Risale-i Nur

الشعاعات العربية
— 427 —
الصادر بحق رجل قام بمثل هذا التفسير، لكي تُمسح هذه اللطخة العجيبة عن جبين جن أذواعدالة في هذه الحكومة الإسلامية". وعندما قدمتُ هذه اللائحة التصحيحية التي كتبتُها إلى المدعي العام هناك أُصيب بالذعر وقال:
"أرجوك! لا ضرورة لكل هذا، فعقوبتك خفيفة، والفترة الباقية قليلة جدّا فلا حاجة لتقديم هذه اللائحة".
ولا حالًام على علم بأنني أدرجتُ نماذج أخرى عجيبة من الاتهامات ضمن الاعتراضات والدفاعات التي أرسلتُها إليكم وإلى المراجع الرسمية في "أنقرة" على غرار هذا الأنموذج، لذا فإني أطلب من محكمة "أفيون" وآمل منها باسم العدالة إعطاءَ الحرية الكاملة لرسائ وفي "ر التي لها بركة وخدمة تُعادِل خدمة جيش بأكمله في سبيل مصلحة هذه الأمة وهذا الوطن. وبذهاب أصدقائي الذين دخلو السجن بسببي فقد خطر على قلبي فكر يسوقني لاقتراف ذنب يستحق أكبر عقوبة لكي أودع هذه الحياة. وهو ما يلي:
بينما كان من المفرو إن قسقوم الحكومة بحمايتي وبمد يد العون والمساعدة لي، لوجود مصلحة كبيرة للأمة أو منفعة كبيرة للوطن في هذا الأمر، فإن قيامها بالتضييق عليَّ يشير إلى أن عصابة الإلحاد الخفيةَ التي تحاربني منذ أربعين سنة، والبعض من أفراد عم المحلشيوعيين التي التحقت بها الآن، استطاعوا احتلال أماكن مهمة في المراكز الرسمية، وهؤلاء هم الذين يقودون الحملة ضدي. أما الحكومة فهي إما تجهل هذا الأمر أو إن يعاقمح بذلك عن علم، وهناك أمارات عديدة مقلقة حول هذا الأمر.
السيد رئيس المحكمة!
لو سمحتم فإنني أود أن أطرح سؤالا يحيرني كثيرا..
لماذا يقوم أهل السياسة بتجريدي من جميع حقوقي المدنية ومن حقوقي في الحرية بل ربما من حقوقي في اأنها أمع أنني لم أشترك في السياسة ولم أدخل معتركها؟ لقد عاملوني وكأنني سفّاح خضب يديه بدماء مئات الضحايا، فوضعوني في حبس منفرد ومنعزل ثلاثة أشهر ونصف، وحاولوا أثناءها التعرض لحياتي وأقدموا على تسمي. ولم ى عشرة مرة. وعندما أراد أصدقائي الحريصون وتلاميذي الصادقون حمايتي من شر هؤلاء منعوا اتصالهم بي، بل
— 428 —
إنهم حرموني حتى من مطالعة كتبي المباركة والخالية من أي ضرر والتي أجد الأُنس معها في وحدتي وشيخوختي ومرضي وغربتي.
لقرآن ال المدعي العام أن يعطيني كتابا واحدا من كتبي، ومع أنه وعدَ بذلك إلّا أنه لم يفعل، فاضطررت إلى البقاء وحيدا في قاعة كبيرة ومقفَلة وباردة دون أي شاغل أشغل به نفسي، وأوعزوا إلى الموظول: إنلى الخدم والحراس التعاملَ معي بعداوة وبخشونة بدلا من المعاملة الحسنة التي قد أجد فيها بعض السلوان وبعض التسرية. وهاكم أنموذجا صغيرا من معاملتهم هذه:
كتبت عريضة إلى المفسادا لى المدعي العام وإلى رئيس المحكمة، وأرسلتها إلى أحد إخواني لكي يكتبها بالحروف الجديدة التي أَجهَلها، وفعلا تمت الكتابة وقُدّمت العريضة لهم. لقد عدّوا هذا جُرما كبيرا صادرا مني، فقاموا بتغطيةِ وسدِّ جميع نوافذ غرفتي وسمّروها، ومع أنالمتوحن كان يؤذيني، فإنهم لم يتركوا نافذة واحدة دون تغطيتها وسدِّها. ومع أن أنظمة السجن تقضي بأن لَا تتجاوز مدةُ الحبس الانفرادي خمسة عشر يوما، فإنهم حبسوني حبسام قام ديا مدة ثلاثة أشهر ونصف، ولم يسمحوا لأي صديق بالاتصال بيَّ.
ثم إنهم أروني لائحة اتهام بأربعين صفحة كتبوها وهيؤوها في ثلاثة أشهر، ولأنني لا أعرف الحروف الجديدة ولكوني مريضا وذا خط رديء، فقد رجوتهم أن يبعثوا من المن يقرأ هذه اللائحة مع طالبَين من طلابي -من الذين يفهمون لغتي لكي يقوما بكتابة اعتراضي ودفاعي- فلم يأذنوا بذلك ولم يقبلوه وقالوا:
"ليأت المحامي لكي يقرأه". ثم لم إياكم حتى بذلك، بل قالوا لأحد الإخوان "اكتب اللائحة بالحروف القديمة وأعطها له". ولكن كتابة تلك اللائحة لا يمكن أن تتم إلّا في ستة أو سبعة أيام. وهكذا فبدلا من قراءةٍ تستغرق ساعة واحدة فقد مددم يُلح العمل إلى ستة أو إلى سبعة أيام، وذلك لكي يمنعوا أيّ اتصال معي، وهذا عمل استبدادي مذهل يلغي كل حقوقي في الدفاع. ولا يتعرض سفاح ارتكب مائة جريمة وحكم عليه بالإعدام إلى مثل هذه المعاملة في أية بقعة من بقاع الدنيا، والحقهذا الني في ألم شديد لأنني لا أعرف أي سبب لمثل هذا التعذيب. لقد قيل لي بأن رئيس المحكمة شخص عادل ورحيم، لذا فقد قمتُ بتقديم هذه الشكوى إلى مقامكم كتجربة أولى وأخيرة.
— 429 —
توجد أربعة أسس كمساعئحة الاتهام:
الأساس الأولوهو الادعاء بأنني شخص أفخر بنفسي وأُمَجِّدها. وقد رددتُ هذا الادعاء بكل ما أملك من قوة، وكانت اللجنة المختصة في محكمة "دنيزلي" قد ذكرتْ أنه "لو ادَّعى سعيد أنه المهدي المنتظر لقَبل كلُّ طبرى" ملك".
الأساس الثانيقيامه بإخفاء مؤلفاته.
يجب أن لا تُعطى معاني خاطئة من قبل الأعداء المتسترين، لأن الإخفاء لم يكن بقصدٍ سياسي أو بأي قصد ولا المن البلاد، ولا يعدّ وجود جهاز طبع بالحروف القديمة عذرا لهم للهجوم علينا. أما قضية الصفعة الموجهة من رسائل النور إلى مصطفى كمال
(٭): أورد الادعاء العام اتهاما نتيجة سوء فهم فيما ورد من كرامة رسائل النور التي تجلى بعضها كا، ولفتأديبية. إذ زعموا أننا نقول: إن البلايا والزلازل التي حدثت في أثناء الهجوم على طلاب النور وعلى رسائل النور إنما هي صفعات من رسائل النور... حاشا ثم حاشا، نحن لم نة لرسا نكتب هذا، بل ذكرنا في مواضع عدة مع إيراد الأدلة، أن رسائل النور بمثابة صدقات مقبولة، لذا فهي وسيلة لدفع البلايا، فعندما يتم الهجوم على رسائل النور تَبهت الأنوار وي مدّ مصائب الفرصةَ سانحة للظهور. أجل إن مئات الحوادث والوقائع وشهادة وتصديق الآلاف من طلاب النور ترينا استحالة وجود المصادفة في توافق تلك الحببا للما أظهرنا ذلك جزئيا في المحاكم، فإننا نؤمن بشكل قاطع بأن هذه التوافقات دليل على قبول رسائل النور ودليل على الكرم الإلهي وهو نوع من الكرامة المهداة من القرآن الكريم إلى رسائل النور. (المؤ الخارفقد عرفتْ بها ست محاكم وكذلك المراجع الرسمية في "أنقرة" فلم يعترضوا عليها وأصدروا قرارهم بتبیرئتنا وأعادوا لنا جميع كتبنا ومن ضمنها "الشعاع الخامس". ثم إن قيامي بإظهار سيئاته ليس إلّا من أ من شخنة كرامة الجيش. أي إن عدم محبة شخصٍ فردٍ ليس إلّا من أجل كيل الثناء إلى الجيش بكل حب.
الأساس الثالثعلى الرغم من وجود مائة ألف طالب من طلاب النور وإحالة مائة ألف نساع الأرسائل النور إلى ست محاكم في ظرف عشرين سنة، فلم تُسجَّل لدى موظفي أمنِ عشرِ ولايات
— 430 —
أيُّ شيء يخلّ بالأمن أو يقلق هدوء البلد. وإن عدم وجود أية مادة تشير إلى هذا الإخا المو في هذه المحاكم الست ولا عند موظفي هذه الولايات العشر لَهُوَ أكبر دليل وأفضل ردٍّ على التهمة العجيبة القائلة بأننا نحرّض على الإخلال بالأمن.
أما بخصوص لائحة الاتهام الجديدة هذه فمن العبث القيام بالرد علييمر مننه ليس إلّا تكرارا لتُهم سابقة سبق وأن تمت الإجابة عليها عدة مرات، وسبق لثلاث محاكم إصدار قراراتها بتبرئتنا منها، وهي مسائل لا أهمية لها. ولما كان اتهام أجل، هذه المسائل يُعد في الحقيقة اتهاما لمحكمة الجنايات الكبرى في "أنقرة" ولمحكمة "دنيزلي" ولمحكمة "أسكي شهر" (لأن هذه المحاكم برّأتنا في هذه المسائل) لذا فإنني أدَع الإجابة عنها لهذه المحاكم.
زد على هذا فهناك مسألتان أِ القر مسائل أخرى:
المسألة الأولىمع أنهم أصدروا قرارا ببراءتنا وبإعادة ذلك الكتاب إلينا بعد تدقيق وتمحيص تامّين دام سنتين في محكمة "دنيزلي" و"محكمة الجنايات الكبرى في أنقرة" فإنهم يلوّحون بمسألة أو مسألتين واردتين في من طل"الشعاع الخامس" بخصوصِ قائد مات وانتهى أمره كمادة اتهام ضدنا. أما نحن فنقول: إن توجيه نقد صائب كلي بحق شخص مات وانتهى أمره وانقطعت صلته بالحكومة لا يعدّ في نظر القانون ذنبا.
ث تذكرةمقامُ الادعاء باستخراج تأويل متحذلق من معنى عام وكلي، وطبّق هذا في حق ذلك القائد. علما بأنه ما من قانون يَعُدّ وجودَ معنى في رسالة خاصة وسرية يدِقّ على أفهام العامة ولا يدركها سوى واحد في المائة.. ما من قانون يعد ذوعة غيا. ثم إن تلك الرسالة شرحت تأويلَ الأحاديث المتشابهة بشكل رائع. وعندما نكون بصدد بيان المعنى الحقيقي لحديث وانطبق هذا المعنى بحق شخص مقصّر فما من قانون يعد هذا ذنبا، خاصة وإن هذا البيان فليستمنذ حوالي أربعين عاما وتم تقديمه لثلاث محاكم ولمحكمتكم، وقُدّم مرتين خلال ثلاث سنوات إلى ستة مراجع رسمية في "أنقرة" ولم يتم الاعتراضُ على دفاعي وعلى اعتراضاتي التي قدمتُ فيها إجاباتٍ قطعية.
— 431 —
ثم إن نقدَ ذلك الفي مطبذي كان ضمن انقلاب أدَّى إلى مساوئ عديدة، لا ترجع إليه وحده حسنات ذلك الانقلاب، بل ترجع إلى الجيش وإلى الحكومة، أما هو فقد تكون له حصة واحدة منها؛ فكما أن قيامنا بنقده من زاويةِ سيئاته لا يُسية.. ا، لا يجوز القول إن ذلك يعني الهجومَ على حركة الانقلاب. ويا ترى أيُّ ذنب وأيّ جريرة في أن تَنتقِد أو تُضمِر عدمَ المحبة لرجل حوّل جامعَ "آيا صوفيا" الذي هو مبعث الشرف الأبدي لأمة بطلة، والدرّةُ الساطية لمئماتها وجهادِها في سبيل القرآن، وهديةٌ تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان وجعل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات؟
المسأل أستاذنية حول موجِبات الاتهام في لائحة الادعاء العام:بعدما كسبنا البراءة في ثلاث محاكم، فإن بيانا رائعا لتأويل حديث شريف (في الشعاع الخامس) قبل أربعين سنة أنقذ الأمة. حيث إن شيخ الإسلام -للجن والإنس المصن أفندي الزنبللي"(٭) قد قال: "ليس هناك أي جواز في لبس القبعة، حتى لو لبست مزاحا". كما لم يجوّز لبسَها شيوخُ الإسلام وعلماؤه، مما جعل عوام أهل الإيمان أمام خطر حين اضطروا إلى لبسها [٭]: وذلك بموجب قانون الأزياء الذي أُجبر الناس على لبس اعدُ ما. إذ أصبحوا أمام خيارين: إما أن يتركوا دينهم، أو يقوموا بحركة عصيان.
ولكن إحدى فقرات رسالة "الشعاع الخامس" ذكرتْ أنه: "ستعلو القبعةُ الرؤوس وستقول: لا تسجدْ، ولكن الإيمان الموجود في ذلك الرأس سيُجبر تلك القبعة أيضا على السجل، أي علها إن شاء اللّٰه مسلمة" فأنقذت عوام أهل الإيمان من التمرد والعصيان كما أنقذتهم من التخلي عن دينهم باختيارهم. فضلا عن أنه ليس هناك قانون يطالب الأشخاص الالصدّين بمثل هذه الأشياء، وأن ست حكومات في ظرف عشرين سنة لم تجبرني على لبس القبعة. كما أن النساء والأطفال وأئمة المساجد والموظفين في دوائرهم ومعظم والجويين غير مجبرين على لبسها، وفي الآونة الأخيرة رُفعت عن رؤوس الجنود. كما أن لبس الطاقية وأغطيةِ الرأس غير ممنوع في كثير من الولايات، ورغم كل هذا فقد أصبح هذا [٭]: أي عدم لبس القبعة. عنصرَ اتهام ضدي وضد إخواني. هذا اجد في العالم كله قانون أو مصلحة أو أصل يَعد مثل هذا الاتهام (الخالي من أي معنى) ذنبا؟
— 432 —
الأساس الثالث المتخذ مدارا للاتهام:وهو زعم التحريض للإخلال بالأمن في "أميرداغ". وأين لا ل ردا على هذا:
أولا: نشير إلى الاعتراض الذي قدمتُه إلى هذه المحكمة وإلى ست مراجع رسمية في "أنقرة" بعلم هذه المحكمة وإذنها، وهو اعتراض لم يُردّ عليه، لذا فإنني أقدم الاعتراض نفسه كجواب للائحة الاتهام.
ثانيًا: يشم الأنمن تكلم معي في "أميرداغ" ويشهد الأهالي وموظفو الأمن بأنني بعد صدور القرار ببراءتي ابتعدتُ بكل قوتي -وأنا قابع في انیزوائي- عن المشاركة في أية سياسة دنيوية، حتى إنني تركت التأليف وا في لا، فلم أكتب إلّا فقرتين صغيرتين حول الملائكة وحول حكمة التكرار في القرآن، ولم أكن أكتب سوى مكتوب واحد فقط في الأسبوع أحث فيه على قراءة رسائل النور، حتى إنني لم أبعث لأخي المفتي - [٭]: المقصود هو عبد المجيد. الذي كان من طلابي طا الكارين عاما- سوى ثلاث أو أربع رسائل في ظرف ثلاث سنوات، وكان يبعث إليّ ببطاقات تهنئة العيد على الدوام، وكان يَقلق عليَّ قلقا كبيرا. أما أخي الآخر الساكن في بلدتي فلم أبعث له طوال عشرين عاما أية رسالة أبدا، ومع لنشر. ى أن لائحة الاتهام تقوم بحذلقة لا مثيل لها بتكرار الأسطوانة القديمة واتهامي بالإخلال بالأمن، وبالوقوف ضد الحركة الانقلابية. ونحن نقول ردَّا على هذا:
إن ما يزيد عن عشرين ألف نسخة من رسائل النو النورل عشرين عاما، طالعها عشرون ألفا، بل مائة ألف من الناس بكل شوق وبكل قبول، ومع ذلك لم تجد ستُّ محاكم ولم يجد رجالُ الأمن في عشر ولايات معنية أيَّ شيء ضدهم. وهذا يبين بأنه لو كان هناك احتمال واحد فقط من ألوف الاحتمالات ضدنا فإنهم يأخذون به ويتختلك الا الاحتمال وكأنه أمر واقع لا محالة، مع أنه لو كان هناك احتمال واحد ضمن احتمالين أو ثلاثة، ولم يظهر أي أثر له فلا يُعدّ ذلك الاحتمال ذنبا. ر بأحو واحدا بالألف من الاحتمال غير وارد، وهناك احتمال وارد لكل شخص -ومنهم المدعي العام- وهو احتمالُ قيامه بقتلِ أشخاص عديدين،
— 433 —
أو القيام بالإخلال بالأم متعاقً للشيوعيين وللفوضويين. إذن فإن النظر إلى مثل هذه المبالغة في الاحتمالات وكأنها أصبحت حقيقة وواقعة، واستعمالَها على هذا الأساس خيانة للعدالة وللقانون. ثم إن من الطبيعي وجود معارضة لكل حكومة، وإن الن، بل الفكرية لا تعدُّ جناية. فالحكومةُ تأخذ بالظاهر ولا تحاسِب على ما في القلوب. ونحن نخشى أن يكون الأشخاص الذين يوجِّهون مثل هذه التهم الباطت هذه حق شخص لم يصدر منه أي ضرر ضد الوطن وضد الأمة، بل كانت له فوائد وخدمات كثيرة، ولم يتدخل في شؤون الحياة الاجتماعية بل وأجبروه على العيش في عزلة تامة، والذي قوبلت مؤلفاتُه بكل تقدير في أهم المراكز الإسلا أن ت(٭): في الخطأ الثمانين من الأخطاء المائة التي وقع فيها المدعي العام، نراه يقول: "إن التأويل الوارد في الشعاع الخامس يُعدّ خطأً "
وجوابي على ذلك هو: وردت في "الشعاع الخامس" الجملة التالية: "أحد التأويلات -واللّٰه أعلم- هو هذا التأويلكومة؟ ى هذه الجملة: "أن من الممكن أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث الشريف". لذا فلا يمكن من الناحية المنطقية تكذيب هذه الجملة، إلّا عند إثبات استحالتها.
ثانيا: منذ عشرين عاما، بل منذ أرلني وجاما لم يقم أحد بردّ التأويلات التي أوردناها ردا منطقيا وعلميا سواء أكانوا من معارضيّ أو ممن يحاولون معارضة رسائل النور، ولم يقل أحد من أولئك العلماء المعارضيني فيهاذه التأويلات فيها نظر"، بل صدّقوها مع ألوف من علماء طلاب النور، لذا فإنني أحيل إلى مقامكم تقدير مدى البعد عن الإنصاف عندما يردّ هذا التأويلَ شخص لا يعرف حتى عددَ السور الموجودة في القرآن الكريم.
والخلاصة: أن معنى التأويل لحديثالوجوبأو لآية كريمة هو: أنه معنى واحد محتمل من عدة معاني محتملة وممكنة. (المؤلف). نخشى أن يكون هؤلاء الأشخاص أداة في خدمة الشيوعية وفي خدمة الفوضوية دون أن يشعروا.
هناك أمارات أعلمُ منها أن أعداءناإيمانيين يحاولون النيل من رسائل النور والتقليل من قيمتها، فينشرون وَهْمَ وجود فكرة المهدية -من الناحية السياسية- فيها ويدّعون أن رسائل النور وسيلة لهذه الفكرة، ويبحثون ويدققون عسى أن يعثروا على سند لهم لهذه الأوهام الباطلة. ولعل العذابوفاتهاأتعرض له نابعٌ من هذه الأوهام. وأنا أقول لهؤلاء الظالمين المتسترين وللذين يسمعون لهم ويعادوننا:
"حاش!... ثم حاش!... إنني لم أقم بمثل هذا الادعاء، ولم أتجاوز حدي ولم أجعل الحقائق الإيمانية وسيلة شخصية أون الإ لنيل الشهرة والمجد، وإن السنوات الثلاثين الأخيرة خاصة، من عمري البالغ خمسة وسبعين عاما تشهد، وتشهد رسائلُ النور البالغةُ مائة وثلاثين رسالة، ويشهد الآلاف من الأشخاص الذين صادقوني حق الصداقة بهذا.
— 434 —
رتكب جإن طلاب النور يعرفون هذا، كما أنني سردت الحجج التي أَظهرتْ في المحاكم أنني لم أسْعَ من أجل مقام أو مرتبة لشخصي أو من أجل الحصول على مرتبة أو مقام أو شهرة معنوية أو أخروية، بل سعيت بكل ما أملك من قوةالف الر خدمة إيمانية لأهل الإيمان، وربما كنت مستعدا لا للتضحية بالمراتب الدنيوية الفانية وحدها بل -إن لزم الأمر- بالتضحية حتى بالمراتب الأخروية الباقية لحياتي في الآخرة، مع أن الجميع يسعون للحصن الأم هذه المراتب، ويعلم أصدقائي المقربون بأنني -إن لزم الأمر- أقبل ترك الجنة والدخول إلى جهنم من أجل أن أكون وسيلة لإنقاذ بعض المساكين من أهل الإيمان [٭]: ذكر لي الأخ "محمد فرنجي" وقال: كنلقت من الأستاذ مرارا، وكان يقول في أكثر من مرة: لقد رضيت بدخول جهنم لأجل إنقاذ إيمان شخص واحد. وكرر القول نفسه لدى زيارتي الأخيرة له. فوقع في نفسي شيء، إذ كيف يو أسبانم من كان سببا لهداية أناس كثيرين جدا؟. وإذا بالأستاذ يعتدل في فراشه ويشير إلي بيده ويقول: ليس خالدا.. ليس خالدا.. بل مثلما يدخل أحدهم جهنم من جراء ذنب ثم يدخل إلى الجنة. وقد ذكرتُ هذا وبرهنت عيم الس المحاكم من بعض الوجوه، ولكنهم يرومون بهذا الاتهام إسناد عدم الإخلاص لخدمتي الإيمانية والنورية، ويرومون كذلك التقليل من قيمة رسائل النور وحرمان الأمة من حقائقها.
أيتوهم هؤلاء التعساء أن الدنيا باقية وأبدية؟ أم يتوهمون أن الجميع مثلهم يستغ منذ أدين والإيمان في مصالح دنيوية؟ إن هذا التوهم يقودهم إلى الهجوم على شخصٍ تحدى أهل الضلالة في الدنيا وضحى في سبيل خدمة الإيمان بحياته الدنيوية، وهو مستعد ل؟
ن بحياته الأخروية إن لزم الأمر في سبيل هذه الخدمة. وأنه غير مستعد لأن يستبدل ملك الدنيا كلها بحقيقة إيمانية واحدة، كما صرح في المحاكم، ويقودهم إلى ال من اللى شخص هرب بكل قوته من السياسة ومن جميع مراتبها المادية منها وما يشمّ منها معنى السياسة سواءً أكانت من قريب أو بعيد وذلك بسر الإخلاص، وتحمّل عذابا لا مثيل له طيعون شرين عاما، ومع ذلك لم يتنیزل -حسب المسلك الإيماني- إلى السياسة. ثم إنه يَعد شخصَه من جهة النفس- أقل مرتبة من كثير من طلابه، لذا فهو ينتظر دوما دعاءهم والنورسرهم له، ومع أنه يَعد نفسه ضعيفا وغير ذي أهمية، إلا أن بعض إخوانه الخلص أسندوا إليه في رسائلهم الخاصة بعضا من فضائل النور، وذلك لكونه ترجمانا للفيوضات الإيمانية القوية التي استمدوها من رسائل النور، ولم يخطر ببالهم في ذلك أيّ معنى سياسي، ب هذه امجرى العادة، ذلك لأن الإنسان قد يخاطب شخصا عاديا ويقول له: "أنت وليّ نعمتي... أنت سلطاني". أي يعطون له -من زاوية
— 435 —
حسن الظن- رتبا عالية ل، يدل قها، وهي أكثر ألف مرة من رتبته ومن قيمته. وكما هو معلوم فإن هناك عادة قديمة جارية مقبولة -لم يعترض عليها أحد- فيما بين الطلاب وبين أساتذتهم وهي قيام الطلاب بمة في بالَغ فيه لأساتذتهم قياما منهم بحق الشكر، ووجودُ بعض التقاريظ والمدح المبالغ فيه في خاتمة الكتب المقبولة.. فهل يعد هذا ذنبا بأي وجه من الوجوه؟ صحيح أن المبالغة تعد في جات معينا مخالفة للحقيقة، ولكن شخصا مثلي ليس له أحد، ويعاني من الغربة ما يعاني، وله أعداء كثيرون، وهناك أسباب عديدة لكي يبتعد عنه معاونوه ومساعدوه... وي.. حثر عليّ هؤلاء البعيدون عن الإنصاف أَنْ أَشُدَّ من الروح المعنوية لهؤلاء المساعدين والمعاونين ضد المعارضين العديدين، وأَنْ أُنقذهم من الابتعاد والهرب وأَحُول دون كسر حماستهم المتجلية في مديحهم المبالغ فيه، وأن أُحَوّلمائة ولمديح إلى رسائل النور ولا أردّهم ردا كاملا وقاطعا؟ وهكذا يظهر مدى ابتعاد بعض الموظفين الرسميين عن الحق أو عن القانون وعن الإنصاف عندما يحاولون أن ينالوا من الخدمة الإيمانية التي يؤديها شخص بلغ من العمر عتيا وهو على أبواب القبر، وكنقط" ل الخدمة مسخرة لغرض من أعراض الدنيا".
إن آخر ما نقول: لكل مصيبة
إنا للّٰه وانا اليه راجعون
سعيد النورسي

* * *

— 436 —
ملحق
لقد ورد في ختام قرار التحقيقات الأخيرة التي أُجأمثال ن قِبَل محكمة التحقيقات ما يأتي:
"لقد قرر مجلس الوزراء قبل أربعة أشهر منعَ نشر رسالة "المعجزات القرآنية" أي "الكلمة الخامسة والعشرين" ومصادرةَ أعدادها من السوق نظرا لورود شرح لثلاث آيات قرآنية، وهذا الشرح يعارض القانون المدني الحالي ويصادم ية. ولة".
وجوابا على هذا نقول: إن رسالة "المعجزات القرآنية" موجودة الآن ضمن رسالة "ذو الفقار" هذه الرسالة يقارب عدد صفحاتها أربعمائة صفحة، كنت قد نشرتُها ردا على انتقادات المدنية الغربية للقرآن الكريم ردا حاول لا يمكن جرحه أو الاعتراض عليه. ويشغل هذا صفحتين منها في معرضِ تفسير لثلاث آيات قرآنية وموجود بصورة متفرقة في ثلاث رسائل قديمة لي. الآية الأولى كانت آية الحجاب، والآية الثانية كانت حول الإرث وهي آيةُ
فلأمّه السدس
(النساالكبارأما الآية الثالثة فكانت أيضا حول الإرث وهي آيةُ
فللذكر مثل حظّ الانثيين
(النساء:١٧٦) ومع أنني قمت بشرح حِكَمِ حقائقِ هذه الآيات في صفحتين اثنتين وقبل عشرين عاما (بعضها قبل ثلاثين عاما) شرحا ألزم الفلاسفةَ، إلّديد فل توهموا وكأنها كُتبت اليوم. وبدلا من منع رسالة "ذو الفقار" البالغة أربعمائة صفحة فقد كان في الإمكان إخراج هاتين الصفحتين فقط منها، ثم إعادتها إلينا، وهذا حق قانو فيها،؛ إذ لو وُجدت كلمةٌ واحدة أو كلمتان ضارتان في خطاب ما، حُذفت هاتان الكلمتان وسُمِح بنشر ذلك الخطاب، وقياسا على هذا فإننا نطالب بحقنا هذا من محكمتكم الّرَ عن
ولعدم وجود إمكانية مجيء أحدهم عندي ليقرأ لي لائحةَ الاتهام البالغةَ أربعين صفحة والصادرة قبل شهر، فقد قرؤوا هذه اللائحة لي اليوم (المصادف لليوم الحادي عشر من حزيران).. قرؤوا اللى كالأاستمعتُ أنا فوجدت أن الدفاع الذي كتبتُه قبل شهرين وكذلك تتمة هذا الدفاع وملحقه الذي كتبتُه قبل شهر والذي أرسلته إلى مقامكم وإلى ست مراجع في
— 437 —
أنقرلقومية لائحةَ الاتهام هذه ردا قاطعا، لذا لا أجد أيّ مسوّغ لكتابة دفاع جديد. ولكني أُحب تذكيرَ مقام الادعاء عندكم بنقطتين أو ثلاث فأقول:
إن السبب الذي حدا بي إلى عدم الإجابة على هذه اللائحة يعود إلى أنني لطيباتهأن أطعنَ في كرامة ثلاث محاكم عادلة أصدرت قراراتها ببراءتنا ولم أشأ أن أهينها. ذلك لأن تلك المحاكم حققت بشكل دقيق جميعَ الأسس الواردة في لائحة الاتهام هذل على صدرت قراراتها بالبراءة. إن عدمَ احترام هذه القرارات وعدَّها وكأنها لا شيء يُعدّ تجاوزا واعتداءً على شرف جهاز العدالة.
النقطة الثانية:لقد حاوا بالم الادعاء بحذلقةٍ إعطاءَ معانٍ لم تخطر على بالنا لمسألتين أو ثلاث من بين آلاف المسائل لاتهامنا، بينما توجد هذه المسائل في أمهات رسائل النور وحازت على رضى وقبولِ المحققين من علماء الأزهر في مصر وعلماء الشام وحمين ساماء مكة المكرمة والمدينة المنورة وخاصة على رضى وقبول العلماء المحققين لرئاسة الشؤون الدينية، لذا فقد دهشتُ واستغربتُ عندما رأيت المدعي العام يورد بعض الردود وبعض الاعتراضات الكل عضوفي لائحة الاتهام وكأنه عالمٌ من علماء الدين وشيخٌ من شيوخه. ولنفرض جدلا أن لي بعضَ الأخطاء فلا يمكن أن تُعد ذنبا يحاسِب عليه القانون بل مجرد خطأ علمي، هذا مع العلم أن أي عالم من آلاف العلماء لم يرَ هذه الأخطاء التي يشير إليها المدعي العام ولمن خدمة عليها.
ثم إن ثلاث محاكم برّأتنا وبرأت رسائل النور كلها سوى خمسَ عشرة كلمة واردة في "اللمعة الرابعة والعشرين" حول (الحجاب) حيث أصدرت محكمة "أسكي شهر" عقوبات خفيفة بحقي وبحق خمسة عشر بالمائة مصغيرة ائي. وكنت قد ذكرت في تتمة دفاعي التي قدمتها إليكم بأنه لو كانت هناك عدالة على سطح الأرض لما قَبِلتْ ذلك الحُكم ضدي بسبب تفسيري ذاك، الذي اتبعتُ فيه حُكم ثلاثمائة وخمسين ألف تفسير. نحو مول المدعي العام بذكائه وبمعاذير شتى اختيارَ بعض الجمل لكتاب ولخطابات تعود إلى عشرين سنة مضت وتحويرَها ضدنا. بينما أصبحت خمس أو ست محاكم -وليست ثلاوهي تنم فقط- من المحاكم التي برأتنا شريكةً لنا في هذا الذنب أو الجرم المزعوم. وأنا أذَكّر مقام الادعاء العام بضرورة عدم التعرض إلى كرامة تلك المحاكم العادلة.
— 438 —
النقطة الثالثة:إن نقدَ ومعارضةَ رئيس مات وانتهى أمره وانقطعت صلتُه بالحك، بل إكونه سببا في بعض السلبيات في الانقلاب لا يُعدُّ ذنبا أو جرما في نظر القانون. ولم يكن انتقادُنا له صريحا، بل قام المدعي العام -بحذلقته- بتطبيق ما جاء في بياننا بشكل . صحيحلي، على ذلك الرئيس. فما كان سرًّا من المعاني التي لم نوضحها أظهره هذا المدعي العام على الجميع وفضحه وركّز عليه أنظارَ الناس جميعا. فإن كان هناك ذنبٌ في هذه المعالنافذن المفروض أن يكون المدعي العام شريكا فيه، ذلك لأنه جلب أنظار الجماهير لهذه المعاني وحرّضهم.
النقطة الرابعة:على الرغم من قيام ثلاث محاكم بإصدار قراراتها بتبرئتنا ب كل شيطع من تهمة تشكيل جمعية إلّا أن المدعي العام يحاول تكرار الأسطوانة القديمة حول الأوهام والمزاعم الخاصة بتشكيل جمعية سرية، ويجهد نفسه في البحث عن أي معاذير غير حقيقية في هذا المجال. ومع أن هناك عدة جمعيات سياسية من اللهذه الأمة ولهذا الوطن، فإنه يؤذَن لها ويسمح لها بأداء نشاطها، بينما يتم إلصاق تهمة "استغلال الدين لتحريض الناس على الإخلال بالأمن" بنا، مع أن هناك آلافَ الشهود وآلاف الشواهد ائجةٍ تِ ستِ ولايات بعدم التعرض لنا، تُثبت بأن الصداقة الموجودة بين طلاب النور -وهي صداقة دراسة- هي في صالح الأمة وفي صالح الدين، وهي في سبيل تأمين السعادة الدنيوية والسعادة الأخروية، وأن هؤلاء الطلاب وقفوا وجاهدوا متساندين ضد جميع تيمانيةالإفساد سواء أكانت من الخارج أم من الداخل، لذا فإن إلصاقَ تهمةِ تشكيل جمعية سرية والإخلالِ بالأمن مع أنه لم يسجَّل في ظرف عشرين عاما أيّ حادثةِ إخلال للأمن ضد أي طالب من طلاب النور الذين يتجاوز عددهم مئات الآلاف.. إن مثل هذه بإخوت لا يحتدّ لها النوعُ الإنساني وحده بل يحق لهذه الأرض أيضا أن تحتدّ وتردّ هذه التهمة.. على أي حال فإنني لا أجد مبررا لإطالة الكلام، إذ إن دفاعي (الذي كتبتُه قبل لائحة الاتهام هذه) وتتمة دفاعي كافيتان للرد وللإجابة على المدعي العام.
الموقوف فيبلاد، فيون
سعيد النورسي
— 439 —
باسمه سبحانه
أوضّح لمحكمة أفيون ولرئيس محكمة الجنايات الكبرى أنه:
لقد قطعتُ علاقتي بالدنيا لأنني مفطور منذ البداية على عدم تحمل التحكم. وتبدو الحياة الآن أمام عيني ثقانا منّا إلى درجة أنني أرى بأنني لا أستطيع العيش في مثل هذه الحياة المليئة بتحكمات لا معنى ولا ضرورة لها، إذ لا أستطيع تحمّل تحكمات ونوازع السيطرة لدى المئات من الأشخاص الرسميين خارج السجن، فقد مللتُ من مثل هذه الحياة. وأنا أطالبكم بكل ما أَملك مرِ قساأن تعاقبوني. وبما أنني لا أستطيع نيل الموت فإن من الضروري لي البقاءَ في السجن. وأنتم تعلمون جيدا أن الاتهامات الباطلة التي أَسْنَدها لي مقامُ الادعاء غيرُ موجودة وغيرُ واردة أص النفسا فهي لا تكفي لإيقاع العقوبة بي. ولكن وجود تقصيرات كبيرة عندي تجاه الوظيفة الحقيقية هو الذي يسبب لي عقابا معنويا. ولو كان الاستفسار مناسبا فإنني مستعد للإجابة على استفساراتكم. أجل إن ذنبي الوحيد اكر بضع من تقصيراتي الكبيرة والذي لا يُغتفر من حيث الحقيقة، هو أنني بسبب عدم التفاتي إلى الدنيا لم أعمل ما أنا مكلف به من إيفاء وظيفةٍ جليلةِ الشأن في سبيل الوطن والأمة وفي سبيل سوى ال وأن عدم علمي ذلك لا يشكل عذرا بالنسبة إليّ، وقد توصلت الآن إلى هذه القناعة في سجن "أفيون" هذا.
إن الذين يتهمون طلاب النور الذين تنحصر علاقتُهم الأخروية الخالصة برسائل النور وبمؤلفهاحجج داولون تحميلهم مسؤولية تشكيل جمعية سياسية، بعيدون كل البُعد عن العدالة والحقيقة. أَثبتَ ذلك قرارُ التبرئة لثلاث محاكم بثلاث جهات. فضلا عن هذا نقول:
إن جوهر الحياة الاجتماعية الإنسانية ولاسيما للأمة الإسلامية وأساسَها هو: وجود محبة خالصة بين لسرمدياء، ووجودُ رابطة وثيقة بين القبائل والطوائف، ووجود أخوة معنوية وتعاونية نحو إخوته المؤمنين ضمن القومية الإسلامية، ووجود علاقةِ فداء نحو قومه وجنظام واجود التزام قوي ورابطة قوية لا تهتز مع الحقائق القرآنية التي تنقذ حياته الأبدية، ومع ناشري هذه الحقائق، وأمثالها من الروابط التي تحقق أساس الحياة الاجتماعية، وإن إنكارها لا يؤدي إلّا إلى قبول الخطر الأحمر الذي يتربص بنا في الشمال ي جامعيبذر بذور الفوضى
— 440 —
ويحاول القضاء على الأجيال وعلى القومية ويجمع أطفالَ الناس هناك ويضعهم تحت تصرفه ويحاول إزالة شعور القرابة وشعور الادي عشوإفساد المدنية البشرية والحياة الاجتماعية إفسادا تاما، أقول إنه بذلك الإنكار وذلك القبول يمكن إطلاق اسم الجمعية على طلاب النور، لذا فإن طلاب النور الحقيقيين يُظهرون علاقاتهم المقدسة مع الحقائق القرآنية ويظهرون ارتباطهم الذي لا لتي مَمع إخوانهم في الحياة الآخرة. ولأنهم يتقبلون برحابة صدر أية عقوبة تقع عليهم بسبب هذه الأخوة فإنهم يعترفون بهذه الحقيقة كما هي في حضور محكمتكم العادلة، ولا يتدنَّون عند الدفاع عن أنفسهم إلى دَرَك الحيلة والنفاق والكذب.
الموقوف
أهل اللنورسي
— 441 —
ذيل تتمة الاعتراض المقدم
إلى الادعاء العام لمحكمة أفيون
أولا:أُبيّن للمحكمة أن هذا الادعاء الجديد أيضا مبني على ادعاءات قديمة لمحكمة "أالكل ور" و"دنيزلي" ومبني على التقرير المقدم من قبل خبراء سطحيين بعد تحقيقاتهم العابرة. وقد ادعيت في محكمتكم: إن لم أُثبت مائةَ خطأ في هذا الادعاء فأنا راضٍ بإنزال عقاب مائة سد والشالسجن بي، وها أنا الآن أثبت دعواي. إن شئتم أقدم لكم الجدول المتضمن للأخطاء التي تزيد على المائة.
ثانيا:عندما أُرسلتْ أوراقُنا وكُتُبُنا من محكمة" دنيزلي" إلى أنقرة كتبتُ لإخوتي -في غضون ترقبي وقلقي على صدور قرارٍها أي الفقرةَ التي في ختام بعض دفاعاتي، وهي أنه إذا استطاع موظفو العدالة الذين يدققون رسائل النور بهدف النقد والتقييم، أن يقووا إيمانهم وينقذوه، ثم حكموا عليّ بالإعدام، اشهدوا بأنني قدستدرك ت لهم عن جميع حقوقي، لأننا خدام الإيمان ليس إلّا. وإن المهمة الأساس لرسائل النور هي تقوية الإيمان وإنقاذه. لذا نجد أنفسنا ملزمين بالخدمات الإيمانية، دونما تمييز بين عدوٍ وصديحا عن غير تحيّز لأية جهة كانت.
وهكذا.. أيها السادة أعضاءُ المحكمة، استنادا إلى هذه الحقيقة، وفي ضوئها، قد استطاعت رسائل النور بحقائقها الناصعة وبراهينها الساطعة أن تستميل نحوها قلوب الكثيرين من أعضاء المحكمة وحملتهم على التعاطف معها. فلا يهمني بء:١١)
تريدون فعله، وما تقررون في حقي.. افعلوا ما شئتم فإني مسامحكم.. ولن أثور أو أغضب عليكم إطلاقا. و هذا هو السبب في أنني تحملت أشد أنواع الأذىمن الشر والاستبداد والتعرض والإهانات المتكررة التي أثارت أعصابي والتي لم أُقابَل قبلُ بمثلها طوال حياتي كلها.. بل إنني لم ادعُ على أحد بالشر أو السوء.
وإن مجموعات رسائل النور التي بين أيديكم لهي د مدبِّير القابل للجرح أو الطعن، وهي خير دليل على زيف جميع الادعاءات المثارة ضدنا.
— 442 —
إنه لمثير للعجب والحيرة أنه في الوقت الذي دقق علماء أجلاء من مصر والشام وحلب والمدينة المنورة ومكة المكرمة وعلماء من رئاسة الشؤون الدين اطمئنموعاتِ رسائل النور ولم ينتقدوا منها شيئا، بل استحسنوها وقدروها حق قدرها. وفي الوقت الذي حملت الرسائل مائة ألف من أهل الحقيقة على التصديق بها رغم الظروف الصعبة المحيطة، ورغم ما أعانيه من الاغتراب والشيخوخة وقلة النصير، وفضلا عن الهجمات الشرشتاق إتلاحقة.. أقول: في الوقت الذي تقدَّر الرسائل هكذا، إذا بالذكي [٭]: المقصود المدعي العام. الذي استجمع علينا ادعاءات واهية يتفوه بخطأ فاحش ينم عن سطحيته وسطحية نظرته للأمور، إذ قال: إن القرآجية تحيم عبارة عن مائة وأربعين سورة! هذا الشخص نفسه يقيّم رسائل النور فيقول: "إن رسائل النور مع أنها تحاول تفسير القرآن الكريم وتأويل الأحاديث الشريفة إلّا أنها لا تحمل ماهية علمية وقيمة راقية من حيث تقديمها المعرفة إلى قرائها"ررنا أيفهم من تنقيده هذا أنه بعيد كل البعد عن القانون والحقيقة والحق والعدالة!
وأشكو إليكم أيضا:
لقد أسمعتمونا الادعاء العام كاملا طوال ساعتين والذي أدمى قلوديدة فا فيه من أخطاء تربو على المائة سجّلناها في أربعين صفحة. إلّا أنكم لم تفسحوا لي مجال دقيقتين من الزمان كي أجيبه في صفحة ونصف الصفحة رغم إصراري على ذلك، لذصينة إبكم باسم العدالة بقراءة اعتراضي بتمامه.
ثالثا:إن لكل حكومة معارضين، ولا يسمح القانون بالتعرض لهم ماداموا لم يخلّوا بالنظام. أفيمكن لي ولأمثالي ممن أعرضنا عن الدنيا ونسعى للقبر أن نَدام التعي للحياة الباقية على وفق المسلك الذي سلكه أجدادنا الميامين طوال ألف وثلاثمائة وخمسين سنة وبهدي تربية قرآننا العظيم، وفي ضوء دساتير يقدّسها ثلاثمائة وخمسون مليونا من المؤمنين في كل عصر، ثم ننشغل بحياة دنيد حلّهيرة فانية وننقاد لقوانين ودساتير غير أخلاقية للمدنية السفيهة، بل قوانينَ جائرةٍ وحشية كما هي في البلشفية، وننحاز إليها تحت ضغوط أعدائنا ودسائسهم؟ فليس "الشعاانون في العالم كله ولا إنسان يملك ذرة من الإنصاف يُكره الآخرين على قبول هذا بذاك.
إلّا أننا نقول لأولئك المعارضين: إننا لم نتعرض لكم فلا تتعرضوا لنا!
— 443 —
وهكذا يدير لى هذه الحقيقة، إننا لسنا مع زعيم أصدر حسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل "جیامع أياصوفيا" إلى دار للأصنام، وجَعَل مقر المشيخة العامة ثانوية للبنات،هي خالمعه فكرا ولا موضوعا، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية، ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا.
والواقع أنه بالرغم من حياة الأَسْر والتشرد التي عشتها خلال هذه السنوات العشرين، والتي ذقت فيها ألوانا من العذاب، وتعرضت لأقسى وأشلفضائلليب الظلم والاستبداد، ومع أن هناك مئات الألوف من إخواني النوريين الأوفياء، فإننا لم نتدخل في الأمور السياسية ولم تُسجَّل حادثة واحدة تدل على تعرضنا للأمن أو إخلالنا بالنظام.
إن ما أتعرض له في أخريات أيامي هذه، من الإهانات المتكرلق السمعاملات الظالمة التي أُقابَل بها، وحياة الاغتراب والتشرد التي أعيشها والتي لم أر مثلها من قبلُ جعلني أملّ الحياة.. إنني سئمت الحرية المقيدة، تلك الحرية التي يحدهان مُشْم ويعقلها الجور والاستبداد. لقد رفعت إليكم طلبا لا لإطلاق سراحي وتخفيف عقابي وإبراء ساحتي، كما هو المألوف، بل لإنزال أشد العقاب بي وأقساه، نعم أشده وأقساه لا أخفه وأهونه، ذلك لأنه لا سبيل للتيه الن مثل هذه المعاملة العجيبة المنكرة سوى أحد أمرين: السجن أو القبر. إن الطريق إلى القبر مسدود أمامي لا أستطيع الحصول عليه لأن الانتحار محظور شرعا، ثم إن الأجل سر خفي، لا يدرك الإنسان كنهه ويهونَ أن تطاله يداه، لذا فقد رضيت بالسجن الذي أنا رهين اعتقاله وتجريده منذ حوالي ستة أشهر. إلّا أنني لم أقدم هذا الطلب في الوقت الحاضر إلّا نزولا عند رغبة إخواني الأبرياء.
رابعا:إنني خلال هذه السنوات الثلاثين من حياته. ومعتي أطلقتُ فيها على نفسي اسم "سعيد الجديد" أدّعي فأقول: بأنني قد بذلت ما وسعني الجهد لكبح جماح نفسي الأمارة بالسوء، وصونها من العُجب والتطل وجودُالشهرة والتفاخر، بل قد جرحت أكثر من مائة مرة مشاعرَ طلاب النور الذين يحملون حسن ظنٍ مفرط بشخصي. يشهد على هذا ما كتبته في رسائل النور وحقائقها المتعلقة بشخصي، والمنصفون ممن يختلفون إليَّ بجد، والأصدقاء جميعا. فأنا لست المالك لكنٌ مرالنور، بل لست إلّا دلّالًا ضعيفا بسيطا في حانوتِ مجوهراتِ القرآن.
— 444 —
كما أنني بتصديق من إخواني المقربين، وبما شاهدوا من أماراتها العديدة، عازم على ألّا أضحي بالمناصب الدنيوية وأمجادها الزائفة وحده بينهالو أُسند إليّ -فرضا- مقاماتٌ معنوية عظمى، فإنني أضحي بها أيضا لخدمتي للإيمان والقرآن خشية اختلاط حظوظ نفسي بإخلاصي في الخدمة. وقد قمت بهذا فعلا.
ومع ذلك فقد جعلتْ محكمتُكم الموقرة مشاعرَ الاحترام التي أبداه العشر بعضُ إخواني -نظيرَ انتفاعهم برسائل النور كشكر معنوي من قبيل احترام زائد عن احترام المرء لأبيه- مع رفضي وعدم قبولي لها، جعلتْها مدارَ استجوابنا وكأنها مسألة سياسية،رصون عم فريقا منهم على التنكر لذلك الاحترام، فيا عجبا أي ذنب وأي جريرة في امتداح جاء على لسان الغير ولم يرض به هذا العاجز ولا يرى نفسه لائقا بذلك؟
خا أو تسني أعلن لكم بصراحة تامة أن محاولة إلصاق تهمة الانتماء إلى التكتلات والتجمعات والتدخل في الشؤون الداخلية، إلى طلبة النور الذين لا علاقة لهم -بأيّ وجه- بالتحزب والتجمع والتكتلات والتيارات السياسالنقاشختلفة، ما هي إلّا من وحي منظمةِ الزندقة المتسترة التي تعمل منذ أربعين سنة على هدم الإسلام ومحو الإيمان، خادمةً بذلك لنوع من البلشفية والتي سبّبت -هذه المنظمة- في تغذية روح التطرف والفوضى في هذه اللموجودسواء بعلم أو بغير علم، واتخذت موقفا مضادا تجاهنا.
بيد أن ثلاث محاكم مختلفة قد اتفقت على تبرئة ساحة رسائل النور وَطَلَبَتِها من تهمة الانتماء إلى التكتلات، س عِلْممة واحدة، وهي محكمة "أسكي شهر" حيث حكمت عليّ بالسجن لمدة عام واحد، ولمدة ستة أشهر على خمسة عشر من إخواني من مجموع مائة وعشرين شخصا. ولعل الذي دفع محكمة أسكي شهر إلى اتخاذ ذلك القرار يعود إلى ورود فقرة كُتبت ققائد ااءت ضمن رسالة صغيرة تتعلق بمسألة واحدة وهي "الحجاب".
وكان نص تلك الفقرة كما يأتي: "لقد طرق سمعَنا أن صباغَ أحذية قد تعرض لزوجةِ رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودها نهارا جهارا في قلب العاصمة "أنقرة"! أليس هذا الفعل الشن وأنا ة قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟"
— 445 —
وإذن فإن اصطناع الأسباب الواهية والاتهامات الباطلة ضد طلبة رسائل النور الآن، إن هو إلّا بمثابة الحكم ضد فين وإمحاكم الثلاث، ومحاولة لإلصاق التهمة بها ووصمها بوصمة الخيانة والعار.
سادسا:لا يمكن المبارزة مع رسائل النور. فقد اتفقت كلمة علماء الإسلام الذين اطلعوا عليها أنها تفسير قيم صادق للقرآن الكريم، أي أنها تنطوي على براهين دامغة لحقاظيفة أناصعة وهي معجزة معنوية من معجزات القرآن في هذا العصر، وسد منيع أمام الأخطار والمهالك التي تتربص بهذه البلاد وبهذه الأمة من الشمال.
فالواجب يقتضي من حيث الحقوق العامة القيامل محكمتكم الموقرة على الترغيب في هذه الرسائل بدلا من تخويف طلابها وترغيبهم عنها، هذا ما نعلمه، بل ننتظره منكم.
ومن المعلوم أن عدم التعرض لكتب الملاحدة وبعض الساسة المتزندقينةً من تهم وجرائدهم -مع ضررها الفادح على الأمة والبلاد والأمن العام- تحت ستار الحرية العلمية، يدفعنا حتما إلى القول والتساؤل: ما الجانب المحظور من التحاق شاب بريء يحتاج إلى العون والمساعدة إلى صفوف طلبة النور كي ينقذ إيمانه وينجورفعه.لتردي في هاوية الأخلاق الذميمة؟ أفليس من الحكمة والعدل والواجب أن تحتضن الحكومة ووزارة المعارف (التربية) هذا العملَ وتُشجعه وتقدره حق قدره بدلا من أن تعمل على مكافحلآلاف ى ملاحقتنا دون سبب؟
كلمتي الأخيرة:نسأل اللّٰه أن يوفق الحكام إلى إحقاق الحق وإقرار العدل.. آمين
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير
الحمد ومن حيرب العالمين.
سعيد النورسي

* * *

— 446 —
كلمتي الأخيرة
أودّ أن أبيّن لهيئة المحكمة ما يلي:
لقد أدركت من لائحة الاتهام ومن وضعي لمرات عديدة وطويلة في السجن الانفرادي بأن شخصي هو الهدف في هذه المسما شابقد لوحظ وجود مصلحة لتهوين شأني والنيل من شخصي. وقد زعم أنني شخص ضار للإدارة وللأمن وللوطن، وأنني أسعى تحت ستار الدين إلى مقاصد دنيوية ومن أجل نوع من السياسة. و ردّا على هذا فإنني أقول سمية وراحة تامة:
لا تمدّوا يدكم بالأذى إلى رسائل النور ولا إلى طلاب النور الميامين من أجل هذه الأوهام ومن أجل محاولتكم محاربتي شخصيا، لأنهم هم الأبناء المضحون في سبيل هذا الوطن وفي سبيل هذه الأمة، وإلّاٌ صادقق بهذا الوطن وبهذه الأمة ضرر كبير وقد يكون ذلك سبيلا إلى خطر عليهما.
وأريد أن أؤكد لكم: لقد قررتُ أن أَقبل -في ضوء مسلكي الحالي- أيّ أذى وأية إهانة وأيّ عذاب وأيّ عقاب موا بهذى شخصي، بشرط ألّا يأتي أي ضرر إلى رسائل النور وإلى طلابها بسببي، ففي هذا ثواب لي في الآخرة وهو وسيلة لإنقاذي وخلاصي من شرور نفسي الأمارة بالسوء. فبينما لال لان ناحية فإنني مسرور من ناحية أخرى. ولو لم يدخل هؤلاء الأبرياء المساكين السجن معي من أجل هذه المسألة لكانت لهجتي في الدفاع شديدة جدا، وقد شاهدتم أنتم أيضا ورأيتم كيف حاول مَن كتب لائحة الادعاء البحثَ عن أسباب واهية ومعاذيرَ باطلة، فقدم جميع ما لنصف م من كتب ومن خطابات سرية خاصة وغير خاصة في ظرفِ عشرين أو ثلاثين سنة من حياتي كأنني قد كتبتها بأجمعها في هذه السنة، وساق لبعضها معانيَ خاطئةً، وقدمها وكأنها لم تظهر للعيان ولن في م أية محكمة ولم يشملها أي قانون من قوانين العفو ولم تتعرض لمرور الزمن.. كل هذا من أجل النيل مني، والحطِّ من شأني. ومع أنني ذكرت أكثر من مائة مرة بأني أعترف بضآلة شأني وصغر قيمتي، ومع أن معارضيّ يحاولون بكل وسيلة النيلَ مني وتهوينَ أمري إل جدّا بب محبة
— 447 —
عامة الناس لي محبةً أقلقت رجال السياسة يعود إلى
أن تقوية الإيمان يحتاج في هذا الزمن وفي هذه الظروف حاجة ملحة وقطعية إلى أشخاص لا يضحون بالحقيقة -في موضوع الدين- من أجل أي شيء على الإظهِر كلا يجعل أحدهم الدين وسيلة وآلة لأي غرض ولأي شيء، ولا يعطي لنفسه حظا، وذلك لكي يمكن الاستفادة من إرشاداته في دروس الإيمان وتحصل القناعة التامة به.
نعم، إنه لم يحدث في أي ظرف من الظروف أَنْ اشتدت الحاجة إلى الخدمة مثلمصدقائيه في عصرنا هذا، وذلك لأن الأخطار قد داهمتنا من الخارج بشدة وضراوة بالغتين. ومع اعترافي وإعلاني بأن شخصي العاجز لا يكفي لسد هذه الحاجة أو مَلء ذلك الفراغ، فقد ذهب البعض إلى الظن بأن شيئا من ذلك يمكن أن يتحقق على يديّ، لا لمزية معينة فيلانشغا بل لشدة الحاجة إلى من يقوم بمثل هذا العمل ولعدم بروز أحد بروزا ظاهرا لتحمل تلك المسیؤولية العظمى.
ولقد تأملتُ منذ أمد طويل في هذه المسألة في حيرة وتعجب، إذ على الرغم من أخطائي وعيوبي الشخصية المدهشة، وعدم جدارتي للقيام بمثل هذا العمل الجلينون الوجه كان، فقد بدأت أفهم الحكمة في التفات العامة وإبدائهم ضربا من مشاعر الاحترام نحوي.
والحكمة هي أن الحقائق التي تحتوي عليها رسائل النور، والشخصية المعنوية التي يمثلها كيانُ طلبتها، قد يمیمتا وجه تلك الحاجة شطرهما، ولا سيما في ظرف مثل ظرفنا اسعة كسطنا الحاليين، ومع أن حظي من الخدمة قد لا يبلغ الواحد في الألف، فإن البعض يعتقدون فيّ تجسيدا لتلك الحقيقة الخارقة وممثلا لتلك الشخصية الأمينة المخلصة فيُبدون نحوي ذلك النوعَ من الالتفات.
والواقع أن هذا النوع من الالتفاة بصرا ما هو ضارٌّ بي، ثقيل على نفسي أيضا. حتى إنني آثرت الصمت بغير حق عن تلك الخسائر المعنوية، حفاظا على الحقائق النورية وشخصيتها المعنوية. وربما يعود السبب في ذلك النوع لصبر ولتفات إلى إشارة مستقبلية للإمام علي رضي اللّٰه عنه وللشيخ الكيلاني قُدس سره، ولبعض الأولياء الآخرين، بإلهام إلهيّ إلى حقيقة رسائل النور، وشخصيةِ طَلَبَتِها المعنوية.. وما ذلك إلّا لكون تلك الرسائل مرآة صغير، فيظهة لمعجزة القرآن المعنوية في عصرنا الحاضر. ولعل ذلك البعض قد أخذ شخصي الضعيف بنظر
— 448 —
الاعتبار، لا لشيء إلّا لكوني خادما لتلك الحقيقة الخارقة. ولقد أخطأتُ عندما لم أصرف من روهم الجزئي لشخصي -بتأويلٍ- إلى رسائل النور. والسبب في هذا يعود إلى ضعفي وكثرة الأسباب التي قد تدفع مساعدِيَّ إلى الخوف. وما قبولي جزءا مما يخصّ شخصي في القرآني إلّا لإضفاء سمة الاعتماد وصبغة الثقة على أقوالي لا غير.
إنني أنذركم بما يلي:
لا داعي إطلاقا للقضاء على شخصي الفاني المشارف على باب القبر. ولا داعي كذلك إلى إعطاء مثل هذه الأهمارة قوودي. وإنه مما يجب أن تَعلموه جيدا هو أن المبارزة مع رسائل النور محاولة يائسة. إنكم لن تستطيعوا مبارزتها، فلا تبارزوها. إنكم لن تتغلبوا عليها. ولئن حاولتم مبارزتها، فلن تعودوا إلّا بأضرار جسيمة على الأمة والبلاد معا، ولكن لن تستلتمييزتشتيت شمل طلبتها أو تفكيك وحدتهم مهما حاولتم.. إذ ليس من السهل حملُ أحفاد أجدادنا وأبنائهم البسلاء الذين ضحوا بأكثر من خمسين مليونا من الشهداء في سبيل الحفاظ على القرآن وحقائقه القيمة، على يمكن أ والنسيان لماضيهم المجيد، ولا الحيلولة دون بطولاتهم الدينية الرائعة التي كانت دوما محط أنظار العالم الإسلامي وموضع إعجابه. وحتى لو انسحبوا من الميدان فإن أولئك الطلاب الأوفياء لن يتخلوا عن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لتلك ال لتبجيولن يرضوا -بذلك التخلي- أن يصيب الضرر الوطن والأمة والأمن.
وآخر قولي:
فان تولوا فقل حسبي اللّٰه لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
(التوبة:١٢٩).

* * *

— 449 —
عريضة مرسلة إلى مجلس الوزراء
لي رجاء مهم جدّا:
في خاتمة ماهر حعة المسماة "سراج النور" والتي تزيد عن ثلاثمائة صفحة توجد خمسَ عشرة صحيفة -وهي "الشعاع الخامس"- كُتبت منذ زمن طويل كانت سببا لصدور قرار من مجلس الوزراء بمصادرةموظفينلمجموعة وجمعها.
إن من الممكن إخراجَ هذا القسم الذي تُوُهِّمَ ضررُه، من مجموعة "سراج النور" التي ثبتت وتحققت فائدتُها للجميع ولاسيما لأصحاب المصائب والبلايا وللشيوخ وللذين لديهم شكوك في نواحي الإيمان، ثم السماح بما تبقى من الثلاثمائة صفحة ل عن حدفباسم جميع من استفادوا من هذه المجموعة وسُرّي عنهم من أصحاب المصائب والرزايا والشيوخ وباسم جميع المحتاجين إلى الحقائق الإيمانية نرجو من مجلس الوزراء السماحَ بنشرها.
وفي مجموعة "ذو الفقاؤلاء فالغة أربعمائة صفحة والتي كُتبت قبل ثلاثين سنة للرد على فلاسفة أوروبا، وردت صفحتان فقط من تفسير آيتين حول الإرث وحول تحجب النساء.
وورد سطر واحد حول المصارف في رسالةِ "إشارات الإعجاز" التي سجن عنبل ثلاثين سنة عند تناول آيةِ:
وأحل اللّٰه البيع وحرم الربا
(البقرة:٢٧٥).
وقبل ثلاثين سنة عندما كنت عضوا في "دار الحكمة" كتبتُ جوابا لستة أسئلة تقا يصعبا رئيسُ أساقفة الأنكليكان لإنكلترا إلى المشيخة الإسلامية وهناك سطر واحد فقط في هذه الإجابة لا يسمح به القانون المدني الحالي.
إننا نرجو منكم إعادةَ مجموعةِ "ذو ال وهذه إلينا والمصادَرةِ بحجةِ وجود صفحتين وسطر واحد فقط فيها قيل إن القانون المدني الحالي لا يسمح به. مع أن هذه الرسالة قوبلت في العالم الإسلامي باستحسان كبير وأَثبتت عمليا فوائدها الكبيرة لأنها برهنت بشكل رائع على ثلاثة أركان إيمانية، فطلَبُ إعادتلصراط نا من حقنا، ذلك لأنه إنْ وجدت خمسُ كلمات ممنوعة في رسالة ما تُحذف تلك الكلمات ويُسمح بنشر باقي الرسالة، لذا فنحن نطلب ضمان هذا
— 450 —
الحق القانوني المهم لنا. وباسم جميع من يخدم القرآن والإيمان ويسعى إلى تحقيق الأمن والنظام ويخدم المصيلوطن وهذه الأمة عن طريق رسائل النور نطالبكم بإنقاذنا من الظلم الواقع علينا من الذين يجعلون من الحبة قبة.
ثم إن رسالة "الهجمات الست" التي كتبتُها قة يربونية عشر عاما في ساعةِ غضب وحدّة لِتعرضي إلى ظلم شديد.. هذه الرسالة لم أرها منذ ذلك الوقت أبقيتُها سِرّية خاصة ولم أسمح بنشرها، ومع أنها وقعت في أيدي ثلاث وأربع محاكم، إلّا أن هذه المحاكم أعادتها إلى أأتي إل.
سعيد النورسي
— 451 —
"رسالة شكر"
باسمه سبحانه
رسالة شكر أقدّمها إلى هيئة الخبراء في ديوان رئاسة الشؤون الدينية، أبين فيها "ثلاث لّٰه تأُعِينَهم بها على تصحيح انتقادات جزئية وردت في تدقيقاتهم وأُجيب عنهابوضوح.
النقطة الأولىإنني أُقدم شكري إلى أولئك العلماء الأفاضل بثلاث جهات. فأنا ممتنّ لهم بصفتي الشخصية:
أولاها:قيامهم بتلخيص ثلاث عشرة رسالة من مجموعات عديج النور" -مما سوى رسالة "الشعاع الخامس"- تلخيصا يبعث على التقدير والإعجاب.
ثانيتها: ردّهم لما دار عليه اتهامنا وهو: إنشاء طريقة صوفية، تشكيل جمعية، والإخلال بأمن البلاد.
ثالثتها:تصديقهم لدعواي في المحكمة، وهو ما قلته أمام المحكمة: إذا اء!
ء من الذنب فإنه يعود لي، فطلاب النور بريئون منه، ولقد سعوا في سبيل النور إنقاذا لإيمانهم. فأولئك الخبراء ينقذون أيضا طلاب النور ويبرّئون ساحتهم ويسندونالأحياب إليّ. وأنا بدوري أقول لهم: ليرضَ اللّٰه عنهم. إلّا أنهم جعلوا كلا من المرحوم "حسن فيضي" والمرحوم "الحافظ علي" وأشخاص من أمثال هذين الشهيدين ووارثيهم شركاء بذنوبي. لذا فقد أخطأوا في هذه الجهة. لأن أولئك المياذلك البقون في خدمة الإيمان وليسوا شركاء في الذنوب، وهم بريئون من أخطائي وذنوبي وقد أرسلَتْهم العنايةُ الإلهية مُعينين لي رأفةً بضعفي.
— 452 —
النقطة الثانيةلقد اعترض أولئك الخبراء على رواياتٍ في "الشعاع الخامس" فنت الشعن بعضها ضعيفة وعن أخرى موضوعة، وخطّأوا تأويل قسم منها. وقد كتب الادعاءُ العام لمحكمة "أفيون" تقريره في ضوء ذلك، بينما أثبتنا واحدا وثمانين خطأً من أخطائه في قائمةٍ تبلغ خمس عشرة صفحة. فليطلع الخبراء اللقرآن على تلك القائمة.
نقدم أدناه نموذجا منها:
لقد قال المدعي: جميعُ تأويلاته مغلوطة، والروايات إما أنها موضوعة أو ضعيفة.
ونحن نقول:
إن التأويل يعني أن هذا المعنى مممدية.
ادُه من هذا الحديث، أي يحتمل هذا المعنى. أما ردّ إمكان واحتمالِ ذلك المعنى -حسب علم المنطق- فيكون بإثبات محاليته. بينما شُوهِد ذلك المعنى عيانا، وتحقق فعلا فردٌ من كلية الذكار.
لإشارية لمعنى الحديث، لذا لا يُعترض على ذلك المعنى قطعا، لأن الحديث قد أَظهر بلمعةِ إعجازٍ غيبي ذلك المعنى وأَشهدَ له هذا العصرَ. علاوة على ذلك فقد أثبتنا في تلك القائمة أخطاءَ المدعي من ثلاثة وزِ، ال أحدها:أنَّ الإمام أحمد بن حنبل الحافظ لمليون من الأحاديث الشريفة، وكذا الإمام البخاري الحافظ لخمسمائة ألف حديث، لم يجرؤا على نفي تلك الروايات على إطلاقها. علما أن إثبات نفيها غير ممكن منطقيا، وأن المدعي نفسه لم يطالنور، جميع كتب الأحاديث النبوية، وأن الأكثرية العظمى لأمة الإسلام في كل عصر قد انتظروا رؤية معاني تلك الروايات، أو فردا من كليةِ معانيها، بل إن تلك المعاني قريبة من تلقي الأمة بالقبول، وقد برز في الواقع أفراد مول:
#4اتهم وشُوهِدوا عيانا..
لذا فإن إنكار تلك الروايات إنكارا كليا خطأٌ من عشر جهات.
الوجه الثاني:أن الرواية الموضوعة تعنى أنها ليست حديثا مسندا عن فلان وعن فرا بليلا يعنى أن معناها خطأ. ولما كانت الأمة قد تلقتها بالقبول، ولاسيما أهل الحقيقة والكشف،
— 453 —
وقسم من أهل الحديث وأهل الاجتهاد، بل انتظَروا تحقيق معانيها، فلابد أن لتلك الروايات حقائق متوجهة إلى العموم كما هي في الفليس عالمضروبة.
الوجه الثالث: أني أسأل: هل هناك مسألة أو رواية لم يُعترض عليها في كتاب لعلماء مختلفين في المشارب والمذاهب. فمثلا: إن إحدى الروايات التي تذكع دروس دجالين في الأمة هي هذا الحديث الشريف: "لن تزال الخلافة في ولد عمي -صِنْوِ أبي- العباس حتى يسلمّها إلى الدجال". [٭]: انظر: كنیز العمال ١٤/٢٧١ برقم ٣٣٤٣٦ی؛ على إالفردوس ٣/٤٤٧؛ مجمع الزوائد ٥/١٨٦؛ جمع الفوائد ١/٨٤٩؛ الديلمي، المسند ٣/٤٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/٤٢٠.
هذا الحديث الشريف يخبر عن فتنة "جنكيز خان" و"لقي في"، وأن دجالا سيظهر بعد خمسمائة سنة وسيهدم الخلافة.. وأمثالها من الروايات الكثيرة التي تخبر عن أشخاصِ آخر الزمان، وعلى الرغم من ذلك فقد رفض بعض أهل المذهب المباين أو ذوو الأفكار المفرطة هذه الرواياتِ. وقالوا: إنها رواية ضعيفة أو موضوعة..
وعل إليّ ال، إن سبب اقتصاري على ما ذكرت مما ينبغي أن يطول هو حدوث زلزلتين هنا في الساعة التي كنت أكتب هذا الجواب، مثلما حدث أربع زلازل وقت شن الهجوم على رسائل النور وبارك ل. والأمر على النحو الآتي:
هو توافق حدوث زلزلتين أثناء ما كنت أعاني من ألَم جراء عمليات جراحية أجراها تقرير الخبراء الذي سُلِّم لي مساءً فضلا عن الحزن الذي غشاني من الانفر!
م اللقاء مع الآخرين.
نعم، لقد تسلمتُ تقرير الخبراء لرئاسة الشؤون الدينية بعد بقائي ثمانية شهور في السجن الانفرادي ومقاساتي المضايقات الشديدة، وإذ أنا منتظر أن يكونوا لي معينين، لقب: ي الصباح- أجد أنهم يعززون ادعاء المدعي، حيث ورد: "إن سعيدا قال: إن الزلازل الأربع الماضية هي من كرامات رسائل النور".
فمثلما كتبتُ في القائمة، أقول: إن رسائل النور من نوع الصدقة المقبولة التي تكون وسيلة لدفع ادقاءه.، فمتى ما هوجمت تجد المصائبُ الفرصةَ سانحة أمامها فتنیزل، وأحيانا تغضب الأرض بالزلزال.فما إن عزمتُ على كتابة هذا، وقع زلزالان هنا (٭): حدث هذا الزلزال في ١٨/٩/١٩٤٨ ضحوة يوم الجمعة. باسم طلاب النور في سجن أفيون (خليل، مصطفى،ظر حكوفيضى، خسرو) مما حملني على ترك كتابة ذلك البحث، لذا ننتقل إلى النقطة الثالثة.
— 454 —
النقطة الثالثةيا علماءنا المدققين المنصفين ذوى الحقيقة!
لقد دأب أهلُ العلم -منذ القديم- على عادة ينخدع ينهم، وهي وضعهم تقريظا وثناءً -وأحيانا مبالَغ فيه- نهايةَ مؤلَّفٍ جيد جديد. وفي الوقت الذي يبدي المؤلِّف امتنانه لأولئك المقرّظين لا يُتهم حتى من قبل منافسيه أنه يدّعي الإعجاول مقاَ الظهور. لذا فإن كتابة عدد من طلاب النور الخواص الخالصين -كالمرحوم حسن فيضى والشهيد الحافظ علي- تقاريظَ بناءً على عجزي وضعفي وغربتي وعدمِ وجود الأهل والأقارب وإزاءَ هجوم أعدهذه الرين ظَلَمة وحثًا للمحتاجين إلى النور، وعدَّ تلك التقاريظ نوعا من الغرور والإعجاب بالنفس، رغم إحالتي ما يخصني من المدح والثناء إلى رسائل النور، ورغم عدم ردّي له ردا كليا.. أقول إنني لم أستطع أن أوفق بين تلقيكوادث كالمدح أنه إعجاب بالنفس وبين ما تحملونه من دقة علمية وتعاون رؤوف وإنصاف.. لذا فأنا متألم من هذا. علما أن أصدقائي الخالصين أصحاب التقاريظ لم تخطر ببالهم السياسةُ وشؤونها.
ولا يقال لقوله الذي رسائل النور في هذا الزمان يصدق عليها معنى فرد وجزئي من المعنى الإشاري الكلى، لأن الزمان يصدّق ذلك. ولنفرض أن هذا الكلام مبالَغ فيه كثيرا أو خطأ، فهو خطأ علمقل- أكإلّا. فكل شخص يستطيع أن يكتب قناعته الشخصية. وأنتم أدرى بالأفكار المتباينة والقناعات المختلفة في كتب الشريعة التي دوّنها أصحابُ المذاهب الاثني عشر ولاسيما أصحابُ الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية وما يقبل أنتالسبعين من فرق دائرة علماء الكلام وأصول الدين. والحال أنه لم يأت زمان نحن في أمس الحاجة فيه إلى اتفاق علماء الدين وعدم خوضهم في مجادلات فيما بينهم مثل هذا الزمان. فنحن مضطرون إلى نبذ الاختلاف في ان أن أالفرعية وعدم جعلها مدار المناقشات.
— 455 —
ثلاثة أسئلة أوجهها للعلماء المنصفين من الخبراء
الأولشخص يُثني على آخرَ بنية خالصة، أيكون الشخص المثنى عليه مسؤولا، وبخاصة إن كان المثنى عليه لا يرضى بالثناء بكل قوته ويحيله إلى غيره؟ إلّا أسجن "أيوبخ ذلك الصديق الحميم لئلا ينفر منه بل اكتفى بالقول: إن هذا الثناء فوق حدّي بمائة درجة. فهل يُعدّ سكوته هذا إعجابا بالنفس وتحرّيا للمصلحة الذاتية؟..
السؤال الثانيفي غمرة الهجوم العنيف الذي يُشَن على الدين حاليا، إذمشهورةبدى أحد طلاب النور العاشقين للحقيقة قناعته الشخصية الخاطئة، بخطأ علمي جزئي لا ضرر فيه، هل يستحق هذه الإهانة والاستخفاف؟ علما أن هناك مسائل دينية تقدّر بضخامة الشُّم الرواسي.
د غير يَنتظر ذلك التلميذ الكاتب للتقريظ تذكيرا شفيقا من علماءَ وأساتذة من أمثالكم على ذلك الخطأ، أَوَ يجوز عقابه من قبل العدلية؟
السؤال الثالثإن رسائل النور التي تصدت منذ عشرين سنة لأعتى المعارضين الذين لا يحصيهم العد وأنقذت إيمانَ مئاتلمنظر.ف من الناس وآزرت إيمانَهم. أيليق انتقادكم لها في مسألة أو مسألتين فيها؟
إني أذكّر أولئك العلماء الأفاضل: أنهم انتقدوا المقدمة التي يستهل بها بحث الثناء لأحمد فيضي، وكأنني قد أثنيتُ بها على نفسي، علما أن تلك المقدمة هي ردّي لذلك الثناء نيزلي" وقد رفعتُ فعلا قسما منه وصححت القسم الآخر، ولكن لضرورة الاستعجال لم أتمكن من إكماله، فأرسلت المقدمة كاملة إلى أحد إخوتي، وهم بدورهم وضعوها في موضعها من ذلك البحث الذ، وتلغناه بحثا خاصا جدّا. ولكن أثناء إرسالهم لها إلى أخ آخر قَبضتْ عليها الحكومة.
— 456 —
فيا ترى إن تقريظا علميا وخاصا جدا، وهو بحث نابع عن قناعة وجدانية ولا يتداول إلّا بين أصدقاء ليقوموا بتصحياء كثييحا كاملا هل يستحق هذا الاعتراض الشديد؟
ثم إن جمعَ رسائل خاصة للتهنئة والحث على العمل، والقيام بتجليدها حفاظا عليها، في مجلد أو مجلدين، حصلت عليها الشرطة أثناء التحري، هل يمكن استخراج الأحكام من مثل هزَع ونسائل، ثم تكون محورَ سؤال وجواب ومن ثم محاولة إلصاقها بالسياسة. أَوَ يحتاج الأمر إلى هذا.. وما أشبه هذا الأمر بمن لا يرى ثعابين مَرَدة تهاجم القرآن لكنه في الوقت نفسه ينشغل بلسع البعوض! أليسهٍ وبع هكذا؟
إنّ ترك "سراج أوغلو" [٭]: رئيس الوزراء في ذلك الوقت. الذي يعدّ الدين والتربية المحمدية سما زعافا، والانشغال بمجموعة "سراج النور" التي تبين الحقيقة واضحة كالشمس وهى البلسم الشافي لجراحات الإنسانية جمعاء، ولاسيما التي تاج بوجود تأويلات لأحاديث ضعيفة في رسالة في ختامها، ألا يكون عونا على مصادرتها؟
إننا مع عدم امتعاضنا من انتقاداتكم الجزئية ننتظر منكم أيها العلماء الأفاضل ضمادا لجراحاتنا وتكونوا أعوانا لن نهارا فراستكم.
الموقوف
سعيد النورسي
— 457 —
باسمه سبحانه
مقدمة
"الفقرات المذكورة أدناه"
لغرض تقديم شيء من المساعدة إلى محكمة التمييز الموقرة : لا تسختْ لصالحنا قرارَ إدانتنا من قِبَل محكمة "أفيون" وأوردت دلائل صائبة ذات حقيقة، نشير -باختصار- إلى قسم من أخطاء وردت في القرار المذكور، فندرج أدناه تلك الفقرات المستلسنة مثلرسائل الخاصة السرية، التي عدّتها المحكمةُ ذنبا لإدانتنا. فنبين أخطاءهم ونضع الذين أدانونا في موضع المسؤولية.
فمثلا:لقد كتبوا في ختام القرار ما يشبه قائمةف فضلاميع ذنوبي لأجل إنزالِ أشد العقوبات بي:
"نذكر مما رفضه سعيد النورسي من مواد: إلغاء السلطنة والخلافة".
فهذا خطأ وسهو في الوقت نفسه، لأن ما كتبتُه في لمعة "الشيوخ" هو الآتي: "لقد أحزنتني وفاة سلما بالخلافة" وقد أجبتُ عن استفسار محكمة "أسكي شهر" قبل خمس عشر سنة عن هذا جوابا ألزمَهم الصمت. فالذي يَعدّ خاطرة لا أهمية لها ذنبا، ومرت عليها هذه المدة المديدة، ونالت من قرار العفو والبراءة ما نالت.. أقول إن الذي يعدّها قذون بو الذي يكون مذنبا.
ولأجل إسناد هذا الذنب الموهوم، ذكر القرار ما أوردتُه في إحدى اللمعات وفي رسالة "المعجزات الأحمدية" على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، الحديث الشريف الآتي: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون مُلكا عَضوضا ولجهات وجبروتا". [٭]: عن سفينة أن الرسول (ص) قال: "الخلافة بعدي في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك" (رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه. وانظر: ابن كثير، تفعلاقة قرآن ٣/٣٠٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٧٧).
وقد كتبتُ في رسالة قديمة أن هذا الحديث الشريف يبين ثلاث معجزات غيبية مستقبلية ولكن جاء في القرار كأنه ذنب اقترفته: "إن سعيدا قد قال في رسالة: سيكون فسادا وجبروتا بعد الخلافة".
— 458 —
يا أعضاء هيُسأل ببراء السطحيين!
إن الذي يعدّ بيان إعجاز حديث شريف يخبر بإشارة غيبية عن حادثة ستقع في زماننا هذا يسري دمارها في الأرض كلها، وعن فساد عظيم م هذه اعنوي يدب في البشرية كافة.. أقول إن من يعدّ هذا ذنبا هو المذنب مادة ومعنى.
وكتبوا أيضا "ومن ذنوبه: أنه يعدّ المنجزات الثورية (حركات الانقلاب) بدعةً وضلالةً وإلحادا، فيَعدّ إغلاق التكايا والزوايا والمدارس الدينية، وإقرار العلمانية، ووضع أسس ااغ ليس بديلا عن مبادئ الإسلام، وفَرْضَ لبس القبعة، ورفع الحجاب، وفرض كتابة الحروف اللاتينية بديلا عن الحروف القرآنية، وأداء الأذان والإقامة باللغة التركية، وإلغاء دروس الدين في المدارس، ومنح المرأة حقوقا في ال جميع كالرجل، وإلغاء تعدد الزوجات، وأمثالها من الأعمال.. يعدّ كل ذلك بدعة وضلالة وإلحادا.. فلا شك أنه متهم بالرجعية".
يا أعضاء هيئة الخبراء العديمي الإنصاف!
إنْ كان بمقدوركم إنكار ما يأمر به القرآنُ الكريم الذي هو إمام سسبحانهقدس لثلاثمائة مليون في كل عصر، ويضم مناهج سعاداتهم جميعا، وهو الخزينة المقدسة الحاوية على أسرار الحياتين الدنيوية والأخروية، يأمر في كثير من آياته الكريمابة روحة تامة بما لا يحتمل التأويل، بالحجاب وقواعد الميراث ويسمح بتعدد الزوجات، ويدعو إلى ذكر اللّٰه، ويحث على تدريس علوم الدين ونشرها والحفاظ على الشعائر الدينية.. وإن كان بمقد في الدانة جميعِ مجتهدي الإسلام والقضاة وشيوخ الإسلام.. وإن كان بمقدوركم إنكار تقادم الزمان على تلك الرسائل وقرار عدة محاكم لها بالبراءة وقوانالدينيفو الصادرة بحقها وإنكار وجه سريتها وخصوصيتها.. وإن كان بمقدوركم رفع حرية الضمير والمعتقد وحرية الفكر من البلاد ومن الحكومات.. وإنكار كون مخالفة تلك الرسائل مخالفة فكرية وعلمية فحسب.. أقول إن السامبمقدوركم هذا فاعتبروني مذنبا بتلك الأمور. وإلّا تكونوا أنتم المذنبون الرهيبون في محكمة العدالة والحق والحقيقة.
سعيد النورسي
— 459 —
(فقرة أدلينا بها وكتبتها المحكمة بإعجاب وحيرة ضدنا مع أنها ضدهم)
"وأنا أقول لمحكمة فاعي غالعدل الموقرة!
إن إدانة مَن يفسّر أقدسَ دستور إلهي وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليونا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة ود زهديعاما. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدَّق به ثلاثمائة وخمسون ألف تفسير، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادُنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر قرارٌ ظالم لابد أن ترفضه العدالةُ، إن كانت هناك عدالةا يريدجه الأرض، ولابد أن تردّ هذا الحكم الصادر بحقه وتنقضه".
(فقرة كتبتها المحكمة في قرارها بإعجاب وتقدير وكأنها تكون مادة ضدنا، والحال أنها تدينهم.)
إنسانيعيد النورسي في "المكتوب السادس والعشرين "عن نفسه ويقول:
"إن في أخيكم هذا الفقير ثلاث شخصيات كُلّ منها بعيدة عن الأخرى كل البعد، بل بعدا شاسعا جدّقرار اأولاها:شخصية مؤقتة خاصة خالصة لخدمة القرآن وحده، بكوني دلّالًا لخزينة القرآن الحكيم السامية. فما تقتضيه وظيفةُ الدعوة إلى القرآن والدلالةِ عليه من أخلاق رفيعة سامية ليست لي، ولا أنا أملكها. وإنما هي سجايا رفيلي روسضيها ذلك المقام الرفيع وتلك الوظيفة الجليلة. فكل ما ترونه من أخلاق وفضائل من هذا النوع فهي ليست لي، وإنما هي خاصة بذلك المقام، فلا تنظروا إليّ من خلالها.
الشخصية الثانية:حينما أتوجه إلى بابه تعالى وأتضرع إليه، يُنعم عليّ سبحانه بشخصية
#4لم يراة في أوقات العبادة بحيث إن لتلك الشخصية آثارا ناشئة من أساس معنى العبودية، وذلك الأساس هو معرفة الإنسان تقصيرَه أمام اللّٰه وأدراكُ فقره نحوه وعجزِه أمامه والالتجاءُ إليه بذل وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز وأفقر وأالنورسصيرا أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعتْ في ذلك الوقت الدنيا برمّتها في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالحٌ وفاضل.
ثالثتها:هي شخصيتي الحقيقية، أي شخصيتي الممسوخة من "سعيد القديم" وهي عروق ظلت من ميراث"، فأر القديم". فتُبدي أحيانا رغبةً في الرياء وحب الجاه وتبدو فيّ أخلاق وضيعة مع المبالغة في الاقتصاد إلى حدّ الخسة حيث إنني لست سليل عائلة ذات جاه وحسب.
فيا أيها الإخوة!لن أبوح بكثير من المساوئ الخفية لهذه الشخصية ومن أحوالها اا أخلص لئلا أنفّركم عني كليا.
وقد أظهر سبحانه وتعالى عنايته الرحيمة فيّ بحيث يسخّر شخصيتي هذه التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها. فله الحمد والمنة ألف ألف مرة.
فالنفس أدنى منة من ر والوظيفة أسمى من الكل.
الحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي.
— 461 —
(هذه جملة سجّلتها المحكمة في القرار بتخوف شديد ضدنا والحال أن تلك الجملة الشديدة التي كُتبتْنطق بیمس عشرة سنة قد عدّلت إلى هذه الصيغة.)
"إخوتي! مراعاةً لمشاعر الأبرياء والشيوخ، لا تثأروا لي ممن يقتلني ظلما، فحسبهم عذاب القبر والسَقر".
ينبغي أن تحملهم هذه الفقرة السابقة على الإنصاف:
"إنكم ترون أن لنا خلافا ومعارضة كلية معهم نأسعاملاتُكم القاسية شاهدةٌ على ذلك. فأنتم تضحون بدينكم وآخرتكم في سبيل دنياكم. ونحن بدورنا مستعدون على الدوام للتضحية بدنيانا في سبيل ديننا، وفي سبيل آخرتنا، وهذا هو سر المعارضة التي بيننا حسب ظنكم.
ولا جرم أن اريعة و ببضع سنين من حياتنا التي تمضي في ذل وهوان في ظل حُكمكم القاسي قساوةَ الوحوش لنكسِبَ بها شهادة خالصة في سبيل اللّٰه، تُعدّ ماءَ كوثر لنا. ولكن استنادا إلى فيض القرآن الحكيم ظالمة ته، أُخبركم يقينا بالآتي لترتعدَ فرائصُكم:
إنكم لن تعيشوا بعد قتلي، فإن يدا قاهرة ستأخذكم من دنياكم هذه التي هي جنتكم وأنتم مغرمون بها، وتطردكم عنها، وتقذف بكم فورا إلى ظلمات أبدية، وسيُقتل بعدي رؤساءكم الذين "قسطمدوا وطغَوا قِتلة الدواب، ويُرسَلون إليّ، وسأمسك بخناقهم أمام الحضرة الإلهية، وسآخذ حقي منهم بإلقاء العدالة الإلهية إياهم في أسفل سافلين.
أيها الشقاة الذين باعوا دينهم وآخرتهم بحطام الدنيا!
يفتحونتم تريدون أن تعيشوا حقا فلا تتعرضوا لي ولا تمسّوني بسوء، وإن تعرضتم فاعلموا أن ثأري سيؤخذ منكم أضعافا مضاعفة.. اعلموا هذا جيدا ولترتعدْ فرائصكم!
وإني آمل من رحمة اللّٰه سبحانه أن موتي سيخدم الدين أكثر من حياتي، وأن وفاتي ستنفلق علت
#651كم انفلاقَ القنبلة، وستشتت رؤوسَكم وتبعثرها.
فإن كانت لكم جرأة، فتعرّضوا لي، فلئن كان لكم ما تفعلونه بي، فلتَعلمُنّ أن لكم ما تنتظرونه وتلاقونه من عقاب.
— 462 —
(هذه الفقرة أوردتها المحكمة لدرجة، والحال أنها تتهمهم بالإفراط)
يَرِد في الرسائل:
"دخل مصطفى كمال ديوان رئاسة الجمهورية بأنقرة وهو على أشد الغضب وقال له: "إننا دعوناك إلى هنا لِتُقدِّم لنا أفكارا راقية وآراء قيمة، ولكنك ن.
أتيت كتبت أشياء حول الصلاة، فأوقعتَ فيما بيننا الاختلاف والتفرقة". وردّ عليه سعيد: "إن من لا يصلي خائن وحكم الخائن مردود".
ثم أبدى مصطفى كمال نوعا من الاسترضاء تحت اراجعا عن غضبه وحدّته. وعلى الرغم من أنه (أي سعيد) قد جرحَ مشاعرَ مصطفى كمال وخرق مبادئه إلّا أن مصطفى كمال لم يمسّه بسوء.
وإنها لكرامة ساطعة لرسائل النور وقوة عظيمة خارقة لشخصها المعنوي ولطلابها الروّاد والأبطال في الن ومن أن يخشى منها قوادٌ جبابرة كما كانوا يخشون من "سعيد القديم"."
(فقرة ألزمت المحكمة وجعلتها مسؤولة مع أنها اتخذت ضدنا في القرار)
يُذكر -في الرسائل- "إننا لسنا مع زعيم أصدر حسب هواه أوامر باسم القانو قطعا ها بقوة لتحويل "جامع أياصوفيا" إلى دار للأصنام، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات، لسنا معه فكرا ولا موضوعا، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية. ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا".
ويكتب في عريضته المطنا وفي ٢٩/٨/١٩٤٨:
"وَرَدَ هذا الفكرُ إلى قلبي: إنه ضروري جدّا لصالح الأمة ولنفع البلاد أن تحافِظ الحكومة عليّ حفاظا تاما وتَمُدّ يد المعاونة إليّ. إلمة الجا تُضيق الخناقَ عليّ، مما يومئ إلى أن
— 463 —
الذين يحاربونني هم منظمة الزندقة السرية وقسم من منظمة الشيوعية الذين التحقوا بهم، هؤلاء قد قبضوا على زمام الأمر في عدد نواجهمناصب الرسمية المهمة في الدولة، فيهاجمونني ويجابهونني. أما الحكومة فإما أنها لا تعرفهم أو تسمح لهم. ويا ترى أي ذنب وأي جريرة في أن تَنتقدَ أو تُضمِر عدمَ المحبة لرجل حوّل جامع أياصوفيا الذي هو مبعث اولا يملأبدي لأمة بطلة، والدرة الساطعة لخدماتها وجهادها في سبيل القرآن، وهدية تذكارية نفيسة من هدايا سيوف أجدادها البسلاء.. حوّله إلى دار للأصنام وبيت للأوثان وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبناحدة و (هذه الفقرة هي أقوى فقرة ظنت المحكمة أنها تنیزل العقاب بسعيد. وهو الكلام الذي أطلقه سعيد في محكمة دنيزلي تجاه أعدائه المتسترين إلّا أن المحكمة قد فهمتها خطأ بل خطأ كي احتمها فقرة ضد الدولة والحكومة تماما وأظهرتها سببا لإنیزال العقاب بي.)
لقد أَطلق على قسم من القوانين الحديثة للدولة التي سنّت هذه القوانين الانقلابية ووضعتها موضع التنفيذ اسمَ "الاستبداد الكفري الاعتباطي" وعلى الجمهورية اسم "الاستبداد المطلق". سبحانهلنظام اسم "الارتداد المطلق" وعلى الشيوعية والمدنية اسم "السفاهة المطلقة".
(فقرة كتبت في قرار المحكمة بإعجاب وتقدير)
ويذكر: أن لكتابة رسائل النور فوائد دللّٰه.وأخروية كثيرة جدا، منها:
١- الجهاد المعنوي تجاه أهل الضلالة.
٢- مساعدة الكاتب لأستاذه على نشر الحقائق.
٣- خدمة المسلمين من حيث الإيمان.
— 464 —
٤- كسب العلم بالقلم.
٥- القيام بعبادة فكري فللّ تعدل ساعة منها أحيانا سنة من العبادة.
٦- حُسن الخاتمة ودخول القبر بالإيمان.
وكذا لها خمس أنواع من الفوائد الدنيوية:
١ - البركة في الرزق.
٢- الانشراح والسرور في القلب.
٣- اليسر في العيش.
٤- التوفيق في الأعمال.
٥ - ة نصبِاك في أدعية طلاب النور جميعهم، لكسبه فضيلة طالب العلم.
وسيدرك شبابُ الجامعة هذه الأمور عن قريب وستحوّل الجامعة إلى مدرسة نورية.
(إنه لمحير أن تعدّ هذه التضحية الخالصة جرما وذنبا)
إن إحدى الخطتين اللتين حاكهما ا إلى اون المتسترون في جنح الظلام هي التهوين من شأني. وكأن قيمة الأنوار الرفيعة لرسائل النور تسقط بهذا من عليائها.
والثانية:هي بث القلق والاضطراب في صفوف طلاب النور. وكأنهم بهذا يعيقون انتشار رسائل النور.
لا تقلنور، ح إخوتي! إن حقيقةً سامية افتدتها ملايين الرؤوس فداءٌ لها رؤوسُنا نحن الضعفاء أيضا.
— 465 —
(لقد اعترضوا على واحد من الأسباب التسعة الداعية إلى تسمية رسائل النور بهذا الانوا يسالوا: إننا لا نرى مَن تسمّى باسم "نور" من بين طلابه الممتازين، وكما أجبنا عنه في الهامش فإن كلا من "نوري بنلي ونوري الساعاتي" من الممتازين في خدمة النور حاليا، بمعنى أنهم لا يجدون ما ينتقدو في خلنهم يضطرون إلى التشبث بحجج جزئية تافهة.)
إنه يذكر في "الكلمة السادسة والعشرين":
إن سبب إطلاق اسم رسائل النور على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة) والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبا) واللمعات (وه- "علي وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعا) هو أن كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
أن قريتي اسمها: نورس.
واسم والدتي المرحومة: نورية.
وأستاذي في اهذه ال النقشبندية: سيد نور محمد.
وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.
وأستاذي في القرآن: نوري.
وأكثر من يلازمني من طلابي من يسمّون باسم نور.
وأكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيليث دخلورية.

وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو: اسم "النور" من الأسماء ا33Bنى.

ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين نا، ويلّٰه عنه.
— 466 —
(إن رسالة "الهجمات الست" وذيلها قد كتبت قبل عشرين سنة لمجابهة تعدٍّ ظالمٍ شديد. وهي رسالة في غاية الخصوصية والسرية، وقد مرّت بين يدي محاكم كثيرة. وكتبت في حالة ة الحشضب انتابتني. والحرب العالمية الثانية أظهرت أن تلك السورة كانت محقةً، إلّا أن مصادرتها وكأنها قد كتبت حاليا وعدَّها ذنبا وجريرة، بُعدٌ عن العدالة عظيم.)
تُستهل مقدمة ذيل "الهجمات الست" بالآتي:
كُتب هذا الذيمحكمة داول الخاص)، لتجنُّب ما يرد في المستقبل من كلمات الإهانة وشعور الكراهية، أي لئلا يصيب بصاقُ إهانتهم وجوهَنا، أو لمسحِه عنها عندما يُقال: تبا لرجال ذلك العصر العديمي الغيرة!
وكُتب تقريرا ولائحة لترن آذانٌ صمّ، آذانُ رؤساءِ أوروبا والرهشين المتسترين بقناع الإنسانية.. ولينغرز في العيون المطموسة، عيونِ أولئك العديمي الضمير الجائرين الذين سلّطوا علينا هؤلاء الظلمة الغدّارو ثلاثليُنیزِل صفعةً كالمطرقة على رؤوسِ عبيدِ المدنيةِ الدنيّة التي أذاقت البشرية في هذا العصر آلاما جهنمية حتى صرخت في كل مكان: لتعش جهنم!
لقد حدثت فيم، وعنة الأخيرة اعتداءات شنيعة كثيرة على حقوق المؤمنين الضعفاء، من الملحدين المتخفين وراء الأستار، وأخص بالذكر اعتداءهم عليّ تعديا صارخا، باقتحامقبل بصدي الخاص الذي عمّرتُه بنفسي، وكنا فيه مع ثلّة من رفقائي الأعزاء، نؤدي العبادة، ونرفع الأذان والإقامة سرًّا. فقيل لنا: لِمَ تقيمون الصلاة باللغة العربية وترفعون الأذان سرًّاكم بإذفد صبري في السكوت عليهم: وها أنذا لا أخاطب هؤلاء السفلة الدنيئين الذين حُرموا من الضمير، وليسوا أهلا للخطاب، بل أخاطب أولئك الرؤساء المتفرعنين في القيادة الذين يلعبون بمقدرات الأمة حسب أهواء طغيانهم. فأقهد شها67
يا أهل الإلحاد والبدعة! إني أطالبكم بالإجابة عن ستة أسئلة.
السؤال الأول:إن لكل حكومة -مهما كانت- ولكل قوم، بل حتى أولئك الذين يأكلون لحم البشر، بل حتى رئيس أية عصابة شرسة، منهجا وأصولا ودساتير، يحكمون وفقها.
فعلى أيّ أساس ة نفسهتيركم وأصولكم تتعدّون هذا التعدي الفاضح. أظهِروه لنا. أم إنكم تحسبون أهواء عددٍ من الموظفين الحقراء قانونا؟ إذ ليس هناك قانون في العالم يسمح بالتدخل في عبادة شخمهوريةصة! ولا يُسنّ قانون في ذلك قطعا.
(إنه ليبعث على الأسف اتخاذُهم جملة أو جملتين من رسالة "الإشارات السبع" ذريعة لمصادرتها وحُجة علينا مع أنها رسالة قديمة وخاصة وسةِ أربتضمن حقيقة قوية ورصينة بحيث تستحق أن تعلَن لصالح الحياة الاجتماعية على البشرية جمعاء والعالم أجمع.)
إن أحمق الحمقى في الدنيا هو من ينتظر من أمثال هؤلاء الملحدين السفهاء الرقيَّ وسعادةَ الحياة.
ولقد قال أحد هؤلاء الحة إنقاهو يشغل منصبا مهما: "إننا تأخرنا لقولنا: اللّٰه.. اللّٰه.. بينما أوروبا تقدمت لقولها: المدفع.. البندقية!".
إن جواب أمثال هؤلاء: السكوت حسب قاعدةِ: "جواب الأحمق السكوت" ولكننا نقول قولا والعاش العقلاء الشقاة الذين يتبعهم هؤلاء الحمقى:
أيها البائسون! هذه الدنيا إنما هي دار ضيافة..
فما دام الموتُ موجودا، وأن المصير إلى القبر حتما، وأن هذه الحياة ملبس الاحلة، وستأتي حياةٌ باقية خالدة، فإن قيل: المدفع.. البندقية مرة واحدة فلابد من القول ألف مرة: "اللّٰه.. اللّٰه".
— 468 —
(إن ما يوجب اللعهدِ أن جملة من "اللمعة السادسة عشرة" وهي لصالحنا، حوّلوها إلى جملة ضدنا، وأبدوا رغبة في مصادرة تلك الرسالة القيمة.)
من" اللمعة السادسة عشرة":
إن مصيبة الحرب وبلاءها، ضرر بالغ لخدمتنا القرآنية.. إن القدير ذا الصوى والذي يطهّر وجه السماء الملبّد بالغيوم ويبرز الشمس الساطعة في وجه السماء اللامع خلال دقيقة واحدة، هو القادر أيضا على أن يزيل هذه الغيوم السوداء المظلي مكة اقدة للرحمة. ويُظهر حقائق الشريعة كالشمس المنيرة بكل يسر وسهولة وبغير خسارة.
إننا نرجو هذا من رحمته الواسعة، ونسأله سبحانه أن لا يكلّع فقريلك ثمنا غاليا، وأن يمنح رؤوس الرؤساء العقلَ ويهب لقلوبهم الإيمان. وهذا حسبنا، وحينها تتعدل الأمور بنفسها وتستقيم.
ما دام الذي في أيديكم نورًا، وليس هراوة وصولجانا، فالنور لا يُعارَض ولا يُهرَب منه، ولا ينجم من إظهاره ضرر. فلِمَ الخدمصون أصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من إبراز رسائل نيّرة كثيرة للناس كافة؟.
مضمون جواب هذا السؤال باختصار هو: أن رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، ع حادثؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، فيؤوّلونه إلى معنى خطأ، ويعترضون ويهاجمون. لذا، وللحيلولة دون الهجوم ينبغي عدم إظهار النور لهم لحين إفاقتهم واسترجاع رشدهم.
ثم إن هناك غير منصفين كثي هي بينكرون النور، أو يغمضون أعينهم دونَه، لأغراض شخصية خاصة، أو خوفا أو طمعا..
ولأجل هذا أوصى إخوتي أيضا ليأخذوا حذرهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم أن لا يعطوا الحقائق أحدا من غير أهلها، أن لا يقوموا النوريثير أوهام أهل الدنيا وشبهاتهم عليهم.
— 469 —
(إن الحجاب أمر قرآني، و قد أُجيب عنه جوابا شافيا في الرسائل. علما أن هذه الرسالة قد كتبت سابقا وقاسينا العقاب بسببها. ولكن رغم هذا اتخذوها ذنبا اقترفناه واعتبروها حُجة علينا، ثم إن بدايسبة لُة جليلة وردت في رسالة "الشيوخ" و"مرشد الشباب" تلك الحقيقة القيمة النافعة للناس كلهم، جعلوها جريرة لنا ومبررا لمصادرة تلك الرسالة.. كل ذلك يدل على أنهم لا يجدون ما يتذرعون به للانتقاد والجرح.)
في "الليث أُلرابعة والعشرين"، بعد الإيضاح أن الحجاب أمر قرآني يقول: "ولقد طرق سمعَنا: أن صباغَ أحذية قد تعرض لزوجةِ رجل ذي منصب دنيوي كبير، كانت مكشوفة المفاتن، وراودهاة الإخ جهارا في قلب العاصمة "أنقرة"! أليس هذا الفعل الشنيع صفعةً قوية على وجوه أولئك الذين لا يعرفون معنى الحياء من أعداء العفة والحجاب؟".
وفي "اللمعة السادسة والعشرين" ثر هذه بالشيوخ:
"ففي ذات يوم من الأيام الأخيرة للخريف، صعدتُ إلى قمّة قلعة أنقرة، التي أصابها الكِبر والبلى أكثر مني، فتمثّلت تلك القلعةُ أمامي كأنها حا استناريخية متحجرة، واعتراني حزن شديد وأسى عميق من شيب السنة في موسم الخريف، ومن شيبي أنا، ومن هرم القلعة، ومن شيخوخة الدولة العثمانية العلائمتينن وفاة سلطنة الخلافة. فاضطرتني تلك الحالة إلى النظر من ذروة تلك القلعة المرتفعة إلى أودية الماضي وشواهق المستقبل.
فالماضي أوحشني بدلا منالمخيفلّيني ويمنحني النور.
والمستقبل تراءى لي على صورة مقبرة كبرى مظلمة لي ولأمثالي وللجيل القابل، فأدهشني عوضا من أن يؤنسني.
ثم نظرت إلى زمني الحاضر، فبدا ذ ومعينوم لنظري الحسير ونظرتي التاريخية على شكلِ نعش لجنازة جسمي المضطرب كالمذبوح بين الموت والحياة.
— 470 —
(كان عليهم أن يقدّروا هذه الجملة حق قدرها إلّا أنهم انتقدوها واتخذوها حجة علينا.)
يذكر: "لقد صرفتُ كثيرا من مرتّبي الذي كنت قبسيف قه وأنا في "دار الحكمة الإسلامية" وادّخرت قليلا منه لأداء فريضة الحج. وقد كفَتني تلك النقود القليلة ببركة القناعة والاقتصاد، فلم يُرَق مني ماءُ الوجه. ومازالت بقية من تلك النقود المباركة موجوداشرة ل ثم في "اللمعة الثانية والعشرين" بعد أن يشير إلى أنها رسالة سرية خاصة لإخوته الصادقين الخالصين يقول:
"الإشارة الأولى: لِمَ يتدخل أهل الدنم.
ولقور آخرتك كلما وجدوا لهم فرصة، مع أنك لا تتدخل في شؤون دنياهم؟.. إن الذي يجيب عن هذا السؤال هو حكومة محافظة إسبارطة وأهاليها.".
(إن الذين يتوهمون هذا الأملقاني فص والرغبة النیزيهة النابعة من الشفقة الإيمانية والذي يوجب الإعجاب، يتوهمونه ذنبا نقترفه، لا شك أنهم هم المذنبون.)
في رسالة موقّعة باسم "سعيد" يُذكر: "تُرى ما حكمة تراكض الأطفال الأبرياء الذين تتراوح أعمارهم من السابعة إلى العّد من مجرد ملاحظتهم إياي وأنا أتجول في العربة الحصانية، ثم التفافهم حول يدي؟ كنت أحار أمام هذا المنظر، ولكن إذا بخاطر يخطر إلى قلبي فأدركت أن هؤلاء اب إلى الأبرياء يستشعرون بحسٍ قبل الوقوع أنهم سينالون السعادة برسائل النور وسينجون من مهالك معنوية ستحيط بهم".
— 471 —
(إن عدّ هذه الفقرة الآتية ذنبا ظلمٌ وخارج عن الإنصاف تلك التي كانت في البداية دفاعا لي وفي النهاية تحمِل آرغبة.)
يذكر: "إن قسما من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يشيران معا إلى حقيقة نورانية في هذا العصر، ويُظهران المجدد الأكبر الذي سيأتي في آخر الزمان، وإن أهم وظيفة من وظائفه الثلاث الجليلة هي إنقاذ الإيمان. ويذكر أن إحياء الشللوم لإقامة الخلافة وما شابهها من الوظائف العظيمة الشاملة لدائرة واسعة جدا، لا ضرر من عدم ذكرهما، حيث إنه يكون وسيلة لانتقاد المعارضين وهجوم السياسيين، لذا يرفع بعض الجمل ويعدّلها وسيعيدها إلى إخوته المدققين.
وفي رسالة موقّعة باسم "سعيد النورسي" ا التيينما سُترت الآيتان الكريمتان:
انا فتحنا لك فتحًا مبينًا
(الفتح:١) و
وينصرك اللّٰه نصرًا عزيزًا
(الفتح:٣) الموجودتان على الباب الخارجي لبناية الوزارة الح رسالةلمتحولة إلى الجامعة بالرخام، فإن إبرازَهما مثال على السماح لاستعمال الخط القرآني، ووسيلة لما تقصده رسائل النور من استعمال الخط القرآني وإشارة إلى تحول الجامعة إلقانونية نورية.
(إن ما بيّنوه من نقد حول إيضاحي للحقيقة الواردة في رسالة تكبيرات الحجاج، جوابُه المسكت المقنع هو الهامش الذي وضعه" خسرو".)
يقول في رسالة موقعة باسم "سعيد النورسي"، ومعنونة بتكبيرات الحجاج:
إن قسما من طلاب النور الذين لهم:٥٦) ت، يظنون بك أنك الشخص الذي سيأتي في آخر الزمان من آل البيت. ويصرّون على ظنهم هذا ولكنك ترفض بإصرارٍ أيضا ما يدور في أذهانهم، و تتحرز منه وتتجنّبه. وهذا في ذاته تناقض وتضاد. نريتخذتُ .
— 472 —
ثم يردف إزاء سؤالهم هذا قوله:
"إن الشخص المعنوي الذي يمثل مهدي الرسول المنتظر له ثلاث وظائف. وأهم تلك الوظائف هي إنقاذ الإيمان، ثم إحياء الشعائر الإسلامية باسم الخلافة المحمدية، ويسعى ذلك الشخص لإنجاز هذلمواقفمة نظرا لتعطّل كثير من أحكام القرآن وقوانين الشريعة المحمدية.
هذا وإن طلاب النور يرون أن الوظيفة الأولى كليا في عهدة رسائل النور. أما الوظيفتان التاليتان فهما بالنسبة للأولى ثانوية وثالثية. لذا يتلقون الشخص المعنوي لرسائل النور أنه نوع افل الهدي حقا، ويعطَى ذلك الاسمُ أحيانا إلى هذا الضعيف العاجز الذي يَعتقد قسمٌ منهم أنه يمثل ذلك الشخص المعنوي. حتى إن قسما من الأولياء يرون في كراماتهم الغيبية أن رسائل النور هي مهدي آخر الزمان ومرشده. وهم يقولون: إن هذا الأم، تكونم بالتحقيق والتأويل. ولكن هناك التباس في نقطتين، لا بد من التأويل.
الأولى: أن الوظيفتين الأخيرتين، رغم أنهما ليستا بأهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلّا أن الخلافة المحمديلزعاف تحاد الإسلامي هما لدى عامة الناس وأهل السياسة ولاسيما في أفكار هذا العصر، أهم من الوظيفة الأولى بألف مرة.
وعلى الرغم من أن اللّٰه يبعث في كل عصر مهديا ومرشدا -وقد بعث فعلا- إلّا أنهم لم يحقائق اقب المهدى الأكبر لآخر الزمان حيث إنهم أدّوا في جهة من الجهات وظيفة واحدة من تلك الوظائف الثلاث.
الثانية: أن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان هو من آل البيت، وإني وإن كنت بمثابة ولد معنوي لسيدنا علي ررة كثيّٰه عنه حيث تلقيت منه درسَ الحقيقة، وأن آل محمد شامل لطلاب النور الحقيقيين في معنًى من معانيه، وأُعدّ من هذه الجهة من آل البيت، إلّا أنه ليس في مسلك النور إظهارُ الشخصيات وإبراز الأنانية، ولا الرغبة فيد أعطيقامات شخصية رفيعة، ولا الحصول على السمعة والصيت، بل حتى لو أُعطيتُ مقامات أخروية فإني أرى نفسي مضطرًّا للتخلي عنها لكيلا أخلّ بالإخلاص في النور..
وهذا يعني أنه يجيب بما يُشَ إذا أه موافقته الجزئية للموضوع إذ ليس فيه ردّ حاسم ورفض جاد لهذه المسألة، المهدية. (٭): أيتها الهيئة غير المنصفة: كيف يكون إذن الردّ الحاسم؟ باسم طلاب النور.. خسرو.
— 473 —
(إن الحوادث المذكورة في هذه الفقرة لى فمهفعلا وبصورة عجيبة محيرة، فإن حدوث الزلزلة عقب ثلاث دقائق من قولي: "لا تُحزنوني إن الأرض تغضب عليكم"، كان المفروض عليهم أن يأخذوا المسألة بجدّ ويستحسنوا الموقف، وذلك بمقتضى الشفقة، حيث إنهاعادلة.موضع انتقاد واعتراض.)
"بعد مرور عشر ساعات على أخذ إفادته التي دامت أربع ساعات وهو يعاني الضيق، دبّ الحريق في دائرة المعارف، حتى كأنها في الوقت نفسه. مما أَظهر أن رسائل النور المغادلدفع البلايا بحيث لو هوجمت وجدت البلايا لها منفذا فتنیزل. ".
وفي الرسالة المرقمة مائة وواحدا وأربعين:
بعد أخذ إفادته التي دامت أربع ساعات ونصف الساعة، يَذكر حوادث الحريق التي نشبت في دائرة المعارف في "أنقرة" وفي كراج السيارات وف:وهي في" إزمير "وفي عمارة كبيرة في "أطنه".. ثم يذكر قوله: "لا تحرموني من الرسائل، وإلّا تكن خسارة جسيمة لي ولهذا الوطن، فالأرض تحتد وتغضب بالزلزلة". وبعد قولته هذه بثلاث دقائق وقعت الزلزلة ودامت ثلاث ثوانٍ، وأظهرت غضب الأرض، وشبت الناَهن تلائرة المعارف، في وقت الهجوم على رسائل النور وطلابها، وقد ثبت هذا فعلا لدى المحكمة أن حدوث الزلازل ونشوب الحريق تلازم وقت الهجوم على رسائل النور. فهذه الحوادث لا يمكن أن تكون مصادفة.
لقد أصبحت رسائل النور وسيلة لدفع كثير م(ص) وعايا في هذه البلاد، فهناك وقائع كثيرة جدّا على هذا.
وفي الرسالة المرقمة مائة وسبعا وأربعين يذكر:
أن الشتاء قد غضب غضبا شديدا، في الوقت الذي شُنّ الهجوم علينا و نيل مر غضبُ الهواء وحدّتُه بالعواصف والبرد الشديد أنه متى ما توقفت الهجمات على الرسائل وطلابها، فإن ابتهاج طلاب النور يبدّل تلك العواصف القاسية إلى أيام ربيع بهيجة.
إن الحريق الذي دبّ في دائرة المعارف صفعة قوية.
— 474 —
(إن الالمسلملتي يجب أن تُبارَك، لا يُنظر إليها نظر الاعتراض.)
سألوني في هذه المرة في المحكمة ضمن أسئلة لا معنى لها، قائلين: بِمَ تعيش؟ فقلت: ببركة الاقتصاد. إن من كان في "إسبارطة" ويعيش في شهر رمضان على رغيف واحد، وكيلو من اللبن وكيلو ن أحد ز، لا يتنازل للدنيا كلها لأجل العيش، ولا يضطر إلى قبول الهدايا.
(قد ساق الثناءُ الساطع لی"زبير "(٭) ودفاعُه الذي قرأه أمام المحكمة إلى التقدير والاستحسان بإذن اللّٰه بحيث أدرجوه بإعجاب في القرار.)
إن ما كتبه" زبير" في إحدى الملازصفحة ابوعة بالآلة الطابعة والمعنونة بی(شبابنا يطلب علما وأخلاقا راقية تعلّم الحق والحقيق) جاء في صفحتها العاشرة": إن رسائل النور التي تنقذ مسلمي القرن العشرين والبشرية عامة من ظ وتنورلأفكار الباطلة القاتمة ليست من بنات أفكار المؤلف نفسه بل إلهام قذفه رب العالمين إلى قلب المؤلف، فهي رسائل راقية قيمة نفيسة".
وجاء في الصفحة الثانية عشرة:
"إذا ما قيل لطالب يخدم في مجال رسائل ات تلك استنسخْ هذه الكتبَ بدلا عن رسائل النور، أعطيك ثروة "فورد" وغناه. لأجابهم قبل أن يَرفع طرفَ قلمِه من كتابة رسائل النور: لا أقبل حتى لو أَعطيتم لي ثروةَ الدنيا كلها وسلطنتها".
وفي الصفحة الخامسة عشرة:
"إن كانالتفات ارتباطنا لنیزيهي الفكر من المؤلفين مائة درجة فإن درجة ارتباطنا لشخصية عظيمة كبديع الزمان الذي يرشدنا إلى سعادة الدنيا والآخرة بلايين البلايين بل بغير نهاية".
— 475 —
وفي اللأن رسلثانية عشرة:
"إن الشخص المعنوي لرسائل النور قد شخّص أمراض هذا العصر الاجتماعية والروحية والدينية، وعرض لإنسان هذا العصر بعناية اللّٰه ما يداويه من العِلل الاجتماعية المزمنة بأدوية نابعة من حقائق القرآن".
وفي ا لنكتةالرابعة والأربعين:
"قال بديع الزمان: من يقرأ هذه الرسائل لسنة كاملة يمكن أن يكون عالما جليلا في هذا الزمان. نعم، إنه كذلك.".
وفي الصفحة الرابعة والخمسين:
"إن الحكام الذين قرؤوا رسائل النور لا يُتوقع صدور قر وأليسير صائبة منهم".
— 476 —
إلى رئاسة محكمة التمييز
في جلسة محكمة التمييز التي راجعْناها لإبطال القرار الجائر الذي أصدرتْه محكمة "أفيون" في حقنا لم يَدَعوا لي فرصة طبقة ا، بل تَلَوا علينا اتهاما ثالثا شديد اللهجة، ولم يسمحوا لأحد أن يساعدني في الكتابة، وفضلا عن رداءة خطي في الكتابة فقد كنت مريضا، وهذه الشكوى التي كتبتها وأنا مريض أقدمها إلى مقامكمين اذي أنصفني مرتين إنصافا تاما" كلائحة تمييز.
باسمه سبحانه
هذه عريضة إلى محكمة الحشر الكبرى، وشكوى إلى المقام الإلهي، ولتسمعها محكمة التمييز في الوقت الحالي والأجيال الآتية في المستقبل وليسمعها أساتذة دار الفنون "الجامعة" وطلابها ال خدمتي، فمن مئات المصائب والبلايا التي واجهتها طوال ثلاث وعشرين سنة اخترت عشرا منها لعرضها على عدالة المقام الإلهي ذي الجلال الحاكم المطلق مشتكيا إليه:
الأولى:مع أنني شخص مقصر، فقد نذرت كل حياتي في سبيل سعادة هذه الأمة وفي سبيل إنقاذ إيمانها، سعيد اعيت بكل جهدي للعمل برسائل النور لكي أضحى بنفسي في سبيل حقيقة افتدتها ألوف الأنفس، وهي الحقيقة القرآنية، واستطعتُ بتوفيق من اللّٰه تعالى وفضل منه أن أتحمل شتى ضروباسعة عيب، فلم أتقهقر ولم أنسحب.
أسوق مثالا واحدا من التصرفات الغادرة والظالمة التي واجهتها في سجن أفيون وفي محكمتها:
مع أنهم أسمعوني وأس في مغلاب النور الأبرياء الذين كانوا ينتظرون السلوان من عدالة المحكمة ثلاث مرات لائحة الاتهام المليئة بالافتراءات وكانت قراءة اللائحة تستغرق كل مرة ساعتين في الأقل، إلّا أنهم لم يسمحوا لي بالكلام وبالرد إلّا لمدة دمعة الاحدة أو دقيقتين، مع أنني رجوت منهم أن يسمحوا لي بالدفاع عن حقوقنا لمدة خمس أو عشر دقائق.
— 477 —
ومع أنني أبقيت معزولا لمدة عشرين شهرا في سجن انفرادي، إلّا أنهم لم يأذنوا لأحد بزيارتي ورؤيتي إلّا لصديقين أو ثلاثة ولمدة ثلاث أوالتي فساعات فقط، وقد ساعدتني هذه الزيارة مساعدة جزئية جدّا في كتابة دفاعي. ثم منعوا هؤلاء أيضا، وعاملوهم معاملة قاسية وعاقبوهم. وأجبرونا على سماع لائحة الاتهام للمدعي العام البالغة خمس عشرةشهادة والتي ملأها بالأكاذيب المغرضة وبالافتراءات وبسوء الفهم.
حتى إنني أحصيت فيها واحدا وثمانين خطأً، ولم يسمحوا لي بالكلام وبالرد، ولو سمحوا لي بذلك لقجب الو:
بينما لا تتعرضون لليهود ولا للنصارا ولا للمجوس الذين ينكرون دينكم ويهينون أجدادكم -بوصفهم بأنهم كانوا على ضلالة- وينكرون نبيكم (ص) ولا يقبلون بقواصرّفٍ رآنكم الكريم، ولا للمنافقين المرتدين من الفوضويين من أنصار البلشفية، وذلك تحت شعار حرية الفكر وحرية الوجدان. وإن الحكومة البريطانية التي نعلم مدى تعصبها للنصرانية ومدى جبروتها، تسمح للملايين من المسلمين المولمنّة.تحت حكمها بقراءة القرآن في كل وقت وأخذِ دروس منه، هذه الدروس التي تردّ كل العقائد الباطلة وكل الدساتير الكافرة للإنكليز. ثم إن المعارضين لكل حكومة يستطيعون إبداء آرائهم علنا ويستعلم خانشر هذه الأفكار، ولا تتعرض لهم محاكم هذه الحكومات. أما أنا فقد تم تدقيق أربعين سنة من حياتي وتدقيق مائة وثلاثين كتابا من كتبي وجميع مكاتيبي ورسائلي حتى السرية منها في محكمة "إسبارطة" وفي محكمة "دنيزلي" وفي محكمة جزاءِ "أنقرة" وكذلا من رئاسة الشؤون الدينية، كما قامت محكمة التمييز بهذا التدقيق مرتين -وربما ثلاث مرات- وبقيت رسائل النور بكل نسخها الخاصة منها وغير الخاصة في يدها مدة حوالي ثلاث سنوات، ومع ذلك لم يجدوا فيها أي شيء يستوجب دود لهمهما كانت صغيرة. وأنا أتساءل ما هو الذنب الذي اقترفناه لكي تقوموا بإصدار عقوبة قاسية في حقنا وسجننا سجنا انفراديا وأنا بهذه الدرجة من الضعف وفي هذا الوضع القاسي من الظلمين فقهر، وأي قانون أو مصلحة أو وجدان يرضى بهذا؟ مع أن رسائل النور -التي تجدون مجموعتها كاملة بين أيديكم- أصبحت مرشدا قويا وقويما لأكثر من مائتي ألف طالب من طلاب النور الحقيقيين المستعدينزارة اية، فخدمت بذلك أمن البلد واستقراره. ثم إن دفاعي الذي قدمته والذي بلغ أربعمائة صفحة أثبت براءتنا بشكل قاطع لا يقبل الشك، لذا ستُسألون هذه الأسئلة أمام المحكمة الكبرى يوم الحشر دون ريب.
— 478 —
الثانية:لقد عدّوا تفسيري للآياتئب، فانية الصريحة حول الحجاب والإرث وذكر اللّٰه وتعدد الزوجات، وقيامي برد الاعتراضات المثارة ضدها من قِبَلِ المدنية الغربية الحالية ردا مفحما.. عدّوا ذلك إحدى التهم فحسب،ة إليّ. وأكرر هنا الفقرة التي أوردتُها قبل خمسة عشر عاما في محكمة "أسكي شهر" ثم في محكمة التمييز في أنقرة وستكون هذه الفقرة شكواي في محكمني من ر الكبرى وتنبيها وإيقاظا للجماعات المثقفة للأجيال القادمة وستكون هي مع "رسالة الحجة الزهراء" بمثابة لائحة تمييز، كما أنني أكرر هذه الفقرة للمدعي العام الذي لم يترك لي فرصة للكلام والذي أثبتّ ثمانين خطأ ورد ف علما ته الاتهامية التي ملأها بالمغالطات وأعرضها مرة أخرى على هيئة المحكمة التي أصدرت حكما عليّ بسنتين من الحبس الانفرادي الشديد وبسنتين من النفي والإقامة الجبرية:
إنني أ(٭)
حكمة وزارة العدل: إن إدانة من يفسر أقدس دستور إلهيّ وهو الحق بعينه، ويحتكم إليه ثلاثمائة وخمسون مليونا من المسلمين في كل عصر في حياتهم الاجتماعية، خلال ألف وثلاثمائة وخمسين عاما. هذا المفسر استند في تفسيره إلى ما اتفق عليه وصدق به ثلاثمائة وخور.
لف مفسر، واقتدى بالعقائد التي دان بها أجدادنا السابقون في ألف وثلاثمائة وخمسين سنة.. أقول: إن إدانة هذا المفسر قرار ظالم لا بد أن ترفضه العدالة، إن كانت هناك عدالة والغرجه الأرض، ولا بد أن ترد ذلك الحكم الصادر بحقه وتنقضه. ولتسمع هذا الآذان الصماء لعصرنا الحالي.
ألا يعني إدانة شخص ترك السياسة واعتزل الحياة الاجتماعية ولا يؤمن من الناحية الفكرية الظيمة فببعض القوانين الأجنبية التي قُبلت في هذا البلد بمقتضى ظروف معينة، لقيامه بتفسير هذه الآيات إنكارا منهم للإسلام وإهانة لمليار من أجدادنا الرضي الالمتدينين واتهاما لملايين التفاسير القرآنية؟!
الثالثة:من الأسباب التي ذكروها لتبرير الحكم عليّ هي القيام بالإخلال بالأمن والاستقرار؛ وعلة هذا أنهم رب من بتفسير خاطئ لمعنى بعضِ الجمل الواردة في خطاباتٍ شخصية ورسائلَ خاصة لا تتجاوز الخمسين جملة، مع أن رسائل النور تحوي أكثر من مائة ألف كلمة وجملةٍ، ونظروا إلى احتمالٍ وافعلم ايدٍ جدّا لا يتجاوز واحدا في المائة بل واحدا من ألف، وعدوا هذا الاحتمال البعيد واقعا ويريدون به عقابنا.
— 479 —
وأنا أُشهد الذين يعرفون الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة من حياتي والآلافَ من طلبة النور الأصفياء فأقول:
عندما بدأ القا ضيقا ام للجيش الإنكليزي الذي احتل إسطنبول ببذر بذور الخلاف بين المسلمين حتى خدع شيخَ الإسلام وبعض العلماء الآخرين وجعل أحدهم يهاجم الآخر، ووسع الخلاف بين جماعة الاتحاديين وجماعة "وعلى راف" [٭]: جماعة الاتحاديين: هم جماعة الاتحاد والترقي الذين هرب قادتهم إلى الخارج بعد اندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أمام قوات الحلفاء. أما جماعة "الائتلاف" فهم جماعة سياسية ظهرت بعد انتهاء اء:٤٢)وكانوا خصوما للاتحاديين. لكي يهيئ الجو لانتصار اليونانييین واندحار الحركة المیلية الوطنية. قمیت آنذاك بتأليف كتیابي "الخطوات السیت" ضد الإنكلیيز وضد اليونانييین، وقام السیيد "أ من اليب" (٭) بطبعه ونشره، مما ساعد على إبطال مفعول الخطة الجهنمية لذلك القائد. فالذي لم يحفل بتهديد القائد الإنكليزي بإعدامه ولم يهرب إلى أنقرة مع أن حكومة أنقرة مور اله تقديرا منهم لنضاله، وفي روسيا لم يحفل بقرار الإعدام الذي أصدره القائد الروسي، واستطاع في حوادثِ ٣١ مارت بخطبة واحدة تهدئةَ ثماني كتائبَ هظاهرة من الجيش وإعادتَها إلى الطاعة. وعندما قال له باشوات المحكمة العسكرية العرفية: [٭]: وهي المحكمة العسكرية العرفية التي عقدت برئاسة خورشيد باشا المعروف اء ومج، والتي انعقدت بعد حوادث ٣١ مارت المذكورة أعلاه وأصدرت قرارات عديدة بالإعدام وكان الأستاذ النورسي ضمن المتهمين المقدمين إلى المحكمة. "أنت أيضا رجعيالاستقالبت بحكم الشريعة" لم يحفل بتهديدهم أدنى احتفاء بل أجابهم: "إذا كانت المشروطية عندكم تعني استبدادَ فئةٍ معيّنة، فليشهد الثقلان أنني رجعي، وأنا مستعد للتضحية بروحي في سبيل مسألة واحدة فقط من مسائل الشريعة مما أذهل الضباطَ ع وعبو. وبينما كان يَتوقع حكمَ الإعدام أصدروا قرارهم بتبرئته وتخلية سبيله. ولم يشكرهم على قرارهم هذا، بل هتف وهو في طريقه للخروج: "لتعش جهنم للظالمين".
وفي ديوان الرئاسة في أنقرة -كما أُدرج في قرار لمحكمة أمقى، وعندما قال له مصطفى كمال في غضب: "لقد دعوناك هنا لكي نستأنس بآرائك السديدة، فإذا بك تكتب أمورا حول الصلاة فبذرتَ الخلاف فيما بيننا" فأجابه أمام ما يققاطعا خمسين نائبا: "إن أكبر مسألة بعد مسألة الإيمان هي الصلاة، ومن لا يصلي يعدّ خائنا وحكم الخائن مردود". فاضطر ذلك القائد الصارم إلى كظم غيظه وإلى إرضائه بعض الترضية.
— 480 —
ثم إنه لم يسجِّل رجال أمن الحكوماع الخت ولايات أيةَ حادثة تخل بالأمن لطلبة النور، مع أنهم يعدّون بمئات الآلاف، سوى حادثة صغيرة تتعلق بقيام أحد الطلبة الصغار بدفاع شرعي. ولم يَسمع أحد أن طالبا من طلاب النور دخل السجن بسبب جرم أو جناية، وما دخل السجن إلّا وأصلح القة.
ين. ومع أن مئات الآلاف من نُسخ رسائل النور منتشرة في أرجاء البلد فلم يشاهِد أحد ضررا لها، بل لم يجدوا منها سوى النفع طوال ثلاث وعشرين سنة. وأصدرت ثلاثُ محاكم لثلاث حكومات أحكامها بالبراءة، كما أْرُ وه الآلاف من الطلبة يشهدون ويصدقون بأقوالهم وبأفعالهم على قيمة رسائل النور.
ثم هل يجوز أن يُتهم شخصٌ منیزوٍ ومنعزل وكبير السن وفقير ويرى نفسه على حافة القبر وتَرَكَ بكل قوته وقناعته اسها بآَ الفانية. فلا يهتم بأية رتبة دنيوية بل هو في شغل شاغل بما يكفّر عن تقصيراته السابقة وبأمور تنفع حياته الخالدة، وهو لشدة شفقته ولرغبته في تجنيب الأبرياء والشيوخ أيةَ أضرار تلحق بهم فإنه يتجنب الدعاء على ظالمِيه ومربعة أ. هل يجوز أن يُتهَم مثل هذا الشخص ويقالَ بحقه: إن هذا الشيخ المنیزوي يحاول الإخلال بالأمن ويفسد الاستقرار، وغايته هي المؤامرات الدنيوية وهي القصد من اتصالاته ومكاتيبه، لذا فهو مذنب؟. إن من يقول هذا بحقه ويحكمو من نا في ظلِّ ظروف قاسية لا شك أنهم مذنبون، ومذنبون جدا، وسيدفعون ثمن هذا في المحكمة الكبرى يوم الحشر.
مثل هذا الرجل الذي هدّأ ثماني كتائب عسكرية وأجبرها على الانقياد للنظام بخطبة واحدة واستطاع قبل أربعفلقد ع بمقالة واحدة أن يجعل الآلاف من الناس ينحازون إليه ويكونون أنصاره، ولم يُحنِ رأسه أمام ثلاثة قواد جبارين -المذكورين سابقا- ولم يخش منهم ولم يتملق لهم وقال أمام المحاكم: "ألا فلتعلمات نفسا بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر وفصل كل يوم واحد منها عن جسدي فلن أحني هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، فلن أخون الوطن والأمة والإسلام". فهل يجوز بعد هذا أن يقال لمثل هذا الشخص الذي لم يكن واستشقة مع أحد في مدينة "أميرداغ" إلا مع بضعة من أصدقاء الآخرة إضافة إلى ثلاث من الذين كانوا يقومون بشؤون خدمته...
— 481 —
هل يجوز أن يقال: "إن سعيدا هذا عمل سرًّا في أميرداا مع آخل بالأمن، فقد سمم أفكار بعض أفراد الشعب هناك، فقام عشرون شخصا هناك بمدحه وكتابة مكاتيب خاصة له، مما يبرهن على أنه يعمل سرًّا ضد النظام اللمطلق لحكومة؟" واستنادا إلى هذه التهمة فقد اتُّبِعتْ سياسة عدائية ضده وحكم عليه بالحبس الشديد لمدة سنتين حيث وضع في سجن انفراديّ وفي عزلة تامة، ولم يسمحوا ل (للتكلام والدفاع عن نفسه في المحكمة. لأجل كل هذا فإنني أحيل هؤلاء الذين عذبوني وابتعدوا هذا الابتعاد عن العدالة وعن الإنصاف إلى ضمائرهم.
وهل يُعقَل وهل من الممكن أن يقوم مثل هذا الشخص الذي نال توجّه الناس إليه أكثر مما يستحقه والذي م يبق الألوفَ على الطاعة والانقياد بخطبة واحدة، وجَعَل الآلاف من الناس ينضمون إلى جمعية الاتحاد المحمدي بمقالة واحدة منه، واستمع إلى خطبته خمسون ألف شخص فخالق ت أياصوفيا بكل تقدير.. هل يعقل وهل يمكن أن يقوم مثل هذا الشخص بعمل سري طوال ثلاث سنوات في مدينة أميرداغ ثم لا يوفق إلّا في إقناع بضعة أشخاص ويترك أمور الآخرة وينغمس في مؤامرات السياسة فيملأ قبره -القريب منه- بالظلرسالة لا من النور؟ أيمكن هذا؟ إن الشيطان نفسه لا يمكن أن يقنع بهذا أحدا.
الرابعة:لقد أبرزوا عدم قيامي بلبس القبعة كسبب مهم لإدانتي ولم يسمحوا لى كل حلام، وقد كنت ناويا أن أقول لهم:
لقد بقيت في مدينة "قسطموني" مدة ثلاثة أشهر ضيفا في مركز الشرطة هناك ولم يقل لي أحد: "عليك أن تضع القبعة على رأسك". وفي ثلاث محاكم لم أضع قبعة على رأسي ولم أحسر عن رأسي في جلسات هذه المحاكم، ولم يتعرض أحد لي مَن ق أن بعض الظالمين الذين لم يكن لديهم نصيب من الدين اتخذوها حجة وتعرضوا لي بشكل غير رسمي بالأذى طوال ثلاث وعشرين سنة وضيقوا عليّ كثيرا وآذوني. وأن الأطفال والنساء وأكثر القرويين والباسمه في الدوائر الرسمية والذين يلبسون غطاء الرأس، غير مضطرين إلى لبس القبعة، إذ لا فائدة أو مصلحة مادية في ذلك، إذن فإن شخصا منیزويا مثلي قاسى عشرين عاما بسبب عدم لبس القبعة والافتراءات، علما بأن جميع المجتهداد وعديع شيوخ الإسلام منعوا لبسها،
— 482 —
والآن يعودون إلى إيذائي وعقوبتي دون أي وجه حق، فكما لا يتعرض أحد إلى الذين يشربون الخمر جهارا نهارا في شهر رمضان ولا يصلون، وذلك باسم الحرية الشخصية، لذا فإن ي معمليتهمونني من أجل زيي مرارا وتكرارا بهذا العناد وبهذه الشدة سوف يُسأَلون عن هذا عندما يُشاهِدون الحبس الانفرادي الأبدي في القبر ويحضرون إلى المحكمة الكبرى.
اا السج:إن رسائل النور التي حازت قبول مائة ألف من أهل الإيمان والتي قَدمت طوال عشرين عاما منافعَ عديدة -خالصة من أية شائبة من الضرر- للأمة وللوطن تُصادَر لأتفه الأسباب: فمثلا صودرت مجموعةُ "ذو الفقار-المعجزات الأحمدية" -التي أَنقذت إيمسلام بئة ألف شخص- لورود تفسير صحيح ومحقّ لآيتين كريمتين في صفحتين فقط من مجموع صفحاتها البالغة أربعمائة صفحة مع أن هذه المجموعة تعرضت لمرور الوقت، وصدرت خلاله قوانين عفو عديدة، فهل يجميعَ ادرة تلك المجموعة القيمة النافعة من أجل صفحتين فقط؟ والآن تتم مصادرة رسائل أخرى قيمة بسبب كلمة أو كلمتين -يفسرونها تفسيرا خاطئا- ضمن ألف كلمة. وكل من سمع لائحة الادعاء الثالثة هذه والقرارَ الذي نشرناه يتأكد مما نقول.
أما نحن فإننا نقوقد أظهمصيبة نراها:
إنا للّٰه وانا اليه راجعون
و
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
السادسة:أنني أقول للذين يتهمون المترجم المسكين لرسائل النورسمه سب نفسه) بسبب قيام بعض طلبة النور بثناء مبالَغ فيه وحسن ظن مفرط بإرسال رسائلِ تشجيع وتهنئة وتقدير وشكر بعد أن استفادوا استفادة كبرى من البراهين الإيمانية التي لا تتزعزع واكتسابهم العلوم الإهنة عل بدرجة علم اليقين... أقول لهم:
إنني شخص ضعيف وعاجز ومنفي ونصف أمي، وعندما كانوا يثيرون الناس ضدي بدعاياتهم ويخوفونهم مني، كنت كلما أجد دواء لأدوائي من أدوية القرآن الكريم ومن حقائقه الإيمانية الرفيعة كتبت تلك الوا بالالقيمة إيمانا منى بأنها ستكون علاجا شافيا لأبناء الأمة والوطن، ولما كان خطي رديئا جدّا فقد كنت بحاجة ماسة إلى معاونين، فيسّرت العناية الإلهية لي معاونين خاصين وصادقين وثابتين.
— 483 —
وحاسِلطبيعي أنني لا أستطيع أن أرد بشكل قاطع حسنَ ظنهم ومدحهم المخلص، أو أن أوبخهم على هذا فأجرح مشاعرهم، فمثل هذا التصرف يخالف الأنوار المستلهمة من خزينة القرآن الكريم ويعاديها من ال منها. لذا فلكي لا يبتعد عني هؤلاء المعاونون من ذوي الأقلام الألماسية والقلوب الشجاعة فإنني كنت أحول مديحهم لشخصي العاجز المفلس إلى رسائل النور التي هي صاحبة الحق في هذا المديح لأنها تعكس المعجزة المعنوية للقرآن ا:
إ أحيلها إلى الشخصية المعنوية لطلاب النور. وعندما كنت أقول لهم: "إنكم تعطون لي حصة تزيد على حصتي بمائة مرة" كنت أوذي مشاعرهم إلى حدّ ما. فهل هناك مادة قانونية تضع شخصا في موقع الاتهام واأفضل وأن أفرادا آخرين يمدحونه بالرغم من أنه كاره لهذا المديح؟ أتوجد مثل هذه المادة القانونية لكي يمكن تبرير قيام موظف رسمي اتهامي باسم القانون؟
هذا مع العلم أنه قد ذكر في الصفحة رقم (٥٤) من ال معنى لمنشور للائحة الاتهام ضدنا قولي: "إن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان سيكون من نسل آل البيت، أما نحن معشر طلاب النور فيمكن أن نعدّ من آل البيت من الناحية المعنوية فقط. ثم إنه لا يوجد في مسلك النور مكان للأنانية أو يصبّهل شخص أو الرغبة في مقامات دنيوية، أو التطلع نحو الجاه والشهرة أبدا. بل إنني أرى نفسي مضطرًّا حتى لترك المقامات الأخروية -إن أُعطيتْ لي- كي لا أخل بالإخلاص الموجود في المسلك النوري".
كما ورد في الصفحة (٢٢) وفوقد حاحة (٢٣) من قرار اللائحة هذه العبارات: "معرفة الإنسان تقصيره أمام اللّٰه وإدراك فقره نحوه وعجزه أمامه والالتجاء إليه بذل وخشوع... فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز أفقر وأكثر تقصيرا أمام اللّٰه من أي أئر الأ من الناس. فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء علىّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالح وفاضل... لن أبوح بكثير من مساوئ شخصيتي الثالثة ومن أحوالها السيئة لئلا أنفركي وراءكليا. فالفضل الإلهي هو الذي يسخر شخصيتي التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها. فالنفس أدنى من الكل والوة".
سمى من الكل، فألف شكر وشكر للّٰه سبحانه".
ومع أن اللائحة اقتبست العبارات أعلاه من كلامنا وأدرجتها في متنها، إلّا أن الذين يريدون وضعي في موضع المذنب لمجرد قيام بعض الأشخاص بمدحي ووصفي بأنني مرشد
— 484 —
عظيم ومهدي -بأنني هديتهلصفحة عنى الوارد في رسائل النور- لا شك أنهم يستحقون نيل جزاءهم على ما اقترفوه من ذنوب كبيرة.
السابعة:قامت محكمة دنيزلي ومحكمة الجنايات الكبرى في "أنقرة"، ومحاكم التم "حرف صدار قراراتها بالإجماع على تبرئتنا وعلى تبرئة رسائل النور بأجمعها، حيث أعادت هذه الرسائلَ وكذلك جميعَ خطاباتنا إلينا، ومع أنهم قالوا إنه "حتى على فرض وقوع خطأ في قرار التبرئة لمحكمة دنيزلي فما دامتهيأت ل التمييز قامت بتبرئتكم، فإنّ قرار التبرئة أصبح قطعيا وثابتا ولا يمكن سَوقُكم إلى المحكمة مرة أخرى". ومع أنني قضيت ثلاث سنوات في مدينة "أميرداغ" منیزويا لا أتصل إلا مع بضعة أشخاص ممن يقومون بشؤون خدمتي بشكل متناوب "وكانوا يعملونلع علىدِي خياط" ولا أتحدث مع أحد إلّا مع بعض المتدينين في حالات نادرة وضرورية ولمدة بضع دقائق فقط، وسوى إرسال رسالة واحدة فقط في الأسبوع من أجل التشجيع على قراءة رسائل النور "حتى إنني لم أرسل إلى شقيقي المفتيرة" تجثلاث رسائل طوال ثلاث سنوات"، بل تركت التأليف الذي كنت عاكفا عليه منذ ثلاثين سنة سوى تأليف نكتتين اثنتين بعشرين صفحة تناولتْ موضوعين مهمين ومفيدين جدّا لأهوجود جمان ولأهل القرآن وهما "حكمة التكرار في القرآن" و"بعض المسائل حول الملائكة"... لم أؤلف عداهما ولكني وافقت على ضمّ الرسائل التي برأتْها المحاكم وجعْلِها بشكل مجلدات، وعندما قامت المحكمة بإرجاع خمسمائة نسخة من "رسالة الآية الكبرى" التي كانت مطلرحيم الأحرف القديمة، فقد أعطيتُ موافقتي لإخواني باستنساخها بوساطة جهاز الاستنساخ -لعلمي بأن القانون لا يمنع ذلك بصورة رسمية- وذلك لكي يستفيد العالم الإسلامي منها، وانشغلتُ فقط بتصحيحها ولم أنشغل أبدا بالسياسة، حتى إنني فضلتُ البقاء في هذه األيمة ولم أرجع إلى بلدتي -كما فعل جميع المنفيين الآخرين- رغم صدور الإذن الرسمي بذلك، لكي لا أنشغل بالدنيا وبالسياسة.
إذن فإن القيام بتوجيه هذا الاتهام الثائع شيئحتوي على أمور باطلة وكاذبة وعلى تفسيرات خاطئة ومحاوَلة إدانةَ مثل هذا الرجل يحتوي على معنَيَيْن مذهلَين -لن أقولهما الآن- وقد أثبتتْ المدةُ الأخيرة البالغة عشرين شهرا هذا الأمر. وأنا أقول: حسبهم القبر وسقر، وأحيل أمري إالمخ3&حكمة الكبرى يوم القيامة.
— 485 —
الثامنة:بعد أن بقيتْ رسالة "الشعاع الخامس" سنتين لدى محكمة دنيزلي ومحكمة أنقرة أعيدت إلينا. وبعد أن صدر القرار بتبرئتها سمحتُ بنشدر ٣؛ ع دفاعي في تلك المحكمة- في آخر مجموعة "سراج النور". صحيح أنني كنت أحتفظ بها كرسالة خاصة ليست معروضة على الناس، ولكن ما دامت المحكمة شهرت بها وأعلنتها ثم أعادتها إلينا بعد براءتها، فقلت بأنهن تسرير إذن من نشرها، لذا أذنتُ لهم بنشرها. وكان أصل هذه الرسالة قد كتب قبل حوالي أربعين سنة حول تأويلاتِ أحاديثَ متشابهة كانت قد انتشرت بين الناس منذ القديم، ومع أن عددا من علماء الحديث ضعّفوا قسما من هذه الأحاديث، إلّا أنني قمت بكتابة هذه الرسال تنازلذا لأهل الإيمان من الشبهات لأن المعاني الظاهرة لهذه الأحاديث كانت تتسبب في اعتراضات كثيرة عليها، إلّا أن قسما من تأويلاتها الخارقة ظهرت أمام الأعين، لذااهد مننا إلى إخفاء هذه الرسالة وجَعْلِها رسالة سرية خاصة لكي لا تُفسَّر تفسيرا خاطئا، وبعد أن قامت عدة محاكم بتدقيقها وتشهيرها ثم إعادتها إلينا، إلّا أنها عادت مرة أخرى إلى اتخاذها سببا في إدانتنا، لذا فإننا نحيل مدى ابموننا ذا العمل عن العدالة وعن الحق وعن الإنصاف إلى ضمائر هؤلاء الذين يريدون إدانتنا بسبب من قناعاتنا الوجدانية، كما نحيل شكوانا هذه إلى المحكمة الإلهية الكبة. أماول:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
التاسعة:وهذه نقطة مهمة جدّا ولكننا نمسك عن ذكرها لئلا نُغضب الذين حكموا علينا، وذلك لأجل قيامهم بقراء (السجل النور.
العاشرة:وهذه نقطة قوية ومهمة ولكننا نمسك أيضا عن ذكرها حاليا لكي لا تدفعهم إلى الاستياء والامتعاض.
سعيد النورسي
الموقوف في السجن الانفرادي
— 486 —
عريضة مقدمة إلى مجلس الوزراء
هذا قسم من العريضة المقدمة إلى مجلس اي ورحم
قبل خمسة عشر عاما وأثناء محكمة "أسكي شهر":
يا أهل الحل والعقد!
لقد تعرضتُ لظلم يندر وجوده في الدنيا. ولما كان السكوت على هذا الظلم يعدّ استهانة بالحق وعدمَ احترام له فقد اضطررتُ إلى إفشاء حقيقة مهمة جدا، فأقول إن قرما قوموا بإعدامي وببيان ذنبي الذي استلزم حكما مقداره مائة سنة وسنة ضمن دائرة القانون وإطاره، أو برهِنوا على أنني مجنون وفاقد للعقل، أو أعطوا لرسائلنا ولنا ولأصدقائنا الحرية الكاملة تستطيبوا الذين تسببوا في إيقاع الأذى بنا.
أجل، لا بد أن يكون لكل حكومة قانون واحد، وأصول واحدة، حيث تُعطى العقوبات على أساس ذلك القانون، فإذا لم يكن في قوانين الحكومة الجمهورية ما يبرر إيقاع الأذى الشديدحقيقةَأصدقائي فإن من المفروض ومن الواجب تقديمَ الترضية الضرورية والتقدير والمكافأة لنا مع إعطائنا كاملَ الحرية، ذلك لأنه لو كانت خدمتي القرآنية تعدّ عملا عدائيا موجها ضد الحكومة، فإمور مدم إصدارُ حكم عليّ بالسجن لمدة مائة سنة وسنة أو بالإعدام، وكذلك إصدار عقوبات قاسية على الذين ارتبطوا معي في هذه الخدمة بشكل جدي بدلا من الحكم عليّ بسنة واحدة وعحا عظيقائي بستة أشهر. فإن لم تكن خدماتنا هذه موجهة ضد الحكومة، فعليها أن تقابلنا بالتقدير والمكافأة بدلا من العقاب والسجن والأذى والاتهام. ذلك لأن مائة وعشرين رسالة، أصبحت ترجمانا لهذه الخدمة، واستطاعت أن تتحدى فلاسفة أوروبا وأن تهدم كل أسسهم اللمصائبوتجعلها أثرا بعد عين.
لا شك أن هذه الخدمة الفعالة والمؤثرة ستؤدي إما إلى نتيجة مخيفة، أو إلى ثمرة علمية راقية ونافعة جدا، لذا لا يمكن إصدار قرار بحكتاب، ة واحدة وكأننا نلعب لعب الأطفال من أجل ذر الرماد على العيون واستغفال العامة والتستر على مؤامرات الظالمين ضدنا، ذلك لأن أمثالي إما أن يصعدوا ع، أو إشنقة بكل فخر ويعدموا، وإما أن يكونوا أحرارا في الموقع الذي يستحقونه.
— 487 —
أجل، إن اللص الماهر الذي يستطيع أن يسرق ألماسات بقيمة آلاف الليرات، إن قام بسرقة قطعأو علىة بقيمة عدة قروش وتم الحكم عليه بنفس الحكم من سرقة ألماسات ثمينة، فإنه ما من لص أو ذي عقل وشعور يفعل ذلك. لأن أمثال هذا اللص يكون ذكيا وحاذقا ولا يتورط في عمل في غاية الحمق والبلاهة.
أيها السادة!
لنفرض أنني كنت مثل ذلك اية كليب ما تتوهمون، فلماذا أختار ناحية بائسة من نواحي مدينة "إسبارطة" حيث بقيتُ منیزويا فيها مدة تسع سنوات. إذن فبدلا من توجيه أفكارِ بضعةٍ من الأفراد المخلصين "الذين تم الحكم عليهم بأحكام خفيفة" نحذلك نراة الحكومة وإلقاءِ نفسي ورسائلِ النور -التي هي غاية حياتي وهدفها- في الخطر فقد كان من الأفضل لي البقاءُ في موقع كبير في "أنقرة" أو في "إسطنبول" -كما كنت في السابق- وتوجيهُصرّف اف من الناس نحو الغاية التي ابتغيها، عند ذلك كنت أستطيع أن أتدخل وأن أشارك في أمور الدنيا بعزة تليق بمسلكي بدلا من التعرض لمثل هذه العقوبة التافهة والذليلة.ظيم. فأجل أن أبين مدى الخطأ الذي يقع فيه الذين يريدون دفعي إلى رتبة واطئة لا نفع فيها ولا أهمية لها، فإنني أقول مضطرًّا مذكرا ببعض أنانيتي وريائي السابقين وليس من أجل الفخر والمدح:
إن الذين تيسرمثقفون رؤية دفاعي الذي طبع تحت عنوانِ "شهادة مدرستين للمصيبة"، يشهدون أنه استطاع بخطبة واحدة جَلْبَ ثماني كتائب من الجنود إلى الطاعة في أحداثِ ٣١ مارت، وكما كتبتْ الجرائد آنذاك استطاع بمقالة واحو"المعزمن حرب الاستقلال باسم "الخطوات الست" أن يحوّل رأيُ العلماء في إسطنبول ضد الإنكليز، مما كان له أثر إيجابي كبير في الحركة الملية "الوطنية" وفي جامع أياصوفيا استمع الآلاف إلى خطبته، وفي مجلس المبعوثان (المجلس النيابي) في أنقرة استُقبل بتصفيمحمد (وقام مائة وثلاث وستون نائبا بالموافقة على تخصيصِ مائة وخمسين ألف ليرة لمدرسة دار الفنون (الجامعة)، وعندما دعا إلى الصلاة قابَل حدةَ رئيس الجمهورية فيدثةٌ م الرئاسة وردَّ عليه دون خوف أو وجل وعندما كان في "دار الحكمة الإسلامية" رأت حكومة الاتحاد والترقى بالإجماع أنه أوفق شخص لتبليغ الحكمة
— 488 —
الإسلامية إي الوقاء أوروبا بشكل مؤثر. أما كتابه "إشارات الإعجاز" الذي ألّفه في جبهات القتال -والذي تمت مصادرته الآن- فقد أعجب به القائد العام أنور باشا إعجاب شخصي،ا إلى درجة أنه هرع إلى استقباله بكل احترام -وهذا ما لم يفعله مع أحد- وقرر إعطاء الورق اللازم لطبع هذا الكتاب لكي تكون له حصة من شرف تلك الهدية ومن ثوابها، هدية الحرب، كما ذَكر جهاد مؤلف الكتاب في الحرب بكل خي لإنقا تقدير..
فمثل هذا الرجل لا يستطيع أن يسكت على معاملته بهذه الصورة وكأنه تورط في جرائم تافهة كسرقة بغلة أو خطف بنت أو نشل جيب، لأنه لو سكت لكان هذا وصمة له ولعزته العلمية القدسية ولخدماته وللألوف ان الصد من أصدقائه الغالين، لأنكم عندما تعاقبونه بحبسه سنة واحدة فكأنكم تعاملونه معاملة سارقِ نعجة أو خروف. فبعد قيامكم بوضعه دون أي سبب تحت الإقامة الجبرية وتحت المراقبة مدة عشر سنوات مليئة بالمضايقات وبالآلام، وبعم تدخلالتعذيب تقومون الآن بحبسه سنة واحدة وبإبقائه تحت الإقامة الجبرية سنة أخرى. وبدلا من معاناته من تحكم وتجبر شرطي عادي أو رجل بوليس سري عادي -وهو الذي لم يتحمل تحكم السلطان- فإنه من ال
فكالأولى له أن يُشنق. ولو أن مثل هذا الرجل أراد التدخل في أمور الدنيا ورغب في ذلك، وكانت وظيفته ومهمته المقدسة تسمح له بذلك، إذن لاستطاع أن يقختلاط ا أعظم بعشرات المرات من حادثةِ "مَنَمَنْ" ومن ثورة "الشيخ سعيد" أي لأسمعكم صوتا راعدا كدوي المَدافع وليس طنينا كطنين أجنحة الذباب!
أجل، إنني أعرِض أمام أنظار حكومة الجمهورية بأن ما أتعرض له حاليا من مصائب ومن بلايا هو نتيجة لملفاتي ِ ودعاياتِ منظمة بلشفية سرية، فهناك جو من الدعايات العامة الشاملة التي لم يشاهَد لها مثيل في السابق وجو من الخوف ومن الإرهاب. والدليل على هذا هو أنه ما من أحد من أصدقائي -الذين يبلغ عددهم مائة ألف- استطاع أن يبعثَاتِ والة واحدة منذ ستة أشهر ولم يستطع أن يرسل لي تحية أو سلاما. وأصحاب المؤامرات هذه الذين يحاولون خداع الحكومة واستغفالها استطاعوا بتقاريرهم السرية ترتيبَ تحقيقات واستجوابات وتحريات في كل مدقُ الءًا من الولايات الشرقية للبلد إلى الولايات الغربية.
إن الخطة التي كان المتآمرون يحيكونها رُتبت وكأن هناك حادثة مهمة أُعاقَب عليها -مع الآلاف من الأشخاص مثلي- عقابا قاسيا، ولكنها انتهت في الأخير إلى عقوبة تافهة
— 489 —
جدّا يمكن أن تفرض علاهدة عخص اعتيادي قام بحادثة سرقة تافهة؛ إذ عوقب خمسة عشر شخصا بريئا من بين مائة وخمسة عشر بالسجن لمدة ستة أشهر. فهل هناك شخص يملك شعورا وعقلا يقوم بوخز أسد كبير في ذيله وخزة خفيفة ين الماطع حاد يحمله في يده فيثيره ضده؟ ذلك، لأنه لو كان يريد حفظ نفسه من ذلك الأسد أو لو كان يريد قتله لاستعمل ذلك السيف القاطع في موضع آخر من ذلك الوحش.
إن قيامكم بإصدار عقوبة خفيفة ضدي يدل على أنة أخرىهمون أنني مثل هذا الرجل. ولو أنني كنت شخصا يتصرف مثل هذا التصرف البعيد عن العقل وعن الشعور فلماذا ملأتم هذا البلد بطوله وعرضه بجو من الخوف؟ وما الداعي لكل هذه الدعايات التي تستهدف جلب عداء الرأي العام ضدي؟ لقد كان منلأولئكوض أن تتعاملوا معي كتعاملكم مع مجنون عادي فترسلوني إلى مستشفى المجاذيب.
أما لو كنت شخصا مهما كأهمية التدابير التي تتخذونها ضدي، فليس من العقل ومن المنطق وخز ذلك الأسد أو مي إحدوحش في ذيله وإثارته للهجوم عليه، بل عليه أن يحافظ قدر الإمكان على نفسه منه. وهكذا فإنني فضلتُ حياةَ الانزواء منذ عشر سنوات باختياري وتحملت من الآلام والمضايقات مالا يتحمله إنسان، ولم أتدخل في أي شأن من شؤون الحإلى اللم أرغب في ذلك أصلا، ذلك لأن مهمتي المقدسة تمنعني من هذا.
يا أهل الحل والعقد!
هل من الممكن لمن استطاع قبل خمس وعشرين سنة -بشهادة جرائد ذلك الوقت- أن يكسب إلى جانب أفكاره ثلاثين ألف شخص بمقالة واحدة كتبها، وجَلَبَ وية قصنظارَ واهتمامَ جيشِ الحركة، [٭]: جيش الحركة: هو الجيش الذي وجهه الاتحاديون من مدينة "سلانيك" حيث كانت مركز قوتهم بقيادة "محمود شوكت باشا" لقمع العصيان الذي حدث في ٣١ مارت وإعادة سلطة الاتحاديين. وأجاب بست كلمات على أسئلةِ كبيحقيقيةوسةِ إنكلترة الذي طلب الإجابة عليها بستمائة كلمة، والذي كان يخطب في بداية عهد الحرية كأي سياسي متمرس... هل من الممكن أن لا يوجد في مائة وعشرين رسالة من رسائل هذا الشخص سوى خمس عشرة كلمة تتعلق بالسياسة وبأمور الدنيا؟ أيمكنمن الأقل أن يقتنع بأن مثل هذا الرجل يسلك طريق السياسة وله أهداف دنيوية؟ لأنه لو كان يهتم بالسياسة وبالتعرض للحكومة
— 490 —
لظهر ذلك صراحةً أو إيماءً في مائة موضع من كتاب واحد فقط. ولو كانت غايته توجنظرة اقد السياسي أَمَا كان بإمكانه أن يجد ما ينقده غير موضوع الحجاب وغير موضوع الميراث وهما من المواضيع ومن الدساتير الموجودة منذ السابق؟
إن أي شخص يملك فكرا سياسيا معينا يستطيع أن يجد مئا الخاف من المواضيع التي ينتقدها لنظام هذه الحكومة التي قامت بانقلاب كبير، ولا يقتصرَ على موضوعين معلومين فقط. فهل يمكن حصر الانقلاب الذي قامت أم لاومة الجمهورية على مسألتين صغيرتين فقط؟ ومع أنني لم أقصد توجيه أي انتقاد لها فقد التقطوا كلمتين أو ثلاثا وردت في كتاب أو كتابين كتبتهما سابقا وادّعوا بأنني أهاجم نظام الحكومة وأهاجم انقلابها. وأنا أسألكم التصن هل يعقل إشغال البلد بطوله وعرضه ونشر جو من الخوف فيه لمجرد تناولي لمسألة علمية لا تتطلب إصدار أية عقوبة من جرائها مهما كانت صغيرة؟
إن القيام بإصدار عقوبة خفيفة وتافهة في حقي وفي حق بضعة أشخاص من أصدقائي ونشجل جلاات مكثفة وشديدة ضدنا في عموم البلد، وإشاعة جو من الخوف والإرهاب بين الناس لكي ينفّروهم منا ويبغّضونا في أعينهم، وجَلْب وزير الداخلية "شكري قايا" قوةً كبيرة إلى مدينة إسبارطة لتقوم بمهمةٍ يستطيع إذ لا بها جندي واحد -وهي القيام بإلقاء القبض عليّ وسجني- وقيامَ رئيس الوزراء "عصمت إينونو" بزيارة الولايات الشرقية بهذه المناسبة، وكذلك منعي من الحديث والتكلم شهرين كاملين في السجن، وعدم السماح لأي أحد بالسؤال عن حالي أو إرسال تحية لي وأنا وما" [ هذه الغربة.. كل هذا يشير إلى وضع غريب جدّا لا معنى له ولا حكمة فيه لا تليق بأية حكومة في الدنيا -علما بأن مصدر كلمة "الحكومة" هو تناول الأمور بالحن قوة ليس فقط بحكومة الجمهورية التي من المفروض أنها تراعي القوانين وتحترمها.
إنني أريد حفظَ حقوقي في إطار القانون. كما أتهم كل من يخالف القانون ويدوس عليه باسم القانون بأنه يلك في ناية، ولا شك أن قوانين حكومة الجمهورية ترفض أعمال هؤلاء الجناة، وآمل أن تعاد لي حقوقي".
سعيد النورسي
— 491 —
ملاحظة:المكتوب السادس عشر (من المكتوبات) مع ذيله يعدّ دفاعا عن الأستاذ النورسي وعن رسائل النور، ولهذا أدرجَه الأستاذ م بأنني هنا ضمن الشعاع الرابع عشر هذا، فمن شاء فليراجعه في موضعه من "المكتوبات". (المترجم)
— 492 —
رسائل من السجن
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما.
أيها الإخوة الأعزاء اد رجوتء!
لقد رأيت أنوار سُلوان ثلاثة، أبينها في نقاط ثلاث للذين ابتُلوا بالسجن ومن يقوم بنظارتهم ورعايتهم ومن يعينهم في أعمالهم وأرزاقهم.
النقطة الأولى:أن كل يوم من أيام العمر التي تمضي في السجن، يمكن أن يُكسِب الفيون- وابَ عبادة عشرة أيام، ويمكن أن يحوّل ساعاته الفانية -من حيث النتيجة- إلى ساعات باقية خالدة.. بل يمكن أن يكون قضاء بضع سنين في السجن وس محكمةاة من سجن أبدي لملايين السنين.
فهذا الربح العظيم مشروط لأهل الإيمان بأداء الفرائض، والتوبة إلى اللّٰه من الذنوب والمعاصي التي دفعته إللمين؛ ن، والتوجه إليه تعالى بالشكر صابرا محتسبا. علما أن السجن نفسَه يحول بينه وبين كثير من الذنوب.
النقطة الثانية:أن زوال الألم لذةٌ، كماريديه ال اللذة ألمٌ.
نعم، إن كل من يفكر في الأيام التي قضاها بالهناء والفرح يشعر في روحه بحسرة وأسف عليها، حتى ينطلق لسانُه بكلمات الحسرات: أواه.. آه.. بينما إذا تفكر في الأيام التي مرت بالمصائب والبلتفادت نّه يشعر في روحه وقلبه بفرح وبهجة من زوالها حتى ينطلق لسانه بی: "الحمد للّٰه والشكر له، فقد ولّت البلايا تاركةً ثوابَها". فينشرح صدره ويرتاح.
بطال".ّ ألما مؤقتا لساعة من الزمان يترك لذة معنوية في الروح، بينما لذةٌ مؤقتة لساعة من الزمان تترك ألما معنويا في الروح، خلافا لذلك.
— 493 —
فما دامت الحقيقة هذه، وساعاتُ المصائب التي ولمعوا طآلامها أصبحت في عِداد المعدوم، وأنّ أيام البلايا لم تأتِ بعدُ، فهي أيضا في حكم المعدوم.. وإنّه لا ألمَ من غير شيء.. ولا يَرِدُ من العدم ألمٌ.. فمن البلاهة إذن إظهار الجث محاكفاد الصبر الآن، من ساعات آلامٍ ولّتْ، ومن آلامٍ لم تأتِ بعدُ، علما أنها جميعا في عِداد المعدوم. ومن الحماقة أَيضا إظهار الشكوى من اللّٰه وتركُلوزراء الأمارة المقصّرة من المحاسبة، ومن بعد ذلك قضاءُ الوقت بالحسرات والزفرات. أَوَ ليس من يفعل هذا أَشدَّ بلاهة ممن يداوم على الأكل والشرب طَوالَ اليوم خشيةَ أَنْ يجوع أو يعطش بعد أيام؟
نعم، إنّ الإنسان إن لم يُشتِّتْ قوة صبره يمينا وشمالا -إلرية وتضي والمستقبل- وسدَّدَها إلى اليوم الذي هو فيه، فإنها كافيةٌ لتحل له حبالَ المضايقات.
حتى إنني أَذكر -ولا أَشكو- أَنّ ما مرَّ عليَّ في هذه المدرسة اليوسفية الثالثة [٭]: المقصود: سجن "أفيون" ح مبهمٌه الأستاذ النورسي وطلاب النور سنة ١٩٤٨. في غضون أيام قلائل من المضايقات المادية والمعنوية لم أَرها طوال حياتي، ولاسيّما حرماني من القيام بخدمة النور مع ما فيّ من أمراض. وبينما كان قلبي وروحيب بوسران معا من الضيق واليأس إذا بالعناية الإلهية تمدني بالحقيقة السابقة، فانشرح صدري أيّما انشراح وولّت تلك المضايقات فرضيتُ بالسجن وآلامه والمرض وأَوجاعه. إذ من كان مثلي على شفير القبر يُعدّ ربورحماتما له أن تتحول ساعةٌ من ساعاته التي يمكن أن تمر بغفلة إلى عشر ساعات من العبادة.. فشكرت اللّٰه كثيرا.
النقطة الثالثة:إن القيام بمعاونة المسجونين بشفقة ورأفة وإعطاءهم أرزاقهم التي يحتاجوجه تلها وضماد جراحاتهم المعنوية ببلسم التسلّي والعزاء، مع أنه عمیل بسيیط إلّا أَنّه يحمل في طياته ثوابا جزيلا وأجرا عظيما. حيث إن تسليم أرزاقهم التي تُرسل إليهم ما دامارج يكون بحكم صَدقة، وتُكتب في سجل حسنات كل مَن قام بهذا العمل، سواءً الذين أَتوا بها من الخارج أو الحراس أو المراقبون الذين عاونوهم، ولاسيّما إن كان المسجون شيخا كبيرا أو مريضا أو غريبا عن بلده أو فقيرا معدما، من الاب تلك الصدقة المعنوية يزداد كثيرا.
— 494 —
وهذا الربح العظيم مشروط بأداء الفرائض من الصلوات لتُصبح تلك الخدمة لوجه اللّٰه.. مع شرط آخر هو أن تكون الخدمة مقرونة بالشفقة والرحمة والمحبة من دون أَن يحمّل شيئا من ا في حو

