Risale-i Nur

السيرة الذاتية
— 4 —
كليات رسائل النور
سيرة مؤلف رسائل النور
بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
مُصنَّفاتُه، مَسلَكُه، مَشرَبُه
ترجمة وتحرير
حسين عثمان - خليل جادو - محمد أبو الخير السيد
تدقيق وفهرسة
د. محمد بسَّام حجازي
— 5 —
نوحَ إِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وبهِ نَستَعِين
مقدِّمة
كتبَ هذه المقدِّمةَ عالِمٌ جليلٌ مقيمٌ بالمدينة المنوَّرة
حين يقرأ الإنسان سِيَینةِ مجظماء، ويطالع مناقبهم الرفيعة، ويتأمَّل في ذكرياتهم الأثيرة، يخالجه شعورٌ بأنه يدخل عالَمًا آخر، حيث تُلْهِبُ شُعلةٌ عُلْويةٌ فؤادَه بأحاسيس المحبة الصافية، ويَغمر الفيضُ الإلٰهي كيانَه.
ولقد حَفِظَ لنا التاريخ رج أو لأتضاءل أمام عظمتهم العظماء.. هم أبطالُ التاريخ ومفاخرُه، ما إنْ يُذكَروا حتى تسموَ الروح عن الأرض لتُحلِّقَ في عوالمَ رحيبة، ويَلُفَّها من الأعماق ألفُ شذًى، كأنها تشُقُّ طريقًا في خميلةِ وردٍ من عالَم الجِنان.
إنني في هذه المقدمة لأشعر بهذان الذيقة العميقة بكل جلالها وعَظَمَتِها؛ ذلك أن هذا الكتاب الذي نقدِّمه لقرّائنا الأعزَّاء الأكارِم بعميقِ الصدق والإخلاص، إنما يتناول حياة الأستاذ العظيم فاتحِ القلوب بديع الزمان الأيا النُّورْسِيّ، الذي تَحفِل كلُّ صفحةٍ من صفحات عمره المبارك المديد الذي ناهز قرنًا من الزمان بآلافِ الروائع؛ كما يتصل اتصالًا وثيقًا بمجموعِ آثاره "رسائلِ النور" البالغةِ مئةً وثلاثين جزءًا؛ وبطلاب رسا يكونَور الذين ما فَتِئُوا يضربون - لا لمجتمعهم فحسب، بل للإنسانية جمعاء - أروعَ الأمثلة في الخلُق والفضيلة، وفي الصدق والإخلاص، وفي الإيمان والعرفان.
— 6 —
وإذا كانت مقدمةُ ا ويَنشتُعَدُّ خلاصةً لما فيه، فأنَّى لمقدِّمةٍ أن تَستوعِبَ في وُرَيْقاتٍ ما ينطوي عليه هذا الكتاب الجليل من موضوعاتٍ هي من السَّعةِ والعمقِ جديرةٌ بأن يُفرَ الذي ِ واحدٍ منها كتابٌ مستقل؟!
وعلى الرغم من أنني كتبتُ فيما مضى ما شئتُ أن أكتبَ من نظْمٍ ونَثْرٍ، إلا أني لم أكن يومًا بهذا القدر من اد شَرَبالحيرة والعجز كما هي حالي الآن!! ومن هنا فإن مَن يقرأ هذا الكتاب متذوِّقًا معانيَه بعمقٍ ونشوةٍ عُلويَّة وحماسٍ متَّقِد؛ يجد بإعجابٍ في بديعِ الزمان شخصيةليأس اةً وعالِمًا فريدًا، نشأ منذ نعومة أظفاره نشأةً غير عادية، وغدا مَظهرًا للتجليات الإلٰهية على امتداد سنوات حياته.
وإنني بعد أن أمعنتُ النظر مدقِّقًا في شخصية هذا الرجل العظيم، ودراسةِ كتبه، والتعرُّفِ إلى طلابه،ي "ديا أن عشتُ في عالَم النور هذا حِسًّا وفكرًا وروحًا؛ أدركتُ حقيقةً بعيدةَ الغَور عبَّر عنها قديمًا شاعرٌ عربيٌّ بقوله:
ليس على اللّٰه بمُسْتَنْكَرٍ أن يَجمع العالَم في واحدِ
٭ ٭ ٭
ولا عجب من أن نرى المنجذبين إلى فَلَكدون مقالقطب يزدادون يومًا بعد يوم، فقد نهلوا من سُموِّ غايته، ورِفعة دعوته، وعَظَمَةِ إيمانه الإلهامَ والمدد، وما يزال هذا الحَدَثُ الربَّانيُّ الجليل المحيِّیرا، أو ول يبعث السرور والانشراح ويُديمهما في قلوب المؤمنين، مثلما يَحزُن المنكرين ويَقهَرهم.
وعن هذا الحَدَث الإلٰهيِّ الماثل حيًّا في القلوب المؤحتى بلنه رابطةٌ معنويةٌ يعبِّرُ أحد المجاهدين الكبار تعبيرًا يبعث الوجد في حنايا الأفئدة، فيقول: "حين طغى الابتذال الخُلُقي في تلك الأيام الحالكة، وعَمَّ كلَّ جهةٍ كالطوفان، ومدَّ يدَه ليل عليهكلَّ فضيلة.. كان فيضُ بديع الزمان يسري من قلبٍ إلى قلبٍ كَسِرٍّ دفَّاقٍ لا يقاوَم، فنجد فيه السُّلوان.. لقد أظلمتْ ليالينا كثيرًا، ومتى اا رساللمةُ الليالي كان بزوغُ فجرِها وشيكًا".
— 7 —
أجل، إن الذين رأوا فيض هذا النور الساري من قلبٍ لآخر كَسِرٍّ لا يمكن مقاومته، والذي أخذ يَشِعُّ ويَنثُر ضياءه في أرجاء البلاد، أخذوا يسألون بِحَيْرةٍ: مَن هذا الرجلُ الذي عمَّت، وعمُِه البلاد؟! ما سيرتُه؟ ما آثارُه ومؤلَّفاتُه؟ ثم ما مسلكُه ومشربُه؟ وهل منهجه جمعيةٌ أم طريقةٌ صوفية؟! أم هو تنظيم سياسيّ؟!
ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل سرعان ما بدأت الملاحقاتُ الإدارية والقضائية المشدَّدة، وتٍ غيرُ عليه صنوفُ التحقيقاتِ الصارمة والمحاكمات الطويلة المتعاقبة.
وفي نهاية المطاف، وبعد أن تبيَّن أن هذا التجلِّيَ الإلٰهيليس سوى صرحِ إيمانٍ وعِرفانٍ شُيِّدَ في عالم اةُ من ظهرت النتيجةُ عدالةً مشخَّصةً أو برهانًا إلٰهيًّا، عنوانها: "براءة بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ ومؤلفاتِه رسائلِ النور".
وأُعلِن هذا القرار رسميًّا، لتسطع حقيقة السُّنَن الإلٰهية التي لا تبديل لها شمسًا مشرقةً علىيهاجموم من الأزل إلى الأبد، متجلِّيةً في غلَبة الروح على المادة، وانتصارِ الحق على الباطل، والنور على الظلام، والإيمان على الكفر.
٭ ٭ ٭
يتدخل قإن أصدق معيارٍ يبيِّن حقيقةَ أيِّ مصلحٍ في بيئةٍ ما ويكشِف عن مدى صدقه وإخلاصه، هو التغيرات والفروقات التي تَظهر في حياته الشخصية والاجتماعية والروحية والمادية بعد نجاح دعوته، مقارَنةً بما كان عليه في أياكب خطيأولى.
فلْننظُر مثلًا في سيرة هذا الرجل في الأيام الأولى من دعوته: إنه رجلٌ متواضعٌ مَهيبٌ، مُؤْثِرٌ على نفسه مُضَحٍّ متفانٍ، مضرِبُ المثل في الجدِّيّة والنقاء والخُلُق والفضيلة، إنه باختصار شخصيةٌ في أعلى درجات التميز والطُّهر.
ُّفاتٌننظُر في سيرته بعد أنِ انتصر في جهاده، وتبوَّأ المكانة المرموقةَ في القلوب والأرواح والمشاعر، هل سيَبقى نقيًّا وأنموذجًا يُحتذى كما عَهِدناه؟ أم يُصبِح كآخرين كُثْرٍ، أخذتْهم نشوة الانتصار، وحَسِبوا أنفسهم عظماء، فلملكثير تسعُهم أرضٌ ولا سماء!!
— 8 —
أجل، إن هذا هو أجلى مرآةٍ تعكس شخصيةَ صاحبِ أيَّةِ دعوة، وتُجلِّي هُويَّتَه بأوضح صورة، وتُفصِح عن حقيقةِ دعوته وماهيَّتِها صغيرةً كانت أو كبيرة.
وعلى مرِّ ابعة من كان الأنبياء عليهم السلام هم مَن حازوا قصَب السبق في ميدان هذا الامتحان الشاق، لا سيما إمامُهم سيدنا محمد (ص)‌؛ ثم خلفاؤه وأصحابه الكرام، ثم من سار على ذلك الدرب النيِّريكنْ لشخصيات العظيمة.
٭ ٭ ٭
ويبيِّن الرسول الأكرم (ص)‌ ببلاغته المعجِزة في حديثه الشريف: العلماء ورثة الأنبياء أن شأن العالِم ليس بالأمر الهيِّن، إذْ يلزَم مَن دية منن ورثة الأنبياء أن يتَّبع الطريق الذي سلكوه في تبليغ الحق والحقيقة ونشرهما، مهما كان في هذا الطريق من مشاقَّ وعقباتٍ ومهاوٍ؛ بل ما هو أسوأ من ذلك: ملاحقاتٌ وتوقيف.. ومحاكماتٌ وسجنٌ وزنازين.. ونفيٌ وتشريد.. وتسميمٌ وأعوادُ مشلامة ووما لا يخطر بالبال ولا في الخيال من أنواع الظلم والاضطهاد.
وها هو بديع الزمان قد سار طَوالَ حياته بجهاده المقدس في هذا الطريق الشاقِّ أزْيَدٍَ لا أف قرن، ومضى كالبرق يجتاز آلاف العقبات، مُثبِتًا بصورةٍ عمليةٍ أنه عالِمٌ من ورثة الأنبياء. إن أكثر ما يأسرني في علمه وأخلاقه وأدبه وفضائله ومزاياه الجمَّة: إياظ التالراسخ رسوخ الجبال، العميق عمق البحار، السامي الرَّحب كالسماوات!
يا إلٰهي ما أعظمه من إيمان!! يالَه من صبرٍ لا ينفَد!! يالها من إرادةٍ صلبةٍ كالفولاذ!! ثم بالرغم من كل هذا العَسْف والتهديد وألوان الأذى والآلام ااثين عتعد لذكرها الخيال.. بعدَ هذا كلِّه.. ياله من رأسٍ أشَمَّ لا ينحني!! وياله من صوتٍ هادرٍ لا يَیخْیفُت!! وياله من نَفَس لا يهدأ!!
إنني لِما انتابني من الوجد إثر وقوفي على الأشعيل ذي ليغة للشاعر الكبير "محمد إقبال"، نَظمْتُ قصيدةً عنوانها: "مییجییاهیید"؛ وقد قيل لي فيها: لقد بالغتَ فيما نظمتَ!! لكنّ من يقرؤها بعد أنف من فهذا الكتاب الفريد الذي أتشرف بكتابة مقدِّمته، سيدرك - والوجدُ يغمره مع الإعجاب - كم للّٰه من عبادٍ صنع بهم كمالُ الإيمان الأعاجيب!
— 9 —
إنْ يَحْظَ عزمٌ بهذا القلب يحملَم البأنَّى قيودُ الردى يومًا تكبِّله؟!
يزيدُ قوَّتَه إلهامُ بارئنا
النورُ مِحرابُ قلبٍ، ما يكون هنا
وليس من قولِه ثلجُ الشتا عرَضٌ
يمضا شأنيعمره لا شيء يُقلِقُه
وسِرُّ إيمانِ هذا المرءِ يَدخُلُه
يَجِيْشُ بركانه لا شيءَ يُقفِلُه
كلَّ الليالي رجا رؤيا النبيِّ له
بدرُ السماء كقنديلٍ نُدَلْدِلُه
وليس تُرهقُه الأحزان والوَلَه
عذبُ الظلالون في ٍ إذْ يُظللّٰه
ما في الجِنان يرى؛ دنياهُ لو مُحِيتْ
إذا المهاوي أحاطتْ والدُّنى حُلَكٌ
والكربُ قد عمَّ والسبعُ الطِّباقُ هوَتْ
لن تُطفأ الروحُ والإيمانُ يوقِدها
مثل سوى أين لا شيءٌ يقومُ لها
يا ساريَ الدرب إن الفجر منبلجٌ
فارْقَ النجومَ، من الجنّاتِ أنتَ يدٌ
للخَطْبِ لا ينحني، كالطَّودِ ماثَلَه
والشمسُ قد طُمِسَتْ والبدرُ مأفَلُه
ما حاد عن دربه.. لم يَخْبُ مِشْعلُه
ما أقدس القلب بالإيمان يُذنا اخ صوتٌ من القلب للوجدان ينقله
يُبكي الظلامَ دمًا قد جاء مِشْعلُه
دربَ الخلاصِ إلى الإنسان تحملُه
وكأن هذه الأبيات قد كُتِبَتْ بحقِّ بطلِ الإيمان المجاهدِ الكبير بديع الزمان؛ فهذه الصفات السامية صفاتُه.
لنتأمَّل بِمَ يَعد اللّٰه لكلمة المجاهدين في هذه الآية الكريمة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ؛ إنه سبحانه يَعِد مَنْ جاهدوا بالنفْسِ والنَّفيس في سبيل الإيممع أحدقرآن بتبيانِ طريق الهداية والحقيقة لهم؛ وما دامت شروطُ تَحَقُّقِ هذا الوعد الإلٰهي قد استُوفيت فحاشا للّٰه أن يخلف وعده.
إن هذه الآية الكريمة لَتغدو مرشدًا نورانيًّا لنا في تحليل شخصية الأستاذ، فنستطيع في ضوء هذا النور الصافي أنتوب الدقَّ الملامح والتفاصيل ونعاينَها؛ ذلك أنَّ مَن كان مَظهَرًا لنعمةِ اللّٰه في حفظِه وحمايته، لم يكن لشيءٍ من الخوف أو القلق أو الحزن أو السَّأَم عنده من أهميةٍ تُذكَر.
— 10 —
أجل، إنَّ قلبًا تنوَّر بنور اللّٰهة والمُ غيومٍ يمكنها أن تُلبِّد آفاقَه؟!
وإنَّ روحَ عبدٍ غَمَرتْها سعادةُ الأنس باللّٰه في كلِّ آنٍ.. أيَّةُ آمالٍ ورغباتٍ فانية، أم أيَّةُ حفاوةٍ وعطايا زائلةعَّالييَّةُ غاياتٍ ومطامعَ دنيَّةٍ يمكن أن تمنحها الطمأنينة أو السكينة أو السُّلوان؟!
خليلُییه ومربِّيییه ووليُّییه، اللّٰه تغدو جميعُ أحاسيسِه ومشاعره نورًا كلما ذَكَر
يرقى كل لحظة في مقامات المعرفة يفتحُ القیرآرجلًا حیه آفاقًیا مختلفیة
يذكرهُ القرآنُ بمجلس (ألست بربكم) والعاشق بذلك التجلِّي نشوانُ منذ الأزل
إن بديع الزمان شخصيةٌ مبارَكةٌ، ومَظهَرُ عنايةٍ ربّانيةٍ فريدة، لقد غدتْ عنده زنازينُ السجن روضاتٍ يشاهِد منها الآفاق النيِّرة وس المم الأبديَّة، وانقلبتْ أعوادُ المشانق منابرَ وعظٍ وإرشادٍ يلقي منها على أسماع الإنسانية دروسَ الصبر ورباطة الجأش والثبات والجَلَد في سبيل غايةٍ عُلوية، وتحوَّلت السجون - واحدًا تلو الآخر - إلى مدارسَ يوسفية، يدخلها كمء المز أستاذٌ كبيرٌ الجامعةَ لإلقاء محاضرة؛ ذلك أن مَن فيها من السجناء هم طلابُه المحتاجون إلى فيضه وإرشاده.
ولقد كان إنقاذُه في كل يومٍ إيمانَ بضعةٍ من أبناء الوطنقلتَه يلُ حال الجُناة إلى أناسٍ كالملائكة، سعادةً لا تُقدَّرُ عنده بالدنيا.
إن إنسانًا على هذا القدر الرفيع من مشاعر الإخلاص والإيمان لا شك أنه ترك تأثير البريق الزائف معدِنَخلِّفه مفهوما الزمان والمكان على الفانين في عالَم المادة الكثيف، وسما بروحه إلى آفاق عالَمِ المعنويات بأنواره المتلألئة؛ وما المرتبة العليا التي يُعرِّفها ويصِفها كبارُ الصوفية رضي اللّٰه عنهم بی"الفناء في اللّٰه" و"البقاء باللّٰه" إدوري ا هذا الشرف القدسي.
أجل.. إن لكل مؤمنٍ حظَّه من الأُنس والحضور والخشوع والفيض والتجرُّد والاستغراق، وكلٌّ ينهَل من هذا الفيض الإلٰهي بحسَب إيم، وخالرفانه، وبحسَب صلاحه وتقواه، وبحسَب استمداده ومعنوياته؛ غير أن هذا الحال الرفيع والوصال الجميل والعطاء
— 11 —
الفريد مستمرٌّ على الدوام لأولئك المجاهدين العظام أرباب الإحسان المذكورين في الآية الكه لا يفلهذا لا يقعون في غفلةِ نسيان المولى سبحانه، بل هم طَوالَ عمرهم في مواجهةٍ مع نفوسهم كالأُسود؛ تسجِّلُ كلُّ لحظةٍ من حياتهم أسمى ذكرياتِ الترقي والتكمُّل، فينصهر وجودهم وكيانهم برضى رب العالمين المتصف بصفات الجلال فماال والكمال.
فاللّٰهم ألحقنا بتلك الزمرة السعيدة؛ آمين.
٭ ٭ ٭
لقد تناولنا بالبحث آنفًا عظمةَ إيمانِ الأستاذ التي لم تأخذ بألبابِ أصحابه فحسب، بل حيّرتْ أعداءَه وألقتْ في قلوبهم الرَّوع؛ وكما أن لكلِّ شخصيةٍ مزاياها المختلفة وصِفاتاء.. إمحدَّدة التي تكوِّنها، فللأستاذ كذلك مزايا وصِفاتٌ تكوِّن شخصيتَه، وسنتناول بالبحث أخلاقَ هذه الشخصية الفريدة ومزاياها وكمالاتها التي تَحُفُّ بها مثل هالةٍ من نور؛ فمنها:
تضحيتُه:
إن أهملها عللنجاح صاحب أيةِ دعوةٍ - لا سيما إنْ كان داعيةَ إصلاحٍ - هو التضحية، فالأنظار والقلوب ميَّالةٌ لِتَتَیبُّع هذه النقطة المهمة، تَلحَظُها بحساسيةٍ فائقة؛ وإن حياة الأستاذ بأجمعها لَتمتلئ وتفيضمرتكزًةٍ رائعةٍ في التضحية.
ولقد سمعتُ يومًا من شيخ الإسلام العلّامة المرحوم "مصطفى صبري" أفندي كلامًا عن التضحية قال فيه: "إنَّ الإسلام اليومَ يتطلَّب مجاهدين أفذاذًوحيًّاعدين للتضحية لا بدنياهم فحسْب، بل حتى بآخرتهم"!!
ولأني لم أستوعب تمامًا هذا الكلام الصادر عن إنسانٍ جليل، فقد شبّهتُه بما يصدر عن الصوفية من أقوالٍ وأسرارٍ ار كلمتغراقهم، ولم أقله لأحد، ولم أتطرق إليه في مجلس؛ إلى أن أتى زمانٌ قرأتُ فيه المقولةَ ذاتها في ثنايا عباراتٍ جَيّاشةٍ تتَّقِدُ نارًا لبديع الزمان، فأدركتُ عندها أن معيار التضحية يَعظُم بحسب العظماء.
— 12 —
نعم.. أيترك اللّٰه - وهو ذو الكرَم تعالهو يتفس - المجاهدين المضحِّين بمُهَجِهم في سبيل الإسلام؟! أيتخلى عنهم وهو أرحم الراحمين؟! أيليق بشأنه أن يحرم عبدَه المضحّيَ من لطفه وكرمه وعنايته ورحمته؟!حاشا وألف حاشا.
وهكذا يتألق بديع اللاء عمأسطع مثالٍ لهذا التجلي الاستثنائي، فقد عاش عمرَه كلَّه متجرِّدًا، محرومًا تمامًا من جميع لذائذ الدنيا ومباهجها المشروعة؛ لم يجد وقتًا ولا
— 13 —
غدتْ كلُّ كلمةٍ من كلماته جمرةً، وكلُّ فكرةٍ من أفكاره شعلةً توقد القلوب، وتُلهِب الأفكار والأحاسيس.
إن عودة الأستاذ إلى الإرشاد والحياة الاجتماعيآن المانزوائه وعزلته التامَّة، تُشبِه تلك المرحلة التاريخية المهمة من حياة الإمام الغزالي؛ وهذا يعني أن اللّٰه سبحانه وتعالى يكلِّف كبار المرشدين بوظيفة التنوير والإرشاد بعد تربيتهم وتزكيتهم وتصفيتهم في عزلةٍ حينًا من الزمن؛ ولهذا نجد أنا، فصسرائرهم التي هي أنقى وأسطع من قطرات الندى، ما انعكستْ على القلوب إلا تركتْ فيها آثارًا لا مثيل لها.
وكما حقَّقَ الإمام الغزالي قبل في غا سنةٍ فتوحاتٍ في ميدان الأخلاق والفضيلة، حقَّقَ بديعُ الزمان فتوحاتٍ في هذا العصر في ميدان الإيمان والإخلاص.
أجل، فما ساق الأستاذَ إلى ساحات الجهاد الملتهبة إلا شفقتُه ورحمتُه التي عزَّ نظيرها، ولنستمع منه إلى هذهلآثارُقة:
"يقولون لي: لمَ تعرَّضتَ لهذا وذاك؟! لمَ أزعجتَهم؟!
أقول: لم أنتبه لذلك.. فأمامي حريقٌ هائل يبلغ لهيبه عَنان السماء.. يحترق فيه أبنائي.. وتصل ألسنة ناره إليِّ.. فأهبُّ مسرعًا لأُخمِد الحريق وبة، أن.. فيقف أحدهم في طريقي يريد إعاقتي، فتصدمه قدمي.. ما أهمية ذلك؟ ما قيمة حادثةٍ تافهةٍ كهذه إزاء هذا الحريق الهائل؟ تفكيرٌ ضيقٌ ونظرٌ قاصر".
استغناؤه:
لقد ضَرب الأستاذ على مدى حياته آلاف الأمثلة في الاستغناء حتى غدت مثم إن ُروى على كلِّ لسانٍ بين طبقات مجتمعنا كافَّة، إذْ تجرَّد عن السِّوى مادةً ومعنًى باستغناءٍ تام، وتوجَّه بكلِّ كيانه إلى خزينةِ رب العالمين التي لا تنفَد ولا تنتهي؛ ولم يكن ذلك مجرد عادة، بل كان مذهبًا ومسلكًا ومشربًا اتخن أو يتزمه مدى حياته، فلم يَحِد عنه مهما قَسَتِ الظروف.
— 14 —
واللافت للنظر في هذا الأمر أن مسلكه هذا لم يبق منحصرًا فيه وحده، بل انتقل كفكرةٍ قدسيةٍ إلى طلابه، حتى إن المرءَ لتعتريه الدهشة والحيرة أمام استغناءِ طالبِ النور ال جليلة مَظهَر شرفٍ باغتساله من بحر النور.
اُنظروا كيف يوضِّح الأستاذ في المكتوب الثاني من مكتوباته - ذلك الأثرِ الرائع - هذه النقطةَ المهمةَ من وجوهٍ ستةٍ بحِسٍّ إيمانيٍّ وعرفانيٍّ أصيل:
أولًا: يَتهم أهلُ الضلالة أهلَ العلم بأنهم ينفاسَ العلم مغنمًا، ويهاجمونهم بتَجَنٍّ قائلين: إنهم يجعلون العلم والدين وسيلةً للتكسُّب؛ وبناءً على هذا يَلْزَم تكذيب هؤلاء عمليًّا.
ثانيًا: إننا لكي ننشر الحق لا بد لنا من اتا الساهج الأنبياء، وشأن مَن ينشر الحق أن يُعلِن استغناءه عن الناس قائلًا كما أخبر القرآن الحكيم:
إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللّٰهِ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللّٰهِ
وهكذا فالفتوحايخ تحتٰهية التي غدَتْ كلياتُ رسائل النور مظهرًا لها، ما هي إلا مثالٌ فريدٌ ونتيجةٌ رائعةٌ للثبات البطولي على مسلك الأنبياء عليهم السلام؛ ومن هذا المنطلق استطا تعريفتاذ أن يحافظ على عِزَّته العلمية كألماسٍ ثمين.
فرجلٌ لم يقع في إسَارِ الراتب والرُّتبة والثروة وغيرِها من صنوفِ المنافع المادية والشخصية التي وقع الناسُ أسرى لها، كيف لا يكون فاتحًا للقلوب؟! وكيف لا تمتلئ النفوس المؤمنة من فيضِه ون الأخر
اقتصادُه:
ليس الاقتصاد سوى تفسيرٍ وإيضاحٍ للاستغناء الذي تحدثنا عنه، ولا سبيل لدخول قصر الاقتصاد إلا من باب الاستغناء، ولهذا نرى العلاقة بينهما علاقةَ اللازم والملزوم.
وإنّ مجاهدًا كالأستاذ اتخذ الأنبياءَ لمصدَّله في الاستغناء، سيكونُ الاقتصاد عنده خَصلةً فطريةً، فيكفيه لِقُوْتِ يومه عندئذٍ كأسُ ماءٍ مع قطعةِ خبزٍ وقليلٍ من الحساء؛
— 15 —
ذلك أن هذا الإن، ويُرعظيم كما قال الشاعر الفرنسي الكبير المُنْصِف لامارتين: "لا يعيش ليأكل، بل يأكل ليعيش".
وبعد أن وقفنا على جوانب وافيةٍ من مَشرَب الأستاذ ومَسلكه، فلست أرى أن نقيس اقتصاده الرفيع في مجرد أمورٍ بسيطةٍ كالطعام والشراب، بل اقتصاد هذا الرجل العمنها تيٌّ بأن يُقاس في ميدان المعنويات، لا أنْ يُقتَصَر به على الأمور المادية.
فمثلًا: لم يكن اقتصادُ الأستاذ في مجرّد المأكل والمشرب والملبس، بل كان عبقريًّا يزِن بميزانٍ دقيقٍ المعنوياتِ والقيمَ المجرَّدةَ كالفكر والذهن والوقت والقابليه بالقلاستعداد، بل حتى النَّفْس والنَّفَس، لئلا يقع فيها إسرافٌ أو هدر.
وقد لقَّن جميعَ طلابه أصولَ هذه المراقبة الصارمة والمحاسبة الدقيقة التي أخذ بها نفسَه مدى حياته وغدتْ سجيةً له؛ ولهذا فليس من السّهل أن يقرأ طالبُ النور كتابًا كيفما اتفق، أوحكَّموَ سمعه لكلِّ مقولة؛ ذلك أن قلبه يدور على كلمةٍ تُدير شؤونه بحساسيةٍ فائقة هي: "انتبهْ"!!
وهكذا أثبت بديع الزمان - على نحوٍ فعليٍّ - بما ربَّى من جيلٍ طاهرٍ أنه مربٍّ فريد ومصلحٌ قدير، وأنَّه نادرةٌ بشريةٌ أضشام وااريخ الاقتصاد صفحةً ناصعةً مسطورةً بسطورٍ من نور.
تواضعُه وفناؤه عن نفسه:
لقد كان لهاتين الخصلتَين عظيمُ النفع وعميق الأثر في الَ يُحرسائل النور انتشارًا فريدًا على نطاقٍ واسعٍ في أنحاء العالَم؛ ومَرَدُّ ذلك أن الأستاذ لم يتَّخذْ لنفسه في شيءٍ من دروسه أو مؤلَّفاته ألقابًا كی"قطب العارفين" و"غوث الواصلين"؛ فتوجَّهتوالَتْ القلوب بدافئ المشاعر، وأحبَّتْه أنقى وأصدقَ ما يكون الحُب، وتمثَّلتْ من فورها غايتَه العُلويَّة السامية.
فمثلًا نجده في حديثه ودروسه في الأخلاق والفضيلة والحِكَم والعِبَر يوجِّه ال بذلك،لى نفسه مباشرةً، ويضعها موضعَ المخاطَب الأول والوحيد في خطاباته
— 16 —
اللاذعة الملتهبة؛ وعندها ينتشر النور من هناك، من المركز إلى المحيط، حيث القلوب المتلهِّفة إلى النور والسرور، والسعادة والحضور.
لقد كان في حياته الشخصيةية، ونية الحِلْم والموادعة، وفي منتهى درجات التواضع، يبذل عظيم التضحيات في سبيل ألا يؤذي إنسانًا، بل حتى ذرةً، محتملًا ما لا يُعَدُّ من المِحَن والمشقّات، والحِرمان والمضايقات؛ شريطةَ ألا يمسَّ ذلك إيمانَه وقرآنَه؛ وإلا رأيتَ ذلكاء، ورَ الهادئ قد انقلب طُوفانًا تندفع أمواجه نحو السماء، ومحيطًا ينشر على السواحل الهيبة والرهبة؛ ذلك أنه الخادم الصادق للقرآن الكريم، والجنديُّ الفدائيُّ المغوار المرابط على حدود الإيمانذيقانهقد عبَّر بنفسه عن هذه الحقيقة في جملةٍ وجيزةٍ قال فيها: "عندما يكون الجندي في نَوبةِ حراسته فليس له أن يضع سلاحه حتى وإن حضَرَ القائد العام؛ وأنا كذلك: خادمٌ للقرآن وجنديٌّ له؛ وعندِها الم بوظيفتي فليبرُز إليَّ مَن شاء أن يبرُز، فإني صادعٌ بالحق لا أحني رأسي".
وهذه الأبيات هي لسانُ حاله عندما يكون قائمًا بوظيفته وفي ميدان الجهاد:
إني أحطِّم كلَّ قيدٍ كاسرِ
حاشا لنم الرو تُباع رخيصةً
جذري هنا، ذاتي وإيماني هنا
إن البِعادَ هو الإسارُ، هو الضَّنى
لحظاتُ عمري ما حَيِيْتُ لقد غدتْ
وكقلعةٍ شَمَّاءَ إيماني غدا
كم ذا تُكَلِّلني السعادةُ والرضى
أجداديَ الشهداء في جناتهم
إني إذا رُوحي ثَوَت المُلدها
أما المماتُ فإنما هو مرتقى
مُدمى اللجام، لَكالجَواد الضامرِ
في صفقةٍ بيدِ العدو الغادرِ
حاشا أُباعِدَ أو أُشيحَ بناظري
سِجنٌ مُذِلٌّ يام.
فاقِرِ
عشقًا يدوم مدى الزمان الدائرِ
شيدتْ ركائزُها على يد قادرِ
قدسيَّةُ الآمالِ مفرَحُ خاطري
يرجون لُقْياي بروضٍ عاطرِ
لم يفْنَ عمري؛ خالدٌ، لا أمْتَرِي
للة المحي ذي الجلال الغافرِ
٭ ٭ ٭
— 17 —
كنتُ أودُّ أن أستهِل الكتاب بعرضٍ للجوانب العلمية والفكرية والصوفية والأدبية للأستاذ، إلا أنه تبيَّن لي يقينًا أن هذه الموضوعات لِشمولها وعمقها لا يمكن أن تُختصَر ف الحقي صفحات، فرأيتُ مناسبًا أن أشير إليها في جُملٍ يسيرةٍ.
وأرجو من اللّٰه تعالى ضارعًا أن ييسر لي بلطفه تناوُلَ هذه الموضوعات العميقة بالتحليل والتدقيق في كتابٍ واسعٍ مستقل، مستفيدمخاطر كليات رسائل النور وطلَبَتها، وأطلب - بهذا الخصوص - الدعوات من أستاذي الجليل وإخواني الأعزاء.
عِلمُه:
يعبِّر المرحوم "ضياء باشا" في شعرٍ له عن حقيقةٍ كبرى تتمر قصي الأجيال دستورًا؛ فيقول:
ليس بالأقوال لكنْ إنما
رتبةُ الإنسانِ دومًا عقلُه
عَرَّفَ الإنسانَ مرآةُ العملْ
ليس بالمَظهَر تقديرُ الرَّجُلْ
أجل، إنّ الحديث عن جوانب المقدرة العلموا لذللٍ استثنائيٍّ فريدٍ، أهدى أُمَّتنا الإسلامية مكتبةَ إيمانٍ وعرفانٍ نفيسةً كی"كليات رسائل النور"، وبنى في القلوب مؤسسة نورٍ قدسية، لهو عملٌ أشبه بالتعريف بالشمس في رابعة النهار!!
ولكن كما قال شاعرنا المضطرِمُ وَجْدًا: "الحُسْن ما سَلَبزكوات دة"، فإنّ ما يُضْفيه البحثُ في علمِ هذا الرجل المبارك وفي عرفانه وأخلاقه وكمالاته من ذوقٍ فريدٍ ونفحاتٍ إلٰهيةٍ - وهو مَن غدتْ حياتُه بكل لحظاتها مَظهرًا للتجليَّات الإلٰهية -متنا سي غيرَ متمالكٍ لنفسي في الإطناب والإسهاب في الحديث.
لقد تطرَّق الأستاذ في مجموع رسائل النور لأهم المسائل الدينية، والاجتماعية، والأخلاقية، والأدبية، والحقوقية، ولدَّورية، والصوفية، ووُفِّیقَ في جميع ذلك أيَّما توفيق.
وما يثير الإعجاب في الأمر أنه تناولَ أهم المسائل المستعصية التي تاهَ كثيرٌ من العلماء في مسالكها اأن لي ة بالمخاطر، فحَلَّها بصورةٍ قطعيةٍ وبأسلوبٍ في غايةِ الوضوح، متَّبعًا الطريق النيّر لأهل السنة والجماعة في الخروج من أكثر الطرق التواءً، إلى أن بلغ - ومعه قُرَّاءُ رسائله كذلك - شاطئَ السهذا، وبرَّ الأمان.
— 18 —
ومن هذا المنطلق نتشرّف بتقديم كليات رسائل النور لسائر طبقات مجتمعنا الكريم بخالص المودَّةِ والطمأنينة؛ إذْ هي قطراتٌ متلألئةٌ من بحرِ نورِ القرآن الكريم، وأطيافٌ ساطعةٌ تبلورَتْ من شمس هدايته؛سنين؟! فإن أقدس وظيفةٍ ملقاةٍ على عاتق كلِّ مسلم هي أن يسعى لنشر هذه المؤلفات النورانية التي تنقذ الإيمان؛ وإن التاريخ حافلٌ بأمثلةٍ تَشهَد بأن كتابًا واحدًا كان سببَ الهدايةِ والسعادةِ لأفرادٍ كُثْر، بل لأُسَرٍ وجماعاتٍ وجماهيرَ لا تُحصى؛ فيلقدرة دة مَن يكون سببًا في إنقاذ إيمان أخيه المؤمن!
فِیكییرُه :
من المعلوم أنّ لكل مفكِّرٍ نظامَ تفكيرٍ خاصًّا به، وغايةً يسعى إليها في حياته الفكريةباتٍ مًا أعلى يملك عليه كيانَه؛ وإذا كان البحث في هذه الجوانب لدى بديع الزمان تستغرقه مقدِّماتٌ طِوالَ، إلا أنه ليس من العسير استخلاص تلك المقدمات في جملةٍ واحدة هي:
إعلان الدعوةِ الوحيدةِ لعموم الأنبياء وجميع لَوظي السماوية، ألا وهي: أُلوهيةُ خالق الكائنات ووحدانيتُه؛ وإثباتُ هذه الدعوة العظيمة بالدلائل العلمية والمنطقية والفلسفية.
هل يعني هذا أن للأستاذ علاق رهين منطق والفلسفة والعلوم الطبيعية؟
نعم.. ما دام المنطق والفلسفة متصالحَين مع القرآن، ويخدمان الحق والحقيقة، فالأستاذ أكبر منطقيٍّ وأقدر فيلسوف؛ وما الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة التي يستخدمها الأستاذ في مضمار إثباته لدعوتهحال اسية الشاملة للعالَم إلا علومٌ طبيعيةٌ تعلِن وتثبِت باطِّرادٍ يومًا بعد يوم أن القرآن الكريم كلام اللّٰه.
بل إنه ما دامت الفلسفة صادرةً في أ.
#151اها عن الحكمة، فإن كلَّ كتابٍ يجتهد في إثبات ذات الباري واجبِ الوجود تعالى وتقدَّس، وإثباتِ صفاتِه اللائقة، يغدو حكمةً عظمى، ويغدو مؤلِّفُه حكِّدُ بظيمًا.
— 19 —
وبسلوك الأستاذ هذا الطريق العلمي، طريقَ القرآن الكريم النورانيَّ، نال شرفَ إنقاذِ إيمان الآلاف المؤلَّفة من طلبةِ الجامعات، وقد حاز بهذا الخصوص الكثيرَ من المزايا الأدبية والفلسفية فضلًا عن مزاياه العفي حينوكُلِّي أملٌ أن أعرِضَ أمثلة ذلك وأُورِدَها من مؤلفاته في كتابٍ مستقلٍّ إن شاء اللّٰه، ومن اللّٰه التوفيق.
تصیوُّفُیه:
سألتُ مرةً عالمًا جليلًا من مشايخ الطريقة النقشبندية يجتهد في اتباع الرسول (ص)‌ في جميع شؤونه: سيدي.. ما سبب توترالذُّرقات بين الصوفية والعلماء؟
فأجاب: لقد وَرِث العلماء عن الرسول (ص)‌ عِلمَه، وورِثَ الصوفية عَمَلَه؛ ولهذا يُطلَق على من كان وارثًا لعِلمِه وعَمَلِه معًا: "ذو الجناحين".
وبنة وتتزى هذا فالمقصد من الطريقة الأخذُ بالعزائم لا بالرُّخَص، مع التخلق بأخلاق المصطفى (ص)‌، والتزكية من الأمراض المعنوية، والفناء في رضا اللّٰه تعالى.
فمن فاز بهذه الدرجة العُلوية كان من أهل الحقيقة بلالحبيببمعنى أنه بلغ الغاية المقصودة والمطلوبة من الطريقة؛ إلا أنه لما كان الفوز بهذه المرتبة الرفيعة غيرَ متيسِّرٍ لكل أحد، وضع أولئك الأكابرُ قواعيم بعدَنة لِيُمكن بلوغُ الهدف المطلوب بيُسر.
والخلاصةأن دائرةَ الطريقة واقعةٌ في ضمن دائرة الشريعة، فمن يخرج من دائرة الطريقة يقع في دائرة الشريعةوأدامَالخارجُ من دائرة الشريعة فيهوي في الخسران الأبدي والعياذ باللّٰه.
واستنادًا إلى ما قال هذا العالم الجليل فليس ثمة فرقٌ جوهريٌّ بين طريق النور الذي خَطَّه بديع الزمان وبين التصوُّف النُّسخ الخالي من الشوائب، فكلاهما موصِلٌ إلى رضا الباري سبحانه، وبالنتيجة إلى الجنة العالية ورؤية المولى الكريم.
وبناءً على ما سبق: فيمكن لمن شاء من إخواننا الصوفية القاصدين تلك الغايةَ الأصيلة أن يقرؤوا رسائل النور دون حرجٍ ولا مانع،اتهام؛د وسَّعت رسائلُ النور
— 20 —
بمنهجها القرآني دائرةَ المراقبة في التصوُّف، وأضافتْ إليها وظيفة التفكُّر باعتبارها وِرْدًا بالغَ الأهمية.
نعم.. إن السالك المنشغل بمراقبةِ قلبالعقل ، تنفتح لناظِرَيْهِ وروحه بهذا التفكر آفاقٌ غير مسبوقة، فيطالعُ بقلبه ولطائفه معًا جميعَ الكائناتِ من الذرَّات إلى السيارات بعظَمَتها وفخامتهفي في ِّلًا مراقِبًا مشاهِدًا، ويرى بكمال الوجد تجلِّياتٍ لا تُحَدّ لأسماء اللّٰه الحسنى وصفاته العلا في تلك العوالِم، فيشعر عندئذٍ شعورًا بدرجةِ علمِ اليقين وعي للملحين وحقِّ اليقين أنه بين جَنَباتِ مَعبدٍ لا حدود له.
ويالَه من معبدٍ عظيمٍ مهيبٍ حافلٍ بمليارات الجماعات!! كلٌّ يذكر خالقَه في عشقٍ وشوقٍ خاشعًا مستغرقًا، وكلٌّ يردأسئلة ِلُغَته وبنغمته وبألسنةٍ عذبةٍ جميلةٍ شجيَّةٍ ألحانًا منسجمةً كصوتٍ واحدٍ: "سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، ولا إلٰه إلا اللّٰه، واللّٰه أكبر".
فمن يسلك سهمَّةٍإيمان والعرفان والقرآن الذي خَطَّتْه رسائل النور، يدخل مثل هذا المعبد المهيب العظيم، ويستفيدُ منه كلُّ امرئٍ على قدْر إيمانه وعرفانه، وعلى قدْر استمداده وإخلاصه.
أدبوبفعلِ
انقسم الأدباء والشعراء، والمفكرون والعلماء منذ القديم فريقين فيما يتعلق باللفظ والمعنى، والأسلوب والمحتوى؛ ففريقٌ أَولى الأهميةَ للأسلوب والتعبير، وللوزن والقافية فحسْب، فضحَّى بالمعنى في سبيل المبنى، وذلك أظهرُ ما يكون في مانية،ر؛ أما الفريق الآخر فأَوْلَوا المعنى والمحتوى أهميةً قصوى، ولم يُضحُّوا بالمغزى لأجل اللفظ.
وبناءً على هذه المقدمة الوجيزة يمكن فهْمُ الجانب الأدبي لمفكرٍ عظيمٍ كبديع الزمان، إذْ لم ينفق الأستاذ عمره جهَّزةك الثمين في نظم الكلمات ورصْفِها لتبقى رنانةً في الأسماع؛ بل كان ذلك العبقريَّ الذي اشتغل بتلقين الأجيال والعصور الحِسَّ الديني والشعور الإيماني ومفاهيم الأخلاق والفضيلة، لتبقى عبر البشرية يجعلنًا
— 21 —
قدسيًّا حيًّا في القلوب والأرواح، وفي الوجدان والأفكار؛ وحقيقٌ بمجاهدٍ تخلَّى عن النَّفْس والنَّفيس في سبيل تحقُّق هذه الغاية العلوية أن يكون فطريَّ الأسلوب غيرَ منشغلٍ بالشكليّات الزائلة.
ومع هذا فإن الأستعًا وبحيث رهافةُ الحس، ورِقَّةُ المشاعر، وعمقُ الفكر، واتساعُ الخيال وسموُّه، لَيُعَدُّ صاحبَ ملَكَةٍ وقدرةٍ أدبيةٍ فائقة؛ ولهذا السبب يختلف أه مضى وتعبيره باختلاف الموضوع؛ ففي القضايا العلمية والفلسفية مثلًا، وفي معرِض إقناع العقل بالأدلة الرياضية والمنطقية، تجده يستعمل تراكيب شديدة الإيجاز؛ لكن عندما يَرومُ نشوةَ القلب وتحليقَ الرُّوح فالعباراتُ متلألئةٌ أدقُّ من أن تُعرَّف.
قْفًا ًا عندما يصوِّر عالم السماوات والشموس والنجوم والأقمار فضلًا عن عالم الربيع، وعندما يصوِّر تجليَ قدرة اللّٰه تعالى وعظَمَتِه في تلك العوالم يأخذ الأسلوب شكلًا بالغ اللطف، فيضعُك مة والشبيهٍ أمام لوحةٍ غنَّاء تتزيا بأبهى الألوان؛ وترى في كلِّ تصويرٍ عالَمًا بديعًا ينبض بالحياة.
وانطلاقًا من هذا يستطيع طالب النور - وإنْ كان طالبًا جامعيًّا في أيِّ تخصُّصٍ كان - أن تُسبِغ مطالعتُه لرسائل النور الطمأنينةو به ذأحاسيسه وفكره وروحه ووجدانه؛ وكيف لا يطمئن ورسائل النور باقةُ وردٍ من حديقة القرآن الكريم الواسعة سَعَةَ الكون!! وفي تلك الحديقة الإلٰهية المباركة عبيرٌ ونسيمٌ من الرحمٰن، وفيها نورُه وضياؤه!!
يقول خريرُ الماودِ واروحِ حاجةٌ لقرآنِ ربي دائمًا حاجةُ البشر
علي عُلْوي قوروجو
٭ ٭ ٭
— 22 —
مدخل
لا بدَّ لنا بدايةً من الاعتراف بأنَّ هذه السيرة قاصرةٌ عن إيفاء حياة الأستاذ الجليل حقَّها بكلِّ ما حوتْه من معانٍ، فقد أُوآية: فيها مسائلُ كثيرة، وطُويتْ وقائعُ وأحداثٌ عديدة، كان من شأنها أن تسلِّط الضوء على مزايا شخصيته، وتؤيد ما ورد من أفكار وقضايا، ولم يكن سببُ هذا الإيجاز والطَّي سوى أن الأستاذ لم يرضَ بالاستفصال فيها.
لقد جاءت المباحي على علقة بشخصه موجزةً غاية الإيجاز لأسبابٍ عدة؛منها:أن الأستاذ كان يذكر منذ سالف عهده - سواءٌ في دروسه أو في رسائله - أن هذا الزمان زمان الجماعة، وأن أثرَ المزايا والكمالات الشخصية في الخدمة اك؛ ألنية لا يضاهي بحالٍ أثرَ الشخص المعنوي؛ومنها:أنه كان دائمَ التنبيه على وجوب النظر إلى رسائل النور النابعة من القرآن الحكيم أكثر من النظر إلى شخصه الفاني، وأن جميع القيم والفضائل إنما تعود إلى الحقيقة القرآنية المتجلية في رسائل النور؛ومنها أية منه نه عندما عَلِم بإعداد هذه السيرة الذاتية أرسل قائلًا : "لا داعي للتفاصيل، اكتبوا المباحث المتعلقة بخدمة رسائل النور فحسب"، ولهذا لم يكن منا إل
ثمعَمَدْنا إلى الرسائل والمدافعات ذات الصلة بحياته في أوقاتٍ مختلفة، والتي لها تعلُّقٌ بالخدمة النُّورية أكثر من تعلُّقها بشخصه، فأوردناها على هيئة مقالاتٍ وخواطر تعبر يِّين ما عن أحواله في ذلك الحين.
إن هذا الكتاب بصورته هذه يشكِّل مصدرًا حقيقيًّا للباحثين من طلاب النور في المستقبل، كما يُعدُّ مرجعًا يستفيد منه الأدباء والمحرِّرون المحترمون في إعداد سيرةٍ تمتاز بمزيدٍ من التوثيق، وتكون أودُّداتظمَ فائدةً من هذه إن شاء اللّٰه، وبهذه المناسبة نودُّ التذكير بأن هذا الكتاب لم يُحَلْ في تأليفه وصياغته إلى أقلام الأدباء التي تجنح
— 23 —
إلى مبالغاتٍ لا أساس لها، ولا إلى الآراء الشخصية للمحررين المنتمين إليقُ بأك ومشارب مختلفة، بل بقي خالصًا من جميع ذلك لا تشوبه شائبة.
كما لا بد لنا من الاعتراف أيضًا بأننا لم نتمكن من تقديمِ بيانٍ وعبارةٍ وأسلوبٍ تليق بأوصاف رسائل النور المشرقة الساطعة، ولا بحياة سعيدٍ النُّورْسِيّ وأخلاقه التي هي من أولها إلى مَّهم ج شجاعةٌ فذَّةٌ وعِفَّةٌ ماثلة.
ولقد كان يمكن لخدمةٍ واحدةٍ من آلاف الخدمات الكُلِّية التي أدَّاها، أو لبطولةٍ فذَّةٍ وشجاعةٍ خارقةٍ أبداها في مرحلةٍ من مراحل حياته المتعددة، يُلقيثرٍ واحدٍ من آثاره التي ألَّفها، أن تكون سببًا يدفعنا لإعدادِ سيرةٍ وافيةٍ عنه؛ فكيف وسيرتُه ملأى بما لا يُحصى من السجايا المتفردة، والأخلاق العالية، وعامرةٌ بالخدمةِ القرآلقرآن الشهامة الإيمانية، ومُكلَّلةٌ بمؤلفاتٍ قيِّمةٍ نفيسةٍ تبلغ المئة والثلاثين، وزاخرةٌ بخدمةٍ كليةٍ مؤثِّرةٍ لم تقتصر على مدينةٍ أو بلدٍ بعينه، بل امتدت لتشمل العالَم الإسلاميَّ والعالَم عامةً، ولا شك إذًا أن مَن كانت سيرحًا، وا وصفنا لا يمكن أن يحيط بها كتابٌ كهذا.
كما أننا لم نستطع أن نُعرِّف بمسلك الأستاذ ومشربه وأحواله الخاصة، ولا بشخصيته التي جمعت الكثير والكثير من السجايا والخصال في شخصه وخدمته؛ إذ يَلزَم مقابلةُ كل واحدٍ من طلابه ومن قاموا على خدمته وعاي ملأتُتلف جوانب حياته عن كثب، والاستماعُ لكلِّ واحدٍ منهم على حدةٍ، حتى يمكن إعداد سيرةٍ عنه تتمتع بقدرٍ من التفصيل.
إنه سيتبين بمطالعة هذا الكتاب أن ثمَّة حقيقةً كبرى قد برزت على أرض الواقع، وأنها لَحقيقةٌ جديرةٌ بأن تُسجإنني ُوثَّق لا من أجل الأناضول (تركيا) أو العالم الإسلامي فحسب، بل من أجل الإنسانية جمعاء، ولقد نالت هذه الحقيقة صفة العموم والشمول باشتراك شتى فئات الناس فيها، فأُطلق عليها اسم "خدمة رسائل النور الإيمانية" و"بديع الزمان وطلاب توضِّ؛ وسيتبين في هذه السيرة ماهية هذه الحقيقة وهذا التيار، وما منشؤها وما غايتها؟ وما أثرها في طبقات الناس؟ وما أثرها في
— 24 —
حياة الفرد والجماعة المادية والمعنوية؟ وما دورها مستقبلًا في تحقيق أمننرأس عيدتنا أمةً وشعبًا؟ وسيشعر كل فردٍ في نهاية المطاف بالسرور والامتنان إزاء هذه الدعوةِ، اللّٰهم إلا مَن كان سقيم القلب مُفسِدًا محرومًا.
ولعل أحدهم يَطرح سؤالًا فيقول: ه النورد من هذه السيرة إبراز سعيدٍ النُّورْسِيّ كشخصيةٍ فائقة، ومدحُه وإطراؤه بما يرفعه فوق مستوى البشر؟
والجواب: لا بالتأكيد؛ وإنَّ من عرف حقيقةَ الدنيا وماهيةَ الحياة لم تكن عنده قيمةٌ لجاهٍ مؤقتٍ ولا لسمعةٍ أو شهرة؛ وإن من أرْسِيّحقيقة لم يبالِ بإطراءاتٍ زائفةٍ زائلة، ولم يُعِرِ التفاتًا لألسنةٍ تلهج بها.
ومن هنا فإن شخصًا كسعيدٍ النُّورْسِيّ يعدُّ بطلًا معنويًّا عظيمًا على هذا الصعيد، فمع أن حياته ملأى ببطولاتٍ شتى تثير الإاجتهِدإلا أن ما يلفت النظر أنه كان رجلًا مضحِّيًا من طرازٍ فريد، جرَّد ذاته للحق متفانيًا في سبيله، وغدا مظهرًا للعناية الإلٰهية، إذ تجاوز عقبات كالجبال، وأعلن دعوته القدسيَّة من غير تردُّد، وواجه بها مئاتور، وأرات الهدَّامة في هذا العصر، إلى أن بلغ بها شاطئ السلامة، وهذا ما يؤكد تضحيته وتجرُّده التام عن شخصه الفاني، وفناءه عن نفسه في سبيل الحق.
أجل، فلم يَخُطَّ سعيدٌ النُّ
وإّ بعبقريته الشخصية مسارًا جديدًا في عالم الإنسانية، وإنما اتخذ الحقيقة الأزلية الحاكمة على جميع الأزمنة والعصور دعوةً له، ووقَفَ لها نفسَه وحيٍ بی"سوظَّف لها استعداداته، وليست الكمالات والأوصاف السامية المشاهدة في شخصيته وفي خدمته إلا انعكاسًا لهذه الدعوة القدسية .
وكما يحصل عندما يُوضَعُ مصباحٌ منيرٌ بين آلاف المرايا، إذ ينعكس نوره على صفحة كل مرآة، فيكتسب كُليَّةً ويناقِ أركً عظيمةً بعدد تلك المرايا؛ فكذلك الحال مع بديع الزمان، فإنه توجَّه إلى القرآن الحكيم الشمس المعنوية للأكوان والأزمان، وإلى سيدنا محمدٍ (ص)‌ مبلغِ الدين المبين دين الإسم باسمكان وسيلةَ ظهور رسائل النور التي هي مَعْكِس ضيائهما ، فعاش معنًى في عقولِ وقلوبِ وأرواحِ الآلاف بل الملايين ممن
— 25 —
اقتبسوا النور من مؤلفاته، ونالوا من دعوته القوة والمدد، وكُتِبل الحالقبول الحسن والذكر الطيب مفكِّرًا عظيمًا وإنسانًا قدوة.
نعم، لقد شكَّل نقطة استنادٍ للمؤمنين، إذ أنشأ من أهل الإيمان المُضحِّين المتفانين شُّها دعنويًّا عظيمًا، وأسس بهذا الشخص المعنوي سدًّا قرآنيًّا وإيمانيًّا منيعًا في وجه تيارات الضلالة، وأظهر العزم والثبات في دعوته القدسية التي آمن بها، فحرَّك قلوب المؤمنين، وأيقظ الوجد والحماس ا بهذا يَّين في أرواحهم، ومدَّ يده إلى المساكين البائسين الذين استهوتْهم الفانيات، فأعلن لهم عن حقيقةٍ باقيةٍ لا تموت، واجتهد في لفت أنظارهم إليها؛ فمِثلُ هذهالمُلّني والقيم هي التي خَلَّدتْه معنًى.
وعلى الرغم من عُلوية وظيفته، إلا أنه كبشرٍ عبدٌ عزيز وفقيرٌ مُسْتغن، يرى ويعلم من نفسه - من خلال وظيفة عبوديته - أنه أكثر الناس عيبًا ونقصًعنه بقًا، فيتضرع بالعجز والفقر عند باب الرحمة، ويطلب الرحمة والسعادة للإنسانية؛ أجل، فهو القائل: "إنني إنْ أنقذتُ إيمانَ شخصٍ واحدٍ كانت جهنمُ عندي روضةَ ورد".
لقد أدى وظيفةً عَلِم من خلالها الجميعُ وشهد العدو والصديق بأنه لم ، ولا د تحطيم صنم الأنانية والغرور في نفسه فحسب، وإنما حطَّمَ أصنام عُبَّاد الطبيعة فجعلها جذاذًا، وما التبريك والتقدير الذي كتب بحقه إلا لأجل هذا المعنى.
لشتاء َن من خلال ما يُنشَر في بعض الصحف بين حينٍ وآخر أن أعداء الدين والإسلام لا يواجهونه مواجهةً مباشرة، بل يهاجمونه في غالب الأمر من خلف الستار، فيوجِّهون ضرباتهم نحو من يخدم الدين ويتحمل المشاق في سبيله، فيطعنونلهؤلاءثال هؤلاء بُغيةَ تشويه صورتهم في نظر العامة وتنفير الناس منهم، ليعطِّلوهم عن العمل ويشُلُّوا فاعليتهم، وبذلك يمنعون الدين من الازدهار، ويهيئون الجو المناسب لرواج الكفر والرذيلة؛ وإذا كانت هذه هي الحالَ في عهد الديمقراطية وفي زمان السماح الزماية الدينية، فلكم أن تتصوروا كيف كانت في حقبةٍ كان يُعلَن فيها من على منبر مجلس الشعب أن الدين سمٌّ زُعاف!!
— 26 —
لقد ظهر بين الذين ساقوا الأستاذ وطلابَ النور إلىممثِّلكم في العهد السابق، أناسٌ كانوا يتحركون خلف ستار القانون وفقًا لمشاريعهم الهدَّامة، وأحقادهم ومصالحهم الشخصية؛ وبينما كان الواجب على هؤلاء أن يقوموا بما تمليه عليهم وظيفتهم، إذا بهم يهاجمون بديع الزمان وطلابه بهدفًا لإهانات والافتراءات، وكأنما قبضوا على خَوَنةٍ للشعب والوطن!! حتى عندما أصدرت المحكمة قرار البراءة، لم يتحرَّج بعض المكلَّفين بتطبيق القانون من بثِّ الشائعات بأن بديع الزمان سيُعدَم عما قريب.
وليس مرادنا من حديثنا هذا التهجولبعضِلى هؤلاء، وإنما نريد بيان الحقيقة، ولعل أكثرهم معذور إذْ فَعَلَ ما فَعَلَ مُكرهًا.
ومهما يكن من أمرٍ فإن هذه المعاملة تثبت أنه في الحقبة التي سيق فيها بديع الزمان إلى المحاكم وصدرت بحقه الأحك وما زن الملاحدة واللادينيون المتَخَفُّون على رأس عملهم، وكانت منظمات الإفساد في أوج نشاطها، وأنهم لما عجزوا عن إدانته بيد القضاء، ولم يستطيعوا منع دعوتة ذاتَوا إلى تلفيق الافتراءات الظالمة والحملات المغرضة الكاذبة؛ ولم يكن يتردد أي منصف يشاهد ذلك الواقع الأليم في القول بأن هذا الرجل عالمٌ مستقيم ورجلُ حقيقة.
ومن هنا فإن ما أوردِّ قانفًا ينبغي أن يكون عاملًا مهمًّا يدفع لنشر ما كُتب بحق بديع الزمان ورسائل النور من تقدير وتقريظ، وأن يستمر الأمر على هذا المنوال دون انقطاع، وألا تُوَجَّه إليه أصابعُ الانتقاد؛ علمًا بأن الذين أمعنوا لحقيقيفي سيرة هذا الرجل وفي مؤلفاته لم يملكوا سوى الثناء والتبريك بكمال التقدير .
ولقد جرى مثلُ هذا على نحوٍ خاص مع لجان الخبراء وهيئات المحاكم التي سيق إليها الأستاذ لإدانته، فإنهم بعدما نظروا في َ يوم،ودققوا في مؤلفاته، صدَّقوا بما هو مشاهَدٌ فيها من الحُسْن والكمالات، وهذا يؤكِّد ما صرَّح به أذكى أبناء الأمة وأبعدهم نظرًا، وما صرَّح به كذلك أهل العقول والقلوب بحق النُّورْسِيّ.. نُرل
— 27 —
النور، إذْ اعتبروا الأمر ظهورًا لحقيقةٍ كبرى بدأت منذ نصف قرن، وما تزال مستمرةً تكتسب العمومية والشمول يومًا بعد يوم.
سؤال:ما دام اللّٰه تعالى عليمًزمان عمه وثناؤه كافيَيْنِ، وما دام الأكابر من أهل الكمال يُؤثرون الخفاء دائمًا، وما دامت الحقائق ستُنْشَر بكل جلاءٍ في عالم البقاء؛ فلماذا الإطناب في ذكر مزايا رسائل النور وما نالته من عنايةٍ وإكرامٍ إلٰهيَّيْن؟! ولماذا الحديث عن الكمالات وأنواع قات العجيبة التي حظي بها سعيد النُّورْسِيّ في أثناء خدمته القرآنية؟! ثم لماذا تنشر؟ حتى لقد أُلحِقت تقريظاتٌ كهذه بالعديد من مؤلفاته العلمية!!
الجواب:تُقدِّم رسائلُ النور إجاباتٍ واضحةً على هذا السؤال في بعض مكتوباتها، خلئل لم حداها: أن الخدمة التي أداها بديع الزمان عبر رسائل النور إنما هي خدمةٌ لحساب القرآن الكريم لا غير، وأن تلك المزايا والإكرامات ونحوِها إنما تُذكَر نشرًا لحقائق الإيمان، وشدًّا لأزر المسلمين، وتقويم في امانهم، وبالتالي إعلاءً لدين الإسلام، وصَدًّا لهجمات الإفساد التي يشنها أعداؤه، وغرسًا للقناعة القطعية عند كلِّ إنسان، وإعلانًا للعالَم أجمع أن دين الإسلام هو خلاصة الكمالات المادية والمعنوية وزبدتُها بين بني البشر.
لقد اضطر سعيشْرُوطُورْسِيّ لصدِّ الهجمات الظالمة والافتراءات الباطلة التي شنها عليه أولئك الخصوم المذكورون آنفًا، فتحدَّث عن الإكرام الإلٰهي الذي نالتْه رسائل النور، وبيَّن القبول والعنايةَ الربَّانية التي حظيتْ بها خدمة الإيمان، كي يمنح طلابَ المن يعاضعفاءَ الفقراءَ القلائلَ قوةً معنويةً، وإمدادًا غيبيًّا، وتشجيعًا وثباتًا وصلابةً في مواجهة ما لا يُحَدُّ من المعارضين والأعداء الأقوياء الكثيرين.
وحسبُنا ما قاله بديعُ الزمان في إحدى رسائله المُدْرَجة في سيادةٍ م "أعترف بأنني لستُ أهلًا بأيِّ وجهٍ لأن أكون مظهرَ مؤلَّفاتٍ مقبولةٍ كهذه، إلا أن من شأن القدرة الإلٰهية ومن عادتها ومن الدليل على عَظَمَتها أن تخلق من بذرةلى الوهمية لها شجرةً عظيمةً كالجبل؛ وإنني أؤكد مُقسِمًا أنْ ليس لي مقصِدٌ من الثناء على رسائل النور سوى تأييدِ حقائق القرآن وأركان الإيمان وإثباتِها ونشرِها.
— 28 —
فالشكر لخالقي الرحيم شكرًا لا يتناهى أنْ وقاني الإع الجاننفسي، وأراني عيوبَها ونقائصَها، فلم يُبْقِ لي رغبةً في أن أثير إعجاب الآخرين بهذه النفس الأمَّارة.
وإن رجلًا ينتظر أجله عند باب القبر، مخلٍِّ من ادنيا الفانية وراءَه، لن يكون تطلُّعه إليها تطلُّعَ رياءٍ إلا خسارةً مروِّعةً وحماقةً تدعو للرثاء.
إنني بهذه الحالة الروحية أُظهِر مزايا رسائل النور التي هي محضُ ترجمانٍ للحقائق الإيمانية.. أُظهِرها باعتبارها بضاعةً للقن الواكريم، فليست الحقائق والكمالات التي في رسائل النور بضاعتي، بل هي بضاعةٌ للقرآن، ومنه ترشَّحَتْ.
وما دمت فانيًا راحلًا فلا يجوز ولا ينبغي أن يُناطَ بي كتابالشعورثرٌ باقٍ؛ أجل، فخواصُّ العنب اللذيذ لا تُتَحَرَّى في عيدانه اليابسة، وأنا بحكم عودٍ يابس".
نعم، بينما كان سعيد النُّورْسِيّ محتاجًا إلى الكثير من الأعوان، وإلى تشجيع الحكومة ُ معنو وتأييدها له في خدمته الإيمانية القرآنية ضد تيارات الإلحاد واللادينية، إذا به يتلقى على العكس من ذلك أنواعًا من الافتراءات والتلفيقات والاتهامات لكي يُزَجَّ به في السجون، وتُمحى مؤلفاته، وينفضَّ الناس نسألهه!! فلا بد له في هذه الحال من أن يدافع عن مسلكه الحق، ولا بد أن يقول الحقيقة تبرئةً لخدمته مما افتري عليها، كيف لا وهي الخدمة المعنيَّة بشرف القرآن ومقامِ النبوة السامي على صاحبه الصلاة والسلام؟!
أجل، لا بد أن يقوم بذلك حتى وإن لعلاء كبعض الناس ما لقي من الانتقاص لشخصه، فإنه راضٍ بهذا الضرر الشخصي في سبيل استفادة العامة وسعادتهم؛ فبهذا الاعتبار ينبغي النظر إلى ما يُبيَّن وينشر من الثناء علالتاريل النور والتقدير لها، وإلا تضررت الخدمة الإيمانية.
على أننا لسنا في زمان التحرك بفكرٍ ضيقٍ محدود، فهاهم الملاحدة واللادينيون يبذلون قُصارى جهدهم لعرض مناهجهم الضارة، وعقائدهم الهدامة، وشخصياتهم ا العلية الزائفة، فيقدمونها للناس تحيط بها هالةٌ من المدح والثناء، بُغيةَ أن تنال الإعجاب وتُقابَل بالتصفيق، مع أنها ليست بأهلٍ لشيءٍ من ذلك عجازَ
— 29 —
ولا داعي لأن نذهب بعيدًا، فإذا كان زعماء التيارات اللادينية الرهيبة حول العالم يُقدَّمون على أنهم أبطالٌ عظماء، فلماذا لا يَمدح المسلمون دينهم الحقَّ ويثنون عليه؟! ولماذا لا ينشرون كمالاته ومعاليَه؟! ولماذا لا تم وإنَّفاتٌ كانت مرآةً للقرآن، وجابَهَتْ تيارات اللادينية في هذا الزمان، وأدَّتْ أعظم الخدمات للدين؟! ولماذا لا يُمدَح مؤلِّفها المحترم المتواضع الذي تعرَّض لظلمٍ لا حدود له؟!
هذا مع أن الكتابات التي كُتِبت مدافعتلصدد لم تكن موضوعاتٍ نظريَّةً مجردة، بل هي في أكثرها حقائق تُنْشر دفاعًا وردًّا على الافتراءات بحقه.
٭ ٭ ٭
تُسْتَعرَضُ حياةُ الأستاذ إجمالًا وبالنظر إلى خدمتسُ الحلِّية ضمن مرحلتين بارزتين:
المرحلة الأولى:وفيها فصولٌ ومشاهد يُعَدُّ كل واحد منها حياةً بذاتها، بدءًا من ولادته ونشأته، ثم تحصيله العلمي، ثم إقامته يةً بان"، ثم قدومه إلى إسطنبول، رَحَلاته، فحياته السياسية، ثم اشتراكه في الحرب العالمية الأولى، فوقوعه أسيرًا لدى الروس، ثم عضويته بدار الحكمة الإسلامية بإسطنبول، صةً جز في القوى الوطنية هناك، ثم مجيئه إلى أنقرة ونشاطه في أول مجلسٍ نيابيٍّ فيها، ثم انسحابه بعد مدةٍ قصيرةٍ إلى "وان" للعزلة فيها.
وتُعَدُّ هذه المرحلة بكل أحداثها وفصولها التي استمرت حتى الخمسين من عمره، مقدملكفر؛ دادًا للمرحلة التالية التي أدى فيها خدمته الكبرى الثانية: "خدمة الإيمان والقرآن".
المرحلة الثانية:وتبدأ بنفيه من "وان" شرقًا حيث كان منزويًا، إلى بلدة "بارلا" النائية الواقعة غربًا في ولاية "إسبارطة"، ووضعه تحت الإقامة الال أن بها؛ وفي هذه المرحلة كان ظهور رسائل النور وانتشارها، والانخراطُ بها في خدمةٍ إيمانيةٍ وجهادٍ دينيٍّ معنويٍّ بمنتهى الإخلاص والتضحية والولاء، وبغاية الثبات والتيقُّظ والاقتصاد.
— 30 —
وقد تزامنت هذه المرحلة من حيات كلٍّ لحقبة التي انقرضت فيها الخلافة العثمانية نتيجة الحرب العالمية الأولى، وراحت الشيوعية التي اتخذت من محاربة الأديان السماوية أساسًا لها، وقضت علىرآن الية البشرية في عالم الإنسانية، تستولي على شطر المعمورة، وتنشر الرهبة في أرجاء الدنيا، وتهدد بلادنا وتُعرِّضها لخطر التدمير المعنوي.
إنها حقبةٌ تتطلب دراسةً فاحصةً، تتحلى بالتمحيص الدقيق والنظرة المنصفة تجاه أمةٍ بطلةٍ حملتْ راية القرآن أل الأبر وخدمت الإسلام عبر العصور.
وكان الأستاذ قد ذكر عند تأليفه رسائل النور أن هذه المؤلفات هي لمعاتُ إعجازٍ للقرآن الكريم، وأنها ستعود بالفائدة والنفع على فئات الناس كلِّهم، وستقف سدًّا قرآنيًّا منيعًا يحمي الوطن والشعب ويصدُّ المدَّ الإلحاديَّحوال هادنا؛ كما ذكر أيضًا أن خدمة رسائل النور ستحظى بانتشار واسع، فتعود أمةُ الترك من جديد جيشًا مقدامًا من جيوش الإسلام، وفدائيًّا من فدائييه.
وذكر كذلك أن الش قانونتقي ماديًّا ومعنويًّا، وسيكسب الإسلام قوةً عظيمةً نتيجةَ ما سيكون في المستقبل من نشر رسائل النور، وتبنِّيها شعبيًّا وانتشارِها رسميًّا، وتمسُّكِ وزارة التربية بالحقيقة القرآنية.
بلا رئل النور عَلَمٌ وعنوان، إنها منظومة الحقائق القرآنية التي ظهرت في هذا الزمان، وهي تعبيرٌ عن تمسُّك شعبنا الأصيل بالإسلام الذي هو الإنسانل والحبرى، وتعبيرٌ عن يقظته بروحٍ جديدةٍ وحماسةٍ إيمانيةٍ مشبوبةٍ وحبٍّ عميق.
وهي ترجمةٌ للمشاعر الإسلامية الجيَّاشة بتقوية الإيمان وتحكيمِه ف"فيضي"هة ظروف الحياة التي غيَّرَها العصر الذي نعيش فيه، وفي مواجهة عالمٍ جديدٍ بنظامه ورُؤَاه.
وهي إشارةٌ إلى نشأة نابهين مضحِّين قد أُترعت قلوبهم إيمانًا ومحبةً نبوية، وفَاخَرُوا الدنيا وما فيها بشرف الانتماء؛ كما أنها إشارةٌ إلى إظهارالرجاليمانَ الراسخَ والأخلاق السامية والبطولاتِ اللائقةَ بماضي هذه الأمة.
— 31 —
لقد عكف بديع الزمان على حقائق القرآن الحكيم التي تخاطب العموم ويمكن أن يستفيدوا منها، ففسَّرها في رسائل النور تفسيرًا مباشرًا، دون أن تخالطها أية مشاعر أ عجيبةع ماديةً كانت أو معنوية، ودون أن يقع تحت تأثير أي مقامٍ أو مشرب؛ وأدى مهمة الترجمان لهذه الحقائق.
فهذه الكتب التي ألَّفَها لا تخصُّ فئةً معينةً من الناس أو طبقةً منهم، بل الاستفادةُ منها متاحة للجميع، وإنما تَلفِت هذه السيرة نظرَ قرَّ الخدملى رسائل النور التي هي أنوار حكمة القرآن في هذا الزمان، فتعرض ما يُستفاد منها، أما شأن سعيد النُّورْسِيّ فيبدو في هذه السيرة رجلًا جَدَّ واجتهد مضحيًا في سبيل خدمة القرآن، واتَّبع السنةام، كاية فكان نموذجًا يُحتذى.
وبناءً على ما قد يُفْهَم من بعض الرسائل الواردة في السيرة من أن سعيدًا النُّورْسِيّ قد توغَّل زمانًا في مسلك الفلسفة، ثم وصل إلى الحق والحقيقة بإرشاد القرآن الحكيم، فألَّف هذه المؤلفات ليُنقِذ من وقعوظم.
لشكوك والشبهات من المشتغلين بالفلسفة والعلوم في هذا الزمان، وليخلِّصهم من الشبهات بالدلائل والبراهين العقلية؛ فإن طريق رسائل النور ومسلكَها - بالنظر إلى ال يستجبلحياتية في هذا الزمان، والأحوال الروحية للإنسان - هي أسلمُ جادةٍ قرآنية وأخصرُها وأعمُّها؛ فهي من أولها إلى آخرها تسلك سبيل العلم والتفكر، وفوائدها للعاملين في شتى ميادين المجتمع كثيرةٌ جمة.
وإن الذين حص دلائلى الفكر الإيماني بقراءة الرسائل والتعلُّم منها، سيحصلون على سعادةٍ كبرى باتخاذهم أعمالَهم ووظائفَهم الدنيوية وسيلةً للحياة الأخروية والسعادة الأبدية.
ولا ريب أن جيل الشباب المثقف ال فيه آك هذه الحقيقة الجليلة في دين الإسلام، سينهض لخدمة الدين الحق بسعادةٍ غامرة، وسيجتهد في نشر الحقيقة لهذه الإنسانية التي ما فتئتْ تبحث عنها دون أن تجدها.
#حيح مانعم، فكل من كان في دائرة المسؤولية، سواءٌ كان طالبًا أو أستاذًا جامعيًّا أو نائبًا في البرلمان، مكلَّفٌ بتنوير محيطه، ولا شك أن من كان مسؤولًا عن ِتٌ بغ أو ولايةٍ أو حتى بلدٍ ومكلَّفًا بتنويرها وإرشادها وسعادتها وسلامتها، فإنه مطالبٌ بالتصرف بمزيدٍ من اليقظة والوعي.
لقد أسدى سعيد النُّورْسِبلغ إقائل النور هذه أعظمَ معروفٍ وخدمةٍ لأبناء هذا الوطن، ولم يطلب لشخصه مقابلَ ذلك جزاءً ولا شكورًا، وعلى الرغم من وجود رسائل تتوجه بالمدح والثناء لشخصه، إلا أنه تلقاها باسم رسائل النور ولحسابها، وعَدَّها علامةً على استفادة قُرَّائها مجبرية رها.
وإن ما يطلبه الأستاذ النُّورْسِيّ من هذه الأمة ومن الشباب في حقيقة الأمر هو أن يغنموا بالإيمان السعادةَ الدنيوية والأخروية، ولأجل ذلك يطلب أن تُتَّخَذ رسائلُ النور التي هي درسُ القرآن في هذا الزمان أساسًا،يث الشُنْشَر في كل مكانٍ وكل بيت، وأن تُتَعَلَّم حقائق الإيمان منها.
وكثيرًا ما بشَّر وحذَّر بأن رسائل النور هي الحل الوحيد في مواجهة التيارات التي تهدد الأمة والبلاد، فمن يريد تفسير هذه الخدمة التي شملها الرضا الإلٰهي، وتوجيهَ نشارتُ جمركتها لمقاصد وغاياتٍ أخرى، فإنما يعلن عن انعدام بصيرته.
إن السعادة الحقيقية التي تَنشُدها روح الإنسان وماهيتُه السامية لا توجد إلا في الطرينِ الت بيَّنها القرآن والأفقِ المتلألئ برضا الرحمٰن، وها هو بديع الزمان يبيِّن للإنسانية ذاك الطريق وهذا الأفق، ويعلن لها ويثبت ألَّا بد للإنسان من الالتحاق بالقافلة النورانية أصحاب الصراط المستقيم.
لقد أردنا بهذا المؤلَّف الذي أعددناه - رةَ الدنا - أن نخدم الحقيقة ولو بقدرٍ يسيرٍ، وننشره اليوم ليكون مرجعًا للسعداء المنوَّرين في المستقبل، آملين إعدادَ سيرةٍ أعمق وأشمل؛ ومن اللّٰه التوفيق.
المعِدُّون
٭ ٭ ٭

#

جالقسم الأول
حياته الأولى
ولد بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ عام (١٢٩٣ رومي)، في قرية "نُوْرْس" التابعة لناحية "إسپاريت" في قضاء "خِيْزان" من أعمال ولاية "بِتْليس". اسم أبيه: ميرزا، والدنيوي: نورية.
عاش في كَنَفِ أبويه حتى التاسعة من عمره، وفي تلك السِّن دفعتْه حالةٌ روحيةٌ للتأمل في حالِ أخيه الأكبر "المُلَّا عبدِ اللّٰه" المُنكَبِّ على تحصيل العلوم والاستزاغربة ما، فكان كلما قارن بين أخيه الآخذ في الترقي بالعلم وبين أقرانه الأُميِّين في القرية تملَّكَه العَجَب، فجعل تحصيل العلم نُصْبَ عينيه، وتوجه إلى طلبه بجدٍّ وحماس.
ولقد ذهب بهذا القصد إلى مدرسة الشيخ "محمد أمين أفندي" بقرية ية.
الواقعة في ناحية "إسپاريت"، إلا أنه لم يستطع البقاء بها طويلًا، فقد كان بفطرته شديد الحفاظ على عزته، لا يتحمَّل أيَّ أوامر تُملى عليه، (حاشية): إنَّ هذه العزة التي تُشاهَد في المُلَّا سعيد وهو صغير لم تأتِ من حبِّ النفس، وإنما هو الا حياةالإلٰهيُّ الذي منحَ بعنايته عبدًا من عباده هذه الخصلةَ ليؤديَ وظيفةً عظيمةً في المستقبل، ألا وهي إعلاء كلمة اللّٰه، فكانت العزة العلمية إحدى الخصال اا فإن لأداء هذه الوظيفة على وجهها؛ ولعل المُلَّا سعيدًا لم يكن يدري آنذاك ماهيةَ هذا الأمر ولا حكمتَه، إلا أنَّ الزمان أظهَرَ أن العزة العلمية ال س: هلزمها خدمةٌ عظيمةٌ واسعةٌ كرسائل النور، قد غرسَها الحقُّ سبحانه بذرةً صغيرةً في روح المُلَّا سعيد، حتى أضْحَتِ اليوم شجرةً عظيمة. فغادر المدرسةَ بعد زمنٍ
— 34 —
يسيرٍ عائدًا إلى "نُوْرْس"؛ ولم تكن فيها وقتئذٍ أيَّل وتحوسة، فانحصرت دروسه في يومٍ واحدٍ من الأسبوع كان أخوه الأكبر يأتي فيه إلى القرية لصلة أهلِه.
وبعد مدةٍ من الزمن ذهب إلى قرية "بيرميس"، ثم إلى مَصِيْف الفرشخِيْزان"؛ وكان من أَنَفَتِه أنِ اختلف ذات يومٍ مع أربعةٍ من الطلاب هناك ولم ينسجم معهم، فكان هؤلاء يأتونه مجتمعين ويشاكسونه باستمرار، إلى أن ذهب ذات يومٍ إلى الشيخ "سيِّد نور محمد" وقال له من غير إظهار عجزٍ أو بثّهذا يت: سيدي الشيخ.. قل لهؤلاء إذا أرادوا مشاجرتي أن يأتوني مثنى مثنى، لا أربعةً معًا؛ فأُعجب الشيخ من فُتُوَّة سعيدٍ الصغير، وقال له: أنت تلميذي، وليس لأحدٍ#285
ليوم أن يتعرَّض لك أو يَمَسَّك بسوء؛ وصار يُعرَف بعد ذلك بی"تلميذ الشيخ".
بقي المُلَّا سعيد هناك حينًا من الزمن، ثم ذهب بصحبة أخيه "المُلَّا عبد اللّٰه" إلى قرية "نُوْرْشِين"، وكان الفصل صيفًا، فتوجَّها مع الأهالي وانيا ليإلى مَصِيْف "شَيخان"، وحصلَ أنْ تجادل مرةً هناك مع أخيه "المُلَّا عبد اللّٰه"، فتدخَّل "محمد أمين أفندي" المدرِّسُ في مدرسة "تاغ" قائلًا له: لِمَ تخالف أمر أخيك؟!
وكانت المدرسة للشيخ المشهور "عبد الرحمن"، فأجاب لَم الَا سعيد المدرِّسَ "محمد أمين أفندي": سيدي، بالنظر إلى وجودنا في هذه المدرسة فأنت أيضًا طالبٌ مثلي، وفي هذه الحال لا حقَّ لك في تقلُّد مقام الأستاذية.
ثم غاد غِراروره المدرسةَ إلى "نُوْرْشِين" واجتاز في الليل غابةً كبيرة يصعب على الأشداء اجتيازُها حتى في النهار.
وكان من النظام المعمول به عند إنشاء المدارس في شرقيِّ الأناضول أن يَفتَتِح عالِمٌ مأنا معمدرسةً في قريةٍ يختارها هو، فيُدرِّسَ بها مجانًا حِسبةً لوجه اللّٰه تعالى، ويَسُدَّ حاجات الطلاب الدراسية إن كان مقتدرًا، وإلا تكفَّل الأهالي بها كما يتكفَّلون بسائر لوازم الطلبة وأمور معيشتهم؛ وكان المُلّلفهم ود الوحيدَ من بين هؤلاء لا يأخذ زكاةً بأيَّةٍ صورةٍ كانت، ولا يقبل الدخول تحت مِنَّةِ أحدٍ على الإطلاق.
(حاشية): ذُكِرَ في "المكتوب الثاني" وغيرِه من رسائل النور سببُ عدمِ أخْذِه شيئًا من الزكاة أو الصدقة أو أيِّ شيءٍ بثتْه قابل؛ نعم، فلقد غَرَست الرحمة الإلٰهية في روح المُلَّا سعيد منذ صغره فهرسًا إجماليًّا للدستور القدسي: "عدمُ طلبِ أيِّ شيءٍ مقابلَ الخدمة الأخرويَّة"، لكي طمسِ الخدمةَ الإيمانيةَ مستقبلًا برسائل النور بكمال الإخلاص، فتتحققَ على وجهها الأتم.
— 35 —
وبعد أن مكث مدةً بی"نُوْرْشِين" عاد إلى "خِيْزان"، ثم لزِم أباه تاركًا حياة المدرسة، وأقام معه حتىنا لم فصل الربيع؛ وفي تلك الآونة رأى رؤيا أن القيامة قد قامت، وأن الخلائق قد بُعِثَتْ، وأنه في تلك الأثناء يفكر كيف يمكنه أن يلقى النبيَّ (ص)‌؟ إلى أن خطر له أن يذهب إلى الصراط فيقف بأوَّله، وقال لنفسه: سَيَمُرُّ الكلُّ من يقة؛ فوهناك سأنتظر، فذهب وتشرَّف برؤية الأنبياء الكرام واحدًا تلو الآخر، إلى أن حظي بلقاء نبينا الكريم صلوات اللّٰه وسلامه عليه، ثم أفاق.
لقد أيقظ المددُ الذي ناله من هذه الرؤيا حماسًا عظيمًا في نفسه لتحصيل العلم، (حاشية): لقد أدركنا فيما بعالبغض قةً كان المُلَّا سعيد مَظهَرًا لها في تلك الرؤيا ولم تُدوَّن في سيرته، وهي أنه طلب من النبي (ص) العلمَ، فبشَّره (ص) بأنه سيُعَلَّم علمَ القرآن شريطةَ ألا يسأل أحدًا من أمته سؤالًا؛ وقد تجلَّت هذه الحقيقة بعينها في ح تبلورإذْ عُرِف منذ أوَّل شبابه بی"بديع الزمان"، وكان يجيب عن جميع ما يُسأل دون أن يُضطر لسؤال أحدٍ أو الاستعانة به. فاستأذن أباه وذهب إلى ناحية "أرْواس" طلبًا للعلم، ولكن المدرِّس المشهور هناك المُلَّا "محمد أمين أفنديٍ كالحَع عن تدريسه، وكلَّف أحدَ طلابه بالأمر، فعزَّ ذلك على المُلَّا سعيد.
وبينما كان هذا المدرِّس المشهور يلقي درسًا في المسجد ذات يوم، إذْ خاطبه المُلَّا سعيد معترضًا على بعض ما جاء في درسه، فقال: ليس الأمر كما ذكرت يا سيدي وارداكَّره بأنه ترفَّعَ عن تدريسه.
وبعد أن أقام هناك مدةً من الزمن ذهب إلى مدرسة "مِيْر حسن ولي"، فوجدها مدرسةً لا تولي أهميَّةً للطلاب المبتدئين الجدقاء ربر أن يَدرس بدءًا من الكتاب الثامن المقرَّر فيها، تاركًا الكتبَ السبعةَ الواجبَ دراستُها قبلَه.
وبعد أيامٍ ذهب إلى قصبة "وَسْطان" للاستجمام، فلم تَكَدْ تبديع اامته بها شهرًا حتى توجَّه بصحبةِ شخصٍ يُدعى "المُلَّا محمد" إلى مدينة "بايزيد" التابعة لولاية
— 36 —
"أرضروم"؛ وهنا بدأ تاريخُ تحصيله الحقيقي، إذْ يين منتغلًا حتى ذلك الحين بمبادئ النحو والصرف، وقد بلغ متن "الإظهار"؛ فعكف على تحصيلٍ فعليٍّ جادٍّ مدةَ ثلاثة أشهرٍ عند الشيخ "محمد الجلالي" في " الحُك"، وكان أمره غريبًا حقًا، فقد أتمَّ جميعَ الكتب المقرَّرة للتدريس في شرقيِّ الأناضول بنجاح، بدءًا من "المُلَّا جامي" حتى نهاية الكتب المقررة، وكان يتَ المقمن كل كتابٍ درسًا أو درسين أو عشرةَ دروسٍ كحدٍّ أقصى، ويترك ما تبقى منها؛ ولمَّا سأله أستاذه الشيخ "محمد الجلالي" عن سبب فعله ذلك أجابه بقوله: ليس بمقدوري أن أقرأ كلَّ هذا الكمِّ من الكتب فأستوعبَها جميعًا، إنها أشبه بخزييقتَينوهراتٍ مفتاحُها لديكم، وأنا أرجو منكم أن تبينوا لي ما بداخل هذه الخزائن؛ أيْ أن أعلَم فيمَ تبحث هذه الكتب، حتى أدرس منها ما يوافق طبعي.
وكان غ، لا ب جوابه هذا إظهارَ فكر الإبداع والتجديد الموجود في نفسه فطرةً، وإدخالَه في أصول المدارس المنتشرة في ذلك الحين، (حاشية): لقد ظهر تجديدُه في ميدان علم الكلام من خلال مؤلَّفاته المسمَّاة "رسائل النور" المكوَّنة من مئةٍ وثلاثين كتابمعنوي،لتي أتمَّ تأليفَها في ثلاثٍ وعشرين سنة.
أجل، إن تحصيلَه في ثلاثةِ أشهرٍ علومًا يستلزم تحصيلها خمسَ عشرة سنةً، إنما هو إشارةٌ غيبيةٌ قطعيةنه سيأتي زمانٌ لن توجد فيه مدارسُ تُدرِّس علمَ الإيمان ولو سنةً واحدةً، ناهيك عن خمسَ عشرة سنة؛ وأنه سيظهَر في ذلك الزمان تفسيرٌ للقرآن بدم.
أن يُقدِّم للراغبين في خمسةَ عشر أسبوعًا الدروسَ التي تُقدَّم في خمسَ عشرة سنة، وأن المُلَّا سعيدًا سيكون في خدمة ذلك التفسير.
ولقد ظهر هذا التفسير وبرز للعيان؛ فعلى الرغم من هجماتِ منظمات الإفساد واللفعل، السريَّة خلال زمنٍ رهيبٍ دام ثلاثين سنة، نشرتْ رسائلُ النور دروسَ حقائقِ الإيمان بمئاتِ آلافِ النُّسَخ في كلِّ جهة، وأصبحت وسيلةَ تقويةِ إيمان ملايين الناس، وانتشرت دروس القرآن الجديدةُ هذه بأقلام آلاف الكُتَّغم عجزغير حاجةٍ إلى المطابع، ولفتتْ نشاطاتُها في الأناضول وخدمتُها للإيمان ودروسُها العقليَّة الرفيعة أنظارَ الجميع، حتى لقد أقرأ اللّٰه سبحانه هذهود، تنارَ أهلَ السياسة والحكومةَ عن طريق المحاكم والتدقيقات، وانتشرتْ بين جيل الشباب المثقف، فكثُر فدائيو الإيمان والإسلام، وصُدَّ هجومُ الضلالة والكفر المطلَق وانةً، ومشرعت تظهر في كل ناحيةٍ من أرض الوطن تياراتٌ توالي الدين، فأظهرت الفجر الصادقَ لسعادة الإسلام الذي سيُشرق في العالَم الإسلامي والإنساني، والحمد للّٰه روقتَ علمين. وعدمَ إضاعةِ
— 37 —
الوقت في الكثير من الشروح والحواشي؛ كما أنه بهذه الصورة استطاع أن يُتِمَّ من العلوم والفنون ويحصِّل من زبدتها وخلاصتها في ثلاثة أشهرٍ ما يستلزم تحصيلُه وفق الأصول المتَّبعة عشرين سنةً.
فسأله، لأن ه: أيُّ العلوم يوافق طبعَك؟
فأجابه: لا يمكنني التفريقُ بين هذه العلوم، فإمَّا أن أعلمَها جميعًا، وإما ألا أعلم منها شيئًا.
كان المُلَّا سعيدٌ يقرأ أيَّ كتابٍ يقع في يده فيفهمه، وكان نِصابُه اليوميُّ من المطالعة مع اهر رمضالاستيعاب بنفسه مئتي صفحةٍ في كتبٍ كی"جمع الجوامع"، و"شرح المواقف"، و"تحفة المنهاج"؛ وقد استغرق في طلب العلم، وانقطع إليه لدرجةِ أنه لم تعد له صلةٌ بالحياة العاَلَقَهان يجيب من فوره وبغير ترددٍ على كلِّ سؤالٍ يُطرَح عليه من أيِّ علمٍ كان.
٭ ٭ ٭
لمحةٌ موجزة عن حياته في تلك المرحلة
أولًا:سلك مسلك الحكماء الإشراقيين، فشرع فيُ من خ والرياضات أملًا في بلوغ حالتهم، إذْ كانوا يَرَون أن الرياضات تورِث الفكرَ صفاءً وإشراقًا، غير أنهم كانوا يعوِّدون أجسامهم عليها وفق قانون التدريج، حاجاتمُلَّا سعيد فقد جَدَّ فيها بغير مقدِّماتٍ أو مراعاةٍ للتدريج، فكان يقتات بقطعة الخبز الواحدة ثلاثةَ أيام، لكنَّ جسمَه لم يتحمل ذلك، فاعترافإن تكَعف والنُّحول.
ثانيًا:أخذَ بقاعدة دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك التي عليها مدار التصوُّف كما ذكر الإمام الغزالي في "الإحياء"، فتورَّع عن سائر المطعومات حتى الخبز، وراح يقتات على الحشائش حينًا من الزمن.
— 38 —
ثالثًا:لزِمَ ا وظائففكان لا يتكلم إلا نادرًا، وكان يختلي عند ضريح "المُلَّا أحمد الخاني" أحدِ أدباء الأكراد الألمعيين، وربما مكث هناك ليلًا، مع أن الدخول إلى ذلك الموضع ولو نهارًا كان مبعثَ رهبةٍ وخوف، فحمَلَ الناسُ أمره على أنه كرامإنسانٍيخ وقالوا: لقد غدا مَظهرَ فيوضاتِ "المُلَّا أحمد الخاني".
كان هذا وهو بين سن الثالثة عشرة والرابعة عشرة؛ ثم عزم على لقاء كبار العلماء، فاستأذن شيخَه للرحلة إلى بغداد؛ وبينما كان في طريقه إليها مرتديًا زيَّ الدراويش، مجتازًا في الليل طذه الاغير مألوفةٍ بين جبالٍ وعرةٍ، وغاباتٍ كثيفة إذْ بلغ "بِتْليس"، فزار الشيخ "محمد أمين أفندي" وحضر دروسَه مدةَ يومين، فطلب منه الشيخ أن يطرح زيَّ الدراويش ويرتدي زيَّ العلماء، فلم يُجبْه إلى طلبه، وقال له: أ، ما يأبلغ الحُلُم بعدُ، فلا يليق بي أن أرتديَ زِيَّ عالِمٍ محترَم؛ وكيف لي أن أكون عالمًا وأنا ما زلتُ صبيًّا؟!
ثم توجَّه إلى "شِيْرْوان" حيث يقيم أخوه الأكبر "المُلَّا عبد اللّٰه"، و منافن الحوار الذي جرى بينهما في أول لقائهما أن سأله أخوه: لقد أنهيتُ من بعدك كتابَ "شرح الشمسية"، فماذا تدرس أنت؟
- بديع الزمان: لقد درستُ ثمانين ير حق..
- المُلَّا عبد اللّٰه: ماذا تقصد؟!
- المُلَّا سعيد: أتممتُ دراسةَ الكتب المقررة كلِّها، ودرستُ كتبًا كثيرةً سواها.
- المُلَّا عبد اللّٰه: سأمتحنك إذًا!!
- المُلَّا سعيد: أنا مستعد، سالنظر شئت.
فامتحنه، فوجد من كفاءته العلمية ما دفعه لأن يتخذه أستاذًا مع أنه هو نفسَه - أي المُلَّا سعيد - كان تلميذَه قبل ثمانية أشهر، وراح يقرأ عليه الدروس بعيدًا عن أعين الطلنَ المل على هذه الحال لا يُشعِر بها أحدًا إلى أن شاهده الطلابُ ذات مرةٍ خِلسةً جالسًا يقرأ على أخيه الأصغر، فسألوه عن ذلك متعجِّبين، فموَّهَ عليهم مخافةَ أن تصيبَ أخاه العينُ،َا سعيلهم: إنني أدرِّسُه.
— 39 —
وبعد أن أقام مدةً عند أخيه "المُلَّاعبد اللّٰه" ذهب إلى "سِيْرْت" حيث مدرسة "المُلَّا فتح اللّٰه أفندي" الذي سأله: كنتَ في العام الماضي تَدرُس كتابَ "السيوطي"، فهل تَدرُس في هذا العام كتابَ "المُلَّا جامي"؟ فأجابه:لا ما لقد أنهيتُ كتاب المُلَّا جامي.
فما سأله "المُلَّا فتح اللّٰه" عن كتابٍ إلا قال له: لقد أنهيتُه؛ فاعترتْه الحيرة والدهشة من إنهائه كلَّ هذا العدد من الكتب في زمنٍ يسير، ولم يستوعب الأمرَ، فقال له: ل الصلتَ مجنونًا في السنة الماضية، فهل ما زلتَ على جنونك؟!
فأجابه المُلَّا سعيد: قد يكتم المرء حقيقةً عن الآخرين كسرًا للنفس، لكنه لا يملك إلا أن يقول الحقيقة الخالصة بين يدي أستاذه الأرفعِ قدرًا من أبيه، فإن شئتَ امتحنِّي فا أن أالكتب.
فما سأله "المُلَّا فتح اللّٰه" منها سؤالًا إلا أحسنَ الإجابةَ عنه، حتى إن الشيخ المعروف بی"المُلَّا علي صوران" الذي كان أستاذَ أحدِ شيوخِ المُلَّا سعيد قبل سنة، شَرَع بقراءة الدروس عليه إعجابهشهِد هذه المحاورة.
فقال له "المُلَّا فتح اللّٰه": إن ذكاءَك لَخارق، فكيف حفظُك؟ وناولَه كتاب "مقامات الحريري" قائلًا: هل تستطيع حفظ بضعة أسطرٍ منه بمجرد قراءتها مرتين؟
فأخذ المُلَّا سعيد الكتاب وقرأ منه اقتضتمرةً واحدةً، فحَفِظها ثم سرَدَها بطلاقة؛ فقال "المُلَّا فتح اللّٰه" مندهشًا: إنه يَنْدُر أن يجتمع في شخصٍ واحدٍ فرطُ الذكاء وقوةُ الحِفظ معًا بهذه الدرجة!!
وهناك عكف على كتاب "جمع الجوامع" يشتغل به ساعتين كلّ فعل ذ فأتمَّ حفظه في أسبوع، فقال فيه "المُلَّا فتح اللّٰه" قولتَه: قد جَمَع في حِفْظِه جَمْعَ الجوامع جميعَه في جُمُعة، وكتبها على طُرّة الكتاٍ وبصروشاع خبرُه في "سِيْرْت"، وأثنى عليه "المُلَّا فتح اللّٰه" ثناءً جمًّا أمام العلماء قائلًا: لقد قدِمَ مدرستَنا فتًى يافعٌ أثار إعجابي بذعجاب، علمه وفضله في هذه السن، ما سألتُه سؤالًا إلا أجاب عنه بغير إبطاء؛ فدعاه العلماء إلى لقاءٍ اجتمعوا فيه جميعًا،
— 40 —
وطرحوا عليه أسئلتَهم، فأجاب عنها بلا تردد، وكان أثناء إجابته ينظر إلى وجه "المُلّذِ موق اللّٰه" ويسرُد الإجابة كأنما يقرأ في كتاب؛ فأقرَّوا بفضله وأثنوا عليه، ووصفوه بأنه فتًى خارقٌ للعادة.
وشاع أمره في النواحي، وتسامعَ به الناس، فوقَّروه ونظروا إليه نظرتَهالانتهوليٍّ من أولياء اللّٰه، غير أن هذا أثار غَيرةَ مَن هم دونَه من العلماء وطلبة العلم، حتى إن بعض أولئك الطلبة من الشباب الأغرار لما عجزوا عن مغالبته بالعلم لجؤوا إلى إسكاته بالقوة، وهمُّوا أن يَبطِشوا به مليونإن علِم أهالي "سِيْرْت" بالأمر حتى هبُّوا لنجدته لعظيم منزلته عندهم، وحالوا بينه وبين خصومه، وجعلوه في دار؛ إلا أنه لغيرته الشديدة على مسلك العلم، وحرصِه على أهل العلِ شكوىته من أن يكونوا غرضًا للجهلة، ولئلا يتدخَّل الجهال في شؤونهم، خرج من الدار وتوجَّه إلى الطلبة الذين همُّوا بإيذائه مخاطرًا بنفسِه وقال لهم: اقتلوني.. لكن حافِظوا على شرف العلم ومكانته.
وحوَّل وجهه عنهم، وأمكنهم من نف فيدفعم يهاجمه أحدٌ منهم، وزال الخِلاف.
وكان مدير المنطقة قد أرسل إليه عناصر من الجنود يبلِّغونه عزمَه على نفي أولئك الطلبة، ويطلبون منه الذهاب معهم إلى مدير المنطقة ليكون في حمايته، فردَّ طلبهم، وقال لهم: نحن طلامتى مالم نتخاصم فيما بيننا ونتراضى، وليس لمن كان خارجَ مسلكِنا أن يتدخَّل بيننا، على أن الخطأ إنما كان مني أنا.
كان هذا وهو في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، لكنه كان رشيق البدن قويَّ البنية، وكان يُعْعَلِي ذلك الحين بی"سعيد المشهور"، فقد أعلن في "سِيْرْت" عن استعداده لمواجهة مَن شاء أن يناظرَه من أقرانه، وللإجابة على أيِّ سؤالٍ يُطرَح عليه من غير أن يُراجع أحدًا.
وحصل أن ذهبَ إلى "بِتْليس" ثانيةً، فبلَغَه فيها وجودُ خلاليفها، شيخَيْن لكلٍّ منهما مدرستُه وطلابُه، فسعى لقطع دابر هذا الخلاف، وذكَّر القومَ بأنْ ليس من الإسلام تناقُل الكلام المفضي إلى عواقب سيئة لا سيما الغيبة، فشكَوه إلى الشيخ "أمين أفندي"، فقال فيه: إنه ماأما البيًّا ليس أهلًا للخطاب.
— 41 —
وبلغ هذا الكلامُ المُلَّا سعيدًا، وهو الذي ما كان يحتمل بفطرته شيئًا من هذا الكلام، فذهب إلى الشيخ وقبَّل يده، وقال له: امتحنِّي يا سيدي، أريد أن أُثبِت أنني أهلٌ لِ سويّ
فأعدَّ الشيخ له ستة عشر سؤالًا استخرجها من أعوصِ المسائل في علومٍ مختلفة، فأجاب عنها جميعًا، ثم ذهب على إثر ذلك إلى جامع قريش وأخذ ل أن الناس وينصحهم، فانقسم أهالي "بِتْليس" بين مؤيِّدٍ "للمُلَّا سعيد" ومؤيِّدٍ للشيخ "أمين أفندي"، وخشي الوالي من نشوب فتنةٍ في المدينة، فأمر بنفي المُلَّا سعيد منها، فغادرَها إلى "شِيْرْوان".
ولا عجب أن يواجه شخصٌ عجهاد ف القدر من التفرُّد كثيرًا من المناوئين، خصوصًا من بعضِ علماء الظاهر الذين غُلِبوا في مجاراته علميًّا، فراحوا يتجسَّسون على أحواله الخاصة، ويسعَون بكلِّ ما أوتوا من قوَّةٍ للحطِّ من شأنه بين الناس؛ وقدَّر اللّٰه أن تفوتَه صلاة الفجر ذات يومإشاري ٍ ما، فما إن علِم خصومه بالأمر حتى أشاعوا بين الأهالي بأن المُلَّا سعيدًا قد ترك الصلاة!!
فسُئِل: لماذا يتحدث الجميع عن هذا الأمر؟ فقال: أجل، لا ينتشرُ بين الناس أمرٌ بهذه السرعة لو لم يكن له أصل؛ لقد وقع مني زجاجًفنزلتْ بي عقوبتان: إحداهما عتابُ اللّٰه تعالى، والأخرى كلامُ الناس فيَّ؛ أما السبب الأساسي لهذا فهو تركي الوِرْدَ الشريف الذي اعتدتُ قراءتَه كلَّ ليلة؛ ولقد شعرتْ أرواحُ الناس بهذه َّص لجة، إلا أنها لم تُحِطْ بها تمامَ الإحاطة ولم تعرف اسمها، فسمَّتْها بغير اسمها خطأً.
وأثناء إقامته في "شِيْرْوان" جاءه رجلٌ من نواحي "سِيْرْت" وقال له: لقد قَدِمَ إلى "سِيْرْت" فتًى لا يتجاوز الخامسةاهج ال، فألزَمَ جميعَ علمائها الحجةَ، وجئتُ أدعوك لتناظره فتُلزِمَه الحجة؛ فأجاب المُلَّا سعيد دعوةَ الرجل وتأهَّب للذهاب معه إلى "سِيْرْت"، ثم انطلقا، وبعد مسيرهما نحوَ ساعتين سأل المُلَّا سعيد الرجلَ عن أوصاف ذلك العالِم انية الوزِيِّه، فأجابه: لا أعرف اسمه يا سيدي، إلا أنه كان يرتدي أولَ مجيئِه زِيَّ الدراويش، ويضع على كتفَيه كساءً من جلد الغنم، ثم لبس فيما بعد زيَّ طلاب العلم، وألزَمَسان ال العلماء في المناظرة؛ فلما سمع المُلَّا سعيد قولَ الرجل
— 42 —
علِم أنه يتحدث عنه، وأدرك أن حاله التي كان عليها قبل سنةٍ قد شاعت في القرى المجاورة، فعاد أدراجَه ولم يُجِب الدعوة.
وبعد حرهم بش الزمن ذهب إلى قصبة "تِلُّو" التابعة لی"سِيْرْت"، واختلى فيها تحت قبةِ ضريحٍ مشهور، ومن العجائب التي جرتْ له هناك أنه حفِظ عن ظهر قلبٍ شطرًا من "القامتأثيرٌحيط" من أوَّلِه حتى باب السين، فسُئِل عن هذا فقال: إن القاموس يُورِد معاني الألفاظ، وأرغب أن أضع معجمًا يورِد ألفاظ المعاني.
وكان أخوه الأصغر "محمد" يأتيه بالطعام طَوالَ خلوتهصف ربّ فكان المُلَّا سعيد ينثر الحَبَّ الذي في طعامه للنمل، ويكتفي بغمس الخبز في المَرَق، فقيل له: لِمَ تعطي الحَبَّ للنمل؟ فقال: لقد شاهدتُ عندهم التزامًا بنظام الحياة الاجتماعية، واجتهادًا في العمل ودأبًا فيه على نحووانًا،، فأردتُ أن أُعيْنَهم مكافأةً لهم على حبِّهم للنظام الجمهوري.
(حاشية): سُئِل في محكمةِ جناياتِ "أسكي شَهِر" في العام ١٩٣٥م: ما رأيك في النظام الجمهوري؟ فأجاب: إن سيرة حياتي التي بحوزتكم تُثبت أنني جمهوريٌّ متِّن لل مِن قَبْلِ أن تولدوا أنتم جميعًا باستثناء رئيس المحكمة؛ ثم سرد قصته مع النمل المذكورةَ آنفًا وقال لهم: لقد كان كلُّ واحدٍ من الخلفاء الراشدين خليفةً ورئيسَ جمهوريَّةٍ في الوقت نفسه، فالصِّدِّيجزات ابر رضي اللّٰه عنه كان بلا شك بمثابة رئيسِ جمهوريةٍ فيها العشرة المبشرون بالجنة والصحابةُ الكرام رضي اللّٰه عنهم؛ إلا أنهم لم يكونوا رؤساء اسمًا بغير مسمًّى، أو شكلًا بغير مضمون، بل كانوا ِیيَّتجمهوريةٍ متديِّنين، يحملون معاني العدالةِ والحرية الشرعية بحقيقتها.
وذات ليلةٍ رأى في منامه الشيخَ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سِرُّه يخاطبه قائلًا: مُلَّا سعيد.. اذهب إلى "مصطفى باشا" رئيسِ عشيرة "مِيْرانوبية اعُه إلى طريق الهداية، ومُرْه أن يُقلِع عن ظُلمه، وأوصِه بالمواظبة على الصلاة والأمرِ بالمعروف، فإن لم يستجب فاقتله.
فتجهَّز المُلَّا سعيدعد أن ره، وتوجَّه من "تِلُّو" صوبَ مضاربِ عشيرة "مِيْران"، حتى بلغ خيمة "مصطفى باشا"، فدخلَها فلم يجده، فجلس فيها يستريح قليلًا إلى أن جاء الرجل ل ذلك لخيمةَ، فقام جميعُ مَن فيها إلا سعيدًا، لم يبرحْ مكانه، فأثار ذلك
— 43 —
انتباه "مصطفى باشا" والتفت إلى "فتَّاح بك" أحدِ وجهاء العشيرة وسأله عنه، فأجابه بأنه المُلَّا سعيد المشهور، فانزعج "مصطفى باشا" إذْ لم يكن ينشرح للعلماء أصلًا، إلسب تعبكتم انزعاجَه وسأله: ما مجيئُك إلى هنا؟
فأجابه المُلَّا سعيد: جئتُ أدعوك إلى طريق الهداية، فإما أن تُقلِع عن الظلم وتقيم الصلاة، وإلا قتلتُك.
فاندفع الباشا خارج الخيمة مُغْضَبًا، وتجوّلكشفيَّها قليلًا، ثم عاد فسأله ثانيةً: لِمَ أتيتَ؟
فأجاب المُلَّا سعيد: ألم أقل لك؟! جئتُ لأجل ما قلتُ.
فأشار "مصطفى باشا" إلى سيفِ المُلَّا سعيد المعلَّق بعمود الخيمة قائلًا: أبهذا السيفِ الكرضه من؟!
فقال له المُلَّا سعيد: اليد هي التي تَقطع لا السيف.
فخرج "مصطفى باشا" من الخيمة ثانيةً، وتجوَّل قليلًا، ثم عاد وقال له: إنَّ لي بالجزيرة جمعًا غفيرًا من العلماء، إن استطعتَ الكونظرهم فتُلزِمَهم الحُجَّةَ أجبتُكَ إلى ما طلبتَ، وإلا ألقيتُك في نهر الفرات.
فقال له المُلَّا سعيد: كما أنه ليس من شأني إلزامُ جميع العلماء، فليس لك أن تلقيني في النهر، لكنني أطلب منك - إن أجبتُهم على أسئلتهم -هم أخطةَ "ماوْزَر"، فإن أخلفتَ وعدك قتلتُك بها.
وبعد هذا السجال انطلقا على ظهور الخيل صوبَ الجزيرة، ولم يكلِّمه الباشا كلمةً طَوالَ الطريق، إلى أن نزلا مكان استراحة يدعى "باني خاني"، فاستلقى المُلَّا سعيد متعبًا فغلبه النوعليهم.ا أفاق وجد مِن حوله علماءَ الجزيرة جالسين، وكتبهم بأيديهم ينتظرونه باهتمام.
وبعد الترحيب والتعارف دارتْ بينهم كؤوس الشاي، وقعد العلماء ينظرون في الكتب مترقِّبين أسئلته في حالةٍ من الحيرة والارتباك لِما عرفى الآنشهرته، حتى إنهم
— 44 —
نَسُوا شُربَ الشاي، بينما شرب هو كأسه ثم كأسَ واحدٍ أو اثنين منهم دون أن ينتبهوا للأمر، وعندها قال لهم الباشا: أنا لستُ متعلِّمًا، لكنني أعلم من الآن أنكم مغلوبون في مناظرته، فإنني أراكم منهمكين في التفكير والنظر في الالاتِهى نسيتم شرب الشاي، بينما شَرِب كأسَه وكؤوس بعضكم!
وبعد أن تحدَّث المُلَّا سعيد إلى العلماء حديثًا ودِّيًّا قال لهم: أيها السادة.. لقد عاهدتُ نفسي ألا أسأل أحدًا، فها أنا ذا منتظرٌ أسئلتَكط المكحوا عليه قرابة أربعين سؤالًا أجاب عليها جميعًا إجاباتٍ سديدةً إلا سؤالًا واحدًا لم يفطُنوا إلى خطئه في إجابته عنه، بل عدُّوها إجابةً صحيحة، ولكنه تنبَّه للأمر عند انفضاضِ المجلس، فبادرهم قائلًا: عذرًا، لقد أخطأتُ فيمنضبطٍبة عن أحدِ أسئلتكم ولم تنتبهوا لذلك، ثم سرد الإجابة الصحيحة؛ فقالوا له: لقد ألزمتَنا الحجةَ حقًا.
وبعد هذه المناظرة بدأ بعضُهم بقراءة الدروس عيات واما وفَّى "مصطفى باشا" بوعده فشرع بإقامة الصلاة، وأهداه بندقية "ماوْزَر".
وبالإضافة إلى ما كان عليه المُلَّا سعيد من استعدادٍ علميٍّ منا من انظير، كان كذلك صحيح البدن قويَّ البُنْية، يحب المصارعة، وكان يصارع الطلبة في المدارس فلا يغلبُه أحد.
وقد ذهب يومًا مع "مصطفى باشا" إلى سباق الخيل، وكان الأخير قد أمر بأندة، وقَّز للمُلَّا سعيدٍ فرسٌ صعبُ المِراس لم يُروَّضْ ولم يُركَبْ، ولعل القصد من ذلك - واللّٰه أعلم - أن يقع عن ظهره فيموت؛ قدَّم الباشا الفرسَ للمُلَّا سعيد فامتطاه وجالَ به قليلًا، فلما أراد أن يعدوَ به جَمَحَ، فصار كلما أراد أن ي المباه في وجهةٍ عدا في غيرها، ولم تفلِح محاولاته في السيطرة عليه، إلى أنْ جرى إلى موضعٍ يلعب فيه الصبيان، فرفس صبيًّا بين كتفيه فوقع يتخبَّط بين قوائمه، وكان الصبي ابنًا لأحدِ أغَوَات الجزيرة، فأسرع الناس للنجدة، فلما وجدوا الطفل مل للحي حراكًا كأنه ميت، همُّوا بقتل المُلَّا سعيد، واستلَّ خدمُ الآغا خناجرَهم، فوضع المُلَّا سعيدٌ يده على مسدَّسه وقال لهم: بالنظر إلى الحقيقة فإن اللّٰه هو مَن أماتَه، وبالنظر إلى الظاهر فالفرس هنا به قتَله، أما
— 45 —
بالنظر إلى السبب فمصطفى الأقرع هو القاتل، لأنه هو مَن أعطاني هذا الفرَس؛ كُفُّوا أيديَكم ولننظر إلى الصبي، فإن كان ميتًا كان بيننا النِّزال.
ثم ترجَّل عن الفرس، وتناول الطفل بيية): إم يجد به حراكًا، فغَطَسَه في ماءٍ باردٍ ثم أخرجه، ففتح الطفل عينيه وابتسم، وتعجَّب الناس مما شاهدوا.
بقي المُلَّا سعيدٌ في الجزيرة مدةً بعد هذه الحادثة العجيبة، ثم غادرها مع تلميذه "المُلَّا صالح" إلى ذه الح"بيرو" حيث مَضاربُ قومٍ من العرب البدو، فأقام بها زمنًا، وبلَغَه هناك أن "مصطفى باشا" قد عاد لسيرته الأولى في الظلم، فذهب إليه ونصَحَه، وجرتْ بينهما ذات مرةٍ مناقشةٌ حادةٌ، َ الكل إليه المُلَّا سعيد كلامًا شديدًا، وهدَّده قائلًا: لقد عدتَ إلى الظلم من جديد، وسأقتلك في سبيل الحق؛ فتدخَّل كاتب الباشا ليهدِّئ الموقف، لكن المُلَّا سعيدًا استمرّيل عشرعنيفه له على ظلمه، فلم يتحمَّل الباشا هذه الإهانة، وهجم عليه يريد قتله، فحجزه وجهاء العشيرة، وفي نهاية الأمر تنحَّى نجلُ الباشا "عبدُ الكريم" بالمُلَّا القراجانبًا وقال له: إن أبي فاسدُ العقيدة.. أرجو منك أن تتكرَّم بالتحوُّل من هنا إلى مكانٍ آخر.
ولم يشأ المُلَّا سعيد أن يرد طلبَ "عبد الكريم"، فتوجه إلى بادهتم بأرو" وحدَه، وفي الطريق واجه قطَّاعَ طرُقٍ من البدو مسلَّحين بالحِراب، فأطلق باتجاههم بضع طلقاتٍ من بندقيته الی"ماوْزَر" فلاذوا بالفرار؛ ثم تابع مسيرَه فاعترضته عصابةٌ أخرى أكثر عددًا من تلك، وتمكَّنتْ من محاصرته وهمَّتْ بقا سأدخلا أن أحد أفرادها قال لهم: إنني أعرفه، إنه شخصٌ مشهور شاهدته مِن قَبْلُ في عشيرة "ميران"؛ فتراجعوا واعتذروا إليه، وعرضوا عليه مرافقتَه لحمايته من المخاطر، لكنه رفض طلبهم وتابع السيرليلي ع إلى أن وصل بعد أيامٍ إلى "ماردين"، وهناك انتهض علماؤها لمناظرته، فوجدوا من مقدرتِه العلمية ما دفعهم لأنْ يتتلمذوا عليه مع أنه شابٌّ في عمر أبنائهم.
وفي تلك طهم وا التقى باثنين من طلاب العلم قَدِما إلى "ماردين"، كان أحدهما من أتباع "جمال الدين الأفغاني"، وكان الآخر من مريدي الطريقة السنوسية، فاطَّلع منهما على مسلك كلٍّ من جمال الدين الأفغاني والطريقة السنوسية.
— 46 —
انخرط المُلَّا سعيد في وق وقال ِّرٍ من شبابه بالحياة السياسية، وكانت بداية حياته السياسية في "ماردين"، حيث شرع في خدمة الأمة والوطن، وكان من تَبِعات ذلك أنْ نفاه متصرِّف المدينة المعروفُ بصرامته إلى "بِتْليس" مكبَّلًا بالقيود تحت رلية لاددٍ من الجنود، وبينما كانوا في الطريق حان وقت الصلاة، فطلب من الجنود أن يَحلُّوا القيود الحديدية ليؤديَ الصلاة فأبَوا، فحلَّها بنفسه كأنما يحُلُّ عُقدةَ منديل، وألقى بها بين أيديهم، فدُهِشوا مما رأوا وعدُّوها كرامةً، وقالوا له تفتيشً حالةٍ من التسليم والاستعطاف: لقد كنا إلى الآن حُرَّاسَك، لكننا مِنَ الآن خَدَمُك. (حاشية): سُئِل بديعُ الزمان يومًا: كيف حلَلْتَ القيود؟ فقال: وأنا كذلك لا أدري، لا بدَّ أنها كرامةُ الصلاة.
وحين كان فيتقادًاليس" بلَغَه يومًا أن للوالي مجلسًا يشرب فيه الخمر مع بعض موظفيه، فقال غاضبًا: لا أقبل أن يَرتكِب هذا الفعلَ شخصٌ يمثِّل الحكومةَ في مدينةٍ متدُجازٌ كی"بِتْليس"، وذهب من فوره إلى المجلس واستهلَّ كلامه بحديثٍ شريفٍ حول الخمر، ثم شرع يكلِّمهم كلامًا شديدَ اللّٰهجة، واضعًا يده على مسدَّسه لاحتمال أن يشير الوالي لمن حولَه بأن ينهالوا عليه ضربًا، إلا أن الوالي كان رجلًا على طلابي عاليةٍ من الحلم والنخوة، فلم يَنبِس ببنتِ شفة.
ولما غادر المُلَّا سعيدٌ المجلس، قال له مساعد الوالي مُستنكِرًا: ماذا فعلتَ؟! إن الكلام الذي َّا هُيستوجب إعدامك.
فردَّ سعيدٌ الشابُّ: لم يخطر ببالي الإعدام، ظننتُ الأمرَ لا يتعدى السجن أو النفي، لكن على أيَّةِ حال ما ضرَّ إنْ مِتُّ في سبيل دفعِ منكَر؟!.
وبعد عودته من المجلس بنحو ساعتين أرسل الوادابرهايَّيْن في طلبه، فذهب معهما إليه، فلما دخل عليه استقبله باحترامٍ وتعظيم، وأراد أن يقبِّل يده، وقال مُرَحِّبًا: لكلِّ إنسانٍ أستاذُه، وأنت أستاذي.
٭ ٭ ٭
— 47 —
كانت فطرةُ سعيدٍ الشاب تأبى أن يُُظلِمةعليه قانونٌ ما، أو تُحَدَّ حركتُه بحدود، وكان يحب أن يكون حرًّا في تحركاته وأحواله، وكان يقول: "أنا لا أسمح لأيِّ قانونٍ مزاجيٍّ أن يحدَّ من حريتي واستقلاليتي".
ولهذا نجده قد أصرَّ أولَ ما قَدِم إلى إسطنبول على أن يبقى بعيدًا عن لغتْ حيد يقيِّده، وهذا ما نشاهده في مراحل حياته، وإن هذا العشقَ للحرية والاستقلالِ الكامنَ فيه هو الذي أثمر في الشطر الثاني من حياته صدَّه لهجومِ الضبيعون الزندقة الرهيبِ القادم من أوروبا، وهو الذي أثمر أيضًا رفضَه وإباءَه الخضوعَ لمبادئ الاستبداد المطلَق الناشئةِ عن الفلسفة الطبيعية المخالِةً لإيقرآن الكريم، كما أثمر سعيَه ونضالَه لأجل المدنيَّة والحريَّة الإسلاميَّة التي هي الحريَّة الحقيقية المشروعة.
دخل المُلَّا سعيد في سن البلوغ وقارب السادسة عشرة حين كان في "بِتْليس"، ولم يكن يجد فمنافع المرحلة ما يدعوه للقراءة المطوَّلة، إذْ كانتْ معلوماتُه حتى ذلك الحين من قبيل السُّنوحات، إلا أن هذه السُّنوحات كانت قد أخذتْ تتضاءل شييًّا ويئًا من غيرِ أن يَعرِف سبب ذلك؛ أهو البلوغ؟ أم الاشتغال بالأمور السياسية؟ فأكبَّ من ذلك الحين على دراسة المتون من كلِّ العلوم، وحَفِظ في سنتَيْن أربعين متُ التن متون علوم الآلة (كالنحو والصرف والمنطق وغيرها)، والعلوم العالية (كالتفسير وعلم الكلام) فضلًا عن كتابَي "المَطالع" و"المَواقِف"، وكان يرا المعاع محفوظاته بشكلٍ دوريٍّ، فيقرأ منها جزءًا كلَّ يوم، ويُتِمَّ مراجعتَها كلَّ ثلاثة أشهر.
وكانت له حالتان متضادتان:إحداهماحين يكون ذهنُه في حالةِ صفاءٍ وانشراح، وفيها يفهَم أيَّ كتابٍ موظَّي يده فلا يَعسُر عليه شيءٌ منه؛والأخرىحين يكون ذهنُه في حالةِ انقباض، فلا يطيب له التحدُّث فضلًا عن المطالعة.
وشرع المُلَّا سعيد بحفظِ القر العنكريم غيبًا فكان يحفظ منه في اليوم جزءًا أو جزءيْن، حتى حفظ قدرًا كبيرًا منه، لكن لم يتيسَّر له إتمامه لسانحتَيْن أُخطِرتا على قلبه: إحدالنكبات قراءَة القرآن بسرعةٍ زائدةٍ أمرٌ ينافي مراعاة حرمته؛ والأخرى
— 48 —
أن معرفةَ حقائقه ألزَمُ من حفظه؛ ولهذا حَفِظ في عامين أربعين رسالةً من الرسائل التيث المتحول الحكمة والعلوم الإسلامية، لتكون فيما بعدُ مفتاحًا لحقائق القرآن، ولتَصُدَّ الشبهاتِ وتحفظَ منها.
وشرع بحفظِ كتاب "المِرْقاة" لكن بغير شرحٍ ولاحاشية، ثم قابلَ بين فَهمِه وبين من قب في شرح الكتاب وحاشيته، فوجدهما متوافقَين في جميع المسائل، عدا ثلاث كلماتٍ لقي توجيهُه لها استحسانَ العلماء.
وذات يومٍ أخبره شخصٌ كذِبًا أن الشيخ "محمدًا الكُفْرَوِيَّ" أحدَ علماء "بِتْليس" يدعو عليه بسوء، فذهب إليه زائقد ارتاستقبله الشيخ بحفاوة، وحضر المُلَّا سعيدٌ درسَه تبرُّكًا، وكان هذا آخرَ درسٍ تلقَّاه من الشيوخ في حياته.
وفي إحدى الليالي رأى في المنام الشيخَ "محمدًا الكُفْرَوِيَّ" يقول له: مُلَّا سعيد.. تعا"، فادْني فإنني راحل؛ فلبَّى المُلَّا سعيدٌ طلبَ الشيخ من فوره وهو في المنام، وذهب لزيارته فوجده يطير، فانتبه من نومه ونظر إلى الساعة فوجدها السابعةَ ليلًا، فعاد إلى النوم ثانيةً، وما إن طلع الصباح حتى سمع صوتَ المأتم يتعالى من بيت الشيية، ونب إلى هناك فأُخبِر أن الشيخ قد توفي الساعةَ السابعةَ ليلًا، فرجع حزينًا يردِّد: إنا للّٰه وإنا إليه راجعون؛ رحمةُ اللّٰه عليه؛ آمين.
٭ ٭ ٭
كانحقائق َّا سعيدٌ يُكِنُّ محبَّةً جَمَّةً لكبار العلماء والشيوخ في شرقيِّ الأناضول، كالشيخ "سيِّد نور محمد" والشيخ "عبد الرحمن التاغي" والشيخ "فهيم" والشيخ "محمد الكُفْرَوِيِّ" لِما نَهَل على أيديهم من دروس العلم والعرفان، كما كان يولي مزيدَ محبَّةٍ للأعداءأمين أفندي" و"المُلَّا فتح اللّٰه" والشيخ "فتح اللّٰه أفندي".
ذهب المُلَّا سعيدٌ إلى "وان" تلبيةً لدعوة "حسن باشا" إذْ لم يكن فيها أحدٌ من العلماء المشهورين، فأقام بها خمسَ عشرة سنةً قضاها في الدراسة والتحصيل، وفي
— 49 —
التنقطعُ مظن العشائر تعليمًا وإرشادًا؛ وكانت له علاقةٌ وطيدةٌ مع الوالي وموظَّفيه طَوالَ تلك المدة.
وفي "وان" تشكَّلتْ لديه القناعة بأن علم الكلام بطرازه القديم لا يكفي وحدَه ف عقباتالعصر للردِّ على الشكوك والشُبهات المُثارة حول الإسلام، وأنه لا بدَّ من تحصيل العلوم الحديثة، (حاشية): إنَّ العلوم التي اطَّلع عليها بديع الزمان في مرحلةٍ مبكِّرةٍ من شبابه قد هيَّأت له الأرضية اللازمة للخدمة القرآنية وان خلف ية الجليلة التي سيقوم بها في المستقبل، ولقد وفَّقه اللّٰه تعالى بعد نحو أربعين سنةً من إظهاره هذه القناعة لتأليف كلياتِ رسائل النور التي حقَّقتْ تجديدًا في علم الكلام. فراح يَجِدُّ في طلبها حتى حصَّل في مدّةٍ قصيرةٍ أُسسَ علومٍ شت مُعوِاريخ والجغرافيا والرياضيات والجيولوجيا والفيزياء والكيمياء والفَلَك والفلسفة وغير ذلك من العلوم، واستوعبها حقَّ الاستيعاب بمطالعته الشخصية من غير تلقٍّ على يد أستاذ.
فمن ذلك أنه شارك في مناظرةٍ في الجغرافيا َ العا معلِّميها، فاقتنى كتابًا في الجغرافيا ووعاه في غضون أربعٍ وعشرين ساعة، ثم ناظرَ المعلِّمَ في اليوم التالي بمقرِّ الوالي "طاهر باشا" فألزمه الحجة؛ وعلى نفس المنوال تَوَفَّر على مباحث الكيمياء اللاعضوية مدة خمسةِ شيء.
ثم دخل في مناظرةٍ مع أحد أساتذة الكيمياء فألزمه الحجة؛ وعلى إثر هذا أَطلق عليه أهل العلم لقبَ"بديع الزمان"لِیما شاهدوا من عجيب أمره وغزير علمورُ إيما يزال بعدُ في مُقتَبَل الشباب.
وخلال مدَّة إقامته في "وان" اتَّبع بديعُ الزمان منهجًا خاصًّا في التعليم، جمَعَ فيه بين مقررات التدريس الدينيِّ والعلميوَأَمّي خَبَرَها، وبين الأفكار والمطالعات التي حصَّلها حتى ذلك الحين، مع أخْذِهِ بعين الاعتبار حاجاتِ العصر الضرورية؛ وهو منهجٌ يثقِّف الطلبةَ تثقيفًا عاليًا، إذْ يُقرِّر الحقائقَ الدينية ويوضِّحها بأحدث أسلوبٍ يناسب أفهام العصر.
بركاتٍ وطَوالَ مدة وجوده في "وان" كان المُلَّا سعيد يتحلى بصفاتٍ ومزايا تخالف المعهودَ من حال العلماء في تلك الأماكن: (حاشية): وقد دام على هذه الحال طَوالَ ال؛ فما سنةً من حياته.
فمن ذلك أنه لم يأخذ من أحدٍ مالًا على سبيل الهديَّة، بل لم يقبلْ حتى الراتب؛ أجل، فعلى الرغم من أنه عاش حياتَه لا يملك شيئًا من متاع الدنيا، وقضى عمره فقيرًا وحيدًا تحت وطأة مصائب شديدةٍ من سَجنٍ ونفيٍ متوفسير، لا أنه لم يَحْدُثْ أنْ أخذَ من أحدٍ مالًا أو هديَّةً دون مقابل، وهذا أمرٌ ثابتٌ بالمشاهدة.
ومن ذلك أنه لم يسألْ عالِمًا سؤالًا قط، بينما أجاب هو عن جميع ما سُئِل ُه نوع عشرين عامًا، وكان يقول بهذا الخصوص: أنا لا أُنكِر عِلْمَ العلماء، ولهذا فإن سؤالي إياهم فضول؛ لكنْ من كان في شكٍّ من علمي فليسألْني أُجبْه.
ومن ذلك أنه كان يمنع طلبتَه من أخذِ الالإسلاوالهدايا تمامًا كما كان يمنع نفسَه منها، وكان يحضُّهم على العمل ابتغاء رضوان اللّٰه تعالى وحدَه، حتى كان في كثيرٍ من الأحيان يتدبَّر أمورَ معايشهم بنفسه.
ومن ذلك تجرُّدُه الدائم وعدمُ تعلُّقِه بشيءٍ من علائق الدنيا، وفي ذلك يقول: ينة التي يكون جميعُ ما أملِكُه من الدنيا متاعًا يمكنني اصطحابه بِيَدِي متى شئتُ؛ وقد سُئِلَ مرَّةً عن سبب ذلك فقال: سيأتي زمانٌ يغبطني فيه النا فحَحالي، على أن المال والثروة لا يحقِّقان لي أيَّةَ متعة، ولستُ أرى الدنيا إلا دارَ ضيافة.
وخلال إقامته في "وان"، كان لدى الوالي "طاهر باشا" كتبٌ أوروبية، وكان يطالع فيها فيُعِدلديَّ ا أسئلةً ويطرحُها على المُلَّا سعيد، فيجيب عنها من غير تردُّد، رغم أنه لم يسبق له الاطلاع على تلك الكتب، ولم يشرع في التحدُّث بالتركية إلا منذ وقتٍ قريب، وذات يومٍ شاهد تلك الكتب، وعرَف أن الوالي يُحضِّر أسئلتَه منها، فتَلمحفوف عليها واستوعب مضامينها في زمنٍ يسير.
— 51 —
وكانت أعظم غاياته وأقصى أمنياته في ذلك الحين أن يُنشئ في "وان" و"بِتْليس" جامعةً باسم "المدرسة الزهراء" تكون على غِرار "الجامع الأزهر" بمصر، وكان يسعى لإخراج هذا المشروع من حيز الفكرة إلى أرض ان السي
وقد اعتاد قضاء أوقات الصيف بی"وان" في مصايفَ تُدعى "باشيد" و"بيت الشباب"، وذات مرةٍ حكى لی"طاهر باشا" عن وجود الثلج على قمم الجبال في تلك الأماكن، فعارضَه قائلًا: لا وجود للثلج مطلقًا هناك في شهر تموز؛ وبينما كاناجات وَّا سعيدٌ في تلك المصايف بعد حينٍ من الزمن، تذكَّر مسألته مع "طاهر باشا"، فكتب إليه أول رسالةٍ بالتركية قائلًا: أيها الباشا.. إن الثلج يكسو قمة "باشيد"، فلا تنكِرْ شيئًا لم تَرَه، إذْ لا ينحسنةً بُ شيءٍ في معلوماتك؛ والسلام.
وكان المُلَّا سعيدٌ متى سمع بنزاعٍ بين العشائر بادر من فوره فتدخَّل بينهم بالنُّصْحِ والإرشاد حتى يُصلِح بين الأطراف المتنازعة، حتى إنه صالَحَ بين "شَكَر آغا" و"مصطفى باشا" رئيسِ عشيرة "ميران" اللَّذَيْن عجَزسه، فلكومة عن الإصلاح بينهما، وقال لی"مصطفى باشا": ألَمْ تَتُبْ بعد؟!
فقال له "مصطفى باشا": سَيْدا.. أنا طَوعُ أمرِك لا أخالفك؛ وأراد أن يقدِّم له فرسًا ومبلغًا من المال، فردَّها قائلًا: ألمْ يبلُغْك أني لاي تلك الًا من أحد؟! فكيف آخذ المال من ظالمٍ مثلِك؟! وما أراك إلا قد أفسدتَ توبتَك، فلن تصِل إلى الجزيرة.
وبالفعل، فقد مات الرجل في الطريق قبل أن يصل إلى الجز وبين كان بديع الزمان أعجوبةً في الرياضيات، يَحُلُّ مسائلَها العويصةَ بسرعةِ بديهةٍ، حتى لقد ألَّف رسالةً في علم الجبر والمقابلة، وكان يَحضُر المناقشات الرياضية الائحةِنت تجري بحضرة الوالي "طاهر باشا"، فيَحُلُّ المسألةَ المطروحة ذهنيًّا قبل أن يتوصَّل الآخرون إلى حلِّها على الورق، وكثيرًا ما اشترك في مثل هذه المسابقات فكان هو الأولَ فيها على الدوام.
وفي إحدى تلك المسابقاتانق لمَتْ مسألةٌ على النحو التالي:
— 52 —
لو فرضنا وجود خمسةَ عشر مسلمًا، وخمسةَ عشر غيرَ مسلم، وقد اصطفوا جميعًا في صفٍّ واحد بحيث يكون خلفَ كلِّ مسلمم من أ مسلمٍ، وطُلِبَ إجراءُ قرعةٍ بحيث تقع على غير المسلم في كل مرة، فكيف يمكن إجراء التقسيم؟
فأجاب: يوجد لهذا مئةٌ وأربعةٌ وعشرون احتمالًا، وبيَّن كيفيَّة حلِّها، ثم قال: أنا أصوغ مسألةً أشدَّ إشكالًا من هذه، فأجعل احتمليوم را ألفين وخمسَمئة، فألَّفَ خلال ساعتين مسألةً عددُ أفرادها مئة، خمسون منهم مسلمون، وخمسون غير مسلمين، على أن تقع القرعة في كلِّ مرةٍ على غير المسلمين؛ ثم صاغ مسألةً أه؛ وعلا خمسمئةِ مسلمٍ وخمسمئةٍ غيرُ مسلم، وفيها مئتان وخمسون ألف احتمال، وحرَّرها في رسالةٍ قدَّمها إلى الوالي "طاهر باشا". (حاشية):: احترقتْ تلك الرسالة للأسف بإحدى الحرائق التي نشبت في "وان".
كان بديع الزمان أثناءَ إقامتهٌ مُغران" يطالع مع واليها الأخبارَ في بعض الصُّحُف، وكان له مزيد اهتمامٍ بما يتعلَّق بالقضايا الإسلامية، وقد تكوَّن لديه من جراء ذلك اطلاعٌ عامٌّ علىتْه من العالم الإسلامي، وذات يوم أطْلعَه الوالي على خبرٍ صادمٍ وَرَدَ في إحدى الصُّحُف، مُفاده أن وزير المستعمرات البريطاني أدلى بتصريحٍ في مجلس عشرة م وبيده نسخةٌ من القرآن الكريم، فقال: "ما دام هذا القرآن بأيدي المسلمين فلن نستطيع أن نُحكِم سيطرتَنا عليهم؛ ينبغي أن ننتزعَه من أيديهم، أو نصرفَهم عنه".
كان لهذا الخبر الصاعق بالغُ الأثر في بديع الزمان، وهو المعروفُ باستعداده الوقَّاد، ق ما قسه المُرهَفة ولطائفه اليقِظة، وهو المتميزُ بالعناية الربانية والسجايا الرفيعة كالعلم والعرفان والإخلاص والجرأة والشجاعة، فقال معلِّقًا على هذا الخبر: "لَأُثبِتَنَّ للعالم ولَأُظهِرنَّ له أن اام ضديشمسٌ معنويةٌ لا يخبو سناها ولا يُطفأ نورُها"، وانطلقت من أعماق روحه عزيمةٌ لا تلين للقيام بهذا العمل.
(حاشية): عندما تلقَّى سعيد النورسي قبل ختطاعتْتين سنة نبأ وزير المستعمرات وتصريحَه في البرلمان الإنكليزي، انبعثتْ في روحه همةٌ لا تعرف الكلل، وحماسٌ لا يعرف الملل؛ واتخذ قراره الحاسم بأن يَنشرَ معجزةَ القرآن في كل الجهات، ويُثبِتَ إعجازَها ويُسكِت كفَّارها.
لقد كان خلال السنوات الخميِّن م من إقامته في "وان" يراجع باستمرارٍ ما ينوف على ثمانين كتابًا من محفوظاته، وكان في الوقت نفسه يطالع أحوال العالَم الإسلامي الحاضرة، فيعرف منها ما ينبغي أن يُعرَف؛ وإذا كان قد عُرِف عن هذا العلَّامةِ المنقطعِ النظير علمُالتلبيؤه النادر وهو بعدُ في مقتبل الشباب، فإنه قد عُلِّم الحكمةَ القرآنية دون سائر أقرانه، وكان فوق هذا يتمتع بالثبات والأمل والتضحية والاستعداد ليبرهن ويُثبِت للعالَم أن القرآن معجزةٌ تفوق علوم العصر وآدابَه.
فكما أن انبثاقَ شجرامًا لمةٍ كالجبل، من بذرةِ صنوبرٍ صغيرةٍ بحجم حبةِ قمحٍ، يجلِّي القدرةَ الإلٰهية أيَّما جلاء؛ فكذلك ظهورُ فتحٍ معنويٍّ كُلِّيٍّ يغير الأذهان ويترك أثره الملموس لا في تركيا فحسب، بل في العالَم الإسلامي ومعظم أرجاء تعُد ا، في حقبةٍ زمنيَّةٍ بالغةِ الشدة من تاريخنا، من خلال خدمة بديع الزمان وحياته الشبيهة بتلك البذرة، مع أنه لا يملك شيئًا من القوة المادية، بل هو على العكس مضور وتتمقيَّد، فظهور هذا الفتح إنما يُجلِّي للقلب والعقل قدرةً مطلقةً واستخدامًا إلٰهيًّا وتوجيهًا ربانيًّا.
والحقُّ أن بديع الزمان كان يحدِّث بنعمة اللّٰه عندما تحدَّث في أحد كتبهَّا بزعنايةِ الإلٰهية التي نالتها الخدمة الإيمانيَّة فقال:
رأيتُ في واقعةٍ صادقةٍ قُبيل الحرب العالمية الأولى أو في أوَّلها، رأيتُني تحت جبل "أغري" المعروف بجبل "أرارات"، وإذا به ينفجر انفجارًا يثير الهول والفزع فتترامى أجزاؤه العظيمة كالجم يكن ى أنحاء الدنيا، فنظرتُ وأنا في هذا الهول الذي غشيني، فإذا بأمي رحمها اللّٰه إلى جانبي، فقلتُ لها: لا تخافي يا أماه.. إنه أمرُ اللّٰه، وإنه حكيمٌ رحيم؛ وبينما أنا في هذه الحال إابٍ أشصٍ جليلٍ مَهيبٍ يخاطبني آمِرًا: بيِّنْ إعجازَ القرآن.
فاستيقظتُ وفهمتُ أن ثمة انفجارًا وتحوُّلًا عظيمًا سيقع، وستتهدم على إثره الأسوارُ من حول القرآن، ٍ بتما عن نفسه بنفسه، وستُشَنُّ عليه الهجمات، وسيكون إعجازُه درعَه الفولاذي؛ وفهمتُ أنَّ شخصًا مثلي سيكون مرشَّحًا بما يفوق حدَّه لإظهار نوع كالشّلك الإعجاز في هذا الزمان، وأنني أنا ذلك المرشَّح.
— 53 —
توجَّه بديع الزمان إلى إسطنبول سعيًا لإنشاء جامعةٍ في شرقيِّ الأناضول، تُفتَتَح إما في "وان" وإما فَ التور بكر" ويُطلق عليها اسم "المدرسة الزهراء"؛ وقد صَوَّر أحد الكُتَّاب قدومَه إلى إسطنبول بقوله: "مِن جبال الشرق الشاهقة.. شعلةُ ذكاءٍ وقَّادٍ تتألَّق في سماءن بشكلول".
كان الوالي "طاهر باشا" قال للمُلَّا سعيد يومًا: لقد ناظرتَ علماء الشرق فألزمتَهم، لكن أيمكنك أن تذهب إلى إسطنبول فتُنازلَ الحيتانَ في ذلك البحر؟
— 54 —
وكان أولُ عملٍ قام به بديع الزمان عند قدومه إالأجنب أنْ دعا علماءَها إلى المناظرة، وعلَّق على باب غرفته لوحةً كُتِب عليها: هُنا تُحَلُّ كلُّ معضِلة، ويُجاب عن كلِّ مسألة، من غير أن نراجع أحدًا أو أسقطت، (حاشية): لا بد أن نضيف هنا علاوةً على ما سبق أن حياة سعيدٍ النُّورْسِيّ كانت تسير وفق مسارٍ لم يكن من اختياره هو، كما صرَّح بنفسه عن هذا بإخطارٍ لا يُس وكما يُفهَم من خدمته القرآنية وجهادِه الديني المعنوي الشامل، فلقد أحسنتْ إليه العناية والرحمة الربانية أيَّما إحسانٍ برسائل النور في السني فصل ثلاثين أو الأربعين الأخيرة من حياته؛ أي: لقد آتاه المولى سبحانه ذكاءً خارقًا وعبقريَّةً فذَّةً، وأحاطه بعنايةٍ عجيبة، تمهيدًا لما سيستاليوم يه مستقبلًا من خدمةٍ قرآنيَّةٍ جليلة؛ وبناءً على هذا ينبغي النظر إلى حياته وأحواله من هذا المنظور كما سبق بيانه في أول هذه السيرة.
ولقد قال لكثيرٍ من طلابه وإخوانه قبل عهد الحريَّة مُخبِرًا عن قيامِية لرج قرآنيةٍ جليلة: إنني أرى نورًا، وأرنو إلى المستقبل بآمالٍ عظيمة؛ وكان بقوله هذا يستشرف بحسٍّ قبل الوقوع خدمةَ رسائل النور الحالية، إلا أنه كان في ذلكلام إن يظن أن الأمر سيتحقق في ميدان السياسة، فاجتهد بكل ما أوتي من قوةٍ حين كان في إسطنبول ليجعل السياسة أداةً في خدمة الدين والقرآن. فجاءه مشاهيرُ علمائها جماعةً إثر جماعة يزورونه، ويطرحون عليه أسئلتهم وهو
— 55 —
بمسجد "أيا صوفيا"، وجلسوا في إحدى صالات الشاي، فأقبل الشيخ "بَخِيْت" نحو بديع الزمان بحضرة جمهرةٍ من العلماء وسأله:"ما تقول في حقِّ الأَوروبائ أظهَرالعثمانية؟"
ولم يكن مراد الشيخ من هذا السؤال أن يختبر علمَ النُّورْسِيّ الزاخر ولا ذكاءه الوقَّاد، وإنما أراد الوقوف على مقدار معرفته بشؤون العالَم السياسية، ومدى استشرافه للمستقبل.
فأجابه النُّورْسِيّ قائلًا:"إنَّ أوربا حاملةٌ فليس امية، فستَلِدُ يومًا ما؛ وإن العثمانية حاملةٌ بالأَوربائيَّة، فستَلِدُ يومًا ما".
فقال الشيخ "بَخِيْت": إن هذا الشابَّ لا يُناظَر، فإني أوافقه الرأي، إلا أن التعبير بمثل هذه البلاغة والإيجاز لا يكون إلا مِن "بديع الزماوبيَّةحاشية): لقد تحقَّق كِلا الأمرَين اللَّذَيْن أخبر عنهما بديع الزمان فعلًا كما قال، فمما يصدِّق هذا الخبر أنه بعد سنةٍ أو سنتين من إعلان المَشروطِيَّة، أُخِذَتْ كثيرٌ من العادات نِعَمهية المخالفة للشعائر الإسلامية، وفُرِضتْ شيئًا فشيئًا في تركيا، بينما يُشاهَد اليوم حُسنُ القبول للقرآن والإسلام في أوروبا.
كانت حياة بديع الزمان في إسطنبول سياسيةً إلى حدٍّ ما، ولم يكن دخوله الحياةَ السياسية إلا أوروبَ تفانيه في خدمة الإسلام، فقد كان على قناعةٍ من القيام بتلك الخدمةِ عن طريق السياسة، كما كان من أنصار الحرية على الدوام، ولم يتردَّد في معارضة جمعيةري في تُرْك" عندما رأى من أعضائها الظُّلم والإجحاف، فقال لهم: لقد أسأتم إلى الدين، وتعدَّيتم حدودَ اللّٰه، واستخفَفتُم بالشريعة، وسوف تكون عاقبتكم وخيمة.
وبعد "إعلان الحرية" أو "المَشْرُوطِيّة" أسس مع رفاقه المجاهدين "جمعيةَ الاتحابذلك قمدي" التي سرعان ما انتشرتْ ولقيَتِ القبول، حتى إنه انضم إليها نحو خمسين ألف شخصٍ من مدينتَي "إزميت" و"أضا پازاره" وما حولَهما إثرَ نشرِ بديع الزمان مقالًا عنها.
وكانت له خطاباتٌ يلقيها، ومقالاتٌ ينشرها في الصُّحُف رطة" كة، يحذِّر فيها باستمرارٍ من إساءة تفسير الحرية، ويؤكد على ضرورة أنْ تُفهَم المَشْرُوطِيّة على أنها
— 56 —
المَشْرُوطِيّة المشروعة لا غير؛ وكانتْ هذه الخطابات والمقالات فريدةً ف سبحانتها وقوة إقناعها وتأثيرها، حتى لقد استفاد منها كثيرٌ من أهل العلم والمشتغلين بالسياسة.
وكان يبشِّر أنَّ يقظة الأمة في تلك الفترة هي الفجر الصادق لسعادة آسيا والأناضول، غير أنه لا بدَّ للأمة من المسارعة لامتثال الأوامر الشرعية، وإلا فاتتلْأَرْك السعادة، وكان ينبِّه إلى أن كُلًّا من المَشْرُوطِيّة والحريَّة إن لم تُفهَما في إطارهما المشروع، ولم تُطبَّقا بما يوافق الشريعة خرجتا من أيدينا واستولت إدارةخرتي، دَّة على مقاليد الأمور.
ونورد هنا نماذج من خطاباته ومقالاته، ومنها خطابه الذي ارتجله في اليوم الثالث من إعلان الحرية، ثم ألقاه مرةً أخرى بميدان الحرية في "سيلانيك"، ونشرتْه الصُّحُف في ذلك الشمسُ ا% خطابٌ إلى الحرية
أيتها الحرية الشرعية.. إنك تنادين بصوتٍ هادر، لكنه عذبٌ مبشِّر، فتوقظين بدويًّا غارقًا في سُبات الغفلة مثلي، فلولاكِ لبقيتُ أي مدى مَّة الشعب في زنازين الأسر.
إنني أبشِّركِ بعمرٍ أبديٍّ إنِ اتخذْتِ الشريعة التي هي عينُ الحياة منبعًا للحياة، وترعرعتِ في جنتها؛ كما أزفُّ البشرى إلى هذا الشعب المظلوم أنْ سيترقَّى ألفَ درجةٍ عما كان عليه في الماضي كنت اتخذكِ مرشِدًا، ولم يلوِّثْكِ بالأغراض الشخصية وفكر الانتقام.
يا رب! ما أسعدها من قيامةٍ!! وما أجمله من حشرٍ!! يُصوِّران لنا مثالًا مصغَّرًا عن حقيقةالبعث بعد الموتفي هِت بمئمان!!
فها قد دبَّت الحياة في المدنيَّة القديمة المدفونة في زوايا آسيا و"الرُّوْمَلي"، وها هم متمنُّو الاستبداد، المتحرُّون لمنافعهم في مضارِّ العباد، قد باتوا يردِّدون: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرر إليّ
— 57 —
وما دامتْ حكومتنا الجديدة - حكومة المَشْرُوطِيّة - قد ولدتْ كمعجزة، فسنكون في غضون سنةٍ إن شاء اللّٰه مَظْهرًا لسرِّ:
نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
لقد فَتحت لنا جنَّةُ اوالتي َةِ والرُّقي أبوابَها ثوابًا بغير عذابٍ لرمضانِ السكوتِ الذي صُمناه ثلاثينَ سنةً صابرين متوكلين، وها هو القانون الشرعي الذي هو براعة الاستهلال لحاكميَّة الأمة يدعونا كخازن الجِنان لل الحينفهلمُّوا ندخلْها يا إخوة الوطن المظلومين..
فبابُها الأول: اتحادُ القلوب في دائرة الشريعة؛
وبابها الثاني: التحابُّ بين أبناء الأمة؛
والثالث: العِخطأٌ، والرابع: السعي الإنساني؛
والخامس: اجتناب الرذيلة؛
وأُحيلُ البقية على أذهانكم.

.......

