الشعاعات العربية
— 451 —

"رسالة شكر"

باسمه سبحانه
رسالة شكر أقدّمها إلى هيئة الخبراء في ديوان رئاسة الشؤون الدينية، أبين فيها "ثلاث نقط" لأُعِينَهم بها على تصحيح انتقادات جزئية وردت في تدقيقاتهم وأُجيب عنها بوضوح.
النقطة الأولى إنني أُقدم شكري إلى أولئك العلماء الأفاضل بثلاث جهات. فأنا ممتنّ لهم بصفتي الشخصية:
أولاها: قيامهم بتلخيص ثلاث عشرة رسالة من مجموعة "سراج النور" -مما سوى رسالة "الشعاع الخامس"- تلخيصا يبعث على التقدير والإعجاب.
ثانيتها: ردّهم لما دار عليه اتهامنا وهو: إنشاء طريقة صوفية، تشكيل جمعية، والإخلال بأمن البلاد.
ثالثتها: تصديقهم لدعواي في المحكمة، وهو ما قلته أمام المحكمة: إذا وجد شيء من الذنب فإنه يعود لي، فطلاب النور بريئون منه، ولقد سعوا في سبيل النور إنقاذا لإيمانهم. فأولئك الخبراء ينقذون أيضا طلاب النور ويبرّئون ساحتهم ويسندون الذنوب إليّ. وأنا بدوري أقول لهم: ليرضَ اللّٰه عنهم. إلّا أنهم جعلوا كلا من المرحوم "حسن فيضي" والمرحوم "الحافظ علي" وأشخاص من أمثال هذين الشهيدين ووارثيهم شركاء بذنوبي. لذا فقد أخطأوا في هذه الجهة. لأن أولئك الميامين سابقون في خدمة الإيمان وليسوا شركاء في الذنوب، وهم بريئون من أخطائي وذنوبي وقد أرسلَتْهم العنايةُ الإلهية مُعينين لي رأفةً بضعفي.
— 452 —
النقطة الثانية لقد اعترض أولئك الخبراء على رواياتٍ في "الشعاع الخامس" فقالوا عن بعضها ضعيفة وعن أخرى موضوعة، وخطّأوا تأويل قسم منها. وقد كتب الادعاءُ العام لمحكمة "أفيون" تقريره في ضوء ذلك، بينما أثبتنا واحدا وثمانين خطأً من أخطائه في قائمةٍ تبلغ خمس عشرة صفحة. فليطلع الخبراء الأفاضل على تلك القائمة.
نقدم أدناه نموذجا منها:
لقد قال المدعي: جميعُ تأويلاته مغلوطة، والروايات إما أنها موضوعة أو ضعيفة.
ونحن نقول:
إن التأويل يعني أن هذا المعنى ممكنٌ مرادُه من هذا الحديث، أي يحتمل هذا المعنى. أما ردّ إمكان واحتمالِ ذلك المعنى -حسب علم المنطق- فيكون بإثبات محاليته. بينما شُوهِد ذلك المعنى عيانا، وتحقق فعلا فردٌ من كلية الطبقة الإشارية لمعنى الحديث، لذا لا يُعترض على ذلك المعنى قطعا، لأن الحديث قد أَظهر بلمعةِ إعجازٍ غيبي ذلك المعنى وأَشهدَ له هذا العصرَ. علاوة على ذلك فقد أثبتنا في تلك القائمة أخطاءَ المدعي من ثلاثة وجوه:
أحدها: أنَّ الإمام أحمد بن حنبل الحافظ لمليون من الأحاديث الشريفة، وكذا الإمام البخاري الحافظ لخمسمائة ألف حديث، لم يجرؤا على نفي تلك الروايات على إطلاقها. علما أن إثبات نفيها غير ممكن منطقيا، وأن المدعي نفسه لم يطلع على جميع كتب الأحاديث النبوية، وأن الأكثرية العظمى لأمة الإسلام في كل عصر قد انتظروا رؤية معاني تلك الروايات، أو فردا من كليةِ معانيها، بل إن تلك المعاني قريبة من تلقي الأمة بالقبول، وقد برز في الواقع أفراد منها بذاتهم وشُوهِدوا عيانا..
لذا فإن إنكار تلك الروايات إنكارا كليا خطأٌ من عشر جهات.
الوجه الثاني: أن الرواية الموضوعة تعنى أنها ليست حديثا مسندا عن فلان وعن فلان. ولا يعنى أن معناها خطأ. ولما كانت الأمة قد تلقتها بالقبول، ولاسيما أهل الحقيقة والكشف،
— 453 —
وقسم من أهل الحديث وأهل الاجتهاد، بل انتظَروا تحقيق معانيها، فلابد أن لتلك الروايات حقائق متوجهة إلى العموم كما هي في الأمثال المضروبة.
الوجه الثالث: أني أسأل: هل هناك مسألة أو رواية لم يُعترض عليها في كتاب لعلماء مختلفين في المشارب والمذاهب. فمثلا: إن إحدى الروايات التي تذكر مجيء دجالين في الأمة هي هذا الحديث الشريف: "لن تزال الخلافة في ولد عمي -صِنْوِ أبي- العباس حتى يسلمّها إلى الدجال". [٭]: انظر: كنیز العمال ١٤/٢٧١ برقم ٣٣٤٣٦ی؛ مسند الفردوس ٣/٤٤٧؛ مجمع الزوائد ٥/١٨٦؛ جمع الفوائد ١/٨٤٩؛ الديلمي، المسند ٣/٤٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/٤٢٠.
هذا الحديث الشريف يخبر عن فتنة "جنكيز خان" و"هولاكو"، وأن دجالا سيظهر بعد خمسمائة سنة وسيهدم الخلافة.. وأمثالها من الروايات الكثيرة التي تخبر عن أشخاصِ آخر الزمان، وعلى الرغم من ذلك فقد رفض بعض أهل المذهب المباين أو ذوو الأفكار المفرطة هذه الرواياتِ. وقالوا: إنها رواية ضعيفة أو موضوعة..
وعلى كل حال، إن سبب اقتصاري على ما ذكرت مما ينبغي أن يطول هو حدوث زلزلتين هنا في الساعة التي كنت أكتب هذا الجواب، مثلما حدث أربع زلازل وقت شن الهجوم على رسائل النور وطلابها. والأمر على النحو الآتي:
هو توافق حدوث زلزلتين أثناء ما كنت أعاني من ألَم جراء عمليات جراحية أجراها تقرير الخبراء الذي سُلِّم لي مساءً فضلا عن الحزن الذي غشاني من الانفراد وعدم اللقاء مع الآخرين.
