Risale-i Nur

الشعاعات العربية
— 3 —

كليات رسائل النور

٤
الشعاعات
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 4 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 5 —

الشعاع الثاني

الثمرة الأخيرة لسجن "أسكي شییهر"
الشعاع الثاني للمعة الحادية والثلاثين
لقد شاب هذا الشعاعَ شيءٌ من عدم التناسق وسوءِ الانتظام حيث أُلّف بقلمي القاصر في منتهى السرعة، وفي وضع كنت أُكابد فيه الضيقَ والعنت والإزعاج، بعدما بتّ وحيدا فريدا في سجن "أسكي شهر" عقب الإفراج عن أصدقائي.
وفي هذه الأيام (أي بعد ستة عشر عاما) [٭]: أي في سنة ١٩٥٢ حيث إن سجن "أسكي شهر" كان في سنة ١٩٣٦ شرعتُ بتصحيحه، ووجدتُه في غاية الأهمية والقوة والقيمة من زاوية الإيمان والتوحيد.
سعيد النورسي
— 6 —
النكتة السابعة العظمى الخاصة بالاسم الأعظم "اللّٰه أحد".
وهي السابعة للنكات الست للاسم الأعظم.
تنبيه
هذه الرسالة في غاية الأهمية في نظري، حيث تنكشف فيها أسرارٌ إيمانية جليلة ومعانٍ إيمانيةٌ دقيقة. فمن يقرأها بتدبر وإمعان ينقذ إيمانَه بإذن اللّٰه. وحيث لا ألتقي أحدا مع الأسف في هذا السجن لم تبيَّض ولم تُكتب ثانية ولم أتمكن من أن أكلف أحدا للقيام بتبييضها.
فإن شئتَ أن تلمس مدى قيمة هذه الرسالة وعلو مزيّتها فاقرأ أولا الثمرةَ الثانية والثالثة الموجودتين في بداية الرسالة، ثم اقرأ الخاتمة والمسألة التي قبلها بدقة، ثم طالع الرسالة كاملة مطالعة متأنية.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
لقد أحسستُ بهذه النكتة إحساسا لطيفا غايةَ اللطف وجميلا غاية الجمال وحلوا لذيذا غاية الحلاوة واللذة، وذلك بفيض أنوار نكتةٍ باهرةٍ مُفاضةٍ من الآية الكريمة:
فاعلم انه لااله الّا اللّٰه
) حمد (١٩ : وبإلهام وإشارة من قَسَم نبوي معروف.
هذه النكتة تضم ثلاثَ ثمرات للتوحيد، وثلاثةً من مقتضياته، وثلاثا من حججه.
— 7 —
نعم، لقد كان الرسول الأكرم (ص) أكثر ما يكرره في قَسَمِهِ: "والذي نفسُ محمدٍ بيده.." [٭]: انظر: أمثلة هذا القَسَم: البخاري، الصوم ٩، الهبة ٢٨، المناقب ٢٥، المغازي ٨؛ مسلم، الإيمان ١٨٣، ٢٤٠، ٣٢٧. فهذا القَسَم النبوي الجليل يبين أن أوسعَ دائرة من دوائر شجرة الكون، وأقصى نهاية لها وأبعدَ فرع من فروعها هي أيضا ضمن قدرة الواحد الأحد سبحانه وتحت إرادته جلّ وعلا، إذ لو كان أفضلُ مخلوق وأكرمُهم وهو محمد (ص) غيرَ مالك لنفسه وغيرَ حرّ طليقٍ في أفعاله، بل أفعالُه وحركاته وسكناته مقيدةٌ بإرادة غير إرادته واختياره، فلا شيءَ إذن في الوجود، ولا شأنَ ولا حال ولا كيفيةَ مهما كانت جزئيةً أم كلية، خارجَ دائرة تلك القدرة العظيمة المحيطة بكل شيء، ولا خارجَ تلك الإرادة الشاملة كلَ شيء. فهذا القَسَم النبوي البليغ ذو المغزى العميق إنما يعبّر عن توحيدِ ربوبية جليلة في منتهى العظمة والإحاطة.
ولقد بينا في رسائل النور التي هي سراج النور، مائةً من البراهين الباهرة، بل ألفا منها حول إثبات هذا التوحيد، لذا نحيل تفاصيلَ هذه الحقيقة السامية وإثباتَها إلى تلك المجموعة. إلّا أننا نوضح هنا في هذا "الشعاع الثاني" توضيحا مختصرا تلك الحقيقةَ الإيمانية الجليلة في ثلاثة مقامات:
ففي المقام الأول: نبين ثلاثَ ثمرات من الثمرات الوفيرة، لتلك الحقيقة التوحيدية التي لها ثمرات كلية في غاية اللطف واللذة والأهمية والنور. نبينها باختصار شديد، مع الإشارة إلى أذواقي ومشاعري التي ساقتني إلى تناول تلك الثمرات.
وفي المقام الثاني: تُوضَّح مقتضياتٌ ثلاثةٌ لهذه الحقيقة السامية، والأسبابُ الموجبة لها، فهي مقتضيات ثلاثة إلّا أنها بقوة ثلاثة آلاف مقتضًى وسبب.
وفي المقام الثالث: يُذكر ثلاثُ علامات لتلك الحقيقة التوحيدية الباهرة، فهي علاماتٌ ثلاث إلّا أنها بقوة ثلاثمائة علامة وأمارة ودليل.
— 8 —

المقام الأول

الثمرة الأولى

إن الجمال الإلهي والكمال الرباني يَظهران في التوحيد وفي الوحدانية، ولولا التوحيد لظل ذلك الكنیز الأزلي مخفيا.
نعم، إن الجمال الإلهي وكمالَه الذي لا يحد، والحسنَ الرباني ومحاسنه التي لا نهاية لها، والبهاءَ الرحماني وآلاءه التي لا تُعد ولا تحصى، والكمالَ الصمداني وجماله الذي لا منتهى له، لا يشاهَد إلّا في مرآة التوحيد؛ بوساطة التوحيد ونور تجليات الأسماء الإلهية المتمركزة في ملامح الجزئيات الموجودة في أقصى نهايات شجرة الكائنات.
فمثلا: إن إرسالَ اللبن الخالص السائغ إلى رضيعٍ صغير لا يملك حولا ولا قوة- ومن حيث لا يحتسب- من بين فرث ودم، فعلٌ جزئي. هذا الفعل الجزئي ما إن يُنظَر إليه بنظر التوحيد حتى يظهر الجمال السرمدي لرحمة الرحمن بأبهى كماله وبأجلى سطوعه في إعاشة جميع الصغار في العالم إعاشةً خارقة، وفي إحاطتهم بمنتهى الشفقة والحنان، بتسخيرِ والداتهم لهم. ولكن هذا الفعل، فعلَ إرسال اللبن إن لم يُنظر إليه بنظر التوحيد، لاختفى ذلك الجمالُ الباهر كليا ولما ظهر قطعا، إذ تُحال تلك الإعاشة الجزئية كذلك إلى الأسباب والمصادفة والطبيعة، فتفقد قيمتَها كليا بل تفقد ماهيتها.
ومثلا: ما إن يُنظر إلى الشفاء من مرض عضال، بنظر التوحيد حتى يتجلى جمالُ شفقة الرحيم تجليا باهرا كاملا على وجه إحسانِ الشفاء إلى جميع المرضى الراقدين في المستشفى الكبير المسمى بالأرض وإسعافِهم بأدوية ناجعة وإغاثتهم بعلاجاتٍ شافية تؤخذ من الصيدلية العظمى المسماة بالعالم. ولكن هذا الفعل الجزئي -منحة الشفاء- المتّسم بالعلم والبصيرة والشعور إن لم يُنظر إليه بنظر التوحيد، فإن الشفاء يُسند إلى خاصيات الأدوية الجامدة وإلى القوة العمياء والطبيعة الصماء. فتفقد تلك المنحةُ الرحمانية ماهيتَها وحكمتَها وقيمتها كليا.
— 9 —
ولمناسبة هذا المقام وردت إلى الخاطر نكتةٌ لطيفة من نكات الصلوات على الرسول الكريم (ص) أُبيّنها هنا:
إن الصلوات الآتية مشهورة ومذكورة كثيرا لدى الشافعية، فهم يقرؤونها عقب أذكار الصلاة: "اللّٰهم صلّ على سيدنا محمدٍ وعلى آل سيدنا محمدٍ بعدد كل داء ودواء وبارِكْ وسلِّم عليه وعليهم كثيرا كثيرا".
هذه الصلوات المباركة تَحوز أهميةً عظيمة؛ لأن حكمةَ خلق الإنسان وسرَّ جامعية استعداده هو الالتجاءُ إلى خالقه الكريم والتضرعُ إليه والقيامُ بحمده والشكر له، في كل وقت وحين، بل في كل دقيقة وآن، لذا فإن أقوى دافع مؤثر وسائق فعّال يحث الإنسانَ إلى الالتجاء إلى الحضرة الإلهية ويسوقه إليها هو الأمراضُ والأسقام، مثلما أن أنواع الشفاء وأجناسَ الأدوية وألوانَ العافية والمعافاة هي في مقدمة النعم اللذيذة والآلاء الطيبة التي تَبعث في الإنسان الشكرَ للّٰه بشوق كامل وتدفعُه إلى الحمد والامتنان له بكامل معانيهما. ولأجل كل ذلك غدت هذه الصلواتُ الشريفة على الرسول الكريم (ص) ذاتَ قيمة رفيعة ومغزى عميق.
حتى إنني كلما قلت: "بعدد كلِ داء ودواء" شعرت بجلاء تام بوجود الشافي الحقيقي وبشفقته الكاملة ورأفته التامة وبرحيميته السامية الواسعة في إحسانه الأدويةَ والعلاجات على جميع الأمراض المادية والأسقام المعنوية في أرجاء الأرض كافة التي أتصورها مستشفًى واسعا كبيرا.
ومثلا: إن إنزال سكينة الإيمان في قلب مَن يعاني آلاما معنوية رهيبة للضلالة إذا ما نُظر إليه بنظر التوحيد، يجعل ذلك الشخصَ الفرد العاجز الفاني عبدا مخاطبا لمعبوده العظيم، سلطانِ الكون ورب العالمين، ويمنح له بذلك الإيمانِ سعادةً أبدية ومُلكا خالدا جميلا في منتهى السعة والجمال ودارا باقية خالدة، بل يجعل جميع المؤمنين -كل حسب درجته- ينالون من ذلك اللطف العميم والكرم الدائم.. وهكذا يشاهَد في وجه هذا الإحسان الأعظم بل يُطالَع في سيماه جمالُ الكريم المطلق والمحسن المطلق، ذلك الجمالُ الأزلي الأبدي الذي لا يدنو منه الزوالُ والفناء، بل تجعل لمعةٌ من لمعاته الباهرة المؤمنينَ كافة في ولاءٍ للّٰه وفي طاعة لأوامره، بل تجعل قسما منهم منجذبين إليه عُشاقا مولّهين. بينما إنْ لم يُنظَر إلى هذا الإحسان -إحسانِ الهداية
— 10 —
لذلك الشخص- بنظر التوحيد، فإن ذلك الإيمان الجزئي لذلك الفرد يُحال إلى الإنسان نفسه -كما يدّعيه المعتزلة المتعسفون- أو إلى بعض الأسباب، فتنقلب تلك الجوهرةُ الرحمانية الغالية -التي لا تُثمَّن قيمتُها إلّا بالجنة الخالدة- إلى قطعة زجاج خسيسة تافهة بعد أن كانت تؤدي وظيفةَ مرآة تعكس لمعةَ جمال مقدس.
وهكذا قياسا على هذه الأمثلة الثلاثة.. فإن الألوفَ من أنواع الجمال الإلهي ومئاتِ الألوف من أضراب الكمال الرباني، تَظهر، وتُفهم، ويثبُت تحققُها من زاوية نظر التوحيد، وذلك بتمركز تلك الأنماط من الجمال الإلهي والكمال الرباني في تلك الأحوال الجزئية لأصغر الجزئيات التي هي في منتهى أقاصي دائرة الكثرة من الموجودات. فظهور هذا الجمال الإلهي وكمالُه للقلوب بالتوحيد، والاستشعارُ بهما روحا، هو الذي دفع جميعَ الأولياء والأصفياء أن يتلمسوا أحلى أذواقهم وألذَّ أرزاقهم المعنوية في ذكرِ وتكرار كلمة التوحيد، وهي: "لا إله إلّا اللّٰه".
وحيث إن عظمةَ الكبرياء الإلهي والجلالَ السبحاني وهيبةَ الربوبية الصمدانية تتحقق في كلمة التوحيد فقد قال النبي (ص): "أفضلُ ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلّا اللّٰه". [٭]: انظر: الترمذي، الدعوات ١٢٣؛ الموطأ، القرآن ٣٢، الحج ٢٤٦؛ عبد الرزاق، المصنف ٤/ ٣٧٨؛ البيهقي، السنن الكبرى ٤/٢٨٤.
نعم، إن ثمرةً واحدة، وزهرة واحدة، وضياءً واحدا، كلٌ منها يعكس كالمرآة الصغيرة رزقا بسيطا، ونعمة جزئية وإحسانا بسيطا. ولكن بسر التوحيد تتكاتف تلك المرايا الصغيرة مع مثيلاتها مباشرة، ويتصل بعضُها بالبعض الآخر، حتى يصبح ذلك النوعُ مرآةً واسعة كبيرة جدّا تعكس ضربًا من جمالٍ إلهيّ يتجلى تجليا خاصا بذلك النوع. فيُظهِر سرُّ التوحيد حسنا سرمديا باقيا من خلال ذلك الجمال الفاني المؤقت، بمعنى أن ذلك الشيءع حجزئي يتحول بسر التوحيد إلى مرآة الجمال الإلهي، كما قال "مولانا جلال الدين الرومي"(٭):
آنْ خَيَالاَتِى كِه دَامِ اَوْلِيَاسْت عَكْسِ مَهْرُويَانِ بُوسْتَانِ خُیدَا اَسْتْ
[٭]: يعني: "إن الخيالات التي هي شراك الأولياء إنما هي مرآة عاكسة تعكس الوجوه النيرة في بستان اللّٰه".
بينما إنْ لم يُنظَر إلى ذلك الجمال بنظر التوحيد، أي لولا سرُّ التوحيد، لظلت تلك الثمرةُ الجزئية سائبةً، وحيدة فريدة معزولة عن مثيلاتها، فلا يظهر ذلك الجمالُ المقدس ولا يَبِين ذلك الكمال الرفيع، بل تنكسف حتى تلك اللمعةُ الجزئية المتلمعة منها، وتَضيع وتنتكس منقلبةً على عقبيها من نفاسة الألماس الثمين إلى خساسة قِطَع الزجاج المتكسر.
— 11 —
وكذا يظهر بسر التوحيد في ذوي الحياة تلك الثمار المتدلية من شجرة الخلقة، شخصيةٌ إلهية، وأحديةٌ ربانية، وسيماءٌ معنوي رحماني -باعتبار الصفات السبع- وتمركزٌ أسمائيّ، وجلوةُ تعيّنٍ وتشخصٍ لمن هو المخاطَب بی
اياك نعبد واياك نستعين
(الفاتحة:٥). وبخلافه (أي دون سر التوحيد) فإن جلوةَ تلك الشخصية والأحدية والسيماء والتعيّن تتوسع وتتوسع منبسطة حتى تتسع سعة الكون برمته، فتتلاشى وتختفي، ولا تظهر إلّا للقلوب البصيرة والبصائر الواسعة جدّا والمحيطة جدا؛ لأن العظمةَ والكبرياء تسدل ستارا دونه فلا يراه قلبُ كل فرد.
وكذا يُفهم بوضوح تام بسر التوحيد في تلك الأحياء الجزئية؛ أن صانعَها يراها ويعلم بحالها ويسمع نداءها ويصوّرها كيف يشاء. فيَظهر لبصيرة الإيمان وراء مصنوعية الكائن الحي، تشخصٌ معنوي وتعينٌ معنوي لمقتدر مختار سميع عليم بصير. وبخاصة وراء مخلوقية الإنسان -من بين ذوي الحياة- يُشاهَد بالإيمان وبسر التوحيد وبوضوح تام ذلك التشخصُ المعنوي والتعين السامي. لأن في الإنسان نماذجَ أُسسِ ذلك التشخص، تشخصِ الأحدية، وهي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأمثالُها من المعاني، فتشير تلك النماذجُ إلى تلك الأسس، إذ الذي شقَّ البصر -مثلا- يرى البصرَ ويرى كذلك ما يراه البصرُ -وهو معنًى دقيق- ثم يمنح البصرَ. نعم، إن صاحب النظارات الذي يصنع لعينك نظارةً يرى ملاءَمةَ النظارة لعينك ثم يصنعها لك. وكذا الذي شقَّ السمعَ لا شك أنه يسمع ما تسمعه الأذن ثم يخلقها ويمنحها الإنسانَ. وهكذا قِس بقية الصفات على هذه.
وكذا في الإنسان نقوشُ الأسماء الحسنى وتجلياتها، فهو بهذه النقوش والجلوات يشهد على تلك المعاني المقدسة.
وكذا الإنسان بضعفه وعجزه وفقره وجهله يؤدي وظيفةَ المرآة -بشكل آخر- إذ يشهد بها على صفاتِ مَن يرحم ضعفَه وفقرَه، ومَین يمدّ عجزَه. أي يشهد على قدرته جلَّ وعلا وعلى علمه وعلى إرادته، وهكذا على سائر صفاته الجليلة.
فبسر التوحيد إذن يتمركز ألفُ اسم واسم من الأسماء الحسنى في منتهى دائرة الكثرة وفي أكثر جزئياتها تشتتا، تتمركز في الرسائل الصغيرة المسماة بذوي الحياة، وتُقرأ بسر التوحيد
— 12 —
بوضوح وجلاء، لذا فإن ذلك الصانع الحكيم يُكثر من نُسخ ذوي الحياة بكثرة كاثرة، ولاسيما طوائف صغارها يُكثرها بأشكالٍ شتى وينشرها إلى الأرجاء كافة.
إن الذي ساقني إلى حقيقة هذه الثمرة الأولى وأوصلني إليها هو استشعارٌ ذوقي يخصني، وهو على النحو الآتي:
لقد كنتُ أتألم لحال ذوي الحياة، ولاسيما لذوي الشعور منها، وبالأخص لحال الإنسان، وبخاصة المظلومين والمبْتلَيْن بالمصائب منهم، لِما أحملُ من عطفٍ متزايد وشفقة مفرطة، فكانت أحوالُهم تمسّ عطفي وتثير شفقتي وتُوجع قلبي وتعصره.
فكنت أقول من أعماق قلبي: "إن القوانين المطّردة الساريةَ في العالم لا تسمع ما يعانيه هؤلاء البائسون الضعفاء العاجزون، وإن تلك العناصر والحوادث الصماء المستولية لا تسمع أنينَهم، أليس من أحدٍ يتدخل في شؤونهم الخاصة رحمةً بهم ورأفةً بأحوالهم التي يُرثى لها؟" فكانت روحي تصرخ من الأعماق. وكذا، "أليس من مالكٍ حقيقي ومولى كريم يرعى ويتولى أولئك العبيد الرائعين في الحسن وتلك الأموال القيمة الثمينة جدا، وهؤلاء الأحباب الأودّاء المشتاقين الممتنّين كثيرا؟" نعم، كان قلبي يصرخ بهذا بكل ما أوتى من قوة.
أما الجواب الكافي الوافي الذي يبعث الاطمئنان والسكينةَ والقناعة التامة ويهدئ استغاثة روحي وصراخَ قلبي فهو: أن أولئك العبيد المحبوبين الذين يئنّون تحت ضغوط القوانين العامة للرحمن الرحيم ذي الجلال، ويستغيثون تحت ضربات الحادثات وهجومها، يمنحهم سبحانه بسرّ التوحيد ما هو فوق تلك القوانين من إحسانات خصوصية وإمدادات خاصة وربوبية مخصوصة مباشرة لكل شيء، ويدبّر سبحانه أمورَ كل شيء بذاته الجليلة. ويستمع إلى شكاوى كلِ ذي مصيبة، وهو المالك الحقيقي لكل شيء ومولاه الحق.
فمذ عرفتُ هذا السر من القرآن ونور الإيمان شعرتُ بسرور يملأ كياني كلَه، وولّى عني ذلك اليأسُ القاتم. وقد اكتسب في نظري كلُ كائن حي -من حيث انتسابه إلى المالك الجليل وعبديته له- ألوفَ الدرجات الراقية من الأهمية والقيمة، لأن كلَ أحد يفتخر ويزهو بشرف سيدِه وبمقامِ من ينتسب إليه ويعتزّ بشهرته وصِيته، مما يولِّد عزةً وفخرا لديه. فلا شك أن نورَ الإيمان الذي بسط ذلك الانتساب والعبدية هو الذي يجعل النمل يغلب فرعونا بقوة
— 13 —
ذلك الانتساب، بل له أن يفتخر بذلك الانتساب فخرا يفوق ألفَ مرة فخرَ فرعون السادرِ في الغفلة الظانِّ نفسَه حرا سائبا، يفتخر بأجداده الفراعنة وبمُلك مصر، ذلك الفخر الذي ينكسف لدى باب القبر. وكذا البعوض يستطيع -بإراءة شرف انتسابه- إزالةَ فخرِ نمرود الذي انقلب في سكراته إلى خجل وعذاب.
وهكذا تُعلِّمنا الآيةُ الكريمة:
ان الشرك لظلم عظيم
(لقمان : ١٣) أنَّ الشرك يحمل ظلما فاضحا، لأنه جريمةٌ عظيمة نكراء لتعدّيه على حقوق كل مخلوق وإهانته لشرفه وكرامته. ولا يطهّر هذه الجريمة -جريمةَ الشرك- إلّا نارُ جهنم.

ثمرة التوحيد الثانية

هذه الثمرة تتوجه إلى ذات الكون وماهيته، كما كانت الثمرة الأولى متوجهةً إلى الذات المقدسة لرب العالمين جلّ وعلا.
نعم، إنه بسر التوحيد تتحقق مزايا الكون وكمالاته، وتُدرَك الوظائفُ الراقية للموجودات، وتتقرر نتيجةُ خلق المخلوقات، وتُعرَف أهميةُ المصنوعات. وتُبرَز ما في هذا العالم من مقاصد إلهية، وتَظهر حكمةُ خلق ذوي الحياة وسرُّ وجود ذوي المشاعر، وتبدو الوجوه المليحة البشوشة للرحمة والحكمة وراء السيماء الغاضبة الكالحة لهذه الحوادث القاهرة المدمِّرة ضمن التحولات المثيرة للدهشة، وتُعرَف أن الموجودات التي تغيب وراء الزوال والفناء وترحل من هذا العالم عالمِ الشهادة، تدَع أنواعا كثيرة من الوجود بدلا عنها، أمثالَ نتائجها وهوياتها وماهياتها وأرواحها وتسبيحاتها ثم ترحل من هذا العالم.
وبسر التوحيد يُفهم أن الكون برمّته كتاب صمداني ينطوي على معانٍ عميقة غزيرة، وأن الموجودات بأسرها مجموعةُ مكاتيبَ سبحانيةٍ في منتهى الإعجاز، وأن المخلوقات بجميع طوائفها جنودٌ ربانية في غاية الانتظام والهيبة، وأن المصنوعات بجميع قبائلها -ابتداء من الميكروب والنمل إلى الكركدن والنسر وإلى الكواكب السيارة- موظفاتٌ دؤوبات مأمورات جادات تأتمر بأمر السلطان الأزلي.
— 14 —
وبسرّ التوحيد يكتسب كلُّ شيء من حيث انتسابه وأداؤه لوظيفة المرآة قيمةً أعظمَ من قيمته الذاتية بألوف المرات، وينكشف السرُّ المغلق للأسئلة المحيّرة: من أين يأتي سيلُ الموجودات وقافلة المخلوقات، وإلى أين المصير، ولمَ جاء وماذا يعمل؟
كل ذلك لا يتم إلّا بسر التوحيد، إذ لولا التوحيد لانكسفت جميعُ مزايا الكون وكمالاته المذكورة آنفا، ولانقلبت تلك الحقائق السامية الراقية إلى أضدادها.
وهكذا، فالشرك والكفر جريمة بشعة تتعدى على جميع كمالات الكائنات وتتجاوز على جميع حقوقها الرفيعة وتتعرض لجميع حقائقها السامية. لذا تغضب الكائناتُ على أهل الشرك والكفر، وتستشيط السماواتُ والأرض غضبا عليهم، وتتفق عناصرُ الكون على إبادتهم، فتُغرِق قومَ نوح عليه السلام وتُهلِك قومَ عاد بالطاغية وثمود بالعاصفة وفرعونَ وأمثالَهم بالغرق.. بل تغضب جهنمُ عليهم غضبا شديدا حتى
تكاد تميّز من الغيظ
(الملك:٨) كما نصّت عليه الآية الكريمة.
نعم، إن الشرك استهانة بشعة بالكون، وتعدٍّ عظيم عليه، وحطٌّ من قيمته وتهوين من شأنه، لإنكاره حكمةَ الخلق وردّه وظائفَ المخلوقات، تلك الوظائف الجليلة.
نشير إلى هذه الحقيقة بمثالٍ واحد من بين أُلوف أمثلتها:
إن الكون -بسر التوحيد- هو بمثابة مَلَكٍ مجسّم عظيم جدّا بحيث له مئاتُ الألوف من الرؤوس، بل بعدد أنواع الموجودات، في كل رأس مئاتُ الألوف من الأفواه، بل بعدد أفراد ذلك النوع، وفي كل فم مئاتُ الألوف من الألسنة، بل بعدد أجهزة ذلك الفرد وعدد أجزائه وأعضائه وحُجيراته. فهذا الكون الهائل والمخلوق العجيب، هذا المَلَك العظيم يقدّس الصانعَ الجليل بهذه الألسنة التي لا تعد ولا تحصى ويسبّحه بها جلّ وعلا. فهو إذن في مقام رفيع يتسربل عبوديةً عظيمةً شبيهة بعبودية إسرافيل عليه السلام.
وكذا الكون بسر التوحيد، بمثابة مزرعةٍ تهيئ محاصيلَ وفيرةً جدّا لعالم الآخرة ومنازلها.. وهو بمثابة مصنعٍ عظيم يهيئ لوازمَ لطبقات دار السعادة من أعمال بشرية غنية بمحاصيلها.. وهو بمثابةِ جهازِ تصويرٍ سينمائي دائب عظيم يضم مئات الألوف من أجهزة الالتقاط لالتقاط صور من الدنيا، وعرضها مناظرَ سرمديةً لأهل عالَم البقاء ولأهل الشهود في الجنة.
— 15 —
فبينما الكون -بسر التوحيد- على هذه الهيئة العجيبة كملَك مطيع جسماني مالك للحياة، يحوّله الشركُ إلى أشتاتٍ واهية جامدة، لا روح لها ولا حياة، ولا بقاء لها ولا وظيفة، هالكةٍ لا معنى لها، تتدحرج في خضم ظلمات العدم وأهوال الأحداث التافهة والانقلابات. فالشركُ يجعل هذا المصنع العظيم -الذي يدرُّ النفعَ الكثير- شيئا لا فائدة له ولا يُكسَب منه شيء، معطَّلا عن كل عمل، مختلطا ومتشابكا تلعب به المصادفاتُ العشوائية والطبيعة الصماء والقوى العمياء، ومأتما حزينا لذوي الشعور كافة، ومذبحة ومسلخة أليمة لذوي الحياة كافة.
وهكذا كم يكون الشرك إذن مبعثَ جرائمَ كبرى وجناياتٍ عظمى! ألا يستحق عذابا أبديا في جهنم مع أنه سيئةٌ واحدة؟ وصدق اللّٰه العظيم:
ان الشرك لظلم عظيم
(لقمان:١٣).
وعلى كل حال، ففي مجموعةِ "سراج النور" إيضاحاتٌ أكثر لهذه الثمرة الثانية مع حججها المكررة. لذا اختصرنا هذه الحقيقة الطويلة.
والذي ساقني إلى هذه الثمرة الثانية وأوصلني إليها شعورٌ عجيب وذوق غريب، وهو على النحو الآتي:
عندما كنت أتأمل في يوم من أيام الربيع شاهدتُ أن الموجودات التي تملأ سطح الأرض وتسيل قافلةً إثر قافلة مُظهرةً مئات الألوف من نماذج الحشر والنشور.. هذه الموجودات ولاسيما المخلوقات الحية منها وبخاصة الأحياء الصغيرة منها، ما إن تظهر حتى تختفي عقِبه.. فتتعاقب مناظرُ الموت والزوال باستمرار وفي فعالية دائمة. وبدت أمامي حزينةً أليمةً مسّت أوتارَ عواطفي وأثارت رقّتي حتى دفعتني إلى البكاء. وكنت كلما شاهدتُ موت تلك الأحياء الصغيرة اللطيفة اعتصر قلبي ألما وتأففتُ قائلا: يا حسرتاه.. أواه.. آه.. فأستشعر ضراما روحيا منبعثا من الأعماق حتى رأيت الحياة التي تَؤول إلى هذه النتيجة عذابا أليما دونه الموت.
وكذا رأيت في عالم النباتات والحيوانات، أن تلك الأحياء الجميلة جدّا والمحبوبة جدّا وهي في أتم إتقان وإبداع، ما إن تفتح عينيها للحياة في لحظات وتشاهِد هذا المهرجان الكوني العظيم إلّا وتُمحى وتُفنى. فكلما شاهدت هذه الحالة تَفطَّر كبدي حزنا وكمدا، وكأنه يشكو باكيا وهو يقول: لِمَ أتوا إذن إلى هذا العالم ولِمَ يرحلون دون أن يمكثوا فيه؟ فكان
— 16 —
قلبي يطرح أسئلةً مخيفة إزاء الدهر والمقدّرات. إذ مثل هذه المصنوعات اللطيفة تذهب دون جدوى ولا غاية ولا نتيجة، وتُعدَم بسرعة متناهية، مع أننا نرى اهتماما عظيما بها ودقةً متناهية في صنعها وإتقانا في إبداعها، مع توفير الأجهزة اللازمة لها والرعاية التامة في تربيتها وتنشئتها والتدبيرِ الكامل لشؤونها وخلقها على أتم صورة. ولكن بعد كل هذا نرى تمزُّقَها وتشتّتها وفناءها ومحوها وقذفَها في ظلمات العدم.. هذا المنظرُ الأليم، كلما تأملتُه صرختْ جميعُ لطائفي المفتونةُ بأنواع الكمال والمبتلاة بأنماط الجمال، والعاشقةُ للأشياء النفيسة القيّمة، واستغاثت قائلة: لِمَ لا تُرحم هذه المخلوقات؟ يا لهفتاه! من أين يأتي هذا الفناءُ والزوال ضمن الدوران والتجوال المحيّر للعقول، ويسلط على هذه الصغار اللطاف؟.. وما إن بدأت الاعتراضاتُ المخيفة تتوجهُ نحو القَدر لما يُرى في ظاهر المقدّرات الحياتية من أحوال أليمة حزينة، إذا بنور القرآن والإيمان والتوحيد ولطفِ الرحمن يسعفني ويعينني؛ وينوِّر تلك الظلمات، ويَقلب بكائي ونحيبي وحَسَراتي إلى سرور وفرح وإلى النطق بی"ما شاء اللّٰه، بارك اللّٰه"، بدلا من التلهف والتحسر وإطلاق الزفرات، حتى دفعني إلى القول بی: "الحمد للّٰه على نور الإيمان" حيث رأيت -بسر التوحيد- أنَّ كلَ مخلوق -ولاسيما كل كائن حيٍّ- له نتائج كثيرة جدّا ومنافع شتى.
فمثلا: إن كل ذي حياة -وليكن هذه الزهرة الزاهية، وهذه الحشرة الحلوياتي- هو قصيدة صغيرة إلهية تحمل من المعاني العميقة والغزيرة بحيث يطالعها ما لا يُحد من ذوي الشعور بمتعة كاملة.. وهو معجزة ثمينة قيّمة للقدرة الإلهية.. وهو لوحة تعلن عن حكمته تعالى حيث تَعرض إتقانَ الصانع الجليل في منتهى الجاذبية أمام أنظار من لا يحدّ من أهل التقدير والاستحسان.
وكذا فإن أجلَّ نتيجة لخلق الكائن الحي هو الحظوة بالظهور أمام نظر الفاطر الجليل الذي يريد أن يَرى -بذاته- جمالَ صنعته وجمالَ فطرته وجمالَ تجليات أسمائه في المرايا الصغيرة. زد على ذلك فإن وظيفةً سامية لفطرة الكائن الحي هي أداؤه بخمسة وجوه -كما ذُكر في "المكتوب الرابع والعشرين"- مهمةَ إظهار الربوبية المطلقة والكمال الإلهي الذي يقتضي هذه الفعاليةَ المطلقة في الكون.
— 17 —
ولكني رأيت أن الكائن الحي على الرغم مما له من مثل هذه الفوائد والنتائج فإنه يدع في عالم الشهادة روحه في موضعه -إن كان ذا روح- ويترك صورتَه وهويته في الأذهان وسائر الألواح المحفوظة، ويضع قوانينَ ماهيته ونوعا من حياته المستقبلية في بذوره وبويضاته، ويُودع مزايا الكمال والجمال التي عَكَسها كالمرآة، يودعها في عالَم الغيب ودائرة الأسماء. وبعد كل هذا يدخل تحت ستار الزوال فرحا جذلا بموتٍ ظاهري -يعني التسريح من الوظائف- ويستتر عن الأنظار الدنيوية وحدَها!
نعم، هكذا رأيت ماهيةَ الكائن الحي فقلت من الأعماق: "الحمد للّٰه..".
فهذه الأنواع من الجمال والضروبُ من الحسن المشاهَدة في جميع طبقات الكون وفي جميع أنواع الطوائف والممتدة عروقُها في كل الأرجاء والتي لها أسس عريقة قوية لا نقصَ فيها ولا قصورَ، وهي في منتهى السطوع والبهاء.. لاشك أنها تبين أن ما يقتضيه الشرك -كما هو في الوضع الأول- من قبح مشين ودمامةٍ مُنفرة محالٌ وموهومٌ قطعا. لأن جمالا بهذا العمق في وجود الكون لا يمكن أن يستتر تحتَه قبحٌ مشين إلى هذه الدرجة المخيفة، بل لا يمكن أن يوجد أصلا. ولو وُجد فذلك الجمالُ إذن لا حقيقة له ولا أصل، وهو واهٍ ووهمي.
بمعنى أنه لا حقيقةَ للشرك إطلاقا، وطريقُه مسدود، بل لا يجد له موضعا إلّا في المستنقعات الآسنة، فحكمُه محالٌ وممتنع. وقد وضحت هذه الحقيقة الإيمانية المذكورة وهي حقيقة شعورية في عديد من رسائل "سراج النور" بالتفصيل. لذا نكتفي هنا بهذه الإشارة المختصرة.

ثمرة التوحيد الثالثة

هذه الثمرة متوجهة إلى ذوي الشعور، ولاسيما إلى الإنسان.
نعم، إن الإنسان بسر التوحيد، صاحبُ كمال عظيم بين جميع المخلوقات، وهو أثمنُ ثمراتِ الكون، وألطفُ المخلوقات وأكملُها، وأسعدُ ذوي الحياة ومخاطبُ رب العالمين وأهلٌ ليكون خليلَه ومحبوبه. حتى إن جميعَ المزايا الإنسانية وجميعَ مقاصد الإنسان العليا مرتبطةٌ بالتوحيد وتتحقق بسر التوحيد، فلولا التوحيد لأصبح الإنسان أشقى المخلوقات وأدنى الموجودات وأضعفَ الحيوانات وأشدَّ ذوي المشاعر حزنا وأكثرَهم عذابا وألما. ذلك
— 18 —
لأن الإنسان يحمل عَجزا غير متناه، وله أعداء لا نهاية لهم، وينطوي على فقر دائم لا حدود له وحاجات لا حدود لها. ومع هذا فإن ماهيتَه مجهّزة بآلاتٍ ومشاعرَ متنوعة وكثيرة إلى درجة يستطيع أن يستشعر بها مائة ألف نوع من الآلام وينشد مئات الألوف من أنواع اللذائذ. فضلا عن أن له من المقاصد والرغبات ما لا يمكن تلبيتُها إلّا من قِبَل مَن ينفذ حكمُه في الكون بأسره.
فمثلا: في الإنسان رغبةٌ ملحّةٌ شديدةٌ للبقاء. فلا يحقق له هذه الرغبة إلّا من يتصرف في الكون كله بسهولة مطلقة، يفتح بابَ دار الآخرة بعد أن يسد بابَ دار الدنيا كفتح بابِ منیزلٍ وغلقِ آخرَ.
ففي الإنسان أُلوفٌ من الرغبات الإيجابية والسلبية أمثال هذه الرغبة، رغبة البقاء. تلك الرغبات ممتدةٌ إلى جهة الأبد والخلود ومنتشرةٌ في أقطار العالم كله. فالذي يُطَمئِن هذه الرغباتِ ويهدهدُها ويضمد جرحَي الإنسان الغائرَين؛ العجزَ والفقر، ليس إلّا الواحد الأحد الذي بيده مقاليد كل شيء.
وكذا في الإنسان من المطالب الدقيقة الجزئية والخفية جدّا تخص راحةَ قلبه وسلامته، وله أيضا من المقاصد الكلية المحيطة ما هو مدارٌ لبقاء روحه وسعادتها، بحيث لا يمكن أن يحققها له إلّا من يبصر ما لا يُرى من أرقِّ حجب القلب ويهتم بها، ويسمع ما لا يُسمَع من أخفى الأصوات ويستجيب لها، ومن له القدرةُ على تسخير السماوات والأرض في وظائفَ جليلة كتسخير الجندي المنقاد للأوامر. وكذا فإن جميع أجهزة الإنسان ومشاعره تأخذ مكانةً رفيعة بسر التوحيد، في حين تسقط إلى هاوية سحيقة بالكفر والشرك.
فمثلا: العقل الذي هو أفضلُ أجهزة الإنسان وأرقاها، إنْ استُعمل بسر التوحيد، فإنه يصبح مفتاحا ثمينا بحيث يفتح الكنوزَ الإلهية السامية وألوفا من خزائن الكون؛ بينما إذا تخبّط ذلك العقل في وحل الضلالة والكفر فإنه يصبح آلةَ تعذيبٍ ووسيلةَ إزعاج، بما يجمع من آلام الماضي الحزينة ومخاوف المستقبل الرهيبة.
ومثلا: الشفقةُ والحنان، وهي ألطفُ سجية من سجايا الإنسان وأحلاها، إن لم يسعفها سرُّ التوحيد، تتحول إلى ألم الحُرقة وعذاب الفراق وجرح العطف، فتتحول إلى مصيبة كبرى تدفع بالإنسان إلى درك الشقاء.
— 19 —
نعم، إن الوالدة الغافلة عن اللّٰه والفاقدة لوحيدها إلى الأبد تستشعر هذه الحرقة شعورا كاملا.
ومثلا: المحبة التي هي ألذُّ شعور في الإنسان وأطيبُه وأسماه، إذا ما أعانها سرُّ التوحيد تجعل الإنسانَ الصغير واسعا سعةَ الكون وعظيما وكبيرا كبرَه حتى تجعله سلطانا محبوبا على المخلوقات كافة؛ بينما المحبةُ نفسها إذا ما تردت إلى الشرك والكفر -والعياذ باللّٰه- فإنها تنقلب إلى مصيبة عظيمة بحيث تمزّق قلبَ الإنسان الضعيف كل حين وآن بفراق أحبته غير المعدودين فراقا أبديا حيث يمحوهم الزوالُ والفناء دائما. بيد أن أنواع اللهو والغفلة تحُول دون استشعار الإنسان بهذا الألم، إذ تُبطل شعورَه وحسّه مؤقتا وظاهرا.
فإذا ما قِسْتَ المئات من أجهزة الإنسان ومشاعره على هذه الأمثلة الثلاثة، تدرك عندئذٍ إلى أيّ مدى يكون التوحيدُ محورا للكمالات الإنسانية.
نكتفي بهذه الإشارة القصيرة إلى هذه الثمرة الثالثة حيث إنها فُصّلت تفصيلا وافيا مع دلائلها في أكثرَ من عشرين رسالة من "سراج النور".
إن الذي أوصلني إلى هذه الثمرة وساقني إليها هو الشعور الآتي:
كنتُ يوما على قمة جبل، تراءى لي القبرُ بكل معناه، وبدا لي الموتُ بكل حقائقه، وظهر لي الزوالُ والفناء بلوحاته الحزينة المبكية، وذلك بوساطةِ يقظةٍ روحية بددت ظلمةَ الغفلة. فاحتدّ عشقُ البقاء المغروز في فطرتي -كما هو في الآخرين- احتدّ غاضبا أمام هذا المنظر، فشق عصا الطاعة إزاء الزوال. وفار ما فيّ من العطف على بني الجنس والرأفة على نوع البشر وطغى إزاء القبر وفناءِ الأنبياء المكرّمين وأهل الفضل الموقرين من الأولياء والأصفياء، الذين أكنّ لهم حبا شديدا وتبجيلا عظيما وتقديرا لائقا وأرتبط بهم بعلاقة وثيقة.
وإزاء هذا الأمر توجهتُ إلى الجهات الست لأستمدّ منها العونَ، فلم أجد ما يسلّيني أبدا؛ حيث إن جهة الماضي قد تحولت إلى مقبرة كبرى واسعة، وجهةَ المستقبل مظلم مخيف، وجهة الفوق مخيفةٌ رهيبة، وجهةَ الأسفل وكذا اليمين والشمال كلها جهاتٌ تورث حالات أليمة حزينة. فرأيت كأن الأشياء المضرة التي لا تحد تَنقضّ عليّ انقضاضا، فأغاثني سرُّ التوحيد من حالتي التي كنت فيها ورَفَع السیتار من أمام بصيرتي وأراني حقيقةَ هذه الجهات
— 20 —
قائلا: "انظر". فنظرتُ أولَ ما نظرت إلى وجه الموت المخيف، ورأيت أن الموت لأهل الإيمان تسريحٌ من الوظيفة، والأجَل هو بطاقته. فالموتُ إذن تبديلُ مكان، ومقدمةُ حياة باقية، وبابٌ إليها. وهو انطلاق من سجن الدنيا إلى بساتين الآخرة. وهو انتظارُ زمن الوصول إلى ديوان الرحمن الرحيم لاستلام أجرة العمل، وهو دعوة إلى دار السعادة..
ولمّا فهمتُ حقيقةَ الموت فهما يقينا أحببتُه.
ثم نظرت إلى الزوال والفناء، ورأيت أن زوالَ الأشياء إنما هو تجديدٌ لها ولأمثالها، فهو تجديد ممتعٌ ملذّ، شبيهٌ بتجدد مشاهد السينما، وشبيه بتجدد جمال حباب النهر الجاري تحت ضوء الشمس. لذا علمت يقينا أن زوال الأشياء وفناءها إنما هو تجديد للتجليات الجميلة للأسماء الحسنى، ووظيفة يؤديها ضمن سيرٍ وتجوال في عالم الشهادة بعد مجيئها من عالم الغيب، وهو مظاهر حكيمة لجمال الربوبية، فالموجودات تؤدي به وظيفةَ المرآة إزاء الحسن السرمدي.
ثم نظرت إلى الجهات الست ورأيت أنها نورانية بسرّ التوحيد بل نورانية إلى حدّ يكاد سنا نورِها يخطف الأبصار، حتى رأيت أن الزمان الماضي لم يعُد مقبرةً عظيمة بل انقلب إلى المستقبل ليكون مجالسَ نورانية ومجامعَ أحبابٍ ومناظرَ نورانيةً تزيد على الألوف.
وهكذا على غرار هاتين المادتين نظرت إلى الوجوه الحقيقية لألوف المواد، ورأيت أنها لا تورِث إلّا السرورَ والشكر.
إن شعوري هذا وتذوقي الروحيَّ هذا في الثمرة الثالثة قد وضّحا مع الدلائل القاطعة الكلية والجزئية في "سراج النور" بل في أربعين من أجزائها ولا سيما في "اللمعة السادسة والعشرين" (رسالة الشيوخ) في رجاياها الثلاث عشرة. إذ قد وضّحت هناك وضوحا كافيا لا إيضاح فوقه، لذا اختصرت هذه المسألة الطويلة في هذا المقام.
— 21 —

المقام الثاني

إن الدلائل التي تقتضي -قطعا- التوحيدَ وتستلزم الوحدانيةَ وتوجب الوحدة وترفض الشرك وتردّ المشاركة ولا تسمح بهما قطعا.. لا تُعد ولا تحصى.
وحيث إن مئاتٍ بل ألوفا من تلك البراهين قد أثبتت إثباتا مفصلا في رسائل النور. يشار هنا إلى ثلاث فقط من المقتضيات إشارةً مجملة.
المقتضى الأول هذه المصنوعات إنما تُخلق وتوجد بالصفات المطلقة لحاكم حكيم، كبير كامل، وبأسمائه المطلقة وبعلمه غير المحدود وبقدرته غير المتناهية. يشهد على هذا ما هو ماثلٌ أمامنا من الأفعال الحكيمة والتصاريف البصيرة للأمور الجارية في هذا الكون.
نعم، يُفهم ويُعلم قطعا بحدس قطعي من هذه الآثار بل يُشاهد: أن ذلك الصانع له حاكميةٌ وآمريةٌ بدرجة الربوبية العامة، وله كبرياءٌ وعظمة بدرجة الجبروتية المطلقة، وله كمال واستغناء عن غيره بدرجة الألوهية المطلقة، وله فعالية وسلطنة لا تتناهى ولا يحدّها حدّ ولا يقيدها قيد.
فالحاكمية والكبرياء والكمال والاستغناء عن الغير والإطلاقُ والإحاطة وعدم التناهي وعدم الحدّ، كلُها تستلزم الوحدانيةَ وتضادّ الشرك.
فشهادة الحاكمية والآمرية على التوحيد والوحدانية قد أُثبتت في مواضعَ كثيرة من رسائل النور، نورد زبدة خلاصتها على النحو الآتي:
إن شأنَ الحاكمية ومقتضاها الاستقلالُ والانفراد وردُّ مداخلة الآخرين، حتى إن الإنسان المحتاج -فطرةً- إلى معاونة الآخرين لعَجزه، يردُّ مداخلةَ غيره في شؤونه بظلٍ من تلك الحاكمية حفاظا على استقلاله؛ لذا فلا يوجد سلطانان في بلد، ولا واليان في ولاية، ولا
— 22 —
مديران في ناحية، بل ولا مختاران في قرية. وإذا ما وُجد سلطانان في بلد فالأمور تضطرب ويختل النظام ويحدث الهرج والمرج.
فلئن كان ظلُّ حاكميةٍ في الإنسان العاجز المحتاج إلى المعاونة يردُّ مداخلة الآخرين ويرفض اشتراكَهم رفضا باتا إلى هذه الدرجة، فلا تَقبل -قطعا- حاكميةٌ في ربوبية مطلقة للقدير المطلق المنیزّه عن العجز مداخلةَ سواها واشتراكَه، بل تردّه ردّا قويا، وتطرد من ديوانها مَن يتوهم الشركَ ويعتقد به طردا عنيفا.
ومن هذه الحقيقة ينبثق الزجرُ العنيف الذي يزجر القرآنُ الكريم به المشركين ويردّهم.
أما شهادةُ الكبرياء والعظمة والجلال على الوحدانية، فهي الأخرى قد بُيّنت براهينُها الساطعة في رسائل النور. لذا يشار إلى فحواها في اختصار شديد.
مثال: كما أن عظمةَ نور الشمس، وكبرياءَ ضيائها لا تدعان حاجةً إلى أنوار ضعيفة أخرى بقربها وبلا حائل، ولا تمنح لها تأثيرا يذكر؛ كذلك عظمةُ القدرة الإلهية وكبرياؤها لا تدَعان حاجةً إلى أية قدرة أخرى وإلى أية قوة أخرى، ولا تفوّضان إليهما أيَّ إيجاد كان ولا أيَّ تأثير حقيقي كان، ولاسيما في ذوي الحياة والشعور من المخلوقات التي تتمركز فيها جميعُ المقاصد الربانية في الكون وتدور عليها. فلا يمكن أن تدع تلك العظمةُ والكبرياء شيئا منها إلى الأغيار قطعا. وكذا الأحوالُ والثمرات والنتائج التي هي في جزئيات ذوي الحياة والتي تتظاهر فيها غاياتُ خلق الإنسان وغاياتُ إيجاد النعم التي لا تعد ولا تحصى، فلا يمكن إحالتها إلى يد الأغيار قطعا.
فمثلا: الامتنان الحقيقي والرضى الحقيقي الذي ينبعث من كائن حي نتيجةَ شفاءٍ جزئي من مرض، أو رزق جزئي أتاه، أو اهتداء إلى اللّٰه، لا يمكن أن يتوجه إلا إليه تعالى. فتقديم الحمد والثناء إلى غيره تعالى يمسّ عظمةَ الربوبية وكبرياءَ الألوهية ويتجاوز على عزة المعبودية المطلقة والجلال.
أما إشارة الكمال إلى سر الوحدانية فهي الأخرى قد وُضّحت في رسائل النور ببراهينها الساطعة.
— 23 —
وخلاصة مختصرة لفحواها هي: أنَّ خلق السماوات والأرض يقتضي بالبداهة قدرةً مطلقة في منتهى الكمال، بل إن الأجهزة العجيبة لكل كائن حي تقتضي كذلك قدرةً في كمال مطلق. والكمال الذي هو في القدرة المطلقة المنیزّهة عن العجز والمبرّأة عن القيد يستلزم الوحدانيةَ بلا شك. إذ بخلافه يعتري كمالَه النقصُ وإطلاقَه القيدُ، ويعني إنهاءَ لا تناهيه، وإسقاطَ أقوى قدرةٍ إلى أضعفِ عجز، ويستلزم إنهاءَ قدرةٍ لا تتناهى وفي لا تناهيه بشيء متناهٍ. وهذا محال في محال بخمسة وجوه.
أما شهادة الإطلاق والإحاطة وعدم التناهي على الوحدانية فهي الأخرى قد ذُكرت مفصلا في رسائل "سراج النور" ومضمونها المختصر هو: أنَّ كل فعل من الأفعال الجارية في الكون، بانتشار أثره في جميع النواحي انتشارا مستوليا يبين أنه محيط وطليق ولا حدودَ له ولا قيدَ يقيده. وأن الشرك والاشتراك يجعل تلك الإحاطة تحت الانحصار وذلك الإطلاقَ تحت القيد وتلك اللامحدودية تحت الحد، فيفسد حقيقةَ الإطلاق وماهية الإحاطة.. فلابد أن الشرك محال في تلك الأفعال التي هي مطلقة ومحيطة بكل شيء، ولاوجود له حتما.
نعم، إن ماهيةَ الإطلاق ضدُّ الشرك، لأنَّ معنى الإطلاق حتى لو كان في شيء متناهٍ ومادي ومحدود، فإنه ينتشر انتشارَ استيلاءٍ واستقلال إلى جميع الأطراف. كالهواء والضياء والنور والحرارة بل حتى الماء، إذا ما نال أيٌّ من هذه الأشياء صفةَ الإطلاق فإنه ينتشر إلى جميع الأطراف والجهات.
فما دامت جهةُ الإطلاق -حتى لو كانت في الشيء الجزئي- تجعل الأشياءَ المادية والمحدودة مستوليةً على هذه الصورة، فلابد أن الإطلاقَ الحقيقي الكلي يمنح الصفات اللانهائية والمنیزّهة عن المادة والتي لا تحدّها حدود والمبرّأة عن القصور، يمنحها استيلاءً وإحاطةً كاملة إلى حدّ لا يمكن أن تقبل الشركَ والاشتراك بأية جهة كانت ولا يمكن أن يكون لهما احتمال قطعا.
حاصل الكلام: إن حاكميةَ ألوف الأفعال العمومية الجارية في الكون ومئاتِ الأسماء الإلهية المشهودةَ تجلياتُها وكبرياؤها وكمالُها وإحاطتها وإطلاقها ولا تناهيها، كلٌ منها برهان قوي للوحدانية والتوحيد.
— 24 —
فمثلا: كما أن قوة خارقة لدى شروعها بفعالية ما، تستولي على الجهات كلها، وتشتت القوى الأخرى. كذلك كلُ فعل من أفعال الربوبية وكلُ تجلٍّ من تجليات الأسماء الإلهية، تُظهر قوتَها الخارقة جدّا في آثارها بحيث لو لم تكن حكمةٌ عامة وعدالةٌ مطلقة ولم توقِفها عن حدّها لكان كلٌ من تلك القوى يستولي على الموجودات قاطبة. فالقوة التي تخلق شجرة الحَور في الأرض عموما وتدبّر أمورَها، لا تدع قطعا هذه القوةُ الكليةُ أفرادًا جزئية لأشجار الجوز والتفاح والمشمش المنتشرة بين أشجار الحَور والملاصقة لها، إلى قوى أخرى غيرها. ولا يمكن إلّا وتستولي عليها أيضا وتضمها بين تدبيرها للأمور.
نعم، إن مثل هذه القوة والقدرة المصرِّفة للأمور تُستَشعر في كل نوع من المخلوقات، بل في كل فرد من الأفراد، وتشاهَد أنها تتمكن من أن تستولي على الكائنات كلها وعلى الأشياء كلها، وتهيمن على الموجودات قاطبة.
فلاشك أن قوةً كهذه لا تقبل الاشتراك قطعا ولا تسمح بالشرك في أية جهة كانت.
وكذا إن أكثر ما يوليه صاحبُ شجرة مثمرة من اهتمام وأكثرَ ما يظهره من علاقة بها هو ثمراتُها المتدلية في نهايات أغصانها، ونواها الغائرة في قلب تلك الثمرات بل هي قلوبُها بالذات. ولا شك أنه لا يخل بمالكيته عبثا -إن كان راشدا- بتمليك تلك الثمرات المتدلية من الأغصان إلى الآخرين تمليكا دائميا.
كذلك الأمر في الشجرة المسماة بالكون، التي تمثل العناصرُ أغصانَها، وما في نهايات تلك العناصر من نباتات وحيوانات تمثل أزهارها وأوراقها، وما في قمم تلك الأغصان وفي ذروة تلك الأوراق والأزاهير من ثمرات تمثل الإنسانَ. فإنّ أجلَّ نتائج سعي تلك الثمرات البديعة ونتيجة خلقته هي العبوديةُ للّٰه وتقديم الشكر والحمد له وحده، ولاسيما ما ينطلق من النوى الجامعة لتلك الثمرات، تلك هي قلوب البشر وقواهم الحافظة المسماة بظهر القلب.. [٭]: انظر: البخاري، فضائل القرآن ٢٢، النكاح ١٤، ٣٥؛ مسلم، النكاح ٧٦؛ النسائي، النكاح ٦٢؛ الدارمي، فضائل القرآن ٣٣. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يَدَعها سبحانه لاغتصاب الأغيار فيهوّن من شأن عظمة ربوبيته وعزتها مخلا به معبوديته. تعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا.
— 25 —
وكذا، لما كانت مقاصدُ الربوبية قد تمركزت في الجزئيات التي هي في منتهى دائرة الممكنات والكثرة، بل تمركزت حتى في جزئيات أحوال تلك الجزئيات، وفي جزئيات أطوارها التي تمتد إلى المعبودية وتتوجه إلى المعبود سبحانه.. ولما كان جميعُ أنواع الامتنان والحمد والثناء وجميع أضراب الشكران والعبادات ناشئةً من تلك الجزئيات، فلا شك أنه سبحانه لا يسلّمها إلى الأغيار، فلا يفسد حكمتَه الجليلة بهذا التسليم، ولا يسقط ألوهيتَه المهيبة بهذا الإفساد. لأنَّ أهم المقاصد الربانية في خلق الموجودات هو تعريف وتحبيب نفسه سبحانه إلى ذوي الشعور، ودفعهم إلى تقديم حمدهم وشكرهم وثنائهم له وحده.
ولأجل هذا السر الدقيق فإن الأفعال والآلاء -الجزئية منها والكلية- المتمركزة في منتهى دائرة الكثرة، كالرزق والشفاء ولاسيما الاهتداء والإيمان وأمثالها من الأفعال والآلاء التي تُنتج الشكرَ وتبعث على العبادة والحمد والمحبة والعبودية والثناء؛ إنما هي إحسانٌ مباشر لرب العالمين وإنعامٌ مباشر لسلطان الموجودات وأثر مباشر لهدايته وفعله. ومن أجل إراءة ذلك يُسند القرآنُ الكريم مكررا الرزقَ والهداية والشفاء إلى الواجب الوجود، ويبين أن إحسانَ كلٍ منها إنما هو خاص به وحده ومنحصر به وحده، وفي الوقت نفسه يردّ ردا قويا تدخّلَ الأغيار في تلك الأفعال الجليلة. (٭): كقوله تعالى: (ان اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات:٥٨) (المؤلف).
نعم، إن نعمة الإيمان التي تُكسب دارَ سعادة أبدية لا تكون إلّا نعمةَ مَن خَلَق تلك الدار ومن جعل الإيمان مفتاحا لها، وهو اللّٰه ذو الجلال والإكرام، وليس غيرَه إطلاقا؛ إذ لا يمكن أن يكون غيرُه تعالى مُنعمَ مثلِ هذه النعمة العظمى، فيسد أعظم نافذة مطلة على المعبودية ويُغصب أجلّ وسيلة إليها.
حاصل الكلام: إن أدق الأحوال الجزئية والثمرات التي هي في أقصى نهايات شجرة الخلق تشهد وتشير إلى التوحيد والوحدانية بجهتين:
أولاها: لأنَّ مقاصدَ الربوبية في الكون تتجمع في الأحوال الجزئية، وغاياتها تتمركز فيها، وتجليات أكثر الأسماء الحسنى وظهورها وتعيناتها تجتمع فيها، ونتائج خلق الموجودات وفوائدها تبرز فيها؛ لذا فإن كلا منها تقول انطلاقا من نقطة التمركز والتجمع هذه: أنا مُلك مَن خلق الكون بأسره، أنا فِعلُه وأثره.
— 26 —
أما الجهة الثانية: فإن قلب تلك الثمرة الجزئية وذهنَ الإنسان المسمى حسب الحديث الشريف بظهر القلب، فهرسٌ مختصر لأكثر الأنواع، ونموذج مصغّر لخريطتها، وبذرة معنوية لشجرة الكون، ومرآة رقيقة لأكثر الأسماء الإلهية. فانتشارُ تلك القلوب والأذهان وأمثالها التي هي على نمط واحد انتشارا مستوليا ومهيمنا على وجه الكائنات كلها، يرنو بلا شك إلى مَن بيده مقاليد السماوات والأرض، فيقول كلٌ منها: أنا أثرُه وحدَه، أنا إتقانُه وحدَه.
زبدة الكلام: مثلما تتوجه الثمرة إلى مالك شجرتها من حيث كونها مفيدة، وترنو إلى جميع أجهزة تلك الشجرة وأغصانها وماهيتها من حيث نواها. وتنظر إلى جميع ثمار تلك الشجرة من حيث سكّتها المضروبة على وجهها والموجودة في مثيلاتها. فتقول جميعا: "نحن على نمط واحد، صَدَرْنا من يد واحدة، ونحن مُلك لمالك واحد، فالذي خلقَ واحدة منا هو خالقُ جميعنا بلا شك".
كذلك الأمر في الكائن الحي الذي هو في نهايات دائرة الكثرة، ولاسيما الإنسان، وبخاصة من حيث العلامات الفارقة الموجودة على وجهه، ومن حيث ما في قلبه من فهرس، ومن حيث ما في ماهيته من نتائج، تتوجه كلُها إلى الذي يمسك السماوات والأرضَ بربوبيته الجليلة وتشهد على وحدانيته جل وعلا.
المقتضى الثاني للوحدانية هو أن في الوحدانية سهولةً ويسرا بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوبةً ومشكلاتٍ بدرجة الامتناع.
وقد أُثبتت هذه الحقيقة إثباتا قاطعا وأُظهرت ببراهينَ دامغةٍ في رسائل عديدة من "سراج النور" ولاسيما في "المكتوب العشرين"، حيث وضّحت مفصلا، وفي "النكتة الرابعة من اللمعة الثلاثين"، حيث وضّحت مجملا، وعلى النحو الآتي:
إذا فُوّض أمرُ جميع الأشياء إلى ذات الواحد الأحد فإن خلقَ الكونِ كله وتدبيرَ أمره يكون سهلا كسهولة خلق شجرة، ويكون خلقُ الشجرة وإنشاؤها سهلا كسهولة خلق ثمرة واحدة، ويكون إبداعُ ربيع كامل وإدارتُه سهلا كسهولة إدارة زهرة واحدة، وتكون تربيةُ نوعٍ يضم ما لا يحد من الأفراد وتدبيرُ أمرها سهلًا وبلا مشكلات كسهولة إدارة فرد واحد.
— 27 —
بينما إذا فوّض في طريق الشرك خَلقُ فرد واحد إلى الأسباب والطبيعة فإنه يكون صعبا كصعوبة خلق النوع بل الأنواعِ، ويكون إبداع زهرة واحدة إيجادا حيويا كإبداع ربيع بل عدة ربوع، وإنشاء ثمرة واحدة وإحيائها عسيرا كخلق الشجرة بل مائة شجرة، ويكون إيجاد شجرة وإنشاؤها وإحياؤها وإدارتها ورعايتها وتدبير أمورها ذاتَ مشكلاتٍ عويصة كإدارة الكون كله بل أكثر منها.
وحيث إن هذا الأمر قد أُثبت في "سراج النور" على هذه الصورة، ونحن نشاهد وفرةً في المخلوقات مع منتهى الإتقان والجودة، حتى إن كل ذي حياة وهي كماكنة خارقة تضم أجهزة كثيرة يُخلق بوفرة مطلقة وبسهولة متناهية بلا معالجة ولا تكلف وفي لمح البصر، مما يبين لنا بالضرورة وبالبداهة أن تلك الوفرة وتلك السهولة ناشئتان من الوحدانية، ومن كونهما أفعالَ واحدٍ أحد. إذ خلافَ ذلك لا ينعدم الرخص والوفرة والسرعة والسهولة والإتقان وحدها، بل لا يمكن أيضا شراءُ ثمرة قيمتها خمس بارات [٭]: بارة: كلمة معربة من الفارسية، وهي قطعة من النقد تساوي ربع من القرش، وهي نقد صغير من النحاس. (المعجم الاقتصادي الإسلامي). فقط بخمسمائة ليرة، [٭]: ليرة: عملة ذهبية مقسمة إلى مائة قرش (المعجم الاقتصادي الإسلامي). بل تكون نادرة جدّا إلى حدّ العدم.
وإن السهولة المشاهَدة في إيجاد الأحياء واليُسرَ في إيجادها المنظَّم كيُسرِ تشغيل الساعة وانتظامِها أو المكائن الكهربائية التي تعمل بمجرد مَسِّ مفتاحها.. أقول هذه السهولة المشاهَدة في إيجاد الأحياء ويسرُ إيجادها تصبح -في طريق الشرك- من الصعوبة والمشكلات بدرجة الامتناع.
وإن الأحياء التي تُولَد في يوم أو في ساعة بل في دقيقة واحدة، وتأتي إلى الحياة والدنيا مع كامل أجهزتها وشرائط حياتها، لا تأتي إلى الوجود -في طريق الشرك- في سنة بل ولا في عصر بل ولا تأتي إليه أصلا.
وقد أُثبت في "سراج النور" في أكثر من مائة موضع إثباتا جازما، يُلزِم حتى أعتى معاندٍ مكابر، أنه: إذا أُسنِدتْ جميعُ الأشياء إلى ذات الواحد الأحد جلّ وعلا، فإن الخلقَ والإيجاد يكون كخلق شيء واحد ويتم في سرعة فائقة وفي رخص وموفورية؛ بينما إذا أُسندت وأُعطيت حصةٌ إلى الأسباب والطبيعة، فإن إيجاد شيء واحد يكون صعبا معضلا وبطيئا وتافها لا أهمية له، باهظا غاليا، كجميع الأشياء.
— 28 —
وإنْ شئت أن ترى براهين هذه الحقيقة فانظر إلى "المكتوب العشییرين" و"المكتوب الثالث والثلاثين"، وانظر إلى "الكلمة الثانية والعشرين" و"الكلمة الثانية والثلاثين"، وانظر إلى "اللمعة الثالثة والعشییرين" الخاصة بالطبيعة و"اللمعة الثلاثين" الخاصة بتجليات الاسییم الأعظم، ولاسيما النكتة الرابعة والسادسة منها الباحثة عن اسییم "الفرد" واسم "القيوم"، تَییرَ أن هذه الحقيقة قد أُثبتت في تلك الرسیییائل إثباتا يقينا كضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا.
أما هنا فسنشير إلى برهان واحد من تلك المئات من البراهين. وعلى النحو الآتي:
إن إيجاد الأشياء إما من العدم أو بالإنشاء أي بالتركيب، حيث تُجمع من العناصر وتجمع من الموجودات.
فإذا أُسند الإيجاد والخلق إلى الواحد الأحد، فلابد أن يكون للذات الجليلة علم محيط بكل شيء، وقدرة مهيمنة على كل شيء. لذا فإن إعطاءَ وجود خارجي للأشياء التي صورتُها ووجودها العلمي في علمه سبحانه، وإخراجَها من عدمٍ ظاهري أمرٌ سهل جدا، لا أسهلَ منه، كسهولة إمرار مادة كيمياوية على كتابة مخفية لأجل إظهارها أو نقلِ الصورة من عدسة الكاميرا إلى الورق الحساس. وهكذا الأشياء التي تصاميمُها وبرامجها ومقاديرُها المعنوية موجودة في علم الصانع الجليل يخرجها جل وعلا بأمرِ كن فيكون من عدم ظاهري إلى وجود خارجي.
أما إن كان الخلقُ إنشاءً وتركيبا، وليس من العدم، فإن جمعَه من العناصر والموجودات هو الآخر سهل جدا، إذ كما أن اجتماع الجنود المتفرقين المنتمين لطابور معين بصوت من بوق، وأخْذَ كلٍ منهم وضعا منتظما أمر سهل، وأن الجنود كلهم يكونون بمثابة قوة ساندة لقائدهم وقانونِه النافذ وعينه الباصرة لأجل تسهيل عملية السَوق العسكري والحفاظِ على وضع معين.. كذلك تُساق الذراتُ المنضويةُ تحت قيادة رب العالمين بدساتيرِ قدَره وعلمه وبقوانين قدرته المهيمنة، وتصبح الموجوداتُ التي لها مساس مع تلك الذرات بمثابة قوة ذلك السلطان وقانونه وموظفيه ووسائلَ تسهيل وتيسير. فتأتي تلك الذرات لتشكيل وجودِ كائن حي، فتدخل ضمن مقدارٍ معين كقالب معنوي علمي وقَدَري، وتقف هناك.
— 29 —
ولكن إذا أُسند خلقُ الأشياء إلى أيیدٍ متفرقة عديدة، وإلى أمثال الأسیباب والطبيعة، فإن أيَّ سبب كان لا يقدر على إيجاد شيء من العدم ومن أية جهة كانت. وهذا ما يتفق عليه جميعُ أهل العقل، لأن ذلك السبب لا يملك علما محيطا بكل شيء ولا قدرةً مهيمنة على كل شيء؛ لذا لا يكون ذلك العدمُ عدما ظاهريا وخارجيًّا وحده بل يكون أيضا عدما مطلقا. والعدم المطلق لا يكون -قطعا- منشأً لوجود، لذا لابد أن يُركّب.
والحال أن تركيب وإنشاءَ جسم ذبابة واحدة أو زهرةٍ واحدة يقتضي جمعَ جميع ذراته من سطح الأرض كافة بعد تصفيتها وتنقيتها بمصافٍ معينة دقيقة، ولا يمكن ذلك إلّا بعد مشكلات عديدة، وحتى بعد مجيئها فإن المحافظة عليها في وضع منتظم دون أن تتبعثر وتتشتت داخلَ ذلك الجسم أمرٌ عسير آخَر، لعدم وجود قوالب معنوية علمية، إذ يلزم وجود قوالب مادية وطبيعية بعدد أعضاء ذلك الكائن، كي يتشكل ذلك الجسم للكائن..
وهكذا فإن إسناد خلق جميع الأشياء إلى واحد أحد يولّد سهولة متناهية بدرجة الوجوب واللزوم، بعكس إسناده إلى الأسباب العديدة يولد مشكلات وصعوبات بدرجة المحال. فلو فُوّض أمرُ كل شيء إلى الواحد الأحد جل وعلا لأصبح الموجود في غاية النفاسة مع الوفرة المطلقة، وفي غاية الإتقان مع منتهى الحكمة والقوة، بينما لو أُسند في طريق الشرك إلى الأسباب المتعددة والطبيعة يكون الموجودُ في منتهى الغلاء مع أنه في منتهى التفاهة والتشوه والضعف. لأن شخصًا واحدًا بصفة الجندية يحمل قوةً معنوية بانتسابه إلى قائد عظيم واستناده إليه، إذ يمكن أن يُحشِّد له جيشا عظيما إذا لزم الأمر. فضلا عن أن قوة ذلك القائد والجيش تكون قوة احتياطية له، فتتضاعف قوتُه الشخصية إلى ألوف الأضعاف فيكسب قدرة مادية علاوة على عدم اضطراره إلى حمل منابع تلك القوة التي انتسب إليها ولا إلى حمل مخازنِ عتادِه حيث الجيش ينقلها، لذا يستطيع ذلك الجندي أسر مشير لدى العدو، وعلى تهجير مدينة كاملة، وتسخير قلعة عظيمة، فيكون أثرُه خارقا وذا قيمة واعتبار. ولكن إذا ما تَرك ذلك الشخص الجندية وأصبح سائبا، فإنه يفقد -كليا- تلك القوةَ المعنوية الخارقة وتلك القدرة الخارقة والاقتدار الخارق، ويصبحُ إنسانا اعتياديا لا يقدر على شيء إلّا بقدر قوته الشخصية من أمور بسيطة جزئية لا أهميةَ لها، فيصغُر تأثيرُه بتلك النسبة.
— 30 —
وعلى غرار هذا تماما، ففي طريق التوحيد يستند كلُّ شيء وينتسب إلى القدير الجليل، لذا فكما تغلب نملةٌ فرعونا وبعوضةٌ نمرودا وجرثومةٌ جبارا عنيدا وكما تحمل بذيرةٌ صغيرةٌ على كتفها شجرةً ضخمة كالجبل، فضلا عن كونها منشأ ومخزنَ جميع آلات تلك الشجرة وأجهزتها، فإن كل ذرة أيضا يمكن أن تؤدي وظائفَ لا تحد بذلك الاستناد والانتساب كتشكيل الصور والأجسام التي تحمل مئات الألوف من الإتقان والأنواع والأنماط والأشكال. وتصبح الآثار التي تؤديها تلك المأمورات اللطيفات وهذه المجنّدات الصغيرات في منتهى الكمال والإتقان والنفاسة والجودة؛ لأن الذي يصنع تلك الآثار هو القدير ذو الجلال قد وضع في يد تلك الموظفات هذه الآثارَ وجعلهن ستارا لقدرته.
ولكن إذا ما أُسند الأمر إلى الأسباب -كما هو في طريق الشرك- فإن تأثير النملة يصبح تافها ضئيلا كالنملة نفسها وإتقانَ الذرة لا يعدّ شيئا كالذرة نفسها، بمعنى أن كل شيء يسقط معنًى كما يسقط مادةً أيضا بحيث لا تُشترى الدنيا عندئذٍ بشروى نقير.
فما دامت الحقيقة هي هذه، وأن كل شيء في غاية النفاسة والإبداع والقوة والمغزى العميق كما هو مشاهَد، فلا ريب أنه لا طريق غير طريق التوحيد. وإذا ما وجد طريقٌ غيره فيلزم تبديلُ الموجودات وإفراغُ الدنيا في العدم وإملاؤها مجددا بأمور تافهة بدلا منها، ليفتح طريقا أمام الشرك ليسلكه!!
وها قد سمعتَ مجمل برهان واحد يخص التوحيد من مئات البراهين الموضحة في رسائل النور، فلك أن تقيس البقية.
المقتضى الثالث للتوحيد إن الخلق في كل شيء -ولاسيما في الأحياء- هو في منتهى الإبداع وغاية الإتقان. زد على ذلك، فالنوية الصغيرة نموذجُ الثمرة، والثمرة نموذج الشجرة، والشجرة نموذج النوع، والنوع نموذج الكون ومثالُه المصغر، وفهرسه المختصر، وخريطته المجمَلة، وبذرتُه المعنوية، ونقطةٌ جامعة مترشحةٌ من الكون، وقطرةُ خميرةٍ جُمعت منه محلوبةً بدساتير علمية وبموازين حكيمة.
— 31 —
لذا فالذي يخلق واحدا مما ذُكر لا شك أنه وحدَه خالق جميع الكون. نعم، إن الذي يخلق نواةَ البطيخ هو خالق البطيخ بالبداهة، ولا يمكن أن يكون غيره، بل محال قطعا.
نعم، إننا نشاهد أن كل ذرة في الدم منتظمةٌ إلى حدّ بعيد، وتؤدي من الوظائف الجليلة ما لا يقل في الأهمية عن أداء النجوم لوظائفها، وكذا كل كريّة حمراء وبيضاء في الدم تقوم بوظائفها تجاه الجسم بشعور تام من حيث إعاشته والحفاظ عليه وصيانته بحيث تسبق في الكمال أعظمَ مأموري توزيعِ الأرزاق وأخلصَ جنود المحافظة.
وإن حجيرات الجسم نفسها تنال كلٌ منها من الواردات والمصاريف المستهلكة وتُجري من المعاملات المنتظمة والفعالية الدائمة في الجسم بحيث تسبق إدارةَ أكملِ جسد وأبدع قصر. وكل فرد من أفراد الحيوانات والنباتات يحمل من العلامات الفارقة في وجهه والأجهزة في صدره بحيث لا يمكن أن يضع تلك العلاماتِ إلّا الذي خلق الحيوانات والنباتاتِ جميعَها.
وكل نوع من أنواع الأحياء منتشرٌ في وجه الأرض انتشارا منظما، ومختلطٌ مع سائر الأنواع اختلاطا ملائما، بحيث لا يمكن أن يَخلق ذلك النوعَ ويدير شؤونَه إلّا مَن خلق جميعَ تلك الأنواع ويديرُها ويدبرُ شؤونَها ويرعاها دفعة واحدة حتى جعل تلك الأنواع الملونة كزرابيّ حيوية منسوجة من أربعمائة ألف نوع من أنواع الحيوانات والنبات مبثوثة على سطح الأرض كافة.
فإذا ما قيست أُمور أخرى على ما ذكرنا، يُفهم أن الكون برمّته من حيث الخلق والإيجاد كلٌّ لا يقبل التجزئة، ومن حيث الربوبية وتدبير الشؤون كليٌّ لا يمكن أن ينقسم قطعا.
هذا المقتضى الثالث قد بُحث في كثير من أجزاء "سراج النور" ولاسيما في "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين"؛ إذ قد وُضح هناك وضوحا رائعا وأُثبت إثباتا دامغا بحيث ينعكس من كل شيء برهانُ وحدانيةٍ وحجةُ توحيد، كما ينعكس ضوءُ الشمس في مرآة كل شيء. لذا نختصر هنا مكتفين بذلك الإيضاح.
— 32 —

المقام الثالث

سيُبين هذا المقامُ ثلاثَ علامات كلية للتوحيد بيانا مجملا. إن الدلائل والحجج والعلامات الدالة على تحقق الوحدانية ووجودِها لا تعد ولا تحصى. وقد ذكرت في "سراج النور" الألوفُ من تلك البراهين لذا أكتُفي في هذا المقام ببيان مجمَل لثلاث حجج كلية فقط.
العلامة والحجة الأولى التي تنتج كلمة "وحدَه": هي أنَّ في كل شيء وحدةً، والوحدةُ تدل على الواحد وتشير إليه، ومما لا شك فيه أن الأثر الواحدَ يصدر من صانع واحد، فالواحدُ يصدر من الواحد. وحيث إن في كل شيء وحدة، فهي تدل على أن الشيء أثر لواحدٍ أحدٍ وصنعتِه.
نعم، إن هذا الكون أشبه ما يكون بزهرة مغلّفة بألوفٍ من ستائر الوحدة، بل هو إنسان كبير جدّا لَبِس ملابسَ الوحدة بعدد أسماء اللّٰه الحسنى وأفعاله الشاملة، وهو شجرةُ طوبى الخليقةِ تتدلى من أغصانها أنواعٌ من الوحدة بعدد أنواع المخلوقات.
نعم، إن إدارة الكون واحدةٌ، وتدبيرَ شؤونه واحدٌ، وسلطنته واحدة، وعلامته واحدة.. وهكذا واحد، واحد، واحد، إلى ألفٍ من الواحد.. وكذا الأسماء والأفعال الإلٰهية التي تدير هذا الكون كلٌ منها واحدة، فضلا عن أن كلَّ اسم وكلَ فعل يحيط بالكون كله أو بمعظمه، أي إن الحكمة الفاعلة في الكون واحدة، والعناية فيه واحدة، والتنظيم الذي فيه واحد، والإعاشة واحدة، والرحمة المغيثة للمحتاجين فيه واحدة، والمطر النازل بُشرًا بين يدي رحمته تعالى واحد. وهكذا واحد واحد واحد.. إلى الألف من الواحد.
وكذا الشمس التي تَنشر الدفء لهذا الكون واحدة، والقمرُ الذي يبعث الضياء واحد، والنار التي تطبخ المأكولات واحدة، والجبال التي هي مخازنُ وأوتادٌ ذات خزائن واحدة، والسحاب الذي يسقي البساتين واحد.. وهكذا واحد واحد واحد إلى الألف.
— 33 —
فهذه الآحاد في العالم حجة باهرة كالشمس الساطعة تدل على الواحد الأحد وتشير إليه.
وكذا فإن عناصر الكون وأنواعه كلٌ منها مع كونها واحدة إلّا أن إحاطتَها بسطح الأرض ودخولَ بعضها في البعض الآخر، واتحاد بعضها مع البعض الآخر بعلاقات قوية بل بالمعاونة، علامةٌ ظاهرة بلا شك على أن مالك الكون ومولاه وصانعَه واحد أحد.
العلامة الثانية والحجة التي تنتج كلمة "لا شريك له": هي وجود الانتظامِ الأكمل بلا خلل، والانسجامِ الأجمل بلا نقص، والميزانِ العدل الذي لا يظلم قطعا، في كل شيء في الكون ابتداءً من الذرات إلى المجرات.
نعم، لا يكون الانتظام البديع والميزان الدقيق إلّا بالوحدة والتوحيد، لأن الأيدي المتعددة إذا ما تدخَّلت في فعلٍ واحد فإنها تفسده.
فتعال وتأمل في هيبة هذا الانتظام البديع الذي جعل هذا الكون على هيئةِ قصر عظيم فخم، في كل حَجر من أحجاره صنعةُ القصر بكامله.. وجعله مدينةً رائعةَ التنسيق والنظام بحيث تُصرف صادراتُها غير المحدودة وتأتي وارداتُها غير المعدودة وأموالُها الثمينة وأرزاقها المتنوعة بانتظام كامل من وراء ستار الغيب، كلٌّ في وقته المناسب، ومن حيث لا يحتسب.. وجَعله كتابا معجزا بليغا بحيث إن كل حرف فيه يفيد معاني مائة سطر وكلَ سطر فيه يعبّر عن معاني مائة صحيفة، وكلَ صحيفة فيه تبين معاني مائة باب، وكلَ باب فيه تفصح عن معاني مائة كتاب، فضلا عن أن كلا من أبوابه وصحائفه وسطوره وكلماته وحروفه يشير الواحدُ إلى الآخر ويدلّ عليه.
وتعال وتأمل في كمال التنظيف ضمن هذا الانتظام العجيب الذي جعل الكون كله نظيفا أنيقا طاهرا كأنه مدينة رائعة في النظافة والنقاء، بل كأنه قصر بديع يُعتنَى بنظافته وأناقته غاية العناية، بل كأنه حورية من حور الجنة لبستْ سبعين حلّة من الحلل المزينة الجميلة، بل زهرةٌ لطيفة مغلّفة بسبعين ورقة من أوراقها الملونة الزاهية.
وتعال وتأمل في كمال عدالة هذا الميزان ضمن هذا الانتظام والنظافة بحيث يوزَن كل شيء بذلك الميزان؛ فالمخلوقات والحيوانات الدقيقة التي لا تُرى إلّا بعد تكبيرها ألف مرة،
— 34 —
وكذا النجوم والشموس التي هي أكبر من الأرض بألف مرة، يوزَن كلٌّ منها بذلك الميزان ويكال بمكياله، فتُعطى لتلك المخلوقات كلُ ما يلزمها من حاجيات من غير نقص وقصور حتى تتساوى أمام ذلك الميزان -ميزانِ العدالة- تلك المخلوقاتُ الصغيرة جدّا بتلك المصنوعات الخارقة في الضخامة. علما أن منها ما له تأثير عظيم إلى حدّ تختل موازنةُ العالم بفقد موازنته لثانية واحدة، ولربما تؤدي إلى انفلاق القيامة.
وتعال وتأمل في هذا الجمال الزاهي والحسن الباهر ضمن هذا الانتظام والنظافة والميزان، بحيث جعلَ هذا الكون العظيم على صورة مهرجان في منتهى الجمال والبهجة، وعلى صورةِ معرض بديع في منتهى الزينة والروعة، وعلى صورة ربيع زاهٍ تفتحت أزاهيرُه توا. وجمّل الربيع كزهرة عظيمة واسعة تغطي وجه الأرض بمئات الألوف من أزاهيره الجميلة، وكل زهرة منها في أروع زينة وأبدع جمال، بل جعله كسندانة زاهية وباقة زهر لطيفة أمامنا.
نعم، إن كل نوع من أنواع الكائنات، بل حتى كل فرد من أفرادها قد نال حسب قابليته حظا من جمال الأسماء الإلهية الحسنى التي لا منتهى لجمالها. حتى دفع حجةَ الإسلام الإمام الغزالي(٭) إلى القول: "ليس في الإمكان أبدعُ مما كان" [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٢٥٨؛ ابن عربي، الفتوحات المكية ١/٥٣، ٤/١٥٤، ٦/٣٩٢؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء ١٩/٣٣٧. أي ليس في دائرة الإمكان أبدعُ وأجملُ من هذه المكوَّنات.
وهكذا فهذا الحُسن المحيط الجاذب، وهذه النظافة العامة الخارقة، وهذا الميزان الحساس المهيمن الشامل، وهذا الانتظام والانسجام المعجز المحيط بكل شيء، حجةٌ قاطعة على الوحدانية وعلامة واضحة على التوحيد أسطعَ من ضوء الشمس في رابعة النهار.
— 35 —
"جواب في غاية القوة والإيجاز عن سؤال ذي شقين في غاية الأهمية يخص هذا المقام"
الشق الأول من السؤال: إنك تقول في هذا المقام: لقد أحاط الحسنُ والجمالُ والعدالةُ بالكون. ولكن ما تقول فيما نشاهده من القبائح والمصائب والأمراض والبلايا والأموات؟
الجواب: إن قبحا يكون سببا لإنتاج أنواع من الجمال أو سببا لإظهارها يُعدّ كذلك جمالا. وإن انعدام قبحٍ يؤدي إلى إخفاء كثير من الجمال وإلى عدم ظهوره لا يُعدّ قبحا واحدا، بل أضعافا مضاعفة من القبح.
فمثلا: إنْ لم يوجد قبحٌ كواحد قياسي، تصبح حقيقةُ الحسن نوعا واحدا وتختفي مراتبُه الكثيرة جدّا. ولكن بتداخل القبح فيه تظهر مراتبُه. إذ كما تظهر درجات الحرارة بتداخل البرودة، ومراتب الضوء بوجیود الظلام كذلك بوجود الشیر الجزئي والضرر الجزئي والمصيبة الجزئية والقبح الجزئي تظهر الخيراتُ الكلية والمنافع الكلية والنعم الكلية وأضراب الجمال الكلي، بمعنى أن إيجاد القبيح ليس قبيحا، بیل جميلًا؛ لأن كثيرا من النتائج المتولدة منه جميلة. نعم، إن الكسیلان الذي قد يتأذى من المطر، لا يیقیدح ضررُه بیالنیتائج الخيّرة التي جعلت المطر رحمة، ولا يمكنه أن يبدل الرحمةَ إلى نقمة.
أما الفناء والزوال والموت، فكما أُثبتت ببراهينَ قوية وقطعية في "المكتوب الرابع والعشرين" إنها لا تنافي الرحمةَ العامة والحسن المحيط والخير الشامل. بل هي من مقتضيات هذه الأمور. حتى الشيطان، فلأنه سببٌ لتحريك النابضين الأساسيين لرقي البشر المعنوي، أي التسابق والمجاهدة، فإن خلْق نوع الشيطان خيرٌ ويُعدّ من هذه الجهة جميلا. بل حتى تعذيب الكافر في جهنم، أمرٌ جميل، حيث قد تعدّى بكفره على حقوق الكائنات قاطبة واستهان بمنیزلتها الرفيعة وحطّ من كرامتها.
ولما كانت هاتان النقطتان قد بحثتا بحثا مفصلا في رسائل أخرى نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة.
— 36 —
الشق الثاني من السؤال: (٭): جواب هذا الشق الثاني مهم جدا، إذ يزيل شبهات كثيرة. (المؤلف).
لنسلّم بهذا الجواب العام الذي يخص الشيطان والكافر. ولكن لِمَ يَبتلي الغنيُّ المستغني، الجميلُ المطلق، الرحيم المطلق، الخير المطلق، أفرادا ضعفاء بالمصائب والشرور والقبائح؟
الجواب: إن جميع أنواع البِرّ والحسن والنعم آتيةٌ مباشرةً من خزينة رحمة ذلك الجميل المطلق والرحيم المطلق وترِد من فيض إحسانه الخاص. أما المصائب والشرور فهي نتائجُ جزئيةٌ قليلة فردية من بين كثير من النتائج المترتبة على قوانينه العامة والكلية، قوانين سلطان ربوبيته التي تمثّل الإرادات الكلية الجارية تحت اسم "نواميس اللّٰه وعاداته"، فتصبح تلك الأمور من المقتضيات الجزئية لجريان تلك القوانين. لذا فلأجل الحفاظ على تلك القوانين ورعايتها والتي هي مبعثُ المصالح الكلية ومدارها يخلق سبحانه تلك النتائجَ الجزئيةَ ذاتَ الشرور. ولكن تجاه تلك النتائج الجزئية الأليمة يغيث استنجاداتِ الأفراد الذين ابتُلوا بالمصائب واستغاثاتِ الذين نیزلت بهم البلايا، بإمداداته الرحمانية الخاصة وبإحساناته الربانية الخصوصية. فيُظهر بهذا أنه الفاعلُ المختار وأن كلَ شأن في كل شيء وثيقُ الصلة بمشيئته تعالى، وأن قوانينه العامة أيضا تابعة دائما لإرادته واختياره، وأن ربا رحيما يسمع نداء الذين يعانون من ضيق تلك القوانين العامة فيغيثهم ويمدّهم بإحسانه عليهم، وأنه بهذه الإحسانات الخصوصية والتوددات الخصوصية قد فَتَح أبوابَ تجلياته الخصوصية حيث قد فتح ميدانا لا يحد ولا يقيَّد لتجليات الأسماء الحسنى غيرِ المقيدة وغير المحدودة، بشواذ النواميس الكلية والقوانين العامة ونتائجِها الجزئية ذات الشرور.
وحيث إن هذه العلامة الثانية للتوحيد قد وُضّحت في مائة موضع من "سراج النور" اكتفينا بإشارة عابرة إليها.
الحجة والعلامة الثالثة، التي تشير إليها "له الملك وله الحمد": بعلامات توحيد لا تعدّ ولا تحصى. نعم، إن في وجه كل شيء -كليا كان أم جزئيا، ابتداءً من الذرات إلى السيارات- علامةَ توحيدٍ واضحةً جلية كوضوح جلوة الشمس في المرآة ودلالتها على الشمس نفسها. فمرآة
— 37 —
تلك العلامة الموضوعة على كل شيء أيضا تشير إشارة ساطعة مثلها إلى منوّر الأزل والأبد وتشهد على وحدانيته. وحيث إن أكثر تلك العلامات غير المحدودة قد وضِّحت توضيحا مفصلا في "سراج النور" نكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاث منها فقط.
فعلى وجه الكون تُشاهَد علامةٌ واسعة للتوحيد، مركبةٌ من التعاون والتساند والتشابه والتداخل التي تبيّنه الأنواع فيما بينها، كل تجاه الآخر.
وعلى وجه الأرض تُشاهَد علامةُ توحيدٍ واضحة موضوعة على جيش سبحاني مركب من أربعمائة ألف طائفة من طوائف الحيوانات والنباتات، وذلك بمنح أرزاقها المختلفة وأسلحتها المتباينة وألبستها المتنوعة وتعليماتها المتمايزة ورُخَصها المتغايرة، فتُمنح كلُ منها دون نسيانِ أحد وبلا خطأ وفي غاية الانتظام وفي الوقت المناسب.
وعلى وجه الإنسان تشاهَد علامةُ وحدانية يبيّنها وجودُ العلامات الفارقة في وجه كل إنسان بحيث تميّزه عن جميع الوجوه الأخرى في الأرض كافة.
بل تشاهَد على وجه كل مصنوع -جزئيا كان أم كليا- علامةُ توحيد، وتشاهد على رأس كل مخلوق -كبيرا كان أم صغيرا، قليلا كان أم كثيرا- ختمُ الأحدية، ولاسيما العلامات الموضوعة على الكائنات الحية فهي علامات ساطعة لامعة. بل إن كل كائن حي هو بنفسه علامةُ توحيدٍ، وختمُ وحدانيةٍ، وطابع أحدية، وطغراء صمدية.
نعم، إن كلَّ زهرةٍ وكلَّ ثمرةٍ وكل ورقة وكل نبات وكل حيوانٍ ختمٌ للأحدية، وختمٌ للصمدية بحيث يحوِّل كلَ شجرة إلى صورة رسالة ربانية، وكلَ طائفة من المخلوقات إلى صورة كتاب رحماني، وكل حديقة إلى صورة مرسوم سلطاني سبحاني. بل قد وضعت في تلك الرسالة -رسالةِ الشجرة- أختامٌ بعدد أزاهيرها، وتواقيعُ بعدد ثمراتها، وطغراءاتٌ بعدد أوراقها. ووضعت أيضا في ذلك الكتاب -كتابِ النوع والطائفة- خواتمُ بعدد أفرادها، إظهارا لكاتبه وتعريفا به. ووضعت في ذلك المرسوم السلطاني -مرسومِ الحديقة- علاماتُ وحدانية بعدد ما فيها من نباتات وأشجار وحيوانات، تعريفا بصاحبها السلطان الآمر. حتى إن في كل شجرة، في مبدئها ومنتهاها، في ظاهرها وباطنها، أربعا من علامات التوحيد التي تشير إليها الأسماء الحسنى "الأول والآخر والظاهر والباطن".
— 38 —
فما يشار إليه باسم "الأول" هو أنَّ البذرة التي هي المبدأ الأساس لكل شجرة مثمرةٍ، (٭): إن ما يدور على ألسنة الناس منذ سالف الأزمان حتى غدا مضربَ الأمثال من "نشوء من البذرة" يمكن أن يطلق على مؤلف هذه الرسالة بإشارة مستقبلية، لأن خادم رسائل النور قد كشف بفيض القرآن الكريم معراجين لمعرفة التوحيد في كل من البذرة والزهرة، وفجّر ينبوع الحياة في الموضع الذي هلك فيه الطبيعيون فبلغ من البذرة إلى الحقيقة، إلى نور المعرفة. وبناء على هذه الحكمة تتكرر هاتان الكلمتان البذرة والزهرة في رسائل النور كثيرا. (المؤلف). هي عُليبة صغيرة تحمل برنامجَ تلك الشجرة وفهرستها وخطةَ عملها.. وهي مصنعٌ صغير تضم أجهزتها ولوازمها وتشكيلاتها.. وهي ماكنة تحوي على تنظيماتها ووارداتها الدقيقة ومستهلكاتها اللطيفة في مبدإ حياتها.
وما يشار إليه باسم "الآخر" هو أنَّ ثمرة كل شجرة ونتيجتَها تمثّل لائحةَ تعريف للشجرة، بحيث تحمل أشكالَ تلك الشجرة وأحوالَها وأوصافها.. وهي إعلان يفصح عن وظائف الشجرة ومنافعها وخواصها.. وهي خلاصة تبين وترشد إلى أمثال تلك الشجرة وأنسالها والأجيال الآتية منها، وذلك بالبذور التي تحملها في قلبها.
وما يشار إليه باسم "الظاهر" هو أن الصورة التي تلبسها كلُ شجرة والشكلَ الذي تتشكل به هو حلّةٌ قشيبة مزركشة، ولباس جميل مفصّل على قدّ الشجرة بأغصانها وأعضائها وأجزائها، وقُصَّ على حَسبها وزُيّن على وفقها، فهو لباسٌ دقيق موزون وذو مغزى عميق، بحيث يحوّل تلك الشجرةَ إلى صورة كتاب وإلى صورة رسالة وإلى صورة قصيدة عصماء.
وما يشار إليه باسم "الباطن" هو أنَّ الأجهزة العاملة في كل شجرة، هي مصنع عظيم بحيث يكيل بميزان حساس إدارةَ جميع أجزاء تلك الشجرة وجميع أعضائها وتشكيلها وتدبير أمورها، وفي الوقت نفسه يزوّد جميعَ أعضائها المتباينة ما يلزمها من مواد وأرزاق بتوزيعٍ وتقسيم وسَوق ضِمن انتظام متقن كامل وفي منتهى السرعة كسرعة البرق، ومنتهى السهولة كسهولة نصب الساعة، ومنتهى الوحدة والاتحاد كانقياد الجيش لأمر القائد، بحيث تتحير منه العقول.
حیاصل الكیلام: إن أولَ كل شییجرة عُليبة صغيرة وبیرنییامیج، وآخرَهییا نموذجٌ ولائحةُ تعريف، وظاهرَها حُلّة مزركشة ولباس مزيّن، وباطنَها مصنع ومعمل.. فهذه الجهات الأربع تلاحظ إحداها الأخرى، فتنشأ من هذه الأربعة علامةٌ عظيمة جدًا، بل اسمٌ أعظم بحيث لا يمكن قطعا أن يقوم بتلك الأعمال غيرُ الواحد الأحد الذي بيده زمام الكون كله.
— 39 —
فكما أن الشجرة تحمل هذه العلامةَ للتوحيد؛ فإن أولَ كل كائن حي وآخرَه، وظاهرَه، وباطنه يحمل علامةَ توحيد وختمَ وحدانية وتوقيعَ أحديةٍ وطغراءَ وحدانيةٍ أيضا.
وهكذا على غرار هذه الشجرة المذكورة ضمن الأمثلة الثلاثة؛ الربيعُ أيضا شجرةٌ تحمل أزاهيرَ كثيرة، والبذورُ والجذور المودَعة أمانةً بيَدِ فصل الخريف تحمل علامةَ اسم "الأول"، والثمراتُ والحبوب والخضار التي تُفرغ إلى أحضان فصل الصيف وتُملأ رداءه المبسوط تحمل ختمَ اسم "الآخر"، والألبسةُ الفطرية المزيّنة بمئات الألوف من الزينة والحلل التي يلبسها فصلُ الربيع كحلل حور العين السندسية تحمل ختم اسم "الظاهر". والمصانعُ الصمدانية العاملة في باطن الأرض وفي الربيع، والقدور الرحمانية التي تغلي غليانا والمطابخ الربانية التي تهيئ المأكولات تحمل طغراء اسم "الباطن".
بل إن كل نوع من الأنواع -وليكن نوع البشر مثلا- هو شجرة أيضا، بذرتُه وجذوره في أعماق الماضي، وثمراته ونتائجه في المستقبل، فكما أن وجود القوانين المنتظمة الجارية ضمن حياة جنسه وبقاء نوعه يحمل علامةَ توحيدٍ واضحةً، كذلك الدساتير المنتظمة لحياته الشخصية والاجتماعية في وضعه الحالي تحمل ختمَ وحدانية مستترة تحت الاضطرابات الظاهرية، مثلما تحمل دساتير القضاء والقدر لحياته وهي مقدراته الحياتية المتسترة تحت الأحوال البشرية الظاهرية ختما مخفيا منتظما للتوحيد.
— 40 —

الخاتمة

إشارة قصيرة جدّا في سر التوحيد إلى أركان الإيمانية الأخرى:
أيها الإنسان الغافل! تأمل ولو لمرة واحدة، وأجِل النظر فيما بينَتْه المقامات الثلاثة لهذه الرسالة من الثمرات الثلاث والمقتضيات الثلاثة والحجج الثلاث، وانظر:
أَمِن الممكن للصانع القدير الحكيم الرحيم العليم، أن لا يهتمَّ بمحاسن الحقيقة المحمدية المستولية على الكون معنًى وبالتسبيحات الأحمدية عليه الصلاة والسلام وبأنوار الإسلام، وهو الذي يصرّف الأمورَ في هذا الكون ولا يهمل أبسط شفاء ولا أقلَّ شكر ولا أصغر صنعة كجناح البعوض، ولا يفوّض أمرَ هذه الجزئيات إلى الأغيار قطعا ولا يحيلها إليهم، وهو الذي يقلّد أصغرَ نواة أعظمَ الوظائف والحِكم الجليلة كالشجرة، ويُشعر برحمانيته ورحيميته وحكيميته بكل صنعة من صنائعه، ويعرّف نفسَه بكل وسيلة ويحبّبها بكل نعمة؟
أَو من الممكن أن لا يكون أعظمُ مقصد من مقاصد ذلك الصانع الجليل وأعظمُ نور من أنواره وأوسعُ مرآة من مراياه، الرسالةَ الأحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- الذي جمّل جميعَ مصنوعاته وأبهجَ جميع مخلوقاته وأضاء الكائنات برمتها، وحوّل السماوات والأرض إلى جذبة ذكر وتهليل، وضمّ تحت جناح سلطنته المعنوية والمادية نصفَ الكرة الأرضية وخُمس البشرية طوال أربعة عشر قرنا من الزمان دون انقطاع. أو من الممكن أن لا يكون الأنبياء -عليهم السلام- الذين خدموا الحقيقة نفسَها كمحمد (ص) مبعوثي الصانع الجليل وأحبّائه ورسله الكرام؟ حاشَ للّٰه وكلا بعدد معجزات الأنبياء؟
أو من الممكن -بأية جهة كانت- للخالق الحكيم الرحيم أن لا يأتي بالحشر الذي هو أهون عليه من اتيان الربيع ولا يفتح دارَ سعادة ومنیزلَ بقاءٍ، وهو الذي علّق مائةَ حكمة وثمرة على كل شيء مهما كان جزئيا، وعرّف بربوبيته الذاتية بحكمها الخارقة وبشمول رحمانيته وحببها إلى مخلوقاته، فهل يمكن أن لا يأتي بالحشر، فينكر جميعَ حكمتِه ورحمته بل حتى ربوبيته وكماله ويدفع الآخرين إلى إنكارها، ويفنى أحبَّ مخلوقاته إعداما أبديا؟ حاشَ للّٰه وكلا مائة ألف ألف مرة.
— 41 —
فذلك الجمال المطلق منیزّه ومتعال ومقدّس عن هذا القبح المطلق بمائة ألف مرة.
حاشية طويلة
سؤال يرد بمناسبة مبحث الحشر
إن ما ورد في القرآن الكريم مرارا
إنْ كَانَتْ اِلّا صَيْحَةً وَاحِدَةً
(يس:٢٩)،
وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ اِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ
(النحل:٧٧) يیبين لنا أن الحشر الأعظم سيظهر فجأة إلى الوجود، في آن واحد بلا زمان. ولكن العقول الضيقة تطلب أمثلة واقعية مشهودة كي تقبل وتذعن لهذا الحدث الخارق جدّا والمسألة التي لا مثيل لها.
الجواب: إن في الحشر ثلاث مسائل هي: عودةُ الأرواح إلى الأجساد، وإحياءُ الأجساد، وإنشاء الأجساد وبناؤها.
المسألة الأولى: وهي مجيء الأرواح وعودتُها إلى أجسادها ومثالُه هو: اجتماع الجنود المنتشرين في فترة الاستراحة والمتفرقين في شتى الجهات على الصوت المدوي للبوق العسكري. نعم، إن الصور الذي هو بوق إسرافيل عليه السلام، ليس قاصرا عن البوق العسكري، كما أن طاعةَ الأرواح التي هي في جهة الأبد وعالم الذرات والتي أجابت بی قَالُوا: بَلى (الأعراف:١٧٢) عندما سمعت نداء اَلَسْتُ بِرَبّكُم (الأعراف:١٧٢) المُقبل من أعماق الأزل، ونظامَها يفوق بلا شك أضعاف أضعاف ما عند أفراد الجيش المنظم. وقد أثبتت "الكلمة الثلاثون" ببراهين دامغة أن الأرواحَ ليست وحدها جيشا سبحانيا بل جميعُ الذرات أيضا جنوده المتأهبون للنفير العام.
المسألة الثانية: وهي إحياء الأجساد. ومثالُه هو: مثلما يمكن إنارةُ مئات الآلاف من المصابيح الكهربائية ليلة مهرجان مدينة عظيمة، من مركز واحد في لحظة واحدة، كأنها بلا زمان. كذلك يمكن إنارةُ مئات الملايين من المصابيح على سطح الأرض من مركز واحد. فما دامت الكهرباء وهي مخلوقة من مخلوقات اللّٰه سبحانه وتعالى وخادمةُ إضاءة في دار ضيافته، لها هذه الخصائص والقدرة على القيام بأعمالها حسب ما تتلقاه من تعليمات وتبليغات ونظام من خالقها، فلابد أن الحشر الأعظم سيحدث كلمح البصر ضمن القوانين المنظمة الإلهية التي يمثلها آلاف الخدم المنوّرِين كالكهرباء.
— 42 —
المسألة الثالثة: وهي إنشاء الأجساد فورا ومثالُه هو: إنشاء جميع الأوراق لعموم الأشجار التي يزيد عددها ألفَ مرة على مجموع البشرية، دفعةً واحدةً في غضون بضعة أيام في الربيع، وبشكل كامل، وبالهيئة نفسها التي كانت عليها في الربيع السابق.. وكذلك إيجادُ جميع أزهار الأشجار وثمارها وأوراقها بسرعة خاطفة، كما كانت في الربيع الماضي.. وكذلك تنبّه البُذيرات والنوى والبذور وهي لا تحصى ولا تعد والتي هي منشأ ذلك الربيع في آن واحد معا وانكشافها وأحياؤها.. وكذلك نشور الجثث المنتصبة والهياكل العظمية للأشجار، وامتثالها فورا لأمر "البعث بعد الموت".. وكذلك إحياء أفراد أنواع الحيوانات الدقيقة وطوائفها التي لا حصر لها بمنتهى الدقة والإتقان.. وكذلك حشرُ أمم الحشرات ولا سيما الذباب "الماثل أمام أعيننا، الملاطف وجوهنا والذي يذكّرنا بالوضوء والنظافة لقيامه بتنظيف يديه وعيونه وجناحيه باستمرار" الذي يفوق عدد ما يُنشر منه في سنة واحدة عددَ بنى آدم جميعهم من لدن آدم عليه السلام.. فحشرُ هذه الحشرة في كل ربيع مع سائر الحشرات الأخرى وإحياؤها في بضعة أيام، لا يعطي مثالا واحدا بل آلاف الأمثلة على إنشاء الأجساد البشرية فورا يوم القيامة.
نعم، لما كانت الدنيا هي دار "الحكمة" والدار الآخرة هي دار "القدرة" فإن إيجاد الأشياء في الدنيا صار بشيء من التدريج ومع الزمن. بمقتضى الحكمة الربانية وبموجب أغلب الأسماء الحسنى أمثال "الحكيم، المرتّب، المدبر، المربي".
أما في الآخرة فإن "القدرة" و"الرحمة" تتظاهران أكثر من "الحكمة" فلا حاجة إلى المادة والمدة والزمن ولا إلى الانتظار. فالأشياء تُنشأ هناك نشأة آنية. وما يشير إليه القرآن الكريم بی
وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ
(النحل:٧٧)، هو أن ما ينشأ هنا من الأشياء في يوم واحد وفي سنة واحدة ينشأ في لمحةٍ واحدة كلمح البصر في الآخرة.
وإذا كنت ترغب أن تفهم أن مجيء الحشر أمر قطعي كقطعية مجيء الربيع المقبل وحتميته، فانعم النظر في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين". وإن لم تصدق به كمجيء هذا الربيع، فلك أن تحاسبني حسابا عسيرا.
المسألة الرابعة: وهي موت الدنيا وقيام الساعة، ومثالُه أنه: لو اصطدم كوكب سيار أو مذنّب بأمر رباني بكرتنا الأرضية التي هي دار ضيافتنا، لدمّرَ مأوانا ومسكننا -أي الأرض- كما يُدمّر في دقيقة واحدة قصر بُني في عشر سنوات.
— 43 —
يُكتفى بما ذُكر حاليا من هذه المسائل الأربع التي تخص الحشر، ونرجع إلى ما نحن بصدده.
أمن الممكن للقرآن المعجز البيان أن لا يكون كلامَ ذلك الصانع الجليل وهو المترجِم البليغ لجميع حقائق الكون السامية، واللسان المعجز لجميع كمال خالق الكون، والجامع لجميع مقاصده؟ حاش وكلا بعدد أسرار آياته الكريمة.
أو من الممكن للصانع الحكيم الذي دفع جميع ذوي الحياة وذوي الشعور من مخلوقاته ليتكلم بعضهم مع بعض وينطقوا بألوف الأنماط من الكلام والنطق والذي يسمع أصواتهم ويعرفها ويستجيب لهم استجابة ظاهرة بأفعاله وإنعامه أن لا يتكلم هو نفسه ويَعجز عن الكلام؟ فهل هناك احتمال لهذا؟ وحيث إنه يتكلم بالبداهة وأن الإنسان في مقدمة المخاطبين المدرِكين لكلامه، فلاشك أن القرآن الكريم -أوّلا- وجميع الكتب المقدسة كلامُه.
أو من الممكن أن يسخّر الصانعُ الحكيم هذا الكونَ العظيم بأنواعه وأركانه لذوي الحياة حتى جعله مسكنا لهم ومعرضا لهم ومَضيفا لهم فكثَّر من أنواع ذوي الحياة التي تعدّ بالألوف تكثيرا غزيرا حتى جَعل كل ورقة من أوراق نبات الحَور، والنبق، ثكنة لنوع من الحشرات -الكائنات الذاكرة الطائرة في الهواء- ومهدا ورحما لنموها كرحم الأم ومخزنا لأرزاقها.. يسخّره تعريفا بنفسه وتحبيبا لها ودَفْع مخلوقاته إلى حمده والثناء عليه وبث الرضى والسرور في ذوي الحياة منها بأنواع إحساناته وجعل رضاهم وامتنانهم محورا مهما لربوبيته.. فهل يمكن أن يترك هذا الصانع الحكيم السماوات المزينة والنجوم المتلألئة المنثورة بلا مولى ولا روح ولا سكَنة خالية خاوية على عروشها ودون فائدة ولا جدوى، أي دون ملائكة وروحانيات؟ حاش للّٰه وكلا بعدد الملائكة والروحانيات.
أو من الممكن أن الصانع الحكيم المدبّر الذي يكتب بقلم قدره مقدّراتِ حياةِ أصغرِ نبات وأصغر شجرة بكمال الانتظام في نواته وثمرته، ويكتب مقدمات الربيع العظيم ونتائجَه ككتابة شجرة واحدة بكمال الامتياز والانتظام، وأنه يهتم حتى بما لا أهمية له من الأمور.. فهل يمكن لهذا الصانع الجليل أن لا يكتب الأفعال المهمة جدّا للإنسان وأن لا يسجل حركاته وسكناته ولا يدخلها ضمن دائرة قدَره ولا يباليَ به، وهو الذي جعله نتيجةَ الكون وخليفةَ
— 44 —
الأرض وناظرا على أنواع مخلوقاته ومشْرفا عليها؟ حاش للّٰه وكلا بعدد أعمال الإنسان التي توزن بالميزان.
حاصل الكلام: أنَّ الكون بجميع حقائقه ينادي ويقول: آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورُسُلهِ وبالقَدرِ خَيرهِ وشرّهِ من اللّٰه تعالى والبعثُ بعد الموتِ حقٌّ أشهدُ أن لا إله إلّا اللّٰه وأشهد أن محمدا رسولُ اللّٰه صلى اللّٰه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانهِ وسلَّم آمين.
مناجاة توحيدية ومقدمتها
لمناسبة تكرار اسم "سراج النور" في هذه الرسالة نوسع في ختامها مناجاة الإمام علي رضي اللّٰه عنه -بدرجتين- جاعلِين لساننا ينطق في سبيل لسانه الرفيع، فنقدم هذه المناجاة الآتية إلى ديوان الواحد الأحد جل وعلا.
مناجاة
اللّٰهم إنه ليسَ في السماوات دوراتٌ ونجومٌ ومُحرَّكاتٌ سيّاراتٌ، ولا في الجوّ سحاباتٌ وبروقٌ مسبِّحاتٌ ورَعداتٌ، ولا في الأرض غَمَراتٌ وحيواناتٌ وعجائبُ مصنوعاتٍ، ولا في البحار قطرات وسمكات وغرائب مخلوقات، ولا في الجبالِ حجَراتٌ ونباتاتٌ ومدخرات معدنياتٍ، ولا في الأشیجار ورقاتٌ وزهییرات مزينییاتٌ وثمراتٌ، ولا في الأجسییام حَركاتٌ وآلاتٌ ومنظّماتُ جهازاتٍ، ولا في القلوبِ خَطراتٌ وإلهاماتٌ ومنوّراتُ اعتقاداتٍ.. إلّا وهي كلُها على وجوب وجودكَ شاهداتٌ وعلى وحدانيتك دالّاتٌ وفي مُلككَ مُسخراتٌ. فبالقدرة التي سخّرتَ بها الأرضين والسماوات سخِّر لي نفسي وسیخّر مَطلوبي وسخّر لرسائل النور، لخدمة القرآن والإيمان قُلوبَ عبادكَ وقلوبَ المخلوقاتِ الرّوحانيات من العُلويات والسُفليات يا سميعُ يا قريب يا مجيبَ الدعوات..والحمد للّٰه ربّ العالمين
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 45 —