فحذارِ يا إخوة الوطن أن تميتوها ثانعُ علىلرذائل والاستهتار بالدين.
ولقد برز القانونُ الأساسيُّ المؤسَّسُ على الشريعة الغرَّاء كمَلَكِ الموت في مواجهة الأفكار الفاسدة، والأخلاق الرذيلة، والحيل والمكائد الشيطانية، والتزلُّفات اقةٍ قد، فأماتها، فحذارِ أن تعيدوها إلى الحياة بالإسراف ومخالفة الشريعة والملذَّات غير المشروعة.
لقد كنا إذًا في القبر حتى وقتٍ قريب، وبَليَتْ عِظامُنا، ودخلْنا اليوم بالمَشْرُوطِيّة وباتح الكذباء الأمة رحِمَ الحياة، وسننمو ونبلغ أشُدَّنا، وسنركب قطارَ القانون الشرعي الأساسي عملًا، ونمتطي بُراقَ الشورى الشرعية فكرًا، فنتجاوز بمعجزةٍ نبويَّةٍ مئةَ سنةٍ من تخلُّفِنا في مضمار الرُّقي، ونطوي هذه الصحراءوة في ى الموحشة في زمنٍ قصير،
— 58 —
فنسابق الأمم المتمدِّنة جنبًا إلى جنب، فإنهم قد ركبوا العربات، أما نحن فسنركب وسائل كالقطار والمنطاد فنسبقهم؛ بل سنتجاوزهم تركية، كما فعلنا في الماضي، وذلك بفضلِ الحقيقة الإسلامية التي هي مجمع الأخلاق الحسنة، وبفضلِ الاستعداد الفطري، وفيضِ الإيمان، وسهولة الهضم التي تورثها شدة الجوع.
وإنني من موقعِ ما تمليه عليَّ وظيفتي كطالب علم، وما تُخوِّلوالحق ه شهادةُ الحريَّة، أُحذِّر وأنبِّه فأقول:
حذارِ يا أبناء الوطن أن تسيئوا تفسيرَ الحرية، وإلا فقدناها وجُرِّعْنا الأسرَ السالفَ المريرَ بكأستاع به جديدة"؛ (حاشية): بلى، لقد جُرِّعنا كأسَ أسرٍ مريرٍ مسمومٍ من يدِ استبدادٍ أفظع. لأن الحرية إنما تنمو وتترعرع بالأخلاق الحسنة، وبمراعاة آدابِ الشريعة وأحكامها.
بديع الزمان
٭ مٌ خلا عاشت الشريعة الأحمدية
على صاحبها الصلاة والسلام
جريدة دينية: ٧٧
٥ مارت ١٣٢٥رومي (١٨ آذار/مارس ١٩٠٩ميلادي)
إن الشريعة الغرَّاء ماضيةٌ إلى الأبد، لأنها صادرةٌ عن الكلام الأزليّ؛ وإن سلامتَنا من رذيلةِ استبدادِ النلخطاب.أمَّارة إنما تكون بالاستناد إلى الإسلام والتمسُّك بحبله المتين؛ وإن الاستفادة الحقيقية من الحريَّة المحقَّة إنما تكون بالاستمداد من الإيمان؛ لأن من كان عبدًا حقًّا لخالق الكون ترفَّعَ عن أن يكون عبدًا للخلق، وما دام كلُّ إنسانٍ قائين، عسالَمه فهو إذًا مكلَّفٌ بالجهاد الأكبر في عالَمه الأصغر، وموظَّفٌ بالتخلُّق بالأخلاق الأحمدية، وبإحياء السنة النبوية.
— 59 —
يا ولاة الأمر.. وأن تتم التوفيق فتصرفوا وفق قوانينِ سُننِ اللّٰه، وإلا جَنَيْتم الخيبة والخذلان، فإن ظهور الأنبياء في بقاع البلاد الإسلامية والعثمانية كما هو معلوم، إنما هو إشارةٌ من القدَر الإلٰهي ورمزٌ منه إلى أنَّ قاطرة الرقي والكمالاتوَفَّرء هذه البلاد ليست سوى الدين، فهذه الأزهار في حقول آسيا وإفريقيا وبساتين "الرُّوْمَلي" ستنمو وتزدهر بضياء الإسلام.
لا يضحَّى بالدين لأجل الدنيا، لقد كانت مسائل الشريعة تُقدَّم فيما مضى رشوةً للحفاظ على ات الحااد البائد، فهل جَنَينا من هذا سوى الضرر بتركِ مسائل الدين والتضحيةِ بها؟!
ألا إن المرض الذي أصاب قلبَ الأمة ضَعفُ الدين، ولا شفاء لها إلا بتقويته.
إن مشربنا مالذين لمحبة، ومخاصمةُ الخصومة، أي: تعزيز المحبة بين المسلمين، ودحر عساكر الخصومة فيما بينهم؛ ومسلكنا التخلُّق بالأخلاق الأحمدية، وإحياء السنة النبوية؛ مرشدُنا الشريعة الغرَّاء.. سيفُنا البرا ما نظقاطعة.. مقصَدُنا إعلاء كلمة اللّٰه.
بديع الزمان
٭ ٭ ٭
الحقيقیة
جريدة دينية: ٧٠
٢٦ شباط ١٣٢٤ رومي (آذار/مارس ١٩٠٩ ميلادي)
نحن في "الجمعية المحمدية" من عهدِ أن قالوا: بلى
إن التوحيدبشدة؛ ة الوحدة في اتحادنا، وإن الإيمان هو عهدنا ووعدنا، فما دمنا موحِّدين فنحن متَّحدون؛ وكلُّ مؤمنٍ مكلَّفٌ بإعلاء كلمة اللّٰه، وأعظمُ أسبابها
— 60 —
في هذا الزمان الرقيُّ المادي، ذلك أن الأج إسطنب زالوا يسحقوننا تحت وطأة استبدادهم المعنوي بسلاح العلوم والصناعات، ونحن سنجاهد بالسلاحِ نفسه ألَدَّ أعداءِ إعلاءِ كلمة اللّٰه، ألا وهو الجهل والفقر ا: إن لاف، أما الجهاد الخارجي فنُحِيْلُه لسيوفٍ ألماسية، هي سيوفُ براهينِ الشريعة الغرَّاء القاطعة، لأن إحراز الغلبة على المتمدِّنين إنما يكقي أهليق الإقناع، لا بطريق الإكراه كما هو شأن الهَمَج الذين لا يفقهون قولًا.
نحن فدائيُّو المحبة، لا وقت عندنا للخصومة.
إنَّ المَشْرُوطِيّة عبارةٌ عن العدالة والشورى وحصرِ القوة في اإعدام ، وما دامت الشريعة الغرَّاء قد تأسست قبل ثلاثة عشر قرنًا، فإنَّ استجداء الأحكام من أوربا جنايةٌ عظمى على دين الإسلام، وهو أشبه بالتوجه إلى جهة الشَّمال عند أداء الصلاة.
لابد أن تكون القوة في القانون، وإلا عَمَّ الاستبداد؛ ولابدلتي هيون الحاكمُ على كلِّ ضمير والآمرُ لكلِّوجدان: إن اللّٰه هو القوي المتين، ولا يتحقق هذا إلا بالمعرفة التامَّة والمدنيَّة العامَّة، أو تحت عنوان الدين الإسلامي، وإلا كان الاأمواج هو الحاكم أبدًا؛ فالاتفاق إنما يكون في الهدى، لا في المزاج والهوى.
لقد صار الناس أحرارًا، لكنهم ما زالوا عبيدًا للّٰه.
كل شيء قد تحرَّر، وما ينبغي لعيبِ امرئٍ أن يكون مُستَنَمناسب عذرًا لامرئٍ آخر.
اليأس مانعٌ من كلِّ كمال.
ميراث الاستبداد: "وما شأني؟! فليفكر في الأمر غيري".

.......

بديع الزمان
٭ ٭ ٭
— 61 —
وجَرَتْ له ذات مرةٍ ف أنْ يانيك" محاورةٌ مع "كَراصّو" كبيرِ حاخامات إسطنبول، فلم يُتِمَّ "كَراصّو" اللقاء، بل قاطعه وغادر مسرعًا، وقال لأصحابه وقد بدتْ عليه علائم الاضطراب والادون تح لو بقيتُ معه مزيدًا من الوقت لأدخلني في الإسلام!!
هذا مع أن "كَراصّو" كان عضوًا بارزًا في منظَّمةٍ سريَّةٍ تعمل لتفتيت الدولة العثمانية، وكان غرضُه من اللقاء ببديع الزمان أن يستميلَه إلى صفه ويجعله أداة لغايته الخبيثة، ولكن هيهاتي ساق٭ ٭ ٭
وأخيرًا وقعت "حادثة ٣١ مارت" المشؤومة، وكان من نتائجها إعدام خمسةَ عشرَ عالِمًا وردتْ أسماؤهم بأنهم كانوا من المطالِبين بالشريعة في تلك الحادثة؛ كما أُجريتْ محاكمةٌ لبديع الزمان ُغرِق ها، وكان - وهو في أثناء محاكمته - يشاهِد أولئك العلماء الخمسة عشر معلَّقين على أعواد المشانق في حديقة المحكمة حين استجوبه رئيسها "خورشيد باشا" قائلًا: وأنت أيضًا تطالب بتطبيق الشريعة؟!
فأجابه بديع الزمان: "إنني على استعدادٍ لأانب ماِّم ألف روحٍ لي - لو وُجِدَتْ - فداءً لحقيقةٍ واحدةٍ من حقائق الشريعة، لأن الشريعة هي سبب السعادة، وهي العدالة المحضة، وهي الفضيلة، غير أني لا أطالب بها كما يطالب المتمرِّدون".
وبينما كان يَنتظر أن تُصْدِر المحكمة حكمَ الإعدام الحقيه إذْ حَكَمتْ ببراءته، فغادرها دون أن يتقدَّم لها بشكر، وسار من منطقة بايزيد - حيث مقرُّ المحكمة - إلى منطقة السلطان أحمد يتقدَّم حشدًا من الناس وهو يردِّد: "عاشَت جهنم للظالمين.. عاشَت جهنم للظالمين".
كان لبديع الزدة على تلك المحكمة العسكرية الرهيبة دفاعٌ بُطوليٌّ طُبِع ونُشِر مرتين في تلك الآونة، وقد أدرجنا في هذه السيرة جزءًا منه حتى يتبيَّن الوجهُ الحقيققدَرُ "حادثة الحادي والثلاثين من مارت"، والدفاعُ البطولي لبديع الزمان.
٭ ٭ ٭
— 62 —
مقتطفاتٌ من كتاب:
"شهادةُمدرستَي المصيبة"
أو:
"سعيد النُّورْسِيّ والمحكمة العسكرية العرفية"ْ فجَّه سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
مقدمة
حين كانت الحريَّة تُقرَن بالجنون، جَعَلَ الاستبدادُ الضعيفُ مشفى المجانين مدرسةً لي.
وحين التبسَ الاعتیدال والاسیتقامیة بالرجعية، جَعَیلَ الاستبدا الخمسديیدُ للمَشْرُوطِيّة السجنَ مدرسةً لي.
أيها السادة المتمعِّنون في شهادتي: لطفًا، أرسلوا أرواحكم وأخيِلَتَكم ضيوفًا إلى جسدٍ ودماغٍ مضطربَيْن لطالبٍ بدويٍّ عصبيٍّ حديثِ عهدٍ بالمدنيَّة الحديثة، لئلا تَزِلُّوا بالتخطئة!
لقد قلتُ في ال قويًّالعسكرية العرفية في "حادثة الحادي والثلاثين من مارت": أنا طالبُ علم، ولهذا أَزِنُ كلَّ شيءٍ بميزان الشريعة؛ وأعتبر الإسلام وحدَه هو قوميَّتَنا، ولهذا أحاكم كلَّ شيء بمنظاره.
إنني في اللحظة الا حتى فيها بباب عالَم البرزخ المسمَّى بالسجن، منتظرًا القطار المتَّجه إلى الآخرة، في المحطة المسمَّاة بالمشنقة، أتوجه بخطابي لا إليكم فحسب، بل إلى النوع البشري كلِّه، منتقدًا أحوال المجتمع البشري التي لا تَرحم؛ فلأجل أثرًابسرِّ آية: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ خَرَجَت الحقائق من قبرِ القلب متجرِّدةً، فلا يَنظُرنَّ إليها غيرُ ذي مَحْرَم؛ إنني متهيِّئٌ للآخرة بكمال اللنور.
.. مستعدٌّ للرحيل مع هؤلاء المشنوقين.
— 63 —
أرأيتم لو أن بدويًّا مُولَعًا بالغرائب، سَمِع عن عجائب إسطنبول ومحاسنها دون أن يراها، كيف يكون شوقه إليها وتلهُّفه لر هذا ف فأنا الآن مثلُ ذلك البدوي، أريد أن أرى عالَمَ الآخرةِ مَعرِضَ العجائب والغرائب بمثل تلك اللّٰهفة؛ أَلا إن نفيي إلى هناك ليس عقابًا، فعذِّبوني إن استطعتم عذابًا وجدانيًّا، وإلا فليس ما سواه عندي بعذاب، بل ؤيتها؟ٌ لي.
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقلَ أيَّامَ الاستبداد، وهي اليوم تعادي الحياة، فإذا كانت الحكومة هكذا، فليعش الجنون.. وليعش الموت.. ولتعش جهنم للظَّالمين.
إنني لطالما كنتُ أبحث عن أرضيَّةٍ أبنشر معن خلالها أفكاري، وها هي المحكمة العسكرية العرفية تغدو أرضيَّةً مناسبةً لهذا الأمر؛ لقد استُجوِبْتُ كما استُجوِبَ الجميعُ بدايةً، وسُئِلتُ: وأنت أيضًا تطالب بالشريعة؟!
فقلتُ لهم: إنني مستعدٌ لأنْ أقدِّم ألِزْلي" لي - لو وُجِدَتْ - فداءً لحقيقةٍ واحدةٍ من حقائق الشريعة، لأن الشريعة هي سبب السعادة، وهي العدالة المحضة، وهي الفضيلة، غير أني لا أطالب بها كما يطالب المتمرِّدون.
وسألوني أيضًا: أأنت منضمٌّ للاتحاد المحمدي؟
ه فلا بتُ: أنا بكل فخرٍ من أصغر أفراده، لكن على الوجه الذي بيَّنتُه.. أروني مَن ليس من أبناء هذا الاتحاد سوى الملحدين؟!
فها أنَذا أنشر ذلك ذكرِ جواب الآن لأُنقِذَ المَشْرُوطِيّة من التُّهمة، ولأُنقِذَ أهلَ الشريعة من اليأس، ولأُنقِذَ أهلَ هذا العصر من تهمة الجنونِ والجهلِ في نظر التاريخ، ولأُنقِذَ الحقيقة من الأوهام والشبهات؛ وها أنَذا أبدأ:
قلتُ: أيها الضباط والباشوال قيمةا مجمل الجرائم التي اقتضتْ سَجني:
إذا محاسییینيَ الییلاتي أُدِلُّ بهییا
1 كانت ذنوبي؛ فقل لي كيف أعتذرُ؟!
— 64 —
أقول بدايةً: إن ذا الرجولة يترفَّعَ عن ارتكاب الالتديّ وإن اتُّهِمَ بها لم يَخَفِ العقاب.. أَلَا إنني إنْ أُعْدِمتُ ظلمًا نِلْتُ أجرَ شهيدَين، وإن بَقِيْتُ في السجن كان السجنُ خيرَ مكانٍ أستريح فيه من حكومةٍ قولائحةٍ ليس لها من الحريَّة سوى لفظِها.. فموتُ المرءِ مظلومًا خيرٌ من عيشه ظالمًا.
وأقول أيضًا: إن بعض مَن اتخذوا السياسة أداةً للإلحاد واللَّادينية يسترون مساوئهم باتهام الآخرين بالرجعية، وباتخاذِ الدتباينةاةً للسياسة.
وإن عناصر المخابرات اليوم أسوأ من نُظَرائهم بالأمس، فكيف يُعْتَمَد على ولاء هؤلاء؟! وكيف تُبنى العدالة على أقوالهم؟!
ثم إن المرء عندما يقيم العدفيعتبرالجَرْبَزَة يقع في الظلم لا محالة؛ ذلك أنه لا يخلو أحدٌ من عيبٍ أو نقص، إلا أن تتبُّع النقائص والعيوب بالجربزة وجمعَها بالرغم من تفرُّقِها في أزمانٍ متباعدة، وصدورِها من أفرادٍ كثيرين، ووقوعِها بين محاسن جمَّاراتٍ ها، إنما يؤدي إلى توهُّمِ صدورها من شخصٍ واحدٍ في زمانٍ واحد، وإلى اعتبارِه مستحقًّا للعقاب الشديد؛ والحال أن هذا الأسلوب هو نفسُه ظلمٌ شديد.
فَلْة، وسعلآن على ذِكْرِ جرائمي البالغةِ إحدى عشْرة جريمةً ونصفًا: (حاشية): ذُكِرَت هنا الفقرات التي تخص مسلكَ المؤلِّف ومشربَه، فمن أراد التفصيل فليراجع رسالتَه المسماة: "شهادة مدرستَي المصيبة".
الجريمة الأولى:
أَرسلتُ في العام الماضباع منبداية إعلان الحرية، حوالي ستين برقيةً إلى العشائر في المناطق الشرقية عن طريق ديوان رئاسة الوزراء، وكان مضمونها ما يلي:
إن مسألة المَشْرُوطِيّة والدستور التي سمعتم بها إنما هي عبارةات القدالةٍ حقيقيةٍ وشورى شرعية، فتلقَّوها بقبولٍ حسن، واجتهِدوا في المحافظة عليها؛ لأن سعادتنا الدنيوية تكمن في المَشْرُوطِيّة، ونحن أشدُّ الناس تضرُّرًا من الاستبداد.
— 65 —
وقد ورد الجواب على هذه البرصبحت د كل مكانٍ بالإيجاب والاستحسان.
فبما أنني نبَّهتُ الولايات الشرقية ولم أتركها غافلةً ليَستغلَّ غفلتَها استبدادٌ آخَرُ جديدٌ، إذًا فقإذْ إنبتُ جريمة؛ لأني لم أقل: "وما شأني؟"، ولأجل هذا أُحاكَم.
الجريمة الثانية:
أوضحتُ لعمومِ العلماء وطلابِ العلم الصِّلةَ الحقيقيَّةَ بين الشريعة وبين ما يسمَّى المَسها ولِيّة، وفصَّلتُها لهم عبر خُطَبٍ عديدةٍ في مساجد "أيا صوفيا" و"بايزيد" و"الفاتح" و"السليمانية"، وبيَّنتُ لهم أن لا علاقة بين الشريعة وبين الاستبداد المتسلِّط، وقلتُ لهم بهذا الخصوص: لقد جاءت الشريعة لتمحو ال "بِتْد والتسلُّط الجائر مصداقًا للحديث: سيدُ القوم خادمُهم
فإن كان لأحدٍ اعتراضٌ على كلمةٍ في خُطبةٍ من تلك الخُطَب التي ألقيتُها، فإني مستعرى معشثباتِ ما قلتُ بالبرهان.
وقلت: إن المسلك الحقيقي للشريعة هو حقيقةُ المَشْرُوطِيّة المشروعة؛ أي إنني قبلت المَشْرُوطِيّة بالدلائل الشرعية، ولم آخذ بها ر العصه التقليد أو مخالفة الشريعة كما فعل الآخَرون من أدعياء المدنية، ولم أقدِّم الشريعة رشوةً لشيء.
فكانت جريمةً أنْ بذلتُ ما بوسعي لإنقاذ العلماء والشريعة من ظنونِ أوروبا الفاسدة، حتى لقيتُ منكولا يقالمعاملة!!
الجريمة الثالثة:
خشيتُ أن يَخدع بعضُ دعاة الأحزاب أبناءَ بلدي - البالغَ عددُهم نحوَ عشرين ألفًا في إسطنبول - لكونهم حمَّالين بسطاء غافلين فيستغللا تكوستخدموهم بما يسيء إلى الولايات الشرقية، فرُحْتُ في العام الماضي أطوف على جميع أماكنهم حتى المقاهي التي يترددون إليها، وبيَّنتُ لهم معنى المَشْرُوطِيّة بِلُغةٍ يفهمن نضالوقلتُ لهم ما معناه: إن الاستبداد ظلمٌ وتحكُّم، وإن المَشْرُوطِيّة عدالةٌ وشريعة؛ فإذا أطاع
— 66 —
السلطانُ أمرَ نبيِّنا (ص)‌ وتأسَّى به كان خليفةً فأطعناه؛ وإلْ بخلوالذين يرتكبون المظالم ويخالفون نهجَ نبيِّنا (ص) هم قُطَّاعُ طرقٍ وإن كانوا سلاطين.
وقلت لهم أيضًا: إن أعداءَنا الجهلُ والفاقةُ والفُرقة، وسنجاهدهم بسلاح العلم والصناعة والاتفاق، وسنَمُدُّ أيديةُ هذهى الأتراك إخوتِنا الحقيقيين الذين أخذوا بأيدينا إلى التيقظ والرقي بوجهٍ ما، وسنشُدُّ بيد الصداقة على أيدي جيراننا، لأن في الخصومة شرًّا، ولا ء: بالندنا للخصومة، ولن نتدخل في شؤون الحكومة لأننا لا ندري حكمتها.
وهكذا أثَّرت النصيحة في هؤلاء الحمالين يومَ أنْ أضربوا فقاطَعوا بضائع النمسا - مثلما قاطعتُ أنا كلَّ أوروبا (حاشية): ناقشَ أحدُ المولَعين بالمظاهر الأستاذَ بديعدًا أون يومًا بأن عليه أن يرتدي زيًّا يناسب مقامه العلمي، فأجابه الأستاذ قائلًا: أنتم تزعمون أنكم تقاطعون النمسا بينما تعتمرون قبعاتها، أما أنا فأقاطع أوروبا كلَّها فلا أرتدي إلا لباس بلادي المادي والمعنوي.فباتت رفوا تصرفًا عقلانيًّا وهم في ذروة انفعالهم واضطرابهم.
لقد ارتكبتُ جريمةً إذًا حين قوَّمتُ علاقةَ هؤلاء بالسلطان، وتسبَّبتُ بإعلانِ حربٍ اقتصاديةٍ على أوربا مع المقاطعين لها، فنزلتْ بي هذه المصيبة.
الجريمة الرابعة:
لقد ساءني أيَّما إا، وقسظَنُّ أوربا أن الشريعة تُواتي الاستبداد، حاشا وكلا، وساعَدَها على ظنِّها هذا ما نحن فيه من جهلٍ وتعصُّب؛ ولقد رحَّبتُ بالمَشْرُوطِيّة باسم الشريعة أكثرَ مما رحَّب بها غيري لأُكذِّب ذلك الظن، إلا أنني خشيتُ أن ين في م استبدادٌ آخرُ من جديد، لذا هتفتُ بكل ما أوتيت من قوةٍ مخاطبًا النواب في مسجد "أيا صوفيا":
خذوا المَشْرُوطِيّة ولقِّنوها على أنها عنوان المشروعية، لئلا يأتيَ استبدادٌ جديدٌ خفيٌّ لادينيّ، فيلوِّثَ طُهرَها بيديه معنويين، ويتخذَها مَطيَّةً لغاياته؛ وقيِّدوا الحريةَ بآداب الشريعة، لأنه إنْ تُرك الجَهَلةُ وعوامُّ الناس أحرارًا بلا قيد، طُلقاءَ بلا شرط،
— 67 —
جنحوا إلى الهوى والرذيلة والمعصية؛ ولْتكنِ المذاهبُ الأربعة قِبلتَكم في صلاة ضل أسلة لتَصِحَّ.
فبما أنني ادَّعيتُ إمكانية استنباط حقائق المَشْرُوطِيّة صراحة وضمنًا وإذنًا من المذاهب الأربعة، إذًا فقد حَمَلتُ على عاتقي أنا طالبَ العلم البسيط مهمةً مفروضةً على العلماءفي ستيعني أنني ارتكبت جريمةً، فتلقيتُ هذه الصفعة.
الجريمة الخامسة:
لقد صَدَمتِ الصُّحُفُ الأخلاقَ الإسلاميةَ وشوَّشتِ الرأيَ العام بمنشوراتٍ تقوم على قياسستقبل سدَين، وتتضمن طعنًا في الكرامة، فنشرتُ في الصُّحُف مقالاتٍ تفنِّدها قلتُ فيها:
أيها الصُّحُفيون، يجب على الأدباء أن يكونوا مؤدَّبين، وأن يتأدبوا كذلك بالآداب الإسلامية، ويجب أن تَصدُرني" ألهم من القلب العام المشترك للأمة دون تحيز، وأن يكون الشعور الديني والنية الخالصة في ضمائركم هو الناظم لقانون المطبوعات؛ والحال أنكم أجريتم قياسَين فاسدَين: قياس أرياف البلاد بإسا وعجز وقياس إسطنبول بأوروبا، فشَوَّشتم الرأي العام وأوقعتموه في متاهة، وهيجتم مشاعرَ الانتقام والمصلحة الفردية؛ فكما أنه لا يُعطى طفلٌ يجهل مبادئ القراءة درسًا في الفلسفة الطبيعية، وكما لا يليق بالرجل أن يرتدي ثياب فنانة، فك بأمثل ينبغي أن تُطَبَّق مشاعرُ أوروبا في إسطنبول.
إن اختلاف الأقوام وتباين الأماكن والأقطار هو كاختلاف الأزمان والأعصار، فلباس أحدهم لا يناسب الآخر؛ والثوهما، فرنسية الكبرى لا يمكن أن تكون دستورَ حركةٍ لنا بحالٍ من الأحوال، وإنما يأتي الخطأ من تطبيق النظريات مع إغفال مقتضى الحال.
إنني رجلٌ قَرويٌّ أمِّيٌّ، نصحتُ محرِّري صحفٍ ماذ بدي مغالطين حاقدين، إذًا لقد ارتكبت جريمة.
— 68 —
الجريمة السادسة:
استشعرتُ مراتٍ عديدةً أثناء الاجتماعات الكبيرة ما يَعْتَمِلُ في صدور الناس من توترٍ وهيجانٍ، وخشيتُ أن يُخلَّ العوامُّ بالأمن بت أي: في أمور السياسة، فهدَّأتُ التوتُّر بكلماتٍ تناسب طالبَ علمٍ قَرويًّا حديثَ عهدٍ باللغة التركية.
فعلى سبيل المثال احتويتُ الانفعالات وهدَّأتُ المشاعر نوعًا ما في اجتماع الطلاب بمسجد "بايزيد"، وفي حفل المولد النبوي بمسجد "أيا صوفيا"، وفي "مسرا قائلح"، ولولا ذلك لثارتْ عاصفةٌ أخرى.
إنني رجلٌ بدويٌّ تدخَّلتُ في شؤون المدنيين مع علمي بمكائدهم، إذًا لقد أجرمت.
الجريمة السابعة:
سمعتُ أنه قد شُكِّلَتْ جمعيةٌ باسم "الاتحاد المحمدي"، فتَوجَّستُ أشدَّ الخِيفة من أن تَبْدُر من بعضعة الفاءٌ تحت هذا الاسم المبارك؛ ثم علمتُ بعد ذلك أن بعض الأفاضل كی"سهيل باشا" و"الشيخ صادق" قد نقلوا هذا الاسم المبارك إلى مجرَّد العبادة واتباع السُّنَّة السَّنِيَّة، فقطعوسالة " علاقتهم مع تلك الجمعية السياسية، ولم يَعُد لهم أيُّ تدخُّلٍ في السياسة؛ إلا أن الخوف راودني ثانيةً إذْ قلت: إن هذا الاسم حقٌّ عامٌّ للجميع لا يقبل التحديد ولً فذَّصيص، فكما أنني - باعتبارٍ ما - منتسبٌ إلى جمعياتٍ دينيةٍ متعددة، إذْ قد رأيتُ مقصدها واحدًا، فكذلك انتسبتُ إلى ذلك الاسم المبارك؛ إلا أنَّ تعريفَ "الاتحاد حِ الدي" الذي عرَّفتُه وانضممتُ إليه هو: دائرةٌ مرتبطةٌ بسلسلةٍ نورانيةٍ ممتدة من الشرق إلى الغرب، ومن الشَّمال إلى الجنوب، وعددُ المنضوين فيها في هذا الزمان أكثر من ثلاثمئة مليون.
وجهةُ الوحدة والارتباط لهذا الاتحاد ا إن كوحيد الإلٰهي؛ وعهدُه ويمينُه الإيمان؛ وأعضاؤه جميعُ المؤمنين الذين دخلوه منذ أنْ قالوا: بلى؛ وسِجِلُّ أسمائهم اللوحُ المحفوظ؛ وناشرُ أفكاره جميعُ الكتب الإسلامية؛ وصُحُفُه اليومية جميعُ
— 69 —
الصُّحُف الدينية التي مقصدُها وهدفُها إا على لمة اللّٰه؛ ومقرَّاتُه وأماكنُ تجمُّعِ أعضائه الجوامعُ والمساجدُ والمدارسُ الدينية وأماكنُ الذكر؛ ومركزُه الحَرَمان الشريفان، أما رئيس هذه الجمعية ففخرُ العالَم (ص)، ومسلكُه مجاهدةُ كلِّ امرئٍ نفسَه، آخرُ متخلُّق بالأخلاق الأحمدية، وإحياءُ السنة النبوية، والتوادُّ، وإسداءُ النصيحة ما لم تَضُرّ.
والنظامُ الداخليُّ لهذا الاتحاد السنةُ النبوية؛ وقانونُه الأوامرُ والنواهي الشرعية؛ وسيوفُه البراهينُ القاطعة؛ لأن مُغالَبة المتمدِّنين من الجكون بالإقناع لا بالإكراه، وتحرِّي الحقيقة إنما يكون بالمحبة، أما الخصومة فإنما تكون في مواجهة التعصُّب والتخلُّف؛ وأما هدفُ هذا الاتحاد ومقصِده فإعلاءُ كلمة اللّٰه.
إن تسعًا وتسعين بالمئة من الشريعة عائدٌ إلى الأخلاد ألقابادة والفضيلة والآخرة، وواحدٌ بالمئة منها متعلقٌ بالسياسة؛ فليفكِّر في هذا أولو الأمر منا.
إن مقصدنا اليوم سَوقُ الجميع نحو كعبة الكمالات في طريق الرقيِّ بحماسٍ وجدانيٍّ، من خلال تحريكِ تلك السلسلة النوودخل ا إذ إن أحد أعظم الأسباب لإعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان: الرقيُّ المادي.
فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد، ومن الحريصين على ظهوره، ولستُ من الفِرَق أو الأحزاب التي تُسبِّب التفرُّق.
والحاصل:لقد بايعتُ السلطان "سليمًا"، وقبلتُ فكرائلات:لاتحاد الإسلامي،فهو مَن أيقظ الولايات الشرقية فبايعَتْه، فأهلُ الشرق الآن هم نفسهم أهل الشرق في ذلك الزمان؛ وأسلافي في هذا الأمر الشيخ "جمال الدين الأفغاني"، ومن العلماء الأعلام مفتي الديار المصرية الشيخ ا زال عبده"، ومن العلماء المبرِّزين "علي سُعاوي"، و"الشيخ تحسين"، و"نامق كمال" الذين اتخذواالاتحاد الإسلاميهدفًا لهم، والسلطان "سليم" القائل:
إن الخِلاف لَهَمٌّ ظلَّ يُقلِقني
إلا بوحدتنا دفْعُ العِدا زحفوا
حتى بزاويتي في ضَمَّةِ القبرِيمة كاْ تفترِقْ أمتي وا غَشْيةَ الصدرِ
— 70 —
لقد عملتُ لأجل هذا الاتحاد لإظهار مقصدين عظيمين:
الأول:لنخلِّصَ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ونعلن شمولَه لجميع المؤمنين، كي نُبدِّد الأوهام والمخاوف، ونجتنب الوقوع في ِ وظائة.
الثاني:لنقيمَ بالتوحيد سدًّا أمام افتراق الفِرَق التي سبَّبتْ هذه المصيبة العظيمة التي وقعتْ؛ لكن ويا للأسف!! لم يُتِحِ الزمان فرصة، بل جاء السيل وهدمني أيضًا.
ثم إننا أن رأقول: لو شَبَّ حريقٌ ما لساهمتُ في إطفائه، ولكنه أتى حتى على لباس المشيخة الذي أرتديه، فأزال شهرةً كاذبةً لا أقدر على حملها، وأنا ممتنٌّ لهذا.
إنني رجلٌ بسيط، غير أني حمسٍ وس نفسي عبءَ القيام بأمرٍ هو من أهمِّ وظائف مجلس الشعب ومجلس الأعيان والوزراء، إذًا لقد ارتكبت جريمة.
الجريمة الثامنة:
سمعتُ أن بعض العسكريين قد أخذوا ينتسبون تِباعًا إلى بعض الجمعزمان؛ لتنظيمات السياسية، فخطرت ببالي تلك الحادثة المروِّعة التي حاقت بالإنكشاريين، وانتابني قلقٌ عظيم، فكتبتُ في إحدى الصُّحُف:
"إن أقدس جمعيةٍ في هذا اجبَ منجمعيةُ عساكرِ أهل الإيمان، وهي جمعيَّةٌ ينضوي فيها جميعُ الداخلين في سلك العساكر المؤمنين المضحِّين، بدءًا من أدنى جنديٍّ وانتهاءً بقائد الجيش، إذْ إنَّ مقصد أقدس جمعيةٍ في العالَم: الاتحاد والأُخوَّة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة اللّٰه؛ وَ قد أنود المؤمنين هم المَظهَرُ التامُّ لهذا المقصد، فهم المركز، وهم مَن ينبغي أن ينتسب إليهم الشعبُ والجمعيات؛ وعلى الجمعيات الأخرى أن تجعل الالمرصّلجنود مَظهرًا للأخوة والمحبة.
أما الاتحاد المحمدي فشاملٌ لجميع المؤمنين وليس جمعيةً ولا فرقة، ومركزه وصفُّه الأول يتألف من المجاهدين والشهداء والعلماء والمرشدين، فليس ثمة عسكريٌّ مؤمنٌ مضحٍّ - جنديًّا كان تلك اطًا - خارجٌ عن هذا الاتحاد حتى يلزمَه
— 71 —
الانتساب إليه؛ غير أنه يمكن لبعض الجمعيات الخيرية أن تطلق على نفسها اسمَ "الاتحاد المحمدي"، ولستُ أتدخَّل في هذا اَته، ف
إنني مجرَّد تلميذٍ بسيط غصبتُ العلماءَ الكبارَ وظيفتَهم؛ إذًا فقد ارتكبتُ جريمة.
الجريمة التاسعة:
شاهدتُ الحركةَ المروِّعة التي جرتْ في يوم الحادي والثلاثين من مارت، شاهدتُها عن كثبٍ مدةَ دقيقتين أو ثلاثًا، وسمِعتُ العديلعلوم لمطالب، فكما أن ألوان الطيف السبعة إذا دُوِّرَتْ بسرعةٍ لم يُرَ منها سوى اللون الأبيض، كذلك لم يَستَبِنْ من بين تلك المطالب المختلفة سوى لفظ "الشريعة" التي تقلِّل الفساد من ألْفٍ إلى واحد، وتنقبالكشفوام من الفوضى، وتحافظ بشكلٍ معجِزٍ على السياسة العامة من أن تكون ألعوبةً بيد الأفراد؛ فأدركتُ أن الأوضاع سيئة، وأن الطاعة مختلَّة، وأن النصيحة غير مُجْدية، وإلا فلقد كنتُ أريد أن أسعى لإطفاء تلك النار كما كنت أفعل سابقًا، ولكن العوامَّن أن ي، وأبناء بلدي بُسطاء سُذَّج، وأنا أظهر بمظهر الشهرة الكاذبة، فانسحبتُ من ذلك المكان بعد ثلاث دقائق، مخافةَ أن يراني هناك أحدٌ يعرفني فيشترك في الحدَث، وتوجَّهتُ إلى "باقر كُوْي"، وأوصيتُ كلَّ مَن لَقِيتُه بنعم، أدخل.
فلو كنتُ تدخلت مقدار ذرة، لظهرتُ شخصًا عظيمَ الأهمية في هذا الحدث، فقد كان لباسي يدلُّ علي، وتُبرِزني أمام الجميع شهرةٌ لا أريدها؛ ولعلي حينئذٍ كنتُ سأثبتُ وجودي فأواجه جيشَ الحركة - ولو بمفردي - وصولًا إالشيوعاستافونوس"، وإذًا لمِتُّ مِيْتةَ الأبطال، وكان تدخُّلي أمرًا بديهيًّا بحيث لا تبقى حاجةٌ للتحقيق.
ثم إني في اليوم التالي استفسرتُ عن الطاعة العسكرية التي هي رِباطُ حياتنا، فقالوا لي: إن الضباط قد شاركوا في الحادثة مُرْتَدين زيَّ الجنود، ِي للجلم تختلَّ الطاعة كثيرًا.
فسألتُ: كم ضابطًا قَضَوا؟ فضلَّلوني وقالوا: أربعة ضباط فقط، وقد كانوا مستبدين، على أن حدود الشريعة وآدابها ستُنَفَّذ.
— 72 —
ثم عليهاعتُ على الصُّحُف، فوجدتها تُصوِّر ما جرى على أنه فعلٌ مشروع، وقد فرحتُ لذلك من جهةٍ ما، لأن أقدس مقصدٍ لي هو التطبيق الكامل لأحكام الشريعة، ولكن أصابني الإحباكلَيناابني الأسى لوجود الخلل في الطاعة العسكرية، فنشرتُ في جميع الصُّحُف خطابًا للجنود قلتُ لهم فيه:
"أيها الجنود.. إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بارتكابنأتِ اٍ واحدة، فإنكم بعصيانكم تظلمون ثلاثين مليون عثمانيٍّ وثلاثمئةَ مليون مسلم بعضَ حقوقهم؛ لأن راية التوحيد والسعادة والعزة لعموم العثمانيين والمسلمين في هذا الزمان إنما تقوُه عليانبٍ منها على طاعتكم؛ ثم إنكم تطالبون بالشريعة من جهة، وتخالفونها بالعصيان من جهةٍ أخرى!!".
ثم قدَّرتُ حركتهم وشجاعتَهم، ذلك أن الصُّحُف - وهي الترجمان الكاذب للرأي العام - قد صوَّرتْ لفي الدتهم على أنها أمرٌ مشروع؛ وقد لقيتْ نصيحتي هذه التقدير وكان لها أثرُها، وهدأَ العصيانُ نوعًا ما، ولم يكن ذلك بالأمر الهيِّن.
إنني رجلٌ دخلَ فعلًا مشفىلباقيةاض العقلية، لكنني لم أقل: "وما شأني بهذا؟ فليفكر العقلاء في هذه الأمور"، إذًا لقد ارتكبتُ جريمة.
الجريمة العاشرة:
ذهبتُ بصحبةِ العلماء يومَ الجمعة إلى الجنود الموجودين تحت إشراف وزارة الحربية طُرِحبتُهم خطابًا بالغَ التأثير، فآتَتْ نصيحتي أُكُلَها بعد حين، حتى لقد تراجعتْ ثماني كتائب منهم عن تمرُّدها ودخلتْ في الطاعة، وكان من خِطابي لهم أنْ قلتُ:
"أيها العساكر الموحِّدون.. إن رايةَ التوحيد وسعادةَ ثلاثين مليون عثمانيٍّ وثلاثمائةن ذلك مسلم، وشرفَهم وكرامتَهم منوطةٌ - على نحوٍ ما - والتمرُّد تظلمون ثلاثمئة مليون مسلم، إذْ تُلقون بالأُخوة الإسلامية إلى التهلكة.
اعلموا أر "الف الجنود تشبه مصنعًا عظيمًا منتظمًا، فإن وقع عصيانٌ من أحد أجزائه أو مفاصله تحوَّل المصنع بأكمله إلى فوضى عارمة؛ ألا ليس للعسكر أن
— 73 —
يمِلاته في السياسة، وما جرى للجيش الإنكشاري في الماضي خير شاهدٍ على ما أقول.
إنكم تطالبون بالشريعة، لكنكم في واقع الحال تخالفونها وتلطخون سمعتها، فلقد ثبت بالشريعة والقرآن والحديث والحكمة والتجرِبة أن وليَّ الأمر ما دام مستقيمًا عنه اا بالدين قائمًا بالحق فطاعتُه فرض، فأُولو أمركم وأساتذتُكم هم ضباطكم، فكما أنه إن اقترف مهندسٌ ماهرٌ أو طبيبٌ حاذقٌ ذنبًا لم يتضرر من ذلك طبُّ هذا ولا هندسة هذه افكذلك الأمر بالنسبة إليكم، لا تظلموا العثمانيين والمسلمين بالإخلال بطاعةِ ضباطكم المؤمنين المثقفين ذوي الحميَّةِ والفكرِ المنوَّر والتمرُّسِ في فنون الحرب، لمجیج:اجقوع مخالفةٍ شرعيةٍ جزئيةٍ منهم، فالتمرُّد ليس ظلمًا فحسب، بل فيه تعدٍّ على حقوق ملايين الناس.
تعلمون أن راية التوحيد الإلٰهي في هذا الزمان هي بِيد شجاعتكم، وقوةُ هذه اليد إنما تكون في الطاعة والنظام، فألفُ جنديٍّ ويُعت مطيعٍ يضاهون مئة ألف جنديٍّ متسيِّب.. فما الحاجة إلى مثل هذه الثورات التي يُراق فيها الكثير من الدماء، والتي لم يستطع أن يقوم بها ثلاثون مليونًا خلال مئة عامق عليهلتاريخ، بينما حققتموها أنتم بطاعتكم من غير إراقةٍ للدماء؟!
وأزيدُكم أيضًا: إن خسارة ضابطٍ وطنيٍّ منوَّرِ الفكر هو ضياعٌ لقوَّتكم المعنويي قوتٌ أن الحكم اليوم للشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية، فرجلٌ منوَّر الفكر قد يضاهي مئةً؛ وإن الأجانب يسعَون بدأبٍ لأنْ يغلبوكم بهذه القوة، لأن الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.
الحاصل:إنني أبلغكم أمرَ فخر العالمين (ص) بأن الطنها شجض، فلا تعصوا ضُبَّاطكم.
عاش الجنود، وعاشت المَشْرُوطِيّة المشروعة".
فبما أنني تحمَّلتُ أعباءَ مهامَّ جليلةٍ كهذه بحضرةِ علماء كُثْر، إذًا فتها باكبتُ جريمة.
— 74 —
الجريمة الحادية عشرة:
لقد شاهدتُ الحالة المُزرية التي كانت عليها العشائر في الولايات الشرقية، وأدركتُ أن سعادتنا الدنيوية ستَتحقَّق بجهةٍ ما على يد العلوم المدنية الحدوفي ختأنه لا بد لأجل ذلك من أن تكون المدارس منبعَ تلك العلوم، ويكونَ العلماء نهرَها الجاري، كي يأنَس علماءُ الدين بتلك العلوم؛ إذ هم مَن بيدهم زمام أمور الناس شِبْه البُداة في تلك الولايات.
في أمِمتُ إلى إسطنبول المسماة "باب السعادة" تَحدوني هذه الغاية مؤمِّلًا السعادة، ومع أن الاستبداد الذي كان يُنسَب في ذلك الحين إلى المرحوم السلطان البدرجةٍ- وقد حَلَّ محلَّه اليوم استبدادٌ أوسعُ انتشارًا وأشدُّ بأسًا - منحني يومئذٍ معاشًا كعطيَّةٍ سلطانية عن طريق وزير الداخلية، إلا أني لم أقبي بلاغورَدَدتُه، وكنتُ على خطأ فيما فعلت، لكنَّ خطئي هذا كان خيرًا، إذْ أظهرتُ أخطاء الذين يطلبون متاع الدنيا بعلوم الدين؛ فضحَّيْتُ بعقلي ولم أتخلَّ عن حريتي، ولم أطأطئ رأسي أن تنالسلطان الشفيق، وتخلَّيتُ عن منفعتي الشخصية.
فالذين هم اليوم بمنزلة الذباب يمكنهم استمالتي بالمحبة وحدَها لا بالإجبار، فأنا أعمل هنا مَةً للٍ ونصف لنشر المعارف ببلدي، وهذا أمرٌ يعرفه أكثر مَن في إسطنبول.
فأنا ابن حمَّال، ارتكبتُ جريمةً كبرى لأنني لم أتنصَّل من هذا الوصف، ولم أخرج من حالة الفقر، ولم أركنْ إلى الدنلقى الأنها فتحت لي أبوابها، ولأنني أيضًا تركتُ أحبَّ البلاد إليَّ في ذرى جبال الولايات الشرقية، وتدخَّلتُ لأجل الرعيَّة في أمورٍ عادتْ عليَّ بالزجِّ في سجنٍ مريرٍ زمانَ المَشْرُوطِيّة، وبالتوقيف والونُ؛ في مشفى المجانين؛ بلى، كانت هذه جريمةً كبرى ارتكبتُها فأُحِلتُ إلى هذه المحكمة الرهيبة.
نصف الجريمة:
وهي أنني خاطبتُ السلطان السابق المرحوم حضرة عبد الحميد خان عبٍ للتسُحُف، تَوَقِّيًا لفوات الخلافة - مركزِ دائرة الإسلام ورابطتِه - من يده؛ وظنًّا مني أنه
— 75 —
قد أدرك ما لديه من جوانب الخلل الاجتماعية وندم عليها، وأنه على استعدادٍ لتقبل النصيحة؛ وأخذًا بالقاعدةِ التي نَصَّتْ عليها بل هوالكريمة: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ؛ وظنًّا مني أن الحادثة التي وقعتْ وكانت بذرةَ انفعالاتٍ كثيرة ومبدأَ أغراضٍ شتى كانت ستقع بأفضل شكل؛ فقلت له:
اجعل النجمة المنخسفة دارًا للعلوم حتىي لرسا قدرُها فوق الثريا؛ وعيِّن فيها بدلًا من السُّيّاحِ والزبانيةِ أهلَ الحقيقة الذين هم ملائكةُ رحمةٍ لتكون أشبه بالجنة؛ وأعِدْ إلى الرعيَّة الثروةَ التي أهدتكَ إياها في قصر يلدز بصرفِها في بناء جامعاتٍ علميَّةٍ ما نظ كبرى تعالِج بها جهلَها الذي هو داؤها الوبيل، واعتمِدْ على مروءة الرعيَّة ومحبَّتِها، فهي المتكفِّلة بإدارتك السلطانية.
عليك بعد هذا العمر أن تهتم بالآخرة فحسب،نساني الدنيا قبل أن تتركك، واصرف زكاة عمرك في سبيل عمرك الثاني.
فلنقارن الآن.. أينبغي لقصر يلدز أن يكون ملهًى أم دارًا للعلوم؟! أينبغي أن يتجوَّوروبيةالسياح أم يدرِّس فيه العلماء؟! أينبغي أن يُغصَب أم يُهدى؟! أيُّ الأمرَين خير؟ فليحكم أهل الإنصاف في هذا.
إنني امرؤٌ من عامَّة الناس أسدى نصيحةً لسل الإراظيم، إذًا لقد ارتكبتُ نصفَ جريمة.
لم يحن وقتُ الإفصاح عن نصف الجريمة الآخر.
(حاشية): لقد حان وقت الإفصاح عن النصف الآخر بعد خمسَ عشرةَ سنة، انظروا المبحثَ الأخير من "سراج النور" الذي تسبب بسجن مؤلِّفل كلِّه مدة ثمانٍ وعشرين سنة، لتعرفوا بالضبط نصفَ الجناية الآخر.
فوا أسفاه!! بينما كانت الأمة في أشد اللّٰهفة والتعطش إلى المَشْرُوطِيّة المشروعة التي هي سعادتنا، وإلى المعارف الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وهي فقال بياتنا الاجتماعية، إذْ جاء المُفْرِطون في هذه الحادثة فخلطوا المَشْرُوطِيّة بضغائنهم وأغراضهم، وجاء المُفَرِّطون من أصحابِ الفكر التنويري فتصرَّفوا بما ينافي الدين
— 76 —
وفرَّطوا به، فأقام الفريقاقِّعونا أمام رغبات الأمة، والواجب على من أقاموا هذا السدَّ أن يهدموه، وهذا ما يُرجى منهم باسم الوطن.
أيها الباشاوات والضباط..
إن الشهود على هذه الجرائم الإحدى عشرة والنصف يبلغون ألوفًا، بل بعدما بلغ شهودُ بعضها نصفَ أهالي إسطنبول؛ وإنني مع رضاي بما يترتب عليها من عقوبة، لديَّ أحد عشر سؤالًا ونصفُ سؤال أريد الإجابة عليها، وسأُفصح عن حسنةٍ واحدةٍ لي مقابل هذه السيئات، وهي أنني عارضتُ الشُّنا وإرلمستبدَّةَ الموجودةَ هنا، والتي حطَّمتْ آمالَ الناس، وسلَبَتْ راحتَهم، وأيقظتِ الأحقاد، وهيجتْ مشاعرَ التحيُّز والتحزُّب، وكانت السبب في تشكيل الجمعياتفي كُلظمات القومية والعرقية المؤدية إلى التفرقة، والتي حَمَلتِ المَشْرُوطِيّة اسمًا والاستبدادَ معنًى، وشوَّهتِ اسمَ الاتحاد والترقي ولطَّختْ سمعتَه.
إن لكلِّ واحدٍ فكرَه، ولهذا لا بد من تحقيق المصالحة العامة والعفو العام، ولتعلمومن رفع الامتيازات الخاصة، لكيلا ينظر أحدٌ إلى الآخرين بمنظار التعالي كأنهم حشرات، فينشأَ النفاق.
وإنني أقول: نحن مسلمون حقيقيُّون ولا فخر، قد نُخْ فتعاللكن لا نَخْدَع؛ نحن لا نتنزَّل للكذب لأجل مجرَّدِ حياة، لأننا نعلم أنالحيلة في ترك الحِيَل؛لكنني أخذتُ على نفسي عهدًا باسم المَشْرُوطِيّة الحقيقية المشروعة أن أصفع الاستبداد حيثما السابع، وبأيِّ شكلٍ كان، سواءٌ تزيَّا بزيِّ المَشْرُوطِيّة أو تسمَّى باسمها؛ وإنني أعتقد أن أعداء المَشْرُوطِيّة هم من يكثِّرون أعداءَ الشورى بإظهارِهم المَشْرُوطِيّة قبيحةلألسنةةً تخالف الشريعة، مع أن القاعدة تقول:لا تَتبدَّل الحقائق بتبدُّل الأسماء.
وبما أن أعظمَ الخطأ أن يظن الإنسان نفسَه منزَّهًا عن الخطأ، فإنني أعترف بخطئي فأقول: لقد أردتُ أن أحمل االحقائلى قبول النصيحة دون أن أقبل نصيحتهم، وعملتُ على إرشاد الآخرين دون أن أرشد نفسي، فهوَّنتُ من شأن الأمر بالمعروف حتى بات عديم الأثر.
— 77 —
ثم إن الثابت بالتجربة أن الجزة، وجازِل نتيجةَ تقصيرٍ ما، إلا أن الجزاء على تقصيرٍ سلَفَ قد يأتي في صورة عقوبةٍ على جُرْمٍ لم يُرتَكَبْ؛ إذْ يكون المرء مستحقًا للجزاء مع أنه في الظاهر بريء، فيرسل اللّٰه مصيبةً تَزُجُّ به في السجن، فيكون ذلك منه عَدلًاثلاث عقبه القاضي فيكون ذلك منه ظلمًا.
يا أولي الأمر..
كانت لي منزلةٌ ومكانةٌ أردتُ أن أخدم بها الأمة الإسلامية فحطَّمتموها؛ وكانت لي شهرةٌ كاذبةٌ ذاعتْ من غير أن أطلبَها، وكنتُ أنصح العوامَّ من خلالها فتُؤثِّر النصيحة، فلصغير موها مشكورين؛ وليَ الآن حياةٌ ضعيفةٌ سئمتُها، فليهلكْني اللّٰه إن تشَبَّثْتُ بها خوفًا من الإعدام؛ ولستُ رجلًا إنْ لم أمضِ إلى الموت مبتسمًا، ألا إنَّ إدانتي وتجريمي صورةً سيؤدي إلى إدانتكم وتجريمكم وجدانًا، وليس في هذا الأمر ما يضرني، الحقو شرفٌ لي؛ لكنكم ألحقتم الضرر بالأمة؛ إذْ قضيتم على التأثير الموجود في نُصحي، ثم ألحقتم الضرر بأنفسكم ثانيًا، إذْ صرتُ حجةً قطعيةً بيد خصومكم.
لقد وضعتموني على المِحَكِّ، فلو وضعتُم على المِحَكِّ الأشخاصَ الذين تسمُّونهم الفرقةَ الخاصة فكم تله، إمنهم سيبقى سليمًا يا ترى؟!
ألا إنه إن كانت المَشْرُوطِيّة عبارةً عن استبدادِ فئةٍ وعملٍ بخلاف الشريعة، فليشهد الثَّقَلان أني مرتجِع؛ (حاشية): أي: ليشهد العالم بأسره والجن والإنس أني رجعيٌّ متخلَّف. لأن الاتحادَ المبنيَِّّ التلكذب كذبٌ، واسمَ المَشْرُوطِيّة المؤسَّسة على الإفساد فاسد، أما مُسمّاها فسيبقى أبدًا مبنيًّا على الحق والصدق ورفع الامتيازات.

.........

إن الصاعقة الشديدة والعاصفة الرهيبة المسمَّاة "حادثة الحادي والثلاثي المدمارت" قد هيَّأت استعدادًا طبيعيًّا للّٰهرْج والمَرْج بفعل أسبابٍ عدة، إلا أنه ورد على لسان القائمين بها اسمُ الشريعة المُظْهِرُ للمعجِزات على الدوام، وما ذاك إلا من اللّٰه
— 78 —
سبحانه؛ وبما أن اسم الشريعة هذا قد جعل تلك العاصس، ثم ُّ بسلام، فإنه يُدين - أمام اللّٰه - الصُّحُف التي أطلقتْ لسانَها بالسوء بعد منتصف نيسان؛ وإذا أُخِذَ بعين الاعتبار كلٌّ من المسائلِ السبع التي أفضتْ ذا، فبه الحادثة مع الأحوالِ السبع حينئذٍ، ظهرتِ الحقيقة؛ وتلك المسائل والأحوال هي:
١. أنها كانتْ حركةً متوجِّهةً بتسعين في المئة منها ضد الاتحاد والترقي، وضد تسلُّبأيِّ ستبدادهم.
٢. وأنها كانت تهدُف لتبديلِ الوزراء الذين كانوا محلَّ نزاعٍ بين الأحزاب.
٣. وإنقاذِ السلطان المظلوم من الإسقاط المدبَّر.
٤. والوقوفِ سدًّا أمام التعليمات التي تخالف الأعراف العسكرية والآداب الدينية.
٥. والكشفا كلُّاتل "حسن فهمي" الذي ضُخِّم أمره كثيرًا.
٦. وتسويةِ أوضاع المفصولين من الخدمة وضباط الألوية، ورفعُ الضرر اللاحق بهم.
٧. ومَنعِ مفهوم الحرية أن يش في "وجور والرذيلة، وتحديدِه بآداب الشريعة، وتطبيقِ القصاص وقطع اليد اللذَين لا يَعرف العوامُّ السياسةَ الشرعية بدونهما.
ولكن كانت الأرضية آسنة، وكانت الخطط قد وُضِعَتْ، والأفخاخ قد نُصِبَتْ، وضُحِّيَ بالطاعة العسكرية المقدسة.
لقد كان:
م أساسِ الأسباب لما جرى: الجدال بين الفرقاء بتحيُّزٍ وضغينة، ومَيلُ الصُّحُف إلى إيراد الأكاذيب، وإفراطُها في التشويش، واعتمادُها على المبالغة بدمانُ ا البلاغة؛ فكما أن الألوان السبعة إذا دُوِّرَتْ لم يُرَ سوى اللون الأبيض، فكذلك هذه المطالب السبعة لم يتجلَّ منها سوى ضياء الشريعة البيضاء، فقامت سدًّا بوجه الفساد.

.......

— 79 —
إنني أقول بكلِّ ما أملك من قوة: لا رقيَّ لنا إلا برقيّتى ظهرتنا التي هي الإسلام وبتجليةِ حقائق الشريعة، وإلا صدَقَ فينا المَثَل: "ضَيَّعَ المِشْيَتَين".
أجل، إن علينا أن نستشعر عزَّةَ القوميَّة الإسلاميَّة وشرفَها، وأن نستشعر ثوابَ الآخرة، وأن نستشعر كذلك الحَمِيَّة الوطنيَّة والحَمِيَّة الإسلامْسًا وستشعرَ حبَّ الوطن وحُبَّ الدين معًا.
أيها الباشاوات والضباط..إنني أطالب بعقوبتي على جرائمي، وبالإجابة الآن على أسئلتي؛ أما الإسلام فهو الإنسانيَّة الكبرى، وأما الشريعة فهي المدنيَّةُ الفُضْلى، وإن العالَم الإسلامي لهو الخَلالمتبقن يكون مدينة أفلاطون الفاضلة:
السؤال الأول:(حاشية): كانت هذه الأسئلة سببًا في إطلاق سراح بضعةٍ وأربعين سجينًا بريئًا. ما عقوبة البسطاء السُّذَّج الذين وقعوا ضحيةَ تضليلاتِ الصُّحُف، فانجرفوا في التيار العام بدافع الأعراف حين.
ليد، ظانِّين أن عملهم هذا مشروع؟
السؤال الثاني:أرأيتُم لو تمثَّل إنسانٌ بصورةِ أفعى، أو تزيَّا وليٌّ بزيِّ قاطعِ طريقٍ، أو تشكَّلتِ المَشْرُوطِيّة في شكلِ الاستبداد؛ ما عقوبة مَن يتصدَّى رتباك:؟ لعلَّهم في الحقيقة أفاعٍ وقطاعُ طرق ومستبدون!!
السؤال الثالث:أيكون المستبدُّ شخصًا واحدًا فحسب؟ ألا يمكن أن يكون أشخاصًا متعدِّدين؟
إنني أعتقد أنه ينبغي أن تكون القغايته القانون، وإلا انتشر الاستبداد واشتدَّ عبر المنظمات.
السؤال الرابع:أيُّما أشدُّ ضررًا: إعدام بريءٍ واحد؟ أم العفو عن عشَرة مجرمين؟
السؤال الخامس:ألا تؤدي ملاحقةُ أهل الفكر وأصحاب المبادئ إلى فُشُوِّ النفاق واقلامكم فضلًا عن عدم جدواها في القضاء عليهم؟
— 80 —
السؤال السادس:بأيِّ شيءٍ سوى إلغاء الامتيازات يتحقق اتحاد الأمة الذي هو معدِن حياتنا الاجتماعية؟
السؤال السابع:أرأيتم إلى الإخلالِ بالمساواة وقصرِ تطبيقها على بعض النا ثمانيتنفيذِ القانون بحذافيره عليهم، أليس هذا تحاملًا وظلمًا بلا مساواة وإن كان ظاهرُه العدالة؟!
ثم أرأيتم إلى أكثريَّة المعتقلين الذين تبيَّنام نفساءتُهم بتبرئتهم وإطلاق سراحهم - ولعلهم يبلغون ثمانين بالمئة من المعتقلين - فإن كان ما أصابهم هو حكم القانون، أفلا يَرى غالبيةُ الناس في هذا الحكمِ حقدًا ومشاعرَ انتقام؟!
ليس عندي ما أقوله للمحكمة اتًا منة العرفية، وإنما على المخبِرين أن يتفكَّروا في الأمر.
السؤال الثامن:أرأيتم لو أن فئةً منحتْ نفسَها امتيازاتٍ دون سائر الناس مدَّعيةً أنها تميَّتن المَشْرُوطِيّة، ثم راحت تتعرض للناس وتستفزُّهم وتجرح مشاعرهم المرةَ تِلو الأخرى لِتَضطرَّهم أن يظهروا في صورة من يعارِض المَشْرُوطِيّة؛ فمَنْ المذنِبُ يا تُرى إنْ تصدَّى الناس لهذا الاستبداد العنيد الذي يتزيا، فغسيِّ المَشْرُوطِيّة؟!
السؤال التاسع:لو أن بوَّاب حديقةٍ فتح بابها وأباح دخولَها للجميع، مَن المُذنِب يا ترى إن أصاب الحديقةَ من جرّاءِ ذلك ضرر؟!
السؤال العاشر:أرأيتم إنْ فُتِحَ المجال أما كانية الفكر والتعبير، ثم حوسِب الناسُ على أفكارهم وكلامهم، ألا يُعَدُّ ذلك خُطةً لإلقاء هذا الشعب المسكين في الجحيم؟!
وحتى لو لم يكن ثمّة خطةً لذلك، ألا يخطر بالبال فمثذرائع أخرى تُوضَع موضع التنفيذ لتحقيق الغرض نفسه؟!
السؤال الحادي عشر:الجميعُ يَحلِفون باسم المَشْرُوطِيّة، والحال أنهم إما معارضون لمسمَّاها أو ساكتون عن معارضيها، أفلا تلزمهم إذًا كفارة اليمين؟! ألا يكون الشعب عندئذٍ كاذبًا؟! ألا يُلابل..حينَها الرأيُ العام البريء كاذبًا مختلَّ العقل فاقدَ التمييز؟!
— 81 —
الحاصل:إن الوضع السائد اليوم هو تسلُّطٌ واستبدادٌ شديد، بسبب تفشي الجهل، وكأن الاستبداد والتجسس على الرعية قد تناسخا، والظاهرُ أن المقصَد لم كيد؛ أتعادةَ الحريَّة من السلطان عبد الحميد، بل تحويلَ الاستبداد الخفيف القليل إلى استبدادٍ شديدٍ كثير.
نصفُ السؤال:أرأيتم لو أن شخصًا نحيل البدن رقيق الحسِّ، لم يتحمَّل لتي ومدالبعوض والنحل، فراح يدفعُها عن نفسه ببالغِ المشقَّة والاضطراب، فقال أحدهم: ليس مقصَد هذا الرجل أن يدفع البعوض أو النحل عن نفسه، وإنما غرضُه أن يوقظ أسدًا ضاريًا ليسلِّطه على نفسه؛ فأيُّ أحمقَ سينخدع بهذا او أن ها تُرى؟!
لا إِذْنَ بالإفصاح عن نصف السؤال الآخر.
أيها الباشاوات والضباط..
إنني أقول بكل قوتي: أنا مُصِرٌّ غايةَ الإصرار على جميع الحقائق التي في جميع مقالاتي المنشورة في الصُّحُف؛ ولو دُعيتُ من قِبَل محكمةلقراءةِ السعادة" في الزمان الماضي باسم عدالة الشريعة، لأبرزْتُ الحقائقَ التي نشرتُها بعينها، وأقصى ما سأفعله حينئذٍ هو أن أُلبسَها زِيًّا يوافق ضرورات ذلك الزمان؛ ولو استُدْعيْتُ مِن قِبَل المستقبل بعد ثلاثمئة سنةٍ بمذكِّرةِ استدعاءِ ميةٍ تخ إلى محكمة العقلاء الناقدين، لأظهرتُ كذلك هذه الحقائق غضَّةً طريَّةً مع رَتْقِ ما انفتقَ بالتوسُّع والانبساط؛ أي إن الحقيقة لا تتحوَّل.. الحقيقة هي الحق، والحق يَعلو ولا يُعلى عليه.
لقد استيقظتِ الأمة، ولئن يقع فْ حينًا من الزمن بالمغالطة والجَرْبَزَة فإن ذلك لن يدوم؛ أما الوهم الذي يُصوَّر على أنه حقيقة فعمره قصير، وستتبدد تلك المغالطات والتضليلات بفضلِ الرأي العام اليقِظ المتحمس، وستظهر الحقيقة إن شاء اللّٰه.
هذه اان الوضع في سجنكم الفظيع مُريعًا: زمانٌ عصيب، ومكانٌ موحِش، وسجينٌ مستوحش؛ صحُفٌ مُرْجِفة، وأفكارٌ مشوَّشة، وقلوبٌ حزينة، وضمائرُ متألِّمة يائسة؛ حرسٌ مزعجون، وموظَّفون في أوَّل الأمر شامتون؛ لكنْ بالرغم من ذلك كلِّّرةِ
كان الأمر بالنسبة إليَّ أشبهَ ما يكون بتسلية، إذْ لم يكن ضميري يؤنِّبني؛ بل لقد كان تنوُّع المصائب بالنسبة لي أشبهَ بتنوُّع نغمات الموسيقى؛ ثم إنني أتممتُ اليومَ في هذه المدرسةحهم حاَ الذي حصَّلتُه في مشفى المجانين السنةَ الماضية؛ لقد تلقيتُ دروسًا طويلةً لطولِ زمان المصيبة، وتلقيتُ من حزنِ المظلوم البريء - الذي هو اللذة الروحية في الدنيا - درسَ الرأفةِ بالضعيف والمَقْتِ للظالم.
وإنني على أملي هذا ٍ بأن الآهات والأنَّات المتبخِّرةَ بحرارةِ الحزن من قلوبِ أبرياء كُثْر ستشكِّل سَحَابةَ رحمةٍ، ولقد أخذتْ هذه السَّحابةُ تتشكَّل فعلًا بتشكُّل دولٍ إسلاميةٍ شيئًا فشيئًا في العالَم الإسلامي.
ألاالحرب ن كانت المدنيَّةُ أرضيةً تمهِّد السبيل لتعدِّياتٍ تدمِّر الكرامة، وافتراءاتٍ تفضي إلى النفاق، وسلوكياتٍ تستخفُّ بالدين، ومغالطاتٍ شيطانيَّة، وأفكارِ انتقامٍ متعسِّفة، فليشهد الجميع أنني أُفضِّل الخيامَ البدويَّة البدائية في أعالي جبال الولاياابقين قية، حيث ميدانُ الحريَّة المطلقة، وأختارها بدلًا من المدنيَّة موطنِ الأحقاد والنوايا السيئة المسمَّاة قصرَ السعادة؛ لأن حريَّةَ الفكر، وحريَّةَ التعبير، وحُسْنَ النية، وسلامةَ القلب، ، أما م أرَ شيئًا منها في هذه المدنيَّة الدَّنيَّة، هي النافذُ حكمُها بكلِّ ما تعنيه في جبال شرقيِّ الأناضول.
والأدباء أصحابُ أدبٍ فيما أعلم، لكنني أرى بعض الصُّحُف عديمةِ الأدب تنشر الأحقاد، فإذا كان الأدب هكذا، وإذا كان الرأي العام مشوّه اطمئضطربًا إلى هذه الدرجة، فاشهدوا أنني قد تخلَّيتُ عن هذا الأدب، وألَّا علاقة لي به؛ ولسوف أُطالع ألواحَ العالَم وأجرامَه على قمة "باشيد" في أعالي جبال بلدي بدلًا من مطالعة هذه الصُّحُف.
فضلُ الإلٰه بنا يسمو ويرفعُنا
قِدْمًا غَنِيلإسلامعن كلِّ حادثةٍ
نحن المجانينُ لا ليلى ووُصلتَها
عن كلِّ أعطيةٍ جوفاءَ تُغرينا
فما رَنَتْ للسِّوى يَومًا أمانينا
نبغي، ولا ذِكرَها كنا مُرجِّينا
— 83 —
تنبيه:إن استقالتي من المدنية ستُقْلِقُكم.
أجل، إنندينيَِّّل حياة البداوة على هذه المدنيَّة الممزوجة بالذُّلِّ والرذيلة والاستبداد؛ فهذه المدنيَّة تجعل الناس فقراء بلا أخلاق، منغمسين في اللّٰهو والرذيلة؛ أما المدنية الحقيقية فتخدم رُقيَّ النوع الإ٭ ٭
وكمالَه، وتُخرِج ماهيَّتَه النوعيَّة من حيِّزِ القوة إلى حيِّزِ الفعل، وطَلَبُها بهذا الاعتبار طَلَبٌ للإنسانيَّة.
ثم إن سبب افتتاني بمعنى المَشْرُوطِيّة ومحبتي لها هو أن الباب الأول لرقيِّ آسيا والعارفعَ مإسلامي مستقبلًا إنما هو المَشْرُوطِيّة المشروعة والحريَّة ضمن دائرة الشريعة.
وإن مفتاح سعادةِ الإسلام وعزَّتِه وحُسْنِ طالعِه ليس إلا في الشورى التي في المَشْرُوطِيّة، ذلك أنه الحيلةه اللحظة يرزح ثلاثُمئةٍ وسبعون مليون مسلمٍ تحت استبداد الأجانب المعنوي، فإن سادتْ حاكميةُ الإسلام في العالَم اليوم، خصوصًا في آسيا، كان لكلِّ فردٍ مسلمٍ جزءٌ حقيقيٌّ من الحاكمية؛ والحرية هي الحل الوحيد ت إنما ثلاثِمئةٍ وسبعين مليون مسلمٍ من الأَسْر، فلو فرضنا - مُحالًا - تضرُّرَ عشرين مليون شخصٍ هنا في سبيل تأسيس الحريَّة، فليكن هذا فداءً لها، نعطي عشرين ونأخذ حاد بيئة.
فوا أسفاه!! إن العناصر والأعراق عندنا مختلطةٌ كالهواء، لم تمتزج كالماء؛ لكنها ستمتزجُ بفعلِ كهرباءِ الحقائق الإسلامية، وتُوَلِّد القوةَ بحرارة ضياء المعارف الإسلامية، لتُوْلَد عدالةٌ معتدلةُ المزاج إن شاء اللّٰه.
عاشت المَشْرُوُطلُّ المشروعة، وسَلِمتِ الحرية النيِّرة المتلقِّيةُ درسَها التامَّ من تربية الحقيقة الشرعية.
غريب زمان الاستبداد،
بديع زمان المَشْرُوطِيّة،
بدعة هذا الزمان
سعيةِ بالُورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 84 —
لم يمكث بعد ذلك طويلًا في إسطنبول، بل غادرها متوجهًا إلى "وان"، وبينما هو في طريقه إليها عبْر "باطوم" مرَّ بی"تفليس" وصعِد إلى "تلِّ الشيخ صنعان" هناك، وبينما كان يتأمَّل فيما حوله، إذا بشرطيٍّ روسيٍّ يأتيه فالخدمة
٭ لماذا تمعِن النظر هكذا؟
- إنني أُخطط لمدرستي.
٭ من أين أنت؟
- من "بِتْليس".
٭ لكنْ هنا "تفليس"!!
- إن "بِتْليس" و"تِفليس" شقيقتان.
٭ ماذا تقصد؟
- إن ثمّة ثلاثة أنوار قد أخذت تُشْرِق تباعًا في آسيا والعالم الإسلالفُرقثمّة ثلاثُ ظُلُمات مطبقة عندكم ستنقشع وتتبدَّد، فيتمزَّق على إثرها حجابُ الاستبداد هذا وينحسر، وسآتي عندئذٍ إلى هنا فأنشئ مدرستي.
٭ هيهات!! . . إني لَأَعْجَبُ من آمالِك هذه!!
- وأنا أعجَبُ من عقلك! أتَظُنُّالازدريدومُ هذا الشتاءُ؟!! إن بعد كلِّ شتاءٍ ربيعًا، وبعدَ كلِّ ليلٍ نهارًا.
٭ إن الإسلام قد تمزَّق إرَبًا إرَبًا!!
- لقد ذهب أبناؤه يحصِّلون العلوم، فها هي الهند ابنُ الإسلام المتحفِّز يَجِدُّ ليةً بِّيّة الإنكليز، وها هي مصر ابنُ الإسلام الذكي يتلقَّى الدروس في كُلِّيّة الإدارة الإنكليزية، وتلك القوقازُ وأرضُ التُّرك ابنا العالم الاسلامي المغواران، يتلقيان الدروس في الكلية الحربية الروسية.. إلى آخر ذلك.
سلوبه يا هذا.. إن أبناء الحَسَب والمجد هؤلاء بعد أن يَحصُلوا على شهاداتهم، سيتولى كلٌّ منهم قارةً، وسيرفعون رايةَ أبيهم العادل، رايةَ الإسلام المهيبة خفاقةً في ِّثه..لكمالات، وسيُعلنون بحماية القدَرِ الأزلي - رغم أنف الزمان - سرَّ الحكمةِ الأزلية في نوع بني البشر.
٭ ٭ ٭
وفور وصوله إلى "وان"، شَرَعَ بديع الزمان يطوف على العشائر في مهمةٍ إرشاديةٍ يقدِّم فيها الدروس العلمية والمدنية والَّة واية، وقد نشر بهذا الخصوص كتابًا رتَّبه بطريقة السؤال والجواب وسمَّاه: "المناظرات"؛ وكانت محاوراته مع أهل السياسة من جهةٍ، ومع العشائر وطبقات الناس من جهةٍ أخرى مثارَ اهتادات، ا ريب، وإنه ليتبدَّى في كلِّ ما سبق أن غايتَه العظمى والوحيدة كانت نشرَ نور الإسلام وحقائق القرآن في العالم، وأنه أدى وظيفتَه أتمَّ أداءٍ في جميع حياته: دَلَّالَ القرآإنه قديم.
أمثلة من محاورات بديع الزمان ومناظراته مع عشائرِ شرقيِّ الأناضول
سؤال: إن لم يكن على الدين ضرر، فليكنْ ما يكون ولا نُبالي.
الجواب:الإسلام كالشمس، لا ينطفئ بنفخِ الموجودا وكالنهار، لا ينقلب بإغماضِ العين ليلًا إلا لمن أغمض عينيه.
فيا عجبًا!! أيُّ الأمرَيْن أَوْلى: أن يُعتَمَد على رئيسٍ مغلوبٍ على أمره ولا حيلةَ له، وموظَّفين مداهِنين، وضباطٍ لا منطق لهم، وتُتْرَكَ حمايةُ الدين لهم؛ أم تُترَك للسضاءَ هألماسي الحاصل من امتزاج شراراتِ الحَمِيَّة الإسلامية الساطعة، وللعمود النورانيِّ الحاصل من اجتماعِ لمَعاتِ الأنوارِ الإلٰهيَّة، وهي الشَفَقةُ الإيمانيَّة التي يَجِيْشُ بها كلُّ قلب،ليه طلاعرُ الإسلاميَّة التي يقوم عليها الرأي العام للأمة؟! فاحكموا أنتم أيُّهما أولى؟
— 86 —

بلى؛ سيَحمِل هذا(8Uعمودُ النورانيُّ حمايةَ الدين على عاتِق حَمِيَّته، وسيجعله على رأسِ شهامته وعينِ مراقبته.

فها أنتم تَرَون اللمعاتِ المتفرِّقةالمسماخذت تتلألأ، ولسوف تمتزج بالانجذاب شيئًا فشيئًا؛ فلقد تَقَرَّر في علم الحكمة أن الحسَّ الديني - لا سيَّما الدينَ الفطريَّ الحق - أَنْفَذُ كلامًا، وأعلى حُكمًا،يعَ الُ تأثيرًا.
نعم، نعم، لا تتأسَّفوا، ولا يَفتُرْ شوقُكم إنْ قطعَ البعوضُ طنينَه، أو خَفَتَ النحلُ دَوِيَّه؛ فالموسيقا الإلٰهيَّة التي تُرقِص الكائناتِ بنغماتها، وتَهُزُّ أسرارَ اضيفَ ا بإنشاداتها لا تتوقف، بل تَصدَح هادرةً على الدوام؛ ولا يزال سلطانُ الأَزَل وملِكُ الملوك يملأ العالَم بموسيقاه الإلٰهية: "القرآن"، فتتعالى لة والة السماء، وتنسابُ إلى أصدافِ رؤوس العلماء، ومغاراتِ قلوب الأولياء، وكهوفِ أفواه الخطباء، فترتدُّ من ألسنتهم أصداءَ سيَّارةً سيَّالة، وتتمثَّل بالطباعةِ كتبًا إسلاميةً، كلُّ كتيَّةَ بهُ بوَتَرٍ يشدو لحنًا سماويًّا روحيًّا؛ فمن لم يَسمعه أو يستمع إليه بأُذُنَي القلب، أسيستمع إلى طنطناتِ أميرٍ ورجالِ حكومةٍ هي بالنسبة لذلك الصدى أشبهُ بطنينِ البعو"تاغ" لذباب؟!

.......

س: لقد فسَّروا لنا الحريَّة تفسيرًا بالغ السوء، حتى قالوا: إن من الحرية أنْ لو ارتكب الإنسانُ كلَّ سیفاهةٍ ورذالةٍ لم يؤاخَذْ بشيءٍ ما لَت، ويبَّ غيرَه؛ أهي كذلك يا تُرى؟!
ج:إنما أعلَن هؤلاء عن سفاهتهم ورذالتهم لا عن الحرية، وجاؤوا بهَذَيانٍ كمَزاعِم الصِّبْيان؛ ذلك أن الحريَّة الحسناء يَلزَمها أن تتأدَّب بالآداب الشرعيى معاديَّن بها، وإلا فليست السفاهةُ والرذالة من الحرية في شيء؛ بل هي الحيَوانيَّةُ، واستبدادُ الشيطان، وإسارُ النفس الأمَّارة.
إن الحريَّة العامَّة ن، وأني محصَّلُ ذرَّاتِ حريَّات الأفراد، وشأنُها ألَّا يَضُرَّ الإنسانُ نَفْسَه ولا غيرَه؛ إلا أنَّ عندكم أيها البُداة الرُّحَّل نصفَ حرية، ونصفُها الآخر عدمُ إفسادِ حرية الآخرين.
— 87 —
هذا، مع أن الحريَّة الممزوجة بالبدائية وبحالةِ عيش الكفاف لأبناةٌ كذلك لدى جيرانكم من الحيَوانات في الجبال؛ والواقع أنه ليس لتلك الحيوانات الوحشية عديمةِ الحيلة من لذَّةٍ وتسليةٍ - إنْ وُجِدتْ - سوى حريَّتها، أمَّا الحرية المتلألئة كالشمس يمكن شوقةُ لكلِّ روح، الكفءُ لجوهرِ الإنسانية، فهي التي تخدَّرتْ في قصرِ سعادةِ المدنيَّة، وتزيَّنَتْ بحُلَلِ المعرفةِ والفضيلة والتربية الإسلامية.

.......

س: كيف كاِي العريَّةُ خاصِّيةَ الإيمان؟
ج:لأنه كما مَنَعَتْ عِزةُ الإيمان وشهامتُه مَن كان - برابطة الإيمان - خادمًا لسلطانِ الكائنات مِن أن ينحَطَّ بالتذلُّل لغيره، ومِن أن يَدخُل تحت استبدادِ غيرِه وتحكُّمه، فكذلك تحجُزُه شَفَقَتُه الامعةٍ َّة عن التعدِّي على حقوق الآخرين وحريَّاتهم.
أجل، إن مَن كان خادمًا مُخْلِصًا للسلطان، لم يتذلَّل لتسلُّط راعٍ، ولم يتنزَّل للتسلُّط على مسكينٍ لالنور، ه ولا قوة؛ إذًا فعلى قدرِ كمالِ الإيمان تتلألأُ الحريَّة؛ ودونكُم عصرَ السعادة وخير القرون.

.......

س: كيف نكون أحرارًا إزاء شخصٍ عظيمٍ، أو وليٍّ، أو شيخٍ، أو عالِمٍ كبير؟ فإن هؤلاء - لِما لهم من المزايا - من حقِّهم أن يتاب، وظا بنا، ونحن أسرى فضائلهم.
ج:إن شأن الولايةِ والمشيَخةِ والعَظَمَةِ التواضعُ والفناءُ عن النفس لا التكبُّر والتحكُّم؛ وعلى هذا فالمتكبِّر صبيٌّ متشيِّخ، فلا يكنْ في عُرفكم كبيرًا.

.......

الحروفيهات!! ما القولُ وقد فغَرَتْ تلك الثعابين الرهيبة أفواهها تبغي تمزيق دولتنا، وتسميمَ جوانب حياتنا؛ وتَقلِبُ أملَنا العُلْويَّ الذي يمنحنا اوشأن اانَ يأسًا؟!
ج:لاتخافوا؛ لقد أخذت المدنيَّةُ والفضيلةُ والحريَّةُ تَقرَعُ بابَ عالَم الإنسانية غالبةً تَثقُل كِفَّتُها؛ فلا بدَّ أن تَخِفَّ كِفهم الإلميزان الأخرى شيئًا فشيئًا.
— 88 —
ولو فرضنا على سبيل المُحال أنهم - لا سمح اللّٰه - مزَّقونا وقتلونا، فكونوا على ثقةٍ أننا سنُقْتَل عشرين، وسَنُرَدُّ إلى الحياة ثلاثَمئةٍ، ننفض عن رؤوسنا غبارَ الرذائل والاللعوال ونغدو في مقدِّمةِ قافلةِ بني البشر، نَقودُها متَّحدين منوَّرين نورًا حقيقيًّا؛ فلا تخشَوا موتًا يُنتِجُ حياةً تكون الأشدَّ والأقوى والأبقى؛ وإن مُتْنا فسيبقى الإسلام سليمًا أيضًا؛ فلْتَسْلَمِ الأمة المقدَّسة.
س:ياسةٍ تساوى مع غير المسلمين؟!
ج:المساواة ليست في الفضيلة والشرف، بل في الحقوق؛ فالسُّلطان وسُوْقَةُ الناسِ في الحقوق سواءٌ.
أرأيتم شريعةً قالت: لا تطأْ نملةً وأنتَ تعلم، ومنعتْ من تعذيبها؛ كيف تُهمل حقوق بني آدم؟! كلّاتٍ ليكننا نحن الذين لمْ نَمْتثل لها.
بلى، إني لأظنُّ أن محاكمةَ الإمام عليٍّ رضي اللّٰه عنه مع يهوديٍّ من العامَّة، ومرافعةَ مدارِ فخركم صلاِي عن ين الأيوبيِّ مع نصرانيٍّ مسكين، تُصحِّحان خطأكم هذا.
(حاشية): حين كان "سعيدٌ القديم" يناضلُ لأجل "الحريَّة" بحماسٍ وسُلوانٍ تامٍّ وأملٍ قويٍّ آتٍ من خاصيَّة "النور" الساطعة، جاعلًا من السياسة أداةً للإسلام، استشعر الآية قبلَ الوقوع مجيءَ استبدادٍ مُطلَقٍ رهيبٍ يعادي الدين بناءً على ما فهِمَ من معنى حديثٍ شريف، فأَخبر عن ذلك قبل وقوعه بخمسين سنة، وقد شعر بأنَّ ما أَخبر به من أملٍ وسُلوان سيكذِّبه ذلك الاستبدادُ المطلق تكذيبًا فعليًّا على أمرٌ أس وعشرين سنة، فنبذَ السياسةَ منذ ثلاثين سنة قائلًا: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة"، وأصبح "سعيدًا الجديد".
ذلك أن المَشْرُوطِيّة هي حاكميَّیةُ.
أة، والحكومة خادمیة؛ فإذا صَدَقتِ المَشْرُوطِيّةُ لم يكن قائمُ المقام ولا الوالي رؤساء، بل خدَّامًا مأجورين؛ فغيرُ المسلم لا يمكن أن يكون رئيسًا بل خادمًاعبةَ اإذا فرضتُم أن الوظيفة نوعُ رئاسةٍ وسيادة، فإننا حين نُشرِك في رئاستنا ثلاثة آلافٍ من غير المسلمين، نكون قد فتحنا طريقًا إلى رئاسةِ ثلاثِمئةِ ألفِ فردٍ من أمة الإسلام في أقطار العالَم؛ فمَن خَسِرَ واحدًا وربِحَ ألفًا لم يتضرَّر.
— 89 —
جوابَُّل وتص حادثةِ ٣١ مارت
لقد شاهدتُ في "حادثة ٣١ مارت" حالةً قريبةً من هذه؛ ذلك أن حُماة المَشْرُوطِيّة ذوي الحميَّةِ الذين يَفْدُون الإسلام بأرواحهم، والذين عرفوا نعمتَها ووجدوا فيها جوهرَ الحياةها، وطجَدُّوا في تطبيقِ تفرُّعاتها على وفقِ الشريعة، وأرشدوا أهل الحكومة إلى القِبلةِ في صلاة العدالة، وأرادوا إعلاء اسم الشريعة المقدَّسة بقوَّة المَشْرُوطِيّة، وإبقاءَ المَشْرُوطِيّة بقوَّة الشريعة، مجلس اَ جميعِ السيئات السابقةِ على عاتق مخالفة الشريعة؛ إذا ببعضِ مَن لا يميِّز يمينَه من شِمالِه أخذ يردِّد كالببغاوات مناديًا: "نريد الشريعة"، ظنًّا منهم أن الشريعة تسمح بالاستبداد - حاقيقية، فلم يَعُد يُفهَم المقصَد الحقيقي في غمرةِ ذلك.
وكانت الخُطط قد حِيْكَتْ من قبلُ، فكان أنْ هجم في ذلك الحين بعض الأوغاد المقَنَّعين بقِناعِ الحميَّةِ كذبًا على خلفَهاسم المقدس؛ فهذه نقطة سوداء فيها عبرةٌ بالغة.
(حاشية): انتبِهْ لا تَیمْضِ؛ لقد سكت في تلك الحادثة أهلُ الهِمم العالية، وأَسكتتِ الصُّحُف المغرِضة صوتَ الحرية الحقيقي، فانحصرت المَشروطِيَّة في قلّكلام ايلةٍ من الناس، وتفرَّق عنها حُماتُها.

.......

والحقيقةُ عندي أن الشخصَ المنحدرَ من نسلِ مسلمٍ لا يمكن أن تتبرَّأ فطرتُه ووجدانُه من الإسلام بحالٍ، حتى وإن تجرَّدَ عنه عقلُه وفكرُه؛ بل إن أبي من اس بلاهةً وسفاهةً - فضلًا عن المطَّلِعين على السياسة - لَينحازون بكلِّ كيانهم إلى الإسلام الذي هو مستندُنا وحصنُنا المنيع.
ثم إن التاريخ يُخبِرنا بأنه لم يوجد منذ "عصر السعادة" إلى الآنميذها واحدٌ رجَّح على الإسلام دينًا آخر بالمحاكمة العقلية، أو دخل في دينٍ آخر بالدليل.
نعم، يوجد مَن خرج عن الدين، وهذه مسألة أخرى؛ أما التقليد فلا أهميَّة له.
— 90 —
والحال أن منتسبي سائر الأديان إنما دخلوا في الإسلام ويدخلون فيه أفواجًا بالمحإنشاء لعقلية والبرهان القطعي؛ وسيدخلون فيه أفواجًا إن نحن أريناهم الإسلام الحقَّ وما يليق به من صدقٍ واستقامة.
ويُخبِرنا التاريخُ أيضًا، أن تمدُّنَ أهلِ الإسلام متناسبٌ طردًا مع اتِّباعِهم لحقيقة مسلمٌلام، أما تمدُّن الآخرين فمتناسبٌ عكسًا مع أديانهم.
كما تُخبِرُنا الحقيقةُ أيضًا أنه ليس بمقدورِ مَن تَنَبَّه مِن البشر أن يكون بلا دين، لا سيُّسجَّلن استيقظ وذاق طَعْمَ الإنسانيَّة، وعَرَف أنه مهيَّأٌ للمستقبل والأبد، فلا يمكنه العيش بلا دين؛ ذلك أنه لا يُمكنه العيش ما لَم يحصل على نقطةٍ يكون منها استمدادُه، وعليها - في مواجهة هجوم الكائنات - ئق منهُه، وفيها تنشأ وتترعرع آمالُه اللامحدودة، أعني بهذه النقطة بذرةَ الحقيقة التي هيالدين الحق؛فلهذا السرِّ استيقَظَ لدى كل فردٍ ميلُ التحرِّ ماءٍالدين الحق، وهذا يومئ إلى أنَّ الإسلام سيكون دينَ الفطرة للنوع البشري في المستقبل.
فيا عديمي الإنصاف.. كيف ضاقتْ في نظركم حقيقةُ الإسلامِ القادرِ على استيعاب العالَم وتتراءى وتوحيده وإنارته، حتى شرعتُم تَقصُرونَه على الفقراء وبعضِ الشيوخ المتعصِّبين، تبغُون أن تُخرِجوا منه نصفَ أهلِه؟! وكيف تتجرَّؤون على "قَصرِ" الإسلام النوراني الجامِعِ للكمالات، الحاوي جميعَ الموادِّ المربِّية للمشاعر السامية لدى عموم النوعِبهذا اي، فتتخيلونه "خيمةَ عزاءٍ سوداء" ضُرِبتْ على جماعةٍ من الفقراء والبدو والمتخلِّفين؟!
بلى، إن كلَّ امرىءٍ تبعٌ لما يشاهد في مرآتِه، فمرآتُكم السوداءُ الكاذبة قد مثَّلتْ لكم الأمرَ هكذا.وإلقاء إنك تُفرِط وترى الخيالَ حقيقةً، وتُهيننا بتجهيلنا كذلك؛ هذا آخرُ الزمان.. ولَسوف يسوء الزمانُ أكثر فأكثر.
ج:لماذا ينبغي أن تكون الدنيا دنيا التَرَقّهم، واميع؛ وتكونَ لنا وحدَنا دنيا التدنِّي؟! أهو كذلك؟! لن أخاطبكم إذًا، هاأنَذا ألتفِتُ إلى الناحية الأخرى فأخاطِب مَن في المستقبَل.
— 91 —
أيها المتوارون خلفَ عصرٍ شاهقٍ بعد ثلاثمئة سنة، تستمعون إلى كلمات النور بصمت، وتشاهدوننا بِطَرْفٍ خفيٍّ غائي فيا مَن يُسَمَّى سعيدًا وحمزةَ وعُمَرَ وعثمانَ وطاهرًا ويوسفَ وأحمدَ، ويا أيها الباقون.. إياكم أخاطب.. ارفعوا رؤوسَكم وقولوا: صدقتَ.. لِيكن هذا التصديق دَينًا في ذمتكم؛ فلستُ أُبالي إنْ لم يَستمع إاسَ كأعاصريَّ هؤلاء؛ إنني أتحدَّثُ إليكم عبر أثير التلغراف الممتدِّ من أودية الماضي المسمَّى "التاريخ" إلى ذُرى مستقبلكم الرفيع.
ما حيلتي؟ لقد استعجلتُ فجئتُ في الشتاء، وستأتون في ربيستقبل جنة؛ إنَّ بذورَ النور التي تُبذَر الآن ستَتَفتَّح أزهارًا في أرضكم، وإن ما ننتظره منكم كأجرةٍ لقاءَ خِدماتنا أنكم إذا جئتم لتمرُّوا إلى حِقْبةِ الماضي فَعُوْجُوا على قبرنا، وقلِّدوا بعضًا من هدايا ذلك الربيع علىسَ الآلقلعة التي هي شاهِدُ قبرِ مدرستي، والمُضِيفةُ لأَعظُمي، وبوَّابةُ ثرى "خورخور"؛ (حاشية ١): المقصود قلعة مدينة "وان" التي هي بحكمِ شاهِدِ قبرِ مدرسةِ "خورخور" المندرسة، والتي هي بدورها نموذجُ "ن زمانة الزهراء" في "وان". سنُعلِم الحارس.. نادونا.. ستسمعون من قبرنا صدى: هنيئًا لكم.
إن هؤلاء الصغار الراضعين معنا ثديَ هذا الزمان، وعيونُهم في الخلف تنظُر إلى الماضي، وترجَ منتُهم شبيهةٌ بهم معزولةٌ بلا حقيقة، لَيَرَوْن حقائق هذا الكتاب خيالاتٍ، إلا أنني على ثقةٍ من أن مسائلَ هذا الكتاب ستتحقق واقعًا فيكم. (حاشية ٢): إنه ينبئ بحسٍّ قبل ندَ مَ عن كليات رسائل النور التي ستُؤلَّف في المستقبل.
يا من يسمعون خطابي؛ معذرةً إذْ أصرخ بشدَّة؛ فإنني أقف على منارةِ القرن الثالث عشر، أدعو إلى الجامع أولئك المدنةَ اعتصورةً، غيرَ المكترثين دينًا، الهائمين في أعمق أودية الماضي فكرًا:
أيا تاركي الإسلام الذي هو روح الحياتَين.. أيتها القبور المتحركةُ على رِجلَين.. يا سيئ المؤل.. لا تقفوا في باب الجيل القادم، فالقبور تنتظركم، انسحبوا حتى يأتي الجيل الجديد الذي سيرفع بحقٍّ أعلامَ الحقائقِ الإسلامية خفَّاقةً ترفرِف فوق الكائنات.
— 92 —
س: كان السابقون أعلى منا أو مثلَنا، وسيأتي اللاحقون أسوأ. مَهيب:أيها الأتراك والأكراد؛ تُرى لو عقدتُ الآن اجتماعًا، ودعوتُ إلى مجلسه المنعقِد في هذا العصر الصَّاخب أجدادَكم الذين مَضَوا قبل ألف سنة، وأولادَكم ال سوى اأتون بعد قرنَين من الزمان؛ ألن يقول أجدادكم الأقدمون الصَّافُّون عن اليمين: أيها الصِّغار العاقُّون المُضَيِّعون للميراث!! أأنتم نتيجةُ حياتنا؟! هيهات.. لقد قِستمونا قياسًا عقيمًا، وتركتمونا عقيمين!
وكذلر وليّ يقول أولادُكم الواقفون عن الشِّمال، القادمون من مدينة المستقبل مصدِّقين: أيها الآباء الكسالى؛ أأنتم لحياتنا مقدِّمتاها الصغرى والكبرى؟! أأنتم رابطتُنا والحدُّ الأوسط الرابط بيننا وبين أجدادنا العِظام؟! يالَكم من قياسٍ مختلِطٍ مغالمادِّلا حقيقة!!
فيا أيها البدو الرُّحَّل، - ويا أدعياء الثورة (٭): أُضيف هذا فيما بعد. - لقد رأيتم فوق المشهد الخيالي (حاشية ١): والخيال أيضًا سينما. أن كِلا الطرفَين في هذا الاجتماع السيرته د احتجَّ عليكم.
قِسمٌ من الأجوبة
إنْ كان الأمر كذلك فإني أقول: إنَّكم تملكون بحقٍّ استعدادًا لشجاعةٍ خارقة، بدليلِ أن أحدكم تهون عليه حياتُه في سبيل أمورٍ صغيرةٍ كمنفعةٍ يسيرةٍ، أو جاهٍ جزئيٍّ،ِ بلا فٍ رمزيٍّ، أو لِيقال عنه إنه بطل، ويقدِّمُ روحَه فداءً في سبيل تعظيم مقامِ رئيسه؛ فماذا لو صحا هؤلاء يا تُرى؟! ألا تَهون عليهم حياتُهم - حتى وإن كانت لهم آلافُ الأرواح - في سبيل قوميَّةِ الإسلام التي لا تقدَّر بثمن، (حاشية ٢): إن قوالمُسنا جسدٌ، روحُه الإسلام، وعقلُه القرآن والإيمان. إذْ تمنحهم أُخوَّةَ ثلاثمئةِ مليون مسلمٍ وعونَهم المعنوي؟!
— 93 —
إن مَن يبيع حياتَه لأجل عشر بارات، لا بدّنا شهاسيبيعها بكلِّ حماسٍ لأجل عشر ليرات.
فوا أسفاه!! مثلما خرجتْ محاسنُنا من أيدينا وأفضَت إلى غير المسلمين، سَرَق هؤلاء منا أخلاقَنا العالية؛ فكأنَّ بعضَ أخلاقنا الاجتماع كُليّفيعة إذْ لم تلقَ رواجًا عندنا، نفرتْ منا ولجأتْ إليهم؛ وكأنَّ بعضَ رذائلهم إذْ لم تجدْ كثيرَ رواجٍ عندهم، جُلِبَتْ إلى سوق جهالتنا!
ألا تَعجَبون إذْ تَرَون أنَّ كلمةً بيضاء وخَصلةً حمراء مثل: "إنْ أنا مِتُّ هائيًّم دولتي وأمتي وأحبَّتي"، التي هي أُسُّ أساسِ الرقيِّ والتقدم الحاضر، بل مقتضى الدِّين الحق، قد سرقها منا غيرُ المسلمين؟! فإنَّ الفدائيَّ والمُضَحِّيَ منهم يقول: "إنْ أمُتْ فلْتسلمْ أمَّتي؛ فإن حياتي المعنوية فيها"!! بينما تقودُنا وتولا يتيدَ هِمَّتِنا كلمةٌ حمقاءُ وسَجيَّةٌ عَوراءُ هي أساسُ جميعِ السفالات والأنانيَّات، مثل:"وإن مِتُّ عطَشًا فلا نزَلَ القَطْرُ" أو: "فلتكن الدنيا بعد مماتي ما شاءتْ أن تكون، وليكن من بعدي الطُّوفان"!!
وعلىل الأوإن أحمَدَ خِصالِنا ومقتضى ديننا أن نقول بأرواحنا وجوارحنا ووجداننا وفِكرنا وجميع قوانا: إننا إذا مِتْنا فالإسلامُ - أُمَّتُنا - حيٌّ باقٍ إلى الأبد؛ فلْتسلمْ أمتي، حَسبي الثوابُ الأخروي، فإنَّ حياتي المعنويةََض لهمفي حياة الأمة تبقيني وتجعلني مسرورًا مبتهجًا في العالَم العُلْوي؛ ولْنقُل - ونورُ الحَميَّة النورانيَّة مرشِدُنا یی: الموتُ يومُ نَوْرُوْزِنا.

.......

ییس: ما أول ما يَلزمُنا؟
ییج:الصِّدق.
ییس:ثم ماذا؟
یألمِ اتناب الكذب.
ییس:ثم ماذا؟
ییج:الاستقامة، والوفاء، والإخلاص، والثبات، والتسانُد.
— 94 —
ییس: لماذا؟
ییج:لأن ماهيةَ الكفر: الكذب، وماهيةَ الإيمان: الصدق؛ أفلا يكفي برهانًا أن بقاء حياتنا رهنٌ بدوام الإيمادسة عشدق والتسانُد؟!
ییس: ألا يَلزَم إصلاح رؤسائنا أولًا؟
ییج:بلى؛ مثلما دَسَّ رؤساؤكم أموالَكم في جيوبهم وحبسوها فيها؛ أخذوا منكم عقولكم كذلك أو حبسوها في أدمغتكم؛ وعلى الثمن،نني أخاطب عقولَكم الموجودةَ عندهم.
أيها الرؤوس والرؤساء؛ إياكم والتواكُلَ الذي هو عين التكاسُل.. لا يُحِلْ أحدُكم العملَ على أحد.. اُخدُمونا بأموال وحقيقي بأيديكم، وبعقولِنا التي لديكم، فإنكم قد قبضتم أجرتكم باستخدام هؤلاء المساكين؛فعليكم بالتدارُك لِما ضَيَّعتم في الصيف،فهذا إذًا أوانُ الخدمة.

.......

والحاصل:لتي كارَعَ المسلمون في اليقظة؛ (حاشية): أجل، قيل هذا الكلام قبل خمس وأربعين سنة، ويُصدِّق "سعيدًا القديمَ" في درسه هذا الباكستانُ وعشائرُ البلدان العربية إذ نالوا حُكمهم واستقلالهم، وسيُصَدالفاسد في المستقبل. فقد رأوُا الخير خيرًا والشرَّ شَرًّا.
نعم؛ فهذا هو السرُّ الذي جعل عشائرَ هذه الوديان يتوبون، بل إن جميع المسلمين قد أخذ يسري فيهم هذا السرُّ شيئًا فشيئًا، فهم يستعِدّمةُ عنسبه أيضًا، إلا أنكم أقرب إلى القوميَّة الإسلامية المقدَّسة، لكونكم بَدْوًا لم تفسُد فطرتكم الأصلية.

.......

كان الذين لا يعرفونني في سياح الظلمرون إلى زِيِّي فيحسَبونني تاجرًا، فيسألونني:
ییس: أأنت تاجر؟
ییج:نعم؛ أنا تاجرٌ وكيميائي أيضًا.
— 95 —
ییس: كيف؟
ییج:أمزج بين مادتين، فيتولَّد من إحداهما اَّة وتاق الشافي، وتتولد من الأخرى كهرباء مضيئة.
ییس: أين توجد هاتان المادتان؟
ییج:في علبةٍ هي إما سوداء وإما ساطعةٌ كالألماس مكتوبٌ عليها: "القلب"، ضمن صندوقٍ يمشي على رِجْلين خُطَّ على جبهته:"الإنسان"؛ في سوق المدنيمن طلالفضيلة.
ییس: ما أسماؤها؟
ییج:الإيمان، المحبة، الوفاء، الحَمِيَّة.
الجريدة السيارة.. أبو لا شيء.. ابن الزمان.. أخو العجائب.. ابن عم الغرائب..
سعيد النُّوم والح
٭ ٭ ٭
ثم ذهب من "وان" إلى "دمشق"، وهناك ألحَّ عليه علماؤها أن يلقي خُطبةً، فألقى في المسجد الأموي خُطبةً في جمعٍ عظيمٍ من الناس بلغ نحو عشرة آلاف رجل، فيهم مئةٌ من أهل العلم، ولَقِيَتْ قبولًا واستحسانًا وتقديرًا فوق العاَشةً لد طُبِعتْ فيما بعد باسم "الخُطبة الشاميَّة".
لقد عرَّفَتْ هذه الخُطبةُ بأسبابِ الأمراض المادِّيَّة والمعنويَّة التي أصابت العالَمَ الإسلامي حتى جعلتْه رهين الأسْر والنكبات؛ وعرَضَتْ بالمقابل سُبُلَ الخلاص منها؛ ثم أَانيةَ بالدلائل العقلية أن الإسلام سيُقدِّمُ أعلى رقيٍّ ماديٍّ ومعنويٍّ على وجه الأرض؛ وأن مدنيَّتَه قادمةٌ بكمال المهابة لتطهِّر وجه الأرض مما لوَّثَه.
إنها خُطبةها لهذةٌ مبشِّرةٌ، ودرسٌ شاملٌ عظيمُ القيمة لا يقتصر على المسلمين فحسْب، بل يَعُمُّ الإنسانية.
— 96 —
يقول في مُستَهلِّها:
لقد تعلَّمتُ في مدرسة الحياة الاجتماعية للبشرية على هذه الأرض وفي هذا الزمان، وعَلِمتُ أنَّ هي الحفَنا ماديًّا عند القرون الوسطى، في الوقت الذي ترقَّى فيه الأجانب والأوروبيون وطاروا نحوَ المستقبل، إنما هي ستةُ أمراض:
١. حياةُ اليأس وانبعاثُه فينا.
٢. موتُ الصدق في الحياة الاجتنوَّابوالسياسية.
٣. محبَّةُ العداوة.
٤. الجهلُ بالرَّوابط النُّورانية التي تربط أهل الإيمان بعضَهم ببعض.
٥. الاستبدادُ المنتشرُ انتشارَ الأمراضِ السارية المتنوعة.
٦. حَصْرُ اافِ الي المصلحة الشخصية.
أما علاجُ هذه الأمراض السِّتة الوبيلة، فأخذْتُه من صيدلية القرآن الذي هو بمثابة كلِّيَّة الطبِّ لحياتنا الاجتماعية، أُبيِّنه في درسٍ وبمثاِّ كلماتٍ أَعلَمُ أنها هي أساسُ العلاج.
الكلمة الأولى: الأمل؛أي قوَّة الرجاء من الرحمة الإلٰهية.
أجل، إنني - بناءً على الدرس الذي تعلمتُه - أزُفُّ إليكم البشٍ بقولرَ المسلمين بأنه قد لاحتْ أَماراتُ الفجر الصادق، ودنا وقتُ شروقُ شمسِ السعادةِ الدنيوية لعالَمِ الإسلام اليوم؛ أخُصُّ بالذِّكر سعادةَ العثمانيين، خصوصًاذا الزَ مَن بصحوَتِهم ويقظتهم يترقَّى الإسلام، أعني العرب.
وإنني لأقول بقناعةٍ جازمةٍ تُسمِع الدنيا رغمَ أنفِ اليأس:
(حاشية): قبل خمسٍ وأربعين سن وإنَّر "سعيدٌ القديم"، بحسٍّ قبْلَ الوقوع، أن العالَم الإسلامي - وفي مقدمته الدول العربية - سيتخلَّص من الاستبداد ويتحرَّر من نَيْر الأجنبي، وسيُشكِّل دولًا إسلاميةً؛ ولم يفكِّر حينَها في الحربَين العالَميَّتَين ولا في الاستبدا إنْ كلق الذي دام نحوًا من أربعين سنة؛ فبشَّر بما كان في عام ١٣٧١ هی وكأنه سيكون في العام ١٣٢٧ هی، دون أن يأخذ بعين الاعتبار سببَ التأخير.
— 97 —
إن المستقبل سيكون للإسلام.. للإسلام وحدِرِ اليكون الحُكمُ لحقائق القرآن والإيمان؛ وإن لي على دعوايَ هذه براهينَ كثيرةً تعلَّمتُ منها الدرس، سأذكر منها الآن برهانًا ونصف برهان، وأبدأ بمقدمته:
إن حقائق الإسلام تمتاز بقابليَّتِها واستعدادِها التامِّ للرُّقيِّ المعنوي واَة مُبي.
فأماالجهة الأولى، وهي جهةُ الرُّقيِّ المعنوي،فاعلموا أن التاريخ الذي يُسجِّل الوقائع الحقيقية، والذي هو أصدقُ شاهدٍ على الحقيقة، يَعرِضُ لين بسيدةً عن حَقَّانيَّة الإسلام أدلى بها القائد الياباني الأعلى الذي هزم الروس، فقال: "إنَّ التاريخَ يبيِّن أن ترقِّيَ أهل الإسلام وتمدُّنَهم إْ إليهن بقدْرِ قوةِ الحقائق الإسلامية، وبقدْرِ تحرُّكِهم بهذه القوة؛ وأنه بقدر ضَعفِ تلك الحقائق كان سقوطُهم في التخلُّف والبدائية والانحطاط، ووقوعُهم في البلايا والهزائم والهَرْج والمَرْج؛ أما والمشلأديان فعلى العكس من ذلك".

.......

ولو أننا أظهرنا بأفعالنا مكارمَ الأخلاقِ الإسلاميَّة وكمالاتِ الحقائقِ الإيمانيَّة، لدخل أتباعُ الأديان الأخرى في الإسلام أفواجًا، بل لَلَجأتْ إلى حِماه دولُ الأرض وقلتي أثُها.

.......

فاعتبروا يا إخواني في هذا الجامع الأُموي، ويا إخواني في جامع العالم الإسلامي الكبير، خذوا العِبرة من هذه الأحداثِ الجِسام التي وقعَتْ في السنوات الخمس والأربعين الماضية، وتعقَّلوا يا أهل الفكر والرأي ويا مَنرَّد وُّون أنفسَهم مثقفين.
حاصل الكلام:نحن معاشرَ المسلمين تلاميذُ القرآن، نَتَّبع البرهان، ونَدخل بعقلِنا وفِكرنا وقلبنا في حقائق الإيمانسيةِ انَدَعُ البرهان تقليدًا للرُّهبان كما يفعلُ بعضُ أفرادِ سائرِ الأديان.
وبناءً على هذا فإنَّ الحاكم في المستقبل الذي سيَسُوده حكمُ العقل والعلم والمعرفة هو القرآنُرون بأيب؛ إذْ هو الذي يُصدِّقه البرهانُ العقلي، ويؤيِّد العقلُ جميعَ أحكامِه.
— 98 —
ثم إنَّ الحُجُبَ التي كانت تَحُول دون ظهور شمسِ الإسلام قد أَخذت تنقشع، والموانعَ التي كانت تمنع النور عن البشريَّةِ قد تحصل ترتفع؛ ولاحَتْ أَماراتُ ذلك الفجر قبل خمسٍ وأربعين سنة، وبَزَغَ الفجرُ الصادق سنةَ إحدى وسبعين وثلاثمئةٍ وألف أو كاد؛ فإن يكن هذا الفجر كاذبًا فسيطلُع الفجر الصادق بعد ثلاثين أو أربعين سنةً كتابٍ اللّٰه.
نعم، لقد حالَتْ ثمانيةُ موانعَ رهيبةٍ دون استيلاء حقيقةِ الإسلام على حقبةِ الزمانِ الماضي بتمامها:
فأولُها وثانيها وثالثها:جهلُ الأجانب، وهَمَجِيَّتُ من أنذلك الزمان، وتعصُّبُهم لدينهم؛ وهذه الموانع الثلاثة آخذةٌ بالتحطُّم والتلاشي بفضلِ محاسنِ المدنيَّة والمعرفة.
ورابعُها وخامسُها:سلطةُ القساوسة والزعماء الروحيين وتحكُّمُهم، وتقليدُ الأجانب لهم تقليدًا أعمى؛ وهذانأن يُععان آخذان بالزوال أيضًا بسببِ بزوغِ فِكرِ الحرِّيَّة وميلِ البشرِ لتحرِّي الحقيقة.
وسادسُها وسابعُها:الاستبدادُ المتفشِّي فينا، وسوءُ أخلاقنا النابعُ من مخالفة الشريعة؛ وإنَّ زوالَ قوة الاستبداد الشخصي الفِيّ
يوم لَيشير إلى زوال استبدادِ الجماعات والمنظمات الرهيبِ بعد ثلاثين أو أربعين سنة؛ وإنه باندفاع الحميَّة الإسلامية، وبظهورِ العواقب الوخيمة لسوء الأخلاق، أخذ هذان المانعان فيت.. لهل كذلك، وسيزولان زوالًا تامًّا إن شاء اللّٰه.
أما الثامن:فتوهُّم أنَّ بعضَ المسائل التي أثبتها العلم الحديث تُخالِف المعاني الظاهرية لحقائق الإسلام أو تُعارِضها، فقد وقف هذِّر، تا - بدرجةٍ ما - أمام غَلَبةِ الحقائق الإسلامية في الزمان الماضي.
فمثلًا: توهَّمَ أهلُ الفلسفة والعلومِ الحديثة أن الملَكَين الروحانيَّ فإن هوكَّلَين بالأرضِ بأمرٍ إلٰهي - واسمُهما الحوت والثور - هما عبارةٌ عن سمكةٍ ضخمةٍ وثَورٍ
— 99 —
هائلِ الحجم، ووَقَفوا من الإسلام موقف المعارِض لعدم معرفتهم بالحقيقة؛ وهناك مئاتُ الأمثلة من هذا القبيل تَضطرُّ أعتى الفلاسفة للتسل حتى م أن يقفوا على حقيقتها.
حتى إن رسائل النور قد عرَضَتْ في رسالةِ "المعجزات القرآنية" لكلِّ آيةٍ من الآيات التي اعترض عليها العلم، فكَشَفَتْ عما وراءَها من لمعةِ إعجازٍ قرآنيةٍ، وتناولَتْ كلَّ جُملةٍ وكلمةٍ من القرآن الكريومٍ إَها أهل العلوم الحديثة محلَّ انتقادٍ، فأظهرتْ فيها حقائقَ عاليةً لم تبلغها يد العلم، فألجأت أعتى الفلاسفة للتسليم؛ والرسالة في متناول يدِ الجميع،ِذ العأن يطالعها مَن شاء، فلْيطالعْها ولْيَرَ كيف تَحطَّمَ هذا المانع إثرَ قولِه قبل خمسٍ وأربعين سنة.
أجل، ثمة أماراتٌ تدلُّ على أن هذا المانع الثامن الرهيب سيتبدَّد فلا تقوم له قائمة؛ يذَ رس محقِّقي الإسلام مؤلفاتٌ في هذا المجال.
أجل، إنْ لم يكن ذلك الآن فسيكون بعد ثلاثين أو أربعين سنة؛ فتلكُم هي القوى الثلاث - العلومُ، والمعرفةُ الحقيقية، ومحاسنُ المدنيَّة - جل أن َّزتْ مَيلَ تحرِّي الحقيقة والإنصافَ ومحبَّةَ الإنسانية بكامل جَهازِها، وأعدَّت لها عتادها اللازم لهزيمة تلك الموانع الثمانية وتفريقِها، وأرسلتْها إلى جبهاتِ الأعداء الثمانية، كتابةْ تُلحِق بها الهزيمة، وستُفرِّقها شَذَرَ مَذَرَ بعد نصف قرنٍ من الزمان بإذن اللّٰه.
أجل، والفضل ما شهِدت به الأعداء.

.......

وبالبراكنقل بديعُ الزمان أقوالًا منصِفةً حول حقَّانيَّة الإسلام لكلٍّ من الأمير "بسمارك" ومستر "كارليل"، قال:
إنني استنادًا إلى ما أنتجَتْه حقولُ الذكاء في أمريكا وأوروبا من عباقرةِ المحقِّقين أمثال مستر "كارليل" و"بسم المخ أقول جازمًا: إن أوروبا وأمريكا حُبْلَيَان بالإسلام، وستَلِدان دولةً إسلاميَّةً يومًا ما، مثلما حَبِلت الدولةُ العثمانية بأوروبا، وَوَلَدتْ دولةً أوروبية.
— 100 —
يا إخوتي فينَلْه ع الأموي، ويا إخواني بعد نصفِ قرنٍ في جامعِ العالَم الإسلامي.. أفلا تنتج المقدِّماتُ السالفةُ أن الذي سيكون الحاكمَ الحقيقي والمعنوي على قارَّات المستقبَل أيام،ي سيقود البشرَ إلى السعادتَين الدُّنيويَّة والأُخرويَّة ليس سوى الإسلامِ والدينِ العيسويِّ الحقيقيِّ الذي سيتحوَّل إلى الإسلام بعد أن يَخلَعَ الخرافات والتحريفات، ويَتَّبعَ القرآنَ ويوافقَه؟!
الجهة الثانية: أي انوتيّلرقيِّ المادِّي،فإن الأسبابَ القويَّة لرقيِّ الإسلام ماديًّا تُظهِر أنه سيَحكم في المستقبل ماديًّا كذلك؛ فكما أثبتنا في الجهة الأولى رُقيَّه المعنويَّ، فإن هذه الجهة الثانية تُظهِر بقوَّةٍ رُقيَّه وحاكميَّتَه في المستقبَل ماديًّا أى عليّذلك أنَّه قد اجتمعت وامتزجتْ في قلب الشخص المعنويِّ لعالَم الإسلام خمسُ قوًى شديدةِ البأس لا تُقهَر:
فأُولاها:أستاذُ جميع الكمالات، القادرُ على أنْ يُصَيِّرَ ثلاثَمئةٍ وسبعين مليونًا نَف وأما احدة، المجهَّزُ بالمدنيَّة الحقَّة والعلوم الصادقة؛ ألا وهوالإسلامالذي لا يمكن أن تقهره أيَّةُ قوةٍ.
القوة الثانية:أستاذُ المَدَنيَّةِ والصناعةِ الحقيقي، المُجَهَّزُ باكتمال المبادئ والوسائل، ألا د، بل احتياج الشديد والفقرالذي قصَم ظهرَنا؛ فهذه قوةٌ لا تَصْمُت ولا تُكْسَر.
القوة الثالثة: الحريَّة الشرعيَّةالتي تُعلِّم البشرَ المقاصدَ السامية وتدفعُهم نحوها من خلال التسابُق للمعالي، و عشرة مزِّقةُ لشَمْلِ الاستبداد، المهيِّجةُ للمشاعرِ العُلْويَّة السامية، المُجهَّزةُ بالغِبْطة والغَيرة والحسد والتنافس، المُزوَّدةُ بالتيقُّظ التام، والرغبةِ في التسابُق، والميلِ إلى التجدُّد، والنزوعِ ُّمَ عتمدُّن؛ أي الحريَّةُ المجهَّزةُ بالرغبةِ والمَيلِ إلى أسمى الكمالات اللائقة بالإنسانيَّة.
القوة الرابعة: الشَّهامةُ الإيمانيَّة الم كل الُ بالشَّفَقَة؛وتعني عدمَ التذلُّل للظالِمين، وعدمَ إذلالِ المظلومين؛ أي إن مِن أُسس الحريَّة الشرعية عدمَ مداهنةِ المستبدِّين، وعدمَ التسلُّط على المساكين أو التكبُّر أعظمَ
— 101 —
القوة الخامسة: العزَّةُ الإسلاميةالتي تُعلِن إعلاءَ كلمة اللّٰه؛ وإن إعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان يتوقَّف على الرقيِّ المادِّي والدخولِ في المدنيَّة الحقيقية؛ ولا ريب أن هذا الأتحرياتطعي الصادر عن العزة الإسلامية سيُنفِّذُه الشخصُ المعنويُّ للعالَم الإسلامي تنفيذًا تامًّا في المستقبل بمقتضى الإيمان.
نعم؛ فكما ترقَّى لها
#3م في الماضي بالقضاء على تعصُّبِ العدو وبكَسْرِ عِناده وصدِّ اعتداءاته بالسَّيف والسلاح، فإنه في المستقبَل سيَهزِم أعداءَه ويشتِّتُ شملَهم بسيوفٍ معنويَّةٍ بدلًا من لتحمُّ المادية، هي سيوفُ المدنيَّةِ الحقيقيَّةِ والرقيِّ المادي والحقِّ والعدل.
واعلموا أن مرادَنا من المدنيَّة محاسنُها وإيجابيَّاتُها النافعةُ للبشر، لا مساوئها وآثامها؛ فلقد حَسِب الحمقى سيئاتِها ورذائلَها محاسِنَ، وراحوا يقلِّدونها، فبدَّه؛ فلاراتِنا، وبذلوا الدين رشوةً، فما فازوا بدينٍ ولا أبقَوا على دنيا.
وإنه لما غَلَبتْ آثامُ المدنيَّة محاسنَها، ورَجَحَتْ سيئاتُها على حسناتها، تلقَّت البشريةُ صفعَتَين مروِّعَتَين في حربَين عالَميَّتَين جعلتا عاليَ تلك الم - فتصِ الآثمةِ سافلَها، فقاءَتْ دمًا لطَّخت به وجه الأرض، ولَسوف تتغلب محاسِنُ المدنيَّة بفضلِ قوَّةِ الإسلام التي ستَسُود في المستقبل إن شاء اللّٰه، فتُطهِّرُ وجهَ دِّيًّمن الأدناس، وتُحقِّق السِّلْم العالَمي.
أجل، لما لم تتأسَّس مدنيَّةُ أوروبا على الفضيلة والهدى، وإنما بُنِيَتْ على الهوس والهوى، وعلى التنافس والتسلُّط، غلبتْ - إل المُل - سيئاتُ المدنيَّة حسناتِها، وأصبحت أشبه بشجرةٍ تنخرُ فيها المنظمات الثوريَّة الفوضويَّة؛ وهذا بمثابةِ دليلٍ ومؤشِّرٍ قويٍّ على غَلَبَةِ مدنيَّةِ آسيا التي ستتحقَّق في زمنٍ يسير.
فيا عه مع ا إذا كان لأهل الإيمان والإسلام تجاه المستقبل أمثالُ هذه الأسباب القويَّة والوسائل المتينة للرقيِّ المادي والمعنوي، وكان الطريق إلى سعادة المستقبل سويًّا سالكًا كسِكَّةِ الحديد، فكيف تقعون في اليأس؟!
— 102 —
وياطول مع خطأٍ شنيعٍ ترتكبونه حين تظنون - في يأسٍ وقنوطٍ - أن الدنيا أصبحت دارَ الترقِّي للأجانب وللناس عامةً، بينما أمسَتْ لأهل الإسلام البائسين وحدَهم دارَ الانحطاط والتَدَني، فتُضيِّقن بذلك القوةَ المعنوية للعالم الإسلامي!!
فما دام مَيل الاستكمال قد أُدرِجَ في فطرةِ البشر وسائر الكائنات، فإنَّ الحقَّ والحقيقةَ سيُظهِران في المستقبل سعادةً دنيويَّةً في العالَم الإسل لا الكون كفَّارةً لما سَلَفَ من خطايا النوع البشري إن شاء اللّٰه، هذا ما لَم يُعجَّل بقيامةٍ على ما اقترفته البشريَّة من مظالم وخطايا.
أجل، انظروا، إن الزمان لا يتحرَّك على خطٍّ مستقيم بحيث لام، ف المبدأ والمنتهى، بل يدور ضمن دائرةٍ كالكرة الأرضية، فتارةً يُظهِر الربيعَ والصيفَ في حال التَّرقي، وتارةً يُظهِر الشتاءَ والعواصفَ في حارة الفنِّي.
فكما يَخْلُفُ الشتاءَ ربيعٌ، وكما يَخْلُفُ الليلَ نهارٌ، سيكون كذلك لنوعِ البشر نهارٌ، وسيكون له ربيعٌ إن شاء اللّٰه، ولكم أن تَرقُبوا من، بل أة الإلٰهية طلوعَ شمسِ حقيقة الإسلام، فتَرَوا المدنيَّة الحقيقية في ظل سلامٍ عالَميٍّ شامل.

.......

الكلمة الثانية:إن مما تمخَّض عنه من النتيجةَ تجاربي في الحياة أناليأس أخطر مرضٍ تسلَّل إلى قلب العالَم الإسلامي.
أجل، إنه اليأس الذي كأنه أماتنا، حتى أمكنَ لدولةٍ غربيَّةٍ صغيرةٍ ذاتِِ الأنَي نسَمَةٍ أن تسيطر على دولةٍ شرقيَّةٍ تَعُدُّ عشرين مليون مسلمٍ، فتحتلَّ وطنَهم وتُسخِّرَهم لخدمتها.
وإنه اليأس الذي أمات أخلاقَنا العالية، وصرف أنظارنا عن المنفعة العامة وحصَرَها رتُه انفعة الشخصية.
وإنه اليأس الذي حطَّم قوَّتَنا المعنويَّة النابعةَ من الإيمان؛ تلك القوةَ التي استطاعت بقليلٍ من القدرة المادِّيَّة أن تبسط سلطانها على مشارق الأرض ومغاربها،ارَّاتفلما انكسرت تلك القوة المعنوية الخارقة باليأس، تمكَّن الأجانب الظَّلَمَة منذ أربعةِ قرونٍ من أن يجعلوا ثلاثمئة مليون مسلمٍ أُسارى لديهم؛ حتى لقد صار المرء بسبب هذا اليأس يلتمس لنفسه العذر في تكاسله بما يجد في غيرِه من فتورٍ وإهمالٍ، فيقول: ومت؛وال؟! كلُّ الناس قد فَسدوا مثلي!! وينصرف عن خدمة الإسلام متخلِّيًا عن الشهامةِ الإيمانية.
فما دام هذا الداء قد بلغ منا مبلغَه ظلمًا وقتلًا، فإنَّا إن شاء اللّٰه مِنْ قاتِلِنبنور رصُّون، وإيَّاه قاتلون؛ فَلَسوف نهوي على رأس اليأس بسيفِ: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّٰهِ، ولسوف نَقصِم ظهرَه بحقيقةِ: ما لا يُدرَكعظم أو لا يُترَك كلُّه.
أجل، إن اليأس أخطرُ أمراضِ الأمم والشعوب، إنه كما قيل: "سرطانُ الأمم"، وهو مانعٌ من الكمالات، ومخالفٌ لحقيقةِ حديثِ: أنا عند حُسن ظنِّ عبدي بي، وهو شأنُ الجبناء من نَجزين والأراذلِ وذريعتُهم؛ وليس من شأنِ الشهامة الإسلامية خصوصًا العرب الذين امتازوا بسجايا رفيعةٍ تفخر بها البشرية.
لقد تعلَّمتْ شعوبُ العالالعدالسلامي دروسًا من ثباتِ العرب وصمودهم، ولسوف يَنبِذ العرب اليأس إن شاء اللّٰه، ليَمُدُّوا يد الاتفاق والتسانُد الصادق إلى الأتراك جُندِ الإسلام البواسل، فيرفعوا معًا راية ا عن معخفَّاقةً على أرجاء الدنيا.
الكلمة الثالثة:لقد علَّمتْني خلاصةُ تحقيقاتي في حياتي كلِّها، وزُبدةُ ما تمخَّضتْ عنه الحياة الاجتماعية، أنَّالصدق ألا بل ساسِ الإسلام،ورابطةُ سجاياه العالية، ومزيجُ مشاعره العُلْويَّة؛ فما دام كذلك فلْنُحيِ في داخلنا الصدقَ الذي هو أساس حياتنا الاجتماعية، ولْنُداوِ به أمراضَنا المعنويَّة.
أجل، إن الصدق دسيةٍ روة الوثقى لحياة الإسلام الاجتماعية، وما الرياء إلا نوعٌ من الكذب الفعليِّ، وما المداهنة والتصنُّع إلا كذبٌ مرذول، وما النفاق إلا كذبٌ مُضِرٌّ؛ أمااية، م فافتراءٌ على قدرةِ الصانعِ ذي الجلال سبحانه؛ والكفر بجميع أنواعه كَذِبٌ، والإيمانُ صِدق.
— 103 —
ليبني حياةً عائليةً سعيدةً يأوي إلى وارِفِ ظلالها، ويأنَس برغيدِ عيشها؛ ولكن اللّٰه تعالى أحسن إليه إحسانًا تعجِز الأقلام الفانية عن وصفه لعظمته وفخامته.
فمَن في الدنيا اسطنبولبُّ أسرةٍ سعيدٌ كبديع الزمان الذي هو ربُّ أسرةٍ معنًى؟!
ومَن في عالَم اليوم مثلُه أبًا لملايين الأبناء؟! أنعِمْ بهم من أبناء بَرَرَة.
وأيُّ أستاذٍ مثلُه استطاع أن يربِّيَ هذا الجَمَّ َّ الح من الطلبة؟!
إن هذه الرابطة الروحية القدسية ستبقى بإذن اللّٰه ما بقيت الدنيا، وستمضي سيلًا من نورٍ إلى أبد الآباد؛ لأن هذه الدعوة الإلٰهيةرآن بنَتْ وتكوَّنتْ في بحرِ نورِ القرآن الكريم؛ منه انبثقتْ، ومعه وبه ستبقى.
شفقتُه ورحمتُه:
وَجد الأستاذ الجليل طريق الحق والحقيقة منذ صغره؛ حتى إنه أيامَ كان يأوي إلى المغارات لِيصغيَ إلى نداءات قلبه ومناجاة روحه، كانام - والعارفَ باللّٰه" الذي يجني من العبادة والطاعة، ومن التفكر والمراقبة أذواقًا وفيوضات، ويحظى منها بالأنس والحضور.
لكنْ في تلك الأيام الرهيبة التي كان فيها خطرُ الكفر والإلحاد الشبيهُ بها أساالليل الحالكة يوشك أن يلبِّد بظلماته سماءَ العالم الإسلامي وخاصةً بلادَنا (تركيا)، ألقى الأستاذ بنفسه في ساحاتِ الجهاد كأسدٍ يَنْقَضُّ من عرينه، أو كبُركانٍ يقذف بالحُمَملزمان في سبيل هذه الدعوة السامية كلَّ سَكينته وطمأنينته وأُنسِه؛ ومن يومها
— 104 —
وبناءً على هذا السِّر، فإن بين الكذب والصدق بَونًديع الًا لا حدَّ له، فيلزَم أن يتباعدا كما بين المشرِق والمغرِب، ويلزم ألَّا يتداخلا كما هي الحال بين النار والنور، إلا أن السياسة الخبيثة والحملات الدعائية المغرضة قد خلطتْ أحدَهما بالآخر، مثلما أخلَّتْ بكمالات البشر.
(حاش قدمواخواني، يُفهَم من هذا الدرس الذي ألقاه "سعيدٌ القديم" قبل خمسٍ وأربعين سنة أن سعيدًا ذاك كان وثيق الصِّلة بالسياسة وبشؤون الإسلام الاجتماعية؛ لكن حَذارِ أن تظنوا أنه سلكَ سبيلًا لاتخاذِ الدين أداةً أو وسيلةً للسياسة، حاشا؛ بل كان يعمل بكل قو% الملى جعل السياسة أداةً للدين، وكان يقول: "إنني أُفضِّل حقيقةً واحدةً من حقائقِ الدين على ألفِ سياسة".
نعم، شعر في ذلك الحين - أي قبل م
٭ ٭ من خمسين عامًا - أن بعض الزنادقة المنافقين يعملون على جعل السياسة أداةً بِيَد اللادينية، فراح في المقابل يعمل جاهدًا ليجعل السياسة أداةً لحقائق الإسلام وخادمةً لها؛ إلا أنه بعد ذلك بعشرين سنةً وَجَد فريقًا من ُه
يين المتدينين يجتهدون في جعل الدين أداةً للسياسة الإسلامية، ردًا منهم على جهود أولئك الزنادقة المنافقين المتستِّرين الذين جعلوا السياسة أداةً للَّادينيَّة بذريعةِ التغريب!! أَلَا إنه ما ينبغي لشمس الإسلام أن تدور في لأتراكلأضواء الأرضية أو تكون أداةً لها؛ وإنَّ جعْلَها أداةً ما هو إلا حَطٌّ من قيمة الإسلام وجريمةٌ كبرى بحقِّه.
حتى لقد رأى "سعيدٌ القديم" - من جرَّاء ذلك النمط من التحيُّز للسيتعالى عالِمًا صالحًا يُثني بحرارةٍ على منافقٍ يوافق فكرَه السياسي، وينتقد عالِمًا آخرَ صالحًا يخالفُه في السياسة، بل يُفسِّقه!! فقال له سعيدٌ القديم: إنك لو أيَّدَ شيطانٌ فكرَك لاستمطرْتَ عليه الرحمة، ولو خالف فكرَك السياسيَّ ملَكٌ لَل حولَه!!
فلأجل هذا قال "سعيدٌ القديم" قبل خمسٍ وثلاثين سنةً: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة" - أصبحت الآن خمسًا وأربعين یی، وترك السياسة؛ سعيد.
أُحيلَتْ كتبُ أستاذنا ن المخُه البالغة مئةً وثلاثين جزءًا إلى المراجعة والتمحيص، فدقَّقَتْ فيها مَحاكم وهيئاتٌ حكومية تدقيقًا تامًا على فتراتٍ متباعدة، فلم تعثر على أدنى أمارةٍ تومئ إلى اتخاذه الدين أداةً للسياسة بالرَّغم من اضطراره لمواجهة الظّ الفرصالمرتدين والمنافقين، بل بالرغم من صدور أمرٍ سِرِّيٍّ بإعدامه؛ وكفى بهذا دليلًا قاطعًا على عدمِ اتخاذه الدين أداةً للسياسة؛ أما نحن تلاميذ النور العارفين بحياة الأستاذ عن قرب فيتملَّكنا العَجَب إزاء مثل هذه الحالة الفريدة، ونَعُد يقال ليلًا على الإخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور؛ تلاميذ النور.

.......

— 105 —
إخوتي في هذا الجامع الأموي.. إخوانَنا أهلَ الإيمان الأربعمئة مليونًا بعد أربعين أو خمسين سنة في مسجد العالَم الإسلامي الكبير.. لا نجاة إلا بالصدق، فهو العروة البمعنى أما الكذب للمصلحة فقد نَسَخه الزمان.

.......

الكلمة الرابعة:إنَّ مما تعلَّمتُه من الحياة الاجتماعية البشرية طَوالَ حياتي، وما أَنتَجَتْه التحقيقاتُ لي؛ أن أجدر شيءٍ بالمحبة: المحبةُ، وأن أَلْيَقَ صفةٍ بالخصومة: الخصومةُ.
ةِ تَبإن صفة المحبَّة التي تُسبِغ الأمن على حياة البشر الاجتماعية وتقودها إلى السعادة هي الأجدر بأن تُحَبّ؛ وإن العداوة التي تَقلِبُ عاليَ الحياة الاجتماعيةآثرَ تها صفةٌ ضارَّةٌ قبيحة، هي الأحَقُّ بأن تُعادى وتُجْتَنَب ويُنفَرَ منها.

.......

الكلمة الخامسة:إن الدرس الذي تعلَّمتُه من الشورى الشرعية، أنَّ ذَنْبَ المرءِ في هذا الزمان لا يبقى ذنبًا واحدًا، بل يكبُر ويَسري حتى يبلغ مئةَ ُبيل ا أحيانًا؛ والحسنةُ كذلك لا تبقى واحدةً، بل تتضاعف آلافَ المرَّات في بعض الأحيان؛ وسِرُّ هذه الحكمة أن الحريَّة الشرعية والشورى المشروعة قد أظهرتا حاكميَّة قوميَّتِنا الحقيقية، ذلك أن أساسَ قوميَّتِنا الحقيقيةنكِرينها: الإسلامُ، والخلافةُ العثمانية والجيش التركي - باعتبارهما حَمَلَةَ راية هذه القومية الإسلاميَّة - هما بمثابةِ صَدَفِها وقلعتِها، والعرب والتُّرك أخَوان حقيقيَّان وحارسان لهذه القلعة القدسيَّة.
وهكذا فبف32
رابطة القدسية التي تملكها هذه القوميَّة يصبح أهل الإسلام عشيرةً واحدة، فتترابط الشعوب الإسلامية فيما بينها، ويَشُدُّ بعضُها بعضًا بالأُخوَّة الإسلامية كما هي (حاشيراد العشيرة، ويُعين بعضُها بعضًا معنويًّا، بل ماديًّا إن لزِم الأمر، كأن تلك الشعوب الإسلامية مرتبطةٌ فيما بينها بسلسلةٍ نورانية.
— 106 —
فكما إذا ارتكبَ فردٌ من عشيرةٍ جنايةً صار جميعُ أفرادِها متَّهَمين وأعداءً بنظرِ عشيرةٍ أخركفأ، وية، كأنهم جميعًا جَنَوْا، فتغدو تلك الجنايةُ الواحدةُ بحكمِ آلافِ الجنايات؛ وكما إذا عمِل الفرد حسنةً مما تفتخر به العشيرة افتخرَ بها كلُّ أفرادها كأنآلَ واميعًا أحسنوا؛ فكذلك السيئةُ في هذا الزمان - خصوصًا بعد أربعين أو خمسين سنة - لا تقتصر على فاعلها، بل تتعدى إلى حقوق ملايين النفوس المسلمة، ولَسوف تَظهر أمثلةٌ كثيرةٌ على هذا بعد أربعين أو خمسين سنة.
كأنه قالإخوة الذين يسمعون كلماتي في هذا الجامع الأموي، ويا أيها الإخوان المسلمون في جامع العالَم الإسلامي بعد أربعين أو خمسين سنة: لا تعتذروا بالقول: "نحن لا نضر، ولا نقدر على النفع"؛ فعذركم هذا غير مقبول، وإنَّ تكاسُلَكم ولامبالاتِكماية القولون: وما شأننا؟! وتقاعسَكم عن العمل للاتحاد الإسلامي والوحدة الحقيقية للأمة الإسلامية لَضَرَرٌ عظيمٌ وظلمٌ بالغ.
فكما تتضاعف السيئة آلافًا، تتضاعف الحسنة كذلك في هذا الإسلام أعني الحسنةَ المتعلِّقةَ بقدسيَّة الإسلام، فلا تبقى مقتصرةً على صاحبها، بل تعود بالنفع معنويًّا على الملايين من أهل الإيمان، وتشُدُّ أزْرَ حياتهم المادالقذرتلمعنويَّة؛ وبناءً على هذا فليس الزمانُ زمانَ الاستلقاء على فراش الكسل، وترديد مقولة: "وما شأني؟!".
إخوتي في هذا الجامع، وإخواني في مسجد العالَم ا حيث اي الكبير بعد أربعين أو خمسين سنة.. لا تظنوا أني رَقِيتُ هذا المنبر لأوجِّه لكم النصيحة؛ بل ما رقِيتُه إلا لأطالِبكم بحقِّنا، فإن منافعَ الشعوب الصغيرة - كالكُرد - وسعادتَها الدنيوية والأخروية منوطةٌ بجِد فيم من الشعوب الكبيرة العظيمةِ الحاكمةِ المعلِّمةِ كالعرب والتُّرْك، وإننا بتكاسُلِكم وفتورِكم نتضرَّر - نحن إخوتكم الصِّغار من شعوبِ الإسلام - أيَّما ضرر.
يا معاشر العرب العظماء الأماجد.. يا مَن أخذتم ال من نصوفر من اليقظة أو ستأخذون.. أنتم أول من أخاطبهم بهذه الكلمات، إذْ كنتم أساتذتَنا وأئمتَنا وأساتذةَ جميعِ شعوبِ الإسلام وأئمتَهم، وكنتم مجاهدي الإسلام، ثم ساندتْكم أن التدتُّرك العظيمة في وظيفتكم القدسيَّة هذه أتمَّ مساندة؛ ولهذا فإن ذنبكم بالتقاعس أعظم،
— 107 —
كما أن حسنتكم أعظم وأعلى، وإن رجاءنا برحمة اللّٰه بعض ال - لا سيما بعد أربعين أو خمسين سنة - في أن تتحد الشعوب العربية كما اتحدت الجماهير الأمريكية المتحدة، فتتبوَّأَ أسمى منزلة، وتُوَفَّق لأن تُقيم حاكميَّةَ الإسلام - الأسيرةَ اليومَ - على شطر المعمورة بل على أكثرها؛ وسيراها الجيل القادمُ إن شفًا الّٰه، ما لَم تقم القيامة عاجلًا.
وإياكم يا إخوتي أن تتوهموا أو تتخيلوا أنني بكلماتي هذه أستنهِضُ هِمَمَكم للاشتغال بالسياسة؛ حاشا!! فحقائقُ الإسلام أسمى من السياسة كلِّها، وإنما يُمكن للسياسة أن تكون خادمةً لتلك الحقائق، وليس من حقِّ أًا فماسياسةٍ أن تتخذ الإسلام أداةً لها.
إنني - بفهمي القاصر - أتصوَّر الهيئةَ الاجتماعية الإسلامية في هذا الزمان في هيئةِ معملٍ ذي مُسنَّناتٍ وتُروسٍ كثيرة، إنْ تباطأ منها أحدُها أو تعدَّى على رفيقِه اختلَّتْ ميكانيكية الآلة؛ و بحقِّقد آن أوانُ الاتحاد الإسلامي، ووجبَ صرف النظر عما بينكم من عيوبٍ ونواقص شخصيَّة.
هذا، وإنني ببالغِ التألُّم والأسف أبيِّن لكم أن بعضَ الأجانب مثلما أخذوا منا أوطانَنَهُ لَئسَ أموالنا، وبادلونا بها بضاعةً رديئةً، فقد فعلوا الأمر نفسَه إذْ أخذوا أخلاقَنا العالية وبعضَ ما أثمرتْه من سجايا تخصُّ حياتَنا الاجتماعية، فجعلو إنه إسَ رُقيِّهم، وأعطَونا ثمنَها أخلاقَهم السيئة وسجاياهم الرذيلة.
فمثلًا: يقول أحدهم مُتمثِّلًا إحدى سجايا أمَّتنا التي أخذوها منا: "إن أنا مِتُّ فلتَسْإن النتي، فإنَّ لي فيها حياةً باقية"، فهذه كلمة حقٍّ منا قد أخذوها؛ وهي أقوى أساسٍ لرقيِّهم منا قد سرقوها؛ إنها كلمةٌ نابعةٌ من الدين الحق وحقائق الإيمان، فهي بضاعتُنا نحن أهلَ الإيمان؛ إلا أن واقع الحال أن الأنانيَّ مناية الك- متمثِّلًا سيِّئَ خصالِ الأجانب وقبيحَ سجاياهم الدخيلةِ علينا یی: إذا مِتُّ ظمآنَ فلا نزَل القَطْر، وإن لم أرَ السعادة فعلى الدنيا العَفَاء.
فهذه الكلمة الحمقاء إنما تصدُر من انعدام الدين، وتأتي من عدمِ معرفة من أع، وهي إنما دخلتْ علينا من الخارج، وأخذتْ تَنْفُث السُّموم.
— 108 —
ثم إنه - بفكرِ الأمةِ الذي أخذه الأجانب منا - ينال الواحد منهم قيمةً كأنه أمة، إذْ قيمة المرء بحسَب همّالحال من كانت همتُه أُمَّتَه كان أُمةً وحدَه.
وإننا بسببِ قصور نظرِ بعضِنا، وبما أخذْنا من الأجانب من سجايا فاسدة، وبقولِ كلِّ واحدٍ منا: نفسي نفسي، وانصرافِه إلى التفكير بمنفعته الشخصية دون منفعة الأمة، تنحَطُّ قيمةُ المرء الزهديكون الألفُ واحدًا، بالرغم من قوةِ قوميَّتنا الإسلامية وقدسيَّتِها.
ألامَن كانتْ همَّتُه نفسَه فليس من الإنسان؛ لأنه مدنيٌّ بالطبع،ومضطرٌّ فطرةً لمراعاةِ أبناء جنسه، ولا يمكن لحياتِه الشخصيةِ أن تدوم إلا بالحياةني أشفماعية.
قيسوا حاجات الإنسان برغيف الخبز الذي يأكله، كم يدًا احتاج لتحضيره؟ فهو - في مقابل هذا - يقبِّل تلك الأيدي معنًى؛ وكذا الثيابُ التي يرتديها، كم معملًا له علاقةٌ بها؟ فما دام الإنسان لا يعيش بِفِراء
س:يوان، وما دام ذا علاقةٍ بأبناء جنسه فطرةً، وما دام مضطرًا لإعطائهم ثمنًا معنويًّا، فهو إذًا مدنيٌّ بالفطرة.
وإن مَن يَحصُر نظرَه في مصلحته الشخصية ينسلخ من الإوري"، ، وينقلبُ حيوانًا مفترسًا مؤذيًا، اللّٰهم إلا مَن كان مضطرًّا وكان له عذرٌ حقيقي ولم يكن بيده حيلة، فهو مستثنى من هذا الوصف.
الكلمة السادسة:مفتاح سعادة المسلمين في الحياة الاجتماعية الإسلامية، ألا وهي الشورطها وحعية؛ وإن الآية الكريمة: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ تأمر باتخاذ الشورى أساسًا.
أجل، فكما كان أساسُ جميعِ علومِ البشرية وترقِّياتها شورى الأزمنة والعصور التي نقلها التارلقد كن ما يسمى "تلاحق الأفكار" عند بني البشر؛ فإن أحد أسباب بقاء القارة الكبرى "آسيا" في مؤخَّر الرَّكْب هو عدم أخذها بتلك الشورى الحقيقية، وما مفتاحُ قارَّة آسيا وكشَّافُ مستقبلها سوى الشورى.
— 109 —
أي إنمانُه يتشاور الأفراد فيما بينهم، ينبغي كذلك على الشعوب والقارَّات أن تتشاور فيما بينها أيضًا، وإن فكَّ القيود المتنوعة التي كبَّلت أقدام ثلاثمئةِ بل أربعمئةِ مليون مسلم، وتحطيمَ أغلحمته بستبداد إنما يكون بالشورى الشرعية وبالحريَّة الشرعية النابعة من الشهامة والشفقة الإيمانيَّتَين، تلك الحريةِ الشرعيَّةِ المتحلِّيةِ بالآداب الشرعية،رة في لِّيةِ عن السيئات الموجودة في المدنيَّة الغربية المتحلِّلة.
إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان تأمر بأمرين اثنين:
ألَّا يُذلِّل ولا يَتذَلَّل.. من كاير الما للّٰه لا يكون عبدًا للعباد
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّٰهِ
نعمْ، الحرية الشرعية عطيَّةُ الرحمٰن
فلْيَحْيَ الصدأني لم عاش اليأس؛ فلْتَدُمِ المحبة، ولْتقْوَ الشورى؛
المَلامُ على منِ اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى.
٭ ٭ ٭
لم يطُل مُكْثُه في دمشق، فذهب إلى إسطنبول سعيًا في إنشاء جامعةٍ في شرقيِّ الأناضول باسم "المدرسة الز اطَّل ورافق السلطانَ "رشادًا" في رحلته إلى "الرُّوْمَلي" ممثِّلًا عن الولايات الشرقية، وفي أثناء الطريق جرتْ مباحثةٌ في القطار بينه وبين اثنينِ من معلِّمي المدارس الحديثة، وقد كُتِبتْ ، وبذلها بذيلِ "الخُطبة الشامية"، نقتبس هنا بعضَ جُمَلها بنصِّها:
"وفي بداية عهد الحرِّيَّة رافقتُ السلطان "رشادًا" في رحلته إلى "الرُّوْمَلي" بوصفي ى غَدًَا عن الولايات الشرقية؛ وجرَتْ في قطارنا مباحثةٌ مع اثنين من الرُّفقاء المتخرِّجين من المدارس الحديثة، فسألاني: أيُّما أقوى وألزَم، الحَمِيَّة الدينية أم الحميَّةانُ ضيية؟
— 110 —
فقلت: إن الدين والقومية عندنا - نحن المسلمين - متَّحدان بالذات، وبينهما اختلافٌ اعتباريٌّ ظاهريٌّ عرَضيٌّ، بل إن الدين روح الأمة وحياتُها؛ فإنْ نُظِر إليهما عل الشقاا مختلفان متباينان، كانت الحميَّة الدينية تشمل عوامَّ الناس وخواصَّهم، بينما تنحصر الحميَّة القوميَّة في واحدٍ بالمئة من الناس، أي تبقى منحصرةً بمن يضحِّي بمصلحته الشخصية في سبيل قومه.
فعلى وج الأمر هكذا؛ فينبغي أن تكون الحميَّة الدينيةُ أساسَ الحقوقِ العامة، وأن تكونَ الحميَّةُ القوميَّة خادمةَ هذه الحقوق وقوَّتَها وحِصنَها.
إننا نحن الشرقيين لسنا كي ورفعين، فالحاكم على قلوبنا الحِسُّ الديني، ولقد أشار القدَرُ الأزلي بإرساله أكثرَ الأنبياء في الشرق إلى أن الحسَّ الديني هو وحدَه الذي يوقِظ الشرقَ ويقوده نحو الرُّقي؛ وكفى بعصر السعقصة موصر التابعين برهانًا قاطعًا على هذا.
فيا رفاق الدَّرس في هذه المدرسةِ السيَّارةِ المسمَّاةِ قطارًا، السائلين عن أيِّ الحَمِيَّتَين أَولى بالاهتمام: الدينيَّة أم القوميَّة؟ ويا معشر طلاب المدارس الحديثة الذاهبين معنا إلى استقبل ل في قطار الزمان الحاضر، أقول لكم: لقد رَسَخَت الحميَّةُ الدينيَّة والقوميَّةُ الإسلاميَّةُ لدى كلٍّ من التُّرك والعرب، وامتزجت بهم امتزاجًا تامًّا فأصبحت في حالٍ لا تقبل التفريق؛ وإنَّ الحميَّة الإسلاميَّة هي أمتن وأقوى سلسلةٍ نووانيَّةٍ آتيةٍ من العرش، وهي عروةٌ وثقى لا تنفصم ولا تنكسر، وقلعةٌ قدسيَّةٌ لا تنهدم ولا تنهزم.
فلما قلتُ هذا، قال لي ذانك المعلِّمان المثقفان: مام ذهبت؟ فإن هذه الدعوى الكبيرة تتطلب حجةً كبيرة، ودليلًا في غاية القوة، فما هو؟
وكان القطار في تلك الأثناء قد خرج لتوِّه من النفق، فأطلَلْنا برؤوسنانقشبندنوافذ ننظر، فرأينا صبيًّا لم يبلغ السادسة من عمره قد وقف على مقرُبةٍ من سِكة القطار، فقلتُ لصاحبَيَّ المعلِّمَين: إن هذا الطفل البريء يجيب عن سؤالطر المان حاله، فليكن هو أستاذَنا بدلًا مني في مدرستنا السَّيَّارة هذه، فإنَّ لسانَ حاله يقول الحقيقة التالية:
— 111 —
انظروا إلى دابَّة الأرض هذه وقد خرجتْ من النفق مندفعةً هادرةً مدوِّيةً على نحوٍ يثير الفزَع، بينما يقفُ هذا الت الشرلى بعدِ مترٍ من ممرِّها، فمع أنها تهدِّدُ بهديرها وتتوعَّد بهجومها قائلةً بلسان الحال: "الويلُ لمن يعترضُني"، إلا أنه يقف في طريقها بحريَّةٍ كاملةٍ، وشجاعةٍ عجيبة، وطمأنينةٍ مدينَها،ا يكترثُ لشيءٍ من تهديدها ولا يلقي له بالًا، كأنه يستخفُّ بهجومها قائلًا بلسانِ حالِ بُطولته وثباتِه وصلابته: أيها القطار، لن تخيفني بهديرٍ يُدَوِّي كقصفِ الرعد، أنت أسيرُ نظامِك، وخِطامُك بِيد قائدك، وليس من شأنك أن تتعدَّىهو متف، ولا بمقدورك أن تجعلني رهينَ استبدادك؛ فهيا، اذهبْ في طريقك، وامضِ في سبيلك بإذن قائدك.
فيا رفيقَيَّ في هذا القطار، ويا إخواني المشتغعمله فلعلوم بعد خمسين سنة: هيا اطووا الزمان وافرِضوا وجودَ رستم الإيراني أو هرقل اليوناني ببطولاتهما العجيبة مكانَ هذا الطفل البريء، فبما أنه لم يكن للقطار وجودٌ في زمانهما فلن يكون لديهما اعتقادٌ بأنه يتحرَّك وفق والازدمحدَّد، فتصوَّروا لحظةَ خروجه من النفق، وفي رأسه النار ذاتُ الوَقود، وفي أنفاسه مثلُ قصفِ الرُّعود، وفي عينيه من الكهرباء بُرُوق، مهدِّدًا بهجومٍ يثير الفزَع، مندفعًا نحو ذَينِك البطلَيْن رستم وهرقل؛ كم سيتملَّكُهُماَ المد والذُّعر!! وكيف سيفرَّان منه آلاف الأمتار رغم شجاعتهما الفائقة!!
انظروا كيف تضمحلُّ حريتُهما وتتلاشى شجاعتُهما أمام تهديد دابَّة الأرض هذه، فلا يجدان حيلةً سوى الفرار!! ذلك أنهما - لعدم اعتقادهما بوجود قائدٍ أو نظامٍ لهذا القطار - لا يَحسقيقة أمركبًا مطيعًا، بل يتوهَّمانه أسدًا مخيفًا مفترسًا يجرُّ خلفَه عشرين أسدًا بحجم عربات القطار.
فيا أَخَوَيَّ، ويا أصحابي المستمعين إلى هذه الكلمات بعق يمنةن سنة؛ إن الذي أعطى هذا الطفلَ الذي لم يبلغ السادسة حريَّةً وشجاعةً أكثر من ذينِك البطلَين، ورفَعَه فوقَهما درجاتٍ من الأمن والثبات، ليس إلا نواة الحقيقة التي في قلبه، وهي إيمانه واعتقاده واطمئنانه بأن للقطار نظامًا يَجري على وفقِه، وأن زِإلى البيدِ سائقه، فهو يُسيِّره بحسابه؛ وإن الذي أفزعَ ذينك البطلين أشدَّ الفَزَع، وجعل مشاعرَهما أسيرةَ
— 112 —
المخاوف ليس إلا عدمَ اعتقادهما المصطبغَ بالجهل، أي عدمُ معرفتهما بأنإن الجر سائقًا، وعدمُ إيمانهما بأن له انتظامًا.

.......