نعم، لقد تسلمتُ تقرير الخبراء لرئاسة الشؤون الدينية بعد بقائي ثمانية شهور في السجن الانفرادي ومقاساتي المضايقات الشديدة، وإذ أنا منتظر أن يكونوا لي معينين، إذا -في الصباح- أجد أنهم يعززون ادعاء المدعي، حيث ورد: "إن سعيدا قال: إن الزلازل الأربع الماضية هي من كرامات رسائل النور".
فمثلما كتبتُ في القائمة، أقول: إن رسائل النور من نوع الصدقة المقبولة التي تكون وسيلة لدفع المصائب، فمتى ما هوجمت تجد المصائبُ الفرصةَ سانحة أمامها فتنیزل، وأحيانا تغضب الأرض بالزلزال.فما إن عزمتُ على كتابة هذا، وقع زلزالان هنا (٭): حدث هذا الزلزال في ١٨/٩/١٩٤٨ ضحوة يوم الجمعة. باسم طلاب النور في سجن أفيون (خليل، مصطفى، محمد فيضى، خسرو) مما حملني على ترك كتابة ذلك البحث، لذا ننتقل إلى النقطة الثالثة.
— 454 —
النقطة الثالثة يا علماءنا المدققين المنصفين ذوى الحقيقة!
لقد دأب أهلُ العلم -منذ القديم- على عادة فيما بينهم، وهي وضعهم تقريظا وثناءً -وأحيانا مبالَغ فيه- نهايةَ مؤلَّفٍ جيد جديد. وفي الوقت الذي يبدي المؤلِّف امتنانه لأولئك المقرّظين لا يُتهم حتى من قبل منافسيه أنه يدّعي الإعجاب وحبَّ الظهور. لذا فإن كتابة عدد من طلاب النور الخواص الخالصين -كالمرحوم حسن فيضى والشهيد الحافظ علي- تقاريظَ بناءً على عجزي وضعفي وغربتي وعدمِ وجود الأهل والأقارب وإزاءَ هجوم أعداء كثيرين ظَلَمة وحثًا للمحتاجين إلى النور، وعدَّ تلك التقاريظ نوعا من الغرور والإعجاب بالنفس، رغم إحالتي ما يخصني من المدح والثناء إلى رسائل النور، ورغم عدم ردّي له ردا كليا.. أقول إنني لم أستطع أن أوفق بين تلقيكم ذلك المدح أنه إعجاب بالنفس وبين ما تحملونه من دقة علمية وتعاون رؤوف وإنصاف.. لذا فأنا متألم من هذا. علما أن أصدقائي الخالصين أصحاب التقاريظ لم تخطر ببالهم السياسةُ وشؤونها.
ولا يقال لقولهم: إن رسائل النور في هذا الزمان يصدق عليها معنى فرد وجزئي من المعنى الإشاري الكلى، لأن الزمان يصدّق ذلك. ولنفرض أن هذا الكلام مبالَغ فيه كثيرا أو خطأ، فهو خطأ علمي ليس إلّا. فكل شخص يستطيع أن يكتب قناعته الشخصية. وأنتم أدرى بالأفكار المتباينة والقناعات المختلفة في كتب الشريعة التي دوّنها أصحابُ المذاهب الاثني عشر ولاسيما أصحابُ الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية وما يقرب من السبعين من فرق دائرة علماء الكلام وأصول الدين. والحال أنه لم يأت زمان نحن في أمس الحاجة فيه إلى اتفاق علماء الدين وعدم خوضهم في مجادلات فيما بينهم مثل هذا الزمان. فنحن مضطرون إلى نبذ الاختلاف في الأمور الفرعية وعدم جعلها مدار المناقشات.
— 455 —
ثلاثة أسئلة أوجهها للعلماء المنصفين من الخبراء
الأول شخص يُثني على آخرَ بنية خالصة، أيكون الشخص المثنى عليه مسؤولا، وبخاصة إن كان المثنى عليه لا يرضى بالثناء بكل قوته ويحيله إلى غيره؟ إلّا أنه لم يوبخ ذلك الصديق الحميم لئلا ينفر منه بل اكتفى بالقول: إن هذا الثناء فوق حدّي بمائة درجة. فهل يُعدّ سكوته هذا إعجابا بالنفس وتحرّيا للمصلحة الذاتية؟..
السؤال الثاني في غمرة الهجوم العنيف الذي يُشَن على الدين حاليا، إذا ما أبدى أحد طلاب النور العاشقين للحقيقة قناعته الشخصية الخاطئة، بخطأ علمي جزئي لا ضرر فيه، هل يستحق هذه الإهانة والاستخفاف؟ علما أن هناك مسائل دينية تقدّر بضخامة الشُّم الرواسي.
وبينما يَنتظر ذلك التلميذ الكاتب للتقريظ تذكيرا شفيقا من علماءَ وأساتذة من أمثالكم على ذلك الخطأ، أَوَ يجوز عقابه من قبل العدلية؟
السؤال الثالث إن رسائل النور التي تصدت منذ عشرين سنة لأعتى المعارضين الذين لا يحصيهم العد وأنقذت إيمانَ مئات الألوف من الناس وآزرت إيمانَهم. أيليق انتقادكم لها في مسألة أو مسألتين فيها؟
إني أذكّر أولئك العلماء الأفاضل: أنهم انتقدوا المقدمة التي يستهل بها بحث الثناء لأحمد فيضي، وكأنني قد أثنيتُ بها على نفسي، علما أن تلك المقدمة هي ردّي لذلك الثناء ورفعه. وقد رفعتُ فعلا قسما منه وصححت القسم الآخر، ولكن لضرورة الاستعجال لم أتمكن من إكماله، فأرسلت المقدمة كاملة إلى أحد إخوتي، وهم بدورهم وضعوها في موضعها من ذلك البحث الذي اتخذناه بحثا خاصا جدّا. ولكن أثناء إرسالهم لها إلى أخ آخر قَبضتْ عليها الحكومة.
