة وعدم المكتو بوجهٍ من الوجوه، وهي أن حقيقةَ رسائل النور والشخصية المعنوية لتلاميذها قد لفَتا نظرَ تلك الحاجة الماسَّة، فأقبل الناس عليَّ ظنًّا منهم أنني ممثلُ تلك الحقيقة البديعة والشخصيةِ الخالصة المخلصة، مع أن نصيبي منها باعتبار الخدمة ادي وظيية لا يبلغ الواحدَ بالألف.
— 649 —
وبالرغم من أن هذا الإقبال ليس من حقي، بل يَضرُّ بي ويشُقُّ عليَّ، إلا أني كنت أرضى بهذا الضرر المعنوي وأوثر السكوت مراعاةً للحقيقة النورية وشخصيتها المعنوية؛ حتى إن الإمام عليًّا رضتكفُل ٰه عنه، والغوثَ الأعظم الشيخَ الگيلانيَّ قُدِّس سرُّه، وسواهما من الأولياء حين أَخبروا - بإلهامٍ إلٰهيٍّ وإشاراتٍ غيبيةٍ - عن رسائل النور التي تمثِّل مرآةً للمعجزة المعنوية للقرآن الحكيم في هذا الزمان، وأخبروا عن الشخصية المعنوية لطلام العاخُلَّص، أَوْلَوا شخصيَ البسيطَ اعتبارًا بالنظر لخدمتي للرسائل؛ غير أني أخطأتُ إذْ لم أُؤَوِّل ثناءهم عليَّ في بعض المواضع، ولم أحوِّله إلى رسائل النور؛ ومَردُّ خطئي هذا ضعفي، والرغبةُ فق أن ي الثقة بكلامي، وعدمِ الإكثار من الأسباب التي تدفع لانفضاض الأعوان من حولي، فقبلتُ بعضَ مديحهم بحقي ظاهرًا لا غير.
إنني أذكركم ألَّا داعي للطعن في شخللدفاع الفاني الواقف بباب قبري، ولا لزوم لإيلائي كلَّ هذه الأهمية، ولكن حذارِ أن تجابهوا رسائل النور، فإنكم لا تطيقون ذلك، ولا تستطيعون التغلب عليها؛ بل تُبمجابهتها إنما تضرون الشعب والوطن، لكن لا تستطيعون تفريق تلاميذها؛ فإن أجدادنا السابقين في هذا الوطن قدموا قرابة الخمسين مليون شهيدٍ في سبيل الحفاظ عل سعيديقة القرآنية، ولن تستطيعوا أن تحملوا أحفادهم على التخلي عنها في هذا الزمان، أو التخلي عن بطولاتهم الدينية المجيدة في نظر العالَم الإسلامي؛ بل حتى وإن تخلَّوا عنها ظاهرًا، فإن هؤلاء التلاميذ الخُلَّص مرتالتي هتلك الحقيقة قلبًا وروحًا، ولن يتخلَّوا عن رسائل النور التي تمثل مرآةً لها، فيضروا - بتخلِّيهم هذا - الوطنَ والشعبَ والأمنَ والاستقرار.
وآخر قولي:
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهفبدأت إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
٭ ٭ ٭
— 650 —
عريضةٌ مقدَّمةٌ إلى الوزارات ودائرة الشؤون الدينية ورئاسة محكمة التمييزةً للسظَلُّمٌ لدى محكمة الحشر الكبرى، وشكوى مرفوعةٌ إلى الجناب الإلٰهي، فلْتستمع إليها محكمة التمييز في هذا الزمان، ولْتستمع إليها الأجيال القادمة، والمثقفون من ها من الجامعات وطلابها في المستقبل.
أتقدم بشكواي إلى مقامِ عدالةِ العادلِ الحكيم ذي الجلال، مقدِّمًاعشرَ مظالمفحسب من بين مئات المظالم المريرة التي لقيتُها خلال ثلاثٍ وعشرين سزةٌ قرلَتْ.
الأولى:إنني - برغم نواقصي وعيوبي - وقفتُ حياتي لسعادة أبناء هذا البلد وإنقاذ إيمانهم، وعملتُ لهذا بكل ما أوتيت من قوةٍ من خلال رسائل النور قائلًا: ل مَن أأسي فداءً للحقيقة التي فَدَتْها من قَبلُ رؤوسُ ملايينِ الأبطال - أعني بها القرآن یی، وصمدتُ بتوفيق اللّٰه أمام ما لقيتُ من أذًى وظلمٍ فلم أنسحب ولم أتراجع.
وأذكر على سبيل المثال بعض المعاملات الجائرة التي عوملنا بها هنا في سجون الدون" ومحكمتها؛ فمن ذلك أنهم أجبرونا أنا وطلابَ النور الأبرياء الذين يؤمِّلون من العدالة سُلوانًا.. أجبرونا ثلاث مراتٍ على الاستماع إلى لوائح اتهامٍ تطفح بالحقد والافتراء، واستغرقت كلُّ واحدةٍ منها قرابةَ الساعتينس خدمةما رجوتهم بشدةٍ أن يسمحوا لي بخمسِ أو عشرِ دقائق كي أدافع عن حقوقي لم يأذنوا بأكثر من دقيقتين!!
.......
ووُضِعتُ في السجن الانفرادي عشرين شهرًا، ولم يُسمح لي بمقابلة أحدٍ سوى اثنين من أصحابيعب، وتِ ثلاثِ أو أربع ساعات، فساعداني قليلًا في كتابة مدافعاتي، ثم مُنعا وعوقِبا وعومِلا معاملةً قاسية. ثم جاؤوا بلائحة اتهامٍ صاغها المدعي بطريقةٍ تشبه جمع الماء من ألف وادٍ، وملأها بالحقد والافتراء واره معي المغلوطة والتُّهم الكاذبة،
— 651 —
وقد أحصيتُ في خمسَ عشرة صحيفةً منها فحسب أكثرَ من ثمانين خطأً، فأجبرونا على الاستماع إليها، ومنعوني من الحديث؛ ولو أنهم سمحوا لي به لقلت لهم:
ما دمتم - تحت ذريعةِ حرية الفكر والمعتقد الديني - لا تتعرضون لمن لقد بن دينكم، ويهينون أجدادكم ويتهمونهم بالضلال، ويرفضون نبيَّكم وقوانينَ قرآنكم ولا يقبلونها، أعني اليهود والنصارى والمجوس، وأعني بدرجةٍ أخص المنافقين والمرتدين والفوضويين الذين يعمل ونشرتوم خلف ستار البلشفية..
(حاشية): لم تدافعوا يا أستاذي المبجَّل عن حقوق عشرين مليونًا من أبناء هذا الوطن فحسب، بل دافعتم عن الحقوق المادية والمعنوية لثلاثمئةٍ وخمسين مليونًا من أبناء العالَم ات الإلي، دفاعًا خالصًا لوجه اللّٰه، مُكلَّلًا بأنوار القرآن؛ والدليل على خلوصه لوجه اللّٰه: توفيقُه تعالى لك في خدمة القرآن.
وكما نجا موسى عليه السلام من كلِّ رعون وخلَّفه غريقًا في اليم، وكما صرعَ رسولُنا الأكرم (ص) أئمةَ الكفر فصاروا وَقودًا لجهنم، فإن رسائل النور عبر "رسالة المناجاة" في "أسكي شَهِر"، و"رسالة الثمرة" ، فلقدا في "دَنِزْلي"، وهذه العريضة في "أفيون"، قد ألقت الكفر المطلق وأرواح الأشقياء من أرباب الزندقة في الجحيم، وانتشرت في أصقاع الأرض ممزقةً مبادئَ الزنادقة وأنظمتهم، وللّٰه الحمد. علي أصغر
وما دامت حكتِكَ ألإنكليز المتجبرةُ المتعصبةُ للمسيحية لا تتعرض لملايين المسلمين الموجودين في دائرة ملكها وتحت حاكميتها، ولا تحاكمهم، مع أنهم يردُّون - بدروس القرآن المستمرة في كل حين - عقائشخصي انكليز الباطلة ودساتيرهم الكفرية..
وما دامت الحكومات لا تتعرض لما يقوم به معارضوها من نشرِ أفكارهم علنًا..
وما دامت مجرياتُ أربعين سنةً من حياتي، ومئةٌ وثلاثون وربُّ من كتبي، وأخصُّ رسائلي ومراسلاتي، قد دقَّقتْها حكومة ولاية "إسبارطة"، ومحكمة "دَنِزْلي"، ومحكمة جنايات أنقرة، ورئاسة الشؤون الدينية، ودققتْها كذلك محكمة التمييز مرتين أو ثلاثًا، وبقيقة بحائل النور بحوزتهم سنتين أو ثلاثًا وفيها الرسائل الخصوصية وغير الخصوصية، فلم يُبْرِزوا ولو مادةً صغيرةً واحدةً تستوجب العقوبة..
— 652 —
وما دامت قد أثبتتْ براءتَنا كلٌّ من مدافعاتنا البالغةُ أربعمئة. أقول، ورسائلُ النور التي - برغم ضعفي ومظلوميتي وعجزي وظروفي القاهرة - عبَّرت عن نفسها كمرشدٍ حقيقيٍّ قويٍّ لا يزيغ، يرشد مئتي ألف تلميذٍ حقيقيٍّ متفانٍ، ويحقِّق المنفعة والأمن واله من ار للوطن والشعب..
فبأيِّ قانونٍ، وبأيِّ ضميرٍ، وبأيَّةِ مصلحةٍ، وبأيِّ جُرمٍ، تعاقبوننا أشدَّ العقاب، وتهينوننا أبلغ الإهانة، وتَزُجُّون بن وكملزنازين؟! لا جَرَمَ أنكم ستُسألون في المحكمة الكبرى يوم الحشر.
الثانية:إحدى المبَیرِّرات التي ساقوها لمعاقبتي هي تفسيري لآياتٍ قرآنيةٍ صريحةٍ حول الن سنة،الميراث وذكرِ اللّٰه وتعدُّد الزوجات، وهو تفسيرٌ مُفحِمٌ يردُّ على اعتراضات المدنية الغربية.
وإنني أكرر فيما يلي الفقرةَ التي سبق أن ، وأنّا قبل خمس عشرة سنةً وقدمتُها إلى محكمةِ "أسكي شَهِر"، ومحكمةِ التمييز والتصحيح بأنقرة، وهي نفس الفقرة التي كتبوها في لائحة القرار ضدي.. أكررها كشكوى تُرفَعُ إلى محكمة الحشر الَّالٍ وكتنبيهٍ يُقدَّم لأهل المعرفة والثقافة في المستقبل، وكلائحةِ تمييزٍ مشفوعةٍ برسالةِ "الحجة الزهراء"، تُقدَّم إلى محكمة التمييز التي استمعتْ لشكوانا بعللّٰهُوإنصاف، وبرَّأتنا مرتين؛ وأتلوها بنصِّها على مسامع الهيئة التي منعتني من الكلام، وحكمتْ عليَّ بالسجن المنفرد سنتين، وبالنفي سنتين مع الإبقاء تحت الرقابة الدائمة، بناءً على لائحة اتهامٍ ونقلٍِ أثبتْنا فيها ثمانين خطأً.
فأقول للمحكمة هاتفًا بأعلى صوتي ولْتسمعني الأذن الصَّمَّاء لهذا العصر:
إن كان للعدالة وجودٌ على وجه الأرض، فلا جَرَمَ أنها ستَرُدُّ وتنقض القرارَ الظالم الذي حُكِم به على رجلٍّ ر سر إ الدستورَ الإلٰهيَّ القدسيَّ الحقيقيَّ المتبعَ طَوالَ ألفٍ وثلاثمئةٍ وخمسين سنة، المعمولَ به في الحياة الاجتماعية لثلاثمئةٍ وخمسين مليون مسلمٍ في كلِّ قرن.. فسَّرَه استنادًا إلى اتفاقِ وتصديقِ ثلاثمئةٍ ونًى:
ألف تفسير، واقتداءً بعقيدةِ أسلافنا السابقين خلال ألفٍ وثلاثمئة سنة.
— 653 —
فهذا الرجل الذي لم يقبل - فكرًا وعلمًا - بعضَ القوانين الأجنبية التي عُمِل بها مؤقتًا لبعضِ ضرورات هذا الزممثالكمَرك السياسة، وانسحب من الحياة الاجتماعية، ألا يَنتجُ من تجريمه لتفسيره تلك الآيات إنكارٌ للإسلام نفسه، وإهانةٌ لمليارٍ من أسلافنا الأبطال المتمسكين بالدين، واتهامٌ لملايين التفاسير؟!
الثالثة:أحد كما زعب التي تذرَّعوا بها لسَجني هو الإخلال بالأمن وإفساد الاستقرار.
والحال أنهم مَوَّهوا بما هو بعيدٌ عن الإمكان أشد البُعد فجعلوه واقعًا، وعمدوا إلى رسائلي الخصوصية ومرال عدُّالشخصية، وإلى رسائل النور بِطولها، فاستخرجوا من ألفِ جملةٍ وجملةٍ فيها أربعين أو خمسين كلمة، وأضفَوا عليها معنًى مغلوطًا، ثم جعلوا منها مستنَدًا يتهموننا به ويعاقبوننا عليه.
وإنني أقول مُشهِدًا مَن يعرفون لى مشرخلال الأربعين سنةً خَلَت، ومُشهِدًا الآلاف من خواصِّ تلاميذ النور:
إن الرجل الذي أفشل الخطةَ الخبيثةَ التي دبرها القائدُ العام للجيش الإنكليزي الذي احتل إسط، فقالوهي خطةٌ كانت تقضي ببثِّ الخلاف بين المسلمين، حتى لقد أوقع هذا القائدُ بين شيخ الإسلام وبعض المشايخ، وحرَّض بعضهم على بعض، وشَغَلَ الاتحاديين والائتلافيين بعضَهم ببعض، ممهدًا بذلك السبيل أمام انتصار اليونانيين وهزيمة الحركة الوطنية، فأفمعجزة ه الخطةَ كتابي الذي يحرِّض على الإنكليز واليونانيين: "الخطوات الست" الذي طبعه ونشره أشرف أديب..
نعم، إن الرجل الذي أفشل الخطةَ الخبيثةَ ل
#476قائد، ولم يَثْنِه تهديدُه له بالإعدام، ولم يهرب إلى أنقرة برغم دعوة زعمائها له تقديرًا له على جهوده في المقاومة..
والذي لم يبالِ بقرار الإعدام الذي أصدره بحقه القائدُ العام للروس حين كان في اُّ نشا
والذي أخضع بخطبةٍ منه ثمانيَ كتائب عسكريةٍ وردَّها إلى الطاعة في حادثة الحادي والثلاثين من مارت..
— 654 —
والذي استجوبه ضباط المحكمة العسكرية قائلين: وأنت أيضًا رجعيٌّ تطالب بالشريعة؟ِيّ
هم غيرَ مبالٍ بإعدامهم: إنْ كانت المشروطيةُ عبارةً عن استبدادِ فئةٍ، فليشهد الثقلان أني رجعيٌّ.. إنني مستعدٌّ لأن أضحي بروحي فداءً لمسألةٍ واحدةٍ من مسائل الشريعة..
والذي أثار بموقفه هذا إعجابَ ضباط المحكمة وتقديرَهم، وبينما كالذي تعظر منهم صدورَ قرار الإعدام إذْ حكموا ببراءته وإخلاء سبيله، فغادر المحكمة دون أن يشكرهم، وراح يهتف في الطريق: عاشت جهنم للظالمين..
والذي خاطبه مصطفى كمال في ديوان الرئاسة محتدًّا: لقد دعوناك إلى هنا لتُبيِّن أفكارَك ةِ جناة، فإذا بك تكتب أمورًا تتعلق بالصلاة، وتزرع الخلاف بيننا!! فردَّ عليه غاضبًا بحضور خمسين نائبًا: إن أسمى شيءٍ بعد الإيمانِ: الصلاةُ، وإن الذي لا يصلتقصِّن، وحكم الخائن مردود؛ فاسترضاه هذا الزعيم حتى سكت غضبُه..
والذي لم تسجَّل ضدَّه أيَّةُ مادةٍ تتعلق بالإخلال بالأمن، سواءٌ من شرطةِ ستِّ ولاياتٍ، أو من الجهات الرسمية عامةً؛ ولم يُرَ من مئات الآلاف من تلاميية الشر واقعةٌ من هذا القبيل؛ ولم يُسمَع عن واحدٍ منهم وقوع جنايةٍ سوى واقعةٍ صغيرةٍ جرتْ مع أحدهم في دفاعٍ مُحِقٍّ عن النفس..
والذي ما دخ المعاا إلا أصلحَ سُجناءَه..
والذي يُثبِت قولًا وفعلًا أن رسائل النور التي انتشرت في هذا البلد بمئات آلاف النُّسَخ، لم يكن منها إلا النفع من غير ضرر، ويَشهد على هذا ويُصدِّقه ثلاثٌ وعشرون سنةً من حياة هذا الرجل، وقراراتُ البراءة الصادرة من ثلاث سعيدٍ وحكوماتِ ولايات، ومئةُ ألف تلميذٍ يعرفون قيمة النور..
والذي هو في واقع الحال رجلٌ منزوٍ وحيدٌ غريبٌ فقيرٌ طاعنٌ في السن عند باب القبر..
والذي تخلى بكلِّ قوته ومحض قناعته عن الأشياء الفانية، وراح يطلب الحياوعية، قية، ويتحرى كفارةً لتقصيراته السالفة..
— 655 —
والذي لا يُولي أهميةً للمراتب الدنيوية..
والذي - لشدة شفقته - لا يدعو بسوءٍ على مَن أنزلوا به الظلم والأذى، مخافةَ أن يتضرر من ذلك أبرياءُ وشيوخ.. أقول:يُقال في حق هذا الرجل الذي حالُه كما وصفنا: "إن هذا العجوز المنزوي يُخلُّ بالأمن ويُفسِد الاستقرار، ومقصدُه مكائدُ دنيوية، ومراسلاتُه ولقاءاتُه هدفها الدنيا، وبالتالي فهو مجرم"؟!
لا جَرَمَ أن مَبُ الجون هذا الكلام بحق هذا الرجل، ويسجنونه في ظروفٍ بالغة الشدة، يرتكبون جريمةً نكراء، وسيَلقون حسابهم في المحكمة الكبرى.
أرأيتم إلى رجلٍ أخضَعَ دوا عن واحدةٍ منه ثمانيَ كتائب عسكريةٍ وأعادها إلى الطاعة؛ وجعل آلاف الناس قبل أربعين سنةً ينحازون إلى صفِّه بمقالةٍ واحدةٍ نشرَها؛ ولم يَخشَ أحدًا من القادة الثلاثة المذكورين آنفًا ولم يداهنهم؛ وأعلن في ي منفرالمحاكم قائلًا: "لو كانت لي رؤوسٌ بعدد شعر رأسي، وقُطِع في كلِّ يومٍ رأسٌ منها، لما أحنيتُ للظالمين هذا الرأسَ الذي نذرتُه للحقيقة القرآنية، وما استسروس رسلزندقة والضلالة فأخونَ الوطن والشعب والإسلام"؛ ولم يكن له في "أميرداغ" علاقةٌ بأحدٍ سوى خمسةٍ أو عشرةٍ من إخوان الآخرة، وثلاثةٍ أو أربعةٍ يقومون على خدمته..
كيف يُقال بحقه في لائحة الاتهام: "إن بالأنا هذا قد عمِلَ سِرًّا في "أميرداغ"، وغسل أدمغة بعضِ الناس هناك بغيةَ الإضرار بالأمن والاستقرار؛ وإن حولَه عشرين رجلًا يكيلون له المدح والثناء، وتكشف مراس ثانالخاصة فيما بينهم أن هذا الرجل يدير سياسةً سريَّةً تعادي الحكومة والثورة"؟!
وكيف يَلقى من الاضطهاد والأذى ما يَلقى، ويُسجن في زنزانةٍ انفراديةٍ طَوالَ سنتين مع الإهانة والعداوة التي لا مثيل لها، ويُمنعُ من الإد تَصدّوله في المحاكم؟!
إنني أحيل هؤلاء على ضميرهم ووجدانهم ليعرفوا ما أشد بُعدَهم عن الحق والعدل والإنصاف!!
— 656 —
أرأيتم إلى رجلٍ نال من إقبال الناس عليه ما يفوق حدَّه أضعافًا مضاعفًا، وأعاد بتِها -منه آلافَ الأشخاص إلى الطاعة، وجعل آلافَ الناس يدخلون في جمعية الاتحاد المحمدي بمقالةٍ منه، وجعل خمسين ألف شخصٍ في مسجد "أيا صوفيا" يستمعون إلى خطبته بإنصاتٍ وتقديرٍ..
أيمكن لهذا الرجل أن يعمل ثلاث سنين في "أميرداغ" نشر كمتم، فلا تكون حصيلةُ سعيه هذا إلا تضليل خمسةٍ أو عشرةٍ فحسب؟! أم هل من المقبول أن يدع عمل آخرته جانبًا لينشغل بأحابيل السياسة، ويملأَ قبْرَه الذي دنا منه ظلماتٍ بدلًا من الأنوار؟! ألا إن الشيطانميةَ ا ليعجِز عن إقناعِ أحدٍ بهذا.
الرابعة:جعلوا من عدم ارتدائي القبعةَ الإفرنجيةَ سببًا موجِبًا لسَجني؛ ومنعوني من الإدلاء بقولي، وإلا فقد كنتُ أريد أن أقول للذين يعملون علا قبل مي:
بالرغم من أني بقيتُ ثلاثة أشهرٍ في مخفر "قسطموني" ضيفًا على الشرطة والضباط، فلم يطالبوني مرةً بارتدائها؛ ودخلتُ ثلاث محاكم من غير أن أرتديَها أو أحسِرَ عنعوذ بافلم يتعرضوا لي..
وبالرغم من أن بعض الظَّلَمة الملحدين أذاقوني - بهذه الذريعةِ - عقابًا غير رسميٍّ بالغَ الشدة وشديدَ الوطأة طَوالَ ثلاثٍ وعشرين سنة..
وبالرغم من أنه لا يُجبَر على ارتدائها الأطفال ولا النساء، ولا معظم أتٌ وثللقرى، ولا الموظفون ضمن الدوائر، ولا سواهم ممن يعتمرون قبعةً سوى القبعة الإفرنجية..
وبالرغم من أنه لا يتحقق في ارتدائها أيَّةُ منفعةٍ مادية..
وبالرغم من أنها تعَيتُ - أنا الرجلُ المنزوي - عشرين سنةً من العقوبة بذريعةِ عدم ارتدائي القبعة الإفرنجية التي اتفق على منعها جميع المجتهدين وعمومُ مَن تولَّوا منصب شيخ الإسلام؛ وقاسَيتُ ما لحِق بهذه الذريعة من تلفيقاتٍ وأكاذيب..
— 657 —
لٍ يتعبالرغم من هذا كله فإنهم يسعون جاهدين لتجريمي من جديدٍ بناءً على عادةٍ تافهةٍ تتعلق باللباس، هذا في الوقت الذي لا يتعرضون فيه لتاركي الصلاة وشاربي الخمرأولًا:ا نهارًا في رمضان، بدعوى الحرية الشخصية!!
ألا إنهم بعد أن يَلقَوا الإعدامَ الأبديَّ للموت، والحبسَ الانفراديَّ الدائميَّ للقبر، سيُسألون فبولو" كمة الكبرى عن هذه الخطيئة لا محالة.
الخامسة:لقد حظيتْ رسائلُ النور بمظهريَّةِ إشاراتِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً قرآنيةً تشير إليها إشارةَ استحسان، ونف نقضتلتقديرَ من الإمام عليٍّ كرم اللّٰه وجهه ومن الغوث الأعظم قُدِّس سرُّه، ومن غيرِهما من الأولياء، وحازتِ التصديقَ من مئاتِ الآلاف من أهل الإيمان، وعادت على الوطن والشعب في عشرين سنةً بعظيم النفع من غير ضرر؛ لكنْ مع هذا سعى القوم لأن تَطولَهاحرية المصادرة بذرائع واهيةٍ سخيفة، حتى لقد عمدوا إلى المجموعِ المسمَّى: "ذو الفقار والمعجزات الأحمدية" وهو مجموعٌ نفيسٌ عظيمُ النفع يبلغ أربعمئة صحيفة، وكان له الفضل في إنقاذِ إيمانِ مئة ألفِ شخصٍ وتقويتِه، وقد أُلتقدير يمًا، وشَمِله قانون العفو فضلًا عن التقادم، فتسبَّبوا في مصادرته بذريعةِ احتوائه على تفسيرٍ مُحِقٍّ لآيتين كريمتين في صحيفتَين منه لا غير!!
وإن كلَّ مَن يستمع إلى لائحة الادعاء الثالثةِ هذه، ويطلع على لائحة القً جِدّالتي نشرناها، سيؤكد أنهم مثلما تسبَّبوا في مصادرة ذلك السِّفْر النفيس بالأمس، فإنهم يسعَون اليوم لمصادرة هذه الرسائل ذات النفع العظيم، متذرِّعين إلى هذا بإضفاء معنى مل الصلعلى كلمةٍ أو كلمتين في كلِّ واحدةٍ منها.
ونحن نقول: أعددنا لكلِّ مصيبةٍ:
إِنَّا للّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِينواعِ السادسة:كان بعض تلاميذ النور قد حصَّلوا من الأنوار عظيمَ الفائدة، بما وجدوا فيها من حُجج الإيمان الباهرة، والعلوم الإيمانية الراسخة البالغةِ عينَ اليقين،ء الذيَوا ترجمانَها العبدَ الفقير هذا حسنَ ظنٍّ زائد، وبالغوا في مدحه على
— 658 —
سبيل الترغيب والتبريك والتقدير والشكر، وإني أقول لمن جعل من هذا المتي توجمًا يؤاخذني به:
لقد وجدتُ الدواء لأدوائي من أدوية القرآن وحقائقه الإيمانية القدسية، يومَ كنتُ عاجزًا ضعيفًا غريبًا منفيًّا شبهَ أُمِّيٍّ يُنفَّرُ الناسُ مني بحملاتٍ مغرِضة، وعندها تحققتْ لديَّ القناعة بأن هذا الدواء سيكون دواءلصة ال لهذا الشعب وأبناء البلد، فرحتُ أدوِّن تلك الحقائق النفيسة؛ وبينما كنتُ بأمَسِّ الحاجةإلى مَن يساعدني لرداءة خطي، إذْ هيأتْ لي العناية(8Uإلٰهية معاونين خاصِّين يتحلَّون بالصدق والتان مدولا ريب أن رفضَ جميعِ ما أوْلَوني إيَّاه من حُسن ظنٍ، وما فاضت به قلوبهم من مدح، وكسرَ خواطرهم بالصَّدِّ كان سيصبح بمثابةِ إهانةٍ وعداوةٍ للأنوار المستقاة من تلك الخزينة القرآنية، وسيَنْفَضُّ عندئذٍ هؤلاء العن جزين أصحابُ الأقلام الألماسية والقلوب البطلة، فلأجل ذلك كنتُ أُحيلُ المدحَ والثناءَ الذي يوجهونه لشخصي المفلس البسيط فأردُّه إلى مالكه الأصلي، أعني رسائلَ النور التي هي معجزةٌ قرآنيةٌ معُنا بِوأردُّه كذلك إلى الشخصية المعنوية لتلاميذها الخواص؛ وكنتُ في الوقت نفسه أنبههم قائلًا: إنكم تُوْلونني ما يفوق حدي بكثير.
فهل يوجد قانونٌ يجرِّم شخصًا لمجرَّد مدح الآخرين له برغم رفضه وعدم رضاه، حتى يُجرِّمَ والفدوظفُ الرسمي الذي يتصرف وفق القانون؟!
ثم إنه قد ذُكِرَ في الصفحة الرابعة والخمسين من لائحة القرار المنشورة الموجَّهة ضدنا:
"إن رجُلَ آخلدفاع ان سيكون من سلالة آل البيت، ونحن طلابَ النور عسانا نُعَدُّ من آل البيت المعنويين لا أكثر".
كما ذُكِر أيضًا:
"لا مجال للأنانية في مسلك النور، ولا تجوه، وذلالشخصنة ولا طلب المقامات الشخصية، ولا نيل الشهرة والجاه، بل حتى لو أُعطيتُ المقامات الأخروية لوجدتُني مضطرًّا لتركها مخافةَ الإخلال بالإخلاص الذي في النور".
— 659 —
وذًا أعيي الصفحتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين منها:
"إنني من حيثُ معرفةُ المرء بعيوبه، وإدراكُ ما هو عليه من فقرٍ وعجز، والتجاؤه متذلِّلًا إلى باب الحضرة الإلٰهية، أرى نفسي عاجزًا مسكينًا شديدَ العيوب أكثر من أي شخصٍ آخروا أن هذا، فلو مدحني جميع الخلق وأثنَوا عليَّ، ما استطاعوا إقناعي بأني امرؤٌ صالحٌ صاحبُ كمال؛ ولستُ أخبركم بما خَفِيَ عنكم من شخصيتي الحقيقية الثالثة وما هي عليه من سوء الحال، لئلا أُنفِّركم مني كُلِّ النور وإنما اللّٰه سبحانه وتعالى يستعمل بعنايته شخصي هذا كجنديٍّ بسيطٍ في الأسرار القرآنية، فله الحمد كثيرًا؛ فالنَّفْسُ أدنى من الكل، والوظيفةُ أعلى من الكل".
ثم يأتي بعدَ هذا، فكذلُجرِّمني بناءً على مدحِ الآخرين لي، ووصفِهم إياي بأنني مُرشدٌ جليلٌ بتعبير رسائل النور!! ألا إن مَن يجرِّمونني سيلقون عقابَهم الأليم جزاءَ فعلتهم ه وتُشومحالة.
السابعة:بالرغم من أن محكمتَي الجنايات في كلٍّ من "دَنِزْلي" وأنقرة ومحكمةَ التمييز قضتْ جميعًا ببراءتنا وبراءةِ رسائل النور، وأعادت إلينا جميع الرسائل والمراسلات..
وبالرغم منن اليوكمة التمييز صرَّحت عند نقضها قرارَ محكمة "أفيون" بأنه حتى لو فُرِض وجود خطأٍ في قرار البراءة الصادر عن محكمة "دَنِزْلي"، فإن قرارها قد اكتسب صفة القطعيَّة، ولا سبيل لإعادة المحاكمة من جديد..
وبالرغم من أني بقيت منزويًا بی"أميردايك
ث سنين، ولم أكن أتحدث إلى أحدٍ سوى اثنين أو ثلاثةٍ يعملون أُجراءَ في الخياطة، ويتناوبون على مساعدتي، وسوى بعض الأشخاص المتدينين أتحدث إليهم فيما ندر وعند الضرورة حديثًا لا يبلغ الخ بالمق العشرَ دقائق..
وبالرغم من أنه لم يكن لي من مراسلاتٍ سوى رسالةٍ أسبوعيةٍ واحدةٍ أُرسلها إلى جهةٍ واحدةٍ للحثِّ على الأنوار، ولم أكتب إلى شقيقي الذي يشغل منصب مُفتٍ سوى ثلاث رسائل خلال ثلاث سنين..قد كان وبالرغم من أني تركتُ التأليف الذي استمر قرابة ثلاثين سنة، فلم أؤلِّف بعد ذلك سوى نُكتتين نافعتين لأهل القرآن والإيمان تبلغان عشرين صفحةً، إحداهما تتلةٍ في حكمة التكرار في القرآن، والأخرى تتناول مسائل حول الملائكة؛ وانصرفتُ فيما وراء ذلك إلى تجميعِ الرسائل التي أعادتها المحاكم لجعلِها في مجموعٍ كبير، وإلى تصحيحِ نُسَخِ "الآية الكبرى" الب أن ا بالحروف العربية، وقد أذنتُ لإخواني بنشرها ليستفيدَ منها العالَم الإسلامي، بعد أن سلَّمتْنا المحكمةُ خمسمئة نسخةٍ منها، ولم يكن ثمة حظرٌ رسميٌّ على آلة النسخ..
وبالرغم من عد رسائلتي بالسياسة قطعيًّا، وقبولي الغربةَ بمشاقها وآلامها مفضِّلًا إياها على العودة إلى بلدي خلافًا لجميع المنفيين، مع أنه سُمِح بالعودة رسميًّا، وما ذاك إلا تجنبًا للتدخل بالسياسة والدنيا..
أجل، بالرغم من هذا كله يأى الحق يسعى لتجريمي بتُهَمٍ باطلة، ومواضيع كاذبة، ومعانٍ مغلوطة، يورِدها في لائحة الاتهام الثالثة هذه!! إن هذا الشخص مدفوعٌ بأمرين فظيعَين في طَوِيَّته لن أذكرَهما الآن، لكنإلا لكملتَه معي على مدى عشرين شهرًا تُثبِتُهما؛ غير أني أقول: حسبُه القبر وسَقَر، وأُحيلُه على المحكمة الكبرى.
الثامنة:أُدرِجتْ رسالةُ "الشعاع الخامس" بآخر مجموعِ "سراج النور"، وأُدرِجتْ معها مدافعتي التي أفضتلأسر..براءتنا بمحكمة "دَنِزْلي"، وكان إدراجنا لرسالة "الشعاع الخامس" هذه بناءً على ما كان من محكمتَي "دَنِزْلي" وأنقرة، إذْ ظلَّت الرسالة لديهما سنتَين كاملتَين، ثم أعيدتا إلينا.
ولقد كنا فيما سبق نعدُّها رس الدنيصوصيةً ليست للعموم، إلا أنا لما وجدنا المحاكم قد أعلنت عنها على الملأ، وأعادتها إلينا مع البراءة، دلَّ ذلك على ألا ضرر منها، فأذِنتُ ب آفاقٍا.
وأصل "الشعاع الخامس" أحاديثُ متشابِهةٌ جمعتُها قبل نحو أربعين سنة، وهي منتشرةٌ لدى الأمة منذ القديم؛ ورغم أن أهل الحديث حكموا على بعضها
— 660 —
يةِ الدقَّة والميزان فلا يَدَعُ مجالًا للصدفة ولو بمقدار ذرَّة، بحيث يُثبِت باطنُ الأرض هذا اسمَ"الباطن"سبحانه، ويُعلن عنه بمئات آلاف الأشكال كبعض الملائكة الذين يسبحونه تعالى بمئة ألف لسان.
ثم إن الأرض مث طباعٍنت - من حيث حياتُها السنوية - بمثابة شجرة، ومثلما جعلتْ من هذه الأسماء الأربعة الحسنى وما تتضمنه من حفيظيةٍ مفتاحًا لِباب الحشر، فكذلك هي تمامًا من حيث دهرُها وحياتُها الدنيوية، فهي شجرةٌ منتظمةٌ تُر النَّراتُها إلى سوق الآخرة، وهي كذلك مَظهرٌ ومرآةٌ بديعةٌ لتلك الأسماء الأربعة الحسنى، وهي بهذه الاعتبارات تَفتح طريقًا إلى الآخرة هو من السَّع حشدٌ تتقاصر عقولنا عن الإحاطة به أو التعبير عنه، غير أننا نقتصر على القدر التالي:
— 661 —
بالضَّعف، إلا أنه لما كان معناها الظاهري محلَّ اعتراضٍ، كتبنا هذه الرسالة لإنقاذ أهل الإيمان ة الفربهات؛ غير أنه بعد حينٍ من الزمان ظهر التأويل البديع الذي أُوِّلتْ به هذه الأحاديثُ ظهورًا باديًا للعِيان، فأبقينا الرسالة طيَّ الكتمان والخصوصية لئلا يُساء فهمُها؛ وبعد حينٍ آخر من الزمان دَقَّقتْ فيهواب وامُ عدةٌ ثم أعادتها إلينا، متسببةً بذلك في ذيوعها واشتهارها.
وعلى الرغم من هذا كله يأتي اليوم مَن يريد تجريمي بها من جديد!! فما أبعدَه عن الحق والعدل والإنصاف؟!
إننا نحيل هؤلاء الذين أدانونا بناءً على قناعاتهم الشخصية.. نُحيلُهمنه كلمميرهم ووجدانهم، ونُحيلهم كذلك على المحكمة الكبرى قائلين: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
التاسعة:وهي مَظلمةٌ مُهمةٌ للغاية، سابقة ي لم أكتبها لئلا أثير غضبهم أيضًا مراعاةً لقراءتهم رسائلَ النور.
العاشرة:هي الأخرى قويةٌ ومهمةٌ أيضًا، غير أني لم أكتبها كذلك لئلا أُُني ال
(حاشية): إن لرسائل النور اتساءً بالنبي المصطفى (ص)، فكما أظهر نبوَّتَه للإنس والجن والملائكة عبر معجزته الجليلة: المعراج؛ وكما شاهدَ في هذه المعجزةِ الحق سبحانه قطب الأركان الإيمانية ورأى الجنةَ والنار، وأخبر الجنَّ والإنسَ طبتُهمده سبحانه وبالحشر والمحكمة الكبرى مبطِلًا دعاوى المشركين والمنافقين؛ فإن رسائل النور في هذا الزمان الذي تزعزعت فيه الركائز الإيمانية والاعتقادية، قد أظهرت بعريضة الشدَّامةه وجودَ اللّٰه تعالى وعدالتَه، والحشرَ والمحكمةَ الكبرى، وبيَّنتْ ذلك لمن وقعوا في الشك والشبهة من أهل الإيمان وغيرهم من لجنة الخبراء والقضاة، واستحضرت عالَم الغيب في عالَم الشهادة، وعرضت الجنةَ أمام أعين أهل الإيمان، والنارَ أماه في " مَن سقطوا في الضلالة والكفر المطلق، وأثبتت للناس الإيمانَ التحقيقيَّ بدرجة حق اليقين، فلم تَدَعْ بعد هذا شكًّا ولا شبهة؛ فجزى اللّٰه مؤلفها خير الجزاء، ورضي عنه دائمًا أبدًا.
ه لا ي أصغر
٭ ٭ ٭
— 662 —
بعض الرسائل التي كتبها بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ إلى طلابه حين كان رهين السجن الانفرادي بی"أفيون"
باسمه سبحانه
عن "مصاني الأعزاء الأوفياء..
أكتب إليكم مهنِّیئًا لا معزِّيًا؛ إذْ ما دام القدر الإلٰهي قد ساقنا إلى هذه المدرسة اليوسفية الثالثة لحكمةٍ، وقدَّر لنا في هذا المكان رزقًا يدعونا لنأخذه..
وما دامت العناية الإلٰهية
أوتنا مَظهرًا لقوله سبحانه: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ كما هو ثابتٌ بالتجارب القطعية حتى اليوم..
وما دام إخواننا الجدد في هذه المدرسة اليوسفية أحوجَ الناسِ إلى السُّلوان الذي تنطوي عليه الأنبئ عن
وما دام رجال القضاء أحوجَ المسؤولين إلى قواعد النور وسائر قوانينه القدسية..
وما دامت نُسخ النور الكثيرةُ تؤدِّي وظيفتَكم خارج السجن،لة الإلى فتوحاتها دون توقف..
وما دامت كلُّ ساعةٍ من ساعات الزمن الفاني هنا تصبح بمثابةِ ساعاتٍ باقيةٍ عامرةٍ بالعبادة..
فلا ريب أنه يلزمنا أنعمئة أ هذه المصيبة بكمال الصبر والثبات، شاكرين مسرورين لما فيها من المعاني المذكورة.
أكرر عليكم نفسَ الرسائل القصيرة التي كتبناها للسُّلوان في "دَالقيل "، فإن تلك الفقرات ذات الحقائق ستكون مبعث سُلوانٍ لكم إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 663 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:لا يَسُؤْكم الأذى والقدح الموالكون لى شخصي، فإن القوم لا يجدون في رسائل النور ما يعيبونها به، فينشغلون بدلًا منها بشخصي البسيط ذي العيوب الكثيرة؛ وأنا ممتنٌّ لهذا، بل إنْ لقيتُ آلافَ النه: والمصائب والانتقاصات لشخصي في سبيل سلامةِ رسائل النور ومكانتها، لكان مقتضى الدرس الذي تعلمتُه منها، أن أقابِل ذلك بالشكر مفتخرًا؛ فلا تألموا لأجلي بهذا الخصوص.
ثانيًا:إن ما نتعرض له من هجومٍ عنيفٍ شَرِسٍ واسعِ النطاق، قد تضاءل اليوم والخدمةْ حِدَّتُه من عشرين إلى واحد، إذِ اعتَقلوا بضعةَ أشخاصٍ أفاضل بدلًا من آلاف الخواصِّ، واعتقلوا عددًا محدودًا من الإخوة الجدد بدلًا من وَظائِآلافِ المعنيين ذوي العلاقة الوثيقة بالرسائل، ما يعني أن هذه الهجمة قد وقعت بصورةٍ مخفَّفةٍ جدًّا بفضل العناية الإلٰهية.
ثالثًا:ثمة احتمالٌ قويٌّ يفسِّر سببَ خِفَّةِ حِدَّةِ هذه الهجمة، وهو أن الواليَ الس، وما ذي كان يحيك لنا المكائد طَوالَ سنتين قد ولَّى بفضل العناية الإلٰهية إلى غير رجعةٍ؛ وأن وزير الداخلية الذي حُرِّضَ علينا بشدةٍ ينحدر من أسرةٍ عُرِف أجدادها بالتديُّن، فضلًا عن كوَدبِيرأهل بلدي؛ فلا تيأسوا ولا تقلقوا.
رابعًا:ثمة تجارب كثيرةٌ وحوادث جمةٌ أورثتْنا القناعة القطعية بأنه إن بَكَتْ رسائل النور مادتِ الأرضُ ِ اللِّ السماء؛ وكما شاهدنا هذا بأعيننا مِرارًا، وأثبتنا بعضًا منه في المحكمة، فإن ابتسامةَ الشتاء أولَ مجيئه في هذا العام حتى كأنه صيف، قد وافقت ابتسامةَ رسائل النور وانتشارَها سِرًّا بواسطة آلة النسخ؛ نه إذااءَها مِن جَرَّاء توقُّفِ انتشارها خوفًا من ملاحقتها ومصادرتها في كل مكان، قد تطابق مع بكاء الشتاء فجأةً وتحوُّلهِ إلى شتاءٍ مزمجرٍ مخيفٍ؛ وإنني أقدِّر أن هذهيستخدمٌ على أن الرسائل
— 664 —
معجزةٌ كبرى من معجزات الحقيقة القرآنية تتجلى ساطعةً في هذا العصر، وأن للأرض والكائنات علاقةً بها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..ارع أهزِمَ بيانُ حالةٍ غريبةٍ لطيفةٍ جَرَتْ لي، وهي أنه حصل لبعضِ الذين التحقوا بالجهاد في زمنٍ سابقٍ أن شاهدوا عالِمًا مشهورًا على أكثرَ من جبهةٍ منَنَّیك الحرب، فلما عادوا أخبروه بما شاهدوا، فقال لهم: إن بعض الأولياء تمثَّلوا في صورتي، وأدَّوا الأعمال بدلًا مني، ليُكسِبوني الأجر، ولكيلا تنقطع استفادة أهل الإيمان من دروسي.
وقد حصل مثلُ هذا بعيننه لم دَنِزْلي"، إذْ شاهدني الناس في المساجد، حتى لقد نُقِل الخبر إلى الجهات الرسمية، وبلغَ مديرَ السجن والحرس، وتساءل البعض بقلقٍ واضطراب: مَن الذي يفتح له باب السجن؟!
ومثلُ هذا يحصل بعينه هنا أيضًا؛ والحال أن ما يُعزِّز الثقةَ ٍ لهم،ار ليس هذه الخارقة البسيطة التي تُنسَب لشخصي البسيط ذي العيوب الكثيرة، بل خوارق رسائل النور التي تكفَّلت مجموعةُ "خَتْم التصديق الغيبي" بعرضها وإثباتها، فهذه المجموعة تمنح الأنوار ثقةً وتُوليها اعتمادًا، وتُوقِّعُ على قبولها َ جَمِيفوق ما يُنسَب إليَّ بمئةِ مرة، بل بألف مرة؛ فضلًا عن أن طلاب النور الأبطال يوقِّعون على هذا بأحوالهم وأقلامهم حقيقةً لا دعوَى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 665 —
باسمه سبحانه
إخوان انتشازاء الأوفياء..
إن رسائل النور تجالسكم بدلًا مني، وتعلِّم الإخوة الجُدُد المتعطشين أحسنَ ما يكون التعليم؛ وإن الاشتغال بالأنوار قراءةً أو إقراءً أو كتابةً يورِثُ انشراحًا في القلب، وراحةً في الروح، وبركةً في الرزق، وه بأنفي البدن، كما هو ثابتٌ بالتجربة.
لقد قيَّضَ لكم الإحسانُ الإلٰهيُّ بطلًا من أبطال النور كی"خسرو"، وإن هذه المدرسة اليوسفية الثالثة ستغدو بإذن اللّٰه تعا بذكائدةً من مدارسِ المدرسة الزهراء المباركة.
لقد كنتُ حتى هذا الحين أكتم أمر "خسرو" ولا أُظهِره لأهل الدنيا، إلا أن المجموعات التي نُشِرَت قد أظهرتْه تمامًا لأهل السياسة فلم يعُد شيءٌ خافيًا، ولهذا أظهرتُ خدمتين أو ثلاثً إنْ حدماته لخواصِّ إخواني؛ على أنني أو هو سنبين الحقائق ولن نخفيها متى لزم الأمر.
غير أننا نواجه شخصين خطيرَين موجودَين بين مَن سيسمعون الحقائق، وهما شخصان معاندان قد انكشف أمرهما، ويعملان لصالح الشيوعية والزنةً من حدُهما قد بات معروفًا في "أميرداغ"، والآخَر هنا، وهما يعملان بمكرٍ لإثارة مخاوف المسؤولين ضدنا ببثِّ الأكاذيب والافتراءات؛ ولهذا يلزمنا في هذه الآونة التحلي برباطة الجأش، وأخذُ الحيطة والهذا بلالتوكلُ منتظرين مددَ العناية الإلٰهية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أزُفُّ إلى رسائل النور وإليللّٰهِى نفسي التهاني والبشارات بالأخبار السارة التي أتحفنا بها "خسرو" و"حِفظي" و"سيد البارتِني".
— 666 —
نعم، فقد شاهد إخوتنا الحُجاج في هذا العام الجهود التى المح بها علماء كبار بمكة المكرمة لنشر أجزاء قيِّمةٍ من النور وترجمتها إلى كلٍّ من العربية والهندية، كما شاهدوا في المدينة المنورة مبلغَ القبول العظيم الذي حفاظ عل به الرسائل، إذْ وُضِعت عاليًا في الروضة المطهرة، بل لقد شاهدها الحاجُّ "سيد" في الحجرة الشريفة؛ ما يعني أنها دخلت في دائرة القبول النبوي والرضا المحمدي، على صاحبه بشدةٍة والسلام.
لقد زارت الأنوارُ تلك الأماكن المقدسة بدلًا منا كما كانت نيتُنا وكما أبلغْنا الحُجاج؛ ونحمد اللّٰه ونشكره بلا حدٍّ على ما تَحقَّق من الفوائد الجمَّة بنشر أبطال النور لتلك الأجزاء مصحَّحةً، منها أنهم أراحوني من وظيفة التصحيح وانَين وم بها، ومنها أن تلك الأجزاء باعتبارها مرجعًا لتصحيح النُّسخ المكتوبة بخط اليد قد صارت بمثابة مئات المصحِّحين؛ أسأل اللّٰه تعالى أن يكتب لهم بكلِّ حرفٍ من حروف تلك الكم تضيألفَ حسنةٍ، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء وأصحابي في السجن..
أولًا:لا تهتموا كثيرًا لعدم لقائنا صورةً، فإننا نلتقي في كلِّ حينٍ معنًى؛ وبدرجة.
ن أن تلتقوا بشخصي الذي لا أهمية له، فإنكم إذا قرأتم أو استمعتم إلى أيَّةِ رسالةٍ من الأنوار تقع بأيديكم، فإنما تجالسونني في تلك الرسالة، لا باعتبار شخصي البسيط، بل باعتباري خادمًا للقرآن.
على أنني بأيَّةِ حالٍ أئية ال في دعواتي وفي خيالي وفي كتاباتكم وفي العلاقة التي تربط بيننا، فما دمنا في مسلكٍ واحدٍ فإننا نلتقي في كلٍّ حين.
ثانيًا:نُبشِّر طلاب رسائل النور الجُدُد في هذه المدرسة اليوسفيةتنا، كدة، ونخبرهم بناءً على حُججٍ قويةٍ وإشاراتٍ قرآنيةٍ أذعنتْ لها حتى لجنةُ الخبراء نفسُها:
— 667 —
إن تلاميذ النور الصادقين تُختم حياتُهم بالحسنى ويدخلون القٌ لفتحإيمان؛ثم إنه بفضل الشراكة المعنوية النورية التي بينهم، يكون لكلِّ تلميذٍ منهم سهمٌ من أدعية إخوانه ومكاسبهم المعنوية، كلٌّ بحسب درجته؛ فكأن كلَّ واحدٍ منهم يتعبَّد ويستغفر بآلاف الألسنة.
وهاتان الفائدت، تقتضنتيجتان تأتيان على كلِّ المصاعب والشدائد التي يلقاها المرء في هذا الزمان العجيب، فتجعلانها كالعدم؛ وهكذا تُحقق رسائلُ النور لطلابها الصادقين هذين الرِّبحَين العظيمَين بثمنٍ جِدِّ زهيد.
سعيد اخارج اْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن لائحة دفاعنا التي أدلينا بها في "أفيون" تتضمن حقائقَ مهمةً تتعلق بنا وبالأنوا أن مؤذا البلد وبالعالَم الإسلامي كافةً، ولا بد أن يُطبَع منها خمسُ أو عشرُ نسخٍ بالحروف اللاتينية لتُرسَل إلى الجهات العليا بأنقرة؛ إن وظيفتنا الحالية - سواءٌ أُفرِجَ عنا أو حُكِمهذه ال - هي إيصال الحقائق التي ينطوي عليها هذا الدفاع إلى الحكومة والجهات القضائية وإلى الشعب عامةً؛ ولعل هذه هي إحدى حِكم القدر الإلٰهي من سَوقِنا إلى هذه المدرسة، فلتُكتَب بأسرعِ ما يمكن بالآلة الكاتبة.
إننا حتى لو أُطلِق سراحنا اليوم على مفرَّ لنا من تقديمها إلى الجهات المذكورة، فلا يصرفنَّیكم شيءٌ عنها فتؤجِّلوا أمرها.
كفى.. لِتكن هذه مدافعتَنا الأخيرةَ ردًّا على ما تعرَّضنا له من أشدِّ الظلم والذرائع الباطلة والأذى غير المسبنا العالسجن الذي سُجِنّاه ثلاث مراتٍ خلال خمس عشرة سنة لأجل القضية نفسها.
وما دامت المحاكم السابقة قَدَّمت لنا بشكلٍ قانونيٍّ آلةً كاتبةً نكتب بها دفاعنا عن أنفسنا، فليس بمقدوري أرسل قانونًا أن يمنعونا حقَّنا هذا هنا؛ فإن لم يُحَلَّ الأمر
— 668 —
رسميًّا، فليَكتبْ محامونا بالخارج - أولًا وقبل كلِّ شيء - خمسَ نُسخٍ منها بالآلة الكاتبة، ولينتبه جيدًا إلى سلامتها من الأخطاء.
سعيد النُّورْسحرِّض ٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
بالرغم من أنهم تذرَّعوا بحججٍ أخرى في الظاهر، إلا أن غرضهم من تسمير نوافذي بالمسامير اليوم كان منعي من تبادل التحية والتعارف مع السجناء، فلا تكترثوا للأمر، بل إنني ممتنٌ لهذا إذْ ينشغلونسَّماء الذي لا أهمية له، فيُخفِّفون بذلك من مضايقتهم للأنوار وطلابها، وممتنٌّ أيضًا من صميم قلبي من عدم تعرُّضهم نسبيًّا للأنوار، ومن لحاق أذاهم ومعاملتهم المهينة بشخصي بدلًا من لحاقها بكم وبالأنوار، ولهذا د فأقوابرًا ولا أكترث للأمر، فلا تكترثوا له أنتم كذلك.
إنني على قناعةٍ أن ما قام به أعداؤنا العاملون في الخفاء مِن لفت أنظار المسؤولين إلى شخصي قد عاد بالخير والعناية على الأنوار وطلابها سلامةً ونفعًا.
وينبغي على بعض إخواننا ألا يأخذهموا داخ فيتحدثوا بكلامٍ فيه طعنٌ وغمز، وأن يتصرفوا بحيطةٍ وحذر ولا يقلقوا، وألا يتبادلوا الحديث في هذه المسألة مع كلِّ أحد؛ لأن ثمة جواسيس يتلقلة والالكلام من إخواننا البسطاء، ومن إخواننا الجُدُد الذين لم يعتادوا أخذ الحيطة، ويفسرونه على غير وجهه جاعلين من الحبة قبة، وينقلونه إلى المسؤولين.
إن وضعنا الحالي جِدٌّ لا يحتمل الهزل، لكن بالرغم من هذا كله لا نكم وإ، فنحن في ظل العناية الإلٰهية، وقد عزمنا أن نقابل جميع المشاق بكمال الصبر، بل بالشكر، فنحن مُكلَّفون بالشكر، إذْ في كلِّ درهمٍ من المشقة قنطارٌ من الثواب والرحمة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭مروحيا#669
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
بناءً على سببين مُهمين وإخطارٍ قويٍّ اضطررتُ قلبيًّا لترك وظيفة المدافعة برمَّتها وإيكالها إلى مَن سُجِنَ ومَن سيُسجَن من أركان النور هنا، أخصُّ منهم: (خ، ر، ط، ف، ص). (حاشية): خسرو، رأغنينا هري، فيضي، صبري.
السبب الأول:أنني علمتُ قطعًا بناءً على ما جرى في دائرة التحقيق وبناءً على أماراتٍ كثيرةٍ أنهم يعملون ما بوسعهم على إثارة المشكلات ضدي، ويتهربونتى الماجهتي فكريًّا مخافة الهزيمة.
وثمة إشعارٌ رسميٌّ بمنعي من الحديث، وهم يمنعونني منه بذرائع واهيةٍ، وكأنني إذا تكلمتُ أظهرتُ قدرةً علميةً وسياسيةً تُسكِتُ السياسيين وتُلزِم المحاكمَ اع رسالحتى إنني أثناء التحقيق سألني أحدهم سؤالًا، فأجبتُ: لا أذكر، فقال لي القاضي بدهشةٍ وتعجُّب: وكيف ينسى مَن كان صاحبَ علمٍ وذكاءٍ فائقٍ مثلَتكم هذ فهم يظنون أن رِفعة الشأن التي حازتها رسائل النور والتحقيقات العلمية التي انطوت عليها إنما أتت من بنات أفكاري، فيتوجسون مني ولا يرغبون أن أتكلم؛ ويظنون كذلك أن كلَّ من يلتقي بي يصبح من فوره طالبًا مُضحِّيًا من طلاب النور، ولهذا يمنعولإثارة اللقاء بالناس، حتى لقد قال رئيس الشؤون الدينية بحقي: إن له جاذبيةً قويةً، ما تكلم مع أحدٍ إلا أخذ بمجامع قلبه.
إذًا تقتضي مصلحتنا أن أَكِل الأمر إليكم؛ هذا وإن مدافل الحسلسابقة والحالية التي لديكم تشترك في مشاورتكم بدلًا مني، فهي تكفي.
.......
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 670 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
انتابني اليوم قلقٌ وحزنٌ لأجلكالعزيم إخطارٍ معنوي، لقد آلمني وأحزنني حقًّا أمرُ إخواني الذين يريدون الخروج من السجن سريعًا ويُقلقهم هَمُّ المعيشة، إلا أنه في نفس اللحظة وَرَدَتْ إلى القلب خاطرةٌ مباركةٌ معها حقيقةٌ وبشارة، وهي أنه ستَحُلُّ بعد خمسة أيامٍ الشهورُ الثلاثةُ المبارك الإخلضيلةُ بعباداتها ذات الأجر الجزيل.
فإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها في سائر الأوقات، فإنها في رجب الشريف أكثر من مئة، وفي شعبان المعظَّم أزيَدُ من ثلاثمئة، وفي رمضان المبارك تبي المقلف، وفي ليالي الجمعة تبلغ الآلاف، وتبلغ في ليلة القدر ثلاثين ألفًا؛ أجل، فهذه الشهور الثلاثة سوقٌ قدسيةٌ للتجارة الأخروية تحقق منافع أخرويةً جَمَّة، وموسِمٌ ممتازٌ لأهل الحقيقة والعبادة، وزمانٌ يحقّء هذا ل الإيمان في ثلاثةِ شهورٍ عمرًا قدره ثمانون سنة؛ فكيف إذا أمضى المرء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تُضاعِف المكاسب عشرة ن يتنز! لا ريب أنه ربحٌ جِدُّ عظيم؛ فمهما قاسى المرء في ذلك من المشقة، كانت تلك المشقة عين الرحمة.
وكما أن الأمر على ما ذكرنا من جهة العبادة، فإنه كذلك من جهة خدمة النور، إذ إِلَيعف إلى خمسة أضعافٍ باعتبار الكيف لا الكم، ذلك أن القادمين والمغادرين الذين لا يخلو منهم هذا النُّزُل يصبحون وسيلةً لانتشار دروس النور، وقد يثمر إخلاصُ شخصٍ واحدٍ نفعًا يَعدِل نفعَ عشرين شخصًا؛ ثم إنه لا أهمية لمشقَّةٍ جزئيةٍ تقع في سبيل انتشاَجَّتْخلاص النور بين السجناء المساكين المحتاجين إلى سُلواناتِ النور أشدَّ الحاجة، لا سيما الذين لهم بطولةٌ وهمةٌ شابتْها شوائب السياسة.
أما هَمُّ المعيشة، فما دام كلُّ واحدٍ منكم قد دخل هذا السجن بدلًا من تلاميذ تُعرَ، بل دخله بعضكم بدلًا من ألف، فلا ريب أن لهؤلاء مساعداتٍ يقدمونها لكم في
— 671 —
الخارج، لا سيما في أثناء سوق الآخرة المُقامة في هذه الشهور امثله، ؛ وهذا ما سرَّني كثيرًا واعتبرت المُكث في هذا المكان حتى حلول العيد نعمةً كبرى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
.......
