— 5 —
الشعاع الثاني
الثمرة الأخيرة لسجن "أسكي شییهر"
الشعاع الثاني للمعة الحادية والثلاثين
لقد شاب هذا الشعاعَ شيءٌ من عدم التناسق وسوءِ الانتظام حيث أُلّف بقلمي القاصر في منتهى السرعة، وفي وضع كنت أُكابد فيه الضيقَ والعنت والإزعاج، بعدما بتّ وحيدا فريدا في سجن "أسكي شهر" عقب الإفراج عن أصدقائي.
وفي هذه الأيام (أي بعد ستة عشر عاما) [٭]: أي في سنة ١٩٥٢ حيث إن سجن "أسكي شهر" كان في سنة ١٩٣٦ شرعتُ بتصحيحه، ووجدتُه في غاية الأهمية والقوة والقيمة من زاوية الإيمان والتوحيد.
سعيد النورسي
— 6 —
النكتة السابعة العظمى الخاصة بالاسم الأعظم "اللّٰه أحد".
وهي السابعة للنكات الست للاسم الأعظم.
تنبيه
هذه الرسالة في غاية الأهمية في نظري، حيث تنكشف فيها أسرارٌ إيمانية جليلة ومعانٍ إيمانيةٌ دقيقة. فمن يقرأها بتدبر وإمعان ينقذ إيمانَه بإذن اللّٰه. وحيث لا ألتقي أحدا مع الأسف في هذا السجن لم تبيَّض ولم تُكتب ثانية ولم أتمكن من أن أكلف أحدا للقيام بتبييضها.
فإن شئتَ أن تلمس مدى قيمة هذه الرسالة وعلو مزيّتها فاقرأ أولا الثمرةَ الثانية والثالثة الموجودتين في بداية الرسالة، ثم اقرأ الخاتمة والمسألة التي قبلها بدقة، ثم طالع الرسالة كاملة مطالعة متأنية.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
وبه نستعين
لقد أحسستُ بهذه النكتة إحساسا لطيفا غايةَ اللطف وجميلا غاية الجمال وحلوا لذيذا غاية الحلاوة واللذة، وذلك بفيض أنوار نكتةٍ باهرةٍ مُفاضةٍ من الآية الكريمة:
﴿ فاعلم انه لااله الّا اللّٰه ﴾
) حمد (١٩ : وبإلهام وإشارة من قَسَم نبوي معروف.
هذه النكتة تضم ثلاثَ ثمرات للتوحيد، وثلاثةً من مقتضياته، وثلاثا من حججه.
— 7 —
نعم، لقد كان الرسول الأكرم (ص) أكثر ما يكرره في قَسَمِهِ: "والذي نفسُ محمدٍ بيده.." [٭]: انظر: أمثلة هذا القَسَم: البخاري، الصوم ٩، الهبة ٢٨، المناقب ٢٥، المغازي ٨؛ مسلم، الإيمان ١٨٣، ٢٤٠، ٣٢٧. فهذا القَسَم النبوي الجليل يبين أن أوسعَ دائرة من دوائر شجرة الكون، وأقصى نهاية لها وأبعدَ فرع من فروعها هي أيضا ضمن قدرة الواحد الأحد سبحانه وتحت إرادته جلّ وعلا، إذ لو كان أفضلُ مخلوق وأكرمُهم وهو محمد (ص) غيرَ مالك لنفسه وغيرَ حرّ طليقٍ في أفعاله، بل أفعالُه وحركاته وسكناته مقيدةٌ بإرادة غير إرادته واختياره، فلا شيءَ إذن في الوجود، ولا شأنَ ولا حال ولا كيفيةَ مهما كانت جزئيةً أم كلية، خارجَ دائرة تلك القدرة العظيمة المحيطة بكل شيء، ولا خارجَ تلك الإرادة الشاملة كلَ شيء. فهذا القَسَم النبوي البليغ ذو المغزى العميق إنما يعبّر عن توحيدِ ربوبية جليلة في منتهى العظمة والإحاطة.
ولقد بينا في رسائل النور التي هي سراج النور، مائةً من البراهين الباهرة، بل ألفا منها حول إثبات هذا التوحيد، لذا نحيل تفاصيلَ هذه الحقيقة السامية وإثباتَها إلى تلك المجموعة. إلّا أننا نوضح هنا في هذا "الشعاع الثاني" توضيحا مختصرا تلك الحقيقةَ الإيمانية الجليلة في ثلاثة مقامات:
ففي المقام الأول: نبين ثلاثَ ثمرات من الثمرات الوفيرة، لتلك الحقيقة التوحيدية التي لها ثمرات كلية في غاية اللطف واللذة والأهمية والنور. نبينها باختصار شديد، مع الإشارة إلى أذواقي ومشاعري التي ساقتني إلى تناول تلك الثمرات.
وفي المقام الثاني: تُوضَّح مقتضياتٌ ثلاثةٌ لهذه الحقيقة السامية، والأسبابُ الموجبة لها، فهي مقتضيات ثلاثة إلّا أنها بقوة ثلاثة آلاف مقتضًى وسبب.
وفي المقام الثالث: يُذكر ثلاثُ علامات لتلك الحقيقة التوحيدية الباهرة، فهي علاماتٌ ثلاث إلّا أنها بقوة ثلاثمائة علامة وأمارة ودليل.