— 456 —
فيا ترى إن تقريظا علميا وخاصا جدا، وهو بحث نابع عن قناعة وجدانية ولا يتداول إلّا بين أصدقاء ليقوموا بتصحيحه تصحيحا كاملا هل يستحق هذا الاعتراض الشديد؟
ثم إن جمعَ رسائل خاصة للتهنئة والحث على العمل، والقيام بتجليدها حفاظا عليها، في مجلد أو مجلدين، حصلت عليها الشرطة أثناء التحري، هل يمكن استخراج الأحكام من مثل هذه الرسائل، ثم تكون محورَ سؤال وجواب ومن ثم محاولة إلصاقها بالسياسة. أَوَ يحتاج الأمر إلى هذا.. وما أشبه هذا الأمر بمن لا يرى ثعابين مَرَدة تهاجم القرآن لكنه في الوقت نفسه ينشغل بلسع البعوض! أليس الأمر هكذا؟
إنّ ترك "سراج أوغلو" [٭]: رئيس الوزراء في ذلك الوقت. الذي يعدّ الدين والتربية المحمدية سما زعافا، والانشغال بمجموعة "سراج النور" التي تبين الحقيقة واضحة كالشمس وهى البلسم الشافي لجراحات الإنسانية جمعاء، ولاسيما الاحتجاج بوجود تأويلات لأحاديث ضعيفة في رسالة في ختامها، ألا يكون عونا على مصادرتها؟
إننا مع عدم امتعاضنا من انتقاداتكم الجزئية ننتظر منكم أيها العلماء الأفاضل ضمادا لجراحاتنا وتكونوا أعوانا لنا بقوة فراستكم.
الموقوف
سعيد النورسي
— 457 —
باسمه سبحانه
مقدمة
"الفقرات المذكورة أدناه"
لغرض تقديم شيء من المساعدة إلى محكمة التمييز الموقرة التي فسختْ لصالحنا قرارَ إدانتنا من قِبَل محكمة "أفيون" وأوردت دلائل صائبة ذات حقيقة، نشير -باختصار- إلى قسم من أخطاء وردت في القرار المذكور، فندرج أدناه تلك الفقرات المستلة من الرسائل الخاصة السرية، التي عدّتها المحكمةُ ذنبا لإدانتنا. فنبين أخطاءهم ونضع الذين أدانونا في موضع المسؤولية.
فمثلا: لقد كتبوا في ختام القرار ما يشبه قائمة تضم جميع ذنوبي لأجل إنزالِ أشد العقوبات بي:
"نذكر مما رفضه سعيد النورسي من مواد: إلغاء السلطنة والخلافة".
فهذا خطأ وسهو في الوقت نفسه، لأن ما كتبتُه في لمعة "الشيوخ" هو الآتي: "لقد أحزنتني وفاة سلطنة الخلافة" وقد أجبتُ عن استفسار محكمة "أسكي شهر" قبل خمس عشر سنة عن هذا جوابا ألزمَهم الصمت. فالذي يَعدّ خاطرة لا أهمية لها ذنبا، ومرت عليها هذه المدة المديدة، ونالت من قرار العفو والبراءة ما نالت.. أقول إن الذي يعدّها ذنبا هو الذي يكون مذنبا.
ولأجل إسناد هذا الذنب الموهوم، ذكر القرار ما أوردتُه في إحدى اللمعات وفي رسالة "المعجزات الأحمدية" على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، الحديث الشريف الآتي: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون مُلكا عَضوضا وفسادا وجبروتا". [٭]: عن سفينة أن الرسول (ص) قال: "الخلافة بعدي في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك" (رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه. وانظر: ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٣٠٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٧٧).
وقد كتبتُ في رسالة قديمة أن هذا الحديث الشريف يبين ثلاث معجزات غيبية مستقبلية ولكن جاء في القرار كأنه ذنب اقترفته: "إن سعيدا قد قال في رسالة: سيكون فسادا وجبروتا بعد الخلافة".
— 458 —
يا أعضاء هيئة الخبراء السطحيين!
إن الذي يعدّ بيان إعجاز حديث شريف يخبر بإشارة غيبية عن حادثة ستقع في زماننا هذا يسري دمارها في الأرض كلها، وعن فساد عظيم مادي ومعنوي يدب في البشرية كافة.. أقول إن من يعدّ هذا ذنبا هو المذنب مادة ومعنى.
وكتبوا أيضا "ومن ذنوبه: أنه يعدّ المنجزات الثورية (حركات الانقلاب) بدعةً وضلالةً وإلحادا، فيَعدّ إغلاق التكايا والزوايا والمدارس الدينية، وإقرار العلمانية، ووضع أسس القومية بديلا عن مبادئ الإسلام، وفَرْضَ لبس القبعة، ورفع الحجاب، وفرض كتابة الحروف اللاتينية بديلا عن الحروف القرآنية، وأداء الأذان والإقامة باللغة التركية، وإلغاء دروس الدين في المدارس، ومنح المرأة حقوقا في الميراث كالرجل، وإلغاء تعدد الزوجات، وأمثالها من الأعمال.. يعدّ كل ذلك بدعة وضلالة وإلحادا.. فلا شك أنه متهم بالرجعية".
يا أعضاء هيئة الخبراء العديمي الإنصاف!
إنْ كان بمقدوركم إنكار ما يأمر به القرآنُ الكريم الذي هو إمام سماوي مقدس لثلاثمائة مليون في كل عصر، ويضم مناهج سعاداتهم جميعا، وهو الخزينة المقدسة الحاوية على أسرار الحياتين الدنيوية والأخروية، يأمر في كثير من آياته الكريمة بصراحة تامة بما لا يحتمل التأويل، بالحجاب وقواعد الميراث ويسمح بتعدد الزوجات، ويدعو إلى ذكر اللّٰه، ويحث على تدريس علوم الدين ونشرها والحفاظ على الشعائر الدينية.. وإن كان بمقدوركم إدانة جميعِ مجتهدي الإسلام والقضاة وشيوخ الإسلام.. وإن كان بمقدوركم إنكار تقادم الزمان على تلك الرسائل وقرار عدة محاكم لها بالبراءة وقوانين العفو الصادرة بحقها وإنكار وجه سريتها وخصوصيتها.. وإن كان بمقدوركم رفع حرية الضمير والمعتقد وحرية الفكر من البلاد ومن الحكومات.. وإنكار كون مخالفة تلك الرسائل مخالفة فكرية وعلمية فحسب.. أقول إنْ كان بمقدوركم هذا فاعتبروني مذنبا بتلك الأمور. وإلّا تكونوا أنتم المذنبون الرهيبون في محكمة العدالة والحق والحقيقة.
سعيد النورسي
— 459 —
(فقرة أدلينا بها وكتبتها المحكمة بإعجاب وحيرة ضدنا مع أنها ضدهم)
"وأنا أقول لمحكمة وزارة العدل الموقرة!
إن إدانة مَن يفسّر أقدسَ دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليونا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عاما. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدَّق به ثلاثمائة وخمسون ألف تفسير، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادُنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر قرارٌ ظالم لابد أن ترفضه العدالةُ، إن كانت هناك عدالة على وجه الأرض، ولابد أن تردّ هذا الحكم الصادر بحقه وتنقضه".