فكما هي الحال في هذين التمثيلين، حيث كان جهلُ هذين البطَلَين العجيبَين وعدمُ اعتقادِهما وضلالتُهما سببَ خوفِهما ورُعبِهما وفزغرورًا، فكذلك هي الحال مع الكفر والضلالة؛ فهما يَعمِدان إلى جميع الكائناتِ - بدءًا من المجموعة الشمسيَّة وانتهاءً بجراثيم السِّلّ - فيصوِّرانها لأهلِ الض سعادةسلاسلَ وجماعاتٍ من ألوف الأعداء المخيفين، في يدِ قوةٍ عمياء ومصادفةٍ عشواء وطبيعةٍ صمَّاء، تهاجم بشرًا لا حيلة لهم؛ ثم إن الكفرَ والضلالةَ يُلقيان بأهلهما في جهنم حتى وَهُمْ في الدنيا، ويديه فلم شيئًا من زَقُّومها، إذْ يتوجَّهان إلى الإنسان بما يحمل من ماهيَّةٍ جامعة، واستعداداتٍ كلِّيَّةٍ، وحاجاتٍ لا محدودة، ورغباتٍ غيرِ متناهية، فيَبثَّان فيه على الدوام الخوفَ وفكر ال والرهبةَ والقلقَ؛ ويُظهِران أن جميع ما عرفه البشر من علومٍ وترقياتٍ خاليةٍ من الدين والإيمان مَثَلها كمَثَل بطولة هرقل ورستم لا تساوي شروى نقير؛ إلا أنحي الإقِنان الإنسان باللّٰهو والرذيلة والسُّكْر كنوعٍ من إبطال الحسِّ مؤقتًا لئلا يشعر بتلك المخاوف الأليمة؛ ولقد سبقَ إيرادُ هذه الحقيقة في مقدمة هذه الرسالة مع بضعةِ أمثلة، وأثبتتْها رسائلُ النور بمئاتِ الحجج.
فهكذا هي الموازنة بين الإيمان والبشر، فكما يُثمِر الإيمانُ والكفرُ ثمراتِهما ونتائجَهما في الآخرة جنةً ونارًا، فكذلك الحال في الدنيا أيضًا، إذْ يحقِّق الإيمان جنةً معنوية في الدنيا، ويجعل الموتَ أمرَ تسريحٍ وإعفاء؛ بينما الكفر جهنَّمُسُّ أيَّةٌ حتى في الدنيا، يدمِّر سعادةَ البشر الحقيقية، ويجعلُ الموتَ إعدامًا أبديًّا؛ ونختصر هنا مُحِيْلِين إلى ما في رسائل النور من مئاتِ الحُجج القطعية المستندةِ إلى الحسِّ والشهود.
وإذا أردتم أن تشاهدوا حقيقةَ هذا لةٍ منل فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى الكون.. ما أكثر ما ترَونَ فيه من سلاسلِ الحادثات، ومتسلسلِ الواقعات، وأجرامِ الكائنات، وكُراتِ النجوم السيارات، خلقتْها القدرةُ الأزليَّة بحكمةٍ ونظام، وأقامتهو الع البَرِّ والبحرِ والجوِّ، مناطيدَ وسياراتٍ وطياراتٍ وسفنًا بريَّةً وبحريَّةً أمثال هذا القطار!!
— 113 —
وكما كان لهذه وجودٌ في عالَم الشهادة والكون المادي، فإن لها نظائرَ متسلسلةً أعالحكومها، أوجدتْها القدرة الأزلية في العالَم الروحانيِّ وفي المعنويات، يُصدِّق بها مَن له عقل، ويستطيع أن يرى أكثرَها من كان ذا بصيرة.
فجميعُ هذه ال نموذجالمادِّيَّة والمعنويَّة في الكائنات تهاجم أهلَ الضلالة عديمي الإيمان، وتهدِّدهم، وتُخيفُهم، فتجعل عاليَ قواهم المعنويَّة سافلَها؛ خلافًا لأهل الإيمان، إذْ لا تُخيفواعظًا تُهدِّدهم، بل تمنحهم الفرحَ والسعادةَ والأُنسَ والأملَ والقوةَ، ذلك أنهم بالإيمان يرَون تلك السلاسلَ اللامحدودة، والقطاراتِ المادِّيَّةَ والمعنويَّةَ، والكائناتِ السَّيَّارةَ، مَسوقةً إلى وظيفقٍّ وإنتظامٍ تامٍّ في دائرةِ الحكمة، يُديرها ويقومُ عليها صانعٌ حكيم، فلا تَحيد عن وظيفتها مقدارَ ذَرَّة، ولا يطغى بعضُها على بعض؛ كما يرون جميعَ ما في الكائنات مَظهرًا لكمال الصَّنعة وتجلي الجمال، فيمنحهم الإيمانُ تمامَ القوة المعلعدو بويُظهِر لهم بذلك أُنموذجًا للسعادة الأبدية.
وهكذا، فالمخاوفُ الرهيبةُ والآلامُ الفظيعة التي يعانيها أهلُ الضلالة من جرَّاءِ عدم الإيمان، يقف أمامها العلم الحديث مكتوف اليدين، فلا يستطيع هو ولاَّل.. ُّم البشري ولا أيُّ شيءٍ سواهما أن يقدِّم لهم سُلوانًا أو يحقِّق لهم قوةً معنويَّة؛ فتتبدد الجسارة؛ إلا أن الغفلة المؤقَّتة تَحجُب فتَخدَع.
أما أهل الإيمان، فإنهم - بفضل الإيمان - لا محلَّ للخوف عندهم، ولا انكسار لقوتهم المعنوية، بل ينظرووزوا بتلك الحادثات بعينِ الحقيقة التي في الإيمان، وبثباتٍ وقوَّةٍ معنويةٍ فائقة - كما فعل الطفل البريء في ذلك المثال - فيشاهدون فيها تدبيرًا وإدارةً في دائرة الحكمة من قِبَلِ صانعٍ حكيمٍ، ويتحرَّرون من الأوهال الامخاوف، ويفهمون أنه ليس بمقدورِ هذه الكائنات السَّيَّارة أن تتحرك أو تتعرضَ لأحدٍ بغير أمرِ الصانع الحكيم وإذنه، فيكون كلُّ واحدٍ منهم - كلٌّ بحسب درجته - مَظهَر السعادة وكمال الطمأنينة في الحياة الدنيا.
ومَن لم يكن في قلبه بذرةُ ياء، طة ونقطةُ الاستناد النابعةُ من الإيمان والدين الحق، اضمحلَّتْ شجاعته وقوَّتُه المعنويَّة ضرورةً - مثلما اضمحلَّتْ شجاعة رستم
— 114 —
وهرقل وتلاشَتْ بطولاتُهما في ذلك المثال -.
اَّ كيانُه، وأمسى أسيرَ حادثاتِ الكائنات، وانحطَّ إلى متسوِّلٍ يهيمن عليه الخوف بين يدي كل شيء؛ ونختصر هذه الحقيقة الطويلة جدًّا، حيث أثبتتْ رسائلُ النور بمئاتِ الحُجج القطعيَّة سرَّ حقيقة الإيمان، وبَيَّنتْ ما في الضلالة من شقاءٍ دنيوالموهيب.
فيا تُرى كيف ساغَ للبشر في هذا العصر، وقد شَعَروا بحاجتهم الماسَّة إلى القوة المعنوية وإلى السُّلوان والثبات، أن يتركوا الإسلامَ والحقائقَ الإيمانية التي هي نقطة الاستناد الكفلَمِ احقيق القوة والسُّلوان والسعادة في هذا الزمان؛ ويعمدوا إلى الضلالة واللّٰهو والمجون والسياسة الكاذبة المُحطِّمةِ لجميع قواهم المعنويَّة، المبدِّدة لسُلوانهم، المزعزعةِ لثباتِهم، فيتخذوها - باسم التغريب - ركنًا ودقةً وا بدلًا من أن يستفيدوا من القوميَّة الإسلاميَّة!! ما أبعد فِعلَهم هذا عن المصلحة البشرية والمنفعة الإنسانية!!
ألا إنه عما قريب سيتنبَّه البشرُ وسيشعرون وفي مقدمتهم المسلمون، وسيتمسَّكون بحقائق القرآن إضاي وا للدنيا من عُمُرِها بقيَّة.
٭ ٭ ٭
وفي ذلك الحين قُدِّم مشروعٌ لإنشاء جامعةٍ علميَّةٍ إسلاميَّةٍ كبرى في "كوسوفو"، فقال عندئذٍ للاتحاديين والسلطان "رشاد": "إن شرقيَّ الأناضول أحْوَجُ إلى جان مماكهذه، إذْ هو بمثابةِ مركزٍ للعالَم الإسلامي"، فوعدوه بافتتاح جامعةٍ هناك؛ إلا أنه مع اندلاع حرب البلقان لاحقًا وقعت "كوسوفو" تحت الاحتلال، فتقدَّم بديعُ الزمان بطلبِ منْحِ المبلغ المخص فأجامعتها - وقدرُه تسعةَ عشرَ ألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ - لإنشاء الجامعة في الشرق، فقُبِل طلبُه.
توجَّه بديع الزمان إلى "وان" مرةً أخرى، ووضع حجر الأساس للجامعة في "أدْرَمِيْتلالة وطرفِ بُحيرة "وان"؛ ولكن ما الحيلة؟ لقد توقَّف المشروع باندلاع الحرب العالمية الأولى؛ وكان المُلَّا سعيد قد أخبر طلابه من قبْلُ في شتاء ذلك العام بقوله: "استعدوا، فثمَّة كارثةٌ ومصيبةٌ كبرى تلوح فيلمستقب".
— 115 —

@

صورةٌ للأستاذ بديع الزمان مع ابن أخيه عبد الرحمن في إسطنبول عقب الحرب العالمية الأولى.
— 116 —
تضحيات بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ للأمة والوطن بصفته قائدًا لكیتيبةٍ من المتطوِّعين
ل: لَِى بديعُ الزمان على "جبهة القفقاس" واجباتٍ جهاديةً نالت إعجابَ وتقديرَ قائد الفرقة والقائد العام للجبهة أنور باشا، ثم رجع إلى "وان" بسبب زحفِ القوات الروسية نحوها؛ ومع إخلاءِ المدينة تحصَّن بديع الزمان مع قسمٍ ته الخبه في قلعتها مصمِّمين على الدفاع عن المدينة حتى الشهادة، إلا أن واليها "جودت بك" أصرَّ عليهم أن ينسحبوا إلى قصبة "وَسْطان" لتأمين عمليَّة النزوح، فانسحبوا إليها.
وبينما كاا أنْ لي ومدير المنطقة والأهالي والجنود في طريق النزوح من "وان" إلى نواحي "بِتْليس" مرورًا بی"وسْطان" إذْ شنَّتْ كتيبةٌ من فرسان القُوزاق الروسية هجومًا على "وَسْطايِّنةٍصدَّى لها المُلَّا سعيد مع مجموعةٍ من طلابه وحوالي أربعين عنصرًا من الجنود المستبسلين الصامدين، فحالوا بذلك دون وقوع النازحين في قبضة ا نرى أ، وأمَّنوا لهم طريق النجاة؛ وكان من جملة التصدي للأعداء أنه تحرَّك مع طلابه ليلًا على هيئةِ هجومٍ نحو تلٍّ مرتفعٍ يُشرِف على القُوزاق ليبث الرعب في صفوفهم، وأوهمهم بوصول تعزيزاتٍ كبيرةٍ، فأشغلهم وأعاق تقدمهم، وحالَ دون وقوع الزواان" تحت الاحتلال الروسي.
وفي خضمِّ تلك المعارك شرع بتأليف تفسيره المسمَّى "إشارات الإعجاز" بصحبةِ تلميذه النجيب "المُلَّا حبيب"؛ فقد كان ي والعرعليه إملاءً وهو على خطِّ النار، أو على صهوة الجواد أحيانًا، أو في الخندق أحيانًا أخرى، حتى أُلِّف قسمٌ كبيرٌ منه على هذه الهيئة.
— 117 —
وندرج هنا "إفادة المرام" الواردةَ في مستهلِّ هذا التفسير الفريد، لكونهاِ سيئةح بعض المعلومات بشأنه.
(حاشية): تنبيه: أُلِّف تفسير "إشارات الإعجاز" في السنة الأولى للحرب العالمية الأولى، على جبهة القتال بدون مَرجع ولا مصدر، وقدأثبتَ ْ ظروف الحرب الشاقة وما يواكبها من حرمانٍ أن يُكتَبَ هذا التفسير في غاية الإيجاز والاختصار لأسبابٍ عدة، وقد بقيت الفاتحة وشطرُه الأول أشدَّ إجمالًا واختصارًا.
أولًا: لأن ذلك الزمان لم يكن يسمح بالتفصيل، وكان "سعيدٌ القديم" ي علميّعن مُراده بعباراتٍ قصيرةٍ موجزة.
ثانيًا: لأن "سعيدًا القديم" كان يراعي درجةَ فهمِ تلاميذه النوابغ دون سواهم.
ثالثًا: أنه لما كان يبيِّن أدقَّ وألواقع.ا في نظمِ القرآن من الإيجاز المُعجِز، جاءت عبارته كذلك دقيقةً موجزة.
غير أني طالعتُه اليوم بنظرِ "سعيدٍ الجديد"، فوجدتُه - بما حوى من تدقيقاتٍب.
َةٍ - يُعدُّ بحقٍّ تحفةً من تُحَف "سعيدٍ القديم" رغم خطاياه.
ونظرًا لأن "سعيدًا القديم" كان وقتَ كتابته دائمَ الاستعداد للشهادة، وكَتَبه بنيَّةٍ خالصةٍ مطبِّقًا قوانين البلاغة ودأن لهذعلوم العربية، فإني لم أستطع أن أقدح في أيِّ موضعٍ منه، فعسى اللّٰه أن يجعل هذا المؤلَّف كفارةً لذنوبه، ويقيِّضَ لهذا التفسير رجالًا يستطيعون فهمَه حقَّ الفهم إن شفسير هّٰه.
ولولا قيامُ موانع كالحرب العالَمية الأولى، فقد كانت النية معقودةً لأن يُفرَدَ هذا الجزء لبيان الإعجاز النظمي، ويتكفلَ كلُّ جزءٍ من الأجزاء ابر لَح ببيانِ وجهٍ من وجوه الإعجاز الأخرى، فلو ضَمَّت الأجزاءُ الباقية حقائقَ التفسير المتفرِّقة في رسائلِ النور لأصبح تفسيرًا جامعًا بديعًا للقرآن المعجِز البيان.
فعسى لهيئةٍ موفَّقةٍ أن تجعل من جزء التقةِ الذا، مع الرسائل المئة والثلاثين من "الكلمات" و"اللمعات" و"المكتوبات" مصدرًا، فتكتب على ضوئه تفسيرًا للقرآن في المستقبل إن شاء اللّٰه؛ سعيد.
وكان "علي رضا أفندي" أمين الفتوى بإسطنبول كثير المطالعة لهذا التلخالص وكان يقول لإخوانه الذين يتردَّدون إليه: "إن له من القوَّة والقيمة ما لألفِ تفسير"؛ وقد استحسن هذا التفسيرَ علماءُ الشرق وكبارُ علماء ال الخاللعراق، وقال بعضهم فيه: "إنه تفسيرٌ بديعٌ لا مثيل له".
— 118 —
إفادة المرام
لمّا كان القرآنُ جامعًا لأشتات العلوم، وخُطبةً لعامَّةِ الطبقات في كل الأعصار، لا يتحصَّل له تفسيرٌ لائقٌ من فهم جاءت مالذي قلَّما يَخْلُص من التعصُّب لمسلكه ومشربه؛ إذ فَهْمُه يَخُصُّه، ليس له دعوة الغير إليه إلا أن يُعدِّيَه قَبولُ الجمهور؛ واستنباطُه - لا بالتشهي - له العمل لنفسه فقط، ولا يكون حجةً على الغير إلا أنْ يُصَدِّقَه نوعُ إجماع.
في أعل لابد لتنظيم الأحكام واطِّرادِها، ورفعِ الفوضى الناشئةِ من حريَّة الفكر مع إهمال الإجماع، من وجودِ هيئةٍ عاليةٍ من العلماء المحقِّقين الذين بمظهريَّتهم لأَمْنيَّةِ العُموم واعتمادِ الجمهور يتقلَّدون كفالةً ضِمنيَّةً للأمة، فيصيرون مَظهرَ سرٌِّ أو أيةِ الإجماع الذي لا تصير نتيجةُ الاجتهاد شرعًا ودستورًا إلا بتصديقه وسِكَّتِه؛ كذلك لا بدَّ لكشفِ معاني القرآن، وجمعِ المحاسن المتفرِّقة في التفاسير، وتثبيتِ حقائقه المتجلِّية بكشفِ الفنية التخيضِ الزمان، من انتهاضِ هيئةٍ عاليةٍ من العلماء المتخصِّصين المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقَّةِ نظرٍ وُسْعةُ فكرٍ لتفسيره.
نتيجة المرام:إنه لابد أن يكون مفسِّر القرآن ذا دهاءٍ عالٍ، واجتهادٍ نافذ، ووللجَلْداملة؛ وما هو الآن إلا الشخصُ المعنويُّ المتولِّدُ من امتزاج الأرواح وتسانُدِها، وتلاحُقِ الأفكار وتعاونِها، وتضافُرِ القلوب وإخلاصها وصَمِيْمِيَّتِه حان وبين تلك الهيئة.
فبِسِرِّ للكلِّ حكمٌ ليس لِكُلٍّ كثيرًا ما يُرى آثارُ الاجتهاد وخاصَّةُ الولاية ونورُه وضياؤها من جماعةٍ خَلَتْ منها أفرادُمليه ثم إني بينما كنتُ منتظِرًا ومتوجِّهًا لهذا المقصد بتظاهرِ هيئةٍ كذلك - وقد كان هذا غايةَ خيالي من زمان مديد - إذْ سَنَح لقلبي من قبيلِ الحسِّ قبل الوقوع تَقرُّبُ زلزلةٍ عظيمةٍ، (حاشية): أجل، أَخبر في أثناءِ أحد الدروس علىتهانًامدرستنا "خورخور" في "وان" عن زلزلةٍ عظيمة ستقع، وتحقَّق ذلك كما أخبر، إذِ اندلعت الحرب العالَمية بعد زمنٍ يسيرٍ؛ حمزة، محمد شفيق، محمد مِهٍْ من اشرَعْتُ - مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي - في تقييد ما سَنَح
— 119 —
لي من إشاراتِ إعجاز القرآن في نظمِه وبيانِ بعض حقائقه، ولم يتيسَّر لي مراجعةُ التفاسير، فإن وافقَها فبِها ونِعْمَتْ، وإلا فالعُهدة علَيّ.
فوقعتْ هذه الطامَّة الهم آلاففي أثناء أداء فريضة الجهاد، كلما انتهزتُ فرصةً في خطِّ الحرب قيدتُ ما لاحَ لي في الأودية والجبال بعباراتٍ متفاوتةٍ باختلاف الحالات، فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لايرضى قلبي بتغييرها وتبديلها، إذْ ظَهَرتْ في حاما ربي خُلوصِ النيَّة لا توجد الآن، فأعرِضُها لأنظارِ أهل الكمال لا لأنه تفسيرٌ للتنزيل، بل ليصير - لو ظَفِر بالقبول - نوعَ مأخذٍ لبعضِ وجوهِ التفسير.
وقد ساقني شَوقي إلى ما هو فوق طَوقي، فعلى صلحسنوه شجَّعوني على الدوام.
ومن اللّٰه التوفيق
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
وفي أثناء تلك المعارك استشهد كاتبُ تفسير "إشارات الإعجاز" "المُلَّا حبيب" الذي يَعدِل عشرين تلميذًا من تلاميذ الأستاذ النجباء، وذلك في "وَسْطان" إثر قيامه بمما يرب استخباراتيةٍ مهمَّةٍ مع قائدِ جبهة إيران "خليل باشا".
وكان فدائيو الأرمن في ذلك الحين يذبحون أطفال المسلمين في عددٍ من المناطق، فيُقتَل أطفالُ الأرمن في بعض الأحيان ردًّا على ذلك؛ وحدَثَ ذات مرةٍ أن جُمِع آلافٌ من أطفالِ الأرمن للقرآيةٍ تقع تحت إمرة المُلَّا سعيد، فأصدر أوامره للجنود قائلًا: "لا تتعرضوا لهؤلاء بشيء"، ثم أطلق سراحهم، وعادوا إلى أهاليهم خلف خطوط التَّماسِّ مع الروس، فوقع ذلك السلوك من الأرمن موقعًا عظيمًا، وكان درسًا بليغ العبرة عندهم، وأثار نية:ام بأخلاق المسلمين؛ فلما احتل الروس تلك الأماكن، تخلى قادة المجموعات الفدائية عن ذبح أطفال المسلمين، وتعاهدوا فيما بينهم قائلين: "ما دام المُلَّا سعيد قد سلَّم إلينا أبناءنا ولم يفرصةً فإننا كذلك لن نذبح أطفال المسلمين بعد اليوم"؛ وبذلك أنقذَ المُلَّا سعيد آلاف الأبرياء في تلك النواحي من الهلاك.
— 120 —
وحين استولى الروس بعد مدَّةٍ على أطراف مدينتيْ "وان" و"مُوْش"، وشرعوا بالهجوم على "بِتْليس" بثلاث فرقٍ عسكرية، قال واليهار.
ح بك" والقائد "كَلْ علي" لبديع الزمان: إننا مضطرون للانسحاب، إذْ ليس لدينا سوى كتيبةٍ من الجنود، إضافةً لحوالي ألفي متطوعٍ منكم.
فقال لهمَها با الزمان: إنْ فعلنا ذلك وقَعَتْ "بِتْليس" بما فيها من الأهالي والنازحين بِيَدِ العدو.. لا سبيل أمامنا سوى المقاومة حتى آخر رمق.
فقالا: إن الجنود لحياةين في "مُوْش" بعد سقوطها يحاولون تهريب ثلاثين مدفعًا إلينا، فإن استطعتَ بمن معك من المتطوِّعين أن تستخلصوا تلك المدافع، قاوَمْنا بها أيامًا، ونجا الأهالي.
ريخ طرديع الزمان: ما دام الأمر كذلك فإني إما أن آتي بالمدافع، أو أموت دون ذلك.
فترأّس ثلاثمائة متطوِّع، وتوجَّهوا ليلًا نحو "نُوْرْشِيْن" حيث المكفةِ للي ستُسحَب إليه المدافع؛ وكانت فرقة القُوزاق الروسية المكلَّفة بمراقبة تلك المدافع قد تلقَّت خبرًا من جواسيسها، مُفاده أن قائد المتطوِّعين الذي دافع عن "بِتْليس" قادمٌ ومعه ثلاثة آلافٍاذ من رجال لاستخلاص المدافع، يؤازره في ذلك القائد الشهير المتمركز في الجبال "موسى بك" بصحبة ألفٍ من رجاله؛ ومع أن الخبر كان مبالَغًا فيه إلا أنه ألقى الخوفَ في قلب قائد القُوزاق، فأحجم ولم يتقَّةً و ووزَّع بديع الزمان عناصرَه على المدافع لتحريرها، فقسَّمهم إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ تتولَّى كلُّ واحدةٍ عمليَّة تحرير مدفعٍ واستخلاصه، حتى حرَّر هو ومجموعةٌضعٍ منوانه آخر تلك المدافع؛ وبذلك تمكَّنوا من نقلها جميعًا إلى "بِتْليس"، فواجَهَ بها المتطوِّعون والجنودُ عدوَّهم بضعةَ أيام، حتى نجا الأهالي بأمتعتهم وأموالهم.
ولم يكن بديع الزمان ف كلمة الحرب يحتمي بالخنادق، بل كان دائمَ التحرُّك على خطِّ المواجهة كي يبثَّ العزيمة في نفوس المتطوِّعين؛ إلا أنه بينما كان ذات مرةٍ على صهوةِ جواده يَعْداد.
ات اليمين وذات الشِّمال في خطوط المواجهة الأمامية، إذْ
— 121 —
ورَدَ على خاطره واردٌ أثَّر في نفسِه، مفادُه أنْ: "إذا استشهدتُ الآن على هذه الحال، أي وأنا في المقدِّمة على نحوٍ بارزٍ للعِلناس عحذارِ أن يكون في هيئتي شيءٌ من حُبِّ الظهور المخِلِّ بإخلاصي الذي هو أساسُ نَيل مرتبة الشهادة"، فحوَّل عنان فرسه وعاد من فورِه إلى الخندق وانضم إلى إخوانه.
(حاشية): يمكن القول هنا: إن انصراف تفكيره إلى تحقيق الإخلاص في لشى أن و فيها بين الحياة والموت عند اشتداد الوَطيس، إنما هو مثالٌ من أمثلةِ الكمال الإنساني؛ ذلك أن شدة عنايته بالإخلاص الذي هو أعلى وأصفى مراتب الكمال أثناء وجوده في ساحات الوغى، وفي مواجهة العِدا، وبين نيران المدافع، وعلى صهوة جوداه ينطللاب، لً ويسرةً في الخط الأمامي كي يمنح طلّابَه الجرأةَ والقوّة من خلال إظهاره الشجاعة بصورة عملية، وحرصَه على استحضاره في روحه ونيَّتِه عند قيامه بمهام قائدٍ في أعلى درجات الشجاعة الإيمانية والشهامة الإسلامية، إتي تستلُّ على سموِّ جهاده وتضحيته وخدمته الدينية الجديرة بالتقدير، كما يدلُّ أكثر على كمال روحه.
وإذًا فليست أوصاف المدح والثناء التي عُرِف بها المُلَّا سعيد بين المسلمين وينيين، بها حياتُه كی"بديع الزمان" و"صاحب الزمان" و"فخر الدوران" و"فطين العصر" غيرُها أوصافًا بغير حقيقةٍ أو مجرَّد كلماتٍ تقال، فإن الخدمة الإيمانية ورس، سيية العظيمة التي أدّاها من خلال رسائل النور، والشخصية المعنوية القدسية التي شكَّلها الملايين من طلابه المُضَحِّين المعتزِّين بالحمية الدينية لَشاهدٌ صادقٌ ودليلٌ قاطعٌ على ذلك.
وبينما كان ذات مرةً يتحرَّك على خط المواجهة، إذْ أُصيب بأربع ط بل لقفلم يتراجع، ولم يحتمِ بالخنادق، لئلا يُضعِف من عزيمةِ المتطوِّعين؛ حتى إن الوالي "ممدوح بك" والقائد "كَلْ علي" أرْسلا إليه وقد أدهشَهم أمره: أنِ انسحبْ؛ فردَّ قائلًا: لن تقتلني رصاصات هؤلاء الق والع والحقيقة أن مواضع ثلاثٍ منها كان في مقتَل، إلا أن إحداها أصابتْ خنجره، واخترقتِ الأخرى علبةَ التبغ، فلم يُصَب بأذى.
وبعد أن غادرَ الأهالي والوالي والقائد "كَلْ علي" "بِتْليس" ليلًا، وانسحب منها الجنود والمتطوعون، بقي فيها المُلَّ من ال وثلَّةٌ من طلابه الفدائيين مرابطين فلم يغادروها، وعزموا على أن يضحُّوا بأنفسهم دفاعًا عمَّن بقي فيها من الضعفاء؛
— 122 —
وفي الصباح تصدَّوا لفرقةٍ من الأعداء، فاستشهِد جمعٌ من أصحابه؛ وا وأخذتأيضًا تلميذُه الفدائيُّ وابنُ أخته "عبيدٌ" فداءً عنه، ثم اخترق هو ومن تبقى من طلابه ثلاثةَ صفوفٍ للأعداء فلم يَخلُص منهم سوى الأستاذ وثلاثةٌ من طلابه، واختبؤوا بصورةٍ عجيبة تحت جسرٍ مُقامٍ على جدولدَ بجه، وفي أيديهم البنادق، وبقي في الماء والطين ثلاثًا وثلاثين ساعةً بعد أن أصابته الجراح وكُسِرتْ رِجله، وبينما كانوا في ذلك الوضع العصيب، وفوقَهم ما أنه لعدو فيه ضُبَّاطه وجنوده، كان يَبُثُّ السُّلوان في نفوس رفقائه بقلبٍ مطمئنٍّ فرِحًا بنجاةِ الأهالي، فيقول: متى واجهَنا العدوُّ بجنودٍ كثيرين استخدمْنا سلاحنا، لن نبيع أنفسَنا رخيصة، ولن نطلق النار على مجرَّد عنصرٍ أو عنصرين منهم.
وكان من لطى وتقدناية الإلٰهية أنهم كانوا يرون الجنود الروس، بينما ظلَّ الجنود الروس يبحثون عنهم مدةَ ثلاث وثلاثين ساعةً دون أن يتمكنوا من العثور عليهم!
وفي نهاية الأمر قال ل التدلزمان لطلابه: إخواني.. اذهبوا، لقد أحلَلْتكم حقي، اتركوني واسعَوا للنجاة بأنفسكم؛ إلا أنَّ هؤلاء الفدائيين الأبطال قالوا له: لن نتركك ونذهب وأنت علىنما كالحال، فإن استشهدنا فلنستشهد ونحن لك ملازمون.
وبعد ذلك أسرهم الروس واقتادوهم إلى "وان"، فی"جُلْفا"، فی"تفليس"، فی"كولوغريف"، وصولًا إلى "كوسْتْروما".
ُ ذَرّفدائيو الأرمن قد اشتهروا بقوَّة التحمُّل والجَلَد، حتى إنه ليُروى عنهم أنه: "لو كُبَّتْ وجوههم على الجمر حتى كادت أن تنفجر أعينهم، ما أفشَوا سِرًّا"، ومع ذلك فقد كان الروس يقولون: "إن متطوعي بديع الزمان يفوقون فدائيي ا، فإنهجَلَدًا وتحمُّلًا، وهذا ما مكَّنهم من سحق جنودنا القُوزاق".
نُقِل بديعُ الزمان إلى معسكر الأسرى، وهناك جَرَتْ حادثةٌ تستحق التقدير،وهي أن القائد العالا يبدسي جاء يومًا إلى المعسكر في زيارةٍ يطَّلع فيها على أحوال الأسرى، فلم يؤدِّ له بديعُ الزمان التحيَّة، ولم يقم من مكانه، فانزعج القائد، ثم عاد فمرَّ من أمامه ثانيةً ظانًّا أنه ربما لم يعرفه، فلما لم يقم له بديع الزمان في المرة الثانية، خاطعزمٍ لسطة مترجم: أما عَرَفني؟!
— 123 —
بديع الزمان: بلى، أعرفه؛ إنه "نيقولا نيقولافيتش".
القائد: إنه بعمله هذا يوجِّه إهانةً للجيش الروسي، وبالتالي يوجِّه الإهانة للقيصر.
بديع الزمان: أنا لم أوجِّه إهانة، أنادًا ِمٌ مسلم، ومن كان مؤمنًا باللّٰه كان أعلى رتبةً من الجاهل به، فلهذا لا أقوم لك.
أُحيل بديع الزمان بسبب هذا على المحكمة العسكرية، فرجاه بعضُ رفقائه الضباط أن يتقدم باعتذارٍ من فوره كي يجتنب العاقبة الوخيمة، إلا أنه قال بكلِّ عزةٍ نور علٍ غيرَ مبالٍ بشيء: إن قرار الإعدام من هؤلاء هو بِمثابةِ جوازِ سفرٍ للرحلة إلى العالَم الأبدي.
وفي نهاية الأمر حُكِم عليه بالإعدام، فلما حان وقت تنفيذ الحكم طَظر أستذن للصلاة، وقال لهم: متى أديتُ فريضةَ ديني كشفتُ لكم عن صدري لتطلقوا عليه الرصاص؛ وبينما كان يؤدي الصلاة إذْ تقدَّم القائد الروسي نحوَه وقال له معتذرًا: لقد تبيالغربي أن تصرفكم ذاك إنما كان نابعًا من تمسُّككم بمقدَّساتكم، فأرجو أن تسامحوني؛ وأسقَط حكم الإعدام الصادرَ بحقه.
٭ ٭ ٭
ظلَّ بديع الزمان#85
الأسر في روسيا قرابة السنتين ونصف السنة؛ إلا أن فدائيَّ الإسلام هذا الذي وقَفَ حياتَه في سبيل اللّٰه، دعوةً إلى القرآن والإسلام، وإحياءً لسنةِ خير الأنام (ص)، لم يِّههم ك مكتوف اليدين، بل عمل جاهدًا لتنوير مَن حولَه وإرشادهم، فكان يلقي الدروس على من معه من الضباط الأسرى، وبينما كان ذات يومٍ يلقي الدرس على تسعلاحق اطًا من رفقائه، إذْ جاءه أحد القادة الروس فمنعه بحجةِ أنه يلقي دروسًا في السياسة، ولكنه لما علِم أن نشاطاته دينيةٌ علميةٌ اجتماعيةٌ تَرَكَه وشأنَه.
وفي نهاية المطاف نجا بديع الزمان من التقد إذْ فرَّ حتى نجح بالوصول إلى "بطرسبرغ"، ثم "وارسو"، ليصل سالمًا عبْر "فيينا" إلى إسطنبول سنة ١٣٣٤رومي.
— 124 —

@

صورة التُقِطَتْ من قِبل الألمان سنة ١٩١٨ حين اجتاز بديع الزمان ألمانيمدى خمًا من الأسر في روسيا.

@

جواز سفر أعطي من قِبَل الملحق العسكري في صوفيا لدى وصول بديع الزمان إليها قادمًا من ألمانيا بعد فراره من الأسر في روسيا.
— 125 —
فيما يلي يشرح بديعُ الزمان حياةَ الأسر في أحد مؤلفاته وهو الذي كان قائدَ فرقةٍكمتها،وعين في الحرب العالمية الأولى:
(حاشية): بعد مُضيِّ زمنٍ غير يسيرٍ على هذا الأسر، نُقِلَ الأستاذ إلى "بارلا" كأسيرٍ، فسطَّر بعضَ مُجريات حياته الإسلاة في "الرجاء الثالث عشر" من "اللمعة السادسة والعشرين"، ويمكن لمن شاء أن يراجع هذه الرسالة.
قسمٌ من الرجاء التاسع من اللمعة السادسة والعشرين
"إثرَ وقوعي في الأسر أثناء ين ولاالعالمية الأولى، لبثتُ زمنًا في ولايةٍ قَصيَّةٍ في شَمال شرقيِّ روسيا تدعى "كوسْتْروما"، كان هناك مسجدٌ صغيرٌ للتتار على ضفة نهر "الفولغا" الشهير، وكنت أشعر بالضيق بين رفقائي الضباط الأسرى، فأردت أن أخلو بنفسي، لكن لم يكن بمقلقرآن لتجوال في الخارج بغير إذن؛ فأخذني أهلُ محلَّة التتار بكفالةٍ منهم إلى ذلك المسجد، فكنت أبيتُ فيه وحدي.
وكانت ليالي الشَّمال هناك تمتد وتارق ال اقتراب فصل الربيع، فكنتُ كثيرًا ما يصيبني الأرَق، وفي تلك الليالي الحالكة، والغربة الكالحة، إذا بخريرِ نهر "الفولغا" الحزين، وتساقُطِ قطراتِ المطر برقَّة، وأنينِ الفراق في صفير الرياح، توقظني مؤقائل ضد نوم الغفلة العميق.
وبالرغم من أنني لم أكن أعدُّ نفسي شيخًا، لكنَّ الذي يرى الحربَ العالمية يَهرَم، ذلك أن أيامَها العصيبة يشيب لهولها الولدان، كأنما تجلَّى فيها سرٌّ من أسرار: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَاَحِم ابًا؛ ومع أنني كنت في سن الأربعين، إلا أنني وجدت نفسي كأنني في الثمانين.
وفي غمرة تلك الليالي الطويلة المظلِمة، والغربة الحزينة، والحال الكئيبة، خيَّم عليَّ يأسٌ مسيِّئٌاة، وتأمَّلتُ في عجزي ووحدتي فانقطع أملي، وبينما أنا في تلك الحال
— 126 —
إذْ أتاني المدد من القرآن الحكيم، فردَّد لساني: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وقال قلبي باكيًا: غريبٌ أنا.. ليس لي أحد.. ضعيفٌ.. بلا حولٍ ولا سَنَد.. أَنبها الأمان.. أسأل العفو والغفران.. أطلُب المدد.. في بابك يا إلٰهي.
أما روحي التي تذكَّرتْ أحبائي القدامى في الوطن، وتخيَّلتْ موتي في الغربة، فراحتْ تبحثُ عن صديق، وتمثَّلتْ أبياتَ " التي المصري":
بَسَیییطَ الجنیییاحَ إلى العَیدمْ
ومناديًا: أين الصَّديق؟
متجییییاوزًا دنيا الألم
وِرْدًا عییلى مَییرِّ الییدُّوَمْ
وهكذا ففي ليل الغربة الطويل ذاك، المفعَمِ بالحزن والأسى وع، لكنلفراق، صار ضعفي وعجزي شفيعين عظيمين ووسيلتَيْن جليلتَيْن بباب الحضرة الإلٰهية، بحيث إني لا أزال مندهشًا من فراري بعد أيامٍ قليلة بصورةٍ غير متوقَّعة، واجتيازي بمفردي مسافةً تُقطَع سيرًا على الأقدام في سنةٰه سبح، مع عدم معرفتي باللغة الروسية؛ لقد نجوتُ بصورةٍ عجيبة، وبعنايةٍ إلٰهيةٍ شملتني لعجزي وضعفي، وأكملتُ رحلةَ الفرار الطويلة تلك محفوفًا بتيسيراتٍ وتسهيلاتٍ جمَّةٍ، مارًّا بی"وارسو" ثم بالنمسَسْعَ بلغتُ إسطنبول، بحيث إن نجاتي بهذه السهولة الفائقة لا تتيسر حتى لأكثر الناس جرأةً ودهاءً ومعرفةً باللغة الروسية.
على أن حالتي في تلك الليلة التي قضيتُها في ذلك المسجد على ضفاف نهَم الإولغا" قد جعلتني أتخذ القرار التالي: "سأقضي بقيَّةَ عمري في المغارات.. كفاني اختلاطًا بحياةِ الناس الاجتماعية؛ فما دمت سأدخل القبرَ وحيدًا في نهاية المطاف، فسأختار الوحدة من الآن كي أعتادَها".
ولكن إسطنبول بما فيها من أحبابٍ مخلصين كُثْر، لى مدايها من حياةٍ دنيويَّةٍ برَّاقة، خصوصًا الأمور التي لا طائل من ورائها كالشُّهرة والسُّمعة التي سُلِّطَتْ أضواؤها عليَّ بما يفوق حدِّي، قد أنسَتْني قراري ذاك مؤقتًا لِلأسف، فكأنَّم به مالغربة ذاك كان لِعَيْنِ حياتي سوادَها المنير، وكأن نهارَ إسطنبول البهيجَ كان لِعَيْنِ حياتي بياضَها المظلِم؛
— 127 —
فلم تستطع أن ترى ما هو آجل، فنامتْ من جديدٍ إلى أن أعاد الشيخ الغوثُ عبد القادر الگيلانيُّ فَتْحَها بعد سنتين والحكو "فتوح الغيب".
٭ ٭ ٭
سُرَّ الناسُ وأهلُ العلم بقدومه إلى إسطنبول وقرَّتْ أعينهم بلقائه، وعُيِّن - دون إخطاره - عضوًا بی"دار الحكمة الإسلامية" التابعة لی"دائرة المشيخة الإسلامية"، وكانت "دار الحكمة" آنئذٍ بمثابةِ أكاديميةٍ إسلانِيازيضم نخبةً من العلماء الأعلام أمثال "محمد عاكف"، و"إسماعيل حقي الإزميري"، و"حمدي ألماليلي".
يقول عنه ابنُ أخيه وابنُه المعنويُّ "عبدُ الرحمن ما كتن - رحمه اللّٰه - طالبَ علمٍ يتَّقِد ذكاءً وحماسةً وبطولةً: بعد أن عاد عمي من الأسر سنة ١٣٣٤رومي عُيِّن عضوًا بی"دار الحكمة الإسلامية" دون إخطاره، إلا أنه لم يستطع أن يداوم على الوظيفة لشدَّةِ ما قاسى من الأسر، فأُعفِيَ من الدوام مهي "المن الزمن؛ ومع أنه حاول أن يستقيل منها مرارًا، إلا أن أصدقاءه لم يسمحوا له بالاستقالة، فباشر الدوام على إثر ذلك؛ وكنتُ أراقب حالَه، فلم يكن ينفقالدنيافسه أكثر مما تقتضيه الضرورة، وكان يُسأل: لماذا تعيش مقتصِدًا إلى هذا الحد؟ فيقول: أريد أن أعيش كما يعيش السَّواد الأعظم من هذا الشعب، فهم يدبِّرون أمورَ معيشتهم بهذا المقدار، ولا أريد أن أكون من الأقلِّية المسرِفة.
وكان من عادته أكان مشع من راتبِ "دار الحكمة" مقدارَ الضرورة، ثم يدفعَ بالباقي إليَّ قائلًا: احتفظ بهذا، وحصل أنْ أنفقتُ المبلغَ الذي تجمَّعَ خلال سنةٍ دونَ أن أُخبِرَه، لِما أَعلمُه من شفقتِه بي ومن هَوانِ المالِ عليه؛ فلما عَلِم لهررة ال لي: إنما كان هذا مالَ الشعب لا مالَنا، فلماذا أنفقتَه؟! ما دام الأمر كذلك فقد عزلتُك عن منصب وكيل الصرف وعيَّنتُ نفسي.
وبعد مدَّةٍ من الزمن أراد أن يطبع اثني عش
أيَفًا من مؤلَّفاته التي تتحدث عن الحقائق، فعَمَدَ إلى ما تجمَّع من مال الراتب فأنفقه على طباعة تلك الرسائل، ثمَّ وزَّعها مجَّانًا باستثناء رسالةٍ أو رسالتين، فٍ إلى : لماذا وزَّعتَها مجَّانًا ولَم تجعلْها
— 128 —
للبيع؟ فأجابني: إنما يجوز لي من الراتب ما يُقيم الأَوَد، أما ما زاد فللشعب، وإنني بهذا الشكل أردُّ مالَه إليه.
كان يؤدي مهمَّتَه في "دار الحكمة الإسلامية" على هذه الصورة
بعهد الشخصي كما تقدَّم؛ ذلك أنه واجه فيها عقباتٍ تمنع من القيام بعملٍ جماعي؛ ويَعلَمُ كلُّ مَن يعرف بديعَ الزمان أنه رجلٌ حَمَل روحَه على كفِّه، وجعلَ الموتَ نُصلاء.
نيه، ولأجل هذا كان في "دار الحكمة" مقاوِمًا صُلب المِراس، فلم تستطع التأثيرات الأجنبية أن تجعل منه أداةً في يدها، وتصدَّى بشجاعةٍ للفتاوى المُضلِّلة، وكان مميرٍ ي تيارٌ يستهدف الإسلام أو يحارِبه، أخرجَ كتابًا يفنِّد أفكارَه ويَنقُض بنيانَه.
٭ ٭ ٭
مقتطفٌ مما كَتَبه عن حياته في إسطنبول بعد عودته من الأسر
"الرجاء العاشر من اللمعة السادسة والعشرين"شُد الد عودتي من الأسر غلبتْ عليَّ الغفلةُ في إسطنبول من جديدٍ مدَّةَ سنةٍ أو سنتين، وحوَّلَتْ أجواءُ السياسة نظري من نفسي مُشتِّتَةً إياه في الآفاق.. وفي تلك المرحلة كنتُ جالسًا ذاتَ يومٍ في مقبرةِ السلطان أيوب، في مكانٍ مرتفعٍ منها يمل الفعلى وادٍ عميق، أقلِّب النظر في آفاق إسطنبول، وإذا بي يُخيَّل إليَّ كأنَّ دنيايَ الخاصَّةَ قد حضرتْها الوفاة، حتى لكأن الروح تنسلُّ انسلالًا من بعض أطرافي، فقلت: أتُراها الكتابايم ظنّي على شواهد القبور هي التي تُخيِّل إليَّ مثلَ هذا الخيال؟
أشَحْتُ بنظري عن الآفاق البعيدة والتفتُّ أنظر إلى المقبرة، فأُخطِر على قلبي: "إن في هذه المقبرة مِن حُ للعقةَ إسطنبول.. بلى، لقد أُفرِغت إسطنبول ها هنا مئةَ مرة، وليس بمقدورك أن تبقى استثناءً فتنجوَ من حُكمِ حاكمٍ قديرٍ أفرغَ جميعَ أهالي هذه المدينة هنا.. أنتَ أيضًا سترحَل".
— 129 —
خرجتُ من المقبرة وأنا أحأخذتْ الخيال المخيف، ودخلتُ غرفةً صغيرةً في جامع السلطان أيوب كنتُ دخلتُها من قبلُ مرارًا، وجعلتُ أفكِّر في نفسي قائلًا: إنما أنا ضيف.. ضيفٌ من ثلاثة أوجُه، فكما أنني ضيفٌ في هذه الغرفة الصغيرة، فإن، لما ك ضيفٌ في إسطنبول، وضيفٌ أيضًا في الدنيا؛ وعلى الضيف أن يهتم بأمرِ مغادرته؛ فكما أني سأغادر هذه الغرفة، فإني سأغادر إسطنبول ذات يوم، وسأغادر الدنيا كذلك في يومٍ آخَر.
وفي غمرةِ تلك الحال خيَّمتْ علاس، تَ وقلبي مشاعرُ غمٍّ وحزنٍ مفعمةٌ بالألم واللوعة والأسى، ذلك أني لن أفقد صديقًا أو صديقين فحسْب، بل سأفارق آلافَ الأحبَّة في إسطنبول، مثلما سأفارق إسطنبول نفسَها التي أحببْتُها، وكما سأفارق مئاتِ الآلاف من أصدقائي في الدنيا، سأفهذه الدنيا الجميلةَ نفسَها التي أحببتُها وفُتِنتُ بها؛ وبينما أنا مستغرقٌ في هذا التفكير إذْ عُدتُ إلى ذلك المكان المرتفِع من المقبرة، فإذا بي أرى الن، فإنهنهم جنائزُ تتحرك، تمامًا مثلما يتراءَى الناسُ في مشاهد السينما التي تنقل صورةَ الماضي إلى الحاضر، والتي تَعرِض شاشاتُها أشخاصًا أحياءً يتحركون مع أنهم اليوم من الأموات، وكنتُ أتردَّد إليها أحيانًا للعبرة، فقال لي خيا الدين دام بعضُ الذين طَوَتْهم هذه المقبرة يُشاهَدون في السينما أحياءً يتحركون، فشاهِدِ الذين سيدخلون المقبرةَ في المستقبل حتمًا كأنهم دخلوها باكفر، وفإنهم أيضًا جنائز تتحرك.
وفجأةً تبدَّدتْ تلك الحال الحزينة، وانقلبتْ - بنورِ القرآن الحكيم، وإرشادِ الغوثِ الأعظم الشيخ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سره - فرحًا وسرورًا، وذكَّرَنيلتِّريُ الآتي من القرآن بالخاطر التالي:
كان لك في غربتك في الشَّمال الشرقيِّ بی"كوسْتْروما" صديقٌ أو اثنان من الضباط الأسرى، وكنت تعلَم أنهما ذاهبان إلى إسطنبول لا محالة، فلو سألك أحدٌ: أتذهب إلى إسنكر تلأم تبقى هنا؟ فلا ريب إنْ كان لك ذرَّةٌ من عقلٍ أنك ستقبل الذهاب إلى إسطنبول بفرحٍ وسرور؛ لأن لك من أحبابك فيها تسعمئةٍ وتسعةً وتسعين من ألفِ حبيبٍ وحبيب، وليس لك منهم ها هنا سوى واحدٍ أو اثنين، وهما أيضًا ذاهبان إلى
— 130 —
هناك؛العلومالذهاب إلى إسطنبول بالنسبة إليك فراقًا حزينًا ولا افتراقًا أليمًا؛ ثم ها أنت قد أتيتَها، أفلم تَقَرَّ عينُك؟! لقد نجوتَ من بلاد الأعداء، من لياليها الطويلة الظَّلى درجةومن شتائها القارس بعواصفه الهوجاء، وقدِمتَ إلى إسطنبول الجميلة كأنها جنةُ الدنيا.
وكذلك الأمر هنا، فلقد رحل تسعةٌ وتسعون بالمئة من الذين أحببتَهم منذ صغرك حتى الآن.. رحلواأن قرالك المقبرة التي تَبعثُ فيك الرهبة والخوف، ولم يبق لك في هذه الدنيا سوى صديقٍ أو صديقين، وهما كذلك راحلان إلى هناك؛ فوفاتك في الدنيا ليست بفراقٍ، بل هي وصال، إنها جمعُ شملٍ مع أولئك الأحبة.
لقد ترك هٌ عن ع أعني الأرواحَ الباقية - مأواهم المندرسَ تحت أطباق الثرى، فمنهم من يحلِّق بين النجوم، ومنهم مَن يَجُول بين طبقات عالَم البرزخ.
أجل، لقد أثبتَ القرآنُ والإيمانُ هذهالشؤونقةَ إثباتًا قاطعًا، بحيث يُذعِن لها حتمًا كلُّ مَن لم يَعدَم قلبَه وروحَه، ولم تُغرِق الضلالةُ قلبَه، فيصدِّق بها تصديق مَن رآها؛ ذلك أنه حاشا لصانعٍ ك بالعرحيمٍ زيَّنَ الدنيا بما لا يُحدُّ من أنواع اللطف والإحسان، وأظهر ربوبيَّتَه بهذه الرأفة والإكرام، حتى إنه لَيَحفَظُ أدنى الأشياء الجزئية قيمةً كالبذور.. حاشا له أن يَعمَد إلى أكملِ مصنوعاًا وتدجمعِها، وأحبِّها إليه وأهمِّها، ألا وهو الإنسان، فيُعدِمَه بلا رحمةٍ، أو يُفنِيَه أو يُضيِّعَه بلا عاقبةٍ كما يبدو في الظاهر، لا يفعل ذلك قطعًا وبداهةً، وإنما يَضَع، فما ق الرحيم مصنوعَه الحبيبَ هذا تحت الترابِ الذي هو بابُ رحمة، يضعه هناك إلى أجلٍ كما يَبذُر المُزارِع البذار كي تتسنبل في حياةٍ أخرى. (حاشية): أُثبِتتْ هذه الحقيقةُ في سائر الرسائل - خصوصًا في الكلمتين العاشرة والتاسعة والعشرينم بنظراتًا لا يَمْتري فيه عاقل.
وبعد أن تلقَّيتُ هذا التذكير القرآنيَّ غدَتْ تلك المقبرةُ آنَسَ لي من إسطنبول نفسها، وصرتُ أُسَرُّ بالخلوة والعزلة أكثر من سرو أنْ سمجالسة والمعاشرة، ووجدتُ مكانًا أخلو فيه بنفسي على جانب المضيق في منطقةِ "صاري يَرْ"، وكما صار الغوثُ الأعظم، الشيخ عبد القادر الگيلاني قُدِّس سرُّه، أستاذي وطبيبي ومرشدي
#13الشكر به "فتوح الغيب"، صار الإمام الربَّاني لي معلِّمًا ومشفقًا وأنيسًا بكتابه "مكتوبات"، ورضيتُ أيَّما رضًى عن دخولي الشيخوخة، وعزوفي عن مبكون إلمدنيّة، وانسلاخي عن الحياة الاجتماعية، وشكرتُ اللّٰه على ذلك.
٭ ٭ ٭
الرجاء الحادي عشر
بعد أنْ عُدتُ من الأَسر أقمتُ في أحد المنازل الراقية المُقامة على مرتفعِ "چاملِجه" بإسطنبول، وكان يقيم مك الحيُ أخي عبدُ الرحمن "رحمه اللّٰه"، ويمكن أن تُعَدَّ حياتي هذه من الناحية الدنيوية أسعدَ حياةٍ لأمثالنا؛ فقد نجوتُ من الأَسر، وتيسَّر لي السبيل في "دار الحكمة" لنشرِ العلم بأفقولُه:وبٍ يناسب مسلكي العلمي، وأقبلتْ عليَّ الشُّهرة والجاه بما يفوق حدِّي كثيرًا، فضلًا عن أن الموقع الذي كنتُ أقيم فيه يُعدُّ أجمل بقعةٍ في َلِيْلل، أعني "چاملِجه"، وكلُّ شيءٍ لديَّ على ما يرام، ومعي مَن هو في غايةِ الذكاء والتضحية، أقصِد ابنَ أخي عبدَ الرحمن "رحمه اللّٰه"، إذْ كان ليَ التلميذَ، والمساعِدَ، والكاتبَ، والابحقيقيّعنوي.
وبينما كنت أعدُّ نفسي أسعدَ إنسانٍ في الدنيا، إذْ نظرتُ ذات يومٍ في المرآة، فرأيتُ شيبًا يخالط شعري ولحيتي، وإذا بتلك اليقظة الروحيةى الرأحصلتْ لي في جامع "كوسْتْروما" زمانَ الأَسْر تعودُ من جديد، فرُحْتُ أُدقِّق في الأحوال والأسباب التي تعلقتُ بها قلبيًّا وظننتُها مصدَر السعادة الدنيويَّة، فما دقَّقتُ في شيءٍ منها إلا وجدتُه واهيًا خدَّارات ما يستحقُّ التعلُّقَ به؛ وكنتُ لَقِيتُ في تلك الآونة خيانةً غيرَ متوقَّعةٍ وغدرًا لا يخطر بالبال من شخصٍ كنتُ أعدُّه أعزَّ الأصدقاء، فاعترتْني حالةُ انقباضٍ واستيحاشٍضًا:أحياة الدنيوية، وقلتُ لقلبي: أتُراني مخدوعًا تمامَ الخديعة؟! إنني أرى كثيرًا من الناس ينظرون إلى حالنا نظرَ الغِبطة، بينما هي حالٌ تدعو للرثاء من زاوية الحقيقة.. فهل جُنَّ ي نظركالناس؟ أم أنا مَن جُنِنتُ فرأيتُ هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين؟!
— 132 —
وعلى كلِّ حالٍ.. فإنني بهذه اليقظة الشديدة التي أحدثَتْها فيَّ الشيخوخةُ رأيتُ أوَّلَ ما رأيتُ فناءَ ما تعلَّقتٍ عظيمن أشياء زائلةٍ فانية، وتأمَّلتُ في نفسي فرأيتُها في منتهى العجز، فهَتَفَتْ روحي التي تَنشُد البقاء، والتي فُتِنَتْ بالفانيات إذْ توهَّمتْ فيها البقاء.. هَتَفَتْ بكلِّ قوتها قائلةً: ما دمتُ سأفنى جسدًا فأيُّ خيرٍ يُرِ المتهذه الفانيات؟ وما دمتُ عاجزةً فماذا عساي أن أنتظر من هؤلاء العَجَزَة؟
وشرَعْتُ أبحث قائلًا: إنما يجدُ الدواءَ لدائي مَن هو قديرٌ أزليّ، بسول المديّ، وأخذتُ أبحث عن رجاءٍ وسُلوان، فراجعتُ أوَّلَ ما راجعتُ العلومَ التي حصَّلتُها في سالفِ عهدي، غير أني للأسف، كنتُ حتى ذلك الحين قدفسرتُ جعبتي - إلى جانب العلوم الإسلامية - بعلومٍ فلسفيَّةٍ ظننتُها بخطأٍ بالغٍ أصلَ التكمُّل ومَصدَرَ الثقافة والتنوُّر، والحالُ أن هذه المسائل الفلسفيَّة كثيرًا ما لوَّثَثحيةِ " وأعاقتْ رُقِيِّيَ المعنويَّ؛ وبينما أنا في تلك الحال إذا بالحكمة القدسية التي جاء بها القرآن الحكيم تهُبُّ لنجدتي رحمةً من اللّٰه وكرمًبَ العلتْ عن روحي أدرانَ تلك المسائل، وطهَّرَتْها منها كما بَيَّنّا في كثيرٍ من الرسائل.
فمن ذلك أن الظلمات الروحيةَ الناشئةَ عن علومِ الحكمة كانت تَخنُق روحي وتشدُّها إلى عالَم الكائنات، فكنتُ حيثُما قلَّبتُ نظري وبحثتُ عن النور في تلك المساالبحث أجده فيها، بل أجدني ضيِّقَ الصدر، إلى أن جاءني التوحيدُ الصادرُ من القرآنِ الحكيم، المُلقَّنُ بجملةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وانبثقَ نورًا ساطعًا فبدَّدَ الظلمات وشرحَ الصدر؛ غير أن النفس والشيطان هَجَما على العقل والقلب والأَُيْن إلى الدروس التي تعلَّماها من أهل الضلالة وأهل الفلسفة، لكنَّ المناظراتِ النفسيَّةَ في ذلك الهجوم حُسِمَتْ بانتصار القلب، وللّٰه الحمد.
وقد دُ
وق بعضُ تلك المناظرات في العديد من الرسائل، فنكتفي بها؛ إلا أننا لأجل أن نعرِضَ انتصارًا قلبيًّا من ألوفِ تلك الانتصارات، سنبيِّنَ هنا برهانًا واحدًا من آلافِ تلك البراهأهم الاه يُطهِّرُ أرواحَ شيوخٍ مُسِنِّين كانوا لوَّثوا في زمن الشباب أرواحَهم، وأسقموا قلوبَهم، واسترسلوا مع أنفسِهم: إما بالضلالة، وإما بالانشغال
#تتهمونا لا يعنيهم، وذلك حين أصابوا شيئًا مما يُسمَّى الحكمةَ الأجنبيةَ أو علومَ المدنيَّة؛ وعساه يُخلِّصُهم من شرورِ النفس والشيطان فيما يتعلَّق بالتوحيد؛ نبيِّن هذا البرهان على النحو التالي:
قالت نفسي نيابةً عن العلوم الفلسفية: إ جميعَياء في هذا العالَم لها بطبيعتها ارتباطاتٌ مع الموجودات، فكل شيءٍ متوجِّهٌ إلى سبب، فينبغي أن تُطلَبَ الثمارُ من الأشجار، وينبغي أن تُطلَب محاصيل الحبوب من التراب، فما معنى أن يُتضَرَّعَ إلى اللّٰه ويُطلَبريمة، حتى أدنى الأشياء وأصغرُها؟!
وفي تلك اللحظة انكشَف سرُّ التوحيد وتبدَّى بنورِ القرآنِ بالصورة التالية:
قال قلبي لنفسي المتفلسفة: إن أصغر الأشياء وأدناها مَثَلُها كمصوُّراكبر الأشياء وأعظمِها، إنما تأتي مباشرةً من قدرةِ خالقِ الكائنات، وتَصدُر عن خزينته، ولا سبيل لأن تكون بغير هذه الصورة؛ أما الأسباب فإنما هي حُجُبٌ وأستار، ذلك أن وأشدّنُّه أصغرَ المخلوقات وأحقرَها قد يكون - من حيث الصنعةُ والخِلقة - أعظمَ من أعظمِ المخلوقات، فالذباب إن لم يَفُقِ الدجاجَ صنعةً لم يَقصُر عنه؛ وعلى هذا فلا يُفرَّق بين كبيرٍ وصغير، فإمَّا أن يُقَسَّم الجميَّا هُ الأسباب المادية، وإما أن يُسْنَد الجميع كُلِّیيًّا إلى ذاتِ واحدٍ فردٍ، فكما أن الشِّقَّ الأوَّل محال، فالشِّقُّ الآخَر واجبٌ ضروريّ.
وذلك أن الأمرَ إنْ أُسنِد إلى هم مثلاحدٍ فردٍ، أي إلى قديرٍ أزليٍّ: فما دام علمُه محيطًا بكلِّ شيء - وهو علمٌ متحقِّقٌ وجودُه قطعًا بدلالةِ انتظامِ الموجودات وحِكَمِها البالغة یی؛ وما دام يتعيَّن في علمه مقدارُ كلِّ شيء؛ وما دامت تأتي من العدم إبها مبجود في كلِّ وقتٍ مصنوعاتٌ متقَنةٌ غيرُ متناهيةٍ بسهولةٍ غير متناهية كما هو ثابتٌ بالمشاهدة؛ وما دام لذلك القدير العليم قدرةٌ لا حدَّ لها - كما بيَّنَّا في رسائل كثيرةٍ بدلائلَ قويَّةٍ لا تُحَدُّ، خصوصًا ما أُثبِت في "المكتوب العشرين"، يرهم لام "اللمعة الثالثة والعشرين" - بحيث يَقدِر على إيجادِ أيِّ شيءٍ بالغًا ما بلغ بمجرَّدِ أمرِ: كُنْ فَيَكُونُ كما لو أنه قَدْحُ عودِ ثقاب: فلا ريب أن السهولةَ الخارقةَ للعادة التي تُرى بالمشاهدة إنما حتى هذن تَيْنِك الإحاطةِ العلميِّة وعَظَمةِ القدرة.
— 134 —
فكما يَحصُل مثلًا إذا مُرِّرتْ مادةٌ مخصوصةٌ على كتابٍ كُتِبَ بحبرٍ كيميائيٍّ سِرِّيٍّ، إذْ يَظهَر على الفور ذلك الكتابُ العظيم للعِيان، ويُقرئُ ما فيه لكلِّ ناظر كلماتك الأمر بالنسبة لكلِّ شيءٍ، إذْ تتعيَّن صورتُه المخصوصة بمقدارٍ معيَّنٍ في العلم المحيط للقدير الأزلي سبحانه، فيُمرِّر القديرُ المطلَق قوَّتَه التي هي جَلوةٌ من جلواتِ قدرتِه، على تلك الماهيَّة العلميَّة بغايةِ السهولة، كتمرير تلك المادهذه هيتلك الكتابة، وذلك بقدرته اللامحدودة، وبإرادته النافذة، وبأمره: كُنْ فَيَكُونُ، فيعطي ذلك الشيءَ وجودَه الخارجيَّ، ويُظهِرُه للعِيان، فيُقرِئُ نقوشَ حكمته.
أما إنْ لم تُسْنَد جميعُ الأشياءِ بكُلِّیيَّتِها إلأهل الالقدير الأزليِّ العليمِ بكلِّ شيء، لَلَزِمَ أن يُجمَعَ بدنُ أصغرِ الأشياء - كالذباب مثلًا - من معظمِ العناصرِ الموجودة في العالَم جمعًا بميزانٍ خصوصي، ولكان من الواجب فضلًا عن ذلك أن تكون الذرَّاتُ العاملةُ انت هذِ تلك الذبابة الضئيلةِ الحجمِ على علمٍ بجميعِ دقائقِ سرِّ خِلقتِها وكمالِ صنعتِها.
ذلك أنه من المعلوم بداهةً وباتفاقِ عمومِ أهل العقالذهن لأسباب الطبيعية والمادية لا تستطيع الإيجادَ من العدم، بل حتى لو أَوجدتْ فلا بدَّ لها أن تَجْمَع، وما دامت ستَجمع فإن في كلِّ ذي حياةٍ - أيًّا كان - نماذجَ من أكثادثةً اصر والأنواع، حتى كأنه بمثابةِ خلاصةٍ للكائنات أو نواةٍ لها؛ فلا ريب في هذه الحال أنه يلزم تجميعُ بِذْرةٍ من جميعِ الشجرة، وتجميعُ ذي حيةُ مدر جميعِ ما على وجه الأرض، بعد الغربلةِ بأدقِّ غربال، والوزْنِ بأدقِّ ميزان.
وما دامت الأسبابُ الطبيعية جاهلةً جامدةً لا علمَ لها لتُقدِّرَ خُطةً، أو فِهكتب حتأو أُنموذجًا، أو برنامجًا، فتَصوغَ على وَفْقِه الذرَّاتِ الآتيةَ إلى القالَب المعنوي، لكيلا تتبعثر أو يختلَّ نظامُها؛ وما دام يمكن أن يكون شكلُ كلِّ شيءٍ وهيئتُه على أنماطٍ لا تُحَدّ؛ فما أبعدَه عن لقات، والإمكان والاحتمال أن تتشكَّل ذرَّاتُ العناصرِ فتقومَ في كتلةٍ من غير قالَبٍ ولا مقدارٍ رغم كونها مَوَّارةً كالسَّيل، ثم تنتظِمَ فيما بينها بغير تشتُّت، في شكلٍ ومقدارٍ محدَّدَين منلشيخ "شكالٍ ومقادير لا تُحَدُّ ولا تُعَدُّ، ثم يُعطى ذو الحياةِ وجودًا منتظمًا!! ألا إنه أمرٌ يدريه كلُّ مَن لم يكن في قلبه عَمًى.
— 135 —
أجلاط وإن بناءً على هذه الحقيقة، وبسرِّ الآية العظيمة: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، يتبيِّ الإس لو اجتمعت جميعُ الأسباب المادية، وكان لها اختيار، ما استطاعتْ أن تَجمع جسمَ ذبابةٍ واحدةٍ، ولا أنْ تجمعَ بميزانٍ مخصوصٍ أجهزةَ هذا الجسم؛ بل حتى لو جمعتْه ما استطاعتْ أن تقيمَه بمقدارٍ معيَّن؛ بل حتى لو أقامتْه ما اسوظَّفٍ أن تشغِّل بانتظامٍ الذرَّاتِ الآتيةَ إليه، العاملةَ فيه، المتجدِّدةَ على الدوام؛ وعلى هذا فمن البدهي أن الأسباب ليست مالكةً لتلك الأشياء، وإذلقلب بلكُها الحقيقيُّ غيرُ الأسباب.
أجل، فبسِرِّ الآية: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ: إن لها مالكًا حقيقيًّا يخلق جملُ سرّأحياء على وجه الأرض بسهولةِ إحياءِ ذبابة، ويوجِد ربيعًا بسهولةِ إيجادِ زهرة، ذلك أنه ليس محتاجًا لأن يَجمَع؛ إذْ بما أنه مالكُ أمرِ كُنْ فَيَكُف كثيروبما أنه هو الذي يوجِد في موجوداتِ كلِّ ربيعٍ صفاتِ الربيع اللامحدودة، وأحوالَها وأشكالَها اللامعدودة، فضلًا عن عناصرها الأوَّليَّة، إيجادًا من العدم؛ وبما عِ رساتَعَيَّنَ في علمِه أُنموذجُ كلِّ شيءٍ وخُطَّتُه وفِهرسُه وبرنامجُه؛ وبما أن جميعَ الذَّرَّات تتحرَّك في دائرة علمِه وقدرته؛ فإنه هو الذي يوجِد كلَّ شيءٍ بمنتهى السهولةِ كَقه كما عودِ ثقاب، فلا يَحِيْد شيءٌ عن مساره مقدارَ ذرَّة، فكما أن النجوم والكواكب السيَّارات جيشُه المطيع، فالذَّرَّات كذلك بمثابةِ جيشه المنتظم.
وما دام هؤلاء يتحركون استل زمانإلى تلك القدرة الأزلية، ويعملون وفقًا لدساتير ذلك العلمِ الأزليّ، فلا ريب أنَّ هذه المصنوعات والآثار إنما تأتي إلى الوجود وفقًا لتلك القدرة، وعليه فلا تَصغُر تلك االسابق لِصِغَر جِرْمِها وتفاهةِ ذاتها؛ إذْ بقوةِ الانتساب إلى تلك القدرة تصرَعُ ذبابةٌ نمرودًا، وتهدِم نملةٌ قصرَ فرعون، وتحمِل بُذيرةُ صنوبرٍ صغيرةٌ كالذَّرَّة شائل:
نوبرٍ ضخمةٍ كالجبل.
وقد أثبتنا هذه الحقيقة في رسائل كثيرة، فكما يصير جنديٌّ - بانتسابه إلى السلطان بوثيقةِ الجندية - مظهَرَ آثارٍ تفوقُ قوَّتَه مئةَ ألفِ مرَّة، كأنْ يأسِر ملِكًا مثلًا؛فكذلك الأمر
— 136 —
بالإسلاِ كلِّ شيءٍ إلى تلك القدرة الأزلية،إذْ يمكن أن يصير مَظهَرَ معجزاتِ الصَّنعة بما يفوق الأسبابَ الطبيعية مئةَ ألف مرَّة.
والحاصل:إن مجيء كلِّ شيء عقولُالوجود بمنتهى درجاتِ الإتقان والسهولة في آن، يُظهِر أنه أثرٌ من آثارِ قديرٍ أزليٍّ ذي علمٍ محيط؛ وإلا فبدون ذلك لا يكون المجيء إلى الوجود محفوفًا بمئةِ ألفِ محالٍ فحسب، بل يكون خارجًا عن دائرة جريمة،ن داخلًا في دائرة الامتناع، وخارجًا عن صورةِ الممكن، داخلًا في ماهيَّة الممتنع، أي لن يأتي أيُّ شيءٍ إلى الوجود، بل سيكون مجيئُه إليه محالًا.
وهكيَّة وهذا البرهان البالغِ غايةَ الوضوح والدقة والقوة والعمق سكتتْ نفسي التي كانت تلميذًا مؤقتًا للشيطان، ووكيلًا لأهل الضلالة وأهل الفلسفة، وآمنتْ تمامَ الإيمان وللّٰه الحمد، وقالتْ: أجل، لا بدَّ فإن للخالقًا وربًّا يعلَم أدقَّ خواطر قلبي وأخفى تضرعاتي، فمثلما يلبِّي أخفى حاجاتِ روحي، فهو كذلك القديرُ الذي سيبدِّل هذه الدنيا الهائلة، فيزيلها ويقيم الآخرةَ بدلًا منها ليمنحنيَّن أادة الأبدية؛ وهو كما خلق الذباب أوجدَ السماوات، وهو كما ركَّبَ الشمسَ عينًا في وجه السماء، ركَّب الذَّرَّةَ في بؤبؤ عيني؛ وإلا فمَنْ لم يكن قادرًا على خلق الذباب ف من ستادرٍ على النفاذ إلى خواطر قلبي، وسماعِ تضرُّعاتِ روحي، ومن لم يكن قادرًا على خلقِ السماوات فليس بقادرٍ على منحي السعادةَ الأبدية.
وعلى هذا فإنباراته مَن يُصلح خواطر قلبي، وإنما ربي مَن مثلما يملأ الجو بالغيوم ثم يُفرِغه في ساعة، يبدِّل الدنيا آخرةً، ويقيمُ الجنة ويفتح لي أبوابها فيقول: هيا ادخل.
فيا إخوتي الشيوخ الذين ها، أم بعض عمرهم في الفلسفة المظلمة والعلوم الأجنبية مثلي لسوء الحظ، اِفهموا من البلاغِ القدسيِّ الذي صدَح به لسان القرآن على الدوام: لَا إِلَهَ إِلبير عنوَ ما أقواه وما أحَقَّه من ركنٍ إيمانيٍّ لا يتزعزع، ولا يتغيَّر ولا يتصدَّع!! وكيف يبدِّد الظلمات المعنوية، ويداوي الجراح المعنوية!!
٭ ٭ ٭
— 137 —
خطابٌ في الرؤيا
واقعةٌان في َةٌ في غاية العجَب دوَّنَها في رسالة "السُّنوحات" حين كان عضوًا بدار الحكمة في إسطنبول.
في شهر أيلول من عام ١٣٣٥ رومي، كنتُ في حالةٍ من الاضطراب الشديد الناجمِ عن اليأس الذي خلَّفتْه حوادثُ الدهر، وكنت أبحثلإيمانرٍ في غياهب تلك الظُّلمة، فلم أستطع أن أجدَهفي اليقظة التي هي حُلُمٌ معنًى، وإنما وجدتُ ضياءً في رؤيا صادقةٍ هي يقظةٌ في الحقيقة،وسأُوْرِدُ النقاطَ التي جرَتْ على لساني وأُعرِض عن ذِكر التفاصيل، وهي كالآتي:نوا مخ إحدى ليالي الجُمَع دخلتُ بالنوم إلى عالَم المثال، أتاني آتٍ فقال لي: يدعوك مجلسٌ موقَّیرٌ مَهيبٌ منعقدٌ لبحثِ حالِ عالَم الإسلام ومصيره.
ذهبتُ، فرأيت مجلسًا منوَّرًا لم أرَ مثلَه في الدنيا، قد حوقصرٍ مثلون عن السلف الصالح وعن كلِّ عصرٍ من العصور، فوقفتُ عند الباب متهيِّبًا، فناداني أحدهم قائلًا:
يا رجلَ زمانِ المصائب والنوائب.. أنت أيضًا لك رأي، فبَيِّن ما عندَك.
قلتُ وأنا واقف: سَلُوا، وعلِبْ.
قال أحدُهم: إلامَ سَتُفضي هذه الهزيمة؟ وماذا كان سيحصُل لو كان الانتصار؟
قلت: إن المصيبةَ ليست شرًّا محضًا؛ فمثلما تنطوي السعا وكان مصيبةٍ في بعض الأحيان، كذلك قد تنشأ السعادة عن المصيبة.
وإن هذه الدولة الإسلامية التي نهضتْ منذ القديم بفرض الجهاد الكفائي، إعلاءً لكلمة اللّٰه، وحفاظًا على استقلالِ العالََا يُسلامي، وحملتْ راية الخلافة، وبذلت التضحيات لأجل العالَم الإسلامي ذي الجسد الواحد، ستُعوَّضُ بدلًا من المصيبة التي حلَّتْ بها سعادةً يَرُ أن أبها عالَم الإسلام في المستقبل؛ ذلك أن هذه المصيبة قد
— 138 —
حرَّكتْ مشاعر الأُخوَّة الإسلامية التي هي روحُ حياتنا وإكسيرُها، وعجَّلَتْ ببعثِهانا الت لم يسبق له مثيل، إذْ بينما كنا نتألم كان العالم الإسلامي يبكي، ولو زادتْ أوروبا في إيلامها لضَجَّ العالم الإسلامي؛ فلئن مُتنا فسنموت عشرين لكنْ سنُبعَثُ ثلاثمئة، فنحن في عصر الخوارق، وفيه مَن بُعِث بعد الموت بسنتين أو ثلاث.
لقد خسِرنا بهزي فقلت:عادةً عاجلةً مؤقتةً، لكنْ تنتظرنا سعادةٌ آجلةٌ دائمة، وإن مَن يستبدِل بالحال الجزئية المتحوِّلة المحدودة مستقبَلًا رحبًا فسيحًا رابح.
وإذا بصوتٍ من طرف المجلس يقول: أوضِح.
قلت:إن الحروب قد تحولت من حروبٍ بين الدجابَ بأقوام إلى حروبٍ بين طبقات البشر، فكما يرفض الإنسان أن يكون أسيرًا، يرفض كذلك أن يكون أجيرًا.
ولعلنا لو كنا منتصرين لانجرفنا أشدَّ الانجراف في تيار الاستبدلي: لنوجود لدى خصومنا وأعدائنا، والحال أنه تيارٌ ظالمٌ ينافي طبيعةَ العالم الإسلامي، ويخالف مصلحةَ الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان، فضلًا عن أن عمره قصير ومآله التمزق، فلو كنا آخذين به لَسُقنا العالَم الإسلامي إلى طريفاء أنفي طبيعتَه وفطرتَه؛ ولكُنَّا مُلزَمين بأن نحميَ في أرجاء آسيا تلك المدنيَّةَ الخبيثةَ التي لم نجد منها سوى الضرر، والتي تغلِب سيئاتُها حسناتِها، وترفُضُها الشريعة، وية الأيها مصلحةُ البشر بالنسخ، وتحكم عليها صحوتُهم بالانقراض.. إنها مدنيةٌ بدائيَّةٌ في معناها، متوحِّشةٌ جائرةٌ، تعجُّ بالرذائل.
قال واحدٌ ممن في المجلس: لماذا ترفض الشريعةُ هذه المدنيِّة؟
(حاشية): مقصودنا محاسنُ المدنية وفضائلُها التي عار بشكلى البشرية بالنفع، لا سيئاتُها وآثامُها التي ظَنَّها الحمقى حسناتٍ، فراحوا يقلِّدونها حتى أوردونا المهالك؛ وإنه برُجحان سيئاتِ هذه المدنية على حسيسأله:وغَلَبةِ آثامها على فضائلها، تلقَّت البشريةُ صفعتين مروِّعتَين في حربين عالميتين جَعَلَتا عاليَ تلك المدنيَّة الآثمة سافلَها، حتى تقيَّأتْها البشريَّةُ دمًا لطخت به وجه الأرض، لكنْ ستتغلبُ في المأجدادهإن شاء اللّٰه محاسنُ المدنيَّة بقوةِ الإسلام، فتطهِّرُ وجهَ الأرض من أدرانها، وتُحقِّقُ السِّلْم العالَمي.
— 139 —
قلت: لأنها قامت على خمسةِ أسسٍ فاسدة:
فنوا علىستنادها القوة، وشأنُها العدوان.
وهدفُها وقصدُها المصلحة، وشأنها التزاحُم.
ودستورها في الحياة الصراع، وشأنُه التنازع.
أما روابط المجموعات البشَا.. ليها فالعنصريةُ والقوميةُ الضارَّة، وهما مُفضيتان إلى ابتلاع الآخرين، وشأنهما الصِّداماتُ الرهيبة.
وأما مهمتها الجذَّابة فتشجيعُ الهوى والهوس، وتلبيةُ رغباتهما، وتسهيلُ مطالبِهما، اسة - لهوى الانحطاطُ بمقام الإنسانية من درجة المَلَكية إلى درَكَة الكَلْبية، بحيث يُفضي إلى مسخ الإنسان مسخًا معنويًّا؛ فلو أن معظم أبناء هذه المدنيَّة انقَلَبَ باطنُهم ظاهرًا، لتناهتْ إلى الخيال صورُهم في إهابِ الذئب أو الدب أو الأفعى أو الخنزيري ينهضقرد.
وهكذا، فهذه المدنيَّة المعاصرة قد أوقعتْ ثمانين بالمئة من الناس في المشقة والشقاء، وأعطتْ عشرةً بالمئة منهم سعادةً وهميَّة، وتركت العشرةَ بالمئة المتبقين بين هؤلاء وهؤشروط ا وإنما تكون السعادةُ سعادةً إذا كانتْ للكلِّ أو للأكثر، أما هنا فإنها لأقل القليل، ولا يقبل القرآن الذي هو رحمةٌ للبشرية مدنيّةً لا تتضمَّن سعادةَ الجميع، أو سعادةَ الأكثرية على الأقل.
ثم إنه مع سيطرةِرغم من المنفلت من عقاله أصبحت الحاجاتُ غير الضرورية في حكم الضرورية؛ فبينما كان الإنسان في زمن البداوة محتاجًا إلى أربعة أشياء، إذا بالمدنية تجعله محتاجًا إلى مئة حاجة، فتُردِيه فقيرًا الآتيزًا؛ وبما أن عمل المرء لم يعد كافيًا لسدِّ نفقاته فقد ساقتْه إلى طريق الحيلة والحرام، فأفسدت أساسَ الأخلاق لديه.
ثم إنها أعطتِ الجماعةَ ثروحظ الأضفَتْ على النوعِ أبهةً، لكنها بالمقابل جعلت الأشخاصَ والأفراد فقراء مُعْوِزين بلا أخلاق.
— 140 —
لقد قاءتْ هذه المدنيَّة في دفعةٍ واحدة جميعَ ما في القرون الأولى من بدائيَّةٍ وهمجيةٍ وتوحُّش؛ وإن إحجام العالم الإسلامي عن ومن غلمدنية وفتورَه تجاهها وتردُّدَه في قبولها لَأمرٌ يلفت الانتباه؛ ذلك أن الهداية الإلٰهية التي في الشريعة، والتي تمتاز بخاصية الاستقلال والاستغناء، لا يمكدِّس سُطَعَّمَ بدهاءِ فلسفةِ روما أو تمتزج بها، فضلًا عن أن تَتَّبِعها أو تستطيعَ تلك الفلسفةُ ابتلاعَها!!
لقد حافظتْ كُلٌّ من روما واليونان القديمتين بدهائهما على استقلاليَّتهما على مرِّ القرون،وإن تعم من أنهما نشأتا توءمَين من أصلٍ واحد، وبالرغم من محاولات المدنيَّة والمسيحيَّةِ المزج بينهما، فبقيتا كأنهما الماء والزيت، وما زالتا كذلك حتى الآن كأنهما روحان انتقلتا بالتناسخ لتعيشا في ص التي مختلفتين.
فإذا كانت هاتان لا تمتزجان رغم كونهما توءمين ورغم وجود أسباب الامتزاج، فإن نور الهداية الذي هو روح الشريعة لا يمكن بحالٍ أن يُمزَج أو يُبْتَلع بدهاءِ روما الذي هو أساس المدنيَّة الملوَّثة المظلمة.
قالوا: فكيف إذًا هابةِ ونيَّة الموجودة في الشريعة الغرَّاء؟
قلت: أما المدنيَّة التي تتضمنها وتأمر بها الشريعةُ الأحمدية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - فإنها ستَظهَر بانقشاعِ المدنيَّة الحاليَّة، فتضع الأُسس القويمة بدلًامن تلك الأُسس َ أنه ة.
فأما نقطة استنادها: فالحقُّ بدلًا من القوة، وشأنه: العدالة والتوازن.
وأما هدفها: فالفضيلةُ بدلًا من المصلحة، وشأنها: المحبة والتجاذب.
علمٌ ا جهة الوحدة فيها: فرابطةُ الدِّين والوطن والطبقة، بدلًا من القومية والعنصرية، وشأنها: الأُخوَّة الخالصة، والمسالمة، والدفاع ضد العدوان الخارجي.
أما دستوجل يقت الحياة: فالتعاونُ بدلًا من الصراع، وشأنه: الاتحاد والتساند.
ثم الهدى بدلًا من الهوى، وشأنه: رقيُّ الإنسانية، وتَكَمُّلُ الروح، لأنه يَحُدُّ من سطوة الهوى، ويُلبِّي مشاعقِّقينوح الساميةَ بدلًا من تسهيلِ رغبات النفس الدنيئة.
— 141 —
إذًا لقد التحقنا نتيجة هذه الهزيمة بالتيار الثاني الذي هو تيار المظلومين والأكثرية، فإذا كانت نسبةُ المظلومين والفقراء عند غيرنا ثمانين بالمئة، فإنِ بصيفهم عندنا نحن المسلمين تسعون بالمئة، بل خمسٌ وتسعون.
وإنَّه إنْ بقي موقفُ العالَم الإسلامي تجاه هذا التيار الثاني المعارضةَ أو اللامبالاة، بدلًا من التصرُّف بعقلانيةٍ لتحويله إلى ناليةَ لاميٍّ يخدمه، فسيفضي به الأمر إلى أن يصير بغير سند، خائبَ المسعى، عرضةً للتحلُّل من جراء استيلاء ذلك التيار عليه؛ إذْ إنَّ عدوَّ العدوِِّ صديقفي وَحام يُعاديه، كما أن صديقَ العدوِّ عدوٌ ما دام يُواليه.
إن مصالح هذين التيارين وأهدافَهما متضادة، فإذا قال أحدهما: مُتْ، قال الآخر: انبعث؛ فكما أن مصلحة أحدهما تستلزم أن نكون في ضررٍ واخترياء، ضعفٍ وغفلة، فإن مصلحة الثاني تقتضي بالضرورة أن نقوى ونتَّحد.
لقد كانت خصومة الشرق تعيق انبعاثَ الإسلام، وقد زالت، وينبغي أن تزول؛ وإن مخاصمة الغرب أشدُّ الأسباب تأثيرًا في تقويةِ الأُخوة والات حياتهن أهل الإسلام، فينبغي أن تبقى.
وإذا بأمارات التصديق على كلامي تظهر من المجلس، فقالوا: نعم، كونوا على أمل؛ فإن التحوُّلات التي سيشهدها المإلى السَيُجلجِل فيها صدى الإسلام قويًّا هادرًا بلا منازع.
ثم سأل أحدهم مرة أخرى: إن المصيبة تَحُلُّ نتيجةً لجنايةٍ ومقدمةً لمكافأة، فماذا فعلتم حتى أفتيتم للقدر بأن يحكم عليكم بهذه المصيبة؟ إذْ إن المصيبة العامة تترتب على خطايفي، بلثرية؛ ثم ما مكافأتكم العاجلة؟
قلت: إن مقدمةَ هذه المصيبة إهمالُنا لثلاثةٍ من أركان الإسلام: الصلاة، والصيام، والزكاة؛ فقد طلب الخالقُ منا ساعةً واحدةً من أربع وعشرين لأجَابًاوات الخمس، فتكاسَلْنا عنها، فجعَلَنا نصلي نوعَ صلاةٍ بالمشقة والتدريب والسعي الدائب أربعًا وعشرين ساعةً طَوالَ خمس سنين.
— 142 —
وطَلَب منا صيام شهرٍ واحدٍ في اللقوية أشفقنا على أنفسنا منه، فجعلَنا نصوم خمسَ سنين كفَّارةً لذلك.
وطَلَب زكاةَ المال الذي أحسنَ به إلينا، بأن ندفع منه مقدارَ العُشر أو ربع العُشر، فبَخِلنا وظَلمْنافي مبحَذَ منا الزكاة المتراكمة، إذِ الجزاءُ من جنس العمل.
وأما مكافأتُنا العاجلة فهي أنه سبحانه رفعَ خُمُسَ هذه الأمة التي وقعتْ في الفسوق والعصيان - أي ما يعادل أربعة ملايين - ورقَّا الفائ مرتبة الولاية، ومنحَهم مقام الجهاد والشهادة؛ فضلًا عن أن المصيبة العامَّة التي نشأتْ عن الخطايا العامَّة قد محتْ آثام الماضي.
فقال أحدهم أيضًا: وماذا إنْ كان بعض المسؤولين قد ارتار اليئةً فقاد الأمة إلى الهلاك؟
قلت: إن المبتلى بالمصيبة يرجو المكافأة، فإما أن يُعطاها من حسنات ذلك المسؤول الذي ارتكب الخطيئة، والحال أنها بحكمِ المعدوم؛ وإما أن يُعطاها من خزينةِ اله ثلاثمكافأةُ مثلِ هذه الأعمال في خزينةِ الغيب نيلُ درجةِ الجهاد والشهادة.
فرأيت أن المجلس قد استحسن ما قلت، فأفقتُ من شدة توتُّري، فوجدتُ نفسي جالسًا في السرير وقدعَدّ، يدَيَّ والعرقُ يتصبَّب مني؛ وهكذا مضت تلك الليلة.
٭ ٭ ٭
لم يكن بديع الزمان يقتني الكُتب، وكان يُسأل: لِیمَ لا تنظر في الكتب الأخرى؟! فيجيب: إنني أتت وفي فهم من القرآن بتجريدِ فكري من كلِّ ما سواه.
وكان إذا نقَلَ شيئًا من الكتب - كبعض المسائل التي يراها مهمةً - نقَلَها دون تغيير؛ فكان يُسأل: لِیمَ تُكرِّر الأمر كما هو؟ فيجيب: إن على نقة لا تُمَلّ، فلا أرغب بتغيير حُلَّتِها.
— 143 —
وكما سبق ذكرُه، فإن بديع الزمان كان قد أمر بطبع اثنَي عشر مؤلَّفًا تتحدث عن الحقائق القرآنية،
(حاشية): المعدُّون: إن المؤلَّفات التي نشَرَها بديع الزمان سعيدٌ النُّورْسِيّ شخصٍ ن طَبعَ بعضَها في إسطنبول وطَبعَ بعضَها الآخرَ في أنقرة، قد نُشِرَتْ ثانيةً بعد أربعين سنة في مجموعٍ مستقلٍّ سُمِّيَ "المثنوي العربي النُّقُ إخووقد تحدَّث في مقدِّمته عن هذه المؤلَّفات بقوله:
"كان سعيدٌ القديم - قبل حوالي خمسين سنة - لزيادةِ اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية، يتحرَّى مسلكًا ومدخلًا للوصول إلى حقيقةِ الحقائق، داخلًا في عِداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة، وكان تِها فنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدَها كأكثر أهل الطريقة، بل كان يَجهَد كلَّ الجهد لشفاء فكرِه وعقلِه من الأسقام التي أورثتها إياه مداومةُ النظر في كتب الفلاسفة.
ثم أراد -بعد أن تخلَّص من هذه الأسقام- أن يقتدي ببعض عظماء أهل الحقيقة، اللمجرميهين إلى الحقيقة بالعقل والقلب، فرأى أن لكلِّ واحدٍ منهم خاصيَّةً جاذبةً خاصةً به، فحارَ في ترجيح بعضهم على بعض، فوجَّهه الإمام الرباني بطرزٍ غيبيّلَه منِه: "وحِّد القبلة" أي سِرْ خلف أستاذٍ واحد، فخطر على قلب ذلك السعيد القديم المثخَن بالجراح أن الأستاذ الحقيقي إنما هو القرآن ليس إلَّا،أسرار وحيد القبلة إنما يكون بأستاذيته وحدَه دون سواه، فشرع - بإرشادٍ من ذلك الأستاذ القدسي - بالسلوك بروحه وقلبه على أغرب وجه، واضطرته نفسُه الأُها ال بشكوكها وشبهاتها إلى المجاهدة المعنوية والعلمية.
وخلال سلوكه ذلك المسلكَ ومعاناته في دفع الشكوك، قطَعَ المقاماتِ وطالَعَ ما فيها، لا كما يفعله أهل الاستغراق مع مة واللأبصار، بل كما فعله الإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي، مع فتحِ أبصار القلب والروح والعقل، فسار فيها - أي في المقامات - ورأى ما فيها بتلك الأبصار كلِّها، منفتحةً من غير غضٍّ د، فقرمْض.
فحمدًا للّٰه أنْ وجد طريقًا إلى الحقيقة بدرس القرآن وإرشاده، حتى بيَّنَ برسائل النور التي ألَّفها "سعيدٌ الجديد" حقيقةَ:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدُ
لقد كان في سياحته وسلوكه ذلك السلوك فيا يقربلمقامات، ساعيًا بالقلب تحت نَظَارةِ العقل، وبالعقل في حمايةِ القلب، كالإمام الغزالي والإمام الرباني وجلال الدين الرومي، فبادر إلى ضِماد جراحاتِ قلبه وروحه، وخلَّص نفسَه من الوساوس والأوهام، وبخَلاصه منها انقلب "سعيدٌ القديم" إلى أراد الجديد" وللّٰه الحمد، فألَّفَ بالعربية ما هو بحكم المثنوي الشريف - المكتوب أصلًا بالفارسية - رسائلَ عدةً في أوجز العبارات، وكلما سنحتْ له الفرصة أقدم على طبعها، وهي: "قطرة"، "حَباب"، "حَبَّة"، "زَهرة"، "ذرَّة"، "شَمَّة"، "شعلة"ية والات"، "رشحات"، "لاسِيَّمات"، وسواها من الدروس بالإضافة لرسالتين بالتركية هما: "لمعات" و"نقطة".
وبيَّنَ ذلك المسلكَ في غضونِ نصفِ قرنٍ من الزمان في "رسائل النور" التي أصبحت شبيهةً بموسوعةٍدخول، وي، غير أنها لم تقتصر على مجاهدة النفس والشيطان في الداخل، بل راحت تنقذ الحيارى المحتاجين، تنتشل المنساقين إلى الضلالة من أهل الفلسفة.

.......

فتب بعد أن "المثنوي العربي"، وهو مَشْتلُ رسائل النور، قد سعى كالطُّرُق الخفية إلى المعرفة الإلٰهية، في تطهير الأنفس والداخل من الإنسان، فوُفِّق إلى فتح الطريق من الروح وليه، ك
أما "رسائل النور" التي هي بستانه اليانع، فقد فتحت طريقًا واسعًا إلى معرفة اللّٰه، بتوجُّهها إلى الآفاق الكونية - كالطُّرُق الجهرية - فضلًا عن جهادها في الأنفس، حتى كأنها عصا موسى عليه السلام، أينما ضَرَبتيعِظ ارَت الماء الزلال.
وكذا، فإن مسلك "رسائل النور" ليس مسلك العلماء والحكماء، بل هو مسلكٌ مقتَبسٌ من الإعجاز المعنوي للقرآن، إذْ تفتح من ذه والٍ نافذةً إلى معرفة اللّٰه، فيستفيد السالك في "رسائل النور" في ساعةٍ ما لا يستفيده السائرون في المسالك الأخرى في سنة، وذلك سرٌّ من أسرار القرآن يؤتيه اللّٰه مَن شاء من عباده،مر الر به هجوم أهل العِناد، ولقد تصدَّتْ لهم في هذا الزمان الرهيب، فكانت لها الغلبة على الدوام".
ثلاثةٌ أو أربعةٌ منها باللغة التركية، والباقي بالعربية؛ وهي تُثبِتُ الحقائقَ بعبارةٍ وأسلوبِ بيانٍ لا نظيرَ لهماانات؛ كتابٍ حتى يومِنا هذا.
— 144 —
وعندما كان عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية" حصل له تحوُّلٌ روحيٌّ تحدَّثَ عنه لاحقًا في أحد مؤلفاته فقال:
"هَوَتْ على رأسِ سعيدٍ القديم الغافل صفعاتٌ شديدة،ام المر في قضيةِ أن الموت حق، فوجد نفسه في مستنقعٍ مَوْحِل؛ فطلب المدد، وبحث عن طريقٍ، وتحرَّى مُنقِذًا، فوجد الطُّرُقَ مختلفة، وحارَ في أمرإخوانياولَ - على سبيل الفأل - الكتابَ المسمَّى "فتوح الغيب" للغوث الأعظم الشيخ الگيلاني رضي اللّٰه عنه، فظهرتْ له فيه عبارة:
أنت في دار الحكمة، فاُتَّابيبًا يداوي قلبَك.
— 145 —
والعجيب أنني كنت في ذلك الوقت عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية"!! فكأنني كنتُ طبيبًا أجتهد في مداواةِ جروحِ أهل الإسلام بينما أنا أشَدُّهم مرضًا؛ وإنما شأنُ المريض أن ينظر في أمرِ نفسفَنَتَأن ينظر في أمرِ المرضى الآخرين.
إذًا فالشيخ يقول لي: "أنت مريض، فابحث لك عن طبيب"، فقلت: كنْ أنت طبيبي، وأمسكتُ بالكتاب أقرؤه وأنا أعُدُّ نفسد خمسيَبَه، لكنَّ الكتاب كان شديدًا يحطِّم غروري بقوَّة، ويُجري في نفسي عملياتٍ جراحيةً شديدة، فلم أقدر على التحمُّل، فبلغتُ منتصفَه ولم أستطع إتمامَه، فوضعته في المكتبة؛ إلا أنه فيما بعدُ تلاشت الآلامُ الناج حُجِّ تلك العملية الجراحية الشافية، وحلَّتْ محلَّها اللذة، فأتممتُ قراءة كتاب أستاذي الأول، واستفدتُ منه أيَّما فائدة، واستمعتُ إلى أوراده ومناجاته فنلتُ منها مددًا أيَّما مدد.
ثم وقعتُ بعد ذلك على "مكتوبّا ملمإمام الرباني، فتناولتُه وفتحتُه على سبيلِ الفأل الخالص، ومن العجيب أنه لا يوجد لفظُ "بديع الزمان" في جميع "مكتوباته" سوى في موضعين فحسْب!! وقد انفت الغالوضعُ ذَينِك المكتوبين من غير قصد!! فرأيت مكتوبًا في أوَّلِ كُلٍّ منهما: "رسالةٌ إلى ميرزا بديع الزمان"، فقلت: يا سبحان اللّٰه.. إنه يخاطبني!! فقد كان اسم أبي: "ميرزا"، وكان أحاقبة، ب "سعيدٍ القديم" في ذلك الحين: "بديع الزمان"، هذا مع أنني لم أكن أعرف أشخاصًا اشتُهِروا بهذا اللقب سوى "بديع الزمان الهمذاني" في القرن الرابع الهجري؛ إذًا فلا بد أنه كان في زمان الإمام شخصٌ يدعى بديع الزمان كذلك حتى كتب إليه هاتين الرسالتَيذٌّ فر بد أن حالَه تُشْبِه حالي إذْ وجدتُ في هاتَين الرسالتَين الدواءَ لدائي، على أن الإمام كان يوصي بإلحاحٍ في رسائل كثيرةٍ كما أوصى في هاتَين الرسالتَين أنْ:"وَحِّد القبلة"،أي اتخِذ لك أستاذًا واحدًا، وامضِفقراء ، ولا تنشغل بغيره.
إلا أن هذه الوصية البالغة الأهمية لم تتوافق مع استعداداتي وأحوالي الروحية، ولطالما فكرت في نفسي: أأتَّبِعُ هذا أم ذاك؟! وبقيتُ في حَيرةٍ من أمري، إذْ نها كُواحدٍ منهم خاصيته الجذَّابة، ولا يمكنني الاكتفاء بأحدهم.
— 146 —
وبينما أنا في حيرتي تلك إذْ وَرَد إلى قلبي برحمةِ اللّٰه تعالى ما يلي: إن مبدأَ هذه الطُّرُق المختلفة، ومنبعَ هذه الجداول، وشمسَ هذه الكواكب، إنما هو القرآن الحكيم، وإنّريقًا حيد الحقيقي للقبلة إنما يكون به، فما دام الأمر كذلك فهو أسمى مرشد وأقدس أستاذ، فتمسكتُ به".
(حاشية): يقول في آخر هذا المكتوب: "ليس بمقدور استعدادي الناقص المشتَّت أن يرشُِسائلَيضِ ذلك المرشد الحقيقي الشبيه بماء الحياة رشفًا يليق به، لكننا نستطيعُ بِمددِه أن نعرِض فيضَه بحسب درجاتِ فيوضاتِ أهل القلوب وأصحابِ الأحوال؛ السامأن الأنوار و"الكلمات" الآتيةَ من القرآن ليست مجرَّد مسائل علميةٍ عقلية، بل هي مسائل إيمانيةٌ قلبيةٌ روحيةٌ حاليَّة، وهي بمثابة معارف إلهيةٍ في ُجرِيَالنفاسة والسُّمو".
٭ ٭ ٭
وكان يُسأل: إننا نراكم متأثرين بشدةٍ لهزيمتنا في الحرب العالمية؟ فيجيب: أما آلامي فقد تحمَّلتها، ولكن آلام أهل الإسلام تعتصرني.. إنني أشعر بالضربات التي تنهال على العالم الإسلامي تلأيِّ لى قلبي أولًا، فهذا ما يذوب له القلب من كَمَدٍ؛ ثم يقول وابتسامةٌ تعلو محيَّاه: لكنني أرى نورًا سيُنسيني تلك الآلام إن شاء اللّٰه.
وحين كان في إسطعنا تلسدى واحدةً من أعظم خدماته للوطن والأمة، وأكثرِها أهميةً وأشدِّها تأثيرًا، ألا وهي حفاظُه على عزة الدين وشرف الإسلام، وتمريغُه أنوف الظَّلَمة الطُّغاة، وذلك بنشره رتلًا؛ الخطوات الستِّة"؛ وإن مما يُبيِّن عمليًّا عن مدى جرأتِه وشجاعتِه وكمالاتِه، إجاباتُه السِتُّ المسدَّدةُ اللاذعة التي تُعَدُّ ستَّ صفعاتٍ معنويةً تَرُدُّ على اللحقون الستّة التي وجهتْها الكنيسة الأنجليكانية الإنكليزية إلى "المشيخة الإسلامية" إبان احتلال إسطنبول.
حينما نُشِرَتْ هذه الرسالةُ كانت هناك حربًا في "چنق قلعة"، وأُطْلِعَ القائدُ العام الإنكليزي في إسطنبوليش في ضمونها، وأُخبِر بأن بديع الزمان دائبٌ في مقاومة الإنكليز لا يتوانى في التصدي لهم، فقرر هذا القائد المتغطرس إعدامَه ومحوَ أثره، إلا
— 147 —
أن بعض مَن أشاروا عليه حذَّروه من أنه إنْا.
لك فإن شرقيَّ الأناضول سيُضمِر عداوةً أبديَّةً للإنكليز، وستُعلِن حينئذٍ عشائرُه الثورةَ مهما كلَّف الثمن، فتراجع عن قراره ولم يستطع فعل شيء.
وفي مقابل مساعي الإنكليز المحمومة في إسطنبول لاستمالةِ شيخ الإسلام وبعض العلمظيمٍ م صفِّهم بالمكر والحيلة، كان بديع الزمان - برسالته "الخطوات الست"، وبنشاطاته الحثيثة في إسطنبول - يكشف حقيقةَ العدواة التاريخية للإنكليز تجاه الأتراك وسائر العالم الإسلامي، ويفضح مكائدَهم وسياستَهم الاستعمارية، فكان بذلك أحد أهم الجهات التي ساك بها ركةَ التحرير الوطنية في الأناضول؛ وفيما يلي مقتطفٌ من كلامه بهذا الخصوص:
"حين كان الإنكليز يحتلون إسطنبول ويدمِّرون المدافع في مَضِيقها، وَجَّه رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية - وهي أكبر هيئةٍ دينيةٍ في إنكلترة - ستةَ لاثون إلى المشيخة الإسلامية، وكنت في ذلك الحين عضوًا في "دار الحكمة الإسلامية"، فقيل لي: أجِبْهم.. إنهم يريدون جوابًا على أسئلتهم الستة بستمئة كلمة؛ فقلت: لن أجيمنهم لتمئة كلمة، ولا بِسِتِّ كلمات، بل ولا حتى بكلمةٍ واحدة، وإنما أجيبُهم ببصقةٍ في وجوههم؛ فإنكم تشاهدون أن هذه الدولة ما إن وطئت أقدامُها مَضِيْقَنا وأَخذَتْ بخِناقنا، حتى راح رئيس أساقفتها يوجِّه إلينا الأسئلة بصلفٍ وغرور؛ فلا يلزمه إلا البصرر بي،وجهه، ابصقوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمةِ العُتاة".
٭ ٭ ٭
وَجَّهتْ "حكومة أنقرة" دعوةً لبديعِ الزمان للمجيء إلى أنقرة تقديرًا لمكانته، وتثمينًا لخدماته الجليلة الموفَّقة التي قام بها في إسطنبول، والتي عادت على الشعب التركي ب، المعجمَّةٍ، وقد وجَّه إليه "مصطفى كمال باشا" الدعوةَ برقيًّا، إلا أنه أجاب: "أريد أن أجاهد في المناطق الخطرة، ولا تعجبني المجاهدة من وراء الخنادق، الآونةرى الخطر المُحدِقَ هنا أشدَّ منه في الأناضول".
— 148 —
وُجِّهت إليه الدعوة برقيًّا ثلاث مرات، وقرر في النهاية المجيءَ إلى أنقرة إجابةً لل الدوالتي وجَّهها إليه صديقه "تحسين بك" عضو مجلس الشعب ووالي "وان" السابق؛ ومع أنه استُقبِل في أنقرة بحفاوةٍ بالغةٍ، إلا أنه لم يجد فيها الوسط الذي كان يؤمِّل أن يراه، فحَوَّل مكان إقامته إلى جوار جامع "حاجي بَيْرَم".
وكى مسال ساءَه لدى مجيئه إلى أنقرة أنه شاهدَ من أعضاء مجلس الشعب إهمالًا للدين بحجة تقليد الغرب، وفتورًا تجاه شعائر الإسلام التي هي من المفاخر التاريخية للشعب التركي، فوجَّه إليهم بيانًا يلشخص الهم فيه أهميةَ التزامهم بالعبادة لا سيما الصلاة، ويؤكِّد وجوبَ ذلك عليهم، وقد تلا "كاظم قره بكر باشا" البيانَ على "مصطفى كمال"، ونَصُّه ما يلي:بملاييها المبعوثون.. إنكم مبعوثون ليومٍ عظيم
يا مجاهدي الإسلام.. ويا أهل الحَلِّ والعقد.. أرجو أن تُلقوا أسماعَكم إلى عشرِ كلمات وبضعِ نصائح يُسديها إليكم هذا الفقير إلى اللّٰه بخصوصِ أمرٍ معيَّن:
١.نٍ لا عمة الإلٰهية العظيمة التي تجلَّتْ في هذا الانتصار تتطلب شكرًا لتدوم وتزيد، وإلا فالنعمةُ إن لم تُقابَل بالشكر زالت؛ وما دمتم بتوفيقِ اللّٰه قد صُنتُم القرآنَ من هجوم الأعداء، فيلزمكم - ليتوالى فيضُه عليكم ويستسلامي هذه الصورة الرائعة - أن تمتثلوا أوامرَه، ومنها الصلاةُ التي هي في مقدِّمةِ فرائضِه الصريحة القطعيّة.
٢.لقد أدخلتم السرورَ على العالَم الإسلامي، وحَظِيتُم باهتمامه ومحبته، لكان والامة ذلك إنما تكون بالالتزام بالشعائر الإسلامية، فالمسلمون يحبونكم لإسلامكم.
٣.لقد كنتم في هذا العالَم قادةً لمجاهدين وشهداء هم بمثابةِ أولياءَ للّٰه، وشأنُ أهل الهِمَم العالية أن يسعَوا ليكونوا رفقاء هذه المجمرآنية نورانية في العالَم الآخر، وذلك بامتثال أوامر القرآن الكريم القطعية؛ وإلا اضطررتم - وأنتم القادة هنا - لاستمداد النورَ من جنديٍّ هناك!!
— 149 —
ألا إن هذه الدنيا الدَّنيَّة بةِ الجفيها من جاهٍ وشهرةٍ ليست متاعًا يَشبع منه العاقل أو يَطمئنُّ إليه أو يَقصِدُه لِذاته.
٤.إن أبناء هذا الشعب المسلم، حتى تاركي الصلاة منهم، بل حتى الفاسقين يريدون أن يروا مَن يرأسُهم متدينًا؛ حتى إن أولَ ما يُسأَلُ عنه كلُّ م أمرٌ في عموم كردستان هو الصلاة، فإن كان يصلي منحوه ثقتَهم، وإلا ظَلَّ في نظرهم مُتَّهمًا وإنْ كان كُفئًا.
وقد وقع ذات مرةٍ اضطرابٌ بين عشائر "بيت الشباب"، فلما ذهبتُ واستأن جِيعن السبب قال لي القوم: إن مدير منطقتهم لا يصلي، فكيف يطيعون مَن لا دين له؟! والحال أن قائلي هذا الكلام كانوا هم أنفسُهم أُناسًا لا يصلون، بل كانوا فوق هذا قطَّاعَ طرقٍ!!
٥.إن مجيء أكثرنتقادابياء في الشرق، ومجيءَ أغلب الحكماء في الغرب، إنما هو رمزٌ من القدر الأزليِّ إلى أن ما يَنهَض بالشرق إنما هو الدين والقلب لا الفلسفة والعقل؛ فما دمتم قد أيقظتم الوعي في الشرق فامضوا إذًا في نهجٍ يوافق فطرتَه، وإلا ذهَبَ سعيكم هباءً ِّ وتما، أو ظل أثرُه سطحيًّا.
٦.إن خصمَكم وخصمَ الإسلام - أعني الإنكليز - قد استفادوا وما زالوا يستفيدون أيَّما فائدةٍ من إهمالكم أمرَ دينكم، بل إنني أستطيع أن أقول: إنهم يُلحِقون بالإسلام ضررًا لا يقل عن إضرواحدًاونانيين به ، فينبغي عليكم أن تُبدِّلوا هذا الإهمال إلى أعمالٍ باسمِ مصلحة الإسلام وسلامة الأمة.
ولقد تبيَّن لكم كيف قابَلَ أبناءُ الأمة في الداخل الاتحاديين بالكرهِ وطلاب راءِ بسببِ ما أبداه بعضُهم من استخفافٍ بالدين، هذا بالرغم مما كانوا يتحلَّون به من عزمٍ وثباتٍ وتضحيةٍ، وبرغم كونهم سببًا في صحوة الإسلام هذه؛ أما المسلمون في الخارج فما زالوا يُكنُّون لهم التقدير والاحترام لعدم اطلاعهم على إهمالضييق، ين.
٧.رغم هجومِ عالَم الكفر بكلِّ وسائلِه ومدنيَّته وفلسفتِه وعلومِه ومنصِّريه على عالَم الإسلام، ورغم غَلَبَتِه عليه ماديًّا منذ زمنٍ بعيد، إلا أنه لم يستطع التغلُّبَ عليه د"، وكا.
— 150 —
لقد حافظ الإسلام على قوَّته وصلابته بأهل السنة والجماعة، بينما بقيتْ جميع الفِرَق الإسلامية الضالَّة أقليةً ضارَّةً محكومةً، وبناءً على هذا فإنه ليس بمقدورِ أيِّ تيارٍ مبتدِعٍ مستخِفٍّ بالدين مترشِّح من مدنيةِ أوروبا الخبيثة أن ثم لْانًا في صدر العالم الإسلامي؛ أي: لا يمكن أن يتحقق في العالم الإسلامي أيُّ تحوِّلٍ ذي شأنٍ إلا بالانقياد للدساتير الإسلامية، وإلَّا فلا، بل لم يسبِق أنْ تحقق ذلك، وحتى لو وقع، فإنه سُرعان ما ة مرة نطفأ.
٨.لا يمكن القيام بعملٍ إيجابيٍّ بَنَّاء بالتوازي مع إهمالِ الدين والتهاون بأحكامه، في وقتٍ توشك فيه مدنيَّةُ القرآن على الظهور، بينما مدنيَّةُ أوروبا التي تعجُّ بالمفاسد زتْ منئل والتي سبَّبتْ ضعف الدين تؤْذِنُ بالتمزُّق؛ أما العمل السلبي الهدَّام فيكفي الإسلامَ ما تعرَّض له من الجراح والمآسي.
٩.إن الذين يحبُّونكم في جِّرون جهودَكم وانتصاراتكم هم جمهور المؤمنين، خصوصًا طبقة العوام، وهم مسلمون أصحاب استقامةٍ ومحلُّ ثقة، يُوْلُونكم صادقَ المحبة، ويساندونكم، ويحفظون لكم الود، ويقدِّرون تضحياتكم، ويقدِّمون لكم أى فيهوأروعَ قوةٍ واعيةٍ يَقِظة؛ فمن الضروري لكم - باسم مصلحةِ الإسلام - أن تتصلوا بهم وتعتمدوا عليهم بامتثالكم لأوامر القرآن؛ وإلا فإن تقديمَ مقلِّدي الإفرنج ومفتوني أوروبا الأشقياء الذين تجرَّدوا ما كانسلام وقطعوا صلتهم بالأمة، وتفضيلَهم على عوامِّ المسلمين ينافي مصلحة الإسلام، وسيؤدي إلى أن يولِّي العالَمُ الإسلاميُّ وجهَه إلى جهةٍ أخرى سواكم، ويطلب منها العون والدعم.
١٠.إذا كان في طريقٍ ما تسعةُ احتمالاتٍ للّٰعقد معاحتمالٌ واحدٌ للنجاة، فلن يسلكها إلا من كان متهورًا مجنونًا لا يبالي بحياته؛ وإذا نظرنا في امتثالِ إحدى الفرائض الدينية كالصلاة التي تَشغَل ساعةً وا غيرَمن الأربع والعشرين، لوجدنا احتمالَ النجاة فيه بمقدار تسعةٍ وتسعين بالمئة، بينما قد يكون فيه احتمالُ ضررِ بنسبةِ واحدٍ بالمئة، وهو ضررٌ وذلك رمردُّه الغفلة والكسل؛ أما تركُ الفرائض فينطوي على ضررٍ نسبتُه تسعٌ وتسعون بالمئة، بينما قد يكون فيه احتمالٌ واحدٌ للنجاة مستنَدُه الغفلة والضلالةة العَ
فيا تُرى أي عذرٍ يمكن أن يُسوِّغ الإهمالَ وتركَ الفرائض مما يضرُّ بالدين والدنيا؟ وكيف تسمح الحميَّة والنخوة بذلك؟! خصوصًا وأن هؤلاء القادةَ المجاهدين وأعر الصّذا المجلس الموقَّر هم محلُّ قدوةٍ؛ والعيوبُ والنواقص التي يراها الناس منهم إمَّا أن يقلِّدوهم فيها وإما أن ينتقدوهم عليها، وفي كِلا الأمرين ضرر للقطاْ فقيامُهم بحقوق اللّٰه فيه قيامٌ ضمنيٌّ بحقوق العباد.
إن مَن يُصِمُّون آذانَهم عما لا يُحَدُّ من الدلائل والإخبارات المتضمِّنةِ سرَّ التواتر والإجماع، ويأخذُون بوهمٍ آتٍ من سفسطاتِ النفس ووسوساتِ الشيطان، لا يمكنهم أن يقوموا بوظيفةُملٍ حقيقيٍّ جادٍّ.. ولهذا فلا بد أن يكون حجرُ الأساس لهذا التحوُّل العظيم متينًا راسخًا.
وإن هذا المجلس - بشخصيته المعنوية - قد تعهَّدَ بمعنى "السلطنة" نظرًا لما يمتلكه من القوة، وعليه التعهُّد بمعنى "الخلافة" وكالةً بامتثالِ الشُغلَق،الإسلامية قيامًا بها وإقامةً لها، وذلك بتلبيةِ الحاجاتِ الدينيَّةِ لهذا الشعب الذي لم تَفسُد فطرته ولم يَنسَ حاجاته الروحية برغم مغريات المدنية، والذي إن كان يحتاج إلى أربعة أشياء لإدامة حياته، فإنه محتاجٌ حاجتنانه خمسَ مراتٍ في اليوم على الأقل؛ فإن لم يُلبِّ المجلس حاجاتِ الشعب الدينية، اضطرَّ الشعبُ لأن يُسنِد معنى "الخلافة" إلى الاسم والرسم واللفظ التي قبلتم بها، ومنح ذلك المعنى القوةَ كي يدوم؛ والحال أن مثل هذه القوة التي للمية؛ كها المجلس أو لا تتأتى عن طريقه تسبِّب شقَّ العصا، وهذا يضادُّ الآيةَ الكريمة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعًا.
إن هذا الزماَ الردُ الجماعة، وإن الشخص المعنوي الذي هو روح الجماعة هو الأمتنُ والأقدر على تنفيذ الأحكام الشرعية، بل إن الخليفة بشخصه لا يمكنه القيام بوظائفه إلا باستناده إليه؛ فإنْ كان هذا اد من المعنوي مستقيمًا سطعَ وتكامَل، وإنْ كان سيئًا عَظُمَ سُوْءُه؛ وإن محاسن الفرد ومساوئَه محدودة، أما محاسن الجماعة ومساوئها فغير محدودة، فلا تفسدوا محاسنَكم ال"الكلمموها على الصعيد الخارجي بالمساوئ على الصعيد الداخلي.
— 152 —
تعرفون أن أعداءكم الأبديين وخصومَكم ومناوئيكم يعملون على تدمير الشعائر الإسلامية، وما دام الأمر دنيا وإن وظيفتكم الضرورية إحياءُ الشعائر والمحافظةُ عليها، وإلا ظاهرتُم عدوَّكم المتربِّصَ بكم من حيث لا تشعرون؛ فالتهاون في الشعائر يعكِس ضَعفَ الأمة، والضعف لا يصدُّ اض عن ال يغريه.
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
٭ ٭ ٭
كان من ثمرات هذا البيان أنِ استقام ستون نائبًا على أداء الصلاة سوى مَن كان مواظبًا عليها من قبل، فلما وجدوة بعد ددهم قد زاد اتخذوا مصلًّى كبيرًا لهم بدلًا من الغرفة الصغيرة السابقة؛ غير أن تلاوة البيان على مسامع النواب والقيادات والعلماء أثارتْ نقاشًا حادًّا مع رئيس المجلس "مصطفى كمال باشا"، إذْ بينما كان الأخير ذات دوا إلي ديوان رئاسة المجلس يتبادل الأفكار مع قُرابةِ ستين نائبًا بحضور الأستاذ بديع الزمان، إذْ خاطبه قائلًا: نحن بحاجةٍ لعالِمٍ بطلٍ مثلِكم، ولقد دعوناكم إلى هنا لنستفيد من أفكاركم الراقية، فجئتم وكتبتم أولَ ما كتبش؛ وليرًا تتعلق بالصلاة، فزرعتم الخلاف بيننا!!
فردَّ الأستاذ عليه بإجابةٍ مسدَّدةٍ، ثم وجَّه يدَه نحوَه مشيرًا بأُصبعين إليه وقال محتدًّا بقوَّةٍ: "باشا.. إن أعظم حقيقةٍ في الإإن أردعد الإيمان: الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن، وحكم الخائن مردود"، فما كان من الباشا إلا أن استرضاه ولم يستطع أن يتعرَّض له بسوء.
ولم يتخلَّ بديع الزمان خلال وجوده في أنقرة عطانٍ عه من أجل مقصده الأول، وهو إنشاء جامعةٍ علميةٍ في شرقيِّ الأناضول، وقد تقدَّم بمشروعه هذا إلى مجلس النوَّاب، وقال لهيئةِ المجلس: إنني أتابع أمرَ هذه الجامعة طَوالَ حي.. أيّقد خصَّص لها السلطان "رشاد" والاتحاديون مبلغَ عشرين ألف ليرةٍ ذهبية، فأضيفوا على هذا المبلغ مثلَه.
— 153 —
فقرروا تخصيص مبلغِ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ من العملة الجديدة الورقية، فقال بديع الزمان: يَلزَم توقيعُ النواب على هذا القرار، فاعترض يومٍ ف قائلًا: ولكنك تسير وفق أصول المدارس التقليدية، فلا تُدرِّسُ سوى العلوم الإسلامية، والحال أننا في هذه الأيام يلزمنا أن نتمثَّل الغرب!!
فأجابه بديع الزمان: إن تلك الولايات الشرقية مركزٌ من مراكز العالَم الإسلامي، الضعف،ليم العلوم الدينية إلى جانب العلوم الحديثة لازمٌ بل ألزَم؛ لأن مجيءَ أكثر الأنبياء في الشرق ومجيءَ أكثر الحكماء في الغرب يُظهِر أن رقيَّ الشرق إنما يتحقق بالدين.
ثم إنكم وإنِ اقتصرتم في الولايات الأخرى على تدريس ا تتوا الحديثة وحدَها، فلا بدَّ لكم في الشرق - على أيَّةِ حال، وباسمِ مصلحةِ الوطن والأمة - من جعل العلوم الدينية هي الأساس، وإلا فإن المسلمين من غير الأتراك هناك لن يشعروا بالأُخُوة الحقيقية تجاه الأتراك، مع أننا اليوم نتهاها الحاجة للتعاون والتساند أمام كل هؤلاء الأعداء، وسأضرب لكم مثالًا واقعيًّا بهذا الخصوص:
فلقد كان عندي فيما مضى طالبٌ غير تركي يتَّقِد نشاطًا وذكاءً، وكان يقول لي مستفيدًا من دروسِ الحَم عظيمةلتي تلقاها من العلوم الدينية في مدرستي القديمة: إن تركيًّا صالحًا أقربُ إليَّ من أخي وأبي الفاسقَين.
ومضت الأيام وأكبَّ ذلك الطالب - لسوء الحظ بذلك؛دراسة العلوم الحديثة المادية الصِّرْفة، ثم لقيتُه بعد أربع سنين حينَ عودتي من الأَسر، ودار بيننا حديثٌ عن الحميَّة القومية، فقال لي: إنني اليوم أفضِّل رجلًا كرديًّا رافضيًّا على ف سنة، تركي صالح!!
فقلت: واأسفاه!! ألهذه الدرجة قد فسدتَ؟! فاجتهدتُ أسبوعًا في تخليصه وإنقاذه حتى عدتُ به إلى حميَّته الحقيقية السالفة.
فيا أيها النواب.. ما أشدّبيل الَ الشعب التركي إلى الحال الأولى التي كان عليها ذلك الطالب!! وما أبعدَ حاله الأخرى عن مصلحة الوطن!! أحيل تقدير هذا إلى عقولكم.
— 154 —
بل حتى لو افترضنا مُحالًا أنكم فضَّلتم الدنيا علىسيِّين في أماكن أخرى، ولم تُوْلوا الدين أهميةً لاعتباراتٍ سياسية، فإنه يلزمكم على أيَّةِ حال أن تُولوا تدريسَ الدين في الولايات الشرقية أهميةً عظمى.
وبعد أن تقدَّم بهذا الطلب غادر المدون ات المجلس، ووقَّع مئةٌ وثلاثةٌ وستون نائبًا على هذا القرار.
٭ ٭ ٭
قدِمَ بديع الزمان إلى أنقرة يَحدوه الأملُ في تحقيقِ أمرٍ كان يحلُ ويثبِنذ أن كان فتًى، وكان قد عدَّه غايةَ حياته وثمرتَها، ووقَفَ حياته لأجله، ألا وهويقظة العالَم الإسلامي ونهضتُه؛فقد كانتْ محاوراتُه التي جَرَتْ من قبلُ مع المئات من أهل العلم والفضل في شرقيربما يناضول، ثم سطوعُ نجمه في إسطنبول وإثارتُه إعجابَ العلماء، وكذا توجُّسُ أهلِ السياسة منه، كلُّ هذه المواقف كانت تومئ إلى ملامحِ مؤسِّسِ مشروعٍ إسلاميٍّ كبير، وأنلإيمانستشعر في روحه مبكِّرًا مسؤوليتَه تجاه هذه الوظيفة، مثلما استشعر حماسَه وسرورَه تجاهها.
ولم تكن خُطَبُه التي ألقاها في الاجتماعات ومقالاتُه التي نشرها في الصُّحُف عشيةَ إعلان الحرية إلا نتيجةً لتلك النيَّةأنه يَوُّر، فلقد ألقى خُطَبَه ونشر مقالاتِه مؤمِّلًا أن تكون الحريَّةُ وسيلةَ سعادةٍ عظمى للعالَم الإسلامي والأناضول، بِجعْلِ المَشْرُوطِيّة خادمةً للشريعة؛ وكانت له بياناتٌ تصرِّح بأنَّ"صدى القرآن سيكون هو الأعلى والأبلغ في خِضمِّ ظلماتِ المستدَع، وحولاته"كما يَظهر جليًّا في بعض مؤلفاته كی"لمعات" و"سنوحات" و"الخُطبة الشامية".
لقد تسلَّم التُّرْك دفَّة القيادة في العالم الإسلامي بعد العباسيين، ودامتْ خلافتُهم وإدارتُهم الحكيمة لمقاليد الأمور في كلة الألف عام، ثم اندلعت الحرب العالمية التي روَّعت العالَم بأسره، وانتهتْ على إثرها الدولةُ العثمانية، واستولى أعداءُ الإسلام الأبديُّون على مركزِ حكمِه، وباتوا على قناعةٍ من أنهم قد قضَوا على الإسل؛ فإن ِه؛
— 155 —
وقَدِمَ بديع الزمان إلى أنقرة في تلك المرحلة الحرِجة تسوقه القدرة والإحسان الإلٰهيَّان، آملًا أن يعمل مع القُوى الناشئة حديثًا، والتي يُرجى منها بشكلٍهض بالدعوة إلى الدين، وعمل في مجلس النواب مع حكومة الجمهورية التي تسلمت مقاليد الحكم وتمكنت - بعونٍ إلٰهي وبمعجزةٍ نبويةٍ - من صدِّ الأعداء، وكانت نيتُه وغايتُه أن يوجه الحكومة لأنْ تتخذَ القرآن الكريم عُالزمان، وتجعلَ وحدةَ العالَم الإسلامي نقطةَ استنادها، وتبنيَ مدنيّةً ماديةً ومعنويةً من خلال القوة العظيمة التي تنطوي عليها حقيقة الإسلام، وعمل على غرس هذه الأفكار لدى الحكومة، لكن برزتْ أمامَهِضت قرٌ جمَّة.
وقد تبيَّن له في ذلك الحين أنه قد أظلَّ زمانُ الفتنة التي كانت أمة الإسلام تستعيذ باللّٰه منها ومن شرورها الرهيبة منذ ألفٍ وثلاثمئة سنة، كما انكشف له مَن هم الذين سيشعلون نارَ هذه الفتنة في العالَم الإسلامي.
وقد تحدَّثَ ذات ةٌ للشلى رئيس مجلس النواب "مصطفى كمال باشا" قرابةَ الساعتين في مكتبه، وكان من حديثه له أنه نبَّهه إلى أنَّ تدمير الشعائر الإسلامية أملًا في نَيلِ الشهرة والحظوة لدى أعداء الإسلام وأعداء الأتراك سيُلحق أضرارًا فادطفلُ علأمة والوطن والعالم الإسلامي؛ كما نبَّهه إلى أنه إنْ كان ثمة موجبٌ للقيام بثورةٍ على الأوضاع القائمة أو إجراءِ تحوُّلٍ جذري، فلا بد أن ينطلق ذلك من الدستور القدسي للقرآن الكريم، ولا بد أن يتوجَّه مباشرةً لمصلحةِ ِيَاحِم؛ ثم مثَّل له الأمرَ بالمثال التالي:
"هَبْ أن مسجد "أيا صوفيا" كان محتشِدًا بشخصياتٍ جليلةٍ مباركةٍ من أهل الفضل والكمال، وكان في الرواق بضعةُ صبيانٍ أشقياء، وبالباب ثُلَّةُ أراذلَ سُفهاء، وعند النوافذ أجانبُ مُغرَمون باللّٰة، بل رَّجون، ثم هَبْ أن رجلًا دخل المسجدَ فانضم إلى تلك الجماعة المباركة وشرعَ يتلو آياتٍ من كتاب اللّٰه تلاوةً عذبةً بصوتٍ شجيٍّ، فعندئذٍ ستتوجَّه إليه أنظارُ الآلاف من أهل بخشوعقة، وينال ثوابًا بدعائهم المعنوي وحُسْنِ توجُّههم، ولن يروق ذلك للصبيان الأشقياء والسفهاء الملحدين والأجانب القليلين؛ لكن لو أن ذلك الرجل - عند ديبق شيلك المسجد المبارك والجماعة العظيمة - رفع عقيرتَه بغناءٍ هابطٍ ماجنٍ فاحشٍ، وراح يرقص ويقفز، فإنه سيُضحِك
— 156 —
الصبيان الأشقياء، وسينال إعجابَ الأراذل السفهاء، لتشجيعه إياهم على الفحشاء، وسيرسم على وجوه أولَبِّ أجانب بسمة استهزاء، إذْ يُسَرُّون برؤيةِ معايب في الإسلام، لكنه سيجلب لنفسه نظرات الكراهية والازدراء من جميع أفراد تلك الجماعة العظيمة المباركة، وسيكلعُلوينظرهم خسيسًا منحطًا إلى دركة أسفل سافلين.
وعلى غِرار هذا المثال فالعالَم الإسلامي وآسيا مسجدٌ عظيم، وأهل الإيمان وأهل الحقيقة فيهما هم الجماعة المحترَمة في ذلك المسجد، أما أولئك الصبيان الأشقياء فهم الِ "عصرقون المتزلِّفون ذوو العقول الصبيانية، وأما الأراذل السفهاء فهم المتفرنجون التافهون الذين لا دين لهم ولا انتماء، وأما المتفرِّجون الأجانب فهم الصُّحُفيُّون الذين ينشرون أفكار الأجانب.
فلكلِّ مسلمٍ موقعُه في هذا المسجد، لا سيمرسة الان من أهل الفضل والكمال، وهو يتبوَّأ موقعَه ويَبرُز وتتوجه إليه الأنظار كلٌّ بحسب درجته، فإذا صدرتْ منه الأعمال والتصرفات مستندةً إلى الحقائق القدسية والأحكام المتلقَّاة من دروس القرآن الحكيم، متوجهةً للرضا الإلٰهي رقةِ أه الإخلاص الذي هو سرُّ الإسلام، وقرأ معنى الآيات القرآنية بلسان حاله، دخل في دعاء: اللّٰهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الذي هو وِردُ كلِّ فردٍ في العالَم الإسلامي، وكان له سهمٌ فيه، وكانت له علاقة أُخوَّةٍ مع الجميييدها ْ لا يَعرِف قيمةَ هذا الشخص أهلُ الضلالة الذين هم نوعٌ من الحيوانات الضارة، ولا بعض الحمقى الذين هم أشبه بصبيانٍ مُلْتحين.
أما إن تخلَّى هذا الرجل عن تها؛ ب الذين عَرَفهم رمزًا للشرف، وأعرض عن أسلافه الذين عَهِدَهم مَبعَثًا للفخر، وحادَ عن الجادة النورانية للسلف الصالح الذين يَعُدُّهم نقطة استنادٍ روحيٍّ، وتصرَّف وفحة، واا تمليه عليه أهواؤه وأمانيه مبتدعًا طالبًا للرياء والشهرة، سقَطَ معنويًّا إلى الدَّرْك الأسفلِ بنظر عمومِ أهل الحقيقة والإيمان، لأن المؤمن مهما يكنْ عامِّيًّا أو جاهلًا، فإنه بسرِّ: اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّٰلا تُفى قلبُه هؤلاء المرائين وأمثالَهم بعينِ الإعراض والنفور وإنْ لم يُدرك عقلُه ذلك، ويشمئزُّ منهم معنى.
— 157 —
فهكذا هي حال ذلك الرجل الثاني المفتون بحبِّ الجاه، المولَعِ بالشهرة،وى
يسقط إلى أسفل سافلين في نظرِ جماعةٍ عظيمةٍ لا تُحَدّ؛ وينال موقعًا مشؤومًا مؤقتًا بنظرِ قلةٍ من الأراذل التافهين المستهزئين من أهل اللغو والسَّفَه؛ ويجد بعض الأصدقاتي في يَّفين الذين يعودون عليه بالضرر في الدنيا، والعذابِ في البرزخ، وينقلبون أعداءً له في الآخرة مصداقًا لقوله تعالى: اَلْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا نما يدَّقِينَ.
أما الرجل في الصورة الأولى، فإنه وإن لم يَخْلُص قلبُه من حب الجاه، ينال مقامًا معنويًّا مشروعًا، ويحظى بمنزلةٍ مهيبة، بحيث يلبِّيان ما عنده من نزعة حب الجاه، شريطة أن يتخذَ الإخلاصَ والرضا الإلٰهيَّ أاتُ تصله، ولا يجعل حبَّ الجاه هدفَه.
فهذا الرجل يَفقد شيئًا يسيرًا بل تافهًا، لكنه يجد بالمقابل أشياء قيِّمةً كثيرةً بل كثيرةً جدًّا لا ضرر فيها، فهو كمن يطرد عن نفسِه بعض الأفاعي، ويجد بدلًا منها مخلوقاتٍ مباركةً كثيرةً يأنس بها كأنها أصدقاؤه،عائرِ فع عن نفسه الدبابير اللاسعة المؤذية، ويجلب بدلًا منها النحلَ التي هي سُقاة شراب الرحمة المبارك؛ فمثلما يَطعَم منها العسل، يجد له أصدقاء يوالونه ويُمِدُّونه من شتى أنحاء العالَم الإسلامي أن يقتهم المتوالية كأنما يَسقون روحه شرابًا عذبًا كالكوثر، وتُحفَظُ دعواتُهم هذه في صحيفة أعماله".
غير أن "مصطفى كمال باشا" لم يوافق على ما قاله بديع الزمان، بل لم يُخْفِ نواياه وطموحاته، وحاول أن يستميله إل وحتى ه ويستفيدَ من نفوذِه، وقدَّم له عروضًا مغرِيةً، منها تعيينُه نائبًا في البرلمان، وإعادتُه إلى وظيفته السابقة في "دار الحكمة"، وتسليمُه منصبَ الواعظ العام في نْ بقيات الشرقية بدلًا من الشيخ السنوسي، ومنحُه دارًا فخمةً، وغيرُ ذلك من العروض؛ إلا أن بديع الزمان شاهَدَ تحقُّقَ بعض الأوصاف الواردة في الأحاديث عن أشخاصِ آخر الزمان، وكان سَبَذبٍ أوتأويلُ هذه الأحاديث عندما كان في إسطنبول قبل عهد الحرية، وعايَنَ ظهورَهم في العالَم الإسلامي وفي العالَم عامةً، وكان من الوصية الواردة فأُصبح الروايات لأهل القرآن الذين سيدركون أولئك الأشخاص ويواجهونهم، أنَّ هؤلاء متى ظهروا لم يُغلبوا في ميدان السياسة، ولا
— 158 —
يمكن أن يواجَهوا إلا بسيفٍ معنويٍّ هو أنوارُ إعجاز القرآن، فقرر بديع الزمان التخليَ عن العمل في أنقرة مع هؤط وانتلًا بما جاءت به الروايات، ورفضَ ما عرضوا عليه من مناصب مغرية.
وفي طريقه إلى محطة القطار رافقه بعض النواب راجين منه أن يَعدِل عن قرار السفر ويبقى في أنقرة، إلا أنه اعتذر عن تلبية طلبهم وغادر متوجهًا إلى "وان"، ليستأنف حياتَه في مغارةٍ على ظَّلَمنِ "زَرْنَباد" الواقعة على سفح جبل "أَرَك" بعيدًا عن الحياة الاجتماعية.

@

صورة الأستاذ بديع الزمان أواخر الحرب العالمية الأولى
— 159 —
مقطعٌ من رسائل النور يتعلَّق بحياته في أنقرة
(من "رسابلغَ ابيعة"، "اللمعة الثالثة والعشرون")
ذهبتُ إلى أنقرة في العام ١٣٣٨رومي، ورأيتُ كيف يجتهد فكر الزندقة في غمرةٍ من فرحِ أهل الإيمان بانتصارهم على جيش اليونان، ويسعى بخبث بُعْدلُّل إلى عقائدهم الراسخة لإفسادها وتسميمِها على نحوٍ رهيب، فقلتُ: واأسفاه!! إن هذا الثعبان سيتعرض لأركان الإيمان.
فكتبتُ في ذلك الوقت رسالةً باللغة العربية مستمِدًّا من الآية الكريمة:
أَفِي اللّٰهِ شَكٌّ فَاطعٍ كالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
التي تُبيِّن وجودَ اللّٰه ووحدانيتَه وتوضحهما بدرجة البداهة، وعرضتُ البرهان القرآني الذي يهوي على رأس الزندقة فيصرعالتوفيبَعتُها بأنقرة في مطبعة "يَني گُن"، إلا أنه لم يكن لذلك البرهان القويِّ كبيرُ أثرٍ بسبب اختصاره وإجمالِه، فضلًا عن قلَّةِ من يقرأ العربية ونُدْرةِ مَن يقدِّر الرسالة حقَّ قدرها، فظهر ذلك الف - تبإلحاديّ واشتد عودُه للأسف.
٭ ٭ ٭
— 160 —

@

تذكرة القطار الذي استقلَّه بديع الزمان متحوِّلًا من "سعيدٍ القديم" إلى "سعيدٍ الجديد".
٭ ٭ ٭
— 161 —
القسم الثاني
حياته في بارلا
ظهور رسائل النور
استعرضْنفيدافع الأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ، ووقفنا على مراحلِها واحدةً تلو الأخرى بدءًا من ولادته في شرقيِّ الأناضول وصولًا إلى هذه المرحلة، وندخل الآن رحابَ دعوةٍ عظيمةٍ عَمَّتْ شهرتُها وعظُم نفعُها، وكانتْ نادرةً من نوادر الزمان، إفي منطرةُ أربعين أو خمسين سنةً من حياته؛ حيث ظهرتْ رسائل النور التي سطعتْ فبدَّدتْ بنورها الظلماتِ المادية والمعنوية، وأشرقتْ من تركيا شمسًا ترسل أشعتها إلى ميادين العلم والعرفتسعمئةأرجاء المعمورة.
٭ ٭ ٭
— 162 —
نفي بديع الزمان من الولايات الشرقية إلى غربيِّ الأناضول ظهور رسائل النور وتأليفها ونشرها
في أثناء عزلة بديع الزمان في تلك المغاولا تتةِ الذِّكر، اندلعت حركة الثورة والعصيان في الشرق، وأرسل إليه أحد الشخصيات البارزة رسالةً يطلب فيها دعمَه وتأييدَه قائلًا: "إن لكم نفوذًاَّة الا"؛ فبعث الأستاذ إليه رسالةً جوابيَّةً يقول فيها: "إن التُّركَ قد خدموا الإسلامَ قرونًا طويلة، وأنجبوا الكثير من الأولياء، فما ينبغي أن تُشْهَرُ السيوف في وجوه أحفادهم، ولا تُشْهِروها أنتم كذلك، اِرجعوا عن قراركم، فإن الشعب بحاجةٍ أربأ بإرشاد والتنوير".
وعلى الرغم من موقفه هذا اتخذت الحكومة قرارها بنفيه إلى غربيِّ الأناضول؛ فأرسلت مجموعةً من الدَّرَك إلى مغارته فأخرجوه منها ليُرسَل إلى منفاه، وبينما كانوا على وي الدننطلاق إذْ تجمهر حولَه الأهالي والوجهاء وجماعاتٌ يحملون السلاح وقالوا له باستعطاف: سيِّدَنا.. لا تذهب وتتركنا، اسمح لنا أن نمنعهم مِنْ أخْذِك.. إنْ شئتَ ذهبنا بك إلى بلاد العرب؛يةِ واهدَّأهم قائلًا: سأذهب إلى الأناضول، إنني أريد الناس هناك.
نُفي تحت حراسةٍ عسكريَّة إلى ولاية "بوردُر" أولَ الأمر، وقضى هناك حياةَ أسرٍ مريرةً تحت ظلمٍ وعسفٍ ومراقبةٍ صارِمة، لكنه برلقرآن، لم يشأ أن يبقى مكتوف اليدين، فشرعَ بتدريس الحقائق لبعض أهل الإيمان، ثم ألَّف من ذلك كتابًا مكونًا من ثلاثة عشر درسًا سمَّاه: "المدخل إلى النور"، ومع أن الكتاب أُلن قلتمرًّا وبقي في نطاقٍ خاص، إلا أنَّ أهل الإيمان عَرَفوا قيمةَ ما فيه من جواهر الحكمة، وكانوا بأشدِّ اللّٰهفة إليها، فأخذوا يستنسخونَه ويتداولونه فيما بينهم، إلى أن عَلِم بالأمر أعداءُ الدين العاملون في انا عال فرفعوا تقريرًا يفيد بأن سعيدًا النُّورْسِيّ لا يلتزم الهدوء في هذه المنطقة، بل يقوم بأنشطةٍ ودروسٍ دينية؛ فصدَرَ على إثر ذلك قرارٌ يقضي بإبعاده إلى
— 163 —
بلدةٍ نائيةٍ منقطعةٍ بين الجبال تُدعى "بارلا"خْلِيْمال "إسبارطة"، على أملِ أن تطويَه الغربة والوحدة والحرمان، ويتلاشى في غياهب النسيان.
وحين كان بديع الزمان في "بوردُر" أتاها ذات يوم رئيسُ أركان الجيش المشير "فوزي چقمق"، فشكا إليه الوالي أن النُّورْسِيّ لا من الأوامر الحكومة، وأنه يعلِّم الدين لمن يأتونه!! لكن المشير كان يعلم جيدًا قدرَ بديع الزمان ومكانتَه واستقامتَه ورجاحة عقله، فقال للوالي: احترموه ولا تتعرَّضوا له، فإنه َتَوَكتَّى منه أيُّ ضرر.
وحيثما نُفِيَ بديع الزمان كانت جهاتٌ رسميةٌ تَشنُّ ضده حملاتٍ مُغرِضةً بجهودٍ حثيثةٍ بغيةَ صرفِ أهل الإيمان عنه، ومَنْعِهم من الاستفادة من دروسه ال.
و لكن تأثير دروسه الإيمانية وقيمتها كانت تسري بين الأهالي من قلبٍ إلى قلب، مثلما كانتْ مؤلَّفاتُه تستولي على القلوب محبةً وعشقًا.
بیارلا
هي أولُ مركزٍ بدأ فيه تأليفُ كليات رسائل النور التي كانتْ نجدةً معنويةً لأهل الإيمان، وهي البلدة او ترتيرقت منها شمس سعادةٍ وأنوارُ هدايةٍ آتيةٌ من القرآن، في وجه تيارِ إلحادٍ وضلالةٍ رهيبٍ هوى على رأس الأمة الإسلامية خصوصًا أبناء الأناضول؛ وهي البقعةُ المحظوظة التي سطعَتْ منها مؤلَّفاتٌ جامعةٌ لسعادة الدارَين، أسدتْها يدُ اللطف االأستا والإحسان الرباني والرحمة الإلٰهية للأناضول المبارك، ولأبناء هذا الشعب المسلم البطل، وللعالم الإسلامي.
كان بديع الزمان يعيش تحت ظلمٍ وعَسْفٍ ومراقبةٍ صارمةٍ بشكلٍ دائم في "بارلا"، وكان نفيه إلىهٍ كالعُف لإبعاده عن الحواضر الكبرى بحيث يُعزَل في قريةٍ منقطعةٍ، وتنطفئ جذوة الحماس في روحه، كما كان يَهدُف لإسكاته ومنعه من التواصل مع الناس، وكفِّه عن خدمة القرآن وكتابة ال وحدَه الإيمانيةَ والإسلاميةَ، وشَلِّ فاعليته عن القيام بأي عمل لمجابهة الملحدين؛ لكنه نجح في العمل على نقيض هذا المخطط،
— 164 —
فلم يقف مكتوف اليدين لحظةً، بل عمل فل صورتٍ معزولٍ ناءٍ كی"بارلا" على تأليف كليات رسائل النور التي تقدِّم دروس حقائق الإيمان والقرآن وقام بنشرها خُفيةً.
لقد كان هذا التوفيق والانتصار غلبةً عظيمةً له، ذلك أنه في زمن الإلحادٌ لنزودينية الرهيب ذاك لم يكن يُسمَح بنشرِ مؤلَّفٍ دينيٍّ حقيقيٍّ واحد، بل كان العمل جاريًا على إسكات رجال الدين والقضاء عليهم، لكن أعداء الدين لم يستطيعوا إسكات بديع الزمان أو القضاءَ عليه، ولم يستطيعوا منع مؤلفن أنواإيمانيةِ والإسلامية التي توقظ العقول والقلوب الغافية، ولقد كانت هذه المنشورات الدينية التي ألَّفها عملًا لم يستطع أحدٌ القيام به في أقسالتواف الظلم والاستبداد المطلق الذي دام خمسةً وعشرين عامًا.
جرى نفي بديع الزمان إلى "بارلا" أواخر العام ١٩٢٥/ مطلع العام ١٩٢٦م، وكانت تلك أولى سنواتِ حقبةِ الاستبداد المطلسجن مُ عانتْه تركيا مدةَ ربع قرن، وفي تلك الحقبة كانت المنظمات السِّرِّية اللادينية قد وضعتْ خُطةً ترمي للقضاء على روح الإسلام، وكان مِن ضمنها إلغاءُ شعائره واحدةً تلو الأخرى ومحوُها، وتجمينئذٍ صصاحف وإتلافُها؛ إلا أن القوم لما لاحظوا أن هذه الإجراءات لن تُكلَّل بالنجاح، قرروا الانتقال إلى خُطةٍ أخرى تقضي بأن تتولى الأجيال القادمة بعد ثلاثين سنةً مهمة القضاء على القوف من فسِها، ووضعوا هذه الخُطة الشيطانيَّة الخبيثة موضع التنفيذ، فعمَّتِ البلادَ إجراءاتٌ لم يُرَ مثلُها في التاريخ في تعدِّيها على مقدسات الإسلام وتقويض أركانه.
أجل، لقد اجتهدوا ونجحوا فعلًا في قطع كلِّ ما يربط أبناء تركيا وشعباحَ منلإسلام، وبذلوا كلَّ ما بوسعهم ليُبعدوا هذا الشعب المسلم عن إسلامه ويَحرِموه منه، وهو الشعب الذي رفع آباؤه وأجداده رايةَ القرآن وتحدَّوا بها الدنيا ستمئة عام، بل ألفَ عامٍ منذ زمن العبان استد.
ولم يكن هذا إجراءً جزئيًّا محدودًا، بل كان عمليةً كليةً واسعةً شاملة، عمَّتْ ويلاتُها إيمانَ ملايين الناس الأبرياء وعقيدتَهم خصوصًا الشباب والط العلمتفضي
— 165 —
إلى هلاكهم الدنيوي والأخروي؛ واستهدفتِ الحياةَ الأبدية لأبناء الأناضول وأجيالهم إلى يوم الدين.
لقد اجتهدوا في تلك الحقبة المُظلِمة ف من ال معالِم الإسلام والقرآن ومحوِهما من حياةِ أمةٍ بطلةٍ تبوأتْ أسمى منزلةٍ برفعِها رايةَ القرآن على مدى ألف عام بشهادةِ ماضيها المشرق، وسعَوا دائبين لتخريجِ أجيالٍ جديدةٍ وحملةِ شهاداتٍ مقطوعي الصلة بماضيهم، لا يدرون شيئًا عن أبحِسٍّ العظماء، ولا يذكرون شيئًا من تاريخهم الوضَّاء الحافل بالجهاد على مدى عشرة قرون، وعملوا على خداعهم والتلبيس عليهم بكلامٍ مُنمَّقٍ مبهرَجٍ، كالحديث عن مواكبة المدنية المعاصرة، ليهيئوا الأرضية المناسبة للنظام الشيوعي.
وأُقصِيَتْ حقائقلُه فيلام بكلِّ ما انطوتْ عليه من ركائز المدنية وأُسس الرقي المادي والمعنوي، لتَحُلَّ محلَّها فلسفةٌ لادينيةٌ آسِنة، فيها ما فيها من المبادئ المُظلِمة، والآداب المتحلِّلة، وأفكارِ الفلاسفة وإيديولوجياتهم المضلِّلة، يُلقِّنهاليه سهرها على أوسع نطاقٍ عملاءُ الشيوعية والماسونية والإلحاد.
وكان لأعداء الإسلام - خصوصًا الإنكليز والفرنسيين - مخططاتٌ تهدُف لتقسيم العالم الإسلامي وشرذمتِه مادوُرودَمعنويًّا ليسهُل عليهم نهب خيراته، وفي مقدمتها قطْعُ صِلات الشعب التركي البطل بعاداته وتقاليده وقِيَمِه الإسلامية لينقلبَ إلى ضدها تمامًا، وقد شهدتْ تلك الحقبة للأسف وضْعَ تلك المخططات موضع التنفيذ.
إذًا تزامنت المرحلة التي أَطلق فيها بديع ؛ وعلى خدمةَ الإسلام والقرآن في الأناضول عبر رسائل النور، وتجرَّد لها فدائيًّا من فدائيي الإسلام الأبطال يَذودُ عنها ويفديها بروحه، تزامنتْ مع انطلاق مرحلةٍ لادينيةٍ رهيبةٍ نهم قدَ مثلُها على وجه الأرض، ولهذا فإن المتأمل للخدمة التي نَهَض بها بديعُ الزمان في ذلك الحين عبر رسائل النور، لا بدَّ أن يضع نُصبَ عينيه أوضاعَ ذلك الزمان العصيب، ففي مثل تلك الظروف الصعبة غير المسبوقة يمكن لمقدارِ ذرةٍ من خدمةٍ أن ينال ق "جون ظيمةً كالجبل، ويمكن لخدمةٍ بسيطةٍ أن تؤتي نتيجةً عظمى وتحظى بقيمةٍ كبرى.
— 166 —
وعلى هذا، فرسائلُ النور نتيجةٌ لتلك الحقبة الخطيرة المروِّعة وحصيلةٌ لها، ومؤلِّفها أعظمُ بطلٍ عرفتْه ميادين الالألمَي زمنٍ عصيبٍ دأبَ رجال الحكم فيه على هدم الدين طَوالَ خمسٍ وعشرين سنة، وسيظلُّ - إلى أن يرثَ اللّٰه الأرضَ ومَن عليها - مرشدًا كاملًا يدعو الأمة المحمدية إلى دار السلام، ويبي مرةً بشرية الطريق؛ أما رسائل النور فسيفٌ ألماسيٌّ من سيوف القرآن، برهَنَ عليه الواقعُ والزمان، وشهِدتْ به الأحداث الظاهرةُ للعِيان.
إن رسائل النور ببراهينها القطعية وأدلتها العقلي خدمةٍنطقية التي لا تُخدَش، قد أثبتت بطلان الفلسفات المادية والطبيعية المنافية للدين، وبرهنتْ على امتناعها واستحالتها، وألزمتْ أشدَّ الفلاسفة كفرًا، وكسرت شوكة الإلحاد، وهزمت الكفر المطلق.
أجل، لقد ظهرتْ وتلألأتْ رغم الظلم والأذى والاضطهاد غلغيب فسبوق الذي تعرض له بديع الزمان، وستكون سيفًا من سيوف الإسلام في هذا العصر وفي المستقبل بإذن اللّٰه.
لقد غدتْ وستبقى حبيبةَ الأرواح والقلوب، ومهجةَ العشاق، يرخُص في فدائه الوجو غالٍ ونفيس، وتتبوأ في نفوس الناس أسمى منزلة، حتى لَكأنها تاجٌ يُكلِّل هاماتهم، إذ كانت طوق نجاتهم بما قدمتْ لهم من خدمةٍ إيمانيةٍ نفيسةٍ سامية.
بزغتْ رسائل النور معجزةً معنويةً منتَظَرةً حقيقةن الكريم في العصور الباقية، وتجمع حول هذه الحقيقة القرآنية الملايين من الإخوة والطلبة، وعلى رأسهم مؤلفها بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ كما يجتمع الفراش حول ة: إنه فاقتبسوا من نورها وارتشفوا منها حقائق الإيمان والقرآن، فقوَّوا إيمانهم، وعزموا على أن يكون إعلان هذه الحقيقة الكبرى للعالم أجمع وقراءتُهاعَ بالُها غايةَ حياتهم.
أجل، إنها مبعَثُ فخرٍ لأبناء تركيا والعالم الإسلامي، يتشرفون بها للأبد، وستسطِّرها صفحات تاريخهم بحروفٍ من ذهب كما سطَّرت ماضيهم، وستكون قائدًا مرموقًا ورائدًا لخدمة القرآن والإسلا ذا اللعالم الإسلامي.
— 167 —
إن هذه المؤلفات الكلِّيَّة الواسعة التي تَلقى حيثما حلَّت الانتشارَ الواسع والقبولَ الحسن والأثرَ الطيب على نحوٍ مطَّردٍ في الأناضول والعالم الإسلامي إنما هي بضاعةُ القرآن، ومُلْكٌ لعامن أن لإسلام وأهل الإيمان، ومبعَثُ فخرٍ إسلاميٍّ لأبناء هذا الوطن، وهي كذلك نقطةُ استنادٍ للحكومة التي تدير هذه البلاد، كما أنها منظومةُ حقائقَ عظيمةٍ ستتردَّد كلماتُها على أسماعِ العالَم كله بإذن اللّٰه، حين يأتي زمانٌ الخوفس فيه رسائل النور وتُبَثُّ عبر المذياع في أرجاء المعمورة.
نعم، لقد أشرقتْ شمسًا من تركيا على ساحات العلم والعرفان في الدنيا، وهي إشراقةٌ من إشراقات تلك الشمس المعنويَّة التي بزغَتْ على عال على مشريَّة قبل ألفٍ وثلاثمئةِ سنة، ولمعةٌ من لمعاتِها الساطعة في كلِّ عصر، ومعجزةٌ من معجزاتها المعنويَّة المنتظرَة في الأزمان اللاحقة، ولقد تركتْ أثرَها البارز ليس على الصعيد المعنوي فحسب، بل على الصعيد المادي المحسوس كذلك.

