الشعاعات العربية
— 248 —

المسألة السابعة

ثمرة أينعت في يوم جمعة من أيام سجن دنيزلي
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ ﴾
(النحل:٧٧)
﴿ ما خلقكم ولا بعثُكم إلّا كنفسٍ واحدة ﴾
(لقمان:٢٨)
﴿ فانظر إلى آثار رحمتِ اللّٰه كيفَ يُحيي الارضَ بعد موتها إن ذلكَ لَمُحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾
(الروم:٥٠).
كنت قد ألقيت ذات يوم درسا في "قسطموني" بلغة العلوم المدرسية على بعض طلبة الثانوية الذين جاؤوا يسألونني: "عَرِّفْنَا بخالقنا" كما جاء في "المسألة السادسة" المذكورة آنفا، واطّلع عليها بعضُ من استطاع الاتصال معي من المسجونين في "دنيزلي" فحصل لديهم من الاطمئنان الإيماني والقناعة التامة ما جعلهم يستشعرون شوقا غامرا نحو الآخرة، فبادروا بالقول: "علّمنا آخرتنا أيضا علما كاملا، لا تُضلّنا بعده أنفسُنا وشياطينُ العصر، فتلقي بنا إلى مثل هذه السجون!". ونیزولا عند طلب هؤلاء وإسعافا لحاجة طلبة رسائل النور في سجن "دنيزلي" وللرغبة الملحة من أولئك الذين طالعوا "المسألة السادسة"، فقد رأيت لزاما علىّ أن أُبين خلاصة موجزة عن الركن الإيماني المهم: "الآخرة".
فأقول ملخصا من رسائل النور: كما أننا سألنا في "المسألة السادسة" الأرضَ والسماوات عن خالقنا سبحانه وتعالى، فأجابتنا بلسان العلوم الحاضرة بما عرَّفتنا بخالقنا الكريم معرفة واضحة وضوح الشمس، فسنسأل كذلك أولًا ربَّنا الذي عَرَفْناه يقينا عن آخرتنا، ثم نسأل رسولَنا الأعظم (ص) ثم قرآنَنا الكريم، ثم سائرَ الأنبياء عليهم السلام والكتب المقدسة، ثم الملائكةَ، ثم الكائنات.
— 249 —
فها نحن أولاء في أولى المراتب.. نسأل اللّٰه سبحانه وتعالى عن "الآخرة" فيخاطبنا -جلّ وعلا- بجميع أوامره وبجميع رسله الكرام، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفاته الجليلة، قائلا لنا: الآخرة لا ريب فيها، وأنتم مساقون إليها. وحيث إن "الكلمة العاشرة" قد أثبتت الآخرةَ باثنتي عشرة حقيقة قاطعة ناصعة، وأوضحَتْها بدلالةِ قسم من الأسماء الحسنى؛ لذا نشير هنا -إشارة مختصرة- إلى تلك الدلالات، مكتفين بذلك الإيضاح.
نعم، إنه ليس هناك سلطان عظيم دون أن يكون له ثواب للمطيعين وعقاب للعاصين. فلابد من أن السلطان السرمدي -وهو في علياء الربوبية المطلقة- له ثواب للمنتسبين إليه بالإيمان والمستسلمين لأوامره بالطاعة، وعقاب للذين أنكروا عظمتَه وعزته بالكفر والعصيان. ولابد من أن ذلك الثواب سيكون لائقا برحمته وجماله، وذلك العقاب سيكون ملائما لعزته وجلاله.
وبهذا يجيبنا اسم "السلطان الديّان" و"ربّ العالمين" عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إننا نرى بأعيننا -رؤية واضحة وضوحَ الشمس- أن رحمةً عامةً ورأفةً محيطةً وكرما شاملا سابغا على وجه الأرض؛ فما ان يحل الربيع الزاهي حتى ترى الرحمة تُزيِّن الأشجار والنباتات المثمرة، وتلبسها ثيابا خُضرا كأنها حور الجنة، وتسلّم إلى أيديها أنواعا مختلفة من ثمار شتى، وتقدمها إلينا قائلة: "هاكم كلوا وتفكّهوا..." وتراها تطعمنا عسلا مصفًّى شافيا لذيذا بأيدي حشرة سامة! وتُلبسنا حريرا ناعما تَنسجه حشرة بلا يد! وتدّخر في حفنة من بُذيرات وحبوب آلافَ الأطنان من الغذاء وتحوّلها إلى كنوز احتياطية لنا.. فالذي له هذه الرحمة الواسعة، وله هذه الرأفة العامة والكرم السابغ، لا ريب أنه لن يُفني ولن يُعدم عبادَه المؤمنين المحبوبين لديه، أولئك الذين ربَّاهم ومَنَّ عليهم، وكرّمهم إلى هذه الدرجة من اللطف والرفق والعناية. بل سينهي وظيفتهم في الحياة الدنيا ليهيأهم لرحمات أوسع واعظم.
وبهذا يجيبنا اسم اللّٰه "الرحمن" و"الكريم" من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة، قائلَين لنا: "الجنة حق".
