— 286 —
المسألة العاشرة
زهرة أميرداغ
(رد شاف ومقنع على اعتراضات ترد حول التكرار في القرآن الكريم)
إخواني الأعزاء الأوفياء! كنت أعاني من حالة مضطربة بائسة حينما تناولت هذه المسألة بالكتابة، لذا اكتنفها شيء من الغموض لكونها بقيت كما جاءت عفو الخاطر. ولكني أدركتُ أن تلك العبارات المشوشة تنطوي على إعجاز رائع. فيا أسفى إذ لم أستطع أن أوفي حقَّ هذا الإعجاز من الأداء والتعبير. فعبارات الرسالة مهما كانت خافتة الأنوار إلّا أنها تعدّ -من حيث تعلقها بالقرآن الكريم- "عبادة فكرية" و"صَدَفَة" تضم لآلئ نفيسة سامية، فالرجاء أن تصرفوا النظر عن قشرتها وتنعمیوا النظر بما فيها من لآلئ ساطعة. فإن وجدتموها جديرة حقا فاجعلوها "المسألة العاشرة" لرسالة الثمرة، وإلّا فاقبلوها رسالة جوابية عن تهانيكم.
ولقد اضطررت إلى كتابتها في غاية الإجمال والاقتضاب، لِما كنت أكابد من سوء التغذية وأوجاع الأمراض، حتى إنني أدرجتُ في جملة واحدة منها حقائقَ وحججا غزيرة، وأتممتها -بفضل اللّٰه- في يومين من أيام شهر رمضان المبارك. فأرجو المعذرة عما بدر مني من تقصير. (٭): هذه المسألة زهيرة لطيفة وضاءة لهذا الشهر الكريم ولمدينة "أميرداغ" ألحقت بی"ثمرة" سجن دنيزلي على أنها "المسألة العاشرة". فهي تزيل بإذن اللّٰه ما ينفثه أهلُ الضلالة من سموم الأوهام العفنة حول ظاهرة التكرار في القرآن. وذلك ببيانها حكمةً من حكمها الكثيرة. (المؤلف)
إخوتي الأوفياء الصادقين!
حينما كنت أتلو القرآن -المعجز البيان- في الشهر المبارك (رمضان)، تدبّرت في معاني الآيات الثلاث والثلاثين -التي وردت إشاراتُها إلى رسائل النور في "الشعاع الأول"- فرأيتُ أن كل آية منها -بل آيات تلك الصفحة في المصحف وموضوعها- كأنها تطل على رسائل النور وطلابها من جهة نيلهم غيضا من فيضها وحظا من معانيها لاسيما آية النور في سورة النور فهي
— 287 —
تشير بالأصابع العشر إلى رسائل النور، كما أن الآيات التي تعقبها -وهي آية الظلمات- تطل على معارضي الرسائل وأعدائها بل تعطيهم حصة كبرى، إذ لا يخفى أن مقام تلك الآيات وأبعادها ومراميها غير قاصرة على زمان ومكان معينين بل تشمل الأزمنة والأمكنة جميعها، أي تَخرج من جزئية الأمكنة والأزمنة إلى كلّيتهما الشاملة، لذا شعرتُ أن رسائل النور وطلابها إنما يمثلون في عصرنا هذا -حق التمثيل- فردا واحدا من أفراد تلك الكلية الشاملة.
إنّ خطاب القرآن الكريم قد اكتسب الصفة الكلية والسعة المطلقة والرفعة السامية والإحاطة الشاملة؛ لصدوره مباشرة من المقام الواسع المطلق للربوبية العامة الشاملة للمتكلم الأزلي سبحانه.. ويكتسبها من المقام الواسع العظيم لمن أنیزل عليه هذا الكتاب، ذلكم النبي الكريم (ص) الممثِّل للنوع البشري والمخاطَب باسم الإنسانية قاطبة، بل باسیم الكائنات جميعا.. ويكتسبها أيضا من توجّه الخطاب إلى المقام الواسع الفسيح لطبقات البشرية كافة وللعصور كافة.. ويكتسبها أيضا من المقام الرفيع المحيط النابع من البيان الشافي لقوانين اللّٰه سبحانه المتعلقة بالدنيا والآخرة، بالأرض والسماء، بالأزل والأبد، تلك القوانين التي تخص ربوبيته وتشمل أمور المخلوقات كافة.
فهذا الخطاب الجليل الذي اكتسب من السعة والسمو والإحاطة والشمول ما اكتسب، يبرز إعجازا رائعا وإحاطة شاملة، بحيث: إنّ مراتبه الفطرية والظاهرية التي تلاطف أفهام العوام البسيطة -وهم معظم المخاطبين- تمنح في الوقت نفسه حصةً وافرة لأعلى المستويات الفكرية ولأرقى الطبقات العقلية، فلا يهب لمخاطبيه شيئا من إرشاداته وحدها، ولا يخصّهم بعبرة من حكاية تاريخية فقط، بل يخاطب مع ذلك كلَّ طبقة في كل عصر -لكونها فردا من أفراد دستور كلّي- خطابا نَدِيًّا طريا جديدا كأنه الآن ينیزل عليهم.
ولا سيما كثرة تكراره: الظالمين الظالمين وزجره العنيف لهم وإنذاره الرهيب من نیزول مصائب سماوية وأرضية بذنوبهم ومظالمهم، فيلفت الأنظار -بهذا التكرار- إلى مظالم لا نظير لها في هذا العصر، بعرضه أنواعا من العذاب والمصائب النازلة على قوم عاد وثمود وفرعون. وفي الوقت نفسه يبعث السلوانَ والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين المظلومين، بذكره نجاةَ رسل كرام أمثال إبراهيم وموسى عليهما السلام.