الشعاع الثالث

المقدمة
إنّ هذه الحجّة الإيمانية الثامنة؛ [٭]: حيث إن هذه الرسالة هي الحجة الثامنة من مجموعة "عصا موسى". إذ تَشهدُ على وُجوبِ وجُودِهِ سُبحانه وعلى وحدانيته، فهي تَشهدُ على إحاطة ربوبيته، وعظمَة قُدرَته بدلائل قاطعة، وتثبِتُ أيضا إحاطة حاكميته، وتدلُ على شُمولِ رحمته، كما تثبتُ إحاطة حِكمَته، وشمولَ عِلمه جميعَ أجزاء الكون.
والخلاصة: أنَّ لكُلِّ مقدمةٍ من هذه الحُجَّةِ الإيمانية الثامنة ثمانيَ نتائج، وهي تُثبِتُ في كُلّ مقدّمةٍ من المقدّماتِ الثمانية، النتائجَ الثمانية بدلائلها؛ لذا أصبحت لهذه الحُجّةِ الإيمانية الثامنة مزايا راقية وخصائص سامية.
"إن رسالة "المناجاة" تثبت وجوبَ الوجود، والوحدةَ والأحديّة، وجلال الربوبية، وعظمة القُدرة، وسِعَة الرَّحمة، وعموميَّةَ الحاكميَّة، وإحاطة العلم، وشمول الحكمة.. وأمثالَها من الأُسُسِ الإيمانية، تُثبِتُها بأسلوب مُوجز خارقٍ وبقطعيَّةٍ فوق العادة وبخالصيةٍ ويقينيّةٍ.. وإن إشاراتها إلى الحشر قويَّةٌ جدّا وبخاصَّة التي في ختامها".
سعيد النورسي
— 46 —
المناجاة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
إنّ في خَلْقِ السّمییواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتي تَجْرِي فِي البَحْرِ بما يَنْفَعُ النّاسَ وَمَا أنْزَلَ اللّٰه مِنْ السّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأحْيا بِهِ الأرضَ بَعْدَ مَوتِهَا وَبَثّ فيْها مِنْ كُلّ دَابّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّياحِ وَالسّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السّماءِ وَالأرضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقلونَ
(البقرة : ١٦٤) .
هذه الرسالة "المناجاة" التي هي "الشعاع الثالث" نوعٌ من تفسير للآية الكريمة المذكورة أعلاه.
يا إلهي ويا ربّي!
إنّي أرى ببصيرة الإيمان وبتعليم القرآن ونوره وبدرس الرَّسُول الأكرم (ص) وبما يريه اسم اللّٰه "الحكيم" أنه:
ليس في السَماواتِ من دورانٍ وحركةٍ إلّا ويُشير إلى وجودك ويدل عليه؛ بانتظامه البديع هذا.. وما من جِرم من الأجرام السَّماوية إلّا ويشهد شهادة على ربوبيَتِكَ ويشير إشارة إلى وحدتِكَ؛ بسكونه في أداءِ وظيفته بلا ضوضاءٍ، وببقائه بلا عمدٍ.. وما من نجم إلّا ويشهد على عظمة أُلوهيتِكَ ويشير إلى وحدانيتِكَ؛ بخلقته الموزونة وبوضعهِ المُنتظم وبتبسُّمِه النُّورانيّ وبِمُمَاثلتهِ ومشابهته للنجُوم كافة.. وما من كوكبٍ سيَّار من الكواكب الاثني عشر إلّا ويشهد على وجُوبِ وجودِك ويُشيرُ إلى سلطنة أُلوهيتِك؛ بحركته الحكيمة وتذلّله المُطيع ووظيفته المنتظمة وتوابعه المُهمة.
— 47 —
نعم، مثلما تشهد السماواتُ مع ساكنيها، وكلُ سماءٍ بحدِّ ذاتِها، فإن جَميعها معا تشهد بالبداهة شهادةً ظاهرةً جليَّةً على وجوبِ وجودِك يا خالق السماواتِ والأرض، وتشهَدُ شهادةً قويّةً صادقةً على وحدتك وفرديّتِك، يا من تدير الذراتِ بمركباتِها المُنظمة وتدبِّرها ويا من تُجري الكواكبَ السيارة مع توابعها المنظمة وتسخّرُها لطاعتك.. شهادة ظاهرةً قويةً تُصدّقها براهينُ نورانيَّة، ودلائلُ باهِرة، عدد النجوم التي في وجه السماء.
فهذه السّماوات الصَّافية الطاهرة الجميلة تدل دلالة ظاهرة على هيبة ربوبيَتِك وعظمةِ قدرتك المُبدعة.. وتشيرُ إشارة قويةً إلى سعة حاكميَتِك المحيطة بالسماوات الشاسعة، وإلى رحمتك الواسعة المحتضنة لكل ذي حياة.. وتشهد بلا ريب على شمول حكمتك لكل فعلٍ وعلى إحاطة علمك بكل شيء، المنظِّمان في قبضتهما جميعَ شؤون جميع المخلوقات السّماوية وكيفياتها؛ بأجرامِها التي هي في غاية الضخامة وفي غاية السُرعة، وبإظهارها أوضاعَ جيش منظّمٍ ومهرجانٍ مَهيبٍ مُزيَّن بمصابيحَ وضَّاءةٍ.. فتلكما الشَّهادة والدلالة ظاهرتان جليتان كأن النجومَ كلماتُ شهادة للسماوات الشاهدة ودلائلُها المتجسّمة النورانية.. أما النجوم السابحة في بحر السماواتِ وفي فضائها، فإنها تُظهر شعشعةَ سلطانِ أُلوهيتك؛ بأوضاعها المُماثلة لجنودٍ منصاعين وسفنٍ منتظمةٍ وطائراتٍ خارقةٍ ومصابيح عجيبةٍ. ورفيقات شمسنا التي هي نجمةٌ من ذلك الجيش ترنو إلى عوالم الآخرة، وليست معطّلة، بدلالة وظائف الشمس في سياراتها وفي أرضنا، ولربما هي شموس عوالم باقية.
يا واجب الوجود، يا واحدُ، يا أحدُ!
إن هذه النُجُوم الخارقة وهذه الشمُوس الضَّخمة والأقمار العجيبة قد سُخِّرَت ونُظّمت ووُظِّفت في مُلكِكَ أنتَ، وفي سماواتِكَ أنت، بأمركَ أنت، وبقُوتِكَ وبقُدرتكَ أنت، وبإدارتكَ وتدبيركَ أنت. فجميعُ تلك الأجرام العُلويّة تسبّحُ وتُكبّرُ للخالقِ الواحد الذي خلقَها ويجريها ويديرها، وتقول بلسان الحال: سُبحَان اللّٰه.. اللّٰه أكبر. وأنا معها أُقدّسُك بجميع تَسبِيحاتها.
يا من اختفى بشدَّة الظُهور! يا من احتجبَ بعَظمة الكِبرياء! يا قديرُ يا ذا الجلال! يا قادر القُدرة المُطلقة!
— 48 —
لقد أدركتُ بِدَرس قُرآنك الحكيم وبتعليم الرسول الأكرم (ص) أنه: مثلما تَشهدُ السماواتُ والنجُوم على وجودك وعلى وحدَتك، يَشهدُ جوُّ السیماء كذلك على وجوب وجودك ووحدتك بسحابه وبروقه ورعوده وريییاحییه وأمطاره.
نعم، إن إرسال السحاب الجامد بلا شعور المطرَ الباعثَ للحياة، إغاثةً للمضطرّين من الأحياء، ليس إلّا برحمتك وحكمتك أنت، فلا دخلَ فيه للمصادفة العشواء قط.
وكذا البرقُ الذي هو طاقة كهربائية عظمى، يشوِّقُ بسَنَاه إلى فوائده النورانية، وينوِّر قدرتَك الفاعلة في الفضاء على أفضل وجه.
وكذا الرعد المبشِّر بقُدوم المطر، والذي يُنطِق الفضاءَ الواسع بتسبيحاته، فيُدوي في أرجاء السماواتِ، يُسبّحُك ويقدّسُك ويشهد بلسان المقال على ربوبيتك.
وكذا الرّياح المسَخَّرة بوظائفَ عدّة -كحمل أكثر الأرزاق ضرورةً لمعيشة الأحياء وأسهَلِها تناولا وفائدة، ومنح الأنفاس وترويح الأنفس وغيرُها كثير- تُشير إلى فعالية قدرتك أنت، وتشهد شهادة على وجودِك؛ بتبديلها الجوَّ -لحكمةٍ- كأنه "لوح المحو والإثبات" فتكتب ما يفيد وتمحو ما أفاد. كما أنَّ "الرحمة" المستدرّة برحمتك من السَّحاب والمرسَلة إلى الأحياء تشهد هي أيضا على سعة رحمتك، ووُسعةِ رأفتك؛ بكلمات قطراتها العذبة اللطيفة الموزونة المنتظمة.
يا مصرّفُ يا فعَّال! يا فيَّاضُ يا مُتعَال!
مثلما شهد السحَابُ والبرقُ والرعدُ والرياح والمطر -كلٌ على حِدة- على وجوب وجودِك، فإن جميعَها معا تُشير إشارة قويَّة جدّا إلى وحدتك، وإلى فرديَّتِكَ؛ بخاصية الاتّفاق والمعيَّة والتداخُل وشَدِّ بعضها أزر البعض، رغم البُعدِ في النوعيَّة والاختلاف في الماهيَّة.
ومثلما تشهد تلك العناصر الجوية على جلال ربُوبيتك الجاعلة من الفضاء الفسيح محشرا للعجائب؛ بملئه وإفراغه مرَّاتٍ عدَّة وربَّما في اليوم الواحد، فإنها تشهد على عظمة قدرتك المصرِّفة وشمولها كلَ شيء، والتي تكتب ذلك الجوَّ الواسع وتبدِّله كأنهُ "لوحة كتابة" وتعصر المعصرات لتسقي روضةَ الأرض ماءً غدقا.. فضلا عن دلالتها على السِعة
— 49 —
المطلقة لرحمتك ولحاكميَّتِكَ ونفوذهما في كل شيء وتدبيرهما كرة الأرض كافة ومخلوقاتها كافة تحت غطاء الجو.
وكذا الهواء المنبث في الفضاء يُستخدم في وظائف عدّةٍ استخداما حكيما.. والغيومُ والأمطار تُستعملان في فوائد جمّة استعمالا عليما.. بحيث لولا علمٌ محيط بكلِّ شيء وحكمةٌ شاملة كُلَّ شيء، لما أمكن أن يكون ذلك الاستعمال ولا ذلك الاستخدام.
يا فعَّالًا لما يُريدُ!
إن إظهار نموذج الحشر والقيامة كُلَّ وقتٍ بفعاليَّتِكَ في جوِّ الفضاء، وتبديلَ الصيف إلى شتاء والشتاء إلى صيف خلال سَاعة، وإتيان عالَم وإرسالَ آخر إلى الغيب وأمثالَها من شُؤونِ قُدرتك المتجلّية.. تشِير إلى تبديلها الدنيا إلى آخرة، وستظهر شؤونا سرمديَّة في الآخرة.
يا قديرُ يا ذا الجلال!
إن الهواء والرِياح والسحاب والمطر والبرق والرَّعد في جوِّ السماء لَمسخَّرةٌ كلها وموظّفةٌ في ملكك أنت، وبأمرك وحَولك أنت، وبقوَّتِكَ وقدرتك أنت.. فمخلوقاتُ هذا الفضاء رغم البعد في ماهيَّاتها تُسبّحُ بحمد آمرها وتُثني على حاكمها الذي يُخضعها لأوامر آنيَّة في مُنتهى السرعة، ولتوجيهات مسرعة فورية.
يا خالق الأرض والسماوات! يا ذا الجَلال!
لقد آمنت وعلمتُ بتعليم قرآنك الحكيم وبدرس الرَّسُولِ الأكرم (ص) أنه: مثلما السماواتُ بنجومِها، وجوُّ الفضاء بما فيه، تشهد على وجوبِ وجودِك ووحدانيتك.. كذلك الأرضُ بجميع مخلوقاتها، وبأحوالها، تَشهد شهادات وتشير إشارات، عددَ موجوداتها، على وجودِك وعلى وحدتك.
نعم، فما من تحوُّلٍ في الأرض، ولا من تبدُّل فيها -كتبديل الأشجار والحيوانات ملابسَها سنويا- كليا كان أم جزئيا، إلّا ويشير بانتظامه وتناسُقه، إلى وجودِك ووحدَتِكَ.
وما من حيوان إلّا ويشهد شهادة على وجودكَ ووحدَتك؛ بالرّزق الذي يساقُ إليه برحمة، وبأجهزته الضرورية لحياته والمودعة فيه بحكمة، كلٌ حسب ضَعفه واحتياجهِ.
— 50 —
وما من نباتٍ أو حيوان يتم إيجادُه أمام ناظرينا في كل ربيع، إلّا ويعرِّفك؛ بصنعته العجيبة وبزينته اللطيفة وبتميزه التام وبانتظامه وبموزونيته.. فخلقُ ما يملأ وجه الأرض من معجزات قدرتك المسماة بالنباتات والحيوانات، من بيوض وبويضات وقطرات ونُطف وحبوب وحبيبات، رغم أن مادتها محدودة وواحدة ومتشابهة، خلقا كاملا سويا ومزيّنا بزينةٍ، ومتميّزا بعلاماتٍ فارقة.. شَهادةٌ أقوى من شهادة الضياء على الشَّمسِ وأسطع منها على وجود صانعها الحكيم، وعلى وحدته وحكمته وقدرته المطلقة.
وما من عنصر كالهواء والماء والنور والنار والتراب إلّا ويملك شَهادة على وحدتكَ وعلى وجودك؛ بأدائها لوظائفَ مكمّلةٍ بشعور بالغ، رغم خلوّها من الشعور، وبجلبها لأثمارٍ ومحاصيلَ متنوِعة في غاية الانتظام من خزينة الغيب، رغم بساطتها وتجاوز بعضها للبعض الآخر وعدم انتظامها وتشتتِها في كل مكان.
يا فاطرُ يا قديرُ يا فتاح يا علام يا فعّالُ يا خلاق!
كما أن الأرض تشهد بجميع ساكنيها على كون خالقها واجبا للوجود، فهي تشهد كذلك على وحدتك وعلى أحديتك -يا واحد يا أحد يا حنان يا منان يا وهاب يا رزاق- بسكَّتِها التي على وجهها، وبالسكك التي على وجوه ساكنيها، وبجهة الوحدة والاتفاق والتداخل والتعاون فيما بينها، ووحدة أسماء الربوبية وأفعالها الناظرة إليها جميعا.. فتشهد شهادات -بدرجة البداهة بل بعدد الموجودات- على وحدتك وعلى أحديتك.
وكذا فكما تدل الأرضُ؛ بوضعها المشابه لمعسكرٍ ومعرض وميدانِ تدريب، وبمنح أجهزة مختلفة متنوّعة بانتظام إلى أربعمائة ألفٍ من الأمم المختلفة التي تضمُّها فرقة النباتات والحيوانات، على جلال ربوبيتك، وعلى نفاذ قُدرتك في كل شيء.. كذلك الأرزاقُ المتنوّعة لأحياء غير محدودة والنَّاشئة من تراب يابس بسيط، وإرسالُها بكلِّ كرم ورحمة إلى كل حيّ فردا فردا في أوانها وانقياد تلك الأفراد غير المحدودة وإطاعتها إطاعةً تامة للأوامر الربانية ودينونتُها التامة لها، تُظهر شمولَ رحمتك كل شيء وإحاطة حاكميتك بكل شيء.
وكذا فإن إدارة قوافل المخلوقات المعرَّضة دوما للتغير والتبدل في الأرض، وسَوقها ومناوبتها بالموت والحياة.. وإدارةَ وتدبيرَ الحيوانات والنباتات التي لا يمكن أن تتم إلا بعلم يتعلق بكل شيء، وبحكمة غير متناهية تتحكم في كل شيء.. تدل على إحاطة علمك وحكمتك.
— 51 —
وكذا فإن هذه الأهمية العظمى، وهذا البذل والصرف غير المحدود، وهذه التجليات الربانية المطلقة، وهذه الخطابات السبحانية غير المحدودة، وهذه الإحسانات الإلهية غير المتناهية لهذا الإنسان الذي يتصرف في موجودات الأرض وهو المكلف بوظائف غير محدودة في فترة قصيرة والمزوَّد باستعدادات وأجهزة معنوية تهيؤه لمعيشة مديدة في زمن غير محدود.. لا محالة أنها لا تنحصر في مدرسة الدنيا هذه، وفي ثكنة الأرض المؤقتة هذه، وفي معرض العالم المؤقت هذا، ولا تنحصر في هذا العمر القصير الحزين المكدّر، ولا في هذه الحياة العكرة المنغّصة، ولا في هذا العالم الفاني المليء بالبلايا والنوائب. بل كل ذلك يشير بلا شك إلى عمرٍ آخر أبدي وسعادةٍ باقية خالدة ويشير إلى إحسانات أخروية في عالم البقاء، بل يشهَد عليها.
فيا خالق كلَ شيء!
إن جميع مخلوقات الأرض تُدار مسخَّرةً في ملكك أنت، وفي أرضك أنت وبحولك وقوتك أنت، وبقدرتك وإرادتك أنت، وبعلمك وحكمتك أنت.
وإن ربوبيةً تشاهَد فعاليتُها على وجه الأرض لَتبدي إحاطة وشمولا، وإن إدارتها وتدبيرها وتربيتها هي من الحساسيّة في غاية الكمال.. وإن إجراءاتها المنتشرة في كل جهة هي في وحدة ومعيّة ومشابهة.. بحيث تُعلم أنها ربوبيةٌ كليّة وتصرّفٌ كليٌّ لا تقبل تجزئة قط. وهي في حكم كليٍّ لا يمكن انقسامه قط. فتسبّح الأرضُ بجميع ساكنيها وتقدس خالقَها بألسنة غير محدودة فصيحةٍ أبينَ من لسان المقال، فتحمدُ رزاقها الجليل وتثني عليه بألسنةِ أحوالٍ بعدد نِعمه التي لا تعد ولا تُحصى.
سبحانك يا مَن اختفى بشدة الظّهور.. سبحانك يا من احتجب بعظمة الكبرياء..
إني أُقدِّسُكَ وأُسبّحُكَ بِجميع تقديسات الأرض وتسبيحاتها من القصور والعجز والشريك، وإني أحمدك وأُثني عليك بجميع تحميدات الأرض وأثنيَتها عليك.
يا ربَ البَرِّ والبحر..!
لقد تعلمت بدرس القرآن وبتعليم الرَسُولِ الأكرم (ص) أنه: مثلما السماواتُ والفضاء والأرض تشهد على وحدانيتك وعلى وجودك، فالبحار والأنهار والجداول والعيون أيضا تشهد شهادة -بدرجة البداهة- على وجوب وجودِك وعلى وحدتك.
— 52 —
نعم، فما من موجود بل ما من قطرة ماء في بحار دنيانا هذه وهي منبع العجائب -كأنها مراجل بخار- إلّا تُعرّف خالقَها؛ بوجودها وبانتظامها وبمنافعها وبحالها.
وما من مخلوق من المخلوقات الغريبة التي تُرسَل إليها أرزاقُها إرسالا كاملا في رملٍ بسيطٍ وماءٍ بسيطٍ، ولا حيوان من الحيوانات البحرية التي هي في غاية كمال الخلقة وبخاصة الأسماك التي تجمّل البحار بما تقذف إحداها مليونا من البويضات.. إلّا ويشير إلى خالقه، ويشهد على رزاقه؛ بخلقته وبوظائفه وبإدارته وبإعاشته وبتدبير أموره وبتربيته.
وكذا ليس في البحر من جوهرة من تلك الجواهر القيّمة واللآلئ المزيَّنة الثمينة ذات الخواص النفيسة لا تعرفك ولا تُعرّفك؛ بخلقتها الجميلة وبفطرتها الجذابة وبخاصيتها النافعة.
نعم، فكما يشهد كلُ موجود بمفرده، فإنها بمجموعها معا تشهد بوحدتك كذلك؛ بما فيها من الاتفاق والتداخل والاختلاط ووحدة سكة الخِلقة وغاية السهولة في الإيجاد وغاية الكثرة في الأفراد.
وإن جعْلَ البحار المحيطة بالأرض معلقةً في السماء مع بَرّها الشاسع، وهي سابحةٌ حول الشمس دون أن تنسكب انسكابا، ودون أن تتشتت فائضة، ودون أن تستولي على اليابسة.. وخلْقَ حيواناتها المتنوعة وجواهرها المنتظمة من رملها البسيط ومائها البسيط.. وإدارةَ أرزاق تلك المخلوقات وسائرِ أمورها إدارة كلية تامة.. والقيامَ بتدبيرها وتطهير سطحها من جنائزَ غير محدودة لابد منها.. تشهد بإشارات بعدد موجوداتها على أنك موجود وواجب الوجود.
وكما أنها تدلُّ دلالة ظاهرة جلية على جلال سلطنة ربوبيتك، وعلى عظمة قدرتك المحيطة بكل شيء، فهي تدل كذلك على السعة المطلقة لرحمتك ولحاكميتك اللتين تهيمنان على كل شيء، وتسعفان كل شيء، ابتداءً من النجوم الضخمة والمنتظمة في أعالي السماوات إلى الأسماك الصغيرة المنتظمة الإعاشة في أعماق البحار، وتشير إلى علمك المحيط بكل شيء وإلى حكمتك الشاملة لكل شيء؛ بانتظامها وبفوائدها وبحِكمها وبميزانها وبموزونيتها.
وإن إيجادَ حياضِ رحمةٍ كهذه للإنسان القادم ضيفا إلى مضيف الدنيا هذه، وتسخيرها لسَيره وسياحته ولسفينتهِ ولمنافعهِ، يشير إلى أن الذي يُكرِم ضيوفَه في ليلة واحدةٍ، في دارِ استراحةٍ شيّدها لهم على طريق سفرهم، بهذا الكَرَم العظيم من هدايا البحار وعطاياها، لابد أنه قد أحضر
— 53 —
في مقر سلطنته الأبدية بحارَ رحمة أبدية واسعة بحيث إن المشهودةَ منها هنا ليست إلّا نماذج فانية وصغيرة أمام تلك الأبدية.
وهكذا فإن وجُودَ البحار بهذا الطّراز الخارق وبوضعها العجيب في أطراف الأرض وإدارةَ مخلوقاتها والقيامَ بتربيتها في غاية الانتظام، يُظهر -بداهةً- أن جميعها مسخرةٌ في ملكك أنت، وبأمرك وبقوتك وبقدرتك وبإدارتك وبتدبيرك وحدك، فهي تقدّس خالقَها بألسنة حالها هاتفةً اللّٰه أكبر!
يا قَادرُ يا ذا الجَلالِ! يا من جعل الجبال أوتادا ذاتَ خزائن لسفينة الأرض!
لقد علمتُ بتعليم الرسولِ الأكرم (ص) وبدرس قرآنك الحكيم أنه: مثلما البحارُ تَعرفك وتُعرّفك بعجائبها وغرائبها، كذلك الجبالُ تَعرفك وتُعرّفك؛ بخدماتها وبحِكَمها؛ بتأمين سكون الأرض من تأثير الزلازل ودمارها، وبتهدئةِ الأرض من غوائل الانقلابات الجارية في جوفها، وبإنقاذ الأرض من فيضان البحار وطغيان عوارمها، وبتصفية الهواء من الغازات المضرة، وبمحافظتها المياه وضمان ادّخارها، وبخَزْنها المعادنَ المستلزمةَ لحاجات الأحياء.
نعم، فما من نوع من أنواع الصخورِ التي في الجبال، ولا قسم من أقسام المواد التي هي علاجات لمختلف الأمراض والعاهات، ولا جنسٍ من أجناس المعادن المتنوِّعة جدّا والتي تَلزم الأحياءَ ولاسيما الإنسان، ولا صنفٍ من أصناف النباتات المزيِّنة بأزهارها الجبالَ وبأثمارها القفارَ.. إلّا وتشهد -بداهةً- على وجوبِ وجود صانعٍ ذي قدرة غير متناهية وحكمةٍ غير متناهية ورحمةٍ غير متناهية وكرم غير متناهٍ؛ بما فيها من الحِكَم والانتظام وحُسن الخلقة والفوائد، مما لا يمكن نسبتها إلى المصادفة.. وبما فيها من الاختلاف الشديد في المذاقات، رغم التشابه الظاهري -وبخاصة في المعدنيات كالملح وملح الليمون والسُلفات والشب- ولاسيما النباتات، بأنواعها المتباينة العديدة الناشئة من تراب بسيط، وبأزهارها وأثمارها المتنوّعة. فضلا عن أنها تشهد على وحدة الصانع وعلى أحديته؛ بما في هيئتها العامة من وحدة الإدارة ووحدة التدبير ووحدة المنشأ والمسكن والخلق، والتساوي في الإتقان، مع الرُّخْص واليسر والوفرة والسرعة في الخلقة.
وكذا فإن خلق كُلِّ نوع من أنواع المصنوعات الموجودة على سطح الجبال وفي جوفها، المنتشرة في كل جهة من جهات الأرض، وإيجادَها في آن واحد وبنمط واحد بلا خطأ وبلا
— 54 —
اختلاط، رغم التداخل ضمن سائر الأنواع، في غاية الكمال والسُرعة ومن دون أن يُشغلك فعل عن فعلٍ.. يدل على هيبة ربوبيتك وعلى عظمة قدرتك التي لا يعجزها شيء.
وكذا فإن مَلء سطوح الجبال بالأشجار والنباتات، وبطونِها بالمعادن المنتظمة وتسخيرَها تلبية لحاجات الأحياء كافة تسخيرا يضمن حتى أمراضها المتنوّعة بل أذواقها المختلفة، ويشبع شهياتها المتباينة، يدل على السعة المُطلقة لرحمتك وعلى الوسعة غير المُتناهية لحاكميتك.
وكذا إحضار كل ما هو خفي ومختلط، وفي ظلمة طبقات التراب، إحضارا منتظما بعلم وببصيرة ودونَ حيرة وحسب الحاجة.. يدل على إحاطة علمك المتعلق بكلِ شيء، وعلى حكمتك المنظمة لكل شيء، وشمولها جميع الأشياء.
وكذا إحضار الأدوية وادّخار المواد المعدنية يشير بوضوح ويدل بجلاء على محاسن تدابير ربوبيتك الرحيمة والكريمة وعلى لطائف مُدخرات عنايتك.
وكذا جعل الجبال الشّوامخ مخازنَ احتياطية منتظمة ومستودعات مكملة لكنوزٍ ضرورية لحياة الضيوف القادمين إلى مَضيف الأرض ولسدِّ حاجاتهم في المُستقبل.. يشير ويدل بل ويشهد على أن صانعا له هذا الكرم الواسع ومكرما وحكيما رؤوفا، وقديرا ومربيا.. لابد له خزائن أبدية لآلائه الأبدية في عالم أبدي لأولئك المُسافرين الضيوف المحبوبين عنده.. فتقوم النجوم هناك بمهمة ما تقوم الجبال بها هاهنا.
يا قَادِرُ على كلِ شيء!
إن الجبال وما فيهَا من المخلوقات مسخّراتٌ ومدخراتٌ في ملكك أنت، وبقوتك وقدرتك أنت وبعلمك وحكمتك أنت. إنها تسبّحُ وتقدّس لفاطرها الذي وظّفها وسخَّرها على هذه الصورة.
يا خالِقُ ويا رحمنُ! ويا رب ويا رحيمُ!
لقد علمتُ بتعليم الرسول الأكرم (ص) وبدرس القرآن الحكِيم أنه: مثلما السماء والفضاء والأرض والبحر والجبل تَعرفك وتُعَرِّفك بما فيها وبمخلوقاتها، كذلك جميع الأشجار والنباتات في الأرض تعرفك وتعرِّفك -بدرجة البداهة- بأوراقها وأزهارها وأثمارها.. فكل ورقة من
— 55 —
أوراق الأشجار والنباتات المهتزّة بجذبات الذّكر وشوقه.. وكلُ زهرة من الأزهار الواصفة والمُعَرِّفة بزينتها لأسماء صانعها.. وكلُ ثمرة من الأثمار المُتبسِمة من لطافتها بتجلي الرَّحمة فيها.. تشهد كلُّها؛ بالنظام الذي في صنعتها الخارقة، وبالميزان الذي في النظام، وبالزّينة التي في الميزان، وبالنقوش الموجودة في الزينة، وبالعبق الطيب المتنَوع المَمزوج بالنقوش، وبالطعوم المُختلفة في العبق الفوّاح للأثمار.. شهادة بدرجة البداهة لا يمكن نسبتُها إلى المصادفة على وجوبِ وجودِ صانع لا نهاية لرحمته ولا نهاية لكرمه.
فكما أن الأمر هكذا في كل فرد، فكل الأشجار والنباتات معا تشهد كذلك بالبداهة على وحدة ذلك الصانع الواجبِ وجودُه وعلى أحديته؛ بوحدتها واتفاقها ومعيّتها على سطح الأرض كافة وبتشابهها على سكة الخلقة وبارتباطها في التدبير والإدارة وبتوافقها فيما يتعلق بها من أفعال الإيجاد والأسماء الربانية وبإدارة الأفراد غيرِ المحدودة لمائة ألف نوع مع تداخلها إدارةً مباشرة دون حيرة ولا خطأ.
وكذا مثلما يشهد أولئك على وجوبِ وجودِك وعلى وحدتكَ، فإن إعاشةَ وإدارةَ أفراد غير محدودة لجحفل الأحياء من الجيش الهائل المتشكل من أربعمائة ألف من الأمم على وجه الأرض إدارةً بكمال الإتقان وبمئات الآلافِ من أنماط الإعاشة والإدارة التي تتم بكمال الانتظام دون سهو ولا خلط.. تدل على جلال ربوبيتك وهيبتها في وحدانيتك، وعلى عظمة قدرتك التي تخلق الربيع بيُسرِ إيجادِ زهرة وتعلّقِها بكل شيء، وتدل قطعا على سعة رحمتك المطلقة التي تهيئ أقسامَ الأطعمة المتنوعة المختلفة وغير المحدودة وتحضرها لحيوانات غير محدودة وللإنسان في كل جهةٍ من جهات هذه الأرض الضخمة.
وإن جريان تلك الأمور والإنعامات وأشكال الإدارة وأنواع الإعاشة والإجراءات غير المحدودة، بكمال الانتظام، وانقيادَ كل شيء وخضوعه حتى الذرات لتلك الأوامر والإجراءات.. تدل دلالة قاطعة على السعة المطلقة لحاكميتك.
وإن عمل كل شيء لكل ورقة وزهرة وثمرة، ولكل جذر وغصن وفرع، من تلك الأشجار والنباتات، عملا بعلم وبصيرة وفق ما تقتضيه الفوائد والمصالح والحِكَم.. يدل على إحاطة علمك بكل شيء وشمول حكمتك لكل شيء دلالةً ظاهرة جلية، وتشير إليهما بأصابعها
— 56 —
التي لا تحد. وإنها تحمد وتُثني بألسنتها غير المحدودة على جمال صنعتك وهي في منتهى الكمال، وعلى كمال نعمتك وهي في منتهى الجمال.
وكذا فإن هذه الإحسانات الثمينة والنّعم القيمة العميمة، وهذه المصارف والإكرامات التي تفوق الحد، تصلنا بأيادي الأشجار والنباتات في هذه الدار المؤقتة والمَضيف الفاني، وفي زمن قصير وعمر قليل، تشير بل تشهد على أن الرحيم ذا القدرة والكرم الذي ساق هنا لضيوفه كل هذه الرحمة.. لابد أنه قد أعد أشجارا مثمرة ونباتات مزهرة خالدة بما يليق بالجنة الخالدة في عالم خالد في مملكة خالدة لعباده الذين سيخلدهم أبد الآبدين.. لكي يَحُول دون انقلابِ نتائجِ مصاريفه وآلائه التي صرفها للتودّد والتعرف إلى ضدّها -أي لئلا تقول جميع الخلائق: لقد أذاقَنا تلك النعمَ وأعدَمَنا قبل أن نتناولها- ولكي يحُول دون إسقاطِ هيبة ألوهيته، ودون إنكار سعة رحمته، ودون تحوُّلِ جميع أحبته المشتاقين إليه أعداءً بحرمانهم.. أجل، لقد أحضَرها من خزائن الرحمة الخالدة وفي جناته الخالدة. وما التي ها هنا إلّا نماذجُ عرضٍ للزبائن فحسب.
وكما أن الأشجار والنباتات كافة تقدّسك وتسبحك وتحمدك بكلمات أوراقها وأزهارها وأثمارها، كذلك كل كلمة من تلك الكلمات بحدّ ذاتها تقدّسك أيضا، وبخاصةٍ خلقُ الأثمار خلقا بديعا ولبابها المتنوّعة، وصنعتها العجيبة وبذورها الخارقة، وإيداع صحاف الطعام تلك إلى أيدي الأشجار ووضعها على رؤوس النباتات وإرسالها هكذا إلى ضيوفه الأحياء مما يجعل تسبيحات ألسنة حالاتها ظاهرة وجلية تبلغ درجة لسان المقال.
فجميع أولئك مسخرات في مُلكك أنت، وبقوتك وقدرتك أنت، وبإرادتك وإحساناتك أنت، وبرحمتك وحكمتك أنت، وإنها منقادة مطيعة لكل أمر صادر منك.
فيا من اختفى بشدة الظهور! ويا من احتجب بعظمة الكبرياء! يا صانعُ، يا حكِيمُ! يا خَالِقُ يا رحِيمُ! إني أحمدك وأُثني عليك مُقدِّسا إياك من القصور والعجز والشريك، بألسنة جميع الأشجار والنباتات وجميع الأوراق والأزهار والأثمار وبعددها.
يا فاطر يا قادر! يا مدبِّر يا حكيم! يا مربي يا رحيم!
لقد علمتُ بتعليم الرَّسولِ الأكرم (ص) وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت بأنه: كما أن النباتات والأشجار تعرفك وتُعلم صفاتِك القدسية وأسماءك الحسنى، فليس في الأحياء المالكة
— 57 —
للروح كالإنسان والحيوانات من فرد لا يشهد على وُجوبِ وجودِك، وعلى تحقق صفاتك؛ بأعضاء جسمه الداخلية منها والخارجية، العاملة والمُساقة إلى العمل -كالساعاتِ المنتظمة- وبآلاته وحواسه الموضوعة في بدَنه بنظام في منتهى الدّقة وبميزان في مُنتهى الحَساسية وبفوائدَ ذاتِ أهمية، وبأجهزته البدنية المخلوقة في غاية الإتقان، والمفروشة في غاية الحكمة والموضوعة في غاية الموازنة.. لأنَّ هذه الصنعةَ الدّقيقة ببصيرة، والحكمةَ اللطيفة بشعور، والموازنةَ التامة بتدبير لا يمكن أن تتدخل فيها القوةُ العمياء ولا الطبيعةُ الصماء ولا المُصادفة العشواء، فلا يمكن أن تكون هذه الأمور من أعمالها.. أما تشكلُها بنفسها فهو محال في مائة محال؛ لأنه ينبغي أن تَعرِف كلُّ ذرة من ذراتها وترى وتعمل كلَّ ما يخص تركيب جسَدِهَا، بل كلَّ شيء يتعلق بها في الدنيا، فتملكَ علما وقدرةً محيطَين كأنها إله، ثم يمكنَ أن يُحال تشكيل الجسد إليها ويقالَ: إنها تشكّلت بنفسها!
وكذا ليست هناك كيفية للأحياء عامة؛ مِن وحدة التدبير ووحدة الإدارة ووحدة النوع ووحدة الجنس ووحدة سكة الفطرة -المشاهَدة اتفاقُها في أوجهها عامة من عين وأذن وفم وغيرها- ومن الاتحاد في سكة الحكمة -الظاهرة في سيماء كل فرد من أفراد النوع الواحد- ومن المعية في الإعاشة والإيجاد مع تداخل بعضها في بعض.. إلّا وتتضمن شهادةً قاطعة على وحدتك وإشارةً إلى أحديتك في الواحدية بما يملك كل فرد من أفرادها من تجليات جميع الأسماء الناظرة إلى الكون.
وكذا فكما أن تسخير مئات الآلافِ من أنواع الحيوانات المنتشرة مع الإنسان على وجه البسيطة كافةً وتجهيزَها وتدريبها وجَعْلَها مطيعةً ومسخرةً كأنها جيشٌ منظم، وجريانَ أوامر الربوبية فيها بانتظام بالغ يدل على درجة جلال ربوبيتك تلك، فإن القيمةَ الغالية لتلك المخلوقات مع أنها في غاية الكثرة، وإيجادَها في منتهى السرعة مع أنها في غاية الكمال، وخلقَها في منتهى السهولة مع أنها في غاية الإتقان.. يدل دلالة قاطعة على عظمة قدرتك.
وكذا إيصالُ أرزاق تلك المخلوقات المنبثة في أقاصي الشرق والغرب والشمال والجنوب ابتداءً من أصغر ميكروب وانتهاءً بأضخم حيوان، ومن أصغر حشرة إلى أضخم طير.. يدل على سعة رحمتك المُطلقة.
— 58 —
وكذا تحوُّل وجه الأرض كلَ ربيع إلى معسكر لتلك المَخلوقات بدلا من تلك التي أُنهِيَتْ خدماتُها في الخريف وأداءُ كلٍ منها مهمتَها الفطرية كأنها جنديٌّ مطيع يستنفر من جديد.. يدل دلالة قاطعة على سعة حاكميتك المُطلقة.
وكذا فكما أنَّ كل حيوان يشير إشاراتٍ بعدد الحيوانات إلى إحاطة علمك بكل شيء، وشمولِ حكمتك لكل شيء.. بخلقها كنسخةٍ مصغّرة للكائنات، بعلم في غاية العمق، وحكمةٍ في غاية الدّقة، بلا خلط بين الأجزاء المُختلطة، وبلا تحيّر بين الصور المتباينة للحيوانات كافة، وبلا خطأ ولا سهو ولا نقص.. فإن خلق كلٍ منها كذلك خلقا في روعة الإتقان والجمال، مما يجعله معجزة في الصنعة وخارقة في الحكمة.. يشير إلى كمال حُسن صنعتك الربانية، وإلى غاية جمالها، تلك الصّنعة التي تحبّها وترغب في عرضها ونشرها.
وكذا تربيةُ كلٍ منها وبخاصة الصغار تربيةً في غاية الرقة واللطف، وتلبية جميع رغباتها وآمالها.. تشِير إشارات غير محدودة إلى الجمال الرائع لعنايتك.
يا رحمن يا رحيم! يا صادقَ الوعد الأمِين! يا مالك يوم الدين!
لقد علمت بتعليم رسولك الأكرم (ص) وبإرشاد قرآنك الحكيم أنه:
ما دامت الحياةُ أعظمَ نتيجة منتخَبة من الكون، والروحُ هي الخلاصة المُختارة من الحياة، وأولو المشاعر هم النتيجة الخالصة من بين أقسام ذوي الأرواح، والإنسانُ هو أجمعُ أولي المشاعر، وجميعُ الكائنات بدورها مسخرةٌ وساعية لأجل الحياة، وذوو الحياة مسخرون لذوي الأرواح وقد بُعثوا إلى الدنيا لأَجلهم، وذوو الأرواح مسخّرون للإنسان وفي عونه دائما، والناس يحبّون خالقَهم محبةً خالصة بفطرتهم، وخالقُهم يحبّهم ويحبب نفسه إليهم بكل وسيلة، واستعداد الإنسان وأجهزته المعنوية تتطلع إلى عالم آخر باقٍ وإلى حياة أخرى أبدية، وأنَّ قلبه وشعورَه يطلبان البقاء ويتوقان إليه، وأنَّ لسانه يتوسل إلى خالقه بأدعية غير محدودة طالبا البقاء.. فلا يمكن مطلقا إغضابُ الناس المُحبّين المحبوبين واسخاطُهم بعداوة أبدية بعدم بعثهم بعد إماتتهم، وهم قد خُلِقوا أصلا لمحبة خالدة. بل أُرسِلوا إلى هذه الدنيا بحكمة لنيل عيش سعيد في عالم أبدي آخر.
ثم إن الأسماء الحسنى المُتجلية على الإنسان تشير إلى أن الذي هو مرآة عاكسة لتجليات
— 59 —
تلك الأسماء في هذه الحياة القصيرة الفانية سيحظى بتجلّياتها الأبدية في عالم البقاء. نعم، إن الخليل الصَّادق للخالد يكون خالدا، وإن المرآة الشاعرة للباقي يستلزم بقاءها. وكما يفهم من الرّوايات الصحيحة: أن أرواح الحيوانات ستبقى دائمة، وأن أرواح بعض أفراد خاصة من الحيوانات ستمضي إلى عالم البقاء مع أجسادها؛ كهدهدِ ونملِ سليمان عليه السلام، وناقة صالح عليه السلام، وكلب أصحاب الكهف، [٭]: انظر: البغوي، معالم التنزيل ٣/١٥٤؛ أبو السعود، التفسير ٥/٢١٢؛ الآلوسي، روح المعاني ١٥/٢٢٦. وأن كلَ نوع منها سيتجسّد بجسد لاستعماله أحيانا.. فالحكمة والحقيقة وكذا الرحمة والرّبوبية تقتضي كلها ذلك.
يا قدير يا قيوم!
إن جميع ذوي الحياة وذوي الأرواح وذوي الشعور قد وُظّفوا بوظائف فطرية في مُلكِك أنت، وسُخِّروا لأوامرِ ربوبيتك أنت، وبقوتك وقدرتك وحدك، وبإرادتك وتدبيرك ورحمتك وحكمتك. وإن قسما منها قد سُخّرت وذُللت للإنسان من لدن رحمتك، لا بقوّته وغلبته بل لضعفه وعَجزه فطرةً. فكلُ حيوان يؤدي عبادته الخاصّة به، بلسان الحال والمقال مُسبِّحا خالقَه وبارءه ومعبُودَه مُقدّسا إيّاه من القصور والشّرك حامدا شاكرا لأنعمه وآلائِهِ.
سبحانك يا من اختفى بشدة الظهور! سُبحانك يا من احتجب بعظمة الكبرياء! إنّي أقدّسُك بتسبيحات جميع ذوي الأرواح مُناديا: سبحانك.. يا من جعل من الماء كل شيء حيّ..
يا رب العالمين! يا إله الأولين والآخِرين! يا رب السماواتِ والأرضين!
لقد علمتُ بتعليم الرسولِ الأكرم (ص) وبدرس القُرآن الحكيم وآمنت أنه: مثلما السماءُ والفضاء والأرض والبر والبحر والشجر والنبات والحيوان.. تَعرفُك بأفرادها وأجزائها وذراتها، وتشهد على وجودِك وعلى وحدتك، وتدل عليهما وتشير؛ فإن الأنبياء والأولياء والأصفياء الذين هم خلاصةُ نوع الإنسان الذي هو خلاصة ذوي الحياة الذين هم خلاصة الكون، يشهدون ويخبرون بوجوب وجودك ووحدانيَتك وأحدِيتك، إخبارا قاطعا بقوة مئات الإجماع ومئات التواتر المستندة إلى مشاهدات قلوبهم وعقولهم وكشفياتها وإلهاماتها واستخراجاتها وبقطعيتها، ويثبتون إخباراتهم بمعجزاتِهِم وكراماتهم وبراهينهم اليقينية.
نعم، ليست في القلوب خاطرةٌ غيبية تومئ إلى الذات المُخبرة بها في ستار الغيب، وليس فيها إلهام صادق يشير إلى الذات المُلهمة فيها، وليست فيها عقيدة يقينية تكشف عن
— 60 —
صفاتك القدسية وأسمائك الحُسنى كشفا بحقّ اليقين، وليس في الأنبياء والأولياء قلب نوراني يشاهد أنوارَ واجب الوجود بعين اليقين، وليس في الأصفياء والصدّيقين عقلٌ منوّر يصدّق آيات وجوب وجود خالق لكل شيء ويثبت براهين وحدته بعلم اليقين.. إلّا ويشهد شهادةً ويملك دلالةً ويعرض إشارةً على وجوبِ وجودِك وعلى صفاتك المقدسة وعلى وحدتك وعلى أحديتك وعلى أسمائك الحُسنى.
وليست هناك معجزة من المعجزات الباهرة المصدّقة لأخبار سيد جميع الأنبياء والأولياء والأصفياء والصديقين ورئيسهم وخلاصتهم ذلك الرسول الأكرم (ص)، ولا حقيقة من حقائقه السامية المظهرة لحقانيته، ولا آيةٌ من آيات التوحيد القاطعة للقرآن المعجز البيان الذي يلخّص جميعَ الكتب المقدسة الحقة، ولا مسألة إيمانية من مسائله القدسية.. إلّا وتشهد شهادة وتملك دلالة وتعرض إشارة على وجوب وجودك وعلى صفاتك المقدسة وعلى وحدتك وعلى أحديتك وعلى أسمائِك الحسنى وعلى صفاتك الجليلة.
ومثلما يشهد جميعُ أولئك المُخبرين الصَّادقين الذين يُعدّون بمئات الآلافِ -مستندين إلى معجزاتهم وكراماتهم وحُججهم- على وجودِك وعلى وحدانيتك.. فإنهم يُخبرون -ويثبتون بالإجماع والاتفاق- عن مدى عظمة جلال ربوبيتك الجارية ابتداءً من إدارة الأمور الكلية للعرش الأعظم المحيط بكل شيء، إلى معرفة أخفى الخلجات والخواطر الجزئية للقلب وسرائره وآماله وأدعيته والاستماع إليه وإدارته.. ويعلنون مدى عظمة قدرتك التي توجِد الأشياءَ المختلفة غير المحدودة -أمام أعيننا- دفعةً واحدة، وتخلق أكبر شيء بسهولة خلق أصغر حشرة، دون أن يمنع فعلٌ فعلا.
ومثلما أنهم يخبرون -ويثبتون ذلك بمعجزاتِهم وحججهم- عن سعة رحمتك المطلقة التي صيّرت الكون في حكم قصر منيف لذوي الأرواح وبخاصة للإنسان، والتي أَعدت الجنةَ والسعادة الأبدية للجن والإنس، والتي لا تَنسى مطلقا أصغرَ كائن حي وتسعى لتطمين أعجز قلب وتلطيفه.. وعن سعة حاكميتك المُطلقة التي تسخّر وتوظّف وتُخضع لأوامرها جميعَ أنواع المخلوقات من الذرات إلى السيارات..
فإنهم يشهدون ويدلّون ويشيرون كذلك -بالإجماع والاتفاق- إلى إحاطة علمك المحيط بكل شيء الذي جعل الكون بحكمِ كتاب كبير يضم رسائلَ بعدد أجزائه، والذي سجل جميع حوادث الموجودات في "إمام مبين" وفي "كتاب مبين" وهما
— 61 —
سِجِلَّا "اللوحِ المحفوظ"، والذي أودع البذور فهارسَ الأشجار ومناهجها كافة، والذي أملى في جميع القوى الحافظة في رؤوس أولي المشاعر تواريخَ حياتهم بانتظام ودون خطأ.. ويشهدون كذلك على شمول حكمتك المقدسة كلَّ شيء، التي قلّدت كلَّ موجود حِكَما كثيرة جدا، حتى إنها أعطت بما تمد كلَ شجرة نتائج بعدد أثمارها، والتي أردفت في كل ذي حياة مصالحَ بعدد أعضائه، بل بعدد أجزائه وخلاياه، حتى إنها مع توظيفها لسانَ الإنسان بوظائف عدة فقد جهّزته أيضا بموازين ذوقية بعدد أذواق الأطعمة. وهم يشهدون أيضا على استمرار تجليات الأسماء الجلالية والجمالية -الظاهرة آثارُها في هذه الدنيا- ودوامِها بأسطع صورة وأبهرِها في أبد الآباد، وعلى استمرار آلائك المُشاهَدة أمثالها في هذه الدنيا الفانية وبقائها أكثر بهاءً ولمعانا في دار السعادة، وعلى مرافقتها المُشتاقين الذين حظُوا بها في هذه الدنيا ومصاحبتها لهم في الخلود.
فالرسول الأكرم (ص) -في المقدمة- مستندا إلى مئات من معجزاته الباهرة، والقرآنُ الكريم مستندا إلى آياته الجازمة، ثم جميعُ الأنبياء عليهم السلام وهم ذوو الأرواح النيرة، وجميعُ الأولياء وهم أقطاب ذوي القلوب النورانية، وجميع الأصفياء وهم أرباب العقول المنورة.. يبشرون الجن والإنس بالسعادة الأبدية وينذرون الضالين بجهنم -وهم يؤمنون بهذا ويشهدون عليه- استنادا إلى ما ذكرتَه مرارا وتكرارا من الوعد والوعيد في جميع الكتب السماوية والصحف المُقدسة، واعتمادا على صفاتك وشؤونك القدسية كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال، ووثوقا بعزة جلالك وسلطان ربوبيتك، ويبشرون بكشفياتهم ومشاهداتهم وبعقيدتهم الراسخة بعلم اليقين.
يا قادر يا حَكيمُ، يا رحمن يا رحيم، يا صادقَ الوعد الكريم، يا قهارُ ياذا الجَلال، وياذا العزة والعظمة والجلال!
إنك مقدَّس مطلق، وأنت متعال منیزّه مطلقٌ عن أن تصم بالكذب كلَّ هذا العدد من أوليائك الصادقين ووعودك العديدة وصفاتك الجليلة وشؤونك المُقدسة.. فتَحجبَ ما تقتضيه حتما سلطنةُ ربوبيتك، وتردَّ ما لا يُحد من أدعية ودعوات صادرة ممن لا يُعد من عبادك المقبولين الذين أحببتهم وأحبوك وحببوا أنفسهم إليك بالإيمان والتصديق والطاعة... فأنت منیزّه وأنت متعال مطلق مستغن عن تصديق أهل الضلالة والكفر الذين يتعرضون لعظمة كبريائك في
— 62 —
إنكارهم الحشر، ويتسببون في التجاوز على عزة جلالك، ويمسون هيبةَ ألوهيتك ورأفةَ ربوبيتك بكفرهم وعصيانهم وبتكذيبهم إياك في وعدك.
فأنا أُقدّس عدالتَك وجمالك ورحمتك غير المتناهية -بلا حدّ ولانهاية- وأُنزّهها عن هذا الظلم والقبح غير المتناهيَين وأَرغب أن أتلو بعدد ذرات وجودي الآية الكريمة:
سُبحَانه وتعالى عما يقولونَ علُوًّا كبيرًا
(الإسراء:٤٣). بل إن رسلَك الصادقين -أولئك الذين هم دعاة سلطنتك الحقيقيون- يشهدون ويبشرون ويشيرون بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين إلى خزائن رحمتك الأخروية وكنوز آلائك في عالم البقاء، وإلى انكشاف تجليات أسمائك الحسنى تجليا تاما خارقا في دار السعادة، ويرشدون عبادك المُؤمنين بأن أعظم شعاع لاسم "الحقّ" الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها وحاميها هو حقيقة الحشر الكبرى.
يا رب الأنبياء والصديقين!
إن أولئك جميعا مسخّرون وموظفون في مُلكك أنت، وبأمرك وقدرتك أنت، وبإرادتك وتدبيرك أنت، وبعلمك وحكمتك أنت.. وقد أظهروا الكرةَ الأرضية بالتقديس والتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل في حُكم أعظم مكان للذكر وأبرزوا الكونَ في حُكم أكبر مسجد للعبادة.
يا ربي، و يا رب السماواتِ والأرضين! يا خَالِقي، ويا خَالِقَ كل شيء!
بحق قدرتك وإرادتك وحكمتك وحاكميتك ورحمتك التي سخّرت بها السّمَاوات بنجومها، والأرض بمشتملاتها، وجميع المخلوقات بجميع كيفياتها وأنواعها:
سَخِّر لي نفسي، وسخّر لي مطلوبي، وسخّر قلوبَ الناس لرسائل النور ليخدموا القرآن والإيمان.. وهب لي ولإخواني إيمانا كاملا وحسن الخاتمة. وكما سخّرتَ البحر لموسى عليه السلام، وسخّرت النار لإبراهيم عليه السلام، وسخرت الجبَالَ والحديد لداوُد عليه السلام، وسخّرت الإنس والجن لسليمان عليه السلام، وسخّرت الشّمس والقمر لمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلام، سخّر القلوب والعقول لرسائل النور. واحفظني واحفظ طلبةَ رسائل النور من شرّ النفس والشيطان ومن عذاب القبر ومن نار جهنم، وأسعدنا في فردوس الجنة. آمين.. آمين.. آمين.
— 63 —
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
وآخِرُ دَعواهُم أنِ الحَمْدُ للّٰه رَبِّ العَالَمِيْنَ
إن هذا الدرس الذي اقتبستُه من القرآن الكريم ومن الجوشن الكبير [٭]: الجوشن: يعني الدرع الذي يستعمل للصدر. وهو مناجاة نبوية رائعة برواية الإمام زين العابدين رضي اللّٰه عنه. يتضمن هذا الدعاءُ الأسماءَ الإلهية والصفاتِ الجليلة، وبين كل مقطع وآخر: "سبحانك يا لا إله إلا أنت الأمان الأمان أجرنا من النار... خلصنا من النار... نجنا من النار". -الذي هو مناجاة نبوية- أعرضها على باب ربي الرحيم عبادةً فكرية. فإن كان قد بدر مني تقصيرٌ فإني ألوذ برحمته مستشفعا القرآن الكريم والجوشن الكبير راجيا العفو عن تقصيري.
سعيد النورسي
— 64 —

الشعاع الرابع

هذا الشعاع هو "اللمعة الخامسة" من حيث المعنى والرتبة، وهو "الشعاع الرابع" القيّم من حيث الصورة والمقام، للّمعة الحادية والثلاثين من المكتوب الحادي والثلاثين، وهو عبارة عن نكتة مهمة جليلة للآية الكريمة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
(آل عمران:١٧٣).
تنبيه
إن رسائل النور تخالف الكتب الأخرى، إذ تستهل البحثَ بشيء من الإبهام الذي قد يخفى على القارئ ويغمض عليه، إلّا أنها تتوضّح تدريجيا، وتكشف عن معانيها رويدا رويدا، ولاسيما هذه الرسالة. فالمرتبة الأولى منها دقيقة وعميقة غامضة مع أنها حقيقة قيمة غالية. وقد برزت هذه المرتبة بصفة خاصة بي شفاءً لأدوائي المتنوعة الغائرة، برزت على صورة محاكمة شعورية في غاية الأهمية، ومعاملة إيمانية في غاية الحيوية، ومحاورة قلبية في غاية الخفاء. ومن هنا قد لا يتمكن أن يَتذوقَها تذوقا تاما ويَستشعرَ بها إلّا من كانت مشاعرُه متوافقة معي، متجانسة مع مشاعري.
— 65 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
(آل عمران:١٧٣)
حينما جرّدني أربابُ الدنيا من كل شيء، وقعتُ في خمسة ألوان من الغربة، وانتابتني خمسة أنواع من الأمراض الناشئة من الآلام والعنت في زمن الشيخوخة. ولم ألتفتْ إلى ما في رسائل النور من أنوار مسلّية وإمدادات مشوّقة -جرّاء غفلة أورثها الضجرُ والضيق- وإنما نظرتُ مباشرة إلى قلبي وتحسست روحي، فرأيت أنه يسيطر عليّ عشقٌ في منتهى القوة للبقاء، وتهيمِن عليّ محبةٌ شديدة للوجود، ويتحكّم فيّ شوق عظيم للحياة، مع ما يكمن فيّ من عجز لا حدّ له وفقر لا نهاية له. غير أن فناءً مهولا يطفئ ذلك البقاء ويزيله، فقلت -في حالتي هذه- مثلما قال الشاعر المحترق الفؤاد: [٭]: المقصود الشاعر نيازي المصري.
حكمة الإله تقضي فناءَ الجسد، والقلب توّاق إلى الأبد،
لهفَ نفسي من بلاءٍ وكمد، حار لقمانُ في إيجاد الضمد..
فطأطأتُ رأسي يائسا، وإذا بالآية الكريمة
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
تغيثني قائلة:
اقرأني جيدا، بتدبر وإمعان.. فقرأتُها بدوري خمسمائة مرة في كل يوم. فسأكتب تسعا فقط من أنوارها ومراتبها القيمة الغزيرة التي انكشفتْ لي بعين اليقين، أما تفاصيلها المعروفة بعلم اليقين، لا بعين اليقين، فأحيلها إلى رسائل النور.
المرتبة النورية الحسبية الأولى إن ما فيّ من عشق البقاء ليس متوجها إلى بقائي أنا، بل إلى وجود ذلك الكامل المطلق وإلى كماله وبقائه. وذلك لوجودِ ظل لتجلٍّ من تجليات اسمٍ من أسماء الكامل المطلق -ذي
— 66 —
الكمال والجمال- في ماهيتي، وهو المحبوب لذاته -أي دون داعٍ إلى سبب- إلّا أن هذه المحبة الفطرية ضلّت سبيلَها وتاهت بسبب الغفلة، فتشبثت بالظل وعشقتْ بقاء المرآة.
ولكن ما إن جاءت
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
حتى رفعت الستار، فأحسستُ وشاهدت، وتذوقتُ بحق اليقين: أن لذةَ البقاء وسعادتَه موجودة بنفسها، بل أفضلَ وأكملَ منها، في إيماني وإذعاني وإيقاني ببقاء الباقي ذي الكمال، وبأنه ربي وإلهي؛ لأنه ببقائه سبحانه تتحقق لي حقيقة باقية لا تموت، إذ يتقرر بشعور إيماني "أن ماهيتي تكون ظلًّا لاسم باقٍ، لاسمٍ سرمدي، فلا تموت".
وكذا تُشبَع بذلك الشعور الإيماني -الباعث على وجود الكمال المطلق وهو المحبوب المطلق- المحبةُ الذاتية، الفطرية الشديدة.
وكذا تُعرف بذلك الشعور الإيماني -الذي يخصّ بقاء الباقي السرمدي ووجوده سبحانه- كمالاتُ الكائنات ومزاياها، ومزايا نوع الإنسان بالذات وتُكشف عنها، ويُعلَم أن الافتتان الفطري بالكمال يُنقذ من آلام غير محدودة، فيتذوق ويتلذذ.
وكذا يتولد بذلك الشعور الإيماني انتساب إلى ذلك الباقي السرمدي، وتتولد وشائجُ مع مُلكه عامة بالإيمان بذلك الانتساب، فينظر المرء -بنور الإيمان- إلى مُلكٍ غير محدود كنظره إلى مُلكه، فيستفيد معنًى.
وكذا يتكون بذلك الشعور الإيماني وبذلك الانتساب والعلاقة ما يشبه الاتصال والارتباط بجميع الموجودات؛ وفي هذه الحالة يتولد بدرجة ثانية وجود غير محدود - غير وجوده الشخصي - من جهة ذلك الشعور الإيماني والانتساب والارتباط والعلاقة والاتصال، حتى كأنه وجود كوجوده فيهدأ العشق الفطري تجاه الوجود.
وكذا تتولد بذلك الشعور الإيماني والانتساب والعلاقة والارتباط أخوةٌ مع جميع أهل الكمال والفضل؛ وعندها لا يضيع ولا يُمحى أولئك الذين لا يعدّون ولا يحصون من أهل الكمال والفضل، بفضل معرفة وجود الباقي السرمدي وبقائه، فيورث بقاءَ ما لا يعد من الأحبّة -الذين يرتبط بهم بحب وتقدير وإعجاب- ودوامَ كمالهم صاحبَ ذلك الشعور الإيماني ذوقا رفيعا ساميا.
— 67 —
وكذا رأيتُني قادرا على الإحساس بسعادة غير محدودة، ناشئةٍ من سعادة جميع أحبائي -الذين أضحّي بحياتي وببقائي بكل رضًى وسرور من أجل سعادتهم- وذلك بوساطة الشعور الإيماني والانتساب والارتباط والعلاقة والأخوّة؛ إذ الصديق الرؤوف يَسعد بسعادة صديقه الحميم ويتلذذ بها. ولهذا فإنه ببقاء الباقي ذي الكمال وبوجوده، ينجو جميعُ ساداتي وجميع أحبابي، وهم الأنبياء عليهم السلام والأولياء والأصفياء وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ص) وينجو آله وأصحابه الكرام، وينجو جميعُ أحبابي الذين لا يُحصَون، ينجون كلُّهم من الإعدام الأبدي وينالون سعادة سرمدية خالدة، فأحسست بهذا بذلك الشعور الإيماني فانعكس عليَّ شيءٌ من سعاداتهم وتذوقتُها ذوقا خالصا، فغمرتني سعادةٌ عظمى، بسبب تلك العلاقة والأخوة والارتباط والمحبة.
وكذا غمرَتني سعادة روحية لا منتهى لها بنجاتي من آلام غير محدودة، ناشئة من علاقتي بأبناء جنسي، وشفقتي على أقاربي، فقد أحسستُ بشعور إيماني أن جميع أقاربي نسلا ونسبا ومعنًى والذين أفديهم بحياتي وبقائي -بفخر واعتزاز فطري- لأجل خلاصهم من المهالك والمخاطر، وفي المقدمة آبائي وأمهاتي.. أحسست أنهم ينجون من الفناء والعدم والإعدام الأبدي ومن آلام غير محدودة، وينالون رحمة واسعة مطلقة ببقاء الباقي الحقيقي وبوجوده سبحانه؛ وأن رحمة واسعة مطلقة ترعاهم وتحميهم بدلا من شفقتي الجزئية القاصرة التي لا تأثير لها والتي هي مبعث ألمٍ وغمٍ. فكما تتلذذ الوالدةُ بلذّةِ ولدها وتذوق الراحةَ براحته، تلذذتُ أنا كذلك وسعدتُ بنجاة جميع أولئك الذين أشفقُ عليهم، بانضوائهم تحت حماية تلك الرحمة الواسعة، وبتنعمهم في ظلها، وانشرحتُ فرحا جذلا بهذا الشعور، فشكرت اللّٰه من الأعماق.
وكذا علمتُ بذلك الشعور الإيماني نجاة رسائل النور التي هي ثمرةُ حياتي ومبعثُ سعادتي ووظيفة فطرتي، نجاةً من الفناء والضياع والضمور ومن عدم الجدوى والنفع، وعلمتُ بذلك الانتساب الإيماني، بل شعرت ببقاء تلك الرسائل نضِرةً طرية، وأحسست بنمائها معنًى، بل ببقائها ودوامها وإثمارها ثمرات يانعة. فحصلتْ لي القناعةُ التامة أن في هذا لذةً معنوية تفوق كثيرا لذةَ بقائي، ولقد أحسست بتلك اللذة إحساسا حقا كاملا، لأنني آمنت أنه ببقاء الباقي ذي الكمال وبوجوده لا تُنقَش رسائل النور في ذاكرة الناس وقلوبِهم وحدَها
— 68 —
بل تكون أيضا موضع مطالعة لمخلوقات غير محدودين من ذوي الشعور والروحانيين. فضلا عن أنها ترتسم في اللوح المحفوظ وفي الألواح المحفوظة -إن كانت موضعَ رضى اللّٰه سبحانه وتعالى- وتتزيّن بثمرات الأجر والثواب، ولاسيما أن وجودَها بآنٍ واحد، وحظوتَها بنظر رباني من حيث انتسابها إلى القرآن الكريم ونيلَها بالقبول النبوي والرضى الإلهي -إن شاء اللّٰه- أعظمُ وأجلُّ من إعجاب وتقدير أهل الدنيا كلهم لها.. وعلمتُ أن سعادتي هي في خدمة تلك الرسائل للقرآن الكريم. وأنني على استعداد كلَّ حين بالتضحية بحياتي وببقائي لإبقاء كلِ رسالة من تلك الرسائل -التي تثبت الحقائق الإيمانية وتدعمها- ولدوامِها ولإفادتها الآخرين ولمقبوليتها عند اللّٰه. وعندها فهمتُ -بذلك الانتساب الإيماني- أن تلك الرسائل تنال بالبقاء الإلهي تقديرا وإعجابا يفوقان تقديرَ الناس وإعجابَهم بها بمائة ضعف. لذا قلت بكل ما أملك من قوة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
وكذا علمت بذلك الشعور الإيماني أن الإيمان ببقاء الباقي ذي الجلال وبوجوده الذي يمنح بقاءً أبديا وحياةً دائمة، وأن ثمرات الإيمان التي هي الأعمال الصالحة ثمراتٌ باقية لهذه الحياة الفانية، ووسائلُ لبقاء دائم. فأقنعتُ نفسي أن أكونَ كالبذرة التي تترك قشرتَها لتتحول إلى شجرة باسقة مثمرة، أي أقنَعتُها أن تترك بقائي الدنيوي الشبيه بالقشرة لتعطي ثمرات باقية. فقلت مع نفسي:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
. نعم، حسبنا بقاؤه سبحانه.
وكذا علمت بعلم اليقين، بذلك الشعور الإيماني والانتساب بالعبودية؛ أن وراء ستار التراب عالمًا منوّرًا، وأن الطبقة الترابية الثقيلة التي يرزح تحتها الموتى رُفعت عنهم، وأن النفق الذي يُدخل إليه من باب القبر لا يؤدي إلى ظلمات العدم كذلك. فقلت من الأعماق:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
وكذا أحسستُ إحساسا تاما، وعلمت بحق اليقين، بذلك الشعور الإيماني أنه في الوقت الذي يتوجه عشقُ البقاء الشديد جدّا في فطرتي إلى بقاء الباقي ذي الكمال وإلى وجوده من جهتين، إلّا أنه قد ضلَّ عن محبوبه بسببِ ما أسدلَته الأنانيةُ من أستارٍ دونه، فتَشبَّثَ بالمرآة وافتتن بها، فصار حائرا غويا. إذ إنَّ ما يهيمن على ماهيتي من ظلِّ اسم للكمال المطلق، المحبوب لِذاته، والمحبوب فطرةً، والمعبود المعشوق، قد أورث عشقَ البقاء هذا، الذي هو عميق
— 69 —
الغَور والراسخُ القوي. وبينما الكمال الذاتي الذي هو وحده كافٍ ووافٍ للعبادة والافتتان، حيث لا يَلزم لمحبّته سببٌ أو غرض دون ذاته، فإنه بإحسانه وإنعامه ثمراتٍ باقية -كالمذكورة آنفا- والتي تستحق كل منها أن يُضحَّى لأجلها بألوف من الحياة الدنيوية وبقائها لا بحياة واحدة وبقاء واحد، فقد أحسست أن ذلك الكمال الذاتي قد رسّخ بإحسانه هذا ذلك العشقَ الفطري وعمّقه أكثر، فلو تيسّر لي لقلت بجميع ذرات وجودي:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
بل قلتُه بتلك النية.

ولقد أورثني ذلك الشعور الإيماني الذي يتحرى عن بقائه <&Kد البقاء الإلهي -كما أشرتُ إلى عدد من ثمراته بالفقرات المبتدئة بی"كذا.. كذا.."- ومنحنى ذوقا وشوقا مَلَكَا عليّ كياني كله وأخَذَا بمجامع روحي، فقلت بكل ما أملك من قوة، ومن أعماق قلبي ومع نفسي:

حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
المرتبة النورية الحسبية الثانية إنه مع عجزي غير المتناهي الكامن في فطرتي، ومع الشيخوخة المستقرة في كياني، ومع تلك الغربة التي لفّتني، ومع عدم وجود المعين لي، وقد جُردت من كل شيء، هاجمني أربابُ الدنيا بجواسيسهم وبدسائسهم.. في هذا الوقت بالذات خاطبت قلبي قائلا: "إن جيوشا كثيفة عارمة تهاجم شخصا واحدا ضعيفا مريضا مكبَّلَ اليدين.. أَوَ ليس له -أي لي- من نقطة استناد؟".
فراجعتُ آية
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
فأعلَمتْني: أنك تستند بهوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة، بحيث يجهِّز بانتظام تام في كل موسمِ ربيع على سطح الأرض جميعَ جيوش النباتات والحيوانات المتشكِّلة من أربعمائة ألف نوع من الأمم والطوائف بالأعتدة والأجهزة اللازمة لها. فيجدِّد ملابس جيشَيه العظيمين وهما الأشجار والطيور ويُلبسهما ملابسَ جديدةً، مبدِّلا أنواطهما وشاراتهما، حتى إنه يبدل لباس الجبل ونقاب الصحراء مثلما يبدل فساتين الدجاج اللطيفةَ وأثواب الطيور الجميلةَ. ويوزع جميع أرزاق الجيش الهائل للأحياء -وفي مقدمتها الإنسان- لا بشكل ما اكتشفه الإنسان المعاصر في الآونة الأخيرة من مستخلصات اللحم والسكر وغيرهما، بل بصورة مستخلصاتٍ أكملَ
— 70 —
وأفضل بكثير بل تفوقها مائة مرة، فهي مستخلصاتُ جميع أنواع الأطعمة، وهي مستخلصاتٌ رحمانية، تلك التي تسمى البذور والنوى. زد على ذلك فإنه يغلّف أيضا تلك المستخلصات بأغلفة قَدَرية تتناسب مع نضجها وانبساطها ونموها، ويحفظها في عُليبات وصنيديقات صغيرة وصغيرة جدا، وهذه الصنيديقات أيضا تُصنع في معمل "ك.ن" بسرعة متناهية جدّا وبسهولة مطلقة للغاية وبوفرة هائلة، حتى إن القرآن الكريم يذكر ذلك بقوله تعالى:
فانما يقولُ لهُ كُن فيكون
(البقرة:١١٧). وعلى الرغم من أن جميع تلك الخلاصات متشابهة ومتكونة من المواد نفسها وقد لا تملأ مدينة واحدة، فإن الرزاق الكريم يُنضِج منها في موسم صيف واحد ما يمكن أن يملأ مدن الأرض كافة بأطعمة في غاية اللذة والتنوع.
فما دمتَ قد ظفرتَ بنقطة استناد مثل هذه بهوية الانتساب الإيماني، يمكنك إذن الاستنادُ والاعتماد على قوة عظيمة وقدرة مطلقة. وحقا لقد كنتُ أحسّ بقوة معنوية هائلة كلما كنت أتلقى ذلك الدرس من تلك الآية الكريمة، فكنت أشعر أنني أملك من الاقتدار الإيماني ما يمكنني أن أتحدى العالم أجمع وليس أعدائي الماثلين أمامي وحدهم، لذا ردَّدتُ ومن أعماق روحي:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
وراجعت الآية الكريمة نفسها من حيث فقري واحتياجي غير المتناهيين كي أنال نقطة استمداد لهما. فقالت لي: إنك منتسب إلى مالك كريم بعبوديتك وبمملوكيتك، واسمُك مسجّل في دفتر إعاشة المخلوقات، وإنه يَفرش سُفرة نعمِه في كل ربيع وصيف ويرفعُها بل يبسطها ويطويها أكثر من مائة مرة مزيِّنا إياها بأطعمة متنوعة لذيذة يأتيها من عالَم الغيب ومن العدم ومن حيث لا يحتسب العبدُ ومن تراب جامد حتى كأن سني الزمان وأيامَ كل سنة صحونٌ متعاقبة مترادفة لثمرات إحسانه وأطعمة رحمته ومعرضٌ لمراتب آلاء رزاق رحيم، بمراتب كلية وجزئية. فأنت عبد لهذا الغني المطلق. فإن كان لك شعور وإحساس بهذه العبودية له، فإن فقرَك الأليم يصبح مدار شهية لذيذة.
وأنا بدوري قد أخذت حظي من هذا المعنى من الآية الكريمة. فقلت مع نفسي: نعم.. نعم، إنه الصدق بعينه. وردّدت متوكلا على اللّٰه:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
— 71 —
المرتبة النورية الحسبية الثالثة حينما اشتد خناقُ الأمراض وألوان الغربة وأنواع الظلم عليّ، وجدت أنَّ علاقاتي تنفصم مع الدنيا، وأن الإيمان يرشدني بأنك مرشّح لعالم آخر أبدي، وأنك مؤهّل لمملكة باقية وسعادة دائمة. ففي هذه الأثناء تركتُ كل شيء تقطرُ منه الحسرةُ ويجعلني أتأوّه وأتأفف، وأبدَلتُه بكل ما يبشّر بالخير والفرح ويجعلني في حمدٍ دائم. ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق -وهي غايةُ المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة-إلّا بقدرةٍ غير محدودة للقدير المطلق، يعرف جميعَ حركات مخلوقاته وسكَناتهم قولا وفعلا، بل يعرف جميع أحوالهم وأعمالهم ويسجلها كذلك.. وأنّى لها أن تحصل إلّا بعنايته الفائقة غير المحدودة لهذا الإنسان الصغير الهزيل المتقلب في العجز المطلق، حتى كرّمه واتخذه خليلا مخاطبا، واهبا له المقام السامي بين مخلوقاته.
نعم، حينما كنت أفكر في هاتين النقطتين، أي في فعالية هذه القدرة غير المحدودة، وفي الأهمية الحقيقية التي أولاها البارئ سبحانه لهذا الإنسان الذي يبدو حقيرا، أردت إيضاحا وانكشافا للإيمان بما يُطمئن القلب، فراجعت بدوري تلك الآية الكريمة أيضا، فقالت لي: دقِّق النظر في "نا" التي في "حسبنا"، وانظر مَن هم أولاء ينطقون: "حسبنا" معك، سواء ينطقونها بلسان الحال أو بلسان المقال، أَنصتْ إليهم.
نعم، هكذا أمرَتني الآية! فنظرت.. فإذا بي أرى طيورا محلِّقة لا تحدّ، وطويرات صغيرة صغيرة جدّا كالذباب لا تحصى، وحيوانات وحوينات لا تعد ونباتات لا تنتهي وأشجارا وشجيرات لا آخر لها ولا نهاية.. كلُ ذلك يردد مثلي بلسان الحال معنىَ
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
، بل يُذكّر الآخرين بها. ورأيت أن لهم وكيلا -نِعمَ الوكيل- تَكفّل بجميع شرائط حياتهم، حتى إنه يخلق من البيوض المتشابهة المتركبة من المواد نفسها ومن النطف المتماثلة ومن الحبوب الشبيهة بعضها ببعض، مائةَ ألف طراز من الحيوانات ومائة ألف شكل من الطيور ومائة ألف نوع من النباتات، ومائة ألف صنف من الأشجار... يخلقها بلا خطأ وبلا نقص وبلا التباس، يخلقها مزيّنة جميلة وموزونة منظمة مع تميّز بعضها عن البعض الآخر واختلاف بعضها عن بعض. يخلقها باستمرار ولاسيما أيام كل ربيع أمام أعيننا في منتهى
— 72 —
السرعة وفي منتهى السهولة وفي منتهى السعة وفي منتهى الوفرة.. فخلقُ جميع هذه المتشابهات المتوافقات المتداخلات من المخلوقات على النمط نفسه والأشكالِ عينها ضمن عظمة هذه القدرة المطلقة وحشمتها يُظهر لنا بوضوح وحدانيتَه سبحانه وتعالى وأحديته.
وقد أفهَمتْني الآية أنه لا يمكن المشاركة ولا المداخلة قطعا في فعل هذه الربوبية والخلاقية الذي يبرز هذه المعجزات غیير المحدودة.
ثم نظرت إلى "أنا" الموجودِ في "نا" حسبنا، أي نظرت إلى نفسي وتأملت فيها ورأيت أن الذي خلق الحيوانات من قطرة ماء خلقني أيضا منها. وبرأني معجزةً من معجزاته، وشق سمعي وبصري ووضع دماغا في رأسي وقلبا في صدري ولسانا في فمي، بحيث خَلَق في ذلك الدماغ والقلب واللسان مئاتٍ من الموازين الدقيقة والمقاييس الرقيقة التي تتمكن من أن تزن وتعرف جميع هدايا الرحمن المدّخرة في خزائن الرحمة الإلهية وعطاياه الكريمة، وأدرج في تلك الأعضاء ألوفا من الآلات التي تتمكن من أن تفتح كنوزَ تجليات الأسماء الإلهية التي لا نهاية لها، وأمدّ تلك الآلات والأجهزة معرِّفات مُعينة مساعدة بعدد الروائح والطعوم والألوان.
وكذا أدرج سبحانه بكمال الانتظام أحاسيسَ شاعرةً وحواسَّ باطنةً، ولطائف معنوية رقيقة في منتهى النظام والإتقان، فضلا عما خلق بكمال الحكمة في وجودي في غاية الكمال والانتظام أجهزةً متقنة وجوارحَ بديعة وضرورية لحياة الإنسان، ليذيقني جميعَ أنواع نعمِه وعمومَ أشكال آلائه ويحسّسني بها جميعا، ويفهّمني ويعرّفني بتجليات أسمائه الحسنى وبمظاهرها المتنوعة، بتلك المشاعر الدقيقة والحواس اللطيفة، ويدفعني إلى تذوّقها والتلذذ بها.
وعلاوة على أنه جعل وجودي -هذا الذي يبدو حقيرا فقيرا تافها- كوجود كل مؤمن في أحسن تقويم للكون، ونسخة مصغرة للعالم الأكبر، ومثالا مصغرا لهذه الدنيا، ومعجزة زاهرة لمصنوعاته سبحانه، وشاريا طالبا لكل نوع من أنواع نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومركزا لقوانين ربوبيته، ووسيلة لتنفيذ إجراءاته وأوامره، ونموذجا لحديقة أزاهير عطايا حكمته ورحمته، والمخاطَب المدرك لخطابه السبحاني، فإنه سبحانه وهب لي "الحياة" ليجعل الوجود -وهو النعمة الكبرى- كبيرا وكثيرا في وجودي أنا، إذ يمكن لنعمة وجودي هذا أن ينبسط بالحياة بقدر عالَم الشهادة.
— 73 —
وكذا منح "الإنسیانية" ففتحتْ نعمةُ الوجود بتلك الإنسانية وبانكشافها طريقَ الاستفادة من تلك الموائد المنصوبة الواسعة في العوالم المادية والمعنوية بمشاعر خاصة بالإنسان.
وكذا أنعم عليّ بی"الإسلام" فتوسعتْ نعمةُ الوجود -بذلك الإسلام- سعةَ عالم الغيب والشهادة.
وكذا أنعم عليّ بی"الإيمان التحقيقي"، فغدتْ نعمةُ الوجود بذلك الإيمان منطوية على نعم الدنيا والآخرة وقادرةً على استيعابها.
وكذا أعطى "معرفتَه" و"محبته" ضمن ذلك الإيمان التحقيقي، فأحسن إليّ مرتبةً تمكّن نعمةَ الوجود تلك من أن تمدّ أيديها بالحمد والثناء إلى دوائر كثيرة جدّا ابتداءً من دائرة الممكنات إلى عالم الوجوب ودائرة الأسماء الحسنى، لتستفيد منها.
وكذا تَفضّل عليّ -بصفة خاصة- بعلم قرآنيّ وحكمةٍ إيمانية؛ فأولاني بإحسانه هذا تفوقا على كثير من مخلوقاته.
وهكذا فقد منحني -سبحانه- جامعيةً من جهات كثيرة جدا، كالمذكورة سابقا، ووهبني من الاستعداد ما يجعلني مرآةً كاملة لأحديته وصمدانيته، ويمكنني من أن ألبي بعبوديةٍ كليةٍ واسعةٍ ربوبيةً كلية مقدسة.
ولقد علمت علما يقينا وآمنت إيمانا كاملا أنه سبحانه يشتري مني أمانتَه المودعة فيّ وهديتَه المهداة إليّ وعطيّیته الكريمة لي، تلك هي وجودي وحياتي ونفسي، يشتريها، كما نص عليه القرآن الكريم وأجمع عليه ما أنزله من الكتب والصحف المقدسة على الأنبياء، واتفق عليه جميعُ الأنبياء والأولياء والأصفياء، يشتريها مني -لئلا تضيعَ عندي ولأجل الحفاظ عليها وإعادتها إليّ- مقابلَ سعادةٍ أبدية وجنة خالدة قد وَعد بها وعدا قاطعا وتَعهَّد لها عهدا صادقا.
ولقد استلهمتُ من هذه الآية الكريمة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
أن لي ربًّا عظيما ذا الجلال والإكرام يفتح صور مئات الألوف من أنواع الحيوانات وأصناف النباتات باسمه "الفتّاح"؛ يفتحها من قطرات متشابهة محددة، ومن نوى متماثلة محدودة العدد، يفتحها في منتهى السهولة واليسر وفي غاية السرعة والإتقان، وقد أَولى سبحانه وتعالى هذا الإنسانَ
— 74 —
أهميةً عظيمة تُحيِّر العقولَ -كما ذكرناه آنفا- حتى جعله مَدارا لشؤون ربوبيته الجليلة، وأنه سيوجد الحشر كإيجادِه للربيع المقبل في سهولة ويسر وبقطعية مجيئه وتحققه، وسينعم علينا بالجنة والسعادة الأبدية.
نعم، هذا ما تعلمتُه من هذه الآية الكريمة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
، فلو كنت أستطيع لتلوتُها -فعلا- بألسنة جميع المخلوقات، ولكن تلوتُها بالنية وبالتصور وبالخيال حيث لا أستطيع ذلك فعلا، بل أرغب في أن أكررها دوما إلى أبد الآبدين.
المرتبة النورية الحسبية الرابعة حينما وافَقَت العوارضُ المزلزِلة لكياني -أمثالَ الشيب والغربة والمرض وكوني مغلوبا على أمري- فترةَ غفلتي، وكأن وجودي الذي أتعلق به بشدة يذهب إلى العدم، بل وجود المخلوقات كلها يفنى وينتهي إلى الزوال.. ولّد عندي ذهابُ الجميع إلى العدم قلقا شديدا واضطرابا أليما فراجعتُ الآية الكريمة أيضا
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
، فقالت لي: "تدبَّرْ في معانيّ، وانظر إليها بمنظار الإيمان". وأنا بدوري نظرت إلى معانيها بعين الإيمان، فرأيت: أن وجودي الذي هو ذرة صغيرة جدا، مرآة لوجود غير محدود، ووسيلة للظفر بأنواعٍ مِن وجودٍ غير محدود بانبساط غير متناهٍ.. وهو بمثابة كلمة حكيمة تثمر من أنواع الوجود الكثيرة الباقية ما هو أكثر قيمةً من وجودي وأعلى منه نفاسةً حتى إن لحظةَ عيشٍ له من حيث انتسابه الإيماني ثمينٌ جدا، وله قيمة عالية كقيمة وجودٍ أبدي دائم. فعلمتُ كل ذلك بعلم اليقين؛ لأني أدركت بالشعور الإيماني أن وجودي هذا أثرٌ من آثار واجب الوجود وصنعةٌ من صنعته وجلوة من جلواته. فنجوت من ظلماتٍ لا حدّ لها تُورِثها أوهامٌ موحشة، وتخلّصت من آلام لا حدّ لها نابعةٍ من افتراقات وفراقات غير متناهية، ودفعتني لأِمُدّ روابطَ أخوةٍ وثيقة إلى جميع الموجودات ولاسيما إلى ذوي الحياة، روابطَ بعدد الأفعال والأسماء الإلهية المتعلقة بالموجودات. وعلمت أن هناك وصالا دائما مع جميع ما أُحبّه من الموجودات من خلال فراق مؤقت.
ومن المعلوم أن الذين تربطهم رابطةُ القرية الواحدة أو المدينة الواحدة أو البلد الواحد أو الفرقة العسكرية الواحدة أو القائد الواحد أو الأستاذ المرشد الواحد وأمثالها من الروابط
— 75 —
الواحدة.. يشعرون بأخوّة لطيفة وصداقة قوية تربط فيما بينهم، بينما المحرومون من مثل هذه الروابط الواحدة يقاسون دائما عذابا مريرا من ظلمات أليمة.
وكذا لو كانت لثمراتِ شجرة شعورٌ لشعرتْ كلٌّ منها أنها أخت الأخرى وبديلتُها وصاحبتُها وناظرتها. ولكن لو لم تكن شجرة، أو اقتطفت تلك الثمرات منها لشعرت كل ثمرة بآلامِ فراقٍ بعدد الثمرات.
وهكذا ظفر وجودي أيضا -كأي مؤمن آخر- بالإيمان وبالانتساب الذي فيه، بأنوار لا فراق فيها تشع من أنواع من وجود غير متناه، فلو رحل وجودي فإن بقاء تلك الأنواع من الوجود عقِبه يجعل وجودي راضيا مطمئنا كأنه قد بقي بنفسه كاملا.
زد على ذلك أن وجودَ كل ذي حياة ولاسيما من ذوي الأرواح، هو بمثابة كلمة تُقال وتُكتب ثم تغيب، بعد أن تترك بدلَها أنواعا من وجودٍ -تعدّ تالية لوجودها- هي معناها وهويتُها المثالية وصورتُها ونتائجها وثوابها -إن كانت كلمة طيبة- وحقيقتُها.. وأمثالُها من أنواع الوجود الكثيرة التي تتركها ثم تغيب وتختفي، وقد أثبتنا ذلك تفصيلا في "المكتوب الرابع والعشرين".
فوجودي أيضا مثل تلك الكلمة تماما، وكذا وجودُ كل ذي حياة. إذا ما رحل عن الوجود الظاهري، فإنه يترك روحَه -إن كان من ذوي الأرواح- ويترك معناه وحقيقتَه ومثاله ونتائجه الدنيوية لماهيته الشخصية وثمراتها الأخروية وهويته وصورته، يترك كلَّ ذلك في القوى الحافظة لذاكرة الناس وفي الألواح المحفوظة وفي شرائط أفلام المناظر السرمدية وفي مشاهد العلم الأزلي، مُودِعا في دفتر أعماله تسبيحاتِه الفطريةَ التي تمثّله وتمنحُه البقاءَ، وتلبيتَه الفطرية لتجليات الأسماء الإلهية ومقتضياتها، وقيامَه بوظيفة المرآة الظاهرة. فعلمت علم اليقين أن الموجود يَترك بدلا من وجوده الظاهري أنواعا كثيرة من وجود معنوي -أمثال ما ذكر- هي أسمى وأرقى منه ثم يرحل.
وهكذا يمكن أن يكون الإنسان مالكا لهذه الأنواع المذكورة -من وجود معنوي باقٍ خالد- بالإيمان وبما فيه من شعور وانتساب. وأنه لولا الإيمان لضاع في العبث وذهب إلى العدم، فضلا عن حرمانه من تلك الأنواع من الوجود.
— 76 —
كنت أتأسف كثيرا -في وقت ما- على زوال أزاهير الربيع وفنائها بسرعة، حتى كنت أتألم لحال تلك اللطيفات، ولكن الحقيقة الإيمانية التي وَضحت هنا قد بيّنتْ أن تلك الأزاهير -كما ذكر- هي بذور ونوى في عالم المعنى تثمر كالشجرة والسنبل جميعَ أنواع ذلك الوجود -عدا الروح- كما ذكر؛ فما تغنمه إذن تلك الأزاهيرُ من حيث نور الوجود هي مائة ضعف وضعف لما تفقده من وجود، إذ وجودُها الظاهري لا يُمحى بل يختفي.. فضلا عن أن تلك الأزاهير هي صورٌ متجددة لحقيقتها النوعية الباقية؛ إذ موجودات الربيع الماضي من أوراقٍ وأزاهيرَ وثمراتٍ وأمثالِها هي أمثالُ ما في هذا الربيع. والفرق هو اعتباريّ فحسب، ففهمت أن هذا الفرق الاعتباري أيضا إنما هو لإضفاء معانٍ متعددة ومختلفة على كلمات الحكمة هذه، وعباراتِ الرحمة وحروفِ القدرة الإلهية هذه. وهذا الفهم دفعني إلى أن أردد: "ما شاء اللّٰه، بارك اللّٰه"، بدلا من أن تذهب نفسي حسراتٍ على زوال تلك الأزاهير.
ولقد شعرت من بعيد -بشعور الإيمان ببديع السماوات والأرض وبرابطة الانتساب إليه- كم يكون الإنسان -لو كان ذا شعور- فَخورا ومكرّما، بأنه أثر من آثار ذلك الخالق القدير وأنه مصنوعُ مَن زيّن السماواتِ بمصابيحِ النجوم، وجمّل الأرض بالأزاهير وببدائع المخلوقات، وأظهرَ مئاتِ المعجزات في كل ما أبدعتْه قدرتُه. وكم يكون الإنسان مناطَ قيمة عظيمة وكرامة فائقة بالإيمان به والانتساب إليه والشعور به لاسيما إذا ما كَتب -ذلك الصانعُ المعجز المطلق- كتابَ السماوات والأرض، ذلك الكتابَ الضخم في نسخة مصغرة وهي الإنسان، وإذا ما جَعل هذا الإنسانَ منتخَبا وخلاصةً كاملة لذلك الكتاب، فإنه سيملك ذلك الشرف والكمال والقيمة العالية بالإيمان وبالشعور والانتساب.
ولما كنت قد تعلمت هذا الدرس من الآية الكريمة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
، فقد تلوتها نية وتصورا، بلسان الموجودات كلها.
المرتبة النورية الحسبية الخامسة لقد تصدّعتْ حياتي حينا تحت أعباء ثقيلة جدا، حتى لفتت نظري إلى العمر، وإلى الحياة فرأيت أن عمري يجري حثيثا إلى الآخرة.. وأن حياتي التي قربت إلى الانتهاء قد توجهت نحو الانطفاء تحت المضايقات العديدة. ولكن الوظائف المهمة للحياة ومزاياها الراقية وفوائدها
— 77 —
الثمينة المذكورة في الرسالة التي تبحث عن اسم "الحي" لا تليق بهذا الانطفاء السريع، بل تليق بحياة طويلة، مديدة. ففكرت في هذا بكل ألم وأسى، وراجعت أستاذي الآيةَ الكريمة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
فقالت لي: "انظر إلى الحياة كما يريدها "الحيُّ القيوم" الذي وهب لك الحياة". فنظرت إليها بهذا المنظار، وشاهدت أنه إن كان للحياة وجهٌ واحد متوجّه إليّ أنا فإن لها مائة وجه متوجه إلى "الحي المحيي"، وإن كانت لها نتيجة واحدة تعود إليّ أنا، فإن لها ألفا من النتائج تعود إلى خالقي؛ لذا فإن لحظةً واحدة من الحياة، أو آنا من الوقت ضمن هذه الجهة كافٍ جدا، فلا حاجة إلى زمان طويل.
ولما كانت هذه الحقيقةُ قد وضحت بالبراهين في أجزاء رسائل النور، نبيّن خلاصة مختصرة لها في أربع مسائل:
المسألة الأولى نظرت إلى الحياة من حيث توجُّه ماهيتها وحقيقتها إلى "الحي القيوم" فرأيت وعلمت: أنَّ ماهية حياتي هي مخزنُ مفاتيحِ كنوز الأسماء الإلهية، وخريطةٌ مصغرة لنقوشها البديعة، وفهرس تجلياتها، ومقياس دقيق وميزان حساس لوزن حقائق الكون الكبرى، وكلمةٌ حكيمة مكتوبة تَعرف وتُعرّف الأسماء الجليلة القيمة للحي القيوم وتَفهمها وتُفهّمها. فحقيقة الحياة بهذا النمط تَكسب أُلوفا من مراتب القيمة والمكانة، بل يجد دوامُها ساعةً من الزمان أهميةَ عمر مديد. لذا لا يُنظر إلى طولها وقصرها من حيث علاقتها بالذات الجليلة المنیزّهة عن الزمان.
المسألة الثانية نظرت إلى حقوق الحياة الحقيقية فرأيت: أنَّ حياتي رسالة ربانية تستقرئ نفسَها لأخوتي المخلوقات من ذوات الشعور، وهي موضعُ مطالعةٍ يعرّف الخالق الكريم، وهي لوحة إعلان تعلن كمالات خالقي. وفهمت أن من حقوقها التزيّنَ بشعور تام بما أنعم عليها خالق الحياة -بالحياة- من هدايا قيّمة وخِلعٍ نفيسة لعرضها أمام نظر السلطان الجليل في العرض اليومي المكرر عرضا مكللا بالإيمان والشعور والشكر والامتنان.
— 78 —
وكذا من حقوقها إدراك تحيات ذوي الحياة غير المحدودين الذين يصفون بها خالقهم، وفهمُ هدايا تسبيحاتهم التي يقدّمونها شكرا وحمدا للّٰه، ومشاهدتُها والإعلان عنها بالشهادة عليها.
وكذا من حقوقها إظهار محاسن ربوبية "الحي القيوم" بلسان الحال والمقال والعبودية له.. وهكذا فلا تتطلب أمثالُ هذه الحقوق الرفيعة للحياة مدةً مديدة، فضلا عن أنها تَرفع من قيمة الحياة ودرجتِها ألف مرة، وهي أعلى وأسمى وأفضل بمائة مرة من حقوق دنيوية للحياة.
وإذ علمتُ هذا علم اليقين قلت: سبحان اللّٰه، ما أعظمَ الإيمان! وما أكثرَه حيويةً، ما دخل في شيء إلّا نفخ فيه الحياة، بل إن شعلةً منه تُحوِّل مثل هذه الحياة الفانية إلى حياة باقية دائمة وتزيل ختمَ الفناء المضروب عليها.
المسألة الثالثة نظرت إلى الفوائد المعنوية والوظائف الفطرية لحياتي المتوجهة إلى خالقي الكريم، فرأيت أن حياتي تؤدي وظيفةَ المرآة لخالق الحياة بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن حياتي بضعفها وعجزها وفقرها واحتياجها، تؤدي مهمةَ مرآةٍ عاكسة لقدرةِ خالق الحياة وقوته وغناه ورحمته. إذ كما تُعلَم درجاتُ لذة الطعام بمقدار الجوع، وتُعلَم مراتبُ الضوء بمراتب الظلام، وتُعلَم درجاتُ الحرارة بمقياس البرودة. كذلك عرفتُ بالعجز والفقر غيرِ المحدودَين الكامنين في حياتي القدرةَ المطلقة لخالقي ورحمتَه الواسعة من حيث إزالة حاجاتي التي لا تنتهي ودفْع أعدائي الذين لا يعدون، فعلمت وظيفة العبودية وتزودت بالسؤال والدعاء والالتجاء والتذلل.
الوجه الثاني: هو قيام معاني العلم والإرادة والسمع والبصر وأمثالها من الأوصاف الجزئية في حياتي، قيامُها بوظيفةِ مرآةٍ عاكسة لصفاتٍ كلية محيطة وشؤون جليلة لخالقي الكريم.
نعم، لقد علمت بجزئيات صفاتٍ كالعلم والسمع والبصر والكلام والإرادة التي تتصف بها حياتي الخاصة وأفعالي التي أؤديها بشعور، علمت بها -بنسبة صغري إلى عِظَم الكون- الصفاتِ الكلية المحيطة لخالقي مِن علم وإرادة وسمع وبصر وحياة وقدرة وفهمت
— 79 —
بها كذلك شؤونَه الجليلة أمثالَ المحبة والغضب والرأفة والشفقة. فآمنت بتلك الصفات والشؤون الجليلة وصدّقتُ بها وشهدت عليها ووجدت منها طريقا آخر إلى معرفة اللّٰه.
الوجه الثالث: هو قيام حياتي بوظيفة المرآة للأسماء الإلهية التي تتجلى عليها نقوشُها.
نعم، كلما نظرت إلى حياتي وإلى جسمي لمستُ مئاتِ الأنماط من آثار المعجزات والنقوش والإبداع، فضلا عن مشاهدتي بأني أُربَّى تربيةً في منتهى الشفقة والرحمة، فعرفت بنور الإيمان أن الذي خلقني ويديم حياتي هو في منتهى السخاء والرحمة واللطف وفي غاية القدرة والإبداع، وعرفت ماذا يعني التسبيحُ والتقديس والحمد والشكر والتكبير والتعظيم والتوحيد والتهليل وأمثالُها من وظائف الفطرة وغايةِ الخلقة ونتائج الحياة.
فعلمت بعلم اليقين سببَ كون الحياة أرقى مخلوق في الكون، وسرَّ كون كل شيء مسخرا للحياة، وحكمةَ وجود شوقٍ فطري لدى الجميع نحو الحياة، وأن روح الحياة إنما هو الإيمان.
المسألة الرابعة تُرى ما اللذة الحقيقية لحياتي الدنيوية هذه، وما سعادتها؟
راجعتُ الآية الكريمة أيضا:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
لأجد الجواب؛ فرأيت وفهمت منها أن أصفى لذة لحياتي هذه وأنقى سعادتها إنما هو في الإيمان، أي الإيمانِ الجازم بأني مخلوقُ مَن خلقني وربّاني؛ فأنا مصنوعُه وعبده وتحت رعايته وعنايته ومحتاج إليه كلَ حين، وهو ربي وإلهي وهو الرحيم والرؤوف بي.
فإيماني هذا لذةٌ ما بعدها لذة، لذةٌ كافية وافية دائمة، وسعادةٌ خالصة نقية لا يعكرها ألمٌ. ففهمت من تلك الآية الكريمة كم يكون إذن عبارةُ "الحمد للّٰه على نعمة الإيمان" عبارةً جديرة ولائقة.
وهكذا وضّحتْ هذه المسائلُ الأربع التي تخص حقيقةَ الحياة وحقوقَها ووظائفَها ولذتَها المعنوية أنَّ الحياة كلما توجهتْ إلى "الحي القيوم الباقي" وكان الإيمانُ حياةً وروحا ممدّا لها، اكتسبت البقاءَ، بل أعطت ثمارا باقية، بل رقت وعلت إلى درجة الحظوة بتجلي السرمدية. وعندها لا يُنظَر إلى قِصَر العمر وطوله.
— 80 —
نعم، هكذا فهمتُ من الآية الكريمة، وتلقيت درسي منها وتلوت:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
نيّةً وتصورا وخيالا باسم جميع أنواع الحياة وذوي الحياة.
المرتبة النورية الحسبية السادسة من خلال الشيب الذي يذكّر بفراقي الخاص، ومن خلال حوادثِ قيام الساعة التي تنبئ عن تلك الفراقات العامة الشاملة ودمار الدنيا، ومن خلال الانكشاف الواسع فوق العادة في أواخر عمري لأحاسيس عشق الجمال والإفتتان بالكمالات تلك الأحاسيس المغروزة في فطرتي.. من خلال كل هذا رأيت أن الزوال والفناء اللذين يدمِّران دائما، وأن الموت والعدم اللذين يفرّقان باستمرار، رأيتهما يفسدان -بشكل مُرعب ومخيف- جمالَ هذه الدنيا الرائعةِ الجمالِ ويشوهانه بتحطيمهما لها، ويُتلفان لطافة هذه المخلوقات.. فتألّمت من أعماقي بالغَ التألم لِما رأيت. ففار ما في فطرتي من عشق مجازيّ فورانا شديدا وبدأ يتأجج بالرفض والعصيان أمام هذه الحالة المفجعة، فلم يك لي منها بدّ إلّا مراجعة الآية الكريمة أيضا لأجد المتنفَّس والسلوان، فقالت: "اقرأني جيدا، أَنعِم النظر في معانيَّ". وأنا بدوري دخلت إلى مركز الإرصاد لسورة النور لآيةِ
اللّٰه نور السموات والارض....
(النور:٣٥)، فنظرت من هناك بی"منظار" الإيمان إلى أبعد طبقات الآية الحسبية، وفي الوقت نفسه نظرت بی"مجهر" الشعور الإيماني إلى أدق أسرارها، فرأيت أنه مثلما تُظهر المرايا والزجاجُ والمواد الشفافة وحتى زَبدُ البحر وحبابُه الجمالَ المخفيَّ المتنوع لضوء الشمس، ومختلفِ جمال الألوان السبعة لضوئها. وبتجددها وبتحركها وقابليتها المختلفة وانكساراتها المتنوعةِ تجدد الجمالَ المتستر للشمس ولضوئها ولألوانها السبعة. فكذلك الأمر في هذه المصنوعات الجميلة وهذه المخلوقات اللطيفة والموجودات الجميلة لا تلبث أن تذهب دون توقف لتقوم مقام مرايا عاكسة للجميل ذي الجلال الذي هو "نور الأزل والأبد" مجدِّدة بذلك تجلياتِ جماله المقدس وتجليات الجمال السرمدي لأسمائه الحسنى جل وعلا. فالجمالُ الظاهر في هذه المخلوقات والحسنُ البارز فيها إذن ليس هو ملكَ ذاتها، وإنما هو إشاراتٌ إلى ذلك الجمال المقدس السرمدي الذي يريد الظهور، وعلاماتٌ ولمعات لذلك الحسن المجرد الدائمِ التجلي والجمال المنیزه الذي يريد المشاهدة والإشهاد. وقد وضح هذا مفصلا في رسائل النور بدلائله القاطعة وببراهينه الدامغة لذا سنشير هنا إلى ثلاثة براهين منه فقط إشارة قصيرة.
— 81 —
البرهان الأول إن جمال أثرٍ مصنوع يدل دلالةً قاطعة على جمال صُنعِه، وإن جمال الصنع وإتقانَه هذا يدل على جمال عنوان صانعه الناشئ من تلك الصنعة، وإن جمال عنوان الصانع المتقِن يدل على جمال صفةِ ذلك الصانع التي تعود إلى تلك الصنعة، وإن جمال صفته هذه يدل على جمال قابليته واستعداده، وإن جمال قابليته يدل على جمال ذاته وجمال حقيقته.
فكما أن هذه الدلالاتِ قاطعةٌ وبدهية، كذلك الحسنُ والجمال الظاهر في المخلوقات الجميلة في هذا العالَم كله، والصنعُ البديع المشاهَد في المصنوعات الجميلة كلها، يشهد شهادة قاطعة على حسن أفعال الصانع الجليل وجمالها. وإنَّ الحسنَ في أفعاله تعالى وجمالَها يدل بلا ريب على حسن العناوين المشرفة على تلك الأفعال وجمالِها، أي على حسنِ الأسماء وجمالها. وإن حسنَ الأسماء وجمالها يشهد شهادة قاطعة على حسن الصفات المقدسة وجمالها، التي هي منشأ تلك الأسماء. وإن حسن الصفات وجمالها يشهد شهادة قاطعة على حسن الشؤون الذاتية وجمالها، التي هي مبدأ تلك الصفات. وإن حسن الشؤون الذاتية وجمالها يدل بالبداهة ويشهد شهادة قاطعة على حسن "الذات" وجماله، الذي هو الفاعلُ والمسمّى والموصوف، ويدل على الكمال المقدس لماهيته والجمال المنیزّه لحقيقته. بمعنى أن للصانع الجميل جمالا وحُسنا لا حدّ له يليق بذاته المقدسة، بحيث إن ظلًّا من ظلاله قد جمّل هذه الموجودات كلها، وأن له سبحانه جمالا منیزّها مقدسا بحيث إن جلوةً من جلواته قد أضفت الجمال على الكون كله، ونوّرت دائرة الممكنات كلها بلمعاتِ حسن وجمال وزيّنتها بأبهى زينة.
نعم، إن الأثر المصنوع كما لا يمكن أن يكون بلا فعل، فالفعلُ كذلك لا يمكن أن يكون بلا فاعل، وكما أنه محال أن تكون أسماءٌ بلا مسمّى كذلك محال أن تكون الصفات بلا موصوف.
فما دام وجودُ مصنوعٍ وأثرٍ يدل بالبداهة على فعلِ فاعلِ ذلك الأثر، وأن وجود ذلك الفعل يدل على وجود فاعله وعلى عنوانه وعلى صفاته التي أنتجت ذلك الأثر وعلى اسمه، فلا شك أن كمال أثرٍ ما وجمالَه أيضا يدل على كمال الفعل وجماله الخاصَّين به، وهذا يدل على جمال الاسم الذي يليق به، وهذا يدل على كمال الذات والحقيقة وجمالِها بما يليق ويوافق الذات والحقيقة دلالة قاطعة بعلم اليقين وبالبداهة.
— 82 —
وكذلك الأمر في الفعالية الدائمة التي تُستشف من خلال حُجب هذه الآثار البديعة؛ فكما أنها محال أن تكون بلا فاعل، كذلك جلوات الأسماء التي تشاهَد نقوشُها على هذه المصنوعات محال أن تكون بلا مسمّى، وكذا القدرةُ والإرادة وأمثالها من الصفات الجليلة -التي تُحسّ إحساسا قاطعا كأنك تراها- محال أن تكون بلا موصوف.
لذا فإن جميع الآثار والمخلوقات والمصنوعات في هذا الكون كله تدل بوجودها غير المحدود دلالةً قاطعة على وجود أفعالِ خالقها وصانعها وفاعلها وعلى وجود أسمائه وعلى وجود أوصافه وعلى وجود شؤونه الذاتية وعلى وجوب وجود ذاته المقدسة جل جلاله.
كذلك فإن ما يشاهَد على جميع المصنوعات من أنواع الكمال المتنوعة وأضراب الجمال المختلفة وألوان الحسن المتغايرة يدل دلالة في غاية القطعية ويشهد شهادة في منتهى الصراحة على كمالاتٍ لا حدّ لها ومحاسنَ لا نهاية لها في أفعال الصانع الجليل وفي أسمائه وفي صفاته وفي شؤونه وفي ذاته المقدسة، بما يلائم ويوافق قدسيتَه ووجوبَه وتعاليه ويدل كذلك على جمالٍ متنوع عالٍ سامٍ هو أرفع من الكون طرا.
البرهان الثاني: فيه خمس نقاط:
النقطة الأولى: أن أئمة أهل الحقيقة كلهم -مع الاختلاف في مشاربهم والبُعد في مسالكهم- يعتقدون مستندين إلى الذوق والكشف ويقررون بالإجماع والاتفاق: أن الحسن والجمال الموجود في الموجودات كلها إنما هو ظلُّ جمالٍ مقدس لواجب الوجود وحسنه المنیزَّه، وإنما هو لمعاتُه وجلواته من وراء حجب وأستار.
النقطة الثانية: أن جميع المخلوقات الجميلة تأتي إلى هذا العالم قافلةً إثر أخرى ثم تغادره وتغيب في أفق الفناء، ولكن الجمال السامي المنیزَّه عن التبدل -والذي يُظهر نفسه بتجليه على تلك المرايا- يبقى ويدوم، مما يدل دلالة قاطعة على أن ذلك الجمال ليس ملك تلك الجميلات ولا جمالَ تلك المرايا، بل هو أشعةُ جمال سرمدي، كما يدل دوامُ جمال أشعة الشمس على حَباب الماء الجاري على جمالها الدائم.
النقطة الثالثة: أن مجيء النورِ من النوراني، والوجودِ من الموجود، والإحسانِ من الغنى، والسخاءِ من الثروة، والتعليمِ من العلم أمور بدهية، كذلك من البدهي أن مَنْح الحُسن أيضا هو من الحَسن وإضفاءَ الجمالِ لا يكون إلّا من الجميل.
— 83 —
فبناء على هذه الحقيقة نعتقد ونقول:
إن جميع أنواع الجمال المشاهَدة على الكائنات كلها، تأتي من جميل لا منتهى لجماله بحيث إن هذه الكائنات المتبدلة دوما والمتجددةَ باستمرار تصف جمال ذلك الجميل وتعرّفه، بجميع موجوداتها وبألسنة أدائها لوظيفةِ مرآةٍ عاكسة لذلك الجمال.
النقطة الرابعة: كما أن الجسد يستند إلى الروح ويقوم بها وتُبعَث فيه الحياة بها، واللفظَ يتنور على وفق المعنى، والصورةَ تستند إلى حقيقة وتتزود منها قيمتها؛ كذلك هذا العالمُ، عالَم الشهادة المادي الجسماني إنما هو جسدٌ ولفظ وصورة، يستند إلى الأسماء الإلهية المحتجبة وراء ستار عالم الغيب، فهو يحيا بتلك الأسماء التي تبعث فيه الحيوية، ويتوجه إليها، فيزداد جمالا وبهاءً.
فجميعُ أنواع الجمال المادي نابعة من جمال معنوي لمعانيها، ومن حُسن معنوي لحقائقها. أما حقائقُها فتستفيض من الأسماء الإلهية، وهي نوع من ظلال تلك الأسماء.
هذه الحقيقة أُثبتت في رسائل النور إثباتا قاطعا.
بمعنى أن جميعَ أنواع الجمال الموجود في هذا الكون وجميعَ أنماطه وألوانه، إنما هو تجلياتُ وإشاراتُ وأماراتُ جمال مقدس عن القصور ومجرّدٍ عن المادة تتجلى من وراء عالم الغيب بوساطة أسماء. ولكن كما أن الذات الإلهية المقدسة لا تشبه أبدا أية ذات أخرى، وأن صفاته تعالى جليلة منیزَّهة كليا عن صفات الممكنات. كذلك جمالُه المقدس أيضا لا يشبه جمالَ الممكنات وليس كحسن المخلوقات قطعا. بل هو جمالٌ سامٍ عالٍ رفيعٌ منیزَّه مقدس مطلق.
نعم، إنْ كانت الجنة الباهرة، الرائعة مع جميع مظاهر حسنها وروعتها هي تجلٍ من تجليات جماله سبحانه وأن رؤية أهل الجنة جمالَه تعالى لساعة من زمان يُنسيهم حتى تلك الجنةَ الجميلة، [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ٢٩٧؛ الترمذي، الجنة ١٦؛ ابن ماجه، المقدمة ١٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٣٢-٣٣٣. فلا شك أن هذا الجمال السرمدي لا نهاية له، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا مثيل له قطعا.
ومن المعلوم أن حُسن كل شيء يلائمه ويكون على وفقه، وأنه يوجد بألوف الأنماط من الجمال والألوان فيختلف بعضها عن بعض، كاختلاف الأنواع في المخلوقات.
— 84 —
فمثلا: الجمالُ الذي يُحَسّ بالعين لا يشبه حتما حُسنا تحس به الأذن، وإن حُسنا عقليا يُدرَك بالعقل لا يشبه حُسن الطعام الذي يُحس بالفم ويتذوقه، كذلك الجمال الذي يستحسنه ويشعر به القلب والروح وسائر الحواس الظاهرة والباطنة، هذا الجمال مختلف كذلك كاختلاف تلك اللطائف والحواس.
ومثلا: جمالُ الإيمان وجمال الحقيقة وحُسن النور وحسن الزهرة، وجمال الروح وجمال الصورة وجمال الشفقة وجمال العدالة وحُسن الرحمة وحسن الحكمة.. كل نوع من أنواع هذا الجمال مختلف عن الآخر. كذلك جمال الأسماء الحسنى لجميلٍ ذي جلال، هذا الجمال الذي هو جمال مطلق يختلف بعضه عن بعض، لذلك اختلفت أنواع الحُسن والجمال في الموجودات لأجله.
فإن شئت أن تشاهد جلوة من أنواع حسن أسماء الجميل ذي الجلال المتجلية على مرايا الموجودات، فانظر بعينٍ خيالية واسعة إلى سطح الأرض لتراه كحديقة صغيرة أمامك واعلم أن الرحمانية والرحيمية والحكيمية والعادلية وأمثالَها من التعابير إنما هي إشارات إلى أسماء اللّٰه تعالى وإلى أفعاله وإلى صفاته وإلى شؤونه الجليلة.
فانظر إلى أرزاق الأحياء -وفي مقدمتها الإنسان- إنها ترسَل بانتظام بديع من وراء ستار الغيب.. فشاهدْ جمالَ الرحمانية الإلهية.
وانظر إلى إعاشة الصغار جميعها إعاشةً خارقة، يسيل لها كالسلسبيل الطاهر ألذُّ غذاءٍ وأصفاه من أثداء أمهاتها المتدلية فوق رؤوسها.. فشاهدْ الجمالَ الجاذب، جمالَ الرحيمية الربانية.
وانظر إلى الكائنات كلها بأنواعها جميعها كيف جعلتْها الحكمةُ الإلهية ككتاب كبير، كتاب حكمة بليغة بحيث إن في كل حرف منه مائةَ كلمة، وفي كل كلمة مئات الأسطر وفي كل سطر ألف باب وباب وفي كل باب ألوف الكتب الصغيرة.. فشاهد الجمالَ بلا نظير، جمالَ الحكيمية الإلهية.
وانظر إلى الكون أجمع؛ لقد ضم العدل الإلهي جميع موجوداته تحت جناح ميزانه ويديم موازنة الأجرام العلوية والسفلية، ويعطيها التناسب والتلاؤم الذي هو أهم أساس للجمال، ويجعل كل شيء في أفضل وضع وأجمله، ويعطي كل ذي حياة حق الحياة، فيُحق الحق ويحُدّ من تجاوز المعتدين ويعاقبهم.. فشاهد الجمال الباهر جمال هذه العادلية الإلهية.
— 85 —
وانظر إلى الإنسان؛ لقد كَتب الحفيظ تاريخَ حياته السابقة في قوة حافظته وذاكرته التي لا تتجاوز حبة حنطة، وأَدرَجَ تاريخَ الحياة التالية لكل نبات وشجر في بُذَيراته ونويّاته وأعطَى كل ذي حياة ما يعينه على حفظ حياته من آلات وأجهزة. فانظر مثلا: إلى جناح النحل وإبرة لسعها، وإلى رماح الأزهار المشوكة الدقيقة، وإلى القشور الصلبة للبذور. فشاهد الجمال اللطيف، جمالَ الحافظية في جمال الحفيظية الربانية.
وانظر إلى مضايف الرحمن الرحيم الكريم المنصوبة على سُفرة الأرض كلها.
وانظر إلى ما في هذه الأطعمة غير المحدودة من روائح طيبة متنوعة، وألوان جميلة متباينة ومذاقات لذيذة مختلفة، ثم أَنعِم النظرَ في أجهزةِ كل ذي حياة؛ كيف أنها تتلائم مع أذواق حياته ولذائذها.. فشاهد الجمال الحلو الذي لا جمال فوقه جمالَ الإكرام، والكريمية الربانية.
وانظر إلى صور الحيوانات ولاسيما الإنسان، تلك الصور البديعة الحكيمة التي تتفتح من نُطف جميع الحيوانات بتجليات اسمَي "الفتاح والمصوّر"، وتأمّل في الوجوه المِلاح لأزاهير الربيع وهي في غاية الجاذبة المتفتحة من بذيرات متناهية في الصغر.. فشاهد الجمالَ المعجز، جمال الفتاحية والمصوِّرية الإلهية.
وهكذا على غرار هذه الأمثلة المذكورة؛ فإن لكل اسم من الأسماء الحسنى جمالا خاصا به، جمالا مقدسا منیزَّها، بحيث إن جلوةً من جلواته تجمِّل عالَما ضخما بكامله، وتلقي الحسن والبهاء على نوع لا يحد.
فكما تشاهِد تجلي جمال اسمٍ من الأسماء في زهرة واحدة، فالربيع كذلك زهرة والجنة كذلك زهرة لم يراها النظر.
فإن كنت تستطيع أن تنظر إلى الربيع، كل الربيع، وترى الجنة بعين الإيمان، فانظر وشاهدْ لتدرك مدى عظمة الجمال السرمدي. فإن قابلت ذلك الجمال الباهر بجمال الإيمان وبجمال العبودية تكن أجمل مخلوق في أحسن تقويم. ولكن إن قابلت ذلك الجمال بقبح الضلالة غير المحدود وقبح العصيان البغيض، تكن أقبح مخلوق وأردأه، وأبغض مخلوق معنًى لدى جميع الموجودات الجميلة.
النقطة الخامسة: أن شخصا عظيما يملك مئات المهارات والإبداعات والمزايا والكمالات والمحاسن، قد بنى قصرا فخما خارقا، ليعرّف ويبيّن به مهاراتِه وإبداعاته وصنعتَه المتقَنة
— 86 —
وكمالاته وجماله المخفي، وذلك حسب قاعدةِ: "إن كلَ مهارة تطلب الإعلان عن نفسها، وكلَ صنعة جميلة متقنة تريد أن تدفع الآخرين إلى تقديرها، وكل كمال ومزيّة يحاول إظهار نفسه، وكل جمال وحُسن يريد أن يبين نفسه".
هذا وإن كل مَن يشاهد هذا القصر المنيف المليء بالمعجزات والخوارق لاشك ينتقل فكرُه مباشرة إلى حذاقةِ بانيه ومهارته، وإبداعِ مالِكه وإتقانه، وجمالِ صاحبه وكمالاته ومزاياه، حتى يقوده هذا التأمل إلى التصديق بتلك الفضائل والمزايا والإيمان بها كأنه يشاهدها بعينه؛ إذ يقول: "إن مَن لم يكن جميلا بنواحيه وجوانبه كافة، ومبدعا في أموره وشؤونه كافة، لا يمكن أن يكون مصدرَ هذا القصر البديع في كل جهة من جهاته ولا يمكن أن يكون موجِدَه وبانيَه ومخترعَه -أي من غير تقليد- بل إن محاسن ذلك الباني المعنويةَ وكمالاتِه كأنها قد تجسمت بهذا القصر". هكذا يقول وهكذا يقضي ويقرر.
والأمر كذلك فيمن ينظر إلى جمال هذا العالم المسمى بالكون، هذا المعرضِ البديع والقصر الباذخ والمخلوقات العجيبة.. لا شك أنَّ فكرَه ينتقل مباشرة إلى أن هذا القصر الذي تزيّن بهذا الجمال الرائع إنما هو مرآة عاكسة لإظهار محاسن غيره وجماله وكماله، مالم يختل عقلُه ويفسد قلبه.
نعم، مادام هذا القصر -قصرُ العالم- ليس له مثيل يشبهه، كي يُقتبسَ الجمال منه وتُقلّدَ المحاسن منه، فلا شك أن صانعه وبانيه له من المحاسن والجمال ما يليق به في ذاته وفي أسمائه، بحيث يقتبس العالمُ الجمالَ منه. ولأجل ذلك بني هذا العالم على وفق أنوار ذلك الجمال، وكُتب كالكتاب المتقن البديع ليعبّر عن ذلك الجمال.
البرهان الثالث: له ثلاث نكات:
النكتة الأولى: وهي الحقيقة المذكورة في "الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين" والتي جاءت فيه بتفصيل جميل للغاية مع حجج قوية دامغة. نحيل تفاصيلها إلى تلك الرسالة مشيرين هنا إشارات مختصرة إليها على النحو الآتي:
إننا ننظر إلى هذه المصنوعات ولاسيما الحيوانات والنباتات الماثلة أمامنا، فنرى أن تزيينا دائما وتجميلا لطيفا وتنظيما دقيقا -لا يمكن إحالته على المصادفة- يهيمن عليها، مما يبيّن القصدَ والإرادة ويُشعر بالعلم والحكمة.
— 87 —
ويشاهَد كذلك أنَّ في كل شيء صنعةً متقنة وحكمةً دقيقة وزينة رفيعة وترتيبا ذا شفقة ووضعا حلوا، لاستجلاب الإعجاب إلى الصنعة ولَفْتِ الأنظار إليها وإرضاءِ المشاهدين، مما يُفهم بداهة أن وراء حجاب الغيب صانعا بديعا يريد أن يعرّف نفسَه إلى ذوي الشعور ويحبّبَ نفسه إليهم ويسوقهم إلى الثناء عليه بإبرازِ كثير من إبداعاته وكمالاته في كل صنعة من مصنوعاته.
وكذا يشاهَد أنه سبحانه يُحسن إليهم بأنواع من النعم الطيبة اللذيذة، يُحسنها إليهم من حيث لم يحتسبوا -مما لا يمكن حمله على المصادفة- ليجعل أولئك الشاعرين في امتنان ورضى عنه وأودّاءَ له.
وكذا تُشاهَد معاملةُ معرفةٍ حميمة معنوية مكللة بالكرم، وتحس مكالمة ومخاطبة بلسان الحال تنم عن الود والمحبة، واستجابة وقبول للأدعية استجابةً تتسم بالرحمة.. مما يشعر شفقة عميقة جدّا ورحمة رفيعة جدّا. بمعنى أن ما يشاهَد من الإكرام بالإنعام وإذاقة اللذة وراء التعريف والتودد الظاهرَين ظهورَ الشمس، إنما ينبعان من إرادةِ شفقةٍ في منتهى الأصالة والرسوخ، ومن رغبةٍ في الرحمة في منتهى القوة والسعة.
فوجود مثل هذه الإرادة القوية الأصيلة في الشفقة والرحمة في مَن هو مستغنٍ مطلق، أي لا حاجة له إلى أي شيء كان أبدا، دليل على أنه يملك جمالا سرمديا في منتهى الكمال، وحُسنا أزليا لا يزول أبدا، وجمالا لا مثيل له على الإطلاق ولا شبيه. هذا الجمال السرمدي الخالد من مقتضى ماهيته أنه يريد الشهود والإشهاد في المرايا، ومن شأن حقيقته أنه يريد الظهور والبروز حتى اتخذ صورةَ الرحمة والشفقة، لأجل إراءة نفسه ورؤيته في المرايا المختلفة، واتخذ صورة الإنعام والإحسان في المرايا ذات المشاعر، ثم تقلّد وضعَ التحبب والتودّد والتعرف، ثم أعطى النور، نورَ التجميل، وضياء التزيين الكائنات طرا.
النكتة الثانية: إن وجودَ عشق إلهي شديد ومحبة ربانية قوية لدى مَن لا يحصيهم العد من بنى الإنسان ولاسيما في طبقته العليا -على الرغم من اختلاف مسالكهم- يشير -بالبداهة- إلى جمالٍ لا مثيل له بل يشهد له شهادة قاطعة.
نعم، إن مثل هذا العشق يصوّب نظرَه إلى مثل هذا الجمال ويقتضيه، وإن مثل هذه المحبة تتطلب مثل هذا الحسن. بل إن ما في جميع الموجودات من حمد وثناء عام -سواء بلسان الحال أو المقال- إنما يتوجه إلى ذلك الحسن الأزلي ويصعد إليه.
— 88 —
بل إن جميع الانجذابات والأشواق والجاذبات والجواذب الموجودة في الكون كله والحقائق الجذابة إنما هي إشارات إلى حقيقةِ جاذبة أبدية أزلية، وإن دوران الأجرام العلوية والسفلية وحركاتِها التي تؤديها كالمريد المولوي العاشق الذي ينهض للسماع، إنما هو مقابلة ذات عشق في أداء الوظيفة تجاه الظهور المهيمن للجمال المقدس لتلك الحقيقة الجاذبة. كما هو لدى بعض العاشقين أمثال شمس التبريزي.(٭)
النكتة الثالثة: لقد أجمع أهل التحقيق: "أن الوجود خيرٌ محض ونور، وأن العدم شر محض وظلام"، واتفق أئمة أهل القلب والعقل على: "أن جميع الخيرات والحسنات والمحاسن واللذائذ -نتيجة التحليل- ناشئة من الوجود، وأن جميع المفاسد والشرور والمصائب والآلام -حتى المعاصي- راجعة إلى العدم".
إن قلت: كيف يكون الوجود منبعَ جميع المحاسن، وفي الوجود كفر وأنانية النفس؟
الجواب: أما الكفر، فلأنه إنكار لحقائق الإيمان ونفيٌ لها، فهو عدم. وأما وجود الأنانية فهو عدم، إلّا أنه اصطبغ بصبغة الوجود واتّخذ صورتَه حيث إنه تَصوُّرُ الموهومِ حقيقةً واقعة، وتملّكٌ غيرُ حقيقي، وجهلُ الأنانية كونَها مرآةً ليس إلّا.
فما دام منبعُ جميع أنواع الجمال هو الوجود ومنبعُ جميع أنواع القبائح هو العدم، فلاشك أن أقوى وجودٍ وأعلاه وأسطَعه وأبعدَه عن العدم،- وجودُ واجبٍ أزلي وأبدي-يتطلب أقوى جمالٍ وأعلاه وأسطعَه وأبعدَه عن القصور، بل يعبّر عن مثل هذا الجمال، بل يكون هذا الجمال، إذ كما تستلزم الشمس ضياءً محيطًا يستلزم الواجبُ الوجود جمالا سرمديا أيضا، فينور به.
الحمد للّٰه على نعمة الإيمان
ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 89 —
ملاحظة: كان المؤمَّل أن تُكتب تسعُ مراتب من المراتب النورية الحسبية. إلّا أنه أُجّلت حاليا ثلاثُ مراتب منها بناءً على بعض الأسباب.
تنبيه:
إن رسائل النور تفسير للقرآن الكريم، تفسيرٌ نابع من القرآن مدعَم بالبراهين، لذا فإن فيها تكراراتٍ ضروريةً مُساقة لحكمةٍ ومصلحة كالتكرارات القرآنية اللطيفة، الحكيمة، الضرورية، والتي لا تُسئِم القارئ أبدا.
وكذا لأن رسائل النور هي دلائلُ كلمة التوحيد التي تُكرر باستمرار على الألسنة في ذوق وشوق دون سأم، فإن تكراراتها الضرورية لا تعدّ نقصا فيها، ولا تضجِر القارئ ولا ينبغي لها أن تُضجر.
— 90 —
الباب الخامس
في مراتب
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
[٭]: هذا الباب هو الباب الخامس من "اللمعة التاسعة والعشرين" العربية أدرجه الأستاذ النورسي هنا من دون الهوامش. فمن شاء فليراجعه كاملا في اللمعة المذكورة.
وهو خمس نكت
النكتة الأولى فهذا الكلام دواءٌ مجرّبٌ لمرض العَجز البشري وسَقم الفقر الإنساني.
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
(آل عمران:١٧٣) إذ هو المُوجِدُ المَوْجُودُ البَاقِي فلا بَأْسَ بِزَوالِ المَوْجُودَاتِ لِدَوامِ الوجودِ المَحْبُوبِ بِبَقَاءِ مُوجِدِهِ الواجِبِ الوجودِ.
وهو الصَّانِعُ الفَاطِرُ البَاقِي، فلا حُزْنَ عَلَى زَوالِ المَصْنُوعِ لِبَقَاءِ مَدَارِ المَحَبَّةِ فِي صَانِعِهِ.
وهو المَلِكُ المَالِكُ البَاقِي، فلا تأسُّفَ عَلَى زَوالِ المُلْكِ المُتَجَدِّدِ فِي زَوالٍ وذَهَابٍ.
وهو الشَّاهِدُ العَالِمُ البَاقِي، فلا تَحَسُّرَ عَلَى غَيْبُوبَةِ المَحْبُوبَاتِ مِنَ الدُّنْيا لِبَقَائِهَا، فِي دَائِرَةِ عِلْمِ شَاهِدِهَا وفِي نَظَرِهِ.
وهو الصَّاحِبُ الفَاطِرُ البَاقِي، فلا كَدَرَ عَلَى زَوالِ المُسْتَحْسَناتِ لِدَوامِ مَنْشَأِ مَحَاسِنِهَا فِي أسْمَاءِ فَاطِرِهَا.
وهو الوارِثُ البَاعِثُ البَاقِي، فلا تَلَهُّفَ عَلَى فِرَاقِ الأحباب لِبَقَاءِ مَنْ يَرِثُهُمْ ويَبْعَثُهُمْ.
وهو الجَمِيلُ الجَلِيلُ البَاقِي، فلا تَحَزُّنَ عَلَى زَوالِ الجَمِيلاتِ الَّتِي هِيَ مَرَايا لِلأسْمَاءِ الجَمِيلاتِ لِبَقَاءِ الأسماء بِجَمَالِهَا بَعْدَ زَوالِ المَرَايا.
وهو المَعْبُودُ المَحْبُوبُ البَاقِي، فلا تَأَلُّمَ مِنْ زَوالِ المَحْبُوبَاتِ المَجَازِيَّةِ، لِبَقَاءِ المَحْبُوبِ الحَقِيقيِّ.
— 91 —
وهو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الودُودُ الرَّؤُوفُ البَاقِي، فلا غَمَّ ولا مَأيُوسِيَّةَ ولا أهمية مِنْ زَوالِ المُنْعِمِينَ المُشْفِقِينَ الظَّاهِرِينَ، لِبَقَاءِ مَنْ وسِعَتْ رَحْمَتُهُ وشَفَقَتُهُ كُلَّ شَيءٍ.
وهو الجَمِيلُ اللَّطِيفُ العَطُوفُ البَاقِي، فلا حُرْقَةَ ولا عَبْرَةَ بِزَوالِ اللَّطِيفَاتِ المُشْفِقَاتِ، لِبَقَاءِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهَا، ولا يَقُومُ الكُلُّ مَقَامَ تَجَلٍّ واحِدٍ مِنْ تَجَلِّياتِهِ؛ فَبَقَاؤهُ بِهَذِهِ الأوْصَافِ يَقُومُ مَقَامَ كل مَا فَنِيَ وزَالَ مِنْ أنواع مَحْبُوبَاتِ كل أحد مِنَ الدُّنْيا.
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
، نَعَمْ حَسْبِي مِنْ بَقَاءِ الدُّنْيا وما فِيهَا بقاء مَالِكِهَا وصَانِعِهَا وفَاطِرِهَا.
النكتة الثانية
حَسْبِي مِنْ بَقَائِي أنَّ اللّٰه هو إِلٰهِيَ البَاقِي، وخَالِقِيَ البَاقِي، ومُوجِديَ البَاقِي، وفَاطِرِيَ البَاقِي، ومالِكِيَ البَاقِي، وشَاهِدِيَ البَاقِي، ومَعْبُودِيَ البَاقِي وبَاعِثِيَ البَاقِي، فلا بَأْسَ ولا حُزْنَ ولا تَأَسُّفَ ولا تَحَسُّرَ عَلَى زَوالِ وجُودِي لِبَقَاءِ مُوجِدِي، وإيجَادِهِ بِأسْمَائِهِ. وما فِي شَخْصِي مِنْ صِفَةٍ إلّا وهِيَ مِنْ شُعَاعِ اسْمٍ مِنْ أسمائه البَاقِيَةِ؛ فَزَوالُ تِلْكَ الصِّفَةِ وفَنَاؤهَا لَيْسَ إعْدَاما لَهَا، لأنها مَوْجُودَةٌ فِي دَائِرَةِ العِلْمِ وبَاقِيَةٌ ومَشْهودَةٌ لِخَالِقِهَا.
وكَذَا حَسْبِي مِنَ البَقَاءِ ولَذَّتِهِ عِلْمِي وإذعَانِي وشُعُورِي وإيمَانِي بِأنَّهُ إلَهِيَ البَاقِي المُتَمَثِّلُ شُعَاعُ اسْمِهِ البَاقِي فِي مِرْآةِ مَاهِيَّتِي؛ وما حَقِيقَةُ ماهِيَّتِي إلّا ظِلٌّ لِذلِكَ الاِسْمِ. فَبِسِرِّ تَمَثُّلِهِ فِي مِرْآةِ حَقِيقَتِي صَارَتْ نَفْسُ حَقِيقَتِي مَحْبُوبَةً، لا لِذاتِهَا بل بِسِرِّ ما فِيهَا. وبقاء مَا تَمَثَّلَ فِيهَا أنواع بَقَاءٍ لَهَا.
النكتة الثالثة
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
إذ هو الواجِبُ الوجودِ الذِي مَا هذِهِ المَوْجُودَاتُ السَّيَّالاتُ إلّا مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّياتِ إيجَادِهِ ووجودِهِ؛ بِهِ وبِالانتساب إليه وبِمَعْرِفَتِهِ أنوار الوجودِ بِلا حَدٍّ.وبِدُونِهِ ظُلُمَاتُ العَدَمَاتِ وآلامُ الفِرَاقاتِ الغير المحدوداتِ.
وما هذِهِ المَوْجُودَاتُ السَّيَّالَةُ إلّا وهِيَ مَرَايا وهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَاتِ الاِعْتِبَارِيَّةِ فِي فَنَائِهَا وزَوالِهَا وبَقَائِهَا بِسِتَّةِ وجُوهٍ:
— 92 —
الأولُ: بقاء مَعَانِيهَا الجَمِيلَةِ وهوِيَّاتِهَا المِثَالِيَّةِ.
والثَّانِي: بقاء صُورِهَا فِي الألواحِ المِثَالِيَّةِ.
والثَّالثُ: بقاء ثَمَراِتِها الأخروية.
والرّابِعُ: بقاء تَسْبِيحَاتِهَا الرَّبَّانِيَّةِ المُتَمَثِّلَةِ لَهَا الَّتِي هِيَ نَوْعُ وجُودٍ لَهَا.
والخَامِسُ: بَقَاؤها فِي المَشَاهِدِ العِلْمِيَّةِ والمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ.
والسَّادِسُ: بقاء أرواحِهَا إن كَانَتْ من ذَوِي الأرواح. ومَا وظِيفَتُهَا فِي كَيْفِيَّاتِهَا المُتَخَالِفَةِ فِي مَوْتِهَا وفَنَائِهَا وزَوالِهَا وعَدَمِهَا وظهورِهَا واِنْطِفَائِهَا: إلّا إِظْهَارُ المُقْتَضياتِ للأسماءِ الإلهية، فَمِنْ سِرِّ هذِهِ الوظِيفَةِ صَارَتِ المَوْجُودَاتُ كَسَيْلٍ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ تَتَمَوجُ مَوْتًا وحَياةً ووجودا وعَدَمَا. ومِنْ هذِهِ الوظِيفَةِ تَتَظَاهَرُ الفَعَّالِيَّةُ الدَّائِمَةُ والخَلاقِيَّةُ المُسْتَمِرَّةُ. فلا بُدَّ لِي ولِكُلِّ أحد أنْ يَقُولَ:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
يَعْنِي؛ حَسْبِي مِنَ الوجودِ أنِّي أثَرٌ مِنْ آثَارِ واجِبِ الوجودِ. كَفَانِي آنٌ سَيَّالٌ مِنْ هذا الوجودِ المُنوَّرِ المَظهَرِ مِنْ مَلايينِ سَنَةٍ مِنَ الوجودِ المُزَوَّرِ الأبْتَرِ.
نَعَمْ بِسِرِّ الانتساب الإيماني تَقُومُ دَقِيقَةٌ مِنَ الوجودِ؛ مَقَامَ أُلُوفِ سَنَةٍ بِلا انتساب إيمَانِيٍّ، بل تِلْكَ الدَّقِيقَةُ أتَمُّ وأوْسَعُ بِمَرَاتِبَ مِنْ تِلْكَ الآلافِ سَنَةٍ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الوجودِ وقِيمَتِهِ أنِّي صَنْعَةُ مَنْ هو فِي السَّمَاءِ عَظَمَتُهُ، وفِي الأرض آياتُهُ، وخَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ.
وكَذا حَسْبِيَ مِنَ الوجودِ وكَمالِهِ أنِّي مَصْنُوعُ مَنْ زَيَّنَ ونَوَّرَ السَّمَاءَ بِمَصَابِيحَ، وزَيَّنَ وبَهَّر الأرض بأَزاهيرَ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الفَخْرِ والشَّرَفِ أنِّي مَخْلُوقٌ ومَمْلُوكٌ وعَبْدٌ لِمَنْ هذِهِ الكَائِنَاتُ بِجَمِيعِ كَمَالاتِهَا ومَحَاسِنِهَا ظِلٌّ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمَالِهِ وجَمَالِهِ، ومِنْ آياتِ كَمَالِهِ وإشَاراتِ جَمَالِهِ.
وكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ شيء مَنْ يَدَّخِرُ مَا لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنْ نِعَمِهِ فِي صُنَيْدِقَاتٍ لَطِيفَةٍ
— 93 —
هِيَ بَيْنَ "الكَافِ والنُّونِ" فَيَدَّخِرُ بِقُدْرَتِهِ مَلايِينَ قنطارٍ فِي قَبْضَةٍ واحِدَةٍ فِيهَا صُنَيْدِقَاتٌ لَطِيفَةٌ تُسَمَّى بُذُورا ونَوايا.
وكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ ذِي جَمَالٍ وذِي إحْسَانٍ؛ الجَمِيلُ الرَّحِيمُ الَّذِي مَا هییییذِهِ المَصْنُوعَاتُ الجَمِيلاتُ إلّا مَرايا مُتَفَانِيَةٌ لِتَجَدُّدِ أنوار جَمَالِهِ بِمَرِّ الفُصُولِ والعُصُورِ والدُّهورِ. وهیذِهِ النِّعَمُ المُتَواتِرَةُ والأثْمَارُ المُتَعَاقِبَةُ فِي الرَّبِيعِ والصَّيْفِ مَظَاهِرُ لِتَجَدُّدِ مَیرَاتِیبِ إنْیعَیامِیهِ الیدَّائِییمِ عَلَى مَییرِّ الأنَامِ والأيیَّیامِ والأعْیوامِ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الحَياةِ وماهِيَّتِهَا أنِّي خَرِيطَةٌ وفِهْرَسْتَةٌ وفَذْلَكَةٌ ومِيزَانٌ ومِقْياسٌ لِجَلَواتِ أسْمَاءِ خَالِقِ المَوْتِ والحَياةِ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الحَياةِ ووظِيفَتِهَا كَوْنِي كَكَلِمَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِقَلَمِ القُدْرَةِ، ومُفْهِمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أسْمَاءِ القَدِيرِ المُطْلَقِ الحَيِّ القَيُّومِ بِمَظْهَرِيَّةِ حَياتِي لِلشُّؤونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِيَ الَّذِي لَهُ الأسماء الحسنى.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الحَياةِ وحُقُوقِهَا إعْلانِي وتَشْهِيرِي بَيْنَ إخواني المَخْلُوقَاتِ وإعْلانِي وإظْهَارِي لِنَظَرِ شُهودِ خَالِقِ الكَائِنَاتِ بِتَزَيُّنِي بِجَلَواتِ أسْماءِ خَالِقِيَ الَّذِي زَيَّنَنِي بِمُرَصَّعَاتِ حُلَّةِ وجودِي وخِلْعَةِ فِطْرَتِي وقِلادَةِ حَياتِي المُنْتَظَمَةِ الَّتِي فِيهَا مُزَيَّنَاتُ هَدَايا رَحْمَتِهِ.
وكَذا حَسْبِي مِنْ حُقُوقِ حَياتِي فَهْمِي لِتَحِيَّاتِ ذَوِي الحَياةِ لِواهِبِ الحَياةِ وشُهودِي لَهَا وشَهَادَاتٌ عَلَيْهَا.
وكَذا حَسْبِي مِنَ حُقُوقِ حَياتِى تَبَرُّجِي وتَزَيُّنِي بِمُرَصَّعَاتِ جَواهِرِ إحْسَانِهِ بِشُعُورٍ إيمَانِىٍّ لِلعَرْضِ لِنَظَرِ شُهودِ سُلْطَانِيَ الأزَلِيِّ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الحَياةِ ولَذَّتِهَا عِلْمِي وإذعَانِي وشُعُورِي وإيمَانِي، بِأنِّي عَبْدُهُ ومَصْنوعُهُ ومَخْلُوقُهُ وفَقِيرُهُ ومُحْتَاجٌ إلَيْهِ؛ وهو خَالِقِي رَحِيمٌ بِي كَرِيمٌ لَطِيفٌ مُنْعِمٌ عَلَىَّ، يُرَبِّينِي كَما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الحَياةِ وقِيمَتِهَا مِقْياسِيَّتِي بِأمْثَالِ عَجْزِيَ المُطْلَقِ وفَقْرِيَ المُطْلَقِ وضَعْفِيَ المُطْلَقِ لِمَراتِبِ قُدْرَةِ القَدِيرِ المُطْلَقِ، ودَرَجَاتِ رَحْمَةِ الرَّحِيمِ المُطْلَقِ، وطَبَقَاتِ قُوةِ القَوِيِّ المُطْلَقِ.
— 94 —
وكَذا حَسْبِي بِمَعْكسِيَّتِي بِجُزْئِيَّاتِ صِفَاتِي من العلم والإرادة والقدرة الجُزْئِيَّةِ لِفَهْمِ الصّفات المحيطَةِ لِخَالِقِي. فَأفْهَمُ عِلْمَهُ المُحِيطَ بِمِيزَانِ عِلْمِي الجُزْئِيِّ.
وهَكَذا حَسْبِي مِنَ الكَمَالِ عِلْمِي بِأنّ إلَهِي هو الكَامِلُ المُطْلَقُ. فَكُلّ مَا فِي الكَوْنِ مِنَ الكَمَالِ مِنْ آياتِ كَمَالِهِ، وإشَاراتٌ إلى كَمَالِهِ.
وكَذا حَسْبِي مِنَ الكَمَالِ فِي نَفسِي، الإيمان بِاللّٰه. إذ الإيمان لِلْبَشَرِ مَنْبَعٌ لِكُلِّ كَمالاتِهِ.
وكَذا حَسْبِي مِنْ كُلِّ شيء لأَنْواعِ حَاجَاتِيَ المَطْلُوبَةِ بِأنْواعِ ألْسِنَةِ جِهَازاتِيَ المُخْتَلِفَةِ، إلَهِي ورَبِّي وخَالِقِي ومُصَوِّرِيَ الَّذِي لَهُ الأسماء الحُسْنَى الَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي ويُرَبِّينِي ويُدَبِّرُنِي ويُكَمِّلُنِي، جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ.
النكتة الرابعة حَسْبِي لِكُلِّ مَطَالِبِي مَنْ فَتَحَ صُورَتِي وصُورَةَ أمْثَالِي مِنْ ذَوِي الحَياةِ فِي المَاءِ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ ولَطِيفِ قُدْرَتِهِ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ ولَطِيفِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وكَذا حَسْبِي لِكُلِّ مَقَاصِدِي مَنْ أنْشَأَنِي وشَقَّ سَمْعِي وبَصَرِي، وأدْرَجَ فِي جِسْمِي لِسَانا وجَنانا، وأوْدَعَ فِيهَا وفِي جِهَازاتِي؛ مَوازِينَ حَسَّاسَّةً لا تُعَدُّ لِوزْنِ مُدَّخَرَاتِ أنواع خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ. وكَذا أدْمَجَ فِي لِسَانِي وجَنَانِى وفِطْرَتِي آلاتٍ جَسَّاسَةً لا تُحْصَى لِفَهْمِ أنواعِ كُنُوزِ أسْمَائِهِ.
وكَذا حَسْبِي مَنْ أدْرَجَ فِي شَخْصِيَ الصَّغِيرِ الحَقِيرِ، وأدْمَجَ فِي وجودِيَ الضَّعِيفِ الفَقِيرِ هذِهِ الأعْضَاءَ والآلاتِ وهذِهِ الجَوارِحَ والجِهَازاتِ وهذِهِ الحَواسَّ والحِسِّياتِ وهذِهِ اللَّطَائِفَ والمَعْنَوِياتِ؛ لإحْسَاسِ جَمِيعِ أنواع نِعَمِهِ، ولإذاقَةِ أكثر تَجَلِّيَّاتِ أسمائه بِجَلِيلِ ألُوهِيَّتِهِ وجَمِيلِ رَحْمَتِهِ وبِكَبِيرِ رُبُوبِيَّتِهِ وكَرِيمِ رَأْفَتِهِ وبِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ.
النكتة الخامسة لابدَّ لِي ولِكُلِّ أحد أنْ يَقُولَ حَالًا وقَالًا ومُتَشَكِّرا ومُفْتَخِرا: حَسْبِي مَنْ خَلَقَنِي، وأخْرَجَنِي مِنْ ظُلْمَةِ العَدَمِ، وأنْعَمَ عَلَيَّ بِنُورِ الوجودِ.
وكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي حَيًّا فَأنْعَمَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الحَياةِ الَّتِي تُعْطِي لِصَاحِبِهَا كُلَّ شيء وتُمِدُّ يَدَ صَاحِبِهَا إلى كُلِّ شَيءٍ.
— 95 —
وكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي إنْسَانا فَأنْعَمَ عَلَيَّ بِنِعْمَةِ الإنسانية التِي صَيَّرَتِ الإنسان عَالَمَا صَغِيرا أكْبَر مَعْنًَى مِنَ العَالَمِ الكَبِيرِ.
وكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مُؤْمِنا فَأنْعَمَ عَلَيَّ نِعْمَةَ الإيمان الَّذِي يُصَيِّرُ الدُّنْيا والآخِرَةَ كَسُفْرَتَيْنِ مَمْلُوئَتَيْنِ مِنَ النِّعَمِ يُقَدِّمُهُمَا إلى المُؤْمِنِ بِيَدِ الإيمَانِ.
وكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مِنْ اُمَّةِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأنْعَمَ عَلَيَّ بِمَا فِي الإيمان مِنَ المَحَبَّةِ والمَحْبُوبِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ أعْلَى مَرَاتِبِ الكَمَالاتِ البَشَرِيَّةِ.. وبِتِلْكَ المَحَبَّةِ الإيمانية تَمْتَدُّ أيادِي اِسْتِفَادَةِ المُؤْمِنِ إلى مَا لا يَتَنَاهى مِنْ مُشْتَمَلاتِ دَائِرَةِ الإمكان والوجوبِ.
وكَذا حَسْبِي مَنْ فَضَّلَنِي جِنْسا ونَوْعا ودِينا وإيمَانا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ، فَلَمْ يَجْعَلْنِي جَامِدا ولا حَيَوانا ولا ضَالا. فَلَهُ الحَمْدُ ولَهُ الشُّكْرُ.
وكَذا حَسْبِي مَنْ جَعَلَنِي مَظْهَرا جَامِعا لِتَجَلِّياتِ أسْمَائِهِ، وأنْعَمَ عَلَيَّ بِنِعْمَةٍ لا تَسَعُهَا الكَائِنَاتُ بِسِرِّ حَدِيثِ "لا يَسَعُنِي أرْضِي ولا سَمَائِي ويَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ المُؤْمِنِ" [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، كتاب الزهد ص٨١؛ الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/١٥؛ الديلمي، المسند ٣/١٧٤؛ الزركشي، التذكرة في الأحاديث المشتهرة ص١٣٥؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ص٩٩٠؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٢٥٥.. وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من الاتحاد والحلول لأن كلا منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف الناس باللّٰه وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان باللّٰه ومحبته ومعرفته. أ هی. يَعْنِي أنَّ المَاهِيَّةَ الإنسانية مَظْهَرٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ تَجَلِّياتِ الأسماء المُتَجَلِّيَةِ فِي جَمِيعِ الكَائِنَاتِ.
وكَذا حَسْبِي مَنِ اشْتَرى مُلْكَهُ الَّذِي عِنْدِي مِنِّي لِيَحْفَظَهُ لِي ثُمَّ يُعِيدَهُ إلَيَّ، وأعْطانا ثَمَنَهُ الجَنَّةَ. فَلَهُ الشُّكْرُ ولَهُ الحَمْدُ بِعَدَدِ ضَرْبِ ذَرَّاتِ وجودِي فِي ذَرَّاتِ الكَائِنَاتِ.
حَسْیبي رَبِّي جَلَّ اللّٰه نُورْ مُحَمَّدْ صَلَّى اللّٰه
لَا إِلَهَ إلّا اللّٰه
حَسْبِي رَبِّي جَلَّ اللّٰه سِرُّ قَلْبِي ذِكْرُ اللّٰه
ذِكْیرُ أحْمَدْ صَلَّى اللّٰه
لَا إِلَهَ إلّا اللّٰه
— 96 —