ثم إننا نرى أن وظائف المخلوقات تُنسج على منوال الحكمة وتكال بميزان العدل. وهما من الدقة والحساسية بحيث لا يتصور الإنسان أفضل منهما.. فنَرى الحكمة الأزلية قد وهبت
— 250 —
للإنسان قوةَ حافظة -كحبة الخردل حجما- وكتبت فيها تفاصيلَ حياته وما يمسه من أحداث لا تعد، وكأنها مكتبةٌ وثائقية مصغرة جدا، ووضعتها في زاوية من دماغه، لتذكّره دوما بيوم الحساب، يوم تُنشر ما فيها من صحائف الأعمال.
ونرى العدالة المطلقة تضع كل عضو من الكائن الحي في موضعه اللائق به، وتنسقه بموازين دقيقة حساسة - ابتداء من ميكروب صغير إلى كركدن ضخم، ومن نحل ضعيف إلى نسر مهيب، ومن زهرة لطيفة إلى ربيع زاهٍ بملايين من الأزهار.. ونراها تمنح كل عضو تناسقا لا عبث فيه، وموازنة لا نقص فيها، وانتظاما لا ترى فيه إلّا الإبداع، كل ذلك ضمن جمالٍ زاهر وحسن باهر حتى تغدو المخلوقات نماذج مجسمة للإبداع والإتقان والجمال.. فضلا عن أنها تهب لكل ذي حياة حق الحياة؛ فتيسر له سبل الحياة، وتنصب له موازين عدالة فائقة؛ فجزاء الحسنة حسنة مثلها، وجزاء السيئة سيئة مثلها.. وفي الوقت نفسه تُشعر قوتها وسرمديتها، بما تنیزل من عذاب مدمر على الطغاة والظالمين منذ عهد آدم عليه السلام. فكما لا تكون الشمسُ دون نهار، فتلك الحكمة الأزلية، وتلك العدالة السرمدية لن تتحققا تحققا كليا إلّا بحياة أخرى خالدة، لذا لن ترضيا أبدا ولن تسمحا بحال من الأحوال على نهاية لا عدالة فيها ولا حكمة ولا إحقاق حق، تلك هي الموت الذي لا بعث بعده، والذي يتساوى فيه الظالمون العتاة مع المظلومين البائسين! فلابد إذن أن تكون وراءه حياة أخرى خالدة كي تستكمل الحكمةُ والعدالة حقيقتهما.
وبهذا يجيبنا -إجابة قاطعة- اسمُ اللّٰه "الحكيم" و"الحكم" و"العدل" و"العادل" من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إننا نرى أن كل كائن حي تُوفَّر له حاجاتُه التي ليس في طوقه الحصول عليها، وتستجاب جميعُ مطاليبه التي يسألها -بنوع من دعاء- سواء بلسان حاجاته الضرورية، أو بلغة استعداداته الفطرية، وتسلّم إليه في أنسب وقت وأفضله من لدن يد رحيمٍ واسع الرحمة، وسميع مطلق السمع، ورؤوفٍ شامل الرأفة.. وتُستجاب أيضا أغلبُ دعوات الإنسان الإراديةُ، ولاسيما دعوات الأصفياء من الناس، وبخاصة دعوات الأنبياء عليهم السلام -التي تُستجاب أغلبها استجابة خارقة للعادة- فتلك الاستجابات تفهّمنا يقينا أن وراء الحجاب
— 251 —
"سميعًا مجيبًا" يسمع آهاتِ كل ذي مصيبة وأنّات كل ذي داء، ويصغي إلى دعاء كل محتاج، ويرى أدنى حاجة لأصغر مخلوق ويسمع أخفى أنين لأضعف كائن فيشمله برأفته ويسعفه فعلا فيرضيه.. فما دام الأمر هكذا فإن دعاءً للسعادة الأخروية والبقاء والخلود -وهو أفضل دعاء وأعمُّه ويمس جميع الكائنات ويرتبط بجميع الأسماء الحسنى وبجميع الصفات الجليلة- هذا الدعاء يسأله أفضل مخلوق -وهو الإنسان- ويضمه ضمن أدعيته أعظمُ عبدٍ وأحبه إلى اللّٰه، ذلك الرسول الأعظم (ص)، وهو إمام الأنبياء عليهم السلام الذين هم شموس البشرية وروّادها فيؤمّنون على دعائه هذا بل يؤمّن على دعائه بصلواته عليه يوميا كلُّ مؤمن من أمته عدة مرات في الأقل بل تشترك جميعُ المخلوقات في دعائه قائلة: "استجب يا ربنا دعاءه فنحن نتوسل بك ونتضرع إليك مثله".. فمثل هذا الدعاء الشامل للخلود والسعادة الأبدية، من مثل هذا الرسول الحبيب (ص) وضمن هذه الشروط التي لا تردّ، لا شك مطلقا أنه وحده مبرّر كافٍ وسبب وافٍ لإيجاد الجنة الخالدة وإحداث الآخرة من بين أسباب لا تعد ولا تحصى موجبةٍ لإيجادها. فضلا عن أن إيجادها سهل على قدرته سبحانه وهيّن عليها كإيجاد الربيع وخلقه.