— 288 —
ثم إن هذا القرآن العظيم يرشد كل طبقة من كل عصر إرشادا واضحا بإعجاز رائع مبينا: أنّ "الأزمنة الغابرة" والعصور المندثرة التي هي في نظر الغافلين الضالين وادٍ من عدم سحيق موحش رهيب، ومقبرة مندرسة أليمة كئيبة، يعرضها صحيفة حيّة تطفح عبرا ودروسا، وعالَما عجيبا ينبض بالحياة ويتدفق بالحيوية من أقصاه إلى أقصاه، ومملكة ربانية ترتبط معنا بوشائج وأواصر فيبينها -بإعجازه البديع- واضحة جلية كأنها مشهودة تعرض أمامنا على شاشة، فتارة يأتي بتلك العصور ماثلة شاخصة أمامنا، وتارة يأخذنا إلى تلك العصور.
ويبين بالإعجاز نفسه "الكونَ" الذي يراه الغافلون فضاء موحشا بلا نهاية، وجمادات مضطربة بلا روح تتدحرج في دوامة الفراق والآلام، يبينه القرآن كتابا بليغا، كتبه الأحدُ الصمد، ومدينةً منسقة عَمَّرها الرحمن الرحيم، ومَعرضا بديعا أقامه الرب الكريم لإشهار مصنوعاته. فيبعث بهذا البيان حياةً في تلك الجمادات، ويجعل بعضها يسعى لإمداد الآخر، وكل جزء يغيث الآخر ويعينه كأنه يحاوره محاورة ودّية صميمة، فكل شيء مسخّر وكل شيء أنيط به وظيفة وواجب.. وهكذا يلقي القرآن دروسَ الحكمة الحقيقية والعلم المنور إلى الإنس والجن والملائكة كافة. فلا ريب أن هذا القرآن العظيم -الذي له هذا الإعجاز في البيان- قَمِينٌ بأن يحوز خواص راقية عالية، وميزات مقدسة سامية، أمثال:
في كل حرف منه عشرُ حسنات، بل ألفُ حسنة أحيانا، بل ألوف الحسنات في أحيان أخرى.. وعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله ولو اجتمعوا له.. ومخاطبتُه بني آدم جميعَهم بل الكائنات برمتها مخاطبة بليغة حكيمة.. وحرصُ الملايين من الناس في كل عصر على حفظه عن ظهر قلب بشوق ومتعة.. وعدم السأم من تلاوته الكثيرة رغم تكراراته.. واستقرارُه التام في أذهان الصغار اللطيفة البسيطة مع كثرة ما فيه من جُمل ومواضع تلتبس عليهم.. وتلذذُ المرضى والمحتضرين -الذين يتألمون حتى من أدنى كلام- بسماعه، وجريانُه في أسماعهم عذبا طيبا.. وغيرها من الخواص السامية والمزايا المقدسة التي يحوزها القرآن الكريم، فيمنح قرّاءه وتلاميذه أنواعا من سعادة الدارين.
ويُظهر إعجازه الجميل أيضا في "أسلوب إرشاده البليغ" حيث راعى أحسن الرعاية أميةَ مبلّغه الكريم (ص) باحتفاظه التام على سلاسته الفطرية، فهو أجلّ من أن
— 289 —
يدنو منه تكلف أو تصنع أو رياء -مهما كان نوعه- فجاء أسلوبُه مستساغا لدى العوام الذين هم أكثرية المخاطبين ملاطِفا بساطةَ أذهانهم بتنیزلاته الكلامية القريبة من أفهامهم.. باسطا أمامهم صحائف ظاهرة ظهورا بديهيا كالسماوات والأرض.. موجِّها الأنظار إلى معجزات القدرة الإلهية وسطور حكمته البالغة المضمرتين تحت العاديات من الأمور والأشياء.
ثم إنّ القرآن الكريم يُظهر نوعا من إعجازه البديع أيضا في "تكراره البليغ" لجملة واحدة، أو لقصة واحدة، وذلك عند إرشاده طبقاتٍ متباينةً من المخاطبين إلى معان عدة وعِبَر كثيرة في تلك الآية أو القصة، فاقتضى التكرار حيث إنه كتاب دعاء ودعوة كما أنه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار، فكل ما كرر في القرآن الكريم إذن من آية أو قصة إنما تشتمل على معنى جديد وعبرة جديدة.
ويظهر إعجازه أيضا عند تناوله "حوادث جزئية" وقعت في حياة الصحابة الكرام أثناء نیزوله وإرسائه بناء الإسلام وقواعد الشريعة، فتراه يأخذ تلك الحوادث بنظر الاهتمام البالغ، مبينا بها أن أدق الأمور لأصغر الحوادث جزئيةً، إنما هي تحت نظر رحمته سبحانه، وضمن دائرة تدبيره وإرادته، فضلا عن أنه يُظهر بها سننا إلهية جارية في الكون ودساتير كلية شاملة. زد على ذلك أن تلك الحوادث -التي هي بمثابة النَّوَيَات عند تأسيس الإسلام والشريعة- ستثمر فيما يأتي من الأزمان ثمارا يانعة من الأحكام والفوائد.