الشعاع الخامس

أشراط الساعة
إن مسائل "سدّ ذي القرنين" و"يأجوج ومأجوج" وسائر "أشراط الساعة" الأخرى قد بحثناها في كتابنا المطبوع: "المحاكمات" المؤلَّف قبل ثلاثين سنة (المقصود سنة ١٩١١) وقد وضعنا عشرين مسألة تدور حول تلك المباحث لتكون تتمةً لها -كتب قسم من مسودتها قبل ثلاث عشرة سنة- إلّا أنها بُيّضت نیزولا عند رغبة صديقٍ عزيز وصارت "الشعاع الخامس".
تنبيه: لتُقرأ أولا المسائل التي تلي المقدمة، كي يُفهم القصدُ من المقدمة.
— 97 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
لقد كُتبت نكتةٌ لطيفة من نكات الآية الكريمة: فقد جاء اشراطها (محمد:١٨) في الوقت الحاضر وذلك حفاظا على عقيدة عوام المؤمنين، وصيانةً لها من ورود الشبهات.
وحيث إن قسما من الأحاديث النبوية التي تخبر عن حوادث ستقع في آخر الزمان تحمل معاني عميقة جدا، كی"المتشابهات" القرآنية؛ فلا تفسّر كی"المحكَمات"، ولا يتمكن كل واحد من معرفتها، بل ربما يؤوّلها العلماءُ بدلا من تفسيرها. وإن تأويلاتِها تُفهم بعد وقوع الحادثة، ويُعرف عندئذ المراد منها، بمضمون الآية الكريمة
وما يَعلَمُ تأويلَهُ إلّا اللّٰه والرَاسِخُونَ في العِلم
(آل عمران:٧) ويبين تلك الحقائق الراسخون في العلم ويقولون:
آمنا بِهِ كلٌ منْ عِندِ ربنا
إن لهذا "الشعاع الخامس" مقدمة وثلاثا وعشرين مسألة.
المقدمة
عبارة عن خمس نقاط
النقطة الأولى إن الإيمان والتكليف امتحانٌ واختبار ومسابقة ضمن دائرة الاختيار، فلا تكون مسائلُه النظريةُ المبهَمة وغيرُ الصريحة والعميقة والتي هي بحاجة إلى الاختبار وإنعامِ النظر فيها واضحةً وضوحَ البديهة؛ بحيث يصدّقها كل أحد سواء أراد أم لم يرد... وذلك ليتميز إيمانُ أبي بكر عن كفر أبى جهل، فيسموَ المؤمنون إلى أعلى عليين ويتردى الكفار إلى أسفل سافلين، إذ لا تكليفَ بلا اختيار. ولأجل هذه الحكمة تأتى المعجزاتُ متفرقةً وبشكل نادر.
ثم إن في دار التكليف والامتحان تكون علاماتُ القيامة وأشراطُ الساعة التي يمكن مشاهدتُها بالعين مبهمةً وغيرَ صريحة ومحتملة التأويل -كبعض المتشابهات القرآنية- عدا
— 98 —
"علامة طلوع الشمس من مغربها" [٭]: انظر: البخاري، تفسير سورة الأنعام ٩؛ مسلم، الإيمان ١٥٧، التوبة ٣١؛ الترمذي، الدعوات ٩٨. فهي واضحة وضوحَ البديهة، حتى إنها تدفع الجميعَ إلى الإيمان من دون اختيار، ولذلك ينغلق بابُ التوبة عندئذ، فلا قيمةَ للإيمان ولا جدوى من التوبة. حيث يتساوى في التصديق من يملك إيمانا كأبي بكر مع أعتى الكفرة كأبي جهل. بل حتى إن نیزول عيسى عليه السلام، [٭]: انظر: البخاري، الأنبياء ٤٩؛ مسلم، الإيمان ١٥٥، الفتن ٣٤. ومعرفةَ كونه هو عيسى عليه السلام لا غيرَه، إنما يُعرف بنور الإيمان النافذ، ولا يستطيع كل واحد معرفتَه. بل حتى "الدجال" و"السفياني" [٭]: وردت أحاديث كثيرة بحق دجال المسلمين الموصوف بی"السفياني"، انظر: الحاكم، المستدرك ٤/٥٢٠؛ السيوطي، اللآلىء ٢/٣٨٨، الإسفرايني ٢/٧٥. وانظر أيضا: ابن كثير، البداية والنهاية ١/٢٤-٣٢؛ القرطبي، التذكرة ٦٠٩؛ البرزنجي، الإشاعة في أشراط الساعة ص٩٥-٩٦؛ الهيتمي، الفتاوى الحديثية ٢٧-٣٤؛ السيوطي، الحاوي للفتاوى ٢/٢١٣. من الأشخاص المرعبين الذين سيظهرون مع أشراط الساعة، لا يَعرفان نفسيهما أنهما "الدجال" و"السفياني" بادئ الأمر.
النقطة الثانية إن الأمور الغيبية التي عُلّمَها الرسولُ الكريم (ص) ليست سواء؛ فقسم منها عُلّمَها تفصيلا، فلا تصرّف ولا تدخّل له قط في هذا القسم، كالقرآن الكريم ومُحكمات الأحاديث القدسية.. والقسم الآخر قد عُلّمَها إجمالا، وتُرك أمرُ تصويرها وتفصيلها إلى اجتهاده (ص) كالأحاديث التي تدور حول الحوادث الكونية والأحداث المستقبلية التي هي ليست من أُسس الإيمان. فالرسول (ص) هو الذي يصوّر ويفصل ببلاغته -بأساليب التشبيه والتمثيل- تلك الأمورَ بما يوافق حكمة التكليف.
فمثلا: سُمع دويّ في مجلس الرسول (ص) فقال: إن هذا صوتُ حجر ظل يتدحرج إلى جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها. [٭]: انظر: مسلم، الجنة ٣١، المنافقون ١٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧١، ٣٩/٣٤١- ٣٤٦؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/٥١٠. وبعد مرور بضع دقائق على هذا الحدث المثير أتى أحدهم وأخبر رسول اللّٰه (ص): أن المنافق الفلاني وهو يناهز السبعين من عمره قد مات وولّى إلى جهنم وبئس المصير. فأظهر تأويلَ البلاغة الفائقة لكلام الرسول (ص).
تنبيه: لا يعير نظرُ النبوة اهتماما لحوادث المستقبل الجزئية التي لا تدخل ضمن الحقائق الإيمانية.
— 99 —
النقطة الثالثة: وهي عبارة عن نكتتين:
أولاهما: أن قسما من الأحاديث المروية على صورةِ تشبيهات وتمثيلات تَلَقّاه العوامُ بمرور الزمن حقائقَ ماديةً، لذا لا يبدو في نظرهم مطابقا لواقع الحال، على الرغم من أنه حقيقة ثابتة.
مثلا: إن المَلَكين اللذين هما من حَمَلة الأرض -كما للعرش حملتُه- اللذين على صورة "الثور" و"الحوت" وسُمّيا باسمهما [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/١٥٣، ١٩٤، ٢١/٧٢ ؛ الحاكم، المستدرك ٤/٦٣٦؛ ابن عبد البر، التمهيد ٤/٩؛ الهيثمي مجمع الزوائد ٨/١٣١ (نقلا عن البزار). قد تَصورَهما العوام ثورا ضخما حقيقيا وحوتا هائلا حقيقيا!
ثانيتهما: أن قسما من الأحاديث قد ورد من حيث كثرة المسلمين في تلك المنطقة، أو من حيث وجود الحكومة الإسلامية هناك، أو من حيث مركز الخلافة الإسلامية، لكنه ظُنَّ أنه شاملٌ لجميع المسلمين، ولجميع أنحاء العالم، وعلى الرغم أنه خاص من جهة، إلّا أنه تُلقِّي كليا وعاما.
فمثلا: ورد في الحديث الشريف: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: اللّٰه.. اللّٰه" [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ٢٣٤؛ الترمذي، الفتن ٣٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١٠٧، ٢٠١، ٢٦٨. أي ستُغلق أبوابُ أماكن الذكر، وسيُنادى بالأذان وبإقامة الصلاة بالتركية.
النقطة الرابعة مثلما حُجبت أمورٌ غيبية كالأجل والموت لحِكَم ومصالحَ شتى، فإن القيامة -التي هي سكراتُ موتِ الدنيا وأجلُ البشرية وموت الحيوان- قد أُخفيت كذلك لمصالح كثيرة. إذ لو كان الأجل معينا وقتُه، لاختلّت الموازنةُ بين الخوف والرجاء، تلك الموازنة المبنية على مصالحَ وحكَمٍ؛ إذ كان نصفُ العمر يمضي في غفلة مطبقة، يعقبه خوفٌ رهيب كمن يُساق خطوة خطوة نحو المشنقة.
وأجل الدنيا وسكراتُها أي القيامة يشبه هذا تماما، إذ لو كان وقتُها معينا، لكانت القرون الأولى والوسطى غير متأثرة بفكرة الآخرة إلّا قليلا ولا تنفعل بها إلّا جزئيا،
— 100 —
أما القرون الأخرى فكانت تعيش في رعب مستديم. وما كانت لتبقى -حينئذٍ- للحياة متعة وقيمة، ولا للعبادة -التي هي طاعة الفرد باختياره ضمن الخوف والرجاء- أهمية وحكمة.
ثم، لو كان وقت القيامة معينا، لدخل قسم من الحقائق الإيمانية ضمن البدهيات، أي يصدّق بها الجميع سواء أرادوا أم لم يريدوا، ولاختلّ عندئذ سرُّ التكليف وحكمةُ الإيمان المرتبطان بإرادة الإنسان واختياره.
وهكذا أُخفيت الأمور الغيبية لأجل مصالح كثيرة أمثالِ هذه، فصار الإنسان يتوقع مجيء أجَله كل دقيقة مثلما يتوقع بقاءه في الدنيا، ويفكر فيهما معا، ويسعى بجد للدنيا سعيَه للآخرة، ومثلما يَتوقع قيام الساعة في كل عصر يتوقع دوام الدنيا فيه أيضا. ومن هنا غدا الإنسان متمكنا من العمل للحياة الأبدية وهو ينظر إلى فناء الدنيا، ويعمل في الوقت نفسه لعمارة الدنيا، وكأنه يعيش أبدا.
ثم إنه لو كان وقت المصائب والبلايا معينا، لتجرع الإنسان أذًى وألما معنويين من جراء انتظاره وقوع المصيبة ونیزول البلاء أضعاف أضعاف ألم المصيبة نفسها. لذا سترت الحكمة الإلٰهية والرحمة الربانية الواسعة المصائبَ، فظلت مخفية عن الإنسان ومستورة عنه، فلا يتأذى بمثل ذلك الألم المعنوي.
وحيث إن أغلب الحوادث الكونية الغيبية تتضمن أمثال هذه الحكم، فقد مُنع الإخبار عن الغيب. [٭]: انظر: مسلم، السلام ٣٩؛ الترمذي، الطهارة ١٠٢؛ ابن ماجه، الطهارة ١٢٢. وحتى الذين يخبرون عنه بإذنٍ ربانيّ، فقد أَخبروا عنه إخبارا على صورةِ إشارات فقط، مع شيء من الإبهام دون الصراحة المكشوفة، فيما عدا الحقائق الإيمانية وما هو مدار التكليف، وذلك لئلا يكون هناك قلةُ توقير وعدمُ امتثالٍ كامل للدستور الإلهي:
قُل لا يَعلَمُ مَن في السّمواتِ والارضِ الغيبَ إلّا اللّٰه
(النمل:٦٥)
بل حتى البشارات التي وردت في حق رسولنا الكريم (ص) في التوراة والإنجيل والزبور، قد جاءت بشيء من الإبهام وعدم التصريح، مما حدا بأناس من أهل تلك الكتب أن يؤوّلوا تلك الإشارات فلم ينعَموا بالإيمان بالرسول الكريم (ص).
— 101 —
أما المسائل التي هي ضمن العقائد الإيمانية فبمقتضى حكمة التكليف بحاجة إلى تبليغ أمين ووضوح تام وصراحة كاملة وتكرار، لذا فصَّل القرآن الكريم ومبلّغه الأمين (ص) وبيّنا بيانا وافيا أمورَ الآخرة، في حين أنهما ذكرا الحوادث الدنيوية المستقبلية ذكرا مجملا.
النقطة الخامسة لقد رُويت الأمور الخارقة -فوق المعتادة- التي تخص عصر "الدجالَين" -أي دجال المسلمين والدجال الأكبر- مقرونةً بذكرهما، فتُوهمت كأنها ستصدر من شخصَيهما بالذات وفُهمت هكذا. لذا أصبحت تلك الروايات من المتشابهات، لاحتجاب المعنى.
فمثلا: تجوّله بالطائرة والقطار..
ومثلا: قد اشتهر: أن الشيطان الذي يخدم دجال المسلمين سيصيح حين موته عند "ديكيلى طاش" [٭]: ديكيلى طاش: منطقة في إسطنبول كانت فيها إذاعتها. في إسطنبول صيحةً يسمعها الناس كلهم بی"أنه مات"، أي سيُعلن عنه بالراديو، إعلانا عجيبا تتحير منه الشياطين أنفسُهم.
ثم إن الأحوال الرهيبة والإجراءات المدهشة التي تخص حُكم الدجال ونظامه ومنظماته وحكومته، قد رويت مقرونة مع شخصه، وكأنها ذات علاقة معه بالذات، لذا خَفِيَ المعنى واستتر.
فمثلا: هنالك رواية بهذا المعنى: أنه يملك من القوة والدوام [٭]: انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٩٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٣١٣؛ الديلمي، المسند ٢/٢٣٧؛ نعيم ابن حماد، الفتن ٢/٥٤٣. ما لا يمكن أن يقتله إلّا سيدُنا عيسى عليه السلام وإلّا فلا سبيل لقتله. [٭]: انظر: الطيالسي، المسند، ص ٣٢٧، انظر ايضا؛ مسلم، الفتن ٣٤، ١١٠؛ الترمذي، الفتن ٥٩، ٦٢؛ أبو داود، الملاحم ١٤. وهذا يعني: أن الذي يدمّر منهجَه ونظامه الشرس الرهيب ويقضي عليه قضاءً نهائيا ليس إلّا دينا سماويا رفيعا يظهر في العيسويين، فيقتدي بحقائق القرآن، ويتّحد معها، فهذا الدين العيسوي هو الذي يمحو بنیزول عيسى عليه السلام ذلك المنهجَ الإلحادي فيقضي عليه قضاءً تاما. وإلّا فإن شخص ذلك الدجال يمكن أن يُقتَل بجرثومة أو بمرض بسيط كالزكام.
— 102 —
ثم إن قسما من تفسير بعض الرواة وحُكمهم -النابع من اجتهاداتهم الشخصية التي تحتمل الخطأ- قد اختلط مع متن الحديث النبوي، فيُشتبه أنه منه، وعند ذاك يحتجب المعنى ويختفي، إذ لا تظهر مطابقةُ الحديث مع الواقع، فيدخل ضمن حكم المتشابه.
ثم إن الشخص المعنوي للجماعة وللمجتمع لم يكن واضحا في السابق كما هو في الوقت الحاضر، إذ كان الفكر الانفرادي والاهتمام بالفرد هو الغالب؛ لذا أُسندت الإجراءاتُ الضخمة للجماعة وصفاتُها العظيمة إلى الذين يترأسون تلك الجماعة، ومن هنا صُوّر أولئك الرؤساء تصويرا عجيبا بأنهم يملكون صفاتٍ كليةً خارقة، وأجساما ضخمة هائلة تفوق مائة ضعف عما هم عليه، وأنَّ لهم قوة وقدرة خارقتين، لكي تلائم تلك الإجراءاتِ المهولة. والحال أن هذا التصوير لا يطابق الواقع. لذا أصبحت تلك الرواية متشابهة.
ثم إنه على الرغم من التباين بين صفات "الدجالَين" واختلاف حالتيهما، يلتبس الأمر في تلك الروايات التي وردت بصورتها المطلقة، فيُظن هذا ذاك.
ثم إن أحوال "المهدي الكبير" لا تطابق أحوال المهديين السابقين له، في الروايات التي تشير إليهم، فتصبح تلك الروايات في حكم المتشابه.
إن الإمام عليا رضي اللّٰه عنه يذكر "دجال المسلمين" فقط. [٭]: انظر: نعيم ابن حماد، الفتن ١/٢٤٦، ٢٨٨، ٤/٨٣٩-٨٤٠، ٦/١١٩٦-١١٩٩؛ الحاكم، المستدرك ٤/٥٤٧.
انتهت المقدمة.. فنبدأ بالمسائل.
— 103 —
من بين مئات الأمثلة الدالة على الحوادث الغيبية سيُبيَّن -في الوقت الحاضر- بعناية اللّٰه وتوفيقه ثلاث وعشرون مسألة -بيانا مختصرا جدّا- تلك المسائل التي دأب الملحدون على إشاعتها بغية إفساد عقائد عوام المسلمين. ألَا خاب ظنُّهم، فإن إظهارَ لمعةِ إعجاز نبوي كريم في كل مسألة من تلك المسائل وإثباتَ تأويلاتها الحقيقية وإبرازَها، سيكون بإذن اللّٰه داعيا قويا وسببا مهما لإسناد عقيدة العوام وترسيخ إيمانهم. هذا ما أرجوه من رحمة ربي الرحيم، وأتضرع إليه سبحانه أن يستر ذنوبي وأخطائي بمغفرته الواسعة، إنه سميع مجيب.
المقام الثاني
مسائل الشعاع الخامس
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
المسألة الأولى ورد أن" السفياني -"وهو من أشخاص آخر الزمان- ستنخرق كفه.
إن أحد أوجه التأويل لهذا، واللّٰه أعلم:
لا يبقى المال في يده، لكثرة إسرافه وتبذيره في السفاهة واللهو والعبث. فالمال يجري من كفه إلى الإسراف، وفي المثل": فلان منخرق الكف . "أي مبذّر مسرف. فیی"السفياني "بحضّه الناس على الإسراف، يثير فيهم حرصا شديدا ويهيّج طمعا غالبا. فيسخّرهم لمآربه من نواحي ضعفهم تلك. هذا ما ينبه إليه الحديث الشريف ويخبرنا: أن المسرف يكون في أسره، فيتوسل إليه ويتذلل له.
— 104 —
المسألة الثانية ورد: أن شخصا رهيبا -من أشخاص آخر الزمان- يُصبح وإذا على جبينه مكتوب: "هذا كافر". [٭]: قال الرسول (ص): "..وإن الدجال ممسوح العين اليسرى، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب.." انظر: البخاري، التوحيد ١٧؛ مسلم، الفتن ٩٥، ١٠١-١٠٣؛ الترمذي، الفتن ٥٩؛ أبو داود، الملاحم ١٤.
إن تأويل هذا، واللّٰه أعلم بالصواب، هو أن ذلك "السفياني" سيلبس قبعة الإفرنج، ويُكرِه الناس على لبسها. ولكن لأنه يعمم لبسَها بالإكراه والقانون، وتلك القبعة ستهتدي بإذن اللّٰه، حيث تهوي إلى السجود، لذا لا يكون كافرا من لبسها مكرها عليها غيرَ راغب فيها.
المسألة الثالثة ورد: أن لحكام آخر الزمان المستبدين، ولاسيما الدجال جنةً وجهنم زائفتين. [٭]: انظر: البخاري، الأنبياء ٣؛ مسلم، الفتن ١٠٤، ١٠٩؛ ابن ماجه، الفتن ٣٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٨٣.
إن أحد أوجه التأويل لهذا -والعلم عند اللّٰه- هو أنه إشارة إلى ما في الدوائر الحكومية من أوضاع متقابلة متناظرة. كالمدرسة الإعدادية مع السجن، إحداهما صورة مشوّهة للحور والغلمان، والأخرى موضع عذاب وسجن.
المسألة الرابعة ورد: أنه لا يبقى من يقول: "اللّٰه.. اللّٰه" في آخر الزمان.
إن تأويلا لهذا -ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه- هو أن الزوايا التي يُذكر فيها: "اللّٰه.. اللّٰه.. اللّٰه"، والتكايا وأماكن الذكر والمدارس الدينية ستُغلَق أبوابُها، وسيُوضع اسمٌ آخر بدلا من اسم اللّٰه في الشعائر الإسلامية كالأذان والإقامة. وإلّا فليس معنى هذه الرواية أن الناس كلهم سيتردون في الكفر المطلق؛ لأن إنكار اللّٰه أبعد عن العقل من إنكار الكون، فالعقل لا يقبل وقوعَ معظم الناس في هذا الإنكار، فضلا عن كلهم. علما أن الكفار لا ينكرون وجود اللّٰه وإنما تزل عقولُهم في مباحث صفاته الجليلة سبحانه.
— 105 —
وتأويله الآخر هو: أن أرواحَ المؤمنين تُقبض قبيل قيام الساعة [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الأوسط ٤/٣٤٥؛ الديلمي، المسند ٥/٨٩؛ ابن عدي، الكامل ٦/٣٣٨؛ ابن حبان، المجروحين ٢/٢٤٢. كيلا يروا هول أحداثها فتندلعُ القيامة على رؤوس الكفار وحدهم.
المسألة الخامسة ورد: أن الدجال وأمثاله سيدّعون الألوهية في آخر الزمان ويُكرهون الناسَ على السجود لهم. [٭]: انظر: مسلم، الفتن ١١٢؛ ابن ماجه، ٣٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٦٧.
أحد أوجه التأويل لهذا، واللّٰه أعلم هو: كما أن قائدا جاهلا ينكر وجود الملك، يتصور في نفسه والآخرين نوعا من الملكية، كل حسب حاكميته، كذلك الذين يقودون مذهب الطبيعيين والماديين يتخيلون في أنفسهم نوعا من الربوبية، كل حسب درجته. فيسوق الدجال رعيته لخدمة قوته ويخضعهم خضوعَ عبودية له ولتماثيله، أي يجعلهم يُحْنون رؤوسهم لها.
المسألة السادسة ورد: أن فتنة آخر الزمان عظيمة إلى حدّ لا يملك أحد نفسه [٭]: انظر: أبو داود، الملاحم ١٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٨/٢٢٠-٢٢١؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٨٨. حتى استعاذت الأمة منها منذ ثلاثة عشر قرنا، كما أمر بها الرسول (ص) فجعلتها الأمة قرينةً لاستعاذتها من عذاب القبر. [٭]: انظر: البخاري، الأذان ١٤٩، الدعوات ٣٩، ٤٤-٤٦؛ مسلم، المساجد ١٢٩، الذكر ٤٩.
إن تأويلا لهذا -واللّٰه أعلم بالصواب- هو أن تلك الفتن تستميل النفوسَ وتغريها وتجذبها إليها، وتجعلها مفتونةً بها، فيرتكب الناس الآثام باختيارهم، بل ربما يتلذذون بها، كاختلاط النساء بالرجال عرايا في حمامات روسيا. إذ النساء يرتمين إلى هذه الفتنة برغبة منهن، فيضلِلن ويغوَين لما يحملن من ميل فطري لإظهار جمالهن. أما الرجال الذين يعشقون الجمال فطرة، فيُصرَعون أمام طيش النفس فيقعون في تلك النار المتأججة، ويحترقون، وهم نشاوى من الفرح والسرور.
— 106 —
وهكذا تجلب فتنةُ ذلك الزمان -بملاهيها ومسارحها ومراقصها وأماكن البدع وارتكاب الكبائر فيها- عُبَّادَ النفس الأمارة، فيحومون حول تلك الأماكن كالفراش حول النار، وينجذبون إليها حيارى مشدوهين. وإلّا لو كان بالإكراه والإرغام والجبر المطلق، فلا اختيار إذن، ومن ثَم فلا إثم.
المسألة السابعة ورد: أن "السفياني" سيكون عالما عظيمًا ويَضل بالعلم، ويتبعه علماء كثيرون. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٢١٦؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٩١؛ أبو يعلى، المسند ٦/٣١٧؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٥/١٥٦.
إن تأويلا لهذا -والعلم عند اللّٰه- هو: أنه بدهائه وفنونه وعلمه السياسي يحصل على ذلك الموقع، إذ ليس له من الوسائل التي توصله إلى السلطة كما هو الحال لدى حكام آخرين من وجود العصبة أو القدرة أو الانتساب إلى قبيلة وعشيرة، أو الشجاعة أو الثروة وغيرها. فيسخّر بعقله عقولَ كثير من العلماء، ويجعلهم يدورون في فلكه ويصدرون له الفتاوى، ويجعل كثيرا من المعلمين موالين له. ويسعى حثيثا لتعميم التعليم المجرد من دروس الدين وجعله نهجا رائدا.
المسألة الثامنة تبين الروايات: أنَّ فتنة الدجال الرهيبة ستقع في صفوف المسلمين حتى استعاذت منها الأمة كلها. إن تأويلا لهذا -ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه- هو: أنَّ دجال المسلمين غيرُ دجال الكفار، [٭]: انظر: السيوطي، العرف الوردي في أخبار المهدي، الحاوي للفتاوي ٢/٢٣٤؛ أحمد زيني دحلان، الفتوحات الإسلامية ٢٩٤؛ البرزنجي، الإشاعة في أشراط الساعة ٩٥-٩٩؛ القرطبي، مختصر التذكرة ١٣٣-١٣٤؛ ابن حجر الهيتمي، الفتاوى الحديثية ٣٦. حتى إن قسما من العلماء المحققين قد قالوا مثلما قال الإمام علي رضي اللّٰه عنه [٭]: انظر: نعيم ابن حماد، الفتن ١/٢٤٦، ٢٨٨، ٤/٨٣٩-٨٤٠، ٦/١١٩٦-١١٩٩؛ الحاكم، المستدرك ٤/٥٤٧. بأن دجال المسلمين هو "السفياني" وسيظهر بين المسلمين ويفتنهم بالخداع والتمويه. بينما دجال الكفار الكبير غير "السفياني". وإلّا فالذي لا يرضخ لجبروت الدجال الكبير المطلق يصبح شهيدا، ومن يتبعه مرغما وكارها لا يكون كافرا، وربما لا يكون آثما أيضا.
— 107 —
المسألة التاسعة لقد صُوّرت في الروايات وقائع "السفياني" وحوادث فتن آخر الزمان أنها تقع حول الشام أو في الجزيرة العربية. [٭]: انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٩٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٣١٣؛ الديلمي، المسند ٢/٢٣٧؛ نعيم ابن حماد، الفتن ٢/٥٤٣.
إن تأويلا لهذا -واللّٰه أعلم- هو: أن مركز الخلافة في السابق كان في العراق والشام والمدينة، لذا فسر الرواة -باجتهادهم الشخصي- وصوَّروا تلك الأحداث التي تقع حول مركز الدولة الإسلامية -وكأن الخلافة ستظل هكذا- فقالوا: في الشام.. حلب. ففصلوا باجتهادهم الشخصي ما ورد مجملا في الأحاديث.
المسألة العاشرة لقد ذكرَت الرواياتُ القدرةَ الهائلة الخارقة لأشخاص آخر الزمان.
إن تأويلا لهذا -والعلم عند اللّٰه- هو: أنه كناية عن عظمة الشخصية المعنوية التي يمثلونها. مثلما صُوِّر في حينه القائدُ الياباني الذي دحر روسيا، بأن أحد قدميه في البحر المحيط والأخرى في قلعة بورت آرثر. أي إن عظمة الشخص المعنوي الرهيبة، تصور في ممثل تلك الشخصية وفي تماثيل ذلك الممثل الضخمة. أما قدراتهم الفائقة وقوتُهم الخارقة، فلكون أكثر إجراءاتهم من قبيل التخريب وإثارة الشهوات وتحريك الرغبات، مما تُظهر اقتدارا فوق المعتاد، إذ التخريب سهل. فعُودُ ثقاب واحد يمكنه أن يحرق قريةً كاملة، وإثارة الشهوات وتحريك الرغبات تَسري سريعا لميل النفوس إليها.
المسألة الحادية عشرة ورد: أن في آخر الزمان يكون لأربعين امرأة قيّم واحد. انظر: البخاري، الزكاة ٩؛ مسلم، الزكاة ٥٩.
إن لهذا تأويلين واللّٰه أعلم بالصواب:
الأول: أنَّ الزواج الشرعي يقل في ذلك الزمان أو يُرفع، كما حدث في روسيا؛ فالرجل السائب الذي تجنب من الارتباط بامرأة واحدة، يكون قيِّما على أربعين امرأة شقية.
— 108 —
الثاني: أنه كناية عن هلاك أغلب الرجال في الحروب التي تقع في تلك الفتنة. وعن كون أكثر الولادات من الإناث بناءً على حكمة إلهية. وربما يُلهب تحررُ النساء تحررا كليا شهواتِهن فيتغلبن بغلبة الشبق فطرة على أزواجهن. مما يسبب نیزوع الطفل إلى صورتها فتصبح الإناث كثيرات جدّا بأمر إلهيّ.
المسألة الثانية عشرة ورد في الروايات: أنَّ اليوم الأول للدجال سنة، والثاني شهر، والثالث أسبوع، والرابع كسائر الأيام. الأحاديث في هذا الباب كثيرة، نذكر منها: "قلنا يا رسول اللّٰه ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" انظر: مسلم، الفتن ١١٠؛ الترمذي، الفتن ٥٩؛ أبو داود، الملاحم ١٤؛ ابن ماجه، الفتن ٣٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٨١.
لهذا تأويلان، -ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه-:
الأول: أنه إشارة وكناية عن ظهور الدجال الكبير في دائرة القطب الشمالي وجهة الشمال من العالم؛ لأن السنة في منطقة القطب الشمالي عبارة عن يوم وليلة. فلو سافر أحدهم من هناك متجها نحونا بالقطار يوما كاملا يرى الشمس لا تغرب شهرا كاملا في الصيف. وإذا اقترب بالسيارة يوما آخر يرى الشمس أسبوعا كاملا. ولقد كنت في مكان قريب من هذا عندما كنت أسيرا هناك. بمعنى أن هذا إخبارٌ معجِز بأن الدجال الكبير سيتعدى من الشمال إلى هذه الجهة.
أما تأويله الثاني: فهو أنَّ هناك أياما ثلاثة بمعنى الأدوار الثلاثة الاستبدادية للدجال الكبير ودجال المسلمين:
يومه الأول: أي في دورة حكومته، يقوم بإجراءات عظيمة ما لا يُنجز في ثلاثمائة سنة.
يومه الثاني، أي دورته الثانية: أنه يُجري في سنة واحدة من الإجراءات ما لا يُجرى في ثلاثين سنة.
يومه الثالث ودورته: ينفّذ من التغييرات في سنة واحدة ما لا ينفَّذ في عشر سنوات.
يومه الرابع ودورته: يكون اعتياديا لا يقوم بشيء سوى سعيه للحفاظ على الوضع.
— 109 —
وهكذا أخبر الرسول الكريم (ص) أمته ببلاغته الفائقة عما سيقع من أحداث المستقبل.
المسألة الثالثة عشرة في رواية صحيحة: أن عيسى عليه السلام يقتل الدجال الأكبر. انظر: مسلم، الفتن ١١٠؛ الترمذي، الفتن ٥٩، ٦٢؛ أبو داود، الملاحم ١٤؛ ابن ماجه، الفتن ٣٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٦٧، ٤٢٠، ٤/١٨١، ٢١٦، ٢٢٦، ٣٩٠، ٥/١٣، ٦/٧٥.
ولهذا أيضا وجهان والعلم عند اللّٰه:
الوجه الأول: أن الدجال الذي يحافظ على نفسه بأموره الخارقة التي يستدرج بها الناسَ ويسخرهم باستخدام السحر والتنويم المغناطيسي والأرواح وأمثالها، لا يقدر على قتله وتغيير مسلكه إلّا مَن هو خارق، وذو معجزات ومرضيّ لدى الجميع ومَن هو أكثر علاقة وارتباطا، ويعتقد بنبوته أغلبُ الناس، ذلك النبي عيسى عليه السلام.
الوجه الثاني هو: أن الذي سيقتل الشخصيةَ المعنوية لشخص الدجال -المقتول بسيف شخص عيسى عليه السلام- ويبيد كيانَ الإلحاد الهائل والمادية الرهيبة التي كوّنها، ويُفني ما يدعو إليه من الكفر بإنكار الألوهية، هم الروحانيون النصارى، فهؤلاء الروحانيون يهلكونه -ويقتلونه معنًى- بقوة نابعة من مزجهم حقيقةَ النصرانية مع حقائق الإسلام. حتى إن ما ورد بأن عيسى عليه السلام سينیزل ويقتدي بالمهدي في الصلاة، اقتداء عيسى عليه السلام بالمهدي، فيه أحاديث صحيحة كثيرة، نسوق منها: عن جابر بن عبد اللّٰه رضي اللّٰه عنهما، قال: قال رسول اللّٰه (ص): "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينیزل عيسى، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة اللّٰه هذه الأمة". رواه مسلم ١٥٥، ١٥٦. يشير إلى هذا الاتفاق، وإلى ريادة الحقيقة القرآنية وهيمنتِها.
المسألة الرابعة عشرة ورد: أن اليهود هم القوة العظيمة للدجال ويتبعونه طوعا. انظر: مسلم، الفتن ٣٣، ١٢٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٢٢٤، ٤/٢١٦؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٩١، ٤٩٩؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/٢٠٩.
فيمكننا أن نقول -واللّٰه أعلم-: إن جزءا من تأويل هذه الرواية قد تَحقق في روسيا، إذ اليهود الذين قاسوا مظالمَ بيد الحكومات كلها تجمّعوا بكثرة في ألمانيا، لأجل أن ينتقموا من
— 110 —
الدول والشعوب، فكانت لی"تروتسكي" اليهودي اليد الطولى في تأسيس المنظمة الشيوعية، حتى أوصلوه إلى القيادة العامة، ومن بعد ذلك جعلوه في رئاسة الحكومة في روسيا خَلَفا لی"لينين" الذي ربّوه، فدمروا روسيا دمارا رهيبا وأبادوا محاصيلها لألف سنة. وأظهروا -أي اليهود- بهذا أنهم منظمةٌ من منظمات الدجال الكبير ومنفذو أعماله، وقد زعزعوا كيان سائر الحكومات أيضا وأثاروا فيها الاضطرابات والقلاقل.
المسألة الخامسة عشرة إن القرآن الكريم الذي يورد حوادث يأجوج ومأجوج مجمَلا يذكرها الحديث الشريف بشيء من التفصيل، ولكن تلك التفصيلات ليست بمثل إجمال القرآن الكريم محكَمة بل ربما تُعد من المتشابهات إلى حدّ ما، فتحتاج إلى تأويل بل إلى تعبير لاختلاط اجتهادات الرواة فيها.
إن تأويلا لهذا ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه هو أنه كناية وإشارة إلى أن قبائل المانجور والمغول -الذين يطلِق عليهم القرآن بلغته السماوية "يأجوج ومأجوج"- سيدمّرون العالم كله في الأزمان المقبلة مثلما أغاروا -عدة مرات- على آسيا وأوروبا مع قبائل من الصين وما حولها، وأحلّوا فيهما الهرج والمرج. حتى إن الإرهابيين المشهورين في المنظمات الشيوعية الآن ينتمون إليهم.
نعم، إن الفكر الاشتراكي تولَّد في الثورة الفرنسية وترعرع بدعوتها إلى التحرر، ولما كان هذا الفكر الاشتراكي يدعو إلى تدمير قسم من المقدسات فقد انقلب أخيرا إلى البلشفية. وقد نشرت البلشفية أيضا بذورَ الإفساد لتحطيم كثير من المقدسات والمُثُل الأخلاقية والإنسانية. وستثمر تلك البذورُ حتما حناظلَ الفوضوية والإرهاب التي لا تعرف حدودا لشيء، ولا تقيم وزنا له. إذ القلب الإنساني إذا انتُزع منه الرأفةُ والرحمة والاحترام فإن العقل والذكاء يسيطران -عندئذ- على زمام الإنسان ويجعلان أولئك الناس كالوحوش الضارية والكلاب المسعورة، فلا يجدي معهم الضبطُ السياسي.
إن أخصب مرتع للفكر الفوضوي الإرهابي هو الأماكن المزدحمة بالمظلومين، والقبائلِ البعيدة عن الحضارة وعن الحكومة والدولة، والتي اعتادت النهب والإغارة، فهذه الشروط تنطبق على قبائل المانجور والمغول وقسمٍ من قبائل القرغيز الذين كانوا السبب في بناء سد الصين بطول أربعين يوما والذي يُعد أحد عجائب الدنيا السبع.
— 111 —
وهكذا فالرسول الكريم (ص) الذي يفسر ما أجمَله القرآن الكريم قد أخبر عنهم إخبارا معجِزا محققا.
المسألة السادسة عشرة في سياق قتل عيسى عليه السلام الدجالَ تُبين الرواياتُ أن للدجال جسما خارقا في الضخامة والعلو حتى يعلو على المنارة، وأن عيسى عليه السلام بالنسبة له صغير جدّا. انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٩٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٣١٣؛ الديملي، المسند ٢/٢٣٧؛ نعيم ابن حماد، الفتن ٢/٥٤٣.
إن أحد أوجه تأويل هذا، ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه ينبغي أن يكون هكذا: إنه كناية وإشارة إلى أن الذين يعرفون عيسى عليه السلام ويتبعونه بنور الإيمان -وهم جماعة الروحانيين المجاهدين- هم قلةٌ قليلة بالنسبة لجنود الدجال العلمية والمادية أي الثقافية والعسكرية.
المسألة السابعة عشرة ورد: أن الدنيا تسمع ظهورَ الدجال يوم ظهوره، ويسيح في الأرض أربعين يوما، وله حمار هو دابة خارقة.
هذه الروايات -بشرط صحتها- لها عدة تأويلات -واللّٰه أعلم-.
هي: أنَّ هذه الروايات تخبر إخبارا معجزا عن أن وسائط النقل والمخابرةِ ستتقدم في زمن ظهور الدجال بحيث إن حادثة واحدة تُسمَع في اليوم الواحد في أنحاء العالم كله، فيصيح أحدهم بالراديو ويَسمعه الشرق والغرب، وتُقرأ الحادثة في جميع صحفه وجرائده. وأن الإنسان يستطيع أن يسيح في العالم كله في غضون أربعين يوما، فيرى قاراته السبع وحكوماته السبعين. فهذه الروايات تخبر إخبارا معجزا عن التلغراف والتلفون والراديو والطيارة قبل ظهورها بعشرة قرون.
ثم إن الدجال لا يُسمع في العالم بكونه دجالا، وإنما بصفة مَلِك وحاكم مستبد مطلق، وأن سياحته في الأرض ليست للاستيلاء على الأماكن كلها وإنما لإيقاظ الفتنة والإضلال والإغواء. أما دابته وحماره، فإما أنه القطار الذي إحدى أذنيه ورأسه مصدرُ النار كجهنم،
— 112 —
وأذنه الأخرى مكانٌ مفروش ومزيّن كجنة كاذبة، فيرسل أعداءه إلى الرأس ذي النار ويجعل أصدقاءه في الرأس المعدّ للضيافة.. أو أن حماره ودابته سيارة عجيبة.. أو طائرة.. أو.. (يجب السكوت).
المسألة الثامنة عشرة ورد أنه: إذا استقامت أمتي فلها يوم، أي يدوم ملكُها وحكمُها ألف سنة دواما تاما نافذا، انظر: أبو داود، الملاحم ١٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٧٠. بدلالة الآية الكريمة
في يوم كان مقداره ألف سنة
(السجدة: ٥) وإن عدلَت عن الاستقامة فلها نصف يوم، أي تحافظ على حكمها وسيطرتها بما يقارب خمسمائة سنة.
إن هذه الرواية -واللّٰه أعلم- ليست إخبارا عن القيامة، وإنما هي روايةٌ عن عزة الإسلام وسلطنة الخلافة. وقد تحققت فعلا وغدت حقيقةً ثابتة ومعجزة غيبية. إذ عاشت الدولة العباسية ما يقرب من خمسمائة سنة لحين فقدِ الحكام السياسيين طريق الاستقامة. إلّا أن الأمة الإسلامية بمجموعها حافظت على الاستقامة. لذلك فقد أمدّتهم الخلافةُ العثمانية، فأدامت السلطنةَ إلى ألف وثلاثمائة سنة تقريبا. ثم لما عجز السياسيون العثمانيون عن الحفاظ على الاستقامة، عاشت هي الأخرى خمسمائة سنة بالخلافة.. فصدّقت الخلافةُ العثمانية بوفاتها الإخبارَ المعجز لهذا الحديث الشريف. وحيث إننا بحثنا هذا الحديث في رسائل أخرى اختصرناه هنا.
المسألة التاسعة عشرة إن هناك أخبارا متباينة عن المهدي انظر: مسلم، الإيمان ٢٤٧؛ الترمذي، الفتن ٥٣؛ أبو داود، المهدي، ٤، ٦، ٧؛ ابن ماجه، الفتن ٢٥، ٣٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٩٩. قال الشوكاني في التوضيح: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضا لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. اهی (الإذاعة لمحمد صديق حسن خان ١١٣- ١١٤). الذي هو من آل البيت، وظهوره من علامات الساعة. حتى حكم قسم من أهل العلم وأهل الولاية على سبْق ظهوره.
— 113 —
إن تأويلا لهذه الروايات المتباينة -واللّٰه أعلم بالصواب- هو: أنَّ للمهدي الكبير مهماتٍ كثيرةً ووظائفَ عدة، فكما أن له إجراءات في عوالمَ ودوائر كثيرة كعالَم السياسة وعالم الدين وعالم السلطنة وعالم الجهاد، كذلك يحتاج أهلُ كل عصر عندما يُخيِّم عليهم اليأسُ إلى مَن هو كالمهدي ليشدّ من قواهم المعنوية، أو يحتاجون إلى ترقّبِ مجيء المهدي وظهوره لإمدادهم في ذلك الوقت. لذا ظهر من آل البيت من هو كالمهدي في كل دور بل في كل عصر برحمة من اللّٰه سبحانه، فحافَظ على شريعة جدّه الأمجد، وإحياءِ سنته المطهرة. فمثلا: ظهر المهدي العباسي في عالم السياسة والدولة، وظهر الشيخ الكيلاني(٭) والشاه النقشبند(٭) والأقطاب الأربعة والأئمة الاثنا عشر وأمثالُهم من الأفذاذ في عالم الدين والإيمان، فنفّذوا قسما من مهمات المهدي ووظائفه. فلظهور هؤلاء وقيامِهم بقسم من أعمال المهدي -التي تتوجه إلى إحياء الشريعة وسنة الرسول (ص)- وكونِهم مدارَ نظر الرسول محمد (ص) اختلفت الروايات الواردة بحق المهدي، فحدا بقسم من أهل الحقيقة إلى أن يقولوا: أنه ظهر في الماضي.
وعلى كل حال فقد وضّحت رسائلُ النور هذه المسألة، فنحيل إليها إلّا أننا نقول: إنه ليس في الدنيا قاطبة عُصبة متساندة نبيلة شريفة تَرْقى إلى شرف آل البيت ومنیزلتهم، وليس فيها قبيلة متوافقة ترقى إلى اتفاق قبيلة آل البيت، وليس فيها مجتمع أو جماعة منورة أنورَ من مجتمع آل البيت وجماعتهم.
نعم، إن آل البيت الذين غُذوا بروح الحقيقة القرآنية وارتضعوا من منبعها، وتنوروا بنور الإيمان وشرف الإسلام فعرجوا إلى الكمالات، وأنجبوا مئات الأبطال الأفذاذ وقدموا ألوف القوّاد المعنويين لقيادة الأمة.. لابد أنهم يُظهرون للدنيا العدالةَ التامة لقائدهم الأعظم المهدي الأكبر، وحقانيته بإحياء الشريعة المحمدية والحقيقة الفرقانية والسنة الأحمدية وإعلانها وتطبيقها وإجرائها.
وهذا الأمر في غاية المعقولية فضلا عن أنه في غاية اللزوم والضرورة، بل هو مقتضى دساتير الحياة الاجتماعية الإنسانية.
— 114 —
المسألة العشرون طلوع الشمس من مغربها انظر: البخاري، تفسير سورة الأنعام ٩؛ مسلم، الإيمان ١٥٧، التوبة ٣١؛ الترمذي، الدعوات ٩٨.
وظهور دابة الأرض. انظر: مسلم، الفتن ٣٩-٤٠، الترمذي، الفتن ٢١؛ أبو داود، الملاحم ١٢؛ ابن ماجه، الفتن ٢٥، ٢٨؛ أحمد ابن حنبل؛ المسند ٤/٦.
أما طلوع الشمس من مغربها فهو علامة بدهية لقيام الساعة. ولبداهته أصبح معناه ظاهرا لا داعي لتفسيره، ولا حاجة إلى التأويل. إذ هو حادثة سماوية يُغلق بها بابُ التوبة المرتبط باختيار العقل.
إلّا أن هناك أمرا هو أن السبب الظاهري لذلك الطلوع -واللّٰه أعلم- هو: أنه حالما يُرفع القرآن من الأرض -الذي هو بمثابة عقلها- تفقد الأرضُ صوابها، فتصطدم -بإذنٍ إلهيّ- بكوكب سيار آخر، فتعود القهقرى عن حركتها، وتصبح دورتُها -بإرادة اللّٰه سبحانه- من الشرق إلى الغرب بدلا من الغرب إلى الشرق، وعندها تبدأ الشمس بالطلوع من مغربها.
نعم، إذا انقطعت قوةُ جاذبة القرآن الكريم الذي هو حبل اللّٰه المتين والذي يشد الأرضَ بالشمس، والفرشَ بالعرش، انحلت عرى الكرة الأرضية، فتظل تدور دورانا تائها سائبا، فتطلع الشمس من مغربها بعدم انتظام حركتها وبمعكوسيتها، فتقوم القيامة نتيجة التصادم بالكوكب السيارة بأمر إلٰهي مقدر، هذا تأويل للحديث الشريف.
أما "دابة الأرض"، فإن هناك إشارة إليها في غاية الإجمال في القرآن الكريم مع كلام مختصر بلسان حالها.
أما تفصيلها فلا أعرفه الآن معرفةً جازمة وباقتناع قاطع، بمثل المسائل الأخرى. إلّا أنني أتمكن أن أقول -ولا يعلم الغيب إلا اللّٰه-:
إنه كما سلّط اللّٰه سبحانه آفةَ الجراد والقمل على قوم فرعون، وسلّط طَيْرًا أَبَابِيلَ على قوم أبرهة الذين أتوا لهدم الكعبة، كذلك الذين ينساقون طوعا وعلى علمٍ بفِتَن "السفياني والدجاجلة" فيتمادون في العصيان والطغيان والفساد، ويتردون في الإلحاد والكفر والكفران
— 115 —
والتوحش والغدر بدافع الإرهاب والفوضى التي يشيعها يأجوج ومأجوج، يخرج عليهم حيوان من الأرض -لحكمة ربانية لإعادة صوابهم- فيسلَّط عليهم ويدمِّرهم تدميرا.
إن تلك الدابة -واللّٰه أعلم- هي نوعٌ وليست فردا، لأنه لو كانت فردا وحيوانا واحدا ضخما جدا، لما بلغ كلَّ شخص في كل مكان. فهو إذن طائفة حيوانية مخيفة، وربما هي حيوان كالأرضة التي تقضم الخشب وتأكله كما تشير إليها الآية الكريمة
الا دابة الارض تأكل منسأته
(سبأ:١٤). فهذا الحيوان أيضا يقضم عظام الإنسان وينخرها كنَخر تلك الدابة الخشبَ ويستقر في جميع أجزاء جسم الإنسان من أسنانه إلى أظفاره.
وقد أنطقت الآيةُ الكريمة تلك الدابةَ بخصوص الإيمان مشيرة: بأن المؤمنين ينجون منها ببركة الإيمان ويُمنه، وبتحرزهم من السفاهة، وتجنبهم الإسراف وسوء الأخلاق.
ربنا لاتُؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 116 —
"تتمة المسائل العشرين السابقة في ثلاث مسائل"
المسألة الأولى لقد أُطلق في الروايات اسم "المسيح" على سيدنا عيسى عليه السلام، وأُطلق الاسم نفسه على الدجالين أيضا، كما ورد في الاستعاذة: "من فتنة المسيح الدجال". فما حكمة هذه التسمية وما تأويلها؟ [٭]: انظر: البخاري، الأنبياء ٤٨، اللباس ٦٨، تعبير ١١؛ مسلم، الإيمان ٢٧٣، ٢٧٤، ٢٧٥، الفتن ١١٠. قال الحافظ في الفتح: ١٣/٩٤: وحكى شيخنا مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس في اللغة، أنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسمية الدجال خمسون قولا.
الجواب: إن حكمتها -واللّٰه أعلم- هي أن عيسى عليه السلام قد رَفع -بأمر إلهي- قسما من التكاليف الشاقة التي كانت في شريعة سيدنا موسى عليه السلام، وأحلّ بعض ما تشتهيه النفوس كالخمر. كذلك يفعل الدجال الكبير، بإغواء من الشيطان وبنفوذه، فيرفع أحكام شريعة سيدنا عيسى عليه السلام فيخلّ بالروابط التي بها تُدار الحياة الاجتماعية للنصارى ممهّدا الأوضاع للفوضى والإرهاب ومجيء يأجوج ومأجوج.
وكذلك "السفياني" الذي هو دجال المسلمين يسعى لرفع قسم من الأحكام الخالدة للشريعة المحمدية (على صاحبها أفضل الصلاة والسلام) بدسائس النفس الأمارة وبمعاونة الشيطان، فيخل بالروابط المادية والمعنوية للبشرية ويُطلق النفوس الحائرة العصبية الذاهلة من عقالها لتتيهَ ضائعةً شاردة. فينقض العرى النورانية التي تربط أفراد المجتمع الإنساني كالاحترام والمحبة، ويُكره الناس على حرية هي عينُ الاستبداد، لتتصارع النفوسُ الضالة في مستنقع الأهواء والرذيلة، فاتحًا الطريقَ إلى إرهاب شنيع وفوضى رهيبة بحيث لا يمكن -في ذلك الوقت- أن ينضبط أولئك الناس إلّا باستبداد في منتهى الشدة والقسوة.
المسألة الثانية لقد ذكرَت الروايات أعمالا خارقة يقوم بها كلا الدجالين، وعن اقتدارهما فوق المعتاد، وعن هيبتهما وعظمتهما الفائقة، حتى حدا الأمر ببعض الناس التعساء أن يسندوا إليهما شيئا من الألوهية! هكذا جاء في الروايات.. فما سبب هذا؟
— 117 —
الجواب: -والعلم عند اللّٰه- أما كون إجراءاتهم وأعمالهم عظيمةً وخارقة، فلأن معظمَها تسوق إلى التخريب، وتدفع إلى هوى النفس. لذا يمكنهم بكل سهولة ويُسرٍ القيامُ بأعمال فوق المعتادة، لأنها تخريب. حتى إن ما ورد في الحديث من: "يوم كسنة" أي إن ما ينجزونه في سنةالأحدة من الأعمال لا يمكن إنجازها في ثلاثمائة سنة. أما سبب ظهور اقتدارهم بما هو فوق المعتاد، فإن هناك أربعة أسباب وجهات:
أولاها: إسنادهم إلى أنفسهم -ظلما وزورا وبالاستدراج- كلَ ما في حكوماتهم الهائلة المستبدة من أعمال حسنة وترقيات حصلت بقوة الجيش الشجاع والأمة النشطة، هو الذي يسبب التوهم من أن أشخاصهم لها اقتدارُ ألف شخص. علما إن القاعدة والحقيقة تقتضيان أن ما ينشأ من عمل الجماعة من المحاسن والأعمال الإيجابية والشرف والغنيمة يُقسم على أفراد الجماعة ويعود إلى أفرادها، في حين تُسند السيئات والسلبيات والخسائر والتخريبات إلى سوء إدارة رئيس الجماعة وتقصيراته.
فمثلا: إذا اقتحم فوجٌ من الجيش قلعة وفتحوها، فإن شرف الانتصار والغنائم التي يحصلون عليها تعود إلى قوة سلاحهم. أما إذا وجدت السلبيات والخسائر فإنها تعود إلى آمرهم. وهكذا -خلافا لهذا الدستور الأساسي المبني على الحق والحقيقة- ينال أولئك الرؤساء المرعبون بالاستدراج والخداع محبةَ عموم أهل الغفلة، رغم أنهم يستحقون أن يقابَلوا بكراهية الناس كلهم، وذلك لإسنادهم الحسنات والإيجابيات والتقدم إلى أنفسهم وإسناد السلبيات والسيئات والأخطاء إلى أمتهم المسكينة.
الجهة الثانية والسبب الثاني: إن كلا الدجالَين يُجريان حكمَهما باستبداد مطلق وإرهاب شديد وظلم شنيع وقسوة متناهية. لذا يبدو اقتدارا عظيما. نعم، إن إستبدادهم عجيب حتى إنهم يتدخلون -بستار القانون- إلى وجدان كل شخص وإلى مقدساته بل حتى إلى نوع ملابسه.
وأخال أن دعاة التحرر من المسلمين والأتراك -في العصر الأخير- قد أحسوا بهذا
— 118 —
الاستبداد -بالحس قبل الوقوع- فصوبوا له سهامهم وهاجموه بشدة، إلّا أنهم انخدعوا انخداعا كليا، وأخطأوا الهدف، إذ هاجموا في غير موقع الجبهة!
أما ظلمُهم وقسوتهم فهما من الشناعة بحيث تدمر، بجريرة شخص واحد، مائة قرية. ويعاقب الأبرياء، ويهجّرون من أماكنهم ويُذلون.
الجهة الثالثة والسبب الثالث: إن كلا الدجالين يحصلان على معاونة المنظمات السرية اليهودية الحاقدة على الإسلام والنصارى حقدا شديدا، ومؤازرة منظمة رهيبة أخرى تعمل تحت ستار حرية النساء؛ حتى إن دجال المسلمين يتمكن من خداع لجان الماسونيين، فيكسب ودّهم وتأييدهم.. لذا يُتوهم أن لهم اقتدارا عظيما.
هذا ويفهم من استخراجات بعض الأولياء الصالحين: أن "الدجال السفياني" الذي سيرأس دولة الإسلام.. يجد له رئيس وزراء في غاية الاقتدار والدهاء والفعالية مع بُعدٍ عن حب الظهور، وعدم مبالاة بالشهرة والصيت.. ويجد له أيضا قائدا عاما للجيش في منتهى الشجاعة والقدرة والصلابة مع نشاط دائم وعدم اكتراث بالشهرة.. فيسخّرهما "الدجال السفياني" لغايات شخصه، ويسند إلى نفسه ما يقومان به من أعمال عظيمة ينجزانها بدهائهما، مستغلا بُعدهما عن الرياء.
وهكذا، بهذه الوسيلة يُسند إلى نفسه ما تقوم به الحكومة والجيش العظيم من تجدد وانقلاب ورقي حصلوا عليه بدافع من الحاجة الناجمة من الحرب العالمية. ويدفع المدّاحين ليشيعوا في الأوساط أن في شخصه قوةً عجيبة خارقة واقتدارا فوق المعتاد.
الجهة الرابعة والسبب الرابع: يملك الدجال الكبير حواسَّ لها من التأثير والتسخير ما يشبه التنويم المغناطيسي والتأثير على الأرواح. ودجال المسلمين كذلك له في إحدى عينيه قوة تسخير مغناطيسية، حتى ورد: "أنه أعور" ملفتا الأنظار إلى عينه. ففي الحديث إشارة إلى أن الدجال الكبير أعور. والآخر إحدى عينيه ممسوحة، أي بحكم العوراء بالنسبة للأخرى، وبأنهما كافران كفرا مطلقا،
— 119 —
فليست لهما إلّا عينٌ واحدة فقط تنحصر رؤيتها في الحياة الدنيا. أما الأخرى التي لها القدرة على رؤية العقبى والآخرة فعوراء ممسوحة.
ولقد رأيت في عالم معنويٍ دجالَ المسلمين، وشاهدت بعيني ما في إحدى عينَيه من قوةِ تسخيرٍ مغناطيسية، وعرفتُه منكِرا كليا للّٰه. هذا الإنكارُ هو الذي يدفعه إلى الهجوم بجرأة على المقدسات، ولكن عامة الناس يجهلون الحقيقة فيظنون أنه يقوم بأعماله بجرأة فائقة وقدرة عظيمة.
إن أمة بطلة مجيدة -وهي تتجرع هزائمها- بدافع الإعجاب بالبطولة، تشيد ببطولة هذا القائد المكَّار المستدرج، الذي نال شهرة وحظا وانتصارات، وتصرِف نظرَها عن ماهيته الحقيقية، وتحاول ستر سيئاته.. فيا هلاكها!
ولكن كما نفهم من الروايات بأن نور الإيمان وضياءَ القرآن الموجود في روح الجيش البطل المجاهد والأمة المتمسكة بدينها يدفعهما إلى مشاهدة حقيقة الحال فيحاولون تعمير ما دمّره ذلك القائد من دمار مريع.
المسألة الثالثة الصغيرة وهي حوادث ثلاث ذات عبر:
الحادثة الأولى: انطلق عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه مع رسول اللّٰه (ص) يوما فأشار (ص) إلى أحدهم بين صبيان اليهود، وقال: هذا صورتُه. فقال عمر رضي اللّٰه عنه: ذرني يا رسول اللّٰه أضرب عنقه. فقال (ص): "إنْ يكُنه فلن تسلَّط عليه -أي إن يكن هذا السفياني- وإن لم يكُن فلا خير لك في قتله". انظر: مسلم، الفتن ٩٥؛ الترمذي، الفتن ٦٣؛ أبو داود، الملاحم ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٠، ٣٢، ٣/٦٥. فهذه الرواية تشير إلى أن صورته ستظهر في كثير من الأشياء زمن حُكمه وإلى أنه سيولد بين اليهود.
ومن الغريب أن سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه الذي حمل عداوة وغضبا شديدا على صورته المشاهَدة في صبي حتى أراد قتله، أصبح لدى ذلك "السفياني" أكثر مَن يُثني عليه، ويعجب به ويقدره..
— 120 —
الحادثة الثانية: نقل الكثيرون: أن دجال المسلمين كان متلهفا إلى معرفة معنى السورة الكريمة: "والتين والزيتون" ويستفسر عنه.
ومن الغريب أن سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك (العلق:١) هي عقب هذه السورة: وفيها الآية الكريمة: ان الانسان ليطغى (العلق:٦) التي تشير إلى زمانه وشخصه بالذات -بمعناها وبحساب علم الجفر- فضلا عن دلالتها على طغيانه على المصلين والمساجد. أي إن ذلك الشخص المستدرَج يشعر أن سورةً قصيرة ذاتُ علاقة به، ولكنه يخطئ فيطرق بابَ جارتِها.
الحادثة الثالثة: في رواية أن دجال المسلمين سيظهر في خراسان. انظر: الترمذي، الفتن ٥٧؛ ابن ماجه، الفتن ٣٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤، ٧.
إن تأويلا لهذا -ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه- هو أنَّ الشعب التركي الذي هو أشجع قوم في الشرق وأقواهم وأزيدهم عددا وأكثرهم إقداما في جند الإسلام كان يقطن أطراف خراسان زمنَ تلك الرواية، ولمّا سكنوا بعدُ في الأناضول. فالرواية تشير -بذكرها موطن سكناهم في ذلك الوقت- إلى ظهور "الدجال السفياني" فيهم.
وإنه لغريب بل غريب جدّا أن الشعب التركي الذي كان رمزا لشرف الإسلام وعزته، وسيفا ألماسيا ممتازا بيد الإسلام والقرآن طوال سبعمائة سنة، يسعى "الدجال السفياني" أن يستعمل -مؤقتا- هذا الشعبَ والقومية التركية ضد قسم من شعائر الإسلام. ولكن هيهات، فلا يفلح في عمل، بل يتقهقر حتما، كما يُفهم من الروايات: "أن الجيش البطل سينقذ زمامه من يده".
واللّٰه أعلم بالصواب.
ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه.
— 121 —

الشعاع السادس

"عبارة عن نكتتين فقط"
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
سيُبيَّن باختصار في هذا "الشعاع السادس" نكتتان فقط من بين مئات النكات التي يتضمنها التشهد في الصلاة "التحيات المباركات، الصلوات، الطيبات للّٰه..". وهما جوابان مختصران عن سؤالين يتعلقان بنقطتين في التشهد. أما سائر حقائقه فنعلّقه إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.
السؤال الأول ما حكمةُ قراءة كلمات التشهد المباركة في الصلاة، مع أنها محاورة جرت بين الرب الجليل ورسوله الكريم (ص) في ليلة المعراج؟
الجواب: أن صلاةَ كلِّ مؤمن معراجُه، انظر: السيوطي، شرح سنن ابن ماجه ص٣١٣؛ المناوي، فيض القدير ١/٤٩٧؛ الآلوسي، روح المعاني ١٨/٧٣. فالكلمات اللائقة لذلك المثول بين يدي اللّٰه سبحانه هي تلك الكلمات التي وردت في المعراج العظيم لسيدنا محمد (ص).
— 122 —
ويتذكر الإنسان تلك المحاورةَ السامية والصحبةَ المقدسة بذكر تلك الكلمات، وبذلك التذكّر تصعد معاني تلك الكلمات الطيبة إلى مراقي الكليات متحررةً من الجزئيات، وتُتصوّر -أو يمكن أن تُتصور- تلك المعاني الكلية المحيطة السامية. وبذلك التصوّر تتعالى قيمتُها ويتسامى نورُها ويتسع.
فمثلا: لقد قال الرسول الكريم (ص) في تلك الليلة المباركة أمام الحضور الإلهي بدلا عن السلام: "التحيات للّٰه". انظر: البخاري، الأذان ١٤٨، العمل في الصلاة ٤، الاستئذان ٣، ٢٨؛ مسلم، الصلاة ٥٥، ٦٠، ٦٢. أي إن ما يُظهره جميعُ ذوي الحياة من تسبيحات حياتية، بحياتها.. وما يقدّمونه من هدايا فطرية إلى صانعهم الجليل.. يخصّك وحدَك يا ربي. وأنا بدوري أقدم جميعَها بتصوري لها وإيماني بها.
نعم، كما نوى الرسول الكريم (ص) جميعَ العبادات الفطرية لذوي الحياة وقدّمها إلى ديوان الرب الجليل بكلمة: "التحيات"، كذلك يقول (ص) بكلمة "المباركات" التي هي خلاصةُ التحيات يقولها بمعنى واسع يضم عباداتٍ وتبركات فطرية وبركاتِ جميع المخلوقات، التي هي مدار البركة والتبريك من قبل الناظرين إليها، والتي هي خلاصة الحياة وذوي الحياة. ولاسيما البذور والنوى والحبوب والبيوض.
وإنه (ص) بكلمة "الصلوات" التي هي خلاصة "المباركات" يتصور العبادات المخصوصة لذوي الأرواح الذين هم خلاصة ذوي الحياة، ويعرضها إلى ديوان الحضرة الإلهية بمعناها الواسع المحيط.
وإنه (ص) بكلمة "والطيبات" التي هي خلاصة "الصلوات" يقصد العبادات الرفيعة النورانية للناس الكاملين،والملائكة المقربين،وهم خلاصة ذوي الأرواح. فيقدمها خاصة إلى معبوده سبحانه.
ثم إن ما قاله الرب الجليل في تلك الليلة من: "السلام عليك أيها النبيُّ" يُشعر إشعارا يتسم بالأمر أن يقول كلُ إنسان من مئات الملايين من البشر في المستقبل: السلام عليك يا أيها النبي... يقوله كل يوم عشر مرات في الأقل. فيمنح ذلك السلامُ الإلهي تلك الكلمة نورا محيطا ومعنًى ساميًا.
— 123 —
كما أن قول الرسول الأكرم (ص): "السلام علينا وعلى عباد اللّٰه الصالحين" ردا للسلام الإلهي يفيد ويذكّر أنه سأل خالقَه الكريم راجيا وداعيا أن تنال في المستقبل أمتُه المعظمة وصالحو أمته الإسلامَ الذي يمثل السلامَ الإلهي، وأن تتبادل الأمة كلهم فيما بينهم: السلام عليكم وعليكم السلام؛ ذلك الشعار الإسلامي العام.
وإن قول جبرائيل عليه السلام الذي له حظّ من تلك الصحبة السامية في تلك الليلة بأمر إلهي: "أشهد أنْ لا إله إلّا اللّٰه وأشهد أنَّ محمدا رسول اللّٰه" يبشر بأن الأمة جميعَهم سيشهدون هذه الشهادة وسينطقون بها إلى يوم القيامة. وهكذا تسطع معاني الكلمات وتتوسع بتذكّر هذه المحاورة المقدسة السامية.
إن حالة روحية غريبة قد أعانتني على انكشاف هذه الحقيقة، وهي الآتية: لقد تراءى لخيالي حاضرُ هذا الكون العظيم فيما مضى من خلال غربة مظلمة قاتمة، وفي أثناء ليلة حالكة، ومن ثنايا غفلة دامسة، تراءى في صورة جنازة مخيفة، جامدا لا روح فيه ولا حياة، خاليا قفرا. وخُيّل الزمانُ الماضي الراحل مخيفا لا روح فيه ولا حياة وخاليا قفرا أيضا، واتخذ ذلك المكان الواسع غير المحدود، وذلك الزمان غير المحدود شكلا موحشا مخيفا. فالتجأتُ من روعي إلى الصلاة لأنجو من تلك الحالة الرهيبة وحينما قلت: "التحيات" في الصلاة، إذا بالكون كله يُبعث وتدبّ فيه الحياةُ ويتنور. وغدا مرآةً ساطعة لتجليات الحي القيوم. وعلمت بعلم اليقين بل بحق اليقين وشاهدتُ أن الكون مع جميع أجزائه الحيوية يقدِّم دائما إلى الحي القيوم تحياتٍ وهدايا حياته.
وحينما قلت: "السلام عليك يا أيها النبي"، انقلب ذلك الزمان المقفر الموحش غيرُ المحدود فجأةً إلى متنیزَّه مليء بذوي الأرواح، لطيف مؤنس برئاسة الرسول الأكرم (ص).
السؤال الثاني إن التشبيه الموجود في ختام التشهد وهو "اللّٰهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم..." انظر: البخاري، الأنبياء ١٠، تفسير سورة الأحزاب ١٠؛ الدعوات ٣٢، ٣٣؛ مسلم، الصلاة ٦٥-٦٩. هذا التشبيه لا يوافق قواعد التشبيه، لأن محمدا (ص) هو أعظمُ من إبراهيم عليه السلام وأكثرُ حظوة منه للرحمة الإلهية. فما سر هذا التشبيه؟
— 124 —
وما حكمة تخصيص هذا النوع من الصلوات في التشهد؟
وما سر الحكمة في تكرار الدعاء نفسه في الصلوات منذ القدم، وفي كل وقت، ومن قبل ملايين المقبولي الدعاء، وسؤالهم بإلحاح مع أنه يكفي لدعاءٍ أن يُستجاب مرةً واحدة؛ ولاسيما أنه قد اقترن بوعد إلهي، حيث قد وعد سبحانه في قوله تعالى:
عسى ان يبعثك ربك مقامًا محمودًا
(الإسراء:٧٩)
وروي في الأذان والإقامة قوله (ص): "وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته" انظر: البخاري، الأذان ٨؛ الترمذي، الصلاة ٤٣؛ أبو داود، الصلاة ٣٩. فالأمة جميعا يدعون لإنجاز ذلك الوعد. فما سر هذا؟
الجواب: يتضمن هذا السؤال ثلاثة أسئلة وثلاث جهات:
الجهة الأولى: على الرغم من أن سيدنا إبراهيم لا يبلغ سيدنا محمدا (ص)، إلّا أن آل إبراهيم هم أنبياء، بينما آلُ محمد (ص) هم أولياء. والأولياء لا يبلغون الأنبياءَ.
والدليل على قبول هذا الدعاء الذي يخص الآل قبولا واضحا هو: كون الأولياء الذين جاؤوا من نسل اثنين من آل محمد وهما الحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما، هم بأكثريتهم المطلقة أئمةُ مسالكِ الحقيقة والطريقة ومرشدوها من بين ثلاثمائة وخمسين مليونا من المسلمين ونالوا مرتبةً كمرتبة أنبياء بني إسرائيل كما ورد: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل". انظر: المناوي، فيض القدير ٤/٣٨٤؛ علي القاري، المصنوع ص ١٢٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٨٣. فكلٌّ منهم أرشد القسم الأعظم من الأمة إلى طريق الحقيقة وسبيل حقائق الإسلام. فهؤلاء ثمرات استجابة الدعاء الذي يخص الآل، منهم -في المقدمة- جعفر الصادق(٭) والشيخ الكيلاني والشاه النقشبند رضي اللّٰه عنهم.
الجهة الثانية: أما حكمةُ تخصيص هذا النوع من الصلوات بالصلاة فهي تذكُّرُ المرء التحاقَه ورفاقته بذلك الركب الميمون والقافلة العظمى للأنبياء والأولياء الذين هم أنور أفاضل البشر وأكملُهم وأكثرهم استقامةً، وسلوكه الطريق الذي فتحوه ونهجوا ذلك الصراط المستقيم، وهم المؤيَّدون بقوة مئات الإجماع ومئات التواتر، تلك الجماعة المباركة الذين لا يزيغون أبدا. وبتذكّره هذا ينجو من شبهات الشيطان والأوهام الرديئة.
— 125 —
أما الدليل على أن هذه القافلة الميمونة هم أولياءُ رب العالمين المرضيين عنده، وأن معارضيهم هم أعداؤه المبغوضون من مخلوقاته هو: الإمداد الغيبي لذلك الركب الكريم دوما منذ زمن آدم عليه السلام، ونیزولُ المصائب والويلات السماوية بمخالفيهم.
نعم، إن جميع المعارضين من أمثال قوم نوح وثمود وعاد وفرعون ونمرود قد تلقَوا صفعات غيبية تُشعر بالغضب الإلهي وعذابییه؛ بينما نال الركبُ العظيم من أمثال نوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام ومحمد (ص) وأمثالهم من الأنبياء الكرام والأئمة السامين، المعجزاتِ العظيمة والآلاءَ الربانية بصورة خارقة.
ولما كانت صفعةٌ واحدة تدل على الغضب، والإكرامُ الواحد يدل على المحبة. فقد نزلت أُلوف الصفعات على المعارضين وأُلوف الإكرامات والإمدادات على أولئك الأبرار الميامين. مما يشهد بداهة وبوضوح النهار على أحقيةِ وصواب تلك القافلة المباركة وأنهم على هدى وعلى صراط مستقيم.
وأن ما جاء في ختام سورة الفاتحة
صراط الذين انعمت عليهم
متوجه إلى أولئك الأبرار الذين أنعم اللّٰه عليهم. بينما "المغضوب عليهم والضالون" تبين معارضيهم. وهذه النكتة التي بيناها ظاهرة بجلاء أكثر في ختام سورة الفاتحة.
الجهة الثالثة: إن سر الحكمة الكامن في السؤال الملحّ المكرَّر لشيء يُمنَح قطعا هو: أن الشيء المراد، كالمقام المحمود إنما هو طرفٌ وغصنٌ من حقيقة عظمى تضم ألوف الحقائق الجليلة كحقيقة المقام المحمود. وهو ثمرةٌ لأعظم نتيجة لخلق الكون.
أما طلبُ تلك الثمرة وذلك الغصن والطرف، فهو طلبُ تحقيق تلك الحقيقة العامة الشاملة العظمى وحصولها، وطلبُ مجيء العالم الباقي الذي هو أعظمُ غصن من شجرة الخلق، وطلب تحققه، وطلب تحقق القيامة والحشر الذي هو أعظم نتيجة للكون وطلب انفتاح دار السعادة.
فيتذكر المرء أنه أيضا -بهذا الطلب والسؤال- يشترك في العبودية البشرية والأدعية الإنسانية التي هي أهم سبب لوجود دار السعادة والجنة الخالدة. ومن هنا نجد أن هذه الأدعية غير المحدودة قليلة أيضا بالنسبة لهذا المقصد العظيم غير المحدود.
— 126 —
وكذا فإن إعطاء "المقام المحمود" لسيدنا الرسول (ص) إشارة إلى شفاعته الكبرى لأمته عامة فهو إذن ذو علاقة مع سعادة جميع أمته.
ولهذا فإن طلبه الصلوات غير المحدودة وأدعية الرحمة غير المحدودة من أمته هو عين الحكمة.
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 127 —

الشعاع السابع

الآية الكبرى
تنبيه مهم وإيضاح على الرغم من أهمية هذه الرسالة وعظيم شأنها، لا يفهم كلُّ شخص، كلَّ مسألة من مسائلها. ولكن لا يبقى دون حظٍ منها. فالذي يدخل بستانا عظيما ولا تصل يدُه إلى جميع ثماره، فحسبُه ما نالَه منها؛ إذ البستان لم يخصّص له وحده، بل لذوي الأيدي الطويلة حصتُهم وحظُّهم كذلك.
وهناك خمسة أسباب تعيق فهم هذه الرسالة:
أولها: أنني كتبت مشاهداتي كما تراءت لي وفق فهمي، كتبتُها لنفسي، فهي لم تكتب شأن الرسائل الأخرى بمستوى فهم الآخرين ومدى تلقيهم.
ثانيها: أن التوحيد الحقيقي قد كُتب في صورته العظمى، بفيض تجلي "الاسم الأعظم"، فأصبحت مسائلُه واسعةً جدا، وعميقةً جدا، وطويلة جدا؛ لذا لا يتمكن كل شخص أن يحيط بها مباشرة ولأول وهلة.
ثالثها: أن كل مسألة من مسائلها بحدّ ذاتها حقيقةٌ كبرى طويلة -وحفاظا على وحدة الحقيقة وعدم تجزئتها- قد تصبح الصحيفةُ الواحدة جملةً مطولة واحدة، فهناك مقدمات كثيرة تورَد بمثابة دليل واحد فقط.
— 128 —
رابعها: أن كل مسألة -من أغلب المسائل التي تعالجها هذه الرسالة- لها أدلتها الكثيرة، وحُججها الوفيرة، فعند القيام بضم عشرة أدلة أو عشرين أحيانا لسَوقها برهانا واحدا تكون المسألة طويلة، لا تسعها المداركُ القصيرة.
خامسها: لقد تعرّضتُ لأنوار هذه الرسالة بفيوضاتِ شهر رمضان المبارك ونفحاته، إلّا أنها كُتبت على عجل، واكتفيت بالمسودة الأولى؛ لِمَا كنت أعانيه من الأسقام ومتاعبِ المضايقات من مختلف الجهات، وكنت أشعر عند كتابتها أنها تَرِد إلى القلب دون اختيار مني ولا إرادة، فلم أرَ من اللائق أن أمسها بشيء من التنظيم أو التشذيب حسب تفكيري؛ لذا أَخَذَتْ الرسالةُ هذا الشكل الذي يستشكل على الفهم. فضلا عما أُدرج فيها من فقرات عربية كثيرة. بل إن المقام الأول اُخرج منها وكتب مستقلًا لكونه باللغة العربية كاملًا. [٭]: وضعنا الفقرات الواردة باللغة العربية في النص محصورة بين قوسين مركنين.
ولكن رغم هذه الأسباب الخمسة التي هي مدارُ القصور والإشكال فالرسالة ذات أهمية عظيمة.
فهذه الرسالة التي هي حقيقةٌ من حقائق "الآية الكبرى" وتفسير لها، هي الشعاع السابع والحجة الإيمانية الأولى من "مجموعة عصا موسى".
يتكون هذا الشعاع من مقامين، مع مقدمة توضح أربع مسائل مهمة:
المقام الأول: يبين باللغة العربية تفسير الآية الكبرى.
والمقام الثاني: يبين براهين المقام الأول ويوضحها ويثبتها.
إن طول المقدمة الآتية، وتوضيحَها المسهب، كان بدون اختيار مني، فهناك إذن حاجة أن أُملي عليّ هكذا، وقد يرى البعض طولَها قصرا.
سعيد النورسي
— 129 —
المقدمة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إلّا لِيَعْبُدون
(الذاريات:٥٦)
يُفهم من أسرار هذه الآية الجليلة: أن حكمة مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا والغايةَ منه، هي معرفةُ خالق الكون سبحانه، والإيمانُ به، والقيامُ بعبادته. كما أن وظيفة فطرته، وفريضة ذمَّته، هي معرفةُ اللّٰه، والإيمانُ به، والتصديق بوجوده وبوحدانيته إذعانا ويقينا.
نعم، إن الإنسان الضعيف الذي يَنشد -فطرةً- الحياةَ الدائمة الخالدة والعيشَ الأبدي الرغيد، والذي له آمال بلا حدود وآلام بلا نهاية، لابد أن تكون جميعُ الأشياء والكمالات هابطةً تافهة بالنسبة إليه، بل ليس لأكثرها أيةُ قيمة تُذكر، ما عدا الإيمان باللّٰه ومعرفته، وما عدا الوسائل التي تأخذ بيده إلى ذلك الإيمان الذي هو أس الأساس لتلك الحياة الأبدية ومفتاحُها.
ولما كانت رسائل النور قد أَثبتت هذه الحقيقةَ بوضوح تام وببراهين قاطعة، نحيل إليها، مبينين هنا ورطتين تزعزعان ذلك اليقينَ الإيماني في هذا العصر، وتؤديان إلى الحيرة والتردد، وذلك ضمن "مسائل أربع":
الورطة الأولى وسبيل النجاة منها مسألتان:
المسألة الأولى: مثلما أُثبت في "اللمعة الثالثة عشرة" من "المكتوب الحادي والثلاثين" بالتفصيل أنه: "لا قيمة للنفي في المسائل العامة أمام الإثبات، فحكمُه ضعيف وهزيل".
مثال ذلك: إذا أثبت شاهدان من عامة الناس رؤيةَ الهلال في أول شهر رمضان، ونَفَى
— 130 —
الرؤيةَ آلافٌ من الوجهاء والعلماء قائلين: "إننا لم نرَ الهلال". فإن نفيهم هذا يبقى غيرَ ذي قيمة أو أهمية؛ ذلك لأن في "الإثبات" يؤازر الواحدُ الآخرَ ويقويه، ففيه تساند واجتماع. بينما "النفي" لا فرق فيه أن يكون صادرا من شخص واحد أو من ألف شخص؛ إذ النافي منفردٌ باعتبار أنه وحده الذي ينفي. ذلك لأن المُثبِت ينظر إلى الأمر نفسه ثم يُصدِر حكمَه، كما هو الحال في مثالنا، إذا قال أحدهم: هو ذا الهلال في السماء؛ فإن الآخر يصدّقه ويؤيده مشيرا إلى المكان نفسه، فيشتركان في النظر إلى المكان نفسه، فيتساندان، ويَقوَى حكمُهما ويرسخ. أما في النفي والإنكار فالنافي لا ينظر إلى الأمر نفسه ولا يسعه ذلك، لذا أصبحت القاعدةُ: "لا يمكن إثبات النفي غيرِ الخاص وغيرِ المحددِ مكانُه" قاعدةً مشهورة.
مثال ذلك: إذا أثبتُّ لك وجود شيء معين في الدنيا، وأنكرتَ أنت وجوده في الدنيا. فينبغي لك أن تقوم بالبحث والتحري عنه في أرجاء الدنيا كافة لتُثبت عدمَ وجود ذلك الشيء الذي أتمكن بنفسي من أن أُثبته بمنتهى السهولة وبإيماءة بسيطة مني إليه، بل عليك أن تغوص أيضا في أعماق الأزمنة الغابرة، حتى تستطيع أن تقول: "لا يوجد فعلا... لم تحدث حادثة كهذه!".
ولما كان النافون والمنكِرون لا ينظرون إلى الأمر بذاته، وإنما يُصدرون أحكامهم حسب أنفسهم، ووفق عقولهم ونظراتهم؛ لذا لا يمكن أن يساند أحدُهم الآخرَ وأن يكون ظهيرا له؛ ذلك لأن حُجُب الرؤية مختلفة لديهم، والأسبابَ المانعة للمعرفة متنوعة عندهم. إذ يستطيع كل شخص أن يقول: "إنني لا أرى الشيء الفلاني".. "وعندي أنه غير موجود".. "وباعتقادي أنه لا يوجد".. ولكنه لا يمكنه أن يقول: "إنه فعلا لا يوجد". وإذا قال بهذا النفي -وبخاصة في المسائل الإيمانية التي تشمل الكون كله- فإن كلامه يكون إفكا عظيما وكذبا كبيرا بكبر الدنيا، ولن يكون صدقا قط ولا يمكن أن يُستصوب أو يقوّم أبدا.
نخلص مما تقدم: أنَّ النتيجة في الإثبات واحدة، وأن فيه تساندا، أما في النفي فالنتيجةُ ليست واحدة بل متعددة، إذ القيود: "عندي".. "في نظري".. "وباعتقادي".. وأمثالها من الأسباب التي تحجب الرؤيةَ الصحيحة تتعدد وتختلف باختلاف الأشخاص؛ لذا تأتي النتائج متعددة أيضا، ومتفرقة، فلا يحصل التساند مطلقا.
— 131 —
وهكذا، انطلاقا من هذه الحقيقة: لا قيمة أو أهمية للكثرة الظاهرة للكفار والمنكرين الذين يصدّون عن الإيمان.. ولكن، في الوقت الذي لا ينبغي أن يتأثر يقينُ المؤمن ولا يُشاب إيمانُه بأي نوع من أنواع الشك والتردد، نرى أن ما يثيره فلاسفة أوروبا من شبهات وجحود في هذا العصر قد جلب الحيرة إلى بعض المنكوبين المفتونين بهم، فأزال يقينَهم وأباد سعادتهم الأبدية وأوقعهم في شقاء وتعاسة؛ ذلك لأن إنكارهم هذا حوّل معنى "الموت" الذي يصيب يوميا ثلاثين ألفا من الناس من معناه الحقيقي الذي هو إنهاء وظيفة الإنسان على الأرض، إلى صورة الإعدام الأبدي والفناء النهائي والنهاية المرعبة المخيفة. وأصبح القبر -الذي لا ينغلق بابُه- يسمِّم لذائذَ حياةِ ذلك المنكِر وينغّص عليه عيشَه بآلام مبرحة ملوّحا له بالعدم الرهيب دائما وبإعدامه الأبدي. فافهم من هذا:
ما أعظمَ الإيمان وما أعظم نعمته! وافهم كيف أنه "حياة" للحياة!
المسألة الثانية: لا يؤخَذ بكلامِ مَین هیم خارج إطییار علم أو صنعة في مسییألة من مسییائلهما، دارت حولها المناقشة، حتى لو كانوا عظماء وعلماء وصنّاعا مهَرة في اختصاصاتهم. ولا يؤخذ حُكمهم حجةً في تلك المسألة، ولا يدخلون ضمن إجماع علماء ذلك الضرب من العلم.
فمثلا: لا يسري حكمُ مهندس عظيم كواحد من الأطباء في تشخيص مرض ما أو علاجه. لذا لا تؤخذ الأقوال المنكِرة الصادرة من أعظم فيلسوف بنظر الاعتبار فيما يخص المعنويات، ولا يُقام لها وزن، وبخاصة مَن توغل منهم كثيرا في الماديات فطمس على بصيرته وتعامى عن النور، فتبلّد ذهنُه عن المعنويات وانحدر عقلُه إلى عينيه وتردى حتى أصبح لا يرى غيرَ المادة ولا يعقل شيئا دونها.
فيا تُرى، ما قيمة أقوال فلاسفة ذهلوا أمام تفرعات أصغر الأجزاء، وتاهوا أمام أكثرها تشتتا وغرقوا فيها، وكم يساوي كلامُهم وأقوالهم في مسائل التوحيد والإيمان والمعنويات السامية التي اتفقت عليها مئات الآلاف من أهل العلم والحقيقة أمثال الشيخ الكيلاني قدس اللّٰه سره ذي الدهاء القدسي والبصيرة الخارقة الذي كان يعاين العرش الأعظم وهو بَعدُ على الأرض، والذي سعى مرتقيا مراتب المعنويات زهاء تسعين سنة، حتى كشف الحقائق الإيمانية
— 132 —
بعلم اليقين وعين اليقين بل حتى بحق اليقين؟ ألا يكون إنكارهم واعتراضُهم خافتا واهيا أشبه بطنين البعوضة أمام هدير السماء ودويّ رعودها؟!
إن ماهية الكفر الذي يُظهر العداء للحقائق الإسلامية ويبارزها إنما هي إنكار وجهل ونفي. وحتى لو بدت -ظاهريا- إثباتا ووجوديا، إلّا أن معناها عدمٌ ونفيٌ؛ أما الإيمان: فهو علمٌ ووجودي وإثبات وحُكم. وحتى مسائله السلبية فهي ستار لحقيقة إيجابية وعنوان لها.
ولو أن أهلَ الكفر الذين يصدّون عن الإيمان سعوا ليثبتوا -بمشكلات عويصة- اعتقاداتِهم المنكرة السلبية ويجعلوها مقبولةً بصورة "قبول العدم" و"تصديق العدم"، فإن ذلك الكفر يمكن أن يعدّ -من جهة- علما خطأً وحكما غير صائب. وإلّا فإن ما هو سهلٌ ارتكابه من مجرد "عدم القبول" و"الإنكار" و"عدمِ التصديق" ليس إلّا جهلا مطلقا، و"عدمَ حكم".
والخلاصة: الاعتقاد بالكفر قسمان:
أولهما: ما ليس له علاقة بالحقائق الإسلامية. فهو تصديقٌ خطأ، واعتقاد باطل، وقبولٌ خطأ، وحكم ظالم خاصٌ به. فهذا القسم من الكفر خارج إطار بحثنا، لا شأن لنا به ولا شأن له بنا.
ثانيهما: ما يبارز الحقائق الإيمانية ويعارضها، وهذا أيضا قسمان:
الأول: هو رفضٌ، وعدمُ قبولٍ، وهو مجرد عدم تصديق الإثبات، وليس هذا الكفر إلّا جهلا، وإلّا عَدَمَ حُكمٍ، وهو سهلٌ ارتكابُه، وهو خارج نطاق بحثنا أيضا.
الثاني: هو قبول للعدم، وتصديق قلبيٌّ للعدم، فهذا القسم من الكفر هو حكم، وهو اعتقاد يفضي بصاحبه إلى الالتزام. فيضطر إلى إثبات نفيه وإنكاره.
والنفي بدوره قسمان:
أولهما: أن يقول النافي: إنه لا يوجد في موقع خاص وفي جهة معينة الشيءُ الفلاني. وهذا القسم من النفي المعيَّن يمكن إثباته، وهو أيضا خارج بحثنا.
القسم الثاني: هو نفي وإنكار المسائل الإيمانية والقدسية والعامة والمحيطة التي تتوجّه إلى الدنيا، وتشمل الكون، وتتطلع إلى الآخرة، وتضم العصور. وهذا النفي
— 133 —
-كما أثبتنا في المسألة الأولى- لا يمكن إثباته مطلقا، لأنه يلزم أن يكون هناك نظرٌ محيط بالكون، ورؤية شاملة للآخرة ومشاهدة نافذة في الزمان غير المحدود بجميع جهاته، ليثبت مثل هذا النفي.
الورطة الثانية وسبيل النجاة منها: وهي مسألتان أيضا:
الأولى: أن العقول التي ضاقت أمام "العظمة" و"الكبرياء" و"المطلق غير المتناهي" وقصُرت عن إدراكها نتيجةَ الغفلة أو المعصية أو الانغماس في الماديات والانسياق وراءها قد أخذت -هذه العقول- تزلّ إلى الإنكار وتنفي -بغرورٍ علميّ- المسائلَ الهائلة العظمى لعجزها عن الإحاطة بها.
نعم، إن الذين عجزوا عن استيعاب المسائل الإيمانية المحيطة الواسعة جدّا والعميقة جدا، في عقولهم الصلدة الضيقة معنًى، وعن أن يقروها في قلوبهم الفاسدة الميتة -تجاه المعنويات- يقذفون بأنفسهم إلى أحضان الكفر والضلال، فيغرقون. ولكن إذا ما تمكن هؤلاء من إنعام النظر في كُنه كفرهم وفي ماهية ضلالهم، لرأوا أن ما يوجد في الإيمان من العظمة المعقولة واللائقة واللازمة، يقابله المحال تلو المحال وغير الممكن والممتنع طي ذلك الكفر وضمنه.
وقد أثبتت رسائل النور هذه الحقيقة بمئات الموازين والموازنات، وبقطعية تامة كقطعية حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا. فمثلا: إن الذي يعجز أن يقبل الإيمان بوجوب وجوده سبحانه وتعالى وبأزليته وبصفاته المحيطة، لعظمته سبحانه ولعظمة صفاته الجليلة، سيحيل وجوبَ الوجود، وأزليتَه سبحانه، وصفاتِ الألوهية إلى جميع الموجودات غير المحدودة، بل إلى الذرات غير المتناهية، ليتمكن من الاعتقاد بكفره. أو عليه أن يتخلى عن العقل كالسوفسطائيين الحمقى بإنكاره وجودَ نفسه، ونفيه وجود الكون.
وهكذا تستقر الحقائقُ الإيمانية والإسلامية كلُها باستنادها إلى "العظمة" -التي هي من شأن تلك الحقائق ومن مقتضاها- وتثبت في القلوب الصافية والعقول السليمة، بكمال الإذعان والتسليم المطمئن، منقذةً أصحابَها مما يجابهها من الكفر ومحالاته المدهشة وخرافاته الموحشة وجهالاته المظلمة.
— 134 —
نعم، إن العظمة والكبرياء ستاران ضروريان لابد منهما؛ ويتبين ذلك من إعلان تلك العظمة والكبرياء في كل وقت: في الأذان، في الصلاة، وفي أغلب الشعائر الإسلامية بترديدِ:
اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر.
ويتضح ذلك أيضا في الحديث القدسي: "العظمة إزاري والكبرياء ردائي". انظر: أبو داود، اللباس، ٢٥؛ ابن ماجه، الزهد ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٦.
ويظهر أيضا في العقدة السادسة والثمانين من المناجاة الأحمدية البليغة في "الجوشن الكبير":
يا مَنْ لَا مُلكَ اِلّا مُلكهُ يا مَنْ لَا يُحصِى العِبَادُ ثَناءَهُ
يا مَنْ لَا تَصِفُ الخَلائِقُ جَلالَهُ يا مَنْ لا ينال الأوهامُ كنهَه
يا مَنْ لا يدرك الأبصارُ كمالَه يا مَنْ لا يَبلییغ الأفهامُ صفاته
يا مَنْ لا ينال الأفكار كبرياءه يا مَنْ لا يحسن الإنسان نعوته
يا مَنْ لا يردُّ العبادُ قضاءَه يا مَنْ ظهر في كل شيء آياته
سُبحَانَكَ يَا لَا إلَهَ إلّا أَنتَ، اَلأَمانَ الأَمانَ نَجِّنَا مِنَ النَّارِ
— 135 —

الآية الكبرى

مشاهدات سائح يسأل الكون عن خالقه
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَبْعُ وَالاَرضُ وَمَنْ فيهِنَّ وإنْ مِنْ شَيءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلكِنْ لا تَفقَهونَ تَسبيحَهُمْ إنَّهُ كانَ حَليمًا غَفُورًا
(الإسراء:٤٤)
هذا المقام الثاني في الوقت الذي يفسِّرُ هذه "الآية الكبرى" يُبيِّنُ كذلك براهين المقام الأول الذي لم يدرج هنا والذي جاء باللغة العربية ويوضح حُججه.
إن آيات كثيرة في القرآن الكريم -أمثال هذه الآية العظمى- تذكر في مقدمة تعريفها لخالق هذا الكون "السماوات" التي هي أسطع صحيفة للتوحيد، بحيث ما يتأمل فيها متأملٌ إلّا وتغمره الحيرة ويغشاه الإعجاب، فيستمتع بمطالعتها بكل ذوق ولذة؛ فالأَولى إذن أن يُستهل بها.
نعم، إن كل من يأتي ضيفا إلى مملكة هذه الدنيا ويحل في دار ضيافتها، كلما فتح عينيه ونظر رأى مضيفا في غاية الكرم، ومعرضا في غاية الإبداع، ومعسكرَ تدريبٍ في غاية الهيبة، ومتنیزّها جميلا في غاية الروعة، ومشهَرا في غاية الإثارة للشوق والبهجة، وكتابا مفتوحا ذا معان في غاية البلاغة والحكمة.
وبينما يولَع الضيف السائح أن يعلم ويتعرف على صاحب هذه الضيافة الكريمة، وعلى مؤلّف هذا الكتاب الكبير، وعلى سلطان هذه المملكة المهيبة، إذا بوجه السماوات الجميل المتلألئ بالنجوم النيّرة يطل عليه مناديا: "انظر إليّ، فأنا أعرّفك بالذي تبحث عنه".
— 136 —
فينظر السائح ويرى
أن ربوبيةً ظاهرةً تتجلّى في رفعها مئاتِ الألوف من الأجرام السماوية بلا عمَد ولا سنَد، منها ما هو أكبر من أرضنا ألف مرة، وما هو أسرع انطلاقا من القذيفة بسبعين مرة.. وفي تسييرها وجَريها تلك الأجرامَ معا بسرعة فائقة بلا مزاحمة ولا مصادمة.. وفي إيقادها تلك القناديلَ المتدلية التي لا تعد، بلا زيت ولا انطفاء.. وفي إدارتها تلك الكتلَ الهائلة التي لا حدّ لها، بلا ضوضاء ولا صخب ولا اختلال..
ويرى تجليها كذلك: في تسخيرها تلك المخلوقاتِ العظيمةَ في مهامَّ معينة كاستسلام الشمس والقمر لأداء وظائفهما دون إحجام أو تلكؤ.. وفي تصريفها هذا العددَ الهائل الذي لا تحده الأرقام ضمن ذلك البعد الشاسع غيرِ المتناهي ما بين دائرة القطبين تصريفا يجري في الوقت نفسه، وبالقوة نفسها، وبالطراز نفسه، وبسكة الفطرة نفسها، وبالصورة نفسها، ومجتمعة، دون أن تصاب بیأدنى نقص أو خلل.
و هالَه ما يرى من تجلي الربوبية: في إخضاعها تلك السياراتِ الضخمةَ التي تملك قوى هائلة ومتجاوزة لحدودها، منقادةً مطيعةً لقانونها أن تتجاوز أو تنحرف.. وفي جعلها وجه السماء صافيا نقيا يتنظف طاهرا مما تلوثه أنقاضُ تلك الأجرام المزدحمة دون أن يُرى عليه قذًى ولا أذًى.. وفي سَوقها تلك الأجرامَ كأنها مناورة عسكرية منسَّقة، وعرضِها أمام المخلوقات المشاهدين كأنها مَشَاهِد فيلم سينمائي، بتدوير الأرض بالليل والنهار، وتجديدها أنماط المناظر الحقيقية الخلابة المثيرة للخيال لتلك المناورة الرائعة وإبرازها في كل ليلة وفي كل سنة.
فهذه الربوبية الجليلة الظاهرة وما تظهر ضمن فعاليتها من حقيقة جلية مركبة من "التسخير، والتدبير، والإدارة، والتنظيم، والتنظيف، والتوظيف" تشهد على وجوب وجود خالق تلك السماوات وعلى وحدته، بعظمتها المهيبة هذه وبإحاطتها الكلية هذه، وتشهد -كما هو مُشاهَد- بأن وجوده جلّ وعلا أجلى من وجود هاتيك السماوات.