وهكذا يجيبنا اسم اللّٰه "المجيب" و"السميع" و"الرحيم" من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إن ما في تبدل المواسم من مظاهر الموت ومشاهد البعث على الأرض كافة يدل دلالة واضحة -كدلالة النهار على الشمس- على أن وراء الحجاب ربّا يدير الأرض الهائلة في غاية الانتظام وفي منتهى السهولة -كإدارة حديقة صغيرة بل كإدارة شجرة واحدة وبانتظامها- ويدير الربيع الشاسع ويزينه بسهولةِ إدارة زهرة واحدة وبزينتها الموزونة، ويسطر على صحيفة الأرض ثلاثمائة ألفٍ من طوائف النباتات والحيوانات التي هي بمثابة ثلاثمائة ألف نوع من كتب تعرض نماذج الحشر وأمثلة النشور.
فهذا الرب القدير الذي يكتب هذه النماذج المتداخلة دون تحير ولا لبسٍ، ودون سهوٍ ولا خطأ وبإتقان وانتظام وبمعانٍ بليغة رغم تشابكها وتشابهها وتماثلها، يُظهر ضمن جلال العظمة قدرة فاعلة رحيمة حكيمة، فهو سبحانه يشمل الوجود برحمته وحكمته هذه فيهب
— 252 —
للإنسان مقاما ساميا ويسخر له الكون الضخم ويجعله مسكنا ومهدا له، ثم ينصبه خليفة في الأرض ويحمّله الأمانة الكبرى التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها ويفضّله على سائر المخلوقات، ويشرّفه بكلامه الرباني وبخطابه السبحاني وبموالاته إياه، فضلا عن أنه قد قطع على نفسه عهدا، ووعد هذا الإنسان وعدا -في جميع كتبه المنیزلة- أنه سيخلّده بالسعادة الأبدية والبقاء الأخروي.. فلا ريب أنه سيفتح له أبواب سعادة دائمة، وسيحدث الحشر والقيامة حتما وهو أهون عليه من الربيع نفسه.
وبهذا يجيبنا اسم اللّٰه "المحيي" و"المميت" و"الحي" و"القيوم" و"القدير" و"العليم" عن سؤالنا حول الآخرة.
حقا إن القدرة الإلهية التي تحيي أصول الأشجار والأعشاب كافة في كل ربيع وتوجِد نماذج ثلاثمائة ألف نوع من حشر ونشر في الحيوانات والنباتات كافة، بل تُظهر ألف مثال للحشر والنشور وألف دليل عليه في ألفي ربيع (٭): إن كل ربيع يُقبل هو بحكم حشر للربيع السابق الذي قامت قيامته وانتهت حياته. (المؤلف). عندما ينظر خيالا إلى ألف سنة من السنين التي قضاها كل من أمة محمد وموسى عليهما السلام وقوبلا معا! فكيف يُستبعد بعثُ الأجساد والحشر الجسماني من هذه القدرة المطلقة؟ أليس استبعاده عمًى ما بعده عمًى؟
ثم إن مائة وأربعة وعشرين ألفا من أفضل بني آدم وهم الأنبياء عليهم السلام، قد أعلنوا السعادة الأبدية وخلود الآخرة، متفقين مستندين إلى آلاف الوعود والعهود التي قطعها اللّٰه سبحانه وتعالى على نفسه. وأثبتوا صدقهم بمعجزاتهم الباهرة. وأن ما لا يحصر له من الأولياء الصالحين يصدّقون الحقيقة نفسها بالكشف والذوق.
فلابد من أنَّ تلك الحقيقة ظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار فمَن شكّ فيها فقد حُرِم العقل: لأن حكم متخصص واحد أو اثنين في علم أو مهنة في مسألة ضمن اختصاصه، يُسقط من الاعتبار قيمةَ آراءِ وأفكار ألف معارض غير متخصص في ذلك العلم أو المهنة ولو كانوا أولي اختصاص في علوم أخرى. وأن حكم اثنين من شهود الإثبات في مسألة يُرجَّح على آلافٍ من المنكرين أو النافين للمسألة. كما هو في رؤية هلال رمضان في يوم الشك، أو ادعاء وجود مَزارع جوز الهند الشبيهة بعلب الحليب في الأرض؛ ذلك لأن المُثبِت يكسب القضية بمجرد
— 253 —
الإشارة إليها أو إبراز جوز الهند أو بيانه لمكانه. أما النافي الذي ينكر وجوده فإنه لا يستطيع أن يثبت دعواه إلّا إذا جاس وجال في أنحاء العالم كله وتحرّى دعواه في الأمكنة كلها. وهكذا الذي يخبر عن الجنة ودار السعادة والخلود فإنه يثبتها ويكسب القضية بمجرد إظهاره أثرا من آثار الجنة، أو أمارةً من أماراتها، أو ظلًّا من ظلالها كشفا؛ في حين لا يستطيع من ينفي وجودها وينكرها أن يجد لإنكاره مجالا -مَهْما كدّ- إلّا إذا شاهد وأشهد الآخرين جميعَ الأكوان وجميع الأزمان من الأزل إلى الأبد، وأظهر عدم وجودها وأثبت نفيها!! فلأجل هذه الحكمة ارتضى العلماء المحققون على قاعدة أساس هي: "لا يمكن إثبات النفي غير المحدّد مكانُه -كالحقائق الإيمانية الشاملة للكون قاطبة- ما لم يكن الأمر محالا بذاته".