إنّ تكرُّر الحاجة يستلزم التكرار، هذه قاعدة ثابتة، لذا فقد أجاب القرآن الكريم عن أسئلة مكررة كثيرة خلال عشرين سنة فأرشدَ بإجاباته المكررة طبقاتٍ كثيرةً متباينة من المخاطبين؛ فهو يكرر جملا تملك ألوفَ النتائج، ويكرر إرشادات هي نتيجة لأدلة لا حدّ لها، وذلك عند ترسيخه في الأذهان وتقريره في القلوب ما سيحدث من انقلاب عظيم وتبدّل رهيب في العالم وما سيصيبه من دمار وتفتت الأجزاء، وما سيعقبه من بناء الآخرة الخالدة الرائعة بدلا من هذا العالم الفاني.
ثم إنه يكرر تلك الجمل والآيات أيضا عند إثباته أن جميع الجزئيات والكليات ابتداء من الذرات إلى النجوم إنما هي في قبضةِ واحدٍ أحدٍ سبحانه وضمن تصرفه جلّ شأنه.
— 290 —
ويكررها أيضا عند بيانه الغضب الإلهي والسخط الرباني على الإنسان المرتكب للمظالم عند خرقه الغايةَ من الخلق، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجّج غضبَها على مقترفيها.
لذا فإن تكرار تلك الجمل والآيات عند بيان أمثال هذه الأمور العظيمة الهائلة لا يعد نقصا في البلاغة قط، بل هو إعجاز في غاية الروعة والإبداع، وبلاغة في غاية العلو والرفعة، وجزالة -بل فصاحة- مطابِقة تطابقا تاما لمقتضى الحال.
فعلى سبيل المثال:
إن جملةَ
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
هي آية واحدة تتكرر مائةً وأربعَ عشرة مرة في القرآن الكريم ذلك لأنها حقيقة كبرى تملأ الكون نورا وضياء، وتشد الفرش بالعرش برباط وثيق -كما بيناها في اللمعة الرابعة عشرة- فما من أحد إلّا وهو بحاجة مسيسة إلى هذه الحقيقة في كل حين، فلو تكررت هذه الحقيقة العظمى ملايين المرات، فالحاجة ما زالت قائمةً باقيةً لا ترتوي. إذ ليست هي حاجة يومية كالخبز، بل هي أيضا كالهواء والضياء الذي يُضطر إليه ويُشتاق كل دقيقة.
وإن الآية الكريمة:
﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَهوَ العزيزُ الرّحيم ﴾
تتكرر ثماني مرات في سورة "الشعراء". فتكرار هذه الآية العظيمة التي تنطوي على ألوف الحقائق في سورة تذكُر نجاة الأنبياء عليهم السلام وعذاب أقوامهم، إنما هو لبيان: أنّ مظالم أقوامهم تمس الغاية من الخلق، وتتعرض إلى عظمة الربوبية المطلقة، فتقتضي العزةُ الربانية عذابَ تلك الأقوام الظالمة مثلما تقتضي الرحمة الإلهية نجاة الأنبياء عليهم السلام. فلو تكررت هذه الآية ألوف المرات لما انقضت الحاجة والشوق إليها، فالتكرار هنا بلاغة راقية ذات إعجاز وإيجاز.
وكذلك الآية الكريمة:
﴿ فبِأيّ آلاءِ رَبّكما تُكذّبان ﴾
المكررة في سورة "الرحمن" والآيةُ الكريمة:
﴿ ويلٌ يَومئذٍ للمُكذبينَ ﴾
المكررة في سورة "المرسلات" تصرخ كلُّ منهما في وجه العصور قاطبة وتعلن إعلانا صريحا في أقطار السماوات والأرض أن كفرَ الجن والإنس وجحودَهم بالنعم الإلهية، ومظالمَهم الشنيعة، يثير غضب الكائنات ويجعل الأرض والسماوات في حنق وغيظ عليهم.. ويخل بحكمة خلق العالم والقصد منه.. ويتجاوز حقوق المخلوقات كافة ويتعدى عليها.. ويستخف بعظمة الألوهية وينكرها، لذا فهاتان الآيتان
— 291 —
ترتبطان بألوف من أمثال هذه الحقائق، ولهما من الأهمية ما لألوف المسائل وقوتها، لو تكررتا ألوف المرات في خطاب عام موجّه إلى الجن والإنس لكانت الضرورة قائمة بعد، والحاجة إليها ما زالت موجودة باقية. فالتكرار هنا بلاغة موجزة جليلة ومعجزة جميلة.
ومثال آخر نسوقه حول حكمة التكرار في الحديث النبوي (ص) فالمناجاة النبوية المسماة بی"الجوشن الكبير" مناجاة رائعة مطابِقة لحقيقة القرآن الكريم ونموذج مستخلص منه. نرى فيها جملةَ: "سبحانك يا لا إله إلّا أنت الأمان الأمان خلصنا من النار.. أجرنا من النار.. نجّنا من النار"، هذه الجملُ تتكرر مائة مرة، فلو تكررت ألوف المرات لما ولّدت السأم، إذ إنها تنطوي على أجلّ حقيقة في الكون وهي التوحيد. وأجلِّ وظيفة للمخلوقات تجاه ربهم الجليل وهي التسبيح والتحميد والتقديس، وأعظمِ قضية مصيرية للبشرية وهي النجاة من النار والخلاص من الشقاء الخالد. وألزمِ غاية للعبودية وللعجز البشري وهي الدعاء.