وقد ذكر هذا المعنى في المرتبة )"hولى من المقام الأول كالآتي:

(لا إله إلّا اللّٰه الواجبُ الوجودُ الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته: السماواتُ بجميع ما فيها، بشهادةِ عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ: التسخير والتدبير والتدوير والتنظيم والتنظيف والتوظيف الواسعة المكملة بالمشاهدة)
— 137 —
ثم إن الفضاء الذي هو محشَر العجائب ومَعرض الخوارق والمسمى بی"الجو" نادى بصوت هادر ذلك القادم إلى الدنيا.. ذلك الضيف السائح: "انظر إليّ لأرشدك إلى مَن تبحث عنه بشوق ولهفة، وأعرّفك بذاك الذي أرسلك إلى هنا".
فينظر إلى وجه الفضاء المكفهر وهو يتقطَّر رحمةً! ويستمع إلى دويّه المخيف المرهب وهو يحمل رحيق البشرى! فيرى أن: "السحاب" الذي عُلّق بين السماء والأرض يسقي روضةَ الأرض سقيا يتفجّرُ حكمةً ورحمة، ويُمد سكنتَها بالماء الباعث للحياة، ملطِّفا به شدة الحرارة -أي شدة ضرام العيش- ويدرك توا أينما كانت الحاجة. ومع أن ذلك السحاب الثقيل الضخم يقوم بوظائف كثيرة أمثال هذه، فإنه يختفي ويتبدد فورا بعد أن ملأ أرجاء الجو. فتنسحب جميع أجزائه لتخلد إلى الراحة، فيتوارى عن الأنظار دون أن يترك أثرا بمثل ظهورِ واختفاءِ الجيش المنظم طبقا لأوامرَ فورية. ولكن ما إن يتسلّم أمرَ "هيا لإنزال المطر" إلّا ويجتمع ويملأ الجو في ساعة بل يغمره في دقائق، ويتهيأ متأهبا كالجندي المنتظر أمر القائد!
ثم ينظر ذلك السائح إلى "الرياح" التي تجول في الجو فيرى أن الهواء يُستخدم في وظائف كثيرة، في منتهى الحكمة والكرم استخداما كأن كل ذرة من ذرات ذلك الهواء الجامد -وهي لا تملك شعورا- تسمع وتعي ما يُلقَى إليها من الأوامر الصادرة من سلطان هذا الكون. فتؤدي خدماتها بقوةِ ذلك الآمر وهيمنته وتنفّذها بكل انتظام ودقة دون أن تتوانى في شيء منها فتدخل هذه الذرات في استنشاق جميع أحياء الأرض للهواء، أو نقل الأصوات أو المواد الضرورية لذوي الحياة كالحرارة والضوء والكهرباء، أو التوسط لتلقيح النباتات أو ما شابهها من الوظائف الكثيرة، فهي تُستخدم بجميع هذه الخدمات من قِبَل يدٍ غيبية استخداما في منتهى الشعور، والعلم، والحيوية.
ثم ينظر إلى "المطر" فيرى أن تلك القطرات اللطيفة البراقة العذبة التي أُرسلت وأُغدقت من خزينة الرحمة الغيبية، تزخر بهدايا رحمانية ووظائف غزيرة حتى كأن الرحمة المهداة قد تجسّدت منصبّةً من عيون الخزينة الربانية على صورة تلك القطرات المتهاطلة.. ولهذا أُطلق على المطر اسم "الغيث".. و"الرحمة".
ثم ينظر إلى "البرق" ويصغي إلى "الرعد"، فيرى أنهما يستخدمان في أمور بالغة الإعجاب والغرابة.
— 138 —
فيرجع بَصَرهُ إلى عقله، ويحاور نفسه قائلا: إن هذا السحاب الجامد الخالي من الشعور، والمنفوش كالعهن، لاشك أنه يجهلنا ولا يعرفنا، ولا يمكن أن يسعى بنفسه لإمدادنا رأفةً بنا ورقةً لحالنا، ولا يمكن أن يَظهر باديا في السماء ويختفي منقشعا بدون أمر، بل لابد أنه يسعى في وظيفته وفق أمرٍ صادر من آمرٍ قدير مطلق القدرة، ورحيم مطلقِ الرحمة. حيث يختفي دون أن يعقّب، ثم يظهر فجأةً، متسلما مهامَّ عمله، فيملأ عالَم الجو ويفرغه بين الفينة والفينة تنفيذا لأمر سلطان جليل متعال فعّال، فيخط على لوحة السماء دوما بحكمة، ويمحو بالإعفاء، محوِّلا إياها إلى "لوحة المحو والإثبات" وإلى صورة مصغّرة للحشر والقيامة. إذ يركب السحابُ متونَ الرياح بأمر من حاكم مدبّر ذي ألطاف وإحسان وذي إكرام وعناية، حاملا خزائن أمطار واسعةً سعة الجبال وضخامتها مسعفا بها مواضع من الأرض محتاجة إليها، وكأنه يرقّ لحالها فيبكي عليها بدموعه ويطلقها ضاحكة بالأزاهير والرياحين، ويخفف من شدة لفحة الشمس ويسقي بساتين الأرض ومُرُوجها ويغسل وجهها وأديمها ويطهرها من الأقذار ليشرق بالصفاء والرواء.
ثم يحاور ذلك المسافر الشغوف عقله قائلا: إن هذا الهواء الجامد الذي لا حياة له ولا شعور ولا ثبات له ولا هدف، وهو في اضطراب دائم، وهيجان لا يسكن، وذو عواصف وأعاصير لا تهدأ، تأتي إلى الوجود وتبرز بسببه -وبصورته الظاهرة- مئاتُ الألوف من الأعمال والوظائف والنِعم والإمدادات العامرة بالحكمة والرحمة والإتقان، مما يُثبت بداهة: أنه ليست لهذه الرياح الدائبة حركةٌ ذاتية، فلا تتحرك بذاتها أبدا وإنما يحرّكها أمرٌ صادر من آمرٍ قدير عليم مطلق وحكيم كريم مطلق، وكأن كلَ ذرة من ذراتها تَفهم وتسمع -كالجندي المطيع- كلَّ أمر صادر من لدن ذلك الآمر وتدركه فتنقاد إليه، وتجعل الأحياء جميعَها تتنفسها لتسهم في إدامة حياتها، وتشارك في تلقيح النباتات ونموها، وتعاون في سوق المواد الضرورية لحياتها، وسوق السحب وإدارتها وتسيير السفن التي لا وقود لها وجعلِها تمخر البحار وتسيح فيها، وتتوسط خاصة في إيصال الأصوات والمكالمات والاتصالات عبر أمواج اللاسلكي والبرق والراديو، وأمثال هذه الخدمات العامة الكلية، فضلا عن أن ذرات الهواء مركبة من مواد بسيطة كالآزوت ومولد الحموضة (الأوكسجين). ومع تماثل بعضها لبعض فلا أراها إلّا أنها تُستخدم بيدٍ حكيمة وبانتظام كامل في مئات الألوف من أنماط المصنوعات الربانية.
— 139 —
لذا حكم السائح قائلا: حقا مثلما صرّحت به الآية الكريمة:
وتصريف الرياح والسحاب المسخّرِ بين السّماء والارض
(البقرة:١٦٤) فإن الذي يُجري أمرَه على الهواء ويستعمله في خدمات ووظائف ربانية غير محدودة، بتصريف الرياح، وفي أعمال رحمانية غير محدودة، بتسخير السحاب، ويوجِد الهواء على تلك الصورة، ليس إلّا ربا واجبَ الوجود، قادرا على كل شيء، وعالما بكل شيء ذا جلال وإكرام.
ثم يرجع بنظره إلى "الغيث" فيرى أنه مثقل بمنافع بعدد شآبيبه ويحمل تجليات رحمانية بعدد زخاته، ويُظهر حِكما بقدر رشحاته، ويرى أن تلك القطرات العذبة اللطيفة المباركة تُخلق في غاية الانتظام وفي منتهى الجمال والبهاء وبخاصة البَرَد الذي يُرسَل -وينیزل حتى صيفا- بانتظام وميزان، بحيث إن العواصف والرياح العاتية -التي تضطرب من هولها الكتلُ الضخمة الكثيفة- لا تُخل في موازنة ذلك البَرَد ولا انتظامه، ولا تجعله كُتلا مضرة جمعا بين حبّاته! فهذا الماء الذي هو جماد بسيط لا يملك شعورا، يُستخدم في أمثال هذه الأعمال الحكيمة، وبخاصة استخدامه في الإحياء والتروية، وهو المركب من مادتين بسيطتين جامدتين خاليتين من الشعور؛ هما مولد الماء ومولد الحموضة -الهيدروجين والأوكسجين- إلّا أنه يُستخدم في مئات الآلاف من الخدمات والصنائع المختلفة المشحونة بالحكمة والشعور.
فهذا الغيث إذن ما هو إلّا رحمةٌ متجسمة بعينها، ولا يتمّ صنعه إلّا في خزينة الغيب لرحمة "الرحمن الرحيم"، وهو بنیزوله وانصبابه على الأرض يفسِّر عمليا وبوضوحٍ الآيةَ الكريمة:
وهو الذي يُنزّلُ الغيثَ من بعدِما قَنَطوا وينشُرُ رَحْمَتَه
(الشورى:٢٨).
ثم يصغي ذاهلا إلى "الرعد" وينظر مندهشا إلى "البرق" فيرى أن هاتين الظاهرتين الجويتين العجيبتين تفسران تماما الآيتين الجليلتين:
ويُسَبّح الرّعدُ بحمده
(الرعد:١٣)
يكاد سنا برقه يَذهَب بالابصار
(النور:٤٣). فإنهما تخبِران كذلك عن قدوم الغيث فتبشران المعوزين الملهوفين.. نعم، إن إنطاق الجو المظلم بغتة بصيحة هائلة تزمجر وتجلجل، ومَلء الظلام الدامس بنور يكاد يذهب بالأبصار، وبنار ترعب كل موجود، وإشعالَ السحب العظيمة كالجبال، والمنفوشة كالعهن، المحمّلة بالبَرَد والثلج والماء.. وما شابهها من هذه الأوضاع الحكيمة الغريبة؛ لَتنبِّه الإنسانَ الغافل وتوقظه، وتلوّح بالدِّرَةِ على رأسه المخفوض قائلة:
— 140 —
يا هذا! اِرفع رأسك وانظر إلى غرائب الصنعة وبدائع الخلقة للفعال القدير الذي يريد أن يُعرّف نفسه لعباده. فكما أنك لست طليقا سائبا مفلت الزمام في هذا الوجود، فلن تكون هذه الحوادث سدًى ولا عبثا، بل كل منها تُساق إلى وظائف حكيمة بخضوع واستسلام وكل منها يستخدم من لدن ربٍ مدبّر حكيم.
وهكذا يسمع هذا السائح الولوع شهادةً سامية جليّة لحقيقةٍ مركبة من تسخير السحاب، وتصريف الرياح، وإنزال الغيث، وتدبير الظواهر الجوية فيقول: آمنت باللّٰه..
وقد أفادت (٭): تنبيه: كنت أريد أن أوضح المراتب الثلاث والثلاثين من مراتب التوحيد المذكورة في "المقام الأول" إلا أن عدم سماح وضعي في الوقت الحاضر جعلني مضطرًّا إلى الاكتفاء ببراهينها المختصرة جدّا وترجمة معانيها فحسب. وحيث إن ثلاثين رسالة من رسائل النور بل مائة رسالة منها قد بيّنت -كل منها- قسما من تلك المراتب الثلاث والثلاثين مع دلائلها بأساليب مختلفة؛ لذا أحيلت التفاصيل إليها. (المؤلف). المرتبة الثانية من المقام الأول مشاهداتِ هذا السائح في الجو كالآتي:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الذي دلّ على وجوب وجوده: الجوُّ بجميع ما فيه، بشهادة عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ: التسخير والتصريف والتنیزيل والتدبير، الواسعة المكملة بالمشاهدة).
ثم إن ذلك السائح المتفكر، المتعود على السياحة الفكرية، هتفت به "كرة الأرض" بلسان حالها، قائلة: "لِمَ تجول في الهواء وتدور في أرجاء السماء والفضاء؟ هلمّ إليّ لأعرّفك بالذي تبحث عنه. تأمل فيما أزاول من وظائف، واقرأ ما هو مكتوب في صحائفي". فأخذ السائح ينظر، فيرى: أن الأرض -كالمولوي العاشق- تخط بحركتيها في أطراف ميدان الحشر الأعظم دائرة تحصل بها الأيام والسنون والفصول.. وهي كسفينة ربانية عظيمة حاملة لأكثر من مائة ألف نوع من أنواع ذوي الحياة مع جميع أرزاقها ومتطلباتها المعاشية، فتمخر عباب الفضاء وتطوف في رحلة سياحية وتجوال حول الشمس بكمال الموازنة والانتظام الأتم.
ثم ينظر إلى صحائفها فيرى أن كل صحيفة منها تعرّف ربَّها بآلاف آياتها.. ولكن لمّا لم يجد متسعا من الوقت لمطالعة الصحائف كلها، فقد اقتصر بالنظر إلى صحيفة واحدة منها فقط، وهي صحيفة إيجاد ذوي الحياة وإدارتها في فصل الربيع. فشاهَدَ أن أفرادا غير محدودين لمائة ألف من الأنواع تنفتح صورُها وتنبسط من مادة بسيطة بمنتهى الانتظام، وتُربّى بمنتهى الرحمة، وتُنشر في الأرجاء بمنتهى السعة وتُمنح بذور قسم منها جُنيحات رقيقة
— 141 —
للطيران في غاية الإعجاز.. وأنها تدار بمنتهى التدبير، وتعيّش وتغذّى بمنتهى الشفقة والرأفة، وتُؤمَّن أرزاقُها الوفيرة المتنوعة اللذيذة الطيبة بمنتهى الرحمة والإرزاق، فتُوافى من غير شيء، ومن تراب يابس، ومن جذور صلبة كالعظام ومن بذور متماثلة، ومن قطراتِ ماء متشابهة، وتُبعث من خزينة الغيب إلى ذوي الحياة كلَّ ربيع -كحمولة قطار مشحون- مائةُ ألف نوع ونوع من الأطعمة واللوازم بكمال الانتظام والاتساق. وبخاصة إرسال اللبن الخالص اللذيذ الدفاق من ينابيع أثداء الوالدات الرؤومات الملفعات بالشفقة والرحمة والحكمة هدايا للصغار والأطفال.. كل ذلك يثبت بداهة أنه تجلٍ في منتهى التربية والرأفة من تجليات رحمة الرحمن الرحيم وإحسانه العميم.
والخلاصة: لقد فهم السائح بمشاهدة هذه الصحيفة الحياتية للربيع الجميل، أنها صورة من صور الحشر والنشور بمئات الآلاف من النماذج والنظائر، فهي تفسّر عمليا تفسيرا محسوسا رائعا الآيةَ الكريمة:
فانظر الى آثار رحمتِ اللّٰه كيف يُحيي الارضَ بعدَ موتها إن ذلك لمُحيي الموتى وهو على كل شيء قدير
(الروم:٥٠). والآية نفسها تفيد بإعجاز جميل المعانيَ الواردة في هذه الصحيفة.. وفَهِم ما تردده كرةُ الأرض بجميع صحائفها وبنسبة جسامتها وقوتها من: "لا إلهَ إلّا هو" .
وهكذا لأجل بيان شهادة مختصرة، لوجه واحد فقط من عشرين وجها من وجوهِ صحيفة واحدة من الصحائف الواسعة لكرة الأرض، التي تربو على عشرين صحيفة، ولأجل بيان ما أفادته مشاهدات ذلك السائح في سائر الوجوه والصحائف.. ذُكر في المرتبة الثالثة من المقام الأول:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته: الأرضُ بجميع ما فيها وما عليها، بشهادةِ عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ: التسخير والتدبير والتربية والفتاحية وتوزيع البذور والمحافظة والإدارة والإعاشة لجميع ذوي الحياة، والرحمانية والرحيمية العامة الشاملة المكملة بالمشاهدة).
ثم أصبح ذلك المسافر المتفكر كلما قرأ صحيفةً قويَ إيمانُه الذي هو مفتاح السعادة، وزادت معرفتُه باللّٰه التي هي مفتاح المدارج المعنوية، وانكشفت لبصيرته درجة أخرى من
— 142 —
حقيقة الإيمان باللّٰه الذي هو الأساس القويم لجميع الكمالات ومنبعها الثرّ العذب. ومع أنه قد وعى دروسا بليغة وتامة من السماء والجو والأرض، بات يطلب المزيد؛ كلما منحته تلك الصحائف أذواقا معنوية لطيفة، ولذائذ روحية كثيرة، مثيرةً شغفَه، منبهةً ولَعَه بشدة قائلا: هل من مزيد، وإذا به يسمع صدى أذكار "البحار والأنهار العظيمة" التي تتدفق خشوعا وشوقا، فينصت إلى همس أصواتها الحزينة اللذيذة، وهي تقول بلسان الحال والمقال: "ألا تنظر إلينا؟ ألا تطالعنا؟" فينظر بلهفة حائرة ويرى: أن البحار التي تتماوج بحيوية وتتلاطم بشدة دوما، والتي من شأنها التشتت والانسكاب والإغراق، قد أحاطت بكرة الأرض، فهما تُسيَّران معا في منتهى السرعة وتجريان في سنة واحدة ضمن دائرة مقدارها خمس وعشرون ألف سنة. وعلى الرغم من كل هذا فهي لا تتفرق أبدا ولا تنسكب مطلقا ولا تستولي على جارتها اليابسة، فلابد من أنها تسكن وتسيّر وتحفظ بأمرِ مَن له القدرة المطلقة، والعظمة المطلقة.
ثم ينظر إلى جوف البحر فيرى -علاوة على لآلئه المشعة التي هي في غاية الجمال والزينة والانتظام- أن إعاشة آلاف الحيوانات المتنوعة وإدارتها وتعيين مواليدها ووفياتها تجري في منتهى الانتظام والإتقان، وأن مجيء أرزاقها ونشوء أقواتها من رمل بسيط ومن ماء أجاج، ميسورٌ وكامل بحيث يثبت بداهة أنه لا يتم إلّا بإدارة القدير ذي الجلال، وإعاشة الرحيم ذي الجمال.
ثم ينظر ذلك المسافر إلى الأنهار فيرى أن فيها من المنافع والمصالح ولها من الخدمات والوظائف وما تنتجه من مصاريف وما ترده من موارد محسوبٌ بحكمة واسعة، وبرحمة عظيمة بحيث تثبت بداهة أن جميع الجداول والترع والينابيع والسيول والأنهار العظيمة تنبع وتجري من خزينة الرحمن ذي الجلال والإكرام. بل إنها تُخزَن وتدّخَر ادخارا خارقا للمألوف، فتصرف وتجري جريا فوق المعتاد، حتى ورد في الحديث الشريف ما معناه: أن أنهارا أربعة تجري من الجنة. [٭]: عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّٰه (ص): "سَيْحان وجَيحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة". وانظر: البخاري، بدء الخلق ٦، مناقب الأنصار ٤٢، الأشربة ١٢؛ مسلم، الإيمان ٢٦٤، الجنة ٢٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٦٠، ٢٨٩، ٤٤٠، ٣/١٦٤، ٤/٢٠٨، ٢٠٩. بمعنى أن جريان هذه الأنهار؛ هو فوق حسابات الأسباب الظاهرة بكثير، لذا فهي لا تجري إلا من خزينةِ جنة معنوية لا ينضب ومن فيضِ منبع غيبي لا ينفد.
— 143 —
فمثلا: هذا نهر النيل الذي حوّل صحراء مصر القاحلة إلى جنة الدنيا، يجري كبحر صغير دون نفاد، وينبع من جبل واقع في الجنوب يدعى "جبل القمر"، فلو جُمّعت صرفياتُه لستة أشهر وجُمّدت، لحصل ما هو أعظم من ذلك الجبل! والحال أن ما خُصّص له من مكان للخزن لا يبلغ سُدس ذلك الجبل. أما وارداته فقليلة ضئيلة، حيث إن شحّة الأمطار وشدة حرارة المنطقة وتعطّش الأرض، كل ذلك مجتمعا لا يفسح مجالا للخزن إلّا للقليل، ولا يسمح للمحافظة على ميزان وارداته وصرفياته؛ لذا قد روي أنه يجري من "جنة" غيبية هي فوق القوانين الأرضية المعتادة. فأفادت تلك الرواية حقيقة لطيفة ذات مغزى عميق جدّا.
وهكذا رأى السائح شهادةً واحدة وحقيقة واحدة، من آلاف الشهادات والحقائق التي هي واسعة سعة البحار نفسها، وفهِم أن جميعها تردد معا بالإجماع، وبقوةِ عظمة البحار: "لا إله إلّا هو". وبرز أمامه شهودٌ بعدد مخلوقات البحار على صدق هذه الشهادة.
ولبيان شهادات البحار والأنهار جميعها، أفادت المرتبة الرابعة من المقام الأول ما يأتي:
(لا إله إلا اللّٰه الواجب الوجود الذي دل على وجوبِ وجوده في وحدته: جميعُ البحار، والأنهار، بجميع ما فيها، بشهادة عظمةِ إحاطةِ حقيقة: التسخير والمحافظة والإدارة الواسعة المنتظمة بالمشاهدة).
ثم تدعو الجبالُ والصحارى ذلك المسافرَ المستغرِق في السياحة الفكرية قائلةً: "ألا تقرأ صحيفتَنا أيضا؟".. فهو بدوره يحدق النظر، ويرى أن وظائف الجبال الكلية، وفوائدها العامة هي من العظمة والحكمة مما تُحيّر العقول.
فمثلا: بروز الجبال واندفاعها من الأرض بأمرٍ رباني يهدّئ هيجانَ الأرض ويخفف من غضبها وسخطها وحدّتها الناجمة من تقلباتها الباطنية، ويدعها تتنفس مستريحة بفوران تلك الجبال ومن خلال منافذها، فتتخلص بذلك من الزلازل المهلكة والتصدّعات المدمّرة، فلا تعود تسلب راحة الآمنين من سكنتها. وكما يُنصَب على السفن الأعمدة والأوتاد حفاظا على توازنها ووقايتها من التزعزع والغرق، كذلك الجبال هي أوتادٌ ذات خزائن لسفينة الأرض، تقيها من الزلزال وتُثبتها وتحفظ توازنها. وقد بيَّن القرآن الكريم هذا المعنى في آيات كثيرة، منها: والجبال اوتادًا (النبأ:٧) وألقينا فيها رواسي (الحجر:١٩) والجبال أرساها (النازعات:٣٢).
— 144 —
ومثلا: إن ما في جوف الجبال من أنواع الينابيع والمياه والمعادن والمواد والأدوية التي يحتاج إلى كل منها ذوو الحياة، قد ادُّخرت بحكمة، وأُحضرت بكرم، وخزِّنت بتدبير، بحيث تثبت بداهة أن هذه الجبال هي خزائنُ ومستودعاتُ ادّخارٍ تحت أمر القدير الذي لا نهاية لقدرته، والحكيمِ الذي لا نهاية لحكمته. فيدرك السائح هذا، ويقيس على هاتين الجوهرتين ما يليهما من وظائفِ الجبال والصحارى وحِكَمهما -التي هي بضخامة الجبال وسعة الصحارى- فيرى أن الجبال والصحارى تشهدان وتوحِّدان بی"لا إله إلّا هو" بلسان جميع حِكَمهما وبلغة جميع وظائفهما وبخاصة ادخارهما الاحتياطي من المواد، وأن تلك الشهادة والتوحيد هما من القوة والرسوخ ما للشُّمّ العوالي، وهما من الشمول والسعة ما للقفار والصحارى، فيردد اللسان بخشوعٍ: آمنت باللّٰه.
وهكذا ذكر في المرتبة الخامسة من المقام الأول لبيان هذا المعنى ما يأتي:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجیب الوجیود الذي دلّ على وجیوب وجوده: جميعُ الجبال والصحارى، بجميع ما فيها وما عليها، بشهادةِ عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ: الادخار، والإدارة، ونشر البذور، والمحافظة، والتدبير الاحتياطية الربانية الواسعة العامة المنتظمة المكمَّلة بالمشاهدة).
وبينما كان ذلك المسافر يجول بفكره في الجبال والصحارى، انفتح أمام فكره باب عالم "الأشجار والنباتات" يدعوه قائلا: "هلمَّ إلينا وجُلْ في رياضنا واقرأ سطورنا".. فدخل ورأى أن الأشجار والنباتات قد عَقدت مجلسا فخما رائعا للتهليل والتوحيد، وشكَّلت حلقة مهيبة للذكر والشكر. ففهم من ألسنة أحوالِها كأنها تلهج معا، وتردد بالإجماع: "لا إله إلّا اللّٰه" لما رأى من ثلاث حقائق كبرى كليّة تدل على أن جميع الأشجار المثمرة وجميع النباتات المزهرة تؤدي شهادتها مسبّحة وتقول معا بالألسنة الفصيحة لأوراقها الموزونة، وبالكلام الجزيل لأزهارها الجميلة، وبالكلمات البليغة لأثمارها المنتظمة "لا إله إلّا هو":
أولاها: حقيقةُ الإنعام والإكرام المقصودَين، والإحسان والامتنان الإراديين التي يحس معناها إحساسا ظاهرا في كل نبات وشجر. مثلما هي حقيقة واضحة وضوح ضوء الشمس في الكل.
— 145 —
ثانيتها: حقيقةُ التمييز والتفريق المقصودَين بحكمة، والتزيينِ والتصوير الإراديين برحمة، وهي واضحة وضوح النهار -حقيقةً ومعنًى- فالتمييز بين تلك الأنواع والأفراد غيرِ المحدودة غرضٌ مقصود، والاختلافُ والتباين بينها حكمة مطلوبة، ولمسات التجميل والتحسين رحمة مرادة، وهذه الحقيقة واضحة وضوحا لا يدع مجالا قط لنسبتها إلى المصادفة، مما يُظهر عيانا أنها آثارُ الصانع الحكيم ونقوشه البديعة.
ثالثتها: حقيقةُ فتح صور المصنوعات غير المحدودة، بمئات الآلاف من الأنماط المختلفة والأشكال المتنوعة فتحا من حبوب معدودة متشابهة، ومن نوى محدودة متماثلة، واستنباتها في غاية الانتظام والميزان وبمنتهى الزينة والجمال، رغم أنها بسيطة جامدة ومختلطة بعضها ببعض. ففتح صور كل فرد من أفراد تلك الأنواع المتباينة -التي تربو على مائتي ألف نوع- كلٌ على انفرادٍ بانتظام كامل وبموازنة تامة وبحيوية وحكمة وبدون خطأ، لهو حقيقة ساطعة جلية أسطع من الشمس.
ففهمَ السائح أنَّ هناك شهودا ودلائلَ إثباتٍ على تلك الحقيقة بعدد أزهار الربيع، وبعدد أثماره وبعدد أوراقه وموجوداته، فعبّر عمّا جاش في قلبه من معان كريمة فقال: "الحمد للّٰه على نعمة الإيمان".
ولبيان هذه الحقائق والشهادات ذُكر في المرتبة السادسة من المقام الأول الآتي:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته: إجماعُ جميع أنواع الأشجار والنباتات، المسبحات الناطقات بكلمات أوراقها الموزونات الفصيحات، وأزهارها المزينات الجزيلات، وأثمارها المنتظمات البليغات، بشهادةِ عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ الإنعام والإكرام والإحسان بقصیدٍ ورحمةٍ. وحقيقة التمييز والتزيين والتصوير بإرادة وحكمةٍ، مع قطعية دلالةِ حقيقةِ فتحِ جميع صورها الموزونات المزيّنات المتباينة المتنوعة غير المحدودة، من نَويات وحبّات متماثلة متشابهة محصورة معدودة).
وبينما كان السائح الشغوف -الذي ازداد بالسمو ذوقا وشوقا- عائدا من تلك السياحة الفكرية مبتهجا بلذةِ وقوفِه على الحقيقة وعثوره على جنات الإيمان، راجعا من بستان الربيع، حاملا باقة كبيرة واسعة -من أزهار المعرفة والإيمان- سعةَ الربيع نفسه، إذا بباب عالم الطيور
— 146 —
والحيوانات ينفتح إزاء عقله التوّاق للحقيقة وفكره المشتاق للمعرفة، تدعوه تلك الطيورُ والحيوانات بمئات الألوف من الأصوات المتباينة والألسنة المختلفة، للدخول إلى ذلك العالم الفسيح، وترحب بمقدمه إلى عالمها.. فدخله ورأى أن جميع الطيور وجميع الحيوانات بأنواعها وطوائفها وأممها كافة تذكر متفقة: "لا إله إلا هو" بلسان حالها ومقالها، حتى لكأنَّ سطحَ الأرض مجلس ذكر مهيب، ومجمعُ تهليل عظيم.. ورأى أن كلا منها بحد ذاته بمثابة قصيدةٍ ربانية تترنم بآلاء الربوبية، وكلمةٍ سبحانية ناطقة بالتقديس لبارئها، وحرفٍ رحماني ذي مغزى ينم عن الرحمة الإلهية؛ فالجميعُ يُثنون على خالقهم ويصفونه بالحمد والثناء، وكأن حواسَّ تلك الطيور والحيوانات ومشاعرها وأعضاءها وآلاتها وأجهزتها وقواها، كلماتٌ موزونة منظومة، وكلام فصيح بليغ.. فشاهدَ السائح في ذلك ثلاثَ حقائقَ عظيمةٍ محيطة تدل دلالة صادقة على أن تلك الطيور والحيوانات تؤدي شكرَها تجاه خلّاقها ورزاقها بتلك الكلمات، وتشهد على وحدانيته سبحانه بذلك الكلام:
أولاها: حقيقةُ الإيجاد والصنع والإبداع، أي حقيقة الإحياء ومنح الروح، التي لا يمكن نسبتها مطلقا إلى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء؛ إذ هي إيجادٌ مِن عدم يقع بحكمة، وإبداعٌ مقرون بإتقان، وخلقٌ مصحوب بإرادة، وإنشاءٌ مبنيٌّ على علم. وهي تُظهر بجلاء تجليَ "العلم والحكمة والإرادة" بعشرين وجها، وهي برهان باهر على وجوب وجود "الحي القيوم" وشاهدُ حق على صفاته السبعة الجليلة وآيةُ صدق على وحدانيته جل وعلا. أي إن حقيقة الإحياء تدفع إلى الوجود شهودَ إثبات بعدد ذوي الأرواح كلها.
ثانيتها: حقيقةُ التمييز والتزيين والتصوير التي تتضح من خلال تلك المصنوعات غيرِ المحدودة التي يختلف بعضُها عن بعض بعلامات فارقة متميزة في الوجوه، وبأشكال مزيّنة جميلة متباينة، وبمقادير موزونة دقيقة مختلفة، وبصور منتظمة منسّقة. فهي حقيقةٌ قوية عظمى بحيث لا يمكن أن يمتلك هذا الفعلَ المحيط الذي يُبرِز -عيانا- ألفا من الحِكَم والخوارق سوى القادرِ على كل شيء والعالمِ بكل شيء، وليس هناك إمكان أو احتمال آخر قط.
ثالثتها: حقيقةُ فتح صور تلك الحيوانات غير المحدودة بمئات الآلاف من الأشكال والأنماط، من بيوض وبويضات متماثلة معدودة، ومن قطرات محدودة، متشابهة أو مختلفة
— 147 —
بفارق طفيف.. ففتحُ تلك الصور -التي هي بحد ذاتها معجزةُ الحكمة- بانتظام كامل وموازنةٍ تامة دونما خطأ ولا زيادة أو نقصان، إنما هو حقيقةٌ ساطعة باهرة تستقى نورها من دلائلَ وأسانيد بعدد الحيوانات جميعها.
وهكذا شاهَد السائحُ عالَم الطيور والحيوانات وتَلقَّى درسا كاملا من دلالة هذه "الحقائق الثلاث" المتفقة، دلالةً واضحة على أن جميع أنواع الحيوانات تشهد قائلة معا: "لا إله إلا هو"، حتى غدت الأرض كأنها إنسان ضخم جدا، تذكر "لا إله إلا هو" بنسبة كبرها وضخامتها فتملأ -من شدتها وقوتها- قبةَ السماء حتى يسمعها أهلُ السماوات.
وقد ذُكر في المرتبة السابعة من المقام الأول لبيان هذه الحقائق ما يأتي:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجبُ الوجود الذي دل على وجوب وجوده في وحدته اتفاقُ جميع أنواع الحيوانات والطيور الحامدات الشاهدات بكلمات حَواسِّها وقواها وحسياتها ولطائفها الموزونات المنتظمات الفصيحات، وبكلمات أجهزتها وجوارحها وأعضائها وآلاتها المكملة البليغات، بشهادة عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ الإيجاد والصنع والإبداع بالإرادة، وحقيقةِ التمييز والتزيين بالقصد، وحقيقة التقدير والتصوير بالحكمة، مع قطعيةِ دلالةِ حقيقةِ فتحِ جميع صورها المنتظمة المتخالفة المتنوعة غير المحصورة من بيضاتٍ وقطراتٍ متماثلة متشابهة محصورة محدودة).
ثم أراد هذا السائح المتأمل أن يدخل عالَم الإنسان ودنيا البشر كي يمضي صعدا في مراتبَ غيرِ محدودة للمعرفة الإلهية، ويرقى درجةً أعلى في أذواقها، ومنیزلةً أسمى في أنوارها غير المتناهية. وعندها دعته إلى الدخول صفوةُ البشر أولا وهم "الأنبياء عليهم السلام"، فدخل ومضى يسبر غور الأزمان قبل كل شيء فرأى أن جميع "الأنبياء عليهم السلام" -وهم خيرةُ نوع البشر وأكملُهم قاطبة- يَذكرون بلسان واحد ويرددون معا بالإجماع: "لا إله إلّا هو"، وهم جميعا يدعون إلى التوحيد الخالص بقوةِ ما لا يحد من معجزاتهم الباهرة المصدِّقة لهم ولدعواهم، ورأى أنهم جميعا يدْعون البشرية إلى الإيمان باللّٰه لإخراجها من مرتبة الحيوانية ورفعِها إلى درجة المَلَك؛ لذا فقد جثا السائح على ركبتيه بأدب جمّ وتوقير عظيم في أروقة تلك المدرسة النورانية، ورأى أن بين يدَي كل من أولئك الأئمة الهداة الأعلام للبشرية معجزاتٍ
— 148 —
وخوارقَ هي علائمُ تصديقٍ لهم من لدن رب العالمين سبحانه.. وأنه قد تكونت طائفة عظيمة وأمة غفيرة مصدِّقة من البشر دخلت حظيرة الإيمان بتبليغِ كلٍ منهم.. لذا تمكّن السائح من قياس مدى قوة التوحيد ورصانته، تلك الحقيقة التي اتفق عليها أولئك الصادقون الذين يربون على مائة ألف.. وفَهِم كذلك مدى الخطأ الجسيم والجناية الكبرى التي يرتكبها أهلُ الضلالة المنكرون لتلك الحقيقة الراسخة التي تملك هذه القوةَ والتي صدّقها وأيّدها هذا العددُ من المخبِرين الصادقين وأثبتوها بمعجزاتهم التي لا تُحد.. وأدرك كذلك مدى ما يستحقونه من عذاب أليم خالد.. وعرف أيضا مدى صوابِ وأحقية الذين صدقوهم وآمنوا بهم فدخلوا حظيرة الإيمان. فبدت أمامه بذلك مرتبةٌ عظمى هائلة لقدسية الإيمان وسمو التوحيد.
نعم، إن المعجزات التي لا حصر لها تصديقٌ فعلي من لدن الحق سبحانه وتعالى للأنبياء عليهم السلام. والصفعات السماوية التي نزلت بالمنكِرين المعارضين لهم أظهرت أحقيتَهم وتأييد اللّٰه لهم. وكمالاتهم الشخصية وإرشاداتهم السديدة دالةٌ على أنهم على حق أبلج. وقوة إيمانهم وغاية جديتهم ونهاية تجردهم تشهد كلها على صدقهم وصواب دعوتهم، وما في أيديهم من الكتب والصحف المقدسة، وتلاميذهم غير المحدودين الذين بلغوا الحقيقة وارتقوا إلى الكمال واهتدوا إلى النور باتباعهم لهم، تشهد كلها على أحقية سبيلهم وصواب طريقهم. وعلاوة على كل هذا فإن إجماع أولئك المبلِّغين الصادقين في المسائل المثبَتة لهو حجة قاطعة على صدق الإيمان وقوةٌ عظيمة تعزز حقيقته، بحيث لا تستطيع قطعا أيةُ قوة في العالم أن تصارعها. فهي حقيقة دامغة تنحسر أمامَها كلُ شبهة أو ريب.
فعلِم السائح حكمةَ كون تصديق الرسل كافةً ركنا من أركان الإيمان، وكيف أنه ينبوع دفاق ومصدرُ قوة عظيمة لإيمانه، فسرعان ما انكب يغترف من هذا الينبوع الثر.
وقد ذُكر في المرتبة الثامنة من المقام الأول ما يفيد معنى الدرس المذكور لهذا السائح:
(لا إله إلّا اللّٰه الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته إجماعُ جميع الأنبياء بیقوة معجزاتهم الباهرة المُصّدِّقّةِ المُصَدَّقَة).
وحينما كان السائح الطالب الذي تذوّق مذاقات سامية من قوة الإيمان وتنسّم أنسام الحياة صافية خالصة، يرجع من مجلس "الأنبياء عليهم السلام"، دعوه أولئك الذين
— 149 —
أثبتوا دعاوى الأنبياء بعلم اليقين وأقاموا الحجج الدامغة على صدقها من العلماء المحققين والمجتهدين المتبحرين الذين يُطلَق عليهم جميعا: "الأصفياء والصديقون".. دعوه أولئك إلى مدارسهم فدخل ورأى مجمعا حافلا يضم ألوفا من العباقرة الأفذاذ، ومئاتِ الألوف من المدققين من أهل العلم والتحقيق وهم يقيمون الدلائلَ وينصبون البراهين ويثبتون -بتدقيقاتهم العميقة التي لا تدع أدنى شبهة- المسائلَ الإيمانية المثبتة، وفي مقدمتها وجوبُ وجود الخالق سبحانه ووحدانيته.
نعم، إن اتفاق أولئك العلماء الفطاحل -مع تفاوت استعداداتهم وتباين مواهبهم الفطرية واختلاف مسالكهم- على أصول الإيمان وأركانه، مستندا كلٌ منهم على قوة براهينه ويقينها، لهو حجة قاطعة لا يمكن لأحدٍ معارضتُها أو دحضها أو المماراة فيها، إلّا إذا كان يملك ذكاءً أحدَّ وأرقى من ذكاءِ أولئك الفحول، وكان برهانُه أقوى من براهين الجميع وحجتُه أبلغ من حجتهم جميعا! وهذا محال. لذا لا يمكن مجابهتها إلّا بالجهل والتجاهل والإنكار فيما لا يمكن إثباته من المسائل المنفية، أو بالعناد وإغماض العين إزاء ذلك النور. والحال أن من يغمض عينيه فقد جعل نهاره ليلا.
ففهم السائح أن الأنوار التي نشرها هؤلاء الأساتذة المتبحرون لهذه المدرسة السامية الشاسعة قد أضاءت نصف الكرة الأرضية خلال ألف من السنين. ووجد من هذا قوةً معنوية هائلة تنصبّ في كيانه، وتملأ جوانحه بحيث لو اجتمع أهلُ الإنكار وأربابُ العناد جميعا لن يقدروا على زعزعتها ولو قيدَ شَعرةٍ. وهكذا ذُكرت إشارة مختصرة في المرتبة التاسعة من المقام الأول لما اقتبسه السائح في هذه المدرسة من دروس وعبر كما يأتي:
(لا إله إلّا اللّٰه الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته اتفاقُ جميع الأصفياء بقوة براهينهم الظاهرة المحققة المتفقة).
وحينما كان يؤوب ذلك المسافر المتأمل من مدرسة العلماء ألحف عليه شوق ملح إلى زيادة الإيمان وانكشافه واستولت عليه رغبةٌ عنيفة إلى رؤية الأنوار والأذواق التي هي في طريق الارتقاء من درجة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين. فدعاه ألوفُ وملايينُ "الأولياء الصالحين" المرشدين السامين الذين سعوا إلى الحقيقة وبلَغوا الحق ووصلوا مرتبة عين اليقين بسموّهم
— 150 —
وعروجهم تحت ظل المعراج الأحمدي وعلى أثر الرسول (ص) في الجادة المحمدية الكبرى. دعاه هؤلاء إلى محلِ ذكرٍ عظيم بهيج، ومقامِ إرشاد قويم كريم، يشع فيضا ونورا يملأ الأرجاء كلها ويتدفق نابعا من تلاحقِ ما لا يحد من تكاياهم وزواياهم ومرابطهم. فدخل ورأى أن أهل الكشف والكرامات هؤلاء يرددون بالاتفاق والإجماع: "لا إله إلّا هو" معلنين به وجوبَ وجود الرب سبحانه وتعالى ووحدانيتَه، مستندين إلى كشفياتهم وكراماتهم ومشاهداتهم.
نعم، كما يُستَدل على الشمس بألوان ضيائها السبعة؛ فإن حقيقة التوحيد كذلك يصدقها هؤلاء الأفذاذ العارفون والجهابذة المنورون بالإجماع والاتفاق، وهم يمثلون أهلَ الطرق المتنوعة الصادقة وأصحابَ المسالك المختلفة الصائبة وذوي المشارب العديدة الحقة الذين اصطبغوا بسبعين لونا، بل بعدد أسماء اللّٰه الحسنى، من الألوان المنوّرة المتباينة والأنوار الملونة المختلفة المتجلية على القلوب والآفاق من نور منوِّر الأزلي سبحانه. وقد شاهد السائحُ تجليَ تلك الحقيقة الباهرة؛ بعين اليقين. لذا رأى أن حقيقةً يُجمِع عليها "الأنبياء عليهم السلام"، ويتفق على صدقها "العلماء الأصفياء"، ويتوافق معها "الأولياء الصالحون" لهي حقيقةٌ أسطعُ من ضوء النهار الدال على الشمس.
وهكذا ذُكرت في المرتبة العاشرة من المقام الأول إشارةٌ مختصرة إلى ما أخذه هذا المسافر من فيض في المرابط الصوفية وزواياهم:
(لا إله إلّا اللّٰه الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته إجماعُ الأولياء بكشفياتهم وكراماتهم الظیاهرة المحققة المصدّقة).
ثم إن ذلك السائح أراد بكل لطائفه وقواه أن يزداد رقيّا وسموا في قوة الإيمان وانكشاف معرفته للّٰه، لعلمِه بأن محبةَ اللّٰه الناشئةَ من الإيمان باللّٰه، والمتفجّرةَ من معرفته، هي أعظم كمالٍ إنساني وأهمُّه وأوسعه، بل هي منبع جميع الكمالات وأساسها؛ لذا رَفَع رأسَه ناظرا في السماوات وخاطب عقلَه:
ما دامت الحياة هي أغلى شيء في الكون، والموجوداتُ كلها مسخرةً للحياة، وأن أثمن ذوي الحياة هم ذوو الروح، وأرقى ذوي الأرواح هم ذوو الشعور.. وما دامت الكرةُ الأرضية -لأجل هذه المنیزلة الرفيعة- تُخلى في كل عصر وفي كل سنة، وتُملَأ باستمرار، تكثيرا لذوي
— 151 —
الحياة. فلابد -ولا محالة- أن تكون لهذه السماوات العُلى المزيّنةِ، سكنتُها وأهلوها المتلائمون معها من ذوي الحياة وذوي الأرواح وذوي المشاعر. حتى نُقلت رواياتٌ متواترة تؤكد رؤية "الملائكة" والتكلمَ معهم منذ القديم، كتمثل جبرائيل عليه السلام في صورة إنسان وظهورِه أمام الصحابة في مجلس الرسیول (ص).
فقال السائح: ليتني أصل إلى شرفِ رؤيةِ أهل السماوات، وليتني أقف على ما عندَهم حول حقيقة الإيمان والتوحيد. لأن أهم شهادة في حق خالق الكون هي شهادتهم.. ولم يكد يتم حديثه حتى سمع فجأة كأن هاتفا سماويا يقول:
"ما دمتَ تريد أن تلتقي معنا وتستمعَ إلى درسنا، فاعلم أن المسائل الإيمانية التي أُنزلت بوساطتنا إلى جميع الأنبياء وفي مقدمتهم محمد (ص) بالقرآن الكريم، قد آمنا بها نحن أوَّلا. واعلمْ كذلك أن جميع الأرواح الطيبة منا والمتمثلة للإنسان قد شهدت كلها بلا استثناء وبالاتفاق على وجوب وجود خالق الكون وعلى وحدانيته وعلى صفاته القدسية. وأن ما أخبرتْ به من أخبار كثيرة يوافق بعضه بعضا ويطابقه مطابقة تامة. فتَوافُق هذه الأخبار غير المحدودة وتطابقُها دليل لك كالشمس". فوعَى السائح ما يقصدونه، وتألق نورُ إيمانه وسطع حتى عرج صاعدا إلى السماوات.
وهكذا ذكرت إشارة قصيرة لما أخذه هذا السائح من درس الملائكة في المرتبة الحادية عشرة من المقام الأول:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الذي دل على وجوب وجوده في وحدته اتفاقُ الملائكة المتمثلين لأنظار الناس، والمتكلمين مع خواص البشر، بأخبارهم المتطابقة المتوافقة).
ثم إن ذلك المسافر المتلهف المشتاق، بالدرس الذي تلقاه من ألسنة طوائفَ معينة ومن أحوالها، في عالم الشهادة والجانب الجسماني والمادي منه، اشتاق إلى القيام بمزيد من السياحة والأسفار والتحري والبحث عن الحقيقة فتقدم إلى مطالعة ما في عالم الغيب وعالم البرزخ أيضا. فانفتح أمامه باب "العقول المستقيمة المنورة والقلوب السليمة النورانية" اللتين لا تخلو منهما طائفة من طوائف البشر، فالعقل والقلب هما بحكم نواة الإنسان ولبّه وبفضلهما استطاع أن يصبح ثمرة الكون، ويملكان من القدرة على الانبساط والاتساع ما يمكنهما أن يطويا العالم كله رغم صغرهما.
— 152 —
فرأى السائح أن القلوب والعقول برازخ إنسانية بين عالمي الغيب والشهادة، فالعلاقات والعلامات بين ذينك العالَمين -بالنسبة للإنسان- تجري في تلك النقاط؛ لذا خاطب عقلَه وقلبه معا قائلا: "أقبلا، فإن أقصر الطرق الموصلة إلى الحقيقة هي من بابیكما، فهيا لنستفد بمطالعتنا العقول والقلوب المتصفة بالإيمان ودراستنا كيفياتهما وألوانهما، فهذا درس لا يؤخذ من الألسنة كما هو الحال في الطرق الأخرى". فباشر يقلب صفحات العقول وينشر صفحات القلوب ممعنا النظرَ مطيلا الفكرَ، فرأى
أن جميع العقول المستقيمة المنوّرة تتفق في العقيدة الراسخة الواضحة في الإيمان والتوحيد، وتتطابق في اليقين الجازم والاقتناع المطمئن، رغم التباين الواسع في استعداداتها والبعد والمخالفة بين مذاهبها. أي إنها استندت وارتبطت بعقيدة لا تتبدل، ودخلت في حقيقة عريقة لا تنفصم؛ لذا فإن إجماع هذه العقول في الإيمان والوجوب والتوحيد إنما هو سلسلة نورانية لا تنقطع، ونافذة واسعة وضّاءة مطلة على الحقيقة.
ورأى كذلك أن جميع القلوب السليمة النورانية تتوافق فيما بينها في كشفياتها ومشاهداتها -التي هي ذات اتفاق واطمئنان وانجذاب- في أركان الإيمان، وتتطابق في التوحيد رغم تباعد مسالكها وتباين مشاربها. أي إن كل قلب من هذه القلوب النورانية عرش صغير جدّا تستوي عليه المعرفةُ الربانية، وهي مرآة جامعة لأنوار التجليات الصمدانية، بما يقابل الحقيقة ويوصل إليها ويتمثل بها. فهي إذن نوافذ مفتوحة تجاه شمس الحقيقة. أي إن مجموع هذه القلوب يشكل معا مرآةً عظمى واسعة كالبحر أمام تلك الشمس.
وأن اتفاق هذه القلوب والعقول وإجماعَها في وجوب وجوده سبحانه، وفي وحدانيته لهو دليل أكمل ومرشد أكبر لا يتحير ولا يحيّر؛ إذ ليس هناك إمكان قط ولا احتمال قطعا -في أية جهة كانت- أن يَخدع وهمٌ لا حقيقة له وفكرٌ لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة وصفةٌ لا أصل لها جميعَ هذه العيون البصيرة النافذة الحادة لهذه الكثرة الكاثرة من ذوي القلوب الصافية والعقول الرزينة، وأنْ يستمر هذا الخداع عبر قرون وبرسوخ تام، أو أن يوقعهم جميعا في شباك التمويه والغفلة. فهل هناك من يجد احتمالا كهذا غير من يحمل عقلا فاسدا عفنا؟ بل حتى السوفسطائيون الحمقى الذين ينكرون الكون يردّونه ولا يرضون به!
هكذا فهم السائح، فقال منسجما مع عقله وقلبه: "آمنت باللّٰه".
— 153 —
وإشارةً إلى المعرفة الإيمانية مما استفاد هذا السائح من العقول المستقيمة والقلوب المنوَّرة ذكر في المرتبة الثالثة عشرة من المقام الأول ما يأتي:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الذي دل على وجوب وجوده في وحدته إجماعُ العقول المستقيمة المنوّرة، باعتقاداتها المتوافقة وبقناعاتها، ويقيناتها المتطابقة، مع تخالف الاستعدادات والمذاهب، وكذا دل على وجوب وجوده في وحدته اتفاقُ القلوب السليمة النورانية، بكشفياتها المتطابقة وبمشاهداتها المتوافقة، مع تباين المسالك والمشارب).
ثم إن ذلك السائح الذي نظر إلى عالم الغيب من قريب وتجوّل في عالمَي العقل والقلب، أخذ يطرق باب ذلك العالم بهذا النمط من التفكير: "يا ترى ماذا يقول عالَم الغيب؟". إذ مادمنا نرى في عالم الشهادة الجسماني هذا أنَّ المحتجب وراء ستار الغيب سبحانه يعرّف نفسه لنا بهذا القدر الهائل من مصنوعاته المزينة المتقنة، ويسوقنا إلى محبته بهذا القدر الذي لا يحصى من نعمه اللذيذة الطيبة، ويخبرنا عن كمالاته الخفية بهذا القدر الزاخر من آثاره الخارقة البديعة.. نعم، إن الذي يعرّف نفسه ويحببها فعلا وبلسان الحال الذي هو أبيَنُ من الكلام والتكلم؛ لابد أنه سيتكلم قولًا وتكلُّما مثلما يتكلم فعلا وحالا، معرّفا نفسه ومحببا ذاته.
لذا خاطب السائح نفسه قائلا: "علينا أن نَعرفه سبحانه من مظاهر ألوهيته وربوبيته في عالم الغيب". فغاص قلبُه في الأعماق ورأى بعين عقله أن حقيقة "الوحي الإلهي" مهيمنة كل حين -بظواهر في غاية القوة والوضوح- على أرجاء عالم الغيب كافة. فتأتي الشهادة لوجوده وتوحيده سبحانه من لدن علام الغيوب. وهي شهادة الوحي والإلهام وهي أقوى بكثير من شهادة الكائنات والمخلوقات؛ إذ لا يَدَع سبحانه تعريف ذاته ولا دلائل وجوده ووحدانيته، محصورا في شهادة مخلوقاته وحدها، بل يتكلم كلاما أزليا يليق بذاته، فلا حدّ ولا نهاية لكلامِ مَن هو حاضر وناظر بقدرته وعلمه في كل مكان. ومثلما يعرّفه معنًى كلامُه، فإن تكلمَه أيضا يعرّفه بصفته.
نعم، إن تواتر مائةِ ألف من "الأنبياء عليهم السلام" واتفاقَهم في جميع إخباراتهم الصادرة من الوحي الإلهي، ودلائل ومعجزات الكتب المقدسة والصحف السماوية التي هي الوحي المشهود وثماره، والتي صدّقتْها الأكثريةُ المطلقة للبشرية واقتدت بها، واهتدت بهديِها..
— 154 —
جعل السائحَ يفهم بداهةً أن الوحي حقيقة ثابتة لا مراء فيها. وفَهِم كذلك أن حقيقة الوحي تفيد خمسَ حقائق قدسية وتؤكدها وتنورها:
أولاها: أنَّ التكلم وفق مفاهيم البشر وبمستوى عقليتهم هو الذي يُطلَق عليه "التنیزلات الإلهية إلى عقول البشر".. نعم، إن الذي أنطق جميعَ ذوي الأرواح من مخلوقاته ويعلَم ما يتكلمونه، تقتضي ربوبيتُه أن يصبّ معاني كلامه الأزلي في كلمات يتيسر للبشر أن يتلوها بين كلامهم.
ثانيتها: أن الذي برأ الوجود معجزةً، وملأه بمعجزاته الباهرة لتُفصح عنه، وجعلها ألسنةً ناطقة بكمالاته، لابد أنه سيعرّف ذاتَه أيضا بكلامه هو.
ثالثتها: أنَّ الذي يقابل فعلا مناجاةَ الناس الحقيقيين وشكرَهم، وهم خلاصة الموجودات وزبدتها وأكثرهم حاجة وأشدهم شوقا وأرقهم لطفا، فإن مقابلة تلك المناجاة والشكر بكلامه سبحانه هي من شأن الخلاقية.
رابعتها: أن صفة المكالمة التي هي ضرورية لازمة وظاهرة مضيئة لصفتَي "العلم" و"الحياة" لابد أنها توجد بصورة محيطة وبسرمدية خالدة عند مَن له علم محيط وحياة سرمدية.
خامستها: أنَّ الذي فطر مخلوقاته على العجز والشوق، والفقر والحاجة، والقلق من العاقبة، ومنحَهم المحبةَ والعبودية حتى أصبحوا يحسون حبا شديدا وشوقا غامرا نحو معرفة مولاهم الحق ومالكِ أمرهم، ويشعرون بحاجتهم الماسة إلى قوة يستندون إليها ويأوون إلى كنفها -وهم يتقلبون في فقر وعجز وتوجس من العقبى- فمن مقتضى ألوهيته أن يُشعرَهم بوجودِه بتكلمه سبحانه.
وهكذا فهِم السائح أن الدلائل التي تدل بالإجماع على وجود واجب الوجود، ووحدانيته سبحانه في الوحي السماوي العام المتضمن لحقائق "التنیزلات الإلهية" و"التعرف الرباني" و"المقابلة الرحمانية" و"المكالمة السبحانية" و"الإشعار الصمداني" هي حجة كبرى، بل هي أقوى من شهادة الشمس على نفسها في رابعة النهار.
ثم نظر إلى حيث "الإلهامات" فرأى أن الإلهامات الصادقة مع أنها تتشابه -من جهة- مع الوحي، من حيث إنها نوع من المكالمة الربانية، إلّا أن هناك فرقين:
— 155 —
أولهما: أن معظم الوحي الذي هو أسمى وأعلى من الإلهام بكثير إنما يتم بوساطة الملائكة، بينما أغلب الإلهام يتم دون وساطة. ولإيضاح ذلك نورد المثال الآتي:
من المعلوم أن هناك شكلين من صور التخاطب وإصدار الأوامر للسلطان:
الأول: باسم الدولة وعظمتها وحاكميتها وسيادتها على الجميع. فيرسل أحد مبعوثيه إلى أحد ولاته، ويجتمع -أحيانا- معه، ومن ثم يبلّغ الأمر، وذلك إظهارا لعظمة تلك الحاكمية وأهمية ذلك الأمر.
الثاني: باسمه الشخصي، وليس باسم السلطنة ولا بعنوان السلطان، فيتكلم كلاما خاصا، بهاتفه الخاص، في أمر خاص، وفي معاملة جزئية، مع خادمه الخاص أو مع أحد رعيته من العوام.
وكذلك كلام سلطان الأزل سبحانه وتعالى؛ فله كلام بالوحي والإلهام الشامل -الذي يقوم بوظائفِ الوحي- يتكلم باسم رب العالمين، وبعنوان خالق الكون. وله أيضا طراز آخر من الكلام، وبشكل خاص، ومن وراء حُجب وأستار، مع كل فرد، ومع كل ذي حياة، حسب قابلياتهم، وذلك لكونه ربَّهم وخالقَهم.
الفرق الثاني: أنَّ الوحي صاف، ودون ظل، خاص للخواص. أما الإلهام ففيه ظل واختلاط ألوان. وهو عام وله أشكال متنوعة ومتفاوتة جدا؛ كإلهامات الملائكة وإلهامات الإنسان وإلهامات الحيوانات. وهي بأنواعها المختلفة وأشكالها المتباينة جدّا تبين مدى سعة الكلمات الربانية وكثرتها التي تزيد على عدد قطرات البحار.. ففهمَ السائحُ من هذا وجها من تفسير الآية الكريمة:
قل لو كان البحرُ مدادًا لكلمات ربّي لَنَفِدَ البحرُ قبلَ أن تنفَدَ كلماتُ ربي
(الكهف:١٠٩)
ثم نظر إلى ماهية الإلهام يستبطن سرَّه ويتعرف على حكمته وشهادته، فرأى أن ماهيته وحكمته ونتيجته تتركب من أربعة أنوار:
النور الأول: أنه مثلما يتودد اللّٰه سبحانه إلى مخلوقاته عن طريق أفعاله فيهم، الذي يُعرف "بالتودد الإلهي"، فإن من مقتضيات الودودية والرحمانية (أي كونه ودودا ورحمان) أن يتحبب إليهم ويتودد قولا وحضورا وصحبة أيضا.
— 156 —
النور الثاني: أنه مثلما يستجيب سبحانه لدعاء عباده بأفعاله، فإن من شأن الرحيمية إجابته لهم قولا أيضا من وراء الحجب.
النور الثالث: أنه مثلما يُمِدّ سبحانه بالأفعال استمدادَ مخلوقاته المصابين بالبلايا العسيرة والنوائب الشديدة واستغاثتَهم وتضرعهم، فإن من لازم الربوبية أن يؤنسهم ويبدّد وحشتهم، فيمدّهم بأقوالٍ إلهامية هي في حكم نوع من كلامه.
النور الرابع: أنه مثلما يُشعر سبحانه فعلا بوجوده وحضوره وحمايته لأرباب الشعور من خلقه -الذين هم في عجز وضعف شديدين، وفي فقر واضطرار كبيرين، وفي أشد الحاجة والشوق لمعرفة مالكهم وحاميهم ومدبّرهم وحفيظهم- فإنه من مقتضى رأفة الألوهية ورحمة الربانية، وضرورة لازمة لهما، أن يُشعر كذلك بحضوره ومعيّته ووجوده، لمخلوقٍ معين، بوجه خاص، حسب قابليته، بوساطة قسم من الإلهامات الصادقة، قولا إلى هاتف قلبه، مما يعدّ في حكم نوع من المكالمة الربانية.
ثم نظر إلى شهادة الإلهام فرأى أنه لو كانت للشمس حياة وشعور -فرضا- وكانت الألوان السبعة التي في ضيائها -فرضا- سبعَ صفات لها، لكان لها إذن نمطٌ من التكلم بأشعتها وتجلياتها التي في ضيائها. ففي هذه الحالة: فإن وجود صورتِها وانعكاسها في الأشياء الشفافة؛ أي تكلمها مع كل مرآة عاكسة، ومع كل شيء لماع، ومع قِطع الزجاج وحباب البحر وقطراته، حتى مع الذرات الشفافة حسب قابلية كل منها.. واستجابتها لحاجات كل منها.. كل ذلك سيكون شاهدَ صدقٍ على وجود الشمس، وعلى عدم ممانعة فعل عن فعل ولا مزاحمة كلام من كلامها لآخر..
فمثلما يشاهَد هذا بوضوح، كذلك الأمر في مكالمة سلطان الأزل والأبد ذي الجلال، وخالق جميع الموجودات ذي الجمال، النور الأزلي، هي مكالمةٌ كليّة ومحيطة، كعلمِه سبحانه وقدرته. لذا يُدرك بداهة تجلّيها الواسع حسب قابلية كل شيء، من دون أن يزاحِم سؤالٌ سؤالا، ولا يمنعَ فعل فعلا، ولا يختلطَ خطاب بخطاب.
فعلم السائح بعلم يقيني أقربَ ما يكون إلى عين اليقين أن جميع تلك التجليات والمكالمات والإلهامات كل منها وبمجموعها تدل وتشهد بالاتفاق على وجوب ذلك المنوِّر الأزلي سبحانه وعلى حضوره سبحانه وعلى وحدته وعلى أحديته.
— 157 —
وهكذا ذُكرت إشارة مختصرة إلى ما تلقاه هذا السائح المتلهف من درس المعرفة من عالم الغيب في المرتبة الرابعة عشرة والخامسة عشرة من المقام الأول:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الواحد الأحد الذي دلّ على وجوب وجوده فیي وحدته إجماعُ جميع الوحيات الحقة المتضمنة للتنیزلات الإلهية، وللمكالمات السیبحانية، وللتعرفات الربانية، وللمقابلات الرحمانية، عند مناجاة عباده، وللإشعارات الصمدانية لوجوده لمخلوقاته.. وكذا دلّ علیى وجوب وجوده في وحدته اتفاقُ الإلهامات الصادقة المتضمنة للتوددات الإلهية، وللإجابات الرحمانية لدعوات مخلوقاته، وللإمدادات الربانية لاسیتغاثات عباده، وللإحساسات السبحانية لوجوده لمصنوعاته).
ثم خاطب ذلك السائحُ في الدنيا عقلَه قائلًا: ما دمتُ أبحث عن مالكي وخالقي باستنطاق موجودات الكون هذا. فمن الأولى لي أن أزور مَن هو أكملُ إنسان في الوجود، وأعظمُ من يقود إلى الخير -حتى بتصديق أعدائه- وأعلاهم صيتًا وأصدقُهم حديثًا وأسماهم منیزلةً وأنورُهم عقلا، ألا وهو محمد (ص) الذي أضاء بفضائله وبقرآنه أربعةَ عشر قرنًا من الزمان.. ولأجل أن أحظى بزيارته الكريمة وأستفسرَ منه عما أبحثُ عنه، ينبغي أن نذهب معًا إلى خير القرون إلى عصر السعادة.. عصر النبوة... فدخل بعَقله إلى ذلك العصر فرأى أن ذلك العصر قد صار به (ص) عصرَ سعادةٍ للبشرية حقًا. لأنه (ص) قد حوّل في زمن يسير بالنور الذي أتى به قومًا غارقين في أشدِّ أمّية، وأعرقِ بداوةٍ حوّلَهم إلى أساتذةِ العالَم وسادتِه.
وكذا خاطب عقلَه قائلًا: "علينا قبل كل شيء أن نعرف شيئًا عن عظمة هذه الذات المعجزة وعن أحقية أحاديثه، وصِدق إخباره. ثم نستفسر منه عن خالقنا سبحانه".. فباشر بالبحث. فوجَد على صِدق نبوته من الأدلة القاطعة الثابتة ما لا يُعد ولا يحصى، ولكنه خلُص إلى تسع منها:
أولها: هو اتّصافُه (ص) بجميع السجايا الفاضلة والخصال الحميدة، حتى شهد بذلك غرماؤه.. وظهورُ مئات المعجزات منه؛ كانشقاق القمر الذي انشقّ إلى نصفين بإشارة من إصبعه كما نصَّ عليه القرآن: وانشق القمر (القمر:١).. وانهزامُ جيش الأعداء بما دخل أعيُنَهم جميعًا من التراب القليل الذي رماه عليهم بقبضته، كما نصت عليه الآية الكريمة:
— 158 —
وما رميت إذ رميت ولكن اللّٰه رمى
(الأنفال:١٧).. وارتواءُ أصحابه من الماء النابع كالكوثر من بين أصابعه الخمسة المباركة عندما اشتدّ بهم العطشُ.. وغيرُها من مئات المعجزات التي ظهرت بين يديه، والمنقولة إلينا نقلًا صحيحًا قاطعًا أو متواترًا، فاستطلَعها السائحُ إلى "المكتوب التاسع عشر" أي رسالة "المعجزات الأحمدية" تلك الرسالة الخارقة ذات الكرامة المتضمنة لأكثر من ثلاثمائة معجزة من معجزاته (ص) بدلائلها القاطعة وأسانيدها الموثوقة.
ثم حدّث نفسَه قائلًا: "إنَّ مَن كان ذا "أخلاق حسنة" بهذا القدر و"فضائل" إلى هذا الحد، و"معجزات" باهرة بهذه الكثرة، فلا جرم أنه صاحبُ أصدق حديث ومن ثم لا يمكن أبدًا -وحاشاه- أن يتنازل إلى الحيلة والكذب والتَمويه التي هي دأب الفاسدين".
ثانيها: كونُ القرآن الذي بيده (ص) معجِزًا من سبعة أوجه، ذلك الأمر الصادر من مالك الكون الذي يسلّم به ويصدّقُه أكثرُ من ثلاثمائة مليونٍ من البشر في كل عصر. ولما كانت "الكلمة الخامسة والعشرون" أي رسالة "المعجزات القرآنية" وهي شمس "رسائل النور" قد أثبتت بدلائل قوية أنَّ هذا القرآن الكريم معجِزٌ من أربعين وجهًا، وأنه كلام رب العالمين، لذا أحال السائحُ ذلك إلى تلك الرسالة المشهورة لبيانها المفصل للإعجاز. ثم قال: إنَّ الأمين على كلام اللّٰه، والمترجِم الفعلي له، والمبلِّغ لهذا النبأ العظيم إلى الناس كافة، وهو الحق بعينه والحقيقة بذاتِها، لا يمكن أنْ يصدر منه كذبٌ قط، ولن يكون موضعَ شبهة أبدًا.
ثالثها: إنه (ص) قد بعث بشريعةٍ مطهَّرة، وبدِينٍ فطري، وبعبودية خالصة، وبدعاء خاشع، وبدعوة شاملة، وبإيمان راسخ، لا مثيلَ لِمَا بُعثَ به ولن يكون، -وما وُجِد- أكملُ منه ولن يوجد.
لأن "الشريعة" التي تجلّت من أمّيّ (ص) وأدارت خمسَ البشرية على اختلافها منذ أربعة عشر قرنًا إدارةً قائمة على الحق والعدل بقوانينها الدقيقة الغزيرة، لا تَقبل مثيلًا أبدًا.
وكذا "الإسلام" الذي صدر من أفعال أمّيٍ (ص) ومن أقواله ومن أحواله، هو رائدُ ومصدرُ ثلاثِمائة مليون من البشر ومرجعُهم في كل عصر، ومعلِّمٌ لعقولهم ومرشدٌ لها، ومنوِّرٌ لقلوبهم ومهذِّبٌ لها، ومربٍّ لنفوسهم ومزكٍّ لها، ومَدارٌ لانكشاف أرواحهم ومعدِنٌ لسموها، لم يأت ولن يأتيَ له مثيل.
— 159 —
وكذا تفوُّقُه (ص) في جميع أنواع "العبادات" التي يتضمنها دينُه، وتقواه العظيمة أكثر من أي أحدٍ كان، وخشيتُه الشديدة من اللّٰه ومجاهدتُه المتواصلة ورعايتُه الفائقة لأدقّ أسرار العبودية حتى في أشدّ الأحوال والظروف، وقيامُه (ص) بتلك العبودية الخالصة، دون أن يقلّد أحدًا وبكل معانيها مبتدئًا، وبأكملِ صورة، موحِّدًا الابتداء والانتهاء، لا شك لم يُرَ ولن يُرَى له مثيل.
وكذا فإنه يصف، "بالجوشن الكبير" -الذي هو واحدٌ من آلاف أدعيته ومناجاته- يصف ربَّه بمعرفةٍ ربانية سامية لم يبلُغ العارفون والأولياء جميعًا تلك المرتبة من المعرفة، ولا درجةَ ذلك الوصف منذ القِدَم مع تلاحق الأفكار.. مما يُظهِر أنه لا مثيلَ له في "الدعاء". ومن ينظر إلى الإيضاح المختصر لفقرة واحدة من بين تسع وتسعين فقرة للجوشن الكبير -وذلك في مستهل رسالة "المناجاة"- لا يسَعُه إلّا القول أنه لا مثيل لهذا الدعاء الرائع (الجوشن) الذي يمثّل قمة المعرفة الربانية.
وكذا فإن إظهاره في "تبليغ الرسالة" وفي دعوته الناسَ إلى الحق من الصلابة والثبات والشجاعة ما لا يقاربُها أحدٌ، فلم يُداخله -ولو بمقدار ذرة- أيُّ أثرٍ للتردد ولا ساوَرَه القلقُ قط، ولم ينَل الخوفُ منه شيئًا، رغم معاداة الدول الكبرى والأديان العظمى له -وحتى قومه وقبيلته وعمه ناصَبوه العداء الشديد- فتحدّى وحده الدنيا بأسرها، ونصره اللّٰه وأعزّه فكلل هامة الدنيا بتاج الإسلام، فمَن مِثلُ محمد (ص) في تبليغ رسالات اللّٰه؟..
وكذا حملُه "إيمانًا قويًا راسخًا، ويقينًا جازمًا خارقًا، وانكشافًا للفطرة معجِزًا، واعتقادًا ساميًا ملأ العالَم نورًا " فلم تتمكن أن تؤثر فيه جميعُ الأفكار والعقائد وحكمةُ الحكماء وعلومُ الرؤساء الروحانيين السائدة في ذلك العصر، ولو بشبهةٍ، أو بتردد، أو بضعف، أو بوسوسة. نعم، لم تتمكن أن تؤثرَ لا في يقينه، ولا في اعتقاده ولا في اعتماده على اللّٰه، ولا في اطمئنانه إليه، مع معارضتِها له ومخالفتها إياه، وإنكارِها عليه. زد على هذا استلهامَ جميعِ الذين ترقّوا في المعنويات والمراتب الإيمانية من أهل الولاية والصلاح، وفي مقدّمتهم الصحابة الكرام، واستفاضتهم دومًا من مرتبته الإيمانية، ورؤيتهم له أنه في أسمى الدرجات والمراتب. كل ذلك يُظهر -بداهة- أن إيمانَه (ص) لا مثيل له أيضًا.
— 160 —
ففهم السائح وصدق عقلُه أيضًا أن مَن كان صاحبَ هذه الشريعة السمحاء التي لا مثيل لها، والإسلامِ الحنيف الذي لا شبيه له، والعبوديةِ الخالصة التي لا نظير لها، والدعاءِ البديع الرائع، والدعوى الكونية الشاملة، والإيمانِ المعجِز، لن يكونَ عنده كذبٌ قط، ولن يكون خادعًا أبدًا.
الدليل الرابع: إجماعُ الأنبياء عليهم السلام واتفاقُهم على الحقائق الإيمانية نفسِها كما أنه دليلٌ قاطع على وجود اللّٰه سبحانه وعلى وحدانيته، فهو شهادةٌ صادقة أيضًا على صدقِ هذا النبي (ص) وعلى رسالته، ذلك لأن كلَّ ما يدلّ على صدق نبوة أولئك الأنبياء عليهم السلام، وكلَّ ما هو مدارٌ لنبوتهم من الصفات القدسية، والمعجزاتِ، والمهامِّ التي اضطلعوا بها يوجد مثلُها وبأكملَ منها فيه (ص)، كما هو مصدَّق تاريخًا. فأولئك الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا بلسان المقال -أي بالتوراة والإنجيل والزبور والصحف التي بين أيديهم- بمجيء هذه الذات المباركة وبشّروا الناس بقدومه (ص) (حتى إن أكثر من عشرين إشارة واضحة ظاهرة من الإشارات المبشِّرة لتلك الكتب المقدسة قد بُيّنت بيانًا جليًا وأُثبتت في رسالة المعجزات الأحمدية) فكما أنهم قد بشّروا بمجيئه (ص) فإنهم يصدّقونه (ص) بلسان حالهم -أي بنبوتهم وبمعجزاتهم- ويختمون بالتأييد على صدق دعوتِه إذ هو السابقُ الأكملُ في مهمة النبوة والدعوة إلى اللّٰه. فأدرك السائحُ أنهم مثلما يدلّون -أي أولئك الأنبياءُ- بلسان المقال والإجماع على الوحدانية، فإنهم يشهدون -بلسان الحال وبالاتفاق كذلك- على صدق هذا النبي الكريم (ص).
الدليل الخامس: إن وصولَ آلاف الأولياء إلى الحق والحقيقة، وما نالوا من الكمالات والكرامات وما فازوا من الكشفيات والمشاهدات ليس إلّا بالاقتداء بهَدي دساتير هذا النبي (ص)، وبتربيته، وباتّباعه، وتعقّب أثَره، فمثلما أنهم يدلّون جميعًا على الوحدانية فهم يشهدون بالإجماع والاتفاق على صدق هذا النبي الكريم (ص) -أستاذهم وإمامهم- وعلى أحقّية رسالته. فرأى السائحُ أن مشاهدة هؤلاء قسمًا مما أخبرَ به (ص) من عالم الغيب بنور الولاية واعتقادهم به وتصديقهم لجميع ما أخبر به بنور الإيمان له -إما بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين- إنما تُظهر ظهورًا كالشمس: ما أصدقَ مرشدَهم الأعظم وما أحقَّ رائدَهم الأكبر (ص).
— 161 —
الدليل السادس: إن ملايينَ العلماء المُدققين الأصفياء، والمحَققين الصديقين، ودهاةَ الحكماء المؤمنين، ممن بلغوا أعلى المراتب بفضل ما درسوا وتتلمذوا على ما جاء به هذا النبيُّ الكريم (ص) -مع كونه أميًا- من الحقائق القدسية، وما أبدعه من العلوم العالية، وما كشفه من المعرفة الإلهية.. إن هؤلاء جميعًا مثلما يُثبتون الوحدانية التي هي الأساس لدعوته (ص) ويصدقّونها متفقين ببراهينهم القاطعة فإنهم يتفقون كذلك ويشهدون على صدق هذا المعلِّم الأكبر وصوابِ هذا الأستاذ الأعظم وعلى أحقيةِ كلامه (ص). فشهادتُهم هذه حجةٌ واضحة كالنهار على صدقه وصواب رسالته، وما "رسائل النور" بأجزائها التي تزيد على المائة مثلًا إلّا برهانٌ واحد فقط على صدق وصواب هذا النبي الحبيب (ص).
الدليل السابع: إن الجمعَ العظيم الذين يُطلق عليهم (الآل والأصحاب) الذين هم أشهرُ بني البشر بعد الأنبياء فراسةً وأكثرُهم درايةً، وأسماهم كمالاتٍ وأفضلُهم منیزلة، وأعلاهم صيتًا، وأشدُّهم اعتصامًا بالدين، وأحدُّهم نظرًا... إن تحريّ هؤلاء وتفتيشَهم وتدقيقهم لجميع ما خفيَ وما ظهرَ من أحوال هذا النبي الكريم (ص) وأفكارِه وتصرفاتِه بحثًا بكمال اللهفة والشوق، وبغاية الدقة، وبمنتهى الجدّية، ثم تصديقهم بالاتفاق والإجماع أنه (ص) هو أصدقُ مَن في الدنيا حديثًا، وأسماهم مكانةً وأشدُّهم اعتصامًا بالحق والحقيقة. فتصديقُهم هذا الذي لا يتزعزع مع ما يملكون من إيمان عميق، إنما هو دليلٌ باهر كدلالة النهار على ضياء الشمس.
الدليل الثامن: إنَّ هذا الكون مثلما يدل على صانعِه، وكاتبِه، ومصوِّره الذي أوجده، والذي يديره، ويرتّبه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير كأنه قصرٌ باذخ، أو كأنه كتابٌ كبير، أو كأنه مَعرِضٌ بديع، أو كأنه مشهر عظيم، فهو كذلك يستدعي لا محالة وجودَ مَن يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلَم ويُعلِّم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، ويعلِّم الحكم الربانية في تحولاته وتبدلاته، ويدرِّس نتائج حركاته الوظيفية، ويعلن قيمةَ ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات. أي يقتضي داعيًا عظيمًا، ومناديًا صادقًا، وأستاذًا محققًا، ومعلِّمًا بارعًا. فأدرك السائحُ: أن الكون -من حيث هذا الاقتضاء- يدل ويشهد على صدق هذا النبي الكريم (ص) وصوابِه الذي هو أفضلُ من أتمّ هذه الوظائف والمهمات، وعلى كونه أفضلَ وأصدقَ مبعوث لرب العالمين.
— 162 —
الدليل التاسع: ما دام هناك وراء الحجاب مَن يشهر كمالات إبداعه، بمصنوعاته هذه؛ ذات الإتقان والحكمة.. ويعرِّف نفسَه ويودِّدُها، بمخلوقاته غير المحدودة ذات الزينة والجمال.. ويُوجِب الشكرَ والحمد له، بنِعَمه التي لا تُحصى ذات اللذة والنفاسة.. ويشوّق الخلقَ إلى العبادة نحو ربوبيته بعبودية تتّسم بالحب والامتنان والشكر إزاء هذه التربية، والإعاشة العامة، ذات الشفقة والحماية (حتى إنه يهيئ أطعمة وضيافات ربانية تُطَمئِن أدقَّ أذواق الأفواه وجميع أنواع الاشتهاء)... ويُدين الخلقَ إلى الإيمان والتسليم والانقياد والطاعة نحو ألوهيته التي يُظهرها بتبديل المواسم، وتكوير الليل على النهار، واختلافهما، وأمثالها من التصرفات العظيمة، والإجراءات الجليلة، والفعالية المدهشة والخلاقية الحكيمة... ويُظهر عدالتَه وانتصافه بحمايته دومًا البرَّ والأبرار وإزالته الشر والأشرار ومَحقِه الظالمين والكذابين وإهلاكِهم بنوازل سماوية.
فلا جرم، أنَّ أحب مخلوقٍ لدى ذلك المستتر بالغيب، وأصدقَ عبدٍ له هو مَن كان عاملًا خالصًا لمقاصده المذكورة آنفًا، ومَن يحُلّ السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لَغزَه، ومن يسعى دومًا باسم خالقه ويستمد القوة منه ويستعين به وحده في كل شيء فينال المَدَد والتوفيق منه سبحانه. ومن ذا يكون هذا غيرَ محمد القرشي عليه الصلاة والسلام.
ثم خاطب السائح عقلَه: "لَمّا كانت هذه الحقائق التسع شاهدةَ إثبات على صدق هذا النبي الكريم (ص). فلا ريب إذن: أنه قُطبُ شرَف البشرية، ومدارُ افتخار العالم، وأنه حَريّ ولائق تسميتُه شرفُ بني آدم، وتلقيبُه بفَخر العالمين. وأن ما في يده من أمر الرحمن وهو القرآن الكريم المهيمنُ جلالُ سلطانه المعنوي على نصف الأرض مع ما يملك من كمالاته الشخصية وخصاله السامية يظهران أن أعظم إنسان في الوجود هو هذا النبي العظيم، فالقول الفصلُ إذن بحق خالقنا سبحانه هو قولُه (ص)".
فتعال يا عقلي وتأمل: إنَّ أساس جميع دعاوى هذا النبي الكريم (ص)، وغايةَ حياته كلِّها، إنما هي الشهادة على وجود واجب الوجود، والدلالة على وحدانيته، وبيان صفاته الجليلة، وإظهار أسمائه الحسنى، وإثبات كل ذلك، وإعلانه، وإعلامه؛ استنادًا إلى ما في دينه من ألوف الحقائق الراسخة الأساس وإلى قوة ما أظهره اللّٰه على يده من مئاتٍ من معجزاته القاطعة الباهرة.
— 163 —
أي إنَّ الشمس المعنوية التي تضيء هذا الكون والبرهانَ النيّر على وجود خالقنا سبحانه ووحدانيته، إنما هو هذا النبي الكريم الملقّب بی"حبيب اللّٰه" (ص). فهنالك ثلاثة أنواع من الإجماع عظيمة لا تخدع ولا تنخدع، تؤيد شهادته وتصدّقها:
الإجماع الأول: إجماعُ الذين اشتهروا، وتميزوا في العالم باسم (آل محمد (ص)) تلك الجماعة النورانية التي يتقدمها الإمامُ علي رضي اللّٰه عنه الذي قال: "لو رُفع الحجاب ما ازددتُ يقينًا"، وخلفَه آلاف الأولياء العظام من ذوي البصائر الحادة والنظر الأنيس للغيب من أمثال الشيخ الكيلاني (قُدس سرُّه) الذي كان ينظر ببصيرته النافذة إلى العرش الأعظم وإسرافيلَ بعظمته وهو بعدُ على الأرض.
الإجماع الثاني: إجماع تلك الجماعة المعروفة بالصحابة الكرام المشهورين في العالم رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين وتصديقُهم بالاتفاق وبإيمان راسخ قوي لهذا النبي الكريم، حتى ساقهم ذلك إلى التضحية والفداء بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وعشيرتهم، وهم الذين كانوا قومًا بدوًا يقطنون في محيط أمّيٍ خالٍ من مظاهر الحياة الاجتماعية والأفكار السياسية، ليس لهم هدى ولا كتابٌ منير. وكانوا مغمورين في ظلمة عصر "الفترة"، فصاروا في زمن يسير أساتذةً مرشدين وسياسيين وحكامًا عادلين لأرقى الأمم حضارة وعلمًا واجتماعًا وسياسةً، فحكموا العالم شرقًا وغربًا ورفرفت راياتُ عدالتهم برًا وبحرًا.
الإجماع الثالث: هو تصديق الجماعة العظيمة من العلماء الأجلاء الذين لا يُعدون ولا يُحصَون، المتبحرين في علومهم والمحققين المدققين الذين نشأوا في أمته وسلكوا مسالك شتى، ولهم في كل عصر آلافٌ من الحائزين على قصب السبق -بدهائهم- في كل علم. فتصديقُ هؤلاء جميعًا له بالاتفاق وبدرجة علم اليقين إجماعٌ أيُّ إجماع!..
فحَكَم السائح بأن شهادة هذا النبي الأمي (ص) على الوحدانية ليست شهادةً شخصية وجزئية، وإنما هي شهادةٌ عامة وكلّيةٌ راسخة لا تتزعزع، ولن تستطيع أن تجابهها الشياطينُ كافة في أية جهة ولو اجتمعوا عليها.
وهكذا ذُكرتْ إشارةٌ مختصرة لما تلقّاه ذلك السائح الذي جال بعقله في عصر السعادة جوانبَ الحياة من تلك المدرسة النورانية في "المرتبة السادسة عشرة من المقام الأول" كالآتي:
— 164 —
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الواحدُ الأحدُ الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته: فخر العالم وشرف نوع بني آدم ، بعظمة سلطنةِ قرآنه ، وحشمةِ وسعةِ دينهِ ، وكثرةِ كمالاته ، وعلويّة أخلاقه ، حتى بتصديق أعدائهِ . وكذا شَهد وبرهن بقوةِ مئات المعجزات الظاهرات الباهرات المصدَّقةِ ، وبقوة آلاف حقائق دينه الساطعة القاطعة ، بإجماع آله ذوي الأنوار ، وباتفاق أصحابه ذوي الأبصار ، وبتوافق مُحَقِقي أمتهِ ذوي البراهين والبصائر النّوّارة) .
ثم إن السائح الذي لا يناله تعب ولا شبع والذي علم أن غاية الحياة في هذه الدنيا بل حياة الحياة إنما هو الإيمان، حاور هذا السائح قلبه قائلا:
إنّ كلام من نبحث عنه الذي هو أشهر كلام في هذا الوجود وأصدقه وأحكمه، وقد تحدى في كل عصر من لا ينقاد إليه، ذلك القرآن الكريم ذو البيان المعجز.. فلنراجع إذن هذا الكتاب الكريم، ولنفهم ماذا يقول.. ولكن لنقف لحظة قبل دخولنا هذا العالم الجميل لنبحث عما يجعلنا نستيقن أنه كتاب خالقنا نحن.. وهكذا باشر بالتدقيق والبحث.
وحيث إن هذا السائح من المعاصرين فقد نظر أولا إلى رسائل النور التي هي لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، فرأى أن هذه الرسائل البالغة مائة وثلاثين رسالة هي بذاتها تفسير قيّم للآيات الفرقانية إذ إنها تكشف عن نكاتها الدقيقة وأنوارها الزاهية.
ورغم أن رسائل النور قد نَشرت الحقائق القرآنية بجهاد متواصل إلى الآفاق كافة، في هذا العصر العنيد الملحد، لم يستطع أحد أن يعارضها أو ينقدها، مما يثبت أن القرآن الكريم الذي هو رائدها ومنبعها ومرجعها وشمسها إنما هو سماوي من كلام اللّٰه رب العالمين، وليس بكلام بشر. حتى إن "الكلمة الخامسة والعشرين" وختام "المكتوب التاسع عشر" وهما حجة واحدة من بين مئات الحجج، تقيمها رسائلُ النور لبيان إعجاز القرآن، فتثبته بأربعين وجها، إثباتا حيّر كل من نظر إليها، فقدّرها وأعجب بها -ناهيك عن أنهم لم ينقدوها ولم يعترضوا عليها قط- بل أثنوا عليها كثيرا.
هذا وقد أحال السائح إثبات وجه الإعجاز للقرآن الكريم، وأنه كلام اللّٰه سبحانه حقا إلى رسائل النور إلّا أنه أنعم النظر في بضع نقاط تبين بإشارة مختصرة عظمة القرآن الكريم:
— 165 —
النقطة الأولى: مثلما أن القرآن الكريم بكل معجزاته وحقائقه الدالة على أحقيته هو معجزة لمحمد (ص)، فإن محمدا بكل معجزاته ودلائل نبوته وكمالاته العلمية معجزة أيضا للقرآن الكريم وحجة قاطعة على أن القرآن الكريم كلام اللّٰه رب العالمين.
النقطة الثانية: إن القرآن الكريم قد بدّل الحياة الاجتماعية تبديلا هائلا نوّر الآفاق وملأها بالسعادة والحقائق، وأحدث انقلابا عظيما سواء في نفوس البشر وقلوبهم، أو في أرواحهم وعقولهم، أو في حياتهم الشخصية والاجتماعية والسياسية، وأدام هذا الانقلاب وأداره، بحيث إن آياته البالغة ستة آلاف وستمائة وستا وستين آية [٭]: ألف آية أمر، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) (البقرة:٤٣). وألف آية نهى، كقوله تعالى: (ولا تقربوا الزنى) (الإسراء:٣٢). وألف آية وعد، كقوله تعالى (ومن يطع اللّٰه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) (الأحزاب:٧١). وألفٌ وعيد، كقوله تعالى (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم) (النساء:٩٣) الآية. وألفٌ خبر، كقوله تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ءامنًا) (إبراهيم:٣٥) الآية. وألفٌ قصص، كقصة يوسف عليه السلام مع إخوته. و(ستمائة) فيها أحكام من حلال وحرام. و(ست وستون) ناسخ ومنسوخ. [٭]: من تفسير أبدع البيان لجميع آي القرآن للشيخ محمد بدرالدين التلوي ص ٣، دار النيل، إزمير ١٩٩٢. ورواه ابن خزيمة في كتابه: "الناسخ والمنسوخ" تُتلى منذ أربعة عشر قرنا في كل آن بألسنة أكثر من مائة مليون شخص في الأقل بكل إجلال واحترام، فيربي الناس ويزكي نفوسهم، ويصفى قلوبهم، ويمنح الأرواح انكشافا ورقيا، والعقول استقامة ونورا، والحياة حياةً وسعادة. فلا شك أنه لا نظير لمثل هذا الكتاب ولا شبيه له ولا مثيل. فهو خارق، وهو معجزة.
النقطة الثالثة: إن القرآن الكريم قد أظهر بلاغة أيما بلاغة، منذ ذلك العصر إلى زماننا هذا، حتى إنه حطّ من قيمة "المعلقات السبع" المشهورة وهي قصائد أبلغِ الشعراء، كُتبت بالذهب وعُلّقت على جدران الكعبة، حتى إن ابنة "لبيد"(٭) أَنزلت قصيدة أبيها مِن على جدار الكعبة قائلة: "أما وقد جاءت الآيات فليس لمثلك هنا مقام".
وكذا عندما سمع أعرابيّ أديبٌ الآيةَ الكريمة: فاصْدَع بما تُؤمَر (الحجر:٩٤) خرّ ساجدا فقيل له: أأسلمتَ؟ قال: لا، بل سجدت لبلاغة هذه الآية.
وكذا، فإن آلافا من أئمة البلاغة وفحول الأدب أمثال عبد القاهر الجرجاني والسكاكي والزمخشري قد أقرّوا بالإجماع والاتفاق أن بلاغة القرآن فوق طاقة البشر ولا يمكن أن تُدرك.
— 166 —
وكذا، فان القرآن الكريم منذ نزوله -وما زال- يتحدى كل مغرور ومتعنت من الأدباء والبلغاء، وينال من عتوهم وتعاليهم، تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله.. أو أن يَرضَوا بالهلاك والذل في الدنيا والآخرة.
وبينما يعلن القرآن تحدّيه هذا، إذا ببلغاء ذلك العصر العنيدين قد تركوا السبيل القصيرة وهي المضاهاة والمعارضة والإتيان بسورة من مثله، سالكين السبيل الطويلة، سبيلَ الحرب التي تأتي بالويل والدمار على الأرواح والأموال، مما يُثبت اختيارُهم هذا أنه لا يمكن المسير في تلك السبيل القصيرة.
وكذا، ففي متناول الأيدي ملايين الكتب العربية التي كتبها أولياء القرآن بشغف اقتباس أسلوبه وتقليده، أو كتبها أعداؤه لأجل معارضته ونقده، فكل ما كُتِب ويُكتب، مع التقدم والرقي في الأسلوب الناشئ من تلاحق الأفكار -ومنذ ذلك الوقت وإلى الآن- لا يمكن أن يضاهي أو يداني أيٌّ منها أسلوبَ القرآن، حتى لو استمع رجل عامي لما يُتلى من القرآن الكريم لاضطر إلى القول: إن هذا القرآن لا يشبه أيا من هذه الكتب؛ فإما أن يكون أسفل الجميع وإما أن يكون فوق الجميع. ولن يستطيع إنسان كائنا من كان، ولا كافر ولا أحمق أن يقول: إنه أسفل الجميع، فلابد إذن أن مرتبة بلاغته فوق الجميع. حتى قد تلا أحدهم الآية الكريمة:
سَبَّحَ للّٰه ما في الَّسمواتِ والارضِ
(الحديد:١) ثم قال: "إني لا أرى الوجه المعجز الذي ترونه في بلاغة هذه الآية الكريمة". فقيل له: "عُدْ بخيالك -كهذا السائح- إلى ذلك العصر واستمع إليها هناك". وبينما هو يتخيل نفسه هناك فيما قبل نزول القرآن الكريم، إذا به يرى أن موجودات العالم ملقاة في فضاء خالٍ شاسع دون حدود، في دنيا فانية زائلة، وهي في حالة يائسة مضطربة تتخبط في ظلمة قاتمة، وهي جامدة دون حياة وشعور، وعاطلة دون وظيفة ومهام. ولكن حالما أنصت إلى هذه الآية الكريمة وتدبر فيها إذا به يرى أن هذه الآية قد كَشفت حجابا مُسدلا عن وجه الكون وعن وجه العالم كله حتى بان ذلك الوجه مشرقا ساطعا، فألقى هذا الكلام الأزلي والأمر السرمدي درسا على جميع أرباب المشاعر المصطفين حسب العصور كلها ومظهرا لهم أن هذا الكون بحكمِ مسجد كبير، وأن جميع المخلوقات -ولاسيما السماوات والأرض- منهمكة في ذكر وتهليل وتسبيح ينبض بالحيوية. وقد تسنم الكلُّ وظائفَهم بكل شوق ونشوة، وهم ينجزونها بكل سعادة وامتنان.
— 167 —
هكذا شاهد السائح سريان مفعول هذه الآية الكريمة في الكون، فتذوق مدى سمو بلاغتها، وقاس عليها سائر الآيات الكريمة، فأدرَك السر في هيمنة بلاغة القرآن الفريدة لنصف الأرض وخمس البشرية، وعَلِم حكمةً واحدة من آلاف الحِكم لديمومة جلال سلطان القرآن الكريم بكل توقير وتعظيم على مدى أربعة عشر قرنا من الزمان دون انقطاع.
النقطة الرابعة: إن القرآن الكريم قد أظهر عذوبة وحلاوة ذات أصالة وحقيقة بحيث إن التكرار الكثير -المسبب للسآمة حتى من أطيب الأشياء- لا يورث الملال عند من لم يفسد قلبه ويبلد ذوقه، بل يزيد تكرار تلاوته من عذوبته وحلاوته. وهذا أمر مسلّم به عند الجميع منذ ذلك العصر، حتى غدا مضرب الأمثال.
وكذا فقد أظهر القرآن الكريم من الطراوة والفتوة والنضارة والجدّة بحيث يحتفظ بها وكأنه قد نزل الآن، رغم مرور أربعة عشر قرنا من الزمان عليه، ورغم تيسر الحصول عليه للجميع. فكل عصر قد تلقاه شابا نضرا وكأنه يخاطبه. وكل طائفة علمية مع أنهم يجدونه في متناول أيديهم وينهلون منه كل حين ويقتفون أثر أسلوب بيانه، يرونه محافظا دائما على الجدة نفسها في أسلوبه والفتوة عينها في طرز بيانه.
النقطة الخامسة: إن القرآن الكريم قد بسط أحد جناحيه نحو الماضي والآخرَ نحو المستقبل، فالحقيقة التي اتفق عليها الأنبياء السابقون هي جذر القرآن وأحد جناحيه، فهو يصدّقهم ويؤيدهم، وهم بدورهم يؤيدونه ويصدقونه بلسان حال التوافق.
وكذلك فإن الأولياء الصالحين والعلماء الأصفياء هم ثمار استمدت الحياة من شجرة القرآن الكريم. فتكاملُهم الحيوي يدل على أن شجرتهم المباركة هي ذات حياة وعطاء وذات فيض دائم وذات حقيقة وأصالة. فالذين انضووا تحت حماية جناحه الثاني، وعاشوا في ظلاله من أصحاب جميع الطرق الحقة للولاية وأربابِ جميع العلوم الحقة للإسلام يشهدون أن القرآن هو عين الحق ومجمع الحقائق، ولا مثيل له في جامعيته وشموليته، فهو معجزة باهرة.
النقطة السادسة: إن الجهات الست للقرآن الكريم منورة مضيئة، مما يُبيّن صدقه وعدله.
نعم، فمِن تحته أعمدة الحجج والبراهين، وعليه تتألق سكة الإعجاز، وبين يديه (هدفه) هدايا سعادة الدارين، ومن خلفه (أي نقطة استناده) حقائق الوحي السماوي، وعن يمينه
— 168 —
تصديقُ ما لا يحد من أدلة العقول المستقيمة، وعن يساره الاطمئنان الجاد والانجذاب الخالص والاستسلام التام للقلوب السليمة والضمائر الطاهرة.
وإذ تثبت -تلك الجهات الست- أن القرآن الكريم حصن حصين سماوي في الأرض لا يقوى على خرقه خارق ولا ينفذ من جداره نافذ، هناك أيضا ستة "مقامات" تؤكد أنه الصدق بذاته والحق بعينه وأنه ليس بكلام بشر قط وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وأول تلك المقامات تأييدُ مصرّف هذا الكون ومدبره، الذي اتخذ إظهار الجميل وحماية البرّ والصدق ومحق الخداعين وإزالة المفترين سنّةً جارية لفعاليته سبحانه، فأيَّد سبحانه وصدَّقَ هذا القرآن بما منحه من مقام احترام وتعظيم وأولاه من مرتبة توفيق وفلاح هو أكثر قبولا وأعلى مرتبة وأعظم هيمنة في العالم.
وكذا فإن الاعتقاد الراسخ والتوقير اللائق من الذات المباركة (ص) نحو القرآن الكريم يفوق الجميع وهو منبع الإسلام وترجمان القرآن، وكونه بين اليقظة والنوم حينما يتنیزل عليه الوحي فيتنیزل عليه دون إرادته، وعدم بلوغ سائر كلامه شأوه، بل عدم مشابهته له رغم أنه أفصح الناس، وبيانه -بهذا القرآن- بيانا غيبيا لِما مضى من الحوادث الكونية الواقعة ولِما ستأتي منها مع أميته من دون تردد وبكل اطمئنان، وعدم ظهور أية حيلة أو خطأ أو ما شابهها من الأوضاع منه مهما صغرت رغم أنه بين أنظار أشد الناس إنعاما لتصرفاته.. فإيمان هذا الترجمان الكريم والمبلغ العظيم (ص) وتصديقه بكل قوته لكل حكم من أحكام القرآن الكريم، وعدم زعزعة أي شيء له مهما عظم يؤيد ويؤكد أنَّ القرآن سماوي وكله صدق وعدل وكلام مبارك للرب الرحيم.
وكذا فإن ارتباط خمس البشرية، بل الشطر الأعظم منهم بذلك القرآن الكريم المشاهَد أمامهم ارتباطَ انجذابٍ وتدينٍ، واستماعَهم إليه بجد وشوق ولهفة، وتوافدَ الجن والملك والروحانيين إليه والتفافهم حوله عند تلاوته التفافَ الفراشة العاشقة للنور بشهادة أمارات ووقائع وكشفيات صادقة كثيرة.. كل ذلك تصديق بأن هذا القرآن هو محل رضى الكون وإعجابه، وأن له فيه أسمى مقام وأعلاه.
— 169 —
وكذا فإن أخذ كل طبقة من طبقات البشر -ابتداءً من الغبي الشديد الغباء والعامي إلى الذكي الحاد الذكاء والعالم- نصيبَها كاملة من الدروس التي يلقيها القرآن الكريم، وتفهّمَهم منه أعمق الحقائق، واستنباط جميع الطوائف من علماء مئات العلوم والفنون الإسلامية، وبخاصة مجتهدي الشريعة السمحة ومحققي أصول الدين وعباقرة علم الكلام وأمثالهم، واستخراجهم الأجوبة الشافية لما يحتاجونه من المسائل التي تخص علومهم من القرآن الكريم.. إنما هو تصديق بأن القرآن الكريم هو منبع الحق ومعدن الحقيقة.
وكذا فإن عدم معارضة أدباء العرب الذين هم في المقدمة في الأدب ولاسيما الذين لم يدخلوا الإسلام -مع رغبتهم الملحة في المعارضة- وعجزَهم عجزا تاما أمام وجه واحد -وهو الوجه البلاغي- من بين وجوه إعجاز القرآن السبعة الكبرى، وعجزهم عن الإتيان بسورة واحدة فقط من مثله، وصدودهم عن ذلك، وعدم معارضته ممن أتى من مشاهير البلغاء وعباقرة العلماء لحدّ الآن لأي وجه من وجوه الإعجاز -مع رغبتهم في ذيوع صيتهم بالمعارضة- وسكوتهم عاجزين عن ذلك، لهو حجة قاطعة الأ أن القرآن الكريم معجزة وفوق طاقة البشر.
نعم، إن قيمة الكلام وعلوه وبلاغته تتوضح في بيان: "مَن قاله؟ ولمن قاله؟ ولِمَ قاله؟".
وبناءً على هذا فإن القرآن الكريم لم يأت -ولن يأتي- مثلُه ولن يدانيه شيء قط؛ ذلك لأن القرآن الكريم إنما هو خطاب من رب العوالم جميعا وكلام من خالقها، وهو مكالمة لا يمكن تقليدها -بأي جانب من الجوانب- وليس فيه أمارة تومئ بالتصنع. ثم إن المخاطب هو مبعوث باسم البشرية قاطبة، بل باسم المخلوقات جميعا، وهو أكرم من أصبح مخاطبا وأرفعهم ذكرا، وهو الذي ترشح الإسلامُ العظيم من قوة إيمانه وسعته، حتى عرج به إلى قاب قوسين أو أدنى فنیزل مكللا بالمخاطبة الصمدانية.
ثم إن القرآن الكريم المعجز البيان قد بيّن سبيل سعادة الدارين، ووضح غايات خلق الكون، وما فيه من المقاصد الربانية موضحا ما يحمله ذلك المخاطب الكريم من الإيمان السامي الواسع الذي يضم الحقائق الإسلامية كلها عارضا كل ناحية من نواحي هذا الكون الهائل ومقلبا إياه كمن يقلب خارطة أو ساعة أمامه. معلّما الإنسانَ صانعَه الخالقَ سبحانه من
— 170 —
خلال أطوار الكون وتقلباته. فلا ريب ولابد أنه لا يمكن الإتيان بمثل هذا القرآن أبدا، ولا يمكن مطلقا أن تُنال درجةُ إعجازه.
وكذا فإن الآلاف من العلماء الأفذاذ الذين قام كل منهم بكتابة تفسير للقرآن الكريم في مجلدات بلغ قسم منها ثلاثين أو أربعين مجلدا بل سبعين مجلدا، وبيانهم بأسانيدهم ودلائلهم لما في القرآن الكريم مما لا يحد من المزايا السامية والنكات البليغة والخواص الدقيقة والأسرار اللطيفة والمعاني الرفيعة والإخبارات الغيبية الكثيرة بأنواعها المختلفة، وإظهار كل هؤلاء لتلك المزايا وإثباتهم لها.. دليل قاطع على أن القرآن الكريم معجزة إلهية خارقة وبخاصة إثبات كل كتاب من كتب رسائل النور البالغة مائة وثلاثين كتابا لمزية من مزايا القرآن الكريم ولنكتة من نكاته البديعة إثباتا قاطعا بالبراهين الدامغة، ولاسيما رسالة "المعجزات القرآنية" و"المقام الثاني من الكلمة العشرين" الذي يستخرج كثيرا من خوارق الحضارة من القرآن الكريم أمثال القطار والطائرة. و"الشعاع الأول" المسمى بی"الإشارات القرآنية" الذي يبين إشاراتِ آياتٍ إلى رسائل النور وإلى الكهرباء، والرسائل الصغيرة الثمانية المسماة بی"الرموز الثمانية" التي تبين مدى الانتظام الدقيق في حروف القرآن الكريم وكم هي ذات أسرار ومعان غزيرة، والرسالة الصغيرة التي تبين خواتيم سورة الفتح وتثبت إعجازها بخمسة وجوه من حيث الإخبار الغيبي، وأمثالها من الرسائل.. فإن إظهار كل جزء من أجزاء رسائل النور لحقيقة من حقائق القرآن الكريم ولنور من أنواره كل ذلك تصديق وتأكيد بأن القرآن الكريم ليس له مثيل، وأنه معجزة وخارقة، وأنه لسان الغيب في عالم الشهادة هذا، وأنه كلام علام الغيوب.
وهكذا، لأجل هذه المزايا والخواص للقرآن الكريم التي أشير إليها في ست نقاط، وفي ست جهات، وفي ستة مقامات، دامت حاكميته النورانية الجليلة وسلطانه المقدس المعظم، بكمال الوقار والاحترام مضيئةً وجوهَ العصور ومنوِّرة وجهَ الأرض أيضا، طوال ألف وثلاثمائة سنة. ولأجل تلك الخواص أيضا نال القرآن الكريم ميزات قدسية حيث إن لكل حرف من حروفه عشرة أثوبة وعشر حسنات في الأقل، وعشر ثمار خالدة، بل إن كل حرف من حروف قسم من الآيات والسور يثمر مائة أو ألفا أو أكثر، من ثمار الآخرة، ويتصاعد نور كل حرف وثوابه وقيمته في الأوقات المباركة من عشرة إلى المئات.. وأمثالها من المزايا القدسية قد فهمها سائح العالم، فخاطب قلبه قائلا:
— 171 —
حقا إن هذا القرآن الكريم المعجز في كل ناحية من نواحيه قد شهد بإجماع سوره وباتفاق آياته، وبتوافق أسراره وأنواره، وبتطابق ثماره وآثاره، شهادةً ثابتة بالدلائل على وجود واجب الوجود، وعلى وحدانيته سبحانه، وعلى صفاته الجليلة، وعلى أسمائه الحسنى، حتى ترشحت الشهادات غير المحدودة لجميع أهل الإيمان من تلك الشهادة.
وهكذا، فقد ذُكرت في المرتبة السابعة عشرة من المقام الأول إشارةٌ قصيرة لما تلقاه السائح، من درس التوحيد والإيمان من القرآن الكريم:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الواحد الأحد الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدتهِ القرآنُ المعجز البيانِ، المقبولُ المرغوبُ لأجناس المَلَك والإنس والجان، المقروءُ كلُّ آياته في كل دقيقة بكمال الاحترام، بألسنة مئات الملايين من نوع الإنسان، الدائمُ سلطنتُه القدسية على أقطار الأرض والأكوان، وعلى وجوه الأعصار والزمان، والجاري حاكميته المعنوية النورانية على نصف الأرض وخُمس البشر في أربعة عشر عصرا بكمال الاحتشام.. وكذا شَهدَ وبرهن بإجماع سورهِ القدسية السماوية، وباتفاق آياته النورانية الإلهية، وبتوافق أسراره وأنواره وبتطابق حقائقه وثمراته وآثاره بالمشاهدة والعيان).
ثم إن السائح والمسافر المذكور قد علم يقينًا أن الإيمان هو أعظمُ رأس مال الإنسان؛ إذ لا يُمَلِّكه -وهو الفقير- مزرعةً فانية ومسكنا مؤقتا، بل يملّكه الكونَ العظيم، ويجعله لائقا ليظفر بملك واسع باقٍ أوسعَ من الدنيا، ويوجِد له -وهو الإنسان الفاني- لوازم حياة أبدية خالدة؛ فينقذه -وهو المسكين المنتظر لمشنقة الأجَل- من النهاية المرعبة والإعدام الأبدي، فاتحا له خزائن السعادة السرمدية. لذا خاطب السائح نفسه قائلا: "هيا، تقدمي، لنفز بمرتبةٍ أخرى من مراتب الإيمان التي لا يحصرها حدّ.. فلنطّلع على مجموع الكون، ولننصتْ إليه لنرى ماذا يقول هو أيضا، كي نضفي نورا على تلك الدروس التي تلقيناها من أركان الكون وأجزائه".
فنظر السائح إلى مجموع الكون بمنظار واسع محيط قد استعاره من القرآن الكريم، فرأى أن هذا الكون منظم تنظيما بديعا، ومنطو على معاني جمّة وفيرة، بحيث يبدو على صورة كتاب سبحاني مجسم، أو قرآن رباني جسماني، أو قصر مزين صمداني، أو بلد منتظم رحماني؛ إذ إن
— 172 —
جميع سور ذلك الكتاب وآياته وكلماته، بل حروفه وأبوابه وفصوله، وصحائفه وسطوره، وما يجري على الجميع من "المحو والإثبات" ذي المعنى اللطيف، ومن التحويل والتغيير ذي الحكمة والإبداع.. كل ذلك بالإجماع يفيد بداهة وجودَ عليم بكل شيء، قدير على كل شيء. ويعبّر عن وجود بارئٍ ذي جلال، ومصوّر ذي كمال، يرى كل شيء في كل شيء، ويعلم علاقة كل شيء بكل شيء، فيراعيه.
وهكذا، فإن جميع ما في الكون بأركانه، وأنواعه، وأجزائه، وجزئياته، وساكنيه، ومشتملاته، ووارداته، ومصاريفه، وتبديلاته ذاتِ المصلحة، وتجديداته ذات الحكمة، يفيد ويفهّم بالاتفاق وجودَ ووحدانيةَ خالقٍ رفيع الدرجات، وصانع ليس كمثله شيء، يعمل بقدرة لا حدّ لها، وبحكمة لا نهاية لها.
وتُثبت شهادةَ الكون العظيمة هذه على وجود الخالق ووحدانيته حقيقتان عظيمتان واسعتان متناسبتان مع سعة الكون وعظمته، وهما:
الحقيقة الأولى: وهي "حقيقة الحدوث والإمكان" التي رآها حكماء الإسلام والعلماءُ الدهاة لأصول الدين وعلم الكلام، وأثبتوها ببراهين دامغة. فقد قالوا: "لما كان في العالم وفي كل شيء تغيّرٌ وتبدل، فإنه فانٍ وحادث ولا يكون قديما. ولأنه حادثٌ فلابد له من صانع مُحدِث. ولما كان كل شيء على السواء إن لم يكن في ذاته سبب وجودي وعدمي فلن يكون واجبا ولا أزليا..". وقد أُثبت أيضا ببراهين قاطعة أنه لا يمكن إيجاد الأشياء بعضها للبعض الآخر بالدور والتسلسل الذي هو باطل ومحال. فيلزم إذن وجود واجب للوجود، يمتنع نظيرُه، ومحال مثيلُه، كلُ ما عداه ممكنٌ، وكل ما سواه مخلوقه.
نعم، إن "حقيقة الحدوث" قد استولت على الكون، فالعين ترى أكثرها، والعقل يرى القسم الآخر منها؛ ذلك لأننا نشاهد أنه مع حلول الخريف في كل سنة يموت عالَم عظيم جدا، فتموت معه أفراد غير محدودة لمائة ألف نوع من النباتات والحيوانات الصغيرة، كل نوع منه بحكم كونٍ ذي حياة. ولكن ذلك الموت يجري في غاية الانتظام، بحيث تُودِع تلك الأفرادُ بذورَها ونواها وبويضاتها -التي تصبح مدارا لحشرها ونشورها، والتي هي بذاتها معجزات الرحمة والحكمة وخوارق القدرة والعلم- تُودعها أمانةً لدى حكمة الحفيظ ذي الجلال،
— 173 —
وتحت رعايته وحمايته، مسلمةً إلى أيديها صحُف أعمالها، وبرامج ما قدمت من وظائف، وبعد ذلك تموت.. وبحلول موسم الربيع تُبعث بأعيانها تلك التي توفيت من الأشجار والأصول والحيوانات الصغيرة. وتُحيا وتخلق أمثالُ ومشابهات قسم آخر منها في أماكنها. فتمثل بذلك مائة ألف مثال ونموذج للحشر الأعظم ومائة ألف دليل عليه. فموجودات الربيع الماضي بنَشرها لصحائف ما قامت به من أعمال، وما أدت من وظائف، وإعلانها تلك الصحائف في هذا الربيع، تظهر بوضوح مثالا للآية الكريمة:
واِذا الصُحُفُ نُشِرَت
(التكوير:١٠).
وكذا من جانب الكون ككل؛ ففي كل خريف وفي كل ربيع يموت عالَم كبير، ويأتي إلى الوجود عالم جديد، وما فيهما من الوفيات والمواليد لأنواع لا تحصى من الأحياء تجري في غاية الانتظام والميزان، حتى كأن الدنيا محط ومنیزل، يُستضاف فيه الكائنات الحية، فتأتيها عوالم سيّاحة ودُنًى سيارة تؤدي فيها وظائفَها، ثم ترحل عنها وتغادرها.
وهكذا فإن إحداث عوالمَ ذاتِ حياة، وإيجادَ كائناتٍ موظفة في هذه الدنيا، إحداثا وإيجادا بكل علم وحكمة، وميزانٍ وموازنة، وانتظامٍ ونظام، واستعمالَها بقدرة، واستخدامَها برحمة في المقاصد الربانية، وفي الغايات الإلهية، وفي الخدمات الرحمانية، يدل بالبداهة على وجوب وجودِ ذاتٍ مقدسة جليلة لا حدّ لقدرتها، ولا نهاية لحكمتها، ويظهرها للعقول واضحة كالشمس.
نغلق باب "مسائل الحدوث" ونحيلها إلى رسائل النور وكتبِ علماء الكلام.
أما جهة "الإمكان" فهو الآخر قد استولى على الكون وأحاط به، إذ نشاهد أن كل شيء سواء أكان كليا أم جزئيا كبيرا أم صغيرا، وكلَ موجود -من العرش إلى الفرش ومن الذرات إلى السيارات- إنما يُرسَل إلى الدنيا بذاتيةٍ خاصة وبصورة معينة وبشخصية متميزة وبصفات خاصة وبكيفيات حكيمة وبأجهزة ذات مصالح وفوائد. والحال أن إعطاء تلك الخصوصية، لتلك الذات الخاصة ولتلك الماهية، من بين إمكانات غير محدودة.. وكذا إكساءُ تلك الصورة المعينة ذات النقوش والعلامات الفارقة المتناسبة، من بين إمكانات واحتمالات عديدة بعدد الصور.. وكذا تخصيصُ تلك الشخصية اللائقة بانتقاء متميز لذلك الموجود المضطرب بين إمكانات بقدر أشخاص بني جنسه.. وكذا تمكينُ صفات خاصة ملائمة ذات
— 174 —
مصالح في ذلك المصنوع الذي ليس له شكل والمتردد ضمن إمكانات واحتمالات بعدد أنواع الصفات ومراتبها.. وكذا تجهيزُ ذلك المخلوق بتلك الكيفيات ذات الحكمة، وتقليدُه بتلك الأجهزة ذات العناية التي من الممكن أن تكون في طرق شتى وطرز غير محدودة، وهو المتحير السائب بلا هدف، ضمن ما لا يحد من الإمكانات والاحتمالات.. إن جميع هذه الإشارات والدلالات والشهادات، الصادرة من حقيقة "الإمكان" تشكّل بلا شك أحد جناحي هذه الشهادة العظمى للكون؛ لأنه بعدد جميع الممكنات الكلية والجزئية، وبعدد إمكانات كل ممكن -مما ذُكر- من ماهية وهوية، وما له من هيئة وصورة، وما يتميز به من صفة ووضعية، هناك إشاراتٌ ودلالات وشهادات على وجود واجب الوجود سبحانه، الذي يخصّص ويُرجّح ويعيّن ويُحدِث، ولا حدَّ لقدرته ولا نهاية لحكمته ولا يخفى عليه شيء ولا شأن ولا يعجزه شيء ولا يعزب عنه شيء. فأكبرُ شيء عنده يسيرٌ كأصغره، وهو القادر على إيجاد ربيع بيُسرِ إيجادِ شجرة، وعلى إيجاد شجرة بسهولةِ إيجاد بذرة.
ولما كانت أجزاء رسائل النور -وبخاصة الكلمة الثانية والعشرون، والثانية والثلاثون، والمكتوب العشرون والثالث والثلاثون- قد أثبتت إثباتا كاملا، وأوضحت إيضاحا تاما شهادةَ الكون بكلا جناحيها وبكلتا حقيقتيها، لذا نختم هذه المسألة الطويلة جدّا بإحالتها إلى تلك الرسائل.
أما الجناح الثاني للشهادة الكبرى الكلية الصادرة من مجموع الكون فهو:
الحقيقة الثانية: حقيقة "التعاون".
إن حقيقة التعاون تشاهَد فيما هو خارجٌ عن طوق المخلوقات الساعية لحفظ وجودِها ومهامها، وصيانةِ حياتها -إن كانت ذات حياة- وإيفاءِ وظيفتها ضمن هذه الانقلابات المضطربة المستمرة والتحولات المتلاطمة الدائمة. فمثلا: إن سعي العناصر لإمداد الأحياء، وبخاصة مدّ السحاب للنباتات، ومساعدة النباتات بدورها للحيوانات، ومعاونة الحيوانات للإنسان، واللبن السائغ في الأثداء والمتدفق لإطعام الصغار، وتسليم حاجات الأحياء وأرزاقها الكثيرة جدّا والخارجة عن طاقتها وطوقها إلى أيديها من حيث لا تحتسب، وجري الذرات الغذائية لبناء خلايا البدن.. وما شابهها من الأمثلة الغزيرة لحقيقة التعاون الجارية
— 175 —
بالتسخير الرباني وبالاستخدام الرحماني، تُظهِر بجلاء ربوبيةَ رب العالمين العامة المحيطة ورحيميته الواسعة الشاملة والذي يدير الكون الواسع برمته بسهولة إدارة قصر بسيط.
نعم، إن إظهار الأشياء المتعاونة -وهي جامدة وبلا شعور ولا شفقة- أوضاعا تنم عن الشفقة وتتسم بالشعور فيما بينها دليل وأيّ دليل على أنها تُدفَع دفعا للإمداد والمعاونة فتجري بقوةِ رب ذي جلال، وبرحمةِ رحيم مطلقِ الرحمة، وبأمرِ حكيم مطلق الحكمة.
وهكذا فإن "التعاون" العام الجاري في الكون و"الموازنةَ" العامة السارية بكمال الانتظام، و"المحافظةَ" الشاملة، ابتداءً من المجرات والسيارات إلى أجهزة الكائن الحي وأعضائه الدقيقة بل إلى ذرات جسمه، و"التزيين" الجاري قلمُه من وجه السماوات المتلألئ إلى وجه الأرض البهيج، بل إلى وجه الأزهار الجميلة، و"التنظيمَ" الحاكم ابتداءً من درب التبانة إلى المنظومة الشمسية وإلى ثمار الذُرة والرمان وأمثالهما، و"التوظيف" القائم ابتداءً من الشمس والقمر والعناصر والسحب إلى النحل والنمل.. وأمثالَها من الحقائق العظيمة جدا، والشاهدة شهادة متناسبة مع عظمتها، تشكّل الجناح الثاني لشهادة الكون على وجوده سبحانه ووحدانيته وتثبتها.
فما دامت رسائل النور قد أثبتت هذه الشهادة العظمى وبيّنتها، لذا نكتفي هنا بهذه الإشارة القصيرة جدّا.
وهكذا ذُكرت في المرتبة الثامنة عشرة من المقام الأول إشارة قصيرة لما تلقاه سائح الدنيا من درس الإيمان من الكون:
(لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود، الممتنعُ نظيرُه، الممكنُ كل ما سیواه، الواحد الأحد، الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته هذه الكائناتُ، الكتاب الكبير المجسم، والقرآن الجسماني المعظّم، والقصر المزين المنظم، والبلد المحتشم المنتظم، بإجماع سیورهِ وآياته وكلماتهِ وحروفهِ وأبوابه وفصولهِ وصحفهِ وسطورهِ، واتفاقِ أركانه وأنواعه وأجزائهِ وجزئياتهِ وسكنتهِ ومشتملاتهِ ووارداتهِ ومصارفهِ، بشهادة عظمةِ إحاطةِ حقيقة الحدوث والتغير والإمكان، بإجماع جميع علماء علم الكلام، وبشهادة حقيقة تبديل صیورتیهِ ومشتملاته بالحكمة والانتظام، وتجديدِ حروفهِ وكلماتهِ بالنظام والميزان.
— 176 —
وبشهادة عظمة إحاطةِ حقيقة: التعاون، والتجاوب، والتساند، والتداخل، والموازنة، والمحافظة، في موجوداته بالمشیاهدة والعيان).
ثم إن السائح الذي أتى إلى الدنيا وبحث عن خالقها وصعد في ثماني عشرة مرتبة وبلغ عرش الحقيقة بمعراج إيماني، ارتقى من مقام المعرفة الغيابية إلى مقام الحضور والمخاطبة. فخاطب هذا الولوعُ المشتاق روحَه قائلا:
إن الحمد والثناء الغيابيين من بدء سورة الفاتحة إلى كلمة "إيَّاكَ" يورثان طمأنينة تصعد بالإنسان وترقيه إلى مرتبة المخاطبة بی"إيَّاكَ" فعلينا إذن أن نسأل مَن نبحث عنه، منه مباشرة، ونَدَع البحث الغيابي عنه، إذ ينبغي السؤال عن الشمس -التي تنوّر كل شيء- من الشمس نفسها، لأنَّ الذي يُظهرُ كلَ شيء ويوضحه لاشك أنه يُظهر نفسه أكثر من كل شيء؛ لذا فكما يمكننا أن نرى الشمس ونتعرف عليها من أشعتها وضيائها، يمكننا أيضا أن نسعى -حسب قابليتنا- في التعرف على خالقنا سبحانه وتعالى من تجليات أسمائه الحسنى ومن أنوار صفاته الجليلة.
وسنبين في هذه الرسالة بيانا مجملا ومختصرا حقيقتين فقط من بين الحقائق الغزيرة والتفصيلات المسهبة لمرتبتين من المراتب غير المتناهية لطريقين من الطرق الكثيرة لهذا المقصد:
الحقيقة الأولى: حقيقة الفعالية المستولية. تلك الفعالية المهيمنة على الكون، والمشاهَدة أمام أعيننا. وهي التي تدير، وتبدل، وتجدد، جميعَ الموجودات المحيطة والدائمة والمنتظمة والهائلة والسماوية والأرضية. والتي تفضي إلى الشعور بحقيقةِ تَظاهر الربوبية بداهة، ضمن حقيقة تلك الفعالية الحكيمة بجميع جهاتها. وهذا الشعور يسوق إلى إدراكِ تَبارُز الألوهية بالضرورة ضمن حقيقةِ تظاهُر الربوبية المشعة بالرحمة بجميع جهاتها.
أي يُستشعر -كأنه يُرى- أفعالُ فاعلٍ قدير وعليم، من هذه الفعالية الحكيمة المهيمنة الدائمة ومن وراء ستارها. ويُعلَم بداهةً -إلى درجة الإحساس- الأسماءُ الإلهية الحسنى المتجلية في كل شيء، من هذه الأفعال الربانية ذات التدبير والتربية ومن وراء ستارها، ويُعرف بعلم اليقين، بل بعين اليقين، بل بحق اليقين وجودُ الصفات السبعة القدسية وتحقُّقها من هذه الأسماء الحسنى المتجلية بالجلال والجمال ومن وراء ستارها. ويُعلم كذلك بعلم قاطع
— 177 —
وبالبداهة والضرورة وبعلم اليقين وبشهادة جميع المصنوعات، من التجليات غير المتناهية لهذه الصفات السبعة القدسية، ذاتِ الحيوية والقدرة والعلم والسمع والبصر والإرادة والكلام، وجودُ موصوفٍ واجب الوجود، ومسمًّى واحد أحد، وفاعلٍ فرد صمد. فيكون وجودُه سبحانه للبصيرة أظهرَ من الشمس للبصر وأسطع منها، فتُدركه حتى كأنها تراه؛ ذلك لأن الكتاب الجميل ذا المعنى اللطيف، والبناء المنتظم المتقن، يستدعيان بداهةً فِعْلَي الكتابة والبناء، وفعلا الكتابة الجميلة والبناء المنتظم يستدعيان أيضا بداهةً اسمَي الكاتب والبنّاء، واسما الكاتب والبنّاء يستدعيان أيضا بداهةً صنعةَ الكتابة والبناء وصفتيهما، وهذه الصنعة والصفات تستلزمان بداهة ذاتا تكون موصوفة وصانعة، ومسمًّى، وفاعلة، إذ كما لا يمكن أن يكون هناك فعل دون فاعل، ولا اسم دون مسمى، كذلك لا يمكن أن تكون صفةٌ دون موصوف، ولا صنعة دون صانع.
وهكذا يتقرر بناءً على هذه الحقيقة والقاعدة أنّ هذا الكون -بموجوداته كافة- قد كُتب بقلم القدر، وبُني بمطرقة القدرة؛ فكُتب فيه ما لا يُحد مما هو بحكم الكتب والرسائل ذات المعاني اللطيفة، وبني فيه ما لا ينتهي مما هو بمثابة بنايات وقصور. فيشير كل واحدة منها إشاراتٍ لا حدّ لها بآلاف الأوجه، وتشهد معا بوجوه غير محدودة شهاداتٍ لا نهاية لها على وجوب وجودِ ووحدانية ذاتٍ جليلة أزلية أبدية، هي موصوفُ تلك الصفات السبعة المحيطة القدسية ومعدنها؛ بالأفعال الربانية والرحمانية غير المتناهية، وبجلواتٍ غير محدودة لألف اسم واسم من الأسماء الحسنى التي هي منشأ تلك الأفعال، وبالتجليات غير المتناهية للصفات السبعة السبحانية التي هي منبع تلك الأسماء الحسنى.. وكذا فإن ما في تلك الموجودات كلها من جميع أوجه الحسن والجمال وأنماط النفاسة والكمال، ومن جمال قدسي يليق بتلك الأفعال الربانية والأسماء الإلهية والصفات الصمدانية والشؤون السبحانية ويوافقها، كلٌ منه -بحد ذاته- يشهد وبمجموعه يشهد بداهة على الجمال المقدس والكمال المقدس لذاته سبحانه وتعالى.
وهكذا فإن حقيقةَ الربوبية المتظاهرة ضمن حقيقة الفعالية المستولية تعرّف نفسَها وتبيّنها بشؤونها وتصرّفِها في الخلق والإيجاد والصنع والإبداع الذي يتم بالعلم والحكمة، وتظهرها في التقدير والتصوير والتدبير والإدارة الذي يتسم بالنظام والميزان، وتبرز في التحويل والتبديل والتنیزيل والتكميل الذي ينجز بالقصد والإرادة، وتوضحها في الإطعام والإنعام والإكرام والإحسان الذي يعطى بالشفقة والرحمة.
— 178 —
وإن حقيقةَ تَبارُز الألوهية أيضا التي تُحَسّ وتوجد بداهة ضمن حقيقةِ تَظاهُر الربوبية تعرّف نفسها وتفهّمها أيضا بتجليات الأسماء الحسنى ذات الرحمة والكرم، وبالتجليات الجلالية والجمالية للصفات الثبوتية السبعة التي هي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.
نعم، فكما أن صفة "الكلام" تعرّف الذات الأقدس سبحانه وتعالى بالوحي والإلهامات، فإن صفة "القدرة" كذلك تعرّف ذاته جل وعلا بآثارها البديعة التي هي بمثابة كلماتها المجسّمة التي تصف قديرا ذا جلال، وتعرّفه بإظهارها الكون من أقصاه إلى أقصاه بماهية فرقان جسماني. وأن صفة "العلم" أيضا تعرّف ذات الواحد الأحد الموصوف، بقدر جميع المصنوعات الحكيمة المنتظمة الموزونة، وبعدد جميع المخلوقات التي تُدار وتُدبّر وتُزيّن وتمّيز بالعلم.
أما صفة "الحياة" فإن جميع الآثار الدالة على "القدرة" والصور والأحوال ذات الانتظام والحكمة والميزان والزينة، التي تنبئ عن وجود "العلم" وجميع الدلائل التي تخبر عن بقية الصفات الجليلة، مع دلائل صفات "الحياة" نفسها تدل على تحقق صفة "الحياة". والحياة نفسها كذلك مع جميع أدلتها تلك تبرز جميع ذوي الحياة التي هي بحكم مراياها، وتحوّل الكون برمته إلى صورة مرآة كبيرة جدّا متكونة من مرايا غير محدودة متبدلة دائما ومتجددة باستمرار لأجل إظهار التجليات البديعة والنقوش الرائعة المتنوعة جديدة فتية في كل حين.
وقياسا على هذا فإن صفات "البصر" و"السمع" و"الإرادة" و"الكلام" كلٌ منها تعرّف الذات الأقدس تعريفا واسعا جدّا بسعة الكون وتفهّمها. وإن تلك الصفات مثلما أنها تدل على وجود ذاته جل وعلا، فهي تدل كذلك بداهة على وجود الحياة وتحققها، وعلى أنه سبحانه وتعالى "حي"؛ ذلك لأن العلم علامةُ الحياة، والسمع أمارةُ الحيوية، والبصرَ يخصّ الأحياء، والإرادة تكون مع الحياة، والقدرة الاختيارية توجد في ذوي الحياة، أما التكلم فهو شأن الأحياء المُدركين.
وهكذا يُفهم من هذه النقاط: أن لصفة "الحياة" أدلة وبراهين تبلغ سبعة أضعاف سعة الكون، تعرّف وجودَها ووجود موصوفها "الحي" حتى أصبحت "الحياة" أساس جميع الصفات ومنبعها، ومصدر الاسم الأعظم ومداره.. وحيث إن رسائل النور قد أوضحت شيئا من هذه الحقيقة الأولى وأثبتتها ببراهين دامغة، نكتفي حاليا بهذه القطرة المذكورة من هذا البحر.
— 179 —
الحقيقة الثانية: هي التكلم الإلهي الصادر من صفة الكلام.
إن الكلام الإلهي سبحانه لا نهاية له، وذلك بسر الآية الكريمة:
قل لو كان البحرُ مِدادًا لكلماتِ ربي
(الكهف:١٠٩).
فالكلام أظهرُ دليل على معرفة وجود المتكلم، أي إن هذه الحقيقة (التكلم الإلهي) تشهد شهادات غير متناهية على وجود المتكلم الأزلي سبحانه وعلى وحدانيته. ولقد جاءت شهادتان قويتان لهذه الحقيقة بما بُيّن في المرتبتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من هذه الرسالة من حيث الوحي والإلهام. وجاءت شهادة أخرى واسعة في المرتبة العاشرة منها حيث أشير إلى الكتب المقدسة السماوية، وهناك شهادة أخرى ساطعة وباهرة وجامعة هي في المرتبة السابعة عشرة حيث القرآن الكريم المعجز. فنحيل بيان هذه الحقيقة وشهادتها إلى تلك المراتب.
وهكذا فقد كانت أنوارُ وأسرار الآية الكريمة:
شَهد اللّٰه أنه لاإله إلّا هو والملئكةُ وأولوا العلم قائمًا بالقسطِ لا إله إلّا هو العزيزُ الحكيم
(آل عمران:١٨) التي أعلنت هذه الحقيقة إعلانا معجزا، وأفادت شهادتها مع شهادة بقية الحقائق، كانت كافية ووافية لصاحبنا السائح حتى إنه لم يستطع أن يتجاوزها.
فذُكرت في المرتبة التاسعة عشرة من المقام الأول إشارة لِمعانٍ مختصرة لما تلقاه هذا المسافر من درس في هذا المقام القدسي:
لا إله إلّا اللّٰه الواجب الوجود الواحد الأحد، له الأسماء الحسنى، وله الصفات العليا، وله المثل الأعلى، الذي دلّ على وجوب وجوده في وحدته الذاتُ الواجب الوجود، بإجماع جميع صفاتِهِ القدسيّةِ المحيطة، وجميع أسمائه الحسنى المتجلية، وباتفاق جميع شؤوناته وأفعاله المتصرفةِ، بشهادةِ عظمةِ حقيقةِ تَبارُزِ الألوهية في تظاهُر الربوبية، في دوام الفعالية المستولية، بفعل الإيجاد والخلق والصنع والإبداع بإرادة وقدرةٍ، وبفعلِ التقدير والتدبير والتدوير باختيار وحكمةٍ، وبفعل التصريف والتنظيم والمحافظة والإدارة والإعاشة بقصدٍ ورحمةٍ، وبكمال الانتظام والموازنةِ. وبشهادةِ عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ أسرار:
شَهد اللّٰه أنه لاإله إلّا هو والملئكةُ وأولوا العلم قائمًا بالقسطِ لا إله إلّا هو العزيزُ الحكيم
— 180 —
تنبيه
إن كلَ حقيقة من الحقائق الشاهدة لتسع عشرة مرتبة من مراتب الباب الأول للمقام الثاني المذكور آنفا، كما تدل على وجوب الوجود بتحققها ووجودها، كذلك تدل بإحاطتها على الوحدة والأحدية. إلّا أنها عُدّت "دلائل وجوب الوجود" حيث أَثبتت -صراحةً- الوجودَ مقدما.
أما الباب الثاني للمقام الثاني فلقيامه بإثبات التوحيد -صراحة- أولا، وإثبات الوجود ضمنه، فقد أُطلق عليه "براهين التوحيد". وإلّا فكلاهما -أي الباب الأول والثاني- يثبتان الوجود والتوحيد معا، ولكن لأجل التمييز بينهما يكرر في الباب الأول فقرة "بشهادة عظمة إحاطة حقيقة"، وفي الباب الثاني فقرة "بمشاهدة عظمة إحاطة حقيقة"، إشارة للوحدانية الظاهرة الجلية، وكأنها مشاهَدة.
ولقد عزمتُ على توضيح مراتب الباب الثاني القابل، كما هو في الباب الأول، ولكن موانعَ بعض الأحوال اضطرتني إلى الاختصار والإجمال؛ لذا نحيل إلى رسائل النور لاستيفاء حقّه من البيان والوضوح.
— 181 —