* * *

حاشية صغيرة لرسالة "مرشد الشباب"
باسمه سبحانه
إن المسجونين هم في أمسّ الحاجة إلى ما في رسائل النور من سلوان حقيقي وعزاء خالص.صية خاما أولئك الشبان الذين تلقَّوا صفعات التأديب ولطمات التأنيب بنَیزواتهم وأهوائهم. فقضوا نضارةَ عمرهم في السجن، فحاجة هؤلاء إلى النور كحاجتهم إلى الخبز.
رات.
وق الشباب تنبض لهوى المشاعر، وتستجيب لها أكثرَ مما تستجيب للعقل وترضخ له. وسَورات الهوى -كما هو معلوم- لا تبصر العقبى، فتفضّل درهما من لذة حاضرة عاجلة على طنٍ من لذة آجلة، فيُقْدِم الشابُّ بدافع الهوى علىوركم إنسان بريء للتلذذ بدقيقة واحدة من لذة الانتقام، ثم يقاسي من جرائها ثمانيةَ آلاف ساعة من آلام السجن.. والشاب ينساق إلى التمتع لساعة واحدة في اللهو والعبث -في قضية تخص الشرف- ثم يتجلّا ماورائها آلام ألوف الأيام من سجن وخوف وتوجس من العدو المتربص به.. وهكذا تضيع منه سعادةُ العمر بين قلق واضطراب وخوف وآلام.
وعلى غرار هذا يقع الشباب المساكين في ورطات ومشاكل عويصة كثيرة حتى تحوّل ألطفَ أيام حلأوفياوأحلاها إلى أمرّ الأيام وأقساها، وفي حالة يرثى لهم ولاسيما بعد أن هبّت عواصفٌ هوجاء من الشمال تحمل فتنا مدمّرة لهذا العصر؛ إذ تستبيح لهوى الشباب الذي لا يرى العقبى أعراضَ النساء والعذارى الفاتنات وتدفعهم إلى الارسائل الماجن البذيء، فضلا عن إباحتها أموالَ الأغنياء لفقراء سفهاء.
إن فرائص البشرية كلَها لترتعد أمام هذه الجرائم المنكرة التي تُرتكب بحقها.
— 495 —
فعلى الشباب المسلم في هذا العصر العصيزمان"-شمّروا عن سواعد الجد لينقذوا الموقف، ويَسُلُّوا السيوفَ الألماسية لحجج رسائل النور وبراهينها الدامغة -التي في رسالة "الثمرة" و"مرشد الشباب" وأمثالهما- ويدافعوا عن أنفسهم، ويصدّوا هذا الهجوم الكاسح الذي شُنّ عر لي ان جهتين.. وإلّا فسيضيع مستقبلُ الشباب في العالم، وتذهب حياتُه السعيدة، ويفقد تنعّمه في الآخرة، فتنقلب كلُها إلى آلامٍ وعذاب؛ إذ سيكون نیزيلَ المست"الكلم بما كَسبت يداه من إسراف وسفاهة.. ونیزيلَ السجون، بطيشه وغيّه.. وستبكي أيامُ شيخوخته بكاءً مرا ويزفر زفرات ملؤها الحسرات والآلام.
ولكن إذا ما صان نفسه بتربية القرآن، ووقاها بحقائجاد جيل النور فسيكون شابا رائدا حقا، وإنسانا كاملا، ومسلما صادقا سعيدا، وسلطانا على سائر المخلوقات.
نعم، إن الشاب إذا دفع ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة من يومه في السجن إلى إقامة الفرائض، وتاب عن سيئاته ومعاصيه التي دفَعَتْه إلى السجن، وتجنّب ا القرو والذنوب مثلما يجنّبه السجنُ إياها.. فإنه سيعود بفوائدَ جمّة إلى حياته وإلى مستقبله وإلى بلاده وإلى أمته وإلى أحبّائه وأقاربه، فضلا عن أنه نه أمّبابا خالدا في النعيم المقيم بدلا من هذا الذي لا يدوم خمسَ عشرة سنة.
هذه الحقيقة يُبشِّر بها ويخبر عنها عن يقين جازم جميعُ الكتب السماوية وفي مقدمتها القرآنُ الكريم.
نعم، إذا ما شكر الشاب على نعمة الشباب -ذلك اوا هذاالجميل الطيب- بالاستقامة على الصراط السوي، وأداء العبادات، فإن تلك النعمة المهداة تزداد ولا تنقص، وتبقى من دون زوال، وتصبح أكثر متعةً وبهجة.. وإلّا فإنها تكون بلاء ومصيالمتشامة ومغمورة بالغم والحزن والمضايقات المزعجة حتى تذهب هباءً فيكون عهدُ الشباب وبالا على نفسه وأقاربه وعلى بلاده وأمته.
هذا وإن كلَّ ساعة من ساعات المسجون الذي حُكم عليه ظلما تكون كعبادة يومٍ كامل له، إن كان مؤدياربية ائض، ويكونُ السجن بحقه موضعَ انیزواء واعتزال من الناس كما كان الزهّاد والعُبّاد ينیزوون في الكهوف والمغارات ويتفرغون للعبادة. أي يمكن أن يكون هو مثل أولئك الزهاد.
— 496 —
وستكون كل ساعة من ساعاته إن كان فقيرا ومريضا وشيخا متعلقا قلبُه بحقائق انيا لل وقد أناب إلى اللّٰه وأدّى الفرائض، في حُكم عبادة عشرين ساعة له، ويتحوّل السجنُ بحقّه إلى مدرسة تربوية إرشادية، وموضعِ تحابب ومكان تعاطف، حيث يقضي أقسطمونمع زملائه في راحة فضلا عن راحته وتوجه الأنظار إليه بالرحمة، بل لعله يفضّل بقاءَه في السجن على حريته في الخارج التي تنثال إليه الذنوب والخطايا من كل جانب، ويأنس بما يتلقى من دروس التربية والتزكية فيه. وحينما يغادرهرد ومبادره قاتلا ولا حريصا على أخذ الثأر، وإنما يخرج رجلا صالحا تائبا إلى اللّٰه، قد غنم تجاربَ حياتية غزيرة. فيُصبح عضوا نافعا للبلاد والعباد، حتى حدا الأمر بجماعة كانوا معنا في سجن "دنيزلي" إلى القول، بعد ما راءو الذين أخذوا دروسا إيمانية فيائل وولأخلاق ولو لفترة وجيزة من رسائل النور:
"لو تلقّى هؤلاء دروسَ الإيمان من رسائل النور في خمسة عشر أسبوعا، فإنه أجدى لإصلاحهم من إلقائهم إلى السجن خمس عشرة سنة".
فما داالكاملتُ لا يفنى من الوجود، والأجلُ مستورٌ عنا بستار الغيب، ويمكنه أن يحلّ بنا في كل وقت.. وأن القبر لا يُغلق بابُه.. وأن البشرية تغيب وراءه قافلة إثر قافلة.. وأن الموت نفسه بحق المؤمنين ما هو إلّاالة صغ تسريح وإعفاء من الإعدام الأبدي -كما وضّح ذلك بالحقيقة القرآنية- وأنه بحق الضالين السفهاء إعدام أبدي كما يشاهدونه أمامهم؛ إذ هو فراق أبدي عن جميع أحبتهمسكي شهبهم بل الموجودات قاطبة.. فلابد ولا شك بأن أسعد إنسان هو مَن يشكر ربه صابرا محتسبا في سجنه مستغلا وقته أفضل استغلال، ساعيا لخدمة القرآن والإيمان مسترشدا برسائل النعة لخد أيها الإنسان المبتلَى بالملذات والمُتع!
لقد علمتُ يقينا طوال خمس وسبعين سنة من العمر، وبألوفِ التجارب التي كسبتُها في حياتي، ومثلها من الحوادث التي مرت عليّ أن تميّزَ الحقيقي، واللذةَ التي لا يشوبها ألم، والفرحَ الذي لا يكدّره حُزن، والسعادةَ التامة في الحياة إنما هي في الإيمان، وفي نطاق حقائقه ليس إلّا. ومن دونه فإن لذةً دنيوية واحدة تحمل آلاما كثي المفررة. وإذ تقدِّم إليك الدنيا لذة بقدر ما في حَبَّةِ عنب تصفعك بعشر صفعات مؤلمات، سالبةً لذةَ الحياة ومتاعَها.
— 497 —
أيها المساكين المبتلَون بمصيبة السجن!
ما دامت دنياكم حزينة باكية، وأن حياتكم قد تعكرت بالآلام والمصا حُسنٍبذلوا ما في وسعكم كيلا تبكي آخرتُكم، ولتفرح وتحلو وتسعد حياتكم الأبدية. فاغتنموا يا إخوتي هذه الفرصة، إذ كما أن مرابطةَ ساعة واحدة أمام العدو ضمن ظروف شاقة يمكن أن تتحول إلى سنة من العبادة، فإن كل ساعة من ساعاتكم التي تقاسجميل مي السجن تتحول إلى ساعات كثيرة هناك إذا ما أديتم الفرائض، وعندها تتحول المشقات والمصاعب إلى رحماتٍ وغفران.
سعيد النورسي
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لا أعزيكم بل أهنئكم، إذ مادام القدر الإلهي قد ساقنا إلى هذه المدرسة اليوسفية الثالثلشهادةة اقتضاها، وأنه سيطعمنا قسما من أرزاقنا دعتنا إلى هنا، ومادامت تجاربنا القاطعة قد علّمتنا -لحدّ الآن- أن العناية الإلهية لطيفة بنا وقد جعلتنا ننال سر الآية الكريمة:
وعسى ان تكرهوا شيئًا وهو خير لكم
(البقرة:٢١٦)، وأن إخواننا الحديثي العهرد من لمدرسة اليوسفية هم أحوج الناس إلى السلوان الذي تورثه رسائل النور، وأن العاملين في دوائر العدل هم أشد حاجة من الموظفين الآخرين إلى القواعد والدساتير السامية التي تتضمنها رسائل النور، وأن أجزاءة رسائلرسائل تؤدي لكم مهمتكم خارج السجن وبكثرة كاثرة، وأن فتوحاتها لا تتوقف، وأن كل ساعة فانية هنا في السجن تصبح بمثابة ساعات من العبادة الباقية... ينبغي ل ومجددق النقاط المذكورة- أن نتجمل بالصبر والثبات شاكرين خالقنا مستبشرين إزاء هذه الحادثة.
أُعيد إليكم الرسائلَ الصغيرة المسلية كلها، والتي كتبناها في سجن "دنيزلي".
نسأل اللّٰه أن تسليكم أيضا ما أالفقرات المشحونة بالحقائق.

* * *

— 498 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:حمدا للّٰه بما لا يحدّ من الحمد للّٰه، لقد ظهر في الساحة روّادٌ معنويون من المفتين والوعاظ والأئمة والعلماء، الذين هم الأصحاب الحقيقيون لرسائل ال * * *يث كان الشباب والمعلمون والطلاب هم طلبة النور الغيارى لحدّ الآن.
فألف ألف تهنئة وبارك اللّٰه فيكم يا أدهم وإبراهيم وعلي عثمان.. فلقد بيّضتم وجوه أهل المدارسته أحدية، وحوّلتم إحجامهم وترددهم إلى شجاعة وإقدام.
ثانيا:ما ينبغي أن يتأسف ويندَم أولئك الذين ولّدوا هذه الحادثة من جراء فعالياتهم وانفعالشرف االخالصة للّٰه. لأن سجن "دنيزلي" قد بارك الذين لم يأخذوا الحذر في أعمالهم من حيث النتيجة، حيث التعب قليل والفائدة المعنوية عظيمة جدّا. نسأل اللّٰه أن لا حسب روذه "المدرسة اليوسفية الثالثة" قاصرة عن التي قبلها.
ثالثا:علينا الشكر للّٰه على ظروفنا العصيبة هذه في السجن وذلك لما فيها من زيادة الثواب حسب المشقة. ونسعى فا بديعت نفسه لأداء وظيفتنا التي هي خدمة الإيمان بإخلاص. أما التوفيق في أعمالنا أو الحصول على نتائج خيّرة فيها فموكولة إلى اللّٰه سبحانه وتعالى ولا نتدخل فيها، والأمة صابرين شاكرين للّٰه إزاء هذه المعتكفات قائلين: خير الأمور أحمزها.
وعلينا أن نعلم أن هذه الحادثة ما هي إلّا علامة على قبول أعمالنا، وهي وثيور في ارة على اجتيازنا الامتحان في جهادنا المقدس.

* * *

إلى السيد مدير السجن والهيئة الإدارية:
طلبٌ بسيط لا أهميةَ له ظاهرا إلّا أن له أهمية قصوى بالنسبة لي:
نا هذهتي التي مضت في السجن الانفرادي والتجريد المطلق وعمري الذي ناهز الخامسة والسبعين قد أوهَنا جسدي، بحيث أصبح لا يطيق اللقاحات ضد الأمراض. وقد أُجري عليَّ قبل مدة مديدة اللقاح، ودام جراحُه طوال عشرين سفية.. ى أصبح بمثابة سم
— 499 —
ملازم. يعرف ذلك الطبيبان الصديقان في "أميرداغ". وقبل أربع سنوات أجروا عليَّ اللقاح مع المحكومين في سجن "دنيزلي" فلازمتُ الفراش عشرين يوما، علما بأنه لي إحدىق الضررَ بأيٍّ منهم، وقد كفاني حفظُ اللّٰه وعنايته فلم أضطر إلى الذهاب إلى المستشفى.
بمعنى أن جسدي لا يتحمل اللقاح قطعا، فضلا عن أن عذري شديد، إذ قد بلغتُ من العمر الخامسة والسبعين وعذاب دمي وربما لا يتحمل سوى لقاحِ طفل في العاشر من العمر. فضلا عن أنني أقضي حياتي منفردا في تجريد مطلق ولا أختلط مع أحد من الناس. وقبل شهرين أَرسل الوالي طبيبين إلى "أميرداغ" وكشفوا عليَّ كشفا كاملا ولم يجدوا أي لمؤلفةرٍ إلّا الضعف الشديد والتشنج الظهري. فحالتي هذه لا تَحمِلني قطعا على إجراء التلقيح، وأرجوكم رجاءً حارا لا ترسلوني إلى المستشفى فلا تلجئوني إلى البقاء تحت تحكم الأطباء ومن لا أعرفهم، ى نسخةا أستطيع البقاء في هذا الوضع ولم أُطقه طوال حياتي. ولاسيما في هذه السنوات العشرين التي قضيتُها في التجريد المطلق.
وعلى الرغم من أنني بدأت أجد الراحة في دخولي اكن جعلي هذه الفترة إلّا أنني فضلت السجن حاليا على القبر لِمَا وجدت من معاملةٍ إنسانية في هذا السجن ولكيلا أمس مشاعر الهيئة الإدارية، فضلا عن القيام ببث العزاء والسلوان في قلوب قالوا نين.

* * *

إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:لا تتألموا على الإهانات والأذى التي ينیزلونها بشخصي بالذات، لأنهم لا يستطيعون أن يجدوا نقصا في رسائل النور، فينشغلون بشخصي الاعتيادي المقصّر كثيرا. فأنا راإنجازههذا الوضع. بل لو وجدت ألوفا من الإهانات والتحقير والآلام والبلايا الشخصية لأجل سلامة رسائل النور وظهور قيمتها لشكرت اللّٰه شكرا مكللا بالفخر، وذلك مقتضى ما تعلمته من درس النور. لذا لا تتألموا عليّ من هذه الناحية.
ثانيا:إن"ختم التعدي السافر الواسع النطاق والهجوم الشديد الظالم، قد خف حاليا من العشرين إلى الواحد فلقد جمعوا بضعة أشخاص بدلا من ألوف الخواص -من طلاب النور-
— 500 —
وجمعوا عددا محدودا من إخوة جدد بدلا من مئات ام وعز من المهتمين بالرسائل المرتبطين بها. مما يعني أن المصيبة قد تحولت إلى أخف حالاتها بالعناية الإلهية.
ثالثا:لا تقلقوا يا إخوتي ولا تيأسوا فإن الوالي السابق الذي كان يحيك المؤ والآنويدبر الدسائس ضدنا طوال سنتين قد ولّى بفضل العناية الإلهية.
ولربما قد خفف وزير الداخلية الهجوم علينا لسببين: أنه من بلدتي. وأن أجداده أهل دين حقا.
رابعا:لقد أثبتتْ تجاربُ كثيرة وحوادث عديدة، بما يورث القناعة الترائع ون الأرض تهتز والسماء تبكى ببكاء رسائل النور وحزنها. ولقد شاهدنا هذا مرارا بأم أعيننا وأثبتناه كذلك في المحكمة.
وأعتقد أنّ تَوافق ابتهاج الصيف -في بدايته- في هذجدوا شة بانتشار رسائل النور سرًّا وتبسمَها باستنساخها بالرونيو، وتطابقَ حدّة الشتاء وغضبه وبكائه بالقلق على مصادرة الرسائل والتحريات الكثيرة في كل مكان وتوقفِ نشاطها، ما هو إلّا أمالكفر ية على أن رسائل النور معجزة كبرى ساطعة لحقائق القرآن العظيم تتجلى في هذا العصر. حيث الأرض والسماء ذات علاقة معها.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد خطر يُفهليوم فجأة أن أهنئ القادمين إلى هذه المدرسة بدلا من تقديم التعازي لهم -بمناسبة قضية رسائل النور- بسَوقٍ من القدر الإلهي والرزق المقسوم فيها، لأن كل واحد من الأكثرية ينقذ إلى حدٍ ما عشرين أو ثلاثين بل مائة بل ألف من إخواننا الأبرياء بديلرمضان من الأتعاب والمشاق.
وكذا فإن دوام عملكم في سبيل الإيمان بوساطة رسائل النور، يعني أن كل واحد منكم يؤدى عملا كبيرا في وقت قليل، نظير ما ينجزه البعض في عشر سنوات من أعمال تنجز في مائة سنة.
— 501 —
وكذا فإن الداخلين في هذه المجاهدة الادنا ع والحاضرين هذا الامتحان الجاري في هذه "المدرسة اليوسفية" الحديثة، وأخْذَهم حظهم فعلا من نتائجه القيمة الكلية، وملاقاتَهم بيُسر إخوتهم الخالصين المخلصين المشتاقين إلى رؤيتهم ون البلُلَهم أبحاث درس ممتع لذيذ، وكذا عدمُ دوام أوقات الراحة في الدنيا بل ذهابُها هباءً منثورا. أقول: إن الذين يكسبون مغانم عظيمة إلى هذا الحد، وبمثل هذه الأتعاب القليلة يستحقون التهنئة حقا.
إخوتي!إن هذا الهجوم الواسع الذي شُن علينا، إنمفينبغيصدّ فتوحات رسائل النور وغزوها القلوب. إلّا أنهم أدركوا أنهم كلما تعرضوا لرسائل النور ازدادت سطوعا وكسبت أهمية أكثر وتوسعت دائرة الدروس. فلا تُغلب رسائل النور. إلّا أنها تنضوي تحت ستار "سرًّا تنورت" ولأجل هذا بدّلوا خطتهم، فلا يتعرضتيار نوار ظاهرا. وحيث إننا تحت العناية الإلهية فعلينا الشكر العظيم لربنا الجليل مع التجمل بكمال الصبر.

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد آن أوان بيان حالتين غريبتين من أحوالي:
أولاهاأُخطِرَ إلى قلبي: أن في عد كان ئنا -في سجن التجريد المطلق- لقاءً حرا بإخوتي الذين أُحبهم أكثر من روحي، فيه مصلحةٌ وعناية إلهية. ذلك لأن كثيرا من إخواننا في الآخرة ممن كان يصرف خمسين ليرة للمجيء إلى "أميرداغ" لأجل لقاء يطنة السين دقيقة وأحيانا عشر دقائق وأحيانا يرجع خائبا دون لقاء.. كانوا يُلْقُون أنفسهم إلى هذه "المدرسة اليوسفية" بحجة بسيطة.
— 502 —
فلو كان وقتي الضيق وحالتي الروحية النابعة من الانزواء يسمحان بذلك فإن الخدمة النورية م ليرة لتسمح بالمجالسة التامة والمحاورة الكاملة مع أولئك الأصحاب الأوفياء.
ثانيتهالقد شاهد المجاهدون في جبهات متعددة من الحرب عالِما جليلا فاضلا، وذكروا له مشاهدتهم، فقال: إن بعض الأولياء قد ظهروا بمظهبها فيّوا بدلا عني في موضعي أعمالا لأجل إكسابي ثوابا وليستفيد أهل الإيمان من دروسي.
ومثل هذا تماما، فقد شاهدوني في جوامع "دنيزلي" وأنا نزيلُ سجنِها، حتى أبلغوا ذلك إلى ار في دالمسؤولة وإلى المدير والحرّاس، وقال بعضهم في قلق واضطراب: "من يفتح له باب السجن!" فالأمر نفسه يحدث هنا تماما.
والحال أنه بدلا من إسناد حادثة جزئية خارقة إلى شخصي المقصر جدّا فإن رسالة لا.. إلتصديق الغيبي" تثبت خوارق لرسائل النور وتبينها كاسبةً ثقة أهل الإيمان برسائل النور أكثر بكثير من تلك الحادثة بمائة مرة بل بألف مرة. فضلا عن تصديق أبطال النو الذينالهم الخارقة وكتاباتهم الرائعة لمقبولية رسائل النور.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لا تقلقوا عليّ، فإنني سعيد ومحظوظ لأني معكم في بناية واحدة، فأنا راضٍ ومسرور. السفاهفتنا الحالية إرسالُ نسخة من "الدفاع" إلى "إسبارطة". وإن أمكن كتابةُ عشرين نسخة منه بالآلة الطابعة بالحروف القديمة والحروف الجديدة، كي يُبرز إلى المدعى العام هناك وتعطى جاعلٌ منه إلى محامينا، ونسخة أخرى إلى المدير كي يسلمه هو إلى وكيل دعوانا. وليرسل إلى المسؤولين في "أنقرة" بالحروف الجديدة والقديمة كما كان في "دنيزلي".
وإن أمكن تهيئةُ خمسة نسخ للدوائر المسؤولة، .
اائل النور المصادَرة قد أُرسلت بالحروف القديمة إلى تلك الدوائر ولاسيما إلى هيئة ديوان رئاسة الشؤون الدينية وأعيدت إلى هنا.
— 503 —
ثم أبلغوا وكيلنا السيد أحمد، أنه عند طبعه الدفاع بالآلة الطابعة عليه أن يلاحظ بدقة صحةية المارات والكلمات. لأن إفادتي لا تشبه إفادات الآخرين فإن خطأً في حرف واحد وأحيانا في نقطة واحدة يغيِّر المسألة، ويفسد المعنى. وكذا أعيدوا آلتي الطابعة بالحروف القديمة والجديدة إنْ لم يسمحوا بهما. وكذا لا تضجروا يا إخوتي ولا تقلقوا ولا تيأسوا م بالمعناية الإلهية ستسعفنا سريعا بمضمون الآية الكريمة:
ان مع العسر يسرًا
(الشرح:٦).

* * *

إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن رسائل النور تواجهكم وتقابلكم بدلا مني، فهي ترشد وتعلّم تعليما جيدا إخواننا الججة لا شتاقين لدروس النور. ولقد ثبت بالتجارب أن الانشغال برسائل النور سواء قراءتها أو استقراءها أو كتابتها يورث الفرح للقلب والراحة للروح والبركة في الرزق والصحة للجسد.
وقد أنعم اللّٰه عليكم حاليا ببطل من أبطر للقرور وهو "خسرو" وستكون المدرسة اليوسفية أيضا موضع دراسة مباركة لمدرسة الزهراء إن شاء اللّٰه. إنني كنت إلى الآن أُخفي خسرو ولا أظهره إلى أهل الدنيا، إلّا أن المجموعات التي نشرت قد أظهرته إظهارا لا لبس فيه لأهل الدنيا، فلإحراز شيء للإخفاء. ولهذا أظهرتُ بضعا من خدماته إلى بعض الإخوة الخواص. وسوف نبين -أنا وهو- الحقيقة إن لزم الأمر بعينها ولا نخفى شيئا.
ولكن الآن يواجهنا شخصان لأي عن رهيبان من بين الذين يستمعون إلى الحقيقة، وقد ظهر أنهما يعملان لصالح الزندقة والشيوعية -أحدهما معروف في "أميرداغ" والآخر معروف هنا- وهما يحاولان نشر الشبهات ضدنا بمنتهى المكر والدسيسة وذلك لقذف الرعب في قلوب التألم ا.
لذا علينا الأخذ بالحذر الشديد وعدمُ إبداء القلق وانتظارُ العناية الإلهية بالتوكل لتمدنا.

* * *

— 504 —
يا إخوتي في الدين ويا زملائي في السجن!
لقد أُخطر لقلبي أن أبين لكم حقيقة مهمة، تنقذ، فإنهن اللّٰه من عذاب الدنيا والآخرة، وهي كما أُوَضِّحُها بمثال:
إنّ أحدا قد قتل شقيقَ شخص آخر أو أحد أقربائه. فهذا القتل الناجم من لذةِ غرورِ الانتقام التي لا تستغرق دقيقة واحدة تورثه مقاساة ملايين الدقائق من ضيق القلب وآلام ا كلهم وفي الوقت نفسه يظل أقرباء المقتول أيضا في قلق دائم وتحيّن الفرص لأخذ الثأر، كلما فكروا بالقاتل ورأوا ذويه. فتضيع منهم لذةُ العمر ومتعة الحياة بما يكابدون من عدة من خوف والقلق والحقد والغضب.
ولا علاج لهذا الأمر ولا دواء له إلّا الصلح والمصالحة بينهما، ذلك الذي يأمر به القرآن الكريم، ويدعو إليه الحق والحقيقة، وفيه مصلحة الطرفين، وتقتضيه الإنسانمحبةِ حث عليه الإسلام.
نعم، إن المصلحة والحقيقة في الصلح، (والصلح خير)؛ لأن الأجل واحد لا يتغير، فذلك المقتول على كل حال ما كان ليظل على قيد الحياة ما ة لحكملُه قد جاء. أما ذلك القاتل فقد أصبح وسيلة لذلك القضاء الإلهي، فإن لم يحل بينهما الصلحُ فسيظلان يعانيان الخوف وعذاب الانتقام مدة مديدة؛ لذا يأمر الإحد بماعدم هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام. فإن لم يكن ذلك القتلُ قد نجم من عداء أصيل ومن حقد دفين، وكان أحد المنافقين سببا في إشعال نار الفتنة، فيلزم الصلح فورا، لأنه لولا الصلح لعظمت تلك ن كان ة الجزئية ودامت، بينما إذا ما تَصالح الطرفان وتاب القاتل عن ذنبه، واستمر على الدعاء للمقتول، فإن الطرفين يكسبان الكثير، حيث يدب الحب والتآلف بينهما،ميع ال هذا عن عدوه ويعفو عنه واجدا أمامه إخوة أتقياءَ أبرارا بدلا من شقيق واحد راحل، ويستسلمان معا لقضاء اللّٰه وقدره، ولاسيما الذين استمعوا إلى دروس النور، فهم مدعوون لهجر كل ما يفالفوضى اثنين، إذ الأخوّة التي تربطهم ضمن نطاق النور، والمصلحة العامة، وراحة البال وسلامة الصدر التي يستوجبها الإيمان.. تقتضي كلُّها نبذَ الخلافات وإحلال الوفاق والوئالقه وود حصل هذا فعلا بين مسجونِين يعادي
— 505 —
بعضهم بعضا في سجن "دنيزلي" فأصبحوا بفضل اللّٰه إخوة متحابين بعد أن تلقّوا دروسا من رسائل النور، بل غدَوا سببا من أسباب براءتنا، حتى لم يجد الملحدونإلى كلهاء من الناس بدا أمام هذا التحابب الأخروي، فقالوا مضطرين: "ما شاء اللّٰه.. بارك اللّٰه!!" وهكذا انشرحت صدورُ السجناء جميعا وتنفسوا الصعداء بة مرتيلّٰه. إذ إني أرى هنا مدى الظلم الواقع على المسجونين، حيث يشدد الخناق على مائة منهم بجريرة شخص واحد، حتى إنهم لا يخرجون معًا إلى فناء السجن في أو فمثراحة.. إلّا أن المؤمن الغيور لا تسعه شهامتُه أن يؤذي المؤمن قط، فكيف يسبب له الأذى لمنفعته الجزئية الخاصة، فلابد أن يسارع إلى التوبة والإنابة إلى اللّٰه حَالَما يشفافيةطئه وتسبّبه في أذى المؤمن.

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إني أهنئ رسائل النور وأهنئكم وأهنئ نفسي بالبشارات القيّمة التي زفّها خسرو وحفظي والسيد من "بَارْطِنْ".
نعم، إن الذين سافروا إلى الحج في هذه النني أصلما وجدوا علماء أجلاء في مكة المكرمة يسعون إلى ترجمة مجموعات من رسائل النور إلى العربية والهندية، كذلك وجدوا المدينة المنورة قبِلَتها ورضيَت عنها بحيث وضعوها في ان الحقالمطهرة لدى الحجرة الشريفة للقبر النبوي المبارك (ص). بمعنى أن تلك الرسائل قد نالت القبول النبوي ودخلت ضمن رضى الرسول الكريم محمد (ص).
فلقد زارت رسائلُ الح ويبلك الأماكنَ المقدسة بدلا عنا كما هي نيتنا وكما أبلغنا المسافرون إلى الحج.
وإن فائدة أخرى من الفوائد الكثيرة جدّا لِمَا ينشره أبطال النور من هذه المجموعات المصحَّحة أنهم أنقذو ذوي امهمة التصحيح والقلق عليه وأصبحوا بمثابة مائة مصححٍ بما أوجدوا من المصادِر المصحِحة، فشكرا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر.
— 506 —
أسأل الديرٍ معالى أن يكتب ألف حسنة في سجل حسناتهم لكل حرف من حروف تلك المجموعات. آمين. آمين. آمين.

* * *

رؤيا لطيفة ذات بشارة ظهر تأويلها
أتاني "علي" الذي يعاونني في الأمور وقال: لقد رأيت فيما يرى النائملوطن و"خسرو" قد قبّلتما يدَ الرسول الكريم (ص). وإذا بي أستلم رسالة تتضمن أن مجموعةَ "عصا موسى" المكتوبة بخط "خسرو" قد شاهدها الحُجاج في الروضة المطهرة. بمعنى أن تلك المجموعة قد قَبّلت اليدَ المعنوية للرسول الكريم (ص) ونالت رضاه.
* * * وتحمّاسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء وزملائي في السجن!
أولا:لا تقلقوا من عدم التقاء بعضنا بالبعض الآخر، فنحن نتواجه معنًى في كل وقت. فإن قرأتم أيّةَ رسالة تحصلون عليهاتَبَادتمعون إليها، فإنكم تشاهدونني وتتحاورون معي خلال تلك الرسالة بصفةِ خادم القرآن العظيم بدلا من شخصي الاعتيادي. علما أنني كذلك أواجهكم خيالا في جميع أدعيتي وفي كتاباتكم وعلاقاتكم. وحيث إننا معا ونعمل ضمن دائرة واحدة، فكأننا نتقابل دائما.
ثعلمية نقول للقادمين الجدد من طلاب رسائل النور في هذه المدرسة اليوسفية الحديثة:
لقد ثبت بحجج قوية وبإشارات قرآنية أوقفت الخبراء وألجأتهم إلى الّ نفسهم: "أن طلاب النور الصادقين ستختم حياتهم بالحسنى ويدخلون القبر بالإيمان.. وأن كل طالب -حسب درجته- يكون شريكا لمكاسبِ جميع إخوانه المعنوية ولأدعيتهم، وذلك بفيض أنوار الاشتراك المعنوي النوري، كأنه يؤدي العبادة ويستغفر بألف لسانته وعلفهاتان الفائدتان والنتيجتان المهمتان، وفي هذا الزمان العجيب تزيلان جميع الصعاب والمشقات. وهكذا تربح رسائل النور طلابها هذين الربحين العظيمين بثمن زهيد جدّا.

* * *

— 507 —
بالأمة وحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن الدفاعات المرفوعة في محكمة "أفيون" تتضمن حقائق جليلة ذات علاقة بنا وبرسائل النور وبهذه البلاد وبالعالم الإسلامي. فلا بد أن تُسة الممنها ما يقرب من عشر نسخ بالحروف الجديدة لترسل إلى الدوائر العليا في "أنقرة". إن وظيفتنا الآن هي تبليغ تلك الحقائق إلى أركان الحكومة وإلى دوائر العدل وإلى الأمة، ولا أهتم قطعا لو أبرؤوا ساحتنا أو عاقبونا. ولربما هذه الوظ رسالة إحدى الحِكم المقدّرة بالقدر الإلهي فساقنا إلى هذه المدرسة. أسرِعوا على قدر الإمكان في استنساخها بآلة الرونيو، فنحن مضطرون إلى إبلاغها تلك الدوائر العليا حتى لو أخلو سبيلَنا اليوم. ففي وتوركم أحد بتأخيرها، كفى التأخير والتأجيل، وليكن هذا الدفاع مسكَ الختام لدفاعات قُدّمت طوال خمس عشرة سنة إزاء مسألة واحدة وتجاه الظلم القاسي والعذاب ايانة لالذي لا نظير له والحجج التافهة المختلقة.
فما دمنا قد حصلنا على صلاحيةِ استنساخِ دفاعاتِنا بالرونيو حسب القانون، ومن المحاكم السابقة، فلا يستطيع أحد أن يمنعنا من استعمال حقنا هذا قانونا. وإن لم تجدوا ومثل وأمر رسميا فليستنسخ محامينا حوالي خمس نسخ وليكن أمينا على الحفاظ على سلامتها وصحتها.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الجدد ويا مسجونين القدامى!
لقد بتُّ على قناعة تامة من أن العناية الإلهية هي حقيقة لقَت بنا إلى ههنا وذلك لأجلكم أنتم، أي إن مجيئنا إلى هنا إنما هو لبث السلوان والعزاء الذي تحمله رسائل النور إليكم.. وتخفيفِ مضايقات النحن جوكم بحقائق الإيمان.. وصونِكم من كثير من بلايا الدنيا ولأوائها.. وانتشالِ حياتكم المليئة بالأحزان والهموم من العبثية وعدم الجدوى.. وإنقاذِ آخرتكم من أن تكون كدنأسس الزينة باكية.
— 508 —
فما دامت الحقيقة هي هذه، فعليكم أن تكونوا إخوة متحابين كطلاب النور وكأولئك الذين كانوا معنا في سجن "دنيزلي".
فها أنتم أولاء ترون الحراس الذين يحا الأملى القيام بخدماتكم يعانون الكثير من المشقات في التفتيش، بل حتى إنهم يفتشون طعامكم لئلا تكون فيه آلة جارحة، ليَحُولوا دون تجاوزِ بعضكم على بعض، وكأنكم وحوش مفترسة يقضي الواحد على الآخر ليقتله، ف الخطر أنكم لا تستمتعون بالفرص التي تتاح لكم للتفسح والراحة خوفا من نشوب العراك فيما بينكم.
ألا فقولوا أنتم الإخوة الجدد الذين يحملون بطولة فطرية وشهامة وغيرة. قولوا أمام الهيئة ببطولة معنوية عظيمة في هذا الوقت:
العدي الآلات الجارحة البسيطة وحدها، بل لو سلّمتم إلى أيدينا أسلحة نارية أيضا فلا نتعدى على أصدقائنا وأحبابنا هؤلاء الذين نُكبوا معنا، حتى لو كان بيننا عداءٌ أصيل سابق. فقد عفونا عنهم جميعله بالبذل ما في وسعنا أن لا نجرح شعورهم ونكسر خاطرهم، هذا هو قرارنا الذي اتخذناه بإرشاد القرآن الكريم وبأمر أخوّة الإسلام وبمقتضى مصلحتنا جميعا".
وهكذا تُحَوّلون هذا السجن إلى مدرسة طيبة مباركة.

* * *

إخوتي الأعزاء اياة الء:
إن الذين هم في سياسة واحدة أو مهنة واحدة، أو وظيفة واحدة أو في خدمة تتعلق بالحياة الاجتماعية أو لهم نوع من تجارة خاصة.. كل طائفة من طوائف أهل الدنيا هؤلاء لهم اجتماع عا الحافم يتذاكرون فيه أمورهم. كذلك طلاب النور العاملون في الخدمة المقدسة للإيمان التحقيقي، فإن مجيئَهم إلى الاجتماع العام في هذه "المدرسة اليوسفية" بأمر القدر الإلهي وباقتضا الناشاية الربانية وسَوقِها، لا شك أنه يحمل فوائد معنوية جليلة جدّا وسينعمون بتلك الفوائد والنتائج القيمة إن شاء اللّٰه، وأن كل واحد من أركان طلاب النور سيكون بمثابة
— 509 —
حرفِ أَلِفْ، حيث إن أنك وألف" قيمتُها واحدة إن كانت بمفردها ولكنها مع أخواتها، أي أربع ألفات معًا متكاتفتا، ومواجهة بأحوالها تصبح قيمتها ألفا ومائة وإحدى عشرة، وكذلك سيكون ثواب ذلك الأخ المنخرط في هذا الاجتماع وقيمته وخدمته السامية ألفا بإذن اللّٰه.

* * *

ق صدوقسبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن سبب سدّهم اليوم نوافذي ودقِّها بالمسامير هو عزلي عن المسجونين وقطعُ تبادل السلام والتحيات فيما بيننا، إلّا أنهم أبدَوا بحياتيفهة ظاهرية أخرى، فلا تقلقوا. بل إن انشغالهم بشخصي الذي لا أهمية له، وانصرافَهم عن شد الخناق على رسائل النور وطلابها، وإنزالَهم الإهانات والعذاب بي، وإيلامي قلبا وحقيقةً مع عدم تعرضهم لرسائل النور يجعلني في رضًى عن سنة تروضع بل أشكر ربي صابرا فلا أضطرب ولا أقلق أبدا وأنتم كذلك لا تتألموا. فإني على قناعة من أنّ صرفَ أعدائِنا المتسترين أنظارَ الموظفين في السجن إلىّ فيه عناية إلهية وخير من حيث سلامةُ ومصر بعض سائل النور وطلابها.
فعلى بعض الإخوة ألّا يحتدّوا ولا يتفوّهوا بكلام جارح يمسّ شعورهم، وليأخذوا حذرهم في حركاتهم وسكناتهم، دون إبداء القلق والاضطراب. ولاي ساحاا الموضوع عن هذه المسألة أمام كل أحد، لأن هناك جواسيس يحرّفون كلام إخوتنا السذج والجدد الذين لم يتعلموا بعدُ أخذَ الحذر ويصرفون كلامهم إلى معانٍ مغايرة ويستهولون الأ وحملتتافهة، ويخبرون المسؤولين بها. إنّ وضعنا الحاضر كله جدّ لا هزل فيه. ومع هذا فلا تضطربوا قطعا واعلموا أننا تحت رعاية العناية الإلهية، وقد عزمنا على مجابهة جميع المشقات بالصبر الجميل بل بالشكر العظيم للّٰه. فنحن مكلفون بالشكر لأن درهتهم ليالتعب والمشقة يورث طنا من الثواب والرحمة.
سعيد النورسي

* * *

— 510 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد أودعتُ جميع أعمال الدفاع إلى طلاب النور الأركان الذين قَدِموا والذين سيقدمون إلى هنا وذلهدون ش على سببين مهمين وبإخطار قوي، فاضطررت إلى هذا الأمر قلبا. أُودِعُها بخاصة إلى كل من خسرو، رأفت، طاهر، فيضي، صبرى.
السبب الأول:لقد علمت قطعا من دائرة التحقيق، ومن أمارات عديدة، أنهلانتظالون إحداث مشكلات ضدي، بكل ما لديهم من قوة، والتهرب من ظهوري وغلبتي عليهم فكرا، ولهم في ذلك إشعار رسمي. فكأنني إذا تكلمت بشيء فسأبين قدرة علمية وقابلية سياسية بح وسلة ْزِمُ المحاكمَ الحجةَ وأُسكتُ السياسيين، لأجل ذلك يمنعونني عن الكلام بمعاذير واهية. حتى إنني أثناء التحقيق أجبت عن أحد الأسئلة قائلا: لا أتذكر. فتعجب الحاكم وحار في الأمر وقال: كيف ينسى شخص مثلك يملك ذكاءً وعب على ق المعتاد؟
نعم، إنهم يعتقدون أن رفعة شأن رسائل النور وتحقيقاتها العلمية الدقيقة من بنات أفكاري. ومن هنا يأخذهم العجب والحيرة، فلا يريدونني أن أتكلم مع أحد، وكأن كل من يقابلني ويواجهني سيكون مي تجلبطالبا غيورا من طلاب النور! ولهذا يمنعونني من المقابلة مع أي أحد كان. حتى إن رئيس الشؤون الدينية قال: "كل من يقابله ينجذب إليه، إن جاذبيته قوية".
بمعنى أن مصلحتنا تقتضي أن أُودِع شؤوني إليكم الآن. وما لديكم من دفاعاتي القدي بهذه جديدة تشترك بدلا عني في مشاوراتكم بعضكم مع بعض، فهي كافية لهذا الأمر.
السبب الثاني:أُجّل إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.
أما الإشارة القصيرة إلى الإخطار المع ويحسبي: أن الذي جعلني أترك السياسة وقراءة الجرائد وأمثالها من الأمور الفانية خلال خمسة وعشرين عاما ومَنعني من الاشتغال بها، هو
— 511 —
واجب أخروي جليل جدا، مع حالة روحية ذات أثر فعال. فهذان السببان أيضا يمنعانني كليا عن الاشتغال بهذه المسالنور فرعاتها الدقيقة. فأنتم تؤدون أيضا مهمتي بالاستشارة أحيانا مع موكلَيكم الاثنين.

* * *

إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد ورد الآن في الصلاة إلى القلب ن أنفس
إنه بناء على حُسن الظن المفرط الذي يحمله الإخوة الأعزاء ينتظرون منك درسا وإرشادا لهم، وهمّة ومددا ماديا ومعنويا. فمثلما وكّلتَ الإخوة الخواص في أمورك الدنيوية وأودعتها إلى الشورى فيما بين الأركان، وَ ومعاا فعلتَ. كذلك بتوكيلك الشخص المعنوي للخواص الخالصين في أعمالك الأخروية والقرآنية والإيمانية والعلمية فإنهم يؤدون تلك الوظيفة مع وظيفتهم وعلى أفضل وجه وأكمله. وهم فعلا يؤدونها الآن وعلى الدوام.
مثلا:إن كان الذي ي لا يغويسترشد بنصيحةٍ ودرسٍ منك مُوَقّتًا بمقدار درهم، فإنه يستطيع أن يأخذ مائة درهم من النصيحة والدرس والإرشاد من جزء من أجزاء رسائل النور فضلا عن أنه يصاحبها وينتصح منها بدلا منك. ثم إن الخواص من طلاب النور يؤدون وظيفتك هذه كل وق ومثالأل اللّٰه أن يكون شخصهم المعنوي المالك لمقام رفيع والدعاء المقبول ظهيرا لهم وأستاذا ومعينا. هكذا ورد الإخطار فأَوْرَثَ السلوان لروحي وزفَّ لها البشرى والراحة.

* * *

إخوتي الأعزاء الأوفياء:
إن وقونحل جستَي الانفجار في غضون اليومين الماضين من دون أن يكون هناك سبب ظاهري، لا تشبهان المصادفة وتنمان عن مغزى عميق.
أولاها:انفجار المدفأة الحديدية القوية الموجودة في ردهتي فجأة، وأحدثت صوتا قويا حطمت القطعة الفولا ظاهراتي تحتها، فهلع منها "الخياط حمدي"، وأوقعنا في حيرة. علما أنها تتحمل حرارة الفحم الحجري في عزّ الشتاء.
— 512 —
ثانيتها:تهشم القدح الموضوع على مشربة الماء تهشما عجيع صفع ردهةِ "فيضي" من دون سبب ظاهري وذلك في اليوم التالي لانفجار المدفأة.
والذي يرد إلى الخاطر أن القنابل الموضوعة لِتنفجرَ علينا قد فجرتها نُسَخُ الدفاع المرسلةُ إلى دواوين المسؤولين الستة في "أنقرة". وحالٌ وأة الغضب التي تستعر لِتَحْرِقَنا بنارها قد تحطمت دون أن يُلحقَ بنا الضرر.
ولعل تلك المدفأة المباركة التي كانت أنيسة نافعة وتستمع إلى آهاتي وتضرعاتي تخبرني قائلةً: لا حاجة إليّ وسترحل من هذا السجن.

* * *

إخوتي الأعزاء الصدأبكي م
انتابني اليوم قلق وحزن لأجلكم بإخطار معنوي ورَدَ إلى القلب، فلقد حزنت لأحوال إخواننا الذين يرغبون في الخروج حالا من السجن من جراء قلقهم القلق.وم العيش. وفي الدقيقة التي فكرت في هذا، وردت خاطرة ميمونة إلى القلب مع حقيقة وبشرى هي أنه:
ستحل الشهور الثلاثة المباركة جدّا الحاملة لأثوبة عظيمة بعد خمسة أيام فالعبادات مثابة فيها بأضعافها، إذ الحسنة إن كانت بعشر أمثالها في سانور اتوقات ففي شهر رجب تتجاوز مائة حسنة وفي شهر شعبان تزيد على ثلاثمائة حسنة، وفي شهر رمضان المبارك ترتفع إلى الألف حسنة، وفي ليالي الجمع فيه إلى الآلاف، وفي ليلة القدر تصبح ثلاثين ألف حسنة. نعم، إن الشهور الثلاثة سُوق أخروية سامية رفيعة للتجار والالث تُكسِب المرء هذه الأرباحَ والفوائد الأخروية الكثيرة جدّا.. وهي مشهر عظيم ومعرض ممتاز لأهل الحقيقة والعبادة.. وهي التي تَضْمن عمرا لأهل الإيمان بثمانين سنة خلال ثلاثة شة بالتفقضاء هذه الشهور الثلاثة في المدرسة اليوسفية التي تُكسب ربحا بعشرة أمثالها. لا شك أنه ربح كبير وفوز عظيم. فمهما كانت المشقات فهي عين الرحمة.
فكما أن الأمر هكذا من حيث العبادة، فهي كذلك من حيث في مرة النورية والعملِ لنشر رسائل النور، إذ تتضاعف الخدمات إلى خمسة أضعافها باعتبار النوعية إن لم تكن باعتبار
— 513 —
الكمية، لأن القادمين والمغادرين لدار الضيافة هذه (السجن) يصبحون وسائط لنشر دروس النور، وقد ينفع أحيانا إخلالحافظص واحد بمقدار عشرين شخصا. ثم إن كان هناك شيء من المشقات والمضايقات فلا أهمية له إزاء انتشار سر الإخلاص الموجود في رسائل النور بين صفوف المسجونين الذين هم أحوج الناس إلى ما في الرسائل من سلوان ولاسيما ممتهم من في عروقهم بطولات سياسية.
أما من حيث هموم العيش، فمن المعلوم أن هذه الشهور هي سُوق الآخرة وقد دخل بعضكم هذا السجن بدلا عن الكثيرين من الطلاب، بل إن بعضكم قد دخله بدلا عن الألف. فلا شك أنه ستكون لهم مساعدات وإ قدرةً لأعمالكم الخارجية.
هكذا وردت الخاطرة وفرحتُ بها فرحا تاما وعلمت أن البقاء هنا إلى العيد نعمة إلهية عظيمة.
سعيد النورسي

* * *

إلى رئاسة الوزارة ووزارة العدل وو، تبينلداخلية
(٭): كتب هذه العريضة محامو الأستاذ وبإذنه وأُرسلت إلى الدوائر العليا المذكورة.- (صونغور).
إن جميع رجال الدولة يعرفونني عن كثب، ولاسيما أولئك الذين عاصروا الظروف الجسكونها ي مرت على البلاد منذ إعلان الحرية (الدستور) وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال غزو الحلفاء للبلاد ودخولهم "إسطنبول"، وما أعقبته من أحداث لحين تشكلِ الحكومة الوطنية، وفترة إعلان المؤلما ة.. فالذين يحيطون علما بتلك الظروف ممن يتولون الآن مناصب في الدولة يعرفونني معرفة جيدة.. ومع هذا فاسمحوا لي أن أعرض مَشاهِدَ من حياتي أمامكم عرضا سريعا:
"ولدتُ في قرية "نورس" التابعة لولاية "بتليس"، وطوالَ فتلاته، ة التلمذة وتحصيلِ العلوم دخلتُ في مناقشات علمية حادة مع كل مَن قابلته من العلماء، كنت أتغلب عليهم بفضل العناية الربانية. حتى بلغتُ "إسطنبول". وهناك في جوها المشوب بآفة اابٌ جا#514
والصيت لم أنقطع عن مناظراتي العلمية. إلا أن وشاية الحاسدين والخُصَماء، أدّت بي أن أُساق إلى مستشفى المجاذيب بأمر السلطان عبد الحميد -رحمه اللّٰه رحمة واسعة- ثم استقطبتُ نحبس المة الاتحاد والترقي، بناءً على خدماتي أثناء إعلان الدستور وحادثة ٣١ مارت. طرحتُ عليهم مشروع بناء جامعة في مدينة "وان" باسم "مدرسة الزهراء" على غرار الأزهر لعالم.. حتى إنني وضعت حجرها الأساس بنفسي، ولكن ما إن اندلعت الحرب العالمية الأولى حتى شكلتُ من طلابي والمتطوعين "فرق الأنصار" وتوليت قيادتهم، فخضنا معارك ضارية في جبهة القفقاس مع الروس المعتدين في "بتليس".. وقعت أسيرا بيدهم، إلّا أن العناية الربانية والمني من الأسر. وأتيت "إسطنبول". وعُينتُ فيها عضوا في "دار الحكمة الإسلامية"، وبادرت إلى مجاهدة الغزاة المحتلين لإسطنبول في تلك الظروف الحرجة، وبكل ما وهبني اللّٰه من طاقة.. إلى أن انتهت حروب الاستقلال وتشكلت الحكومة الوطنية في "أنقرة" السرمتْ من جديد -تثمينا لخدماتي تلك- إلى مشروع تأسيس الجامعة في "وان".
إلى هنا كانت حياتي طافحة بخدمة البلاد، وفق ما كنت أحمله من فكرة خدمة الدين عن طريق السياسة. ولكن بعد هذه الفترة وَلَّيْتُ وجهي كليا عن الدنيا، وأقب أثبتتعيدا القديم" -حسب اصطلاحي- وأصبحت "سعيدا جديدا" يعيش كليا للآخرة، فانسللت من حياة المجتمع ونفضتُ يدي عن كل ما يخصهم فاعتزلت الناس تماما واعتكفت في "تل يوشع" في "إسطنبول" ومن ثم في مغارات في جبال "وان" و"بتليُها واُّ في مجاهدة مستديمة مع روحي ووجداني. انفردت إلى عالمي الروحي رافعا شعار "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة". صرفت كل همي ووقتي إلى تدبّر معاني القرآن الكريم. وبدأت أعيش حياة "فإنه تلجديد".. أخذتني الأقدار نفيا من مدينة إلى أخرى.. وفي هذه الأثناء تولدتْ من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم.. أمليتها على مَن حولي من الأشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم "رسائل النور". إنها انبعثت حقا من نور الي ألوفلكريم. لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذه الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وإنما هي إلهام إلهيّ أفاضه اللّٰه سبحانه على قلبي من نور القرآن الكريم، ف إلى ا كل من استنسخها، لأنني على يقين أن لا سبيل إلى حفظ إيمان الآخرين غير هذه السبيل فلا تُمنَع تلك الفيوضات عن المحتاجين إليها. وهكذا تلقفتْها الأيدي الأمينة بالاستنساخ والنشر،
#51ح. إذ نت أن هذا تسخير رباني وسَوق إلهي لحفظ إيمان المسلمين. فلا يستطيع أحد أن يمنع ذلك التسخير والسوق الإلهي، فاستشعرت بضرورة تشجيع كل مَن يعمل في ايتي اسبيل امتثالا بما يأمرني به ديني. فهذه الرسائل التي تربو على المائة والثلاثين رسالة لا تبحث بحثا مقصودا عن أمور الدنيا والسياسة، وإنما تخص كليا أمور الآخر ة والإيمان. وعلى الرغم من كل هذا فقد أصبحت الشغل الشاة الربنتهازيين والمتصيدين في الماء العكر حتى أوقفتني السلطات في كل من "أسكي شهر" و"قسطموني" و"دنيزلي".. وأجرت المحاكمُ تدقيقات علمية على الرسائل. قام بها خبراء متخصصون، إلّا أن الحقيقة -بفضل اللّٰه شر ألف- كانت تتجلى بنصاعتها دوما، وتتبوأ العدالة مكانتها اللائقة بها. بيد أن هؤلاء المتربصين للفرص المتصيدين في الماء العكر لم يسأموا أبدا، بل تسببوا في اعتقالي في هذه المرة، وأتوا بي إلى "أفيون" يسندون إليَّ التهم الآتية وأنا رهام الأقيف للاستجواب:
١- إنك قد شكلت جمعية سياسية.
٢- إنك تنشر أفكارا تعادى النظام.
٣- إنك تستهدف غاية سياسية.
والأسباب الموجبة لهذههولة وامات ودلائلها هي بضع عشرة جملة في عدد من رسائلي.
أيها الوزير المحترم!
"آتوني جملة لا يمكن تأويلها، وأنا أحكم بها عليكم بالإعدام". قالها نابليون. تُرى أية جملة يتفوّه بها الإنسان لا تكون سلتضحيةتأويلات والجرم والذنب؟ ولاسيما من كان مثلي بالغا الخمس والسبعين من العمر وقد تخلى عن أمور الدنيا ونفض يده عنها كليا وحصر حياته كلَها للآخرة. فلا بد أن تكون كتاباتُ مثل هذا الشخص حرة طليقة، لأنها مقرونة بحًا ٭ منية وحُسن الظن، فليس فيها تردد ولا تحرّج. لذا فإنّ تحري الجرم والتنقيب عن التهمة بالتدقيق تحت سطور هذه الكتابات، ظلم واضح فاضح لا غير.
وبناءً على هذا فإن رسائل النور البالغة ثلاثين ومائة رسالة، لا تتضمن -قصدا- ما يتء العنمور الدنيا قط، بل كلها تتعلق بالآخرة والإيمان، فلا غرو أنها مقتبسةٌ من فيض نور
— 516 —
القرآن الكريم، وليس فيها أية غاية وقصد دنيوي ولا سياسي قط. فما من محكمة تناولت أمور هذه الرسائل إلّا وقررت تبرئتها بالقناعيه وحدا. ولهذا فإن إشغال المحاكم بما ليس ضروريا لها ولا يلزمها وعزلَ أهل العمل المؤمنين الأبرياء عن أعمالهم وأشغالهم أمر مؤسف بحق البلاد والعباد.
نعم، إن "سعيدا القديم" الذي بذل كل حياته في سبيل إسعاد هذه اى المانشرِ الأمن والسعادة في ربوع البلاد، وانسحب انسحابا كليا عن الدنيا بأسرها وكفّ يده عن أمورها كليا، أيمكن له أن يشتغل بالسياسة بعد أن أصبح "سعيدا جديدا" وبلغ من العمر الخامسة والسبعين؟ أعتقد أنكم مقتنعون كذلك بهذا قناعة تامة.
لي غاية واحدة وهي:
أنني في هذا الوقت الذي أتقرب فيه إلى القبر.. وفي هذا الوطن الذي هو بلاد إسلامية، نسمع نعيق أبوام البلاشفة.. هذا النعيق يهدد أسس الإيمان في العالم الإسلامي، ويحاولونشعب ولاسيما الشباب إليه، بعد سلب الإيمان منهم.
إنني بكل ما أملك من وجود، أُجاهد هؤلاء، وأدعو المسلمين وبخاصة الشباب إلى الإيمان، فأنا في جهاد دائم مع هذه المجموعة الما فقد وسأمثل إن شاء اللّٰه في ديوان حضوره سبحانه وأنا رافع راية هذا الجهاد. وكل عملي ينحصر في هذا. وأخشى ما أخشاه أن يكون الذين يحولون بيني وبين غايتي هذه هم بلاشفة أيضا.
فغ العاللمقدسة هي التكاتف والتساند والترابط مع كل من يجاهد أعداء الإيمان هؤلاء. أعطُوني حريتي وأطلِقوا يديّ كي أعمل بالتكاتف مع القوى المجاهدة في سبيل إعلان التوحيد وترسيخ الإيمان في هذه البلاد وإصلاح ابن حنبالمتسمم بالشيوعية.
الموقوف
سعيد النورسي

* * *

— 517 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصدّيقين!
إن أنجع علاج في هذه الدنيا، ولا سيما في هذيةٌ ومان، وبخاصة للمبتلَين بالمصائب، ولطلاب النور الذين انتابهم ضجر شديد ويأس قاتم هو تسلية أحدهم الآخر، وإدخال السرور في قلبه، وإمداد قوته المعنوية وضماد جراحات الضيق والحزن والسأم، وتلطيف قلبه المغموم، كأخ حقيقي مضثوري لالأخوة الحقة والأخروية التي تربطنا لا تتحمل التحيز والإغاظة.
فأنا أعتمد عليكم كليا وأستند إليكم، وأنتم على علم بقراري وعزمي بأنني عازم على أن أضحى مسرورا لأجلكم أنتم بروحي، لا براحتي وشرفي فحسب، بل ون الأهدون هذا مني فعلا، حتى إنني أقسم لكم: إنه منذ ثمانية أيام يتألم قلبي من عذاب شديد، من جراء حادثة تافهة سببت دلالا ظاهريا بين ركنين من أركان النور فأحزن أحدُهما الآخرََ بدلا من أن يكونا مبعث سلوان. فصرختْ روحي وقلبي وعقلي معا، وبكت قائلة: "أوشديدا اه! الغوث الغوث يا أرحم الراحمين، احفظنا وأجرنا من شياطين الجن والإنس، واملأ قلوب إخواني بالوفاء التام والمحبة الخالصة والأخوّة الصادقة والشفقة الكاملة".
و أداةوتي الثابتين الصلبين صلابة الحديد! أعينوني في مهمتي! فإن قضيتنا في منتهى الدقة والحساسية، فلقد سلمتُ إلى شخصكم المعنوي جميعَ مهماتي، لشدة ثقتي واطمئناني بكم، فعليكم إذن أن تسعوا -مراتُ مم- لإمدادي وعوني، فعلى الرغم من أن الحادثة تافهة جزئية، فإن وقوع شعرة، مهما كانت صغيرة في عيننا تؤلم، وفي ساعتنا توقفها إن هذه الحادثة الجزئية تعد كبيرة حيث أخبرتْ عنها الانفجاراتُ الثلاثة المادية والمُشاهَدات الثلاث المموجود
سعيد النورسي

* * *

— 518 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن انفجار مدفأتي وتهشّم أقداح "فيضي" و"خسرو" ينبئان عن وقوع مصيبة ستحل بنا.
نعم، إنه ينياتهم تساند الحقيقي والترابط الصادق الذي هو أقوى مرتكز ونقطة استناد لنا مع غض النظر عن أخطاء بعضنا البعض وعدمُ الاستياء من "خسرو" الذي هو بطل النور والممثل لشخصه المعنوي وفي موقعي أنا.
وقد كنت أشعر قبل بضعة أيام ضيقا شديدا في صدريهم بمث في قلق: "لقد وجد أعداؤنا وسيلة للتغلب علينا"..
حذار..! حذار..! حذار..! اعملوا فورا على رأب الصدع في ترابطكم الوثيق الفولاذي.. أُقسم باللّٰه إن هذه الحادثة -وئل مكت في هذه الفترة- تُلحق الضرر بالعمل للقرآن وخدمة الإيمان أكثر من دخولنا السجن.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
إن "ليلة المعراج" بمثابة "ليلة قدر" ثانية. فكسر الفياب بالعمل المتواصل -كلما أمكن- يرتفع في هذه الليلة من الواحد إلى الألف. وكذا بالسر الكامن في الاشتراك المعنوي ستؤدون عبادات وتدعون دعوات في هذه الليلة المباركة، ولاسيما في هذا المعكتف المُثاب عليه كثيرا، بأربعين ألف لسان كبعض قيقيا كة المسبّحة بأربعين ألف لسان. ومن ثم تشكرون ربكم بعبادات هذه الليلة، إزاء عدم تضررنا بواحد من ألف من الأضرار التي كانت تلحق بنا نتيجة العاصفة السابقة.
إننا نبارك أخذكم الحذر التام، ونبشركم في الوقت نفسه أن العنايةذا الرنية قد تجلت بحقنا تجليا واضحا.
سعيد النورسي

* * *

— 519 —
إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:أبارك ليلتكم، ليلةَ المعراج، بكل ما أملك من روح وجسد.
ثانيا:إن دعوانا منذ عشرين سنة هي أن طلاب النور لا يتعرضون -ما أمكن- لنظام البلاد ه بتعبسّون أمنَها بسوء. إلّا أن قضية سجننا هذه يمكن أن تُعد أمارة قوية وحُجة على جرح دعوانا تلك، حيث إن الذين يهاجموننا يزعمون أننا نخلّ بأمن البلاد ونظامِها أولا. إلّا أن العناية الإلهية قد ظهرت بشكل خار لبضعةمة إخلاصكم ووفائكم، إذ قد خَفَّت شدة المصيبة من المائة إلى الواحد وغدت القُبة حَبة بفضله تعالى. وإلّا فإن الذين يستهولون الأمور ويجعلون الحَبة قُبة بحقنا يستغلوكن قياالفرصة لبثّ الافتراءات ضدَّنا وربما يحملون الناس على تصديقها.
ثالثا:لا تفكروا فيّ ولا تقلقوا عليّ أبدا. فإن وجودي معكم في بناية واحدة يزيل كل صعابي ومشقاتي ومضايقاتي.. وحقا إن اجتماعنا هنا له أهمية عظيمة من جهات شتى، وفوائد جمة لخدمة وجوب ون حتى إن إرسال تلك الحقائق المهمة التي تتضمنها "تتمة الاعتراض" إلى الدوائر العليا الست هذه المرة، وجلبَها أنظارهم وإجرائَها حكمها فيهم -إلى حدّ ما- أزال جميعَ مشقاتنا وأتعابنا.
رابعا:إن الانشغال بوعاء االنور -حسب الإمكان- يزيل الضجر والضيق، ويمكن أن يعدّ خمسة أنواع من العبادة.
خامسا:لقد خفّت المصيبة السابقة من شدتها من المائة إلى الواحد بفضل دروس رسائل النور، وإلّا لكانت تصبح -من حيي لائحف الدقيق زمانا ومكانا- الحبةُ قبابا كثيرة، أي هي بمثابة إلقاء الشرارة في البارود. حتى إن فريقا من الموظفين الرسميين قالوا: "إن الذين استمعوا إلى دروس النور لم يتدخلوا في الأمر" فلو كان الجميع يستمعون إليها لمَا حدث شيء قط.
فلا مة إنق يا إخوتي المجال -قدر المستطاع- إلى الثنائية والتفرقة، لئلا يُضاف شيء آخر إلى ضيق السجن وضجره. وليكن المسجونون أيضا إخوة متحابين كطلاب النور ولا يهجرنّ بعضهم بعضا.
سعيد النورسي
— 520 —
إخواني الأوفياء الن الدف!
لقد تَحتّم علينا بدرجة الوجوب استعمالُ دساتيرِ لمعةِ الإخلاص وسرِ الإخلاص الحقيقي فيما بيننا وتجاه بعضنا للبعض الآخر، ما استطعنا من الرك سبيلا، وبكل ما نملك من قوة. إذ علمتُ بخبر يقينيّ أنه قد عُيّن ثلاثة أشخاص، منذ ثلاثة شهور، ليُلقوا الفتور فيما بين الإخوة الأوفياء هنا باستغلال اختلاف الأفكار والمشارب فيما بينهم، وعاملين على تثبيط عزائم الأقوياء منهم، وبث الشبهات والحِ الحوالخوف في قلوب الرقيقين منهم، القليلي الصبر والتحمل، لِجَعْلِهم يتخلون عن القيام بخدمة النور، فيمددوا مدةَ محاكمتنا لهذه الأغراض.
فحذار.. حذار! وإياكم أن تهتز تلك المحبة الصميمية الصادقة التي ربطت، لذا م، إذ إن اهتزازا طفيفا في الأخوّة والمحبة بقدر ذرة واحدة يضرنا أيّما ضرر. لأن بعض علماء الدين في "دنيزلي" قد ابتعدوا عنا بسبب تزعزع طفيف. نحن نضحي بأروٌ يجتمخيصةً في سبيل أخوّتنا إن استوجب الأمر، وهذا ما تقتضيه خدمتنا القرآنية والإيمانية. لذا فلا يضجرنّ أحد من الآخر مما يسببه توتر الأعصاب الناجم عن الضيق الشديد ومن أي سبب آخر، بل ليسعَ كل منكم بزيادة محبته لأخيه وجن "أفصميميته وإخلاصه له وليحمّل نفسه التقصيرَ بكمال التواضع والتسليم، وإلا فسوف نتضرر عظيمَ الضرر، إذ تصبح الحبة الصغيرة قبة عظيمة تستعصي على الإصلاح. أختصر الكلام هنا مُحيلًا الموضوعَ إلى فراستكم.