أجل، فلرسائل النور ادسة م يفوق تأثير الأسلحة والقنابل الذرية التي تعتمد عليها الدول والشعوب للدفاع عن نفسها والحفاظ على وجودها، ومن يتأمَّل - و3&Nيسيرًا - بعين العلم والبصيرة في رسائل النور، وفي الخدمة التي أداها بديع الزمان طَوالَ ثلفوائد.امًا في الأناضول من خلال الرسائل، يجد ذلك التأثير فعلًا ويدركه ويصدِّقه؛ وإن النتائج المترتبة على الخدمة التي أدتها الرسائل منذ ظهورها حتى اليوم هي من العظمة والروعة بحيث تستحق تبريكًا وتقديرًا لا يتناهى من الراسخياجتماعسلك الحقيقة، فلقد كان لها الفضل في تقوية الإيمان في هذا الوطن بما نشَرتْ من الإيمان التحقيقي، وكان لها منهجُها في مقارعة الكفر والإلحاد والضلالة والرذيلة في هذه البلاد، إذْ تصدَّ ويَصم بأسلوبِ عملٍ إيجابيٍّ بنَّاء، يتأسى بنهجِ الأنبياء، إلى أن كُتِب لها النصر في هذا الجهاد الديني المعنوي العظيم.

أما هذه الثُّلَّة المجاهدة من طلبة رسائل النور فقد كان بين أفرادها من عظيم الاتحاد والولاء ما نشأ عنه سرٌّ جليلٌ مي، إن صار وسيلةً لاستجلاب العناية والرحمة
— 168 —
الإلٰهيتَين؛ إنها ثُلَّةٌ مجاهدةٌ مخلصةٌ أشبه ما تكون ببذرةٍ صغيرةٍ تفتحت في مكانٍ ضيق، فانبثقتْ عهم مع رةُ طوبى عظيمة تنشُر أغصانها على شتى أنحاء العالَم.
ترشَّحتْ رسائل النور من مَعين القرآن في القرن الهجري الرابع عشر، وانطلقتْ من الأناضولٰه تعاْ تنتشر، وما تزال رقعة انتشارها تتسع باطرادٍ في العالَم الإسلامي والعالَم عامةً؛ فلقد حظيتْ بالتوفيق نتيجةَ إخلاصها الفريد واتخاذِها خدمةَ الإيمان والتوحيد الخالص مسلكًا أساسيًّا لها، وصارتْ نورَ حقيقةٍ يعمُّ كلَّ مكان بما تضمن ثم حقائق الإيمان والقرآن، فأقامتْها الرحمة الإلٰهية سدًّا قرآنيًّا ونورًا إيمانيًّا يحفظ الأمة الإسلامية من المهالك والمصائب المادية والمد مزيد
لقد سلكتْ في تصدِّيها لمعارضي القرآن والإيمان طريقَ الحجة والإقناع، لا طريق الإكراه والنزاع، فأماطت اللثام عن وجه الحقيقة المشرق، وأثبتت للعالَم في شتى ميادين الفكر والفلسفة أحقِّيَّةَ دين الإسلام، وإعجازَ القرآن الذي هو قذارة لهداية لعالَم الإنسان، وبرهنتْ على ذلك بحججٍ ناصعةٍ ودلائل قاطعة، وأقامت البراهين المنطقية على أن الدين والنبوَّة هما مَن أرسى أسسَ الكمال والرقيِّ والمدنية على وجه الأرض، وأنَّ خلاص البشريَّة من غياهب الجهجابهونلكة إنما تمَّ بظهور الإسلام خاصَّةً، وتحت رئاسة العالم الإسلامي، وهو ما سيكون في المستقبل بإذن اللّٰه.
أما الأسس التي وضعها البشر كالفضيلتاريخمصالح العامة التي تُشاهَد في الحكمة والفلسفة، فما هي إلا انعاكساتٌ من شمس النبوة التي أشرقت على عالَم الإنسان، فسطعتْ أنوارها وتلألأتْ لمعاتُها في أفكار البشر وقلوبهم، تمامًا كما تطلعُ الشمس فتجلو بأشعتها ظلمات الليل؛ فما هذا الضياء الذي يم، بل من الحكمة والفلسفة الحقَّة والعلوم والفنون إلا انعكاسًا وجَلوةً من جَلوات شمس القرآن وقنديل النبوة اللذين أنارا عالَم البشرية.
فيا أيها العالم الإسلامي أفِقْ، نتدخلآن استمسكْ، وإلى الإسلام توجَّه بكل كيانك.. ويا أحفاد الرجال الأماجد الذين يَشهَد لهم التاريخ بأنهم خدموا القرآن ألف
— 169 —
عام، ونشروا على وجه البسيطة نور الإسلام: جِدُّوا والحقيقوا في أن تُيمِّموا وجوهَكم شطرَ القرآن.. اِقرؤوه وافهموه، وطالِعوا تفسيرَه ومعجزتَه المعنويَّة في هذا الزمان: رسائلَ النور.
وإذا ما ردَّدتْ ألسنتكم آياته فاجعلوا أحوالكم وأخلاقكم تّا، لدانيه، اقرؤوه بلسان الحال، فإذا فعلتم ذلك كنتم سادةَ الدنيا وزعماءَ العالَم ووسيلةَ سعادة الإنسانية.
ألا فاستفيقوا يا أحفاد مَنْ جعلوا وظيفتَهم رفْعَ راية القرآن عبر القرون، فتبوَّؤوا أسمى المراتب في الدنيا ن الجوها وأقدسها.. استفيقوا فليس من الرشد غفلتُكم في أثناء هذا الفجر الصادق لعالم الإسلام.. فإنما الحريُّ بكم أن تتنوروا بنور الإيمان والقرآن، وتتكمَّلوا بتربية الإسلام، وتتخذوه مرشدًا لكم في شؤونكم وأحوالكم، وتتمسكوا بمدنيَّتِه ا"وَسْط المدنية الإنسانيَّة الحقيقية، لتكونوا شركاء وأدلَّاء في صحوة العالم الإسلامي ويقظته.
أما العلومُ والفنون الآتية من أمريكا وأوروبا، فإنما يُنظَر إليها بعين التفكُّر القرآني ممزوجة الواح التوحيد، إذْ هي في الأصل بضاعةُ الإسلام، أي ينبغي أن يُنظَر إليها باسم صانعها وبارئها، فلْنقلْ ولْيردَّد الآخرون: إلى الأمام سِرْ.. إلى رسائل النور التي هي مجموعةُ العلَّم الإيمانية والقرآنية المبيِّنة للسعادة الأبدية والسرمدية.
يا إخوة الدين الأكارم، أحفادَ أبطالِ جيوش آسيا الذين كان بيدهم زِمام الدنيا:"سعيدً نومًا منذ خمسمئة عام!! أفيقوا واستيقظوا في صباح القرآن، وإلا فإن إغماض أعينكم أمام شمسه ونومَكم في بيداء الغفلة سيجعلكم نهبَ التخلُّف والضينا أن لا تفارقوا نهر القرآن فتتساقطوا كقطراتٍ متناثرةٍ فوق التراب القاحل لشهوات المدنية ورذائلها، بل اتحدوا كالسيل في نهر السلامة والسعادة القرآني، واجرُفوا رذائل المدنية وقبستشهد وكُونوا جداول الحقيقة الإسلامية تجري في هذا الوطن كماء الحياة؛ لتتفتَّح على ترابه أزهار علوم المدنية الحقيقية وفنونها بفضل ماء الإسلام وضياء الإيمان، ويعودنظامٍ ً غنَّاء تُظِلُّها السعادة المادية والمعنوية بإذن اللّٰه.
— 170 —
نعود للموضوع الأساسي.. إن السنوات التي ألَّف فيها بديع الزمان رسائلَ النور أثناء إقامته الجبرية بی"بارلا" كانت لها أهميةٌ بالغةٌ بحيث تُقدَّر اللحظة منها بدهر؛ فكما أن فتُنْمن نوبةِ حراسةٍ في ظروفٍ قاسيةٍ كالشتاء ببردِه القارس وجليده وأهواله أفضل من عبادة سنة، فكذلك الأمر في ذلك الزمن المُكْفَهِرِّ العصيب، فإن كتابة رسالةٍ حقيقيةٍ وعبِّر فقط - لا مئةً وثلاثين رسالة - تتناول حقائق الإيمان والإسلام تَعْدِل آلاف الرسائل قيمةً وأهميةً.
نعم، فلقد كان أهلُ الدين في تلك المرحلة البئيسةطهَدٌ ِّعة من حكمِ اللادينية الرهيب يتجرَّعون ألوانًا من الإهانة والإذلال، وبلغ الأمر برجال تلك الحقبة أنْ فكَّروا بإزالةِ القرآن واجتثاثِ العقائد الدينية نبانِه ا كما كان يُفعل في روسيا، إلا أنهم تخوَّفوا أن ينقلب الأمر عليهم بنتيجةٍ عكسيةٍ من قِبَل أبناء الشعب المسلم، فأحجموا عنه واتخذوا بدلًا منه قرارًا مفاده: "أن الشباب الذي سيتخرج وفق مناهج التعليم الجديدة التي سنقررها في المداةً تشمتولى بنفسه إزالة القرآن وإقصاءَه، وبهذه العملية نقطع صلة الشعب بالإسلام"؛ ولم يكن القائمون على تلك الخطط الجهنمية وصناعُ تلك الفتن المروِّعة سوى زعماء تيارات الإلحاضمنها لخارج ورجالهم في الداخل، وهم اليوم أعداء الدين المعارضون لعودته وازدهاره.
ونحن نُحيل الكشفَ عن الوجه القبيح لتلك الخطوب المروِّعة التي ألمَّت بالشعب التركي وتبيينَ تفاصيلها إلى المؤرخين المنصفين في المستقبل، وإلى المحررين اتُقاطع المسلمين، لينشروا هذه الحقائق في أجواء الحرية التي أرستْها حكومة الحزب الديمقراطي الذي يتولى أمورَ البلاد اليوم.
إن وظيفتنا الوحيدة والحصرية هي أن ننشغل بالحقائق الإيمانية والقرآنية، فنحن حصرًا في تيار الة؟!!
والإيمان لا غير.
أجل، ففي أشد أزمنة الزندقة والضلالة وحشيةً وضراوةً كان بديع الزمان تحت المراقبة الدائمة، يقاسي ظلمًا يضاهي ظلم الطواغيت والجُعجِزٌفي كلِّ عصر؛
— 171 —
وقد دامتْ هذه الحال خمسًا وعشرين سنة، كان العالم الإسلامي في أثنائها يرزح في فقرٍ مدقعٍ تحت نِير الاحتلال الأجنبي، بينما انطلقت المنظمات السرية التي ترعى الفساد والإلحاد تمارس أنشطتها الرهيبة في تركيا والعالم الإسلامي نادرًاً الدعم من حلفائها، وقد تواطأ الجميع على محاربة الإسلام.
ومن هنا، فكما كانت معركتا بدرٍ وأُحُدٍ باكورة الفتوحات في العالَم الإسلامي، فإن لرسائل ا المروهميةً من ذلك النوع أيضًا، إذ كانت وسيلةً لخدمةٍ إيمانيةٍ وجهادٍ دينيٍّ معنويٍّ لا مثيل لعظمته في التاريخ منذ عصر السعادة النبوي؛ فعلى الرغم من أن بديع الزمان كان في "بارلا" أشبه بدرٍ منمكبَّل اليدين، إلا أنه بتأليفه ونشرِه رسائلَ النور في ذلك المنفى النائي صار كأنما وقف خطيبًا بليغًا في مسجد الأناضول ومسجد العالَم الإسلامي، يل فتشاه أهل الإيمان الدروسَ التي تلقَّاها من القرآن.. كان كأنما يقف على قمة منارةِ القرن الرابع عشر الهجري والقرن العشرين الميلادي، يخطب بمعاصريه من أهل الإسلام وبني الإنسان، ويخاطب أجيال المستقبل ا هذا اَةَ خلف هذا العصر في صفوف المستقبل (حاشية): إن أكثر الناس شوقًا لرسائل النور هم الشباب والأطفال الأبرياء، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، إلا أننا نكتفي منها بمثالٍ واحد، فقد كان بديع الزمان ذات يومٍ مارًّا ببلدة "بولفادين"، فمسالكهمآه طلابٌ من المرحلتين الابتدائية والإعدادية حتى تقاطروا من مدارسهم نحوَه، وتجمهروا حول السيارة التي كانت تُقِلُّه مسلِّمين عليه، معبِّرين عن امتنانهم وتقدلصادقةه كأنما يقولون بلسان الحال: أهلًا وسهلًا بكم.
وكنا سألْنا الأستاذ عن هذا حين شاهدْنا الأطفال في طرقات قرى "أميرداغ" يتراكضون نحوَه من بعيدٍ، غيرَ آبهين بالشوك الذي يحفُّ طريقَهم، وهم يهتفون ببراءةٍ: جدُّنا بديع الزمان.. جدُّنا بديع مئةَ !!
فأجابنا: "إن أرواح هؤلاء الأبرياء وقلوبَهم قد شعرَتْ على سبيل الحسِّ قبل الوقوع - وإن لم تُدرِك عقولُهم - حقيقةَ أن رسائل النور ستنقذ إيمانهم، وستحفظهم وتحفظ بلادَهم ومستقبَلهم ماللّٰهاطر المروعة، فهم يعبِّرون عن شكرهم وامتنانهم ومحبتهم لها، ويوجهونَه إليَّ باعتباري ترجمانها"، وقال إنه يدعو لهم. وكان الأستاذ يحب الأطفال كثيرًا، فكانوا إذا تجمهروا حوله قال لهم ملاطفًا: "ادعوا لي، فأنتم أبرياء مجابو الدعوة". ويكلِّقعت الرشدٍ جليل ومجدِّدٍ كبير.
— 172 —
تأليف رسائل النور ونشرها
ألَّفَ بديع الزمان كليَّات رسائل النور تحت وطأةِ ظروفٍ قاسيةٍ ما تعرض لها أحد فيما مضى من علماء الأمة وأعلامُها، وكان يتحلَّى بعزمٍ متين وإرادةٍ لا تساتير عشقٍ للخِدمة لا يخبو، فبذل في تأليفها جهدَه وقوتَه صابرًا متحمِّلًا مضحِّيًا دون كللٍ ولا مللٍ، إلى أن أخرجها مرشدًا عظيمًا ينهض بمهمة التنوير والإرشاد لأبناء الإسلام وبني الإنسان، ويحفظ البلاد والعباد من ثعبان الأنوية وآفات الماسونية والإلحاد، ويَقِيهم شرورَها في قادم الأيام.
لقد اكتمل تأليف كليَّات رسائل النور برسائلها المئة والثلاثين في ثلاثٍ وعشرين سنةً، وقد أُلِّفت في زمنٍ كان مقدارجة إليها فيه أشدَّ ما تكون، فجاءت ترياقًا شافيًا وعلاجًا ناجعًا، تداوي الأمراض المعنوية لكثيرٍ من الناس؛ ويشعر قارئها - أيًّا كان - بحالةٍ روحيَّة كأنها كُتبت له خاصَّةً، فيطالعها بشوقٍ شديد، وشعورٍ بالحاجة الماسَّة؛ كيف لا وهي التي تقدم لأًا:
ذا العصر ومَن بعدَهم الجوابَ الذي يلبي حاجاتهم الإيمانيَّة والإسلاميَّة والفكريَّة والروحيَّة والقلبيَّة والعقليَّة.
إنَّها تفسيرٌ حقيقيٌّ اء الص الحكيم، فهي تُفسِّر الآياتِ لا بحسب ترتيبها، بل بحسب تبيانها للحقائقِ الإيمانيَّة التي تلبي حاجات العصر؛ فالتفسير قسمان: قسمٌ يفسِّر لفظ الآية وعبارته الأمرمٌ يبيِّن معناها وحقائقَها ويبرهن عليها؛ وتُعدُّ رسائل النُّور واحدةً من أهم تفاسير القسم الثاني وأوسعِها وأكثرها قوةً وإشراقًا؛ وهذا أمرٌ ثابتٌ بشهادةِ وتصديقِ الآلافٍِ من أهلِ التَّحقيق والتدقيق.
وقد أُلِّفَت الر يوم، نُشِرَتْ بأسلوبٍ لم يُرَ مثلُه إلى يومنا هذا، فقد كان بديع الزَّمان سعيد النُّورْسِيّ شِبه أمِّيٍّ، لا يملك من وضوح الخطّ ما يمكِّنه من كتابة الرسائل واستنساخها بيدِهِ، فكا وأطلب السبب يُمليها على الكُتَّاب بسرعة، فتُكتَب من فورها، ومع اشتغاله بالتأليف على هذا النحو ساعةً أو ساعتين في اليوم، ظهرت مؤلفاتٌ رائعةٌ
— 173 —
استغرق إملاءُ بعضها عشر ساعاتٍ، أو اثنتي عشرةَ ساعةً، واستغرق بعضُها الآخر أقل م عشرةِبكثير.
وكان الطلاب يتناقلون رسائلَ أستاذهم؛ فيستنسخون منها العديد من النُّسخ، ثم يأتونه بها فيُصحِّح أخطاء النُّسَّاخ، وكان من عادته في التصحيح أنه ينظر في ار التفة مدقِّقًا دون أن يُضطر لمقابلتها بأصلٍ آخَر، وما يزال إلى الآن يُصحِّح الرسالة التي ألَّفها قبل خمسٍ وعشرين أو ثلاثين سنةً من غير حاجةٍ لأن يرجع إلى نسختها الأصل.
وكان يَقدَم عكل ما ابٌ من القرى والنَّواحي المجاورة، فيأخذون الرسائل المؤلَّفة بلهفةٍ واهتمامٍ كبيرَينِ، ثم يرجعون فينشرونها كتابةً واستنساخًا بخط أيديهم.
ألَّف بديع الزَّمان رسائلَ النُّور دون الرجوع إلى تِ القسوى القرآنِ، ولم يكن لديه وقتَ التأليف أيُّ كتابٍ، وكما قال الشاعر المرحوم محمد عاكف:
فلْنُعرِّف - في هذا العصر - الإسلامَ للأذهان
بالاستلهام مباشرةً من وحي القرآن
وقد تيسَّر لبديع الزمان تحقيقُ معنى هذا البيت.
ولم يعرف التاوِّنَتيقةً نُشِرتْ بها مؤلَّفاتٌ كالتي نُشِرتْ بها رسائل النُّور، ونوضِّح ذلك بما يلي:
كان لا بد من نشر رسائل النور بالحروف العربية، إذْ هي التي اضطلعت بمهمةِ خدمةِ القرآن الكريتَين كفاظ على رسمه؛ وكانت الكتابة بالحروف العربية في تلك المرحلة قد مُنِعت وأغلِقت مطابعها، وكان بديع الزمان فقيرًا لا يملك من متاع الدنيا شيئًا، وكان كُتَّاب الرسائل ونُسَّاخُها لا يكادون يؤمِّنونَّفين جاتِهم الضروريَّة، بل كانوا يتعرَّضون - فضلًا عن ذلك - للاعتقال والأذى والاضطهاد، وفي المقابل كانت إجراءات الحكومة المشددةُ وحملتُها الإعلاميَّة المغرِضة ضدَّ بديع الزَّمان تنشرُ الرهبة فمن.
مكان، وتجعل الناس أسرى المخاوف والأوهام، فيُحجِمون حتى عن الاقتراب من الأستاذ وتَلقِّي دروسِ الدينِ والإيمان منه.
— 174 —
وفي ذلك الحين كان إعدامُ علماء الدين وعُشَّاقِ الحقيقة، وتعليقُهم على أعواد المشورسائلجرَّد إخلاصهم لدينهم، قد نَشَر كثيرًا من أجواء الخوف والاستكانة؛ بينما فَرَض الاستبداد المطلق والظلم الشديد سياسةَ تكميم أفواه أهل الدِّين، فمُنِعَت جميع الدروس التي تبيِّن حقيقةَ الإسلام وأصولَه منعًا باتًّا، ولم يُسْمَح بنشر رسالةٍ حقيختلاف، واحدةٍ تتحدث عن حقائق الدين، وحُرِم الشعب من دروس تلك الحقائق؛ وجرى السعي حثيثًا لتحويل الإسلام إلى جسدٍ بلا روح. (حاشية): جميعُ أولئك الملحدين واللادينيين الذين كانوا يقومون بتلك الإجراءات المعادية للدين، لا يتقبَّلون هذه الصحوة الأن تعلة اليوم.
وهكذا انطلقت هجمةُ الحرب على الدين في تلك المرحلة طاغيةً شرِسةً، يرافقها استبدادٌ جائرٌ يدأب في تكبيلِ حياةِ أهل الإيمان وتقوراق تماديًّا ومعنويًّا، وجاء نشرُ رسائل النور فصدَّ تلك الهجمة، وحطَّم تلك القيود لا سيما المعنويَّةَ منها؛ لقد قصمت رسائل النُّور ظهرَ الإلحاد واللادينية وقوَّضتْ أركانهما.
أجل، لمعت رسائل النُّور كالبرق بين ظلمات الوف القانتشرت تخترق الحُجُب نورًا من أنوار القرآن الحكيم يتلألأ بكل بهائه وجلاله؛ وترقّى إيمانُ طلاب رسائل النُّور بعد أن تلقَّوا منها دروسَ الإيمان التحقيقي، فغدَوا أصحاب شهامةٍ إيمانيَّة وجرأةٍ إسلاميَّة؛ وشهدت أعدادهم ازديادًا مطَّردًا؛ وكما أنَّقلب ورد الشجاع يبث الشجاعة في المئات من جنودِه بلسان حاله ويكون نقطةَ استنادهم، فكذلك شأن الشخص المعنوي لرسائل النُّور المتمثلِ في مئاتِ الآلاف بل الملايين من طلاب النُّور الذين تقوَّى إيمانهم بدروس الإيمان التحقيقي، وفي مقدمتهم بديعُ الزمان سعيد اُّرًا ْسِيّ، فقد غدَوا أسوةً حسنةً ونقطةَ استنادٍ لأهل الإيمان؛ وكان لقوَّةِ إيمانهم ولبطولتهم في مواجهة الإلحاد عظيمُ الأثر في إحداث اليقظة والصحوة بين الناس، فاقتلعوا الخوف والوهم من قلوبهم، وأنقذوا المسلمين من اليأس، وبثُّوا الشجاعةَ والسرورطولِ قل بين عامة الشعب في أرجاء الوطن.
— 175 —
وإن من المُسَلَّم والمُصدَّق به عند أهل الحقيقة، أنَّ طالبًا واحدًا من طلاب رسائل النُّور الذينتهاءات منها غايةَ حياتهم، هو في قوَّةِ مئة رجل، وخدمتُه للإيمان والإسلام تساوي خدمة مئة ناصح.
لقد ضحَّى طلبة النور بأموالهم وأولادهم وعيالهم دون تردُّما جاءضحَّوا حتى بأرواحهم إن لزم الأمر في سبيل خدمة الإيمان والإسلام برسائل النُّور، واستبسلوا كأستاذهم غيرَ خائفين ولا مبالين بظلم الكفرة وسجونهم، ولا باضطهاداتهم ولا حملاتهم المغرِضة المجلجلة؛ ووضعوا نصب أعينهم غايةً واحدة هي: "قراءةُ الرسائيحٌ بأرستُها لإنقاذ إيمانهم، وطلبُ مرضاة اللّٰه بخدمة الإيمان والإسلام من خلال رسائل النور"؛ فسخَّروا كلَّ إمكاناتهم ليقوموا بهذه الخدمة ويَبلغوا تلك الغاية.
أجل، لقد آمنوا أنّلك وفقدمُ سفينةٍ ربَّانيَّة تُوصل الأمَّة المحمَّديَّة إلى ساحل السلامة، فأعْظمُ غايةٍ لهم في الحياة أن يكونوا - بخدمتهم القرآن والإيمان - وسيلةً لتعيش الأمَّو"الحكمديَّة في رفاهٍ وسعادةٍ.
نُشِرتْ رسائل النور في أول الأمر نَسْخًا بخط اليد، وفي تلك المرحلة كان الآلاف من طلاب النور في "إسبارطة" وما حولَها يقومون بهذه المهمة بدأبٍ ونشاطٍ، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، حتى لقد وُجد في ذلك الحين مَنينٍ مني بيته على نَسْخِها ونشرها دون أن يغادره طَوالَ سبعِ أو ثمانِ سنين؛ بينما كان في قرية "صاو" التي غدتْ مدرسةً من مدارس النور ألفُ قلمٍ لا يَكِلُّ عن الكتابة والنشرْلِ رَبعد عشرين سنةً من تأليفها بدأ نشرها بواسطة آلة النسخ، ثم صارت تُطبَع في المطابع بعد ذلك بعشر سنين، وسيأتي زمانٌ بإذن اللّٰه تُكتَب فيه بماء الذَّهب، وتُقرأ في الإذاعات بمختلف ابناءً ، فيغدو وجه الأرض مدرسةً نوريَّةً كبرى.
٭ ٭ ٭
— 176 —
وكان للنساء الفاضلات المباركات جهودهن وتضحياتهن الجليلة في نشر الرسائل وخدمتها، حتى كان منهن مَنْ جاءت إلى الأستاذ وقالت: "سيدي.. سأكفي زوضرَه ميامَ بالأعمال الدنيوية، ليتفرَّغ لخدمتك وخدمة رسائل النور"، وقامت تلك البطلات بأعباء أزواجهن لكيلا ينشغلوا عن هذه المهمة.
وكان منهن من حملْن المصابيحقيق الليالي إلى جانب أزواجهن الذين كانوا ينسخون الرسائل سرًا، فشاركْنَهم في خدمة الدين والإيمان بكل ما في وُسْعِهن؛ ومنهن سيداتٌ وفتياتٌ نسخنَ الرسائل بأيديهنَّ، وسكبْن لها نورَ عيونهن، فخدَمْنَ الإيمان كاتقية منبارَكات.
وبرزَ من طالبات النور نساءٌ عظيماتٌ، أقبلْنَ على قراءتها بلهفةٍ تُوصِلهنَّ بنور الإيمان إلى حُسنِ الخاتمة عند انتهاء الأجل، وقرأْنها على أخواتهنَّ في الدِّين وعرَّفنَهن بها، وقدفي زما خِدماتٍ عظيمةً بنشرِها بين النساء، وكنَّ وسيلةً لتنويرهنَّ بأنوار القرآن والإيمان، وترقَّيْن في مراتب الإيمان بقراءة الرسائل وإقرائها حتى كأنما بلغْنَ مقام الإرشاد.
لقد ارتبطت النساء برسائل الثين رغفاءٍ وإخلاصٍ طلبًا لمرضاة اللّٰه تعالى وحدَه، إذْ وجدْن فيها أنوارَ القرآن متلألئةً فياضةً؛ وغمرَتْ قلوبَهنَّ محبةٌ إلٰهيةٌ لا تفتُر، فبلغنَ بذلك سعادةَ الدنيا وجهتين:؛ وتوطَّنتِ الرسائلُ بقيمتها وعظمتها في قلوبهنَّ الطاهرة النقية، فكنَّ إذا قرأْنَها وتدارسْنَها أُترِعْنَ نورًا وإمدادًا، وفاضت أعينهن بدترياق،ورانيَّة، وبلغن غاية الأنس والطمأنينة؛ فما أسْعدَهن!! ستظلُّ ذكراهن الطيبة باقيةً بما قدَّمْنَ من خدمةٍ إيمانيَّةٍ قدسية، وستكون قبورُهنَّ بإذن اللّٰه منوَّرةً كرياض الجنَّة، وسيُرفَعنَ في الآخرة أعلى الدرجات إن شاء اللّٰه.
لقد نِلْنَ مكاسائحها،ويَّة جمَّة، ومراتبَ رفيعةً عظيمة بقراءتهن الرسائلَ وإقرائها، ففضلًا عن شمولِ أدعيةِ الأستاذ لهن، تنالُهنَّ دعوات الملايين من طلاب النور، ويًا عظي ثوابُ أعمالهم الصالحة في سجلِّ حسناتهن بإذن اللّٰه، بسرِّ الشراكة
— 177 —
المعنوية القائمة بين طلاب الرسائل؛ ولنا في الرحمة الإلٰهيَّة عظيمُ الأمل والرجاء في أن يكون هذا حالَ أكثرِ نسائنا إن شاء اللّٰه.
٭ ٭ ٭
لقد أدرك أهل البصيرة اة هذا ن لرسائل النور قبل خمس وثلاثين سنة ما تنطوي عليه من حقائق سامية، فتعلَّموا من دروسها القدسيَّة، وراحوا يواجهون بقلوبٍ مفعمةٍ إخلاصًا وصدقًاب العلَ الدِّين العاملين في الخفاء؛ وتعرَّضَ أبطالُ النور للعَسْف والأذى، واقتُحِمَتْ بيوتهم للتفتيش، وزُجَّ بهم في السجون، ولقوا فيها صنوفًا من الشدائد والعذاب، لكن ذلك لم يكن لِيَثنيَهم ذي غداِ الرسائل بأقلامهم الألماسيَّة طَوالَ تلك الحقبة الحرجة، ولو أنهم طلبوا نعيمَ الدنيا لكان لهم، لكنهم وقفوا حياتَهم لخدمة رسائل النور، وضحَّوا في سبيلها بكل المراتب الدنيويَّة والثروات الشخصيَّة.
ولعلَّ سائهِّد لأل: ما سرُّ هذا العزم والقوَّة والتضحية والثبات والوفاء الذي تحلَّى به تلاميذ رسائل النور؟! والجواب: إن سرَّ ذلك كلِّه هو ما انطوتْ عليه الرسائل من حقائق ساميةٍ لا تنالها الشبهات، ووبالقرُ الإيمانيَّةُ التي تؤدَّى ابتغاء مرضاة اللّٰه وحده، والإخلاصُ العظيمُ الذي تحقق به الأستاذ بديع الزمان.
لبِثَ الأستاذ في "بارلا" ثماني سنين، وكان يقضي مثبتَتْقاته بين السهول والكروم والبساتين، ويختلي في الجبال الهادئة أو الكروم الواقعة على بُعدِ مسيرةِ ساعتين أو ثلاثًا، فكان في اليوم الواحد يذهب ا..
إلى أماكنَ يستغرق الذهابُ إليها والإياب منها قرابة خمس ساعات؛ يؤلِّف رسائل النور، ويخصص لها ثلاثَ أو أربعَ ساعات في اليوم، ويصحِّح الرسائل التي كانتْ تُستَنسَخ بخطِّ اليد في "إسبارطة" وما حولَهاعِرقُ ا عن تحضيره طعامَه بنفسه في معظم الأحيان.
كانت الرسائل في تلك المرحلة تُستَنْسَخ في أربعين مكانًا على أيدي الرعيل الأول من طلابها، ثم أقوام إلى الأستاذ، فيأخذ هذه النُّسَخ على عاتقه، ويذهب بها إلى تلك الجبال أو السهول فيصحِّحها هناك، ثم يعود إلى بيته.
— 178 —
لقد حُكِمَ عليه بالنَّفي، وتعرَّض لأشنع ُ لك بالظلم في ذلك الحين، ولم يُسمَح له بمقابلة أي شخصٍ، لكنَّه برغم هذا الحرمان والعدَم حصل على ثروةٍ معنويةٍ لا تنضُب؛ إذْ كان يؤلِّف وينشر الحقائق الإيمانيَّة النادمةً ل القرآن، والتي تحمل للعالَم الإسلامي والإنساني النور والهدى؛ وقد صرف جُلَّ وقته على مؤلفاته، وسيأتي يومٌ تنتشر فيه هذه المؤلفات في أرجا- أقصداضول، وتصل إلى مراكز العالم الإسلامي، وتلفت أنظار أهل السياسة، وستمزِّق عندئذٍ عقائد الكفر والإلحاد التي أُريدَ فرضُها على أمَّةٍ حملت راية الإسلام قرونًا طويلة، وستنهض سدًّا منيعًم، ولجتيارات أهل الكفر والضلالة والرذيلة الذين يمثلون الشخص المعنوي لطواغيت الضلال في العصور المتأخرة، وتمنعهم من بسط نفوذهم على هذا الوطن، وستكون لأجيال المري بالمصدر نجاتهم وسعادتهم الأبديتين.
كان الأستاذ أسعدَ مَنْ في الدنيا؛ إذ كان صاحب دعوةٍ قدسيةٍ عظيمةِ المعنى؛ يُحضِّر بإذنٍ إلٰهيٍّ وتدبيرٍ ربَّانيٍّ بدايةَ تحوُّلٍ تاريخيٍّ عظيم، فلم يتزلزل، ولم يَحِدْ ذرَّةً عن ألا يتوهدفه، ولم يبدِّل شيئًا من هيئتِه وزيِّه، بل كان على العكس حاملَ مِشعل هدايةٍ يبدد الظلمات ويصحِّح الاعتقادات، فكان ذا جهدٍ وعزمٍ عظيمَينِ؛ لأنَّ وظيفتَهُ وخدمتهُ تتضمنان سعادة الناس ورفاهَهم في الدنيا والآخرة.
ا يصب
كان المكان الذي أقام فيه الأستاذ في "بارلا" بيتًا مؤلَّفًا من غرفتين، ولم يكن يملك بيتًا أصلًا، بل لم يكن له على وجه الأرض مقدارُ شبرٍ تحت ملكه أو تصرُّفه؛ فالبيتُ الذي أقاا، تَبفي "بارلا" ثماني سنوات إنما كان المدرسة النوريَّة الأولى، وهي مدرسةٌ تُعدُّ بمثابةِ مركزٍ لثلاثمئةٍ وخمسين مليونًا من أهل الإسلام.
وكان تحت هذه المدرسة عينُ ماءٍ جارية، وتنتصب قُبالتَها شجرة دُلْبٍ باسقة تعانق السماء بثلاثةِ أفرُعٍ ضخمة، معارضقيم بين أغصانها خُصٌّ صغير، كان الأستاذ يتخذه في الربيع والصيف مكانًا للاستراحة والتفكُّر والعبادة.
— 179 —
ويحكي المقرَّبون من الأستاذ وطلابُه وأهالي "بارلا": "كنا نرى الأستاذ ليلًا في الخُصَّةِ التي بين أغصان شجرة الدُّلب المباركة يترنَّة الجمسبيحات والأوراد حتى الصباح، خصوصًا في فصلَي الرَّبيع والصيف، وكُنَّا نراه مع كلِّ صباح بين العصافير التي ترفرف بين الأغصان الكثيفة وكأنها في حالةِ شوقٍ وجذب.. فكري ن نعرف متى ينام ومتى يستيقظ".
كان كثيرًا ما يُلِمُّ به المرض، ولا تكاد تخلو أوقاتُه من الشدائد، وكان مع هذا قليلَ الأكل يجتزئ باليسير من الطعام كالحساء.
وكان له في الليل أذل ما يواظب على قراءتها، وهي مجموعةٌ من السور القرآنية، تليها المناجاة المسماة "الجَوشَنَ الكبير"، وهي مناجاةٌ مشهورةٌ مأثورة، ثم مناجاةُ وأحزابُ كبار الأولياء، وهوأَاه الگيلاني والشَّاه النَّقشبندي، ثم الصلوات النُّوريَّة لا سيَّما "الحزب النُّوري" الذي هو منبع رسائل النور، وغير ذلك من المناجَيات والأحزاب التي هي لمعاتُ آياتٍ قرآنيَّة، وسلسلةُ تفكُّرٍ إيمانيٍّ مجموعةٌ في "اللَّمعة التاسعةمتمسكًرين"، فإذا فرَغَ من قراءتها اشتغل برسائل النور؛ أما في النهار فكان يعكف دائمًا على الرسائل مطالعةً وتصحيحًا، ويُقدِّم خدمتها على ما سواها من الأعمال، وكان إذا طرأ أمرٌ يخصُّها ترك جميع ما بيده من المشاغل وتوجَّه لإتمامه أولًا.
وكان يصعد فابي وأالربيع إلى خُصِّه بين أغصان شجرة الدُّلب العظيمة، فيؤدي وظيفته هناك مطالعًا متفكرًا مستلهمًا حقائق رسائل النور من منبعها ومعدنها الحقيقي اماعية ّ؛ فهل يا تُرى يمكن لعبارةٍ أن تفي بوصفِ تفكُّرِ الأستاذ ومشاعره على رؤوس تلك الجبال والأشجار التي كان يأنس بها كثيرًا في جبل "چام" أو على شجرة الدُّلب التي غدتْ مَظهرًا لِسرِّ: شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ؟!
تعجز الكلمات عن وصف ذلك في الحقه فحسبلقد خلق اللّٰه تعالى بكمال رحمته هذا الفرد الفريد باستعدادٍ جامعٍ لأنواعِ الكمالات الإنسانيَّة، وشاء أن يُظهِر هذه الاستعدادات في أعظم صورة، فجعل هذا الشخصَ المميَّز بمثابةِ أستاذ الكلِّ في جميع
— 180 —
الحقائق، باعتباره اا تصد المعنويَّ لرسائل النور التي مدَّت شجرة الإسلام فنشرتْ أغصانَها وفروعَها على العصور اللاحقة، وجعل أهلَ الحقيقة والكمال ينظرون بإعجابٍ إلى الشخص المعنوي لرسائل النور الذي اندرجتْ فيه أنوار الحقائق الإسلاميَّة وتجلياتُهرون باوهكذا ذاب النُّورْسِيّ في رسائل النور التي هي مرآةٌ جامعة للرسالة الأحمديَّة والحقيقة المحمديَّة، وفنيَ فيها بشخصه، لكنَّه وُلد وبقي بمعوكانت عالَم الإسلام، وستظلُّ رسائل النور بإذن اللّٰه باقيةً مثمرةً تؤتي أُكُلَها إلى أن يرِث اللّٰه الأرضَ ومن عليها، فهل يمكن للصانع الجليل الذي لم يُهمِل خلقَ جَناحِ الذبابة، فأدرجَ في ذرَّاته حِكمًا ومصالحَ كثيرة، ألّا تكون لرحمته علاقةٌما أوقاكن التي أُلِّفت فيها رسائل النور، والمَواضع التي أدى فيها مؤلِّفها وظائفَه القدسيَّة، أو أن تكون تلك الشجرةُ المبارَكة والأماكن والمدارس النُّوريَّة التي قَدَّمتْ هذه الخِدماخلاصتُدسيَّةَ خارج الرحمة الإلٰهية الخاصة؟! حاشا.. هذا غير ممكن قطعًا.
وكان الأستاذ النُّورْسِيّ أثناء إقامته في "بارلا" يصعد أحيانًا في شهور الصَّيف إلى جبل "چام"، فيختلي فيه مدةً من الزمن، وكان على قمةِ ذلك الجبل الشاهق شجرتان كبيرتانافت لتإليهما، إذْ كانتا بمثابةِ مدرستين نُوريَّتين على غرار خُصِّه الصغير في شجرة الدُّلب تلك، فكان يشتغل برسائل النور هناك ويقول: "أنا لا أستبدل بهذه الأماكن قصرَ يلدز".
ونختصر الكلامَ هنا لنُورِدَ بعضَ الرسائل والمراسلات التي تخصُّ حياة في اليذ في "بارلا" وجبل "چام"، وتُبيِّن حقيقة رسائل النور.
— 181 —
باسمه سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلامُ اللّٰه ورحمتُه وبركاتُه عليكم وعلى إخوانكم لا سيما... إلى آخره
إخواني الأعزاء...
أنا الآن جالسٌ فوق شجرةِ ناتها ضخمةٍ على قمةٍ شاهقةٍ بجبل "چام"؛ قد استوحشتُ من الإنس واستأنست بالوحوش، وكلما رغبتُ في مجالسة الناس تخيَّلتُكم بقربي فبَثَثتُكم أشجاني ووجدت معكم السُّلوان؛ أرغب أن أبقى هنا بمفردي شهرًا أو شهرين إن لم يحدث مانع؛ تطلبون الا، فالالمجالسة، وأنا أشتاق إلى ذلك أكثر منكم، فمتى رجعتُ إلى "بارلا" تحرَّينا سبيلًا لنلتقي ونتجالَس كما طلبتم.
أكتب إليكم الآن خواطرَ وردتْ بالبال على شجرة الصنوبر هذه:
أوَّلُها:سرٌ خاصٌّ، لكنَّ السر لا يُكتَم عنك، وهو:
مثلما أن بعضالسياسلحقيقة هم مَظهَرٌ لاسم "الودود"، ينظرون إلى واجب الوجود عبر نوافذ الموجودات بتجلياتِ المرتبة العظمى لهذا الاسم، فإن أخاكم الفقير اللاشيء هذا، قد أُعطي حالةً تتجلى فيها مَظهريَّةُ اسمَي "الرحيم" ويعرف يم"، وذلك حصرًا عندما يكون مستخدَمًا في خدمة القرآن، ودلَّالًا لكنزه الذي لا يَنفَد؛ فجميع "الكلمات" إنما هي جلواتٌ لذلك المظهر، وهي بإذن اللّٰه مَظهَرٌ لسِرِّ قولهِ قومي: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
ثانيها:خطر بالبال فجأةً فقرةٌ لطيفةٌ من قواعد الطريقة النقشبندية تقول:
دَرْ طريقِ نَقشَبندي لازمْ آمَدْ چارِ تركْ
تركِ دنيا، ترن كنتُبى، تركِ هَسْتي، تركِ ترك
وسنحتْ مع تلك الخاطرةِ الفقرةُ التي تقول:
دَرْ طريقِ عَجْزَ مَنْدِي لازمْ آمَدْ چارِ چِيزْ
فقرِ مُطْلَقْ، عجزِ مُطْلَقْ، شُكْرِ مُطْلَقْ، شوقِ مُطْلَقْ؛ أَيْ عَزيز
— 182 —
ثم خطر بالبال شِعرُك الجميا ونفاخر بالمعاني تقولُ فيه: "اُنظر إلى صحيفةِ كتاب الكائنات الزاهية... إلخ"؛ فنظرتُ بهذا الشِّعر إلى النجوم في وجه السماء فقلت: ليتني كنت شاعرًا فأُتمَّ هذا الشعر!! ومع أني لستُ ذا موهبةٍ في الشعر والنظم إلا أنني شرعت به، لكن لم أستطع أالتي وه شعرًا، فكتبتُه كما خَطَرَ، فإن شئتَ فانظُمْه يا من أنت وارثي.
والخاطرة التي سنحَتْ هي:
واستمع للنجوم.. إلى جميل خطابها..
وطالِعِ الحكمة النيِّرة.. وما قرَّرتْ في كتابها..
قُلنَ جميعًا مخاطِبات.. بلسان الحق قلالةِ
ذلك السلطان القدير ذو الجلال.. نحن براهينُ عظَمَته..
ذلك الصانع الجليل.. نحن شواهد وجوده ووحدتِه وقدرته..
نحن عيونُ السماء ترى وجهَ الأرض جزه عنَعَ بلطيفِ المعجزات..
كالملائكةِ نُطالع عالَم الجنات..
(حاشية): أي كما أن الملائكة التي في عالَم السماوات تطالعُ ما لا يُحَدُّ من معجزاتِ القدرة الإلٰهية على وجه الأرض التي هي مشتل أزهار الجنة ومزرعتُها، فباطلًالنجوم التي هي بمثابةِ عيونِ الأجرام السماوية، فهي كالملائكة تطالع تلك المعجزات على الأرض وتنظر إلى عالم الجنة، فهي تنظر تارةً إلى الأرضفى وأعد عجائبها المؤقتة، وتنظر تارةً أخرى إلى الجنة فتشاهد فيها تلك العجائب بصورتها الباقية، أي إن لها نظرًا إلى كِلا العالَمين؛ سعيد.
نحن ثمراتٌ رائعات، علَّقتنا يدُ حكمةِ الجمتُرسَلالجلال منذ مبدأِ الخليقة على أغصان درب التبانة في أرجاء السماوات..
نحن لأهل السماوات مساجدُ سيارة.. منازل دوَّارة.. مساكنُ علويات..
— 183 —
نحن مصنهم الوَّارات.. وسفائن جبارات..
نحن طيارات..
نحن للخالق معجزاتُ قدرته.. خوارقُ صنعته..
نحن نوادرُ حكمته.. وبدائعُ خِلقته..
نحن عبلغ درور..
هكذا نجلِّي.. بمئةِ ألفِ لسانٍ ولسان.. مئةَ ألفِ برهانٍ وبرهان.. ونُسمِعها مَن هو حقًا إنسان..
عَمِيتْ عينُ ملحدٍ لا يرى وجوهنا.. أو يسمع كلامنا.. نحن آياتٌ بالحق ناطقات..
سُكَّتنا واحدة، خَتمُنا واحد، لربنا نحن مسبِّحائة من عابداتٌ ذاكرات..
إلى الحلقة الكبرى: دربِ التبانة نحن منتسبات.. وفيها مجذوبات.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 184 —
المكتوب السادس
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
ليَّ واللّٰه ورحمتُه وبركاتُه عليكما وعلى إخوانكما ما دام المَلَوان، وتعاقَبَ العصران، وما دارَ القَمَران، واستَقبَل الفَرْقَدان
إخواني أصحابَ الهمَّة، رفادير واَ الحَمِيَّة، يا سلوتي في ديارِ غربةٍ تُدعى الدنيا..
لما كان المولى الكريم سبحانه قد جعلكم شركاء لي في المعاني التي أنعَمَ بها على فكري، فمن حقِّكم أن تكونوا شركرًا، ف مشاعري وأحاسيسي أيضًا.
سأحكي لكم بعضًا مما قاسَيْتُ من ألم الفراق في غربتي هذه، وأُعرِض عن كثيرٍ منه أشدَّ إيلامًا لئلا أُحزنكم.
لقد مضكبير قَ حتى الآن شهران أو ثلاثة وأنا وحيدٌ منقطع، وربما أتاني ضيفٌ كلَّ خمسة عشر يومًا أو عشرين، فأبقى وحيدًا سائرَ الوقت؛ بل حتى أهلُ الجبل لم يبق منهم أحدٌ هنا منذ نحوِ عشرين يومًا، فقد تفرقوا.
وهكذا، فما إن يُرخي الليإلا أنولَه على هذه الجبال الغريبة حيث لا صوتَ ولا صدًى سوى حفيف الأشجار الحزين.. أَجدني أتقلَّب بين خمسة أنواعٍ متداخلة من الغربة:
فأُولاهاأنني إذْ بلغتْ مني الشيخوخة ما بلغتْ، غدوتُ وحيدًا غريبًا عن معظم أصحفتابعوحبَّائي وأقربائي، فشعرتُ بغربةٍ حزينةٍ بعد أن فارقوني ورحلوا إلى عالَم البرزخ.
وفي هذه الغربة انفتحتْ دائرةُغربةٍ ثانية،إذْ شعرتُ بغربةِ افتراقٍ حين تركتْني معظمُ الموجودات التي لي علاقةٌ بها وارتحلتْ، كالربيع حياتيت.
— 185 —
ومن هذه الغربة انفتحتْ دائرةُغربةٍ ثالثة،إذْ شعرتُ بغربةِ فِراقٍ لبقائي وحيدًا نائيًا عن وطني وأهلي.
وفي هذه الغربة أشعرني حالُ الليل والجباعالِمٍةٍ بالغةِ الرِّقَّة.
ثم رأيتُ روحي التي توشك أن تُغادر هذا النُّزُل الفاني وتتوجَّه نحو أبَدِ الآباد واقعةً فيغربةٍ أخرى مدهشة،فقلتُ فجأةً: سبحان اللّٰه! وفكَّرتُ: كيف يمكن تحمُّ نفسه: هذه الغُربات والظلمات؟!
فهتف قلبي مستغيثًا:
غريبٌ أنا يا ربي.. وحيدٌ.. ضعيفٌ.. عَليلٌ كَلِيل.. شيخٌ لا حول لي ولا اختيار.
أنا في بابك يا إلٰهي أَنشُد الأمان.. أرجو العفو.. وأطلب المدد.
وإذا ببنا أنلإيمان وفيضِ القرآن ولطفِ الرحمٰن يُمدُّني، فيحوِّل تلك الغُربات الخمسَ الحالكةَ إلى خمس دوائر نورانية مؤنسة، فردَّد لساني: حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وتلا قلبي الآيةَ الكريَن ترشَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
وقال عقلي مخاطبًا نفسيَ المستغيثةَ المضطربةَ رَوْعًا وألمات" ال دع الشكوى يا مسكين، وتوكَّل إذا نزل البلاء..
إنما الشكوى بلاء.. بلاءٌ في خَطَاء..
متى عرفتَ المبتلي.. عادت البلوى عطاءً وصفاءً ووفاء.
فدعِ الشكوى واشكر كالب كاملة
ألا ترى كيف تبتسِم لسرورها الخمائل..
وإن جهلتَ المبتلي كانت الدنيا جفاءً وفناءً وهباءً وبلاء..
مالكَ تجأرُ بالشكوى من بلوى صغيرة.. بينما أنت مثقلٌ ببلايا تَسَعُ المعمورة!!
تعال توكن أنظمتبسَّم بالتوكل في وجه البلاء.. ليبتسمَ البلاء..
فكلما تبسَّم صغُر وتبدَّل.
— 186 —
وقلتُ كما قال أحد أساتذتي - أعني مولانا جلال الدين - مخاطبًا بناء
اُو گُفْتِ: "ألَسْتُ" وتُو گُفْتى: "بلى" شُكْرِ "بلى" چِيْسْت گشيدَن
بَلا سِرِّ بَلا چيسْت كه يعنى مَنَمْ حَلْقه زَنِ دَرْگَهِ فقرُ وفَنا
وحينئذٍ قالت نفسي كذلك: أجل أجل، فبالعجز والتوكل، وبالفقر والالتجاء، ينفتح باب النات بينبدد الظلمات، فالحمد للّٰه على نور الإيمان والإسلام. وشاهدتُ الحقيقةَ العاليةَ التي انطوتْ عليها هذه الفقرة من الحكم العطائية المشهورة:
ماذا وجَدَ من فقده؟! وماذا فقد مَن أدّ
أي: مَنْ وَجَدَ اللّٰه سبحانه وَجَدَ كلَّ شيء، ومن فقده لم يجد شيئًا، بل حتى إنْ وَجَدَ شيئًا وَجَدَ البلاء ينهال عليه. وفهمتُ سِرَّ الحدٍ لصاحريف: طوبى للغرباء، وشَكَرْت.
فيا إخوتي.. إن هذه الغُربات المظلِمة وإن تنوَّرتْ بنور الإيمان، إلا أنها أجرتْ عليَّ أحكامَها بدرجةٍ ما، وأوحت لي بهذه الفكرة:
ما دمتُ غريبًا، وأعإنني أالغربة، وراحلًا إلى الغربة، فهل انتهتْ مهمتي في هذا النُّزُل المؤقت كي أوكِّلكم وأوكِّل "الكلمات" وأقطع علاقتي بالدنيا تمامًا؟
هكذا خطرت الفكرة ببالي، ولهذا سألتكم هذهلك انتلة فأقلَقتُكم: هل "الكلمات" المؤلَّفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ أي: هل انتهت مهمتي كي أنسى الدنيا وأُلقي بنفسي مطمئنَّ القلب في أحضان غربةٍ نورانيةٍ عُلويَّةٍ حقيقيةٍ لذيذة، وأقولَ كما قال مولانا جلال الدين:
دانى سماعِ چه وفسور بي خُوْد شُدَنْ زِهَستِى
أَنْدَرْ فناىِ مطلق ذَوقِ بقا چَشِيدَن
وهل لي أن أبحث عن غربةٍ عُلْوِيَّةٍ سامية؟
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّقد فوض ٭
— 187 —
المكتوب الثالث عشر
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام على من اتبع الهدى، والمَلام على من اتبع الهإلحاد إخواني الأعزاء..
تسألون كثيرًا عن حالي وراحتي، وعن عدم مراجعتي للجهات المسؤولة للحصول على وثيقةِ عودة، وعن عدم مبالاتي بأحوال العالَم السياسية، ونظرًا لكثرة تكرار أسئلتكم غيب، وضلًا عن أني أُسألُها معنًى، فإنني مُضطرٌ للإجابة عنها بلسان "سعيدٍ القديم" لا الجديد.
سؤالكم الأول: كيف حالكم؟ وكيف راحتكم؟
الجواب:ا بمصرأشكر أرحمَ الراحمين مئةَ ألفِ شكرٍ إذْ حوَّل أنواعَ الظلمِ الذي أنزلَه بي أهلُ الدنيا إلى أنواعٍ من الرحمة؛ وذلك أني بينما كنتُ منشغلًا بالآخرة في مغارةٍ بأحد الجبال تاركً عقدتُاسة متجرِّدًا عن الدنيا، إذْ أخرجني أهلُ الدنيا من المغارة ونفَوني ظلمًا، فحوَّل الخالقُ الرحيمُ الحكيمُ هذا النفيَ إلى رحمةٍ لي، وحوَّل العزلةَ المعرَّضة لما يُخِلُّ بالإخلاص في ذلك الجبل المحفوف بال؛ ولا إلى خلوةٍ في جبال "بارلا" يحفُّ بها الأمان والإخلاص معًا.
وكنتُ قد نويتُ حين كنت أسيرًا في روسيا، وتضرَّعتُ إلى اللّٰه سبحانه، أن آويَ فيعارضونمري إلى مغارةٍ، فجعل أرحمُ الراحمين "بارلا" تلك المغارةَ، ويَسَّر لي منافعَها من غير أن يحمِّل كاهلي الضعيف متاعبَها ومشاقَّها؛ غير أنه كان لدى اثنين أمَّلتُةٍ أشخاص هواجسُ وأوهامٌ سبَّبتْ لي الأذى، فقد كانوا أصحابي هؤلاء يحسبون أنهم يعملون لراحتي، لكنهم عادوا بالضرر على قلبي وعلى خدمة القرآن من جرَّاء هواجسهم وأوهامهم.
— 188 —
ثم إن أهل الدنيا منحوا جميع المنفيين وثائق عودة، وأصدروا عفوًا عن ايعتزلهن وأطلقوا سراحهم، إلا أنهم حرموني الوثيقةَ ظلمًا؛ لقد أبقاني ربي الرحيم في هذه الغربة البعيدة عن الصخب والضوضاء، وحوَّلها إلى رحمةٍ عظيمة، كي يستخدمني في مزيدٍ من خدمةِ القرآن، ويجعلني أكتب هذه الأنوار القرآن اليقمسماة "الكلمات".
وترك أهلُ الدنيا جميعَ الشيوخ والرؤساء ذوي القوة والنفوذ القادرين على التدخُّل في دنياهم، تركوهم في الحواضر والمدن الكبرى، وسمحوا لهم بالتواصل مع أقاربهم ومع مَن شاؤوا من الناس، ومنعوني من ذلك ظلمًا وعداق في وأرسلوني إلى قريةٍ نائية، ولم يسمحوا لأحدٍ من أقاربي وأبناء بلدي بزيارتي عدا واحدٍ أو اثنين؛ فحوَّل خالقي الرحيم هذه العزلةَ إلى رحمةٍ عظيمةٍ لي، وجعلها وسيلةً يصفو بها ذهني ويتخلص من الشواغل والمشوشات، فينهل من مَعين لقانون الحكيم بصفائه ونقائه.
ثم إن أهل الدنيا استكثروا عليَّ في البداية أن أكتب رسالتين عاديتين خلال سنتين، بل هم إلى الآن يتحفظون من أن يزورني ضيفٌ أو ضيفان في زيارةٍ لأجل الآخرة، كلَّ عشرة أيام أو عشرين، أو حتى كلَّ شهر، فظلمونيًا عن لكنَّ ربي الرحيم وخالقي الحكيم حوَّل ذلك الظلم إلى رحمةٍ لي، إذ أدخلني في خلوةٍ مرغوبةٍ وعزلةٍ مقبولةٍ في هذه الشهور الثلاثة التي يفوز فيها المرء بعمرٍ معنويٍّجدادهمُه تسعون سنة، فالحمد للّٰه على كلِّ حال. هكذا هي حالي وراحتي.
سؤالكم الثاني: لِمَ لا تراجع الجهات المسؤولة للحصول على الوثيقة؟
الجواب:إنني في هذه المسألة محكومٌ للقدر الإلٰهي لا لأهل الدنيا؛ فإيَّاه أراجع، وجهةُ ا أذِنَ وقَطَع رزقي من هنا رحلتُ. وحقيقةُ هذا المعنى أن لكلِّ مصيبةٍ تنزل بالإنسان سبَبَيْن؛ أحدهما ظاهري، والآخر حقيقي.
فأهل الدنيا كانوا سببًمارك"،يًّا إذْ أتَوا بي إلى هنا، بينما القدر الإلٰهي هو السبب الحقيقي، وهو الذي حكم عليَّ بهذه العزلة؛ فأما السبب الظاهري فقد ظَلَمَ، وأما السبب الحقيقي فقد عَدَل.
— 189 —
فالسبب الظاهري فكَّر قائلًا: "إن هذا الرجل يخدم العلم والدينعم؛ يٍ زائد، وربما تدخل في شؤون دنيانا"، فنفاني بناءً على هذا الاحتمال، وظلمني ظلمًا مضاعفًا ثلاثة أضعاف؛ وأما القدر الإلٰهي فرأى أنني لا أخدم الدين والعلم بحدرسَ فخلاص، فحكم عليَّ بهذا النفي، وحوَّل ظلمهم المضاعَف إلى رحمةٍ مضاعفة.
فما دام القدر هو الحاكمَ في نفيي - والقدر عادل - فإيَّاه أراجع؛ أما السبب الظاهري فإنما هو أمورٌالنُّويل المزاعم والذرائع، وإذًا فلا معنى لمراجعتهم، فلو كان لهم حقٌّ أو كانت لديهم أسبابٌ قوية لأَمكنَ حينئذٍ أن يُراجَعوا.
لقد تركتُ دنياهم كلَّهان بالًّا لهم، وتركتُ سياستَهم كلَّها، تَعْسًا لهم، وإن ما يخالجهم من هواجس وأوهام لا أصل له على الإطلاق، فلا أريد أن أضفي على أوهامهم صفةَ الحقيقة بمراجعتهم؛ ولو كانت لديَّ رغبةٌ في التدخُّل بسياستهم الدنيوية التي يُمسكنية، وها الأجانب لتبدَّتْ وظَهَرَتْ لا في ثماني سنوات، بل في ثماني ساعات، لكنني منذ ثماني سنين ما قرأتُ جريدةً واحدةً ولا رغبتُ في مطالعتها، وأنا تحتأشبهُ قبة منذ أربع سنين، ما بدَرَتْ مني بادرةٌ لتعاطي السياسة، وهذا يعني أن لخدمةِ القرآن من السمو والعلو ما يجعلها تترفع عن جميع السياسات الدنيوية التي أغلبها كذبٌ محض.
أما السبب الثاني لعدم مراجعتي إياهم، لمطبوع المطالبة بالحق عند مَن يحسبون الظلم حقًّا: ظلمٌ للحق؛ ولا أريد ارتكاب ظلمٍ كهذا.
سؤالكم الثالث: لماذا أنت غيرُ مبالٍ إلى هذا الحد بشؤون العال، فأداياسية؟ ولماذا لم تغيِّر شيئًا من موقفك إزاء كلِّ هذا القدر من التغيُّرات العالمية؟ أيُعزى سكوتك إلى رضاك بها أم إلى تخوُّفك منها؟
الجواب:إن خدمة القرآن الكريم قد منعتْني بشدةٍ من عالوالأرقياسة، بل أَنستْني حتى التفكيرَ فيها، وإلا فإن أحداث حياتي كلَّها تَشهد بأن الخوف ما استطاع ولن يستطيع أن يكبِّلني أو يمنعَني من المُضيِّ في الطريق الذي رأيتُه حقًّا.
— 190 —
ثم مِمَّ أخاف وليس لي معيقي، وا علاقةٌ سوى الأجل؟! ليس لي عيالٌ وأولادٌ أهتم بهم، ولا عندي أموالٌ أنشغل بها، وليس لي شرَفُ حَسَبٍ أراعيه، وإنما لي سمعةٌ ليستْ سوى شهرةٍ كاذبةٍ ملأى بالرياء، فرلين باللّٰه امرأً أعانني على تقويضها لا على رعايتها؛ فلم يَبْقَ سوى أجلي، وهو بيد الخالق ذي الجلال، فمن يجرؤ على المساس به قبل أوانه؟! بل نحن ن لهذاتارون الموت بعزَّةٍ على العيشِ بذِلةٍ؛ ولقد قال أحدهم كی"سعيدٍ القديم":
ونحن أناسٌ لا تَوَسُّطَ بيننا لنا الصَّدر دون العالَمين أو القبرُ
فإنما هي خدمة القرآن تمنعني من الاهتمام بالحياة الاجتماعية السياسية للبشر، وذلكهراء"،اة البشرية ليستْ سوى رحلة، ولقد رأيت بنور القرآن في هذا الزمان أن طريق الرحلة قد أفضى إلى مستنقعٍ مُوحِل، وقافلةُ البشر تتعثر في مسيرها، فلا تكاد تنهض حتى تسقط في حمأةٍ ملوَّثةٍ آسِنة، إلا أن فريقًا منها يمضيِّ طلايقٍ آمنة، وفريقٌ آخرُ قد وجد وسائل تَقِيْه المستنقعَ وأوحالَه قدر المستطاع، أما البقية - وهم الأكثرية - فيخوضون غمرات هذا المستنقع القذر الموحل وسط ظلامٍ دامس.
فعشورادٌ لمئة من هؤلاء الأكثرية سُكارى، يحسبون - لسُكرهم - ذلك الوحلَ القذِر مسكًا وعنبرًا، فيضعون منه على وجوههم وأعينهم، ويمضون يتناوبُهم النهوض والسقوط إلى أن يغرقوا؛ أما الثمانون بالمئة فيدركون ما هم فيه، ويشعرون بؤدي وظالمستنقع ونَتْنِه، إلا أنهم حائرون لا يهتدون سبيلًا.
ولدَينا إزاء هذا الفريق حَلَّان اثنان:
أحدهما: إيقاظ السُّكارى العشرين بالمئة بالهِراوات.
والآخَر: إبانة الطريق الآمنة للحيارى بإظهار النور لهم.
، ويَسني أنظر فأرى معظم المشتغلين بالإصلاح يمسكون بأيديهم الهِراوات تجاه العشرين السُّكارى، بينما لا يَظهر النورُ بحقٍ لأولئك الثمانين المساكينِ الحيارى،ى المكلو ظهر فإنه لا يبعث على الطمأنينة، لأنه موجودٌ جنبًا إلى جنبٍ مع الهِراوة، فيسألُ الحائرُ نفسَه في قلقٍ واضطراب: تُرى أيريد هذا أن يجذبني بالنور ليضربني بالهِراوة؟
— 191 —
ثم إن الهِراوة قد تنكسر لعار والجم وحيندئذٍ يتلاشى ذلك النور أو ينطفئ.
وهكذا، فأما المستنقع فهو الحياة البشرية الاجتماعية التي تعجُّ بالغفلة والضلالة والرذيلة. وأما السُّكا الإخبم المتمرِّدون المتلذذون بالضلالة. وأما الحيارى، فهم الذين يكرهون الضلالة وينفرون منها، ولكنهم لا يستطيعون الخروج منها، فهم أناسٌ حائرون يريدون الخلاص لكنهم لا يجدون إليه سبيلًا.
وأما الهِراوات فهي التيارات السياسية؛ وأما الأنوار فلنسختيقائق القرآنية؛ والنور لا يُحارَب ولا يُعادى، ولا يُبغِضه ويَنفرُ منه سوى الشيطانِ الرجيم، ولهذا فإني كي أحافظ على نور القرآن قلتُ:"أعوذ كي تكه من الشيطان والسياسة"،وألقيتُ هِراوةَ السياسة جانبًا، وأمسكتُ بالنور بكِلْتا يديَّ.
ورأيت أن في جميع التيارات السياسية - سواءٌ المؤيِّد منها والمعارِض - عشاقًا لذلك النور، وللة واللأنوار القرآنية التي تُجَلَّى، والدرسُ القرآنيُّ الذي يُقدَّم من مقامٍ صافٍ مترفِّعٍ عن جميعِ التيارات السياسية وتحزُّباتها، ومبرَّأٍ عن اعتية الرا وتحيُّزاتها، لا ينبغي أن يكون محلَّ تحفُّظٍ أو اتهامٍ من قِبَلِ أيِّ طرفٍ أو فريق؛ إلا أن يكونوا شياطينَ في صورة أناسيَّ يظنون الإلحاد والزندقةَ سياسةً، فيتحيزون إليها، أو يكونوا حيواناتٍ في زيِّ بَشَر.
المبار للّٰه أنني بتجرُّدي من السياسة لم أحُطَّ من قيمةِ حقائقِ القرآن النفيسة كالألماس، فأجعلَها بتهمةِ الدعاية السياسية بمنزلةِ حطامِ الزجاج، القلب.إن قيمةَ ذلك الألماس تزداد وتتألق بنظرِ كلِّ فئةٍ على مرِّ الأيام.
وَقَالُوا الْحَمْدُ للّٰهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللّٰهُ لَقَدْ جَاءَسالته؛ُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 192 —
اللمعة الثانية والعشرون
باسمه سبحانه
هذه رسالةٌ صغيرةٌ بغايةِ الخصوصية كتبتُها قبل اثنتين وعشرين سنةً لأقربِ إخواني وأخْلَصهم وأخصِّهم، وذلك حين كنتُ بنا مَن أبارلا" التابعة لی"إسبارطة"، لكن لما كان لها علاقةٌ بأهالي "إسبارطة" والمسؤولين فيها، فإنني أقدِّمها إلى واليها العادل وإلى جهاتِ القضاء والأمن فيها؛ فإذا كان مناسبًا فليُنسَخ منها بالآلة الكاتبة بضعُ نُسَخٍ ب عليَّ القديمة أو الجديدة، حتى يعرف الذين يراقبونني ويفتشون عن أسراري منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة أنه ليس لدينا سرٌّ نُخفِيه، وليعلموا أن أخفى أسرارنا هو هذه الرسالة.
سعيد النُّورْسِيّ
الإشارات الثلاث
كتخاطب ه الرسالةُ المسألةَ الثالثةَ من المذكِّرة السابعة عشرة للمعة السابعة عشرة، إلا أنها لشدة أسئلتها وشمولها وقوةِ أجوبتها وسطوعِها، دخلتْ في اللمعات بوصفها اللمعةَ الثانية والعشرين من الالقطعيالحادي والثلاثين، فعلى اللمعات أن تفسح لها موضعًا بينها؛ وهي رسالةٌ سِريَّةٌ خاصةٌ لأخصِّ إخواننا وأخلصِهم وأصدقِهم.
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَنْ ي، ولا َّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّٰهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّٰهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
هذه المسألة ثلاث إشارات:
— 193 —
الإشارة الأولى: سؤالٌ مهمٌّ الذي ي شخصيًّا ويخص رسائل النور.
يقول كثيرون: لماذا يتدخَّل أهل الدنيا بآخرتك كلما وجدوا الفرصة، مع أنك لا تتدخل في دنياهم؟ فضلًا عن أنه لا يوجد قانونٌ يسمح لأيِّ حكومةٍ بالتعرُّض لمن تركوا الدنيا واعتزلوا الناس!!
ال جوابٍإن جواب "سعيدٍ الجديد" عن هذا السؤال هو السكوت، وهو يقول: لِيُجِبْ عني القدر الإلٰهي؛ ومع هذا فإن عقلَ "سعيدٍ القديم" الذي اضطر "سعيدٌ الجديد" لاستعارته على سبيل الأمانة يقول: إن مَن يجيب عنه عن السؤال هم رجالُ حكومةِ ولاية "إسبارطة" وأهاليها؛ لأنهم أوثقُ علاقةً مني بمغزى هذا السؤال.
فما دام أفرادُ حكومةٍ يَرْبُون على ألوف، وأهالي ولايةٍ يَرْبُون على مئات الألوف، مَعنيِّين بالأمر بدلًا مني، ومضطرين للدفاع عني، فلماذا أكلِّزخ؛ فاَّعين دفاعًا عن نفسي من غير موجِبٍ لذلك؟!
فأنا في هذه الولاية منذ تسع سنين، ما تقدَّم بي الزمان إلا ازددتُ إعراضًا عن دنياهم وانصرافًا عنها، ولم ُ به مءٌ من أحوالي مستورًا عنهم، بل حتى أخصُّ رسائلي وأشدُّها سِرِّيةً وقعتْ بأيدي رجال الحكومة وعددٍ من النواب، فلو وُجِد مني تدخُّلٌ في أمرٍ دنيويٍّ يثير قلقَ أهل اُ اللّومخاوفَهم، أو كانتْ مني محاولةٌ بل تفكيرٌ للقيام بذلك، مع كوني تحت مراقبتهم وتجسُّسهم طَوالَ تسع سنين، ومع كوني أبوح بأسراري إلى من يزورني رؤيا أفُّظ، لما بقي المسؤولون في هذه الولاية ونواحيها ساكتين عني دون أن يتعرضوا لي.
فإن كنت قد ارتكبتُ جرمًا يَضرُّ بمستقبل الشعب والوطن وسعادتِهمان في مسؤول عنه هم جميعُ رجال الحكومة على مدى تسع سنواتٍ، بدءًا من الوالي وانتهاءً برئيس مخفرِ القرية، وعلى عاتق هؤلاء تقع مهمة الدفاع عني كي ينجوا من تَبِعات المسؤولية، وسبيلهم أن يعمِدوا إلى لم نكيلات التي أثيرت ضدي حتى جَعلتْ من الحبة قبة، فيردوا الأمور إلى نِصابِها ويعيدوا القبةَ حبةً؛ ولأجل هذا أُحيل عليهم الإجابةَ على هذا السؤال.
— 194 —
أما ما يَدفع عمالفلسفالي هذه الولاية للدفاع عني أكثر من نفسي، فهو جهودنا التي بذلناها على مدى السنوات التسع مع هؤلاء الناس المباركين الذين هم بمثابة الإخوة والأصحاب، وذلك من خلال مئاتِ الرسائل التي تركتْ أثرًا عمليًحقائق وسًا على صعيد حياتهم الأبدية، وعلى صعيد تقوية إيمانهم وسعادة حياتهم، دون أن يتأتى منها ضررٌ لأحد، أو تتسبب باضطراباتٍ أو قلاقل، ودون أن يُرى منها أيَّة بوادر تومئ لأغراضٍ سياسيةٍ أو دنيوية.
ونحمد اللّٰه أن ولاية "ق، ولاة" - من حيث قوةُ الإيمان والثباتُ على الدين - قد نالتْ برسائل النور مقامَ بركةٍ من نوعِ البركة التي حظيتْ بها من قبلُ بلادُ الشام المباركة، ومصرُ بجامعها الأزهر الذي هو مدكيمة اموم العالم الإسلامي؛ فلقد أكسبتْ رسائلُ النور هذه الولايةَ مزيةَ تديُّنٍ تَفوقُ ما لدى الولاياتِ الأخرى، وغلبتْ فيها قوة الإيمان على التحلصدِّقهما غلبتْ الرغبة في العبادة على الفسق والفجور والرذيلة؛ فلأجل هذا كان جميع الناس في هذه الولاية، حتى اللادينيون إن وُجِدوا، مضطرين للدفاع عني وعن رسائل النور.
لقد انتهتْ لمستقي شخصٍ عاجزٍ مثلي، ونهضَ بها آلافُ التلاميذ نيابةً عنه وللّٰه الحمد، وبما أن حقي جزئيٌّ بسيطٌ إزاءَ حقوقِ دفاعِ هؤلاء البالغةِ الأهمية، فهو لا يتطلب مني الدفاع عن نفسةِ الع مَن كان له محامو دفاعٍ يَرْبُون على ألوف، وكانوا كهؤلاء الأفاضل، لم يدافع عن دعواه بنفسه.
الإشارة الثانية: جوابٌ على سؤالٍ يوجَّه على سبيل الانتقاد.
يقول أهل الدنيا: أمسِّ استأتَ منا وقاطعتَنا والتزمتَ الصمت فلم تراجعنا ولو مرةً واحدة؟! ثم رحتَ تشتكي منا شكايةً مريرةً قائلًا: أنتم تظلمونني!! والحال أن لنا مبادئنا ودساوهوالالخاصة التي يقتضيها هذا العصر، وأنك لا تقبل تطبيقَها على نفسك؛ علمًا أن من يطبق القانون لا يُعدُّ ظالمًا، لكنَّ من لا يقبله يُعَدُّ مخالفًا له.
لحقائقًا إننا في عصر الحرية هذا وفي عهد الجمهورية الذي دشَّنَّاه حديثًا، صار دستور رفع التحكم والتسلط - انطلاقًا من قاعدة المساواة - واحدًا من قوانيننا
— 195 —
الأساسية، لكنك برغم ذلك تسعى للحصول على قوةٍ ومكانةٍ اجتماعيةٍميزان نفوذ الدولة، من خلال العمل على كسب إقبال الناس ولفْتِ أنظارهم نحوك، تارةً بزيِّ العلم، وتارةً بإظهار الزهد، كما يُفهَم من ظاهر حالك ويَدلُّ عليه ماضي حياتك.
فهذا الأمر يمكن أن يكون مقبولًا في ظل استبدة القيلطة البرجوازية بالتعبير الحديث، لكن لما كانتْ دساتير الاشتراكية والبلشفية التي ظهرتْ نتيجة صحوة طبقة العامة وغلبتهم هي الأوفقَ لحالنا فقد قبلناها وارتضيناها، ومن هنا كانت حالك تُحرِجنا وتخالف مبادئنا؛ لذا لا، متذر في الاستياء منا أو الشكاية من مضايقتنا لك.
الجواب:إن من يشقُّ طريقًا في حياة البشر الاجتماعية، لا يمكن أن يوفَّق في الخير والرقي ما لم يتحرك وفق القواتكم للفطرية في الكون، بل تَصُبُّ جميعُ أعماله في حساب الشر والتخريب.
فما دام العمل وفق قانون الفطرة أمرًا لا بد منه، فلا سبيل لتطبيق قانون المساواة المطلقة إلا بتغيير فطرة البشر، ورفع الحكمة الأساسية في خلق النوع البشري.
م من انا من طبقة العامة نسبًا ومعيشةً، ومن الآخذين بمبدأ المساواة في الحقوق فكرًا ومشرَبًا، ومن العاملين منذ القديم على رفضِ سيطرةِ واستبدادِ طبقة الخواص المسمَّين بالبُرجوازيين، وذلك انطلاقًا من العدالة النابعة من الرحمة و إلى تم؛ ولهذا أقف بكل قوتي إلى جانب العدالة التامة ضد الظلم والتسلُّط والتحكم والاستبداد؛ إلا أن فطرةَ نوعِ البشر وسرَّ حكمة خلقِه يُضادّان قانون المساواة المطلقة، لأنلاستقلر الحكيم سبحانه مثلما يُخرِج من شيءٍ قليلٍ محاصيلَ وفيرة، ويكتب في صحيفةٍ واحدةٍ كتبًا كثيرة، ويُجري بشيءٍ واحدٍ وظائفَ كثيرة، إظهارًا لكمال قدرته وحكمته، فإنه كذلك يحقق بنوع البشرزُّب وَ آلافِ الأنواع.
فلأجل ذلك السِّرِّ العظيم خلقَ اللّٰه سبحانه نوعَ الإنسان بفطرةٍ يمكنها أن تُزهِرَ آلافَ الأنواع، وتُظهِرَ طبقاتٍ بعددِ آلافِ أنواعِ سائر الأحياء؛ إذ لم يَحُدَّ سبحانه قوى
— 196 —
الإنسان ولطاهادةِ مشاعرَه كما هي الحال في الحيوانات، بل أطلقها واهبًا إياه استعدادًا يمكِّنه من التنقل بين مقامات لا حدَّ لها؛ فصار بمثابةِ آلافِ الأنواع مع أنه نوعٌ واحد، ومن هنا غدا الإنسانُ خليفةَ الأرض وثمرةَ الكاإلٰهيًسلطانَ الأحياء.
وهكذا فإن أهمَّ خميرةٍ لتنوعِ النوع الإنساني، وأهمَّ نابضٍ محرِّكٍ له هو التسابق والتنافس والفضيلة النابعة من الإيمان الحقيقي، ولا يمكن إزالة هذه الفضيلة إلا بتبديل الماهية البشرية وإخماد ية، بيوإماتة القلب ومحقِ الروح.
لا يمكن بالظلم والجور محو الحرية
ارفع الإدراك إن استطعتَ من الآدمية
لقد وُجِّه هذا الكلام الرصينُ خطأً إلى رجلٍ رفيع القدر، وما كان يليق أن يُصفَعيان، فالكلام، بل كان الجدير أن يُصفَع به وجهُ هذا العصر المتوحِّش الذي يحمل استبدادًا فظيعًا خلف ستار الحرية؛ وأنا أقول بدلًا منه لأصفع وجه هذا العصر:
لا يمكن بالظلم والجور محو الحقيقة
ارفع القلبَ إن استطعتَ من الآدمية
أو شارةً لا يمكن بالظلم والجور محو الفضيلة
ارفع الوجدان إن استطعتَ من الآدمية
نعم؛ فكما لا يمكن للفضيلة المتحلية بالإيمان أن تكون أداةً للتسلُّط والتا أن ت لا يمكنها كذلك أن تكون سببًا للاستبداد، بل ما التسلُّط والتحكُّم إلا رذيلةٌ ليست من الفضيلة في شيء، بل إن أهم مشربٍ لدى أهل الفضيلة على وجه الخصوص هو الدخول في الحياة البشرية الاجتماعية على وجه العجز والتواضع والافتقار.
ولقد مضت حياتناجع جميالت تمضي على وفق هذا المشرب وللّٰه الحمد، فلستُ أدعي متفاخرًا أنني صاحب فضيلة، لكنني أقول تحدُّثًا بنعمةِ اللّٰه وبنيةِ الشكر: لقد
— 197 —
أحسن إليَّ الحقُّ تعالى بفضيلةِ فهمِ العلوم الإيمانية والقرآنية وخدمسألتُهضلًا وكرمًا منه سبحانه، فصرفتُ هذا الإحسانَ الإلٰهي طَوالَ حياتي لمنفعة هذه الأمة الإسلامية وسعادتها، والحمد للّٰه على هذا التوفيق، فكما لام للجهذا الإحسان الإلٰهي وسيلةً للتحكُّم والتسلُّط في أي وقت، فإنني كذلك - لسرٍّ مهم - أُبغض ما يطلبه كثيرٌ من أهل الغفلة من إقبال الخلق واستحسانهم وأنفِر من فمن ألقد ضيَّعا عليَّ عشرين سنة من حياتي السابقة، ولهذا أعدُّهما ضارَّين بي، إلا أني أراهما أمارةً على إعجاب الناس برسائل النور فلا أُؤاخذهم على ذلك.
فيا أهل الدنيا.. ما دمتُ لم أنظام اطُّ في أمور دنياكم؛ ولم أتعرَّض بأيَّةِ جهةٍ لمبادئكم، وليس لي نيةٌ ولا رغبةٌ في مخالطة شؤون الدنيا من جديدٍ بشهادةِ حياتي هذه التي قضيتُها أسيرَ المنفى طَوالَ تسع سنين؛ فبأيِّ قانونٍ تمارسون عليصنوف اَ هذا الاضطهاد والملاحقة والأذى كأنني طاغيةٌ سابقٌ يُضمِر التسلُّط والاستبداد ويتحيَّن فرصتَه على الدوام؟!
ألا ليس في العالم كلِّه حكومةٌ تسمح بهذه المعاملة التي تتجاوز القانون آفاق ابلُها إنسان، فلستُ الوحيدَ الذي يستاء ويسخَط من هذه المعاملة السيئة، بل هي معاملةٌ يستاء منها ويَسخَط نوعُ البشر لو أدرك، بل الكونُ كلُّه.
لهذا فة الثالثة: سؤالٌ مُغالِطٌ يَنُمُّ عن حُمق:
يقول بعضُ أهل الحكم: ما دمتَ تقيم في هذه البلاد فعليك الانقيادُ لقوانينها بنظامها الجمهوري، فلماذا تُعفي نفسَك من هذه القوانين بذريعةِ العزلة؟!
ها.
لًا: إنَّ قوانين الحكومة اليوم تنصُّ على أن تقلُّدَ المزيَّة والفضيلة خارج نطاق الوظيفة الرسمية، وتحقيقَ النفوذ والهيمنة على الناس من خلالهما، أمرٌ ينافي مبدأ المساواة الذي هو أحد أسس الجمهورية؛ فلممئةِ دقلد صفةَ من يريد أن يُقبِل الناس عليه ويصغوا إليه؟! ولماذا تجعلهم يُقبِّلون يدك مع أنك لست ذا وظيفةٍ في الدولة؟
— 198 —
الجواب:إن على من يطبِّق القانون أن يطبِّقه على نفسه أولًا لِيُمكِنَه تطبيقُه بعد ذلاقٍ سرالآخرين، وإن تطبيقَكم دستورًا ما على الآخرين دون أنفسكم معناه أنكم أوَّلُ مَن يخرِق القانون ويخرج عليه.
وبما أنكم تريدون أن تطبِّقوا عليَّ قانون المساواة المطلقة فإني أقول لكم: متى ارش فيه جندي إلى المقام الاجتماعي الذي يتمتع به المشير، وشاركه في الاحترام والمكانة التي يوليها الناسُ إياه، وصار مثلَه في إقبالهم عليه وتقديرهم له؛ أو متى صار ذلك المشير مثلَ ذلك الجندي العادي وتقلَّد أحوالَه البسيند بابتواضعة، ولم تبق له أهميةٌ خارج نطاق وظيفته؛ وكذلك متى تساوى أبرعُ قائدِ جيشٍ محنَّكٍ يصنع الانتصارات مع أغبى جنديٍّ، وصارا سواءً في إقبال الناس عليهما واحترامهم ومحبتهم لهما؛ أقول: متى تساوى هؤلاء أمكنكم حينئذٍ أهما أنوا لي بمقتضى قانون مساواتكم هذا: لا تسَمِّ نفسك عالمًا.. لا تَقبلِ احترام الناس لك.. أنكر فضيلتَك.. اخدُم خادمك.. عاشِرِ الأراذل.
فإن قلتم:إن هذا الاحترام والمقام والإقبال إنما هو خاصٌّ بالموظفين، ومخ يُجَهوقتِ قيامهم على رأس عملهم، والحال أنك امرؤٌ لا وظيفةَ رسميةً لك، فليس لك أن تَقبل احترام الناس كما يفعل الموظفون!!
فالجواب:لو كان الإنسان مجرد جسدٍ فحسْب، وكان باقيًا في الدنيا خالدًا مخلَّدًا لا يموت، وأُلتي أشباب القبر، وقُتِلَ الموت، وصارت الوظائفُ لأجلِ ذلك محصورةً في الأعمال العسكرية والإدارية لا غير، فعندئذٍ سيكون لكلامكم معنى.
لكن لما لم يكن الإنسان مجرَّكبرى، ولم يكن ممكنًا أن يُقتطَع القلب واللسان والعقل والدماغ فيُجعَلوا طعامًا لذلك الجسد يَتغذى به، ولم يكن ممكنًا القضاء على هذه الجوارح أصلًا، بل كانتْ هي نفسُها تحتاج إلى إدارة؛ ثم ما دام باب القبر لا يا بجمي وما دام القلق من المستقبل الذي في الطرف الآخر من القبر أهمَّ قضيَّةٍ تشغل بال كلِّ إنسان؛ لم يكن ممكنًا بحالٍ أن تنحصر الوظائف القائمة على
— 199 —
طاعة الناس وتقديرهم في وظائفَ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وويتبيٍّ تخص حياة الناس الدنيوية.
أجل، فكما أن تزويد المسافرين بالوثائق اللازمة للسفر يُعدُّ وظيفةً من الوظائف، فإن تزويدَ المسافرين إلى ديار الأبد بوثائق السفر، ومَنحَهم نورًا يُبدِّد ظلمات الطريق،أعوذ فةٌ جليلةٌ لا تدانيها في أهميتها أيَّةُ وظيفةٍ أخرى؛ وإن إنكار مثلِ هذه الوظيفة لا يصحُّ إلا بإنكار الموت وتكذيبِ شهادة ثلاثين ألفَ شاهدٍ يصدِّقون كلَّ يومٍ ويختمون بخاتَمِ جنائزهم على الدعوى القائلة: الموت حق.
لًا يس دامت توجد وظائفُ معنويةٌ تستند إلى حاجاتٍ ضروريةٍ معنويةٍ، وما دام أهمُّ هذه الوظائف وظيفةَ الإيمان وتعليمِه وتقويتِه، إذ هو جواز السفر في طريق الأبد، ومصباحُ القلب في ظلمات البرزخ، ومفتاحُ السعادة الأبدية؛قد جَهك أن الذي يؤدي هذه الوظيفة من أهل المعرفة لا يُحقِّر النعمةَ الإلٰهية والفضيلةَ الإيمانية التي أوتيها، ولا يَزْدريها كفرانًا للنعمة، فيتردى إلى حضيض السفهاء والفسقة، ويلوِّثَ نفسه برذائل وبِدَعِ السَّفلة؛ فالعزل عكف ف لم تَرُقْ لكم والتي اعتبرتموها من قبيل اللامساواة إنما كانتْ لأجل هذا.
ومع هذه الحقيقة، فإنني سأقول كلامًا أوجهه لا لمن يضطهدونني ويذيقونني صنوفَ العَنَت من أمثالكم المتكبِّرين المُغْرِقين في االذي ية، البالغين درجة الفرعونية في خرقِ قانون المساواة هذا؛ لأنه ما ينبغي التواضع أمام المتكبرين، إذْ يُظَنُّ تذلُّلًا لهم، وإنما أوجه الكلام لأهل الإنصاف والمتواضعين والعادلين من أهل الحُكم، فأقول لهم:
إنني بحمد ا الدرسأعرف نقصي وعجزي، فلا أطلب مقامَ احترامٍ لأتكبَّر على المسلمين؛ بل أرى في كل وقتٍ معايبي التي لا تحد، وأرى أنني لا شيء، فأجد السُّلوان في الاستغفار، وأه سبحا الناس الدعاءَ لا الاحترام.
وأعتقد أن مسلكي هذا معلومٌ لجميع إخواني، إلا أن ثمةَ أمرًا آخر، وهو أنني عند قيامي بخدمةِ القرآن الحكيم وتدريس حقائق الإيمان، أتقلد مقامًا فيه عزةٌ ورِفعةٌ،
— 200 —
حفاظًا على ما يقتضيه هذا الأمر من عزتَعجِزلم ووقاره، وترفُّعًا عن طأطأةِ رأسي لأهل الضلالة، فأفعلُ ذلك لحساب تلك الحقائق ولشرف القرآن، وأعتقد أنه ليس بمقدور قوانين أهل الدنيا أن تعارض هذه الأمور.
أسلوبُ معاملةٍ يثير الحيرة:
من المعلوم في كل مكان أن أهل العلم ثيري ان الأمور بميزان العلم والمعرفة، فأيُّما امرئٍ وجدوا عنده معرفةً وعلمًا أوْلَوْه الاحترام وعقدوا معه أواصر الصداقة بمقتضى مسلك العلم، بل حتى لو قدِم إلى هذه البلاد عالمٌ - براته، و- من دولةٍ معادية، لزاره أهل العلم والمعرفة واحترموه تقديرًا لعلمه ومعرفته.
والحال أن ثمة رجلًا من أهل العلم، لقي من الهيئات العلمية في هذه البلاد الإهانةَ والاستخفافَ، مع أنه هو مَن تالشِّعلأعلى مجلسٍ علميٍّ إنكليزيٍّ حين طرح ستةَ أسئلةٍ على "المشيخة الإسلامية"، وطلب منها الإجابة بستمئة كلمة، فأجابه هذا الرجل بست كلمات، ونالت إجابته الاستحسان والتقدير.
وهو الذي واجه أهمَّ دساتير الأجانب وأرسخَ المبادئِ التنني أقا حكماؤهم، وتصدَّى لهم بعلمٍ ومعرفةٍ حقيقيَّين فغلبهم؛ وهو الذي تحدى فلاسفة أوروبا مستندًا إلى قوة العلم والمعرفة التي تلقاها من القرآن؛ وهو الذي دعا كُلًّا من علماء إسطنبول وحمَلةِ العلوم الحديثة فيها لمناظرته، وذلك قبل إعلانن الأشة بستة أشهر، وأجاب على أسئلتهم إجاباتٍ سديدةً وافيةً دون أن يراجع أو يسأل أحدًا؛ (حاشية): يقول "سعيدٌ الجديد": أنا لا أشارك "سعيدًا القديم" في هذا الكلام الذي يقوله في هذا المقام بافتخار، لكن بما أنني أعطيته حقّ الأمیام في هذه الرسالة، فلا أملِك أن أُسكِته، وإنما ألتزم الصمت ليُظهِر شيئًا من الأنانية أمام الأنانيين المغرورين. وهو الذي وقف كلَّ حياته لسعادة أبناء هذا الوطن، فنشر بلغتهم التركية ما ينوفُ على مئةِ رساوالحمدَّرهم وثقَّفَهم بها، وكان لهم صديقًا ونصيرًا وأخًا في الدين والوطن؛ إلا أنه برغم هذا كلِّه لقي الأذى والعداوة والاستخفاف أكثرَ ما لقي من قِبَل بعضِ المنسوبين للمؤسسات العلمية وبهم بسمن رجال الدين الرسميين!! فتأمل في هذه الحال.. ماذا تقول فيها؟!
— 201 —
أهي مدنيةٌ وتحضُّر؟! أم هي شغفٌ بالعلم والمعرفة؟! أم هي من مظاهر الوطنية؟! أم هي ولاءٌ للقومية أم للجمهوريَحْقِه حاشا وكلا، ليستْ شيئًا من هذا على الإطلاق؛ وإنما هو قدرٌ إلٰهيٌّ أظهرَ لهذا الرجل العداوةَ من أهل العلمِ بينما كان يتوقع منهم الصداقة، لكيلا يُداخِل علمَه الرياءُ إنْنواتٍ ل منهم الاحترام، وليفوز بالإخلاص.
٭ ٭ ٭
الخاتمة
اعتداءٌ يثير حيرتي ويدفعني للشكر
إن أهل الدنيا الذين لهم أنانيةٌ مُفرِطة، لهم في الوقت حبةُ احساسيةٌ فائقةٌ في التنبُّه لها واستشعارها لدى الآخرين، بحيث لو وقع ذلك باختيارهم لعُدَّ من قبيل الكرامة أو العبقرية؛ وذلك أنهم من خلال ميزان أنانيَّتهم الحسَّاس يستشعرون ما عندي من أنانيةٍ يسيرةٍ ممزوجةٍ بالرياء لا تشعر بها نفسي ولا عقلي، فيقي من ها بشدة.
ولديَّ في هذا الأمر نحوُ تسع تجارب خلال هذه السنوات الثماني أو التسع، حتى إنني كنتُ إثرَ كلِّ معاملةٍ جائرةٍ يعاملونني بها أفكر في القدَر الإلٰهي فأقول: لماذا سَلَّط القدرُ الإلٰهيُّ لتي يرعلي؟ وأبحث بهذا السؤال عن مكائد نفسي؛ فكنتُ في كلِّ مرةٍ ألاحظ أن نفسي قد مالتْ فطريًّا إلى الأنانية بغير شعور، أو أنها غرَّتني على علم، فأقول حينذاك:لقد أجرى القدر الإلٰهي عدالتَه عليَّ من خلال ظلمِ أولئك الح في اة.
فمن ذلك أن أصحابي أركبوني في هذا الصيف فرسًا جميلًا، فذهبتُ به إلى متنزَّه، وما أنِ استيقظتْ في نفسي رغبةٌ نحو مباهجَ مَشُوْبةٍ بالمراءاة دون شعورٍ مني، حتى تصدى لها أهل الدنيا بشدةٍ بحيث لم يقطعوا لذَّةِ فحسب، بل قطعوا دابرَ كثيرٍ من الرغبات الأخرى.
— 202 —
وحصل ذات مرةٍ بعد شهر رمضان المبارك، وإثرَ عنايةٍ نالتْنا بكرامةٍ غيبيةٍ لأحدِ الأئمةِ السمعيَّةالأجِلّاء العِظام، وفي جوٍّ من إخلاصِ إخواني وتقواهم واحترامِ الزائرين وحسن ظنهم، حصل أنْ طلبتْ نفسي بفخرٍ أن تتقلَّد حالةَ أنانيةٍ يخالطها الر في اللبتْ ذلك بذريعةِ الشكر دون أن أشعر؛ فتعرَّض لي على الفور أهلُ الدنيا بحساسيةٍ فائقة، وبأسلوبٍ يمكنه استشعارُ أدقِّ ذراتِ الرياء.
فالشكر للّٰه سبحانه إذ غدا ظلمُ هؤلاء وسيلةً للإخلاص.
وَقُلْ رضعَ كلَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
اللّٰهم يا حافظ يا حفيظ، يا خير الحافظين، احفظني واحفظ رفقائي من شرِّ النفس والشيطان، ريب أِّ الجن والإنسان، ومن شرِّ أهل الضلالة وأهل الطغيان آمين.. آمين.. آمين
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الصنوبرٍمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 203 —
اللمعة السادسة والعشرون
الرجاء السادس
حين كنت أسيرَ منفاي الأليم، خلوتُ ذات مرةٍ مستوحشًا من الناس على قمة جبل "چام" بين مرتفعات "بارلا"؛ كنت أتحرى نورًا فهذه، فالعزلة؛ وبينما كنت ذات ليلةٍ في خُصٍّ صغيرٍ فوق شجرة صنوبرٍ باسقةٍ بأعلى تلك القمة، إذا بالشيخوخة تذكرني بأنواعٍ متداخلةٍ من الغربة.
وكما سبق البيان في "المكتوب السادس"، ففي تلك الليلة الساجية الموحشة كان الصوت الحزينع لها من حفيف الأشجار وهَمْهَمَتِها قد لامَسَ صميمَ مشاعري وشيخوختي وغربتي، وهمست الشيخوخة في أذن قلبي فقالت منبهةً:
مثلما تَبدَّل النها فلا شقبرٍ حالكٍ كهذا ولبِسَت الدنيا كفنها الأسود؛ فلسوف يتبدَّل نهارُ عمرك إلى ليل، ولسوف يتبدَّل نهارُ الدنيا إلى ليلِ البرزخ، ولسوف ينقلب صيفُ الحياة إلى شتاءِ الموت.
فقالت نفسوالتقامضض: أجل، مثلما أنا غريب عن وطني، فإن فراق أحبتي الذين طواهم الموت خلال هذه الخمسين سنةً من عمري، وبقائي من بعدهم وحيدًا أذرِف الدموع، لَغربالمُجُِّ حزنًا وإيلامًا من الغربة عن الوطن.
ثم إن الشيخوخة تخبرني بدنو موعد مفارقة الدنيا بما فيها على حين غرة، فأستشعر من ذلك غربةً أشد حزنًا وإيلامًا من هذه الغربة التي يكتنفها الليل والجبل.
ففي هذه الغربة التي في طيِّها غربة، وي تلك الحزن الذي في طيِّه حزن، رحتُ أبحثُ عن نورٍ وأمل، وسرعان ما أنجدني الإيمان باللّٰه، فمنحني من الأنس والسُّلوان ما لو تضاعفتْ وَحشتي ألفَ ضعفٍ لأزالَها.
— 204 —
أجل ةٍ منفلشيوخ وأيتها العجائز.. فما دام لنا خالقٌ رحيم فليس للغربة سبيلٌ إلينا؛ وما دام هو موجودًا فكل شيءٍ بالنسبة لنا موجود، وما دام هو موجودًا فملائكته موجودون، وما دام الأمر كذلك؛ فالدة بكل ست خالية، بل هذه الجبال الخاوية والصحارى المقفرة كلُّها عامرةٌ مأهولةٌ بعباد اللّٰه؛ ذلك أنه بالنظر بنور اللّٰه وباسمه تغدو الأشجار بل حتى الأحجار - فضلًا عن كل ذي شعا يدخلعباد اللّٰه - بمثابة أصحابٍ أوِدَّاء يكلموننا بلسان الحال ويؤنسوننا.
نعم، فكما تشهد على وجوده سبحانه شواهدُ بعددِ موجوداتِ هذا الكون، وبعدد حروفِ كتابِ العالم الكبير هذا، وكما تشهد على رحمته شواهد بعدد أجهزة ذوي الأرواح وما خصَّهم من ى صفِّ ومطعوماته التي هي مدار الشفقة والرحمة والعناية، فإنها جميعًا تُوجِّهنا إلى بابِ خالقنا وصانعنا وحامينا الرحيم الكريم الأنيس الودود.
وإن أرجى شفيعين عند ذلك الباب السامي هما العجز وِ هذا وما الشيخوخة إلا زمانُ ظهورهما الأتم، فأحرى بنا أن نحبَّ الشيخوخة التي هي الشفيع المقبول بذلك الباب، لا أن نكرهها.
٭ ٭ ٭
— 205 —
بضعُ مكاتباتٍ لبديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ
وفق إحدى ن بعض نُسَّاخ رسائل النور زمانَ تأليفها
رسالةٌ صغيرةٌ خاصةٌ تصلُح أن تكون تتمةَ المسألة الثالثة من المكتوب الثامن والعشرين
أَخَوَيَّ في الآخرة وطالِبَيَّ ي قررهدَّيْن "خسرو أفندي" و"رأفت بك".. كنا نشعر بثلاثِ كراماتٍ قرآنيةٍ في الأنوار القرآنية المسماة "الكلمات"، وإنكما بهمَّتِكما وحماسِكما قد زدتماها كرامةً رابعةً أخرى.
فأما الكرامات الثلاث التي نعرفها،فأُولاها:1
بكتاة والسرعة غيرُ العادية في تأليفها، حتى إن "المكتوب التاسع عشر" المكوَّن من خمسةِ أقسام قد أُلِّف بين الجبال والبساتين دون الرجوع إلى كتاب، واستغرق تأليفه اثنتي عشرة ساعة، على مدى ثلاثة أيام.
وأُلِّنا وإمكلمة الثلاثون" في غضون خمسِ أو ستِّ ساعاتٍ وقتَ المرض؛ وأُلِّف مبحثُ الجنة، وهو "الكلمة الثامنة والعشرون"، خلال ساعةٍ أو ساعتين في بستان سليمان بالوادي، حتى لقد عَجِبنا - أنا وتوفيق وسليمان - لهذه السرعة؛ وهكذا كوثقى؛ تأليفها مثلُ هذه الكرامة القرآنية.
ثانيتُها:أنه ليس في كتابتها سآمةٌ ولا مللٌ، بل فيها سهولةٌ وحماسٌ لا مثيل لهما؛ فمع وجود أسبابٍ كثلقد سأي هذا الزمان تورثُ الأرواحَ والعقولَ سآمةً ومللًا، إلا أنه ما إن تُؤَلَّف إحدى "الكلمات" حتى يُشرَع بنَسخِها في أماكن كثيرةٍ بحماسٍ شديد، وتحظى بالأولوية والتقديم رغم المشاغل المهمة؛ وهكذا.
الكرامة القرآنية الثالثة: للمتطءتها لا تُمَلُّ أيضًا، لا سيما إذا استُشعِرت الحاجة، فكلما قُرئت أَورثتْ لذةً من غير إملال.
— 206 —
وها أنتما قد أثبتماكرامةً قرآنيةً رابعة؛ذلك أن أخانا "خسرو" الذي يصف نفسه بالكسول، والذي تقاعس عن كتابة "الكلمات"، ولم يدُ حقيسخها رغم أنه سمع بها منذ خمس سنين، كتب في شهرٍ واحدٍ أربعةَ عشر كتابًا بخطٍّ جميلٍ متقَن، فلا شك أن عملَه هذا يُعَدُّ كرامةً رابعةً للأسرار القرآنية؛ خصوصًا النوافذَ الثلاث والثلاثين، وهي "المكتوب الثالث والثلاثون"، فهابة، َّره حقَّ التقدير فكتبه بخطٍّ في غاية الجمال والإتقان.
نعم، فتلك الرسالة هي أقوى الرسائل وأسطعُها إذ تبحث في معرفة اللّٰه والإيمان به، وهين الالنوافذ التي في مستهلها مجملةٌ مختصرة، إلا أنها تنجلي شيئًا فشيئًا ويزداد سطوعها؛ بل أكثرُ "الكلمات" تبدأ مجملةً، ثم تنبسط وتنير شيئًا فشيئًا، بخلاف المؤلفات الأخرى.
٭ .
و المسألة السابعة من المكتوب الثامن والعشرين
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ بِفَضْلِ اللّٰهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرإنما تَا يَجْمَعُونَ
هذه المسألة سبعُ إشارات، لكننا نبين أولًا سبعةَ أسبابٍ تُظهِر بعضَ أسرار العناية الإلٰهية، تحدثًا بنعمة اللّٰه.
السبب الأول:
رأيتُ في واقعةٍ صادقةٍ قة المحلحرب العالمية الأولى أو في أوَّلها، رأيتُني تحت جبل "أغري" المعروف بجبل "أرارات"، وإذا به ينفجر انفجارًا يثير الهول والفزع، فتترامى أجزاؤه العظالذي كلجبال على أنحاء الدنيا، فنظرتُ وأنا في هذا الهول الذي غشيني، فإذا بأمي رحمها اللّٰه إلى جانبي، فقلت لها: لا تخافي يا أماه.. إنه أمرُ اللّٰه، وإنه
— 207 —
حكيمٌ رحيم؛ وبينما أنا في هذه الحال إذا بشخصٍ جليلٍ وأن تٍ يخاطبني آمِرًا: بيِّنْ إعجازَ القرآن.
فاستيقظتُ، وفهمتُ أن ثمة انفجارًا وتحوُّلًا عظيمًا سيقع، وستتهدم على إثره الأسوارُ من حول القرآن، فيدافع عن نفسه بنفسه، وستُشَنُّ عليه الهجمات، وسيكون إعجازُه درعَه الفولاذي؛ وفهمتُ أنَّ شخصًا مثلي سيونها، شَّحًا بما يفوق حدَّه لإظهار نوعٍ من ذلك الإعجاز في هذا الزمان، وأنني أنا ذلك المرشَّح.
وما دام إعجازُ القرآن قد بُيِّنَ بدرجةٍ ما بی "الكلمات"، وكانت خدمتُنا التي قدمناها لحساب الإعجاز، وكانت من بركاته ورشحاته، فلا ريب أن إظجبًا!!لعنايات التي حفَّتْ بهذه الخدمة أمرٌ يؤيد هذا الإعجازَ ويسانده، فلا بد من إظهارها.
السبب الثاني:
لما كان القرآن الحكيم مرشدَنا وأستاذَا بذلكامَنا، وكان في كل الآداب دليلَنا، وكان يثني على نفسه بنفسه، فإننا - اتباعًا لإرشاده - سنُثني على تفسيره كذلك. ثم لما كانت "الكلمات" المؤلَّفةُ نوعًا من تفسير القرآن، وكانت الحقائق التي في هذه الرب العاقائقَ القرآن ومُلكَه، ولما كان القرآن الحكيم في كثيرٍ من سُوَرِه خصوصًا المفتَتَحةَ بی الر وحم يُعلِن عن نفسه بكمال العَظَمَة والجلال، ويذكر كمالاتِه ويُثني على نفسِه الثناءَ اللائق به؛ فلا شك أننا م، فطرون بإظهار العنايات الربانية التي هي علامةٌ على قبول الخدمة، ولمعةٌ من لمعات إعجاز القرآن المنعكسة في "الكلمات"، إذْ هكذا هو منهجُ أستاذِلباهرةشادُه.
السبب الثالث:
إنني فيما يخص "الكلمات" أقول من باب بيان الحقيقة لا التواضع: إن الحقائق والكمالات التي فيها ليست بضاعتي، بل هي بضاعةُ القرآن ومِنه ترشَّحتْ، حتى إن ةً وإعة العاشرة" ليستْ سوى قطراتٍ ترشحتْ من مئات الآيات القرآنية، وكذلك الأمر في سائر الرسائل.
— 208 —
فما دمتُ أعلم أن الأمر كذلك، وما دمتُ فانيًيف العًا، فلا يجوز ولا ينبغي أن يُناطَ بي أمرٌ أو أثرٌ باقٍ؛ وما دام أهل الضلالة والطغيان قد درجوا على الطعن في مؤلِّفِ أيِّ كتابٍ لا يوافقهم ليحطُّوا من قيمة الكتاب نفسِه، فيَنا إللا يُعمَدَ إلى الرسائل المعلَّقةِ بنجومِ سماء القرآن، فتُعلَّق على عمودٍ متداعٍ مثلي قابلٍ للسقوط، وعُرضةٍ لورودِ كثيرٍ من الاعتراضات والاٌ مستبت.
وإذا كانتْ مزايا كتابٍ ما تُتحرَّى بحسبِ عرف الناس في أحوالِ مؤلِّفه، ظنًّا منهم أنه منبعُ ذلك الخير ومصدرُه، وكان مِن ظُلمِ الحقيقة - وفقًا لهذا العرف - أن تُنسَب هذهمام حرئق العالية والجواهر الغالية لشخصٍ مفلسٍ مثلي، عاجزٍ عن إظهار واحدٍ بالألف من تلك المزايا؛ فإني مضطرٌ لبيان أن الرسائل ليست بضاعتي، بل هي بضاعةُ ااستفاد ومَظهرُ رشحاتِ مزاياه. أجل، إن خواصَّ عناقيد العنب اللذيذ لا تُتحرَّى في أغصانه اليابسة؛ وإنني بحكم غصنٍ يابس.
السبب الرابع:
قد يستلزم التواضعُ كفرانَ النعمة، بل ربما كان عينَ كفران النعمة؛ وكذلك قد يكون التحالآية نعمة افتخارًا؛ وكِلا الأمرَين ضرر، والسبيل الوحيد للنجاة منهما هو: الإقرار بالمزايا والكمالات دون ادِّعاء تملُّكها، أي إظهارُها على أنها آثارُ إنعامِ المنعِمِ الحقيقي.
ومثال ذلك لو ألبسك أحدُهم ثيابًا فاخرةً جميلة، فصِرتَ بها على قدرٍ عزَّاقهن الأناقة والجمال، وأخذ الناس يقولون لك: ما شاء اللّٰه.. ما أجملك.. وما أجمل هيئتَك!! فإنك إنْ قلتَ لهم متواضعًا: حاشا.. مَن أنا؟! أنا لا شيء.. ما هذا؟! أين الجمال؟! كان هذا كفرانًيسعه إعمة، وسوءَ أدبٍ تجاه الصانع الماهر الذي ألبسك هذه الثياب.
وإن قلت مفتخرًا: نعم.. أنا فائق الجمال، ومن مثلي في الجمال؟! أروني أحدًا مثلي!! كان هذا فخرًا ولأرضية.
— 209 —
وسبيل الخلاص من كفران النعمة ومن الافتخار أن تقول: نعم.. لقد صرتُ جميلًا حقًّا، لكنه ليس جمالي، بل هو جمالُ الثياب، وهو بالتالي جمالُيضًا؛ لبسنيها.
وإنني أقول مناديًا العالَم لو يَبلغُه صوتي: إن "الكلمات" جميلة.. وإنها حقائق.. لكنها ليست لي.. بل هي شعاعاتٌ سطعَتْ من حقائقِ القرآن الكريم؛ وإنني استنادًا إلى الدستور القمن حول وما مدحتُ محمدًا بمقالتي ولكنْ مدحتُ مقالتي بمحمدٍ
أقول:
وما مدحت القرآن بكلماتي ولكن مدحت كلماتي بالقرآن
أي: إني لم أُجمِّل حقائقَ إعجاز القرآن ولم أُظهِر جمالَها، وإنما حقائقُ القرآن الجميلةُ هي التي جمَّلتْ عباراتكل سوءتْ من شأنها.
فما دام الأمر كذلك، فإن إظهارَ محاسنِ مرايا القرآن المسماةِ بی"الكلمات"، وإظهارَ ما ترتَّب عليها من العنايات الإلٰهية باسمِ جمالِ حقائقِ القرآن، إنما هو تحدثٌ بنعمةِ اللّٰه مقبول.
السبب ال إلى أ
سمعتُ من بعضِ أهل الولاية قبل زمنٍ بعيدٍ، أنه استنبط من الإشارات الغيبية للأولياء السابقين أنه سيَظهَر نورٌ في المستقبل من جهة الشرق، فيبدِّد ظلمات البِدع، وتحقَّقتْ لديه القناعة بهذا الأمر؛ ولطالما انتظرتُ ظهونفتح لٍ كهذا وما زلت أنتظر، لكن الأزهار إنما تأتي في الربيع، والمطلوبُ تهيئة الأرضية لمثل هذه الأزهار القدسية؛ ولقد أدركنا أننا بخدمتنا هذه نمهِّد السبيل لأولئك النورانيين الكرام.
فما دام بيان العنايات الإلٰهية عائدًا إلى أنوار "الك لهذا لا إلى أشخاصنا، فلا يمكن أن يكون مبعثَ فخرٍ وغرور، وإنما يكون مبعثَ حمدٍ وشكرٍ وتحدُّثٍ بالنعمة.
— 210 —
السبب السادس:
إن العنايات الربانيةلى هذاهي وسيلةُ ترغيبٍ ومكافأةٌ عاجلةٌ على الخدمة التي نؤديها للقرآن بتأليف "الكلمات" ما هي إلا توفيق؛ وشأنُ التوفيق أن يُبيَّن ويُعلَن عنه.
فإن زادتْ هذه العنايات على معنى التوفيق كانت إكرامًا إلٰهيًّا؛ وإظهارُ الإكرام الإلٰهي شكرٌ معنوي.
ى كالت زادتْ على هذا أيضًا كانت كرامةً قرآنيةً صرنا مَظهَرًا لها دون تدخُّلٍ منا ولا اختيار؛ ولا ضيرَ في إظهارِ كرامةٍ جاءتْ بغير علمٍ منا ولا اختياد النّفإنِ ارتقتْ إلى ما فوق الكرامة العادية كانت شُعَلًا للإعجاز المعنوي للقرآن الكريم.
فإذا كان من اللازم إظهارُ الإعجاز، فلا شك أن إظهارَ ما يؤيِّده عملٌ يصبُّ في صالحهل الم يمكن أن يكون مبعث فخرٍ وغرور، وإنما يكون مبعث حمدٍ وشكر.
السبب السابع:
إن ثمانين بالمئة من نوع الإنسان ليسوا من أهل التحقيق كي يَنفذوا إلى الحقيقة ويقفوا عليها ويأخذوا بها، وإنما يتلقَّون - تقليدًا - المسائلَ تمعت عسمعونها من أناسٍ يثقون بهم ويعتمدون عليهم، بناءً على حُسْنِ الظنِّ وظاهرِ الحال؛ حتى إنهم يَرون الحقيقةَ القويةَ ضعيفةً عندما تكون في يد شخصٍ ضعيف، ويعُدُّون المسألةَ التافهةَ مهمةً إن رأوها بيدِدينية،ذي أهمية.
وإنني بناءً على هذا أجدُني مضطرًا للإعلان عن الأمر التالي، لكيلا أَحُطَّ من قيمةِ الحقائقِ الإيمانيةِ والقرآنيةِ حين يراها اليهُ هذ يدِ شخصٍ ضعيفٍ عاجزٍ بسيطٍ مثلي؛ فأقولُ:
إن ثمة مَن يستخدمنا ويُقيمُنا في مهامَّ جليلةٍ دون علمٍ منا ولا اختيار، ودليلُنا على هذا أننا نصيرُ مظهرَ عناياتَم السيلاتٍ خارجةٍ عن شعورنا وإرادتنا، فلأجلِ هذا نجِد أنفسَنا مضطرين للإعلان عن هذه العنايات على الملأ.
— 211 —
وبناءً على هذه الأسباب السبعة نشير إلى بضعِ عناياتٍ ربانيةٍ كلية:
الإشارة الأولى:
ميةً بتوافقات"؛ وقد بُيِّنتْ في النكتة الأولى من المسألة الثامنة من "المكتوب الثامن والعشرين".
ففي مكتوب "المعجزات الأحمدية" على سبيل المثال، تَناظَرَ موضِعُ ورودِ كلمة الرسول الأكرم (ص) في أكثر من مئتي موى العزها بكمال الموازنة، وذلك بدءًا من الإشارة الثالثة وحتى الإشارة الثامنة عشرة في ستين صفحةً إلا صفحتين، وقد جرى هذا لأحدِ النُّسَّاخ دون علمه؛ ومن نظر إلى صفحتين منها بإم إنزالإنصافٍ أقرَّ بأن ذلك لا يمكن أن يقع مصادفة.
هذا مع أن المصادفة إنْ وقعتْ، واشتُرِط وجودُ كلماتٍ متماثلةٍ كثيرةٍ في الصفحة الواحدة، جاء التوافقُ ناقصًا، وربما وقع تامًّا في صفحةٍ أة من بين لا غير.
والحالُ هنا أن مواضع ورود كلمة الرسول الأكرم (ص) في جميع الصفحات تتناظر فيما بينها بكمال الميزان سواءٌ وردتْ في الصفحة الواحدة مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو أكثر، ولا شك أن هذا إن وقع لم يقع مصادفةً بحالٍ من الأحوال.
متلقيةإن توافقًا لم يستطع ثمانيةُ نُسَّاخٍ مختلفين أن يغيروه إنما يُظهِر إشارةً غيبيةً قويةً في طيِّه.
فكما أن البلاغة توجد في كتبِ أهل البلاغة على درجاتٍ شتى، غير أن بلاغة القرآن قد ب على ادَّ الإعجاز، فلم يستطع أحدٌ بلوغَ شأوه؛ فكذلك التوافقات الموجودة في "المكتوب التاسع عشر" الذي هو مرآةٌ للمعجزات الأحمدية، وفي "الكلمةِ الخامسةِ والعشرين" التي هي ترجمانٌ للقول يت القرآنية، وفي أجزاء رسائل النور التي هي نوعٌ من تفسير القرآن الكريم؛ فهذه التوافقات تُظهِر غرابةً تفوق التوافقاتِ التي توجد فيما سواها من سائر الكتب، ويُفهم منها أنها نوعُ كرامةٍ للمعجزاتِ القرآنية والمعجزات الأحمف روحٍجلى وتتمثل في تلك المرايا.
— 212 —
الإشارة الثانية:
العناية الربانية الثانية التي تخص الخدمة القرآنية، وهي أن الحق تبارك وتعالى قد أحسن إليَّ بإخوانٍ أقوياء أوفياء ما بديع أصحابِ همةٍ وعزيمةٍ وتضحية، لهم أقلامٌ كالسيوف الألماسية، فجعلهم أعوانًا لشخصٍ مثلي شِبهِ أميٍّ لا يُحسِن الكتابة، وحيدٍ في ديارِ الغربة، ممنوعٍ من مخالطةِ الناس؛ وحمَّلَ كواهلَهم اتعداديما أثقل كاهلي الضعيفَ العاجزَ من الوظيفة القرآنية، فخفَّف حِملي بكمالِ كرمه.
فهذه الجمیاعة المبیاركة هي بمثابیةِ أجهیزةِ البث اللاسیلكي بحي "سيلير "خُلوصي"، وهي بمثابة مولِّدات الكهرباء لمعمل النور بحسب تعبير "صبري"؛ ومع أن لكلٍّ منهم مزاياه المتنوعة وخصائصه القيِّمة إلا أنهم يتشابهون في الحماس واكونالالهمة والجد تشابهًا يُعدُّ نوعًا من التوافقات الغيبية بحسب تعبير "صبري" أيضًا؛ وإن نشرَهم الأسرارَ القرآنية والأنوارَ الإيمانية وإيصالَهم إياها إلى شتى الجهات، وخدمتَهم التي المدنا بمنتهى الحماس والهمة من غير كللٍ ولا فتور - رغم وجود أسبابٍ كثيرةٍ تورِث الفتور وتقتل الحماس في هذا الزمان، حيث استُبدِلت الحروف العربية وأُغلِقتْ مطابعها، وبات كلُّ شخصٍ محتاجًا إلى الأنوار الِ عن قة - ليس سوى كرامةٍ قرآنيةٍ مباشرة، وعنايةٍ إلٰهيةٍ ظاهرة.
أجل، فكما أن للولاية كرامتَها، فإن للنيةِ الخالصةِ كرامتَها، وإن للإخلاص كرامتَه أيضًا؛ وكذلك التسانُد الجادُّ اُ النوبين الإخوان في دائرة الأُخوَّة في اللّٰه، فإن له على وجه الخصوص كراماتٍ كثيرة؛ حتى إن الشخصَ المعنويَّ لجماعةٍ كهذه قد يكون في حكمِ وليٍّ كاملٍ، ويكون مَظهرًا للعنايات.
فيا إخواني ويا أصحابي في خدمة القرآن.. كما أن من الظُّلم والخطأ اعتقادمَدَ إلى رقيبِ فوجٍ فَتَحَ حصنًا فيُمنَح جميعَ الشرف والغنائم، فكذلك ليس لكم أن تَعْزُوا إلى مسكينٍ مثلي عناياتِ الفتوحات التي تحققتْ بأقبل وت وبقوةِ شخصكِم المعنوي.
ولا ريب أن في هذه الجماعة المباركة إشاراتٍ غيبيةً قويةً فضلًا عن التوافقات الغيبية؛ وإنني أراها لكن لا أستطيع إراءتَها لكلِّ أحد ولا لعموم الناس.
— 213 —
الإشارة الثالثة:
إن إثبات أجزاءِ رسائل ال عن الميع الحقائق الإيمانية والقرآنية الجليلة إثباتًا ساطعًا حتى لأشدِّ المعاندين، إنما هو عنايةٌ إلٰهيةٌ وإشارةٌ غيبيةٌ قوية؛ ذلك أن من الحقائق الإيمانية والقرآنية ما اعترف بعحياة ا فهمه أحد كبار العباقرة كی"ابن سينا"، وقال فيها: "لا يجد العقل إليها سبيلًا"، في حين أن رسالة "الكلمة العاشرة" تُعلِّم تلك الحقائق التي عجز هذا الرجل عن بلوغها بعبقريته، وتُبيِّنها حتى للعوام، بل حتى للصغار.
وكذلك مثلًا مسائنيًا:ِ القَدَر والجزءِ الاختياري، فلم يتمكن من حلِّها علَّامةٌ جليلٌ كی"السعد التفتازاني" إلا فيما يقرب من خمسين صفحةً، وذلك في "المقدمات الاثنتي عشرة" من كتابه الشهيلا يَقلتلويح"، ولم يُعْلِم بها سوى الخواص؛ بينما "الكلمةُ السادسة والعشرون" التي تبحث في القدَر بيَّنتْ تلك المسائل بتمامها في صحيفتين من المبحث الثاني، ووضحتْها بأسلوبٍ يبلغ أفهام الجميع؛ فإن لم يكن هذا من آثار العناية الإلٰهيذ عشريهو إذن؟!
وكذا الطلسمُ العويص واللغز العجيب الذي حيَّر العقول ولم تهتدِ الفلسفة إلى حلِّه، والذي حُلَّ بإعجاز القرآن العظيم الشأن، أعني ما يُسمَّى سرَّ خِلْقة العالَم وطلسمَ الكائنات؛ فقد حسائل حي "المكتوب الرابع والعشرين"، وفي "النكتة المرموزة" في ختام "الكلمة التاسعة والعشرين"، وفي "الحِكَم الست لتحوُّل الذرات" في "الكلمة الثلاثين"؛ فهذه الرسائل قد حَلَّتْ طلسمَ الفعاليلقد هييِّرة في الكائنات، وبيَّنتْ مُعمَّى خِلْقة الكائنات وعاقبتِها، وكشفَتْ سرَّ حكمة الحركات في تحوُّلات الذرَّات؛ وهي رسائل مُتاحةٌ متداولة.
وكذا وحدةُ الربوبية من غير شريكٍ بسرِّ الأحدية، وحقائقُ القُرْبيَّةِ الإلٰهية بلا نهاية، مع لكنه ِيَّتِنا نحن بلا نهاية؛ وهي حقائق تثير الحَيرة، قد بيَّنتْها بوضوحٍ تامٍّ كلٌّ من "الكلمةِ السادسة عشرة" و"الكلمةِ الثانية والثلاثين"؛ بينما تكفَّل الرسائِ عن سرِّ الوحدةِ العظيمِ وأبانَ عنه "المكتوبُ العشرون" مع ملحقِه ذي التمثيلات الثلاثة، عند
— 214 —
بيان كلمة وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو المكتوب الذي أظهر بكمال الوضوح أن الذرَّات تتساوى مع السيارات بالنسبة ل وردَّالإلٰهية، وأن إحياءَ جميعِ ذوي الأرواح في الحشر الأعظم سهلٌ على القدرةِ الإلٰهية سهولةَ إحياءِ نفسٍ واحدة، وأن دخول الشِّرك في خلقِ الكون بعيدٌ عن انبغي أدرجة الامتناع.
ثم على الرغم من أن في الحقائق الإيمانية والقرآنية سعةً يعجَز أن يحيط بها أعظم ذكاءٍ بشري، إلا أنها ظهرتْ بأكثريتها المطلقة وبدقائقها لدى رجلٍ مثلي مشتَّتِ الحال مشوَّشِ وحدانييؤلِّف بسرعةٍ في ظروفٍ حرِجةٍ دون مراجعة كتاب؛ فليس ظهورها هذا إلا أثرًا مباشرًا للإعجاز المعنوي للقرآن الحكيم، وجَلوةً من جَلَوات العناية الربانية، وإشارةً غيبيةً قوية فلالإشارة الرابعة:
لقد أُحسِن إلينا بخمسين أو ستين رسالةً على هذا النحو، فهي ليست تآليفَ من النوع الذي يقوم به جماعةٌ من أهل التدقيق والذكاء العالي بهمَّتهم وسعيتِ الآلًا عن أن تكون تآليفَ شخصٍ مثلي لا يشغل وقته بِكَدِّ الفِكر، بل يتتبع سنوحات قلبه ولا يجد وقتًا للتدقيق؛ مما يُظهِر بوضوحٍ أنها أثرُ عنايةٍ مباشِرة؛ ذلك أن جميع الحقائق العميقة تُدَرَّس في هذه الرسائل لأدنى طبقات العوام والأم محلُّ خلال التمثيلات، في حين أن كبار العلماء يقولون عن معظم هذه الحقائق: إنه لا سبيل لإفهامها؛ فلا يعلِّمونها للخواص فضلًا عن العوام.
إن ا هو متسهيلاتِ العجيبة وسهولةَ البيان البالغةَ درجةَ تعليم أبعد الحقائق بأقرب أسلوبٍ لأدنى طبقات العوامِّ، قد جَرَت على يدِ شخصٍ مثلي قصيرِ الباع في الالترقي مستغلقِ الكلام لا يُفهَم كثيرٌ منه، حتى لقد اشتهر عنه في السابق أنه يُعقِّد الحقائق الظاهرة، وصَدَّقتْ مؤلفاتُه القديمة هذه الشهرةَ السيئة!! فلا ريب أن هذا لا يمكن أن يكون ثمرةَ براعة هذا لتي حمبحال، وإنما هو أثرُ العناية بلا شك، وجَلوةٌ من جلوات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، وانعكاسٌ وتجلٍّ للتمثيلات القرآنية.
— 215 —
الإشارة الخامسة:
بالرغم من أن الرسائل انتشرت انتشارًا عامًا واسعًا بين الجميع، وباخبر عنن أنه اطلع عليها وقرأها طبقاتٌ وطوائفُ شتى من الناس، بدءًا من أكبر عالِمٍ وصولًا إلى أدنى عامِّيٍّ، وبدءًا من أكبر وليٍّ من أهل القلب وصولًا إلى أشد الفلاسفة الملحدين عنادًا، بل بالرغم من أن البعض تلقى صفعاتها، إلا أنها لمة، وكَقَد، بل استفادت منها كلُّ طائفةٍ بحسب درجتها؛ وهذا ليس إلا كرامةً قرآنيةً وأثرَ عنايةٍ ربانيةٍ مباشِرة.
وكذلك فإن إملاءَ هذا النوع من الرسائل التي لا تتحصَّل إلا بعوهم وي تدقيقٍ وتمحيصٍ، وتأليفَها بسرعةٍ عجيبةٍ في ظروفٍ من الشدة والانقباض تُشوِّش فهمي وإدراكي، ليس إلا إكرامًا ربانيًّا وأثرًا من آثار العناية.
جَلِّيعلم أكثر إخواني ومعظم أصحابي مِن حولي والمستنسخون كذلك، أن الأجزاء الخمسة من "المكتوب التاسع عشر" قد أُلفت في بضعةِ أيامٍ بما مجموعه اثنتا عشرة ساعةً دون مراجعة كتاب، حتى إن أهم أجزائه، أعني الجزء الرابع الذي أظهر خاتم نبوةٍ جليًّا في كلمة الرإلى الأكرم (ص)، قد أُلِّف إملاءً من الذاكرة في حوالي أربع ساعات بين الجبال وتحت المطر؛ ويعلمون كذلك أن رسالةً دقيقةً مهمةً كی"الكلمة الثلاثين" أُلِّفتْ في أحد البساتين في غضون ستِّ ساعات؛ وكذلك "الكلمة الثامنة والعشرون" أُلِّفتْ في زمببالغ يتجاوز الساعتين في بستان "سليمان"، وهكذا كان الأمر في معظم الرسائل.
ويعلم أصدقائي المقربون أنني منذ القديم متى كنتُ منقبضًا أو في شدةٍ، عجَزتُ عن بيانِ أوضح الحقائق، بل انه وعكمن يجهلُها، خصوصًا إذا انضاف إلى هذا المرضُ، فيمنعني حينئذٍ من الدرس والتأليف؛ والحالُ أن أهم "الكلمات" والرسائلِ الأخرى قد أُلِّفتْ بأسرعِ وجهٍ فيإيمانيما عانيتُ من أوقات الشدة والمرض؛ فإن لم يكن هذا عنايةً إلٰهيةً مباشرةً وإكرامًا ربانيًّا وكرامةً قرآنية فما هو إذًا؟!
ثم إن أيَّ كتابٍ مهما كان، إذا تناول مثلَ هذه الحقائق الإلا تهويوالإيمانيةِ بالبحث، لا بدَّ أن تعود بعضُ مسائله بالضرر على بعض الناس، ولهذا لا تُنشَر كلُّ مسائله لكلِّ
— 216 —
أحد؛ أما هذه الرسائل فإنها حتى يومنا هذا لم تُلحِق ضررًا بأحد، كأنْ تشوِّش الأذهان أو تتركورِه؟! سيئًا أو ترتدَّ بنتائج عكسية، ولقد سألتُ الكثيرين عن هذا الأمر؛ وتَحقَّق عندنا أن ذلك عنايةٌ ربانيةٌ وإشارةٌ غيبيةٌ مباشِرة.
الإشارة السادسة:
لقد بتُّ اليوم على يقينٍ من أن حياتي قد خُطفخدمته مسارٌ بشكلٍ غريب، ومضتْ بمعظمها خارجَ اختياري واقتداري وشعوري وتدبيري، كي تُثمِر هذا النوعَ من الرسائل التي تخدُم القرآن الحكيم؛ حتى لكأنَّ حياتي العلمية جميعَها كانت بمثابةِ مقدِّماتٍ تمجماليةإظهارِ إعجاز القرآن من خلال "الكلمات".
بل إنَّ ما جرى في هذه السنين السبع من نفيي وغربتي، وعَزلي عن الناس تعسُّفًا بما يخالف رغبتي، وتَقضِيَتي أيامَ حياتي وحيدًا في قريةٍ خلافًا لمشربي، وتقبولٌ ل نفوري من الكثير من روابطِ وقواعدِ الحياة الاجتماعية التي ألِفْتُها منذ القديم، لم يُبْقِ لديَّ شبهةً في أن ذلك إنما كان لأجل تأدية هذه الخدمة القرآنية المباشِرة بصورةٍ صافيةٍ خالصة.
بل أعتقد أظيم حرستار هذا الأذى الذي توالى عليَّ كثيرًا، والاضطهادِ الذي نزل بي ظلمًا، يدَ عنايةٍ تبلوني به برحمةٍ كي أحصر فكري في أسرار القرآن، ولا أشتت نظري فيما عددافعات وعلى الرغم من أنني كنت منذ القديم شغوفًا بمطالعة الكتب، إلا أنني استشعرتُ في روحي مجانبةً وامتناعًا عنها جميعًا، ولقد فهمتُ أن الأمر الذي جعلني أترك المطالعة - مع أنفسِه عثُ أُنسٍ وسُلوانٍ لي في هذه الغربة - ليس إلا لتكون الآياتُ القرآنية وحدَها أستاذي المطلَق.
ثم إن أغلب هذه الكتبِ والرسائلِ المؤلَّفة قد أُحسِن بها إليَّ إحسانًا مباشِرًا لحظةَ تأليفها لحاجةٍ تولدت في روحي دون سببٍ خارجي، ثم لما عرض غيرِهلى بعض أصحابي قالوا: إنها دواءٌ لجِراح هذا الزمان، وبعد أن انتشرتْ، فهمتُ من أكثر إخواني أنها تلبي حاجات هذا الزمان وتعالج أدواءَه.
— 217 —
فمجرياتُ حياتي، وهفي هذهالات المذكورة الخارجة عن شعوري واختياري، وتتبُّعي لأنواع العلوم الذي جرى على خلاف عادتي وبغير اختياري، لم تُبقِ لديَّ شبهةً في أنها كانتْ إكرامًا ربانيًّايخصُّنةً إلٰهيةً قويةً كي تُفضيَ إلى مثل هذه النتيجة القدسية.
الإشارة السابعة:
لقد شاهدنا بأعيننا - خلال هذه السنوات الخمس أو الست من خدمتنا - آثارًا للإكرام الإلٰهي والعناية الربانية والكرامة القرآنية تنوف على المئة بلا مبالغة؛ ولقد أشرنا بنفسيعضها في "المكتوب السادس عشر"، وبيَّنَّا بعضَها الآخر في المسائل المتفرقة للمبحث الرابع من "المكتوب السادس والعشرين"، وفي المسألة الثالثة من "المكتوب الثامن والعشرين"؛ وهي آثارٌ يعرِفها أصحابي المقرَّبون، كما يعرفها سم أمهغيرَها صاحبي الملازمُ لي "سليمان أفندي".
كما إننا نغدو مَظهَر تسهيلاتٍ لا تخطر بالبال، خصوصًا عند قيامنا بنشر "الكلمات" والرسائل، أو تصحيحها أ مسلكنبها أو تسويدها أو تبييضها، فلم تَبْقَ لدينا شبهةٌ في أنها كرامةٌ قرآنيةٌ؛ والأمثلة على هذا تبلغ المئات.
وكذلك الأمر بخصوص معيشتنا، فإن أمورَنا تُدار برحمةٍ عجيبةٍ، حيث إن صاحب العناية الذي يستخدمنا يُحسِن إلينا إحسانًا لا يخطر بلعظيمٌ تلبيةً لأدنى رغباتِ قلوبنا. وهكذا؛ فهذه الحال إشارةٌ غيبيةٌ في منتهى القوة إلى أننا قد أُقمنا في الخدمة القرآنية، وأننا أداةٌ لها تحت العناية في دائرة الرضا.
الْحَمْدُ للّٰه هَذَا مِن فَضِّ الأبِّي
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللّٰهم صَلِّ على سيدنا محمدٍ صلاةً تكون لك رضاءً ولحقهِ أداءً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا... آمين
٭ ٭ ٭ق الذي% جوابٌ عن سؤالٍ خاص
هذا سرُّ عنايةٍ كان قد كُتِبَ للتداول الخاص منذ القديم، وأُلحِق بختامِ "الكلمةِ الرابعةَ عشرة"، غير أن أكثر النُّساخ قد نَسُوه بطريقةٍ ما فلم يكتبوه، وهذا يعني أن موضعَه اللائق والادَّعَإنما كان هنا، ولأجل هذا خَفِيَ عليهم.
تسألني:لماذا يوجد في "الكلمات" التي ألَّفتَها مُستَقِيًا من القرآن قوةٌ وتأثيرٌ قلَّما يوجد في كلام المفسرين والعابديعة حتى لَيوجد في السطر أحيانًا من القوة ما يضاهي صفحة، ويوجد في الصفحة من التأثير ما يضاهي كتابًا.
فالجواب:بما أن الشرف في هذا يعود إلى إعجاز القرآن لا إليَّ، فإ وانحلول بلا حرج: إن هذا هو حال معظم "الكلمات"؛ لأنها تصديقٌ لا تَصَوُّر؛ وإيمانٌ لا تسليم؛ وشهادةٌ وشهود لا معرفة؛ وتحقيقٌ لا تقليد؛ وإذعانٌبب، تحتزام؛ وحقيقةٌ لا تصوُّف؛ وبرهانٌ ضمن الدعوى لا مجرَّد دعوى.
وحكمةُ هذا السر هي أن الأسس الإيمانية كانت محفوظةً مَصونةً في السابق، وكان التسليم قويًّا، نَ شِيمعارف العارفين وبياناتُهم في الفرعيات مقبولةً كافيةً وإن كانتْ بلا دليل؛ لكن لما مدَّت الضلالة العلمية في هذا الزمان يدَها إلى الأسس والأركان، فإن الحكيم الرحيمعن الإجلال - وهو المُحسِن المتفضِّل بالدواء الناجع لكلِّ داء - قد أحسَنَ إلى مؤلَّفاتي العائدةِ لخدمة القرآن، وتفضَّلَ عليها بشُعلةٍ من ضربِ الأمثال التي هي أسهية أناهرِ إعجازه، رحمةً منه بعجزي وضعفي وفقري واحتياجي.
فأحمدُ اللّٰه أنه بمنظارِ ضربِ الأمثال قُرِّبَتْ أبعدُ الحقائق.
وبجهةِ الوحدة في ضربِ الأمثال جُمِعَتِ المى أقطاالمتفرِّقة غايةَ التفرُّق.
وبسُلَّمِ ضربِ الأمثال يُسِّر الوصولُ إلى أعلى الحقائق.
— 218 —
ليها إجابةً مسدَّدة، فوجد أهلُ العلم من غزارةِ علمه وهو بعدُ في سن الشباب، ومن قوة عبارته وبلاغتها، ومن عجيب أحواله وأطواره ما دفعهم لتقمام واإعجاب، حتى لقد وصفوه بأنه نادرةٌ من نوادر البشر، جديرٌ بلقب "بديع الزمان"؛ ولم يكن غرضُه من ذلك سوى أن يلفِت الأنظار إلى ما في شرقيِّ الأناضول من جهودِ العلمدتْ علفان، وإلا فلم يكن يميل لشيءٍ من حب الظهور والأنانية، بل كان أبعد ما يكون عن التظاهر والتفاخر، ولئن كان نادرةً في الذكاء والحفظ والعلم والجرأة، فلقد النور،درةً بالدرجة نفسِها بل أشدَّ في الإخلاص والصفاء، لا يطيب له شيءٌ من التصنُّع أو التكلُّف.
ووافق وجودُه في إسطنبول قدومَ أحدِ أبرزِ علماء الأزهر إليها في جولةٍ له، وهو الشيخ "بَخِيْت المُطيعي" مبالحقاديار المصرية، فطَلَب منه بعض العلماء الذين غُلبوا في المناظرة أن يناظر هذا الشابَّ القادم من أقاصي جبال "كردستان"، فأجابهم الشيخ إلى ما طلبوه، وراح يتحيَّنحط والة إلى أنْ سنحتْ ذات يومٍ حين انصرف الجميع من الصلاة
— 219 —
وبنافذةِ ضربِ الأمثال حَصَل يقينٌ إيمانيٌّ بالوالطغيالغيبية والأسس الإسلامية قريبٌ من الشهود.
فاضطر العقل للتسليم، وسَلَّم معه الخيالُ والوهم؛ بل حتى النفسُ والهوى، وألقى الشيطان سلاحَه راغمًا.
والحاصلأنه حيثما وُجِد في مؤلَّفاتي جمالٌ وتأثير فإنم، وتبدن لمعاتِ التمثيلات القرآنية، وإنما نصيبي الطلبُ مع شدة احتياجي، وتضرُّعي مع غاية عجزي؛ فالداءُ دائي والدواءُ دواءُ القرآن.
٭ ٭ ٭
خاتمة المسألة سائر اة
تُبيِّن هذه الخاتمة سِرًّا عظيمًا من أسرار العناية، وتزيل الأوهام الواردةَ أو المحتمِلةَ الورودِ على الإشارات الغيبية المذكورة في صورة عناياتٍ إلٰهيةٍ ثمانية؛ وهي أربع نكات:
النُّیكتة الأولى:
كنا قد جِدَتْينا في المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين" أننا استشعرنا إشارةً غيبيةً من سبعِ أو ثماني عناياتٍ إلٰهيةٍ كُلِّيَّةٍ معنويَّة، وأننا شاهدنا جلوةَ هذه الإشارة الغيبية في النقش الموجود تحت عنوان "التوافقاتِ" الممون أنِ العنايةَ الإلٰهية الثامنة.
وندَّعي أن هذه العنايات الكلِّيَّة السبع أو الثماني قويَّةٌ وقطعيَّةٌ، لدرجةِ أن كلَّ واحدةٍ منها تُثبِت على حِدَتها تلك الإشارات؛ ولو فرضنالنور.لًا أن بعضَها بدا ضعيفًا أو أُنكِر، لم يُخِلُّ ذلك بقطعيَّةِ الإشارات؛ إذْ مَن لم يقدر على إنكار تلك العنايات، لا يمكنه إنكار تلك الإشارات.
— 220 —
لكن لما كانت طبقات الناس متفاوتة، وكانت طبقة العوام - وهي أكثرُها - تعتمد على المشاهدة أكثر منحال أفا، فقد غدت التوافقات أظهرَ تلك العنايات وأعمَّها، مع أنها ليست أقواها، بل سائرُ العنايات أقوى منها، ولهذا اضطررتُ لبيانِ حقيقةٍ بصورة الموازنة لدفع الأوهام الواردة على التوافقات.
وبيان هذا أننا قلنا فيما يتعلق بتلك العناية الظاهرن مكال يُشاهَد في مواضعِ وُرود كلمتَي "القرآن" و"الرسول الأكرم (ص)" في الرسائل التي ألَّفناها توافقاتٌ لا تُبقي أيَّة شبهةٍ في أنها تُرتَّب بقصدٍ فتأخذ هيئةَ التوازي؛ ودليلُنا على أن القصد والإرادة ليسا منا أننا لشاها -فْ على هذه التوافقات إلا بعد ثلاثِ أو أربعِ سنين، ما يعني أن ذينِك القصد والإرادة كانا غَيبيَّين كأثرٍ من آثار العناية؛ فأُعطيَتْ هاتان الكلمتان تن من ايئةَ الغريبةَ في صورة التوافق تأييدًا محضًا لإعجاز القرآن والمعجزات الأحمدية، وصارت بركتُهما خاتَم تصديقٍ لإعجاز القرآن والمعجزات الأحمدية، بل عمَّتْ بركتُهما الأكثريةَ العظمى من الكلمات المتماثلة، فحظيتْ هي الأخرى بتوافق، إثْلُ ح توافقٌ وقع في صفحاتٍ محدودة، أما هاتان الكلمتان فيشاهَد توافقُهما في أكثر الرسائل، فضلًا عن مشاهدته في رسالتَين بجميع صفحاتهما.
ولقد قلنا مرارًا: إن أصل هذا التوافق يمك تنظيموجد بكثرةٍ في الكتب الأخرى، لكن ليس بتلك الدرجة من الغرابة الدالة على القصد والإرادة العالية.
وبعد، فعلى الرغم من أن دعوانا هذه لا تَقبَل الإبطال، إلا أنها قد تبدو بظاهر النظر كأنها باطلةٌ من جهةٍ أو ذلك "
إحداهما: أنه يمكن أن يقال: إنكم رتبتم هذا التوافق بعد تفكيرٍ وإمعانِ نظر، وإنْ كان القيامُ بأمرٍ كهذا بقصدٍ فهو سهلٌ يسير.
فنقول جوابًا عن هذا: إنْ كان يكلخفاء،الدعوى شاهدان عَدْلان، فإن دعوانا بأن الأمر وقع بغير إرادةٍ منا ولا قصد، وأننا لم نقِف عليه إلا بعد ثلاثِ أو أربعِ سنين، يمكن أن يوجَد لها مئة شاهدٍ عدل.
— 221 —
وأذكر نقطةً بهذه المناسبة، وهي أ الاجتالكرامة الإعجازية ليست من نوعِ إعجازِ القرآن الحكيم في درجةِ بلاغته؛ لأن قدرة البشر لا تستطيع أن تسلك طريق إعجاز القرآن فتبلغ درجتَه، أما هذه الكرامة الإعجازية فلا يمكن أنُ الإسبقدرة البشر، ولا مدخل لقدرتهم فيها، ولو تدخلت لكانت مُصطَنعةً ففسدَتْ.
(حاشية): في "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر"، وردتْ الحقا"القرآن" تسع مرات متوافقةً في صفحةٍ واحدةٍ من إحدى النُّسخ، فوصلنا بينها بخطٍّ فظهرت كلمة "محمد" (ص)؛ وفعلنا الأمرَ نفسَه في الصفحة المقابلة التي وردتْ فيها كلمة "القرآن" لى مليةً ثماني مرات، فظهر لفظ الجلالة "اللّٰه"؛ وفي التوافقات كثيرٌ من هذه الأمور البديعة.
لقد شاهدنا بأعيننا مصداقَ ما جاء في هذه الحاشية؛ بكر، توفيق، سليمان، غالب، سعيد.
النكتة الثالثة:
نشير إلتٍ مبكٍ دقيق من أسرار الربوبية والرحمانية بمناسبةِ الإشارة الخاصة والإشارة العامة.
إن لأحد إخواني قولًا جميلًا سأجعله موضوعَ هذه المسألة، وهو أنني عرضتُ عليه ذات يومٍ توافقًا جميلًا فقال: إنه جميل، بل كلُّ الحقائق جميلة، غير أن م تبديقات والتوفيقات التي في هذه "الكلمات" أجمل.
فقلت: نعم، كلُّ شيء جميلٌ إما في الحقيقة، وإما بالذات، وإما باعتبار نتائجه، وهذا الجمال عائدٌ إلى الربِنَ اللعامة والرحمة الشاملة والتجلي العام؛ والإشارةُ الغيبية في هذا التوفيق أجمل كما قلتَ، لأن جمالها عائدٌ إلى الرحمة الخاصة والربوبية الخاصة والتجلِّي الخاص؛ ونقرِّب هذا إلى الفهم بتمثيلٍ فنقول:
إن للسلطان رحمةً سلطانيريمٍ رل جميعَ أفراد الرعية من خلال قانونه وسَلطنته العامة، بحيث يكون كلُّ فردٍ محلًّا للطفه ومَظهَرًا لسَلطنته بشكلٍ مباشر، ويكون لكلِّ فردٍ في هذه الصورة العامة علاقةٌ خاصةٌ بالسلطان.
لكنْ من جهةٍ ثانيةٍ، أن يكسلطان إحساناتٍ وأوامرَ خاصةً فوق القوانين العامة، إذْ يُحسِن إلى فردٍ من أفراد رعيته أو يُوْليه عنايةً أو يُبلِّغه أمرًا.
— 222 —
وعلى غرار هذا المثال، فإن لكلِّ شيءٍ نصيبَه من الربوبية العامة والرحمة الشاملة لواجب الوجود الخالقِ الحه المجلرحيم، وله علاقةٌ به سبحانه على قدر نصيبه من الربوبية والرحمة؛ وإن له سبحانه تصرفًا في كل شيءٍ بقدرته وإرادته وعلمه المحيط، وله تدخُّلٌ وربوبيةٌ في أدنى شؤون الأشياء، فإليه سبحانه تَحتاج جميع الأشياء في جميع شؤونها، وب الأورحكمته سبحانه تُقضى أمورها وتُنظَّم أعمالُها؛ وليس للطبيعة أن تَعزُب عن دائرة تصرُّف ربوبيته، أو تتدخَّلَ فتكون صاحبةَ التأثير، وليس للمصادفة أن تتدخَّل في شؤونه الموزونة بي كلِّالحكمة الحسَّاس.
ولقد نفينا دورَ الطبيعةَ والمصادفةَ بحججٍ قاطعةٍ في عشرين موضعًا من الرسائل، وأعدمناهما بسيف القرآن، وبيَّنَّا استحالة تدخُّلهما؛ لكنَّ أهل الغفلة عَمَن". (ى الأمور التي لم تُعرَفْ حكمتُها ولا سببُها بنظرهم، وهي أمورٌ واقعةٌ في دائرة الأسباب الظاهرية من الربوبية العامة، فأطلقوا عليها اسمَ المصادفة؛ وخَفِيَتْ عليهم قوانينُ بعضِ الأفعال الإلٰهية التي لا يُحاط بحلم يتر والتي استترت بحجاب الطبيعة فلم يروها، فردُّوها إلى الطبيعة.
أما الثانية فهي الربوبية الخاصة، والعناية والنجدة الرحمانيتان الخاصتان، بحيث إن وهم فيلا يطيقون وطأة القوانين العامة يُسارع لنجدتهم كلٌّ من اسم "الرحمٰن" و"الرحيم" فيُعينانهم إعانةً خاصة، وينقذانهم من الشدائد؛ ولهذا يَستمدُّ منه سبحاا؛ ولاُ حيٍّ لا سيما الإنسان، ويتلقى منه المدد كل آن؛ فإحساناته في هذه الربوبية الخاصة لا تحتجب خلف المصادفة، ولا تُرَدَّ إلى الطبيعة حتى لدى أهل الغفلة أنفسهم.
ون الوظعلى هذا السر، فقد نظرنا إلى الإشارات الغيبية التي في إعجاز القرآن والمعجزات الأحمدية على أنها إشارةٌ خاصة، وأيقنَّا أنها نجدةٌ خاصةٌ وعنايةٌ خاصةٌ تُظهِر نفسَها أمام المعاندبفراسخعلنَّا عنها ابتغاء مرضاة اللّٰه تعالى وحدَه، عفا اللّٰه عنا إن قصَّرنا؛ آمين.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
٭ ٭ ٭
— 223 —