الباب الثاني

براهين التوحيد
إن ذلك المسافر الذي أُرسل إلى الدنيا لأجل الإيمان، والذي قیام بسیياحة فكرية في عالم الكائنات للاسیتفسار عن خالقه من كل شيء، والتعرّفِ على ربِّه في كل مكان، وتَرسَّخ إيمانُه بیدرجة حق اليقين بوجوب وجود إلهه الذي يبحث عنه، خاطب هذا السائحُ عقله قائلا:
هلمّ لنخرج معا في سياحة أخرى جديدة لنَرى من خلالها براهيینَ تقودنا إلى وحدانية خالقنا الجليل سبحانه وتعالى. وطفقا يبحثان معا بشوق غامر عن "براهين التوحيد" هذه، فوجدا في أولى المنازل أن هناك أربع حقائق قدسية تستحوذ على الكائنات، وتستلزم التوحيدَ بدرجة البداهة.
الحقيقة الأولى: الألوهية المطلقة إن انهماك كلِ طائفة من طوائف البشرية بنوع من أنواع العبادة وانشغالهم به انشغالا كأنه فطري.. وقيامَ سائر ذوي الحياة بل حتى الجمادات بخدماتها ووظائفها الفطرية التي هي بحكم نوع من أنواع العبادة.. وكونَ كلٍّ من النعم والآلاء المادية والمعنوية التي تغمر الكائنات وسيلةَ عبادةٍ وشكر لمعبوديةٍ تُمدّهم بسبل العبادة والحمد.. وإعلانَ الوحي والإلهام ما تَرشَّح وما تجلى معنويا من الغيب، بمعبودية الإله الواحد.. كل هذا يثبت بالبداهة تحققَ الألوهية الواحدة المطلقة وهيمنتَها.
فما دامت حقيقة هذه الألوهية كائنةً وموجودة، فلن تَقبَل إذن المشاركةَ معها؛ لأنَّ الذين يقابِلون تلك الألوهيةَ (أي المعبودية) بالشكر والعبادة هم ثمراتٌ ذات مشاعر في قمة
— 182 —
شجرة الكائنات، لذا فإن إمكان وجودِ آخرين يشدّون انتباه أولئك الشاعرين، ويجذبونهم إليهم، ويجعلونهم ممتنّين لهم وشاكرين، محاولين تنسيتَهم معبودَهم الحق -الذي يمكن أن ينسّى بسرعة لغيابه عن الرؤية ولاحتجابه عن الأنظار- مناقضٌ لماهية الألوهية ومناف لمقاصدها القدسية ولا يمكن قبوله إطلاقا. ومن هنا أفاض القرآن الكريم في رفض الشرك بشدّة، وهدّد المشركين بعذاب جهنم.
الحقيقة الثانية: الربوبية المطلقة إن التصرف العام الشامل من لدن يدٍ غيبية في جميع الكائنات -وبخاصة الأحياء منها- بحكمة ورحمة، في تربيتها وفي إعاشتها اللتين تتمان معا بالطريقة نفسها، في كل جهة من الجهات، وبصورة غير مأمولة ومتوقعة، مع اكتناف بعضها البعض الآخر، إنما هو رشحاتٌ وضياء يدل على الربوبية الواحدة المطلقة؛ بل هو برهان قاطع على تحققها.
فما دامت هناك ربوبية واحدة مطلقة فلن تَقبل إذن الشركَ، ولا المشاركة قطعا؛ ذلك لأن أهم غايات تلك الربوبية وأقصى مقاصدها هو إظهارُ جمالها وإعلانُ كمالها وعرض صنائعها النفيسة وإبراز بدائعها القيّمة، وقد تجمعت هذه المقاصد جميعها في كل ذي روح بل حتى في الجزئيات؛ لذا لا يمكن أن تَقبل الربوبيةُ الواحدةُ المطلقةُ الشركَ ولا الشركاء إطلاقا، إذ إن تدخلا عشوائيا للشرك في أي موجود من الموجودات -مهما كان جزئيا- وفي أي كائن حي -مهما كان بسيطا أو صغيرا- يفسد تلك الغايات ويبطل تلك المقاصد، ويصرف الأذهانَ عن تلك الغايات وعمن أرادها وقَصَدها إلى الأسباب. وهذا ما يخالف ماهيةَ الربوبية المطلقة تماما ويعاديها. فلابد إذن أن تمنع هذه الربوبيةُ الواحدةُ المطلقةُ الشركَ وصوَرَه بأي شكل من الأشكال. فإرشادات القرآن الكريم الغزيرةُ المستمرة إلى التوحيد وإلى التقديس والتنیزيه والتسبيح، في آياته الكريمة وفي كلماته وحتى في حروفه وهيئاته، نابعةٌ من هذا السر الأعظم.
الحقيقة الثالثة: الكمالات نعم، إن جميع ما في الكون من حِكَم سامية ومن جمال خارق ومن قوانينَ عادلةٍ ومن غايات حكيمة، إنما تدل بالبداهة على وجودِ حقيقةِ الكمالات.. وهي شهادةٌ ظاهرة على كمال
— 183 —
الخالق سبحانه الذي أوجد هذا الكونَ من العدم، ويدبّر أمرَه في كل جهة وناحية، إدارةً معجزة جذابة جميلة، فضلا عن أنها دلالة واضحة على كمال الإنسان الذي هو المرآة الشاعرة العاكسة لتجليات الخالق جل وعلا.
فما دامت هناك حقيقة الكمالات، ومادام كمالُ الخالق الذي أوجد الكون في الكمال هو ثابت ومحقَّق، ومادام كمال الإنسان الذي هو أفضل ثمرة للكون وخليفةُ اللّٰه في الأرض وأكرم مصنوع وأحب مخلوق للخالق سبحانه وتعالى حقيقةً ثابتة محققة أيضا، فلابد أنَّ الشرك الذي يحوِّل صورةَ الكون -ذات الكمال والحكمة الظاهرة- إلى أُلعوبة بيد المصادفة، وإلى لهوٍ تعبث به الطبيعة، وإلى مجزرة ظالمة رهيبة لذوي الحياة، وإلى مأتم مظلم مخيف لذوي الشعور -حيث يهوي فيه كلُّ شيء إلى الفناء، وينحدر إلى الزوال ويمضي حثيثا بلا غاية ولا هدف- والذي يُردي الإنسانَ الواضحةَ كمالاتُه من آثاره إلى أسفلِ دَرَك من دركات الحيوان كأتعس مخلوق وأذله، والذي يسدل الستار على مرايا تجليات كمال الخالق سبحانه -وهي جميع الموجودات الشاهدة على الكمال المقدس المطلق للخالق الكريم- مُبطلا بذلك نتيجةَ فعاليته، وخلّاقيته سبحانه!! فلا يمكن أن يستند هذا الشركُ على حقيقة ما مطلقا، ولا يمكن أن يكون موجودا في الكون أبدا. هذا وإن تصدي الشرك للكمالات الإلهية والإنسانية والكونية ومعاداته لها وإفسادَه فيها قد بُحِثَ وأُثبت مفصلا في "الشعاع الثاني" الذي يبين ثلاث ثمرات للتوحيد وبالأخص في المقام الأول منه مع دلائل قوية قاطعة، فنحيل إلى ذلك.
الحقيقة الرابعة: الحاكمية المطلقة نعم، إن من ينظر نظرة واسعة فاحصة إلى الكون، يرى أنه بمثابة مملكةٍ مهيبة جدا؛ في غاية الفعالية والعظمة، وتَظهر له كأنه مدينة عظيمة تتم إدارتها إدارةً حكيمة، وذات سلطنة وحاكمية في منتهى القوة والهيبة. ويجد أن كل شيء وكل نوع منهمكٌ ومسخّر لوظيفة معينة. فالآية الكريمة:
وللّٰه جُنودُ السمواتِ والارضِ
(الفتح:٧) تُشعر بمعاني الجندية في الموجودات التي تتمثل ابتداءً من جيوش الذرات وفِرَق النباتات وأفواج الحيوانات إلى جيوش النجوم. كل أولئك جنود ربانية مجنّدة للّٰه، فنجد في جميع أولئك الموظفين الصغارِ جدّا وفي جميع هؤلاء الجنود المعظمة جدّا سرَيانَ الأوامر التكوينية المهيمنة وجريانَ الأحكام النافذة
— 184 —
وقوانينَ الملك القدوس، مما يدل دلالة عميقة بالبداهة على وجود الحاكمية الواحدة المطلقة، والآمرية الواحدة الكلية.
فمادامت الحاكمية الواحدة المطلقة حقيقةً كائنة، وهي موجودة، فلابد أن الشرك لا حقيقة له. ذلك لأن الحقيقة الجازمة التي تصرح بها الآية الكريمة:
لَو كانَ فيهِما آلهةٌ إلّا اللّٰه لَفَسدَتا
(الأنبياء:٢٢) تفيد بأنه لو تدخلت أيدٍ متعددة في مسألة معينة وكان لها النفوذ، لاختلطت المسألة نفسها؛ فلو كان في مملكة مّا حاكمان، أو حتى لو كان في ناحية ما مسؤولان، فإن النظام يفسد ويختل وتتحول الإدارة إلى هرج ومرج. والحال أن هناك نظاما رائعا جدا، يسري ابتداء من جناح البعوضة إلى قناديل السماء، ومن الخلايا الجسمية إلى أبراج الكواكب والسيارات، مما لا يمكن أن يكون للشرك فيه أيّ تدخل ولو كان بمقدار ذرة. وكذا الحاكمية نفسُها إنما هي مقام للعزة، فلن يقبل هذا المقامُ منافسا وخصيما، لما فيه من تجاوز لهيبته وكسرٍ لعزته.
نعم، إن إقدام الإنسان المحتاج دوما إلى من يعاونه -لضعفه وعجزه- على قتل أخيه أو بنيه -ظلما- لأجل حاكمية ظاهرية مؤقتة جزئية؛ يدل على أن الحاكمية لا تَقبل المنافسة أبدا. فلئن كان الإنسان -وهو العاجز- يُقْدم على مثل هذا الفعل لأجل حاكمية جزئية، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يَرضى مَن هو القديرُ المطلق الذي يملك الكون كله تدخلا أو شركا من أحد في حاكميته الذاتية المقدسة التي هي محور ربوبيته المطلقة وألوهيته الحقيقية الكلية.
ونظرا لإثبات هذه الحقيقة المشعة بدلائل قوية في "المقام الثاني من الشعاع الثاني" وفي مواضع عدة من رسائل النور فإننا نحيل إليها.
وهكذا فإن صاحبنا المسافر بعد أن شهد هذه الحقائق الأربع تحققت لديه وحدانية اللّٰه سبحانه بدرجة الشهود، فنما إيمانه وارتقى وبدأ يردد بقوة: "لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له".
وإشارة لما تلقاه من درس في هذا المنیزل فقد ذُكر في المقام الأول من الباب الثاني:
(لا إلهَ إلّا اللّٰه الواحد الأحد الذي دل على وحدانيته ووجوب وجیوده مشاهدةُ عظمةِ حقيقةِ تَبارُز الألوهية المطلقة، وكذا مشاهدةُ عظمیة إحاطة حقيقة تظاهُر الربوبية المطلقة المقتضية للوحدة. وكذا مشاهدة عظمة إحاطة حقيقة الكمالات الناشئة من الوحدة وكذا مشاهدة عظمة إحاطة حقيقة الحاكمية المطلقة المانعة والمنافية للشركة).
— 185 —
ثم إن ذلك المسافر الذي لا يسكن ولا يهدأ خاطَب قلبَه قائلا:
إن تكرار أهل الإيمان "لا إله إلّا هو" باستمرارٍ وبخاصة المتصوفة منهم، وإعلانَهم نداء التوحيد، وتذكيرَهم به يبين لنا أن هناك مراتب كثيرة جدّا للتوحيد. وأن التوحيد هو أهم وظيفة قدسية وأحلى فريضة فطرية وأسمى عبادة إيمانية. فما دام الأمر هكذا، فتعال يا قلب لنفتح بابا لمنیزلٍ آخر من منازل دار العبرة والامتحان هذه، لنتعرّف من خلاله على مرتبة أخرى من مراتب التوحيد؛ لأنَّ التوحيدَ الحقيقي الذي ظللنا نبحث عنه ليس مقصورا على معرفةٍ نابعة من تصوّر، بل هو أيضا ما يقابل التصور في علم المنطق من التصديق الذي هو عِلم، وهو نتيجة نابعة من البرهان، وهو أسمى من مجرد المعرفة التصورية بكثير.
فالتوحيد الحقيقي إنما هو حُكم وتصديق وإذعان وقبول، بحيث يمكّن المرء من أن يهتدي إلى ربه من خلال كل شيء. ويمكّنه من أن يرى في كل شيء السبيلَ المنوَّرة التي توصله إلى خالقه الكريم، فلا يمنعه شيء قط عن سكينة قلبه واطمئنانه واستحضاره لمراقبة ربّه.
فلو لم يكن الأمر هكذا، لاضطر المرءُ إلى أن يمزق حجاب الكائنات ويخرقه -كل مرة- كي يتمكن من التعرف على ربّه! لذا نادى المسافر قائلا: هيا بنا إذن لنطرق باب "الكبرياء والعظمة" ولندخل منیزل "الآثار والأفعال" وعالم "الإيجاد والإبداع".. فما إن ولج هذا المنیزل حتى رأى أن هنالك "خمس حقائق محيطة" تستحوذ على الكون وتُثبت التوحيد وتستلزمه بالبداهة.
الحقيقة الأولى: حقيقة العظمة والكبرياء نظرا لتوضيح هذه الحقيقة ببراهينَ في "المقام الثاني من الشعاع الثاني" وفي عدة مواضع من رسائل النور نكتفي هنا بما يأتي:
إن الذي أوجد النجوم التي يبعد بعضُها عن البعض الآخر آلاف السنين، والذي يتصرّف فيها في آن واحد وعلى نمط واحد. والذي يخلق أفرادا غير معدودة لنوع واحد من زهرة نابتة في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب من الأرض، ويصوّرها في وقت واحد وعلى هيئة واحدة وصورة واحدة، والذي يخبرنا عن أعجب حادثة ماضية وغيبية في قوله
— 186 —
تعالى:
هو الذي خَلقَ السمواتِ والارضَ في ستةِ ايامٍ
(الحديد:٤) مثبِتا تلك الحادثة كأنها تحدث أمامنا، بما يَخلق من مثيلاتها ونظائرها على وجه الأرض، وبخاصة عند حلول موسم الربيع الذي نجد فيه عيانا أكثر من مائة ألفِ مثالٍ على الحشر الأعظم لأكثر من مائتي ألف نوع من طوائف النباتات وأمم الحيوانات التي تخلق وتنشأ في بضعة أسابيع فقط.. فلا ريب أن مَن بيده إدارة هذا الحشد الهائل مجتمعا، وتربيته وإعاشته، وتمييز بعضه عن البعض الآخر، وتزيينه بكمال الانتظام والميزان، دون لبس أو نقص أو خطأ ودون تأخير أو إهمال، وهو الذي بيده دوران الأرض وحصول ظاهرة الليل والنهار بانتظام بديع كما صرحت به الآية الكريمة:
يولج الَّيلَ في النَهار ويولجُ النهار في الَّيل
(لقمان:٢٩) مسجلا وممحيا -بهذا الدوران- الحوادثَ اليومية وتبدلاتها في صحيفة الليل والنهار، وهو الذي يعلم -في الوقت نفسه وفي اللحظة نفسها- خبايا الصدور وخلجات القلوب، فيديرها بإرادته.. ينبغي أن يكون -فاعلُ هذه الأفعال التي كل منها فعلٌ واحد منفرد خاص- واحدا أحدا قادرا صاحبَ جلال، له من العظمة والكبرياء بداهةً ما يقتلع كلَ جذور الشرك ويمحو جميع آثاره واحتمالاته مهما كان نوعها وبأية جهة كانت، وفي أي شيء كان، وفي أي مكان كان.
فما دامت هذه الكبرياء وهذه القدرة العظيمة موجودتين، وما دامت صفة الكبرياء هذه هي في منتهى الكمال والإحاطة التامة، فلا يمكن أن تسمحا مطلقا لأي نوع من أنواع الشرك؛ لأنَّ الشرك يعني إسنادَ العجز والحاجة إلى تلك القدرة المطلقة، وإلصاقَ القصور بتلك الكبرياء، وعزوَ النقص بذلك الكمال، وتحديدَ تلك الإحاطة بالقيد، وإنهاءَ غير المتناهي المطلق. فلا يمكن أن يقبل ذلك كلُّ من له عقل وشعور، وكلُ من له فطرة سليمة لم تتفسخ.
وهكذا فالشرك من حيث هو تحدٍّ لتلك الكبرياء، وتطاولٌ على عزة ذي الجلال، ومشاركةٌ للعظمة، جريمةٌ نكراء لا تدع مجالا للعفو والصفح والمغفرة. وإن القرآن -ذا البيان المعجز- يعبّر عن هذا ويبيّنه ويشفعه بذلك التهديد الصارخ والوعيد الرهيب بقوله تعالى:
إنَّ اللّٰه لا يَغفِرُ أنْ يُشرَكَ بهِ ويَغفِرُ ما دونَ ذَلكَ لمنْ يَشاء
(النساء:٤٨).
الحقيقة الثانية: ظهور الأفعال الربانية ظهورا مطلقا ومحيطا وهي التي يشاهَد تصرّفُها في الكون قاطبة وتَظهر ظهورا مطلقا محيطا، ولا يحدد تلك
— 187 —
الأفعالَ إلّا الحكمةُ الربانية والإرادة الإلهية وقابلياتُ المظاهر. فالمصادفةُ العشواء والطبيعة الصماء والقوة العمياء والأسباب الجامدة والعناصر المبعثرة، لن تمتد يدُها أو تتدخل في تلك الأفعال التي هي في منتهى الدقة والميزان والحكمة، والتي تُنجَز بكل بصيرة وحيوية وانتظام وإحكام. وليست الأسباب إلّا حجابا ظاهريا فحسب، تستخدمها القدرةُ الفاعلة لذي الجلال والعزة وتسخّرها على وفق أمره وإرادته وقوته.
نودّ هنا بيان ثلاثة أمثلة عن الأفعال الربانية -من بين الآلاف منها- مما تشير إليها الآيات الثلاث المتصلة بعضها ببعض في سورة النحل. ومع أن كل فعل منها يحتوي على نكات لا حصر لها إلّا أننا نذكر منها هنا ثلاثا فقط.
الآية الأولى:
وأوحى ربُّكَ الى النَّحلِ أن اتَّخِذي منَ الجبالِ بيوتًا
(النحل:٦٨).
نعم، إن النحلة معجزةُ القدرة الربانية فطرةً ووظيفةً، ويا لها من معجزة عظيمة حتى سُمّيت باسمها سورةٌ جليلة في القرآن الكريم؟! ذلك لأن تسجيلَ البرامج الكاملة لوظيفتها الجسيمة في رأسٍ صغير جدّا لِماكنةِ عسلٍ صغيرة، ووضْعَ أطيب الأطعمة وألذّها في جوفها الصغير وطبخها فيه، واختيارَ المكان المناسب لوضع سمّ قاتل مهدم لأعضاء حية في رميحته دون أن يؤثر في الأعضاء الأخرى للجسم.. لا يمكن أن يتم -كل هذا- إلا بمنتهى الدقة والعلم وبمنتهى الحكمة والإرادة وغايةِ الموازنة والانتظام؛ لذا لن يتدخل مطلقا ما لا شعورَ له ولا نظام ولا ميزان من أمثال الطبيعة الصماء أو المصادفة العمياء في مثل هذه الأفعال البديعة.
وهكذا نرى ثلاث معجزاتٍ في هذه الصنعة الإلهية، ونشاهد ظهور هذا الفعل الرباني أيضا فيما لا يحد من النحل في أرجاء المعمورة كافة. فبروز هذا الفعل الرباني وإحاطته بالجميع، وبالحكمة نفسها، والدقة نفسها، والميزان نفسه، وفي الوقت عينه، وبالنمط عينه، يدل على الوحدة بداهة ويثبت الوحدانية.
الآية الثانية:
وإنَّ لكم في الانعَامِ لَعِبرَةً نُسقيكُم مِما في بُطونِهِ من بينِ فَرثٍ ودمٍ لبَنًا خالصًا سائغًا للشاربينَ
(النحل:٦٦).
إن هذا الأمر الإلهي لَيتقطّر عِبَرا ودروسا. نعم، إن إسقاء اللبن الأبيض الخالص،
— 188 —
النظيف الصافي، المغذي اللذيذ، من مصانع الحليب المغروزة في أثداء الوالدات، وفي مقدمتها البقرة والناقة والمعز والنعجة، الذي يتدفق بسخاء من بين فرثٍ ودم دون أن يختلط بهما أو يتعكر.. وإنّ غرس ما هو ألذّ من اللبن وأحلى منه وأطيبُ وأثمن، في أفئدة تلك الوالدات وهو الحنان والشفقة التي تصل حدّ الفداء والإيثار.. ليحتاج حتما إلى مرتبة من الرحمة والحكمة والعلم والقدرة والاختيار والدقة مما لا يكون قطعا من فعل المصادفات العشوائية والعناصر التائهة والقوى العمياء، لذا فإنّ تصرف هذه الصنعة الربانية، وإحاطةَ هذا الفعل الإلهي، وتجليَها في الحكمة نفسها والدقةِ نفسها والإعجاز نفسه وفي آن واحد وطراز واحد في أفئدة تلك الآلاف المؤلفة من أضراب الوالدات وفي أثدائها وعلى وجه الأرض كافة، يُثبت الوحدة بداهة ويدل على الوحدانية.
الآية الثالثة:
ومن ثَمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ تَتَّخذونَ منهُ سكرًا ورزقًا حسنًا إنَّ في ذلكَ لآيةً لقومٍ يعقلون
(النحل:٦٧).
تَیلفیت هذه الآية الكريمة النظیرَ والانتباه إلى النخيل والأعناب، فتنبّه الإنسان إلى أن في هاتين الثمرتين آية عظيمة لأولي الألباب، وحجة باهرة على التوحيد.
نعم، إن الثمرتين المذكورتين تُعتَبَران غذاءً وقوتا، وثمرة وفاكهة في الوقت نفسه، وهما منشأ كثيرٍ من المواد الغذائية اللذيذة، رغم أنَّ شجرة كلٍ منهما تنمو في تراب جامد، وتترعرع في أرض قاحلة. فكلٌّ منهما معجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقةٌ من خوارق الحكمة الربانية. وكل منهما مصانعُ سُكَّرٍ وحلويات، ومعامل شراب معسّل، وصنائعُ ذاتُ ميزانٍ دقيق حساس وانتظام كامل، ومهارة حكيمة، وإتقان تام، بحيث إن الذي يملك مقدار ذرة من عقل وبصيرة يضطر إلى القول: "إن الذي خلق هذه الأشياء هكذا، هو الذي أوجد الكائنات قاطبة"؛ لأنَّ ما نراه أمام أعيننا -مثلا- من تدلي ما يقارب عشرين عنقودا من العنب، من هذا الغصن الصغير النحيف، كل عنقود منه يحمل ما يقارب المائة من الحبات اللطيفة واللباب المعسلة، وكل حبَّة من تلك الحبَّات مغلفةٌ بغلاف رقيق لطيف ملوّن زاهٍ، وتضم في جوفها الناعم نوى صلدةً حاملة لتواريخ الحياة ومنهاجها.. نعم، إن خلق كل هذا وغيره في جميع العنب وأمثاله -وهي لا تعد ولا تحصى- على وجه البسيطة كافة، بالدقة نفسها، والحكمة عينها، وإيجاد تلك الصنعة
— 189 —
الخارقة المعجزة بأعدادها الهائلة في وقت واحد، وعلى نمط واحد، لَيُثبِتُ بالبداهة أنَّ الذي يقوم بهذا الفعل إنْ هو إلّا خالق جميع الكائنات، وأنَّ هذا الفعل الذي اقتضى تلك القدرة المطلقة والحكمة البالغة، ليس إلّا من فعل ذلك الخالق الجليل.
نعم، إن القوى العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة المشتتة، لا يمكن لها أن تمدّ أيديها وتتدخل في ذلك الميزان الدقيق الحساس، بالمهارة البالغة، والانتظام الحكيم لتلك الصنعة، بل هي تُستخدم وتسخّر بأمر رباني في الأفعال الربانية، فهي ذات مفعولية وقبول، بل ليست إلّا ستائرَ وحجبا مسخرةً بيده سبحانه.
وهكذا، فكما تشير هذه الآياتُ الثلاث إلى حقائق ثلاث، وتدلّ كل منها على التوحيد بثلاث نكات، فهناك ما لا يُحدّ من الأفعال الربانية وما لا يُحد من تجليات التصرفات الربانية، تدل متفقةً على الواحد الأحد وتشهد شهادة صادقة على ذات الواحد الأحد ذي الجلال والإكرام.
الحقيقة الثالثة: حقيقة الإيجاد والإبداع أي إيجاد الموجودات -وبخاصة النباتات والحيوانات- بكثرة مطلقة، في سرعة مطلقة، مع انتظام مطلق.. وخلقُ المخلوقات بسهولة مطلقة، في غاية الحسن والجمال مع المهارة المتقنة والانتظام الكامل.. وإبداعُ المصنوعات في غاية النفاسة والجودة والتمييز الواضح مع منتهى الوفرة وغاية الاختلاط والامتزاج.
نعم، إن إيجاد الأشياء في منتهى الكثرة بمنتهى السرعة، وفي منتهى السهولة واليسر بمنتهى الإتقان والمهارة وبالدقة والانتظام، وفي منتهى الجودة وغلاء القيمة والتميز مع منتهى الوفرة والمبذولية دون خلط أو لبس أو اختلال رغم كثافة الفروق والتباينات.. لا يمكن أن يتم هذا الإيجاد -ولن يتم- إلّا بقدرةِ قادر واحد أحد لا يؤوده شيء ولا يصعب على قدرته شيء.
نعم، ولكي ندرك ما نراه ونشاهده بأعيننا ينبغي أن تكون النجوم والذرات على حدّ سواء أمام تلك القدرة، وأكبرُ الأشياء كأصغرها، والأفراد غير المحدودة للنوع كالفرد الواحد
— 190 —
منه، والكل المحيط العظيم كالجزء الصغير الخاص، وإحياء الأرض الهائلة كإحياء شجرة واحدة، وإنشاء الشجرة الشاهقة كإيجاد بذرة متناهية في الصغر.
وبهذا السر المهم لكلمة التوحيد التي تتضمنه هذه المرتبة التوحيدية، وهذه الحقيقة الثالثة، أي كون أكبر "كل" كأصغر "جزء" أمام القدرة الربانية دون أن يكون أدنى فرق بين الكثير والقليل، تنكشف الأسرارُ الدقيقة الخفية للقرآن الكريم. وببيان وتوضيح هذه الحكمة المحيرة واللغز العظيم الذي هو خارج طور العقل -مع أنه أهم أساس للإسلام وأعمقُ مدار للإيمان واللبنة الكبرى للتوحيد- يُدرَك أخفى الأسرار المجهولة لحقيقة خلق الكون التي عجزت الفلسفة عن إدراكها. فألف شكر وشكر، وألف حمدٍ وثناء لخالقِي الرحيم أرفعه بعدد حروف رسائل النور، أن تمكنتْ رسائل النور حلّ هذا السر العجيب، وكشفت هذا الذي يظنه الجاهل غموضا غريبا، بل أثبتته ببراهين قاطعة. وبخاصة في بحثِ "وهو على كل شيء قدير" الموجودِ في نهاية "المكتوب العشرين" وفي بحثِ: "الفاعل مقتدر" من "الكلمة التاسعة والعشرين" فأثبتت سعةَ القدرة الإلهية وطلاقتَها بالبراهين القاطعة بدرجة حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا، وذلك في مراتب "اللّٰه أكبر" من "اللمعة التاسعة والعشرين" التي أُلّفت باللغة العربية.. فمع إحالة الإيضاح والتفصيل إلى هناك أردتُ أن أبين هنا بيانا مجملا، كفهرست مختصر تلك الأسسَ والأدلة التي تعالج هذا السر وتكشفه وتوضحه، ثم الإشارة إلى ثلاثة عشر سرًّا بثلاث عشرة مرتبة، وبدأتُ بكتابة السر الأول والثاني، ولكن مانعَين قويين ماديين ومعنويين حالا -مع الأسف- بيني وبين كتابة بقية الأسرار في الوقت الحاضر.
السر الأول: إذا كان الشيء ذاتيًّا، فلا يكون ضده عارضا له، لأنه اجتماع الضدين وهو محال.
فبناءً على هذا السر: مادامت القدرةُ الإلهية ذاتية وهي الضرورة اللازمة للذات المقدسة، فلا يمكن أن يكون العجزُ الذي هو ضد تلك القدرة عارضا للذات القادرة. وما دام وجودُ المراتب في الشيء الواحد يكون بتداخل ضدِّه -مثلما تتكون مراتبُ قوة الضياء وضعفه بمداخلة الظلمة، ودرجاتُ ارتفاع الحرارة وهبوطها بتداخل البرودة، ومقادير شدة
— 191 —
القوة وضعفها بمقابلة المقاومة وممانعتها لها- فلا يمكن أن تحتوى تلك القدرةُ الذاتية على مراتب.. فهي تَخلق الأشياءَ وتوجِدها كالشيء الواحد. فمادامت تلك القدرة الذاتية متجردة من المراتب ومن الضعف ومن النقص، فلا جرم أن لا يقف أمامَها مانع ولا يصعب عليها إيجاد. وما دامت لا يشق عليها شيء فلابد أن يكون لديها إيجادُ الحشر الأعظم كسهولةِ إيجاد الربيع، وإيجادُ الربيع كبساطة إيجاد شجرة واحدة، وإيجاد الشجرة كيُسر إيجاد زهرة واحدة، وأنها تقوم بالإيجاد بهذه السهولة واليسر كما تقوم بها في أدق ما تكون الصنعة والإتقان. فنرى أنها تخلق الزهرة بإتقان الشجرة وبأهميتها وقيمتها، وتخلق الشجرة بإعجازِ صنعِ الربيع الهائل، وتخلق الربيع بشمولية الحشر وجامعيته وإعجازه، هكذا تخلق، وهكذا نشاهد خلقها أمام أعيننا.
وقد أثبتت رسائل النور ببراهين كثيرة قاطعة قوية أنه إن لم يُسنَد الخلقُ إلى الوحدة والوحدانية يصبح خلقُ زهرة واحدة صعبا كصعوبة خلقِ شجرة بل أصعب، ويصبح خلقُ الشجرة أعقد من خلق الربيع. وفوق ذلك سيسقط جميعُها من حيث القيمة والإتقان في الصنعة، فالكائن الذي يُخلق في دقيقة واحدة سيُصنع في سنة، بل يستحيل صنعه بالمرة.
فبناءً على هذا السر: فإن جميع الأثمار والأزهار والأشجار والأحياء الدقيقة المرتبطة بها، تخرج إلى الوجود في غاية الوفرة والكثرة مع أنها في منتهى الجودة والنفاسة، وتظهر في منتهى السرعة واليسر مع أنها في غاية الإتقان والصنعة، فتخرج إلى الوجود بانتظام، مؤديةً وظائفَها وتسبيحاتها، وموكلة بذورَها بديلة عنها، ماضيةً هي في سبيلها.
السر الثاني: كما أن شمسا واحدة تشعّ ضياءً إلى مرآة واحدة، بتجلٍ من القدرة الذاتية واستنادا إلى سر النورانية والشفافية والطاعة، فإنها تنعكس بسهولة بالصورة نفسها -ذات الضياء والحرارة- بالفعالية الواسعة لقدرتها غير المحددة بأمر إلهي، إلى ما لا يحد من المرايا والمواد اللماعة والقطرات.
وإذا نُطقتْ بكلمة واحدة، فإن هذه الكلمة تدخل بسهولة تامة إلى أذن شخص -استنادا إلى السعة المطلقة للخلاقية- وتدخل أذهان ملايينِ الأشخاص وآذانَهم ببساطة ويسر بالأمر الرباني، فأمامها آلاف المستمعين والمستمعُ الواحد سواء ولا فرق بينهما.
— 192 —
ومثلما تنظر العين إلى مكان واحد وآلاف الأمكنة بسهولة كاملة، فإن نورا أو نورانيا روحانيا -كجبريل عليه السلام- في الوقت الذي يشاهَد ويذهب ويحضر في مكان واحد بكل سهولة -استنادا إلى كمال سعة الفعالية الربانية في تجلي الرحمة- فهو كذلك يشاهد ويذهب ويحضر -بالقدرة الإلهية- بالسهولة نفسها في آلاف الأماكن. فلا فرق هنا بين القلة والكثرة.
وهكذا القدرة الذاتية الأزلية - وللّٰه المثل الاعلى -. فلكونها ألطفَ نورٍ وأخصَّه بل هي نورُ الأنوار كلها، ولكون ماهية الأشياء وحقائقها وأوجه الملكوتية فيها شفافة لمّاعة كالمرايا، ولأن كل شيء -ابتداءً من الذرات إلى النباتات وإلى أنواع الأحياء قاطبة وإلى النجوم والشموس والأقمار- تابعٌ ومنقاد ومطيع على أتم وجه لحُكم تلك القدرة الذاتية ومسخّر ومجنّد وخاضع خضوعا مطلقا لأوامر تلك القدرة الأزلية.. فلا ريب أنها تُنشئ الأشياءَ غير المحدودة وتخلقها كالشيء الواحد، وتَحضر عند كل شيء في كل آن وفي كل مكان. فلا يمنع شيء شيئا، فالكبير والصغير، والكثير والقليل، والجزء والكل، سواء عندها؛ لا تعجز عن شيء ولا يصعب عليها شيء.
واستنادا إلى أسرار الانتظام والموازنة وامتثال الأوامر، والطاعة للأحكام -كما ذكرت في "الكلمة العاشرة" و"التاسعة والعشرين"- فإن سفينةً ضخمة جدّا يمكن أن تُدار وتسيَّر بسهولةِ إدارةِ طفلٍ لدميته بإصبعه.. وإن قائدا مثلما يسوق جنديا واحدا بأمره: "هجوم"، فإنه بالأمر نفسه يسوق جيشا منتظما مطيعا، إلى الحرب.. وإذا كان هناك جبلان في حالة موازنة على طرفي ميزان عظيم حساس جدّا ثم أُوتي بميزان آخر ووُضع في كلٍ من كفتيه بيضةٌ في معادلة تامة، فمثلما يمكن لجوزة واحدة أن ترفع إحدى الكفتين إلى الأعلى والأخرى إلى الأسفل، كذلك تستطيع تلك الجوزة نفسها -بقانون الحكمة- أن ترفع إحدى كفتي الميزان العظيم الحاملِ للجبل إلى قمة جبل وتُنیزل الأخرى إلى قعر الوادي.
فكما أن الأمر هكذا، كذلك الأمر في القدرة الربانية حيث إنها مطلقة غير متناهية، وهي نورانية، وهي ذاتية وهي سرمدية، وتوجد معها الحكمة المطلقة والعدالة التامة اللتان هما منشأ جميع الانتظام والأنظمة والموازنة ومنبعُها ومدارها ومصدرها، فالجزئي والكلي والكبير والصغير من أي شيء كان ومن كل شيء مسخر لحُكم تلك القدرة ومنقاد لتصرفها. لذا
— 193 —
فإن تلك القدرة تسيِّر النجومَ والسيارات بسهولةِ إدارةِ الذرات وتحريكها؛ وذلك بسر نظام الحكمة. وكما أنها تحيي الذبابة في الربيع بسهولة، تسوق جميع طوائف الحشرات والنباتات والحيوانات إلى ميدان الحياة وتحييها بالسهولة نفسها وبالأمر نفسه، وبالحكمة المتضمنة فيها وبسر الميزان. وكما أنها تنبت شجرة في الربيع بسرعة فائقة فتنفخ الحياة في جذورها وجذوعها التي هي كالعظام، فهي تحيي بتلك القدرة المطلقة الحكيمة العادلة وبالأمر نفسه هذه الأرضَ الهائلة التي هي كجنازة ضخمة، مثلما أحيت تلك الشجرةَ في الربيع ببساطة، موجِدةً مئاتِ الآلاف من أنواع الأمثلة والنماذج الدّالة على الحشر والنشور. وكما أنه سبحانه يحيي الأرض بأمر تكويني فإنه بمضمون الآيات الجليلة الآتية:
إن كانت اِلّا صيحةً واحدةً فاذا هم جميعٌ لدينا مُحضرون
(يس:٥٣).
وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ
(النحل:٧٧).
ما خلقكم ولا بعثُكم إلّا كنفسٍ واحدة
(لقمان:٢٨).
يأتي بجميع الإنس والجن وما هو حيواني وروحاني وملائكي، يأتي بهم جميعا بالأمر نفسه بالسهولة نفسها إلى ميدان الحشر الأكبر وأمام الميزان الأعظم، فلا يمنع فعل فعلا قط.
هذا وقد أُجِّلتْ كتابة بقية الأسرار من السر الثالث إلى الثالث عشر خلافَ رغبتي إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه.
الحقيقة الرابعة: كلّيّة الموجودات وظهورها معا إن وجود الموجودات وظهورها معا متداخلةً مشابها بعضُها البعضَ الآخر، وكونَ بعضها مثالا مصغرا للآخر أو نموذجا أكبر له، وكونَ قسم منها كلّا وكليّا وبقيةِ الأقسام أجزاءَه وأفراده، مع التشابه في ختم الفطرة وسكتها، والعلاقة الوثيقة في نقش الصنعة والإتقان، والتعاون فيما بينها، وإكمال كلٍ منها وظيفة الآخر الفطرية.. وأمثال هذه من النقاط العديدة لجهة الوحدة الكثيرة في الموجودات، تعلن التوحيدَ بداهة، وتثبت أن صانعها واحد أحد، وتُظهر -من جهة الربوبية المهيمنة- أن الكائنات قاطبة لا تقبل التجزئة والانقسام. فهي بحكم الكل والكلي.
— 194 —
مثال ذلك: أن إيجاد أفراد لا يحصرها العد لأربعمائة ألف نوع من أنواع النباتات والحيوانات في الربيع، وإدارتَها معا في آن واحد، وعلى نمط واحد، رغم تداخل بعضها في البعض الآخر، من دون خطأ أو خلل، وإعاشتَها بكمال الحكمة وحسن الصنعة والإتقان.. وكذا خلقُ أفراد غير محدودة لأنواع الطيور ابتداءً من مثالها المصغر (الحشرات) إلى مثالها الأكبر (الصقور) ومنحُها القدرةَ على السياحة والتجوال في الجو، وتجهيزُها بأجهزة تساعدها على المعيشة والحركة والتنیزّه ونثرِ البهجة في الجو، ووضعُ سكة الصنعة المعجزة وختمِها في وجوهها، وتركيبُ ختم الحكمة في أجسامها بكل تدبير، وإيداعُ طغراء الأحدية في ماهيتها بكل اعتناء وتربية.. وكذا إمدادُ خلايا الجسم بذرات الطعام، وإمداد الحيوانات بالنباتات، وإمداد الإنسان بالحيوانات، وإمداد الصغار العاجزين بحنان الوالدات ورعايتهن، وجعلُ هذا السعي والإمداد والمعاونة تتم في إطارِ حكمة تامة وضمنَ رحمة كاملة.. وكذا التصرفُ بالنظام نفسه والإبداعِ نفسه وبالفعل نفسه والحكمة نفسها، ابتداءً من مجرة درب التبانة -من الدوائر الكونية الهائلة- إلى المنظومة الشمسية، وإلى العناصر الأرضية بل حتى إلى حدقة العين وأوراق براعم الورد وأغلفة عرانيس الذُرة والبذور الكامنة في البطيخ -مثلا- كأنها دوائر متداخلة بعضها في البعض الآخر وبحكم الجزئي والكلي.. كل ذلك لَيُثبت بداهةً
أنَّ الذي يقوم بهذه الأفعال إنما هو واحد أحد، وضعَ سكته وختمَه على ناصية كل شيء في الوجود، وكما لا يحدّه مكان فهو حاضر في كل مكان، وهو قريب إلى كل شيء رغم أن كل شيء بعيدٌ عنه، كالشمس. وكما يسهل عليه أصعب أمور الدوائر الكونية العظيمة والمنظومة الشمسية، لا تخفى عليه أيضا أصغر أمور الكريات في الدم، وأدق الخواطر القلبية. فلا شيء يبقى خارجَ إدارته ودائرة تصرفه. ومهما كان الشيء كبيرا أو كثيرا فهو سهل ويسير عليه كأصغر شيء وأقله، فيَخلق الحشرةَ الصغيرةَ في نظام الصقر وإتقانه، ويخلق الزهرةَ في ماهية الشجرة وانتظامها، ويخلق الشجرة في صورة الحديقة وإبداعها، ويخلق الحديقة في روعة الربيع وزهوه، ويخلق الربيع في عظمة الحشر وهيبته. وهو يقدّم إلينا أكثر الأشياء إتقانا وأغلاها ثمنا بسعرٍ بخس زهيد بل يُحسنه إلينا إحسانا، ثم لا يطلب منا إلّا: "بسم اللّٰه" و"الحمد للّٰه" أي إن الثمن المقدّر لتلك النعم، هو "بسم اللّٰه الرحمن الرحيم" ابتداءً و"الحمد للّٰه" ختاما.
— 195 —
نكتفي بهذا القدر نظرًا لقيام رسائل النور بإيضاح هذه الحقيقة الرابعة وإثباتها بتفصيل أكثر.
ورأى صاحبنا السائح في المنیزل الثاني:

الحقيقة الخامسة: الانتظام )"hكمل ووحدة المواد أي وحدة الانتظام الأكمل في مجموع الكون وأركانه وأجزائه بل في كل موجود فيه، ووحدة موظفي ومواد الكیون الواسع التي هیي محور إدارته ومتعلقة بهيئته العامة. وكون الأسماء والأفعال المصرِّفة لتلك المدينة العظيمة والمحشر العجيب محيطةً وشاملة كل شيء، فالاسم هو نفسه والفعل هو نفسه والماهية هي نفسها في كل مكان، رغم تداخل بعضه في البعض الآخر، وكون العناصر والأنواع التي هي الأساس في بناء ذلك القصر الفخم وفي إدارته وفي إضفاء البهجة عليه، محيطةً بسطح الأرض بانتشارها في أكثر بقاعها، مع بقاء العنصر نفسه، والنوع نفسه واحدا، وذا ماهية واحدة في كل مكان رغم تداخل بعضه في البعض الآخر.. كل ذلك يقتضي بداهة، ويدل ضرورة ويُشهد ويُري أن صانع هذا الكون ومدبّرَه، وأن سلطان هذه المملكة ومربيها، وأن صاحب هذا القصر وبانيه، واحدٌ أحد فرد، ليس كمثله شيء، لا وزير له ولامعين، لا شريك له ولا ندّ، منیزّهٌ عن العجز، متعالٍ عن القصور.

نعم، إن الانتظام التام إنما هو دليل بذاته على الوحدة؛ إذ يستدعى منظما واحدا، فلا يسعه الشرك الذي هو محور المجادلة والمشاكسة.
فما دام هناك انتظام حكيم ودقيق في الكون كله -كليا كان الشيء أم جزئيا- ابتداءً من دوران الأرض اليومي والسنوي، إلى سيماء الإنسان، وإلى منظومة شعوره، وإلى دوران الكريات الحمر والبيض وجريانهما في الدم، فلا يمكن لشيء أن يمدّ يده ويتدخل قصدا وإيجادا سوى القادر المطلق والحكيم المطلق، بل يبقى كل شيء سواه منفعلا ومتلقيا ومَظهرا للقبول ليس إلّا.
وما دام القيام بالتنظيم ومنحُ النظام وبخاصة تعقّب الغايات وتتبعها وتنظيمها بإبراز المصالح، لا يكون إلّا بالعلم والحكمة، وإلّا بالإرادة النافذة والاختيار، فلابد أنَّ هذا الانتظام
— 196 —
الذي يدور مع الحكمة، وهذه الأنواع المتنوعة من الانتظام في المخلوقات غير المحدودة التي تتراءى أمام أنظارنا والدائرة حول المصالح، يدل بداهة ويشهد بكل حال أن خالق هذه الموجودات ومدبّرها واحد، وهو الفاعل، وهو الذي بيده الاختيار، فكل شيء يخرج إلى الوجود إنما يخرج بقدرته هو، ويأخذ وضعا خاصا بإرادته هو، ويتخذ صورة منتظمة باختياره هو.
ومادام السراجُ الوهاج لهذه الدنيا المَضيفِ واحدا، وأن قنديلَها المتدلي لعدّ الأيام واحد، وأن معصراتها ذاتَ الرحمة واحدة، وأن مطبخها ذا الموقد واحد، وأن شرابها الذي يبعث على الحياة واحد، وأن مزرعتها المحمية واحدة.. واحد.. واحد.. واحد إلى ألفٍ وواحدٍ، فلابد أن هذه الآحاد الواحدة تشهد بداهةً أن صانع هذا المَضيف وصاحبَه، واحد، وهو كريم لضيوفه في منتهى الكرم والسخاء حتى إنه يُسخِّر كبارَ موظَفيه هؤلاء ويجعلهم خدما طائعين لضمانِ راحة ضيوفه الأحياء.
وما دامت واحدةً تلك الأسماءُ الحسنى والشؤون الإلهية والأفعال الربانية التي تصرّف أمور الكون والتي تَظهر تجلياتُها ونقوشها وآثارها في كل أنحاء العالم.. فالأسماء الحسنى: "الحكيم، المصور، المدبر، المحيي، المربي" وأمثالُها هي نفسها في كل مكان.. وشؤون "الحكمة والرحمة والعناية" وأمثالها هي نفسها في كل مكان.. وأفعال "التصوير والإدارة والتربية" وأمثالها هي نفسها في كل مكان.. وكل منها متداخلٌ بعضُه في البعض الآخر، وكل منها في أسمى مرتبةٍ وأوسعِ إحاطة وهيمنة، كما أن كلا منها يكمل نقشَ الآخر حتى لكأنَّ تلك الأسماء والأفعال تتحد مع بعضها اتحادا، فتُصبح القدرةُ عينَ الحكمة والرحمة، وتصبح الحكمةُ عينَ العناية والحياة. فعندما يظهر -مثلا- تصرفُ اسمِ "المحيي" في شيء ما، يظهر تصرّف اسم "الخالق والمصور والرزاق" وأسماءٍ أخرى كثيرةٍ كذلك في الوقت نفسه، في كل مكان وبالنظام نفسه. فلابد ولا محالة أن ذلك يشهد بداهة على أن مسمّى تلك الأسماء المحيطة، وفاعلَ تلك الأفعال الشاملة والظاهرة في كل مكان بالطراز نفسه، إنما هو فاعل واحد أحد فرد.. آمنیا وصدّقنا!
ومادامت العناصر التي هي مكوّنات المصنوعات وجواهرها وأسسها، تحيط سطح الأرض وتتوزع عليه، وكل نوع من أنواع المخلوقات -الحاملة لأختام مختلفة تظهر الوحدانية- قد انتشر على ظهر الأرض واستولى عليه، رغم كونه نوعا واحدا، فلابد أن تلك
— 197 —
العناصر بمشتملاتها، وتلك الأنواع بأفرادها، إنما هي ملك لواحد، ومصنوعاتٌ مأمورةٌ لدى ذلك الواحد القادر الذي يَستخدِم بقدرته المطلقة تلك العناصرَ الضخمة المستولية كأنها خَدَمة طائعات، ويسخِّر تلك الأنواعَ المتفرقة في كل جهة من الأرض كأنها جنود نظاميون.
وحيث إن رسائل النور قد أثبتت هذه الحقيقة وأوضحتْها، نقتصر عليها بهذه الإشارة القصيرة.
فلقد أحسّ صاحبُنا السائح المسافر بنشوة إيمانية بعد أن اكتسب الفيض الإيماني والتذوق التوحيدي من فهمه لهذه الحقائق الخمس، فأنشأ يترجم ملخصا انطباعاتِه ومشاهداته مخاطِبا قلبَه:
انظر إلى الصحيفة الملونة الزاهية لكتاب الكون الوسيع.
كيف جرى قلمُ القدرة وصوّر البديع..
لم تبق نقطة مظلمة لأرباب الشعور..
لكأن الرب قد حرّر آياتِه بالنور.
واعلم أيضا بأن:
هذه الأبعاد غير المحدودة صحائف كتاب العالم
وهذه الآثار غير المعدودة سطور حادثات الدهر
قد سُطّر في لوح الحقيقة المحفوظ:
كل موجود في العالم، لفظ مجسم حكيم
وأنصت كذلك: چُو لَٓا اِلٰهَ اِلَّا اللّٰهُ بَرَابَرْ مِى زَنَنْدْ هَرْشَىْ
دَمَادَمْ جُويَدَنْدْ يَا حَقْ سَرَاسَرْ گُويَدَنْدْ يَا حَىْ
[٭]: يعني: كل شيء في الوجود ينطق ويردد معا: لا إله إلّا اللّٰه، ويلهج دوما كل آن: يا حق.. فالكل ينطق والجميع يهتف: يا حي.
نعم،
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحدٌ
[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.
— 198 —
وهكذا صدّق قلبُ السائح نفسَه، وقالا معا: نعم، نعم.
هذا وقد جاءت في المنیزل الثاني من الباب الثاني من المقام الأول إشارةٌ قصيرة إلى ما شاهده سائح الكون والضيف فيه من الحقائق التوحيدية الخمس، وهي:
(لا إله إلّا اللّٰه الواحد الأحد الذي دلّ على وحدته في وجوب وجوده مشاهدةُ حقيقةِ الكبرياء والعظمة في الكمال والإحاطة. وكذا مشاهدةُ حقيقة ظهور الأفعال بالإطلاق وعدم النهاية، لا تقيدها إلّا الإرادة والحكمة. وكذا مشیاهدةُ حقيقةِ إيجاد الموجودات بالكثرة المطلقة فیي السرعة المطلقة، وخلقِ المخلوقات بالسهولة المطلقة في الإتقان المطلق، وإبداعُ المصنوعات بالمبذولية المطلقة فیي غاية حسن الصنعة وغلو القيمة. وكذا مشاهدة حقيقةِ وجود الموجودات على وجه الكل والكلية والمعية والجامعية والتداخل والمناسبة. وكیذا مشاهدةُ حقيقة الانتظامات العامة المنافية للشركة. وكذا مشاهدةُ وحدة مدارات تدابير الكائنات الدالة علیى وحدة صانعها بالبداهة. وكذا وحدةُ الأسماء والأفعال المتصرفة المحيطة، وكیذا وحدة العناصر والأنواع المنتشرة المستولية على وجه الأرض).
وحينما كان ذلك السائح في العالم يجول في العصور صادَف مدرسةَ مجدّدِ الألف الثاني الإمامِ الرباني أحمد الفاروقي(٭) فدخلها وبدأ يصغي إليه. كان الإمام يقول في ثنايا درسه: "إن أهم نتيجة للطرق الصوفية كافة هي انكشاف الحقائق الإيمانية وانجلاؤها، وإن وضوح مسألة واحدة وانكشافَها لهو أرجح من ألفٍ من الكرامات". [٭]: انظر: الإمام الرباني، المكتوبات، المكتوب ٢١٠.
وكان يقول أيضا: "لقد قال بعض العظماء في السابق: إنه سيأتي أحد من المتكلمين ومن علماء علم الكلام وسيثبت بدلائل عقلية إثباتا واضحا جميعَ الحقائق الإيمانية والإسلامية، ويا ليتني أنا ذلك الشخص، بل ربما هو أنا؛ (٭): لقد أثبت الزمن أن ذلك الشخص ليس شخصا ولا رجلا وإنما هو رسائل النور. وربما شاهد أهل الكشف في كشفياتهم رسائلَ النور في شخصِ مترجمها ومبلّغها الذي لا قيمة له ولا أهمية، فقالوا: إنه شخص. (المؤلف). حيث إن الإيمان والتوحيد هما أساس جميع الكمالات الإنسانية وجوهرها ونورها وحياتها، وأن دستورَ: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٤٢٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/٣١٤؛ علي القاري، المصنوع ص ٨٢. يخص التفكر الإيماني، وما الذكر الخفي في الطريقة النقشبندية وأهميته إلّا نوع من أنواع هذا التفكر السامي".
— 199 —
هكذا كان الإمام يعلّم،
والسائح ينصت ويصغي بكل اهتمام. ثم رجع إلى نفسه وخاطبها:
لما كان هذا الإمام الهمام يقول كذا، وأن ازدياد قوة الإيمان ولو بمقدار ذرة هو أثمن من أطنان من كسب المعارف والكمالات، بل هو ألذ وأطيب مائةَ مرة من حلاوة الأذواق والوجد. وحيث إن الاعتراضات والشبهات المتراكمة حول الإيمان والقرآن -التي تثيرها فلاسفة أوروبا منذ ألف سنة- قد وجدت سبيلها إلى قلوب المؤمنين، فيهاجمون بها أهل الإيمان، ويحاولون بذلك زعزعة الأركان الإيمانية التي هي أساس السعادة الأبدية ومدار الحياة الباقية ومفتاح الجنة الخالدة، فلابد إذن -وقبل كل شيء- أن نزيد إيماننا قوةً ونحوّله من إيمان تقليدي إلى إيمان تحقيقي.
فهيا بنا أيتها النفس لنسرْ قُدُما مع هذه المراتب الإيمانية التسع والعشرين التي وجدناها، والتي كل منها راسخة رسوخ الجبل الأشم، قاصدين إيصالها إلى عدد الأذكار والتسبيحات المباركات للصلاة وهي الثلاث والثلاثون. فلنطرق باب الإدارة والإعاشة الربانية في عالم الأحياء الذي يترقرق عِبرا وعظات، ونفتحه بمفتاحِ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
كي نرى المنیزل الثالث ونشاهد ما فيه.
فطرق السائح باب المنیزل الثالث الذي هو محشر العجائب ومجمع الغرائب، طرقَه بكل استرحام ورفق ولطف، ومن ثم فتحه بی"بسم اللّٰه الفتّاح"، فبدا له المنیزل الثالث ودخل فيه، ووجد أن هناك أربع حقائق عظمى محيطة تنير ذلك المنیزل وتكشف التوحيد وتبينها كالشمس الساطعة.
الحقيقة الأولى: وهي حقيقة "الفتاحية" أي انفتاح ما لا يحد من الصور المنتظمة المتنوعة المختلفة بتجلي اسم "الفتاح"، من مادة بسيطة جدا، وانكشافها معا في كل طرف من أنحاء العالم، وفي آن واحد، وبفعل واحد.
نعم، كما أن القدرة الفاطرة قد فتحت الموجوداتِ المختلفة غير المحدودة، في رياض الكائنات كتفتح الأزهار؛ فأعطت باسم "الفتاح" كلا منها طرزا منتظما يناسبه، وشخصيةً منفردة تميّزه. فقد منحت كذلك -بشكل أكثر إعجازا- صورةً موزونة، مزينة، ومتميزة،
— 200 —
لكل ذي حياة من أربعمائة ألف نوع من أنواع الأحياء في حديقة الأرض، وهي في غاية الإتقان والحكمة..
نعم، إن فتحَ الصور هذا أقوى دليل على التوحيد، وأعجبُ معجزة للقدرة الإلهية، حسب ما تفيده الآيات الكريمة:
يخلقكم في بطون أُمهاتِكم خَلقًا من بعدِ خلقٍ في ظُلمات ثلاث ذلكُم اللّٰه ربُّكم له المُلكُ لا إله إلّا هو فأنَّى تُصرفون
(الزمر:٦).
إن اللّٰه لا يخفى عليه شىءٌ في الارض ولا في السماء ٭ هُو الذي يُصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلّا هُو العزيز الحَكيمُ
(آل عمران:٥-٦).
فبناءً على هذه الحكمة، ونظرا لإفاضة رسائل النور في بيان حقيقة فتح الصور بصورة متنوعة (وبخاصة في المرتبة السادسة والسابعة من الباب الأول من هذه الرسالة). فنحن نحيل إليها ونكتفي هنا بالقول:
لقد ظهرت نتيجةَ الدراسات المتواصلة والبحوث الدقيقة لعلمَي النبات والحيوان وبشهادتهما، أنَّ فتح الصور هذا له من الإحاطة والشمول والإتقان ما لا يمكن أن يملك هذا الفعل الجامع المحيط سوى الواحد الأحد القادر المطلق الذي يرى كل شيء، ويصنعه؛ ذلك لأنَّ فعل فتح الصور هذا يحتاج إلى وجود منتهى الحكمة، ومنتهى الدقة، ومنتهى الإحاطة ضمن قدرة مطلقة تهيمن في كل مكان وفي كل آن. فقدرةٌ كهذه لا يملكها إلّا الواحد الأحد الذي بيده مقاليد الأرض والسماوات.
نعم، فكما جاء في الآية الكريمة المذكورة في ظُلمات ثلاث فإن خلق الإنسان، وفتح صوره، واحدةً واحدةً، في أرحام الوالدات بميزان وزينة، وبانتظام وتميّز، دون خلط أو اختلاط، أو خطأ أو نقص، من مادة بسيطة، دليل قاطع على الوحدانية. ومن ثم إحاطةُ هذه الحقيقة -فتحُ الصور- وشمولُها بالقدرة نفسها، والحكمة نفسها، والصنعة نفسها، للناس كافة، وللحيوانات كافة، وللنباتات كافة، على أرجاء الأرض كافة، لهي أقوى برهان على الوحدانية؛ ذلك لأن فعلَ الإحاطة هو بذاته وحدةٌ واحدة لا يترك مجالا للشرك.
ومثلما إن الحقائق التسع عشرة في الباب الأول قد شهدت (بوجودها) على وجوب وجود الخالق سبحانه، فهي تشهد كذلك (بإحاطتها) على الوحدة والوحدانية..
— 201 —
والحقيقة التي رآها صاحبُنا السائح في المنیزل الثالث هي:
الحقيقة الثانية: وهي حقيقة "الرحمانية" وهي تعني أن هناك واحدا جعل لنا الأرض -كما هي ظاهرةٌ أمام أعيننا- مضيفا رائعا، وغمر وجهَها بآلاف هدايا الرحمة، وفرش لنا بتلك الرحمة مأدبةً تحوي مئات الآلاف من مختلف الأطعمة اللذيذة المعدّة على تلك المائدة، وجعل لنا جوف الأرض -برحمته وحكمته- مخزنا عظيمًا جامعًا لآلاف إحساناته وآلائه القيمة. ويقوم بتربيتنا تربيةً في منتهى الرحمة، بتحميله الأرض من عالم الغيب في دورتها السنوية -كأنها باخرة تجارية- بمئات الآلاف من أجود أنواع صنوف اللوازم الانسانية والحياتية وأجملها، ويرسلها كل سنة كأنها سفينة مشحونة أو قطار معبأ، فكل ربيع فيها بمثابة قطار تقلّ أرزاقَنا وملابسنا. ولأجل أن ننتفع من تلك الهدايا والنعم كلها فقد وهبنا المئات بل الآلاف من الاشتهاء والحاجات والرغبات والمشاعر، والحواس..
نعم، لقد وضح في "الشعاع الرابع" الذي يشرح الآية الكريمة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
(آل عمران:١٧٣)، وأُثبت هناك أنه سبحانه قد وهبنا معدةً بحيث نستطيع بها هضم أطعمة غير محدودة والتلذذ بها. وأحسن إلينا سبحانه حياةً بحيث نستفيد بحواسها نعما غير محدودة مبثوثة في أرجاء هذا العالم المشهود الكبير وكأنه سُفرة مفروشة للنعم. وأكرمنا سبحانه بإنسانية بحيث نتذوق بآلاتها العديدة -كالعقل والقلب- من هدايا غير متناهية لعالم المادة ولعالم المعنى ما نتذوق. وعلّمنا إسلاما بحيث يأخذ النور من خزائن غير متناهية لعالم الغيب ولعالم الشهادة. وهدانا إلى إيمانٍ بحيث نستفيد به ونتنور بما لا يُحصر من أنوار عوالم الدنيا والآخرة وهداياهما. فكأن هذه الكائنات قصر عامر منيف قد زيّن من لدن الرحمة الواسعة بأنفس الأشياء والموجودات، وسَلّمت بيد الإنسان مفاتيح خزائنه ومنازله التي لا تعد ولا تحصى، وأودعت في فطرته جميع الاحتياجات والمشاعر اللازمة للاستفادة من كل ما في القصر.
فرحمةٌ كهذه التي تحيط بالدنيا وبالآخرة معا، وبكل شيء. لابد أنها تجلٍ من تجليات "الأحدية" في تلك "الواحدية". أي كما أن إحاطةَ ضياء الشمس وشموله جميعَ الأشياء المقابلة
— 202 —
لها مثال بارز على "الواحدية" فإن أخذ كل شيء شفاف ولماع حسب قابليته ضياءَ الشمس وحرارتها والألوان السبعة التي فيها وانعكاساتها، مثال على "الأحدية". لذا فإن الذي يرى ضياء الشمس المحيط للعالم يحكم بأن شمس الأرض واحدة، وأنه بمشاهدته انعكاس ضياء الشمس ذي الحرارة من كل شيء بَرَّاق، حتى من القطرات، يتمكن أن يقول بأحدية الشمس، أي أنها قريبة من كل شيء بصفاتها، فهي في مرآة قلب كل شيء.
فكما أن الأمر في المثال هكذا - وللّٰه المثل الاعلى - فإن إحاطة رحمة الرحمن ذي الجمال إحاطة شاملة، كالضياء، تُظهر واحديةَ ذلك الرحمن وعدمَ وجود شريك له في أية جهة من الجهات، وإن وجود تجليات أنوار أكثر أسماء ذلك الرحمن، ونوعا من تجلٍ لذاته المقدسة في كل شيء، ولاسيما في كل ذي حياة، وبخاصة في الإنسان -بما منحه الرحمن تحت ستار رحمته الواسعة الجامعة من حياة جامعة لكل فرد، بحيث تمكنه من أن يتوجه بها إلى الكائنات كافة وينسج علاقات وروابط معها- يثبت أحدية ذلك الرحمن سبحانه، وحضوره لدى كل شيء، وأنه "هو" الذي يعمل كل شيء لأي شيء كان.
نعم، كما أن ذلك الرحمن بواحدية تلك الرحمة وبإحاطتها يظهر هيبةَ جلاله وبهائه على الكون كله، على الأرض كلها، فإنه بتجلي أحديته في كل ذي حياة، وبخاصة في الإنسان، وبجمعه جميع نماذج تلك النعم وغرزها في أعضاء ذلك الكائن الحي، وفي أجهزته وتنظيمها، وبجعله ذلك الفرد الواحد يتخذ -من جهة- الكائنات كافة دون تشتت مسكنه ومأواه، كأنه يعلن رأفة جماله، ويعرّف تمركز أنواع إحسانه في الإنسان.
فلو أخذنا البطيخ مثالا، فإن في كل بذرة من بذوره يوجد البطيخ نفسه. فخالق تلك البذرة الواحدة لابد أنه هو خالق ذلك البطيخ. إذ يستدرّ تلك النواة منه ويجمعها ويجعلها تتجسم بموازين علمه الخاصة وبقوانين حكمته التي تخصه. فليس هناك شيء قط يستطيع أن يصنع تلك النواة سوى البديع الواحد لذلك البطيخ، بل إن إيجاد غيره له محال أصلا. وبناءً على هذا فقد أصبح الكون -بتجلي الرحمانية- بمثابة شجرة وبستان، وغدت الأرض كالثمرة وكالبطيخ، وصار ذوو الحياة والإنسان كالبذرة، لذا ينبغي أن يكون خالقُ أصغر الأحياء هو خالق الأرض قاطبة، ورب أدق الأحياء هو رب الكون كله.
— 203 —
نحصل مما سبق: أن إيجادَ جميع الصور المنتظمة لجميع الموجودات وفتحَها من مادة بسيطة -بحقيقة الفتاحية التي هي محيطة- يُثبت الوحدة بداهة.. وأن تربية جميع الأحياء كذلك التي أتت إلى الوجود ودخلت الحياة الدنيا وبخاصة القادمين افوجد -بحقيقة الرحمانية التي تحيط بكل شيء- تربيةً في غاية الانتظام، وإيصالَ لوازم حياتها وتوفيرها لها دون نسيانِ أحدٍ، وشمولَ الرحمة نفسها ووصولها إلى كل فرد في كل مكان وفي كل آن، تُظهرُ الوحدة بداهة، وتُري الأحدية في تلك الوحدة كذلك.
وحيث إن رسائل النور هي من مظاهر اسمَي "الحكيم" و"الرحيم" من الأسماء الحسنى وأن إيضاح لطائف "حقيقة الرحمة" وتجلياتها مع إثباتها قد وردَ في مواضع عدة من الرسائل. لذا اقتصرنا هنا على الإشارة إليها بهذه القطرة من ذلك البحر الواسع.
وما رآه صاحبنا السائح وشاهده في المنیزل الثالث هو:
الحقيقة الثالثة: وهي حقيقة "التدبير والإدارة"
أي حقيقة إدارة الأجرام السماوية وهي في منتهى السرعة والضخامة، وإدارةِ العناصر وهي في منتهى الاختلاط والتشابك، وإدارةِ المخلوقات الأرضية وهي في منتهى الحاجة والضعف، إدارةً تتسم بكمال الانتظام والموازنة ويسعى بعضُها لمعاونة البعض الآخر، رغم اختلاطها وامتزاجها ببعض. أي هي حقيقةُ النظر في إدارة أمورها جميعا وجَعْل هذا العالم العظيم كأنه مملكة كاملة، ومدينة رائعة ضخمة، وقصر منيف مزين.
وسنأخذ هنا صورةً واحدة مقتضبة لجريان تلك الإدارة وسريانها على صفحة واحدة من سطح الأرض وفي صحيفة واحدة في الربيع، تاركين تلك الدوائر الجبارة والصحائف الواسعة التي تتقطر رحمةً. نظرا لأنها قد وضحت وأُثبتت في رسائل مهمة من رسائل النور كی"الكلمة العاشرة" وسنبينها بمثال على النحو الآتي:
إذا قام شخص عظيم خارق بتشكيل جيش من أربعمائة ألف أمةٍ وطائفة مختلفة، ووفّر ما يخص كل جندي من تلك الأمم والطوائف المختلفة من الملابس والأسلحة والأرزاق والتعليمات والإعفاءات والخدمات المختلفة المتنوعة جدا، وجهّزهم بالأجهزة المختلفة دون أدنى نقص أو قصور أو خطأ، وزوّدهم بها في أوانه دون أدنى تأخير أو خلط وبكمال الانتظام،
— 204 —
فلابد أن تلك الإدارة -وهي في منتهى السعة والاختلاط والدقة والموازنة والكثرة والعدالة- ليس إلّا مِن قدرةٍ خارقة لذلك القائد الخارق، فلا يمكن لأي سبب أن يمدّ يدَه إليها، إذ لو مدّ لأفسد تلك الموازنة ولاختلط الأمر.
فكما أن الأمر في هذا المثال هكذا؛ فإننا نشاهد بأعيننا كذلك أن يدا غيبية تنشئ في كل ربيع وتدير جيشا مهيبا مركبا من أربعمائة ألف من مختلف الأنواع من الأحياء. ثم في موسم الخريف -الذي هو نموذج القيامة- تُعفي ثلاثمائة ألف من مجموع الأربعمائة ألف نوع من وظائفها بصور الوفاة وباسم الموت. وفي الربيع -الذي هو مثال الحشر والنشور- تنشئ ثلاثَمائة ألف نموذج للحشر الأعظم في بضعة أسابيع بكمال الانتظام. حتى إنه سبحانه بعد أن يرينا في الشجرة الواحدة أربعة أنواع من الحشر المصغر بنشره الشجرة نفسها وأوراقَها وأزهارها وأثمارها -كما هي في الربيع الماضي-، فإنه يُظهر لنا ويثبت وحدانيته وأحديته وفرديته واقتداره المطلق ورحمته الواسعة ضمن كمال الربوبية والحاكمية والحكمة، فيكتب سبحانه أمر التوحيد هذا بقلم القَدر في صحيفة كل ربيع على وجه الأرض، وذلك بمنحه كلَ نوع وكل طائفة من ذلك الجيش السبحاني البالغ أنواعُه أربعمائة ألف نوع، ما يخصه من أرزاقه المختلفة، وما يحتاجه من أسلحته الدفاعية المتنوعة، وما يناسبه من ألبسته المتباينة، وما يلائمه من تعليماته المتفاوتة وإعفاءاته المختلفة، وما يوافقه من جميع معدّاته ولوازمه. فيمنح سبحانه كل ذلك بكمال الانتظام والميزان دون أدنى سهو أو خطأ ودون خَلط أو نسيان، ويهبها له في وقته المحدّد المعين، من مصادر لا تخطر على بال.
وبعد أن طالع صاحبنا السائح صحيفة واحدة فقط في ربيع واحد فقط وشاهد فيها أمر التوحيد بجلاء ووضوح خاطب نفسه قائلا:
إن الذي أنشأ هذه الأنواع من الحشر في كل ربيع، التي تربو على الألوف، وتفوق غرابةً الحشرَ الأكبر هو الذي وعد أنبياءه كافة بآلاف الوعود والعهود أن سيأتي بالحشر والقيامة للثواب والعقاب، وهو أهون على قدرته من الربيع نفسه، وضمَّن آلاف الإشارات حول الحشر في القرآن الكريم، الذي يقرر صراحة في ألف من آياته الكريمة على وعوده سبحانه ووعيده.. فلا شك أنَّ عذاب جهنم لهو عينُ العدالة بحق من يرتكب جحود الحشر أمام ذلك القدير الجبار والقهار ذي الجلال..
— 205 —
هكذا حكم صاحبنا السائح واطمأنت نفسه إليه فرددتْ هي أيضا: آمنّا.
وما شاهده سائح العالم في المنیزل الثالث هو:
الحقيقة الرابعة: وهي المرتبة الثالثة والثلاثون، تلك هي حقيقة "الرحيمية والرزاقية"
أي حقيقة إعطاء الرزق إلى جميع ذوي الحياة وبخاصة ذوي الأرواح وبخاصة العاجزين والضعفاء وبخاصة الأطفال والصغار على وجه الأرض كافة وفي جوفها وفي جوها وفي بحرها، إعطاءهم أرزاقهم كافة -سواء المادية المَعِدية منها أو المعنوية القلبية- بكل شفقة ورأفة، وذلك من الأطعمة المعمولة من تراب بسيط يابس ومن قِطَع خشب جافة جامدة كالعَظْم، وبخاصة إخراج ألطف تلك الأطعمة من بين فرث ودم وإخراج كميات هائلة من الأطعمة من بذرة واحدة صلدة كالعظم وهي لا تزن درهما.. فإخراج كل ذلك في وقته المناسب وأمام أنظارنا إخراجا مقننا دون نسيان أحد أو التباس أو خطأ لهو حقيقة الإرزاق من لدن يد غيبية.
نعم، إن الآية الكريمة:
إنَّ اللّٰه هو الرزّاقُ ذو القُوةِ المتين
(الذاريات:٥٨) التي تخصص الإعاشة والإنفاق وتحصرها في الحق سبحانه وتعالى. وكذا الآية الكريمة:
وما من دابّةٍ في الارض الّا على اللّٰه رِزقُها ويَعلَمُ مُستَقرّها ومستَودعَها كلٌ في كتابٍ مُبين
هود:٦) التي تأخذ أرزاق الناس والحيوان جميعها تحت تعهد الرب سبحانه وكفالته. وكذا الآية الكريمة:
وكأيّن من دابّةٍ لا تحمِلُ رِزقَها اللّٰه يَرزُقُها وإيّاكُم وهو السميعُ العَليمُ
(العنكبوت:٦٠) التي تثبت وتعلن بأن اللّٰه سبحانه هو الذي يتكفل -كما هو مُشاهَد- بأرزاق المساكين والضعفاء والعاجزين وأمثالهم ممن لا يستطيعون أن يتداركوها، فيرسلها إليهم من حيث لم يحتسبوا، ومن مصادرَ لا تَخطر لهم على بال، بل من الغيب، بل من غير شيء، كأمثال الحشرات الموجودة في أعماق البحار التي تتغذى على غير شيء. وجميع الصغار التي يأتيها رزقها من حيث لا تحتسب، وجميع الحيوانات التي قد تكفل سبحانه بأرزاقها، وينفق عليها فعلا من الغيب مباشرة -كما هو مشاهَد في كل ربيع- حتى إنه هو الذي يرسل أرزاق أولئك المفتونين بالأسباب تحت ستار الأسباب، فلا يرزقهم سواه. فكما أن تلك الآيات الكريمة والظواهر المشاهَدة تُري الرزاقية وتثبتها وتعلنها هكذا، كذلك تبين آياتٌ قرآنيةٌ كثيرة وشواهدُ كونية لا تُحدُّ متفقةً أن كل ذي حياة يُربَّى تحت كَنَفِ رحيميةِ رزاقٍ واحدٍ أحد ذي جلال.
— 206 —
نعم، إن تَسارُع أرزاق الأشجار إليها -وهي المحتاجة للرزق- دون أن يكون لها اقتدار ولا اختيار ولا إرادة وهي ساكنة في أماكنها متوكلةً على اللّٰه.. وكذا سيلان الحليب المصفَى من تلك المضخات العجيبة إلى أفواه الصغار العاجزين، وانقطاعُ تلك النفقة مباشرةً عنهم بعد اكتسابهم جزءا من الاقتدار وشيئا من الاختيار والإرادة، مع استمرار تلك الشفقة الموهوبة للأمهات.. كل ذلك؛ لَيثبتُ بداهةً أن الرزق الحلال لا يأتي متناسبا مع القدرة والإرادة وإنما يأتي متناسبا مع الضعف والعجز اللذين يمنحان التوكل.
ولقد ساق وجود قوة الاقتدار والاختيار والذكاء -المثير للحرص القائد إلى الحرمان على الأغلب- أولئك الأدباءَ الذين يستشعرون بها، إلى التذلل وإلى ما يشبه التسوّل، بينما أوصل عدمُ الاقتدار المكللُ بالتوكل أغلبَ العوام البُله إلى الثراء والغنى، حتى سار مثلا:
كم عالِمٍ عالمٍ أعيتْ مذاهبُه وجاهلٍ جاهلٍ تلقاهُ مرزوقا
[٭]: وفي طبقات الشعراء ١/١٣١ لابن المعتز: ينسب إلى ياقوت الحموي وأبي حيان التوحيدي مع شيء من الاختلاف: فَعاقِلٌ فَطِن أَعيَتْ مذاهبُه... وجاهلٌ خَرِقٌ تَلقاه مَرزوقا
مما يثبت أن الرزق الحلال لا يحصل عليه المخلوقُ ولا يجده بقوة الاقتدار والاختيار، وإنما يُعطَى له من لدن مرحمةٍ قد قَبِلت كدَّه وسعيَه، ويُحسَن إليه من عند شفقة ورأفة رقّت على احتياجه وافتقاره، غير أن الرزق نوعان:
الأول: الرزق الحقيقي والفطري للمعيشة، الذي هو تحت التعهد الرباني، وهو مقدّر بحيث إن المدّخَر منه في الجسم بصورة دهون أو بصور أخرى يمكنه أن يعيّش الإنسانَ ويديم حياتَه أكثر من عشرين يوما دون أن يذوق طعاما. فالذين يموتون جوعا في الظاهر قبل عشرين أو ثلاثين يوما من دون أن ينفد رزقُهم الفطري لا ينشأ موتُهم من انعدام الرزق، بل من مرض ناشئ من سوء التعود ومن ترك العادة.
والقسم الثاني من الرزق: هو الرزق المجازي والاصطناعي الذي يكون بحكم الضروري بعد أن يدمن الإنسان عليه بالتعود والإسراف وسوء الاستعمال. وهذا القسم ليس ضمن التعهد الرباني وتكفله بل هو تابع إلى إحسانه سبحانه. فإما إن يمنحه أو يمنعه.
— 207 —
فالسعيد -في هذا الرزق الثاني- والمحظوظ فيه، هو من يعلم أن السعي الحلال بالاقتصاد والقناعة -وهما مدارا السعادة واللذة- هو نوع من العبادة، وهو دعاء فعلي لكسب الرزق، لذا يقبل هذا السعيد ذلك الإحسان شاكرا ممتنا ويقضي حياته بهناء.
والشقي التعس في هذا الرزق هو من يتخلى عن السعي الحلال بالإسراف والحرص -وهما سبب الشقاء والخسارة والألم- فيقضي حياته بل يهلكها بطَرق كلِ باب بالكسل والتظلم والتشكي.
فكما أن المعدة تطلب رزقا، فالقلب والروح والعقل والعين والأذن والفم وأمثالُها من لطائف الإنسان ومشاعره هي الأخرى تطلب رزقها من الرزاق الرحيم، وتأخذه منه بكل شكر وامتنان. فيهب سبحانه لكلٍ منها من خزائن رحمته رزقَها الذي يناسبها وترضى به وتلتذ. بل إن الرزاق الرحيم قد خَلق كلا من تلك اللطائف كالعين والأذن والقلب والخيال والعقل وأمثالها بمثابة مفتاح لخزينة رحمته كي يغمرها بالرزق الواسع. فمثلما العين مفتاحٌ لخزائن الجواهر القيمة من الحسن والجمال المنبسط على وجه الكائنات، فاللطائف الأخرى كذلك كل واحدة منها مفتاح لعالم معين، تستفيد منه بالإيمان.. وعلى كل حال فلنرجع إلى أصل الموضوع.
فكما أن الخالق القدير الحكيم قد خلق الحياة خلاصة جامعة مستخلَصة من الكائنات يحشِّد فيها مقاصدَه العامة وتجلياتِ أسمائه الحسنى؛ كذلك جعل الرزق في عالم الحياة مركزا جامعا للشؤون الربانية، خالقا في ذوي الحياة غريزة الاشتهاء وتذوق الرزق، ليفسح بذلك المجال لأهمِ غاية لخلق الكائنات وحكمتها وهي جعل المقابل في شكر ورضى دائمين وكليين يتمان بكل خضوع وعبودية تجاه ربوبيته وتودّده سبحانه.
فمثلا: إنه سبحانه قد عمّر كل طرف من أطراف المملكة الربانية الواسعة جدا؛ فعمَّر السماوات بالملائكة والروحانيين، وعمَّر عالم الغيب بالأرواح، كما عمَّر العالم المادي -لحكمة بث الروح وإضفاء البهجة فيه وبخاصة عالم الهواء والأرض، بل كل جهة منه وفي كل وقت وأوان- بوجود الأحياء وبخاصة الطيور والطويرات والحشرات. فغرز الاحتياج للرزق وتذوّقه في الحيوانات والإنسان؛ وجعلهم يسعون دوما وراء رزقهم. وكأن ذلك الاحتياج
— 208 —
سوطُ تشويقٍ لهم يسوقهم ويحركهم ويُجريهم وراء الرزق منتشلا إياهم من الكسل والعطالة، وما ذلك إلّا حكمة من حكم الشؤون الربانية. ولولا أمثال هذه الحكمة من الحكم المهمة لكان سبحانه يجعل التعيينات المقننة للحيوانات تسعى إليها دون كدٍ وعناء ولحاجة فطرية كما جعل أرزاق النباتات تسعى إليها هكذا.
ولو وجدت عين تستطيع رؤية أنواع الجمال لاسم "الرحيم" وأوجهِ الحسن لاسم "الرزاق" وشهادتِهما للوحدانية رؤيةً تامة بحيث تتمكن من الإحاطة كليا بسطح الأرض ومشاهدته في آن واحد، لكانت ترى مدى متعة الجمال ومدى لذة الحسن في تجلي شفقة "الرزاق الرحِيم" ورأفتهِ الذي يُمدّ إمدادا غيبيا ويحسن إحسانا رحمانيا قوافلَ الحيوانات التي كادت تنفد أرزاقُها في أواخر الشتاء، بأطعمة ونِعمٍ في منتهى اللذة ومنتهى الكثرة ومنتهى التنوع مودِعة إياها في أيدي النباتات وموضوعة على هامات الأشجار ومعلَّقة في أثداء الوالدات ومرسِلة لها من خزائن رحمة غيبية صرفة. وعند ذلك تدرك بأن الذي يصنع تفاحة واحدة -مثلا- ويهبها رزقا حقيقيا، مُنعما بها على شخص، لا يمكن أن يكون إلّا الذي يدير كل المواسم والليالي والأيام ويجعل الكرة الأرضية كسفينة تجارية يبحر بها ويسيّرها مستحصلا بها محاصيل المواسم فيأتي بها إلى ضيوفه المعوزين في الأرض، ذلك لأن سكة الفطرة وختم الحكمة وطغراء الصمدية وختم الرحمة الموجودة على جبين تلك التفاحة الواحدة، موجودةٌ كذلك على جبين تفاح الأرض كلها وعلى سائر الأثمار والفواكه وعلى النباتات والحيوانات جميعها. لذا فإن مالك تلك التفاحة الواحدة وصانعها الحقيقي هو مالكُ وصانعُ أمثالِها وأشباهِ جنسها من سكنة الأرض، وهو مالكُ وصانعُ الأرض الضخمة التي هي حديقتها، وهو بارئ شجرة الكائنات التي هي مصنعها. وهو موجِد موسمها الذي هو معملها، وهو باعث الربيع والصيف اللذين هما ميدان تربيتها ونموها، ذلكم المالك ذو الجلال والخالقُ ذو الجمال. لا شريك له ولا إله غيره.
فكل ثمرة إذن هي ختم رائع واضح للوحدة، بحيث يعرِّف كاتبَ وصانعَ شجرتِها وهي الأرض، ويعرّف كاتب وخالق حديقتها وهي كتاب الكون، ويبرز وحدته سبحانه، ويشير إلى أن أمر الوحدانية قد خُتم بأختامِ تصديقٍ عديدة بعدد الأثمار.
ولكون رسائل النور مَظهرا لأسمَي "الرحيم والحكيم" من الأسماء الحسنى ولبيان
— 209 —
وإثبات لمعات كثيرة لحقيقة الرحيمية وأسرارها الغزيرة في عدة أجزاء من أجزاء رسائل النور، نحيل إليها. وقد أكتفي بهذه الإشارة القصيرة إلى تلك الخزينة الغنية الكبيرة نظرا لحالتي غير الملائمة.
وهكذا فصاحبنا السائح يقول: الحمد للّٰه الذي وفقني لأسمعَ الحقائقَ الثلاث والثلاثين التي تشهد على وجوب وجود خالقي ومالكي وعلى وحدته، والذي ظللتُ أبحث عنه في كل مكان وأسأل عنه كلَّ شيء. تلك الحقائق التي كل منها عبارة عن شمس مشرقة تبدد كل ظلام، وكل منها بقوة الجبل الراسخ المستقر، وكل منها بتحقيقاتها تشهد في غاية القطعية على وجوده سبحانه وتدل بإحاطتها في غاية الجلاء على وحدته، وتُثبت خلالها سائر الأركان الإيمانية إثباتا قويا. وأن إجماع مجموع الحقائق واتفاقها قد حولت إيماننا من التقليد إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى علم اليقين، ومن علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، فالحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي.
الحمد للّٰه الذي هَدانا لهذا وما كُنا لِنَهتَديَّ لولا أن هدانا اللّٰه لقَدْ جاءت رُسُلُ رَبِّنا بالحق
(الأعراف:٤٣).
هذا وقد جاءت في الباب الثاني من المقام الأول إشارة قصيرة جدّا إلى الأنوار الإيمانية التي اكتسبها هذا السائح الباحث المشتاق في مشاهداته في المنیزل الثالث من الحقائق الأربعة المعظمة:
(لا إله إلّا اللّٰه الواحد الأحد الذي دلّ على وحدته فیي وجوب وجوده مشاهدةُ عظمةِ إحاطةِ حقيقةِ الفتاحية، بفتح الصور لأربعمائة ألف نوع مین ذوي الحياة المكملة بلا قصور، بشهادة فنِ النبات والحيوان.. وكذا مشاهدةُ عظمة إحاطة حقيقة الرحمانية الواسعة المنتظمة بلا نقصان بالمشاهدة والعيان.. وكذا مشاهدة عظمة حقيقة الإدارة المحيطة لجميع ذوي الحياة والمنتظمة بلا خطأ ولا نقصان.. وكذا مشاهدة عظمة إحاطة حقيقة الرحيمية والإعاشة الشاملة لكل المرتزقين المقننة فیي كل وقت الحاجة بلا سهو ولا نسيان جل جلالُ رَزَّاقِها الرحمنِ الرحيمِ الحنیان المنان وعَمَّ نوالهُ وشَمِلَ إحسانه ولا إله إلّا هو).
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 210 —
يا ربِّ بحق بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يا اللّٰه يا رحمن يا رحيم
صلِّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين بعدد جميع حروف رسائل النور المضروبة تلك الحروفُ في عاشراتِ دقائقِ جميعِ عمرنا في الدنيا والآخرة مع ضرب مجموعها في ذرات وجودي في مدة حياتي، واغفر لي ولمن يعينني في نشر رسائل النور وكتابتها بصداقة، بكل صلاة منها ولآبائنا ولساداتنا وشيوخنا ولأخواتنا وإخواننا ولطلبة رسالة النور الصادقين وبالخاصة لمن يكتب ويستنسخ هذه الرسالة
برحمتك يا أرحم الراحمين.. آمين.
وآخر دعواهم أن الحمد للّٰه رب العالمين
— 211 —
مهمة رسائل النور
استمعت في هذه الأيام ضمن محاورة معنوية لسؤال وجواب، أبين لكم خلاصة منهما:
"قال أحدهم: إن التحشيدات العظيمة لرسائل النور وتسلّحها بتجهيزات كلية، وجهادها لأجل الإيمان والتوحيد تزداد باطراد. وعلى الرغم من أن واحدة منها كافية لإلزامِ أعتى عنيدٍ، فلِمَ تُوالي بهذه الدرجة من الحرارة والفعالية تحشيداتٍ جديدة لذلك"؟
قالوا جوابا له: "إن رسائل النور لا ترمم تخريبات جزئية، ولا ترمم بيتا صغيرا مهدما وحده، بل تعمّر أيضا تخريبات عامة كلية، وترمم قلعة محيطة عظيمة -صخورها كالجبال- تحتضن الإسلام وتحيط به. وهي لا تسعى لإصلاح قلبٍ خاص ووجدان معين وحده، بل تسعى أيضا -وبيدها إعجاز القرآن- لمداواة القلب العام، وضماد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هُيئَت لها وحشدت متراكمةً منذ ألف سنة، وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجَّه نحو الفساد نتيجةَ تحطم الأسس الإسلامية وتياراته وشعائره التي هي المستنَد العظيم للجميع وبخاصة عوام المؤمنين. نعم، إنها تسعى لمداواة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدوية إعجاز القرآن والإيمان.
فأمام هذه التخريبات الكلية الرهيبة والشقوق الواسعة والجروح الغائرة، ينبغي وجود حجج دامغة وأعتدة مجهّزة بدرجةِ حق اليقين وبقوة الجبال ورسوخها، ووجودُ أدوية مجرّبة لها من الخواص ما يفوق ألف ترياق وترياق ولها من المزايا ما يضاهي علاجات لا حدّ لها.
هذه هي مهمة رسائل النور النابعةُ من الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، وفي الوقت الذي تقوم بها في هذا الزمان أتم قيام، فهي تحظى بكونها مدار انكشاف لمراتبَ غير محدودة للإيمان ومصدرَ رقي في مدارجه السامية غير المتناهية".
وعلى هذا المنوال جرت مكالمة طويلة. فسمعتها كاملة، وشكرت اللّٰه كثيرا، أجملتها لكم.
سعيد النورسي
— 212 —

الشعاع التاسع

القطعة الأولى من لاحقة "الكلمة العاشرة" وذيلها المهم
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فسُبحَانَ اللّٰه حينَ تُمسونَ وحينَ تُصبِحُونَ ولهُ الحَمدُ في السّمواتِ والأرضِ وعَشيًا وحينَ تُظهِرونَ ٭ يُخرجُ الحيَّ من الميتِ ويُخرِجُ الميّتَ من الحيّ ويُحيي الأرضَ بعدَ موتِها وكذَلِكَ تُخرَجُونَ ٭ ومنْ آياتِهِ أنْ خَلَقكُم من تُرابٍ ثُم اذا أنتُم بَشَرٌ تنتَشِرونَ ٭ ومنْ آياتهِ أن خَلَق لكُم من أنفُسِكُم أزواجًا لِتَسكُنوا إليها وجَعَلَ بَينَكُم مَوَدةً ورحمةً إنَ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يَتفَكّرونَ ٭ ومنْ آياتِهِ خَلقُ السّمواتِ والارضِ واختِلافُ ألسِنتِكُمْ وَألوانِكُمْ انّ في ذلِكَ لآياتٍ للعالمين ٭ ومن آياتِهِ مَنامُكم بالّيلِ والنّهارِ وإبتِغاؤكُم من فضلِهِ ان في ذلكَ لآياتٍ لِقَومٍ يسمَعُونَ ٭ ومن آياتِهِ يُريكُمُ البَرقَ خوفًا وطمعًا ويُنزّلُ من السَماءِ ماءً فيُحيي به الأرضَ بعد موتها انّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يعقِلونَ ٭ ومن آياتِهِ انّ تَقومَ السّماءُ والأرضُ بأمرهِ ثمّ اذا دَعاكُم دعوةً من الأرضِ اذا أنتُم تَخرُجونَ ٭ ولهُ مَن في السّمواتِ والأرضِ كلٌ لهُ قانِتُونَ ٭ وهوَ الذي يَبدؤا الخلقَ ثُمّ يُعيدُهُ وهوَ أهونُ عليهِ ولهُ المثلُ الأعلى في السّمواتِ والأرضِ وهوَ العَزيزُ الحكيمُ
(الروم: ١٧-٢٧).
— 213 —
سنُبيّن في هذا "الشعاع التاسع" برهانا قويا، وحجةً كبرى، لما تبينه هذه الآيات الكريمة من محور الإيمان وقطبه، وهو الحشر، ومن البراهين السامية المقدسة الدالة عليه.
وإنه لعناية ربانية لطيفة أَنْ كَتَبَ "سعيد القديم" قبل ثلاثين سنة في ختام مؤلَّفه "محاكمات" الذي كتبه مقدمة لتفسير "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" ما يأتي:
المقصد الثاني: سوف يفسر آيتين تبيّنان الحشر وتشيران إليه.
ولكنه ابتدأ بی: "نخو [٭]: نخو: كلمة كردية باللهجة الكرمانجية الشمالية، تعني: فإذن.
بِسْمِ اللّٰه الرَّحْمنِ الرَّحيم". وتوقف، ولم تتح له الكتابة.
فألف شكر وشكر للخالق الكريم وبعدد دلائل الحشر وأماراته أن وفّقني لبيان ذلك التفسير بعد ثلاثين سنة. فأنعمَ سبحانه وتعالى عليّ بتفسير الآية الأولى:
فانظر الى آثار رحمتِ اللّٰه كيفَ يحيي الارضَ بعدَ موتِها اِن ذلكَ لمُحيي الموتى وهو على كل شيء قدير
(الروم:٥٠) وذلك قبل نحو عشر سنوات، فأصبحت "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" وهما حجتان ساطعتان قويتان أخرستا المنكرين الجاحدين..
وبعد حوالي عشر سنوات من بيان ذينك الحصنين الحصينين للحشر، أفاض عليَّ سبحانه وتعالى وأنعم بتفسير الآيات المتصدرة لهذا الشعاع، فكان هذه الرسالة.
فهذا "الشعاع التاسع" عبارة عن تسعة مقامات سامية مما أشارت إليها الآيات الكريمة مع مقدمة مهمة.
— 214 —
المقدمة
هذه المقدمة نقطتان: سنذكر أولا وباختصار نتيجةً واحدة جامعة من بين النتائج الحياتية والفوائد الروحية لعقيدة الحشر، مبينين مدى ضرورة هذه العقيدة للحياة الإنسانية ولاسيما الاجتماعية.ونورد كذلك حجة كلية واحدة -من بين الحجج العديدة لعقيدة الإيمان بالحشر- مبينين أيضا مدى بداهتها ووضوحها حيث لا يداخلها ريب ولا شبهة.
النقطة الأولى
سنشير إلى أربعة أدلة على سبيل المثال وكنموذج قياسي من بين مئات الأدلة على أن عقيدة الآخرة هي أس الأساس لحياة الإنسان الاجتماعية والفردية، وأساس جميع كمالاته ومُثله وسعادته.
الدليل الأول: إن الأطفال الذين يمثلون نصف البشرية، لا يمكنهم أن يتحمّلوا تلك الحالات التي تبدو مؤلمةً ومفجعة أمامَهم من حالات الموت والوفاة إلّا بما يجدونه في أنفسهم وكيانهم الرقيق اللطيف من القوة المعنوية الناشئة من "الإيمان بالجنة"، ذلك الإيمان الذي يفتح باب الأمل المشرق أمام طبائعهم الرقيقة التي لا تتمكن من المقاومة والصمود وتبكي لأدنى سبب. فيتمكنون به من العيش بهناء وفرح وسرور. فيحاور الطفلُ المؤمنُ بالجنة نفسَه: "أنَّ أخي الصغير أو صديقي الحبيب الذي توفي، أصبح الآن طيرا من طيور الجنة، فهو إذن يسرح من الجنة حيث يشاء، ويعيش أفضل وأهنأ منّا". وإلّا فلولا هذا الإيمان بالجنة لهدم الموتُ الذي يصيب أطفالا أمثاله -وكذلك الكبار- تلك القوة المعنوية لهؤلاء الذين لا حيلة لهم ولا قوة، ولحطّم نفسياتهم، ولدمّر حياتهم ونغَصها فتبكي عندئذٍ جميع جوارحهم ولطائفهم من
— 215 —
روح وقلب وعقل مع بكاء عيونهم. فإما أن تموت أحاسيسهم وتغلُظ مشاعرهم أو يصبحوا كالحيوانات الضالة التعسة.
الدليل الثاني: إن الشيوخ الذين هم نصف البشرية، إنما يتحملون ويصبرون وهم على شفير القبر بی"الإيمان بالآخرة". ولا يجدون الصبر والسلوان من قرب انطفاء شعلة حياتهم العزيزة عليهم، ولا من انغلاق باب دنياهم الحلوة الجميلة في وجوههم إلّا في ذلك الإيمان. فهؤلاء الشيوخ الذين عادوا كالأطفال وأصبحوا مرهفي الحس في أرواحهم وطبائعهم، إنما يقابِلون ذلك اليأس القاتل الأليم الناشيء من الموت والزوال، ويصبرون عليه بالأمل في الحياة الآخرة. وإلّا فلولا هذا الإيمان بالآخرة لشعر هؤلاء الآباء والأمهات -الذين هم أجدر بالشفقة والرأفة والذين هم في أشد الحاجة إلى الاطمئنان والسكينة والحياة الهادئة- ضراما روحيا واضطرابا نفسيا وقلقا قلبيا، ولضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، ولتحولت سجنا مظلما رهيبا، ولانقلبت الحياة إلى عذاب أليم قاسٍ.
الدليل الثالث: إن الشباب والمراهقين الذين يمثلون محور الحياة الاجتماعية لا يهدّئ فورةَ مشاعرهم، ولا يمنعهم من تجاوز الحدود إلى الظلم والتخريب، ولا يمنع طيش أنفسهم ونزواتها، ولا يؤمّن السيرَ الأفضل في علاقاتهم الاجتماعية إلّا الخوفُ من نار جهنم. فلولا هذا الخوف من عذاب جهنم لقلَب هؤلاء المراهقون الطائشون الثملون بأهوائهم الدنيا إلى جحيم تتأجج على الضعفاء والعجائز، حيث "الحُكم للغالب" ولحوّلوا الحياة الإنسانية السامية إلى حياة حيوانية سافلة.
الدليل الرابع: إن الحياة العائلية هي مركز جامع للحياة الدنيوية ولولبها وهي جنة سعادتها وقلعتها الحصينة وملجأها الأمين. وإن بيت كل فرد هو عالمُه ودنياه الخاصة. فلا سعادة لروح الحياة العائلية إلّا بالاحترام المتبادل الجاد والوفاء الخالص بين الجميع، والرأفة الصادقة والرحمة التي تصل إلى حدّ التضحية والإيثار. ولا يحصل هذا الاحترام الخالص والرحمة المتبادَلة الوفية إلّا بالإيمان بوجودِ علاقاتِ صداقة أبدية، ورفقةٍ دائمة، ومعيّة سرمدية، في زمن لا نهاية له، وتحت ظلِ حياة لا حدود لها، تربطها علاقاتُ أبوّةٍ محترمة مرموقة، وأخوةٍ خالصة نقية، وصداقةٍ وفيّة نزيهة، حيث يحدّث الزوجُ نفسه: "إن زوجتي
— 216 —
هذه رفيقة حياتي وصاحبتي في عالم الأبد والحياة الخالدة، فلا ضير إن أصبحت الآن دميمة أو عجوزا، إذ إن لها جمالا أبديا سيأتي، لذا فأنا مستعد لتقديم أقصى ما يستوجبه الوفاء والرأفة، وأضحّي بكل ما تتطلبه تلك الصداقة الدائمة".. وهكذا يمكن أن يُكنّ هذا الرجل حبا ورحمة لزوجته العجوز كما يكنّه للحور العين. وإلّا فإنّ صحبة وصداقة صورية تستغرق ساعة أو ساعتين ومن ثم يعقبها فراق أبدي ومفارقة دائمة لهي صحبة وصداقة ظاهرية لا أساس لها ولا سند. ولا يمكنها أن تعطي إلّا رحمةً مجازية، واحتراما مصطنعا، وعطفا حيوانيَّ المشاعرِ، فضلا عن تدخُل المصالح والشهوات النفسانية وسيطرتها على تلك الرحمة والاحترام فتنقلب عندئذٍ تلك الجنة الدنيوية إلى جحيم لا يطاق.
وهكذا فإن نتيجة واحدة للإيمان بالحشر من بين مئات النتائج تتعلق بالحياة الاجتماعية للإنسان وتعود إليها، والتي لها مئات الأوجه والفوائد، إذا ما قيست على تلك الدلائل الأربعة المذكورة آنفا، يُدرك أن وقوع حقيقة الحشر وتحققَها قطعي كقطعية ثبوت حقيقة الإنسان السامية وحاجاته الكلية. بل هي أظهر دلالة من حاجة المعدة إلى الأطعمة والأغذية، وأوضح شهادةً منها. ويمكن أن يقدّر مدى تحققها تحققا أعمق وأكثر إذا ما سلبت الإنسانية من هذه الحقيقة (الحشر) ،حيث تصبح ماهيتها التي هي سامية ومهمة وحيوية بمثابة جيفة نتنة ومأوى الميكروبات والجراثيم.
فليلق السمعَ علماءُ الاجتماع والسياسة والأخلاق من المعنيين بشؤون الإنسان وأخلاقه واجتماعه، وليأتوا ويبينوا بماذا سيملأون هذا الفراغ؟ وبماذا سيداوون ويضمدون هذه الجروح الغائرة العميقة؟!
النقطة الثانية
تُبين هذه النقطة بإيجاز شديد برهانا واحدا -من بين البراهين التي لا حصر لها- على حقيقة الحشر وهو ناشئ من خلاصةِ شهادةِ سائر الأركان الإيمانية. وعلى النحو الآتي:
إن جميع المعجزات الدالة على رسالة سيدنا محمد (ص) مع جميع دلائل نبوته وجميع البراهين الدالة على صدقه، تشهد بمجموعها معا، على حقيقة الحشر، وتدل عليها وتثبتها،
— 217 —
لأن دعوته (ص) طوال حياته المباركة قد انصبّت بعد التوحيد على الحشر. وإن جميع معجزات الأنبياء عليهم السلام وحججهم الدالة على صدقهم -وتَحمِل الآخرين على تصديقهم- تشهد على الحقيقة نفسها، وهي الحشر. وكذا شهادة "الكتب المنیزلة" التي رقّت الشهادةَ الصادرةَ من "الرسل الكرام" إلى درجة البداهة، تشهدان على الحقيقة نفسها. وعلى النحو الآتي:
فالقرآن الكريم -ذو البيان المعجز- يشهد بجميع معجزاته وحججه وحقائقه -التي تُثبت أحقيتَه- على حدوث الحشر ويثبته، حيث إن ثُلث القرآن بأكمله، وأوائلَ أغلبِ السور القصار، آياتٌ جلية على الحشر. أي إن القرآن الكريم ينبئ عن الحقيقة نفسِها بآلاف من آياته الكريمة صراحة أو إشارةً ويثبتها بوضوح ويظهرها بجلاء. فمثلا: اذا الشمسُ كُوّرتْ (التكوير:١) يا أيها الناسُ اتقوا رَبّكم ان زَلزَلةَ السّاعَةِ شيء عظيم (الحج:١) اذا زلزلت الارضُ زلزالها (الزلزلة:١) اذا السّماءُ انفطَرت (الانفطار:١) اذا السّماءُ انشقتْ (الانشقاق:١) عمّ يتساءلون (النبأ:١) هلّ أتاكَ حديثُ الغاشية (الغاشية:١). فيثبت القرآن الكريم بهذه الآيات وأمثالها في مفتتح ما يقارب أربعين سورة أن الحشر لا ريب فيه، وأنه حَدثٌ في غاية الأهمية في الكون، وأن حدوثه ضروري جدّا ولابد منه، ويبين بالآيات الأخرى دلائل مختلفة مقنعة على تلك الحقيقة.
تُرى إنْ كان كتابٌ تثمر إشارةٌ واحدةٌ لآيةٍ من آياتِه تلك الحقائقَ العلمية والكونية المعروفة بالعلوم الإسلامية، فكيف إذن بشهادة آلاف من آياته ودلائله التي تبين الإيمان بالحشر كالشمس ساطعة؟ ألا يكون الجحود بهذا الإيمان كإنكار الشمس بل كإنكار الكائنات قاطبة؟! ألا يكون ذلك باطلا ومحالا في مائة محال؟!
تُرى هل يمكن أن يوصَم آلاف الوعد والوعيد لكلامِ سلطان عزيز عظيم بالكذب أو أنها بلا حقيقة، في حين قد يخوض الجيش غمار الحرب لئلا تُكذَّب إشارةٌ صادرة من سلطان. فكيف بالسلطان المعنوي العظيم الذي دام حكمه وهيمنته ثلاثة عشر قرنا دون انقطاع، فربّى ما لا تعد من الأرواح والعقول والقلوب والنفوس، وزكّاها وأدارها على الحق والحقيقة، ألا تكفي إشارة واحدة منه لإثبات حقيقة الحشر؟ علما أن فيه آلافَ أوجه الصراحة الواضحة
— 218 —
المثبتة! أليس الذي لا يدرك هذه الحقيقة الواضحة أحمقَ جاهلا؟ ألا يكون من العدالة المحضة أن تكون النار مثواه؟
ثم إن الصحف السماوية والكتب المقدسة جميعها التي حكَمت كل منها لفترة من العصور والأزمنة، قد صَدّقت بآلاف من الدلائل دعوى القرآن الكريم في حقيقة الحشر مع أن بيانها لها مختصر وموجز، وذلك بمقتضى زمانها وعصرها، تلك الحقيقة القاطعة التي بيّنها القرآن الكريم الذي ساد حكمه على العصور جميعها، وهيمن على المستقبل كله، بيّنها بجلاء وأفاض في إيضاحها.
يُدرج هنا نصُّ ما جاء في آخر رسالةِ "المناجاة" انسجاما مع البحث، تلك الحجة القاطعة الملخَّصة للحشر، والناشئة من شهادة سائر الأركان الإيمانية ودلائلها على الإيمان باليوم الآخر، ولاسيما الإيمان بالرسل والكتب، والتي تبدد الأوهام والشكوك، حيث جاءت بأسلوب موجز، وعلى صورةِ مناجاةٍ.
يا ربي الرحيم. لقد أدركتُ بتعليم الرسول (ص) وفهمتُ من تدريس القرآن الحكيم، أن الكتبَ المقدسة جميعها وفي مقدمتها القرآن الكريم، والأنبياء عليهم السلام جميعهم وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ص)، يدلّون ويشهدون ويشيرون بالإجماع والاتفاق إلى أن تجليات الأسماء الحسنى -ذات الجلال والجمال- الظاهرةَ آثارُها في هذه الدنيا، وفي العوالم كافة، ستدوم دواما أسطعَ وأبهرَ في أبد الآباد.. وأن تجلياتها -ذات الرحمة- وآلاءها المشاهدةَ نمیاذجُها في هذا العیالم الفاني، ستثمر بأبهى نور وأعظم تألق، وستبقى دوما في دار السعادة.. وأن أولئك المشتاقين الذين يتملّونها -في هیذه الحيیاة الدنيا القصيرة- بلهفةٍ وشوق سيرافیقیونیها بالمحبة والودّ، ويصحبونها إلى الأبد، ويَظلون معها خالدين.. وأن جميع الأنبياء وهم ذوو الأرواح النيرة وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ص)، وجميع الأولياء وهم أقطاب ذوي القلوب المنورة، وجميع الصديقين وهم منابع العقول النافذة النيّرة، كل أولئك يؤمنون إيمانا راسخا عميقا بالحشر ويشهدون عليه ويبشِّرون البشريةَ بالسعادة الأبدية، وينذرون أهل الضلالة بأن مصيرهم النار، ويبشرون أهل الهداية بأن عاقبتهم الجنة، مستندين إلى مئات المعجزات الباهرة والآيات القاطعة، وإلى ما ذكرتَه أنت يا ربي مرارا
— 219 —
وتكرارا في الصحف السماوية والكتب المقدسة كلها من آلاف الوعد والوعيد. ومعتمدين على عزة جلالك وسلطان ربوبيتك، وشؤونك الجليلة، وصفاتك المقدسة كالقدرة والرحمة والعناية والحكمة والجلال والجمال وبناءً على مشاهداتهم وكشفياتهم غير المعدودة التي تنبئ عن آثار الآخرة ورشحاتها. وبناءً على إيمانهم واعتقادهم الجازم الذي هو بدرجة علم اليقين وعين اليقين.
فيا قدير ويا حكيم ويا رحمن ويا رحيم ويا صادق الوعد الكريم، ويا ذا العزة والعظمة والجلال ويا قهار ذا الجلال. أنت مقدّس ومنیزّهٌ، وأنت متعال عن أن تَصِمَ بالكذب كلَّ أوليائِك وكل وعودك وصفاتك الجليلة وشؤونك المقدسة.. فتكذِّبَهم، وأن تحجُب ما يقتضيه قطعا سلطانُ ربوبيتك بعدم استجابتك لتلك الأدعية الصادرة من عبادك الصالحين الذين أحببتهم وأحبّوك، وحبّبوا أنفسهم إليك بالإيمان والتصديق والطاعة، فأنت منیزّه ومتعال مطلق عن أن تصدِّق أهلَ الضلالة والكفر في إنكارهم الحشر، أولئك الذين يتجاوزون على عظمتك وكبريائك بكفرهم وعصيانهم وتكذيبهم لك ولوعودك، والذين يستخفّون بعزة جلالك وعظمة ألوهيتك ورأفة ربوبيتك.
فنحن نقدّس بلا حدّ ولا نهاية عدالتَك وجمالك المطلقَين ورحمتك الواسعة وننیزّهها من هذا الظلم والقبح غير المتناهي.. ونعتقد ونؤمن بكل ما أوتينا من قوة بأن الآلاف من الرسل والأنبياء الكرام، وبما لا يعدّ ولا يحصى من الأصفياء والأولياء الذين هم المنادون إليك هم شاهدون بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين على خزائن رحمتك الأخروية وكنوز إحساناتك في عالم البقاء، وتجليات أسمائك الحسنى التي تنكشف كليا في دار السعادة.. ونؤمن أن هذه الشهادة حق وحقيقة، وأن إشاراتهم صدق وواقع، وأن بشاراتهم صادقة وواقعة.. فهؤلاء جميعا يؤمنون بأن هذه الحقيقة الكبرى (أي الحشر) شعاع عظيم من اسم "الحق" الذي هو مرجع جميع الحقائق وشمسها، فيرشدون عبادك -بإذن منك- ضمن دائرة الحق، ويعلمونهم بعين الحقيقة.
فيا ربي! بحق دروس هؤلاء، وبحرمة إرشاداتهم، آتنا إيمانا كاملا وارزقنا حسن الخاتمة، لنا ولطلاب النور، واجعلنا أهلا لشفاعتهم... آمين".
— 220 —
وهكذا فیإن الدلائل والحجج التي تُثبت صیدق القرآن الكريم بیل جميعِ الكتب السماوية، وإن المعجزات والبراهين التي تثبت نبوة حبيب اللّٰه بل الأنبياءِ جميعهم، تثبت بدورها أهم ما يدعون إليه، وهو تحقق الآخرة وتدل عليها. كما أن أغلب الأدلة والحجج الشاهدة على وجوب واجب الوجود ووحدته سبحانه، هي بدورها شاهدة على دار السعادة وعالم البقاء التي هي مدار الربوبية والألوهية وأعظم مظهر لهما، وهي شاهدة على وجود تلك الدار وانفتاح أبوابها -كما سيُبين في المقامات الآتية- لأن وجوده سبحانه وتعالى، وصفاته الجليلة، وأغلب أسمائه الحسنى، وشؤونه الحكيمة، وأوصافه المقدسة أمثال الربوبية والألوهية والرحمة والعناية والحكمة والعدالة تقتضي جميعها الآخرة وتلازمها، بل تستلزم وجود عالم البقاء بدرجة الوجوب وتطلب الحشر والنشور للثواب والعقاب بدرجة الضرورة أيضا.
نعم، ما دام اللّٰه موجودا، وهو واحد أزلي أبدي، فلابد أن محور سلطان ألوهيته وهو الآخرة، موجود أيضا.. وما دامت الربوبية المطلقة وهي ذات جلال وعظمة وحكمة ورأفة تتجلى في هذه الكائنات ولا سيما في الأحياء ظاهرة واضحة، فلابد أن هناك سعادة أبدية تنفي عن الربوبية المطلقة أيَّ ظنٍ بكونها تترك الخلق هَمَلا دون ثواب، وتبرئ الحكمة من العبث، وتصون الرأفة من الغدر. أي إن تلك الدار موجودة قطعا ولابد من الدخول فيها.
وما دامت هذه الأنواع من الإنعام والإحسان واللطف والكرم والعناية والرحمة مشاهَدة وظاهرة أمام العقول التي لم تنطفئ، وأمام القلوب الیتي لم تمت، وتدلّنا على وجوب وجودِ رب رحمن رحيم وراء الحجاب، فلابد من حياة باقية خالدة، لتنقذ الإنعامَ من الاستهزاء أي يأخذ الإنعام مداه، وتصون الإحسان من الخداع ليستوفي حقيقته، وتنقذ العناية من العبث لتستكمل تحققها، وتنجي الرحمة من النقمة فيتم وجوهها، وتبرئ اللطف والكرم من الإهانة ليفيضا على العباد. نعم، إن الذي يجعل الإحسان إحسانا حقا، والنعمة نعمةً حقا، هو وجود حياةٍ باقيةٍ خالدةٍ في عالم البقاء والخلود.. نعم، لابد أن يتحقق هذا.
وما دام قلم القدرة الذي يَكتب في فصل الربيع وفي صحيفة ضيقة صغيرة، مائةَ ألف كتاب، كتابةً متداخلة بلا خطأ ولا نصب ولا تعب، كما هو واضح جليٌّ أمام أعيننا. وأن صاحب ذلك القلم قد تعهّد ووعد مائة ألف مرة لأكتبنّ كتابا أسهل من كتاب الربيع المكتوب
— 221 —
أمامكم ولأكتبنّه كتابةً خالدة، في مكان أوسع وارحبَ وأجملَ من هذا المكان الضيق المختلط المتداخل.. فهو كتاب لا يفنى أبدا، ولأجعلنَّكم تقرؤونه بحيرة وإعجاب! وأنه سبحانه يذكر ذلك الكتاب في جميع أوامره، أي إن أصول ذلك الكتاب قد كُتبت بلا ريب، وستُكتب حواشيه وهوامشه بالحشر والنشور، وستدوّن فيه صحائف أعمال الجميع.
وما دامت هذه الأرض قد أصبحت ذات أهمية عظمى من حيث احتواؤها على كثرة المخلوقات، ومئات الألوف من أنواع ذوي الحياة والأرواح المختلفة المتبدلة، حتى صارت قلب الكون وخلاصته، ومركزَه وزبدتَه ونتيجتَه وسبب خلقه. فذُكرت دائما صنوا للسماوات كما في:
رب السموات والارض
في جميع الأوامر السماوية.
وما دام ابنُ آدم يحكم في شتى جهات هذه الأرض -التي لها هذه الماهيات والخواص- ويتصرف في أغلب مخلوقاتها مسخّرا أكثر الأحياء له، جاعلا أكثر المصنوعات تحوم حوله وفق مقاييس هواه، وحسب حاجاته الفطرية، وينظمها ويعرضها ويزيّنها، وينسّق الأنواع العجيبة منها في كل مكان بحيث لا يلفت نظرَ الإنس والجن وحدهم، بل يلفت أيضا نظرَ أهل السماوات والكون قاطبة، بل حتى نظر مالك الكون، فنال الإعجاب والتقدير والاستحسان، وأصبحت له -من هذه الجهة- أهمية عظيمة، وقيمة عالية، فأظهر بما أوتي من علم ومهارة أنه هو المقصود من حكمة خلق الكائنات، وأنه هو نتيجتُها العظمى وثمرتُها النفيسة، ولا غرو فهو خليفةُ الأرض.. وحيث إنه يعرض صنائع الخالق البديعة، وينظّمها بشكل جميل جذاب في هذه الدنيا، فقد أجّل عذابُه رغم عصيانه وكفره، وسُیمح له بالعيش في الدنيا وأمهل ليقوم بهذه المهمة بنجاح.
وما دام لابن آدم -الذي له هذه الماهية والمزايا خلقةً وطبعا، وله حاجات لا تُحدّ مع ضعفه الشديد، وآلام لا تُعدّ مع عجزه الكامل- ربٌ قدير، له القدرة والرأفة المطلقة مما يجعل هذه الأرض الهائلة العظيمة مخزنا عظيما لأنواع المعادن التي يحتاجها الإنسان، ومستودعا لأنواع الأطعمة الضرورية له، وحانوتا للأموال المختلفة التي يرغبها، وأنه سبحانه ينظر إليه بعين العناية والرأفة ويربيه ويزوده بما يريد.
— 222 —
وما دام الرب سبحانه -كما في هذه الحقيقة- يحبّ الإنسان، ويحبّب نفسه إليه، وهو باقٍ، وله عوالم باقية، ويُجري الأمور وفق عدالته، ويعمل كل شيء وفق حكمته، وأن عظمة سلطان هذا الخالق الأزلي وسرمدية حاكميته لا تحصرهما هذه الدنيا القصيرة، ولا يكفيهما عمر الإنسان القصير جدا، ولا عمر هذه الأرض المؤقتة الفانية. حيث يظل الإنسان دون جزاء في هذه الدنيا لما يرتكبه من وقائع الظلم، وما يقترفه من إنكار وكفر وعصيان، تجاه مولاه الذي أنعم عليه ورباه برأفة كاملة وشفقة تامة، مما ينافي نظام الكون المنسّق، ويخالف العدالة والموازنة الكاملة التي فيها، ويخالف جماله وحُسنه، إذ يقضي الظالم القاسي حياته براحة، بينما المظلوم البائس يقضيها بشظف من العيش. فلا شك أن ماهية تلك العدالة المطلقة -التي يشاهد آثارها في الكائنات- لا تقبل أبدا، ولا ترضى مطلقا، عدم بعث الظالمين العتاة مع المظلومين البائسين الذين يتساوون معا أمام الموت.
وما دام مالك الملك قد اختار الأرض من الكون، واختار الإنسان من الأرض، ووهب له مكانة سامية، وأولاه الاهتمام والعناية، واختار الأنبياء والأولياء والأصفياء من بين الناس، وهم الذين انسجموا مع المقاصد الربانية، وحبّبوا أنفسهم إليه بالإيمان والتسليم، وجعلهم أولياءه المحبوبين المخاطبين له، وأكرمهم بالمعجزات والتوفيق في الأعمال وأدّب أعداءهم بالصفعات السماوية، واصطفى من بين هؤلاء المحبوبين إمامَهم ورمْزَ فخرهم واعتزازهم، ألا وهو محمد (ص). فنوّر بنوره نصف الكرة الأرضية ذات الأهمية، وخُمس البشرية ذوي الأهمية، طوال قرون عدة، حتى كأن الكائنات قد خُلقت لأجله، لبروز غاياتها جميعا به، وظهورها بالدين الیذي بُعث به، وانجلائها بالقرآن الیذي أُنزل عليه. فبينما يستحق أن يكافَأ على خدماته الجليلة غير المحدودة بعمرٍ مديد غيیر محدود وهو أهیلٌ له، إلّا أنه قضى عمرا قصيرا وهو ثلاث وستون سنة في مجاهدة ونصَب وتعب! فهل يمكن، وهل يعقل مطلقا، وهل هناك أي احتمال أن لا يُبیعَث هو وأمثاله وأحبیاؤه معا؟! وأن لا يكون الآن حيًّا بروحه؟! وأن يفنى نهائيا ويصير إلى العدم؟ كلا.. ثم كلا.. وحاشاه ألف ألف مرة. نعم، إن الكون وجميع حقائق العالم يدعو إلى بعثه ويريده ويطلب من رب الكون حياتَه.
ولقد بَيّنتْ رسالة "الآية الكبرى" وهي "الشعاع السابع" وأَثبتت بثلاثة وثلاثين إجماعا عظيما، كل منه كالجبل الأشم في قوة حجّته، بأن هذا الكون لم يصدر إلّا من يدِ واحدٍ
— 223 —
أحد، وليس مُلكا إلّا لواحد أحد. فأظهرت التوحيدَ -بتلك البراهين والمراتب بداهةً- أنه محور الكمال الإلهي وقطبه. وبيّنت أنه بالوحدة والأحدية يتحول جميعُ الكون بمثابة جنودٍ مستنفرين لذلك الواحد الأحد، وموظفين مسخّرين له. وبمجيء الآخرة ووجودها تتحقق كمالاته وتصان من السقوط وتسود عدالته المطلقة، وتنجو من الظلم، وتُنیزّه حكمته العامة وتبرأ من العبث والسفاهة، وتأخذ رحمتُه الواسعة مداها، وتُنقذ من التعذيب المشين. وتبدو عزته وقدرته المطلقتان وتُنقَذان من العجز الذليل. وتتقدّس كل صفة من صفاته سبحانه وتتجلى منیزّهة جليلة.
فلابد ولا ريب مطلقا أن القيامة ستقوم، وأن الحشر والنشور سيحدث، وأن أبواب دار الثواب والعقاب ستُفتح، بمقتضى ما في حقائق هذه الفقرات الثمانية المذكورة المبتدئة بی"ما دام" التي هي مسألة دقيقة ونكتة ذات مغزى لطيف من بين مئات النكات الدقيقة للإيمان باللّٰه؛ وذلك: كي تتحقق أهمية الأرض ومركزيتها، وأهمية الإنسانية ومكانتها.. ولكي تتقرر عدالة رب الأرض والإنسان وحكمته ورحمته وسلطانه.. ولكي ينجو الأولياء والأحبّاء الحقيقيون والمشتاقون إلى الرب الباقي من الفناء والإعدام الأبدي.. ولكي يرى أعظمُهم وأحبّهم وأعزّهم ثوابَ عمله، ونتائج خدماته الجليلة التي جعلت الكائنات في امتنان ورضى دائمين.. ولكي يتقدس كمال السلطان السرمدي من النقص والتقصير، وتتنیزّه قدرتُه من العجز، وتبرأ حكمتُه من السفاهة، وتتعالى عدالته عن الظلم.
والخلاصة: ما دام اللّٰه جل جلاله موجودا فإن الآخرة لا ريب فيها قطعا.
وكما تُثبت الأركان الإيمانية الثلاثة -المذكورة آنفا- الحشرَ بجميع دلائلها وتشهد عليه، كذلك يستلزم الركنان الإيمانيان "وبملائكته، وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى" أيضا الحشرَ، ويشهدان شهادةً قوية على العالم الباقي ويدلان عليه على النحو الآتي:
إن جميع الدلائل والمشاهدات والمكالمات الدالة على وجود الملائكة ووظائفِ عبوديتهم، هي بدورها دلائلُ على وجود عالَم الأرواح وعالم الغيب وعالم البقاء وعالم الآخرة ودار السعادة والجنة والنار اللتين ستعمران بالجن والإنس، لأن الملائكة يمكنهم -بإذن إلهيّ- أن يشاهدوا هذه العوالم ويدخلوها، لذا فالملائكة المقربون يخبرون بالاتفاق -كجبريل عليه
— 224 —
السلام الذي قابل البشر- بوجود تلك العوالم المذكورة وتجوالهم فيها. فكما أننا نعلم بديهة وجود قارة أمريكا التي لم نرها من كلام القادمين منها، كذلك يكون الإيمان بديهة بما أخبرت به الملائكة -وهو بقوةِ مائةِ تواتر- عن وجود عالم البقاء ودار الآخرة والجنة والنار... وهكذا نؤمن ونصدق.
وكذلك الدلائل التي تثبت "الإيمان بالقدر" -كما جاءت في رسالة القدر (الكلمة السادسة والعشرين)- هي بدورها دلائل على الحشر ونشر الصحف وموازنة الأعمال عند الميزان الأكبر، ذلك لأن ما نراه أمام أعيننا من تدوينِ مقدّرات كل شيء على ألواح النظام والميزان، وكتابةِ أحداث الحياة ووقائعها لكل ذي حياة في قواه الحافظة، وفي حبوبه ونواه، وفي سائر الألواح المثالية. وتثبيتِ دفاتر الأعمال لكل ذي روح ولاسيما الإنسان، وإقرارها في ألواح محفوظة.. كل هذا القدر من القَدَر المحيط، ومن التقدير الحكيم، ومن التدوين الدقيق، ومن الكتابة الأمينة، لا يمكن أن يكون إلّا لأجل محكمة كبرى، ولنيل ثواب وعقاب دائمين. وإلّا فلا يبقى مغزى ولا فائدة أبدا لذلك التدوين المحيط والكتابة التي تسجل وتحفظ أدق الأمور. فيقع إذن ما هو خلاف الحكمة والحقيقة. وأيضا إن لم يحدث الحشر فإن جميع معاني كتاب الكون الحقة التي كتبت بقلم القَدَر سوف تمسخ وتفسد! وهذا لا يمكن أن يكون مطلقا، وليس له احتمال أبدا، بل هو محال في محال، كإنكار هذا الكون، بل هو هذيان ليس إلّا.
نحصل مما تقدم: أن جميع دلائل أركان الإيمان الخمسة هي بدورها دلائل على الحشر ووجوده، وعلى النشور وحدوثه، وعلى وجود الدار الآخرة وانفتاح أبوابها. بل تستدعيه وتشهد عليه، لذا فإنه من الوفاق الكامل والانسجام التام أن يبحث ثلث القرآن الكريم المعجز البيان بكامله عن الحشر لما له من الأسس والبراهين التي لا تتزعزع، ويجعلَه أساسا وركيزة لجميع حقائقه التي يرفعها على ذلك الحجر الأساس.
(انتهت المقدمة)
— 225 —