(فقرة كتبتها المحكمة في قرارها بإعجاب وتقدير وكأنها تكون مادة ضدنا، والحال أنها تدينهم.)
يبحث سعيد النورسي في "المكتوب السادس والعشرين "عن نفسه ويقول:
"إن في أخيكم هذا الفقير ثلاث شخصيات كُلّ منها بعيدة عن الأخرى كل البعد، بل بعدا شاسعا جدّا.
أولاها: شخصية مؤقتة خاصة خالصة لخدمة القرآن وحده، بكوني دلّالًا لخزينة القرآن الحكيم السامية. فما تقتضيه وظيفةُ الدعوة إلى القرآن والدلالةِ عليه من أخلاق رفيعة سامية ليست لي، ولا أنا أملكها. وإنما هي سجايا رفيعة يقتضيها ذلك المقام الرفيع وتلك الوظيفة الجليلة. فكل ما ترونه من أخلاق وفضائل من هذا النوع فهي ليست لي، وإنما هي خاصة بذلك المقام، فلا تنظروا إليّ من خلالها.
الشخصية الثانية: حينما أتوجه إلى بابه تعالى وأتضرع إليه، يُنعم عليّ سبحانه بشخصية
— 460 —
خاصة في أوقات العبادة بحيث إن لتلك الشخصية آثارا ناشئة من أساس معنى العبودية، وذلك الأساس هو معرفة الإنسان تقصيرَه أمام اللّٰه وأدراكُ فقره نحوه وعجزِه أمامه والالتجاءُ إليه بذل وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز وأفقر وأكثر تقصيرا أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعتْ في ذلك الوقت الدنيا برمّتها في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالحٌ وفاضل.
ثالثتها: هي شخصيتي الحقيقية، أي شخصيتي الممسوخة من "سعيد القديم" وهي عروق ظلت من ميراث "سعيد القديم". فتُبدي أحيانا رغبةً في الرياء وحب الجاه وتبدو فيّ أخلاق وضيعة مع المبالغة في الاقتصاد إلى حدّ الخسة حيث إنني لست سليل عائلة ذات جاه وحسب.
فيا أيها الإخوة! لن أبوح بكثير من المساوئ الخفية لهذه الشخصية ومن أحوالها السيئة، لئلا أنفّركم عني كليا.
وقد أظهر سبحانه وتعالى عنايته الرحيمة فيّ بحيث يسخّر شخصيتي هذه التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها. فله الحمد والمنة ألف ألف مرة.
فالنفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى من الكل.
الحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي.
— 461 —
(هذه جملة سجّلتها المحكمة في القرار بتخوف شديد ضدنا والحال أن تلك الجملة الشديدة التي كُتبتْ قبل خمس عشرة سنة قد عدّلت إلى هذه الصيغة.)
"إخوتي! مراعاةً لمشاعر الأبرياء والشيوخ، لا تثأروا لي ممن يقتلني ظلما، فحسبهم عذاب القبر والسَقر".
ينبغي أن تحملهم هذه الفقرة السابقة على الإنصاف:
"إنكم ترون أن لنا خلافا ومعارضة كلية معكم، ومعاملاتُكم القاسية شاهدةٌ على ذلك. فأنتم تضحون بدينكم وآخرتكم في سبيل دنياكم. ونحن بدورنا مستعدون على الدوام للتضحية بدنيانا في سبيل ديننا، وفي سبيل آخرتنا، وهذا هو سر المعارضة التي بيننا حسب ظنكم.
ولا جرم أن التضحية ببضع سنين من حياتنا التي تمضي في ذل وهوان في ظل حُكمكم القاسي قساوةَ الوحوش لنكسِبَ بها شهادة خالصة في سبيل اللّٰه، تُعدّ ماءَ كوثر لنا. ولكن استنادا إلى فيض القرآن الحكيم وإشاراته، أُخبركم يقينا بالآتي لترتعدَ فرائصُكم:
إنكم لن تعيشوا بعد قتلي، فإن يدا قاهرة ستأخذكم من دنياكم هذه التي هي جنتكم وأنتم مغرمون بها، وتطردكم عنها، وتقذف بكم فورا إلى ظلمات أبدية، وسيُقتل بعدي رؤساءكم الذين تَنمرَدوا وطغَوا قِتلة الدواب، ويُرسَلون إليّ، وسأمسك بخناقهم أمام الحضرة الإلهية، وسآخذ حقي منهم بإلقاء العدالة الإلهية إياهم في أسفل سافلين.
أيها الشقاة الذين باعوا دينهم وآخرتهم بحطام الدنيا!
إن كنتم تريدون أن تعيشوا حقا فلا تتعرضوا لي ولا تمسّوني بسوء، وإن تعرضتم فاعلموا أن ثأري سيؤخذ منكم أضعافا مضاعفة.. اعلموا هذا جيدا ولترتعدْ فرائصكم!
وإني آمل من رحمة اللّٰه سبحانه أن موتي سيخدم الدين أكثر من حياتي، وأن وفاتي ستنفلق على رؤوسكم انفلاقَ القنبلة، وستشتت رؤوسَكم وتبعثرها.
فإن كانت لكم جرأة، فتعرّضوا لي، فلئن كان لكم ما تفعلونه بي، فلتَعلمُنّ أن لكم ما تنتظرونه وتلاقونه من عقاب.
— 462 —
(هذه الفقرة أوردتها المحكمة لإدانتي والحال أنها تتهمهم بالإفراط)
يَرِد في الرسائل:
"دخل مصطفى كمال ديوان رئاسة الجمهورية بأنقرة وهو على أشد الغضب وقال له: "إننا دعوناك إلى هنا لِتُقدِّم لنا أفكارا راقية وآراء قيمة، ولكنك ما إن أتيت كتبت أشياء حول الصلاة، فأوقعتَ فيما بيننا الاختلاف والتفرقة". وردّ عليه سعيد: "إن من لا يصلي خائن وحكم الخائن مردود".
ثم أبدى مصطفى كمال نوعا من الاسترضاء له متراجعا عن غضبه وحدّته. وعلى الرغم من أنه (أي سعيد) قد جرحَ مشاعرَ مصطفى كمال وخرق مبادئه إلّا أن مصطفى كمال لم يمسّه بسوء.
وإنها لكرامة ساطعة لرسائل النور وقوة عظيمة خارقة لشخصها المعنوي ولطلابها الروّاد والأبطال في المستقبل أن يخشى منها قوادٌ جبابرة كما كانوا يخشون من "سعيد القديم"."