* * *

بقسوته الأعزاء الصديقين!
بناءً على إخطار معنوي مهم، إنّ لكم مهمة أو مهمتين نوريتين، تلك هي السعي بكل ما أوتيتم من قوة بدروس رسائل النور، لئلا يحدث بين المسجونين المبتلين المساكين في هذه "المدرسة اليوسفية الثالثة"، الانحياز آلافٌجهة والانشقاق، حيث إن مفسدين خطرين يتربصون تحت الستار ليستغلوا الاختلاف والأغراض الشخصية والحقد والعناد.
فما دام معظم أصحابنا في السجن يحملالحياة البطولة والتضحية بروحهم لأجل بلادهم وأمتهم وأحبتهم إن استوجب الأمر، فلاشك أن الواجب على أولئك الرجال الشهام
— 521 —
أن يضحّوا بعنادهم وأغراضهم الشخصية وعداواتهم لأجل سلامة الأمة وراحة الريَت من والنجاة من إفساد المتسترين الذين يعملون بخفاء لصالح الفوضى والإرهاب ويلقحون أفكار الناس بالشيوعية، فيضحون بتلك العداوة التي لا فائدة فيها قطعا بل فيها ضرر كبير ولاسيما في هذا الوقت العجيب.
وإلّا، (أي بخلاف هذا)، سيكون الأمر في هذا الوقت لى الت كمن يُلقي الشرارة في البارود وسيلحق الضرر بمائة سجين ضعفاء وبطلاب النور الأبرياء، وبولاية "أفيون" هذه، بل ربما يكون وسيلة لطرف أصابع منظمة أجنبية دخلت البلاد.
وحيث إننا قد دخلنا السجن لأجل أولئك بالقدر الإلهي، بل قِسمٌ منا ل
* * مغادرةَ السجن، لاستدامة سعادتهم وراحتهم المعنوية، ونحن مستعدون للتضحية براحتنا وهنائنا في سبيل راحة الآخرين من إخواننا، وتحمُّلِ كل ضيق وضجر بالصبر الجميل، فلابد أن إخواننا الجدد أولئك أيضا يصبحون كمسجونِية صحيحدنيزلي"، فلا يضجر بعضهم من بعض ولا يهجره ولا يسأم منه ويستاء، بل عليهم -وهذا ضروري- أن يتصالحوا فيما بينهم إخوانا متحابين تلطيفا لخاطر أُخُوّتنا ولأجل حرمة شهر شعبان وشهر ن ونفذالمبارك.
وبدورنا نحن جميعا -وأنا كذلك- نعدّهم ضمن دائرة طلاب النور حتى إنهم قد دخلوا ضمن دعواتنا.
سعيد النورسي

* * *

إخواني الأعزاء الصادقين.
أولا:إن في تأجيل موعد محاكمتنا وحضور إخة يردّالذين أُخلُوا منها هنا يوم المحاكمة، فيه خير كثير.. والخير فيما اختاره اللّٰه.
نعم، لما كانت قضية رسائل النور تهم العالم الإسلامي كله وبخاصة هذا البلد، لذا تستدعي أمثال هذه الاجتماعات الصاخبة المثيرة الجالبة لأنظار الناس عامة إلى حقائق رمنها النور. وهكذا تلقي رسائل النور دروسَها الرائعة وبصراحة تامة على الأصدقاء والأعداء، حتى
— 522 —
أظهرت أخفى أسرارها إلى أعدى أعدائها دون إحجام ولا تردد، في مثل هذه الاجتماعات التي هي فوق حسباننا وخارج حذرنا وخلاف إخفائنا للرس، أغاثضادد تهوين معارضينا لشأنها، فضلا عن أنها خارج طوقنا وإرادتنا.
فمادامت الحقيقة هذه، فينبغي لنا أن نعدّ مضايقاتنا التي نعانيها هنا -وهي جزئية وقليلة جدّا- علاجا مرا نتناوله بالصبر والشكر قائلين: "كل حال يزول".
ثانيا:لقد كتبتُ لمدير هقوا يامدرسة اليوسفية":
عندما كنت أسيرا في "روسيا" قامت الثورة البلشفية أولَ ما قامت من السجون، كما أن الثورة الفرنسية قد اندلعت من السجون أيضا، وحملها أولئك المسجولجميعَمذكورون في التاريخ باسم الفوضويين. لذا نحن طلاب النور قد سعينا في كل مرة في سجن "أسكي شهر" و"دنيزلي"، وكذلك هنا (في أفيون) قدر المستطاع لإصلاح المسجونين، وقد تكلل ذلك السعيُ الجميل في "أسكي شهر" و"دنيزلي" بالثمرات الطيبة وستثمر هنا إن شاء ام ذلك فوائدَ أكثر. حتى إنه في هذا الوقت الدقيق والمكان الحرج مضت تلك الزوبعة (٭): المقصود العصيان الذي دب في صفوف المسجونين في سجن "أفيون" ولم يشترك فيه طلاب النور قط. (المناقش. وخفت شدتها من المائة إلى الواحد بفضل دروس النور. إذ لولا ذلك لكانت التيارات الخارجة المفسدة تتمنى الفرصَ لتستغل الاختلافات وأمثالَ هذه الحوادث. ولكانت تلقي الشرارة في البارود وتشب الحريقنوية، عيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصدّيقين الثابتين في خدمة القرآن، يا من لا يتهربون منا من شدة الضيق!
أحزنتني نفسي الآن في التفكير لأجلكم، جراء ضيق مادي ومعنوي، ولكن.. إذا بخاطر يَرِدتي تشرلقلب، وهو أنكم لو تحملتم عشرةَ أضعافِ هذه المشقات والمتاعب وبصورة أخرى لكانت زهيدة في سبيل لقاء أحد من الإخوة هنا لقاء عن قرب.
— 523 —
ثم من الضرورة بمكان أن يكون لطلاب النور كلَّ بضعِ سنين اجتماعلمشيئةعون فيه دفعة واحدة، كما كان أهل الحقيقة سابقا يجتمعون مرة أو مرتين كل سنة ويديمون فيه مسامراتِهم ومحاوراتهم على وفق مشرب رسائل النور المكلل بالتقوى والرياضة الروحية، ومسلكِها المتسم بإلجاسوسادروس إلى الناس كافة وإلى المحتاجين خاصة بل حتى إلى المعارضين، ولأجل إنطاق الشخص المعنوي في دائرتها. فالمدرسة اليوسفية هذه أفضل مكان لطلاب النور وملائم جدّا لهذه الأغراض، بحيث تَهُون أمامه المشقاتُ حتى لو كانت أل الإيج وضيق.
إن اجتناب بعض إخوتنا الضعفاء وانسحابَهم من ميدان العمل للنور لسآمتهم في سجوننا السابقة كان خسارة جسيمة لحقت بهم، بينما لم يلحق أي ضرر برسائل النور وطلابها، بل انضم بدلا منهم من هو أكثر ثباتا وإخلاصا منهم.
وحيث إن امتحانإدراك ا عابر ويمضي بسرعة ويسلّم لنا ثوابه وثمراته، فعلينا الاطمئنان إلى العناية الإلهية شاكرين ربنا من خلال الصبر.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصدّيقين!
أولا:عندما تسلّمون القطعتين الأخيرتين إلى ر" بمفتمحكمة، بوساطة شخص فاضل تختارونه ليطّلع عليها اطلاعا غير رسمي، ليكن ذلك بعد طبعهما بالحروف الجديدة أو بالحروف القديمة، وقدِّموا معهما إليه مذكريجةَ ت تكتبون فيها:
إن "سعيدا" يقدم لكم شكرَه الجزيل ويقول: لقد فتح الحراس الشبابيك إلّا أن المدعي العام لا يسمح لأي واحد من إخوتي بالمجيء إليَّ. وإنه يرجو منكم رجاءً حارا أن تعيدونا، ول المصحف الشريف المحجوز في المحكمة والمكتوب بخط نفيس معجز كي يتلو فيه هذه الشهور المباركة، علما أنه قد أُرسلت ثلاثة أجزاء من ذلك المصحف إلى رئاسة الشؤون الدينية ليسعوا في طبعه بالصورة. وعلاوة على ذلك يرجو منكم أن تسلموا إليه إحدى المجت تشهد#524
التي سُلّمت إلى المحكمة، كي تكون له مدارَ تسلٍّ في تجريده المطلق وضيقه الشديد وليأنسَ بمطالعتها ويصاحبها في عزلته هذه عن الناس. علما أن تلك المجموعات قد مرت على ثلاث محاكم أو أربع دون أن يعترضوا عليها. فضلا عن تقديرنبعثة ر من علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة والشام وحلب وكبار علماء الأزهر بمصر، بل إعجابهم بها من دون أن ينتقدوا منها ولا يعترضوا عليها وذلك بشهادة الحجاج القادمين.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن لدى "د للّٰنسختين من "الحزب النوري" فإن لم تكونوا بحاجة إليهما فلترسَل إحداهما إليّ، أو ليكتب "محمد فيضي" نسخة أخرى. فضلا عن أننا بحاجة إلى "رسالة رمضان" و"الآية الكبرى" المطبوعة.
أصلِحوا فوراشعاره-ءَ الموجود فيما بينكم.
حذار.. حذار من هذا.. لأن انحرافا ولو طفيفا جدا، يُلحِق بدائرة النور ضررا أيما ضرر، فلا تنفعلوا بالأحاسيس الناشئة من الضيق، فلقد أشار انفجارُ مدفأتي إلى هذه الحادثة.

* * *

إخوتي الأعزاء الصدّيقين: خسروْحَكيم فيضي وصبري!
كنت آمل أن أُودع إليكم -بكل ثقتي وقناعتي- الحفاظ على سلامة رسائل النور ثم أَدخلَ القبر سليم القلب. وكنت أعتقد أنه لا يمكن أن يَحُوم المو -مهما كان- بين بعضكم البعض الآخر. والآن هناك إشعار رسمي موضوع بخطة رهيبة لإحداث جفوة بين أركان طلاب النور.
ولما كنتم مستعدين للتضحية -إذا استوجب الأمر- بحياتكم لأجل الآخرين، بمقتضى وفائكم الخالص وترابطكم الوثيق برسٍ ذات نور، فلا شك بل ويحتم عليكم أن تضحوا بمشاعركم الجزئية العابرة التي لا أهمية لها في سبيل الآخرين. إذ بخلاف ذلك ستَلحق بنا بلا
— 525 —
شك -في بعدم لفترة- أضرارٌ جسيمة، كما أن هناك احتمالَ الافتراق عن دائرة النور.. أقول ذلك وأنا أرتعد من هذا المصير.
ولقد انتابني ضيق شديد منذ ثلاثة أيام لم أرَ مثله قط وهزني هزا عنيفا، وعلمت الآن قطعا أنّ تدللا من بعضكم على البعض الآخأمنها،كان طفيفا -كشعرة في العين- يقع وقوع القنبلة في حياتنا النورية.
حتى إنني أبلغكم هذا أيضا: لقد بُذِلَتْ جهودٌ مضنية لإظهارنا ذوي علاقة مع الزوبعة السابقة، فيحاولون الآن إلقاء الجفاء -ولو قليلب راقٍا بينكم.
إنني قررتُ أن لا أنظر إلى تقصير أيٍ منكم رغم أنني أقاسي -في سبيل الحفاظ على مشاعركم- المتاعب والمضايقات أكثر منكم بعشر مرات، فأطلب منكم باسم أستاذنا الشخص المعنوي لطلاب النور، تركَ الأنانية وعدم الأخذ بها محالدين،ن المرء أم غير محق.
وإن كانت هناك أصابع خفية تلعب في ذلك المكان العجيب، لوجودكم معا، فليذهب أحدكم إلى ردهة "طاهري".
سعيد النورسية ببحث *
إخوتي الأعزاء الصديقين ويا زملاء الدراسة في هذه "المدرسة اليوسفية"!
إن الليلة القادمة هي ليلة النصف من شعبان، وهي بمثابة نواة سامية هو:
املة، ونوع من برنامج للمقدرات البشرية، لذا تكتسب هذه الليلة قدسية من ليلة القدر. فمثلما الحسنات تتضاعف إلى ثلاثين ألف ضعف في ليلة القدر، يرتفع العملُ الصالح وكل حرف من الحروف اوزارة ة في ليلة النصف من شعبان إلى عشرين ألف ثواب.
فلئن كانت الحسنة بعشرة أمثالها في سائر الأوقات، ففي الشهور الثلاثة ترتفع إلى المائة وإلى الألف، وفي هذه الليالي الل، وقي ترتفع إلى عشرة آلاف، وعشرين ألفًا، وثلاثين ألفًا من الحسنات. فهذه الليالي المباركة تعدل عبادة خمسين سنة، لذا فالانشغال - قدر المستطاع - بتلاوة القرآن الكريم والاستغفار والصلوات على الرسول الكريم (ص) في هذه الل وما فح عظيم جدّا.
سعيد النورسي

* * *

— 526 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما.
سلّمكم اللّٰه في الدارين.
نبارك لكم ليلة اهاز الن شعبان بكل قلوبنا وأرواحنا، تلك الليلة التي يمكن أن يغنم فيها أهل الإيمان عمرا معنويا يعدل خمسين سنة من العبادة. فكل طالب مخلصٍ خالص للنور في هذه الليلة كأنه يعبد ربه ويستغفره بمنيا و ألف لسان كبعض الملائكة المسبِّحين بأربعين ألف لسان.. هكذا نأمل من رحمته تعالى باطمئنان تام وبسرّ الاشتراك المعنوي وبفيض التساند المعنوي.
سعيد النورسي

* * *

باسمه إلى ذل
أولا:لقد اعترض البعض في الادعاء على مسألة من "الشعاع الخامس" تتعلق بالدجال، متأثرين في اعتراضهم هذا بادعاءات بعض أصحاب الأهواء والبدع من العلماء، الذين ينكرون مجيء الدجال أو حتى عدد من الدجالين فييوعيينام. ولعلّ الحديث النبوي التالي يُعتبر خيرَ دليل على دحض تلك المزاعم.
فقد ورد في الحديث الصحيح: "لن تزال الخلافة في ولد عمي -صِنْو أبي- العباس حتى يسلمها إلى الدجال" وهذا الحديث الشرية كانت عن أنه يعتبر معجزة رائعة من معجزات نبينا (ص)، فإنه يدل دلالة صريحة على أن الخلافة العباسية ستظهر وتستمر مدة طويلة بما يقرب من خمسمائةلزهادُم تدمَّر على يد دجال من الدجالين الثلاثة من أمثال "جنكيز" و"هولاكو" ويتولى حكومة دجالية في العالم الإسلامي، أي إنه يدل دلالة ظاهرة على أن العالم الإسلامي سيُفْتَتَن بثلاثة منبغي اللين طبقا للأحاديث المختلفة الواردة.
— 527 —
على أن الخبر الغيبي الوارد في هذا الحديث ينطوي على معجزتين قطعيتين من معجزات الرسول (ص).
إحداها:أن الخلافة العباسية ستقوم فيما بعد وتدوم خمسمائاسونية
ثانيها:أن هذه الخلافة ستنقرض على يد دجال ظالم طاغ من أمثال "جنكيز" و"هولاكو".
فيا عجبا! هل يمكن لصاحب الشريعة الذي أَخبر في كتب الأحاديث عن أشياء جزئية تعود إلى شعائر الإسلام والقرآن أن لا ين وزارةالأحداث العجيبة التي في زماننا هذا؟.. وهل يمكن أن لا يُشار إلى تلاميذ رسائل النور الذين نذروا أنفسهم لخدمة القرآن خدمة مخلصة، وبشكل رائع وواسع، لاسيما الأوفي عجيب كزماننا هذا، وفي ظروف صعبة وشديدة كظروفنا.. تلك الخدمات التي يعترف بها الأعداء والأصدقاء؟
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إلى الرائد النوري العزيز وخادِفنا ذآن أخي رأفت بك!
هذه نكتة من نكات الآية الجليلة:
وَضُرِبَتْ عليهم الذِّلَةُ والْمسْكَنَةُ
(البقرة:٦١)
إن اليهود لما أفرطوا في حُب الحياة والتكالب على الدنيا استحقوا أصابة اقَوا صفعةَ الذل والمسكنة في كل عصر وكل مكان. إلّا أن الأمر بالنسبة لقضية فلسطين هذه يختلف بعض الشيء. فقد حلّ محل حُبِ الحياة والتكالبِ على الدنيا الين خدعجبلّة اليهود وديدنُهم على مر العصور شعورٌ قومي وديني؛ حيث بدؤوا يحسون أن "فلسطين" هي مقبرة بني إسرائيل وأن الأنبياء السابقين كانوا من قومهم. وبالنظر إلى شعورهم القومي والديني هذا فإنهمواللهولقَّوا صفعة تأديب بسرعة هذه المرة. وإلّا فكيف يكون باستطاعة ثلة قليلة من الناس أن تعيش وسط ذلك الجمع الهائل من العرب الذين يطوقونها من كل صوب دون أن يتلقَّوا صفعة سريعة وتُضربَ عليهم الذلة والمسكنة.

* * *

— 528 —
سؤال: * *
اك آية كريمة تدل على كروية الأرض، وفي أية سورة من سور القرآن الكريم. فإن شبهةً تجول في فكري حول تسويتها أو كرويتها، وحيث إن أراضي كل حكومة تحدها البحار فما الذي يحافظ على أطراف هذه البحار الواسعة؟.
الملا علي من أميرداغ
رحمن ااب:لقد حلّت رسائل النور هذه المسألة وما شابهها من المسائل. علما أن علماء الإسلام قد قبلوا بكروية الأرض، وإنها لا تخالف الدين. ولا يدل ورود السطح في الآية الكريمة [٭]: (وإلى الأرض كيف سطحت) (الغاشية: ٢٠) على "ليستويتها.
هذا وإن استقبالَ القبلة شرط في الصلاة لدى المجتهدين، والشرط يسري في جميع الأركان، لذا يلزم استقبال القبلة في الركوع والسجود، وهذا إنما يمكن بكروية الأرض. والقبلة شرعا عمودٌ نوراني يصعد من فوق الكعبةين العلعرش وتمتد من أسفلها إلى الفرش. فاستقبال القبلة في أركان الصلاة إنما يكون بكروية الأرض وبكون القبلة عمودا نورانيا كما ذكرنا.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبخلوقاتحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.
إخوتي الأعزاء الصديقين!
نبارك من كل قلوبنا وأرواحنا حلولَ شهر رمضان المبارك، ونسأله تعالى أن يجعل ليلةحةُ ال لكم خيرا من ألف شهر. آمين.. ويقبلَها سبحانه منكم في حكم ثمانين سنة من العمر المقضي بالعبادة.. آمين.
— 529 —
ثانيا:إنني أعتقد أن بقاءناي منتهلى العيد فيه خير كثير وفوائد جمة. إذ لو أُفرج عنا لحُرمنا من خيرات هذه "المدرسة اليوسفية"، فضلا عن أننا سننشغل بأمور دنيوية في هذا الشهر المبارك شهرِ رمضان ة والاو شهر أُخروي بحت، وهذا مما يخل بحياتنا المعنوية.
إذن فالخير فيما اختاره اللّٰه، وستكون إن شاء اللّٰه أفراحٌ كثيرة وخيرات أكثر. لقد علمتم أيضا يا إخوتي في المحكمة أنهم لا يستطيعون و.
#368يء علينا حتى بقوانينهم أنفسهم، لذا يتشبثون بأمور جزئية جدّا لا تمسُّ القانون بشيء ولو بقدر جناح بعوضة، فينقبون في مكاتب جزئية وأمور جزئية خاصة جدا، حيث لا يجدون من المسائل النورية العظيمةالهوى تكون سببا للتعرض لنا.
ثم إن لنا مصلحة أخرى وهي أنهم ينشغلون بشخصي الذي لا أهمية له فيهوّنون من شأني بدلا من انشغالهم بطلاب النور الكثيرين ورسائلِ النور دعواتةِ الانتشارِ. فلا يَسمحُ القدر الإلهي لهم بالتعرض لطلاب النور ورسائل النور، بل يشغلهم بشخصي فحسب، وأنا بدوري أبيّن لكم ولجميع أصحابي وأصدقائي:
أنني أرضى بجميع المشقات الآتية على شخصي وبكل سرور وامتنان وبكل ما أملكسائل اح وجسد بل حتى بنفسي الأمارة، في سبيل سلامة رسائل النور وسلامتكم أنتم. فكما أن الجنة ليست رخيصة فإن جهنم كذلك ليست زائدة عن الحاجة.
ولما كانت الدنأن خبرقاتها فانية وماضية عابرة بسرعة، فإن المظالم التي يُنیزلها بنا أعداؤنا المتسترون سننتقم منهم ونثأر لأنفسنا بأضعافِ أضعافِها بل بمائة ضعف، وذلك في المحكمة الكبرى وجزء منها في الدنيا.. فنحن بدلا من الحقد والغضب عليدد المف على حالهم.
فما دامت الحقيقة هي هذه، فعلينا التوكل على اللّٰه والاستسلام لما تجري به المقادير الإلهية والعناية الإلهية التي تحمينا، من دون أن يساورنا وسيلة مع أخذ الحذر، والتحلي بالصبر الجميل والشكر الجزيل، وشدِّ أواصر المحبة ووشائج الألفة والمسامرة المباركة مع إخوتنا هنا في الأيام المباركة لهذا الشهر المبارك شهر رمضا الشعاائِه في جوّ من الأخوّة الخالصة والسلوان الجميل والترابط الوثيق، والانشغال بالأوراد في هذا الشهر الذي يرفع الثواب إلى الألف، ومحاولة عدم الاكتراث بهذه المضايقات الجزئية العابرة الفزيادة ل الانهماك بدروسنا العلمية، وذلك حظّ عظيم يؤتيه اللّٰه من يشاء.
— 530 —
هذا وإن دروس النور المؤثرة تأثيرا جيدا في هذا الامتحان العسير واستقراءها حتى للمعارضين فتوحات محاكم لها أهميتها وقيمتها.
حاشية:إن إنكار بعض إخواننا كونَه طالبا من طلاب النور دون ما حاجة إلى ذلك ولاسيما (...) وسترهم لخدماتهم النورية الجليلة السابقة من دون ضرورة، رغ أخضع عمل سيء، إلّا أن خدماتهم السابقة تدعونا إلى الصفح عنهم وعدم الاستياء منهم.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ
إخوتي الأعزاء الصدّيقين!
أولا:إن الليالي المقبلة قة وأمالمرء ثمانين ونيفا من سني العمر المليء بالعبادة، واحتمالُ وقوع ليلة القدر فيها وارد حسب ما ورد في الحديث الصحيح: "تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" [٭]: انظر: البخاري، فضل ليلة القا في عمسلم، الصيام، فضل ليلة القدر برقم ١١٦٥- ١١٦٧. فعلينا إذن السعي لاغتنام هذه الفرصة الثمينة فهي سعادة عظمى ولاسيما في مثل هذه الأماكن المثابة عليها.
ثانيا:بمضمونِ: "من آمن بالقدر أمِنَ ففيكدر" وكذا حسب القاعدة الحكيمة: "خذوا من كل شيءٍ أحسنَه" وكذا قوله تعالى:
الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه اولئك الذين هَداهُم اللّٰه واولئك هم اولوا الالباب
(الزمر:١٨).
فحسب هذه الآمة الفليلة والقواعد السابقة، علينا أن ننظر إلى الجهة الحسنة من كل شيء والوجهِ الجميل المبشِّر منه لكي لا تنشغل قلوبُنا بما لا يعني من الحالات القبيحة العابرة التي لا حاجة لنا إليها، بل هي مضمن دساث الضيقَ والانقباض. ولقد ذُكر في "الكلمة الثامنة": رجلان يدخل أحدهما الحديقة بينما يغادرها الآخر. فالمحظوظ السعيد هو الذي ينظر إلى الأزاهير وما شابهها من الأشياء الجميلة في الحديقة، فينشرح ويرتاح ويهنأ، بينما الآخر
— 531 —
الشقي يحصر نظره، فالحأمور القذرة الفاسدة لعجزه عن التنظيف، فينتابه الغثيان ويتضايق بدلا من أن ينسرّ في الحديقة، ويتركها هكذا..
هذا وإن صفحات الحياة الاجتماعية البشرية الحالية ولاسيما "المدرسة اليوسفية" هي بمثابة حديقة، فيها أشياء قبيحة وحسنة معا وفيهعدم كر محزنة ومفرحة جنبا إلى جنب. فالكيّس مَن أشغل نفسه بالأمور الجميلة من دون أن يعبأ بالقبيحة والفاسدة منها. فيشكرُ ربّه وينسرّ في موضع الشكوى والقلق.
سعيد النورسي

* * *

إخوتاقع أنزاء الصادقين الثابتين!
أبارككم بكل روحي وقلبي، فلقد ضمدتم جرحنا بسرعة. وأنا بدوري فرحت تمام الفرح وانسررت الليلة بالشفاء. ومن المعلوم أن "مدرسة الزهراء" تتوسع وتزوّعلمية هان والقلوب بسر الإخلاص الحقيقي والتضحية الجادة وترك الأنانية والتواضع التام وذلك ضمن دائرة النور، وتقوم بنشر هذه الأمور في الأوساط. فلابد إذن أن لا يُفسد تلك الدروسَ القوية والعلاقة الأخوية المتينة ما يتولد من المشاعر والأحاسيسللكلامور عابرة في منتهى الجزئية ولا الدّلّ فيما بينكم. إن لمعة "الإخلاص" خير ناصح في هذا المجال.
وقد وُضعتْ في الوقت الحاضر خطةٌ رهيبة لضربنا وتشتيتِ رسائل النور وزعزعةِ الروابط بين طلابها، وذلك بإلقاء الجفاء بين الطللحديث داثِ السآمة فيما بينهم وإيجادِ الفرقة من حيث اختلاف المشرب والفكر..
سعيد النورسي

* * *

أخي العزيز السيد رأفت!
بحرمة القرآن العظيم، وبحق ارتباطكم القرآني، وبشرف خدماتكم العظيمة في مسلك النور طوال عشرين سنة.ين الموا ما بينكم من هجر وسخط، فهو رهيب رغم كونه شيئا جزئيا -ظاهرا- إلّا أنه أليم فجيع بالنسبة لأوضاعنا الحالية الدقيقة. فهو عون عظيم للمنافقين
— 532 —
المتسترين الذين يسعون لإبادتنا وإفنأخلاقيتخلَّوا يا إخوتي عن استياء بعضكم عن بعض، الشبيه بِإلقاء الشرارة في البارود، واحملوا الآخرين عن التخلي عنها. إذ بخلاف ذلك هناك احتمال قوي أن يَلحق الضررُ بنا وبالخدمة القرآنية والإيمانية بالأرطال بسبب حق جزئي شخصي لا يعادل درهما.
في هاأُطَمْئِنُكم -مقسِما باللّٰه- أنه إذا أهانني أحدُكم أشدّ إهانة وأشنع تحقير، وحطّ من كرامةِ شخصيتي كليا، ولم يتخلّ -في الوقت نفسه- عن الخدمة القرآنية والإيمانية والنورية، فإادي ومفح عنه وأتنازل له عن حقي، وأُصالحه، وأسعى لعدم الاستياء منه.
فما دمتم تعلمون أن أعداءنا يستغلون جفاءً جزئيا فيما بين الإخوة، تصالَحوا فورا. وتخلَّوا عن التدلل الذي لا معنى له، بل فيه ضرر بليغ. وإلّا فسيكون ضررا جائع عدخدمتنا الإيمانية.
ولما كانت العناية الإلهية قد وَهبت لنا الكثيرين بدلَ الضائعين المفارقين لنا، فستُسعفنا وتمدّنا بإذن اللّٰه.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
لا تقلقوا! فنحن في ظل العناية الإلهية وماوي مايتها. إن المشقات الظاهرة تحمل رحمات كثيرة. لقد أرغموا الخبراء على أن يهوّنوا جزءا من الرسائل.. لا شك أن قلوب الخبراء قد أصبحت من "النوريين".
سعيد النورسي
* * * وهذه %
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين الذين لا ينال منهم القلق والاضطراب ولا يتركون الآخرة بالعودة إلى الدنيا الفانية!
لا تحزنوا من بقائنا هنا مدة أخرى لرغبتهم فة السرع دائرة قضيتنا، بل كونوا راضين شاكرين كما أنا راضٍ شاكر، إذ العمر لا يتوقف بل يحث الخطى نحو الزوال، وينال البقاء بثمراته الأخروية في مثل هذه المعتكفات، فضلا عن أن دائرة دروس رسائل النور تتوسع. فمثلا: اضطر علماء هيئة الخبراء إه ثم أءة "سراج النور" بإمعان، علما أن هناك احتمالَ ورود نقيصة لخدمتنا الإيمانية -بجهة أو جهتين- فيما إذا أُفرج عنا في هذه الفترة.
إنني لا أرغبليلة، ادرة السجن بالرغم من أنني أقاسي المضايقات أكثر منكم بكثير. وأنتم كذلك اجهدوا -حسب المستطاع- على الصبر والتحمل والتعود على نمط الحياة هنا مع الاشتغال باستنساخ رسائل النور ودراستها لتجدوا السلوان والسرور.
سعيبيرة كرسي

* * *

إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:ربما كان عدد منا يسافر لأداء فريضة الحج في هذه السنة لو كان السفر إليه حرا مسموحا به. [٭]: سمح بالسفر إلى الحج لأول مرة في تركيا في سنة ١٩٤٧. نسأل اللّٰه تعالى أن يَقبل نياتِنا هذه وكأنناا ومعاا إلى الحج فعلا، ويمنحَ خدمتنا الإيمانية والنورية ثوابا عظيما كثواب الحج ونحن نعاني هذه الأحوال المليئة بالمضايقات والمشقات.
ثانيا:إن رسائل النور تفسير قيّم وحقيقي للقرآن الكريم. لقد كررنا هذا الكلامَ. وخطر الآن للقلب بيانُ حقيقته وذلكوا بناوضوح معناه الحقيقي:
— 533 —
لى عتبة باب القبر، وفى السن الخامسة والسبعين من عمري، فهل هناك سعادةٌ أعظمُ من استبدال مرتبة الشهادة بسنة أو سنتين من حياة بريئة ومظلومة كهذه؟
ثم إنني موقنٌ كلَ اليقين ولا يخالجني أدنى شك في أن ة، بالبالنسبة لنا تسريح وتأشيرةُ دخول إلى عالم الطمأنينة والسعادة. ولنا آلاف البراهين من رسائل النور على ذلك، وحتى إنْ كان الموتُ إعداما ظاهريا لنا فإن مشقةَ ساعة من الزمان تتحول بالنسبة لنا إلى سعادة ومفتاح للرحمة وفرصة عظيمة للانتقلمات ا عالم البقاء والخلود.
أما أنتم يا أعداءنا المتسترين ويا أولئك الذين يضللون العدالة في سبيل إرضاء الزندقة ويتسببون في خلق الأوهام الزائفة في أذهان المسؤولين في الدولة لينشغلوا بنا دون داعٍ أو سببٍ.. اعلموا قطعا -ولترتَعد فراحد كان أنكم تحكمون على أنفسكم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي الدائم. وأن الانتقام لنا يؤخذ منكم أضعافا مضاعفة، فها نحن أولاء
— 534 —
التفسير نوعان:
الأول:التفاسير المعروفة التي تبين وتوضح وتثبت معانيَ عبارات القرآن الكريم وجمله وكلماته.
القسم الثاني من التفسير:هو إيضاحُ وبيانُ وإثبات الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم إثباتادام أج بالحجج الرصينة والبراهين الواضحة. ولهذا القسم أهمية كبيرة جدّا.
أما التفاسير المعروفة والمتداولة فإنها تتناول هذا النوع الأخير من التفسير تناولا مجملا أحيانا. إلّا أن رسائل اللحةُ رخذت هذا القسم أساسا لها مباشرة. فهي تفسير معنوي للقرآن الكريم بحيث تُلزِم أعتى الفلاسفة وتُسكتهم.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
تُرى هل نحن ورسائل النور أكثر إضرارا في الأووسيلة حيث يَكتب كلُّ محرر للصحف ما يشاء ويَعقد كل صنف اجتماعا دون مداخلةِ أحد؟ والحال إذا انعدمت التربية الدينية فلا تكون لدى المسلمين وسيلة للإدارة سوى الاستبداد المطلق والرشوة التي لا تحدها حدود، إذ كما لا يتهود المسلم -التارك لدينه- ما أخبا يتنصّر حقا، بل يكون ملحدا ويضل ضلالا بعيدا، كذلك لا يكون شيوعيا قط بل فوضويا إرهابيا، وعندئذٍ لا يمكن إدارته إلّا بالاستبداد المطلق.
أما نحن طلاب النور فإننا نسعى لمعاونة الإدارة وإقرار الأمن والنظام و المهمالسعادة للأمة والوطن. والذين يجابهوننا هم إرهابيون ملحدون أعداء الأمة والوطن. فالأَولى للحكومة بل الألزم لها أن تسعى لحمايتنا ومعاونتنا لا التعرض لنا والتعدي علينا.
سعيتُسلّمرسي

* * *

— 535 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:إن الإفراج عن كل من "رأفت" و"أدهم" وأفراد عائلة "جالشقان" و"برهان" وأمثالهم من طلاب النور الناشرين المسأعلى أن انتشار رسائل النور ليس محظورا، فلا تتعرض لها المحكمة.
ثم إنه علامة على الإقرار بعدم وجود تحزب وتشكيل جمعية.
ثم إن إطالة مدة قضيتنا وجلبهم الأنظار إلى رسائل النور في ميدان واسع إنما هي بمثابة دعوة عامة لقليا أن، وإعلان رسمي لها يثير لدى السامعين المشتاقين الرغبة في قراءتها.. وهي وسيلة لكسبنا نحن وأهلِ الإيمان المنافعَ العظيمة التي تفوق مشقاتِنا ب وجميعرجة.. وهي إشارة إلى تأثير مثل هذا الدرس الإيماني النیزيه في أوسع دائرة في الأرض -كالقنبلة الذرية- إن شاء اللّٰه إزاء هجوم كلي شامل قاسٍ شرسثانيا: جيوشُ الضلالة الرهيبة في هذا الزمان.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء: رأفت، محمد فيضى، صبرى!
لقد تلقيت إخطارا قلبيا فأرجوكم رجاءً خاالحياةجل رسائل النور، وبركة هذا العيد المبارك، ولأجل حقوق الأخوّة السابقة فيما بيننا: اسعوا أيها الإخوة الثلاثة لضماد جرحنا الجديد الغائر. لأن أعداءنا ينفّذون خطتين اثنتين علينا:
أُولاها:التهوين من شأني.
ثانيتها:بث الجفاء فيما بيننا، ة الربوح الانتقاد والاعتراض والاستياء فيما بينكم ولاسيما مع "خسرو".
— 536 —
إني أُعلن لكم: لو كان لی"خسرو" ألف تقصير وخطأ فإني أخاف من الكلام عليه. لأن الكلام عليه خيانة عظيا نقدرالوقت الحاضر. حيث يَعني الكلامَ على رسائل النور مباشرة، وعليّ بالذات، ويكون لصالح الذين استضعفونا. فهو خيانة عظيمة إلى حدٍّ فجّرت مدفأتي. وإني على قناعة من أن التعذيب اوأنقذنيقونني إياه مؤخرا ناتج من انحلال الترابط فيما بينكم، والذي ليس له مغزى قط، بل فيه ضرر كبير. إن أصابع رهيبة تتدخل هنا في السجن ولاسيما في الردهة السادسة. لا تدفعوات قاطإخوتي إلى البكاء والحزن في عيدنا هذا. تصالَحوا فورا صلحا قلبيا.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الأعزاء الصديقين!
كنت أريد أن يخلُّوا سبيل اثنين أو ثلاثا من إخواننا اليوم، إلّا أن العناية الإلهية قد أخّرتهم لفواوإياكملون عليها. بل إن بقاءنا في وضعنا هذا بما يقرب من عشرين يوما ضروري، بل ضروري جدّا لأن وجودنا معا في هذا العيد ضروري لنا ولرسائل النور ولخدمتنا وراحتنا المادية والمعنوية، ولنأخذَ حظنا كاملا من أدعية الحجاج، وی"الشعرسائل النور المرسلة إلى "أنقرة" من المصادرة، ولتزايد عدد الذين يشفقون على كوننا مظلومين فينسلكوا في مسلك النور، وليكون حُجة على أننا لا نستجير بخونة الوطن والأمة بالرضى عن الأخطاء العظيمة التي تُرتكب حاليا.
سعيد النورسالاحتج * *
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
السجن هو أفضل مكان لنا في هذه الفترة الطافحة بالشبهات والأوهام والاضطرابات والقلاقل. وإن رسائل النور ستُكسب لنا ولهم الإفراج بإذن اللّٰه. إذ ما دامت رسائل النور تستقرئ نفسها ى السجا مثيل له، وإلى هذه الدرجة الواسعة خلال هذه الظروف الصعبة
— 537 —

المحيطة، وإزاء معارضين كثيرين جدا، وتدفع طلابَها إلى أنواع شتى من العمل للإسلام في السجن، ولا تفسح المجال إلىنا بعلم بفضل العناية الإلهية.. فنحن إذن مكلفون بأداء الشكر للّٰه(?Fل الشكوى، والاطمئنان إلى هذا.

فإن تحملي جميع الشدائد والمضايقات الشديدة نابع من هذه القناعة والاطمئنان. فلا أتدخل في مشيئة اللّٰه.
سعيد النورسي
ف مشقة
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن إحدى النسختين، لي، والأخرى للمدير. صحِّحوا أخطاء النسخة الأخرى على نسختي المكتوبة بخطي.
وعندما كنت أطالع رسالة "الآية الكبرى" هذه المرة، وجدت أنها ذات قيمة ة رهيبولاسيما المقام الثاني والمحاورة المعنوية في الختام. وقد استفدت منها أيّما استفادة.
فلأجل أن تستفيدوا، ليقرأْها أحدُكم وليستمع إليها الآخر، وليتولَّ اثنان من إخواننا المطالعةَ أثناء التصحيح ولا يظلوا عاطلين عن العمل.
أما "الكلمة العاشرة" الخاصة بي والمكاتيبُ الموجودة هنا وغيرها يجب أن لا تضيع، ولا تبقى معطَّلةً عن القراءة. فلقد عهدت نظارتها ومراقبتها إلى "جيلان".(٭)
سعيد النورسي

* * *

— 538 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتينمتشابهأولا:إن تأجيل قضيتنا فيه خير، والخير فيما اختاره اللّٰه. فقد كان قلبي يرغب في هذا التأخير. وإطلاقُ حرية رسائل النور يستدعيه كذلك. وستوفَّقون -بهذا التأخير- إن شاء اللّٰه إلى بث السلوان فيما بينكم، وإلى تقوية الروح المع وأقولوإلى مذاكرةٍ علمية وإقامة جلسات طيبة، وإلى كتابة رسائل النور ومطالعتها وإلى إزالة نقطة الزحمة [٭]: الزحمة: تعني بالتركية الإزعاج. وتحويلها إلى رحمة. وإلى تبديل هذه الساعات الفانية إلى ساعات خالدة باقية.
ثانيا:إن تهانينا بالعيد قد جرت امها بنیزل المؤقت للمحكمة، لذا فأنا أُرسل إليكم حلاوة العيد وهي ماء زمزم، أتى به رائد مدينة قونية "الأخ زبير" وعسل قرية "نورس" الذي له مغزى عظيم عندي. ضعوا الماء في د هذا لعسل ورجّوه جيدا ثم صبوا فيه ماء زمزم، واشربوه هنيئا مريئا.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء الصديقين!
لقد طُرح عليّ سؤال ذو مغزى هام، من مصدر هام جدّا. فقد سألوني ما يلي:
على الرغم من أنكم لستم جمعية؛ وذلك بوله الثلاث محاكم أصدرت حكمَها بالبراءة بهذا الصدد؛ وبعد أن أخذتْ ستُّ ولايات على عاتقها مهمةَ الرصد والتجسس طوال عشرين عاما، وتَبيّن لها في النهاية أَنْ لا علاقة لكم بتلك التهمة، وأنها مختلَقَة من أساسها.. على الرغم من ذلك كله، فإن العلاقة التي تربطماعية النور" بعضهم ببعض لا يوجد لها نظير في أي جمعية أو هيئة.. فهلا تفضلتم بإيضاح هذه المسألة وحل تلك المعضلة؟ فأجبتهم قائلا:
— 539 —
نعم، إن طلاب النور ليسوا جمعية أو شبه جمعية، ولن يكونواأسأل عة وأنهم يربأون بأنفسهم عن أن ينتموا إلى ذلك النوع من الجمعيات التي تتشكَّل لأغراض شخصية أو جماعية، مستهدِفةً كسب المنافع السياسية أو الدنيوية -إيجابيةً كانت تلك اوز مصا أم سلبية- بيد أن أبناءَ وبنات وأحفاد أبطال هذا الوطن القدامى من فدائيي الإسلام، الذين قدّموا ملايين الأرواح -بكمال المسرّة والرضى- في سبيل نيل التين الشهادة، لا بد أنهم قد ورِثوا حظا من روح تلك التضحية والفداء حتى أظهروا تلك العلاقة الخارقة التي دفعت أخاهم هذا العاجز الضعيف إلى القول أمام محكمة "دنيزلي":
إن الحقيقة التي افتدتها ملايين الأبا. (الؤوسهم، فداء لها رؤوسنا أيضا.
قال هذه الجملة باسمهم، وأسكت المحكمة، تاركا إياها في حيرة وتقدير وذهول.
بمعنى أن في طلاب النور فدائيين حقيقيين خالصين مخلصين للّٰه لا يريدون إلّا وجهه ونيل رشفيات،لحياة الآخرة. فلم يجد الماسونيون والشيوعيون وأهل الضلالة والإفساد والزندقة والإلحاد والطاشناق وأمثالهم من المنظمات الخطرة، وسيلةً لدحر أولئك النوريين فغرروا بالحكومة ودوائر العدلية بوساطة قوانين مطاطة بغيةومة، لتهم وكسر شوكتهم.. ألا حبطت أعمالهم! فلا ينالون شيئا منهم بإذن اللّٰه بل سيكونون وسيلة لزيادة عدد الأبطال المضحين للنور والإيمان.
سعيد الق والك

* * *

إخواني الأعزاء الصديقين!
سأذكر لكم ما جرى من محاورة قبل أربعين سنة، شبيهة بالتي جرت أمس:
كانت علاقة طلاب "سعيد القديم" وطيدة جدّا مع أستا وشراتى بلغت مرتبة التضحية والفداء. لذا كان "سعيد القديم" يتمكن من التصدي للفعاليات الكثيرة التي كانت تقوم بها عصابات الأرمن وفدائيو الطاشناقوري. والي مدينة "وان" و"بتليس" بل كان يُوقِفهم عند حدّهم إلى درجة ما.
— 540 —
وحينما وجد لطلابه بنادق الماوزر وتحولت مدرسته إلى ما يشبه المعسكر -إذ الكتب كانت جنبا إلى جنب مع البنادق- حضر قائد عسكري برتبة فريق وشاهَدَ هذا او من ا. وقال: "هذه ليست مدرسة دينية بل ثكنة عسكرية" وأمر قائلا: "اجمعوا بنادقه" لما ساورته الشكوك من جراء حادثة "بتليس". فحصلوا منا خمس عشرة بندقية، وبعد حوالي شهرين اندلعت الحرب العالمية الأولى، فاسترجعتُ بنادقي منهم.. وعلى كل حال.. ولمناسبة هذه اآن ويح والأحوال سألوني:
إن عصابات الأرمن التي تملك فدائيين رهيبين تخشاكم، حتى إنها تجنبت الاحتكاك معكم وتفرقوا بعيدا عنكم لَمَّا صعدتم جبل "أرك" في "وان". تُرى ما القوة التي فيكم حتى يكون الأمر هكي.
فكنت أجيبهم: إن فدائيي الأرمن الذين يقومون بهذه البطولات الخارقة، إنما يقومون بیها في سبيل الحصول على حياة دنيوية فانية، ولأجل كسب مصلحة قومية مؤقتة صغيیرة، وللحفاظ على سلامتها.. ونحن نجابه هؤلاء بالطلاب الذين يسعون في سبيل الحصول على حياة ألتين خالدة، ولأجل كسب مصالح إيجابية لأمة الإسلام السامية العظيمة وقد أيقنوا بأن الأجل واحد لا يتغير. فلا شك أن هؤلاء الطلاب لا يتخلفون قطعا عن أولئك الفدائيين.[٭]: أقول باسم إخوتي -مع عجزي- سنظهر أننا وارثي أجدادنا في ال الحياوالشجاعة أيضا كما أننا وارثيهم في الدين -إن لزم الأمر- بل سنتفوق كثيرا إن شاء اللّٰه. بل إذا لزم الأمر يَفْدون بحياتیهم وبأجلهم المحتوم وبعمر لا يعدو بضع سنوات ظاهرية، فيي الأعالفوز بملايين السنوات من العمر الخالد، وفي سبيل الحفاظ على سلامة مليارات من الناس المؤمنين الأتقياء.. يفدونها دون تردد، وبكل فخر واعتزاز.

* * *

إخواني الأعزاء ذوي الشفقة والوفاء!
لقد واحدةعليّ منذ يومين أثر الرشحة (الزكام) سواء في رأسي وفي أعصابي. ففي مثل هذه الحالات أشعر بحاجة إلى الأُنس بالأصدقاء والتسلي بلقائهم، ولكن ضايقتني وحشةُ الانفراد والتجريد العجيب مضايقة حضور. فورد إلى القلب شكوى على هذه الصورة.
لِمَ هذا التعذيب؟ وما فائدته لخدمتنا في سبيل القرآن والإيمان؟
وفجأةً أُخطر للقلب صباحَ هذا اليوم، الآتي:
— 541 —
إن دخولكم هذا الامتحان الاضية روتمييزَكم الدقيق في المحك مرات عدة لِيخلص الذهب عن النحاس، واختبارَكم من كل جانب وناحية بتجارب ظالمة لمعرفة مدى بقاء حظوظ نفوسكم الأمارة ودسائسها ومن ثم تمحيصكم بثلاث ممحصات، كان ضروريا جدّا لخدمتكم التي ة إلى صة لوجه الحق والحقيقة، لذا سمح القدر الإلهي والعناية الربانية به، لأن الإعلان عن هذه الخدمة السامية، في ميدانِ امتحان كهذا، تجاهَ معارضين عأولا:ظَلَمة يتشبثون بأتفه حجة.. جَعَل الناسَ يفهمون أن هذه الخدمة القرآنية نابعة من الحق والحقيقة مباشرة، ولا تُداخلها حيلة ولا خداع ولا أنانية ولا غرور، ولا غرض شخصي ولا منافع دنيوية وأخروية، إذ ما كان عوام ال ومن ا يثقون بها لولا هذا الامتحان، حيث كان لسان حالهم يقول: ربما يقولون ليغرروا بنا ويخدعونا. ويرتابُ خواص المؤمنين ويقولون: ربما يعملون هكذا وصولا إلى مقامال هؤلاة، وكسبا لثقة الناس بهم ونيلا للإعجاب، كما يفعله بعض أهل المقامات المعنوية. وعندئذ لا يثقون بالخدمة. ولكن بعد الابتلاء، اضطر حتى أعتى عنيد مرتاب إلى التسليم بالأمر بَلْهإن كانت مشقتكم واحدة فإن ربحكم ألف إن شاء اللّٰه.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
إن إعلان الحادثة التي وقعت أثناء أسري في روسيا [٭]: المقصود عدم قيام الأستاذ النورسي للقائد الروسي. في الجريدة، قد زي وتعمُتوجه الناس وإقبالهم رغم شدة المنع والسعي لتجنيب الناس عنّا. وقد قال رئيس الحراس: إن ثلاثة أشخاص رسميين قد قالوا أمس في فناء السجن وهم من المؤيِّدين لإنیزال الإهانات بنا ولاسيما بي: عندما يظهر "سعيد" من دام فة يتجمع الناس وينظرون إليه. فعليه أن لا يقف أمام النافذة، وإلّا فبدِّلوا ردهته إلى أخرى.
إخوتي!
لا تهتموا! فلقد قررتُ أن أتحمل المضايقات مهما كانت. وستتبثواب ك شاء اللّٰه- إلى أفراح ومسرات ببركة دعواتكم.
— 542 —
إنّ أصل تلك الحادثة صحيح. ولكن لم أفصّل في بيانها لعدم وجود شاهد لي في الحادثة. إلّا أنني لم أكن لمنافقن مفرزة من الجنود قد أتوا لإعدامي، وعلمت ذلك بعدئذٍ. ولم أعرف أيضا ما قاله القائد الروسي من كلام لإرضائي. فالنقيب المسلم الذي كان حاضرا في أثناء الحادثة والذي أَخبر "الجريدة" بها، قد فهم إذن ما قاله الورسولهلروسي مكررا: "معذرة".
إخوتي!
إنني كلما انشغلت برسائل النور تضاءلتْ المضايقاتُ وخفّت، بمعنى أن وظيفتنا هي الانشغال برسائل النور وعدم الاهتمام بالأمور العابرة، مع التحلّي بالصبر والتجمل بالشكر.
سعيد النورسي

* * *

سذباب، ير العقول لبديع الزمان
هذا المقال نشر في مجلة "أهل السنة" الصادرة بإسطنبول في ١٥ تشرين الأول ١٩٤٨ بقلم صاحبها المحامي.
عندما جُرحتُ وأُس للفراي موضع "بتليس" في الحرب العالمية الأولى، وقع بديع الزمان أيضا في اليوم نفسه أسيرا. فأُرسل إلى أكبر معسكر للأسرى في سيبريا، وأُرسلتُ إلى جزيرة "نانكون" التابعة لی"باكو".
ففي يوم من الأيام عندما يزور نيقولاي ن. كل ذيج المعسكرَ المذكور للتفتيش -يقوم له الأسرى احتراما- وعندما يمر من أمام بديع الزمان لا يحرك ساكنا ولا يهتم به، مما يلفت نظر القائد العام، فيرجع ولا عشر أمامه بحجة أخرى، فلا يكترث به أيضا. وفي المرة الثالثة يقف أمامه، وتجري بينهما المحاورة الآتية بوساطة مترجم:
- أَمَا عرفني؟
- نعم، أعرفه إنه نيقولاي نيقولافيج، خال ا
حسبىوالقائد العام لجبهة القفقاس.
- فَلِمَ إذَن قَصَد الإهانة؟
- كلا! معذرة. إنني لم أستهن به، وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي.
— 543 —
- وماذا تأمر العقيدة؟
- إنني عالم مسلم أحمل في قلبي الإيمان، فالذي يحمل الإيمالأولىقلبه أفضل ممن لا يحمله. فلو أنني قد قمت له احتراما لكنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي. ولهذا لم أقم له.
- إذن فهو بإطلاقه صفةَ عدم الإيمان عليّ يكون قد أهانني وأهان جيشي وأهان أمتي والقيصَر، فلتشكَّلامة؛ أ محكمةٌ عسكرية للنظر في استجوابه.
وتتشكل محكمة عسكرية بناء على هذا الأمر، ويأتي الضباط الأتراك والألمان والنمساويون للإلحاح على بديع الزمان بالاعتذار من القائد الروسي وطلبِ العفو منه، إلّا أنه أجابیهم بالآتي:
"إنني ر الألو الرحيل إلى دار الآخرة والمثول بين يدي الرسیول الكريم (ص)، فأنا بحاجة إلى جواز سفر فحسبُ للآخرة، ولا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني"
وتجاهَ هذا الكلام يُؤْثِر طلاق و الصمتَ منتظرين النتيجة.
وتُنهي المحكمة أعمالَها بإصدارِ قرارِ الإعدام بموجب مادةِ إهانة القيصر والجيش الروسي. وتحضر مفرزة يقودها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام. ويقوم بد بزعمهمان إلى الضابط الروسي قائلا له بابتهاج: اسمحوا لي خمس عشرة دقيقة فقط لأؤدي واجبي.
فيقوم إلى الوضوء.. وأثناء أدائه الصلاة، يحضر نيقولاي نيقولافيج ويخاطبه: "أرجو منك المعذرة؛ كنت أظن أنكم قمتم بعملكم هذا قصد إهانتي، فاماعةَ الإجراءات القانونية بحقكم، ولكن الآن أدركت أنكم تستلهمون هذا العمل من إيمانكم، وتنفذون ما تأمركم به عقيدتكم. لذا أبطلتُ قرار الحكم بحقكم. إنكم تستحقون كل تقدير وإعجاب لصلاحكم وتقواكم. أرجو المعذرة فقد أزعجتكصدرها رر رجائي مرارا: أرجو المعذرة".
إن هذه العزة الدينية، وهذه السجية الرفيعة التي هي قدوة حسنة للمسلمين جميعا أخبرني عنها أحد أصحابه في معسكر الأسر، وهو برتبةية، وي وكان شاهد عيان للحادثة.
وأنا ما إن عرفت هذا حتى اغرورقت عيناي بالدموع دون اختيار مني...
(٭): على الرغم من أن أستاذنا لم يأمرنا بإدخال هذه الفقرة التي كتبتها الجريدة فإنها أدرجت هنا لأنها تتقتْ دعرا غالية وتستجيش المشاعر وتثير الاهتمام. (خسرو)
عبد الرحيم زابسو

* * *

— 544 —
إخوتي!
لانقطاع شهيتي عن الطعام، ولتضرري من الهدية، أرسلتُ إليكم ما وقع لي من حصة الطعام وهي: ثلاثُ قِطَع من الدهن،مة للحمن العنب، وكيس من التفاح، وعلبتان من الشاي والسكر. فقد كنت عازما على إرسال شيء ما هديةً لكم، ولكن علمت أنه لديكم منه أيضا. وقد قبلته لئلاى" وحوعليّ "مدرسة الزهراء" قائلةً: لم يأكل من هديتي! بيعوا هذه المواد إلى المحتاجين بأثمان رخيصة وإلى المستحقين لأنني سأشتري بأثمانها البيض واللبن والخبز، كي تكون هدية مباركة حقا وشفاءً لي وللشارين ولمدرسة الزهراء وشُعبسير الكن "خسرو" المشرف على البيع، ويتولى "جيلان" و"حفظي" أمر البيع.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:لمناسبة ما نشر في الجريدة حول حادثةِ أسرِي، أُخطر إلى قلبي الآن:
إن قائدا جبّارا للروس قد تخلّى عنيداّته وهدّأ غضبُه إزاء ما أبديتُه من عزة الإيمان، فاعتذَر. ولكن الموظفين الرسميين الذين يرون صلابة الإيمان لدروس رسائل النور القوية الخالصة والتي تفوق مائة درجة على الصلابة التي أبداها شخصي، أقول: إنْ لم تلن قلوبُهم،ين وجما على عنادهم، فلا يطهّرهم إذن إلّا نار جهنم. لأن هذا العمر القصير المحدود لا يسعه جزاء هذا الجرم العظيم. حيث إن الدهن لا يمكن أكله إذا فسد، بخلاف اللبن والحليب، نسأله تعالى أن تكون رسائل النور قد أنقذت الكثيرين منهم قبل أن يفسدوا.
سعيد ة عام.ي

* * *

— 545 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:لقد أُخطر إلى قلبي بيان معاملة محيرة وذات عبرة وقعت خلال أسري لمرتين (في روسيا وهنا):
كنا في "قوصتورما"، في روس هي أض تسعين من ضباطنا الأسرى في ردهة واحدة، وكنتُ أُلقي عليهم أحيانا الدرسَ. وذات يوم حضر القائد الروسي وشاهَد الموقفَ وقال: إن هذا الكردي قائدَ المتطوعين قد ذبح كثيرا من جنودند رغبأتي الآن ويلقى دروسا سياسية هنا، لا يمكن هذا، أمنعه قطعا.
ولكن بعد يومين قال: "يبدو أن دروسكم غير سياسية، بل دينية وأخلاقية. استمر عليها" فسمح بإلقاء الدرس.
وفي أسري ا "سعيد منعتْ "العدليةُ" أن يَحضر عندي أحد إخوتي الخواص الذي استمعَ إلى دروسي طوال عشرين سنة، ويُحسن إلقاءَ الدرس أفضل مني. ومَنعتْ كذلك أن يأتيني من يعاونني في أموري الضرورية الخاصة كيلا يأخذ درسا م لا تُ والحال، أن رسائل النور لا تدع حاجة إلى تلقّي الدروس من غيرها، فضلا عن أنه لم يبق لنا درس غيرها، وليس لنا سر يُخفى.. وعلى كل حال فقد حال شيء عن ذكر هذه المسألة الطويلة.
سعيد النورسي

* * *

#546رسائل سمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
تَعرض لي حالةٌ روحية مهمة لمرتين أو ثلاث، وهي حالة شبيهة بالتي دفعَتني لأنیزوي في جبَل يوشع بإسطنبول قبل ثلاثين سنة وجعلتْني أنسلّ من الحياة الاجتماعية البراقة لی"دار الحكمة الإسلامية"، بل لم ألشديد ى ببقاء المرحوم "عبدالرحمن" معي، وهو الطالب الأول لرسائل النور وبطلُها الرائد، كي ينجزَ بعضَ أعمالي الضرورية.
تلك الحالة التي هي انقلاب روحي أظهر ماهية "سعيد الجديد".
ذي هو بدأتْ عندي تباشيرُ شبيهةٌ بتلك الحالة، وأعتقد أنها إشارة إلى ظهور "سعيد الثالث" الذي يكون تاركا للدنيا كليا.
بمعنى أن رسائل النور وطلابَها الغيارى سيؤدون مهماتي من هذهني، فلم يعُد هناك حاجة إليّ. ومن المعلوم أن كل جزء من الأجزاء الجامعة لرسائل النور، وكل طالب من طلابها الثابتين يدرّس ويرشد أفضل مني وأتم.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
أولا:إنني أخال -بناءً على بعض الأمارات- أن رسالة "مرشد الشببما لاطى لها أهمية أكثر من المجموعات الأخرى لرسائل النور. فأعتقد أن ما فيها من "نكتة توحيدية في لفظ "هو" قد قصمت ظهرَ أعدائنا الزنادقة وشتتت طاغوتَ الطبيلحجاب"ي يستندون إليها. فلم يعُد لشيء ما أن يخفيه بعد أن كان التراب الكثيف يخفيه إلى حدٍ ما. إلّا أنه بعد ظهور تلك النكتة التوحيدية لا يمكن إخفاؤه في الهواء الرقيق الشفاف. بمعنى أنه لا يستطيع أن يخفى نفسه في أية جهة كانت. ليغرروا العدلية بالكفر قرية دي والتمرد الارتدادي. وستصرِف رسائلُ النور بإذن اللّٰه أنظارَ العدلية إلى صالحها، وستُفشل هذا الهجومَ وتجعله بائرا.
— 547 —
ثانيا:إن ما نُشر في هذه الفترة، سواء في الوجوأهل السنة" أو الجريدة المحلية هنا وكذا المقابلة الصحفية التي أجراها "زبير" بحرارة، أصبح بمثابةِ إعلان جيد للاشتغال برسائل النور. اقرأوا -بدلا مني- الأبحاث التي تخصنا وتروق لي، وأعلموني بهائة الخيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين محمد ومصطفى وإبراهيم وجيلان!
أولا:لقد شاهدتُكم أمس وأنتم الأربعة في جلسة أخوية لطيفة. فسررتُ بها كثيرا وشكرتُ اللّرض لا ها. واستمعت إليها بفرح وسرور وكأنني معكم في الجلسة. ولكن شاهدت فجأة أن هناك في جهتيكم مَن يَسترِق السمع إليكم، ودام الاستماع نصف ساعة من الزمان. فقلقت وقلت في قلبي: ربما بد قبضتاسوس يغيّر معاني الكلام فيجعل من الحبة قبة حيث كانوا يُلقون السمع باهتمام. ولا يتلفت إليهم الإخوة المتكلمون لعدم اهتماهم بالحذر ولمتعة الجلسة والمؤانسة التي فيها. فكتبت إليكم جوابا بهذا الشأن.
والحمد للّٰه فقد علمتُ أن الكلام ما كان ه(٭) ور، ومع هذا فالأخذ بالحذر ضروري في هذه الفترة الحرجة.
ثانيا:لقد علمت من رسالة "المَلاحق" الحاملة لحُسن ظنٍ مفرط بحقي بما يفوق حدّي مائة دموحّدينه سيكون نظير المرحوم "حسن فيضي" الذي هو رائد طلاب النور في "دنيزلي"، وسيظهر في "أفيون" بإذن اللّٰه من أمثال "حسن فيضي" الكثيرون. فلا تكون "أفيون" قاصرة عن "دنيزلي" وعندها تتبدل مشقاتُنا مسراتٍ ورحمات.
سعيد النورسي

* * *

#548ري وأدوتي!
ما كنت أهتم بالجرائد، إلّا أن نَشرَ مجلّةِ "أهل السنة" و"سبيل الرشاد" مقالاتٍ لصالحنا، حيّرت -بلا شك- الأعداءَ الزنادقةَ والحاسدين. وقد أثار اهتمامُعدَم،الُ محاولة هؤلاء لإسكات أولئك الأصدقاء!
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
سلوان ذو حقيقة يزيل مصائبي المضجرة.
الأول:تحوُّل المشقات إلى رحمات ومسكتبتُه الثاني:الانشراح النابع من الرضى والتسليم لعدالة القدر الإلهي.
الثالث:السرور الناشئ من رعاية العناية الإلهية الخاصة بطلاب النور.
الرابع:اللذةصد النئة من زوال المصيبة التي هي عابرة.
الخامس:الأثوبة العظيمة.
السادس:عدم التدخل في مشيئة اللّٰه.
السابع:حصول أخف الجراحات وأقل المشقات عند أشد الهجوم شراسة.
الثامن:تضاؤل المصيبة بدرجاأنني عة بالنسبة للمبتلَين الآخرين.
التاسع:الفرح المنبعث من تأثير الإعلانات الرفيعة عن الانتهاء من الامتحان العسير في خدمة النور والإيمان.
فهذه المسرات المعنوية انورية علاج لذيذ ومرهم لطيف إلى حدّ لا يمكن تعريفه لتهدئة آلامنا الشديدة.
سعيد النورسي

* * *

— 549 —
باسمه سبحانه
أولا:إنه لَعناية إلهية م يحاوم أتمكن من سماع ما قاله المدعي العام من افتراءات. وإلّا كنت أجيبه بكلام قاس.
وما قلته في المحكمة: "سأحيلك إلى المحكمة". أعني به: أحيلك إلى المحكمة الكبرى لظلمك إيانا، وإلى محكمة دنيوية لتصرفك غير القانونسة: وهوقصدي مِن: "ليس لي محام". أن لنا جميعا محاميا لمسألتنا الكلية التي تخصنا معا. أما الهجوم عليّ شخصيا فأنا المتكفل بالإجابة عنه.. أبلغوا هذا "أحمد حكمت".
ثانيا:إن دفاعاتنا السابقة كافية لدحض افتراءات المدعي العام.
ثالثا:لقد كَتب إليّ كامعة ممصطفى عثمان" و"جيلان"، أن ما قيل في المحكمة لا يؤدي إلى تأثير سيء في وسط دائرة النور، ولا يعكر صفو القلوب قطعا. ووجدت البطل الرائد "طاهري" قد تلقى الأمر هكذا أيضا.
رابعا:أظن أن الكفر والضلالة لأنهما يهجمان علينا بشكل منظميروق لَين إلى منظمات ومؤسسات، فإن القدر الإلهي يعذبنا بظلمهم الشنيع المستند إلى المنظمات، بمعنى أن اتحاد أهل الإيمان فيما بينهم في الوقت الحاضر أمر ضردليلهمنحن لجهلنا بتلك الحقيقة نتلقى صفعة تأديب عادلة من القدر الإلهي.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:إن أفضل مكان لنا هو السجن في زمن حكمِ وزارة مستبدة تمنع الحج وتهدرظمة وامزم وتحظره، وتسمح بإنزال أشد الظلم بنا، ولا تكترث بمصادرة "ذو الفقار" و"سراج النور" وترفع درجة الموظفين الذين يتولون تعذيبنا قصدا، وبلا سند قانوني، ولا تُلقي الزء من 50
إلى أصواتنا المرتفعة ولا إلى بكائنا بكاءَ المظلومين المنطلقِ من مساكننا بلسان الحال. إن أفضل مكان لنا في فترة حكم هذه الوزارة هو السجن. إلّا أنه إذا نُقلنا إلتضاعف آخر فستحل السلامة كليا.
ثانيا:كما أنهم حملوا أبعد الناس عنا بالإكراه على قراءة أخص الرسائل سرية. كذلك يدفعوننا دفعا وبإصرار لنشكل جمعية. لأن الأخوّة الإسلامية الموجودة في اتحاد جماعة أهل الإيمان قد نمت لدى طلاب النور نمالائتلصا طاهرا مكللا بالتضحية الجادة والفداء التام الذي ورثوها عن أجدادنا الأوائل الملايين الأبطال الذين ضحوا بكمال الشوق بأرواحهم في سبيل حقيقة، فارتبط النوريون بتلك الحقيقة ارتباطا وثيقا بحيث لاث الكماجة لحدّ الآن إلى تشكيل منظمات، سياسية كانت أم رسمية علنية كانت أم سرية.
إذن فهناك حاجة في الوقت الحاضر بحيث يسلط القدر الإلهي أولئك علينا، فهم يقترفون ا إلّا إسناد جمعية موهومة إلينا. والقدرُ الإلهي يقول لنا: لِمَ لم تكوّنوا بإخلاص تام وبتساند تام حزبَ اللّٰه الحقيقي؟ فصفَعَنَا صفعةَ تأديبٍ بأيديهم، وقد عدل.لاب الد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولا:لا أجدكم بحاجة إلى السلوان، يكفي أنكم تشدون الروح المعنوية بعضكم لبعض. وتكفيني كذلك اللوحة التي تقابلني!
وقد عُلم أن ور والهجوم الأخير ما كان إلّا ظلما وعملا غيرَ قانوني وترهيبا لم ينجم إلّا من أوهام وضعف.
فقد كانت أوضاع الناس وموقف أفراد الأمن بمثابة اعتراض على ذلك الهجوم العابث.
ثانيا:هل تكفي دفاعاتي لما تُسنَد إلينا من اتهاما (الرو المحامون و"زبير" يسعون في الأمر؟ ألديهم شيء من القلق؟ عليهم أن لا يقلقوا قطعا!
— 551 —
إن المواد التي يتهموننا بها توجِب اتهام جميع من يحمل الأخوّة الإحلقات ، حتى جماعات المصلين لجميع الأئمة، وطلاب جميع المعلمين والأساتذة. بمعنى أنهم وجدوا أنفسهم أمام معارضين أقوياء فهجموا علينا هذا الهجوم بوضع الإمكانات بدل الوقوعات.
ثالثا:إن قناعتي الشخصيةيرة.. نا يجب أن نبقى في السجن حتى الربيع. إذ من المعلوم أن الأمور تتوقف في الشتاء. وستُمدنا العناية الإلهية إن شاء اللّٰه.
سعيد النورسي

* * *

إخوتي الأعزاء الصديقين!
أولٰه عليخذ بالحذر والحيطة مع الاستشارة والثبات أمور ضرورية.
ثانيا:لقد سلمت أعمالي هنا إلى "زبير" و"جيلان"، حيث أُخطر لي إخطارا معنويا أن "زبير" بديل ابن أخي المرحوم "عبد الرحمن"، و"جع أن تبديل ابن أخي الآخر المرحوم "فؤاد".

* * *

إن الاعتداء والهجوم في هذه المرة قد شن في دائرة واسعة جدّا.
فقد هاجمَنَا كل من رئيس الحكومة والوزراء؛ هاجموا وفق خطنوب.. مة بنيت على أوهام رهيبة. فحسبَ ما تلقيته من خبر وبأمارات كثيرة، إن الإخباريات الكاذبة للمنافقين المتخفين، وبدسائسهم الماكرة لفّقوا لنا علاقة قوية وارتباطا وثيقا بالمنظمة الداعية إلى إحياء الخلافة الإسلامية، وبالجمعية السرلشكر بريقة النقشبندية. بل أظهرونا كأننا في مقدمتهم ورائدوهم. حتى ساقوا الحكومة إلى اضطراب وقلق كبير، مبينين المجموعات الكبيرة لرسائل النور المجلدة في إسطنب (ص) ومرسَلة إلى العالم الإسلامي التي كسبت الرضى والقبول هناك دليلا على نشاط النوريين. فقذفوا في روع الحكومة الخوف والهلع وأثاروا عِرق الغيرة والحسد لدى بعض العلماء الرسميين، وهيجوا الأوهضايقاتشكوك لدى الموظفين حتى جعلوهم ضدنا. وقد حسبوا أن هناك وثائق كثيرة وأمارات عديدة تُديننا، واعتقدوا كأن سعيدا الجديد
— 552 —
لا يتحمل الأوضاع كما كان سعيد القديم، فيخل بالنظام. ولكن الحمد للّٰه أقول يتناهى من الحمد والشكر، فلقد خفف وطء تلك المصيبة من الألف إلى الواحد، فهم لم يستطيعوا أن يعثروا على أية علاقة كانت مع المنظمات والجميعات فهي غير موجودةأيها ا فكيف يجدونها؟ ولهذا اضطر المدعي العام إلى اختلاق الأكاذيب والافتراءات وإسناد أمور جزئية تافهة غير ذات مسؤولية إلينا.
فما دامت الحقيقة هي هذه، فقد نجونا إذا نحن ورسائل النور من تسع وتسعين بالمائة من المصيبة، لذا ينبغين يبقونتظار رعاية العناية الإلهية وترقبها بالشكر والصبر والتضرع لتتجلى علينا تجليا كاملا. فعلينا إذن الشكرُ بل ألف شكر وليس الشكوى وأن نمدّ يد العون إلى القادمين وعلى يقرين لهذه المدرسة اليوسفية وتسليتهم بدروس النور.
سعيد النورسي

* * *

باسمه سبحانه
أخي العزيز الصدّيق!
لقد علمت بإخطار شديد، أنك و"أحمد فيضي" قد سلكتما سلوكا خارج مسلك النور الذي هو عدم المجابهة والميقولافوعدم الانهماك مع أهل الدنيا (السلطة الحاكمة) وعدم الدخول في أمور السياسة، والدفاع فقط عند الاضطرار القاطع؛ فما أدليتما به وقرأتماه من فقرات في المحكمة من أمور كثيرة، ومُضرّة كانت تنم عن المجابهة والمبارزة وبأسلوب سياسي، وقد ألحق أضرارا كثيرنفسهم ئل النور حتى ولّدت إنیزالَ العقاب بنا جميعا وإلى تشديد الخناق عليّ. فأنا لا أسخط عليك ولا على "أحمد فيضي"، ولكن كان يجب إراءته لي أولا، لقد أعطي لكما ذلك الوضع (الدفاع) كقضاء إلهي مادي، وعليكم العمل مثلي لأجل ترميمه. والألزم اء بالي" ترك الدفاع السياسي بكل ما يملك من قوة، والتوجه الكلي إلى رسائل النور كی"طاهري" ولينشغل مع الطلاب الجدد.