الشعاع العاشر

عبارة عن رسالة "الفهرس" اعتبارا من "اللمعة الخامسة عشرة". نظّمه طلاب النور الأوائل، وأُدرج كلٌ في موضعه من المجموعات.
— 226 —

الشعاع الحادي عشر

ثمرة من ثمار سجن دنيزلي
هذه الرسالة: دفاع الإيمان ترفعه رسائل النور لصدّ الزندقة والكفر المطلق، فليس لنا دفاعٌ حقيقي عن قضيتنا -في سجننا هذا- إلّا هذا الدفاع، فنحن لا نسعى إلّا للإيمان.
وهي خاطرةُ ثمرة أثمرها سجنُ "دنيزلي" في يومين من أيام الجُمَع المباركة.
سعيد النورسي
رسالة الثمرة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فَلِبثَ في السجن بضع سِنِينَ
(يوسف:٤٢)
نفهم من أسرار هذه الآية الكريمة أن يوسف عليه السلام هو قدوة المسجونين ورائدُهم. فيصبح السجن إذن نوعا من "مدرسة يوسفية". وحيث إن عددا غفيرا من طلاب النور قد دخلوا هذه المدرسة مرتين، لذا ينبغي لهم أن يتدارسوا ويدرّسوا قسما من خلاصة المسائل الإيمانية التي أثبتتها رسائل النور ولها مساس بالسجن، للاسترشاد بها ولتقويم الأخلاق والسلوك في هذه المدرسة المفتوحة لتلقي التربية.وها نحن أُولاء نبيّن بضعا من تلك الخلاصات.
سعيد النورسي
— 227 —

المسألة الأولى

يمكن تلخيص هذه المسألة التي تم إيضاحُها في "الكلمة الرابعة" كما يأتي:
إن رأس مال حياتنا هو هذه الساعات الأربع والعشرون التي يحملها إلينا اليومُ نعمةً خالصة من نِعَم خالقنا الكريم جل جلاله، لنكسب بكل ساعة من هذه الساعات ما يلزمنا، وما هو ضروري في حياتَينا كلتيهما الدنيوية والأخروية.
وما لم نصرِف ساعةً واحدة -وهي كافية لأداء الصلوات المفروضة- لحياتنا الأخروية الخالدة، بينما نصرف ثلاثا وعشرين ساعة في سبيل هذه الحياة الدنيا القصيرة، نكون قد ارتكبنا خطأً جسيما لا يستصوبُه عقلٌ سليم. فلا جرم أننا نعاني نتيجةَ هذا الخطأ الفادح غلظةَ القلب وقسوته، وانقباضَ الروح وظلمتها، المؤدية بمجموعها إلى تعكير صفو الأخلاق، وتلّوث نقاوة الروح.. وفوق هذا تمضي حياتُنا رتيبة مملّة يائسة خاوية المعنى. فيصيبنا الضجَرُ، فلا نكاد نفيد من دروس هذه المدرسة اليوسفية، ومن محنة الامتحان والابتلاء ما يربينا ويرقى بنا، فنخسر بهذا خسرانا مبينا.
أما إذا صرفنا ساعةً واحدة في أداء الصلوات الخمس، فكل ساعة من ساعات الابتلاء وأوقات المحن تتحول إلى يوم من العبادة، فكأن الساعات الفانية قد اكتسبت -ببركة هذه الساعة- صفةَ الخلود، وأصبحت في حكم ساعات أبدية باقية.. فتنیزاح عن القلب سحُبُ اليأس ويتبدد عن الروح ظلامُ القنوط.. وتصبح هذه الساعة من العبادة كفّارةً لبعض ما ارتُكب من أخطاء وذنوب، ربما كانت السببَ في الدخول إلى السجن.. وبذلك نكتشف حكمةَ ابتلائنا بالسجن ويغدو السجنُ مدرسةً نتلقى فيها الدروس النافعة.. ونجد فيه مع إخوتنا في المصيبة والبلاء العزاءَ والسلوان.
وقد ذُكر في "الكلمة الرابعة" أيضا مثالٌ يبين فداحةَ الخسارة التي تصيب مَن يلهث وراء حظه من الدنيا ويعزف عن الآخرة وهو:
— 228 —
هناك من يدفع خمسا أو عشرا من أربع وعشرين ليرة يملكها في شراء بطاقة قمار اليانصيب -ربما يكون احتمال الفوز بها واحدا من ألف لوجود ألف من المشتركين معه- بينما لا يصرف واحدا من أربع وعشرين ساعة يملكها في شراء بطاقة تربّحه كنیزا خالدا أخرويا. علما أنَّ احتمال الفوز بها -للمؤمنين الذين خُتمت أعمالُهم بالحسنى- هو بيقينِ تسعٍ وتسعين وتسعمائة من ألف. كما أكد ذلك جميعُ الأنبياء والرسل الكرام عليهم السلام، وصدّقهم -كشفًا وتحقيقا- الأولياءُ والأصفياء الذين لا يحصرهم العد.
فهذا الدرس البليغ من رسائل النور ينبغي أن يرتاح إليه مسؤولو السجن وكلُّ مَن يعنيه أمر البلاد وشؤونها. لأنه قد ثبت بالتجربة: أن إدارة ألفٍ من المؤمنين المشفقين من عذابِ سجنِ جهنم والمستجيرين باللّٰه منها، هي أسهل بكثير من إدارة عشرة من تاركي الصلاة، ومن فاسدي العقيدة والأخلاق، الذين لا يرتدعون إلّا بعقاب الدنيا وسجنها ولا يميزون الحلال عن الحرام.
— 229 —

خلاصة المسألة الثانية

مثلما بينَت رسالةُ "مرشد الشباب" ووضّحتْها إيضاحا جميلا من أن الموت لا مفرّ منه أبدا، بل إن مجيئه أيقنُ من مجيء الليل لهذا النهار، ومن تعاقب الشتاء لهذا الخريف. وكما أن هذا السجن مضيفٌ مؤقت لا يكاد يفرغ حتى يُملأ من جديد، فالدنيا كذلك كالفندق، وكمنیزل حِلٍّ وترحال مُقام على طريق القوافل المسرعة.
فالموت الذي يفرغ كلَ مدينة من سكانها مائةَ مرة، ويدفع بهم إلى المقابر لابد أنه يطلب شيئا أكثر مما تطلبه هذه الحياة الفانية.
ولقد حلّت رسائل النور لغز هذه الحقيقة المدهشة، وكشفَتها، وخلاصتها هي:
مادام الموت لا يُقتل، وبابُ القبر لا يُغلق، فإن أعظم ما سيشغل بال الإنسان ويشكّل أكبرَ معضلة له هو النجاة من يد جلاد الموت هذا والخلاص من سجن القبر المنفرد.
ولقد أثبتت رسائل النور إثباتا جازما -بفيض من نور القرآن الكريم- أنَّ لهذه المعضلة علاجا، وخلاصته هي:
أن الموت إما هو إعدام أبدي، وفناءٌ تام يصيب المرءَ وأحبته، وذوي قرباه جميعا؛ أو هو تسريح من العمل للذهاب إلى عالم آخر أفضل، وجواز سفر للدخول إلى قصور السعادة بشهادة الإيمان ووثيقته.. أما القبر فهو إما سجن انفرادي مُظلم وبئر سحيقة، أو هو باب إلى روضات خالدة ومَضيف منوّر بعد السراح من سجن الدنيا.
وقد أثبتت رسالة "مرشد الشباب" هذه الحقيقةَ بمثال وهو: أنه نُصبت في فناء هذا السجن أعوادُ مشانقَ تستند على جدار، خلفه دائرةٌ عظيمة تمنح جوائز سخية يشترك فيها الناس كلُهم. ونحن المساجين الخمسمائة ننتظر دورَنا، لنُدعى إلى ذلك الميدان، فسنُدعى إليه فردا فردا شئنا أم أبينا، فلا نجاة! فإما إنه سيُقال لكل منّا: "تعال تسلّم أمر اعدامك واصعد المشنقة". أو: "تسلّم أمر السجن الانفرادي الأبدي وادخله من هذا الباب المفتوح". أو يُقال: "بشراك! فقد فزت ببطاقة تربّحك ملايين الليرات الذهبية، هيا خذها".
— 230 —
فها نحن أولاء نشاهد إعلانات هذه الدعوة منتشرة هنا وهناك ونرى أناسا يصعدون المشانق بالتعاقب ومنهم مَن يتدلى، ومنهم مَن يتخذها دَرَجا وسلّما للبلوغ إلى دائرة الجوائز الواقعة خلفَها، وقد أصبحنا على يقين جازم بما يدور في تلك الدائرة -كأننا نراه رأيَ العين- استنادا إلى ما يرويه كبارُ موظفي تلك الدائرة من روايات صادقة لا تقبل الشك.
دخلتْ سجنَنا -في هذه الأثناء- طائفتان، تحمل إحداهما آلات الطرب وقناني الخمر مع حلويات، ظاهرها العسل وباطنها السموم، دسّتها شياطينُ الإنس، وهم يقدمونها إلينا ويرغّبوننا في تناولها.
أما الجماعة الثانية ففي أيديهم كتب تربوية ومنشورات أخلاقية مع مأكولات طيبة ومشروبات مباركة، يقدمونها هدايا لنا، ويذكرون لنا بالاتفاق والاطمئنان الكامل واليقين التام:
أنَّ ما تقدمه الطائفةُ الأولى لكم من مأكولات ما هي إلّا للامتحان والاختبار، فإذا ما قبلتموها ورضيتم بها فسيكون مصيرُكم كما هو ماثل أمامكم في المشانق. أما إذا رضيتم بهدايانا -التي نقدّمها إليكم باسم حاكم هذه البلاد وبأمره- وتلوتُم ما في تلك الكتب من تعليمات وأذكار فستنجون من الإعدام وتستلمون بطاقة الجائزة من تلك الدائرة، لتفوزوا بالربح العظيم، هدية من السلطان وكرما منه وفضلا. صدِّقوا بما نقوله لكم واعتقِدوا به اعتقادا راسخا كأنكم ترونه في وضح النهار.. ولكن حذار من تلك الحلوى المعسّلة -المحرّمة أو المُريبة- فلو أكلتم منها تلوّت بطونُكم بمغصٍ شديدٍ من أثر السموم، فتقاسون منها الآلام لحين صعودكم المشانق.
وهكذا على غرار هذا المثال، سيَهب القدرُ الإلهي للمؤمنين الذين قضوا حياتهم بالطاعة، وختمت أعمالُهم بالحسنى خزائنَ أبدية لا تنضُب بعد أن ينتهي أجلُهم في الدنيا. أما أولئك المتمادون في الضلالة والفسق من دون أن يثوبوا إلى ربهم فسيُعدَمون إعداما نهائيا (لمن لا يؤمن بالآخرة) أو يزجّون في سجن انفرادي مظلم أبدي (لمن يتمادى في غيّه وسفهه مع إيمانه ببقاء الروح). فهؤلاء يتسلمون قرار شقائهم الأبدي بيقين يبلغ تسعا وتسعين بالمائة. نعم، يخبر بهذا الخبر الصادق مائةٌ وأربعة وعشرون ألفا من الأنبياء عليهم السلام، [٭]: قال أبو ذر رضي اللّٰه عنه: "قلت: يا رسول اللّٰه كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا". (أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٦٥؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢١٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٥٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٣، ٥٤). وبين
— 231 —
أيديهم معجزات تصدقهم، ويخبر أكثر من مائة وأربعة وعشرين مليونا من الأولياء قدس اللّٰه أسرارهم المقتفين آثار الأنبياء والمصدّقين بما أُخبروا به كشفا وذوقا، ويُخبر به كذلك مَن لا يحصيهم العدّ من العلماء المحققين
(٭): إن أحد أولئك العلماء المحققين هو: رسائل النور التي ألجمت أعتى الفلاسفة الماديين، وأفحمت أشد الزنادقة تمردا، طوال العشرين سنة التي خلت، وما تزال قائمة على قدم وساق في ميدان التحدي والمبارزة، وهي في متناول الجميع، فبوسع أي واحد قراءتها دون تفنيدها. (المؤلف).
والمجتهدين والصديقين الذين أثبتوا دعواهم وتصديقهم عقلا وفكرا بالبراهين الدامغة والحجج القاطعة، فأخبروا يقينا ما أخبر به أولئك الأفذاذُ من تلكما الطائفتين. فهؤلاء الطوائف الثلاث العظيمة والجماعات الغفيرة من أهل الحق والحقيقة -وهم روّاد الإنسانية وشموسُ البشرية وأقمارها- يخبرون جميعا بتلك الحقيقة إجماعا وتواترا.. فيا خسارة من لا يهتم بأوامرهم، ولا يسلك الصراط السوي المؤدي إلى السعادة الأبدية بإرشاداتهم، ولا يكترث بمصيره المؤلم -وهو بيقين يبلغ تسعا وتسعين بالمائة- في حين أنه لا يسلك طريقا فيه احتمال واحد من الخطورة واستنادا على قول مخبر واحد، بل يستبدل به طريقا آخر ولو كان أطول.
فهؤلاء أشبه بسكِّيرٍ أو معتوهٍ شقي يلتهي بلَسع الذباب عن انقضاض وحوش كاسرة عليه، إذ قد فَقَد عقلَه وأضاع قلبه وأفسد روحه ودمّر إنسانيته؛ لأنه رغم التبليغات الصادقة الصادرة من أولئك المخبرين الذين لا يحصرهم العدّ فقد ترك الطريق الأقصر والأسهل المؤدي إلى الفوز المحقق بالجنة والسعادة الأبدية، واختار طريقا أطول منه وأوعر وأضيق، والذي يؤدي به إلى سجنِ جهنم والشقاء الأبدي حتما.
بينما الإنسان -كما قلنا- لا يلِج طريقا قصيرا في الدنيا فيه احتمال واحد بالمائة من الخطورة، أو فيه سجن شهر واحد وبناءً على كلام مُخبر واحد، وقد يكون كاذبا. بل يفضِّل عليه طريقا آخر ولو كان طويلا، أو من دون نفع، وذلك لمجرد خلوه من الضرر.
فما دامت حقيقة الأمر هذه، فينبغي لنا نحن معاشر المبتلين بالسجن أن نَقبل بكل رضى وسرور هدايا الطائفة الثانية لنثأر لأنفسنا من مصيبة السجن؛ إذ كما أن لذةَ دقيقة في الانتقام، ومتعةَ بضع دقائق أو ساعات في السفاهة قد زَجّت بنا إلى السجن، فيقضي فيه بعضُنا خمس عشرة سنة، والبعض الآخر عشر سنوات، وآخرون خمس سنوات، أو سنة أو سنتين أو
— 232 —
ثلاثا من الأحكام.. فعلينا إذن -وأنفُ السجن راغم- أن نحوّل بقبولنا هدايا القافلة الثانية، هذه الساعاتِ القليلةَ إلى أيام من العبادة مثلها، ونحوّل سنتين أو ثلاثا من عقابنا إلى عشرين وثلاثين سنة من العمر الخالد. ونبدل بعشرين سنة أو ثلاثين سنة من مكوثنا في السجن ملايين السنوات الخالدة. فتكون الأحكام الصادرة علينا وسيلةَ نجاة من سجن جهنم. وحينها تبتسم حياتنا الأخرى وتُسَرّ إزاء بكاء دنيانا وحزنها. ونكون بذلك قد ثأرنا لأنفسنا من تلك المحنة وأظهرنا حقا أن السجن مدرسة تربوية لتقويم الأخلاق.
فليشاهد مسؤولو السجن ومن يتولون أمره، أن من ظنّوهم مجرمين قتلَة، وحسبوهم سفهاء مخلّين بالنظام، قد أصبحوا طلابَ مدرسة تربوية مباركة يتعلمون فيها الأدب الجميل والخلق القويم، وغدوا أعضاء نافعين للبلاد والعباد.. فليشكروا ربهم أجزل شكر.
— 233 —

المسألة الثالثة

وهي حادثة ذات عبرة، سبق ذكرها في "مرشد الشباب" مفصلا، وخلاصتها هي:
كنت في أحد أيام عيد الجمهورية جالسا أمام شباك سجن "أسكي شهر" الذي يطل على مدرسة ثانوية.. وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفنائها ببهجة وسرور، فتراءت لي فجأةً على شاشة معنوية ما يؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة. فرأيت: أن نحوا من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة يتحولن إلى تراب ويعذَّبن في القبر، وأن عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات بلغن السبعين والثمانين من العمر، شاهت وجوههن وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام من نظرات التقزز والاستهجان من الذين كنّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يصنّ عفتهن أيام شبابهن!.. نعم، رأيت هذا بيقين قاطع، فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخنا أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إليّ مستفسرين.
فقلت لهم: "دعوني الآن وحالي... انصرفوا عني.."
أجل، إن ما رأيتُه حقيقة وليس بخيال، إذ كما سيؤول هذا الصيف والخريف إلى الشتاء، فإن ما خلف صيف الشباب ووراء خريف الشيب، شتاءَ القبر والبرزخ. فلو أمكن إظهار حوادث ما بعد خمسين سنة من المستقبل مثلما يمكن ذلك لحوادث الخمسين سنة الفائتة -بجهاز كجهاز السينما- وعُرضت حوادثُ أهل الضلالة وأحوالُهم في المستقبل، إذن لتقززوا ولتألموا ولبكوا بكاء مرا على ما يفرحون منه الآن ويتلذذون به من المحرّمات في الوقت الحاضر.
وبينما كنت غارقا في التأمل، ومنصرفا إلى مشاهد الشاشة المعنوية المعروضة أمامي في سجن "أسكي شهر" إذ انتصب أمامي شخص معنوي كأنه يمثل الشيطان الإنسي يدعو إلى السفاهة، ويروّج للضلالة قائلا لي: "نحن نريد أن نستمتع بجميع لذائذ الحياة ونمتّع الآخرين بها دعنا وشأننا، وإليك عنا".
فأجبته قائلا: "مادمتَ ترمي بنفسك في أحضان الضلالة والسفاهة حصولا على لذة جزئية وذوق ضئيل متناسيا الموت غير آبهٍ به، إذن فاعلم: أنَّ "الماضي" كله -حسب ضلالتك-
— 234 —
قد مات واندثر وانتهى إلى العدم، فهو مقبرة عظيمة موحشة مرعبة، قد رَمّت فيها الجثثُ وبَليت فيها الآثار، لذا إن كانت لك مُسكة من عقل أو كنت تملك قلبا ينبض بالحياة فإن الآلام المتولدة -بمقتضى ضلالتك- من الموت الأبدي، ومن أنواع الفراق غير المحدود لأقاربك وأحبابك غير المعدودين تزيل تلك اللذة الجزئية المسكرة التي تتذوقها في فترة قصيرة جدّا.
وكما أنَّ "الماضي" معدوم بالنسبة لك، فی"المستقبل" معدوم لك كذلك. وذلك بسبب انعدام إيمانك، بل هو ساحة موحشة رهيبة مظلمة ميتة.. فما من أحد من الموجودات المسكينة يأتي ويبرز إلى الوجود -مارا بالحاضر- إلّا ويقبضه جلادُ الموت ويقذفه إلى العدم، وأنت لكونك مرتبطا بتلك العوالم -بحكم عقلك- فإن المستقبل يصب على رأسك الملحد مطرَ السوء من الآلام الموجعة والقلق الشديد والاضطرابات العنيفة، حتى يجعل جميع لذائذك الجزئية السفيهة أثرا بعد عين.
ولكن ما إن تنبذ طريق الضلالة وتترك سلوك السفاهة داخلا حظيرة الإيمان التحقيقي، مستقيما عليه حتى ترى بنور الإيمان أنَّ ذلك الماضي السحيق ليس بمعدوم وليس بمقبرة تُبلي كلَ شيء وتفنيه، بل هو عالم نوراني موجود فعلا، الذي ينقلب إلى المستقبل، وهو ساحة انتظار الأرواح الباقية المترقبة للبعث، دخولا إلى فردوس السعادة الأبدية المعدّة لهم؛ لذا يذيقك -وأنت مازلت في الدنيا- لذةَ الجنة المعنوية حسب درجة إيمانك. كما أن المستقبل ليس مؤلما ولا مقلقا وليس محلا للوحشة ولا واديا مظلما مخيفا، بل هو بنور الإيمان منازلُ سعادة أبدية للرحمن الرحيم ذي الجلال والإكرام الذي وسعت رحمته كل شيء وأحاط كرمه بكل شيء. فكما فرشَ سبحانه الربيع والصيف مائدتين مملوءتين بأنواع النِعم والمطعومات، فقد بسط سبحانه موائد ضيافته الفاخرة في تلك القصور العوالي وفتح معارض إحسانه وآلائه العميمة هناك، والناس يشوّقون إليها بل يساقون.
نعم، هكذا يراها المؤمن بالشاشة الإيمانية -كل حسب درجته- وبوسعه أن يشعر شيئا من لذائذ ذلك النعيم المقيم.
فإذن اللذة الحقيقية الصافية التي لا يكدرها ألَم، إنما هي في الإيمان، وبالإيمان وحده يمكن الفوز بها.
— 235 —
وهناك ألوفٌ من الثمرات اللذيذة للإيمان في هذه الدنيا، وألوف من الفوائد والنتائج، إلّا أننا سنبين واحدة منها بمثال:
تصور -أيها الأخ- أن ابنك الوحيد الذي تحبّه كثيرا جدّا طريحُ الفراش يعاني من سكرات الموت، وأنت تغوص في تفكير يائس مرير وتتألم ألما موجعا شديدا من فراقه الأبدي المؤلم.. تصوَّر -وأنت في هذه الحالة اليائسة- إذا بطبيب حاذق -كالخضر أو لقمان عليهما السلام- يأتي ويسقي الطفل دواءً مضادا للسموم، وإذا به يفتح عينيه فرحا جذلا ببهجة الحياة، وقد نجا من قبضة الموت. كم يكون يا ترى فرحُك وسرورك اللذان يغمرانك؟
كذلك الحال في أولئك الملايين المدفونين في مقبرة الماضي الذين تحبهم -كهذا الطفل- حبا كثيرا وترتبط معهم بوشائج. فبينما هم على وشك أن يُبادوا ويفنوا من الوجود في مقبرة الماضي -في نظرك- إذا بحقيقة الإيمان تَبعث من شباك القلب نورا -كما فعل لقمان الحكيم مع ذلك الطفل- إلى تلك المقبرة الواسعة التي يُظن أنها مقر الإعدام. وإذا الأموات قيام أحياء بذلك النور -في عالم البرزخ- ينادون بلسان الحال" : لسنا أمواتا.. ولن نموت أبدا.. وسنلتقي عما قريب".
نعم، مثلما يَبعث شفاءُ الطفل فرحا وبهجة لا حدّ لهما بعد اليأس والقنوط، كذلك الأمر هنا مما يجعلنا نتيقن أن الإيمان -ببثه هذا الفرح والسرور في دنيانا هذه- يثبت أن حقيقته بذرةٌ تحمل من الحيوية ما لو تجسّمت لنبتت عليها جنة خاصة لكل مؤمن، ولأصبحت له شجرةَ طوبى.
هكذا قلت لذلك الشيطان الإنسي العنيد، إلّا أنه انبرى لي قائلا: "دعنا نحيا ولو كالحيوان، غافلين عما يدور حولنا من هذه الأمور الدقيقة، ولنمض حياتنا بلذة اللهو ونشوة اللعب".
فأجبته: إنك لا تقاس بالحيوان، ولن تكون مثلَه. إذ ليس للحيوان ما يفكّر به من ماض ومستقبل. فلا يجد الحيوان مما مضى ألما ولا أسفا ولا يأتيه قلقٌ ولا خوف من المستقبل، لذا يجد لذته كاملة فيشكر خالقه الكريم. بل حتى الحيوانُ المعدّ للذبح لا يحس إلّا بألم السكين وهي تمر على حلقومه، وسرعان ما يزول هذا الإحساس، فينجو من ذلك الألم.
— 236 —
فيا للرحمة الإلهية والشفقة الربانية ما أعظمَها تجليا في إخفاء الغيب وسَتر المصائب والبلايا.. ولاسيما في الحيوانات والبهائم.
ولكن أيها الإنسان لقد خرج شيء من ماضيك ومستقبلك من الغيب بحكم ما تحمله من عقل، فأنت محروم كليا مما تتنعم به الحيوانات من راحة واطمئنان بانسدال ستار الغيب أمامها، فالحسرات والآهات الناشئة مما مضى، وأنواع الفراق الأليم والمخاوف الناجمة من المستقبل تزيل لذتك الجزئية وتبيدها وتهوي بك في درجة أدنى بكثير من الحيوان من حيث اللذة. فما دامت الحقيقة هكذا فما عليك إذن إلّا أن تتبرأ من عقلك وترميه خارجا وتعدّ نفسك حيوانا فتنجو، أو تنوّر عقلَك بنور الإيمان وتنصت إلى الصوت العذب للقرآن الكريم فتكونَ أرقى من الحيوان وأرفع، مغتنِما لذائذ نقية صافية طاهرة وأنت مازلت في هذه الدنيا الفانية.
فألزمتُه بهذه الحجة
ولكنه اعترض قائلا: "سنعيش في الأقل مثل ملاحدة الأجانب"
فقلت له جوابا: "لن تكون حتى مثل أولئك الملاحدة الأجانب، لأنهم إن أنكروا نبيا واحدا فإنهم يؤمنون بسائر الأنبياء. وحتى إذا لم يعرفوا أحدا من الأنبياء، فقد يكون لهم إيمان باللّٰه. وإن لم يكن لهم هذا الإيمان أيضا فلربما لهم ما يوصلهم إلى الكمال من سجايا حميدة وخصال إنسانية.. أما إذا أنكر المسلمُ خاتمَ النبيين (ص) وجحد بالدين الذي لا دين غيرَه في الحق والشمول، وفسق عن دائرة هدايته، وحلّ رقبته منها، فلا يرضى بنبي آخر، بل لا يقبل الإيمان باللّٰه، لأنه ما عرف سائرَ الأنبياء ولا اهتدى إلى الإيمان باللّٰه إلّا عن طريقه (ص) وبتبليغه وإرشاده وهديه.. لذا لا يبقى في قلبه شيء من أولئك دون الإيمان به (ص). ومن هنا كان الناس من سائر الأديان منذ زمن سحيق يدخلون دين الإسلام أفواجا، بينما لم يحدث أن أصبح مسلم واحد قط يهوديا حقيقيا ولا مجوسيا ولا نصرانيا، وربما يصبح ملحدا فاسد الأخلاق والسجايا مضرا بالبلاد والعباد".
هكذا أقمتُ الحجة على ذلك العنيد من أنه لا يستطيع التشبه حتى بملاحدة الأجانب.. ولمّا لم يجد ما يستند إليه، خَنَس وولى إلى جهنم وبئس المصير.
فيا زملائي المجتمعين في هذه المدرسة اليوسفية! مادامت الحقيقة هي هذه، ورسائل النور قد نشرت نورَها -ولا تزال- منذ عشرين سنة وهي تكسر عناد المتمردين وترغمهم على
— 237 —
الإيمان، فعلينا إذن التمسك بالإيمان والصراط المستقيم السهل النافع السليم لدنيانا ومستقبلنا وآخرتنا وبلادنا وأمتنا. وذلك بأن لا نقتل أوقاتنا فيما لا يعني من ترهات الخيال وسفساف الآمال، بل نحييها بتلاوة ما نعلمه من سور القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وبتعلم معانيها من إخواننا العالمين بها، وبقضاء ما فاتنا من الصلوات المكتوبة، وبكسب الأخلاق الحميدة من بعضنا البعض، فلعل اللّٰه سبحانه يجعلنا ممن يغرسون في هذا السجن الغراسَ لتخرج منه أشجارٌ مثمرة نافعة. ونسعى جاهدين ليكون مسؤولو السجن أساتذة مرشدين يهيئون في هذه المدرسة اليوسفية رجالا إلى الجنة، ومشرفين طيبين يتولون حسن توجيههم، وليسوا زبانية عذاب على جناة قتلة.
— 238 —

المسألة الرابعة

سألني يوما إخواني الذين يتولون خدمتي قائلين:
لقد أخذت الحربُ العالمية باهتمام الناس وشغلت الكرة الأرضية وأوقعتها في اضطراب وقلق وهي ذات علاقة بمقدّرات العالم الإسلامي، إلّا أننا نراك لا تسأل عنها رغم مرور خمسين يوما على نشوبها -بل سبع سنين- [٭]: هذه الجملة المعترضة تعود إلى سنة ١٩٤٦م. في الوقت الذي نرى متدينين وعلماء يدَعون الجامع والجماعة مهرعين إلى استماع الراديو. فهل هناك قضية أعظم منها تشغل بالك؟ أم أن الانشغال بها فيه خسارة وضرر؟
فأجبتهم: إن رأس مال العمر قليل، ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمات التي كُلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز حول الإنسان:
فابتداءً من دائرة القلب والمعدة والجسد والبيت والمحلة والمدينة والبلاد والكرة الأرضية والبشرية، وانتهاءً إلى دائرة الأحياء قاطبة والعالم أجمع، كلها دوائر متداخلة بعضها في البعض الآخر. فكل إنسان له نوع من الوظيفة في كل دائرة من تلك الدوائر. ولكن أعظم الواجبات وأهمها، بل أدومها بالنسبة له هي في أصغر تلك الدوائر وأقربها إليه. بينما أصغر الواجبات وأقلها شأنا ودواما هي في أعظم تلك الدوائر وأبعدها عنه. فقياسا على هذا: يمكن أن تتناسب الوظائف والواجبات تناسبا عكسيا مع سعة الدائرة، أي كلما صغرت الدائرة وقربت عظُمت الوظيفة، وكلما كبُرت الدائرة وبَعُدت قلّت أهميةُ الوظيفة.. ولكن لمّا كانت الدائرة العظمى فاتنةً جذابة، فهي تشغل الإنسان بأمور غير ضرورية له، وتَصرف فكرَه إلى أعمال لا تعنيه بشيء، حتى تجعله يهمل واجباته الضرورية في الدائرة الصغيرة القريبة منه، فيهدر -عندئذ- رأس مال عمره، ويضيّع حياته سُدًى. زد على ذلك قد يميل قلبُه وينحاز إلى إحدى الجهتين المتخاصمتين لتیتیبُّعه بلهفة أخبارَ الحرب الطاحنة بينهما. فلا يجد في نفسه إنكارا لمظالم تلك الجهة، بل يرتاح إليها، ويكون شريكا لها في ظلمها.
— 239 —
أما الجواب عن النقطة الأولى فهو أنَّ أمام كل إنسان -ولاسيما المسلم- مسألةً مهمة، وحادثة خطيرة، هي أعظم من الصراع الدائر بين الدول الكبرى لأجل السيطرة على الكرة الأرضية. تلك المسألة هي من الأهمية والخطورة ما لو امتلك الإنسان العاقل قوةَ الألمان والإنكليز وثروتهما معا، لَما تردد في أن يضعها كلَّها لأجل كسب تلك القضية المبتغاة.
تلك القضية هي التي أَعلنها مائةُ ألف من المُصطَفين الأخيار، ورفع رايتها ما لا يحد من نجوم البشرية ومرشديها المستندين إلى آلاف من مواثيق رب العالمين ومن وعوده وعهوده، بل لقد شاهدها قسم منهم عيانا، تلك القضية قضية مصيرية للإنسان وهي:
أنْ يكسب الإنسانُ بالإيمان أو يخسر دونه مُلكا عظيما خالدا ومساكنَ طيبة في جنات عدن عرضها السماوات والأرض. فمن لم يفز بشهادة الإيمان ولم يرعها حقّ رعايتها فسوف يضيّع حتما تلك القضية ويخسرها، وذلك هو الخسران المبين.
ولقد ضيّع الكثيرون في عصرنا هذا -ممن ابتُلوا بطاعون المادية- قضيتَهم هذه، حتى كشف أحدُهم وهو من أهل العلم والكشف، وشاهد أنَّ أفرادا قلائل فقط من كل أربعين شخصا -في مكان ما- هم الذين نجَوا بإيمانهم في سكرات الموت وخُتمت حياتهم بالحسنى، أما الباقون فهلكوا! تُرى لو عُوّض أحد هؤلاء سلطانَ الدنيا وملكها وزينتها بديلا عن تلك القضية العظمى، أفيكون هذا البديل كفوا لما فاته؟ أو يسد مسدّه بحال من الأحوال؟ كلا!
ولهذا فنحن معاشرَ طلبة النور نعلم يقينا أنّ ترْك خدمات عظيمة تكسب لنا تلك القضية، وإهمالَ مهماتِ وكيلها الذي يصونها لتسعين بالمائة، والانشغال عنها بما لا يعني من أمور خارجية واهتمامات تافهة كأنَّ الدنيا خالدة، ما هو إلّا من سخافة العقل وجنونه.
فنحن على يقين تام واطمئنان كامل من هذا، لذا لو ملَكَ أحدُنا عقلا وإدراكا للأمور أضعاف أضعاف ما يملكه الآن لبذَله كله فيما يلزم تلك القضية وفي سبيلها.
فيا إخوتي الحديثي العهد بمصيبة السجن! إنكم لم تطّلعوا بعدُ على رسائل النور كما اطّلع عليها إخواني السابقون الذين دخلوا السجن معنا، فإني أُسمعكم قولا وأُشهد عليه أولئك الإخوة جميعا أُلوفا من أمثالهم، وقد قلته مرارا، وأثبتّه تكرارا:
— 240 —
إن رسائل النور قد أكسبت تسعين بالمائة منهم تلك القضية العظمى، وهي التي سلَّمت وثيقة الفوز وشهادتَه -وهي الإيمان التحقيقي- لعشرين ألفا من الناس خلال عشرين سنة خلت. فلا غرو فقد نبعَت من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم وأصبحت في مقدمة وكلاء القضية العظيمة والمدافعين عنها في هذا الزمان، فرغم انقضاء ثماني عشرة سنة والأعداءُ والزنادقة والماديون يحيكون أنواعا من الدسائس والمكر الخبيث، ومازالوا يحرّضون قسما من الموظفين علينا مستغفلين إياهم في سبيل إبادتنا حتى زجّونا في غياهب السجون مثل هذه المرة. إلّا أنهم لم يفعلوا شيئا يُذكر، ولن يفعلوا بإذن اللّٰه، ذلك لأنهم لم يتمكنوا من أن يتعرضوا لقلعة رسائل النور الفولاذية ولا أن يمسوا أعتدتها البالغة مائة وثلاثين عتادا (رسالة) سوى رسالتين أو ثلاث منها.
لذا فمن أراد أن يُوكِل محاميا يدافع عن قضيته يكفي أن يتحصن بها ويقتبس من نورها.
فيا أيها الإخوة! لا تخافوا، إن رسائل النور لن تُمنَع عن الأنظار ولن تُحجَب عن الرؤية. ولن تُرفع من الأوساط بإذن اللّٰه، إذ يتداول أجزاءَها المهمة -ماعدا رسالتين أو ثلاثة- نوابُ البرلمان وأركان الدولة بحرية تامة.
وسيأتي ذلك اليوم الذي يوزِع فيه الموظفون والمدراء المحظوظون إن شاء اللّٰه رسائلَ النور على المسجونين كما يوزِعون عليهم الخبز والعلاج، وسيحولون السجون إلى مدارس إرشاد وتربية وإصلاح.
— 241 —

المسألة الخامسة

كما فُصّل في رسالة "مرشد الشباب": إن الشباب ذاهب وآفل، وسيزول لا محالة؛ إذ كما أن الصيف يخلفه الخريفُ والشتاء، والنهارَ يعقبه المساءُ والليل، فالشباب كذلك سيتحول إلى مشيب وإلى الموت، بمثل هذه الحقيقة المحتمة.
فإذا ما بذل الشاب ما يملك من طاقة مؤقتة في سبيل الخير والصلاح، ضِمن دائرة الطُّهر والعفة والاستقامة، فإن الأوامر السماوية كلَها تبشره بأنه سيغنم به شبابا باقيا لا زوال له، و كما أن غضب دقيقة واحدة، قد يدفع الإنسان إلى ارتكاب جريمة قتل فيقضي مقاساة ملايين من الدقائق في مقاساة من عذاب السجن، كذلك نشوةُ الشباب وسفاهته، وأذواقه العابرة -في غير ما أحلّ اللّٰه- تسبب له آلاما أكثر وأعمق في ذات اللذة نفسها، فضلا عن العقاب الرهيب في الآخرة، والعذابِ المرير في القبر، وعلاوةً على معاناة الحسرات العميقة المنبعثة من زوال اللذة، والعقاب في الدنيا المترتب على الذنوب والآثام. يشهد بصدق وجود هذه الآلام في اللذة نفسها كلُّ شاب حصيف، بما مر عليه من تجارب.
فمثلا: إن الحُب المحرّم، أو العشق لغير وجه الحق، فيه من الآلام ما ينغّص اللذةَ الجزئية فيه؛ منها الشعور بألم الغيرة والحسد، ومنها ألم الفراق عن المعشوق، ومنها ألم عدم مقابلة المحبة بالمثل.. وغيرها كثير من المنغصات التي تجعل تلك اللذة الجزئية بحكم عسل مسموم.
فإن كنت تريد أن تفهم أنَّ سوء تصرّف الشباب وإسرافَهم في أمرهم يسبب فيهم من الأمراض ما يسوقهم إلى المستشفيات أو المقابر.. وإن كنت تريد أن تفهم أن غرور الشباب وطيشهم يدفعهم إلى السجون. وإن كنت تريد أن تفهم أن ما يصيبهم من آلام معنوية وهموم نفسية -من الخواء الروحي والجوع القلبي والفراغ- يسوقهم إلى أبواب الحانات والملاهي.. نعم، إنْ كنت تريد أنْ تتحقق من هذا، فاسأل المستشفيات والسجون والخمَّارات والمقابر،
— 242 —
فستسمع حتما أنات وآهات، وبكاءً مريرا، وحسرات الندم، وأصوات الأسى والأسف، يُطلقها -على الأغلب- شبابٌ أشقياء، تلقوا الصفعات الموجِعة والضربات الأليمة لخروجهم عمّا أباح اللّٰه لهم من الطيبات بدافع نیزواتهم وإسرافهم وسيء أعمالهم، وارتكابهم المحرمات، وانسياقهم وراء اللذات المشؤومة.
بينما إذا ما قضى الشاب عهد شبابه بما أمره اللّٰه به واتّبع الصراط السوي واستقام عليه، فإنه يجعله أحلى نعمة إلهية وأجمل هبة رحمانية، ويتخذه سبيلا قويما ممهدا إلى الصالحات من الأعمال، ولأثمر له كذلك شبابا ناضرا، وفتوة خالدة دائمة في الآخرة بدلا من هذا الشباب الفاني الزائل.. ذلك ما تبشّرنا به الكتب السماوية والصحف المنیزلة جميعها، وفي مقدمتها القرآن الكريم بآياته المحكمة الكريمة.
فما دامت هذه هي الحقيقة.. ومادام ميدانُ الحلال كافيا ووافيا للأُنس والمتعة والنشوة.. ومادامت اللذة الواحدة -ضمن المحرمات- تذيق صاحبَها ألما يدوم سنة واحدة من عذاب السجن وأحيانا عشر سنوات.. فيلزم إذن قضاء عهد الشباب بالعفة والطهر والاستقامة على الصراط السوي أداءً لشكر تلك النعمة اللذيذة المهداة، بل هذا هو الألزم.
— 243 —

المسألة السادسة

هذه المسألة إشارة مختصرة إلى برهان واحد فقیط من بين أُلوف البراهين الكلية حول "الإيمان باللّٰه" والذي تَمَّ إيضاحُه مع حُجَجِهِ القاطعة في عِدّة مواضعَ من رسائل النور.
جاءَني فريقٌ من طلاب الثانوية في "قسطموني" قائلين: [٭]: قسطموني: مدينة تقع شمالي تركيا، نفي إليها الأستاذ النورسي سنة ١٩٣٦م وظل فيها تحت الإقامة الجبرية إلى أن سيق منها سنة ١٩٤٣ موقوفا لمحاكمته في محكمة الجزاء الكبرى في "دنيزلي".
"عرِّفنا بخالقنا، فإن مُدرّسينا لا يذكرون اللّٰه لنا!".
فقلت لهم:
"إن كل علم من العلوم التي تقرؤونها يبحث عن اللّٰه دوما، ويعرِّف بالخالق الكريم بلغته الخاصة. فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين".
فمثلا: لو كانت هناك صيدلية ضخمة، في كل قنينة من قنانيها أَدوية ومستحضرات حيوية، وضِعت فيها بموازين حساسة وبمقادير دقيقة؛ فكما أنها تُرينا أنّ وراءها صيدليا حكيما وكيميائيا ماهرا، كذلك صيدلية الكرة الأرضية التي تضم أكثر من أَربعمائة ألفِ نوعٍ من الأَحياء نباتا وحيوانا، وكل واحد منها في الحقيقة بمثابة زجاجة مستحضراتٍ كيمياوية دقيقة، وقنينةِ مخاليطَ حيويةٍ عجيبة. فهذه الصيدلية الكبرى تُري حتى للعميان صيدليّها الحكيم ذا الجلال، وتعرّف خالقَها الكريم سبحانه بدرجة كمالها وانتظامها وعظمتها، قياسا على تلك الصيدلية التي في السوق، وَفْقَ مقاييسِ "علم الطب" الذي تقرؤونه.
ومثلا: كما أنّ مصنعا خارقا عجيبا ينسج أُلوفا من أنواع المنسوجات المتنوعة، والأقمشة المختلفة، من مادة بسيطة جدا، يُرينا بلا شك أنّ وراءَه مهندسا ميكانيكيا ماهرا، ويعرّفه لنا؛
— 244 —
كذلك هذه الماكنة الربانية السيارة المُسمَّاةُ بالكرة الأرضية، وهذا المصنع الإلهي الذي فيه مئات الآلاف من مصانعَ رئيسيةٍ، وفي كل منها مئات الآلاف من المصانع المتقنة، يعرّف لنا بلا شك صانعَه ومالكَه، وَفْقَ مقاييسِ "علم المكائن" الذي تقرؤونه، يعرّفه بدرجة كمال هذا المصنع الإلهي، وعظمته قياسا على ذلك المصنع الإنساني.
ومثلا: كما أنّ حانوتا أو مخزنا للإعاشة والأَرزاق، ومحلا عظيما للأَغذية والمواد، أُحضِرَ فيه -من كل جانب- ألفُ نوع من المواد الغذائية، ومُيِّز كلُ نوع عن الآخر، وصُفِّف في محله الخاص به، يُرينا أَنّ له مالكا ومدبرا؛ كذلك هذا المخزن الرحماني للإعاشة الذي يسيح في كل سنة مسافةَ أربعةٍ وعشرين ألفَ سنة، في نظام دقيق متقن، والذي يضم في ثناياه مئات الآلاف من أصناف المخلوقات التي يحتاج كل منها إلى نوعٍ خاص من الغذاء. والذي يمر على الفصول الأربعة فيأتي بالربيع كشاحنة محمولة بآلاف الأنواع من مختلف الأطعمة، فيأتي بها إلى الخلق المساكين الذين نَفَد قوتُهم في الشتاء. تلك هي الكرة الأرضية، والسفينةُ السُّبحانيةُ التي تضم آلافَ الأنواع من البضائع والأجهزة ومعلّبات الغذاء. فهذا المخزن والحانوت الرباني، يُري -وَفْقَ مقاييس "علم الإعاشة والتجارة" الذي تقرأونه- صاحبَه ومالكَه ومتصرفَه بدرجة عظمة هذا المخزن، قياسا على ذلك المخزن المصنوع من قبل الإنسان، ويعرّفه لنا، ويحبّبه إلينا.
ومثلا: لو أن جيشا عظيما يضم تحت لوائه أربعمائةَ ألفِ نوع من الشعوب والأمم، لكل جنس طعامُه المستقل عن الآخر، وما يستعمله من سلاح يُغاير سلاحَ الآخر، وما يرتديه من ملابسَ تختلف عن ألبسة الآخر، ونمطُ تدريباته وتعليماته يُباين الآخر، ومدةُ عمله وفترةُ رُخَصِهِ هي غيرُ المدة للآخر.. فقائدُ هذا الجيش الذي يزوّدهم وحده بالأرزاق المختلفة، والأسلحة المتباينة، والألبسة المتغايرة، دون نسيان أيٍّ منها ولا إلتباس ولا حيرة، لهو قائد ذو خوارق بلا ريب؛ فكما أنَّ هذا المعسكر العجيب يُرينا بداهة ذلك القائد الخارق، بل يحبّبه إلينا بكل تقدير وإعجاب؛ كذلك معسكرُ الأرض؛ ففي كل ربيع يجنّد مجددا جيشا سبحانيا عظيما مكونا من أربعمائة ألف نوع من شعوب النبیاتات وأمم الحيوانات، ويمنح لكل نوع ألبسته وأرزاقه وأسلحته وتدريبه ورُخَصه الخاصة به، من لدن قائد عظيم واحدٍ أحدٍ جلّ وعلا، بلا نسيان لأحد ولا اختلاط ولا تحيّر وفي منتهى الكمال وغاية الانتظام.. فهذا المعسكر الشاسع الواسع للربيع الممتد على سطح الأرض يُري -لأولي الألباب والبصائر- حاكمَ الأرض
— 245 —
حسب "العلوم العسكرية" وربَّها ومدبرَها، وقائدَها الأقدس الأجلّ، ويعرّفه لهم، بدرجة كمال هذا المعسكر المهيب، ومدى عظمته، قياسا إلى ذلك المعسكر المذكور، بل يحبب مليكَه سبحانه بالتحميد والتقديس والتسبيح.
ومثلا: هَبْ أنّ ملايين المصابيح الكهربائية تتجول في مدينة عجيبة دون نَفَادٍ للوقود ولا إنطفاء؛ ألا تُري -بإعجاب وتقدير- أَنّ هناك مهندسا حاذقا، وكهربائيا بارعا لمصنع الكهرباء، ولتلك المصابيح؟.. فمصابيح النجوم المتدلية من سقف قصر الأرض وهي أكبر من الكرة الأرضية نفسِها بألوف المرات حَسْبَ علمِ الفلك وتسير أسرعَ من إنطلاق القذيفة، من دون أن تخل بنظامها، أو تتصادم مع بعضها مطلقا ومن دون إنطفاء، ولا نَفَاد وقودٍ وَفْقَ ما تقرأونه في "علم الفلك".. هذه المصابيح تشير بأصابع من نور إلى قدرة خالقها غير المحدودة. فشمسُنا مثلا وهي أكبر بمليون مرة من كرتنا الأرضية، وأقدم منها بمليون سنة، ما هي إلّا مصباحٌ دائم، وموقد مستمر لدار ضيافة الرحمن. فلأَجل إدامة اتّقادها واشتعالها وتسجيرها كل يوم يلزم وقودا بقدر بحار الأرض، وفحما بقدر جبالها، وحطبا بقدر أضعاف أضعاف حجم الأرض، ولكن الذي يشعلها -ويشعل جميع النجوم الأخرى أمثالها- بلا وقود ولا فحم ولا زيت ودون انطفاء ويسيّرها بسرعة عظيمة معا دون اصطدام، إنما هي قدرةٌ لا نهاية لها وسلطنةٌ عظيمة لا حدود لها.. فهذا الكون العظيم وما فيه من مصابيح مضيئة، وقناديل متدلية يبين بوضوح -وَفْقَ مقاييس "علم الكهرباء" الذي قرأتموه أو ستقرؤونه- سلطانَ هذا المعرض العظيم والمهرجان الكبير، ويعرّف منوّرَه ومدبّرَه البديع وصانعه الجليل، بشهادة هذه النجوم المتلألئة، ويحبّبه إلى الجميع بالتحميد والتسبيح والتقديس بل يسوقهم إلى عبادته سبحانه.
ومثلا: لو كان هناك كتاب كُتِبَ في كل سطر منه كتابٌ بخط دقيق وكُتِبَ في كل كلمة من كلماته سورةٌ قرآنية، وكانت جميعُ مسائله ذات مغزى ومعنى عميق، وكلُّها يؤيد بعضُها البعض، فهیذا الكتاب العجيب يُبيِّنُ بلا شك مهارةَ كاتبه الفائقة، وقدرة مؤلّفه الكاملة. أي إن مثل هذا الكتاب يُعرّف كاتبَه ومصنّفه تعريفا يضاهي وضوح النهار، ويبين كمیالَه وقیدرتَه، ويثير من الإعجاب والتقدير لدى الناظرين إليه ما لا يملكون معه إلّا ترديدَ: "تبارك اللّٰه، سبحان اللّٰه، ما شاء اللّٰه!" من كلمات الاستحسان والإعجاب؛ كذلك
— 246 —
هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتَب في صحيفة واحدة منه، وهي سطح الأرض، ويُكتبُ في ملزمة واحدة منه، وهي الربيع، ثلاثمائة ألف نوع من الكتب المختلفة، وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات، كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كل ذلك معا ومتداخلا بعضها ببعض بلا اختلاط ولا خطأ ولا نسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال، بل يُكتب في كل كلمة منه كالشجرة قصيدةٌ كاملة رائعة، وفي كل نقطة منه كالبذرة فهرسُ كتابٍ كامل. فكما أَنّ هذا مشاهَد وماثل أمامنا، ويُرينا بالتأكيد أن وراءه قلما سيالا يسطر، فلكم إذن أن تقدروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كل كلمة منه معان جمّة وحِكَمٌ شتى، ومدى دلالة هذا القرآن الأكبر المجسم وهو العالم، على بارئه سبحانه وعلى كاتبه جل وعلا، قياسا إلى ذلك الكتاب المذكور في المثال. وذلك بمقتضى ما تقرؤونه من "علم حكمة الأشياء" أو "فن القراءة والكتابة"، وتناولوه بمقياس أكبر، وبالنظرة الواسعة إلى هذا الكون الكبير. وبذلك تفهمون كيف يُعرّف الخالقَ العظيم بی"اللّٰه أكبر" وكيف يعلّم التقديس بی"سبحان اللّٰه" وكيف يحبّب اللّٰه سبحانه إلينا بثناء "الحمد للّٰه".
وهكذا، فإن كل علم من العلوم العديدة جدّا يدل على خالق الكون ذي الجلال -قياسا على ما سبق- ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته. وذلك بما يملك من مقاييس واسعة ومرايا خاصة وعيون حادة باصرة ونظرات ذات عبرة.
فقلت لأولئك الطلبة الشباب: إن حكمة تكرار القرآن الكريم من:
خَلَقَ السموات والارض
و
رب السموات والارض
إنما هي لأجل الإرشاد إلى هذه الحقيقة المذكورة، وتلقين هذا البرهان الباهر للتوحيد، ولأجل تعريفنا بخالقنا العظيم سبحانه.
فقالوا: شكرا لربنا الخالق بغير حدّ، على هذا الدرس الذي هو الحقيقة السامية عينُها، فجزاك اللّٰه عنا خير الجزاء ورضي عنك.
قلت:
إن الإنسان ماكنة حيوية، يتألم بآلاف الأنواع من الآلام، ويتلذذ بآلاف الأنواع من اللذائذ، ومع أنه في منتهى العجز، فإن له من الأعداء ما لا يحد سواء الماديين أو المعنويين، ومع أنه في غاية الفقر فإن له رغبات باطنة وظاهرة لا تُحصر؛ فهو مخلوق مسكين يتجّرع آلام صفعات الزوال والفراق باستمرار. فرغم كل هذا فإنه يجد بانتسابه إلى السلطان ذي الجلال
— 247 —
بالإيمان والعبودية مستندا قويا، ومرتكزا عظيما يحتمي إليه في دفع أعدائه كافة، ويجد فيه كذلك مدارَ استمدادٍ يستغيث به لقضاء حاجاته وتلبية رغباته وآماله كافة. فكما ينتسب كلٌ إلى سيّده ويفخر بشرف انتسابه إليه ويعتز بمكانة منیزلته لديه، كذلك فإن انتساب الإنسان -بالإيمان- إلى القدير الذي لا نهاية لقدرته، وإلى السلطان الرحيم ذي الرحمة الواسعة، ودخولَه في عبوديته بالطاعة والشكران، يبدّل الأجلَ والموتَ من الإعدام الأبدي إلى تذكرة مرور ورخصة إلى العالم الباقي! فلكم أنْ تقدّروا كم يكون هذا الإنسان متلذذا بحلاوة العبودية بين يدي سيده، وممتنا بالإيمان الذي يجده في قلبه، وسعيدا بأنوار الإسلام، ومفتخرا بسيّده القدير الرحيم شاكرا له نعمة الإيمان والإسلام.
ومثلما قلت ذلك لإخواني الطلبة، أقول كذلك للمسجونين: إن مَن عرف اللّٰه وأطاعه سعيدٌ ولو كان في غياهب السجن، ومَن غَفَلَ عنه ونَسِيَه شقيٌ ولو كان في قصور مشيَّدة. فلقد صرخ مظلوم ذاتَ يوم بوجه الظالمين وهو يعتلي منصة الإعدام فرِحا جذلا وقائلا:
"إنني لا أنتهي إلى الفناء ولا أُعدمُ، بل أُسرّحُ من سجن الدنيا طليقا إلى السعادة الأبدية، ولكني أَراكم أنتم محكومين عليكم بالإعدام الأبدي لما ترون الموت فناءً وعدما. فأنا إذن قد ثأرت لنفسي منكم". فَسلَّم روحَه وهو قرير العين يردد: "لا إله إلّا اللّٰه".
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 248 —

المسألة السابعة

ثمرة أينعت في يوم جمعة من أيام سجن دنيزلي
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَمَآ اَمْرُ السَّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ اَوْ هُوَ اَقْرَبُ
(النحل:٧٧)
ما خلقكم ولا بعثُكم إلّا كنفسٍ واحدة
(لقمان:٢٨)
فانظر إلى آثار رحمتِ اللّٰه كيفَ يُحيي الارضَ بعد موتها إن ذلكَ لَمُحيي الموتى وهو على كل شيء قدير
(الروم:٥٠).
كنت قد ألقيت ذات يوم درسا في "قسطموني" بلغة العلوم المدرسية على بعض طلبة الثانوية الذين جاؤوا يسألونني: "عَرِّفْنَا بخالقنا" كما جاء في "المسألة السادسة" المذكورة آنفا، واطّلع عليها بعضُ من استطاع الاتصال معي من المسجونين في "دنيزلي" فحصل لديهم من الاطمئنان الإيماني والقناعة التامة ما جعلهم يستشعرون شوقا غامرا نحو الآخرة، فبادروا بالقول: "علّمنا آخرتنا أيضا علما كاملا، لا تُضلّنا بعده أنفسُنا وشياطينُ العصر، فتلقي بنا إلى مثل هذه السجون!". ونیزولا عند طلب هؤلاء وإسعافا لحاجة طلبة رسائل النور في سجن "دنيزلي" وللرغبة الملحة من أولئك الذين طالعوا "المسألة السادسة"، فقد رأيت لزاما علىّ أن أُبين خلاصة موجزة عن الركن الإيماني المهم: "الآخرة".
فأقول ملخصا من رسائل النور: كما أننا سألنا في "المسألة السادسة" الأرضَ والسماوات عن خالقنا سبحانه وتعالى، فأجابتنا بلسان العلوم الحاضرة بما عرَّفتنا بخالقنا الكريم معرفة واضحة وضوح الشمس، فسنسأل كذلك أولًا ربَّنا الذي عَرَفْناه يقينا عن آخرتنا، ثم نسأل رسولَنا الأعظم (ص) ثم قرآنَنا الكريم، ثم سائرَ الأنبياء عليهم السلام والكتب المقدسة، ثم الملائكةَ، ثم الكائنات.
— 249 —
فها نحن أولاء في أولى المراتب.. نسأل اللّٰه سبحانه وتعالى عن "الآخرة" فيخاطبنا -جلّ وعلا- بجميع أوامره وبجميع رسله الكرام، وبجميع أسمائه الحسنى، وبجميع صفاته الجليلة، قائلا لنا: الآخرة لا ريب فيها، وأنتم مساقون إليها. وحيث إن "الكلمة العاشرة" قد أثبتت الآخرةَ باثنتي عشرة حقيقة قاطعة ناصعة، وأوضحَتْها بدلالةِ قسم من الأسماء الحسنى؛ لذا نشير هنا -إشارة مختصرة- إلى تلك الدلالات، مكتفين بذلك الإيضاح.
نعم، إنه ليس هناك سلطان عظيم دون أن يكون له ثواب للمطيعين وعقاب للعاصين. فلابد من أن السلطان السرمدي -وهو في علياء الربوبية المطلقة- له ثواب للمنتسبين إليه بالإيمان والمستسلمين لأوامره بالطاعة، وعقاب للذين أنكروا عظمتَه وعزته بالكفر والعصيان. ولابد من أن ذلك الثواب سيكون لائقا برحمته وجماله، وذلك العقاب سيكون ملائما لعزته وجلاله.
وبهذا يجيبنا اسم "السلطان الديّان" و"ربّ العالمين" عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إننا نرى بأعيننا -رؤية واضحة وضوحَ الشمس- أن رحمةً عامةً ورأفةً محيطةً وكرما شاملا سابغا على وجه الأرض؛ فما ان يحل الربيع الزاهي حتى ترى الرحمة تُزيِّن الأشجار والنباتات المثمرة، وتلبسها ثيابا خُضرا كأنها حور الجنة، وتسلّم إلى أيديها أنواعا مختلفة من ثمار شتى، وتقدمها إلينا قائلة: "هاكم كلوا وتفكّهوا..." وتراها تطعمنا عسلا مصفًّى شافيا لذيذا بأيدي حشرة سامة! وتُلبسنا حريرا ناعما تَنسجه حشرة بلا يد! وتدّخر في حفنة من بُذيرات وحبوب آلافَ الأطنان من الغذاء وتحوّلها إلى كنوز احتياطية لنا.. فالذي له هذه الرحمة الواسعة، وله هذه الرأفة العامة والكرم السابغ، لا ريب أنه لن يُفني ولن يُعدم عبادَه المؤمنين المحبوبين لديه، أولئك الذين ربَّاهم ومَنَّ عليهم، وكرّمهم إلى هذه الدرجة من اللطف والرفق والعناية. بل سينهي وظيفتهم في الحياة الدنيا ليهيأهم لرحمات أوسع واعظم.
وبهذا يجيبنا اسم اللّٰه "الرحمن" و"الكريم" من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة، قائلَين لنا: "الجنة حق".
ثم إننا نرى أن وظائف المخلوقات تُنسج على منوال الحكمة وتكال بميزان العدل. وهما من الدقة والحساسية بحيث لا يتصور الإنسان أفضل منهما.. فنَرى الحكمة الأزلية قد وهبت
— 250 —
للإنسان قوةَ حافظة -كحبة الخردل حجما- وكتبت فيها تفاصيلَ حياته وما يمسه من أحداث لا تعد، وكأنها مكتبةٌ وثائقية مصغرة جدا، ووضعتها في زاوية من دماغه، لتذكّره دوما بيوم الحساب، يوم تُنشر ما فيها من صحائف الأعمال.
ونرى العدالة المطلقة تضع كل عضو من الكائن الحي في موضعه اللائق به، وتنسقه بموازين دقيقة حساسة - ابتداء من ميكروب صغير إلى كركدن ضخم، ومن نحل ضعيف إلى نسر مهيب، ومن زهرة لطيفة إلى ربيع زاهٍ بملايين من الأزهار.. ونراها تمنح كل عضو تناسقا لا عبث فيه، وموازنة لا نقص فيها، وانتظاما لا ترى فيه إلّا الإبداع، كل ذلك ضمن جمالٍ زاهر وحسن باهر حتى تغدو المخلوقات نماذج مجسمة للإبداع والإتقان والجمال.. فضلا عن أنها تهب لكل ذي حياة حق الحياة؛ فتيسر له سبل الحياة، وتنصب له موازين عدالة فائقة؛ فجزاء الحسنة حسنة مثلها، وجزاء السيئة سيئة مثلها.. وفي الوقت نفسه تُشعر قوتها وسرمديتها، بما تنیزل من عذاب مدمر على الطغاة والظالمين منذ عهد آدم عليه السلام. فكما لا تكون الشمسُ دون نهار، فتلك الحكمة الأزلية، وتلك العدالة السرمدية لن تتحققا تحققا كليا إلّا بحياة أخرى خالدة، لذا لن ترضيا أبدا ولن تسمحا بحال من الأحوال على نهاية لا عدالة فيها ولا حكمة ولا إحقاق حق، تلك هي الموت الذي لا بعث بعده، والذي يتساوى فيه الظالمون العتاة مع المظلومين البائسين! فلابد إذن أن تكون وراءه حياة أخرى خالدة كي تستكمل الحكمةُ والعدالة حقيقتهما.
وبهذا يجيبنا -إجابة قاطعة- اسمُ اللّٰه "الحكيم" و"الحكم" و"العدل" و"العادل" من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إننا نرى أن كل كائن حي تُوفَّر له حاجاتُه التي ليس في طوقه الحصول عليها، وتستجاب جميعُ مطاليبه التي يسألها -بنوع من دعاء- سواء بلسان حاجاته الضرورية، أو بلغة استعداداته الفطرية، وتسلّم إليه في أنسب وقت وأفضله من لدن يد رحيمٍ واسع الرحمة، وسميع مطلق السمع، ورؤوفٍ شامل الرأفة.. وتُستجاب أيضا أغلبُ دعوات الإنسان الإراديةُ، ولاسيما دعوات الأصفياء من الناس، وبخاصة دعوات الأنبياء عليهم السلام -التي تُستجاب أغلبها استجابة خارقة للعادة- فتلك الاستجابات تفهّمنا يقينا أن وراء الحجاب
— 251 —
"سميعًا مجيبًا" يسمع آهاتِ كل ذي مصيبة وأنّات كل ذي داء، ويصغي إلى دعاء كل محتاج، ويرى أدنى حاجة لأصغر مخلوق ويسمع أخفى أنين لأضعف كائن فيشمله برأفته ويسعفه فعلا فيرضيه.. فما دام الأمر هكذا فإن دعاءً للسعادة الأخروية والبقاء والخلود -وهو أفضل دعاء وأعمُّه ويمس جميع الكائنات ويرتبط بجميع الأسماء الحسنى وبجميع الصفات الجليلة- هذا الدعاء يسأله أفضل مخلوق -وهو الإنسان- ويضمه ضمن أدعيته أعظمُ عبدٍ وأحبه إلى اللّٰه، ذلك الرسول الأعظم (ص)، وهو إمام الأنبياء عليهم السلام الذين هم شموس البشرية وروّادها فيؤمّنون على دعائه هذا بل يؤمّن على دعائه بصلواته عليه يوميا كلُّ مؤمن من أمته عدة مرات في الأقل بل تشترك جميعُ المخلوقات في دعائه قائلة: "استجب يا ربنا دعاءه فنحن نتوسل بك ونتضرع إليك مثله".. فمثل هذا الدعاء الشامل للخلود والسعادة الأبدية، من مثل هذا الرسول الحبيب (ص) وضمن هذه الشروط التي لا تردّ، لا شك مطلقا أنه وحده مبرّر كافٍ وسبب وافٍ لإيجاد الجنة الخالدة وإحداث الآخرة من بين أسباب لا تعد ولا تحصى موجبةٍ لإيجادها. فضلا عن أن إيجادها سهل على قدرته سبحانه وهيّن عليها كإيجاد الربيع وخلقه.
وهكذا يجيبنا اسم اللّٰه "المجيب" و"السميع" و"الرحيم" من الأسماء الحسنى عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إن ما في تبدل المواسم من مظاهر الموت ومشاهد البعث على الأرض كافة يدل دلالة واضحة -كدلالة النهار على الشمس- على أن وراء الحجاب ربّا يدير الأرض الهائلة في غاية الانتظام وفي منتهى السهولة -كإدارة حديقة صغيرة بل كإدارة شجرة واحدة وبانتظامها- ويدير الربيع الشاسع ويزينه بسهولةِ إدارة زهرة واحدة وبزينتها الموزونة، ويسطر على صحيفة الأرض ثلاثمائة ألفٍ من طوائف النباتات والحيوانات التي هي بمثابة ثلاثمائة ألف نوع من كتب تعرض نماذج الحشر وأمثلة النشور.
فهذا الرب القدير الذي يكتب هذه النماذج المتداخلة دون تحير ولا لبسٍ، ودون سهوٍ ولا خطأ وبإتقان وانتظام وبمعانٍ بليغة رغم تشابكها وتشابهها وتماثلها، يُظهر ضمن جلال العظمة قدرة فاعلة رحيمة حكيمة، فهو سبحانه يشمل الوجود برحمته وحكمته هذه فيهب
— 252 —
للإنسان مقاما ساميا ويسخر له الكون الضخم ويجعله مسكنا ومهدا له، ثم ينصبه خليفة في الأرض ويحمّله الأمانة الكبرى التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها ويفضّله على سائر المخلوقات، ويشرّفه بكلامه الرباني وبخطابه السبحاني وبموالاته إياه، فضلا عن أنه قد قطع على نفسه عهدا، ووعد هذا الإنسان وعدا -في جميع كتبه المنیزلة- أنه سيخلّده بالسعادة الأبدية والبقاء الأخروي.. فلا ريب أنه سيفتح له أبواب سعادة دائمة، وسيحدث الحشر والقيامة حتما وهو أهون عليه من الربيع نفسه.
وبهذا يجيبنا اسم اللّٰه "المحيي" و"المميت" و"الحي" و"القيوم" و"القدير" و"العليم" عن سؤالنا حول الآخرة.
حقا إن القدرة الإلهية التي تحيي أصول الأشجار والأعشاب كافة في كل ربيع وتوجِد نماذج ثلاثمائة ألف نوع من حشر ونشر في الحيوانات والنباتات كافة، بل تُظهر ألف مثال للحشر والنشور وألف دليل عليه في ألفي ربيع (٭): إن كل ربيع يُقبل هو بحكم حشر للربيع السابق الذي قامت قيامته وانتهت حياته. (المؤلف). عندما ينظر خيالا إلى ألف سنة من السنين التي قضاها كل من أمة محمد وموسى عليهما السلام وقوبلا معا! فكيف يُستبعد بعثُ الأجساد والحشر الجسماني من هذه القدرة المطلقة؟ أليس استبعاده عمًى ما بعده عمًى؟
ثم إن مائة وأربعة وعشرين ألفا من أفضل بني آدم وهم الأنبياء عليهم السلام، قد أعلنوا السعادة الأبدية وخلود الآخرة، متفقين مستندين إلى آلاف الوعود والعهود التي قطعها اللّٰه سبحانه وتعالى على نفسه. وأثبتوا صدقهم بمعجزاتهم الباهرة. وأن ما لا يحصر له من الأولياء الصالحين يصدّقون الحقيقة نفسها بالكشف والذوق.
فلابد من أنَّ تلك الحقيقة ظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار فمَن شكّ فيها فقد حُرِم العقل: لأن حكم متخصص واحد أو اثنين في علم أو مهنة في مسألة ضمن اختصاصه، يُسقط من الاعتبار قيمةَ آراءِ وأفكار ألف معارض غير متخصص في ذلك العلم أو المهنة ولو كانوا أولي اختصاص في علوم أخرى. وأن حكم اثنين من شهود الإثبات في مسألة يُرجَّح على آلافٍ من المنكرين أو النافين للمسألة. كما هو في رؤية هلال رمضان في يوم الشك، أو ادعاء وجود مَزارع جوز الهند الشبيهة بعلب الحليب في الأرض؛ ذلك لأن المُثبِت يكسب القضية بمجرد
— 253 —
الإشارة إليها أو إبراز جوز الهند أو بيانه لمكانه. أما النافي الذي ينكر وجوده فإنه لا يستطيع أن يثبت دعواه إلّا إذا جاس وجال في أنحاء العالم كله وتحرّى دعواه في الأمكنة كلها. وهكذا الذي يخبر عن الجنة ودار السعادة والخلود فإنه يثبتها ويكسب القضية بمجرد إظهاره أثرا من آثار الجنة، أو أمارةً من أماراتها، أو ظلًّا من ظلالها كشفا؛ في حين لا يستطيع من ينفي وجودها وينكرها أن يجد لإنكاره مجالا -مَهْما كدّ- إلّا إذا شاهد وأشهد الآخرين جميعَ الأكوان وجميع الأزمان من الأزل إلى الأبد، وأظهر عدم وجودها وأثبت نفيها!! فلأجل هذه الحكمة ارتضى العلماء المحققون على قاعدة أساس هي: "لا يمكن إثبات النفي غير المحدّد مكانُه -كالحقائق الإيمانية الشاملة للكون قاطبة- ما لم يكن الأمر محالا بذاته".
فبناءً على هذه الحقيقة القاطعة لا ينبغي أن يجلب إنكارُ آلاف الفلاسفة ومعارضتهم أيةَ شبهة ولا وسوسة أمام مخبر صادق في مثل هذه المسائل الإيمانية.. فيا حماقةَ من يتلوث بشبهة -مهما كانت- في أركان الإيمان بمجرد إنكارِ قلة من فلاسفة ماديين تحدّرت عقولُهم إلى عيونهم فلا يرون إلّا المادة بل ماتت قلوبُهم فلا يشعرون بالمعنويات، بينما اتفق على تلك الأركان مائة وعشرون ألفا من المثبتين أولي الاختصاص من الأنبياء الصادقين عليهم السلام وممن لا يحصَون ولا يُعدّون من المثبتين والمختصين من أهل الحقيقة الأولياء وأصحاب التحقيق العلماء.
ثم إننا نشاهد سواء في أنفسنا أو فيما حولنا رحمةً عامة وحكمة شاملة وعناية دائمة ناشرة نورَها كالنهار، ونرى كذلك آثارَ ربوبيةٍ مهيبة وأنوارَ عدالةٍ بصيرة، وتجلياتِ إجراءات جليلة عزيزة، بل نرى "حكمة" تقلد الشجرة حِكَما بعدد أزهارها وأثمارها، ونرى "رحمة" تقيم على كل إنسان إحسانا وعطايا بعدد حواسه وقواه وأجهزته. ونرى "عدالة" ذات عزة تُهلك بسوط عذابها أقواما عصاة أمثال قوم نوح وهود وصالح وقوم عاد وثمود وفرعون، وهي ذات عناية كذلك تحافظ على حقوقِ أصغرِ مخلوق وأضعفه. فالآية الكريمة الآتية تبين بإيجازٍ معجزٍ عظمةَ تلك الربوبية الجليلة وهيبتها المطلقة:
ومن آياته أن تقوم السماءُ والارض بأمره ثمّ إذا دَعاكم دَعوةً من الارضِ اذا أنتم تخرجون
(الروم:٢٥).
— 254 —
إذ تبين أنَّ السماوات والأرض تمتثلان الأمر الإلهي كالجنود المرابطين والراقدين في معسكرين. فكما أنهم يهرعون إلى أخذ مواقعهم وتسلُّم أسلحتهم بدعوة من القائد وبنفخة من بوق، كذلك السماوات والأرض كمعسكرَين حالما يُنادى بالأموات الراقدين فيهما بصور إسرافيل عليه السلام، إذا بهم يخرجون من الأجداث سراعا لابسين ثياب الجسد. بل نرى هذه العظمة والطاعة في كل ربيع، إذ يُحشَر ما في معسكر الأرض من جنود وينشَرون بنفخة من بوق مَلَك الرعد.. فبناء على التحقيقات السابقة، لابد أن تلك الرحمة والحكمة والعناية والعدالة والسلطنة السرمدية ستحقق أبعادها وغاياتها في دار أخرى، أي إنها تقتضي الحشر بالضرورة، كما أثبتتها "الكلمة العاشرة"؛ إذ لا شك في مجيء الآخرة، بل إن عدم مجيئها محال في ألف محال، حيث إن عدمها يعني: تبدلَ "الرحمة" التي هي في منتهى الجمال قسوة في منتهى البشاعة، ويعني: تحول كمال "الحكمة" إلى نقص العبث القاصر وغاية الإسراف، ويعني: انقلاب "العناية" التي هي في منتهى الحسن واللطف إلى إهانة في منتهى القبح والمرارة، ويعني: تغير "العدالة" التي هي في منتهى الإنصاف والحق إلى ظلمات في أشد القسوة والبطلان، زد على ذلك فإن عدم مجيء الآخرة يعني أيضا سقوط هيبة السلطنة السرمدية العزيزة وبوار أبهتها وقوتها، ويعني اتهام كمال الربوبية بالعجز والقصور.. فكل هذا باطل ومحال لا يقبله عقل أي إنسان مهما كان، وهو الممتنع والخارج عن دائرة الإمكان؛ لأن كل ذي شعور يعلم أن اللّٰه سبحانه قد خلق هذا الإنسان في أحسن تقويم، ورباه أحسن تربية، وزوّده من الأجهزة والأعضاء -كالعقل والقلب- ما يتطلع به إلى السعادة الأبدية ويسوقه نحوها، ويدرك كذلك مدى الظلم والقسوة إذا ما انتهى مصير هذا الإنسان المكرم إلى العدم الأبدي! ويفهم كذلك مدى البُعد عن الحكمة في عدم البعث الذي يجعل جميع الأجهزة والقوى الفطرية -التي لها آلاف المصالح والفوائد- دون جدوى ودون قيمة! في الوقت الذي أودع سبحانه مئاتٍ من الحِكَم والفوائد في دماغه فحسب!.. ويفهم كذلك مدى العجز الظاهر والجهل التام المنافيَين كليًّا لعظمة تلك السلطنة وكمال الربوبية في عدم الإيفاء بآلاف الوعود والعهود؟ تعالى اللّٰه عن ذلك علوّا كبيرا. قس على هذا كلا من "العناية" و"العدالة".
وهكذا يجيبنا اسم اللّٰه "الرحمن" و"الحكيم" و"العدل" و"الكريم" و"الحاكم" من الأسماء الحسنى بتلك الحقيقة المذكورة عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة ويثبتها لنا إثباتا لا شبهة فيه بل واضحا جليا كوضوح الشمس وجلائها.
— 255 —
ثم إننا نرى "حفيظية" مهيبة محيطة بادية للعيان، تحكم على كل شيء حي، وتهيمن على كل حادث، تحفظ صوره الكثيرة، تسجِّل أعمال وظيفته الفطرية، تدوّن تسبيحاته التي يؤديها -بلسان الحال- تجاه الأسماء الحسنى.. تدوّنها في لوحات مثالية، في بُذيراته ونواه، في قواه الحافظة -وهي نماذج مصغرة للّوح المحفوظ- ولاسيما في حافظة الإنسان التي هي مكتبة عظمى مصغرة جدّا موضوعة في دماغه، وتسجلها في سائر المرايا والمعاكس المادية والمعنوية. وما إن يحل الربيع -تلك الزهرة المجسمة للقدرة الإلهية- حتى تُبرز لنا الحفيظية تلك الكتابات المعنوية ظاهرةً مشهودة مجسمة. وتعرض في تلك الزهرة العظمى حقيقةَ الحشر التي تتضمنها الآية الكريمة:
واذا الصُحُفُ نُشرت
(التكوير:١٠) وتعلنها بألسنة ملايين الملايين من الأمثلة والدلائل، وتؤكد لنا يقينا أن الأشياء جميعها -ولاسيما الأحياء- لم تُخلق لتنتهي إلى الفناء، ولا لتهوي إلى العدم ولا لتمحى إلى غير شيء -ولاسيما الإنسان- بل خُلقوا للمضي بسموهم إلى البقاء، وللدخول بتزكية أنفسهم إلى عالم الحياة الخالدة، وللولوج بالاستعداد الفطري إلى وظيفة سرمدية تنتظرهم في دار الخلود.
نعم، إن كل شجر وجذر وكل حبّة ونواة من النباتات غير المحدودة التي ماتت في قيامة الخريف، ما إن يحين حشر الربيع إلّا ويتلو الآية الكريمة:
واذا الصُحُفُ نُشرت
بلسانه الخاص ويفسر معنًى من معانيها، وذلك بقيام كل جزء من أجزائه بمثل الوظائف الفطرية التي قام بها في السنين السابقة، ويبيّن -في الوقت نفسه- عظمة الحفيظية في أوسع مداها كما تتضمنها الآية الكريمة:
هُوَ الأولُ والآخرُ والظاهِرُ والبَاطِنُ
(الحديد:٣) وترشدنا إلى أربع حقائق جليلة في كل شيء وتقيم الحجة الدامغة على حتمية الحشر كحتمية مجيء الربيع ويسره.
نعم، إن أنوار هذه الأسماء الحسنى الأربعة وتجلياتها تسري وتنفذ من أصغر جزئي إلى أكبر كليّ.. ولنوضح هذا بمثال:
فالبذرة التي هي أصل الشجرة تبين عظمة الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه "الأول" وذلك؛ بما تحوي من خطة الشجرة دقيقة كاملة، وبما تضم من أجهزة بديعة لإيجادها ونشوئها كاملة غير منقوصة، وبما تشتمل عليه من شرائط تكوين الشجرة رغم أنها علبة صغيرة جدّا.
— 256 —
والثمرة أيضا تشهد شهادة صادقة على تلك الحفيظية بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه "الآخر" وذلك؛ بما تحوي من فهرس جميع الوظائف الفطرية لتلك الشجرة، وبما تضم من صحائف أعمالها، وبما تنطوي عليه من قوانين حياتها الثانية، علما أنها صندوق صغير جدّا.
أما ظاهر الشجرة المجسم فإنه يُظهر عظمة القدرة وكمال الحكمة وجمال الرحمة ضمن الحفيظية المطلقة، ويبرزها للعيان مشهودة بتعرضها لأنوار اسم اللّٰه "الظاهر" وذلك؛ بحُللها البهية المزدانة بالنقوش البديعة المتنوعة والأوسمة المرصعة كأنها ثياب الحور العين الملونة بسبعين لونا.
أما الأجهزة الداخلية لتلك الشجرة التي أصبحت كأنها مرآة تعكس أنوار اسم اللّٰه "الباطن" فهي أيضا تثبت -إثباتا ساطعا كالشمس- كمالَ القدرة والعدالة، وجمال الرحمة والحكمة، إذ إنها مصنع خارق كامل النظام، بل مختبر كيمياء عظيم، بل مستودعُ إعاشة وأرزاق لا يدع غصنا ولا ثمرا ولا ورقا إلّا ويزوده بالغذاء الذي يحتاجه.
وكما يُظهر كل من البذرة والثمرة، وظاهر الشجرة وباطنها تجلياتِ الأسماء الحسنى الأربعة "الأول والآخر والظاهر والباطن" فالكرة الأرضية كذلك تظهرها وتبين بداهةً أن الحفيظ ذا الجلال والإكرام إنما يعمل بقدرة وعدالة وحكمة ورحمة مطلقة؛ إذ إنها (أي الكرة الأرضية) كالشجرة من حيث تبدل المواسم السنوية، فجميعُ النوى والحبوب التي أُودعت في الخريف -بتجلي اسم اللّٰه "الأول"- أمانةً إلى الحفيظية، ترسِلُ ما لا يعد من السيقان والأغصان، وتمدّها إلى شتى الجهات، وتَفتح ما لا يحصى من الأزهار البهيجة والأثمار الطيبة، فتُلبس الأرض وشاح الربيع البهيج.. ذلك لأن كلا منها تضم كراسات مصغرة سُطّرت فيها الأوامر الربانية، وتبطن صحائف مصغّرة دوّن فيها ما أنجز في السنة الماضية من أعمال، بل تستوعب تلك البذورُ والنوى جميعَ ما يعود إلى تركّب شجرة الأرض العظيمة.
أما آخر شجرة الأرض السنوية فهو ما يضعه في عُلب متناهية في الصغر من جميع الوظائف التي قامت بها الشجرة في الخريف، وجميع التسبيحات والأذكار الفطرية التي أدتها تجاه الأسماء الحسنى، وجميع ما يمكن نشره في حشر الربيع المقبل من صحائف الأعمال، ويسلّم هذا جميعا إلى يد الحكمة للحفيظ ذي الجلال تاليا بهذا اسم اللّٰه: "الآخر" بألسنة لا حدَّ لها على أسماع الكائنات وأنظارها.
— 257 —
أما ظاهر هذه الشجرة فهو: تلك الأزهار الكلية المتنوعة المتباينة التي تفصح عن ثلاثمائة ألف نوع من أمثلة الحشر وأماراته، وهو تلك الموائد المنصوبة للرحمن الرحيم والرزاق الكريم، وهو تلك الضيافات المفتوحة لذوي الحياة كافة، فكل ما في ظاهر تلك الشجرة يذكر ويتلو اسم اللّٰه: "الظاهر" بألسنة ثمراتها وأزهارها وطعومها مُظهرا حقيقةَ
واذا الصُحُفُ نُشرت
ساطعة كالشمس في كبد السماء.
أما باطن هذه الشجرة العظيمة فهو معمل ومصنع يُحَرِّك ما لا يعد ولا يحصى من مكائن منتظمة ومعامل دقيقة حتى إنه يُعدّ طنا من الأطعمة وينضجها من درهم من المواد وتوصله إلى الجائعين، ويَنهض بأعماله في منتهى الدقة بما لا يدع مجالا لتلعب به الصدفة، فيذكر الوجهُ الباطن للأرض اسم اللّٰه: "الباطن"، بل يثبته ويعلنه بمائة ألف من الأنماط والصور كما يعلنه قسم من الملائكة الذين يسبّحون بمائة ألف لسان.
وكما أن الأرض من حيث حياتها السنوية كالشجرة بينت "الحفيظيةَ" التي في تلك الأسماء الحسنى الأربعة بوضوح، وجعلتها مفتاحا لباب الحشر، فهي كذلك كالشجرة المتناسقة جدّا من حيث حياة العصور وحياة الدهور، إذ ترسل ثمراتها -على مدى العصور والدهور- إلى سوق الآخرة.
وهكذا تصبح الأرض بأسرها مرآةً واسعة جدّا لتجليات تلك الأسماء الأربعة، وتفتح سبيلا واسعا جدّا إلى الآخرة بحيث تظل عقولُنا ولغاتنا قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بها. لذا نكتفي بالآتي ولا نیزيد:
إن عقارب الساعة التي تَعُدُّ الثواني والدقائق والساعات والأيام تتشابه فيما بينها، فالواحد يدل على الآخر ويذكّره، فمن يراقب حركة عقرب الثواني يضطر إلى تصديق حركة التروس الأخرى. كذلك الدنيا كساعة كبرى لخالق السماوات والأرض، حيث تتشابه الأيام التي تعد ثواني هذه الساعة الكبرى، والسنوات التي تحصي دقائقها، والعصور التي تظهر ساعاتها، والأحقاب التي تعرف أيامها فمع تشابه بعضها مع البعض الآخر فإن كلا منها يدل على الآخر ويثبته.
ومن هذه الزاوية نرى الأرض تخبر بأمارات لا حدّ لها عن مجيء ربيع خالد وصبح
— 258 —
سرمدي بعد شتاء الدنيا الفانية المظلم.. تخبر عنه بحتميةِ مجيء الصبح لهذا الليل وبقطعية مجيء الربيع بعد هذا الشتاء. وبهذه الحقيقة يجيبنا اسم "الحفيظ" مع الأسماء الحسنى الأربعة: "الأول والآخر والظاهر والباطن" عن سؤالنا الذي سألناه حول الحشر.
وما دمنا نرى بأعيننا ونفقه بعقولنا، أن الإنسان: هو خاتمة ثمرات شجرة الكون وأجمع ما فيها من الصفات..
وهو بذرتها الأصلية من حيث الحقيقة المحمدية..
وهو الآية الكونية الكبرى لقرآن الكون.. بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني كآية الكرسي في القرآن الكريم..
وهو أكرم ضيف في قصر الكون..
وهو أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سكنة ذلك القصر..
وهو المأمور المكلف عن حرث مزرعة الأرض والناظر المسؤول عن وارداتها ومصاريفها، بما جُهز من مئات العلوم وألوف المؤهلات..
وهو خليفة الأرض، والمفتش الباحث في مملكة الأرض والمرسل من لدن سلطان الأزل والأبد والعامل تحت رقابته..
وهو المتصرف في شؤون الأرض مع تسجيل كامل لأعماله بجزئياتها وكلياتها..
وهو عبد كليّ، مكلف بعبادة واسعة شاملة..
والحامل للأمانة الكبرى التي أبتِ السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، فانفرجت أمامه طريقان: إحداهما للأشقياء، والأخرى للسعداء..
وهو الذي يعكس كالمرآة جميع تجليات الأسماء الحسنى ويتجلى فيه اسم اللّٰه الأعظم..
وهو المخاطب المقصود للخطاب السبحاني والأكثر فهمًا للكلام الرباني..
وهو الأكثر فاقة وعجزا من بين أحياء الكون..
— 259 —
وهو الكائن الحي العاجز الفقير بلا حدود، مع أن له أعداء ومؤذيات بلا عدٍّ ومقاصد وآلاما بلا حدٍّ.. وهو أغنى استعدادا من بين ذوي الحياة..
وهو أشد إحساسا وشعورا بالألم -ضمن لذة الحياة- حيث تمتزج لذاته بآلام منغّصة..
وهو أشد شوقا إلى البقاء وأكثر حاجة إلى الخلود، بل هو الأجدر به..
وهو الذي يتوسل لأجل البقاء والخلود بأدعية غير محدودة فلو أُعطي له ما في الدنيا من متع لما شفت غليله للخلود..
وهو الذي يحب الذي أنعم عليه حبا لحدّ العبادة، ويحببه للآخرين، وهو المحبوب أيضا..
وهو أعظم معجزات القدرة الصمدانية بل هو أعجوبة الخلق لما انطوى فيه العالم الأكبر ولما تشهد جميع أجهزته بأنه مخلوق للسير قدما نحو الأبدية والخلود.
فهذا الإنسان الذي يرتبط بمثل هذه الحقائق العشرين الكلية باسم اللّٰه "الحق" والذي هو وثيق العلاقة باسم اللّٰه "الحفيظ" الذي لا يعزب عنه شيء في السماوات والأرض، يرى أدنى حاجة لأصغرِ حيّ ويسمع نداء حاجته فيغيثه فيدوّن كتبتُه الكرام جميعَ أعمال هذا الإنسان وأفعاله المتعلقة بالكائنات..
فهذا الإنسان -بحكم هذه الحقائق العشرين- لابد أن يكون له حشر ونشور، ولا ريب أنه سيكافأ -باسم اللّٰه "الحق"- على ما قَدَّم من خدمات وأعمال، وسيجازى على ما قصّر فيها، ولا شبهة أنه سيساق إلى المحاسبة والاستجواب عما دوّن من أعماله -باسم "الحفيظ"- جزئيها وكليها، ولا شك أن ستفتح أمامه أبواب سعادة خالدة وضيافة أبدية، أو أبواب سجون رهيبة وشقاء مقيم؛ وأنه لا يمكن أن لا يحاسب ويتوارى عن الأنظار ضابط قاد أكثر مخلوقات هذا العالم وتدخّل في شؤونها، ولا يمكن أن لا ينبه من رقدته!
لأنه لا يُعقل قط أن يُسمع دعاءٌ أخفت من طنين الذباب ويُغاث فعلا بلوازم الحياة، ثم لا يُسمعَ أدعيةٌ لها من القوة ما يهز العرش والفرش والتي تنطلق من تلك الحقائق العشرين وتسأل البقاء والخلود. ولا يعقل قط -بل هو خارج عن الإمكان- أن تُهدر وتُضيَّع كليا
— 260 —
تلك الحقوقُ الكثيرة، بل لا يمكن لحكمة لا عبث فيها قط -ولو بمقدار جناح ذبابة بشهادة انتظامها وإتقانها- أن تعبث كليا باستعدادات الإنسان المرتبطة بها تلك الحقائقُ، وتعبث بجميع آماله ورغباته الممتدة إلى الخلود، وتعبث بجميع تلك الروابط وحقائق الكائنات العديدة التي تنمي تلك الاستعدادات والرغبات، لأن هذا الاحتمال ظُلمٌ فظيع وقبح مشين تردّه جميع الموجودات وترفضه قائلة: إن ذلك محال في محال بمائة وجه وممتنع مستحيل بآلاف الوجوه. بل تردّه جميع الموجودات الشاهدة على الأسماء الحسنى: "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم".
وهكذا تجيبنا هذه الأسماء الحسنى: "الحق" و"الحفيظ" و"الحكيم" و"الجميل" و"الرحيم"، عن سؤالنا حول الآخرة، فتخاطبنا تلك الأسماء قائلة: "إن الحشر حق لا ريب فيه، وهو حقيقة راسخة لا مراء فيها، مثلما أننا حق ومثلما تشهد لنا حقيقةُ ثبوت الموجودات".
ولولا أن المسألة أوضح من الشمس لزدتُ بيانا، ولكني اختصرت مكتفيا بالأمثلة المذكورة، وقياسا على ما في الفقرات السابقة؛ فإن كل اسم من الأسماء الحسنى المائة بل الألف المتوجه إلى الكون، يثبت مسمّاه سبحانه بداهة بتجلياته وبمراياه التي هي الموجودات، كما يظهر الحشرَ والدار الآخرة ويثبته إثباتا قاطعا.
ومثلما يجيبنا ربنا سبحانه وتعالى جوابا قدسيا وجازما بجميع أوامره في جميع ما أنزل من كتب، وبجميع أسمائه التي سمّى بها نفسه، عن سؤالنا الذي سألناه حول الآخرة، كذلك يجيبنا سبحانه بألسنة ملائكته ويعرّفنا الآخرة بنمط آخر، إذ تقول الملائكة:
"هناك أمارات ودلالات لا حدّ لها على وجودنا والعالمِ الروحاني، وقد جرت لقاءات ومكالمات وتعارف بينكم وبيننا وبين الروحانيين منذ زمن آدم عليه السلام، وهي حوادث يقينية متواترة لا تقبل الريب، ولقد ذَكرنا ودوما نذكر ما نراه خلال تجوالنا في منازلِ الآخرة وصالاتها إلى روادكم أثناء لقائنا معهم: إننا نبشركم بشارة لا ريب فيها من أن هذه الأروقة الدائمة وما وراءها من قصور خالدة ومنازل معدّة إنما أُعدّت لاستقبال ضيوفٍ كرام مكرمين وهُيئت لقدومهم".
— 261 —
وبهذا يجيبنا الملائكة الكرام عن سؤالنا حول الآخرة.
ثم إن خالقنا الكريم قد عيّن لنا أعظمَ معلم، وأكملَ أستاذ، وأصدق قدوة، وأقوم رائد.. ألا وهو محمد الهاشمي عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد أرسله خاتما للرسل الكرام عليهم السلام. فعلينا إذن -وقبل كل شيء- أن نسأل أستاذنا ما سألناه من خالقنا عزّ وجل حول الآخرة لعلنا نتكامل في معرفتنا ونترقى من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين وإلى حق اليقين، لأن هذا النبي الحبيب الصادق المصدَّق من لدن الخالق العليم بألف من المعجزات، مثلما أنه معجزة القرآن الكريم، فأثبت للعالم أجمع أنه كتاب رب العالمين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أصبح القرآن الكريم أيضا معجزة من معجزاته (ص) ودليلا على أنه الصادق المصدّق وأنه رسول رب العالمين.

فكلتا المعجزتين -إحداهما لسان عالم الشهادة ومعها تصديق جميع الأنبياء عليهم السلام والأولياء، والأخرى لسان عالم الغيب المتضمن جميع الكتب السماوية وجمي 9Dقائق الكون- قد أقامتا الحجج على حقيقة الحشر والنشور راسخةً واضحة وضوحَ الشمس والنهار. بجميع حياة المعجزة الأولى وآلاف من آيات المعجزة الثانية.