(فقرة ألزمت المحكمة وجعلتها مسؤولة مع أنها اتخذت ضدنا في القرار)
يُذكر -في الرسائل- "إننا لسنا مع زعيم أصدر حسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل "جامع أياصوفيا" إلى دار للأصنام، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات، لسنا معه فكرا ولا موضوعا، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية. ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا".
ويكتب في عريضته المؤرخة في ٢٩/٨/١٩٤٨:
"وَرَدَ هذا الفكرُ إلى قلبي: إنه ضروري جدّا لصالح الأمة ولنفع البلاد أن تحافِظ الحكومة عليّ حفاظا تاما وتَمُدّ يد المعاونة إليّ. إلّا أنها تُضيق الخناقَ عليّ، مما يومئ إلى أن
— 463 —
الذين يحاربونني هم منظمة الزندقة السرية وقسم من منظمة الشيوعية الذين التحقوا بهم، هؤلاء قد قبضوا على زمام الأمر في عدد من المناصب الرسمية المهمة في الدولة، فيهاجمونني ويجابهونني. أما الحكومة فإما أنها لا تعرفهم أو تسمح لهم. ويا ترى أي ذنب وأي جريرة في أن تَنتقدَ أو تُضمِر عدمَ المحبة لرجل حوّل جامع أياصوفيا الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرة الساطعة لخدماتها وجهادها في سبيل القرآن، وهدية تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات؟
(هذه الفقرة هي أقوى فقرة ظنت المحكمة أنها تنیزل العقاب بسعيد. وهو الكلام الذي أطلقه سعيد في محكمة دنيزلي تجاه أعدائه المتسترين إلّا أن المحكمة قد فهمتها خطأ بل خطأ كليا أنها فقرة ضد الدولة والحكومة تماما وأظهرتها سببا لإنیزال العقاب بي.)
لقد أَطلق على قسم من القوانين الحديثة للدولة التي سنّت هذه القوانين الانقلابية ووضعتها موضع التنفيذ اسمَ "الاستبداد الكفري الاعتباطي" وعلى الجمهورية اسم "الاستبداد المطلق". وعلى النظام اسم "الارتداد المطلق" وعلى الشيوعية والمدنية اسم "السفاهة المطلقة".
(فقرة كتبت في قرار المحكمة بإعجاب وتقدير)
ويذكر: أن لكتابة رسائل النور فوائد دنيوية وأخروية كثيرة جدا، منها:
١- الجهاد المعنوي تجاه أهل الضلالة.
٢- مساعدة الكاتب لأستاذه على نشر الحقائق.
٣- خدمة المسلمين من حيث الإيمان.
— 464 —
٤- كسب العلم بالقلم.
٥- القيام بعبادة فكرية التي تعدل ساعة منها أحيانا سنة من العبادة.
٦- حُسن الخاتمة ودخول القبر بالإيمان.
وكذا لها خمس أنواع من الفوائد الدنيوية:
١ - البركة في الرزق.
٢- الانشراح والسرور في القلب.
٣- اليسر في العيش.
٤- التوفيق في الأعمال.
٥ - الاشتراك في أدعية طلاب النور جميعهم، لكسبه فضيلة طالب العلم.
وسيدرك شبابُ الجامعة هذه الأمور عن قريب وستحوّل الجامعة إلى مدرسة نورية.
(إنه لمحير أن تعدّ هذه التضحية الخالصة جرما وذنبا)
إن إحدى الخطتين اللتين حاكهما المنافقون المتسترون في جنح الظلام هي التهوين من شأني. وكأن قيمة الأنوار الرفيعة لرسائل النور تسقط بهذا من عليائها.
والثانية: هي بث القلق والاضطراب في صفوف طلاب النور. وكأنهم بهذا يعيقون انتشار رسائل النور.
لا تقلقوا يا إخوتي! إن حقيقةً سامية افتدتها ملايين الرؤوس فداءٌ لها رؤوسُنا نحن الضعفاء أيضا.
— 465 —
(لقد اعترضوا على واحد من الأسباب التسعة الداعية إلى تسمية رسائل النور بهذا الاسم. فقالوا: إننا لا نرى مَن تسمّى باسم "نور" من بين طلابه الممتازين، وكما أجبنا عنه في الهامش فإن كلا من "نوري بنلي ونوري الساعاتي" من الممتازين في خدمة النور حاليا، بمعنى أنهم لا يجدون ما ينتقدونه ولكنهم يضطرون إلى التشبث بحجج جزئية تافهة.)
إنه يذكر في "الكلمة السادسة والعشرين":
إن سبب إطلاق اسم رسائل النور على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة) والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبا) واللمعات (وهي إحدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعا) هو أن كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
أن قريتي اسمها: نورس.
واسم والدتي المرحومة: نورية.
وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.
وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.
وأستاذي في القرآن: نوري.
وأكثر من يلازمني من طلابي من يسمّون باسم نور.
وأكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.
وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو: اسم "النور" من الأسماء الحسنى.
ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي اللّٰه عنه.
— 466 —
(إن رسالة "الهجمات الست" وذيلها قد كتبت قبل عشرين سنة لمجابهة تعدٍّ ظالمٍ شديد. وهي رسالة في غاية الخصوصية والسرية، وقد مرّت بين يدي محاكم كثيرة. وكتبت في حالة سورة غضب انتابتني. والحرب العالمية الثانية أظهرت أن تلك السورة كانت محقةً، إلّا أن مصادرتها وكأنها قد كتبت حاليا وعدَّها ذنبا وجريرة، بُعدٌ عن العدالة عظيم.)
تُستهل مقدمة ذيل "الهجمات الست" بالآتي:
كُتب هذا الذيل (للتداول الخاص)، لتجنُّب ما يرد في المستقبل من كلمات الإهانة وشعور الكراهية، أي لئلا يصيب بصاقُ إهانتهم وجوهَنا، أو لمسحِه عنها عندما يُقال: تبا لرجال ذلك العصر العديمي الغيرة!
وكُتب تقريرا ولائحة لترن آذانٌ صمّ، آذانُ رؤساءِ أوروبا المتوحشين المتسترين بقناع الإنسانية.. ولينغرز في العيون المطموسة، عيونِ أولئك العديمي الضمير الجائرين الذين سلّطوا علينا هؤلاء الظلمة الغدّارين.. وليُنیزِل صفعةً كالمطرقة على رؤوسِ عبيدِ المدنيةِ الدنيّة التي أذاقت البشرية في هذا العصر آلاما جهنمية حتى صرخت في كل مكان: لتعش جهنم!