فبناءً على هذه الحقيقة القاطعة لا ينبغي أن يجلب إنكارُ آلاف الفلاسفة ومعارضتهم أيةَ شبهة ولا وسوسة أمام مخبر صادق في مثل هذه المسائل الإيمانية.. فيا حماقةَ من يتلوث بشبهة -مهما كانت- في أركان الإيمان بمجرد إنكارِ قلة من فلاسفة ماديين تحدّرت عقولُهم إلى عيونهم فلا يرون إلّا المادة بل ماتت قلوبُهم فلا يشعرون بالمعنويات، بينما اتفق على تلك الأركان مائة وعشرون ألفا من المثبتين أولي الاختصاص من الأنبياء الصادقين عليهم السلام وممن لا يحصَون ولا يُعدّون من المثبتين والمختصين من أهل الحقيقة الأولياء وأصحاب التحقيق العلماء.
ثم إننا نشاهد سواء في أنفسنا أو فيما حولنا رحمةً عامة وحكمة شاملة وعناية دائمة ناشرة نورَها كالنهار، ونرى كذلك آثارَ ربوبيةٍ مهيبة وأنوارَ عدالةٍ بصيرة، وتجلياتِ إجراءات جليلة عزيزة، بل نرى "حكمة" تقلد الشجرة حِكَما بعدد أزهارها وأثمارها، ونرى "رحمة" تقيم على كل إنسان إحسانا وعطايا بعدد حواسه وقواه وأجهزته. ونرى "عدالة" ذات عزة تُهلك بسوط عذابها أقواما عصاة أمثال قوم نوح وهود وصالح وقوم عاد وثمود وفرعون، وهي ذات عناية كذلك تحافظ على حقوقِ أصغرِ مخلوق وأضعفه. فالآية الكريمة الآتية تبين بإيجازٍ معجزٍ عظمةَ تلك الربوبية الجليلة وهيبتها المطلقة:
﴿ ومن آياته أن تقوم السماءُ والارض بأمره ثمّ إذا دَعاكم دَعوةً من الارضِ اذا أنتم تخرجون ﴾
(الروم:٢٥).
— 254 —
إذ تبين أنَّ السماوات والأرض تمتثلان الأمر الإلهي كالجنود المرابطين والراقدين في معسكرين. فكما أنهم يهرعون إلى أخذ مواقعهم وتسلُّم أسلحتهم بدعوة من القائد وبنفخة من بوق، كذلك السماوات والأرض كمعسكرَين حالما يُنادى بالأموات الراقدين فيهما بصور إسرافيل عليه السلام، إذا بهم يخرجون من الأجداث سراعا لابسين ثياب الجسد. بل نرى هذه العظمة والطاعة في كل ربيع، إذ يُحشَر ما في معسكر الأرض من جنود وينشَرون بنفخة من بوق مَلَك الرعد.. فبناء على التحقيقات السابقة، لابد أن تلك الرحمة والحكمة والعناية والعدالة والسلطنة السرمدية ستحقق أبعادها وغاياتها في دار أخرى، أي إنها تقتضي الحشر بالضرورة، كما أثبتتها "الكلمة العاشرة"؛ إذ لا شك في مجيء الآخرة، بل إن عدم مجيئها محال في ألف محال، حيث إن عدمها يعني: تبدلَ "الرحمة" التي هي في منتهى الجمال قسوة في منتهى البشاعة، ويعني: تحول كمال "الحكمة" إلى نقص العبث القاصر وغاية الإسراف، ويعني: انقلاب "العناية" التي هي في منتهى الحسن واللطف إلى إهانة في منتهى القبح والمرارة، ويعني: تغير "العدالة" التي هي في منتهى الإنصاف والحق إلى ظلمات في أشد القسوة والبطلان، زد على ذلك فإن عدم مجيء الآخرة يعني أيضا سقوط هيبة السلطنة السرمدية العزيزة وبوار أبهتها وقوتها، ويعني اتهام كمال الربوبية بالعجز والقصور.. فكل هذا باطل ومحال لا يقبله عقل أي إنسان مهما كان، وهو الممتنع والخارج عن دائرة الإمكان؛ لأن كل ذي شعور يعلم أن اللّٰه سبحانه قد خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم، ورباه أحسن تربية، وزوّده من الأجهزة والأعضاء -كالعقل والقلب- ما يتطلع به إلى السعادة الأبدية ويسوقه نحوها، ويدرك كذلك مدى الظلم والقسوة إذا ما انتهى مصير هذا الإنسان المكرم إلى العدم الأبدي! ويفهم كذلك مدى البُعد عن الحكمة في عدم البعث الذي يجعل جميع الأجهزة والقوى الفطرية -التي لها آلاف المصالح والفوائد- دون جدوى ودون قيمة! في الوقت الذي أودع سبحانه مئاتٍ من الحِكَم والفوائد في دماغه فحسب!.. ويفهم كذلك مدى العجز الظاهر والجهل التام المنافيَين كليًّا لعظمة تلك السلطنة وكمال الربوبية في عدم الإيفاء بآلاف الوعود والعهود؟ تعالى اللّٰه عن ذلك علوّا كبيرا. قس على هذا كلا من "العناية" و"العدالة".