حقا إن "مسألة الحشر والآخرة" من المسائل التي هي فوق طاقة العقل وحدوده، ولا تُفهم إلّا بتعليم هذين الأستاذين المعجزين: "القرآن الكريم والرسول الحبيب (ص)" وإرشادهما.
أما لِمَاذا لَمْ يُوضّح الأنبياء السابقون عليهم السلام مسألة الحشر لأممهم كما هو واضح في القرآن الكريم؟ فلأن عصورهم كانت عصور طفولة البشرية وبداوةِ الإنسانية، والإيضاح يكون وجيزا في الدروس الابتدائية كما هو معلوم.
وصفوة القول: ما دام أكثر الأسماء الحسنى تقتضي الآخرة وتدلُّ عليها، فلابد أن الحجج والدلائل الدالة على الأسماء الحسنى هي بدورها دلائل على ثبوت الآخرة وقيامها..
ومادام الملائكة يخبرون عما يشاهدون من منازل الآخرة وعالم البقاء فلابد أن الدلائل الشاهدة على وجود الملائكة والعالم الروحاني وعباداتهم هي بدورها دلائلُ إثباتٍ على العالم الآخر..
— 262 —
ومادام أهم ما أعلنه محمد (ص) خلال حياته المطهرة المباركة، وأساس ما دعا إليه -بعد التوحيد- هو الآخرة، فلابد أن جميع المعجزات والحجج الدالة على نبوته وصدقه (ص) هي بدورها شاهدة على حقيقة مجيء الآخرة..
وما دام ربع القرآن الكريم يبحث عن الحشر والآخرة، ويقيم الدلائل عليه بآلاف من آياته ويخبر عنه، فلابد أن الشواهد والحجج والدلائل والبراهين الدالة كلها على أحقية القرآن هي بدورها شاهدة على تحقق الآخرة ودالة عليها.
وهكذا تأملوا في هذا الركن الإيماني العظيم لتقدّروا مدى قطعية "الإيمان بالآخرة" ومدى ثبوته ورسوخه.
— 263 —

خلاصة المسألة الثامنة

لقد أردنا في "المسألة السابعة" أن نستوضح مسألة الحشر من مقامات كثيرة، إلّا أن جواب خالقنا بأسمائه الحسنى كان شافيا ووافيا جدا؛ أورث اليقين الجازم والقناعة التامة، فأغنانا عن أي استفسار آخر. فاقتصرنا هناك على ذلك الإثبات.
أما في هذه المسألة فسنلخّص واحدة من مئات الثمرات والفوائد والنتائج التي يحققها "الإيمان بالآخرة" منها ما يعود إلى سعادة الإنسان في الآخرة، ومنها ما يعود إلى سعادته في الدنيا.
أما ما يعود إلى السعادة الأخروية فليس بعد إيضاح القرآن الكريم إيضاح آخر، فليُرجعْ إليه، أما ما يعود إلى "السعادة الدنيوية" فتوضّحه رسائلُ النور وسنبين هنا -بيانا موجزا- بضعَ نتائج فقط من بين المئات من النتائج التي يحققها "الإيمان بالآخرة" لإسعاد الإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية.
الثمرة الأولى كما أن الإنسان -خلافا للحيوان- ذو علاقة مع بيته، فهو أيضا ذو ارتباط وثيق مع الدنيا. ومثلما أنه مرتبط بأقاربه بروابط ووشائج، فهو كذلك ذو نسب فطري بالجنس البشري. وكما أنه يحب البقاء في الدنيا الفانية فهو يتوق إلى بقائه في الدار الباقية. وكما أنه يسعى دائما لتأمين حاجات معدته إلى الغذاء فهو مضطر بفطرته -بل يسعى- لتأمين الأغذية لعقله وقلبه وروحه وإنسانيته وتناولِها من الموائد الممتدة على سعة الدنيا، بل الممتدة إلى الأبد، لما له من آمال ومطالب لا يشبعها سوى السعادة الأبدية. لقد حدّثتُ خيالي في عهد صباي: أيَّ الأمْرين تُفضّل؟ قضاء عمر سعيد يدوم ألف ألف سنة مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم، أم وجودا باقيا مع حياة اعتيادية شاقة؟ فرأيته يرغب في الثانية ويضجر من الأولى، قائلا: إنني لا أريد العدم بل البقاء ولو كان في جهنم!".
— 264 —
فمادام جميع لذائذ الدنيا لا تشبع الخيال الذي هو أحد خدام الماهية الإنسانية، فلابد أن حقيقة الماهية الإنسانية الجامعة الشاملة جدّا مرتبطةٌ فطرةً بالخلود والبقاء.
فكم يكون "الإيمان بالآخرة" إذن كنیزا عظيما كافيا ووافيا لهذا الإنسان الوثيق الصلة بهذه الرغبات والآمال التي لا تنتهي، وهو لا يملك سوى جزءٍ من الاختيار الجزئي، ويتقلب في الفقر المطلق! وكم يكون هذا الإيمان محورا للسعادة المطلوبة واللذة المبتغاة! وكم يكون مرجعا ومدار استمدادٍ وسلوة له تجاه هموم الدنيا غير المحصورة؟ فلو ضحَّى هذا الإنسان بكل حياته الدنيا في سبيل الفوز بهذه الثمرات والفوائد لكانت إذن زهيدة!
الثمرة الثانية المتوجهة لحياة الإنسان الشخصية إن ما يقلق الإنسان دوما وينغّص حياته، هو تفكيرُه الدائم في مصيره، وكيفيةِ دخوله القبر، مثلما انتهى إليه مصير أحبته وأقاربه. فتوهُّم الإنسان المسكين -الذي يضحي بروحه لأجل صديق عزيز- وتصوُّرُه من أن آلافا بل ملايين الملايين من إخوانه البشر ينتهون إلى العدم بالموت -ذلك الفراق الأبدي الذي لا لقاء وراءه- سيذيقه هذا التصور ألما شديدا ينبئ بآلام جهنم. وحينما يتلوى هذا الإنسان من ألم ذلك العذاب الأليم النابع من ذلك التفكير، يأتي "الإيمان بالآخرة" فاتحا بصيرته، مزيلا الغشاوة عن عينيه، قائلا له: "انظر.." فينظر بنور الإيمان، فإذا به يكسب لذة روحية عميقة تنبئ بلذة الجنة، بما يشاهد من نجاة أحبته وخلاصهم جميعا من الموت النهائي والفناء والبلى والاندثار، ومن بقائهم خالدين في عالم النور الأبدي منتظرين قدومه إليهم. نقتصر على هذا حيث وضحتْ رسائلُ النور هذه النتيجة مع حججها.
الثمرة الثالثة التي تعود لعلاقات الإنسان إن مقام الإنسان الراقي وتفوّقه على سائر الأحياء وامتيازه عليها إنما هو لسجاياه السامية، ولاستعداداته الفطرية الجامعة، ولعبوديته الكلية، ولسعة دوائر وجوده، لذا فالإنسان المنحصر في الحاضر فقط المنسلخُ من الماضي، المبتوت الصلة بالمستقبل -وهما معدومان ميتان مظلمان بالنسبة له- هذا الإنسان يكسب سجايا المروءة والمحبة والأخوة والإنسانية على أساس حاضره الضيق، وتتحدد عنده على وَفق مقاييسه وموازينه المحدودة، فيولي المحبة لأبيه
— 265 —
أو أخيه أو زوجته أو أمته، ويقوم بخدمتهم على وفق تلك المقاييس الضيقة وكأنه لا يعرفهم سابقا ولن يراهم مستقبلا فلا يرقى أبدا إلى مرتبة الصدق في الوفاء، ولا إلى مكانة الإخلاص في الصداقة، ولا إلى درجة الودّ المصفى من الشوائب في المحبة، ولا إلى الاحترام المبرأ من الغرض في الخدمة؛ لأن سعة تلك السجايا والكمالات قد تضاءلت وصغرت بالنسبة نفسها، وحينها يتردى الإنسان إلى درك أدنى الحيوانات عقلا.
ولكن ما إن يأتي "الإيمان بالآخرة" إلى هذا الإنسان لينقذه ويمدَّه ويغيثه، حتى يحوِّل ذلك الزمن الضيق -الشبيه بالقبر- إلى زمان فسيح واسع جدّا بحيث يستوعب الماضي والمستقبل معا، فيريه وجودا واسعا بسعة الدنيا، بل بسعة تمتد من الأزل إلى الأبد. وعندئذٍ يقوم هذا الإنسان باحترام والده وتوقيره بمقتضى الأبوة الممتدة إلى دار السعادة وعالم الأرواح، ويساعد أخاه ويعاونه -بذلك التفكير- بالأخوة الممتدة إلى الأبد، ويحب زوجته ويرفق بها ويعاونها لأنها أجمل رفيقةِ حياةٍ له حتى في الجنة، ولا يجعل هذه الدائرة الحياتية الواسعة الفسيحة -وما فيها من علاقات وخدمات مهمة- وسيلة لأمور تافهة دنيوية ولا لأغراضها الجزئية ومنافعها الزهيدة. لذا يظفر بالصداقة التامة، والوفاء الخالص، والإخلاص الأتم، في علاقاته وخدماته، فتبدأ كمالاته وخصاله بالسمو والرقي بالنسبة نفسها، وتتعالى إنسانيته، ولكل حسب درجته..
فذلك الإنسان الذي ما كان له أن يرقى إلى مستوى عصفور في تذوّقه الحياة، أصبح الآن -بفضل الإيمان بالآخرة- ضيفا مرموقا في الدنيا، وكائنا سعيدا، ومخلوقا ممتازا فيها، يرقى فوق جميع الحيوانات، بل يصبح أحب مخلوق، وأكرمَ عبد عند رب الكون ومالكه.
اكتفينا بهذا القدر في بيان هذه النتيجة حيث بيّنتها رسائلُ النور بحجج وبراهين.
الفائدة الرابعة التي تتطلع إلى الحياة الاجتماعية وهي التي وضّحها "الشعاع التاسع" وخلاصتها هي: أنَّ "الأطفال" الذين يمثلون ربع البشرية، لا يمكنهم أن يعيشوا عيشة إنسان سويّ ينطوي على نوازع إنسانية إلّا بالإيمان بالآخرة. إذ لولا هذا الإيمان لاضطروا أن يقضوا حياة ملؤها الوقاحة والاضطراب والهموم الأليمة. فلا يهنؤون بألعابهم ولا يتسلّون بلُعبهم، لأن الموت الذي يصيب مَن حولهم من الأطفال يؤثر بالغ
— 266 —
التأثير في نفس كل طفل، وفي شعوره المرهف الرقيق، وفي قلبه الذي ينطوي على آمال مستقبلية ورغبات كثيرة، وفي روحه التي لا تستطيع الثبات فتصابُ بالقلق والحيرة، حتى تصبح حياته وعقله وسيلتَي عذاب له، فلا يجدي ما يتستر به من لهو ولعب نفعا قبل أن يجد لتساؤله وحيرته جوابا.. إلّا أن إرشادَ "الإيمان بالآخرة" يجعله يحاور نفسه على النحو الآتي:
"إن صديقي -أو أخي- الذي توفي قد أصبح الآن طيرا من طيور الجنة، فهو أكثر منا أُنسا وانطلاقا وتجوالا. وإن والدتي -وإن توفيت- إلّا أنها مضت إلى الرحمة الإلهية الواسعة، وستضمني أيضا إلى صدرها الحنون في الجنة، فأرى تلك الوالدة الشفيقة". وبهذا يمكنه أن يعيش هادئا مطمئنا عيشا يليق بالإنسان.
وكذا "الشيوخ" الذين يمثلون ربع البشرية، فإنهم لا يرون السلوان حيال انطفاء حياتهم قريبا، ودخولِهم تحت التراب، وقد أَوصدت الدنيا الجميلةُ الحلوة أبوابَها في وجوههم إلّا بی"الإيمان بالآخرة". إذ لولا هذا الإيمان لتجرّع أولئك الآباءُ المحترمون الرحماء، وتلك الأمهات الفدائيات الشفيقات الويلَ تلو الويل، ولباتوا في حالة نفسية تعسة جدا، وفي قلق قلبي عنيف ولأصبحت الدنيا تضيق عليهم كالسجن، ولغدت الحياة نفسها عذابا مقيما لا يطاق.
بينما الإيمان بالآخرة يهتف بهم قائلا: "لا تغتموا أيها الشيوخ ولا تبالوا كثيرا، فإن لكم شبابا خالدا وهو أمامكم وسيأتي حتما. وإن حياة ساطعة بهيجة، وعمرا مديدا أبديا في انتظاركم، وستلتقون أنتم وأولادكم وأقاربكم الذين فقدتموهم، وجميعُ حسناتكم محفوظة وستأخذون ثوابها.." وهكذا يَمنح "الإيمانُ بالآخرة" سلوانا وانشراحا لهم، بحيث لو حمل أحدهم أثقال مائة شيخوخة لتحملها صابرا في انتظار ما سيعقبها من حياة أخروية سعيدة.
وكذا "الشباب" الذين يمثلون ثلث البشرية، قد لا يصغون لصوت عقولهم الجريئة. فرغباتهم وهواهم في ثورة وجيشان، وهم مغلوبون على أمر حواسهم ونوازعهم، فإذا ما فقد هؤلاء الشباب "الإيمان بالآخرة" ولم يتذكروا عذاب جهنم، فإن أموال الناس وأعراضهم وراحة الضعفاء وكرامة الشيوخ تصبح مهددة بالخطر، إذ قد يدمر أحدهم سعادة بيت آمن هنيء لأجل لذة طارئة، ومن ثم يذوق وبال أمره عذابا لسنين عديدة في مثل هذه السجون فيتحول إلى ما يشبه الحيوان الكاسر.
— 267 —
ولكن إذا أمدّه "الإيمان بالآخرة" وأغاثه، فسرعان ما يسترجع صوابه ويسترشد بعقله، ويخاطب نفسه قائلا:
"على الرغم من أن شرطة الحكومة وعيونها لا يمكنهم رؤيتي لكوني في خفاء عنهم، فإن ملائكة السلطان الأعظم ذي الجلال الذي يملك سجن جهنم ذلك السجن الأكبر الدائم يسجلون علىّ سيئاتي.. فأنا إذن لست طليقا مفلت الزمام، بل أنا ضيف عابر ذو مهمة.. وسأكون -لا محالة- في يوم ما ضعيفا وشيخا مثلهم". فتترشح قطراتُ الرحمة والرأفة والشفقة -عندئذٍ- من أعماق قلبه، ويشعر بالاحترام لأولئك الذين كان يريد أن يتعدى على حقوقهم ظلما. وحيث إن رسائل النور قد وضّحتْ هذا المعنى، نقتصر على هذا القدر.
وكذلك "المرضى والمظلومون وأمثالنا من ذوي المصائب والفقراء والمساجين" الذين حوكموا بعقوبات مشددة، كل هؤلاء يمثلون الجزء الأهم من البشرية، فإن لم يُعِنْهم "الإيمان بالآخرة" وإن لم يتسلوا به فإن الموت الذي يجدونه أمامهم دائما بما عندهم من مرض، وإن الإهانة التي يرونها من الظَلَمة -دون أن يتمكنوا من الاقتصاص منهم ولا من إنقاذ شرفهم وكرامتهم من بين مخالبهم- وإن اليأس الأليم النابع مما أصاب أموالهم وأولادهم من الضياع في الكوارث، وإن الضيق الشديد الناشئ من آلام السجن وعذابه لسنوات عدة نتيجة لذة طارئة لا تستغرق دقائق أو ساعات.. كل ذلك يُصيّر الدنيا -بلا ريب- سجنا كبيرا لهؤلاء المنكوبين ويجعل الحياة نفسها عذابا أليما لهم! ولكن ما إن يُمِدّهم الإيمان بالآخرة بالعزاء والسلوان إلّا وينشرحون فورا، ويتنفسون الصعداء، لما يزيل عنهم من الضيق واليأس والقلق والاضطراب وسَورة الثأر إزالة كلية أو جزئية كلٌ حسب درجات إيمانه.
حتى يمكنني القول: إنه لولا الإيمان بالآخرة الذي أمدّني وإخواني في مصيبتنا الرهيبة ودخولنا السجن هذا -دون ذنب اقترفناه- لكان تحمّلُ مرارةِ يوم واحد من أيام العذاب كالموت نفسه، ولساقتنا هذه المصيبة إلى ترك الحياة ونبذها. ولكن شكرا للّٰه -بلا عد ولا حدّ- أن جعلني أتحمل آلام كثير من إخواني الذين هم أحب إليّ من نفسي وأتحمل ضياع آلاف من رسائل النور التي هي أعزّ من عيوني، وأتحمل فقدان كثير من مجلداتي الزاهية الثمينة جدّا.. فأتحمل كل هذا الحزن والأسى بذلك "الإيمان بالآخرة"، رغم أنني ما كنت أتحمل أية إهانة
— 268 —
وتحكّم من أحدٍ مهما كان، فإني أقسم لكم -لتطمئنوا- أن نور الإيمان بالآخرة وقوته قد منحني صبرا وجلدا وعزاءً وتسليةً، وصلابةً وشوقا للفوز بثوابِ جهاد عظيم في هذا الامتحان إلى حدّ بتُّ أَعدُّ نفسي في مدرسة كلها خير وجمال. وحق أن تطلق عليها "المدرسة اليوسفية" كما ذكرته في مستهل هذه الرسالة، فلولا المرض الذي كان ينتابني أحيانا، ولولا الحدة الحاصلة من الكهولة لكنت أسعى بجدٍ أكثر لأتلقى دروسي في هذه المدرسة مع ما أحمله من اطمئنان وسكينة قلب.. على كل حال فقد خرجنا عن الصدد أرجو العفو عن هذا الاستطراد.
وكذلك فإن "بيت كل إنسان" هو دنياه الصغيرة بل جنته المصغرة، فإن لم يكن "الإيمان بالآخرة" حاكما ومهيمنا في سعادة هذا البيت لوَجد كلُّ فرد من أفراد تلك العائلة اضطرابا أليما، وعذابا شديدا في علاقة بعضهم ببعض حسب درجات رأفته ومحبته لهم فتتحول تلك الجنة إلى جحيم لا يطاق، وقد يخدر عقله باللهو والسفه المؤقت فيكون مَثَلهُ في هذا كمثل النعامة إذا رأت الصياد تخفي رأسها في الرمل كيلا يراها الصياد وهي عاجزة عن الفرار والطيران، فهو كذلك يغمر رأسه في الغفلة، لئلا يراه الموت والزوال والفراق، ملغيا شعوره مؤقتا ببلاهة، وكأنه وَجد علاجا لما يُعانيه!
فالوالدة مثلا -التي تُضحي بنفسها لأجل ولدها- كلما رأت ابنها يتعرض للخطر ارتعشت هلعا وخوفا عليه. والأولاد كذلك عندما لا يستطيعون إنقاذ آبائهم أو إخوانهم من المصائب التي لا تنقطع، يظلون في قلق دائم ويحسون خوفا مستمرا. فقياسا على هذا فإن حياة تلك العائلة، التي يُظن أنها حياة سعيدة، تفقد سعادتها في هذه الدنيا المضطربة الزائلة حيث لا تعطي الرابطة بين الأفراد، ولا علاقة القربى فيما بينهم -ضمن حياة قصيرة جدّا- الصداقة الحقيقية والوفاء الخالص والإخلاص الكامل، والخدمة والمحبة الصافيتَين، بل تتصاغر الأخلاق وتنكمش بنسبة قصر الحياة نفسها، وربما تسقط وتنعدم كليا.
ولكن ما إن يحل "الإيمان بالآخرة" في ذلك البيت حتى ينوّر أرجاءَه مباشرة ويستضيء، لأن علاقة القربى والرأفة والمحبة التي تربطهم لا تقاس عندئذ ضمن زمن قصير جدا، بل تقاس على وفق علاقات تمتد إلى خلودهم وبقائهم في دار الآخرة والسعادة الأبدية، فيقوم -عندئذ- كلُّ فرد باحترام خالص تجاه الآخرين، ويوليهم محبة صافية، ويُظهر رأفة صادقة،
— 269 —
ويبدي صداقة وفية، صارفًا النظرَ عن التقصيرات. فتتعالى الأخلاق وتسمو، وتبدأ السعادة الإنسانية الحقة بالتألق في ذلك البيت.
وقد بُيِّن هذا المضمون في رسائل النور. اكتفينا هنا بما سلف.
وهكذا فإن كل "مدينة" هي بحد ذاتها بيت واسع لسكنتها. فإن لم يكن "الإيمان بالآخرة" مسيطرا على أفراد هذه العائلة الكبيرة فسيستولى عليهم الحقد والمنافع الشخصية والاحتيال والأنانية والتكلف والرياء والرشوة والخداع، بدلا من أسس الأخلاق الحميدة التي هي الإخلاص والمروءة والفضيلة والمحبة والتضحية ورضى اللّٰه والثواب الأخروي. وكانت معاني الإرهاب والفوضى والوحشية حاكمة ومسيطرة تحت اسم النظام والأمن والإنسانية التي يظهرونها، وحينئذٍ تتسمم حياة تلك المدينة، فيتصف الأطفال بالوقاحة والإهمال، والشبابُ بالسُكر والعربدة، والأقوياءُ بالظلم والتجاوز، والشيوخُ بالبكاء والأنين.
وقياسا على هذا فإن "البلاد" بأكملها ما هي إلّا بيت واسع جدّا. والوطن بيت عائلة الأمة. فإذا ما حَكم "الإيمانُ بالآخرة" هذه البيوتَ وسيطر، فإن الفضائل تتكشف وتنبسط وتتوضح فيها فتظهر الاحترام المتبادل والرحمة الجادة، والمحبة الخالصة بلا عوض، والمعاونة مع الخدمة الحقة بلا احتيال، والمعاشرة والإحسان بلا رياء، والفضيلة والتوقير بلا استكبار، وتشيع الفضائل الأخرى جميعا؛ حيث يهتف الإيمان بالآخرة بأولئك الأطفال قائلا لهم: "دعوا الوقاحة والإهمال فقدامَكم جنة النعيم فلا تشغلوا أنفسكم عنها بالألاعيب". فيمكّن الأخلاق عندهم بإرشاد القرآن الكريم.
ويخاطب الشباب: "إن أمامكم نارَ جهنم فانتهوا من السُكر والعربدة". ويجعلهم يثوبون إلى رشدهم.. ويخاطب الظالم: "احذر فإن عذابا شديدا سيحلّ بك" فيردعه عن الظلم ويجعله يرضخ للعدالة.. ويخاطب الشيوخ: "أبشروا فإن أمامكم شبابا خالدا ذا نضارة، وفي انتظاركم سعادة أخروية دائمة باقية، هي أسمى مما فقدتموه من أنواع السعادة وأعلى منها فهلموا واسعوا للفوز بها". فيحوِّل بكاءهم إلى بهجة وفرح.
وقياسا على هذا، فإن "الإيمان بالآخرة" يبين تأثيره الطيب ويرسل شعاع نوره إلى كل طائفة، جزئيها وكليها عامها وخاصها قليلها وكثيرها.
— 270 —
فلترنّ آذان الاجتماعيين والأخلاقيين من المعنيين بشؤون الإنسان!
وإذا قيس على ما ذكرناه آنفا من فوائد الإيمان بالآخرة ما بقى من الفوائد فسيُفهم بوضوح وبشكل قاطع أن محور السعادة في الدارين وفي كلتا الحياتين إنما هو الإيمان وحده.
ولقد جاءت في "الكلمة الثامنة والعشرين" وفي رسائل النور الأخرى أجوبة قوية جدّا ردا على شبهات تافهة حول: "الحشر الجسماني" (البعث الجسدي) نكتفي بها، إلا أننا نشير إليها هنا إشارة مختصرة وقصيرة جدا، فنقول:
إن أكثر الأسماء الإلهية الحسنى تتجلّى في الجسمانية فهي أجمعُ مرآة لها.. وإن أقصى المقاصد الإلهية من خلق الكائنات تظهر في الجسمانية، فهي أغنى مركز لتلك المقاصد وأكثرها فعالية.. وإن أكثر أنواع الإحسانات الربانية المختلفة وآلاءها العميمة تتبين في الجسمانية.. وإن أغلب بذور الأدعية التي يرفعها الإنسان بلسان حاجاته، وأكثر أصول الشكر والحمد المقدّم منه إلى خالقه الرحيم نابعة من الجسمانية.. وإن أزيد النوى تنوعا لعوالم المعنويات والروحانيات هي كذلك تكمن في الجسمانية.
فقياسا على هذا: إن الجسمانية تتمركز فيها مئات من الحقائق الكلية، لذا فإن الخالق الكريم يكثّر من الجسمانية ويزيدها على سطح الأرض كي تتجلّى فيها تلك الحقائق المذكورة، فيَهَبُ للموجودات وجودا بسرعة متناهية وبفعالية مدهشة، قافلة إثر قافلة مرسِلا إياها إلى معرض العالم هذا، ثم يُنهي خدماتها ويبعث عقبها موجوداتٍ أخرى باستمرار. وهكذا يجعل ماكنة الكائنات في عمل دائب وشغل دائم، ناسجا محاصيل جسمانيةً على الأرض، جاعلا الأرض مزرعة الآخرة ومشتلَ الجنة حتى إنه سبحانه لأجل أن يُطمئن معدة الإنسان (الجسمانية) ويجعلَها في امتنان ورضى يَسمع دعاءها الذي ترفعه بلسان الحال، لأجل بقائها، ويستجيب له فعلا، بما يَخلق ما لا يُحصر ولا يحصى من المطعومات اللذيذة المتقنة الصنع، وبإيجاده النعمَ النفيسة بمئات الآلاف من الأنماط والأنواع، مما يظهر بداهة وبلا ريب أن أغلب أنواع اللذائذ المادية المحسوسة في الجنة إنما هي جسمانية. وإن أهم نِعَم السعادة الأبدية التي يطلبها الجميع ويأنس بها إنما هي في الجسمانية أيضا.
فيا تُرى هل يمكن وهل يُعقل وهل هناك احتمال قط أن يقبل القدير الرحيم والعليم
— 271 —
الكريم دوما دعاء لسان حال المعدة البسيطة لاستبقائها، ويستجيبَ لها قصدا وفعلا -دونما تدخّل للمصادفة- بما يخلق لها من أغذية مادية محسوسة في منتهى الإتقان والإعجاز، فيُرضيَ بها تلك المعدة، ثم لا يقبلَ سبحانه أدعيةً عامة ودعواتٍ غيرَ نهائية ترفعها المعدةُ الإنسانية الكبرى وفطرتُها الأصيلة، ولا يغدقَ عليها لذائذ جسمانية في الآخرة، تلك التي تأنس بها وترجوها فطرةً بل تريدها في دار الخلود؟ وهل يمكن أن لا يلبي تلك الأدعية فعلا ولا ينجز الحشر الجسماني؟! ولا يُرضيَ هذا الإنسان -الذي هو نتيجة الكائنات وخليفة الأرض والعبد المعزز المكرم- رضاءً أبديا؟ كلا.. ثم كلا!.. فهذا محال في مائة محال بل باطل كليا، إذ كيف يَسمع طنين الذباب ولا يسمع رعود السماء، وكيف يراعي عُدّة الجندي البسيط ولا يبالي بالجيش العظيم! فتعالى اللّٰه عن ذلك علوًا كبيرا.
نعم، إن الصراحة القاطعة للآية الكريمة:
وفيها ما تَشتهيه الأنفس وتلذّ الاعين
(الزخرف:٧١) تبين أن أكثر ما يأنس الإنسان به من اللذائذ المادية المحسوسة -والذي يتذوق نماذجها في الدنيا- سيراها ويتذوقها بصورتها اللائقة بالجنة. وأن ثواب ما يؤديه اللسان والعين والأذن وسائر الأعضاء والجوارح من الشكر الخالص والعبادات الخاصة سيمنح لها بتلك اللذائذ الجسمانية المخصوصة بها. فبيان القرآن الكريم للذائذ الجسمانية صريح في غاية الصراحة، بحيث لا يمكن أن يتحمل أي تأويل يصرفه عن المعنى الظاهري، بل يمتنع عدم قبول المعنى الظاهري.
وهكذا تُظهر ثمراتُ الإيمان بالآخرة ونتائجُه أنه مثلما تدل حقيقة معدة الإنسان وحاجاتها دلالة قاطعة على وجود الأطعمة، فإن حقيقة الإنسان وكمالاته وحاجاته الفطرية وآماله الأبدية وحقائقه واستعداداته تتطلب النتائج والفوائد المذكورة للإيمان بالآخرة، وتدل قطعا على الآخرة وعلى الجنة وعلى لذائذَ مادية محسوسة باقية، وتشهد على تحققها. وإن حقيقة كمالات هذا الكون أيضا وآياته التكوينية الحكيمة وجميع حقائقه المرتبطة بالحقائق الإنسانية تدل دلالة قاطعة أيضا على وجود الآخرة وعلى تحققها وتشهد شهادة صادقة على مجيء الحشر وانفتاح أبواب الجنة والنار. ولما كانت رسائل النور قد أثبتت هذه المسألة بصورة رائعة وبحجج قوية جدّا دون أن تترك غبارا للشبهة، ولاسيما "الكلمة العاشرة" و"الثامنة والعشرون" -بمقاميها- و"التاسعة والعشرون"، و"الشعاع التاسع"، و"رسالة المناجاة"، فإننا سنكتفي بها.
— 272 —
إن بيان القرآن الكريم فيما يخص جهنم واضح جلي لم يدع مجالا لأي إيضاح آخر، إلّا أننا سنبين باختصار شديد ما يزيل بضع شبهات تافهة في نكتتين، محيلين تفاصيلها إلى رسائل النور:
النكتة الأولى إن التفكير في جهنم والخوف منها لا يزيل لذائذ ثمرات الإيمان المذكورة ولا يفوّتها، لأن الرحمة الربانية الواسعة تهتف بذلك الخائف: "تعالَ إليّ فدونك بابُ التوبة، ادخل منه". فإن وجود جهنم ليس للتخويف، بل ليعرّفك لذائذ الجنة معرفة كاملة، وليذيقك إياها تذوقا كاملا، وليأخذ لك ولمخلوقاتٍ غير محدودة الثأرَ والانتقام ممن انتهك حقوق الجميع واعتدى عليها، وليفرحهم جميعا بهذا ويدخل السرور إليهم.
فيا غارقا في الضلالة -وليس بمستطيع أن يخرج منها- إن وجود جهنم لهو أفضل لك من العدم الأبدي، إذ في وجودها نوع من الرحمة حتى للكفار أنفسهم، لأنَّ الإنسان -والحيوانات الولودة- يستمتع بتمتع أقاربه وأولاده وأحبابه ويسعد -من جهةٍ- بسعادتهم. فيا أيها الملحد! إما أنك ستسقط في هاوية العدم -باعتبار ضلالتك- أو ستدخل نار جهنم. ولما كان العدم شرا محضا، فإن الإعدام النهائي لأحبابك جميعا وممن تسعد بسعادتهم من أقاربك وآبائك ونسلك، سيحرق روحك ويعذب قلبك ويؤلم ماهيتك الإنسانية أكثر من عذاب جهنم بألف مرّة؛ لأنه لو لم تكن جهنمُ لما كانت هناك جنة أيضا. فيسقط كل شيء إذن بكفرك إلى العدم. ولكن إذا دخلتَ جهنم وبقيتَ ضمن دائرة الوجود، فإن أحبابك وأقاربك إما أنهم سيسعدون في الجنة أو أنهم يكونون ضمن دوائر وجود تحت رحمة اللّٰه سبحانه. فلا مناص لك إلّا أن تقبل بوجود جهنم، إذ العداء لوجودها -ورفضه- يعني الانحياز إلى العدم المحض، الذي هو إبادة سعادة جميع الأحبة والأصدقاء وإفناؤهم!
نعم، إن جهنم دار وجود تؤدي مهمة السجن بحكمة الحكيم الجليل وعدالته، وهي موضع مرعب ومهيب ضمن دائرة الوجود الذي هو الخير المحض، زِد على ذلك، لها وظائف أخرى وخدمات جليلة وحِكمٌ شتى تخص عالم البقاء. فهي مسكنٌ ذو جلال وهيبة لكثير من ذوي الحياة أمثال الزبانية.
— 273 —
النكتة الثانية إن وجود جهنم وعذابها الشديد لا ينافي -قطعا- الرحمةَ غير المحدودة، ولا العدالة الحقيقية، ولا الحكمة الموزونة التي لا إسراف فيها، بل إن الرحمة والعدالة والحكمة تتطلب وجود جهنم وتقتضيه، لأن قتل حيوان افترس مائة من الحيوانات أو إنزالَ عقاب بظالم هتكَ حُرماتِ ألفٍ من الأبرياء، هو رحمة بآلاف الأضعاف للمظلومين من خلال العدالة. وإن إعفاء ذلك الظالم من العقاب أو التجاوزَ عنه، وتَرْكَ ذلك الحيوان الوحشي طليقا، فيه ظلم شنيع وعدم رحمةٍ لمئات المساكين بمئات الأضعاف، إزاء رحمة في غير موضعها. ومثل هذا أيضا الكافر المطلق -الذي يدخل سجن جهنم- فإنه بكفره ينكر حقوق الأسماء الإلهية الحسنى، أي يتعدى على تلك الحقوق.. وبتكذيبه لشهادة الموجودات -الشاهدة على تلك الأسماء- يتعدى على حقوقها أيضا.. وبإنكاره للوظائف السامية للمخلوقات -وهي تسبيحاتها تجاه الأسماء- يتجاوز على حقوقها.. وبجحوده لأنواع العبادات التي تؤديها المخلوقات تجاه تَظاهُر الربوبية والألوهية -وهي غاية خلقتها وسبب من أسباب وجودها وبقائها- يتعدى تعديا صارخا على حقوق جميع المخلوقات؛ لذا فالكفر جناية عظيمة وظلم شنيع تتجاوز بشاعته كل حدود العفو والمغفرة، فيحق عليه إذن تهديد الآية الكريمة:
إن اللّٰه لايَغفِرُ أن يُشرَكَ به..
(النساء:٤٨) بل إن عدم إلقاء مثل هذا الشخص في جهنم رحمةً به هو أمر ينافي الرحمة منافاة كلية في حق هذه الأعداد الهائلة من المخلوقات والكائنات التي اُنتُهِكت حقوقها.
وهكذا مثلما يطالب أصحاب الدعاوى بوجود جهنم، فإن عزة جلال اللّٰه وعظمة كماله سبحانه تطلبانها قطعا.
نعم، إذا قال سفيه أو شقي عاص لحاكمٍ عزيز للبلاد: "إنك لا تستطيع أن تقذفني في السجن ولن تقدر على ذلك أبدا"، متجاوزا حدَّه ومتعديا على عزة ذلك الحاكم وعظمته، فلابد أن ذلك الحاكم سينشئ سجنا لذلك السفيه المتعدي حتى لو لم يكن هناك سجن في البلاد. كذلك الأمر في الكافر المطلق، فإنه بكفره يتعدى بشدة على عزة جلاله سبحانه، وبإنكاره يتحدى عظمة قدرته، وبتجاوزه يمس كمال ربوبيته، فإن لم يكن هناك حتى تلك الأسبابُ الموجبة وتلك المبرراتُ الكثيرة والحِكَم العديدة والوظائف الكثيرة لجهنم ولوجودها؛ فإن خلق جهنم لمثل هؤلاء الكفار وإلقاءهم فيها هو من شأن تلك العزة وذلك الجلال.
— 274 —
ثم إن ماهية الكفر نفسها توحي بجهنم؛ إذ كما أن ماهية الإيمان إذا تجسمت يمكن أن تبني بلذائذها ونعيم جمالها جنةً خاصة في وجدان الإنسان وقلبه، هي جنة مصغرة تومئ وتخبر عن جنة الخلد التي تنتظره في الآخرة؛ كذلك الكفر -ولاسيما الكفر المطلق- والنفاق والردة فيه من الآلام والأعذبة والظلمات المرعبة بحيث لو تجسمت وتأصلت في نفس صاحبها كونت له جهنمه الخاصة به تلك التي تشير إلى ما سيفضي إليه في آخرته من جهنم هي أشد هولا وأشد عذابا. ولقد أثبتنا هذا بدلائل قاطعة في رسائل النور، وأُشيرَ إليه في مستهل المسائل السابقة أيضا.
ولما كانت هذه الدنيا مزرعة الآخرة، فالحقائق الصغيرة التي فيها تثمر وتتسنبل في الآخرة، فهذه البذرة السامة (الكفر) تشير من هذه الزاوية إلى شجرة الزقوم تلك، وتقول: "أنا أصل تلك الشجرة وجوهرها.. فمن يحملني في قلبه من المنكوبين سأثمر له نموذجا خاصا من تلك الشجرة الملعونة".
وما دام الكفر تعديا على حقوقٍ غير محدودة، وتجاوزا فاضحا، فهو إذن جناية غير محدودة، لذا يجعل صاحبه مستحقا لعذاب غير محدود. فلئن كان القتل الذي يحدث في دقيقة واحدة يذيق القاتل خمس عشرة سنة من العذاب (ما يقارب ثمانية ملايين دقيقة) ويعتبر ذلك موافقا للعدالة البشرية، وعدّته موافقا للمصلحة العامة وحقوقها، فلا جرم أن دقيقة واحدة من الكفر المطلق -على اعتبار الكفر ألفَ قتلٍ- تُقَابَل إذن بعذاب يقرب من ثمانية مليارات من الدقائق، على وفق تلك العدالة الإنسانية فالذي يقضي سنة كاملة من عمره في الكفر إذن يستحق عذاب ترليونين وثمانمائة وثمانين مليارا من الدقائق، أي يكون أهلا لی: خالدين فيها أبدًا (النساء:١٦٩).
هذا وإن الأسلوب المعجز للقرآن الكريم في بيانه الجنة والنار وما في "رسائل النور" -التي هي فيض منه وتفسيره- من حجج حول وجودهما، لم يتركا مجالا لأي إيضاح آخر. فآيات كثيرة جدّا أمثالُ:
ويتفكّرونَ في خلقِ السّموات والأرض رَبَّنا ما خَلقتَ هذا باطلًا سُبحانكَ فقِنا عَذابَ النار
(آل عمران:١٩١)،
والذين يقولون رَبَّنا اصرف عَنا عَذابَ جَهَنَّمَ ان عَذابَها كانَ غَرامًا ٭ انَّها سَاءت مُستَقرًا ومُقاما
(الفرقان:٦٥-٦٦). وأغلبُ ما كان يردده الرسول الأكرم (ص) في أدعيته في كل وقت، والأنبياءُ عليهم السلام وأهل
— 275 —
الحقيقة من:
"أجرنا من النار".. "نجنا من النار".. "خلصنا من النار"... الذي حاز عندهم قطعيةً تامة بناءً على الوحي والشهود.. كل ذلك يبين لنا أن أعظم قضية للبشرية على الأرض إنما هي النجاة من النار، وأن أعظم حقيقة وأدهشها من حقائق الكائنات، بل أكثرها أهمية إنما هي "جهنم" التي يشاهدها قسم من أولئك المحققين وأهل الشهود والكشف، ويرى آخرون ألسنة لهيبها وظلمة سوادها، ويسمع بعضهم أزيز تضرمها وفورانها فيصرخون من هولها: "أجرنا من النار".
نعم، إن تَقابُل الخير والشر في هذا الكون، واللذة والألم، والنور والظلام، والحرارة والبرودة، والجمال والقبح، والهداية والضلالة، وتَداخُل بعضها ببعض، إنما هي لِحكمة كبرى، لأنه ما لم يكن هناك الشر فلا يفهم الخير، وما لم يكن هناك الألم فلا تُعرف اللذة، والضياء من دون ظلام إزاءه لا يَبِين جمالُه، ودرجات الحرارة تتحقق بوجود البرودة، وتصبح حقيقة واحدة من الجمال ألفا من الحقائق بوجود القبح، بل يكتسب آلافا من أنواع الجمال ومراتب الحسن. ويختفي الكثير من لذائذ الجنة بعدم وجود جهنم. فقياسا على هذا يمكن أن يُعرَف كلُّ شيء من جهةٍ بضده، وبوجود الضد يمكن أن تثمر حقيقةٌ واحدة حقائقَ عدة.
فما دامت هذه الموجودات المختلطة تسيل سيلا من دار الفناء إلى دار البقاء، فلابد أن الخير واللذة والنور والجمال والإيمان وأمثالها تسيل إلى الجنة، ويتساقط الشر والألم والظلام والقبح والكفر وأمثالها من الأمور المضرة إلى جهنم. فتسيل سيولُ هذه الكائنات المتلاطمة دائما إلى ذينك الحوضين وتهدأ ساكنة عندهما نهاية المطاف.
نكتفي بهذا القدر ونحيل إلى ما جاء في نهاية "الكلمة التاسعة والعشرين" من نكات رمزية.
يا زملاء الدراسة في هذه المدرسة اليوسفية! إن السبيل اليسيرة للنجاة من السجن الأبدي المرعب (جهنم) إنما هي في اغتنامنا فرصة بقائنا في السجن الدنيوي، هذا الذي قصّر أيديَنا عن كثير من الآثام فأنقذَنا منها. فما علينا إذن إلّا الاستغفار والتوبة عما اقترفناه من ذنوب سابقة، مع أداء للفرائض، كي نحوِّل كل ساعة من ساعات هذا السجن بحكم يوم من العبادة، فهي إذن أفضل فرصة لنا للنجاة من السجن
— 276 —
الأبدي ولدخولنا الجنة النورانية. فلئن فاتتنا هذه الفرصة فسنُغرق آخرتنا بالعَبَرات كما هي حال دنيانا، ويحق علينا قوله تعالى:
خَسرَ الدنيا والآخرة
(الحج:١١).
كانت أصوات تكبيرة عيد الأضحى المبارك تتعالى حينما كان هذا البحث يُكتب، فذهب بي الخيال إلى أن خُمس البشرية يرددون: "اللّٰه أكبر"، وأن أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم يرددونه معا، فكأن صوت "اللّٰه أكبر" يتعالى بكبر كرة الأرض وبسعتها فتُسمع الأرضُ أخواتِها الكواكبَ السيارة هذه الكلمةَ المقدسة في أرجاء السماوات. وهناك أكثر من عشرين ألفا من الحجاج في عرفة والعيد يرددون معا صدى ما قاله الرسول الأكرم (ص) قبل ألف وثلاثمائة سنة مع الآل والأصحاب الكرام وأمر به. فأحسست إحساسا كاملا، بل اقتنعت قناعة تامة أن تلك الأصداء والأصوات والترديدات إنما هي عبودية واسعة كلية تقابِل تجليَ الربوبية الإلهية الكلية بعظمة "رب الأرض" "رب العالمين".
ثم سألت نفسي: تُرى ما وجه العلاقة بين الآخرة وهذه الكلمة المقدسة "اللّٰه أكبر"؟ فتذكرت فورا أن هذه الكلمة مع الكلمات الطيبات الباقيات الصالحات: "سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، ولا إله إلّا اللّٰه" وأمثالها من كلمات شعائر الإسلام تذكّر -بلا شك- بالآخرة سواءً بصورة جزئية أو كلية وتشير إلى تحققها.
إن أحد أوجه معاني "اللّٰه أكبر" هو: أن قدرة اللّٰه وعلمه هي فوق كل شيء وأكبر وأعظم من كل شيء، فلن يخرج أي شيء كان من دائرة علمه، ولن يهرب من تصرفه وقدرته، ولن يفلت منها قطعا، فهو سبحانه أكبر من كل كبير نخافه ونستعظمه. أي أكبر من إيجاد الحشر -الذي نستهوله- وأكبر من إنقاذنا من العدم، وأكبر من منحنا السعادة الأبدية. فهو أكبر من أي شيء نعجب به ومن أي شيء خارج نطاق عقلنا، إذ يقول سبحانه:
ما خَلقُكم ولا بعثُكم إلّا كَنَفسٍ واحدة
(لقمان:٢٨). فصراحةُ هذه الآية الكريمة تبين أن حشر البشرية ونشرَهم جميعا سهل وهيّن على القدرة الإلهية كإيجادِ نفس واحدة، فلا عجب أن يجري مجرى الأمثال قولُ الإنسان: "اللّٰه أكبر، اللّٰه أكبر" كلما رأى شيئا عظيما أو مصيبة كبرى أو غاية عظمى، مسلِّيا بها نفسه جاعلا من هذه الكلمة العظيمة قوة عظيمة يستند إليها. نعم، إن هذه الكلمة مع قرينتها: "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه" فهرسُ جميع العبادات وبذور الصلاة
— 277 —
وخلاصتها (كما جاءت في "الكلمة التاسعة"). فتكرار هذه الكلمات -وهي حقائق عظمى ثلاث في الصلاة وفي أذكارها- إنما هو لتقوية معنى الصلاة وتعميقه وترسيخه. وهي إجابة قاطعة للأسئلة التي تنشأ من التعجب واللذة والهيبة التي تأخذ بأقطار نفس الإنسان حينما يشاهد الكونَ ويرى ما يثيره ويحيره وما يسوقه إلى الشكران وما هو مدار العظمة والكبرياء من أمور عجيبة وجميلة وعظيمة ووفيرة وما هو فوق ما اعتاده.
نعم، إن الجندي يدخل إلى حضرة السلطان وديوانه في العيد بمثل دخول القائد العام إليه، بينما في سائر الأيام يعرف سلطانه من رتبة الضابط ومن مقامه -كما جاء في ختام "الكلمة السادسة عشرة"- فكل شخص في الحج كذلك يبدأ بمعرفة مولاه الحق سبحانه وتعالى باسم "رب الأرض ورب العالمين" معرفةً أشبه ما يكون بمعرفة الأولياء الصالحين. فكلما تفتحت مراتب الكبرياء والعظمة الإلهية في حنايا قلبه أجاب بی"اللّٰه أكبر"، لِما تستولي على روحه من أسئلة مكررة ملحة محيرة، فی"اللّٰه أكبر" هو الجواب القاطع لدابر أهم دسائس الشيطان، كما جاء في "اللمعة الثالثة عشرة".
نعم، فكما أن هذه الكلمة: "اللّٰه أكبر" تجيب عن سؤالنا حول الآخرة إجابةً قصيرة وقوية في ذات الوقت، فإن جملة "الحمد للّٰه" هي الأخرى تذكّر بالحشر وتستدعيه. إذ تقول لنا: "لا يتم معناي دون الآخرة" لأن معناي يفيد: "كل حمد أو شكر يصدر من أي حامد ويقع على أي محمود كان، ابتداءً من الأزل إلى الأبد، هو خاص به سبحانه"، ولأن السعادة الأبدية هي أصل جميع النعم وذروتها، وهي التي تحيل النعم نعما حقيقية لا تزول ولا تحول، وهي التي تنقذ جميع ذوي الشعور من مصائب العدم وتخلصهم منها، لذا فهي وحدها يمكن أن تقابل معناي الكلي.
نعم، إن ترديد كل مؤمن يوميا عقب الصلاة بما يأمر به الشرع بأكثر من مائة وخمسين مرة "الحمد للّٰه" في الأقل، والتي تفيد حمدا وثناءً وشكرا واسعا جدّا ممتدا من الأزل إلى الأبد إنما هو ثمن يدفعه مقدما لنيل السعادة الأبدية في الجنة، إذ لا يمكن أن يحصر معنى الحمد على نِعم الدنيا القصيرة الفانية المنغصة بالآلام ولا يمكن أن يكون مقتصرا عليها. بل حتى لو تأملتَ في تلك النعم نفسها تراها ما هي إلّا وسائل لنعم أبدية خالدة تستحق الشكر عليها.
— 278 —
أما كلمة "سبحان اللّٰه" فإنها تعني: تنیزيه اللّٰه سبحانه وتقديسه من كل شريك وتقصير ونقص وظلم وعجز وقسوة وحاجة وحيلة، وكلِ ما يخالف كماله وجماله وجلاله. وهذا المعنى يذكّر بالسعادة الأبدية ويدل على الآخرة التي هي محور عظمته سبحانه وجلاله وكماله. ويشير أيضا إلى ما في تلك الدار من جنة نعيم ويدل عليها. وإلّا فلو لم تكن هناك سعادة أبدية فإن أصابع الاتهام تتوجه إلى عظمته سبحانه وكماله وجلاله وجماله ورحمته، فتشوبها بالتقصير والنقصان، تعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا. أي إن الآخرة لا ريب فيها، إذ هي مقتضى سلطان اللّٰه وكماله وجلاله وجماله ورحمته سبحانه.
وهكذا فإن هذه الكلمات المقدسة الثلاث مع "بسم اللّٰه" و"لا إله إلّا اللّٰه" وسائر الكلمات المباركة، كل منها بذرة من بذور الأركان الإيمانية، وكل منها خلاصة لحقائق الأركان الإيمانية والحقائق القرآنية.
وكما أن هذه الكلمات الثلاث هي نوى الصلاة وبذورها فهي نوى القرآن الكريم أيضا، كما تشاهد في بدء بعض السور الباهرة حيث تستفتح وكأنها جوهرة لامعة في مستهلها، وهي كنوز حقيقية وأسس متينة لأجزاء من رسائل النور التى تستهل أكثر سانحاتها في أذكار الصلاة، وهي أيضا أوراد الطريقة المحمدية تُذكر عقب الصلاة ضمن دائرة واسعة جدّا للولاية الأحمدية والعبودية المحمدية، بحيث إن هناك عند كل صلاة أكثر من مائة مليون مؤمن في تلك الحلقة الكبرى للذكر يرددون معا ثلاثا وثلاثين مرة "سبحان اللّٰه" وثلاثا وثلاثين مرة "الحمد للّٰه" وثلاثا وثلاثين مرة "اللّٰه أكبر". فلابد أنك تدرك مدى أهمية قراءة تلك الكلمات المباركات الثلاث التي هي بذور القرآن والإيمان والصلاة وخلاصتها، ومدى ثواب ترديدها بثلاثٍ وثلاثين مرة عقب الصلاة ضمن تلك الحلقة الواسعة.
وهكذا فكما أن "المسألة الأولى" من هذه الرسالة كانت درسا قيّما في الصلاة، فإن آخر الرسالة هذه أصبح -دون اختياري- درسا مهما حول أذكار الصلاة! والحمد للّٰه على نعمائه.
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
— 279 —

المسألة التاسعة

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
آمَنَ الرَسولُ بمَا اُنزِلَ إليه من رَبّه والمؤمنون كلٌ آمنَ باللّٰه ومَلائكتِهِ وكُتُبِه ورُسُلهِ لانُفَرّقُ بَينَ أحدٍ من رُسُلهِ...
(البقرة:٢٨٥)
إن السبب الذي أدى إلى إيضاح هذه الآية الجامعة السامية العظيمة ودعا إلى بيانها؛ هو حالة خاصة معينة نتجت عن سؤال معنوي مثير، وعن انكشاف نعمة إلهية عظيمة، كالآتي:
فقد ورد إلى الروح هذا السؤال: لِمَ يُعتبر كافرا من يُنكرُ جزءا من حقيقة إيمانية، ولا يُعدّ مسلما مَن لم يقبلها، مع أن نور الإيمان باللّٰه واليوم الآخر كالشمس ينبغي أن يبدد كل ظلام؟
ثم، لِمَ يصبح مرتدا مَن ينكر حقيقة أو ركنا إيمانيا ويرديه إلى الكفر المطلق، ومَن لم يقبلها يخرج من دائرة الإسلام. بينما ينبغي أن ينقذه إيمانه بالأركان الأخرى -إنْ وجِدَ- من ذلك الكفر المطلق؟
الجواب: إن الإيمان حقيقةٌ واحدة نابعة من ستة أركان متحدة وموحدة لا تقبل التفريق، وهو كليّ لا يتحمل التجزئة، وهو كلٌّ لا تقبل أركانه الانقسام، ذلك لأن كل ركن من تلك الأركان الإيمانية -مع حججها التي تثبته- يُثبت بقيةَ الأركان، فيصبح كل ركن حجة قاطعة عظمى لكل من الأركان الأخرى. لذا فالذي لا يتمكن من جَرح جميع الأركان مع جميع أدلتها يَعجز كليا -من وجهة الحقيقة- عن نفي ركن واحد منها؛ وتفنيد حقيقة واحدة من حقائقها، إلّا أن يغمض المنكر عينيه ويتشبث بعدم القبول أو الرفض، فيدخل عندئذٍ الكفر العنادي، ويسوقه ذلك بمرور الزمن إلى الكفر المطلق، فتنعدم إنسانيتُه ويولي إلى جحيم مادي فضلا عمّا هو فيه من جحيم معنوي.
— 280 —
وكما قد بينا باقتضاب في مسائل "الثمرة" دلالةَ الأركان الإيمانية على الحشر كذلك سنبين هنا بإشارات مختصرة جدّا ومجملة المغزى العميقَ العظيم لهذه الآية معتمِدين على عنايته سبحانه. وذلك في ست نقاط:
النقطة الأولى إن "الإيمان باللّٰه" بحججه القاطعة يثبت "الإيمان بالآخرة" مع إثباته سائر الأركان الإيمانية الأخرى. كما وُضّح في "المسألة السابعة".
نعم، إن سلطنة الربوبية وقدرتها الأزلية وقوتها الباقية وغناها المطلق وحاكمية الألوهية الأبدية الدائمة التي تدير هذا الكون غير المحدود -مع جميع لوازمه وضرورياته- كإدارة قصر أو مدينة.. والتي تصرّف جميعَ شؤونه ضمن نظام وميزان، وتغيّره على وفق حِكَم كثيرة.. والتي تدير الذرات والكواكب، وتجهز الذباب والنجوم معا كالجنود المطيعين للجيش المنسق.. والتي تسوق الجميع -ضمن إرادتها وأمرها- إلى استعراضٍ هائل عام للعبودية الخالصة، من خلال مناورة سامية وابتلاء واختبار وتدريب على الوظائف وتعليم لها، بفعالية ونشاط دائم وسير وجولان مستمر.. هل يمكن، أم هل يُعقَل، لا بل هل هناك أي احتمال قط في أن لا يكون هناك مقر باقٍ، ومملكة دائمة، وظهورٌ خالدٌ وتجلٍّ سرمدي في دارٍ أبدية لمثل هذه السلطنة الأبدية ولمثل هذه الحاكمية الباقية الدائمة؟ حاشا وكلا.. وألف مرة كلا.
فسلطنة ربوبية اللّٰه جل وعلا وعظمتها إذن، وأغلب أسماء اللّٰه الحسنى -كما جاء في "المسألة السابعة"- وجميع دلائلِ وحججِ وجوبِ وجوده سبحانه وتعالى، تشهد جميعا وتدل على "الآخرة" وتقتضيها.
فما أعظمَ مرتكز هذا الركن الإيماني العظيم، وما أَمْتَنَ نقطة استناده! أَلَا فأدرِكْ ذلك، وصدِّق به كأنك تراه.
ثم إن "الإيمان باللّٰه" كما لا يمكن أن يكون دون "الإيمان بالآخرة" كذلك لا يمكن ولا يُعقل، أن يكون "الإيمان باللّٰه" دون "الإيمان بالرسل" -مثلما ذُكِر ملخصا في "رسالة الحشر"-.
— 281 —
وذلك: أن اللّٰه تعالى الذي خلق هذا الكون إظهارا لألوهيته ومعبوديته، على هيئة كتاب صمداني مجسم بحيث تعبِّر كلُّ صحيفة من صحائفه عن معاني كتاب، ويُظهِر كل سطر من أسطره معنَى صحيفةٍ.. وخَلَقَه على شكل قرآن سبحاني مجسم بحيث إن كل آيةٍ من آياته التكوينية، وكل كلمةٍ من كلماته، بل حتى كل حرف منه وكل نقطة بمثابة معجزة تقدسه وتسبّحه.. وخلقه على صورة مسجد رحماني مهيب وزيّنه بما لا يحد من الآيات والنقوش الحكيمة، بحيث إن في كل زاوية من زواياه طائفة منهمكة بنوع من العبادة الفطرية لخالقهم الرحمن..
فهل يمكن أن لا يرسِل هذا الخالق المعبود الحق أساتذةً ليدرّسوا معاني ما في ذلك الكتاب الكبير ويعلموا ما فيه؟.. أم هل يمكن أن لا يَبعث مفسرين ليفسروا آياتِ ذلك القرآن المجسم الصمداني؟.. أم هل يمكن أن لا يعيّن أئمةً لذلك المسجد الأكبر ليؤموا الذين يعبدونه بأنماط وأشكال مختلفة من العبادات؟.. أم هل يمكن أن لا يزوِّد أولئك الأساتذةَ والمفسرين والأئمة بالأوامر السلطانية؟ حاشا للّٰه وكلا.. وألف مرة كلا.!
ثم إن الخالق الرحيم الكريم الذي خلق هذا الكون إظهارا لجمال رحمته على ذوي الشعور وحسن رأفته بهم وكمال ربوبيته لهم، وليحثهم على الشكر والحمد، قد خلقه على هيئةِ دارِ ضيافة فخمة، ومعرض رائع واسع، ومتنیزه جميل بديع. وأعدّ فيه ما لا يحد من النعم اللذيذة المتنوعة المختلفة، ونظّم فيه ما لا يعد من خوارق الصنعة وبدائعها الرائعة..
فهل يمكن أن لا يتكلم هذا الخالق الرحيم الكريم بواسطة رسله، مع ذوي الشعور من مخلوقاته في دار ضيافته الفاخرة هذه.. أم هل يُعقل أن لا يعلمهم وظائف شكرهم وكيفية امتنانهم تجاه تلك النعم الجسيمة، ومهام عبوديتهم تجاه رحمته السابغة وتودده الظاهر؟! كلا.. ثم ألف ألف مرة كلا.!
ثم إن الخالق الذي يحب خلقَه وصنعته، ويريد جلب الإعجاب والتقدير إليه، بل يطلب استحسانه وإكباره، بدلالة إيداعه الإحساسَ بآلاف الأنواع من الأذواق في الأفواه، فيعرّف نفسه سبحانه بكل مخلوق من مخلوقاته ويظهر به نوعا من جماله المعنوي ويجعله موضع حب مخلوقاته، فزيّن هذا الكون ببدائع صنائعه ومخلوقاته.
— 282 —
فهل يُعقل أن لا يتكلم هذا الخالق البديع مع أفاضل الإنسان الذي هو سيد المخلوقات؟.. وهل يمكن أن لا يبعث مِن أولئك الأفاضل رسیلا، فتظلَّ تلك الصنائع الجميلة دون تقدير، ويظل جمال تلك الأسماء الحسنى الخارقة دون استحسان ولا إعجاب، ويظل تعريفه وتحبيبه دون مقابل؟! حاشا للّٰه وكلا.. ثم ألف مرة كلا!
ثم إن المتكلم العليم الذي يستجيب -في الوقت المناسب- لدعوات جميع ذوي الحياة، ملبيا حاجاتها الفطرية، ومغيثا تضرعاتها ورغباتها المرفوعة إليه بلسان الحال، فيتكلم صراحة فعلا وحالا بإحساناته غير النهائية لهم وإنعاماته غير المحدودة عليهم، مُظهِرا القصد والاختيار والإرادة. فهل يمكن وهل يعقل أن يتكلم هذا المتكلم العليم مع أصغر كائن حي فعلا وحالا ويسعفَ داءه ويغيثَه بإحسانه ويسد حاجاته، ثم لا يقابلَ الرؤساء المعنويين للإنسان الذي هو سيد أغلب المخلوقات الأرضية، وهو خليفة اللّٰه في أرضه، وهو النتيجة المستخلصة من الكائنات؟.. أم هل يعقل أن لا يتكلم معهم قولا وكلاما مثلما يتكلم مع كل ذي حياة فعلا وحالا؟.. أم هل يمكن أن لا يرسل معهم أوامره، وصحفه وكتبه المقدسة؟ حاشَ للّٰه.. ثم ألف مرة كلا.!
وهكذا يُثبِت "الإيمانُ باللّٰه" مع حججه القاطعة الثابتة الإيمانَ "بكتبه" المقدسة "وبرسله" الكرام عليهم السلام.
ثم إن الذي جعل الكون يدوي بحقيقة القرآن ويترنم بها، والذي عَرَفَ وعَرَّفَ بأكمل وجهٍ ذلك الخالقَ البديع فأحبَّه وحَبَّبه، وأدى شكره له ودلّ الآخرين على القيام بشكره، بل جعل الأرض تردد: "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه واللّٰه أكبر" حتى أسمعت السماوات العلى.. والذي قابل الربوبية الظاهرة للخالق بعبودية واسعة كلية، فقاد خُمس البشرية كمية ونصفها نوعية خلال ألف وثلاثمائة سنة قيادة أهاج بها البر والبحر وملأهما شوقا ووجدا.. والذي هتف بالقرآن الكريم في أذن الكون وعلى مدى جميع العصور إزاء المقاصد الإلهية، فألقى درسا عظيما، ودعا بدعوة كريمة، مُظهِرا وظيفةَ الإنسان وقيمته، ومبينا مرتبته ومنیزلته.. ذلك هو محمد الأمين (ص) الصادق المصدّق بألف معجزةٍ ومعجزة.
فهل يمكن ألا يكون هذا العبد العزيز المصطفى المختار أكرمَ رسولٍ لذلك المعبود الحق؟.. وهل يمكن أن لا يكون أعظم نبي له؟ حاشا وكلا.. ألف ألف مرة كلا.!
— 283 —
فحقيقةُ "أشهد أن لا إله إلا اللّٰه" مع حججها إذن تُثبت حقيقةَ "أشهد أن محمدا رسول اللّٰه".
ثم إن الخالق الذي جعل مخلوقاته يتبادلون الكلام بمئات الآلاف من الألسنة واللغات وهو الذي يسمع كلام الجميع ويعرفه، فهل يمكن أن لا يتكلم هو؟.. كلا ثم كلا! ثم هل يعقل أن لا يعلّم مقاصده الإلهية بكتاب عظيم كالقرآن الكريم الذي يجيب عن ثلاثة أسئلة تحار العقول أمامها: من أين تأتي هذه المخلوقات؟ والى أين المصير؟ ولماذا تتعاقب ثم لا تلبث أن تغيب؟... كلا.
فالقرآن الكريم الذي نوّر ثلاثة عشر قرنا وأضاءَها.. والذي يتناقله في كل ساعة مائةُ مليون لسانٍ بكل إجلالٍ وتوقير.. والذي سُطّر في صدور ملايين الحفاظ بكل سمو وقداسة.. والذي أدار بقوانينه القسمَ الأعظم من البشرية، وربّى نفوسهم وزكّى أرواحهم، وصفّى قلوبهم وأرشد عقولهم.. والذي هو معجزة خالدة كما أثبتنا إعجازه بأربعين وجها في رسائل النور، فوضح أن له إعجازا لكل طبقة من الطبقات الأربعين للناس (كما جاء في "المكتوب التاسع عشر" ذي الكرامة الخارقة).. هذا القرآن العظيم استحق بحق أن يطلق عليه: "كلام اللّٰه" فأصبح محمد (ص) مع آلاف من معجزاته معجزةً باهرة له.
فهل يمكن أن لا يكون هذا القرآن الكريم كلامَ ذلك المتكلم الأزلي سبحانه؟ وهل يمكن أن لا يكون أوامرُ ذلك الخالق السرمدي جل وعلا؟ حاشا للّٰه وكلا ألف ألف مرة كلا!
فی"الإيمان باللّٰه" مع جميع حججه إذن يُثبت أنَّ القرآن الكريم كلام اللّٰه عز وجل.
ثم إن السلطان ذا الجلال الذي يملأ سطح الأرض بذوي الحياة باستمرار ويفرغه، مُعمِّرا دنيانا بذوي الشعور لأجل معرفته سبحانه وعبادته وتسبيحه.
هل يمكن لهذا السلطان ذي الجلال أن يترك السماوات والنجوم خالية فارغة، ولا يعمِّر تلك القصور السماوية بأهالي وسكنة تناسبها؟..
وهل يمكن أن يترك (هذا السلطانُ العظيم) سلطنةَ ربوبيته في أوسع ممالكه بلا هيبة وعظمة، وبلا موظفين مأمورين، وبلا سفراء رسل، وبلا ناظرين مشرفين، وبلا مشاهدين معجبين، وبلا عباد مكرمين، وبلا رعايا مطيعين؟ حاشا للّٰه وكلا.. بعدد الملائكة.
— 284 —
ثم إن الحاكم الحكيم والعليم الرحيم الذي كتب هذا الكون بشكل كتاب، حتى سجَّل تاريخ حياة كل شجرة في كل بذر من بذورها، ودوّن وظائفَ حياةِ كلِ عشب ومهامَّ كل زهر في جميع نواها. وكتّب جميع حوادث الحياة لكل ذي شعور في قواه الحافظة الصغيرة كحبة الخردل. واحتفظ بكل عمل في ملكه كافة وبكل حادثة في دوائر سلطنته بالتقاط صورها المتعددة، والذي خلق الجنة والنار والصراط والميزان الأكبر لأجل تجلياتِ وتحققِ العدالة والحكمة والرحمة التي هي أهم أساس للربوبية..
فهل يمكن لهذا الحاكم الحكيم ولهذا العليم الرحيم أن لا يسجِل أعمالَ الإنسان التي تتعلق بالكائنات؟..
وهل يمكن أن لا يدون أفعالَه للثواب والعقاب ولا يكتبَ سيئاته وحسناته في ألواح القَدَر؟! حاشا للّٰه وكلا بعدد حروف ما كتب في اللوح المحفوظ للقدر.
أي إن حقيقة "الإيمان باللّٰه" مع حججها تُثبت حقيقةَ "الإيمان بالملائكة" كما تثبت حقيقةَ "الإيمان بالقدر" أيضا إثباتا قاطعا. كالشمس التي تظهر النهار والنهار الذي يدل على الشمس.
وهكذا فالأركان الإيمانية يثبت بعضها البعض الآخر.
النقطة الثانية إن جميع ما دعت إليه الكتب والصحف السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم، وجميعَ الدعوات التي قام بها الأنبياء عليهم السلام وفي مقدمتهم محمد (ص)، تدور على أُسس ثابتة وأركان معينة. ولقد سعى جميعُهم لإثبات الأسس وتلقينها للآخرين. لذا فجميع الحجج والدلائل التي تَشهد على نبوتهم وصدقهم متوجهةٌ معا إلى تلك الأُسس والأركان مما يزيدها قوة وأحقية. وما تلك الأُسس إلّا الإيمان باللّٰه، وباليوم الآخر، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى.
فلا يمكن إذن التفريق بين أركان الإيمان الستة إطلاقا، حيث إن كل ركن من الأركان يثبت الأركان عامة بل يستدعيها ويقتضيها، لذا فإن الأركان الستة كلٌّ لا يقبل التجزئة البتة،
— 285 —
وكلي لا يمكن أن ينقسم أبدا. فكما أن كل غصن من أغصان الشجرة المباركة (شجرة طوبى) الممتد جذرها في السماء، وكلَّ ثمرٍ من ثمارها وكل ورقة من أوراقها يستند على الحياة الخالدة لتلك الشجرة، فلا يمكن لأحد أن ينكر حياة ورقة واحدة متصلةٍ بتلك الشجرة ما لم يتمكن له إنكار حياة تلك الشجرة الظاهرة ظهورا ساطعا كالشمس. ولئن أنكر فإن تلك الشجرة تكذبه بعدد أغصانها وثمارها وأوراقها وتسكته، كذلك الإيمان بأركانه الستة هو بالصورة نفسها.
هذا ولقد كانت النية معقودة على بيان الأركان الإيمانية الستة في ست نقاط وفي كل نقطة خمس نكات ذات مغزى، وكانت الرغبة متوجهة إلى إجابة السؤال المثير الوارد في المقدمة ببيان أكثر وتوضيح أوسع، إلّا أن عوائق وعوارض حالت دون ذلك. بيد أنني أخال أن "النقطة الأولى" لم تدع سبيلا لإيضاحٍ أكثر لأهل الدراية، حيث إنها مقياس كافٍ للموضوع.
وهكذا وضِّح تماما أنه؛ إذا ما أنكر المسلم أيةَ حقيقة إيمانية كانت فإنه يتردى إلى الكفر المطلق؛ إذ تسلسلت الأركان الإيمانية بعضُها ببعض، وفصّل الإسلام ووضح ما أُجمِل في الأديان الأخرى. فالمسلم الذي لا يعرف محمدا (ص) ولا يصدِّق به فلا يعرف اللّٰه سبحانه (بصفاته) ولا يعرف الآخرة كذلك.. فإيمان المسلم قوي ورصين إلى درجة لا يتزعزع أبدا ولا يدع مجالا للإنكار قطعا، لاستناده إلى حجج كثيرة جدا، حتى كأن العقل يرضخ رضوخا لقبول هذا الإيمان.
النقطة الثالثة قلت ذات مرة: "الحمد للّٰه". ثم بحثت عن نعمة عظيمة جدّا تقابل معناها الواسع جدا، فخطر على القلب الجملة الآتية:
(الحمد للّٰه على الإيمان باللّٰه، وعلى وحدانيته، وعلى وجوب وجوده وعلى صفاته، وأسمائه، حمدا بعدد تجليات أسمائه من الأزل إلى الأبد).
فتأملت فيها فوجدتها مطابِقة تماما للمعنى.. وهي كالآتي:
....................................................................... [٭]: انتهى النص هنا وكأن الستار أسدل أمام الأستاذ فلم يستمر بالكتابة، أو لعل الظروف المحيطة به حالت دون ذلك، فاكتفى بالفقرات السابقة.
— 286 —

المسألة العاشرة

زهرة أميرداغ
(رد شاف ومقنع على اعتراضات ترد حول التكرار في القرآن الكريم)
إخواني الأعزاء الأوفياء! كنت أعاني من حالة مضطربة بائسة حينما تناولت هذه المسألة بالكتابة، لذا اكتنفها شيء من الغموض لكونها بقيت كما جاءت عفو الخاطر. ولكني أدركتُ أن تلك العبارات المشوشة تنطوي على إعجاز رائع. فيا أسفى إذ لم أستطع أن أوفي حقَّ هذا الإعجاز من الأداء والتعبير. فعبارات الرسالة مهما كانت خافتة الأنوار إلّا أنها تعدّ -من حيث تعلقها بالقرآن الكريم- "عبادة فكرية" و"صَدَفَة" تضم لآلئ نفيسة سامية، فالرجاء أن تصرفوا النظر عن قشرتها وتنعمیوا النظر بما فيها من لآلئ ساطعة. فإن وجدتموها جديرة حقا فاجعلوها "المسألة العاشرة" لرسالة الثمرة، وإلّا فاقبلوها رسالة جوابية عن تهانيكم.
ولقد اضطررت إلى كتابتها في غاية الإجمال والاقتضاب، لِما كنت أكابد من سوء التغذية وأوجاع الأمراض، حتى إنني أدرجتُ في جملة واحدة منها حقائقَ وحججا غزيرة، وأتممتها -بفضل اللّٰه- في يومين من أيام شهر رمضان المبارك. فأرجو المعذرة عما بدر مني من تقصير. (٭): هذه المسألة زهيرة لطيفة وضاءة لهذا الشهر الكريم ولمدينة "أميرداغ" ألحقت بی"ثمرة" سجن دنيزلي على أنها "المسألة العاشرة". فهي تزيل بإذن اللّٰه ما ينفثه أهلُ الضلالة من سموم الأوهام العفنة حول ظاهرة التكرار في القرآن. وذلك ببيانها حكمةً من حكمها الكثيرة. (المؤلف)
إخوتي الأوفياء الصادقين!
حينما كنت أتلو القرآن -المعجز البيان- في الشهر المبارك (رمضان)، تدبّرت في معاني الآيات الثلاث والثلاثين -التي وردت إشاراتُها إلى رسائل النور في "الشعاع الأول"- فرأيتُ أن كل آية منها -بل آيات تلك الصفحة في المصحف وموضوعها- كأنها تطل على رسائل النور وطلابها من جهة نيلهم غيضا من فيضها وحظا من معانيها لاسيما آية النور في سورة النور فهي
— 287 —
تشير بالأصابع العشر إلى رسائل النور، كما أن الآيات التي تعقبها -وهي آية الظلمات- تطل على معارضي الرسائل وأعدائها بل تعطيهم حصة كبرى، إذ لا يخفى أن مقام تلك الآيات وأبعادها ومراميها غير قاصرة على زمان ومكان معينين بل تشمل الأزمنة والأمكنة جميعها، أي تَخرج من جزئية الأمكنة والأزمنة إلى كلّيتهما الشاملة، لذا شعرتُ أن رسائل النور وطلابها إنما يمثلون في عصرنا هذا -حق التمثيل- فردا واحدا من أفراد تلك الكلية الشاملة.
إنّ خطاب القرآن الكريم قد اكتسب الصفة الكلية والسعة المطلقة والرفعة السامية والإحاطة الشاملة؛ لصدوره مباشرة من المقام الواسع المطلق للربوبية العامة الشاملة للمتكلم الأزلي سبحانه.. ويكتسبها من المقام الواسع العظيم لمن أنیزل عليه هذا الكتاب، ذلكم النبي الكريم (ص) الممثِّل للنوع البشري والمخاطَب باسم الإنسانية قاطبة، بل باسیم الكائنات جميعا.. ويكتسبها أيضا من توجّه الخطاب إلى المقام الواسع الفسيح لطبقات البشرية كافة وللعصور كافة.. ويكتسبها أيضا من المقام الرفيع المحيط النابع من البيان الشافي لقوانين اللّٰه سبحانه المتعلقة بالدنيا والآخرة، بالأرض والسماء، بالأزل والأبد، تلك القوانين التي تخص ربوبيته وتشمل أمور المخلوقات كافة.
فهذا الخطاب الجليل الذي اكتسب من السعة والسمو والإحاطة والشمول ما اكتسب، يبرز إعجازا رائعا وإحاطة شاملة، بحيث: إنّ مراتبه الفطرية والظاهرية التي تلاطف أفهام العوام البسيطة -وهم معظم المخاطبين- تمنح في الوقت نفسه حصةً وافرة لأعلى المستويات الفكرية ولأرقى الطبقات العقلية، فلا يهب لمخاطبيه شيئا من إرشاداته وحدها، ولا يخصّهم بعبرة من حكاية تاريخية فقط، بل يخاطب مع ذلك كلَّ طبقة في كل عصر -لكونها فردا من أفراد دستور كلّي- خطابا نَدِيًّا طريا جديدا كأنه الآن ينیزل عليهم.
ولا سيما كثرة تكراره: الظالمين الظالمين وزجره العنيف لهم وإنذاره الرهيب من نیزول مصائب سماوية وأرضية بذنوبهم ومظالمهم، فيلفت الأنظار -بهذا التكرار- إلى مظالم لا نظير لها في هذا العصر، بعرضه أنواعا من العذاب والمصائب النازلة على قوم عاد وثمود وفرعون. وفي الوقت نفسه يبعث السلوانَ والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين المظلومين، بذكره نجاةَ رسل كرام أمثال إبراهيم وموسى عليهما السلام.
— 288 —
ثم إن هذا القرآن العظيم يرشد كل طبقة من كل عصر إرشادا واضحا بإعجاز رائع مبينا: أنّ "الأزمنة الغابرة" والعصور المندثرة التي هي في نظر الغافلين الضالين وادٍ من عدم سحيق موحش رهيب، ومقبرة مندرسة أليمة كئيبة، يعرضها صحيفة حيّة تطفح عبرا ودروسا، وعالَما عجيبا ينبض بالحياة ويتدفق بالحيوية من أقصاه إلى أقصاه، ومملكة ربانية ترتبط معنا بوشائج وأواصر فيبينها -بإعجازه البديع- واضحة جلية كأنها مشهودة تعرض أمامنا على شاشة، فتارة يأتي بتلك العصور ماثلة شاخصة أمامنا، وتارة يأخذنا إلى تلك العصور.
ويبين بالإعجاز نفسه "الكونَ" الذي يراه الغافلون فضاء موحشا بلا نهاية، وجمادات مضطربة بلا روح تتدحرج في دوامة الفراق والآلام، يبينه القرآن كتابا بليغا، كتبه الأحدُ الصمد، ومدينةً منسقة عَمَّرها الرحمن الرحيم، ومَعرضا بديعا أقامه الرب الكريم لإشهار مصنوعاته. فيبعث بهذا البيان حياةً في تلك الجمادات، ويجعل بعضها يسعى لإمداد الآخر، وكل جزء يغيث الآخر ويعينه كأنه يحاوره محاورة ودّية صميمة، فكل شيء مسخّر وكل شيء أنيط به وظيفة وواجب.. وهكذا يلقي القرآن دروسَ الحكمة الحقيقية والعلم المنور إلى الإنس والجن والملائكة كافة. فلا ريب أن هذا القرآن العظيم -الذي له هذا الإعجاز في البيان- قَمِينٌ بأن يحوز خواص راقية عالية، وميزات مقدسة سامية، أمثال:
في كل حرف منه عشرُ حسنات، بل ألفُ حسنة أحيانا، بل ألوف الحسنات في أحيان أخرى.. وعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله ولو اجتمعوا له.. ومخاطبتُه بني آدم جميعَهم بل الكائنات برمتها مخاطبة بليغة حكيمة.. وحرصُ الملايين من الناس في كل عصر على حفظه عن ظهر قلب بشوق ومتعة.. وعدم السأم من تلاوته الكثيرة رغم تكراراته.. واستقرارُه التام في أذهان الصغار اللطيفة البسيطة مع كثرة ما فيه من جُمل ومواضع تلتبس عليهم.. وتلذذُ المرضى والمحتضرين -الذين يتألمون حتى من أدنى كلام- بسماعه، وجريانُه في أسماعهم عذبا طيبا.. وغيرها من الخواص السامية والمزايا المقدسة التي يحوزها القرآن الكريم، فيمنح قرّاءه وتلاميذه أنواعا من سعادة الدارين.
ويُظهر إعجازه الجميل أيضا في "أسلوب إرشاده البليغ" حيث راعى أحسن الرعاية أميةَ مبلّغه الكريم (ص) باحتفاظه التام على سلاسته الفطرية، فهو أجلّ من أن
— 289 —
يدنو منه تكلف أو تصنع أو رياء -مهما كان نوعه- فجاء أسلوبُه مستساغا لدى العوام الذين هم أكثرية المخاطبين ملاطِفا بساطةَ أذهانهم بتنیزلاته الكلامية القريبة من أفهامهم.. باسطا أمامهم صحائف ظاهرة ظهورا بديهيا كالسماوات والأرض.. موجِّها الأنظار إلى معجزات القدرة الإلهية وسطور حكمته البالغة المضمرتين تحت العاديات من الأمور والأشياء.
ثم إنّ القرآن الكريم يُظهر نوعا من إعجازه البديع أيضا في "تكراره البليغ" لجملة واحدة، أو لقصة واحدة، وذلك عند إرشاده طبقاتٍ متباينةً من المخاطبين إلى معان عدة وعِبَر كثيرة في تلك الآية أو القصة، فاقتضى التكرار حيث إنه كتاب دعاء ودعوة كما أنه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار، فكل ما كرر في القرآن الكريم إذن من آية أو قصة إنما تشتمل على معنى جديد وعبرة جديدة.
ويظهر إعجازه أيضا عند تناوله "حوادث جزئية" وقعت في حياة الصحابة الكرام أثناء نیزوله وإرسائه بناء الإسلام وقواعد الشريعة، فتراه يأخذ تلك الحوادث بنظر الاهتمام البالغ، مبينا بها أن أدق الأمور لأصغر الحوادث جزئيةً، إنما هي تحت نظر رحمته سبحانه، وضمن دائرة تدبيره وإرادته، فضلا عن أنه يُظهر بها سننا إلهية جارية في الكون ودساتير كلية شاملة. زد على ذلك أن تلك الحوادث -التي هي بمثابة النَّوَيَات عند تأسيس الإسلام والشريعة- ستثمر فيما يأتي من الأزمان ثمارا يانعة من الأحكام والفوائد.
إنّ تكرُّر الحاجة يستلزم التكرار، هذه قاعدة ثابتة، لذا فقد أجاب القرآن الكريم عن أسئلة مكررة كثيرة خلال عشرين سنة فأرشدَ بإجاباته المكررة طبقاتٍ كثيرةً متباينة من المخاطبين؛ فهو يكرر جملا تملك ألوفَ النتائج، ويكرر إرشادات هي نتيجة لأدلة لا حدّ لها، وذلك عند ترسيخه في الأذهان وتقريره في القلوب ما سيحدث من انقلاب عظيم وتبدّل رهيب في العالم وما سيصيبه من دمار وتفتت الأجزاء، وما سيعقبه من بناء الآخرة الخالدة الرائعة بدلا من هذا العالم الفاني.
ثم إنه يكرر تلك الجمل والآيات أيضا عند إثباته أن جميع الجزئيات والكليات ابتداء من الذرات إلى النجوم إنما هي في قبضةِ واحدٍ أحدٍ سبحانه وضمن تصرفه جلّ شأنه.
— 290 —
ويكررها أيضا عند بيانه الغضب الإلهي والسخط الرباني على الإنسان المرتكب للمظالم عند خرقه الغايةَ من الخلق، تلك المظالم التي تثير هيجان الكائنات والأرض والسماء والعناصر وتؤجّج غضبَها على مقترفيها.
لذا فإن تكرار تلك الجمل والآيات عند بيان أمثال هذه الأمور العظيمة الهائلة لا يعد نقصا في البلاغة قط، بل هو إعجاز في غاية الروعة والإبداع، وبلاغة في غاية العلو والرفعة، وجزالة -بل فصاحة- مطابِقة تطابقا تاما لمقتضى الحال.
فعلى سبيل المثال:
إن جملةَ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
هي آية واحدة تتكرر مائةً وأربعَ عشرة مرة في القرآن الكريم ذلك لأنها حقيقة كبرى تملأ الكون نورا وضياء، وتشد الفرش بالعرش برباط وثيق -كما بيناها في اللمعة الرابعة عشرة- فما من أحد إلّا وهو بحاجة مسيسة إلى هذه الحقيقة في كل حين، فلو تكررت هذه الحقيقة العظمى ملايين المرات، فالحاجة ما زالت قائمةً باقيةً لا ترتوي. إذ ليست هي حاجة يومية كالخبز، بل هي أيضا كالهواء والضياء الذي يُضطر إليه ويُشتاق كل دقيقة.
وإن الآية الكريمة:
وإنَّ رَبَّكَ لَهوَ العزيزُ الرّحيم
تتكرر ثماني مرات في سورة "الشعراء". فتكرار هذه الآية العظيمة التي تنطوي على ألوف الحقائق في سورة تذكُر نجاة الأنبياء عليهم السلام وعذاب أقوامهم، إنما هو لبيان: أنّ مظالم أقوامهم تمس الغاية من الخلق، وتتعرض إلى عظمة الربوبية المطلقة، فتقتضي العزةُ الربانية عذابَ تلك الأقوام الظالمة مثلما تقتضي الرحمة الإلهية نجاة الأنبياء عليهم السلام. فلو تكررت هذه الآية ألوف المرات لما انقضت الحاجة والشوق إليها، فالتكرار هنا بلاغة راقية ذات إعجاز وإيجاز.
وكذلك الآية الكريمة:
فبِأيّ آلاءِ رَبّكما تُكذّبان
المكررة في سورة "الرحمن" والآيةُ الكريمة:
ويلٌ يَومئذٍ للمُكذبينَ
المكررة في سورة "المرسلات" تصرخ كلُّ منهما في وجه العصور قاطبة وتعلن إعلانا صريحا في أقطار السماوات والأرض أن كفرَ الجن والإنس وجحودَهم بالنعم الإلهية، ومظالمَهم الشنيعة، يثير غضب الكائنات ويجعل الأرض والسماوات في حنق وغيظ عليهم.. ويخل بحكمة خلق العالم والقصد منه.. ويتجاوز حقوق المخلوقات كافة ويتعدى عليها.. ويستخف بعظمة الألوهية وينكرها، لذا فهاتان الآيتان
— 291 —
ترتبطان بألوف من أمثال هذه الحقائق، ولهما من الأهمية ما لألوف المسائل وقوتها، لو تكررتا ألوف المرات في خطاب عام موجّه إلى الجن والإنس لكانت الضرورة قائمة بعد، والحاجة إليها ما زالت موجودة باقية. فالتكرار هنا بلاغة موجزة جليلة ومعجزة جميلة.
ومثال آخر نسوقه حول حكمة التكرار في الحديث النبوي (ص) فالمناجاة النبوية المسماة بی"الجوشن الكبير" مناجاة رائعة مطابِقة لحقيقة القرآن الكريم ونموذج مستخلص منه. نرى فيها جملةَ: "سبحانك يا لا إله إلّا أنت الأمان الأمان خلصنا من النار.. أجرنا من النار.. نجّنا من النار"، هذه الجملُ تتكرر مائة مرة، فلو تكررت ألوف المرات لما ولّدت السأم، إذ إنها تنطوي على أجلّ حقيقة في الكون وهي التوحيد. وأجلِّ وظيفة للمخلوقات تجاه ربهم الجليل وهي التسبيح والتحميد والتقديس، وأعظمِ قضية مصيرية للبشرية وهي النجاة من النار والخلاص من الشقاء الخالد. وألزمِ غاية للعبودية وللعجز البشري وهي الدعاء.
وهكذا نرى أمثال هذه الأسس فيما تشتمل عليه أنواع التكرار في القرآن الكريم. حتى نرى أنه يعبر أكثر من عشرين مرة عن حقيقة التوحيد -صراحة أو ضمنا- في صحيفة واحدة من المصحف وذلك حسب اقتضاء المقام، ولزوم الحاجة إلى الإفهام، وبلاغة البيان، فيهيّج بالتكرار الشوقَ إلى تكرار التلاوة، ويمد به البلاغة قوة وسموا من دون أن يورث سأما أو مللا.
ولقد أوضحتْ أجزاءُ رسائل النور حكمةَ التكرار في القرآن الكريم وبيّنتْ حججَها وأَثبتت مدى ملاءمة التكرار وانسجامه مع البلاغة، ومدى حسنه وجماله الرائع.
أما حكمة اختلاف السور المكية عن المدنية من حيث البلاغة، ومن جهة الإعجاز ومن حيث التفصيل والإجمال فهي كما يأتي:
إنّ الصف الأول من المخاطبين والمعارضين في مكة كانوا مشركي قريش وهم أميون لا كتاب لهم، فاقتضت البلاغة أسلوبا عاليا قويا وإجمالا معجزا مقنعا، وتكرارا يستلزمه التثبيت في الأفهام؛ لذا تناولت أغلبُ السور المكية أركانَ الإيمان ومراتبَ التوحيد بأسلوب في غاية القوة والعلو، وبإيجاز في غاية الإعجاز، وكررت الإيمانَ باللّٰه والآخرة والمبدأ والمعاد كثيرا، بل قد عبّرت عن تلك الأركان الإيمانية في كل صحيفة أو آية، أو في جملة واحدة، أو
— 292 —
كلمة واحدة، بل ربما عبّرت عنها في حرف واحد، في تقديم وتأخير، في تعريف وتنكير، في حذف وذكر. فأثبتت أركان الإيمان في أمثال تلك الحالات والهيئات البلاغية إثباتا جعل علماءَ البلاغة وأئمتها يقفون حيارى مبهوتين أمام هذا الأسلوب المعجز. ولقد وضّحت رسائلُ النور ولاسيما "الكلمة الخامسة والعشرون "المعجزات القرآنية" -مع ذيولها- إعجازَ القرآن في أربعين وجها من وجوهها، وكذلك تفسيرُ "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" باللغة العربية الذي يبين بيانا رائعا إعجازَ القرآن من حيث وجه النظم بين الآيات الكريمة. فأثبتت كلتا الرسالتين فعلًا علوَّ الأسلوب البلاغي الفذ وسموَّ الإيجاز المعجز في الآيات المكية وسوَرها.
أما الآيات المدنية وسوَرها فالصف الأول من مخاطبيها ومعارضيها كانوا من اليهود والنصارى وهم أهلُ كتاب مؤمنون باللّٰه. فاقتضت قواعد البلاغة وأساليب الإرشاد وأسس التبليغ أن يكون الخطاب الموجه لأهل الكتاب مطابقا لواقع حالهم، فجاء بأسلوب سهل واضح سلس، مع بيانٍ وتوضيح في الجزئيات -دون الأصول والأركان (الإيمانية)- لأن تلك الجزئيات هي منشأ الأحكام الفرعية والقوانين الكلية، ومدار الاختلافات في الشرائع والأحكام. لذا فغالبا ما نجد الآيات المدنية واضحة سلسة بأسلوب بياني معجز خاص بالقرآن الكريم. ولكنّ ذِكْرَ القرآن فذلكةً قوية أو نتيجة ملخصة أو خاتمة رصينة أو حجة دامغة تعقيبا على حادثة جزئية فرعية، يَجعل تلك الحادثةَ الجزئية قاعدةً كلية عامة، ومن بعد ذلك يضمن الامتثال بها بترسيخ الإيمان باللّٰه الذي يحققه ذكر تلك الفواصل الختامية الملخّصة للتوحيد والإيمان والآخرة. فترى أن ذلك المقام الواضح السلس يتنور ويسمو بتلك الفواصل الختامية. -ولقد بينت رسائلُ النور وأثبتت حتى للمعاندين مدى البلاغة العالية والميزات الراقية وأنواع الجزالة السامية الدقيقة الرفيعة في تلك الفذلكات والفواصل وذلك في عشر مميزات ونكت في النور الثاني من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن-. فإن شئت فانظر إلى
إن اللّٰه على كلِّ شئٍ قدير ، أن اللّٰه بكل شئٍ عليم ، وهو العزيز الحكيم ، وهو العزيز الرحيم
وأمثالها من الآيات التي تفيد التوحيد وتذكر بالآخرة، والتي تنتهي بها أغلب الآيات الكريمة،
ترَ أن القرآن الكريم عند بيانه الأحكام الشرعية الفرعية والقوانين الاجتماعية يرفع نظرَ المخاطب إلى آفاق كلية سامية، فيبدل -بهذه الفواصل الختامية- ذلك الأسلوب السهل الواضح السلس أسلوبا عاليا رفيعا،
— 293 —
كأنه ينقل القارئ من درس الشريعة إلى درس التوحيد. فيُثبت أن القرآن كتابُ شريعة وأحكام وحكمة، كما هو كتاب عقيدة وإيمان، وهو كتاب ذكر وفكر، كما هو كتاب دعاء ودعوة.
وهكذا تَرى أن هناك نمطا من جزالة معجزة ساطعة في الآيات المدنية هو غير بلاغة الآيات المكية، حسب اختلاف المقام وتنوع مقاصد الإرشاد والتبليغ.
فقد ترى هذا النمط في كلمتين فقط: ربك و رب العالمين إذ يعلّم الأحدية بتعبير ربك ويعلّم الواحدية بی رب العالمين ، فيفيد الواحدية ضمن الأحدية.
بل قد ترى ذلك النمط من البلاغة في جملة واحدة فيريك في آية واحدة مثلا نفوذَ علمه إلى موضع الذرة في بؤبؤ العين وموقعَ الشمس في كبد السماء، وإحاطة قدرته التي تضع بالآلة الواحدة كلا في مكانه، جاعلةً من الشمس كأنها عين السماء فيعقب:
وهو عَليمٌ بذاتِ الصُدور
بعد آيةِ
يُولج الليلَ في النهارِ ويُولجُ النّهار في الليل
(الحديد:٦) أي يعقب نفوذَ علمه سبحانه إلى خفايا الصدور بعد ذكره عظمةَ الخلق في السماوات والأرض وبَسْطها أمام الأنظار، فيقرّ في الأذهان أنه يعلم خواطر القلوب وخوافي شؤونها ضمن جلال خلّاقيته للسماوات والأرض وتدبيره لشؤونها. فهذا التعقيب:
وهو عَليمٌ بذاتِ الصُدور
لون من البيان يحول ذلك الأسلوب السهل الواضح الفطري -القريب إلى أفهام العوام- إلى إرشاد سامٍ وتبليغ عام جذاب.
سؤال: إن النظرة السطحية العابرة لا تستطيع أن ترى ما يورده القرآن الكريم من حقائق ذات أهمية، فلا تعرف نوع المناسبة والعلاقة بين فذلكة سامية تعبّر عن التوحيد أو تفيد دستورا كليا، وبين حادثة جزئية معتادة؛ لذا يتوهم البعضُ أن هناك شيئا من قصورٍ في البلاغة، فمثلا لا تظهر المناسبةُ البلاغية في ذكر الدستور العظيم: وفَوقَ كل ذي عِلم عَليم تعقيبا على حادثة جزئية وهي إيواء يوسف عليه السلام أخاه إليه بتدبير ذكي. فيرجى بيان السر في ذلك وكشف الحجاب عن حكمته؟
الجواب: إنّ أغلب السور المطولة والمتوسطة -التي كلّ منها كأنها قرآن على حدة- لا تكتفي بمقصدين أو ثلاثة من مقاصد القرآن الأربعة (وهي: التوحيد، النبوة، الحشر، العدل مع العبودية) بل كل منها يتضمن ماهية القرآن كلها، والمقاصدَ الأربعة معا، أي كل منها:
— 294 —
كتابُ ذكر وإيمان وفكر، كما أنه كتاب شريعة وحكمة وهداية. فكل سورة من تلك السُوَر تتضمن كُتبا عدة، وترشد إلى دروس مختلفة متنوعة. فتجد أن كل مقام -بل حتى الصحيفة الواحدة- يفتح أمامَ الإنسان أبوابا للإيمان يحقق بها إقرارَ مقاصد أخرى، حيث إن القرآن يذكر ما هو مسطور في كتاب الكون الكبير ويبينه بوضوح، فيرسّخ في أعماق المؤمن إحاطةَ ربوبيتِه سبحانه بكل شيء، ويريه تجلياتِها المهيبة في الآفاق والأنفس. لذا فإن ما يبدو من مناسبة ضعيفة، يبنى عليها مقاصد كلية فتتلاحق مناسبات وثيقة وعلاقات قوية بتلك المناسبة الضعيفة ظاهرا، فيكون الأسلوب مطابِقا تماما لمقتضى ذلك المقام، فتتعالى مرتبته البلاغية.
سؤال آخر: ما حكمة سَوق القرآن ألوفَ الدلائل لإثبات أمور الآخرة وتلقين التوحيد وإثابة البشر؟ وما السر في لفته الأنظار إلى تلك الأمور صراحةً وضمنا وإشارةً في كل سورة بل في كل صحيفة من المصحف وفي كل مقام؟
الجواب: لأن القرآن الكريم ينبّه الإنسان إلى أعظم انقلاب يَحدُث ضمن المخلوقات ودائرة الممكنات في تاريخ العالم.. وهو الآخرة. ويرشده إلى أعظم مسألة تخصه وهو الحامل للأمانة الكبرى وخلافة الأرض.. تلك هي مسألة التوحيد الذي تدور عليه سعادتُه وشقاوتُه الأبديتان. وفي الوقت نفسه يزيل القرآن سيلَ الشبهات الواردة دون انقطاع، ويحطم أشدّ أنواع الجحود والإنكار المقيت.
لذا لو قام القرآنُ بتوجيه الأنظار إلى الإيمان بتلك الانقلابات المدهشة وحملِ الآخرين على تصديق تلك المسألة العظيمة الضرورية للبشر.. نعم، لو قام به آلافَ المرات وكرر تلك المسائل ملايين المرات، لا يعدّ ذلك منه إسرافا في البلاغة قط، كما أنه لا يولد سأما ولا مللا البتة، بل لا تنقطع الحاجة إلى تكرار تلاوتها في القرآن الكريم، حيث ليس هناك أهم ولا أعظم مسألة في الوجود من التوحيد والآخرة.
فمثلا: إن حقيقة الآية الكريمة:
انّ الذينَ آمنوا وعَملوا الصّالحات لَهُم جَناتٌ تجري من تحتها الانهارُ ذلك الفوز الكبير
(البروج:١١) هي بشرى السعادة الخالدة تزفّها هذه الآية الكريمة إلى الإنسان المسكين الذي يلاقي حقيقةَ الموت كل حين، فتنقذه هذه البشرى من تصور الموت إعداما أبديا، وتنجيه -وعالَمَه وجميعَ أحبته- من قبضة الفناء، بل تمنحه سلطنة
— 295 —
أبدية، وتكسبه سعادة دائمة.. فلو تكررت هذه الآية الكريمة مليارا من المرات لا يعد تكرارُها من الإسراف قط، ولا يمس بلاغتَها شيء.
وهكذا ترى أن القرآن الكريم الذي يعالج أمثال هذه المسائل القيمة ويسعى لإقناع المخاطبين بها بإقامة الحجج الدامغة، يعمّق في الأذهان والقلوب تلك التحولات العظيمة والتبدلات الضخمة في الكون، ويجعلها أمامهم سهلة واضحة كتبدل المنیزل وتغير شكله. فلابد أن لفت الأنظار إلى أمثال هذه المسائل -صراحةً وضمنا وإشارةً- بألوف المرات ضروري جدّا بل هو كضرورة الإنسان إلى نعمة الخبز والهواء والضياء التي تتكرر حاجته إليها دائما.
ومثلا: إن حكمة تكرار القرآن الكريم:
والذين كَفروا لهُم نار جهنم
(فاطر:٣٦)
والذين كَفروا لهُم نار جهنم
(إبراهيم:٢٢) وأمثالها من آيات الإنذار والتهديد. وسَوْقها بأسلوب في غاية الشدة والعنف، هي -مثلما أثبتناها في رسائل النور إثباتا قاطعا-: أنّ كفرَ الإنسان إنما هو تجاوز -أيّ تجاوز- على حقوق الكائنات وأغلب المخلوقات، مما يثير غضبَ السماوات والأرض، ويملأ صدورَ العناصر حنقا وغيظا على الكافرين، حتى تقوم تلك العناصر بصفع أولئك الظالمين بالطوفان وغيره. بل حتى الجحيمُ تغضب عليهم غضبا تكاد تتفجر من شدته كما هو صريح الآية الكريمة:
اذا اُلقوا فيها سمِعوا لها شهيقًا وهي تفور ٭ تكاد تميَّزُ من الغيظِ
(الملك:٧-٨). فلو كَرَّرَ سلطانُ الكون في أوامره تلك الجنايةَ العظمى "الكفر" وعقوبتَها بأسلوب في غاية الزجر والشدة ألوف المرات، بل ملايين المرات، بل مليارات المرات لما عُدّ ذلك إسرافا مطلقا ولا نقصا في البلاغة، نظرا لضخامة تلك الجناية العامة والتجاوز غير المحدود على الحقوق، وبناء على حكمة إظهار أهمية حقوق رعيته سبحانه وإبراز القبح غير المتناهي في كفر المنكرين وظلمهم الشنيع. إذ لا يكرر ذلك لضآلة الإنسان وحقارته بل لهول تجاوز الكافر وعظم ظلمه.
ثم إننا نرى أن مئات الملايين من الناس منذ ألف ومئات من السنين يتْلون القرآن الكريم بلهفة وشوق وبحاجة ماسة إليه دون ملل ولا سأم.
نعم، إن كل وقت وكل يوم إنما هو عالَم يمضي وباب ينفتح لعالم جديد، لذا فإن تكرار: "لا إله إلّا اللّٰه" بشوقِ الحاجةِ إليها ألوفَ المرات لأجل إضاءة تلك العوالم السيارة كلها وإنارتِها
— 296 —
بنور الإيمان، يجعل تلك الجملة التوحيدية كأنها سراج منير في سماء تلك العوالم والأيام. فكما أن الأمر هكذا في: "لا إله إلّا اللّٰه"، كذلك تلاوة القرآن الكريم، فهي تبدد الظلام المخيم على تلك الكثرة الكاثرة من المَشاهِد السارية، وعلى تلك العوالم السيارة المتجددة، وتزيل التشوه والقبح عن صورها المنعكسة في مرآة الحياة، وتجعل تلك الأوضاع الزائلة شهودا له يوم القيامة لا شهودا عليه. وترقّيه إلى مرتبةِ معرفةِ عِظَم جزاء الجنايات، وتجعله يدرك قيمة النُّذُرِ المخيفة لسلطان الأزل والأبد التي تشتت عناد الظالمين الطغاة، وتشوّقه إلى الخلاص من طغيان النفس الأمارة بالسوء.. فلأجل هذه الحِكَم كلِّها يكرر القرآن الكريم ما يكرر في غاية الحكمة، مظهرا أن النذر القرآنية الكثيرة إلى هذا القدر، وبهذه القوة والشدة والتكرار حقيقة عظمى، ينهزم الشيطانُ من توهمها باطلا، ويهرب من تخيلها عبثا.
نعم، إنّ عذاب جهنم لهو عينُ العدالة لأولئك الكفار الذين لا يعيرون للنذر سمعا.
ومن المكررات القرآنية "قصص الأنبياء" عليهم السلام، فالحكمة في تكرار قصة موسى عليه السلام -مثلا- التي لها من الحِكم والفوائد ما لعصا موسى، وكذا الحكمةُ في تكرار قصص الأنبياء إنما هي لإثبات الرسالة الأحمدية، وذلك بإظهار نبوة الأنبياء جميعهم حجةً على أحقية الرسالة الأحمدية وصدقها؛ حيث لا يمكن أن ينكرها إلّا من ينكر نبوتهم جميعا، فذكرُها إذن دليل على الرسالة.
ثم إن كثيرا من الناس لا يستطيعون كل حين ولا يوفّقون إلى تلاوة القرآن الكريم كله، بل يكتفون بما يتيسر لهم منه. ومن هنا تبدو الحكمة واضحة في جعل كل سورة مطولة ومتوسطة بمثابة قرآن مصغر، ومن ثم تكرار القصص فيها بمثل تكرار أركان الإيمان الضرورية. أي إن تكرار هذه القصص هو مقتضى البلاغة وليس فيه إسراف قط. زد على ذلك فإن فيه تعليما بأن حادثةَ ظهورِ محمد (ص) أعظم حادثة للبشرية وأجلّ مسألة من مسائل الكون.
نعم، إنّ مَنْحَ ذات الرسول الكريم (ص) أعظمَ مقام وأسماه في القرآن الكريم، وجَعْل "محمدٌ رسولُ اللّٰه" -الذي يتضمن أربعة من أركان الإيمان- مقرونا بی"لا إله إلّا اللّٰه" دليل -وأي دليل- على أن الرسالة المحمدية هي أكبر حقيقة في الكون، وأن محمدا (ص) لهو أشرف المخلوقات طُرا، وأن الحقيقة المحمدية التي تمثل الشخصية المعنوية الكلية لمحمد (ص) هي
— 297 —
السراج المنير للعالمين كليهما، وأنه (ص) أهل لهذا المقام الخارق، كما قد أثبت ذلك في أجزاء رسائل النور بحجج وبراهين عديدة إثباتا قاطعا. نورد هنا واحدا من ألف منها. كما يأتي:
إنّ كل ما قام به جميعُ أمة محمد (ص) من حسنات في الأزمنة قاطبة يُكتب مثلها في صحيفة حسناته (ص)، وذلك حسب قاعدةِ: "السبب كالفاعل"... وإنّ تنويره لجميع حقائق الكائنات بالنور الذي أتى به لا يجعل الجنّ والإنس والملائكة وذوي الحياة في امتنان ورضى وحدهم، بل يجعل الكونَ برمّته والسماوات والأرض جميعا راضية عنه محدّثةً بفضائله... وإنّ ما يبعثه صالحو الأمة يوميا من ملايين الأدعية ومع الروحانيين من مليارات الأدعية الفطرية المستجابة التي لا تُرد -بدلالة القبول الفعلي المُشاهَد لأدعية النباتات بلسان الاستعداد، وأدعية الحيوانات بلسان حاجة الفطرة- ومن أدعية الرحمة بالصلاة والسلام عليه، وما يرسلونه بما ظفروا من مكاسب معنوية وحسنات هدايا، إنما تقدم إليه أولا. فضلا عما يدخل في دفتر حسناته (ص) من أنوارٍ لا حدود لها بما تتلوه أمتُه -بمجرد التلاوة- من القرآن الكريم الذي في كل حرف من حروفه -التي تزيد على ثلاثمائة ألف حرف- عشرُ حسنات وعشر ثمار أخروية، بل مائة بل ألف من الحسنات..
نعم، إنّ علام الغيوب سبحانه قد سبق علمه وشاهد أن الحقيقة المحمدية التي هي الشخصية المعنوية لتلك الذات المباركة (ص) ستكون كمثال شجرة طوبى الجنة، لذا أولاه في قرآنه تلك الأهمية العظمى حيث هو المستحِق لذلك المقام الرفيع. وبيّن في أوامره بأن نيل شفاعته إنما هو باتباعه والاقتداء بسنته الشريفة وهو أعظم مسألة من مسائل الإنسان. بل أَخَذَ بنظر الاعتبار -بين حين وآخر- أوضاعه الإنسانية البشرية التي هي بمثابة بذرة شجرة طوبى الجنة.
وهكذا فلأن حقائق القرآن المكررة تملك هذه القيمة الراقية وفيها من الحِكَم ما فيها، فالفطرة السليمة تشهد أن في تكراره معجزةً معنويةً قوية وواسعة، إلّا مَن مَرِض قلبُه وسَقم وجدانُه بطاعون المادية، فتشمله القاعدة المشهورة:
قد ينكر المرءُ ضوءَ الشمس من رَمدٍ وينكر الفمُ طعمَ الماءِ من سَقَم
[٭]: البيت للشاعر شرف الدين البوصيري(٭) في قصيدة البردة: قد تُنكِرُ العيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ من رَمَدٍ ويُنكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ من سَقَمٍ
— 298 —
خاتمة هذه المسألة العاشرة في حاشيتين
الحاشية الأولى: طَرَق سمعي قبل اثنتي عشرة سنة، أن زنديقا عنيدا، قد فضح سوءَ طويته وخبثَ قصده بإقدامه على ترجمة القرآن الكريم، فحاك خطةً رهيبة، للتهوين من شأنه بمحاولة ترجمته. وصرح قائلا: ليُترجَم القرآن لتظهر قيمته! أي ليرى الناس تكراراته غير الضرورية! ولتُتلى ترجمتُه بدلا منه! إلى آخره من الأفكار السامة. إلّا أن رسائل النور -بفضل اللّٰه- قد شَلّت تلك الفكرةَ وأجهضت تلك الخطة بحججها الدامغة وبانتشارها الواسع في كل مكان، فأثبتت إثباتا قاطعا أنه لا يمكن قطعا ترجمةُ القرآن الكريم ترجمةً حقيقية.. وأن أية لغة غير اللغة العربية الفصحى عاجزة عن الحفاظ على مزايا القرآن الكريم ونُكته البلاغية اللطيفة.. وإن الترجمات العادية الجزئية التي يقوم بها البشر لن تَحُل -بأي حال- محلَّ التعابير الجامعة المعجزة للكلمات القرآنية التي في كل حرف من حروفها حسنات تتصاعد من العشرة إلى الألف، لذا لا يمكن مطلقا تلاوة الترجمة بدلا منه.
بيد أن المنافقين الذين تتلمذوا على يد ذلك الزنديق، سعوا بمحاولات هوجاء في سبيل الشيطان ليطفئوا نورَ القرآن الكريم بأفواههم. ولكن لَمَّا كنتُ لا ألتقي أحدا، فلا علم لي بحقيقة ما يدور من أوضاع، إلّا أن أغلب ظني أن ما أوردتُه آنفا هو السبب الذي دعا إلى إملاء هذه "المسألة العاشرة" عليّ، رغم ما يحيط بي من ضيق.
الحاشية الثانية: كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق "شهر" عقب إطلاق سراحنا من سجن "دنيزلي" أتأمل فيما حوالي من أشجار الحَوَر (الصفصاف) الكثيرة في الحدائق الغنّاء والبساتين الجميلة، رأيتُها جذلى بحركاتها الراقصة الجذابة، تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم. فبدت أمامي بأبهى صورة وأحلاها، وكأنها تسبّح للّٰه في حلقات ذكر وتهليل.
مسّت هذه الحركات اللطيفة أوتارَ قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا.. فخطر على البیال -فجأةً- موسیمَا الخريف والشتاء وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال.. وبدأتُ أتألم على تلك الحَوَر الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى اغرورقت
— 299 —
عيناي واحتشدت على رأسي أحزانٌ تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات!
وبينما أنا في هذه الحالة المحزنة إذا بالنور الذي أتت به الحقيقةُ المحمدية (ص) يغيثني -مثلما يغيث كل مؤمن ويسعفه- فبدّل تلك الأحزانَ والغموم التي لا حدود لها مسراتٍ وأفراحا لا حدّ لها، فبتُّ في امتنان أبديّ ورضى دائم من الحقيقة المحمدية التي أنقذني فيض واحد من فيوضات أنوارها غير المحدودة، فنشر ذلك الفيض السلوان في أرجاء نفسي وأعماق وجداني، وكان ذلك كالآتي:
إن تلك النظرة الغافلة أظهرت تلك الأوراق الرقيقة والأشجار الفارعة الهيفاء من دون وظيفة ولا مهمة، لا نفعَ لها ولا جدوى، وأنها لا تهتز اهتزازها اللطيف من شدة الشوق والنشوة بل ترتعد من هول العدم والفراق.. فتبًّا لها من نظرة غافلة أصابت صميمَ ما هو مغروز فيّ -كما هو عند غيري- من عشق للبقاء، وحب الحياة، والافتتان بالمحاسن، والشفقة على بني الجنس.. فحولت الدنيا إلى جهنم معنوية، والعقلَ إلى عضو للشقاء والتعذيب. فبينما كنتُ أقاسي هذا الوضع المؤلم، إذا بالنور الذي أنار به محمد (ص) البشريةَ جمعاء يرفع الغطاء ويزيل الغشاوة ويبرز حِكَما ومعاني ووظائف ومهمات غزيرة جدّا تبلغ عدد أوراق الحَوَر. وقد أَثبتت رسائلُ النور أن تلك الوظائف والحِكَم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهو المتوجّه إلى الأسماء الحسنى للصانع الجليل. فكما أن صانعا ماهرا إذا ما قام بصنع ماكنة بديعة، يثني عليه الجميعُ ويقدرون صنعته ويباركون إبداعه، فإن تلك الماكنة هي بدورها كذلك تبارك صانعَها وتثني عليه بلسان حالها، وذلك بإراءتها النتائج المقصودة منها إراءة تامة.
أما القسم الثاني: فهو المتوجه إلى أنظار ذوي الحياة وذوي الشعیور من المخلوقات أي يكون موضعَ مطالعةٍ حلوة وتأمل لذيذ، فيكون كلُّ شيء كأنه كتاب معرفة وعلم، ولا يغادر هذا العالَم -عالم الشهادة- إلّا بعد وضع معانيه في أذهان ذوي الشعور، وطبع صوَره في حافظتهم، وانطباع صورته في الألواح المثالية لسجلات علم الغيب، أي لا ينسحب من عالَم الشهادة إلى عالم الغيب إلّا بعد دخوله ضمن دوائرِ وجودٍ كثيرة ويكسب أنواعا من الوجود المعنوي والغيبي والعلمي بدلًا عن وجود صوري ظاهري.
— 300 —
نعم ما دام اللّٰه موجودا، وعلمُه يحيط بكل شيء، فلابد أن لا يكون هناك في عالم المؤمن عدم وإعدام وانعدام وعبث ومحو وفناء من زاوية الحقيقة.. بينما دنيا الكفار زاخرة بالعدم والفراق والانعدام ومليئة بالعبث والفناء. ومما يوضح هذه الحقيقة ما يدور على الألسنة من قولٍ مشهور هو: "مَن كان له اللّٰه، كان له كل شيء، ومَن لم يكن له اللّٰه لم يكن له شيء".
الخلاصة: إنّ الإيمان مثلما ينقذ الإنسان من الإعدام الأبدي أثناء الموت، فهو ينقذ دنيا كل شخص أيضا من ظلمات العدم والانعدام والعبث. بينما الكفر -ولاسيما الكفر المطلق- فإنه يُعدم ذلك الإنسان، ويعدم دنياه الخاصة به بالموت. ويلقيه في ظلمات جهنم معنوية محوّلا لذائذ حياته آلاما وغصصا.
فلْترنّ آذان الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وليأتوا بعلاج لهذا الأمر إن كانوا صادقين، أو ليَدخلوا حظيرة الإيمان ويخلصوا أنفسهم من هذه الخسارة الفادحة.
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلّا مَا عَلّمْتَنَا إنّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ
أخوكم الراجي دعواتِكم والمشتاق إليكم
سعيد النورسي
— 301 —

المسألة الحادية عشرة

إن الشجرة المقدسة للأركان الإيمانية الكلية لها ثمرات يانعة إحداها هي الجنة، والأخرى هي السعادة الأبدية، والثالثة هي رؤية اللّٰه جل جلاله.
ولما كانت رسائل النور قد أوضحت مئات من تلك الثمار -كليها وجزئيها- مع حججها الدامغة فنحيل إيضاحها إلى "سراج النور" ونشير هنا إلى بضعة نماذج فقط لثمرات جزئية بل إلى جزء الجزئي والخاص من تلك الثمار الطيبة.
إحداها: كنت ذات يوم أدعو دعاءً بهذا المضمون: "يا رب أتوسل إليك بحرمة جبرائيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وبشفاعتهم أن تحفظني من شرور شياطين الجن والإنس.." وحَالَمَا ذكرتُ اسمَ عزرائيل -الذي يملأ ذكرُه الناس رعبا وارتجافا- شعرتُ بحالة ذات طعم في غاية الحلاوة والسلوان، فحمدت اللّٰه قائلا: "الحمد للّٰه"، وبدأت أُحب عزرائيل حُبا خالصا، على أنه واحد من الملائكة الذين يعتبر الإيمان بوجودهم ركنا من أركان الإيمان. وسنشير بإلمامة قصيرة إلى ثمرة جزئية واحدة من عديد الثمار للإيمان بهذا المَلَك.
منها: أن أثمنَ ما عند الإنسان، وأعظم ما يحرص عليه ويدافع عنه ويجهد في الحفاظ عليه، هو روحه بلا شك.. فلقد أحسستُ يقينا بفرح عميق إزاء تسليم الإنسان لأعز ما يملكه في الوجود -وهو روحه- إلى يدٍ "قوي أمين" ليحفظه من العبث والضياع والفناء.
ثم تذكرت الملائكة الموكَّلين بتسجيل أعمال الإنسان، فرأيت أنَّ لهم ثمرات لذيذة جدّا كهذه:
منها: أن كل إنسان لأجل أن تخلَّد أعمالُه الطيبة وتبقى كلماتُه القيمة، يسعى للحفاظ عليها وصيانتها من الضياع، سواءً عن طريق الكتابة أو الشعر، أو حتى بالشريط السينمائي، وبخاصة إذا كان لتلك الأعمال ثمراتُها الباقية في الجنة، فيشتاقُ إلى حفظها أكثر..
— 302 —
والكرام الكاتبون واقفون على منكِبَي الإنسان ليُظهروه في مَشاهِدَ أبدية، وليصوروا أعمالَه في مناظرَ خالدة، ليكافَأَ أصحابها ولينالوا الجوائز الثمينة الدائمة.. ولقد تلذذتُ من طعوم هذه الثمرة بلذائذ حلوة لا أستطيع أن أصفها.
وعندما جردني أهلُ الضلالة من أسباب الحياة الاجتماعية، وأبعدوني عن كتبي وأحبتي وخدمي وكل ما كان يمنحني السلوان، وألقوني في ديار الغربة والوحشة، وكنت في ضيقٍ وضجر من حالي إلى درجة كنت أشعر أن الدنيا الفارغة ستتهدم على رأسي.. فبينما أنا في هذه الحالة إذا بثمرة من ثمرات الإيمان بالملائكة تأتي لإغاثتي، فتضئ أرجاء دنياي كلها، وتنور العالم من حولي، وتعمّره بالملائكة وتؤهله بالأرواح الطيبة حتى دب السرور والبهجة في كل مكان. [٭]: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع إلّا عليه ملك واضع جبهته ساجدا للّٰه تعالى". (انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٧٣؛ الترمذي، الزهد٩؛ ابن ماجه، الزهد ١٩). وأرتني كذلك كم كانت دنيا أهل الضلالة ملآى بصرخات الوحشة وحسرات العبث والظلام..
فبينما كان خيالي فرحا جذلا بالتمتع بلذة هذه الثمرة، إذا به يتسلم ثمرة من الثمار الوفيرة -الشبيهة بهذه- من الإيمان بالرسل عليهم السلام، فذاقها فعلا، وأحسست توا أنَّ إيماني قد تَوسَّعَ ونما وانبسط حتى أصبح كليا شاملا، إذ أشرقت لديَّ تلك الأزمنة الغابرة كلها واستضاءت بنور التصديق والإيمان بهم، حتى كنت أشعر كأنني أعيش معهم، وبات كلُّ نبي من الأنبياء يصدِّق بآلاف التصديق على أركان الإيمان التي جاء بها ودعا إليها خاتمهم (ص)، مما أخرس الشياطين وأسكتهم..
ثم قفز إلى القلب السؤالُ ذو الجواب الشافي الواردُ في لمعةِ "حكمة الإستعاذة" وهو: أنَّ أهل الإيمان الذين لهم مثل هذه الثمرات للإيمان، ومثل هذه الفوائد والنتائج اللذيذة ذاتِ الطعوم غير المحدودة، ولهم النتائج الجميلة الطيبة للحسنات ومنافعها الكثيرة، ولهم العناية الدائمة من "أرحم الراحمين" وتوفيقه ورحمته.. كل ذلك يمنحهم القوة والإسناد، فلِمَ إذن يتغلب أهل الضلالة غالبا عليهم، بل قد يتغلب عشرون من أهل الضلالة على مائة منهم، ويهلكونهم؟! وفي ثنايا هذا التفكير خطر لي: لِمَ يحشّد القرآن الكريم هذا الحشد العظيم لأهل الإيمان بذكر إمداد اللّٰه إياهم بالملائكة وهم يواجهون دسائس شيطانية واهية ضعيفة؟..
— 303 —
وبما أن رسائل النور قد وضَّحت حكمة ذلك بحجج قاطعة، فسنشير هنا إلى الجواب عن ذلك السؤال في غاية الإيجاز:
نعم، يتولى أحيانا مائةٌ من الأشخاص المحافَظةَ على قصر، عندما يحاول أحدُ الشريرِين أو أي شخص مخرِّب إلقاءَ النار فيه خفية لتدميره. بل قد يُلجأ إلى السلطان أو الدولة للحفاظ على القصر، ذلك لأن بقاء بناء القصر يتوقف على جميع الشروط والأركان والأسباب الداعية إلى البقاء. أما تخريبه وهدمه فيكون بانعدام شرطٍ واحدٍ فقط.
فعلى غرار هذا المثال نفهم كيف أن شياطين الجن والإنس يقومون بتخريبٍ مدهش وبحريق معنوي عظيم بفعلٍ قليل جدا، بمثل ما يقوم شريرٌ بتدمير بناءٍ فخم بإلقاء عودِ كبريت فيه.
نعم، إن أساسَ وخميرة الشرور والرذائل والخطايا كلها هو العدم والهدم، وما يبدو من وجودها الظاهرِ يخفي تحته الإفساد والتعطل والعدم.
وإستنادا إلى هذه النقطة فإن شياطين الجن والإنس والشريرِين يتمكنون بقوة هزيلة جدا، أن يصدّوا قوة لا حدّ لها لأهل الحق والحقيقة ويلجئوهم إلى باب اللّٰه عز وجل والسعي إليه دائما. ولأجل هذا يضع القرآن الكريم تلك الحشود الهائلة لحمايتهم، ويسلّم إلى أيديهم تسعة وتسعين اسما من الأسماء الحسنى، ويصدر أوامر مشددة ليَثبتوا تجاه أولئك الأعداء.
ومن هذا الجواب ظهر فجأة أساسُ مسألةٍ مدهشة وبدايةُ حقيقةٍ عظيمة وهو أنه:
كما أن الجنة تخزن محاصيل جميع عوالم الوجود ونتائجها، وتستثمر النوى المزروعة في الدنيا، فتجعلها تؤتي أُكلها كل حين. فإن جهنم تحمص محاصيل العدم وتعصف بها لأجل إظهار النتائج الأليمة جدّا لعوالم العدم والفناء غير المحدودة، فمصنع جهنم الرهيب -فضلا عن وظائفها العديدة- يطهّر ما في عالم الوجود من أوساخ عالم العدم وأدرانه. سنوضح هذه المسألة العظيمة فيما بعد إن شاء اللّٰه لأننا لا نريد فتح بابها هنا.
وكذا فإن جزءا من ثمرات الإيمان بالملائكة هو الذي يعود إلى المنكر والنكير، [٭]: انظر: الترمذي، الجنائز ٧٠؛ ابن ماجه، الجنائز ٦٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١٢٦، ٤/٢٨٨. وهو كالآتي:
— 304 —
قلت ذات يوم: "إنني لابد -كأي فرد كان- داخلٌ لا محالة في القبر".. فدخلت إليه خيالا: وفيما كنت أستوحش يائسا من سجن القبر الانفرادي، ومن تجردي المطلق من كل شيء، وحيدا دون مُعِين، في ذلك المكان الضيق المظلم البارد، إذا بصديقين كريمين من طائفة "المنكر والنكير" قد برزا وجاءا إليّ وبدءا بالمناظرة معي.. وسّعا كلا من قلبي وقبري، فاستضاءا وتدفئا، وفُتحت شبابيك نوافذ مطلة على عالم الأرواح.. سُررت من أعماق روحي وشكرت اللّٰه كثيرا على ما رأيت من الأوضاع التي ستتحقق حتما في المستقبل وإن كنت أراها الآن خيالا.
فكما أنه عندما توفي طالب علم في أثناء تعلمه الصرف والنحو، سأله المنكر والنكير في القبر: "مَن ربك؟" أجاب: "مَن مبتدأ وربُك خبره.. اِسألوني سؤالا صعبا فهذا سهل!!" -يحسب نفسه أنه لا يزال في المدرسة يتلقى الدرس- كما أن هذا الجواب أَضحَك الملائكةَ والأرواحَ الحاضرة وذلك الوليَّ الصالح الذي انكشف له القبر فشاهَد الحادثةَ، بل جَعَل الرحمة الإلهية تبتسم؛ فأنقذه من العذاب.. كذلك فقد أجاب شهيد بطل من طلاب رسائل النور وهو "الحافظ علي"(٭) وقد توفي في السجن وهو لا يزال يقرأ ويكتب "رسالة الثمرة" بكمال الشوق، أجاب عن أسئلة المَلَكين في القبر -مثلما أجاب في المحكمة- بحقائقِ "رسالة الثمرة". وأنا كذلك وسائر طلبة رسائل النور سنجيب إن شاء اللّٰه عن تلك الأسئلة التي هي حقيقة في المستقبل، ومجاز في الوقت الحاضر. سنجيب عنها بحجج رسائل النور الساطعة وبراهينها الدامغة ونسوقهم بها إلى التصديق والاستحسان والتقدير.
وكذا فإن نموذجا جزئيا للإيمان بالملائكة محورا لسعادة الدنيا هو أنه:
بينما كان طفل بريء يتلقى درسه الإيماني في مبادئ الفقه، إذ يأتيه طفل آخر باكيا مُوَلْوِلا لوفاة أخيه البريء فيهدئه ويسليه، قائلا: "لا تبكِ يا أخي، بل اشكر اللّٰه؛ لأن أخاك قد ذهب مع الملائكة ومضى إلى الجنة وسيتجول ويسرح هناك بحرية كاملة كالملائكة وسيجد الفرحة والهناء أحسن منا، وسيطير كالملائكة ويشاهد كل مكان". فبدّل بكاءه وصراخه وعويله ابتسامة وسرورا.
فأنا كذلك مثل هذا الطفل الباكي، فقد تلقيت مع ما أنا فيه من وضع أليم وفي هذا الشتاء الكئيب نبأ وفاة اثنين ونَعيَهما بأسى وألم بالغين.
— 305 —
أحدهما: هو ابن أخي المرحوم "فؤاد" الذي أحرز الدرجة الأولى في المدارس العليا وهو الناشر لحقائق رسائل النور.
الثاني: تلك التي حجت وطافت بالبيت وهي تعاني سكرات الموت وسلَّمتْ روحها في الطواف، وهي المرحومة أختي العالمة: "خانم".
فبينما أبكاني وفاة هذين القريبين كبكائي على "عبد الرحمن"(٭) -المذكور في "رسالة الشيوخ"- رأيت بنور الإيمان -قلبا ومعنًى- صداقةَ الملائكة ورفاقةَ الحُور العين لذلك الشاب الطيب: "فؤاد" ولتلك السيدة الصالحة، عوضا عن صداقة الناس، ورأيت نجاتَهما من مهالك الدنيا وخلاصَهما من خطاياها. فبدأت أشكر اللّٰه -وهو أرحم الراحمين- ألف شكر وشكر، بما حوّل ذلك الحزن الشديد إلى الشعور بالبهجة، والإحساس بالسرور.. وبدأت أهنئهم وأهنئ أخي "عبد المجيد"(٭) (أبا فؤاد) وأهنئ نفسي كذلك. ولقد كُتب هذا وسُجل هاهنا من أجل أن ينال هذان المرحومان بركة الدعاء.
إن جميع ما في رسائل النور من موازين ومقارنات إنما هو لبيان ثمار سعادة الإيمان ونتائجها التي تعود للحياة الدنيا والحياة الأخرى، فتلك الثمار الكلية الضخمة تُري في الدنيا سعادة الحياة وتذيق لذائذها خلال العمر، كما تخبر أنَّ إيمان كل مؤمن سيُكسبه في الآخرة سعادة أبدية، بل ستثمر وتتكشف وتنبسط بالصورة نفسها هناك. فمِن نماذج تلك الثمار الكلية العديدة كتبت خمس ثمار منها على أنها لی"لمعراج" في نهاية "الكلمة الحادية والثلاثين" وخمس ثمار في "الغصن الخامس من الكلمة الرابعة والعشرين".
فكما ذكرنا آنفا أن لكل ركن من أركان الإيمان ثمارا كثيرة جدّا بلا حدود، فلمجموع أركان الإيمان معا ثمرات لا حدّ لها أيضا:
إحداها: الجنة العظيمة..
والأخرى: السعادة الأبدية..
والثالثة: هي ألذّها وهي رؤية اللّٰه جل جلاله هناك.
وقد وضح بجلاء في المقارنة المعقودة في نهاية "الكلمة الثانية والثلاثين" بعض ثمار الإيمان الذي هو محور سعادة الدارين.
— 306 —
هذا وإن الدليل على أن "الإيمان بالقدر" له ثماره النفيسة أيضا في هذه الدنيا هو ما يدور على ألسنة الجميع، حتى غدا مضربا للأمثال: "مَن آمن بالقدر أمِنَ من الكدر". وفي نهاية "رسالة القدر" بينت إحدى ثماره الكلية بمثال هو: دخول رجلين حديقة قصر سلطانيّ.. حتى إنني شاهدت من خلال حياتي بآلاف من تجاربي وعرفتُ أن لا سعادة للحياة الدنيا دون الإيمان بالقدر، فلولا هذا الإيمان لمُحيت إذن تلك السعادة وفنيت. بل كنت كلما نظرت إلى المصائب الأليمة من زاوية الإيمان بالقدر كانت تلك المصائب تخف ويقل وطؤها عليَّ، فكنت أسأل بحيرة: يا ترى كيف يستطيع العيشَ من لا يؤمن بالقدر؟
وقد أشير إلى إحدى الثمار الكلية للركن الإيماني: "الإيمان بالملائكة" في "المقام الثاني للكلمة الثانية والعشرين" بما يأتي:
إن عزرائيل عليه السلام قال مناجيا ربه عز وجل: إن عبادك سوف يشتكون مني ويسخطون عليَّ عند أدائي وظيفة قبض الأرواح. فقيل له جوابا: سأجعل الأمراض والمصائب ستائر لوظيفتك لتتوجه شكاواهم إلى تلك الأسباب لا إليك. ووظيفة عزرائيل نفسها هي الأخرى سِتار من تلك الستائر كيلا تتوجه الشكاوى الباطلة إلى الحق سبحانه وتعالى، وذلك لأن الحكمة والرحمة والجمال والمصلحة الموجودة في الموت قد لا يراها كل أحد؛ إذ ينظر إلى ظاهر الأمور ويبدأ بالاعتراض والشكوى. فلأجل هذه الحكمة -أي لئلا تتوجه الشكاوى الباطلة إلى الرحيم المطلق- فقد أصبح عزرائيل عليه السلام سِتارا.
ومثل هذا تماما ما يقوم به جميع الملائكة وجميعُ الأسباب الظاهرة من واجبات ووظائف إنما هي ستائر لعزة الربوبية، لتبقى عزة القدرة الإلهية وقدسيتها ورحمة اللّٰه المحيطة الشاملة مصونةً في الأمور والأشياء التي لا تُرى فيها أوجه الجمال، ولا تُعلم فيها حقائق الحكمة، من دون أن تكون هدفا للاعتراضات الباطلة. ولا يشاهَد عندئذ بالنظر الظاهري مباشرةُ يد القدرة في الأمور الجزئية والمنافيةِ للرحمة والأشياء التافهة. هذا وإن رسائل النور قد أَثبتت بدلائلها الغزيرة جدا، أنه ليس لأي سبب من الأسباب تأثير حقيقي، وليس له قابلية الإيجاد أصلا. وأنَّ سكك التوحيد وأختامها غير المحدودة موضوعة على كل شيء وأن الخلق والإيجاد يخصه هو سبحانه وتعالى، فليست الأسباب إلّا مجرد ستائر، وليس للملائكة -وهم
— 307 —
ذوو شعور- غير جزءٍ من الاختيار الجزئي الذي له الكسب دون الإيجاد، وهو نوع من الخدمة الفطرية ونمط من العبودية العملية لا غير.
أجل، إن العزة والعظمة تقتضيان وضع الأسباب الظاهرية ستائر أمام نظر العقل، إلّا أن التوحيد والجلال يرفعان أيدي الأسباب ويردّانها عن التأثير الحقيقي.
وهكذا، فكما أن الملائكة والأسباب الظاهرية المستخدَمة في أمور الخير والوجود، هي وسائل للتقديس الرباني وتسبيحه فيما لا يُرى ولا يعلم جماله من الأشياء، وذلك بتنیزيه القدرة الربانية وصيانتها عن التقصير والظلم؛ كذلك فإنَّ استخدام شياطين الجن والإنس والعناصر المضرة في أمور الشر والعدم هو الآخرُ نوع من الخدمة للتسبيحات الربانية ووسيلة للتقديس والتنیزيه والتبرئة من كل ما يُظن نقصا وتقصيرا في الكائنات وذلك لصيانة القدرة السبحانية، كيلا تكون هدفا لإلصاق الظلم بها وتوجيه الاعتراضات الباطلة إليها، ذلك لأن جميع التقصيرات تأتي من العدم ومن العجز ومن الهدم ومن إهمال الواجبات -الذي كل منه عدم- ومما ليس له وجود من الأفعال العدمية. فهذه الستائر الشيطانية والشريرة قد أضحت وسائل لتقديس الحق سبحانه وتعالى لِما حملت على عاتقها -باستحقاق- تلك الاعتراضاتِ والشكاوى لكونها مرجعا لتلك التقصيرات ومصدرا لها. إذ الأعمال الشريرة والعدمية والتخريبية لا تتطلب -أصلا- القوةَ والقدرة، فالفعل القليل أو القوة الجزئية بل إهمال لواجبٍ ما أحيانا يؤدي إلى أنواع من العدم والفساد. لذا يُظن أن القائم بتلك الأفعال الشريرة هو ذو قدرة، بينما الأمر في الحقيقة أنه لا تأثير له إلّا العدم ولا قوة له إلّا الكسب الجزئي. ولما كانت تلك الشرور ناشئة من العدم فإن أولئك الأشرار يُعدّون هم الفاعلين الحقيقيين لها؛ فإن كانوا من ذوي الشعور استحقوا أن يذوقوا وبال أمرهم. وهذا يعني أن أولئك الأشرار الفاسدين هم فاعلون للسيئات. أما في الحسنات والخير والأعمال الصالحة فلأنها وجودية فإن الأخيار ليسوا هم الفاعلين الحقيقيين لها، وإنما هم أهل لكي تجري الحسنات على أيديهم فيَقبلوا الكرم الإلهي. وما إثابتهم على أعمالهم إلّا كرم وفيض إلهي محض. والقرآن الكريم يوضح هذا بأمره:
ما أصابَكَ مِنْ حَسَنةٍ فَمِنَ اللّٰه وما أصابَكَ مِنْ سَيّئةٍ فَمِنْ نَفسِكَ
(النساء:٧٩).
ومجمل القول: إن عوالم الوجود وعوالم العدم غير المحدودتين عندما تتصادمان معا، وعندما تثمران الجنة والنار، وعندما تقول جميع عوالم الوجود: "الحمد للّٰه، الحمد
— 308 —
للّٰه" وتردد جميع عوالم العدم: "سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه" وحتى عندما تتصارع الملائكة مع الشياطين، والخيراتُ مع الشرور، بل حتى عندما يدور الجدال حول القلب بين الإلهام والوسوسة.. عندما يحدث كل هذا بقانون المبارزة المحيط تتجلى ثمرة من ثمار "الإيمان بالملائكة" فتحسم القضية وتحل المشكلة، منوِّرةً الكائناتِ المظلمةَ مبدية لنا نورا من أنوار:
اللّٰه نور السموات والارض
(النور:٣٥) فتذيقنا من حلاوتها.. ما أحلاها! وما ألذها!!
هذا وإن كلا من الكلمة "الرابعة والعشرين" و"الكلمة التاسعة والعشرين" قد أشارتا إلى ثمرةٍ كلية أخرى وأثبتتا إثباتا ساطعا وجودَ الملائكة ووظائفهم.
نعم، إن ربوبية جليلة رحيمة واسعة التي عرّفت نفسها وحببتها، بما بثت من كل شيء في جنبات الكون سواء أكان كليا أَم جزئيا، يجب أن يقابَل ذلك الجلالُ وتلك الرحمةُ وذلك التعرّفُ والتحبب بعبودية واسعة محيطة شاملة شاكرة ضمن تقديس وحمد وثناء.
وحيث إن الجمادات والأركان العظيمة للكون التي ليس لها شعور لا يمكنها القيام بهذه العبودية العظيمة، فلا يقوم بها عنهم إلّا ما لا يحصى من الملائكة.. فهؤلاء هم الذين يمكنهم أن يمثلوا -بكل حكمة وجلال- إجراءاتِ سلطنة الربوبية في كل ركن من أركان الكون، وفي كل جزء من أجزائه من الثرى إلى الثريا من أعماق الأرض إلى أعالي الفضاء.
فمثلا: إن ما تصوره القوانين الميتة للفلسفة من خلق الأرض ووظيفتها الفطرية بشكل موحش مظلم، تحوّلها هذه الثمرة الإيمانية صورةً مؤنسة مضيئة حيث المَلَكان المسمّيان بالثور والحوت، يحملان على كتفهما -أي تحت إشرافهما- الكرةَ الأرضية، حيث قد أُحضرت من الجنة وجُلبت منها تلك المادة الأخروية، وتلك الحقيقة الأخروية المسماة بی"الصخرة" لتصبح الحجر الأساس الباقي لهذه الكرة الأرضية الفانية، إشارة إلى أن قسما من الأرض سيُفرغ ويحوّل إلى الجنة الباقية، فأصبحت الصخرة نقطة استناد للمَلكين: "الثور والحوت".. هكذا رُويت هذه الرواية عن بعض أنبياء بني إسرائيل السابقين، وهي مروية كذلك عن ابن عباس رضي اللّٰه عنه. ولكن المؤسف جدّا أن يتحول هذا التشبيه اللطيف وهذا المعنى السامي بمرور الزمن إلى حقيقة مادية مجسّمة عند العوام، بحيث أصبحت خارجة عن نطاق العقل؛ إذ الملائكة يستطيعون أن يصولوا ويجولوا في التراب وفي الصخور وفي مركز الأرض كجولانهم في الهواء، فليسوا إذن بحاجة أبدا -ولا الكرة الأرضية نفسها بحاجة- إلى صخرة مادية مجسمة ولا إلى ثور وحوت ماديين مجسمين! بمعنى أن تلك الرواية ليست إلّا للتشبيه.
— 309 —
ومثلا: لما كانت الكرة الأرضية تسبّح للّٰه بعدد رؤوس الأنواع الموجودة فيها، من حيوان ونبات وجماد. وبعدد ألسنة أفراد تلك الأنواع، وبمقدار أعضاء تلك الأفراد، وبعدد أوراقها وأثمارها، فإن تقديم هذه العبودية الفطرية غير الشعورية العظيمة جدا، وتمثيلَها، وعرضها بعلم وشعور على الحضرة الإلهية المقدسة، يتطلب حتما مَلكا موكلا له أربعون ألف رأس، وفي كل رأس أربعون ألف لسان يسبح بكل لسان أربعين ألف تسبيحة، مثلما أخبر المخبر الصادق بهذه الحقيقة نفسها. [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٥/١٥٦، أبو الشيخ، العظمة ٢/٥٤٧، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٧، ٣/٨٦٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٦٢. نعم، إنه من مقتضيات جلال الربوبية وعظمتها وسلطانها أن يكون جبرائيل عليه السلام على ماهية عجيبة وهو المؤهل لتبليغ العلاقات الربانية للإنسان الذي هو أهم نتيجة لخلق الكون. وأن يكون إسرافيل وعزرائيل عليهما السلام على ماهية عجيبة أيضا، وهما يمثلان -مجرد تمثيل- الإجراءاتِ الإلهيةَ الخاصة للخالق سبحانه، ويُشْرفان بعبودية خالصة على أعظم شيء في عالم الأحياء، وهو البعث والموت. وأن يكون ميكائيل عليه السلام على ماهية عجيبة أيضا، إذ يمثل بشعور كامل أنواعَ الشكر غير الشعورية على الإحسانات الرحمانية في الرزق الذي هو أجمع دائرة من دوائر الحياة وأوسعها للرحمة وأكثرها تذوقا، فضلا عن إشرافه عليها.
نعم، إنه من مقتضيات جلال الربوبية وأبهتها بقاءُ الروح ووجودُ أمثال هؤلاء الملائكة على ماهية عجيبة جدا، إذ إن وجود هؤلاء ووجودَ كل طائفة خاصة منهم قطعيُّ الثبوت ولا ريب فيه مطلقا، فهو ثابت بدرجة تليق بثبوت وجود الجلال والسلطنة الظاهرة في الكون كالشمس. وليقَس على هذا الموادُّ الأخرى التي تخص الملائكة.
نعم، إن الذي يخلق في الكرة الأرضية أربعمائة ألف نوع من الأحياء، بل يخلق من أبسط المواد ومن العفونات، ذوات أرواح بكثرة هائلة، ويعمّر بهم أرجاء الأرض ويجعلهم ينطقون بلسانهم إعجابا: "ما شاء اللّٰه، بارك اللّٰه، سبحان اللّٰه" أمام معجزات صنعته سبحانه، والذي جعل حتى الحيوانات الدقيقة تنطق بی"الحمد للّٰه والشكر للّٰه واللّٰه أكبر" حيال إحسانات الرحمة الواسعة وآلائها.. إن هذا القدير ذا الجلال والجمال قد خَلق بلا ريب ولا شبهة سَكنةً روحانيين تناسب السماوات الشاسعة، ممن لا يعصون أمره، ويعبدونه دوما، فيعمِّر بهم السماواتِ دون أن يدعها خالية مقفرة. فأوجد أنواعا كثيرة جدّا من الملائكة هي أكثر بكثير من
— 310 —
أنواع الأحياء وطوائفها، فقسمٌ منهم صغير جدّا يمتطون قطرات الأمطار وبلورات الثلوج، ويباركون الصنعة الإلهية مهللين لرحمتها الواسعة بلسانهم الخاص، وقسم منهم يمتطون ظهور الكواكب السيارة فيسيحون في فضاء الكون معلِنين للعالم أجمعَ عبوديتَهم بالتكبير والتهليل أمام عظمة الربوبية وعزتها وجلالها. [٭]: روى أبو داود بسند صحيح أن النبي (ص) قال: أُذن لي أن أتحدث عن ملَك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، ومن شحمة أذنه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام فيقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت.
نعم، إن اتفاق كل الكتب السماوية وجميعِ الأديان منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام على وجود الملائكة وعلى عبوديتهم، وإن ما روي من الروايات الكثيرة المتواترة من التحدث مع الملائكة والمحاورة معهم خلال جميع العصور، أثبت إثباتا قاطعا وجود الملائكة وعلاقتهم معنا، بدرجةِ ثبوتِ وجود الناس الذين لم نرهم في أمريكا.
والآن انظر بنور الإيمان إلى هذه الثمرة الكلية الثانية وذقها لترى كيف أنها أبهجت الكائناتِ من أولها إلى آخرها وعمّرتها وزيّنتها وحوّلتها إلى مسجدٍ أكبرَ ومعبد أعظمَ، فالكون المظلم البارد الذي ليس فيه حياة -كما تُصوِّره مادية العلم والفلسفة- يصبح بالإيمان كونا ذا حياة وشعور، ومنوَّرا ومؤنسا ولذيذا، فتذيق هذه الثمرةَ أهلَ الإيمان شعاعا من لذة الحياة الباقية وهم لا يزالون في الدنيا كلٌ حسب درجته.
تتمة:
كما أنه بسر الوحدة والأحدية، توجَد القُدرة نفسها والاسمُ نفسهُ والحكمةُ نفسها والإبداع نفسه، في كل جهة من جهات الكون، فيعلن كلُ مصنوع -كليا أم جزئيا- بلسان حاله: وحدانيةَ الخالق سبحانه وتصرفه وإيجاده وربوبيته وخلّاقيته وقدسيته، كذلك فإنه سبحانه يخلق ملائكة في أرجاء الكون كله ليقوموا -بألسنتهم الذاكرة الحامدة- بتسبيحات يؤديها كل مخلوق بلسان حاله بلا شعور منه. فالملائكة لا يعصون اللّٰه ما يأمرهم، وليس لهم إلّا العبودية الخالصة، وليس لهم أي إيجاد كان، ولا دخل لهم دون إذن، ولا تكون لهم شفاعة دون إذن منه سبحانه، لذا نالوا شرفَ: بل عبادٌ مكرَمون (الأنبياء:٢٦)، وَيفعلون ما يُؤمرون (التحريم:٦)
— 311 —