لقد حدثت في الفترة الأخيرة اعتداءات شنيعة كثيرة على حقوق المؤمنين الضعفاء، من الملحدين المتخفين وراء الأستار، وأخص بالذكر اعتداءهم عليّ تعديا صارخا، باقتحامهم مسجدي الخاص الذي عمّرتُه بنفسي، وكنا فيه مع ثلّة من رفقائي الأعزاء، نؤدي العبادة، ونرفع الأذان والإقامة سرًّا. فقيل لنا: لِمَ تقيمون الصلاة باللغة العربية وترفعون الأذان سرًّا؟
نفد صبري في السكوت عليهم: وها أنذا لا أخاطب هؤلاء السفلة الدنيئين الذين حُرموا من الضمير، وليسوا أهلا للخطاب، بل أخاطب أولئك الرؤساء المتفرعنين في القيادة الذين يلعبون بمقدرات الأمة حسب أهواء طغيانهم. فأقول:
— 467 —
يا أهل الإلحاد والبدعة! إني أطالبكم بالإجابة عن ستة أسئلة.
السؤال الأول: إن لكل حكومة -مهما كانت- ولكل قوم، بل حتى أولئك الذين يأكلون لحم البشر، بل حتى رئيس أية عصابة شرسة، منهجا وأصولا ودساتير، يحكمون وفقها.
فعلى أيّ أساس من دساتيركم وأصولكم تتعدّون هذا التعدي الفاضح. أظهِروه لنا. أم إنكم تحسبون أهواء عددٍ من الموظفين الحقراء قانونا؟ إذ ليس هناك قانون في العالم يسمح بالتدخل في عبادة شخصية خاصة! ولا يُسنّ قانون في ذلك قطعا.
(إنه ليبعث على الأسف اتخاذُهم جملة أو جملتين من رسالة "الإشارات السبع" ذريعة لمصادرتها وحُجة علينا مع أنها رسالة قديمة وخاصة وسرية وتتضمن حقيقة قوية ورصينة بحيث تستحق أن تعلَن لصالح الحياة الاجتماعية على البشرية جمعاء والعالم أجمع.)
إن أحمق الحمقى في الدنيا هو من ينتظر من أمثال هؤلاء الملحدين السفهاء الرقيَّ وسعادةَ الحياة.
ولقد قال أحد هؤلاء الحمقى، وهو يشغل منصبا مهما: "إننا تأخرنا لقولنا: اللّٰه.. اللّٰه.. بينما أوروبا تقدمت لقولها: المدفع.. البندقية!".
إن جواب أمثال هؤلاء: السكوت حسب قاعدةِ: "جواب الأحمق السكوت" ولكننا نقول قولا لأولئك العقلاء الشقاة الذين يتبعهم هؤلاء الحمقى:
أيها البائسون! هذه الدنيا إنما هي دار ضيافة..
فما دام الموتُ موجودا، وأن المصير إلى القبر حتما، وأن هذه الحياة ماضية راحلة، وستأتي حياةٌ باقية خالدة، فإن قيل: المدفع.. البندقية مرة واحدة فلابد من القول ألف مرة: "اللّٰه.. اللّٰه".
— 468 —
(إن ما يوجب الحيرة، أن جملة من "اللمعة السادسة عشرة" وهي لصالحنا، حوّلوها إلى جملة ضدنا، وأبدوا رغبة في مصادرة تلك الرسالة القيمة.)
من" اللمعة السادسة عشرة":
إن مصيبة الحرب وبلاءها، ضرر بالغ لخدمتنا القرآنية.. إن القدير ذا الجلال الذي يطهّر وجه السماء الملبّد بالغيوم ويبرز الشمس الساطعة في وجه السماء اللامع خلال دقيقة واحدة، هو القادر أيضا على أن يزيل هذه الغيوم السوداء المظلمة الفاقدة للرحمة. ويُظهر حقائق الشريعة كالشمس المنيرة بكل يسر وسهولة وبغير خسارة.
إننا نرجو هذا من رحمته الواسعة، ونسأله سبحانه أن لا يكلِّفنا ذلك ثمنا غاليا، وأن يمنح رؤوس الرؤساء العقلَ ويهب لقلوبهم الإيمان. وهذا حسبنا، وحينها تتعدل الأمور بنفسها وتستقيم.
ما دام الذي في أيديكم نورًا، وليس هراوة وصولجانا، فالنور لا يُعارَض ولا يُهرَب منه، ولا ينجم من إظهاره ضرر. فلِمَ إذن توصون أصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من إبراز رسائل نيّرة كثيرة للناس كافة؟.
مضمون جواب هذا السؤال باختصار هو: أن رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، فيؤوّلونه إلى معنى خطأ، ويعترضون ويهاجمون. لذا، وللحيلولة دون الهجوم ينبغي عدم إظهار النور لهم لحين إفاقتهم واسترجاع رشدهم.
ثم إن هناك غير منصفين كثيرين، ينكرون النور، أو يغمضون أعينهم دونَه، لأغراض شخصية خاصة، أو خوفا أو طمعا..
ولأجل هذا أوصى إخوتي أيضا ليأخذوا حذرهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم أن لا يعطوا الحقائق أحدا من غير أهلها، أن لا يقوموا بعمل يثير أوهام أهل الدنيا وشبهاتهم عليهم.
— 469 —
(إن الحجاب أمر قرآني، و قد أُجيب عنه جوابا شافيا في الرسائل. علما أن هذه الرسالة قد كتبت سابقا وقاسينا العقاب بسببها. ولكن رغم هذا اتخذوها ذنبا اقترفناه واعتبروها حُجة علينا، ثم إن بداية حقيقة جليلة وردت في رسالة "الشيوخ" و"مرشد الشباب" تلك الحقيقة القيمة النافعة للناس كلهم، جعلوها جريرة لنا ومبررا لمصادرة تلك الرسالة.. كل ذلك يدل على أنهم لا يجدون ما يتذرعون به للانتقاد والجرح.)
في "اللمعة الرابعة والعشرين"، بعد الإيضاح أن الحجاب أمر قرآني يقول: "ولقد طرق سمعَنا: أن صباغَ أحذية قد تعرض لزوجةِ رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهارا جهارا في قلب العاصمة "أنقرة"! أليس هذا الفعل الشنيع صفعةً قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟".