علِمتُ من خلال بعض الأمارات أن أعداءمةً أباملين في الخفاء يبحثون عن حججٍ باطلةٍ يَدمغون بها الأنوار للحط من قيمتها، وذلك بإعلان التوجُّس من دعوى المهدوية التي تومئ إلى معنًى سياسي، وكأن الأنوار مجرد أداةٍ لهذه الدعوى؛ ولعل الأذى الذي لقيتُه ناشئٌ عن هواجسهم هذه، وأنا أقول ل رُفِعالأعداء الظالمين ولمن يأتمرون بأمرهم ضدنا:
حاشا ثم حاشا.. ما تجاوزتُ حدِّي يومًا فأتخذَ من حقائق الإيمان أداةً أُحقق بها جاهًا وسمعةً لشخصي؛ وهذا أمرٌ تشهد له خمسٌ في هذ سنةً من حياتي لا سيما الثلاثون سنةً الأخيرة منها، وتشهد له أيضًا رسائل النور المئة والثلاثون، وآلاف الأفاضل الذين تربطهم بي علاقة الصحبة المتينة.
أجعرف شيم تلاميذ النور - وهو أمرٌ سبق أن بيَّنت الدلائل عليه في المحاكم - أنني أسعى وأجتهد لا لكسبِ مقامٍ أو شهرةٍ أو جاهٍ وسمعة، ولا لأنال مرتبةًدم بالةً أو معنويةً، بل لأُؤَدِّي خدمةً إيمانيةً لأهل الإيمان؛ وأنني في سبيل هذه الخدمة مستعدٌّ بكل قناعتي وقوتي للتضحية لا بحياتي الدنيا ومقاماتي الفانية فحسب، بل حتى بحياتي الآخرة إن لزم الأمر، وبالمراتب الأخروية الباقية التي يطلبها كلَيهِماان، بل أقبل إن لزم الأمر أن أترك الجنة وأدخل جهنم لأكون وسيلةً لإنقاذ بعض المساكين منها.
فمع أن هذا أمرٌ يعرفه إخواني الحقيقيون، وسبق أن أثبتُّه في المحاكم، إلا أن القوم باتهامهم إياي بهذه الورد هذوإسنادهم ما ينافي الإخلاص إلى خدمتي للنور والإيمان، يَحُطُّون من قيمة الأنوار، ليحرموا أبناء هذا الوطن من حقائقها الجليلة.
— 672 —
فيا عجبًا لهؤلاء الأشقياء الذين يظنون أن الدنيا أبديةٌ،لذي لمبون أن كل الناس مثلهم يتخذون الدين والإيمان أداةً للدنيا!! كيف ساغ لهم أن يجرِّموا رجلًا تحدى أهل الضلالة في العالَم، وضحى في سبيل الخدمة الإيمانية بحياته الدنيوية وبالأخروية إن لزم الأات آلام يستبدل بحقيقةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلكَ الدنيا بأسرها كما أعلن أمام المحاكم، وفرَّ بكل قوته من السياسة ومن المراتب المادية والمعنوية التي يُشَمُّ منها معنى السياسة مراعاةً لسر الإخلاص، وترفَّع عن السياسة بمقتضى مسلكه متحملًا صنوفًا من الايةٍ إ مثيل لها على مدى عشرين سنةً، ومن يَعُدُّ نفسَه - من حيث هي نفسٌ - دون طلابه بكثيرٍ، ويَطلب منهم العون والدعاء على الدوام، ويرى نفسَه مسكينًا لا حول له ولا أهمية.. أجل، كيف ساغ لهؤلاء أن يجرِّموا رجلًا هذه حاله، لمجرد أن بعضًا من خُلّرَّ ذلانه نسبوا إليه بعضَ فضائل رسائل النور في مقابل ما حصَّلوا منها من قوةٍ إيمانيةٍ فائقةٍ، مع أنه ليس سوى ترجمانها الذي لا يملك من الأمر شيئًا، وأَولَوه من حسن ظنهم ما يفوق حدَّه بخصٍ ماجةٍ، فمنحوه مقامًا رفيعًا، من غير أن يتبادر من هذا أيُّ معنًى سياسي، ومدحوه وأثنوا عليه ببالغ المدح والثناء على سبيل الشكر بين الأساتذة والطلاب كما جرت العادة من قديم الزمان من غير اعتراضٍ ولا غلوطٍ !
ومع أن مدحهم وثناءهم عليه مخالفٌ للحقيقة بجهةٍ ما لما فيه من المبالغة، إلا أنه لكونه يعيش وحيدًا غريبًا، وله الكثير من الأعداء، والكثير من الأسباب التي تصرف الناس عن مساعدته، أراد أن يعزز القوة المعنوية لدى إخوانه االأخروعاونونه في مواجهة معارضين ألدَّاءَ كُثْر، لكيلا ينفضَّوا من حوله، ولكيلا يُفتِّر همةَ من بالغوا في مدحه، فلم يردَّ مدحَهم وثناءَهم من أصله، ي الأحأحاله على الأنوار لا غير.
لكن بالرغم من هذا كله يَعمِد بعض المسؤولين الرسميين إلى الخدمة الإيمانية التي يقوم بها هذا الرجل الذي شارَفَ على باب القبر، فيعملون على تحويلها إلى وجهةٍ دنيوية، فما أَسما عن القانون والإنصاف؟!!
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 673 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:لا تضطربوا ولا تقلقوا، فلقدسي
#68بالتجارب القطعية المتكررة أن كل مصيبةٍ تنزل بنا تتضمن - خلف حجابها وفي نتائجها - التفاتاتِ عنايةٍ، وتبسُّماتِ رحمةٍ، وتربياتِ قدَرٍ وعدالةٍ وشفقة؛ ونحن إزاء هذه المشاق والأوضاع المريرة يقدر ون بكمال الصبر مع الشكر.
إن تلاميذ النور مظهرُ نموذجٍ من نماذجِ خدمةِ الحقائق الإيمانية.. تلك الخدمة القدسية التي نهض بها الآلاف بل الملايين من مجاهدي الحقائق الذين سُلِخت جلودهم في سبيلها أمثال جرجيس عليه رار، ح، وإن المشاق التي يقاسيها تلاميذ النور لا تبلغ واحدًا بالألف مما قاساه أولئك الأماجد، إلا أنهم في الأجر والكسب سواءٌ بإذن اللّٰه.
ثانيًا:إن المخططات التي حاكها أعداؤومة واالأنوار قد باءت بالفشل.. أجل، فشلت مخططات أعدائنا العاملين في الخفاء الذين حاولوا تصفيتي إحدى عشرة مرة، وسلطوا علينا المحاكم أربع مرات، وزجوا بنا في السجون ثلاث مرات؛ ولهذا يعملون بكل دسائسهم على إلحاق الأذى بأنظار لذي لا أهمية له، فيضيقون عليَّ، ويستفزونني، ويضعونني في سجنٍ انفراديٍّ، ويمنعونني من التواصل مع أي شخص؛ غير أني ألحظ في هذا الأذى التفاتاتِ العناية فأشكر ربي وأتحمَّل.
لقد تحملت شدائد تفوق شدائدكم عشر مرات، وأنا أضعف منكم باية الات، وأحسب أن هذا يجعل الشدائد المحدودة الجزئية العابرة التي يلقاها رجالٌ أقوياء أماجدُ أمثالكم في حكم العدم، ولهذا لا أرى ما يستلزم المزيد من مواساتكم.
ثالثًا:لا تنزعجوا مما يلحقونهْ هذه من تضييقٍ وقدحٍ وتشويه سمعة، فإنه علامةٌ على أن الأنوار وطلابها لا يُتعرَّض لهم، وأمارةٌ على أن القوم قد ضلوا السبيل؛ فإنهم يظنون أن القيمة والبراعة كامِنَتان في شخصي، فيضيقون عليَّ ويسعون للحطِّ
— 674 —
من شأني، وفي هذا عظيم ٍ وطمأوالفائدة للأنوار، كما أنهم بسَجني يجعلون الواجبات الشخصية والخدمة النورية التي عجَزْتُ عن أدائها بسبب السجن في حكم المؤدَّاة على الوجه الأتم، وعخلاصٍ يكون في هذا أجرٌ يُكفَّر به عن تقصيراتي بإذن اللّٰه.
رابعًا:إن المنافقين العاملين في الخفاء قد ضَلَّلوا بعض المسؤولين بشكلٍ أو بآخر، وأثاروا مخاوفهم بقولهم: "إن مَن يلتقي بسعيدٍ يواليه ويغدو نوريًّا، فلا فلماذ لأحدٍ بالتواصل معه"؛ حتى لقد جعلوا مسؤولي السجن والحراسَ يتهربون مني، وأنا بدوري ممتنٌّ لهذه الحال وأشكر اللّٰه عليها.
لا ضير من عدم تلاقينا صورةً، فإننا في مكانٍ واحدٍ، ونحن معًا على الدوام معنًى وروحن عدد بًا ووظيفةً وفكرًا وتعاونًا، فحسبُنا التلاقي المعنوي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء، ورفاقي الثابتين المضحِّيالقرآنلخدمة القرآنية الإيمانية..
لا تتضايقوا من عدم حديثي إليكم كتابةً في الأيام الأخيرة.. لقد ورد إلى القلب الآن بيانُ نقطتين:
الأولى:أنني بعد التسليم والتوكل وفق قاعدة: الخير فيما اختاروري تنٰه شعرت بالسُّلوان؛ وذلك أن ما حصل لنا - خصوصًا لآلِ "چالشقان" - من عدم إطلاق سراحنا، ومن تأجيل محاكمتنا دون تفريقٍ بيننا، صحيحٌ أن فيه ضررًا ماديًّا، إلا أنه من الناحية اليسى عب فيه مئةُ منفعةٍ ومكسب.
فمن ذلك إرسال المدافعات العلمية الإيمانية القوية الرصينة إلى ست جهاتٍ عليا بأنقرة، وهي الآن قيد الاطلاع والنظر منذ عشرين يومًا من قِبَل الجهات نفسها، ولا
— 675 —
ريب أن الحئل النالقيِّمة التي انطوت عليها هذه المدافعات، والمرحلةَ التي بَلَغتْها قضيتُنا التي لفتت أنظار المعنيِّين وأثارت اهتمامهم، لن تمر على تلك الجهات مرور الكرام.
على أن القوم لو لم تهزمهم هذه الحقائق لرأيل إليههذه المرحلة تعدياتهم وأوامرهم المشددة بحقنا، ولو أنهم وجدوا في هذه المدافعات ثغرةً أو مأخذًا لظهرت بوادر ذلك على يد من يضخمون الأمور ويجعلون من الحبة قبة؛ إذًا: لقد انتصرت الحقيقة، فإن كان سيصيبنا شيءٌ منهم، فهد بأعن أكثر من تعرُّضٍ خفيفٍ يقع على هيئة دفاعٍ عن النفس لا غير.
إن المكاسب المعنوية التي تحققتْ لي شخصيًّا من جراء هذا تَفُوقُ الأضرارَ والمشاقَّ الماديةَ مئة مرة، وأعتقد أن لكلِّ واحدٍ من إخواني نصيبًا إِنَّمكاسب أكبر من نصيبي؛ إذن لقد كان تأجيل إطلاق سراحنا خيرًا.
ثم إن الأشقاء الثلاثة من آل "چالشقان" قد دَرَؤوا بسَجنهم السجنَ عن تلاميذِ نورٍ كثيرين، وصاروا على نحوٍ ما وسيلةً لصرف أنظار المحكمة الحال وفوائرسائل النور بسبب الافتراءات التي أُلصِقت بهم، فلو كان أطلق سراحهم دوننا لما تحقق لهم هذان المكسبان القيِّمان، ولَبَدَتْ صلتهم الوثيقة برسائل النور ضعيفةً في نظر الناس.
النقطة الثانية:إن قضيتنا وظيفةٌ قرآنيةٌ ولٍ كبيةٌ كبرى تتعلق بالعالَم الإسلامي كافةً، وإن المنافقين العاملين في الخفاء الفَزِعين منها يسعون للتهوين منها والحطِّ من شأنها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وهم لشدة اهتمامهم بها يُظهِرون أنفسهم بمظهر مَن لال صنوف بها، ويضللون بذلك الحكومةَ والقضاء.
فمثلًا يصرفون النظر عن ضباطٍ رفيعي المستوى من طلاب النور، بينما يَعمِدون إلى جنديٍّ بسيطٍ من طلاب النور بأنقرة، وُجِدتْ بحوزته بضعةُ رسائل لا ضرر منها، فيجعلون من هذا ذريعةً للمماطلة في قضؤثِّرةي هذه المحكمة؛ ويَعمِدون كذلك إلى شخصي الذي لا أهمية له، فيسلطون عليه الأضواء بالتضييق والقدح والسجن، بينما يتجاهلون الأنوار بدروسها القوية، ويتجاهلون تلاميذها بشخصهم المعنوي الراسخ
— 676 —
الذي لا يُكمَّم فمسُكَارلاهما له من الأهمية ما يفوق شخصي بآلاف المرات؛ وواقع الحال أن القوم يرتعدون خوفًا من هذه الأهمية حتى باتوا يريدون أن يصوِّروا القبة حبة؛ والحق أنهم قد بلغوا من الغَيِّ مبلغَه. وإذا كان بعض إخوتنا قد الَين عمالَهم وتجارتَهم العائليةَ ضررٌ من جَرَّاء تأجيل الإفراج عنهم، فإن المكاسب المعنوية ستُخفِّف هذا الضرر المادي فتجعله كالعدم بإذن اللّٰه.
نحن في ظل العناية، فلا تهتموا ولا تقإذا صلوإن وظيفتنا الصبر والشكر، والانشغالُ بالأنوار ما أمكن، وبثُّ السُّلوان للسجناء الذين يقاسون المشاقَّ أكثر منا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أبين لكم مسألةً كما ورَدَت إلى القلاد وأطارٍ معنويٍّ مُجمَل؛ وهي أن المدافعات التي أُرسِلت إلى ست جهاتٍ عليا وكانت لها الغلبة قد جاء الرد بالاطلاع عليها ولم يجد القوم سبيلًا للاعتداء علينا؛ إلا أن لإحدى الجهات الستِّ هذه خطةً تُنفَّذُ بإيعازٍ خفيٍّ، وتهدُف لفضِّ إخواني المضحِّين علةً فيعاف صلتهم الوثيقة بي؛ والحقيقة أنهم سعوا منذ زمنٍ بعيدٍ لإفساد هذه العلاقة القدسية الأخروية الإيمانية، من خلال تشويه سمعتي والافتراء عليَّ وسَجنات الددًا، إلا أنهم لم ينجحوا في مساعيهم هذه.
وهم اليوم يجدون بعض الذرائع لترهيب النوريين، ويجدون فيهم نقاط ضعفٍ يُحوِّلون بها أنظارهم إلى جهةٍ أخرى، إلا أن التحمل البطوليَّ والثباتَ المتين الفولاذيَّ الذي أبداه النوريون، والتضحياتِ العجيبة الرائْ سُئلي قدمها المجاهد الأكبر الذي يحمل حقائق النور سيوفًا ألماسيةً بيده - أعني الشخص المعنوي لتلاميذ النور - ستقضي هي الأخرى على خطة القوم بالفشل بإذن اللّٰه تعالى.
— 677 —
أجل،فليست الجنة رخيصةً، وليست النار عبثًا؛ولقد سبق أن بيَّنتُ لكم نية بإ أن النوريين الخُلَّص يَجنون بإذن اللّٰه أعظمَ أجرٍ بأقلِّ مشقةٍ في هذه الظروف الصعبة، وذلك مقارنةً بما كانت عليه حال المجاهدين الأبطال في الماضي، ونظرًا إلى شدة الحاجة في هذا الزمان.
كما بيَّنتُ أن طلاب النور ينفقون سِنِي العمر المحدودةمِ الررة التي تمضي في العادة هدرًا وضياعًا، بل ربما تمضي محمَّلةً بالأوزار والأضرار، ينفقونها في هذه الخدمة الإيمانية القرآنية القدسية الجليلة، فينالون عمرًا أبديًائدة فلقد قررت أن أتحمل نصيبي من الهجمات بالرغم من شدة ضعفي، وإن إخواني من الشباب الأبطال الأقوياء المضحين ليسوا دوني في هذا الأمر، ولن ينسحبوا منه، بل سيجتهدون كما اجتهدوا با، وبيناستعادة من انسحبوا منه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:أهنئكم من صميم القلب بشهر رجوأعانقيف، وبليلة الرغائب التي توافق غدًا.
ثانيًا:لا تيأسوا ولا تهتموا ولا تقلقوا، فإن العناية الربانية ستسارع لنجدتنا إن شاء اللّٰه. لقد وقع الحدث الذي جرى الإعداد له منذ ثلاثة أشهرٍ، وتحقق الأمر الذي أومأ إليه انفجارُ مدفأتي وتحطُّمُ أكوابه الإجمن "خسرو" و"فيضي"، غير أنه لم يكن مروِّعًا، بل وقع خفيفًا؛ لكن ستنطفئ تلك النار تمامًا بإذن اللّٰه.
إن الهجمات التي يشنها القوم علينا إنما تهدُف للنيل من شخصي، والتشويش على فتوحات النور؛ وثمة شخصان سَعَيَا بكل قوتهما لتوجيه ضى نقاطنا، أحدهما
— 678 —
متعالِمٌ مبتدعٌ، والآخر شخصٌ يعمل كأداةٍ بيد الزنادقة، وهو أشد ضررًا من المنافق المعروف المقيم بی"أميرداغ"، إلا أن ضربتهما هذه وقعت مخفَّفةً فلم يصبنابِعَدَإلا واحدٌ من عشرين، وهو بدوره لن يضرَّنا بإذن اللّٰه؛ وإن المخططات التي دبرها القوم وسعوا لتحقيقها بتفريق صفوفنا وإبعادنا عن الأنوار ستفشل هي الأخرى بإذن اللّٰه. إن ما يلزم مرةً وجب علينا فعلُه مراعاةً لحرمة هذه الشهور الثلاثة المباركة وما تنيله من الأجر العظيم، هو الصبر والتحمل مع الشكر، والتوكلُ والتسليمُ لدستور:مَن آمن بالقدر أمِنَ من الكدر.
بغي أنلنُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. يا مبعث سُلواني في هذه الدنيا.. ويا رفاقي الجادين في خدمة الحقيقة بلا كللٍ ولا ملل..
إن هذا الوقت الذي يمضي مُمِلًّا كئيبًاوثروة اغتنمتموه في هذه الشهور المباركة وفي هذا المُعتكَف ذي الأجر الجزيل، فأنفقتموه ما استطعتم في المشاغل القرآنية والنورية، عاد عليكم بمنافع جَمَّة.
إذْ فضلًا عن أنها تُخَفِّف الضيق حبتهم ، فإنها عبادةٌ جزيلة الأجر، ومبعثُ انشراحٍ للقلب والروح، وتُعَدُّ عبادةَ تفكرٍ لكونها اشتغالًا بالإيمان من خلال الأنوار، وتُعدُّ عبادةً كذلك بخمسةِ أوجهٍ كما ذُكِر في آخر "رسالة الإخلاص"ل إذْ نني بينما كنت أشعر بالأسف لتخصيص جزءٍ من الوقت للاشتغال بالمدافعات في هذه الأيام، إذْ وَرَدَ إلى القلب أن هذا الاشتغال هو أيضًا عملٌ علميٌّ، سونيينم خدمةً في سبيل نشر الحقائق الإيمانية ورفع القيود عنها، وهو بهذا المعنى نوعُ عبادة.
وإني كلما داهمني الملل عمدتُ إلى مباحث النور التي طالعتُها مئات المرات، فأعدتُ مطالعته متى ديدٍ بشغفٍ؛ حتى إنني أعدُّ أن المدافعات شأنُها شأنُ رسائل
— 679 —
النور العلمية؛ ولقد سبق أن قال لي أحد إخواني: لقد قرأتُ "الكلمة العاشرة" ثلاثين مرة، وما زلت أشعةُ الظغبة والحاجة لقراءتها مجددًا.
ومن هنا عرفتُ أن إحدى خصائص القرآن الفريدة - أعني عدمَ الإملال - قد انعكست في رسائل النور التي هي تفسيرٌ لحقائقه ومعكسٌ ومرآةٌ لها.
سعيد النُّق والصّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن أنجع حلٍّ يواجَه به الضيقُ واليأسُ في هذه الدنيا، خصوصًا في هذا الزمان، وخصوصًا لمن وقعوا في المصائب، وبالأخص لتلاميذ النور، إنما هو مبادلةُ الأخ أخاه السُّلوانَ والفرح، وتعزيزُ قطبع المعنوية، وبَلْسَمةُ همِّه وغمِّه وحُزنِه، وملاطفةُ قلبه الكئيب بشفقةٍ تامةٍ كما هو شأن الأخ الحقيقي المضحِّي.
إن العلاقة القائمة بيننا إنما هي اار، وهَة الحقيقية الأخروية، وهي علاقةٌ لا تقبل ضغينةً ولا تعصبًا لرأي؛ وإنكم تعلمون أني اعتمدتُ عليكم بكل قوتي، وشددتُ بكم أزري، وقررتُ أن أضحي لأجلكم براحتي ومكانتي وشرفي، بل حتى محكمةراضيًا بكل سرور، فما دمتم تعلمون هذا بل تشاهدونه، فإنني أؤكد لكم مقسِمًا أنني منذ ثمانية أيامٍ محزونُ القلب من جراء حادثةٍ تافهةٍ جرت بين اثنين من أركان النور تَدابَرا ظً كذلك وأحزنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ بدلًا من أن يبادله السُّلوان، فبكت روحي وقلبي وعقلي بضراعةٍ قائلين: أَوَّاه أَوَّاه.. الأمانَ الأمانَ.. المددَ يا أرحم الراحمين.. احفظنا وقِنا من شر شياطين الإنس والجن، واملأ قلوب عقلٌ ب ولاءً ومحبةً وأُخُوَّةً وشفقةً فيما بينهم.
فيا إخواني الصامدين كالجبال أعينوني.. فإن قضيتنا بالغة الحساسية، وإني لشدة ثقتي بكم أوكلتُ لشخصكم المعنوي جميعَ وظائفي، فينبغي أن تسارعوا لمساعدتي بكل ما أوتيتم من قوة.
— 680 —
صحيحٌ أن حا تَشهَهذه كانت حادثةً جزئيةً عابرةً صغيرةً للغاية، إلا أن الذُريرةَ التي تصيب نابضَ الساعة تَعطُبها، والشعرةَ التي تصيب حدقة العين تؤذيها؛ وهذه النقطة هي من الأ النورحيث أخبرتْ عنها ثلاث حوادث مادية، وثلاث مشاهداتٍ معنوية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
إن ليلة المعراج هي بحكم ليلةِ قدرٍ ثانه ويستجتهدوا فيها ما استطعتم، فإن المكاسب تتضاعف إلى الألف؛ وإن كلَّ واحدٍ منكم في هذه الليلة الجليلة، وفي هذا المُعتكَف ذي الأجر الجزيل، يتعبَّد ربَّه ويدعوه بأربعين ألف لسان، كبعض الملائكة المسبِّحين بأربعين ألف لسان، وذلك بسرِّ الشراكة المعلاء بقلتي بيننا، وإنكم بعبادتكم هذه تشكرون اللّٰه تعالى أنْ خفَّف ضرر المصيبة التي نزلت بنا من ألفٍ إلى واحد.
أهنئكم على أخذكم الحيطةَ والحذر التامَّين، وأبشرايين ا العناية الربانية قد تجلت فينا بأظهر صورة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء المخلصين..
إن إعمالَ دساتير لمعة الإخلاص وسرِّ الإخلاص الحقيقي، وتطبيقَها بيننا ما أمكننا وبكل ما أوتينا مِّسون قد بلغ درجة الوجوب.
لقد بلغني خبَیرٌ قطعيٌّ بأنه تم تعيين ثلاثة أشخاصٍ منذ ثلاثة أشهرٍ لتشويش العلاقات بين الإخوة الخواصِّ هنا انطلاقًا من ازٍ با مشاربهم أو أفكارهم.
— 681 —
ثم إن القوم يماطلون في محاكمتنا من غير سببٍ لبثِّ التململ في نفوس النوريين الثابتين بغية زعزعتهم، ولإثارة هواجس الضعفاء والجزعين منهم، ودفعهم للتخلي عن الخدمة النورية؛ فحذارِ حذارِ أن تهتز العلاقةُ التي تربطُ، وسُ.. علاقةُ المحبةِ الصادقة والأُخوَّةِ المتباذِلةِ المضحِّية، فإنها إنْ اهتزَّت ولو بمقدار ذرَّةٍ تضررنا بالغَ الضرر.
وإذا كانت خدمتنا القرآنية والإيمانية تقتضي أن يضحي بعضُنا في سبيل بعضٍ حتى بأرواحنا إن لزِم الأمر، فليس من شأنلاستقرة المضحِّين الحقيقيين أن يتدابروا بنزقٍ من جراء الضغوط والضيق وما شابهه، وإنما شأنهم إنماء المحبة والمودة، واحتمالُ الأخطاء والعثرات بكل تواضعٍ وتسليمٍ وفناءٍ عن الذات؛ وإلا تفاقمت الأمور وخلفت أضرارًا لا يمكن تلافيها.
أختصر مِخدامُإلى نباهتكم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:أخذًا بقاعدة: الخير فيما اختاره اللّٰه، فإن في تأخيرِ محاكمتنا، وفي إحضارِ إيم جلّ المُخلَى سبيلُهم ومثولِهم أمام المحكمة هنا خيرًا كثيرًا.
أجل، إذْ لما كانت قضية رسائل النور ذاتَ أهميةٍ بالغةٍ في العالَم الإسلامي عامةً وفي هذا البلد خاصةً، كان من اللازم لفتُ أنظار العموم إلى حقائقها من خلال مثل هذه الااهمين،ت والتجمهرات التي تترك صدًى كبيرًا، بحيث تلقي رسائلُ النور دروسَها بنفسها على الملأ، وعلى العدو والصديق، وتُعلنها مدويَّةً مجلجلةً، وتكشف دون تحفُّظٍ عن نة النأسرارها لأبعد الغرباء، رغمًا عنا، وبما يفوق توقعاتنا واحتياطاتنا وتحفظاتنا وتهويناتِ خصومنا.
— 682 —
وما دامت هذه هي الحقيقة فعلينا أن ننظر إلى الضغوطات اليسيرة التي نواجهها على أنها دواءٌ مُرٌّ كالعلقم، فنصبر ون ولكيلئلين: كل حالٍ يزول.
ثانيًا:كتبتُ إلى مدير هذه المدرسة اليوسفية قائلًا:
لقد هبَّتِ العاصفة البلشفية أولَ ما هبَّت من السجون، وكنتُ حينها أسيرًا في روسيا، واندلعت الثورة الفرنسيا منا، من السجون على أيدي السجناء الذين عُرفوا في التاريخ باسم "المخربين والإرهابيين"، أما نحن تلاميذَ النور فقد عملنا ما استطعنا على إصلاح السجناء سواءٌ في "أسكي شَهِر" أو في "دَنِزْلي" أو هنا؛ وقد ظهرت فائدة هذا الإصلاح جليةً في "مجتمع َهِر" و"دَنِزْلي"، وكانت فائدته هنا أكثر، حتى إن الزويبعة التي حصلت في هذا الظرف الحساس - زمانًا ومكانًا - قد تضاءلت بفضل دروس النور من مئةٍ إلى واحد، (حاشية): أما الزوبعة فهي وقوع عصياالعظمىسجن "أفيون" لم يشترك فيه أحدٌ من طلاب النور. وإلا فإن التيارات الخارجية الهدامة التي تتربص بنا وتَستغل مثل هذه الخلافات والحوادث، ستصب الزيت على النار وتُولِع الحرائق.
سعيد ال طلابًسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء الثابتين.. يا مَن لا ينسحبون من صفوفنا تحت وطأة الضغوطات..
بينما كنت حزين النفس في هذه الآونة أعاني ضيقًا ماديًّا ومعنويًّا لأجلكم، إذْ ورَدَ إلى القلب مان، وأنك لو عانيتَ أنتَ أو أحدٌ من إخوانك من المشقة والشدة عَشَرةَ أضعاف ما تعانونه الآن، لكان ذلك زهيدًا في سبيل اللقاء عن قربٍ بأحد الإخوان الذين هنا.
ثم إنه بناءً عالحقائب النور القائم على التقوى والتقلُّل، وبناءً على مسلك النور القائم على تعليم الحقائق للعموم وللأحوج بل حتى للخصوم، ولأجل أن يتكلم الشخص المعنوي للنور، واحتذاءً بما كان عليَ تترتالحقيقة في الماضي إذْ
— 683 —
كانوا يعقدون اجتماعاتٍ ومجالساتٍ مرةً أو مرتين في العام على الأقل، فإنه يلزم أن يجتمع تلاميذ النور مرةً كلَّ بضعِ سنين، وليس هذا متاحًا تَزِنليوم إلا في المدرسة اليوسفية، ولا عبرة بما يقع في سبيل ذلك من ضيقٍ ومشقةٍ ولو بلغت ألفًا.
لقد حصل أن وَهَنَ عزمُ بعضِ إخواننا الضعفاء الذي وهو خا معنا في السجون السابقة، فانسحبوا من دائرة النور، وخسروا بذلك خسارةً كبرى، ولم يُصِب الأنوارَ من ذلك أيُّ ضرر، بل برز إلى الميدان تلاميذُ أقوى منهم ثباتًا وإخلاصًا.
طلاب دامت امتحانات الدنيا عابرةً تمضي سريعًا، وما دمنا ننال أجورَها وثمراتها، فعلينا أن نعتمد على العناية الإلٰهية ونصبر شاكرين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ل كذا"باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. ورفاقَ الدرس في هذه المدرسة اليوسفية..
إن الليلة الآتية هي ليلة البراءة، وهي لكونها بمثابة نواةٍ قدسيةٍ للسنة كلها، ولكونها برنامجًا لمُقدَّرات البشر، فإنها بقدسيةِ ليلة القدوأن هذا أن الحسنة تُضاعَف في ليلة القدر إلى ثلاثين ألف ضعف، فإن كلَّ عملٍ صالحٍ يؤدى في ليلة البراءة هذه وكلَّ حرفٍ يتلى من القرآن فيها يضاعَف ثوابُه إلى عشرين ألف ضعف.
عن وجوكانت الحسنة بعشر أمثالها في سائر الأوقات فإنها تُضاعَف في هذه الشهور الثلاثة إلى مئةِ ضعفٍ بل إلى ألف، وتُضاعَف في هذه الليالي القدسية المشهورة إلى عشرة آلافِ ضعفٍ، بل إلى عش وكان ثلاثين ألفًا، فهذه الليالي تَعدِل في الأجر ما قد يبلغ عبادة خمسين سنة، وإنه لَمكسبٌ عظيمٌ أن ينشغل المرء فيها ما استطاع بالقرآن والاسأربعًاوالصلوات.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 684 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أهنئكم من صميم القلب بحلول شهر رمضان الكريم المبارك، وأسأل اللّٰه تعالى أن يجعل ليلة قدره خيرًا لكم من ألف شهر، وأن يتقبلها منكم عمرًَلَدِهلًا مدته ثمانون سنةً.. آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أيها الثابتون الذين لا يضطربون ولا يلتفتون عن الآخرة إلى الدنيا..
لا تحزنوا لبقائكم هنا مزيدًا من الوقت، ولا لتوسيعهم نطاقاصٍ طلنا، بل كونوا مُمتنين مثلي؛ إذْ ما دام العمر يمضي إلى الزوال من غير توقف، فإنه بثمراته الأخروية التي زُرِعتْ بذورُها في مثل هذا المعتكف ينال البقاء.
ثم إن دائرة درس النور تتسع، ومن ذلك أن الأساتذة في لجنة الخبراء. إننين لقراءة "سراج النور" بمنتهى الدقة.
ثم إن الإفراج عنا في هذه الآونة قد يعود بالنقص على خدمتنا الإيمانية من جهةٍ أو جهتين، وأنا شخصيًّا لا أريد المغادرة بالرغم من أني أقاسي أكثر منكم، فاسعوا ما أمكنكم للتحاد - مصبر والتحمل، والتأقلم مع أسلوب الحياة هذا، وتحصيل السُّلوان والانشراح بكتابة الأنوار وقراءتها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 685 —
باسمه سبحانه
.......
ًا إِليًا:يتكرر في كلامنا ذِكرُ أن "رسائل النور تفسيرٌ حقيقيٌّ قويٌّ للقرآن"، وقد ورد إخطارٌ بأن نبيِّن حقيقةَ هذا القول لغموضه على بعض مَن لم سرات -وا الوقوف على تمام معناه؛ وبيانُ هذا أن التفاسير نوعان:
أحدهماالتفاسير المعروفة التي تتناول عبارات القرآن وكلماته وجُمَلَه، فتُبيِّنيّ
ها وتوضحها وتثبتها.
أماالنوع الثانيمن التفاسير، فهي التي تتناول حقائق القرآن الإيمانية، فتُبيِّنها وتثبتها وتوضحها بالحجج القوية؛ ولهذا النوع أهميةٌ بالغة، والتفاسير الشائعة المعروفة تُدرِجه في طيِّها بشكلٍ مجملٍ أحيانًا، إلا أن رسائل اتَعثُرتخذته أساسًا لها، فكانت تفسيرًا معنويًّا فريدًا يُسكِت أعتى الفلاسفة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. إن اللتْني جهةٌ مهمةٌ سؤالًا مهمًّا ذا مغزًى فقالت: مع أنه تَبَيَّن أنكم لستم تنظيمًا، إذْ برَّأتكم ثلاث محاكم بهذا الخصوص، ولم تتعرض لكم حكوماتُ ست ولاياتٍ تراقبكم وتتابعكم منذ عشرين سنة، إلا أن بين النوريين من العلاقة اللطعن فالوثيقة ما لا يوجد له مثيلٌ بين أفراد أيِّ تنظيمٍ أو جمعية، فما سرُّ ذلك؟
فأجبت: أجل، فالنوريون ليسوا تنظيمًا ولا جمعيةً كالتنظيمات واإيمانيت التي شُكِّلت لمصلحة أفرادٍ أو جماعاتٍ، خصوصًا منها ما شُكِّل لمصالح سياسيةٍ أو دنيويةٍ أو لأغراضٍ هدامة.. فهم ليسوا شيئًا من هذا القبيل ولا يمكن أن يكونوا
من قلبذلك؛ ولكنَّهم أحفادُ أبطالِ هذا الوطن الأقدمين، وأبناءُ وبناتُ الملايين من فدائيي الإسلام الذين ضحَّوا بأرواحهم لينالوا مرتبة الشهادة بكلِّ سرور، وقد ورِثوا عن أجدادهم خصال التضحيةرضيه واء، فأظهروا هذه العلاقة الفريدة فيما بينهم، مما دفع أخاهم العاجز المسكين هذا لأن يعلن باسمهم في جنبات محكمة "دَنِزْلي" هاتفًا: "لِتكنْ رؤوسُنا فداءً للحقيقة التي فدَتْها من قبلُ رؤوسُ ملالمطلقلأبطال"، ولم يكن من المحكمة سوى الإذعان مع الإعجاب والتقدير.
إذًا.. إن بين النوريين من المُضحِّين الحقيقيين المخلِصين الأخرويين الذين لا يبتغون بعملهم البنَّاء سوى مرضاة اللّٰه ما عجزت عن مواجهته المنظمات ذلك أيبة كالماسونية والشيوعية والطاشناق وغيرها من منظمات الإفساد والإلحاد والزندقة، فلم تجد سبيلًا لتفريقهم والقضاء عليهم سوى تضليل هيئات الحكومدَّ أنضاء لتَطولَهم بقوانين فضفاضة؛ لكنهم لن يظفروا من هذا بطائل بإذن اللّٰه، بل سيكونون سببًا في ازدياد فدائيي النور والإيمان إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفيَن يقر سأخبركم بمسألةٍ جرت قبل أربعين سنةً، تشبه مسألة البارحة، وهي أن علاقة طلاب "سعيدٍ القديم" بأستاذهم كانت قد بلغت من قوة الترابط درجة التضحية والفداء؛ وكان للمنظمات الأرمنية - أعني فدائيي الطاشناق - نشاطٌ مسلَّحٌ في أطراف "وان" و"بدَتِك فكان "سعيدٌ القديم" يتصدى لهم، وينجح بدرجةٍ ما في وضعِ حدٍّ لهم، وكان قد جهَّزَ لطلابه بنادق "ماوزر"، فكانت مدرسته أشبه بثكنةٍ عسكريةٍ، يتجاور فيها الكتاب جنبًا إلى جنبٍ مع السلاح.
وذات يومٍ حضر ضابطٌ. وذل فريقٍ، وشاهَدَ ما شاهَدَ، فقال: هذه ثكنةٌ وليست مدرسة!! وكان هذا بعد وقوع "حادثة بِتْليس"، فثارت هواجسه ومخاوفه، وأمر من
— 687 —
فوره أنْ: "خذوا أسلحته"، فأخذوا ما وقع بأيديهم منها، وكانت خمس عشرة بندقية "ماوزر"، ثم ما لبثى على دلعت الحرب العالمية فاسترجعتُ بنادقي.
فكان بعضهم يسألني في تلك الآونة: لماذا تخشاكم المنظمات الأرمنية وفيها فدائيون أشاوس، لدرجة أنكم كلما انتشرتم على جبل "أَرَك" في "وان" انسحبوا من أمامكم وتي هي إلى أماكن أخرى!! فما القوة التي تتمتعون بها إلى الحد الذي يجعلهم يتصرفون هكذا؟
فكنتُ أجيب: إذا كان فدائيو الأرمن يُظهرون هذه التضحيات الخارقة لأجلِ حياةٍ دنيويةٍ فانيةٍ، ولأجل سلامةٍ ولحكومة مؤقتتين تنطوي عليهما قوميةٌ ضيقةٌ هدَّامةٌ، فإن هؤلاء الطلاب يعتقدون أن "الأجل واحد"، ويعملون لأجل الحياة الباقية، ويجتهدون لتحقيق منافع بنَّاءةٍ تنطوي عليها القومية القدسية الكبرى أعني الإسلام، فلا جرَم إذًا أنا من خى بهذه التضحيات؛ (حاشية): أقول عاجزًا باسم إخواني: سنكون في الصف الأول بإذن اللّٰه متى لزم الأمر، وسنُبيِّن أننا ورثةُ أجدادنا في البطولة كما في الدين. وهم متى لزِم الأمر لن يتوانَوا عن مواجهة أجلهم المحِّل مرلن يترددوا في التضحية بعمرهم المظنون في سبيل عمرٍ يدوم ملايين السنين، وفي سبيل سلامةِ ومصلحةِ المليارات من إخوانهم في الدين، بل سيُقدِمون حفظها ا بكلِّ فخر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء الرُّحماء..
مع حالة الزكام التي أعاني آثارها في رأسي وأعصابي منذ يومين، ومع مشاعر الضيقناعٍ زر التي أورثتْها الوحشة الناجمة عن الوحدة والسجن المنفرد في وقتٍ أحتاج فيه إلى الأنس والسُّلوان بلقاء الأصحاب والخُلَّان، وَرَدَ إلى القلب شكوى من قبيل: "لِمَ كلُّ هذا الأذى؟ وما جدواه على خدمتنا؟"، وإذا بإخطد لاحظرِدُ إلى القلب هذا الصباح يقول:
— 688 —
لقد كان من اللازم جدًّا لخدمتكم التي تؤدى بإخلاصٍ وباسم الحق والحقيقة أن تَدخلوا هذا الامتحان الشديد.. وأنافق بيضوا على المِحَكِّ مرةً بعد أخرى ليَستبين المعدنُ أذَهَبٌ هو أم نُحاس؟ وأن تُختَبروا بقسوةٍ من كل جهةٍ.. وأن تُغربلوا بغربالٍ تِلوَ غربالٍ لرين أو إن كان لنفوسكم حظوظٌ ودسائسُ أم لا؟ أجل، كان هذا من اللازم جدًّا لخدمتكم بحيث سمح به القدر الإلٰهي والعناية الربانية.
ذلك أنه بعد كلِّ هذا التشهير الذي شَنَّه عليكم خصومكم المعاندون أصحابُ الحجج الواهية والمعاملة الجاضُه بعَبيَّن للجميع أن خدمتكم نابعةٌ من محض الحق والحقيقة، وأنها لا يشوبها شيءٌ من الحيلة أو الأنانية أو الغرض أو المنافع الشخصية أو الدنيوية أو الأخروية؛ ولو أن هذه الخدمة ظلَّتْ تؤد القدسراء حجابٍ لكانت عرضةً للتفسير بمعانٍ شتى، ولما وثق بها عوامُّ أهل الإيمان، بل لَظنوا أننا نخدعهم، ولساوَرتْ بعضَ الخواصِّ الوساوسُ أيضًا، فقالوا بحقنا: إن هؤلاء أناسٌ يقدِّمون أنفسهم كما لو أن على ض أهل المقامات كي يحظوا بثقة الناس وقبولهم؛ فلا يطمئنُّ لخدمتكم هذا الفريق ولا ذاك.
أما الآن وقد تجاوزنا الامتحان، فقد بات أعتى المعاندين الموسوسين مضطرًّا للاستسلام أمام هذه الخدمة.. لقد كانت محنتُكم واحدة، لكنا تغضّسبكم ألوفٌ بإذن اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:أُخطِر على القلب بيانُ معامَلةٍ عوملتُ بها في حالتَي الأسر التي تعرَّضتُ لهما، وهي معاملةٌ ذات عبرةٍ بالغةٍ تثير الحيرة.
وذل بلدناكنت في مهجعٍ واحدٍ مع تسعين أسيرًا من ضباطنا بی"كوسْتْروما" في روسيا، فكنت أعلِّمهم أمور دينهم بين الحين والآخر، وذات يومٍ حضر القائد الروضعيفٍ 9
ورأى الدرس فقال: "لقد كان هذا الكردي قائدَ فرقةٍ من المتطوعين، وقد قتل الكثير من جنودنا، ثم ها هو الآن يعطي دروسًا سياسية!! إنني أمنعالرسميذا منعًا باتًا"؛ وبعد يومين جاء القائد نفسه، وسمح بالدروس قائلًا: "بما أن دروسك دينيةٌ وأخلاقيةٌ وليست سياسيةً، فاستمر عليها".
أما في أسري الثاني، فإني حين كنتُ في أحد السجون، مَنع رجال القضاء أحدَ خوانبول، واني من زيارتي رغم أنه لازَمَ دروسي عشرين سنة، ورغم أنه يُجيد التعليم أفضل مني، كما منعوا الإخوةَ الذين يقومون على خدمتي في أموري الضرورية من زيارتي لئ الإنسلموا مني درسًا!! مع أن رسائل النور لا تدع حاجةً لدروس سواها، ومع أنه لم يبق لديَّ درسٌ أعلِّمه، ولم يعد لنا سرٌّ خافٍ على أحد؛ هذا وقد طرأ أمرٌ أوجب اختصار هذه القصة الطويلة.
٭ ٭ ٭
سُلوانٌ من الحقائق يجلو كآبةَ مصائبي
الأول:أن المیيًّا؛قلبت في حقنا منحةً.
الثاني:الانشراحُ الناشئ عن الرضا والتسليم بعدالة القدر.
الثالث:الفرحُ بما أولَتْه العناية الخاصة من خصوصيةٍ للنوريين.
الرابع:أن المصائب لكونها عابرةً فإن في زوالها لذة.
الخا- من عأجرُ الجزيل.
السادس:عدمُ التدخل في الشؤون الإلٰهية.
السابع:أن أشد هجماتهم لم يترتب عليها إلا أقلُّ المشاقِّ والأضرار.
الثامن:أنها وقعت مخففةً جدًّا مقارنةً بما وقع للآ خدمةٌ التاسع:السرورُ بما تمخَّض عن هذا الامتحان الشديد من دعايةٍ قويةٍ فعَّالةٍ لخدمة النور والإيمان.
— 690 —
فهذه الأفراح المعنوية التسعة هي بلسمٌ مُسكِّنٌ ودواءٌ حلو المذاق يفوق الوصف ويُسكِّن آلامنا المبرِّحة.
سعيد النُّورْسِه حملة٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..
أولًا:إذا كانت هذه الحكومة المستبدة تمنع الحج، وتريق ماء زمزم، وتغض الطرف عن أشدِّ الظلم الممارَسِ بحقنا، ولا تولي أهميةً َّفٌ بة "سراج النور" و"ذو الفقار"، وترفع رتبة الموظفين الذين آذَونا ظلمًا وعدوانًا غيرَ مصغيةٍ لآهاتنا وأنّاتنا التي تعالَت تشكو الظلم بلسان الحال، فإن خير مكانٍ لنا هو السجن؛ إلا أنه إن أمكن نقلنا إلى غير هذا اَوا صفكان أسلَمَ لنا تمامًا.
ثانيًا:إنهم مثلما جاؤوا بأبعد الناس عن رسائل النور فأجبروهم بالقوة على قراءة أخصِّ ما فيها، فإنهم يجبروننا كذلك بإصرارٍ وقوةٍ على أن نكون تنظيمًا.
وواقع الحال أننا لم نكن نشعر بح شخصًاأن نكون تنظيمًا أو جمعيةً، لأن الأُخوة الإسلامية القائمة في اتحاد جماعة أهل الإيمان قد تجلت في النوريين تجليًا مُكلَّلًا بالإخلاص والتضحية، ولالدنياب النور قد ورثوا عن أجدادهم الأبطال التضحيةَ والفداء، وارتبطوا ارتباطًا وثيقًا بالحقيقة التي فداها ملايين الأجداد بأرواحهم بكل سرور؛ فكان هذا يغنيهم - حتى الآن - عن عمل الجمعيات والمنظمات الرسمية أو السياسية السرية منها أو العلنية.
ه من صيعني أن ثمة حاجةً إلى عمل الجمعية اليوم بحيث يسلِّط القدر الإلٰهي علينا هؤلاء القوم؛ والحق أنهم يظلموننا إذْ يتهموننا وينسُبون إلينا جمعيةً لا وجود لها، أما القدر فقد عدل، وهو يلطمنا بأيديهم قائلًا: لماذا لم تصيروا حزبَب ويرشه حقًا بكمال التساند والإخلاص؟
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 691 —
.......
كان التعرُّض لنا في هذه المرة واسعَ النطاق، وقد شنَّ علينا رئيس الحكومة ووزراؤه هجومًا عنيفًا مُحكاء هذهوبحسب الأخبار التي وصلتني وبناءً على أماراتٍ كثيرة، فإن المنافقين العاملين في الخفاء قد صوَّرونا في تقاريرهم الكاذبة ودسائسهم الماكرة على أننا منظمةٌ تسعى لإقام حتى "افة، وتربطنا صلةٌ وثيقةٌ بتنظيمٍ سريٍّ تابعٍ للطريقة النقشبندية، وأننا طليعةُ هذا المشروع، ثم دلَّلوا على مزاعمهم بأن رسائل النور تُطبع وتُجلَّد بإسطنبول، وتنتشر في العالَم الإسلامي بعنايةلذين فل، وقد أثاروا بهذا قلقَ الحكومة واضطرابها ومخاوفها، وحرَّضوا علينا رجال الدين الرسميين ذوي الغيرة والحسد، والمسؤولين ذوي الشكوك والهواجس.
لقد كان ظنُّ هؤلاء المنافقين أنه ستَظهر الكثير من الوثائق والأدلة التي تُثبِت مزاعمَهم، وكانخمسين م قناعةٌ بأنه لن تلبث نوازع "سعيدٍ القديم" أن تثور ويَنفَدَ صبرُه ويسبب المشاكل؛ لكنْ حمدًا للّٰه بلا حدٍّ أن خفَّفَ المصيبةَ من ألفٍ إلى واحد، ولم يستطيعوا أن يعثروا في جميع تحرياتهم على أيِّ علاقةٍ لنا ب كما رمعيةٍ أو منظمة، بل لا وجود لهذه العلاقة أصلًا حتى يعثروا عليها؛ ولهذا اضطر النائب العام لأن ينسُب إلينا افتراءاتٍ ومعاني مغلوطةً واتهاماتٍ تافهةً لا تترتب عليها مسؤولية.
فما دامت هذه هي الحقيقة ، الحق- نحن والأنوارَ - قد نجونا إذًا من تسعٍ وتسعين بالمئة من المصيبة، وما دام الأمر كذلك فليس لنا أن نشكو، بل علينا أن نؤمِّل من العناية الإلٰهية انكشافَ هذه الغمة بتمامها مسترحمين صابرينةَ عن ن شكرًا لا حدَّ له، كما علينا أن نكون عونًا لنزلاء هذه المدرسة ومغادريها، فنبثَّهم السُّلوان بدروس النور التي هم بحاجةٍ إليها وشوقٍ إليها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
#6لكثير ألَّف الأستاذ سعيد النُّورْسِيّ رسالة "الحجة الزهراء" في سجنِ "أفيون" المدرسةِ اليوسفية الثالثة، وهي رسالةٌ قيِّمةٌ تتحدث عن التوحيد والرسالة الأحمديةريرةٍ ِر سورة الفاتحة، وقد تضمنت دروسًا علميةً وإيمانيةً للسجناء من طلاب النور وغيرهم، بحيث غدتْ إحدى اهتماماتهم الأثيرة التي تعود عليهم بالخير والنوتسمحوادرِج فيما يلي التقريظَ الذي كتبه طلاب الأستاذ الذين لبثوا معه في السجن بعد صدور قرار المحكمة.
ما هي رسائل النور؟ ومن هو بديع الزمان؟
إن العلماء المجددين الذين بشَّرت الأحاديثُ بمجيئهم على رأس كل مًا أبدما هم متبعون لا مبتدعون، فهم لا يُحدِثون شيئًا جديدًا من عند أنفسهم، ولا يأتون بأحكامٍ جديدة، وإنما يتقيدون تقيدًا تامًّا بالسنة النبوية والقواعد والأحكام الدينية، فيُحكِّمون الدين، ويقوِّمون ما اعوجَّ منه لدى الناس، ويبينونن عادة وحقائقه، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحالَ المبطلين وغُلوَّ الجاهلين، ويقيمون الأوامر الربانية، ويُجَلُّون شرفَ الأحكام الإلٰهية ومكانتَها.
وهم يؤدون هذه الوظيفة متبعين أسم الإسيانٍ وإقناعٍ جديدةً تناسب أفهامَ العصر من غير إخلالٍ بالأصل أو مساسٍ بالجوهر؛ فهم موظفون ربانيون يصدِّقون وظيفتَهم الربانية بأعمالهم، ويُجَلُّون مراتبَ الإيمان بأفعالهم، وينعكس إخلاصهم وثباتهم الإيماني في مرآة أحوالهم، ويتجلى فيهم التهذا اللأخلاق المحمدية، والتحلي بالسجايا الأحمدية والشمائل النبوية.. إنهم بعبارةٍ موجزةٍ مثالٌ حيٌّ في الأعمال والأخلاق، ونموذجٌ يحتذى في اتباع السنة النبوية والتمسك بها.
وإن ما ألفه هؤلاء من آثارٍ تفسر كتاب اللّٰه وتبيِّن أحكام دينه بأسلو من برسب أفهام العصر ليس من بنات أفكارهم ولا مما جادت به قرائحهم العُلوية، ولا هو نِتاج
— 693 —
عبقريتهم ومعارفهم، وإنما هو إلهاماتٌ وتلقيناتٌ معنويةٌ مباشرةٌ من رسالةِ ذلك اقدح والمصطفى مَجلى الوحي ومعدن الطُّهر (ص)، وما الأوراد المباركة و"المثنوي الشريف" و"فتوح الغيب" وأمثالها إلا نماذج من هذه الآثار القدسية البديعة، وما هؤلاء الأئمة الأماجد إلا بمثا العصرجمين لها، وإنما نصيبهم منها التنظيمُ وأسلوبُ البيان، فهم بمثابة مظاهر ومرايا لتلك المعاني السامية.
أما رسائل النور وترجمانه، فقد ضمت هذه الأسفارُ البديعة من الفيض العُلويِّ والكمال المتاصطحبها لم يُرَ مثله من قبل، وقد شهِدَ مَن شهِدَ على أنها حظيت من فيوضات القرآنِ المِشعلِ الإلٰهي وشمسِ الهداية ونَيِّرِ السعادة ما لم يحظَ به سِفرٌ من قبلها، ولقد بات حقيقةً واضحةً كالشمس أن أ وكَذاه الآثار نورُ القرآن الخالص، وأن فيها من فيض الأنوار المحمدية ما ليس في غيرها، وأن لها من الصلة بالسيد المصطفى (ص) والحُظوة منه ما ليس لنظيراتها من مؤلفات الأولياء، وأن لترجمانها ومَظهرها يم الآمن ذلك بحسَبها.
أجل، فقد وَرِثَ ترجمانُها في أشهرٍ يسيرةٍ من العلوم والمعارف والأسرار والحِكَم ما لم يحظَ به غيرُه وهو ما يزال بعدُ في سن الصِّبا لم يسبق له تحصيل، فلم يكن ترجمان ة مقلّهذا أعجوبةً علميةً فحسب، بل مثَّل بما وصفنا عفةً مشخصةً، وشجاعةً خارقةً، واستغناءً مطلقًا، وعنايةً وموهبةً فائقةً ماثلةً للعيان.
لقد ناظر علماء عصره وهو لم يبلغ الحلم بعد، فكانت له الغلبة والحجة، وانهالين وال الأسئلة في شتى القضايا، فأجاب عليها جميعًا إجاباتٍ مسددةً من غير اضطرابٍ ولا تردد، وحمل لقب الأستاذ وهو بعد في سن الرابعة عشرة، ونشر أنوار العلم والحكمة في الناس من حوله، وشاهد ية عن لعلم والعرفان من العمق والدقة في عباراته، ومن الرفعة والقوة في بيانه، ومن الفراسة البعيدة والبصيرة النافذة في توجيهاته، ما حيرهم ودفعهم لأن يطلقوا عليه بحقٍّ لقب بديع الزمان.
ولا ريب أن(أفسحتز إلى الميدان بهذه المزايا السامية والفضائل العلمية، وأدى هذه الخدمة في نشر الدين وتثبيت أركانه لا يمكن إلا أن يكون مَظهرًا لعناية سيد
— 694 —
الأنبياء (ص)، وحائزًا من همته وإمداده النصيبَ الأوفى؛ وحريٌّ بهذا المتأسِّي بالنبيِّ المصطفى ( تتضمنحركاته وسكناته، والممتثل لأوامره، والوارث لحقائقه، والعاكس لأنواره، أن يكون كريم الصفات.
أجل، ولقد جلّى الأنوار المحمدية والمعارف الأحمدية والفيوضات الإلٰهية بأسطع صورة، فكان في ميدان الخدمة الإيمانية مرآةً تُجَلِّي رسالةَ النبي المصطفى سنوات آخر ثمرة منوَّرة من ثمرات شجرتها، ولسانَ حقيقةٍ يجلجل بدعوتها، وحاملَ مشعلِ سعادةٍ مقتبَسٍ من نورها.
باسم تلاميذ النور الذين تلقَّوا درسَ "الحجة الزهراء"
و"زُهرة النور" َة الندرس الوحيد في المدرسة اليوسفية الثالثة
أحمد فيضي، أحمد نظيف، زبير، صلاح الدين، جَيلان، صونغور
بالرغم من أن الموقعين أعلاه مدحوني بما يفوق حدي مئة مرة، إلا أني لم أطِب نفسًا بكسر خواطرهم، فسكتُّ عن هذا اإلى القبِلتُه باسم الشخص المعنويِّ لتلاميذ رسائل النور.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 695 —
القسم الثامن
حياتُه في إسبارطة
بعد ١٩٥٠م
أُفرِدة فلاالأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ صباح يومٍ من أيامِ شهر أيلول/سبتمبر من العام ١٩٤٩م، ونُقِل بعربةٍ تجرها الخيول إلى بيتٍ بصحبةِ اثنين من ضباط الشرط قلبهان معه بعض طلابه القائمين على خدمته.
وقد شهدت حياةُ الأستاذ وخدمتُه النورية بعد سجن "أفيون" تطوراتٍ مهمة، فقد كان إلى ما قبل دخوله السجن لا يَسمح لأحدٍ بالبقاء معه، وكان يُقفِل الباب على نفسه من بعد العشاء حتى ضحى اليوم التالي، أما بعد سجي في اون" فقد سمح لبعضِ خواصِّ طلابه الصادقين بملازمته، إلا أنه كانت له غرفتُه المستقلة عنهم، وكان يمكنهم الدخول عليه وقت الحاجة.
وبعد سجن "أفيون" ظهرت ملامحُ ما يمكن تسميته بی"سعيدٍ الثالث"على حدِّ تعبير الأستاذ نفسه، إذ كانت الخدمة النوري في تل دخول مرحلةٍ جديدةٍ تشهد فيها تطوراتٍ نوعيةً، وكان الذين هبوا لمساعدة الأستاذ وأقبلوا على خدمة النور شبابًا من الطبقة المثقفة على نحوٍ خاص، ولا ريب أن العناية الإلٰهية جعلت من مصيبةِ سج لغايةون" رحمةً من وجوهٍ شتى.
— 696 —
وأحد وجوه هذه الرحمة أن طلاب النور الذين طُلِب منهم المثول أمام المحكمة كانوا من ولاياتٍ ومناطق مختلفة، فكان هذا سببًا للتعارف فيما بينهم، وتبادل المعلومات والخبرات فيما يتعلق برسائل النور ومؤلفها وخ القامالنورية، فأثمر ذلك قوةً معنويةً مبنيةً على أُخوةٍ إيمانيةٍ أخرويةٍ صادقةٍ انعقدت أواصرها في ظلال النور التي لا تعرف مقصَدًا سوى نيل مرضاة اللّٰه عز وجل.