وهكذا نرى أمثال هذه الأسس فيما تشتمل عليه أنواع التكرار في القرآن الكريم. حتى نرى أنه يعبر أكثر من عشرين مرة عن حقيقة التوحيد -صراحة أو ضمنا- في صحيفة واحدة من المصحف وذلك حسب اقتضاء المقام، ولزوم الحاجة إلى الإفهام، وبلاغة البيان، فيهيّج بالتكرار الشوقَ إلى تكرار التلاوة، ويمد به البلاغة قوة وسموا من دون أن يورث سأما أو مللا.
ولقد أوضحتْ أجزاءُ رسائل النور حكمةَ التكرار في القرآن الكريم وبيّنتْ حججَها وأَثبتت مدى ملاءمة التكرار وانسجامه مع البلاغة، ومدى حسنه وجماله الرائع.
أما حكمة اختلاف السور المكية عن المدنية من حيث البلاغة، ومن جهة الإعجاز ومن حيث التفصيل والإجمال فهي كما يأتي:
إنّ الصف الأول من المخاطبين والمعارضين في مكة كانوا مشركي قريش وهم أميون لا كتاب لهم، فاقتضت البلاغة أسلوبا عاليا قويا وإجمالا معجزا مقنعا، وتكرارا يستلزمه التثبيت في الأفهام؛ لذا تناولت أغلبُ السور المكية أركانَ الإيمان ومراتبَ التوحيد بأسلوب في غاية القوة والعلو، وبإيجاز في غاية الإعجاز، وكررت الإيمانَ باللّٰه والآخرة والمبدأ والمعاد كثيرا، بل قد عبّرت عن تلك الأركان الإيمانية في كل صحيفة أو آية، أو في جملة واحدة، أو
— 292 —
كلمة واحدة، بل ربما عبّرت عنها في حرف واحد، في تقديم وتأخير، في تعريف وتنكير، في حذف وذكر. فأثبتت أركان الإيمان في أمثال تلك الحالات والهيئات البلاغية إثباتا جعل علماءَ البلاغة وأئمتها يقفون حيارى مبهوتين أمام هذا الأسلوب المعجز. ولقد وضّحت رسائلُ النور ولاسيما "الكلمة الخامسة والعشرون "المعجزات القرآنية" -مع ذيولها- إعجازَ القرآن في أربعين وجها من وجوهها، وكذلك تفسيرُ "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" باللغة العربية الذي يبين بيانا رائعا إعجازَ القرآن من حيث وجه النظم بين الآيات الكريمة. فأثبتت كلتا الرسالتين فعلًا علوَّ الأسلوب البلاغي الفذ وسموَّ الإيجاز المعجز في الآيات المكية وسوَرها.
أما الآيات المدنية وسوَرها فالصف الأول من مخاطبيها ومعارضيها كانوا من اليهود والنصارى وهم أهلُ كتاب مؤمنون باللّٰه. فاقتضت قواعد البلاغة وأساليب الإرشاد وأسس التبليغ أن يكون الخطاب الموجه لأهل الكتاب مطابقا لواقع حالهم، فجاء بأسلوب سهل واضح سلس، مع بيانٍ وتوضيح في الجزئيات -دون الأصول والأركان (الإيمانية)- لأن تلك الجزئيات هي منشأ الأحكام الفرعية والقوانين الكلية، ومدار الاختلافات في الشرائع والأحكام. لذا فغالبا ما نجد الآيات المدنية واضحة سلسة بأسلوب بياني معجز خاص بالقرآن الكريم. ولكنّ ذِكْرَ القرآن فذلكةً قوية أو نتيجة ملخصة أو خاتمة رصينة أو حجة دامغة تعقيبا على حادثة جزئية فرعية، يَجعل تلك الحادثةَ الجزئية قاعدةً كلية عامة، ومن بعد ذلك يضمن الامتثال بها بترسيخ الإيمان باللّٰه الذي يحققه ذكر تلك الفواصل الختامية الملخّصة للتوحيد والإيمان والآخرة. فترى أن ذلك المقام الواضح السلس يتنور ويسمو بتلك الفواصل الختامية. -ولقد بينت رسائلُ النور وأثبتت حتى للمعاندين مدى البلاغة العالية والميزات الراقية وأنواع الجزالة السامية الدقيقة الرفيعة في تلك الفذلكات والفواصل وذلك في عشر مميزات ونكت في النور الثاني من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن-. فإن شئت فانظر إلى
﴿ إن اللّٰه على كلِّ شئٍ قدير ، أن اللّٰه بكل شئٍ عليم ، وهو العزيز الحكيم ، وهو العزيز الرحيم ﴾
وأمثالها من الآيات التي تفيد التوحيد وتذكر بالآخرة، والتي تنتهي بها أغلب الآيات الكريمة،
ترَ أن القرآن الكريم عند بيانه الأحكام الشرعية الفرعية والقوانين الاجتماعية يرفع نظرَ المخاطب إلى آفاق كلية سامية، فيبدل -بهذه الفواصل الختامية- ذلك الأسلوب السهل الواضح السلس أسلوبا عاليا رفيعا،
— 293 —
كأنه ينقل القارئ من درس الشريعة إلى درس التوحيد. فيُثبت أن القرآن كتابُ شريعة وأحكام وحكمة، كما هو كتاب عقيدة وإيمان، وهو كتاب ذكر وفكر، كما هو كتاب دعاء ودعوة.
وهكذا تَرى أن هناك نمطا من جزالة معجزة ساطعة في الآيات المدنية هو غير بلاغة الآيات المكية، حسب اختلاف المقام وتنوع مقاصد الإرشاد والتبليغ.