وهكذا يجيبنا اسم اللّٰه "الرحمن" و"الحكيم" و"العدل" و"الكريم" و"الحاكم" من الأسماء الحسنى بتلك الحقيقة المذكورة عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة ويثبتها لنا إثباتا لا شبهة فيه بل واضحا جليا كوضوح الشمس وجلائها.
— 255 —
ثم إننا نرى "حفيظية" مهيبة محيطة بادية للعيان، تحكم على كل شيء حي، وتهيمن على كل حادث، تحفظ صوره الكثيرة، تسجِّل أعمال وظيفته الفطرية، تدوّن تسبيحاته التي يؤديها -بلسان الحال- تجاه الأسماء الحسنى.. تدوّنها في لوحات مثالية، في بُذيراته ونواه، في قواه الحافظة -وهي نماذج مصغرة للّوح المحفوظ- ولاسيما في حافظة الإنسان التي هي مكتبة عظمى مصغرة جدّا موضوعة في دماغه، وتسجلها في سائر المرايا والمعاكس المادية والمعنوية. وما إن يحل الربيع -تلك الزهرة المجسمة للقدرة الإلهية- حتى تُبرز لنا الحفيظية تلك الكتابات المعنوية ظاهرةً مشهودة مجسمة. وتعرض في تلك الزهرة العظمى حقيقةَ الحشر التي تتضمنها الآية الكريمة:
﴿ واذا الصُحُفُ نُشرت ﴾
(التكوير:١٠) وتعلنها بألسنة ملايين الملايين من الأمثلة والدلائل، وتؤكد لنا يقينا أن الأشياء جميعها -ولاسيما الأحياء- لم تُخلق لتنتهي إلى الفناء، ولا لتهوي إلى العدم ولا لتمحى إلى غير شيء -ولاسيما الإنسان- بل خُلقوا للمضي بسموهم إلى البقاء، وللدخول بتزكية أنفسهم إلى عالم الحياة الخالدة، وللولوج بالاستعداد الفطري إلى وظيفة سرمدية تنتظرهم في دار الخلود.
نعم، إن كل شجر وجذر وكل حبّة ونواة من النباتات غير المحدودة التي ماتت في قيامة الخريف، ما إن يحين حشر الربيع إلّا ويتلو الآية الكريمة:
﴿ واذا الصُحُفُ نُشرت ﴾
بلسانه الخاص ويفسر معنًى من معانيها، وذلك بقيام كل جزء من أجزائه بمثل الوظائف الفطرية التي قام بها في السنين السابقة، ويبيّن -في الوقت نفسه- عظمة الحفيظية في أوسع مداها كما تتضمنها الآية الكريمة:
﴿ هُوَ الأولُ والآخرُ والظاهِرُ والبَاطِنُ ﴾
(الحديد:٣) وترشدنا إلى أربع حقائق جليلة في كل شيء وتقيم الحجة الدامغة على حتمية الحشر كحتمية مجيء الربيع ويسره.
نعم، إن أنوار هذه الأسماء الحسنى الأربعة وتجلياتها تسري وتنفذ من أصغر جزئي إلى أكبر كليّ.. ولنوضح هذا بمثال:
فالبذرة التي هي أصل الشجرة تبين عظمة الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه "الأول" وذلك؛ بما تحوي من خطة الشجرة دقيقة كاملة، وبما تضم من أجهزة بديعة لإيجادها ونشوئها كاملة غير منقوصة، وبما تشتمل عليه من شرائط تكوين الشجرة رغم أنها علبة صغيرة جدّا.
— 256 —
والثمرة أيضا تشهد شهادة صادقة على تلك الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه "الآخر" وذلك؛ بما تحوي من فهرس جميع الوظائف الفطرية لتلك الشجرة، وبما تضم من صحائف أعمالها، وبما تنطوي عليه من قوانين حياتها الثانية، علما أنها صندوق صغير جدّا.
أما ظاهر الشجرة المجسم فإنه يُظهر عظمة القدرة وكمال الحكمة وجمال الرحمة ضمن الحفيظية المطلقة، ويبرزها للعيان مشهودة بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه "الظاهر" وذلك؛ بحُللها البهية المزدانة بالنقوش البديعة المتنوعة والأوسمة المرصعة كأنها ثياب الحور العين الملونة بسبعين لونا.
أما الأجهزة الداخلية لتلك الشجرة التي أصبحت كأنها مرآة تعكس أنوار اسم اللّٰه "الباطن" فهي أيضا تثبت -إثباتا ساطعا كالشمس- كمالَ القدرة والعدالة، وجمال الرحمة والحكمة، إذ إنها مصنع خارق كامل النظام، بل مختبر كيمياء عظيم، بل مستودعُ إعاشة وأرزاق لا يدع غصنا ولا ثمرا ولا ورقا إلّا ويزوده بالغذاء الذي يحتاجه.