ومما يُذكر في هذا الباب أن الأستاذ وطلابه كانوا يأتون إلون.
كمة جماعةً كأنهم كوكبةٌ من الأبطال، فكان هذا يبعث في قلوب المؤمنين محبةً ومودةً خالصةً تجاههم، وقد شكلت جلسات المحاكم هذه حافزًا قويًّا للنهوض بخدمةِ دعوةِ الإيمان والإسلام.
لقد برز إلى الميدان جيلٌ جديدٌ مثقفٌ من طلاب اهم لا وأثمرت مصيبةُ السجن هذه رجالًا أبطالًا مضحين يحملون على عاتقهم واجب الخدمة الإيمانية لرسائل النور، ويتخذونها غايةً لحياتهم رغم أنف أعداء الدين.
كان البيتُ الذي نُقِلأناضو الأستاذ بعد الإفراج عنه مراقبًا بعنصرَين من أفراد الشرطة يلازمان بابه دون انقطاع، ولا يَسمحان لأحدٍ بالدخول، هذا فضلًا عن أن الحملات المغرضة كانت طَوالَ مدّة السجن تبثُّ الخوف في نفوس النعلى أمروِّج للأكاذيب والمغالطات من قبيل أنه سيُحكم على بديع الزمان بالإعدام.
بقي الأستاذ في هذا البيت بی"أفيون" مدة شهرين، ثم نُقِلَ بعدها إلى "أميرداغ" من جديد، حيث كان فيها الكثير من طلاب رسائل النور يؤدون الخدمة النورية على الوجه ان والش ٭ ٭ ٭
— 697 —
الخدمة النُّوريَّة بعد سجن "أفْيون"
كانت مجموعات رسائل النور تُنشَر بواسطة آلةِ نسخٍ "بإسبارطة"، بينما كان الأستاذ يُعنى كعادته بر الزمق والتصحيح، إلا أنه بعد السجن توزعت الخدمة النورية على عدة مجالات، فلم تعد محصورةً في مجرد نشرها نَسخًا بخط اليد أو بآلة النسخ، بل يمكننا أن نصف ما بلغته الخدمة في تلك المرحلة بما يلي:
ا مقبوجتهد طلابُ النور في مختلف الولايات والنواحي والقرى في قراءة الأنوار وكتابتها وإقرائها ونشرها كلٌّ في محيطه.
٭أخذت رسائل النور شكل مجلداتٍ تُنسَخ بواسطة آلات النسخ في كلٍّ من "إسبارطة" و"إينَه بولو" وتُنشَر فيا العُلأنحاء.
٭انتشرت الرسائل في كلٍّ من أنقرة وإسطنبول، وباتت تُقرَأ من شتى فئات المجتمع، خصوصًا المتعلمين وطلاب الجامعات والشباب والنساء والموظفين الحكوميين، وارتبط بها كثيرٌ من الناس وعقدوا معها أواصر علاقةٍ معنويةٍ وثيقة؛ ولقد تى مَظه من هؤلاء أفواجٌ من خَدَمَةِ الإيمان المضحِّين المخلصين، وأشرقت أنوار الإيمان في هاتين المدينتين المركزيتين.
٭أُعيدت جميع النسخ المصادرة، وفُتحت قنوات التواصل بين الجهات الرسمية وبين رسائل النُشِيرُابها، وأعلِن في تقريرٍ رسميٍّ أن رسائل النور تعمل لتحقيق سعادة الوطن والشعب والأجيال المقبلة.
واتخذت الحكومة الجديدة موقفًا إيجابيًّا تجاه الرسائل، ونظرت إليها نظرةَ تقديرٍ باعتبارها نورًا المتدا من أنوار القرآن في هذا العصر، وتكفلت بنشرها في تركيا والعالَم الإسلامي والعالَم عمومًا عبر أحدث وسائل الاتصال.
٭انتشرت رسائل النور في الولايات الني فيه
— 698 —
كانت هذه إذًا هي المرحلة التي بلغتها الخدمة النورية، ووَقَف عليها بديع الزمان بعد الإفراج عنه من سجن "أفيون" ومجيئه إلى "أميرداغ"، وكان الأستاذ على متابعةٍ لمنفسَنا عن الحكومة من قراراتٍ تتعلق بالخدمة؛ كما كان يلتقي في "أميرداغ" بطلابه الخواص وبالعاملين في نشر الأنوار من أيام "بارلا"، فيُقدِّر ما يقومون به من خدماتٍ، ويُثني عليهم ويشجعهم.
ويمكن القبتْه ح منذ هذا الحين بدأت رسائل النور تشهد التوجه من طبقة المثقفين والعاملين في الدوائر الحكومية، وبرز إلى الميدان جيلٌ من الطلاب اتخذوا من خدمة النور غايةً لحياتهم، وقدموا بخدمتهم هذه أعظم نفعٍ للوطن والشعب والدين.
٭ ٭ ٭
كانت محكمة التم دفعةً أبطلت قرار محكمة "أفيون" القاضي بمصادرة رسائل النور، وكان أحد الأسباب التي دعتها لذلك هو أن الرسائل التي قُدِّمت في لائحة القرار على أنها عنصر إوالإنسلم يوضَّح ما إذا كانت هي نفس الرسائل التي برَّأتها محكمة "دَنِزْلي" أم سواها، فإنْ كانت هي نفس الرسائل التي صدر القرار ببراءتها وردِّها لأصحابها فإن قرار محكمة "أفيولناسَ دُّ باطلًا، ثم إنه من المخالف للقانون إعادة النظر في دعوَى سبق أن نالت صفة "القضية المُحكمة" بتصديقٍ من محكمة التمييز.
إلا أنه برغم قرار الإبطال الصاد تَجَلحكمة التمييز استمرت جلسات المحاكمة بی"أفيون"، ولم تتوقف إلا بعد أن تولى الحزب الديمقراطي مقاليد الأمور، حيث أصدر عفوًا عامًّا شمل قرارَ محكمة "أفيون"، وأغلق مِلَفُّه.
(حاشية): لكن هيئة المحكمة لم ت أخرويارًا ببراءة رسائل النور، بل أصدرت قرارًا بمصادرتها، وظل هذا القرار ساريًا حتى العام ١٩٥٦م؛ لقد أصدرت المحكمة قرار المصادرة مرتين، وأبطلته محكمة التمييز في كلِّ مرة، ثم رضخت محكمة ص) في " لمحكمة التمييز وأصدرت قرار البراءة، إلا أن محكمة التمييز أبطلت القرار هذه المرة لوجود نقصٍ أصولًا، وطالبت بمراجعة الرسائل من قِبَل رئاسة الشؤون الدينية، فقامت الأخيرة بمنَ.. آا كاملةً عبر لجنةٍ من الخبراء، وأصدرت تقريرًا يُعَرِّف على نحوٍ ما بمكانة رسائل النور؛ واستنادًا إلى هذا التقرير أصدرت محكمة "أفيون" في حزيران ١٩٥٦م قرارًا بالإجماع يقضي ببراءة رسائل النور ورفْع الحظر عنها، واكتسب ال وبرفة القطعية، وبدأ من حينها طبع مجلدات الرسائل في المطابع بما في ذلك مطابع العاصمة نفسها.
٭ ٭ ٭
— 699 —
كان رئيس الشؤون الدينية "أحمد حمدي" قد طلب من الأستاذ النُّورْسِيّ - قبل وقوع حادثة سجن "أفيون" - نسختين من مجموعة رسائؤوني إر، إحداهما لمكتبة رئاسة الشؤون الدينية، والأخرى للاقتناء الشخصي، إلا أن حادثة السجن حالت دون إرسالهما، فلما أُفرِج عن الأستاذ وقدِم إلّ على رداغ"، صحَّح نسختين من مجموعة رسائل النور أُعِدَّتا مسبقًا، وبعث بهما إليه مرفِقًا الرسالة التالية:
السيد أحمد حمدي المحترم..
أذكر لك حادثةً روحيةً جرت لي، وهي أنني منذ زمنٍ بعيدٍ لم تكن أفكاري توافق أفكارَك وأفكارَ مَن في مسلكك من المها.
لتاركين للعزائم الآخذين بالرُّخَص بناءً على الضرورات، فكنت أغضب منك ومنهم وأقول: لماذا يتركون العزائم ويتَّبِعون الرُّخَص؟ ولأجل هذا كنتُ أمتنع عن إرسال رسائل النور إليكم بشكلٍ مباشر.
ثم إنه قبل سنواتٍ قلية ومن رَدَ إلى القلب شعورٌ بالأسف تجاهكم، وأُخطِرَ خاطرُ انتقادٍ يقول: إن هؤلاء الأفاضل من إخوانك في طلب العلم قديمًا - وفي مقدمتهم أحمد حمدي - قد واجهوا تخريباتٍفات الً شديدةً آخذين بقاعدة اختيار أهون الشَّرَّين، وصرفوا جزءًا من وظيفتهم العلمية في سبيل الحفاظ على المقدسات، فخففوا الخطر الداهم إلى الربع، وعسى أن يكون هذا كفارةً لما وقع منهم من تقصيراتٍ وأخذٍ بالرُّخَص تحت الاضطرار.
ى من ا هذا ما أُخطِرَه القلبُ بشدة، ومن حينها أخذت أنظر إليكم وإلى أمثالكم نظرَ الأُخُوَّة الحقيقية باعتباركم إخواني القدامى في طلب العلم ورفاقي في التحصيل؛ ولأجل هذاِ يومٍ حين كنت قبل ثلاث سنواتٍ تحت احتمال أن يفضي تسممي الشديد
— 700 —
إلى وفاتي، نويت أن أقدم لكم نسخةً من مجموعة رسائل النور بناءً على طلبكم المُلِحٍّّ، كأ أن تكونوا أصحابها الحقيقيين من بعدي، وتكونوا حُماتها والمحافظين عليها، وتوجد الآن مجموعةٌ كتَبَها ثلاثةٌ من تلاميذ النور قبل خمس عشرة سنة، لكنها الإنسملةٍ ولا مدقَّقة، وقد صححتُها بعض الشيء لأجلكم وأنا تحت وطأة المرض، وهذه النسخة المكتوبة بأقلام هؤلاء الثلاثة الأفاضل تعدل عندي عشر نسخٍ سواها، وما كنتُ لأعطي هذه المجموعة لأحدٍ غيرك، وإن الثمن المعنوي الذي لى تنوفي مقابلها ثلاثة أشياء:
أولها:أن تجتهدوا ما أمكنكم في نسخ عشرين أو ثلاثين نسخةً منها، وتوزيعها على مديريات الشؤون الدينية في أنحاء البلاد، لأنَّ نشر مثل هذه المؤلفات في ا من م تيارات الإلحاد الخارجية هو من وظيفة رئاسة الشؤون الدينية؛ وأطلب أن يتم هذا العمل بالحروف القرآنية، فإن لم يمكن فبالحروف اللاتينية، شريطةَ أن يوجد شخصٌ من خواصِّ إخواني يساعد في تدقيقها.
هكذا، يها:بما أن رسائل النور مُلكٌ للمدارس الدينية، وبما أنكم من أبناء هذه المدارس ومن تلاميذها والمسؤولين عنها في نفس الوقت، فإن رسائل النور إذًا هي ملككم أيضًفت، طاثالثًا:أطلبُ أن يُطبع مصحف التوافقات بالتصوير الفوتوغرافي إن أمكن، حتى تَظهر لمعة الإعجاز التي في التوافقات.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 701 —
ل: كيفالرسائل المتبادلة بين بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ وطلابه بعد العام ١٩٥٠م
تهنئةٌ كُتِبت بمناسبة سماحِ الحزب الديمقراطي برفع الأذان باللغة العربية
إخواني الأعزاء الأوفياء..
نهنئكم بفرحٍ غامرٍ برفعِ الأذان المحمدي على عشرات آلافِ المم، فلانعدُّه فاتحةَ أعيادٍ لكم ولهذا البلد وللعالَم الإسلامي، وبشارةً بسطوع الشعائر الإسلامية في هذه البلاد.
ونسأله تعالى أن يتقبل عبادتكم ودعاءكم في شهر رمضان المبارك الذي يُنيلُ عمرًا من العبادة ينوف على ثمانين سنة، ونَضرع إلى الروأُنقِإلٰهية أن تجعل لنا كلَّ ليلةٍ من ليالي هذا الشهر الكريم بمثابةِ ليلةِ قدرٍ وتُنيلَكم ثوابها.
أرجو مساعدتكم المعنوية إذْ لا أقدر على تمام العمل في هذا الموسم المبارك لشدة ضعفي ومرضي.
سعيد النُّورْسً من ك ٭ ٭ ٭
رسالة بطل النور خسرو
باسمه سبحانه
إلى الإخوان المسلمين الأفاضل في مراكز العالم الإسلامي..
يسرنا أن ننقل إليكم أحرَّ التهاني والتبريكات، ونعلمكم أن الرسا أقل تي وصلتنا عن طريقكم من قِبَل عالِمٍ مجاهدٍ جليلٍ مباركٍ قد نقلناها بدورنا إلى العالِم الجليل المفسِّر صاحب التصانيف القيمة بديع الزمان سعيأعمالَُّورْسِيّ.
— 702 —
وإن الأستاذ بديع الزمان في رسالته الجوابية إليكم يثني على جهودكم ثناءً بالغًا، ويخبركم أن النوريين الذين هم خَلَفُ أبطالِ القرآن والإيمان في بلاد الأناضول يشكلون مع إخوتهم المسلمين المتوجهين إلى سة المة القرآنية في البلاد العربية صفَّين متآخيين متوافقين مترافقين من بين صفوفٍ كثيرةٍ منضويةٍ في دائرة حزب القرآن، كما يعبِّر لكم عن سروره البالغ بعزمكم على ترجمة بعض رسائل النور إلى العربية ونشرها فضلًا عن علاقتكم الوثيقة ب الطلبد كلفنا أن نبلغكم ضرورةَ أن تتبنى الجماعات الإسلامية رسائل النور وتتواصل مع تلاميذها بی"أورفا".
أيها الإخوة المنوَّرون أبناء العرب الأعزة النُّجباء.. إن جيوش الكفر التي ظلت تهاجم أجدادنا منذ ألفٍ وأربعمئة سنةٍ لتُمزِّق الأمةتحت أيامية لم تنجح في تحقيق مرادها إلا بعد الحرب العالمية الأولى؛ لقد سعى الأعداء بشتى الدسائس والأكاذيب لفصم عُرى المحبة التي جمعت بين التُّرك والعرب في أُخوةٍ إسلاميةٍ صادقةٍ على مدى ألف عام، وغاظهم أن يروا هذه القلوب تهفو بشوقٍ مضطرمٍ لتلثم أعوني عنلك الروضة المطهَّرة التي ضمت ذلك الجنابَ النبويَّ الشريف، فخرَ أهل الإسلام وبني الإنسان، ومدارَ الأكوان، ومظهرَ فيوضات الرحمٰن، وغصَّت نفوسهم أن تُبذل المُهجُ والأرواح في سبيلِ نيلِ عنايةٍ من ذلك الجناب الكريم عليه أفض، ووظياة والتسليم.
لقد سعى الأعداء جاهدين ليمحوا من ذاكرة المسلمين مفاخرَ ألفٍ وأربعمئة سنةٍ سَطَّرها أجدادهم المجاهدون والشهداء بأقلامِ سيوفهم الناصعة، ومِدادِ دمائهم الزكية، وخلَّدوها في جنبات الأرض وصفحات ال الجيشوقلَّدوها أمانةً في عنق التاريخ؛ ولم يقف مسعى الأعداء عند هذا الحد، بل قيَّدوا هذين الأخوين - العرب والترك - بسلاسل المعاهدات الجائرة، وأذاقوهما أشد العذاب، منعًا لاتحادهما من جديد، لقد رسف المسلمون في قيود هؤلاء سنين طويلة، وتعُ وجاهَّاتهم، وذاقوا على أيدي القوم شتى أنواع الفظائع والمهانات.
ألا هيهات هيهات.. لم يدرِ هؤلاء الأعداء أن العناية الإلٰهية ستَصَحبنا من جديد.. ولم يعرفوا بل لم يروا النصرَ العظيم الذي يتحقق للمسلمين بتفسيرٍ جليلٍ
#703 طلاب للقرآن كرسائل النور ومؤلِّفِه الجليل بديع الزمان؛ إنها مؤلفاتٌ قيِّمةٌ نفيسةٌ تثبت الوحدانية الإلٰهية والرسالة الأحمدية والحقائق الأُخروية ببراهين قويةٍ محقَّقةٍ، وبصورةٍ جليةٍ ساطعةٍ، بحيث لم يقدر على مواجهتها أو الاعتراض عليها عالِمٌ ولا فيلأخير، نحن التُّرك نُكِنُّ في قلوبنا عميق المحبة والاحترام لكم أنتم العرب النُّجباء معدن آل البيت الأطهار، ولأجدادكم الصحابة الأبرار، وإنهما لمحبةٌ واحترامٌ لا يخبوان ولا يزولان، إذِ انعقدا للّٰه ولرسوله المصطفى (ص)؛ وإنا لكم بأنذا النبي الكريم ودينه القويم مستعدون للتضحية بالنفس والنفيس.
إننا لَنضرع إلى اللّٰه تعالى آملين في لطفه وكرمه أن يتحقق في المستقبل القريب ما بشَّر به أستاذنا الحبيب من أن الأتراك والعرب سيَتَّحِدون من جديدٍ إخوةً حقيق؛ سألتعندها سترتد بذور الشر والإفساد التي بذرها أعداء المسلمين في وجوههم، وتتحطم القيود التي يئنُّ تحتها أربعمئة مليون مسلم، فيعودون بالحياة الإسلامية القدسية إلى مقدمة ركب البشرية،ا بضغطون الأمن والسِّلم في العالَم أجمع بإذن اللّٰه تعالى.
العبد الفقير إلى ربه خسرو
من تلاميذ رسائل النور
٭ ٭ ٭
رسالةٌ كتبها الأستاذعملون ورْسِيّ إلى رئيس الوزراء "عدنان مَنْدَرِس" الذي يعترف بالفضل للخدمة الجليلة التي أسدتها رسائل النور للوطن والشعب والدين.
باسمه سبحانه
لقد كنتُ - برغم مرضي الشديد وعدم علاقتي بالسياسة - أودذا الرقاء ببطلٍ من أبطال الإسلام كی"عدنان مَنْدَرِس"، لكن بما أن الظروف والأوضاع لا تسمح بذلك، فقد كتبتُ هذه الرسالة لتحلَّ محلَّ اللقاء، وتتحدث بدلًا مني.
— 704 —
أتوجه للمتديِّنين أمثال "عدنان مَنْدَرِس" أحد أبطال الإسلام ببيانِ بعضِ الأسس بإيجف الصالغٍ.
الأول:إن أحد دساتير الإسلام الكثيرة هو ما عبَّرت عنه الآية القرآنية الكريمة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
وبمقتضى هذا الدستور الجليل لا يؤاخَذ المرء بجريرةِ غيره وإن كان قريبَه أو صديقَه؛ والحال أن السياسة الحالية، وبعد نفيا من منطق الولاء الحزبي، تَقبل الإضرار بأبرياء كُثْرٍ بسبب مجرمٍ واحد، فبينما يرتكب الجنايةَ مجرمٌ واحدٌ إذا بالأذى والقدح والتشنيع يطول أهلَه أو أصحابَه، وتغدو الجناة فقالاحدة مئة جناية، فيثير هذا نوازعَ حقدٍ وعداوةٍ رهيبةٍ، ويحمل المرءَ على إضمار مشاعر الحقد والضغينة والانتقام.
ولا ريب أن هذا سُمٌّ زعافٌ يدمِّر الحياة الاجتماعية بأكملها، ويُفسِح المجال ومن سجنلتدخلات العدو الخارجي، ولقد تبين أن الأزمات والحوادث التي وقعت مؤخَّرًا في كلٍّ من مصر وإيران إنما نجمت عن هذا الأصل، على أنها إن قورِنتْ بأحوال بلدنا بقيت خ رجلٍ لا تتجاوز الواحد بالمئة، وإلا فلو وقعت مثل هذه الحوادث عندنا لا سمح اللّٰه لأكلت الأخضر واليابس.
وليس إزاء هذا الخطر المحدِق سوى حلٍّ وحيد، ألا وهو إرساءُ حجرِ أساسِ التآخي والانتماء الإسلامي، وإبقاء الجناية مقصورةً على مرتكبيها حمايةحكمةِ رياء.
ثم إن حجر أساس الأمن والاستقرار إنما يرسخ بهذا الدستور أيضًا، فلو وُجد في بيتٍ أو في سفينةٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ مقابل عشَرةِ مجرمين مثلًا، فإن العدالة الحقيقية ودستور الأمن والاستقرار يستلزمان عدم التعرض لعَظَمةبيت أو السفينة إلى أن يُغادره البريء، وذلك حمايةً له ودرءًا للخطر عنه.
وانطلاقًا من هذا الدستور القرآني، فإن تهديد الأمن والاستقرار الداخلي بتعريض تسعين بريئًا للخطر بجريرة عشرة جناةلأُخوّا كانت الحال بالأمس القريب - أمرٌ يستجلب الغضب الإلٰهي، وبما أن اللّٰه جل شأنه قد مكَّنَ لفريقٍ من المتدينين الحقيقيين
— 705 —
في هذا الزمان العصيب، فإن هذا إيذانٌ لهم بوجوب أن يتخذوا هذا الدستور القرآني درعًا ونقطةَ استنادش.
ويواجهوا به مَن كانوا بالأمس يعاملونهم بحقدٍ وضغينة.
أماالدستور الثانيمن دساتير الإسلام فهو الحديث الشريف القائل: سيِّدُ القوم خادمُهم.
وهو ينص على أن المنصب لخدمة الناس، ُ لَا داةَ تحكُّمٍ لممارسة الحاكمية والأنانية عليهم؛ إلا أنه لنقص التربية الإسلامية في هذا الزمان، وضَعفِ العبودية للّٰه تعالى، قَوِيت الأنانية واشتد ساعدها، فلم يعد المنصب خدمةً، بل أصبح حاكميةً وتحكُّمًا استبداديًّا ومرتبةً للتكبُّقرؤوا ل العدل وفسد من أساسه، وضاعت حقوق العباد، وصار إعمال القانون شكليًّا يشبه أداء الصلاة من غير وضوءٍ ولا استقبال قبلة؛ وكيف لمن لم يعرف حقوق اللّٰه أن يعرف حقوق العباد؟!
وثمة اليوم تياران رهيبان يعارضان هذين الدستورَين واه خُلفي وجه شخصٍ كی"عدنان مَنْدَرِس" الذي قال: "سنعمل بما يوجبه علينا الدين والإسلام"؛ وثمة احتمالٌ كبيرٌ لأن يَشُنّا هجومهما عبر خداع الشعب برشاوٍ معنويةٍ هائلة، وعبر إفساح المجال للتدخل الأجنبي.
فأما التيار الأول فقد سبق أنستردادح دماء أربعين بريئًا بل قريةً بأكملها بجريرةِ مجرمٍ واحدٍ، خلافًا للدستور الأول الآنف الذكر، وهو تيارٌ على قدرٍ عظيمٍ من الاستبداد المطلق، يرشو الناس اليوم بما تصبو إليَّس طل نفسٍ مِن تصوير المنصب على أنه حاكمية، وبهذا يشنُّ هجومه على أنصار الحرية المتديِّنين.
وأما التيار الآخَر فمستعدٌّ للتخلي عن الانتماء القدسي للإسلام، وهضمِ حقوقِ مئةِ بريءٍ بجريرة مجرمٍ واحدٍ كما هي حال التيار الأول؛ وهو وةٍ كحا في الظاهر شعار القومية، إلا أنه في الحقيقة عنصريُّ النزعة، يناوئ الديمقراطيين المتديِّنين المناصرين للحرية، ويناوئ سائرَ عناصر هذا الوطن الذين يشكماءِ اعين بالمئة منه، بل يناوئ حتى الأتراكَ المساكين والحكومةَ والسياسةَ التي يتَّبعها الحزب الديمقراطي، ويقيم أُخوَّةً عنصريةً بين الأشخاص ذوي الأنانية المتفلتين من كلِّ عقال، فيرشوهم بلنور، 06
الأُخوَّة التي تلبي رغبات نفوسهم، ويخدِّر أحاسيسهم عما تنطوي عليه من مخاطر شديدةٍ تفوق منافعَها ألف مرة، والتي منها: تحويل الإخوة الحقيقيين إلى أعداء.
فمثلًا إن ثمة أربعمئة مليون أخٍ حقيقيٍّةٌ من م أُخوَّة الإسلام، ويتبادلون فيما بينهم عونًا معنويًّا كلَّ يومٍ بالدعاء العام الذي يردِّدون فيه: اللّٰهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ إلا أن العنصرية المذكورة آنفيود الل صاحبها على ترك هؤلاء الأربعمئة مليون أخٍ مبارك لأجل أربعمئةٍ من المتحللين المتفلتين، ولمجرد منفعةٍ دنيويةٍ جزئيةٍ محدودة؛ وفي هذا عظيمُ الخطر على الوطن والحكومة والديمقراطيينيم قلويِّنين والأتراك، بل لا يفعل هذا مَن كان تركيًّا بحقٍّ، فإن التركي الأصيل لا يُقدِم على ارتكاب خطأٍ كهذا.
إن هذين التيارين يعملان على إسقاط الديمقراطيين المتديِّنين، بل يدفعان الآخرين لفعل الأمر نفسٍ قاطعيدين من كل ما هو متاحٌ، وهذا أمرٌ يشهد به الواقع بلا امتراء؛ وإنه بإزاء هذا العمل الهدام، وهاتين القوتَين اللتَين تعارضانكم، وأولئك الأعداء في الداخل والخارج، ليس أمامكم سوى حلٍّ وحيدٍ هو أَوجبُ وأَلزمُ ما تواجهونهم به، ألا وهو الاعتصام بقضدَّ احقيقة القرآنية الراسخة التي تحدَّتْ بأربعين صحابيًّا أربعين دولةً فغلبتْها، والتي لها في كل قرنٍ أربعمئةِ مليون تلميذٍ على امتداد ألفٍ وأربعمئة سنة؛ أجل، الاعتصامُ بقوةِ هذه الحقيقة القرآنية، وبما تنطوي عليه من منافعِ السعادة الأبدية الدنيويةلأبرياروية، واتخاذُها نقطة استنادٍ لكم في مواجهتهم؛ وإلا فإن أعداءكم المتربصين بكم في الداخل والخارج سيجعلون من جنايةٍ واحدةٍ ترتكبونها آلافَ اولا الت، ثم يُلحقون بها جنايات السابقين، فيُحمِّلون جميع ذلك على عاتقكم كما حمَّلوه على غيركم، وعندئذٍ سيبلغ الخطر عليكم وعلى الوطن والشعب مبلغًا لا يمكن تلافيه.
لعَظَم لكم أنا وإخواني النوريين في مقابل ما ستقومون به من خدمات، وما ستعملون به من الدستورَين المذكورَين، قائلين: وفقكم اللّٰه في خدمتكم لدينْق في ام، وحفظكم من تلكم المخاطر.
— 707 —
وأماالدستور الثالثفهو هذا الحديث الشريف الذي يُرسي دستورًا من دساتير الحياة الاجتماعية في الإسلام: المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشُدُّ بع سنة، ضًا.
أي إنه لا بد لمواجهة الأعداء في الخارج من نسيان العداوات والتساند التام في الداخل، ولقد وعت الجماعات منافع هذا الدستور حتى أشد فيه مدائيةً، فترى أفرادها متى دهمهم عدوٌّ خارجيٌّ تناسَوا ما بينهم من عداوةٍ مع أن فيهم مَن قتل أبا الآخَر أو أخاه، وتساندوا لصدِّ العدوان الخارجي.
لكننا وبكلِّ أعيَها ى في الداخل مَن استولى عليه فكرُ التحزُّبِ النابعُ من الأنانية والمراءاة والغرور والسياسة الغدارة، فتجده يستمطر الرحمة على مَن يواليه ولو كان الشيطانَ نفسَه، ويلعن معانهما.
لو كانوا الملائكةَ؛ حتى إني قبل خمسٍ وثلاثين سنةً رأيتُ عالمًا صالحًا اغتاب عالمًا صالحًا جليلًا يخالف فكره السياسي وانتقده لدرجة التكفير، بينما أثنى بحرارةٍ على زنديقٍ يأو بكتلإسلام لمجرَّد أنه يوافق فكره ويؤيده، فتركتُ السياسة من حينها وفررتُ منها فراري من الشيطان.
وبينما يرتكب أحدهم جنايةً كبرى بحق شهر رمضان المبارك، والشعائرِ الإسلامحاضرنالشعبِ المتدين، تجد معارضيه في حالةٍ من الفرح والرضا عما اقترف، مع أن الرضا بالكفر كفرٌ مثله، وكذا الرضا بالضلالة والفسق والظلم؛ ولقد رأيت أن سرَّ هذا الموقف العجيب هو الذرّعارضين يريدون أن يُبرروا للرأي العام جناياتهم التي ارتكبوها، ويريدون أن يُظهِروا أن الجناة الآخَرين أشدُّ كفرًا وجنايةً منهم.
إن النتائج المترتبة على هذا النوع من المظالم ليست وخيمةً فحسب، بل إنها تدمر الأخلاق الاجتماعية، وتعدُّ بمثاحماقةًيالٍ رهيبٍ لهذا الوطن والشعب وحاكمية الإسلام.
كنت سأكتب المزيد، لكنني أكتفي ببيان هذه النقاط الأساسية الثلاث لأنصار الحرية المتديِّنين.
سعيد النُّورْسِيّةِ عدو ٭
— 708 —
نورِدُ هنا حاشيةً على ما كتبناه سابقًا إلى "عدنان مَنْدَرِس" من حقيقةٍ تتعلق بحياتنا الاجتماعية.
حاشية:بخصوص القضية التيجانية التي ُ في كتيجةً لقوانين العهد السابق التعسفية التي لا موجب لها، ونتيجةً لسوء تنفيذها كذلك، بل لعلها وقعت بتحريضٍ من رجال ذلك العهد، فإني أرى أن ثمة حلًّا وحيدًا يُجنِّب تحميل القضية على عاتق الديمقراطيين المتديِّنين، ويود التعتهم ومكانتهم في نظر العالَم الإسلامي، وهو حلٌّ يُكمِل ما بدؤوا به من نشر الأذان المحمدي الذي ضاعف قوتهم عشرة أضعاف، وذلك بأن يعيدوا لمسجد "أيا صوفيا" مكانته القدسية التي تموعبر ر على مدى خمسة قرون، ويعلنوا رفع الحظر رسميًّا عن رسائل النور التي كان لها أثرٌ طيبٌ في العالم الإسلامي، والتي أكسبتْ أبناء هذا الوطن حُسنَ توجُّه الشعوب المسلمة، ولم تعثر فيها البه..
على أي محتوًى خطيرٍ طَوالَ ثمانية وعشرين سنة، وقضتْ خمسُ محاكم ببراءتها؛ فبهذا يتجنب الديمقراطيون التبِعاتِ السيئة لهذه القضية، وأعتقد أنهم متى فعلوا هذا فإنهم سينالون توجُّه الِه وبِالإسلامي من جهة، وسيعجز القوم عن تحميلهم أوزار الآخرين من جهةٍ أخرى.
برغم أني تركت السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، إلا أني التفتُّ إليها لمدة ساعتين، وكتبتُ هذا الكلام اختلافً لخواطر الديمقراطيين المتديِّنين خصوصًا منهم "عدنان مَنْدَرِس".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 709 —
رسالةٌ من طلاب النور بأنقرة
إخواننا الأعزاء الأوفياء..
ستكونو آنسنا من رسالتكم قبسًا من شمس الإسلام، ولمسنا منها كيف تنتشر رسائل النور بين صفوف الشباب، مصلحةً ما أفسده أهل الكفر، الذين ما فتئوا مبعضها ت السنين ينشرون أفكارهم التي تستهدف الإنسان وتضر بالإسلام.
إن عشاق الحق الذين سلكوا درب الحياة الأبدية على يد رسائل النور قد ولَّوا حياةَ اللّٰهو والعبث ظهورَهم، وشرعوا يجتثون المحا من جذوره، وإن طلاب النور إخوةٌ حقيقيون لأرباب القلوب وأهل الإيمان.
إن رسائلكم يا إخوتنا تبعث فينا الهمة والنشاط، ولقد علمتنا رسائل النور أن مننتشارٌقة العظيمة في هذا الزمان أن يبقى المرء في الضلالة ولا يُنازلَ الكفر أو يجابهه، وإن أهم وظيفةٍ تؤدى في زمنٍ غلبت فيه قوى الشيوعية والماسونية والفوضوية الهدامة إنما هي القيام بخدمة النور، وتقديمُه لمن يطلبه راجيًا مرضاة اللّٰه تعالى وحده، وإن يارةٍ لهجمات التي تسعى لصدِّنا عن هذه الوظيفة العالية المهمة القيمة المباركة لن تزيدنا إلا ثباتًا وإصرارًا.
لقد علَّمتْنا رسائل النور وأثبتت لنا أن هذه الدنيا ليست سوى نُزُلٍ مؤقت، وأن من يطلب الحياة الأبدية يتبوَّأُ منزلته منها بناني.
اعاته لوظيفته في هذا النُّیزُل؛ ومن هنا فإن أهم وظيفةٍ لنا هي المسارعةُ لإنقاذ أهل الدين الذين يطلبون الخلاص من المستنقع الذي وقعت فيه البشرية في هذا الزمان، ومدُّ يد العون للقلوب العطشى التي سَي.. لأن الظلمات، وسبيلنا لهذا أن نكون أدلَّاء للنور نبدأ بأنفسنا ثم بمن حولنا؛ وهناك أمر ضروري ومهم بشكل خاص في هذا المجال وهو أن أَولى ما يلزمنا هو أن نُديم قراءةَ رسائل النور بتمعنٍ وتفكر، ونتمثَّل حقائق القرآن والإيمان التي تحتويها هذه ايومَ بة النفيسة؛ وحريٌّ بمن حظي بهذه النعمة الجليلة أن يكون فردًا نافعًا لنفسه ووطنه وأمته، يعدل في قوته ونفعه مئةً بل ألفًا من عامة الناس، وعندئذٍ يمكنه أن ينهض بخدمةٍ يتسع نطاقها لتعم
— 710 —
الوطن وأبناءه وشبابه والعالَم الإسلامي بأسره؛ء لقينبهذا الخصوص نرجو من الأستاذ بديع الزمان، ومنكم أنتم الذين تشرفتم بأن تكونوا طلابَه الحقيقيين المخلصين، نرجو الدعاءَ لنا كي نحظى بمجموعات رسائل النور ونصل إليه بسهولةٍ ويُسرٍجَ عن أها بتمعن وتفكُّر وإخلاص، وأن نوفَّق للسعي بهذا السبيل في خدمة القرآن والإيمان.
وبما أن الأدلة المشيرة إلى قبول رسائل النور في هذا الزمان كثيرة، فإن من الط بميزان يساندها كلُّ مؤمنٍ منصفٍ؛ ثم ما دامت الرسائل تحمل طابع هذا العصر وتتمتع بخصائصه، وتحظى بتقدير العلماء، وما دام الأستاذ البطل الذي يعمل دلّالًا لل يُصبحد وقف حياته للإيمان والإسلام، ويمضي في منهجه بخطى واثقةٍ ومبادئ راسخةٍ وكمالٍ منقطع النظير، ويعمل ابتغاء مرضاة اللّٰه لا يبتغي منفعةً دنيوية، وما دام طلاب النور قد وهبوا حياتهم كذلك لخدمة الإسلام والإيمان فيالذين أهل السنة لا يبتغون من وراء ذلك شيئًا من حطام الدنيا، وما دام الآلاف منهم قد أثبتوا هذه الحقيقة بأفعالهم رغم التضييق والتهديد، وما دام كل طالبٍ من طلاب النور مستعدًّا أو يستعد للرد على أباطيل التيارات الفلسفية اليوم بإجاباتٍ محقَّقةٍ مسى والقوما دام القرآن يلبي حاجاتنا ونجد فيه الحقائق واضحةً جليةً، وما دام هو نفسُه معلِّمَنا الأمثل، وهديةً ونورًا ورحمةً لنا من اللّٰه تعالىالباقيدامت رسائل النور خزينةَ رحمةٍ ومنبعَ حقيقةٍ تُعلِّم شتى الفئات وتبيِّن لها بأوضح صورة: فلا ريب أن التوجهَ إليها واغتنامَ الوقت في قراءتها واستنساخِها بتمعنٍ وتفكرٍ لَيُعَدُّ عبادةً جليلةً ومصدرَ بهجةٍ وسعادة.
إن رسائل النور منقذٌ معنويٌّ لب مادي ومستقبلنا نحن الشباب، وهي دواءٌ وترياقٌ عظيمُ النفع وبالغُ التأثير نتناوله برغبةٍ ولذةٍ؛ وإنه لمن علامات الغفلة ألا يكون لنا صلةٌ أو تمسُّكٌ بها برغم ما فيها من ايف يجع.
وحريٌّ بكلِّ ساعٍ وراء الحقيقة أن يتعلم من رسائل النور، وإننا نحن طلاب النور بجامعة أنقرة نؤمن بأن كل مثقفٍ سلك درب النور سيصل إلى السعادة الحقيقية ويعرف حقيقة والأو لا محالة؛ ولسوف يأتي على رسائل النور يومٌ يُدوِّي فيه صوتها مجلجلًا في أنحاء العالم.. أجل، كيف لا وهي نورٌ من أنوار القرآن الحكيم يُجلِّي كنوز الحياة الأبد.
ت711
إن علماء المسلمين الذين تجردوا عن أهوائهم ولم يجعلوا الدنيا غايتهم هم ورثة الأنبياء كما أخبر الحديث الشريف: العلماء ورثة الأنبياء، ونحن بهذا الاعتبار نَعُدُّ رسائل النور من هؤلاء الورثة الكُ سعيد فهذا هو حال شخصها المعنوي، وإنَّ كل من يعارضها من أهل الغفلة الصُّمِّ البُكمِ العُمْي سيكون مآله الذل والصَّغار؛ فهذه الرسائل التي حازت هذا الكمال الرفيع ستجذب أرباب العقول وأهل العلم وطلاب الحق، وسيتلقى دروسَذي وصفُ ذي عقلٍ سليمٍ وقلبٍ كريم، ولن يطول العهد حتى نرى ذلك عيانًا في الغد القريب بإذن اللّٰه؛ فالعالم يُعاد تشكيله من جديدٍ كما يقرر كثيرٌ من العلماء والمفكرين، ويان؛ لث عن نوره كما قال شاعر الحقيقة محمد عاكف:
رباه قد طال المدى فابعث لنا نور الهدى
ضجَّ الأنام بِلَيلهم أين الصباح؟ ألا بَدا؟!
فهذا النور الذي أشار إليه شاعرنا قد أصبح حقيقةً عندنا سكتُهم
إخوانَنا الأعزاء..
نرجو دعواتكم لنجدَّ ونجتهد بشكلٍ يليق برسائل النور لكيلا تغلِب علينا أجواء أنقرة، فإن النورَ مهما بدَّد من الظلمات لا بد في سج عينٍ تراه وعقلٍ يدركه، فادعوا لنا نحن إخوتَكم المحتاجين ألا تُسدَل على أعيننا غشاوةٌ في هذه الأجواء.. وفقنا اللّٰه جميعًا للتمسك برسائل النور وخدمة ديننا العزيز.. آمين.
فكما قال أحد إخواننا: ًا: ابا البيت إلى الخاطر صبيحة هذا اليوم بعد صلاة الفجر، فأرجو أن تبلِّغه لإخواني:
ديني الإسلام وكتابي القرآن وإيماني حق
والموت في هذا السبيل، هو الحياة الأبدية
مع خالص المودة
طلَّابٍ كليّ بجامعة أنقرة
٭ ٭ ٭
— 712 —
تحليلات
بعد فراقٍ طويل
لعلها سبعٌ وعشرون أو ثمانٍ وعشرون سنةً مضت لم أحْظَ فيها بلقاء الأستاذ.. ولطالما وددت أن أزوره وأمتِّع ناظري برؤية مُحيّاه المبارك، لكنَّ تزاحُم المشاغل لم يسنح لي بفرٍ قارس هذا القبيل، إلا أنه برغم هذا ظلَّ يسكن في القلوب، فكان حاضرًا معنا على الدوام بوجوده المعنوي؛ لكن أيكفي هذا ليطفئ لواعجَ الأشواق؟! كلا؛ فلقد بتِداءفرحتُنا بلقائه ومعانقته ورؤية طلعته البهية عن عظيم شوقنا إلى لقياه ومجالسته.
لقد مضى على تعرُّفنا إلى الأستاذ أربعون سنة، كان في تلك الأيام كثيرًا ما يتردد إلى غرفة الإدارة فنقضي بمجالسته أمتع الأوقات، ونتجاِم وبِ أطراف حديثٍ عذبٍ يمتد لساعاتٍ بصحبة السادة الأفاضل محمد عاكف ونعيم وفريد وإسماعيل حقي الإزميري؛ وكان يتحدث في المسائل العلمية الدقيقة بلهجته الآسرة، فكانت القوة والعزة التي تطبع حدفجأةً ير مشاعرنا، وكان ذكاؤه الفطري الخارق وموهبته الإلٰهية يتجليان في تناوله لأعضل المسائل.
إنه صاحب ذهنٍ وقَّاد لا ينشغل كثيرًا بالنُّقول، وإلذين ظشدُه القرآنُ وحده، فهو منبع ذكائه وفيوضاته، ومنه نبعت جميعُ لمعاته؛ وهو كذلك صاحبُ رأيٍ يبلغ به درجة إمامٍ مجتهد، إنه رجلٌ يحمل بين جنبيه قلبًا مُترعًا والإِمان كصحابيٍّ، وتَعمُرُ روحَه شهامةُ عمر، يعيش في القرن العشرين بروحِ مؤمنٍ في عصر الرسالة، ليس له هدفٌ سوى الإيمان والقرآن.
إن أعظم عمدةٍ له ولرسائل النور إنما هي الإيمانُ باللّٰه وتوحيدُه اللذان هما لُباب غاية الإسلام، وإنه كز ذاتنُّ من العداوة للشرك وعبادة الأوثان ما لو قُدِّر له أن يعيش في فجر الإسلام لأُوكلت إليه مُهمّة تحطيم الأصنام في ذلك الحين.
— 713 —
لقد عاش متصحيح ز قرنًا من الزمان يجاهد في ترسيخ حقائق الإيمان والقرآن في القلوب، وكانت حياته فوق ذلك حياةَ فضيلةٍ وشهامة، عرفتْه ساحات الوغى باسلًا مقدامًا يَكُرُّ على عدوه ماضيَ العزيمةه اللّ الجَنان، وعرَفَه الأسرُ بطلًا لا يَعبأ بآسريه ولا تُرهبه مِنَصَّة الإعدام، حتى لقد جعل قائدَ الأعداء يراجع قراره ويثوب إلى الإنصاف.
إنه فدائي لا يتردد في التضحية بروحه في سبيل الأمة والوطن، وهو خصمٌ عنيدٌ للفتنة والإفساد والتخريب، يتحم م. ص الظلم والأذى في سبيل مصلحة الأمة، ويترفَّع حتى عن الدعاء على مَن ظلمَه، بل يرجو الصلاح والإيمان لمن زجوا به في السجون، ويهون عنده الموت في سبيل غايته القدسية.
أما طعامه فقدَحُ حَساء وكأسُ ماء ولى الذي خبز، وأما لباسه فغايةٌ في البساطة والتزهد: كساءٌ قطنيٌّ أبيض، وهو مع هذا بالغُ الاهتمام بالنظافة، يبدل ثيابه ويغسلها قبل أن تتسخ.. لا يحمل العملة الورقية ولا يَمَسُّها بيده.. لا يملك من متاع الدنيا شيئًا.. يعيش لأمته لا لنفسه.
نحيف معنًىة غير طويل، لكنه جليلٌ مَهيب، ثاقب النظرات تُشِعُّ عيناه ببريقٍ عجيب.. قد يكون أفقر مَن في الدنيا مادةً.. لكنه سلطانٌ في عالَم المعنويات.
لم تفلح آلام سنوات عاليوم تي تربو على الثمانين في أن تخط التجاعيد في وجهه.. إنما وحده شعره هو الذي غزاه الشيب.. أزهر اللون.. حليق اللحية.. مفعمٌ بالنشاط كأنه شاب.. هادئٌ لطيف الوتسميم لكنه متى احتدمت الأمور اعتدل في جلسته كأنه أسد وتحدث بكلامٍ هادرٍ كأنه سلطانٌ على عرشه.
لا شيء أبغض إليه من السياسة.. قد مضى عليه إلى اليوم خمسٌ وثلاثون سنةً لم يقرأ فيها صحيفة.. قطع علاقته بشؤون الدنيا وانشغل بالعبام به م يستقبل أحدًا من بعد صلاة المغرب إلى ظهر اليوم التالي.. يُحيي ليلَه ولا يهجع إلا قليلًا.
ينتشر طلابه في شتى أنحاء البلاد، ويربو عددهم على ستمئينبغي بل لعلهم يبلغون المليون.. هم خيرة أبناء البلد.. وفيهم مئاتٌ بل آلافٌ يُحصِّلون العلوم الحديثة
— 714 —
في مختلف الجامعات والكليات، لا تجدهم إلا صفوةَ أقرانهم خُلُقًا وفضيلةً وجِء أفاضاجتهادًا.. ومع انتشار طلاب رسائل النور بمئات الآلاف في شتى أنحاء البلد، إلا أنك لا تجد لأحدٍ منهم واقعةَ إخلالٍ بالأمن أو خروجٍ على النظام.. بل كلُّ واحدٍ منهم بمثابة رقيبٍ معنويٍّ يرعى أمنَ البلاد واستقرارَها، ويحافظ عفويًّا على نظامها أحدٍ ممها.
سألته إن كان لقي مشاقَّ في سفره إلى إسطنبول، فأجابني:
ما يشق عليَّ هو المخاطر التي يتعرض لها العالم الإسلامي.. فقديمًا كانت المخاطر تِّف قدن الخارج، وكانت مقاومتُها أسهل.. أما اليوم فتأتيه من الداخل.. وقد وصل النَّخر إلى الجذع وباتت مقاومته أصعب.. وأخشى ألا تقدر عليه مجتمعاتنا.. فإنها لا تشع وينشربل تنظر إلى أعدى أعدائها الذي يقطع شرايينها ويمتص دمها على أنه وليُّها الحميم.. وإذا عَمِيَتْ بصيرة المجتمعات على هذا النحو فإن مَعقِلَ الإيمان في خطر.. فهذا هو ما يشقُّ عليَّ لا سواه، وإلا فلا وقت لدي لأجلِ ه فيما أتعرض له من مشاق ومعاناةٍ شخصية.. ألا ليت هذه المشاق كانت عشرة أضعافٍ وسلِمَ في المقابل مَعقِلُ الإيمان ومستقبلُه.
ألا تمنحكم الآلاف المؤلَّفة من طلابكم المؤمنين السُّلوان والأملَ في المستقبل؟
بلى.. لستُ متشائمًا تمامًا.
......َّمتْهمر العالَم اليوم بأزمةٍ معنويةٍ كبرى، وتنتشر فيه يومًا بعد يومٍ الآفاتُ والأمراضُ التي ظهرت في المجتمع الغربي ذي الأُسس المعنوية المتصدعة، فبأيَّة حلولٍ سيتصدىن المبَم الإسلامي لهذه الأمراض الفتَّاكة؟ هل سيواجهها بِنفس الحلول الباطلة التي صاغها الغرب الذي يعاني التفكك والانحلال؟ أم سيواجهها بأُسسه الإيمانية المتيى نشرهقية؟
إنني أرى أصحاب العقول الكبيرة في غفلة، ولا يمكن لأسس الكفر النَّخِرة أن تُتخذ دعائم لقلعة الإيمان، ولهذا أجدني أُكثِّف جهودي لقضية الإيمان لا غير.
— 715 —
إنهم لا يفهمون رسمصلحةٍنور أو لا يريدون فهمها.. يظنونني شيخًا تقليديًّا غارقًا في جدليّات المذاهب وصفحات المتون والشروح.. لقد اشتغلتُ بالعلوم الحديثة وما أنتجه العصرثقف، فارف وفلسفات، حتى حَلَلتُ أعمق المسائل بهذا الخصوص، وألَّفت فيها مؤلفاتٍ، لكني لا أعرف حذلقة الكلام والتلاعب بالألفاظ، ولا أُعير التفاتًا لمُخاتَلات الفلسفة. بطش فا همِّي هذه الأمة: حياتُها الجَوَّانية ووجودُها المعنوي وضميرُها وإيمانُها.. وليس لي شغلٌ إلا بأساسَي التوحيد والإيمان اللذَين أرساهما القرآن.. فهما الدِّعامة التي تقوم عليها أمة الإسلام.. ومتى تزعزعت هذه الدِّعامة كان وجمن أعدمة في خطرٍ ماحق.
يقولون لي: لماذا تعرَّضتَ لهذا وذاك؟
أقول: لم أنتبه لذلك.. فأمامي حريقٌ هائل يبلغ لهيبه عَنان السماء.. يحترق فيه أبنائي.. وتصل ألسنة ناره إلى إيماني.. فأهبُّ مسرعًا لأُخمِد الحريق شرقية.ذَ إيماني.. فيقف أحدهم في طريقي يريد إعاقتي، فتَصدِمه قدمي.. ما أهمية ذلك؟ ما قيمةُ حادثةٍ تافهةٍ كهذه إزاء هذا الحريق الهائل؟ تفكيرٌ ضيقٌسى أن قاصر.
أيظنونني رجلًا أنانيًّا لا همَّ له إلا خَلاصُ نفسه؟! لقد ضحَّيتُ بكلِّ ما لدي في سبيل إنقاذ إيمان المجتمع، بل ضحَّيت حتى بآخرتي.. إنني على مدى حياتي الممتدة نيِّفًا وثمانين سنة لم أ أمثالئًا من لذائذ الدنيا ومباهجها، فقد انقضى عمري إما في ساحات القتال أو في معسكرات الأسر أو في سجون بلدي أو في محاكمها، ولم تبق شِدَّةٌ إلا عانيتُها ولا أذًى إلا ذقتُه..تُها متُ في المحكمة العسكرية كمجرمٍ، ونُقِلتُ من منفًى إلى منفًى كإرهابيٍّ مخرِّب، ومُنِعتُ في سجون بلدي من التواصل مع الآخرين شهورًا طويلة، وسُمِّمتُ مراتٍ عديدة، ولقيتُ صنوفًا من الطعن والحط والإزراءمن نمالقد فضلت في بعض الأحيان الموت على الحياة، ولولا أن ديني يمنعني من الانتحار لكان سعيدٌ مُغيَّبًا تحت الثرى منذ زمنٍ بعيد.
إن لي فطرةً لا تقبل الذل والمهانة، وإن عزة الإسلام وشهامته تمنع جارف.نهما أشدَّ المنع، فليكن خصمي مَن كان، فلستُ أذِلُّ له ولو كان أعتى ظالمٍ جبار، أو ألدَّ
— 716 —
عدوٍ سفاكٍ للدماء، بل أردُّ عليه ظُلمَه وبطشَه وإنْ كلَّفني ذلك الزجَّ في غياهب السجون، أو السَّوقَ إلى مِنَصَّات الإعدام، فلستُ أبالي بشيءٍ من ذلكمع حساع، بل قد وقع فعلًا وعاينتُه، ولو أن ذلك القائد الدموي في معسكر الاعتقال طاوعه قلبُه وضميرُه في الإمعان في الظلم قليلًا، لكان سعيدٌ اليوم ممن قضوا شنقًا والتحق بركب المظلومين.
هكذا مضذه لا ي بين مشاق ومصائب ومِحَنٍ ومصاعب، وضحَّيتُ بنفسي ودنياي في سبيل إيمان المجتمع وسلامته وسعادته، فليهنأ بها؛ أنا لا أدعو على مَن ظلمني، لأنه بفضل هذه المشاق وا أحد أ أصبحت رسائل النور وسيلةً لإنقاذ إيمان مئات الألوف إن لم يكن الملايين.. أنا لا أعرف عددهم بالضبط، هكذا يقولون، المدعي العام بی"أفيون" قال: إنهم خمسمئة ألف.. فللّٰه الحمد كثيرًا أنَّ بان" أرلى قيد الحياة وتحمُّلي المشاقَّ والمِحَن قد أسدى خدمةً لكلِّ هؤلاء بإنقاذ إيمانهم، فيما لو متُّ لما أنقذتُ سوى إيماني.
ولقد ضحَّيت بآخرتي كذلك في سبيل إيمان هذا ال استماوسلامته، لا طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، فإذا سَلِمَ إيمانُ المجتمع التركي ذي الخمسة والعشرين مليون نسمة.. بل إيمان المجتمعات الإسلامييكنْ ر تَعُدُّ مئات الملايين فَلْيَفْدِها لا سعيدٌ واحد، بل ألف سعيدٍ وسعيد.
إنه إن لم يكن على وجه الأرض جماعةٌ ترفع رايةَ القرآن فلستُ أرغبُ في الجنة.. بل ستكون هي ننه واججنًا لي، وإنني راضٍ أن أحترق بنار جهنم في سبيل أن يَسلَمَ إيمانُ أبناء هذا الوطن، لأنه عندما يحترق جسدي سيكون فؤادي روضة أزهار.
كان الأستاذ في حالةٍ من الحماس والاندفاع، كان كبركانٍ يقذف بالحمم، أو ، ودخلٍ تهب على بحار القلوب فتتلاطم أمواجها، أو كشلالٍ دفاقٍ مهيبٍ يصب في أعماق الروح؛ استمر يتحدث كخطيبٍ هادرٍ في حشدٍ من الناس لا يريد أن يقطع عليه أحدٌ حديثَه.
شعرت بأنه قد تعب فأردتُ أن أغير الموضوعلجناياُه:
هل مللتم من المحاكمات؟
— 717 —
.......
أسألُ أساتذةَ الحقوق وأهلَ العلم: أيوجد في القانون مادةٌ تجرِّم مَن يؤيِّد تعليمَ الدين أالدنيا الحفاظ على عفةِ وشرفِ نسائنا وبناتِ وطننا بتربيتهن التربيةَ الإسلامية؟ أم هل يوجد في قولي: "وَرَدتْ إلى القلب حقيقةٌ.." ونحوِه من التعابير ما يدل على أني أقصد بها تحقيق نفوذٍ شخم دون كان لقاؤنا بالأستاذ قد طال كثيرًا، ومضى الوقت سريعًا، فاستأذنَّا بالانصراف وغادرنا.
أشرف أديب
١٩٥٢
٭ ٭ ٭
سعيد نور وطلابه
ثمة رجلٌ طاعنٌ في سنه، محظوظٌ في س حياتهلتف حوله أجيالٌ شتى من أبناء الثامنة إلى أبناء الثمانين، أعمارهم متفاوتة.. أفكارهم متنوعة.. أعمالهم مختلفة.. لكنْ لا فرق بينهم رغم ذلك، فزددنا هم الإيمان باللّٰه رب العالمين، وبرسوله الأمين، وبكتابه الكريم؛ وتُنبئ أحوالهم عن أناسٍ وجدوا ما كانوا يبحثون عنه، ويتلقَّون القرآن غضًّا نا ويت كأنه أُنزِل اليوم.
حين يتأمل المرء في أحوال سعيد نور وطلابه يشعر وكأنه انتقل إلى عصر السعادة.. عصر الرعيل الأول، يرى النور يشع من مُحيَّاهم، ويتراءى في ظاهرهم وباطنهم، وتعلوهم سكينةٌ غامرة.. ويا لها من سعادةٍ أن يرتبط نفسِهبما هو طاهرٌ عُلويٌّ خالد.. وأن يتصل بخالق الأكوان، القريب الرقيب في كل مكان.. أجل، ما أسعد المرء حين يسلك هذا الطريق ويكون من عشاقه!!
سعيد نور رجلٌ مَخَضتْه التجارب، وعاش خلال عمره الطويل ثلاث مت حتى مرحلة المشروطية، ثم الاتحاد والترقي، ثم الجمهورية؛ وكلُّ واحدةٍ من هذه المراحل
— 718 —
كانت ملأى بالتحولات والانحلالات والانهيارات، لم يبق فيها شيءٌ إلا تهاوى، سوى رجلٍ واحدٍ ظل صامدًا لم يتزعزع.. رجلٌ قَدِم من ذُرى الشرق.. من حيثفي الصالشمس.. وجاء إلى إسطنبول يحمل بين جنبيه إيمانًا كالجبال الراسيات.. تَقَلَّده درعًا تصدى به لشرور هذه المراحل الثلاث.
لم يعتمد إلا على ربه، ولم يتأسَّ إلا بنبيه.. هذا كل ما لديه.. وقف عزيزًا كمة، والرأس كجبلٍ أشَمّ، لم يقدر ظالمٌ على حَنيِه، ولم يُجارِه عالِمٌ في علمه.. إرادةٌ صلبةٌ كالصخر، وذكاءٌ حادٌّ كالبرق.. ذلكم هو سعيد نور.عن كونالمعنويات المدهش الذي لم تستطع أن تردَّه على عقبيه محاكمُ عسكريةٌ ولا ثوراتٌ ولا انقلابات.. ولم تفلح المنافي ولا مِنَصّات الإعدام في أن تجعله يحيد عن دربه.. لقد صمد أمام كلِّ هيدة الدائد والتحديات بقوةٍ وشجاعةٍ نابعتَين من إيمانه العميق، كأنما تجلى فيه قول اللّٰه تعالى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
لقد قرأنا مدافعاته التي أدلى بها في المحاكم، فما هي بدفاعٍ عن النفس، بل هي دفاعٌ ن هو سةٍ كبرى، وحُقَّ لها أن تكون سِفرًا نفيسًا تشرق صفحاته بالشجاعة والثبات والعبقرية.
لماذا كان سقراط عظيمًا إلى هذه الدرجة؟ أليس لأنه استرخص حياته في سبيل القضية؟! إن أقل ما يوصف به سعيد نور هو أنه كسقراط، لكن أعداء الإسلام صوروه عن أحوا رجعيٌّ متخلِّف، فالعظمة بنظرهم لا تكون إلا للأجنبي.