@

صورةٌ أُخِذَت للأستصباح، ع الزمان سعيد النُّورْسِيّ أولَ مجيئه إلى "بارلا"
— 224 —
إخواني..
سأبيِّن لكم فكرةً تنفعكم فيما يخصُّ العلاقة بين الأستاذ والطلاب ورفاقِ الدَّرس؛ وهي أنكًا عن ي من جهة، وهذا أمرٌ فوق حدي، ورفاقُ درسي من جهةٍ أخرى، ومعاوِنيَّ ومستشارِيَّ من جهةٍ ثالثة.
إخواني الأعزَّاء.. إن أستاذكم ليس معصومًا عن الخطأ، بل من الخطأ الظنُّ أنه بلا خطأ؛ فإذا للمثنودُ تفاحةٍ فاسدةٍ في بستانٍ لا يضرُّه، ووجودُ نقدٍ مزيَّفٍ في خزينةٍ لا يَحُطُّ من قيمتها، فإن الإنصافَ يقتضي - بسرِّ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها والسيئة بمثلها - ألا يُعكِّر القلبَ وقوعُ سيئةٍ أو خطأٍ ما، ولا ينبغي أن يدفع للاعتراض على الحسناتعظم يعى. إنَّ المسائل المتعلقة بالحقائق قطعيَّةٌ صريحةٌ لا شبهة فيها؛ لأن كُلِّيَّاتها وبعضَ تفصيلاتها نوعٌ من السُّنوحات الإلهامية.
ألا فمها الا يا إخواني ويا رفاق درسي أنكم إن رأيتُم مني خطأً فأعلَمتموني به دون حرجٍ كنتُ مسرورًا بذلك، بل حتى لو انتقدتموني بسببه لقلتُ لكم: جزاكم اللّٰه خيرًا؛ إذْ لا يُلتَفَتُ إلى الخلق في سبيل مراعاة الحقح لي منَرُدُّ حقيقةً إرضاءً لأنانية النفس الأمَّارة، بل نَقبلُها على الرأس والعين وإن جهِلْنا ماهيتَها؛ مراعاةً لمقام الحق.
وأنتم تعلمون أنَّ هذه الوظيفة اَ أعماية وظيفةٌ بالغةُ الأهمية في هذا الزمان، فما ينبغي أنْ تُلقى على عاتقِ شخصٍ ضعيفٍ مثلي مشتَّتِ الفكر عديمِ الحيلة، بل لا بد من مساعدته بقدر المستطاع.
وإننا في سياق اشتغالنا بالحقائق الجليلة منذ سنتين، أنعم اللّٰه علينا من كمالِ راعة فرتوافقاتٍ لطيفةٍ هي أشبه ما تكون بالفواكه والثمار، فلَطَّف بها أذهاننا وأمتعَها، ووجَّهها نحو الحقيقة القرآنيَّة الجليلة، وجعل هذه الثمار غذاءً وقوتًا لأرواح لا ينارت فاكهةً وقُوْتًا في آنٍ واحد كالتَّمر، واتَّحدت الحقيقةُ والزِّينةُ والمزِيَّة.
نحن يا إخواني محتاجون في هذا الزَّمان إلى قوةٍ معنويَّةٍلعقل بٍ لمواجهة الضلالة والغفلة، لكني أقول بأسف: إنني بالنظر إلى شخصي مفلسٌ في غاية الضعف، ليس لي
— 225 —
كرامةٌ خارقةٌ أُثبِت بها هذه الحقائق، ولا عندَلَعنتةٌ قدسيَّةٌ أجذِب بها القلوب، وليس لي موهبةٌ علويةٌ أُسخِّر بها العقول، ولكن عسى أن أكونَ خادمًا مستجديًا في حضرة القرآن الحكيم، أستمدُّ بعضَ أسراره لأقمعَ عنادِ أهل الضلالة المكابرين، وأضطرَّهم إلى الإنصاف، وقد استشعرتُ في التوافقات إكرامًا شيخِ "ّا من قبيل الكرامة القرآنيَّة، فتمسَّكتُ بها بكلتا يديَّ.
أجل، لقد استشعرتُ إشارةً قطعيَّة في "إشارات الإعجاز" وفي "رسالة الحشر" اللتين ترنبات؛ من القرآن، فهما عندي كرامةٌ قرآنيَّةٌ، سواءٌ وُجِد لهما نظير أم لم يوجد.
٭ ٭ ٭
أخي العزيزَ الوفيَّ الدَّؤوب..
إنَّ وظيفتَك القرآنيَّة التي تقوم انتسابارَكةٌ كلُّها، أسأل اللّٰه أن يوفِّقك ويُبعِدَ عنك الفتور ويزيدَك همةً ونشاطًا.
سأبيِّن لك دستورًا من دساتير الأُخُوَّة يجب أخذه بعين الاعتبار،تُحسَبن الحياة ليست سوى نتيجة الوحدة والاتحاد، وإن الاتحاد الممتزج متى زال زالت الحياةُ المعنويَّة،وكذلكالتساندُ متى اختلَّ فقدت الجماعة معناها،كما أشار إليه قوله تعالى:
وَلَا تَنَثانيها فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وكما تعلمون فإنَّه إنْ كُتبتْ ثلاثُ ألِفاتٍ كلٌّ على حِدة كانت قيمتُها ثلاثة، أما إن كُتِبت بتساندٍ عددي صارت قيمتها مئةً وإحدى عشرة؛ وكذلك الحال بالنسبة إليكم، فإنَّاد المً أو أربعةً من خُدَّام الحق من أمثالكم إن تحرَّكوا فُرادى دون تقاسُمٍ للأعمال، كانت قوَّتُهم قوَّةَ ثلاثةِ رجالٍ أو أربعة؛ أما إن تحرَّكوا بأُخوَّةٍ حقيقيَّة، وبتساندٍ يجعل بعضَهم يفخر بمزايا بعض، وبتفانٍ فيما بينهم يَبلغ درجة أن يكونتقضي فد عينَ الآخَر، أصبح هؤلاء الأربعةُ أربعَمئةٍ من حيث القوة والقيمة.
— 226 —
أنتم بمثابة القائمين على مولِّدات كهرباءٍ ستنير بلدًا عظيمًا لا "إسبارطةَ" وحدَها على كِبَرها، ولا بدَّ لمسنَّنات الآلة أن تتعاون فيما بينَها، فلا محل للحسد والغيرة ب، والذ بل على العكس، إنما هو السرور والامتنان لوجود مزيدِ قوةٍ في المسنَّن الآخَر؛ فلو كان لمسنَّنٍ ما شعور، ورأى مسنَّنًا آخَر أقوى منه، لامتنَّ لذلك وسُرَّ به؛ لأنه يخفِّف عنه عبءَ وظيفته.
وإنَّ من يحملون على كواهلهم كنزًا نفيسةٌ ساطمًا - أعني كنزَ خدمة الحقِّ والحقيقةِ وخدمةِ القرآن والإيمان - يشكرون ويشعرون بالفخر والامتنان كلما انضمت إلى كواهلهم كواهلُ أخرى قويَّة.
حذارِ أن تفتحوا بابَ الانتقاد فيما بينكم، فثمة أشخاصٌ كثيرون خايَّن ائرة إخوانكم يستحقُّون الانتقاد.
إنني كما أفتخر بمزاياكم، وأنظر إلى ما ليس عندي منها فأُسَرُّ لوجودها فيكم وأعدُّها مزايا لي؛ فعليكم أنتم كذلك أن تنظروا إلى بعضكم كما ينمثِّلُاذكم إليكم، وليكن كلُّ واحدٍ منكم ناشرًا لفضائل الآخَر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
أستاذيَ المحترمَ الحبيب..
إنَّ كلَّ كلمةٍ من "الكلمات" ليلَ كلَّ رسالةٍ من رسائلكم - هي بحدِّ ذاتها دواءٌ عظيم ويَنبوعُ مددٍ أَنهَلُ منه الفيض الغزير، حتى إنني كلَّما قرأتُها رغبتُ في إعادة قراءتها من جديد، ثم لا أجد ما أعبِّرولا غَ أذواقٍ إلٰهيةٍ ساميةٍ أشعر بها حين أكررها؛ وإنني على تفاؤلٍ لا يخالجه شكٌ بأن مَن قرأ ولو بعضَها بإنصافٍ لأذعن للحق وأقرَّ به؛ حتى لو كان مُنكِرًا لعدَلَ عن طريق الإنكار، أو كان فاسقًا لتاب وأناب.
خسرو
٭ ٭ ٭
— 227 —
رسالةٌ إلى طبيبٍ أورا دافعراءةُ رسائلِ النور صحوةً ويقظةً فكان شديدَ الإقبال عليها والشَّغَفِ بها
مرحبًا بك أيها الصديق الوفيُّ العزيز، والطبيب الموفَّق الذي اهتدى إلى تشخيص مرضه..هذا فإصحوة الروحية التي بيَّنْتَها بحماسٍ في رسالتك جديرةٌ بالتهنئة والتبريك.
اِعلم أن أغلى ما في الموجودات: الحياة؛ وأن أثمن ما في الوظائف: خدمة الحياة؛ وأن أجلَّ ما في خدمات الحياة: السعي لتحويل الحياة الفانية إلى حياةٍ باقية.
أما قيمةالآخرةالحياة وأهميتُها فليست إلا باعتبارها نواةً ومبدأً ومنشأً للحياة الباقية، وإلا فإنَّ حصْرَ النظر في هذه الحياة الفانية على نحوٍ يُفسِد الحياة الأبدية ويُسمِّمها ليس إلا حماقة؛ وهو ناعة وبتفضيلِ لمعةِ برقٍ خاطفة على شمسٍ سرمديةٍ.
وإن الأطباء الماديين الغافلين هم أشدُّ الناس مرضًا بمنظار الحقيقة؛ غير أنهم إذا تمكنوا أن يتناولوا ترياقَ العلاجِ الإيماني من صيدلية القرآن القدسية، داوَوا أمراضهم وداوَوا جراحات البشرية كذلك؛ ومثل باهرُتْ صحوتُك هذه بلسمًا لجراحك، فإنها ستكون دواءً لأسقامِ الأطباء الآخرين كذلك إن شاء اللّٰه.
وأنت تَعلم أن إدخال سُلوانٍ معنوي على قلبِ مريضٍ يائسٍ قانطٍ قد يكون أنفع لهى رأسيف دواء، إلا أن الطبيب الغارق في أوحال الطبيعة يزيد ذلك المريضَ المسكين ظُلمةً فوق يأسه المرير؛ فعسى أن تجعلَ منك صحوتُك هذه طبيبًا يُشِعُّ النور ويبعث السُّلوان والأمل لأمثال أولئك المساكين إن شاء اللّٰه.
تَعْلمُ أن العق التير، وأن الواجبات كثيرة؛ ولعلك إن فتَّشتَ المعلومات التي في ذهنك - كما فعلتُ أنا - وجدتَ فيها أمورًا كثيرةً شبيهةً بأكوام حطبٍ لا حاجة لها ولا أهمية، ولا فائدة ترجى منها؛ ولقد أجريتُ تفتيشًا كهذا عي ابن أمورًا كثيرةً لا لزوم لها؛ ولهذا لا بد من تحري وسيلة تجعلُ من تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية علومًا نافعةً منوَّرةً تنبض بالحياة؛ فاسألِ اللّٰه جلَّ شأنه أن يمُنَّ عليك بصحوةٍ
— 228 —
توجِّه فكرَك في سبيل الحكيم ذي الجلال سبهكذا أوتُضرِم النار في أكوام الحطب تلك فتُحيلُها نورًا، وتغدو تلك المعارف العلمية التي لا لزوم لها معارفَ إلٰهيَّةً نفيسة.
صديقي اللبيب..إن القلب ليرغب أيَّما رغبةٍ في أن يَبرز أشخاصٌ من ومعسكلعلوم الحديثة كالسيِّد "خلوصي"، يشعرون بالحاجة واللّٰهفة إلى الأنوار الإيمانية والأسرار القرآنية؛ وبما أن بمقدور "الكلمات" أن تخاطب وجدانك فعُدَّ كلَّ رسالةٍ منها رسالةً واردةً إليك لا من شخصي بل من دلَّالٍ للقرآن، واعتبرها وصفةً من صيدلية الوالرذالقدسية؛ واجعلها وسيلة مجالسةٍ وحضورٍ في الغَيبة. هذا ولك أن تراسلني متى شئت، لكن لا تتضايق إنْ لم أردَّ بجواب، فأنا منذ القديم قلَّما أكتب الرسائل، حتى إنني لم أكتب إلى شقيقي سوى التهو واحدٍ منذ ثلاث سنوات برغم رسائله الكثيرة إلي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
فقرةٌ للحافظ المُخلِص والأستاذ المُدقِّق ذي القلب النقي الحافظ "خالد" صاحب الخدمات الكثيرة السابقة في نسخ رسائل النور
أُفصِح عن شعورٍ واوالشعب آلاف المشاعر التي أُكِنُّها تجاه مؤلِّف رسائل النور، بديع الزمان ونادرة العصر وخادم القرآن سعيد النُّورْسِيّ، فأقول:
إنَّ أستاذي مَظْهَرٌ للاسم الجليل: "النُّور"، فهذا الاسمُ الشَّريف هو الاسم اللى عشري حقه؛ فاسم قريته: "نُورْس"، واسم أمه: "نُوْريَّة"، واسم أستاذه القادري: "نور الدين"، واسم أستاذه النقشبندي: "سيِّد نور محمَّد"، ومن أساتذته في القرآن: "الحافظ نوري"؛ وإمولقد أخاصُّ في الخدمة القرآنيَّة "ذو النُّورين" رضي اللّٰه عنه، كما أن آية النور التي نوَّرتْ فكره وقلبه، والتَّمثيلات النُّوريَّةَ الرفيعةَ التي غدَتْ وسيلةً لبيان المسائل المعضِلة، وتسمية فٍ بينرسائله بی"رسائل النور"، كلُّ هذا يؤيد أنَّ اسم "النور" هو الاسم الأعظم في حقه.
— 229 —
إنَّ مؤلفاته البديعة المسمَّاةَ "رسائلَ النور" مع قِسمها المؤلَّفياته، بية قد بلغت أجزاؤها حتى الآن مئةً وتسعة عشر جزءًا، (حاشية): وقد بلغت الآن مئة وثلاثين جزءًا. كلُّ رسالةٍ منها فريدةٌ في موضوعها.
وإنَّ رسالة "الحشر" التي اشتهرت باسم "الكلمة العاشرة" رسالةٌ رائعةٌ جامعةٌ فضل "ممدوسموِّها ورفعتها، ومع أن دلائل العلماء على الحشر والنشر دلائلُ نقليةٌ محضة، إلا أن هذه الرسالة قد أثبتتِ الحشرَ والنَّشرَ بدلائل عقليَّةٍ بغاية القوَّة والقطعيَّة، وأنقذتْ إيمان الكثيرين.
وإنني بسرِّ تدخلواهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا أستطيع القول: إنَّ رسائل النُّور قَمرُ معرفةٍ يستمدُّ أنواره من شمس الحقيقة: "القرٍ وقادعجِز البيان"، حتى باتتْ مصداق القضيَّة الفلكيَّة المشهورة القائلة: "نورُ القمر مُستفادٌ من الشمس".
كما أستطيع أن أقول أيضًا: إنَّ أستاذي من حيثُ صِلتُه بالقرآن قد صار بمثابة قمرٍ لشمسِ سماء الرسالة، يستمدّمر القرَ منها، أعني الرسول الأكرم (ص)، وقد تبدَّى هذا القمر في شكل "رسائل النور".
ويتجلى في أستاذي من الخصال الحميدة ما يندر أن يوجد في الآخرين، فإذا نظرتَ إلى ظاهر حاله حسِبْتَه كمَنْ لا يعرف حتى أحكام العبساسًا لكن ربما تغير الأمر فجأةً فوجدتَه بحرًا من العلم؛ يقول ما يُفتَحُ له على قدر استفادته من الرسول الأكرم (ص)، وحين لا تَرِد تلك الاستفادة منه (ص)، يعلِن فناءه عن نفسه، فيَظهر كأنه المُحاق قائلًا: "لا نور لي ولا قيمة"، وهذه الخصلةٍذاتتواضعٌ تامٌّ، وعملٌ تامٌّ بحديث: مَن تَواضَعَ رَفَعَه اللّٰه
ومن آثار هذه الخصلة فيه أنه إذا وُجِدَتْ من طلبته - من أمثالنا - مخالفةٌ له في بعض المسائل العلميَّة، دقَّق فيما قالوا، فإنْ وجده حبِسْمَبِله وسلَّم به بكلِّ تواضعٍ وسرور قائلًا: "ما شاء اللّٰه، لقد عرفتم أفضلَ مني، فجزاكم اللّٰه خيرًا"؛ فيُرجِّح الحقَّ والحقيقة دائمًا على غرور النَّفس وأنانيَّئك الأل لقد كنْتُ أخالفه في بعض المسائل فيُسَرُّ من ذلك ويثني علي، فإن كنتُ مخطئًا نبَّهني بأسلوبٍ حسنٍ دون إحراج، وإن أحسنتُ سُرَّ كثيرًا.
— 230 —
وأستاذي بارعٌ جدًّا في علم الحكمة الحقيقية على نحوٍ خاصٍ، أي في ميدان حكمة الشريعة والدين، بل ه إلى وقٌ حتى في الحكمة البشريَّة؛ حتى إنني لأستطيع القول: إنَّه قد فاق أفلاطون وابن سينا في ذلك العلم؛ ولما كان عضوًا في "دار الحكمة" قبل ثلاث عشرة سنة، تناول كتاب "فتوح الغيب" للقُطب الربَّاني والقنديل النوراني عبد القادر الگيلاني رضي اللّٰه عنه، غي لكلان بإذنٍ إلٰهيٍّ مَظهَر عونٍ ونصرةٍ وحمايةٍ له منذ صغره، ففتح الكتاب على سبيل الفأل، فظهرت له عبارة: أنت في دار الحكمة، فاطلب طبيبًا يداوي قلبك، فكانت بُوَدْ بالغةَ الأثر في نفسه، وكانت السبب في تحويله من "سعيدٍ القديم" إلى "سعيدٍ الجديد" رضي اللّٰه عنه.
وكان "سعيدٌ القديم" قد أجاب على الأسئلة الدينية القويّجهها الإنكليز جوابًا وجيزًا مُسكِتًا، وله في علم المنطق رسالةٌ بديعةٌ تسمى: "التعليقات" تفوق ما ألَّفه ابن سينا في هذا الباب؛ وقد أوصل الإشكالَ المنطقيَّ في القياس الاستقرائي إلإسلامة آلاف إشكالٍ، مُظهِرًا درجةَ إحاطةٍ لم يبلغها غيره من العلماء.
وقد وجدتُ في مؤلَّفٍ له بعنوان "السُّنوحات" أنَّه رأى نفسه يتلقى دروسًا من الرسول الأكرم (ص) في مدرسةٍ في عالَم المعنى، فألَّف تفسيرَه البديع المها جمي"إشارات الإعجاز" بناءً على ذلك الدرس المعنوي؛ وقد قال لي يومًا: "لولا أن الحرب العالمية بأحداثها ونتائجها منعتني، لكتبتُ إشارات الإعجاز ككتابن مجلَّدًا بإذن اللّٰه"، لكنَّ رسائل النور ستَحُلُّ محلَّ هذا التفسير إن شاء اللّٰه.
إنَّ لديَّ الكثير من المشاهدات المهمة على مدى سبعِ أو ثمجرائم واتٍ من صحبتي لأستاذي، لكنني بناءً على القاعدة القائلة: "القطرةُ تدل على البحر"، أجد أنَّ هذه الفقرة كافية للدلالة على البحر؛ فلقد كتبتُها على عجَلٍ إذْن أن تقت مفارقتي له، وأنا على يقينٍ من أنَّه سيشملني بدعائه بسرِّ آية: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ إذْ وجدني مرَّات عديدة حَقيقًا بصحبته.
الحافظ خالد
٭ ٭ ٭
— 231 —
القسم الثالث
حياته في أسكي شَهِر
حين رأى أعداءُ الدين العاملون في الخلَم أم رسائل النور آخذةٌ بالظهور، وأن الإسلام والإيمان قد أخذ يشتدُّ عودُهما، رفعوا في العام ١٩٣٥م دعوى إلى محكمة الجنايات في "أسكي شَهِر" تقوم على اتهاماتٍ ملفَّقةٍ مضلِّلةٍ للحكومة، تقول: "إنَّ بديع الزمان يؤسِّس منظَّمةً سرالديني، ويناوئ النظام الحاكم، ويعمل على تقويض أساساته" إلى غير ذلك من الاتهامات، وكان غرضهم من هذه الدعوى الكاذبة أن يستصدروا قرارًا يُدِينُه إدانةً قاطعة، ويُفضي إلى إعدامه.
وبناءً على هذا توجَّه إلى "إسبابي في لٌّ من وزير الداخلية وقائدِ الشرطة العسكرية يرافقهما حشدٌ من الدَّرَك كاملُ العتاد، ونَشروا على طول الطريق بينها وبين مدينة "أفيون" جنودًا خيَّالة، ووُضعتْ ولاية "إسبارطة" وما حولها تحت سيطرة الوحَدات العسكريَّة؛ إلى ن إلى ءَ ذاتَ صباحٍ إلى المكان الذي يختلي فيه بديعُ الزمان، فأُخرِج منه هذا المظلومُ البريء، وسِيقَ مع طُلابه في الشاحنات مُكبَّلين إلى "أسكي شَهِر".
وفي الطريق تعاطَفَ قائد العناصر "روحي بك" مع بديع الزمان وطُلابه، فأمر بحلِّ قيودهم، وإذا كا الطريق مؤدِّين صلاتَهم على وقتها دون فوات، وأصبح "روحي بك"صديقًا لبديع الزمان وطُلابه بعد أن أدرك حقيقةَ أمرهم وعَرَف براءتَهم.
— 232 —
زُجَّ بسعيدٍ النُّورْسِيّ ومئةٍ وعشرين من طُلابه في سجن "أسكي شَهِر"، ووُضِعَ وحدَه في زنزانتخذون رِدة، وتوالتْ عليهم صنوفٌ من العسْف والإساءة والأذى، إلا أنه برغمِ ذلك كله ألَّفَ "اللمعةَ الثلاثين"، والشعاعَين الأولَ والثاني؛ كما صلَحَتْ حالُ كثيرٍ من نزلاء الن هذه ذْ دَخَله بديعُ الزمان وتمسَّكوا بالدين.
وكان الملاحدة المتخفُّون يَبثُّون إشاعاتٍ وأراجيفَ تقول: "إن بديعَ الزَّمان وطلابَه سيُنفَّذ فيهم قريبًا حكمُ الإعدام" (حاشية): نعم، تتجلَّى نهايةُ يساير هلاكًا للظَلَمة، وقد تجلَّتْ حقًا، فها هم الذين مكروا ذلك المكر محكومون اليوم بالإعدام الأبدي للموت، يهوون إلى أسفل سافلي جهنم، ويقضون عمرًا ذليدُ الشد انكسرت شوكتهم في هزيمةٍ ماحقةٍ وعذابٍ أشد من عذاب جهنم؛ أما بديع الزمان فما زال يحيا موفور العزَّةِ الإسلامية والشهامة الإيمانية، خادمًا بطلًا للإسلام والإيمان، يحقق للشعب التركي المسلم والعالَم الإق الأكأعيادًا معنويَّة بانتصاراته الإسلامية وبإدامته خدمة الإيمان والقرآن. بغيةَ نشرِ الخوف والرهبة في "إسبارطة" وما حولَها، بينما كان رئيس حكومة عصرِ الاستبداد لإلٰهيان يقوم بجولةٍ في الولايات الشرقية تحسُّبًا من نشوبِ حركةِ عصيانٍ محتَملةٍ جَرَّاء إلقاء بديع الزمان في السجن.
والحال أن بديع الزمان سعيدًا النُّورْسِيّ كان قد اتخذ من العمل الإيجابيِّ البنَّاء دستورًا له مدىما دام، معلِنًا أنه: "لا يجوز أن تُجعَل أخطاءُ بضعةِ أفرادٍ سببًا للإضرار بمئاتِ الناس"، ولهذا لم يُؤْثَرْ وقوعُ حادثةٍ واحدةٍ في أثناء تلك المظالم المروِّعة، بل كان بديع الزمان دائمًا ما يوصي طلابه بالصبر واساءةٍ ل، وبالعمل لأجل الإسلام والإيمان فحسْب، وقد أدرك الجميعُ أن بثَّ مثل هذه المخاوف والإشاعات، والدفع باتجاه الانجراف في الأعمال التخريبية، إنملتي تدفي مصلحة الملاحدة وأعداء الدين.
أُحيلَ بديع الزمان مع مئةٍ وعشرين من طلابه على محكمةِ جنايات "أسكي شَهِر" في العام ١٩٣٥م، وصادرتِ المحكمةُ المذكورة جميعَ رسائله ومراسلاته إثر عمليَّاتِ الدَّهم والمُربّ، إلا أنها لم تجد فيها دليلًا واحدًا يُدينُهم، فأصدرت في النهاية قرارًا تعسفيًّا بناءً على رأيٍ شخصيٍّ يقضي بسَجنِ بديع الزمان أحدَ عشرَ شهرًا، وبسَجنِ خمسةَ عشرَ ممن معه ستةَ أشهر، بينما برّهجٍ إسلمئة والخمسة الباقين.
— 233 —
هذا مع العلم بأنه لو ثبت الجُرْم المُسنَد إليهم حقًّا لحُكِم على سعيد النُّورْسِيّ بالإعدام، ولحُكِم على الآخَرين ممن معه بالسجن مع الأشغال الشاقة على الأقل؛ ولهذا اعترض بديع الم تريدلى هذا القرار الذي لا أساس له، وبيَّنَ أن مثل هذا الحكم إنما يليق إنزالُه بمن يسرق بغلًا أو يخطف فتاةً، وأصرَّ على أنْ يكون قرار المحكمة منطقيًّا رصينًا، فإما أن يُحكَم ببراءته، أو يُحكَم بإعدامه أو سجنه مئةَ سنةٍ وسنة.
ولا يمكننا أنطِيّة هنا دون أن ننقل حادثةً عجيبة، وهي أنه لما كان بديع الزمان في السجن، رآه يومًا المدعي العامُّ لی"أسكي شَهِر" في السوق، فجاء إلى مدير السجن تعتريه الدهشة والحيرة، وهدَّده بالفصل من الوظيفة قائلًا: لماذا تركتم بديع الخطر يخرج إلى السوق؟! لقد رأيتُه هناك للتوِّ!!
فأجابَه المدير: كلا يا سيدي، إن بديع الزمان في السجن، بل في زنزانته الانفرادية، تفضَّل وانظر.
كون: ا ونظرا فإذا الأستاذ في مكانه؛ وشاعتْ هذه الواقعة العجيبة في قصر العدل، وتناقلَها القضاة فيما بينهم قائلين: لا تستطيع عقولنا استيعاب هذا.
(حاشية): حدثت واقعةٌ أخرى كهذه حين كان بديع الزمان في سجن "دَنِزقي علىفقد رآه الناس أكثر من مرة في مساجد مختلفة في صلاة الفجر، وسمع بذلك المدعي العام، فقال لمدير السجن غاضبًا: بلغني أنكم سمحتم لبديع الزمان بالخروج لصلاة الفجر في المسجد! فحقَِّ الشيير في الأمر وأكَّد أن الأستاذ لم يُخرَج من السجن على الإطلاق.
وفي حادثةٍ أخرى كذلك، بينما كان مدير سجن "أسكي شَهِر" جالسًا مع كاتبه في يوم جمعةٍ، إذْ سمع صوتًا يناديه: سيادةفي المير.. سيادةَ المدير، فنظر فإذا بديعُ الزمان يقول له بصوتٍ مرتفع: لا بد أن أحضر اليوم في "جامع آق"، فأجابه المدير: حسنًا سيدي، ثم عاد إلى مكتبه وهو يتمتم قائلًا: يبدو أن فضيلتاكم، ودري أنه في السجن ولا يمكنه الخروج.
ولما حان وقت الظهر ذهب مدير السجن إلى غرفة الأستاذ ليطيِّب خاطره، فنظر من النافذة، فلم يجده، فسأل الحارس، فأجابه: كاد السالداخل، ثم إن الباب مُقْفَل، فهبَّ مسرِعًا إلى المسجد، ليشاهد بديعَ الزمان يؤدي الصلاة في الجهة اليمنى من الصف الأول، ولما شارفت الصلاة على شرع بناء لم يجد بديعَ الزمان في موضعه، فعاد من فورِه إلى السجن، ليجده بدهشةٍ يهوي إلى السجود قائلًا: اللّٰه أكبر؛ وقد روى هذه الحادثةَ مدير السجن نفسُه.
— 234 —
جزءٌ من دفاع ب من ألزمان سعيد النُّورْسِيّ
في محكمة "أسكي شَهِر" عام
١٩٣٥م
تَبيَّنَ في محكمةِ "أسكي شَهِر" عدمُ اشتغالِ سعيد النُّورْسِيّ بالأمور السياسية، إلا أنه تقرر إنزال عقوبةٍ به لمجرَّد تأليفه رسالةً تفسِّرالًا يقرآنيَّةً كريمةً؛ ولا شكَّ أن هذه سابقةٌ قضائيَّةٌ خطيرة، إذْ لم تَشهَد أيُّ محكمةٍ في العالَم إنزال عقوبةٍ بمفسِّرٍ لتفسيره آيةً كريمة.
فقرة من الدفاع
هيئةَ المحكمة..
لقثَلِ أوني بأربع موادَّ أو خمس، فأوقفوني:
المادَّة الأولى:
أُخبِر عني بأنني أنوي القيام بأعمالٍ يمكن أن تؤدِّي للإخلال بالأمن العام، من خلال اتخاذ الدين أداةً للفكر الرجعيّ.
الجواب:
رته:
ا:الإمكان شيء، والوقوع شيءٌ آخَر؛ فلدى كلِّ فردٍ إمكانيَّةُ قتلِ أناسٍ كثيرين، فهل يُحاكَم بهذا الاعتبار؟! ويمكن لأيِّ عودِ ثِقابٍ أن يُحرِق دارًا عظيمةً، فهل يُزال الكبريت من الوجود لوجود هذه الإمكانية فيه؟!
ثاني ما حاشا ثم حاشا مئةَ ألفِ مرة أن تكون العلوم الإيمانيَّة التي نشتغل بها أداةً لشيءٍ سوى مرضاة اللّٰه تعالى.
— 235 —
أجل، فكما لا يمكن أن تكون الشمسُ تابعةً للقمر، كذلك لا يمكن للإيمان الذي هو المفتاحُ النورانيُّ القدسيُّ للسعادة الأبديَّة، وشمسلام بياة الأخروية، أن يكون أداةً بِيَدِ الحياة السياسية.
أجل، فليس ثمة مسألةٌ كونيَّةٌ أهمَّ من سرِّ الإيمان الذي هو أعظم مسألةٍ في الكون، وأكبرُ لغزٍ في خلق العالَم، حتىإيماني أداةً لها.
هيئةَ المحكمة.. ثِقوا أنه لو كان توقيفي الشاقُّ المُضني متعلِّقًا بشخصي وبحياتي الدنيوية فحسْب، لسكتُّ مرةً أخرى كما سكتُّ طَوالَ عشر سنين؛ لكنه لما كان متعلِّقًا بالحياة الأبديَّة لكثيرلأهل الناس، وبرسائلِ النور المفسِّرةِ لما يكشِف عن طِلسِم الكون العظيم، فإني لو كان لي مئةُ رأسٍ، يُقطَعُ كلَّ يومٍ واحدٌ منها، ما تخلَّيْتُ عن هذا الأمر العظيم؛ فلئن نجوتُ من قبضتكم فلا منجى لي - أنا الهرِم علِطٍ ب القبر - من براثن الأجل.
انظروا إلى مسألةٍ تعود إلى طِلْسِم الكون المدهِش، ذلك الطِّلْسِم الذي كان القرآنُ الحكيمُ كَشَّافَه، وكانت رسائلُ النور المفسِّرَ لذلك الكشاف العظيم تفسيرًا كأنما تُنين اله أمام الأعين بما أَوْرَدَتْه من مئاتِ المسائل، إنها مسألةُ سرِّ الإيمان المتعلِّقِ بالأجل والقبر اللذَيْن سيصير إليهما كلُّ إنسان.
فهل يمكنُ يا تُرى أن تكون جميعُ مسائلِ العالَم السياسيةِ العظيمةِ أعظمَ من الموت والأجل عثالثهان آمنَ به، حتى يَجعلَ منه أداةً لها؟!
ذلك أنَّ الأجلَ الذي يمكن أن يقطع الرأس في أيِّة لحظة، إذ ليس له وقتٌ معيَّن، هو إما إعدامٌ أبديٌّ، وإما جوازُ سفرٍ للذهاب إلى عالَمٍ أجملساعةً َ القبرَ الذي لا يُغلَق لحظةً، هو إما بابٌ لبئرِ العدم والظُّلمات الأبديَّة، وإما بابٌ لعالَمٍ أدوَمَ وأبقى وأنوَر.
فهكذا تُجلِّي رسائلُ النور بفيضِ الكشفيَّات القرآنيَّة القدسيَّة، وبقطعيَّةٍ كقطعيةِ أن (٢ ٭ ٢:٤)، وتكشِصدَّقهحَلٍّ قطعيٍّ لا شبهةَ فيه، يُبدِّل الأجلَ من إعدامٍ أبديٍّ إلى جواز سفر، ويبدِّل القبرَ من بئرِ عدمٍ لا قرار لها إلى بابِ حديقةٍ غَنَّاء؛ فلو كان لي مُلْكُ الدنيا بأسرها ما ترددتُ في التضحية به لأجد هذا الحل؛ وهذا ماًا للق كلُّ ذي لُبّ.
— 236 —
فرسائل النور أيها السادة، كشفتْ عن مئاتِ المسائل الإيمانيَّة أمثالِ هذه المسألة ووضَّحتْها؛ فأيُّ إنصافٍ يَسمح، وأيُّ عقلٍ يَقبل، وأيُّ قانونٍ يقضي بأنْ يُنظَر إليها على أنها منشوراتٌ هدَّامة وكُتُبأسوةً ِضة تُتَّخَذُ أداةً لتيَّاراتٍ سياسيَّة؟! حاشاها من ذلك ثم حاشاها مئةَ ألفِ مرَّة.
تُرى، ألن يتعرَّض الذين تسبَّبوا بهذه التُّهمة للمساءلة؟! ألن يحافظ طهم جيلُ المستقبل الآتي، وأهلُ الآخرة التي هي المستقبل الحقيقي، ألن يسألهم الحاكمُ ذو الجلال سبحانه؟!
ثم إنه ينبغي على مَن يحكمون هذا الشعب المتديِّن فطرةً في هذا الوطن المبارَك أن ينحازوا لللحل ال ويشجِّعوا عليه، فذلك ما تُمليه عليهم وظيفةُ الحُكم.
ثم ما دام من مبادئ الجمهوريَّة العلمانيَّة أن تقف على الحياد في شأن الدين، فلا تتعرَّضَ للملحدين واللاد الهوى فلا بد أنه يلزمها بالمقابل ألّا تتعرَّض للمتديِّنين بأي ذريعة.
ثالثًا:قبل اثنتي عشرة سنة، دعاني رؤساءُ أنقرة لزيارتها تقديرًا لجهادي ضدَّ الإنكليز في كتابي المسمَّى "الخ فهو ألست"، فذهبت، فلم توافق توجُّهاتهم مشاعرَ شيخوختي؛ فقالوا لي: اعملْ معنا، فقلت: لا يمكن لی"سعيدٍ الجديد" أن يعمل معكم، فهو يريد العملَ للآخرة، غير أنه بالمقابل لا يتعرَّض لكم.
أجل، لم أتعرّيا عاق، ولم أشترك مع الذين تعرَّضوا لهم، لأنه بسبب هذا التعرُّض خسرنا الدهاءَ العسكريَّ الذي كان يمكن أن يخدُم قِيَمَ الأمة الإسلامية وثوابتها، فانقلبَ وسيلةً ضدَّها للأسف.
التي ل شعرتُ بدهاءٍ لدى رؤساء أنقرة، خصوصًا لدى رئيس الجمهورية، فقلت في نفسي: لا يجوز أن يُحوَّل هذا الدهاء ضدَّ قِيَمِ الأمة وثوابتها بإثارةِ مخاوف القوم وهواجسهم؛ ولهذا تجنَّبتُ دنياهم بكلِّ وسعي ولم أتدخل فيها، وانسحبتُ من السياسة منذ ثلاث عن بلسنة، حتى لقد مرَّ عليَّ في هذه الغربة قرابة عشرين عيدًا
— 237 —
أمضيتُها - عدا واحدًا أو اثنين منها - وحيدًا في غرفتي كالسجين، لئلا يتوهَّم متوهِّمٌ أنني أخوض في السياسة.
وإليكم الأدلةَ التي تُثبِت في الد أتعرَّض لأعمال الحكومة ولم أرغب في التدخَّل بشؤونها:
الدليل الأوَّل:أنني لم أقرأ منذ ثلاثَ عشْرة سنةً شيئًا من الصُّحُف التي هي لسانُ السياسة، يعلَم هذا أصحابي في قرية "بارلا" التي لبِثتُ فيها تسعَ له ا، وأصحابي في "إسبارطة" التي أقمتُ بها تسعة أشهر؛ هذا باستثناء فقرةٍ من مقالٍ تناهتْ إلى سمعي عَرَضًا حين كنتُ في غرفة التوقيف بی"إسبارطة"، يشنُّ فيها صحفيٌّ متحاملٌ هجومًا يَنضَح بالكفر والإلحاد ضدَّ طلاب رسائل افهو أن الدليل الثَّاني:أنه لم يُرَ مني - على مدى عشرِ سنوات أمضيتُها في ولاية "إسبارطة" - أيَّةُ أمارةٍ أو علامةٍ تَنُمُّ عن محاولةِ التدخل في السياسة أثناء التحوُّلات الكثيرة التي شَهِدها العالَم.
الدليل الثالث:اعترافُتُرسًامن مكتب الوالي ومديرية الأمن العام بعدم العثور في كتبي على أيِّ محتوى أو مادَّةٍ تتعرَّضُ لسياسة الحكومة، وذلك بعد مداهمةِ مكان إقامتي بشكلٍ لا يخطر بالبال، وتفتيشِه لصور..ا دقيقًا، ومصادرةِ أخصِّ أوراقي وكتبي التي كانت بحوزتي منذُ عشرِ سنين.
فيا ترى!! لو أن رجلًا مثلي نُفِيَ بدون سببٍ عشَرةَ أشهر لا عشر وبعدَ، وتعرَّض لظلمٍ فادح، وقاسى صنوفًا من الاضطهاد والرقابة المقرونةِ بالأذى، ونُشِرَتْ أخصُّ أوراقِه الشخصية إلى العلن، أما كانت تَظهَر في هذه الأوراق عشرُ قضايا تُصفَع بها وجوهُ الظَّلَمة؟!
فإان رسا: لقد وقفنا لك على أكثر من عشرين رسالةً راسَلتَ بها الآخرين؛ فإني أقول: لقد كُتِبتْ هذه الرسائل خلال سنين ممتدة، أفيُستَكثَرُ إن كَتبتُ إلى عشرةِ أصدقاء، خلال عشرِ سنين، عشرَ رسائل أو عشرين بل مئة؟! أ والمندامت المراسلة مسموحًا بها ولم تَتعرَّض لدنياكم فليست جُرْمًا وإنْ بلغتْ ألفًا.
— 238 —
الدليل الرابع:أنكم تَرَون أن جميع كتبي المصادَرة قد ولَّتْ ظهرَها للسياسة، وتوجَّهت بكُلّرى، فهِها نحو الإيمان والقرآن والآخرة، سوى رسالتَين أو ثلاثٍ خرجَ فيها "سعيدٌ القديم" عن صمته، وثارتْ ثائرتُه على اضطهاد بعض المسؤولين القُساة؛ فهو لم يعترض على الحكومة،ى في اى أولئك المسؤولين الذين أساؤوا استعمال وظيفتِهم، فكتب شكواه متظلِّمًا؛ ومع هذا اعتبرْتُ هذه الرسائلَ خصوصيةً فلم أسمح بنشرها، وبقيتْ محصورةً بأيدي بعض خواصِّ أصحابي؛ وإنما شأن الحكومة أن تَرْقُب الظد ارتكتنظر إلى الأفعال، وليس من حقها أن تنظر إلى القلوب ولا إلى الشؤون الخاصة الخفيَّة، فلكلِّ إنسانٍ أن يفعل بقلبه وفي بيته ما يشاء، فيستاءَ من الحكام ويَذُمَّهم.
فمن ذلك أنني كتبتُ رسالةً مختصرةً ردًّا على محاولةِ بعضِ المسؤولييواناتخُّلَ في شأن عمامتي وعبادتي الخاصة على المذهب الشافعي، وذلك قبل سبع سنوات وقبل ظهور الأذان الجديد، ثم ظهر الأذان الجديد، فقلتُ: إن هذه الرسالة خصوصية، ومَنعتُ نَشْرَها.
ومن ذلك أيضًا أنني حيسهيل ت في "دار الحكمة الإسلاميَّة" كتبتُ جوابًا على اعتراضٍ آتٍ من أوروبا حول آيةِ الحجاب، ثم أَخفيتُ رسالةَ الحجاب الوجيزةَ هذه المسمَّاةَ "اللمعةَ الرابعة والعشرين"، وكانت أُخِذَتْ من الرسائل المطبوعة قديمًاشَّر اِّلتْ كإحدى مسائل "اللمعة السابعة عشرة"، أخفيتُها قبلَ سنةٍ من الآن لئلا تَمسَّ القوانين في المستقبل؛ إلا أنها أُرسلتْ على نحوٍ ما إلى إحدى الجهات لكيلا الخطأ؛ هذا مع العلم أنها جوابٌ علميٌّ مُفحِم على اعتراضِ المدنيَّة على الآية القرآنيَّة، وما ينبغي بحالٍ أن تُقيَّد الحريَّة العلميَّة في عهد الجمهوريَّة.
الدليل الخامس:اختياري الانزواءَ بقريةٍ مْ شهرتع سنوات، ورغبتي في التجرد من السياسة والحياة الاجتماعية، وعدمُ قيامي بأيِّ مراجعةٍ للجهات الرسمية في هذه السنوات العشر لئلا أتدخَّل في دنيا السياسة، وقد تحمَّلتُ في سبيل هذا جميعَ صنوف الاضطهاد والأذى المنهالَةِ عليَّ مراتٍ عديدْها فيه المرَّة، ولو أنني راجعتُ هذه الجهات لأمكنني أن أقيم في إسطنبول بدلًا من "بارلا".
— 239 —
ولعلَّ سببَ توقيفي الجائر هذه المرَّة أن والي "إسبارطة" وبعضَ مسؤولي َ الْوة ساءَهم وجرحَ كبرياءَهم عدمُ مراجعتي إياهم، فجعلوا من الحبَّة قبَّةً لحقدهم وقلةِ حيلتهم، وأثاروا هواجس وزارة الداخلية نحوي.
الحاصل:يعلم جميعُ أصحابي الذين يلازمونني أنَّ ملجنوب التَّفكير في السياسة - فضلًا عن التدخل فيها أو مباشرتها - يخالف مقصِدي الأساسي وأحوالي الروحيَّة وخدمتي الإيمانيَّة القدسيَّة، بل لا يأقول:؛فلقد أُعطِيتُ نورًا ولم أُعْطَ هِراوة سياسة.
وإحدى حِكَم هذه الحالة قناعتي بأن اللّٰه تعالى جعل في قلبي مُجانبةً ونُفْرةً شديدةً من السياسة، لئلا يُحرَم من حقائق الإيمان كثيرٌَّرَتْمتلهفين إليها ممن دخلوا في سلك وظائف الدولة، أو يَنظروا إليها بعين الرِّيْبة والانتقاد.

.......

استُجوِب المُقدَّمُ المرحوم "عاصم بكشعب كاى أنه إنْ صَدَق لحِق الضررُ بأستاذه، وإنْ كذَب عزَّ ذلك على شرفه العسكري النزيه المستقيم الممتد أربعين سنة، فدعا ربَّه: "اللّٰهم اقبضني إليك"، فقُبضَتْ روحُه بعدها بدقائق، وأمسى شهيدَ الاستقامة، وراح ضحيَّةَ أخطدينيةٍيعةٍ ارتكبها أناسٌ اعتبروا التعاونَ على الخير وموالاةَ أهله خطيئةً، مع أنه لا يُحاسِب عليهما أيُّ قانونٍ في الدنيا.
نعم، إن مَن تلقَّى الدرس التام من رسائل النلم يُرُدُّ الموت جوازَ سفر، فيَحتسي كأسَ المنيَّة بسهولةٍ كأنما يشرب كأسًا من الماء، ولولا قلقي على إخواني الذين سيبقَون في الدنيا من بعدي واهتمامي بآلام إلى قلتُ كما قال أخي العزيز "عاصم بك": "اللّٰهم فاقبِضْني إليك أيضًا".
ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ من أسباب اتهامي:
المادة الثالثة:
وهي أن رسائل النور، بانتشارِها دون إذنِ الحكومة، وتعزيزِها الشعورَ الإيماني، قد تقف في المستقبل عائقًا أمددتُ مبادئ التحرريَّة للحكومة، وتُخِلُّ بالأمن العام.
— 240 —
فالجواب:إن رسائل النور نورٌ، ولا يتأتَّى من النور ضرر؛ وقد ألقَتْ هِراوةَ السياسة مِن يدها منذ البداية قبل وش والشرة سنة، وعكفتْ على ترسيخ الحقائق القدسيَّة التي تُشكِّل حجر الأساس لحياةِ الشعب والوطن؛ وبمقدوري أن أُشهِدَ جميعَ الأفاضل الذين قرؤوها أو قرؤوا بعضَها على أنها نافعةٌ لتسعةٍ وتسعين بالمسائل وأبناء هذا الشعب المبارك دون ضرر؛ فليَبرز أحدهم ولْيقُلْ: وجدتُ فيها ضررًا.
ثانيًا:ليس عندي مطبعةٌ ولا كَتَبَة، بل لا أستطيع أن أجد أحدهم إلا بصعوبة، ولستُ حَسَن الخط، بل أنا شِبهُ أُمِّي، لا أكاد أكتب بخطِّي المَشوبِ باتاذهم من النقص صحيفةً واحدةً في ساعةٍ واحدةٍ.
ولقد ساعدني بعضُ الأكارم - كالمرحوم "عاصم بك" - بخطوطهم الجميلة التي كانت بمثابة تَذكارٍ لي، فدوَّنوا ذكرياو ثلاثغربتي المفعمة بالحزن؛ ثم طلبَ بعضُ الأفاضل قراءةَ تلك الأنوارِ الإيمانيَّة، إذْ وجدوا فيها الدواء الناجع لدائهم، فلما قرؤوها رأوها بحقِّ اليقين ترياقَ حياتهم الأبدية، فاستنسخوها لأنفسهم.
ودونكم "رسالة الفهرست"، وهي بأيديكم وتحت نظر تدقيقكماني سنا تُظهِر أنَّ كلَّ جزءٍ من رسائل النور يفسِّر حقيقةَ آيةٍ قرآنيَّة، خصوصًا الآياتِ المتعلقةَ بأركان الإيمان، فقد فسَّرتْها ووضَّحتْها أيَّما إيضاح، بحيث أفشلتْ مخططاتِ الهجوم على القرآن التي وضعَها فلاسفةُمامَه ا منذ ألف سنة وقوَّضتْ أُسُسَها.
وثمة برهانٌ واحدٌ من بين آلافِ البراهين الإيمانيَّة والتوحيديَّة في الرجاء الحادي عشر من "رسالة الشيوخ" التي بين أيديكم الآن، فطالعوه كعيِّنةٍ أو نموذج، ودقِّقوا فيه؛ سيتبين لكم حيمَن يتحةُ دعواي من خطئها.
ثم إنني على يقينٍ من أنَّ كلَّ من يطالع بإنصافٍ نماذجَ من رسائل النور، كی"رسالة الاقتصاد"، و"رسالةِ المرضى" ذاتِ الخمسةِ والعشرين دواءً إيمانيًّا، و"رسالة الأسئوخ" ذاتِ الثلاثة عشر رجاءً وسلوانًا إيمانيًّا للمُسنِّين، سيُقدِّر عظيمَ منفعتِها للوطن والشعب؛ إذْ هي كنزُ ثروةٍ ثمينٌ، وترياقٌ، وضياءٌ، لْ لا يو على نصف أبناء هذا الشعب المبارك من طوائف الفقراء والمرضى والمُسنِّين.
— 241 —
وأقول لمساعدتكم في مهمة التحقيق: إن "رسالة الفهرست" فهرسٌ لقسمٍ من رسائلي التي لها من العمر عشرون عامًا، وأصولُ بعضِها تبدأ من "دار الحكمة"؛ ذاك، امُ التي في "الفهرست" ليست على ترتيب التأليف، فی"الكلمة الثانية والعشرون" مثلًا أُلِّفتْ قبل "الكلمة الأولى"، و"المكتوب الثاني والعشرون" كُتِبَ قبل "المكتوب الأول"، ومِثلُ هذا كثير.
ثالثًا:إنَّ أجزاء رسائل النُّور الدِر العبارةٌ عن عِلم الإيمان، تُحقِّق الأمن والاستقرار وتُرسيهما؛ أجل، فالإيمان الذي هو منشأ الأخلاق الحسنة ومنبع الخصال الحميدة، لا يُفسِد الأمنَ البتة، بل يُحقِّقه ويُعزِّزه، في حين أن انعدامَ الأخلاق الناجمَ عن عدمِ الإيمان هو ما يُخِلُّ بالأ فمثل واعلموا أنني قرأتُ في صحيفةٍ قبل عشرين أو ثلاثين سنة كلمةً لأحدِ وزراء المستعمرات البريطانية يقول فيها: "لن نستطيع أن نُحكِم السيطرة على المسلمين ما دام هذا القرآنُ بأيديهم.. علينا أن نجتهد لانتزاعه من أيدي أنت ملتهوين من شأنه في نظرهم"، فحوَّلتْ كلمةُ هذا الكافرِ المعانِد نظري إلى فلاسفة أوروبا منذ ثلاثين سنة، فأنا أجاهدهم بعد جهادِ نفسي، ولا ألتفت كثيرًا إلى الأمور الداخلين النوأقول: إن مساوئ الداخل هي مِن خطايا أوروبا وإفسادِها؛ فلهذا أشنُّ هجومي على فلاسفتها وأصبُّ عليهم جامَ غضبي؛ وحمدًا للّٰه أن رسائل النور قد أفحالبيض لاسفةَ الماديين والطبائعيين، وحطَّمتْ أمنياتِ ذلك الكافر المعاند.
فليس في العالَم حكومةٌ مهما كان شكلُها تمنع نِتاج بلدها المباركَ، ور مؤلّ قوَّتِها المعنويَّة التي لا تتزعزع، أو تُدِين ناشرَها؛ وإن الحريَّة التي يتمتع بها الرهبان في أوروبا تُبيِّن أنْ ليس ثمةَ قانونٌ يتعرَّض لمن عزفوا عنلطلبة ا وفرَّغوا أنفسهم لإيمانهم وآخرتهم.
الحاصل:إنَّني على يقينٍ أنَّه لا يوجد في العالَم قانونٌ يمنع أو يستطيع أن يمنع رجلًا طاعنًا في السن، محكومًا بالنفي دون سبب منذ عشر سنوات، ممنوعًا في الغربن الحيلتواصل والمخالطة، أن يكتب خواطرَه العلميَّة المتعلِّقة بإيمانه الذي هو مفتاح
— 242 —
السعادة الأبديَّة؛ وإنَّ عدمَ انتقاد تلك الخواطر من قِبَلِ أيِّ عالِمٍ حتى الآن لَيُثبِت أنَّها عينُ الحقِّ ومحضُ الحقيقة.
ومن الأسباب المعلُ تصديتهامي وتوقيفي:
المادة الرابعة:
أُخبِر عني أنني أعطي دروسًا لها علاقةٌ بالطُّرُق الصوفية الممنوعة من قِبل الدولة.
الجواب:
أولًا:جميعُ كتبي التي بين أيديكم شهودٌ على أنني منشغلٌ بالحقائق الإيمانيَّة؛ ثم إنَّني كتبتُ في رسائل عدّد، فكييِّنًا أنَّ"الزمان ليس زمانَ الطريقة، بل هو زمانُ إنقاذ الإيمان، فالداخلون إلى الجنَّة بدون الطريقة كثيرون، لكنْ لا أحد يدخلُها بغير إيمان، ولهذا فالزمانُ زأننا، لعمل للإيمان".
ثانيًا:أنا في ولاية "إسبارطة" منذ عشر سنوات، فليبرُز أحدٌ من أبنائها ولْيقُل: لقد أعطاني درسًا في الطريقة؛ نعم؛ إنني باعتباري عالِمين، فأَمتُ بعضَ الخواصِّ من إخوان الآخرة دروسًا في العلوم الإيمانيَّة والحقائق العالية، وليس هذا تعليمَ طريقةٍ بل هو تدريسُ حقيقة.
على أنَّا شاسعمرًا آخر، وهو أنني شافعيُّ المذهب، وتختلف تسبيحاتي بعد الصلاة عن تسبيحات الحنفيَّة بعضَ الشيء؛ ثم إنني أنشغل من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء وقبلَ الفجر بأمورٍ كالاستغفار وتلاوة القرآن، فلا أستقبل أحدًا، وأظنُّ أنْ ليس في الدنيا قانونٌ يمي السع يمنع هذا.
وبمناسبة مسألة الطريقة هذه، فإنني أُسأل من قِبَل موظَّفي الحكومة والمحكمة: بِمَ تعيش إذًا؟
والجواب:إنني أعيشُ معظم الأيام بمئةِ بارةٍ يوميًّا، بل أعيش أحيانًخامس:وفٍ أقلَّ من ذلك كما يعلم أصحابي الذين يلازمونني، وما هذا إلا ببركاتِ شدة الاقتصاد، وبخزينةِ القناعة التامة، حتى إنني على مدى سبعِ سنين تدبَّرتُ حاججعله ي كاللباس
— 243 —
والحذاء ونحوها بسبعِ ورقاتٍ نقديَّةٍ فقط، وهذا أمرٌ يعرفه أهل "بارلا" التي أقمتُ بها تسع سنين.
ثم إنني بشهادةِ سيرتي التي بين أيديكالفرد َّفتُ طَوالَ حياتي عن هدايا الناس وصدقاتهم، وردَدتُ هدايا خُلَّصِ أصدقائي كاسرًا خواطرهم، ويعلَم أصحابي الذين يعاونونني أنني إنِ أُحرِجتُ لقبول هديَّةٍ قبِلتُها على شرمها كمافأة.
وقد أنفقتُ معظمَ رواتبي التي أخذتُها من "دار الحكمة الإسلاميَّة" على طباعةِ الكتب التي ألَّفتُها في ذلك الحين، وادَّخرْتُ البعضَ اليسير منها للذهاب إلى الحج، فكفاني ذلك المالُ القلوى بعضَ سنين ببركة الاقتصاد والقناعة، فلم يُرَقْ ماءُ وجهي، وما تزال ثمةَ بقيَّةٌ من ذلك المال المبارك.
هيئةَ المحكمة..
ما ينبغي أن يُمَلَّ من سماعِ إفادتي الطويلة هذه؛ فلقد أُرفِق بأوراقِ مذكام يُفتوقيفي عشرون أو ثلاثون كتابًا من كتبي، وإن هذه الإفادة الطويلة تُعَدُّ قصيرةً بلا شكٍّ في مقابل هذا المقدار من أوراق اتهامي.
أنا لا أعرف القوانين، إذْ لم أتدخَّل في شؤون الدنيا منذ ثلاث عشرة سنة؛ وسيرتي شاهدةٌ على أنني أترفع عن مما ثم قخديعة والتضليل للدفاع عن نفسي، فلقد بيَّنتُ حقيقة الحال كما هي؛ وإن لكم ضميرًا ووجدانًا، وتعرفون وجوه تطبيق القوانين دون عَسْف، فأصدِروا حُكمكم بحقِّي.
واعلموا أيضًا أنَّ بعض الموظذين سيعديمي الكفاءة نظروا في أمري نظرةَ تضخيمٍ ومبالغة، فجعلوا الحبَّة قبَّة، وذلك لقلَّةِ حيلتهم، أو لشدة هواجسهم، أو بسببِ مزاعمَ مختلَقةٍ يُتَذَرَّعُ بها كما هي ذريعةُ الذئب مع الحَمَل، أو لنيلِ مرتبة، أو حيلةً نعم،تهيئةِ الأرضيَّة لتطبيق قوانين التحرر الجديدة، ليتزلَّفوا بذلك إلى الحكومة؛ وأملُنا فيكم أن تُظهروا بكفاءتكم قُبَّةَ أوهامهم حبَّةً، أي أن تَقلِبوا منظارَهم فتنظروا بعكسِلمعجزاروا.
— 244 —
ثمَّ إنَّ لي رجاءً، وهو أنْ تعيدوا إليَّ كتبي المصادَرة التي لا تُقدَّر عندي بمال؛ وكانت مكتبة أنقرة تلقَّتْ قسمًا مهمًا منها قبلَ اثنتي عشرة سنةً بامتنانٍ وشكر، وأعلنَ قيِّمُ المكتبة ذلك في الصُّحف.
حيث كُ - بالإذن من هيئتكم المخوَّلة بالحكم في هذه القضية المصيرية - أن تَرفعَ نسخةً من إفادتي هذه إلى المدعي العام، ليقيم دعوى على مَن ألحقوا الضع أولئ ونسخةً إلى وزارة الداخليَّة، ونسخةً ثالثةً إلى مجلس النوَّاب.
التتمة الأولى لدفاعي السابق
أَلفِتُ نظرَ المحقِّق والهيئةِ الحاكمة إلى أنني أُضيفُ ثلاثَ موادَّ إلى إفادتي السابقة.
المادَّة الأولى:يسألوننا بإصرارٍالإشاراستغرابَنا ودهشتَنا، ويُشعرنا بوجود مكيدةٍ مدبَّرةٍ للتذرُّع بالاتهام، فيقولون لنا وكأننا تجمُّعٌ أو تنظيم: من أيِّ جهةٍ تقبضون المال لعملِ هذا التنظيم؟
الجوال، فالأولًا:وأنا بدوري أسأل هؤلاء: ألديكم وثيقةٌ أو أمارةٌ على وجودِ تجمُّعٍ سياسيٍّ من قِبَلِنا؟ وهل عثرتم على حجَّةٍ أو دليلٍ يفيد أننا أسَّسنا تنظيمًا بالمال حتى تسأِهِ، ا السؤال بكلِّ إلحاح؟!
فأنا تحت الرقابة المشددة بولاية "إسبارطة" منذ عشرِ سنين؛ وإنَّ رجلًا يعيش غريبًا وحيدًا، ولا يَرى من الناس أحدًا سوى واحدٍ أو اثنين يقومان على شؤونه، وسوى ضيفٍ أو ضيفين كلَّ عشرةِ أيام، قد سئِم الدنيا، ونَفَر مي، واقاسة أشدَّ النفور، وشهِد عدة مراتٍ ما لحِق التجمعاتِ والتنظيماتِ السياسيَّةَ القويَّةَ المعارِضةَ من عظيم الضَّرر والعُقْم بانقلاب نتائج عملها إلوا علِ مبتغاها، ورفَضَ التيَّاراتِ والتجمُّعات السياسيَّة فلم يشارك فيها عندما سنحتْ له أهمُّ فرصةٍ بين قومه والآلافِ من مُواليه،
— 245 —
واعتبر خدمةَ الإيمامطلقًاحقيقيِّ أمرًا في غايةِ القدسيَّة، لا يجوز أن تشوبها أيُّ شائبةٍ، فضلًا عن إفسادِها في أغراضٍ سياسيَّةٍ الذي هو جنايةٌ عظمى، ففرَّ من السياسة فرارَه من الشيطان، متَّخذًا لنفسه دستورًا منذ عشر سنين: ً علميباللّٰه من الشيطان والسياسة، وأنَّ الحيلةَ في عدم الحيلة، وكان مع هذا عصبيَّ المزاج يُفشي أسراره بلا تحفُّظ، ولم يُشعِر بهذا التنظيم موظَّفي ولاية "إسبارطةِ" الواسعةِ مالطريقاسيس والمخبرين مدَّة عشرِ سنين؛ أقول: إن رجلًا هذه حالُه، يأتيه مَن يقول له بعد هذا كلِّه: "إنَّ ثمة تنظيمًا تقف خلفه وتدير أنشطتَه"، ستُقابَل افتراءاتُه هذه بالمقت والازدراء لا مني فحسْب، بل من ولاية "إسبارطة" وجميعِ معارِإلا دم حتى من جميع أهل العقل والوجدان، وسيقولون له: إنك تتهمه بناءً على مخطَّطاتٍ مغرِضة.
ثانيًا:إنَّ قضيتَنا هي الإيمان، وإن لنا بأُخوَّةِ الإيمان رابطةً مع تسعةٍ وتسعين بالمئة من أهالي "إسبارطة" وأبناءِ الوطن؛ أما التنظيم فهو اتفاقُ احتياةٍ من بين أكثريَّة، فوجودُ ما نسبتُه تسعةٌ وتسعون في مقابل واحدٍ لا يُعدُّ تنظيمًا؛ وواقعُ الحالِ أن المُلحِد الجائر المتحامل يظن أن كلَّ الناس مُلحدون مثلَه، فيُشيع ذلك لإهانةِ هذا الشعب المتديِّن سطحِ رك.
ثالثًا:إنَّ إنسانًا مثلي أحبَّ أمة التُّرْك صادقَ المحبَّة، وقدَّرَها بالِغَ التقدير، لِما حَظِيَتْ به من ثناءِ القرآن، ووالى هذه الأمة اثلاثةَلت لواء القرآن وواجهتِ الدنيا بأسرها منذ ستمئة سنة، وخدمَها خدمةً فعليَّةً تعدِل خدمةَ ألفِ تركيٍّ قوميٍّ بشهادةِ ألفٍ من أبنائها، واختار هذه الغربة لتفضيله ثلاثين أو أربعين شابًّا من شباب التُّرْك على ثلاثين ألفًا من أبناء بلده وقومه ، بمعنكي الصلاة، وحافظَ على العزة العِلميَّة لمقامِ أهل العلم، ودرَّسَ الحقائقَ الإيمانيَّة بأوضح صورة؛ أفإنِ ارتبط به عشراتٌ أو مئاتٌ بل آلافٌ من تلاميذه - في غضون عشر سنين أو عشرين ألَّا نين - بخالصِ رِباطِ الإيمان والحقيقة والآخرة، ارتباطَ تضحيةٍ وفداء، أو أصبحوا إخوانَ الآخرة، أيُستَكثَر هذا بحقِّه أو يُعَدُّ ضارًّا؟! أم يُجيز أحدٌ من أهل الضمير والإنصاف أن يكونوا محلَّ نقد؟! أم يمكن أنْ يُنظَر إليهم على أنهم تنظيميت بعضي؟!
— 246 —
رابعًا:كم بَعُدَ عن الإنصاف مَن وجَّهوا سؤالَ: "مِن أين تأخذ المال لتعيش وتؤسِّس المنظَّمات؟" لرجلٍ تدبَّر أمورَه طَوالَ عشرِ سنين بمئةِلا يتأ نقديَّة، وربما أنفق في اليوم أربعين بارةً فحسْب، ولَبِس عباءةً مرقَّعةً سبعين رقعةً على مدى سبع سنين!! يدري ذلك أهلُ الإنصاف.
المادَّة الثانية:أرادوا افتعال حادثةٍ مدبَّرةٍ على أقسى حادثة "مَنَمَنْ"، بإرهاب الناس وخداع الحكومة بخدعةِ تسهيلِ تطبيقِ القوانين التحرريَّة، فجاؤوا بي من "بارلا" إلى "إسبارطة" بالقوة، متذرعين بذريعةِ تمنة كأقبُّل القوانين التحرُّريَّة للحكومة، فلما تبيَّن لهم أنني لا يمكن أن أكون أداةً لمثل هذه الفتن، وليس لديَّ أيُّ ميلٍ لمثل هذه المشاريع العقيمة التي تُلحِق الضرر بالوطن والشعب والدين من جميعِ الجهات، غَيَّروا مخطَّطاتهَ على ؤوا إلى مكائد لا تخطر بالبال ولا بالخيال، مستفيدين من شهرتي الزائفة التي لا تعجبني، فألبسوني حادثةً مُفْتَعَلةً على غِرار حادثةِ "مَنَمَنْ" المظلومن، مع ؤوا بي من "إسبارطة" إلى "أسكي شَهِر"، مُلحقين عظيمَ الأذى بالشعب والحكومة وكثيرٍ من الموقوفين الأبرياء؛ فلما انكشف كذبهم للعِيان اليوم، اختلقوا مزاعم كمزاعمِ الذئب للحَمَل، يريدون بها ى سِرّسَ على رجال القضاء؛ وإنني من جهةِ حقي المدنيِّ في الدفاع أذكِّر رجالَ القضاء بحاجتهم إلى التيقُّظ والحذر تجاه هذه المسائل.
والحقُّ أن أولئك هم مَن ينبغي أن يُتَّهَموا، فقد سبق أنْ تزلَّفوا لبعض رجال الحكومة، وافتعلوا بالحيلة حالسيوفصغيرةً هيِّجوا بها بعضَ السذَّج الأبرياء المساكين، وورَّطوهم خلف قناع تنظيمٍ وهميٍّ، ثم ضلَّلوا الحكومة فجعلوا الحبَّة قبَّةً كما يفعل الشياطين، وتسبَّبوا بسحقِ كثيرٍ من الأبرياء، وألحقوا بالبلاد عظيمَ الأضرار، وحمَّلو" عند هم الأوزار، فقضيَّتُنا كهذه تمامًا.
المادة الثالثة:لا بدَّ أن تكون المحكمةُ أكثرَ دوائرِ الحكومةِ محافَظةً على استقلاليَّتها، وأَولى مَن يُكلَّف بالنظر بحياديَّةٍ وتجرُّدٍ عن المشاعر تجاه المؤثِّرات الخارجية؛ واستنادًا إلى هاضلون ستقلالية فإن لي حقَّ الدفاع بحرِّيَّةٍ عن حقوق حريَّتي.
— 247 —
أجل، ففي جميع المحاكم قضايا تتعلق بالأموال والأرواح، ولو أن قاضيًا غضِب من قاتلٍ ما، فأمَر لأجل ذلك بإعدامه، لأصبح هو الآخَر قاور يَعومعنى هذا أنه إنْ لم يتحرَّر موظَّفو القضاء ويتجرَّدوا تمامًا عن جميع المشاعر والمؤثرات الخارجية، فقد يرتكبون آثامًا مروِّعةً ضمن عدالةٍ صُوْريَّة.
ثم إن للجُناة والمعارضين ومَن ل عليه، لهم حقوقًا، وهم يطلبون لتحصيلها مرجعًا يكون بغايةِ الحياد.
وإن ثمة تعبيرًا يُوجَّه إليَّ، وهو من منظور العدالة يوحي بالتحيُّز، ويحوِّل ماهيَّة العدل إلى ظلم، وهو أنهم يخاطبونني أثناء بعض الاستجوابات هنا وفي "إسبارطة" في كلِّ مرة أيها عيد الكردي"، أو: "هذا الكردي"، مع أنَّ اسمي سعيد النُّورْسِيّ؛ وهم بذلك يثيرون النعرة القوميَّة لدى أصحابي من إخوان الآخرة، ويهيجون المشاعر ضدي، ويُحوِّلون مجرى المحكمة وماهيَّةَ عدالتها إلىم إن ا ونقيضِه بالكامل.
نعم، ومع وجودِ حوادثَ تاريخيَّةٍ كثيرةٍ تُبيِّن أن الشرط الأول للعدالة هو أن تنظر المحكمة والقاضي في القضايا بغايةِ الحِياد بدون أيِّ شائبةِ التحيُّز، كجلوسِ سيِّدِنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه زمنَ خلافته في المحكمةا مُحاًا مع يهوديٍّ، وتقاضي كثيرٍ من الأمراء مع أفرادٍ من عامَّة الناس في محاكم العدل، فإنني أقول لمن يريدون تضليل نظر العدالة وإثارة المشاعر تجاهي بكوني أجنبيًّا غريبًا:
أيّل: إننسادة..أنا مسلمٌ قبل كلِّ شيءٍ، ولدتُ في "كردستان"، لكني خدمت الأتراك، وإليهم توجَّهتْ تسعٌ وتسعون بالمئة من خدماتي النافعة، وبينهم قضيتُ معظمَ حياتي، ومنهم كان أصدنور الاني وأخلصُهم.
وإنني أستطيع أن أُشهِد ألفًا من الشباب التركيِّ الحقيقيِّ الشَّهم على أنّني خدمتُ الأمَّة التركية أكثر مما خدمَها ألفٌ ممن يتظاهرون بأنهم عُشَّاقُ القوميل الزاتركية ويصفونني بالكرديّ، فلقد أحببتُ الأتراك ومِلتُ إليهم أكثرَ من غيرهم، وذلك بمقتضى خدمتي القدسيَّة ومسلكي القرآني؛ إذْ كان التُّرْك أكثرَ جيوشِ الإسلام بطولةً.
— 248 —
كما أُشهِد على دعواي هذٍ قد أين بل أربعين كتابًا من كتبي الموجودة بأيدي هيئة المحكمة، خصوصًا رسائل "الاقتصاد" و"الشيوخ" و"المرضى"، التي تخدُم فئاتٍ من أهل المصائب الا، مستوالمرضى والمتديِّنين الأتقياء الذين يشكِّلون أربعةَ أخماس الشعب التركي، خدمةً تعدِل خدمةَ ألفٍ من دعاة القوميَّة التركية، فهذه الكتب ليست بأيدي الأكراد، بل بأياصل، إباب التركي.
وأستأذن هيئة المحكمة لأقول لأولئك الملحدين الظلمة الذين أقحمونا في هذه المصيبة، واستغفلوا أشخاصًا رفيعي المستوى من رجال الحكومة، وحاكوا المؤامرات بذريعة القومية:
أيها السادة.. أمِنَ القوميَّة أن تَزجُّوا في هذه الملشخصَ كثرَ من أربعين شخصًا هم من خيرةِ شبابِ التُّرك ومن أجَلِّ شيوخهم - كأنَّهم ارتكبوا جريمةً كبرى - بسببِ مادةٍ لم تَثبتْ بحقي، ولو ثبتت لم تكنْ جرمًا، ولو كانتْ جرمًاعُ جميوحديَ المسؤولَ عنها؟!
نعم، يوجد بين مَن طالَهم هذا التوقيف المتعسِّف الجائر رجالٌ أفاضل هم مَبعثُ فخرٍ للشباب التركي، (حاشية): بعد أن قاسى هؤلاء شهرين من التوقيف الشاق المُضْني، أُخلي سبيلهم بناءً على قرارٍ بمنع المحاكمة. أفيكوياة اللقوميَّة أن يُعتَقَلوا من بين أهلهم وأبنائهم، ويُساقوا كالمجرمين، ويُزَجَّ بهم في هذه البَلِيّة، لمجرَّد أنني عرفتُ قَدْرَهم من غير أن ألقاهم، فبلَّغتُهم سلامًا أو بعثتُ إليهم برسالةٍ إيمانيَّةٍ؟!
إنني أقول - وأنا الذي أُعَدُّ فالةَ بم من أمَّةٍ غير متحضِّرة یی: يوجد بين هؤلاء الموقوفين من شبابِ الترك الأماجد وشيوخِهم الموقَّرين مَن لا أستبدل بالواحد منهم مئةً من بني قومي؛ل هذه فيهم مَن لأجله تركتُ الدعاء منذ خمس سنين على المسؤولين الذين ما فتِئوا يظلمونني منذ عشر سنين؛ وإنَّ فيهم من الأصحاب الأكارم مَن رأيتُ فيهم بكمالِ التقدير والإعجاب أطهرَ نماذج السجايا العالية، وعرفتالتمثيلالهم سرَّ تفوُّق الشعب التركي.
— 249 —
وإنني لأؤكد متعهِّدًا بوجداني وبأماراتٍ كثيرةٍ أنْ لو كانتْ لي أبدانٌ بعددِ أولئك الموقوفين الأبرياء الأفاضل، أو لو استطعتُ أن أتلقى جميعَ أنواع المشاقِّ النازلة بهم، لطل المباواللّٰهِ - أن أتحمَّلها بدلًا منهم بكل فخر.
وما كان شعوري هذا تجاههم إلا لقيمتهم الذاتية، لا لمنفعةٍ تنالني منهم؛ فبعضُهم أراهم الآن لأول مرة، ورلضارَّتفع بعضُهم بي وتضرَّرتُ بسببه، لكني لو تضرَّرتُ بسبب هؤلاء آلاف الأضرار، ما نزلتْ قيمتُهم في نظري.
فيا أيها الملحدون الظَّلمة أدعياءُ القوميَّة.. أَمِنَ القوميَّة إهانةُ وإذلالُ هؤلاثبِت إارم الذين هم مَبعَث فخرِ الشعب التركي استنادًا إلى مزاعم تافهةٍ مكرَّرة بسببِ كرديٍّ مثلي حسَبَ تعبيركم؟! أهذه هي القوميَّة التركية؟! أهذه هي الوطنيَّة؟! هيا.. أُحيل هذا إلى ضميركم عديمِ الإنصافا عائدقد أخْلتِ المحكمةُ العادلة سبيلَ أكثرهم عندما علِمتْ براءتَهم، فإن كان ثمة جُرْمٌ فهو جُرْمي، أما هم فكلُّ ما فعلوه - لكريمِ أخلاقهم - أه.
َّموا خدماتٍ صغيرةً لشيخٍ غريبٍ طاعنٍ في السن مثلي، فأوقَدوا له المدفأة، وجلبوا له الماء، وأعَدُّوا له الطعام، وبيَّضوا بعض رسائله الخاصة، وما فعلوا كلَّ ذلك إلا ابتغاءَ وجه اكذلك اوحدَه؛ وذيَّلوا بتواقيعهم على سبيل الذكرى رسالتَين من رسائلي - هما عندي بمثابةِ دفتر مذكِّراتٍ - ليَسُرُّوا خاطري؛ فهل في الدنيا قانونٌ يا تُرى أإيداع ٌ أو مصلحةٌ تؤاخِذُ أمثالَ هؤلاء بمثل هذه الذرائع الباطلة؟!
التتمة الثانية لدفاعي
هيئةَ المحكمة..
لعلَّكم تجدون في بياناتي التالية أمورًا لا لزوم لها من منظورِ وظيفتِكم، إلا أنها مسائل تتعلَّق بعُون لكبلاد، بل بالعالَم أجمع، فلستُم وحدَكم مَن يستمع، بل أولئك أيضًا يستمعون معنًى.
— 250 —
ثم إنكم سترون في بياناتي شيئًا من عدم الترتيب، والسببُ أنني مُنِعتُ حقًّا مهمًّا من حقوقي، ذلك أني لطالما رجوتُ منهم - لرداءة خطي -لًا منعيِّنوا لي كاتبًا أستطيع أن أُمْلي عليه استدعاءً للدفاع عن حقي في هذه المسألة التي هي مسألةُ حياةٍ أو موت، فلم يفعلوا، بل منعوني الكلامؤول قبا باتًّا مدَّةَ شهرين ظلمًا وجَورًا؛ فلأجل هذا لم أستطع أن أكتب بخطي الرديء المشوَّش كتابةً منتظمة.
وهذا آخر بياناتي:
لو فرضنا جدلًا أن رسائل النور - كما جاء في تقارير المخبِرين والمفسدينمنبع حارض بعضَ سياسات الحكومة وقوانينِها ولا توافقها، وأنها تحمل قناعاتٍ سياسيةً مغايرة وأفكارًا معارِضة، وأنها بعمومها لا تتحدث عن الإيمان بل عن السياسة؛ فإني أقول جوابًا على هذا الادعاء الظاهر افتراؤهغضِّ اا دامت الجمهوريَّةُ أوسعَ أشكال الحرية، وما دامت الحكومةُ قد قَبِلَتْ أكثرَ أشكال الجمهوريَّة تحرُّرًا، فليس لحريَّةِ الجمهوريَّة أن تُجرِّمَ الحريَّةَ العلميَّةَ بحال، أو تضعَ أفكارها الصائبة وقناعاتهاة فما يَّة الحقيقيَّة القطعيَّة التي لا تُرَدّ تحت وصاية الاستبداد ما دامتْ لا تُخِلُّ بالأمن؛ أجل، وهل في العالَم حكومةٌ يكون الجميعُ منها على قناعةٍ سياسيَّةٍ واحدة؟!
ولنفرض جدلًا أنني كتبتُ قناعاتي اغير أنةَ خُفيةً لنفسي، وأطلعتُ عليها بعضَ خواصِّ أصحابي، فإني لم أسمع بقوانينَ تقول: إن في هذا جُرْمًا؛ والحالُ أن رسائل النور إنما تبحثُ في الإيمان، ولم تَسقُط في ظلمة السياسة، بل لا تتنزَّل إليها أصلًا.
ولو فرضنا أن ملحدًا جاهلًا بماهيَُّهيبُ مهورية العلمانية قال: "إن رسائلَك تشكِّل تيارًا دينيًّا قويًّا، وتعارض مبادئ الجمهوريَّة اللادينيَّة".
فالجواب:نحن نعلم أن الجمهوريَّة العلمانيَّة تعني فصل الدين عن الدنيا، أما أن تعمةٍ ونلا يخطر بالبال من رفضِ الدين، وأن تكون بغير دينٍ مطلقًا، فهذا أمرٌ لا يَقبله إلا ملحدٌ في غاية الحماقة.
— 251 —
أجل، فكما لم تعشْ أمةٌ في الدنيا بلا دين، فقد تميزت أُمَّة الترك عبض أو اور بأنها كانت مسلمةً حيثما وُجِدتْ في أقطار العالَم، بينما يوجد في سائر الشعوب الإسلاميَّة الأخرى مهما صغُرتْ فريقٌ غير مسلم.
فهذه أمةٌ مباركةٌ نصبتْ مفاخرَها على وجه البسيطة الدنين المصادر الدينيَّة أمةً متديِّنةً تديُّنًا حقيقيًّا صادقًا، وخَطَّتْ تلك المفاخرَ بسيوفها جيشًا بطلًا للدين الحقِّ ألفَ سنة، فحين يتَّهمها الكذَبَة ممن لا دين لهم ولا انتماء بأنها ترفض الدين أو أنها لادينحانه، إنما يرتكبون جريمةً كبرى يَستحقُّون أن يَلقَوا جزاءَها في أسفل سافلي جهنَّم.
والحال أنَّ رسائل النور لا تتحدث عن دائرة الدين الواسعةِ التي تشمل حتى قوانين الح أو شراجتماعيَّة، وإنما أصلُ موضوعها وهدفُها الذي تتحدث عنه أركانُ الإيمان العظيمة التي هي أخصُّ وأسمى أقسام الدين.
ثم إنَّ أكثر مخاطَبِيَّ - بع الكتب أولًا - هم فلاسفةُ أوروبا؛ وما دامت هذه المسائل القدسية صحيحة، فإني لا أتصوَّر أحدًا يمكنه أن يتوهَّم منها الضررَ سوى الشياطين.
وإنما كانت هنالك ثلاثُ أو أربع رسائل وُجِّهتْ إلى ما هَدمسؤولين بصورةِ شكوى ناقدة، غير أنها لم تكن لانتقاد الحكومة أو مناوأتِها، بل كانت ضدَّ بعض المسؤولين الذين ظلموني وأساؤوا استعمال وظيفتهم؛ وقد اعتبرتُها رسائلَ خصوصيَّةً ومنعتُ نشرَها لكي أصاب ن مبعثًا لسوء الفهم.

وقد أُلِّفتْ أكثرُ الرسائل الأخرى قبل أربع أو خمسِ سنواتٍ، وأُلِّف بعضُها قبل ثماني سنوات، وأُلِّف بعضُها الآخر قبل ثلاث عشرة سنة، أما رسائل "الاقتصاد" و"الشيوخ" و"المرضى" فألِّفلوا هذالسنة الماضية؛ ومع هذا فكلُّ مَن له ذرَّةٌ من عقل إنْ دقق في الرسائل بحياد، سَلَّمَ أنها لا تعارض قوانين الحكومة، وليس فيها إخلالٌ بالأمن ولا إضلالٌ للشعب، بل يلأمر". على العكس من ذلك - أن ت~,Oبَل بالتقدير من قِبَل الحكومة.

ولو فرضْنا جدلًا أن الكثير من نقاطها يعارض وجهة نظرِ الحكومة، فإنني بموجب قانون العفو المنشور مؤخَّرًا، والذي يعفو عن هذا النوع من السلامُ الواقعة
— 252 —
قبل تاريخ ٢٨ تموز/يوليو ١٩٣٣م، أدَّعي بأنه لم يعُد ثمة داعٍ لملاحقة هذه الرسائل، وأطالب بإعادتها وبرفع الظلم عنا على الفور.
فإنْ قال سِكِّيرٌ فاقدُ التمييز عديمُ الوجدان، يرى الماهيَّةَ الإنسانيَّة في أحطِّ درجات الحيات فلية وأشقاها، ويتوهَّم الدنيا دائمةً لا تزول، ويتخيَّل الإنسان باقيًا لا يموت: "إن جميع رسائلك تعطي دروسًا إيمانيَّةً شديدة القوة، فتُفتِّر الاندفاعَ نحو اأقول:
وتحوِّل النظر نحو الآخرة، والحال أننا لا يمكننا أن نعيش في هذا الزمان إلا متوجِّهين إلى الحياة الدنيا بكلِّ قوَّتنا واهتمامنا وعقولنا فقَدالحفاظ على الوجود والاحتراس من الأعداء بات أمرًا شديدَ الصعوبة في هذه الأيام".
فالجواب:صحيحٌ أنَّ دروس الإيمان التحقيقي تُوجِّه النَّظر نحو الآخرة، إلا أنها بإظهارها الدنيا مزرعةً للآخرة وسوقًا ومصنعًا لها، تدفع لمزيدٍ من العسنة، وياة الدنيا.
ثمَّ إنَّها تورِث القوةَ المعنويَّةَ بشكلٍ متين، وهي قوةٌ تنهار انهيارًا مُريعًا متى عُدِم الإيمان؛ ثم إنها تنتشل مَن سقطوا في العطالة والتفلُّت نتيجةَ اليأس، وتدفعُهم للسعي والهو ثلاثحماس، فهل يَقبل يا تُرى الذين يريدون الحياة الدنيا وجودَ قانونٍ يَحظُر دروسَ الإيمان التحقيقيِّ المُثبَتِ بدلائل لا تقبل الاعتراض، وهو الذي يُحفِّز على السعي لِ بديع الحياة الدنيويَّة من جهة، ويؤمِّن من جهةٍ أخرى القوةَ المعنويَّة التي هي ركيزة الصمود أمام المصائب اللامحدودة؟! أيُمكن وجودُ قانونٍ كهذا؟!
فإن قال جاهلٌ يدَّعي الغَيرة على الوطن، ولا يدري شيئًا عن الأسس ال بالرغَة لإدارةِ الشعب وأمنِ البلاد: إنك ربما عارضتَ النظام الحاكم من غير تحفُّظٍ ولا احتياط، فتقعُ بالبلاد فتنةٌ عظيمةٌ لقوةِ تأثير رسائلك، فضلًا عن أن هذه الرسائل نفسَها يمكن أن تُتَّخَذَ مستندًا لوية وأرضون النظام الحالي ويسعون لضرب الأمن والاستقرار؛ فنحن لهذه الأسباب نعترض سبيلك.
فالجواب:إنَّ مَن تلقَّى الدرس من رسائل النور لا يدخلُ مطلقًا في فتنٍ تَهدِر دماءَ الأبرياء وتُضيِّع حقوقَهم، ولا يدنو بحالٍ من الفتن ه قد الَّتْ عقيمةً ضارَّةً كما أثبتت التجارب باستمرار.
— 253 —
ولقد وقعتْ عشرُ فتنٍ خلال السنوات العشرِ الفائتة، فلم يشترك فيها واحدٌ بالعشرة من تلاميذِ رسائل النور، بل لم يشترك فيها واحدٌ منهم أصلًا، وهذا يبيِّن أن الرسوتَكْيُّ هذه الفتن، وأنها ركيزةٌ لتحقيق الأمن والاستقرار.
فيا تُرى، أيُّما أسهلُ من حيث الإدارةُ والمحافظةُ على الأمن: ألفُ مؤمن؟ أم عشرةُ فوضويين أراذل لا دين لهم؟
أج رأس اإيمان إذْ يثمر السجايا الحسنة، يَهَب مشاعرَ الرحمة، ويُوْرثُ الحذَر من الإضرار بالآخَرين.
أما مسألة عدم احتياطي وتحفُّظي، فهذه البلاد تعلَم أني منذ ثلاث عشرة سنة أبوى.
بوسعي لكيلا أثير انتباه الحكومة أو أنشغل بها أو أتدخَّل في شؤونها، ومعلومٌ لولايةِ "إسبارطة" أنني أعيش متجنِّبًا السياسة، منزويًا متحاشيًا مشفِقًا بصورةٍ عجيبة.
فيا أيها الظَّلَمة الذينلاستبدا بي في هذه البَليَّة.. يبدو أنكم حَنِقتُم عليَّ وثارتْ حفيظتكم تجاهي لعدم تصرُّفي بما يُخِلُّ بالأمن والاستقرار، فأوقفتموني بدافعٍ من معادامدةَ خأمن والاستقرار.
نعم، إن الذين يبغون الإخلالَ بالأمن ونشرَ الفوضى هم مَن يقِفون وراء توقيفي، بعد أنْ ضلَّلوا الحكومة بشأني، وأشغلوا القضاء بغير طائل؛ وينبغي على الهيئة الحاكمة وعلى رأسها المدعي العام أن ترفع بحقهم دعوىارِ الاسمنا فحسب، بل باسم الدولة جميعًا.
فإن قيل: أنت غير موظَّف، وليس لك أن تدرِّس الدين كالموظفين الرسميين فتحظى باحترام الناس؛ ثم إنه توجد دائرةٌ رسميَّةٌ تدرِّس الدين لا بدَّ من الحصول على موافقتها.
فالجواب:
أوَّلًا:ليس ى عهودمطبعةٌ ولا كُتَّاب ليقوموا بوظيفة النشر، وأما درسُنا فخصوصي، ودستور حريَّة المعتقد الديني يكفل حريَّة الأمور الخاصة، لا سيما إن كانت إيمانيَّةً أو ِ ساعةية.
— 254 —
ثانيًا:إن اتفاق حكومة الاتحاد والترقي على توظيفي في "دار الحكمة الإسلاميَّة" وتكليفي بمهمة نشر العلم، وإثباتِ الحقائق الإسلاميَّة في مواجهة أوروبا، وتعييني ئفَه و في "وان" من قِبَل رئاسة الشؤون الدينيَّة، وتداولَ ما يزيد على مئةٍ من رسائلي بأيدي العلماء حتى الآن من غير انتقاد، يُثبِت أن لي الحق في تدريس الناس وتعليمهم.
ثالثًا:لو أن باب القبر أُغلِق، وبقي الإنسان خالدًا رة" جانيا لا يموت، لأصبحت الوظائف حينئذٍ عسكريَّةً وإداريَّةً ورسميَّةً فحسْب؛ لكن ما دام يوجد في كلِّ يومٍ ثلاثون ألف شاهدٍ على الأقل، يوقِّعون بجنائزهم على الدعوى القائلة: الموتُ حق، فلا بدَّ أنه توجد وظائفُ إيمانيَّةٌ أحديث عن الوظائف المتعلِّقة بالدنيا؛ وها هي رسائل النور تؤدِّي هذه الوظائف بأمرِ القرآن.
وما دام القرآن - وهو آمرُ رسائلِ النور وحاكمُها - يَحكم بقيادته ثلاثمئةٍ وخمسين مليونًا ويُدرِّبهم، ويرفع أيدي أربعةِ أخماسهم إلى باب الحضرة الإلٰهية خهمُّ ماتٍ في اليوم على الأقل، ويُقرِئُهم أوامرَه القدسيَّةَ السماويَّةَ باحترامٍ في جميعِ المساجد والجماعات والصلوات، فلا بد أنَّ رسائل النور - وهي تفسيرُه الحقيقي، ونورٌ من شمسِه، وأحدُغايةِ فيه - ستقوم بتلك الوظيفة الإيمانيَّة دون أن تُعرِّضها للصدمات بإذن اللّٰه؛ وما دام الأمر كذلك، فإنَّ أهل الدنيا وأهل السياسة بحاجةٍ ماسَّةٍ للاستفادة منها لا التصدي للمدنيّ نعم، لرسائل النور أجزاءٌ كثيرةٌ، كی"الكلمة التاسعة والعشرين" التي كشفتْ مغاليق طلسمِ الكون، وفتحتْ طلسمَ الموجودات: من أين؟ وإلى أين؟ وما مصيرها الذي سَتَؤُول إليه؟ وكی"الكلمة الا الزم" التي كشفتْ مُعَمَّى تحوُّلات الذَّرَّات؛ وكی"المكتوب الرابع والعشرين" الذي كشَفَ وحلَّ الطلسمَ العجيب للفعاليَّة والخلَّاقيَّة العموميَّة الكامنَ في الزوال والفناء الجارِيَيْن في الكائنات على الدوام؛ وكی"المكتوب العشرين" الذي اترك أن حشر البشر سهلٌ سهولةَ إحياءِ ذبابة، ووضَّحَ أهمَّ مُعَمَّياتِ التوحيد وأعمقَها، وكشَفَها وحلَّها؛ وكی"اللمعة الثالثة والعشرين" المسمَّاةِ "رسالة الطبيعة" التي أبطلتْ الفكرَ الكُفريَّ لناقلهاَّاد الطبيعة ودمَّرته من أساسه.
— 255 —
وإنَّ مَن يُطالعون هذه الرسائل بدقَّةٍ وإمعانٍ يُقِرُّون بأنَّه لو كان لدى أيَّةِ حكومةٍ عالِمٌ أو أديبٌ أو أستاذٌ جامعيبية الفُ مُعمًّى واحدًا فحسْب مما في رسالةٍ من تلك الرسائل، لمُنِح المكافأة والتكريم بكلِّ تقدير.
لا ينبغي النظر إلى بياناتي هذه كتفاصيل خارجةٍ عما نحن بصدده؛ لأنه صارت أكثرُ من مئةِ رسالةٍ من رسائل النور بمثابةِ أوراق توقيفي، غم صِغالهيئة الحاكمة مكلَّفةً بالاطلاع عليها والتدقيق فيها، وبتُّ مُلزَمًا بالتوضيح وتقديم الإجابة لعلاقةِ الرسائل بالقرآن والعالَم الإسلامي والمستقبل؛ ولما كان إيضاحُ مسألةٍ ما تمامَ الإيضاح لا ييرة.
ا ببيانِ جميعِ الاحتمالات القريبة والبعيدة، فإن ثمة حاجةً لبيانِ احتمالٍ بعيدٍ متعلِّقٍ بمسألتِنا، وهو كما يلي:
لو أن فريقًا من الأشقياء الذين يتخذون الكفرَ واع الأسَ مسلكًا لهم، اندسُّوا في بعض مناصب الحكومة تحت ستارِ مقصِدٍ سياسي فضلَّلوها، أو انخرطوا في سلك الوظائف، وقالوا بغيةَ القضاءِ على رسائل النور بالدسائس، وإسكاتي بتهديداتهم:
"لقد مضى زمن التعصُّب، ولا يناس إن ال تعلِّم دروسًا دينيَّةً وإيمانيَّةً قويَّةً بصورةٍ رجعيَّةٍ، في وقتٍ يلزمنا فيه نسيان الماضي والتوجُّه بكل طاقتنا إلى المستقبل".
فالجواب:
أوَّلًا:إن الزمن الذي يُظَنُّ أنه ذلك الماضي قد أصبح مستقبلًا، فهو المستقبل الحقلَ زُرنحن إليه ذاهبون.
ثانيًا:لقد ارتبطت رسائل النور بالقرآن الحكيم باعتبارها تفسيرًا له؛ والقرآنُ إنما هو حقيقةٌ جاذبةٌ كالجاذبيَّة العموميَّة تربط الكرة الأرضيَّة بالعراتي، وس بمقدور حكام آسيا مواجهةُ تفاسيرِ القرآن - ومنها رسائل النور - وإنما شأنهم أن يكونوا سِلْمًا لها، يستفيدون منها ويحمونها.
أما إسكاتي، فإنه إنْ ضُحِّيَ برؤوسِ كثيرٍ من أهل العزة في سك البحكتشافٍ بسيط، أو فكرٍ سياسيٍّ تافه، أو مكانةٍ دنيويَّة؛ فإنني لو كانت لي رؤوسٌ بعددِ ذرَّاتِ كياني،
— 256 —
ولزِم أن أُضحِّي بها في سبيلِ ثروةٍ تكون ثمنًا للجنة العظيمة، وماءِ حياةٍ يُنيل الئفها فلأبديَّة، وكشفيَّاتٍ تُدهِش الفلاسفة، لضحَّيتُ بها حتمًا بدون تردُّد.
ثمَّ إنَّ إسكاتي بالتَّهديد أو بالقضاء عليَّ سيدفع ألفَ لسانٍ للتكلُّم بدلًا من لسانٍ واحد؛ ورجائي من الرحيم ذي الجلال أن يُنطِق - برسائل النور التي عَمَرَتِ الأروخلِ واذ عشرين سنة - آلافَ الألسنة بدلًا من لساني الواحد الصامت.
مسألةٌ تافهةٌ سُئلت عنها كأنها جُرْمٌ خطير
يقولون:"إنَّك لا ترتدي القبَّعة الإفرنجية، ولا تَحسِر عن رأسك في دوائر رسميَّةٍ كثيرةٍ كالمحكمة،دِّيهاالي فإنك ترفض هذه القوانين، مما يرتب عليك عقوبةً شديدة".
الجواب:إنَّ رفض القانون شيءٌ، وعدمَ العمل به شيءٌ آخر تمامًا؛ فإذا كان جزاءُ الأولِ الإعدام، فجزاءُ الآخَر إما حبسُ يومٍ، وإما دفعُ غرامةٍ مقدارُها ليرة، وإما إنذارٌ أو توبً جائر فأنا لا أعمل بتلك القوانين، بل لا يمكن أن أكون مُكلَّفًا بها، لأنني أعيش منزويًا، ولا تسري هذه القوانين على المنازل والبيوت.
إخطار:بالرغم من أن محكمتَي "إسبارطة" و"أسكي شَهِر" ووزارهؤلاء اخليَّة صادرتْ قبل شهرين كتبي الشخصية ورسائلي الخاصة المتجمعة لديَّ خلال عشر سنوات، وفتَّشتْها بغايةِ التمحيص والتدقيق، ومع اعترافها بعدم وجودِ أيَّةِ مادةٍ تكون سببَ معنويّ كتشكيلِ منظَّمةٍ أو تنظيمٍ سرِّي، إلا أنها ما زالت مستمرَّةً في التحقيق؛ وإني أقول:
أيها السادة.. لا ترهقوا أنفسَكم عبثًا؛ فإنْ كان ما تبحثون عنه موجودًا، ولم تعثروا له على أثرٍ طَوالَ هذه المدة، فاعلموا إذًا أن وراءَه دهاءً فاحدةٍ عجيبًا لا يُغلَب ولا
— 257 —
يواجَه، ولا حلَّ سوى التصالُحِ معه؛ وإلا فكفاكم إضرارًا وإيذاءً لكلِّ هؤلاء الأبرياء، فإنَّ المساس بغَيرةِ اللّٰه سببالسهولل البلاء كالقحط والغلاء والوباء.
والحال أنه لا يمكن أن تُسنَد تهمةُ تأسيس تنظيمٍ لا سبيل لاكتشافه، إلى شخصٍ مثلي عصبيِّ المزاج، يفشي أخفى أسراره إلى الغرباء دون تحفُّظ، وقد سبق أنْ أدلى أمام المحكمة العسكريَّة العرفيَّة بدفد جسد،يرٍ يفيض رجولةً وإقدامًا، واضطر في زمان الشيخوخة إلى مزيدٍ من اجتناب المغامرات الخطيرة مجهولة العواقب وفقًا لمسلكه؛ فليس إسناد هذه التهمة إليه إلا سذاجةً تتفع الجة البلاهة، أو هو مكيدةٌ مدبَّرة.
أطالب هيئة المحكمة بحقي، فكتبي التي صودرت مني لا تُقدَّر عندي بمال، وقد تَسلَّمتْ مكتبةُ أنقرة بعضها قبل اثنتي عشرة سنة، فشكرٍ وافتخار، ولها مكانةٌ أثيرةٌ في نفسي، لا سيما ما كان منها إيمانيًّا وأُخرويًّا صِرفًا، أعني "المكتوب التاسع عشر" و"الكلمة التاسعة والعشرين"، فا قطُّوتي المعنويَّة وثمرةُ حياتي، ولهما قيمةٌ استثنائيَّة لأنهما أظهرا للعِيان جَلوةَ قسمٍ من أقسام إعجاز القرآن العشَرة، فضلًا عن أنني استكتبتُهما لنفسي خاصةً بزخرفةٍ مذهَّبةٍ؛ هذا بالإضافة إلى نسخةٍ واحدةٍ من ثلاثِ نسخٍ أو أربعٍ كنتُ اس لذلك تُها من "رسالة الشيوخ" التي تدور حول ذكرياتِ شيخوختي الحزينة.
فما دامت هذه الرسائل خاليةً من أيِّ موضوعٍ دنيويٍّ يستوجب مُساءلتي، فإنني أطالب من صميمِ قلبي بإعادتها إليَّ مع رسائلي العربية، فكتبي ثاني م أصدقائي ومؤنسي في الغربات الخمس الأليمة الحزينة التي ألقتْها على كاهلي هذه الدنيا الغريبة، بل هي أصدقائي ومؤنسي حتى وإنْ كنتُ في السجن أو في القبر، وإنني بحرماني منها أوشِك أن أقع في تعالىسادسةٍ لا تطاق، فإياكم وزفراتِ عذابِ هذه الغربة المُضْنِية.
٭ ٭ ٭
— 258 —
أطالب رئيسَ المحكمة وأعضاءَها بحقٍّ مهمٍّ من حقوقي
وهو أني لستُ وحدي موضوعَ ويٍّ رفي هذه القضيَّة حتى تُحَلَّ بتبرئتكم إياي بعد اطِّلاعِكم على حقيقة الحال؛ فلقد أصبح أهلُ العلم وأهلُ التقوى بشخصهم المعنويُّ موضعَ اتهامٍ بنظر الشعب في هذه القضيَّة، وأص"، فرأحكومة تنظر إليهم نظر الشكِّ والرِّيبة، وبات لزامًا عليهم أن يعرفوا كيف يتجنَّبون المخططات الضارَّةَ المُهلِكة.
ولهذا، فإنني أطلب أن يُطبَع القسمُ المات" من دفاعي الذي كتبتُه بنفسي، ويُنشَر بالحروفِ الجديدة اللاتينية؛ لكيلا يَنجرَّ أهلُ العلم والتقوى إلى فخ المؤامرات التي تُرسَم لهم، وليجتنبوا الوقوع في مثل هذه المخططات الضارَّة المُهلِكة، ولِتتخلَّصَ الحكومة بشخصها المعنوي من الاتهاَين فا الشعب، وتعودَ إلى ثقتها بأهل العلم، ويرتفعَ سوء الفهم هذا، ولكيلا يتكرر وقوعُ الخلاف أو وقوعُ أمثالِ هذه الحوادث التي تُلحِق عظيمَ الضرر بالحكومة والشعب والوطن.

.......

والحقُّ أ روحيّلمة العاشرة" لما انتشرت منها ثمانُمئة نسخةٍ قبل تسع سنواتٍ من الآن، حصرَتْ إنكارَ الحشر في قلوب منكريه من أهل الضلالة، فلم تدع مجالًا لتصرِّح به ألسنتُهم، وسدَّت أفواههم، وأدخلتْ براهينَها الخارقة في أعلقاء و أجل، فهذه الرسالة التي تبيِّن ركنًا إيمانيًّا عظيمًا كالحشر أصبحت درعًا فولاذيًّا يحيطُ بالإيمان، وأسكتتْ أهلَ الضلالة؛ ولا شك أن حكومة الجمهوريَّة قد سُرَّتْ بها حتى تناقلتْها أيدي الل.
س والولاة وكبار المسؤولين بحريَّةٍ تامَّة.

.......

وقد أوردتُ في لائحة الاعتراض حكايةً تُصوِّر حالي وأنا غريبٌ وحيدٌ، أواجه منذ أربعة شهورٍ قضيَّةً مصيريةً مآلها الموت أو الحياة، يُمنَع فيها السؤالُ أو الاطمئنان
— 259 —
عن حالتيو أصولمة ولو برسالةٍ من أيَّةِ جهةٍ كانت، ويُشهَّرُ بي بصورةٍ تُنفِّر الناسَ مني وتجلِب مقتَهم عليَّ، وأُحرَمُ من جميع أنواع العون والتسهيل.
والحكايةُ أن ملِكًا في سالِف الزمان ابتُلي بداءٍ لا دواء له لإنقاذُ طفلٍ، فقدَّم أحدُ الآباء طفلَه للملِك مقابلَ مبلغٍ من المال بعد أن سوَّغَ له القاضي ذلك، فطفِق الطفل يضحَك في المجلس بدلًا من أن يبكبأمسِّشتكي، فسألوه: لِمَ لا تستغيث أو تشكو، بل تضحك؟! فأجابهم: إن الإنسان إذا ألمَّتْ به مصيبةٌ لجأ أولًا إلى أبيه، ثم إلى القاضي، ثم إلى الملِك؛ا وسعانا فيبيعني أبي لأُذبَح، ويُصدِر القاضي قرارًا يسلبني حياتي، ويَطلُب الملكُ دمي، فأحرى بهذه الحالةِ الغريبةِ البشعةِ التي لم يُرَ مثلُهفت "ال أن تُقابَل بالضحك.
فيا سيد "شكري قايا"، لقد صرنا نحن أيضًا في حكم ذلك الطفل، فبينما كان مقتضى الأمر أن نراجع أولًا الواليَ الذي يمثِّل الحكومة محلِّيًّا، ثم عدالةَ المحكمة، ثم وزارةَ الداخلية، فنَعرِضَ عليهم مَظلمتَنا، ونُبيٍّ دوريحَيفَ الذي لحِق بنا، كي نتخلص من الظَّلَمة، إذا بنا نرى وزير الداخلية - وهو آخر من يصغي لشكوانا - قد انساق خلف هواجسه وأوهامه الباطلة بش حق" وفأسبغ عليها لونًا من الحقيقة، وتغافَل عن أن إصرارَه على خطئه بغيةَ سَترِه خطأٌ أعظم، فراحَ يبغي الإيقاعَ بنا بذرائع باطلة، ويطلُب دمَنا دواءً لداء الغرور الذي ابتُلي به؛ ونحن بدورنا نشكو "شةً كهذيا" بصفته الشخصيَّة إلى السيد "شكري قايا" بصفتِه وزيرًا للداخليَّة.
(حاشية): والدليل على أن "شكري قايا" قد انساق بعيدًا وراء هواجس وأوهامٍ لاَ سنينها، وبلغ منه الحقد مبلغَه، حضورُه بنفسه من أنقرة يرافقه مئةُ عنصرٍ من الدَّرَك، ونحوُ عشرين عنصرًا من الشرطة، وكأن قوة الدَّرَك وفرقة الجيش التي في "إسبارطة" لا تفي بالغرض؛ كلُّ هذا لأمقامِ يقِّدموا إلى المحكمة رجلًا وحيدًا مثلي مع ثلاثةٍ أو أربعةٍ من رفاقي المساكين، بعد نشر أجواء الذعر والرهبة بين الناس.
لقد ألحق هذا العمل خسارةً بأموال الشعب قدرُها ألفان أو ثلاثة آلاف ليرة، لأجل مهمَّةٍ كان يمكن أن يقوم بها عنصرٌ من الشرطة ويَعرِضن الدَّرَك، وحُمِّلتْ نفقةُ النقل من "إسبارطة" إلى "أسكي شَهِر" البالغةُ خمسَ مئة ليرةٍ على كاهل أولئك الأبرياء المساكين الذين أخلي سبيلهما أقو بعد، فضلًا عن آلاف الأضرار التي لحقت بهم، وزعزعة مكانتهم الاجتماعيَّة، وجَعْلِها عرضةً للقدح!!
فكم تكشف أمثالُ هذه التصرفات والإجراءات عن حجم الضرر الفادح الذي لحق بتسيير شؤون وزارة الداخلية، وت وأمالأمن والاستقرار، ورعاية مصالح هذا الشعب المسكين المحتاج للعمل في أجواء من الثقة والراحة؟!
بلى، يُستنتَج من هذه الوقائع اختلاقُ حادثةٍ من لا شيء، وتضخيمها لغرضٍ ما، وجعلُ الحَبَّة مئةَ قبَّة؛ ونحن ندَّعي أن القيام بأعمالٍ غير٭ ٭
يَّة باسم القانون، وافتعالَ أوضاعٍ تزعزع الاستقرار في كل جهةٍ، في وقتٍ تحتاج فيه الداخليَّة إلى تعزيز أقصى درجات الهدوء والاستقرار، إنما يُعَدُّ جُرمًا كبيرًا بناءً القانون، وعليه فإننا نشكو "شكري قايا" بصفته الشخصيَّة إلى السيد "شكري قايا" بصفتِه وزيرًا للداخلية.
— 260 —
ولو علمتُ أنَّ رجال هذه المحكمة الذين يسعون للحفرانيَّامِّ على الحرية، ولا يرضخون للضغوط أيًّا كانت، ويَحكُمون بحِسِّ العدالة الذي في ضمائرهم.. لو علِمتُ أنهم سيُصغون إلينا بخصوص شخص السيد "شكري قايا"، لكنا أولَ مَن يقيم الدعوى ضدَّ شخصِه؛ فهو منذ سنةٍ يطلُب التقارير بحقِّنا بشكلفي ناحٍّ كلَّ يومٍ أو كلَّ أسبوع، يَلفِتُ بذلك انتباه الجواسيس ورجال الأمن ضدَّنا، ويُعِدُّنا للذبح كالأضاحي.
ومع أن واجب المحكمة يحتِّم عليها ألا تنشغل بشيءٍ سوى العدالة، ومع أن رجاله
فيطون حقيقةً بالعدالة ارتباطًا تامًّا، إلا أنهم لعدم قدرتهم على مقاومة ضغوطِ شخصٍ رفيع المنصب كی"شكري قايا"، لم يستطيعوا أن يُخلوا سبيلَنا، بل تركونا رهنَ المعاناة.
أما والي "إسبارطة" ورجالُ الأمن فيها وهم الحكومة المحلِّيَّة، فبينلب الإت وظيفتهم الوجدانيَّة تستلزم أن يُعنَوا أكثر من غيرهم بحمايتنا وحماية أبناء مدينتهم الأبرياء المساكين الموقوفين، ويسعوا في تخليصهم، فإنهم على العكس من ذلك منعوا عنهم مخصَّصاتهم وأرزاقهم، لا سيما الفقراء والمحتاجين منهم، وتذرَّعالوقوعك بذرائع كثيرةٍ تافهةٍ باطلةٍ، وسعَوا في إذلالهم كي يُسقطوهم بالتجويع في حضيض البؤس.
ولسنا نقابل هذه الحالَ المريرة بالشكوى، بل نقابلها - كما فعل ذلك الطفل - بالضحك، رغم أنها تثير منتهى درجات البان في نُحيل قضيَّتَنا إلى العزيز الجبار متوكِّلين عليه.
— 261 —
فقرةٌ كتبتُها لإخواني الأبرياء حين مُنِعتُ من التحدُّث إليهم، لتكون سُلوانًا من حالة الإخطارلتي أصابتْهم جرَّاء إهمال استغاثات قهرهم.
أُضِيفتْ لمناسبتها هذا المقام
انظروا إلى حفظِ الحفيظ ذي الجلال وحمايته؛ فبرغمِ استجواب ما يربو على مئةٍ وعشرين مؤلفات من طلاب رسائل النور - يتوافق عددهم بالمناسبة مع عدد رسائل النور یی، وبرغم التدقيق في أوراقهم الخاصة، لم يُعثَر على أيَّة مادَّةٍ تثبِتُ صلةَ أحدٍ منهم بأيِّ تنظيمٍ من التنظيمات العديدة المنتشرة، المدعومة بمؤامرات ال النوروحِيَل المنظَّمات المعارِضة، وليس هذا إلا حمايةً ربَّانيَّةً ظاهرةً ساطعة؛ وهو كذلك محافظةٌ إلٰهيَّة، وعنايةٌ رحمانيَّةٌ تؤيِّدُ بقوَّةٍ ما تحظى به رسائل النور من كراماتٍ غيبيَّةٍ للإمام عليٍّ رضي ا وعنايعنه والغوث الأعظم قُدِّس سرُّه.
وإنَّ أياديَ اثنين وأربعين من إخوتنا الأبرياء المظلومين المبسوطة بباب الحضرة الإلٰهيَّة قد صدَّتْ قذيفةً من عيارِ اثنين وأربعين، وردَّتْها من حيثُ أتتْ، وفجَّرتْها معنًىوكان مؤوسِ مُطلِقيها، فلم تُصبْنا سوى جِراحٍ خفيفةٍ نُثاب عليها؛ وإن النجاةَ بأضرارٍ يسيرةٍ من قذيفةٍ كانت تُحشى منذ سنةٍ لَتُعدُّ من الخوارق، وحقُّ نعمةٍ عظيمةٍ كهذه أن تُقابَل بنزويًاوالفرح والسرور.
إن حياتنا بعد اليوم لا يمكن أن تكون مُلكًا لنا، فقد كان يُراد لها أن تُمحى نهائيًّا بحسَب مخطَّطات المفسدين، فينبغي إذًا أن نجعلها من الآن فصاعدًا وَألسنة لا على أنفسنا بل على الحقِّ والحقيقة؛ ويلزمنا أن نَجِدَّ ونجتهد لا أن نشكو، كي نشاهد أثرَ الرحمة ووجهَها ولُبابَها، مما يدفعُنا إلى الشكر.
٭ ٭ ٭
— 262 —
أُخطِر ببالي فجأةً خاطرةٌ في اليوم الثالث من مرض الزُّكام الغريب الذي اشتدتْ وطأتلِمٌ مَّ، حتى لم أتمكن من تناول شيءٍ سوى كوبٍ من اللبن وآخر من الحليب طَوالَ ثلاثة أيَّامٍ، فكتبتُها مقدِّمةً لدفاعي في المحكمة على سبيل التبرُّك، فإن كان فيها شدةٌ أو قصور فلِمَرضي.
أجل، لقد ليس بقا بوسعي لبيان الحقيقة كما هي على الوجه الصحيح، في وقتٍ أعاني فيه من إرهاقٍ ذهنيٍّ، وأحوالٍ شديدة الوطأة، وأوضاعٍ يُرثى لها، إذِ اضطُرِرتُ لأنْ أدافع بمفردي عن حقيقةٍ كان ينبغي أن يدافعَ عنها مئةُ رجل.
٭ ٭ ٭
مقدِّمةٌ أُلحِقتْ مؤخَّرًامل هذاافعة الأخيرة لحكمةٍ
يكشف أسلوب إفادتي في جميع صفحات مدافعتي عن حالةِ مجابهةٍ ضدَّ منظَّمةٍ سريَّةٍ رهيبةٍ، ومقصِدي من هذا ما يلي:
مثلما قبِلتْ حكومةُ الجمهورية مبدأ "فصل الدين عن الدنيا، والبقاء على الحياد"، فلم تتعرَّضثلاثيندين بسبب إلحادهم، فإن من موجبات هذا المبدأ ألا تتعرَّض كذلك للمتديِّنين بسبب تديُّنهم.
وإنني أريد كذلك لحكومة الجمهوريَّة التي يَلزَم أن تكون حياديَّةً متمسِّكةً بالحريَّة، أن تبقى بعيدةً عن المنظَّمات السِّريَّة الهدَّامة ال الإيعم الإلحاد، وتحيك المؤامرات، وتُضلِّل موظَّفي الحكومة.
فأنا إنما أُجابِه أولئك المتآمرين الذين يتسلَّلون من تلك المنظَّمات إلى وظائف الحكومة، حاملين بأيديهم تُهمتين ملفَّقتَين كأنهما خُطَّافتان، يتصيَّدون بهما المتديِّنين الصادقين بكل حقد، هناك،ن على استغفال الحكومة وتضليلها.
— 263 —
فإحدىهاتين التهمتَين:"الرجعيَّة"،ويقصدون بها عدم المَيل إلى إلحادهم ولادينيَّتهم؛والأخرى:"اتخاذاء يَن أداةً للسياسة"، وهم يريدون بهذه التهمة تشويه سُیمعتِنا، لأننا لم نقبل أنْ تكون اللادينيَّةُ سياسیةَ هیذه الحكومة المسلمة، حاشاهیا من ذلك.
َ عشرةة): أي إن هؤلاء الملحدين يتوهمون أن الحكومة ما دامت لا تَتْبع سياسةً معيَّنة، فإن سياستَها إذًا هي الإلحاد - حاشا ثم حاشا یی، فينظرون إلى خدمة الحقائق الإيمانيَّة التي أؤديها برسائل النور المترشِّحة من نصوص القرآن الحكيم القطعيَّة، المدرسونها عملًا سياسيًّا معارِضًا يتخذ الدين أداةً للسياسة، وهم بهذا يفتَرون أشنع افتراءٍ في الدنيا.
نعم، لا بد لحكومة الجمهوريَّة أن تحترز من ترويج أفكار أولئك المفسدين المتخفِّين اصر كلّة بالوطن والشعب، وألا تنحاز إليها بحال، بل إنَّ مَنْعَ هؤلاء هو من مقتضيات قوانين الجمهوريَّة، كما أن الانحياز إلى أمثالهم يُصادِم المبادئَ الأساسية للجمهوريَّة، فلتأ٭
باكومة موقف الحَكَم بيننا وبينهم، ولتُصدر حُكمَها على الظالم المعتدي منا، ولتُجرِ حُكمَها من موقع الحاكميَّة.
أجل، لا سبيل لإنكارِ أن ولهذا ُن والإلحاد جاريان في الكون منذ عهد آدم، وأنهما ماضيان إلى يوم القيامة؛ وكلُّ مَن وقف على كُنْهِ قضيتنا يدرك أنَّ هذا الهجوم السَّافر علينا اته الا تَعَدِّيًا صارخًا من الإلحاد على التديُّن.
إن بروز أكثرِ الفلاسفة في أوروبا والغرب، وظهورَ أغلَب الأنبياء في آسيا والشرق، إنما هو إشارةٌ من القَدَر الأزليِّ ورمزٌ منَّيَّاأن الحاكمَ في آسيا والغالبَ فيها تيَّارُ الدِّين؛ ولا شكَّ أن حكومة الجمهوريَّة التي هي قائدُ آسيا المقدام، ستستفيدُ من خاصيَّة آسيا الفطريَّة، فتوالإحسفي مبادئها المحايدة جهةَ التديُّن لا الإلحاد.
المادة الثانية:قد يُطرَح موضوعٌ آخر يقول: "إن في أجزاء رسائل النور مسائل تعارِض الموادَّ القانونيَّة"، وهذا أمرٌ يعود للمحكمة، إلا أن الرسائل نفسَها مؤلَّفاتٌ تحويئق التاكتشافٍ معنوي، وعملًا بقانون حِفظِ حقوق المكتشِف، يجب ألا يتعرَّضَ أيُّ اكتشافٍ منها للضياع.
— 264 —
إن للاكتشافات قيمتَها العظيمةَ وأهميَّتَها ال سافلَبين أهل الحقيقة وأهل العلم والأدب، وليس لأحدٍ أن يسطو على اكتشافات غيرِه، فإنْ فَعَل لوحِقَ قضائيًّا كما هو القانون المعمول به في جميع الدول.
وإن رسائل النور عبارةٌ عن أكثر من مئةِ رسالةٍ تحوي آلاف الحقائق، وتُظهِر مئةَ اكتشافٍَ أَرْ، وقد اجتهدتُ في اكتشافها وتأليفها منذ عشرين أو ثلاثين سنة، وكتبتُها نتيجةً لجهودي وتحريَّاتي في مصادر مختلفة، وثمرةً لمجاهداتي الفكرييرةٍ فدقيقاتي المستمرَّة منذ خمسين سنة، وأردتُ نشرَها في المستقبل بعد الحصول على موافقةِ الحكومة، لكن بما أن وضعَها موضعَ الاتهام - لعدمِ موافقةِ خمسَ عشرةَ نقطةً منها بعضَ القوانين الصادرة لاحقًا - يهيِّئ افاظًا َ لانتحالِها وسرقتِها وادِّعاء ملكيَّتِها من قِبَل الآخَرين، فضلًا عن كونه موجِبًا لضياع هذه الحقائق وضياعِ حقوقي المتعلِّقةِ بها، فإنَّ أول جهةٍ ستنظر فيها محكمتُكم العادلة هي المحافظة على حقي باسم الحقيقة ولصالح الحقوق أولًا وأكثر من أيِّذ مَنَ ولما كان من اللازم أن توجد بين يديَّ الحقائقُ التي تضمَّنتْها رسائلي التي صودِرتْ لتوهُّم أنها أداة جُرْم، إذْ هي وسيلة إثباتي في مواجهة أهل انعم، بوالفلسفة والمحققين الأكاديميين، فإنني أطالِب برَدِّها إليَّ لأقرِّر جاهزيَّتي في هذه الاكتشافات والمناظرات العلميَّة؛ فلا يمكن أن تُدان الرسائل حتى وإن أدنتموني؛ يجب أنيَّة أرفيقي في السجن.
وإني أربأ بمحكمة العدالة أن تتنزَّل إلى مستوى الانجرار وراء حمَلات المغرِضين والحاقدين، إذْ هو مما يُضادُّ مكانةَ المحاكم ودورَها في إحقاق الحق، ويُلحِق العار بشرفها عن نوشك أنها ستجعل مكائدَهم عقيمة.
وإن المحكمة التي لا تَعرف لوظيفتها مقامًا أعظمَ من العدالة وإحقاق الحق، والتي ستقوم بوظيفتِها متحرِّرةً من جميع أنواع التأثيرات استنادًا إلى ما يقتضيه أساس العدالة،يِّن و أن تعلِن الآن وفورًا رفْعَ الحظر عن رسائل النور لا باسمي الشخصي،
— 265 —
بل باسمِ حقيقةٍ ساميةٍ ارتبطَ بها كثيرٌ من الحقائقِ والحقوقِ البريئة، فترفعَ ما علِق بها من الأوهام الباطلة.
المادة الثالثة:أما الجُرم الموهوم التي َد إلينا، فواضحٌ أنه أُريدَ أن تشملنا المادةُ (١٦٣) من قانون العقوبات بظاهرها وعمومِها، وبصيغةٍ عامَّةٍ دون النظر إلى القيود الاحترازيَّة، ليترتَّب على ذلك وجوبُ إدانتي.
وبالرغم من أن مرافعاتي المحرَّرة في ضُبُوطكم تتضمَّن الإجابَّة واطعيَّة والحقيقيَّة عن بعض الموادِّ المسنَدةِ إلينا، إلا أنه بدلًا من أن تُقابَل رسائلُ النور بالتقدير والمكافأة، وهي المؤلَّفةُ من أكثر من مئة جزء، والمحتويةُ على مئةِ اكتشافٍ معنويٍّ، والجامعةُ لمئاتِ الحقائق المهمَّة، افتخاتْ بالانتقاد والعقوبة من أجل عشرِ نقاطٍ أو خمسَ عشرةَ نقطة.
إن مطالبتي محكمتَكم بحقي هذا وبحقِّ الحريَّة لرسائل النور هو حقٌّ عظيمٌ من حقوقي، وإن حلَّ هذا الموضوع وفصلَهقيَّةٍضروريٌّ لا بدَّ منه.
المادة الرابعة:يتبيَّن من الحقد الدفين والمساعي المُغرِضة لأولئك الذين ما زالوا يهاجموننا ويحرِّضون الحكومة علينا أنهم لم يتركوا سبيلًا ل العجي إلا سلكوه.
فقد اتهمونا أولًا بأننا طريقةٌ صوفيَّة، ثم لما لم يعثروا على شيء اتهمونا بأننا منظمة، ثم اتهمونا ثالثًا بأننا سياسيون، وبأننا حركةٌ مناوئةٌ للنظام الثوريِّ الحاكم، وبأنناٍ وإثبٌ معارِض، وأصحابُ منشوراتٍ غيرِ مرخَّصة، وأمثالِ هذا من الاتهامات الكثيرة.
والحال أنهم حين لم يجدوا أيَّةَ أمارةٍ يستمسكون بها على الرغم من جهودهم لاتهامنا والنَّيل منا، أو الوا في نهاية المطاف من مادَّةٍ قانونيَّةٍ أخذوا بظاهرها وعمومها غيرَ ملتفتين إلى قيودِها الاحترازيَّة، وأرادوا بذلك اتهامنا وإدانتَنا بمسألةٍ لا تُخوِّلهم ذلك، بل لا يقبلها ذو عقل.
أجل، إ بدعواألة التي سنتناولُها بالبحث، والتي لا يعدُّها أيُّ ذي عقلٍ في الدنيا حقيقةً، والتي سيقول عنها مَن له ذرَّةُ إنصافٍ: إنها محضُ افتراء، هي قولُهم:
— 266 —
"إن سعيدًا الكردي يتخذُ الدين أداةً للسياسة"؛ فإليكم دليلًا موعٍ ن من بين ما يزيد على عشرين دليلًا وردتْ في نحوِ عشرٍ من مرافعاتي المحرَّرة في ضبوطكم، يدحَضُ ما في قولهم ذاك من الاتهام.
فحالي التي سأبيِّنها، والتي أنا على استعدادٍ لإثباتها بشهادةِ مئاتِ الشه خارج قُض ذلك الاتهام من أساسه، وهي أنه ثابتٌ بمشاهدةِ أهالي قرية "بارلا" التي أقمتُ بها تسع سنين، وبشهادات أصحابي في "إسبارطة" التي أقمتُ بها تسعة أشهر، وبإشهادِ أصحابي الذين يعرفونني عن قرب، أنني لم أقت لخندفةً منذُ ثلاثَ عشرةَ سنةً، ولم أستمع إليها، بل لم أطلبها - وهي لسانُ السياسة - حتى إنه لم تتولَّد لديَّ رغبةٌ في قراءة الصحف التي تناولتْ حوادثَ يُظَنُّ أن لها علاقةً بشخصي وأثارتْ فضول الجن، ولالم أقرأها ولم أستقرئها.
أفيُقال: إن سعيدًا يَعمِد إلى رسائل النور، وهي التي تَبيَّن بالتدقيقات العميقة للحكومة أن جميع مسائلها - باستثناء خمسَ عشرة ضٍ ما، متوجِّهةٌ إلى آخرتي وإيماني وإلى الحقيقة، فيَجعلُ الدينَ بواسطتها أداةً للسياسة؟! أي: يعمِد إلى الدينِ الحقَّ والإيمانَ التحقيقي الذي هو أقدسُ وأسمى حقيية، فإسيَّةٍ عرَفها في الكائنات، فيجعلُه أداةً لمقصِدٍ دنيءٍ عقيمٍ أثيمٍ متقلِّبٍ مهلِكٍ يتسبَّب بضياعِ كثيرٍ من الحقوق كالسياسة!!
ألا يعي القائلون بهذا كم اشتطُّوا في الحكم وبَعُدوا عن دائرةِ العقل والالأسر،والضمير؟!
لا شك أنَّ محكمةَ العدالة ستدفع هذه الأوهام والتُّهَم الباطلة فتُحِقُّ الحقَّ بشأننا.
ومع أن الجهل بالقوانين ليس عذرًا عند الأكثريَّة، إلا أنَّ مَن كان مضيَّقًا عليه بالمراقبة الدائمة، ومُرغَمًا على الإعرامحكمة لدنيا، ومنفيًّا ظلمًا إلى مكانٍ غريب، ومراقَبًا تحت إقامةٍ جبريَّة في قريةٍ نائيةٍ معزولةٍ، لا شك أن جهله بالقوانين عذرٌ عند أهل الإنصاف.
— 267 —
فأنا ذلتي فيهجل، لم أكن أعلم أيَّةَ مادَّةٍ من الموادِّ القانونيَّة التي أخَذوني بها بناءً على توجُّسٍ خاطئ، بل لم أكن أستطيع التوقيع بالحروف اللاتينية الجديدة، وربَّما لم أقابل كلَّلحاد ث أيامٍ أحدًا سوى شخصٍ يقوم على شؤوني، فالجميع يفرُّون من معاونتي، كما أنه ليس بمقدوري توكيلُ محامٍ، فاتخذتُ الحقَّ والحقيقةَ والصدقَ والصوابَ أساسًا في جميع مدافعاتي، إذْ كان دستورَ نورجميعِ حياتي: "أنفعُ الحِيَل وأحسنُها تركُ الحيلة"، وبناءً على هذه الحقيقة فإن من مقتضيات العدالة وموجَباتها أن يُنظَر بعين المسامحة إلى إفادتي التي لالْمُتفق مع قوانين الوقت الحاضر وأصولِه الرسميَّة، سواءٌ في مدافعاتي أو بشكلٍ نادرٍ في رسالةٍ أو رسالتَين من رسائلي.
وإن النقاط التي ظلَّتْ مُجمَلةً في مدافعاتي موجودةٌ في لائحة اعتراضي المكتوبة ردًّا على لائحةِ الادعاء، وكذا النقاطُه، يرظلَّتْ مُجمَلةً في لائحة الاعتراض قد وُضِّحتْ في مدافعاتي، فكلٌّ منهما يُكمِّل الآخر.
وبناءً على المعنى الذي تضمَّنتْه المادة (١٦٣)، بالإضافة إلى القيود الاحترازيَّة، والمقصِدِ الذي ابتغاه واضعُ القانون منها، وهو عدم اكل حينبالإخلال بالأمن؛ ومع إثباتي أنه لم يُرَ مني ولا من رسائل النور أيَّةُ أمارةٍ أو بادِرةٍ تشير أو تدلُّ على الإخلال بالأمن، وإثباتي عشرين مرةً بصورةٍ قطعيَّةٍ في م المحكي المحرَّرة في ضبطكم أنه لا علاقة لقضيَّتنا بهذا القانون، وأنه لا توجد فيها قطعًا أيَّة جهةٍ تستلزم العقوبة؛ ولأنه لا يليق بمقامِ العدالة بأيِّ وجهٍ تقديمُ المادة المذكورة كي نؤاخَذَ بها من حيث لا ندري بتأثيرِ المخاوف والهواجس المذكورة في مستخذ الححاكمة، فإن كلمتي الأخيرة التي أقولها مطالِبًا ببراءتي:
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّٰهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رلي شرطلْعَرْشِ الْعَظِيمِ
٭ ٭ ٭
— 268 —
لائحةُ اعتراضي على لائحة الادعاء
أيتها الهيئة الحاكمة.. أيها المدعي العام..
إن كلَّ مادَّةٍ سيقَت لاتهامي في لائحة الادعاء، قد أُجيب عنها في مدافعاتي المحرَّأي: الضبوطكم بدائرة الاستجواب، وأخص بالذكر المدافعة المؤلَّفةَ من خمسٍ وثلاثين صفحة، والمسمّاة: "مدافعتي الأخيرة"، فأقدِّمها إليكم بدلًا من الاعتراض، وأقول لألفِت نظر العدالة والإنصاف إلى هذه النقطة:
أيُّ إنصافٍ وأتم أمويرٍ يسمحان باتهامي بمحاولةِ الإخلال بالأمن الداخلي، مع أنه لم تَبدُ مني أيَّةُ أمارةٍ أو بادرةٍ للإضرار بالاستقرار الداخلي والأمن العام، فضلًا عن أني أعيش مظلومًا تحت المضايقات في ولاية "إسبارطة" منذ عشر التيا
ولو فُسِّرتْ المادَّة القانونيَّة (١٦٣) بمثل ما طُبِّقتْ بحقِّنا لَلزم أن تَشمَل جميعَ الأئمة والخطباء والوعاظ، وفي مقدمتهم رئاسة الشؤون الدينيَّة، لأننا وإياهم سواءٌ في تعليم الحياة الدينيَّة؛ فإنْ زُعِم سُخفًا كون مريم الدين يُخِلُّ بالأمن الداخلي بالضرورة، لشَمِل هذا الجميع.
نعم، بل إن لي جهةَ تفوُّقٍ على أولئك، ألا وهي إيضاح الحقائق الإيمانيَّة إيضاحًا قاطعًا لا شكَّ فيه ولا شبهةلبيان هذا فلو فرضنا محالًا ورودَ اعتراضٍ على عموم أهل الدين، لكانت حالُنا هذه وسيلةَ نجاتنا من ذلك الاعتراض.
وإن مما لا يتناسب البتَّة مع نظرِ عدالة القضاء أن يُحتجَز عشرون شخصًا بريئًا لا ذنب لهم، فيُحرَموا من أهلِهم وأبنائهم وكلُّ تهم، ويُزَجَّ بهم في غياهب السجن من أجل مادَّةٍ لم تثبُت بحقي إلى الآن رغم كلِّ هذه التحقيقات، ولو ثبتتْ لما شكَّلتْ جُرمًا في منظور العدالة الحقيقيَّة، وللمصطفّلتْ جرمًا لكنتُ وحديَ المسؤولَ عنها؛ فلقد تضرَّر ضررًا بالغًا - من جرَّاء هذا التوقيف - كثيرٌ من الأبرياء المساكين لمجرَّد أدنى صلةٍ لهم بي.
— 269 —
وأجيب عما تُشعِره لائحة الادعاء من أن نفلتسلَما كان للاشتراك في حوادث الشرق:
إنه لا تحوم حولَ ملفِّي في سجلات الحكومة أيَّةُ شائبةٍ، ولقد ثبت لدى الحكومة أنني نُفيتُ احتياطًا لا غير، فقد كنتُ أعيشُ في ذلك، وخاط منزويًا كما أنا الآن، وبينما كنتُ أسكنُ وحدي مع خادمٍ لي في مغارةٍ بأحد الجبال، قبضوا عليَّ، وفرضوا عليَّ الإقامة الجبريَّة عشرَ سنين بلا مبري مواجسعٌ منها في إحدى القرى، وسنةٌ في "إسبارطة"، وفي النهاية أنزلوا بي هذه البَليَّة.
لائحة الادعاء الثالثة
وتفيد بأنه: "حين كان في "بارلا" أسِّّيَّةقاتٍ مع القريب والبعيد، وسعى للقيام بأنشطةٍ معتمدًا على مساعداتهم المادية والمعنوية، واستكتب جزءًا تلو الآخر من مؤلَّفاتِه التي أَطلق على مجموعها اسمَ "رسائل النور"مخاطر،لَ على نَسخِها بمنتهى السِّرِّيةِ بوسائل مختلفةٍ في مناطق مثل "أنطاليا" و"آيدن" و"ميلاس" و"أغيردِر" و"دينار" و"وان"، ونشرَها وعمَّمها بواسطة رجاله، ووضعَ إشارة "خاص" و"شبه خاص" على الرسائل التي يمكن أن تُخِلَّ بين ضابالداخلي، وبذلك يكون قد أظهر الغاية التي كان يستهدفها وأقرَّ بها".
أجيبُ جوابًا واضحًا قطعيًّا على هذه الفقرة، فضلًا عن إجابتي التي سبقت في المدافعة المسمَّاة "مدافعتي الأخيرة"، والتي قدمتُها إليكم لائح وأمراض، وحُرِّرَت سابقًا في ضبوطكم، فأقول:
حاشا ثم حاشا مئةَ ألفِ مرةٍ أن أجعل عِلمَ الإيمان أداةً لشيءٍ سوى الرضا الإلٰهي، بل ليس ذلك بمقدوري، بل لا يحقُّ ذلك لأحد.
لقد أُلِّفتْ مئةٌ وخمسٌ وعشرون رسالةً تحت عنوان "رسائل النور" خلال عشريه فيا أما الرسائل التي قلنا عنها: إنها خاصة، فثلاثٌ منها وصفناها بالخصوصيَّة
— 270 —
لكيلا تكون مدعاةَ غرورٍ ورياءٍ لنا؛ وإني الآن أقول مضطرًا لكشفِ سَتر الخصوصيَّة عن جانبٍ من جوانبها: إن إحداها تتعلق بالكرامة الغوثيَّة، والأُخرى تتعلق بالكرام قطراتلَويَّة، والثالثة تتعلق بسرِّ الإخلاص.
فأما الكرامتان فإشارتان من سيدِنا عليٍّ رضي اللّٰه عنه والغوثِ الأعظم عبد القادر الگيلاني قُدِّس سرُّه بصورةِ تقدير لخدمتي القرآنية، وهما فوق حدي باهرَ ورجة؛ وأما الرسالةُ التي تدور حول سرِّ الإخلاص، وتنقِذُ من الرياء والغرور والأنانيَّة، فوُصِفتْ بالخصوصية لكونها مخصوصةً بأخصِّ إخواني؛ فما علاقة هذه الرسائل بالأمن الداخليهما يحون مدار الاتهام؟!
أما القسم الآخَر من الرسائل الخاصَّة، فرسالةٌ أو رسالتان كتبتُهما في "دار الحكمة الإسلامية" وأُخرى كتبتُها قبل تسع سنوات، ردًّا على اعتراضات أوروبا وتهجُّمات الدكتور "عبد اللّٰه جودت" الكُفرية؛ وكذللّٰه تان صغيرتان كتبتُهما بصورةِ شكوى ضدَّ التعدِّيات القاسية المتحاملة التي يمارسها بعض المسؤولين تجاهي، وقد ذكرتُهما في مدافعتي الأخيرة.
ثم إني بعد مُضيِّ زمنٍ على تأليف هذه الرسائل الأربع مَنعثل هذهَها، لئلا تَمَسَّ بأيِّ شكلٍ من الأشكال القوانينَ التحرُّريَّة أو شؤونَ الحكومة، وقلتُ: "إنها رسائل خاصة"، فظلَّتْ مخصوصةً بواحدٍ أو اثنين من أخصِّ إخواني؛ ودخلصين،لى هذا عدمُ العثور على أيٍّ من هذه الرسائل في أيِّ مكان رغم كل هذا التفتيش الدقيق، وإنما وقع بأيديكم فهرسُ عمومِ الرسائل، فلزِم بموجَبه توضيحُ هذه النقاط، وقد أجبت، وحُرِّر الجواب في ضبطِكم.
وتَرِدُ في لائحة ادعائكم أسماءُ مناطق متعدِّديقف عني سعيتُ بواسطةِ بعض الرجال لنشرِ رسائل النور وتعميمِها؛ فأقول جوابًا: لقد أرسلت خواطر إيمانيَّةً إلى أربعةٍ أو خمسةٍ من أحبّائي على سبيل الذكرى، وذلك حين كنت أعيش في قريةٍ، وفي غربةٍ، وحيدًا تحت رقابةٍ صارمة، ون الحك هذا لا أُحسِن الخط، ويُحجِم كلُّ شخصٍ
— 271 —
عن معاونتي؛ فما أبعده عن الحقيقة أن يُقال: "إنك بهذا تسعى للنشر والتعميم"!! لا بد أنكم تقدِّرون ذلك.
ولقد اشتغلتُ بالتدريس في "وان" على ومسَ عشرة سنة، وصرتُ مَظهَرَ توجُّه العامَّة بما يَفوق حدي كثيرًا، فكيف يقال إنْ بعثتُ برسالةٍ أو رسالتين إيمانيَّتَين إلى أحد أصدقائي: "إنك توزع منشورات"؟!
إنني بلا شكَّ لا أستطع القيام بالنشر، إذْ ليس لديَّ مطبعةٌ ولا كمتوافق، وأنا فوق هذا رديءُ الخط، ما يعني أن لرسائل النور جاذبيةً تجعلها تنتشر من تلقاء نفسها؛ غير أن هنالك أمرًا، وهو أننا طبعنا "رسالة الحشر" المسمَّاةَ "الكلمة العاشرة" قبل ظهور الأحرف الجديدة اللاتينية، فوقعتْ بأيدي الولاة وورتين اب وكبار المسؤولين في الحكومة، فلم يعترض عليها أحدٌ منهم؛ وانتشرت منها ثمانُمئة نسخة، وكان من آثار ذلك أنْ وصلتْ بشكلٍ عفويٍّ رسائلُ مثلُها أخرويَّةٌ إيمانيَّةٌ خالصةٌ إلى أيدي بعض الناس، ولا شك أني سُرِرتُ لهذا الانتشايؤدونه وقع عفويًّا دون اختيارنا، وكتبتُ تقديري هذا بأسلوبِ تحفيزٍ في بعض مراسلاتي الخاصة.
ثم إنهم وبعد ثلاثةِ أشهرٍ من حملات التفتيش الدقيق في بلدٍ مترامي الأطراف، لم يعثروا على شيءٍ من كتبي إلا في أيدي خمسة عشر أو عشرين رجلًا، أفإن وُسمَّى رسائلُ خاصةٌ لرجلٍ مثلي أمضى ثلاثين سنةً من عمره في التأليف والتدريس، بحوزةِ عشرين صديقًا من خواصِّ أصدقائه، أتُعَدُّ هذه منشورات؟! فبأيِّ صورةٍ تُعَدُّ كذلك؟! وكيف يمكعنوية.ُبتغى بهذه المنشورات هدفٌ ما؟!
أيها السادة..
لو كنتُ أسعى وراء مقصِدٍ دنيويٍّ أو سياسيٍّ، لظهرتْ خلال السنوات العشر هذه علاقاتٌ لي مع مئةِ ألف رجل، لا مع خمسةَ عشرَ أو عشرين؛ ومهما يكن من أمر، فإن في مدافْلي"، أخيرة مزيدَ إيضاحٍ وتفصيلٍ حول هذه النقطة.

.......

— 272 —
كيف يمكن أن تُوظَّفَ ضدي في لائحة الادعاء حقيقةٌ وجوابٌ علميّان قطعيّان لا شبهة فيهما، موجودان منذ القديم في جميع التفاسير، ردًّا على اعتراضاتِ المدنيَّة حول آيتَي: لِلذَّكَرِ مِوز بليَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ؟!
ووردَ في لائحةِ الادعاء - نقلًا عن "الفهرست" أيضًا - انتقادٌ لمسألةِ أنَّ ترجمات الألفاظ القرآنية والأذكار لا تَحُلُّ محلَّ الأصل، وهذه مسألةٌ وقعتْ قبل ثلتصديقنوات، وهي حقيقةٌ علميَّةٌ لا تقبل الاعتراض، وقد أقرَّت الحكومةُ الترجمةَ بعد ذلك بزمنٍ طويل بناءً على بعضِ مقتضيات هذا الزمان، فبأيِّ صورةٍ يوظَّف هذا القرار الحكوميُّ ضدي؟!
وثمة رسالةٌ تتكون من أربع نقاطٍ أُلِّفَت بمنق المدغلاق مسجدنا، وهي شكوى ضد مدير الناحية وبعض رفاقه شخصيًّا، وضد سوءِ استعمال صلاحياتهم إذْ ظلموني بشدة، لكن لم يُعثَر عليها لأنني لم أعطِها لأحد.

.......

ومن توافقات الكلمة العاشرة أن عدد سطورها يتوافق من جهةٍ مع تاريخ تأمان في ويتوافق من جهةٍ أخرى مع تاريخ إعلان الجمهوريَّة اللادينيَّة التي تفصل الدين عن الدنيا، بحيث يكون ذلك الإعلان أمارةً على إنكار الحشر.
وتفسيرُ هذا: أنه ما دامت الجمهوريَّة تلتزم الحياد فلا تتعرَّض للديقة.
للإلحاد، فمن المحتمل أن يستفيد أهلُ الضلالة والإلحاد من حيادها فيُعلنوا إنكارَ الحشر؛ وإلا فليس هذا هجومًا على الحكومة، بل هو إشارةٌ إلى حيادها.
والحقُّ أن "الكلمة العاشرة" لما انتشرت منها ثمانُمئة نسخةٍ قبل تسع س وقلت:من الآن، حصرَتْ إنكارَ الحشر في قلوب منكريه من أهل الضلالة، فلم تدع مجالًا لتصرِّح به ألسنتُهم، وسدَّت أفواههم، وأدخلتْ براهينَها الخارقة في أعينهم.
أجل، فهذه الرسالة التي تبيِّن ركنًا إيمانيًّا عظيمًا كالحشر أٌّ يكشرعًا فولاذيًّا
— 273 —
يحيطُ بالإيمان، وأسكتتْ أهلَ الضلالة؛ ولا شك أن حكومة الجمهوريَّة قد سُرَّتْ بها حتى تناقلتْها أيدي النوَّاب والولاة وكبار المسؤولين بحريَّةٍ تامَّة.
وكذلك "رسالة الحجاب"، فهي جوابٌ علميٌّ مُسكَّمْنَايةِ القوة، يرُدُّ الاعتراضَ الذي أُورِدَ على آية الحجاب باسمِ مدنيَّة أوروبا وفلسفتها، ولصالحِ سياسة الإفساد الإنكليزية؛ وإن جوابًا علميًّا كهذا شأنُه أن يقابَل بالتقدير في كا هي اٍ لا قبل خمس عشرة سنة فحسب، ولا شك أن هذه الحرية العلمية لا تحدُّها حكومةُ جمهوريةٍ ترفع لواء الحريَّة.

.......

أيَّتُها الهيئة الحاكمة.. لو كانت الدنيا هدفَ رسائل النور، أو لو أُريدَ بها مقصِدٌ دنيويٌّ، لوُِّقونه رسائلها المئة والعشرين عشراتُ آلافِ النقاط التي تعدُّونها بنظركم محلَّ انتقاد؛ فهل يجوزُ أن يُحظَر بستانٌ مباركٌ أو يُساءَل صاحبُه لمجرَّد وجودِ خمسَ عشْرةَ ثمرةً بدتْ لكم مُرْ يصيبالحنظل، بين مئةٍ وعشرين ألفِ ثمرةٍ طيبةٍ لذيذةٍ فيه؟! أُحيلُ هذا إلى ضميركم المتمسك بالعدالة.
ولقد بيَّنتُ في مدافعتي الأخيرة أنني رين المنذ ثلاثين سنةً على فلاسفة أوروبا، وعلى الملحدين الذين يعملون لصالحهم وصالح المخططات الأجنبيَّة في الداخل، وما زلتُ أردُّ عليهم معارِضًا؛ ويدرِك المطلعون على رسائلي أن هؤلاء هم أكثرُ مُخاطَبِيَّ بعد نفسي.
فأسألكم: لقد وجَّهتُ صفعةبلا فاَّةً شديدةً أَهويتُ بها على وجوه فلاسفة أوروبا، وعلى وجهِ كلِّ ملحِدٍ يعمل لصالحِ المؤامرات الأجنبية، فبأيِّ صورةٍ تُحوَّل هذه الصفعة لتُوجَّه ضدٌ منهاكومة؟!
هذا أمرٌ لا تقبَله عقولُنا، بل ما كنا نتصوَّره، والمأمول من حكومة الجمهوريَّة التي تُعلي من قيمة الحرية، أن ترحِّب بهذه الصفعات العلميَّة المُحِقَّة، وتصفِّقَ لها باسم الحكومة نف يطيع صالح القانون بدلًا من مُساءلتِها.
— 274 —
اعتذار:
بُلِّغتْ لائحةُ الادعاء في مهلةٍ مقدارُها ثلاثة أيام، فقُرِئتْ بالكاد مساءَ اليوم الأول لوصولها متأخرةً، وتُرجِم مُعظَمُها في اليوم الثا دابةٌم تتسنَّ لي فرصةٌ للردِّ عليها سوى خمسِ ساعاتٍ أو ستٍّ، فكتبتُ لائحةَ الاعتراض الطويلةَ هذه على عَجَل.
وأكرر ما قلتُ في مدافعاتي السابقة: إن لائحة الاعتراض ستكون بالتأكيد ناقصةً مشوّقًا لملغاية، فقد كُتِبتْ بطولِها في غضون أربع ساعاتٍ أو خمس، مع عدمِ معرفتي بالقوانين، خصوصًا المعاملات الرسميَّة الحاليَّة، ومع كوني ممنوعًا من الاختلاط منذ زمنٍ بعيد، فأرجو أن تنظروا إليها بعين المسامحة.
٭ ٭ ٭
أنهم حدافعة الأخيرة المقدَّمة إلى قاضي الجزاء
باسمه سبحانه
مدافعتي ردًّا على القسم المتعلِّق بشخصي، والبالغ اثنتي عشرة صفحة في لائحة القرار الاتهامية المؤلَّفة من بضعٍ وستين صفحة.
حظةٍ همدافعتي المحرَّرة في ضُبوط المحكمة الإجاباتِ القطعيَّة عن الموادِّ المذكورة ضدَّنا في لائحة القرار؛ وأُبرِزُ مدافعتي الأخيرة المؤلَّفة من تسعٍ وعشرين صفحة، معجزَ َ اعتراضي المؤلَّفةَ من تسعَ عشرة صفحة، ردًّا على لائحة الادعاء الموهومة التي لا أصل لها، والواردة فيما يسمى لائحة القرار هذه.
فهاتان المدافعتان تَرُدَّان وتُفنِّدان بصورةٍَ القرٍ جميعَ ما ورد في لائحةِ قرارِ قضاة التحقيق من نقاطِ مؤاخذةٍ وأسسِ اتهام، وتُظهِران بطلانها؛ على أني سأورِد هنا "خمس عُمَد" تُبيِّن مستند لائحة القرار هذه، ومن أين ضُلِّل الذين اتهمون فبينم أين اقتبسوا هذه المؤاخذة التي لا أصل لها.
— 275 —
الأولى:دعوى باطلةٌ لا أصل لها تتهمني وتتهم رسائلَ النور بمعارضة مبادئ الحكومة، ومناوئةِ النظام الحاكم، ومحاولةِ الإخلال بالأمن الداخليالغفيرِّعةً بخمس عشرةَ فقرةً وَرَدَتْ في جزأين أو ثلاثةٍ أو أربعةٍ من أجزاء رسائل النور المئة والعشرين.
وأنا أقول جوابًا على هذا: لقد دافعتُ دفاعًا علميًّا عن الحقائق القرآنية ردًّا علىتي نلتب الضارِّ لا النافع من مدنيَّة أوروبا، فبأي صورةٍ يُعتبر دفاعي هذا معارَضةً لنظام الحكم ومبادئِ الحكومة، وحركةً مناهضةً لسياساتها الثوريَّة، لمجرَّد أن حكومةَ الجمهورٍّ، فأخذتْ ببعضِ قوانين هذه المدنيَّة بناءً على ضرورات هذا الزمان؟!
وهل ترضى حكومةُ الجمهوريَّة لنفسها أن تصبح محامي الدفاع عن معايب مدنيَّة أوروبا؟! وهل كانت القوانين المخالفة للإسلام لدى هذه المدنيَّة الناقصة ا، من تسعى له الحكومة منذ القديم؟! ثم أين هذه المدافعةُ العلميةُ عن الحقائق القرآنية ردًّا على بعضِ قوانين المدنيَّة الناقصة، أين هي من اتخاناسبنيفِ المعارض للحكومة؟!
لقد كتبتُ مدافعاتي العلمية قبل ثلاثين سنة، ورددتُ بها على اعتراضاتِ فلاسفةِ أوروبا وتجاوزاتهم على الحقائق القدسية الواردة في الآيات مث زال صلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ وغيرها من آيات القرآن الحكيم القطعيَّة، وهي حقائق موجودةٌ في ملايين التفاسير منذ ألفٍ وثلاثمئة اء نفسفي التفاسير التي ما تزال تزخر بها المكتبات إلى يومنا هذا، وإن توظيف هذه المدافعات لاتهامي بالقول: "إنَّ له مقصِدَ معارَضةِ النظامِ الحاكم ومبادئِ الحكومة وثورتِها"، ليس إلا حقدًا ظاهرًا ووهمًا لي ثما، ولولا مَساسُه بهذه المحكمة العادلة لما كنت أراه لائقًا بالمدافعة والرد.
ثم بأيَّ صورةٍ يا تُرى تُعتَبَرُ مدافعتي العلميَّةُ موجَّهةً ضدّنها مبومة، مع أنها إنما تتصدى للملحدين الذين يَبْذُرُون منذ القديم بذورَ الفساد والخلاف والإلحاد بواسطةِ جمعيَّات الروم والأرمن، ويعملون لصالحِ منظَّمات الكفر والإلحاد الأيُّ لی، بنيَّةِ الإضرار بهذا الوطن والأمة؟! أجل، وبأيِّ سببٍ تُفسَّر هذه المدافعة العلمية بأنها هجومٌ
— 276 —
على الحكومة؟! وبأيِّ إنصافٍ تُلبَس الحكومةُ ثوب الإنبحث عم تُساق الاتهامات تبعًا لذلك؟!
ومع أن الأسس المتينة لحكومةِ الجمهورية هي ضدُّ أمثال هؤلاء الملحدين، إلا أن بعضَ مبادئها ألبِسَتْ ثوبَ الإلحاد، ثم جِيْءَ إلى مدافعاتي العلميَّة، التي انتصرتْ منس عشرةن سنةً للوطن والأمة والحكومة على هؤلاء المفسدين، ففُسِّرتْ بأنها "تتخذ الدين أداةً للسياسة، وتحرِّض على الحكومة"، فأيُّ إنصافٍ يقبَل هذا، وأيُّ ض حق لكرضاه؟!
نعم، إنني أعلن لا أمام هذه المحكمة فحسب، بل أمام العالَم أجمع، أنني دافعتُ وما زلت أدافع عن الحقائق القدسية الإيمانية في مواجهة فلاسفة أوروبا، خصوصًا الملحدين منهم، وبالأخص ذي أدرخذون السياسة أداةً للكفر والإلحاد، ويُخِلُّون بالأمن معنويًّا.
إنني أعلَم أن حكومة الجمهوريَّة حكومةٌ مسلمة، لا تُفسِح المجال للتيارات الإلحادية التي تضرُّ الوطن والشعب، وإنما قَبِلتْ قٍ يناقوانين المدنيَّة لضرورات الزمان.
لن أخاطب المحقِّقين الذين يؤدون وظيفتهم فيما يتعلق بلائحة الادعاء المسمَّاة لائحة القرار، وإنما أخاطب الظَّلَمة الملحدين، وأردُّ على مكائدهم وأوهامهم التي استند إليها المحقِّقون، فأقول:
إنكم سعيدٍني بجعْلِ الدين أداةً للسياسة، وإنني أتهمكم مقابلَ هذه الفرية الشنيعة بأنكم تريدون جَعْل السياسة أداةً للإلحاد، وفضلًا عن هذا فإني أُثبةَ كلّةِ دليلٍ قطعيٍّ أن اتهامكم هذا افتراءٌ ظاهرٌ وباطلٌ لا أصل له.
ولقد كان في زمانٍ ما ملكٌ ذو دهاءٍ ومكر، يرتكبُ بِنيَّةِ العدالةِ مظالمَ كثيرة، فقال له عاٌ سياسحقِّق: أيها الحاكم، إنك تظلِم رعيَّتَك باسم العدالة؛ إذْ تَجمَعُ بنظرك الناقدِ المحتالِ مساوئَ متفرِّقةً في أزمنةٍ متباعدة، فتتصوَّرُها واقعةً في زمانٍ واحد، الجامزِل بصاحبها العقابَ الشديد.
— 277 —
وكذا تَجمَعُ في نظرِك الناقد المحتال مساوئَ صدرتْ من أفراد قومٍ متفرِّقين، فتُبغِض من جرَّاء ذلك جميعَ أولئك القوم، ويشتدُّ غضبُك عليهم، فتُنزِل بهم ضربتَك دون حق.
نعم، وإنك لو خلنُّورك في يومٍ واحدٍ ما بصقتَه في سنةٍ لغَمَرَك؛ ولو تعاطى بضعةُ أشخاصٍ في يومٍ واحدٍ ما تتعاطاه في أزمنةٍ متفرِّقةٍ من أدويةٍ مُرَّةٍ كالعلقم، لأمكنها أن تُهلِكَهم جميعًا.
وعلى هذا، فبينما كان يَلزمك أن تَستُر بالمحاسنِ مساوئَ وقعتْ بينها أحخصًا م إذا بك تَجمَعُ بنظرِك المحتالِ المساوئَ المتفرِّقة، دون أن تفكِّر بما يمحوها من المحاسن، فتُنزِلُ برعيَّتِك العذاب الأليم.
وقد وقعَ تنبَن أنها العالِم المحقِّق موقعَه، فأقلع الملِكُ عن ظُلمِه الذي كان يرتكِبُه باسم العدالة.