وفي "اللمعة السادسة والعشرين" الخاصة بالشيوخ:
"ففي ذات يوم من الأيام الأخيرة للخريف، صعدتُ إلى قمّة قلعة أنقرة، التي أصابها الكِبر والبلى أكثر مني، فتمثّلت تلك القلعةُ أمامي كأنها حوادث تاريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد وأسى عميق من شيب السنة في موسم الخريف، ومن شيبي أنا، ومن هرم القلعة، ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلية، ومن وفاة سلطنة الخلافة. فاضطرتني تلك الحالة إلى النظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل.
فالماضي أوحشني بدلا من أن يسلّيني ويمنحني النور.
والمستقبل تراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضا من أن يؤنسني.
ثم نظرت إلى زمني الحاضر، فبدا ذلك اليوم لنظري الحسير ونظرتي التاريخية على شكلِ نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.
— 470 —
(كان عليهم أن يقدّروا هذه الجملة حق قدرها إلّا أنهم انتقدوها واتخذوها حجة علينا.)
يذكر: "لقد صرفتُ كثيرا من مرتّبي الذي كنت قد قبضته وأنا في "دار الحكمة الإسلامية" وادّخرت قليلا منه لأداء فريضة الحج. وقد كفَتني تلك النقود القليلة ببركة القناعة والاقتصاد، فلم يُرَق مني ماءُ الوجه. ومازالت بقية من تلك النقود المباركة موجودة".
ثم في "اللمعة الثانية والعشرين" بعد أن يشير إلى أنها رسالة سرية خاصة لإخوته الصادقين الخالصين يقول:
"الإشارة الأولى: لِمَ يتدخل أهل الدنيا بأمور آخرتك كلما وجدوا لهم فرصة، مع أنك لا تتدخل في شؤون دنياهم؟.. إن الذي يجيب عن هذا السؤال هو حكومة محافظة إسبارطة وأهاليها.".
(إن الذين يتوهمون هذا الأمل الخالص والرغبة النیزيهة النابعة من الشفقة الإيمانية والذي يوجب الإعجاب، يتوهمونه ذنبا نقترفه، لا شك أنهم هم المذنبون.)
في رسالة موقّعة باسم "سعيد" يُذكر: "تُرى ما حكمة تراكض الأطفال الأبرياء الذين تتراوح أعمارهم من السابعة إلى العاشرة لمجرد ملاحظتهم إياي وأنا أتجول في العربة الحصانية، ثم التفافهم حول يدي؟ كنت أحار أمام هذا المنظر، ولكن إذا بخاطر يخطر إلى قلبي فأدركت أن هؤلاء الأطفال الأبرياء يستشعرون بحسٍ قبل الوقوع أنهم سينالون السعادة برسائل النور وسينجون من مهالك معنوية ستحيط بهم".
— 471 —
(إن عدّ هذه الفقرة الآتية ذنبا ظلمٌ وخارج عن الإنصاف تلك التي كانت في البداية دفاعا لي وفي النهاية تمنيا ورغبة.)
يذكر: "إن قسما من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يشيران معا إلى حقيقة نورانية في هذا العصر، ويُظهران المجدد الأكبر الذي سيأتي في آخر الزمان، وإن أهم وظيفة من وظائفه الثلاث الجليلة هي إنقاذ الإيمان. ويذكر أن إحياء الشريعة وإقامة الخلافة وما شابهها من الوظائف العظيمة الشاملة لدائرة واسعة جدا، لا ضرر من عدم ذكرهما، حيث إنه يكون وسيلة لانتقاد المعارضين وهجوم السياسيين، لذا يرفع بعض الجمل ويعدّلها وسيعيدها إلى إخوته المدققين.
وفي رسالة موقّعة باسم "سعيد النورسي" :
بينما سُترت الآيتان الكريمتان:
﴿ انا فتحنا لك فتحًا مبينًا ﴾
(الفتح:١) و
﴿ وينصرك اللّٰه نصرًا عزيزًا ﴾
(الفتح:٣) الموجودتان على الباب الخارجي لبناية الوزارة الحربية المتحولة إلى الجامعة بالرخام، فإن إبرازَهما مثال على السماح لاستعمال الخط القرآني، ووسيلة لما تقصده رسائل النور من استعمال الخط القرآني وإشارة إلى تحول الجامعة إلى مدرسة نورية.
(إن ما بيّنوه من نقد حول إيضاحي للحقيقة الواردة في رسالة تكبيرات الحجاج، جوابُه المسكت المقنع هو الهامش الذي وضعه" خسرو".)
يقول في رسالة موقعة باسم "سعيد النورسي"، ومعنونة بتكبيرات الحجاج:
إن قسما من طلاب النور الذين لهم أهمية، يظنون بك أنك الشخص الذي سيأتي في آخر الزمان من آل البيت. ويصرّون على ظنهم هذا ولكنك ترفض بإصرارٍ أيضا ما يدور في أذهانهم، و تتحرز منه وتتجنّبه. وهذا في ذاته تناقض وتضاد. نريد حلّه.
— 472 —
ثم يردف إزاء سؤالهم هذا قوله:
"إن الشخص المعنوي الذي يمثل مهدي الرسول المنتظر له ثلاث وظائف. وأهم تلك الوظائف هي إنقاذ الإيمان، ثم إحياء الشعائر الإسلامية باسم الخلافة المحمدية، ويسعى ذلك الشخص لإنجاز هذه المهمة نظرا لتعطّل كثير من أحكام القرآن وقوانين الشريعة المحمدية.
هذا وإن طلاب النور يرون أن الوظيفة الأولى كليا في عهدة رسائل النور. أما الوظيفتان التاليتان فهما بالنسبة للأولى ثانوية وثالثية. لذا يتلقون الشخص المعنوي لرسائل النور أنه نوع من المهدي حقا، ويعطَى ذلك الاسمُ أحيانا إلى هذا الضعيف العاجز الذي يَعتقد قسمٌ منهم أنه يمثل ذلك الشخص المعنوي. حتى إن قسما من الأولياء يرون في كراماتهم الغيبية أن رسائل النور هي مهدي آخر الزمان ومرشده. وهم يقولون: إن هذا الأمر يُفهم بالتحقيق والتأويل. ولكن هناك التباس في نقطتين، لا بد من التأويل.
الأولى: أن الوظيفتين الأخيرتين، رغم أنهما ليستا بأهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلّا أن الخلافة المحمدية والاتحاد الإسلامي هما لدى عامة الناس وأهل السياسة ولاسيما في أفكار هذا العصر، أهم من الوظيفة الأولى بألف مرة.
وعلى الرغم من أن اللّٰه يبعث في كل عصر مهديا ومرشدا -وقد بعث فعلا- إلّا أنهم لم يحرزوا لقب المهدى الأكبر لآخر الزمان حيث إنهم أدّوا في جهة من الجهات وظيفة واحدة من تلك الوظائف الثلاث.