فقد ترى هذا النمط في كلمتين فقط: ربك و رب العالمين إذ يعلّم الأحدية بتعبير ربك ويعلّم الواحدية بی رب العالمين ، فيفيد الواحدية ضمن الأحدية.
بل قد ترى ذلك النمط من البلاغة في جملة واحدة فيريك في آية واحدة مثلا نفوذَ علمه إلى موضع الذرة في بؤبؤ العين وموقعَ الشمس في كبد السماء، وإحاطة قدرته التي تضع بالآلة الواحدة كلا في مكانه، جاعلةً من الشمس كأنها عين السماء فيعقب:
﴿ وهو عَليمٌ بذاتِ الصُدور ﴾
بعد آيةِ
يُولج الليلَ في النهارِ ويُولجُ النّهار في الليل
(الحديد:٦) أي يعقب نفوذَ علمه سبحانه إلى خفايا الصدور بعد ذكره عظمةَ الخلق في السماوات والأرض وبَسْطها أمام الأنظار، فيقرّ في الأذهان أنه يعلم خواطر القلوب وخوافي شؤونها ضمن جلال خلّاقيته للسماوات والأرض وتدبيره لشؤونها. فهذا التعقيب:
﴿ وهو عَليمٌ بذاتِ الصُدور ﴾
لون من البيان يحول ذلك الأسلوب السهل الواضح الفطري -القريب إلى أفهام العوام- إلى إرشاد سامٍ وتبليغ عام جذاب.
سؤال: إن النظرة السطحية العابرة لا تستطيع أن ترى ما يورده القرآن الكريم من حقائق ذات أهمية، فلا تعرف نوع المناسبة والعلاقة بين فذلكة سامية تعبّر عن التوحيد أو تفيد دستورا كليا، وبين حادثة جزئية معتادة؛ لذا يتوهم البعضُ أن هناك شيئا من قصورٍ في البلاغة، فمثلا لا تظهر المناسبةُ البلاغية في ذكر الدستور العظيم: وفَوقَ كل ذي عِلم عَليم تعقيبا على حادثة جزئية وهي إيواء يوسف عليه السلام أخاه إليه بتدبير ذكي. فيرجى بيان السر في ذلك وكشف الحجاب عن حكمته؟
الجواب: إنّ أغلب السور المطولة والمتوسطة -التي كلّ منها كأنها قرآن على حدة- لا تكتفي بمقصدين أو ثلاثة من مقاصد القرآن الأربعة (وهي: التوحيد، النبوة، الحشر، العدل مع العبودية) بل كل منها يتضمن ماهية القرآن كلها، والمقاصدَ الأربعة معا، أي كل منها:
— 294 —
كتابُ ذكر وإيمان وفكر، كما أنه كتاب شريعة وحكمة وهداية. فكل سورة من تلك السُوَر تتضمن كُتبا عدة، وترشد إلى دروس مختلفة متنوعة. فتجد أن كل مقام -بل حتى الصحيفة الواحدة- يفتح أمامَ الإنسان أبوابا للإيمان يحقق بها إقرارَ مقاصد أخرى، حيث إن القرآن يذكر ما هو مسطور في كتاب الكون الكبير ويبينه بوضوح، فيرسّخ في أعماق المؤمن إحاطةَ ربوبيتِه سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتِها المهيبة في الآفاق والأنفس. لذا فإن ما يبدو من مناسبة ضعيفة، يبنى عليها مقاصد كلية فتتلاحق مناسبات وثيقة وعلاقات قوية بتلك المناسبة الضعيفة ظاهرا، فيكون الأسلوب مطابِقا تماما لمقتضى ذلك المقام، فتتعالى مرتبته البلاغية.
سؤال آخر: ما حكمة سَوق القرآن ألوفَ الدلائل لإثبات أمور الآخرة وتلقين التوحيد وإثابة البشر؟ وما السر في لفته الأنظار إلى تلك الأمور صراحةً وضمنا وإشارةً في كل سورة بل في كل صحيفة من المصحف وفي كل مقام؟
الجواب: لأن القرآن الكريم ينبّه الإنسان إلى أعظم انقلاب يَحدُث ضمن المخلوقات ودائرة الممكنات في تاريخ العالم.. وهو الآخرة. ويرشده إلى أعظم مسألة تخصه وهو الحامل للأمانة الكبرى وخلافة الأرض.. تلك هي مسألة التوحيد الذي تدور عليه سعادتُه وشقاوتُه الأبديتان. وفي الوقت نفسه يزيل القرآن سيلَ الشبهات الواردة دون انقطاع، ويحطم أشدّ أنواع الجحود والإنكار المقيت.
لذا لو قام القرآنُ بتوجيه الأنظار إلى الإيمان بتلك الانقلابات المدهشة وحملِ الآخرين على تصديق تلك المسألة العظيمة الضرورية للبشر.. نعم، لو قام به آلافَ المرات وكرر تلك المسائل ملايين المرات، لا يعدّ ذلك منه إسرافا في البلاغة قط، كما أنه لا يولد سأما ولا مللا البتة، بل لا تنقطع الحاجة إلى تكرار تلاوتها في القرآن الكريم، حيث ليس هناك أهم ولا أعظم مسألة في الوجود من التوحيد والآخرة.