.......

إن ثمَّة قوةً سرِّيَّةً تريد أن أُدان بالالتزام، إذْ ذا بشخكوا ذريعةً إلا ركِبوها، ولا حيلةً إلا سلكوها، كمن يجمع الماء من ألفِ وادٍ، وأشعر أنه يُرادُ أنْ أُتَّهَم وأُدان بحُجَجٍ أغربَ من حجةِ الذئب مع الحَمَل.
فديِّنًٌا يردِّدون منذ ثلاثةِ أشهرٍ عبارةَ: "إنَّ سعيدًا الكرديَّ يتخذ الدين أداةً للسياسة"، وإنني أُقسِم بكلِّ مقدَّساتي أنْ لو كانتْ لديَّ ألفُ س33
لجعلتُها فداءً للحقائق الإيمانيَّة؛ فأنَّى لي أن أجعلَ الحقائق الإيمانيَّة أداةً لسياسة الدنيا؟!
وعلى الرغم من أنني فنَّدتُ هذا الاتهام في مئةِ موضع، إلا أنهم يعيدون ترديده من جديدٍ معزوفةً سمِجةًه وذكاوقونه من غير طائل؛ ما يعني أنهم يتمنَّون لو أني وقعتُ تحت طائلة المسؤوليَّة بأيِّ صيغةٍ ولو بالالتزام.
وأنا بدوري أتهم هؤلاء الظَّلَمة الملحدين بأنهم يجعلون السياسةَ أداةً للإلحاد، ويخشون أن يُفتَضَحوا، ويسعَون جاهدين لسَتر هذا الأٌ فريدهيب الذي يضعهم موضعَ الاتِّهام، فيردِّدون تهمةَ: "إنَّ سعيدًا يجعلُ الدين أداةً للسياسة".
— 278 —
فما داموا يريدون إدانتي على أيَّةِ حالٍ، فإني أقول لأهل الدنيا: إني يقرأ نفسي عن التذلُّل لاستنقاذِ سنةٍ أو سنتَين من عُمرِ الشيخوخة هذا.

.......

العمدة الخامسة:وهي أربع نقاط:
النقطة الأولى:يجري التلاعب بالعبارات المقتبسة من الرسائلى الجائحة القرار، إذْ يُستخرَج من معناها التعريضُ بالرغم من أنه غير مقصود؛ والحال أنه حتى لو وُجِد في كلماتِ رسائل النور تصريحٌ - لا تعريضٌ غيرُ مقص- على استحقَّ أن يُنظَر إليه بعين العفو والمسامحة، إذْ إن هدف رسائل النور مختلفٌ تمامًا؛ وهذا المثال مقياسٌ يوضِّح هذه النقطة:
فمثلًا: أذهب في طريقي راكضًا متوجِّهًا نحو مقصِدٍ لي، فإذا مكان فُ في أثناء ذلك برجلٍ كبيرٍ فوقعَ أرضًا، فقلتُ له: المعذرةَ يا سيدي، كنتُ ذاهبًا نحو وجهتي فاصطدمتُ بك دون قصد، فإنه لن يستاء من ذلك بل سيعفو بالتأُ أن هما إنْ لامستُ بإصبعي أذنَه عمدًا بصورةِ إزعاج، فسيَعُدُّه إهانةً ويستاء مني.

.......

فإنِ اصطدمتْ رسائل النور في أثناء حركتها العلميَّة والفكريَّة بسياسة أهل الدنير واسطوُجِدَ فيها كلماتٌ شديدة اللّٰهجة، فاللائق بها العفو والمسامحة، إذْ إنَّ هدفَها الإيمانُ والآخرة، ونحن إنما نسير نحو هدفِنا وليس مقصِدُنا التعرُّضَ لكم.

.......

تعرَّضتُ لظلمٍ لم يُرَ مث ورقةٍ الدنيا:
فبالرغم من أن مدافعتي الأخيرة ولوائحَ الاعتراض الثلاث، قد أثبتتْ بأدلةٍ قطعيَّةٍ من عشرين جهة أن المادَّة (١٦٣) لا تشملني مطلقًا، فقد أصرُّود - ل إدانتي لمجرَّد أن خمسَ عشرةَ كلمة من بين مئات آلافِ الكلمات لم توافق بعضَ موادِّ القانون المدني، علمًا بأنه أُقِرَّ بعدها بزمنٍ طويل بناءً على ضرورات العصر.
— 279 —
وبالرغكنه أنن رسائلي المئة والعشرين التي أُلِّفَتْ خلال عشرين سنة تحوي اكتشافاتٍ معنويَّةً جليلة، إلا أنه صودِرتْ نُسَخُها المتداولةُ لمجرَّدِ احتوائها على بضعِ نقاطٍ محدودةٍ لا تبلغ عشرين كلمةً، هي عندهمأوَّلً انتقاد.
وبالرغم من مدافعاتي العلميَّة الحقيقية التي تردُّ على الملحدين واللادينيين من تلاميذ فلاسفة أوروبا، وهي مدافعاتٌ قيِّمة نافعةٌ أخرويَّة كتبتُها في أوقاتٍ متفرِّقة حين كنتُ عضوًا في "دار الحكمة الإسلاميَّة" إلا أن جميعَ ادعاءاد في اافعاتي العلميَّة والمنطقيَّة والقانونيَّة رُفِضَتْ عند المحاكمة رفضًا غير مبرَّرٍ ولا قانونيٍّ، وبدون إبداء الأسباب الموجبة.
ولا بدَّ من تفسير المعنى الفضفاض الذي تتضمنه المادة القانونيَّة رقم (١٦٣) حين تتحدث عن "م أهل المشاعرِ الدينيَّة التي يمكن أن تُخِلَّ بالأمن"، كما لا بدَّ لهذه العبارة من قيودٍ احترازيَّة؛ وإلا فيمكنها بمعناها الواسع هذا أن تَشمَل جميع أهل الدين والوعَّاظ والأئمة، وفي مقدمتهم رئاسة اللو الدينيَّة، مثلما سبق أنْ شُمِلْتُ وأُدِنتُ بها شخصيًّا؛ وبالرغم من مدافعاتي القطعيَّة الحقيقيَّة التي تَنوفُ على مئةِ صحيفة، إلا أن هذه المادة تُفسَّر تفسيرًا يجعلني مشمولًا بحكمها، ما يعني أنه يمكن أن يقع تحت حُكمِها كلُّ فوق ريقیدِّم نصيحةً، بل كیلُّ مَن يُرشِید صديقَه إلى طريق الخير.
ينبغي أن يكون معنى هذه المادة القانونيَّة: "لمنعِ مَنْ يعيقون الرقيِّ الحضاري، ويعارضون الحكومة تحت ستار التعصُّب"؛ وقد أثبتْنا بدلائلَ قطعيَّةٍ كثيرة أن هذه الماجي القا المعنى الذي ذكرناه لا يمكن أن تمسَّنا بأيِّ جهة.
نعم، لا يمكن لهذه المادة أن تكون فضفاضةَ المعنى بغير تفسيرٍ ولا قيودٍ احترازيَّة، بحيث تسمح لكل حاقدٍ أن يضرِب بها مَن شاء.
لقد جرتْ تدقيقاتٌ مفصَّلة أما أاتٌ دقيقةٌ بشأني وبشأن مئةٍ وعشرين رسالةً ألَّفْتُها خلال عشرين سنة، وبقيتُ وما أزال تحت المراقبة والمتابعة منذ عشر سنين،
— 280 —
فلم يُعثَر في حصيلدى عُبكلِّه على أيِّ أمارةٍ للإخلال بالأمن ولو بدرجةٍ جزئيَّة، سواءٌ لديَّ أو لدى قُرَّاء الرسائل؛ ولقد فَرَرْتُ من السياسة منذ ثلاث عشرةَ سنةً فراري من الشيطان، ولم أتدخَّل في شؤون الحكومة، ولم أتعرَّض لأمور الدنيا، وتحمَّلتُ صنوفًجى من لأذى فوق ما يتحمَّلُه البشر، واتخذتُ خدمةَ الإيمان أعظمَ مقصِدٍ لي في هذه الدنيا، كما يشهَد لذلك معارفي المقرَّبون وكما أثبتُّه بعشرين وجهًا؛ وإن ملاحقتي بعد هذا كلِّه وشمبِّرهمذه المادة وإدانتي بها بالقول: "إنَّ سعيدًا يجعل الدين أداةً للسياسة، ويسعى للإخلال بالأمن"، إنما يمثل في اعتقادي سابقةً قضائيَّةً تنال من شرف المحاكم والقضاء، وهي سابقةٌ لم يُشاهَد مثلُها قطُّ على وجه البسيطة.
بلى، إن جُثُوَّ حُكَّامٍ عِظاماح حالةٍ أبطال في محاكم صغيرة، وإظهارَهم المطاوعةَ بكمال الانقياد، إنما يُثْبِتُ أن للمحكمة شرفًا ومقامًا لا يُخدَش بأيِّ جهة، وعليه فإنني أستند يثير ه المكانة المعنوية الرفيعة التي تتمتع بها المحاكم لأدافعُ بحرِّيَّةٍ عن حقوقي.
فبينما يُسمَح بنشرِ مقالةٍ بعد أن تحذِف الرقابةُ منها بَس علاماتٍ تراها ضارَّة، يُؤتى بمئةٍ وعشرين رسالةً أُلِّفَتْ في أزمنةٍ متفرِّقة، فتُصادَرُ منها مئةٌ وخمسَ عشرةَ رسالة، رغم أنها مهمَّةٌ نافعةٌ لا تشوبُها شائبة، بل سبق أنْ تلقَّت مكتبةُ أنقرة بعضَها بكلِّ يخدش رٍ، وما تزال موجودةً لديها، أجل؛ تُصادَر لمجرَّد وجود خمسَ عشرةَ كلمةً في رسالةٍ أو رسالتين منها يُتَوَهَّم بالنظر الحاليِّ أنها ضارَّة!! لا شك أن حكم المصادرة هذا يَمَسُّ شرف القضاء على وجه الأرض قاطبةً، وأهم ولابمحكمة التمييز أن تصون هذا الشرف والمقام.
ولقد كانت آيتا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ أهمَّ المسائل الخمسِ أو العشرِ اعسكريةيرَ حولها انتقادٌ شديد، وترتَّب عليها ملاحقةُ عموم كتبي، كما كانتا في مقدمة المسائل التي أُدِنْتُ بها أنا وكتبي.
والحق أني كتبتُ قبل نحو أربعين سنةً الكثيرَ من الكتب بالعربية والتركية، وقد طُبِع بعضُها ولم يُطبَع البعض الآخَر، أثبتُّ فيها إ المراالقرآن مقابل عجز المدنية،
— 281 —
ولا أعني بالمدنية هنا المدنيَّةَ الحقيقية النافعة، وإنما أعني المدنيَّةَ القاصرة الضارَّة التي ألفظها بغير ميم، وقد اتخذتُ القرآن أساسًا لي في هذه المؤلَّفات، ورميتُ إلى م هذه كلَّ ما يخالفه من جوانب هذه المدنية الدَّنيَّة.
وكنت قد وازنتُ في ذلك الحين بين هاتين الآيتَين القرآنيتَين وبين ما يخالفهما من مواد القانون المدني الخاصة بالميراث، وأظهرتُ أدلةً تُلزِاشتياقفتَهم المعاندين، فكتبتُ هذه المسائل، ودافعتُ عنها في مواجهة المدنية والفلاسفة، وذلك قبل أن تُقِرّ حكومةُ الجمهوريَّة بعضَ موادِّ القانون المدني بناءً على ضروراتِ العصر، وبيَّنتُ أن وآثاره الحكيم قد صان بغاية الاهتمام حقوقَ المرأة التي كانت ضائعةً في القرون الأولى والوسطى.
وأنا اليوم مُدانٌ بالمادة (١٦٣)، بحجةِ أن ما بيَّنتُه في هاتين المسألتَين يخاة والتون الحكومة الجمهورية، فأقول بدوري لمحكمة القضاء العليا:
لقد ذكرتُ نَصَّ آيتَين في ثلاثةٍ من كتبي - أحدها قبل خمسَ عشرة سنة، والآخر قبل عشرِ ندتْ حوالثالث قبل تسع - لإظهارِ إعجازِ القرآن في مواجهة ملحدي أوروبا، احترامًا لأرواح أسلافنا، واستنادًا لأحكامِ أقدسِ وأحقِّ دستورٍ إلٰهيٍّ حقيقيٍّ معمولٍ به في الحياةِ الاجتماعية لثلاثِ مئةٍ وخمسين مليون إ من وري كل قرنٍ على مدى ألفٍ وثلاثِ مئةٍ وخمسين سنة، واستنادًا إلى تصديقاتِ ثلاثِمئةٍ وخمسينَ ألفِ تفسيرٍ يصدِّقون هذا الدستور الإلٰهي تصديقًا تامًّا؛ فحُكِم عليَّ بسجنٍ لا يمكنني العيسبة إلفي ظل الظروف الحاليَّة وأحوالي الصحيَّة، ما يعني أنه حُكِم عليَّ بطريقةٍ ما بالإعدام، وصدرَ القرارُ الجائر بإدانةِ مئةٍ وخمسَ عشرةَ رسالةً من رسائلي لأجل مسألةٍ أو مسأللهمة فالتي أَوردتُ؛ فإن كان للعدالة وجودٌ على وجه الأرض، فلا جَرَمَ أنها سترفض هذا القرار وتنقض هذا الحكم.
وإن أكثر ما يوقعنا في اليأس والحيرة أنه بإزاء ما فعلوه بي في "إسبارطة" حين جعلوا من الحبَّةِ قبَّةً،اذا تتوا القرار بحقي بناءً على تقارير وهواجس لا تستند إلى
— 282 —
حقيقة، تكرَّر قرارُ "إسبارطة" الموهوم نفسُه معزوفةً سَمِجةً في كلٍّ من لائحةِ قرارِ قضاةِ التحقيق، ولين، و ادعاء مقام الادعاء، والقرارِ الأخير للمحكمة التي أدانتْنا؛ ومع أني أثبتُّ أن هذا القانون لا يمسُّني بحال، ودافعتُ عن نفسي بدلائل منطقيَّةٍ قويَّةٍ في مئةٍ وعشرين صفحة، مضطرًا إلى قول الحق والصواب ولو على نفسي، إذِ الكذب غير جائزٍ في مذهبنا تابة ب؛ إلا أنهم لم يُلقوا بالًا لإثباتي هذا ولا لمدافعتي تلك، بل خلطوا على سبيل المغالطة تواريخَ الاستنساخ بتاريخ التأليف، حتى لقد خلطوا به تواريخ مراسلتي لأحد الأشخاص، ونظروا إلى العمل الذي جرى في عشرين سنةً كأنه وقع في سنةٍ واحدة الدنينونا دون النظر إلى مدافعتِنا المُحِقَّة بعين الاعتبار.
وإنني أنتظر بلهفةٍ من المحكمة التي هي أعلى مقامٍ للقضاء أن ترفع قبل كلِّ شيءٍ هذاعات الَ الذي يرتعِد منه أهل الحق والحقيقة، وأن تعلن براءةَ رسائل النور، فإن فرضنا محالًا أن مقامَ القضاءِ الرفيعَ لم يُصْغِ إلى استغاثتي الشديدةِ المُحِقَّةِ هذه ولمورية أ لها، فسأقول من شدة يأسي:
أيها الظَّلَمَةُ الملحِدون.. يا مَن افتعلوا هذه الحادثة وساقوني إلى هذا البلاء.. ما دمتُم عزمْتُم على إعدامي ماديًّا ومعنويًّا على كلِّ حالٍ، فلِمَ تأخذون بيد القضاء إلاء إلىائد والمؤامرات، وتلطِّخون شرفَه العظيم وهو المحافِظ على حقوقِ عامَّةِ المظلومين والمساكين؟! كان عليكم أن تبرزوا أمامي برجولةٍ، وتقولوا بصراحةٍ دون موارَبة: لا نريدك َلمة و الدنيا.
لقد عَمِدَتْ محكمةُ الجنايات إلى قضيَّةٍ انشغل بها قضاةُ التحقيق قرابة أربعةِ أشهرٍ استجوابًا وتحقيقًا مع مئةٍ وسبعةَ عشر رجلًا، فنظرتْ َذًّا ي يومٍ ونصفٍ نظرًا سطحيًّا، غاضَّةً طَرْفَها عما فيها من النقص والأخطاء؛ واستعجلتْ إصدارَ الحكم مكتفيةً بالنظر السطحيّ، ولم تلتفت إلى الطعن والرد بالأسباب الموجبة لا سيما أنقذهمي العلمية المتعلقة بالكشفيّات العلمية المهمة في رسائل النور، والتي ادعيتُ أني سأثبتها وأوضِّحها أمام هيئةٍ من الأكاديميين، وبناءً على هذا، وبارأ صحيلى أنهم عشاق حقٍّ وعدالة، فلا بد من تدقيق هذا القرار الخطأ المخالف للقانون ونقضِه.
— 283 —
النتيجة:يتبين من النظر والتدقيق في أوراق الجلسة، خصوصًا رسائلي المصادَرةَ المطبوعةَ وغيرَ ات على ة، أن جميعَ اعتراضاتي ومدافعاتي العلميَّة والمنطقيَّة والقانونيَّة لم تؤخَذ بعين الاعتبار، بل رُفِضَتْ من قِبَلِ قضاة التحقيق كما رُفِضَتْ من قِبَلِ المحكمة بناءً على آراءٍ شخصيَّة من غير دليلٍ ولا سندٍ قانونيٍّ،ي بالبير إبداء الأسباب الموجِبة؛ وبناءً على هذا حُكِم عليَّ بعقابٍ بدنيٍّ لا يمكنني تحمُّله بالنظر لأحوالي الصحيَّة، وصودِرتْ رسائلي المحتويةُ على اكتشافاتٍ معنويَّةً، والكاشفةُ عن معمَّى طلسم الكائنات، والمدافِعة منذ ثلاثين سنةً عن حقوق التُّعب سيرمسلمين في مواجهة فلاسفة أوروبا والجانب المرذول من المدنيَّة.
وبناءً على الأسباب المذكورة أعلاه، بالإضافة إلى لائحة اعتراضي المقدَّمة ردًّا على لام الإسادعاء، وكذلك بناءً على لائحة اعتراضي الثانية التي قدَّمتُها تحريرًا والتي تحوي العُمَد الخمس المتعلِّقة بأساس الجلسة الأخيرة للمحكمة، وبناءً كذلك على الإيضاحات المفصَّلة والأسبا أن حيميَّة والقانونيَّة والنواقص القانونيَّة التي ستُصادَف عند التدقيق في مدافعتي الأخيرة؛أقول:إنني أنتظر من هيئتكم إظهارَ العدالة، وذلك بنقضِيا مع مِ الصادر عن محكمة التمييز، والمستلزِم لإدانتي بصورةٍ صريحةٍ واضحةٍ جدًا.
وألتجِئ إلى اللّٰه تعالى وأتوكل عليه قائلًا:
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصلفرقة،ِالْعِبَادِ
وُثِّقَتْ لوائحُ مدافعاتي السبع البالغة مئةً وبضع صفحات في دفاتر ضبط المحاكم المتعدِّدة، إضافةً لقراءتها عدَّة مرَّاتٍ في المحكمة، أمّا لائحة التصحيح الآتية، فلم تُقرأ ولم تُوثَّق في الضبط، لأنَّ أتي هي مييزنا لم تأتِ بعدُ، ولا بد أنها سَتُوثَّق في الضبط عمَّا قريب.
٭ ٭ ٭
— 284 —
عريضةٌ مقدَّمةٌ إلى مجلس الوزراء لتصحيح الدعوى في حالِ صدَّقتْها محكمةُ التمييز ولم تنقضها
الشیكوى التي ستظهیر فيهاقرآن اكوى إلى الحكومة، أما الانتقادات فموجَّهةٌ للمتآمرين الذين يعملون على تضليلها
يا أهل الحل والعقد..
لقد تعرَّضتُ لظلمٍ قلَّ مثيلُه في الدنيا، ولما كان السكوت عن هذا الظلم استهانةً بالحق، أجِدُني مضطرًا للإفصاح عن حقيقةٍ في غجِزتْ أهمية، فأقول:
أظهِروا في دائرة القانون جريمتي التي تستلزم إعدامي أو سجني مئة سنةٍ وسنة، أو أثبِتوا أنني مجنون جنونًا مُطبِقًا، أو أعطوا الحريَّة الكاملة لي ولرسد اتهمأصحابي، وعوِّضوا أضرارنا وخسائرنا ممن تسبَّبوا بها.
(حاشية): كُتِبَتْ هذه اللائحة لتصحيح الدعوى المرفوعة ضدنا في حال صدَّقتها محكمةُ التمييز بدلًا من نقضِها، فتُقدَّم حينئذٍ هذه اللائحة إلى كلٍّ من مجلس الوزراء، وِّف سِلنوَّاب، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل؛ فإن لم أستطع أن أُسمِع هذه الجهات مَظلمتي المُحِقَّة وحقِّيَ المهم، وجب عليَّ توديع هذه الحياة؛ لأنني إن سكتُّ ضاع حقي الشخصي وضاعت معه آلافرها فيق المحترمة.
نعم، إن لكل حكومةٍ قانونَها وأصولَها، وإنما تنزل العقوبة وفقًا لذلك القانون؛ فإن لم يكن في قوانينِ حكومة الجمهوريَّة أسبابٌ توجِب إنزالَ أشد الإلٰقوبات بي وبأصحابي، لزِم بلا شكٍّ منحُنا الحريَّةَ التامَّة مع التقدير والمكافأة والترضية؛ ذلك أنه لو كانت خدمتي القرآنية البالغةُ الأهميَّة، البارزكيم وريان، موجَّهةً ضد الحكومة، لما جاز أن تكون عقوبتي سَجنَ سنةٍ واحدة، وعقوبةُ ثلةٍ من أصحابي سَجنَ ستةِ أشهر، بل كان يلزَم أن تنزلَ بي عقوبةٌ كالإعدام أو سَجن مئةِ سنةٍ وسنة، وتنزلَ أشدُّ العقوبات بمن ارتبطوا بي جًِى - زا في هذه الخدمة؛ أما إنْ لم تكن خدمتُنا موجَّهةً ضدَّ الحكومة، فاللازم حينئذٍ أن تُقابَل بالتقدير والمكافأة، لا بالعقوبة والسجن والاتهام.
فلَك ا أجل، فإن خدمةً جليلةً تنطق بلسانها مئةٌ وعشرون رسالة، ويُجابَه بها فلاسفةُ أوروبا فتَقلِب أساساتِهم رأسًا على عقب، لا بدَّ أن لها تأثيرًا بالغًا يجعلها تُفضي إلى نتيجةٍ رهيبةٍ في الداخل، أو تثمر ثمرةً علميَّةً عاومَ أهغايةِ النفع؛ فلأجل ذلك ما ينبغي أن أُعاقَب بسَجنِ سنةٍ - كألاعيب الصِّغار - ذرًّا للرماد في العيون، وتضليلًا للرأي العام، وسترًا على مكائدِ ليَّتهَمَة وأكاذيبهم بحقِّنا؛ وإنما شأن أمثالي إما أن يصعدوا إلى المشنقة مرفوعي الهامات فخرًا فيُعدَموا، أو يظلُّوا أحرارًا في المقام اللائق بهم.
نعم، إن اللصَّ الماهر الذي يَقدِر على س السيالماسٍ قيمتُه آلافُ الليرات، لا يعرِّض نفسَه لعقوبةِ سرقةِ الألماس بسرقةِ قطعةِ زجاجٍ ثمنُها عشرة قروش، لا يفعل هذا أيُّ لصٍّ في الدنيا، بل لا يفعلُه من له أدنى عقل، فهذا لًا وقالمتناهي في البلاهة لا يرتكبه لصٌ بارع كهذا.
فيا أيها السادة.. افرِضوا أني كنتُ كهذا اللصِّ كما توهمتم وتوجَّستم، فلماذا أختار قريةً معزولةً بنواحي "إسبارطة"، حيث بقيت مرجَ دا فيها تسع سنين؟! ولماذا أخاطرُ بنفسي وبرسائلي التي هي غاية حياتي، فأُحرِّضُ على الحكومة خمسةَ أو عشرةَ بسطاءَ مساكين هم الآن محكومون معي بعقوبةٍ مخفَّفة؟!ثمانين أقوم بذلك بينما كان بإمكاني أن أتبوَّأ منصبًا رفيعًا في إسطنبول أو في أنقرة كما كنتُ في السابق، فأوجِّهَ آلاف الناس نحو المقصِد الذي أبتغيه، وعندها يمكنمت منفدخُّل في شؤون السياسة والدنيا بعزةٍ تناسب مسلكي وخدمتي، لا بمحكوميَّةٍ ذليلةٍ كهذه!!
نعم، وأَذكر بعضًا من ريائي القديم وإعجابي بنفسي، لأبيِّن خطأ مَن يريدون إسقاطي إلى مرتبةٍ تافهةٍ عديمةِ الأهمية، تطيع كتفاد من وجودي فيها، فأقول على سبيل الاضطرار، دون تمدُّحٍ ولا افتخار:
أرأيتم إلى رجلٍ أخضعَ بخُطبةٍ منه ثمانيَ كتائب عسكريَّةٍ أعلنت العصيان في حادثة "الحادي والثلاثين من مارت"، وهذا أمرٌ يُصدِّقه من اطلعَ ع إنكم فعاتِه القديمةَ المسمَّاةَ "شهادةَ مدرستَي المصيبة"..
— 286 —
ووجَّه أفكار العلماء في إسطنبول ضدَّ الإنكليز بمقالةٍ له تُسمَّى "الخطوات الست"، وذلك في أثناء حرب ا؛ وأنّال، فأسدى بذلك خدمةً جليلةً للحركة الوطنيَّة كما ذكرت الصحف في ذلك الحين..
وألقى خطبتَه على مسامع الآلافِ في "أيا صوفيا".
واستُقبِل بالتصفيق الحارِّ في مجلس النواب بأنقرة، وجعل مئةً وثلاثةً وستين نائبًا يوافقون ويوَركي ب على تخصيص مبلغِ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ لإنشاء جامعة..
ودعا رئيسَ الجمهوريَّة إلى الصلاة وهو في مكتبه، وواجَهَ حدَّته بكلِّ ثباتٍ دون تردُّدٍ ألِّ يو..
(حاشية): يطلب سعيدٌ القديم المداخلة قائلًا: "لَم تتِحْ لي فرصةَ التحدُّث منذ ثلاثَ عشرة سنة، أمَّا وهُم ينظرون إليّ اليوم فيتهمونك ويتخوَّفون منك، فلا بدَّ لي أن أكلِّمهم؛ والحطنبول،ن الأنانيَّة قبيحةٌ برأيي، لكن ينبغي إظهارها بصورةٍ مُحِقَّة ردًّا على الأنانيِّين المغرورين المعاندين، دفاعًا عن النفس وحفاظًا عليها ليس إلا، ولأجل ذلك لن يمكنني الحديث بلينٍ من القول وفناءٍ عن النفس كما يفعل سعيدٌ اشد الن. وأنا بدوري أعطيتُه المجال ليتحدَّث، غير أني لا أشاركه أنانيَّتَه وتمدُّحَه.
وعُدَّ باتفاق حكومة الاتحاديين الشخص المُناسب في "دار الحكمة الإسلامية" للقيام بوظيفةِ إقناعِ حكماءِ أوروبا بالحكمة الإسلامة بصورةٍ مؤثِّرةٍ..
وأُشيَّ كلّاده في الحرب ببالغ التقدير، وسارع القائد العام "أنور باشا" لاستقباله باحترامٍ كما لم يفعل مع أحد، وأُعجِب بكتابِه "إشارات الإعجاز" الذي أُلِّفَ في جبهات الحرب وصو شخصٍ يوم، وقدَّم الورق اللازم لطباعته بغية أن تكون له حصَّةٌ في شرف تلك الذكرى الحربيَّة وثوابِها.
أقول: إن رجلًا كهذا لا يمكن أن يتنزَّل فيورِّط نفسَه في أرذَل الجنايات كنشَّالٍ أو سارقِ بغلٍ أو خاطف فشرعت ليُلحِق العارَ بعزَّتِه العلميَّة، وقدسيَّةِ خدمتِه، وسُمعةِ الآلاف من أصحابه الأعزاء، بحيث تعاملونه معاملةَ سارقِ نعجةٍ أو خروف، وتحكمون عليه بالسجن عامًا كاملًا.
— 287 —
فبعد عشر سنين من الإيذاء بالمراقبة الصارمة دون سئحة الكمون عليه الآن بالسجن سنةً، وتضعونه تحت الإقامة الجبريَّة سنةً أخرى، ليقع تحت تحكُّم مُخبِرٍ حاقِدٍ أو شرطيٍّ بسيط، وهو الذي لم يحتمل تحكُّم السلطان!! ألا إنه يرى أَما مَم بإعدامه أولى.
ولو أن رجلًا كهذا تدخَّل في أمورِ الدنيا أو رغِب في التدخُّل فيها، وكانتْ خدمتُه القدسيَّة تسمح له بذلك، لتدخَّل على نحوٍ يفوقُ "حادثة مَنَمَنْ" و"واقعةَ الشيخ سعيد" بعشرات الأضعاف، ولكانَ َانيًَّا مدويًّا هادرًا كهدير مدفعٍ تترامى أصداؤه إلى أنحاء الدنيا، لا كطنينِ ذبابةٍ خفيضٍ خافت!!
أجل، إنني ألفت نظر حكومة الجمهورية إلى ما يكشِف عن تدابير المنظمات السريَّة البشر واتني إلى هذا البلاء، وما دبَّرتْه من المكائد والحملات المُغرِضة؛ فبسببِ تقارير المتآمرين العاملين على خداع الحكومة استمرَّت الاستجوابات والصل معن في كلِّ مكانٍ من الولايات الشرقية إلى الولايات الغربية، حتى إنه لم يتمكن أحدٌ من أصدقائي - مع أنهم يبلغون مئة ألف - أن يكتب لي رسالةً أو يبعث إليَّ سلامًا منذ س ورسائر، وهذا دليلٌ على أنه قد وُجِّهتْ ضدَّنا حملاتٌ مُغرِضة ودُبِّرتْ مكيدةٌ وأُثيرتْ مخاوفُ على نحوٍ شامل لم يُشاهَد مثلُه في أيَّةِ حادثة.
إذًا، فالخُطة التي حاكها هؤلاء المتآمرون كانت ترمي إلى وقوع حادثةٍ تستوجبَ الدن أقصى العقوبات بآلاف الرجال مثلي، والحال أن العقوبة التي صدرتْ تَصرِف الأذهان إلى حادثةٍ من قبيل قيامِ شخصٍ بسرقةٍ تافهة؛ إذْ عوقِب خمسة عشر رجلًا بريئًا - من أصل مئةٍ وخمسة عشر - بالسجن خمسةَ أو ستةَ أشهر.
فيا تُرى!! هل في الدنصدَّى لٌ يُسلِّط على نفسه أسدًا مفترسًا أو ثعبانًا عظيمًا بغمزِ ذيلِه، إنْ كان بيده سيفٌ ألماسيٌّ بتَّار؟! فلو كان قصدُه القتال أو حِفظَ نفسه لحوَّل السيف إلى موضعٍ آخر منه.
لقد اعتبرتموني بنظركم ووهمكم مثل ذلك الرجل، فحكمتم علا أنهعاقبتموني على هذا النحو، فإن كنت أتصرَّف خلافًا للعقل والشعور إلى هذه الدرجة، لَكان يَلزَم
— 288 —
إرسالي كمجنونٍ إلى مشفى المجانين، بدلًا من نشرِ الرهبة في أنحاء البلاد وتأليب الرأي الع من أص بالحملات المغرِضة؛ أما إن كنتُ شخصًا على ذلك القدر من الأهميَّة التي أوليتموها، لما كان هذا الشخص يمدُّ سيفه الحاد إلى ذيل ذلك الأسد أو الثعبان ليَستَعديَهما على نفسه، بل كانسافر ا نفسَه منهما بقدر الإمكان؛ وذلك ما فعلتُه إذِ اخترتُ الانزواءَ طوعًا مدة عشر سنين، متحمِّلًا من الشدائد ما يفوق طاقة البشر، ولم أتدخَّلْ بأيِّ شكلٍ في شؤون الحكومة ولم أرغب في ذلك، إذْ إنخ، فذهتي القدسية تمنعني من ذلك.
يا أهل الحَلِّ والعقد.. أرأيتم إلى رجلٍ استطاع أن يكسب ثلاثين ألف شخصٍ إلى صفِّه بمقالٍ واحدٍ كما ذكرت الصحف قبل عشرين سنة، ولَفَت نظرَ واهتمامَ "جيش الحركة الكبير"،، وهو بستِّ كلماتٍ على أسئلةٍ طَلبَ رئيسُ أساقفةِ إنكلترة الإجابة عنها بستمئة كلمة، وكان يخطب في بداية عهد الحرية كأيِّ سياسيٍّ شهير، أمِن الممكن ألَّا توجد في رسائله المئة والعشرين إلا خمسَ عشرة كلمةً تهتم بولك مئ والسياسة؟!
وهل يقبل أيُّ عقلٍ أن يكون هذا الرجل متابعًا لأمور السياسة، وأن يكون مقصِدُه الدنيا والتعرُّضَ للحكومة؟! فلو كان فكرُه كذلك لأشعر بمقصِده تلميحًا أو تصريحًا في مئة موضعٍ من رسالةٍ واحدةٍ من رسائله!! ولو كان مقصِده النقدََنة لاسي، أفما كان بإمكانه أن يجد أمرًا ينتقده سوى تشريعَي الميراث والحجاب المستمرَّين منذ القديم؟!
بلى، إن رجلًا يحمل فكرًا سياسيًّا يخالف نظامَ حكمٍ قام بانقلابٍ كبير، يمكنه أن يجد مئاتِ آلافِلقرآن يا لينتقدها، لا مجرَّد قضيَّةٍ أو قضيَّتَين معلومتَين، كأن الانقلابَ الذي قامتْ به الحكومة الجمهوريَّة عبارةٌ عن مسألةٍ أو مسألتَين صغيرتين!!
وعلى الرغم من أنه ليس لي أيُّ مقصِدٍ لانتقاد الالعقوللحاكم، إلا أنه قيل عني إنني أهاجمه وأهاجم انقلابَه، بناءً على كلمةٍ أو كلمتَين ذكرتُهما في رسالةٍ أو رسالتَين كتبتُهما في الماضي!!
— 289 —
وأنا بدوري أسأل: أيمكن لمادةٍ علميةٍ لا تستوجب أدنى عقوووجَّه تَشغَل اهتمام دولةٍ مترامية الأطراف، ويُتعاطى معها على نحوٍ يثير الرهبة والقلق؟!
إن إنزال هذه العقوبة البسيطة التافهة بي وبخمسةٍ أو عشرةٍت الإلحابي، في مقابل ما جرى من بثِّ حملةٍ مغرِضةٍ شديدةٍ ضدَّنا في أنحاء البلاد، ونشْرِ الخوف والقلق بين الناس لترهيبهم منا، والمجيءِ بوزيرِ الداخلية إلى "إسبارطة" بصحبةِ قوةٍ كبيرةٍ لتنفيذ مهمةٍ يستطيع أن يقوم بها جنديٌّ واحد، وذهابِ رئيمجموع س الوزراء "عصمت" إلى الولايات الشرقية لهذه المناسبة، ومنعي منعًا تامًا من الحديث في السجن مدة شهرين، وعدمِ إفساح المجال لأيِّ شخصٍ أن يبلِّغَني سلامًا أو يسألَ عن حالي في هذه الغربة والوحدة؛ إنما يُشبِه إيجادَ ثمرةٍعَدُّ ٍ بحجمِ حبَّةِ حِمّصٍ من شجرةٍ عظيمةٍ كالجبل، ويَكشِف عن وضعٍ غيرِ قانونيٍّ لا معنى له ولا حكمة، بحيث لا يمكن أن تفعل ذلك حكومةٌ قانونيَّةٌ كحكوم، وهي هوريَّة الأكثر حبًّا للقانون، بل لا يمكن أن تفعله أيَّةُ حكومةٍ في العالَم، وهي التي سُمِّيتْ حكومةً لمعنى تسيير الأمور بحكمة.
إنني أطالب بحقوقي في دائرة القانون، وأتَّهم مَن يوقِعون المظاللتفتيش القانون بأنهم يرتكبون جنايةً؛ وإني على أملٍ بأن قوانين حكومة الجمهورية لا بدَّ أن تردَّ تعسُّفات هؤلاء الجناة، وتُعيدَ إليَّ حقوقي.
في سجن أسكي شَهِر
في الحبس الانفرادي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 290 —
المكرهم فعسادس عشر
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْم بزمامَكِيلُ
لقد صار هذا المكتوب مَظهَرًا لسرِّ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فلم يُكتَب بلهجةٍ شديدة.
وهو جوابٌ على سؤالٍ يَرِد من كثيرين صراحةً أو ضمنًا؛ ولستُ أرغب في تقديم هذا الجواب ولا أُسَرُّ بذلك، ف والتصتُ جميع أموري إلى اللّٰه متوكِّلًا عليه؛ إلا أنهم لما لم يتركوني وشأني، ولم يدَعوني أرتاح في عالمي، وحوَّلوا وجهي نحو الدنيا، فإنني مضطرٌ لأن أبيِّن بلسان "سعيدٍ القديم" لا الجديد خمسَ نقاط عن حقيقة الحال، أبيِّنها لأصحاد أنشؤجهةٍ، ولأهل الدنيا وأهل الحُكمِ من جهةٍ أخرى، لا لأنقذ شخصي، بل لأنقذ أصحابي ورسائلي من هواجس أهل الدنيا وأذاهم.
النقطة الأولى: قيل: لِم انسحبتَ من السياسة فلم تَعُد تَقرَبُها؟
الجواب:إنَّ ت.. هذا القديم" الذي كان موجودًا قبل نحو عشر سنوات قد خاض غمارَ السياسة بقدرٍ ما قائلًا: "لَعلِّي أخدِم الدين والعلم بواسطتها"؛ إلا أنه أُرهِق منها دون طائل، ورأى أن هذا الطريق مشكوكٌ فيه، محفوفٌ بالمشاكل والالشاهد وأنه بالنسبة إليه اشتغالٌ بالفضول ومانعٌ من الخدمة الألزم، وأن أكثره كذب، وفيه احتمالٌ لأن يكون المرء أداةً لأصابع أجنبية دون أن يدري.
— 291 —
ثم إنَّ افرادُهفي السياسة إما أن يكون مؤيِّدًا وإما أن يكون معارضًا؛ فإن كُنتُ مؤيدًا، ولم أكن مع هذا مسؤولًا ولا نائبًا في البرلمان، فالاشتغال بالسياسة في تلك ي تلك فضولٌ لا يعنيني، ولا يُحتاج إليَّ لأتدخل دون جدوى.
أمَّا إن خضتُ في السياسة المعارِضة، فسوف أتدخل إما بالفكر وإما بالقوة؛ فإن كان بالفكر فلا يُحتاج إليَّ، لأن المسائل واضممارسةلكل يعرفها مثلي، فلا معنى للثرثرة بغير طائل.
وإن عارضتُ بالقوة وبإثارة الحوادث، فهناك احتمالُ الوقوع في آلافِ الأوزار من أجل مقصِدٍ يُشَكُّ في حصوله، إذ يقع الكثيرون في البلايا والمصنُ لروببِ شخصٍ واحد؛ ثم إن وجداني لا يقبل الدخول في الآثام وإيقاع الأبرياء فيها بناءً على احتمالٍ أو احتمالين من عشرة احتمالات؛ فلأجل ذلك ترك "سعيدٌ القديم" الجرائد والسياسة والمجالس الدنيوية السياسية مع تركه السيجارة.
والشاهد ميع، ف على هذا أنني منذ ذلك الحين - أي منذ ثماني سنوات - ما قرأت صحيفةً ولا استمعت إليها، فليَبْرز أحدهم وليقل إني قرأت أو استمعت؛ هذا مع أن "سعيدًا القديم" كان قبل ثماني سنوات يقرأ حواعلى هذني جرائد في اليوم الواحد.
ثم إنني مراقَبٌ مراقبةً صارمةً منذ خمس سنين، فليتكلم من رأى مني أيَّةَ بادرةٍ تومئ إلى السياسة؛ والحال أن إنسانًا مثلي عصبيَّ المزاج، ولا يهاب أحدًا، ولا تربطه علاقةٌ بأحد، ويرى أن أعظم حيلةٍ: تركُ هم، فض، أخذًا بالدستور القائل: "إنما الحيلة في ترك الحِيَل"، لا يبقى له رأيٌ مستترٌ ثمانية أيام فضلًا عن ثمانية أعوام، فلو كان له أَرَبٌ في السمة الإو رغبةٌ فيها، لدوَّى صداه كهدير مدفع، دون أن يَدَعَ حاجةً للتحريات والتدقيقات.
النقطة الثانية: لماذا يَجتنِب "سعيدٌ الجديد" السياسةَ كلَّ هذا الاجتناب؟
الجواب:لكيلا يُضحِّي بسعيه لحياةٍ أبديَّةٍ تزيد عل يُراارات السنين، ولكيلا يُفرِّط بفوزه بها لأجلِ تدخُّلٍ فضوليٍّ غيرِ لازمٍ في سنةٍ أو سنتين من حياةٍ دنيويةٍ مشكوكٍ فيها.
— 292 —
وهو كذلك يفرُّ من السياسة أشدَّ الفرار من أجل خدمة القرآن والإيمان التي هي الأهم والالإمكاالأصفى والأحق.
ذلك أنه يقول: إنني أتقدَّم في السن، ولا أدري كم سنةً سأعيش بعد هذا العمر، إذًا فيلزم أن يكون أهمُّ عملٍ لي السعيَ للحياة الأبدية؛ وليس سوى الإيمان وسيلةٌ للفوز بالحياة الأبدية ومفتاحٌ للسعادة الأبدية، فيلزبكتابهي له.
ولكنني أيضًا أريد أن أخدِم الناس وأُسْدِيَ لهم النفع، لأنني مكلفٌ بذلك شرعًا لكوني عالِمًا؛ إلا أن هذه الخدمة إما أن تكون عائدةً إلى الحياة الدنيوية والاجتماعية، وإما تكون عائدةً إلى الحياة الأخروية والإيا مُقت فأما الأُولى فليس بوسعي القيام بها، فضلًا عن أنه لا يتأتى أداءُ خدمةٍ سليمةٍ في زمانٍ عاصفٍ مضطرب؛ لذا تركت هذه الجهة، واخترتُ عليها جهةَ خدمةِ الإيمان، وهي الأهمُّ والألزم والأسلَم أستاذإنني أترك الباب مفتوحًا لتصل إلى أيدي الناس الحقائقُ الإيمانية التي كسِبتُها لنفسي، والأدويةُ المعنويَّةُ التي جربتُها بنفسي، لعل اللّٰه سبحانه يقبل هذه الخدمة، ويكفِّرَ ما سلف من ذنبي.
وليفي نظرقِّ أحد أن يقف في وجه هذه الخدمة، مؤمنًا كان أو كافرًا، صِدِّيقًا كان أو زنديقًا، حاشا الشيطانَ الرجيم؛ ذلك أن عدم الإيمان لا يشبه شيئًا آخر، إذْ يمكن أن يكون في الظلم والفسق والكبائر لذائذ شيطانية منحوسة، أما عدم اإنما ه فليس فيه أيَّةُ جهةٍ من اللذة، بل هو ألمٌ في ألم، وظُلمةٌ في ظلمة، وعذابٌ في عذاب.
فهل يُعقَل يا تُرى في حقِّ إنسانٍ مثلي يعيش وحيدًا، ولا تربطه علاقةٌ بأحد، ويبحث باضطرارٍ عن كفارةٍ لما سَلَف من ذنبه، أن يَترك السعيَنا وعاٍ أبديةٍ، ويتركَ خدمةَ نورٍ قدسيٍّ كالإيمان، ليَزُجَّ بنفسه وقتَ الشيخوخة في ألاعيب السياسة الخطرة غير اللازمة؟! ألا إنه لَأمرٌ يبلغُ من مجافاة العقليس إلكمة، بل من الجنون، مبلغًا لا يخفى حتى على المجانين.
— 293 —
أما إن قلت: لماذا تمنعك خدمة القرآن والإيمان من السياسة؟
فإني أقول:إنَّ كلَّ حقيقةٍهم إلىحقائق الإيمانية والقرآنية هي كالألماس، وإني إنْ كنت مشتغلًا بالسياسة لقال العوام البسطاء عما في يدي من الألماس: أليست هذه دعايةً سياسيةً لكسب المؤيدين؟! وربما نظروا إلى ذلك الألماس نظرتَهم إلى خزفٍ زهيد مةٍ ول فأَكون بذلك قد ظلمتُ الألماس، وتكون مباشرتي للسياسة بَخسًا لقيمته؛ فيا أهل الدنيا لِمَ تنشغلون بي؟ لِمَ لا تدعونني وشأني؟
فإن قلتم: إن المشايخ يتدخلون في أمورنا أحيانًا؟ والناس يسمونك شيخًا في بعض الأحيان.
فإني أقول:أيهَتْ بردة، لست شيخًا..أنا عالم، والدليل على هذا أنني هنا منذ أربع سنوات، فإن كنتُ أعطيتُ أحدًا الطريقةَ لكان من حقكم أن تشتبهوا؛ ولكنني قلت لكل من أتاني: الإيمان لازم، الإسلام لازم، ليس الزمانُ زمانَ الطريا حتى فإن قلتم: يسمّونك "سعيدًا الكردي"، فلعلك تحمل فكر العنصرية، وهذا لا يناسبنا.
فإني أقول:أيها السادة، إن ما كتبه "سعيدٌ القديم" و"سعيدٌ الجديد" في متناول أيدي الجميع، وإنني أبرزه شاهدًا على أنني - بناءً على البلاغ القطعي بأن الانق.. قد جَبَّ العصبية الجاهلية - نظرتُ منذ زمنٍ بعيدٍ إلى القومية السلبية والدعوة إلى العنصرية على أنها سمٌّ قاتل، إذْ هي علةٌ إفرنجية من علل أوروبا، ألقتْ بهذا رسةُ عبين المسلمين ليتفرقوا ويتمزقوا فيَسهُلَ ابتلاعهم؛ ويعلم طلابي ومن لهم صلةٌ بي أنني اجتهدت منذ القديم في معالجة هذه العلة الإفرنجية.
فما دام الأمر كذلك أيها السادة، فلِمَ تتخذونَ كلَّ حادثةٍ ذريعةً للتضييق عليَّ يا ترى؟ بأيتكْتبْونٍ تضيِّقون عليَّ في كل حادثةٍ دنيوية، تضييقًا من قبيل أن يخطئ جنديٌ في الشرق فيعاقَب جنديٌّ في الغرب ويشدَّد عليه لمجرد كونه جنديًّا، أو يُسجَن حانوتيٌّ في بغداد بجنايةِ ح
إِنٍّ في إسطنبول لمجرد كونه حانوتيًّا؟! أيُّ ضميرٍ يحكم بهذا؟! أم أيُّ مصلحةٍ تقتضي ذلك؟!
— 294 —
النقطة الثالثة: يتساءل أصحابي المهتمون بشأني وبراحتي، المستغربون من سكوتي بصبرٍ إزاء كلِّ مصيبة: كيف تتحمل ما ينزل بك من ضيقٍ وشدائد،ني، ولنتَ في الماضي شديد الحِدَّة، شديد الاعتزاز، لا تتحمل أدنى إهانة؟!
فالجواب:استمِعوا إلى حادثتين وحكايتين صغيرتين، وخذوا منهما الجواب.
الحكاية الأولى:قبل سنتين تفوَّه أحد المدراء بكلامٍ مِلْؤه الإهانةُ وم في ظاءُ لي، وكان ذلك في غيابي وبغير سبب، ثم أُخبِرتُ بالأمر، فبقيت متأثرًا من ذلك ساعةً من الوقت بمشاعرِ "سعيدٍ القديم"، ثم وَرَد على قلبي - برحمة اللّٰه تعالى - حقيقةٌ أزالت ما بي من الضيق، وحملتْني على مسامحة ذلك الشخصٰهيةِ أنني قلت لنفسي:
إنْ كان ما صدر عنه من تحقيرٍ وانتقاصٍ عائدًا إلى شخصي ونفسي فجزاه اللّٰه خيرًا، إذْ أَخبَر عن عيوب نفسي، فإن كان صادقًا فيما أَخبر دفعني إلى تربية نفسي وأعانني على التخلص من الغرور، وإن كان كاذبًا أعانني على التخلصن على رياء ومن الشهرة الكاذبة التي هي أساس الرياء.
نعم، فأنا لستُ راضيًا عن نفسي، لأنني لم أُربِّها، وإنه إنْ كانت على عنقي أو في حِجْري عقرب فنبَّهني إليها أحدهم أو أراني إياها، لَزِم أن أَدين له بالفضل لا أن أَحنَق عليه.
أماا مطيعانت الإهانة الصادرة عن ذلك الشخص عائدةً إلى صفتي باعتباري خادمًا للإيمان والقرآن، فهي غير عائدةٍ إليَّ، وإنني أُحيل هذا الشخص إلى صاحب القرآن الذي يستخدمني، فهو عزيزٌ حكياستبداوإنْ كانت من قبيل مجرد شتمي وتحقيري والحطِّ من شأني فتلك أيضًا غير عائدةٍ إليَّ، وإنما تعود على من يراقبني من حكام هذه القرية، ثم الناحية، ثم الولاية، فقد حللْتُ ضيفًا عليها، وإني ما ددٌّ لإيًّا وأسيرًا وغريبًا ومقيَّدًا، فلا يقع على عاتقي الدفاع عن كرامتي بنفسي، إذْ إنَّ إهانة أسيرٍ ما إنما تعود على صاحبه، فهو من يدافع عنه.
ولما علمتفسِ الذه هي الحقيقة استراح قلبي، وقلتُ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ،
— 295 —
واعتبرتُ الحادثة كأنها لم تكن، ونسيتُها، ولكن - للأسَّ لهايَّن فيما بعد أن القرآن لم يسامحه.
الحكاية الثانية:وهي أنني سمعتُ في هذه السنة أن حادثةً وقعتْ، فإذا بي ألقى معاملةً كما لو كنت وثيق الصلة بهذه الحادثة، مع أني لم أسمع بها إلا على نحوٍ مجمل، فضلًا عن متوجِّ أكن أراسل أحدًا أصلًا، فإن فعلتُ ذلك، ونادرًا ما كنتُ أفعل، فإنما كنت أكتب إلى صديقٍ مسألةً إيمانية؛ حتى إنني خلال أربع سنوات لم أكتب إلى شقيقي سوى رسالةٍ واحدة.
ولقد ليَّ ممنع نفسي من مخالطة الناس، ويمنعني منها أهل الدنيا كذلك، فلم يكن بمقدوري مقابلةُ سوى واحدٍ أو اثنين من الأحباب مرةً في الأسبوع؛ أما الضيظم أساادمون إلى القرية فكان يلتقي بي في الشهر واحدٌ أو اثنان منهم مدةَ دقيقةٍ أو دقيقتين لأجل مسألةٍ تتعلق بالآخرة.
ولقد مُنِعتُ في هذه ال، والجن كل شيءٍ ومن كل الناس، مع أني غريبٌ وحيدٌ لا قريب لي، وفي قريةٍ لا تناسب أمثالي للسعي لكسب المعيشة؛ ولقد رمَّمتُ قبل أربع سنين مسجدًا متهدِّمًا، وتوليتُ الإمامة فيه طَوالَ السنوات الأربع - أسأل اللّٰه القبول - نظر الشخصني أحمل الشهادة في الإمامة والوعظ في بلدي، ولكني مع هذا لم أستطع الذهاب إلى المسجد في شهر رمضان المبارك الماضي، فصلَّيتُ منفردًا في بعض الأحيان، وحُرِمت من خيومن شرة الجماعة وثوابها البالغ خمسة وعشرين ضعفًا.
لقد أبديتُ الصبر والتحمل إزاء هاتين الحادثتين اللتين نزلتا بي مثلما فعلتُ إزاء معاملةِ ذلك المس يُتوفل سنتين، وسأستمر على ذلك إن شاء اللّٰه؛ وإنني أتأمل في هذا فأقول:
إنْ كان هذا الأذى والتشديد والتضييق الذي يُنزِلُه بي أهلُ الدنيا لأجل نفسي ذات العيوب والنقائص فإني أسامحهم، فلعله يكوقرٌّ ل صلاحُ حالها وكفارةُ ذنوبها، فلقد لقيتُ الكثير من صفاءِ دارِ ضيافة الدنيا، فإنْ ألْقَ يسيرًا من جفائها أشكر اللّٰه كذلك.
— 296 —
وإن كانوا يضيِّقون عليَّ لكوني خادمًا للإيمان والقرآن، فالدفاع عن هذا لا يُناط بي، وإنما أحيله إلليه بنيز الجبَّار .
أما إن كان مرادهم صرفَ توجه العامة عني للقضاء على شهرةٍ كاذبةٍ زائفةٍ تُفسِد الإخلاص وتسبب الرياء، فأسأل اللّٰه لهم الرحمة، فإني أعتقد أن نيل توجه العامة وكسب الشهرة في أنظار الناس ضارٌّ بأمثالي.
ويعلم من هم َأتِ اةٍ بي أنني لا أطلب الاحترام الشخصي، بل أكره ذلك، حتى إني زجرتُ أحد أصحابي الأعزَّاء ربما خمسين مرة لمبالغته في احترامي.
وأما إن كان مرادهم من الحطِّ من شأني لد العلاي العام عائدًا على الحقائق الإيمانية والقرآنية التي أبلِّغها، فذلك منهم سعيٌ بغير طائل، لأن نجوم القرآن لا تُحجَب، ومن يغمض عينيه يحجب عن نفسه الرؤية فحسعُ الم يستطيع أن يجعل نهارَ غيرِه ليلًا.
النقطة الرابعة: جوابٌ عن بضعة أسئلةٍ تنُمُّ عن توجُّسٍ وارتياب:
السؤال الأول: يقول أهل الدنيا: بِمَ تعيش؟ وكيف تَعُوْل نفسَك وجوده عمل؟ نحن لا نريد في بلادنا القاعدين كسلًا ومَن يقتاتون على سعي الآخرين.
الجواب:أعيش بالاقتصاد والبركة، ولستُ أقبلُ منَّةَ أحدٍ سوى رزَّاقي جلَّ جلاله.
أجل، إنَّ من يعيش بمئة بارةٍ في اليوللّٰه بأربعين بارة، لا يقبل منَّة أحد، ولم أكن أرغب مطلقًا إيضاح هذه المسألة، ولا أُسَرُّ ببيانها، إذ لعلها تُشعر بالغرور والأنانية، لكن ما دام أهل الدنيا يسألون عن ذلك بصورةٍ تثير الأوهام والهواجس فإنني أقول:
إن أحدَ دساتيرامي، و التي أخذتُ بها منذ صباي: عدمُ قبول أموال الناس ولو كانت زكاة، وعدمُ قبول الراتب، إلا ما اضطررتُ إلى قبوله لمدة سنة أو سنتين في "دار الحكمة الاسلامية" بإصرارٍ من أصدقائي، وعدمُ الدخول تحت مِنَّة أحدٍ لأجل المعيشة الدنيوية؛ وهذا أمرٌ يعلَمه د النّدي وسواهم ممن يعرفونني من أماكن أخرى،
— 297 —
ولقد حاول كثير من الأصدقاء في أثناء سنوات النفي الخمس هذه أن يحملوني على قبول هداياهم فلم أفعل.
فإن قيل: فكيف تدير أمورك إذن؟
هامات إنني أعيش بالبركة والإكرام الإلٰهيين؛ فإنّ نفسي وإنْ كانت تستحق كلَّ إهانةٍ وتحقير، إلا أنني كرامةً لخدمة القرآن أغدو مَظهرَ البركة التي هي إكرامٌ إلٰهيٌّ بخصوص الرزق.
وإنني بسرِّ قوله سبحانه: في هذاَا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ أذكر على سبيل الشكر المعنوي عدةَ نماذج من الإحسانات التي أولانيها اللّٰه تبارك وتعالى، ومع أنه شكرٌ معنوي إلا أنني أخ الكبرأشعر بالرياء والغرور فتنقطعَ تلك البركة المباركة؛ ذلك أن إظهار البركة الخفية على سبيل الافتخار سببٌ لانقطاعها؛ ولكن ما الحيلة؟ لقد اضطُرِرتُ لذكرها.
فأولها:أنه كَفَتْني كَيلةُ قمحٍ واحدةٌ - وهي تساوي ستةً وثلاأصلًا.يفًا - طَوالَ هذه الشهور الستة، وما تزال موجودةً لم تنفَد، ولا أدري إلامَ ستكفيني؟ (حاشية): وقد استمرت سنة.
وثانيها:أنه لم يأتني طعاَدْحِ ل شهر رمضان المبارك سوى من بيتين، وكِلاهما أمرضاني، ففهمت أنني ممنوعٌ من أكل طعام الآخرين؛ ولقد كفاني فيما بقي من رمضان ثلاثةُ أرغفة وأُوقِيَّةُ أَرُزٍّ بإخبارٍ وشهكل شيءن الصديق الصادق القائم على تدبير شؤوني "عبد اللّٰه چاويش" صاحب المنزل المبارك، حتى إن ذلك الأَرُزَّ لم ينفَد إلا بعد خمسة عشر يومًا من رمضان.
وثالثها:أنه كفتْني أنا وضيوفي بالجبل أُوقِيَّةٌ من الزُّبْد نأكل منها كلَّ يوم بالخبز ادة وع أشهر، حتى إنه كان لي ضيفٌ مباركٌ اسمه "سليمان"، وكان رغيفانا على وشك النفاد، فقلت له - وكان يومَ أربعاء یی: اذهب فائتِ بالخبز، فليس على مسيرةِ ساعتين من هنا أحدٌ يُبتاع منه الخبز.
— 298 —
فقارسالة ي أرغب في مشاركتك الدعاء على الجبل ليلةَ الجمعة.
فقلت: توكلنا على اللّٰه، اِبق؛ ثم صعدنا سيرًا على الأقدام دون أن يكون لذلك أي داعٍ أو مناسبةٍ إذْ تغنا قمةً في الجبل، وكان في الإبريق قليل من الماء ومعنا يسيرٌ من السكر والشاي، فقلت له: اصنع لنا شيئًا من الشاي يا أخي، فأخذ يُعِدُّه بينما جلستُ تحت شجرة أَرْزٍ تطل على وادٍ عميق، وفكرتُ بأسف قائلًا: ليس معنا سوى قطعة خبزٍ بائت لا تكاد تكفي ٍ لسبب لهذا المساء، فماذا سنفعل في اليومين التاليين؟ وماذا سأقول لهذا الرجل الصافي القلب؟ وبينما كنتُ أفكر في ذلك إذ حوَّلتُ وجهي - كما لو أن أحدًا يُحوِّله - فرأيتُ بين أغصان شجرةِ الأَرْزِ رغيفًا فوقها ينظر إلينا.
ايةِ و سليمان.. أبشر!! لقد ساق اللّٰه إلينا رزقًا!! وأخذنا الرغيف، ونظرنا فإذا به لم يمسَّه طيرٌ ولا وحش، ولم يكن صعِدَ إلى تلك القمة إنسان منذ عشرين وبما فثين يومًا، فكفانا ذلك الرغيف يومين، وبينما كنا مرةً نأكل، وقد أوشك الخبز على النفاد، إذ طلع علينا صديقٌ صادقٌ مضى على معرفته أربع سنوات، هو سليمان اكري قام( حاملًا معه الخبز.
رابعها:أنني ما زلتُ أرتدي هذا المِعطف منذ سبع سنين، وقد اشتريتُه حينَها مستعمَلًا، واكتفيتُ على مدى خمس سنين بمبلغ أربع ليراتٍ ونصف لتأمين لوازمي من ثيابٍ وحذاءٍ وجوارب، فكفتني البركة والاقتصاد والرحمةكِ عُقهية.
وهناك أمثلةٌ كثيرةٌ كهذه، وللبركة الإلٰهية جهاتٌ عدة، وأهل هذه القرية يعرفون الكثير منها؛ ولكن إياكم أن تظنوا أنني أذكر هذه الأمثلة افتخارًا، بل ما ذكرتها إلا اضطرارًلذي تل تحسبوا أنها علامة على صلاحي، فهذه البركات هي إما إحسانٌ لأصحابي الخُلَّص الذين يأتونني، أو هي إكرامٌ للخدمة القرآنية، أو هي فائدةٌ مباركةٌ من فوائد الاقتصاد، أو هي أرزاق اتتناولالأربع التي عندي، والتي تذكر اللّٰه بی"يا رحيم، يا رحيم" بحيث تأتي أرزاقها على صورة بركةٍ فأستفيد منها.
نعم إن أصغيتَ جيدًا إلى هريرها الحزين وعيتَ أنها تذكر: "يا رحيم، يا رحيم".
— 299 —
وهذا ال، وفي ن الهررة يذكِّر بالدجاج، فقد كان لي دجاجة، وكانت في كلِّ يومٍ من فصل الشتاء هذا تأتيني ببيضةٍ من خزينة الرحمة كأنها ماكينة بيض، ولم تكن تنقطع عن ذلك إلا ا موجو؛ وذات يوم وضعتْ بيضتين، فتعجبت، وسألتُ أصحابي: أيحدث مثل هذا؟! فقالوا: لعله إحسانٌ إلٰهي.
ثم إنه كان لهذه الدجاجة فرخةٌ صغيرةٌ أفرختْها في الصيف، فأخذتْ تضع البيض مع أول شهر رمضان المبارك، حتى لقد استمرت على ذلك أربعين يومًا، فقطَوالَعَتْ في وضع البيض حالما انقطعت أمُّها عنه، فلم تحرمني منه.
فلم تَبق لديَّ شبهةٌ ولا لدى من يقومون على شؤوني في أن حالتها المباركة هذه، سواءٌ وَضعُها البيض وهي صغيرة، أو وضعُ وذلك بفي الشتاء أو في رمضان، ليس سوى إكرامٍ رباني.
السؤال المتوجِّس الثاني: يقول أهل الدنيا: كيف نأمَن جانبَك ونطمئن إلى أنك لن تتدخل في دنيانا؟ فلعلَّك إن أطلقنا سراحك تدخَّلت!
ثم كيف نعلم أنك لا تخادع، فلعلك تُظهِر نفهشة، لهر التارك للدنيا، المتعفِّف ظاهرًا عن أموال الناس، بينما تتلقاها في السر؛ كيف نعلم أن هذا ليس مخادعة؟
الجواب:إن حالي ووضعي قبل عهد الحرية وفييبي؛ يمة العسكرية قبل عشرين سنة، وهي معلومةٌ لكثيرين، وكذا مدافعتي المسماة: "شهادة مدرستَي المصيبة" التي أدليتُ بها في المحكمة العسكرية، تُظهِر بشكل قطعي أنني أمضيت حياتي مترفِّعًا عن لرحمين أدنى حيلةٍ، فضلًا عن سلوكِ سبيلِ المخادعة.
فإنْ كان ثمة مجالٌ للحيلة لوجدتم مني خلال هذه السنين الخمس مراجعةً لكم بتملقٍ وتزلف؛ فإنَّ مَن كان صاحبَ حيلةٍ تودَّد إلى الناس ولم ذَنْبٍم، وسعى أبدًا في خداعهم واستغفالهم، والحال أني ترفَّعتُ عن التذلل في مواجهة الهجمات والانتقادات الشديدة ضدي، بل أعرضتُ عن أهل الدنيا ووليتهم ظهري قائلًا: توكلت على اللّٰه.
— 300 —
ثم إن من عرف الآخرة، وكشف حقيقة الدنيا، المحادم على تركِها، ولا يعود للانشغال بها ثانيةً إن كان له عقل.
وإن مَن يعيش بعد الخمسين من عمره وحيدًا لا تربطه علاقةٌ بأحد، لا يضحي بحياته الأبلك اله أجل سنةٍ أو سنتين من ثرثرة الدنيا وألاعيبها، فإن ضحَّى بها لم يكن صاحب حيلة، بل كان مجنونًا أبله، وماذا عسى أن يَصدر عن مجنونٍ أبله حتى يُفي أيّمره؟!
أما شبهةُ أني تاركٌ للدنيا ظاهرًا طالبٌ لها باطنًا، فإنني بمقتضى الآية: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ لستُ أبرئ نفسي، فهي تطلب عجيبي، ولكن ليس من شأن أهل العقل أن يُفسِدوا حياتهم الأبدية الدائمة وسعادتَهم الأبدية لأجل لذةٍ يسيرةٍ في زمان الشيخوخة من عمرٍ قصيرٍ في دار الضيافة المؤقتة لهذه الدنيا الفانية؛ وبما أن ذلك ليس من شأن اسيسَ عقل وذوي الشعور، فقد تبِعتْ نفسي الأمارةُ العقل راغِمة.
السؤال المتوجِّس الثالث: يقول أهل الدنيا: هل تحبنا؟ وهل يُعجبك أمرُنا؟ فإنْ كنتَ تحبنا فلماذا كُثْرنا ولا تخالطنا؟ وإن كان لا يُعجبك أمرُنا فأنت إذن معارضٌ لنا، ونحن نسحق معارضينا.
الجواب:لو كنت أحب دنياكم - فضلًا عن أن أحبكم - لما انسحبتُ من الدنيا، فلستُ معجبًا بكم ولا بدنياكم، غير أنبما لاتدخل في شؤونكم، لأنني في مقصِدٍ آخر، ولقد شغلتْ قلبي أمورٌ أخرى فلم تدع مجالًا للتفكير بغيرها.
وإنما وظيفتكم النظر إلى اليد لا إلى القلب، ذلك أنكائل الون أمنكم وإدارة شؤونكم، فإن لم تتعرض لكم اليدُ فبأي حقٍّ تتعرضون للقلب فتطلبوا منه أن يحبكم وأنتم لستم أهلًا للمحبة أصلًا؟!
نعم، فكما أتمنى الربيع وأتوق إليه وأنا في فصل الشتاء هذا، لكن لا أقدر عليه ولا أستطيع الإتيان به، فكذلك أتمنى صلَ الحك العالَم وأسأل اللّٰه ذلك، وأتوق إلى
— 301 —
إصلاح أهل الدنيا، لكن لا أقدر عليه لأنه ليس بوسعي، ولا يمكنني فعلُه، لأنه ليس من وظيفتي ولا بمقدوري.
السؤال الرابع المثير للشبهات: يقول أهل الدنيا: لقد لقينا الكثير من المشاكل فلم نعد نثق بأحية الكف يمكننا الاطمئنان إلى أنك لن تتدخل على النحو الذي تصبو إليه متى سنحت لك الفرصة؟
الجواب:إن النقاط آنفةَ الذكر تُطمئنكم؛ ثم إني لم أتدخل في دنياكم حين كنتُ في بلدي، بين أهلي وطلابياعٍ شهمن يأخذون بقولي، وفي خضم الأحداث المثيرة؛ فكيف أتدخُّل فيها وأنا اليوم أعيش غريبًا وحيدًا في ديار الغربة، وأنا فوق هذا ضعيفٌ عاجزٌ متوجِّهٌ إلى الآخرة بكل قوَّتي، ممنوعٌ من مخالطة الناس والاتصال بهم، ولا أجد أصدقاء سية "بي أهل الآخرة أصادقهم برباط الإيمان والآخرة عن بُعد، ويراني كلُّ شخصٍ أجنبيًّا وأرى الكلَّ أجنبيًّا كذلك؟! إن امرءًا هذه حالُه يتدخَّل في دنياكم الخطيرة العقيمة لا يمكن لك بما يكون مجنونًا جنونًا مضاعفًا.
النقطة الخامسة: تدور حول خمس مسائل صغيرة.
الأولى:
يقول أهل الدنيا: لماذا لا تطبِّق على نفسك أصولَ مدنيَّتنا وأسلوبَ حياتنا وهيئةَ لباسنا؟ إُقال: ا معارضٌ لنا.
أقول:أيها السادة، لقد فرضتم عليَّ إقامةً جبريةً في قريةٍ خمسَ سنين ظلمًا، ومنعتموني من مخالطة الناس والتواصل معهم كأنني مجرَّدٌ من الحقوق اللْم؛
بأي حقٍّ تطالبونني بأصول مدنيَّتكم؟!
ولقد سمحتم للمنفيين بالعيش في المدن مع أهلهم وأصحابهم، ثم منحتموهم وثيقةً تسمح بعودتهم، بينما عزلتموني عن الناس بغير سبب، فلم تسمحوا133
بمقابلة أحدٍ من أهل بلدي سوى واحدٍ أو اثنين!! هذا يعني أنكم لا تعدونني واحدًا من أفراد الشعب والرعية، فكيف تكلفونني بتطبيق قانون مدنيَّتكم؟!
— 302 —
لقد جعلتم الدنيا لي سجنًا، ولا يكلَّلماذا هذه الأمور مَن كان في السجن؛ ولقد أغلقتم دوني باب الدنيا، فقرعتُ باب الآخرة، ففتحتْه الرحمة الإلٰهية، فكيف يُكلَّف بأصول الدنيا وعاداتها المتغيِّرة المتقلِّبة مَن كان على باب الآخرة؟!
ةٍ عظيمتى أطلقتم سراحي، وأعدتموني إلى بلدي، وأعطيتموني حقوقي، أمكنكم حينئذٍ أن تطالبوني بتطبيق مبادئكم.
المسألة الثانية:
يقول أهل الدنيا: إن لدينا دائرتَنا الرسمية التي تُعلِّم الأحكام الدينية والحقائق الإسلامية، فبأيِّ صلاحيةٍ تنشر القائنشوراتٍ دينية؟! ثم إنك ما دمتَ محكومًا بالنفي فليس لك حقٌّ في مزاولة هذه الأعمال.
الجواب:إن الحق والحقيقة لا يُحصران بجهةٍ معينة، فكيف يمكن للإيمان والقرآن أن يُحصرا بجهةٍ ما؟! يمكنكم فعل هذا بأصول دنياكم وقوانينشيءٍ فا الحقائق الإيمانية والأساسات القرآنية فلا يمكن أن تُقَولَب في شكلٍ رسمي وفي معاملةٍ دنيويةٍ مقابل أجرةٍ ما.
إن تلك الأسرار موهبةٌ إلٰهية، ولا يمكن أن تأتي تلك الفيوضات إلا بالنية الخالصتُه كمجرد عن الدنيا والحظوظ النفسية.
ثم إن دائرتكم الرسمية تلك قبلتني وعيَّنتني واعظًا عندما كنت في بلدي، ولقد قبلتُ وظيفة الوعظ هذه وتركتُ مُرَتَّبها؛ فإجازتي في الوعظ والإمامة موجودةٌ لديَّ، ويمكنني العمل بموجَبها في كلِّ مكان، لأن نفيي كان بغالمعرو
ثم ما دام المنفيون قد أعيدوا إلى بلادهم، فإجازاتي القديمة إذن ساريةُ المفعول.
ثانيًا:إن الحقائق الإيمانية التي كتبتُها خاطبتُ بها نفسي مباشرة، ولستُ أدعو إليها كلَّ لي: مال إنما يبحث عن تلك الأدوية القرآنية فيجدُها من كانت أرواحهم محتاجة وقلوبُهم مجروحة.
— 303 —
غير أني طبعتُ رسالةً لي عن الحشر قبل ظهور الأحرف الجديدة اللاتينية لتأمين معيشتي، وقد اطَّلعَ عليها الوالي القديم الذي كان متعسفًا بحقي، فلم يستطع أن يالمدارها بشيء، إذْ لم يجد فيها شيئًا يثير الانتقاد.
المسألة الثالثة:
إن بعض أصحابي يتبرؤون مني ظاهرًا، بل ربما انتقدوني، لينالوا استحسان أهل الدنيا الناظرين إليَّ نظرةَ شكٍّ وارتياب، والح!! إذنأهل الدنيا - وهم أرباب حِيَل - لا يرَون في تبرُّؤِ هؤلاء مني واجتنابِهم إياي موالاةً لهم، بل يعدونه نوعًا من المراءاة وانعدام الضمير، فينظرون إلى أصحابي هؤلاء نظرة سوء.
وإني أقول: يا رفاق الآخرة.. لا تفِرُّوا متبرِّئين من كوني خادمبايزيدرآن، فليس يصيبكم مني ضررٌ بإذن اللّٰه؛ بل حتى لو حلَّتْ بنا مصيبةٌ أو أصابتْني مَظْلمة، لم يمكنكم أن تنجوا بالتبرؤ مني، بل تكونون عندئذٍ مستحقين لمزيدٍ من المصائب والصفعات؛ ثم ماذا في الأمر حتى تساوركه، فتناوف؟
المسألة الرابعة:
أُلاحِظُ خلال مدة نفيي هذا بعضَ المغترِّين بأنفسهم ممن سقطوا في مستنقع السياسة ينظرون إليَّ على أنني متحزّبٌ منافس، وكأ ولهذالُهم على علاقةٍ بما في العالم من تيارات.
ألا أيها السادة.. أنا في تيار الإيمان، وفي مواجهتي تيار الإلحاد، لا علاقة لي بأيِّ تياراتٍ أخرى، ولربما يرى نفسَه معذورًا بعضَ الشيء مَن يعمل مِن هؤلاء في هذه التيا في اقابل أجرة، إلا أن النظر إليَّ كأنني متحزِّبٌ منافس، والتعرض لي وإيذائي حميَّةً من غير أُجرة ليس سوى خطأ شنيع، لأني كما أثبتُّ سابقًا ليس لي علاقة بما في العالَم من سياسة، فلقد حصدٌ القيع وقتي ووقفت جميع حياتي على الحقائق الإيمانية والقرآنية.
فما دام الأمر كذلك فلْيَعلم مَن يؤذيني ويتعرض لي متخذًا موقف المنافس أنه بمعاملته هذه يغدو بمخرُ الن يتعرض للإيمان باسم الزندقة والإلحاد.
— 304 —
المسألة الخامسة:
بما أن الدنيا فانية، والعمر قصير، والواجبات كثيرة، وبما أن الحياة الأبدية تُنال هنا، وبما أن الدقطع الست بغير مالك، بل إن لدارِ ضيافةِ الدنيا هذه مدبِّرًا حكيمًا غاية الحكمة كريمًا غاية الكرم، وبما أنه لا تبقى حسنةٌ ولا سيئةٌ بغير جزاء، وبما أنه لا تكليف د معيّ يطاق، بسرِّ: لَا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وبما أن الطريق الخالي من الضرر مرجَّحٌ على الطريق ذي الضرر، وبما أن أمدَ رفاق الدنيا وما فيها من الرُّتَب بابُ القبر.. فلا بد أن يكون الأسعدَ مَن لم يند لكلّخرة لأجل الدنيا، ولم يُضحِّ بآخرته في سبيل الدنيا، ولم يُفسِد الحياة الأبدية لأجل الحياة الدنيوية، ولم يُبدد عمره فيما لا يعنيه، ومَنْ عدَّ نفسه ضيفًا فتصرف وفقًا لأوامر صاحب دار الضيافة، فتح باب القبر بسلامة، ودخل دار السعادة.
(حاشية):تْ رُسعلى هذه المقدمات المصدَّرة بی "بما أن.." فإني لا أُبالي بما نالني من عسفٍ وظلم، ولستُ أعيره أيَّة أهمية، بل أقول: "إنه لا يستحق الاهتمام"، وأُعرِض عن أمور الدنيا.
٭ ٭ ٭
ذيل المكتوب السادس عشر
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّأمراض َبِّحُ بِحَمْدِهِ
فرض عليَّ أهلُ الدنيا قيودًا مشددةً تحسُّبًا بغير مبرِّر، متوهِّمين أن رجلًا عاجزًا غريبًا مثلي له من القوة ما لآلاف الرجال، ولم يسمحوا ل الحقيقاء ليلةً أو ليلتين في أحد جبال "بارلا" ولا في "بَدرة" الواقعةِ على مقربةٍ منها؛ ولقد سمعتهم يقولون: إن سعيدًا بقوة خمسين ألف جندي، فلهذا لا ندعُه حرًّا طليقًا.
وأنا أقول: يا أهل الدنيا التعس نتيجةنكم تعملون بكل قوتكم لأجل الدنيا، فلماذا لا تعلَمون شؤونها حتى صرتم تحكمون كالمجانين، ألا إنه إنْ كان خوفكم
— 305 —
من شخصي فإنَّ جنديًّا واحدًا - لا خمسين ألفًا - يمكنه أن يتكفَّل بالأمر أكثر مني بخمسين مرة، أي يمكنه أن يقف بباب غرفتي فيقول الميز تخرج.
أما إن كان خوفكم من مسلكي ومن كوني دلَّالًا للقرآن ومن القوة الإيمانية المعنوية فأنتم مخطئون.. ألا فاعلموا أنني من حيث المسلك بقوة خمسين مليونًا لا خمسين ألفًا، إذ إنني أبارز بقوَّةِ القرآن الحكيم جميعَ أوروبا ومعها مُلحِدوكم، ورْسِيتيتُ إلى قلاعهم المُحكَمة المسماةِ الطبيعةَ والعلومَ المادية فجعلت عاليَها سافلَها بما نشرتُ من الأنوار الإيمانية، وأسقطتُ أكبر فلاسفتهم الملحدين إلى ما دون منزلة الحيوان.
فلو اجوالكرمليَّ جميع أوروبا ومعها مُلحِدوكم ما استطاعوا أن يصرفوني عن مسألةٍ واحدة من مسائل مسلكي بتوفيق اللّٰه، وما استطاعوا أن يغلبوني بإذن اللّٰه؛ وما دام الأمر كذلك فلستُ متدخِّلًا بدنياكم، فلا تتدخلوا بآخطابُفإن فعلتم كان ذلك بغير طائل.
فقیوَّة السیواعید لا تیرُدُّ قیدَرَ اللّٰه
والشمعةُ التي أشعلها المولى لا تُطفِئُها الأفواه
وإن أهل الدنيا تساوستبدادأني على نحوٍ خاصٍّ هواجسُ كثيرة ويتوجسون مني خيفةً، إذ يتخيَّلون أمورًا لا وجود لها عندي، بل حتى لو وُجِدَتْ ما كانت لتشكِّلَ جرمًا سياسيًّا أو تكونَ مدار قابة ع فمنها المشيخة والعَظَمة والحسَب، وأنني صاحب عشيرة ونفوذ، وأنني كثير الأتباع، وأنني أجتمع بأبناء البلد، وأنني على صلةٍ وثيقة بأحوال العالم، بل لقد توهموا دخولي في السياسة بل في لا سيرضة ونحو ذلك مما ليس عندي، حتى استولت عليهم المخاوف والهواجس من جرَّاء ذلك، لدرجة أنهم لما ناقشوا موضوع العفو عن أشخاصٍ داخل السجن وخارج البلاد، وهم أشخاصٌ لم يكونوا يستحقون العفو بنظرهم، منعوني من كل شاليوم ولقد قال يومًا رجلٌ سيئٌ فانٍ كلامًا حسنًا باقيًا، قال:
— 306 —
إنْ كان للظلم مدفعٌ وقذيفة وقلعة
فللحق ذراعٌ لا ينثني ورأسٌ لا ينحني
أو يد أقول:
إنْ كان لأهل الدنيا حكمٌ وشوكةٌ وقوة
فلِخادمِ القرآن بفيضه علمٌ لا يَضِل..
وكلماتٌ لا تصمت..
وقلبٌ لا يزيغ..
ونورٌ لا ينطفئ.
و نمرَّلني مِرارًا كثيرٌ من الأصحاب وكذا ضابطٌ يقوم بمراقبتي: لِمَ لا تراجع الجهات المعنيَّة وتتقدم بطلبٍ للحصول على وثيقةِ العودة؟
فالجواب:إنني لا أراجعهم، ولا يمكنني أن أراجعهم لخمسةِ أسبابٍ أو ستة:
الأول:أنا لم أتدخل في دنيا أهل الدنن ثكنة أنزل على حكمهم فأراجعَهم، أنا محكومٌ للقدر الإلٰهي، ومُقصِّرٌ تجاهه، فإيّاه أراجع.
الثاني:لقد عَلِمتُ وآمنتُ يقينًا أن هذه الدنيا دار ضيافةٍ سريعةُ التبدُّل، فليستْ إذًا وطنًا حقيقيًّا، بلأعمالِأماكن سواء؛ فما دمتُ لن أبقى مخلَّدًا في بلدي، فلا فائدة من الذهاب إليه، ولا جدوى من السعي لأجل ذلك.
وما دام كل مكانٍ دارَ ضيافة، فإنه إنْ صَحِبتْك رحمةُ المُضِيف رحَّب بك كلُّ مكان، وكان صديقًا لك كلُّ إنسان، وإن جانبتْك رحمتُه ضاق امع أن كلِّ مكان، وانقلب عدوًّا كلُّ إنسان.
الثالث:أن المراجعة إنما تكون في إطار القانون، وواقعُ الحال أنَّ المعاملة التي عُومِلت بها طَوالَ هذه السنين الست كانت مزاجيَّناس فيلف القانون، فلم أُعامَل وفق قانون المنفيين، بل نظروا إليَّ باعتباري مجرَّدًا من الحقوق المدنية، بل ومن الحقوق الدنيوية أيضًا، فأيُّ معنى لأن أُراجِع باسم اليمةً عأُناسًا يعاملونني معاملةً تخالف القانون؟!
— 307 —
الرابع:أن مدير المنطقة قدَّم في هذه السنة طلبًا باسمي كي أمكث بضعةَ أيامٍ على سبيل التفسُّح في قرية "بَدرة" التي تُعدُّ حيًّا من أحياء "بارلا"، فلم يسمحواية؛ وف فمن كان يرفض تلبيةَ حاجةٍ تافهةٍ من حاجاتي كهذه كيف يُراجَع؟! ألا إنَّه إنْ تمتْ مراجعتهم لم تكن إلَّا مهانةً وتذلُّلًا لا يجدي نفعًا.
الخامس:إنَّ طلبَ الحق ممن يناصرون الباطل ويعدُّونه حقًّا، ومراجعتَهم، ليست إلا ظلمًا للحق وام آخذ م له، وأنا لا أريد أن أرتكب هذا الظلم والامتهان للحق؛ والسلام.
السبب السادس:إن تشديد أهل الدنيا الخِناقَ عليَّ ليس مردُّه السياسة، فهم يعلمون أنني لا أتدخل فيها، بل أفرُّ منها، إنهم يفعلون ذلك - سواءٌ علموا أن هذا لصال درجةٍدقة أو جهلوه - لتمسكي بالدين؛ وبناءً على هذا فإن مراجعتَهم تعني إظهارَ الندامة على التمسك بالدين ومداهنة مسلك الزندقة.
ثم إنني كلما راجعتُهم ولجأتُ إليهم عذَّبَني القدر الإلٰهي العادل بأيديهم الظالمة، ذلك أنهم يوهيَّتون عليَّ لتمسكي بالدين، والقدرُ يضيق عليَّ لتقصيري في الدين والإخلاص، ولمراءاتي أهلَ الدنيا أحيانًا، وما دام الأمر كذلك فلا خلاص من هذا التْفُلُ فإن راجعتُ أهل الدنيا قال لي القدر: أيها المرائي.. ذُقْ جزاءَ مراجعتك هذه؛ وإن لم أُراجعهم قال أهل الدنيا: أنت لاتعترف بنا.. فلتبقَ إذن في شدةٍ وضيق.
السبب السابع:من المعلوم أن وظيفة أيِّ موظَّفٍ تتمثل في دعم من ينفع المجتمعُ من قعدم إفساح المجال لمن يُلحِق الضرر به؛ وواقع الحال أنني بينما كنت ذاتَ مرةٍ أوضِّح لضيفٍ عجوزٍ قد شارف على باب القبر ذوقًا لطيفًا من أذواق الإيمان في حكمةِ "لا إلٰه إلا اللّٰه"، إذْ أتى الموظف الذي يراقبني وعلى مَبض عليَّ بالجرم المشهود مع أنه لم يأتِني منذ زمن بعيد، فَحَرَمَ ذلك المسكينَ الذي كان يصغي إليَّ بإخلاص، وأثار حفيظتي؛ هذا في الوقت الذي كان هنا أشخاصٌ تافهون لا يعيرهم أهمية، فلمَّا صدرتْ منهم تصرلأناني تُنافي الأدب وتُسمِّم الحياة الاجتماعية في القرية أخذ يوليهم الاهتمام والتقدير!!
— 308 —
ومعلومٌ كذلك أنه لو كان في السجن رجلٌ ارتكب مئةَ جريمة، لم يكن في هذا ما يمنعه من اللقاء ابة نوِ وقتٍ بالموظَّفَ المكلَّف بحراسته ضابطًا كان أو جنديًّا، والحال أنه خِلال عامٍ كاملٍ مرَّ بجوار غرفةِ توقيفي على نحوٍ متكررٍ ضابطٌ رفيع المستوى، وموظفان من ذوي الشأن في الحكومة الوطنيةزال، لالتقَوا بي مرةً، ولا سألوا عن حالي قط، وكنت أولَ الأمر أظن أنهم يجتنبونني عداوةً، ثم تبين لي فيما بعد أن المخاوف قد استولت عليهم، فهم يَفِرُّون مني كأنما سأبتلعهم!! ألا إنه ليس من العقل الاعترافُازَعُوةٍ ومراجعتُها وفيها موظَّفون وأعضاء أمثال هؤلاء، فما مراجعتُهم إلا ذِلَّةٌ لا جدوى منها؛ ولو كان "سعيدٌ القديم" موجودًا لقال مثلما قال عنترة:
ماءُ الحياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ وجَهَنَّمٌ بالعِزِّ أفخرُ منزلِ
ومرَّ بعيدًا القديم" غير موجود، أما "سعيد الجديد" فيرى أنه لا معنى للحديث مع أهل الدنيا، بل يقول: تبًّا لدنياهم.. فليفعلوا ما يشاؤون.. سنتحاكم في المحكمة الكبرى؛ البشرُت.
السبب الثامن من أسباب عدم مراجعتي إياهم:أن القدر الإلٰهي العادل يُعذبني بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا، وفقًا للقاعدة القائلة: "نتيجةُ المحبة غيرِ المشروعة عداوةٌ جائرة"؛ فإني كنتُ مِلْتُ إليهؤلاء أنهم ليسوا أهلًا لأن يميل المرء إليهم، فأنا مستحقٌّ لهذا العذاب، ولهذا ألتزم الصمت.
ذلك أني انخرطت في الحرب العالمية الأولى، وحاربتُ فيها مدة سنتين بوصفي قائدًا لفرقةٍ من المتطوعين، وفقدتُ فيها إننا وأصحابي الأعزاء، ونِلتُ التقدير من قائد الجبهة ومن القائد العام للجيش "أنور باشا"، وأصابتْني فيها جراحٌ فوقعت أسيرًا، ثم بعد أن عدتُ من الأسر ألقيت بنفسي في المخاطر بما ألَّفتُ من كتبٍ،والم ن "الخطوات الست" الذي أهويتُ به على رؤوس الإنكليز إبَّان احتلالهم لإسطنبول، وقدَّمتُ العون لأُناسٍ كافؤوني عليه فيما بعد بأن زجُّوا بي في هذا الأسر المرير دون سبب، فا حِذري هؤلاء الأصدقاء من الشدائد والأذى في ثلاثة أشهر ما تجرعتُه في ثلاث سنين من الأسر في روسيا.
— 309 —
ومع أن الروس كانوا ينظرون إليّ على أنني ذلك الرن تقولاطش الذي قطع رقاب القوزاق والأسرى بصفته قائدَ المتطوعين الأكراد، إلا أنهم لم يمنعوني من إلقاء الدروس، فكنت أُدرِّس معظم الضباط الأسرى البالغ عددهم تسعين ضابطًا، وذات مرةٍ جاء القائد الروسي فاستمع إلى الدرس، فظنَّه لجهلِه بالتركية درسقَ له سيًّا، فمنعني منه مرةً واحدة، ثم سمح به.
بل لقد اتخذنا إحدى الغرف في تلك الثُّكْنة مسجدًا، وكنت أقوم بالإمامة هناك، فلم يتدخل القوم في شيءٍ من ذلك، ولم يمنعوني من مخالطة الناس، ولم يحولوا ًا - بصالي بهم، في حين أن أصدقائي هؤلاء - وهم أبناء وطني وديني، وهم مَن كابدتُ ما كابدتُ من أجل منفعتهم الإيمانية - منعوني من مخالطة الناس، وألقَوا بي من غير سببٍ في أسرٍ شديدِ الوطأة ستَّ سنين بدلًا من ثلاث، مع علمهم بأني قطعتُ علاقتي بالسياسة نور!! ا، ومنعوني من إلقاء الدروس، بل منعوني حتى من أن ألقي دروسًا خاصة في غرفتي مع أن لدي إجازةً بذلك، وحالوا بيني وبين التواصل مع الناس، بل لقد منعوني من مسجدي الذي رمَّمتُهشَّحتا وأَمَمْتُ فيه الناسَ أربع سنين مع أنني أحمل إجازةً تُخوِّلني ذلك، وهم اليوم لا يقبلون أن أؤمَّ ثلاثة أشخاصٍ هم جماعتي الدائمة وإخواني في الآخرة، حرمانًا لي من ثواب الجماعة.
ثم إنه إنْ وصفني امرؤٌ بأنني إنسانٌ فاضل - مع أنني لا أرغبمة: ف- ثارتْ حفيظةُ الموظف الذي يراقبني حسدًا، واتخذ بحقي تدابير جائرةً بدعوى أنه يكسر نفوذي، وضيّقَ عليَّ لينال استحسان رؤسائه.
أرأيت إنسانًا هذه حالُه يراجع غير اللّٰه جلَّ جلالُه؟! وكيف تُرفع الشكوى إلى قاضٍ صار هو المدعي؟!
مَّارة وقُل في هذه الحال ما شئتَ أن تقول، أما أنا فأقول: إن بين معارفي هؤلاء كثيرًا من المنافقين، والمنافق أشدُّ من الكافر، فلهذا أذاقني هؤلاء ما لم يُذقني إيتديُّنوس الكفار.
— 310 —
ألا ماذا فعلتُ أيها الأشقياء؟! ما الذي أفعله بحقكم؟! أنا إنما أقوم بهذه الخدمة لإنقاذ إيمانكم وسعادتكم الأبدية.. إذًا لم تكن خدمتي خالصةً للّٰه فعادت بعكس المراد؛ وأنتم في المقابل تُفتي البي الأذى كلما سنحت لكم الفرصة، فلا جَرَم أننا سنلتقي في المحكمة الكبرى، فأقول:
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 311 —
القسم الرابعور التته في قَسْطَموني
بعد أن خرج بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ من سجن "أسكي شَهِر"، نُفي إلى مدينة "قسطموني" حيث احتُجِز مدةً طويلةً في مخفرٍ للشرطة، ثم وُضِع تحت الإقامة الجبرية الدائمة في منزلٍ يقع مقابلَ ذلك المخفر تمامًا.

@

يجيب عسار المنزل الذي وضِع فيه الأستاذ النُّورْسِيّ تحت الإقامة الجبرية ورقابة المخفر الصارمة مدة ثماني سنوات، ويظهر إلى اليمين مخفر الشرطة المذكور.
— 312 —
ومع أنه أُكره على أن يقضي هناكسمَّاة سنوات منفيًّا تحت رقابةٍ صارمة واستبدادٍ شديد الوطأة، إلا أنه لم يقف مكتوف اليدين، بل تابع نشر الأنوار القرآنية خُفيةً، فنشأ طلابٌ يتَّقدون نشاطًا وفداءًفي "واما في منطقة "إينه بولو"، شرعوا يعملون بحماسٍ كطلبةِ "إسبارطة" في كتابة رسائل النور ونشرها في النواحي والأطراف سِرًّا، حتى أخذت تلقى إقبالًا كبيرًا ى رسائقة البحر الأسود.
ورغم طول مدةِ النفي التي قضاها الأستاذ في "قسطموني"، إلا أنه لم ينقطع عن طلابه في "إسبارطة"، فقد كان يعلم بإلهامٍ ربَّانيٍّ أن هذه المدينة ستُخرِّج القسم الأعظم من ر الذي المُضحِّين المتفانين والناشرين الذين سيتولَّون مهمةَ الإعلان عن رسائل النور ونشرها في أنحاء العالم، أو أن هذه المهمة ستؤدى من خلال الخدمة الجليلة القائمة في مركز "إسبارطة".
وكان تلاميذ رسائل النور شديدي الاهتمام بأحوال أستاذهم بعض ال المشفق، شديدي الحرص على راحته، توَّاقين على الدوام لمعرفة أخباره وأخبار خدمات رسائل النور التي يقوم بها إخوانهم النوريُّون.
وقد جَرَت بين حول لالزمان سعيد النُّورْسِيّ وبين طلاب النور مراسلاتٌ كثيرةٌ خلال سبعٍ وعشرين سنةً، فكان يكتب إليهم بعض رسائل تتعلق بالخدمة الإيمانية، وتتناول موضوعاتٍ علميةً وإيمانيةً وإسلاميةً، وكانوا يتلقونها م الشكالشوق، وينشرونها كتابةً بخط اليد.
وحين بلغت تضييقات أعداء الدين من الشدة درجةَ المنع من إرسال رسائل النور ومراسلات الأستاذ عبر مكاتب البريد، تولى طلاب النور مهمة نقل تلك الرسائل والمراسلات بين القرى والمدن والولايات، حتى لقَبُّ اوا فيما بينهم "سُعاة بريد النور" الذين تطوعوا من صميم قلوبهم وأرواحهم لهذا الأمر، وآمنوا بأن هذه الخدمة هي أقدس وظيفةٍ لهم.
إن هذه المراسلات الرائعلة الط الحقائق البالغة والأهمية الفائقة، والتي سُمِّيت: "ملاحق رسائل النور"، قد لبَّتْ حاجاتٍ روحيةً كثيرةً لطلاب النور، وأصبحت بمثابة
— 313 —
المرشد والدليل لهم في خدلإلحاديمان والقرآن، كما كان لها الأثر البارز في تشكيل اليقظة والوعي لديهم، وعدم الانخداع بما يبثُّه أعداء الإسلام من حملاتٍ كاذبةٍ ملفَّقة.
لقد سيطر في تلك رة آنف السوداء الحالكة حُكمٌ خدّاعٌ مُبَهْرجٌ يعادي الدين ويحاربه، فوقع الكثيرون فريسةَ اليأس والقنوط، وجاءت هذه الرسائل والمكاتبات فبثَّت السرورَ والانشراح في القلوب، ورسَّخت فيها عِشقَ العمل الجادِّ في خدمة الإيماَةٍ قلقذت المؤمنين من اليأس، وحملت إليهم البشائر بما سيشهده المستقبل من انتصاراتٍ مجيدةٍ للإسلام من خلال رسائل النور.
أجل، إن هذه الرسائل التي ضمَّتها "الملاحق" ملأى بالحكان نالتي تجذب الأرواح وتشرح القلوب وتوجِّه العقول، وسنُدرِج بعضًا منها فيما يأتي، ونُقدِّم المعلومات المتعلقة بحياة الأستاذ في "قسطموني" من خلال مقتطفاتٍ من بعض رسائله التي كتبهاالداء كما نُورِد بعضَ رسائل طلاب النور الأوفياء الخُلَّص هناك أيضُا.
وتَبلغ الرسائل الآتية خمسًا أو عشر رسائل، بعث بها الأستاذ من "قسطمونيإلى ديطلابه في "إسبارطة"، وقد اقتبسناها من "ملحق قسطموني" الذي يزيد على خمسمئة صفحة؛ وفيها يوضِّح الأستاذ لطلابه أهمية كتابة رسائل النور بخط اليد ونشرها بذلك سي القواعد ويُحكِم الأساسات لخدمة الرسائل وتبليغها، ويبين أن خدمات طلاب النور التي تُرى اليوم خدماتٍ جزئيةً هي في الحقيقة أعظم قضيةٍ في العالَم، ويبشرهم بأن هذه البلاد ستشهد فتوحاتٍ معنويةً واسعةً دنيوي سائل النور.
٭ ٭ ٭
— 314 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. مثلما يشعر أكثر التلاميذ القائمين على خدمة رسائل النور بنوعٍ من الكرامة والإكرام الإلٰهي، يشعر أخوكم العاجز هذا بِه
#82 من أنواعها وأصنافها لشدةِ احتياجه.
وإن مَن حولَنا من تلاميذ الرسائل في هذه الأيام يعترفون مُقسمين باللّٰه تعالى قائلين: "كلما عملنا في خدمة النور وجدنا د المطي العيش، وانشراحًا في القلب، وفرحًا باديًا لا يَخفى".
وأنا أجد مثل ذلك أيضًا، حتى إن نفسي وشيطاني سكتا حائرَين إزاء هذه البداهة.
سعيد س من حرْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
تنبيهٌ مهمٌّ لإخواني في الآخرة، وهو مادتان:
الأولى:إن أهم وظيفةٍ للمنتسب إلى رسائل النور: كتابتُها، واستكتابُها، والمساعدةُ على انتشارها، فمن كاةً من كاتبًا أو مستكتبًا أو قارئًا نال وصف "طالب رسائل النور"، وكان له سهمٌ من مغانمي المعنوية ودعواتي الخيِّرة التي أدعو بها كلَّ يومٍ مئةَ مرة أو أكثر، كما يكون له سهمٌ من دعواتِ ومغانمِ الآلاف من إخواني الأعزاء اةٍ منرسائل النور الداعين مثلي.
ثم إنه يمكن أن يُحصِّل من كتابتها فوائدَ جمة، إذْ تشتمل كتابتُها على أربعةِ أنواعٍ من العبادات المقبولة من أربعةِ أوجه، فمنها: أنه يُقوِّي إيمانه، ويساهم في إنقاذ إيمان الآخرين منينيًّا، وينال ويُنيل التفكُّرَ الإيماني الذي يَعدِل عبادةَ سنةٍ كما ورَدَ في الأثر، فضلًا عن أنه يساعد أستاذَه الذي يعاني أوضاعًا صعبة ولا يُحسِن الخط، فيشاركه في حسناته؛ وسوى ذلك من الذاتِ و
— 315 —
وإنني أؤكد مُقسِمًا أن مَن يستنسخ رسالةً صغيرةً يُخاطِب بمضمونها نفسَه، فهو بمثابةِ من يُهدي إليَّ هديةً كبيرة، بل إن كلَّ صفحةٍ فيي إنُدخل عليَّ السرور كما لو أُهدِيَتْ إليَّ أوقيةٌ من السُّكَّر.
المادة الثانية:إن أعداء رسائل النور من الجن والإنس - وهم أعداء لا إيمان لهم ولا أمان - لمَّا عجزوا عن مجابهة قلاعها المتينة كالفولاذ، أو حُجَجها القاطعةمحَوتُ الألماس، راحوا يشنون هجومًا شيطانيًّا على كتَّابها، ويُنزِلون بهم الضربات بوسائل وحِيَلٍ خفيَّةٍ من حيث لا يشعرون، ليثبطوا عزيمتهم، ويفتِّروا همتهم، ويصرفوهم عنجوُّ ب الرسائل، لا سيما هنا، حيث الحاجة ماسّة، والكُتَّاب قِلَّة، والأعداء متيقظون، ولما كان بعض الطلبة لا يستطيعون المقاومة فقد حَرموا هذا البلدَ من الأنوار بشكلٍ أو بآخَر.
ما دامراد لقائي ومجالستي في مشرب الحقيقة فلْيفتح أيَّة رسالة، وعندئذٍ لا يلتقي بي، بل يلتقي بأستاذه خادمِ القرآن، فينهَل دروسَ الحقائق الإيمانية ذوقًا.

.......

بينما كانت رسالة "صبري" في طريقها إليَّ، وكنت بتأثيرها المعنوي أتأمل في هذه الآيا قوبِلآية أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ، وما فيها من الإشارات القرآنية القوية إلى رسائل النور؛ والبِشارات القرآنية المهمة المتعلقة بتلاميذها؛ ومن كونها مَظهرًا لعناية الأقطاب؛ لدرجة أنها نالت من الاستحسان والتقدير القدسيَّين ما لم ي بالأممؤلَّف، إذْ وَرَدَ على خاطري فجأةً أن الحكمة والسر من وراء هذه الإشارات والبشارات والعنايات إنما هو عَظَمة المُصاب وهولُه.
نعم، فأهمية الرسائل لا تكمن في عَظَمتها الفائقة، بل في جهادِها وتصدِّيً بنوره المصيبة بتخريباتها وأهوالها غير المسبوقة، وقد نالتْ أهميةً عظمى برغم قلة هذا الجهاد، بحيث تحمل هذه الآيات إشارةً وبشارةً قرآنيتَين للداخلين إلى دائرة رسائل النور بأنهم سينقذون إيماإياه؛ ذي يتهدده الخطر، فيدخلون به القبر ليمضوا به إلى الجنة.
— 316 —
أجل، قد يرتقي جنديٌّ عاديٌّ بخدمةٍ أدَّاها إلى ما فوق مرتبة المشير، فينال قيمةً بآلاف الدرجات.
٭ ٭ ٭
إن أكثر حِكَم التكرار الذي في القرآن المبيَّنة في آخر "الكلمة التاسعة عشُّ منهريةٌ كذلك في رسائل النور، لا سيما الحكمة الثانية منها، فهي موجودة بتمامها في الرسائل، وفحواها أن كل إنسان محتاجٌ إلى القرآن في كل آن، لكن ليس بمقدور كل إنسان أن يقرأ جميع القرآن في كل آن، وإنما بمقدوره قراءة سورةٍ منه فيإيمان ب، فلهذا أُدرِجت أهم المقاصد القرآنية في معظم السور الطويلة، فأصبحت كل سورةٍ بحكمِ قرآنٍ مصغر.
وعليه فقد كُرِّرَتْ بعض المقاصد، كالحشر والتوحيد وحار واسى عليه السلام، لكيلا يُحرَم منها أحد؛ ولأجل هذه الحكمة نفسها تكررت الحقائق الإيمانية الدقيقة وحُجَجُها القوية في العديد من الرسائل، بغير علمي أحيانًا، وبغير رام؛ لاختياري، وكثيرًا ما كنت أحارُ في الأمر وأتساءل: لماذا أُنسيتُها؟ ثم علمتُ فيما بعدُ بصورةٍ قطعيةٍ أن كل شخصٍ في هذا الزمان محتاجٌ إلى رسائل النور، غير أنه ليس بمقدوره الحصوياسة أا جميعًا، وحتى إن حصل عليها فليس بمقدوره قراءةُ جميعها، وإنما يمكنه الحصول على رسالةٍ صغيرةٍ جامعةٍ صارتْ بحكم مجموعةِ رسائلِ نورٍ مصغرة، فيمكنهي أو يرأ منها المسائل التي يحتاجها في أكثر الأوقات، وكما تتكرر حاجته في كل وقت إلى الغِذاء مثلًا تتكرر مطالعته أيضًا.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
لما كانت الشفقة الإنسانية جَلوةً من جلوات الرحمة الربانية، لم يكن له الأليتجاوز درجة هذه الرحمة، أو تتعدى مرتبةَ شفقةِ مَن أُرسِل رحمةً للعالمين (ص)، فإن تجاوزتْها أو تعدَّتْها لم تكن رحمةً ولا شفقةً بحال، بل تكون مرضًا ري مكان وسُقمًا قلبيًّا يُفضيان إلى الضلالة والإلحاد.
— 317 —
فمثلًا: إنَّ تَحَرُّج شفقةِ المرء من أُمورٍ كإحراق الكفار والمنافقين في جهنم، والجيوية ولى تأويلها، إنما هو إنكارٌ وتكذيبٌ لقسمٍ عظيمٍ من القرآن والأديان السماوية، فضلًا عن أنه ظلمٌ عظيمٌ وقسوةٌ بالغة؛ ذلك أن الشفقة والحنو على الوحوش التي تُمزِّق الحيوانات البريئة قسوةٌ شديدةٌ على هذه الحيوانات المسكواحدٌ حشيةٌ وانعدامُ ضمير؛ وكذلك الأمر تجاه من يدمِّرون الحياة الأبدية لآلاف المسلمين، ويدفعون المئات من أهل الإيمان إلى الآثام المروعة وسوء العاقبة، فلا شك أن التعاطف بشفقةٍ مونورًاك والدعاء لهم بالنجاة من العقاب رحمةً بهم ليس إلا وحشيةً شنيعة وقسوةً مروِّعة بحق هؤلاء المظلومين من أهل الإيمان.
ولقد أثبتتْ رسائل النونهال عٍ قطعيٍّ أن الكفر والضلالة إهانةٌ كبرى للكائنات، وظلمٌ عظيمٌ للموجودات، وسببٌ لرفع الرحمات ونزول الآفات؛ حتى لقد جاءت رواياتٌ صحيحة بأن الأسماك في أعماق البحار تشتكي من الظَّلَمة إذْ تَسبَّبوا بسلب راحتها؛ وعلى هذا، فإن الذي يتألم لعذاب تُها عين والمنافقين في الآخرة ويُشفق عليهم، لا يتألم في واقع الحال لمن هم أهلٌ للشفقة من أبرياء لا يُحصَون عددًا.
٭ ٭ ٭
إن رسائل النور تفي بالحاجات المتعلقة رآن الئق الإسلامية فلا تدع حاجةً إلى المؤلّفات الأخرى، ولقد تبيَّن بالتجارب الكثيرة القاطعة أن الطريق الأسهل والأقصر لإنقاذ الإيمان وتقويتِه وجعلِه إيمانًا تحقيقيًّين، يتدٌ في رسائل النور؛ أجل، فهي تجتاز هذا الطريق في خمسة عشر أسبوعًا بدلًا من خمسَ عشْرةَ سنة، فتوصل المرء إلى الإيمان التحقيقي.
إن أخاكم الفقير هذا كان قبل عشرين سنةً كثيرَ المطالعة، حتى ربما طالع في النوَّالواحد مجلدًا كاملًا مع الفهم، وإني منذ نحو عشرين سنةً أصبحتُ يكفيني القرآن ورسائلُ النور الواردة منه، فما اقتنَيتُ سواها وما احتجتُ إلى غيرها.
ومع أن رسائل النور أفواه؛ حقائق كثيرةً متنوعة، إلا أني منذ شرعتُ بتأليفها قبل عشرين سنة، لم أجد حاجةً للرجوع إلى كتاب، فلا جَرَمَ أن تكونوا أغنى مني بعشرين درجة عن مثل هذه الحاجة.
— 318 —
ثم إني قنِعتُ بكم وما زلت، فلا ألتفت إلى غيركم ولا أنشغل بسو ثمة أما دام الأمر كذلك فيلزم أن تقنَعوا أنتم كذلك برسائل النور، بل هذا هو الألزم في هذا الزمان.
٭ ٭ ٭
الأساس الأول:بشَّرَ "سعيدٌ القديم" بظهور نورٍ في المستقبل، لف قاندًّا على اليأس الذي خيَّم على أهل الإيمان؛ فقد شعر بحسٍ قبل الوقوع أن رسائل النور ستقوي وتنقذ إيمانَ الكثيرِ من أهل الإيمان في زمنٍ عصيبٍ في قادم الأيام، فنظر بهذا المنظار إلى ميادين السياسة التي أفرزها عهدُ الحريل ومداى إلى تطبيق ما شعر به من غير أن يُعبِّره أو يُؤَوِّله، وظنَّ أن الأمر سيكون في مجال السياسة والقوة والكمية، فصَدَق فيما أحس، لكنه لم يُحسِن التعبير عنه.
الأساس الثاني:شعر "سعياء، ولديم" كما شعر بعض السياسيين ونوابغُ الأدباء، بأن ثمة استبدادًا يلوح في الأفق، فأعَدُّوا العدة لمواجهته، ومع أن هذا الحس المُسبق كان بحاجةٍ إلى التعبير والتأويل، إلا أنهم وجدوا أمامهم استبدادًا صُوريًّا اسميًّا ضعيفًا، فراحوا حةً بانه بغير تَبَيُّن؛ والحال أن الاستبداد الذي أفزعهم وأثار مخاوفهم كان سيأتي لاحقًا، ولم يكن ذاك الاستبدادُ الرسميُّ إلا ظلَّه الباهت، فهاجموه ظانين أنه هو الأصل، فكان المقصَد صحي بالحركان الهدف خطأً.
فهكذا، لقد أحسَّ "سعيدٌ القديم" بهذا الاستبداد الحالي الرهيب مِن قَبل، وله في بعض مؤلفاته ما يبين هجومَه عليه؛ وكان يرى في المشروطية المشروعة وسيلةَ نجاةٍ من ذلك الاستبداد الفظيع المروِّع، وكان يبذل خلصين على أملِ أنْ تدفعَ الحريةُ الشرعيةُ هذه المصيبةَ المروعة من خلال الشورى في دائرة أحكام القرآن.
ثم إن حقيقة المدرسة الزهراء التي وردت في ختام "رسالة المناظرات"، والتي تُعَدُّ أساسَ هذه اليانًا،وروضتَها، كانت أرضيةَ التحضير لمدرسة رسائل النور التي ستظهر في المستقبل، بحيث كان يُساق إليها بغير علمه ولا اختياره.
— 319 —
وكان يبحث بحسٍّ مسبقٍ عن هذه الحقيقة النورانية بصورتها المادية، فأخذت تظهر فيما بعد، إكان وجحَ السلطان رشاد رحمه اللّٰه مبلغَ تسع عشرةَ ألفَ ليرةٍ ذهبيةٍ لإنشاء المدرسة الزهراء في "وان"، ووُضِع حجر الأساس لها، إلا أن الحرب العالمية الأولى اندلعت، فتأخر إنجاز المشروع.
ثلنظر إُ بعد نحو ست سنوات إلى أنقرة، وسعيتُ لأجل تلك الحقيقة من جديدٍ، فوافق مئةٌ وثلاثة وستون نائبًا من أصل مئتين على تخصيص مبلغ مئةٍ وخمسين ألف ليرةٍ لسك بمظمدرستنا هذه، ووقَّعوا على ذلك، إلا أن المدارس أُغلقت للأسف الشديد، وتأخر إنجاز تلك الحقيقة من جديد، لكن حمدًا للّٰه بما لا يُحَدّ أنْ تأسست الهوية المعنوية لهذه المدرسة بولاية "إسبارطة"، فأخرجتْ رسائلَ النور، وسيوفَّق تلاميذي، ومنل النور لتأسيس الشكل المادي لهذه الحقيقة العلمية في المستقبل إن شاء اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه

.......

كانت الخدمة الإيمانين سنة؛ّمة السامية التي يؤديها تلاميذ النور بی"إسبارطة" تورثهم القناعة بأنها تكفيهم، فقد أَدركت بصائرُ قلوبهم النفَّاذةُ حقيقةً مُفادها أن الخدمة من خلال رسائل النور تنقذ الإيمان، أما الطريقة والمشيخة فتُنِيل مراتبَ الولاية، وأن إنقاذ تركوا شخصٍ واحدٍ أهمُّ وأجزل ثوابًا من ترقية عشرة مؤمنين إلى درجة الولاية؛ لأن الإيمان يحقِّق للمؤمن سلطنةً باقيةً أعظم من الدنيا بما فيها، إذ يُنيله السعادة الأالحقبةأما الولاية فإنما تُوَسِّع جنةَ المؤمن وتزيدها إشراقًا؛ ولا شك أن جَعْلَ شخصٍ ما سلطانًا هي خدمةٌ أجزلُ ثوابًا من جعلِ عشرة أشخاصٍ ولاةً؛ فهذا هو السر الدقيق الذي أبصرتْه قلوب إخوانك في "إسبارطة" وإن لم تره مُلزَ بعضهم، ولهذا فضَّلوا صحبةَ مسكينٍ خطَّاءٍ مثلي على صحبة الأولياء، بل حتى على صحبة المجتهدين إن وُجدوا.
— 320 —
وبناءً على هذه الحقيقة، فإنه لو جاء إلى هذه المدينة قطبٌ أو غوثٌ أعظم، فقال لك: سأرفعك في عشرة أيامٍ إلم، فلم الولاية، فتركتَ رسائل النور وتَبِعتَه، ما أمكنك أن تكون كأبطال "إسبارطة".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
محاورةٌ أُخطِرت لتعديل إفراطِ بعض إخواني من طلاب رسائل النور في حسن ظنهم بي بما يفوق حديقانون سرد محاورةً جرتْ بيني وبين أخي الأكبر المُلَّا عبد اللّٰه رحمه اللّٰه قبل أربعين سنة:
كان أخي رحمه اللّٰه أحدَ خواصِّ مريدي الولي الكبير "الشيخ ضياء الدين" قدِّس سِّره، وأهلُ الطريقة لا يهر الشسًا إن حصل إفراطٌ في حب المرشد وحسنِ الظن به، ومن هذا المبدأ قال لي أخي مرةً: إن الشيخ ضياء الدين يعلم جميع العلوم، وله اطلاعٌ على كل شيءٍ في الكون كالقطب الأعة على ثم راح يبين لي مقاماتِه الخارقةَ بُغيةَ أن يربطني به، فقلتُ له: أنت تبالغ، فإني لو قابلته لاستطعت أن أُلزِمه الحجةَ في مسائل كثيرة؛ ثم إنك لا تحبه حبًّا حقيقيًّا كما أُحبه، فإنك تحب ضياء الدين الذي تتخيله في صورة قطبٍ أنا بلسلم ما في الكون، أي إن ارتباطك به ومحبتك له قائمان على هذا الأساس، فلو رُفِع الحجاب وبانتْ حقيقتُه لزالت محبَّتك أو تضاءلت إلى ربعِ ما كانت عليه.
أما أنا فأحب هذا الرجل المبارك حبًّا جمًّا كما تحبُّه، وأقدِّره، لأنه مَا فتحالص، ودليلٌ عظيمُ القدر والأثر لأهل الإيمان في دائرة السُّنة السَّنِيَّة ومسلك الحقيقة؛ فلو انكشف مقامُه الشخصي ما تراجعتُ أو تخلَّيتُ عن ارتباطي به، ولا نقَصَتْ محبتي له، بل لارتبطتُ به َّةُ امن الاحترام والتقدير.
إذًا، فأنا أحبُّ ضياء الدين الحقيقي، وأنت تحب ضياء الدين الخيالي؛ فقَبِل أخي وجهةَ نظري وقدَّرها، إذْ كان عالمًا منصفًا مدقِّقًا.
— 321 —
فيا طلاب رسائل النور الأعزاء.. ويا المحمد الأوفرَ مني حظًّا والأعظمَ مني تضحية.. قد لا يضركم فرطُ حسنِ الظنِّ بشخصي، إلا أن أمثالكم من الأفاضل طالبي الحقيقة ينبغي أن ينظروا إلى الوظيفةم، تعفمة، فانظروا من هذه الزاوية، فإنه لو رُفِعَ الستار وانكشفتْ ماهيتي المجلَّلة بالنقائص والمعايب لرَثَيتُم لحالي، فأنا أستُرُ معايبي عنكم موم الأُنفِّركم من أُخُوَّتي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
حِكمةُ جوابي الذي أجبتُ بهِ على رسالتكم الواردة قبل أسبوع، والذي يجرح بدرجةٍ ما حسنَ ظنكم بي.
توجد في هذا العصر تياراتٌ مسيطرةٌ سيطرةً تَفُوه قبل ور، لدرجة أنها تستحوذ على كلِّ شيءٍ وتحوِّله لصالحها؛ وبناءً على هذا فإنه لو جاء في هذا الزمان ذلك السيّد الحقيقي المنتظَر قدومُه بعد قرنٍ من الآن، فإني أقدِّر أنه سيُنَحِبالإسلبًا شؤونَ عالم السياسة، وسيُغيِّر هدفه، لئلا تُستغلَّ حركته لصالح تلك التيارات.
ثم إن هناك ثلاث مسائل، هي: الحياة والشريعة والإيمان، فأهمُّها وأعظمُها في نظر الحقيقة مسألة الإيمان، إلا أنه لما كانت م قبل عالحياة والشريعة في نظر العامة، ومن حيث ما تمليه ضروراتُ أحوال العالم أهمَّ المسائل، وكان تغيير أوضاع المسائل الثلاث دفعةً واحدةً على جميع وجه البسيطة أمرًا يخالف سنةَ اللّٰه الجارية في ا يقول فإنه لو وُجِد ذلك السيد في هذا الزمان، لاتَّخذ تلك المسألة العظمى أساسًا دون المسألتين الأُخريين، لكيلا تفقد خدمةُ الإيمان صفاءَها ونقاءَها في نظر العامة، وليتحقَّق في أذهان العوام الذين يسهل خداعهم أن تلك الخدمة ليست أداةً لا بد مقصِدٍ آخر.
ثم إنه تحت وطأة الظلم الشديد المدمِّر المستمرِّ منذ عشرين سنة فسدت الأخلاق أيَّما فساد، وضاع الوفاء والثبات، حتى لم يعد يوجد في العشَرة أو العشرين من الناس
— 322 —
شخصٌ واحدٌ يُعتَمد كسيوف وهذه الحالة العجيبة تستلزم التحلي بأعلى درجات الثبات والصلابة والوفاء والحميّة الإسلامية، وإلا بقيت خدمة الإيمان عقيمةً تعود بالضرر.
إذًا، إن أخلصَ خدمةٍ وأسلَمها وأهمَّها وأحظاها بالتوفيق ليست سوى هذه بين أة القدسية التي يعمل في دائرتها تلاميذُ رسائل النور.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إن لشهر رمضان المبارك في هذه السنة أهثمة حقالغةً وقيمةً عظيمةً سواءٌ للعالم الإسلامي أو لتلاميذ رسائل النور، وإنه بسرِّ الدستور الأساسي لتلاميذ رسائل النور، أعني دستورَ الاشتراك في الأعمال الأخروًا سيان ما يكسبه كلُّ واحدٍ منهم يُسجَّل مثلُه في صحيفة أعمال إخوانه؛ كما أنه بمقتضى هذا الدستور وبمقتضى الرحمة الإلٰهية تغدو مكاسبُ الداخلين إلى دائرة رسائل النور بصدقٍ وإخلاص عظيمةً كُلِّية، إذ ينال كلُّ واحدٍ منيكن اسف المكاسب، وهذه المكاسب تُسجَّل في صحيفةِ أعمالِ كلِّ واحدٍ منهم بإذن اللّٰه من غير انقسامٍ ولا تَجزُّؤ، بخلاف الاشتراك في الأموال الدنيوية، وهم في هذا أشبهُ بمن يُسرِجُ مصباحًا فينعكس نوره في آلاف المرايا من غير انقسام.
وإ التي ذا المعنى نؤمِّل عظيمَ الأمل في سَعَةِ الرحمة الإلٰهية، أنْ إذا فاز أحد تلاميذ رسائل النور الصادقين بحقيقة ليلة القدر وبالمرتبة العليا لشه بخصوان، أن يكون سائرُ التلاميذ الحقيقيين الصادقين شركاء ومساهمين له في ذلك الفوز.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
المسألة الأولى:أنني قلتُ غوبُ لعلى ما أظهره أحد إخواننا من تكاسلٍ في تسبيحات الصلاة: إن تسبيحاتِ ما بعد الصلاة طريقةٌ محمدية وأورادُ ولايةٍ أحمدية، على صاحبها الصلاة والسلام، فأهميتها بهذا الاعتبار عظيمة.
#323 الحقي انكشفتْ لي حقيقةُ هذه الكلمة بأنه مثلما تعلو الولاية الأحمدية التي انقلبت إلى الرسالة على جميع الولايات، فكذلك طريقةُ هذه الولاية تعلو بالدرجة نفسها على سائر الطُّرُق، وكذلك من فوادُ المخصوصة بهذه الولاية الكبرى، أعني التسبيحات عقب الصلاة، فإنها تعلو على سائر الأوراد.
ثم انكشف لي سرٌّ أيضًا، وهو أنه كما يحصل عند اجتماعِ هيئةٍ تَرابطَ أفرادُها فيما بينهم في حلقةِ ذكرٍ بمجلس، أو في خَتمٍ وقد أيٍّ بمسجد، إذ يشعُر المرءُ بحالةٍ نورانيةٍ لدى هؤلاء؛ فكذلك ذو القلب الذاكر اليَقِظ حين يُردِّد بعد الصلاة: سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. يشعر معنًى بأن ثمة مئة مليونٍ بأيديهم السُّبحات يُردِّدون التسبيحَ حاجة يدي الذات الأحمدية (ص) رئيسِ حلقة الذكر هذه، فيُردِّد: سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. بتلك العَظَمَة والعُلْوِيَّة.
ثم عندما يردِّد: الحمد للّٰه.. الحمد للّٰه.. بأمرٍ معنويٍّ من رئيسِ الذاكرمتملِّمعَّن في حمدٍ عظيم صادرٍ عن تحميداتِ مئةِ مليون مُريدٍ في حلقة الذكر ودائرة الختم الأحمدي الرحبة، فيشترك فيها قائلًا: الحمد للّٰه.
وكذلك الأمر بعد ترديد: اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر، و: لا إلٰه إلا اللّٰه.. لا إلٰه شهِدتْلّٰه.. لا إلٰه إلا اللّٰه.. ثلاثًا وثلاثين مرةً بعد الدعاء، إذْ يتوجه إلى الذات الأحمدية رئيس حلقة الذكر (ص)، آخذًا بعين الاعتبار إخوان الطريقة في الختمة الكبرى وحلقةِدح مؤلالطريقة الأحمدية، بالمعنى السابق الذي أوردناه، فيقول: ألفُ ألفِ صلاةٍ وألفُ ألفِ سلامٍ عليك يا رسولَ اللّٰه.
هذا أمرٌ وعيتُه وشعرتُ به ورأيتُه خيالًا، ومن هنا تأتي الأهمية البالغة لتسبيحات الصلاة.
المسألة الثانية:ذُكِر .
ثث الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، عند بيانِ إشارةِ الآية الحادية والثلاثين، أن إحدى خواص هذا العصر أنه يجعل المرءَ يرجِّح الحياةَ الدنيوية على الحياة الباقية وهو يعلم، أي لقد أصبح دستورًا جاريًا أن يرجِّح المرء وبالتا منكسرًا على ألماسٍ باقٍ وهو يعلم.
— 324 —
ولقد كنت أحار من هذا كثيرًا، حتى أُخطِر على قلبي في هذه الأيام أنه مثلما يحصل عندما يشتكي عضوٌ من الإنسا منا فُجرَح، إذْ تتداعى سائرُ الأعضاء وتترك بعض وظائفها وتسرع لنجدته، فكذلك الأمر بالنسبة للجهاز الإنساني المُدرَجِ في الفطرة الإنسانية، والقائمِ بمهمة الحرص على الحياة وحفظها والاستموشجاعةا وعشقها، فإنه قد جُرِح بالكثير من الأسباب، وراحَ يَشغَل بنفسه سائرَ اللطائف وينحطُّ بها ويجتهد في أن يُنسيها وظائفَها الحقيقية.
وكما يحصل إن وُجِد حفلٌَ منه الأضواء جاذبُ الأجواء، مع ما فيه من الرذائل والسُّكْر، فكما يَنْشَدُّ إليه الأراذل والأصاغر، ينشدُّ إليه أيضًا الأكابر والحرائر، فيشتركون فيه مُعطِّلين وظائفهم الحقيقية.
والأمر كذلك بالنمثالِهى الحياة الإنسانية في هذا العصر، خصوصًا الحياة الاجتماعية، فإنها قد آلتْ إلى حالٍ مفزعةٍ لكنها جذابة، ومؤلمةٍ لكنها مثيرة، بحيث دفعت لطائفَ الإنسان العُلْوية، لا سيما القلب والعقل، لاتِّباع النفس الأمارة، وجعلتْه، فأَخ كالفَراش في نيران تلك الفتنة.
نعم، إنْ بلغ الحفاظ على الحياة الدنيوية درجةَ الضرورة فثمة رخصةٌ شرعية لترجيحه مؤقتًا على بعض الأمور الأُخروية، لكن لا رخصةَ ولا ترجيح لمجردِ، الذحاجةٍ أو ضررٍ غيرِ مفضٍ إلى الهلاك، والحال أن هذا العصر قد حَقَنَ بخاصيته هذه عروقَ الإنسان حتى صار يترك أمورًا دينية هي كالألماس لأجلِ حاجةٍ صغيرةٍ أو ضررٍ دنيويٍّ بسيط.
أجل، لقد جُرِح التي يالحياة الإنسانية في هذا العصر جُرحًا بليغًا، وأصيب جهاز حفظ الحياة إصابةً بالغةً من جرَّاء الإسراف ورفعِ البركة الناجمِ عن الحرص وعدم القفي بدنعدم الاقتصاد، ومن جرَّاء ازدياد الفقر والضرورة وحاجات المعيشة، كما أن أهلَ الضلالة دأبوا على توجيه الاهتمام إلى هذه الحياة الفانية، حتى صار ذلك العِرق يوجِّه الأنظار لنفسه، ويدفع المرءَ لترجيح أدنى حاجةٍ حياتيةٍ على مسائنذُ تسةٍ جليلة.
— 325 —
ولا يقدر على مواجهة هذا المرض العجيب والداء الرهيب لهذا العصر العجيب سوى رسائل النور الناشرة لأدوية القرآن المعجِز البيان كأنها ال المتخ ولا يقدر على مقاومة هذا الداء والمرض سوى تلاميذها الأقوياء الثابتين الصامدين الخالصين الصادقين المضحِّين.
وما دام الأمر كذلك، فاللازم أولًا الدخول في دائرتها، والتمسإسلام بولاءٍ وثباتٍ تام وإخلاصٍ جاد واعتمادٍ كاملٍ حتى ينجو المرء من تأثيرات هذا المرض العجيب.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إن ما أسنده الحافظ "علي" لأستاذه من المزيَّة والمكانة التي تفوق حدي كثيرًا، إنما نعدّم فيماًا من الدعاء بلسانه الصادق، لا مدحًا لشخصي؛ وكذلك ما أخبرنا به من تحول "إسبارطة" وما حولها من الأماكن والقرى مثل "صاو" إلى مدارس نورية، وتَنَوُّرِ تلاميذ النور الصادقين وتَرَقِّيهم ترقيًا فريدًا يومًا بعدواجه مفإنما نَعُدَّ ذلك كلَّه خبرًا مُحقَّقًا يبعث على الفرح والسرور ليس لنا فحسب، بل للأناضول وللعالم الإسلامي كلِّه.
وإنا لندعو ضارعين من أعماق قلوبنا وأرواحنا راجين من الرحمة الإلٰبغي أن تتحقق الفقرة الأخيرة من رسالته، بأنه "قد أزِفَ زمانُ الفتوحات المعنوية وتبديد الظلمات كما أخبر بذلك الصادق المصدوق (ص)"؛ غير أن وظيفتَنا نحن تلاميذَ رسائل النور إنما هي القيام بالخدمة.. خدمة الإيمان والقرآن، دون أن نتدخل في الشؤونسمٍ منهية أو نقف منها موقف المُجرِّب، هذا مع مراعاة الكيفية لا الكمية.
ثم إن رسائل النور قد صدَّقتْ تمامًا إخبار الصادق المصدوق (ص) وأثبتتْه بالوقائع وما تزال، وذهي الم حققتْ حتى اليوم من فتوحاتٍ رغم الظروف الرهيبة المستمرة منذ زمنٍ بعيد، وهي ظروفٌ تدعو إلى انحطاط الأخلاق وترجيح الحياة الدنيوية على الأخروية؛ وبما كسرتْ من صولات الزندقة والضلالة، وبما أنقذتْ من
— 326 —
الأرض آلاف المساكين، وبما خرَّجتْ من مئات بل آلاف الطلبة المؤمنين الحقيقيين ممن يَعدِل الواحد منهم مئةً بل ربما ألفًا.
وليس بمقدور أيِّ قوة أن تُخرِج رسائل النور من قلب الأناضول، بل هي باقيةٌ بإذن الكان مِلى أن يأتي في آخر الزمان الأصحاب الأصليون لدائرة الحياة الواسعة، أي المهدي وتلاميذُه، فيوسِّعوا تلك الدائرة وتتسنبل تلك البذور، فنشاهد ذلك ونحن في قبورن، فضلًكر اللّٰه تعالى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
هذه تتمةُ ما كُتِبَ في فقرتَين سابقتَين عن ترجيح الحياة اح فَرَة على الحياة الأخروية.
لقد صعَّب هذا العصرُ العجيبُ الحياةَ الدنيوية، وكثَّر شروطَ العيش وشدَّدها، وصَيَّر الحاجاتِ غيرَ الضرورية حاجاتٍ ضروريةً بسبب الإلف والاعتياد، وبسبب تقليد الآخرين ومحاكاتهم، فجعل غاي شرطٍ ِ شخصٍ وأعظمَ مقاصده على الدوام: حياتَه ومعيشتَه، فأقام بذلك سدًّا أمام الحياة الدينية والأبدية والأخروية، وأخَّرها إلى درجةٍ ثانية أو ثالثة؛ ولقد تلقى الإنسان صفعةً قاسيةً شديدةً جزاءَ خطيئتهفرَضَ إذِ استحالت دنياه جحيمًا.
والحال أن بعض أهل الدين يقعون في ورطةٍ كبيرةٍ من جرَّاء هذه المصيبة المروِّعة ولا يَعُونَ الأمر على وجهه؛ فمن ذلك أني رأيت بعض الأفاضل من أهل الدين والتقوى قد عقدوا معنا أوثق الصلات، يرغب أحدهم لنور أين ويحب العمل به رجاءَ أن يوفَّق في حياته الدنيوية ويلقى التيسير في أموره، بل يرغب في الطريقة الصوفية طلبًا للكشف والكرامات!! بمعنى أنه يجعل من رغبته في الآخرة وما فيها من ثمرات الوظائف الدينية دعامةً للحياة الدن أُسُّسُلَّمًا للوصول إليها، ولا يدري أن الفوائد الدنيوية المترتبة على
— 327 —
الحقائق الدينية، وهي حقائقُ عليها مدارُ السعادتين الدنيوية والأخروية، إنما شأنها أن تكون بمنزلة المرجِّح والمشوِّق لا غير،أستاذ ي بلغت مرتبةَ أن تكون العلةَ أو المقصِدَ من عمل الخير بطَلَ العمل، أو اختلَّ الإخلاص على الأقل، وفات الثواب.
وإن ثمة أربعين ألفِ شاهدٍ يشهدون أ الدنير الذي نشرتْه رسائل النور بموازينها وموازناتها، مُخلِّصٌ من وباء هذا العصر المريض المتوحش المشؤوم وبلائه، وهو خيرُ منقذٍ من ظلمه وظلماته، فمن كانوا قريبين من دائرة رسائل النور فلم يدخلوها كان احتمال وقوعهم في التهلكة قويًّا.
ةٌ أشدناءً على إشارة يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ دفع هذا العصرُ أهلَ الإسلام لترجيح الحياةِ الدنيوية على الحياة الأخرو من الُرِض على أهل الإيمان نظامُ حكمٍ خبيثٌ بدأ العمل به في العام ١٣٣٤ رومي.
أجل، وإن جملة عَلَى الْآَخِرَةِ تساوي بحساب الجفر والأبجد ١٣٣٣ أو ١٣٣٤، و يَخدعوافق مع بداية النظام السياسي الذي يرجِّح الدنيا على الدين، وقد كان هذا النظام أحد شروط المعاهدة التي أملاها أعداء الإسلام بعد غلبتهم في الحرب العالمية الأولى، وقد ظهرت نتائج ذلك فعليًّا بعد بضع سنين.
سعيد النُّورْسِيّ
رِ صلا
رسالةٌ مهمةٌ كتبها الأستاذ بديع الزمان أثناء الحرب العالمية الثانية
باسمه سبحانه
لقد آلمني وهزَّ مشاعري لفرطِ الرِّقة والشفقة ما حَلَّ بالمساكين من نكباتٍ وشدائدَ ومجاعاتٍ جَرَّاءَ هذه المصيبة البشرية، فضلًا عن برد ااه الرالقارس والبرد المعنوي الشديد؛ ولقد أُخطِرتُ فجأةً بأن في هذه المصائب وأمثالها من الرحمة والمكافأة المعنويَّين - حتى للكفار - ما يُهوِّن من وَقْعِها، وأن أمثال هذه المصيبة السماوية تُعَد نوعًا من أنواع الشهادة بالنسبة إلىهو التياء.
— 328 —
ومع أني مقطوعُ الصلة بأحوال العالَم وحربه منذ ثلاثةِ أو أربعةِ أشهر، إلا أني تذكرت بأسًى الأطفالَ والضعفاءَ في أوروبا وروسيا، فبَيَّنَ ذلك انبول أُ المعنويُّ تقسيماتٍ صارت مرهمًا يداوي هذه الشفقة المؤلمة؛ وأسرد هذه التقسيمات فيما يلي:
فأما الذين قضوا نحبهم أو شُرِّدوا وتقطعت بهم السُّبُل جَرَّاء تلك المصيبة السماوية، أو جَرَّاء تلك النكبة التي حلَّتْ بهم لِیجناية مَنْ ظلماكم، وم، فإن كانوا دون سن الخامسة عشرة فهم في عِداد الشهداء مهما يكن دينُهم، والمكافأةُ المعنوية التي تنتظرهم كما هي حال المسلمين تجعل تلك المصيبة بحكم المعدوم.
ي بضعِمن كانوا فوق سن الخامسة عشرة، وكانوا أبرياء مظلومين، فمكافأتهم كبيرةٌ كذلك، ولعلها تُنجيهم من عذاب جهنم؛ ذلك أنه ما دام الدين قد صار في آخر الزمان بدرجة الدين ُلَّ فن الفترة، وأُسدِل على دين محمدٍ (ص) ستار اللامبالاة، وما دام الدين الحق لسيدنا عيسى عليه السلام سيَحكم في آخر الزمان ويتكاتف مع الإسلام، فلا شك أنه يمكن القول بأن اي لمَّ التي تعرض لها المظلومون من المنتسبين لسيدنا عيسى عليه السلام، الباقين في ظلماتٍ كظلمات الفترة، هي بالنسبة لهم نوعٌ من الشهادة، خصوصًا منهم الشيوخ وأهل المصائب والفقرا أَمَّعفاء والواقعون تحت شدائد المستبدين الطغاة وجبرهم.
كما أُخبِرتُ من قِبَل الحقيقة بأن تلك المصيبة ربحٌ لهؤلاء بمئة ضعف، فضلًا عن أنها كفَّارةً لذنوبهم الناجمة عن رذائل المدنية وكفرانها، وضلال الفلسفة وكفرها.
فشكرتُ أرحم االتي ظ شكرًا بلا حد، ووجدت السُّلوان إزاء تلك الشفقة والألم الأليم.
أما إن كان الذين أصيبوا بهذه النكبات من سَفَلَة شياطين الإنس، ومن الظَّلَمة المتوحشين صانعي مآسي الاه.
لأنانيين الذين لا يبالون بأن يضرموا النيران في عالم الإنسان لأجل منافعهم الشخصية، فقد استحقوها عدالةً ربانيةً محضة.
— 329 —
وأما إن كان الذين عانوا من هذه الفواجع ممن يهرعون لنجدة المظلوم، وينم بالتلسلام البشرية، والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا شك أن النتائج المعنوية والأخروية المترتبة على تضحياتهم عظيمةٌ جدً
وعادترجة أنها تجعل من تلك المصيبة مبعثَ شرفٍ لهم وتُحبِّبُها إليهم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء المباركين..
حينما كانت هديتكم النورانية في طريقها إلى "قسطموني" قبل ثلاثة أيام، كنت أرى في الزل جزان مرسومًا معظَّمًا يأتينا من جانبٍ معنويٍّ يقضي برفع الرتبة والمقام، ويُحمَلُ إلينا بكل احترام؛ فلما نظرنا إلى هذا المرسوم السامي إذا به القرآن العظيم الشأن؛ وحينذاك ورد على القلب هذا المعنى:
سنتلقى - نحن تلاملسياسيائل النور وشخصَها المعنويَّ - بلاغَ رفعٍ وترقيةٍ من عالَم الغيب، كرامةً للقرآن الكريم.
أما تعبيره الآن فهو ما تلقيناه بأقلام الأبرياء من تفسيرٍ معنويٍّ للقرآن يمثِّل ذلك البلاغ.
كما أن التعبير الذي بيَّنه ت!!
و"أمين" قبل ساعةٍ أو ساعتين من ظهور هذا التعبير الآن هو كذلك تعبيرٌ حقٌّ ومهمٌّ.
ثم إن روحي كانت قد شعرت مُسبقًا بهذه الهدية النورانية مدارِ الفرح والسرور، إلا أنها لم تن الأسعقل بذلك، بحيث إني قبل أن تصل الهدية بيومين، وفي صبيحة الرؤيا التي بيَّنَها "فيضي" و"أمين" شعرتُ بفرحٍ وسرورٍ على نحوٍ لم أعهده من قبل، واستمر حتى المساء، بل إلى شطرٍ من اليوم التالي، وتبسَّمتُ ضاحكًا ثلاثين أو أربعينًا علّمُبديًا فرحي لأدنى سبب!! ولقد عجبنا أنا و"فيضي" من هذا أشد العجب، وحِرْنا في الأمر، إذ كيف لمن لم يضحك مرةً واحدةً في ثلاثين يومًا أن يضحك في يومٍ واحدٍ ثلاثين مرة؟!
— 330 —
ولقد تبيَّن الآن أن ذلك الفرح والسرور إنما مبعثه تلك الهدية التع رأسَا تصل، والتي هي كتابات الأُميين والأطفال الأبرياء التي تمثِّل ذلك المرسوم المعنوي المذكور؛ وهي تُخبر أن رسائل النور ستَنشر الأنوار في صحائف الأجيال القادمة، وفي صحيفة مقَدَّرات العالَم الإسلامي، وفي صحائف أهل الإيمان المستقبلمقدورها تُخبر أن حسنات أولئك الأبرياء من أعمالهم الخالصة وخدماتهم الصافية ستُكتَب وتُسجَّل في صحائف أعمالنا، وتنبئ عن إدامة مُقَدَّرات تلاميذ رسائل النور إدامةً تُكللّٰها السعادة.
والَسعا شعرتُ روحًا بجزءٍ من ألفٍ من حصتي في ذلك المجموع العظيم، فأثار ذلك فيَّ مشاعر البهجة والسرور.
نعم، فالأعمال المقبولة والأدعية المجابة الصه الكُن مئاتٍ من أمثال هؤلاء الأبرياء، حين تدخل صحيفةَ أعمال خَطّاءٍ مثلي، وصحائفَ أعمال سائر إخواني، تبعث آلاف الأفراح والمسرَّات.
إننا نهنئ هؤلاء الأبرياءن أن يميين ومعلميهم على جهودهم البطولية وبراعتهم الفائقة تحت وطأة هذه الظروف الصعبة والزمان الحالك، كما نهنِّئ آباءهم وأمهاتهم، ونهنئ قراهم ومدنهم وأمتهم،لناشروِئ الأناضول كذلك؛ ولو كنت أقدر أن أكتب لكل واحدٍ من هؤلاء المباركين بطاقة تهنئةٍ وشكر خاصةً بهم لفعلت، فليقبلوا تمنياتي هذه كما لو أنها مكتوبة فعلًا.
سأكتب أسماءهم على هيئة دائرة وأنظر إليها وقت الدعاء، كملتقلُّلهم في دائرة الخواص من تلاميذ رسائل النور، وسأشاركهم في مكاسبي المعنوية.
بلِّغوا سلامي نيابةً عني لآبائهم وأمهاتهم، ولأقربائهم ولأساتذتهم، وأسأل اللّ إلى بانه أن يُسعِدهم ويُسعِد أبناءهم في الدنيا والآخرة؛ آمين، آمين، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 331 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء..
بينما كان اللازم أن تكون الحقائق الإيمانية المقصِدَ الأول ضدِّهدَّمَ على كل شيءٍ في هذا الزمان، وأن تبقى سائر الأشياء في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثةٍ أو رابعة؛ وبينما كان اللازم كذلك أن تبقى خدمة هذه الحقائق برسائل النور الوظيفةَ الأُولى، وتكونَ موضعَ العناية والاهتلماتِ لمقصودَ بالذات؛ إذا بأحوال العالَم اليوم، وبالحياة الدنيوية لا سيما منها الحياة الاجتماعية، أخص بالذكر الحياةَ السياسية، وبالأخص الحربَ العالمية التي هي تجلٍّ من تجليات الغضب الإلٰهي النا يَعُدءً على ضلالة المدنية ورذائلها، قد هيجتْ عِرْقَ التحيُّز وأثارت نوازعَه، حتى وصلتْ إلى باطن القلب، فأقامت الرغبات الفانية الضارة مقام الحقائق الإيمانية النفيسة نفاسةَ الألماس.
لقد حقنَ هذا العصرُ المشؤومُ العروقَ ولقَّحها بهذه الأمور وما يتُدرَّدرجة أن بعض السطحيين بل بعض ضعاف المشايخ ممن هم خارج دائرة رسائل النور جعلوا حكمَ الحقائق الإيمانية في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثة، بسبب علاقاتهم في الحياة الاجتماعية والسياسية، وراحوا يوادُّون مَن شاكَلَهم سعيد فكر من المنافقين مجاراةً لتياراتهم، ويعادون من يخالفهم من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية وينتقدونهم؛ حتى لقد جعلوا المشاعر الدينية تابعةً لتلك التيارات.
فإزاء هذا الخطر المحدق لهذا العصر،رية لدْ خدمةُ رسائل النور والاشتغالُ بها السياسةَ الحاضرةَ وتياراتها من نظر اهتمامي، لدرجة أني منذ أربعة أشهر لم أُوْلِ هذه الحرب العالمية اهتمامًا ولم أسأل عنها.
ثم إنه ما ينبغي لخواصاصطدمتب رسائل النور، المشتغلين بوظيفة الحقائق الإيمانية التي هي بحكم ألماسٍ باق، أن يَفْتُروا عن وظائفهم القدسية، أو يلوِّثوا أفكارهم بالتفرُّج على ألعاب شطرنج الظَّلمة، فلقد أعطانا الحق نورًا ووظيفةً نورانية، وأعطى أولئك ألعابًا ظالمةً مامه ال، وإنه لمن الخطأ التدني لمشاهدة ألعابهم المُظلِمة على حساب وظيفتنا، في الوقت الذي استغنَوا فيه عنا فلم يمدُّوا لنا يد العون ولم
— 332 —
يرغبوا بما في أيدينا من أنوار قدسية؛ وإن ما في دائرتنا من الأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية تكفينا وتَفي بنيا لي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
لقد ضِقْتُ ذرعًا بالذين يضايقونكم ويُبيِّتون النوايا السيئة لرسائل النور في هذه الأيام، فهممتُ بالدعاء عليهم، إلا أنيفِ القت على "إسبارطة"، فدعوت وما زلت أدعو: "اللّٰهم إن إسبارطة مدرسةٌ من مدارس رسائل النور الزهراء، فأصلح مَن فيها حتى المسؤولين السيئين، واكتب لهم حسن الخاتمة".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمهةً أخبه
إخوتي الأعزاء الأوفياء المضحِّين.. لقد آذَنَتِ الأنوارُ هنا بالظهور مقابل توقُّفها في "إسبارطة"، فالحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي.
ولقد جاءني شخصٌ معنيٌّ بمراقبتنا، وهو ذو مكانةٍ مرموقةٍ وعلى صلةٍا السيٍ بشؤوننا وبالسياسة، فقلت له:
إنني لم أراجعكم ولم أقرأ صحيفةً منذ ثماني عشرة سنة، ولم أسأل مرةً واحدةً منذ ثمانية أشهر عما يجري في العالَم، ولم أستمع منذ ثلاث سنواتٍ إلى المذياع المسموع هنا، وما ذاك إلا تحاشيًا أنباتات خدمتَنا القدسية ضررٌ معنوي، ذلك أن خدمةَ الإيمان وحقائقَه أسمى من كل شيءٍ في الكون، ولا يمكن أن تكون تابعةً أو أداةً لشيء.
ولقد منعتْنا خدمة القرآن الحكي كلُّهلسياسة منعًا قطعيًّا في هذا الزمان، حذرًا من أهل الغفلة والضلالة، وحذرًا من الغافلين الذين يبيعون الدين بالدنيا ويستبدلون
— 333 —
بالألماس الباقي خَزَفًا، لئلا يَعدُّوا هذه الخدمة الإيمانية أداةً أو تابعةً لتيمام بلقويةٍ في الخارج، ولئلا تنحطَّ قيمتُها في نظر العوام.
فيا أهل السياسة والحكومة.. دعوكم من الهواجس تجاهنا ومن الانشغال بنا، إذ يلزمكم بعكسِ ذلك أن تقدموا لنا التسهيلات، لأن خدمتنا تؤسِّس الأمن والاحترام والرحمة، وتعمل لتحقيق الأمن والانضبملًا، قاذ الحياة الاجتماعية من الفوضى، وبذلك تضع حجر الأساس لوظيفتكم الحقيقية وتقوِّيها وتؤيِّدُها.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء..َّن ليشر دقائق من الآن انضم إلى دائرة رسائل النور رجلان جاء أحدهما بالآخر، كلاهما من أهل الفتوة والنجدة، لكنهما أُمِّيان لا يعرفان القراءة ولا الكتابة؛ وقد قلتُ لهما:
إن هذه الدائرة تتطلب في مقابل ما تقدمه من نتائج عظيةً بالاءً لا يتزعزع وصلابةً لا تلين؛ فإن أساس ما قدَّمه أبطال "إسبارطة" من عجائب وخدماتٍ نورية أذهلت العالم ليس سوى ولائهم الفَذِّ وصلابتهم الفائقة، وإن المنبع الأول لهذه الصلابة هو القوة الإيمانية وخَصلة الإخلاص، أما المنبع الثاني فالشجاباللّٰطرية.
وقلتُ لهما: لقد عُرِفتما بالشجاعة والفتوة، فإن كنتما تبذلان تضحيةً في سبيل أمور دنيوية لا أهمية لها، فلا شك أنكما تُظهِران الرجولة والشجاعة والتضحية في خدمة رسائل النور القدسية، وتحافظان على ولاالزمانها، مقابلَ النتائج الأخروية التي هي خيرٌ من الدنيا وما عليها؛ فقبِلا ذلك أتم قبول.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 334 —
باسمه سبحانه
لما كانت حقائق الإيمان أعظمَ مسألةٍ بين المسائل الثلاث العظمثابة ملعالَمين الإنساني والإسلامي، أعني الإيمان والشريعة والحياة، كان الخواصُّ الصادقون من طلاب رسائل النور يفِرُّون من السياسة أشدَّ الفِرار، وينفِرون منها غايةَ النفور، وما ذاك إلا صونًا للحقائق الإيمانية القُراعي أن تُتَّخَذ أداةً بيد التيارات والقوى الأخرى أو تصبح تابعة لها، وصونًا لحقائق القرآن النفيسة كالألماس أن تنحطَّ إلى منزلةِ قطعِ زجاجٍ في نظر من يم يَضرالدين بالدنيا أو يجعلونه أداةً لها، ورعايةً لخدمة إنقاذ الإيمان التي هي أقدسُ خدمةٍ وأعظمُها، كي تؤدَّى على وجهها الأتم.
بل إنكم تعلدخلهم أخاكم هذا لم يراجع الحكومة قطُّ خلال ثماني عشرة سنةً خَلَتْ بالرغم من شدة حاجته، لئلا يكون له اتصالٌ بالسياسة والحياة الاجتماعية، كما لم يَسأل مرةً خلاصفحةً الشهور الثمانية أو التسعة عما يجري في الكرة الأرضية مِنْ هَرْجٍ ومَرْج، ولم يرغب في معرفته.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
تعلمون يا إخواني أننا نَفِرُّ فييَّة، ا من الأنانية وحب الذات وطلب المقام خلف ستار الشهرة والسمعة فرارَنا من السُّمِّ الزُّعاف، ونجتنب تمامًا كلَّ حالةٍ تُشعِر بهذا.
ولا بد أنكم شاهدتم بأعينكم على مدى سبع سنين، وتَبيَّن لكم بالتحقيق خلال عشرين سنةً، أنني لا أبتغي منح شخني أُجيرًا ومقامًا، وقد نبَّهتُكم على هذا الأمر بشدَّة، ويسوءُني أن ترفعوني فوق حدِّي، غير أني أقبل منكم أن تنظروا إليَّ باعتباري واحدًا من تلاميذ رسائل النور التي هيى الشرمعجزات القرآن الحكيم المعنوية في هذا الزمان، وأرتضي شاكرًا اللّٰه ارتبطاكم بها وتسليمكم لها بخالص التصديق.
— 335 —
فأيُّ معنى وأيُّ مبرر للّٰهواجس التي تُساوِرُ رجالَ الحكومة والأمن والإدارة تجاه أُناسٍ يجتنبون الأن وجوبِوحبَّ الذات والرياءَ المستتر خلف ستار الشهرة والسمعة، بل يجعلون هذا الاجتنابَ دستورًا لعملهم؟! ألا إنه لأمرٌ يفهمه حتى المجانين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. تأمَّلتُ هذهدَّةً م في أساسَي التقوى والعمل الصالح، وهما أهمُّ أساسَيْن يُتَمسَّك بهما بعد الإيمان كما يُبيِّن القرآنُ الحكيم.
أما التقوى فهي اجتناب المنهيات والآثام، وأما العملُ الصالح ففعل الخير والتحرك في دائرة الأمر، طوات اان درء المفاسد مقدَّمًا على جلب المصالح في كل زمان، فإن التقوى باعتبارها درءًا للمفاسد وتركًا للكبائر تُعَدُّ أسَّ الأساس والأَولى بالتقديم في هذا الزمان، زمانِ الإفساد والرذيلة والأهواء الجذابة.
وهي أعالشيءِسٍ في مواجهة الإفساد والتيارات السلبية الهدَّامة المستشرية في هذا الزمان، فمؤدِّي الفرائض التاركُ للكبائر ناجٍ، والتوفيقُ للعمل الصالح بإخلاصٍ في خضَمِّ هذه الكبائر العظيمة أمرٌ جدُّ قليل، "سعيدٍالعمل الصالح المؤدَّى في هذه الظروف الصعبة هو بحكم عملٍ كثير، على أن في التقوى نوعَ عملٍ صالح، لأن ترك الحرام واجب، وفِعْلَ الواجب الواحد له من الأجر ما يعادل أجور سننٍ كثيرة؛ وفي مثل هذا الزمان الذي تهاجمُ المرءَ القوملافُ الآثام، يصبح اجتنابٌ واحدٌ يؤديه باليسير من العمل بمثابة تركِ مئات الآثام وفعل مئات الواجبات.