الثانية: أن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان هو من آل البيت، وإني وإن كنت بمثابة ولد معنوي لسيدنا علي رضي اللّٰه عنه حيث تلقيت منه درسَ الحقيقة، وأن آل محمد شامل لطلاب النور الحقيقيين في معنًى من معانيه، وأُعدّ من هذه الجهة من آل البيت، إلّا أنه ليس في مسلك النور إظهارُ الشخصيات وإبراز الأنانية، ولا الرغبة في نيل مقامات شخصية رفيعة، ولا الحصول على السمعة والصيت، بل حتى لو أُعطيتُ مقامات أخروية فإني أرى نفسي مضطرًّا للتخلي عنها لكيلا أخلّ بالإخلاص في النور..
وهذا يعني أنه يجيب بما يُشَمُّ منه موافقته الجزئية للموضوع إذ ليس فيه ردّ حاسم ورفض جاد لهذه المسألة، المهدية. (٭): أيتها الهيئة غير المنصفة: كيف يكون إذن الردّ الحاسم؟ باسم طلاب النور.. خسرو.
— 473 —
(إن الحوادث المذكورة في هذه الفقرة واقعة فعلا وبصورة عجيبة محيرة، فإن حدوث الزلزلة عقب ثلاث دقائق من قولي: "لا تُحزنوني إن الأرض تغضب عليكم"، كان المفروض عليهم أن يأخذوا المسألة بجدّ ويستحسنوا الموقف، وذلك بمقتضى الشفقة، حيث إنها ليست موضع انتقاد واعتراض.)
"بعد مرور عشر ساعات على أخذ إفادته التي دامت أربع ساعات وهو يعاني الضيق، دبّ الحريق في دائرة المعارف، حتى كأنها في الوقت نفسه. مما أَظهر أن رسائل النور وسيلة لدفع البلايا بحيث لو هوجمت وجدت البلايا لها منفذا فتنیزل. ".
وفي الرسالة المرقمة مائة وواحدا وأربعين:
بعد أخذ إفادته التي دامت أربع ساعات ونصف الساعة، يَذكر حوادث الحريق التي نشبت في دائرة المعارف في "أنقرة" وفي كراج السيارات وفي معمل في" إزمير "وفي عمارة كبيرة في "أطنه".. ثم يذكر قوله: "لا تحرموني من الرسائل، وإلّا تكن خسارة جسيمة لي ولهذا الوطن، فالأرض تحتد وتغضب بالزلزلة". وبعد قولته هذه بثلاث دقائق وقعت الزلزلة ودامت ثلاث ثوانٍ، وأظهرت غضب الأرض، وشبت النار في دائرة المعارف، في وقت الهجوم على رسائل النور وطلابها، وقد ثبت هذا فعلا لدى المحكمة أن حدوث الزلازل ونشوب الحريق تلازم وقت الهجوم على رسائل النور. فهذه الحوادث لا يمكن أن تكون مصادفة.
لقد أصبحت رسائل النور وسيلة لدفع كثير من البلايا في هذه البلاد، فهناك وقائع كثيرة جدّا على هذا.
وفي الرسالة المرقمة مائة وسبعا وأربعين يذكر:
أن الشتاء قد غضب غضبا شديدا، في الوقت الذي شُنّ الهجوم علينا وقد أظهر غضبُ الهواء وحدّتُه بالعواصف والبرد الشديد أنه متى ما توقفت الهجمات على الرسائل وطلابها، فإن ابتهاج طلاب النور يبدّل تلك العواصف القاسية إلى أيام ربيع بهيجة.
إن الحريق الذي دبّ في دائرة المعارف صفعة قوية.
— 474 —
(إن الحالة التي يجب أن تُبارَك، لا يُنظر إليها نظر الاعتراض.)
سألوني في هذه المرة في المحكمة ضمن أسئلة لا معنى لها، قائلين: بِمَ تعيش؟ فقلت: ببركة الاقتصاد. إن من كان في "إسبارطة" ويعيش في شهر رمضان على رغيف واحد، وكيلو من اللبن وكيلو من الرز، لا يتنازل للدنيا كلها لأجل العيش، ولا يضطر إلى قبول الهدايا.
(قد ساق الثناءُ الساطع لی"زبير "(٭) ودفاعُه الذي قرأه أمام المحكمة إلى التقدير والاستحسان بإذن اللّٰه بحيث أدرجوه بإعجاب في القرار.)
إن ما كتبه" زبير" في إحدى الملازم المطبوعة بالآلة الطابعة والمعنونة بی(شبابنا يطلب علما وأخلاقا راقية تعلّم الحق والحقيق) جاء في صفحتها العاشرة": إن رسائل النور التي تنقذ مسلمي القرن العشرين والبشرية عامة من ظلمات الأفكار الباطلة القاتمة ليست من بنات أفكار المؤلف نفسه بل إلهام قذفه رب العالمين إلى قلب المؤلف، فهي رسائل راقية قيمة نفيسة".
وجاء في الصفحة الثانية عشرة:
"إذا ما قيل لطالب يخدم في مجال رسائل النور: استنسخْ هذه الكتبَ بدلا عن رسائل النور، أعطيك ثروة "فورد" وغناه. لأجابهم قبل أن يَرفع طرفَ قلمِه من كتابة رسائل النور: لا أقبل حتى لو أَعطيتم لي ثروةَ الدنيا كلها وسلطنتها".
وفي الصفحة الخامسة عشرة:
"إن كانت درجة ارتباطنا لنیزيهي الفكر من المؤلفين مائة درجة فإن درجة ارتباطنا لشخصية عظيمة كبديع الزمان الذي يرشدنا إلى سعادة الدنيا والآخرة بلايين البلايين بل بغير نهاية".
— 475 —
وفي الصفحة الثانية عشرة:
"إن الشخص المعنوي لرسائل النور قد شخّص أمراض هذا العصر الاجتماعية والروحية والدينية، وعرض لإنسان هذا العصر بعناية اللّٰه ما يداويه من العِلل الاجتماعية المزمنة بأدوية نابعة من حقائق القرآن".
وفي الصفحة الرابعة والأربعين:
"قال بديع الزمان: من يقرأ هذه الرسائل لسنة كاملة يمكن أن يكون عالما جليلا في هذا الزمان. نعم، إنه كذلك.".
وفي الصفحة الرابعة والخمسين:
"إن الحكام الذين قرؤوا رسائل النور لا يُتوقع صدور قرارات غير صائبة منهم".