وكما يُظهر كل من البذرة والثمرة، وظاهر الشجرة وباطنها تجلياتِ الأسماء الحسنى الأربعة "الأول والآخر والظاهر والباطن" فالكرة الأرضية كذلك تظهرها وتبين بداهةً أن الحفيظ ذا الجلال والإكرام إنما يعمل بقدرة وعدالة وحكمة ورحمة مطلقة؛ إذ إنها (أي الكرة الأرضية) كالشجرة من حيث تبدل المواسم السنوية، فجميعُ النوى والحبوب التي أُودعت في الخريف -بتجلي اسم اللّٰه "الأول"- أمانةً إلى الحفيظية، ترسِلُ ما لا يعد من السيقان والأغصان، وتمدّها إلى شتى الجهات، وتَفتح ما لا يحصى من الأزهار البهيجة والأثمار الطيبة، فتُلبس الأرض وشاح الربيع البهيج.. ذلك لأن كلا منها تضم كراسات مصغرة سُطّرت فيها الأوامر الربانية، وتبطن صحائف مصغّرة دوّن فيها ما أنجز في السنة الماضية من أعمال، بل تستوعب تلك البذورُ والنوى جميعَ ما يعود إلى تركّب شجرة الأرض العظيمة.
أما آخر شجرة الأرض السنوية فهو ما يضعه في عُلب متناهية في الصغر من جميع الوظائف التي قامت بها الشجرة في الخريف، وجميع التسبيحات والأذكار الفطرية التي أدتها تجاه الأسماء الحسنى، وجميع ما يمكن نشره في حشر الربيع المقبل من صحائف الأعمال، ويسلّم هذا جميعا إلى يد الحكمة للحفيظ ذي الجلال تاليا بهذا اسم اللّٰه: "الآخر" بألسنة لا حدَّ لها على أسماع الكائنات وأنظارها.
— 257 —
أما ظاهر هذه الشجرة فهو: تلك الأزهار الكلية المتنوعة المتباينة التي تفصح عن ثلاثمائة ألف نوع من أمثلة الحشر وأماراته، وهو تلك الموائد المنصوبة للرحمن الرحيم والرزاق الكريم، وهو تلك الضيافات المفتوحة لذوي الحياة كافة، فكل ما في ظاهر تلك الشجرة يذكر ويتلو اسم اللّٰه: "الظاهر" بألسنة ثمراتها وأزهارها وطعومها مُظهرا حقيقةَ
﴿ واذا الصُحُفُ نُشرت ﴾
ساطعة كالشمس في كبد السماء.
أما باطن هذه الشجرة العظيمة فهو معمل ومصنع يُحَرِّك ما لا يعد ولا يحصى من مكائن منتظمة ومعامل دقيقة حتى إنه يُعدّ طنا من الأطعمة وينضجها من درهم من المواد وتوصله إلى الجائعين، ويَنهض بأعماله في منتهى الدقة بما لا يدع مجالا لتلعب به الصدفة، فيذكر الوجهُ الباطن للأرض اسم اللّٰه: "الباطن"، بل يثبته ويعلنه بمائة ألف من الأنماط والصور كما يعلنه قسم من الملائكة الذين يسبّحون بمائة ألف لسان.
وكما أن الأرض من حيث حياتها السنوية كالشجرة بينت "الحفيظيةَ" التي في تلك الأسماء الحسنى الأربعة بوضوح، وجعلتها مفتاحا لباب الحشر، فهي كذلك كالشجرة المتناسقة جدّا من حيث حياة العصور وحياة الدهور، إذ ترسل ثمراتها -على مدى العصور والدهور- إلى سوق الآخرة.
وهكذا تصبح الأرض بأسرها مرآةً واسعة جدّا لتجليات تلك الأسماء الأربعة، وتفتح سبيلا واسعا جدّا إلى الآخرة بحيث تظل عقولُنا ولغاتنا قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بها. لذا نكتفي بالآتي ولا نیزيد:
إن عقارب الساعة التي تَعُدُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام تتشابه فيما بينها، فالواحد يدل على الآخر ويذكّره، فمن يراقب حركة عقرب الثواني يضطر إلى تصديق حركة التروس الأخرى. كذلك الدنيا كساعة كبرى لخالق السماوات والأرض، حيث تتشابه الأيام التي تعد ثواني هذه الساعة الكبرى، والسنوات التي تحصي دقائقها، والعصور التي تظهر ساعاتها، والأحقاب التي تعرف أيامها فمع تشابه بعضها مع البعض الآخر فإن كلا منها يدل على الآخر ويثبته.
ومن هذه الزاوية نرى الأرض تخبر بأمارات لا حدّ لها عن مجيء ربيع خالد وصبح
— 258 —
سرمدي بعد شتاء الدنيا الفانية المظلم.. تخبر عنه بحتميةِ مجيء الصبح لهذا الليل وبقطعية مجيء الربيع بعد هذا الشتاء. وبهذه الحقيقة يجيبنا اسم "الحفيظ" مع الأسماء الحسنى الأربعة: "الأول والآخر والظاهر والباطن" عن سؤالنا الذي سألناه حول الحشر.