فمثلا: إن حقيقة الآية الكريمة:
﴿ انّ الذينَ آمنوا وعَملوا الصّالحات لَهُم جَناتٌ تجري من تحتها الانهارُ ذلك الفوز الكبير ﴾
(البروج:١١) هي بشرى السعادة الخالدة تزفّها هذه الآية الكريمة إلى الإنسان المسكين الذي يلاقي حقيقةَ الموت كل حين، فتنقذه هذه البشرى من تصور الموت إعداما أبديا، وتنجيه -وعالَمَه وجميعَ أحبته- من قبضة الفناء، بل تمنحه سلطنة
— 295 —
أبدية، وتكسبه سعادة دائمة.. فلو تكررت هذه الآية الكريمة مليارا من المرات لا يعد تكرارُها من الإسراف قط، ولا يمس بلاغتَها شيء.
وهكذا ترى أن القرآن الكريم الذي يعالج أمثال هذه المسائل القيمة ويسعى لإقناع المخاطبين بها بإقامة الحجج الدامغة، يعمّق في الأذهان والقلوب تلك التحولات العظيمة والتبدلات الضخمة في الكون، ويجعلها أمامهم سهلة واضحة كتبدل المنیزل وتغير شكله. فلابد أن لفت الأنظار إلى أمثال هذه المسائل -صراحةً وضمنا وإشارةً- بألوف المرات ضروري جدّا بل هو كضرورة الإنسان إلى نعمة الخبز والهواء والضياء التي تتكرر حاجته إليها دائما.
ومثلا: إن حكمة تكرار القرآن الكريم:
﴿ والذين كَفروا لهُم نار جهنم ﴾
(فاطر:٣٦)
﴿ والذين كَفروا لهُم نار جهنم ﴾
(إبراهيم:٢٢) وأمثالها من آيات الإنذار والتهديد. وسَوْقها بأسلوب في غاية الشدة والعنف، هي -مثلما أثبتناها في رسائل النور إثباتا قاطعا-: أنّ كفرَ الإنسان إنما هو تجاوز -أيّ تجاوز- على حقوق الكائنات وأغلب المخلوقات، مما يثير غضبَ السماوات والأرض، ويملأ صدورَ العناصر حنقا وغيظا على الكافرين، حتى تقوم تلك العناصر بصفع أولئك الظالمين بالطوفان وغيره. بل حتى الجحيمُ تغضب عليهم غضبا تكاد تتفجر من شدته كما هو صريح الآية الكريمة:
﴿ اذا اُلقوا فيها سمِعوا لها شهيقًا وهي تفور ٭ تكاد تميَّزُ من الغيظِ ﴾
(الملك:٧-٨). فلو كَرَّرَ سلطانُ الكون في أوامره تلك الجنايةَ العظمى "الكفر" وعقوبتَها بأسلوب في غاية الزجر والشدة ألوف المرات، بل ملايين المرات، بل مليارات المرات لما عُدّ ذلك إسرافا مطلقا ولا نقصا في البلاغة، نظرا لضخامة تلك الجناية العامة والتجاوز غير المحدود على الحقوق، وبناء على حكمة إظهار أهمية حقوق رعيته سبحانه وإبراز القبح غير المتناهي في كفر المنكرين وظلمهم الشنيع. إذ لا يكرر ذلك لضآلة الإنسان وحقارته بل لهول تجاوز الكافر وعظم ظلمه.
ثم إننا نرى أن مئات الملايين من الناس منذ ألف ومئات من السنين يتْلون القرآن الكريم بلهفة وشوق وبحاجة ماسة إليه دون ملل ولا سأم.
نعم، إن كل وقت وكل يوم إنما هو عالَم يمضي وباب ينفتح لعالم جديد، لذا فإن تكرار: "لا إله إلّا اللّٰه" بشوقِ الحاجةِ إليها ألوفَ المرات لأجل إضاءة تلك العوالم السيارة كلها وإنارتِها
— 296 —
بنور الإيمان، يجعل تلك الجملة التوحيدية كأنها سراج منير في سماء تلك العوالم والأيام. فكما أن الأمر هكذا في: "لا إله إلّا اللّٰه"، كذلك تلاوة القرآن الكريم، فهي تبدد الظلام المخيم على تلك الكثرة الكاثرة من المَشاهِد السارية، وعلى تلك العوالم السيارة المتجددة، وتزيل التشوه والقبح عن صورها المنعكسة في مرآة الحياة، وتجعل تلك الأوضاع الزائلة شهودا له يوم القيامة لا شهودا عليه. وترقّيه إلى مرتبةِ معرفةِ عِظَم جزاء الجنايات، وتجعله يدرك قيمة النُّذُرِ المخيفة لسلطان الأزل والأبد التي تشتت عناد الظالمين الطغاة، وتشوّقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء.. فلأجل هذه الحِكَم كلِّها يكرر القرآن الكريم ما يكرر في غاية الحكمة، مظهرا أن النذر القرآنية الكثيرة إلى هذا القدر، وبهذه القوة والشدة والتكرار حقيقة عظمى، ينهزم الشيطانُ من توهمها باطلا، ويهرب من تخيلها عبثا.
نعم، إنّ عذاب جهنم لهو عينُ العدالة لأولئك الكفار الذين لا يعيرون للنذر سمعا.
ومن المكررات القرآنية "قصص الأنبياء" عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام -مثلا- التي لها من الحِكم والفوائد ما لعصا موسى، وكذا الحكمةُ في تكرار قصص الأنبياء إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم حجةً على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها؛ حيث لا يمكن أن ينكرها إلّا من ينكر نبوتهم جميعا، فذكرُها إذن دليل على الرسالة.