لقد اقتيد هذا الرجل من محكمةٍ إلى أخرى، لكن كانت له الكلمة العليا حتى وهو في قفص الاتهام؛ وزُجَّ به في غياهب السجون، فانقلبت بفضله السجون والزنازين مدارسَ يوسفية، لقد أنار أخبارنور السجون والقلوب؛ وكم من مجرمين قتلة، ومنتهكي حُرُماتٍ، وخارجين على القانون، فَنُوا وانمحَوا عن ذواتهم أمام نموذج الإيمان هذا، وغدا كل واحدٍ منهم مؤمنًا طيبًا ومواطنًا صالحًا حتى لكأنهم خُلِقوقي بالديد!! فأيَّةُ مدرسةٍ أو أيُّ نظامٍ تربويٍّ لديكم استطاع فعلَ هذا أو يستطيعه؟!
— 719 —
ولطالما نَفَوه من مكانٍ إلى آخر، فكان حيثما نُفيْ رسائ المنفى وطنَه الأم، وحيثما حلَّ التفَّ حوله مؤمنون أطهار أنقياء، ولم تفلح القوانين ولا الأوامر، ولا رجال الأمن والشرطة، ولا جدران السجن المصمتة، في أن تفصل بينه وبين إخوانه المؤمنين لحظةً واحدة، بل انقلبت طبقاتُ الحواجز المادية الكثيفة الفاصل العالالطلاب ومرشدهم الجليل ستائرَ لطيفةً بفضل الدين والإيمان والحب.
لقد قيَّده القوم بقيودٍ ماديةٍ صمّاء، وطوَّقوه بتهديدات القوة العمياء، لكنَّ عالَم الروح لا يعرف الخضوع لهذه القيود، بل سرعان ما اندفعت أمواجُ بحاره الزاخرة، وانطلقت هادرةً سيرٌ حاتٍ صغيرةٍ في القُرى لتنداح في كل طرفٍ وناحيةٍ إلى أن تطرق أبواب الجامعات؛ وها نحن اليوم نرى السائرين على دربه المقتبسين من نوره من شتى فئاتعليَّ مع، منهم المتعطشون للإيمان، ومنهم أبناء الوطن الذين انتُهِكت مقدساتهم سنين طويلة، ومنهم الأجيال التي دمَّر الباطل وجودَها المعنوي.
وها هي رسائل النور تتناقلها الأيدي، وتُرددها َ معهاة، وتنتشر عبر الأصقاع، ويأخذ كلُّ واحدٍ حصتَه منها، ويتنوَّر بنورها، سواءٌ الشباب والشيوخ، والأميُّون والمثقفون، والصغار والكبار، وقد بات كلُّ طالبٍ من طلابها آلةَ نسخَرَ قوأو مطبعةً تطبعها؛ لقد تحدى الإيمانُ التكنولوجيا، فأخرج لنا آلافًا مؤلفةً من رسائل النور منسوخةً بخط اليد تتحدى آلات النسخ والتصوير.
بلى، لقد ساورَ الخوفُ أولئك العُميَ الذين خُتِمعكِّر بصارهم وانطمستْ بصائرهم وأَقفرت بواطنهم، فخافوا من هذا النور والضياء، وراحوا يرددون تلك الأسطوانة المشروخة: إنه يناوئ العلمانية والثورة؛ ومن خلال هذه المعزوفة السمجة لتحمُّإلى المحاكم، وزجوا به في السجون، وسمَّموه عدة مراتٍ، لكنَّ السمَّ عاد ترياقًا، وانقلبت السجونُ مدارسَ.. وتَخَطَّى نورُ الأستاذ المقتبَسُ من نور اللّٰه ونور القرآنِ حدودَ البلا يتعطاف في أرجاء العالم الإسلامي.
إن في تركيا اليوم قوةً ينبغي على كلِّ تنظيمٍ وكلِّ فردٍ محبٍّ لوطنه أن يقف احترامًا لها.. ألا وهي سعيد نور وطلابُه؛ ليس لهؤلاء جمعيةٌ ولا مقرٌّ ولا مبنى، وليس
— 720 —
لهم حزبٌ ولا مهرجانالشجاعةبيةٌ ولا حشودٌ جماهيرية، إنهم جمعٌ غفيرٌ من المؤمنين الواعين الأخفياء الأتقياء الذين بذلوا الغالي والنفيس لأجل قضيةٍ كبرى.
عثمان يوكسَل سَرْدَن گچتي
طريًّا
لقد سَمَّموا بديع الزمان
قبل سبع سنواتٍ من الآن، وفي حقبةٍ سوداء من تاريخ البلاد، حيثُ القوانينُ منتهَكة، وحقوقُ الناس مُستلَبة، والحريَّات مقموعة، والمصالح والأزيِّنةلشخصية تعلو على القانون، نُفِي عالِمٌ جليلٌ طاعنٌ في السن قد ناهز الثمانين إلى "أميرداغ" بولاية "أفيون"، وسُجِّل رسميًّا في سجلات نفوسها، وفُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية فيها.
أجل، نُفِيَ رجلُ علمٍ وفكرٍ جعل تبليغَ أحكام القرآن الِق لأهإرشادَ الناس إلى طريق الحق والخير والفضيلة غايةَ حياته؛ ولقي على أرض وطنه الذي قاتَل على جبهاته وسقى ثراه من دمه ظلمًا وأذًى يُذكِّرنا بمحاكم التفتيش، ولم يترك الظَّلَمةُ شأنًا من شؤونه إلا تعرَّضوا له وضيَّقوا عليه فيه بما في ذلك هيئتتراك ويُّه!! وسِيقَ إلى الموت تحت فوهات البنادق، ولم يذق راحةً حتى في منفاه، غير أن أبناء هذه البلدة "أميرداغ" شأنهم شأن كل الأتراك الذين ورثوا عن أجدادهم إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ومساعدة الشيوخ وأبناء السبي اتهاما لنجدة هذا العالِم الجليل ومساعدته، وعدُّوا ذلك واجبًا يُمليه عليهم ضميرهم وأخلاقهم.
لم تعرف سيرةُ هذا الرجل صلةً بأيِّ حزبٍ أو تنظيمٍ سائل ا وإنما هو عالِمٌ يحافظ على عزة الإسلام ويصون شرف العلم ووقارَه، ويترفع عن الدخول تحت مِنَّةِ أحدٍ في سبيل نيل منافع أو لذائذ دنيويةٍ فانية؛ وقد لقي ما لقيَه كلُّ صاحب إيمانٍ وفكرٍ ومبادئ في تركيا، فقد اقتُحِم منزله مراتٍ عديدةً للتفتيلَيُكِدِرت جميع
— 721 —
كتبه ومؤلفاته بل حتى مراسلاته الشخصية، وسيقَ إلى المحاكم، وزُجَّ به في غياهب السجون دون جريرةٍ اقترفها؛ أجل، نقول: دون جوسبعوناقترفها، لأن إلحاقَ الأذى بالأستاذ النُّورْسِيّ وتشويهَ سمعته كان محلَّ مفاخرةٍ ومباهاةٍ من الجميع، من الوالي إلى مدير الناحية إلى أصغر عنصرٍ في الشرطة، وكان كذلك وسيلتَهم للتقرخَذٍ لؤسائهم، وفرصتَهم التي لا تعوَّض للحصول على ترفيعٍ في مناصبهم.
إن ما حصل في تلك الحقبة الكالحة من ظلمٍ وأذًى، وتحيُّزٍ ضدَّ الدين وأهله، وتضييقٍ على حرلاتهم كر وممارسة الشعائر لَأمرٌ يستحق البحث والتحري في أسبابه ودوافعه، وإذا كنا اليوم نستنكره ونستفظعه، فإنه كان في تلك الحقبة أمرًا عاديًّا لا يُستغرَب ولا يُستَنكَر؛ أجل، فبينما كان يُراد للبلاد في تلك المرحلة أن ينشأ فن يَنتلٌ ماديٌّ متحلِّلٌ من دينه، يعيش بروح العبيد، لا همَّ له سوى اللّٰهاث خلف شهواته البهيمية، إذْ هبَّ هذا الرجل لمواجهة الخطر غير مبالٍ بحياته، أيمكاهدًا على إخراج جيلٍ مفعمٍ بالإيمان والأخلاق والحرية، لا تأسِره الشهوات ولا النَّزَوات؛ وبدهيٌّ أن هذا لن يروق للظَّلَمة الجاثمين فوق صدر دُ باسشعب الآخذين بخناقه كالأخطبوط، ينتهكون حقوقه وينهبون خيراته، بل سيثير مخاوفهم وتوجساتهم.
لم يَسلَم أحدٌ من الضغوط والملاحقات التي استمرت سنين طويلة، الجهاكلَّ مَن تكلَّم مع الأستاذ أو راسله أو ساعده، فدُهِمت بيوتهم، وزُجَّ بهم في السجون، وتفرَّق شمل عائلاتهم وأُسَرِهم إلى مصيرٍ مجهول.
وصادر الظَّلَمة نسخةَ الأستاذ من القرآن الكريم المكتوبة بخط اليد، وصادروا معها تفسيرَه المسمَّى رسائل النورمنة؛ فَموها للمدعي العام على أنها منشوراتُ خيانةٍ وطنية؛ وتذرَّعوا بذريعة التوقيف لأجل المحاكمة، فأبقوَا على الأستاذ في السجن عشرين شهرًا من غير ء، ومص واستمرت الاعتقالات على هذا المنوال حتى أتى على سجن "أفيون" زمانٌ امتلأ حتى آخره بمواطنين أبرياء لم يكن لهم ذنبٌ سوى الإيمان باللّٰه والتزام أوامره؛ وقد لدوا وتن الاضطهاد والأذى الوحشيَّين ما يحار منه الشيطان
— 722 —
نفسُه؛ فإذا كانت مدينة القدس قد اشتهرت في تاريخها ببطش اليهود وظلمهم لأنبيائهم فيها، فإن مدينة "أفيون" في تلك الحقبة نالت نصيبًا وافرًا من انتهاك الحقوق والتعدي عليها.
وجاءت انتخابات اً أبديعشر من أيار ١٩٥٠ م لينتهي ربعُ قرنٍ من الاستبداد وتتهاوى أركانه، وفرِحَ الناس فرحًا لا حدَّ له وكأنهم في عيد، إذ شعروا بأنهم هم أصحاب القرار المتحكِّمون بمقدَّراتهمية في ما كان المأمول أن يتغير كلُّ شيءٍ إذا بنا نرى والي "أفيون" ومدير ناحية "أميرداغ" لم يغيرا شيئًا من سيرتهما الأولى، وظلَّت عناصر مخابراتهما تلاحق كلَّ تجمهداية لو كان من شخصَين أو ثلاثة، وتضع بيت بديع الزمان تحت المراقبة، ويصبح بمقدور أصغر عنصرٍ من عناصر الشرطة أن يُداهم البيوت من غير إذنٍ رسمي وينتهك حرماتها، خلافًا لقانون الجمهورية التركية الذي يقرر مراعاة حرأيَّة يوت، ثم لا يلقى هذا العنصر المغوار عقوبةً على فعلته الشنيعة هذه، وعاد القوم يتعرضون من جديدٍ لزيِّ الأستاذ وهيئته، ويُسجِّلون أسماء مَن يزوروني" فلمدعونهم إلى المخافر كما كانوا في سابق عهدهم.
.......
كان المطلوب تصفيةَ عالِمٍ جليلِ القدر كبيرِ السن، وقفَ نفسَه لخدمة هذا الشعب على مدى ثمانين سنة؛ ومتى تقرر تنفيذ هذه المهمة الوضيعة؟ في شهر رمضاب الترارك.. ليلة عيد الفطر، من خلال دسِّ السُّمِّ في طعام إفطاره!! أجل، وحسبكم بهذا شناعةً ووضاعةً لا يقبلها خُلُقٌ ولا ترضاها إنسانية!! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أقيم عند باب بيته الشبيهِ بالزنزانة الانفرادل النورٌ من الحرس يمنع دخول أيِّ فرد، وتُرِك الأستاذ وحدَه يصارع الموت!! فواأسفاه على هذه الحال!! إنها لتُبكي كلَّ مَن في قلبه إيمانٌ وإسلام.. لكن ليس بتذراف الدموع والعويل نتصدى لهذا الأستسبوا بالجِدِّ والعمل في سبيل اللّٰه.
نهاد يازار
٭ ٭ ٭
— 723 —
بديع الزمان سعيد نور
كبلدٍ يُعَدُّ مهدًا للعظماء والأفذاذ، شهِدت تركيا عبر تاريخها الطويلِ الكثيرَ مهذه
#7اهدين الأبطال والمجددين النبغاء والرجال العظماء!! فظروف الحياة التي قضوها، ومعاني الاحترام والتقدير والإجلال التي تلقَّوها، لم تَنقُص مكانتَهم شنجرفوابل وفَّرت لهم كلَّ الدعم والتسهيل للمضي في طريق الحق الذي سلكوه.. ورغم أن السنوات الخمس والعشرين التي خلت كانت على عكس هذه الصورة تمامًا، إذ كانت حقبةً سودا قُرآنا فيها أقسى أنواع الظلم، إلا أنها أهدت إلينا رجلًا يتحلى بعبقريةٍ فذَّةٍ وفضيلةٍ نادرةٍ ونورٍ وضَّاء؛ عَرَكتْه التجارب والمِحَن، وسَما بعَظَمةِ إيمانه، وبلن النفلة قضيته أصقاعَ الدنيا.. لقد أضاء نورُه الكثيرَ من الضمائر المظلمة، وألهمت قوتُه الشَّجاعةَ لكثيرٍ من أهل الإيمان الضعفاء، وألهبت عبقريتُه الكثيرَ من المواهب الخامدة.لشرطة عسى أن يكون هذا الرجل العظيم سوى بديع الزمان سعيد نور؟!
إن الرجال الذين تلقَّوا على يديه دروس الفضيلة والتضحية بعد أن ضلوا السبيل وجدوا أنفسهم في واحاتٍ من النور والسعادة، وإن هذا الرجل المهيب الذي الخنابين جنبيه من قوة الإيمان بقدر ما يحمل من العبقرية والجَلَد، كان الشخصَ الوحيد الذي تصدى للظلم والاستبداد الممتد على مدى خمسٍ وعشرين سنةً من غير أميذ الَف له قلب، وقارعَه بشجاعةٍ إيمانيةٍ لا تعرف الرهبة والوجَل.
ولم يستطع العالَم الإسلامي مقاومة جاذبية هذا القطب، فرجلُ النور هذا المولودُ في قريةٍ نائيةٍ مَنسيَّةٍ بشرقيِّ تركيا قد سطع ضياؤه حتى بلغ أقاصي باكستان وأندونيسيا، فازداد ألقًا واين سنةبه تألُّقًا؛ إلا أن ما يثير الأسف والأسى أن هذا الرجل المبارك المبجَّل الذي عاش بين ظهرانينا، وكسانا المجد والشرف، وأنار قلوبنا المظلمة، وردَّ التائهين إلى جادة الحضاء واواب، لم يلقَ من المسؤولين في هذا البلد سوى الظلم والأذى؛ لكنه برغم هذا لم يسأم ولم يَحِد عن طريقه، بل كان أدرى الناس بأن أيَّةَ قضيةٍ لن تضرب بجذورها عميقًا ما لم تُتعهَّد بالكفاح والمِحَن والتضحيات.
— 724 —
ألا إنه مهما اجتهدتِ ما أولات والمساعي فلن تفلح في إطفاء نور الشمس هذا، فقد بثَّه مشاعلَ لا تنطفئ، بل تضيء القلوب والعقول، وتلكم هي ثمرة دعوته وجهاده.. فَيَا هَناءَه!!
جواد رفعت أتيلخان
٭ ٭ ٭
بديع الزمان ه أهل ور
إنه عَلَمٌ على عبقريٍّ فذٍّ ومرشدٍ جليلٍ وإنسانٍ بمعنى الكلمة، أنبتته أرض تركيا الطيبة، وقدَّمتْه أنموذجًا للناس؛ يُشرِقُ كلُّ يومٍ من أيام حياته - وهو الذي دخل في سنِّه التسعين - بهالةِ نورٍ، وضياءِ فضيلإن العاعِ عزمٍ وإيمان؛ لقد ثوى في قلوب الشباب التركي وعقولهم، فأضاء بهذا النور أرواحَهم المعتِمة، ودلَّهم إلى الصراط البيِّن القويم.
ولقد أنعمت العناية الإلٰهية على بديع الزمان سعيد نور بذكاءٍ خارق، فوجَّه هذا الذكاءَ وصرفه بعزم المؤمن وج الطري إلى ما فيه خيرُ أبناء هذا الوطن ورُقيُّهم، ولم تبق أنواره حبيسة هذا البلد، بل تخطَّت الحدود حتى بلغت باكستان وأندونيسيا.
إن النور الذي بثَّه هذا الرجل، ومشاعلَ الأخلاق والفضيلة التي أسرجها للناس لا يمكن أن تقيِّمها معاييرنُا المم مهمة وإن ما تحلَّى به من عزمٍ وإرادةٍ وما انطوى عليه من يقينٍ راسخٍ وخلقٍ كريم لَيُمثِّیلُ أنموذجًا يحتذى، ليس لنا نحن أبناءَ تركيا فحسب، بل لأبناء العالَم الإسلامي وللإنسانية عامةً؛ وإنه لجديرٌ بأبناء هذا البلد أن يفتخروا بأن وطنهم كان مهدًا شيًا للإنسان النقي الطاهر صاحب الذكاء الرباني النادر والشخصية الفريدة.
بالأمس جرت محاكمةٌ لهذا الرجل، وقد كشفت لنا هذه المحاكمة عن أمرين:
أحدهما:أنها كشفت عن معدن الشباب التركي الأصيل (ص)، وُكِنُّ عميق الاحترام والتقدير للأخلاق العالية والإيمان السامي وللفضيلة والإرادة؛والآخر:أنها كشفت عن حقيقة تلك الفئة الوضيعة التي لا يُعرَف لها حسَبٌ ولا نسَبٌ، والتي تبحث
— 725 —
عن الثراء والرفاهية والمناصب على حساب إذلال الشعاء الخكي وإبقائه متخلفًا، وتتلقى التعليمات والتوجيهات والدعم من المنظمات العالمية السرية الهدامة التي تعادي هذا الشعب؛ ولقد استشعرتْ هذه الفئةُ الخوفَ والخطرَ على نفسها من جموع الشباب التركي الماةٍ، فراحت تهاجمهم بأقلامٍ تقطر خبثًا ولؤمًا، وتعمل على الحط من شأنهم وتشويه صورتهم بأساليب ملتويةٍ بان عوارُها وانفضح كذبها.
يمكننا أن نجري مقارنة بين أستاذنا الجليل وبين معاصره "المهاتما غاندي"، ذلك الرجل الع أفواجذي قاد استقلال الهند، فلقد ثار هذا الأخيرُ على جبروت الإنكليز وإمبراطوريتهم واحتلالهم الذي نهب بلاده وأذل شعبها، وثَبَت هذا الرجل على قضيته يومًا بعد يوم ولم يتراجع عنها قيد أنملة، حتى أجبر بريطانيا بعظَمَتها وجبروتها أن ترن عادتعةً ذليلةً لإرادته العظيمة.
إن ابن وطننا هذا - أعني أستاذَنا النُّورْسِيّ - لَيشبه ذلك الرجل في كفاحه ونضاله وأسلوب حياته إلى حدٍّ بعيد، ويفوقه في الإسلام والإيمان الذي شرَّفه اللّٰه به، وأنارَ به روحَه كالشمس فطاف به في أنحاء العالشامخَ لامي؛ إلا أن بين الرجلين فرقًا عظيمًا يبعث على الحسرة والأسف، وهو أن الأول لقي الدعم والثقة والاحترام والالتفاف حولَه من أربعمئة مليون شخصٍ من أبناء مجتمعه، بينما لقي صاحبنا الحطَّ والطعن والإزراء من زمرةٍ وضيعةٍ عديمة الأصل.
حنانَيك جَسَدٍكيف هَوَينا إلى هذا الدَّرْك الذي يجعلنا نستحقر أثمن ما لدينا ونستخِفُّ به؟! إننا نُقِرُّ بين يديك بفداحة جُرمنا، فحسبُنا هذا السقوط.. حسبُنا.
جواد رفعت أتيلخان
٭ ٭ ٭
— 726 —
من هو بديع الزمان؟
إنه رجلٌ يسعى جاهتعالىأمين سلامة حياتنا الاجتماعية المحفوفة بالمخاطر والمهالك، ويرعاها معنويًّا بنور الإيمان وضياء الإرشاد، ويضرب المثلَ العمليَّ الذي يبين للناس كر طلابلُ العلمُ المرءَ سيدَ نفسه، وكيف يجعله الجهلُ كائنًا ينقاد انقيادًا أعمى.
لقد أثبت هذا الرجل حقيقةً قطعيَّةً جلَّاها للناس رأيَ العين، مفادها أن العلوم الحديثة لا يمكن إلاا هي اير جنبًا إلى جنب مع القيم الأخلاقية والروح الوطنية، وأن الشباب الذي نُشِّئَ على غير هذا الأساس يعيش خَواءً وجَدْبًا روحيًّا كأن روحه صحراء مُقفِرةتبعةً مثل هذا الشباب سيكون في المستقبل خطرًا ماحقًا يُلبِّد أفقَ الوطن بالسواد.
إن بديع الزمان عالِمٌ وجد أن الفرق الهائل بين الشرق والغرب إنما يعود لمفهوم الشخصية، وشاهد كيف مُسِخَت شخصيان بأيِدي الغرب في هذا الزمان حتى صاروا كالقردة، فغَرَس في القلوب نموذجًا أَمثلَ للشخصية الربانية الرفيعة المستقلة.
وبديعُ الزمان أيضًا عاقُوا مليلٌ، نَقَشَ في القلوب والعقول كيف يُبنى البلدُ المؤمنُ الحرُّ بسواعد أهله الأحرار.. وإن أبناء هذا البلد المعطاء لبِأمسِّ الحاجة إلى رجلٍ يحطِّم ما في داخقديره أوثان المصلحة الشخصية كما فعل بديع الزمان.
ضياء نور
من طلاب كلية الحقوق
٭ ٭ ٭
— 727 —
نصيحةٌ للإخوة في الحزب الديمقراطي
إن أمضى سلاحٍ معجزاته أُجَراء الماسونية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخهم هو إظهارهم أن الحزب الديمقراطي أشدُّ منهم عِداءً ومحاربةً للدين، مع أنهم حين كانت بيدهم مقالي بموجَور في العهد السابق، وكان لهم الأمر والنهي استبدادًا وتسلُّطًا، كانوا حربًا على الدين والإيمان في هذا الوطن، يأخذون بخِناقه ويحرقون الأخضر واليابس فيه.
وها هم اليوم قد توزعوا فريقين:أحدهمايرتدي لباس الدين كذه الرزورًا، ويبث الحملات المغرضة بأن الحزب الديمقراطي لن يفي بوعده بتأمين الحرية الدينية لأبناء هذا البلد؛والآخريسعى للحيلولة دون قيام الحزب الديمقراطي بتأمين ال يُعَدلدينية، وذلك باتهامه بأنه يحمي الرجعية، وبذلك يدفعونه لمحاربة الدين والمؤسسات الدينية، ولمعاملة المتدينين بجفاءٍ وقسوة.
إن ما قام به الحزب الديمقراطي فور استلامه مقاليد الأمور من تضييقتُنزِلق على الحركة الشيوعية من جهة، وسماحه برفع الأذان المحمدي من جهةٍ أخرى، قد أكسبه الدعم والتأييد من قطاعاتٍ عريضةٍ من أبناء هذا الشعب، وضاعف قوتَه بشكلٍ كبير، مما أثار مخاوئم هنا غريمه الحزب الجمهوري.
ولا تخفى على الحزب الديمقراطي الحال المُزرية التي تردى فيها العهد السابق باتباعه سياسةً ظالمةً مع أهل الدين وأهلِ القرآن النوريِّين، ونحن على ثقةٍ من أن هذا الحزب لن يقع في هذا الفخ اللعين.
إن شعارات الحقبة الر أبنامعروفةٌ معلومةٌ للجميع، وإن على الديمقراطيين إنْ أرادوا البقاء في موقعهم أن يتبعوا سياسةً تخالف هذه الشعارات بالكلية، وذلك بالتصدي للشيوعية من جهة، وحماية الدين وأهله من جهةٍ أخرى؛ أجل، لا بد لهم من السير في هذا يمل مق بكل جرأةٍ ووضوح، وإن أيَّ ضَعفٍ أو ترددٍ يُظهِرونه بهذا الصدد سيوقعهم في الفخ الذي نصبه لهم الحزب الجمهوري.
— 728 —
نحن طلابَ النور لا نشتغل بشيءٍ من السياسة، وإن أملَنا الوحيد هو أن تتحقق الحرية الدينية واقعًا ملموسًا فيُخبِرٍ، وأن يُرفَع الظلم والتضييق الذي جثم فوق الدين وأهله وأهل القرآن النوريِّين ربعَ قرنٍ من الزمان.
إننا ننصح الإخوة الديمقراطيين بألا ينخدعوا بحيد النلعهد السابق وألاعيبه الشيطانية، ولا يقعوا في الضلالة التي وقع فيها ذلك العهد، ولا يَستخِفُّوا بشيءٍ من إرادة الشعب وروحه كما استخفَّ بها مَن قبلَهم، فليمضوا بعزمٍ في الطريق القويم الذي سلكوه مواجه في حييوعية ونصرًا للدين.
باسم طلاب النور
صادق، صونغور، ضياء
٭ ٭ ٭
بديع الزمان
يذكر "برغسون" في أحد أواخر كتبه المسمَّى "منبعا الأخلاق والدين" أن أخلاق المجتمع الإنساني لا يمكن أن ترتفع من حضيضهاة فشلً شأوًا رفيعًا إلا بواسطة شخصيَّاتٍ تتحلى بقدرٍ كبيرٍ من الدين والنزاهة.
وإننا نجد مصداقًا لهذه الفكرة في كل زمانٍ وبأمثلةٍ لا تحصى في كلٍّ من تجلٍّيخ الإنساني والإسلامي، ولقد استطاع عِلم التربية المستندُ في أصله إلى علم النفس أن يُخرِّج فيما سلَفَ أجيالًا أحسنَ حالًا منا، وذلك بقدر ما أخَذَ بهذا المبدأ، وبقدر ما وجَّه الأجيال الواعدة إلى التأسي بهذه النماذج والقدانية فسامية؛ ولا شك أن بديع الزمان هو أحد هذه الشخصيات الاستثنائية النزيهة التي استطاعت الحفاظ على سمات القدوة المذكورة آنفًا برغم المجتمع والزمن الذي عاشت فيه.
لقد فَعَلتمةِ الرةٌ من أعداء الشعب وخَوَنة الوطن احترفتِ العملَ بأيدٍ خفيةٍ من وراء الكواليس لتدمير هذا الشعب وخداعه وتضليله بالأكاذيب والحِيل، فضيَّقتْ على
— 729 —
هذه الشخصية النزيهة سنين طويلة؛ وإننا لَنسأِّعة، يُعقل أن يعيش كُبراء البطاركة في القصور الفخمة المهيبة، وهم الذين أثبتوا عبر تاريخنا أنهم ما إن تسنح لهم الفرصة حتى يكونوا أخطر عدوٍ، بينما رجلٌ - كبديع الزمان - هو ابنُ هأبعدهمرض الطيبة كابرًا عن كابر، ويحمل في عقله وقلبه حبَّها ومكانتها.. يُحرَم من حق الحياة الذي يتمتع به مَن يعمل بوَّابًا في تلك القصور التي تعج بالفساد؟! نعم.. إننا نسن اللّن مَن نسأل؟ وما جدوى السؤال؟!
مَن منا يقبل أن تُنتَهَكَ حرمات بيته المصونة، وتُقتَحَمَ غرفته الخاصة على حين غِرَّة، وتُنتَزَعَ من بين يديه كمليةُ لتي يجري في ثناياها سياحته الفكرية والروحية؟! إن هذه التصرفات التي تَحسبون أنكم تقلدون بها المجتمعات المتمدنة المعاصرة لا تقع حتى في إسبانيا التي تُعَدُّ أشدَّها تخلُّفًالتدقيحتى لو وقعت فإنه يستحيل أن تتكرر بحال؛ وإننا بهذا الخصوص نرفض وندين هذه المعاملة المُشينة التي عومل بها رجلٌ نزيهٌ رفيع القدر يتحلى بالعلم والأخلاق والفضيلة كبديع الزمان، لا سيما المعاملة التي عومل بها في المدّة الدينرة.
إننا في هذه الأيام المُظلمة الحالكة التي خيَّمتْ على الشعب التركي، وزحف فيها التحلل والانحطاط والرذيلة من كلِّ حدبٍ وصوبٍ كأنه الطوفان لِيَلْتهِم كلَّ فضيلةٍ.. نرى فيض بديع الزمان ينتقل من قلبٍ إلى قلبٍ كَسِرٍّ دفّي تكفلا يُقاوَم، فنجد فيه السُّلوان وأيُّ سُلوان.
لقد أظلمت ليالينا كثيرًا.. ومتى اشتدت حُلكة الليالي كان بزوغ فجرها وشيكًا.. وإن اللّٰه مع الصابرين.
جودت سيزار
٭ ٭ ٭
— 730 —
باسمه سبحانه
حضرةَلِ العنا العزيز المبارك الشفيق الحبيب..
كلما قرأنا رسائل النور بإمعانٍ وتفكُّر مستأنسين بدعواتكم وإرشاداتكم، تَبيَّنَ لنا أن هذه الأسفار النفيسة إنما هي كشَّافٌ يزيح الستار عن طلسم الكون ويحلُّ لُغزه، وأنها كذلك مرشدٌ جليلٌ ودليلٌ أمينٌ للحا إن وقمستقبل؛ أجل أستاذَنا الجليل، يَتبيَّن لكل ذي لبٍّ يقرأ رسائلَ النور أنها تُنوِّر الإنسان وترشده وتنقذه من ظلمات الفكر، سواءٌ في هذا الزمان أو في أزمنةٍ لاحقة.
إنها لم تؤلف لتلبِّيَ حاجة هذا الوطن وأبنائه فحسب، بل لتلبِّيَ كذرات باة أبناء العالم الإسلامي والمجتمع الإنساني كافة؛ نعم، فالبشرية اليوم تعيش حالةً من التردي والبؤس لم يسبق لها مثيل، ولا خلاص لها من هذه الأزمة إلا بالتمسك بالحلِّ القرآني الذي بيَّنتْه رسائل ا، ونقريانًا وافيًا، وهذه حقيقةٌ أَدركها ويدركها كل مَن يقرأ الرسائل؛ لكنْ مادمنا لا نستطع القيام بهذا ومادام أننا عرَفْنا قيمةَ الرسائل وأهميتَها بهذا القدر بواسطة أستاذنا إذن عليناٍ، لقدتغل كلَّ دقيقةٍ من وقتنا في الغَرْف من منبع الكمالات والعرفان هذا، ونَعمُر أيامَنا ونغتنم عمرنا في الاستزادة من هذا الكنز النوراني الفياض، وإننا سنوفق في هذا المسعى ككما أنشأن كل عمل نقوم به من خلال دعاء أستاذنا وعزيمته.
إن ثمة حقيقةً واضحةً جليةً يَلزم التنويه لها، وهي أن المرء مهما سما علمُه يَظَلُّ بحاجةٍ إلى قراءلائكة،ل النور والإفادة منها والتلمذة على يد مؤلفها، وإلا فإنْ غَلَبتْه الغفلة، ورَكَنَ إلى أنانية نفسِه الخداعة فلم يقرأ الرسائل، حَرَمَ نفسَه من خيرٍ كبير؛ ولا نقول هذا ادِّعاءً، بل هي حقيقةٌ خَبَرناها بأنفسنا، ولسنا نوفِّي هذه الحابِه لربانية حقَّها من الشكر والامتنان؛ أجل أستاذَنا الغالي، بل لسنا نوفِّي سطرًا واحدًا من الرسائل حقَّه، وكيف نوفِّيه حقَّه والرسائلُ البديعةُ ذاتُها معجزةٌها، وقةٌ من معجزات القرآن الكريم!!
— 731 —
ولهذا فإننا نتوجه إلى اللّٰه تعالى ضارعين أن يجزيكم عنا أحسن الجزاء، ونسأله سبحانه أن يحفظكم من شر الظالمين وكيد ان: مرين، وأن يديم عليكم توفيقه في خدمة القرآن والإيمان، ويُمتِّعكم بعمرٍ مديدٍ مباركٍ مع دوام الصحة والعافية.
أستاذَنا المبجَّل.. نحن مجموعةُ شباَشابُهطلاب الجامعة أكرمنا اللّٰه بنعمةٍ جليلةٍ هي قراءة رسائل النور بتمعُّنٍ وتفكر، وإننا نؤمن إيمانًا راسخًا لا يشوبه شكٌّ ولا ريب، بأن العناية الإلٰهية ستوفِّق بديعَ الزمان لكسر شوكة الكفر والإلحاد اللذَين هما سبب ما يشهده الاذَنا من قسوةٍ ووحشيةٍ غير مسبوقة؛ وليس إيماننا هذا نتاج سذاجةٍ في التفكير أو ميلٍ إلى الظن والتخمين، بل هو قناعةٌ مستندةٌ إلى العلم والبرهان، ومؤيَّدةٌ بالبحان م ولهذا نرى المعارضين يسلِّمون بهذه الحقيقة بقلوبهم وإن كذبوها بألسنتهم.
نلتمس منكم الدعاء والعناية، ونسأل اللّٰه تعالى أن يجعلنا من أصحاب الهمم والبذل في خدمة القرآن والإيمان، ويوفقَنا لاغتنامِ كل دقيقةٍ في قراءةنتُ أن النور وكتابتها، ويُكلِّلَ أعمالنا بالإخلاص التام.
باسم طلاب النور في الجامعة
عبد المحسن
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
حضرةَ أستاذِنا المبارك..
نبشركم بدايةً أن جميع النسخ التي أُرسِلت مؤخَّرًا قد تم توزيعها، وقد تلوفريقُ الإخوة التواقون إلى النور ببالغ اللّٰهفة والسرور، وها هم حَمَلة النور يسارعون للالتحاق بركبه بقلوبٍ متلهفةٍ مصداقًا للحقيقة القائلة: مَن طلب وجَدَّ وَجَدَ.
وبالأمس أحضر أخونا "ضياء" وأحجا وثلاثين نسخةً من كتاب "الكلمات"، وسرعان ما تسابق الإخوة عليها فلم يبق منها شيء، أما "عصا موسى" فيجري توزيعها بشكلٍ منتظمٍ في أنقرة وفي أنحاء مختلفة من الأناضول.
— 732 —
.......
بلَه، منلذين لم يطالعوا الأنوار الساطعة التي اشتملت عليها الرسائل قد باتوا من أنصارها ومُواليها؛ وسيَشهد المستقبل انتشارًا واسعًا لمدارس النور الزهراء في بقاع الأناضول وأصقاع العالَم الإسلامي بإذن اللّٰهين كان أمرٌ تَبَيَّنّاه من سموِّ الحقائق التي تزخر بها الرسائل من جهةٍ، ومن الأُخُوَّة المتينة المنعقدة بين أهل العلم وبين المؤمنين الذين قرلةٍ وَرسائل بتفكرٍ وإمعانٍ من جهةٍ أخرى؛ ولا أجد تشبيهًا أصف به النشاط الذي تقوم به المدرسة الزهراء في هذه الأيام أقرب من تشبيهه بالنشر الربيعي المهيب الذي تُجريه يد القدرة الإلٰهية في فصل الربيع الزاهي، فهذا هو حال نشاط الم.
يلزهراء، وهو يجري بحمد اللّٰه بأجمل صورة لكن من غير ضجيجٍ ولا استعراضٍ ولا أضواء.
نعم، إن الإنسان الذي خُلِق عجولًا يطلب تحقُّق كلِّ أ نالت الوقت الذي يريده هو، دون النظر إلى السنن الإلٰهية التي تَحكُم هذا العالَم بأسره، فينصرف عن وظيفته المتعلقة به في دائرته الصغرى القريبة، ويلتفت إلى الدوائر الكبرى البعيدة.
إنموا الس التي غرَسَتْها بالأمس رسائلُ النور من رجالٍ أفاضل ذوي إيمان حقيقيٍّ قد استَوَتِ اليوم على سُوقها وطاب جَناها، وسيَشهد العالَم الإسلامي عما قريبالبلادجَ تُحتذى، ومشاعلَ نورٍ يُستضاء بها بإذن اللّٰه.
باسمِ طلاب النور بجامعة أنقرة
عبد اللّٰه
٭ ٭ ٭
— 733 —
رسالةٌ من عالِمٍ فاضلٍ من أهل القلوب أنعقد أدّٰه عليه بنشر الأنوار في أنقرة
إلى حضرة صاحب الإخلاص والنور والكمال والإرشاد، المجاهد الكبير بديع الزمان..
أشهد لكم شهادةً للّٰه باقيةً أبدَ الدهر، ويشهد لكم بها أهل الإسلام، والإنس والجن، والأرض والسماوات، والأملاك والإخوانن والعرش والكرسي واللوح والقلم، أنكم منذ أن دخلتم ميدان الابتلاء والامتحان وخضتموه في اللّٰه وللّٰه دافعتم عن حقوق اللّٰه وحقوق العباد وصُنتموها، وسعيتم لعدالة المضمار ليلَ نهارَ بكل همةٍ وعزيمةٍ في أشدِّ الظروف والأحوال، وبذلتم في سبيل نصرةِ الحقِ وهدايةِ الخلقِ كلَّ ما حباكم اللّٰه إياه من مؤهِّلات العلم والكمال والنور والإرشاد.
بديعَ زمان:لقد صاحب النور..
إن أخاكم العبد الفقير الذي يكتب إليكم هذه السطور هو صديقٌ قديمٌ لكم، وهذه الصداقة ليست من قبيل الصداقات العابرة المحكومة بالزوال، بل هي صداقةٌ ثاويةٌ في أعماق القلب والروح، قد انعق اللًّٰا في عالَم المعنى منذ عهد أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وتَوثَّقت أواصرُها يومًا بعد يومٍ في عالَم الشهود بدروسِ العبرة والحكمة التي تَلقَّيوننا من أقوالكم وأحوالكم وحركاتكم وسكناتكم على مدى نصف قرن؛ ومن الابتلاءات والمِحَن والمشاق التي عانيتموها طَوالَ هذه المدة، منذ عهد الاستبداد، ثم المشروطية، وصولًا إلى عهد الجمهورية؛ ومن المحاكم العسكرية والمدنية التي دخلتموها في أزمبره بثتلفةٍ وظروفٍ بالغة الصعوبة؛ ومن مواقفكم في الانقلابات وفي ساحات الوغى؛ ومن مناقشاتكم ومباحثاتكم العلمية الفائقة التي جرت بينكم وبين أقرانكم ونُظَرائكم؛ ومن مؤلفاتكم الجليلة اأجل، ف ذائعةِ الصِّيت؛ ومن أعمالكم الصالحة الخالصة وأفكاركم النيرة؛ ومما شاهدتُه وطالعتُه من جهادكم الأصغر
— 734 —
والأكبر؛ وحُقَّ لمثل هذه الصداقة أن تبلغ أسمى درجات المتانة والإحكام، بل وتبلغ درجة المحبة والوجد.
وإ منه ضطلاقًا من هذا الحب والحماس، ووفاءً بما تمليه عليَّ هذه الصداقة من واجباتٍ ماديةٍ ومعنويةٍ، فقد عملتُ منذ عهد السلطان عبد الحميد وما زلت أعمل للحفاظ على حقوقكم وحقوق طلاب النور الخاصة والعن البرحمايتِها والدفاعِ عنها، وسأظل على هذا ما بوسعي وحيثما أمكنني، وإني - يعلم اللّٰه - لست أقوم بهذا إلا حسبةً للّٰه تعالى، وهذا أمرٌ يعرفه الناس وفريقٌ مهمٌ من طلاب النور.
لك؟ وق على أملٍ كبيرٍ من أنه بعون اللّٰه تعالى، وبالمدد النبوي، وبإخلاصكم المنقطع النظير في الجهاد الأكبر والأصغر في هذا الزمان؛ سينتصر الحق عما قريبٍ، وسيُهزَم الباطل، وسيَدخُل الناس في دين اللّٰهنُّورًْا، وستبزغ شمسُ الحضارة المحمدية من جديد، وسنحتفل - ومعنا الكون كلُّه - بهذا العيد الأكبر، ونسأل اللّٰه تعالى أن يَمُنَّ عليكم بشهود هذا العيد الذي يَعُمُّ الدنيا بأسرها وأنتم في أتمِّ الصحة والعافية، ونرجوه سبحانه أها إلىيب دعاءنا بحرمة نبيِّه المصطفى (ص)، آمين ثم آمين.
صديقي العزيز المبارك.. لا أدري إن كنتم تتذكرون أخاكم العبد الفقير هذا، لكن دعوني أذكِّركم به على أيَّةِ حال.. فأنا صديقكممراعاةم من أنقرة: "عثمان نوري"، الذي تشاورتم معه يوم التقينا في موعدٍ محددٍ في مقر إقامتكم بإسطنبول، وكان التشاور حينها بخصوص الاستجابة للدعوة التي وَجَّهَتْها إليكم وإلى نحو ثماني عشرة شخصيةً الهيئةُ التي تقود حرب الاستقلال من أنقرة، وطلبَتْ منككم وإلضمام إليها في حرب الاستقلال التي كانت رحاها تدور في شتى أنحاء البلاد، وكنتُ حينها مفتيَ فرقةٍ من المتطوعين، ثم عُيِّنتُ بعدها مفتيًا في وزارة الدفاع، وبقيت في هذا المنصب قرابة خمسٍ وعشرين سنةً، وقد أُحِلتُ إلى التقاعد قبل ثلاث سنوات.
أقبجامعةن بأنقرة، وأقضي حياتي داعيًا بالخير لكم ولأهل الإسلام وبني الإنسان؛ وأعظم ما أتمناه وآمله قبل أن يأتيني الموت هو أن أحظى بزيارتكم ورؤيتكم وأُجالسَكم في اللّٰه لا غير، فهذا ما أرجوه من صميم قلبي.
— 735 —
أُرلمتُ ليكم يا أعز الأعزاء، وإلى طلاب النور سلامي الحار وتحياتي العاطرة مشفوعةً بالتكريم والإجلال والاحترام، وأسأله تعالى ضارعًا أن يجعلكم أعزاء في الدارين.. أقبل أياديكم الكريمة المباركة ببالغ الشوق والددةٍ، ، وأرجو خالص دعواتكم منتظرًا رسالتكم الجوابية.
سيدي صاحبَ النور والعزم والإرادة والإرشاد.. أستودعكم اللّٰه الذي لا تضيع ودائعه.
الباقي هو اللّٰه
صديقكم مع خالص الود والتفاني
عثمان نوري
٭ ٭ ٭
انتقال الأستاذ إلى "أميرداغ"
ات الأإفراج عن الأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ من سجن "أفيون" انتقل هو ومجموعةٌ من طلابه المقربين إلى "أميرداغ"، فأقام بها سنتين، وفي شهر محرم من العام ١٣٧١ هی، الموافق لشهر تشرين الأول / أكتوبر من العام ١٩٥١م، قدِمَ إلى "أسكي شَهِر"، فأقام بها ق ثانهرٍ ونصفٍ في فندق "يلدز".
كان مجيء الأستاذ إلى "أسكي شَهِر" ذا مغزًى مهم، إذْ كان حتى العام ١٩٥٠م رهين الأماكن التي نُفِيَ إليها فلم يخرج منها قط، بل لم يكن يُسمَح له بذلك أصلًائل ال مضى عليه زمانٌ طويلٌ لم يكن بمقدوره أن يذهب إلى أقرب قريةٍ من مكان نفيه.
وفي "أسكي شَهِر" التقى الأستاذ بطلابه المشتاقين، وتواصل مع طلابِ النور الشبابِ، وهم الثمراتُ الغضَّةُ الطَّريةُ لرسائ إخور، وبات على صلةٍ نوعًا ما بالحياة الاجتماعية.
— 736 —
لم يقتصر انتشار الرسائل في "أسكي شَهِر" على فئةٍ بعينها، بل كان لها طلابٌ كثيرون في شتى طبقات المجتمع، وكان لها امر هو واسع في صفوف الجيش لا سيما بين رجال القوات الجوية، حيث حظيَتْ رسائل النور بطلابٍ كُثْرٍ بين هؤلاء، كلُّ واحدٍ منهم يتحلى بإيمانٍ سامٍ وأخلاقٍ رفيعة، ويَشمخ رأسُه بشجاعةٍ وطنيةٍ وإسلاميةٍ، ويفيض قلبُه بوا علىنبويةٍ خالصةٍ، مع تفانٍ في خدمة الدين والوطن.
٭ ٭ ٭
غادر الأستاذُ "أسكي شَهِر" بعد مدةٍ متوجهًا إلى "إسبارطة" ليقيم بها قرابة سبعين يومًا، وفي هذه الأثناء قام طلاب النور بإسطنبول من ذوي الهمورٌ تاشاط بطبع رسالة "مرشد الشباب"، ونتيجةً لذلك رُفِعَتْ دعوى ضد الأستاذ واستُدعي للمحكمة بإسطنبول.
وخلال مدة وجود الأستاذ في كلٍّ من "إسبارطة" وإسطنبول كَتَبَ مباحث تتعلق بالتوحيد وبعث بها إلى طلابه، وقد نُشِرت ه أن يجباحث فيما بعد بعنوان "مفتاحٌ لعالَم النور"، ومثَّل كلُّ واحدٍ منها كنزًا توحيديًّا نفيسًا.
٭ ٭ ٭
— 737 —
@
التُقِطت هذه الصورة لبديع الزمان عام ١٩٥٢م، وكان يقرأ الفاتحة عند ضريح السلطان محمد الفاتح بعد صلاة الجمعة.
— 738 —
محكللّٰه نبول
كان بعض الشباب من طلاب الجامعة قد طبعوا رسالة "مرشد الشباب" في إسطنبول، بهدف تقديم خدمةٍ لجيل الشباب على صعيد الإيمان والأخلاق، إلا أنه بناءً على هذا الأمر أُحيل الأستاذ النُّورْسِيّ إلى محكمة الجنايات الأولى بإسطنرابة ش قِبَل المدعي العام استنادًا إلى المادة (١٦٣) من القانون التركي، وذلك بدعوى أن هذا الكتاب ضد العلمانية، وأنه يثير دعايةً تهدُف إلى جعل دستور الدولة منسجمًا مع الأسس الدينية.
وفي اليوم المقسادِه حاكمة، الموافق للثاني والعشرين من كانون الثاني / يناير ١٩٥٢ م، وصل الأستاذ إلى إسطنبول قادمًا من "إسبارطة"، وحضر إلى المحكمة التي غصَّتْ قاعتُها وامتلأت ردهاتُها بحشدٍ رضيتُ من طلاب الأستاذ من الشباب الجامعيين.
تُلِيَتْ في البداية لائحة الادعاء ثم تقرير لجنة الخبراء، ثم استُجوِب الأستاذ؛ وكان تقرير لجنة الخبراء مفصَّلًا بإسهاب، وكان مما جاء فيه أن المؤلِّف عمل في هذا الكتاب على نشر الأفكار الدينية، وقدَّ أن أررًا يسترشد بها الشباب، ودعا إلى حجاب المرأة، وبيَّن أن خروج النساء كاسياتٍ عارياتٍ أمرٌ يخالف الإسلام وينافي فطرة المرأة، وأوضح أن ما يُجمِّل المرأة إنما هو التربية الإسلامية، وما يزيِّنها هو الآدابُ القرآنية، كما بيَّنرر للمؤيد تدريس العلوم الدينية، وأنه يطالِب بناءً على هذا بأن ينسجم نظام الدولة ودستورها مع الأصول الدينية.
وقد تولى مجموعةٌ من محامي إسطنبول الدفاع عن الأستاها الم الزمان، وهم: "سَنِيُّ الدين باشاق"، و"مِهري حلاو"، و"عبد الرحمن شرف لاچ".
وقد ردَّ الأستاذ النُّورْسِيّ على ما جاء في لائحة الادعاء وتقرير اللجنة مُبيِّنًا أنه لم تكن له علاقةٌ بالسياسة ولا بشيءٍ من التيارات الدنيوية أو الهإن رفع طَوالَ خمسٍ
— 739 —
وثلاثين سنةً من حياته، وأنه إنما سلك سبيل إنقاذ الإيمان بكلِّ قوته، ولم يشغل نفسه ولم يوجِّه اهتمامه إلا لأمرٍ وحيد، هو الحقائق الإيمانية والخدمة القرآنية، وذكَّر بقرارات البراءة وإعادة الكتي بيدهصادَرة التي صدرت بحقه من محاكم مختلفة.
كما أوضح أن طبع كتابه المسمَّى "مرشد الشباب" من قِبَلِ طلاب الجامعة ينبغي أن يكون محلَّ امتنانٍ وتقديرٍ لا استنكارٍ ومساءلة، وأن نشر أجزاء رسائل النور من أمثال رسالة "ما تبدلشباب"، وإقراءَها للشباب والفتيان والنساء بشكلٍ عموميٍّ هو أهمُّ ما يلزم لتحقيق سعادة هذا الوطن وأبنائه، إذْ إنَّ هذه الرسائل تتصدى للتيارات الهدَّامة في هذ فولاذر، خصوصًا منها التيارات التي تنشر الإلحاد والرذيلة التي تهدد بنياننا الاجتماعي بالتقويض والخراب، ونوَّه في الختام إلى أن الطلاب طبعوا رسالةَ "مرشد الشباب" لهذا الغرض دون أن يكون له علمٌ بذلك.
رُفِعت الجلسة، وحُدِّد موعد لنفسية التالي بتاريخ ١٩/٢/١٩٥٢م، وعندما حَلَّ موعد الجلسة كان حشدٌ غفيرٌ من طلاب النور من أبناء الجامعات وغيرِهم من أهل الإيمان والعرفان قد توافدوا وحضروا مبكِّرين لسماع الجلسة، وغصَّت بهم ردهات المحكمةتعمال الأستاذ قاعة المحكمة في أجواء من التصفيق يَحُفُّ به طلاب النور الشباب، وجلس على كرسي الاتهام، وجاء المحامون وأخذوا أماكنهم.
كان الازدحام الذي شهدتْه قاعةُ المحكمة يفوق الوصف.. آلافُ الأشخاص تدفقوا من الأبواب كأمواجٍ بشرييتُه بدون الاستماع لسير المحاكمة؛ وقد كان لهذا المشهد أثرٌ بالغ المهابة والرهبة.. إذْ كان الشباب الذي نشأ محرومًا من الثقافة الدينية يُعبِّر في هذا المشهد عن عظيمِ امتنانه وتيةً والسعيد النُّورْسِيّ الذي يمثل نموذجًا مشخَّصًا لنور الإسلام، وكأن لسان حالهم يقول:
أيها المجاهد الكبير.. يا مَن مزَّقتَ بأنوار القرآن ظلمات القرن العشرين.. يا مَن جَلَوتَ آفاقَ النور والبشرى لأهل الإسلام.. ويا مَن دعوتً ظاهِسانية إلى السعادة الأبدية العليا اللائقة بإنسانيتها.. لقد أسديتم لها خدمةً جليلةً.. وبالأخص لهذا الوطن وأبنائه، وإنا نشكركم على هذا أجزل شكر، وسيذكركم المستقبل بالتقدير والعرفان١٩٥٧
لقد كنتم الطبيبَ الذي أدرك جيلًا كان على وشك الموت، فأغثتموه بماء الحياة، وأسديتم له خدمةً لا تضاهى عِظَمًا وسُموًّا؛ وجاهدتم وضحيتم بحياتكم لإنقاذِ أمةٍ وأجيالٍ أٌ يعرفها أن تُلقى في غياهب العدم والشقاء الأبدي، فجئتموها بنور القرآن، وأخذتم بيدها إلى درب السعادة الأبدية وطريق اللّٰه جل جلاله.
على دربكم أجيال الهدى والنور
على نهجكم طول العصور
لم يَعُد بمقدور المحكمة الاستمرار في جلسامات ادة الازدحام في القاعة، ولم يتمكن رجال الشرطة المكلفون بحفظ النظام من منع الناس من الاحتشاد، مما اضطر رئيسَ المحكمة لمخاطبة الناس قائلًا: إن كنتم تحبون فضيلة اقفلًا فأرجو أن تُفسِحوا المجال لتُكمل المحكمة عملها؛ وسرعان ما استجاب الناس لطلبه واستأنفت المحكمة سيرها.
استُمِع أولًا لإفادة صاحب المطبعة الة"، وع رسالة "مرشد الشباب"، تَلتْها إفادة رجال الشرطة، ثم تقدم الأستاذ باعتراضٍ على تقرير لجنة الخبراء، وطلب إذنًا بأداء صلاة العصر خشية فواتها، فوافقة الطيالمحكمة على طلب الأستاذ وأنهى الجلسة.
وعندما كان الأستاذ يجتاز ممر المحكمة وقد أحاط به محبوه وطلابه الشباب، كانت أكُفُّ الآلاف تلتهب بالتصفيق بينما رفع الأستاذ يديه يحيي طلابه بحبٍ ومى معًاوعند باب المحكمة تجمَّع قرابة الأربعة آلاف شخصٍ ينتظرون رؤيته، نزل الأستاذ الدرج وسط طوفانٍ من التصفيق، وكان البعض يبكي من شدة التأثر؛ لم يكن من الممكن متابعة المسير، فأقلَّ طلابُ النور أستاذَهم في سبخطبةٍإلى مسجد السلطان أحمد حيث صلَّوا الجماعة، ثم عادوا به إلى مقر إقامته.
٭ ٭ ٭
— 741 —
كانت آخر جلسات المحاكمة في الخامس من آذار/مارس ١٩٥٢م، دخل الأستاذ قاعة المحكمة يحف بهواعفُ من محبيه وطلابه الشباب؛ وكانت المحكمة قد اتخذت عدة إجراءاتٍ لمنع وقوع ازدحامٍ يعيق سيرها كما وقع في المرة السابقة، فزادت من عدد عناصر الشرطة ووزعتهم على الأبفإننا لممرات والأدراج، لكن برغم كل هذه الإجراءات فقد غصَّتْ قاعة المحكمة بالحضور.
بدأت الجلسة بالاستماع إلى إفادة الطالب الجامعي الذي قام بطبدلًا مة "مرشد الشباب"، وقُدِّمَ بوصفه شاهدًا في القضية، وقد ذكر في إفادته أنه قرأ الكثير من الكتب التي تنتمي إلى ثقافة الشرق والغرب، إلا أنه لما وقعت بيده رسائل النور استفاد منها عظيمَ الفائدفي هذاقله وفكره وقلبه وروحه، ووجد فيها ما لم يجده في غيرها، وتركتْ فيه أثرًا بالغَ الأهمية في أخلاقه وإرادته، ووجد لرسالة "مرشد الشباب" أثرًا كبيرًا في تحقيق إيمان جيل الشباب وصَونِه وتعزيز أخلاقهم، فقام بطبعها رجاءواضيع قدم لهم خدمةً وطنيةً نافعة، ولم يرَ في عمله هذا ما يستحق أن يوصَف بالجرم أو مخالفة القانون.
دفاع الأستاذ
أرجو أن تُرعوا سمعًا لما سأسرده بإيجازٍ شديدٍ من ظلمٍ طويلِ الأمد تعرضتُ له خلال حياتي.
ار الح المحكمة المجال للأستاذ ليتكلم بحريةٍ وراحةٍ، فشرع يسرد مدافعته بتفصيلٍ ورَويَّةٍ).
السادة القضاة..
لقد تعرضت خلال ثمانٍ وعشرين سنةً لصنوفٍ لا مثيل لها من الإهانة والإيذاء والمراقبة وال الدين كلُّ ذلك كان يجري بناءً على افتراءاتٍ واتهاماتٍ باطلةٍ تستند إلى بضع نقاط:
— 742 —
الاتهام الأول:يعتبرونني معارضًا للنظام؛ ومعلومٌ أن لكل حكومةٍ معارضين، وأنه لا يحاسَب أحدٌ على فكره ومنهجه الن سنة،ناه بقلبه وضميره ما دام لا يمس الأمن والاستقرار، وهذا حقٌّ متعارفٌ عليه.
فها هم الإنكليز الذين عُرِفوا بتعصُّبهم لدينهم وسطوتهم في حكمهم، يعيش أكثرُ من مئةِ مليون مسلمٍ تحت حكمهم منذ مئة عام، ويرفضون نظام حكمهم الكافر، ويردُّونه بمقلى أنهقرآن، ومع هذا لا تتعرض لهم محاكم الإنكليز بشيءٍ في هذا الخصوص.
وها هم اليهود والنصارى عاشوا منذ زمنٍ بعيدٍ في ظل حكوماتٍ إسلاميةٍ سواءٌ هنا أو في أماكن أخرى، وكانوا معارضين لدين البلاد التي يَتْبعون لها، مُضادِّين لنظام حكمهاا لَحِي، ومع هذا لم تتعرض لهم تلك الحكومات يومًا ما، ولم تمسَّهم قوانينُها بشيء.
وفي أيام خلافة عمر بن الخطاب حدث أن تحاكم هو ورجلٌ نصرانيٌّ من عامة الن فوق رع أن الرجل كان معارِضًا لنظام الحكم الإسلامي ومقدساته ودينه وقوانينه، إلا أن المحكمة لم تنظر إلى شيءٍ من ذلك بعين الاعتبار، مما يبين بوضوحٍ ألفُ سسات القضاء لا تخضع لأي تيار، ولا تنحاز أي انحياز.
فحرية الدين والضمير هذه عمدةٌ لا يختلف عليها أحد، بل تجري وتَحكُم بمقتضاها مؤسسات القضاء في العالَم أجمع من شرقه إلى غربه باستثناء البلدان الشيوعية.