ومن هذه النقطة المهمة نجد أعمالًا صالحةً جليلةً تأتَّت من عبادةٍ قِوامُها الكفُّ والتركُ لا الفعل، غوفِلتمجرد النية وقصد اجتناب الإثم باسم )"Iقوى؛ وإن أهم وظيفةٍ تَلْزَم تلاميذ رسائل النور في هذا الزمان هي أن يتخذوا التقوى أساسًا لهم، ويتحركوا وفقًا لها في مواجهة الإفسادات والآثام.

— 336 —
وما دام الإنسان يوا" إلى ت الآثام على مدار الدقائق في نمط الحياة الاجتماعية اليوم، فلا شك أن يصير بالتقوى وبنيَّة الاجتناب بمثابة من يعمل مئات الأعمال الصالحة.
ومعلومٌ أنه لا يمكن لعشرين رجلًا أن يُعيدوا في عشرين يومًا بناءَ قصرٍ دمَّره رجلٌ أيها افي يومٍ واحد، فإذا كانتْ مواجهة إفساد رجلٍ واحد تستلزم جهودَ عشرين رجلًا، فإن مقاومة مصلحٍ واحدٍ كرسائل النور وتأثيراتِها في مقابل آلاف المفسدين لتُعَدُّ جِدَّ خارقة، ولفينةِ اتين القوتين المتقابلتين كانتا على سويةٍ واحدة لشوهِد في إصلاحات رسائل النور فتوحاتٌ ونجاحاتٌ أشبهُ بالمعجزات.
ونضرب على هذا مثلًا.. فالاحترام والرحمة هما وتحريأسس التي تدير الحياة الاجتماعية، وقد تصدَّعا وتزعزعا في هذا الزمان، وأفضى ذلك إلى عواقب وخيمةٍ ونتائج أليمةٍ على الشيوخ والآباء والأمهات في أماكن شتّى، إلا أن رسائل النور حيثما حَلَّتْ واجهتْ هذا الإفساد الرهيب ورممتْ مٌ يتصَّمه، وللّٰه الحمد.
وكما يعيث يأجوج ومأجوج فسادًا في الأرض بخراب سد ذي القرنين، فإنه مع تَزَلْزُل سدِّ القرآن - أعني الشريعة المحمدية على صاحثلي عدصلاة والسلام - شرعت الفوضوية المظلمة واللادينية الظالمة تعيثان فسادًا وإفسادًا في الأخلاق وفي الحياة العامة هما أفظع من فعل يأجوج ومأجوج؛ وإن الجهاد المعنوي الذَمْدِه به تلاميذ رسائل النور في مثل هذه الحوادث هو بإذن اللّٰه مدارُ أعمالٍ صالحةٍ وثوابٍ عظيمٍ بعملٍ قليلٍ كما كان الأمر في زمن الصحابة رضي اللّٰه عنهم.
فيا إخواني الأعزاء.. مثلما يكتب كلُّ واحدٍ منا بقلمه حسناتٍ في صحيفة أعمال أخيه، وذمادة -ًا لدستور الاشتراك في الأعمال الأُخروية، وهو دستورٌ يمثِّل في هذا الزمان والحوادث الرهيبة أعظمَ قوةٍ لنا بعد الإخلاص، كذلك يقوي كلُّ واحدٍ منا بلسانه قلعة تقوى أخيه ويرسل الإمداداودية مقه.
وإن شأن الأبطال الأوفياء الرحماء أمثالِكم أن يَهُبُّوا للمساعدة في هذه الشهور الثلاثة المباركة والأيام المشهورة، خصوصًا لمساعدة أخيكم العاجز هذام السعأمسى
— 337 —
هدفًا لهجومٍ شرس، فأرجو من أعماق روحي هذه النجدة المعنوية منكم، وإني وفقًا لدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، أُشْرِك بدوري طلبةَ رسائل النور في جميع أدعيتي ومكاسبي المعنوية، وربما شملهم دعائي أكثر من مئمحمديةفي اليوم، شريطة أن يكونوا من طلاب النور بإيمانٍ وولاء.
بلغوا سلامَنا لعموم الإخوة والأخوات، وفي مقدمتهم الشيوخ الأُميون والصغار الأبوا من وكذلك لهيئات "الورد" و"النور" و"المباركين" و"المدرسة النورية"، مع دعائنا لهم بالسعادة والسلامة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
حمدًا للّٰه بلا حدٍّ أن رسائل النور تنتشر من تلقاء نفسها، وتمتد فتوحاتها في كل جهة، و الإلٰ حِيَلُ أهل الضلالة عن إيقافها؛ بل يُلقي كثيرٌ من الملحدين واللادينين سلاحَهم بين يديها ويستسلمون، وكما قال "الحافظ علي" فإن خوفهم منها شديدٌ جدًّا، وهم صيبة أيحاربونها خوفًا منها لا تعصبًا لإلحادهم، وسينقلب هذا الخوف لصالحها بإذن اللّٰه.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه

.......

ثم إني أبيِّن لذلك الصَّديق القديم الفاضل، واتهامٍلنباهة ولكم كذلك، أن "سعيدًا الجديد" يذكر بفيض القرآن المُعجزِ البيان براهينَ للحقائق الإيمانية في أعلى درجات من الحق والمنطقية، بحيث إنها ألزمتْ وما تزال تُلزِم أشدَّ فلاسفة أوروبا عِنادًا وتحملهم على التسليم لها، فضل؛ ثم ذعلماء المسلمين.
— 338 —
أما لفتُ القرآنِ معجزِ البيانِ الأنظارَ إلى إحدى معجزاته المعنوية في هذا الزمان - أعني رسائلَ النور - وإيماؤُه ورمزُه إليها على سبيل المعنى الإشاري بنحوِ ما أمن غير قيمتها وأهميتها إشارةً أو رمزًا سيدُنا عليٌّ والغوثُ الأعظم، فإنما هو شأن الإعجاز، ومقتضى البلاغة المعجزة لهذا القرآن الذي هو لسان الغيب.
أجل، فبينما كنا بنبغي -الحاجة إلى سلوانٍ قدسيٍّ في زمنٍ عصيب في سجن "أسكي شَهِر"، إذْ قيل لي بإخطارٍ معنوي: إنك تورِد لرسائل النور شواهد من كلام الأولياء السابقيدي الشأن القرآن هو الأَولى بهذه المسألة بسرِّ آية: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فهل يقبل القرآنُ الكريم رسائلَ النور يا ترى؟ وبأيِّ نظرٍ ينظر إليها؟
وجدتُ نفسي أواجه هذا السؤالكْمله
ب، فطلبتُ المدد من القرآن، فإذا بي أشعر في غضون ساعةٍ أن رسائل النور مندرجةٌ ضمن ثلاثٍ وثلاثين آيةً كفردٍ داخلٍ في كُلِّيةِ معناها الإشاري الذي هو طبقةٌ من طبقاتِ معناها الصريح وتفرعاته، وبأن ثمةَ قرينةً قويةً على دخولها فيه وامتيازها؛ ورأنسان فَ ذلك واضحًا بدرجةٍ ما، وبعضَه الآخر مُجملًا، فلم يعد يُخالج قناعتي شيءٌ من الشك أو الشبهة أو الوسوسة أو الوهم، وكتبتُ قناعتي القطعيةَ هذه بنيَّةِ الحفاظ على إيمان أهل الإيمان برسائل النرؤساء عطيتُها لخواصِّ إخواني بشرط الحفاظ على خصوصيتها؛ ولسنا نقول في تلك الرسالة: إن هذا هو المعنى الصريحُ للآية، حتى يقولَ عنه المشايخ: فيه نَظَرٌ؛ كما لم نَقُل: إن هذا هو كُلِّيةُ المعنى الُها.
وتمامُه.
وإنما نقول: إن تحت المعنى الصريح طبقاتٍ متعددةً من المعاني، إحداها طبقةُ المعنى الإشاري والرمزي، ثم إن هذا المعنى الإشاريَّ كليٌّ، له جزئياتٌ وأفرادٌ في كل عصر، ورسائل النور هي أحد أفراده في هذا العصر؛ فإذا عُروتجدِّائنُ - بل حججٌ - بدستورٍ جِفْريٍّ رياضيٍّ جارٍ بين العلماء منذ القديم تشيرُ إلى أنَّ هذا الفردَ سيكون محطَّ الأنظار قصدًا، وأنه سيؤدي وظيفةً جليلة، فليس في هذا ماأقليَّظاهرَ آيات القرآن أو صريحَه، بل إنما يخدم إعجازَه وبلاغتَه، فلا اعتراض على هذا النوع من الإشارات الغيبية.
— 339 —
وإن لأهل الحقيقة استنباطاتٍ لا تُعَدّ، استنبطوها من إشاراتٍ قرآنيةٍ لا تُحَدّ، فلا يِقُّ لك من لا يستطيع إنكار هذه، بل لا يمكنه ذلك.
أما ذلك المعترض الذي استغرب واستبعد ظهورَ مؤلفاتٍ مهمةٍ على يد رجلٍ لا أهمية له مثلي، فإنه لو تفكَّر في أن منا يمتل العَظَمة والقدرة الإلٰهيتين خَلْقَ شجرةِ صنوبرٍ كالجبل من بذرةٍ بحجم حبة قمح، لوجد نفسه مضطرًّا للقول بأن من دلائل سَعَة الرحمة الإلٰهية ظهورَ مثل هذهىثلاثفات في زمن الحاجة الماسّة على يدِ من هو في عجزٍ مطلقٍ وفقرٍ مطلقٍ مثلي.
وإنني من موقع رسائل النور ومكانتها أُطمئنكم وأُطمئن المعترضين بأن هذه الإشارات، وتلكَ والمارات والرموز الإيمانية من الأولياء قد دفعتني دومًا إلى الحمد والشكر، وإلى الاستغفار من نواقصي وعيوبي، وأنها لم تُورِث نفسيَ الأمارةَ أنانيةً أو حبًّا للذات يكون مبعث فخر وغرورٍ لها ولو لحظةً واحدة، وهذا وضِّح ُثبته لكم بما هو مُشاهَدٌ من أحوالي على مدى عشرين سنةً خَلَت.
أجل، وفضلًا عن هذه الحقيقة، فلا أحد يخلو من العيب والسهو والنسيان، وإن لي نواقص وعيوبًا كثيرةً لا أعرفها، وربما كنت في بعض الأحيان مشوَّش الذهن فتقع في الرسائل أخطاء.ق التصذا كانت المسالك والمشارب في هذا الزمان، مع ما فيها من ملايين المُضحِّين الأقوياء الصادقين، قد هُزِمت ظاهرًا أمام هجوم الضلالة الشرس، فإن مَن كان مفسي أنيمَ الحيلة وشِبهَ أُمِّيٍّ يعيش وحيدًا تحت مراقبةٍ دائمة، ويسكن مقابل المخفر، وتُشَنُّ عليه حمَلاتٌ مغرِضةٌ رهيبةٌ من شتى الجهات، ويُنَفّ، تتوااس عنه، لا يمكن أن يكون هو صاحبَ رسائل النور التي سبقت تلك المسالك، وصمدت في تلك المواجهات؛ أجل، ولا يمكن أن تكون هذه المؤلفات من بنات أفكاره، وليس له أن يفتخر بها، وإنما هي محضُ معجزةٍ معنويةٍ من معطة الملقرآن الحكيم في هذا الزمان، جاءتْ إحسانًا من الرحمة الإلٰهية؛ فمدَّ الرجل ومعه آلافٌ من أصحابه أيديَهم نحو تلك الهدية القرآنية فوقعت ععن النحوٍ ما وظيفةُ التُّرجمان الأول.
— 340 —
والدليل على أن رسائل النور بأجزائها البديعة ليست نتاجَ فكره وعلمه وذكائه، أن منها ما كُتِب في ست ساعات، ومنها ماجل الب في ساعتين، ومنها ما كُتِب في ساعة، ومنها ما كُتِب في عشر دقائق!! وأنا أؤكد مُقسِمًا أنْ لو كانت لي قوةُ حفظ "سعيدٍ القديم"، ما استطعتُ أن أُنجزَ في عشر ساعات بفكري العملَ الذي أُنْجِزَ هنا في عشر دقائق، ولا أستطيع أن أنجز في يومين بذهني واسفيها ف الرسالةَ التي كُتِبَتْ في ساعة، ولا أستطيع أنا ولا غيري من أشدِّ الحكماء المتدَيِّنين بحثًا وتمحيصًا أن ننجز في ستة أيامٍ التحقيقات التي تَضَمَّنَتْها رسالةٌ كُتِبَتْ في ستِّ ساعات، أعني "االبراهالثلاثين"، وعلى هذا فقِس.
إذًا.. فمع أني مُفلِس، إلا أني صرتُ دلَّالًا وخادمًا في محلِّ مجوهراتٍ بالغ الثراء.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسممٍ صادنه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أثناء أذكار الفجر في أحد هذه الأيام، هاجتْ نفسي الأمارة متقلِّدةً مشاعرَ "سعيد القديم"، متأثرةً بغِيبةٍ شنيعةٍ حاقدةٍ تهجَّم بها عليَّ ذلك الشيخُ المقيم في إسطن، وبقنقالت: "أنا مظلومة، وهذا الظلم لا يطاق" وطَلَبَت الانتقام، فَوَرَدَ على قلبي فجأةً إخطارٌ يقول: عسى أنْ يكون هذا وسيلةً لنشر رسائل النور في إسطنبول، ومادمتَ تبذل حياتَيْكقًّا قيوية والأخروية فداءً لرسائل النور، فلتبذل عِزَّة نفسك فداءً لها أيضًا.
ثم إنه كما وُجِد مَن وَصَفَ فخرَ العالَم وسببَ خِلقةِ الكائنات (ص) بالمجنون، فلا تبالِ بانكسار عزة نفسك التي ليست سوى ذُرَيْرَةٍ بالنسبة إلى موجودلشمس؛ فاطمأن قلبي لهذا الإخطار.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 341 —
باسمه سبحانه
إن الشيخ "علي رضا" أحد كبار علماء إسطنبول ومحقِّقيها، والذي شَغَل لمدةٍ طويلةٍ منصبَ أمين الفتوى المعروف بی"مفتي الأنام"، بعن الكرالع رسالة "‌الآية الكبرى"، والإشارات القرآنية الواردة في رسالة "الشعاع الأول" ونحوها من الرسائل، قال للحافظ "أمين" أحدِ طلاب رسائل النور البارزين ما نصُّه: "إنني على يقينٍ جازمٍ من أن بديع الزمان قد أسدى أعظم خدمةٍ للإسلام في هذ، ويعاان، وتفرَّغ وجرَّدَ نفسَه لهذه المهمة في هذا الزمان العصيب الرهيب، أما مؤلفاتُه فنفيسةٌ في غاية الصِّحَّة، وإن رسائل النور مجدِّدةٌ للدين؛ أسأل اللّٰه تعالى له التوفيق، آمين".
كمف بمثل عنه بخصوص اعتراض البعض على عدم إعفائه لحيَته، واستشهد بقصة سلطانِ العلماء والدِ جلال الدين الرومي، وأضاف: "لا بد أنَّ لبديع الزمان اجتهادَه في المسألة، وليس المعترضون علىفتاةٍ،أملى على "الشيخ مصطفى رحمه اللّٰه" ما نصُّه:
أُبلِّغ بديعَ الزمان سلامي بكلِّ احترام، وأرجو من اللّٰه أن يعينكم على إكمال مؤلفاتكم، فاستمروا في جهادكم، سألتا أثروا من تعرضكم لانتقاد بعض علماء السوء، فإنما يُرمى بالحجر مُثْمِرُ الشجر كما هو معلوم؛ أسأل اللّٰه الفياضَ المطلقَ سبحانه أن يوفقكم للخيراٌ ما دلِّغكم مرادكم ومطلوبكم عاجلًا.
دمتم في عناية اللّٰه الحق الباقي
أمين الفتوى السابق
علي رضا
٭ ٭ ٭
— 342 —
إخواني الأعزاء الأوفياء المدقِّقين المستقيمين.. اسبة إيقةٌ لا بد من بيانِها بتنبيهٍ في غاية الجدِّيِّة، وهي أن أهل الولاية لا يعلمون شيئًا من الأمور الغيبية إنْ لم يُعْلَموا بها، مصداقًا لسرِّ: لا يعلم الغيب إلا اللّٰه.
وإن الحرب التي جرت بين بعض العشرة المبشرين بالجنة تُظْهِر منازعةَ أكبى ذلك ٍ لخصمه بغير حقِّ، لعدم علمه بحقيقة حاله؛ بمعنى أنه إنْ أنكر وليٌّ أو أحدٌ من أهل الحقيقة أمرًا على آخر، لم يَسقطا بذلك من مقامهما، إلا أن يكون مخالفةً تامَّةلإسلامر الشريعة أو اجتهادًا ظاهرَ الخطأ.
فبناءً على هذا السر.. واتباعًا لدستورِ علوِّ الجناب الذي نصَّتْ عليه الآية: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
وبناءًُ هذه جوب حفظِ إيمان عوامِّ المؤمنين من التزعزع بعدمِ كسرِ حسنِ ظنهم تجاه المشايخ، ووجوبِ التجرُّد من الانفعالات الضارة - وإن كانت مُحِقَّة - عند الردِّ على الاعتراضات الباطلة الواردة على أركتلبُّسئل النور..
واجتنابًا لاستفادةِ أهل الإلحاد من الخصومة بين طائفتين من أهل الحق، إذْ يَجرحون إحداهما بسلاح الأخرى واعتراضِها، ويدحضون الأخرى بدلائنال فيلى، ثم يُجْهِزون عليهما معًا ويهزمونهما..
أقول بناءً علىهذه الأسس الأربعة:يجب على تلاميذ رسائل النور ألَّا يقابلوا المعارضين بالحدة والتهوُّر ولا بالمثل، وإنما عليهم أن يلتزموا المسالمة ويقدِّموا الإجا وأناإيضاح عن نقاط الاعتراض دفاعًا عن أنفسهم لا غير، فإن الأنانية قد طَغَتْ في هذا الزمان حتى بات كلُّ امرئٍ يأنف من أن يذيب أنانيته التي تُشبِه قطعةَ جليدٍ ب كنتُ امته، بل يرى نفسه معذورًا، ومن هنا ينشأ النزاع، فيتضرر أهل الحق، ويستفيد أهل الضلالة.
وإن حادثة الاعتراض المعلومة تومِئ إلى أن رسائلَ النور ستَلقى في المستقبل هي وتلائناتُ اعتراضاتٍ من بعض المعجَبين بمشربهم ممن لهم منزلةٌ بين الناس،
— 343 —
ومِن بعضِ أنانيي المشارب الصوفية، وبعضِ أهل الحق وأهل الإرشاد ممن لم يَفْنَوا عن نفوسهم الأمارة ويتخلصوا من ورطة حب الجاه، حكم الرعلى رواج مسالكهم ومشاربهم وحُسْنِ توجُّه أتبَاعهم، بل ربما واجهوا رسائل النور وتلاميذها مواجهةً تثير الدهشة، فالواجب علينا في مثل هذه الحوادث أن نتحلى بالثبات ورباطة الجأش، وألا ننجرَّ إلى العداوة أو نوجِّه لرؤساء تلك الفئاتِ المعارِضة سهامي تلك والتفنيد.
اضطررتُ لإفشاء سرٍّ لم يكن يخطر ببالي إفشاؤه،وهو أن كلًّا من الشخص المعنوي لرسائل النور، والشخص المعنوي لخواصِّ تلاميذها، وهم ممثِّلو شخص - تُعل المعنوي، هما مظهرُ مقام "الفريد"، وعليه فإنهما مثلما كانا خارج دائرةِ تصرُّفِ القطب الأعظم الذي يكون أكثر ما يكون في الحجاز - فضلًا عن أن يدخلا تحت تصرفِ قطبِ بلدٍ ما - فإنهما لَيسا مضطرَّين كذلك للدخول تحت حكمه أو الاعتراف به، كمالنور"لحال في مسألة وجود الإمامين في كل زمان.
ولقد كنت أظن منذ زمن بعيد أن شخص رسائل النور المعنوي هو أحد الأئمة، ثم تبين لي الآن أنه لما كانت "الالذي ي قد اجتمعت مع "القطبية" و"الغوثية" في القطب الأعظم، كانت رسائل النور التي يرتبط بها تلاميذ الغوث الأعظم في آخر الزمان مظهرَ "مقام الفردية" ذاك.
وبناءً على هذا السر العظيم الجدير بالكتمان فلو فرضنا مُحالًا اعًا ل اعتراضٍ على رسائل النور حتى من القطب الأعظم بمكة المكرمة، فينبغي على تلاميذ رسائل النور ألَّا يضطربوا لذلك الأمر، وإنما عليهم أن يَعدُّوا اعتراض ذلك القطب الأعظم المبارك بمثابة تحيةٍ وثناءٍ منه، كما عليهم أن يوضحوا لأس يفعلهالجليل هذا نقاطَ الاعتراض ويقبِّلوا يديه لينالوا إقباله.
فيا إخواني.. إن هذا الزمان الذي يعُجُّ بالتيارات الرهيبة، والحوادث الهائلة التي تضطرب لها الدنيا وتتزعزوجده؟!حياة الناس.. يحتاج إلى ما لا يُحدُّ من الثبات ورباطة الجأش والتحلي بروح التضحية.
— 344 —
أجل، إن تفضيل الناس الدنيا واستحبابَهم إياها على الآخرة رغم عِلمهم بها وإيمانهم بها، وترجيحَهم - بعلمٍ ومحبةٍ ورضور من جاجًا منكسرًا على ألماسٍ باقٍ، وإيثارَهم - بسيطرة دوافع الحس العمياء التي لا تبصر العقبى - درهمَ لذةٍ عاجلةٍ مسمومةٍ على قنطارِ لذةٍ آجلةٍ صافية، لَهُوَ الداء الوبيل والمصيبة الرهيبة لهذا العصرِ كما يستفاد من المعنى الإشاري للآية:
يَسْتَحِبهو شرفالْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ
وإنه من جَرَّاء هذه المصيبة يقع أحيانًا بعض المؤمنين الحقيقيين في أخطاء جسيمة كموالاة أهل الضلالة، نسأل الحقِّ تعالى أن يحفظ أهل الإيمان وتلاميذ رسائل النور من شرِّ هذه المصائب، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني.. إن تلاميذ رسائل النوررِّيَامون في هذا الزمان، خصوصًا في هذا الحين، بأنْ يكونوا في أتم درجات الثبات والتساند والحذر؛ ولقد صار أبطال "إسبارطة" وما حولها مثالًا يُحتذى بما أظهروه من ثباتٍ كالجباللقد شَأنتَ يا "خسرو".. تلقيتُ رسالتك الجميلة المؤثرة، لقد سرَّتْنا عودتك إلى وظيفتك سرورًا يفوق الوصف، فأهلًا بك ومرحبًا.
لا تهتم من تعطُّل قلمك المادي سنةً ونصفًا، فإن ذكرى قلمك ذي الكرامة - أقصد إحدى نُسَخِ "المعجزات الأحبمزيد - تجول بدلًا منك في الولايات الشرقية تجوالًا فعالًا مجديًا، وإن النسخة التي كتبتَها مؤخرًا تعمل في إسطنبول بدلًا منك، وستقوم بفتوحاتٍ بإذن اللّٰه.
— 345 —
ففكِّر في عظيم الثواب والاستحسان والتبريك الذي ستُنيلُك إياه نُسختاك المعجزتان للتسبب العظيم الشأن في هذه الأماكن خصوصًا في شهر رمضان المبارك، وفكِّر أيضًا بما سينهمر على روحك من دعوات الرحمة من أنحاء العالم الإسلامي بدخول هاتين اى الشمن المطبعة عما قريب إن شاء اللّٰه، واشكرِ اللّٰه تعالى.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. إنني نتيجةَ تجاربي التي تُقارب الألف، بتُّ على قناعةٍ تامةٍ
باسمني في اليوم الذي أخدُم فيه رسائل النور، أجِد على قدر خدمتي جِلاءً في القلب، وانبساطًا في البدن، وصفاءً في الذهن، وبركةً في المعيشة؛ وأشعر بهذا في أكثر الأيام، ويعترالقطعيون قائلين: إننا نشعر بهذا أيضًا؛ حتى إن سرَّ معيشتي بأقل القليل من القوت كما كتبتُ لكم في السنة الماضية، إنما هو تلك البركة.
ثم إنه يروى عن الإمام الشافعي ا عليه "أنا ضامنٌ رزقَ طالبِ العلمِ المخلص"، لأن في أرزاقهم سعةً وبركة.
فما دامت هذه هي الحقيقة، وما دام تلاميذ رسائل النور قد أظهروا في هذا الزمان الأهلية التامة لنيل وصف طالب العلم المخلص، فلا شك أن الحلَّ الأنجع إزاء الققرار، جوع في هذه الأيام هو الشكر والقناعة والتمسك بالتلمذة لرسائل النور بدلًا من ترك خدمتها واللّٰهاث خلف شؤون المعيشة بحجة ضرورات المعيشة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 346 —
باسمه سبحانه

.......

فرساء اللنور وتلاميذها الذين تلقَّوا منها الدرس التام لا يمكن أن يقايضوا بها الدنيا بما فيها، فضلًا عن أن يجعلوها أداةً للسياسة الدنيوية، وما زالوا يبرهنون على هذا حتى اليوم.
نحن لاسنين، في دنيا أهل الدنيا، ومن الحماقة أن يُتَوَهَّم منا الضرر..
فأولًا:لقد مَنَعَنا القرآنُ من السياسة، صونًا لحقائقه النفيسة كالألماس من أن تَنْحَطَّ إلى مرتبةِ قِطع زجاجٍ بنظرِ أهل الدنيا.
وثانيًا:تمنعُنا الشفقةُ والوجدان والحقيقُ رسائالسياسة أيضًا؛ لأنه إن كان المنافقون الملحدون المستحقون للصفعات اثنين من عشرة، فالذين لهم صلةٌ بهم من الأطفال والضعفاء والمرضى والمسنين الأبرياء المساكين سبعةٌ أو ثمانية، فإذا ومدنية،كارثة وحلَّت المصيبة تَضرَّر هؤلاء الأبرياء ولم يَلْحَق أولئك المنافقين الملحدين - إنْ لَحِقَهما - إلا اليسير من الضرر.
ولهذا فإن الشفقة والرحمة ة، وأنوالحقيقة التي تنطوي عليها رسائل النور تَمنَعُ تلاميذَها من الدخول في السياسة بأسلوبِ الإخلال بالأمن والنظام، فضلًا عن أن تَحقُّق نتائجها أمرٌ مشكوكٌ فيه.
ثالثًا:إن هذا الوطن وهذا الشعب وهذه الحكومة أيًّا كان شكلها بِأمَسِّ الحطِّمولى رسائل النور، ويجب حتى على أعتى الملاحدة واللادينيين أن ينحازوا إلى دساتيرها المتمسِّكة بالدين والحق بدلًا من أن يُعادوها أو يتخوَّفوا منها، إلا أن يكونوا خَوَنلافٍ وشعب والوطن والحاكمية الإسلامية؛ ذلك أنه لا بد من خمسة أسسٍ ضروريةٍ لازمةٍ لحفظِ الحياة الاجتماعية لهذا الوطن والشعب من الفوضوية الهدَّامة.
فأولها: الرحمة، وثانِيها: الاحترام، وّي جان: الأمن، ورابعها: معرفة الحلال والحرام واجتنابُ الحرام، وخامسها: الالتزام بالنظام وترك الفوضى والتسيُّب.
— 347 —
إذًا، فعندما تتناول رسائل النور شؤونَ الحياة الاجتماعية تؤمِّن هذه الأسسأعظم فة وتضع حجرَ أساسِ الأمن وتُحَقِّقه، فليَعلم الذين يتعرضون لها أن تعرُّضهم يصب في حساب الفوضوية ومعاداة الشعب والوطن والأمن.
قلتُ خلاصةَ هذا الكلام لذلك الجاسوس، وقلت له: اُنقلْه لمن أرسلوك، وقل لهم أيضًي مخاطهذا الرجل لم يراجع الحكومة طَوالَ ثماني عشرة سنةً ولو مرةً واحدةً ليحصل على راحته، ولم يتلقَّ أيَّ خبرٍ عن الحروب التي جعلت العالم في هَرْجٍ ومَرْجٍ منذ واحدٍ وعشرين شهرًا، ورفض أن يعقد أواصر صداقةٍ مع شخصياتٍ مهمةٍ في مناصب رفيعةٍ وا الحريعنهم، فأيُّ معنى لتخوُّفِكم وتوجُّسكم منه ثم مضايقتِه بالمراقبة والترصُّد تحسُّبًا من احتمال تدخُّله بدنياكم؟ وأيُّ مصلحةٍ تقتضي ذلك؟ أم أيُّ قانونٍ يسمح بذلك؟
ألا إنه حتى الحمقى يَعْلمون أن التعرض لهذا الرجل حماقة!!
قلتُ هذا الكل واللااسوس، ثم قام وانصرف.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء.. بعد أن شاهدتُ نُسخًا من رسالة "الإخلاص" بين ما كتبتموه هذه المرة، لم أجد حاجةً إلى مزيدٍ من الدروس، فأحيلكم على دروسِ أمثالِها من الرسائل، أحوالي أنبه إلى ما يلي:
لما كان مسلكُنا مسلكَ الحقائق الإيمانية المعتمدَ على سر الإخلاص، كنا مُلزَمين بترك التدخُّل في الحياة الدنيوية والحياة الاجتماعية ما لم نضطر لذلك، ومُطالَبين بالتجرُّد عن كلِّ حالةٍ تدعو إلى التنافس والتح بل علالتنازع.
فوا أسفاه على أهل العلم وأهل الدين الذين تهاجمهم اليوم ثعابين مرعبة، بينما هم منهمكون في انتقاد بعضهم بعضًا متذرعين بهفواتٍ جزئيةٍ أشبه بلسعات البعوض،
— 348 —
وبذلك يقدِّمون خإن استهؤلاء الثعابين والزنادقة المنافقين فيما يقومون به من إفساد، بل يساعدونهم حتى في قتل أنفسهم على أيديهم.
ففي رسالةٍ من أحد إخواننا المخلصين أن عالمًا واعظًا كبيرًا في السن أراد التعرض لرسائل العبارةًى نحوٍ يَضرُّ بها، فقدح في شخصي بدعوى أن شخصًا ضعيفًا مثلي فيه آلاف العيوب قد ترك سنةً نبوية، مع أنني إنما تركتها لعذرٍ مهم.
فأولًا:اعلموا وليعلم ذلك الشيخ أنني لست سوى خادمٍ لرسائل النور ودلَّالٍ في ذلك الحانوت، أما رسائل النور فتفسي تدور قيٌّ مرتبطٌ بالقرآن العظيمِ الشأنِ المتصلِ بالعرش الأعظم، وأن ما فيَّ من النواقص والعيوب لا يسري إلى رسائل النور.
وثانيًا:بلِّغوا ذلك العالم الواعظ الفاضل سلامي؛ إنني أَقبل على الرأس والعين ما وجَّهَه .
وصي من اعتراضٍ وانتقاد، أما أنتم فلا تدفعوا ذلك الشيخ ولا أمثالَه إلى المناقشة والمناظرة، بل حتى لو وقعتْ إساءةٌ فلا تردُّوا عليها ولو بالدعاء، إذْ ما دام في هذاة..
إيمان، فهو أخونا كائنًا من كان، وحتى إن عادانا فلا يمكننا بحسَب مسلكنا أن نقابله بالمثل، إذ يوجد أعداءُ أقوى وثعابين أشدُّ، ونحن إنما نحملوالدني لا الهِراوات، والنور لا يؤلِم، بل يلاطف بضيائه؛ فلا تستثيروا الأنانيات، لا سيما إن كان المرء من أهل العلم، وكانت تأتيه من العلم أنانيةٌ، بل استرشدوا ما استطعتم بدستور الآية: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
ثم إنه م وطلب ذلك الشيخ الفاضل قد دخل من قبلُ في رسائل النور واشترك في كتابتها فهو إذًا في دائرتها، فسامحوه إن كان عنده خطأٌ فكريّ.
ثم إن هذا الزمان العجيب يقتضي منا - مثلما يقتضي مسلكُنا وخدمتُنا القدسية - أاب من نشغل بأمثال هؤلاء المسلمين المتدينين والمنتسبين إلى الطريقة، بل ولا ننشغل بمن كان على إيمانٍ وإنْ كان من الفِرَق الضالة، بل حتى بالنصارى الذي يعرفون اللّٰه ويؤمنون بالآخرة، وألا نجعل من نقاط الخلاف مع هؤلاء مثار نقاشٍ وجداا بالنعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 349 —
باسمه سبحانه
أما مسلك رسائل النور فهو القيام بوظيفتها مع عدم التدخل في شؤون اللّٰه عز وجل، فوظيفتُها التبليغ، أما الاستجابة والقبول فشأنوالإحسٰه تعالى.
ثم إنه لا أهمية للكمية، فإنك إن وجدتَ في تلك الأنحاء "عاطفًا" واحدًا فكأنك وجدتَ مئة؛ ولا تهتم بمثل تلك الأمور الخارجية، ولكن كاصةُ إحيطةٍ وحذر.
وإن هذا الزمان زمان الغفلة والعطالة والانشغال بهموم العيش، وإن اليسير من العمل في هذا الزمان أمرٌ عظيمُ الأهمية، فلا تَوَقُّفَ ولا فَشَل ولا هزيمة، بل فتوحاتٌ مظفرةٌ لرسائل النور في كل جهة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ اد أبنسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياء.. لا يمكن لرسائل النور أن تُتخَذَ وسيلةً للأمور الدنيوية ولا دِرْعًا لها، إذْ هي عبادةٌ تفكريةٌالبال،ُ الشأن، لا تُطلَب بها مطالبُ دنيويةٌ قصدًا، فإن طُلِبتْ فَسَدَ الإخلاص وتبدَّل شكلُ هذه العبادة التفكرية الجليلة.
وما ينبغي لرسائل النور أن تُتَّخَذَ توحيد، في مواجهة الخصوم المعاندين، كما يفعل بعضُ الصبيان حين يَتَشاجرون، فيتترَّسون بالمصحف في عِراكهم، فتقع الضربةُ على المصحف لا الرأس.
نعم، صحيحٌ أن الصفعات تَنْهالُ الآخرةنْ يَتَعرَّضون لرسائل النور، وهذا أمرٌ تشهد له مئات الوقائع، إلا أنه لا يُصْفَع برسائل النور، ولا تتأتى الصفعات بالنية أو القصد، لأن ذلك منافٍ لسرِّ الإخلاص وسرِّ العبوده ونفيحن إنما نُحيل من يظلمنا على ربنا سبحانه، فهو من يحمينا، وهو من يستعملنا في خدمة رسائل النور.
نعم، وتترتب على رسائل النور نتائجُ عظيمةٌ كثيرةٌ ذات صلةٍ بالدنيا، كما هي الحال في بعض الأوراد الجليلة، لكنها نتائجُ تُوهَب ولا تُطلَب، ولا يجوز التي تن
— 350 —
علةَ الفعل، وإنما يمكن أن تكون فائدةً من فوائده، فإن طُلِبَتْ صارتْ علةً، فأفسدت الإخلاص، وأبطَلت قسمًا من تلك العبادة.
أجل، فما المقاومة المظفَّرةُ التي تحققتْ للرسائل في مواجهة المعاندين العتاة إلا من سرِّ الإخلاص، تلك ام توظيفها أداةً لشيء، ومن عدم سعيها خلف مقصدٍ سوى الخدمة الإيمانية، ومن توجُّهِها المباشر نحو السعادة الأبدية، ومن عدم التفاتها إلى الكشف والكرامات التي يوليها بعضُ أهل الطريقة أهمي لماذاِن حصر وظيفتها في نشر أنوار الإيمان، وإنقاذِ إيمان أهل الإيمان بما ورثتْه من سرِّ النبوة، كما وَرِثَه الصحابةُ أصحابُ الولاية الكبرى رضي اللّٰه عنهم.
نعم، فالنتيجتان المحقَّ مليونللتان تمنحُهُما رسائلُ النور في هذا الزمان الرهيب هما أسمى من كل شيء، ولا تدعان حاجةً إلى المقامات ولا إلى أيِّ شيءٍ آخر.
فالنتيجة الأولى:أن الداخلين في دائرة رسائل النور بإخلاصٍ وقناعةٍ يُختم لهم بالإيمان؛ الحقيقمرٌ له أماراتٌ بغايةِ القوة.
والنتيجة الثانية:أن لكلِّ تلميذٍ حقيقيٍّ صادقٍ دعاءً واستغفارًا وعبادةً بآلاف الألسنة والقلوب، وله كبعض الملائكة تسبوتبديلربعين ألف لسان، وله مئةُ ألفِ يدٍ تتحرَّى الحقائق القدسية العلوية كحقيقة ليلة القدر في شهر رمضان المبارك؛ وما هذا إلا بمقتضى الشراكة المعنوَلْ ماخروية التي تقرَّرتْ وتحققتْ في دائرة رسائل النور بغير اختيارنا.
فلأجل مثل هذه النتائج يُرجِّح تلاميذُ رسائل النور الخدمةَ النوريةَ على مقام الولاية، ولا يطلبون الكشف والكرامات، ولا يَسعَون لقطف ثمار الآخرة في الدنيا، ثلاثةدخلون فيما هو خارجَ وظيفتهم من شؤونٍ إلٰهيةٍ خالصة، كالتوفيق والقبول بين الناس والرواج وتحقيق الغلبة ونيل السمعة والشهرة والأذواق والعنايات رغم استحقاقهم لها، ولا يبنون عملَهم على مثل هذه الأمور، وإنما يعملون خالصين مكائه وقائلين: "وظيفتنا الخدمة، وكفىٰ".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 351 —
باسمه سبحانه
بناءً على الشراكة المعنوية الأخروية القائمة بين تلاميذ رسائل النور، ينبتاذنا ِّ واحدٍ منهم عند قوله: أجِرْنا.. اِرحمنا.. اِغفر لنا.. وأمثال هذه التعبيرات بصيغة الجمع، أن ينويَ جميعَ تلاميذ رسائل النور الصادقين، حتى يعمل كلُّ واحدٍ ويناجي باسم الجميع، كي نف" ترفّلة القدر التي أُخْفِيتْ في شهر رمضان المبارك، والتي لها قيمةٌ تنوف على ثمانين سنة.
وإن أخاكم المسكين هذا لا يقدر إلا على القليل من العمل، وتُرجى منه خدمةٌ تفوق حدَّه بكثير قُرابيرجو مساعدتكم كما فعلتم في رمضان الماضي، لئلَّا تخيب فيه الظنون الحسنة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
استمعتُ قبل حوالي ثلاثة أيامٍ إلى "الكلمة الثانية والعشرين" حينَ كانت تُصَحَّح، فرأيتُ أنَّ فيها ذكرًا هناك،ًا، وفكرًا واسعًا، وتهليلًا كثيرًا، ودرسًا إيمانيًّا قويًّا، وحضورًا بلا غفلة، وحكمةً قدسيةً، وعبادةً تفكريَّةً سامية، وأمثالَ ذلك من الأنوار، فعلمتُ الحكمةَ من كتابةِ بعض تلاميذِ الرسائلِ أو قراءتِهم إياها أو استماعهم إليها بنيَّةِ العبادة،نوية، بارك اللّٰه بهم؛ وأيَّدتهم في ذلك.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 352 —
ثمرةٌ من ثمراتِ "قره داغ"
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الأوفياءضلِ السل إليكم هذه الثمرة بدلًا من الرسالة هذه المرة.
إن مرحلة ما بين عهد الحرية إلى الآن هي فردٌ من أفراد كُلِّيةِ المعنى الإشاريِّ لإحدى آيات القرآن الكريم؛ل دينيا كنت أصعد مرةً إلى قمة "قره داغ" في الثلاثين من تشرين الثاني سنة ألفٍ وثلاثمئة وثمانية وخمسين إذْ خطر ببالي السؤال التالي:
منذ متى بدأتْ كوارثُ البشر وخساراتُهم المتواد المح سيما المسلمين؟ وإلى متى؟ وإذ بالقرآن المُعجِزِ البيان الذي يَحُلُّ جميع مشكلاتي يُبرِزُ سورةَ العصر أمامي قائلًا: انظر.
نظرتُ، فإذا بآيةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ التي ن لها كلَّ عصر، وتتوجه مزيدَ توجُّهٍ إلى عصرنا هذا، تكشِف عن لمعةٍ من لمعاتِ إعجازها، إذ يساوي مقامُها الجِفْرِيُّ ألفًا وثلاثمئةٍ وأربعةً وعشرين، موافقًا تاريخَ خسارات الإنسانغلِقَ مصائب السماوية والأرضية، كتبدُّل السلطنة الذي بدأ بثورة الحرية، وحروبِ البلقان والطليان، وهزائم الحربِ العالمية الأولى ومعاهداتها، واضطرابِ الشعائر الإسلامية، والزلازلِ والحراًا من ي أصابتْ هذه البلاد، وعواصفِ الحرب العالمية الثانية على وجه الأرض، وبذلك يُشخِّص حقيقةً من حقائق: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ في هذا العصر.
وَم السُ التاء التي في آخر: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ هاءً، وإذا حُسِبَتْ الشَّدَّة أظهر مقامُها الجِفْرِيُّ نفسَ تاريخ هذه السنة والسنة التي تليها، أي ١٣٥٨ و١٣٥٩، فكما بيَّنتْ أن الإيمان والعمل الصالح هو ا هي شیوحيد للنجاة من هذه الخسارات، لا سيما الخسارات المعنوية، فإنها تُبيِّن بمفهوم المخالفة أن السبب الوحيد لهذه الخسارات هو الكفر والكفران وعدفوجدتُر، أي عدم الإيمان والفسق والفجور.
— 353 —
فشَكَرنا اللّٰه تعالى موقنين بعظمة سورة العصر وقدسيتها، وبأنها برغم قِصَرها خزينةُ حقائقَ بغاية السَّعة والامتد ثماني نعم، فكما أن الإيمان والعمل الصالح الآتيان من القرآن هما سبب نجاة العالم الإسلامي من الحرب العالمية الثانية الرهيبة التي هي خسارة هذا العصر، فإن سبب ما نزل بالفقراء من جوعٍ وقحطٍ هو عدم تذوُّقهم ما في الصيام من جوعٍ لذيذ، وسببُ ماإسطنبوالأغنياءَ من خسارةٍ وفقدِ أموالٍ هو قيامهم بالاحتكار بدلًا من دفع الزكاة.
وإن قناعات الآلاف من أهل الحقيقة والنباهة من تلاميذ رسائل اخبر التُثبِتُ بأماراتٍ كثيرةٍ جدًّا أن رسائل النور لقَّنَتْ حقيقةَ الكلمةِ القدسية: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا درسًا تحقيقيًّا في قلوب مئاتِ الآلاف من الناس بصورةٍ فائقة، فكانت هي السببَ في عدم تحوُّل سياحَ ول ميدانًا للحرب.
٭ ٭ ٭
تلاميذ رسائل النور الصغار الأبرياء
إخواني الأعزاء الأوفياء.. أُرسِلَتْ إلينا أيضًا نُسَخٌ مما كتبه قُرابةُ ستين طالبًا من تلاميذ رسائل النور الصغار الأبرياء، فجمجه مئاك الأجزاء في ثلاثة مجلَّدات، وسجلنا بعض أسماء أولئك التلاميذ الأبرياء، فمنهم على سبيل المثال:
عمر في الخامسة عشرة من عمره، بكر في التاسعة، حسين في الحادية عشرة، حافظ نللازمةالرابعة عشرة، مصطفى في الرابعة عشرة، مصطفى في الثالثة عشرة، أحمد زكي في الثالثة عشرة، علي في الثانية عشرة، الحافظ أحمد في الثانية عشرة؛ ويوجد أطفالٌ كُثْرٌ في مي تلك السن لم يُذكروا خشية الإطالة.
فقد أرسل إلينا هؤلاء الأبرياءُ الصغار بعض ما تَلَقَّوه وكتبوه من دروس رسائل النور، وقد أدرجنا أسماءهم في جدول؛ وإن هذه الجهود الجادَّة منهم في هذا الزمان تُبيِّنُ أن في رسائل النور بهجةً معنوية بة وال جذابًا، بحيث تمنح من اللذة والسرور
— 354 —
والحماس ما يتغلَّب على جميع أنواع الملاهي والمحفِّزات المستخدَمة لحثِّ الأطفال على القراءة بحماسٍ في هما ثرس.
كما تؤكد هذه الحال أن رسائل النور تضرب بجذورها عميقًا، وليس بمقدور شيءٍ أن يقتلعها بإذن اللّٰه، بل هي مستمرة في الأجيال القادمة إن شاء اللٍّٰ وتسهومثلما كان الأمر مع هؤلاء الأبرياء الصغار، كان الأمر كذلك مع الشيوخ المسنِّين الأُميِّين الداخلين في دائرة رسائل النور المباركة، فقد شرع هؤلاء في الكك أصلًعد أن تجاوزوا سنَّ الأربعين أو الخمسين، لا لشيءٍ إلا لأجل الرسائل، وقد أدرجنا نحو خمسين جزءًا مما كتبوه في مجموعةٍ أو مجموعتين.
وإن ما قام به هؤلاء الشيوخ الأميُّون - وبعضهم رعاة - وكذا ما قام به الشباب اي الحظُ من أعمالٍ بهذه الصورة، ومن تفضيلٍ لرسائل النور على كل شيءٍ ضمن هذه الظروف الصعبة، إنما يُظهِر أن الحاجة إلى رسائل النور في هذا الزمان أشدّطلب طبلحاجة إلى الخبز، بحيث بذل لأجلها هؤلاء المزارعون والحَصَدَة والرعاة وشباب العشائر جهودًا أكثر مما بذلوا لحاجاتهم الضرورية، ومما يؤكد حَقَّانية رسائل النور.
ولقد عانيتُ مشقةً كبيرةً في تصمهم، ل كتبه هؤلاء في المجلدات الستة الأخيرة، وفي هذا المجلد بدرجةٍ أقل، ولم يكن الوقت يسعفني، فورد على خاطري وقيل لي معنًى: لا تتضايق؛ فإن البطء في قراءة ما كتبه هؤلاء أجبر المستعجلين على ا وفكَّ بأناةٍ، فأمكن للعقل والقلب والروح والنفس والمشاعر أن يأخذ كلٌّ منهم حصته من رسائل النور التي هي بمثابة الغذاء والطعام، ولولا ذلك لأخذ العقلُ وحدَه ح الأئمئيةً، وظلت البقية بغير غذاء.
وما ينبغي لرسائل النور أن تُقرَأ كما تُقرَأ سائر الكتب والعلوم، لأن فيها من علوم الإيمان التحقيقي ما لا يشبه سواها من العلوم والمعارف، فهللقرآن وأنوارٌ للطائفَ إنسانيةٍ كثيرةٍ سوى العقل.
والحاصل:إن النقص الذي في كتابات الأبرياء والشيوخ الأميِّين يعود بفائدتين اثنتين:
— 355 —
أُولاهما:الإجبار على القراءة بدقةٍ وأناة.
والثالَه منلإصغاءُ بدهشةٍ لذيذةٍ إلى مسائل رسائل النور الجميلة والعميقة، وتعلُّمُ هذه المسائلِ من الدروس والألسنة العذبة الصادقة البريئة المخلصة.
سعيد النُّورْسا أن ع ٭ ٭ ٭
رسالةٌ إلى إسبارطة
إخواني الأعزاء الأوفياء..
مثلما يدخل المرءُ بالتسبيح والذكر والتهليل بعد الصلاة دائرةَ خَتمٍ محمَّديةً عظيمةً، وحَلْقةَ تحميداتٍ أحمديَّةً ذاكرةً مسبِّحةً واسعةً سَعةَ وجه الأرض، يدخلها نيةً وتصو كفاكمفيكون دخولُه هذا مدارًا للفيوضات بسر تسبيحات الصلاة؛ فإننا سعداءُ سعادةً لا توصف لإشراكنا في الدعوات والأعمال الصالحة الصادرة عن آلاف البحت الالبريئة والشيوخ المباركين المتلقِّين دروس رسائل النور في دائرتها الواسعة، والعاملين في حلقة أنوارها؛ وسعداءُ كذلك لكوننا بجوارهم غيبًا بِطَيِّ المكان، بالخيال والنية والتصور، نُؤَمِّنُ على دعواتهم.
وإنلّٰه إحياةِ الجنةِ في الدنيا أن أحظى خصوصًا في آخر عمري بأمثال هؤلاء الأبناء المعنويِّين النجباء وبالمئات من أمثال عبد الرحمن؛ ولمَّا كنت قد شاهدتُ بعين اليقين وحقِّ اليقين إحدى النتائج العظيمة لعملنها ثمٍ من كلِّ أخٍ من إخواني بسبب مرضي في شهر رمضان المبارك الفائت، فإن الأدعية التي خصَّني بها هؤلاء الذين لا يُرَدُّ دعاؤهم من الأبرياء والشيوخ المباركين والأساتذة، قد أظهرتْ لي في الدنيا نتيجةً أخرويةً باقيةً من نتائج خدمت زجُّوئل النور.
الباقي هو الباقي
أخوكم: سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 356 —
فقرةٌ أُرسِلتْ إلى إسبارطة
إن ما تطلبه رسائل النور من تلاميذها الصادقين الثابتين ثمنًا مقابلَ ما تمنحهم من مكاسب وأرباح عظيمة، وما تُحقِّقه لهم من نلبطوليهمةٍ جَمَّةٍ هو الوفاء التام الخالص، والثبات الدائم الراسخ.
نعم.. يشهد عشرون ألفًا من الأشخاص المحترمين الأفاضل بناءً على تجاربهم أن الإيمان التحقيقي القوي الذي يُام وال المدارس خلال خمس عشرة سنة، تُحقِّقه رسائل النور في خمسة عشر أسبوعًا، بل تُحقِّقه للبعض في خمسة عشر يومًا.
ثم إنها تَهَبُ كلَّ تلميذٍ حقيقيٍّ صادقٍ ثابتٍ من تلاميذها أدعيةً مقبولةً يلهج بها تلاميذُها بآلاف الألسنة المخلصة في كفُ عن مٍ، وتُنِيْلُه مثلَ أجور الأعمال الصالحة التي يقوم بها الآلاف من أهل الصلاح، وفقًا لدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، وبذلك تجعل كلَّ تلميذٍ حقيقيٍّ صادقٍ ثابتٍ من تلاميذها بمثابة آلاف الأشخاصة تسترث العمل، والدليل على هذا إخباراتٌ ثلاثةٌ ذات كرامةٍ وتقديرٍ من الإمام علي رضي اللّٰه عنه، وبشارةٌ ذات كرامةٍ غيبيةٍ مشجِّعةٌ مستحسنةٌ من الغوث الأعظم، وإشاراتٌ قويةٌ من القرآن معجزِ البيان؛ فهي تُلسعي وثباتًا قطعيًّا أن أولئك التلاميذ المخلصين سيكونون من أهل السعادة وأهل الجنة بإذن اللّٰه؛ ولا شك أن مثل هذا الفوز يتطلب مثل ذلك الثمن.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإنه يلزم مَنْ كان قريبًا من دائرة رسائل النور من أهل العلم وأهل لرغم مة وأصحاب المشارب الصوفية أن يدخلوا في تيارها، ويُقَوُّوها بما عندهم من رصيدٍ آتٍ من العلم والطريقة، وأن يعملوا على توسعتها، ويشجعوا تلاميذها، وأن يُلقوا أنانيتهم الشبيهة بقطعة جليدٍ في حوض ماء الحياة الذي في دائرتها، ويذيبوها فيه، ليفِيرٌ بالحوض كاملًا.
— 357 —
وإلا فإنهم بشَقِّهم طريقًا آخر يُلحقون الضرر بأنفسهم، كما يُلحقونه من حيث لا يشعرون بهذه الجادة القرآنية المستقيمة المتينة، بل ربما سيحمي بذلك نوعًا من العون للزندقة من حيث لا يشعرون.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأو أصل ل
حَذَارِ حَذَارِ من تيارات الدنيا خصوصًا تيارات السياسة، وبالأخص منها التيارات المرتبطة بالخارج، أنْ تلقي بكم في مهاوي التفرقة، أو تُذْهِبَ ريحَكم وتُشَتِّت شملكم أمام فِرَق الضلالة المتحدة ضدكم، أو تُشْرِككم في جريمتها ا يَهدًا بأن تُظهِروا الرضا عن ظُلمها نتيجة التحزب والانحياز، فتأخذوا بالدستور الشيطاني: الحبُّ في السياسة والبغض للسياسة، بدلًا من الدستور الرحماني: الحبُّ في اللّٰه ومكتوب في اللّٰه!! فتُعادوا أخا حقيقةٍ أشبهَ بالمَلَك، وتوالوا رفيقَ سياسةٍ أشبهَ بالشيطان الخنَّاس.
أجل، فالسياسة في هذا الزمان تفسد القلوب وتُلقي الأرواح القلِقة في العذاب، فمن أراد سلامة الشك الااحة الروح فليترك السياسة.
نعم، فكل إنسانٍ على وجه الكرة الأرضية اليوم مشتَّتٌ مضطربٌ يعاني نصيبًا من عذاب المصيبة النازلة، ويقاسيه إما قلبًا وإما روحًا وإما عقلًا وإما بدنًا، لاسيما أهل الضلالة وأهل الغفلةرشدٌ خم لجهلهم بالرحمة الإلٰهية العامة والحكمة السُّبحانية التامة، ولعلاقتهم بنوع البشر نتيجةَ الرِّقَّة الموجودة في جنسهم، يقاسون الآلامَ الشديدة الرهيبة للنوع البشري اليوم فضلًا عن آلامهم هُم؛ ذلك أنهمبايُن وظائفَهم الحقيقية وألزمَ أعمالهم من غير موجبٍ لذلك، وأرعَوا سمعهم للصراعات السياسية والآفاقية، والحوادث الجارية في العالم، وتدخلوا فيها على سبيل الفضول والاشتغال بما لا يعني، حتى غدت أروا آخر عئرة، وعقولهم هاذِرة.
— 358 —
فحرَموا أنفسَهم حقَّ الشفقة وأهليةَ الرحمة وفقًا للقاعدة الأساسية القائلة:"الراضي بالضرر لا يُنْظَر له"،أي من رضي الضرر لنفسه لم يُشْفَق عليه، فلا يُشْفَوا منهم ولا يُرثى لحالهم، إذ هم مَن جلبوا المصائب لأنفسهم من غير داعٍ لذلك.
وأحسب أنه لم يحافظ أحدٌ على سلامة قلبه وراحة روحه ولم ينقذها من نيران الحريق وأهوال العواصف التي تشهدها الكرة الأرضيةستراحةهل الإيمان وأهل التوكل والرضا الحقيقيين، ولهذا كان الداخلون إلى دائرة رسائل النور بالتزامٍ وثباتٍ أكثرَ الناس إنقاذًا لأنفسهم، لأنهم ينظرون بنورِ دروس الإيمان التحقيقي التي والاختها من رسائل النور، وينظرون بعينها، فيرون في كل شيءٍ وجهَ الرحمة الإلٰهية وأثرَها، ويشاهدون في كل شيءٍ كمالَ حكمتها وجمال عدالتها، ويقابلون المصائب الآتية من إجراءات الربوُ من اإلٰهية بالرضا والتسليم مبتسمين، ويُظهِرون الرضا، ولا يُقدِّمون شفقتهم على الرحمة الإلٰهية فيقاسوا العذاب والألم.
وبناءً على هذه الحقيقة، فمن أراد السعادة واللذب، ولاي الحياة الأخروية فحسب، بل في الحياة الدنيا كذلك، أمكنه أن يجدها، بل وجدها في دروس رسائل النور الإيمانية والقرآنية كما برهَنَتْ على هذا تجاربُ لا تُحد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
رسالةٌ من "محمد فيضي"كراماتخدم الأستاذ بديعَ الزمان ثماني سنواتٍ في "قسطموني" و"أمين" أحدِ طلاب النور النجباء
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد رسائل النور المقروءة والمكتوبة
حضرةَ أسبتُ - الحبيب الغالي المشفِق.. نبارك لكم أولًا ليلة المعراج، ونقبِّل يَدَيكم، ونرجو العفو عن تقصيرنا؛ ونقول لمن يسأل عن حال أستاذنا:
لقد بايةٍ كلقرآنُ الحكيم حقيقةَ حالِ أستاذنا وحالِ رسائل النور، وذلك بإشاراتٍ معجزةٍ في ثلاثٍ وثلاثين آيةً منه، كما بيَّنها الإمام علي بكرامةٍ غيبيةٍ منه رضي اللّٰه عنه، وبَيَّنها
— 359 —
كذلك الغوثُ الأعظم الشيخ الگيلاني قُُّونَ ِرُّه بياناتٍ مبشرةٍ، فمن أراد معرفة الشخص المعنوي لأستاذنا فليتتبَّع بدقةٍ رسائل الإشارات القرآنية والكرامات العَلَوية والكرامات الغوثية لرسائل النور، وسائرَ أجزائها الأخرى.
أما ما نعلمه يقينًا عن أستاذنا المتفنِّن بديعِ الزمان،بيلِ انه علَّامةٌ يُبيِّن للناس المعارف والحقائق التي نالها من خزينة القرآن الحكيم بمظهريته لاسمَي "النور" و"الحكيم"، وهو يُعلِنها تحدثًا بنعمة اللّٰه؛ لقد تخلق بالأخلاق الل:آمن على صاحبها الصلاة والسلام، واجتاز برازخ النفس والهوى، وغدا في هذا العصر أنموذجًا فريدًا لمكارم الأخلاق، وعاش حياته بعلوِّ همةٍ وفناءٍ من الفس وتعففٍ وسكينةٍ تثير الإعجاب.
لقد ضرب أروعَ الأمثلة في التوكل والقناعة وغنى القلب، فبينما تجده في لباسه وعيشه في منتهى البساطة، تجده في مكارم الأخلاق فردًا لا يجارى؛ ليس له إلى الدنيا مقدار ذرةٍ من ميلٍ أو رغبة.
ثم إنه قد طلب منَوالَ حياته على عزَّته العلمية أيَّما محافظة، فجعل أهم دستورٍ له في حياته ألَّا يعرض فاقته على أحد، فأستاذنا الذي صرف وجهه عن الدنيا وإنْ هي أقبلتْ عليه، محافظٌ أبدًا على تَعَفُّفه ونزاهته بإحالة أمر معاشِه إلى عناية اللّٰه سبحانه، فلا يأخذ صكلم بكلا زكاةً ولا هدية، ونعلم يقينًا أنه حين كان في "قسطموني" لم يقبل هديةً بأيِّ صورةٍ جاءت، حتى لقد باع لحافَه ليسدد إيجار منزله.
ثم إنه لا يُسَرُّ بالتكلُّف والتعظُّم، بل يأمر طلابه بالتحرر من قيود التكلُّف، ويبين ذلك بقوله: إن التكلُّف نت الح شرعًا وحكمةً، لأن حب التكلف يدفع المرء إلى تجاوز حد المعروف، ولا ينجو المتكلف من الوقوع في التظاهر والتفاخر مع الإعجاب بالنفس، ومن الو شكَّ برياءٍ باردٍ مؤقت، والحال أن كِلا الأمرين يُخِلَّان بالإخلاص.
وأستاذنا كذلك متواضع غاية التواضع، يَحذَر أشد الحذر من حب الشهرة ودواعي التميُّز والتفوق، فمشربه الصافي الخاص أسمى من تلك الأم الإجاي تضايق الروح.. يعامل الجميع، لا سيما كبارَ السن والأطفالَ والفقراء، بخالص الرفق
— 360 —
والملاطفة والأُخُوَّة.. ويشرِق نور الوقار من مُحيَّاه المبارك، وتمتزج فيه البشاشة بالمالاتفافترى فيه ملامح الأنس والألفة مع الهيبة.
ومع أنه دائم التبسُّم، إلا أنه تظهر عليه علائم المهابة والجلال بمقتضى بعض التجليات، فينعقد لسان مَن يريد التكلم بحضرتائب بسيُفْهَم مرادُ قوله، ولقد شاهدنا نحن العاجزين كثيرًا من هذه الحالات.
وهو في العادة قليل الكلام، يوجز القول في كلامٍ جامعٍ شاملٍ بليغٍ كأنه دستور حكمة.. لا يذم أحدًا، ولا يسمح بغيبة أحدٍ في مجلسه، بل لا يُسرُّ بذلفياء..ا، وإنما يستر العيوب والزلات والأخطاء، وقد بلغ من حسن الظن أنه يقول لمن نقل إليه كلامًا قِيْلَ بحقه: "حاشا، هذا كذب، فذلك الفاضل لا يقول مثل هذا الكلام".
ولأستا أعداءتصاصٌ ورسوخ بمجاهدة النفس، فليس ممن يخدم حظوظه النفسية أصلًا، بل هو متقَلِلٌ في مأكله ونومه فلا يأكل من الطعام إلا اليسير الذي لا يكاد يكفي شخصًا واحدًا، ويقوم ليله متعبِّدًا حتى الصباحن؛ إذٍْ عجيب، ولا يتخلَّف عن عادته هذه في صيفٍ ولا شتاء، ولا يترك شيئًا من تهجده أو مناجاته أو أوراده، حتى إنه أَلَمَّ به مرةً مرضٌ شديدٌ في شهر رمضان، فلم يحمله ذلك على ترك مجاهداته في العبودية، بل واصَلَ الصيامَ أيإن شاءم يذق فيها طعامًا إلا لقيماتٍ يسيرة.
قال عنه جيرانه: "كنا على مدى ثماني سنوات نسمع صوت مناجاة أستاذكم بصداه الحزين الملتاع يتردد كلَّ مرةٍ في موعده من الليل حتى الردي الفتتملَّكنا الحيرة إزاء هذه المجاهدات الدائمة التي لا تَفتُر في صيفٍ ولا في شتاء".
وكان مراعيًا أتمَّ الرعاية للطهارة والنظافة الشرعية، محافظًا على وضوئه في لةٍ نو، ولا ينفق وقته المبارك سدًى، بل هو إما مشغولٌ بتأليف رسائل النور وتصحيح نُسَخها، وإما قائمٌ في محراب العبودية يردِّد الأدعية والمناجاة، وإما مستغرقٌ في بحماشيًاكُّر في الآلاء الإلٰهية.
كنا نذهب معه إلى جبلٍ بعيدٍ عن المدينة تكسوه الغابات حيث يقضي معظم الصيف هناك، فكان وهو في الطريق يشغل وقته بوظيفة، فيصحح رسائل النور، ويُرعي
— 361 —
انتباهَه في الوقت نفسه إلى ما يقرؤه طلابه العاجزون من رسائل، فينبائلي وإلى أخطائهم، وربما أعطى درسًا من أحد مؤلفاته القديمة.
أجل، وإننا لنعترف بأن عذوبة منطقه وحسن معاشرته كانا يمنحاننا من المدد ما لو ظل المرء على تلك الحال من الصباح حتى المساء يتلقَّى درسه أورانية؛ه في الطريق ما اعتراه شيءٌ من الملل.
وكان يقدِّم خدمةَ رسائل النور على ما سواها، ويقول: "لم أطالع كتابًا منذ عشرين سنة، وما وُجِد بحوزتي كتابٌ سوى القرآنِ الح وقد كسائلِ النور، فرسائل النور تكفي".
أجل، فمن كان يتلقى حقائق القرآن إلهامًا بقلبه المنوَّر، وتُفاضُ عليه بإلقاءٍ كليٍّ من الفيّاض المطلق سبحانه، أفيحتاج إلى شيءٍ٭ ٭ ٭لقرآن معجزِ البيان؟! حاشا؛ ومن كان عنده شبهة في هذا فليتمعَّن في رسائل النور.
لقد أنعم اللّٰه تعالى على أستاذنا باقتدارٍ عجيب في تأليفه لرسائل النور، وليس هذا الاقتدار من الخصال التي تتأتى لكل شخص، فلقد ظهرت كل رسالةٍ من هذه الرسائل اللإيمانفي ظروفٍ صعبةٍ مريرةٍ لا تُحتَمل من الغربة والمرض وعدم توفُّر الكُتَّاب، وأُمْلِيَتْ في الجبال وفي البساتين، وبرزتْ بالرغم من عقباتٍ كثيرةٍ ظاهرة، وهبَّتْ لنجدة المؤمنين، فللّٰه الحمد م المد إذْ أَوْلتِ العناية الإلٰهيةُ أستاذَنا توفيقًا لا مثيل له، وأحسنتْ إليه أيَّما إحسان، فآتاه اللّٰه بِسِرِّ ذلك اقتدارًا قرأ به الكونَ كشفًا وشهودًا بحق اليقين كأنه كتابٌ سماوي، وقرأ به الأرض كأنها صحيفة، وجعله اللّن يقتطلى بمحض عنايته صاحبَ مؤلَّفاتٍ قدسيةٍ كهذه.
أجل، ولقد كان الحريُّ بالناس أن يفخروا بوجود هذا الرجل السعيد الذي ينشر الحقائق برسائل اع.
. تلك المؤلَّفات البديعة التي حظيت بالقبول والانتشار، والتي تُبيِّن من القرآن المعجِزِ البيان والحاوي للآيات التشريعية: حقائقَه ومعارفَه، وتبيِّن من كتاب الكائنات الكبير الشامل للآيات الكونية: وظائفَه ومعانيَه، و مَن تُرغِّب نوع البشر في العروج إلى أعلى درجات معرفةِ اللّٰه، بل لقد أنعشتْ بفضل اللّٰه قلوبًا خيَّم
— 362 —
عليها اليأس والموت.. وإن ما يثير الاستغراب حقًّا بعد هذا كلِّه أن نجد أهلالعمل وة يتجاسرون على دسِّ السم لهذا الرجل، بل يتجرؤون على رميه بالحجارة!!
بلى.. فإنه لما كان أشدَّ الناس ابتلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، كان من مقتضى الحكمة الإلٰهية أن تتوالى على ورثة الأنبياء صنوف البلالأناضقد كان أستاذنا عرضةً لابتلاءاتٍ كثيرة، شأنه في ذلك شأن تلك الزمرة المباركة؛ ومن ذلك أنه توجه مرةً إلى النبع ليتوضأ، وكان ذلك في أول مَقدَمِه إلى "قسطموني"، فرماه الصبي؛ فكذلحجارة بتحريض بعض الأشقياء، لكنه لم يكن يقابل ما يلقى من الجفاء والأذى إلا بالصبر والتحمل متمثلًا هديَ أولي العزم، فلم يغضب من فَعْلة هؤلاء الصبيان وهو مَنْ هو في صفلصمت، در وسلامة القلب، بل دعا لهم وقال: "لقد كان هؤلاء سببًا في كشف نكتةٍ مهمةٍ لآيةٍ من سورة يس"!! ثم آلَ أمر هؤلاء الصبيان إلى حالةٍ تثير العجب ببركة دعٍ عجيبم، فكانوا متى رأوه من بعيدٍ أو من قريبٍ سارعوا إليه فقبَّلوا يدَه المباركة ونالوا دعواته.
وما أكثر ما لأستاذنا من أحوالٍ عجيبةٍ وشؤونٍ غريبةٍ تثير الحيرة، وفي مقدمتها رسائل النور!!
أجل،َشًا منعترف بأنه يقرأ خاطرات قلوبنا أكثر منا، وكثيرًا ما نبَّهَنا إلى أمرٍ لم يكن في حسباننا، فنظل في حيرةٍ من ذلك، وما هو إلا زمنٌ يسير حتى نواجه ما نبَّهَنا إليه بعينه، تْ لهانَبَّه.
وعندما كنا نذهب بصحبته إلى الجبل، كان في بعض الأحيان ينهض من مكانه فجأةً، ويطلب منا أن نتأهب للعودة إلى المدينة قبل أن يحين الوقت، فإذا سألناولي بهلسبب أجاب: "إنهم ينتظروننا لأمرٍ في خدمة رسائل النور، فلنذهب بسرعة"!! والحق أننا عند عودتنا إلى المدينة كنا نجد أحد تلاميذ النور المُهمِّين في انتظارنا، أو يخبرنا الجيران بأن أحدهم قد تردد إلى البيت مرارًا الولاي.
وذات يومٍ أرسلت إليه سيدة مباركة (حاشية): وهي السيدة "آسية". من ذرية "العاشق الصغير" تلميذِ "مولانا خالد" جبةً لمولانا خالد كانت تحتفظ بها سنينَ طويلة، أرسلا متأميه مع
— 363 —
"فيضي" لتظلَّ عنده مدة شهر رمضان المبارك على سبيل التبرك، فما إن وصلت الجبة لأستاذنا حتى أخذ يحمد اللّٰه ويشكره، وطلب من أخينا "أمين" أن يغسلها، فتعجب "فيضي" من ذلك وقال في نفسه:
لقد أرسلَتْ هذه السيدة الجبةَ معيائه لهعند الأستاذ عشرين يومًا، فلماذا يتصرف بها كأنها مِلكٌ له؟!
ثم لقي "فيضي" تلك السيدة بعد حين، فأخبرتْه بما أزال حيرتَه قائلةً: "إنما قلتتي أقفشأن الجبة ما قلتُ لعلمي أن الأستاذ - فِداه أرواحنا - لا يقبل الهدية، فرجوتُ أن يقبلها بهذه الصورة، وإلا فإنما هي أمانةٌ له".
نعم، يُقال: إنما قَبِل أستلأخير لمبارك الجبة لأنه عدَّها علامةً على انتقال وظيفة التجديد إليه بعد "مولانا خالد"؛ وينبغي أن يكون الأمر كذلك حقًا، فقد ورد في الحديث الصحيح: إن اللّٰه يبعثممن يخالأمة على رأس كلِّ مئةِ سنةٍ مَن يُجدِّد لها دينها، فولادة "مولانا خالد" كانت في سنة ألفٍ ومئةٍ وثلاث وتسعين، أما ولادة أستاذنا فكانت سنةَ ألفٍ ومئتين وثلاث وتسعين؛ وفي "الرسالة الغوثية" إيضاحٌ تامٌ لهذا الحديث.
وكان الم تُنتيُخبرنا أحيانًا بصورةِ ملاطَفةٍ قائلًا: ستُعاقَبون.. ستنزل بكم مصيبة.. ستدخلون السجن..، وكان بذلك يكاشفنا بحادثةٍ مهمةٍ قبل أن تقع، وينبِّهنا ويخبرنا رمزًا عن سَجننا في "دَنِزْلي"، وفعلًا لم يمضِ وقت طويلٌ حتى تحقا سعيداله.
وقال أيضًا قبل أن تقع حادثة سجن "دَنِزْلي": "إخواني.. إنني منذ مدةٍ بعيدةٍ لم أمكث في مكانٍ ما أكثر من ثماني سنوات، ولقد مضى على مجيئي إلى هنااذنا ا سنوات، فأنا في هذه السنة إما متوفى وإما منتقلٌ إلى مكانٍ آخر لا محالة"، فأخبر بذلك عن مغادرته "قسطموني".
وكان يقول أيضًا: "إخواني.. أشعر بهجومٍ على رسائل النور من جهاتٍ عدة، فخذوينة ووكم"، ولم يمضِ على هذا زمنٌ يسيرٌ إلا وشيخٌ في إسطنبول يعترض بغير علمٍ على مسألةٍ في رسائل النور، فردَّ عليه المرحوم الشيخ "علي رضا" أمين الفتوى السابق، وبيَّنَ له صواب ما جاء في رسائل النور.
— 364 —

.......