وما دمنا نرى بأعيننا ونفقه بعقولنا، أن الإنسان: هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمع ما فيها من الصفات..
وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية..
وهو الآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم..
وهو أكرم ضيف في قصر الكون..
وهو أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر..
وهو المأمور المكلف عن حرث مزرعة الأرض والناظر المسؤول عن وارداتها ومصاريفها، بما جُهز من مئات العلوم وألوف المؤهلات..
وهو خليفة الأرض، والمفتش الباحث في مملكة الأرض والمرسل من لدن سلطان الأزل والأبد والعامل تحت رقابته..
وهو المتصرف في شؤون الأرض مع تسجيل كامل لأعماله بجزئياتها وكلياتها..
وهو عبد كليّ، مكلف بعبادة واسعة شاملة..
والحامل للأمانة الكبرى التي أبتِ السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، فانفرجت أمامه طريقان: إحداهما للأشقياء، والأخرى للسعداء..
وهو الذي يعكس كالمرآة جميع تجليات الأسماء الحسنى ويتجلى فيه اسم اللّٰه الأعظم..
وهو المخاطب المقصود للخطاب السبحاني والأكثر فهمًا للكلام الرباني..
وهو الأكثر فاقة وعجزا من بين أحياء الكون..
— 259 —
وهو الكائن الحي العاجز الفقير بلا حدود، مع أن له أعداء ومؤذيات بلا عدٍّ ومقاصد وآلاما بلا حدٍّ.. وهو أغنى استعدادا من بين ذوي الحياة..
وهو أشد إحساسا وشعورا بالألم -ضمن لذة الحياة- حيث تمتزج لذاته بآلام منغّصة..
وهو أشد شوقا إلى البقاء وأكثر حاجة إلى الخلود، بل هو الأجدر به..
وهو الذي يتوسل لأجل البقاء والخلود بأدعية غير محدودة فلو أُعطي له ما في الدنيا من متع لما شفت غليله للخلود..
وهو الذي يحب الذي أنعم عليه حبا لحدّ العبادة، ويحببه للآخرين، وهو المحبوب أيضا..
وهو أعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو أعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الأكبر ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الأبدية والخلود.
فهذا الإنسان الذي يرتبط بمثل هذه الحقائق العشرين الكلية باسم اللّٰه "الحق" والذي هو وثيق العلاقة باسم اللّٰه "الحفيظ" الذي لا يعزب عنه شيء في السماوات والأرض، يرى أدنى حاجة لأصغرِ حيّ ويسمع نداء حاجته فيغيثه فيدوّن كتبتُه الكرام جميعَ أعمال هذا الإنسان وأفعاله المتعلقة بالكائنات..
فهذا الإنسان -بحكم هذه الحقائق العشرين- لابد أن يكون له حشر ونشور، ولا ريب أنه سيكافأ -باسم اللّٰه "الحق"- على ما قَدَّم من خدمات وأعمال، وسيجازى على ما قصّر فيها، ولا شبهة أنه سيساق إلى المحاسبة والاستجواب عما دوّن من أعماله -باسم "الحفيظ"- جزئيها وكليها، ولا شك أن ستفتح أمامه أبواب سعادة خالدة وضيافة أبدية، أو أبواب سجون رهيبة وشقاء مقيم؛ وأنه لا يمكن أن لا يحاسب ويتوارى عن الأنظار ضابط قاد أكثر مخلوقات هذا العالم وتدخّل في شؤونها، ولا يمكن أن لا ينبه من رقدته!
لأنه لا يُعقل قط أن يُسمع دعاءٌ أخفت من طنين الذباب ويُغاث فعلا بلوازم الحياة، ثم لا يُسمعَ أدعيةٌ لها من القوة ما يهز العرش والفرش والتي تنطلق من تلك الحقائق العشرين وتسأل البقاء والخلود. ولا يعقل قط -بل هو خارج عن الإمكان- أن تُهدر وتُضيَّع كليا
— 260 —
تلك الحقوقُ الكثيرة، بل لا يمكن لحكمة لا عبث فيها قط -ولو بمقدار جناح ذبابة بشهادة انتظامها وإتقانها- أن تعبث كليا باستعدادات الإنسان المرتبطة بها تلك الحقائقُ، وتعبث بجميع آماله ورغباته الممتدة إلى الخلود، وتعبث بجميع تلك الروابط وحقائق الكائنات العديدة التي تنمي تلك الاستعدادات والرغبات، لأن هذا الاحتمال ظُلمٌ فظيع وقبح مشين تردّه جميع الموجودات وترفضه قائلة: إن ذلك محال في محال بمائة وجه وممتنع مستحيل بآلاف الوجوه. بل تردّه جميع الموجودات الشاهدة على الأسماء الحسنى: "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم".
وهكذا تجيبنا هذه الأسماء الحسنى: "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم"، عن سؤالنا حول الآخرة، فتخاطبنا تلك الأسماء قائلة: "إن الحشر حق لا ريب فيه، وهو حقيقة راسخة لا مراء فيها، مثلما أننا حق ومثلما تشهد لنا حقيقةُ ثبوت الموجودات".