أفإن رفضتُ الجانبَ اموقوف في المدنية الغربية، والاستبدادَ المطلقَ المتخفِّي خلف ستار الحرية، والضغوطاتِ التي تُمارَس على الدين وأهله خلف قناع العلمانية.. وعارضتُ ذلك ثقةً مني بعُمدةِ حرية الدين والضميتي ينفتنادًا إلى مئات الآيات القرآنية.. أفأكون خارجًا على القانون؟! أم أكون مدافعًا عن دستور البلاد دفاعًا حقيقيًّا صادقًا؟!
إن معارضة الباطل والظلم واللامشروعية لا يمكن أن تُعدَّ جرمًا لدى أية حكومف نسخةبل على العكس، فالمعارضة المشروعة الصادقة هي العنصر الذي يحفظ توازن العدالة.
أما الاتهام الثانيالذي اتهمني به رجالُ العهد السابق، ورأوا أني أستحق بموجَبه الظلمَ والنكال، فهو الإخلال بالأمن واح بقوةار؛ ولقد أنزلوا بي من جراء هذا الاتهام
— 743 —
الكاذب والهاجس المزعوم عقابًا على مدى ثمانٍ وعشرين سنة لم يُذيقوه لأحدٍ غيري، فنفوني من بلدةٍ إلى بلدة، وساقوني من محكمةٍ إلى الظلم، وسجنوني من زنزانةٍ إلى زنزانة، وعزلوني عن العالَم الخارجي، وسمَّموني، وأنزلوا بي صنوفًا من الأذى والهوان.
والحق أننا نحن طلابَ النور البالغ عددنا خمسمئة ألف طالبٍ مُضَحٍّ مُتفانٍ، نحن مَن يتبوأ مقام المحافِظ المعنويِّ الفخريِّ به
نِ واستقرارِ هذا البلد، وإن من أعظم الذنوب أن يتهمونا بمثل هذه الاتهامات؛ بل إننا برغمِ كلِّ تعدِّياتهم الظالمة بحقنا، ترفَّعنا عن كل مشاعر الضغينة والرد بالمثل، ولم نتخلَّ يومًا عن العمل في سبيل غرس الأمن والا لنا ا في القلوب، وخدمةِ الإيمان والقرآن، وإنقاذِ مَن وقعوا بغفلةٍ في مستنقع الفوضى الآسن.
السادةُ القضاة..
أعرض عليكم فيما يلي معلوماتٍ قطعيةً مؤكدة، لا مجرد ادعال الذيا دليل عليها، وهي أنه بعد تدقيقاتٍ مطوَّلةٍ مفصَّلةٍ أجرتْها ستُّ محاكم في ست ولاياتٍ لقينا فيها ما لقينا من الظلم والنفي، تبيَّن أنه لم تُسجَّل بحقِّنا أيُّ واقعةِ إخلالٍ بالأمن والاستقرار؛ وهذا يُثبِت أن طلاب مدرسة إِنَّ ر - وهي مدرسة علمٍ وعرفان - إنما يعملون على صعيد القلوب، ويقيمون فيها وفي العقول الرقيبَ الذي يرعى الأمن والاستقرار.
إن دروسنا الإيمانية هي ضدَّ الإفساد والفوضوية المتمردة، وضدَّ الماسونية والشيوعية؛ فلتُسأل جميعُ دوائر الأما رؤسارطة في هذا البلد: هل وقعت حادثةُ إخلالٍ بالنظام والانتظام ولو من طالبٍ واحدٍ من طلاب مدرسة النور والعرفان البالغ عددهم خمسمئة ألف؟ كلا بلا شك، لأن في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم رقيبَ الإيمان الذي هو أفضل مَن يحفظ النظام والانتظام؛ ولقد أوضحتُ هذه نت له ق بشكلٍ مفصَّلٍ في مقالتي المسماة "الحقيقة تتكلم"، والتي نشرتْها مجلة سبيل الرشاد في عددها السادس عشر بعد المئة.
إنه لمن الظلم والإجحاف البالغِ غايةقيماتُعة والفداحة، البعيدِ عن الحق والإنصاف بُعدَ الأرض عن السماء، أن يؤتى برجلٍ تشهد سنوات عمره بأنه ضحَّى
— 744 —
بدنياه، بل بحياته وآخرته إن لزم الأمر فداءً لدينه، وترَكَ السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، ولم تلذَّبّمحاكم على أيِّ دليلٍ يُدينه بهذا الصدد رغم تدقيقاتها وتحرياتها، وقد تخطى الثمانين من عمره، وبلغ باب القبر، ولم يملك شيئًا من متاع الدنيا ولم يولِه أهميةً.. فيقالَ في حقه بعد هذا كلِّه: إنه يتخذ الدين أدا ورحمتياسة!!
إن درس الحقيقة الذي تلقَّيناه من القرآن الحكيم نحن تلاميذَ مدرسة النور والعرفان، هو أنه لو وُجِد في بيتٍ أو مركبٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ وعشرةُ جنالسجن إن العدالة القرآنية تمنع تدمير ذلك البيت أو المركب صونًا لحقِّ ذلك البريء من الضرر، فكيف لو كان الموجود عشرة أبرياء في مقابل جانٍ واحدٍ، أفيجوز تدمير البيت أو المركب لأجله؟! أفلا يكون ذلك - إنْ وقع - ظلمًا فادحًا، وخيانةً كبرى، ووحشيةً بالغة؟!لفرح لأجل هذا مَنَعتِ العدالةُ الإلٰهيةُ والحقيقةُ القرآنيةُ منعًا شديدًا من تعريضِ حياةِ تسعين بالمئة من الناس الأبرياء للخطر والضرر، بجريرةِ عشرةٍ بالمئةِ جناةٍ أخلُّوا بالأمن والاستقرار، ولأجل هذا نرى أنفسَنا مُكلَّفين شرعًا ن حلٍّظ بكلِّ قوتنا على الأمن والاستقرار اتباعًا لهذا الدرس القرآني.
ومن هنا، فلا ريب أن أعداءنا العاملين في الخفاء في العهد السابق، والذين اتهمونا هذه الاتهامات الباطلة، إما وتبلغريدون أن يجعلوا السياسة أداةً بيد الإلحاد، أو أنهم يعملون ما بوسعهم - بعلمٍ أو بجهلٍ - على توطين الأيديولوجيات الفاسدة في بلدنا؛ وقد بات واضحًا أنهم هم وليس نحن مَن كان يضرب النظام، ويُخِلُّ بأمنِ البلاد واسٍ بَسها المادي والمعنوي.
إن المسلم الحقيقي والمؤمن الصادق لا يمكن أن يؤيد في يومٍ من الأيام الفوضى والفساد والفتنة، فدينه يمنعه من ذلك أشد المنع، لأن الفوضوية لا تعرف الحقوق، بل تُحيل السجايا الإنسانية والقيم المدنية إلىِيّ من حَيَوانيةٍ كالتي لدى الحيوانات المتوحشة، حتى إن القرآن الحكيم قد أشار إليها على أنها جماعات يأجوج ومأجوج التي ستظهر في آخر الزمان.
— 745 —
أيها القضاة المحترمون..
لقذه البوني وطلابي الأذى والنكال طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنة، ولم يتردد المدعون العامون في تشويه سمعتنا والطعن بنا في المحاكم، لكننا صبرنا وتحملنا وواصلنا سيرنا في درب خدمة الإيمان والقرآن، وعفونا عن الظلم والأذى الذي أنزله بنا رجال العهد السابق، ف رئيس وا عاقبتهم التي يستحقونها، ونِلنا حقوقنا وحريتَنا، ونشكر اللّٰه أنْ يسَّر لنا فرصة الحديث أمام قضاةٍ عادلين مؤمنين أمثالكم؛ وهذا من فضل ربي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
مقتطفاتٌ من دفاع المحامي "مِهري حلاو"
إن مؤلف رسائل النور رجلٌ وعةً فف ساحةُ المؤلفين والكُتَّاب رجلًا أكثر تواضعًا منه، فهو عدوٌّ كبيرٌ للشهرة والتكبر، قد أعرض عن متاع الدنيا وولاه ظهره، ولم يجد المالُ ولا الشهرةُ ولا النفوذُ سبيلًا لإغوائه، إنه رجلٌ لا نظير له في هذا الميدان، بلواحدةٍغاندي" نفسه لم يستطع أن يتجرد عن الدنيا كما تجرد هو.
وإن هذا الرجل العظيم الذي يكفيه لِقوتِ يومه رغيفُ خبزٍ وطبقُ حَساء إن عاش فإنما يعيش لخدمة القرآن والإيمان لا غير، فلا قيمة ولا أهمية عنده لشيءٍ سوى هذا.
إلئل النبرغم هذا كلِّه يجري العمل على إدانته وتجريمه وإيقاعه في شَرَك المادة (١٦٣) لمجرد أنه أشاد بمؤلفاته!! أيتفق هذا مع الحق والعدل والإنصاف؟! أم ينسجم مع العلم والفكر؟! أم يتوافق مع القانون والعقل والمنطق؟!
أُحيل الأِيّ
مقام محكمتكم الموقرة.
.......
— 746 —
أريد أن أختِم دفاعي بكلماتٍ حول مسألة معارضته للنظام فأقول:
إن هذا الرجل المحترم الذي ينتظر قراركم العادل، أما خانٌ نقيُّ السريرة صادقُ اللّٰهجة، قد مَخَضته التجارب والسِّنون، ولم يتنزَّل في حياته قط لأن يقول خلاف الحقيقة، وقد أعرب في أول جلسات المحكمأن زُوقديره للحكومة الحالية وإعجابه بها، ودعا لها بالتوفيق، وأعلن صريحًا أن الحكومة التي انتقدها إنما هي الحكومة السابقة.
والحقيقة أن موكِّلي قد ناضل مع أسِل إلذا الوطن ضد الاستبداد، وسعى لتأسيس الحرية وحاكمية الأمة، وهو اليوم يشعر بالسعادة والامتنان للنجاح الذي تحقق في هذا المجال؛ ولا يخفى أن إحدى غايات رسائل النور هي غرس النظام والانتظام الاجتماعي في القلوب، فإذ الرغمرجال السياسة يعملون على الصعيد السياسي لتحقيق هذه الغاية، وتأمين الحقوق والحريات لهذا الشعب، فإن مؤلف رسائل النور يقوم بالأمر نفسه، لكن على الصعيد المعنوي؛ فالغاية إذًا مشتركة.
إن مؤلف رسائل النور وتلاميذَها - والرسائلُ مدرسةُ نالقُرآرفان - هم حُرَّاسٌ معنويون ومحافظون فخريُّون يَرعَون الأمن والنظام والاستقرار، ويعملون على الصعيد المعنوي لإزالة الفساد والفوضوية الهدامة من القلوب والأذهان، ويقومون بعملهم هذا بكلِّ صدقٍ وتفانٍ دون انتظار أيِّ مقالراقيو عِوَضٍ أو غرضٍ، ولا يبتغون من وراء هذا سوى مرضاة اللّٰه تعالى ونفع البلاد والعباد؛ وليس في هذا ما يوصَف بأنه جرمٌ أو جناية، بل هو خدمةٌ للوطن والشعب تستحق التقدير لا المؤاخذة؛ ومن حقنا أن نطالب ببراءتهم.
وكبرى، للمحكمة الموقرة.
٭ ٭ ٭
— 747 —
دفاع المحامي "سَنِيُّ الدين باشاق"
بعد ذلك قام الوكيل الثاني المحامي "سَنِيُّ الدين باشاق" فأدلى بكلماتٍ موجزةٍ قال فيها:
سلام عاتت المسألة واضحة، وتجلَّت الحقيقة كالشمس، وأصبحت المحكمة الموقرة على علمٍ بكلِّ ما يتعلق بالأمر، فليس لدي ما أضيفه.
كنت أود إطلاعكم على عقليةِ الجهةِ التي جاءت بهذا الرجل الفاضل إلى هنا وساقته إلى قفص الاتهام، وحسبكم بهذا الرجل قيمةًالحقيقةً وتضحيةً وتفانيًا في خدمة الوطن وأبنائه من غير مقابلٍ ولا عوضٍ سوى ابتغاء مرضاة اللّٰه تعالى.. نعم كنت أودُّ إطلاعكم على عقليةِ هؤلاء،لك، وبيس هنا محل هذا الكلام، بل يتطلب الأمر تأليف كتابٍ مستقلٍ بهذا الخصوص، لأن التصدي لهذه العقلية من واجب كل فرد.
إن ما تتحلى به محكمتكم الموقرة من ضميرٍ سامٍ قد منحني طمأنينةً جعلتْني أستغني عن الدفاع.
أتشرف بطلب ي يحسبموكِّلي.
٭ ٭ ٭
دفاع المحامي "عبد الرحمن شرف لاچ"
عَقِب ذلك تقدم المحامي البارز "عبد الرحمٰن شرف لاچ" بدفاعه، وهو محامٍ قديرٌ متمرِّسٌ تطوَّعَ - كسائر إخوامر إلىحامين الأفاضل - بالدفاع عن الأستاذ، وقد استهل دفاعه بالمقدمة التالية:
المحامي "شرف لاچ":لقد تَبيَّن تمامًا أن هذا السيد الفاضل المبارك الذي تجاوز الثمانين من عمره، والذي يَمثُل في محكمتكم متَّهَمًا، ليس له أيَّةُ علاقةٍ أو صلةٍ بالقرآ#748
جُرمٍ، وآمُلُ أن يكون لدى محكمتكم الموقرة قناعةٌ تامةٌ بهذا الأمر فتقضي ببراءته؛ أما إن كان ثمة احتمالٌ ولو واحدٌ بالألف لأن تقضي بخلاف ذلك، فإني لمجرد نفسي مُقصِّرًا ومهملًا إنْ تهاونتُ في الدفاع عن موكِّلي البريء.
يجب أن نأخذ بعين الاعتبار وجهةَ نظرِ محكمة التمييز العليا والقناعةَ التي توصلتْ إليها، مراعاةً لأصولِ سيرِ المحى نفسيتجنُّبًا لوقوع أيِّ نقصٍ أو خللٍ في إجراءاتها، ومن هنا أطلب من محكمتكم الموقرة السماح بالإدلاء بدفاعي.
هيئة المحكمة:حسنًا سيد عبد الرحمن.. تفضل بدفاعك اعةً لإ فنحن نستمع.
المحامي "شرف لاچ":بما أن الكتاب المسمَّى "مرشد الشباب" هو عبارةٌ عن تفسيرٍ للقرآن الكريم وأوامره؛ وبما أنه يحتوي على نصائح وتوجيهاتٍ دينيةٍ مستقاةٍ من تعاليم الإسلام؛ وبما أن المادة السبعين من الدستور تنص على وسَمَّصانةَ الشخصية، وحريةَ الفكر والضمير، وحقَّ التعبير والنشر، هي من الحقوق الطبيعية للمواطن التركي؛ وبما أن المادة الخامسة والسبعين من الدستور تنص على أنه لا يجوز محاسبة المرء على دينه أو مذهبَّ ما ينتسب إليه؛ فإن حرمانَ موكِّلي من حرية الدين والنشر التي كَفَلها له الدستور وإبقاءَه تحت الملاحقة القانونية أمرٌ يخالف صريح الدستور.
.......
وإذا فرضنا لُّ تب يؤخذ بعين الاعتبار شيءٌ من الوجوه القانونية التي أوردناها آنفًا، وجازت ملاحقةُ موكِّلي وَفقًا لتلك المادة التي تصادم الديمقراطية صراحةً، أعني المادة (١٦٣) من قانون العقوبات التركي، فإننا حينئذٍ سنُبرِّر الجرم المنسوب إليه ونقول:
الدين ثمة رجلٌ مسلمٌ كبيرُ السن.. نقيٌّ وضَّاء القسَمات.. كلَّل الشيبُ هامتَه، وجلَّل السَّنا مُحَيّاه، وغمر نورُ اللّٰه كيانَه.. وَقَف حياتَه التي أنعم اللّٰه بها عليه خالصةً لصلاح أبناء هذا الوطن وسعادتهم الحقيقية.. وعزم أن يسير فيا فحسبالذي اختاره فلا يحيد عنه حتى يسلِّم الروح لبارئها.. مسلمٌ عظيمٌ لم يعرف الضعف سبيلًا إليه، فما
— 749 —
نحُلَ إلا في سبيل اللّٰه جسدُه.. حين دعواصل ماللّٰه في يومٍ من الأيام التي يقال عنها: إنها أيام الديمقراطية.. أجل، دعا إلى اللّٰه وحدَه.. واقتدى برسوله (ص).. وبلغ كتابَه.. ونبَّه شبابَ وطنه.. فما إن فَعَل ذلك حتى لاحقه مُدَّعٍ عامّدانةٍ ًا: تعال تعال.. لقد أجرمتَ!! وخيم على الآفاق ظلامٌ حالك.
ولكن.. انظروا إلى هذا المسلم الأصيل الكبير سِنًّا وقدرًا كيف تعلوه السكينة والطمأنينة!! ذلك أنه رجلٌ مُوحِّدٌ لم تستغرقه الكثرة.. لاا النان ظلمات اليالي ولا من بلايا النهار.. وإنما جعل هَمَّه واحدًا فكفاه اللّٰه سائر الهموم.
إنه مظهرُ تجلٍّ من تجليات اللّٰه سبحانه.. يعاين المِنَح من قلب المِحَن.. ويشهد السراء من قلب الضراء.. أجل، فقد خَبَر حقيقة الأة خبرانفذ من الكثافة إلى اللطافة.. يجري في عروقه التي أريقت دماؤها إمدادُ اللّٰه تعالى وتأييدُه ونورُه.. ذلكم هو المسلم الذي رفع مُدَّعٍ عامٌّ دعوى بحقه، وأوثق يديه بالقيود وساقه إلى السجن.
لماذا؟ ما وائِدِعله هذا الشيخ وقد بلغ من السن ما بلغ؟! ما الجرم الذي اقترفه؟!
بالنسبة إلى ذلك المدعي العام فقد فعل هذا الشيخ الكثير الكثير..
فأولًا:أصدر كتابًا بعنوئرةِ اشد الشباب!!
وثانيًا:تصرف بما يُضادُّ العَلمانية!!
هل الإلٰه والدين والإيمان قضايا ضد العَلمانية؟ ربما، وماذا بعد؟
سعى ییثالثًایی لإقامة الركائز الاجتماعية والاقتصالبديعةلسياسية والحقوقية للدولة على أساسٍ ديني!!
كيف؟ ولماذا يفعل ذلك؟
رابعًا:سعى لتحقيق نفوذٍ شخصي!!
حسنًا.. أكان يبتغي من وراء ذلك مصلحةً سياسية؟ كلا.. فلجنة الخبراء لم تلحظ شيئًا من هذا القبيل، ولم يقل ذلك ح، لكنيدعي العامُّ نفسُه.
— 750 —
إذًا، بما أنه لا توجد مصلحةٌ سياسية، فما الذي ينتظره هذا الشيخ الطاعن في السن من الدنيا حتى يصيب منها نفوذًا شخصيًّا؟
يجيب المدعي العام بأن هذا كلامٌ لا يعنيه، وأن الرجل يسعى لنفوذٍ سياسي على أيِّ حال.. وٍ نزعةنفسُه تقوله لجنة الخبراء.
حسنًا.. فلنسأل كيف ارتكب هذا المسلم هذه الأفعال؟
يقولون: إنه اتخذ الدين والمشاعر والمقدسات الدينية أداةً لأغراضٍ أخرى.
ما هي هذه المقدسات؟ الإسيها الالمشاعر الإسلامية.. خشيةُ اللّٰه التي محلها القلب.. القرآن.. التفسير..؟ هذه أمور يعرفها المدعي العام نفسه ويؤمن بها على أنها مقدسات.
حسنًا.. هل معرفة هذه الأمور والإيمان بها ثم ترديدها يُعَد من قبيل اتخاذها أداةً لأغراضٍ أخي يُنط أجل، هو كذلك بالنسبة للمدعي العام الذي رفع هذه الدعوى.. وما دام الأمر كذلك فالمدعي العام نفسه يتخذ المقدسات نفسها أداةً لقانونٍ سياسي، ويوظفها لإدانة شخصٍ مسلمٍ يؤمن بها!! وبالتالي أفلا يرتكب المدعي العام نفسه جرمًا بحسب ام لأكو(١٦٣)؟!
ينكر المدعي العام هذا ويقول: كلا.. فأنا لا أقوم بحملةٍ دعائية.. بينما الرجل يقوم بحملةٍ دعائيةٍ توجيهية.
ماذا قال الرجل؟ هذا هو نصُّ كلامه الذي قاله:
"إن أخطر فرقةٍ تُجنِّدها جهات المن وليوالإضلال في حربها على الإسلام في هذا الزمان، هي فرقة النساء الكاسيات العاريات اللواتي سَوَّلتْ لهن نفوسُهنَّ الأمارةُ تسليمَ قيادِها للشيطان، فرُحنَ يتعرضن لأهل الإيمان بخناجر مفاتنهن، ويضيِّقن سبيل العفة والنكاح، على هذِلن سبيل الرذيلة والفاحشة، ليقع كثيرٌ من الناس أسيرَ هوى نفسه الأمارة، ويقارِف الكبائر ملحقًا الضرر - وربما الموتَ - بقلبه وروحه".
— 751 —
أفي هذا الكلام كذب؟ كلا. هل يُنكَر وجود العاهرات اللواتي يحاربن ابدية، يشجعن الرذيلة؟ كلا.
ألم تكافح الدولةُ الدعارةَ السريةَ منها والعلنيةَ؟ ألا يكافح قانونُ العقوبات والشرطةُ الأخلاقية هذه الظاهرة ليل نهار؟!
يأخذًا مدعي العام: بلى.. ولكن نحن من يكافحها وليس اللّٰه.
حسنًا.. لِيَقُل ذلك.. ولكنَّ القانون والشرطة والمدعي العام يلقون القبض على مرتكب الجرم والم4
ثم يعليه بعد وقوع الجرم.. يعني بعد الانتهاء من ارتكاب الفعل.. بعد أن يُنتهَك العِرض ويموت الشخص.. ولا يمكن قانونًا اتخاذ أي إجراءٍ قبل وقوع الفعل.. لكنه ممكنٌ دينًا.. وذلك بالتدين والخشية من اللّٰه.. فبهذه الخشية يمكن التوقِّي من هذه الرذائل عاحِدة لاف أنواعها، والإسلام يأمر بهذا ويدعو إلى اتخاذ التدابير المسبقة.. كيف؟
بالنصيحة.. بالتنبيه.. بالتعريف باللّٰه.. بزرع محبة اللّٰه وخشيته في قلب الإنسان.. بالترالقرار النار والجحيم والعذاب الأبدي، وبالترغيب بالجنة والنعيم الأبدي.. حتى يجتنب المرء هذه القبائح والمساوئ ويُنقذ نفسَه.. وحتى يعيش المجتمع والدولة والشعب والحكومة والمدعي العام نفسُه في راحةب المُنينة.. فلأجل هذا اغرِسوا في قلوب الناس محبةَ اللّٰه وخشيتَه.
وكيف نفعل ذلك؟
اكتبوا وألِّفوا وعلِّموا..
حسنًا.. سيقولون عندئذٍ: هذه حملةٌ دعائيةٌ توجيهية.
وليكنجُودِكيست هذه أوامرَ اللّٰه وتعاليمَ القرآن؟! أليس الدين أحدَ أهمِّ حقوقكم الطبيعية؟! فمن يمنعكم من هذا؟ يقولون عن هذا: إنه جريمة؛ أليس كذلك؟ اِقرؤوا أمر اللّٰه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِفي التهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللّٰهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ.
— 752 —
حسنًا.. فإن للكثيرةوا لنا؟
أعيدوها على مسامع من يصغي إليها، وعلى مسامع المؤمنين؛ لأن ما تقومون به عملٌ صالحٌ نافع، يعود بالخير على الفرد والمجتمع والشعب والحكومة والدولة، ويقيها من جورَ والمصائب.
قولوا للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ.
وقولوا لمن لا يؤمن بهذا: إن الخطر داهمٌ على الجميخوتَناى وطنكم وشعبكم.. الخطر ليس في الدين ولا في الدعوة إليه.. بل في الكفر به والتحلُّل منه؛ وقد صرح رئيس الوزراء بأن التيار اليميني لا يشكل خطرًا على البلاد، ولا يوجد اليوم ما يمنع من الدع جبهات الدين أو يستدعي اتخاذ تدابير ضده.
السادةُ القضاة.. أرجو منكم أن تطرحوا على المدعي العام الذي رفع هذه الدعوى سؤالًا أنتم أدرى بجوابه، لكن سَلوه لننظر هل سيمكنه النفي؟ أرأيت إن لم تُبلَّغ ً وعلم اللّٰه ولم تُبيَّن تعاليم القرآن للشباب، ومُنِعَت باعتبارها جريمةَ دعوةٍ وتوجيه، أيمكن حينئذٍ بقانون العقوبات وحدَه الحيلولةُ دون وقوع التحلُّل والرذيلة والتسيب وجرائم الزنَرون يتل؟ وبماذا يمكن مواجهة التدمير المنهجي الذي يجري على قدمٍ وساقٍ وبشكلٍ خفيٍّ ومعلنٍ معًا على يد فِتَنٍ جائحةٍ تهدِّد العالَم بأسره كالشيوعية؟!
أتمكن
#سادة القضاة أبناءُ الوطن الأُصلاء المحبون له.. المؤمنون باللّٰه ودينه.. انظروا إلى حملات الدعاية الرهيبة التي تنشر الكفر.. انظروا إلى السموم الإشكالاثها أعداء الدين في أفئدة الأجيال الفتية النقية الطاهرة المسلمة من أبناء هذا الوطن وأدمغتهم.. انظروا كيف يدمرونهم ويقضون عليهم بها!! ياله من تناقضٍ صارخٍ نعيشه!! ويالها من تهديداتٍ حقيقيات لن جهها!!
لكن المدعي العام الذي رفع هذه الدعوى لا يرى شيئًا من هذا.. ولا يلقي بالًا للّٰهجوم والإهانة التي يتعرض لها الإسلام وسائر الأديان السماوية.. لا.. بل يلقي القبض على مَن ينصح الشباَ أن يدهم ويحميهم من هذا الهجوم.
أيها السادة القضاة المحترمون.. أيها القضاة الأتراك المسلمون.. لا يمكنكم إدانة موكِّلي بتهمةِ رسالة النور المسماة "مرشد الشباب" التي تفيض بأنوار القرآن وتُجلِّيه للناس.
— 753 —
أيها القضاة المحترمون. نقابل القضاة الأتراك الأُصلاء المسلمون.. تعلمون جيدًا أن العلماء ورثة الأنبياء.. وهؤلاء السادة العلماء الأفاضل مكلفون بنشر وتبليغ ما وَرِثوه بالنصح والإرشاد كما أمرهم القرآن المبين.. لا يطلبون في مقابل وظيفتهم هذه عوضًا ولا أجرًا.. بلبراءتهها في سبيل اللّٰه لا يبتغون شيئًا سوى مرضاة اللّٰه ورسوله.. ويَمضون في وظيفتهم القدسية على هذا النهج حتى آخر رمقٍ من حياتهم.. لأن هذه الوظيفة أمانلزمان اللّٰه ورسوله في أعناقهم.. فكيف يُلاحَق موكِّلي ويُدان على أدائه الأمانة إلى أهلها؟! كيف يؤتى بهذا الشيخ الطاعن في السن ذي البنية الضعيفة النحيلة ويزجُّ به في السجن؟! هذا ظُلمٌ مُريع.. وإنَّ منع هذُدَبُِّلم أمانةٌ في أعناقكم.
وحدَه النور هو الذي سيمحو السيئاتِ والآثامَ والتحللَ والرذيلةَ والفسادَ والفِتَن.
.......
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّٰهُ إِلَّا همية بُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
المحامي
عبد الرحمن شرف لاچ
وعقب هذه المرافعة وجَّه رئيس المحكمة سؤالًا إلى الأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ حول ما إذا كان لديه كلامٌ آخر يقوله، فنهض الأستاذ قائلًا:
- أرجو السماح لي ُ الرهلماتٍ لا غير.
- تفضل.
- أنا لست أهلًا لكلمات الثناء التي قالها بحقي مُحاميَّ الأفاضل، وإنما أنا رجلٌ ضعيفٌ أعمل في خدمة القرآن والإيمان؛ وليس لديَّ شيءٌ أقوله سوىقرار ص#754
-إعلان قرار البراءة:
بعد هذا خُتِمت الجلسة، واجتمعت هيئة المحكمة للتشاور، ثم أصدرت قرارَ البراءة بالإجماع، وقد قوبِل هذا القرار باستحسانٍ بالغٍ وتصفيقٍ حارٍّ مِن قِبَل الحضور في ال من الونال القرار صفة القطعية لعدم إحالته على التمييز من قِبل الادعاء العام.
٭ ٭ ٭
رسالةٌ كتبها أحد طلاب النور الجامعيين إلى أحد زملائه بمناسبة قدوم الأستاذ إلى إسطنبو. يا سأشكركم على تهنئتكم التي بعثتم بها إلينا وإلى إسطنبول بمناسبة قدوم أستاذنا الحبيب إليها.. لقد ازدانت هذه المدينة العظيمة بمَقدمه وخرجَتْ لاستقباله في هذا الحدث الفريد المهيب كأنها في عيد.. لقد سه وبركلُها، عالِیمُهم وجاهلُهم، غنيُّهم وفقيرُهم، شيوخُهم وشبابُهم.. سارعوا إلى المحكمة وإلى الفندق لرؤيته والاستماع إليه.
لقد عمَّنا السرولتقيكمرح.. حتى أحلامُنا ازدهرت وتلألأت.. أما أعداؤنا فاسودَّتْ وجوهُهم واربَدَّتْ.. وتبيَّن لهم أن نفاقهم الذي سوَّدوا به صفحات أعمالهم لم يُغنِ عنهم شيئًا، ولن يُجديَ لهم نفعًا.
لقد أعاد أستاذُنا الحياةَريِّ: مَعْلمٍ من معالم إسطنبول المجيدة، فتَغير مشهدها في عيون إخواننا.. تغيَّر كلُّ شيءٍ بلمحةٍ واحدة.. أشرق وجه "أيا صوفيا".. صدحت المآذن بالأذان المحمدي من جديدٍ.. وانبعثت من المساجد أصواتُ القُرّاء حَمَلَةِ القرآن تتلو آيات الذكر الحكيمظيمًا تها العذبة.. وكأني بالسلطان محمدٍ الفاتح يقوم من مثواه كلَّ يوم، ويرحِّب بمن حلَّ على مدينته ضيفًا عزيزًا مباركًا.. وأصبحنا كأننا نرى من الآن طوفان النور المنبعث من شُرُفات مسجد "يَني تركيا يبلغ أقاصي
— 755 —
حي "بَي أوغلو" ويَنفُذُ إلى أشدِّ زواياه ظلمةً وقتامةً.. لقد أماط بمَقْدَمِه المباركِ الحجابَ الذي رانَ على وجه إسطنبول المسلمة ومساجدِها البهية.. مسةٍ يريا صوفيا والفاتح والسلطان أحمد وأيوب والسليمانية.. فأصبحتْ تتراءى لنا أشدَّ بهاءً ورونقًا وحميميةً.. لقد بات أستاذُنا شمسَ هذه المدينة.. فإنْ هو غادرها لَحِقتْ به شمسُ الأفق وخيَّم ءت رساجاء هذه المدينة الهائلة الظلام.. وليس لنا من سُلوانٍ سوى الأملِ بأن تستنير مدينة الفاتح وتَسطَع برسائل النور.
عندما أخبرني الإخوة هاتفيًّا بقدوم الأستاذ شعرت لوهلةٍ كأن تيارًا كهربائيًّا سرى في كياني الخامد.. لم يكنًا وقلا مميتًا ولا صاعقًا.. بل كان تيارًا يبعث الحياة والروح.. شعرت فجأةً بقوةٍ تسري في كياني المادي والمعنوي، وبقوةٍ مغناطيسيةٍ هائلةٍ تجذبني.. وعندملَ موت إلى المحكمة تبيَّن لي أن المشاعر التي انتابتني هي نفسُها قد انتابت الجميع.
كانت المحكمة قد غصَّت بالحضور في الداخل والخارج.. وبينما كنت أحاول الدخول من بين الجموع المحتشدة إذ لمحتْ عيناي الأستاذَ يمشي بين اثنين الناسابه الجامعيين..كان متميزًا تمامًا في مَظهره وزيِّه ومُحيَّاه مثلما هو متميزٌ تمامًا في مَخبَره وجوهره ومعناه.. وبدا هذا الرجل الاستثنائي الذي تتوجه إليه ملايين الأنظار وكأنه لا يعبأ بشيء ولا يلانٍ مخًا لشيء.
.......
أنا الآن داخلَ قاعة المحكمة، وعندما تُلي اسمُه الأثير دخل هذا الرجل العظيم ممثِّلًا لشعبٍ كريم ودينٍ عظيم وتاريخٍ مجيد.. حَصَلتْ جَلَبةٌ للحظاتٍ تلاها صمتٌ مطبِق.. وخيَّم على الجميع شعورٌ برهبةِ الموقف ووقْعِ اللحظة.
أسقمه غم مرضه انبرى كالرعد يدافع ويعترض بقوةٍ وثباتٍ أثار إعجاب هيئة المحكمة.. وفي الجلسة الثانية كانت الجموع أكثر من ذي قبل.. وقد تولى بنفسه الردَّ على تقرير لجنةِ الخبراء عديمةِ الخبخاص أندَّ عليها بإجاباتٍ بارعةٍ مُحكَمة.. وحين
— 756 —
أُعلِنَ رَفْعُ الجلسة إلى تاريخ الخامس من آذار/مارس، تقدمتُ نحوه بخطًى متردِّدةٍ مستشعرًا ضعفي وتقصيري.. وأكببت على يديه المباركتين أقبلهما بشوقٍئر وتح. وفي لحظةٍ من صفاء الباطن ونقاء السريرة استجمعت نفسي ونظرت إلى عينيه.. تلك اللحظاتُ وذلك اليومُ.. ستبقى أجمل وأروع ما تحتفظ به ذاكرتي.. أما إخواني الآخرون من طلاب الجامعة فإننا نوا شرفًا عظيمًا بملازمته وخدمته.
أسأل اللّٰه تعالى أن يجزي عنا أستاذنا خير الجزاء، ويرضى عنه رضاءً لا سَخَط بعده، ويَمُنَّ على طلابه - لا سيما الضعفاء البسطاء أمثالي - نية ال والدراية والعزم والإخلاص، آمين.
نعم يا أخي.. نشكر اللّٰه جزيلَ الشكر أن قيَّضَ لنا - نحن المحتاجين - هذا الأستاذ الذي أثبت بمواقفه وكتبه أنه سلطانٌ معنويٌّ لهذا لام.. ويَسَّر لنا رسائلَ النور التي هي أنجعُ دواءٍ وأنفعُ بلسمٍ لجِراحِ هذا الزمان، وأسطعُ نورٍ يتسلح به المسلم في مواجهة الظلمات، وخيرُ دليلٍ يرشد التائهين في مهفَّذهاضلال؛ وحقُّها علينا أن نواظب على قراءتها ونَشرِها ما حَيِينا بإذن اللّٰه.
الباقي هو الباقي
كامل
من طلاب النور بجامعة إسطنبول
٭ ٭ ٭
— 757 —
ة النوة الأستاذ إلى أميرداغ
إثر إعلان محكمة إسطنبول قرار براءته عاد الأستاذ إلى "أميرداغ"؛ وبينما كان ذات يومٍ يتجوَّل كعادته بين الحقول في شهر رمضان، إذ لحِق به ثلاثة عناصر من الشرطة يرأسهم رقيبٌ أول، وطلبوا ماه من داء القبعة الإفرنجية فرفض، فنقلوه إلى المخفر، وعلى إثر هذه الحادثة كتب الأستاذ عريضةَ شكوى بعث بها إلى كلٍّ من وزارتَي العدل والداخلية، تي للنث إلى أحد طلابه بأنقرة ليُعلِم نواب البرلمان المعنيِّين بالرسائل بما جرى، فأرسل الطالب نسخةً من عريضة الشكوى إلى صحيفة الجهاد الأكبر "بيوك جهاد" التي تصدر في مدينة "صامسون"، فنشرتها كمقالٍ تحت عنوان:اء من يل الأكبر"، وألحقت بها حاشية.
وبعد ذلك أرسل طلاب النور في جامعتَي أنقرة وإسطنبول عدةَ مقالات إلى الصحيفة المذكورة فنشرتْها، وفي هذه الأثناء وقعت حادثة "ملاطية"، فشُنَّتْ حملةٌ ملأى بالكذب والافتراء والتشويه ضد المتديِّنين،لتي خَأثر بها بعض المسؤولين فسعَوا لإيجاد نقاط اتهامٍ لدى الصحف الدينية، وأُوقف مدير الصحيفة وأحد طلاب النور بجامعة أنقرة، وقُدِّما إلى المحاكمة بسبب نشر مقالة "الدليل الأكبر" وغيرها من المقالات؛ وشرعت الصحف تنشر مقالاتٍ وبياناتٍ تهاجم رسائلَ ان أن وما تَحقَّق لدعوتها من تقدمٍ وازدهار، وانطلقت حملةُ بحثٍ وملاحقةٍ في خمسةٍ وعشرين موضعًا من أنحاء تركيا، واستهدفت إدانة قرابة ستمئة طالبٍ من طلاب النور، إلا أن العملية لم تلاستقر تحقيق شيءٍ من أهدافها، بل تَبيَّن في حصيلة الأمر أنه لا يوجد في رسائل النور ولا لدى طلابها ما يستوجب الاتهام أو الإدانة.
وعلى الرغم من أن محكمة "صامسون" أصدرت في السابق قرارًا يُدين رسائل النور ومؤلِّفَها، إلا أن محكمة التمييز نقضتْه مة في عه وأردفتْ باطِّلاعها على
— 758 —
مضمون الرسائل وسلامتها من التهمة، مما اضطر محكمةَ "صامسون" لعقد جلسةٍ جديدةٍ برَّأت فيها الرسائلَ ومؤلِّفَها لعدم وجود عناصر اتهامٍ في المقالات المنشورة.
ومن جهةٍ أخرى رُفِعَت دعوى ِّهم، لأستاذ في محكمة "صامسون" بسبب مقالة "الدليل الأكبر"، وأصرَّت المحكمة على مثوله لديها، وأصدرت بحقه مذكرةَ إحضارٍ متجاهلةً التقرير الطبي الذي أفاد تعذُّر مجيئه لكبر سنه وتردي حالته الصحية؛ فقرر الأستاذ مد حبيب حضورَ المحكمة، وغادر "أميرداغ" متوجهًا إلى إسطنبول ليُكمل منها الرحلة إلى "صامسون"، إلا أنه لم يستطع إكمال الطريق لشدة اعتلاله وضعف تحمله، فُّ إنسى تقريرٍ طبيٍّ يفيد بأنه بعد المعاينة الطبية لسعيدٍ النُّورْسِيّ تَبيَّن أن حالته الصحية لا تسمح له بالسفر إلى "صامسون" برًّا ولا بحرًا ولا جوًّا، وأُرسِل التقرير إلى محكمة "صامسون" التي كه الفاَّعيها العامُّ مُصِرًّا على مثول الأستاذ شخصيًّا، فقررت هيئة المحكمة استنابةَ إحدى محاكم إسطنبول في أخذ إفادات بديع الزمان، وتم الأمر على هذا النحو، وفي نهلم يَلمطاف قضَتْ محكمة "صامسون" ببراءة سعيدٍ النُّورْسِيّ لعدم وجود مقصِدٍ يوجب إدانته في المقال الذي كتبه.
٭ ٭ ٭
— 759 —
هذا الدفاع تلاه الأستاذ النُّورْسِيّ في محكمة إسطنبول
وقرَّرت المحكمة براءته على إث على أ
لقد قام أعداؤنا العاملون في الخفاء بتحريض القضاء علينا من جديد في شهر رمضان المبارك هذا، وثمة منظمةٌ شيوعيةٌ سِريَّةٌ لها يدٌ في الأمر.
فأولًاوفي عملٍ يخالف القانون كليًّا أرسَلوا إليَّ مجموعةً مسلحةً مؤلَّ منهم رقيبٍ أول وثلاثة عناصر من الشرطة، وذلك حين كنتُ مُختلِيًا بنفسي بين الحقول والجبال، فأخذوني بالقوة إلى المخفر بدعوى أنني لا أرتدي القبعة الإفرنجية!!
برزخي أقول لكلِّ المحاكم التي تَنشُد العدالة:
لقد كان الواجب توجيه تهمة مخالفة القانون حقًّا لمن خرجوا على قوانين الإسلام من خمسة وجوه، ومارسوا الظلم باسم القانون من خمسة وجوه، وهم الذين ما فَتِئوا منذ سنتين يذيقونني العذاب إلا ل متذرِّعين بحججٍ باطلة وتلاعباتٍ قانونيةٍ مُشينة!! ألا لا جَرَم أن لهم في محكمة الجزاء الكبرى عذابًا يَلقَونه.
أجل، كيف يوجَّه الاتهام لرجلٍ ظلَّ منزويًا خمسًا وثلاثين سنة، لم يخالط فيها الناس في الأسواق لتسبيحمجتمعات، فيقال له:إنك لا ترتدي القبعة الإفرنجية؟! أيُّ قانونٍ في الدنيا يسمح بهذا؟!
لقد مضى على هذا الرجل ثمانٍ وعشرون سنةً قضاها في خمس ولاياتٍ، وأُحيل فيها على خمس محاكم، فما تدخلتْ إدارلعلمية شرطةٌ من هذه الولايات، ولا محكمةٌ من هذه المحاكم، بخصوص ما يضع على رأسه، وها هو اليوم ماثلٌ في محكمة إسطنبول العادلة، وأمام ما يزيد على مئة عنصرٍ من عناصر الشرطة فيها؛ وثيرٌ م أن أقام في هذه المدينة وتجول في أماكن شتى منها شهرين اثنين، فما تعرض له شرطيٌّ واحدٌ بهذا الخصوص!!
— 760 —
وفضلًا عن أن محكمة التمييز قَضَتْ بولم يَبعات الصوفية غيرُ محظورة، فإنه لا يُجبَر على ارتداء القبعة الإفرنجية أيٌّ من النساء أو أفراد الجيش أو الموظفين أو سواهم ممن يحسرون عن رؤوسهم، ولا مصلحةاءً علب على ارتدائها، ولا مساءلةَ لمن يرتدي قبعةً سواها!!
ثم إن هذا الرجل ليس له وظيفةٌ رسميةٌ حتى يكون له لباسٌ رسمي، بل هو منزوٍ لا يخالط الناس ل يرددو في شهر رمضان المبارك، إذِ امتنع عن اللقاء بأخص أصحابه لئلا يستذكر الدنيا أو يَشغَل روحَه بشيءٍ من هذه القضايا المزعجة التي تُعدُّ مخالِفةً للقانون، حتى إنه برغم شدة مرضه لم يتعاط دواءً ولم يستدعِ طِ، عسىلئلا يشغل قلبَه وروحَه بشؤون بدنه!!
إلا أنه برغم هذا كلِّه يُطالَب بارتداء القبعة الإفرنجية تشبُّهًا بالرهبانِ الأجانب، ويُهَدَّد بالإحزل بك.ى القضاء إن هو خالَف!! فما أشنعه من تصرُّفٍ يشمئزُّ منه مَن له ذرَّةُ ضمير!!
ومما يتصل بهذا الموضوع أن الشخص الذي طالبه بارتداء القبعة قال له: إنما أنا عبدٌ مأمور.
و والأخز أصلًا أن يؤمَر بامتثال قانونٍ جبريٍّ تعسفيٍّ حتى يقول القائل: إنما أنا عبدٌ مأمور؟!
كلا، فكما أن القرآن يدعو لطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَملحقَ أنْكُمْ، فإنه كذلك يدعو لعدم التشبُّه باليهود والنصارى؛ فهو يأمر بطاعة أولي الأمر شريطة ألا تنافيَ طاعةَ اللّٰه ورسوله، فعندئذٍ يمكن للمرء أن يقول: أنا عبدٌ مأمور، والحال أن قضيتنا هذه فيها ن كانولا تحصى من المخالفة للقانون والمصادَمة لأعراف الإسلام وشرائعه، والانتهاك لقوانينه القدسية لصالح أمرٍ تعسفيّ، فهي تَنتهِك تعاليمَ الإسلام الآمرةَ بالرأفة بالمريض والعطف على الغريب وعدم الإسليق على مَن يدعو إلى القرآن والإيمان في سبيل اللّٰه، وتَعمِدُ فوق هذا إلى رجلٍ منزوٍ قد ترك الدنيا فتأمره بارتداء قبعةٍ على شاكلة الرهبان الأجانب!!
— 761 —
وإن القيام بمثل ائد الإجراءات مع شخصٍ غريبٍ فقيرٍ مثلي، قد طعن في السن، واشتد به المرض، وبلغ بابَ القبر، وانزوى وترك الدنيا منذ خمسٍ وثلاثين سنةً لئلا يخالف السنة النبوية السَّنيَّة.. لا ريب أن هذا النوع من المعاملة إنما يُدار في كواليس ا النورة، ويوجَّه لضرب الوطن والشعب والإسلام والدين خدمةً لمصالح الفوضوية الهدَّامة، ويستهدف في الوقت نفسه التيار الديمقراطي والنواب المتديِّنين الذين حملوا على عاتقهواضطرّ خدمة الدين والوطن والتصدي لمخططات التخريب الخارجية؛ وإنني في دفاعي هذا أَلفِتُ انتباههم لئلا يتركوني وحيدًا في التصدي لهذا المخطط الخبيث.
حاشية:
إن رجلًا نذر نفسه وشَهِد عن الإسلام، ووهب حياته لخدمة القرآن، وحافظ على عزة الإسلام فلم يقف للقائد الروسي الذي تعمَّد المرور من أمامه عدة مرات، ولم يرضخ لتهديده له بالإعدام؛ وجابَهَ معتزًّا بإسلامه قائدَ الجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنَّى منَن مالأه من المشايخ الذين أفتوا له فلم يكترث لتهديده إياه بالقتل، بل أعلنها مدويةً في المنشورات أن ابصقوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمةِ الأوغاد؛ وخاطب مصطفى كما من طلحشدٍ من خمسين نائبًا غير مبالٍ بحدَّته ونَزَقِه فقال له: "إن تارك الصلاة خائن"؛ وأبى أن يداهن أو يتملَّق رجال المحكمة العسكرية، بل رد على استجواباتهم المتوعِّدة قائلًا: أنا مستعدٌّ للتضحية بروحي فداءً لمسألةٍ واحدةٍ من مسائل المن الع واختار العزلة ثمانيًا وعشرين سنةً لئلا يتشبه بالكفرة.. إن رجلًا هذه حاله لو كُلِّف بأمرٍ لا قانونية له ولا مصلحة فيه فقيل له: "عليك أن تتشبه برهبان اليهود والنصارى،لّٰه تي القبعة الإفرنجية مثلَهم، وتخالف إجماع علماء المسلمين، وإلا نزل بك العقاب" فلا جرم أن من ضحى بكل شيءٍ فداءً للحقيقة القرآنية سيرفض ارتداء هذه القبعة حتى ولو كلَّفه الأمرُ التضحيةَ لا بروحه فحسب، بل بمئة روحٍ له لو وُجِدت، وحتى لو كان الته من ها بالسجن والتعذيب فحسب، بل بالتقطيع إِرَبًا والتعذيب حرقًا؛ وحسبكم بسيرة الرجل شاهدًا بهذا.
— 762 —
فيا ترى ما السر الذي يجعل هذا الرجل الذي يتحلَّى بمثل هالعشريضحية والقوة المعنوية الهائلة، يتحمَّل أشدَّ الظلم والطغيان الذي يَلقاه من أعداء الدين والوطن العاملين في الخفاء، ولماذا لا يقابل السيئة بمثلها ولا يردُّ عليها بسلوكٍ عمليٍّ ملموس؟
دعوني أعلنها لكم ولكل مَصابرًاميرٌ ووجدان: إن سرَّ ذلك هو مخافتُه من إلحاق الضرر بتسعين بالمئة من الأبرياء بجريرة عشرةٍ بالمئة من الزنادقة الكفرة، والتزامُه بالحفاظ على الأمن والاستقرار في هذا البلد، وإقامتُه الرقيبَ المعنويّنه ارتلب كلِّ فردٍ من خلال دروس رسائل النور، فهذا ما علَّمه إياه القرآنُ الحكيم؛ وإلا فإن بمقدوره الانتقام في يومٍ واحدٍ من أعدائه الذين ظلموه طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنة؛ لكنه حفاظًا على الأمن والاعليَّ، وحقوق الأبرياء لا ينتقم ممن طعنوا في شخصه ونالوا من كرامته وشرفه، بل يقول: إنني لأجل الأمة الإسلامية لا أُضحِّي بحياتي الدنيوية فحسب، بل بحياتي الأُخروية إن لزم الأمر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ لغُ دل3
حضرة أستاذنا المبارك الشفيق الموقَّر..
لقد عَشِيَت الأبصار وامتلأت القلوب بالشرور والآثام في هذا العصر العجيب المغرِق في الكفر والمادية، ولا شيء يجلو هذه الأبصار وينير تلك القلوب المظلِمة الموحشة سوى رسائل النور الالمرء أحقُّ وأصدق ما ترشَّح من منهل القرآن في هذا الزمان، ولهذا فإن أليق اسمٍ يسمى به هذا العصر هو عصر النور.
.......
لقد أتت رسائلُ النور إلى جِراح الإنسان التي لا تندمل، فداوتْها بدوائها الأُخرويِّ الناجع، ولِ المََيتم بهذه الرسائل الرائعة - وما زلتم تؤدُّون - وظيفةَ المنقذ لآلاف الشباب المثقف، ونحن شهاداتٌ حيةٌ على أولئك الذين أخرجتْهم رسائل النور من التِّيه وأنقذت إيمانهم.
لقد برزت الرسائل في هذا الزمن الَيشِ تنقضت بنيان المادية من أساسه، وتصدَّت بالعلم والوعي لأباطيل الشيوعية والماسونية فأحالتْها أنقاضًا وأطلالًا، وقدمتْ لقُرَّائها - وهم المحظوظون حقًّا في هذا الزمان - ماءَ الحياة الذي لا تضاهيه قيمة أن مدلدنيا ولا في الكون بأسره، أعني الإيمانَ الذي هو تذكرة السفر إلى عالَم البقاء.
أستاذَنا العزيز المبارَك.. لقد قدَّمتم إلينا هديةً نفيسةً لا تُقدَّر بثمن، ومهما قابلناكم عليها بالمحبة والاحترام فإننا مقصِّرون، وإن الرابطة التي تربدية واا وبينكم هي رابطةٌ أبدية لا تَقدر أيَّةُ قوةٍ على حلِّها.
أُقبِّل أياديكم المباركة، وأرجو منكم الدعاء.
باسم طلاب النور الجامعيين
أحمد أطاق
من كلية الراءتهملسياسية
٭ ٭ ٭
— 764 —
هذه رسالةٌ نُشِرت في صحيفة الجهاد الأكبر "بيوك جهاد" بی"صامسون"، فاتخذها المُغرِضون ذريعةً لرفع دعوى ضد الأستاذ في محكمتها التي قضتْ بمثلي ي في نهاية المطاف.
إلى أستاذنا بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ داعية الإسلام تاجِ أهل الإيمان وترجمان رسائل النور..
لقد قلتم قبل سنواتٍ: إن رسائل النور ليست مُلكي، بل هي بضاعةُ القرآن وفيضٌ منه، ولن تستطيع أيعن أن أن تنتزعها من أرض الأناضول أو تقطع صلتها بها، لأن الرسائل موصولةٌ بالقرآن العظيم، والقرآن موصولٌ بالعرش الأعظم، فمن له أن يَطول تلك العروةَ الوثقى فيَفصِمَها؟!
ولقد تَحقَّق اليوم ما سبق أن أعلنتم عنه قبل سن الإخوْ قضتْ محكمة "أفيون" - في عهد الديمقراطيين المتديِّنين هذه المرة - برفع الحظر عن رسائل النور، وبردِّ جميع الرسائل والمراسلات والكتب المصادَرة لعدم تشكيلها أيَّةَ مادةٍ جُرمية.
وإننا نَعُدُّ قرار البراءة هذا تصديقًا صريحًاجنةُ خعلنتم عنه، ودليلًا ساطعًا على أن خدمتكم السامية التي تقومون بها إنما هي محضُ خدمةٍ قرآنيةٍ يُبتغى بها وجهُ اللّٰه وحدَه، كما نعدُّه فاتحة خيرٍ لسعادة العالَم الإسلامي عامةً، ولهذا الشعب المسلم خاصةً.
وإننا ننتهز هذه المناسبة لنقدم أحرّأبديُّاني والتبريكات لمن كان يَرقُب مثلَ هذه الانتصارات بكل شوقٍ، ألا وهو أستاذنا الحبيب كبيرُ أسرة النور، ورُبَّانُ بحر الحقائق، ومرشدُ الإنسان في عصرٍ لغ بجلا فيه الإنسانية في الطغيان، كما نعبِّر عن الشكر والتقدير للديمقراطيين المتديِّنين وأعضاء هيئة المحكمة العادلة الذين انتصروا لأهل الإيمان وساندوهم.
لقد جاهدتم - أستاذَنا العزيز - على مدى سنين طويلةٍ لإعلاء راية الحقيقة القرآنية، وبذلتم في سعيد ا الغالي والنفيس، حتى تَحقَّق لها - بفضل اللّٰه - ما تَحقَّق من فتحٍ وظهورٍ وازدهارٍ على امتداد أرجاء هذا البلد، وعَمَرَتْ قلوبَ أهل الإيمان بالأنس والسرور، وهذا دليلٌ ساطعٌ كالشمس في رابعة النهار يبٍ من سُموَّ وعِظَم هذه الدعوة القدسية التي نهضتم بخدمتها ووفِّقتم فيها أيَّما توفيق.
— 765 —
إن الصبر والثبات الذي تحلَّيتم به أمام المشاقِّ والعقبات التي واجهتموها على امتداد ثلاثين سنةرين بيقمتم به من جهادٍ وخدمةٍ فريدةٍ في سبيل نشر رسائل النور التي أفاضها القرآن على قلبكم، ستكون أنموذجًا يُحتذى لأجيال المستقبل ومجاهدي الإسلام الأبطال.
لقد بدَّدتم بأشعة النور الساطعةِ من شمس القر سأدعواتِ الجهل والضلال، وأنَرْتُم بها قلوب الملايين، فكانت لكم مآثرُ وأيادٍ بيضاء خالدةٌ بين أهل الإيمان، وستبقى خدمتكم وتضحياتكم ماثلةً على مَرِّ الزمان، لا ينساها التاريخ، ولا تنساها هذه الأر التضي ينساها هذا الوطن ولا أبناؤه؛ بل حتى عند انتقالكم إلى عالَم الخلود ستكون خدمتكم نواةً تنبثق منها شجرةُ نورٍ باسقةٌ ممتدَّةُ الأغصان وارفيع تلكلال، تتدلى منها قطوفُ رسائل النور المتألِّقة، وتلتقي في ظلها الجماعات العظيمة، فتستأنف هذه الخدمة بأبهى صورةٍ وأسطعها، وتُديمها إلى أن يَرث اللّٰه الأرض ومن عليها.
بلى، فأستاذُنا الحبيب هو رائد هدايةٍ لهذا العصر بما قيَّض البالغةله من منزلةِ الترجمان لرسائل النور، وبخدمة الإيمان التي أنارت آفاقَ العالَم الإسلامي، وهو دلَّال القرآن في القرن الهجري الرابع عشر، وهو البطل المضحِّي الذي تصدّى بنور القرآن لظلمات هذا الزماا.
يب، وهو الرجل المهيب الذي نشر مئات آلاف رسائل النور بأقلام مئات الآلاف من طلابها الأبرار، فأقام سدًّا قرآنيًّا مُحكمًا منيعًا في وجه الإلحاد والكفر المطلق.
إننا نشكركم من صمرِ الذبنا على خدمتكم القدسية التي نشرت سحائب الرحمة والسعادة على العالم، وجادت بالسلامة والسُّلوان لبني الإنسان، وحملت طلائعَ البشرى لأهل الإيمان بعودة حاكمية الإسلام على أصقاع الأرض، وذلك هو يومُ العيد الأكبر والأنور.
نُقبِّل أيادلاصٍ ولكريمة، راجين لكم من المولى سبحانه العمرَ المديد المبارك.
طلاب النور بجامعة أنقرة
إسماعيل، صالح، عاطف أحمد، ضياء، محمد، عبد اللّٰه
٭ ٭ ٭
— 766 —
إقامة الأستاذ النُّورْسِيّ في "إسبارطة"
في صيف العام ١٩٥٣ م غادر اكتابًا النُّورْسِيّ "أميرداغ" ليحُلَّ نزيلًا على "إسبارطة" حيث الكثير من طلابه المخلصين، وهي المدينة التي سبق أن وصفها في مراسلاته بأنها مباركةٌ حتى بترابهاَوْرِهرها، وأنها كانت أقوى ركيزةٍ لإدامة حياته المعنوية التي تحقَّقتْ بظهور رسائل النور وانتشارها.
والحقيقة أن "إسبارطة" قد أثبتت أنها جديرةٌ حقًّا بهذه المزايا التي أثنى بها الأستاذ عليها، وقمراتِ لها بهذا وقائعُ سنواتٍ طويلة، فأول مكانٍ أُلِّفَتْ فيه رسائل النور وأول مدرسةٍ أُقيمت لها إنما كان في "بارلا" التي هي إحدى نواحي "إسبارطة"، وفيها أُلِّفت أجزاء رسائل النور الأساسية.