ثم إن كثيرا من الناس لا يستطيعون كل حين ولا يوفّقون إلى تلاوة القرآن الكريم كله، بل يكتفون بما يتيسر لهم منه. ومن هنا تبدو الحكمة واضحة في جعل كل سورة مطولة ومتوسطة بمثابة قرآن مصغر، ومن ثم تكرار القصص فيها بمثل تكرار أركان الإيمان الضرورية. أي إن تكرار هذه القصص هو مقتضى البلاغة وليس فيه إسراف قط. زد على ذلك فإن فيه تعليما بأن حادثةَ ظهورِ محمد (ص) أعظم حادثة للبشرية وأجلّ مسألة من مسائل الكون.
نعم، إنّ مَنْحَ ذات الرسول الكريم (ص) أعظمَ مقام وأسماه في القرآن الكريم، وجَعْل "محمدٌ رسولُ اللّٰه" -الذي يتضمن أربعة من أركان الإيمان- مقرونا بی"لا إله إلّا اللّٰه" دليل -وأي دليل- على أن الرسالة المحمدية هي أكبر حقيقة في الكون، وأن محمدا (ص) لهو أشرف المخلوقات طُرا، وأن الحقيقة المحمدية التي تمثل الشخصية المعنوية الكلية لمحمد (ص) هي
— 297 —
السراج المنير للعالمين كليهما، وأنه (ص) أهل لهذا المقام الخارق، كما قد أثبت ذلك في أجزاء رسائل النور بحجج وبراهين عديدة إثباتا قاطعا. نورد هنا واحدا من ألف منها. كما يأتي:
إنّ كل ما قام به جميعُ أمة محمد (ص) من حسنات في الأزمنة قاطبة يُكتب مثلها في صحيفة حسناته (ص)، وذلك حسب قاعدةِ: "السبب كالفاعل"... وإنّ تنويره لجميع حقائق الكائنات بالنور الذي أتى به لا يجعل الجنّ والإنس والملائكة وذوي الحياة في امتنان ورضى وحدهم، بل يجعل الكونَ برمّته والسماوات والأرض جميعا راضية عنه محدّثةً بفضائله... وإنّ ما يبعثه صالحو الأمة يوميا من ملايين الأدعية ومع الروحانيين من مليارات الأدعية الفطرية المستجابة التي لا تُرد -بدلالة القبول الفعلي المُشاهَد لأدعية النباتات بلسان الاستعداد، وأدعية الحيوانات بلسان حاجة الفطرة- ومن أدعية الرحمة بالصلاة والسلام عليه، وما يرسلونه بما ظفروا من مكاسب معنوية وحسنات هدايا، إنما تقدم إليه أولا. فضلا عما يدخل في دفتر حسناته (ص) من أنوارٍ لا حدود لها بما تتلوه أمتُه -بمجرد التلاوة- من القرآن الكريم الذي في كل حرف من حروفه -التي تزيد على ثلاثمائة ألف حرف- عشرُ حسنات وعشر ثمار أخروية، بل مائة بل ألف من الحسنات..
نعم، إنّ علام الغيوب سبحانه قد سبق علمه وشاهد أن الحقيقة المحمدية التي هي الشخصية المعنوية لتلك الذات المباركة (ص) ستكون كمثال شجرة طوبى الجنة، لذا أولاه في قرآنه تلك الأهمية العظمى حيث هو المستحِق لذلك المقام الرفيع. وبيّن في أوامره بأن نيل شفاعته إنما هو باتباعه والاقتداء بسنته الشريفة وهو أعظم مسألة من مسائل الإنسان. بل أَخَذَ بنظر الاعتبار -بين حين وآخر- أوضاعه الإنسانية البشرية التي هي بمثابة بذرة شجرة طوبى الجنة.
وهكذا فلأن حقائق القرآن المكررة تملك هذه القيمة الراقية وفيها من الحِكَم ما فيها، فالفطرة السليمة تشهد أن في تكراره معجزةً معنويةً قوية وواسعة، إلّا مَن مَرِض قلبُه وسَقم وجدانُه بطاعون المادية، فتشمله القاعدة المشهورة:
قد ينكر المرءُ ضوءَ الشمس من رَمدٍ وينكر الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَم
[٭]: البيت للشاعر شرف الدين البوصيري(٭) في قصيدة البردة: قد تُنكِرُ العيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ من رَمَدٍ ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ من سَقَمٍ
— 298 —
خاتمة هذه المسألة العاشرة في حاشيتين
الحاشية الأولى: طَرَق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة، أن زنديقا عنيدا، قد فضح سوءَ طويته وخبثَ قصده بإقدامه على ترجمة القرآن الكريم، فحاك خطةً رهيبة، للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته. وصرح قائلا: ليُترجَم القرآن لتظهر قيمته! أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية! ولتُتلى ترجمتُه بدلا منه! إلى آخره من الأفكار السامة. إلّا أن رسائل النور -بفضل اللّٰه- قد شَلّت تلك الفكرةَ وأجهضت تلك الخطة بحججها الدامغة وبانتشارها الواسع في كل مكان، فأثبتت إثباتا قاطعا أنه لا يمكن قطعا ترجمةُ القرآن الكريم ترجمةً حقيقية.. وأن أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم ونُكته البلاغية اللطيفة.. وإن الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تَحُل -بأي حال- محلَّ التعابير الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقا تلاوة الترجمة بدلا منه.