ولولا أن المسألة أوضح من الشمس لزدتُ بيانا، ولكني اختصرت مكتفيا بالأمثلة المذكورة، وقياسا على ما في الفقرات السابقة؛ فإن كل اسم من الأسماء الحسنى المائة بل الألف المتوجه إلى الكون، يثبت مسمّاه سبحانه بداهة بتجلياته وبمراياه التي هي الموجودات، كما يظهر الحشرَ والدار الآخرة ويثبته إثباتا قاطعا.
ومثلما يجيبنا ربنا سبحانه وتعالى جوابا قدسيا وجازما بجميع أوامره في جميع ما أنزل من كتب، وبجميع أسمائه التي سمّى بها نفسه، عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة، كذلك يجيبنا سبحانه بألسنة ملائكته ويعرّفنا الآخرة بنمط آخر، إذ تقول الملائكة:
"هناك أمارات ودلالات لا حدّ لها على وجودنا والعالمِ الروحاني، وقد جرت لقاءات ومكالمات وتعارف بينكم وبيننا وبين الروحانيين منذ زمن آدم عليه السلام، وهي حوادث يقينية متواترة لا تقبل الريب، ولقد ذَكرنا ودوما نذكر ما نراه خلال تجوالنا في منازلِ الآخرة وصالاتها إلى روادكم أثناء لقائنا معهم: إننا نبشركم بشارة لا ريب فيها من أن هذه الأروقة الدائمة وما وراءها من قصور خالدة ومنازل معدّة إنما أُعدّت لاستقبال ضيوفٍ كرام مكرمين وهُيئت لقدومهم".
— 261 —
وبهذا يجيبنا الملائكة الكرام عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إن خالقنا الكريم قد عيّن لنا أعظمَ معلم، وأكملَ أستاذ، وأصدق قدوة، وأقوم رائد.. ألا وهو محمد الهاشمي عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد أرسله خاتما للرسل الكرام عليهم السلام. فعلينا إذن -وقبل كل شيء- أن نسأل أستاذنا ما سألناه من خالقنا عزّ وجل حول الآخرة لعلنا نتكامل في معرفتنا ونترقى من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين وإلى حق اليقين، لأن هذا النبي الحبيب الصادق المصدَّق من لدن الخالق العليم بألف من المعجزات، مثلما أنه معجزة القرآن الكريم، فأثبت للعالم أجمع أنه كتاب رب العالمين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أصبح القرآن الكريم أيضا معجزة من معجزاته (ص) ودليلا على أنه الصادق المصدّق وأنه رسول رب العالمين.
فكلتا المعجزتين -إحداهما لسان عالم الشهادة ومعها تصديق جميع الأنبياء عليهم السلام والأولياء، والأخرى لسان عالم الغيب المتضمن جميع الكتب السماوية وجميع حقائق الكون- قد أقامتا الحجج على حقيقة الحشر والنشور راسخةً واضحة وضوحَ الشمس والنهار. بجميع حياة المعجزة الأولى وآلاف من آيات المعجزة الثانية.
حقا إن "مسألة الحشر والآخرة" من المسائل التي هي فوق طاقة العقل وحدوده، ولا تُفهم إلّا بتعليم هذين الأستاذين المعجزين: "القرآن الكريم والرسول الحبيب (ص)" وإرشادهما.
أما لِمَاذا لَمْ يُوضّح الأنبياء السابقون عليهم السلام مسألة الحشر لأممهم كما هو واضح في القرآن الكريم؟ فلأن عصورهم كانت عصور طفولة البشرية وبداوةِ الإنسانية، والإيضاح يكون وجيزا في الدروس الابتدائية كما هو معلوم.
وصفوة القول: ما دام أكثر الأسماء الحسنى تقتضي الآخرة وتدلُّ عليها، فلابد أن الحجج والدلائل الدالة على الأسماء الحسنى هي بدورها دلائل على ثبوت الآخرة وقيامها..
ومادام الملائكة يخبرون عما يشاهدون من منازل الآخرة وعالم البقاء فلابد أن الدلائل الشاهدة على وجود الملائكة والعالم الروحاني وعباداتهم هي بدورها دلائلُ إثباتٍ على العالم الآخر..
— 262 —
ومادام أهم ما أعلنه محمد (ص) خلال حياته المطهرة المباركة، وأساس ما دعا إليه -بعد التوحيد- هو الآخرة، فلابد أن جميع المعجزات والحجج الدالة على نبوته وصدقه (ص) هي بدورها شاهدة على حقيقة مجيء الآخرة..
وما دام ربع القرآن الكريم يبحث عن الحشر والآخرة، ويقيم الدلائل عليه بآلاف من آياته ويخبر عنه، فلابد أن الشواهد والحجج والدلائل والبراهين الدالة كلها على أحقية القرآن هي بدورها شاهدة على تحقق الآخرة ودالة عليها.
وهكذا تأملوا في هذا الركن الإيماني العظيم لتقدّروا مدى قطعية "الإيمان بالآخرة" ومدى ثبوته ورسوخه.