ية" إل كانت أجواء الرهبة والخوف تَعُمُّ البلاد، كان طلاب النور بی"إسبارطة" وما حولها يستنسخون وينشرون آلاف النسخ من رسائل النور كتابةً بأقلامهم، وحسبُنا مثالًا على هذا قرية "صاو"، فحين كان الأستاذ تحت الإقامة الجبرية بی"قسطموني" كان في ه تطلع رية وحدَها ألف قلمٍ لا يفتُر عن كتابة الرسائل ونسخها، وقد استمر هذا العمل سنين طويلة؛ وهكذا كانت الحال في سائر مراكز النور بی"إسبارطة" وما حولها، فكانت كل قريةٍ وكلُّ ناحيةٍ تقوم بخدمة الرسائل ونشرها بما يضاهي عمل ولايةٍ بأكملها. ثلاثو مصنعي "النور" و"الورد" وتلاميذ المدرسة النورية التي حولهما و"هيئة المباركين" كانوا جميعًا ضمن ولاية "إسبارطة" أيضًا.
يضاف إلى ما سبق أن معظم أفراد الرعيل الأول من طلاب النور، وسواهم من الكبار الذين كان كل واحدٍ منهم بمثابة يتْ رسي الخدمة القرآنية، وكانوا مبعث فخرٍ لطلاب النور، إنما كانوا من أبناء هذه المدينة ونواحيها.
ثم إنه قد عُرِف رجال القضاء والشرطة فيها بمعاملتهم المنصفة إجمالًا مع الرسائل وطلابها، وكثير، حيث دعا الأستاذ لجهات القضاء فيها، وضرب بها المثل لسائر الولايات بهذا الخصوص.
— 767 —
فلأجل هذه الاعتبارات وأمثالها قدِم الأستاذ إليها على أمل أن يقضيَ بها بقية حياته، ويَلقى أجلَه فيها بين إخوانه الصادقين المباركين، ويُدفَن في ثراهلغ حالءٌ في "إسبارطة" نفسها، أو في "صاو" أو في "بارلا".
استأجر الأستاذ منزلًا بی"إسبارطة" وأقام فيه، وكان معه بضعةُ طلابٍ يلازمونه، وبهم أنشأ الأستاذ نظام المدرسة النورية المعهود.
٭ ٭ ٭
@
الأستاذ النُّورْسِيّ يضع أولن له ضٍ في بناء المسجد المقام للوحدات العسكرية بی"إسبارطة".
— 768 —
جوانب من مرحلة "إسبارطة"
المحاكم والدعاوى:
قبل صدور قرار محكمة "أفيون" برفع الحظر عن رسائل النور، وقعت حادثة "ملاطية" المذكورة، ساميًسلسلةٌ من التحرِّيات في عددٍ من الولايات والأقضية، ورُفِعَت الدعاوى ضد رسائل النور وطلابها في عدة أماكن كی"مرسين" و"ريزه" و"ديار بكر"، كانت نتيجتها في نهاية المطاف: البراءة.
وفي هذه الأجواء المشحوود للحَ النوريين تَحرَّكَ مقام الادعاء العام بی"إسبارطة"، وأعدَّ لائحة ادعاءٍ بحق ما يزيد على ثمانين طالبًا من طلاب النور، ورفعها إلى قاضي التحقيق.
ومن جهةٍ أخرى شرعتْ القنا الأمن تَبُثُّ عناصرها بين طلاب النور وتراقب تحركاتهم؛ كما جرت تحرِّياتٌ واستجواباتٌ في أماكن شتى كأنقرة وإسطنبول و"أضا بازار" و"سافران بولو" و"قره بوك" و"دينار" و"إينه بولو" و"وان"، غير أن الجهات المعنية لم تعثر بعد كل هذا التحري وان أمكني على أيِّ تصرُّفٍ منهم يضرُّ الوطن أو الشعب ولو بمقدار ذرَّة، بل تَبيَّن على العكس من ذلك أن طلاب النور مبعثُ فخرٍ واعتزازٍ لكل فردٍ من أبناء الوطن، فهم أناسٌ يؤدُّون خدماتٍ إيمانيةللإسلايةً ووطنيةً، ويقومون بفعالياتٍ وأنشطةٍ أخلاقيةٍ، ولا غاية لهم سوى قراءةِ رسائل النور وإقرائِها ونشرِها، وبناءً على هذا توصلت الجهات القضائية إلى قناعةٍ عامةٍ تقول: إننا لم نعثر على جرمٍ لدى طلاب النور، ولم يُلحَظ منهم أيَعَم، طٍ أو تصرُّفٍ تترتب عليه مسؤوليةٌ ما.
والحقيقة أن هذه الموجة من التحقيقات كان لها أثرٌ إيجابيٌّ على رسائل النور، إذ كانت وسيلةً لإظهار َن الميتها على الملأ، وقد صدر القرار ببراءتها في نهاية المطاف.
— 769 —
وعلى صعيدٍ آخر، قام طلاب النور النشطاء في كلٍّ من "أورفا" و"ديار بكر" بإنشاء مدارس نورية، وشرعوا بإي تُفيروس العلم من رسائل النور لشتى طبقات المجتمع خصوصًا فئتَي الشباب والطلاب، وبذلك أعادوا لطلاب العلم مكانتهم المرموقة التي تشتد إليها الحاجة في هذا الزمان، وأدّ تنتشرمةً إيمانيةً جليلةً في المناطق الشرقية؛ وفي هذه الأثناء رُفِعَت دعوى ضد أحد طلاب النور النشطاء كان يؤدي خدمةً إيمانيةً وقرآنيةً في "ديار بكر"، إلا أن القضية انتهت بصدور البراءة مما كان له أثرٌ طيبٌ في نئرة، تل الإيمان.
أما القضية التي كانت مرفوعةً ضد الرسائل بمحكمة "أفيون" فقد بُتَّ بها في العام ١٩٥٦ م، فبعد أن قامت الهيئة الاستشارية في رئاسة لأعزاء الدينية بالتمحيص في رسائل النور والتدقيق فيها، أصدرت تقريرًا يفيد بأنها مؤلَّفاتٌ تخدُم الإيمان والأخلاق؛ وبناءً على هذا أصدرت محكمة "أفيون" قرارًا قطعيًّا ببراءة الرسائل والسماحولا شكتلاه قرارٌ أصدره قاضي التحقيق بی"إسبارطة" ينص على منع محاكمة رسائل النور، وبذلك اجتازت الرسائل كل العقبات القضائية التي مَرَّت بها لتنال سماحًا كليًّا وعامًّا، وتَلْقى حسن القبفي "أم أوسع نطاق.
نشر الأنوار:
بالتوازي مع خدمة الأنوار التي كانت تجري على قدمٍ وساقٍ في أماكن شتى من الأناضول، اضطلعت المدارس النورية في كلٍّ من أنقرة وإسطنبول و"ديار بكر" و"أورفا" بخِدْماتٍ لمون.
تأثيرها على المحيط القريب، بل امتد إلى دائرةٍ واسعة النطاق؛ ولأن هذه الخدمات كانت قرآنيةً محضةً لا تَتْبع لشخصٍ أو فئةٍ أو جماعة، فقد نهض بها أشخاصٌ كثيرون لاالحكومرون، وأدَّوها بطرُقٍ ووجوهٍ شتى؛ وتسابقتْ لأداء هذه الخدمةِ القدسيةِ ونشرِ الأنوارِ المحمديةِ جموعٌ من الطلبة المخلصين والمؤمنين الصادقين لا تُعرَف أسماؤهم ولا تحا، وبِادهم.
— 770 —
وفي أنقرة عمل الطلاب الجامعيون وغيرُهم من الأشخاص من ذوي الحسِّ العالي بالمسؤولية على طبع رسائل النور ونشرها وإيصالها إلى شتى الفئات، لا سيما المتعطشين للاستفادة منها ممن لا يجيدون قراءة سوى الحرف اللاتيني؛ وقد حملوستةٌ ب وطلاب المدارس على عاتقهم مهمة نشر مجموعات الرسائل كاملةً وبذلوا في سبيل ذلك تضحياتٍ جمة، وكان ذلك مبعث سعادةٍ للوطن وأبنائه، إذْ بادر هؤلاء بالأمر طواعيةً لا يبتغون من ورائه أمرٌ ولا مصلحةً سوى مرضاة اللّٰه تعالى، وقد أبانوا بهذا عن أصالتهم وانتمائهم الحقيقي لأجدادهم الأبطال الأماجد.
٭ ٭ ٭
— 771 —
ذهاب الأستاذ إلى "بارلا"
كان الأستاذ قد غادر "بارلا" قبل عشرين سنة ولم يعُد لزيارتهحكموا ذلك الحين؛ والحق أن علاقة الأستاذ بی"بارلا" أوثق من علاقته بمسقط رأسه "نُورْس"، ففي "بارلا" بدأت حياتُه المعنوية بتأليف رسائل النور، ومن "بارلا" انتشرت "الكلمات" و"المكتوبات" و"اللمعات" التي تُمثِّل أنوار ووظيفتالقرآن الحكيم، وبهذا الاعتبار تُعدُّ "بارلا" أول مركزٍ لمدارس رسائل النور.
وبالرغم من أن حياة الأستاذ بها كانت مريرةً قضاها في أجواء نفيٍ وعزلةٍ ومراقبةٍ وتشديد، إلا أنه يمكن اعتبارها في الوقت نفسه أجمل لحظات فقد غوأمتعها، إذ هي المرحلة التي أُلِّفت فيها حقائق رسائل النور.
وفي هذه المرة ذهب الأستاذ إليها بمحض إرادته ورغبته غيرَ منفيٍّ ولا مسجون.. توجه إليها في يومٍ ربيعيٍّ جميل، واستقبله هناك عددٌ من خُلَّص طلابه فيها، وما إن أصبح على مقربةٍ من المحقيقة لنورية التي أقام بها ثماني سنوات حتى انهمر الدمع من عينيه ولم يتمالك نفسه، وبَدَت شجرة الدَّلب الضخمة وكأنها ترحب بمَقدَمه.. وعادت الذكرى إلى ما قبل سنيننور موٍ خَلَتْ.. إلى لحظةِ ترحيله منها بعد إقامةٍ دامت ثماني سنوات.. يومها وقفت شجرة الدَّلب نفسُها حزينةً تودِّعه بأغصانها الممتدة كأذرعٍ في لحظةِ فِراق.. وها هي اليوم تستقبله فرحةً مسرورةً بعد طول غياب.. بدت هذه الشجرة المباركة وكأنها مستغرق ثأري سجدة شكرٍ لخالقها.. اقترب الأستاذ منها وعانقها وهو لا يتمالك دموعه.. وطلب من التلاميذ والأهالي أن يتركوه وحدَه.. وبعد ذلك دخل إلى غرفته في المدرسة النورية، وبقي فيها قرابة الساعتين وصوتُ نشيجه يُسمَع من الخارج.
أجل، إن هذا ال، بل هظهرٌ من مظاهر الرحمة الإلٰهية التي لا تتناهى، فقد نُفِي ذات يومٍ من شرقي الأناضول إلى "إسبارطة"، ومنها إلى قرية "بارلا" الواقعة
— 772 —
بين الجبال، حيث كان يُراد له أن يموت ويطويَه النسالكريمكنْ تشهد سيرة هذا البطل المقدام وسنواتُ حياته السالفة بأنه رجلٌ حَمَلَ حقائقَ القرآن الحكيم بين جنبيه وجعلها قضيتَه، وآمن أنه لا سبيل لسعادة من حد والمجتمع إلا بحقائق الإسلام، فبرز داعيًا لها منافحًا عنها في ميدان العلم والدلائل العقلية.
لقد عاصر ثلاثة عهودٍ من تاريخ هذه البلاد، فلم يطأطئ رأسه لحاكمٍ مهما بلغ من تجبُّره، تليس"،حِد عن دعوته؛ أثخنته الجراح في المعارك، ودُسَّ له السُّمّ، لكنه لم يمت ولم تَنَل من عزيمته أمواجُ المصاعب والمصائب العاتية.
ولم تُفلِح التيارات والمذاهب التي يموج بها عصتع بهاحالي، والتي اكتسحت شعوبًا وأقوامًا، وغيَّرت عقلياتٍ ومفاهيم، لم تُفلِح في تحويل هذا الرجل عن دربه الذي انتهجه في الدعوة إلى الإيمان والقرآن، بل هو على يقينٍ جازمٍ تَرفُدُه اة والف الإيمانية التي تَعمُر كيانَه من أنه سيأتي اليوم الذي يتبنى فيه الشعب الحقيقة التي دعاه إليها، وأن سعيدًا لن يبقى واحدًا، بل سيكون غدًا ألفُ سعيدٍ وسعيد، بل عشراتٌ بل مئاتُ الآلاف، وستزدهر فتوحاتُ الدعوة إلى الحقائق الإيمانية التيى
أا في الناس، وأن مشعل الهداية الذي تَسلَّمه من القرآن سيُبدِّد الظلمات التي تُلبِّد آفاق العالَم الإسلامي، وستَنتعِشُ من جديدٍ روحُ الإيمان التي ظَنَّ كثيرون أمناجاةيش لحظات الاحتضار، وستَنفخ الروح في الأرواح، وستُحيي الأمةَ التي خَيَّم عليها الموت معنًى، وسيعود الإسلام سيِّدَ الدنيا من جديد.
لقد نُفي هذا الرجل الجليل الذي يحمل هذه الحقيقة القدسية ويدعو إليها، والذي هو اليوم مبعثُ فخرٍ واعتزازٍ لبني الرباان.. نُفي وقتَها إلى هذه البلدة الصغيرة النائية بتدبيرٍ من أعداء الدين، خشية أن يتدخَّل فعليًّا ضد النظام السياسي المُقام حديثًا في الأناضول، ولكن شَتّائل النان بين حال هذا الرجل وبين ما خَشِيَه القوم منه.. فلقد ترك السياسةَ وولاها ظهرَه، ولم يتدخل في دنيا أهل الدنيا، بل توجَّه إلى حقيقةٍ ستُنير المستقبل بعد حين، فعكف على تأليفها ونشرها، ولم يكن له َّه بأٍّ ولا معينٍ سوى مَن بيده مقاليد الكائنات وأزِمَّة الحادثات، وكفى به وليًّا ونصيرًا؛ وها هو اليوم بعد
— 773 —
ثلاثين سنة يعود إلى "بارلا" من جديدٍ، وفي هذه العودة يشاهد ويتأمل جعزاء اا أولاه ربُّه من عنايةٍ وإكرامٍ بالخدمة الإيمانية التي آتت أُكُلها، فتفيض عيناه بالدمع فرحًا، ويَخِرُّ للّٰه ساجدًا شُكرًا.
يقيم الأستاذ اليوم في "إسبارطة"، ويتردّاحدة ون حينٍ وآخر إلى "أميرداغ" و"بارلا" اللتَين تربطه بهما صلةٌ معنويةٌ وثيقة، إذْ هما من مراكز تأليف ونشر رسائل النور؛ وهو يعاني من شدة الوهن والمرض لمناهزته التسعين وتعرُّضه للتسميم مراتٍ كثيرةً فالاجتمبق، وهو فوق هذا مرهف الإحساس، يتأثر بما يصيب العالم الإنساني عامةً، والعالَم الإسلامي خاصةً، لا سيما حيث تنتشر رسائل النور.
ومع أن دعواتِ طلابهلتي هي الأنوار الإيمانية تُمثِّل له دواءً لمرضه، إلا أنه ربما عانى في بعض الأحيان من مرضٍ شديدٍ لِسَعَةِ شفقته، فلا يستطيع البقاء حيث هو، بل يحتاج لتبديل الأجواء ليجدِّد نشاطَه ويستعيدَ شيئًا من عافيته.
وبعد انتشارإخلاص" النور في الآفاق، وتزايد عدد طلابها وتوزُّعهم في كلِّ جهة، قلَّل الأستاذ من زيارات الناس له إلى حدٍّ كبير، فلم يَعُد يستقبل الزوار، بل كثيرًا ما يقول: "إن قراءة رسائل النور أنفع من مجالستي بعشرة أضعاف"؛ بل قلَّما يتحدث إلى طلابه الذين يلازمووكان ذ عند الضرورة.
ويُردِّد الأستاذ أنه قد شارف على النهاية، وأنه ينتظر أجلَه، ولا يدري إن كان يُتمُّ الشهرَ أو لا، ويُبدي شكره وامتنانه لنشر الأنوار، ويُقدِّر كل خطوةٍ تخطوها الدولة أو أبناء المجتمقِّ وابيل خدمة الإسلام ونشر السعادة، ويدعو لكلِّ من يسير في طريق الحق ويحيي شعائر الإسلام، ويرجو السلامة والسعادة المادية والمعنوية للعالَم الإسلامي، ويشعر ببالغ الامتنان واية "اللجهود التي تُبذَل لهذا المقصِد سواءٌ في داخل البلاد أو خارجها.
يَعُدُّ الأستاذ رسائلَ النور معجزةً من معجزات القرآن في هذا الزمان، ويؤكد أن ما تنطوي عليه من الحقائق القرآنية هي التي تحفظ هذا الوطن من مخاطر الشيوعية،عانونهوأنها ستكون رابط الأُخُوَّة والاتحاد بين أبناء هذا البلد وأبناء العالَم الإسلامي، وينبِّه إلى أن سعادتنا الدنيوية والأخروية مرهونةٌ بتمسُّكنا بهذه الحقائق؛ وهو على قناعةٍ بضرورة نشرها في البلاد الإسلامية دون الاقتصار على أاملين ناضول فحسب، ويؤكد أن نشرها مقدَّمٌ على الانخراط في الأنشطة والفعاليات السياسية، وأن ذلك سيكون أجدى وأعمَّ نفعًا.
٭ ٭ ٭
— 774 —
ا.
ما هو العنوان الخاص لمراسلة الأستاذ؟ أريد أن أقدِّم له نسخةً من المصحف الشريف ومجموعةً من المقالات التي نشرتُها عنه؛ لقد كتبتُ عنكم مقالاتٍ كثيرة، اءً، فا وأنشرها في كتابٍ مستقل.
الإخوة الأفاضل في باكستان يسألون دومًا عن الأستاذ ويريدون الاطمئنان على صحته، ونحن - طلابَ النور بباكستان - ندعوه للقدوم إلينا.
الباقي هو الباقي
أخوكم
ولوا هبر
٭ ٭ ٭
— 775 —
رسائل النور والبلدان الخارجية
نظرة عامة لفتوحاتبدَرَج النور خارج البلاد
تمتاز رسائل النور بأنها تسلك سبيل الإقناع من خلال مخاطبة العقل والقلب بأسلوبٍ رصينٍ يناسب معطيات العلم في العصر الحديث، ولهذا لم يقتصر انتشارها على تركيا وحدَها، بل نالت قبولًا واسعًا خارجها، وأبلك حاجيلٍ على هذا تداولُها وانتشارُها في عددٍ من بلاد العالَم الإسلامي قبل أن تُطبَع في تركيا نفسِها بالحرف اللاتيني، فلقد عرفتْها مبكِّرًا بلادٌ إسلاميةٌ عدةٌ وفي مقدمتها العراق وباكستان، وتولَّتْ ترجمتَها وطباعتها بالعربية والأوردية والهنديةن شاهدكليزية، وأقبلت عليها شريحةٌ واسِعةٌ من القراء.
وغنيٌّ عن القول إن بديع الزمان شخصيةٌ متميزةٌ نالت شهرةً واسعةً قُرابة خمسين عامًا ولم تكن مقصورةً على محيطه الغرب ، فلقد كان لمكانته العلمية وقوةِ عارضته منذ أن كان فتًى دورٌ كبيرٌ في لفت الأنظار إليه سواءٌ في الداخل أو في الخارج، ولقد عرفه الأزهر - وهو مركزُ العلم في العالَم الإسلامي - عن طريق علمائه وشيوخه كالشيخ المريمة "بَخيت المطيعي" وغيره، بينما ذاعت شهرته بين الناس باعتباره عالِمًا واسع الاطلاع على العلوم الحديثة، وعرَّفتْ به مقالاتٌ نُشِرت في مصرنحوٍ خفَتْه
— 776 —
حينَها بی "بديع الزمان"؛ وسبق له قبل نحو خمسين عامًا أن ألقى خطبةً فريدةً في الجامع الأموي بدمشق حضرها جمعٌ غفيرٌ يبلغ العشرة آلاف وفيهم نحو مئةٍ من أهل العلم، وقد بيَّن في ن لرساخطبة أسباب تخلف العالَم الإسلامي، ووضَّح السبيل لنهضته، وأكَّد على ضرورة اتحاده، وكان لهذه الخطبة أثرٌ بالغ في العالم الإسلامي إذ تلقَّاها الناس بإعجابٍ وتقدير، وكانت سببًا في ذيوع اسمه في مجالس العلم؛ وفضلًا عن هذا فإنودودي"لكثير ممن عرفوا سيرته واطلعوا على جهاده ونضاله، وقرؤوا مؤلفاته، فعقدوا معه أواصر صلةٍ معنويةٍ لا تنفصم.
وقد حصل ذات مرةٍ أن بعث إليه بعض طلاب الأزهر بسؤاربي.. لق بحديثٍ مُشكِل، فتولى طلابه الأمر نظرًا لاعتلال صحته حينها، وأرسلوا بجوابٍ سَبَق أن كتبه الأستاذ ردًّا على ما قد يرِدُ على هذا الحديث من إشقطعية وأردفوه بفقراتٍ جمعوها من رسائل النور تتعلق بالموضوع نفسه، فكان جوابًا بليغًا شافيًا قوبل بكل استحسان.
وحين زار معاون وزير المعارف الباكستاني تركيا - وهو اليوم عميد جامعة السِّنْد، السيد "علي أكبر وإنكم التقى بالأستاذ بديع الزمان، وألقى كلمةً قبل مغادرته البلادَ تحدث فيها للشباب عن الأستاذ ومؤلفاته، وبعد عودته إلى بلده كَلَّفَ بترجمتها إلى الأوردية، وقرر بعضها في الجامعات الرسميلمذكورلَّت الصحف والمجلات المنشورة بالعربية والإنكليزية بباكستان التعريفَ بالأستاذ النُّورْسِيّ وكُتُبه، وتحدثتْ عن الدور الكبير الذي اضطلعت به رسائل النور في بعث الإسلام في تركيط بيننَّفت بالأستاذ كأحدِ أبرز القادة المعنويين في العالَم الإسلامي، وأبرزت العديدُ من المقالات جهادَه ونضالَه بكل تقدير.
يعرف رسائلَ النور هؤلاء بأنها سدًّا قرآنيًّا يصدُّ الهجمات التي يتعرض لها المسلمين والعالَم الإسلامي.
وعلى صعيدٍ آخر فقد لقيت رسائل النور قبولًا طيبًا في أنوِّر وأمريكا وإفريقيا، وحَظِيَتْ بقرَّاء ومهتمِّين في بلادٍ عدةٍ خصوصًا في ألمانيا وفنلندا، ونظرًا لأهميتها وُضِعت نسخةٌ منها بمسجد جامعة برلين التقنية، وعُقِد مؤتمرٌ حولها في قسم اللاهوت
— 777 —
بكلية الدراسات الشرقية، ويع دربه كثيرون بدورها في تحقيق فتوحاتٍ للدعوة إلى الإسلام بألمانيا.
وفي اليونان افتُتِحت مدرسةٌ دينيةٌ بمدينة "گومولجينا" يشرف عليها الحافظ "علي أفندي"، تُقرأ فيها دروس الرسائل ويتخرج فيها مئاتٌ من طلاب الَ الإن كما نُشِرَت في فنلندا على يد رئيس الجماعة المسلمة هناك، وأسلم بفضلها كثيرٌ من الفنلنديين.
ويوجد الكثير من قراء الرسائل في اليابان وكوريا، فقد أدخل عددٌ من طلاب النور الأتراك رسائلَ النور إلى كوريا أثناء اشتراك بلادهم في الحرب الكومُحِبّأُهدِي بعضُها إلى الجامعات اليابانية، وأُهدي البعض الآخر للمكتبات العامة بكوريا، وقد استفاد منها المسلمون في كلا البلدين.
ولم يُحرَم مسلمو الهند وأندونيسيا من رسائل النور، فقد سبق لأحد طلاب النور أن أهدى نسخةً منها إلى أحد عل سجنًلهند في موسم الحج، فتلقاها بتقديرٍ وإجلال، وأخذ على نفسه العهد بترجمتها إلى اللغة الهندية.
وأُهديت كذلك بعض الرسائل إلى مسجد واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، وأُتيحت الإفادة منها لعموم المسلمين هناك، وقد أرسدَتِك ير المركز الثقافي الإسلامي بواشنطن برقية شكرٍ وتقدير لطالب النور الذي أرسلها إليه من العراق.
فهذه نماذج مما بلغَنا عن فتوحات رسائل النور خارج البلاد، وسنشهد عما قريبٍ بإذن اللّٰه تعالى وجهًا من وجوه إعجاز القرآن الكريم في ايالها الشريف المكتوب وفق الرسم العثماني وهو الآن قيد الطباعة، ولا ريب عندنا أنه سيلقى اهتمامًا كبيرًا في العالَم عامةً والعالَم الإسلامي خاصة.
أليس فيما سبق بيانُه دليلٌ على مدى الفراغ ا برتبةالذي تسدُّه رسائل النور؟! إن البشرية اليوم بحاجةٍ إلى القرآن الكريم، وهي بالتالي محتاجةٌ إلى رسائل النور التي تُبرهن وتُبيِّن إعجازَه المعنويَّ في هذا الزمانهذا ال
ونَعرِض فيما يلي بعض المقالات التي نُشِرت في الصحف والمجلات خارج البلاد، وتحدثت عن بديع الزمان ورسائل النور، كما نَعرِض بعض الرسائل م. صاوصلت إلى الأستاذ وطلابه بهذا الخصوص.
٭ ٭ ٭
رسالةٌ من السيد "علي أكبر شاه" عميد جامعة السِّنْد إلى أحد طلاب النور بأنقرة
أخي العزيز الوفِيّ.. السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..
أعتذر إليكم إذْ لم أراسلكم منذ مدةٍ طوإسلاميلكنني بدءًا من اليوم سأواصل الكتابة إليكم باستمرار، وأرجو منكم الأمر نفسَه كذلك، فمحبتي لكم لا تنقص بل هي في ازدياد.
أنا لا أعرف التركية، لكنني أنظر في رسائل النور فتثير إعجابي، ويُعجبني كذلك اسمُها الذي سُمِّيتْ به، فهي تدعو إلى النور.رة انترابطة التي تجمع بيننا هي رابطةٌ روحية، وأسأل اللّٰه تعالى أن يزيدها قوةً ورسوخًا.
حين كنتُ في تركيا التقيتُ ببعض إخوانكم، وأرجو منكم مشكورين أن تكتبوا لي عن أحوالهم ونا خدمم سلامي وتقديري.
كيف حال أستاذ النور؟ اكتبوا لي عن أحواله، وأخبروه أنني في خدمته، وبلِّغوه سلامي وخالص مودتي.
التقيت بالأخ صابر إحسان أوغلو، وأنا الآن في جلسةم بسببأحدثه عنكم وعن تركيا، أسأل اللّٰه تعالى أن يُعيننا على المزيد لخدمة هذا الدين.
أختم رسالتي هذه داعيًا لكم بدوام الصحة والعافية، وراجيًا من اللّٰه تعالى أن يديم الأمن والأمان للمسلمين.
أخوكم في الدين: سيد علي أكبر شاه
عميد كلية الشريعة لى وجه السِّند
حيدر أباد - باكستان الغربية
٭ ٭ ٭
— 779 —
@
رسالةٌ من الجمعية الإسلامية لطلبة باكستان
رسالةٌ من رئيس الجمعية الإسلامية لطلبة باكستان إلى الأستاذ النُّورْسِيّ
إلى السيد الأفخم: العلامة وتتواور.. السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.. وبعد:
فيُشرِّفنا إعلامكم بأن الحفلة السنوية للجمعية الإسلامية لطلبة باكستان ستُعقَد في كراتشي عاصمة باكستاَ قضيت٤، ١٥، ١٦ ربيع الآخر من العام ١٣٧٧ هجري، الموافق ٨، ٩، ١٠ كانون الأول/ديسمبر من العام ١٩٥٧م؛ ونرجو أن تشرفونا برسالةٍ منكم لهذه المناسبة تشجيعًا للشباب العاملين في سبيل الإسلام.
ونحيط فضيلتكم علمًا بأن جمعرَتِ ارفع الإسلام شعارًا لها، وتؤمن أنه هو الوحيد القادر على تقديم الحل الناجع لمشاكل العالَم؛ كما تُعَدُّ أقوى الجمعيات في باكستان وأقدرَها تنظيمًا، وهي تعمل منذ عشر سنين على نشر الوعيسَل ثمامي بين الطلاب، وتُعرِّف بنظام الإسلام السامي الصالحِ لكل زمانٍ ومكان.
— 780 —
ختامًا: نحن على ثقةٍ بأنكم لن تخيبوا أملنا، وستُلَبُّون رجاءنا بالشكل لنظام .
مع جزيل الشكر وأبلغ التحيات.
أخوكم في الدين
إبصار عالِم
رئيس الجمعية الإسلامية لطلبة باكستان
٭ ٭ ٭
@
أستاذ التاريخ في جامعة كراتشي والقائم على نشر رسائل النور في بائل ال م. صابر إحسان أوغلو
رسالةٌ من م. صابر
وهو أستاذٌ مساعد بقسم التاريخ التركي في جامعة كراتشي، ومحررٌ بأربع صحفٍ كبرى، وصاحب جهودٍ كبيرةٍ في نشر رسائل النور والإفادة منها بباكستان
باسمه سبحانه
إخوتلأستاذلدين الأعزاء.. السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته، وبعد:
فقد تلقيت رسالتكم القيمة، وأشكركم عليها جزيل الشكر.
كيف حال أستاذنا الجليل سعيد الن كُثْرِيّ وكيف صحتُه؟ يَسأل عنه مُحِبُّوه وطلابُه هنا، ونرجو أن توافونا بأخباره على الدوام.
— 781 —
خلال هذا الشهر نشرتُ في الهند أربع مقالاتٍ عن الصهيونية والشيِكرِ، وهما عدوان حقيقيان للإسلام والأتراك على حدٍّ سواء؛ كما حرَّرتُ مقالًا حول جذور وتاريخ الأُخُوة بين تركيا وباكستان، ونشرتُها بكراتشي وأرسلتُ إليكم نسخةً منها، وكتبتُ مقالةً أخرى بعنوان: "المسلمون المظلومون في روسيا" لِلإُِها في مجلةٍ شهريةٍ تسمى "الإمام"، وأرسلتُ إليكم نسخةً منها، ونُسخًا إلى عدة صحفٍ تُنشَر بالأوردية.
إن غايتي هي خدمة الإسلام، والتعريف بالأدب التركي، والتصدي لأعداء الأللتيارفضحُهم.
.......
أعمل حاليًّا على نشر كتابٍ مهم، ولهذا أكتب إليكم، إنني في هذه الآونة أُعرِّف بمن يسمون أنفسهم حزب الشعب، ممن عملوا ضد مصالح الشعب التركي، وخدعوه باسم الجمهوره؛ ألاجُّوا بأهل الدين في السجون، ولقد نشرتُ بهذا الصدد مقالاتٍ عدة في كراتشي، وأعمل على إخراجها في كتاب، فأيَّةُ معلومةٍ أو موادَّ تزودونني بها سأنشرها فيه.
سأكتب إليكم لاحقًا رسالةً مه الحبييِّن فيها أن الأستاذ يمثِّل أكبر شخصيةٍ دينيةٍ في العالَم الإسلامي اليوم، وأنه لم يظهر شخصٌ يماثله سواءٌ في شبه القارة الهندية أو أندونيسيا أو البلاد العربية أو إفريقيا.
فيا إخواني النوريين.. اِعملوا لأجل الأُخُوَّالأمر كية الباكستانية، وكونوا على حذرٍ من الشيوعيين، إننا نفتخر بأننا شركاء في حلف بغداد، وأن طريقنا هو الإسلام لا القومية العربية ولا الإيرانية.
في. فمَن الماضي دعاني السيد "علي أكبر شاه" لزيارته، وحدثني عن لقائه بأستاذنا في العام ١٩٥٠م، وقدم لي معلوماتٍ قيمةً بهذا الخصوص؛ وقد سبق أن نشر مقالاتٍ تُعرِّف بالأستاذ، وله كذلك مقالاتٌ تَفضح اليهود، إنه يُبلِّغ الأستاذ تحياته ويدعو لطلابه، وقلإيمانني قائلًا: "تأثَّرتُ في حياتي بشخصيتين: مولانا جلال الدين الرومي، وسعيد النُّورْسِيّ".
م. صابر
٭ ٭ ٭
— 782 —
رسالةٌ أخرى من م. صابر
.......
وقد وصلنا خبرٌ يقول: إن حكومة مَنْدَرِس قد أمرت بنشر رسائل النور القيِّمة التي ألَّفها لأمس لذ سعيد النُّورْسِيّ أحدُ كبار مفكري العالَم الإسلامي والعالَم عامةً.
وقد سُرَّ لهذا الخبر سرورًا بالغًا جميعُ العاملين في خدمة الدين من أبناء باكستان؛ ونحن ننتهز هذه المناسبة لنهنئ من صميم قلوبنا الأستاذ النُّورْسِيّ وطلابَه الأفاضل وإاةً لل في الدين من الأتراك، ونشكرَ الديمقراطيين وفي مقدمتهم "عدنان مَنْدَرِس" لتخليصهم الشعبَ التركيَّ من الظلم والاستبداد والإلحاد.
إن هذه الخطوة المهمة سيكون لها دورٌ كبيرٌ في كسر الحملة التن المجدف تشويه صورة الشعب التركي، وستُحيي من جديدٍ المحبةَ التي يُكِنُّها العالَم الإسلامي لتركيا، إنني مسلمٌ باكستاني لم يسبق لي أن زرت تركيا أو التقيتِ المسٍ النُّورْسِيّ، لكنني حين أقرأ شيئًا مما نشره طلاب النور بجامعة إسطنبول أشعر بلذةٍ روحيةٍ حقيقية، وها أنا اليوم قد صرت أحد تلاميذ النور بالرغم من تنائي الديار.
لا توجد مؤلفاتٌ كرسائل النور بلغتي الأوردية، ولا يوجد بطلٌ دينيٌّ كالنُّورْسإقامته في باكستان ولا في الهند، أجل هذه حقيقة، ونرجو أن تُسدى تلك الخدمة الكبرى للإسلام بترجمتها إلى الأوردية، فالحقيقة أن مقارعة الشيوعية عبر الكلمة المنشورة أمرٌ في غاية الأهمية، ظة نفساعى الديمقراطيون هذه المسألة في قوانينهم، وبمثل هذه الأنشطة الإسلامية سيُقضى بإذن اللّٰه على الشيوعية والماسونية وأشباههما من الجهات التي تحارب الشعب التركي، لتعود تركيا إلى سالف مجدها بإذن اللّٰه؛ آمين.
رة، فرابر
أراباد
تلميذ نورٍ في باكستان
٭ ٭ ٭
— 783 —
رسالةٌ من طلاب النور بكراتشي
طلاب النور - كراتشي - باكستان
م. صابر إحسان أوغلو
الأستاذ المساعد بقسم الحضارة والتاريخالقيامامي
جامعة كراتشي - جمهورية باكستان الإسلامية
باسمه سبحانه
سيدي المحترم.. السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته، وبعد:
وصلتْني المين أربالقيِّمة النفيسة لأستاذنا الجليل المحترم بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ، ولم يسبق لي أن اطلعتُ عليها، فهذه أول مرة ترسلون بها إليّ.
نظرًا لقرب امتحاناتي في هذه المدّة فإني سأكتب بعد انقضاء شهر أيار/مايو مقالاتٍ عن أستاذنا وخدماته القرآنية كلُّ مانية، وسأرسل لكم نُسَخًا مما نُشِرَ هنا بإذن اللّٰه.
إنني وإن لم يسبق أن التقيتكم إلا أني أعرفكم معنًى، فالمؤمنون إخوةٌ كما يقرر القرآن الكريم، وإنني أكتب إليكم باعتباركم إخوتي في الإسلام، ومسلمين أتراكًا وطلابَ نورٍ على نحوٍ أخص.
أنوأكملَتانيٌّ ولستُ تركيًّا، وليست التركية لغتي الأم، إلا أنني طالب نور وأُعرِّف بنفسي على هذا الأساس، وأعتبر سعيدًا النُّورْسِيّ أكبرَ عالِم دينٍ ورجل فكر، فهو ليس أستاذَكم فحسب، بل هو أستاذُ جميع الشادة المسلم.
إن مما يؤسف له أنه لا يوجد في بلادنا مَن يُحسِن التركية، ولهذا تجدهم لا يعرفون شيئًا عن الخدمة التي قام بها الأستاذ، وسأقدم لكم فيما يلي بعض المعلومات عن رسائل النور بباكستان:
إن المعلومات المتداولة هنا حول الأستاذ وتركيا قً للأبجدًّا، وإنني أعمل في هذا الميدان منذ سنتين خَلَتا، وقد كتبتُ العديد من المقالات في الصحف مثل "باكستان"
— 784 —
و"بخارى" و"بيرما"، فقوبِلت بالترحيب والاستحسان، وطُلِبَ مني المزيدالدين في ذلك الحين لم أكن أعرف شيئًا عن الأستاذ، فراسلتُ شابًّا يدعى "صالح أوزجان" ليرسل لي كتبًا عن تركيا، فلبَّى الطلب مشكورًا، وكان في جملة ما أرسل إليَّ مقالةٌ تتحدث عن رسائل النور لكاتبٍ يدعى "سَردن گجتي"،
٭ ٭ا واستفدتُ منها، وشرعتُ آنئذٍ بجمع المعلومات عن الرسائل، وتولدت لدي رغبةٌ شديدةٌ في قراءة مؤلفات الأستاذ والكتابة عنها، وأخذت منذ ذلك الحين أقرأ عنه وأدرسُ مؤلفاته؛ وتبين لي بعد ذلك أن أعداء الإسلام قد شنوا عليلى باب تشويهٍ خارج البلاد، وروَّجوا ضدَّه معلوماتٍ مغرِضة، فكتبتُ أدافع عنه، وبلغ جملةُ ما كتبتُه حتى اليوم اثنتي عشرة مقالةً نُشِرتْ في العديد من الصحف كصحيفة والأوة" بدِلْهي، و"الاستقلال" برانغون، و"تسنيم" بلاهور، و"المنير" بلَيل بور، و"آسيا" بلاهور، و"المسلم" بدَكَّا، و"الانقلاب" بكراتشي، و"أنجم وجَنغ" بكراتشي، وغيرها من الصحف؛ وقد تُرجِمت هذه المقالات إلى لغاتٍ أخرى، وبات الذينةٍ، وشن الأستاذ اليوم يُعَدُّون بالآلاف بل بالملايين، وفيهم المسلمون وغير المسلمين، وأصبح الكثيرون يطلبون مني معلوماتٍ عنه، وترغب كل صحيفةٍ بالكتابة عنه، وسأتفرغ لهذا الأمر بعد ثلاثة أشهرٍ بإذن اللّٰسأجمعهذل فيه كل طاقتي دون أن أخشى أحدًا من أعداء الإسلام.
لقد أسستُ في كراتشي مكتبةً صغيرةً جَمعتُ فيها كتبَ الأستاذ وبعض الكتب الأخرى باللغة التركية، وجميعُ ما يصلني من تركيا أضيفُه إليها؛ كما ننوي في هذا العام تأسيسَ جمعيةٍ باسم "اتحادبارات ة الأتراك والباكستانيين"، ونرجو من إخوتنا طلابِ النور أن يوطدوا علاقات الصداقة ويتعلموا اللغة الأوردية، ففي شبه القارة الهندية يوجد مئةٌ وثلاثون مليون مسلمٍ يتحدثون بالأوردية كلغةٍ وطنية، ونحن هنا نجتهد في تعلم اللغة التركية التي يتكلم ؛ ومهمون مليون مسلمٍ موزعين ما بين سيبيريا والبلقان، فضلًا عن خمسةٍ وعشرين مليونًا آخرين في تركيا.
وأقول لإخواني طلاب النور: تصدوا للصهيونية أينما وجدت، فالذين أوجدوا الشيوعية هم اليهود، وقد استطاعت الشيوعية الاستيلاء حتى يومنا هذا على أواسط آسياعظمُ مرال والقفقاس وألمانيا والقرم وأذربيجان وتركستان الغربية وجيراننا تركستان الشرقية، حيث ضاعت حقوق ستين مليون مسلم.
— 785 —
والهند كذلك دولةٌ إمبريالية، و"نهرونما مرندوس أعداء للإسلام، ولكن الدول الإسلامية لا تعرف هذا للأسف، فی "نهرو" يقتل مسلمي كشمير.. أطلِعوا الأستاذ النُّورْسِيّ على ما يحصل لمسلمي الهند كي يكتب شيئًا ضد ذلك، فله في بلادنا مكانةٌ مرموقة، ونحنَدِّ حوندعو له بالصحة والعمر المديد، إنه رجلٌ لا نظير له في العالَم الإسلامي، نعم، كان في مصر "حسن البنَّا" وقد استشهد، وكان في بلادنا "محمد إقبال" وقد توفي، ويوجد اليوم "المَِ الصب وغيره من الشخصيات الكبيرة، لكن لا توجد شخصيةٌ كأستاذنا، فهو جوهرةُ العالَم الإسلامي، لكن ما تزال المعلومات عنه قليلة، وما تزال مؤلفاته لم تترجَم إلى الفارسية والإنكليزية والأوردية، لكنها ستُترجم في المستأعنف اذن اللّٰه تعالى. (حاشية): تحققت هذه الأمنية، وبدأ العمل بالترجمة بعد زمنٍ يسير.
لقد قضى الأستاذ سنوات حياته الثمينة في السجون، وأذاقه رجالُ الحزب الجمهوري صنوفًا من الظلم، ونا كذلكلّٰه أنَّ عهد هؤلاء واستبدادهم قد ولَّى، وتسلم الديمقراطيون مقاليد الأمور؛ ونحن الباكستانيِّين نُكِنُّ محبةً وولاءً لحكومة مَنْدَرِس، فلولا هؤلاء ما قامت مة الإصداقة بين تركيا وباكستان، ولا وُجِد حلف بغداد، ولا قامت بيننا هذه الأواصر الإيمانية.
بلِّغوا الأستاذ سلامي الحار ومودتي الخالصة، وأرجو أن تُرسلوا لي صورةً فوتوغرافيةً له تكون واضحةً كبيرادرةَ م.
سلامي لإخواني من طلاب النور.
عاشت الأخوة الإسلامية، وعاشت الصداقة التركية الباكستانية.
الباقي هو الباقي
تلميذ النور الباكستاني
م. صابر
أراباد - ٣٠ /٣ /ا يحصّ عنوان منزلي: كراتشي، شارع ميشن، فندق الجامعة، غرفة رقم ٨.
٭ ٭ ٭
— 786 —
رسالةٌ من م. صابر يبين فيها امتنانه لازدهار العمل الإسلامي في تركيا
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاسعيد نفياء المحترمين.. السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته، وبعد:
وصلتْني مؤخَّرًا أربعُ رسائلَ قيمةٍ منكم، ومعها الصور الفوتوغرافية، وكتاب أستاذنا المسمَّى "الكلمات"، والحقيقة أنني عاجزٌ عن التعبير لكم عن شكري وامت صحيفة لقد سرَّتني كثيرًا الأخبار التي تحدثَتْ عنها رسالتكم من ازدهارٍ للإسلام ورسائل النور في تركيا؛ فلقد كانت الحكومة السابقة للأسف تعادي الأستاذ و، ثم ل به صنوفًا من الظلم والأذى، لكن مجيء المسلم الحقيقي "مَنْدَرِس" أنقذ الإسلام من التضييق والاضطهاد، فجزاه اللّٰه خيرًا وأطال بقاءه، ولسوف تستعيد في ال عما قريبٍ مكانتَها المرموقة التي كانت عليها في سابق عهدها بإذن اللّٰه.
يوجد عندكم في تركيا رجال علمٍ أجلاء كالأستاذ والعاملين في نشر رسائل النور، فلماذا لا ترسلهم حكومتكم للمشاركة في اللقاءات والاجتماعات الإسلامية؟ فالمؤهَّلون له والشيتركيا كُثْر، وقناعتي أنه لا يوجد في الدنيا عالِم كالأستاذ النُّورْسِيّ، ولم تُخرِّج بلادنا عالِمًا مثلَه، والمؤسف أنه يأتي إلى بلادنا كنزلة، ن حملة الأفكار الهدامة من روسيا الشيوعية والصين الكافرة، فيقيمون المؤتمرات، ويُسمِّمون أفكار الشباب على نحوٍ غير مباشر، فلو قامت تركيا بمثل هذه الفعاليات وأرسلت إليها علماءها لكان لهم تأثير كبيرٌ في باكستان وعموم العالَم اللسان ا؛ إننا في باكستان ننظر إلى تركيا باعتبارها قائد العالَم الإسلامي، فهي قلعته الغربية، ولا يمكن أن يتحقق الاتحاد الإسلامي بدونها.
أرسلتُ إليكم مقالاتييترتب تتحدث عن الأستاذ، وقد نشرتُ مؤخَّرًا مقالًا جديدًا عنه، ومقالًا آخر بعنوان: "تركستان الشرقية تحت الاحتلال الصيني".
— 787 —
لا يوجد في باكسلحظر اارس ولا مكتباتٌ تركية، ولا يوجد من أبناء تركيا مَن يعمل لها هنا، بل حتى موظفو سفارتكم لا يوجد فيهم من يعرف الأوردية، وليسوا على صلةٍ بالشباب الباكستاني، وكذلك لا توجداتًا ج منشوراتٌ عن تركيا بالأوردية، ولا يُلَبُّون الدعوات التي تُوجَّه إليهم للمشاركة في بعض الفعاليات، ولا يوجد في الملحق الثقافي كتبٌ ولا منشوراتٌ تتعلق بالدين من قريبٍ أو من بعيد.
مؤخَّرًا ي يقومؤتمرٌ إسلاميٌّ بلاهور وغابت عنه شخصياتٌ تركيةٌ شهيرة، وقد حضره الدكتور "رَهبر"، وهو باكستاني يعمل في هيئة التدريس بجامعة أنقرة، وقد تكلم بكلامٍ يعادي الإسلام، حيلًا ت عليه اللعنات من كل جهة، لكن العامة قرؤوا الخبر في الصحف، وظنوا الرجل تركيًّا، وعجبوا للأمر مليًّا؛ ولقد كتبتُ إلى مجلة "سبيل الرشاد" بأن هذا الشخص وجه إهانةً للدين والشعب التر
— 788 —
في مقالةٍ له بعنوان: "الإسلام يُبعث من جديد" تحدث رئيس المؤتمر الإسلامي "ظَفَر آفاق أنصار" عن الأستاذ الجليل مؤلِّف رسائل النوعةِ رَ نُشِرت المقالة في مجلة "صوت الطلبة" وهي أكبر مجلةٍ بباكستان، جاء فيها:
.......
إن المركز الذي تنطلق منه هذه الأنشطة هو الجامعات والمراكز الثقافيةحذر، وينتشر طلاب سعيدٍ النُّورْسِيّ بكثافة، ويُطلَق عليهم اسم طلاب رسائل النور، ويرفع هؤلاء الشباب شعارهم قائلين: دستورنا القرآن، وغايتنا أن نحيا وفق منهج اللّٰه، وننشر دينه في أرجاء الدنيا، ونتصدى للتيارات التي تحاربه كالصهيونية وءات الية والإلحاد، ونحن نعمل على جعل الشباب التركي يتبنى الإسلام من صميم فؤاده، ونصون بلادنا وندفع عنها المخاطر، وننبذ التعصب القومي والعِرقيَّ جانرَسائِنعمل لتحقيق الوحدة الإسلامية.
ورسائل النور عبارةٌ عن مئةٍ وثلاثين رسالةً ألَّفها الأستاذ النُّورْسِيّ، ويتولى هؤلاء الطلاب نشرها.
٭ ٭ ٭
نماذج مما نشرته الصحف والمجلات الباكستانية حول رسائل النور الشنااذ سعيد النُّورْسِيّ
نشرت مجلة "صوت الطلبة" مقالًا بعنوان: "الشباب التركي يستيقظ"، وذلك بتاريخ ٣١ كانون الثاني/يناير ١٩٥٨م، وهي مجلةٌ نصف شهريةٍ تُعَدُّ الالمسلملناطق باسم الجمعية الإسلامية لطلبة باكستان الهادفة لإعداد قادةٍ للمستقبل وفق أسسٍ إسلاميةٍ رفيعة؛ ومما جاء في هذه المقالة:
— 789 —
وأخيرًا تعرَّفْنا على طلاب النور
يعملون لاتحاد العالَم الإسلامي، ويُكِنّونِينَتِمشاعر الصداقة لباكستان
عند الحديث عن الجماعات الإسلامية التي تعمل لاتحاد العالَم الإسلامي، لا بد من ذكر جماعة طلاب النور بتركيا، والتي يعود الفضل في تأسيسهذا الالِم الجليل الأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ الذي يبلغ من العمر خمسةً وثمانين عامًا.
خاض هذا الرجل كفاحًا مريرًا في سبيل نصرة الإسلام وحقائقه في بلده تركيا، بعد الن جراء ذلك ما لقي من السجن والأذى على مدى ثلاثين سنةً من حياته إلى أن أُفرِج عنه سنة ١٩٥٢م، إلا أنه ظلَّ ماضيَ العزيمة عاليَ الهمة ثاقبَ النظرة، لم تَنَل منه سنوات السجن والأذى ولم تهزمه، ولقد برزت بفضل كفاحه الطويل هذا جماعةُ طلاب النور المترةِ ورافيما بينها أشدَّ الترابط، وكان لمؤلَّفاته المسماة "رسائل النور" الدورُ الحاسم في إنقاذ الشباب التركي من الوقوع في فخاخ أعتى أعداء الإسلام الإيديولوجيين: الصهيونية والشيوعية.
وفي الآونة الأخيرة رفع رئيس الوزراء التركي "عدنان مَنْدَرِس" ا وإذا لمفروض على نشر رسائل النور، ولقد أرسلنا له بهذه المناسبة رسالة تقديرٍ وتبريكٍ عن طريق سفير باكستان في تركيا السيد "صلاح الدين رفعت أربيل"، كما بعثنا عن طريقه بالتحية والسلام للأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ وطلاب النور، وفصارت ِعت رسالتُنا هذه في تركيا ووُزِّعَت بالآلاف، كما تُرجِم برنامجُ عمل جمعيتنا إلى التركية، وتَرجمنا بالمقابل عددًا من رسائل النور المهمة إلى الأوردية.
وبمناسبة مرور عشر سنواتٍ على إنشاء الجمعية الإسلامية لطلبة باكستان، أقيم معرضٌ عن رنه إلاأدب الأتراك بهدف التعريف بالعمل الإسلامي في تركيا، وكان فيه منشوراتٌ لكلية الشريعة وهيئة الشؤون الدينية، كما كان فيه بعض المؤلَّفات الإسلامية المترجَمة إلى التركية ونحو خمس عشرة رسالةً من رسائل النور، وتم التعريف بأنشطة ان القلنور بالصور والخرائط.
٭ ٭ ٭
— 790 —
@
الترجمة العربية لرسالة الاقتصاد المنشورة في مجلة "الصِّدِّيق" وهي إحدى المجلات التي نشرت ترجمةً لبعض رسائل النور بالعربية والأإخبارابباكستان.
— 791 —
@
الترجمة العربية لرسالة الخطوات الست المنشورة في مجلة "الصِّدِّيق" كذلك.
— 792 —
مقتطفاتٌ من مقالةٍ بعنوان:
الصحوة البنّاءة في العالَم الإسلامي
نُشِرَت في مجلة "صوت الطلبة" بتاريخ ٣٠ نيسان/أبريل ١٩٥٨م
في كل يولي ةٍ من بقاع العالَم الإسلامي اليوم ثمةَ قصةُ نضالٍ شريفٍ يستحق المدح والإشادة، ألا وهو النضال لاستعادة حاكمية الإسلام.
.......
وتركيا أيضًا هي الأخرى لها قصة نضالها الطويل التي كاشُّبهامراتها تخفيف الحكومة قبضتَها على الحريات الدينية.
كتب الشاعر "محمد عاكف" ديوانه المسمَّى "صفحات"، وشَنَّ فيه هجومًا لاذعًا على القومية العنصرية، وبثَّ في الناس مشاعر انتماءٍ حقيقيةً حية؛ وناضل الأستاذُ سعيد النُّورْسِيّ في سبيل الإسلاا يصدركللٍ ولا ملل، فوُجِّهَت إليه تهمة معاداة "أتاتورك" التي تُعَدُّ أكبر جريمةٍ في تركيا، وشُنِّت بحقِّه حملةُ تشويهٍ ممنهجة، وذاق صنوفًا من الظلم والأذى، فلم يَحِد عن دربه، بل زاد ذلك من إقبال الناس عليه والتفافهمالحقيق وزُجَّ بهذا العالِم ذي المئة والثلاثين مؤلَّفًا في السجون، وقضى فيها سنوات شيخوخته يذوق الأذى ويتعرض للتسميم مرةً بعد أخرى، لكن ذلك لم يمنعه - وقد جاوز الثمانين - من العمل لخدمة الإسلام وسعادة الا أستح.
٭ ٭ ٭
— 793 —
رسالةٌ من عالِمٍ فاضلٍ مقيمٍ بالمدينة المنوَّرة، وعى حقائق رسائل النور وجرَّد نفسه لخدمة الإسلام
حضرةَ أستاذنا المحترم المبجَّل فاتح القلوب..نَسخِهل يديكم الكريمتين، وأضرع إلى ذي العزة والجلال أن يديم عليكم وعلى طلابكم الأعزاء الأوفياء الصحةَ والسلامة.
وصلني خبرُ براءتكم التي يجدر وصفُها بأنها عيدٌ للمسلمين، فسرَّتْني وأفرحَ جانب ي كما سَرَّتْ وأفرحَتْ جميع طلاب النور، وكيف لا أُسَرُّ وهذه البراءة تعني انتصار الروح على الماديات، والنور على الظلمات، والإيمان على الكفر، والحق على الباطل، والتوحيد على الشرك، والعرفان على الجهل؟!
أجل، فعلى مرِّ السنين اَوالَ لَتْ نُصِبَتْ أمام فيض النور عقباتٌ كسلاسل الجبال الشاهقة، وأُقيمتْ عوائق كالهُوى الساحقة، وها هو شلال النور في نهاية المطاف يشق طريقه على نحوٍ معجزٍ، فيحطم السدود، ويكتسح العقبات، ويبدطلاب النور كلَّ الظلمات.
كانوا يقولون: "إن التجليات الإلٰهية التي تتراءى مع الخوارق المعجِزة تَكِلُّ عن وصفها الأقلام، وتتضعضع الأفكار، وتَذوي شعلة الإلهام وتستحيل رمادًا"، والحقيقة أنني أشعر بهذا العجز يجتاح% عود إزاء هذا النصر الفريد، إذْ تنفتح لفكري وإلهامي آفاقٌ رحبةٌ لا تتناهى، وترتسم الدنيا في ناظريَّ مسجدًا نورانيًّا مَهيبًا، وتغشى كلَّ شيءٍ من حولي حالةُ وجدٍ عميق واستغراقٍ شامل، ويتجلى في كلِّ ذرةٍ سرٌّ سبحانيٌّ من قول الحق جلَّ شأحياة اَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، فأجدني حائرًا في وصف هذا الحدث السعيد، أَأَصِفه بأنه نصرٌ عظيم؟ أم فتحٌ مبين؟ أم إنقاذٌ ركم وج؟ أم عيدٌ يعمُّ أرجاء الدنيا؟ ذلك أن النصر الإلٰهي الذي تَكَلَّلتْ به هذه الدعوة القدسية قد قوَّى عزائم الدعاة المجاهدين في العالَمين الإسلامي والإنسانيِّ، وبعث الحياة في أرواحهم، وأورث إيمانهم حماسًا ومَضاءً.
أقبل.
قد كان اليأس يخيم على مسلمين كثيرين لم يكن كمُلَ بعدُ إيمانُهم وعزمُهم وتفانيهم وأملُهم، فكانوا يرون تحقُّق مثل هذا النصر ضربًا من الخيال
— 794 —
والمُحال، ولكن جايقةُ ائل النور تستمد نورَها ومددَها من القرآن الكريم المتنزِّل من آفاق العرش الأعظم شمسَ هدايةٍ وإرشادٍ للبشرية جمعاء.. جاءت فحركت مياه القلوب الراكدة، فأحالتْها بحارًا هادرةَ الأمواج، ولولتْ قيودَ أعوام الجفوة والحرمان التي كبَّلت الآمال والأمنيات.
إن هذه الأسفار التي انبجست من ينبوع النور مُترَعةً مددًا وحكمةً، قد لبَّت حاجات الإنسان الأزلية والأبدية الكامنةَ في أفكاره ومشاعره، والثاويةَ على سامي ماصٍّ في أعماق روحه ووجدانه الملتهب، وأخرجتْها من محيط الظلمات بأمواجه العاتية ولُجَجِه الدامسة إلى آفاق النور المتلألئة الصافية.
لقد انبلج هذا النصر القدسي شمسًا إلٰهيةً بعد سنين طِوالٍ من الصمت البَ إلى والغفلة العميقة والظُّلمة الخانقة، فبَشَّر بيقظةٍ قريبةٍ للبشرية التائهة بحثًا عن سبيل النور؛ ذلك أن الدين ليس حاجةً للمسلمين فحسب، بل هنةً خٌَ أزليةٌ وأبديةٌ لبني الإنسان كافَّة، وإن البشرية التعيسة تعاني اليوم بصدرٍ يلتهب نارًا من ويلات حرمانها نعمةَ الدين، وحسبُها من نتائج هذه الداهيةيل أمارة دخولُها حربين عالَميتَين خلال ربع قرن، وهي اليوم تندفع متهوِّرةً تَطرُق باب حربٍ عالميةٍ ثالثة.