بيد أن المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق، سعوا بمحاولات هوجاء في سبيل الشيطان ليطفئوا نورَ القرآن الكريم بأفواههم. ولكن لَمَّا كنتُ لا ألتقي أحدا، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، إلّا أن أغلب ظني أن ما أوردتُه آنفا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه "المسألة العاشرة" عليّ، رغم ما يحيط بي من ضيق.
الحاشية الثانية: كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق "شهر" عقب إطلاق سراحنا من سجن "دنيزلي" أتأمل فيما حوالي من أشجار الحَوَر (الصفصاف) الكثيرة في الحدائق الغنّاء والبساتين الجميلة، رأيتُها جذلى بحركاتها الراقصة الجذابة، تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم. فبدت أمامي بأبهى صورة وأحلاها، وكأنها تسبّح للّٰه في حلقات ذكر وتهليل.
مسّت هذه الحركات اللطيفة أوتارَ قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا.. فخطر على البیال -فجأةً- موسیمَا الخريف والشتاء وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال.. وبدأتُ أتألم على تلك الحَوَر الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى اغرورقت
— 299 —
عيناي واحتشدت على رأسي أحزانٌ تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات!
وبينما أنا في هذه الحالة المحزنة إذا بالنور الذي أتت به الحقيقةُ المحمدية (ص) يغيثني -مثلما يغيث كل مؤمن ويسعفه- فبدّل تلك الأحزانَ والغموم التي لا حدود لها مسراتٍ وأفراحا لا حدّ لها، فبتُّ في امتنان أبديّ ورضى دائم من الحقيقة المحمدية التي أنقذني فيض واحد من فيوضات أنوارها غير المحدودة، فنشر ذلك الفيض السلوان في أرجاء نفسي وأعماق وجداني، وكان ذلك كالآتي:
إن تلك النظرة الغافلة أظهرت تلك الأوراق الرقيقة والأشجار الفارعة الهيفاء من دون وظيفة ولا مهمة، لا نفعَ لها ولا جدوى، وأنها لا تهتز اهتزازها اللطيف من شدة الشوق والنشوة بل ترتعد من هول العدم والفراق.. فتبًّا لها من نظرة غافلة أصابت صميمَ ما هو مغروز فيّ -كما هو عند غيري- من عشق للبقاء، وحب الحياة، والافتتان بالمحاسن، والشفقة على بني الجنس.. فحولت الدنيا إلى جهنم معنوية، والعقلَ إلى عضو للشقاء والتعذيب. فبينما كنتُ أقاسي هذا الوضع المؤلم، إذا بالنور الذي أنار به محمد (ص) البشريةَ جمعاء يرفع الغطاء ويزيل الغشاوة ويبرز حِكَما ومعاني ووظائف ومهمات غزيرة جدّا تبلغ عدد أوراق الحَوَر. وقد أَثبتت رسائلُ النور أن تلك الوظائف والحِكَم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهو المتوجّه إلى الأسماء الحسنى للصانع الجليل. فكما أن صانعا ماهرا إذا ما قام بصنع ماكنة بديعة، يثني عليه الجميعُ ويقدرون صنعته ويباركون إبداعه، فإن تلك الماكنة هي بدورها كذلك تبارك صانعَها وتثني عليه بلسان حالها، وذلك بإراءتها النتائج المقصودة منها إراءة تامة.
أما القسم الثاني: فهو المتوجه إلى أنظار ذوي الحياة وذوي الشعیور من المخلوقات أي يكون موضعَ مطالعةٍ حلوة وتأمل لذيذ، فيكون كلُّ شيء كأنه كتاب معرفة وعلم، ولا يغادر هذا العالَم -عالم الشهادة- إلّا بعد وضع معانيه في أذهان ذوي الشعور، وطبع صوَره في حافظتهم، وانطباع صورته في الألواح المثالية لسجلات علم الغيب، أي لا ينسحب من عالَم الشهادة إلى عالم الغيب إلّا بعد دخوله ضمن دوائرِ وجودٍ كثيرة ويكسب أنواعا من الوجود المعنوي والغيبي والعلمي بدلًا عن وجود صوري ظاهري.
— 300 —
نعم ما دام اللّٰه موجودا، وعلمُه يحيط بكل شيء، فلابد أن لا يكون هناك في عالم المؤمن عدم وإعدام وانعدام وعبث ومحو وفناء من زاوية الحقيقة.. بينما دنيا الكفار زاخرة بالعدم والفراق والانعدام ومليئة بالعبث والفناء. ومما يوضح هذه الحقيقة ما يدور على الألسنة من قولٍ مشهور هو: "مَن كان له اللّٰه، كان له كل شيء، ومَن لم يكن له اللّٰه لم يكن له شيء".
الخلاصة: إنّ الإيمان مثلما ينقذ الإنسان من الإعدام الأبدي أثناء الموت، فهو ينقذ دنيا كل شخص أيضا من ظلمات العدم والانعدام والعبث. بينما الكفر -ولاسيما الكفر المطلق- فإنه يُعدم ذلك الإنسان، ويعدم دنياه الخاصة به بالموت. ويلقيه في ظلمات جهنم معنوية محوّلا لذائذ حياته آلاما وغصصا.
فلْترنّ آذان الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وليأتوا بعلاج لهذا الأمر إن كانوا صادقين، أو ليَدخلوا حظيرة الإيمان ويخلصوا أنفسهم من هذه الخسارة الفادحة.
﴿ سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ ﴾
أخوكم الراجي دعواتِكم والمشتاق إليكم
سعيد النورسي