* * *

— 553 —
دفاع طلاب النور
هذه دفاعات رفعها طلاب رسائل النور في محكمة أفيون سنة ١٩٤شهود و حوكموا أولا وأشيع عن أحكام الإعدام لبث الخوف في النفوس إلّا أنها انتهت بإعادة الرسائل.
إن العلاقات الخاصة الصافية التي تربط طلاب النور بالرسائل وبمترجمها (أي الأستاذ)، والتي لا يرجون منُ، يلّا الثواب في الآخرة.. أقول؛ إن الذين يحاولون أن يصموا هذه العلاقة الخالصة بأنها علاقات دنيوية أو سياسية، بُغْيَةَ إدانة الطلاب أمام المحاكم، بعيدون كل البعد عن الحقيقة والعدالة، فضلا عن أن اتفاق ثلاث محاكم على تبرئة ساحديما ج تلك التهمة تبهتهم.
زد على هذا نقول:
إنه لا يمكن إلصاق تهمة الانتماء إلى التنظيمات والجمعيات السياسية إلى طلاب النور إلّا بأمرين:
الأول:إنكار الروابط الأساس التي تُبنى عليها الحياةُ الاجتماعية الإنسانية، ولاسيما الأمة الإسثل هذهوهي المَحبة الصادقة بين الأقارب، والعلاقة الوثيقة بين القبائل والطوائف، والأخوة المعاوِنة معنويا ضمن الملّية الإسلامية، والآصرة القوية المتسملم والضحية والفداء مع أبناء جنسه وقومه، والرابطة التي لا تنفصم، والالتزام التام بحقائق القرآن وناشريها تلك التي تنقذ حياته الأبدية. وأمثالها من الروابط التي تشد أبناء المجتمعلأمن ف الحياة الاجتماعية السليمة.
الثاني:بقبول الخطر الأحمر القادم من الشمال الذي ينشر بذور الفوضى والإرهاب، والذي يُفني وشائج النسل والقوم فيقطع روابط الأبوة والبنوة مزيلا علاقات القرابة والقوم، ويفتح الطريق إلى إفساد الحضارة البشرنيا المجتمع الإنساني إفسادا كليا.
— 554 —
وبهذين الأمرين وحدهما يمكن إلصاق تهمة الانتماء إلى الجمعيات والتنظيمات إلى طلاب النور، ولأجل هذا يُظهر طلاب النور -دون تردد- علاقاتِهم التي لا تتزعزع بحقائق القرآن، أتم إتهم الآخرة، فيبينون حقيقة حالهم أمام محكمتكم العادلة، من دون أن يتنازلوا إلى الدفاع عن أنفسهم بالحيَل والأكاذيب والتملق.
الموقوف
سعيد النورسير هذا * *
دفاع "خسرو"
إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
لقد وجّه المدعي العام تهمتين لي: إحداهما: اتهام عام وكلي، والأخرى: اتهام خاص.
الاتهام العام: هوياكم حفي سبيل رسائل النور واشتراكي في الجرم الموهوم المسنَد إلى أستاذي.
أما الاتهام الخاص فهو حول أمور شخصية وخاصة بحياتي التي تتسم بطابع الانزواء ولا تُشكل في الحقيقة أيَّ ذنب أو جرم، لأنها مسائل جزئية ولا أهمية لها.
لهم فيأقول ردًّا على اتهام مقام الادعاء حول اشتراكي في الجرم الموهوم لأستاذي وحول بذلي الخدمات في سبيل رسائل النور:
إنني أشترك في مسلك أستاذي بل أشترك معه وأساعده بكل روحي وقلبي في الجرم الموهوم المسنَد إليه في موضوع رس لا يمنور التي تؤدي خدمات مقدسة للعالم الإسلامي، ولاسيما لهذا الوطن ولهذه الأمة، وسأظل أحمد اللّٰه تعالى وأشكره حتى آخر عمري لتوفيقه إياي لهذه الخدمة الإيمانية.
هيئة المحكمة الموقرة!
إنّ أَبْلغ دليل للنجاح الذي رأيناه جراء خدمتنا حرف من النور هو أنه بينما كان خطي في كتابة حروف القرآن رديئا جدا، إلّا أنه قد تحسن تحسنا يفوق قدرتي وإمكانياتي، حيث استطعتُ كتابة ثلاث نسخ رائعة لا مثيل لئل النالقرآن الكريم، إحداها بين أيديكم.
— 555 —
الدليل الثاني: هو أنني وُفّقت إلى كتابةِ ما يقارب ستمائة رسالة من رسائل النور التي حَققت منافعَ كبيرة جدّا لهذا الوطن ولهذه الأمة وللدين وللأخلاق الحسنة منذ عشرين عاما. حتى إن أء خطاب يعلمون بأنني وُفّقت إلى كتابة أربع عشرة رسالة في مدة قصيرة بلغتْ شهرا واحدا. وأنا أرى أنه من الفضول القيامُ بالدفاع عن النقاط التي تَوهّمها مقامُ الادعاء جُرما لي فيلأنعام لأستاذي وهو يؤدي مهمته المقدسة، لأنني أصادق وأوافق بكل ما أملك من قوة على كل ما جاء في الدفاع الذي كتبه أستاذي، وفي تتمة دفاعه وأعُدّه دفاعا لي وأقدمه إلى محكمتكمهر الفية على هذا الأساس.
هيئة المحكمة الموقرة!
إن أستاذي -الموجود حاليا في محكمتكم- بمؤلفاته المباركة حول الإيمان وحقائق القرآن وبرسائله النورانية لم يَقصد أيةَ بغية دنيوية ولا أي قصد سياسي، فأنا وأصدقائي إذ نؤيد أستاذنا ونام واله خدماته المقدسة التي قدمها لهذا الوطن ولهذه الأمة فإننا نقول بأنه حتى الوطنيين في حكومة "الاتحاد والترقي" أيدوا هذا، فنراهم يخصصون تسعة عشر آلاف ليرة ذهبيقاسي، تمكينه من بناء مدرسته المسماة "مدرسة الزهراء" في مدينة "وان" وقد أعجب حتى محبو الوطن بوطنية أستاذنا وبحميته الملية وبخدماته العلمية وأيدوها، لذا نرى أن مائة وستين نائبا من مجموع مائتي نائب يوقعون بالموافقة على تخصيص مائة وخمسين ألفلقوا يلدار الفنون (الجامعة).
إنني أود أن أعرض على محكمتكم الموقرة وأن أعلن بأنني فخور جدّا بالخدمة التي أديتُها لرسائل النور، بكوني مستنسخا لها طوال عشرين عاما، هذه الخدمة التي ا.
مقامُ الادعاء جُرما وذنبا لي، ذلك لأن أستاذي -بارك اللّٰه فيه- عَمِل طوال حياته لأداء خدمة مقدسة أراد فيها وضع اللبنات لسعادة هذا الوطن وهذه الأمة، وهذا هو السبب في أن أكثر حسّاده وأعدائه ضراوةً والذين كانوا يسعون لإدانتهنشاهد محاكم لم يستطيعوا التعرض لكلماته الشديدة والمؤثرة ولم يكن أمامهم سوى التسليم بما يقول.
الموقوف
خسرو آلتن باشاق

* * *

— 556 —
دفاع "طاهري"
إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
لقد تم تبليغي من قِبَل مقام الادعاءئيس ال لمحكمة "أفيون" بأن التهمة الموجهة لي ولأستاذي "بديع الزمان سعيد النورسي" ولأصدقائي الآخرين هي استغلال الشعور الديني لتحريض الشعب للإخلال بأمن الدولة، وأن هذا هو سبب تقديمي للمحكمة.
لقد أجبت عن جميع الأسئلة التي وُجّهت إليّ (سوتوسعه محكمة صلح "إسبارطة" أم في دائرة التحقيق في "أفيون") إجاباتٍ صحيحة. ولقد قامت محكمة "دنيزلي" بإعادة جميع كتبنا المصادَرة وذلك بعد أن أصدرت قرارها بتبرئتنا، ولم تعاقبنا. لأننا -مع إخوتنا الآخرين من طلبة أستاذي "بديع الرضا عل كنا نقرأ ونستنسخ رسائل النور ونتراسل بيننا، مع أنني قمت قبل ست سنوات -ودون إذن من أستاذي- بطبع خمسمائة نسخة من رسالة "الشعاع السابع" لبديع الزمان ائل العة في "إسطنبول" بالأحرف القديمة. فقد قامت محكمة "دنيزلي" بقرارها المؤرخ في ٢٠/٧/١٩٤٥ بإعادة جميع هذه الكتب بصناديقها إلينا، وعند ذلك تم توزيع هذه الرسائل -مقابل ثمن طبعها- على طلاب النور الذين كانوا في رجل أليها.
وهكذا، واستنادا إلى الحُكم الذي اكتسب صورةً قطعية بقرار التمييز الذي صدر عن هذه المحكمة الموقرة، فقد قمت قبل سنتين بجلب الأوراق وجهاز الاستنساخشديدة،نيو) من "إسطنبول" إلى "إسبارطة".
وقد قام أخي "خسرو آلتن باشاق" بكتابة مجموعتين من المجموعات الثلاثة الموجودة بين أيديكم. أما المجموعة الثالثة فقد قمت أنا بكتابتها. قمنا أولا بطبع مجموعة "ذو الفقار" و"المعجزات القرآنية" أن الجزات الأحمدية" وبعنا بعضها واشترينا من هذا المبلغ الأوراقَ اللازمة لمجموعة "عصا موسى" وتم طبعها، ثم اشترينا الأوراق لمجموعة "سراج النور" وطا:الأ. وقد استغرق هذا مدة سنة واحدة. وعندما قمت بنقل ثلاثين مجموعة إلى "أكريدر" قبضوا عليَّ وسلَّموني إلى الجهات العدلية في "أكريدر" ولم تمض مدة طويلة حتى دُوهِم بيت
— 557 —
"خسرو آلتن باشاق" من قِبَل الجهات العدلية لمدينة "إسبارطة" حيث صوهور.. ز "الرونيو" ومجموعاتُ رسائل النور وقُدّمنا إلى المحكمة قبل سنة، وفي النتيجة أُصدر علينا (خسرو وأنا وصديق آخر معنا) الحُكمُ بالحبس لمدة شهر واحد لقيامنا دون إذن رسمي بطبع كتب دينية غير ممنوعة. فقمنا بتمييز هذا القرار، وقبل أنن الآخ نتيجةُ التمييز جيءَ بي إلى سجن "أفيون".
وهكذا يراد في محكمتكم الموقرة إيقاعُ العقوبة بي لأنني قدمت هذه الخدمة لديني ولإخواني في الدين، وذلك للمسائل الواردة في ر وأقارالشعاع الخامس" -التي كانت المحكمة قد أعادتها لنا- والتي تحتوي على شرح لبعض الأحاديث الشريفة، كما أن المدعي العام لمحكمة "أفيون" اتهمني واتهم مؤلف الرسالة و"خسرو آلتن باشاق" مع ست فوق الن طالبا من طلاب النور بالإخلال بأمن البلاد وبكتابة هذه الرسائل وقراءتها مُطالِبا بإيقاع العقوبة بنا.
وكمواطن حقيقي في هذا الوطن فإنني سأتكلم في حضوركم دوالدنياحيد عن الحقيقة وأقول:
إنني طالب منذ عدة سنوات لأستاذي "سعيد النورسي" الذي أكنّ له احتراما كبيرا، فقد ربَّانا برسائله وهذَّب أخلاقنا لتي فية ورقّاها، ومع أننا ننظر إليه بصفة "مجدد" إلّا أنه يرفض هذا ويردّنا. وأنا أشهد عن يقين بأنه لا توجد عنده ولا في رسائله ولا عند طلابه أية محاولة للقيام بإخلال أمن البلاد، ولاسيما أمؤمنينالاتهامات الموجهة إلينا كان بخصوص أثمان الكتب، وعندما اطلعتْ محكمة "إسبارطة" على الحقيقة في هذا الخصوص عن قرب لم تُصدر بحقنا أيةَ عقوبة، ذلك لأننا لا نحتاج في معيشأن هذهى أثمان هذه الكتب أبدا ولا نعتاش عليها. ونحب أن نقول لمحكمتكم الموقرة بأنها مقابل أثمان جهاز الاستنساخ "الرونيو" وأثمان الورق والحبر.
إن جهودنا هذه وخدمتنا النابعة من نيات صافية وفي يدع حاللّٰه تعالى لا يمكن أن تُشكِّل ذنبا أو جُرما، لذا نطلب من محكمتكم الموقرة ومن ضمائركم الحية إعادة رسائل النور إلينا.
الموقوف
طاهري

* * *

— 558 —
دفاع "زبير"
هيئة محكملأمور ون" للجنايات الكبرى!
إنني متهم بتهمة تشكيل جمعية سرية وبالإخلال بأمن الدولة، ولأنكم سوف تقتنعون بما سأعرضه عليكم أدناه اقتناعا كاملا بأنني لم أقترف مثل هذا الجرمة أنجت أردُّ هذه التهمة منذ الآن.
أجل، إنني طالب من طلاب النور.. أقول هذا وأعلنه بكل سرور وقناعة لأن إنكار هذا الأمر يتناقض تماما مع دروس الفضيلة التي لقنتني إياها رسائل النور، لذا فلست مستعدا لاقتراف هذا الجرم، إن الشخص الذي يقرأ رسائلمع وجو على الدوام لا يمكن أن يخفي قراءته هذه، بل على العكس من ذلك فإنه يفتخر بهذه ويعلنها دون تردد أو خشية، ذلك لأن رسائل النور لا تحتوي على أية جملة بل على أية كلمة توجب الحقا ولو التردد.
كنت قد حاولت بيان قيمة رسائل النور في كراسة تتألف من أربعين إلى خمسين صفحة.. لا أقول بأنني مدحتها.. ذلك لأنني لست قادرا على إيفاء جزء صغيرلتراسلائل النور حقَّها فكيف بكل هذه الرسائل؟
ذلك لأنَّ هذه الرسائل تفسير حقيقي للقرآن الكريم الذي هو عقل الكون وشمسه التي نورت وأضاءت طريق البشرية وهدتها وأرشدتها منذ ما يزيد على ألف وثلاثمائة سنةجعلها ذكرت، فإن وجدتم موضعا -أيا كان- حول الجمعية السرية في المؤلفات التي حاولتُ بيانَ قيمتها، يمكنكم إيقاع العقوبة بي لكوني آنذاك مروِّجا لمؤلفالمعجزة. ولكن رسائل النور هذه التي أُلّفت بشكل رائع وغير مسبوق والتي حازت على رضى الشخصيات العلمية وتأييدهم، والتي تملك قدرةَ إصلاح مجتمع فاسد وتملك قابليةَ إرشادِ إنسان وإن دن العشرين وإنقاذه من الضلالة ومن المادية ومن الإلحاد ومن عبادة الطبيعة ومن حياة السفاهة ومن ظلمة الأفكار الدامسة التي تفضي إليها هذه المادية، وتفتح الرسائل بفيض من القضمن عبحكيم ونور منه أبوابَ السعادة الأبدية والسلامةِ الأبدية للبشرية. فإذا لم يكن في كليات رسائل النور أيّ
— 559 —
موضوع يؤيد التُهم المسنَدة إليها، فإن صدور أي عقاب ضدي يعد تناقضا مع أسس العدالة، وهذا -حسب قناعتنا- هو مانا لا محكمتكم وستَقبله.
لقد قيل في أثناء استجوابي: يُقال إنك من طلبة رسائل النور؟ أقول: إنني لا أجد في نفسي لياقة لكي أكون طالبا لأستاذ عبقري مثل "بديع الزمان سعيد النورسي". فإن قَبِل هو هذا فإنني سأقول بكل فخر: أجل! إنني من طلاب رس نحن فنور.
كثيرا ما تعرض مؤلف رسائل النور -أستاذي الذي لا مثيل له "بديع الزمان سعيد النورسي"- إلى افتراءات من قِبل أعدائه الخفيين وسِيق إلى المحاكم، ولكنه بُرّئ من قِبل جميع هذه المحاكم. وقد قايف والةٌ مؤلَّفة من الأساتذة ومن علماء الإسلام بتدقيق كل سطر بعناية في المجموعة الكاملة لرسائل النور، واعترفوا في تقاريرهم بأن هذه الرسائل مؤلفة عن علم كبير وأنها تفسير حقيقي للقرآن ا بعد ب فإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يُساق إلى المحكمة مرة أخرى؟.. سأقول لكم قناعتي التامة حول هذا الأمر:
إن الذين يقرؤون رسائل النور، ولاسيما من الشباب الواعي يكتسبون إيمانا قويا. فيصبح متديت العانا لا يهتز ولا يتوانى عن أية تضحية، ويكون مُحبَّا لوطنه. وعندما يوجد إيمان صلد في أي موضع كان فلا يكون هناك مجال للسفاهة وللسقوط الأخلاقي الذرة وال نتيجة طبيعية لبعض الأيديولوجيات الضارة. وكلما زاد عدد المتسلحين بهذا الإيمان القوي ضاق المجال أمام توسع الماسونية والشيوعية. إن رسائل النور تقوم -استنادا إلى آيات القرآن الكريم- بالبراسا على مدى زَيف الفلسفة المادية التي يستند إليها الشيوعيون وذلك ببراهين وحجج قوية وتبرهن مدى بُعدها عن الحق وعن الحقيقة ببراهين عقلية وفكرية ومنطقية فتنير بذلك أذهان الذين سقطوا في ظلمة هذه الفكرة الفاسدة وتنقذهم. وتقوم بإثبات ان والللّٰه للماديين الذين لا يؤمنون إلا بما يشاهدونه بأعينهم بأدلة قوية يستحيل إنكارها أو
الاعتراض عليها.
إن هذه الرسائل تستقرئ نفسها على طلاب الثانوية وعلى طلاب الجامعة بما تتمتع به من أسلوب أخاذ وأصيل ومن أد من ال.
ولهذا فقد أدرك الشيوعيون والماسونيون أن رسائل النور تشكل عائقا قويا أمام
— 560 —
أفكارهم السامة، لذا فإنهم يتوسلون إلى مختلف الافتراءات والدسائس لكي يزيلوا رسائل النور ويمنعوا قراءتها لأنها مستند قوي ومنبع ثرّ للإيمان لكونها تفسيرا حع أيضاللقرآن الكريم. ومع أنه لم تظهر هناك أية أمارة على ما أسندوه إلى رسائل النور كذبا، فإنهم مستمرون على هجومهم.
ويظهر من هذا أنهم يرومون إخافتنا وإبع. بينمن رسائل النور، ومن جهة أخرى كي يقدموا لنا كتبهم المسمومة. وهكذا يستطيعون محو الإيمان وإزالته من أُمتنا ومن شبابنا لكي يتم الانهيار الأخلاقي. فيضمنوا بذلك سقوط الحكومة سقوطا ذاتيًّا ويسلموا وطننا وأمتنا إلى دولة أجنبية، فهذا هو أملُهم.
وأنالكفر أن أعلن في حضور محكمتكم بكل صراحة ودون أي تردد: ليعلمْ هؤلاء جيدا بل ليرتجفوا خوفا، ذلك لأننا لن نخشى ألاعيبهم ولا نخشاهم، لأننا رأينا الحق والحقيقة وتَعَلمناها من رسائل النور وآمنا بها.
إن الشباب التركي يقة إلى نائم، وهذه الأمة التركية المسلمة لا يمكن أن تكون خاضعة تحت حُكم دولة أخرى. إن الشباب المسلم الفدائي -استنادا إلى قوة إيمانه اليقيني- لا يمكن أن يسمح ببيع وطنه. إن الأمة التركية المتدينة البطلة والشباب التركي الملدنيا يمكن أن يجبنا أو يخافا. لذا فإننا نقرأ رسائل النور وسنداوم على قراءتها لأنها تسمو بنا إلى أعلى مستوى من الخلق الإنساني وإلى أعلى مراتبها، ولأنها تعلّمنا -نحن الشباب- الدين الذي هو سبب رقيّنا في جميع المجالات، ولأنها تبث فلظلم ببةَ الوطن ومحبة الأمة وتربينا على القيم الدينية التي تجعلنا نضحي بكل ما نملك في سبيلهما. وكما ذكرت سابقا فإنني استفدت فائدة كبيرة من رسائل إلى تقمع أنني قرأت جزءًا يسيرا منها، ولو كنت أَملك ثروة لصرفتها في نشر المجموعة الكاملة لهذه الرسائل التي تُحقق فوائد كثيرة جدّا للوطن وللأمة وللإنسانية جمعاء، ذلك لأنني على أتم ابعلم م للتضحية بكل ما أملك في سبيل ديني وفي سبيل السعادة الأبدية لوطني ولأمتي وفي سبيل سلامتهما.
كنت أحس بفراغ كبير في نفسي ، في روحي، وبينما كنت أبحث عن كتاب لأقرأه وجدت رسائل النور التي ما إن قرأتها حتى علمت بأنني لن أستطيع بَعدُ مفارقتَ فيصفح أحسست بأنها هي التي تسدُّ هذه الحاجة القلبية لديَّ، لأنني وجدت فيها البراهين والأدلة العقلية والإيمانية
— 561 —
المنقذة من الشبه العلمية والإيمانية، وتخلصتُ بذلك من القلق ومن الضيق الذي كا أربع بهاتُ تُحدثه وتولده فيّ. وأدركتُ من هذه الحقائق أن رسائل النور كُتِبَتْ لإنسان هذا العصر.
لكي يملك الإنسان المزايا السامية كالأدب الجَم والتربية الراقية فإن عليه أن يملك إيمانا قوياضع في كانت رسائل النور تَعرِض الحقائق الإيمانية بأدلة غاية في القوة وبأمثلة واضحة. فقد أحسست أن إيماني يقوى كلما قرأتها، وهذا أنقذني من السقوط في هوة الضلالة، وأنقذني من العدول عن ديني الجامع لكل جوانب الحق والحقيقة -وهما أُسسُ أرقى مدنية- ا نحويي من أن أكون لقمة سائغة يلتهمها الوحش الأحمر. لذا فهي تنقذ قراءها من كثير من المصائب المادية والمعنوية وتعطي لهم عِلما يفوق العلم الذي يملكه خريج الجامعة، وتبث فيهم حُبَّ الإسلام وحُبَّ الوطن والأمة وتعلمهم إطاعة اللّ في طرعمل الجاد والنشاط والرحمة. فأيما قارئ لها لا يتخلى عنها ولا يغادرها مهما كان الثمن، ولا يمكن إخراج مثل هذه المشاعر الخالصة نحو رسائل النور من احترام وتوقير من قلب أي شخص مهما كان.
توصَف رسائل النور من قبل مقام الادعاء العام بأنر وبكلفات ضارة؛ وأنا أَحتج بشدة على هذه الفرية التي لا يقول بها مَن كان له نصيب من ضمير ووجدان.
ويذكر الادعاء بأنني كنت أشجع على قراءة رسة سنوانور.. أجل!.. هذا صحيح. ولكن قلوب جميع المثقفين دُميت من الافتراء الآخر، بل بكيت وصُرّتْ أسنانهم.
إن القرن العشرين هو القرن الذي تسود فيه الأفكار المدللة عليها بالبراهين، مداداتيلتفت أحد إلى أي شيء ولا يمكن الإيمان بأي شيء دون دليل ودون برهان، لذا نطلب من مقام الادعاء إثباتَ أن رسائل النور كتب ضارة.
من بين المقاصد والغايات ما يشيعه الأعداءُ الخفيون من افتراءات هو كسر التساند والرابطة فيما بفقدّم النابعة من مشاعر الحب والاحترام والتراحم للأخوّة التي تربط بين قراء رسائل النور الذين ارتبطوا بروابط الإسلام من أجل خدمة القرآن فقط وليس من أجل أي هدف آخر.. إذا كانت هذه هي غايتهم.. فهم واهمون وعبثا يعن دوا. وأنا -باعتباري أكثر قراء رسائل النور عامية وأقلهم فهما وفي الصفوف الخلفية منهم- أقول جوابا لهؤلاء:
— 562 —
لو كان أحدنا في الشرق والآخر في الغرب.. لو كان أحدنا في الشمال والآخر في الجسمح حتلو كان أحدنا في الآخرة والآخر في الدنيا فإننا جميعا معا، ولو اجتمعت قوى الكون لما استطاعت أن تُبعدنا عن أستاذنا "سعيد النورسي" ولا عن رسائل النور ولا أن تُفرق فيما بيننا.
ذلك لأننا نخدمائل الن، وسنظل نخدمه، ولأننا نؤمن بحقيقة الآخرة. فإنه ما من قوة تستطيع قلع هذه المحبة وهذا التساند المعنوي فيما بيننا، ذلك لأن المسلمين جميعا سيجتمعون في دار السعادة الأبدية.
دعوني أذكر لكم -إن سییمحتم- الحقيقةَ"الصلوة التالية باسییمِ أمنِ وسلامة وطننا وأمتنا:
إن من ضمن الخطط السرية للشيوعيين هو تحريض الشعب ضد الحكومة، بجانب التقارير المزيفة الكاذبة التي تقدم للمسؤولين في الحكومة لما إن "بديع الزمان سعيد النورسي" في السجن وإظهار أن مؤلفاته ضارة، فإن هناك محاولاتٍ لترويج دعايات كاذبة لا يصدِّق بها أيُّ فرد من أفراد الشعب.
ولأنَّ هذه الأمة مقتنعة تماما ومنذ سنوات عديدة أن "بديع الزمان سعيد النوار" وإبقري نادر من عباقرة الإسلام في هذا العصر، وأن له شخصية فذة من جميع الأوجه، فإن من المستحيل على أية دعاية أن تقضي على هذه القناعة الصحيحة أو أن تفسدها.
إنني أحمد اللّٰه سبحانه وتعالى وأثني عليه بما يَسَّر لي بلطفه الاستفادة مضاه واات أستاذ كبير، وأنا مَدينٌ من كل قلبي ومن كل كياني لهذا الأستاذ. حيث إنني أخذت دروسا قيّمة حول الإيمان وحول الإسلام. وأنا أتقبل بكل رحابة صدر البقاءَ في السجن سنوات عديفي "أمأجل هذا الأستاذ الفاضل الذي قضى سنوات عديدة وشاقة وهو يكتب ويؤلِّف لكي ينقذ شبابنا من أن يكونوا طُعمة للشيوعية وأن يكون السجنُ الانفرادي الأبدي مصيرَهم.
منذ عشرين عاما تقوم رسائل ا تلك االتي هي تفسير للقرآن الكريم- بإعطاء دروس الإيمان والإسلام والفضيلة إلى ملايين الأفراد، وتقيهم من الإلحاد. فلو حُكم عليَّ بالإعدام في سبيل هذه الرسائل لأسرعتُ إلى المشنقة وأنا أهتف: "اللّٰه.. اللّٰه.. يا رسول اللّٰه".
— 563 —
إن رسائل ال فائقةتي تصون شبابنا من الوقوع في أحضان الشيوعية والخروجِ من دينه والسقوطِ في مهاوي البلايا والمصائب التي تؤدي به إلى خيانة الوطن التي لا عقاب لها إلّا الإعدام رميا بالرصاص.. إنني مستعد أن يُحكم عليإذا -فإعدام رميا بالرصاص من أجل رسائل النور هذه، وأَنْ أُبرِز صدري لتلك الرصاصات دون خوف أو تردد، ولو قطّعوني بالخناجر إربا إربا في سبيل أستاذي "بديع الزمان" لدعوت اللّٰه أن يجعل دمائي المتناثرشروط وي تكتب: "رسائل النور.. رسائل النور".
هيئة المحكمة الموقرة!
إن قراءة رسائل النور وتحصيل العلم فيها شيء مبتكر وأصيل في الحقيقة ولا يوجد ما يشابهه؛ ذلك لأنَّ أي تحص أعماقي آخر تكون الغاية من الاستمرار فيه هي المنفعة المادية أو الحصول على موقع ما. أي إن الدوام لهذه الدروس لا تكون عن رغبة بل -في الغالب- للحصول على منافع مادية .
#623 شهرة. أما رسائل النور فتشبه جامعة حرة غير منظمة، والذين يداومون في هذه الجامعة بقراءة رسائل النور لا يبتغون أي هدف دنيوي بل يبتغون خدمة الإيمان والقرآن فقط لا غير.
ومع هذا فإن رسائل النور التي هي مؤَلَّف علمي وإيماني جاد، تُقرأ بكل شوا أطال لهفة، وتُقرأ بمتعة وسرور كبيرين إلى درجة أن قرّاءها الصادقين يحسون برغبة لقراءتها مرات عديدة. وأن الذين استنسخوا رسائل النور وقرؤوها عندما سِيقُوا إلى المحاكم وأصبحت حياتهم في خ من أمنهم اعترفوا بقراءتهم لها وبعزمهم على دوام قراءتها، ولو أيقنوا أن قرار الإعدام سيصدر بحقهم لَما تزحزحوا عن موقفهم الثابت هذا. وهذه الخاصية الموجودة في رسائل النور ضمن صفاتهاإخوتيقة للعادة، لابد أنها تجعلكم تتساءلون:
"أ أرواح هؤلاء المعترفين رخيصة عليهم إلى هذا الحد؟".
إذن فهناك حقيقة سامية في رسائل النور وفي "بديع الزمان"، ولابد من عدم وجود أمور ضارة في هذه رجو أنات، لأنهم لم ينكروا قراءتها.
إن طلاب المدارس يَدرسون دروسهم لوجود قوة تفرض عليهم النظام والدراسة، أما "بديع الزمان" فلم يُجبِر أحدا على قراءة رسائنظام جر، ولكن هناك مئات الآلاف من القراء
— 564 —
أكثرهم لم يشاهدوه ولكنهم متعلقون به برابطة قوية لا تنفصم، وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا طلبة لرسائل النور وأن يتلقوا دروسهم عنها.
إن مثل هذا النظام ال الذينغير الاعتيادي للتدريس لم يشاهَد لا في التاريخ القديم ولا في التاريخ المعاصر ولم يُشاهَد في أية جامعة.
قال لي السيد المدعي: "إن الاحترام الذي تبديه نحو "بديع الزمان" لا تبديه نحو المفسرين الآخرين".
وهذا صحيح.، إلى الاحترام والتوقير يتناسب مع درجة الكمال، والمنّة والشكر يتناسب مع مقدار الفائدة المستحصلة، فإن عِظَم الفائدة المستحصلة من مؤلفات "بديع الزمان" لا نراه في غيرها.
إن الماسونيين والشيوعيين يحاولون أ٢- أماعرف وأن لا يَعرف شبابُنا خاصة "بديعَ الزمان" الذي يُعَدُّ من أكبر المؤلفين والمفكرين المسلمين في القرن العشرين. ولكن الشباب التركي المسلم والأمة الأقربمية وشبابها الواعين عرفوا هذا الأستاذ الرائد واستفادوا منه وجعلوا غيرهم أيضا يستفيدون منه.
وهذا هو السبب في أن الارتباط القوي نحو "بديع الزمان" والثقةَ به لا انفرادن تهتز أو تنفصم.
ولكون رسائل النور تقوم بتفسير آيات القرآن الحكيم بمهارة فائقة وبلغتنا التركية دون أن تفقد هذه الآياتُ خصوصيتها التي تعد أكبر معجزة لها، فإن جميع طبقات الشعب رجالا ونساءً، موظفين وأصحابَ حِرف، علماء وفلُحد منستطيعون قراءتها والاستفادة منها. ومن جراء الفوائد التي يرونها فيها -كل حسب استعداده- يزداد تعلقهم بها. فالجميع يقرؤونها.. طلاب الثانوية وطلاب الجامعة وأساتذة الجامعة والفلاسفة، وفضلا عن استفادة هذه الن هؤلالمثقفة فإنهم يتفقون ويُجمعون على روعة بيان التأليف وأسلوبه في رسائل النور فيزداد شوقهم لقراءة المجموعة الكاملة لهذه الرسائل.
إن جميع من تعرّف حديثا على "بديع الزمان" وعلى رسائل النور من أصحاب ال-مع أنالسليم يأسفون على عدم معرفتهم لها في السابق. ولكي يعوّضوا عن المدة التي فقدوها
— 565 —
وتأخروا فيها، نراهم يستغلون الفرص المناسبة -وإن كانت خمس دقائق- ليقرؤوا رسائل النور باستمرار. ولم تشاهَد مثل هذه الرغبة الشديدة ومثل هذا او معادالشديد بمؤلفات أي عالم اجتماعي أو عالم نفسي أو فيلسوف، إذ لا يستفيد من هؤلاء سوى الأشخاص المتعلمين. فعندما يطالِع طالب في مدرسة متوسطة، أو امرأةٌ تعرف القراءة كتابا لفيلسوف ماية المم قد لا يستفيدون منه، ولكن الجميع -كل حسب قابلياته- يستفيدون من رسائل النور. لذا فإن هناك أمة كاملة تنتظر بلهفة قراركم بتبرئة "بديع الزمان" و"طلاب النور". ولو لم يقم "سعيد النورسي" بتلقين طلابه دروسا في الصبر والتحمل لدى أوقات المحن والشدارتُ "سلما جمع طلابه عندما كان قائدا للحامية الفدائية في أثناء الحرب- فإن آلافا من طلاب النور كانوا سيضربون خيامهم على تلول مدينة "أفيون" ينتظرون فيها قرار البراءة من محكمة الجنايات الكبرى في "أفيون".
لم يستطع أحد حتى الآن إثباتَ أن نشاط "سعيد النا أن عونشاط طلاب النور يدخل من الناحية القانونية في إطار نشاطِ جمعية سرية. فلماذا لا يمكن إثبات ذلك؟ أَفَيعجز شخص يُعدّ رجلَ قانون مختص ارتقى حتى وصل إلى مقام الادعاء العام عن إثبات ذلك قانونيا؟ كاني فمنه ليس عاجزا عن ذلك أبدا. ولكنْ نظرا لعدم وجود تشكيلة لجمعية سرية فإنه لا يكون بوسع أحد أن يثبت وجود مثل هذه الجمعية.
لقد قال المدعي الب السي البداية: "طلاب النور ليسوا جمعية" فكان رأيه هذا وحُكمه صائبا وضمن الإطار القانوني، ولكنه عاد بعد قليل -ولا أحد يدري لماذا- وقال: "إنهم جمعية".. وهذا تناقض، ولا شك أنه رأيٌ له لا حُكمٌ. ونحن على يقين بأن هيئة المحكم غطت س هذه الحقيقة إدراكا تاما وأنها ستقرر أنه "لا توجد جمعية سرية تؤلف بينهم".
أيها الحكام المحترمون!
لو كان من عادة القلب أن تتقطع في موقف الحزن والأسى لكان من المفروض أن يتمزق القلية الجعدد ذراته أسًى ولوعة أمام خبرٍ عن شاب سقط في هاوية الإلحاد.
وهكذا فإن قرار التبرئة الذي سيصدر عنكم سيكون وسيلة فعالة لإنقاذ شباب الإسلام والعالم الإسلامي من هذه الآفة الرهيبة، وهذا هو أحد الأسباب التي تربطني برباط لا ينفصم مع "بديع الزمان" حيد فيلفاته.
— 566 —
إن القرار الذي ستصدرونه لتبرئة رسائل النور والسماح بتداولها سينقذ الشباب التركي والمسلمين من مصيبة الإلحاد، ذلك لأنَّ رسائل النور التي هي خزينة الحقائق تبرئة ة ستُعرف وستشتهر في يوم من الأيام في جميع أنحاء الدنيا دون شك. وعلى هذا الأساس فسوف تكونون محط تقدير الإنسانية جمعاء، وستكون الأجيال الحالية وأجيال المستقبل شاكرة لكم لقراركم بالبراءة، وستذكركم هذه الأجيال بكل تقدير كلما قرأتْ رسائلَ النور واسالتنكرمن فيضها العظيم.
وعندما أقول لكم بكل إخلاص هذه الكلمات فأرجو أن لا يذهبن بكم الظن إلى أنني أنافق أو أتملق.. أبدا ومطلقا.. ذلك لأنني لا أخشى من أحد ولا أرهب أحدا في المحكمة التي تحاكم "بديع الزمانيقين!ولكني أرجو منكم أن تسمحوا لي ببيان قصير:
إن استمر المدعي في كيل هذه التهم الشنيعة بحق رسائل النور وبحق مؤلفها وقرائها مع أنها (رسائل النور) تُعَد علاجا مؤثرا ضد الشيوعية وضد الم2
ا في هذا الوطن المبارك، وإذا لم يتخل عن اتهاماته الخاطئة تماما وسائر انفعالاته الشخصية وعواطفه الذاتية فإنه يكون بذلك عونا للماسونية وللشيوعية وع ينظرورعرعهما وانتشارهما.

* * *

— 567 —
جزء من اللائحة المقدمة إلى محكمة التمييز
إن رسائل النور تقوم -عن طريق البرهنة- بتقوية الإيمان المتضعضع للذين تؤثر فيهم شبهات تبثها منشوا.. هذنظماتِ الإلحاد.
إن سرًّا دقيقا من أسرارِ تعلقِ الشباب وتمسكِهم برسائل النور وكأنَّ بهم مَسًّا من كهرباء هو الآتي:
لقد قام "بديع الزمان سعيد النورسي" منذ سنووى محكدة بإنكار ذاتٍ وتضحيات لا مثيل لها وفي زمن شيخوخته ومرضه (أي في مرحلة يحتاج فيها إلى الرعاية وإلى الاهتمام) وبصبر وتحمل لا يوصَفان أمام جميع أنواع الاضطهاد والتعذيب من قِبَل أعدائه المتسترين من الماسونيين والشيوعيين ومن الذين انخئل النهم. وعَلِم بثاقب بصره وأدرك بملاحظته الواقعية المؤامراتِ المدهشةَ الخفية، والدسائسَ المرعبة والخططَ المُحاكة ضد الإيمان، وعرف كيف يُحبط هذه الخططَ بمؤلفاته الإيمانية.
لكن أليس من المُحزن،لك بأن من المؤلم أن يقاسي هذا الرائدُ الإسلامي وهذه الشخصية الكبيرة الفذة من عذاب السجون منذ خمسة وعشرين عاما ومن الحبس الانفرادي التام وأن يحاول القضاء عليه؟
ولكن وإن قاسى مؤلف رسائل النور وعوقب نتيجةً للأوهام الناشئة من إهانات الشحتضنا ودسائسهم فإن الإقبال المتزايد على قراءة رسائل النور بكل شوق سوف يدوم ويستمر.
إن أول دليل وأكبره هو أن الشباب الذي قرؤوا رسالة "عصا موسى" التي استُنسخت بالأحرف الجديدة، بدؤوا بتعلم القراءة بأحرف القرلوا مس يستطيعوا قراءة الرسائل الأخرى، وهكذا هدموا سدا كبيرا وهو الجهل بخط القرآن الكريم، هذا الجهل الذي كان مانعا وعائقا أمام تعلم الكثير من العلوم، وفضلًا عن إجبارهم علنا أقوة كثير من الكتب التي كتبت لإبعاد الناس عن الدين والإيمان. وحينما يقبل شباب أية أمة على القرآن وعلى
— 568 —
العلوم التي تتنور منه، ويتجهز بهذه العلوم ويتسلح بها فمعنى ذلك أن تلك الأمة بدأت تسير الآلايق الرقي والتقدم. إن الشباب الظامئة أرواحُهم إلى الإيمان وإلى الإسلام قد بدؤوا بمَلء أرواحهم بفيوضات رسائل النور التي هي تفسير للقرآن الكريم، وبذلك فإن الشباب الذين سيملكون إيمانا يقينيا وعن م كأسمجاهدون الإلحاد والشيوعية، ولن يسمحوا أبدا ببيع أوطانهم إلى أعداء الإسلام. لذلك فإنْ استطاع الشيوعيون أن يُفنوا ويقضوا على الورق وعلى الحبر لقام شباب أمثالي أو شيوخ بفداء أنفسهم لحاصيلَر رسائل النور التي هي خزانة الحقائق، حتى وإن اضطروا إلى أن يعملوا من جلودهم ورقا ومن دمائهم حبرا.
نعم، نعم، نعم.. ألف مرة نعم.
يقول المدعي العام ضمن اتهاماته: "لقد قام "ست. ونسنورسي" بتسميم أفكار شباب الجامعة بمؤلفاته". ونحن نقول ردا على هذا:
"لو كانت رسائل النور سمّا، فإننا في حاجة إلى أطنان من هذا السُّمّ وإذا كان يعرف مكانا يكثر فيه هذا السمّ فليرسله إلينا على جناح السرعة".
وعندما نتعرض -نحن ر المطلنور- إلى ظلم الظالمين ونحن نؤدي خدماتنا في سبيل الإيمان والإسلام، فإننا نفضل أن نسلم الروح في السجون وعلى أعواد المشانق وليس على فراش الراحة. لأننا نَعُدّ الموتَ ظلما في السجون -بسبب خدمتنا القرآنية- فضلا إلهيا كبيرا، ونفضل هذمن المت على العيش في حياةٍ ظاهرُها الحرية وباطنُها وحقيقتها استبداد مطلق.
الموقوف في سجن أفيون
زبير كوندوز آلب
من ولاية قونية
ملاحظة:ب النورسال هذا الدفاع ولائحةِ الدفاع المقدمة إلى محكمة التمييز، أَرسلت رئاسةُ محكمة التمييز برقيةً طلبت فيها إطلاقَ سراح "زبير" من السجن فورا. الحوا *
— 569 —
دفاع "مصطفى صونغور"(٭)
إلى محكمة للجنايات الكبرى:
طلب مقام الادعاء إيقاع العقوبة بي أيضا بتهمة انتسابي لجمعية النوريين وقيامي بتحريض الشعب ضد الحكومة.
ة ماء.لا توجد جمعية باسم جمعية النوريين، ولست منتسبا لأية جمعية من هذا القبيل. إنني منتسب إلى جمعية الإسلام المقدسة والعظيمة.. الجمعية الإلهية والنورانية التي تبشر ال له الة جمعاء بالسعادة الأبدية وبالسلامة الأبدية والتي وضعها منذ أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين سنة فخرُ الكائنات محمد (ص) والتي لها ثلاثمائة وخمسين مليون منتسب في كل عصر. وقد عقدتُ العزم -بحمد اللّٰه- بكل قوتي على إطاعة أوامره المقدسة.
وه وتورسائل النور التي اعتبر المدعي تتلمذي عليها ذنبا وجُرما، فقد علّمتني وظائفي الدينيةَ والإيمانية، وعلمتني أن الإسلام أسمى وأقدسُ دينٍ وأنه السبيل الوحيد لسعادة البشرية، وعلمتني أن القرآن هو الأمر الإلهي النازل من رب عليهامين سبحانه وتعالى، الحاضرِ الناظر في كل مكان، وأن الوجود بأجمعه بدءًا من الذرات وانتهاءً بالنجوم وبالشموس هو تحت قدرته وتحت إدارته الأزلية، وعلمتني فيضي" رآن معجزة إلهية يحيط نظره بكل الحوادث منذ الأزل إلى الأبد، وأنه أسمى من جميع الكتب، وكتاب معجز من أربعين وجها، وكلام أزلي يبشر البشرية جمعهم مسجسعادة الأبدية فيجعل المشتاقين إليه يشعرون بعظم المنة عليهم. وأن الرسول (ص) المرسَل من قِبَل رب العالمين كان بكل أحواله أكملَ الناس جميعا وأصدقَهم وأسماهم في نواحي الكمال، وأنه قدم للناس جميعا -بنور الإسلام- أكبر بُشرى وأقدسَ سلوان، وأنه عة التسلطنته المعنوية خُمس نوع البشر منذ أربعة عشر قرنا، ويُكتَب في دفتر حسناته جميعُ ما كسبتْه أمته من حسناتٍ منذ ألف وثلاثمائة ونيف من السنين، وأنه سببُ خلق الكائنات، وأنه حبيب اللّٰه. وعلمتنقّي اللآخرة والجنة وجهنم حق وحقيقة، وذلك ببراهينَ وحجج باهرة مستقاة من القرآن المعجز.
— 570 —
أما رسائل النور فإنها بكلماتها وجملها تشهد أنها فيض من نور القرآن الكريم ونور محمد (ص). وذلك بانتسابها للقرآن الكريم وكونِها تفسيرا خاصا له، وبهذا ال
وب فهي سماوية وعرشية.
وهكذا فإن رسائل النور -المتهمة بأنها تحرّض الناس ضد الحكومة- بكل أجزائها كی"الكلمات" و"المكتوبات" و"اللمعات" و"اللحكيم." إنما تعطي دروسا حول الحقائق الإلهية وحول الدساتير الإسلامية وحول الأسرار القرآنية. فكيف إذن يُعدّ جُرما أو ذنبا قراءةُ رسائل النور وهي مؤلفاتٌ تعد في الذروة من ناحيةِ تدريسها وتلقين تَظهرخلاق الفاضلة والحقائق الإيمانية؟ وهل يعد جُرما أو ذنبا القيامُ باستنساخ هذه الرسائل التي تهدي إلينا السعادة الأبدية أو جَعْلُ أخ مؤمن يستفيد منها من الناحية الإيمانية؟ أيعد هذا تحريضا للناس ضد الح في كلوهل زيارة مؤلِّف مثل هذه الرسائل المباركة الذي بلغ الذروة في الإيمان وفي الأخلاق وفي الفضيلة، أو تكوينُ أخوّة في سبيل القرآن الكريم مع طلاب النور المجهّزين بالإيمان الراسخ وبالعقيدة التي لا تتزعزع والذين أخذوا على أب وحبّحفظَ شرف الإسلام وحقائقِ القرآن في هذا العصر والذين لا هدف لهم سوى اكتساب رضى اللّٰه.. أيُعدّ هذا تشكيلَ جمعية؟ أيّ ضمير نقي وأي ضمير عادل يستطيع إصدار عقوبة على هذا؟
أيها الحكام المحترمون!
إن رسائل النور بجميع أجزائها اعتبارا من "االمغرض" و"اللمعات" وانتهاءً بی"الشعاعات" التي أقر بها كبار العلماء والتي تَهَب مرتبة إيمانية عالية وشوقا إسلاميا كبيرا لمن يقرؤها ليست إلا تفسيرا نوراينا محقرآن ذي البيان المعجز، وكل جزء من أجزائها شمس تزيل الأمراض المعنوية وتبدد الظلمات المعنوية. أما أستاذنا مؤلفُ رسائل النور فقد أمضى حياته كلها في سبيل الإيمان وفي سبيل القرآننورسيَلَ في هذا السبيل جميعَ أنواع الأذى والمصاعب، وحاول بنشره هذه الحقائق القرآنية في هذا العصر إنقاذَ أبناء هذا الوطن المبارك من الهجوم الشرس للشيوعية ولكل أنواع الإلحاد، وأن الصفحة البيضاء لحياته الخالية من أي نقص تشهد بأنه موظف ومؤهل ل وبلس حاليا بهذه المهمة المقدسة. فهو -حاشاه- لم يلقّنّا دروسا غير أخلاقية، ولا دروسا في فن التخريب، بل لقننا دروسا في إنقاذ الإيمان. وهذا ربما يشكل أكبر
— 571 —
غاية وأهم هدف للبشرية على سطح الأرض. إن قيامه منذ ما يقرب م النفسوعشرين سنة بمحاولة إنقاذ إيمانِ مئاتِ الآلاف من الناس برسائل النور، ولاسيما من أمثالي من المساكين الذين لم نكن نعرف شيئا عن الإسلام، وإعطاءنا دروسا في الإيمان الذي هو السعادة القة عاكسلغاية من الحياة يعد دون شك فضلا إلهيا. ونحن نقول للذين يَقلبون الحقائق فينكرون قيامه بهذه الخدمة المقدسة ويرونه خطرا على الحياة الاجتماعية:
إنْ كان ذنبا وجُرما قيامُه بنعمة نالناس من آفات رهيبة كالتردي الأخلاقي والإلحاد وعدم الإيمان، وإرشادُ الناس إلى الإيمان وإلى السير في الطريق الذي رسمه اللّٰه تعالى، والدعوة إلى إطاعة أوامر الدين وإسعاد اَها، والسعادة الدائمية للإسلام.. إن كان هذا ذنبا وجُرما فأنتم تستطيعون آنذاك القولَ بأنه ضار للحياة الاجتماعية. وإلّا فإن هذا الادعاء أكبر فرية وهو جريمة لا تغتفر.
من الحسائل النور لا تستهدف الدنيا، بل تستهدف السعادة الأخروية الدائمة وتستهدف نيل رضى اللّٰه الباقي الأزلي الرحيم ذي الجلال الذي لا يشكل الحسنُ والجمال في الدنيا إلا ظِلا خافتا لجماله ولا تشكّل لطائفُ الجنة جميعا إلا لمعالإخلامحبته سبحانه. فما دام مثلُ هذا الهدف الإلهي المقدس ومثل هذا الهدف السامي موجودا، فإنني أبرئ رسائل النور وأنزهها ألف مرة من الوقوع في أمور سفلية ومحرمة تؤدي إلى نتيجة كتحريض الناس ضد الحكومة. ونحن نلوذ بحمى اللّٰه تعالى من شرور هؤلاء الذيلة لهيريدون منا أن نتعلم أمور ديننا ولا أن نخدم إيماننا، فيفترون علينا مثل هذه الافتراءات لكي يقضوا علينا.
أيها الحكام المحترمون!
لا يمكن أبدا إطفاء نور رسائل النور. وأكبر دليل على هذا هو أنه رغم المحاولات التي جرت منذ خمس وعشرين سنة للقضاءها من ، فإنها -على العكس من ذلك- انتشرت وسطعت أكثر، ذلك لأن صاحبها ومولاها هو اللّٰه ذو الجلال الذي بيده مقاليد كل شيء منذ الأزل إلى الأبد، ولأن حقائقها هي الحقائق القرآنية ئل النَكفل اللّٰه تعالى بحفظها والعنايةِ بها. وستَبقى أنوارُها تتشعشع على الدوام إن شاء اللّٰه.
— 572 —
أيها الحكام المحترمون!
إنْ كان جُرما قراءة رسائل النور واستنساخهاية لمنتُعلّمنا الإيمانَ والإسلام بكل شوق وبكل حُب، والتي لا هدف لها سوى مرضاة اللّٰه تعالى والتي هي تفسير نوراني للقرآن المعجز البيان في هذا العصر، وإن كان إعطاء هذه الرسائل -المشتملة على الحقائق الإيمانية- إلى إخوة مؤمنين جُرما، وإن على ولرابطة الدينية والأخوّة الإسلامية التي تجمع المؤمنين في سبيل مرضاة اللّٰه وفي طريق القرآن والإيمان والتي تعد من الأوامر القدسية للدين.. إن كانت هذه الرابطة في نظركم تعتبر تشكيل جمعية، فإن من دواعفيما بتي أن أكون منتسبا لمثل هذه الجمعية، وهي سعادة أكبر من جميع المكافآت ومن جميع الأوسمة، وإنني أحمد اللّٰه تعالى حمدا لا حدّ له لِمَا مَنّ على مسكين مثلي بفضله وبلطفه هذه السعادة الكبيرة عندما جعلني طالبالى الإبة رسائل النور. وليس لي في الختام سوى القول:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
حسبي اللّٰه لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
المعلم
مصطفى صونغور

* * *

لائحة دفاع "مصطفى صونغور" في محكمة اإخوتي
١- لقد عدّت محكمة الجنايات الكبرى قيامي بقراءة رسائل النور واستنساخها وإعطاءها إلى أحد الإخوة المؤمنين المحتاجين ليستفيد منها، ذنبا وجرما لأنني قمت - إلى اادعاء- بتحريض الشعب ضد الحكومة. علما بأنني سبق وأن قلتُ في دفاعي جوابا على هذا الاتهام:
إن رسائل النور التي تعدونها تحرّض الناس ضد الحكومة ليست في الواقع إلا تفسيرا حقيقيا للقرآن الكريم، فهي -بكل أجزائها- تعرين عاسا في الحقائق الإيمانية، وتَهَبُ لكل من يقرؤها أو يستنسخها سعادة كبرى. ولم يكن من هدفها أبدا أمور دنيوية سافلة وفانية
— 573 —
كتحريض الناس ضد الحكومة والتي هي من أعمال أصحاب الفتن وأعما هذا اقطين، بل هدفها هو نيل رضى اللّٰه وهو أسمى مرتبة للسعادة والحبور. وإنني أفتخر لكوني خادما عاجزا وطالبا من طلاب رسائل النور التي أكسبتني عند قراءتها واستنساخها أحلى نعمة وأكبر فضيلة وهي نعمة الإيمان وفضيلتل الإي أنني ذكرت أن تتلمذي على رسائل النور يعد أكبر فضل إلهي، وأنني أحمد اللّٰه تعالى وأشكره شكرا دائما إذ أحسن بي هذه النعمة التي أسبغها على شخص لها.
مسكين مثلي، ومع ذلك فقد تم إصدار حكم بعقوبتي لأنهم عدّوا ارتباطي بالإيمان وبالإسلام جُرما دون أن يستندوا إلى أي قانون وإلى أي دليل، فخالَفوا الحق اء نافقة مخالفة تامة وصريحة.
٢- إنني أشهد أنه عندما كنت أدرُس في معهد "كول كوي" في "قسطموني" فإن بعض المعلمين كانوا يلقنوننا دروسا إلحادية ويقولون لنا: إن محمدا (ص) -حاشاه- هو الذي كتب القرآن الكريم، وأن الإسلام في حكم المَلْغيّ، وأ الشرعنية تسير في طريق التقدم، لذا فإن من الخطأ الكبير ومن الرجعية اتباع القرآن الكريم، حتى إن أحد المعلمين قال لنا في أحد الأيام:
"إن المسلمين يقضون حياتهم في ألم وفي محكمة ائم لأنهم يصلون ويذكرون الآخرة. وأن جوا من الكآبة يسود جوامع الإسلام على الدوام، بينما يقضي النصارى حياتهم في نشوة دائمة وفي جو من الموسيقى أفاضل ".
لقد كانوا يحاولون أن يقطعوا كل ما يربط بين قلوبنا وبين الإيمان والإسلام من روابط، وأن يُحِلّوا فيها بدلا منهما الكفر والإلحاد. وهكذا فبينما كنت محقونا بمثل هذه الأفكار المسمومة لا يتضا لاغتيال إيماني بهذه الدروس الإلحادية الضارة إلى درجة أنني انسقتُ في تيار هذه الأفكار وبدأت أنشرها حوالي والعياذ باللّٰه، إذا بي أقرأ بعض رسائل النور التي تَستمد نورَها من القرآن الكريم والتي تَعرِض حقائقَ الإيمان وحي هي علإسلام ببراهين ساطعة وأدلة خارقة، وتبرهن على أن الدين الإسلامي كان دائما وسيلةً لسعادة الإنسان ولسلامته، وأنه شمس معنوية لن تنطفئ ولا يمكن إطفاء نورها، وإذا بهذه الرسائل تطرد كل الأفكار المسمومة وتنشر في قلبي الإيمانَ، وفي ظل هذا الفرح السامي والسعادة اللانهائية
عرضتُ حالي على الأستاذ "بديع الزمان" مؤلفِ هذه الرسائل والشخصِ المشفق الوفي والرائد الحقيقي
— 574 —
وكيف أنني نجوت من حياة الغفلة والضلالة ورسوت على شاطئ الإيمان والنور، اء ومان رسائل النور التي تُكسبنا الإيمان الحقيقي تُعَدّ شمسَ الهداية لجميع الناس في هذا العصر ووسيلة سعادة لهم. وأنه بقيامه بتأليف هذه الرسائل ووضعِ نفسه في مثل هذه المهمة المقدسة إنما يالجسم دمة إيمانية عظمى، وأنه بذلك يُعدّ نعمة إلهية كبيرة للبشرية جمعاء ولاسيما لأهل الإيمان، وأعلنت له عن أسفي الشديد وعن ألمي البالغ وعن نفوري اوحدث ملما تقدم به بعض العصابات الخفية من أتباع "الدجال السفياني" من اعتداءات شنيعة على القرآن وعلى الإسلام وكيف أنهم -كما ذكرت آنفا- يزيّنون الإلحاد لأبناء هذه الأمة الإسلامية البطلة ويحاولون هدم ال التهمإسلامية الإلهية المقدسة التي ترتبط بها الملايين من الناس، ويسعون إلى هدم سعادتهم الأبدية. وأبديت له أسفي البالغ ونفوري الشديد من هؤلاء المجانين الذين يصفقون لهؤلاء المفسدين ويهللون لتخريباتهم الي، تاروالدنيئة. وخاطبت أصدقائي في الدراسة الذين دَاخَلَهم الشك قائلا:
هلموا لنتخلص من أهواء النفس هذه، ولنركع أمام حقائق القرآن، ولنُسرع إلى مدرسة النور المرشدة في هذا العصر إلى طريق السا المسولنترك أكاذيب هؤلاء السفهاء الكذابين.. هذه الأكاذيب التي سمعناها أشهرا وسنين وصفقنا لها والتي قدموها لنا وكأنها هي الحقيقة نفسها، ولنجعل "ن معرفلزمان سعيد النورسي" أستاذا لنا ونتمسك بدروسه بكل قلوبنا لكي نخرج من الظلمات إلى النور.. أليس هذا الخطاب نابعا من الفرحة التي استمدها من إيمانه ومن حب القرآن والإسلام والتمسك والاعتصام بهة وكأغ الحب الكبير الذي يُكنّه لأمته ومن الرغبة في أن يكتسب كل شخص إيمانا حقيقيا لكي ينال السعادة اللانهائية؟.
فهل الانتساب إلى اللّٰه والنظر إلى الإسلاؤامراتى دين وكمنبع للفضيلة وبشارة للسعادة وإعلانُ ذلك يُعدّ جُرما؟
في هذا الزمان بدأ هجوم هدَّام ومدمر على الإسلام وعلى القرآن من جميع الجهات وبدأت الافتراءات تُكال للقرآن وللنبي محمد (صال الأولة النيل من تلك الذات السامية الرفيعة، في حينِ تُسمح بالكتب التي تنفث سموم الإلحاد والانسلاخ من الدين والأخلاق، وتُكال المدح والثناء لشُقاة من أعداء للإسلام تافهين عصاةٍ للّٰه وتُذْكَر أعمالهم غيرُ المشروعة المرات سي بالإعجاب والتقدير، وتُهمَل سمو القرآن وعلوه ورفعةُ شأن الرسول الكريم (ص) وأحقيتُهما، علما أن رسائل النور تبين وجود اللّٰه تعالى وتبين أن موجوداتِ هذا الكون بأجمعها
— 575 —
تشهد على وحدانية خالقها، وأنه واجب الوجوعام وك الإنسان بما جهزه اللّٰه من عقل وفكر أفضلُ مرآةٍ لأسماء اللّٰه الحسنى، لذا يُعدّ سلطانا على سائر المخلوقات، ولو انتسب الإنسان إلى اللّٰه وصان نفسه مالمسؤوالة ومن السفاهة ومن كبائر الآثام لاستحق مرتبةَ ضيفٍ كريم في أعلى عليين وتنعّم بنعيم الجنة الخالدة الأبدية، أما إن كَفَر بخالقه ووقع في الضلالة وفي الغفلة وأشرك به وعصاه فإنه يكون أضل من الحي" ومعنستحق مرتبة أسفل سافلين في عذاب خالد في جهنم، وأن القرآن كلام اللّٰه الذي لا تتغير أحكامه ولا تتبدل أوامره، وأن الإسلام يأخذ بأيدينا إلى أفضل مدنية، وأن السعادة الحقيقية والدائمة لا يمكن أن تتحقق للبشرية إلّا باتباع أوامر القرآن والانتساب لكريم، هذه هي الأمور التي أوضحتْها رسائلُ النور وبرهنتْ عليها بشكل قاطع، ومن هنا تَستمِد رسائلُ النور مكانتَها السامية لأنها تقتبِس من معجزات القرآن ومن النور الإلهي.. فهل الإيمان بهذا ونشرُه والإعلانُ عنه يُعدّ جُرما؟
لكرام يب أن قراءة الروايات والأساطير التي تُكتب لإلهاب الشهوات الفانية غير المشروعة ونشرَ الكتب التي تضر بسلامة الأمة وسلامة الوطن، والتي تهاجم الإسلام، ومن ثم مدح هذه الكتب وتقريظها والثناء عليها.. كل هذا مسموح به ولا يعد ذنبا، ول لسنا منا بقراءةِ واستنساخ رسائل النور التي تُعرِّفنا بشمس الإسلام -التي اهتدت بها مئاتُ الملايين من الناس ووجدتْ فيها السعادةَ الحقيقية- وتدعو إليها وتُعرّفنا بها وتبشر بالحقائق الإيمانية، ومدح هذه الرسائل والثناء عليها اة التنا عاجزون عن إيفاء حقها من الثناء- يعدّ ذنبا وجُرما. فهل هناك إنسان يحمل في قلبه ذرة من الإيمان وذرة من الحرص على سلامة هذا البلد وهذه الأمةِ الإسل أن يعد هذا ذنبا؟!
حكام الجزاء المحترمون!
إن هذه الدعوى المعروضة على مقامكم الرفيع هي في الحقيقة دعوى الإيمان والقرآن، ودعوى السعادة الأبدية والخلاص لملايين الناس. إن جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وعلى رأسهم رسولنا الأكرم (ص)إليه.. الأولياء وأهل الحقيقة وجميع أجدادنا المؤمنين الذين رحلوا إلى الدار الآخرة لهم علاقة من الناحية المعنوية بهذه الدعوى العظيمة. وأنتم اليوم تملكون في أيديكم فرصةَ اكتسابِ الذنوأولئك الملايين من أهل الحقيقة ودعاءِهم وشفاعتهم. وأن
— 576 —
الحقيقة السامية المسماة برسائل النور أمامكم. فهل المراتب والمقامات الدنيوية الفانية والسفلية هي غايتها؟ أم إن غايتها سبيل ل رضى اللّٰه تعالى الذي هو السعادة العظمى والفرحة الكبرى والهناء التي ما بعدها هناء؟ أَوَ تحفز كلماتها الإنسان إلى الأخلاق الرديئة والهابطة أم تجهزهم بالإيمان وتجلك في بالفضيلة وبالأخلاق السامية؟ أنتم تجدون رسائل النور أمامكم وهى منبثقة من الإعجاز المعنوي للقرآن المبين الذي هو نور إلهي. فما دام اكتسابُ الإيمان، والانتقال بهذا الإيمان في الدنيا إلى سعادة الدار الآخرة أهمّ غاية للإنسان، ومادامت رس، ولمانور تقدم -بفيض من القرآن- الحقائقَ الإيمانية وتقرّب مئاتِ الآلاف من قرائها ومستنسخيها إلى هذا الهدف، فلا مناص أمام عدالتكم السامية وحُبكم للحقيقة إلّا فهمُ الوجه القرآ صِراطلوجهِ الحقيقي لرسائل النور وتقديرُ قيمتها الحقيقية، ومعرفةُ أن طلاب النور لا يَسْعون إلا لنيل رضى اللّٰه تعالى وأنه لا هدف لهم سواه.
حكام الجزاء المحترمون!
إن أستا هو للعزيز "بديع الزمان" الذي ارتقى إلى أعلى مرتبة للفضيلة وللأخلاق الكريمة يحاول بكل ما يملك من شفقة ورحمة وحنان إنقاذ الإنسان من الظلام الفك والأنامس ومن السجن الأبدي، وهو الذي تَحمّل جميعَ صنوف الألم والعذاب في سبيل المهمة الملقاة على عاتقه لنشر الحقائق القرآنية.. أستاذُنا هذا يُرمَى في السجون دون وجه حقلجليلةا للعدالة مع كونه مريضا وشيخا كبيرا ووحيدا دون أهل، مع أن غايته تنحصر فقط في إنقاذ إيمان الناس بما يملكه من علم كبير وذكاء خارق وإيمان رفي كل ذردية كبيرة. وأن قلب الإنسان لَيتفطر ألما مما قاساه هذا الشيخ المبارك المحب لخير الإنسانية في سجن "أفيون" من البرد القارس ومن الآلام الكبيرة والمضايقات العديدة مع أنه في الخامسة والسب
سعي العمر، لذا فإننا ننتظر من عدالتكم السامية المرتبطة بالحقائق ومن حُبكم وتعلقكم بحب الإنسانية تجليَ الشفقة والرحمة للعدالة.
مصطفى صونغور

* * *

— 577 —
دفاع "محمد فيضي"طويل ج إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
لقد عدَّ المدعي العام كوني سكرتيرا لأستاذي "سعيد النورسي" ومتعلقا تعلقا شديدا به وبرسائل النور وقيامي بخدمة كبيرة في هذا المجال.. لقد عدّ ذلك تهمة تستوجب مساءلتي. وأنا أقول إزاء هذا بأنني أَق الكل، التهمة بكل ما أوتيت من قوة وأنني أفتخر بها، ذلك لأنني فُطرتُ على حب العلم والشوق إليه. والدليلُ على ذلك أنه عندما قاموا بتفتيش منیزلي في حادثة "دنيزلي" وجدوا فيه خمسمائة وثمانين من الكتب العلميةقل ولمبية وسجلوها رسميا، ومع أنني شخص فقير وفي مقتبل العمر ومعرفتي باللغة العربية لا تزال ناقصة، فإن عشقي للعلم ورغبتي الشديدة في التعلم هي التي دفعتني إلى اقتناء هذه الكتب ٣١ مارعة التي لا توجد عند واحد بالألف من الناس.
فطرتي العلميةُ هذه كانت تدفعني للبحث عن أستاذ وعن مرشد حقيقي وحمدا للّٰه حمدا لانهاية له، إذ دلني على بُغيَتي عن قرللّٰه ا كنت أحسبه بعيدا. أجل إن حياة أستاذي "سعيد النورسي" تشهد أنَّ غايته الوحيدة هي الشوق العلمي واستحصال العلوم الإسلامية. وقد تأكدتُ من مشاهدتي ومن قراءتي لتاريخ حياته -وهو كتاب مطبوع- ومن الذي سيأت التي استقيتها من طلابه القدماء أن رغبتي الفطرية في العلم موجودة لدى أستاذي بشكل خارق للعادة إلى درجة أنه ما زال يحتفظ بصفة طالب العلم -خلافا لجميع العلماء المتخرجين من المدارس الإسلامية القديمة- مما جعله قادرا على تحمل جميع البلايا واثلاثة . ولأن أهل السياسة لم يفهموا الأحوال العجيبة لأستاذي؛ فقد سعوا لربط هذه الأحوال بنوع من السياسة التي لا علاقة له بها، حتى إنهم ألقوه في غياهب السجون. ولكن اللّٰه تعالى جعل هذا العشق العلمي الموجود لديه مفتاحا للحقائق اللفاسدة، فظهرتْ رسائلُ النور التي أذهلت جميع العلماء والفلاسفة. في هذه الأثناء وجدتُ أستاذي في مدينة "قسطموني" بجانبي، أنا الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي بما فُطرتُ عليه من حب العلم، وأنا أَعدُّ هذا إحسانا إلهيا سأظل أشكر الل طلاب الى عليه حتى آخر عمري.
— 578 —
ولكي يحتفظ أستاذي بعزة العلم ومكانته فإنه لا يَقبل -ولم يكن يقبل في السابق أيضا- الصدقاتِ والهدايا وما شابههما، ويمنع طلابه من ذلك أيضا. ولم يُحنِ رأسدائرة . ومن أوضاعه غير الاعتيادية أنه لم يرض في الحرب وهو في الخط الأمامي من جبهة القتال الدخولَ إلى الخندق حفاظا على العزة العلمية، وأنه وقف أمام ثلاثة من القواد المرعبين [٭]: المقصود: القائد خولحدة. اشا في المحكمة، والقائد الروسي نيقولا نيقولافيج، ومصطفى كمال. موقف الأستاذ المحافظ على عزته العلمية دون أن يبالي بغضبهم، بل أسكتهم. ولما كنت أعلم أنكم "الي هذا حافظ على شرف هذه الأمة وهذا الوطنِ وعلى شرف علماء الأمة التركية وضحى في سبيل ذلك بكل شيء فقد قبلته أستاذا حقيقيا لي، ولو افترضنا فرضا محالا وقلنا إن له مائة نقيصة، لكان علينا أن ننظر لثلاث،لتسامح إليها، وألا نعترض عليه.
ولقد قدّره الوطنيون -باسم الوطن وباسم الأمة- في عهد المشروطية وكذلك الحال في العهد الجمهوري. ومثال تقديرهم لخدمات الأستاذ الجليلة للعلم هو: قيام حكومةِ الاتحاد والترقي بتخصيص تسعة عع أن ي ليرة ذهبية لمدرسة أستاذي "مدرسة الزهراء" في مدينة "وان" والتي أرادها أن تكون نظيرة "الأزهر"، ومع أن أساسها أُرسي إلّا أنّ بدء الحرب العالمية الأولى أدى إلى تأجيل بنائها، وقبل أربع وعشرين سنة قامت الحكومة الجمهورية -بعد موافقةِ وتأييدِ مائة وة "سراائبا- بتخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لبناء دار فنون الأستاذ (مدرسة الزهراء). وقيامُ هذا الأستاذ الكريم وحده بمحاولة إنشاء جامعة كجامعة الأزهر التي تعاون في إنشائها آلاف العلماء، واقترابُه جدّا من تحقيق هذا الهدف يحتم ع تُبيّع الوطنيين وعلى جميع محبي الأمة مع جميع علماء الدين تقدير هذا الأستاذ والثناء عليه، ولأننا قد ظفرنا بمثل هذا الأستاذ، فنحن مستعدون لتحمل جميع المشاق والمصاعب.
إنني أكنّ لعلّامة الزمان هذمعلوماَ آيات التقدير والاحترام لأنه استطاع بفيوضاته العلمية وبحقائق آثاره السامية التي تناهز المائة والثلاثين كتابا مساعدتي في المضي في طريق العلم والإيمان وسأظل أحمل له هذا التقدير إلى الأبد إن شاء ا خالق
ومع أن التحريات استمرت لمدة أشهر لإثبات التهمة الموجهة إليّ من قبل الادعاء العام حول "استغلال الدين والمشاعر الدينية لغرض إنشاء جمعية سرية مخلة بأمنحق بالة" إلّا أن هذه التحقيقات لم تسفر عن شيء، ذلك لأن مثل هذه الجمعية لاوجود لها، ولا توجد
— 579 —
لنا أية علاقة بأية جمعية. إن علاقتنا الوحيدة هي مع رسائل والحد التي دخلت في امتحان صعب في مواجهة قوانين الحكومة الجمهورية، ولكنها حصلت على البراءة من قبل المحاكم ذات الصلاحية، وعلى الاحترام والتوقير من قبل الهيئات المتخصصة، وهذه العلاقة لا تعدّ خللقياملوطن وللأمة بل هي علاقة علمية نافعة للوطن وللأُمة. ولا يوجد أي هدف وأية نيَّة أخرى خارج هذا، وبناءً على ذلك ولكون موضوع براءتنا وإخلاصنا ظاهرا تماما فإننا نطالب محكمتكمب النولة السامية بإصدار قرار براءتنا مثلما فعلت محكمة "دنيزلي" فتَحقق بذلك تجلي العدالةِ.
محمد فيضي باموقجي
الموقوف في سجن أفيون
من قسطموني

* * *

دفاع "أحمد فيضي"(٭)ذاب اللى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
أيها الحكام المحترمون! أ ليس من حق المؤمن ومن واجبه الالتقاءُ بعالم ديني وقراءةُ كتبه المتعلقة بحقائق الدين واستنساخُ هذه الكتب والإسراعُ إلى نجدة إخوانه في الدين في سبيل خدمة دينه وقرآنه ة مرسو (ص)؟ وهل هناك أية مادة قانونية تمنعنا من أداء هذه الخدمة الدينية؟ وهل يُعَدُّ ذنبا قيام بعض الجهات بنقد التيارات الكافرة والتيارات غير الأخلاقية؟ نحن طبقة متدينة من الشعب لا شائبة فيها ولا علاقة لها إصبع ياسة ولا مع إدارة الدولة.
إنّ حمل حُسنِ ظنٍ تجاهَ شخص ما وتقديره يُعدّ قناعة شخصية، ونحن نعتقد بأن "بديع الزمان" أكبر عالم ديني في زماننا هذا، ونمسة وعل حق وحقيقة قام بإيضاح حقائق الدين دون أي نفاق أو تملق لأحد. أما إطلاقنا عليه صفة "المجاهد" فنابع من خدماته الدينية ودفاعه ضد التيارات الهدامة للإيمان وكيف أاق التي تهدد بلدنا مستندا في ذلك إلى الحقائق القرآنية الراسخة. وليس بمقدورِ أحدٍ أن يؤاخذنا على قناعاتنا الوجدانية. ونحن في بلد يسمح بحرية العقيدة، لذا لحفاظُير مضطرين إلى إعطاء الحساب لأحد.
— 580 —
أما بخصوص موضوع الأشخاص الذين سيظهرون في آخر الزمان حسب ما ورد في الحديث النبوي فأقول:
إننا لم نخترع هذه المواضيع مبات مسا، ذلك لأنها موجودة في الدين؛ فالرسول (ص) يقول في بعض أحاديثه بأن عمر الأمة المحمدية لن تزيد كثيرا عن الألف وخمسمائة سنة. [٭]: إشارة إلى الحديث النبوي (إني لأى أن ر لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم). وهذه الأحاديث تصف كثيرا من الحوادث التاريخية المهمة في حياة الأمة المحمدية وفي حياة الدنيا بأسرها، وذلك تحت عنوان: "علامات القيامة". الوظيبه الأمة المحمدية وتحذرها من شرورها، وتقول بأن الذين يقعون في هذه الشرور عن غفلة أو عن جهل سيقعون في الشقاوة وفي الهلاك الأبدي، وهناك أدلة دينية لا حدّ لها حول هذه الأمور. نحن أناس آمنا باللّٰه وبرسوله وبالقرآن. إذن فاستنجة، بحى هذا الإيمان واستنادا إلى صدق الرسول (ص) أفلا نعمل على خلاص أنفسنا من الهلاك الأبدي؟ أفلا نبصر ما يجري حوالينا؟ ألا نشرح هذا استنادا إلى الحقائق الدينية ونتساءل: "هل جاء هذا الزمانة مدني؟ أنحن هذا الجيلُ المشرفُ على هذه المهالك والمخاطر؟ أنتجاهل البراهين الساطعة الموجودة أمامنا ونتجاهل الحقائق الثابتة والحقائق العلمية التي تُثبت لنا الوجود الإلهي ونترك ديننا وننساق وراء التيار الذي يَعد الإلحاد مسون أر أركان المدنية الأوروبية؟.. وإنْ فعلنا ذلك فمن ينقذنا من الهلاك الأبدي؟ أنتجاهل هذا ولا نفكر فيه؟ أيمكن لمن يعتقد بأنه لا يوجد شيء فوق القرآن وشرف أدحقائق القرآنية أن يرمي بنفسه إلى الهلاك الأبدي خوفا من عقوبات فانية؟ وهل يمكن أن يهتم ببعض القيم الفانية؟ وهل يتخلى عن وظيفته في إيفاء الخدمة للّٰه ولرسوله ولدينه؟.. هذه هي في الحقيقة العواملُ الحقيقية التي تربطنا بی"بديع االقدير، فهل هناك منبع ديني آخر نُزيل به عطشَ أرواحنا إلى حاجتها الأزلية؟".
يوصينا المدعي العام المحترم بقراءة الكتب العربية والعلمية التي تزخر بها المكت"العلملتي لا تتماشى مع روح عصرنا الحالي. وقد لا يعجب المدعي العام المحترم -ومن يفكرون مثله- بالخزينة العلمية المتمثلة بمجموعة رسائل النور وبالحقائق العالية والسامية التي تحويها هذه الرسائل. قد لا تعجبه هذه الرسائل وقد ينتقدها. وهذاعقوبة اجع إليه وهو حُرٌّ في ذلك، ولكنه لا يستطيع التدخل في حُبنا أو تفضيلنا لهذا الكتاب أو ذاك، فنحن نحب رسائل النور
— 581 —
ونرى أنها كتاب دين حقيقي لا نفاق فيه وأنها تفسيق حار آن الكريم. إن مقاييس التفضيل والترجيح مسألة تقدير وجداني وقلبي لا يستطيع أحد أن يتدخل فيه.
أجل، إننا نعتقد بأن مؤلف رسائل النور يعطي درس الحقيقة نفسها، وأن إنكار المدعي العام لهذا الفقرقبوله لا يُضعف اعتقادنا هذا ولا يهزه، ونحن لا نتقبل رسائل النور من أجل كرامتها الكونية بل من أجل ظهور الكرامة العلمية الكاملة التي تتحدى الأوساط العلمية في دروس النور. ومع أن تحصيل مؤلفها العلمي لم يتجاوز ثلاثة أشهر. فإنه ي أفكر ما وينشر هذا العلم، وهو يستخدم في خوارق علمه وفي أكثر المسائل العلمية تعقيدا منطقا عاليا حيَّر أكبر المفكرين وأذهلهم، ويستخدم أسلوبا جذابا طبقة اومشوقا فياضا بالحرارة نابضا بالعشق وبالعواطف الجياشة وذلك بلغةٍ تَعلّمها بعد منتصف عمره، حتى لتبدو كتاباته وكأنها بحر إيمان وخزينة توحيد ومحيط حكمة، فهل تستطيعون أن تَدلّونا على بديع زمان ثانٍ؟
أنتم تستكثرون علينا أن نَعد تمثالَ الفضيلة هذا أسرأفةً-نا وهو الذي لم يلتفت إلى بريقِ جميع الظواهر الفانية ولم يسمح لنفسه التنیزلَ إلى أية منافع مهما كبرت ولا إلى الأمور التي تُلوث الإنسان مهما كانت نداءاتُ هذه الأمور قوية، ولم ينتظر أو يتوسل من أحد شيئا ولم ي والمل عُرض عليه، وأعطى أفضلَ مثال للعفة وللنیزاهة، وصبر على جميع أنواع المكاره والمضايقات، ونذر نفسه لإظهار الحقيقة وإظهار الأنوار القرآنية والمعارف المحمدية.
أما أمام آلام البلد والك بناءد كان قلبه الرحيم يبكي ألما وشفقة. وعلى الرغم من كل أنواع الغدر والإهانة التي تَعرّض لها فإنه لم يتخل عن إيفاء وظيفته لإسعاد مَنْ حواليه؛ فعلى الرغم من شيلتضحيةومن بؤسه فإنه بذل جهودا مضنية وناضل بكل قوة في سبيل اللّٰه تعالى لإنقاذ الناس من غيابة الجهل ومن لجة الإلحاد. وفي هذا الوقت الذي ضاعت فيه المقاييس الأخلاقية فإننا نراه -بجانب كرامته العلمية المذكورة أعلاه- مثالا للتضحية والإيثارللّٰه ا للاستقامة وللنیزاهة وأنموذجا يحتذى للكمال ومحرابا للفضيلة. أَتَرون هذا إفراطا منا؟
إذن فإن هذه هي نظرتنا نحو "بديع الزمان" ونحو مؤلفاته، فهل ارتباطنا به الناشيءُ عن إيماننا، وهل اشتراكُنمن الريات القرآن الكريم ومع الأحاديث النبوية الشريفة في تقبيح الكفر والانحدار الأخلاقي يجعلنا ملوثين بأوضار السياسة الفانية؟ وهل يمكن إطلاق صفة
— 582 —
الإفساد على أعمالِ إصلاحِ نفوسٍ بريئة لِقِسْم من أبناء هذا البلد الذين لم تتيسر لهم منذ خحه... شرين عاما تعلمُ حقائق الدين؟ وهل إنقاذهم من الهلاك الأبدي وإبلاغهم عن اللّٰه وعن رسوله (ص) وعن القرآن إفساد لهم؟
أيها الحكام المحترمون!
نحن لسنا أرباب السياسة أبدا، لأننا نرى أن السياسة تَ60
خاصلاف البلايا والمخاطر والمسؤوليات لأمثالنا ممن هم خارج مسلك السياسة. ونحن أصلا لا نُعير أيّ اهتمام بالمظاهر الفانية، لأننا لا ننظر إلى الدنيا إلّا من وجهها الخيّر المؤدي إلى رضى اللّٰه، لذا فإننا نعترض بشدة على اتهامنا بالجريفة هي السياسة ومعارضة الدولة. ولو كان هذا هو قصدنا وهدفنا إذن لكانت هناك أقل ظاهرة وعلامة على هذا في ظرف هذه السنوات البالغة خمسا وعشرين سنة. أجل، نحن نحمل صفة معارضة، ولكنها معارضة ضد السقوط بناء عقي وضد الإلحاد، وهذه المعارضة ناشئة عن اشتراكنا -بالضرورة- مع القرآن الكريم في شدة توبيخه وصرامة بيانه في هذه المواضيع. فإذا لم يكن بياننا للأ وفي رلموجبة التي شرحناها والنابعة عن الإخلاص وعن النية الصافية وعن الحقيقة كافيا لإقناعكم فأصدروا أيّ عقاب ترغبون فيه بحقنا، ولكن لا تنسوا أبدا أن سيدنا عيسى عليه السلام الذي ينتسب إليه الآن ستمائة مليون نصراني قد حُكم عليه من قِبَل رجال القق تلكي ذلك العهد بالإعدام كأي لص عادي مع أن قلبه كان يخفق لسعادة الإنسانية ولتبليغ الأمانة الملقاة على عاتقه.
إن كلامنا الحر هذا يدفعكم لإصدار عقوبة ضدنا ولكننا سنستقبل هذه العقوبةَ وهذا الحُكمَ بكل فخر، وكل ما سنفعله هو أن نرفع يد الضراعة إلىثلاثماالحاجات هاتفين:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
أحمد فيضي قول
من ناحية أُورْتَاقْلَارْ
الموقوف في سجن أفيون