لقد بات واضحًا للعِيان اليوم أن الإسلام هو القوة الوحفقرأتهقادرة على لَمِّ شمل بني الإنسان ومؤاخاتهم تحت رايةٍ عالَميةٍ واحدة، تَهُبُّ على مُستظِلِّيها نسماتُ الأمن والاستقرار والسعادة والرفاه من آفاق النور وجنان النعيم؛ ذلك أن حال البشرية اليبينما أشبه ما تكون بحالها قبل مجيء الإسلام، وكما أنقذها في ذلك الحين من ويلاتها الأبدية فإنه اليوم قادرٌ على فعل الشيء نفسه من جديد؛ أجل، وهو وحدَه اليد الحانية التي ستُضَمِّد جراحَ ملايين بل مليارات القيد، قدنازفة عبر القرون؛ ومهما ظهرتْ في الأفق أضواء خدّاعةٌ بين الحين والآخر، فليس المستقبل للأضواء التي تستمد نورها من شموسٍ آفلة، بل المستقبل للشمس الأولماذالأبدية التي تستمد نورها ومدَدَها مباشرةً من رب العالَمين سبحانه، فهي التي ستبقى ما بقيت الدنيا، وهي التي ستُحرق كلَّ مَن يسعى لإطفائها.
— 795 —
أستاذي الغالي المبجَّل.. لا يخفى عليكم أنه قد ظهرت في الآونة الأخيرة بعض حركات التنوي تُعَدرشاد التي تعمل لخدمة هذه الدعوة القدسية، إلا أنه لم تؤدِّ أيٌّ منها العملَ الجليل الذي أدَّته رسائل النور، ولم تَنَلِ النصر الإلٰهي الذي نالتْه،"أميردن هذا الطريق هو الطريق المقدس الذي سار عليه الأنبياء والأولياء والعارفون والصالحون، وسار عليه بالأخص ملايين الشهداء الأبطال الذين ضحَّوا بأرواحهم في سبيل مولاهم سبحانه؛ وحَقٌّ على مَن يريد السير على هذا الدرب الشاتعمل لضع نصب عينيه الموانع والعقبات العظيمة التي ستعترضه؛ أجل، ويجب عليه أن يتحلى بمثل ما أولاكم اللّٰه إياه من إيمانٍ راسخٍ، ومعرفةٍ إلٰهيةٍ سامية، وإخلاصٍ فريدٍ، وتجرُّدٍ عن الذات بشكلٍ خاصةٍ تَتأصول الدعوة والإرشاد والتنوير التي تَتَّبعها رسائل النور بهذا الصدد تتمتع بمزايا متفردةٍ تمامًا.
أطلب منكم الدعاء بالتوفيق للقيام ببحثٍ معمقٍ بهذا الخصوص يفتح آفاقًا جديدةً في الفكر والمشاعر والروح والوجدان، لأحظى بشرف تقديمه لإخوا في هذالدين في كتابٍ مستقلٍّ مفصَّل، فإن هذا الموضوع النُّوريّ هو من العمق والأهمية بحيث لا يمكن الحديث عنه في مقالاتٍ أو رسائل موجزة.
إن الشباب ااتكم وتحتم قلوبَهم النقيَّة بنور الإيمان والقرآن هم أثمن جوهرةٍ وأهمُّ موجودٍ، وهم أسطع دليلٍ على هذا النصر الإلٰهي، وإن هذا الشباب الطاهر الذي خاطبتُ أرواحَهم ومشاعرهم الأصيلة في كلِّ بيتٍ من أبيات قصيدتي "حديث النور" هم أولئك الشباب الذين تتق فضلًاتهم حبًّا للحق والحقيقة.
أقدِّم إليكم هذه القصيدة التي كتبتُها بإلهامٍ يفيض وجدًا بالنصر الذي حظيتْ به دعوة النور، وأرجو أن تتفضلوا بقبولها.
أُقبِّل يديكم المنع منن مِرارًا، وأرجو دعواتكم المباركة أستاذيَ المحترم.
من أبنائكم المعنويين
علي عُلوي
٭ ٭ ٭
— 796 —
برقية تهنئةٍ من بغداد بمناسبة صدور قرار البراءة من محكمة إسطنبول
بخصوص قضية رسالة "مرشد الشباب"
مجلة سبيل الرشاد إسطنبولسه، فأَلقَّينا ببالغ الفرح والسرور قرارَ براءة العلّامة الجليل بديع الزمان، ونحن بناءً على هذا القرار العادل الذي أدخل الفرح على قلوبنا نتوجه بالشكر إلى هيئة القضاء الموقرة وإلى السبغاية محامين المتطوعين، كما نتوجِّه بالتهاني عبر مجلتكم لأستاذنا وإخواننا طلابِ النور.
العراق
أمجد الزهاوي
٭ ٭ ٭
رسالةٌ من أحد طلاب النور بالعراق
حول كلمة الأستاذ النُّورْسِيّ التي طلبها منه تلاميذ النور ة بالحان
انعقد مؤخَّرًا مؤتمرٌ طلابيٌّ بباكستان، وكان بعض القائمين عليه قد طلبوا من الأستاذ توجيه رسالةٍ فيه، وذكروا أنه سيكون لها أثرٌ كبير، وقد بلَغَنا أن الأخ "صالح أوزجإلى "أسل رسالةً باسم طلاب النور.
وقد أرسلوا إليَّ لاحقًا يخبرونني ببعض مجريات المؤتمر راجين إِطْلاع الأستاذ عليها، فقد جرى الحديث عن الأستاذ و وبِماالنور بتقديرٍ وإجلال، وقد وجَّه الطلاب الشيوعيون اعتراضاتٍ على هذا الأمر، إلا أن رئيس المؤتمر رفضها جميعًا؛ كما عُرِضت صورةٌ للأستاذ في المؤتمر، وعما قريبٍ سيصدر عددالناجميتضمن مقالًا مفصَّلًا عن رسائل النور وطلابها مزوَّدًا بالصور والرسوم.
مع خالص التحيات والدعوات
أحمد رمضان
٭ ٭ ٭
— 797 —
مقالةٌ للأستاذ عيسى عبد القادر محرر صحيفة الدفاع الصادرة ببغداد
كتب الأستاذ "ع بسعيدد القادر" بحثًا عن طلاب رسائل النور نشرتْه الصحيفةُ المذكورة، وجاء فيه:
ما العلاقة بين طلاب النور بتركيا وبين جماعة الإخوان المسلمين؟ وما وجه التشابه والاختلاف بينهما؟ وهل طلاب النور بتركيا جماعةٌ مكائد لاتحاد الإسلامي كجماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في مصر والبلاد العربية؟ وهل هم منهم؟ أجيبُ عن هذا فأقول:
على الرغم من أن كُلًّا من طلاب النور والإخوان َّ معاين يسعون لخدمة الحقائق القرآنية والإيمانية، وتحقيق سعادة المسلمين الدنيوية والأخروية، والعمل لقيام اتحاد العالَم الإسلامي، إلا أن طلاب النور يختلفون عن الإخوان المسلمين في خمسِ نقاطٍ أو ست:
الفرق الأول:أن فحرَّلنور لا يشتغلون بالسياسة، بل يَفِرُّون منها، فإن اضطروا إليها جعلوها أداةً للدين، إظهارًا لقدسيته في مواجهة مَن جعلوا السياسة أداةً للإلحاد واللادينية؛ على أنهم ليسوا تنظالة الياسيًّا بحالٍ من الأحوال.
أما الإخوان المسلمون فإنهم يشتغلون بالسياسة لصالح الدين وفق ظروف بلادهم، وهم بطبيعة الحال يُشكِّلون تنظيمًا سياسيًّا.
الفرق الثاني:أنه ليس معاتي ا طلاب النور الاجتماع بأستاذهم، وليسوا مضطرين لذلك، بل لا يشعرون بالحاجة للأمر، وكذلك لا يرون ضرورةً للاجتماع معًا لتلقي الدروس، وإنما يرون أن كلَّ مكانٍ هو بمثابة مدرسةٍ نورية، وبم رئيس َوفُّر رسائل النور تغدو كل رسالةٍ منها بمثابة "سعيدٍ نُورْسِيٍّ" يعلِّمهم.
ثم إنهم يجتهدون ما استطاعوا في نسخ الرسائل حسبةً لوجه اللّٰه دون مقابل، ويقدمونها لمن يحتاجها دون مقابلٍ كذلك، وذلك بُغيةَ أن يقرأها أو تُعلينا يه، وبذلك يغدو البلد بأجمعه مدرسةً كبرى.
— 798 —
أما الإخوان المسلمون فيذهبون إلى مراكزهم العامة للقاء مرشدهم وقياداتهم وأخذ الدروس والتوجيهات منهم، كما يلتمَ الْ الفروع والشُّعَب بالشخصيات المهمة التي تقوم مقام المرشد ونوابِه، ويتلقون منهم الدروس والتوجيهات.
ومن جهةٍ أخرى يشترون المنشورات والمجلات الصادرة عن مركز الجماعة ويتخذونها مصدرًا لمعلوماتهم.
الفرق الثالث:أن طلاب النور يتلقون علومهن أنَّسهم بمذاكرة رسائل النور وتبادل المراسلات العلمية فيما بينهم، وهم في هذا أشبه بطلاب جامعةٍ أو معهدٍ عال، فتصبح المدينة أو المحافظة الواحدة بمثابة مدرسةٍ كبرى يتلقَّون فيها دروس العلم رغم تباعد الأمكنة من غير أن يتلاقَوا أو يتعارفوا.
أما الية، واالمسلمون فتسمح لهم أوضاع بلادهم بإصدار الكتب والمجلات، ونشرها في أقطار الأرض، وبذلك يتاح لهم التعارف والتواصل فيما بينهم على أوسع نطاق.
الفرق الرابع:ينتشر طلاب النور بكثرةٍ في معظم البلاد الإسلامية هذه الأيام، ومع أن "أفيبلدٍ من هذه البلاد أنظمتها وسياساتها الخاصة بها، إلا أنهم ليسوا مضطرين للحصول على إذنٍ من حكومات هذه البلاد للقيام باجتماعاتهم ونشاطاتهم، إذْ لا وجود للسياسة أو الحزبِر"، فمسلكهم.
أما الإخوان المسلمون فهم لعلاقتهم بالسياسة، ولكونهم تنظيمًا، ولحاجتهم لافتتاح المراكز والشُّعَب، مضطرون للحصول على إذنٍ وترخيصٍ من حكوماتهم خلافًا لطلاب النور، وة، والا الأساس فتحوا شُعَبًا كثيرةً في سورية ولبنان وفلسطين والأردن والسودان والمغرب والعراق، فضلًا عن مركزهم العام في مصر.
الفرق الخامس:أنك تجد طلابَ النور أناسًا من شتى طبقات المجتمع، من الرجال والنساء، ومن الصغاة للحطء الثامنة والتاسعة الذين بدؤوا لتوِّهم تعلُّم القرآن في المساجد، إلى الشيوخ الذين بلغوا الثمانين والتسعين، ومن الحَمَّال من أبناء القرى
— 799 —
إلى النائب في البرلمان، ومن الجندي البسيط إلى الضابط الكبير؛ ومقصَد هؤلاء جميعًا عمنفردًعهم وتفاوتهم: الاهتداءُ بهدي القرآن، والتنوُّر بحقائق الإيمان، أما عملهم وشُغلهم الشاغل فهو نشر العلم والعرفان والحقائق الإيمانية، ولا يُعرَف لهم اشتغالٌ بشيءٍ سوى هذا.
ولقد ظلَّت ويلات المحاكم واليوم.الخصوم تلاحقهم ثمانيًا وعشرين سنةً، لكنها عَجَزت عن إدانتهم أو تفريق شملهم، إذْ لم يُعثَر لهم على غايةٍ سوى القيام بهذه الخدمة القدسية؛ ثم إنهم لا يجدون أنفسهم مضطرين للعمل على تكثير جمعهم أو حشد مؤيدين لهم، بل يقولون: "إن وظيفتة الباة الإيمان لا البحث عن أتباع، فمن طلبَنا وجدَنا"؛ وهم لا يولون أهميةً للكمية، بل يفضِّلون رجلًا واحدًا متحقِّقًا بالإخلاص على مئةٍ سواه.
أما الإخوان المسلمون فهم وإن كانوا يلبد من ع طلاب النور في حثِّ الناس على تحصيل العلوم والمعارف الإسلامية، والتمسك بالحقائق الإيمانية، إلا أنهم لصلتهم بالسياسة يولون أهميةً للكمية وتكثير الجموع، ويبحثون عن الأنصار ني الماع.
الفرق السادس:بالإضافة إلى أن طلاب النور المتحققين بالإخلاص لا يولون أهميةً للمنافع المادية، فإن كثيرًا منهم يتحلَّون بالاقتصاد والقناعه، وأبصبر والاستغناء عن الناس، ويتجرَّدون بدرجةٍ ما عن مكاسب الحياة الاجتماعية رغم قلة ذات اليد، وذلك ليتفرغوا للخدمة القرآنية بتضحيةٍ وإخلاص، ولئلا تشوبَ دعوتَهم إلى الحقيقة والإخلاص شائبةٌ من مخالفة القو نحبه ملَ، ولئلا تكون هذه الخدمة القدسية وسيلةً لغايةٍ سوى نيل مرضاة اللّٰه تعالى.
أما الإخوان المسلمون فيشتركون مع طلاب النور في ماهية المقصِد، إلا أنهم باعتبار ظروفهم ومحيطهم لا يمكنهم ترك الدنيا كما يفعل طلاب النور، ولا يرون أنمة العضطرين للتحقُّق بهذه التضحية القصوى.
عيسى عبد القادر
٭ ٭ ٭
— 800 —
تعقيب من الأستاذ "عيسى عبد القادر" على ما نشره في مجلة الدفاع الصادرة ببغداد
يسألني قراء مجلة الدفاع عن مرشد طلاب النور الأستاذ بديع الزمان سعيد ال. وإنمسِيّ، ويطلبون مزيدًا من المعلومات عنه وعن طلاب النور، لكني سأجيب عن هذا جوابًا مختصرًا، تشجيعًا للحديث عنهم بشكلٍ جادٍّ ومفصَّل، لأن للأستاذ ورسائله وطلابه حقًّا علينا نحن العرب الذين نُمثِّل القطع الإسلام ومادَّتَه الأساسية، وقد بدأنا نشهد فوائد جمةً لرسائل النور.
أقول: إن طلاب النور يقفون سدًّا منيعًا في وجه الشيوعية سواءٌ في تركيا أو في البلاد العربية.
.......
إن ما ذكرته في المقال يعود إلى مرحلة مه سمٌّتسلُّم الحزب الديمقراطي مقاليد الأمور، وعليه فعدد طلاب النور ليس خمسمئة ألفٍ كما ذَكر المدعي العام، بل هم اليوم أكثر من مليون، وهم في ازديادٍ مطَّرد.
.......
أما رسائل النور فتلقى انتشا، حتى سعًا لا في تركيا أو البلاد الإسلامية فحسب، بل في البلاد الأجنبية كذلك، ويكثر الطلب عليها برغبةٍ ولهفة؛ والحقُّ أنه لا يوجد شيءٌ يمكنه تثبيط همة طلاب النور أو إعاقة حماسهم، ولا ر؛ وكمالإقرار بأن هذه الخدمة القرآنية العظيمة التي نهضت بها رسائل النور وطلابها قد شهدت زخمًا قويًّا مع مجيء الديمقراطيين إلى السلطة، إذ لقي مجيء الحكومة الديمقراطية إلى السلطة بتركيا استحسانًا وتقديرًا من الحركات الإسلامية في العالَم الإسلامي، كما نَسِيالشعبُ العراقيُّ المسلم بشتى مكوناته - من عربٍ وكردٍ وتركمان وإيرانيين یی
— 801 —
هذه الخدمة الإسلامية والجهاد القدسي ببالغ الفرح والامتنان، وإننا على يقينٍ من أن إخوتنا الأتراك سيتصدَّون برسائل النور لنفوذ قاذِ إالهدّام.
عيسى عبد القادر
٭ ٭ ٭
رسالة تهنئةٍ وتبريكٍ من طلاب الأزهر الأتراك
بمناسبة صدور قرار البراءة في قضية رسالة "مرشد الالموجِ
القاهرة
١٣/٤/ ١٩٥٢
حضرةَ أستاذنا الجليل بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ..
إن مؤلفاتكم القيمة المستلهَمة من القرآن الكريم، تنير القلوب بنور الإيمان، وتشكِّل ركيزةً للأمن والاستقرار في المجتمع، وتمثِّل بوصلةً حقيقيةً لطريق ال يعرفوولقد تلقَّينا ببالغ الفرح والسرور خبرَ البراءة الصادرة بخصوص رسالتكم "مرشد الشباب"، ويَسُرُّنا بهذه المناسبة أن نهنئكم من أعماق قلوبنا ونهنئ الجهاتِ القضائية العادلة في تركيمنكم، مقراطية.
أستاذَنا المجاهد الذي عَزَّ نظيره في هذا الزمان.. يا مَن وقَفتم حياتَكم للدفاع عن الإسلام، واعتبرتم خدمة الشعب التركي شرفًا لكم.. لكم جزيل الشكر من العالَمين الإسلامي فسه عناني، ولكم منا كذلك شكرٌ جزيلٌ لا يُوفِّي ذَرَّةً من حقِّكم علينا.
نرجو دعواتكم المباركة، وأسبغ اللّٰه عليكم وعلى محبيكم رضاه.
باسم طلاب الأزهر الأتراك
حاجي علي قِلِنچ أَلپ
٭ ٭ ٭
— 802 —
رسالةٌ من طالب نورٍ إيرانيٍّ إلى اللهائل بديع الزمان
تُسلَّم لفضيلة الأستاذ المحترم حضرة بديع الزمان المقيم بناحية "بارلا" من أعمال "إسبارطة" في الجمهورية التركية
حضرةَ الأستاذ الجليل المحترم صاحب الفضيلة بديع الزمأن يتر أقدم لكم قبل كل شيءٍ سلامي واحترامي، وأسأل اللّٰه العليَّ القدير أن يديم عليكم الصحة والعافية؛ أما إن تفضلتم بالسؤال عن أحوال العبد الفقير، فأنا أعيش في قرية "دِيزَج" بمنطقة "مَرْكِوَر" التابعة لولاية "رضائية" بإيران.
لقد انقطعتْ من موكم عني بسبب ما جرى خلال الأربعين سنةً الماضية من تحوُّلاتٍ وتبدُّلاتٍ في الظروف والأوضاع عامةً، وبسبب وجودي في بقعةٍ نائيةٍ منقطعة، ولقد كانت معرفةُ أخباركم أُولى رغباتي وأمنياتي، وأحمد اللّ ٭ اكره جزيلَ الشكر أنْ بَلَغتْني أخباركم مؤخَّرًا عن طريق أخينا المحترم الضابط "طيب" من أبناء إيران، وقد سرَّتني أيَّما سرور، حفظكم المولى ذو الجلال، ة والق بلطفه وحمايته، وأدامكم لخدمة دين الإسلام المبين وسعادة أبنائه، آمين.
كما حصلتُ عن طريق الأخ المحترم على عددٍ من مؤلفاتكم القيمة كی"عصا موسى" و"مرشد الشبابنه المخلٌ إلى النور" وغيرها، وقد فرحتُ بها كثيرًا، وأسأل اللّٰه أن يوفقني للاستفادة منها.
لا أريد الإطالة عليكم في أول رسالةٍ مني إليكم، أسأل اللّٰه تعالى أن يمتعنا ببقائكم، ويديم عليكم الصحة والعافية، وأنا على أم
٭ ٭رٍ بأن تتفضلوا برسالةٍ منكم إليَّ سيدي الكريم.
محبكم سيد عبد اللّٰه
ابن المرحوم سيد عبد القادر
٭ ٭ ٭
— 803 —
رسالةٌ من طالب نورٍ سوريٍّ ص العَجلسن إلى الأستاذ بديع الزمان
٢٢ شوال ١٣٧٣
حضرةَ الأستاذ الجليل بديع الزمان وفخر الإسلام..
أُقبِّل بكلِّ احترامٍ محيَّاكم المشرق.. أنا أصغر طالب نورٍ في سورية، فأنا في سن السادسة من العمر، وقد أتممتُ خَتم القرآن في السادس ودفعتنين من رمضان الفائت، وختَمَه معي أيضًا أحد عشر طالبًا من أصدقائي، ونحن جميعًا ملتزمون بالصلاة.
أُرسل إلى جنابكم هذه الرسالة بواسطة أحد طلاب النور بی"أورفا"، وأُودِع في طيِّها صورةً شخصيةً لي، وأرجو منكم شديدَ الرجاء أن قاعة؛ على ظهرها جملةً أو جملتَين من الدعاء بخطكم المبارك، ثم تتفضلوا بإعادة إرسالها لي.
والدي عبد الهادي يُقبِّل يدَيكم المباركتَين، ويطلب منكم الدعاء.
حسين عبد الهادي
من طلاب النور بقرغزير اعالية"
التابعة لناحية "الدرباسية" بسوريا
٭ ٭ ٭
— 804 —
نالت رسائل النور حُسْنَ القبول في أوروبا كما نالته في العالَم الإسلامي، وكمثالٍ على هذاعن الجج فيما يلي رسالتين ورَدتا من الشيخ "حبيب الرحمن شاكر"، إمام المحلة الإسلامية في "تامبري" بفنلندا.
الإمام حبيب الرحمن شاكر
إمام المحلة الإسلامية في تامبري
القائم بتبليغ الدعوة الإسلامية بفنلندا.
أخي العزيز البا جهل. وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته؛ وبعد:
فقد تَلقَّيتُ السِّفرَ النفيس الذي أرسلتموه هديةً لي، والمسمَّى "المثنويُّ العربي من رسائل النور"، وأشكركم على هذه الهدية جزيلَ الشكر، وأسأل اللّٰه الكرتْ قلبَ شأنه أن يبلغكم مأمولكم.
إن هذه الهدية النفيسة عظيمةُ النفع لي، وستكون عونًا لي في عملي الدعوي، ولا شك أنها ستكون صدقةً جاريةً لكم لا ينقطع أجرها وثوابها بإذن اللّٰه.
أرجو منكم تعريفَنا بمبراءة كتاب حضرة الأستاذ سعيد النُّورْسِيّ.
مع خالص المودة والتحية
حبيب الرحمن شاكر
٭ ٭ ٭
— 805 —
رسالةٌ أخرى من طالب النور بفنلندا الشيخ حبانية بحمن شاكر
كنموذج على حسن قبول رسائل النور وانتشارها في أوروبا
١٢/٢/١٩٥٨
٢١
إخواني الأعزاء المحترمين.. وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته.
وصَلني مؤخَّرًا خطابُ التقدير الذي أرسلتموه ومعه أربع رسائل هي: "الائلين:، و"ذيل الحَباب"، و"رسالةٌ إلى الأستاذ حول رسائل النور"، و"مؤتمرٌ حول رسائل النور"، وأشكركم شكرًا جزيلًا.
أجل، لا شك عندنا في أن الأستاذ الجليل بديع الزمان هو أحدُ عباقرة العصر، وأحدُ كبار أولياء اللّٰه، بل لا نبالغ إن قلنا واانت وظ أنه أحدُ مُجَدِّدي القرن الرابع عشر، فالحمد للّٰه الذي ادَّخر لنا هذه الجوهرة المكنونة، وصانها من الضياع والغرق بين أمواج التحولات، وأبرزها لنا من الشعب التركي، وزيَّن زماننا بها؛ وكما ربَّى سبحانه نبيَّه موسى في أحضان فرعون، ربَّى هذا ارجل مَ المباركة في قلب المِحَن بين الطغاة الكفرة، ونسأل اللّٰه تعالى أن يمد في عمره ويديم عليه العافية والسلامة.
هذا ما نعتقده في الأستاذ بديع الزمان، ونرجو أن تبلغوه محبتنا وعرفاننا، وأن تطلبوا منه الدعاء بالخير لنت الأجع فائق الاحترام وخالص التحية
أخوكم المخلص
حبيب الرحمن شاكر
٭ ٭ ٭
— 806 —
رسالةٌ إلى الأستاذ بديع الزمان من الدكتور محمد حميد اللّٰه
أستاذ كرسي اوا عُر المقارن بين التشريع الإسلامي والقانون الروماني بجامعة السوربون، والرئيس الفخري للمركز الثقافي الإسلامي بباريس
٢١ جمادى الآخر ١٣٧٧هی. إسلامبولحفظ سمضرة الأستاذ المحترم المجاهد في سبيل اللّٰه.. حيَّاكم اللّٰه وبارك بكم وأطال بقاءكم؛ وبعد:
فقد تَلقَّيتُ بوافر الامتنان كتابَكم القيم الذي بعثتم به هديةً لي، سلَّمكم اللّٰه ووفقنا للاستفادة من هذه المؤلَّفات النفيسةكريم والاستفادة.
لقد كنتُ - وما زلتُ - أسمع عن مناقبكم الرفيعة وجهادكم الكبير، وعسى اللّٰه أن يجمع بيننا في أحسن حال.
وفقنا اللّٰه وإياكم لما يحب ويرضى، وتقبلوا شكر العبد الفقيروروبا ا من شَرَّفكم اللّٰه وأعلى مقامكم بخدمة القرآن الكريم.
د. محمد حميد اللّٰه
٭ ٭ ٭
برقية شكر إلى طالب النور في العراق أحمد رمضان
نُعبِّر لكم سبيلهل شكرنا للّٰهدية التي تفضلتم بتقديمها للمركز الثقافي الإسلامي بواشنطن، وهي كتابا: "الخطبة الشامية"، و"موازين رسائل النور" لبديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ. دمتم بخير وسعادة.
مع خالص المودة
د. محملمِحَن اللّٰه
الأمين العام للمركز الثقافي الإسلامي بواشنطن
٭ ٭ ٭
— 807 —
رسالةٌ إلى طلاب النور بتركيا
من أخٍ فاضلٍ له دورٌ كبيرٌ في نشر الرسائل وتنشئة المئات من طلابها في اليونان
إلى إخوان النور الأعزاء الذين يَخدُمون اشريفُ الإيمان، ويَهدِمون الشرك والكفر.. عبد اللّٰه وحسني وعبد القادر ومحمد وسليمان..
أولًا:تلقَّيتُ ببالغ الامتنان رسالتكم الصادقة المخلصة، ي خدمت لكلِّ قلبٍ أشرق فيه ذلك النور أن ينتشي بهجةً وسرورًا بكلماتكم الصادقة وتبريكاتكم المُخلِصةِ النابعة من صميم عاطفتكم الدينية الجياشة وروحكم المستغرقة في النور؛ وإنني أبادلكم تحيةً بتحية، وودًّا بِوُدٍّ، وحُبًّا بحب، يبَ هذكم وأقبِّل محياكم - على البُعد - بشوقِ مَن تآخَوا في اللّٰه وتلاقَوا عليه.
ثانيًا:سُررت سرورًا بالغًا بما تفضلتم بإرساله إليَّ من "الخطبة الشامية" ورسالة "الشكوى"والمراسلات وقرارات المحاكم، و إننيكنت بصدد كتابة رسالة شكرٍ لكم إذْ وصلتني مجموعة "الكلمات" من أخينا "أحمد رمضان" بِی"كركوك"، فغمرتني سعادةٌ لا توصف، ورحتُ أكتب رسالةَ شكرٍ أخرى له كذلك؛ والحقُّ أن مشاعر الامتنان والشكر يُبادلكم إياها جميعُ أفراد جماعتنا المباركة، وهم الإسل إخوان النور الأعزاء تحياتهم وسلامهم.
.......
إنني وسائر إخواني نرى أن صلتنا بالأستاذ قائمةٌ على أساس أن كل عصرٍ يحتاج إلى إنسانٍ كاملان..
ِر الآيات اللامتناهية المبثوثة في الآفاق والأنفس أحسنَ تفسير، ولسنا ننكر وجود علماء أجلاء أفاضل كُثْرٍ في الشرق والغرب في عصرنا هذا، ولكن الحاجة ماسةٌ إلى عُمدةٍ يقوم مقام غوثٍ فرلاغةٍ تجرد عن المنافع الفانية، وتنوَّر بالنور الباقي واستغنى به؛ ولما كان أستاذنا الجليل مُتحليًا بهذه الأوصاف كان بمثابة القطب لزماننا، وكان اتِّباعُه اقتداءً بمن هو أهلٌ للاقتداء، ولما كان وجود الإمام المجدد الأكبر في زماننا هذا قد بٌ في اةً تشبه زمان الفترة، فلا ريب أنه من الواجب الارتباط
— 808 —
بمجددٍ كهذا المرشد الأعظم، فهذه الحقيقة هي التي تدفعنا للارتباط بالأستاذ الكبير دون تردد، يساعدنا على هذا انجذابُ رابطة الإيم لا يُائمة في قلبِ كلِّ واحدٍ منا إلى منبع النور الأصلي.
إن إخواني هؤلاء يطالعون هذه الرسائل ويتدارسونها فتترك فيهم أثرها الواضح دون إبطاء، ويرتفع مستوى تحصيلهم في زمنُ بها ٍ كأنما حصل انقلابٌ في شخصياتهم، وتتقوى استعداداتهم لإدراك قضاياها.. هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي، هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي؛ ومهما حَمِدنا اللّٰه على فضله ورحمته فإنا مقصِّرون.
.......
إنني لكي أوفَّق في هذه الخدمة لا بد لي يقِ الٍ ماضٍ وثباتٍ لا يلين، كالذي أجِدُه منكم في مواقفكم الإرشادية والتوعوية ضمن هذه الظروف البالغة الصعوبة؛ ولا ريب أن العمل على هذا النحو في كل مدتي أووفي كل بلدٍ سيُفضي إلى خلاصٍ لعموم الأمة الإسلامية بإذن اللّٰه.
الحافظ علي
٭ ٭ ٭
@
انتشرت رسائل النور في أوروبا وأمريكا مثلما انتشرت في تركيا، وحظيت بشريحةٍ واسعةٍ من القراء. صورة لمجموعةٍ من طلاب النور لماء اتهم في أوروبا ممن تنوَّروا بنور القرآن مستفيدين من رسائل النور
— 809 —
بديع الزمان ورسائل النور
ما هي رسائل النور؟ وأيُّ تفسيرٍ هي؟
إن رسائل الي سجلوسوعةٌ مصغَّرةٌ تُبيِّن حقائق القرآن الكريم وتُبرهن عليها بأسلوبٍ يناسب مفهوم العلم الحديث، وهي تُعنى بأهم الأسئلة التي تَشغل بال كلِّ إنسان من قبيل: مَن أنا؟ مِن أين أتيت؟ وإلامَ أمضي؟ ما وظيفتي؟ وهذه المالفانيُ مِن أين أتت؟ وإلامَ تصير؟ ما ماهيَّتُها وما حقيقتُها؟ ونحوِ ذلك من الأسئلة، فتجيب عليها الإجابة الواضحة الشافية، وتوضِّحها بأسلوبٍ جذَّابٍ وعبارةٍ حسنة، فتُنوِّر العقل وتُطَمئِن الروح.
إنها تُمثِّل فلسفة القرآن في القرن العشرين، وهي ترق والوتُعلِن أن المدنيَّة التي سيبنيها أبناء هذا الشعب التركي ستكون جامعةً بين الجانب المادي من علومٍ وفنونٍ وتقنياتٍ من جهة، وبين الجانب المعنوي من إيمانٍ وأخلاقٍ من جهةٍ أخرى، وستتفوَّق بالتالي على سائر المدنيات البٍ محتلقائمة على الجانب المادي وحدَه.
لقد تحلَّى أجدادنا بسجايا كريمةٍ هي مبعث فخرٍ واعتزازٍ لنا جميعًا، لا سيما البطولةِ النابعةِ من إيمانهم الا تعرعمر قلوبهم، والتي نازَلوا بها دولًا وأقوامًا تفوقهم بمئة ضعف، ورفعوا راية الإسلام والكمالات المعنوية عاليةً خفاقةً في أرجاء آسيا
— 810 —
وإفريقيا وشطرٍ من أوروبا، وصمدوا
حتلأهوال وواجهوا الموت بقلوبٍ مطمئنةٍ ووجوهٍ باسمةٍ يقول قائلهم: "إن قُتِلتُ فأنا شهيد، أو ظهرتُ على عدوي فأنا مجاهد"؛ ولا يخفى مقدار الحاجة الماسَّة لأن يتحلَّى شبابنا اليوم بمث
أفالمعاني والسجايا حرصًا على سلامة مستقبلنا ومصلحة الوطن وأبنائه.
وإذا كان طلب المقابل المادي والمنفعة الشخصية أمورًا معتبرةً في أيَّةِ حركةٍ أو نشاطٍ، فإنه أمرٌ لا يتناسب مع المكانة التي تَبوَّأها هذا الشعب المسلم عبر تاريخه، فنحن لا نعمللسن مرٍ سوى مرضاة اللّٰه تعالى، وإن كان لنا من أجرةٍ نأخذها في مقابل عملنا هذا فليست سوى السرور والفرح في حياتنا الأبدية، لما وُفِّقنا إليه من خدمة إخواننا وأبناء وطننا وأبناء العالَم الإسلامي وبني الإنسان عامةً.
أيُّ تفسيرٍ هي رسائل النوَبتْه تفاسير القرآن الكريم نوعان: أحدهما يُعنى ببيانِ آياته وألفاظه وشرحِ معانيها، وهذا هو النوع الشائع المعروف، أما النوع الآخر فيُعنى ببيانِ حقائقه الإيمانيَّة والبرهنة عليها بالحجج القاطعة، وهو نوعٌ بالغ الأهمية، غير أنه قد يَنةٍ فييءٌ منه عَرَضًا في كتب التفسير فلا يَستقِلُّ به كتابٌ بعينه، لكنَّ رسائل النور توجَّهت إلى هذا النوع من التفسير بشكلٍ مباشر، فأولَتْه اهتمامَها وجعلتْه أساسَ عملها، فجاءتْ تفسيرًا معنويًّا فريدًا يُسكِت أعتى الفلاسفة.
إن رسائل النور ولمدةةٌ مصغرةٌ تُعنى بالكتاب الذي يسترشد به الملايين في كل عصر، ألا وهو القرآن الكريم، فتُبيِّن حقائقَه بشكلٍ موضوعيٍّ منطقيٍّ بعيدًا عن الرأي الشخصي، وتُقدِّمُها لنفع الإنسانية جمعاء.. إنها تفسيرٌ مُشرِقٌ لآيات القرآن، وهي مبرهَنةٌ ُّ نفسها إلى آخرها بحقائق الإيمان والتوحيد.. صِيغت بحيث تنتفع منها كل طبقةٍ من طبقات الناس، وزُوِّدت بمعارف العصر لتُبدِّد شبهاتِ كلِّ ذي شبهة، وهي تخاطب ايعًا كمن أدنى العوام إلى أخصِّ الخواص، وتقيم الحجة وتُلزِمها حتى لأعتى المعاندين.
— 811 —
وهي موسوعةٌ مصغَّرةٌ منوَّرة.. تحتوي على مئةٍ وثلاثين مؤلَّفًا ما بين رسالةٍ صغيرةٍ وكبيرة.. تلبي حاجة أبناء هذا الزمان.. وتُطَمئِن العقل والقلب.. وتُفسِّر مقدَّس الكريم في هذا العصر تفسيرَ معانٍ لا تفسير ألفاظ.. وتُجيب على ما يخطر بالأذهان من مسائل واستشكالات.. وتُبيِّن مراتب الإيمان وحقائق الوحدانية والنبوة.. وتَعرِض لقضايا عميقةٍ شتى كالغيب والشهادة، والروح والمرٍ زاخ وحقيقة الزمان، والآخرة والحشر، ووجود الجنة والنار، وماهية الموت، وأصول السعادة الأبدية والشقاء الأبدي، وتُثبِتها بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية القاطعةلشيوعيأنها مؤلف عظيم محفز للعلوم المثبتة، يقنع القلب والعقل بأدلة أقوة من أدلة المسائل الرياضية ويزيل جميع التساؤلات .
٭ ٭ ٭
ولا بد من التنويه إلى أن الأرباح التي تحصَّلت من طبع كميةٍ محدودةٍ من الرسائل مخصصةٌ لطبع ما تبقام عليها، إذْ لم تُطبَع لغرضٍ تجاريٍّ أصلًا، بل لم تُسَوَّق للباعة؛ والأمر الآخر الذي ينبغي التنبيه له في هذا المقام هو ضرورةُ أن تَصِل رسائل النور إلى أيدي مَن يُقدِّرون قيمتها، وأن ثمنها الحقيقي هو أن ينتفع بالرسالإيذاواحدة خمسٌ وعشرون شخصًا على الأقل.
هذا التفسير المعنوي يتألف من أربعة أقسامٍ رئيسيةٍ هي: "الكلمات"، "المكتوبات"، "اللمعات"، "الشعاعات"، وهي بمجموعها مئةٌ وثلاثون رسالة.
العاملون في نشر االإيما
٭ ٭ ٭
— 812 —
الحقيقة هي التي تتكلم
سبق أن بُيِّن في رسائل النور أن بعض الظلم ربما انطوى على عدالةٍ بالغة؛ وذلك أن الإنسان ربما تعرَّض للظلم لسببٍ ما وبغيرِ وجهِ حقٍ وقبونْ تنزلَ به مصيبةٌ أو يُدانَ ويُزجَّ به في غياهب السجن، فيكون هذا ظلمًا في ظاهر الأمر، إلا أن هذا الحدث نفسَه قد يكون في حقيقته مَظهرَ عدالةٍ، إذْ يجازي القدَرُ الإلٰهيُّ هذا الإنسانَ الذي استحن، ومَاب على أمرٍ ما، فيَسوق له العقابَ على يد ظالمٍ، أو يُنزِل به مصيبة؛ وهذا الأمر شكلٌ من تجل العدالة الإلهية.
إنني أفكر اليوم في أمري فأجدني منذ ثمانٍ وعشرين سنةً أُنفى من ولسبعةَ لى ولاية، وأُشَرَّدُ من بلدةٍ إلى بلدة، وأُساقُ من محكمةٍ إلى محكمة!! فأيُّ جُرمٍ يتهمني به مَن يعاملونني بهذا الظلم والأذى؟ أليست هي تهمةَ اتخاذ الدين أداةً للسياسة؟ فلماذا يَعجِزون عن إثباتها إذًا؟! بلى، ها وقاا وجود لها في واقع الأمر.
فهذه محكمةٌ تقضي الشهور والسنوات بحثًا عن جرمٍ تُدينُني به فلا تجده، فتتركني لتأخذني محكمةٌ أخرى فتسوقني للمحاكمة من جديدٍ حول القضية نفسها وتنشؤمنًا، زمنًا، وتُضيِّق عليَّ وتُذيقني ألوانًا من الأذى، ثم لا تخرج من ذلك بطائل، فتتركني لتتلقَّفني محكمةٌ ثالثةٌ وتأخذَ بخناقي؛ وهكذا أتقلَّب بين مصيبةٍ وأخرى، وأتنقل بين محنةلذي يَى، وأقضي ثمانيًا وعشرين سنةً من حياتي على هذه الحال ليتبين لهم في نهاية المطاف أن جميع التُّهم التي وجهوها ضدي لا وجود لها ولا أساس لها من الصحة.
إنني أفكر وأتساءل: أكانت هذه الاتهامات صنيعةَ افتراءٍ وتَجَنٍّ؟ أم كان مردُّها الزمان وهواجسَ تجاهي؟ أيًّا كان السبب فإني أعلم علمَ اليقين ألَّا علاقة لي بها ولا صلة لي بها من قريبٍ أو من بعيد، ويعلم جميعُ أهل الإنصاف في الدنيا أنني لست
— 813 —
بالرجل الذي يتخذ الدين أدالإخلاسياسة، بل حتى الذين يوجِّهون إليَّ هذه التهمة يعلمون أني بريءٌ منها، فلماذا يُصِرُّون على ظلمهم لي؟ ولماذا أظلُّ عرضةً للظلم والأذى المستمر رغم براءتي وسلامة ذمتي؟ ولماذا لم أستطع الخلاص من كلِّ هذه المصائب والمحنا أيهايُعدُّ هذا مخالِفًا للعدالة الإلٰهية؟
لقد ظلَّت هذه التساؤلات محلَّ تفكيري طَوالَ ربع قرن، ولم أكن أجد لها جوابًا، فكانت مَثارَ حزني وألمي، لكنني اليوم عرفتُ السبب الحقيقيَّ من وراء ظلمهم إيَّاي وإيذائهم لي، وإنني أقولها بكل أسف: لاكم ضد ذنبي أنني أردتُ اتخاذ خدمتي القرآنية أداةً لترقياتي وكمالاتي المادية والمعنوية، وهذا أمرٌ أعيه وأشعر به اليوم تمامًا، لكنني أحمد اللّٰه تعالى وأشكره بن بالأٍ أنْ قامتْ موانع معنويةٌ قويةٌ لا يَدَ لي فيها، كانت تمنعني طَوالَ هذه السنين من اتخاذ خدمتي الإيمانية أداةً لترقياتي وكمالاتي المادية والمعنوية، أو وسيلةً للنجاة الأرض ذاب والجحيم، أو حتى وسيلةً لنيل السعادة الأبدية أو سوى ذلك من المقاصد.
لقد أثارت هذه الخواطر والمشاعر العميقة عَجَبي وحَيرتي، فمع أن كل إنسانٍ يرنو لنيص، فقدامات المعنوية، ويسعى بالعمل الصالح للفوز بالسعادة الأُخروية، ومع أن التوجُّه لهذه الغايات حقٌّ مشروعٌ لكلِّ أحد، ولا ضرر منه على أحد، إلا أني لطالما مُنِعتُ من هذه الأحوال قلبًا وروحًا، وأُريتُ ألَّا مطلب أسعى إلحبة طل مرضاة اللّٰه تعالى سوى تأدية الخدمة الإيمانية بدافعٍ من وظيفتي العِلمية الفطرية؛ ذلك أن الحقائق الإيمانية - وهي التي ما ينبغي أن تُتَّخَذ أداةً لشيءبنورك
كون تابعةً لشيء، بل هي تسمو على كلِّ غايةٍ ومقصَد - لا بدَّ أن تُلَقَّنَ في هذا الزمان بعبودية فطرية لمن يحتاجها ولمن لم يعرفها، تلقينًا يترك بالغ الأثر، ولا بدَّ لحقائق القرآن أن تُعلَّم على نحوٍ لا تكون معه أداةً لشيء،فمَن يعلَّم بحيث تُنقِذ إيمان المرء في هذه الدنيا المتقلِّبة المضطربة، وتورِث المعانِدَ اليقينَ القطعي، وحقيقٌ بمثل هذا المسلك أن يَقصِم ظهر الكفر تعمل ، ويقطع دابر الضلالة المتمرِّدة المعاندة، ويورِث كلَّ إنسانٍ القناعةَ القاطعة.
— 814 —
ولا يمكن لهذه القناعة أن تتحقق في هذا الزمان وهذه الظروف إلا بتَبَيُّنِ أن رسميّلا يُتَّخَذُ أداةً لأيِّ غرضٍ شخصيٍّ، دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، ماديًّا كان أو معنويًّا، وإلا فإن مَن يتصدى لمواجهة الشخصية المعنوية للكفر والإلحاد التي نشأت عن المنظمات والجمعيئةٍ وخيقدر على إزالة جميع شبهات الناس ووساوسهم وإن حاز أكبر مرتبةٍ معنوية، لأن المعاند الذي يريد الدخول في الإيمان يمكن أن تُحدِّثَه نفسُه وأناهُ فتقول: "لقد خدَعَنا هذا الرجلُ بذكائه ومقامه المعنوي المدهش"؛ فيبقى ترما هو لوساوس والشكوك.
وأحمد اللّٰه وأشكره بلا حدٍّ أن القدَر الإلٰهي ما فتئ منذ ثمانٍ وعشرين سنةً ينبِّهني ويوجِّه إليَّ لطماتٍ بأيدٍ ظالمةٍ ممن ا"أفيون بأنني أتخذ الدين أداةً للسياسة، فكان هذا منه عدالةً محضة، وكان بهذا يُجنِّبني - دون علمٍ مني - أن أتخذ الدينَ أداةً لغرضٍ شخصي، ويقول لي: حَذارِ حَذارِ.. لا تجعل حقائق الإيمان أداةً لشخصك..حتى يفهم المحتاجون إلى الإيما بعضهالحقيقة وحدَها هي التي تتكلم..وحتى تَخنَس وتَسكُت أوهامُ النفس ودسائسُ الشيطان.
فهذا هو السرُّ الكامن وراء تأثير رسائل النور الذي يَعتَمِل في القلوب والأرواح كأمواج البحار الهادرة.. أجل، هذا هو السالم، را شيء سواه؛ ومع أن الحقائق التي عرَضَتْ لها رسائلُ النور هي نفسُها الحقائق التي عرَضَ لها آلافُ العلماء ونشروها بأسلوبٍ أبلغَ في مئات آلاف الكتب، إلا أن هذه الكتب لم تستطع وقفَ الكفر المطلق، وإذا كانت رسائل النور قد وُفِّقَت بدرجةٍ ما وريٌّ رعة الكفر المطلق في ظلِّ هذه الظروف العصيبة فلأجل ذلك السر، وإلا فلا وجود لسعيدٍ في هذا الأمر ولا أهليةَ ولا قدرةَ له عليه، وإنما الحقيقة هي التي تتكلم.. أجلا، وتنيقة الإيمانية هي التي تتكلم.
فما دامت أنوار الحقيقة هي التي تفعل فِعلَها في قلوب المحتاجين إلى الإيمان، فَلْيَفدِها لا سعيدٌ واحد، بل ألفُ سعيدٍ وسعيد، وليَهُنْ في سبيلها جميعُ ما قاسيتُه طَوالَ الثماني والعشرين سنةً من الهدًا بلضنك، وما عانَيتُه فيها من الشدائد، وما تعرَّضتُ
— 815 —
له من المِحَن، وليَكُن في حِلٍّ مني جميعُ الذين ظلموني أو شرَّدوني من مدينةٍ لأخرى، أو أساؤوا إلي أو سعَوا لإدانتي بشتى أنواع التُّهَم، أو زَجُّوا بي في السج، وهذا وأقول للقدَر العادل: لقد كنتُ مستحِقًّا لِلَطماتك الرحيمة هذه، وإلا فلو كنتُ سلكتُ السبيل الآخَر كسائر الناس - وهو سبيلٌ مشروعٌ ولا يتأتى منه ضرر - فقَصَرتُ اهتمامي على نفسي ولم أتخلَّ عن أذواقي من الفيوضات المادية والأوهامٍ، لخَسِرتُ هذه القوة المعنوية الكبيرة في خدمة الإيمان.
لقد ضحَّيتُ بكلِّ شيء لديَّ ماديًّا كان أو معنويًّا، وتحمَّلتُ كلَّ مصيبة، وصبرتُ على اماتهاذى، وبهذا انتشرت الحقيقة الإيمانية في كلِّ مكان، وبهذا أيضًا خرَّجَتْ مدارسُ النور - وهي مدارس علمٍ وعرفان - مئاتِ الآلاف بل الملايين من الطلاب، وهؤلاء هم الذين سيواصلون العمل في الخدمة الإيمانية على هذا النهج، ولن يحيسم بها مسلكي الذي اتبعتُه في الاستغناء عن كلِّ شيءٍ ماديًّا كان أو معنويًّا، وسيَعملون لا يبتغون بعملهم شيئًا سوى مرضاةِ اللّٰه وحدَه.
إن الذين أذاقونا الأذى والشدائد قد أسدَوا خدمةً جليلةً لنشر الحقائق الإيمانيذي يتبيث لا يعلمون ومن حيث لم تدرك عقولهم أسرار القدَر الإلٰهي، ووظيفتُنا تجاه هؤلاء هي أن نرجو لهم الهداية.
إنني جِدُّ مريض، ولا طاقة لي على الكتابة ولا الكلام، وربما كان هذا آخرَ كلامي، فلا يَنسَ طلابُ الن الشباالمدرسة الزهراء وصيتي هذه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 816 —
بيانٌ من طلبة النور الجامعيين ردًّا على الهجمات والحملات الكاذبة المغرضة التي شنَّها أعداء الدين
إخوتَنا الأعزاء الأوفياء..
نهنئدمتها انقضاء هذه المحنة.. فمثل هذه الهجمات التي يتعرض لها طلاب النور الذين حازوا الإيمان الراسخ وترقَّوا في مراتبه بفضل دروس الإيمان التحقيقي التي تلقَّوها من رسائل النور، ما هي إحسب مرحانٌ واختبارٌ من جهة، ومِحَكٌّ لتمييز الألماس النفيس عن الفحم الخسيس من جهةٍ أخرى.. أجل، وما السجون التي يُزَجُّون بها جزاءً على إيمانهم باللّٰه واتِّباعهم لرسوله وعملهم بكتابه إلا مدارسُ يوسفية.. وما الظلم والأذوق في يَلقَونه إلا حوافزُ تدفعهم للمُضيِّ قُدُمًا في هذا الدرب.. وكأن القدَر الإلٰهي يومئ لنا من خلال هذه الهجمات قائلًا: هيا امضِ واعمل.. لا تتوقف.
لقد تمرإنني أاب النور في مواجهة الصعاب، وباتت الدفاعات التي يُدلون بها في المحاكم أشبه بالأحاديث التي يتسامرون بها فيما بينهم، وكذا المخافر التي يُساقون إليها بين حينٍ وآخر، فلا فرق عندهم بين الذهاب إليها أو الذهاب إلى السوق، أما القأمر فيتي توضع بأيديهم فليست سوى أساور الجهاد الأكبر تُزيِّن معاصمهم، وما الإدانات الظالمة التي وُجِّهت لهم إلا دليلٌ على براءتهم عند اللّٰه تعالى، وما الشدائد والمظالم التي ذاقوها إلا أوسمة شرفٍ على صدورهم، فما أسعدها من نعمةٍ نالها الرعيل الأول منل، هبوالنور خلال ثلاثين سنة، بينما فاتتنا وباتت بعيدة المنال إذ يوشك عهدها على الانقضاء!!
إن رسائل النور سِفرٌ إيمانيٌّ نفيسٌ حَقَّق لهذا الوطن وأبنائه الأمن والاستقرار، وأقام الوازع الحيَّ في القلوب؛ و الناسلت الرسائلُ البراءةَ في شتى المحاكم التي رُفِعت فيها الدعاوى ضدها من قبل أعداء الدين، وصرَّحتْ خمسٌ وعشرون محكمةً بأنها لم تجد في رسائل النور جرمًا، وصدَّقت محكمةُ التمييز قرارًا باراءة بالإجماع، واكتسبتْ دعوى رسائل النور صفة القضية المُبْرَمة.
— 817 —
لقد مرت على هذا الوطن ثلاثون سنة لم تُسجَّل فيها أيَّةُ واقعةِ إخلالٍ بالنظام بحقِّ قدٍ وبن طلاب النور مع أنهم يبلغون مئاتِ الآلاف، ولهذا فإن الذين يعملون على منع نشر رسائل النور إنما يعملون - بقصدٍ أو بدون قصد - لصالح أعداء الأمن والاستقرار، ولصالح الفوضوية الهدامة التي تَخون الوطن والشعب؛ والحال أن الذي يتعرض لرسائلتوم، و ليس الحكومة، فلقد تبين لرجال الأمن والشرطة أنْ ليس لبديع الزمان ولا لطلاب النور أيُّ مأرَبٍ سياسي، وليس لهم من عملٍ يتوفرون عليه سوى خدمة الإيمان والإسلام؛ ألا إن الذين يتعرضون لرسائل النور ليسوا سوى أعداء أَبدِ العاملين في الخفاء، وإن طلاب النور الذين تلقَّوا من الرسائل دروس الإيمان التحقيقي هم حزب القرآن المتين الذي لا يُغلَب، والقلعة الحصينة الصا، وينشتي تتكسَّر على أسوارها هجماتُ أعداء الدين، وكلما اشتدت هجمات هؤلاء ازداد طلابُ النور ثباتًا وفاعليةً وولاءً لرسائل النور وأستاذهم، حتى لقد كتب أحدهم يخاطب الأستاذ قائلًا: أستاذيَ العزيز البطل.. كلما ازداد معارضونا عددًحمة النا قوةً!! فللّٰهِ الحمد بلا حد.
بلى.. كانت حقبةً سوداءَ حالكةً يخيم عليها الظلم والظلام، ويهيمن عليها العسف والاستبداد اللذان كَمَّما أفواه الجميع إلا رجلًا واحدًا لم يَسكت ولم يستطع أحدٌ إسكم أعينبل لم يُمكن النَّيل حتى من طلابه.. ذلكم هو بديعُ الزمان الرجلُ الفذُّ البديعُ بحقٍّ.
لقد تمسَّك طلابُ النور برسائل النور باعتبارها تفسيرًا رفيعًا مُشرِقًا للقرآن الحكيم، وقرؤوها وأقرؤوها لإنقاذ إيمانهم أولًا، وإن هذا ايمانِ إخوانهم في الدين ثانيًا، وجَدُّوا في هذا المضمار، وعكفوا على خدمة القرآن والإيمان من خلال الرسائل لا يبتغون من وراء هذا شيئًا سوى مرضاة اللّٰه تحافظ فلم يبالوا بما تعرضوا له في هذا السبيل من تحدياتٍ وتعدياتٍ، ولا بما شنه عليهم أعداء الدين العاملون في الخفاء من هجماتٍ وتشويه سمعة، بقراء دوا جميع ذلك مُحفِّزاتٍ تحثُّهم على المضي قدمًا في نهج خدمة الإيمان والقرآن، وها هو حصادُ جهادهم في ثلاثين سنةً من الشدائد والمِحَن ماثلٌ أمام أنظار العالَلنور الامي.
— 818 —
فهنيئًا لكم يا إخوتنا من طلاب النور الجدد الشغوفين برسائل النور.. نهنئكم من صميم قلوبنا إذِ انضويتم في هذا السلك المبارك تنهلون من مَعين الرسائل العذب، وتزدادون رسوخًا وثباتًا بقراءته والضجشرون أنوارها.. نبلغكم تحياتنا وندعو لكم ونرجو منكم الدعاء.
٭ ٭ ٭
وإذا كانت هذه الهجمات قد ألحقت بالأنوار ضررًا واحدًا، فإنها قد عادت عليها بعشرين نفعًا، مما يجعل الضرر في حكم المعدوم؛ أجل، فهي لم تُفضِ إلا لازدهار الأنوار واتساع دائ تحقق شارها، وأصبحت سببًا لقبولها والثقة بها بين أبناء العالَم الإسلامي؛ ولقد لمس أعداء الإسلام انتشار الرسائل الواسع وفتوحاتها وتأثيرَها العميق ماديًّا ومعنويًّا في تركيا والعالَم الأنه لم، بل في أوروبا وأمريكا، فراحوا من جديدٍ يتعرضون لها هنا وهناك، فعاد ذلك عليهم بنقيض ما أرادوا، وبحسب المعلومات التي وصلتنا فقد تضاعفت فتوحات الرسائل في المناطق الشرقية عشرةَ أضعافٍ عما كانت عليه قبل التعرض لها، ولَفَتَتْ هذه الإجراءات أنظارَخذَ ال إلى الرسائل ومؤلِّفها، وأيقظتِ الغافلين، ونبَّهتِ الكُسالى، ودفعتِ المتهاونين لأخذ الحيطة والحذر؛ ومع أن هذه الهجمات الأليمة زائلةٌ لا تدوم طويلًا، إلا أنها مناوراتٌ خبيثةٌ يُراد بهنقاطِ الخوف والذعر في النفوس.
لقد دأب أعداء الدين الحمقى على تضليل الجهات الرسمية وتحريضها علينا واتخاذها وسيلةً لإرهابنا.. ألا يدري هؤلاء مَن طلاب النور؟!
والحقيقة أن هؤلاء الأعداء من ملاحدةٍ وماس وتصديوشيوعيين هم في منتهى درجات الضعف، أما سبب رؤيتهم أقوياء في الظاهر فيعود إلى أعمالهم التخريبية الهدامة، وهي أشبه ما تكون بالعمل الذي يرتكبه فتى شرير إذْ يُحرِق بيتًا كاملًا بعود ثقابٍ واحد!! أجل، إنهم في منتهى درجات الضعف، لأنهم يركنون إ، فيَشسهم التي لا يبلغ حظُّها من الاقتدار حظَّ العصفور، وهم في منتهى درجات الذلة والمسكنة
— 819 —
والدونية، لأنهم عبيدٌ لعبيدٍ أمثالهم، يتزلفون إليهم ويُراؤونهم ويتملَّقونهم، أما أهل الإيمان - إنه حا مَن حاز نصيبًا من الإيمان التحقيقي - فأقوياء أعزة، وكلُّ واحدٍ منهم عبدٌ عزيزٌ كُلِّيٌّ، لا يخضعون إلا للقدير ذي الجلال، الحاكمِ ذي الكمال، خالقِ الكائنات، ربِّ السماوات والأرض الذ - بنا ملكوت كلِّ شيءٍ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.. فإليه يتوجهون بالعبادة، وإليه ينتسبون، وإليه يَركَنون.
لقد أدرك المنافقون وأعداء الدين العاملون في الخفاء أن طلاب النور أناسٌ حملوا أرواحهم على أكفحِكْمَوتبيَّن لهم منذ زمنٍ بعيدٍ أنْ ليس بالمقدور إبعادهم عن رسائل النور أو تخذيلهم عن أستاذهم، فغيَّروا مخططاتهم ودسائسَهم الشيطانية، وسلكوا سبيل الخديعة والمكر عسى أن يظفروا منهم بنقطة ضعفٍ يتسللون منها أو يدُ اا بساطتهم وطِيبة قلوبهم، فدخل هؤلاء المنافقون أو رجالهم أو المخدوعون بهم في سلك طلاب النور في صورة أصدقاء وموالين أو في صورة طلاب نورٍ، وراحوا:
ان كلامًا من قبيل: ثمة خدمةٌ للإسلام سوى هذه.. وثمة جهادٌ لأعداء الدين سوى هذا.. وثمة كتبٌ أخرى سوى الرسائل قيمةٌ نافعة.. وتلك علومٌ أخرى إن حصَّلتَها قدَّمتَ خدمةً أفضل لرنني إنلنور.. ونحوِ هذا من الدسائس التي يكيدونها لصرف طلاب الرسائل عن الأنوار وشَغلِهم تدريجيًّا عن الخدمة التي يؤدونها، وتحويل أنظارهم إلى مسائل أخرى إلى أن يجد أحدهم نفسَه في نهاية المطاف مُستغرَقًا في مشاغل شتى لا يجد متَّسعًا من الوقت ينفقه فوفردًال للأنوار.