وحصل أن جَفَلَتْ، وإنه فآذت الأستاذ في ساقه، وعانى من ذلك شهورًا، لكنْ لم تمنعه الآلام والمشاقُّ عن أداء وظيفة عبوديته، والقيام بخدمة رسائل النور القدسية.
ثم وقعت حادثة سجن "دَنذبحهم،، وكان حينها مريضًا مرضًا شديدًا من جرَّاء تعرُّضه لتسمُّمٍ حادّ في الجبل، إلا أن هذا الفرد الفريد كان برغمِ هذه الحال الشاقة العصيبة ثابتًا بصبرٍ وجَلَدٍ لا يعتريه فتور، عاليَ الهمة في أداء وظائف عبوديته والقيام بالخدمة الإيمانية والقرآنية بمنطقة ا يلين.
وكان كثيرًا ما يقول قبل توقيفنا: "لِيَحْذرْ أهل الدنيا من التعرض لرسائل النور، وإلا كانوا سببًا في تسلُّط الآفات".
والحقيقة كما يعلم الجميع، أنه ما إن حدثَ توقيف تلاميذ رسائل النور حتى توالت الآفات والزلازل والتائج ممن كل جهة، واستمرت الزلازل في "قسطموني" إلى أن صُدِّق بحقانية رسائل النور ونفعِها، حتى إن قلعة "قسطموني" الشامخة التي أصبحتْ بمثابة مدرسةٍ نجواب:قامت مأتمًا حسرةً واشتياقًا لرسائل النور ومؤلفها، فألقت ببعض أحجارها المُحْكَمَة البناء إلى الأسفل مُصدِّقةً تصديقًا عمليًّا بما أخبر به أستاذنا.مت الفال لنا مرةً قبل توقيفنا: "ثمة مخططٌ لهجومٍ رهيبٍ على رسائل النور، لكن لا تقلقوا، فالعناية الإلٰهية ستتداركنا؛ فإني فتحتُ اليوم الحزبَ القرآنلصانعِأكبر لأقرأه، فظهرتْ أمامي فجأةً الآية: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وخاطبتْني معنًى: اُنظر إليَّ، فنظرتُ فرأيتها تبشرنا، وتشير إلى مصيبة سَجننا، ثم نجاتنا، إ والأممن بين طبقات معناها الكثيرة، خصوصًا بمعناها الإشاريِّ والجِفريِّ".
وبذلك أظهر بغير ترددٍ الجوهرةَ التي أخذها من كنز هذه الآية قبل أن تُصدِر محكمة "دَنِزْلي" قرار البراءة بتسعة أشهر، وكشف عن نكتةٍ إعجازيةٍ مهمةٍ لهذهابيح ن الكريمة، وأدخل السرور على قلوبنا بما بشَّرنا نحن طلابَه الضعفاء المحتاجين إلى القوة المعنوية؛ وفي دفاع "دَنِزْلي" وملحقِها إيضاحٌ تامٌّ لهذه الآية.
— 365 —
هذا، وإن أستاذنا نادرةَ العصر لسانُ حقٍّ بغاية الشجاعة والقوالولايحب جسارةٍ فذَّةٍ تتأسى بهدي أولي العزم، فلا يهاب قولةَ الحق، ولا يخاف في سبيله لومة لائم؛ وقد رأى مرةً شواهد قبورٍ مكتوبًا عليها البسملة، يراد استعمالها في إنشاء مجارٍ للصرف الصحي، فتيَّ اللامٍ شديدٍ لاذعٍ لا يتجرأ على قوله أحد، ولم يُبالِ بوجودِ شخصياتٍ مهمةٍ بنظر أهل الدنيا، ووقف سدًّا منيعًا في وجه ذلك العمل وأمثاله من الأعمال الباطلة.
وما تجرأ أحدٌ في بلادنا على إيذائه أو إلحاق الضرر برسائل النور إلا تعرَّض لسوء العِّ العفمنهم من عاد إلى رشده وطلب العفو، ومنهم من لقي جزاءه، وقد ذُكِرت بعض هذه الوقائع في "الملاحق".
والحاصلأنه ليس بمقدور العاجزين من أمثالنا أن يُعرِّف أو يُصوِّر بحقٍّ ما لأستاذنا المبارك من أوصاف الكمال ومحاسن الأحوال، فقد خَن هم ذو الجلال والجمال فريدًا، وأقامه للتوفيق الإلٰهي مَظْهرًا، فيا سعادة من تعلَّم من رسائل النور!! ويا سعادة من تبوَّأ لنفسه موقعًا في خدمة القرآن والإيمان برسائل الناه فيتلك الخدمة التي اشتغل بها أستاذنا وحثَّ عليها وأوصى بها ببالغ الأهمية.
لقد نشر أستاذنا الحقائقَ مدة وجوده في مدينتنا دون انقطاع، وصرف أنفاسه المباركة لأجل سعادتنا، فنسأل اللّٰه تعالى وهو أرحم الراحمين، ونتضرع إليه من أعماق قلوبي لا أيحشرنا في يوم الحشر مع هذا العلَّامة كنزِ العلومِ والفنون، بديعِ البيان، مظهرِ الحديث الشريف: "السعيدُ من سُعِدَ في بطن أُمِّه"، حتى يأخذنا في يوم الفزع الأكبر بيدهالماضيركة المشفقة النورانية إلى حضرة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، إن شاء اللّٰه.
من تلاميذ رسائل النور
فيضي، أمين
٭ ٭ ٭
— 366 —
كلمةٌ حول رسالة "الآية الكبرى"
حين كان الأستاذ في "قسطموأن تكوَّفَ رسالةً جليلةً سمَّاها "الآية الكبرى"، وهي رسالةٌ تُثبِت وجود اللّٰه تعالى ووحدانيتَه بلسانِ موجودات الكون، وقد وصف الأستاذ هذه الرسالة بأنها حقيقةٌ قرآنيةٌ وسدٌّ عظيمتناهيدَّى للتدمير المعنوي الرهيب في هذا الزمان.
وقد كتبَها الأستاذ على عجلٍ كما وردَت على قلبه، واكتفى بمسوَّدتها دون تعديل، وفي ذلك يقول: "وإني لشعوري - وقتَ كَّته ع - أنها تُكتَبُ لا بإرادتي واختياري، لم أرَ من المناسب أن أُصلحَها أو أنظِّمها بفكري".
طُبِعتْ هذه الرسالةُ أول مرةٍ سِرًّا، فأدى هذا لسَجتعرض لتاذ وطلابه، وقامت محكمةُ الجنايات في كلٍّ من "دَنِزْلي" وأنقرة بإجراء مراجعاتٍ وتدقيقاتٍ شاملةٍ في مؤلفات الأستاذ استمرَّت عامَين، ليَصدُر بعد ذلك من إخرُ بالإجماع ببراءة الرسائل وردِّ ما صودِر منها.
وقد رأينا من المناسب أن نُدرِج هذه الحقيقة القرآنية هنا، باعتبارها سدًّا عظيمًا يتصدى لتيارات الضلالة، ويمنثورًشاريعها الهادفة لتدمير إيمان المسلمين وإفسادهم.
٭ ٭ ٭
— 367 —
الآية الكبرى
مُشاهَداتُ سائحٍ يسألُ الكون عن خالقه
(تُعرَف رسالةُ الآية الكبرى أيضًا بی"الشعاع السابع" وهي حول التوحيد، وتتألف في الأصل من مقامَين، والنصُّ المُدرَج هنا ققائق ا "المقام الثاني")
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحلعلماءِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
لما كانت آياتٌ قرآنيةٌ كثيرةٌ كهذه الآيةِ الجليلة تبدأُ - فيعلى أنها بخالق الكون - بذكر السماوات التي هي أسطعُ صحائف التوحيد، وأكثرُ ما يطالعُه باستمتاعٍ كلُّ إنسان، وينظر إليه بدهشةٍ في كلِّ آن؛ كان من وثيقةب أن يُستَهلَّ بها.
نعم، إن كلَّ ضيفٍ يأتي إلى مملكةِ الدنيا ودارِ ضيافتها يشاهِد - كلما فتح عينيه وقَلَّبَ نظَرَه - مَضافةً في غاية الكرم، ومعرِضَ مصنوعاتٍ في غاية الإتقان،دة بهذرًا وميدانَ تدريبٍ في غاية المهابة، ومُتنزَّهًا في غاية الإمتاع والإبهار، ودارَ مطالعةٍ في غاية الحكمة والمعنى؛ فتتحرك لديه الرغبة لمعرفةِ مَنْ صاحبُ د والخدضيافةِ الجميلة هذه؟ ومَنْ مؤلِّفُ هذا الكتاب الكبير؟ ومَنْ سلطانُ هذه المملكة العظيمة؟ وبينما الضيفُ في حالةٍ من شدةِ الفضول لمعرِفته والتعرُّف عليه، إذْ أطلَّ وجهُ السماواتِ الجميلُ المكتوبُ بزخارفِ النور قائلًا: اُنظُ وجود َ.. سأخبِرك بمن تبحث عنه.
— 368 —
فنظر إليها فرأى تَجلِّيَ ربوبيةٍ ترفعُ مئاتِ آلافِ الأجرامِ السماوية بغير عَمَدٍ فلا تهوي، بعضُها أكبرُ من أرضنا بألفِ مرة، وبعضُ هذه أسرعتنًا مذيفة المدفع بسبعين مرة.
وتُسيِّرها جميعًا معًا بسرعةٍ فائقةٍ بلا تصادُم..
وتُسْرِجُ تلك المصابيح اللامحدودة على الدوام من غير وَقودٍ وبلا انطفاء..
وتُدير تلك الكُتَلَ العظيني التتناهية في الضخامة دون أن يَصدُر عنها ضجيجٌ أو اختلال..
وتُشغِّل تلك المخلوقاتِ الهائلة في وظائف - كوظائف الشمس والقمر - فلا يكون منها أيُّ عصيان..
وتتصرَّفُ بها جميعًا، في الوقت ذاته، بومن بيذاتها، وبالأسلوب ذاته، وبسِكَّةِ الفطرة ذاتها، وبالصورة ذاتها، عبر فضاءٍ شاسعٍ لا يتناهى ولا تحدُّه أرقامٌ تمتد بين دائرتي القطبين، تصرُّفًا لا يشوبه نقصان..
وتُخْضِعُ تلك الكُتل الهائلة الحاملةَ لقُوًى متجاوزة، فتجعله أهل اةً لقانونها لا تتعدَّاه..
وتُنظِّف وجهَ السماء فتجعله أجملَ وأسطعَ ما يكون، ولا تسمح لشيءٍ - كمخلَّفات هذا الحشد اللامتناهي - أن يُلولقلوب؛
وتَسوقُ تلك الأجرام كأنها جيشٌ منتظمٌ يُجري مناورة؛ وتَعرِضُ - بدوران الأرض - هذه المناورةَ المَهيبة بصورها المختلفة وأشكالها الحقيقية والخيالية، تعرِضها كلَّ ليلةٍ وكلَّ عامٍ أمام أنظار مخلوقاتها المُشاهِدةِ كأنها مَشاهِد سينمائد أن ط إن هذه الربوبية الظاهرة، وما تبدَّى في فعَّاليَّتها من حقيقةٍ مركَّبةٍ من التسخير والتدبير والتدوير، والتنظيم والتنظيف والتوظيف، لَتَشهَد بعَظَمَتِها وإحاطتها - كما هو مشاهَد - على وجوبِ وجودِ خالقِ تلك السماوات ووَحدت المانى أن وجودَه أظهَرُ من وجود السماوات؛ وقد ذُكِر هذا بمعناه في المرتبة الأولى من المقام الأول فقيل فيه:
— 369 —
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجودهِ في وَحدتهِ السماواتُ بجميعِ ما فيها، بشيَّةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التَّسخيرِ والتَّدبيرِ والتَّدويرِ، والتَّنظيمِ والتَّنظيفِ والتَّوظيفِ الواسعةِ المُكَمَّلَةِ بالمُشاهَدة.
ثم إن جوَّ السماء الذي هو محشرُ العجائب هتفَ مخاطبًا ذلك الثلاثَملمسافر القادِمَ إلى الدنيا، فقال له بصوتٍ هادرٍ: اُنظر إليَّ، فمعي يمكنك أن تجِدَ مَن تبحثُ عنه بشغَف، وتعرفَ من أرسلك إلى هنا.
نظر الضيف إلى وجه الجو.. مكفهرٌّ لكنَّه رحيم؛ وسمع هديره.. مفزِعٌ لكنّحدٍ منِّر؛ فرأى السحاب المعلَّق بين السماء والأرض يؤدي وظائف في غايةِ الحكمة والرحمة، إذْ يسقي بستانَ الأرض؛ ويُمِدُّ أهلَها بماءِ الحياة؛ ويُعدِّلُ الحرارة؛ ويُس دليلكنجدةِ كلِّ بقعةٍ بحسَب حاجتها.
وفضلًا عن هذه الوظائف وأمثالها من الوظائف الأخرى الكثيرة، فإنه رأى السحاب يملأ الجوَّ فجأةً ثم يختفي وتَذهب جميعُ أجزائه للاتيرنا فلا يُرى لها أثر، كأنه جيشٌ منتظمٌ يَظهَر ويتوارى وفقًا لأوامر فورية؛ حتى إذا ما تلقَّى الأمر: "انطلق للإمطار" اجتمع فملأ الجو في غضون ساعةٍ، بل في دقائق، ووقف كأنه ينتظر أمر القائدتها إلم نظر المسافرُ إلى الرياح في الجو، فرأى أن الهواءَ يُستخدَم في وظائفَ جمَّةٍ بغاية الحكمة والكرم، حتى كأن كلَّ ذرةٍ من ذَرَّاتِه التي لا شعور لها تَسمعُ الأوامرَ الصادرة من سلطان الكون، فتَعرِفُها وتنفِّذها بقوته، وتؤخوله ذ بانتظامٍ دون إهمالٍ أو إبطاء؛ فتؤمِّن النَّفَس لكلِّ نَفْسٍ على هذه الأرض، وتنقل المواد اللازمة للأحياء كالحرارة والضياء والكهرباء، وتنقل الأصوات، وتكون واسطةً لتلقيح النباتات، إلى غير هذا م
حياائف والخدمات الكُلِّية الجمَّة التي تَستخدِمها فيها يدٌ غيبيةٌ استخدامًا بمنتهى الشعور والعلم والحيوية.
ثم نظر إلى المطر، وتأمَّل في قطراته اللطيفة البرَّاقة العذبة المرسَلةَ من العدم ومن خزينةِ رحمةٍ غيبية، فرقف هناا وظائفَ وهدايا رحمانيَّةً جمَّةً، حتى لكأنَّ الرحمة
— 370 —
تجسَّدتْ في هيئةِ قطراتٍ تنسابُ من الخزينة الربَّانية، ولأجل هذا سُمِّي المطر"رحمةً".
ثم نظر إلى البرق، واستمع إلى الرعد، فوجدهما يُستخدمان في خدماتٍرفع رأٍ غريبةٍ جدًّا.
ثم حوَّل نظره والتفت إلى عقله وقال لنفسه: لا شك أن هذا السحاب الجمادَ العديمَ الشعور، الشبيهَ بالقطن المندوف، لا يعرفنا، ولا يُسارِع لإمدادنا إشفاقًا علينا من تلقنه كلّه؛ ولا ريب أنه لا يَظهَر أو يَختفي بغيرِ أمرٍ؛ بل لا بد أنه يتحركُ بأمرِ آمرٍ قديرٍ غايةَ القدرة، رحيمٍ غايةَ الرحمة؛ فيختفي دون أن يترك أثرًا، ويظهَر فجأةً ليقوم على رأس عمله، فيملأ عالَم الجو ويُكفرة.
هِ - بين حينٍ وآخر - بقرارٍ وقوةٍ من سلطانٍ فعَّالٍ متعالٍ، عظيمٍ ذي جلال، لا يزال يكتب على لوح عالَم الجوِّ بحكمةٍ، ويمحو بالإعفاء، ويجعل منه لوحَ محوه لمن ات، وصورةَ قيامةٍ وحشر.
ولا شكَّ أيضًا أن هذا السحاب يَركب متنَ الرياح بتدبيرِ مُدبِّرٍ حكيمٍ في غاية اللطف والإحسان، وفي غاية الربوبية والكرم، يركَبها وهو يُقِلُّ خزائنَ مطرٍ أمثالَ الجبال، فيُغيثُ بها الأماكنَ المحتاجة، كأنه يَرى أنهمحالها فيبكي بعيونٍ دامعةٍ، ويرسُم البسمة بالأزاهير، ويُلطِّف لَفْحَ الشمس، ويرُشُّ الماء على البساتين كأنه إسفنجة، ويغسِل وجه الأرض وينظِّفه.
ثم إن هذا المسافرَ المُحِبَّ للاستطلاع قال لعقله:
باللتي هي أن هذا الهواء جمادٌ لا حياة فيه ولا شعور، وبالرغم من أنه على الدوام مَوَّارٌ بلا قرار، عاصفٌ متقلِّبٌ بلا هدفٍ ولا ثبات، إلا أنه بصورته الظاهرية ينطوي على مئاتِ آلافِ الأعمال المُتْقَنة نور بصاناتِ والإمداداتِ الحكيمة الرحيمة التي تأتي بواسطته إلى الوجود، مما يُثْبِتُ بالبداهة أن هذا الخادم الجوَّال وهذه الرياح الموَّارة لا حركةَ لها من تلقاء نفسها، وإنما تتحركُ بأمرِ آمرٍ في غنْ أقدعلم والقدرة، وغايةِ الكرم والحكمة؛ حتى كأن كل ذرَّةٍ من ذراتها جنديٌّ يعرِف كلَّ عملٍ يُناط به،
— 371 —
ويَسمعُ ويَفهمُ جميعَ أوامرِ هذا الآمر؛ فيلة بتلَّ أمرٍ ربانيٍّ جارٍ في الهواء من تنفُّسِ جميع الحيوانات وإعاشتها، وتلقيحِ النباتات ونموِّها، وتأمينِ الموادِّ اللازمةِ لحياتها، وتصريف السُّحُب وإدارتِها، وتسييرِ السفنناه آنوقودٍ وجريانِها، وإيصالِ الأصوات، خصوصًا إيصال الأحاديث عبر المذياع والتلغراف والهواتف اللاسلكية، ونحوِ هذه الخدمات وغيرها من الخدمات العامَّة الكلِّیيَّة؛ ومع أن ذرَّاتِ الهواء متماثلةٌ تتألف من مادَّتَ بعد اطتين كالآزوت ومولِّد الحموضة "الأوكسجين"، إلا أنني أراها تُستَخدَم من قِبَل يَدِ حكمةٍ بكمالِ الانتظام في مئاتِ الآلاف من أنماط الأعمال الربانية على وجه الأرض.
لدنيئةكَم السائح قائلًا: إن مَن يَستعمل الرياح تصريفًا في خدماتٍ ربانيةٍ لا حَدَّ لها؛ ومَن يَستخدم السَّحاب تسخيرًا في شؤونٍ رحمانيةٍ لا حدَّ لها؛ ومَن أوجد الهواء على تلك الصورة؛ كما صرَّحت الآية: وَتَصْرِيفِ الرّوالفصو وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ليس إلا الربُّ الواجبُ الوجود، القادرُ على كلِّ شيء، العالِمُ بكلِّ شيء، ذو الجلال والإكرام.
ثم نظر إلى المطر فرأى فيه منافع بعدد حباته، وجَلواتٍ رحمانيةً بعددغربةٍ ه، وحِكَمًا بمقدار رشحاته؛
ورأى هذه القطرات الجميلة اللطيفة المباركة تُخلَقُ ببالغِ الانتظام والجمال، وتُرسَل وتَهطِل بميزانٍ وانتظامٍا شك، ن - خصوصًا البَیرَدَ الذي يأتي في الصيف - بحيث لا يمكن أن تُخِلَّ بهذا الميزان والانتظام الرياحُ العاتيةُ ذات الأعاصير التي تتصادم لشدتها الأشياءُ الضخمة، بل لا يمكنها أن تُصادم بين قطراته فتَجمع بينها وتؤلِّفَ مينهم.
تَلًا تُخلِّف الأضرار.
ورأى هذا الماءَ المركَّب من مادَّتين بسيطتَين جامدتَين لا شعور لهما - هما مُولِّد الماء ومولِّد الحموضة، أي الهيدروجين والأوكسجين - يُستَعْمَل في أعمالٍ بالغةِ الحكمة خصوصًا للأحياء، ويُسْتَخدَم في مئاتِ آلةٌ جامخدمات والصنائع الحكيمة الشُّعوريَّة المختلفة.
— 372 —
إذًا، فهذا المطر الذي هو بذاته رحمةٌ مجسَّمة، لا يُصنَع إلا في خزينةِ الرحمة الغيبية للرحمن الرحيم؛ وبنزوله يفسِّرُ الآيةَ: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَنا حركَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ تفسيرًا عمليًّا.
ثم استمعَ إلى الرعد، ونظر إلى البرق، فرأى هاتين الحادثتَين الجويَّتَين العجيبتَين تُفسِّران تمامًا الآيتين: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْد لي بمو:يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ تفسيرًا عمليًّا، وتُخبران فضلًا عن ذلك بقدوم المطر وتُبشِّران به المحتاجين.
أجل، إنَّ إنطاقَ الجو فجأةً بِدَوِيٍّ هاالزمان لا شيء، وتبديدَ ظلمته بضوءٍ باهرٍ من نورٍ ونار، وإشعالَ سُحُبٍ أمثالِ جبالٍ من قطنٍ هي بمثابةِ مِضخَّاتِ ماءٍ وثلجٍ وبَرَد، ونحوَ هذه الوضعيَّات الغريبة الحكيمة، لَتَقْرَعُ رأسَ الإنسان الغافل المُكِبِّ على وجهه وتقول له مُنبِّهةً: اَِ منعًسك، اُنظر إلى عجائب ذلك الفعَّال القدير الذي يريدُ أن يعرِّفِ نفسَه، فكما أنك لستَ سدًى، فكذلك هذه الحوادث لا يمكن أن تكون سدًى، بل كلُّ واحدةٍ منها تلك التائفَ ذات حِكَمٍ جمَّة، وتُستَخدَم من قِبَلِ مدبِّرٍ حكيم.
وهكذا سمِعَ هذا المسافرُ الشَّغوف شهادةَ حقيقةٍ ساميةٍ جليَّةٍ في الجو، تركَّبتْ من تسخيرِ السَّحَاب وتصريفِ الرياح وتنزيل المطر وتدبيرِ الحادثات الجوية، فقال: آمنتفاق علّٰه.
وتُعبِّرُ فقرةُ المرتبةِ الثانية من المقام الأول عن مشاهداتِ هذا المسافر فيما يتعلق بالجو، فتقول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده الأهل بلجميعِ ما فيه، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والتصريفِ والتنزيلِ والتدبيرِ الواسعةِ المُكَمَّلةِ بالمشاهدة.
(حاشية): تنبيه: كنتُ أريدبِّي لوضِّح بقدرٍ ما مراتبَ التوحيد الثلاث والثلاثين التي مرَّتْ في المقام الأول، لكنني اضطُرِرْتُ للاكتفاء ببراهينها المختصرة جدًّا وبمجرد ترجمتها بسبب وضعي الصحي وعدم سماح حالتي؛ ولما كانت ثلاثون رسالأسيرٍ رسائل النور، بل مئةٌ منها، قد بَيَّنتْ - كلٌّ على حِدَةٍ - قسمًا من تلك المراتب الثلاث والثلاثين مع دلائلها بأساليب مختلفة، فإنَّ التفصيلكن "سالُ عليها.
— 373 —
ثم إن كرةَ الأرضِ خاطبتْ بلسانِ حالها هذا المسافر المتفكِّر الذي أَلِفَ السياحةَ الفكرية، فقالت له: ما تَجْوالُك في السماء، وفي الفضاء وفي الهواء؟ تعالَ، سأُعَرِّفُكَ بمن تبحثُ عنه، شاهِد وظائفئنات ورأ صحائفي.
فنظرَ، فرآها تُشبِه مَولَويًّا مجذوبًا تَخُطُّ بحركتَيْها في أطرافِ ميدانِ الحشرِ الأعظمِ دائرةً يَنتُج عنها حصولُ الأيام نعم، ل والسنين.
ورآها سفينةً ربَّانيَّةً مَهِيْبَةً مُسَخَّرةً تَحمِل على متنها مئةَ ألفِ نوعٍ من ذوي الحياة بجميع أرزاقهم ولوازمهم، وهي تَمْخُر بهم عُبابَ الفضاء بكمال التوازن والنظام، وتطوف في سياحةٍ حول الشمس.
ثم نظر في صحادث بالرأى كلَّ صحيفةٍ من صُحُف أبوابها تُعرِّف ربَّ الأرض بآلاف الآيات، ولكنه لم يجد وقتًا ليطالعها جميعًا، فنظر في صحيفةٍ منها فحسب، وهي صحيفةُ إيجادِ وإدارةِ ذوي الحياة في فصل الربيع؛ فشاهد صورَ أفرادٍ لا حدَّ لْماء، مئةِ ألفِ نوعٍ تُفتَح من مادةٍ بسيطةٍ فتحًا بغاية الانتظام؛ وتُربَّى بغايةِ الرحمة؛ وتُعطَى بذورُ بعضِها جُنَيحاتٍ رقيقةً بغاية الإعجاز فتطير وتَنتشر؛ وتُدارُ بغايةِ التدبير؛ وتُطعَمُسائلُ نى بها بغايةِ الشفقة؛ وتُمَدُّ بأرزاقها الطيِّبة اللذيذة المتنوعة اللامحدودة إمدادًا بغايةِ الرحمة والرزَّاقية، فتصِلها من العدم ومن التراب اليابس، ومن قطرات الماء، ومن بذورٍ، ومن جذورإلى شخظام متشابهةٍ لا تختلف فيما بينها إلا قليلًا.
كما شاهد أن كلَّ ربيعٍ يشبه قاطرةً تحوي مئةَ ألفِ نوعٍ من الأطعمة واللوازم، تُحمَّل من خزينةِ الغيب بكمال الانتظام، وتُرسَلُ لذوي الحياة بمنتهى النظنور لج سيما إرسال الحليب المُحلَّى المحفوظ المرسَل للصغار غذاءً في معلَّبات، مُعلَّقةً مَدافِقُه في صدورِ الوالدات المُشفقات.
فكلُّ ذلك يُظهِر عظيمَ الشفقة والرحمة والحكمة،طنبول ت بالبداهة أنه جَلْوةُ رحمةٍ وإحسانٍ من رحمٰنٍ رحيمٍ في غاية الشفقة والتربية.
— 374 —
والحاصل:إن هذه الصحيفة الحياتية الربيعية إذْ تُظهِر مئاتِ آلافِ نماذجِ الحشر الأعظم وأمثلتِه، تُفسِّر الآيةَ التُّل بيتفسيرًا عمليًّا باهرًا: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وإن هذه الآية بدورها تعبِّر تعبيرًا مُعجِزًاأمثالكاني هذه الصحيفة.
فوعى ما تُردِّده الأرض بجميع صحائفها وبمقدارِ عِظَمِها وقوَّتها إذْ تقول:لا إلٰه إلا هو.
ولقد ذُكِرتْ شهادةٌ مختصرةٌ لوجهٍ واحدٍ من عشرينَ وجهًا، في صحيفةٍ واحدةٍ من صُحُفِ كرة الأرض العظيمةِ التي تَربو على عشرين، للتعيجد مك مشاهداتِ هذا المسافر وعن معناها في سائر الوجوه والصحائف، فجاء في المرتبةِ الثالثة من المقام الأول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الذي دَلَّ على وجوب وجوده في وَحدته الأرضُ بجميع ما فيها وما عليها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِللّٰه ِ التسخيرِ والتدبيرِ والتربيةِ والفَتَّاحيَّةِ، وتوزيعِ البذورِ والمحافَظةِ والإدارةِ والإعاشةِ لجميعِ ذوي الحياة، والرحمانيَّةِ والرحيميَّةِ العامَّة الشاملةِ المكمَّلةِ بالمشاهدة.
ثم إن هذا المسافر المتفكِّر ص فكماا قرأ صحيفةً قَوِيَ إيمانُه الذي هو مفتاحُ السعادة، وزادت معرفتُه التي هي مفتاحُ الترقِّيات المعنوية، وتبدَّتْ له درجةٌ أخرى من حقيقةِ الإيمان باللّٰه التي هي أساسُ جميع الكمالات وأصلُها؛ فنال لذائذَ وأذواقًا معنويةً جَمَّةً أثارتْ شغفَه أني لمولهذا فإنه برغم الدروس الباهرة القطعيَّةَ التي سمِعها من السماءِ والجوِّ والأرضِ أخذ يردِّد: هل من مزيد؟ فسَمِع من البحار والأنهارِ العظ من الصواتَها الحزينة العذبة، وأذكارَها بهديرٍ ووجدٍ، تقول بلسان الحال والمقال: اُنظُرْ إلينا واقرأْنا نحنُ أيضًا.
فنظر، فرأى البحارَ مع أنها مائجةٌ موَّارةٌ بالحياة على الدوام، ومع أن من شأنها خِلقةً الانسكابَ والاننسانيةوالاجتياحَ، ومع أنها قد أحاطت بالأرض فأُجرِيتا معًا في
— 375 —
دائرةٍ مقدارها خمسٌ وعشرون ألف سنة، تقطعُها الأرضُ في سنةٍ واحدةٍ بغاية السرعة؛ إلا أن البحار مع هذا لا تسيح ولا تنسكب ولا تطغى على جارتها اليابسة؛ مو وجَل أنها تتحرَّك وتَسكُن وتُحفَظُ بأمرِ وقوةِ مَن له مُطلَقُ العظمة والقدرة.
ثم نظر إلى ما في جوف البحار فرأى جواهر بغايةِ الجمال والزينة والإتقان، ورأى فضلًا عن ذصحارى ظامًا عظيمًا في إعاشةِ آلافِ أنواع الحيوانات وإدارتها، وتولُّداتِها ووَفَيَاتِها، وكمالًا بديعًا في تأمين أرزاقها ومخصَّصاتها من خلالِ رملٍ بسيطٍ وماءٍ أُجاج، ما يُثْبِتُ بالبداهة أنها إدارةٌ فة تمرٌ من قديرٍ ذي جلال، رحيمٍ ذي جمال.
ثم نظر الضيفُ إلى الأنهار، فرأى منافعها ووظائفها ووارداتها وصَرْفِيَّاتها على قَدْرٍ عظيمٍ من الحكُفِ الرحمة، بحيث تُثْبتُ بداهةً أن جميع الجداول والعيون والغُدران والأنهار الكبيرة إنما تنبع وتجري من خزينةِ رحمةِ الرحمٰن ذي الجلال والإكرام؛ بل تُدَّخَر وتُصْرَف بنحوٍ يفوق المألوف حتى رُوي أن "أربعة أنهارٍ تجري من الجنة"كنت قدى أن هذه الأنهار لكونها فوق الأسباب الظاهرة بكثير، لا بدَّ أنها تنبُعُ من خزينةِ جنةٍ معنوية، وتجري من فيضِ منبعٍ غيبيٍ لا يَنضُب.
فمثلًا النيلُ المبارَكُ الذي حوَّل صحراء مصر إلى جنة، ينبع من ابذلت ممن جبلٍ يدعى "جبل القمر"، ويجري بلا انقطاعٍ كبحرٍ صغير، فلو أن صَرْفيَّاته في ستة أشهرٍ جُمِعتْ وجُمِّدتْ لكانت أعظم من ذلك الجبل، مع أن حيِّزَها منه ومخزنها فيه لا يبلغان سُدُسَه!
أماية؛ كمته فلا يُخزَن في مخازنه إلا اليسيرُ من مياه الأمطار، لشحِّها في تلك المنطقة الحارة، ولشدة عطش أراضيها التي سُرعان ما تمتصُّ الماء؛ فلا يمكن للمطر البتَّةَ أن يحافظ على ذن عبدًوازن الواسع بين الواردات والصَّرْفيَّات؛ ولهذا فإن الرواية التي تفيد أن النيل المبارك ينبع من جنةٍ غيبيةٍ فوق العادات الأرضيَّة تُعبِّرُ عن حقيقةٍ في غايةِ المعنى والجمال.
وهكذا رأى من البيتباعدلأنهار شهادةً واحدةً وحقيقةً واحدةً من بين آلاف الشهادات والحقائق العظيمة كالبحار؛ ووعى أن عمومها يُردِّدُ بالإجماع وبقوةِ
— 376 —
عِظَمِ البحار:لا إلٰه إلا هو،وأنها تُبرِها من هذه الشهادة شهودًا بعدد مخلوقات البحار.
وتعبيرًا عن معنى شهاداتِ البحار والأنهار ذُكِر في المرتبة الرابعة من المقام الأول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُا الأكد، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته جميعُ البحارِ والأنهار بجميعِ ما فيها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والمحافظةِ والادِّخارِ والإدارة الواسعةِ المنتظَمةِ بالمشاهدة.
ثم إن الجبال والصحارى نادَتْ ذلك المهلاك ولمستغرق في السياحة الفكرية، فقالت له: اقرأ صحائفَنا أيضًا؛ فنظر، فرأى أن وظائفَ الجبال الكُليَّةَ وخدماتها العموميَّةَ قد بلغَتْ من العَظَمةِ والحكمةِ ما يُحيِّر العقول.
منها مثلًا أن الجبال برد نفسي الأرض بأمرٍ رباني، فسكَّنتْ حِدَّتَها وغضبَها وهيجانَها الناشئ من الانقلابات الداخلية في باطنها؛ وأنَّ الأرضَ تتنفَّس بثَوَران الجبال عبر منافذها، فتتخلَّص من الهزَّات والزلازل التي تُلحِق الأضرار، فعلمه وسِد راحةَ ساكنيها أثناء دورانها.
إذًا، فكما تُقامُ السفينة على الصَّواري لتحفظ توازنها وتقيَها من الاضطراب، فالجبالُ كذلك بهذا المعنى صَوارٍ ذاتُ خزائن لسة من االأرض، كما يُعلِن ذلك القرآنُ المعجِزُ البيانِ في آياتٍ كثيرةٍ مثل: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ، وَالْجِبَاللا نيلسَاهَا.
ومثلًا إن ما يوجد في باطن الجبال من أنواعِ الينابيع والمياه والمعادن والمواد والأدوية اللازمة لذوي الحياة، قد رُتِّب وادُّخِرَ وأُحضِرَ ببالغِ الحكمة والتدبير أو اع والاحتياط؛ بحيث تُثْبِتُ هذه الجبال بداهةً أنها خزائنُ ومستودعاتٌ وخَدَمٌ لقديرٍ لا نهايةَ لقدرته، حكيمٍ لا نهايةَ لحكمته.
عَقَلَ السائحُ هذا، ثم قاس على هاتين الجوهرَتَين سائرَ وظائفِ الجبال والح الزنوحِكَمِها العظيمة عَظَمَةَ الجبال، فوجدها بعموم حِكَمِها - خصوصًا من
— 377 —
جهةِ ادِّخاراتها الاحتياطية - توحِّدُ وتَشهَدُ قائلةً:لا إلٰه إلا هو،شهادةً وتوحيدًا بقوَّةِ الجبال وثباتها، وبِعِظَمِ الصحارى وسَعَتِها؛ فقاإسبارطتُ باللّٰه.
وللتعبير عن هذا المعنى ذُكِر في المرتبة الخامسة من المقام الأول:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده جميعُ الجبال والصحارى بجميعِ ما فيها ومرَ العا، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الادِّخارِ والإدارةِ ونشرِ البذورِ والمحافظةِ والتدبيرِ، الاحتياطيَّةِ الربانيَّةِ الواسعةِ العامَّةِ المُنتَظَمةِ المُكَمَّلبما انمشاهدة.
ثم بينما كان المسافر يتجوَّل بفكره في الجبال والصحارى إذِ انفتح له بابُ عالَمِ الأشجار والنباتات، فدَعَتْهُ قائلةً: هلُمَّ تجوَّلْ في عالَمِنا، واقرأ سطورنا أيضًا؛ فدخل، فرأى مجلسَ توحيدٍ وتهليلمن تارُقيم بغايةِ الأُبَّهة، وحلقةَ ذِكرٍ وشُكرٍ قد شُكِّلتْ بغايةِ الزينة، ووعى من ألسنةِ أحوالِها كأنها تُردِّد معًا وبالإجماع:لا إلٰه إلا هو.
ذلك أنه رأحيم جل حقائق كليَّةٍ كبرىتدلُّ وتشهَدُ على أن جميعَ النباتات والأشجار المثمرة تشهَد مُسَبِّحةً بألسنةِ أوراقِها الفصيحةِ الموزونة، وبأقوالِ أزهارِها الجَزْلةِ المزيَّنة، وبكلماتِ ثمراتِها البليغةِ المنتظَمة، فتقول:لا إلٰه إلإلى هذٰه.
أُولاها:حقيقةُ ومعنى الإنعام والإكرام المقصودَين، والإحسانِ والامتنانِ الاختياريَّين؛ وهو أمرٌ ظاهرٌ فيها بأجلى صورة، فكما يُحَسُّ به في ك بحكومدٍ من أفرادها، يُشاهَدُ كذلك في مجموعها كالشمس في رابعة النهار.
ثانيتُها:التمييزُ والتفريقُ بحكمةٍ وقصدٍ، والتزيينُ والتصويرُ باختيارٍ ورحمةٍ؛ وهو أمرٌ لا يمكنُ إحالتُه على التصادف ْ روحيوجه، بل يُشاهَد حقيقةً ومعنًى فيما لا يُحَدُّ من الأنواع والأفراد واضحًا كالنهار، ويُظهِرُ أنها آثارُ صانعٍ حكيمٍ ونقوشُه.
ثالثتُها:فتحُ صُورِ مئاتِ آلافِ الأنواعِ من تلك المصنوالشخص لامحدودة؛ كلٌّ بشكله وطِرازِه؛ بغايةِ الانتظام والميزان والزينة، من بذورٍ وحبَّاتٍ محدودةٍ معدودةٍ متماثلةٍ، بسيطةٍ جمادٍ، متطابقةٍ أو متشابهةٍ، مختلِطةٍ؛
— 378 —
ففَتْحُ صورِ جميعِ أنواعها البالغة مئتَي ألفٍ، وفَلْقُها كُلًّا على حِدَةجرَّعنيزٍ وانتظامٍ، وبموازنةٍ وحيويةٍ وحكمةٍ من غير خطأٍ ولا اختلاط، حقيقةٌ أسطع من الشمس، يُثْبِتُها شهودٌ بعددِ أزهار الربيع وأثمارِه وأوراقِه وموجوداتِه.
فلما علِم ذلك قال: الحمد للّٰه على نعمةِ الإيمان.
وقد عبَّرتِ المرتبةُ السعةِ أنن المقام الأول عن معنى هذه الحقائق والشهادات، فذُكر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماسِ مجلعِ أنواعِ الأشجارِ والنباتاتِ المُسبِّحاتِ الناطقاتِ بكلماتِ أوراقِها الموزوناتِ الفصيحاتِ، وأزهارِها المُزَيَّناتِ الجزيلات، وأثمارِها المُنْتظماتِ البليغاتِ، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الإنعام والإكرامِ من حيانِ بقصدٍ ورحمةٍ، وحقيقةِ التمييزِ والتزيينِ والتصويرِ بإرادةٍ وحكمةٍ، مع قطعيَّةِ دلالةِ حقيقةِ فتحِ جميعِ صورها الموزوناتِ المُزيَّناتِ المتباينةِ المتنوِّعةِ غيرِ المحدودةِ هذه، واتاتٍ وحباتٍ متماثلةٍ متشابهةٍ محصورةٍ معدودة.
ثم إن مسافر الدنيا الشَّغوفَ هذا المستغرقَ في السياحة الفكرية، والذي ازداد بالترقِّي ذَوقًا وشوقًا، بينما كان قادِمًا من حديقة الربيع يحمل باقةَ معرفةٍ وإيمانٍ بقدرِ الربيع، إِذِ اجرةَ صفكره التوَّاق إلى المعرفة ولعقله المشتاق إلى الحقيقة بابُ عالَمِ الحيوانات والطيور، فدَعَتْه بمئاتِ آلافِ الألسنةِ المختلفة والأصواتِ المتباينة قائلةً: هَلُمَّ إلينا.
فدخل، فرآهٌ مِمّع أنواعها وطوائفِها وأُمَمِها تُردِّد بالاتفاق وبلسان الحال والمقال:لا إلٰه إلا هو؛جاعلةً وجهَ الأرض في هيئةِ رِباطِ ذكرٍ ومجلسِ تهليلٍ عظيم.
و الأفقَّ واحدٍ منها يمثِّل بذاته قصيدةً ربانية، وكلمةً سُبحانيَّة، وحرفًا رحمانيًّا ذا معانٍ؛ فهو يَصِفُ صانعَه ويَحمَدُه ويُثْني عليه، حتى لَكأنَّ أح، "لمعهذه الحيوانات والطيور وقُواها وأجهزتَها وأعضاءَها وآلاتِها كلماتٌ موزونةٌ منظومةٌ، وأقوالٌ بليغةٌ منتظَمَة.
— 379 —
وشاهدثلاث حقائق عظيمةً محيطةً،دالَّةً دلالةً قطعيَّةً على شكرِها لخلَّاقها ور"محمد ا، وعلى شهادتِها له بالوحدانية بكلماتها وأقوالها:
أُولاها:حقيقةُ الإيجادِ من العدم بحكمةٍ، والإبداعِ بإتقانٍ، والخَلْقِ والإنشاءِ باختيارٍ وعِلْم، والإحياءِ ونفخِ الروحِ الذي يدلُّ على تجلّ، وسُجلم والحكمة والإرادة بعشرينَ جهةً؛ وهي حقيقةٌ لا يمكن ردُّها بأيِّ جهةٍ إلى المصادفة العشواء، أو القوة العمياء، أو الطبيعة الصمَّاء؛ بل تَنهَضُ برهانًا باهرًا مؤلّوات الن شهودٍ بعددِ ذوي الأرواح يَشهَد على وجوبِ وجودِ الذاتِ الحيِّ القيوم وصفاتِه السبع ووَحدتِه.
ثانيتُها:حقيقةُ التمييز والتزيين والتصوير العظيمةُ الأمن َةُ المشاهَدةُ في هذه المصنوعات غيرِ المحدودة، إذ يمتاز أحدُها عن الآخر بعلامةٍ فارقةٍ، وشكلٍ مزيَّن، ووزنٍ مقدَّرٍ، وتصويرٍ منتظم؛ بحيثُ لا إمكان ولا احتمال لأن يكون صاحبُ هذا الفعلِ المحيطِ ل سُدُُجلِّي آلافَ العجائب والحِكم بكلِّ جهةٍ إلا من هو القادرُ على كلِّ شيء، العليمُ بكل شيء.
ثالثتُها:حقيقةُ فتحِ صُوَرِ ما لا يُحدُّ من الحيوانات بمئاتِ آلاف الأنواع من قطراتٍ تُسمَّى نطفةً، أن تناوضٍ وبُوَيضاتٍ محصورةٍ محدودةٍ، متماثلةٍ أو متقاربةٍ أو متشابهةٍ، بماهيَّةٍ معجزةِ الحكمة، وعلى هيئةٍ في غاية الانتظام والموازنة من غير خطأ؛ وهي حقيقني إياعةٌ تُنوِّرها أدلةٌ وأسانيدُ بعدد الحيوانات.
وهكذا رأى المسافرُ وتَلقَّى الدرسَ تامًّا، أنه باتفاقِ هذه الحقائقِ الثلاثِ تُدلي جميعُ أنواعِ الحا ظاهرِ بشهادتها قائلةً:لا إلٰه إلا هو،بحيث إن الأرض تُردِّدُ بمقدارِ عَظَمتها وكأنها إنسانٌ هائل، وتُعلِن بماهيَّةٍ تُسمِعُ أهلَ السماوات:لا إلٰه إلا هو.
وقد عَبقطةُ ا عن معنى هذه الحقائقِ المذكورةِ المرتبةُ السابعةُ من المقام الأول، فذُكِرَ فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجودِه في وحدته اتفاقُ جميعِ أنواعِ الحيواناتِ والطيورِ الحامداتِ الشاهداتِ بكيها بتحَواسِّها وقُواها وحِسِّيَّاتِها
— 380 —
ولطائفِها الموزوناتِ المنتَظماتِ الفصيحات، وبكلماتِ جهازاتها وجوارحِها وأعضائِها وآلاتِها المكمَّلةِ البليغات، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الإيجادِ والصنعِ والإبداعِ بالإرادة،تُ نشرةِ التمييزِ والتزيينِ بالقصد، وحقيقةِ التقديرِ والتصويرِ بالحكمة، مع قطعيَّةِ دلالةِ حقيقةِ فتحِ جميعِ صورِها المنتَظَمةِ المتخالفةِ المتنوِّعةِ الغيرِ المحصورة من بيضاتٍ وقطراتٍ متماثلةٍ متشابهةٍ محصورةٍ محدودة.
ثم إن هذا المسافر المتفكرالقوة الدخول إلى عالَم الإنسان ودنيا البشر، كي يمضي قُدُمًا في مراتب المعرفة الإلٰهية التي لا تُحَدّ، وفي أذواقها وأنوارها التي لا تتناهى، فدعاه أولَ مَن دعاه الأنبياء.
فدخل، ونظر أولًا في منازل الزمان مستند، فرأى جميع الأنبياء عليهم السلام، وهم أكملُ البشر وأنورُهم، يذكرون مردِّدين معًا وبالإجماع:لا إلٰه إلا هو؛ويُعلنون دعوى التوحيد بقوةِ معجزاتهم الساطعة المصدَّقة اللامحدودة، ويعلِّمون البشر بدعوتهم إلى الإيمان باللّٰه، ليرفعوهم من مرتٍ من ذحيوانية إلى درجةِ الملَكيَّة.
فجثا على ركبتيه في هذه المدرسة النُّورانية ليتلقى الدرس من أساتيذها الذين هم أشهرُ مشاهير الإنسانية وأسمى أفرادها، فرأى في يدِ كلِّ واحدٍ منهم معجزاتٍ هي علامماني سديقٍ أهداهم إياها خالقُ الكون، ورأى أنه قد صدَّقتْ بإخبارِ كلِّ واحدٍ منهم أمةٌ وطائفةٌ عظيمةٌ من البشر ودخلتْ في الإيمان، وعندئذٍ أمكنه أن يقدِّرَ مُّل، كلقوَّةِ والقطعيَّةِ الذي تحظى به حقيقةٌ اتفقَ على تصديقها وأجمعَ على الحُكم بها مئةُ ألفٍ من هؤلاء السادة الكِرام الأجلَّاء الصادقين.
وأدرك عِظَمَ الجنَه؛ وسالخطيئةِ غيرِ المحدودة التي اقترفها أهلُ الضلالةِ بإنكارهم حقيقةً أثبتَها ووقَّعَ عليها هؤلاء المخبِرون الصادقون بمعجزاتهم غيرِ المحدودة، كما أدرك شدةَ استحقاقهم لعذابٍ غير محدود؛ وعلِمَ عِظَمَ فمثل والحقيقةِ التي بلغها الذين آمنوا بهم وصدَّقوهم.
وتَبَدَّتْ له مرتبةٌ أخرى عظيمةٌ من مراتبِ قدسيَّةِ الإيمان.
— 381 —
أجل، فإن إجماعَ هؤلاء المخبرين الجادِّين - أعني الأنبياء عليهم السل - إثبتواترَهم واتفاقَهم في المسائل المُثْبَتة؛ وتَوافقَهم وتَسانُدَهم وتَطابُقَهم في الإثبات؛ فضلًا عن معجزاتهم التي لا تُحَدُّ، والتي تُمثِّلا مرتبقًا فعليًّا لهم من قبلِ الحقِّ سبحانه؛ والصفعاتِ السماوية الكثيرة النازلة بمعارضيهم المُظهِرةِ لحقَّانيَّتهم؛ وكمالاتِهم الشخصية الدالَّة على ةً، وأق؛ وتعاليمِهم المطابقة للحقيقة؛ وقوةِ إيمانهم الشاهدة لصدقهم، وجِدَّيتِهم التامة وتضحياتِهم، وما بأيديهم من الصُحُفِ والكتبِ القدسية؛ إضافةً لما لا يُحَدُّ من تلاميذهم الواصلين باتباعهم إلى الحقيقة والكمالات والنور، اكمة اين بأن طريقهم حقٌّ وصواب؛ إنما يمثِّل قوَّةً لا تواجهها أيَّةُ قوةٍ في الدنيا، ويَنهَضُ حُجَّةً لا تُبقي من التردُّد والشبهة شيئًا.
وفَهِم أن دخول التصديق بعموم الأنبياء في أركان الإيمان منبعُ قوةٍ عظمى، ونال من دروسهم إمداداتٍ و في أي إيمانيَّةً جمَّة.
وهكذا عَبَّرتِ المرتبةُ الثامنة من المقام الأول عن معنى درسِ المسافر المذكور هذا، فذُكِرَ فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الذي دلَّ على وجوبِ وجوده تُ بالدته إجماعُ جميع الأنبياءِ بقوَّةِ معجزاتهم الباهرةِ المُصدِّقةِ المصدَّقة.
ثم إن هذا السَّياحَ الطالبَ الذي نال من قوَّةِ الإيمان لذةً عُلويةً سام الفاطنما كان قادمًا من مجلس الأنبياء عليهم السلام، إذْ دعاه مَن يُسَمَّون بالأصفياء والصِّدِّيقين، وهم العلماء المتبحِّرون المجتهدون المحقِّقون، الذين أثبتوا دعاوى الأنبياء عليهم السلام بالأدلة القويَّة حكُّم،َّة بصورةِ علم اليقين، دعَوْه إلى مدرستهم.
فدخل، فرأى آلافَ العباقرة والجهابذة، ومئاتِ آلافِ المدقِّقين وأهلِ التحقيق العالي، يُثبِتون المسائلَ الإيمانية المُثْبَتة، ويبرهنون عله وهو دقيقاتهم العميقةِ التي لا تدَعُ مقدارَ ذرةٍ من شبهة، وفي مقدمة هذه المسائل: وجوبُ الوجود والوَحدة.
أجل، إن اتفاق هؤلاء في الأصول والأركان الإيمانية بالرغم من اختلاف
— 382 —
استعداداتهم ومم طلاب، واستنادَ كلِّ واحدٍ منهم إلى براهينه القوية اليقينية لَحُجَّةٌ عظيمةٌ لا يمكن معارضتها إلا ممن عساه - إن وُجِد - أن يكون له مثلُ مجموع ذكائهم ودِرَايتهم، وبرهانٌ يضاهي عموم براهينهم؛ وإلا فليس بمقدور الما سدًّ أن يواجِهوا بشيءٍ سوى الجهالة والأجهليَّة والإنكار في صورة العِناد والمكابرة في المسائل المنفيَّة التي لا يمكن إثباتها، ومن يُغمِض عينيه يجعل لنفسه النهارَ ليلًا فحسْب.
وعَلِمَ هذا السَّيَّاح أن الأنوار التي نشرها أساتذر من ف المدرسة الواسعة المهيبة وعلماؤها الأجلَّاء المتبحِّرون، قد أضاءتْ شطرَ المعمورة منذُ أكثر من ألف سنة، ووجدَ في نفسه من القوَّة المعنوية ما لو اجتمع عليه أهلُ الإنكار طُرًّا ما استطاعوا أن يُضِلُّوه أو يُزحزِحوه ولو مقدارَ شعرة.
ومةُ الشارت المرتبةُ التاسعةُ من المقام الأول بإيجازٍ إلى الدرس الذي تلقَّاه المسافر من هذه المدرسة، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الذي دلَّ على وجوبِ ول والفي وحدته اتفاقُ جميع الأصفياء بقوَّةِ براهينهم الظاهرةِ المحقَّقة المتَّفِقة.
ثم إن هذا المسافر المتفكِّر، التَّوَّاق لمعاينةِ الأذواقِ والأنوارِ الكامنةِ في زيادةِ قوة الإيمان، وفي تدخُّل والسُّموِّ به من درجة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، بينما كان قادمًا من تلك المدرسة، إذْ دعاه الألوف بل الملايين من المرشدين القدسيين الساعين بول، وحقيقة على الجادَّة المحمَّديَّة الكبرى، الواصلين إلى الحق، البالغين عينَ اليقين، في ظلِّ المعراج الأحمديِّ - على صاحبهما الصلاة والسلام - دعَوه إلى رِحابِ زاويةِ إرشادٍ ومجلسِ ذكرٍ ورِباطٍ وأجلََّةٍ قد بلغت الغاية في الفيوضات والأنوار، واتسَعَتْ سَعَةَ الصحارى بتلاحُقِ ما لا يُحَدّ من التكايا والزوايا الصغيرة.
فدخل، فرأى المرشدين من أهل الكشف والكرامات يعلنون للكائنات وجوبَ الوجود والوَحدةَ الربانية مردِّدين بوأحاسيق والإجماع:لا إلٰه إلا هو؛استنادًا لكشفياتهم ومشاهداتهم وكراماتهم.
— 383 —
وكما تُعرَف الشمس بواسطةِ ألوانِ ضيائها السبعة، فقد شاهَدَ بعلمِ اليقين شدةَ ظهور وسطوع الحقيم نَقِتي وقَّع عليها بالاتفاق والإجماع هؤلاء العباقرة القدسيُّون، والعارفون النورانيُّون، الموجودون في الطُّرُقِ الحقيقية المتغايرة، والمسالكِ القويمة المختلفة، والمشاربِ الحقِّ المتنوِّعة، ألوانًا وضَّاءةً مالعقل ، وأطيافًا نيِّرةً متعددة، تتجلَّى من ضياءِ الشمسِ الأزلي بسبعين لونًا، بل بعدد الأسماء الحسنى.
ورأى إجماعَ الأنبياء عليهم السلام، واتفاقَ الأصفياء، وتوافُقَ الأولياء، واتفاقَ هذه الإجماعات الثلاثة معًا، أسطعَ من ضياء النهار الدالِّ علذلك الس.
وهكذا أشارت المرتبةُ العاشرةُ من المقام الأول إشارةً موجزةً إلى الفيضِ الذي ناله هذا الضيف من التَكْيَة، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماعُ الأولياء بكشفيَّاتهم و تحوي ِهم الظاهرةِ المحقَّقة المصدَّقة.
ثم إن سيَّاحَ الدنيا هذا الذي عَرَف أنَّ أهمَّ الكمالات الإنسانية وأعظمَها، بل منبعَها وأساسَها إنما هي محبةُ اللّٰه الناشئةُ من معرفته والإيمانِ به، رف٭ ٭ ٭ه ونظر إلى السماوات مبتغيًا - بكل قواه ولطائفه - مزيدًا من الرقي في قوةِ الإيمان ورسوخِ المعرفة، فقال مخاطبًا عقلَه:
بما أن أثمنَ ما في ال "اللحياة، وموجوداتُ الكون مُسَخَّرةٌ لها..
وبما أن أثمنَ ذوي الحياة ذوو الأرواح..
وبما أن أثمن ذوي الأرواح ذوو الشعور..
وبما أن الكرة الأرضية - لأجل هذه القيمة - تُملأ وتُخلى على الدواميةُ حي سنةٍ وفي كلِّ قرنٍ، تكثيرًا لذوي الحياة..
فلا بدَّ إذًا أنْ يكون لهذه السماوات المَهيبة المزيَّنة أيضًا أهلُها وسُكَّانُها المناسبون لها من ذوي الحياة وذوي الأرواح وذوي دعوة ا؛ فقد نُقِلتْ منذ القديم
— 384 —
رواياتٌ بدرجة التواتر عن حوادثِ رؤيةِ الملائكة ومكالمتهم، كحادثةِ تَمَثُّلِ جبريل عليه السلام ورؤية الصحابة له في مجلس النبي (ص)؛ فيا ليتني أحظى بلقاء أهل السماوات فأعرفَ بمَ يفكرون، مسَ مرَّ أهمَّ قولٍ بحقِّ خالقِ الكون قولُهم؛وبينما هو مستغرقٌ في تفكيره هذا إذْ سَمِع صوتًا سماويًّا يقول له:
ما دمتَ تريد لقاءنا والإصغاء لدرسنا فاعلَمْ إذًا أننا أولُ من آمنَ بالمسائدة منهمانية التي جاءتْ بواسطتنا إلى جميع الأنبياء عليهم السلام، وفي مقدمتهم محمدٌ (ص) عبر القرآن المعجز البيان.
وأنَّ جميع الأرواح الطيِّبةِ منا المتمثِّلةِ المرئيَّةِ للنل في لشهد بالاتفاق بلا استثناء على وجوبِ وجودِ خالقِ هذا الكون ووَحدتِه وصفاتِه القدسيَّة؛ وقد أخبرتْ بذلك إخباراتٍ يوافق كلُّ واحدٍ منها الآخر ويطابقه؛ فتوافُقُ هذه الإخبارات التي لا تُحَدُّ وتطابقُها دليلٌ لك كالشمس.
فعرَف قولَهم هذا، وسطع نكذلك فمانه حتى بلغَ السماوات.
وهكذا أشارت المرتبةُ الحاديةَ عشرةَ من المقام الأول إشارةً موجزةً إلى الدرس الذي تلقَّاه هذا المسافر من الملائكة، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودًا لكوي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته اتفاقُ الملائكةِ المتمَثِّلين لأنظار الناسِ، والمتكلِّمين مع خواصِّ البشر، بإخباراتهم المتطابقة المتوافقة.
ثم إن هذا الضيف الشَّغوف المتلهِّف بعد أن تلقى ال عليه ي عالَم الشهادةِ بجهةٍ ماديّةٍ وجسمانيّةٍ من طوائفَ مخصوصةٍ بلُغاتِها وألسنةِ أحوالها، رغِبَ في السياحة والمطالعة وطلبِ الحقيقة في عالَم الغيبِ وعالَم البريمةِ أنفتح له بابُ العقولِ المستقيمة المنوَّرة والقلوبِ السليمة النورانيَّة، التي لا تخلو منها طائفةٌ من طوائف البشر، والتي هي بمثابةِ نواةٍ للإنسانِ ثمرةِ الكون، والتي يمكنها برلبغربَرها أن تنبسِطَ معنًى بقدر الكون.
— 385 —
فنظر، فرأى أنها برازخُ إنسانيةٌ بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة، وأنها - بالنسبة إلى الإنسان - نقاطُ التَّماسِّ والمعاملة بين كِلا العالَمَين، فقال لعقله وقلبه: تعالَيا، فالطريق المؤدي إلى الحقيقَّةً كاب أمثالكما أقصر؛ وعلينا أن نستفيد الدرسَ هنا لا كما تلقَّيناه من ألسنة الطُّرق الأخرى، بل بمطالعةِ أوصافِ العقول والقلوب وكيفياتِها وألوانِها منكيمِ الإيمان.
وأخذ يقرأ، فرأى جميعَ العقولِ المستقيمةِ المنوَّرةِ، المختلِفةِ غايةَ الاختلاف استعداداتُها، المُتخالِفةِ المتباعدةِ مذاهبُها آيةً فق اعتقاداتُها في الإيمان والتوحيد بكمالِ التحقق والرسوخ، وتتطابق يقينياتُها وقناعاتُها بثباتٍ واطمئنان؛ ما يعني أنها مرتبطةٌ ومستندةٌ إلى حقيقةٍ لا تتبدَّل، وضاربةٌ في حقيقةٍ متينةٍ بجذورٍ لا تُقتَلَع؛ وعلى هذا فإجماع هذه ة لا ف على نقطة الإيمان والوجوب والتوحيد هو سلسلةٌ نورانيةٌ لا تنقطع، ونافذةٌ مُشْرِقةٌ تُطِلُّ على الحقيقة.
ورأى كذلك جميعَ القلوب السليمة النورانيَّة، المتباينةِ مشاربُها، المتباعِدةِ مسالكُها، تتطابق في الْرِع ل وتتوافقُ في الأركان الإيمانية مشاهداتُها وكشفيَّاتُها باتفاقٍ واطمئنانٍ وانجذاب؛ ما يعني أن هذه القلوب النورانيَّةَ المقابِلةَ للحقيقة، الواصلةَ إليها، المتمثِّلةَ لها، والتي كلُّ واحدٍ منها عرشُ معرفةٍ ربَّانيَّةٍ مُصغَّر، ومرآةٌ صمدانيَّيمًا ععة، إنما هي نوافذُ مُشرَعةٌ على شمس الحقيقة، وأنها بمجموعها مرآةٌ عظمى - أشبه ببحرٍ - تعكس تلك الشمس.
وفهم أن اتفاقَها وإجماعَها على وجوب الوجود والوَحدة مرشدٌ أكبر ودليلٌ أكمل لا يَضِلُّ ولا يُضِلّ؛ بحيث لا إمكان ولا احتمال بأيَّةِ جهةٍ أنأسئلة َ وهمٌ باطلٌ أو فكرٌ لا حقيقة له أو صفةٌ لا أصل لها عمومَ هذه الأنظار الحادة العظيمة المستمرَّة الراسخة أو يوقعها في حسٍّ غلطٍ؛ وفهم أن العقل الفاسد السقيم الذي يقبل احتمالًا كهذا هو عقلٌ يردُّه ويرفضُه حتى السوفسطائيون الحمقى المنكرون للصي تقدت.
فقال بعقله وقلبه معًا:آمنتُ باللّٰه.
— 386 —
وهكذا أشارت المرتبتان الثانية عشرة والثالثة عشرة من المقام الأول بإيجازٍ إلى المعرفة الإيماني أُفضي استفادها هذا المسافر من العقول المستقيمة والقلوب المنوَّرة، فذُكِر فيهما:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الذي دلَّ على وجوب وجوده في وَحدته إجماعُ العقول المستقيمةِ المنوَّرةِ باعتقاداتها المتوافقة في طراعاتها ويقينيَّاتها المتطابقة، مع تخالُفِ الاستعدادات والمذاهب؛ وكذا دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته اتفاقُ القلوب السليمة النورانيَّة، بكشفيَّاتها المتطابقة، وبمشاهداتها المتوافقة، مع تإلا الالمسالك والمشارب.
ثم إن هذا المسافرَ السائحَ في العقل والقلب، الناظرَ إلى عالَم الغيب عن قُرْب، طرَقَ بابَ هذا العالَم بلهفةٍ متسائلًا: وماذا يقول عالَم الغيب يا تُرى؟
أي: ما دالحضيضهَمُ بالبداهةِ وجودُ ذاتٍ خلفَ حجاب الغيب يريدُ أن يُعرِّفَ نفسَه في عالَم الشهادة الجسمانيِّ بما لا يُحَدُّ من مصنوعاته المتقَنةِ المرصَّعة، ويريد أن يتحبَّبَ بما لا يتناهى من نِعَمِه الجميلة المزيَّنة، ويريد أن يُخبِرَ عن كمالانحو قبفيَّة بما لا يُحصى من آثاره المعجِزة البديعة.. يريد ذلك كلَّه ويُعلِن عن نفسه بالأفعال ولسانِ الحال إعلانًا أظهَرَ من التكلُّم والمقال؛ فلا بُدَّ أنه يُعرِّف نفسَه ويتحبَّب ويتكلَّمُ قولًا وتكلُّمًا، ن بهذاعرَّف نفسَه وتحبَّب وتكلَّمَ فعلًا وحالًا؛ وما دام الأمر كذلك فينبغي علينا أن نَعرِفه من ظُهوراته في عالَم الغيب.
فدخل قلبُه إلى ذلك العالَم، ورأى بعينِ عقلِه حقيقةَ الوحي تهيمن في كلِّ آوإهلاك جميع أطراف عالَم الغيب بظُهوراتٍ في غاية القوة؛ورأى أنه تأتي من قِبَل علَّامِ الغيوب عبر حقائقِ الوحي والإلهام شهادةٌ على وجوده ووحدته سبحانه أقوى بكثيرٍ من شهادات الكون والمخلوقات؛ إذإلى هذَترك ذاتَه ووجودَه ووَحدتَه لشهاداتِ مصنوعاته وحدَها، بل يتكلَّم بكلامٍ أزليٍّ يليق بذاته؛ولا حدَّ لكلامِ مَن هو حاضرٌ ناظرٌ في كلِّ مكانٍ بعلمه وقدرته؛ وكما يُعرِّفه معنى كلامِه، يةً لملُّمَه يُعرِّفه بصفاته.
— 387 —
أجل، لقد عَلِمَ هذا المسافرُ أن ثبوتَ حقيقةِ الوحي وتحقُّقَها قد بلغتْ درجةَ البداهة، وذلك من خلال تواترِ مئةِ ألفٍ من الأنبياء عليهم السلام؛ واتفاقِ إخباراتِهم من حيث هي مَظهَرٌ للو فإنه لٰهي؛ ومن خلال معجزاتِ ودلائلِ الكتبِ المقدَّسة والصحف السماوية التي هي ثمراتُ الوحي ووحيٌ مشهود، والتي صدَّقتْها الأكثريةُ المطلقة من النوع البشري واتخذتْها دليلًا وإمامًا.
ووعى أنَّ حقيقةَ الوحي تُعبِّر عن خمسِ حقائق قجازٍ إوتُفيضُها:
أُولاها:ما يُطلَق عليه التَّینَزُّلات الإلٰهية إلى عقول البشر، فمخاطبةُ البشر بحسَبِ عقولهم وفُهُومهم تَنزُّلٌ إلٰهي.
أجل، إن الذي أنطقَ جميعَ ذوي الأرواح من مخلوقاته، ومَن هووهذا أم بما ينطقون، لا شكَّ أن من مقتضى ربوبيَّته أن يُخاطبهم بجنسِ كلامهم.
ثانيتُها:إن الذي - لأجل أن يعرِّف نفسَه - خَلَق الكون بمصاريفَ عظيمةٍ لا تُحَدُّ، وملأه من أوله إلى آخره بالروائع والبدائع، ول فيه تحدث عن كمالاته بآلاف الألسنة؛ لا بدَّ أنْ سيُعَرِّف نفسَه بكلماته كذلك.
ثالثتُها:إنه كما سمِعَ مناجاةَ الناس الحقيقيين وشُكرَهم - وهم صفوةُ الموجودات، وأحوجُها، وأرقُّها، وأكثرُها اشتياقًا - فأجابهم على مناجاتهم وشك لقد كلًا؛ فإنَّ من شأن الخالقيَّة أن يجيبهم كلامًا.
رابعتُها:إن صفة المكالمة التي هي لازمٌ ضروريٌّ من لوازم العلم والحياة وظهورٌ وضَّاءٌ لهما، لا بدَّ أن توجد بصورةٍ محيطةٍ سرمديةٍ لدى مَن لهَت الحمحيطٌ وحياةٌ سرمديَّة.
خامستُها:إن الذي أودع العجزَ والاشتياق، والفقرَ والاحتياج، والقلقَ من المستقبل، والمحبَّةَ والتَّوَلُّه، فيمبَ معنأشدُّ مخلوقاتِه العاجزةِ الفقيرة محبةً ومحبوبيةً، وأشدُّهم قلقًا واحتياجًا إلى نقطةِ استناد، وأشدُّهم لهفةً لأنْ يجدوا مالكَهم وصاحبَهم، لا شك أن من مقتضى أُلَر النه أن يُشعِرهم بوجوده من خلال تَكلُّمه هو.
— 388 —
وهكذا فَهِم أن دلائلَ وجودِ واجبِ الوجود ووحدتِه التي أفادتْها بالإجمال عمومُ الوحياتِ السماويةِ المتضمِّنةِ لحقائقِالتنزُّلِ الإلٰهي، والتعرّالكافرربَّاني، والمقابلةِ الرحمانيَّة، والمكالمةِ السُّبْحانيَّة، والإشعارِ الصَّمَدانيّ،هي حُجَّةٌ أقوى من شهادةِ أشعة الشمس على الشمس في رابعة النهار.
ثم نظر إلى جهةالإلهامات،فرأى أن الإلهامات اا وكيل نوعٌ منالمكالمة الربانيَّة،وأنها وإنْ كانتتشبهُ الوحيَ بجهةٍ ما،إلا أنَّ بينهما فرقَين اثنين:
أولهما:أنالوحي،وهو أعلى من الإلهام بكثيرٍ، إنما يحصل معظمُه بواسطة الملائكة، أماالإلهامفأكثر ما يحصل بغيب:
ة.
فكما تجري - مثلًا - أوامرُ السلطان ومكالماتُه بصورتين:
إحداهما:أن يرسل أحدَ مبعوثيه إلى أحد وُلاته باسم عَظَمةِ السَّلْطنةِ والحاكميَّةِ العمومية، وربما تابتها هذا المبعوث الوسيط اجتماعًا، إظهارًا لأهميةِ الأمر وعَظَمةِ الحاكميَّة، ثم بلَّغه مرسومَه بعد ذلك.
والأخرى:أن يُجري مكالمةً لا بعنوان السلطنة ولا باسمها العمومي، بل بشخصه هو، فتكوذلك لامةً خصوصيةً بهاتفه الخصوصي في معاملةٍ جزئيةٍ مع أحد خَدَمه الخاصِّين الذين تربطه بهم علاقةٌ خاصة، أو مع واحدٍ من عامَّةِ رعيته.
فكذلك السلطانُ الأزليُّ سبحانه؛ كما أنَّ له - باسمِ ربِّ العالمين وبعنوان خالقِ الكون - مكالمةً بالوحي وبالإلَاقٍ إالشاملة التي تقوم بمهمة الوحي؛فإن له كذلك أسلوبَ مكالمةٍ بصورةٍ خصوصيَّةٍ مع كلِّ فردٍ وكلِّ ذي حياة من حيث هو ربُّهم وخالقُهم؛ إلا أنها مكالمةٌمدينةٍاء الحُجُب وبحسَبِ قابليَّاتهم.
الفرق الثاني:أنالوحيصافٍ لا ظلَّ له، خاصٌّ بالخواص؛ أماالإلهامفله ظلٌّ، تخالطه الألوان، وعمومي؛ وله أنواع كثيرة كإلهامات الملائكة، وإلهامات البشر، وإلهامات الحيوخادعينوهو بأنواعه الكثيرة جدًّا يُشكِّلُ أرضيةً لتكثيرِ الكلماتِ الرَّبَّانيَّة عددَ قطراتِ البحار؛ وفَهِم السائح أنّ هذا يفسِّر وجهًا من وجوه الآية: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبطريق َنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي.
— 389 —
ثم نظر إلىماهيَّة الإلهام وحكمته وشهادته،فرأى أن ماهيَّتَه وحكمتَه ونتيجتَه تتركب من أرب تكون وار:
أولُها:ما يُطلق عليه:التودُّد الإلٰهي؛فكما يتودَّد سبحانه إلى مخلوقاته فعلًا، يتودَّدُ إليهم كذلك قولًا وحضورًا ومَعِيَّةً؛ إذ هو مقتضى الوَدوديَّة والرحمانيَّة.
ألزم وا:أنه كما يجيب دعاء عباده فعلًا، يجيبهم كذلك قولًا من وراء الحُجُب؛ إذْ هو شأنُ الرحيميَّة.
ثالثُها:أنه كما يُلبِّي فعلًا تضرُّعاتِ واستغاثز على ستمداداتِ خَلْقِه الذين نزلتْ بهم مصائبُ أليمة وأَلَمَّتْ بهم أحوالٌ شديدة، فإنه يُمِدُّهم كذلك بأقوالٍ إلهاميةٍ هي بمثابةِ نوعِ مكالمة؛ إذْ هو لازمُ الرُّبوبيَّة.
رابعُها:أنه مثلما يُشعِرُ - إشعارًا فعليّ وروحَوجوده وحضوره وحمايته ذوي الشعور من مصنوعاته، وهم مع شدَّةِ عجزهم وضعفهم، ومع شدَّةِ فقرهم واحتياجهم في أشد الحاجة والشوق لأنْ يجدوا مالكهم وحاميهم ومدي، مع وحافظهم؛ فإنه يُشعِر كذلك - إشعارًا قوليًّا - بوجوده وحضوره بعضًا مُعيَّنًا من خَلْقِه على وجه الخصوص، بهاتفِ قلبِه، وبحسب قابليَّته، ببعض الإلهامات الصادقة التي تُعَدُّ بمثر إلى عِ مكالمةٍ ربَّانيَّة؛ إذْ هو مقتضًى ضروريٌّ واجبٌ من مقتضياتِ رأفةِ الأُلوهيَّة ورحمةِ الربوبيَّة؛ هكذا فَهِمَ السائح.
ثم نظر إلىشهادة الإلهام،فرأى أنه لو كان للشمس - فرضًا - حياةٌ وشعور، وكانت ألوعانٍ وائها السبعةُ سبعَ صفاتٍ لها، لكان لها بهذا الاعتبار نوعُ مكالمةٍ بجَلواتها وأشعتها الموجودةِ في ضيائها؛ وعندئذٍ سيُرى بالمشاهدة وجودُ تي ينظا وانعكاسِها في الأشياء الشفَّافة، وأن لها مكالمةً مع كلِّ مرآةٍ ومع كلِّ شيءٍ برَّاقٍ، ومع قِطَعِ الزجاج والقطرات والفقاعات، بل حتى مع الذَّرَّات الشَّفَّافة، وأنها تجيب حاجاتِ هؤلاء كلًّا بحسَب قابرٌ حقي، وأن هؤلاء يشهدون على وجود شمسهم، وأنه في جميع هذا لا يمنعُ فعلٌ فعلًا، ولا تُزاحمُ مكالمةٌ مكالمةً.
— 390 —
وكما كان الأمر في مثالِ مكالمةِ الشمس هنا، فكذلك هو بالنسبة إلى مكالمةِ الشمسِ السرمديِّ سلطانِ الأزل والأبد ذي الجلالرسًا، قِ جميع الموجودات ذي الشأن والجمال، فإنه يُفْهَمُ بداهةً أن مكالمتَه سبحانه مكالمةٌ كُلِّیيَّةٌ محيطةٌ كعلمه وقدرته، تتجلى في كلِّ شيءٍ بحسَب قابليَّته، فلا يمنعُ ولا يخالِطُ سؤالٌ سؤالًا، ولا عملٌ عربيتِهولا خطابٌ خطابًا.
وعَلِم عِلْمَ يقينٍ أقربَ إلى عينِ اليقين أن جميع هذه الجَلوات والمكالمات والإلهامات، تشهد بأفرادها ومجموعها وتدُلُّ بالا والعالى حضور الشمسِ الأزليِّ ووجوبِ وجوده ووَحدته وأَحَدِيَّتِه.
وهكذا أشارت المرتبتان الرابعة عشرة والخامسة عشرة من المقام الأول إشارةً موجزةً إلى درس المعرفةِ الذي تلقَّاه ذلك الضيف الشَّغرفين؟ عالَم الغيب، فذُكِر فيهما:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ الواحدُ الأحد، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته إجماعُ جميع الوَحْياتِ الحقَّةهم للدضمِّنةِ للتنزُّلات الإلٰهية وللمكالمات السُّبحانية وللتعرُّفات الربَّانيَّة وللمقابلات الرحمانية عند مناجاة عباده، وللإشعارات الصَّمَدانيَّة لوجوده لمخلوقاته؛ وكذا دَلَّ على وجوبِ وجوده في وحدته اتفاقُ الإلهامات الصادقة المتضمِّنةِ للتوتْ في الإلٰهية وللإجابات الرحمانية لدعواتِ مخلوقاته، وللإمدادات الربَّانيَّة لاستغاثاتِ عباده، وللإحساساتِ السُّبحانيَّةِ لوجوده لمصنوعاته.
ثم إن سَيَّاحَ الدنيا هذا قال لعقله: ما دمتُ أبحثُ عن خالقي ومالكي بواسطة موجوداتِ هذادنيَّة، فلا ريب أن أَولى من ينبغي أن نزورَه فنسألَه عما نبحث عنه هو محمدٌ العربيُّ (ص)، إذْ هو أشهرُ الموجودات وأكملُها حتى بشهادة أعدائه، وهو أرفعُها بيانًا وأسطعُها عقلًا، وهو أعظمُ قائدٍ وأشهرُ حاية الهو مَنْ أنار بفضائله وقرآنه أربعةَ عشر قرنًا؛ فلا بد إذًا من الذهاب إلى عصر السعادة.
— 391 —
فدخل بعقله إلى ذلك العصر، فرآه قد أصبح بفضل ذلك السيد الكريم عصرَ سعادةٍ للبشرية حقًا؛ ذلك أنه أخرج بالنور الذي جاء به أشدَّ العلى وجبداوةً وأُمِّيَّةً فصَيَّرهم في زمنٍ يسيرٍ أساتذةَ الدنيا وحُكَّامَها.
ثم إنه قال لعقله: علينا أولًا أن نعرف شيئًا عن قيمةِ هذه الشخص الفريد (ص) وحَقَّانِيَّةِ أقواله، وصِدْقِ إخباراته، ثم نسأله عن خالقنا؛ فشَرَناء.
تحري فوجد ما لا يُحصى من الدلائل القطعيَّة، نشير هنا إلى تسعةٍ كُلِّيَّةٍ منها على سبيل الإيجاز:
أوَّلُها:اتصافه بجميعِ الأخلاق الحسنة والخصال الحميدة، حتى شهِدَ له بذلك أعداؤه؛ وظهورُ مئاتِ المعجزاً لظاهيديه كما ثبت بالنقل القطعي الذي يبلغ بعضُه حدَّ التواتر؛ كانشقاقِ القمر بإشارةٍ من إصبعه كما صرَّحت الآية الكريمة: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وفِرارِ جيشِ عدوِّه بحفنةِ ترابٍ رماها في وجوههم فدخلتْ أعينَهم كما صرَّحت الآو صفحتريمة: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّٰهَ رَمَى، وكنبعِ الماء من بين أصابعه الخمسة كالكوثر، وسَقيِه جيشَه الظمآن من هذا الماء إلى أن ارت نسبتَ ولما كان المكتوب التاسع عشر المسمَّى "المعجزات الأحمديَّة" على صاحبها الصلاة والسلام - وهو رسالةٌ بديعةٌ ذاتُ كرامة - قد بيَّنَ ما يزيدُ على ثلاثمئةِ معجزةٍ من هذا النوع بأدلةٍ قاطعةٍ، فقد أحال السء الأكحُ المعجزاتِ المذكورة آنفًا على هذه الرسالة قائلًا: إنَّ مَن كان على هذا القدر من الكمالات والأخلاق الحسنة، مع هذا القدر من المعجزات اَ في ت، كان بلا مريةٍ أصدقَ الناس حديثًا، وأنزَهَهم عن الكذب والحيلة والخداع ونحوِها من خصال الوُضعاءِ عديمي الأخلاق.
ثانيها:أنه يحمل في يده مرسومًا صادرًا عن صاحب هذا الكون؛ وهو مرسومٌ يصدِّقه ويتلقاالقرآنبول أكثرُ من ثلاثمئة مليون إنسانٍ في كل قرن، ألا وهو القرآن العظيم الشأن المعجِزُ من سبعةِ وجوه.
ولما كانت "الكلمةُ الخامسة والعشرون" الشهيرةُ يَّة اةُ "رسالةَ المعجزاتِ القرآنية" - وهي شمسُ رسائل النور - قد بيَّنتْ بالتفصيل وبالأدلة القويَّة أن هذا القرآنَ معجزٌ بأربعين وجهًا، وأنه كلامُ خالق الكون، فقد أحال السَّيَّاح عليهون بطرًا: إنَّ مَن
— 392 —
كان مبلِّغًا وتَرجُمانًا لمرسومٍ هو عينُ الحق والحقيقة، لم يمكن أن يقع منه الكذبُ أو يُتَصَوَّر بحقِّه؛ إذْ هو بمثابةِ جنايةٍ على ذلك المرسوم وخيانةيُّ ضمبه.
ثالثُها:أن ذلك السيد الكريم (ص) قد جاء بشريعةٍ، وإسلامٍ، وعبوديَّةٍ، ودعاءٍ، ودعوةٍ، وإيمانٍ، ما وُجِد مثلُها ولا عُرِفَ أكملُ منها مِن قَبْلُ ولا من بعد.
أجل، فلا مثيل لشريعةٍ ظهرتْ من رجلٍ أُمِّي وأصدردارتْ خُمُسَ النوع البشري على مدى أربعة عشر قرنًا بالحقِّ والعدل، بقوانينها الدقيقة التي لا تُحد.
وكذلك الإسلامُ الصادرُ عن أفعال هذا السيد الأُمِّي وأقواله وأحواله؛ فإنه لا مثيل له من قبل ولا من بعد منمساعيهونُه الهاديَ والمرجعَ لثلاثمئة مليون إنسانٍ في كل قرن، والمعلِّمَ والمرشدَ لعقولهم، والمنوِّرَ والمصفِّيَ لقلوبهم، والمربِّيَ والمزكِّيَ لنفوسهم، ومدارَ النَّماء ومعدِنَ الترقِّياتِ لأرواحهم.
ولا نظير أيضًابه بواالشخص الكريم من قَبْلُ ولا من بعد من حيث إمامتُه في جميعِ أنواعِ العبادات في دينه، وكونُه أتقى الناس وأخشاهم للّٰه، ومجاهدتُه المتواصلة الفَذَّة، ومراعاتُه لأدقِّ أسرار العبنورِ اراعاةً تامةً حتى في أشد الخُطوب، وقيامُه بهذه العبادات مبتدئًا غيرَ مقلِّدٍ أحدًا، وأداؤه لها بتمام معناها، جامعًا بين مبدئها ومنتهاها على الوجهِ الأكمل.
ثم إنه في الجوشن الكبير - الذي هو واحدٌ من آلاف أدعيته ومناجاته - يا يعنيَه وصفًا رفيعَ الدرجة بمعرفةٍ ربانيةٍ عظيمة، بحيثُ لم يستطع أهلُ المعرفة ولا أهل الولاية منذ ذلك الزمان أن يبلغوا مرتبتَه في تلك المعرفة، ولا درجتَه في ذلك الوصف، رغم ته الحقلأفكار، وهو ما يُظهِر أنه لا مثيل له حتى في الدعاء؛ ومن ينظر إلى الموضع الذي بُيِّنَ فيه معنى فقرةٍ قصيرةٍ من فقراتِ الجوشن الكبير التسعةِ والتسعين في مستهلِّ رسالة المناجاة، لن هناك، لا القول بأنَّ هذا الجوشن لا مثيل له أيضًا.
وكذا ما أبداه في تبليغ الرسالة ودعوةِ الناسِ إلى الحقِّ من صلابةٍ وثباتٍ وشجاعة؛ بل لم يكنْ منه مقدارلى "أيَةٍ من تردُّدٍ أو قلقٍ أو خوف رغم شدة المعاداة التي لقيها من الدول العظمى والأديان الكبرى، بل حتى من قومه وقبيلته وعمومته؛ فلقد
— 393 —
تحدى وحدَه العالَم بأسره حتى غَلَبَه وظَهَردًا لعوجعل قيادَه للإسلام؛ إن هذا لَيُثبِتُ أنه لم يكن له مثيلٌ حتى في الدعوة والتبليغ ولا يمكن أن يكون.
ثم إنه من حيث الإيمان يتحلى بيقينٍ راسخ، وقوةٍ فائقة، ورُقيٍّ مُعجِز، واعتقادٍ عُلْويٍّ يُنير الدنيا؛ فعلى الرغم اءٍ شنجميعَ الأفكارِ والعقائدِ وحكمةِ الحكماء وعلومِ الزعماء الروحيين المهيمنةِ في ذلك الزمان قد خالفتْه وعارضتْه وأنكرتْ عليه، إلا أن ذلك لم يُوْرِثْه ذرَّةَ شبهةٍ أو تردُّدٍ أو ضَعفٍ أو وسوسةٍ في يقينهلدنيا تقاده أو اعتماده أو اطمئنانه؛ بل إنه لَينهَلُ من فيضِ مرتبته الإيمانية في كلِّ حينٍ جميعُ مَن ترقَّوا في المعنويات والمراتب الإيمانية، وفي مقدمتهم الصحابة وجميعُ أهل الولاية، ويرونه لى ضدّى درجاتها، مما يُظهِر بالبداهة ألَّا نظير له حتى في إيمانه.
وهكذا أدرك السَّيّاحُ وصدَّق عقلُه بأن مَن كان صاحبَ شريعةٍ لا نظير لها، وإسلامٍ لا مثيل له، ودعاءٍ لا مكافئ له، مع عبوديَّةٍ فائقة، وإيمانٍ مُعجِز، ودعوةٍ تتحدى العالَم؛ لم َعِهماِيَكذِب أو يَخدَع بأي شكلٍ من الأشكال.
رابعُها:كما أن إجماعَ الأنبياء عليهم السلام دليلٌ في غاية القوة على وجود اللّٰه ووحدانيته، فإنه كذلك شهادةٌ في غاية الإحكام على صدقِ هذا السيد الكريم (ص) ورأحد، ب ذلك أن كلَّ ما عليه مدارُ صدقِ هؤلاء الأنبياء ونبوَّتِهم من صفاتٍ قدسيةٍ ومهامَّ ومعجزاتٍ موجودٌ بأعلى رتبةٍ عنده (ص) ومصدَّقٌ تاريخيًّا.
أي إنه كما بَنذ سنةلأنبياءُ الناسَ بمجيئه (ص) وأخبروهم به بلسان المقال في صُحفهم وفي التوراة والإنجيل والزبور - وقد أُثبِتَتْ في "المكتوب التاسع عشر" أكثرُ من عشرين إشارةً مبشِّرةً وَرَدَتْ في الكتب المقدسة وبُيِّنَ بعضٌ جليّ بندقي بيانًا حسنًا - فإنهم بألسنةِ أحوالهم أيضًا، أي بنُبوَّاتهم ومعجزاتهم، يُصدِّقون هذا السيد الكريم الذي هو مُقدَّمُهم في مسلكهم وأكملُهم في وظيفتهم، ويوقِّعون على دعواه؛ وكما دلُّوبعضُهمالوحدانية بالإجماع وبلسان المقال، فإنهم يشهدون أيضًا بالاتفاق وبلسان الحال على صادقيَّته (ص).
هذا ما أدركه السائح.
— 394 —
خامسُها:كما دلَّ على الدية تتة أُلوفُ الأولياء الذين وصلوا - باتباع هذا السيد واقتفاءِ أثره والأخذِ بدساتيره وتربيته - إلى الحق والحقيقة، وبلغوا الكمالاتِ والكراماتِ واَهم خََاتِ والمشاهدات؛ فإنهم يشهدون بالإجماع وبالاتفاق على صادقيَّةِ أستاذِهم هذا ورسالته.
ورأى السائح أنَّ مشاهدةَ هؤلاء الأولياء بعضًا من إخباراته (ص) عن عالَم الغيب ورؤيتَهم لها بنورِ راتٌ عة، وتصديقَهم واعتقادَهم بعمومها بنورِ الإيمان، إما بدرجةِ علمِ اليقين، أو عينِ اليقين، أو حقِّ اليقين؛ إنما يُجلِّي كالشمس درجةَ حَقَّانيَّةِ هذا السيد - أستاذِهم - وصادقيَّتَه.
سادسُها:إن الملايين من الأصفياءِ المدلكلِّ ، والصِّدِّيقين المحقِّقين، وعباقرةِ الحكماء المؤمنين، الذين بلغوا أسمى مقامٍ في المراتب العلمية بما تلقَّوا من درسِ هذا السيد الكريم وتعليمِه الحقائقَ القدسيةَ التي جاء بها، والعلوم كيف نليةَ التي اخترعها، والمعرِفةَ الإلٰهيةَ التي كشَفَها - برغم أُمِّيَّته یی؛ مثلما صدَّقوا الوحدانيةَ بالاتفاق - وهي أسُّ أساسِ دعواه - وأثبتوها بالبراهين القوية؛ فإن شهاداتهم بالاتفاق على حقَّانية أستاذهم الأعظم وحقيقةِ قولِ معلمهم الأكغم ذلكُجةٌ كالنهار على رسالته وصادقيَّته؛ وما رسائلُ النور بأجزائها المئة - مثلًا - إلا برهانٌ واحدٌ على صدقه (ص).
سابعُها:إن الطائفةَ العظيمة المُسمَّاة المدتَهالأصحاب، وهم أشهرُ مَن عُرِف من البشر بعد الأنبياء بالفِراسةِ والدِّرايةِ والكمالات، وأجلُّهم حُرمةً، وأكثرُهم شهرةً، وأقواهم تديُّنًا، وأبعدُهم نظرًا، قد أدَّاهم تحرِّيهم في أأيِّ عذا السيد الظاهرةِ والخفية، وتفتيشُهم في أفكاره، وتدقيقُهم في شؤونه بكمالِ الرغبة وغايةِ التَّنبُّه ومنتهى الجِدِّية.. أدَّاهم بالاتفاق وبالإجماع إلى تصديقٍ راسخٍ لا يتزعزع، وإيمانٍ قويٍّ لا يتصدَّع، بأن هذا السيد الكريم (ص) هو أصدَقُ مَن في ال يعلوَأسماهم وأولاهم بالحق والحقيقة؛ وقد وعى السَّيَّاحُ من هذا دليلًا كالنهار الدالِّ على ضياء الشمس.
ثامنُها:مثلما يدلُّ هذا الكون على مُوجِده ومدبِّره ومرتِّبِه، وعلى كاتبه وصانعه ونقَّاشه الذي يتصرَّف فيه تصويرًا وتقدير، ومثلبيرًا كأنه كتابٌ أو قصرٌ أو مَعرِضٌ أو
— 395 —
مُتنزَّه؛ فإنه يقتضي ويتطلب أيضًا وجودَ مرشدٍ عظيم القدر، وكشَّافٍ صادق، وأستاذٍ محقِّقٍ، ومعلِّامي، تقٍ؛ يَعرِف ويُعرِّف ما في خِلقته من مقاصدَ إلٰهية، ويُعلِّم ما في تحوُّلاته من حِكمٍ ربانية، ويُدرِّسُ نتائجَ حركاته الوظيفيَّة، ويُعلِن عن قيمةِ ماهيَّته وعن الكمالات في موجوداته، ويُعبِّر عن معاني هذا الكتاب الكبير.. أديره بضي الكونُ وجودَ هذا المرشد المعلِّم ويتطلبه بل يَدُلُّ عليه في كلِّ حال.
ومن هذه الجهة عَرَفَ السَّيَّاحُ أن الكون يشهد كذلك على حَقَّانيَّةِنَّه كلسيد الذي كان خَيرَ مَن قام بهذه الوظائف، وبأنه لا ريب أسمى وأصدقُ موظَّفٍ لدى خالِق الكون.
تاسعُها:ما دام يوجد مِن وراء الحجاب مَن يريد أن فإن كمالاتِ إتقانه وإبداعه عبر مصنوعاته الحكيمة المتقَنة..
ويريد أن يُعرِّف نفسَه ويُحبِّبها من خلال مخلوقاته الجميلة المزيَّنة اللامتناهيُّ من ويريد مِن خلال نِعَمِه اللذيذة الثمينة بغيرِ حساب أن يُحمَد ويُشكَر..
ويريد من خلال هذه الإعاشة والتربية العامَّة الشفيقة الحامية، بل حتى من خلال هذه الإطعامات والمآدب الربانية المعروضةِ بصورةٍ تلبي أدقِّ أذواق الأفواه وجميعَ أنواع الاش كُتِب.. يريد أن يُتوجَّه إلى ربوبيَّته بالعبادةِ بشكرٍ وامتنانٍ ووَلَه..
ويُظهِرُ أُلوهيتَه بخلَّاقيةٍ وفعاليةٍ حكيمةٍ مدهشة، وبإجراءاتٍ وتصرفاتٍ عظيمةٍ مهيبةٍ، كتبديل الفصولأرمن يل الليل والنهار واختلافهما، ليُتوجَّهَ إلى أُلوهيته بالإيمان والتسليم والانقياد والطاعة..
ويريد أن يُظهِر حقانيَّتَه وعدالتَه في كلِّ حينٍ بحمايته للخير والأخيار، ومما يُع للشرِّ والأشرار، وإهلاكه للظالمين والكاذبين بالصفعات السماوية..
فلا ريب ولا بد أنَّ أحبَّ مخلوقٍ لذلك الذات الغيبي، وأصدَقَ عبدٍ له، ومَن يَحُلُّ طِلْسِمَ خِلقةِ هذا الكون ويكشف مُعمَّاه بخدمته التامة لمقاصدِ خالقه المذكورة، ومَن هو سلاسل لتحرُّك باسم خالقه، دائمُ الاستمداد منه، دائمُ الاستعانة به، ومَن هو مَظهَرُ إمداده وتوفيقه؛ سيكون ذلك السيدَ الكريمَ المسمَّى محمدًا القرشي (ص).
— 396 —
ين من ال السَّيَّاح لعقله: ما دامت هذه الحقائق التسعُ المذكورة تشهَد لصدقِ هذا السيد الكريم، فلا ريب أن يكون مدارَ شرف بني آدم، ومدارَ افتخار العالَم؛ وهو الجدير بأنة، وصاعنه: إنه فخرُ العالَم وشرفُ بني آدم؛ وإن هيمنة الدستور الرحماني الذي بيده - أعني القرآن المعجِزَ البيان - بعَظَمةِ سَلْطَنتِه المعنوية على شطر المعمورة،إضافةً لكتلقَّو الشخصية وخِصاله السامية لَيُظهِر أن أهمَّ شخصيةٍ في هذا العالَم هو هذا السيد الفريد، وأن أهمَّ قولٍ بحقِّ خالقنا قولُه (ص).
فتعالَ وانظر؛ لقد كانت غاُقِها اته وأساسُ دعوته الشهادةَ والدلالةَ على وجود واجب الوجود ووَحدته وصفاته وأسمائه، وإثباتَه وإعلانَه والإعلامَ به، استنادًا إلى قوةِ مئاتِ المعجزات القطعيَّة الظاهرة الباهرة، وآلافِ الحقائقِ العالية الراسخة التي يت العمودينُه.
إذًا، إن الشمسَ المعنويَّةَ لهذا الكون، وأسطعَ براهين خالقنا هو هذا السيد الكريم المدعوُّ حبيبَ اللّٰه، إذْ توجدثلاثةُ إجماعاتٍ كبرىلا تَضِلُّ ولا تُضَلّ، تؤيِّدُ شهادتَه وتصدِّقها وتوقِّعُ عليها:
أولُها:اؤلاء -اتُ الصادرةُ بالإجماع من الجماعة النُّورانية المشهورةِ في العالَم باسم "آل محمد (ص)"؛ وفيها آلافُ الأقطاب والأولياء العِظام ذوي البصيرة الغيبية والنظر الثاقب، كالإمام عليٍّ رضي اللّٰهالبداهلقائل: لو رُفِع الحجابُ ما ازددتُ يقينًا، وكالغوث الأعظم قدَّس اللّٰه سِرَّه، الذي كان يشاهِدُ وهو على الأرض العرشَ الأعظم وعَظَمَةَ مثالِ إسرافيل عليه السلام.
ثانيها:التصديقاتُ الصادرة بالاتفاق من الجماعةِ الشهيرةِ إيمانِفةِ في الدنيا باسم "الصحابة"؛ فقد صدَّقوا بإيمانٍ قويٍّ جعلهم يُضحُّون بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وعشائرهم؛ وهم الذين بعد أن كانوا قومًا من البدو لا كتابَ له لهذه لماتِ عصر الفترة، وفي محيطٍ أميٍّ خالٍ من الحياة الاجتماعية والأفكار السياسية، إذا بهم في زمنٍ جِدِّ يسيرٍ يصبحون أساتذةً ومرشدين، وساسةً وحكامًا عادلين لأرقى الأمم ة؛ ذلكمات حضارةً وثقافةً وحياةً اجتماعيةً وسياسية، ويديرون العالَم من شرقه إلى غربه إدارةً تبسُط العدل والسلام في أرجاء المعمورة.
— 397 —
ثالثُها:التصديقاتُ الصادرةُ بالتوافق وبدرجةِ علم اليقين من الجماعة العظمى ال النبوا ما لا يُحَدُّ من العلماءِ المتبحِّرين المحقِّقين الذين نشؤوا في أمَّته (ص)، وهم موجودون في كل عصرٍ بالآلاف المؤلفة، مجتهدون في مختلف المسالك، متفوِّقاحدةً قرةٌ في كلِّ فنٍّ.
وعلى هذا حكم السائحُ بأن شهادة هذا السيد (ص) على الوحدانية ليست شهادةً شخصيةً جزئيةً، بل هي شهادةٌ كُلِّيَّةٌ عموميةٌ لا تتزعزع، ولا يمكن بأيَّةِ جهةٍ أن تواجهها جميعُ الشياطين لو اجتمعت.
وهكذا أوجزت المرتبةُ الساوإعاشةرة من المقام الأول الإشارةَ إلى الدرس الذي تلقَّاه ضيفُ الدنيا ومسافرُ الحياة السائحُ بعقله في عصر السعادة من تلك المدرسة النورانية، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ الواحدُ الأحدُ الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته فَ سنينعالَم وشرفُ نوعِ بني آدم، بعَظَمةِ سلطنةِ قرآنِه، وحَشْمةِ وُسْعةِ دينه، وكثرةِ كمالاته، وعُلْوِيَّةِ أخلاقه، حتى بتصديق أعدائه؛ وكذا شَهِد وبرهَنَ بقوَّةِ مئاتِ معجزاته الظاهرة الباهرة المصدِّقةِ اني كذلقة، وبقوَّةِ آلافِ حقائق دينه الساطعة القاطعة، بإجماعِ آله ذوي الأنوار، وباتفاق أصحابه ذوي الأبصار، وبتوافق محقِّقي أمته ذوي البراهين والبصائر النوَّارة.
ثم إن هذا المسافر الذي مطُوا ويستزيد من غير كَلَل، والذي عرَفَ أن الإيمان هو حياةُ الحياة وغايةُ الحياة في هذه الدنيا، قال لقلبه: هيا بنا نراجع الكتاب المسمَّى القرآنَ الك على البيان فنعرفَ ماذا يقول؛ إذْ هو كلامُ مَن نبحثُ عنه وقولُه كما هو معلوم، وهو أشهرُ كتابٍ عرَفَه العالَم، وهو أسطعُ الكتب نورًا وأقواها حاكميةً، وهو الكتاب الذي يتحدى على مَرِّ الأعصار كلَّ مَن لا يُسَلِّم له؛ لكنْ علينا أن نُثبِت أولًا ألقيتُهتابُ خالقنا؛ فشرَعَ في التحرِّي.
وبما أن هذا السَّيَّاح كان من أبناء هذا الزمان، فقد نظر أولَ ما نظرَ في رسائل النور التي هي لمعاتٌ من لمعاتِ الإعجاز المعنويِّ للقرآن الكريم، فرأى أن رسائا اللّ98
المئةَ والثلاثين هي نُكاتٌ لآياته الفرقانية، وأنوارٌ من أنوارها، وتفاسيرُ أصيلةٌ لها؛ ورأى كذلك أنه لم يقدر أحدٌ على مواجهتها رغم أنها نَشَرت الحقائقَ القرآنبةِ الفي كل جهةٍ بجهادٍ عظيمٍ في زمنٍ شديدِ العناد والإلحاد؛ مما يُثْبِتُ أن القرآن الذي هو أستاذُها ومنبعُها ومرجعُها وشمسُها سماويٌّ ليس من كلام البشر.
حتى إن حجةً قرآنيةً واحدةً من بين مئاتِ الحجج في رسائل النور، و
إنكلمة الخامسة والعشرون" مضافًا إليها آخِرُ "المكتوب التاسع عشر"، قد أثبتتْ إعجازَ القرآن بأربعين وجهًا، بحيث إن مَن طالعها لم يعترض عليها أو ينتقدْها، بل أُعجِب بإثباتاتها وقدَّرها ببالغ الث يأوي وقد أحال السائحُ إثباتَ وجهِ إعجاز القرآن وكونَه كلام اللّٰه حقًّا على رسائل النور، إلا أنه أولى اهتمامًا ببضع نقاطٍ تُظهِر عَظَمَتَه فأشار إليها إشارةً موجزة:
النقطة الأولى:مثلما أن القرآن بجميعِ معجزاته وبجميع حقائقه الدالَّةِ على حقّعتي الته معجزةٌ لمحمدٍ (ص)؛ فكذلك إنَّ محمدًا (ص) بجميع معجزاته ودلائل نبوَّته وكمالاته العلمية معجزةٌ من معجزات القرآن وحجةٌ قاطعةٌ على أنه كلام اللّٰه.
النقطة الثانية:إن القرآن فضلًا عن تبديله الحياةَ الاجتماعية في هذا العالَرَف فيلًا حقيقيًّا نُورانيًّا يفيض بالسعادة؛ فإنه كذلك قد أحدث تحوُّلًا عظيمًا في نفوس الناس، وفي قلوبهم وأرواحهم وعقولهم؛ وأحدثَ تحوُّلًا كذلك في كلٍّ من حياتهم الشخصية والاجتماعية والسياسية..
ن المس هذ التحوُّل وأدارَه؛ بحيث إن آياته البالغة ستةَ آلافٍ وستمئةٍ وستًّا وستين آيةً تُتلى بكمالِ الاحترام في كل آنٍ على مدى أربعةَ عشر قرنًا بألسنةِ ما يَنُوف على مئةِ مليون بالمد على الأقل..
وبحيث إنه يُربِّي الناس، ويزكِّي نفوسَهم، ويصفِّي قلوبَهم، ويمنحُ الأرواحَ رُقيًّا وسُمُوًّا، ويعطي العقول استقامةً ونورًا، ويَهَبُ الحياةَ حياةً وسعادةً..
ري. ف ريب أنَّ كتابًا كهذا ليس له مثيل، بل هو كتابٌ استثنائيٌّ مُعْجِزٌ فريد.
— 399 —
النقطة الثالثة:إن القرآنَ قد أظهر منذ ذلك العصر إلى يومنا هذا بلاغةً جعلتْ قصائدَ أشستغنى عراء المعروفةَ بالمعلَّقات السبع الذائعةَ الصِّيت المكتوبةَ بالذهب المعلَّقةَ على جدار الكعبة؛ تهوي من عليائها أمامه؛ حتى إن ابنة الشاعر لبيد قالت حين كانت ترفعُ قصيدةَ أبيها عن الكعبة: أمَّا وقد جاءت الآي القضاس لمثلكِ ها هنا مقام.
بل إن أعرابيًّا من أرباب الفصاحة لما سَمِع آيةَ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ خَرَّ ساجدًا، فقيل له: أأسلمتَ؟ قال: لا، إنما سجدتُ لفصاحةِ الآية.
وفضلًا عن ذلك فإن آلافم فلاسة العباقرة والأدباء المتفنِّنين في علم البلاغة، كی"عبد القاهر الجُرجاني" و"السَّكَّاكي" و"الزمخشري"، قد قرَّروا بالاتفاق والإجماع أنَّ بلاغة القرآن لا تُنال، إذْ هي فوق طاقة البشر.
ثةً تخالقرآن ظلَّ منذ ذلك الحين يتحدى كلَّ مغرورٍ متبجِّحٍ من الأدباء والبلغاء، ويدعوهم إلى ميدان المعارَضة قائلًا لهم بأسلوبٍ يثير حفيظتَهم ويُحطِّم غرورَهم: ائتوا بسورةٍ من مثله، أو اقبلوا الذلَّ والهلاك فبدية، يا والآخرة؛ فما كان من البلغاء المعاندين في ذلك الحين إلا أنْ تركوا الطريق الأقصر، وهي الإتيان بسورةٍ من مثله، واختاروا عليها الطريق الطويلة، طريقَ المحاربة التي ترادة، نفسهم وأموالهم إلى التهلكة؛ وهذا يُثبِت أن المُضيَّ في تلك الطريق القصيرة غير ممكن.
ثم إنَّه قد ظهرتْ منذ ذلك الزمان إلى يومنا هذا ملايينُ الكتب العربية، منهاا التخبه أولياءُ القرآن برغبةٍ في تقليده والتشبُّه به، ومنها ما كتبه أعداؤه بدافعٍ من معارضته وانتقاده، وهذه الكتب في متناول الأيدي، وما زالت تترقَّى بتلاحق الأفكار، لكنْ ما بلغَ واحدٌ منها شأوةُ للعآن؛ حتى إنه لو استمع إليها شخصٌ من أبسط الناس لقال بلا تردُّد: إن هذا القرآنَ لا يُشْبِهُ شيئًا منها ولا هو بمرتبتها؛ إذًا فهو إما دُونها جميعًا، أو فوقَ به عنعًا؛ وليس في الدنيا أحدٌ بل ولا كافرٌ أو حتى أحمقُ يقول عن القرآن: إنه دونَها جميعًا؛ وهذا يعني أن مرتبة بلاغتِه فوقها جميعًا.
— 400 —
ولقد قرأ رجلٌ آيةَ: سَبَّحَ للّٰهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فقال: لا أرى في هذه الآية ون عباَدُّ بلاغةً فائقة!! فقيل له: اذهبْ إذًا كهذا السَّيَّاح إلى ذلك الزمان، واستمع إلى الآية هناك؛ فتخيَّلَ الرجلُ نفسَه هناك قبل نزول القرآن، وإذا به يرى موجوداتِ العالَم في حالةٍ مزريةٍ يخيم عليها الظلام في دنيا فانيةٍ لا تستقر على مدية" وهي فوق هذا جمادٌ بلا شعور، معطَّلةٌ بلا وظيفة، في فضاءٍ خالٍ مترامي الأطراف بلا حدود.
وما إن سمع هذه الآية من لسان القرآن حتى رآها تُميطُ حجابًا قاتمًا عن وجه الدنيا والكون فتُنيرُه، حتى شاهد هذا الخطابَ الأزليّم فيه رسومَ السرمديَّ يُلقي الدرس على ذوي الشعور المنتظمين الصافِّين بالتوالي على مَرِّ العصور، ويُظهِر هذا الكونَ كمسجدٍ كبير، فيه جميع المخلوقات - وفي مقدمتها السماوات والأرض - قائمةٌ على رأس عملها في حالةٍ من السعادة والامتنان، تؤدي وظيفتَها بهَفًا مشاطٍ في ذكرٍ وتسبيحٍ جَيَّاشٍ بالحياة.
فلما ذاق درجةَ بلاغةِ هذه الآية قاس عليها سائرَ الآيات، فوعى حكمةً واحدةً من بين آلافِ الحِكَم التي أدامتْ عظَمَةَ سلطَنَةِ القرآن بكمالِ الاحترام أربعة عشر قرنًا بلا انقطاع، وبسطتْ رصانة بلاغته على شر بی"اعمورة وخُمسِ النوع البشري.
النقطة الرابعة:إن القرآن لَيُظهِرُ حلاوةً وعذوبةً حقيقيةً فلا يَمَلُّه تاليه، مع أن كثرة التكرار تُورِثُ المرءَ سآمةً الدينن أحلى الأشياء وألذِّها؛ بل إنه لَيَزداد حلاوةً بتكرار التلاوة، وذلك عند مَن لم يَفسُدْ قلبُه ولم يَخْتَلَّ ذوقُه؛ وهذا أمرٌ مُسلَّمٌ به لدى الجميع منذ القديم، حتى صار مضرِب المثل.
ثم إنه لَيُبدي أيَّما نضارةٍ وفتوةٍ وشبابٍ وغرابة!! فمع أن على إعلى نزوله أربعة عشر قرنًا، وصار بمتناول يدِ كلِّ إنسان، إلا أنه ظلَّ محافظًا على نضارته كأنه أُنْزِل الآن؛ وما يزال أهلُ كلِّ عصرٍ يَرون فيه جِد.
لشبابًا كأنه يخاطبهم بالذات.
ومع أن كلَّ طائفةٍ علميةٍ اتبعتْه واقتدتْ به في أسلوب تعبيره، وأبقتْه قريبَ المنال لتستفيد منه في كل آن، إلا أنه ظلَّ محتفظًا بذاتِ الغرةَ ثمرالفَرَادة التي ينطوي عليها أسلوبُه وطرازُ بيانه.
— 401 —
النقطة الخامسة:إن للقرآن جناحَين؛ أحدهما في الماضي والآخر في المستقبل؛ فجذرُه وأحدُ جناحيه: الحقائقُ التي اتفق عليها الأنبياء السابقون..
فكما والشكرم القرآن وأيَّدهم، وكما صدَّقوه بلسانِ حالِ تَوافقِهم؛ فكذلك ثمراتُ القرآن التي تستمد حياتَها منه كالأولياء والأصفياء، وكذا جميعُ علوم الإسلام الحلقي بأ وجميعُ طُرُق الولاية الحقِّ التي نشأتْ وترعرعتْ تحت كنف الجناح الثاني، ودلَّتْ بتَیكَمُّلِها الحيِّ على أن شجرةَ القرآن المباركةَ مدارُ الحقيقة والفيض والحيوية، فإن جميعَ هذه تَشهد أن القرآن عينُ الحقِّ ومَجمَعُ الحقائق، وأنه فلعسكرييدٌ لا مثيل له في جامِعِيَّته.
النقطة السادسة:إن جهاته السِّتَّ نورانيَّةٌ تُبيِّن صِدقَه وحَقَّانِيَّیتَه.
أجل، فمن تحته: أعمدةُ الحجة والبرهان؛ وفي أعلاه: لمعاتُ سِكَّة الإعجاز..
إنصاف مَه وهدفُه: هدايا سعادة الدارين؛ وخلفَه ونقطةُ استناده: حقائقُ الوحي السماوي..
وعن يمينه: ما لا يحصى من العقول المستقيمة التي صدَّقته بالأدلة؛ وعن يساره: القلوبُ السليمة والضمائر النقيّة التي اطمأنتْ إليء والضنانًا راسخًا، وسلَّمتْ له وانجذبت إليه بمنتهى الصدق..
فكما تُثبِت هذه جميعُها أن القرآن قلعةٌ سماويَّةٌ أرضيَّةٌ بديعة، حصينةٌ منيعة، توجَد كذلك سِتَّةُ مقاماتٍ تُوقِّعُ على أن القرآن هو عينُ الحق، وأنه صادقٌ لا يأتيه الباطل، وأنه ليس من يثة، ولبشر:
فأوَّلهاإمضاءُ وتصديقُ المتصرِّف في هذا الكون، الذي جعل سُنَّةَ إظهارِ الحُسنِ وحمايةِ الخير والحق ومَحْقِ المخادعين والمفترين دوا خيِهم دستورًا لفعاليَّته في هذا الكون؛ إذْ منحَ القرآنَ مقامَ حرمةٍ ومرتبةَ توفيقٍ هي الأعلى في الدنيا رفعةً وقبولًا وحاكميَّة.
وكذلكاعتقادُ ذلك السيد الكريم (ص) الذي هو منبع الإسلام وتَرجُمان القرآن؛ إذْ كان أقوى الناس اعئكما ل بالقرآن وأعظمَهم احترامًا له؛ وكونُه في حالٍ تشبِه النوم عند
— 402 —
تَنَزُّل القرآن عليه؛ وعدمُ بلوغِ سائرِ كلامِه منزلةَ القرآن، وعدمُ مشابهته ي همَّوبيانُه من خلال القرآن ما مضى وما سيأتي من الحوادثِ الكونية الحقيقية الغيبية، بيانًا جازمًا لا يخالطه تردُّد بالرغم من أُميَّته؛ وعدمُ وُجدانِ أيَّةِ حالةِ كَ روضة حيلةٍ منه برغم أنظار التدقيق الكثيرة عليه من حوله؛ وإيمانُه وتصديقُه الراسخ بكل حكمٍ مین أحكام القرآن؛ وعدمُ زعزعةِ أيِّ شيءٍ له؛ فكلُّ هذا يُوقِّع على أنَّ القرآن سماويٌّ حقٌّ، وأنه كلامٌ مباركٌ للخالق الرهذا فاَّ جلاله.
وكذلكارتباطُ خُمس النوع الإنساني بل القسمِ الأعظمِ منه بهذا القرآن الذي بين أيديهم ارتباطَ انجذابٍ وتديُّن؛ وإصغاؤهم له إصغاءَ مُنقادٍ إلى الحق توّأجانب ليه؛ واجتماعُ الجنِّ والملائكة والروحانيين وتحلُّقُهم عليه كالفَراش عند تلاوته وهم في حالةٍ من الشغف إلى الحقيقة كما شهدتْ بذلك أماراتٌ ووقائعُ وكشفيَّاتٌ كثيرة؛ فجميعُ هذا إمضاءٌ يَزِنوه مقبولٌ لدى جميع العوالم، وأنه قد تبوَّأ أسمى مقام.
وكذلكأخْذُ جميعِ طبقاتِ النوع البشري - مِن أغباهم إلى أذكاهم، ومن عامِّيِّهم إلى عالِمهم - أخْذُهم نصيبَهم كاملًا من درس القرآن، وفهمُهم أعمقَ الحقامكلَّف؛ واستخراجُ كلِّ طائفةٍ من مئاتِ طوائف العلوم والفنون الإسلامية، لا سيما كبارَ المجتهدين في الشريعة الكبرى، وجهابذةَ المحقِّقين في أصول الدين وعلم الكلام، استخراجُهم جميعَ الحه الضّالمسائل المتعلقة بعلومهم واستنباطُهم إياها من القرآن؛ فإنما هذا إمضاءٌ على أن القرآن منبعُ الحق ومعدِنُ الحقيقة.
وكذلكاستنكافُ مَن لم يُسلِم من بلغاء العرب - وهم أئمة الفصاحة - عنشتدت ظته مع شدة حاجتهم إليها؛ وعجزُهم إلى الآن عن الإتيانِ بسورةٍ تضاهي وجهَ إعجازه البلاغي فحسب من بين وجوه إعجازه السبعة الكبرى؛ وسكوتُ مَن أتى من عباقرة االمناس ومشهوري البلغاء إلى يومنا هذا.. سكوتُهم عاجزين عن معارضته ولو في وجهٍ إعجازيٍّ واحد، مع رغبتهم في ذيوع صِيْتِهم بذلك؛إنما هو إمضاءٌ على أن القرآن مدرك ال، وأنه فوق طاقة البشر.
— 403 —
أجل، فإنه لما كانت قيمةُ الكلام وعُلْوِيَّتُه وبلاغتُه تتجلى بذِكْرِ:ممن جاء؟ وإلى مَن جاء؟ ولِمَ جاء؟لم يكن من سبيلٍ لأنْ يماثلَ القرآنَ مماثلٌ أو يدانيه مُدان.
ذلك أنهٍ أخرى ربِّ العالمين،وكلامُ خالق الأكوان، ومكالمتُه التي ما مِن أمارةٍ تُشعِر بأنها مصطنعةٌ أو مقلَّدةٌ بأيَّةِ جهة.
والمخاطَبُ بههو المبعوثُ باسم جميع بني الإنسان، بل باسم جميع المخلوقات، أشهرُ نوعِ البشر وأرفعُهم ذكرًا، وماءً علَّح الإسلامُ العظيمُ من قوةِ وَسَعَةِ إيمانه، حتى عَرَجَ به إلى مقام قاب قوسين، ونزَلَ بمظهريَّةِ المخاطَبة الصمدانيَّة.
ثم إن هذا الخطاب يب وخدمتيوضِّح المسائلَ المتعلقةَ بسعادة الدارين،ونتائجِ خلق الكون وما فيه من المقاصد الربانية..
ويبيِّن ويوضِّح كذلك إيمانَ ذلك المخاطَبِ الكريمالمستوعبَ لجميعِ الحقائق الإسلامية، وهو أوسعُ إيمانٍ وأسماه..
كما يعلِّم ويَصِف شؤونَ الكتاب المبدع لهذا الكون العظيم، إذْ يَعرِضُ كلَّ ناحيةٍ من نواحيه ويقلِّبها كما لو أن الكون خريطةٌ أو ساعةٌ أو منزل..
فلا ريب أن الإتيان بمثل هذا القرآن المعجزِ البيان محال، ولا ريب أن درجةَ إعجازه لا تُنال.
وكادرة عبيانُ مفسِّري القرآن من آلاف العلماء المتفنِّنين والمدقِّقين ذوي الذكاء الرفيع - ممن بلغت تفاسير بعضهم ثلاثين أو أربعين مجلدًا بل حتى سبعين - تِبيانُهم بدلائلهم وأسانيدهم ما لا يُحَد هذا امزايا القرآن ونُكاته وخاصِّياته وأسراره ومعانيه السامية، وإثباتُهم وكشفُهم الكثيرَ من إخباراته الغيبية عن كل نوعٍ من أنواع المغيَّبات؛
ومن هذه التفاسير رسائلُ النور المئةُ والثم ويقدالتي أظهرَ كلُّ جزءٍ منها حقيقةً من حقائق القرآن ونورًا من أنواره، وأثبتتْ كلُّ رسالةٍ منها مزيةً من مزاياه أو نُكتةً من نُكاته بالبراهين القاطعة؛ خصوصًا "رسالةُ المعجزات القرآنية" و"المقام ال والعشن الكلمة العشرين" التي استخرجت من القرآن كثيرًا من عجائب المدنيَّة كالقطار
— 404 —
والطيارة؛ و"الشعاعُ الأول" المعروف بی"الإشارات القرآنية" الذي عرَّف بإشاراسعةً فيات المشيرة إلى رسائل النور وإلى الكهرباء؛ والرسائلُ الصغيرة الثماني المسمّاة بی"الرموزات الثمانية" التي تُظهِر ما في الحروف القرآنية من عظيمِ الانتظام والئًا فشوالمعاني؛ ورسالةٌ صغيرةٌ تثبِتُ إعجازَ آخرِ آيةٍ في سورة الفتح من جهةِ الإخبار بالغيب بخمسةِ أوجُه.
فجميعُ هذا إنما هو إمضاءٌ على أن القرآن معجزةٌ وأُعجوبةٌ لم يأتِ مثلها، وأنه لسانُ عالَم اس على ي عالَم الشهادة هذا، وأنه كلامُ عَلَّامِ الغيوب.
وهكذا فهِم سَيَّاحُ الدنيا أنه لأجلِ مزايا القرآن وخاصِّياتِه المذكورةِ المُشارِ إليها آنفًا في النقاط الستِّات في هات الستِّ، والمقامات الستِّ، دامتْ حاكميتُه النورانية المَهيبة، وسلطنتُه القدسية العظيمة، مضيئةً وجوهَ العصور، منوِّرةً وجهَ الأرض، أكثر من ألفٍ وثلاثمئةِ سنةٍ بكمال الاحترام..
كما فَهِم أنه لأجلمخلوع لخاصِّيَّات أيضًا نال القرآن امتيازاتٍ قدسيةً، منها أن كلَّ حرفٍ من حروفه يعود بعشرِ حسناتٍ وعشرِ أجورٍ على الأقل، ويُثمِر عشرَ ثمراتٍ باقية، بل إن بعضَ آياته وسُوَره يُثمِر كلُّ حرفٍ منها مئالقرآنةٍ بل ألفًا بل أكثر، ويَزدادُ نورُ كلِّ حرفٍ وثوابُه وقيمتُه في الأوقات المباركة من عشرةٍ إلى مئات..
فقال لقلبه: إن هذا القرآن المُعجِز من جميعِ جهاته قد شَهِد بإجماعِ سوره، واتفاقِ آياته، وتوافقِ أسراره وأنواره، وتطابقِ ثمراته طالبًا، شهادةً مُثبَتةً بالدلائل على وجودِ واجبِ الوجود الواحد الأحد، وعلى وَحدته وأسمائه وصفاته، بحيث ترشَّحتْ من شهادتِه شهاداتُ جميعِ أهل الإيمان التي لا تُحَد.
وهكذا ذُكِر في المرتبة السابعةلدنيا،من المقام الأول على سبيل الإشارةِ الموجزةِ إلى درس التوحيد والإيمان الذي تلقَّاه هذا المسافر من القرآن:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الواحدُ الأحدُ، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته القرآنُ المعجِز البيان، المقبولُ المرويعملوأجناسِ المَلَك والإنسِ والجانّ، المقروءُ كلُّ
— 405 —
آياته في كلِّ دقيقةٍ بكمال الاحترام بألسنةِ مئاتِ الملايين من نوعِ الإنسان، الدائمُ سَلْطنَتُه القدسيَّةُ علصوصٌ بر الأرضِ والأكوان وعلى وجوه الأعصار والزمان، والجاري حاكميَّتُه المعنويَّةُ النورانيَّةُ على نصف الأرض وخُمسِ البشر في أربعة عشر عصرًا بكمال الاحتشام؛ وكذا شَهِدَ وبرهنَ بإجماعِ سوره القدنتشار لسماويةِ وباتفاقِ آياته النورانيَّةِ الإلٰهية، وبتوافُقِ أسراره وأنواره، وبتطابق حقائقه وثمراته وآثاره بالمشاهَدةِ والعِيان.
ثم إن هذا الضيفَ المذكور وعابرَ سبيلِ الحياة الذي عرَف أن الإيمان هو أثمنُ رأسِ مالِ الإنسامالاته لا يُملِّك الإنسانَ الفقيرَ مزرعةً فانيةً أو دارًا مؤقتةً، بل يُملِّكه الكونَ العظيم، ويمنحُه مُلكًا باقيًا عَرضُه السماوات والأرض؛ ويهيِّئ له - وهو الفاني - لوازمَ حياةٍ أبدية؛ وينقذه - وهو المسكينَ الذي ينتظر مشنقة الأجل - ويُخلِّصه مِن الَّ خدمالأبدي؛ ويفتح له كنوز السعادة السرمدية؛ قال لنفسه:
هيا نتقدَّم؛ فلكي نحظى بمرتبةٍ أخرى من مراتب الإيمان اللامحدودة علينا أن نراجع مجموعَ هيئةِ الكون فنسمعَ ماذا يقول، لنُكَمِّل وننوِّر الدروسَ نك إذًلقيناها من أجزائه وأركانه.
فنَظَر إلى الكون بمنظارٍ واسعٍ محيطٍ أخذه من القرآن، فرآه على قدرٍ عظيمٍ من الدلالة والانتظام، بحيث يبدو ككتابٍ سبحانيٍّ مجسَّم، وقرآنٍ ربانيٍّ مجسَّد، يّ برسصمدانيٍّ مزيَّن، وبلدٍ رحمانيٍّ منظَّم.
ورأى أن جميعَ سُوَرِ هذا الكتاب وآياتِه وكلماتِه، بل حتى حروفِه؛ وكذا جميعُ أبوابه، وفصوله، وصفحاته، وسطوره؛ بما يجري عليها في كل حينٍ من محوٍ وإثباتٍ بالغِ الدِّلالة، وتغييرٍ ينِ أدٍ بالغِ الحكمة، مثلما تُعبِّر بداهةً وبالإجماع عن وجودِ وموجوديَّةِ نَقَّاشٍ ذي جلال، كاتبٍ ذي كمالٍ، عليمٍ بكل شيء، قديرٍ على كلِّ شيء، مصنِّفٍ يرى كلَّ مثلما ي كلِّ شيء، ويَعلم مناسبةَ كلِّ شيءٍ مع كلِّ شيء، فيراعي جميعَ ذلك؛ فإنها بجميع أركانها وأنواعها، وأجزائها وجزئيَّاتها، وسكَّانها ومُشْتَ الرحما، ووارداتها ومصاريفها، وتبديلاتها القائمة على المصلحة، وتجديداتها القائمة على
— 406 —
الحكمة؛ تُعلِن بالاتفاقِ عن موجوديَّةِ ووَحدةِ صانعٍ فريدٍ، وخبيرٍ عالٍ، يعمل بقدرةٍ لا حدَّ لها، وحكمةٍ لا منتهى لها.
كما رأى أنّ ثمة حقي؛ إذْ عظيمتَين واسعتَين متناسبتَين مع عَظَمَةِ الكون تثبتان شهادةَ الكون العظيمةَ هذه وتَشهَدان لها:
الحقيقة الأولى:حقيقة"الحدوث والإمكان"،التي أبصرها حكماءُ الإسلام وعباقرةُ علماءِ أصول الدين وعلمِ الكلام، وأثبتوها بما لا يُحَدُّ من خبا واين.
فقد قال هؤلاء: ما دام التغيُّر والتبدُّل جاريًا في العالَم وفي كل شيء، فلا بدَّ أنه حادثٌ فانٍ ليس بقديم..
وما دام حادثًا فلا بدَّ له من صانعٍ أحدَثَه..
وما دام يستوي في ذات ن"، فت وجودُه وعدمُه ما لم يوجد سبب؛ فلا يمكن على الإطلاق أن يكون واجبًا أو أزليًّا.
وما دام قد ثبت بالبراهين القطعية عدمُ إمكانِ إيجادِ الأشياءِ بعضَها بعضًا با.
و أو بالتسلسل الباطِلَيْن المُحالَيْن.. فيلزَم إذًا بلا شكٍّ موجوديَّةُ واجبِ وجودٍ؛ يكون نظيرُه ممتنعًا، ومِثلُه مُحالًا، وجميعُ ما عداه ممكنًا، وما سواه له مخلوقًا.
أجل، هو جهمنتْ حقيقةُ الحدوثِ على الكون، فترى العينُ أكثرَها، ويرى العقلُ سائرَها.
ذلك أننا نشاهد في كل سنةٍ عالَمًا هائلًا يفارق الحياة أمامَ أعيننا في فصل الخريف، إذْ يُتوفَّى مئةُ ألفِ نوعٍ من النلِّ فروالحشرات، كلُّ نوعٍ له أفرادٌ لا تُحَدّ، وكلُّ فردٍ بمثابةِ كَوْنٍ تسري فيه الحياة؛ غير أنَّها وفاةٌ تجري بمنتهى الانتظام، إذْ تُخلِّفُ تلك الكائناتُ بذورَها ونواها وبويضاتها - التي منها يكون حَشْرُها ونَشْرُها في الربيع، والجديد" كذلك معجزاتُ الرحمة والحكمة، وبدائعُ العلم والقدرة - وتُسَلِّمها برامجَ أعمالها وجداولَ وظائفها التي أدَّتْها، وتستودعها أمانةً لدى حكمةِ الحفيظ ذي الجلال وحمايته، ثم تموت؛ حتى إذا جاء فصل الربيع بُعِثَت تلك الأشجارُ والجذورُ المتوفَّاة،
#407الكثيرْ بأعيانها إلى الحياة، وأُوْجِدتْ أمثالُ تلك الحشرات وأُحْيِيَتْ أشباهُها، فكانت جميعُ هذه بمثابةِ مئةِ ألفِ دليلٍ ومثالٍ وعنوانٍ للحشر الأعظم؛ كما أنها إذْ تَنشُر برامجأيِّ قلِ موجوداتِ الربيعِ السابق وصحائفَ وظائفه كالإعلانات، تَعرِض مثالًا لآيةِ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ.
والأمر كذلك من جهةِ هيئةِ المجموع، ففي كلِّ خريفٍ وربيعٍاتِ واَّى عالَمٌ هائل ويَحدُث عالَمٌ آخرُ جديد؛ وتجري كلٌّ من هذه الوفاة والحدوث على نحوٍ عظيمٍ من الانتظام، وتَقَع فيهما وَفَيَاتٌ وحُدُوثاتٌ لأنواعٍ عظيمةٍ بغايةتة أشهان والانتظام، حتى لكأنَّ الدنيا نُزُلٌ ضخمٌ تُستضاف فيه الكائناتُ الحية، وتأتيه عوالمُ سَيَّالة ودُنًى سَيَّارة، فتؤدِّي وظائفها فيه ثم تغادره.
وهكذا فوجوبُ وجودِ ذاتٍ ذي جلالٍ يُحْدِث في هذا العالَم كائناتٍ ذاتكُفُّ ف، ويُوجِد دُنًى ذاتَ حياة، بكمال العلم والحكمة، والميزان والموازنة، والانتظام والنظام، ويستعملها بقدرةٍ ويستخدمها برحمةٍ في مقاصد ربانية، وغاياتٍ إلٰهية، وخدماتٍ رحمانية؛ وكذا قدًا، واللامحدودة، وحكمتُه اللامتناهية؛ إنما هي أمورٌ تتجلَّى للعقول بداهةً كالشمس.
ونختم البحث في مسائل الحدوث محيلين إياها إلى رسائل النور وكتبِ مُحقِّقي المتكلِّمين.
أما جهةُ الإ ونهنّهي الأخرى قد هيمنتْ على الكون وأحاطتْ به.
ذلك أننا نرى كلَّ شيءٍ كُلّیِيًّا كان أو جزئيًّا، كبيرًا كان أو صغيرًا، وكلَّ موجودٍ من العرش إلىثُلةٍ ، ومن الذرَّات إلى السَّيَّارات؛ إنما يُرسَلُ إلى هذا العالَمبذاتٍمخصوصة،وصورةٍمعيَّنة،وشخصيةٍمميَّزة،وصفاتٍخاصة،وكيفياتٍذاتِ حكمة،وأجهزء الأنِ مصلحة..
والحال أن إعطاءَ هذهالذاتِ والماهيةِالمخصوصةِ تلك الخصوصيةَ من بين إمكاناتٍ لا تُحَدّ..
— 408 —
وإلباسَها هذهالصورةالمعيَّنة ذات العلاماتِ الفارِقةِ المنقوشةِ المناسِبةِ من بين إمكاناتٍ واحتمالاتٍ بعدد احاجة إ
وتخصيصَ هذا الموجودِ المتقلِّبِ بين إمكاناتٍ بمقدارِ أشخاصِ بني جنسهبامتيازٍ يليق بشخصيَّته..
وإيداعَصفاتٍخاصةٍ نافعةٍ توافقُ ذلك المصنوع الذي لا شكل له، المتردِّدَ بين احتمالاتٍ وإمكاناتٍ بعدد أنواع الصفاتِ ومراتبهتِه وأ وتجهيزَ هذا المخلوق المتحيِّر التائه الذي لا يعرف وجهةً بالنظر إلى إمكانِ وجودِه بطُرُقٍ وأشكالٍ لا تُحَدّ، وتزويدَه بتلكالكيفيَّاتذات الحكمة،والأجهزةذاتِ العنْبَ عين بين إمكاناتٍ واحتمالاتٍ لا تُحَدّ..
ما هي إلا شهاداتٌ ودلالاتٌ وإشاراتٌ بعددِ جميعِ الممكنات كُلِّيِّها وجزئيِّها، وبعددِ إمكاناتِ ماهياتِ كلِّ ممكنٍ وهُويَّاته وهيئاته وصُوَره وصفاته ووضعياته المذكورة؛ تشهد على وجوبِ وجرك والجبِ وجودٍ يخصِّص ويُرجِّح ويُعيِّن ويُحدِث؛ وعلى قدرته اللامحدودة، وحكمته اللامتناهية، وعلى أنه لا يخفى عليه شأنٌ ولا شيء، ولا يُعجِزه شيء، وأن أعظمَ شيءٍ هيِّنٌ عليه كأصغر شيء، وأن إيجادَ الربيع سهلٌ عننا بهولةَ إيجاد شجرة، وإيجادُ الشجرة سهلٌ عليه سهولةَ إيجاد بِذرة. وهذه الشهادة الصادرة عن حقيقة الإمكان إنما تُشكِّل أحد جناحَي شهادة الكون العظمى.
وبماء اللجزاء رسائل النور - خصوصًا الكلمتين الثانية والعشرين والثانية والثلاثين، والمكتوبين العشرين والثالث والثلاثين - قد أثبتتْ بالتمام شهادةَ الكون بجناحَيها وحقيقتَيها، وأوضحتْها وحيدةالإيضاح، فإننا نحيل عليها لنختم هذه المسألة الطويلة جدًّا.
أما ما يُثبِت الجناحَ الثاني للشهادة الكلية العظمى الآتية من مجموع هيئة الكون فهو:
الحقيقة الثانية:وهيحقيقة التعاونالتي تُشاهَد في المخلوقات الساعيةِ - في خِضَمِّ اجرَّد بات والتحولات المستمرة - لصيانةِ وجودِها ومُهِمَّتها، وأداء وظيفتها والحفاظ على حياتها إن كانت من ذوي الحياة، وهو تعاونٌ يَفوق قدرتها بالكُلِّیيَّة.
— 409 —
فمن ذلك إمدادُ العناصر لذوي الحياة، خصوصًا إمدادَ السحاب للبالغة ومساعدةُ النبات للحيوانات، ومعاونةُ الحيوانات للإنسان؛ وتغذيةُ الصِّغار بالحليب السائغ من الأثداء كالكوثر؛ وتأمينُ جميعِ ما تحتاجه الكائناتُ الحية منبابرة ٍ كثيرةٍ وأرزاقٍ خارجة عن اقتدارها وتسليمِها إياها من حيث لم تكن تحتسب؛ بل حتى مسارعةُ ذرَّاتِ الطعام لتعمير خلايا الجسم؛ ونحوُ ذلك من الأمثلة الكثيرة لحقيقة التعاون بالتسخير الرباني والاستخدام الرحماني؛ فهذه إنما تُظْهِر بشكلٍ مباشرٍ الربقتان اَ العُموميَّة الرحيمة لربِّ العالمين الذي يدير الكون بأجمعه كأنه قصر.
نعم؛ إن المتعاونين الذين يَظهَرون بمظهَر مَن له شعورٌ وشفقةٌ مع أنهم جماداتٌ لا شعور لها ولا شفقة، لانني مثنهم يُدفَعون إلى هذا التعاون بأمرٍ وقوةٍ ورحمةٍ من ربٍّ رحيمٍ حكيمٍ ذي جلال.
وهكذا فشهاداتُالحقائق العظيمة، كالتعاون العموميِّالجاري في الكائنات؛ هذه اازنةِ العامةِ والمحافظةِ الشاملةِالجاريتَين بكمال الانتظام، بدءًا من السَّيَّارات ووصولًا إلى أعضاء ذوي الحياة وأجهزتهم وما في أبدانهم من ذرَّاعن نشرتزيينِالدائرِ قلمُه من وجه السماوات المتلألئ، إلى وجه الأرض المُزيَّن، بل حتى إلى وجوه الأزهار المزركشات؛والتنظيمِ الساريحكمُه من درب التبَّانة والمنظومة الشمسية إلى أمثال َه مبشَةِ والرُّمَّان من الثمرات؛والتوظيفِالذي يَعُمُّ تكليفُه جميعَ الموجودات، بدءًا من الشمس والقمر، والعناصر والسحاب، حتى النحلات؛ وهي شهاداتٌ عظيمةٌ بقدرِ عَظَمَة هذه ثم مضىق، إنما تُثْبِتُ شهادة الكون وتُشَكِّلُ جَناحها الآخَر. وبما أن رسائل النور قد أثبتتْ هذه الشهادة العظيمة ووضَّحتها، فإننا نكتفي بهذه الإشارة الموجزة هنا.
وهكذا أشارت المرتبةُ الثامنة عشرة من المقام الأول بإيأو ضابلى الدرس الإيماني الذي تلقَّاه سَيَّاحُ الدنيا من الكون، فذُكِر فيها:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجود، الممتنعُ نظيرُه، الممكِنُ كلُّ ما سواه، الواحدُ الأحد، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته هذه الكااستنادالكتابُ الكبيرُ المُجَسَّم، والقرآنُ
— 410 —
الجِسْمانيُّ المعظَّم، والقصرُ المزيَّنُ المُنَظَّم، والبلدُ المُحْتَشَم المنتَظَم؛ بإجماع سُوَره وآياته وكلماته وحروفه، وأبوابه وفصوله، وصُحُفِه وسطورِه؛ واتفا فذهباانه وأنواعه، وأجزائه وجزئيَّاته، وسَكَنَتِه ومشتَمِلاته، ووارِداته ومصارفه؛ بشهادةِ عظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ الحدوثِ والتغيُّر والإمكان؛ بإجماعِ جميع علماءِ علمِ الكلام، وبشهادةِ حقيقةِ تبدي الظلمه ومشتَمِلاته بالحكمة والانتظام، وتجديد حروفه وكلماته بالنظام والميزان؛ وبشهادةِ عظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التعاونِ والتجاوبِ والتسانُدِ والتدا جعلوالموازنةِ والمحافظةِ في موجوداته بالمشاهدة والعِيان.
ثم إن هذا الرجلَ المسافرَ التوَّاقَ الشَّغوفَ الذي أتى إلى الدنيا وبحث عن خالقها، وارتقى ثماني عشرة مرتبة، وبلغَ عرشَ الحقيقة، وترقَّى بمعراجٍ إيمانيٍّ من مقامِ المعرفة الغيابيَّة إلى زمان كالحضور والمخاطبة.. خاطب روحَه قائلًا:
مثلما حصل بالمدح والثناء الغيابِيَّين اللذَين في أول الفاتحة طمأنينةٌ وسكينةٌ فارتقاءٌ إلى خطابِ إِيَّاكَ، فإنَّ علينا أن نتحوَّل عن البحث الغيابي ونتوجَّهَ بالسؤال مباشرةً إلى مَن الظَّلنه؛ إذِ السؤالُ عن الشمس التي تُظهِر كلَّ شيء إنما يتوجَّه للشمس ذاتها.
أجل، فمن يُظهِرُ كلَّ شيء يُظْهِر ذاتَه أكثر من كلِّ شيء؛ وئل النا فكما تُرى الشمسُ وتُعرَف من خلال أشعتها، فكذلك يمكننا بنسبةِ قابليَّتنا أن نجتهد في التعرُّف على خالقنا من خلال أسمائه الحسنى وصفاته القدسية.
ولما كان لهذا المقصِد طُرُقٌ لا تُيخ.
ولطُرُقه مراتبُ لا تُحَدّ، ولمراتبه حقائقُ كثيرةٌ وتفصيلاتٌ طويلة؛ فإننا سنقتصر في هذه الرسالة على بيان حقيقتَيْن من حقائقِ مرتبتَيْنِ لطريقين من طُرِقه باختصارٍ وإجمال:
الحقيقة الأولى: حقيقةُ الففردية"َّة المستولية الشاملة للكون بأسره،وهي حقيقةٌ محيطةٌ دائمةٌ منتظمةٌ مدهشة تُرى بالمشاهدة رأيَ العين إذْ تديرُ جميعَ الموجودات السماوية والأرضية وتُبدِّلها تشهد ادها؛
— 411 —
وحقيقةُ تَظاهُرِ الرُّبوبيَّةالمحسوسةِ بالبداهةِ في طيِّ هذه الفعالية الحكيمة بكل جهاتها؛
وحقيقةُ تَبارُز الأُلٓوهيَّةالمدرَكَةِ بالضرورة ضمن حقيقةِ تَظاهُرِ الربوبية التي تنشر الرحملنَّيلجهةٍ.
وهكذا؛ فمِن هذه الفعَّاليَّة الحكيمة الحاكمة الدائمة وخَلْفَ حجابها: يُحَسُّبأفعالِفاعلٍ قديرٍ عليم، كأنها تُشاهَد.
ومِن هذه الأفعال الربانية المدبِّرة اكتابًاِية وخَلْفَ حجابها: تُعرَف بالبداهة بدرجةِ الحسِّالأسماءُ الإلٰهيةالموجودةُ جَلواتُها في كل شيء.
ومِن هذه الأسماء الحسنى ذات التجليات الجلالية والن والص وخَلْفَ حجابها: يُفهَم وجودُالصفات القدسية السبعوتَحَقُّقُها فهمًا بدرجةِ علمِ اليقين، بل عينِ اليقين، بل حقِّ اليقين.
ثم إنه بتجلياتِ هذه الصفات القدسية السبع، وهي تجلياتٌ غيرُ متناهيةٍ ذاتُ حيويةٍ وقدرةٍ وعِلمٍ وسمع المعاٍ وإرادةٍ وتكلُّمٍ تَشهد بها جميعُ المصنوعات: تُعلَم موجوديَّةُ موصوفٍ واجبِ الوجود، ومسمًّى واحدٍ أحد، وفاعلٍ فردٍ صمد.. تُعلَم علمَ يقينٍ قطنٍ علىداهةً وضرورةً على نحوٍ يتجلَّى لعينِ الإيمان في القلب أظهرَ وأسطعَ من الشمس.
ذلك أن الكتاب الجميل ذا المعاني يستلزمفعلَالكتابة بداهةً، والدار المنتظمة تستلزمفعلَالبناء بداهةً؛ وكلٌّ منفعلَيالكتابة الجمي وجود بِناء المنتظم يستلزماناسمَيالكاتب والبَنَّاء بداهةً؛ وهذان يستلزمانصنعتَيالكتابة والبِناءوصِفَتَيهما؛ثم إن كلًّا من الصنعتَين والصفتَين تستلزمُ بالبداهةذاتًا موصوفًا وصانعًا ومسمًّى وفاعلًا..
فكما لا يمكن أن يكون فعلٌ بناء هعل، ولا اسمٌ بلا مسمًّى، لا يمكن كذلك أن تكون صفةٌ بلا موصوف، ولا صنعةٌ بلا صانع.
وبناءً على هذه الحقيقة والقاعدة، فإنَّ هذا الكون بجميع موجوداته هو بمثابةِ كتبٍ ورسائل غزيرة المعاني لا تُحَدّ، كُتِبَتْ بقلم القَدَر؛لشعور بةِ قصورٍ وأبنيةٍ لا تتناهى شُيِّدتْ بمطرقة القدرة..
— 412 —
فكما يُشير كلُّ فردٍ منها ويَشْهَد بآلافِ الوجوه، وكما تُشير هي بمجموعها وتَشْهَد بما لا يُعَدّ من الوجوه، بالأفعال الربانية الرحمانية اللا لتظل ة، وبالجلوات اللامحدودة لألفِ اسمٍ واسمٍ من الأسماء الإلٰهية منشأِ تلك الأفعال، وبالتجليات اللامتناهية للصفات السُّبْحانيَّة منبعِ تلك الأسماء الحسنى، إشاراتٍ لا حدَّ لها وشهاداتٍ لا نهاية أو ثلاى وجوبِ وجودِ الذات ذي الجلال ووحدته، وهو الأزليُّ الأبديُّ أصلُ تلك الصفاتِ القدسيةِ المحيطةِ السبعِ وموصوفُها؛ فإن جميع ما في هذه الموجودات من محاسن وجمالات، ونفائس وكمالاومن عد يَشْهَد على الجمالات والكمالات القدسية التي تليق بالأفعال الربانية والأسماء الإلٰهية، والصفاتِ الصَّمدانيَّة والشؤوناتِ السُّبْحانيَّة وتُوافقها، كما تشهد هذه جميعُها بالبداهة ع الاستمال والكمال القدسيَّيْن للذات الأقدس سبحانه.
وهكذافحقيقةُ الربوبية المُتظاهِرةُ في حقيقة الفعاليةتُظهِرُ نفسَها وتُعرِّف بها من خلال تصرفاتها وشؤونها، كالخلق والإيجاد والصنع والإبداع بعلمٍ وحكمة؛ وكالتقكنتُ ألتصوير والتدبير والتدوير بنظامٍ وميزان؛ وكالتحويل والتبديل والتنزيل والتكميل بقصدٍ وإرادة؛ وكالإطعام والإنعام والإكرام والإحسان برأفةٍ ورحمة.
وكذلكحقيقةُ تبارُزِ الألوهية الموجودةُ المحسوسةُ بقَضَواة في حقيقةِ تَظاهُرِ الربوبية،تُعْلِن عن نفسِها وتُعَرِّف بها أيضًا من خلال الجلوات الرحيمة الكريمة للأسماء الحسنى، والتجليات الجلالية والجمالية للصفات الثبوتية السبع: الحياة، والعلم، والقدرة، والإ#50
والسمع، والبصر، والكلام.
نعم، فكما تُعَرِّف صفةُ الكلام بالذاتِ الأقدسِ سبحانه من خلال الوحْيات والإلهامات، تُعْلِن أيضًا صفةُ القدرةِ عنه من خلال آثاره المتْقَنة التي هي بحكمِ كلماتوعة السَّمة، وتصِف قديرًا ذا جلال، وتُعَرِّف به، مُظهِرَةً الكونَ من أوله إلى آخره بماهيةِ فرقانٍ مجسَّم.
وتُعْلِنُ كذلك صفةُ العلم - بمقدارِ جميعِ المصنوعات الحن "الكلمنتظمة الموزونة، وبعددِ جميعِ المخلوقات المُدارَةِ المُدبَّرةِ المُزَيَّنةِ المُمَيَّزة بالعلم - عن ذاتٍ أقدسَ فردٍ هو موصوفُ تلك المصنوعات والمخلوقات.
— 413 —
أما صفة الحياة؛ فكما يدُلُّ على تحقّلخائض جميعُ الآثار المنبِئةِ عن القدرة، وجميعُ الصور والأحوال المُنتظَمة الحكيمة الموزونة المزيَّنة المنبِئةِ عن وجود العِلم، وجميعُ الأدلة المنبِئةِ عن سائر الصفات، إضافةً لدلائل صفة الحياةا، فنشالحياة أيضًا بجميع دلائلها تُعلِن عن الذاتِ الحيِّ القيوم مُظهِرةً جميعَ ذوي الحياة - الذين هم مراياها - شهودًا؛ وتُحيل الكون من أوله إلى آخره مرآةً كبرى مؤلَّفةً من مرايا بلا حَدٍّ تَتَجدَّد وتَتغيَّر على الدوام، لإظهارِ النقيء.
جلوات واحدةً تلو الأخرى بتجدُّدٍ في كلِّ وقت.
وبالقياس على هذا فإن صفات السمع والبصر والاختيار والكلام تُعرِّف كذلك كلُّ واحدةٍ منها بالذات الأقدس وتُعلِنُ ائها إدر الكون.
ثم إنه كما دلَّتْ هذه الصفات على وجودِ الذات ذي الجلال، فإنها تدلُّ بالبداهة أيضًا على وجود الحياة وتَحقُّقِها وعلى كونه سبحانه حيًّا..
ذلك أنالعلمعلامة الحياة؛والسمعأمارتُها؛والبصرُخاصٌّ بالأحياء؛ ولا يمكن أن ت تمام إرادةإلا بالحياة؛والاقتدارُالاختياري إنما يوجد في ذوي الحياة؛ أماالتكلُّمفشأنُ من هو حيٌّ عالِم.
وهكذا يتبيَّن من هذه النقاط أن لصفةالحياةمن الدلائلِ والبراهينِ المنبِئةِ عن وجودها ووجودِ موصوفها ما يبلغ سبعة أضعاف الكون، حتا راحلتْ هذه الصفة أساسَ جميع الصفات ومنبعَها، ومصدرَ الاسم الأعظم ومدارَه.
ولما كانت رسائل النور قد أثبتت هذه الحقيقة الأولى بالبراهين القار البوضحتها بما يكفي، فحسْبُنا هذه القطرة من هذا البحر.
الحقيقة الثانية: التكلُّم الإلٰهي الآتي من صفة الكلام.
فإنه بسرِّ الآيةِ: لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي...: لا منتهى للكلام الإلٰهي؛ وإندائم اَ علامةٍ تُنبئ عن وجودِ ذاتٍ ما: تَكَلُّمُه؛إذًا فهذه الحقيقة تَشهَد شهادةً بلا انتهاء على موجوديَّة المتكلِّم الأزلي ووَحدته.
— 414 —
ولما كانت قد جاءت شهادتان قويَّتان لهذه الحقيقة بما بُيِّن في جهةِ الوحْيات والإلهامْها تلالمرتبتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من هذه الرسالة؛ وجاءتْ كذلك شهادةٌ واسعةٌ من جهةِ الكتب المقدسة السماوية المُشارِ إليها في المرتبة العاشرة؛ وجاءتْ شهادةٌ أخرى ساطعةٌ جامعةٌ من جهة القرآن المعجز اإن رسافي المرتبة السابعة عشرة؛ فإننا نحيل بيانَ هذه الحقيقة وشهادتها على تلك المراتب.
هذا وإن أنوارَ وأسرارَ الآية العظيمة: شَهِدَ اللّٰهُ أَنّالقرآنا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ التي أعلنتْ هذه الحقيقةَ بإعجازٍ وعبَّرتْ عن شهادتها مع شهادة سائر الحقائق الأخرى قد جاءت كافيةً وافلسُّلوسافرنا هذا حتى إنه لم يستطع أن يتقدَّم أكثر.
وهكذا ذُكِر في المرتبة التاسعة عشرة من المقام الأول ما يلي إشارةً لتفسيرٍ موجزٍ للدرس ارأى كلقاه هذا المسافر من هذا المقام القدسي:
لا إلٰه إلا اللّٰه الواجبُ الوجودِ، الواحدُ الأحدُ، له الأسماء الحسنى، وله الصفاتُ العليا، وله المثل الأعلى، الذي دلَّ علىن سدًّ وجوده في وَحدتِه الذاتُ الواجبُ الوجودِ بإجماعِ جميعِ صفاتِه القدسيَّة المحيطة، وجميعِ أسمائه الحسنى المتجلِّية، باتفاقِ جميعِ شؤوناته وأفعاله المتصرِّفةِ بشهادةِ عَظَمَةِ حقيقهارَ اارُزِ الأُلوهيَّة في تَظاهُرِ الربوبيَّةِ في دوامِ الفعَّاليَّة المستوليةِ بفعلِ الإيجادِ والخَلْقِ والصُّنعِ والإبداعِ بإرادةٍ وقدرةٍ، مة الم التقديرِ والتصويرِ والتدبيرِ والتدويرِ باختيارٍ وحكمةٍ، وبفعلِ التصريفِ والتنظيمِ والمُحافظةِ والإدارةِ والإعاشةِ بقصدٍ ورحمةٍ، وبكمالِ الانتظامِ والموازنةِ، وبشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ أسرارِ:
شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلهم في وَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
٭ ٭ ٭
— 415 —
ألَّفَ الأستاذ رسالةَ المناجاة هذه - وهي "الشعاعُ الثالث" - إضافةً لرسالة "الآية الكبرى" وبضه، لجؤئل أخرى حين كان في "قسطموني"، وهي بمجموعها نماذجُ ساطعةٌ تُبيِّن كيف كانت تمضي حياته هناك، وما القضايا التي أولاها اهتمامَه، وعلى أيِّ المسائل تمحورتْ خدمتُه.
أجل، فقد كان سعيد النُّورْسِيّ - كما ذلكتِلحقائق التي تضمنتْها هذه الرسائل - يعمل جاهدًا لتقوية الإيمان التي هي أوجبُ خدمةٍ للوطن والدين.
٭ ٭ ٭
مقدمة
مثلما تدل هذه الحجة الإيمانية الثامنة على وجوب وجوده ووحدانيته سبحانه، تدلُّ كذلكي يؤديحاطةِ ربوبيته وعَظَمَةِ قدرته بدلائل قطعية، وتدلُّ أيضًا على إحاطة حاكميته وشُمول رحمته وتُثْبِتُهما، كما تُثْبِت إحاطةَ حكمته وشُمولَ علمه لجميع أجزاء الكون.
والحاصلرَ الره الحجة الإيمانية الثامنة ثماني مقدِّمات، في كل مقدِّمةٍ ثماني نتائج، وهي تُثْبِتُ هذه النتائج بأدلتها في موضعها، ولهذا كان لها مزايا رفيعةٌ سامية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 416 —
المناجاة
— 416 —
غير كاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يا إلٰهي ويا رَبِّي..
إِنِّي أَرَى بِبَصِيرةِ الإِيمانِ، وبِتَعلِيمِ القُرآنِ ونُورِه، وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)،ر؛ ونُ يُرِيه اسمُ اللّٰهِ"الحَكِيمُ"أنَّه:
لَيسَ في السَّماواتِ مِن دَوَرانٍ وحَرَكةٍ إِلّا ويُشِيرُ إلى وُجُودِك ويَدُلُّ علَيْه، بِانتِظامِه البَدِيعِ هذا.. وما مِن جِرْمٍ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على واحتابِيَّتِكَ ويُشِيرُ إِشارةً إلى وَحْدَتِكَ، بِسُكُونِها في أَداءِ وَظِيفَتِها بِلا ضَوْضاءٍ، وبِبَقائِها بِلا عَمَدٍ.. وما مِن نَجْمٍ إِلّا ويَشهَدُ على أمورَِ أُلُوهِيَّتِكَ، ويُشِيرُ إلى وَحْدانِيَّتِكَ بخِلقَتِه المَوزُونةِ وبِوَضْعِه المُنتَظِمِ وبِتَبَسُّمِه النُّورانِيِّ، وبِمُمَاثَلَتِه ومُشابَهَتِه لِلنُّجُومِ كافّةً.ادة المِن كَوكَبٍ سَيَّارٍ مِنَ الكَواكِبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِلّا ويَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك، ويُشِيرُ إِلى سَلْطَنةِ أُلُوهِيَّتِك، بِحَرَكيت أسالحَكِيمةِ وتَذَللّٰه المُطِيعِ ووَظِيفَتِه المُنتَظِمةِ وتَوابِعِه المُهِمّةِ.
نعم، مِثْلَما تَشهَدُ السَّماواتُ مع ساكِنِيها، وكُلُّ سَماءٍ بِحَدِّ ذاتِها، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًاٍ وبِندُ بالبَداهةِ شَهادةً ظاهِرةً جَلِيَّةً على وُجُوبِ وُجُودِك يا خالِقَ السَّماواتِ والأَرضِ، وتَشهَدُ شَهادةً قَوِيّةً صادِقةً على وَحْدَتِك وفَردِيَّتورْسِي مَن تُدِيرُ الذَّرّاتِ بمُرَكَّباتِها
— 417 —
المُنَظَّمةِ وتُدَبِّیرُها، ويا مَن تُجرِي الكَواكِبَ السَّيّارةَ معَ تَوابِعِها المُنَظَّمةِ وتُسَخِّرُها لِطاعَتِك.. شَهادةً ظاهِرةً قَوِيّةً تُصَدِّقُها بَراالنور نُورانِيَّةٌ، ودَلائِلُ باهِرةٌ، عَدَدَ النُّجُومِ الَّتي في وَجهِ السَّماءِ.
فهَذِه السَّماواتُ الصَّافِيةُ الطّاهِرةُ الجَمِيلةُ تَدُلُّ دَلالةالنور رةً على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعَظَمةِ قُدرَتِك المُبدِعةِ؛ وتُشِيرُ إِشارةً قَوِيّةً إلى سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُحِيطةِ بالسَّماواتِ الشّاسِعةِ، وإلى رَحْمَتِك الواسِعةِ المُحتَضِنةِ لِكُلِّ ذِي حَياةٍ؛ وتَشهَدُ بلا رَيبٍ على شُمُولِ حِكْمَتشباب"ُلِّ فِعلٍ وعلى إِحاطةِ عِلْمِك بكُلِّ شَيءٍ، المُنَظِّمانِ في قَبضَتِهِما جَمِيعَ شُؤُونِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ السَّماوِيّةِ وكَيفِيّاتِها، بِأَجْرامِها الَّتي هي في غايةِ الضَّخامةِ وفي غالتِ السُّرعةِ، وبِإِظهارِها أَوْضاعَ جَيشٍ مُنَظَّمٍ ومِهرَجانٍ مَهِيبٍ مُزَيَّنٍ بِمَصابِيحَ وَضَّاءةٍ.. فتِلكُما الشَّهادةُ والدَّلالةُ ظاهِرَتانِ جَلِيَّتانِ كأَنَّ النحجاب وَ كَلِماتُ شَهادةٍ لِلسَّماواتِ الشّاهِدةِ ودَلائِلُها المُتَجَسِّمةُ النُّورانِيّةُ.. أمّا النُّجُومُ السّابِحةُ في بَحرِ السَّماواتِ وفي فَضائِها، فإِنَّها تُظهِرُ شَعْشَعةَ سُلطانِ أُلٍ مفتوَتِك، بِأَوْضاعِها المُماثِلةِ لِجُنُودٍ مُنْصاعِينَ وسُفُنٍ مُنتَظِمةٍ وطائِراتٍ خارِقةٍ ومَصابِيحَ عَجِيبةٍ، ورَفِيقاتُ شَمْسِنا الَّتي هِي نَجْمةٌ مِن ذلك الج القديَرنُو إلى عَوالِمِ الآخِرةِ، ولَيسَت مُعَطَّلةً، بِدَلالةِ وَظائِفِ الشَّمسِ في سَيّاراتِها وفي أَرضِنا، ولَرُبَّما هِي شُمُوسُ عَوالِمَ باقِيةٍ.
يا واجِبَ الوُجُودالمعنوواحِدُ، يا أَحَدُ..
إِنَّ هذه النُّجُومَ الخارِقةَ وهذه الشُّمُوسَ الضَّخْمةَ والأَقمارَ العَجِيبةَ قد سُخِّرَت ونُظِّمَت ووُظِّفَت في مُلكِكَ أَنتَ، وفي سَماواتِكَ أَنتَ، بِأَمرِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وبِقُدرَدت أزلَنتَ، وبِإِدارَتِكَ وتَدبِيرِكَ أَنتَ.. فجَمِيعُ تلك الأَجرامِ العُلوِيّةِ تُسَبِّحُ وتُكَبِّیرُ لِلخالِقِ الواحِدِ الَّذِي خَلَقَها ويُجرِيها ويُدِيرُها، وتَقُولُ بِلِسانِ الحالِ: سُبْحَانَ اة، وتو.. اللّٰه أَكبَرُ. وأَنا مَعَها أُقَدِّسُك بِجَمِيعِ تَسبِيحاتِها.
يا من اختفى بشدَّة الظُهور! يا من احتجبَ بعَظمة الكِبرياء! يا قديرُ يا ذا الجلال!
٭
— 418 —
يا قادر القُدرة المُطلقة!
لَقَد أَدرَكتُ بِدَرسِمة التِك الحَكِيمِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما تَشْهَدُ السَّماواتُ والنُّجُومُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، يَشهَدُ جَوُّ السَّماءِ كَذلِك على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدَتِك بِسَابطةُ وبُرُوقِه ورُعُودِه ورِياحِه وأَمطارِه.
نعم، إِنَّ إِرسالَ السَّحابِ الجامِدِ بِلا شُعُورٍ المَطَرَ الباعِثَ لِلحَياةِ، إِغاثةً لِلمُضطَرِّينَ مِنَ الأَحياءِ، لَيسَ إلّا بِرَحمَتِهم يُظْمَتِك أَنتَ، فلا دَخْلَ فيه لِلمُصادَفةِ العَشْواءِ قَطُّ.
وكَذا البَرقُ الَّذي هو طاقةٌ كَهرَبائِيّةٌ عُظمَى، يُشَوِّقُ بِسَناه إلى فَية المه النُّورانِيّةِ، ويُنَوِّرُ قُدرَتَك الفاعِلةَ في الفَضَاءِ على أَفضَلِ وَجْهٍ.
وكَذا الرَّعدُ المُبَشِّرُ بِقُدُومِ المَطَرِ، والَّذِ عليناِقُ الفَضَاءَ الواسِعَ بِتَسبِيحاتِه، فيُدَوِّي في أَرجاءِ السَّماواتِ، يُسَبِّحُك ويُقَدِّسُك ويَشهَدُ بِلِسانِ المَقالِ على رُبُوبِيَّتِك.
وكَذا الرِّياحُ المُسَخَّرةُ بِوَظة الترعِدّةٍ - كحَمْلِ أَكثَرِ الأَرزاقِ ضَرُورةً لِمَعِيشةِ الأَحياءِ وأَسهَلِها تَناوُلًا وفائِدةً، ومَنحِ الأَنفاسِ وتَروِيحِ الأَنفُسِ وغَيرُها كَثِيرٌ - تُشِيرُ إلىضًا جمليّةِ قُدرَتِك أَنتَ، وتَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِك، بِتَبدِيلِها الجَوَّ - لِحِكمةٍ - كأَنَّه "لَوحُ المَحْوِ والإِثباتِ"، فتَكتُبُ ما يُفِيدُ وتَمحُو ما أَفادَ.. كما أن٥
مرَّحمةَ" المُسَتَدَرَّةَ بِرَحمَتِك مِنَ السَّحابِ والمُرسَلةَ إِلى الأَحياءِ تَشهَدُ هي أَيضًا على سَعَةِ رَحمَتِك، ووُسْعةِ رَأْفَتِك، بِكَلِماتِ قَطَراتِها العَذْبةِ اللَّطِيفةِ المَوزُون بقربُِنتَظِمةِ.
يا مُصَرِّفُ يا فَعَّالُ.. يا فَيَّاضُ يا مُتعَالُ..
مِثلَما شَهِد السَّحَابُ والبَرقُ والرَّعدُ والرِّياحُ والمَطَرُ - كُلٌّ على حِدَةٍ - على وُجُوبِ وُجُودِك، فإِنَّوا خديعَها مَعًا تُشِيرُ إِشارةً قَوِيَّةً جِدًّا إلى وَحْدَتِك، وإِلى فَرْدِيَّتِكَ؛ بِخَاصِّيّةِ الِاتِّفاقِ والمَعِيَّةِ والتَّداخُلِ وشَدِّ بَعضِها أَزْرَ البَعضِ، رَغْمَ البُعدِ في النَّأستاذ ةِ والِاختِلافِ في الماهِيَّةِ.
ومِثلَما تَشهَدُ تلك العَناصِرُ الجَوِّيّةُ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجاعِلةِ مِنَ الفَضاءِ الفَسِيحِ مَحْشَرًا لِلعَجائِبِ، بِمَلْئِه وإِفراغِه مَرَّاتٍ عِدَّةً ورُبَّما في اليَومِ الواحِدِ، فإِنَّهحقق باَدُ على
— 419 —
عَظَمةِ قُدرَتِك المُصَرِّفةِ وشُمُولِها كُلَّ شَيءٍ، والَّتي تَكتُبُ ذلك الجَوَّ الواسِعُ وتُبَدِّلُه كأنَّهُ "لَوْحةُ كِتابةٍ"، وتَعصنٍ في مُعصَراتِ لِتَسْقِيَ رَوْضةَ الأَرضِ ماءً غَدَقًا.. فَضْلًا عن دَلالَتِها على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحْمَتِك ولِحاكِمِيَّتِكَ ونُفُوذِهِما ف لقدِ شَيءٍ، وتَدوِيرِهِما كُرةَ الأَرضِ كافّةً والمَخلُوقاتِ كافّةً تَحتَ غِطاءِ الجَوِّ.
وكَذا الهَواءُ المُنبَثُّ في الفَضاءِ يُستَخدَمُ في وَظائِفَ عِدّةٍ استِلحمد وا حَكِيمًا، والغُيُومُ والأَمطارُ تُستَعمَلانِ في فَوائِدَ جَمّةٍ استِعمالًا عَلِيمًا.. بِحَيثُ لَوْلا عِلمٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كُلَّ شَيءٍ، لَمَا أَمكَنَ أن يَكُونَ ذلك الِاستِعمالُ ولا ذلك الِاستغير أن.
يا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ..
إِنَّ إِظهارَ نَمُوذَجِ الحَشرِ والقِيامةِ كُلَّ وَقتٍ بِفَعّالِيَّتِكَ في جَوِّ الفَضاءِ، وتَبدِيلَ الصَّْراضَهلى شِتاءٍ والشِّتاءِ إلى صَيفٍ خِلالَ سَاعةٍ، وإِتيانَ عالَمٍ وإِرسالَ آخَرَ إِلى الغَيبِ وأَمثالَها مِن شُؤُونِ قُدْرَتِك المُتَجَلِّيةِ.. تُشِيرُ إِلى تَبدِيلِهغي من ُنيا إلى آخِرةٍ، وستُظهِرُ شُؤُونًا سَرمَدِيَّةً في الآخِرةِ.
يا قَدِيرُ يا ذا الجَلالِ..
إِنَّ الهَواءَ والرِّياحَ والسَّحابَ والمَطَرَ والبَرْقَ والرَّعدَ في جَوِّ السَّمجل، فلمُسَخَّرةٌ كُلُّها ومُوَظَّفةٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِأَمْرِك وحَوْلَك أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِك أَنتَ.. فمَخلُوقاتُ هذا الفَضاءِ رَغمَ البُعدِ في ماهِيَّاتِها تُسَبِّحُ بِحَمْدِ آمِرِها وتُثْنِّ"، ونحاكِمِها الَّذِي يُخضِعُها لِأَوامِرَ آنِيَّةٍ في مُنتَهَى السُّرعةِ، ولِتحكُّمات مُسرِعة فَوْرِيّة.
٭
يا خالِقَ الأَرضِ والسَّماواتِ.. يا ذا الجَلالِ..
لَقَد آمَنتُ وعَلِمتُ بِتَعلِيمِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِحارب االرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ بِنُجُومِها، وجَوُّ الفَضاءِ بِما فيه، تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك.. ؟ ألا الأَرضُ بِجَمِيعِ مَخلُوقاتِها، وبِأَحوالِها، تَشهَدُ شَهاداتٍ وتُشِيرُ إِشاراتٍ، عَدَدَ مَوجُوداتِها، على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
— 420 —
نعم، فما مِن تَحَوُّلٍ في الأَرضِ، ولا مِن تَبَدُّلٍ فيها - كتَبدِيلِ أستاذارِ والحَيَواناتِ مَلابِسَها سَنَوِيًّا - كُلِّیيًّا كانَ أم جُزئِيًّا، إِلّا ويُشِيرُ بِانتِظامِه وتَناسُقِه، إِلى وُجُودِك ووَحْدَتِكَ.
محيطة ن حَيَوانٍ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِكَ ووَحْدَتِك، بِالرِّزقِ الَّذِي يُساقُ إِلَيْه بِرَحْمةٍ، وبِأَجهِزَتِه الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِه والمُودَعةِ فيه بِحِكْمةٍ، كُلٌّ حَسَبَ ضَعْفِه واحتِياجِهِ.
وما مِن نَباتٍ أو حَيَوانٍاس كماُّ إِيجادُه أَمامَ ناظِرَيْنا في كُلِّ رَبِيعٍ، إِلّا ويُعَرِّفُك، بِصَنْعَتِه العَجِيبةِ وبِزِينَتِه اللَّطِيفةِ وبتَمَيُّزِه التّامِّ وبِانتِظامِه وبِمَوزُونيَّتِه.. فخَلقُ ما يَم عباراوَجْهَ الأَرضِ مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِك المُسَمّاةِ بِالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، مِن بُيُوضٍ وبُوَيْضاتٍ وقَطَراتٍ ونُطَفٍ وحُبُوبٍ وحُبَيْباتٍ، رَغمَ أنَّ مادَّتَها مَحدُودةٌ وواحِدةٌ ومُتَشابِهةٌ، خَلْقًا كامِلًا سَوِيًّا ومُزَيَّنًا بِزِدًا لتومُتَمَيِّزًا بعَلَاماتٍ فارِقةٍ.. شَهادةٌ أَقوَى مِن شَهادةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ وأَسطَعُ مِنها على وُجُودِ صانِعِها الحَكِيمِ، وعلى وَحْدَتِه وحِكْمَتِه وقُدْرَتِه المُطللى كاه وما مِن عُنصُرٍ كالهَواءِ والماءِ والنُّورِ والنّارِ والتُّرابِ إِلّا ويَمْلِكُ شَهادةً على وَحْدَتِكَ وعلى وُجُودِك، بِأَدائِها لِبالحفافَ مُكَمَّلةٍ بِشُعُورٍ بالِغٍ، رَغمَ خُلُوِّها مِنَ الشُّعُورِ، وبِجَلْبِها لِأَثْمارٍ ومَحاصِيلَ مُتَنوِّعةٍ في غايةِ الِانتِظامِ مِ نأخذ ينةِ الغَيبِ، رَغمَ بَساطَتِها وتَجاوُزِ بَعضِها لِلبَعضِ الآخَرِ وعَدَمِ انتِظامِها وتَشَتُّتِها في كُلِّ مَكانٍ.
يا فاطِرُ يا قَدِيرُ يا فَتَّاحُ يا عَلَّامُ يا فَعّالُ يا خَتهمة، .
كما أَنَّ الأَرضَ تَشهَدُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها على كَونِ خالِقِها واجِبًا لِلوُجُودِ، فهِي تَشهَدُ كَذلِك على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك - يا واحِدُ يا أَحَدُ يا حَنّانُ القريبّانُ يا وَهّابُ يا رَزّاقُ - بِسِكَّتِها الَّتي على وَجْهِها، وبِالسِّكَكِ الَّتي على وُجُوهِ ساكِنِيها، وبِجِهةِ الوَحْدةِ والِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والتَّعاوُنِ فيما بَينَها، ووَحْدةِانٍ منءِ الرُّبُوبيّةِ وأَفعالِها النّاظِرةِ إِلَيْها جَمِيعًا.. فتَشهَدُ شَهاداتٍ - بِدَرَجةِ البَداهةِ بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ - على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك.
— 421 —
ونحن فكَما تَدُلُّ الأَرضُ بِوَضْعِها المُشابِهِ لِمُعَسكَرٍ ومَعرِضٍ ومَيدانِ تَدرِيبٍ، وبِمَنحِ أَجهِزةٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ بِانتِظامٍ إلى أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ الَّتي تَضُمُّها فِرقةُاقعة مباتاتِ والحَيَواناتِ، على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى نَفاذِ قُدْرَتِك في كُلِّ شَيءٍ.. كَذلِك الأَرزاقُ المُتَنوِّعةُ لِأَحياءٍ غَيرِ مَحْدُودةٍ، والنَّاشِئةُ مِن تُرابٍ يابُِها يُِيطٍ، وإِرسالُها بِكُلِّ كَرَمٍ ورَحْمةٍ إلى كُلِّ حَيٍّ فَرْدًا فَرْدًا في أَوانِها، وانقِيادُ تلك الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ وإِطاعَتُها إِطاعةً تاممن قسولأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ ودَينُونَتُها التّامّةُ لَها، تُظهِرُ شُمُولَ رَحْمَتِك كُلَّ شَيءٍ وإِحاطةَ حَاكِمِيَّتِك بِكُلِّ شَيءٍ.
وكذا فإِنَّ إِدارةَ قَوافِلِ المَخلُوقاتِ المُعَرَّضةِ دَوْمًا لِلتّتِه لكرِ والتَّبدُّلِ في الأَرضِ، وسَوْقَها ومُناوَبَتَها بِالمَوتِ والحَياةِ.. وإِدارةَ وتَدبِيرَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَتِمَّ إِلّا بِعِلمٍ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيءٍ، وبحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيلإلهيةَحَكَّمُ في كُلِّ شَيءٍ.. تَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك وحِكْمَتِك.
وكذا فإِنَّ هذه الأَهَمِّيّةَ العُظمَى، وهذا البَذْلَ والصَّرفَ غَيرَ المَحدُودِ، وهذه التَّجَلِّياتِ الرَّبّانيّةَ رِيّةَِقةَ، وهذه الخِطاباتِ السُّبحانيّةَ غَيرَ المَحدُودةِ، وهذه الإِحساناتِ الإلٰهيّةَ غَيرَ المُتَناهِيةِ لِهذا الإِنسانِ الَّذي يَتَصرَّفُ في مَوجُوداتِ الأَرضِ وهُو المُكَلَّفُ بِوَظائِفَ غَيرِ مَحدُودةٍ في فَترةٍ قَصِيرةٍ والمُزَوَّة الباتِعداداتٍ وأَجهِزةٍ مَعنَوِيّةٍ تُهَيِّیئُه لِمَعِيشةٍ مَدِيدةٍ في زَمَنٍ غَيرِ مَحدُودٍ.. لا مَحالةَ أنَّها لا تَنحَصِرُ في مَدرَسةِ الدُّنيا هذه، وفي ثُكْنةِ الأَرضِ المُؤَقَّتةِ هذه، وفي مَعرِضِ العالَمِ المُؤَقَّتِ هذا، ولا تَنحَصِرُ في هذ الذي مُرِ القَصِيرِ الحَزِينِ المُكَدَّرِ، ولا في هذه الحَياةِ العَكِرةِ المُنَغِّصةِ، ولا في هذا العالَمِ الفانِي المَلِيءِ بالبَلايا والنَّوائِبِ. بل كُلُّ ذلك يُشِيرُ بِلا شَكٍّ إلى عُمُرٍ آخَر لا تُِيٍّ وسَعادةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، ويُشِيرُ إِلى إِحساناتٍ أُخرَوِيّةٍ في عالَمِ البَقاءِ، بل يَشهَدُ علَيْها.
فيا خالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ جَمِيعَ مَخلُوقاتِ الأَرض تُدارُ مُسَخَّرةً في مُلكِكَ أَنتَ، وفي أَرضِك أَنتَ، وبِحَوْلِك وقُوَّلما كانتَ، وبِقُدْرَتِك وإِرادَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.
— 422 —
وإِنَّ رُبُوبِيّةً تُشاهَدُ فَعّالِيَّیتُها على وَجْهِ الأَرضِ لَتُبدِي إِحاطةً وشُمُولًا، لِأنَّ إِدارَتَها وتَدبِيرَها وتَربِيَتَها هِق سامي الحَساسِيّةِ في غايةِ الكَمالِ.. وإِنَّ إِجراءاتِها المُنتَشِرةَ في كُلِّ جِهةٍ هِي في وَحْدةٍ ومَعِيّةٍ ومُشابَهةٍ.. بِحَيثُ تُعلَمُ أنَّها رُبُوبِيّةٌ كُلِّيّةٌ وتَصَرُّفٌ كُلِّيٌّ لا تَقبَلُ تَجزِئةً قَطُّ؛ وهآن ظلم حُكمٍ كُلِّيٍّ لا يُمكِنُ انقِسامُه قَطُّ، فتُسَبِّحُ الأَرضُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها وتُقَدِّسُ خالِقَها بِأَلسِنةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ فَصِيحةٍ أَبْيَنَ مِن لِسانِ المَقالِ، فتَحْمَدُ رَزَّاقَها الجَلِيلَ وتُثنِي عَلَيْه بِأَلسِنةِ أَحوالٍ بِعَدَدِ فندقٍِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ.. سُبحانَكَ يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ..
إِنِّي أُقدِّسُكَ وأُسَبِّحُكَ بِجَمِيعِ تَقدِيساتِ الأَرضِ وتَسبِيحاتِها مِنَ القُصُورِ والعَجْوأساتذشَّرِيكِ، وإِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي علَيْك بِجَمِيعِ تَحْمِيداتِ الأَرضِ وأَثْنِيَتِها علَيْك.
٭
يا رَبَّ البَرِّ والبَحرِ..
لَقَد تَعَلَّمتُ بِدَرسِ عليه، نِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ والفَضاءُ والأَرضُ تَشهَدُ على وَحْدانيَّتِك وعلى وُجُودِك، فالبِحارُ والأَنهارُ والجَداوِلُ والعُيُونُ أَيضًا تَشهَدُ شَهادةبطون بدَرَجةِ البَداهةِ - على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
نعم، فما مِن مَوجُودٍ بل ما مِن قَطْرةِ ماءٍ في بِحارِ دُنيانا هذه وهِي مَنبَعُ العَجائِبِ - كأَنَّها مَراجِلُ بُخار من حرلّا تُعَرِّفُ خالِقَها: بِوُجُودِها وبِانتِظامِها وبِمَنافِعِها وبِحالِها.
وما مِن مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ الغَرِيبةِ الَّتي تُرسَلُ إِلَيْها أَرزاقُها إِرسالًا كامِلًا في رَملٍ بَسِيطٍ وماءٍ بَسِيطٍ، ولا حَيَوانٍ مِنَ الحَيَواناتِ البَحن لكل الَّتي هي في غايةِ كَمالِ الخِلْقةِ وبِخاصّةٍ الأَسماكُ الَّتي تُجَمِّلُ البِحارَ بما تَقذِفُ إِحداها مِليُونًا مِنَ البُوَيضاتِ.. إِلّا ويُشِيرُ إِلى خالِقِه، ويَشهَدُ على رَزَّاقِه: بِخِلقَتِه وبِوَظائِفِه وبِإِدارَتِه وبإِعاشَتعٍ خالتَدبِيرِ أُمُورِه وبِتَربِيَتِه.
— 423 —
وكذا لَيسَ في البَحرِ مِن جَوْهَرةٍ مِن تِلك الجَواهِرِ القَيِّمةِ واللَّآلِئِ المُزَيَّنةِ الثَّمِينةِ ذاتِ ٍ في أصِّ النَّفِيسةِ لا تَعرِفُك ولا تُعَرِّفُك: بِخِلقَتِها الجَمِيلةِ وبِفِطْرَتِها الجَذّابةِ وبِخاصِّيَّتِها النّافِعةِ.
نعم، فكَما تَشهَدُ كلُّ جَوهَرةٍ فَرْدةٍ، فإِنَّ تلك الجَواهِرَ بِمَجمُوعِها مَعًا تَشهَدُ بِوَحُعَرِّكَذلِك، بِما فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والِاختِلاطِ ووَحْدةِ سِكّةِ الخِلْقةِ وغايةِ السُّهُولةِ في الإِيجادِ وغايةِ الكَثرةِ في الأَفرادِ.
وإِنَّ جَعْلَ البِحارِ المُحِيطةِ بِالأَرضِ مُعَلَّقةً في اللقانونِ معَ بَرِّها الشَّاسِعِ، وهِي سابِحةٌ حَولَ الشَّمسِ دُونَ أَن تَنسَكِبَ انسِكابًا، ودُونَ أن تَتَشتَّتَ فائِضةً، ودُونَ أن تَستَولِيَ على اليابِسةِ.. وخَلْقَ حَيَواناتِها المُتَنوِّعةِ وجَواهِرِها المُنتَظِمةِ مِن رَملِها الك وحِكِ ومائِها البَسِيطِ.. وإِدارةَ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ وسائِرِ أُمُورِها إِدارةً كُلِّیيّةً تامّةً.. والقِيامَ بِتَدبِيرِها وتَطهِيرِ سَطْحِها مِن جَنائِزَ غَيرِ مَحدُودةٍ لبأ5n
َ مِنها.. تَشهَدُ بإِشاراتٍ بِعَدَدِ مَوجُوداتِها على أنَّك مَوجُودٌ وواجِبُ الوُجُودِ.
وكما أنَّها تَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً على جَلالِ س، ولم ةِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك المُحِيطةِ بكُلِّ شَيءٍ، فهِي تَدُلُّ كَذلِك على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك ولِحاكِمِيَّتِك اللَّتَينِ تُهَيمِنانِ على كُلِّ شَيءٍ، وتُسعِفانِ كُلَّ شَيءٍ، اوانتظاً مِنَ النُّجُومِ الضَّخْمةِ والمُنتَظِمةِ في أَعالي السَّماواتِ إلى الأَسماكِ الصَّغِيرةِ المُنتَظِمةِ الإِعاشةِ في أَعماقِ البِحارِ، وتُشِيرُ إلى عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ وإلى لى واحتِك الشّامِلةِ لِكُلِّ شَيءٍ؛ بِانتِظامِها وبِفَوائِدِها وبحِكَمِها وبِمِيزانِها وبِمَوزُونيَّتِها.
وإِنَّ إِيجادَ حِياضِ رَحْمةٍ كَهذِه لِلإِنسانِ القادِمِ ضَيفًا إلى مَضِيفِ الدُّنيا هذه، وتَسخِيرَها لِسَيرِه وسِياحَتِه ولِسَفلشهامةه ولِمَنافِعِه، يُشِيرُ إلى أنَّ الَّذِي يُكرِمُ ضُيُوفَه في لَيْلةٍ واحِدةٍ، في دارِ استِراحةٍ شَيَّدَها لَهُم على طَرِيقِ سَفَرِهِم، بِهذا الكَرَمِ العَظِيمِ مِن هَدايوالمللحارِ وعَطاياها، لا بُدَّ أنَّه قد أَحضَرَ في مَقَرِّ سَلطَنَتِه الأَبدِيّةِ بِحارَ رَحْمةٍ أَبدِيّةً واسِعةً بِحَيثُ إِنَّ المَشهُودةَ مِنها هنا لَيسَت إِلّا نَماذِجَ فانِيةً وصَغِيرةً أَمامالعصر،الأَبدِيّةِ.
— 424 —
وهَكَذا فإِنَّ وُجُودَ البِحارِ بِهذا الطِّرازِ الخارِقِ وبِوَضعِها العَجِيبِ في أَطرافِ الأَرضِ وإِدارةَ مَخلُوقاتِهاتابَ تيامَ بِتَربِيَتِها في غايةِ الِانتِظامِ، يُظهِرُ - بَداهةً - أنَّ جَمِيعَها مُسَخَّرةٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وبِقُوَّتِك وبِقُدرَتِك وبإِدارسائل وبتَدبِيرِك وَحْدَك، فهِي تُقدِّسُ خالِقَها بأَلسِنةِ حالِها هاتِفةً: اللّٰه أَكبَرُ!
٭
يا قَادِرُ يا ذا الجَلالِ.. يا مَن جَعَل الجِبالَ أَوتادًا ذاتَ خَزائِنَ لِسَفِينةِ الأَرعنيه ب لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرِمِ (ص) وبِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما البِحارُ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك بِعَجائِبِها وغَرائِبِها، كَذلِك الجِبالُ تَعرِفُك وتُعرِّفُك، بِخِدْماتِها وبحِكَمِها، بِتَأْمِينِ سُا كان الأَرضِ مِن تَأثِيرِ الزَّلازِلِ ودَمارِها، وبِتَهدِئةِ الأَرضِ مِن غَوائِلِ الِانقِلاباتِ الجارِيةِ في جَوْفِها، وبِإِنقاذِ الأَرضِ مِن فَيَضانِ البِحارِ وطُغيانِ عَوارِمِه بين هتَصفِيةِ الهَواءِ مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ، وبِمُحافَظَتِها المِياهَ وضَمانِ ادِّخارِها، وبِخَزْنِها المَعادِنَ المُستَلزِمةَ لِحاجاتِ الأَحياءِ.
نعم، فما مِن نَوعٍ مِن أَنواعِ الصُّخُورِ الَّتي في الجِبالِ، ولا قِسمٍ مِن أَقسامي مقدموادِّ الَّتي هي عِلاجاتٌ لِمُختَلِفِ الأَمراضِ والعاهاتِ، ولا جِنسٍ مِن أَجناسِ المَعادِنِ المُتَنوِّعةِ جِدًّا والَّتي تَلزَمُ الأَحياءَ ولا سِيَّما الإِنسانَ، ولا صِنفٍ مِن أَصنافِ النَّباتاتِ المُنسحب مِ بِأَزهارِها الجِبالَ وبأَثمارِها القِفارَ.. إِلّا وتَشهَدُ - بَداهةً - على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ ذِي قُدْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ ورَحْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وكَما تعلَيرِ مُتَناهٍ؛ بِما فيها مِنَ الحِكَم والِانتِظامِ وحُسْنِ الخِلْقةِ والفَوائِدِ، مِمّا لا يُمكِنُ نِسبَتُها إلى المُصادَفةِ.. وبِما فِيها مِنَ الِاختِلافِ الشَّدِيدِ في المَذاقاتِ، رَغمَ التّفتئت مِ الظّاهِرِيِّ - وبِخاصّةً في المَعدِنيّاتِ كالمِلحِ ومِلحِ اللَّيمُونِ والسُّلفاتِ والشَّبِّ - ولا سِيَّما النَّباتاتِ، بِأَنواعِها المُتَبايِنةِ العَدِيدةِ النّاشِئةِ مِن تُرابٍ بَسِيطٍ، وبِأَزهارِها وأَثمارِها المُتَنوِّعةِ.. فَضْلًا عي فصل ها تَشهَدُ على وَحْدةِ الصّانِعِ وعلى أَحَدِيَّتِه؛ بِما في هَيْئَتِها العامّةِ مِن وَحْدةِ الإِدارةِ
— 425 —
ووَحْدةِ التَّدبِيرِ ووَحْدةِ المَنشَأِ والمَسْكَنِ والخَلْقِ، والتَّساوِي في الإِتقانِ، معَ الرُّخْصيا منذُسْرِ والوَفْرةِ والسُّرعةِ في الخِلْقةِ.
وكَذا فإِنَّ خَلقَ كُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ المَصنُوعاتِ المَوجُودةِ على سَطْحِ الجِبالِ وفي جَوْفِها، المُنتَشِرةِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ الأَرضِ، وإِيجادَها في آنٍ واحِدالزمانَمَطٍ واحِدٍ بِلا خَطَأٍ وبِلا اختِلاطٍ، رَغمَ التَّداخُلِ ضِمنَ سائِرِ الأَنواعِ، في غايةِ الكَمالِ والسُّرعةِ ومِن دُونِ أن يَشغَلَك فِعلٌ عن فِعلٍ.. يَدُلُّ على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعلى ٤٣٧
ِ قُدرَتِك الَّتي لا يُعجِزُها شَيءٌ.
وكذا فإِنَّ مَلْءَ سُطُوحِ الجِبالِ بالأَشجارِ والنَّباتاتِ، وبُطُونِها بِالمَعادِنِ المُنتَظِمةِ وتَسخِيرَها تَلبِيةً لِحاجاتِ الأَحياءِ كافّةً تَسخِيرًا يَضمَنُ حتَّى أَمك حقًّا المُتَنوِّعةَ بل أَذْواقَها المُختَلِفةَ، ويُشبِعُ شَهِيّاتِها المُتَبايِنةَ، يَدُلُّ على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك وعلى الوُسْعةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِحاكِمِيَّتِك.
َّتي هإِحضارُ كُلِّ ما هو خَفِيٌّ ومُختَلِطٌ، وفي ظُلْمةِ طَبَقاتِ التُّرابِ، إِحضارًا مُنتَظِمًا بِعِلمٍ وبِبَصِيرةٍ ودُونَ حَيْرةٍ وحَسَبَ الحاجةِ.. يَدُلُّ علمرارًاطةِ عِلمِك المُتَعلِّقِ بكُلِّ شَيءٍ، وعلى حِكْمَتِك المُنَظِّمةِ لِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِها جَمِيعَ الأَشياءِ.
وكذا إِحضارُ الأَدْوِيةِ وادِّخارُ المَوادِّ المَعدِنيّةِ يُشِيرُ ببالفهمحٍ ويَدُلُّ بِجَلاءٍ على مَحاسِنِ تَدابِيرِ رُبُوبِيَّتِك الرَّحِيمةِ والكَرِيمةِ، وعلى لَطائِفِ مُدَّخَراتِ عِنايَتِك.
وكذا جَعْلُ الج دون االشَّوامِخِ مَخازِنَ احتِياطِيّةً مُنتَظِمةً ومُستَودَعاتٍ مُكَمِّلةً لِكُنُوزٍ ضَرُورِيّةٍ لِحَياةِ الضُّيُوفِ القادِمِينَ إِلى مَضِيفِ الأَرضِ ولِسصةٍ مناجاتِهِم في المُستَقبَلِ.. يُشِيرُ ويَدُلُّ بل ويَشهَدُ على أنَّ صانِعًا له هذا الكَرَمُ الواسِعُ ومُكرِمًا وحَكِيمًا رَؤُوفًا، وقَدِيرًا ومُرَبِّيًا.. لا بُدَّ له خَزائِنُ أَبدِيّةٌ لِهده؛ غ الأَبدِيّةِ في عالَمٍ أَبدِيٍّ لِأُولَئِك المُسافِرِينَ الضُّيُوفِ المَحبُوبِينَ عِندَه.. فتَقُومُ النُّجُومُ هُناك بِمُهِمّةٍ ما تَقُومُ الجِبالُ بِها هاهُنا.
— 426 —
يا قَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ..
وهو ال الجِبالَ وما فِيهَا مِنَ المَخلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ ومُدَّخَراتٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدرَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ. إِنَّها تُسَبِّحُ وتُقَدِّسُ لِفاطِرِها ايلٍ إلوَظَّفَها وسَخَّرَها على هذه الصُّورةِ.
٭
يا خالِقُ ويا رَحمٰنُ.. ويا رَبُّ ويا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ أنَّه: مِثتفوُّقلسَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَحرُ والجَبَلُ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك بِما فِيها وبِمَخلُوقاتِها، كَذلِك جَمِيعُ الأَشجارِ والنَّباتاتِ في الأَرضِ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك - ِّي تدةِ البَداهةِ - بِأَوراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها.. فكُلُّ وَرَقةٍ مِن أَوْراقِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ المُهتَزَّةِ بِجَذَباتِ الذِّكرِ وشَوْقِه.. وكُلُّ زَهْرةٍ مِنَ الأَزهارِ الواصِفةِ والمدام هذفةِ بِزِينَتِها لِأَسماءِ صانِعِها.. وكُلُّ ثَمَرةٍ مِنَ الأَثمارِ المُتَبَسِّمةِ مِن لَطافَتِها بِتَجَلِّي الرَّحْمةِ فِيها.. تَشهَدُ كُلُّها: بِالنِّظامِ الَّذِي في صَنْعَتِها الخارِقةِ، وبالمِيزانِ الَّذِي في النِّظامِ، وبِالزِّينةِ الَّتر والفلمِيزانِ، وبِالنُّقُوشِ المَوجُودةِ في الزِّينةِ، وبِالعَبَقِ الطَّيِّبِ المُتَنَوِّعِ المَمزُوجِ بِالنُّقُوشِ، وبِالطُّعُومِ المُختَلِفةِ في العَبَقِ الفَوّاحِ لِلأَثمارِ.. شَهادةً بِدَرَجةِ في مهاهةِ - لا يُمكِنُ نِسْبَتُها إِلى المُصادَفةِ - على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ لا نِهايةَ لِرَحمَتِه ولا نِهايةَ لِكَرَمِه.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذا في كُلِّ فَردٍ، فكُلُّ الأَشجارِ والنَّباتاتِ مَعًا تَشهَدُ كَذلِك بِالبَدنِزْليلى وَحْدةِ ذلك الصّانِعِ الواجِبِ وُجُودُه وعلى أَحَدِيَّتِه: بِوَحْدَتِها واتِّفاقِها ومَعِيَّتِها على سَطْحِ الأَرضِ كافّةً، وبِتَشابُهِها على سِكّةِ الخِلْقةِ وبِارتِباطِها في التَّدبرية، فالإِدارةِ، وبِتَوافُقِها فِيما يَتَعلَّقُ بِها مِن أَفعالِ الإِيجادِ والأَسماءِ الرَّبّانيّةِ، وبِإِدارةِ الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ لِمِئةِ أَلفِلها، إ مَعَ تَداخُلِها إِدارةً مُباشِرةً دُونَ حَيْرةٍ ولا خَطَأٍ.
وكَذا مِثلَما يَشهَدُ أُولَئِك على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِكَ، فبارطة"إِعاشةَ وإِدارةَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِجَحْفَلِ الأَحياءِ مِنَ الجَيشِ الهائِلِ المُتَشَكِّلِ مِن أَربَعِ مِئةِ
— 427 —
أَلفٍ مِنَ الأخرين.
على وَجْهِ الأَرضِ إِدارةً بِكَمالِ الإِتقانِ وبِمِئاتِ الآلافِ مِن أَنماطِ الإِعاشةِ والإِدارةِ الَّتي تَتِمُّ بِكَمالِ الِانتِظامِ دُونَ سَهْوٍ ولا خَلْطٍ.. تَدُلُّ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك وهَيْبَتِها في لأعدانِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تَخلُقُ الرَّبِيعَ بِيُسْرِ إِيجادِ زَهْرةٍ وتَعَلُّقِها بِكُلِّ شَيءٍ، وتَدُلُّ قَطْعًا على سَيب الرحْمَتِك المُطلَقَةِ الَّتي تُهَيِّئُ أَقسامَ الأَطعِمةِ المُتَنوِّعةِ المُختَلِفةِ وغَيرِ المَحدُودةِ، وتُحضِرُها لِحَيَواناتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ ولِلإِنسانِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ هذه الأَرضِ الضَّخْمةِ.
وإِنَّ جَرَيانَ تلك الأُمُورِا إلى نعاماتِ وأَشكالِ الإِدارةِ وأَنواعِ الإِعاشةِ والإِجراءاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بِكَمالِ الِانتِظامِ، وانقِيادَ كُلِّ شَيءٍ وخُضُوعَه حَتَّى الذَّرّاتِ لِتِلك الأَوامِرِ والإِجراءاتِ.. تَدُلُّ دَلالةًرًا واةً على السَّعةِ المُطلَقةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وإِنَّ عَمَلَ كُلِّ شَيءٍ لِكُلِّ وَرَقةٍ وزَهْرةٍ وثَمَرةٍ، ولِكُلِّ جَذْرٍ وغُصْنٍ وفَرْعٍ، مِن تِلك الأَشجارِ والنوات التِ، عَمَلًا بِعِلمٍ وبَصِيرةٍ وَفقَ ما تَقتَضِيه الفَوائِدُ والمَصالِحُ والحِكَمُ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك بكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلّو اثنيٍ دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً، وتُشِيرُ إِلَيْهِما بِأَصابِعِها الَّتي لا تُحَدُّ.. وإِنَّها تَحمَدُ وتُثنِي بِأَلسِنَتِها غَيرِ المَحدُودةِ على جَمالِ صَنْعَتِك وهِي في مُنتَهَى الكَمالِ، وعلى كَميبتي هعمَتِك وهِي في مُنتَهَى الجَمالِ.
وكَذا فإِنَّ هذه الإِحساناتِ الثَّمِينةَ والنِّعَمَ القَيِّمةَ العَمِيمةَ، وهَذِه المَصارِفَ والإِكراماتِ الَّتي تَفُوقُ الحَدَّ، تَصِلي والتأَيادِي الأَشجارِ والنَّباتاتِ في هذه الدّارِ المُؤَقَّتةِ والمَضِيفِ الفانِي، وفي زَمَنٍ قَصِيرٍ وعُمُرٍ قَلِيلٍ، تُشِيرُ بل تَشهَدُ على أنَّ الرَّحِيمَ ذا القُدْرةِ والكَرَمِ الَّذي ساقَ هُنا لِضُيُوفِه كُلَّ هذه الرَّحْمةِ.. لا بُدَّ ثة أو قد أَعَدَّ أَشجارًا مُثمِرةً ونَباتاتٍ مُزهِرةً خالِدةً بِما يَلِيقُ بِالجَنّةِ الخالِدةِ في عالَمٍ خالِدٍ في مَمْلَكةٍ خالِدةٍ، لِعِبادِه الَّذِينَ سيُخَلِّدُهُم أَبَدَ الآبِدِينَ.. لِكَيْ يَحُولَ دُونَ انقِلابِ نَتائِجِ مَصارِيفِه لة الته الَّتي صَرَفَها لِلتَّوَدُّدِ والتَّعَرُّفِ إلى ضِدِّها - أَيْ: لِئَلَّا تَقُولَ جَمِيعُ الخَلائِقِ: لَقَد أَذاقَنا تِلك النِّعَمَ وأَعدَمَنا قَبلَ أن نَتَناوَلَها - ولِكَي يَحُولَ دغرضٍ مِسقاطِ هَيْبةِ أُلُوهِيَّتِه، ودُونَ إِنكارِ سَعةِ رَحْمَتِه، ودُونَ تَحَوُّلِ جَمِيعِ أَحِبَّتِه المُشتاقِينَ إِلَيْه أَعداءً بِحِرمانِهِم.. أَجَلْ،
— 428 —
لَقَد أَحْضَرَها مِن خَزائِنِ الرَّحْمةِ الخالِدةِ وفي جَنّاتِه الخالِدةِ. وما البأرواحاهُنا إِلّا نَماذِجُ عَرْضٍ لِلزَّبائِنِ فحَسْبُ.
وكَما أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ كافّةً تُقَدِّسُك وتُسَبِّحُك وتَحمَدُك بِكَلِماتِ أَوْراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها، كَذلِك كُلُّ كساس هذ مِن تِلك الكَلِماتِ بِحَدِّ ذاتِها تُقَدِّسُك أَيضًا، وبِخاصّةٍ خَلْقُ الأَثمارِ خَلْقًا بَدِيعًا ولُبابِها المُتَنوِّعةِ، وصَنْعَتِهاوجوهٌ ِيبةِ وبُذُورِها الخارِقةِ، وإِيداعُ صِحافِ الطَّعامِ تِلك إِلى أَيدِي الأَشجارِ ووَضْعُها على رُؤُوسِ النَّباتاتِ وإِرسالُها هكَذا إِلى ضُيُوفِه الأَحياءِ،وا رؤو يَجعَلُ تَسبِيحاتِ أَلسِنةِ حالَاتِها ظاهِرةً وجَلِيّةً تَبلُغُ دَرَجةَ لِسانِ المَقالِ.
فجَمِيعُ أُولَئِك مُسَخَّراتٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِقُوّة، فتضقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وإِحساناتِك أَنتَ، وبِرَحْمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، وإِنَّها مُنقادةٌ مُطِيعةٌ لِكُلِّ أَمرٍ صادِرٍ مِنك.
فيا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ، ويا مَنِ احتَجَب بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ.. يا صانِعُ، يا حَكِيمُ.. يادثتكم قُ يا رَحِيمُ.. إِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي عَلَيْك مُقَدِّسًا إِيّاكَ مِنَ القُصُورِ والعَجزِ والشَّرِيكِ، بِأَلسِنةِ جَمِيعِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ وجَمِيعِ الأَوْراقِ والأَزهارِ والأَثمارِ وبِعَدَدِها.
٭
يا فاطِرُ يا قادِرُ.. يا مقبل وقیرُ يا حَكِيمُ.. يا مُرَبِّي يا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ بِأنَّه: كَما أنَّ ال رسائلاتِ والأَشجارَ تُعَرِّفُك وتُعَلِّمُ صِفاتِك القُدْسِيّةَ وأَسماءَك الحُسنَى، فلَيسَ في الأَحياءِ المالِكةِ لِلرُّوحِ كالإِنسانِ والحَيَواناتِ مِن فَرْدٍ لا يَشهَدُ على وُجُوبِ وَُمًا، ، وعلى تَحَقُّقِ صِفاتِك: بِأَعضاءِ جِسمِه الدّاخِلِيّةِ مِنها والخارِجِيّةِ، العامِلةِ والمُساقةِ إلى العَمَلِ - كالسَّاعاتِ المُنتَظِمةِ - وبِآلاتِه وحواسِّه المَوضُوعةِ في بَدَنِه بِنِظامٍ في مُنتَهَى الدِّقّةِ وبذا ويَنٍ في مُنتَهَى الحَسَاسِيّةِ وبِفَوائِدَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، وبِأَجهِزَتِه البَدَنِيّةِ المَخلُوقةِ في غايةِ الإِتقانِ، والمَفرُوشةِ في غايةِ الحِكْمةِ والمَوضُوعةِ في غايةِ المُوازَنةِ.. لِأَنَّ هذه الصَّنْعةَ الدَّقِيقةَ بِبَصِيذه الأالحِكْمةَ اللَّطِيفةَ بِشُعُورٍ، والمُوازَنةَ التّامّةَ بِتَدبِيرٍ لا يُمكِنُ أن
— 429 —
تَتَدخَّلَ فيها القُوّةُ العَمْياءُ ولا الطَّبِيعةُ الصَّمّاءُ ولا المُصادَفةُ العَشْواءُ، فلا يُمكِنُ أن تكُونَ هذه الأُمُورُ مِن أَعمالِها.. أَمّصي؟
َكُّلُها بِنَفسِها فهُو مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ، لِأنَّه يَنبَغِي أن تَعرِفَ كُلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِها وتَرَى وتَعمَلَ كُلَّ ما يَخُصُّ تَركِيبَ جَسَدِهَا، بل كُلَّ شَيءٍ يَتَعلَّقُ بِها في الدُّنيا، فت كُشِف عِلمًا وقُدْرةً مُحِيطَينِ كأَنَّها إلٰه، ثُمَّ يُمكِنَ أن يُحالَ تَشكِيلُ الجَسَدِ إِلَيْها ويُقالَ: إِنَّها تَشَكَّلَت بِنَفسِها!
وكذا لَيسَت هُناك كَيفِيّةٌ لِلأَحياءِ عامّةً، مِن وَحْدةِ التّوةِ الِ ووَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ النَّوعِ ووَحْدةِ الجِنسِ ووَحْدةِ سِكّةِ الفِطْرةِ - المُشاهَدةِ اتِّفاقُها في أَوْجُهِها عامّةً مِن عَينٍ وأُذُنٍ وفتفرقواَيرِها - ومِنَ الِاتِّحادِ في سِكّةِ الحِكْمةِ - الظّاهِرةِ في سِيماءِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أَفرادِ النَّوعِ الواحِدِ - ومِنَ المَعِيّةِ في الإِعاشةِ والإِيجادِ مَعَ تَداخُلِلا نتنها في بَعضٍ.. إِلّا وتَتَضمَّنُ شَهادةً قاطِعةً على وَحْدَتِك، وإِشارةً إِلى أَحَدِيَّتِك في الواحِدِيّةِ بِما يَملِكُ كُلُّ فَرْدٍ مِن أَفرادِها مِن تَجَلِّياتِ جَمِيعِ الأَسلتافهةلنّاظِرةِ إِلى الكَونِ.
وكذا فكَما أنَّ تَسخِيرَ مِئاتِ الآلافِ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ المُنتَشِرةِ معَ الإِنسانِ على وَجهِ البَسِيطةِ كافّةً وتَجهِيزَها وتَدرِيبَها وجيم.. وا مُطِيعةً ومُسَخَّرةً كأَنَّها جَيشٌ مُنَظَّمٌ، وجَرَيانَ أَوامِرِ الرُّبُوبِيّةِ فيها بِانتِظامٍ بالِغٍ يَدُلُّ على دَرَجةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك تلك، فإِنَّ القِيمةَ الغالِيةَ لِتِلك المَخلُوقاتِ معَ أنَّها في غايةِ الكَ جامع" وإِيجادَها في مُنتَهَى السُّرعةِ معَ أنَّها في غايةِ الكَمالِ، وخَلْقَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ معَ أنَّها في غايةِ الإِتقانِ.. يَدُ له منلالةً قاطِعةً على عَظَمةِ قُدْرَتِك.
وكَذا إِيصالُ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ المُنبَثَّةِ في أَقاصِي الشَّرقِ والغَربِ والشَّمالِ والجَنُوبِ ابتِداءً مِن أَصغَرِ مِيكرُوبٍ وانتِتها لشِأَضخَمِ حَيَوانٍ، ومِن أَصغَرِ حَشَرةٍ إلى أَضخَمِ طَيرٍ.. يَدُلُّ على سَعةِ رَحْمَتِك المُطلَقةِ.
وكَذا تَحَوُّلُ وَجهِ الأَرضِ كُلَّ رَبِيعٍ إلى مُعَسكَرٍ لِتِلك المَخلُوقاتِ بَدَلًا مِن تلك الَّتي أُنْهِيَت خِدْماتُها في الخَرِيفِ انية بُ كُلٍّ مِنها مُهِمَّتَها الفِطْرِيّةَ كأَنَّها جُندِيٌّ مُطِيعٌ يُستَنفَرُ مِن جَدِيدٍ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ.
— 430 —
وكَذا فكَما أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يُشِيرُ إِشاراتٍ ترف الدِ الحَيَواناتِ إلى إِحاطةِ عِلمِك بِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ.. بِخَلْقِها كَنُسخةٍ مُصَغَّرةٍ لِلكائِناتِ، بِعِلمٍ في غايةنا نُخمقِ، وحِكْمةٍ في غايةِ الدِّقّةِ، بِلا خَلْطٍ بَينَ الأَجزاءِ المُختَلِطةِ، وبِلا تَحَيُّرٍ بَينَ الصُّوَرِ المُتَبايِنةِ لِلحَيَواناتِ كافّةً، وبِلا خَطَأٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ.. فإِنَّ خَلز فيه لٍّ مِنها كَذلِك خَلْقًا في رَوْعةِ الإِتقانِ والجَمالِ، مِمّا يَجعَلُه مُعجِزةً في الصَّنعةِ وخارِقةً في الحِكْمةِ.. يُشِيرُ إلى كَمالِ حُسْنِ صَنْعَتِك الرَّبانيّةِ، وإِلى غايةِ جَمالِها، تِلك الصَّنعةِ الَّتي تُحِبُّهقلاقِلغَبُ في عَرْضِها ونَشْرِها.
وكذا تَربِيةُ كُلٍّ مِنها وبِخاصّةٍ الصِّغارُ تَربِيةً في غايةِ الرِّقّةِ واللُّطْفِ، وتَلبِيةُ جَمِيعِ رَغَباتِها وآمالِها.. تُشِيرُ إِشاراتٍ غَيرَ مَحدُودةٍ إِلى الجَمالِ الرّائِعِ لِعِنايَية الم يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ.. يا صادِقَ الوَعدِ الأَمِينَ.. يا مَالِكَ يَومِ الدِّينِ..
لقد علمت بتعليم رسولك الأكرم (ص) وبإرشاد قرآنك الحكيم أنه:
ما دامَتِ الحَياةُ أَعظَمَ نَتِيجةٍ مُنتَخَبةٍ مِنَ الكَونِ، والرُّوحُ هِي الخُلاصةُ لُ.. ارةُ مِنَ الحَياةِ، وأُولُو المَشاعِرِ هُمُ النَّتِيجةُ الخالِصةُ مِن بَينِ أَقسامِ ذَوِي الأَرواحِ، والإِنسانُ هو أَجمَعُ أُولِي المَشاعِرِ، وجَمِيعُ الكائِناتِ بِدأَرَضِا مُسَخَّرةٌ وساعِيةٌ لِأَجلِ الحَياةِ، وذَوُو الحَياةِ مُسَخَّرُونَ لِذَوي الأَرواحِ وقد بُعِثُوا إِلى الدُّنيا لِأَجلِهِم، وذَوُو الأَرواحِ مُسَخَّرُونَ لِلإِنسانِ وفي عَوْنِه دائِمًا، لنور بسُ يُحِبُّونَ خالِقَهُم مَحَبّةً خالِصةً بِفِطْرَتِهم، وخالِقُهم يُحِبُّهُم ويُحَبِّبُ نَفسَه إِلَيهِم بِكُلِّ وَسِيلةٍ، واستِعدادُ الإِنسانِ وأَجهِزَتُه المَعنَوِيّةُ تَتَطلَّعُ إلى عالَمٍ آخَرَ باقٍ وإِلى حَياةٍ أُخرَىإلى مذيّةٍ، وأَنَّ قَلبَه وشُعُورَه يَطلُبانِ البَقاءَ ويَتُوقانِ إِلَيْه، وأَنَّ لِسانَه يَتَوسَّلُ إِلى خالِقِه بِأَدعِيةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ طالِبًا البَقاءَ.. فلا يُمكِنُ مُطلقًا إِغضابُ النّاسِ الة، ترسِينَ المَحبُوبِينَ وإِسخاطُهُم بِعَداوةٍ أَبدِيّةٍ بِعَدَمِ بَعْثِهِم بَعدَ إِماتَتِهِم، وهُم قد خُلِقُوا أَصلًا لِمَحَبّةٍ خالِدةٍ، وأُرسِلُوا إِلى هذه الدُّنيا بِحِكْمةٍ لِنَيلِ عَيْشٍ سَعِيدٍ في عالَمٍ أَبدِية مسؤورَ.
— 431 —
ثُمَّ إِنَّ الأَسماءَ الحُسنَى المُتَجَلِّيةَ على الإِنسانِ تُشِيرُ إِلى أنَّ الَّذي هُو مِرآةٌ عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ في هذه الحَياةِ القَصِيرةِ الفانِيةِ سيَحْظَى بِتَجَلِّياتِها الأَبدِيّةِ في عالَمِ البَقاءِ. ن ذا الإِنَّ الخَلِيلَ الصَّادِقَ لِلخالِدِ يكُونُ خالِدًا، وإِنَّ المِرآةَ الشّاعِرةَ لِلباقِي يَستَلزِمُ بَقاءَها. وكَما يُفهَمُ مِنَ الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ: أنَّ أَرواحَ الحَيَواناتِ ستَبقَى دائِمةًٍ معه َ أَرواحَ بَعضِ أَفرادٍ خاصّةٍ مِنَ الحَيَواناتِ ستَمضِي إِلى عالَمِ البَقاءِ معَ أَجسادِها، كهُدْهُدِ ونَمْلِ سُلَيْمانَ عليه السلام، وناقةِ صالِحٍ عليه السلام، وكَلبِ أَصحابِ الكَهْفِ، وأنَّ كُلَّ نَوعٍ مِنها سيَتَجَسَّدُ بَِعْلَه لِاستِعمالِه أَحيانًا.. فالحِكْمةُ والحَقِيقةُ وكَذا الرَّحْمةُ والرُّبُوبِيّةُ تَقتَضِي كُلُّها ذلك.
يا قادِرُ يا قَيُّومُ..
إِنَّ جَمِيعَ ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الأَرواحِ وذَوِي اطةَ منورِ قد وُظِّفُوا بِوَظائِفَ فِطْرِيّةٍ في مُلْكِك أَنتَ، وسُخِّرُوا لِأَوامِرِ رُبُوبِيَّتِك أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك وَحْدَك، وبإِرادَتِك وتَدبِيرِك ورَحْمَتِك وحِكْمَتِك. وإِنَّ قِسمًا مِنها قد سُخِّرَت وذُلِّلَت الغضبنسانِ مِن لَدُنْ رَحْمَتِك، لا بِقُوَّتِه وغَلَبَتِه بل لِضَعْفِه وعَجْزِه فِطْرةً.. فكُلُّ حَيَوانٍ يُؤَدِّي عِبادَتَه الخاصّةَ به، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ، مُسَبِّحًا خالِقَه مواجهةَه ومَعبُودَه، مُقَدِّسًا إِيّاه مِنَ القُصُورِ والشِّركِ، حامِدًا شاكِرًا لِأَنعُمِه وآلائِهِ.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ!
سُبحانَك يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ!
إِنِّي أُقَدِّسُك بِت وثااتِ جَمِيعِ ذَوِي الأَرواحِ مُنادِيًا:
سُبحانَك.. يا مَن جَعَل مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ..
٭
— 432 —
يا رَبَّ العالَمِينَ.. يا إلٰه الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ.. يا رَبَّ السَّماواتِ والوها وصينَ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ أنَّه: مِثلَما السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَیرُّ والبَحرُ والشَّجَرُ والنَّباتُ والحَيَوانُ.. تَعرِفُك بِأَفرادِها وأَجزائِها وذَرّاتِهاأقوى مهَدُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، وتَدُلُّ علَيْهِما وتُشِيرُ؛ فإِنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ والأَصفِياءَ الَّذِينَ هُم خُلاصةُ نَوعِ الإِنسانِ الَّذي هو خُلاصةُ ذَوِي الحَياةِ الَّذِينَ هم خُلاصة بأصواونِ، يَشهَدُونَ ويُخبِرُونَ بِوُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك وأَحَدِيَّتِك، إِخبارًا قاطِعًا بِقُوّةِ مِئاتِ الإِجماعِ ومِئاتِ التَّواتُرِ المُستَنِدةِ إِلى مُشاِعةِ ل قُلُوبِهِم وعُقُولِهِم وكَشْفِيّاتِها وإِلهاماتِها واستِخراجاتِها وبِقَطْعِيَّتِها، ويُثبِتُونَ إِخباراتِهِم بمُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وبَراهِينِهِمُ اليَقِينيّةِ.
نَعَم، لَيسَت في القُلُوبِ خاطِرةٌ غَيبِيّةٌ تُومِئُ إهذه الذّاتِ المُخبِرةِ بِها في سِتارِ الغَيبِ، ولَيسَ فِيها إِلهامٌ صادِقٌ يُشِيرُ الرُّؤيةَ إِلى الذّاتِ المُلهِمةِ فيها، ولَيسَت فيها عَقِيدةٌ يَقِينيسِيّ
كشِفُ عن صِفاتِك القُدسِيّةِ وأَسمائِك الحُسنَى كَشْفًا بِحَقِّ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَنبِياءِ والأَولِياءِ قَلبٌ نُورانِيٌّ يُشاهِدُ أَنوارَ واجِبِ الوُجُودِ بِعَينِفإن شئِينِ، ولَيسَ في الأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ عَقلٌ مُنَوَّرٌ يُصَدِّقُ آياتِ وُجُوبِ وُجُودِ خالِقٍ لِكُلِّ شَيءٍ ويُثبِتُ بَراهِينَ وَحْدَتِه بِعِلمِ اليَقِينِ.. إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً ويَملِكُ دَلالةً ويَعرِضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلون سباتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى.
ولَيسَت هُناك مُعجِزةٌ مِنَ المُعجِزاتِ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ لِأَخبارَّنوا ِدِ جَمِيعِ الأَنبِياءِ والأَولِياءِ والأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ ورَئِيسِهِم وخُلاصَتِهِم ذلك الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، ولا حَقِيقةٌ مِن حَقائِقِه السّامِيةِ المُظهِرةِ لِحَقّانِيَّتِه، ولا آيةٌ مِن آياتِ التَّوحِيدِ القاطةً بتمِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ الَّذِي يُلَخِّصُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُقَدَّسةِ الحَقّةِ، ولا مَسأَلةٌ إِيمانيّةٌ مِن مَسائِلِه القُدسِيّةِ.. إِلّا وتَشهَدُهاءً بةً وتَملِكُ دَلالةً وتَعرِضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى وعلى صِفاتِك الجَلِيلةِ.
— 433 —
ومِثلَما يَشهَدُ جَمِيعُ أُولَئِك المُخبِرِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَنا من ُّونَ بِمِئاتِ الآلافِ - مُستَنِدِينَ إلى مُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وحُجَجِهِم - على وُجُودِك وعلى وَحْدانِيَّتِك.. فإِنَّهُم يُخبِرُونَ - ويُثبِتُوى "أميإِجماعِ والِاتِّفاقِ - عن مَدَى عَظَمةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجارِيةِ ابتِداءً مِن إِدارةِ الأُمُورِ الكُلِّيّةِ لِلعَرشِ الأَعظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، إِلى مَعرِفةِ أَخفَى الخَلَجاتِ والخَواطِرِ الجُزئِيّةِ لِلقَلبِ وسَرائِرِهكبيرٍ ِه وأَدعِيَتِه والِاستِماعِ إِلَيْه وإِدارَتِه.. ويُعلِنُونَ مَدَى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تُوجِدُ الأَشياءَ المُختَلِفةَ غَيرَ المَحدُودة بقائهمامَ أَعيُنِنا - دُفعةً واحِدةً، وتَخلُقُ أَكبَرَ شَيءٍ بِسُهُولةِ خَلقِ أَصغَرِ حَشَرةٍ، دُونَ أَن يَمنَعَ فِعلٌ فِعلًا.
ومِثلَما أنَّهُم يُخبِرُونَ - ويُثبِتُونَ ذلك بِمُعجِزاتِهِم وحُجَجِهِم - عن سَعَةِ رَحمَتِك المُطلَقةِ الَّتي صَيَّیوما دالكَونَ في حُكمِ قَصرٍ مُنِيفٍ لِذَوِي الأَرواحِ وبِخاصّةٍ لِلإِنسانِ، والَّتي أَعَدَّتِ الجَنّةَ والسَّعادةَ الأَبدِيّةَ لِلجِنِّ والإِنسِ، والَّتي لا تَنسَى مُطلَقًا أَصغَرَ كائِنٍ حَيٍّ وتَسعَى لِتَطْمِينِ أَعجَزِ قَلبٍ وير فيمفِه.. وعن سَعَةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ الَّتي تُسَخِّرُ وتُوَظِّفُ وتُخضِعُ لِأَوامِرِها جَمِيعَ أَنواعِ المَخلُوقاتِ مِنَ الذَّرّاتِ إِلى السَّيّاراتِ.. فإِنَّهُم يَشهَدُونَ ويَدُلُّونَ ويُشِيرُونَ كَذلِك - بِالإِجماعِ والِاتِّفاقِء الأوى إِحاطةِ عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ الَّذي جَعَل الكَونَ بِحُكْمِ كِتابٍ كَبِيرٍ يَضُمُّ رَسائِلَ بِعَدَدِ أَجزائِه، والَّذِي سَجَّلَ جَمِيعَ حَوادِثِ المَوجُوداتِ في "إِمامٍ مُبِينٍ" وفي "كِتابٍ مُبِينٍ"،لدين و سِجِلَّا "اللَّوحِ المَحفُوظِ"، والَّذي أَوْدَع البُذُورَ فَهارِسَ الأَشجارِ ومَناهِجَها كافّةً، والَّذي أَملَى في جَمِيعِ القُوَى الحافِظةِ في رُؤُوسِ أُولي المَشاعِرِ حتى إيخَ حَياتِهِم بِانتِظامٍ ودُونَ خَطَأٍ.. ويَشهَدُونَ كَذلِك على شُمُولِ حِكْمَتِك المُقَدَّسةِ كُلَّ شَيءٍ، الَّتي قَلَّدَت كُلَّ مَوجُودٍ حِكَمًا كَثِيرةنا عن ًا، حَتَّى إِنَّها أَعطَت بِما تَمُدُّ كُلَّ شَجَرةٍ نَتائِجَ بِعَدَدِ أَثمارِها، والَّتي أَردَفَت في كُلِّ ذِي حَياةٍ مَصالِحَ بِعَدَدتهمونيائِه، بل بِعَدَدِ أَجزائِه وخَلاياه، حَتَّى إِنَّها معَ تَوظِيفِها لِسانَ الإِنسانِ بِوَظائِفَ عِدّةٍ فقد جَهَّزَتْه أَيضًا بِمَوازِينَ ذَوْقِيّةٍ بِعَدَدِ أَذْواقِ الأَطعِمةِ.. وهُم يَشهَدُونَ أَيضًا على استِمرارِ تَجَلِّياتِ الأَسأنوار،لجَلالِيّةِ والجَمالِيّةِ - الظّاهِرةِ آثارُها في هذه الدُّنيا - ودَوامِها بِأَسطَعِ صُورةٍ وأَبهَرِها في أَبَدِ الآبادِ، وعلى استِمرارِ
— 434 —
آلائِك المُشاهَدةِ أَمثالُها في هذه الدُّنيا الفانِيةِ وبَقائِها أَكثَرَ بَهاءً ولَمَعانًا فياهةِ علسَّعادةِ، وعلى مُرافَقَتِها المُشتاقِينَ الَّذِينَ حَظُوا بِها في هذه الدُّنيا ومُصاحَبَتِها لَهُم في الخُلُودِ.
فالرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) - في المُقَدِّمةِ - مُستَنِدًا إلى مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه الباهِرةِ، والقُرآنُ الكَرِيمُ مُستَنِدِ واليى آياتِه الجازِمةِ، ثُمَّ جَمِيعُ الأَنبِياءِ عليهم السلام وهُم ذَوُو الأَرواحِ النَّیيِّرةِ، وجَمِيعُ الأَولِياءِ وهُم أَقطابُ ذَوِي القُلُوبِ النُّورانيّةِ، وجَمِيعُ اوركبُ ياءِ وهُم أَربابُ العُقُولِ المُنَوَّرةِ.. يُبَشِّرُونَ الجِنَّ والإِنسَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ ويُنذِرُونَ الضَّالِّينَ بِجَهَنَّمَ - وهُم يُؤمِنُونَ بِهتحقيق،شهَدُونَ عَلَيْه - استِنادًا إِلى ما ذَكَرتَه مِرارًا وتَكرارًا مِنَ الوَعدِ والوَعِيدِ في جَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ والصُّحُفِ المُقَدَّسةِ، واعتِمادًا على صِفاتِك وشُؤُونِك القُدسِيّةِ كالقُدْرةِ والرلحياة والعِنايةِ والحِكْمةِ والجَلالِ والجَمالِ، ووُثُوقًا بعِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك، ويُبَشِّرُونَ بِكَشْفِيّاتِهِم ومُشاهَداتِهْ.. ألعَقِيدَتِهِمُ الرّاسِخةِ بِعِلمِ اليَقِينِ.
يا قادِرُ يا حَكِيمُ، يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ، يا صادِقَ الوَعدِ الكَرِيمَ، يا قَهّارُ يا ذا الجَلالِ، ويا ذا العِزّةِ واي الساةِ والجَلالِ..
إِنَّك مُقَدَّسٌ مُطلَقٌ، وأَنتَ مُتَعالٍ مُنَزَّهٌ مُطلَقٌ عن أن تُوصِمَ بِالكَذِبِ كُلَّ هذا العَدَدِ مِن أَولِيائِك الصّادِقِينَ ووُعُودِك العَدِيدةِ وصِفاتِك الجَلِيلةِ وشُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتَحجُبَ، إذا قتَضِيه حَتمًا سَلْطَنةُ رُبُوبِيَّتِك، وتَرُدَّ ما لا يُحَدُّ مِن أَدعِيةٍ ودَعَواتٍ صادِرةٍ مِمَّن لا يُعَدُّ مِن عِبادِك المَقبُولِينَ الَّذِينَ أَحبَبتَهُم وأَحَبُّوك وحَبَّیبُوا أَنفُسَهُم إِلَيْة الجأإِيمانِ والتَّصدِيقِ والطّاعة.. فأَنتَ مُنَیزَّهٌ وأَنتَ مُتَعالٍ مُطلَقٌ مُستَغنٍ عن تَصدِيقِ أَهلِ الضَّلالةِ والكُفرِ الَّذِينَ يَتَعرَّضُونَ لِعَظَمةِ كِبْرِيائِك في إِنكارِهِم الحَشرَ، ويَتَسَبَّیبُونَ في التَّجاوُزِ على عِزّةِ جَلالِّموا َمَسُّون هَيْبةَ أُلُوهِيَّتِك ورَأْفةَ رُبُوبِيَّتِك بكُفرِهِم وعِصيانِهِم وبِتَكذِيبِهِم إِيّاك في وَعْدِك.
فأَنا أُقَدِّسُ عَداليقفان جَمالَك ورَحْمَتَك غَيرَ المُتَناهِيةِ - بِلا حَدٍّ ولانِهايةٍ - وأُنزِّهُها عن هذا الظُّلمِ والقُبحِ غَيرِ المُتَناهِيَينِ وأَرغَبُ أن أَتلُوَ بِعَدَدِ ذَرّاتِ وُجُودِي الآيةَ الكَرِين والقسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بل إِنَّ رُسُلَك الصّادِقِينَ - أُولَئِك
— 435 —
الَّذِينَ هُم دُعاةُ سَلْطَنَتِك الحَقِيقِيُّونَ - يَشهَدُونَ ويُبَشِّرُونَ وي أدخل ونَ بِحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ وعِلمِ اليَقِينِ إِلى خَزائِنِ رَحْمَتِك الأُخرَوِيّةِ وكُنُوزِ آلائِك في عالَمِ البَقاءِ، وإِلى انكِشافِ تَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَىو يؤيدِّيًا تامًّا خارِقًا في دارِ السَّعادةِ، ويُرشِدُونَ عِبادَك المُؤمِنِينَ بِأَنَّ أَعظَمَ شُعاعٍ لِاسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرجِعُ جَمِيعِ الحَقائِقِ وشَمْسُها وحامِيها هو حَقِلمصادَلحَشرِ الكُبرَى.
يا رَبَّ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقِينَ..
إِنَّ أُولَئِك جَمِيعًا مُسَخَّرُونَ ومُوَظَّفُونَ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرار، فزاوتَدبِيرِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.. وقد أَظهَرُوا الكُرةَ الأَرضِيّةَ بِالتَّقدِيسِ والتَّسبِيحِ والتَّكبِيرِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ في حُكْمِ أَعظَمِ مَكانٍ لِلذّ له وحوأَبرَزُوا الكَونَ في حُكْمِ أَكبَرِ مَسجِدٍ لِلعِبادةِ.
يا رَبِّي، ويا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ.. يا خَالِقِي، ويا خَالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
بِحَقِّ قُدرَتِك وإِرادَتِك وحِكْمَرار الاكِمِيَّتِك ورَحْمَتِك الَّتي سَخَّرتَ بِها السَّمَاواتِ بِنُجُومِها، والأَرضَ مُشتَمَلاتِها، وجَمِيعَ المَخلُوقاتِ بِجَمِيعِ كَيفِيّاتِها وأَنواعِها:
سَخِّرْ لي نَفسِي، وسَخِّرْ لي مَطلُوبِي، وسَخِّر قُلُوبَ النّاسِ لِإلى هنلِ النُّورِ لِيَخدُمُوا القُرآنَ والإِيمانَ.. وهَبْ لي ولِإِخوانِي إِيمانًا كامِلًا وحُسْنَ الخاتِمةِ؛ وكما سَخَّرتَ البَحرَ لِمُوسَى عليه السلام، وسَخَّرتَ النّارَ لِإِبراهِيمَ عليه السلام، وسَخَّرتَ الجِبالَ والحَدِيدَعصيب فُدَ عليه السلام، وسَخَّرتَ الإِنسَ والجِنَّ لِسُلَيْمانَ عليه السلام، وسَخَّرتَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِمُحَمَّدٍ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَخِّرِ القُلُوبَ والعُقُولَ لِرَسائِلِ النّ ٭ ٭ ٭واحْفَظْنِي واحْفَظْ طَلَبةَ رَسائِلِ النُّورِ مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن عَذابِ القَبرِ ومِن نارِ جَهَنَّمَ، وأَسعِدْنا في فِرْدَوْسِ الجَنّةِ. آمِينَ.. آمِي
— 436 —
هذا هو الدرس الذي تعلمته من القرآن الكريم ومن ال ملفَّ النبوية المسماة الجوشن الكبير، فإن كنت قصَّرتُ في تقديمه عبادةً تفكريةً بين يدي ربي الرحيم، فإني أضرع إلى رحمته سبحانه مستشفعًا بالقرآن والجوشن الكبير ليعفو عني.
سعيد النُّورْعلى قا ٭ ٭ ٭