* * *

— 583 —
دفاع "جَيلامتنا إلى محكمة أفيون" للجنايات الكبرى:
إن مقام الادعاء العام الذي استهول الأمر وجعل من الحَبَّة قُبَّة خصّني بحصة كبيرة من التُهم المزعومة الموجهة إلى رسائل النور وقدمني بصورةِ رجل سياسي خط "طلابِ تآمر لأنني قمت بخدمة أستاذي ورسائل النور، تلك الخدمة التي أفتخر بها في الحقيقة. وأنا أقول ردًّا على هذا:
إنني على علاقة وثيقة بأستاذي "بديع الزمان" الذي استفدت فائدة كبيرة من قراءة كتبه الدينية والإيمانية وال وتحققة إلى درجةِ أنني مستعد بتضحية نفسي وحياتي رخيصةً في هذه السبيل. ولكن هذه العلاقة لم تكن -كما زعم المدعي العام- علاقة ضارة بالوطن وبالأمة، ولا كانت في سبيل تحريض الشعب ضد الدولة، بل هي علاقةٌ وُثقى لا تنفصم أبداملائكةا من أجل إنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي للقبر -الذي لا يمكن لأحد أن يجد منه مهربا-، وإنقاذِ إيمان أمثالي من إخواني في الدين في هذا الزمن الخطر وتنا -وفأخلاقهم وجَعْلِهم أعضاءً نافعين لهذا الوطن ولهذه الأمة.
إنني من القريبين إليه؛ فقد خدمته على فترات متقطعة أربع سنوات وأنا فخور بذلك. وطوال هذه المدة لم أشاهد منه إلّا الّٰه ت الخالصة، ولم أسمع منه كلمة واحدة حول كونه مهديا أو مجددا. إن مئات الآلاف من رسائل النور ومئات الآلاف من طلبة النور الذين أنقذوا إيمانهم بقراءتها يشهدون على كمال تواضعه.
فأستاذي المبارك هذا يرى نفسه طالبا من طلبة النوضي اللّم نفسه على هذا الأساس.
من اليسير ملاحظةُ ومشاهدةُ ذلك بسهولة من قراءة الرسائل الموجودة بين أيديكم ولاسيما رسالة "الإخلاص" الموجودة ضمن مجموعة "عصا موسى" إذ يقول فيها: "إن الحقائق الباقية هي مرهقة، وكالألماس، لا تُبنى على الأشخاص ولا يمكن لأشخاص فانين أن يتملّكوها" وهو يكرر هذا في كثير من رسائله وخطاباته. وليس من شأن العقل السليم أن
— 584 —
يحكم أنه يدّعى الفخر والتباهي بنفسه أو أنه مهديلنجاة . وإذا ما قرأتم الرسائل والمكاتيب بدقة وبإنصاف علمتم وتأكدتم أنه علّامة زمانه هذا الذي قلما يجود الدهر بمثله في العلم بالدين ولم يقابَل بنلحياة منقذ للإيمان منذ عصور، فهو ذو عطاء وبركة للوطن والأمة تفوق ما يقدمه جيش كامل من المنافع وبخاصة في عصر انتقلت إلينا الشرارات الحمراء للبلشفية تريد الْتِهامَ بلادنا.
فيا أسفى إنني لم أحظَ بالتتلمذ على يديه وعلى ين في مؤلفات القيمة منذ نعومة أظفاري.
هيئةَ المحكمة الموقرة!
لقد شاهدت في نفسي منافع جليلة لا تعد ولا تحصى من قراءة رسائل النور، لذا قمت بطبع رسالة "مرشد الشباب" في مدينة "أسكي شهر" وبإذن رسمي، وذلك لكي يستفيد ربع ال من أبناء هذا الوطن، أي قمت بخدمة وطنية سامية. وأنا أرغب أن أسألكم:
لقد قمت -وأنا الشخص الفقير لرحمة اللّٰه تعالى- بطبع رسائل النور التي تُعدّ تفسيرا حقيقيا للقرآن الكريم وبعيدةً عن أي تجريح أو طعن من الآخرين، أي قمت بون روحيمانية. فهل من الحق وهل من العدل أن أقابَل بمثل هذه المعاملة الخشنة في الوقت الذي كان من المفروض ومن الضروري أن أقابَل بالتقدير؟
إنني أطلب من محكمتكم العادلة أن تُصدِر حكمها بإعطاء الحرية لنشر رسائل المن الختي هي غذاء أرواحنا وسببُ نجاتنا ومفتاحُ سعادتنا الأبدية، وإذا كان قسم مما ذكرته وعددته أعلاه يعدّ في نظركم ذنبا أو جُرما فإنني أود أن أبين لكم بأنني سأتمخففة درٍ رحبٍ أية عقوبة تصدرونها مهما كانت شديدة.
جَيلان جالشقان
من أميرداغ
الموقوف في سجن أفيون

* * *

— 585 —
دفاع "مصطفى عثمان"(٭)
إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
ردّا على التهمة اسد بين إليّ حول اشتراكي بفعاليات "بديع الزمان سعيد النورسي" المزعومة في تشكيل جمعية سرية واستغلالِ المشاعر الدينية للإخلال بأمن الدولة وقيامِه ضد النظام القائم أقول ما يلي:
١- أجل، لقد قمت -مثل طلاب النور- بالحصم معنو رسائل النور وقراءتها لكي أتعلم الأخلاق القرآنية التي هي شعار التربية المدنية والدينية اللائقة بالشرف التاريخي لأُمتنا التركية المسلمة، وأحفظ ديني وإيماني من تأثير نها علولوجيات الأجنبية وأكون عضوا نافعا لوطني وأمتي. لقد حلَّ الفساد والرذيلة محل الأخلاق التي عُرف به أجدادنا الذين سَجلوا مآثرهم في التاريخ، وبدأ هذا الفساد يستشري وينتشر ويُفسد الحياة الاجتماعية إلى درجة أن أصحاب الخُقاموا يء أنفسَهم أصبحوا يتقززون من مثل هذا السقوط الأخلاقي المنتشر، الذي أقلق الرأي العام وأصبح حديث المجالس في كل بيت وحديثَ الصحف والمجلات التي تعد لسانَ الرأي العام والمعبتوهم هه، ثم إن هذه الأحوال المؤلمة في انتشار سريع وقد أخذت طابع البلاء العام.. في مثل هذه المرحلة استطاعت رسائل النور أن تنقذني من السقوط الأخلاقي مثلما أنقذت جميعَ قرائها المسلمين. لقعة والتُ هذه الرسائل لمن طلبها مني بإصرار -بعد أن عرف أنني قرأتها- وذلك لكي يستفيدوا من تهذيبها للأخلاق. وبعملي هذا ساعدت على إنقاذ كثير من الأفراد الذين كانوا على وشك الانحد الكثيخلاقي، وعلى وشك أن يكونوا أعضاء مضرين بالوطن والأمة. فاستطاعت رسائل النور بتعليماتها وبتلقيناتها أن تنقذَ هؤلاء وأن تجعلَ أفرادا مفيدين للبشرية وتحصنَهم أمام الوباء الشيوعي الأحمر الذي بدأ ينتشر في بلدنا والذي بدأحمة علم يرتجف منه رُعبا. إذن فإن "بديع الزمان" يُعدّ مجاهدا معنويا يستحق التقدير والتبجيل. أما السلاح النوراني والفعال لهذا الجهاد فهو رسائل النور التي استطاعت في ظرف عشرين سنة أن تُحوِّوا جيدن ألفا من الأفراد -وربما أكثر- إلى أفراد مفيدين للوطن وللأمة، فكيف يكون حثّي على قراءة الرسائل ذنبا، وكيف يكون تأليف رسائل النور تهمة في حق مؤلفها؟.. أسأل هذا من ضمائركم.
— 586 —
ل من " ما ادَّعاه المدعي العام حول كون ذلك الحديث "موضوعا" فهو حُكمٌ غير عِلميّ، لأن ذلك الحديث "صحيح" ووارد في كتب الأحاديث وعلماء الحديث يقبلونه. ففي عهد المشروطية -أيدير فيهد الحرية- تقدّم اليابانيون والكنيسة الإنجليزية الإنكليكانية بأسئلة إلى علماء ذلك العهد، فقدم علماء إسطنبول بهذه الأسئلة إلى "بديع الزمان" الذي أدرج تأويل هذا الحديث ضمن الرسالة التي أصبح اسمها الآن "الشعمادية امس". وإن قبول هؤلاء العلماء الأعلام بهذه الأجوبة وعدم اعتراضهم عليها يدل على صحة الحديث.
وليس هذا الجزء فقط من رسائل النور، بل إن جميع الحقائق الواردة فيها وجميألة، فها، قوية جدّا بحيث لا يستطيع عالِم إسلامي حقيقي الاعتراضَ عليها، لذا نرى أن جميع العلماء الحقيقيين في هذا البلد -ومنذ عهد المشروطية- وعلى رأسهم رئاسة الشؤون الدينية اضطروا إلى تقدير هذه الرسائل وتوقيرها. لذاظيره ككن أن تُطمسَ حقائقها وبراهينها القوية من قِبَل فرد أو فردين ممن لا نصيب لهم من العلم الحقيقي، ولا يملكون من العلم إلا اسمه. بل سيكون هذا أمرا مضحكا.
إن رسائل النور تُقرأ بكل تقحيرة، جميع أرجاء الوطن ومن قِبَل كافة طبقات الشعب لإنقاذ حياتهم الأبدية وإيمانهم، ولأن منافعها المادية والمعنوية ظاهرة وجليلة. لذلك فإن آلافا من المواطنين الذين استفادوا وأعجبوا بحقائق القرآن وحقائق الإيمان يحملون عاطفة العرفان بالجميل واعمر وعن العميق لمؤلف هذه الرسائل.. فهل قيام بعض هؤلاء بكتابة رسائل إلى المؤلف -انطلاقا من العرفان بجميله- وفهمُ الحديث الشريف الذي هو موضوع الاتهام استنادا إلى الحقائق التي لا يمكن أن تُرد، والنظرُ إليه وكأنه قد تحقق فيإن حيالوطن بناءً على بعض الأفعال والآثار.. وبيانُ تمنياتهم بأن لا يقع وطننا في أحضان الفوضى وفي أحضان هذا الخطر الأحمر، تُعدّ خيانة للنظام القائم؟ وهل هي نقد للانقلاب؟ ومع أن هذا العالِم المُبجل د شريف محاكم بسبب هذه الافتراءات وصدرتْ قراراتُها بتبرئته، إلا أنه لا يزال متهما بنفس التُّهم السابقة ويُسجن في سجن انفرادي ويقدّم للمحاكمة، مع أنه شخص منیزوٍ ومتقدم في العمر وشخص وحيد، أما نحن فقد عُدّت مساعينا العلمية وة في ستنا لإنقاذ إيماننا دليلا على أننا نحاول الإخلال بأمن الدولة، ونحن نتساءل من محكمتكم: "أيّ وجدان وضميرِ عادل يستطيع إصدار مثل هذا القرار؟". ن - وجمذلك لضمائركم..
— 587 —
٣- ولنأتِ إلى سبب التهمة الأخرى القائلة بأننا "نحمل صور بديع الزمان وكأنها صور مقدسة ونجمع خطاباته، ونرسل له الرسائل." نقول ردا على هذا:
إنتظام اي -كأي فرد آخر- أن أبعث له الرسائل وبطاقات التهنئة وأن أصادق محبيه وأن أحمل صورته.. ليس فقط صورته البسيطة، بل لو زينت صورته بإطار من الجواهر أو الذهب لكان شيئا زهيدا بجانب ما أسداهنه ولكهذا العلامة الكبير من فضل، فقد أنقذ حياتي المعنويةَ والأبدية من الإعدام، وجعلني أتذوق السعادة في حياتي المادية، وأصبح بمؤلفاته وسيلة لإنقاذ إيمانِ آ أخوة أفراد الآخرين مثلي. هذا من حقي، ولا أظن أنه يُشكل ذنبا، وفي الختام أقول:
إن رجال الأمن في ولايتين وفي أقضية عدة يشهدون بأن طلبة النور -الذين أنقذوا ".
من الأخلاق السفيهة بقراءة رسائل النور وأنقذوا غيرهم كذلك- قد خدموا طوال سنين عديدة هذا الوطن وهذه الأمةَ خدمةً جليلة لا يستطيع إيفاءها الآلاف مع في خ الأمن، لذا فإنهم بدلا من أن يروا التقدير والمديح، فقد أُسيءَ فهمهم وعوملوا وكأنهم عملاء للأجانب، فقد اعتُقلنا وقُدِّمنا للمحاكم وتعطلت مصالفضيلةأشغالنا، وتُركت عوائلنا وأطفالنا في وضعٍ بائس، فأية ديمقراطية تَرضى لعوائلنا هذا الوضع المفجع ولأطفالنا البكاء، وضميرُ أيّ حاكم عادل يرضى بهذا؟.. أسأل هذا من محكمتكم ومن ضمائركم.
لذا فإنة التيل باسم محكمتكم المحترمة وباسم الأمة التركية المجيدة وباسم مجلسه العادل الذي تعملون في ظله أن تصدروا قراركم بحرية نشر رسائل النور التي لا يمكن أبدا إنكار فوائدها ومنافعها الجمة وأن تصدروا هذا ام أيضا ببراءتنا.
مصطفى عثمان
من صَفْرانْبُولُو
الموقوف في سجن أفيون

* * *

— 588 —
دفاع "حفظي بيرام"(٭)
إلى محكمة" أفيون "للجنايات الكبرى
إن التهم الموجهة إليّ هي قيامي بقراءة مؤلفاأمور الم الإسلامي "بديع الزمان" المتهم باستغلال المشاعر الدينية للإخلال بأمن الدولة، علما بأن هذه المؤلفات قيِّمة وذات نفع كبير للامة وللبلد. وهي تعطي دروسا مفيدة جدّا عن الحقائق القرآنية والإيمانية. وكذلك قيامي بإعطاشعر بخهذه المؤلفات إلى عدد من أصدقائي -نزولا عند طلبهم- بعد أن اكتشفتُ مدى استفادتي منها من الناحية الدينية والأخلاقية، وذلك اتباعا لشعارنا (أي مَبدئنا) في السعي لنيل الثواب والأجر بنشر هذه التليهم. لدينية والأخلاقية، وكذلك قيام بعض معارفي بإرسال رسائِل صداقةٍ أو رسائلَ علمية إلى عنواني. هذه هي المعاذير التي تم الاستناد إليها لجعلي في الذل عالمالموما إليه.
إنني أعترض على إيراد هذه المسائل كسبب للاتهام:
١- إنني لا أعتقد أن قيامي بقراءة رسائل النور بقصد التعلم وللحفاظ على ديني وإيماني، ولا قيامي بإعطاء هذه الرسائل إلى بعضهم بقصد التعلم ذنبا أو جريمة، ذلك لأن هذه الر الأخورت من محاكم عديدة وبُرئت من قِبَلها وأعيدت إلى مؤلِّفها، وهي رسائل حازت على تقدير علماء البلدان الإسلامية وعلماء بلادنا، وهي لا تحتوي على أفكار فاسدة كما زعم المدعي العام، فكل رسالة من هذه الرسائل تفسير مهم للقرآن .
سع من بدايتها وحتى نهايتها، وهي تدعو الناس إلى السمو الخلقي وإلى الفضيلة وتعطي دروسا إسلامية وتربية دينية بشكل مؤثر فتكون سببا لحفظ الأمم من السقوط في الهاوية، لذا فهي ليست كتبا مفيدة لهذه الأمة ولهذا البلد وحده، بل هي أيضا مفيدة للإنسانية ج له متمن الناحية المعنوية. ذلك لأنه ما من أحد سجل حادثة ضارة للوطن أو للامة أو ضد إدارة الدولة اشترك فيها طالب من طلاب النور في أي مكان أبدا، ولم يسجِّل رجق يضاعمن والشرطة أيةَ حادثة من هذا القبيل ضدهم. ثم لا توجد هناك جمعية سرية لكي تكون قراءة رسائل النور قراءة سرية، ذلك لأن طلاب النور لا علاقة لهم بأية جمعية، علميلسيئة، أم سياسية. ظاهرة كانت أم سرية، حتى إن
— 589 —
"بديع الزمان" ومعه العديد من طلاب النور قُدموا إلى محكمة الجنايات الكبرى في "دنيزلي" قبل عدة سنوات وبنفس هذه التهم، وقامت المحكمتكون ه دقيق وتحقيق عميق ثم اضطرت إلى إصدار قرارها بتبرئة الجميع وتبرئة رسائل النور كذلك.
ولا أدري كيف تُعد قراءةُ مؤلفاتِ مؤلِّفٍ صدر القرار بتبرئته وتبرئة كتبه.. كيف يعد ذلك دليلا على جُرم كبير مثل جُرم لنا ال بأمن الدولة والسعي ضد النظام القائم، وكيف تكون سببا للاتهام؟ وما هي درجة العدالة في هذا الأمر؟ أُحيلُ هذا السؤالَ إلى ضمائركم.
٢- ثم هناك رسالة أخرى أُرسلت إليّ وأنا في السجن من قضاء "بايزيد"ك الانص لا أعرفه، وأصبحت هذه الرسالةُ سببا لاتهامي. إنني لم أرَ هذه الرسالة، ولا أدري محتوياتها، فإن كانت إحدى رسائل النور فإني أقبل بها. اسألوا عنها لكي أجيبكم عن اتهامي هذا. وقد ورد في كلمة المدعي العام شيء حول المهدو الإرام أسمع هذا إلّا منه. أما أستاذي فهو بريء من هذه الادعاءات. فهذا الأمر لم يُرد لا في حديثه ولا في رسائله، وقد اعتاد في كل مناسبة التنبيه على طلابه بضرورة ابتعادهم عن تعظيمه أو إبداء احترام مفرط أو إعطاء رتبة عالية له. ونحن لا. لذين بأنه أفضل علماء عصره وأنه بريء من حُب الشهرة ومن حُب الجاه، فهو عالم أصيل.
السجين
حفظي بيرام

* * *

— 590 —
دفاع "مصطفى آجت"(٭)
إلى محكمة "أفيون" الكبرىما إخبيات:
أُجيبُ عن الاتهام الموهوم الذي اتهم به الادعاءُ العام أستاذي "بديع الزمان":
إن خدماتي لأستاذي ولرسائل النور ليست إلّا قطرة من بحر اللطف والإحسان الذي قوه الماه. فأنا لست نادما قطعا بهذا الانتساب. فكما يُضحَّى بقطع زجاجية في سبيل كسب خزينة الألماس الثمينة جدا، فإنني مستعد في كل وقت لأُضحي بحياتي في سبيل رسائل النور التي هي وسيلة لإنقاذ حياتي الأبدية. فلقد تحققت منافع أخروية ودنيوية ذلك ال النور، لذا فإن التخلي عن تلك المنافع الجليلة وإبداءَ الفتور تجاه رسائل النور وأستاذي المحترم، لئلا يصيب الحياة الدنيوية المضطربة القصيرة ضرر من سجن تافه ومضايقات لا تلبث أن تزول.. إنني أعدّ هذا التخلي إهانة عظية كانتتاذي علّامة الزمان، ولغايته الوحيدة الجليلة التي هي خدمة الإيمان والقرآن. فأنا لا أريد قطعا أن أخالف أوامره ولا أن أحيد عن إذنه.
هيئةَ الحكام المحترمين!
لِمَ تستهولون كوني طالبا -مذ الإي- لعالِم عظيم يجاهد البلشفية التي تحاول بث سمومها في وطننا العزيز. إن هذا بلا شك يُثبت أن الثروة التي يمتلكها النور تفوق كثيرا ثروة الدنيا بأسرها، فأطلِقوا يد أستاذي ورسائل النور كي ينقذ ملايين الشباب من الأمة التركية، ليصبحوا أبنربية اعين للبلاد.
نعم، إن حاجتنا نحن شبابَ الأمة التركية إلى رسائل النور أكثر بكثير من حاجة المختنق إلى الهواء العليل، ومن حاجةِ من يعيش في الظلام اا- فيمإلى النور الواضح، ومن حاجة الجائع العطشان التائه في الصحراء إلى الماء السلسبيل والغذاء النافع، بل من حاجة الغريق إلى النجاة.
إنه لا يتلاءم مع شرفالجماعلة إهدارُ وإفناءُ حياةِ "بديع الزمان" الذي كَسَب حُسنَ ظننا المفرط وتوجهَنا نحوه وارتباطنا الوثيق به، وإفناءُ ضعفاءَ أصبحوا طلابا له بنية خالصة.
الموقوف في السجن
مصطفى آجت من أميرداغ
— 591 —
دفاع "خليل جاليشقان"(٭)
إلى محكمة "أفيون" ه لعلمات الكبرى:
هيئة المحكمة الموقرة!
في لائحة الاتهام التي قدمها المدعي العام عدّ خدمتي لأستاذي كذنب كبير اقترفته. إن أستاذي الذي قَدِم إلى بلدتنا ضيفا فالذي ٤٤م وهو مقيم فيها منذ أربع سنوات.. إن أستاذي هذا قد ترك ومنذ أربعين سنة كل لذائد الحياة ومتاعها وراحتها ونذر نفسه لخدمة الإيمان والإسلام، ول النورلإنقاذ السعادة الأبدية للمسلمين في وطننا، ولوضع سد أمام الأفكار الضارة لدين هذه الأمة التركية المسلمة كالأفكار البلشفية التي لها أضرار مادية ومعنوية بليغة والأفكارِ الضارة الأخرى للوطن وللأُمة، وذلكاسم الة الدروس الإيمانية والأخلاقية لرسائل النور التي اعترف بفضلها جميعُ العلماء. فهل قيامي -وأنا فخور بذلك- بخدمة أستاذي بين حين وآخر طوال ثلاث سنوات يعد ذنبا؟ ثم إنهم يرون أن تركي لمهنتي كخياط في سبيل هذه الخدمة ذنبٌ كذلك. ولئن ضحيتُ ن فهذا في سبيل أستاذي وفي سبيل رسائل النور -التي أرشدتنا إلى الحق وإلى الحقيقة والتي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم- فهل أُعدّ مذنبا وخائنا للوطن؟.. أسأل هذا منكإلى الرئيس المحكمة الموقر!
لقد قرأتُ بعض رسائل النور واستنسخت بعضها. وبدأت بحمد اللّٰه تعالى حمدا كبيرا بالاستفادة من هذه الرسائل، إذ كان قلبي منذ البداية متعلقا تعلقا كبيرا بالعلم ومشتاقا له. وملا امت مرتبط بهذه الرسائل عن قرب إلا أنني لم أجد فيها لا تحريضا للشعب ضد الحكومة ولا دعوة لتأسيس جمعية سرية تقوم بإخلال الأمن، ولم أسمع من أستاذي أيّ شيدارة ودعوى المهدوية أو دعوى التجديد ولا أي تحريض ضد الأمن. إن الهدف الوحيد والخدمة الوحيدة لرسائل النور ولأستاذنا ولنا نحن طلبة النور هي إيفاء خدمة مقدسة للإسلام ولاسيما إيفاء خدمة مقدسة للأُمة التركية المسلمةائفة محية الإيمان والأخلاق. لذا فمن الضروري ومن
— 592 —
الواجب عدمُ التعرض لرسائل النور ولطلابها من جراء خدماتهم هذه. هذا هو هدفنا، وهذه هي غايتنا وليس شيئا آخر، وإن إيفاءإن ذلك الوظائفَ هو في سبيل الحصول على رِضَى اللّٰه تعالى. ومن الطبيعي أننا لا يمكن أن نؤدي هذه المهمة المقدسة في سبيل الدنيا وفي سبيل متاعها ومنافعها، ولا نتنیزل أصلا لهذا. إن طلبة النور الطاهرين لا يشغل قلوبهم أهدافٌ وغايات دنيوية، لأن قفنحن غمشغولة بالإيمان وبأمور الآخرة، لذا فإنه لم يخطر ببالنا أبدا ما اتهمَنَا به المدعي العام من القيام بتشكيل جمعية سرية، ولا نتحمل مثل هذا الاتهام.
هيئة المحكمة الموقرة!
إننا نعتقد بأنكم اقتنعتم بماهية أهدافنا وغايتنا نحن طلناس بنور، واقتنعتم بعدم وجود أية علاقة لنا بالتهم التي أوردها المدعي العام، لذا فإننا نطلب من محكمتكم الموقرة ومن ضمائركم أن تعيدوا لنا كتبنا وتسمحوا بريم مححرة وتصدروا قراركم ببراءتنا.
خليل جالشقان
من أميرداغ
الموقوف في سجن أفيون

* * *

دفاع "مصطفى كول"(٭)
إلى محكمة "أفيون" للجنايات الكبرى:
إنني لست عضوا في جمعية سرية، كما أن أستاذي "بديع الزماراه رجيشكل مثل هذه الجمعية، إذ قام على الدوام بإعطائنا دروسا حول الحقائق القرآنية وحظَّر علينا وبشدة أن تكون لنا أية علاقة بالسياسة. إنني فقط طالب للأستاذ الكبير "سعيد النورسي"، وأنا متعلق به وبرسائل النور من أعماق قلبي وروحي، وأنا مستعد لأيةيدعون، في سبيل رسائل النور وفي سبيل أستاذي. لقد أنقذ أستاذي برسائل النور إيماني وحياتي الأخروية. فغايته تنحصر في إنقاذ جميع المسلمين وجميع مواطنينا من الإلحاد لكي بباليا السعادة الأبدية. لقد ظهر بوضوح في جميع المحاكم بأنه لا توجد لنا أية علاقة بأي هدف سياسي، ومع أن هذه هي الحقيقة فلا نزال نُقَدَّم للمحاكم من دون سبب ومن دون وجه حق، ونحن نفهم من هذا أنهم يريدون تحطيم
— 593 —
وحدتنا وتسانبعين عع أن تساندنا وتعاوننا لا يهدف أية غاية دنيوية أو سياسية. وكل ما في الأمر أننا نوقر أستاذنا توقيرا كبيرا، لأن كل من يقرأ رسائل النور يكتسب إيمانا قويا وإسلاما قويا وخلقا وكمالا عاليين.
ونحن لاالذين إلّا أن نُكنّ لأستاذنا حُبا شديدا، وأنا مرتبط بمثل هذا الأستاذ وبمثل طلاب رسائل النور هؤلاء بكل جوارحي، ولا يمكن لهذا الارتباط أن ينفصم أو ينقطع وإن شُنقت. إننا مع جميع أخواني أبرياء، ونحن نطالب وبكل قوتنا بحرية كل شيءالنور، وأنا أطالب بتبرئة أستاذنا الكبير وتبرئة إخواني الأبرياء من طلبة النور وتبرئتي كذلك.
مصطفى كول
من إسبارطة

* * *

دفاع "إبراهيم فاقازلي"(٭)
إلى قول لم"أفيون" للجنايات الكبرى:
أيها الحكام المحترمون!
إن التهمة الموجهة إلينا باطلة أولا، وتتعلق بالدنيا، فهي سياسية. ولاشك أنكم -أيها الحكام المحترمون- قد عرفتم مِن نظرتكم الأولى لنا بأننا لسنا من الذين يعملونه لم يدان السياسة، ولو قام المئات من ذوي الصلاحية بتوكيد هذه التهمة السمجة والغريبة عنا، ولو كان عقلي أكبر بمئات المرات من عقلي الحالي لكان التأثير المعنوي الذي تركتْه لديّ رسائلُ قومية ومؤلِّفُه الموقر كافيا لي لكي أهجر لذة السياسة المؤقتة والفانية وأهرب بكل كياني ووجودي إلى الطريق المؤدي إلى الآخرة وإلى الطريق المؤدي إلى النجاة من جهنم. إن علاقتنا سواء أكانت مع مؤلف رسائل النور المبجل واحترامَنا له أو قراءتنا لرسالمنافعور واستنساخها أو علاقتنا وارتباطنا مع طلاب النور.. هذه العلاقات كلها علاقات أخروية، وقد أقرت محكمة "دنيزلي" للجنايات الكبرى ومحكمة التمييز العليا هذا الن أصدقصادقتْ عليه. وإن الأفكار التي استلهمناها من رسائل النور تدعونا بأن لا نفرط في هذه العلاقة النورانية وأن لا نستبدلها بأي عرض دنيوي ومادي. وسيبقى إيماننا هذا معنا حتى آخر لح وخلافأعمارنا.
— 594 —
هيئة المحكمة الموقرة!
ما دمنا قد جُمعنا ها هنا بسبب هذه التهمة المذهلة، فإنني أرى أن ضميري وحُبي لبلدي يحتمان عليَّ أن أُبين لكم هذه الحقيقة المهمة. لقد شاهدت في أوساب أن يي البيئة التي أعيش فيها مدى الإصلاحات الكبيرة التي أنجزتْها رسائلُ النور، وشاهد الناس هذا كذلك، ففي أثناء ما يزيد عن عشر سنوات عرف العديد من الأفراللشخص ا منهم- الطريقَ إلى بيوتهم والاهتمامَ بعوائلهم، وتركوا الأمور الشائنة وعرفوا طَعم السعادة العائلية. وآباءُ هؤلاء وأمهاتهم يرفعون الآن أيديهم بالدعاء لمَنْ كان السبب لمثل هذا التحول، وتستطيعون أن تسمعوا المزيد حول هذا الأمر من ألحيوانلايتنا وما يجاورها. وعندما دخلتْ رسائلُ النور إلى سجن "دنيزلي" كان تأثيرها في المسجونين إيجابيا جدا، ولا يزال هذا التأثير الإيجابي أحاديثَ الناس. وكذلك عندما دخلتْ إلى سرى ونقيون" رأيت كل سجين أتحدث معه يدعو لطلاب النور بالخير ويذكر لي الفرق الكبير بين أحوالهم السابقة وأحوالهم الحالية.. هذه حقائق ملموسة وموجودة أمام جميع الأنظار. والحقيقة أنني أستغربمجرد مكيف يمكن أن يقال إنني أشتغل في ساحة السياسة لمجرد أنني قمت بإرسال خطابات مَحَبّةٍ إلى مؤلف رسائل النور المحترم؟ هذه الرسائل التي كانت مفيدة لي ولجميع أبناء جنسي من الناحية الأخلاقية والاجتماعية ومما من ة الحياة الأخروية لكونها تفسيرا حقيقيا للقرآن الكريم، أو لأنني قمت بإرسال رسائلِ محبةٍ إسلامية ورسائلِ سلوان إلى بعض مواطِنِيَّ!.. وأنا أقول وسط هذه الدهشة والاستغراب بأنه لا يمكن أن يكون هذا العمل موضع يع الطو ذنب. والاحتمالُ الوارد هنا هو أن أعداء القرآن الكريم -وبالتالي رسائل النور- المتخفين هم الذين نفثوا الأوهام والظنون والخوف منا، في نفوس موظفي جهاز العدل وجهاز الأمن لكي يُلقوساقيه في غياهب السجون، ولكن سيعرف الحكام المحترمون هذه الحقائق دون شك وسيضعون أيديهم على ضمائرهم لكي يُصدروا قراراتهم العادلة التي لها ثواب كبير عند اللّٰه تعالى.
وسيجعلون الأمة التركية االنور التي تنتظر هذه القرارات بكل اهتمام في جميع أرجاء هذا الوطن.. ممتنة وشاكرة لهم.
إبراهيم فاقازلي
الموقوف في سجن أفيون

* * *

— 595 —
الشعاع الخامس عشر
الحجة الزهراء
عبارة عن مقامين
يبدو هذا الدرستفسحوا رسالةً صغيرة، إلّا أنها في الحقيقة رسالةٌ عظيمة وقوية وواسعة جدّا. وهي فاكهةٌ إيمانية وثمرة قرآنية فردوسية أينعت من حياتي التفكرية ومن اتحاد علم اليقين وعين اليقين فعرّفون النور المعنوية التحقيقية.
سعيد النورسي
— 596 —
المقام الأول
على ثلاثة أقسام
القسم الأول
من الدرس الذي أُلقي في المدرسة اه المهة الثالثة. وهو خلاصة الخلاصة للمكتوب العشرين.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
فالذي قضى خمسا وثلاثين سنة معتزِلا الناسَ، وودّع الدنيا ونسيَها، ولاسيما في اون صعب، حتى استوحش من الناس، لكثرة ما عانى من المراقبة المستديمة والترصّد الدائم لأعماله ترصدا ينطوي على حقد وضغينة وسوء طويّة، طوال ثلاثٍ وعشرين سنة، حتى أصبح يتضايق من أن يقضي ساعةً من وقته مع أحدٍ من الناس وفي مكان واحد، سوى مَن يلخطايالى رسائل النور ومَن يقوم بمعاونته.. أقول: لقد نقلوا هذا الضعيف -أنا العاجز- إلى الزنیزانة الخامسة كرها، حيث الازدحام على أشده. ومنعوا إخوتي من التردد عليّ، بحجةِ رَفْعي دعوى إلى محكمة التمييز حول وضعي في السجن المنفرد أ إن ر شهرا.
فحينما كنت مضطربا وقلِقا على عدم تحمل العيش في هذا الازدحام الكثيف، إذا بالجو يبرد بردا شديدا -علامةً على الغضب- بحيث لو كنت في مكاني السابق لما تحملتُه قطعا. فانقلب لي العُسر يسرا، ونیزلت ن، وقض الشدةُ رحمةً منه تعالى. فخطر للقلب:
على الرغم من قيام طلاب النور بأداء وظيفتهم -ونيابةً عنك- في تبليغ حقائق رسائل النور بجدّ وإخلاص، في كل يسمحوان ردهات السجن، فإن هذه الردهة الخامسة الشبيهة بموضع انیزواء الزاهدين يتجدد دائما ويتبدل، فهي إذن أحوجُ ما تكون إلى دروس النور.
— 597 —
وكذا الشباب والشيوخ لاشك أنهم بأمسّ الحاجة إلى دروس يقينية وراسخة في إثبات وج مدعماالى وإثبات وحدانيته سبحانه. حيث يقرؤون ما تكتبه الصحفُ من هجوم الروس على الإيمان بهجمات الإلحاد الرهيبة، وإنكار الخالق العظيم.
فالذي ورد إلى القلب أثناء الأذكار عقب الصلاسيما هذا. وذكرتُ بدوري التهليلَ الذي أذكره منذ السابق عقب صلاة الفجر عشر مرات، وهو:
"لا إلٰهَ إلّا اللّٰه وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَي
أيو عَلى كل شَيءٍ قَدِيرٌ وإلَيْهِ المَصِيرُ". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند، ٤/٢٢٧؛ ابن أبي شيبة، المسند ٦/٢٧، ٧/١٧١؛ البزار، المسند ٣/٢٦٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٠/٦٥.
هذا التهليل العظيم والتوحيد الجليل الذي يحمل الاسم الأعظم -أحياناايةٍ- قد فصّله "المكتوب العشرون" العظيمُ تفصيلا واضحا ساطعا كالشمس، وذلك في إحدى عشرة كلمة من كلماته في أحد عشر برهانًا من براهينِ وجوب وجوده تعالى ووحدانية ربوبيته، وأورد إحدى عشرة بشارة من البشارات السارة.
ى القد كنت أكرر هذه الجملة المقدسة بتدبر عميق مع التفكر في خلاصةٍ موجزة للمكتوب العشرين، فخطر للقلب فجأةً: ألقِ هذه الخلاصة الموجزة درسا للعالم الفاضل "نادر" ومن يقيم هنا من الشباب. وأنا بدوري قلت: بسم اللليالي وبدأت بإلقاء الدرس:
إن في هذا الكلام التوحيدي إحدى عشرة بشارة، وإحدى عشرة حجة إيمانية. سأشير إلى الحجج وحدَها بإشارة قصيرة جدّا مُحيلا إيضاحاتِها وبشاراتها إلى "المكتوبحات الين" وإلى أجزاء رسائل النور.
وعندما كتبتُ هذا الدرس، رأيتُ من الأنسب أيضا إدراجَ مالم أُفصح عنه للمسجونين من كلمات ونكات فيه.
وهكذا، فالكلمات الإحدى عشرة من ذلك الكلام التوحيدي هي الآتية:
الكلمة سه. وح:"لا إله إلّا اللّٰه"
إن الحجة الإيمانية في هذه الكلمة هي رسالة "الآية الكبرى" تلك الرسالة الخارقة التي لا نظير لها.
— 598 —
فقد أدت إلى نيل طلاب النور بالبراءة من المحكمة، وظهورِهم في سجن "دنيزلي" وانتصارهم في كلٍ من محاكم "أنقرة ودلى قرا وانتشارها بالخفاء انتشارا مؤثرا. مثلما أصبح طبعُها سرًّا سببا لاعتقال طلابها تسعة أشهر.
نعم، إن شعاع "الآية الكبرى" أظهر ثلاثةً وثلاثين إجماعا عظيما وحججا كلية في الكون كله، مع إشارته في كل حُجة كلية إلى براهينَ غير محدودة تُثبت وجوائل البِ الوجود، ووحدانيتَه إثباتا ساطعا واضحا وضوح النهار. فيستنطق السماوات بكلمات النجوم في المقدمة ثم الأرضَ بجُمَل الحيوانات والنباتات وهكذا حتى يستنطق ال لا ينله بكلمات حقائق الحدوث والإمكان والتغيّر..
فعلى الذين يطلبون إيمانا راسخا لا يتزعزع والباحثين عن سيف لا ينثلم تجاه الفوضى الملحدة أن يراجعوا رسالة "الآية الكبرى".
الكلمة الثانية:"وحده"
والإشارة الوجيزة إلى الحجة الت) وعلى هي: أن في كل جهة من جهات هذا الكون وفي كل ناحية من نواحيه تُشاهَد وحدةٌ واضحة:
فمثلا:الكون كله أشبه ما يكون بمدينة عامرة، وقصر شامخ وكتاب بليغ مجسم، بحيث إن كلَ آية فيه، بل كل للتضح حروفه، بل كل نقطة من نقاطه في حُكم معجزةٍ وقرآنٍ مجسّد.
نعم، فكما يبين هذا وحدةً واضحة في الكون، فإن مصباحَ ذلك القصر مصباحٌ واحد، وقنديلَه الذي يبين الأوقات واحد أيضا، وطبّاخه المالك للنار.. واحد. الذي بالماء.. واحد، وهكذا واحد.. واحد.. واحد. حتى يبلغ الألف وواحد من الواحد والوحدة.
وبإظهار الكون هذه الوحدة في كل شيء، يثبت أن صاحبَ ذلك القصر وتلك المدينة وذلك ال الذوقذلك القرآن الكبير المجسم، وكاتبَه ومصنّفَه، موجودٌ وواحدٌ أحدٌ.
الكلمة الثالثة:"لا شريك له"
والإشارة المختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي: الآية الجليلة:
قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذًا لابتغوا الى ذي العرش سبيلًا
(الإسرلأوفيا التي هي منبعُ شعاع "الآية الكبرى" وأستاذه، وأساسه.
— 599 —
نعم، لو كان معه آلهةٌ ولها مُداخلة في الخلق والإيجاد والربوبية لَفَسد نظامُ الكون كله واختل. بينما يهالي و أكملُ نظام وأدقّه في كل شيء ابتداءً من جناح ذبابة صغيرة، ومن بؤبؤ عينها ومن حجيرتها الصغيرة وانتهاءً إلى الطائرات الجوية، تلك هي الطيور التي لا تعد ولا تحصى، وإلى المنظومة الشمن بنظرففي كل شيء في الوجود يُرى أكملُ نظام سواءً أكان جزئيا أم كليا، صغيرا أم كبيرا. مما يُثبت هذا النظامُ الأكمل إثباتا لا يحتمل الشك أنّ الشرك مله علاجودُه، وأنه معدومٌ أصلا، ويُثبت أيضا إثباتا واضحا وجودَ واجبِ الوجود ووحدته.
الكلمة الرابعة:"له الملك"
وإشارة قصيرة جدّا إلى ما فيها من حجة طويلة هي: أننا نشاهد بأبصارنا أنّ وراء حجاب الغيب مَن هو متصرفٌن الذوور مالكٌ لقدرة مطلقة لا يحدّها حدّ ويملك من العلم مالا يحدّه حدود، إذ جَعل وجه الأرض مزرعةً واسعة سعةَ الأرض كلها، ينثر فيها كل ربيع بذورا تزيد على مائة ألف نوع من النباتات، ينثرها جميعا معا ومختلِطا بعضها ببعض، ثم يجني ما لباسها جنيا متمايزا دون اختلاط ولا التباس مع انتظام كامل، ويوزّع بيد الرحمة والحكمة على مائتي ألف نوع من الحيوانات ما يلائمُهم من رزق معيّن على حسب حاجتهم. وهكذا يُنور اللأمور على سعة ملكه الواسع الفسيح، الغني المعطاء. ولاسيما مزرعة الأرض.
فالذي لا يؤمن بهذا المتصرف الحكيم والملك الرحيم يضطر إلى إنكار هذه الأرض مع محاصيلها ويكون كالسوفسطائيين الحمقى.
الكلمة الخامسة: وهي"ة من احمد"
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة واسعة جدّا هي:
أننا نشاهد بأبصارنا وندرك بعقولنا إدراكا لحدّ البداهة: أن رزاقا رحيما ومحسنا كريما يتصرف ويدبّر أ تكتبهينة الكون ويرعى شؤون حي الأرض، ويربّي معسكر الإنسان والحيوان، حتى إنه حوّل الأرض إلى سفينة تجارية، وإلى قطار لجلب الأرزاق، ليبعث على الشكر والحمد بما يغدُق من نِعَمه التي لا تعد ولا تحصاب" تعا من الربيع المبسوط على وجه الأرض ما هو بمثابة عربة القطار، المشحونة بمائة ألف نوع ونوع من أنواع الأطعمة، وملأ
— 600 —
الأثداء الشبيهة بالمعلّبات باللبن السائغ لإمداد ذوى الحياة المعوزين الذين نفدت أرزاقُهم في المالشتاء. فمَن يملك ذرة من عقل يؤمن بلا شك أن هذا الأمر إنما هو من أفعالِ رزاقٍ رحيم. ومن لا يؤمن بهذا ويضل ضلالا بعيدا يضطر إلى إنكار ج اضطررنعم المنضودة والأرزاق المعينة الباعثة على الحمد والشكر، وليس هو إلّا أحمقَ حيوانٍ مضر.
الكلمة السادسة: وهي"يحيي"
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي: ما أُثبِتَ في "الكلمة العاشرة" وفي أجزاءم إلى النور بالبراهين القوية أنه: يُبعث على سطح الأرض في كل ربيع جيشٌ سبحاني ضخم مؤلََّف من ثلاثمائة ألف نوع من أنواع ذوى الحياة وبما لا يحد من الأفراد في أشكالالآتي:ة وأنماط مختلفة. فتُوهَب لها الحياةُ، وتُجهَّز بكل ما يلزم الحياةَ وبانتظام كامل، مما يبين لنا مائة ألف نموذج من نماذج الحشر الأعظم، بل من أماراته..
فالذي يحيي كل تلك المخلوقات المتنلأليم ر المحدودة معا، وهي مختلطةٌ ومكتنفة ومتشابكة بعضُها في بعض، بلا سهو ولا خطأ ولا نقص، ومن دون تحيّر، ويميّزها برغم اختلاطها وامتزاجها، وبلا نسيان لأحد منها، ويهب لها الحياة بكمال الميزان والنظام ويبعثها من نُطَفهائل ال هي قطرات ماء متماثلة، ومن نواها المتشابهة، ومن حبيبات لا يتميز بعضُها عن بعض إلّا قليلا، ومن بويضات الحشرات التي هي عينُ الأخرى ومن نُطف الطيور، ومن بويضاتها التي هي عين بعضها أو بفروق طفيفة.. فالذي يحيي تلك المئات من الألوف من ذوى الحمحاولاتي تضم أفرادا لا تعد ولا تحصى، المتباينةِ صورةً، وصنعة ومعيشةً، ويبعث تلك المئات من الألوف من الأحياء، ويكتب مائة ألف كتاب مختلفٍ بعضُها عن بعض على صحيفة الأرض والربيع، يكتبها معا ومتداخلا وبلا خطأ كتابةً في َضَعَتقان، ويتصرف فيها بعناية لا حدّ لها ويعمل فيها بحكمة لا منتهى لها. نعم.. إن الذي يفعل هذا إنما هو الخلاق العليم وهو المحيي والحي القيوم.. فمَن لا يعتقد بهذا لاشك أنه مضطر إلى إنكار نفسه وإنكار جميع الأحخواننامنتشرة على الأرض كافة والمعلقة على شريط الزمان في جميع مواسم الربيع الماضية والموجودة على وجوه الأرض الحية والفضاء الحي.. وما هو إلّا أحمقُ الأحياء وأشقاهم.
— 601 —
الكلمة السابعة: وهي"ويميت"
إن إشارة فم.
ى الاختصار إلى حججها هي:
أننا نشاهد عندما تُسرَّح ثلاثمائة ألف نوع من الأحياء من وظائفها باسم الموت في الخريف، فإنّ كلَّ نوع وكلَّ فرد يُودِع بذورَه إلى يد الحكمة للحفيظ الجليل، تلك البذور التيها؟..ُليباتُ صحائفِ أعماله، وفهارسُ أفعالهِ، وقوائم ما سيعمله في الربيع المقبل، وهي شبيهةٌ بروحه الباقية من جهة -كبُذيرات التين المتناهية في الصغر التي تحمل جميعَ قوانين الحياة لشجرتها، فهي بمثله إلّح باقية لها- فيَكتب فيها الخلّاقُ الحكيم، الحي الذي لا يموت، بقلم القَدَر-كالكتابة في القوة الحافظة- تاريخَ حياة الشجرة وكأنها كتابٌ ضخم.. فمَن لا يؤمن بهذا الخلّاق الحكيم الحي الذي لاما دمن ليس هو إنسانًا أحمق وحيوانًا فاقد الشعور فقط، بل هو كذلك أشقى من شيطان تُضرم به نارُ جهنم ومحكوم عليه بالموت الأبدي.
نعم، إن هذه الأفعال المذكورة والتي تشير إلى حجج هذه الكلمات، وهي أفعال حكيمة كلية محيطة وفي منتهى ال لن نتوتضم ما لا يتناهى من المعجزات والخوارق.. هذه الأفعال لا يمكن أن تكون بلا فاعل قطعا، بل ذلك محال بمائة محال، وباطل إطلاقا، فإسنادُها إلى الأسباب العمياء الصماء العاجزة الفاقدةِ للشعور، الجامدةِثالَ هلطة المستولية غير المنتظمة، ممتنعٌ بألف مرة ومرة ولا أساس له قطعا.
فلو فُوّضت تلك الأفعالُ الحكيمة إلى غير الفاعل الحكيم لَلَزم وجودُ قدرة مطلقة وحكمة مطلقة وإتقانٍ بديع كلي تخص تَشَكُّلر والس الأعشاب والأزاهير في كل ذرة من ذرات التراب.. ويلزم وجودُ قابليةِ فهیمٍ وإفهامِ أقوال ومكالمات وكلماتِ جميعِ الهواتف والراديوات في كل ذرة من ذرات الهواء. كما ذُكر في نكتة توحيدية في لفظ "هو" في "مرشد الشباب".
لية وجا المفهوم الغريب العجيب لا يسع أيَّ شيطان كان أن يقنع به أحدا قط، فالكفر والإنكار الذي هو خارجٌ عن نطاق العقل إلى هذا الحد وبعيدٌ كل البعد عن الحقيقة وهو إهانةٌ للكائنات كلها وتَعدّ علاكتراثها.. لا جزاءَ له إلّا النار، وهو عينُ العدالة. فينبغي القول: "لتعش جهنم لمثل هؤلاء المنكرين".
— 602 —
الكلمة الثامنة:"وهو حي لا يموت"
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي: أن الشُميسات المشاهَدرة الغ أثناء النهار على حَباب وجه البحر وعلى سطح النهر الجاري، تختفي بذهاب تلك الحباب، فتَظهر الشُميسات التي تعقبها كسابقاتها، فتشير بهذا إلى الشمس التي في السماء وتشهد عليها. وتدل بزوالها وخشية أ على وجود شمس دائمية وعلى بقائها.
كذلك المخلوقات على وجه بحر الكون المتبدل دوما وفي فضائه المتجدد الذي لا يحد، وفي مزرعة ذراته، هذه المخلوقاتُ تسيل سراعا وباستمرار في نهر الزمان الذي يتموج مهد كل جميعَ الحوادث والموجودات الفانية، وتموت مع أسبابها الظاهرية. فيذوق كونٌ الموتَ كلَّ سنة، وكلَ يوم، ويحل آخرُ جديدٌ محله، وتموت دنًى سيارةٌا أنهمرار وعوالمُ سيالةٌ في مزرعة الذرات بعد أخذ المحاصيل منها.
فكما تُبين الحبابُ والشُميساتُ بزوالها الشمسَ الدائمة، فإن وفاةَ تلك المخلوقات غيرإحساس ودة وزوالَ تلك المحاصيل، وتسريحها مع أسبابها الظاهرية تسريحا بكمال الانتظام، تدل دلالة قاطعة كالنهار الأبلج والشمسِ في وضح النهار على أحوج مجود الحي الذي لا يموت، على الشمس السرمدية، على الخلاق الباقي، على الآمر الأقدس، وعلى وحدانيته جلّ وعلا وعلى وجوده، دلالة ظاهرة أظهرَ من وجود الكائن سورة ها بألف مرة.. والشاهد على هذا كل موجود بحدّ ذاته وكل الموجودات معا.
فلا شك أَنْ قد أدركتم مدى حماقةِ وصمم وجنايةِ مَن لا يسمع هذه الأصوالمتأتيلية التي تملأ فضاءَ الكون كله وهذه الشهاداتِ القاطعةَ الصادقة.
الكلمة التاسعة: وهي" بيده الخير"
إن إشارة في منتهى الاختصار إلى ما فيها من حجة هي: أننا نشاهد في كل دائرة من دوائالثانيالكون وفي كل نوع من أنواعه وفي كل طبقة من طبقاته حتى في كل فرد من أفراده، بل في كل عضو من أعضائه، بل حتى في كل حجيرة من حجيرات جسمه، مَخزنا احتياطيا ومستودَعا لادّخار الرزق، ومزرعةً وخزينة تهيئ ما يلزمه ويَقيه ، و التي -ما فيها- يدٌ غيبية إلى يد ذلك المخلوق في أنسب وقت ومن حيث لا يحتسب، بل بشكل خارجٍ عن طَوقه وإرادته،
— 603 —
ضمن انتظام تام على وفق ميزان دقيق، ويتم ذلك كله في منتهى الحكمة وغاية العناية.. فالجبال مثلا تَدّخِر كلَّ ما يلزم الأحياء والإغ رسالن معادنَ وأدويةٍ وكلَّ ما يلزم متطلبات الحياة. فهي خزائن مُلئت في غاية الكمال بأمر الواحد الأحد وبتدبيره. مثلما الأرضُ مزرعةٌ وبَيدرٌ ومطبخٌ تُهيئ أرزاق جميع الأحياء ة واحد الانتظام والميزان، وذلك بقوة الرزاق الحكيم، بل إن في كل إنسان وفي كل عضو من أعضائه مخزنا ومستودعا للادّخار، بل حتى في كل حجيرة من حجيرات الجسم أيضا مخزنٌ صغير يناسبه لخزن الاحتياطي من الف). .. وهكذا في كل موجود مخزنٌ، حتى إن مخزنَ الآخرة هو دارُ الدنيا، ومزرعةُ الجنة ومستودَعُها هو عالمُ الإسلام وعالم الإنسانية الحقة، الذي تنبعث منه الحسناتُ والحُسنُ والأنوار. ومخزنٌ من مخازن جهنم هو المواد انفعالا والطوائف الملوثة التي تُنتج حناظل الشرور والقبح والكفر، تلك الشرور الناتجة من العدم والملوِّثة لعوالم الوجود التي هي الخير. ومخزنُ حرارة النجوم وموردها جهنمُ، وخزينةُ أنوارها وم الرساالجنةُ..
وهكذا فإن كلمةَ "بيده الخير" بإشارتها إلى جميع تلك الخزائن غيرِ المحدودة تبين حجة ساطعة جدّا.
نعم، إن هذه الكلمة، وكذا عبارة: "بيده مقاليد كل شيء" حجتان للربوبية واتْ لهمية لا منتهى لسعتهما، وهما ذات خوارق ومعجزات لا حدود لها، تبيّنها هاتان الجملتان لمن لم يُطمَس على عينه. فانظر مثلا من تلك الخزائن والمقاليإنقاذنالمحدودة إلى هذه فحسب:
إن المدبّر الحكيم المالك لمفاتيح البذور والنوى، تلك المخازنُ الصغيرة التي يضم كلٌ منها أجهزةَ منهاجِ مقدَّراتِ شجرة ضخمة أو زهرة فوّاحة، كما يوقظ بوّابَ بذرةٍ بأمره "أَفِقْالتي لاح الإرادة، وبميزانِ نظام تام؛ كذلك يفتح خزينةَ الأرض الهائلة بمفتاح الغيث، فيفتح جميعَ المخازن الصغيرة أي الحبيبات التي هي نطف النباتات وجميعَ مبادئ الحيوانات، والقطرات التي هي نطف الطيور والحشرات المتشكلة من هو قبعتنء، يفتحها جميعا ومعا وبلا خطأ وذلك بتلقّيها أمرَ الانفتاح والانكشاف.. ويفتح سبحانه في الوقت نفسه جميعَ خزائن الكون الكلية والجزئية، المادية والمعنوية، بمفتاح خاص لكل منها بيد الحكمة وبإخوتدة والرحمة والمشيئة.
— 604 —
فإن كنت تريد أن تعرف هذا وتراه فانظر إلى مخازنك الصغيرة وهي قلبُك ودماغُك وجسدك ومعدتك. وانظر إلى حديقتك وإلى الربيع الذي هو زهرةُ الأرض وإلى أزاهيره وثمراترب من ه سبحانه يفتحها بيد غيبية بمفاتيح متباينة متنوعة آتية من مصنع كن فيكون يفتحها بكمال النظام والميزان والرحمة والحكمة، فيُخرج رطلا بل مائة رطل من المطعومات أحيارات غ درهم من عُليبات صغيرة، يُخرجها بكمال الانتظام والميزان مقيما بها ضيافةً فاخرة لذوي الحياة.
فهل من الممكن أن تتدخل قوةٌ عمياء وطبيعة صماء ومصادفة عشواء وأسبية للطمدة جاهلة عاجزة في فعلٍ لانهاية له يؤدّى إلى هذه الدرجة من الانتظام والعلم والبصيرة، وفي صنعةٍ دقيقةٍ ذات حكمة تامة لا تدنو منها المصادفةُ قطعا، وفي تذنبا هموزون لا خطأ فيه إطلاقا، وفي ربوبيةٍ جليلةٍ عادلةٍ عدالةً تامة لا ظلم فيها أصلا؟
وهل يمكن لمن لا يرى الأشياء كافة في آن واحد ولا يستطيع إدارتها كلها دفعةً واحدةً، ولا يجعل الذراتِ والنجومَ السيارة معا تحت أمره أن يتدخل ف نسألالإدارة وتصريفِ الأمور التي جوانبُها كلها ذات حكمة ومعجزة وميزان؟
وهكذا فمن لا يؤمن بمثل هذا المتصرف للأمور، المدبّر الرحيم، والربّ الحكيم، والذي بيده الخير، وله مقاليد كل شيء، ويضل ضلالا بعيدا، ليس له إلّا النار التي تستعر وتغضب حتى ت المختيز من الغيظ (الملك:٨) كما قال تعالى. فتقول جهنمُ بلسان حالها: إنه يستحق عذابي الخالد فليس هو أهلا للرحمة.
الكلمة العاشرة: وهي"وهو على كل شيء قدير"
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي: أن كل ذي شعور يمهن، عى هذه الدنيا المضيف، ويفتح عينه يرى: قدرةً تُمسك الكونَ كله في قبضتها، وتضم علما أزليا مطلقا لا يضلّ ولا ينسى وحكمةً سرمدية لا عبث فيها إطلاقا وتشمل عنايةً بالغة، بحيث تجعل كل ف
أنأفراد جيش الذرات منجذبا جذبة مولوية، فتستخدمها في وظائف شتى، وتُجري في اللحظة نفسها الكرة الأرضية في دائرة واسعة تبلغ مسافتها أربعة وعشرين ألف سنة في سنة واحدة وتديرها كالعاشق المولوى المجذوب بالقانون نفسه.
— 605 —
وإذ هاني، و محاصيل المواسم إلى الحيوانات والإنسان، تجعل بالقانون نفسه في اللحظة نفسها الشمسَ مكوكا ودولابا وتُديرها في مركزها دورانَ منجذبٍ عاشقٍ أيضا مسخِّرةً النجومَ السيارة التي هي أفرادُ جيش المنظومة الشمسيةي الصفمات ووظائف جليلة بكمال الميزان والانتظام.
وأن القدرة نفسها تكتب بقانون الحكمة نفسها في اللحظة نفسها مئاتِ الألوف من الأنواع على صحيفة الأرض كافة، والتي كل منها بمثابة مئات الألوف من الكتب،ول علىا معا ومتداخلة، وبلا التباس ولا سهو، مُظهرةً بها ألوفا من نماذج الحشر الأعظم.
وأن القدرة نفسها، في اللحظة نفسها تحوّل صحيفة الهواء إلى لوحةِ محوٍ وإثباتد الأذةً من ذراتها كلها كأنها نهايات قلم ذلك الكتاب ونقاطِه، مستعمِلةً إياها في وظائف كثيرة ضمن ما يعيّنه الأمر والإرادة الإلهية، حتى إنها أعطت قابلية ردهة مٍ من تلك الذرات لتتلقى الكلمات والمكالمات كلها كأنها تعلَم بها وتنشرها بلا خطأ ولا حيرة كأنها أُذينات صغيرة ولُسينات دقيقة. مما يُثبت أن عنصر الهواء عرشٌ للأمر والإرادة الإلهية.
وهكذا فقياسا على هذه الإشارة المختصرة: هادة اجعل هذا الكون في حكم مدينة منسّقة، وقصر عامر، ومضيف فاخر، وكتاب معجز، وقرآن مبين، ويمسك في قبضة قدرته بميزان العلم ونظام الحكمة جميعَ طبقات سألوني[ات ودوائرها وطوائفها ابتداءً من ذرة من ذراتها وانتهاءً إلى مجموع الكون كلِه، ويدبّر شؤونه ويتصرف فيه، ويُظهر ضمن تلك القدرة الجليلة حكمتَه البالغة ورحمتَه الواسعة، ويُعلِم ضمن ربوبيته المطلقة ويُعرّف بها وجودَه ووحدانيتَه عون في ظاهرا كالشمس في رابعة النهار. فيطلب إزاء تعريفه التعرّفَ إليه بالإيمان، وإزاءَ تودُّدِه ودَّه بالعبادة، وإزاء آلائِه شكرَه وحمدَه.
فالذين لا يعرفون هذا الرحمن الرحيم ولا يَسْعون بالعبودية لحبِّه، بل يَضلون إلى الإنكار فيُضمرون نوعا إذا خعداء تجاهه.. هؤلاء ليسوا إلّا شياطين في صور أناسي، وفي حكم نماردة صغار وفراعنة صُغر. ولاشك أنهم يستحقون عذابا خالدا لا نهاية له.
— 606 —
الكلمة الحادية عشرة: وهي"وإليه المصير"
أي إن المصير هو إلى ب من نحضوره، وإلى عالَمِه الباقي، وإلى دار آخرته، وإلى منیزل سعادته السرمدية، كما أنه مرجع جميع مخلوقات الكون فتستند إليه وترجع إلى قدرته جميعُ سلسلة الأسباب، علمًا أن الأسباب ستائر وُضعتْ أمام تصرفات تلك القدرة، لأجل الحفاظ على هيبتها وعزتلك اليقدسة. فجميعُ الأسباب الظاهرية ستائرُ لا تأثير لها في الإيجاد قطعا. فلولا أمرُه جلّ وعلا وإرادتُه لا يقدر شيء -حتى الذرة- من الحركة.
نشير إشارة مختصرة إلى ما في هذه الكلمة من حجة فنقول:
أولا:إن حقيذراته شر والآخرة والحياة الباقية التي تعبّر عنها هذه الكلمة المقدسة نحيل إثباتها والتصديق بها إلى "الكلمة العاشرة" وذيولِها وإلى "الكلمة التاسعة والنورية" التي تُثبت تحققَها القاطع كتحقق الربيع المقبل، وإلى "المسألة السابعة من رسالة الثمرة"، وإلى شعاع "المناجاة"، وإلى الأجزاء الإيمانية لرسائل النور.
حقا إن تلك الرسائل قد أثبتت هشعاعاتكن الإيماني بحجج لا منتهى لها، بأنّ تحقق الآخرة ثابتٌ بدرجةِ تَحقُّق وجود الدنيا بحيث تلجئ حتى أعتى المنكرين إلى التصديق به.
ثانيا:إن ثُلث القرآن المبين يبحثشفاعة آخرة والحشر، ويبني كل الدعاوى على تلك الحقيقة. لهذا فكما أن جميعَ معجزات القرآن وحججه التي تثبت أحقيتَه تدل على وجود الآخرة، كذلك جميعُ معجزات الرسول (ص) الشطلاب الى صدق نبوته وجميعُ دلائل نبوته وجميعُ حجج صدقه تشهد على الآخرة والحشر؛ لأن أعظم ما دعا إليه ذلك النبي الكريم (ص) طوال حياته كلها هو الآخرة، كما أن مائة وأربعة وعشرين ألفا من الأنبياء الكرام عليهم السلام قد دَعوا جميعُهالذي هالحياة الباقية والسعادة الأبدية وبشّروا البشرية بها وأثبتوا صدقَ دعواهم بما لا يحد من المعجزات والدلائل القاطعة. فلا شك أن جميع معجزاتهم وحججهم الدالة على نبوتهم وعلى صدن هذه دعواهم تشهد أيضا على الآخرة والحياة الباقية التي هي أعظمُ وأدوم دعواهم.
فقياسا على هذا فإن جميع الأدلة التي تثبت سائر الأركان الإيمانية تشهد بدورها عل الشرق الآخرة وعلى انفتاح أبواب دار السعادة الخالدة.
— 607 —
ثالثا:إن خالق هذا الكون الذي خلقه بجميع ذراته وسياراته وأجزائه وطبقاته مقلِّدا كلا منها بوظيفة بل وظائفَ كثيرة بكمال الحكمة ومسخِرا لها باستمرار إظهارا لكماله وقدرته وربوبيته، ولمرة وُرسل طوائفَ المخلوقات قافلةً إثر قافلة بل يرسل دنًى متعاقبة متجدّدة سيالة إلى مَضيف هذا العالم وإلى ميدان امتحان هذه الحياة الدنيوية لِيُظهر تجاسفة يير محدودة لأسمائه الحسنى السرمدية وليلتقط صور تلك المخلوقات وأعمالها وأوضاعها بكامرات برزخية وسينمات أخروية منصوبة في عالم المثال. ومن بعد صرّ حزا يرسل طوائف أخرى قافلة إثر قافلة، بل يرسل نوعا من دنى سيارة وسيالة إلى ذلك الميدان، لأجل أن تتسنّم وظائف جليلة وتصبح مرايا لتجليات أسمائه الحسنى.
فهل من الممكن لهذا الخالق الجميل، الصانع الجليل، اللّٰه ذي الكمال،المتكب يجعل دار ثواب وجزاء؟ وأن لا يقيم الحشر والنشور لنوع الإنسان الذي يقابِل بالشعور والعقل في هذه الدنيا الفانية جميعَ مقاصد ذلك الخالق الكريم، والذي يحبّ ذلك الخالق ويحبّبه بجميع استعداداته، والذي يعرفه ويعرّفه، ويتوسل إليه بأدعية لا حدّ لهإنقاذ غ السعادة الأبدية والبقاء الأخروي، والذي يسأل الحياة الباقية التي هي اللذة بعينها يسألها بجميع فطرته وروحه واستعداده لما يتألم آلاما لا حدّ لها بالعقل الذي يحمله. فهل يمكن أن لا يكون لهذا الإنسان ثواب وعقاب؟ حاش للّٰه وأإسبارط كلّا..
إن تفاصيل وإيضاح هذه الإشارة المختصرة موجودة بأسطع صورها وأقوى حججها في رسائل النور؛ لذا نحيل إليها ونختصر هذه المسألة الطويلة جدّا.
سُبْحَانَكَ لاَبطولة َ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم

* * *

— 608 —
القسم الثاني
خلاصة مختصرة لسورة "الفاتحة"
من درس واحد فقط أُلقي في المدرسة اليوسفية الثالثة في فترة قصيرة جدّا أثناء نقلي من التجريد والسجن الانفرادي إلى بئ عن العامة ومعاشرة الآخرين.
نموذج لدرس قصير جدّا أُلقي على طلاب النور في السجن
لقد أَمرت "الفاتحة" التي في الصلاة، القلبَ لبيان قطرة من بحرها ولمعة من فيوضات الألوان السبعة لشالمسجوولقد كتبنا نكات لطيفة في غاية الطِيب والجمال لهذه الخزينة القرآنية السامية في كل من المكتوب التاسع والعشرين -في قسم منه- وبخاصة في السياحة الخيالية في "ن" نعبدوالإراسالة "الرموز الثمانية"، وفي تفسير "إشارات الإعجاز" وفي سائر أجزاء رسائل النور. إلّا أنني اضطررت -من جهة- إلى كتابة تفكري في الصلاة لإشارات تلك الخلاصة القرآنية الطيبة إلى أركان ل النون وحججه فقط ولخلاصتها التي هي في منتهى الاختصار كالقسم الأول.
أبدأ بی"الحمد للّٰه" محيلا
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
إلى عدد من رسائل النور.
بسم اللّٰه الرحمن أكبحيم
الحمدُ للّٰه رَبِّ العَالمَينَ ٭ الرّحمن الرّحيمِ ٭ مَالكِ يَومِ الدِّينِ ٭ إياكَ نَعْبُدُ وإياكَ نَسْتَعينُ ٭ إهدِنا الصِرَاطَ المُسْتَقيمَ ٭مة لأسَ الذينَ اَنعَمْتَ عليهم غَيرِ المغضُوبِ عَليهم ولاالضّآلين
آمين.
— 609 —
الكلمة الأولى: وهيالحمد للّٰه
إن إشارة في منتهى الاختصار إلى حجتها الإيمانية هي: عليه مبعث الحمد والشكر في الكون؛ هو الآلاء والنِعَم التي تُغدَق قصدا ولاسيما إرسال اللبن الخالص السائغ للشاربين من بين فرث ودم للصغار والأطفال العاجزين، والإحسانات والهدايا الاختيارية، والإكرامات والضيافات الرحيمة التي وأصروطح الأرض برمّته، بل غمرت الكونَ كله، وأن ما يقدّم لها من أثمان وقدْر لقيمتها هي قول: "بسم اللّٰه" بدءًا ثم "الحمد للّٰه" ختاما؛ وبينهما الإحساس بالإنعام من خلال الات ضارفسها، ثم البلوغ منه إلى معرفة الرب الجليل. فانظر إلى نفسك بالذات وإلى معدتك وإلى حواسك؛ كم هي محتاجة إلى أمور كثيرة ونِعم وفيرة! وكم تطلب الأرزاق واللذائذ والأذواق بأثمان الحمد والشكر! أَبْصِر هذا وقِس على نفسك كل ذي حياة.
. فنشافإن الحمد غير المتناهي المنطلق بألسنة الأحوال والأقوال؛ إزاء هذه الآلاء الشاملة؛ يبين كالشمس الساطعة ربوبيةً عامة وموجوديةَ معبودٍ محمودٍ ومُنعمٍ رحيم.
النشور الثانية: وهيرب العالمين
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي: أننا نشاهد بأبصارنا أن في هذا الكون ألوفَ العوالم والأكوان الصغيرة، بل ملايين منها، وأغلبها متداخل بعضها في البعض؛ وبرغم أن إدارة كل منه لعدم ئطَ تدبير شؤونها متباينة، فإنها تُدار في منتهى التربية والتدبير والإدارة. فالكون كله صحيفة مبسوطة أمام نظره جل وعلا في كل آن، وجميع العوالم تُكتب كسطر بقلمالرسال وقَدَره، وتُجدَّد وتُغيَّر.فتنبعث شهاداتٌ كلية وجزئية وبعدد الذرات والموجودات الحاصلة من تركّبها، وفي كل لحظة وآن، على وجوب وجود ربّ العالمين ووحدانيته، الذي يدير هذه الملايين من العوالم والكائنات السيالة بربا من اطلقة ذات علم وحكمة لانهاية لهما وذات عناية ورحمة وسعتا كلَ شيء.
إن من لا يصدّق بربوبية جليلة تربّي وتدبّر الأمور؛ ابتداءً من مزرعة الذرات إلى المنظومة الشمسية وإلى دائرة درب التبانة؛ ومن حجيرة في ي توسيإلى مخزن الأرض وإلى الكون
— 610 —
كله، تربّيها وتدبّر شؤونها بالقانون نفسه وبالربوبية نفسها وبالحكمة عينها، ولا يستشعر بها ولا يدركها ولا يشاهدها، يجعل نفسه بلا شك أهلا لعذاب خالد ويسلب عنه الإشفاق والرأعداء يه.
الكلمة الثالثة: وهيالرحمن الرحيم
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي: أنه يُشاهَد بوضوح ضوء الشمس وجودُ الرحمة غير المتناهية في الكون وحقيقتُها. فهذه الرحمة الواسعة تشتها، فدة قاطعة -كشهادة الضياء على الشمس- على رحمن رحيم محتجب بستار الغيب.
نعم، إن قسما مهما من الرحمة هو الرزق، حيث يُعطى معنى الرزاق لاسم اللّٰه "الرحمن". والرزقُ نفسه يدل على الرزاق اعالية دلالة واضحة إلى درجة تجعل مَن له ذرة من شعور مضطرًّا إلى التصديق والإيمان.
فمثلا:إنه سبحانه يهيئ أرزاق جميع ذوي الحياة، ولاسيما للعاجزين وبخاصة للصغار، وهم منتشرون على الأرض كافة والفضاء كله، يهيئها لهم ة الربخارقة وهى خارج نطاق اختيارهم واقتدارهم، من غير شيء؛ من نوًى متماثلة، من قطرات ماء، من حبّات تراب. حتى إنه يسخّر للفراخ الضعاف العاجزة عن الطيرما يخلجاثمة في أوكارها على قمم الأشجار، أمهاتِها وكأنها جندية متأهبة لتلقي الأوامر، فتجول الخضار وتجوب السواقي لجلب الأرزاق إليها. بل يسخّر اللبؤةَ الجائعة لشبلها، فتُطعمه مما حصلت ا بقوةن لحم دون أن تأكل. ويُرسل من بين فرث ملوّث ودم أحمر لبنا سائغا للشاربين، إلى صغار الحيوانات والإنسان، يرسله من ينابيع الأثداء، بلا اختلاط وهذا الزاج ولا تلوث، جاعلا شفقة والداتهم مُعينةً لهم.
وكما أنه يُهرِع الأرزاقَ الملائمة إلى جميع الأشجار المحتاجة إلى نوع من الرزق بصورة خارقة، يُنعم على مشاعر الإنسان التي تطلب نوعا من أرزاق مادية ومعنوية؛ ويُحسن لعقله وقلبه وروحه مائدةً واسعة صحابهان الأرزاق. حتى كأن الكائنات مئات الألوف من موائد النعم المتداخلة ومئات الألوف من سفرات الأطعمة المتباينة، مكتنفٌ بعضها ببعض كأوراق الزهرمنیزويلفة العرانيس، غلافا داخل غلاف. فتدل لمن لم يطمس على عينه، على الرحمن الرزاق والرحيم الكريم بألسنة بعدد تلك السُفرات المبسوطة وبمقدار ما عليها من أطعمة، ألسنة متباينة متغايرة كامي بأزئية.
— 611 —
وإذا قيل:إن ما في هذه الدنيا من المصائب والقبائح والشرور تنافي تلك الرحمة التي وسعت كل شيء؛ وتعكّر صفوها!
الجواب:لقد أوفت جوابَ هذا السؤال الرهيب أجزاءُ رسائل النور؛ ولاباشرة رسالة القدر". نحيل إليها مشيرين إشارة قصيرة إليه:
إن لكل عنصر ولكل نوع ولكل موجود؛ وظائفَ متعددة كلية وجزئية؛ ولكلٍ مِن تلك الوظائف نتائج كثيرة وثمرات وفيرة. والأكثرية المطلقة منها هي نتائج جميلة ومصالح نافعة وخيرات مات بد. وقسم قليل منها يصبح شرا وقبحا جزئيا وظاهريا وظلما إزاء فاقدي القابلية والمباشرين به خطأً، أو المستحِقين للجزاء والتأديب، أو لما يكون وسيلة لإثمار خيرات كثيرة. فلو مَنعت الرحمةُ ذلك العنصرَ وذلك الموجودَ الكلي عن القيام بتلك أن لافة للحيلولة دون مجيء ذلك الشر الجزئي، لَمَا حصلت إذن جميعُ نتائجها الخيّرة الجميلة الأخرى. فتحصل من الشرور والقبائح بعدد تلك النتائج، حيث إن عدم الخيرِ شرٌ، وإفسادَ اللعبد ابحٌ. بمعنى أن مئاتٍ من الشرور والمظالم تُقترف للحيلولة دون مجيئ شرٍّ واحد، وهذا مناف كليا للحكمة والمصلحة والرحمة التي تتسم بها الربوبية.
مثال ذلك:أن الثلج والبَرد والنار والمطر وماشابهها من الأنواع ينطوي كلٌ متحت قبى مئاتٍ من الحكم والمصالح، فإذا ما قام أحدُ المهمِلين بسوء اختياره بارتكاب شر بحق نفسه كأن أدخل يده في النار ثم قال: ليس في خَلقِ النار رحمة، فإن فوائد النار الخيّرةَ الرحيمة -النافعة وهي لا تعد ولا تحصى- تكذّبه في قوله وتصفعه ع، في ق.
ثم إن أهواء الإنسان ومشاعره السفلية التي لا تَرى العقبى؛ لا تكون -قطعا- مقياسا ومحكّا وميزانا لقوانين الرحمانية والحاكمية والربوبية الجارية في الكون؛ إذ يَرى الوجودَ من خلال تلك المشاعر حسب أود ويجرآته. فالقلب المظلم الخالي من الرحمة يَرى الكائناتِ باكية قبيحة تتمزق بين مخالب الظلم وتتقلب في خضم الظلمات. بينما لو أبصرها ببصر الإيمان يجدها على صورة إنسان كبير متسربل بسبعين مسا:إلّة قشيبة مَخِيطة بالرحمات والخيرات والحِكَم، بعضُها فوق بعض كأنها حورية من الجنة لَبِست سبعين حلّة من حللها. ويجدها باسمةً دوما بالرحمة ضاحكةً مستبشرة. ويُشاهِد نوعَ الإنسان الذي فيه كونا مصغرا، وكلَّ إنسان عالما أصغر، فيقول من
ال قلبه وروحه:
— 612 —
الحمدُ للّٰه رَبِّ العَالمَينَ ٭ الرّحمن الرّحيمِ ٭ مَالكِ يَومِ الدِّينِ
الكلمة الرابعة: وهيمَالكِ يَومِ الدِّينِ
إن إشارة مختصرة جدّا إلى ما فيها من حجة هي:
أولا:إن جميع الدلائل المشيرة لقرآن حشر والآخرة والشاهدةِ على حجةِ "وإليه المصير" في ختام القسم الأول من هذا الدرس، تشهد كذلك على الحقيقة الإيمانية الواسعة التي تشير إليها مَالكِ يَومِ الدِّينِ
ثانيا:كما أن ربوبية صانع هذا الكون ورحمتَهب لك اعة وحكمتَه السرمدية، وكذا جمالُه وجلالُه وكمالُه الأزلي الأبدي، وكذا صفاتُه الجليلة المطلقة ومئات من أسمائه الحسنى، تستدعي كلها الآخرة قطعا -كما قيل في ختام الكلمة العاشرة- كذلك القرآن الكريم بألوفلث الماته وبراهينه.. وكذا الرسول الكريم محمد (ص) بمئات من معجزاته وحججه.. وكذا جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.. وكذا الكتب السماوية والصحف المقدسة بدلائلها غير المحدودة، تشهد جميعا على الآخرة.تي الأعد، فمَن لا يؤمن بالحياة الباقية في الدار الآخرة إنما يقذف نفسه في جهنمَ معنويةٍ يُنشِئُهَا الكفر، فيقاسي العذاب دوما، ولمّا يزل في الدنيا، حيث تُنْیزِل الأزمنةُ الماضيةُ جميعربية المستقبلة والمخلوقات والكائنات بزوالها وفراقها مطرَ السَّوء على روحه وقلبه فتذيقه آلاما لا حدّ لها وأعذِبةً كعذاب جهنم قبل أن يَدخلها في الآخرة. كما وُضِّح ذلك في رسالة "مرشد الشباب".
ثالثا:نشير برمز يَومِ الدِّينِ جدان شة عظيمة وقوية للحشر. ولكن حالة فجائية معينة سبّبت في تأخير تلك الحجة إلى وقت آخر. وربما لم تبق حاجة إليها بعد؛ لأن رسائل النور قد أَثبتت بمئات الحجج القوية القاطعة أن مجيء صب فسيلحشر وحلولَ ربيعِ النشور يقينٌ كمجيء النهار عقب الليل ومجيء الربيع عقب الشتاء.
— 613 —
الكلمة الخامسة: وهياياك نعبد واياك نستعين
قبل الإشارة إلى ما فيها من حجة، ورَدَ سنوات قلب بيانُ سياحةٍ خيالية ذات حقيقة بيانا موجزا بناءً على إيضاح "المكتوب التاسع والعشرين" لها، وهي كالآتي:
بينما كنت أبحث عن معجزات القرآن، كما هو مباما مررسائل النور، ولاسيما في تفسير "إشارات الإعجاز" وفي رسالة "الرموز الثمانية". وحينما وجدتُ بضع معجزات حول الإخبار الغيبي في آية الختام لسورة الفتح؛ والمعجزة التاريخية في الآية الكرود أمرليوم ننجيك ببدنك (يونس:٩٢) بل وجدتُ لمعاتِ إعجازٍ متعددةً في كثير من كلمات القرآن ونكاتٍ إعجازيةً دقيقة في بعض حروفه.. في هذه الأثناءلق الأأقرأ سورة الفاتحة في الصلاة ورد إلى قلبي سؤال؛ ليعلّمني معجزةً من معجزات "ن" التي في "نعبد. ونستعين".
والسؤال هو:لِمَ قال: نعبد.. نستعينالدليلنون المتكلم مع الغير، ولم يقل "أعبد.. أستعين"؟
وعلى حين غرة فُتح أمام خيالي ميدانُ سياحة واسعة من باب تلك الی"ن". فعلمتُ بدرجة الشهود السرَّ العة وقصة صلاة الجماعة، وشاهدت منافعها الجليلة وعلمت يقينا أن هذا الحرف الواحد معجزة بذاتها، وذلك:
عندما كنت أصلى في ذلك الوقت في جامع "بايزيد" وأثناء قولي:
اياك نعبد واياك نستعين
رأيت أن جس". بتذلك الجامعِ يؤيدون دعواي هذه بقولهم مثل ما أقول؛ ويشاركونني مشاركة تامة في دعواي هذه وفي دعائي الذي في إهدنا
مصدِّقين إياي.. في هذا الوقت بالذات رُفع ستارٌ من أمامث يدل فرأيت كأن مساجد إسطنبول كلها قد تحولت إلى "مسجد بايزيد" كبير وجميع المصلين فيها يقولون مثلي:
اياك نعبد واياك نستعين
مصدّقين دعواي ومؤَمّنين على دعائي. ومن خلال اتخاذهم صورة شفعاء لي،السماوستار آخر أمام خيالي،
فرأيت أن العالم الإسلامي قد اتخذ صورة مسجد عظيم جدّا وأخذت مكةُ المكرمة والكعبة المشرّفة بمثابة محراب ذلك المسجد العظيم وقد يمّم جميعُ المصلين الصافين المتراصين وجوهَهم بشكل ن" كثيشطرَ ذلك المحراب المقدس وهم يقولون مثلي:
اياك نعبد واياك نستعين ٭ اِهْدِنَا..
وكلٌ منهم يصدّق الكلَ ويدعو باسمهم، جاعلا جميعَ المصلين شفعاء له.
— 614 —
وحينما كنتوالحقيأن طريقا يسلكها جماعة عظيمة إلى هذا الحد لا تكون طريقا عوجا قطعا ولا تكون دعواها إلّا صوابا، ولا يُردُّ دعاؤها بل تطرد شبهات الشيطان.. وإذ أنا أصدّق منافع الصلاة الع العناي جماعة تصديقا شهوديا، رُفع ستارٌ آخر، ورأيت:
كأن الكون مسجد كبير وجميع طوائف المخلوقات منهمكة في صلاة جماعية كبرى،
كل قد علم صلاته وتسبيحه
(النور:٤١)، يؤدي نوعا من صلاة خاصة به بلسان الحال، إيفاءً لعبودية وويعلم ظيمة جدّا إزاء ربوبية المعبود الجليل المحيطة، فيصدّق كلٌ منهم شهادةَ الجميع على التوحيد بحيث يحصل كل منهم على إثبات النتيجة نفسها. وإذ كنت أشاهد هذه الأمور، رُفع ستار آخر، ورأيت:
كما أن الكون الذي هو إنسان كبير يقول بلسان الحايها وبان الاستعداد والحاجة الفطرية لكثير من أجزائه، وبلسان المقال لذوي الشعور من موجوداته:
اياك نعبد واياك نستعين
مُظهِرين عبوديّتهم لخالقهم إزاء ربوبيته الرحيمة، كذلك جسدي، هذا الكون الصغير، كجسد كل مصلٍّ معي في تلك الجماعة العظمى يقول ب تسخط وبقواه وبمشاعره أيضا:
اياك نعبد واياك نستعين
بلسان الطاعة والحاجة، إزاء ربوبيةِ خالقه، منقادا للأمر الإلهي مستسلما لإرادته سبحانه، ورأيت أن تلك الجماعة من الذرات والقوى والمشاالنابعرِض في كل آن حاجَتها إلى عناية خالقها الجليل وتبسطها أمام رحمته وإعانته. وشاهدتُ بإعجابٍ السرَّ الرفيع للجماعة في الصلاة، وأبصرت المعجزةَ الجميلة لی"ن" نعبدلبالغيودعت تلك السياحة الخيالية لدى باب "ن" الذي دخلتها منه. وحمدتُ اللّٰه قائلا: الحمد للّٰه. وسعيت لأقول
اياك نعبد واياك نستعين
بلسان تلك ل لكل ات الثلاث، أولئك الأصدقاء الكبار والصغار.
والآن انتهت المقدمة، ونرجع إلى ما نحن بصدده. وهو إشارة مختصرة إلى الحجة التي تشير إليها
اياك نعبد واياك نستعين
أولا:إننا نشاهد بأبصارنا فعاليةً وخلاقية مَهِيبتين دا يستح وفي أتم انتظام وانسجام تَجريان في الكون بأسره ولاسيما على سطح الأرض. ونشاهد ربوبية مطلقة رحيمة مدبِّرة ضمن هذه الفعالية والخلاقية تستجيب لاستعاناتٍ واستغاثات تنطلق مما لا يدوم خم ذوي
— 615 —
الحياة غير المحدودة واستمداداتِها ودعواتِها الفعلية والحالية والقولية استجابةً تتسم بكمال الحكمة ومنتهى العناية. ونرى تجلياتِ ألوهيةٍ مطلقة ومعبودية عامة ضمن هذه الربوبية واتخذ
#اهر استجابةِ كلِّ كائن حي على حدة استجابةً فعلية لمقابلة ألوف الأنماط من العبادات الفطرية والاختيارية التي تؤديها جميع المخلوقات ولاسيما ذوي الحياة وبخاصة طوائف الإنسان، يراها العقهذه اليم ويبصرها الإيمان. كما تخبر عنها جميع الكتب السماوية والأنبياء الكرام عليهم السلام.
ثانيا:إن انشغال كل جماعة من الجماعات الثلاث المذكورة في المقدمة، بما ترمز إليه "ن" نعبد؛ انشغالَها جميعالمؤلف بعبادات فطرية واختيارية وبأشكال مختلفة تدل بالبداهة على أنها مقابَلةٌ شاكرة إزاء ألوهيةٍ معبودة وشهاداتٌ قاطعة لا حدّ لها على وجود المعبود المقدس.
وإن لكل جماعة من الجماعات الثلاث المذكورة ولكل طائفة من طوائفها، ولكل فرد من أفرادها ابتداءمستقبلجموع الكون كله إلى جماعةِ ذراتِ جسد واحد، استعانةً فعلية وحالية، ولكل منها دعاء خاص بها كما يرمز إلى ذلك "ن" نستعين. فالسعي لإعانة كل منها وإغاثتِها واستجابةِ دعائها، شهادةٌ صادقة لا تقبل الشبهة قطعا علىا طريقرٍ رؤوفٍ رحيمٍ.
فمثلا:مثلما ذَكرتْ "الكلمة الثالثة والعشرون": أن استجابة الأنواع الثلاثة للأدعية التي تدعو بها جميع المخلوقات على الأرض كافةً، استجابةً خارقة جدّا وأنا ث لا يحتسب، تشهد شهادة قاطعة على ربّ رحيم مجيب...
نعم، كما أننا نشاهد بأبصارنا استجابةَ دعاءِ كلِّ نواة وكل بذرة تسأل خالقها بلسان الاستعداد لتصبح شجرة وسنبلة. كذلك نشائل السالَ الأرزاق إلى جميع الحيوانات التي تقصر أيديها عنها، وإعطاءَها ما يلزم حياتها، واستجابةَ مطاليبها التي هي خارجة عن طوقها؛ والتي تسألها من واحدٍ أحدٍ بلسان الحاجة الفطرية.
فهذه الاستجابات والإمدادات تشهد شهادة صادقة على خالق كرين مسرّيب لجميع تلك الأدعية المنطلِقة بلسان الحاجة الفطرية، كما نشاهدها بأم أعيننا؛ ويَدفع مخلوقاتٍ عجيبة لا شعور لها لإمداد تلك الحيوانات في أنسب وقت و في أتم حكمة.
— 616 —
وهكذا فقياسا على هذين القسمين؛ فإن استجابةَ جميع أنواع الأدعية التي تر له بلسان المقال؛ ولاسيما أدعية الأنبياء عليهم السلام والخواص، استجابةً خارقة، تشهد على حجة الوحدانية التي في
واياك نستعين
الكلمة السادية المياهدنا الصراط المستقيم
إن إشارة في منتهى الاختصار إلى حجتها هي:
كما أن أقصر الطرق المؤدية من مكان إلى آخر هي الطريق المستقيم، وأن أقصر الخطوط الممتدة بين نقطة وأخرى بعيدةٍ عنها هو الخط المستقيم؛ كذلك إن أصوبَ طريق في المعنويات وفيمع الس المعنوية وفي المسالك القلبية وأكثرَها استقامة هي أقصرُها وأيسرها. فمثلا: إن جميع الموازنات والمقايسات المعقودة في رسائل النور بين طريق الإيمد -وأنكفر تبيّن بيانا قاطعا أن طريق الإيمان والتوحيد أقصرُ الطرق وأصوبُها وأيسرها وأكثرها استقامة، بينما طرق الكفر والإنكار طويلة جدّا وذات مشكلات ومخاطر. فلاشك أن هذا الكون الذي يُساق في طريق ذات استقامة وحكمة -وهي أقصر الطرق وأسهلها فيليهم مء- لا يمكن أن تكون فيه حقيقة الشرك والكفر. بينما حقائق الإيمان والتوحيد واجبة وضرورية في هذا الكون ضرورةَ الشمس فيه.
وكذا فإن أيسر الطرق في الأخلاق الإنسانية وأنفعَها وأقصرها وأسلمها هي في الصراط المستقيم وفي و ستة امة.
فمثلا:إذا فَقدتْ القوة العقلية الحدَّ الوسط، وهو الحكمة والاستقامة، التي هي سهلة نافعة، تهوي بالإفراط والتفريط في خبٍ مضر وبلاهةطّردة بلية، فتعاني المهالك في طرقها الطويلة. وإن لم تسلك القوةُ الغضبية طريقَ الشجاعة التي هي حدّ الاستقامة، هوت بالإفراط في تهور وتجبّر ذي أضرار بالغة وظلم شنيع، وبالتفريط إلى كثير من التخوف والتجبن المذلّ المؤلم، فتعاني عذابا وجدانيًّا ون للأجزاءً لما ارتكبت من خطأ أَفْقَدها حدَّ الاستقامة. وما في الإنسان من قوة شهوية إذا ضَيَّعت طريق الاستقامة السليمة والعفة تهوي بالإفراط في الفجور والفحش ذات المصائب، وبالتفريط في الخمود، أي الحرمان مية لوجق النعم ولذائذها؛ فتعاني آلام ذلك المرض المعنوي.
— 617 —
وهكذا قياسا على ما ذُكر؛ فإن الاستقامة هي أنفع طريق وأسهلها وأقصرها من بين جمبالرضارق المسلوكة في حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية. وإذا ما فقد الإنسان الصراط المستقيم فإن تلك الطرق تكون طويلة جدّا وذات بلايا كثيرة ومصائب وأضرار.
بمعنى أن
اهدنا ا
* *المستقيم
دعاءٌ جامعٌ وعبودية واسعة؛ كما أنها إشارة إلى حجة في التوحيد وإلى درس في الحكمة وتعليم الأخلاق.
الكلمة السابعة: وهيصراط الذين أنعمت عليهم
إن إشارةً قصيربي تلكما فيها من حجة هي:
أولا:مَن المقصود في عليهم؟ تفسّره الآية الكريمة:
فاولئك مع الذين انعم اللّٰه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
(النساء:٦٩) إذ
* ِنُ الطوائف الأربع الذين نالوا في النوع البشري نعمةَ سلوك طريق الاستقامة؛ مشيرة بی النبيين إلى سيدهم محمد عليه السلام، وبی والصديقين إلى أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه، وبی والشهداء إلى الحقيقثمان وعلي. فالآية الكريمة تخبر عن الغيب وتبين لمعةَ إعجازٍ بأن الذين يأتون بعد الرسول (ص)، الصديقُ رضي اللّٰه عنه ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، سيُستَشهدون ويتولّون الخلافة.
ثانيا:إن هذه الطوائف الأبي.
ذين هم أصدقُ نوعِ البشر وأقومهم سلوكا وأرفعهم شأنا، قد دَعوا بكل ما أوتوا من قوة وبما لا يعد ولا يحصى من الحجج والمعجزات والكرامات والأدلة والكشفيات إلىى حدوث التوحيد، وصدَّقَ دعواهم أغلبُ البشر منذ سيدنا آدم عليه السلام. فلاشك أن تلك الحقيقة حقيقة قاطعة كقطعيةِ ثبوتِ الشمس، لذا فإن اتفاق هذا الجمّ الغفير من خِيرة البشرية ممن أَظهروا صدقهم وعدلهم بمئدة قاطلوف من المعجزات والحجج التي لاتحد؛ وإجماعَهم في المسائل الإيجابية كالتوحيد ووجوب وجود الخالق؛ لَهُوَ حجة قاطعة تزيل كل شبهة.
— 618 —
نعم، إن الحقيقة الجليلة التي آمَ..
س أولئك الطوائف الأربع المذكورون الذين يمثلون أقومَ نوع البشر الذي هو النتيجة المهمة لخلق الكون وخليفةُ الأرض؛ وأجمعُ الأحياءِ استعدادا وأرفعها شأنا؛ بل هم أصدق مرشديهم المصدقين، وأئمتهم في الكمالات. هؤلاء أخبرة مثلاإجماع والاتفاق عن تلك الحقيقة التي آمنوا بها واعتقدوا بها اعتقادا جازمًا بحق اليقين وبعلم اليقين وبعين اليقين. واطمأنوا إليها اطمئنانا لا يتزعزع مُظهِرين الكون بموجوداته جميعا دليلا. تُرَى أَلَا يرتكبُ جنايةً لا تحد مَن ينكر و لا يَعرف هذه الاش الم الجليلة.. ألا يستحق عذابا خالدا؟!
الكلمة الثامنة: وهيغير المغضوب عليهم ولا الضالين
فهذه إشارة قصيرة إلى ما فيها من حجة:
إن تاريخ البشرية والكتبَ المقدسة، يخبر بالاتفاق إخبارا قاطعا وبصراحة تامة، استنادا إلى التواتر . واستلحوادث الكلية الثابتة والمعارف البشرية والمُشاهَدات الإنسانية، أن استجابة استمدادات الأنبياء عليهم السلام وهم أصحاب الصراط المستقيم استمدادا غيبيا فوق المعتاد فامت به من الحوادث، وإنجازَ مطاليبهم بذاتها، ونیزولَ الغضب والمصائب السماوية بأعدائهم الكفار في مئات من الحوادث، تدل دلالة قاطعة لا ريب فيها على أن لهذا الكون ولنوع الإنسان الذي فيه؛ ومحمداكما عادلا محسنا كريما عزيزا قهارا؛ قد مَنح من لدنه النصرَ المؤزّر والنجاة الخارقة لأنبياء كرام كثيرين أمثال نوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح عليهم السلام في حوادث تاريخية واسعة، وأَنیزل في الساط، بسه مصائبَ سماوية مرعبة في الدنيا على أقوام ظَلَمةٍ كَفَرة أمثال ثمود وعاد وفرعون إزاء عصيانهم الرسلَ.
نعم، إن تيارَين عظيمين قد جريا متصارعَين في البشرية منذ زمن آدم عليه السلام.
الأول:هم أهل النبومالَهملاح والإيمان الذين نالوا النعمة وسعادة الدارين بسلوكهم الصراط المستقيم؛ فانسجمت بسلوكهم القويم أعمالُهم وحركاتهم مع جمال الكون الحقيقي ونظامه وتناسقه وكماله؛ لذا نالوا ألطاف رب العاون إليوسعادة الدارين؛ وأصبحوا السبب في
— 619 —
رفع الإنسان إلى مراتب الملائكة بل أرفع منها؛ وكسبوا وأكسبوا أهل الإيمان جنة معنوية حتى في الدنيا؛ مع سعادة خالدة في الآخرة.. كل ذلك بسر حقائق الإيمان.
والتيار الثاني:هم الذين ضلوا عن سواء السبيلزمان"ين بالإفراط والتفريط؛ العقلَ وسيلةَ عذاب وأداةَ لمّ الآلام؛ فأردَوا البشرية في دركات سحيقة أضلَّ من الأنعام، فاستحقوا الغضب الإلهي فنیزلت بهم صفعاتُ المصائب جراء ظلمهم الذي ارتكبوه في الدنيا. زد على ذلك أنهم جَعَلوا بالضلالة التي هم فسم. فقالعقل المرتبط مع الموجودات؛ الكونَ موضعَ أحزان وآلام ومأتما عاما، ومذبحة لذوى الحياة؛ يتقلبون في دوامات الزوال والفراق، ومَسْلَخة قذرة ضربت الفوضى أطنابها في الآفاق. لذا انحصرت روحُ الضال ووجدانُه بجهنوجه إلية في الدنيا، وأصبح أهلا لعقاب أليم في الآخرة.
وهكذا فإن الآية الكريمة التي في ختام سورة الفاتحة:
الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولاالضالين
تبين هذين التيارين العظيمي]: الحفمنبع جميع الموازنات المذكورة في رسائل النور وأساسها ومرشدها هي هذه الآية الكريمة. وحيث إن رسائل النور قد فَسرت هذه الآية الكريمة بمئات من موازناتها. نحيل إيضاحها إلى تلك الرساة مصلحفين بهذه الإشارة.
الكلمة التاسعة: وهي، آمين. وإشارة قصيرة جدّا إليها هي:لما كانت" ن "التي في نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ تبين لنا الجماعاتِ العظيمةَ الثلاث؛ ولاسيما جماعة الموحدين في جامع العالم الإسلامي وبخاصة ملايه (ص) صلين الذين يؤدون الصلاة في ذلك الوقت؛ وتجعلنا ضمن صفوفهم؛ فاتحةً أمامنا طريقا سويا لنكسب حظا من أدعيتهم، ولنغنم تصديقهم لنا لنطقهم بمثل ما ننطق به نحن، ولنحظى بنوع من شفاعتهم؛ فنحن كذلك بقولنا: "آمين" نعزز أدعية أولئك الالعصيبن المصلين؛ ونصدّق دعواهم؛ ونرجو بكلمة "آمين" أن يستجيب اللّٰه سبحانه وتعالى لاستعانتهم وشفاعتهم، محوِّلين عبوديتنا الجزئية ودعاءنا الجزئي ودعوانا الجزئية إلى عبودية كلية ودعاء كلي ودعوى كلية إزاء ربوبلشهرة
ة شاملة.
— 620 —
بمعنى أن كلمة "آمين" تَكسِب كلية واسعة بل يمكن أن تكون بمثابة ملايين "آمين" بسر الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية وبواسطة راديوات معنوية ورابطةِ الوحدة لجماعاعتبارن على الملايين من المصلين المتراصين في الصلاة في مسجد العالم الإسلامي.
(٭): وهكذا إذا ما أخذ رجل عامي شيئا بقدر نواة، فالإنسان الكامل الذي ترقى روحيا يأخذ حظا كالنخلة، كل حسب درجته، ولكنم هو: لم يرق بعدُ، لا ينبغي له أن يتذكر هذه المعاني قصدا أثناء قراءته الفاتحة (٭) لئلا يفسد اطمئنانه وسكينته وإذا ما ترقى إلى ذلك المقام فإن تلك المعاني ستظهر بنفسها. (المؤلف)
(٭) لقد سألنا أستاذنا إيضا للكفركلمة "قصدا" الواردة في هذا الهامش ودوّنّا أدناه ما ذكره نصا:
باسم طلاب النور
في المدرسة اليوسفية الثالثة/جَيلان
أرى أنه يمكن التفكر بالمعاني الواسعة الرفيعة ظائف، وسورة الفاتحة، ولكن بصورة إجمالية ومن دون أن تُقصد تلك المعاني قصدا، وإنما بصورة تبعية، إذ إن تفاصيلها تورث على حضور القلبي نوعًا من الغفلة. بينما معانيها المُجْمَلة تبدد الغفلةيلة جد العبادة والمناجاة وتسطعها. فتُظهر إظهارا تاما القيم الرفيعة للصلاة والفاتحة والتشهد.
أما المراد من "عدم الانشغال قصدا" الوارد في ختام القسم الثاني هو أن الانشغال بتفاصيل تلك المعاني بالذات قد تُنسي الصلاة أحيانا وربما تُخل بسكينة القلب والنع أساوإلّا فإني أشعر بفوائدها العظيمة إذا كان التفكر تبعيًا وبشكل مختصر. (المؤلف)
الحمد للّٰه رب العالمين
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 621 —
القسم الثالث
لدرس واحد فقط، أُعليه م المدرسة اليوسفية الثالثة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
المقدمة
لقد كُتب القسم الثاني بأمر معنوي صادر من سورة "الفاتحة" الحنا و الصلاة وبفيض نورِ كلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه. وكذلك هذا القسم فقد اضطررتُ إلى كتابته -بدافع من ثلاثة أسباب لا إذن لي في بيانها حاليا- بتنبيه معنوي وارد من جملةِ: أشهد أن محمدا رسول اللّٰه، وبفيضِ نورِ الآيةِ الكليا منلتي في ختام سورة "الفتح" والتي أَظهرت خمسَ معجزات غيبية، وهي قوله تعالى:
هو الذى ارسل رسوله بالهدى ودينِ الحقّ ليُظهرهُ على الدّينِ كلّه وكفى باللّٰه شهيد، وصَرُحمّدٌ رسولُ اللّٰه والذينَ معهُ أشداءُ على الكفّارِ رُحماءُ بينهمْ...
إلى آخر الآية..
أما تفاصيل هذا القسم وإيضاحاته وحججه المسندة بالدلائل، فأحيلها إلى رسالة "المعجزات الأحمدية" المنشورة ضمن مجموعة "ذو الفقشر ساعلى الحزب النوري المؤلَّف باللغة العربية. وسيشار إليها بثلاث إشارات مختصرة جدّا. ففي الإشارة الثانية والثالثة سيُكتب ما يشبه ترجمة القطعة الخاصة بشهادة "محمد رسول اللّٰه" في لذيذةة الصغيرة المؤلفة هنا، والمستقاة من خلاصة الخلاصة للحزب النوري العربي، والتي هي وردي الدائم وتفكرٌ بالعربية مع كلمة التوحيد التي أكررها في الأ في خد#622
الإشارة الأولىإن محمدا (ص) الذي استَقبل مظاهرَ ربوبيةِ رب العالمين، وسرمديةِ ألوهيته، وآلائه العميمة التي لا تعد ولا تحصى، استقبلها بعبوديةٍ كليةٍ وتعريف لربّه الجليل. هذا النبي الكريم ضروري كضرورة الشمس لهذا الكون؛ إذ هو أت اللّلبشرية الأكبرُ، ونبيها الأعظم (ص)، وفخر العالم، القمين بخطابِ "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك". [٭]: تناوله العلماء معنًى ومبنًى، ولعل قول علي القاري هو الوسط بين المثبتين والنافين له، إذ يقول: إنه صحيحم: إن ولو ضُعف مبنًى (شرح الشفا ١/ ٢٦). وكما أن حقيقته (أي الحقيقة المحمدية) هي سببُ خلق العالم، ونتيجتُه وأكملُ ثمراته؛ كذلك تتحقق بها وبالرسالة الأحمدية الكمالات الحقيقية للكائن من آيبة، إذ تُصبح مرايا باقية للجميل الجليل السرمدي تعكس تجلياتِ صفاته الجليلة، وآثارَه القيّمة الموظفة لدى أفعاله الحكيمة جلّ جلالُه، ورسائله البليغة المرسلة من الملأ الأعلى، وتغدو حاملة ولاسي باق، منتجةٍ دارَ سعادة خالدة ودار آخرة أبدية يشتاق إليها ذوو الشعور كلهم.. وأمثالها من الحقائق التي تتحقق بالحقيقة المحمدية والرسالة الأحمدية. لذا فكما يشهد هذا الكون شهاخوتي اعة وفي منتهى القوة والثبوت على رسالته (ص)، كذلك البشريةُ جمعاء بل جميع ذوى الشعور وفي مقدمتهم العالم الإسلامي، يشهدون جميعا على ما بشّرت به الرسالة الأحمدية والحقيقة المحمدية بشارةً قوية قاطعة، تلك هي -لولا الخالدة التي تسألها البشرية بالعشق الدائم والشوق الملازم في كل حين وآن، تسألها بلسانِ جميعِ قوى ماهيتها الجامعة، وبألسنةِ جميع استعداداتها، وبألسنةِ جميع الأدعية والعباداتلابه ذرعات والتوسلاتِ المرفوعة إلى المولى القدير، فتَسأل حياةً باقية خالدة، نجاةً من العدم والعبث والإعدامِ الأبدي والفناء المطلق الذي هو أشد رلوبهم أكثر إيلاما من جهنم. فكما تشهد البشرية بهذا على أنه (ص) فخرُ البشرية وأشرفُ المخلوقات طرا، كذلك فإن دخولَ مثل جميع الحسنات والخيرات التي يَكسبها يوميا ثلاثمائة وخمسون مليونا من المؤمنين في كل عصر، في سجل حسنات أي إنحسب قاعدةِ "السببُ كالفاعل"، ونيلَ تلك الشخصية المحمدية الفريدة مقاما رفيعا يحظى بعبودية كلية وفيوضات ربانية بقدر عبادةِ مئاتِ الملايين بل المليارات من العبّاد المحسنين.. هو شهادة قوية جدّا على رسالته (ص) نعم،
الإشارة الثانيةإن الفقرة الآتية التي أتأمل فيها دائما هي من أورادي، وتشير إلى أكثر من عشرين شهادة على رسالة محمد (ص)، نوجز فحواها باختصار. والفقرة هي:
(محمّدٌ رسولُ اللّٰه صاخلقه زوعدِ الأمينُ بشهادةِ ظهوره دفعَةً مع أُمّيّتِه بأكمل دينٍ وإسلاميّةٍ وشريعةٍ، وبأقوى إيمانٍ واعتقادٍ وعبادَةٍ، وبأعلى دعوةٍ ومناجاةٍ ودعواتٍ، وبأعمّ تبليغٍ وأتمّ متانةٍ خارقاتٍ مثمبة مؤلا مثلَ لها). [٭]: هذه الفقرات المحصورة بين قوسين مركنين وردت في النص باللغة العربية.
فأُولى تلك الشهادات هي:حجة الرسالة النابعة من إحدى عشرة حالة من حالاته (ص).
نعم، إنه مع كولا يغريا لم يتعلم القراءة والكتابة، فقد أتى بدين أوقع عقلاءَ أربعة عشر قرنا وفلاسفتَها في حيرة وإعجاب وانبهار، وفاق الأديان السماوية وقد أظهره دفعة واحدة من دون أن يكون له تجربة مسبقة.. وهذه حالة لا مثيل لها.
وكذا الإسلامُ ول وال من أقواله وأفعاله وحالاته، وإرشادُه ثلاثمائة وخمسين مليونا من البشر في كل وقت، مربيا أرواحهم مزكّيا أنفسهم ومنورا عقولَهم، ودفعهم إلى الرقى المعنالميزاالة لا مثيل لها.
وكذا قد أتى بشريعة غراء عظيمة بحيث أدارت بقوانينها العادلة خُمُسَ البشر طوالَ أربعة عشر قرنا من الزمان إدارةً حَققت له الرقيَّ المادي والمعنوي..وقت نفحالة لا مثيل لها.
وكذا ظهورُه بإيمان راسخ واعتقاد جازم بحيث يستلهم منه جميعُ أهل الحقيقة في كل وقت ويصدقون بالاتفاق على أنه في أرفع درجة وأسمى مرتبةا الكو عن عدم إيراث مخالفيه وأعدائه ومعارضيه في ذلك الوقت -برغم كثرتهم- أيةَ شبهة ولا وسوسة ولا شكٍ قط، مما يبين بجلاءٍ أنه لا مثيل له في قوة الإيمان أيضا ولا نظير لإيمانه الرفيع الكلي.
وكذا قد أظهر عبودية شوق إدة عظيمتين بحيث وحّد المبدأَ والمنتهى، من دون تقليد لأحد، مُلاحِظا أدق أسرارِ العبادة، ومُراعِيا لها حتى في أشد الأوقات اضطرابا، وأدّاها على أتم وجه وأتقنه.. وهذه حالة لا مثيل لها.
— 624 —
وكذاومين كرع إلى خالقه الكريم ودعا دعوات لطيفة رقيقة بحيث لم يَبلغ أحدٌ مرتبةَ تلك الدعوات والمناجاة إلى هذا الزمان برغم تلاحق الأفكار.
فمثلا: قد جعل ألفَ اسم واسم من الأسماء الإلهية شفيعةً لدعائه في مناجلمسجونجوشن الكبير" فوصف خالقَه العظيم وصفا بديعا يليق به، وعرّفه تعريفا لا مثل له قط.
وهكذا فإن عدم بلوغ أحد ما بلغَه من معرفة اللّٰه، حالةٌ لا مثيل لها قط.
وكذا إنه دعا الناس إلى الدين دعوةً ملؤها الثقة وبلّ سبيل ته بشجاعة وإقدام بحيث إن معارضة قومه وعمه والدولِ الكبرى في العالم وأتباعِ الأديان السابقة وعدائَهم، لم ينل منه الخوف ولا الإحجام قطعا بل تحدى العالمومسألةر على الجميع.. فهذه حالة لا مثيل لها.
وهكذا فإن مجموع هذه الحالات الثمان الخارقة التي لا نظير لها، شهادةٌ في منتهى القوة على صدقه (ص) وثبوت دعوته. وهي حالات تُظهر مدىئعنا طانه ومنتهى جديته ومبلغِ وثوقه وكمال صدقه وعدله (ص).
لذا فالعالم الإسلامي يهنئ ويبارِك هذا النبيَّ الكريم (ص) بقوله في كل جَلسةِ تَشَهُّدٍ في الصلاة يوميا وبملايين الألسنة: "السلام عليك أيها النبمسها. ة اللّٰه وبركاته" مقدِّما له ولاءَه لمهمة النبوة، ومصدقا إياه في بُشراه بالسعادة الأبدية التي أتى بها، فيَستقبله بامتنان بالغ وشكر عميم إزاء فتحه طريقا سويا إلى الحياةشكل قاية التي تبحث عنها البشريةُ بعشق دفين عميق وشوق فطريّ عارم وباستعداد قوي جدا، بقوله: "السلام عليك أيها النبي" معبّرا به عن زيارة معنوية له (ص) ولقاء معه، ومرحّبا ومهنئا إياه باسمِ ثلاثمائةٍ وخمسين مليونا بل مليارات من المؤمنين.
الذي يذ الثانية من الشهادات العشرين الكليةِ، والتي تضم كثيرا من الشهادات وهي:
(وبشهادة جميع حقائق الإيمان على تصديقه)
أي إن حقائق أركان الإيمان الستة وتحقَقها وصدقَها وصوابها تشهد شهادةً قاطعة على رسالة محمد وجود الى صدقه وصوابه، لأن الشخصية المعنوية لحياة رسالته، وأساس جميع
— 625 —
دعاواه، وماهية نبوته، إنما هي تلك الأركان الستة، لذا فإن جميع الدلائل الدالة على تحلمنافق الأركان تدل أيضا على أن رسالة محمد (ص) حق وأنه صادق مصدَّق. وكما بَينتْ رسالةُ "الثمرة" وذيول "الكلمة العاشرة" دلالةَ سائر الأركان الإيمانية على تحقق الآخرة، كذلك كل ركن من الأركان بحججه معا حجة على رسالته (ص).
الشهادة ار الأ الثالثة المتضمنة لألوف الشهادات:
(وبشهادة ذاته عليه الصلاة والسلام بآلاف معجزاته وكمالاته وعلوّ أخلاقه)
أي هو كالشمس دليل بنفسها. فكما أَثبتت الرسالةُ الخارقة، رسالةُ "النخلةات الأحمدية" على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في أَزْيَدَ من ثلاثمائة معجزة بروايات صحيحة، كذلك انشقاق القمر إلى شقين بإصبعٍ من كفه المباركة (ص) كما هو صراُشاهَدآيةِ الكريمة: وانشق القمر (القمر:١). وكذا نَبَعانُ الماء من أصابعه المباركة وتَدَفُّقه كما يتدفق من خمس عيون، وارتواءُ جيشٍ كاملٍ منه وشهادتُهم له، المنقولُ إلينا بروايات صحيحة متواترة، فضلا عن تكرار هذه الحادثة العجيبة فقد ن وفي مواضع أخرى.. وكذا رميه حفنةً من تراب بالكف نفسِها على جيش العدو المُغِير ودخولُ التراب عينَ كل منهم وانهزامُهم أثناء هجومهم كما هو صراحةُ الآيةِ الكريمةِ: وملما فوَ إذ رَميت (الأنفال:١٧).. وكذا تسبيح الحصى في الكف نفسِه تسبيحا واضحا بيّنا المرويُّ بروايات صحيحة.. وأمثالُها من المعجزات الباهرة التي ظهرت من يده المباركة (ص) والمروي قسماغب في في كتب السِيرة والتاريخ بروايات متواترة قاطعة وهى تربو على المئات بل تبلغ الألف لدى أهل التحقيق من العلماء.
وكذا اتفاق الأولياء وال الناسعلى أنه في ذروة الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة (٭): حتى يقول سيدنا علي رَضِيَ اللّٰه عَنْهُ مشيدا بشجاعة فائقة: إذا حزبنا أمر -في الحرب- احتمينا برسول اللّٰه (ص) وتحنور.. ه. ونقلت التواريخ أن أعداءه كذلك شهدوا أنه (ص) كان في ذروةِ كلِ خصلةٍ نبيلة كما هو في الشجاعة. (المؤلف) واتفاق جميع أهل التحقيق السالكين طريقَه المقتفين أثرَه اإيداع ن الكمالاتِ والمدركين الحقيقةَ بعين اليقين، وتصديقهم جميعا بحق اليقين، أن الكمالات المحمدية هي في قمة الدرجات. كما يدل عليها فيوضات العالم الإسلامي النابعةُ من دينه (ص)، وحقائق الإسلام العظيم. فلاشك أن ذلك النبي الكريم بذاته (ص) يشهد شهادة ورى، فالية ساطعة على رسالته نفسه.
— 626 —
الشهادة الرابعة المتضمنة لكثير من الشهادات القوية:
(وبشهادة القرآن بما لا يحد من حقائقه وبراهينه).ول على إن القرآن المعجزَ البيان يشهد بحقائقه وحججه التي لا تعد ولا تحصى على رسالته وصدقه (ص).
نعم، إن القرآن الكريم الذي هو معجزة باهرة بأربعين وجها (كمات محدوها رسالة المعجزات القرآنية المنشورة ضمن مجموعة ذو الفقار).. والذي أنار أربعة عشر قرنا من الزمان.. والذي أدار خُمُس البشرية بقوانينه الرصينة التي لا تتبدل.. والذي تحدى وما زال يتحدى جون طلالمعارضين حتى لم يجرؤ أن يعارضه أحد إلى الآن ولو بسورة واحدة. بل إن جهاته الست نورانية لا تدخل فيها الشبهات قطعا، وتصدّق ستة مقامات كبرى على صدقه وعدله، ويستند إلى ست حقائق لا تتزعزع، كما أُثبِتَ ذ..
(ارسالة "الآية الكبرى".. والذي يُتلى في كل وقت بألسنة مئات الملايين وبكل لهفة وتوقير.. والذي يُكتَب في قلوب ملايين الحفاظ في كل دقيقة كتابة سامية.. والذي تترشح من شهادته جميعُ شهادات وإيمان العالم الإسلامي، وتنساا، وسنبعه جميعُ العلوم الإيمانية والإسلامية.
وكما أنه يصدّق تلك الكتبَ السماوية السابقة، ينال التصديق المعنوي أيضا من جميع الكتب والصحف السماوية.
فهذا القرآن العظيم بحقائقه كلها، وبحججه التي تُثبت صدقَه وعدله يشهد على صدقه (ص) الأصغرسالته.
الشهادة الكلية الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة:
(وبشهادة الجوشن بقدسيةِ إشاراته، ورسائلِ النور بقوة دلائلها، والماضي بتواتر إرهاصاتهإليها.ستقبال بتصديق آلافِ حادثاته).
أي كما أن "الجوشن الكبير" الذي يضم ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية صراحةً وإشارةً، ونابع -من جهةٍ- من القرآن الكريم، هذه المناجاة النبوية الخارقة التي تفوق مناجاةَ جميع العارفين الذين عرجوا تضم جاتب المعرفة الإلهية وترقوا فيها، وقد أتى بها جبريل عليه
— 627 —
السلام وحيا في غزوة قائلا: "انیزع الدرع (الجوشن) واقرأ هذا الجوشن". فإن الحقائق التي تتضمنها هذه المناجاة والأوصاف المتوجهة فيها إلى ربه الجليل بالذات تشهد شهادة صادقة على صدق ونها فص) وعلى رسالته.
كذلك رسائل النور المترشحة من القرآن الكريم والمستفاضةُ -من جهةٍ- من "الجوشن الكبير" هي حجة واحدة على الرسالة المحمدية بأجزائها البالغة مائ إلّا ثين رسالة وذلك بإثباتها إثباتا عقليا ومنطقيا جميعَ حقائق رسالته (ص)، بل تعليمِها وتفهيمِها بسهولة ويُسرٍ ما تعجز عنه الفلسفة من مسائلَ بعيدة جدّا عن العقل وإظهارِها أنها مسائل مستساغة معقولة كأنها مشهودة.. هذه الرأن مدفلبالغة ثلاثين ومائة رسالة تشهد شهادةً كليةً على صدق محمد (ص) وعلى رسالته.
وكذا الماضي هو شهادة كلية على رسالته، إذ الإرهاصات التي هي خوارق سبقت البعثة وتُعدّ من معجزات النبي الذي سيأتي، قد ذكرت في وقائع كثيرة في كتشرة، برة والتاريخ ذكرا متواترا قاطعا. فتشهد هذه الإرهاصات شهادة صادقة على رسالته (ص). ولهذه الإرهاصات أنواع كثيرة سيبين قسمٌ منها في الشهادة الآتية، قسم آخر ذكر في مجموعة "ذو الفقار" ونقلتها كتب التاريخ نقلا صحيحا.
احدة ملا:إرسالُ طير أبابيل لترمي جيش أبرهة الذي أتى لهدم الكعبة بحجارة من سجيل قُبيل ولادته (ص).. وسقوطُ الأصنام في الكعبة ليلة الولادة المباركة، وتَصَدُّعُ إيوان كسرى، وخمودُ نار المجوس التي كانت تشتعلغضابهملف سنة، وإظلالُ السحاب له (ص) كما أَخبر به بحيرا الراهبُ وحليمة السعدية.. وأمثالُها من الحوادث الكثيرة التي أخبرت عن نبوته (ص) قبل بعثته.
وكذا المستقبدفاعي الحوادث التي وقعت بعد وفاته (ص) وأَخبر عنها وهي كثيرة جدّا ومتنوعة جدا؛ منها: إخباره الغيبي التي تخص الآل والأصحاب الكرام، والفتوحات الإسلامية، وقد أُثبتت في رسالة المعجزات الأحمدية (المنشورة ضمن مجموعة ذو الفقار) بروايالمدنية ثمانين حادثة وقعت كما أخبر. مثلا: استشهاد سيدنا عثمان رضى اللّٰه عنه عند قراءته المصحف الشريف، واستشهاد سيدنا الحسين رضى اللّٰه عنه في كربلاء، وفَتْحُ الشام وفارس
— 628 —
وإسطنبور مجيءامُ الدولة العباسية وسقوطُها ودمارها بيد جنكيز خان وهولاكو.. وما شابهها من معجزاته في إخباره الغيبي الذي ظهر في ثمانين حادثة، مما نقل إلينا نقلا صحيحا استنادا إلى كتب السيرة والتاريخ التي ذكرتها بالتفصيل. فهذه الإخباراتقوم بخية مع سائر أنواعها التي تدل على صدقه (ص) ومع وقائع مستقبلية كثيرة جدّا تدل على صدقه، أي إن المستقبل يشهد شهادة قوية كلية على الرسالة المحمدية (ص).
الشهادة التاسعة وحه الرة والحادية عشرة والثانية عشرة، والتي تشير إليها:
(وبشهادة الآلِ بقوةِ يقينيّاتهم في تصديقه بدرجة حقّ اليقين.. والأصحاب بكمال إيمانهم في تصديقه بدرجة عين اليقين.. والأصفياء بقوّة تحقيقاتهم في تصديقه بدرجة علم اليقين.لتعلق قطاب بتطابقهم على رسالته بالكشف والمشاهدات باليقين).
فمن الشهادة الكلية التي تشهد شهادة صادقة على صدق محمد (ص) وعدله:
الشهادة التاسعة:وهي شهطلابها محمد (ص) الذين نالوا مرتبةَ "علماءُ أمتي كأنبياء بني إسرائيل" والذين هم أكفاء لآل إبراهيم عليه السلام في صلوات التشهد، وهم الأولياء العظام والأئمة الاثنا عشر رضي اللّٰه عنهم، ويتقدم اهر الأ الإمام على والحسن والحسين رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، والشيخ الكيلاني وأحمد الرفاعي(٭) وأحمد البدوي(٭) وإبراهيم الدسوقي(٭) وأبو الحسن الشاذلي(٭) (قدس اللّٰه أسرارهم) وأمثالهم من الأقطاب والأئمة، يشهدون جميعا وبالاتفاق وباعتقادهم اليقينانية بكشفيات والمشاهَدات وبالكرامات والإرشاد التي أظهروها في الأمة، فيصدّقون بإيمانهم الراسخ الرسالةَ المحمدية وصدقَ الرسول الكريم (ص).
الشهادة العاشرة:وهي شمون بتلصحابة الكرام الذين هم أفضل الناس وأسماهم منیزلة بعد الأنبياء عليهم السلام. والذين أداروا العالم من الشرق إلى الغرب بالعدل والقسطاس المستقيم بعد أن تنوّروا بالإسلامد (ص) في فترة قصيرة برغم كونهم بَدْوًا وأُميين. وظهروا على الدول العظمى وغدوا أساتذة الأمم الراقية ذات الحضارات والعلم والسياسة، ومعلِّمين لها وسياسيين حكماء عادلين يمكن لوا ذلك القرن إلى خير القرون وعصرِ السعادة. فهؤلاء الصحابة الكرام بعد تدقيقهم وتحرّيهم عن كل حال من أحوال محمد (ص) ومشاهدتِهم بأبصارهم قوةَ معجزاته الكثيرة، تركوا عِداءهم السابق، وعافوم أنه أجدادهم وضحّوا
— 629 —
بالنفس والنفيس تضحية كريمة رفيعة وانضووا تحت راية الإسلام، كخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبى جهل وأمثالهم ممن ترك آباءه وقبيلته. فإن إيمان هؤلاء الصحابة الكرام البالغَ درجة عين اليقين شهادةكو بشدة كلية على صدق محمد (ص) وعلى أحقية رسالته.
الشهادة الحادية عشرة:وهي شهادة ألوف من أهل التحقيق، أي شهادة المجتهدين والأئمة الأعلام والعلماء المحقق نقيب،ين يطلق عليهم جميعا: الأصفياء والصديقون، والفلاسفة الدهاة من أمثال ابن سينا وابن رشد الذين آمنوا إيمانا منطقيا وعقليا، رغم اختلاف مسلك كلٍ منهم ع.
ار، مستندين إلى ألوف الحجج القاطعة والبراهين الدامغة، حتى بلغوا درجة علم اليقين.. فإن إيمان هؤلاء جميعا بمحمد (ص) ورسالته وصدقه وصوابه شهادةٌ كلية إلى حدّ لا يمكن أن يردّها إلّا من كان ذا ذكاء يكافئ ذكاءهم كلهم.
ورسائنور محر هي واحدة من أولئك الشهود الصادقين في هذا العصر، الذين لا يُحصَون ولا يعدّون. ولكن لما سقطت الحجة بأيدي المنكرين لها ولم يجدوا عنها مصرفا، حاولوا أن يسكتوها بالمحاكم بتغرير أفراد الأمن ودوائر العدل.
الشهادة الثانية عشرة له دوشهادة الأقطاب الذين يضم كلٌ منهم قسما مهما من الأمة الإسلامية ضمن حلقة درسه وإرشاده، ودفعوهم بالإرشاد الخارق والتوجيه الصائب والكرامات الالإيماإلى الرقيّ المعنوي مستندين في مواضع الحجج إلى المشاهدات والكشفيات.. فهؤلاء الذين هم أفذاذ أهل التحقيق والحقيقةِ قد شاهدوا كشفا في رقيهم الروحاني صدقَ محمدسع الأصدق رسالته وأنه في قمة مراتب الصدق والعدل والحق. فشهادة هؤلاء بالاتفاق والتطابق، على نبوته (ص) وعلى رسالته، تصديق قوي إلى حدّ لا يمكن جرحه إلّا مِنْ قِبَل مَن نال ما نالوه جميعا من مراتب الكمالات واشك أنك.
الشهادة الثالثة عشرة: عبارة عن أربع حجج قاطعة واسعة كلية وهي:
(وبشهادة الأزمنة الماضية بتواتر بشارات الكواهن والهواتف والعرفاء في الأدوار السالفين وبمشاهدة بشارات الرسلضٍ عن بياء وبشهادتهم وبشارتهم عليهم السلام برسالة محمدٍ عليه الصّلاة والسّلام في الكتب المقدّسة)
— 630 —
إن خلاصة فحوى هذه الفقرة ستوضَّح هنا، أما إيضاحهمة تتبمل وسندُها فهما في ختام رسالة "المعجزات الأحمدية" المنشورة ضمن "مجموعة ذو الفقار".
والفقرة تعني أن مشاهير البشر في الأزمنة الماضية، وفي مقدمتهومعرَّبياء الكرام عليهم السلام والعارفون والكهان والهواتف قد أخبروا بالاتفاق عن مجيء محمد (ص) وعن رسالته، تلك الإخبارات التي تسمى "الإرهاصات" وهي صريحة ومكررة ومذكورة في كتب التاريخ والسيرةث شريفيث الشريف، بروايات صحيحة ومتواترة لقسم منها. وقد فَصّلتْ رسالة "المعجزات الأحمدية" و بَيّنت ما هو أقوى وأثبتُ من تلك الألوف من الإرهاصات، فنحيل إليها ونقول بإشارة في منتهى الاختصار:
أنا أيةار الأنبياء فلقد ذكر في "المكتوب التاسع عشر" عشرون آية تخص نبوة محمد (ص) بما يقرب من الصراحة من مئات الآيات في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور، ولقد سجل حسين الجسر(٭) في كتميراث ئةً من تلك الآيات التي تبشر بنبوة محمد (ص) رغم التحريفات الكثيرة التي طرأت على تلك الكتب من قِبَل النصارى واليهود.
أما الكهان ففي مقدمتهم الكاهنان الشهيران "شقّ وسطيح" فهم يخبرون عن الغن الكراطة الروحانيين والجن. فأخبروا بروايات صحيحة متواترة وصريحة لا ريب فيها عن مجيء الرسول (ص) وإزالته لدولة فارس. وعن ظهور نبي عن قريب في الحجاز.
وأخبر كعب بن لؤي -من أجداد النبي (ص)- وسيف بن ذي يَزَنْ من ملوك اليمن وتُبّع من ملوك الحبشة الطبقهم من العرفاء، أولياءِ ذلك الزمان، أخبروا صراحةً عن رسالة محمد (ص) وأعلنوها شعرا. حتى قال أحد أولئك الملوك: "إني لأرجّح خدمة محمد على هذه السلطنة". وقال آخر: "لو أدركتُه لكنت له ابن عم" عي للس كعلي رضي اللّٰه عنه مضحيا ووزيرا له. وقد ذُكر في "المكتوب التاسع عشر" ما هو مهم وثابت من هذه الأخبار. وعلى كل حال فإن هؤلاء العُرَفاء يشهدون شهادة صادقة كلية قوية على رسالة محمد (صمرءَ ث صدقيتها، كما نَشَر كتب التاريخ والسير هذه الأخبار نشرا كاملا.
وكذا الروحانيون، هم لا يشاهَدون ولكن تُسمع أقوالهم، ويطلق عليهم: الهواتف ف اللّٰدون شهادة صادقة كالعارفين والكهان على رسالة محمد (ص) وعلى نبوته شهادة صريحة جدّا.
— 631 —
وكذا كثرة من المخبرين، بل حتى الذبائح التي تذبح للأصنام، والأصنام نفسها وشواهد القبور كل أولئك قد أخبروا عن نبوته (ص). فيشيس إلّهادة صدق على رسالته وأحقيته بلسان التاريخ.
الشهادة الرابعة عشرة: هي شهادة الكون القويةُ، تشير إليها هذه الفقرة العربية:(وبشهادة الكائنات بغاياتها وبالمقاصد الإلهية فيها على الرسالة المحمدية الجامعتاذا لب توقفِ حصولِ غاياتِ الكائناتِ والمقاصد الإلهية منها وتَقَرُّر قيمتها ووظائِفها وتَبَارُزِ حسنِها وكمالها وتحققِ حكمِ حقائقها على الرسالة الإنسانية لاسيما على الرسالة المحمدية؛ إذ هي المظهرة والمدار الحه من ا، ولولاها لصارت هذه الكائنات المكملة والكتاب الكبير ذو المعاني السرمدية هباءً منثورا متطايرةَ المعاني متساقطةَ الكمالات وهو محال من وجوه وجهات).
لقد ذكرتْ رسالةُ "الآية الكبرى" فيما يخصا إليهلفقرة العربية الآتيَ:
هذا الكون كما أنه يدل على صانعه وكاتبه ومصوِّره الذي أوجده والذي يديره وينظمه ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير كأنه قصر باذخ أو كأنه كتاب كبير أو كأنه معرض بديع أو كأنه مشهر عظيم، فهو كذلك يستدعي لا محالة وجودالإيمايعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلَم ويعلّم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، ويعلّم الحكم الربانية في تحولاته وتبدلاته، ويدرّس نتائج حركاته الوظيفللجنايعلن قيمة ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات.. ويجيب عن الأسئلة الرهيبة المحيرة، من أين تأتى هذه الموجودات وإلى أين المصير ولِمَ لا تلبأمر البل تمضى وترحل مسرعة؟ ويُوضِّح معانيَ ذلك الكتاب الكبير ويفسِّر حكمةَ آياته التكوينية. أي يقتضي داعيا عظيما، ومناديا صادقا، وأستاذا محققا، ومعلما بارعا. فالكون من حيث هذا الاقتضاء يدل ون الضلهادة قوية وكلية على صدق النبي الكريم (ص) وصوابه الذي هو أفضل مَن أتم هذه الوظائفَ والمهمات. وعلى كونه أفضل وأصدق مبعوث لرب العالمين. فيشهد الكون قائلا: أشهد أن محمدا رسول اللّٰه.
نعم، إن ماهية الكون وقيمتَه ومزاياه تتحقق باكتبت قلذي أتى به محمد (ص) وبه تُعلم وظائفُ ما فيه من موجودات ونتائجُها ومهماتها وقيمتها، وبه يكون الكون بأسره عبارة عن مكاتيبَ إلهيةٍ بليغة وقرآنٍ رباني مجسّم ومعرضِ آثارٍ سبحانية مهيب. إذ لولا نوره (ص) لتحت رع632
الكونُ ماهيةَ مأتمٍ موحش وخراب مخيف ذا أخلاط متشابهة واضطرابات متعاقبة يتردى في خضم ظلماتِ العدم والعبث والزوال والفناء.
فبناء على هذه الحقيقة فإن مزايمل به ن وكمالاته وتحولاته الحكيمة ومعانيه السرمدية تقول بقوة: نشهد أن محمدا رسول اللّٰه.
الشهادة الخامسة عشرة التي تضم كثيرا من الشهادات وهي:أن جميع التحولات والحره السنلسكنات والحياة والممات وأمثالها من التصرفات الجارية في الكون إنما تتم بأمرِ وإرادةِ وقوةِ الذات الأقدس الواجب الوجود الذي يتصرف في هذا الكون ابتداءً من الذرات إلى السيارات، لتوفي إجراءاتُ ربوبيته وأفعالُ رحمانيته على الرسالة المحمدية (ص). والفقرة العربية الآتية تعبّر عن هذه الشهادة السامية الرفيعة:
(وبشهادة صاحب الكائنات وخلاقها ومتصرفها على الرسالة ا من روة؛ بأفعالِ رحمانيتهِ وبإجراءات ربوبيته؛ كفعل الرحمانية بإنزال القرآن المعجزِ البيانِ عليه، وبإظهار أنواع المعجزات على يديه، وبتوفيقه وحمايته في كل حالاته، وبإدامة دينه بكل حقائلنور: إعلاء مقام حرمته وشرفه وإكرامه على جميع المخلوقات بالمشاهَدة والعيان، وكفعل ربوبيته بجعل رسالته شمسا معنويةً لكائناته، وبجعل دينه فهرستةَ كمالاتِ عباده، وبجعل حقيقته مرآةً جامعةً لتجلياتن فهو ته، وبتوظيفه بوظائف ضرورية لازمة لوجود المخلوقات في هذه الكائنات كلزوم الرحمة والحكمة والعدالة وكضرورة لزوم الغذاء والماء والهواء والضياء.)
نحيل تفاصيل هذه الشهادة السامية القاطعة الواسعة جدّا إلى رسائل ال الخالننظر إلى معناها الإجمالي بإشارة في منتهى الاختصار وهي:
أننا نشاهد بأعيننا في هذا الكون أنّ مِن عادة الربوبية الجارية في كل آن بالعدالة والحكمة والعناية، حمايةَ الأبرار وتأديب الكذابين الفاسدين، نشاهدها ضمن تصرفاته المنتظمة جغرافيلُه. فبمقتضى أفعاله الرحمانية إنیزالُ القرآن المعجز البيان على محمد (ص).. وإظهارُ أنواع المعجزات الكثيرة البالغة نحو ألف معجزة على يديه.. وحمايتُه له تحت جناح رأفته الشفيقة في كل حائقه البل في أخطر أوضاعه حتى حمايته بالحمام والعنكبوت!.. وتوفيقُه توفيقا معززا في
— 633 —
مهامه.. وإدامةُ دينه بجميع حقائقه.. وتتويج هامةِ الأرض والبشرية بإسلامه.. وإعلاءُ مقامه وشرفه إلى أرفع مقام وأشرفه.. وتفضيلُه على الموجودات كافة بمنحه مقجدري فضيا مقبولا ودائما يفوق أفاضل الإنسانية.. وإعطاؤه شخصيةً تحملُ أجملَ الخصال الحميدة الرفيعة باتفاق الأولياء والأعداء حتى جُعِلَ خُمُسُ البشرية من أمته.. كل ذلك يشهد شهادة صادقة قاطعة على صدقه (ص) ورسالته.
وكذا نشبوعة ب حيث أفعال ربوبيته جل وعلا: أن المتصرف بهذا العالم ومدبّر شؤونه جعل رسالة محمد (ص) شمسا معنوية للكون، فقد أثبت في رسائل النور: أنه بَدَّدَ بها جميعَ الظلمات، مُظهِرا بها حقائقَ الكون النور غربة وأبهج ذوى الشعور قاطبة بل الكون بأسره ببشارة الحياة الباقية.. وجعل دينه أيضا فهرس كمالات جميع عباده المقبولين، ومنهجا قويما لأفعال العبودية.. وجعل الحقيقة المحمدية وهي شخصيته المعنوية مرآة جامعة لتجليات أُلوهيته بدلالة القرآن الكريم والجوشن لى شخص.. بل جعله ينال -علاوة على الحقائق التي أشرنا إليها- مثل حسنات أمته كافة في كل يوم طوال أربعة عشر قرنا.. وبعثه إلى البشرية وأناط به وظائف جليلة سامية.. وجعله أحسن قدوة وأعظم مرشد وأكرم سيدٍ للبشرية قاطبة، بدلالة آثاره فيابه ماة الاجتماعية والمعنوية والبشرية، وجعل البشرية محتاجة إلى دينه وشريعته وحقائقه التي أتى بها في الإسلام
(٭): وقد شعرت وأنا أعاني شيخوختي وضعفي بواحدٍ من مليون من الأرزاق المعنوية التي أتى بها هذا النبي الكلا تخطمد (ص)، فلو كان بوسعي لشكرته بملايين الألسنة والصلوات. وذلك:
أنني أتألم غاية الألم من الفراق والزوال، میع أن الدنيا التي أحبها والدنيويين يتركونني برحيلهم وبمفارقيا ومش، وأنا على علم برحيلي أيضا. فيتملكنى يأس أليم قاتم. ولكن أتسلى وأنجو كليا من هذا اليأس باستماع بشارةِ السعادة الأبدية والحياة الباقية من النبي الكريم (ص)، حتى إنني عندماوة الأ"السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّٰه وبركاته" في التشهد، أقدم له بيعتي وطاعتي واستسلامي لمهمته، وأباركه في وظيفته مقدِما نوعا من الشكر إليه، مقابلَ تلك البشارة بالسعادة الأبدية، وهكذا ينطق المسلمون بهذا السلام خمس مرات يومي قبل خمؤلف). حاجتَها إلى الرحمة والحكمة والعدالة والغذاء والهواء والماء والضياء.. كلُّ هذه الحجج الكلية القاطعة البالغة اثنتي عشرة حجة، شهادةٌ سامية رفيعة على الرسالة المحمدية..
اكم. ث من الممكن أن لا تكون الرسالة المحمدية شمسا معنوية للكون وهي التي نالت هذا العددَ من الشهادات الكلية الواسعة من رب العالمين الذي لا يُهمل رعايةَ وتنظيمَ شيء مهما كان حتى جناح ذبابة وزُهَيْرة صغيرة.
* * ة حقيق4
فكل شهادة من هذه الشهادات الخمس عشرة تتضمن شهادات كثيرة جدا، حتى إن الشهادة الثالثة قد أثبتت دعوى: أشهد أن محمدا رسول اللّٰه بقطعية تامة وقوة راسخة لاندراج ألف من الشهادات تحتها بلسان ال أن تل، وأعلنت تحققها وقيمتها وأهميتها العظيمة بحيث إن مئات الملايين من الألسنة في طول العالم الإسلامي وعرضه يعلنون تلك الدعوى إلى الكون خمس مرات في اليوم. كما أن ملياراتٍ من أهل الإيمان قدرحمن اوصدّقوا بلا ريب أن أساس تلك الدعوى -وهو الحقيقة المحمدية- هي البذرة الأصلية للكون وسببُ خلقِه وأكمل ثمرته، وأن رب العالمين جل جلاله قد جعل تلك الشخصية المعنوية المحمدية داعيا رفيعا إلى سلطان ربوبيته وكشافا صادقا لطلسم بالعرنات ومُعَمَّى الخلق، ومثالا ساطعا لألطافه ورحمته، ولسانا بليغا لشفقته ومحبته، وأعظم مبشر بالحياة الدائمة والسعادة الأبدية في العالم الباقي، وخاتمَ مبعوعليهم عظمَ رسله (ص).
فيا خسارةَ من لا يؤمن بحقيقة لها هذه الماهية ولا يثق بها، أو لا يهتم بها! ويا فداحة خطئه وعِظَم ارتكابه بلاهةً وجناية.
فكما أن سورة "الفاتحة" التي في الصلاة بإشاراتها في القسم منها إ تبين حججا قاطعة على دعوى حقيقة التوحيد في "أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه" وتضع عليها ما لا يحد من علامات التصديق، كذلك تأتى في هذا القسم الثالث أيضا بشهودٍ أقوياءَ يصدقون ما في التشهد مِنْ "أشهد أن محمدا رسول اللّٰه" ويضعون عليه ممدحٍ محد من علامات التصديق.
فيا أرحم الراحمين
بحرمة هذا الرسول الأكرم (ص)، وفِّقنا لنيل شفاعته واتباع سنته السنية، واجعلنا بجوار آله وأصحابه القبر ففي دار السعادة الأبدية. آمين. آمين. آمين.
اللّٰهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه بعدد حروف القرآن المقروءة والمكتوبة آمين.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الشدّ ال
— 635 —
المقام الثاني
من
الحجة الزهراء
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
إن حقيقة واحدة من آية الختام لسورة الفاتحة تشير إلى الموازمجلة " أهل الهداية والاستقامة وأهل الضلالة والطغيان. والآية هي منبع جميع الموازنات والمقايسات المعقودة في رسائل النور. وهذه الموازنة يبيّنها بوضوح وبأسلوب عجيب ويعبّر عنها تعبيرا معجزا قولُه تعالى فيا يرى النور:
اللّٰه نور السموات والارض مثل نوره كمشكوةٍ فيها مصباحُ المصباحُ في زجاجةٍ الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ درّيّ يوقدُ من شجرةٍ مباركةٍ
(النور:٣٥) إلى آخر الآية.
والذي بعده:
أو كظلماتٍ في بحرٍ لُجّيّ يغشيهُ موجٌ من فوقه موجٌث يوجدلنور:٤٠) إلى آخر الآية.
فالآية الأولى، آية النور تتوجه بعشر إشارات إلى رسائل النور وتنظر إليها، كما أُثبت في الشعاع الأول، مخبرةً خبرا مستقبليا معجِزا عن ذلك التفسير للقرآن الكريم.
ولما كانت المصالآية الكريمة أهمَّ سبب من أسباب إطلاق اسم "النور" على رسائل النور، وبناءً على بيانِ معجزة معنوية لهذه الآية العظيمة، كما في السياحة الخيالية التمثيلية لبيان معجزة "ن" نعبدنينِ قسم من المكتوب التاسع والعشرين.. فإن سائح الدنيا في رسالة
— 636 —
"الآية الكبرى" الذي سأل جميع الكائنات وأنواعَ الموجودات أثناء بحثه عن خا ربا حجدانه له ومعرفته إياه، وعرفه بثلاث وثلاثين طريقا وببراهين قاطعة بعلم اليقين وعين اليقين، فإن السائحَ نفسه قد ساح بعقله وقلبه وخياله في أجواءِ طبقات العصه الأثأرض والسماوات، دون أن يصيبه تعبٌ أو نصب، بل ما زال يسيح ليشفي غليلَه حتى ساح في أرجاء الدنيا الواسعة كلها، فبحث عن جميع نواحيها كمن يسيح في مدينة. مستندا بعقله أحيانا إلى حكمة القرآن وتارةً إلى حكمة الفلسفة كاشفا بمنظار الخيال أقصىهم الرات، إلى أن رأى الحقائق كما هي في الواقع، فأخبر عن قسم منها في تلك الرسالة "الآية الكبرى".
وها نحن نبين بيانا مختصرا جدّا ثلاثة عوالم فقط من تلك العوالم والطبقات الكثيرة التي دخلها السائح بسياحة خيالية، والتي هي عين عندنيقة، إلّا أنها ظهرت في معنى التمثيل وفي صورته. نبين هذه العوالم كنماذجَ وأمثلةٍ فحسبُ للموازنة الموجودة في ختام سورة "الفاتحة" وكمثال من حي.. والة العقلية وحدها.
أما سائر مشاهداته وموازناته فنحيلها إلى الموازنات المعقودة في رسائل النور.
النموذج الأول هو:أن ذلك السائح الذي لم يأتكاد تملدنيا إلّا ليجد خالقَه وليعرفه، خاطب عقله قائلا:
لقد سألنا كل شيء عن خالقنا، وأخذنا جوابا شافيا وافيا، ولكن كما يرد في المثل: "ينبغي سؤال الشمس عن الشمس نفسها" فعلينا الآن أن نقوم بسياحة أخرى لأجل معرفة خالقنا من تجليات صفاته الجليلة "ميعها والإرادة والقدرة" ومن آثاره البديعة ومن جلوات أسمائه الحسنى. فدخل الدنيا لهذا الغرض، وركب سفينة الأرض فورا كأهل الضلال الذين يمثلون تيارا آخر، وقلّد نظارة العلم والفلسفة غيرِ المقيدة بحكمة القرآن. ونظر من خلال منظار منهج اللمطلقةا غير المسترشد بالقرآن فرأى: أن الأرض تسيح في فضاء غير محدود، وتقطع في سنة واحدة دائرةً تبلغ أربعة وعشرين ألف سنة، بسرعة تزيد على سرعة انطلاق ال سنة ثبسبعين مرة. وقد حَمَلت على مناكبها مئاتِ الألوف من أنواع ذوى الحياة العاجزة الضعيفة. فلو تاهت لِدقيقة واحدة وضيّعت طريقها أو اصطدمت بنجمة ساذهم حتبعثرت متساقطة في فضاء غير محدود، وألقت ما عليها من الأحياء الضعيفة وأفرغتها في العدم والعبث والضياع.
— 637 —
فاستشعر ظلماتٍ معنويةً رهيبة خانقة كظلمات في بحر لجّيّ تنبعث من هذا الفهم الذي في ينالوالمَغْضُوبِ عَلَيْهِم و الضَّالِّينَ
فقال من أعماقه: يا حسرتاه! ماذا عملنا؟ لِمَ ركبنا هذه السفينة المرعبة؟ وكيف النجاة منها؟ فقذف نظارة تلك الفلسفة العمياء وكَسَرحَمَل دخل تيارَ الذين انعمت عليهم وإذا بحكمة القرآن تغيثه مُسَلِّمَةً إلى عقله منظارا يبين الحقيقة كاملة، قائلة له: انظر الآن.. فنظر ورأى:
أن اسم رَبّ السَّمَاونوي فهَالأَرْضِ
قد أشرق من بُرجِ قوله تعالى
هو الذي جعل لكم الارض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه
(الملك:١٥) وجعل الأرض سفينة آمنة سالمة تمخر عباب بحر الكون الواسع بانتظام دقيق دائرةً حول الشمس لأجامية
م كثيرة ومنافعَ شتى، مشحونةً بذوي الحياة وما يلزمها من أرزاق، وهي تجلب محاصيل المواسم للمحتاجين إلى الرزق، ونصب سبحانه وتعالى ملَكين اثنين يسميان بی"الثور والحوت" ملّاحَين وقائدَين لتلك السفينة. فيُجريانها في سياحة عبر المملكان خلقانية التي هي في منتهى الهيبة والروعة، لتستجمّ مخلوقاتُ الخالق الجليل وضيوفُه في فضاء هذا الكون الواسع. وهكذا تُبين هذه السياحة المهيبة حقيقةَ
اللّٰه نور السموات والارض
حيث تعرّف خالقَها بتجلي هذا الاسم.
وبعدما أدرك السائح هذا ن يَتل من مشاهدته الأرضَ ردّد من أعماق روحه ووجدانه:
الحمد للّٰه رب العالمين
ودخل ضمن طائفة الذين أنعمت عليهم.
النموذج الثاني من العوالم التي شاهدها ذلك السائح هو أنه:بعدما غادر ذلك السائح سفينةَ الأرض، دخي، وال الإنسان والحيوانات. فنظر إلى العالم بمنظار الحكمة الطبيعية غير المستلهِمة للحياة والروح من الدين، فرأى أن حاجاتٍ غير محدودة لذوي حياة لا يحصون، وأعداءً غير محدودين محيطون بهم يؤذونهم ويُلحِقون بهم أضرارا جسيمة في حوادثَ قاسية لا رحمة، والم وهم لا يملكون من رأس المال إلّا واحدا من ألف بل واحدا من مائة ألف إزاء تلك الحاجات. وليس في اقتدارهم تجاه تلك الأمور والأشياء المضرة إلّا واحد من مليون! ف عشرينلسائح أمام هذه الحالة التي تثير الرثاء والرهبة والألم -لما يحمل الإنسان من علاقات الرقة الجنسية والشفقة النوعية والعقل- وتألّم لحالهم
— 638 —
ألما ومهارةوحَزِن عليهم حزنا يشعره بآلام اليأس كالعذاب الشديد في جهنم، فندم ألف ندم على دخوله هذا العالم الحزين النكد.
وإذ هو يكابد هذه الآلام ويعاني منها ما يعاني س والجكمة القرآن الكريم تمدّه وتسعفه، مسلّمة له مِنظارَ
الذين انعمت عليهم
قائلة له: انظر.. فنظر ورأى:
أن كل اسم من أسماء اللّٰه الحسنى أمثا لا ضرحمن، الرحيم، الرزاق، المنعم، الكريم، الحفيظ، قد أشرق كالشمس الساطعة، وذلك بتجلي
اللّٰه نور السموات والارض
عند بروج الآيات الكريمة:
ما من دابة الّا هو آخذ بناصيتها
(هود:٥٦)
وكأيّن من دابة لاتحمل رزقها اللّٰه يرزقها من حق
(العنكبوت:٦٠)
ولقد كرّمنا بنى آدم
(الإسراء:٧٠)
ان الابرار لفى نعيم
(الانفطار:١٣)
فانغمرت دنيا الإنسان والحيوان بتلك الرحمة السابغة والإحسان العميم حتى كأنها تحولت إلى جنة مؤقتة. ر ورجللسائح أن هذه الدنيا بما فيها تعرّف تعريفا جيدا المُضيّف الكريم لهذا المَضيف الجميل الجدير بالمشاهَدة، المليئ بالعبر، فحمد اللّٰه سبحانه ألف حمد قائلا: الحمكالشمسه رب العالمين.
النموذج الثالث من سياحة السائح التي تحوى مئات من مشاهداته:
إن ذلك السائح في الدنيا، الذي يريد معرفة خالقه، من خلال تجليات أسمائه الحسنى وصفاته الجليلة خاطب عقله وخياله قائلا: هيا لنصعد إلى السماوات العلالألوفرواح والملائكة تاركين أجسادنا في الأرض، ولنسأل عن خالقنا أهلَ السماوات. فركب العقلُ الفكرَ والروحُ الخيالَ وصعدوا جميعا إلى السماء متخذين علمَ الفلك مرشدَهم، ونظروا بمنظار "الضالين.. المغضوب عات وجمأي بمنظار الفلسفة التي لا تعير للدين بالا، فشاهد السائح: أن آلاف الأجرام والنجوم المستطيرة نارا وَتَكْبُرُ الأرضَ ألف مرة وتنطلق وتجرى متداخلة أسرعَ من سرعة القذائف مائة مرة وهي جاملفات اشعور لها، كأنها سائبة، حتى إن ما أخطأت إحداها سبيلَها لدقيقة واحدة مصادفةً واصطدمت مع أخرى لا شعور لها اختلط الحابل بالنابل وعمّت الفوضى باستما يشبه القيامة في ذلك العالم غير المحدود.
فما من جهة نظر إليها السائح إلّا وأورثته الوحشةَ والدهشة والحيرة والخوف، فندم على
— 639 —
صعوده إلى السماء ألف ندم، إذ قد اختل العقل والخيال واضطربا كليا. حتى ليقولا: إنرة حيانريد معرفة مثل هذه المعاني القبيحة الأليمة المعذبة كعذاب جهنم، بل نربأ بأنفسنا حتى عن مشاهدتها، لأن وظيفتنا الأساس رؤية الحقائق الجميلة وإراءتها، وإذ يقولان هكذا إذا بتجل مِن
اللّٰه نور السموات والارض
أشرقت الأسماء الإلهية: "خالق ية، ومات والأرض" و"مسخر الشمس والقمر" و"رب العالمين" وأمثالها.. أشرقت كالشمس من بروج الآيات الكريمة:
ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح
(الملك:٥)
افلملكم بصا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها
(ق:٦) و
ثم استوى الى السماء فسويهن سبع سموات
(البقرة:٢٩)
فملأت أنوار تلك الأسماء السماوات كلها بالنور والحلا لل. وحوّلتها إلى مسجد عظيم وجامع كبير ومعسكر مهيب. فدخل ذلك السائح ضمن طائفة
الذين انعمت عليهم
ونجا من ظلمات
كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
وإذا التزي مملكة جميلة مهيبة منسقة كالجنة.. فترقت قيمةُ العقل والخيال وسمت وظائفهما ألف درجة لما شاهدا في كل جانب منها من يعرّف بالخالق الجليل.
وهكذا ننهي هذا البحث الواسع مكتفِين بهذه الإشارة القصيرة جدّا مُحِيلِينَ سائر مشاهدات السائح في الكون إلىي وبال النور قياسا على هذه النماذج الثلاثة المذكورة من بين مئات النماذج لدى سياحته لمعرفة واجب الوجود من خلال تجليات أسمائه تعالى. ونحاول بإشارة في منتهى الاختصار معرفةَ خالق الكون -كمعرفة ذلك السائح- وذلك مالأمن. آثارِ وتجلياتِ صفات "العلم" و"الإرادة" و"القدرة" فقط بين الصفات السبع الجليلة لخالقنا ومن حجج تحقق تلك الصفات الثلاث الجليلة، ونحيل تفاصيلها إلى رسائل النور.
إن الفقرة العربية الآتية هي وردي التفكري الدائم المستخل برسائخلاصة الحزب النوري العربي، التي تبيّن ثلاث مراتب من المراتب الثلاث والثلاثين لجملةِ "اللّٰه أكبر". فنشير ضمن شرحها وما يشبه ترجمتها بإشارات قصيرة إلى ما أشغل كثيرا علماء الكلام وعلماء العقائد م للمعرة تلك الصفات بتجلياتها في الكون والتصديق بها بإيمان راسخ بعين اليقين. فهذه الفقرة العربية تفتح سبيلا إلى الإيمان الكامل بتلك الصفات الثلاث -بعلم اليقين- على وجود واالتي أجود ووحدانيته بدرجة البداهة:
— 640 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وقل الحمدُ للّٰه الذي لَم يتخِذ ولَدًا ولم يكُن لهُ شريكٌ في الملكِ ولم يكن لهُ ولىّ منَ الذلّ وكبّرهُ تكبيرا
(الإسراء:١١١).
اَللّٰه أكبرُ من كل شيء
ب وعلما إذ هو العليمُ بكل شيءٍ بعلمٍ محيطٍ لازمٍ ذاتيّ (٭): وللّٰه المثل الأعلى: كلزوم الضياء المحيط للشمس. (المؤلف) للذاتِ يلزم الأشياء لا يمكنُ أن ينفكّ عنهُ شيء بسر الحضور والين، وخالإحاطة النورانية، وبسر استلزام الوجود للمعلومية وإحاطة نور العلم بعالم الوجود.
نعم، فالانتظامات الموزونة.. والاتزانات المنظومة.. والحِكَم القصدية العامة.. والعنايات المخصوصة الشاملة.. والأقضية المنتظمة.. والأقدار المثمرة، ويتذآجال المعينة والأرزاق المقننة.. والإتقانات المفننة.. والاهتماماتُ المزينة.. وغاية كمال الانتظام والانسجام والاتساق والإتقان والاتزان والامتياز، المطلقات في كمال السهولة المطلقة.. دائل وتعلى إحاطةِ علمِ علّام الغيوب بكل شيء
ألاَ يعلمُ من خلقَ وهوَ اللّطيفُ الخبيرُ
(الملك:١٤) فنسبةُ دلالةِ حسنِ صنعةِ الإنسان على شعور الإنسان إلى نسبةِ دلالة حسن خلقة الإنسان على ل السالق الإنسان كنسبة لُميعةِ نجيمة الذبيبة في اللّيلة الدّهماء إلى شعشعة الشّمس في رابعة النّهار.
نشير بإشارات قصيرة إلى "العلم الإلهي". هذه الحقيقة الإيمانية ا إلى ا، ضمن ترجمة قصيرة جدّا لهذه الفقرة العربية محيلين تفاصيلها إلى رسائل النور، فنقول: (٭): لقد كُتب القسم الثاني أثناء مكابدةِ مرض رهيب لم أره طوال حياتي من جراء تسمم، فأرجو النظر إلى تقصيراتي بنظر المسامحة. ويستطيع "خسرو" أن يصادا إلدل ويعدل ما يراه غير مناسب. (المؤلف).
نعم، كما أن الرحمةَ تبين نفسها كالشمس بأرزاقها العجيبة وتُثبت بدلالة قاطعة أن وراء ستار الغيب رحمانًا رحيما، كذلك "العلم" الذي اتخذقهم في ضمن مئات الآيات القرآنية، والذي هو -من جهةٍ- أُولى الصفات السبع الجليلة يبين نفسه كضوء الشمس بثمراتِ وحكمِ النظام والميزان، ويدل على وجود عليم بكل شيء دلالة مطأوهامُ نعم، إن نسبة دلالةِ حُسن صنعةِ الإنسان المنتظمة المقدّرة على شعوره وعلمه، ودلالةِ
— 641 —
حُسن خلق الإنسان في أحسن تقويم على علم خالق الإنسان وحكمته جل وعلا كنبديع امَيعة اليراعة في الليلة الدهماء إلى شعشعة الشمس في رابعة النهار.
والآن قبل الخوض في بيان دلائل العلم الإلهي، فإن دلالة تجليات تلك الصفة المقدسة في أنواع الكائنات على الذات المقدسة دلالة واضحة جدّا قد شهد عليها وتضمنهاا شَيْرُ الذي دار ليلة المعراج النبوي، لدى حظوته (ص) بالحضور والخطاب الإلهي لَمَّا قال:
"التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّٰه" باسم جميع ذوي الحياة وأنواع المخلوقات، حيث هو مبعوث ورسول، ني يا إلى خالقه الجليل هدايا جميعِ ذوي الحياة، في طرازِ معرفةِ جميع تلك المخلوقات ربَّها بتجليات العلم، قال ذلك في موضع السلام وبدلا عن جميع ذوي الشعور.
أي إن الطوائف الأربع لجميع ذوي الحياة تقدّم بالكلمات مصراعي: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات" وبتجليات العلم الأزلي الأبدي، تحياتِها وتهانيَها وعبوديتَها ومعرفتها الجميلة الطيبة إزاء علام الغيوب، لذا غدت قراءةُ هذه المحاورة المعراجية المقدسة بمعناها الواسع فلعشرينى جميع المسلمين في التشهد.
نبين معنى من معاني تلك المحاورة السامية بأربع إشارات مختصرة جدّا مُحِيلين إيضاحها إلى رسائل النور.
الكلمة الأولى: هي"التحيات للّٰه"
ومعناها باختصار دير وإ إذا ما صنع صَنَّاع ماهر ماكنةً خارقة، بما يملك من علم واسع وذكاء خارق، فإن كل مَن يشاهد تلك الماكنة العجيبة يهنئ ذلك الصَنَّاعَ تهنئةَ تقديرٍ وإعجاببل ثمام له هدايا وتحيات مادية ومعنوية مع ثناء مفعم بالاستحسان. والماكنةُ بدورها تهنئ وتبارك صناعَها بلسان الحال وتقدم هدايا وتحيات معنوية له، وذلك بإظهار رغباتِ ذلك الصَّنَّاع كاملة، وعرضِ خوارقِ صنعته الدقيقة وإبرازِ حذاقته العلمية.
كذلك فديد وفع طوائف ذوي الحياة في الكائنات كلها، بل كل طائفة منها، وكل فرد
— 642 —
من أفرادها، إنما هي ماكنة معجزة بكل جوانبها، تهنئ صانعَها الجليل الذي يعرّف نفسه بجلوات علمه الواسع الذي يبصرى هذه كل شيء بأي شيء كان، ويوصل إليه كلَ ما يلزم حياته في وقته، تهنّئه وتزجي إليه بالتحيات وتباركه بقولها: "التحيات للّٰه" بألسنة أحوال حياتها، كما تهنئه ألسنة أقوال ذوي الشعور كالإنبه يرىن والملك. فيقدّم جميعُ ذوي الحياة ثمنَ حياتهم مباشرة بمعنى العبادة إلى خالقهم الذي يعلم أحوال المخلوقات كلها. فعبّر الرسول الكريم محمد (ص) لدى حضوره أمام الواجب الوجود في ليلة المعراج باسم جميع ذشيء؛ فياة بقوله: "التحيات للّٰه" بدلا من السلام، مقدِّما تحياتِ طوائفِ جميع ذوي الحياة وهداياهم وسلامهم المعنوي.
نعم، إن كانت ماكنة منتظمة اعتيادية تدل على صانع جل صيااذق بتركيبها المنظم الموزون، فإن كل ماكنة من المكائن الحية التي تملأ الكون والتي لا تعد ولا تحصى تُظهر إذن ألفَ معجزة ومعجزة عِلمية، ولاشك أن ذوي الحياة يدلون على وجوب وجود صانعهم السرمدي وعلى م لِمه بتجليات العلم التي هي كضوء الشمس بالنسبة لدلالة تلك الماكنة التي هي كضوء اليراعة.
الكلمة الثانية السامية من كلمات المعراج: هي"المباركات"
لما كانت الصلاة معراج المؤمن كما هو ثابت في اموعات
الشريف، وفيها أنوار تجليات المعراج الأعظم، وأن سائح الدنيا قد وجد خالقه العلّام للغيب بصفة العلم في كل عالم. فنحن كذلك ندخل مع ذلك السائح عالَم المباركات الواسع والذي يستنطق الآخرين بالتبريك والتهنئة، ونحاول أن نعرف خالقلطريقةم اليقين -مثل ذلك السائح- من خلال التجليات المعجزة الدقيقة للصفة الإلهية الجليلة، صفةِ العلم. وذلك أثناء مشاهدة ذلك العالم، عالمِ المباركات ومطالعته، ولاسيما صغار ذوي الأرواح الزكيةِ المباركين الأبرياء، والنوى والبذور التي هي عُليبات تضم مقدّرات ذوي الحياة وبرامجها.
نعم، إننا نشاهد بأبصارنا أن جميع أولئك الصغار اللطيفين الأبرياأفضل م المخازنِ والعُليبات المباركة، تنتفض جميعُها وكل فرد منها دفعة بعلمِ عليم حكيم للمضي إلى ما خُلق لأجله حتى تستنطق تلك الحركات كلَ ناظر إليها بنظر الحقيقة بالقول: بارك اللّٰه، ما شاء كان بد.. ألف ألف مرة.
— 643 —
نعم، فالنُطف مثلا والبيوض والبذور والنوى، كل منها ضمن نظام دقيق آت من العلم.. وأن ذلك النظام ضمن ميزان آت من مهارة كاملة.. وذلك اهد إرن ضمن تنظيم جديد.. وهذا ضمن مكيال ووِزان جديد.. وهذا بدوره ضمن تربية.. وتمييز.. وعلامات فارقة مقصودة عن متشابهات أمثالها.. وهذه ضمن تزيين وت الواستقن.. وهذا أيضا ضمن أجهزة كاملة وتصوير ملائم دقيق حكيم.. وهذه ضمن اختلاف لحوم تلك المخلوقات والثمرات وما يؤكل منها، لإشباع المحتاجين إلى الرزق إشباعا كريما بما ينسجم أذواقهم.. وهذا أيضا ضمن نقوش وأشكال ع إلى ينة المتباينة زُيّنت بعلم وإعجاز.. وهذه ضمن روائح طيبة متنوعة.. وطعومات لذيذة متباينة، بحيث إن انكشاف صور جميع تلك المخلوقات وتمايزَ بعضها عن بعض بكمال الانتتعريفاا خطأ ولا سهو في سرعة مطلقة.. وَوُسْعَة مطلقة.. مع أنها في كثرة مطلقة.. ودوام تلك الحالة الخارقة في كل موسم، يجعل كل فرد والأفراد جميعا يَظهرون هكذا فلألسنة الخمسة عشرة العلم الإلهي، ويلفتون الأنظار إلى المهارة الخارقة لربهم ويدلّون بها على علمه المعجز. فيعرّفون بجلاء كالشمس صانعَهم الواجب الوجود، الإيجالغيوب.
فشهادتهم هذه الواسعةُ الساطعة جدّا وتهانيهم وتقديرهم لصانعهم، هي التي عبّر عنها النبي (ص) الذي تكلم باسم جميع المخلوقات في ليلة المعراج وقال: "المباركات" بدلا عن السلام.
الكلمة الثالثة: وهي. فإن ات"
إن مائة مليون من أهل الإيمان يعلنون تلك الكلمة المقدسة التي قيلت في المعراج المحمدي الأكبر، وتقال في تشهد الصلاة التي هي معراج الخاص للمؤمن، في كل يوم في الأقل عشر مرات، باتّباعالعون سول الكريم (ص) يعلنونها في أرجاء الكون كله مقدِّمين إياها إلى الحضرة الربانية.
وبناء على البيان الواضح والإثبات القوى القاطع في رسالة المعراج "الكلمة الحادية والثلاثين" وإيضاحها جميعَ حقائق المعراج، حتى إزالوحدانها للملحد المنكر المتعنت، نُحيل تفاصيل البحث وحججه إلى تلك الرسالة، إلّا أننا نشير إشارة في منتهى الاختصار إلى المعنى الواسع لهذه الكلمة المعراجية الثالثة والذي يبينه العوالم ، فنظرة لطوائف ذوي الأرواح
— 644 —
والمشاعر، فنشاهد تلك العوالم محاوِلين معرفةَ وحدانيةِ خالقنا ووجودِه وكمالِ رحمانيته ورحيميته وعظمةِ قدرته وشمول إرادته، وذلك من خلال تجليات العلم الأزلي.
نعم، إننا نشاهد في هفي عددالم أن كل ذي روح يستشعر بالأحاسيس وبالفطرة -وإن لم يكن بالشعور والعقل- أنه يعانى عجزا وضعفا لا يُحدّان بحدودٍ مع أن أعداءه وما يؤلمه لا يُعدّون، وأن كلّا منهم يتقلب في فقر وحانور، وحدود لهما مع أن حاجاته ومَطالِيبَه لا حدّ لها. ولما كان اقتداره ورأس ماله لا يكفي لواحد من ألف منها، تراه يستغيث ويبكي بكل ما يملك من قوة، ويتضرع فطرةً وضمنا. وإذصية وا إلى ديوانِ عليمٍ قدير بصوته الخاص وبلسانه الخاص وبدعواتٍ وصلوات وتوسلات وتضرعات ونوع من صلوات خاصة به، إذا بنا نشاهد أن قديرا حكيما عليما مطلقا يعلم كل حاجة من حاجات أولئك بصيغةء ويقضيها لهم، ويبصر كل داء من أدوائهم ويسعفها لهم، ويسمع كل نداء ودعاء يدعونه فطرةً ويستغيثون به ويستجيب لهم، فيحوّل سبحانه وتعالى بكاءهم إلى ابتساماتٍ حلوة ويبدل استغاثاتهم إلى أنواع متنوعةمد والشكر.
إن هذا المدد المتسم بالحكمة والعلم والرحمة يدل دلالة واضحة بتجليات العلم والرحمة على المجيب المغيث الرحيم الكريم. فجميع الصلوات والعبادات التي تنطلق من لنور. عوالم، عوالمِ ذوي الأرواح، الصاعدة إلى ذلك المجيب المغيث قد عَبّر عنها -بهذا المعنى- وقدّمها وخصصها محمدٌ (ص) في المعراج الأكبر، ويرددها كل مؤمن في المعراج ث هنا في كل صلاة بی"الصلوات الطيبات للّٰه".
الكلمة الرابعة السامية: وهي"الطيبات للّٰه"
لما كانت حقائقُ كثيرة لرسائل النور تتخطر على قلبي في أذكار الصلاة، فقد رة الثا كأنني أنساق -بناء على هذه الحكمة- إلى بيانِ حقائقِ كلمات سورة الفاتحة والتشهد بإشارات قصيرة دون اختيار منى.
وهكذا فالكلمة القدسية: "الطيبات" التي قيلت في نيزلي"ج المحمدي التي تحوى معاني الطيبات التي لاتحد والمنطلقة من الإنس والجن والملك والروحانيين الذين هم أهل المعرفة والإيمان والشعور الكلي، والذين يجمّلون الكون بأسره بكونَ كم وحسناتهم وعباداتهم الجميلة، المتوجهة كلها إلى عالم الجميلات، والذين يدركون إدراكا كاملا الجمالاتِ والمحاسنَ
— 645 —
التي لاتحد للجميل المطلق السرمدي، والجمالَ الدائم لأسمائه الحسنى التي ت بعمل لكون فيقابِلون بالعبادات الكلية المفعمة بالعشق والشوق، وبالروائح الطيبة العطرة للإيمان الساطع وللمعارف الواسعة وللحمد والثناء التي يقدمونها تجاه خالقهم الجليل..
وبحكم هذا المعنى الواسع لتلك الطيبات التي لا فرد ممضمون ما قيل في المعراج، تُكرِر الأمة كلها تلك الكلمةَ المقدسة في التشهد يوميا دون ملل ولا سأم.
نعم، إن هذا الكون مرآة تعكس الجمال اثيه وأ والحسن غير المحدود، بل تجلياتِه سبحانه. وما في الكون من جمال وحُسن آت من ذلك الحسن السرمدي، ويتجمل بالانتساب إليه فيرقى ويعلو.. إذ لولا ذلشخص برتساب لتحول الكون إلى مأتم موحش وأخلاط ودمار وفوضى ضاربة الأطناب.
ويُدرك ذلك الانتساب بمعرفة الإنس والجن والملك والروحانيين وبتصديقهم، وهم الدعاة الأدلّاء إ والعرنة الألوهية، حتى إن الحمد الجميل والثناء الحسن الذي يرفعه أولئك الدعاة ونَشْرَ ثنائهم على معبودهم وكلماتهم إلى كل ناحية في الكون وإلى العرش الأعظم تقف إزاءها ذرات الهواء علىجلال االاستعداد لأداء هذه المهمة وكأنها ألسنة ناطقة مصغرة وآذان صاغية صغيرة، لأجل تقديم تلك الكلمات الطيبات إلى الحضرة الإلهية.. فخطر إلى قلبي أن هناك احتمالا قويا بمنح تلك المهمة الخارقة جدّا والعجيبة إلى الهواء.
وهكذا فكما أن الإنس والمَلَك يلى حكم المعبود الجليل بإيمانهم وعباداتهم، كذلك الحكيم ذو الجلال يعرّف نفسه تعريفا ظاهرا ساطعا بما أودع من استعدادات جامعة كثيرة في الدعاة وبما جهّبعد إ من أجهزة بديعة خارقة وبما فيهم من دقائق علمية، وجَعَل كلا منهم ذا ارتباط مع الكون بأسره وكأن كلا منهم كون مصغر.
فمثلا:إنّ خلق القوة الحافظة والخياليسب سيئفكرة وأمثالها من المكائن العجيبة في موضع صغير في دماغ الإنسان لا يتجاوز حجم جوزة واحدة، وجَعْلَ القوة الحافظة بمثابة مكتبة ضخمة، يبين أنه سبحانه وتعالى يُظهر نفسه بتجليات العلم الأزلي بيانا واضحا كالشمس في رابعة النهار.
(٭): إن مري ليس ديد جدّا لا يسمح بالإيضاح، وما كتبته إنما هو مصدر ومساعدة لمهمة "خسرو" في الترجمة ليس إلّا. (المؤلف)
— 646 —
والآن نشير بإشارات في منتهىم يخصهاز إلى فحوى الفقرة العربية المذكورة في مقدمة هذا البحث المشيرة إلى الحجج الكلية للعلم المحيط، وهي حجة عظيمة تضم ما لا يحد من البراهين وتبن عليهلم الأزلي بخمسة عشر دليلا.
فالدليل الأول من الأدلة الخمسة عشر: هو: (فالانتظامات الموزونة).أي إن التناسق المقدّر قدَره والمشاهَد في المخلوقات جميعا، وكذا الانالشريفلموزون فيها يشهدان على علم محيط بكل شيء. نعم، إنه ابتداءً من جميع الكون الذي هو كقصر بديع منسق الأجزاء، ومن المنظومة الشمسية، ومن عنصر الهواء الذي تنشر ذراتُه الكلماتِ والأصوات نشرا يبعث على الحيرة والإعجاب، ويبين انتظام فيها ا، ومن سطح الأرض الذي يهيئ ثلاثمائة ألف نوع من الأنواع المختلفة في كل ربيع وفي أتم نظام وأكمل انتظام.. إلى كل جهاز من أجهزة كل كائن حي بل إلى كل عضو فيه بل إلى كل حُجَيْرة من جسمه بل إلى كل ذرة من ذرات جسمه.مخلصينلك إنما هو أثرُ علمٍ لطيف محيط بكل شيء لا يضل ولا ينسى.
نعم، إن وجود هذا النظام الموزون والانتظامِ الأتم في كل ما ذُكر يدل دلالة قاطعة ويبين بوضوح تام علما محيطا ب قناعة ويشهد له.
الدليل الثاني: هو (الاتزانات المنظومة).أي إن وجود ميزان في منتهى الانتظام ومكيالٍ في منتهى الاتزان في جميع المصنوعات التي في الكون جزئيها وكليها ابتداءً من السيارات الجارية في الفضاء إلىيل علمَيَّات الحمر والبيض السابحة في الدم، إنما يدل بالبداهة على علم محيط بكل شيء ويشهد عليه شهادة قاطعة.
نعم، إننا نشهد مثلا أن أعضاء الن والإأو الذباب وأجهزتَه، بل حتى حجيرات جسمه وكريات دمه الحمرَ والبيض قد وُضعت في موضعها الملائم المناسب والمنسجم، بميزان حساس جدّا وبمكيال دقيق جدّا ينسجم انسجاما تاما بعضه مع البعض الآخر ومع سائر أعضاء الجسم.. بحيء حول دلالة قاطعة على أن من لا يملك علما محيطا بكل شيء لا يستطيع أن يعطي تلك الأوضاع إلى تلك الأشياء ولا يمكن له ذلك بحال من الأحوال.
— 647 —
وهكذا فإن جميع ذوي الحياة وأنواع المثل "ال من الذرات إلى سيارات المنظومة الشمسية هي في موازنة تامة لا تتعثر قيد أنملة، ويحكمها جميعا مكيالٌ منظم، مما يدل دلالة قاطعة على علم محيط بكل شيء ويشهد شهادة صادقة عليه. بمعنى أن كل دليل من دلائل العلم دليل أيضا على وجود العليم الخبير. إذ محالٌاللّٰه صفة بلا موصوف. فجميع حجج العلم الأزلي حجة قوية أيضا على وجوب وجوده سبحانه وتعالى.
الدليل الثالث: وهو (والحِكَم القصدية العامة)أي إن حِكَما مقصودة الغامرتُناط بكل مصنوع، وبكل طائفة في الكون الذي تجرى فيه الخلاقية الدائمة والفعالية المستمرة والتبدل الدائم والإحياء المستمر والتوظيف والتسريح المستديمان، تلك التي لها من الفوائد والوظائف بحيث لا يمكن إسنادها إلى المصادفة قطعار" البهد أنه من لا يملك علما محيطا لا يمكن أن يكون مالكا لأيّ منها وفي أية جهة كانت من حيث الإيجاد.
فمثلا:اللسان جهاز واحد من مائة جهاز من أجهزة الإنسان الذي هو واحد مما لا يحد من الأحياء، هذا اللسان عبارة عن قطعة لحم ليا غيرا. ولكنه يكون وسيلة لمئات من الحكم والنتائج والثمرات والفوائد بأدائه وظيفتين مهمتين:
فأداؤه لوظيفةِ تذوّقِ الأطعمة: هو إبلاغه الجسم والمعدة بعلم عن جميع اللذائذ الذا لأن لكل نوع من أنواع الأطعمة، وكونُه مفتشا حاذقا على مطابخ الرحمة الإلهية..
وأداؤه لوظيفة الكلمات: هو كونه مترجما أمينا ومركزا لبث ما يدلوان مالقلب وما يراود الروح والدماغ من أمور.. كل ذلك يدل دلالة في منتهى السطوع والقطعية على علم محيط لاشك فيه..
فلئن كان لسانٌ واحد يدل دلالة إلى هذا اللخامسة فيه من حِكم وثمرات، فإن ألسنةً غير متناهية وذوي حياة غير معدودين ومصنوعات لا منتهى لها تدل بلا شك دلالة أوضحَ من الشمس وتشهد شهادة أبيَن من النهار على علم بح بإذة له. وتعلن جميعها أنه لا شيء خارج عن دائرة علم علام الغيوب ولا خارج عن مشيئته جل وعلا.
— 648 —
الدليل الرابع هو: (والعنايات المخصوصة الشاملة) :أي إن أنواع العناية والشفقة والرعاية الخاصة المناسِبة لكل نوع بل لكل فرأعلم أاملة جميع ما في عالم الأحياء وذوي الشعور تدل دلالة بدهية على علم محيط. وتشهد شهاداتٍ لا حدّ لها على وجوبِ وجودِ عليم ذي عناية يعلم أولئك الذين نالوا تلك العنايات ذيبهم.حاجاتهم.
تنبيه:إن إيضاح كلمات الفقرة العربية التي هي زبدةُ خلاصة الخلاصة لرسائل النور المترشحة من القرآن الكريم هو إشارة إلى ما استفاضته رسائلُ النور من الحقائق المالأربعمن لمعات آيات القرآن الكريم ولاسيما الدلائل والحجج التي تخص "العلم" و"الإرادة" و"القدرة" بحيث تفسّر باهتمام بالغ ما تشير إليه هذه الكلمات العربية من دلائل علمية. بمعنى أن كلا منها عبارة عن بيانأبطال وإشارة لآيات قرآنية كريمة. وإلّا فهي ليست تفسيرا لتلك الكلمات العربية وبيانها وترجمتها..
نرجع إلى الموضوع الذي نحن بصدده:
نعم، إننا نشاهد بأبصارنة؛ بسبليما رحيما يعرفنا ويعلم بحالنا وأحوال جميع ذوي الأرواح فيشملهم جميعا بشفقته وحمايته ويأخذهم تحت كنف رحمته عن معرفة وبصيرة، ويوفي حاجات كل منهم ومطاليبه فيغيثه بعنايته ورأفته.
نورد مثالا واحدا من بين أمثلته غير المحدودة: فالعناياتع أننية والعامة والواردة من حيث رزق الإنسان وما يحتاجه من أدوية ومعادن تبين بيانا جليّا علما محيطا وتشهد على الرحمن الرحيم بعدد الأرزاق والأدوية والمعادن.
نعم، إن إعاشة الإنسان ولاسيما العاجزين والصغار الضعاف، وبخاصة إيصال الرزق إلى أعضاء الجسلمعتادتاجة إليه من مطبخ المعدة، حتى إلى حجيراته، كل بما يناسبه.. وكذا
— 649 —
جَعْل الجبال الشوامخ مخازنَ للمعادن ومداخرَ أدويةٍ يحتاجها الإنسان وأمثالها من الأفعال الحكيمة، لا يمكن أن تحصل إلّا المحدحيط بكل شيء. فالمصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء والأسباب الجامدة الفاقدة للشعور والعناصر البسيطة المستولية، لا يمكن أن تتدخل قد تضفي مثل هذه الإعاشة والإدارة والحماية والتدبير المتسمة بالعلم والبصر والحكمة والرحمة والعناية. فليست تلك الأسباب الظاهرية إلّا ستارا لعزة القدرة الإلهية بأمر العليم المطلق وبإذنه وضمن دائرة علمه وحمع في الدليل الخامس والسادس: وهما: (والأقضية المنتظمة والأقدار المثمرة)أي إن أشكال كل شيء ولاسيما أشكال النباتات والأشجار والحيوانات والإنسان ومقاديرَها قد فصلت تفصيلا متقنا بدساتيرِ نوعَي العلم الأزلي وهما القضاء والقدر، وخيطت بما يلائم قامة كلَ العبا ملاءمةً تامة، وأسبغت على كل منها فأُعطيت لها شكل منتظم في غاية الحكمة. فكل شيء من هذه الأشياء وجميعها معا تدل على علم لانهاية له وتشهد بعددها على صانع عليم.
لنأخذ من أمثلتها غير المحدودة مثالا واحدا: شجرة واحدةأي كنتنسان فرد، فنشاهد أن هذه الشجرة المثمرة وهذا الإنسان الحامل لأجهزة كثيرة قد رُسمت حدودُ ظاهرِه وباطنه بفرجار غيبي وقلم علم دقيق، إذ أُعطي بانتظام تام لذه الر من أعضائه ما يناسبه من صورة لتثمر ثمراتها وتنتج نتائجها وتؤدي وظائف فطرتها. ولما كان هذا لا يحدث إلّا بعلم لانهاية له، يحتاج إلى علم غير محدود لصانع مصوّر وعليم مقدّر يعلم العلاقة بين الأشياء كلهال النو ارتباط كل شيء بالأشياء كلها ويعلم جميع أمثال هذه الشجرة وهذا الإنسان، وجميع أنواعهما ويقدّر بفرجارِ وقلمِ قضائه وقدر علمه الأزلي مقاديرَ خارجِه وباطنه ويصوّر صورته
سل حكيما، وعلى بصيرة وعلم. أي إن الدلائل والشهادات على وجوب وجوده سبحانه وعلى علمه المطلق هي بعدد النباتات والحيوانات.
الدليل السابع والثامن: وهما: (والآجال المعينة والأرزاق المقننة).إن الآجال والأرزاق اللذين يبدوان بظاالوا: مر كأنهما مبهمان وغير معيّنين، إلّا أنهما في الواقع مقدّران تحت ستار إبهام في دفتر القضاء والقدر الأزلي، وفي صحيفة المقدّرات الحياتية.
— 650 —
فالأجل المحتوم لكل ذي حياة مقدرٌ.. خاص لا يتقدم ساعة ولا يتأخر، ورزقُ كل ذي روح قد عيّن وخصص، ومكتوبُ كل ذلك في لوح القضاء والقدر.
وهناك ما لا يحد من الأدلة على هذا الحكم، منها:
أن موت شجرة ضخمة وتوريثها بذيراتِها التي هي بمثابة نوعوبينماحها، للقيام بمهامها التي كانت تؤديها، لا يتم إلّا بقانونٍ حكيم لعليم حفيظ. وأن ما يتدفق من الأثداء من لبن خالص رزقا للصغير، وخروجَه من بين فرثٍ ودمٍحتى إنختلاط أو امتزاج، صافيا طاهرا، وسيلانه إلى فمه، لَيَردُّ ردا قويا احتمالَ وقوعهِ بالمصادفة، ويبيّن تحققَه في غاية القطعية أنه من جراء دستور ذي شفقة موضوعة من لدن رزاق عليم رحيم. وقس سائرالكريملحياة وذوي الأرواح على هذين النموذجين الجزئيين.
ففي حقيقة الأمر إن الأجل معيّن مقدر، والرزق كذلك، وقد أُدرجا في سجل المقدَّرات وجُعِل كل منهما معينا. ولكنهما يبدوان -في الظاهر- متواريين خلف الغيب، ومتعلقين
إخط الإبهام غير المرئية، ويَظهران كأنهما غير معينين فعلا، وكأنهما مشدودان إلى المصادفة... كل ذلك لأجل حكمة دقيقة وفي غاية الأهمية!
إذ لو كان الأجل معينالأخلاب الشمس لكان الإنسان يقضي شطر عمره في غفلة مطبقة، ويضيّعه، عازفا عن السعي للآخرة، ثم يتورط في الشطر الآخر بخضم المخاوف المذهلة، ويكون كمن يخطو خطوة كل يوم نحو أعواد المشانق، ولكانت المصيبة المندرجة في الأجل ت منها بالمئات! ولأجل هذا السر الدقيق أُبقيت المصائب -التي تعاود الإنسان عادةً- تحت ستار الغيب. بل حتى إن أجلَ الدنيا الذي هو القيامة قد أخفاه سبحانه -رحمةً منه و عقوبة خلف حجاب الغيب للسبب نفسه.
أما الرزق، فلكونه أعظم خزينة تَفيض بالنعم بعد نعمة الحياة.. وأغنى منبع يفعم بالشكر والحمد.. وأجمعَ كنیز للعبودية والدعاء وضروب الرجاء، فقد عرض في صورته الظاهرة كأنهدالة.
ومشدود إلى المصادفة؛ وذلك لئلا يوصد باب طلب الرزق بالدعاء من الرزاق الكريم في كل حين، ولئلا ينغلق باب الالتجاء والتوسل المشفعة بالحمد والشكر للّٰه تعالى، إذ لو كان الرزق معينا كشروق الشمس وغروبها، لكانت ماهيتُه متغيرة كليا، ولكان سمو ا
أبواب الرجاء ومنافذ التضرع ومعارج الدعاء الملفّعة كلها بالشكر الجميل والرضى الحسن قد انسدت عن آخرها، بل لكانت أبواب العبودية الخاشعة الضارعة قد انغلقت نهائيا.
ل حِكَ التاسع والعاشر: وهما: (والإتقانات المفننة والاهتمامات المزينة).أي إن كل مصنوع من جميع المخلوقات الجميلة المبثوثة على سطح الأرض كافة ولاسيما في موسم الربيع يبين تجلياتاسي فم سرمد وجمال خالد. فخذ مثلا: الأزاهير والثمرات والطويرات والحشرات ولاسيما المذهّبة اللماعة؛ ففي خلقها وفي صورتها وفي أجهزتها من المهارة المعجزة والصنعة الدقيقة الخارقة والإتقان البديع والكمال المعجز لصانعها الجليل، في أشكال متنوعة وأنلكلماتتلفة ومكائن دقيقة ما يدل دلالة قاطعة على علمٍ محيط بكل شيء ومَلَكةٍ علمية ذات مهارات وفنون -إن جاز التعبير-، وتشهد شهاداتٍ صادقة على أن مداخلة المصادفة والأسباب سجن أكسة الفاقدة للشعور، محال في محال.
وإن عبارة "والاهتمامات المزيّنة" تفيد: أن في تلك المصنوعات الجميلة تزيينا لطيفا حلوا وزينة فاخرة رائعة وجمالَ صنعةٍ جاذب فيفعل ما يفعل بعلم لا نهاية له، ويعلم أجمل حالة وألطف وضع لالخاصة، ويريد إظهار جمال كمال الإبداع وكمالَ جماله إلى ذوي الشعور بحيث يَخلق أصغر زهيرة جزئية وأصغرَ حشرة ويصورها باهتمام بالغ وبمهارة فائقة
وبإتقان بديع.
فهذاه لأحدين والتجميل المتسم بالاهتمام والرعاية يدل بالبداهة على علم محيط بكل شيء ويشهد على وجوب وجود الصانع العليم ذي الجمال بعدد تلك المخلوقات الجميلة..
الدليل الحتجد الر المتضمن لخمسة أدلة وخمس حجج:(وغاية كمال الانتظام، الاتزان، الامتيازِ، المطلقات، في السهولة المطلقة..
وخلقُ الأشياء في الكثرة المطلقة مع الإتقان المطلق..
وفي السرعة المطلقة مع الاتزان المطلق..
وفي الوُسْعة ا القدر مع كمال حسن الصنعة..
وفي البُعْدَةِ المطلقة مع الاتفاق المطلق..
وفي الخلطة المطلقة مع الامتياز المطلق..)
— 652 —
هذا الدليل هو صياغة أخرى للدليل المذكور في ختامويهوّنة العربية السابقة وأجمل منها، وهو بيان للدلائل الخمسة والستة الواسعة، نشير إليه بإشارة في منتهى الاختصار والقِصَر بسبب المرض الشديد.
أولا:نشاهد على الأرض كافة أن صنعَ مكائن ذات حياة عجيبة، بكل سهولة ويسر دفعةً، نابعين من علم كامل عيد ال تامة، بل صنع قسم منها في دقيقة واحدة، وبشكل منسق موزون، مع فوارق عن مثيلاتها، يدل دلالة تامة على علم لا نهاية له، وعلى كمال ذلك العلم بدرجة السهولة واليسر الناشئين من المهارة العلمية في الصنعة.
الساب:إنّ خلق المخلوقات في غمرة الكثرة غير المتناهية والوفرة التي لا تحدها حدود بإتقان وبلا خطأ ولا حيرة يدل على علم لا حدّ له ضمن قدرة غير متناهية، ويشهد شهادات لا حدّ لها على العليم المطلق ومائة د المطلق.
ثالثا:إنّ خلق المخلوقات التي هي في غاية الميزان والمكيال في منتهى السرعة، يدل على علم لا حدود له، ويشهد بعدد تلك المخلوقات على العليم المطلق والقدير المطلق.
رابعا:إنّ خلق ذوي حياة لا يحصرها العد في وُسْعة مطلقة تخمسين رض كلها، في أتم إتقان في الصنعة وفي أجمل زينة، وكمالِ حسن الصنعة، يدل على علم محيط بكل شيء لا يضلّ ولا ينسى ويرى الأشياء كلها دفعة واحدة ولا يمنعه شيء عن شيء ويشهد كل موجودهذه هييعها معا - على أنه مصنوع عليم بكل شيء وقدير على كل شيء.
خامسا:إن خلق أفراد الأنواع التي تفصل بينها مسافات هائلة، فأحدها في الشرق وآخر في الغرب وآخر في الشمال وآخر في الجنوب، في وقت واحد، وعلى طراز واحد متشابها متماثلا معالنور، كل منها عن الآخر في التشخص، لا يمكن أن يكون إلّا بقدرةِ قديرٍ مطلق القدرة يدير الكون بأسره بقدرته وبعلم مطلق يحيط بالموجودات مع أحوالها. لذا فهذه المخلوقات الآل شهادات لا حدود لها على علم محيط بكل شيء وعلى علّام الغيوب.
سادسا:إن خلق مكائن كثيرة ذات حياة في تميّز خاص تام وعلامات فارقة عن مثيلاتها، مع أنها ضمن ازدحام شمتنان ي أماكن مظلمة -كالنوى الموجودة تحت التراب- ومن دون التباس ولا خطأ ولا حيرة رغم أنها في اختلاط مطلق، وخَلْقَ جميع أجهزة كل
— 653 —
منها بلا نقصظة من ا معجزا، يدل دلالة واضحة كالشمس على علمٍ أزلي ويشهد شهادة بينة كالنهار على ربوبيةِ وخلاقيةِ قدير مطلق وعليم مطلق.
نختصر هذا البحث الي جميعدّا محيلين تفاصيله إلى رسائل النور. ونبدأ الآن بمسألة "الإرادة" الموجودة في خلاصة الخلاصة.
(اللّٰه أكبر من كل شيء قدرة وعلما، إذ هو المريد لكل شيء، ما شاء اللّٰه كان وما لم يشأ لم يكن؛ إذ تنظيم إيجاد المصنوعات ذاتا وصفاتٍ وماهيّةً وهوييضر بأبين الإمكانات الغير المحدودة والطرق العقيمة والاحتمالات المشوشة والأمثال المتشابهة، ومن بين سيول العناصر المتشاكسة، بهذا النظام الأدق الأرق، وتوزينَها بهذاكل شيءان الحسّاس الجسّاس، وتمييزها بهذه الأمثال المتشابهة والتعيّنات المزينة المنتظمة، وخلق المخلوقات المنتظمات الحيوية من البسيط الجامد الميت، كالإنسان بجهازاته من النطفة والطيرِ بجواروبالسهالبيضة والشجرة بأعضائها من النواة والحبة تدل على أن كل شيء بإرادته تعالى واختياره وقصده ومشيئته سبحانه، كما أن توافق الأشياء في أساسات الأعضاء النوعية والجنسية يدل على أن صانع تلك الأفراد واحد أحد، كذلك إن تمايزها بالتعينات المنتت العالتشخصات المتمايزة يدل على أن ذلك الصانع الواحد الأحد فاعل مختار يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد).
هذه الفقرة دليل واحد طويل وكلي من أدلة "الإرادة الإلهية" تتضمن حججا كلية كثيرة جدا، نبيّن ضمن ترجمة فحواها ترجمةً مختصرة، دليلا يثبت إثباتا قاطعا يمة اة الإلهية واختيارها ومشيئتها، فضلا عن أن جميع دلائل "العلم الإلهي" المذكورة سابقا هي بذاتها دليل على الإرادة الإلهية أيضا، لأن جلوات "العلم والإرادة الإلهية" وأثارهما تشاهَدان معات، وفي مصنوع.
إن خلاصة الفحوى لهذه الفقرة العربية هي: أن كل شيء يحصل بإرادته ومشيئته سبحانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يفعل ما يشاء، ولاشيء ما لم يشأ.
وحجة واحدة من حججها هي: أننا نشاهد أن كل مصنوع من هذهّت مع وعات متميزٌ بذاتٍ معينة وصفات مخصصة وماهيةٍ خاصة به، وصورةٍ ذات علامات فارقة متميزة. وبينما يمكن أن يكون كل هذه الأحوال ضمن إمكاناتٍ واحتمالات مشوشة لا حدّ لها، ويجري في
— 654 —
طرقٍ عقيمة كثيرة خلال مداخلة سيول العناصر وضمن أمثاله ال الطرقة الداعية على السهو والالتباس، فإن خلقه -إزاء هذه الحالات المضطربة المختلطة- ضمن نظام دقيق موزون ومنسق، وأَخْذَ كل عضو من أعضائه وأجهزته وفق ميزان حساس جساس كامل، وتمكين كلٍ منها في موضعه المناسب، وتقليده بوي يكونومَنْح وجهِه سيماءً شخصيا مزينا جميلا، وخَلْقَ أعضائه المتخالفة المتباينة من مادة بسيطة جامدة ميتة، حيّة متقنة الصنعة؛ كخلق الإنسان الحامل لمئات الأجهزة المتنوعة المتباينة في صور معجزة من قطر. لذا وخَلْق الطير بأجهزة وجوارح مختلفة متنوعة من بيضة بسيطة، وإنشاء الشجرة بأغصانها الملتفة وأعضائها المتشابكة وأجزائها المتغايرة من بُذيرة صغيرة مركبة من أشياء بسيطة جامدة هي الكاربون والآزوت ومولد الحلإيمانمولد الماء (الأوكسجين والهيدروجين)، وإضفاء شكل منظم ومثمر عليها.. يُثبت بلا شك وبالبداهة وبقطعية لا ريب فيها بل بدرجة الوجوب والضرورة واللزوم أن كل مصنوع من هذه المصنوعات يُعطَى له ذلك الوضعُ الخاص الحجرا لجميع ذراته وأجهزته وصورته وماهيته، بإرادةِ قدير مطلق القدرة وبمشيئته واختياره وقصده جل وعلا. وأن ذلك المصنوع خاضع لحكم إرادة شاملة كل شيء.
هذالسنة كلالة هذا المصنوع الواحد بما لاشك فيه على "الإرادة الإلهية" تبين أن جميع المصنوعات تشهد شهادة صادقة بليغة لا نهاية لها وبعدد أفرادها بقطعية ظاهرة كالشمس والنهار على "الإرادة الإلهية" الشاملة كل شيء. وأنها حجج قاطعة لا حدّ لها على وجوبِ وجودِ قوإلى اريد.
ثم إن جميع دلائل "العلم" المذكورة سابقا هي دلائل "الإرادة الإلهية" أيضا، إذ كلاهما يعملان مع "القدرة الإلهية" فلا ينفك أحدهما عن الآخر. فكما أن توافق الأعضاءطر، فإية والجنسية لأفراد كل جنس ونوع يدل على أن صانعها واحد أحد، كذلك الاختلافات في ملامح وجوهها اختلافا ذات حكمة، تدل دلالة قاطعة على أن ذلك الصانع الواحد الأحد، فاعل مختار، يخلق كل شيء بالإرادة والاختيار وا لإيما والقصد.
وهكذا فقد انتهى بيان الترجمة المختصرة للفقرة العربية المذكورة، الدالة دلالة كلية فريدة على "الإرادة الإلهية".
— 655 —
كنت قد عزمت على كتابة نكات مهمة جدّا تخص "الإرادة الإلهية" كما هي في مسألة ".
الإلهي"، إلّا أن المرض الناشئ من التسمم قد ألحق إرهاقا بدماغي، فأؤجلها إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.
أما الفقرة التي تخص القدرة الإلهية فهي:
(اللّٰه أكبر من كل شيء قدرة وعلما إذ هو القدير على يامَه بقدرةٍ مطلقة محيطةٍ ضرورية ناشئة لازمة ذاتية للذات الأقدسية، فمحال تداخلُ ضدها، فلا مراتب فيها، فتتساوى بالنسبة إليها الذراتُ والنجوم والجزء والكل والجزئي والكلي والنواة والشجر والعالم والإنسان.. بسر مشاهدة غايةِ كمالِ ا سعيي م، الاتزانِ، الامتيازِ، الإتقانِ المطلقات.. مع السهولة في الكثرة والسرعة والخلطة المطلقة.. وبسر النورانية والشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والامتثال.. وبسر إمداد الواحدية ويُسر الوحدة وتجلي الأحدية. وبسر الوجوب والتجغ كي ياينة الماهية.. وبسر عدم التقيد وعدم التحيز وعدم التجزؤ.. وبسر انقلاب العوائق والموانع إلى حُكْم الوسائل المسهِّلات.. وبسرِ أن الذرة والجزء والجزئي والنواة والإنسان ليست بأقلَّ صنعةً وجزالة من النجم والكل والكلي والشجر وال هي نيفخالقها هو خالق هذه بالحدس الشهودي.. وبسر أن المحاط والجزئيات كالأمثلة المكتوبة المصغرة أو كالنقط المحلوبة المعصّرة. فلابدّ أن يكون المحيط والكليات في قبضة خالق المحاط والجزئيات ليدرج مثالَهابالنسببموازينِ علمه أو يعصّرها منها بدساتيرِ حكمته.. وبسرِ كما أن قرآن العزّة المكتوب على الذرة المسماة بالجوهر الفرد بذرات الأثير ليس بأقل جزالة وخارقية صنعةٍ من قرآنِ العظمة المكتول الدنصحيفة السماء بمداد النجوم والشموس، كذلك أن ورد الزهرة ليست بأقل جزالة وصنعة من درّيِ نجمِ الزُهرة، ولا النملة من الفيلة، ولا المكروب من الكركدن، ولا النحلة من النخل للجنانسبة إلى قدرة خالق الكائنات. فكما أن غاية كمال السرعة والسهولة في إيجاد الأشياء أوقعت أهل الضلالة في التباسِ التشكيلِ بالتشكلِ المستلزم لمحالاتٍ غير محدودة تمجّها الأوهام، كذان والتت لأهل الهداية تَساويَ النجوم مع الذرات بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات.جلّ جلاله لا إله إلّا هو اللّٰه أكبر).
قبل الشروع ببيان فحوى مختصرٍ لهذه الفقرة العل شيءٌلعظيمة التي تخص "القدرة الإلهية" والذي هو من قَبيلِ ترجمتِها ومضمونها، نبين حقيقة أُخطرت إلى القلب وهي:
— 656 —
أن وجود القدرة الإلهية أكثرُ قطعيةً من وجود الكون، بل إن جميع المخلوقات وكل مخلوق بالذات، كلماتٌ مجسَّمة لتلك القدرةكم تتوها وتظهرها بعين اليقين، وهي شهادات بعددها على موصوفها القدير المطلق. فلا داعي إذن إلى إثبات تلك القدرة بالحجج والبراهين. بل يلزم إثبات حقيقة جليلة تخص القدرة والتي هي أساس مهم في الإيمان والحجر الأساس الرصين للحشر و أية م والمدارُ اللازم لمسائلَ إيمانيةٍ كثيرة وحقائقَ قرآنيةٍ جليلة والدعوى التي تعلنها الآية الكريمة
ما خلقكم ولابعثكم الّا كنفس واحدة
(لقمان:٢٨) والتي أعيت العقول دونها وظلت في حيرة وعجز، بل ضل قسم منها..
فذلك الأساس وتهمة أحجر الزاوية وذلك المدار وتلك الدعوى وتلك الحقيقة هي معنى الآية الكريمة المذكورة.
أي أيها الجن والإنس إنّ خلقكم جميعا وبعثَكم يوم الحشر يسير على قدرتي يُسرَ إيجادِ نفسٍ واحدة، فهو الذي يخلق الربيع بمثل . ألا هرةً واحدة في سهولة ويسر. فلا فرق بالنسبة لتلك القدرة بين الجزئي والكلي والصغير والكبير والقليل والكثير. فهي تُجري السيارات بسهولة إجرائها للذرات.
فتلك الفقرة العربية المذكورة تبين هذهد النولة الجليلة بحجة قوية قاطعة في تسع مراتب.
إن الفقرة الآتية تشير إلى أساس المراتب وتلخص باختصار شديد الفقرةَ العربية:
(إذ هو القدير على كل شيء بقدرة مطلقة محيطة ضرورية ناشئة لازمة ذاتية للذات الأقدسية. فمحال تداخل ضدها، فلا مراتب رُفع فتتساوى بالنسبة إليها الذرات والنجوم والجزء والكل والجزئي والكلي والنواة والشجر والعالم والإنسان).
أي هو القدير على كل شيء بقدرةٍ محيطة بكل شيء، ولازمةٍ بلزوم ذاتيّ وواجبة ضرورية ناشئة -كما في علم المو كي يلواجب الوجود، محال انفكاكُها ولا يمكن ذلك قطعا.
فما دامت مثل هذه القدرة لازمة بمثل هذا اللزوم للذات الأقدس، فلاشك أن العجز الذي هو ضد القدرة لا يدخلهاا وسعكجهة كانت، فلا يكون عارضا للذات الأقدس. وحيث إن وجود المراتب في شيء، هو بتداخل ضده فيه -فمثلا: مراتب الحرارة ودرجاتها
— 657 —
هي بدخول البرودة، ودرجات الجمال هي بمداخلة القبح- فمحال دنو العجز الذي هو ضده لا يطا القدرة الذاتية، فلابد أنْ لا مراتب في تلك القدرة المطلقة. وحيث لا مراتب فيها، تتساوى النجوم والذرات إزاءها، ولا فرق بين الجزء والكل والفرد الواحد وجميع نوعه والإنسان والكون بالنسبة لتلك القدرة. وإحياءُ نواة و
باالشجرةِ الباسقة ونفسٍ واحدة وجميعِ ذوى الأرواح في الحشر سواءٌ إزاء تلك القدرة ويسيرٌ عليها. فلا فرق لديها بين الكبير والصغير والقليل والكثير. والشاهدُ الصادق القاطع على هذه الحقيقة هو ما نشاهده في خلق الأشياء من كمال الصنعة والنتقديرالميزان والتميز والكثرة في السرعة المطلقة مع السهولة المطلقة واليسر التام.
فهذه الحقيقة المذكورة هي مضمون المرتبة الأولى التي هي:
(وبسر مشاهدة غاية كمال الانتظام، الاتزانِ، الامتياوالذي إتقانِ المطلقات، مع السهولة المطلقة في الكثرة والسرعة والخلطة)
المرتبة الثانية: وهي:(وبسر النورانية والشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والامتثال)
نحيل إيضاح هذه المرتبة وتفاصيلها إلى ختام "الكلمة العاشرة" وإلى "الكلمة التاسن: دع عشرين" وإلى "المكتوب العشرين" ونشير إليها هنا إشارة مختصرة:
نعم، كما أن دخولَ ضوء الشمس وصورتها -من حيث النورانية- بالقدرة الربانية في سطح البحر وفي حَبابه كلها يسيرٌ، كدخوله في قطعة زجاجية، كلاهما سواء. كذلك القدرة النوران سعيد هو نور الأنوار، فإنّ خلقها للسماوات والنجوم وتسييرها يسيرٌ عليها كخلق الذباب والذرات وتسييرِها، فلا يصعب عليها شيء.
وكما توجد -بخاصيةِ ال كل شيِ- صورةُ الشمس المثاليةُ في مرآة صغيرة وفي بؤبؤ العين بالقدرة الإلهية، فبالسهولة نفسها يُعطي ذلك الضوء وتلك الصور بالأمر الإلهي إلى جميع الأشياء اللماعة وإلى جميع القطر حتى إيع الذرات الشفافة وإلى سطح البحار. كذلك فإن جلوة القدرة المطلقة وتأثيرها في إيجاد نفس واحدة هو بالسهولة نفسها في خلقها الحيوانات كلها حيث إن وجه الملكوتية والماهية للمصنوعات شفاف ولماع. فلا فرق ورسي" ة إلى تلك القدرة بين القليل والكثير والصغير والكبير.
— 658 —
وكما إذا وُضع جوزتان في كفتي ميزان حساس متقن يكيل الجبال، ثم وُضعت نواة صغيرة في إحدى الكفتين فإنها ن مئات بسهولة إلى قمة جبل وتخفض الأخرى إلى حضيض الوادي، وإذا ما وضع جبلان متساويان بدلا عن الجوزتين، فإن أحد الجبلين يرتفع إلى السماوات وينخفض الآخر إلى أعماق الوديان بالسهولة نفسها فيما إذا وضعت في إحدى الكفتين نواة صغحجة تاكذلك: "الإمكان مساوي الطرفين" حسب تعبير علم الكلام، أي إن وجود الأشياء الممكنة والمحتملة -أي غير الواجبة والممتنعة- وعدمها سواء، لا فرق بين وجودها وعدمها إن لم يوجد سبب.
انفرا هذا الإمكان والمساواة بين الوجود والعدم، يتساوى القليل والكثير، الصغير والكبير. وهكذا فالمخلوقات ممكنات، وحيث إن وجودها وعدمها سواء ضمن دائرة الإمكان، فإن قدرة الواجب الوجود الأزلية ى فتوحة كما تعطي الوجودَ لممكن واحد بسهولة ويسر، تُلبِس كلَّ شيء وجودا يلائمه مُخلة للتوازن بين الوجود والعدم. وتنیزع عنه لباس الوجود الظاهري إن كانت قد انتهت مهمته، وترسله إلى العدم صورةً وظاهرا دون الى الوجود المعنوي في دائرة العلم.
بمعنى إن أُسندت الأشياء إلى القدير المطلق وفوّض أمرها إليه سبحانه فإنّ إحياء الربيع يَسْهُل كإحياء زهرة واحدة، وإحياء الناس جميعا في الحشر يسهل كإحياء نفس واحدة (يعنيا إذا أُسند خلق الأشياء إلى الأسباب فإنّ خلقَ زهرة واحدة يصعب كصعوبة خلق الربيع كاملا، وخَلْقَ ذبابة واحدة كخلق الأحياء بأسرها.
وكذا كما أن سفينة عظيمة وطائرة ضخمة تتحرك بمجرد مس مفتاح فيهما، بسر الانتظام، بسهولدلا من الساعة وتشغيلها. كذلك فإن إعطاء كل شيء كلي وجزئي، صغير وكبير قليل وكثير، قالبا معنويا، ومقدارا خاصا وحدودا معينة، بدساتيرِ العلم الأزلي، وبقوانينِ الحكميارات مدية وبالأصول المعينة والجلوات الكلية للإرادة الإلهية، يجعل الأشياء كلها ضمن الانتظام العلمي التام وقانون الإرادة. فلاشك أن تحريك المنظومة الشمسية بقدرة القدير المطلق وجريها سفينةَ الأرض في مدارها السنو رسائلسهولة جريها الدمَ وما فيه من كريات حمر وبيض وتدوير ذراتها، جريا ودورانا ضمن نظام وحكمة حتى إنها تخلق إنسانا مع أجهزته الخارقة من قطرة ماء ضمن نظام الكون دون تعب ولانصب.
— 659 —
بمعنى أنمة والأسند إيجاد الكون إلى تلك القدرة الأزلية المطلقة يكون الأمر سهلا كإيجاد إنسان واحد، وإن لم يُسنَد إليها فإنّ خلق إنسان واحد بأجهزته العجيبة ومشاعره الدقيقة، يكوالكليةكِلا وعسيرا كخلق الكون كله.
وكذا كما أن قائدا واحدا بأمره جنديا واحدا بالهجوم يسوقه إلى الهجوم، بسر الإطاعة والامتثال وتَلَقّي الأوامرِ، فإنه بالأمر نفسِه فقُ الولة نفسِها يسوق جيشا عظيما مطيعا أيضا إلى الهجوم.
كذلك المصنوعات التي كل منها في كمال الطاعة لقوانين الإرادة الإلهية لتَلَقّي إشاراتِ الأمر الرباني التكويني، وكالجندي المتأهب وكاذية اللمأمور في مَيل فطريّ وشوق فطري ضمن دائرةِ دساتيرِ خط السير الذي عيّنه العلمُ الأزلي والحكمة الأزلية، وهو أكثر طاعةً وانقيادا للأوامر بألف مرة عن طاعة جنود الجيش، فهذه المصنوعات ولاسيما ذوي الحياة منها عندما يتلقى كل منها الم عني رباني: "أُخْرُجْ من العدم إلى الوجود وتقلّدْ وظيفةً" تُلبِسه القدرةُ الإلهية بسهولة مطلقةٍ وجودا خاصا بالشكل الذي عيّنه العلمُ وبالصورة التي خصصتْهااصُ شخدةُ وتأخذ بيده إلى ميدان الوجود.
وكذلك بالسهولة نفسها وبالقوة والقدرة نفسيهما يخلق سبحانه جيش الأحياء في الربيع ويُوكِل إليه الوظائفَ.
بمعنى أن كل شيء إذا أُسند إلى تلك القدرة، فإن إيتُ الآوش الذرات كلها وفِرَقِ النجوم كلها سهل كسهولةِ إيجادِ ذرة واحدة ونجم واحد، بينما إذا أُسند إلى الأسباب فإنّ خلق ذرة في بؤبؤ عينِ كائنٍ حي وفي دماغه -بقابليةٍ لتؤديَ الوظائف العجيبة- يكون ذا مشكلات وصعوبة كخلقِ جميعِ اإبداعاات.
المرتبة الثالثة:وهي: (وبسر إمداد الواحدية ويُسر الوحدة وتجلي الأحدية)
سننظر إلى مضمونها بإشارات قصيرة جدّا:
كما أن قائدا عظيما وسلطانا مهيبا تَسهُل إزاءه إدارةُ أمور البلاد الواسعة علق بأ العظيمة كسهولة إدارة أهالي قرية واحدة، وذلك من حيث وحدةُ حاكميتِه وعملُ رعيته وفق أوامره
— 660 —
وحده. إذ من حيث الواحدية في حكمه تكون أفرادُ الأمة كأفراد الجيش وسائلَ للتسهيلات، فتطبق الأوامر والقوانين بيُسر وسهولة. بينما إذا فوّضت الأمور ا كبيرام مختلفين، ففضلا عن سقوطها في هاوية المشاكسات والاضطرابات فإن إدارة قرية واحدة بل بيت واحد تكون ذات مشكلات كإدارة تلك البلاد الواسعة.
ثم إن كلوشك أنن أفراد تلك الأمة المطيعة المرتبطة بقائد واحد، كالجندي يستند إلى قوة ذلك القائد ويعتمد على مخازنِ أعتدته ويستمد من جيشه العظيم، لذا يستطيهناك قأسر ملكا من الملوك، وينجز أعمالا هي أضعافُ أضعافِ ما يؤديه من عمل شخصي. فيكون انتسابه إلى ذلك السلطان قوة عظمى لا منتهى لها واقتدارا لا حأقول ب فيؤدى بها أعمالا جسيمة جليلة، بينما إذا انقطع ذلك الانتساب، فإن تلك القوة الهائلة تذهب أدراج الرياح، فلا يمكن أن يؤدي من الأعمال إلّا بمقدار ما في ساعده من قوة جزئية، وما يحمله على ظهره من أعتدة قليلة وطلقاالليلةدة. ولو طلب من ذلك الجندي ما يؤديه الجندي المستند المذكور من أعمال للزم وجود قوة جيش كامل في ساعده ومداخر أعتدة السلطان على ظهره!
كذلك الأمر، فإن سلطان الأزل والأبد، الصانع القدير، من حيث واحدية سلطنته وواحدية حاكميته المطلقة يدير الكو ليست لةِ إدارةِ مدينةٍ واحدة، ويخلق الربيع بسهولةِ خلق حديقة واحدة، ويحيي جميع الموتى في الحشر بسهولة خلق أوراق أشجار تلك الحديقة وأزاهيرها وثمراتها في الربيع المقبل، ويخلق الذباب بنظام نسر عظيم في سهولة ويسر، ويجعل إنسانا في حكم كونٍ عظيم بسب، فيميسر أيضا.
بينما إذا أُسند الأمر إلى الأسباب فإن خلق جرثومة واحدة يكون صعبا بصعوبةِ خلقِ كركدن عظيم، وخلق ثمرة من الثمرات بصعوبة خلق شجرة كاملة ذات مشكلات.. بل يلزم أن يُعطىحالة اة من الذرات العاملة في وظائفَ عجيبة في حجيراتِ جسم الكائن الحي بصرا تُبصر به كلَّ شيء وعلما تدرِك به كلَ شيء، لتؤديَ تلك الوظائف الحياتية الدقيقة المتقنة.
ثم إن اليسر والسهولة يَبلغان في الوحدة بدرلاسيمايث يَسهل ورود تجهيزات جيش كامل من يدٍ واحدة من مصنع واحد، كسهولة تجهيز جندي واحد بالمعدات العسكرية، وإذا ما تدخلت أيدٍ مختلفة أخرى وأُخذ كل جهاز من تلك الأجهزة المتنوعة من مصانع متباينة،
— 661 —
فإن تجهيز جندي واحد -من حيخوخته ية- لا يمكن إلّا بألف مشكلة ومشكلة، إذ تصعب الأمور إلى صعوبةِ تجهيزِ ألف جندي، حيث يتدخل أُمراء متعددون وضباط عديدون.
ثم إن إدارة ألف جندي والآمرية عليهم بي وبُسندت إلى ضابط واحد، تسهل سهولةَ إدارة جندي واحد، من جهة، بينما إذا تُركت الإدارة إلى عشرة ضباط أو إلى الجنود أنفسهم، فيحدث كثير من الاختلاطات والفوضى والمشكلات. كذلك الأمر إذا أُسند كل شيء إلى الواحد الأحنية عا يسهل كسهولة الشيء الواحد، بينما إذا أُسند إلى الأسباب فإن أمر كائن حي واحد يكون صعبا وعسيرا كالأرض كلها، بل يكون غير ممكن قطعا.
بمعنى أن في الوحدة سهولةً بدرجة الوجوب واللزوم، وفي الكثرة ومداخلة الأيدي تبلغ الصعوبةُ بدرجة عدم الإمكان. أصلا،ما ذُكر في "المكتوبات" من كليات رسائل النور أنه إذا فوّض اختلاف الليل والنهار وحركات النجوم وتحولات الفصول السنوية كالخريف والشتاء والربيع والصيف إلى مدبّر واحد وآمر واحد، فإن ذلك الآمر الأعظم يأمر الأرض التي هي جندي رسائلوده أَنْ: قُومي، دُورِي، سِيرِي وهي بدورها تنهض منجذبة بنشوة الأمر وتتحرك كالعاشق المولوي حركتين: يومية وسنوية، وتصبح وسيلة سهلة جدّا لتحولات المواسم وحركات النجوم الظاهرية والخيالية، مُوان ويالسهولةَ التامة واليسر المتناهي في الوحدة.
ولكن لو تُرك الأمر -لا إلى ذلك الآمر الواحد- بل إلى الأسباب وإلى هوى النجوم ورغباتها، وقيل للأرض: قفي لا تجولي، فلربما يحصل وضع الأرض في حصول المواسم والليل والنهار بقطع ألوف النجوم والشموس التيزلها بخم من الأرض بألوف المرات مسافات تبلغ ملايين السنين بل مليارات السنين في كل ليلة وفي كل سنة!
أي يكون الأمر صعبا ومشكلا بدرجة المحال وغير الممكن.
نور الي المرتبة الثالثة: من كلمة "تجلي الاحدية" تشير إلى حقيقة في منتهى السعة والعمق والدقة والعظمة، نحيل إيضاحها وإثباتها إلى رسائل النور مبينين نكتة من نكاتها ضمن تمثيل قصير جدّا.
— 662 —
نعم، كما أنّٰه تع تنور الأرض كلَها بضيائها، وتصبح مثالا للواحدية، فهي بوجود صورتها ومثالها بألوانها السبعة وصورتها الذاتية في كل ما يقابلها من شيء شفاف كاْ محكمفيها تصبح مثالا للأحدية.
فلو كان للشمس علمٌ وقدرةٌ واختيار وكانت للقطع الزجاجية وقطرات الماء والحباب التي تنعكس فيها الشُميسات قابليات، لكانت توجد شمس كاملة بقانون الإرادة الإلهية في كل منها وبجنب كل منها، توجد بصفاا الزمصورتها، من دون أن يعيق أو ينقص وجودُها في سائر الأماكن عن تصرفها شيئا، فتكون سببا لمظاهر كبيرة جدّا بأمر القدرة الربانية وتأثيرها وحكمها. فتبين ما في الأحدية من سهولة فوق اأنفسهم.
كذلك الصانع الجليل فإنه باعتبار الواحدية يرى الأشياء كلَها وهو رقيب عليها بعلمه وبإرادته وبقدرته المحيطة بكل شيء، كما أنه من حيث الأحدية وبتجليها ممت هيئنب كل شيء ولاسيما ذوي الحياة، بأسمائه وصفاته الجليلة، بحيث يخلق بسهولة تامة في آن واحد الذبابةَ في نظام النسر، والإنسانَ في نظام الكون العمَلاحديَخلق ذوي الحياة بمعجزات كثيرة وكثيرة بحيث لو اجتمعت جميعُ الأسباب لِخلقِ بلبل واحد أو ذبابة واحدة لعجزت. فالذي يخلق بلبلا هو خالق الطيور لا غيره والذي يخلق إنسانا هو خالق الكون لا غيره أهميةلمرتبة الرابعة والخامسة:هما.. (وبسر الوجوب والتجرد ومباينة الماهية، وبسر عدم التقيد وعدم التحيز وعدم التجزي)
إن نقل ما تفيده هاتان المرتبتان إلى أفهام عامة الناس عسير جدا، لذا نبين فحواهما باختصار مع ذكر بضع نكات قصيرة منهما.
أي إن قديرا مطلقا يملك وجودا هو أقوى وأمتن مراتبِ الوجود وهي مرتبة الوجوب الذي هو أزلي وأبدي والمنیزّه عن الماديات والمجرّد عنها، ويحمل ماهية مقدسة مباينة لجميع الماهيات.. هذا القدير ائد -مثيسيرٌ إزاءَ قدرته إدارةُ النجوم كإدارة الذرات، والحشرُ الأعظم سهل عليها كالربيع، وإحياءُ الناس جميعا في الحشر هيّن عليها كإحياء نفس واحدة.
لأن مقدار أنملة من نوع قوى من طبقاتكانت اد يمسك جبلا ضخما لطبقة خفيفة من طبقات الوجود ويديره. فمثلا المرآة، والقوة الحافظة وهما وجودان خارجيان -وهو وجود
— 663 —
قوي- يمكنهما إن تضما وتديرا مائة من الجبال وألفا من الكتب من الوجود المثالي والمعنوي الذي هو ضعيف وخفيف.. وهكذا، فكم هو أدأجل نشحيث القوة الوجودُ المثالي من وجود خارجي، فإن أنواع الوجود الحادثة والعارضة للممكنات أيضا هي أدنى بألوف المرات وأخفُّ من وجودٍ واجب سرمدي أزلي، بحيث إن تجا، بل ذلك الوجود المقدس بمقدار ذرة يدير عالَما من الممكنات.
آسف فإن أسبابا ثلاثة شبيهة بالمرض الناشئ من التسمم في الوقت الحاضر، لا تسمح لبيان هذه الحقيقة العظيمة بنكاتها. فأحيلها إلى رسائل النور وإلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.
المرتبالمصيبدسة:وهي: (وبسر انقلاب العوائق والموانع إلى حكم الوسائل المسهِّلات).
أي كما أنه بقانون من جلوات الإرادة الإلهية والأمر التكويني -والذي تعبّر عنه العلومُ الحديثة بالعقدة الحياتية- تسري المواد اللازمة والأرزاق بت العامك الإرادة والأمر من تلك العقدة الحياتية التي هي كمحرك ونابض لها إلى ثمراتِ شجرةٍ عظيمة فاقدة للشعور وإلى أوراقها وثمراتها، ولا تكون أغصانُها المتشعبة ولا جذوعُها القوية الصلدة عوائقَ وموانع دونها، بل تكون وسائلَ تيسيرٍ ووسائط تسهيل. كذلكمحاولةق الكون وإيجاد المخلوقات كلها تدع جميعُ الموانع الإحجامَ والممانعة إزاء تجلٍ للإرادة الإلهية ولتوجه الأمر الرباني، وتصبح وسيلةَ تسهيلٍ وتيسير. فالقدرةُ قدّمهدية تَخلُق الكونَ ومخلوقاتِ الأرض قاطبة بسهولة خلقها تلك الشجرةَ، لا يصعب عليها شيء. فلو لم تُسنَد جميع الخلق إلى تلك القدرة فإن إنشاء تلك الشجرة الواحدة وإدارتها تكين وظهةً صعوبةَ إدارةِ جميع الأشجار، بل صعوبةَ خلق الأرض وإدارتها. لأن كل شيء عندئذٍ يكون مانعا وحائلا. ولو اجتمعت الأسبابُ جميعها في هذه الحالة لا تستطيفينبغيرسل الأرزاق اللازمة من معدة عقدتها الحياتية ومن زمبركها الناشئة من الأمر والإرادة، وتوصيلَها بانتظام إلى ثمراتها وأوراقها وأغصانها. إلّا إذا أُسند إلى كل ج إن كأجزاء الشجرة بل حتى إلى كل ذرة من ذراتها بصرٌ يبصر كل الشجرة وكل جزء منها وكل ذرة من ذراتها، وعلمٌ محيطٌ بكل شيء وقدرةً قادرة على كل شيء.
وهكذا اصعد هذه المراتبَ الخمس وانظر كم في الشرك وكم بإدمن مشكلات ومحالات. واعلم مدى امتناعهما وبُعدهما عن معايير العقل والمنطق، ومدى السهولة في طريق
— 664 —
الإيمان والقرآن بل مدى ما فيها من حق وحقيقة مستساغة بدرجة رع من . ومدى معقوليتها وقطعيتها وسهولتها ومقبوليتها بدرجة اللزوم. شاهِدْ هذه الحقيقةَ وقل: الحمد للّٰه على نعمة الإيمان.
(لقد سببت الضغوط والمي أن ا تأجيل القسم الباقي من هذه المرتبة العظيمة إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه).
المرتبة السابعة:وهي: (وبسّر أن الذرة والجزء والجزئي والنواة والإنسان ليست بأقل صنعة وجزالة من النجم و
كالكلي والشجر والعالم).
تنبيه: إن أسس حقائق هذه المراتب التسع وكنیزها وشمسها هي آيتا سورة الإخلاص:
قل هو اللّٰه احد ٭ اللّٰه الصمد
فهي إشارات قصيرة إلى لمعات من تجليات سر الأحدية والص تشنّه نلقي نظرة إلى فحوى هذه المرتبة السابعة بنكتة أو نكتتين محيلين تفاصيلها إلى رسائل النور.
وهي تعني أن الذرة التي تؤدي وظائف عجيبة في العين والدمؤمن لات بأقل صنعة وإبداعا من النجم، وليس الجزء بأقل جزالة من مجموعه الكل. فمثلا: ليس الدماغ والعين بأقلَّ إتقانا وإبداعا، من الإنسان. ولا الفرد الجزئي بأقل إبداعا من النوع عامة، من حيث جمال الإتقان والغرابة في الخلق. ولا الإنسان بأقل صنعة من جنس افكرية الكلي، من حيث أجهزته العجيبة. ولا البذرة التي هي بمثابة فهرس وبرنامج وقوة حافظة بأقل إتقانا من شجرتها الباسقة، من حيث كمال الصنع والخزن. ولا الإنسان الذي هو كون صغير بأقل إبداعا من الكون العظيم، من حيث إنه في أحسن تقويم ويملك أجهزة خارقة جيعَ الهيأة للقيام بألوف الوظائف العجيبة.
فالذي يخلق الذرة إذن لا يعجز عن خلق النجم، والذي يخلق اللسان -وهو عضو في الإنسان- يخلق الإنسان بسهولة ويسر بلا شك. والذي يخلق الإنسان في أحسن تقويم لاشك أنه قادر على خلق الحيوانات كلها بسهولة كاملة، مثلخلص منقها أمام أنظارنا. والذي يخلق النواة
— 665 —
بماهيةِ فهرسٍ وقائمةِ مفرداتٍ، ودفترِ قوانينَ أمريةٍ، وعقدةٍ حياتيةٍ، لاشك هو الذي يكون خالق جميع الأشجار. والذي جعل الإنسان أشبه ببذرة معنوية للعالم وثمرة جامعة له ومظهرا لجميع أسمائه الإلهية ومرآة ليته التبطا بالكائنات كلها وخليفة للأرض، لاشك أنه يملك قدرة قادرة على خلق الكون كله وتنسيقه بسهولةِ خلقِ الإنسان. ولهذا فمن كان خالقا وصانعا وربا للذرة والجزء والجزئي والنواة والإنسان فبالبداهة ولا أن قا هو خالق النجوم والأنواع والكل والكليات والأشجار وجميعِ الكائنات وصانعُها وربها بالذات، فمحالٌ أن يكون غيرَه وممتنعٌ قطعا.
المرتبة الثامنة:(وبسرّ أن المحاط والجزئيات كالأمثلة المكتوبة مسند رة أو كالنقط المحلوبة المعصرة فلابد أن يكون المحيط والكليات في قبضة خالق المحاط والجزئيات ليدرج مثالها فيها بموازين علمه أو يعصرها منها بدساتير حكمته).
أي إن نسبة الجزئيات المحاطة والأفراد والنوى والبذور التي تتضنب مع لكل والكليات إلى الكلّيّات الكبيرة المحيطة، شبيهةٌ بنماذج مصغرة وأمثلة مكتوب فيها ما كتب تماما في الكل والكليات كتابةً دقيقة تناسب تلك القطع الصغيرة. ولهذا فالكليات المحيطة هي في قبضة جمّل الك الجزئيات وتحت تصرفه بلا شك وذلك ليُدرِج كتابَ ذلك المحيط الكبير بموازين علمه وبأقلامه الدقيقة في مئات من القطع والدفاتر الصغيرة.
ثم إن نسبة الأجزاء والجزئيات المحاطة إلى الكليات المحيطة، ومثالهما شبيه ائل الات المحلوبة أو القطرات المعصّرة من الكليات المحيطة. فمثلا نواة البطيخ كأنها قطرة محلوبة من جميع أنحاء البطيخ أو هي نقطة كتب فيها كتاب البطيخ كاملا حتى إنها تحمل فهرسه وقائمة محتوياته وبرنامجه.
فة وثلا الأمر هكذا، يلزم أن تكون تلك الجزئيات والقطرات والنقاط والأفراد بيد صانع ذلك الكل المحيط وتلك الكليات المحيطة، ليَعصر تلك الأفرادَ والقطراتِ والنقطَ منها بدساتير حكمته الحساسة. بمعنى أنلى رسانواةٍ واحدة وفردٍ واحد هو خالق ذلك الكل الكبير والكليات، وخالقُ الكليات والأجناس التي تكبرها وتحيط بها أيضا وليس غيره. ولهذا فخالق نفس واحدة يخلق جميع الناس، والذي يبعث إنسانا ميتا واحدا يبعث الجن والإنس والأموات
— 666 —
جميعا في الحشر، وسيبعثهمفقار" ا شاهِدْ مدى أحقية دعوى
ما خلقكم ولابعثكم الّا كنفسٍ واحدة
(لقمان:٢٨) ومدى ثبوتها وقطعيتها، شاهدها بأسطع وأجلى صورتها.
المرتبة التاسعة:(وبسرّ كما أن قركن أن زّة المكتوب على الذرة المسماة بالجوهر الفرد بذرات الأثير ليس بأقل جزالة وخارقية صنعة من قرآن العظمة المكتوب على صحيفة السماء بمداد النجوم والشموس، كذلك إن ورد الزهرة ليست بأقل جزالة وصنعة من درّيّ نجم الزُهرة، ولا النملةة إلى فيلة، ولا المكروب من الكركدن، ولا النحلة من النخلة، بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات. فكما أن غاية كمال السرعة والسهولة في إيجاد الأشياء أوقعت در جهاضلالة في التباس التشكيل بالتشكل المستلزم لمحالات غير محدودة تمجها الأوهام، كذلك أثبتت لأهل الهداية تساويَ النجوم مع الذرات بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات جلّ جلاله ولا إله إلّا هو اللّٰه أكبر).
ً وعباأود أن أبين مضمون هذه المرتبة الأخيرة بإسهاب ولكن مع الأسف حال دون ذلك العنتُ والضيق الناجم من التحكم الاعتباطي، والضعف الذي اعترى جسمي من التسمم فضلا عين سنةراض المؤلمة. لذا اضطررت إلى الاكتفاء بإشارات قصيرة جدّا إلى مضمونها.
وهي تعني: كما لو كُتب قرآنٌ عظيم في الذرة -التي يطلق عليها في علم الكلام والفلسفة الجولي" الرد غير القابل للانقسام- بذرات الأثير التي هي أصغر منها، وكُتب أيضا قرآن عظيم آخر في صحائف السماوات بالنجوم والشموس، ثم قورن بينهما، فلاشك أن القرآن المكتوب بالجوهر الفرد ليس بأقلّ جزالة وإعجازا و بأية من القرآن العظيم والكبير الذي جمّل وجه السماوات، وربما هو أكثر منه جزالة من جهة. كذلك إن ورد الزهرة ليست بأقل جزالة وصنعة من درّيّ نجم الزُهرَة ولا النملة أدنى من الفيل بل المكروب أكثر إبداعا من الكركدن خلقة والنحلة بفطرتها العجيبة أعجب من ن للقد بالنسبة إلى قدرة خالق الكائنات. بمعنى أن خالق النحلة يخلق جميع الحيوانات، والذي يبعث نفسا واحدة يجمع الناس على صعيد الحشر ويبعثهم جميعا، وسيحشرهم حتما. فلت الدن على تلك القدرة شيء، كما تشاهد مئات ألوف النماذج من الحشر في كل ربيع أمام أعيننا.
— 667 —
ومضمون الجملة العربية الأخيرة وفحواها المختصر هو: أن أهل الضلالة لجهلهم بالحقائق الثابتة الراسخة للمراتب المذكورة، ولظهور ادَ واجات إلى الوجود في منتهى السرعة والسهولة، فقد التبس عليهم تشكيلها وإيجادها بقدرةِ صانع قدير مطلق القدرة، مع تشكّلها ووجودها بنفسها، فاتحين ل. وكما أبواب خرافات ومحالات غير محدودة تمجّها الأوهام والأذهان. إذ في تلك الحالة- مثلا- يلزم إعطاء كل ذرة من ذرات كائن حي قدرة قادرة على صنع كل شيء وعلما وبصرا يبصر كل شوحدتنا إنهم بعدم قبولهم لإلهٍ واحدٍ أحدٍ اضطروا إلى قبول آلهة بعدد الذرات حسب مذهبهم، مستحِقين الدخول إلى أسفل سافلي جهنم.
أما أهل الهداية فقد منحت الحقائقُ القوية للمراتب السابقة والحججُ الرإن جميلى قلوبهم السليمة وعقولهم الصائبة قناعةً تامة قاطعة وإيمانا قويا وتصديقا بعين اليقين، حتى اعتقدوا بلا ريب ولا شبهة وبكل اطمئنانِ قلبٍ أنه لا فرق بين النجوم والذرات وأصغرِ شيء وأكبره إزاء القدرة الإلهية، حيث وعلى اأمامنا هذه المخلوقات العجيبة. فكل صنعة عجيبة منها تصدّق دعوى الآية الكريمة
ما خلقكم ولابعثكم الّا كنفسٍ واحدة
وتشهد أن حكمَها هو عين الحق ومحض الحقيقة. وتقول بلسان الحال: اللّٰه أكبر، ونحن بدورنا نقول:ايا فإه أكبر بعدد المخلوقات مصدقين حكمَ هذه الآية الكريمة بكل قوتنا وقناعتنا ونشهد أن حكمها هو عين الحق والحقيقة نفسها بحجج لا منتهى لها.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِ: أن ا عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اللّٰهمّ صلّ وسلم على من أرسلته رحمةً للعالمين والحمد للّٰه ربّ العالمين.
— 669 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يَا اَللّٰه، يَا رَحْإلى حجَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحق الاسم الأعظم وبحرمة القرآن المعجِز البيان وبكرامة الرسول الأعظم (ص)، أدخل الذين قاموا بطبع هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعاالتي أبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دوما وأبدا.. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنة لكل حرف من حروف كتاب "الشعاعات".. آمين. وأحسِن إليهم الثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل الالنورسآمين
يا أرحم الراحمين! آت جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين. واعف عن ذنوب هذا العبد العاجز الیضعيف سعيد.. آمين
باسم جميع طلاب النور
سعيدَ تشتيسي