وربما سلكوا في خديعتهم سبيلًا آخر كإغرائهم بالمنصب والشهرة والمال والثروة، أو ثَنيِهم عن الخدمة بالتخويف والترهيب؛ إلا أن رسائل النور تمنح كلَّ مرجلُ اؤها بدقةٍ وإمعانٍ نباهةً فكريَّةً ويقظةً روحيةً وصحوةً قلبيةً، فلا تنطلي عليه مثل هذه الخدع، بل تعود بنقيض ما أراد مُدبِّروها، بل تدفعنا - نحن طلابَ النور - وتشدُّنا أكثر نحو رسائل النور، فس الإسلَن ردَّ كيدهم في نحرهم، حتى لَيَجدُ المرءُ بين طلاب النور مَن تركوا دنياهم ووقفوا حياتهم لخدمةِ الأنوار، ولم يكن لهم من دافعٍ لهذا - بعد النية الخالصة الصادقة السامية - سوى مقارعة هذه الخطط والخدع الخبيثة،
#الأمر م يرددون ما قاله أستاذهم من قبل: "إن الزمان زمان التضحية للإسلام"؛ فالحمد للّٰه على فضله وإحسانه.
ليس لنا علاقةٌ بالسياسة، بل هي من منظور خدمتنا الإيمانية ليست سوى حُطام زجاج، فكيف يُستَبدَل بالألماس النفيس؟! ولقد صرَّح تَلطِيلجنة الخبراء برئاسة الشؤون الدينية أنْ ليس في رسائل النور موضوعاتٌ تتعلق بالسياسة، وسبق أن أعلن المدّعي العام بی"أفيون" في لائحة ادِّعائه أن نشاط بديع الزمان وطلابه ليس نشاطًا سياسيًّا.
أجل، فالوظيفة التي أَولاها تلاميذ النور اهتمامَهم هي أيمًا سن أعظمِ قضيةٍ دنيوية، فلا وقت لدينا للانشغال بالسياسة، ولو كان لنا مئة يد فهي بالكاد تكفي لخدمة النور، ولو كانت لنا ثروات دولٍ كأمريكا وبريطانيا لوَقَفناها على قضية إنقاذ الإيمان، ولا وقت لدينا للانشغال بالتيارات السياسية والأفكار الباطلة،ح كلُّا قصير ووقتنا ضيق، والانشغال بالأمور السيئة يخلِّف على المرء أثرًا سيئًا، لا سيما في مثل هذا الزمان، حيث يصوَّر الباطلُ تصويرًا دقيقًا بحيث يُضلل الأذهان الصافية كما قال أستاذنا؛ نعم، فربما تعاطى أحدهم الأفكارَ والأمور السيئة بنيةٍ صافيةٍ قائلإسبارطتعلمها وأعرفها لأحاربها وأردَّ عليها، إلا أنه شيئًا فشيئًا يجد من نفسه ضعفًا في الارتباط بالدين والتمسك به والثبات عليه، وإذا به لم يعد كسابق ع طَوالير أن ما تمتاز به رسائل النور هو أنها تبدد الظلمات بنشر النور، وتدفع المرء لترك القبائح والابتعادِ عن الشر بتعليمه الخير، وتُلقِّن قارئَها الحقيقةَ فتُنقذه من الباطل وتحميه منه.
خلاصة الكلامأننا مشغولونَملِكَوار.. نشتغل بالمجوهرات القرآنية، ونعمل بحقائق القرآن الألماسية التي تستوعب الكون بأجمعه.. نخدم ما يبقى، ولا نكُدُّ لخدمة ما يفنى.. قد استة الكببخدمتنا الإيمانية في رسائل النور فلم تَدَع لنا حاجةً للاشتغال بسواها بعد أن كَفَتنا كلَّ شيء.
إن أعداء الدين العاملين في الخفاء ما فَتِئوا يحاربون رسائل النور ومؤلِّفها، لكنهم لن يَجنواصديق، بهم هذه سوى الهزيمة، وسيكون النصر والتوفيق حليفَ الرسائل ومؤلِّفها بإذن اللّٰه، على أن الطعن والتجريح الشخصي لن يَضرَّا رسائلَ
— 821 —
النور شيئًا، إذْ هي بذاتهنها ما وبرهان، بل إن الذين حملوا على عاتقهم مهمة الطعن والتشويه إنما حكموا على أنفسهم بها، والتاريخ شاهدٌ على هذا، وإن ما انطوت عليه رسائل النور من حقائة بحيثة سيُخلِّدها على مرِّ الزمان بإذن اللّٰه.
يومًا ما أعلن طلاب النور في محكمة الجنايات قائلين: "لا توجد قوةٌ بشريةٌ يمكنها أن تُفرِّق صفَّنا أو تُبعِدنا عن أستاذنا أو عن رسائل النور"؛ والأمر كذللةٍ بإا، ولن ينجح المنافقون في تحقيق ذلك ولو استخدموا أعتى الأسلحة، بل حتى لو قتَّلونا وتفارقت أبداننا فإن أرواحنا ستمضي بسلامةٍ وسعادةٍ إلى عالَم الخلود؛ وه أرفعقول كما قال أستاذنا في "المكتوبات": "حتى لو فرَّقتنا الأماكن فكان أحدُنا في الدنيا والآخَر في الآخرة.. أو كان أحدُنا في الشرق والآخَر في الغرب.. أو كان أحدنا في الشمال والآخَر في الجنوب.. فإننا برغم ذلك نبقع، وتو".
إن أستاذنا لا يدَّعي لنفسه مقامًا معنويًّا، بل يرفض حتى ما يُنسَب إليه من مكانةٍ رفيعةٍ ووصفٍ استثنائي، إلا أن أحواله ومواقفه وسيرته كافية في هذلتعريف به والبرهنة عليه، أجل، وحسبُنا أن نعلم أن خدمة القرآن والإيمان التي نهض بها بديع الزمان ورسائلُ النور حتى ترسخت في القلوب وانتشرت في كلِّ مكان، لا يمكن لأيَّةِ قوةٍ بشريةٍ أن تمنعها إلا أنلي بالقوةً تستولي على مقاليد العالَم وتديرُه كيف تشاء.
ونقتبس هنا جُملًا من كتاب "الدفاع الكبير"، وهي كلماتٌ قالها أستاذنا في دفاعه أمام المحكمة التي سيق إليها وفق مخطَّطٍ يرمي للحكم عليه بالإعدام، يقول الأستاذ: إن طلاب رسُخبِرينور ليسوا كغيرهم.. فليسوا ممن تُجدي معهم المكيدة والحيلة أو يستسلمون للّٰهزيمة.. أما رسائل النور فهي بضاعة القرآن ورشحةٌ من رشحاته.. والقرآن سلسلةٌ نورانيةٌ تَصِل العرش بالفرش.. فمَن بمقدوره أن يطولَها؟! لقد ترسخت رسائل النور في أرض اتنظيمال، وليس بمقدور أيَّة قوةٍ أن تقتلعها منها.
ويقول الأستاذ في كتابه الرائع الذائع الصِّيت "الآية الكبرى" ما نصُّه: إن رسائل النور لا تُصلِح إفساداتٍ جزئيةالأستاتبني بيتًا متواضعًا، بل تُصلِح إفساداتٍ كُلِّيّةً شاملة، وتبني قلعةً عظيمةً محيطةً تَحوزُ الإسلامَ في داخلها، وتَعظُمُ عِظَمَ الجبال أحجارُها.
— 822 —
إنها لا تعمل على إصلاح قلبٍ خاصٍّ أو ضميرٍ خصوصيّ، بل تعمل على ا، صار القلب العام الذي أثخنتْه جراحُ أدواتِ الإفساد المتراكمة منذ ألف عام، وتعمل على تطبيب الضمير والوجدان العمومي الذي مالَ إلى الفساد بعد أن دُمِّرت أسسٌ وتياراتٌ ولوب ال إسلاميةٌ تمثِّل مرتكزًا للجميع خصوصًا لدى عوامّ المؤمنين؛ فهذا ما تقوم به رسائل النور مستعينةً بأدوية القرآن والإيمان، مستندةً إلى إعجاز القرآن؛ ولا ريب أن مثل هذه الجراحات الكُلِّیيَّة الغائرة والكُلوم في ايمة المفجعة تستدعي وجود أدواتٍ فعالةٍ، وحُججٍ قويةٍ راسخة، وأدويةٍ غير محدودة، ومضاداتٍ ناجعةٍ مجرَّبةٍ تملك خاصيَّة ألف ترياق؛ وتلك هي المهمة التي اضطلعت بها رسائل النور في هذا الزمان، فقد نبعت من الإعجاز المعنوي للقرآن المعجز البيان لَتِه اذه الوظيفة السامية، وكانت بالإضافة إلى هذا وسيلةً للترقي والتزكي في مراتب الإيمان التي لا تُحَدّ.
إخوتَنا الأعزاء.. في زمنٍ هائجٍ عاتٍ هَيمَنَ فيت رسائحاد والكفر المطلق.. وفي عهدٍ مروِّعٍ شُرِعَ فيه بتنفيذ مخططات محو الإسلام والإيمان والقرآن.. وفي حقبةٍ رهيبةٍ لم يسبق لها مثيلٌ في التاريخ شُنَّت فيها حربٌ شعواء نا ضد ماء الدين وكُمِّمَت أفواههم ومُنِعوا من أداء وظيفتهم الشرعية في نشر العلوم الدينية وبيان الحقائق القرآنية وتبليغها.. في هذه المرحلة بالتحديد برز بديع الزمان سعيد النُّورْشرها -مفرده إلى ميدان الجهاد الديني مضحِّيًا شجاعًا ومدافعًا ثَبْتَ الجَنان يَذود عن القرآن والإيمان والإسلام.. ووقف وحدَه يتحدى لا الفراعنة المحليين فحسب، بل جميع ملاحدة أوروبا، فكان رجلًا بأمة، ورا فعمرن حقائق القرآن في ظلِّ ظروفٍ قاهرةٍ ساد فيها الظلم الشديد والاستبداد المطلق، ولقي في سبيل ذلك ما لقي من الأذى والتضييق والمراقبة والملاحقة وال هذه ا أبسط الحقوق، وكان شعاره على الدوام: إن وظيفتنا هي السعي والعمل، أما النصر والهزيمة، والتوفيق والقبول، فبِيَدِ اللّٰه تعالى وحده، ولسنا نتدخل في الشؤون الإلهية. ولاقى معاملات ظالمة وظلمًا شديدًا ليس له مثيل، ووُضِع عة اللِّه شرطة وعناصرُ أمنٍ، ومنع من الخروج حتى لصلاةِ الجمعة، واتُّخِذَت إجراءاتٌ صارمة لستر جميع هذه التصرفات المُشينة كيلا يَسمَع بها أحدٌ.
— 823 —
لقدولقد ر أستاذنا رسائل النور بعنايةٍ إلٰهيةٍ في ظلِّ تلك الظروف الصعبة، ونشَرَ معظمَها كتابةً بخط اليد وبالحروف العربية القرآنية في الوقت الذي استُبدِلت بها رسميًّا حروفٌ لاتينية، وبذلك حافظ الأستاذ تؤدي ه القرآن، وحظي مئاتُ الآلاف من الشباب التركي بنعمةِ وشرفِ تعلُّم خط المصحف الشريف قراءةً وكتابةً؛ ولقد عبَّر الأستاذ في هذه الرسائل - بما آتاه اللّٰه من قوة إيمانٍ وإخلاصٍ تامٍّ - عن الحقائق القرآنية والإيمانية، المكائها بأسلوبٍ جديدٍ تمام الجِدَّة يناسب أفهام العصر، ويتيح لجميع طلابه الاستفادة منها سواءٌ كانوا من العامة أو من الخاصة؛ وبهذا وُفِّق بفضل اللّٰه لإخراج تفسيرٍ قرآنيٍّ رفيعِ المستوى مشرقِ المعنى يفيض حيويةً كرسائل النور، ولقد ضعاف ح الآثار الجليلة لهذه المؤلَّفات الرائعة حِفظُ الوطن والشعب من الإلحاد والشيوعية.
وفي زمنٍ أُزيلت فيه الشعائر الإسلامية بالقوة، وكثُر فيه علماء السوء الذين قدَّر والإالح الدنيا وظنوا أنفسَهم مجبَرين، فتنازلوا عن تلك الشعائر القدسية، وتصرفوا بما يعود على الدين بالضرر، واستجابوا لما طُلِبَ منهم من مسايرة البدع وإصدار فتاوى تخالف الإسلام.. في ذلك الزمن بالتحديد ثبت بديع الزمان ثباتًا راسخًا بلسان شك، فومقاله وأفعاله، فلم يغير ولم يبدِّل برغم كلِّ الأذى الذي لَقِيَه والذي وصل إلى درجة التهديد بالإعدام، بل خاض نضاله بكل إقدامٍ قائلًا: "إن الأجل واحدٌ لا يتغير، وإن الموت ما هو إلا تذكرة ذهابٍ من عالَم الفناء هذا إلى عالَم البقاء وعالَممعنوية"، وأخذ ينشر سِرًّا وخلال ثلاثين سنةً مؤلفاتٍ تُحذِّر من البدع وتحاربها، وتحافظ على الشعائر الإسلامية، وتُحيي السُّنة السَّنيَّة، وبذلك سَرَت في محيطه بشخصي من نفحات عصر النبوة، وسطعت فيه جَلوةٌ من جلواته.
لقد اختار الأستاذ العيش في عزلةٍ يكتنفها القهر والأذى لئلا يقع في مخالفةِ سنةٍ نبويةٍ الجدي وعَجَزَ الاستبدادُ الإلحادي المطلق الذي لم يسبق له مثيلٌ في تاريخ البلاد، والذي فرَضَ حكمه على الملايين طَوالَ ثلاثين سنة.. عجز عن فرض حكمه على بديع الزمكما أخِّ شكلٍ من الأشكال، بل ظلَّ هؤلاء الظَّلَمَة المستبدون مهزومين في مواجهته.
— 824 —
إن رسائل النور تقوي إيمان المرء إذْ تنقله من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي، وبذا ينال سعادة الداا، سواحُسن الخاتمة، وهي في الوقت نفسه تُلزِم أعتى الفلاسفة الملحدين الحجةَ، بل إن إحدى خصوصياتها هي أنها - خلافًا لأسلوب المتكلمين - تلقي على قارئها الدرس الإيماني نقيًّا لواقع دون الخوض في شبهات أهل الضلال وزيغهم، فتداوي أدواءَه المعنوية دون أن تُخلِّف في نفسه شيئًا من جراح الشبهات ونُدوبِها، وبهذا تقضي على الوساوس والأوهام، وتجيب على الأسئلة والجماعة ت بأسلوبٍ يُلزِم النفس ويُطمئن القلب.
ورسائل النور تنير العقل والقلب معًا، وتُملِّك المرءَ زمامَ نفسه، ولهذا يتمسك بها الفريقان، فريقُ المشتغلين بالعلوم والفلسفة الآخذين بالعقل وحدَه، نكيرٍ؟ أهل التصوف السالكين سبيل القلب، إذْ يعي الفريق الأول أن التنوير الحقيقي إنما يكون بالمزج بين ضياء العقل ونور القلب، وأن الأخذ بالعقل وحدَه يَنزل به إلى مستوى سياسي فلا يُقِرُّ إلا بما ترى، وشأنُ هذا شأنُ طيرٍ مكسور الجناح لا يستطيع الطيران، وإن طار لم يلبث أن يقع؛ ويعي الفريقُ الآخَر أهلُ التصوف الخالصون المخلِصون أن الزمان الحاضر ليس كالماضي، وأالة إلبد لنا في هذا الزمان من طريقٍ قرآنيٍّ يسلك بنا سبيلَ الحقيقة ويبلِّغنا إياها بالقلب والعقل معًا فنكون من ذوي الجناحين.
(حاشية): يؤكد أهل العلم والتحقيق الذين وقفوا على كتاب هذا الوي العربي النُّوري" أن المراتب التي يَبلغها أقلُّ القليل من الكُمَّل الذين حازوا القطبية والغوثية بالسير والسلوك سبعين أو ثمانين عامًا، ويصلون إلى نقطةٍ يقولون عنها: إبخبثٍ منتهى ولا سبيل وراءها؛ هي مراتبُ قد بَلَغها بديع الزمان بواسطة العلم والطريق الذي وجده في القرآن الكريم، ويُشيدون بالفوائد التي تحصَّلت لهم من الحقائق السامية العميقة الواسعة التي انطوى عليها هذا السِّفرُ النفيس.
لقري ومش رجال المدارس التقليدية الذين وعَوا الأمر جيدًا أن الحصيلة الإيمانية والإسلامية التي يمكن تحقيقها خلال خمس عشرة سنةً وفق المناهج المتبعة في المدارس التقليدية، أصبح من الممكن تحصيلهاره بحقا الزمان خلال خمسة عشر أسبوعًا بواسطة رسائل النور، وفي هذا الصدد يقول أستاذنا: إن مَن يتوفَّر سنةً على
— 825 —
قراءة دروس رسائل النور بفهمٍ وقب في مدلح أن يكون عالِمًا ذا حقيقةٍ وشأنٍ في هذا الزمان.
ورسائل النور خزينةُ مددٍ ونورٍ تُقرِّب المشرب النوراني لنبيِّنا المصطفى (ص)، وتُبيِّن السجايا العالية لصحابته الكرن "أفي اللّٰه عنهم، وهذه المزية تُضفي على عالَم اليوم حياةً نورانيةً دفاقة، وتكشف عن وجهٍ جديدٍ مشرق، إذْ تجمع رسائلُ النور أهلَ العلوم الحديثة مع أهل العلوم التقليدية وأهل المسالك الصوفيكي معًحِّدهم في صفٍّ واحد بعد أن ساد الظنُّ لأزمانٍ طويلةٍ أن هؤلاء فُرقاء متعارضون؛ ويرى كثيرٌ من ذوي الشأن أن رسائل النور هي أبرز من يعمل لتحقيق اتحاد العالَم الإسلامي؛ أجل، بل يمكننا القول بأنها تحقق كذلك السلامَ بين الشمنفعةًغرب وهما اللذان عُهِد بينهما الخلاف والشقاق؛ وإننا لنجد اليوم تياراتٍ في أوروبا وأمريكا تَجِدُّ في البحث عن كشوفاتٍ علميةٍ جديدةٍ تَحُلُّ مشاكلَ العالَم، وتُبيِّن الحق والحقيقة لإنسان هذا ادون أنالذي بلغ ما بلغ من الرقي العلمي والفكري، ولو أمكن لهؤلاء أن يتأمَّلوا ويدركوا لوجدوا بُغيتهم في رسائل النور، وثمة علائم تشير إلى تحقُّق شيءٍ من هذا لدى الشعب الألذب معهلمحظوظ.
(حاشية): ومن الأمثلة على هذا دخول خمسة وستين شابَّا في الإسلام، والتزامهم بنهج رسائل النور، وذلك في بلدةٍ ألمانيةٍ واحدةٍ وفي محيطلظلم ويٍّ خالص.
لقد تناولتْ رسائل النور العُقَد المستعصية التي عجز عن حلها فلاسفة الغرب فيما مضى، والتي قال عنها فلاسفة اليوم إنها لم تُحلَّ بعد، فحَلَّتْها بفيض القرآن الكريم ومَدده، وأقامت على ذلك الدليلَ العقليَّ المنطقي؛ وكذلك الذ بديع قضايا إشكاليةٍ اجتهد حكماء الشرق في إيضاحها وتفهيمها، فكتبوا فيها أربعين صفحة، بينما عبَّرت عنها رسائل النور بأسلوبٍ بالغ الإيجاز في صفحةٍ واحدة، ونقتبس بهذا الصدد بعضًا مما قاله الأستاذ بديع الزمان عام ١٩٣٥م في دفاعه أمام محكمدمة رسياتِ "أسكي شَهِر"، وهي محكمةٌ دُبِّرت له بُغيةَ أن يُقضى عليه بالإعدام، يقول الأستاذ: إن رسائل النور لا
— 826 —
تُطفأ ولا تنطفئ.. إنها نورٌ لا تزيده محاولات الإطفاء إلا سطوعًا.. وإنها كَشَّافٌ يميط اللثام عن طلسم هذه الويحلُّ لغزه.
ومن هذا القبيل مسألة الحشر الجسماني، التي قال فيها أحد عباقرة الحكماء كابن سينا: "إنها ثابتةٌ بالنقل، نؤمن بها ولكن لا سبيل للعقل إليها"؛ فقد أثبتتْها رسائل النور إثباتًا عقليًّا بفيض القرآن لكم ي، وأوضحتْها بأسلوبٍ فريدٍ بحيث يَسهُل فهمها حتى على العوام.
وقريبٌ من هذا أيضًا الاعتراضاتُ التي أثارها فلاسفة أوروبا وطلابهم الغارقين في الضلال حول بعض الآيات والأحاديث المتشابهة لعدم وقوفهن
#493معناها، فقد أجابتْ عنها رسائلُ النور إجابةً عقليةً منطقية، وبيَّنت وجه إعجازٍ في كلِّ نصٍّ من نصوص هذه الآيات والأحاديث، وبذلك واجهت الشبهات والضلالات الواردة من العلوم والفنون فاستأصلتها من جذورها ممتهم افي ذلك منهجيةً علميةً رصينة.
وإذا شئنا الحديث عن رسائل النور من منظور أدبيٍّ لقلنا: إنها تتمتع بسموٍّ أدبيٍّ فريد، ويمتاز أسلوبها المتفرِّد ببلاغةٍ وفصاحةٍ وعذوبِ، يا جازٍ لا نجده حتى في المؤلفات المشتهرة بين الناس، ويجدر بنا أن نذكر في هذا المقام أنه حين طُلب من بعض العلماء الأجلاء ترجمة كتابَ "عصا موسى" إلى العربية وذلك بإلحاحٍ شديد من اِيّ
الإسلامي، فلما اطلعوا عليه شهدوا للأستاذ ورسائله بالفضل والمزية قائلين: لا يترجِم كتبَ بديع الزمان إلا بديعُ الزمان نفسه.. فنحن عاجزون عن ترجمة رسائل النور ترجمةً تحيط بما فيها من العلم، وتحافظ على ما فيها من ب أن الوفصاحةٍ وإيجاز.
إن منهج بديع الزمان في مؤلفاته هو أنه - خلافًا لمعظم الكُتَّاب والأدباء - يولي المعنى أهميةً أكثر من اللفظ، فلا يُضحِّي بالمعنى لأجل اللفظ، بل يجعل اللفظ خادمًحمد النى تابعًا له، ولا يراعي في أسلوبه هوى القارئ، وإنما يتخذ الحقيقة والمعنى عمدةً وأساسًا، فهو إذْ يفصِّل ثوبًا للبدن يقصُّه بما يناسب البدن وليس العكس؛ وتلك هي الجاذبية الربانية التي تنطوي عليها رسائل النور، والتي تسوراماتٍول والقلوب
— 827 —
والأرواح والضمائر نحو الحقيقة فتخضع لها وتنقاد، حتى لَتجدُ الصغار والكبار، والشباب والشيوخ، والعوام والخواص ينجذبون نحوها كما ينجذب الفراش إلى النور؛ وخير مثالٍ على هذا هو الإقبال الشديد الذي شهدته الرسائل من شريحةٍ ئة، إن من أبناء المجتمع مما أفزع أعداء الدين وأثار مخاوفهم.
وكما هي الحال مع شتى جوانب رسائل النور فليس بالمقدور وصفُ الجانب الأدبي فيها وبيانُ قيمته وأهميته كما يليق به، خصوصًا لأمثالنا ممن لم يبلغوا شأو الأدباء، ولئن جاءتن خدموتنا في هذا المقام قاصرةً لا تفي بالمطلوب كما هو شأن جهد المُقِلِّ، إلا أنها تبقى عباراتٍ صادقةً تعبر عما في مكنون القلب من شكرٍ وامتنانٍ لا يتناهيان تجاة النوئدة العظمى التي حصَّلناها من الرسائل، وإلا فإن أَولى مَن يحكم في هذه المسألة إنما هو مؤلِّف الرسائل نفسه.
لقد شهد علماء أجلاء منصفون لرسائل النور بأنها تفسيرٌ قرآنيٌّ متفرِّدٌ ما فيهي حاجة العصر، وأثنوا عليها ببالغ التقدير والاستحسان، كما سبق أن شهد علماء أفاضل قبل قرابة نصف قرن على عظمة مؤلفات بديع الزمان وعلى علو كعبه في العلم والدراية حيث وصفه الصحف والجرائد المصرية بی: "فطين العصر".
ولوفي مقنا في هذا المقام التذكير بالدستور الذي التزمه بديع الزمان طَوالَ حياته، ألا وهو الترفُّع عن قبول الأُعطيات، وعدم قبول الهدية إلا بشرط المكافأة عليها، وقد شهد له بذلك حتى خصومُه، وأقروا له بأنه فنَّد بموقفه العملي ينكروتهمةَ التي لطالما رددها أعداء الإسلام عن أهل العلم، وضرب مثلًا يُحتذى في صون العلم عن الابتذال والتكسُّب به، وحافظ على عزة الإسلام والإيمان في وجه أعتى الطغاة الظَّلَمة، ولم يُخِلَّ بقاعدة الاستغناء التي سار علينور.
في أشد ظروفه قسوة، فاستغنى عن أموال الناس قائلًا: إن الاقتصاد والقناعة كنزان عظيمان تكفيني بركاتُهما.
إن ما تعرض له بديع الزمان على مدى السنين الطِّوالَ، من سجونٍ أُدخِلَها، وزناتَوارِجَّ بها، ومَنافٍ سيق إليها، وظلمٍ وتضييقٍ وأذًى لَقِيَه، ومحاولاتِ تسميمٍ
— 828 —
تعرض لها حتى بلغت سبع عشرة محاولة.. كلُّ ذلك دليلٌ ساطعٌ وبرهانٌ حيٌّ على صدقه وأحقِّيةِ دعوته؛ ونستشهد في هذا الباب بموقفٍ جرى لأحد الأفاضل في الهند إذنه لم أمام جمعٍ من الناس: من هو بديع الزمان؟ فأجاب: هو رجلٌ صاحبُ دعوةٍ، عزيزٌ متعففٌ لا يقبل صدقةً ولا هدية، وقد أنهكه المرض، وطعن في السن، وعاش حياته فح ينشربة، وعانى الفقر، وقاسى الظلم، لكنه برغم هذا كلِّه ما يزال منذ ستين سنةً ثابتًا على دعوته لم يَحِد عنها!! فقالوا له: إنَّ مَن هذه حالُه لا بد أن يكون رجلًا يصدع بالحق، ويخدم القرآن والإسلام خدمةً كُليَّةً جادةً مأَنْ ي، ولا ينحني للكفر والإلحاد والزندقة، لا يرائي ولا يتزلف، ولولا ذلك لما لقي كلَّ هذا الظلم والأذى.
ومن هنا يمكننا القول بأن عبارات الثناء والتقدير التي تقال بحق الأستاذ وتتردد على ألسنة رجالٍ أفاضل ليست عالنُّومدحٍ وثناء تُزجى، بل هي وصفٌ لواقعٍ مشهود، وتعبيرٌ قاصرٌ عن جزءٍ يسيرٍ من العمل العظيم الذي نهض به بديع الزمان؛ وكذلك الأمر بخصوص ما يكتبه طلاب رسائل النور من مقالاتٍ ورسائل، فليست هذه مديحًا يُدبَّج، بل هي دفاعٌ رصينٌ يجابِه أعداءَ إبراه الذين لا ضمير لهم ولا إنصاف، ويقارعهم في مسعاهم لضرب خدمة الأستاذ الإيمانية والتعرُّض لشخصه.
(حاشية): إحدى الدسائس التي يُردِّدها الملم فيقوشياطين الإنس والجن، ويبثونها على ألسنة مخدوعيهم هي قولُهم: إن أستاذَكم لا يولي أهميةً لشخصه، لكنكم تخالفون منهجه وتكتبون بحقه رسائل تقديرٍ وإجلال!!
والحق أن هذا هو أحد أساليبهم في خداع طلاب النور وتشويشهم، إذ يغالطصي أنامثل هذه الأفكار التي تلقى رواجًا لدى البسطاء لمنعهم من الدفاع عن الأستاذ والرسائل دفاعًا عادلًا نزيهًا؛ ونحن نقول: أجل، إن إحدى سجايا أستاذنا العالية الرفيعةِ النابعةِ من إخلاصه هي أنه لا يولي أهميةً لشختقون منَّ هذا لا ينبغي أن يدفعنا لإغفال قيمته ومكانته السامية، بل إن إبرازها والاعتراف بها لَیمِن مقتضى البصيرة والإنسانية؛ ذلك أنَّ من لُطف اللّٰه بنا أن قيَّض لنا هذا الرجل الفذَّ الذي قدَّم لنا تفسيرًا قرآنيًّا بدل النورسائل النور التي تُعنى بالقضايا الجوهرية المصيرية، وهي قضايا لا تخص أبناء العالَم الإسلامي اليومَ فحسب، ولا المجتمع الإنساني المعاصر فحسب، بل يمتد أثرها ودورها لأجيال المستقبل.
— 829 —
وبالرغم من أن عبارات التقدير والثناء ه أني لتجافي الحقيقة، إلا أن الأستاذ لا يتردد في إبداء انزعاجه منها وإنْ جرَحَ بذلك مشاعر قائليها، بل كثيرًا ما يؤكِّد أن الزمان ليس زمان الشخص الفردٍ يسيرو زمان الشخصية المعنوية..وليس في رسائل النور شخصٌ فرد، بل فيها شخصيةٌ معنوية.. أنا لا شيء.. فالرسائل بضاعةُ القرآن، منه ترشَّحتْ، وإليه يعود الحسن والشرف.. لقد وقع الخلط بيني وبين رسائل النور، وإنما المزية لها وليست لي.. أما التوفيق العلحقائق نشرها فيعود لطلابها.. وإنما القضية أن اللّٰه جلَّ شأنه قد تفضَّل عليَّ لشدة حاجتي، وأنعم عليَّ بأدويةٍ من القرآن الحكيم فدوَّنتُها، ووقعتْ على عاتقي بشكلٍ أو بآخر وظيفالأسبامتها والتعبير عنها.. أنا أحد طلاب رسائل النور.. ولقد قرأتُ إحدى الرسائل مئة مرة، وما أزال أشعر بالحاجة إليها من جديد.. فأنا زميلكم في الدرس والتلقي.
إن خدمة القرآن والإيمان والإسلام التي نهض بها بديع الزمان ليست عملًا محليًّا محدودًا، بل هيمِلوا تعمُّ أرجاء المعمورة، وتحظى بتوفيقٍ ونجاحٍ باهرَين، وما سرُّ هذا النجاحِ والتوفيقِ وقوةِ التأثير التي تتمتع بها رسائل النور إلا الإخلاصُ التام لدى بديع الزمان، إذْ لم يكن له من أساسٍ يَعتمد عليه ولا مقصِدٍ يرنو إليه سوى مرضا العالٰه تعالى، وله بهذا الصدد كلامٌ يقول فيه: "إن أساس مسلكنا الإخلاص الأعظميُّ وترك الأنانية، فدِرهمُ عملٍ خالصٍ خيرٌ من قنطارِ عملٍ غير خالص. بعض أفرُّ أشدَّ الفرار من الشهرة ومن هدايا الناس المادية والمعنوية، ومن إقبال العامة وتوقيرهم"؛ ولا شك أن هذا هو أحد أسباب امتناعه عن استقبال الزوار، وليس أدلَّ على منزالةٍ مخلاص لديه من أنه خصَّ "رسالة الإخلاص" من بين رسائله المئة والثلاثين بعبارةٍ صدَّرَها بها قائلًا: "تُقرأُ هذه الرسالة مرةً على الأقل كلَّ خمسةَ عشر يومًا"، ويقول في كتابه "اة قوةٍالكبير": "إن غايتنا مرضاةُ اللّٰه عز وجل، وإن رسائل النور لا تُتَّخَذُ أداةً لشيءٍ من الدنيا، بل ولا للكون بأجمعه".
فذلكم هو سرُّ الإخلاص الذي لَمسَهُ أحدَ العلماء الأجلَّاء المحققين ممن ييبلغون بقراءة مؤلفاتِ كبار الأئمة الحكماء الأعلام كالإمام الغزالي وغيره.. فجعله
— 830 —
يقول: إن الفائدة التي أُحصِّلها بقراءة صفحةٍ من رسائل النور، تفوقُ ما أُحصِّله من عشرِ صفحاتٍ من غيرها من المؤلفات.
ويقول أحد المهتمين بالعلوم الفلسفية: لقدنني انُ بالمؤلفات العلمية والآثار الفلسفية سنين طويلة، فلم أجد مؤلَّفًا يُقنعني، ويداوي جروحي التي سببتْها الفلسفة والمؤلَّفات الغربية، ويُلبِّي احتياجاتي في هذا الزمان: كرسائل النور.
ويقول أحد الأدباء: كان قلبي مْرِ مِ لكنْ كان عقلي مُظلِمًا، فجاءت رسائل النور فنوَّرَتْهما معًا، وأقامت الحجةَ على نفسي، وأنقذتني من عذابٍ جهنمي.
ويقول أحد الأطباء: ذلك اليوم ويةً مدأتُ فيه الاستفادة من رسائل النور هو يومُ ولادتي بحق.
ويقول شابٌّ موفَّقٌ من طلاب الجامعة: لَأَن أؤدي خدمةً من قبيل توصيلِ رسالةٍ من رسائل النورذابَك ها من موضعٍ لآخَر في إسطنبول أحبُّ إليَّ من أن أكون نائبًا في البرلمان.
وقبل ثلاثين سنةً قال رجلٌ جليل القدر كبير السن فاضلٌ مُخلِصٌ من أهل التصوف، عن شابٍّ يُدعى لطفي: إن طالب النور هذا قدي العم بأشواط.
فهذه نماذج يسيرةٌ من اعترافاتٍ كثيرةٍ تشير إلى ما ذكرناه من سرِّ الإخلاص؛ ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد سرَّ الإخلاص هذا لدىالحقائالنور، فبه يوفَّقون في خدمة الإيمان والإسلام تحت وطأةِ قيودٍ كثيرةٍ وتهديداتٍ جمَّةٍ وظروفٍ صعبةٍ، ويَقفون حياتهم لخدمة الرسائل والسير على نهج أستاذهم، وقد جعلوا قضيَّة رسائل النور رأسَ مالِ عمرهم وغايةحمٍ ولم، ولما كان مقصَدُ رسائل النور مرضاةَ اللّٰه تعالى، فقد حاز المحامون ذوو الغيرة الإيمانية نعمةً عظيمةً وشرفًا عاليًا بالعمل لها، إذْ باتوا محامين فخريِّين لها تفيض جوانحهم ولاءً عَظَمةم، وكذا الحال مع نُظرائهم من الكتاب والمحرِّرين الذين أخذوا يجاهدون بأقلامهم في نصرة الحق والدفاع عن الدين؛ إن الانتشارَ الذي تحظى به رسائل النور، والفتحَ الذي تُحقِّقه، والأثرَ الذي
— 831 —
تتركه، هو أشبه بالموجودات التي تنتشر في فصل الربيع وتتف حاقدةهةٍ وجلالٍ من غير ضجيج.
فيا إخوة النور الأعزاء..
لقد حظيتم بنعمةٍ عظمى جديرةٍ بكلِّ مدحٍ وثناءٍ كرسائل النور.. وتتلمذتم على يد بطلٍ من أبطال الإسلام كبديع اذه الم. ذلك المفكر العبقري، والعالِم المتبحِّر، والمجاهد الفذّ، والعبد الكُلِّي الذي تجسدتْ فيه الحقائق الإيمانية، وتجلَّتْ فيه معاني الزهد والتقوى، والذي وقف حياتَه تلميذًا للقرآن وخادمًا للإسلام بتجرُّدٍ وإخليدُ بأ يبتغي شيئًا سوى مرضاة ربه سبحانه، وهو المُنقِذ الإيماني القائل: إنني أرضى بدخول جهنم لإنقاذِ إيمانِ شخصٍ واحد؛ وهو الذي أُحيل على المحكمة العسكرية لتقضي بإعدامه، فلما وُجِّهت له تهمة الرجعية أجاب كلٍّ م: إذا كانت المَشْروطِيَّة استبدادَ فئةٍ من الناس فليشهد الثقلان أني رجعيّ، ولو كانت لي ألفُ روحٍ لما ترددتُ في التضحية بها فداءً لحكمٍ واحدٍ من أحكام القرآن، ثم لما قضتِ المحكمةُ ببراءته غادرها من غير أن يتقدم لد إلى رٍ، وتوجَّه إلى الميدان القريب منها هاتفًا بأعلى صوته في الناس: عاشت جهنم للظالمين!! وهو الذي أعلنها مدوية في المحاكم التي سَعَتْ لتصفيته قبِه مكتٍ وعشرين سنةً فقال: أيها الملاحدة.. أيها الزنادقة.. لقد قلتم: إن لسعيدٍ قوةَ خمسين ألف رجل.. ألا لقد أخطأتم.. فإنني في خدمة القرآن والإيمان ب بثَّهسين مليونًا لا خمسين ألفًا.. فلتحسبوا للأمر حسابه.. وإن كان بوسعكم أن تتعرضوا لي فافعلوا إن استطعتم.. إن إعدامي سينفجر قنبلةً على رؤوسكم فلا يبقي منها ولا يَذَر.. وإن القضاء تدي، وسيكون بمثابة دفن حبةٍ تحت التراب لا تلبث أن تُنبِت مئات السنابل.. وعندها ستجدون مئة سعيدٍ وسعيدٍ يَجهرون بالحقيقة السامية في وجوهكم بدلًا مني؛ وهو الذي قال قبل خمسَ عشرةَ سنةً: لو كانت لي رؤوس بعدد شعر رأسي يُقطَع في كلِّ يومٍ واحدٌ مأهَّلو تراجعتُ عن خدمتي الإيمانية، ولو جعلتم العالَم بأسره نارًا تَتَّقد فوق رأسي لما أحنيتُ هذا الرأس الذي نذرتُه للحقيقة القرآنية، وما طأطأتُه أمام
— 832 —
الزنثبات، هو الذي جابَهَ قبل خمسين سنة الإمبراطوريةَ البريطانية المتجبِّرة الظالمة التي احتلت بلدان العالَم الإسلامي ونهبت خيراته، وأعلن موقفه منها في المطبوعات قائلن شخصيصقوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمة الأنذال؛ وهو الذي خاطب رئيس الجمهورية أمام مجلس الشعب قائلًا: "إن أسمى حقيقةٍ في الكون بعد الإيمان هي الصلاة.. وإن الذي لا يصلي خائن.. وحُكمُ الخائن مردود.. ولو كان ثمة حقيقةٌ بعد الإيمان أعظم مِمّالاة التي أمر اللّٰه بها في مئة موضعٍ من كتابه لأمر بها"؛ وهو الذي سَنَّ سنةَ أداء الصلاة جماعةً في مجلس الشعب بعد أن أصدر بيانًا بهذا الخصوص؛ وهو الذي استهان بالموت واستقبل الإعدام رميًا بالرصاص غيرَ هيَّذلك أنا وَجِلٍ قائلًا: "لقد كان يلزمني جوازُ سفرٍ أمضي به إلى الآخرة"، وذلك حين وقع أسيرًا بيد الروس، بعد أن قاد فرقةً من المتطوعين في الحرب العالمية الأولى.
أجل يا إخوة النور.. لقد حَظينا بنعمةٍ عظمى لو ضحَّينا في سبيلها ْ هو بنا، ووقفنا لها حياتنا، وقاسينا لأجلها ظلمًا بعد ظلم، وسجدنا لها العمرَ سجدةَ شُكرٍ ما وفَّيناها حقَّها.
إن أستاذنا يؤكد باستمرارٍ أن مسلكنا عملٌ إيجابيٌّ بَنّاء، وأن القرآن قد منَعَنا من أيِّ تصرُّفٍ ضارٍّ هدّام؛ أجل يا أستاذَنا الحبيب. وإنه يِّدَنا وسندَنا وتاجَ رؤوسنا.. ويا من هو أعزُّ علينا من قلوبنا وأرواحنا وحياتنا.. ما دمتم لا تأذنون لنا بأيِّ عملٍ ضارٍّ هدَّام فإننا نعاهدكم راجين من اللّٰه العون والتوفيق أننا سننتقم من الظَّلمة اعة وللة أعداء الدين الذين ظلموكم أشدَّ الظلم.. سننتقم منهم بنشر رسائل النور وخدمتها وتعليمها والثبات عليها والولاء لها حتى الممات.. وسنكتبها بحروفٍ من ذهبٍ بإذن اللّٰه.
بقلم
طلاب النور الجامعيينلرسائل ٭
— 833 —
رسالةٌ من الأستاذ بخصوص زُوَّاره
اضطررتُ لبيان عذرٍ لأصحابي عامةً وللزوَّار خاصةً؛ وهو أني مثلما قضيتُ معظم حياتي في العزلة، فقد ظللتُ قرابة أربعين سنةً أعيش تحت المراقبة والملاحقة، حتش، وصو أنأى بنفسي وأنفِرُ من لقاء الناس إلا لضرورة.
ثم إني كنتُ وما زلت أستثقل قبول الهدايا ماديةً كانت أو معنوية، وقد كَثُر في هذه الأيام عدد الزوَّار والأصحاب، وتوجَّبَ بذلك مكافأتهم معنا بال، فكما تُمرِضني لقمةٌ من هديةٍ مادية، فكذلك القدوم لزيارتي ولقائي لا سيما تَجَشُّم عناء المجيء من أماكن بعيدة للسلام عليَّ ومصافحتي، فهذه هديةٌ معنويةٌ مُكلِفةٌ غير زهيدة الثمن، بلأخرى انظيرتها المادية ولا أستطيع مكافأتها، ولست أرى نفسي أهلًا لهذا الاحترام والتقدير.
ولهذا فإني كما منعني الإحسانُ الإلٰهيّ من قبول الهدايا المادية، منعني كذلك من قبول الهدايا المعنوية، أعني اللقاءات والزيارات إلا ما كان لضرورة؛ فبعضارطة" مرِضني كما تُمرِضني الهدايا المادية حين لا أكافِئ مُهديها، فلا يَسُؤْكم هذا ولا يَحْزُنكم.
إن قراءة رسائل النور أنفع من زيارتي عشرَ مراتٍ، ولا شكَّ أن زيارتي إنما هي لأجل الآخرة والإيمان والقرآن، وبما أني قطعتُ علاقتي بالدنيا فإن زيارتيولقي مالدنيا لا معنى لها، أما زيارتي لأجل الآخرة والإيمان والقرآن فإن رسائل النور لم تُبق حاجةً إليّ، حتى إني لا أستطيع اللقاء بخواص إخواني القائمين على شمخاوفَلا لضرورة، غير أني أرغب في اللقاء ببعض الإخوة الأفاضل لخدماتٍ تتعلق بنشر رسائل النور وفتوحاتها، فمتى كان اللقاء أو الزيارة لأجلها أمكن ذلك من غير أند أذاقَ عليّ.
وأُعلِمُ مَن يأتون لزيارتي ممن لا يعرفون هذا الأمر، أني سبق أن أعلنتُ في بعض الصُّحُف أنني أخصُّ بدعواتي كلَّ مَن يرغب بزيارتي، لا سيما مَن يأتي من أماكن بعيدةٍ
#83وجَلَورجع من حيث أتى دون أن يُتاح له اللقاء بي.. أدعو لهؤلاء دعاءً خاصًّا كلَّ صباح.. فلا يكن في صدورهم حرجٌ مني.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
الهالي اليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
وصلتْ لأستاذنا المريض بشدة رسالةٌ من أحد كبار المسؤولين يقول فيها: إن قياديين في الحزب الحاكم السابق - حزب الشعب الجمهوري - أوعزوا إلى رجال الحزب ذوي النفوذ في مفاصل الدولة بالعمل على منع اليومتاب "سيرة بديع الزمان"، وأغرَوهم بتقديم امتيازاتٍ خاصةٍ لتحقيق هذا الغرض؛ وقد أجاب الأستاذ عن هذا بما مُفاده:
أولًا:إن أهم أجزاء هذا الكتاب قد سبق نشرُها عدة مرات، منها ما نشرته مجلة "سبيل الرشاد" ثلاثَ مرات، وملدنيا نُشِر أربعَ مراتٍ بالحرف العربي واللاتيني خلال أربعين عامًا، فضلًا عن أن بعض الدفاعات التي تضمَّنتْها هذه السيرة قد سبق أن طُبِعت بإذنٍ رسميٍّ وتُليَتْ في المحاكم، وقد أضيفَ مؤخَّرًا بعضُ الرسائل والمقالات التي كتبها علما تنظيمل من خارج البلاد على سبيل التعريف والشكر والتقدير، وعليه فلا يوجد سببٌ يسوِّغ للمحكمة التعرض بالمنع لشيءٍ مما سبق.
ثانيًا:لقد انتشرا.
مل النور انتشارًا ذاتيًّا عجيبًا في العالَم الإسلامي برغم ضغوط رجال السياسة خلال الأربعين أو الخمسين سنةً خَلَت، فكيف تُمنَع ولها اليوم ملايين الناشرين؟! على عله لَيَعجِز عن منعها لا رجالُ الحزب السابق فحسب، بل العالَم بأسره، بل ينقلب عملهم هذا دعايةً لها، فلا يبتئسْ طلابُ النور لهذا.
— 835 —
ثالثًا:لقد سامحتُ الحزب السابق عن كل مَظلمةٍ ظلمني إياها، فضلًا ظ على رسائل النور قد أسدَتْ خدمةً كبيرةً للأمن والاستقرار في الأناضول والولايات الشرقية، إذْ أقامت في قلبِ كلِّ امرئٍ رقيبًا هو بمثابة شرطيٍّ معنويّ، ورسَّخت العمل بالدسانية سقرآني القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، والذي بمقتضاه لا يجوز ولا يَصِحُّ إن ارتكب أحدٌ جريرةً أن تُحمَّل المسؤوليةُ على غيره أو حزبه أو أهله وأقربائه.
وبناءً على هذه النقطة فإن رسائل، حيث تمنع من تضخيمِ خطأٍ ارتكبه بضعةُ أشخاصٍ من رجال الحزب السابق، فهي لا تسمح بإحالةِ الخطأ الذي ارتكبه خمسةٌ بالمئة على الخمسة والتسعين الباقين، ولا تسمح بتضخيم الخطأ ذاته والتهويل من شأنه أضعافًا مضاعفة؛ وانطلاقًا من هذيا مَنولى برجال الحزب السابق أن يكونوا مُمتنِّين لرسائل النور كما فعل رجال الحزب الحاكم الحالي، إذْ لولا تعليمُها هذا الدرسَ المستقى من الدستور القرآني لكان آلافُ الأشخاص متهمين الا، وعرجريرةٍ ارتكبها بضعةُ أشخاص.
رابعًا:لقد تبيَّن بشكلٍ قاطعٍ أن رسائل النور معجزةٌ معنويةٌ للقرآن الحكيم، تحفظ أبناءَ هذا الوطن وغيرهم من َسبِيحالعالَم الإسلامي وتقيهم شرورَ الكفر المطلق القادم من الخارج، لدرجة أنه لم ينجح أحدٌ من الفلاسفة الملحدين في مواجهتها والردِّ عليها؛ وقد بلغَنا خبرٌ يقينيٌّ عن اوحُقَّ حاشدٍ جرى في إحدى بلدان العالَم الإسلامي وحضره مليونٌ من الشباب أعلنوا فيه أن رسائل النور ستكون هي من يحقق السلم العالَمي، وبلغَنا كذلك أن بعض البلاد الأجنبية التي تؤيد السلالإغلاقلَمي قد شرعت بترجمة رسائل النور.
خامسًا:إذا أساء بعضُ المسؤولين تفسيرَ بعضِ القوانين الجديدة ليمنعوا نشر الكتاب بناءً على سطرٍ أو سطرين منه، فقولوا لهم نيابةً عني: أيجوز أن يعاقَبُ أو يُسجَن بجريرةِ شخصٍ واحدٍ عشرون ألفًا من أهأة هي رانه؟ وهل في العالَم كلِّه قانونٌ يقضي بهذا؟!
فكذلك الأمر في كتابٍ مؤلَّفٍ من خمسمئة صفحة، في كلِّ صفحةٍ عشرون سطرًا، وَوَرَدَ في سطرٍ منه كلامٌ لاذعٌ بحقِّ شفًا مض.. فما دام لم يُذكَر اسمُه فلا مسؤولية تترتب على ذلك، وحتى لو ذُكِر اسمه، فإنه يُحذَف إنْ عمِلْنا بمبدأ الرقابة على المطبوعات؛
— 836 —
أما أن يُصادَر الكتاب ويُمنَع فذلك جورٌ وخروجٌ على القانون لم يُسمَع بغ"..
وهو أشبه بسَجن عشرةِ آلاف شخصٍ بجريرةِ شخصٍ واحد؛ وفضلًا عن هذا فإن للعشرين ألف سطرٍ المتبقيةِ عشرين ألف حسنةٍ، إذِ استطاعت أن تقوِّي إيمانَ عشرين ألف رجل حتى يومنا هذا، وحريٌّ بهذه العشرين ألف حسنةٍ أن تمحو تلك السيئة الواحدة.
ولو عن علي أعاني من شدة المرض لتكلمتُ أكثر، ويمكنكم - أنتم الذين تتولون القيام على شؤوني - أن تُجروا التصحيحات والتعديلات المناسبة إن رأيتم ذلك؛ لقد كان المفترض برجال الشرطة أن يكونوا أكثرَ الناس نصرةً وتأييدًا لرسائل النور إذْ أسدتْ خدمةمئةٍ وةً بإرساء الأمن والاستقرار، وأدتْ وظيفة الشرطة المعنوية، إلا أن تكليف رجال الشرطة اليوم بمهمة التحري والملاحقة للرسائل وخِدمتها أمرٌ ينافي وظيف نَوعٍ جهة، ويثير استياءنا من جهةٍ أخرى، بلِّغوهم على أيةِ حالٍ أنني قد سامحتهم.
سادسًا:كنا نرجو الفرَجَ والقُربة في ليلة المعراج وفي هذه الشهور الثلاثة المباركة، فإذا بخبر ملاحقة الكتاب ومنعِه يالمعانصفوَنا بكلِّ أسف.
وإننا - أخذًا بمعنى الحديث الصحيح القائل بأن الصدقة تدفع البلاء - نَعُدُّ رسائل النور صدقةً تدفع البلاء عن بلاد الأناضول، وثمة وقائع كثيرةٌ تشير إلى هذا المعنى بحيث إنه كلما صدر قرارٌ ببراءتها ورَفعِ الحظر عنها الحكم البلاء، وكلما هوجِمت حلَّت بلاءاتٌ كثيرةٌ، منها ما حصل في السابق من زلزالٍ وعواصف شديدة، وقد وقع في أثناء ملاحقتها والتعرُّض لها هذه المرة بردٌ شديدٌ غِك لِكوق بلغ درجة ثماني عشرة تحت الصفر.
لم يستطع الأستاذ إكمال حديثه لشدة مرضه، فقال للقائم على خدمته: بلِّغ هذه المعلومات لبعض الإخوة والمسؤولين لئلا يقلقوا بهذا الخصوص.
وكتبه: القائم على خدمة الأستاذ في مرضه.
نمن الم كَتَبه صحيح
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 837 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أستاذَنا الجليل.. ها هي رسائل النور تنال حريةَ الانتشار لتؤتي دعوتُكم الإيمانية القدسأنهم يلَها طيبًا مباركًا مكافأةً لكم من اللّٰه تعالى على جهادكم المعنوي وصبركم الجميل.. لقد انطلقت هذه الدعوة القدسية في ظروفٍ بالغة الشدة، ومضتْ ترفع قضيتها السامية وتخوض كفاحها المرير، وها هي اليوم تكُء، وقدالنجاح والظَّفَر، فتَنفُذُ إرادةُ اللّٰه، وتتحقق أمنياتنا وآمالنا، وينتصر الإيمان على الكفر، مُمزِّقًا حُجُبَ الظلام، وناشرًا النور في الآفاق.
لقد أحسنت إلينا رسائل النور نحن أبناء تركيا - بل معنا الإنسانية جمعاء - إذْ حَقَّقتْ لنا ا مُردنصر والنجاح، وعرَّفتْنا نعمةَ الإيمان فبلَّغتْنا به سعادةَ الأبد، وشرفتْنا بحُظوة القرب من اللّٰه تبارك وتعالى، وقد باتت اليوم السلاحَ الأقوى والأمضى الذي سيحسم معركة الإيمان والكفر.
أجل، لقد عَمَرت الواسلُ النور أرواحنا، وقوَّتْ إيماننا، وأخذت بمجامع قلوبنا، وإننا نعبِّر لكم - أستاذَنا الحبيب - عن جزيل شكرنا وامتناننا بهذا الخصوص.. لقد عشتم حقبةً فظيعةً ملأولٍ يصدائد والمِحَن والاضطرابات، ولم تَخلُ صفحةٌ من صفحات حياتكم المباركة التي ناهزت قرنًا من الزمان من الجهاد والكفاح والأذى والتضييق والظلم والنفي، إلا أنكم قابلتم ذلك بعزمٍ وشجاعةٍ وتجرُّدٍ وإخمُعلَّإيمانٍ أقوى من الفولاذ، وجسَّدتم أنموذجًا يُحتذى في فهم الإسلام واستيعاب قيم الإنسانية، وتركتُم أبلغ الأثر لمن بعدَكم، لا سيما مؤلَّفاتكم .
.ة رسائل النور، وإننا من هذا المنطلق نؤكد لكم - نحن الملايين من طلاب النور - سيرَنا على نهجكم المبارك، ونعبر لكم عن عميق التقدير والعرفان.
أستاذَن صحتي يز.. كونوا في راحةٍ وطمأنينةِ بالٍ بعد هذا الامتحان العسير الذي أفضى إلى النجاح والتوفيق رغم كل المتاعب والعناء وكِبَرِ السن، فلقد نشأ جيلٌ من
— 838 —
الشباب الواعد كلُّ واحدٍ منهم "سعيدٌ" شابّ لسان ف يواصلون هذه الدعوة القدسية والخدمة الإيمانية والقرآنية في قادم الأيام بإذن اللّٰه، وسيواصلون السير على هذا الدرب بنور الإيمان، وسيحملون المهمة جيلًا بعد جانونٍ ى أن يرث اللّٰه الأرض ومَن عليها.
أستاذَنا الحبيب.. نحن في فرحةٍ تضاهي فرحة العيد بعد أن أصبح كتاب "السيرة" قيد الطبع بأنقرة، وجديرٌ بهذه السيرة الجديدة المفصَّلة أن تُذكَر بفخرٍ واعتزازت عليهنصع صفحات التاريخ، وحُقَّ لنا أن نفرَح بها كلَّ الفرح، فهذه السيرة ذات أهميةٍ بالغةٍ لما تتضمنه من مراحل جهادكم ونضالكم في سبيل دعوة "إنقاذ الإيمان" التي نذرتُم لها عم مجرم؛علتموها غاية حياتكم، ولما تحكيه من بلوغكم الغاية التي عملتم لها بإرادةٍ واثقةٍ وعزمٍ لا يلين رغم آلاف المشاق والعقبات، ولما تَسرُده كذلك من معلوماتٍ وافيةٍ بخصوص تأليف رجن، وللنور وترتيبها ونشرها.
إن بحر النور هذا الذي أضرم الحماس في نفوس الملايين وأوصلهم إلى برِّ الأمان، سيبقى مائجًا على الدوام يُغرِق الكفر ويبدد الظلمات، وسيبقى في الوقت نفسه منقذًا ومخلِّصًا لبني والقِان.
لم نوفِّكم حقَّكم من الشكر أستاذَنا الحيبيب الموقَّر.. نُكِنُّ أعمق مشاعر المحبة والاحترام، ونبلغكم سلامنا وتحياتنا الحارة، ونقبل أيديكم الطاهرة، ونرجو دعواتكم المباركة.
طلاب النور بإسطنبول
٭ ٭ ٭
— 839 —
بِسْمِ اللّٰهِ الر
تَنِ الرَّحِيمِ
يا اَللّٰه، يا رَحْیمَنُ، يا رَحِيیمُ، يا فَیردُ، يیا حَیيُّ، يا قَیيُّومُ، يا حَیكَمُ، يا عَدْلُ، يا قُدُّوسُ
نسألك بحق اسمك الأعظم، وبحرمة القرآن معجز البيان، وبمقام الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، أن تجعل مَن قاموا ببنحوٍ عمل ومَن أعانهم من إخوةٍ مباركين، وسائرَ طلاب النور مظهرًا للسعادة الأبدية في جنة الفردوس.. آمين.
اللّٰهم ووفقهم دائمًا في الخدمة الإيمانية والقرآنية.. آمين؛ واكتب لهم بكل حرفٍ من هذا الكتاب ألف حسابة، و دفتر حسناتهم.. آمين؛ وأكرمهم بالإخلاص والدوام والثبات في نشر الأنوار.. آمين.
اللّٰهم يا أرحم الراحمين أسعِد جميع تلاميذ النور في الدارين.. آمين؛ واحفظهم من شَرِّ شياطين الجن والإنس.. آمين؛ بيدِ عن تقصير سعيدٍ العاجز المسكين.. آمين.
باسمِ عامَّةِ تلاميذ النور
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 840 —
فهرس الموضوعات
مقدِّمة لما أدخل ٢٢
حياته الأولى ٣٧
حياته في بارلا ١٦١
حياته في أسكي شهِر ٢٣١
حياته في قسطموني ٣١١
حياته في دَنِزْلي ل، يعل حياتُه في أميرداغ ٥٠٣
حياتُه في أفيون ٦٠٩
حياتُه في إسبارطة ٦٩٥
فتوحات رسائل النور خارج البلاد ٧٧٥
بديع الزمان ورسائل النور ٨٠٩