الشعاع الثاني عشر

دفاع محكمة دنيزلي

(٭): لقد أجرى أستاذنا بديع الزمان سعيد النورسي في دفاعه أمام محكمة "دنيزلى" بعضَ ما يلزم من الإضافة والحذف ورفعَهُ دفاعا في محكمة "أفيون" وذلك لوحدة القضية. وقد أدمج أيضا القسم الأعظم من هذا الدفاع مع دفاعه في محكمة "أفيون" وأطلق عليه اسم "الشعاع الرابع عشر" - طلاب النور.
باسمه سبحانه
أيها السادة! إنني أؤكد لكم أن الذوات الموجودين هنا إما لا تربطهم رابطة مع رسائل النور أو هناك مجرد رابطة بسيطة معها، مع أن لي العديد من الإخوة الحقيقيين بكل معاني الأخوّة التي تستطيعون تصورها. ولي على درب الحقيقة العديد من الأصدقاء الواصلين للحقيقة.
إننا أيها السادة على يقين تام لا يتزعزع بأن الموت بالنسبة لنا -بسر القرآن الكريم- ليس إعدامًا أبديًا بل مذكرة تسريح.. بينما يعد هذا الموت بالنسبة لمعارضينا وبالنسبة للسائرين في درب الضلالة موتًا أكيدًا وإعدامًا أبديًا -إن لم يكن يؤمن بالآخرة إيمانًا لا شبهة فيه-.. أو أن هذا الموت يعد بالنسبة إليه سجنًا انفراديًا أبديًا ومظلمًا -إن كان يؤمن بالآخرة ولكنه منغمس في حياة السفاهة والضلالة-.
إنني أسألكم: أتوجد في هذه الدنيا مسألة أكبر من مسألة الموت؟ أهناك مسألة إنسانية أهم وأكبر من هذه المسألة؟ فكيف إذن يمكن أن تستغل هذه المسألة من أجل شيء آخر؟ ومادام من المستحيل أن يكون هناك شيء آخر أهم من هذه المسألة، إذن فلِمَ أنتم منشغلون بنا هكذا؟
— 312 —
إننا لا ننظر إلى أشد عقوبتكم وأقصاها إلا أنها تسريح وتذكرة سفر إلى عالم النور، لذا فإننا ننتظرها بثبات كامل.. ولكننا نعلم علم اليقين أن الذين وقفوا ضدنا وأصدروا الأحكام ضدنا سيَلقون عن قريب عقابهم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي، ذلك العقاب المرعب.. إننا نوقن ذلك وكأننا نشاهدهم في عذابهم هذا كما نشاهدكم أنتم في هذا المجلس.. إننا نشاهدهم هكذا ونتألم كثيرًا من الناحية الإنسانية من أجلهم. وأنا على أتم استعداد لإثبات هذه الحقيقة المهمة والبرهنة عليها وإفحام أكبر المنكرين لها وإلزام أشد المتمردين عليها.. وأنا على أتم استعداد لقبول أي عقاب كان إن لم أقم بهذا الإثبات أوضح من الشمس في رابعة النهار وأمام أكبر علمائكم وفلاسفتكم وليس فقط أمام المختصين من هذه اللجنة الذين لا يملكون أي نصيب من العلم ومن الاختصاص، إنهم مشبعون بالحقد ولا علم لهم بالمعنويات ولا يهتمون بها.
والخلاصة: إن أمامكم طريقين: إما أن تطلقوا الحرية الكاملة لرسائل النور أو تحاولوا -إن استطعتم- أن تغلبوا الحقائق الواردة فيها وتقضوا عليها.
إنني لم أكن حتى الآن أفكر فيكم ولا في دنياكم، وما كان في نيتي أن أتفكر فيهما في المستقبل، ولكنكم اضطررتموني إلى هذا، وربما كان هذا ضروريًا لتنبيهكم وإيقاظكم، ولعل القدر الإلهي هو الذي ساقنا إلى هذا. أما نحن فإن مرشدنا هو الدستور القائل: "مَن آمن بالقدر أمِن من الكدر". [٭]: القضاعي، مسند الشهاب ١/١٨٧؛ الديلمي، المسند ١/١١٣؛ المناوي، فيض القدير٣/١٨٧. لذا فقد عقدنا العزم على تحمل جميع صنوف مضايقاتكم بكل صبر..
الموقوف
سعيد النورسي
— 313 —
باسمه سبحانه
أيها السادة! إنني مقتنع تماما -نتيجة شواهد ودلائل عديدة- بأن الهجمات التي تُشن علينا ليس مبعثها الزعم القائل بأننا "نستغل الشعور الديني للإخلال بالأمن الداخلي".. كلا، ولكن ذلك الهجوم -الذي يتم تحت ذلك الغطاء الزائف- يتم في سبيل الكفر والزندقة ويستهدف إيماننا وإنهاء مساعينا وخدماتنا في سبيل الإيمان و في سبيل إقرار الهدوء.. ونحن نملك أدلة وبراهين عديدة على هذا. ولنقدمْ هنا برهانًا واحدًا فقط على ذلك:
لقد قرأ عشرون ألف فرد عشرين ألف نسخة من رسائل النور في غضون عشرين سنة، ورضوا بها وتقبلوها. ومع ذلك لم تقع حادثة واحدة مخلة بالأمن من قبل طلاب رسائل النور، ولم تسجِّل المراجع الرسمية أية حادثة من هذا القبيل، كما لم تستطع المحكمة السابقة ولا المحكمة الحالية العثور على مثل هذه الحادثة، علما بأن نتائج مثل هذه الدعاية القوية والمنتشرة بكثرة كان لا بد لها من الظهور في ظرف عشرين يوما بشكل حوادث ووقائع.
إذن فإن "القانون رقم ١٦٣" ليس إلّا غطاء كاذبا وزائفا يشهر ضد حرية الضمير وحرية الوجدان والعقيدة، وقانونا مطاطا يراد منه أن يشمل كل المتدينين وكل الناصحين والدعاة، ولا يريد أهل الإلحاد والزندقة إلا القيام باستغفال بعض المسؤولين الحكوميين لضربنا وتحطيمنا.
وما دامت هذه هي الحقيقة فإننا نصرخ بكل قوتنا:
أيها البائسون الذين سقطوا في درك الكفر المطلق.. يا من بعتم دينكم بدنياكم!.. اعملوا كل ما تستطيعون عمله، ولتكن دنياكم وبالًا عليكم.. وستكون.. أما نحن فقد وضعنا رؤوسنا فداءً للحقيقة القدسية التي يفتديها مئات الملايين من الأبطال برؤوسهم.. فنحن متهيئون وجاهزون لاستقبال كل أنواع عقوباتكم.. بل حتى إعدامكم.
إنّ وضْعَنا وحالنا خارج السجن -تحت هذه الظروف- أسوأ مائة مرة من حالنا داخله، ولا يبقى بعد هذا الاستبداد المطلق الموجه إلينا أيُّ نوع من أنواع الحرية.. لا الحرية العلمية
— 314 —
ولا الحرية الوجدانية ولا الحرية الدينية.. أي لا يبقى أمام أهل الشهامة وأهل الديانة وأمام مناصري الحرية ومحبيها من سبيل إلا الموت أو الدخول إلى السجن.
أما نحن فلا يسعنا إلا أن نقول:
إنا للّٰه وانا اليه راجعون
ونعتصم بربنا ونلوذ به.
الموقوف
سعيد النورسي
باسمه سبحانه
السيد علي رضا رئيس المحكمة المحترم!
كي أستطيع الدفاع عن حقوقي فإنني أتقدم بطلب وبرجاء مهم:
إنني لا أعرف الحروف الجديدة، كما أن خطي في الحروف القديمة غير جيد، ثم إنهم منعوني من لقاء الآخرين ومواجهتهم، أي إنني أكاد أكون في عزلة كاملة أو في سجن انفرادي.. إلى درجةِ أنهم سحبوا مني ورقة اتهام الادعاء العام بعد ربع ساعة فقط من إعطائها لي. كما أنني لا أستطيع من الناحية المالية الاستعانة بمحام. وما قدمت لكم دفاعي إلا بعد مشقة كبيرة، ولم أستطع أن أحصل على نسخة من هذا الدفاع بالحروف الجديدة إلا بصورة سرية. وكنت قد أمليت كتابة "رسالة الثمرة" (التي هي بمثابة دفاع عن رسائل النور وبمثابة خلاصة مسلكها) لكي أقدمها إلى الادعاء العام وأرسل منها نسخة أو نسختين إلى الجهات الرسمية في "أنقرة". ولكنهم سحبوها منى ولم يعيدوها إليّ. بينما كانت الجهات العدلية في محكمة "أسكي شهر" قد قامت بإرسال آلة طابعة إليّ في السجن، فاستطعنا كتابة بضع نسخ من دفاعي بالحروف الجديدة، كما قامت المحكمة نفسها بالكتابة أيضا.
وهكذا فإن طلبي الذي أعدّه مهما، هو قيامكم بإرسال آلة طابعة، أو السماح لنا بجلب هذه الطابعة لكي يتسنى لنا القيام بطبع بضع نسخ بالحروف الجديدة من رسالة "الثمرة" التي تعد -كما قلت- بمثابة دفاع عني وعن رسائل النور، وذلك بغية إرسال نسخ منها إلى وزارة العدل وإلى مجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس الشورى للدولة، ذلك لأن التهم
— 315 —
التي وجهها إليّ الادعاء العام تنحصر كلها حول رسائل النور، ولا شك أن أي دعوى حول رسائل النور وأي اعتراض عليها لا يُعدُّ شيئا هينا أو بسيطا، ولا يُعدّ مسألة شخصية غير ذات أهمية، بل هي مسألة عامة وحادثة ذات شأن كبير تهمّ هذا البلد وهذه الأمة وهذه الحكومة مما تجذب إليها باهتمام أنظار العالم الإسلامي بأسره.
إن الأصابع التي تحارب رسائل النور من خلف الأستار هي الأصابع الأجنبية التي تحاول تحطيم وكسر الود والمحبة والأخوة التي يكنها العالم الإسلامي نحو هذه الأمة في هذا الوطن. هذه المحبة والأخوة التي تعد أكبر قوة لهذه الأمة. لذا فلكي يتم تحطيم هذه المحبة وهذه الأخوة وتبديلها وتغييرها إلى بغض ونفور فإن هناك أصابع تحاول استغلال السياسة وجعلها آلة ووسيلة لتشجيع الإلحاد والكفر المطلق، وهي بذلك إنما تقوم بعملية خداع للحكومة. وقامت مرتين بعملية تضليل للعدالة عندما تقول لها: "إن طلاب رسائل النور يستغلون الدين من أجل السياسة وأن هناك احتمالا لأن يتضرر من ذلك أمن البلد".
أيها البائسون! إن رسائل النور لا علاقة لها بالسياسة، بل تقوم بتحطيم الكفر المطلق -الذي أسفلُه الفوضى وأعلاه الاستبداد المطلق- وتفتيتِه وردّه على أعقابه. وأكبرُ برهان على ذلك هو رسالة "الثمرة" التي هي بمثابة دليل واحد من بين مائة حجة ودليل على أن رسائل النور تسعى لتأسيس الأمن والنظام والحرية والعدالة في هذا البلد، لذا أَطلب تكليف هيئة علمية واجتماعية عالية لتدقيق هذه الرسالة، فإن لم تقتنع هذه الهيئة بما أقول فإنني أرضى بكل عقاب وبأي نوع من أنواع الإعدام.
الموقوف
سعيد النورسي
— 316 —
باسمه سبحانه
السيد الرئيس!
لقد تم اتخاذ ثلاثة أسس في قرار المحكمة:
المادة الأولى: الجمعية. إنني أُشهد جميع طلاب النور الموجودين هنا وجميع من قابلوني وتحدثوا إليّ وجميع من قرؤوا أو استنسخوا رسائل النور، وتستطيعون أن تسألوهم إن قلت لأيّ منهم: إننا سنشكل جمعية سياسية أو طريقة نقشبندية، بل كنت أقول دائما: إننا نحاول إنقاذ إيماننا، ولم يجرِ بيننا حديث خارج عموم أهل الإيمان وخارج الجماعة الإسلامية المقدسة التي يربو عدد أفرادها على ثلاثمائة مليون مسلم، ولم نجد لأنفسنا مكانا خارجَ ما أَطلق القرآن الكريم عليه اسم "حزب اللّٰه" الذي يَجمع تحت ظل أخوّة الإيمان جميعَ أهل الإيمان. ولأننا حصرنا جهدنا في خدمة القرآن فلا شك أننا من "حزب القرآن" ومن "حزب اللّٰه" فإن كان قرار الاتهام يشير إلى هذا فإننا نقر بذلك بكل خلجة من خلجات أرواحنا وبكل فخر واعتزاز. أما إن كان يشير إلى معانيَ أخرى فإننا لا نعلم عنها شيئا.
المادة الثانية: إن قرار الاتهام يعترف -استنادا إلى تقرير وشهادة شرطة "قسطموني"- بأن "رسالة الحجاب" و"رسالة الهجمات الست وذيلها" وجدت داخل صناديق مغلقة ومسمّرة وتحت أكوام الحطب والفحم. أي لم تكن معدة للنشر أبدا. وقد مرت من تدقيقِ ونقد محكمة "أسكي شهر" وأدّت إلى إصدار عقوبة خفيفة لي. ولكن الادعاء العام الذي أخذ بعض الجمل من هذه الرسائل وأعطى لها مفهوما ومعاني غير صحيحة، يريد أن يرجع بنا تسع سنوات إلى الوراء وأن يحمّلنا مسؤولية جديدة حول تهمةٍ سبق وأن عوقبنا من أجلها.
المادة الثالثة: ورد في قرار الاتهام وفي مواضع عدة عباراتٌ أمثال: "يمكن أن يخل بأمن الدولة". أي تم وضع الاحتمالات والإمكانات محل الوقائع الثابتة. وأنا أقول: إن من الممكن ومن المحتمل أن يقوم كل شخص باقتراف جريمة القتل، فهل يمكن إدانة كل شخص وتجريمه على أساس الاحتمال؟
الموقوف
سعيد النورسي
— 317 —
باسمه سبحانه
السيد رئيس المحكمة!
أرفق لكم طيا صورة من دفاعي الذي قدمته كعريضة إلى المراجع الرسمية في "أنقرة" وإلى رئيس الجمهورية، وكذلك الرسالة الجوابية التي أرسلَتها رئاسة الوزارة، مما يظهر مدى قبولها واهتمامها بعريضتي. وقد أدرجت في دفاعي هذا الأجوبةَ القاطعة التي ردَّت على بيان الادعاء العام المملوء بالتُّهم التي لا أساس لها من الصحة وبالأوهام التي لا مبرر لها. كما يوجد في هذا الادعاء كثير من الأقوال المبنية على مضابط الشرطة المغرضة والسطحية والتي عارضها تقرير الخبراء، وقد سبق وأن قدمت اعتراضاتي عليها والتي يمكن تلخيصها بالآتي:
كما ذكرت لكم سابقا فإنه عندما أرادت محكمة "أسكي شهر" تجريمي حسب المادة رقم ١٦٣ قلت لها:"لقد وافق ١٦٣ نائبا من نواب البرلمان للحكومة الجمهورية البالغ عددهم مائتي نائب (أي بنفس عدد المادة ١٦٣) على تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة لإنشاء "دار الفنون" (الجامعة) في مدينة "وان". وأن موافقتهم هذه والاهتمام الذي أبدته حكومة الجمهورية نحوي يعني إسقاط التهمة الموجهة إليّ حسب "المادة ١٦٣".
عندما قلت هذا للمحكمة قامت اللجنة الاستشارية لتلك المحكمة بتحريف ما قلته وادّعت أن ١٦٣ نائبا أجروا تحقيقا حول "سعيد" وطالبوا بمحاكمته!
وهكذا، واستنادا إلى أمثال هذه التهم الباطلة لتلك اللجنة الاستشارية يحاول الادعاء العام جعلنا مسؤولين أمام هذه التهم، بينما جاء بالإجماع قرار الهيئة المختصة ذات المستوى الرفيع من العلم، التي تشكلت بقرار من المجلس النيابي وحوّل إليها تدقيق رسائل النور ما يأتي:
"لا توجد فيما كتبه "سعيد" أو طلاب النور أية دلائل أو أمارات صريحة حول استغلال الدين أو المقدسات وجَعْلها أداة ووسيلة للإخلال بأمن الدولة أو التحريض على ذلك ولا على محاولة القيام بتشكيل جمعية ولا أية نيات أو مقاصد سيئة، ولم نجد في وسائل تخاطب
— 318 —
طلاب النور وخطاباتهم أيةَ نيات سيئة ضد الحكومة ولا أية مقاصد لتشكيل جمعية أو طريقة صوفية. وقد تبين أنهم لا ينطلقون في حركتهم من هذا المنطلق".
كما قررت هذه الهيئة المختصة وبالإجماع كذلك على ما يأتي:
"إن تسعين بالمائة من رسائل النور لم تبتعد قيد أنملة عن مبادئ الدين وأسسه ولا عن مبادئ العلم والحقيقة، وقد كُتبت بإخلاص وبتجرد. ومن الواضح تماما أن هذه الرسائل لا تنوي استغلال الدين ولا القيام بتشكيل جمعية ولا محاولة الإخلال بأمن الدولة، كما أن الرسائل المتبادلة بين طلاب النور، أو بين طلاب النور وبين سعيد النورسي تحمل هذا الطابع أيضا. وباستثناء بعض الرسائل السرية (لا يتجاوز عددها عشر رسائل) التي لم تتطرق إلى مواضيع علمية. بل تحمل طابع الشكوى والألم، فقد كُتبت جميع رسائل النور إما لشرح آية أو لتوضيح معنى حديث شريف وبيانه. كما أن معظم رسائل النور كتبت لتوضيح الحقائق الدينية والإيمانية، وحول عقائد الإيمان باللّٰه وبرسوله واليوم الآخر. ولكي تتوضح هذه الحقائق بشكل أفضل انتهجت رسائل النور أسلوب ضرب الأمثال وإيراد القصص، وقدمت رأيها العلمي وإرشاداتها ونصائحها الأخلاقية ضمن مناقب حميدة وتجارب في الحياة وقصص ذات عبر، ولا تحتوي هذه الرسائل على أي شيء يمكن أن يمس الحكومة أو المراجع الرسمية".
لذا فإننا في الحقيقة متأثرون جدّا من قيام الادعاء العام بإهمال تقرير هذه الهيئة العلمية المتخصصة ذات المستوى المرموق وتركِه جانبا، والتوجه إلى التقرير القديم الناقص والمشوش والمضطرب، ثم بناء اتهاماته الغريبة استنادا إليه. لذا فإن من الطبيعي أن نرى هذا غير لائق بعدالة هذه المحكمة التي نسلم بعدالتها وإنصافها. وهذا يشبه -ولا مشاحة في الأمثال- ما جرى مع "البكطاشي" [٭]: البكطاشي: أي من أتباع الطريقة "البكطاشية" التي بدأت على أسس سليمة ثم انحرفت حتى أصبح أفرادها يضرب بهم المثل في ترك الصلاة والصوم وفي شرب الخمور. الذي قيل له: "لماذا لا تصلي؟" فأجاب: "لأنه ورد في القرآن: لاتقربوا الصلاة (النساء:٤٣)" فقيل له: "ولكن لماذا لا تكمل قراءة الآية وهي تقول: وانتم سكارى " فأجاب: "إنني لستُ حافظا للقرآن". وعلى هذا المثال تؤخذ جملة معينة من رسائل النور وتُبنى عليها الاتهامات ضدنا دون أن تُقرأ وتدقق الجمل التالية والموضِحة لها، وسترون أمثلة عديدة -حوالي أربعين مثالا- على هذا في مذكرة دفاعي التي سأقدمها لكم. وكأنموذج لهذا أقدم هذه الحادثة الطريفة:
— 319 —
وردت سهوا عبارة "إن رسائل النور تفسد الشعب" في مذكرة الادعاء العام في محكمة "أسكي شهر" عندما كان يشرح أثر الدروس الإيمانية لرسائل النور، ومع أن المحكمة شطبت فيما بعد هذه الجملةَ، إلّا أن أحد طلاب النور -واسمه عبد الرزاق- قال بعد مضي سنة على تلك المحكمة:
أيها الشقي! كيف يستطيع أحد أن يقول عن "إرشاد" رسائل النور "إفسادا"؟ أيقال بحق رسائل النور التي ظهرت وتأكدت قيمتُها الدينية ولم تبدر منها خلال عشرين سنة أية إساءة أو ضرر نحو الإدارة الحكومية ولا نحو أي شخص، بل قامت بإرشاد الآلاف من الشباب وتقوية إيمانهم وتقويم أخلاقهم؟ إذن فكيف تستطيع أن تصف "إرشاد" رسائل النور بأنه "إفساد"؟ ألا تخشى اللّٰه؟.. قطع اللّٰه لسانك!
إننا نحيل ما قاله مقام الادعاء العام -الذي اطلع على الأقوال المحقة لطالب النور هذا- من أن "سعيدا ينشر الفساد من حواليه".. نحيله إلى ضمائركم وإلى شعور الإنصاف في وجدانكم. ولكي يجد مقام الادعاء فرصة لغمز الدروس الاجتماعية لرسائل النور قال: "إن الوجدان هو مقامُ الدين ومكانه، فالدين لا يرتبط بالحكم ولا بالقانون، إذ عندما ارتبط بهما في السابق ظهرت الفوضى الاجتماعية".
وأنا أقول: إن الدين ليس عبارة عن الإيمان فقط، بل العمل الصالح أيضا هو الجزء الثاني من الدين، فهل يكفي الخوف من السجن أو من شرطة الحكومة لكي يبتعد مقترفو الكبائر عن الجرائم التي تسمم الحياة الاجتماعية كالقتل والزنا والسرقة والقمار ويمتنعوا عنها؟ إذن يستلزم أن نخصص لكل شخص شرطيا مراقبا لكي ترتدع النفوس اللاهية عن غيها وتبتعد عن هذه القذارات. ورسائل النور تضع مع كل شخص في كل وقت رقيبا معنويا من جهة العمل الصالح ومن جهة الإيمان، وعندما يتذكر الإنسان سجن جهنم والغضب الإلهي فإنه يستطيع تجنب السوء والمعصية بسهولة..
وقد بيّن الادعاء العام أمارة لا معنى لها عندما أَبرز أسماء الموقعين على التوافقات الظاهرة في إحدى الرسائل، وقال: إنهم أفراد جمعية! فيا ترى هل يمكن إعطاء اسم الجمعية على أصحاب التواقيع الموجودة في سجلات أصحاب المحلات والدكاكين؟. ولقد حدث
— 320 —
وهمٌ شبيه بهذا في محكمة "أسكي شهر" وأجبت عنه أيضا.. فلو كانت هناك جمعية دنيوية فيما بيننا، لكان المتضررون بسببي ينفرون مني نفورا شديدا ويهربون. ولكن مثلما لي ولنا ارتباط لا ينفصم مع "الإمام الغزالي"، حيث إنها رابطة أخروية لا دنيوية، كذلك هؤلاء الأبرياء المتدينون لهم رابطة قوية بهذا الضعيف لأجل ما تلقوا من دروس إيمانية. ومن هنا نشأ ذلك الوهم "جمعية سياسية".كلمتي الأخيرة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
الموقوف في السجن الانفرادي
سعيد النورسي
هذا الجزء له أهمية بالغة
باسمه سبحانه
أيها السادة! السيد رئيس المحكمة!
أرجو أن تنتبهوا وتعوا جيدا بأن إصدار أي حكم بمعاقبة طلاب النور ليس إلّا خدمة مباشرة للكفر والإلحاد، وليس إلّا اتهاما للحقائق القرآنية وللحقائق الإيمانية التي سار على هداها كلَ عام ثلاثمائة مليون مسلم منذ ألف وثلاثمائة سنة، أي هو محاولة لسد الجادة الكبرى وإغلاق الطريق القويم المؤدي إلى الحقيقة وإلى سعادة الدارين لما يقرب من ثلاثمائة مليار مسلم، [٭]: المقصود عدد المسلمين عبر العصور. مما سيجلب نفور هؤلاء واعتراضهم، ذلك لأن سالكي هذه الجادة وهذا الطريق يدعو فيه الخلف للسلف ويعينه بحسناته وبدعواته.
ثم إن هؤلاء -الواقفين موقف العداء للإيمان- سيكونون سببا في إثارة مشكلة كبيرة في هذا الوطن، فإذا وقف أمامكم يوم القيامة ويوم المحكمة الكبرى ثلاثمائة مليار خصم وسألوكم: "لماذا سمحتم لكتب إلحادية ولكتب تهاجم الإسلام بصراحة أمثال كتاب "تاريخ الإسلام" للدكتور دوزي(٭) وامتلأت بها مكتباتكم وسمحتم بقراءتها بكل حرية
— 321 —
ولطلابها بتشكيل الجمعيات حسب قوانينكم؟ ولماذا لا تتعرضون أبدا للإلحاد ولا للشيوعية ولا للفوضى ولا للمنظمات المفسدة العريقة ولا للطورانية العنصرية مع أنها تتعارض مع سياستكم؟ وتتعرضون لأشخاص لا علاقة لهم قطعا بالسياسة، بل همهم الوحيد سلوك طريق الإيمان والطريق القويم للقرآن الكريم، يقرؤون رسائل النور التي تبحث عن الحق والحقيقة لأنها التفسير الحقيقي للقرآن، لكي يخلصوا وينقذوا أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي ومن السجن الانفرادي. هذا في الوقت الذي لا توجد لهم أية علاقة أو ارتباط بأية جمعية سياسية؟ ولكنكم تتعرضون لهم لأنكم تتوهمون أن الصداقة والأخوة في اللّٰه التي تربط ما بين قلوبهم كأنها ناشئة بسبب ارتباطهم بجمعية معينة، لذا قمتم ومازلتم تقومون باتهامهم وبالحكم عليهم بقانون عجيب.. فلماذا؟"
إن قالوا لكم هذا فماذا ستجيبون؟ ونحن أيضا نستفسر عن هذا ونسألكم عنه.
إن الذين استغفلوكم وضللوا المراجع العدلية وشغلوا الحكومة بنا بما يجلب الضرر للامة وللوطن هم المعارضون لنا من الملحدين والزنادقة والمنافقين، فهؤلاء خدعوكم وشغلوا الحكومة عندما أطلقوا اسم "الجمهورية" على الاستبداد المطلق واسم "النظام" على الارتداد المطلق واسم "المدنية" على السفاهة الصرفة واسم القانون على ما وضعوه من أمور قسرية واعتباطية وكفرية، فآذَونا وضيقوا علينا ووجهوا ضرباتهم نحو حكم الإسلام وحكم الأمة خدمةً للأجنبي.
أيها السادة! إن وقوعَ أربع زلازل رهيبة في ظرف أربع سنوات، وتوافق وقوعها دائما مع تواريخ إلقاء القبض على طلاب رسائل النور وظلمهم والتضييق الشديد عليهم، وتوافق انتهائها مع انتهاء التعرض لهم، يشير إلى أنكم أنتم مسؤولون عن المصائب والبلايا السماوية والأرضية الواقعة في محاكمتنا الحالية. [٭]: يعلل الأستاذ النورسي هذه بأن رسائل النور كلمات طيبة من نوع الصدقة المقبولة التي هي وسيلة لدفع البلاء، لذا فإن منع انتشارها وحجبها عن الناس يفتح الطريق لنیزول البلاء.
سعيد النورسي
السجين سجنا انفراديا في سجن "دنيزلي"
— 322 —
باسمه سبحانه
(قسم من الكلمة الأخيرة)
أيها السادة!
لكوني لا أستطيع أن أعرف شيئا عن الحياة الاجتماعية الحالية، ونظرا للاتجاه الذي يسير فيه مقام الادعاء العام، وإصراركم على إصدار قرار بالحكم عليّ تحت ذريعة اتهامي بتشكيل جمعية، مع أنني قد أجبت على هذه التهمة ونفيتها بإجابات قاطعة وببراهين دامغة، كما أن اللجنة الاستشارية التي تشكلت في أنقرة من أهل العلم والاختصاص نفت ذلك أيضا بالإجماع، وإذ أنا في حيرة حول إصراركم على هذه المسألة خطر إلى قلبي هذا المعنى:
مادامت الصداقة والميل إلى التجمع الأخوي، والجمعية الأخروية هي من أسس الحياة الاجتماعية وضرورة من ضرورات الفطرة الإنسانية، ومن أهم الروابط وأكثرها ضرورة بدءًا من حياة العائلة والقبيلة ووصولا إلى حياة الأمة وإلى الحياة الإسلامية والإنسانية، ونقطة استناد وأنس لكل إنسان تجاه ما يلاقيه في الكون من مصاعب لا يستطيع مواجهتها وحده، وللتغلب على جميع العوائق والموانع المادية والمعنوية التي تحاول إعاقته عن القيام بإيفاء واجباته الإسلامية والإنسانية، ومع أن الصداقة والأخوة التي يجتمع عليها طلاب النور تخلو من أي جانب سياسي، بل هي أخوة صادقة وخالصة ووسيلة إلى خير الدنيا والسعادة في الآخرة، لأنهم يجتمعون في دروس الإيمان والقرآن في ظل صداقة خالصة وزمالة مخلصة في طريق الحق، وهم متساندون ضد ما يضر بالأمة وبالوطن، لذا فقد كان من الواجب أن يكونوا محط تقدير وإعجاب وهم يجتمعون هذه الاجتماعات الإيمانية. وأما من يعطي انطباعا ومعنَى جمعيةٍ سياسية لهذه الاجتماعات فهو إما مخدوع خداعا كبيرا، أو هو فوضوي غدّار يخاصم الإنسانية خصاما وحشيا ويعادي الإسلام معاداة نمرودية، ويخاصم الحياة الاجتماعية بأسوإ أسلوب من الأساليب الفوضوية، ويحارب الوطن والأمة والنفوذ الإسلامي والمقدسات الدينية محاربة
— 323 —
المرتدين والمتمردين اللدودين. أو هو زنديق خناس يعمل لحساب الأجنبي ويحاول قص شريان حياة هذه الأمة أو إفسادها، فيستغفل الحكومة ويضلل المراجع العدلية، لكي ينجح في تحويل أسلحتنا المعنوية -التي استعملناها حتى الآن ضد الفراعنة وضد الفوضويين- نحو وطننا، أو إلى كسر وتحطيم هذه الأسلحة.
الموقوف
سعيد النورسي
أيها السادة!
سأخاطب منظمة سرية تعمل منذ حوالي أربعين سنة لحساب الأجنبي لإفساد هذه الأمة باسم الكفر والإلحاد، وتحاول تمزيق هذا الوطن، وذلك بالهجوم على حقائق القرآن وحقائق الإيمان بكل الوسائل وبكل الطرق. وهذه الفئة السرية المفسدة تتشكل في أشكال مختلفة.
(ولكن صدور قرار البراءة في اليوم التالي أجّل ذلك الخطاب العنيف).
— 323 —
لموقوف في السجن الانفرادي
والمعزول عزلا كليا
سعيد النورسي
— 324 —

جواب حقيقي لسؤال مهم

سألني بعض الموظفين المرموقين:
"لماذا لم تقبل ما عرضه عليك مصطفى كمال حول جعلك واعظا عاما لعموم "كردستان" والولايات الشرقية بدلا عن الشيخ السنوسي(٭) براتب قدره ثلاثمائة ليرة؟ [٭]: هذا الراتب كان راتبا ضخما جدّا آنذاك ولا يأخذه إلا الوزراء. ذلك لأنك لو كنتَ قبلت هذا العرض منه لكنتَ سببا في إنقاذ أرواح مئات الآلاف من الرجال الذين ذهبوا ضحية الثورة؟". [٭]: حدثت في الولايات الشرقية (كردستان) عدة ثورات، كان أهمها الثورة التي قادها أحد رؤساء العشائر الكردية "الشيخ سعيد بيران" ضد سياسة النظام الحاكم آنذاك. فقضى عليها وأعدم قائد الثورة وسبعةٌ وأربعون ممن معه في ١٥/٤/١٩٢٥.
فقلت لهم جوابا على سؤالهم هذا: بدلا من قيامي بإنقاذ عشرين أو ثلاثين سنة من الحياة الدنيوية لهؤلاء الرجال، فإن رسائل النور كانت وسيلة وسببا لإنقاذ ملايينِ السنين للحياة الأخروية لمئات الآلاف من المواطنين، أي إنها قامت بعمل يكافئ أضعاف تلك الخسارة بآلاف المرات، فلو أنني قبلت ذلك العرض لما ظهرت رسائل النور التي تحمل في طياتها سر الإخلاص والتي لا تكون تابعا لأي أحد ولا وسيلة استغلال لأي شيء كان. حتى إنني قلت لأصدقائي المحترمين في السجن: لو أن الحكام الموجودين في أنقرة الذين آلمتْهم صفعات رسائل النور الشديدة فحكموا عليّ بالشنق، ثم استطاعت رسائل النور أن تنقذ إيمانهم وأن تنقذهم من الإعدام الأبدي، فاشهدوا بأنني أصفح عنهم من كل قلبي.
وقد قلت لمدير الشرطة وللمفتشين الذين أزعجوني غاية الإزعاج بترصداتهم ومراقباتهم لي بعد صدور قرار التبرئة من محكمة "دنيزلي":
"لا شك أن من كرامة رسائل النور التي لا يمكن إنكارها أنه بعد بحث وتدقيق دام تسعة أشهر، لم يستطع أحد من أن يعثر على أية وثيقة أو أية علاقة مع أي تيار أو مع أية جمعية أو
— 325 —
جماعة داخلية أو خارجية لا في مئات الرسائل والخطابات التي كتبتها خلال عشرين سنة من حياتي المليئة بالآلام وبأنواع الظلم، ولا مع طلاب النور الذين يُعدون بالآلاف. فهل يستطيع أي فكر أو أي تدبير أن يعطينا مثل هذا الوضع الباهر. إذ لو انكشفت أسرار شخص واحد لبضع سنين من عمره، لظهرت عشرون مادة تدينه وتفضحه. إذن فهذه هي الحقيقة.
فإما أن تقولوا: إن هناك ذكاء وعبقرية لا تبارى تنسّق هذا العمل وتسيّره.. أو لو قلتم: هناك عناية ربانية فائقة وحفظ إلهيّ.
عند ذلك أقول لكم: إذن فإن من الخطأ محاربة هذه العبقرية، لأن فيها ضررا كبيرا للأمة وللوطن، كما أن مجابهةَ ومعارضة العناية الربانية والحفظ الإلهي ليست إلّا تمردا فرعونيا.
ولو قلتم: إننا إن لم نقم بمراقبتك ورصد حركاتك، تستطيع أن تعكر حياتنا الاجتماعية بدروسك وبأسرارك الخفية.
لقلت لكم: لقد حصلت الحكومة على جميع دروسي بلا استثناء، فلم تجد فيها أي شيء يوجب العقاب، ومع أن ما يقرب من خمسين ألف نسخة من الرسائل من هذه الدروس متداولة بين أفراد الشعب وهم يقرؤونها بكل اهتمام وبكل لهفة، فما من ضرر لحق بأي شخص كان، بل على العكس رأينا منافعها. وقد أقرت المحكمة السابقة والمحكمة الحالية أنه لم يتم العثور فيها على أي شيء يوجب التهمة أو المؤاخذة، فأصدرت المحكمة الحالية قرارها بالبراءة بالإجماع. أما المحكمة السابقة فإنها احتجّت ببضع كلمات وردت ضمن مائة وثلاثين رسالة لكي تكون عذرا لها في إصدار حكم بالحبس لمدة ستة أشهر على خمسة عشر طالبا من طلاب النور من بين مائة وعشرين من الموقوفين منهم، وذلك من أجل شخص عظيم في مناصب الدنيوية. [٭]: المقصود مصطفى كمال. إذن فهذا برهان قوي وحجة قاطعة على أنّ تعرضكم لي ولرسائل النور ليس إلا نتيجةَ توهّم لا معنى له وليس إلّا ظلما قبيحا. ثم إنه لا توجد عندي دروس جديدة وليس لي سرّ مطوي وخفي لكي تقوموا بمثل هذه المراقبة والترصد.
إنني الآن في حاجة ملحّة إلى حريتي. ألا يكفي هذا الترصد غير المجدي والمراقبة العقيمة والملاحقة الظالمة المستمرة منذ عشرين سنة؟ لقد نفد صبري.. وربما أدعو عليكم
— 326 —
بسبب ضعفي وشيخوختي دعاءً لم أدعُه من قبل، وإن "دعوة المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب" [٭]: أصل الحديث: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين اللّٰه حجاب". (مسلم، الإيمان ٢٩؛ البخاري، الجهاد ١٨٠، الزكاة ٦٣، المظالم ٩، المغازي ٦٠). حقيقة راسخة.
ولكن ذلك الظالم وهؤلاء التعساء المتبوئين وظائف دنيوية عالية قالوا لنا:
"إنك ومنذ عشرين عاما لم تضع قبعتنا على رأسك حتى ولا مرة واحدة. ولم تحسر عن رأسك أمام المحاكم -السابقة منها واللاحقة- بل بقيتَ في قيافتك القديمة مع أن سبعة عشر مليونا لبسوا القيافة الجديدة".
قلت لهم: ليس هناك سبعة عشر مليونا، ولا سبعة ملايين، بل ولا يوجد من يلبسها بمحض اختياره سوى سبعة آلاف من السُكارى عَبَدة الغرب ومقلديه. لذا فبدلا من أن ألبس قيافة تجبرني عليها قوة القانون وتسمح لي بذلك الرخصة الشرعية [٭]: حيث إنه إكراه. فإني أُفضل أن ألبس قيافةَ سبعة مليار من الذوات المحترمين وسلوكَ طريق العزيمة والتقوى. ولا يمكن أن يقال لشخص مثلي تَرَك الحياةَ الاجتماعية وهجرها: إنه "يعاند وهو معارض ومخالف لنا". ولنفرض أنه عناد، فمادام مصطفى كمال نفسه لم يستطع أن يكسر هذا العناد، ومادامت محكمتان ومحافظو ثلاث ولايات لم يكسروه فمن أنتم حتى تحاولوا مثل هذه المحاولة العقيمة، ولماذا تحاولون هذا عبثا مع أنها لا تأتي بخير للأمة ولا لهذه الحكومة؟ حتى لو افترضنا أنني معارض سياسي فمادمتم تقرون وتعترفون بأنني شخص قد قطع علاقته مع الدنيا منذ عشرين عاما وبأنني أعد بذلك شخصا ميتا من الناحية المعنوية منذ عشرين عاما، لذا فليست هناك من فائدة من أن يبعث هذا الشخص من جديد في معترك الحياة السياسية بمواجهتكم، بل يُشَكل هذا ضررا بالغا له، لذا فإن توقع المعارضة السياسية من مثل هذا الشخص ليس إلّا جنونا مطبقا. ولما كان الحديث الجاد مع المجانين يعدّ جنونا فإنني سأترك التحدث مع أمثالكم.. افعلوا ما شئتم..".
فأدى قولي هذا إلى إسكاتهم وإغضابهم في الوقت نفسه.
كلمتي الأخيرة:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
حسبي اللّٰه لا اله الّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
— 327 —
قلت لهم في دفاعي الموجز هذه المرة:
إن ما تحتويها رسائل النور من الحقيقة والرحمة والحق قد منعتنا من الخوض في السياسة. ذلك لأن الخوض فيها يؤدي إلى وقوع الأبرياء في بلايا ومصائب عديدة فنكون قد ظلمناهم. وقد طلب بعضهم إيضاح هذا الأمر فقلت لهم:
إنه بسبب التعصب العنصري والأنانية التي نشأت في هذا العصر العاصف من المدنية الغادرة، والدكتاتورية العسكرية التي أعقبت الحرب العالمية، وما أفرزتْه الضلالةُ من القسوة وعدم الرحمة، ساد أشد أنواع الظلم وأشد أنواع الاستبداد، بحيث لو قام أهلُ الحق بالدفاع عن حقوقهم بالقوة لأصاب الكثيرَ من الأبرياء والضعفاء أشدُّ الظلم نتيجةَ الحيدة عن العدل، فيبقى هؤلاء مغلوبين على أمرهم يقاسون أشد أنواع الظلم. ذلك لأن الظالمين الذين تدفعهم النوازع المذكورة آنفا لا يترددون أبدا في مدّ يد الأذى والبطش والظلم بعشرين أو ثلاثين من الأبرياء ويؤاخذونهم بجريرةِ أو خطأ شخص أو شخصين بأسباب واهية ومعاذير شتى. فلو قام أهل الحق بضرب ذلك الموضع في سبيل الحق والعدل لأعطوا خسارة بمُعَدَّلِ ثلاثين إلى واحد. ولو قاموا باتباع القاعدة الظالمة المتمثلة بالمقابلة بالمثل وبطشوا بعشرين أو ثلاثين شخصا مأخوذين بجريرة واحد أو اثنين من الظالمين لاقترفوا -باسم الحق وتحت شعاره- ظلما عظيما وشنيعا.
هذا هو السبب والحكمة من تهرّبنا الشديد ونفورنا من التعرض للسياسة وللحكم وذلك بأمر القرآن، وإلّا فإن عندنا من قوة الحق ما يمكننا من الدفاع عن حقنا بكل جدارة. ثم مادام كل شيء زائلا وفانيا ومادام الموت موجودا والقبر لا يزال فاغرا فاه، ومادام الأذى ينقلب إلى رحمة، فإننا نفضل أن نصبر ونتوكل على اللّٰه ونشكره ونسكت. أما محاولة الإخلال بسكوتنا وهدوئنا بالإكراه بإيقاع الأذى بنا فإنها تناقض كل مفاهيم العدالة والغيرة الوطنية والحمية الملية.
وخلاصة الكلام: إنه لا يوجد هناك لأهل السياسة ولا لأرباب الحكم ولا لأصحاب الإدارة ولا للشرطة ولا لدوائر العدل شيء يستدعي منهم التعرض لنا. كل ما هنالك أن
— 328 —
بعض الزنادقة المتسترين استطاعوا بشيطنتهم وبالتعصب الزنديقي الناجم عن الكفر المطلق -الذي يعد طاعونا بشريا ونتاجَ الفلسفة المادية، والذي لا توجد هناك في الدنيا أيةُ حكومة تدافع عنه ولا أي شخص عاقل يأنس به-.. استطاعوا بهذه الشيطنة أن يخدعوا بعض موظفي الدولة ويُلقوا إليهم بأوهام وبمخاوف لكي يوجسوا منا خيفة وبذلك دفعوهم ضدنا.
ونحن نقول: إننا بعون اللّٰه تعالى وبالقوة التي نستمدها من القرآن الكريم لن نترك الميدان ولن نهرب ولو أقاموا الدنيا بأجمعها ضدنا وليس فقط بعض هؤلاء الأشخاص المصابين بالأوهام. ولن نسلم السلاح تجاه هؤلاء المرتدين الزنادقة من الكفار.
سعيد النورسي
— 329 —

الشعاع الثالث عشر

هذا الشعاع عبارة عن رسائل نيّرة في غاية الأهمية، بعث بها الأستاذ النورسي إلى طلابه (في السجن) وهي تبيّن بوضوح تام جهادَ رسائل النور الساطع. %
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أهنئ ليلتكم المباركة التي مرت (ليلة القدر) مع العيد السعيد المقبل، أهنئكم بكل ما أملك، وأودعكم أمانةً إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى وحدانيته جلّ وعلا.
ومع أنني لا أراكم بحاجة للسلوان فمضمونُ "من آمَنَ بالقَدرِ أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ" كافٍ ويغني، إلّا أنني أقول: لقد شاهدت شهودَ يقينٍ السلوانَ الكامل الذي يبعثه المعنى الإشاري للآية الكريمة:
واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإنّكَ بِأعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
(الطور:٤٨) وذلك:
بينما كنت أتأمل في قضائنا شهرَ رمضان المبارك براحة وطمأنينة مع نسيان هموم الدنيا، إذا بهذه الحادثة الرهيبة التي لا تطاق تحل بنا، والتي لم تخطر على بال، فشاهدتها شهودَ عيان أنها محض العناية الإلهية لي ولرسائل النور ولكم ولشهر رمضاننا ولأُخُوتنا.
وفيما يخصني من فوائدها الكثيرة أذكر بضع فوائد منها فقط:
أولاها: أنها دفعتني إلى السعي المتواصل في شهر رمضان بانفعال شديد وجدية صارمة والتجاء قوي وتضرع رقيق، متغلبا على المرض.
— 330 —
ثانيتها: أن الرغبة كانت شديدة في لقاء كل منكم والقرب منكم في هذه السنة أيضا، فقد كنت أرضى بهذه المعاناة والمشقات التي أتحملها إزاء لقاء واحد منكم والمجيء إلى "إسبارطة".
ثالثتها: أن جميع الحالات المؤلمة تتبدل فجأة ودفعة، سواء في "قسطموني" أو في الطريق أو هنا وبصورة غير معتادة وبخلاف رغبتي وتوقعي، بحيث تشاهَد أن يد عناية ربانية وراء الأحداث، حتى تجعلنا ننطق بی: "الخيرُ فيما اختاره اللّٰه" وتستقرئ رسائل النور -التي أفكر فيها دوما- حتى الغارقين في الغفلة المتسنّمين وظائف دنيوية مرموقة فاتحة ميادين عمل جديدة في ساحات أخرى.
إنه إزاء آلام كلٍ منكم وحسراته، المتجمعة عليّ والتي تمسّ عطفي ورقتي إليكم كثيرا، فضلا عن آلامي، ووقوع هذه المصيبة في شهر رمضان المبارك الذي كل ساعة منه في حكم مائة ساعة، يجعل كل ساعة من تلك الأثوبة المائة بمثابة عشر ساعات من العبادة، حتى يبلغ الألف ساعة من العبادة.
ثم إن الذين درسوا رسائل النور من أمثالكم المخلصين وفهموها حق الفهم، وأدركوا أن الدنيا فانية عابرة، وأنها ليست إلّا متجرا مؤقتا، والذين ضحّوا بكل ما يملكون في سبيل إيمانهم وآخرتهم، واعتقدوا أن المشقات الزائلة التي يعانونها في هذه المدرسة اليوسفية لذائذ دائمة وفوائد خالدة، قد بدّلت -هذه الفوائد- التألم لحالكم والبكاء عليكم النابع من العطف الشديد، إلى حالة تهنئة وتقدير لثباتكم، فقلت بدوري: "الحمد للّٰه على كل حال سوى الكفر والضلال".
فإلى جانب هذه الفوائد التي تخصني، هناك فوائد تخصكم، وتخص أُخُوتنا، وتخص رسائل النور، وشهرَنا المبارك، شهرَ رمضان، بحيث لو رفع الحجاب، لحملتْكم تلك الفوائدُ على القول: "يارب لك الحمد والشكر، حقا إن هذا البلاء النازل بنا عناية بحقنا". وأنا مطمئن من هذا ومقتنع به.
لا تعاتبوا -يا إخوتي- الذين أصبحوا السبب في وقوع الحادثة، إن هذه الخطة الرهيبة الواسعة قد حيكت منذ مدة مديدة، إلّا أنها جاءت مخففة معنًى وستزول بسرعة بإذن اللّٰه، فلا تتألموا بل استرشِدوا بالآية الكريمة:
وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ
(البقرة:٢١٦).
سعيد النورسي
— 331 —
إخوتي الأعزاء!
إنني محظوظ جدّا لوجودي بقُربكم، وأخاطِب أحيانا خيالَكم فأجد السلوان. اعلموا أنه لو كان من المستطاع لتحمّلت جميعَ مشاقّكم وضيقكم، وبكل فخر وسرور.
فأنا أُحب لأجلكم "إسبارطة" وحواليها بترابها وحجرها، حتى إنني أقول، وسأقوله في المحافل الرسمية: لو عاقبني مسؤولو الدولة في "إسبارطة" وبرّأتني ولايةٌ أخرى لفضّلت هذه المدينة أيضا.
نعم، إنني من إسبارطة بثلاث جهات رغم أني لا أستطيع الإثبات تاريخيا، ولكن لي القناعة بأن أصلَ "سعيد" المولود في ناحية "إسباريت" [٭]: ناحية تقع بقربها قرية "نورس" حيث مسقط رأس الأستاذ النورسي. قد رحل من هنا.
وكذا فإن ولاية إسبارطة قد وهبت لي من الإخوة الصادقين ما يجعلني لا أضحّي لأجل كل منهم بی"عبد المجيد" وبی"عبد الرحمن" بل أضحّى بسعيد وبكل امتنان ورضى.
إنني أعتقد أنه ليس هناك على الكرة الأرضية -حاليا- مَن يعاني من الضيق قلبا وروحا وفكرا أَقل من طلاب النور، لأن قلوبَهم وأرواحهم وعقولهم لا تعاني الضيق بفضل أنوار الإيمان التحقيقي. أما المصاعب المادية والمشقات الدنيوية فهم يقابلونها بصدور ملؤها الشكر والصبر لِما تعلّموه من رسائل النور أنها عابرة تافهة، حاملةٌ للثواب ووسيلةٌ لانفتاح مجال عملٍ لخدمة الإيمان وتوسعها.. فهم يُثبتون بأحوالهم أن الإيمان التحقيقي هو مبعث السعادة حتى في دار الدنيا.
نعم، إنهم يسعَون بجدٍ لتحويل هذه المشقات الفانية إلى رحمات باقية، قائلين:
"لنرَ المولى ماذا يفعل، إنما يفعله هو الأجمل".
نسأل اللّٰه الرحمن الرحيم أن يُكثر من أمثال أولئك ويجعلهم مدار شرف هذه البلاد واعتزازها وسعادتها ويرزقهم السعادة الأبدية في جنة الفردوس. آمين.
سعيد النورسي
— 332 —
إخوتي الأعزاء الصادقين!
إن نیزول هذا القضاء الإلهي بنا -من زاوية عدالة القدر- ناشئٌ من ميلِ عددٍ من طلاب النور الجدد إلى كسب أمور دنيوية أيضا برسائل النور، مما لا ينسجم مع سر الإخلاص؛ لذا وجدوا أنفسهم أمامَ نفعيين دنيويين، منافسين لهم.
إن الحصول على رسالة كُتب أصلها قبل خمس وعشرين سنة (أي الشعاع الخامس) في مكان بعيد، والتي لم أحصل عليها إلّا مرة أو مرتين خلال ثماني سنوات، وضُيّعت في الوقت نفسه دفع أشباه العلماء إلى تقلّد طور المنافس، فبثوا الأوهام والشكوك في صفوف دوائر العدل.
وفي الوقت نفسه فقد انعكس خبر طبع رسالة "الآية الكبرى" مع عدم موافقتي- بدلا من رسالة "مفتاح الإيمان" [٭]: كتيب يضم مستلات من كليات رسائل النور.. التي كنت أرغب في طبعها، بالحروف الجديدة، ووصول نسخٍ منها إلى هنا، انعكس -هذا الخبر- على الدوائر الحكومية، فالتبست عليهم إحدى المسألتين بالأخرى. فكأن "الشعاع الخامس" قد طبع، خلافا للقوانين المدنية، مما استهول ذلك أرباب الأغراض الشخصية واستعظموه جاعلين من الحبة مائة قبة. حتى زجّونا ظلما وعدوانا في هذا المعتكف (السجن).
أما القدر الإلهي فقد ساقنا إلى هنا لنكسب به منافع. فلقد أكسبنا ثوابا عظيما أكثر مما كان يغنمه الزهادُ المنیزوون في معتكفاتهم الاختيارية. ودعانا القدرُ الإلهي إلى المدرسة اليوسفية مرة أخرى ليعلّمنا درسَ الإخلاص تعليما تاما، وليقوّم علاقاتِنا وأواصرنا مع الدنيا التي هي تافهة حقا.
إننا نقول إزاء شكوك أهل الدنيا وأوهامهم: إن "الشعاع السابع" (رسالة الآية الكبرى) من أوله إلى آخره بحث في الإيمان، فلقد التبس عليكم الأمر وانخدعتم. وإن الشعاع الخامس يختلف عنه كليا وهو رسالة خاصة وسرّيّة للغاية حتى لم يعثَر عليها عندنا رغم التحريات الدقيقة. وإن أصل هذه الرسالة قد كتب قبل عشرين سنة فنحن لا نرضى بطبعها وحدها بل ولا بإراءتها أيضا إلى أي أحد كان في الوقت الحاضر. فهي رسالة تخبر عن أحداث مستقبلية، وقد صدّقها الواقع هناك، وهي لا تتحدى أحدا.
— 333 —
باسمه سبحانه
مع تهنئتي لكم بعيدكم السعيد مرة أخرى، أقول: لا تتأسفوا على عدم اللقاء فيما بيننا لقاءً ظاهريا، فنحن في الحقيقة معا دائما. وستدوم هذه المعية في طريق الأبد بإذن اللّٰه. وإنني على قناعة من أن الأثوبة الأبدية التي تكسبونها في عملكم في سبيل الإيمان والفضائل والمزايا الروحية والمباهج القلبية التي تحصلون عليها تزيل الغموم والضجر الذي ينتابكم مؤقتا في الوقت الحاضر.
نعم، إنه لم يحصل لحدّ الآن نظير ما حصل لطلاب النور بمعاناتهم أقل مشاق في سبيل أعظم عمل مقدس. نعم، إن الجنة غالية ليست رخيصة، وإن إنقاذ الإيمان من قبضة الكفر المطلق الذي يمحو الحياتَينِ معا له أهميته البالغة في هذا الوقت، وحتى لو وقع شيء من المشاق فينبغي أن يجابَهَ بالشوق والشكر والصبر، إذ إن خالقنا الذي يستخدمنا في هذه الخدمة ويدفعنا إليها رحيم وحكيم. فعلينا إذن أن نستقبل كل مصيبة تنیزل بنا بالرضا والسرور والالتجاء إلى رحمته تعالى والاطمئنان إلى حكمته.
إن أحد إخواننا الأبطال قد تحمل المسؤولية الكاملة المترتبة على طبع رسالة "الآية الكبرى". أنه أظهر حقا أنه أهلٌ للفضيلة والشرف الأخروي الرفيع، باستنساخه للحزب القرآني [٭]: الحزب القرآني: عبارة عن مجموعة آيات مختارة من سور القرآن الكريم والتي تعمق الإيمان وتخص التفكر الإيماني في الكون. والحزب النوري. [٭]: الحزب النوري: عبارة عن خلاصة تأملات فكرية، كتبها الأستاذ النورسي باللغة العربية. لقد أبكتني حالتُه بكاءً ممزوجا بسرور عميق.
فلقد جلب الشعاع السابع (الآية الكبرى) الأنظار إليها، إذ المصادرة الحالية المؤقتة تنطوي على حكمةِ تهيئة مجالاتٍ وفتوحات لائقة بها في المستقبل. فنحن نأمل من رحمته تعالى أن لا يُضيِّع خدماتِ ومصاريفَ أخينا المذكور ورفقائه بل يجعلها ساطعة منورة. إن الذي يُدخلكم جميعا ضمن أدعيته الواردة بصيغة المتكلم مع الغير، أمثال: "أجِرنا، وارحمنا، واحفظنا"، دون استثناء أحدٍ منكم، ويسعى على وفق دستورنا: "الاشتراك المعنوي" الذي هو بمثابةِ أجساد كثيرة وروح واحدة، ويتألم أكثر من آلامكم ومقاساتكم، وينتظر الهمة والعون والثبات والمتانة والشفاعة من شخصكم المعنوي هو:
أخوكم
سعيد النورسي
— 334 —
أخي العزيز الصادق السيد رأفت!
إن أسئلتكم المتّسمة بالعلم، قد أصبحت مفاتيحَ لحقائق جليلة من مجموعة "المكتوبات" لكليات رسائل النور، لذا لا أقف غير مكترث بأسئلتكم. فالجواب المختصر لهذا السؤال هو:
لما كان القرآن الكريم خطبةً أزلية، يخاطب طبقات البشر كافة وطوائف أصحاب العبادة كافة، فلا بد أن يكون له من معانٍ متعددة على وفق مداركهم، وأن يتضمن معناه الكلي مراتبَ كثيرة. وقد يفضّل بعضُ المفسرين المعنى الأعم فحسب، أو المعنى الصريح وحدَه، أو الواجب فقط، أو المعنى الذي يفيد سُنَّة مؤكدة. فمثلا: يذكر أن قوله تعالى: وَمِنَ الّليْلِ فَسَبِّحْهُ (الطور:٤٩) يبين ركعتي صلاة التهجد التي هي سنّة نبوية مهمة، واستخلص من قوله تعالى: وإدْبَارَ النَجُوم أنها سُنّة الفجر المؤكدة. والحال أن المعنى الأول له أفراد كثيرة جدّا فضلا عن ذلك المعنى.
أخي! إن المحاورة معك لم تنقطع.
إخوتي الأعزاء الأوفياء:
أدّيتُ الآن صلاة الظهر، ووردتم بخاطري في أثناء الأذكار، بأن كلا منكم يحزن لتفكّره بنفسه وبأحوال أقاربه الساكنين معه. وفجأة ورد إلى القلب:
إن الذين آثروا آخرتَهم على دنياهم في السابق قد انیزووا في مغارات وصوامعَ إنقاذا لأنفسهم من آثام الحياة الاجتماعية. وذلك سعيا لكسب الآخرة سعيا خالصا، وقد قضوا حياتهم في المداومة على الرياضة الروحية.. أقول لو كان أولئك في هذا الزمان لكانوا طلابا لرسائل النور.
فلاشك أن هؤلاء -وهم تحت هذه الظروف الحالية- محتاجون أكثر من أولئك بعشر مرات، ويغنَمون من الفضائل والمزايا أكثر منهم بعشر مرات، و ينعمون بالاطمئنان أكثر منهم بعشر درجات.
— 335 —
إخوتي الأعزاء الميامين!
سلام وافر كثير.. لقد كنا في مدينتنا سابقا نقرأ سورة "الإخلاص" ألف مرة يوم عرفة، ولكني الآن أستطيع قراءتها خمسمائة مرة قبل يوم عرفة بيوم وخمسمائة مرة يوم عرفة. فمن يستطع منكم أن يقرأها كلَها مرة واحدة فليفعل. وعلى الرغم من أنني لا ألتقيكم ولا بواحد منكم، ولكنني في أغلب الأوقات أستطيع رؤية كل منكم وألتقي به لقاءً خاصا ضمن الدعاء وأحيانا باسمه.
إخوتي الأعزاء!
لقد تألمت في أذكار صلاة الفجر اليوم على حال "الحافظ توفيق"،(٭) إذ خطر لي أنه يعاني للمرة الثانية المشاق والعنت. ولكن خطر بالبال فجأة: هنّئه! إنه كان يرغب في أن يسحب نفسه قليلا عن المقام العظيم لرسائل النور ويتخلف عن كسب حظها العظيم لأجل حذرٍ لا نفع فيه. بيد أن قدسية عمله وعظمتَه وفّقته أيضا لاغتنام تلك الحصة العظيمة وذلك الثوابِ الجزيل. نعم، ينبغي عدم التخلف عن مثل هذا الشرف المعنوي الرفيع لأجل تعب قليل وضيق عابر.
نعم، يا إخوتي! لما كان كلُ شيء عابرا زائلا. إن كان لذةً ومتعة، تذهب دون جدوى وتخلّف حسرة وأسفا. بينما يَدَع فوائد جليلة دنيوية وأخروية إن كان تعبا وضيقا، من حيث زاوية نظر الخدمة المقدسة. حيث تنطوي على فوائد لذيذة حلوة تزيل تلك المشقات. فإني أطمئنكم بأنني راضٍ عن حالي وأتحلّى بالصبر الجميل والشكر الكامل على الرغم من أنني أكبركم سنا -سوى واحد منكم- وأكثركم معاناة ومشقات. وما الشكر على المصيبة إلّا لأجل الثواب الذي فيها، ولفوائدها الأخروية والدنيوية.
— 336 —
إخوتي الأعزاء!
إن موانع كانت تحول دون إتمامِ مسائلِ رسالة "الثمرة". أحدُها البرد الشديد، والآخر: اندهاش الماسونيين من قوتها. ولكن بزوال تلك الموانع سيُباشَر بها بإذن اللّٰه. إنني أفكرجانب القدر الإلهي في هذه المصيبة التي حلت بنا، فأجد مصاعبي تتلاشى وتتحول إلى رحمة إلهية.
نعم، كما هو موضح في "رسالة القدر" أن في كل حادثة سببين اثنين:
الأول: سبب ظاهري، يحكم الناسُ على وفقه، وكثيرا ما يظلمون.
والآخر: سبب حقيقي، يقضي القدرُ الإلهي على وفقه، فيعدل -تحت ظلم البشر- في الحادثة نفسها.
مثال ذلك: يُلقى أحدُ الأشخاص في السجن بتهمة سرقة لم يرتكبها. ولكن يقضي القدرُ الإلهي عليه بسجنه لجناية له خفية، فيعدل من خلال ظلم البشر نفسه.
ففي قضيتنا هذه، والامتحانِ العسير الذي دخلنا فيه لأجل تمييز الألماس من قطع زجاجية تافهة، وفرزِ الصدّيقين الفدائيين من المترددين المرتابين، وتمحيصِ الخالصين المخلصين ممن لا يدَعون أنانيتهم ومصالحهم الشخصية.. هذا الامتحان العسير الذي دخلناه ينطوي على سببين:
الأول: خدمةُ الدين خدمة فائقة، من خلال تساندٍ وترابط وإخلاص قوي، حتى أثار حفيظةَ أهل الدنيا والسياسة، وقد نظر البشر إلى هذا السبب فظلَمَنا.
الثاني: لمّا لم يبيّن كلٌ منا إخلاصا تاما، ولا أظهر تساندا كاملا ولا أهلية تستحقها الخدمة المقدسة، نظر القدرُ الإلهي إلى هذا السبب، وعَدَل في حقنا.
فهذا القدر الإلهي هو رحمة إلهية بحقنا في عين العدالة نفسها. إذ جَمع في مجلس واحد إخوةً مشتاقٌ بعضهم إلى بعض، وبدّل المصاعبَ إلى عبادات، وحوّل الأموال الضائعة إلى صدقات، واستقطب الأنظار إلى الرسائل المستنسَخة. وأفهمنا أن أموال الدنيا وأولادَها، وراحةَ الإنسان فيها أمور مؤقتة زائلة، وأنه سيدَعها حتما تمضي إلى التراب، فلا داعي لأن يُفسد
— 337 —
آخرتَه لأجلها، بل ليتعوّد على الصبر والتحمل، وأن يكون قدوة حسنة ورائدا بطلا، بل إماما لإخوانه في المستقبل.. وما شابهها من النواحي الأخرى التي كلُّها رحمةٌ إلهية محضة.
بيد أن هناك جهة واحدة فقط تشغل فكري وهي: أن القلب والروح سينشغلان بجروحِ ما ألمّ بنا من مصاعب ومضايقات في حياتنا التي دخلناها، والتي هي بحكم الضرورة، مثلما يترك العقلُ والقلب والعين وظائفها المهمة إذا ما جرح إصبع من الإنسان، فتنشغل تلك الجوارح بذلك الجرح.
حتى إن تلك الحالة ساقتني فكرا إلى مجلس الماسونيين مع أنه كان من الضروري نسيان الدنيا في ذلك الوقت. وأشغلت فكري بإنیزال صفعات التأديب بهم. وقد وجدت السلوانَ في احتمالِ أن يقبل سبحانه وتعالى هذه الحالة، حالة الغفلة، نوعا من جهاد فكري.
لقد تسلمت سلام الأخ "علي كول" شقيق "الحافظ محمد" المعلم القدير لرسائل النور.
وأنا بدوري أرسل ألف سلام ودعاء إليه وإلى جميع إخوته، وإلى جميع أهالي قرية "ساو" [٭]: قرية ساو: قرية قريبة من منفى الأستاذ النورسي "بارلا". وأهالي هذه القرية شيبا وشبابا رجالا ونساءً خدموا الإيمان عن طريق نشر رسائل النور واستنساخها. أحياءً وأمواتا.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن ثباتكم وصلابتكم تبطل جميع خطط الماسونيين والمنافقين وتجعلها بائرة عقيمة.
نعم يا إخوتي، لا داعي للإخفاء، إن أولئك الزنادقة قد قاسوا رسائل النور وطلابها بالطرق الصوفية ولا سيما بالطريقة النقشبندية، فقد شنوا هجومهم علينا بالخطط نفسها التي غلبوا بها أهل الطرق الصوفية أملا بأن يفرّقونا ويهوّنوا من شأننا. فقد استعملوا:
أولا: وسائل التنفير والتخويف وإبراز أعمال أسيء استعمالها في المسلك.
ثانيا: إشهار وإعلان نقائص وتقصيرات أركان ذلك المسلك ومنتسبيه.
ثالثا: إن الوسائل التي استعملوها تجاه الطريقة النقشبندية والطرق الأخرى، وهي
— 338 —
إشاعة الفساد بالفلسفة المادية، ونشر سفاهة حضارتها الفتانة، وتذليل متعها المخدرة المسمومة لتحطيم عرى التساند وأواصر الأخوّة فيما بينهم مع الحط من شأن أستاذهم ومرشدهم بالإهانات، وتهوين شأن مسلكهم لديهم بإيراد دساتير العلم والفلسفة.. هذه الوسائل والأسلحة هي التي يستعملونها لدى هجومهم علينا أيضا.. إلّا أنهم انخدعوا، لأن مسلك رسائل النور قد أسس على الإخلاص التام، وتركِ الأنانية، واستشعار الرحمة الإلهية في زحمة الأعمال ومشقاتها، وتحرى اللذائذ الباقية وتذوقها في ثنايا الآلام العابرة، وإظهار الآلام المبرحة في لذائذ السفه نفسها، وبيان أن مدار اللذة الخالصة غير المتناهية في الدنيا أيضا هو في الإيمان. فضلا عن قيامها بتعليم الحقائق، وتفهيم المسائل التي تعجز الفلسفة أيا كانت أن تبلغها. لذا ستخيب آمالهم، وتبوء خططهم بالإخفاق بإذن اللّٰه، وسيجابهون بأن مسلك رسائل النور لا يقاس مع الطرق الصوفية. ويبهتون.
لطيفة ناداني أحدهم صباحا من قاعة الجندرمة المجاورة لي، فصعدتُ الشباك.
فقال: إن باب قاعتنا قد انسد من تلقاء نفسه، ولا نقدر على فتحه مهما حاولنا..
قلت: هذه إشارة لكم بأن الذين تراقبونهم وتسدون عليهم الباب، فيهم أبرياءٌ أمثالكم. فلقد أهانوني بحجة لقاءٍ لدقيقة واحدة مع أحد إخوتي في الدين لم أره منذ عشر سنوات وسدّوا حتى الباب الخارجي الآخر بحجة أخرى، فانسد بابُكم عقابا لذاك.
سعيد النورسي
— 339 —
إخوتي الأعزاء!
كنت أَصرف منذ سنة من كيلو من الشعرية والرز، ولم تبق لي شبهة أن فيها بركة عظيمة. إلّا أنكم الآن لا تدَعوني لأطبخ بنفسي، لذا أقدّمها لكم هدية مباركة.
ولقد شاهدت مرةً بركةً خارقة من تلك الشعرية. فقد كنت أجفف حباتها بعد الطبخ. وشاهدتُ -أنا وآخرون- أن كلا من حباتها كانت تطول إلى عشرة أمثالها.
إخوتي الأعزاء!
كان الحراس وغيرُهم يسمعونني عندما كنت منشغلا هذه الليلة بقراءة الأوراد، فخطر للقلب: ألا يُنقص هذا الإظهارُ من الثواب؟ فقلقت واضطربت ولكن خطر بالبال قولُ حجة الإسلام الإمام الغزالي الذي يقول: "رُبّ إظهارٍ خيرٌ من إخفاء".
أي إن قراءة الأوراد علنا، فيها استفادةُ الآخرين أو تقليدُهم أو تنبيههم من الغفلة أو إظهارُ العزة الدينية بما يشبه من إعلانٍ للشعائر الإسلامية أمام الضال السادر في السفاهة، وغيرها من الفوائد.. ولاسيما في هذا الزمان. فلا يدخل الرياءُ في أعمال الذين تعلّموا دروسَ الإخلاص تعلُّما تاما، بل هو أفضل من الإخفاء بكثير، بشرط عدم تدخل التصنع. وهكذا وجدتُ السلوان من هذا الكلام.
وعندما استدعاني حاكم التحقيق قبل يومين كنت أفكر في كيفية الدفاع عن إخواني، وفتحت كتاب "الحزب المصون" للإمام الغزالي وإذا بالآيات الكريمة الآتية تلفت نظري:
إنّ اللّٰه يُدافِعُ عَن الَّذينَ آمَنُوا...
(الحج:٣٨)
يَسْعى نُورُهم بَينَ أيْديهِم وَبايْمانِهم ...
(التحريم:٨)
اللّٰه حَفِيظٌ عَليهِم...
(الشورى:٦)
طُوبى لَهُم...
(الرعد:٢٩)
رَبَّنا اتْمِم لَنا نُورَنا وَاغْفِر لَنا ...
(التحريم:٨)
— 340 —
إخوتي الأعزاء الصدّيقين!
إن الذين اجتازوا الامتحان الشديد في هاتين المدرستين اليوسفيتين -القديمة والجديدة- [٭]: المقصود: سجن "أسكي شهر" و"دنيزلي". ولم يتزعزعوا، ولم يدَعُوا درسهم الإيماني، ولم يتخلوا عن صفة "الطالب" مهما كانت الظروف، ولم تنل من معنوياتهم هذه الكثرةُ الهائلة من الهجمات.. إن هؤلاء يرحب بهم الملائكة والروحانيون، كما سيرحب بهم أهلُ الحقيقة والجيلُ المقبل. فأنا مقتنع بهذا، ولكن الضيق المادي شديد لوجود المرضى والفقراء المساكين فيما بينكم. فتجاه هذا الأمر، ليكن كلٌ منكم مسليا لكلٍ من أولئك، وقدوة حسنة له في الصبر والأخلاق، وأخا شفيقا عليه في التساند واللطف، ومخاطبا ذكيا ومجيبا عن أسئلته في أثناء الدرس الإيماني، ومرآة صافية لانعكاس السجايا الفاضلة.. وعندئذٍ تجدون المضايقات قد ولّت واضمحل السأم وتلاشى الضجر. نعم، هكذا أتصور الأمر وأتسلى به يا إخوتي يا من أحبهم أكثر من روحي.
سأرسل لكم يوما جبة مولانا خالد قدس سره(٭) والتي عمرها مائة وعشرون سنة. فكما أنه قد ألبسنيها فأنا بدوري سأرسلها إليكم متى شئتم، ليلبسها كلٌ منكم باسمه.
لقد أجرى الطبيب عليّ لقاح الجدري في بداية مجيئنا هنا. فتورّمت الذراع، وتسرب الورم إلى الأسفل حتى لا يَدَعُني أن أنام، ويزعجنى في أثناء الوضوء. تُرى هل أن جسمي لا يتحمل التطعيم بالجدرى أم هناك معنى آخر في الأمر؟ وقد أخذتُ التطعيم بالجدري قبل عشرين عاما في "أنقرة" ويلتهب موضع التطعيم إلى الآن بين حين وآخر، ويزعجني. فأخشى أن يكون هذا كذلك مثله، فكيف الأمر عندكم؟.
سعيد النورسي
— 341 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن حكمة واحدة لعدالة القدر الإلهي في سَوقنا إلى المدرسة اليوسفية لی"دنيزلي" هو حاجة المسجونين فيها وأهاليها وربما موظفيها ومأموري دائرة العدل، إلى رسائل النور وإلى طلابها أكثر من أي مكان آخر. وبناءً على هذا فقد دخلنا امتحانا عسيرا بوظيفة إيمانية وأخروية، إذ ما كان إلّا واحدٌ أو اثنان من كل عشرين أو ثلاثين مسجونا يؤدون صلاتهم ويوفون حقها من تعديل الأركان، ولكن ما إن دخل أربعون أو خمسون طالبا من طلاب النور وكلهم يؤدون صلاتهم أداءً تاما دون استثناء إلّا كان لهم درسا بليغا وإرشادا فعليا بلسان الحال، بحيث يزيل هذا الضيقَ والضجر والرهق بل قد يحببه. فمثلما يرشد طلاب النور إلى هذا الأمر بأفعالهم وأحوالهم، نأمل من رحمته تعالى أن يجعلهم -بما يحملون من إيمان تحقيقي في قلوبهم- قلعة حصينة، ينقذون بها أهل الإيمان من سهام شبهات أهل الضلال.
إنه لا ضير مما يفعله أهل الدنيا من منعنا عن مخاطبة الآخرين ولقائهم؛ إذ لسان الحال أفصح من لسان المقال وأكثر تأثيرا منه.
فما دام دخول السجن هو لأجل التربية، فإن كانوا يحبون الأمة حقا فليسمحوا بلقاء المسجونين مع طلاب النور كي يحصلوا في شهر واحد بل في يوم واحد على التربية المرجوة حصولها في أكثر من سنة، وليصبحَ أولئك المسجونون أفرادا نافعين للبلاد والعباد وينقذوا مستقبلهم وآخرتهم.
لو كان عندنا رسالة "مرشد الشباب" لكانت تنفع كثيرا. نسأل اللّٰه أن ييسر دخولها هنا.
سعيد النورسي
— 342 —
إخواني الأعزاء الصديقين!
تذكرت اليوم ما جرى من الحوار المعروف لديكم حول "الشيخ ضياء الدين" بيني وبين أخي الكبير المرحوم "الملا عبد اللّٰه". ثم فكرت فيكم. وقلت في قلبي: إن الذي يُظهر ثباتا إلى هذه الدرجة في هذا الزمان الذي قلما يثبت فيه أحد، هؤلاء الأتقياء المخلصون والمسلمون الجادون الذين لا يتزعزعون في دوامة هذه الأحوال المحرقة المؤلمة، أقول: لو رفع الحجاب (حجاب الغيب) وبدا لي كل منهم في درجة الأولياء الصالحين، بل حتى لو ظهر في مرتبة القطبية فلا يزيد شيء في نظري عنهم ولا أغير ما أُولِيهم من اهتمام وعلاقة ما أوليه في الوقت الحاضر إلّا قليلا، وكذلك لو بدوا لي أشخاصا اعتياديين من العوام، فلا أنقص أبدا مما أمنحهم في الوقت الحاضر من قيمة كريمة ومنیزلة رفيعة.
هكذا قررتُ، لأن خدمة إنقاذ الإيمان في مثل هذه الأحوال الصعبة والشروط القاسية هي فوق كل شيء. فالمقامات الشخصية والمزايا التي يضفيها حسن الظن على الأشخاص تتزلزل وتتصدع في مثل هذه الأحوال المضطربة المزعزعة فيقل حسن الظن وبالتالي المحبةُ. زد على ذلك أن صاحب الفضيلة والمزية يشعر بضرورة التصنع والتكلف والوقار المصطنع كي يحافظ على مكانته في نظرهم.
فشكرا للّٰه بما لا يتناهى من الشكر، أننا لا نحتاج إلى مثل هذه التكلفات المصطنعة الباردة.
سعيد النورسي
— 343 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أبارك لكم الليالي العشر بكل روحي وقلبي وعقلي. ونسأله تعالى ونأمل من رحمته الواسعة أن تكسبنا مكاسب عظيمة جدّا وفق ما بيننا من اشتراك معنوي.
لقد رأيت الليلة فيما يرى النائم أنني قد أتيتكم، وما إن بدأت أصلي بكم إماما حتى استيقظت. وفي الوقت الذي أتوقع تحقق رؤياي -حسب تجاربي- إذا بأخوين اثنين من إخواننا الميامين في قرية "ساو" و"حوما" [٭]: حوما: قرية قريبة من "بارلا". قد أتيا، تعبيرا عن الرؤيا باسمكم جميعا. فسررت كثيرا وكأنني قد التقيتكم جميعا.
إخوتي! على الرغم من أن هذا الوضع (السجن) قد سبب نوعا من التوجس والخيفة إزاء رسائل النور لدى الموالين للحكومة ولدى قسم من الموظفين، إلّا أنه سبّب في المعارضين جميعا ولدى أهل الدين والموظفين ذوي العلاقة اهتماما واشتياقا نحوها.
لا تقلقوا يا إخوتي ستسطع تلك الأنوار.
(٭): انتبه يا أخي! بينما كانت جميع أسباب العالم في سجن "دنيزلي" تستهدف الأستاذ ظاهرا فيساق إلى المحاكم ويقرر بحقه أحكام الإعدام، يقول الأستاذ: "لا تقلقوا يا أخوتي ستسطع تلك الأنوار". فانظر كيف تحقق هذا الكلام. (طلاب النور).
إخوتي الأعزاء!
إنني أخال أن الرسالة الصغيرة التي أثمرها سجن "دنيزلي" ستكون دفاعنا الحقيقي والأخير، لأن الخطط المنصوبة للقضاء علينا سابقا والناشئة من أوهامٍ وشكوك أثيرت ضدنا منذ سنة، قد صممت على نطاق واسع، وهي "العمل لطريقة صوفية.. إنهم منظمة سرية.. وأداة لتيارات خارجية.. إثارة المشاعر الدينية واستغلالها في سبيل السياسة، والسعي لهدم الجمهورية والتعرض للدولة والإخلال بأمن البلاد" وأشباهها من الحجج التي لا أساس لها من الصحة. لذا شنوا هجومهم علينا.
— 344 —
فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر، أصبحتْ خططهم بائرة وباءت بالإخفاق، إذ لم يجدوا في هذا الميدان الواسع وبين مئات من الطلاب ومئات من الرسائل والكتب طوال ثماني عشرة سنة سوى أبحاث في حقيقة الإيمان والقرآن وتحقق الآخرة والسعي للسعادة الأبدية، لذا بدؤوا يتحرون عن حجج تافهة جدّا ليستروا بها خططهم.
ولكن إزاء احتمال الهجوم علينا باستغفال بعض أركان الحكومة والتغرير بهم وإثارتهم علينا من قبل منظمة ملحدة رهيبة متسترة تعمل حاليا عملا مباشرا في سبيل الكفر المطلق، فإن رسالة "الثمرة" الواضحة كالشمس والمزيلة للشبهات والأوهام، والراسخة رسوخ الشم العوالي، تكون أقوى دفاع لنا تجاههم، وسوف تسكتهم بإذن اللّٰه. وأحسب أنها كُتّبت لنا لأجل هذا.
سعيد النورسي
إخوتي!
على الرغم من ضيق مكانكم ضيقا شديدا، فإن قلوبكم أوسعُ من ذلك الضيق، فضلا عن أن لكم حرية أكثر مما عندنا.
اعلموا يا إخوتي! إن أهم أساس لقوتنا ونقطة استنادنا هي: التساند. وإياكم النظر إلى تقصيرات بعضكم البعض، مما يولّده الانفعال في الأعصاب من جراء هذه المصائب. فالشكاوى هي بمثابة الاعتراض على القدر الإلهي، فلا يقولنّ أحدُكم: لو لم يكن كذا لمَا حدث هكذا. ولا يغضب بعضكم على البعض الآخر. فلقد علمتُ أنه لا نجاة ولا حيلة لنا من هجوم هؤلاء. فكانوا يهجمون علينا مهما كنا نعمل. وما علينا إلّا أن نقابلهم بالصبر والشكر والرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقدَره، لتمدّنا العناية الإلهية.
فينبغي لنا أن نسعى لكسب الثواب العظيم والحسنات الكثيرة في زمن قليل وبعمل قليل. دعواتنا الخالصة بسلامة إخواننا هناك.
— 345 —
إخواني الأوفياء الصادقين!
إن لقاء الأصدقاء ومجالسة الإخوان منبعٌ ثرٌ للسلوان لما يعاني منه الإنسان من سرعة تبدل هذه الحياة الدنيا، ومن زوالها وفسادها، ومن فنائها وفناء متعها التي لا تجدي شيئا، ومن صفعات الفراق والافتراق التي تنیزلها بالإنسان..
نعم، قد يقطع إنسان مسافة عشرين يوما ويصرف مائة ليرة لأجل لقاء أخيه لساعات معدودة. ففي هذا الزمان العجيب الذي قلما يوجد فيه صديق صدوق، لا تعد هذه المشقات والمصاعب التي نزلت بنا مع ضياع الأموال ذات أهمية تذكر إزاء رؤية أربعين أو خمسين من الأصدقاء الصادقين والإخوة المخلصين دفعة واحدة طوال شهرين من الزمان، ومجالستهم ومحاورتهم في سبيل اللّٰه، والتسلي بهم وتسليتهم تسلية حقيقية. فأنا شخصيا كنت أرضى بهذه المصاعب والمشقات رجاء رؤية واحد من إخوتي هنا فحسب بعد فراقي عنهم عشر سنوات.
اعلموا أن الشكوى اعتراض على القدر والشكر تسليم له.
ثقوا يا إخواني؛ أنه لو حضر الأجلُ الآن، وتوفيتُ، لاستقبلته براحة قلب وانشراح صدر، لأنني على قناعة تامة من أن فيكم "سعيدِين" كثيرين شبانا أقوياء ثابتين سيتولون القيام بمهمة رسائل النور والدفاع عنها وحمايتها ووراثتها، أفضل بكثير من هذا "السعيد" الضعيف العجوز العاجز المريض.
إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!
لِمَا أنكم قد ارتبطتم برسائل النور رغبة بثواب الآخرة، وأداءً لنوع من العبادة، فلا شك أن كل ساعة من ساعاتكم -تحت هذه الشروط والأحوال الصعبة- تصبح في حكم عبادة عشرين ساعة، والعشرين ساعة من العمل في خدمة القرآن والإيمان -لما فيها من جهاد معنوي- تكسب أهمية مائة ساعة، والمائة ساعة التي تمضي في لقاء مجاهدين حقيقيين من إخوة طيبين -كل منهم يعادل في الأهمية مائة شخص- وعقد أواصر الأخوة معهم، وإمدادهم
— 346 —
-بالقوة المعنوية- والاستمداد منهم، وتسليتهم والتسلي بهم، والاستمرار معهم في خدمة الإيمان السامية بترابط حقيقي وثبات تام، والانتفاع بسجاياهم الكريمة، وكسب أهلية الطالب في مدرسة الزهراء بالدخول في مجلس الامتحان هذا، في هذه المدرسة اليوسفية، وأخذ كل طالب قسمته المقسومة له قَدَرا، وتناوله رزقه المقدّر له فيها، نوالا للثواب.. تستوجب الشكر على مجيئكم إلى هنا، والتجمل بالصبر وتحمل جميع المشقات والمضايقات مع التفكر في الفوائد المذكورة.
سعيد النورسي
إخوتي!
إنني أَرغب -قلبا- في أن يظهر هنا من "قسطموني" وما جاورها، كما ظهر من "إسبارطة" وحواليها أبطالٌ ميامين ثابتون ثبات الحديد والفولاذ (أمثال "خسرو"(٭) و"الحافظ علي"). فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد الشكر فقد حققتْ ولايةُ "قسطموني" أمنيتي تحقيقا تاما، فأمدتنا بعديدٍ من الأبطال.
تحياتي إلى الإخوة جميعا الذين يدورون دوما في خيالي فردا فردا ممن لم أكتب أسماءهم، وأدعو لهم بالسلامة والأمان.
إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء الثابتين!
أبيّن حالة من أحوالي لكم لا لأجعلكم تتألمون عليّ ولا لتحاولوا أخذ التدابير المادية اللازمة، بل لأستفيد من إكثار دعواتكم حسب قاعدة توحيد المساعي المعنوية، وللاستزادة من ضبط النفس وأخذ الحذر والتحلي بالصبر والتحمل والحفاظ على ترابطكم الوثيق.
إن ما أقاسيه هنا من عذاب وعنت في يوم واحد، ما كنت أقاسيه في شهر في سجن "أسكي شهر". لقد سلط الماسونيون الرهيبون عليّ ماسونيا ظالما، كي يجدوا مبررا من قولي: "كفى إلى هذا الحد" النابعِ من حدّتي وشدة غضبي إزاء تعذيبهم إياي، فيستغلوا هذا القول ويجعلوه سببا لتعدياتهم الجائرة ويستروا تحته أكاذيبهم.
— 347 —
إنني أصبر شاكرا، وأعد هذا الصبر أثر خارقا من آثار إحسانٍ إلهيّ، وقررت الاستمرار على الصبر والشكر. فما دمنا مستسلمين للقدر الإلهي، وهذه المضايقات التي نشعر بها تعدّ وسيلة لكسب ثواب أكثر ونوال أجر أكبر، وذلك بمضمون القاعدة: "خير الأمور أحمزها" [٭]: أي أقواها وأشدها. (انظر كشف الخفاء ١/١٥٥). لذا نعتبرها من هذه الناحية نعمة معنوية.
ثم إن المصائب الدنيوية الزائلة تنتهي بالأفراح والخيرات على الأكثر. ونحن مقتنعون قناعة تامة بحق اليقين أننا قد نذرنا حياتنا لحقيقة جليلة أسطع من الشمس، وجميلة كجمال الجنة، وحلوة لذيذة كلذة السعادة الأبدية. ولذلك ما ينبغي أن يصدر منا الشكوى قط بل تدفعنا هذه الأحوال الصعبة إلى أن نقول: نحن في جهاد معنوي نعتز به ونشكر ربنا الكريم على أن تفضل به علينا.
إخوتي الأعزاء!
إن أول ما نوصيه وآخرَه: الحفاظُ على الرابطة فيما بينكم، والحذر من الأنانية والغرور والمزاحمة، مع أخذ الحذر وضبط النفس.
سعيد النورسي
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد فُهِم من الادعاء الذي قدّمه المدعي العام، أن خطط الزنادقة المتسترين الذين يغررون ببعض أركان الحكومة ويستغفلونهم قد باءت بالفشل وظهر زيفُها وأكاذيبُها. إلّا أنهم يتشبثون الآن بحجج واهية، كإسنادِ تأسيسِ جمعية وتشكيل منظمة سرية محاوِلين به الستر على أكاذيبهم. وقد ظهر أَثر عملهم هذا في منع الناس -أيا كانوا- من اللقاء معي، وكأنه إذا ما حدث اللقاء سينضم الشخص إلينا فورا. بل حتى الموظفون الكبار يتوجسون خيفة أو يحببون أنفسهم لآمريهم بتشديد خناق المضايقة عليّ.
ولقد كنت عازما على قول هذه الفقرة الآتية ختام الاعتراض الذي قدمناه إليهم، إلا أن حادثة حدثت وحالت دون ذلك. والفقرة هي:
— 348 —
أجل، نحن جمعية، تلك الجمعية التي لها ثلاثمائة وخمسون مليونا من الأعضاء في كل عصر. وهم يؤكدون كمال احترامهم وصادق ارتباطهم وتعلقهم بمبادئ تلك الجمعية المقدسة -بإقامة الصلاة- خمس مرات يوميا، ويتسابقون في مدّ يد العون والمساعدة بعضهم إلى بعض، سواء بدعواتهم الشخصية عن ظهر الغيب، أو بمكاسبهم المعنوية الوفيرة وفق الدستور الإلهي: إنّما المؤمِنون أخوةٌ (الحجرات:١٠).
وهكذا فنحن أعضاء في تلك الجمعية المقدسة العظمى إذَن، أما وظيفتنا ضمن نطاق هذه الجمعية فهي: تبليغ الحقائق الإيمانية التي يتضمنها القرآن الكريم إلى طلاب الحق والإيمان على أصح وجه وأنزهه، إنقاذا لأنفسنا وإياهم من الإعدام الأبدي وبرزخ السجن الانفرادي السرمدي.
أما الجمعيات الدنيوية المؤسسة على الدسائس والأحابيل السياسية فلا علاقة لنا بها من قريب أو بعيد بل نترفع عنها.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد شعرت بألم تام تجاه كلٍ منكم فجر هذا اليوم، ولكن خطرت بالبال فجأة "رسالةُ المرضى" فأورثت السلوان.
نعم، إن هذه المصيبة شبيهة بنوع من مرض اجتماعي، وإن أكثر الأدوية الإيمانية المذكورة في تلك الرسالة تعمل عملها في هذا المرض أيضا، ولاسيما الآلام التي تورثها المصيبة، فقد ولّت قبل هذه الساعة بينما ثبت أجرُها وخيراتُها وفوائدها الدنيوية والأخروية والإيمانية والقرآنية، مثلما ذكرتُه للمريض الميمون من "أرضروم". بمعنى أن تلك المصيبة الواحدة العابرة قد انقلبت إلى نِعمٍ متعددة دائمة. أما الزمان القابل فلأنه غير موجود الآن، فلا ألمَ حاليا لما ستدوم فيه من مصيبة. لذا فإيراث الألم من العدم بالتوهم هو عدمُ ثقة برحمة اللّٰه وقدره سبحانه وتعالى.
ثانيا: إن أغلب البشر على سطح الأرض مبتلَون بمصائب مادية ومعنوية قلبا وروحا وفكرا. وإن مصيبتنا بالنسبة إليهم خفيفةُ الوطء جدّا ومُربحة، فضلا عن أنها تورث مكاسب وفوائد مادية ومعنوية للقلب والروح والإيمان والصحة والسلامة.
— 349 —
ثالثا: لو لم نكن ندخل إلى هنا (السجن) في خضم هذه الأعاصير الهُوج، لكانت وطأة هذه المصيبة الخفيفة ثقيلةً جدّا لدى لقاء الموظفين الذين تُساوِر قلوبَهم الشكوكُ والأوهام، ولكان ينیزل بنا بلاءُ التصنع والتزلف لهم.
رابعا: إن رؤية أحباء حقيقيين رحماء -أرحم على الإنسان من شقيقه- في هذا الشتاء المادي والمعنوي المضاعف الذي تعطلت فيه الأعمال وفي هذه المدرسة اليوسفية التي هي مدرسة واحدة من مدارس الزهراء، واللقاءَ بإخوة الآخرة، وهم بمثابة مرشدين ناصحين، وزيارتَهم والاستفادة من مزاياهم الخاصة والتیزودَ من حسناتهم التي تسري سريان النور والنوراني في المواد الشفافة، وحصولَ ذلك بمنتهى الرخص وبتكاليف قليلة، فضلا عن الاستمداد من معاونتهم المعنوية ومن مسرّاتهم وسلوانهم.. كل ذلك يجعل هذه المصيبة تُبدل شكلَها وتتحول إلى نوع من مشهدِ عناية ربانية معنوية.
نعم، إن ظرافة لطيفة لهذه العناية الخفية هي أنهم يطلقون على جميع طلاب النور القادمين إلى هنا لقب: "العلماء". فترى على لسان الجميع ذكرهم باحترام وإجلال بكلمة "علماء.. علماء..".
فضمن هذه الظرافة إشارة لطيفة، وهي أن السجن قد تحول إلى مدرسة علمية وأصبح طلاب النور مدرسين ومعلمين فيها، وستصبح بإذن اللّٰه سائر السجون بمثابة مدارس بفضل هؤلاء العلماء.
إخوتي!
لو تُقرأ أحيانا أمثال هذه الرسائل الصغيرة المسلية، علاوة على مطالعة رسالة "الثمرة" ولاسيما المسائل الأخيرة منها، وتَداول الإخوة فيما بينهم تداولا فكريا المسائل التي تخطر على البال من رسائل النور، لكسب المرء بإذن اللّٰه شرف طالب العلوم الشرعية. ولقد أولى علماء أفذاذٌ الأهميةَ لطلبة العلوم الشرعية حتى قال الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه: "نوم طالب العلم عبادة".
— 350 —
لذا لو حدثت مائة ألف ضيق وضيق من جراء التتلمذ، هذا الشرف الرفيع، في مثل هذه المواضع المؤلمة الشاقة، وبخاصة في مثل هذا الزمان الذي انعدمت فيه المدارس الشرعية. ينبغي عدم الاهتمام بتلك المضايقات، بل التبسم بفرح وسرور في وجه تلك المصاعب قائلين: "خير الأمور أحمزها".
أما من حيث تكاليف العيش لعوائل الإخوة الفقراء، فحيث إن النظر يكون في المصيبة إلى الأكثر مصيبة وفي النعم إلى الأقل نعمة. وذلك بناء على قاعدة قرآنية إيمانية ونورية؛ لذا فهم في راحة تامة أكثر من ثمانين بالمائة من الناس. فليس لهم حق الشكوى، بل عليهم حق الشكر بثمانين درجة، شكر فوق شكر.
ثم إن حصولنا على ما قسم اللّٰه لنا هنا من رزق قد عينه القدرُ الإلهي، وجمعَتنا عدالةُ الرحمة الإلهية مودعةً الأهل والأطفال إلى رزّاقهم الحقيقي ومسرّحةً لهم من وظيفة الإشراف على رزقهم مؤقتا كما سيعزله يوما ما عزلا تاما. فما دامت الحقيقة هي هذه فعلينا أن نقول:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
(آل عمران:١٧٣) مسلّمين أمرَنا إليه تعالى شاكرين له أجزل شكر.
إخوتي الأعزاء الصادقين!
إنني محظوظ وشاكر للّٰه بوجودي قريبا منكم وفي بناية واحدة (من السجن)، رغم أنني لا أقابلكم وجها لوجه. وأحيانا يخطر إلى قلبي أخذ تدابير لازمة دون اختيارٍ مني. فمثلا:
لقد أرسل الماسونيون إلى الزنزانة المجاورة لنا سجينا جاسوسا وكذابا. ولما كان التخريب سهلا -ولا سيما في مثل هؤلاء الشباب الطائشين- علمت أن الزنادقة يسعون لبثّ الفساد وهدم الأخلاق إزاء قيامكم بالإرشاد والإصلاح، لما لمستُ من هذا المدعو أذى مؤلما وإفسادا لأولئك الشباب.
فيا إخوتي!
يلزم -بل في غاية الضرورة- أخذُ الحذر الشديد تجاه هذا الوضع، وعدمُ إبداء مشاعر الاستياء من المسجونين السابقين قدر الإمكان، وعدمُ فسح المجال ليستاءوا منكم، والحيلولةُ دون حدوث التفرقة والثنائية، مع التحلي بضبط النفس والتجمل بالصبر.
— 351 —
ويلزم على إخواننا المحافظةُ على قوة التساند والأخوّة وذلك بإبداء التضحية وترك الأنانية والتواضع قدر الإمكان.
إن الانشغال بأمور الدنيا يؤلمني، فأعتمد على فطنتكم لأنني لا أستطيع التوجه إليها من غير اضطرار.
سعيد النورسي
إخوتي!
لقد أصبح ضروريا بيان مسألة أُخطرت صباح هذا اليوم إزاء كل احتمال:
كثيرا ما تحرت نفسي وشيطاني منذ عشرين عاما الحقائقَ التي استنبطناها من القرآن، والتي هي أشبه بالشمس أو النهار لا تقبل أي شك أو ريب أو تردُّد قائلَين: "ما رأي الفلاسفة المتزندقة تجاه هذا وما مستندهم؟"
ولما لم تجد نفسي وشيطاني ثلمة أو نقصا، سَكَتَا. وأعتقد أن الحقيقة التي أسكتت نفسي وشيطاني الحساسين جدّا والعاملين معا، قادرة على حمل أشد الناس تمردا على الصمت والسكوت أيضا.
وما دمنا نعمل من أجْل حقيقة هي من أهمّ الحقائق وأجَلِّها، وأشدها ثبوتا ورسوخا؛ ولا يمكن تقييمها أو تقديرها بأي قيمة مادية مهما كانت، ويهون بذل النفس والروح والصديق والحبيب، بل الدنيا بأسرها في سبيل تحققها، فلا بد إذن من أن نصمد بكمال المتانة والصبر تجاه جميع الويلات والمحن التي قد تنیزل بنا، وأن نواجه بصدر رحب جميع مضايقات الأعداء. إذ من المحتمل جدّا أن يُحرَّكَ ضدنا مشايخ أو علماء متظاهرون بالتقوى، مخدوعون بأنفسهم أو بتحريض غيرهم لهم.. وتجاه موقف كهذا، لا بد لنا من المحافظة على وحدتنا وتساندنا، وعدم تضييع الوقت معهم في الجدل والنقاش الفارغ.
سعيد النورسي
— 352 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد شعرت بإخطار معنوي فجرَ هذا اليوم أن السبب الحقيقي لهذا الهجوم الواسع والتعدي علينا ليس "الشعاع الخامس" بل "الحزب النوري" و"مفتاح الإيمان" و"الحجة البالغة". [٭]: الحجة البالغة: هي القسم الثاني من مجموعة "عصا موسى" ويضم إحدى عشرة حجة إيمانية. فقد قرأتُ بإمعان قسما من "الحزب النوري" وتأملت في "مفتاح الإيمان" فعلمت: أنَّ الزنادقة لا يستطيعون الحفاظ على مسلكهم إزاء ضربات هذين السيفين الحادين الألماسيين، ولكن أظهروا "الشعاع الخامس" سببا ظاهريا وذلك لعلاقته الجزئية بالسياسة، واستغفلوا به الحكومة وأثاروهم ضدنا.
ولقد ورد بالبال مع هذا الإخطار نفسه أنه "لو تخلى بعض الإخوة الضعفاء عن العمل مؤقتا، لربما ينجو من هذه المصيبة"، فأردت أن أسمح لهم بهذا. ولكن فجأة أُخطر للقلب: أن الذي دامت علاقتُه إلى هذا الحد ودخل هذا الامتحان مرتين، والذي قاسى لأجله ما قاسى وتضرر أضرارا بليغة، لا يجوز له التخلي قلبا -والذي فيه الضرر دون النفع- بل يمكنه ذلك لمجرد خداعهم بإظهار اجتناب ظاهري بحت. وإلّا يُلحق الضررَ بنفسه وبنا وبمسلكنا المقدس وتأتيه لطمةُ تأديب بخلاف مقصوده جزاء لما يفعل.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن الذي يقاسي عذاب هذا السجن ومشقاته الذي هو أشد برودة وضيقا من سائر الأماكن، لا شك أن تكون له رغبة في التهرب مما سبَّبَ هذا السجن وأدّى إلى الدخول فيه، كلٌ حسب درجته. ولكن سببه الظاهري الذي هو رسائل النور التي تُكسب أولئك الذين يقاسون المتاعب، الإيمانَ التحقيقي وحسنَ الخاتمة، والثواب الجزيل من الأعمال الصالحة لمئات العاملين الناشئ من الاشتراك المعنوي، أقول: إن هذه الفوائد تبدل تلك المشقات المُرّة إلى رحمات حلوة لذيذة، لذا فإن ثمن هاتين النتيجتين هو: الثبات التام والوفاء الخالص الذي لا يتزعزع.
— 353 —
ومن هنا فإن الندمَ والتخلي خسارتان جسيمتان. فهذا السجن خير لأولئك الطلاب الذين لا علاقة لهم بالدنيا، أو لهم علاقة واهية جدّا. بل هو موضع حرية لهم من جهة.
أما الذين لهم حرث في الدنيا وأمورهم المعاشية على ما يرام، فإن النقود المصروفة تكون بمثابة صدقات مضاعفة لهم، وتُبدّل ساعاتُ العمر الماضية إلى عبادات مضاعفة لذا ينبغي لهم الشكر بدل الشكوى.
أما قسم الفقراء والضعفاء المساكين، فلأنهم كانوا لا يكسبون ثوابا كثيرا خارج السجن بل يتحملون مسؤوليات شاقة، فهذا السجن الذي يُكسبهم الخير الكثير والثواب العظيم ومن دون أن تكون على عاتقهم مسؤولية ما، والمشقات التي تتخفف بالتسلي بين الإخوان.. تكون مبعث شكر لهم.
يا إخوتي الأوفياء الأعزاء!
قال لي أحد الأتقياء في "قسطموني" شاكيا: "لقد تردّيت، وتقهقرت عن حالي السابق إذ فقدتُ ما كنت عليه من أحوال وأذواق وأنوار".
فقلت له: بل قد ترقيتَ، واستعليت على الأذواق والكشفيات التي تلاطف النفسَ وتذيقها ثمراتها الأخروية في الدنيا، وتعطيها الشعور بالأنانية والغرور. وقد طِرتَ إلى مقام أعلى وأسمى وذلك بنكران الذات وترك الأنانية والغرور، وبعدم التحري عن الأذواق الفانية.
نعم، إن إحسانا إلهيا مهما هو عدمُ إحساس مَن لم يدَع أنانيتَه بإحسانه، كيلا يصيبه الغرورُ والعجب.
فيا إخوتي!
بناءً على هذه الحقيقة، فإن من يفكر مثل هذا الشخص، أو يهتم بمقامات باهرة يمنحها حسنُ الظن، عندما ينظر إليكم، ويرى فيكم طلابا قد لبسوا لباس التقوى والتواضع التام وتسربلوا بخدمة الناس، يتصوّركم من العوام، أو أُناسا عاديين، فيقول: "أهؤلاء هم أبطالُ الحقيقة ورجالُها، أو هؤلاء يتحدَّون الدنيا بأسرها! هيهات! أين هؤلاء من أولئك المجاهدين في سبيل هذه الخدمة المقدسة، والذين سبقوا الأولياء الصالحين في هذا الزمان فأعجزوهم عن اللحاق بهم".
فإن كان صديقا تصيبه خيبةُ أمل، وإن كان معارضا يجد نفسَه محقا.
— 354 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن ثمرات [٭]: أي ما استنسخوه من الرسائل. سجنكم في نظري حلوةٌ وذات أهمية كثمرات الفردوس؛ فكما أنها حَققت الآمالَ العظيمة التي كنتُ أعقدها عليكم وصدّقتْ دعاواي، فقد أظهرتْ قوةَ التساند والترابط بأفضل ما يكون. إن تلك الأقلام المباركة كلما اتحدت أظهرتْ قيمةَ ثلاثمائة أو أربعمائة من الأقلام تحت هذه الشروط والضغوط، كاتحاد ثلاثِ أو أربع ألفات. [٭]: المذكورة في رسالة الإخلاص. وإن الحالة الروحية التي تحافظ على وحدتكم تحت هذه الأحوال المضطربة تثبت دعواي بالأمس.
نعم، -ولا مشاحة في المثال- فكما أن وليا عظيما لا يرتقي إلى موقع صحابي صغير في العمل للإسلام كما اتفق عليه أهلُ السنة، كذلك إن أخا خالصا من إخواننا الذي ترك حظوظَ نفسه في هذا الزمان وعمل في خدمة الإيمان وسعى في سبيل نكران الذات وبذل ما في وسعه للحفاظ على التساند والاتحاد، هذا الأخ يحرز موقعا أكثر من الولي.
هكذا اقتنعت وأنتم بدوركم تُسندون قناعتي هذه، ليرض اللّٰه عنكم أبدا، آمين.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن "رسالة الثمرة" ذاتُ أهمية عظيمة وقيمة عالية. آمل أن يفتح اللّٰه بها قلوبَ الكثيرين في وقت ما. وأنتم قد أدركتم قيمتَها وقدّرتموها حق قدرها حتى لم تدَعوا هذه المدرسة اليوسفية دون درس.
أقول ما يعود لنفسي: إن ثمرة هذه الأتعاب التي تكابدونها والمصاريف التي تبذلونها إنْ كانت هي هذه "الرسالة" وحدَها ورسالةَ "الدفاع" واللقاءَ معكم في موضع واحد.. فزهيدةٌ تلك المصاريف، وتلك الأتعاب. بل لو حُمّلت عشرة أمثال هذه المصيبة لكانت رخيصةً في سبيل هذه الأمور.
— 355 —
ولقد اقتنعت قناعة كاملة نتيجة تجاربي الكثيرة ولاسيما في هذا السجن الضيق أنَّ الاشتغال برسائل النور قراءةً وكتابةً يخفف كثيرا من الضيق والضجر ويورث الفرح والانشراح. وفي الوقت الذي لا أنشغل بها تتضاعف تلك المصيبةُ وتؤلمني أمورٌ تافهة. وبناءً على بعض الأسباب كنت أظن أن "خسرو والحافظ علي وطاهري"(٭) في ضيق شديد، ولكن رأيت أنهم ومن معهم أكثر ثباتا وأكثر استسلاما لأمر اللّٰه وينعَمون براحة القلب واطمئنانه.
فكنت أقول: تُرى ما السبب؟ وأدركت الآن أنهم يؤدون وظيفتهم الحقيقية ولا ينشغلون بما لا يعنيهم من أمور ولا يتدخلون بأمر القضاء والقدر. ولا يقلقون ولا يضطربون ولا ينتقدون أحدا ذلك التنقيد النابع من الأنانية وقصد النفع. فلقد بيَّضوا وجوه طلاب النور بثباتهم واطمئنان قلوبهم، وأَظهروا القوة المعنوية لرسائل النور تجاه الزندقة.
نسأل اللّٰه أن يعمم ما في أولئك من تواضع تام وعزة كاملة في نُكران الذات وخصال البطولة والريادة ويجعلها شاملةً جميع إخواننا. آمين.
إخوتي!
إن غرورا رهيبا ناشئا من الغفلة وحب الدنيا، يُجري حكمَه في هذا الزمان. فعلى أهل الحق تركُ الغرور والأنانية وقصدُ المنافع حتى لو كان في طريق مشروع أيضا. وحيث إن طلاب رسائل النور الحقيقيين قد أذابوا أنانيتهم الشبيهة بقطعة ثلج في الشخص المعنوي والحوض المشترك للجماعة، فلا يتزعزعون بإذن اللّٰه في غمرة هذه العواصف والأعاصير.
نعم، إن خطة مهمة ومجرّبة للمنافقين هي جمعُ أمثال هؤلاء الذين كلٌ منهم يملك شخصيةَ ضابط وحاكم، في مسألة واحدة، في مكان ضيق يهيّج الأعصاب ويورث الضجر والنقاش الحاد والجدال والنقد، ويثيرون فيهم النیزاع لبعثرة قوتهم المعنوية. ثم يؤدّبون مَن فَقدَ قوته المعنوية بيسر وسهولة.
فطلاب رسائل النور لأنهم يسلكون مسلك الخلّة والأخوة والفناء في الإخوان سيُفشِلون هذه الخطة المهمة المجربة للمنافقين بإذن اللّٰه.
— 356 —
إخوتي الأوفياء الأعزاء
كان فيما مضى مريدون كثيرون جدّا ينتمون إلى شيخ جليل، في بلد من البلدان، فقلقت منهم رجالات الدولة فيها، خوفا من تعرضهم لأمور السياسة، فأرادوا تشتيت جماعة الشيخ. فقال لهم: ليس لي إلّا مريد واحد ونصف مريد، لا غير، وإن شئتم نُقِم عليهم التجربة والاختبار.
نصب الشيخ خيمة في ضاحية من ضواحي المدينة، ودعا الألوف من مريديه إلى هناك ثم أمر بقوله: سوف أجري امتحانا، فمن كان حقا مريدي ويطعْ أمري فسيمضي إلى الجنة. فدعاهم إلى الخيمة واحدا إثر واحد، إلّا أنه ذبح خروفا بطريقة خفية. وبدا للمريدين كأنه ذبح أحد مريديه الخواص وأرسله إلى الجنة. وما إن رأى ألوف المريدين جريان الدم من الخيمة إلى الخارج تراجعوا عنه ولم يسمعوا لأمره، بل رفضوه وأنكروا عليه، إلّا رجلا واحدا قال: ليكن رأسي فداء له، فذهب إليه، ثم أعقبته امرأة. أما الآخرون فتفرقوا عنه. فقال ذلك الشيخ لرجال الدولة: ها قد شاهدتم أن لي مريدا ونصف مريد!
أما نحن فنشكره تعالى ألف شكر وشكر، إذ لم تفقد رسائل النور إلّا طالبا ونصف طالب في امتحان "أسكي شهر" ومحاكماتها، بخلاف ذلك الشيخ -في السابق- حيث انضم إلى الطلاب عشرة آلاف شخص بدلا من الواحد والنصف الضائع، وذلك بفضل اللّٰه ثم همة وجهود أبطال "إسبارطة" وحواليها.
وبإذن اللّٰه لن يضيع الكثيرون في هذا الامتحان، بهمة أبطال شرقي البلاد وغربيها، بل سينضم بدلا من الضائع الواحد عشرة أشخاص.
— 357 —
باسمه سبحانه
كان فيما مضى شخص غير مسلم، قد وَجد وسيلةً لبلوغ مرتبة خليفة الشيخ ضمن السير والسلوك في طريقة صوفية، وشرع بوظيفة الإرشاد. وعندما بدأ مريدوه الذين يتولى تربيتَهم بالرُّقي الروحي، كشف أحدُهم أن مرشدهم هذا في منتهى السقوط والتردي. ثم أدرك ذلك الشخص أيضا -بفراسته- أنه قد كُشف حالُه، فقال لذلك المريد: لقد عرفتني إذن!
قال له المريد: "ما دمتُ قد بلغت هذا المقام بإرشادكم، سأجلّك وأوقّرك بعد الآن أعظم من قبل". وبدأ بالتضرع إلى اللّٰه العلي القدير أن يهدي مرشدَه إلى سواء السبيل، حتى أنقذه اللّٰه مما فيه، وفاق مريديه كلهم في الرُّقي الروحي، فظل مرشدا حقيقيا لهم.. إذن يكون المريد أحيانا شيخا لشيخه.
فالفضل والسبق إذن هو أن لا يترك الطالبُ أخاه، عندما يراه مبتلًى بفساد، بل يزيدَ أخوّته معه، ويسعى لإصلاحه. فهذا هو شأن الأوفياء الصادقين. أما المنافقون فيستغلون مثل هذه الأوضاع ويروّجون: "أن هؤلاء الذين تهتم بهم كثيرا ليسوا سوى أُناس اعتياديين عاجزين". وذلك إفسادا لحُسن الظن القائم بين الإخوة وتهوينا لتساندهم.
وعلى كل حال فعلى الرغم من أضرار كثيرة تلحق بنا في المصيبة، إلّا أنها قضيةٌ تهم العالم الإسلامي قاطبة، لذا فإن لها قيمةً عظيمة يَهُون تجاهها كلُّ شيء. علما أن حوادثَ مشابِهةً لها لم تصبح مُلكا للعالم الإسلامي لأسباب سياسية دينية أو أسباب أخرى.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن سبب اهتمامي البالغ بتساندكم وترابطكم، لا ينحصر في منافعه التي تكسب رسائل النور والتي تعود إلينا، وإنما لعوام المؤمنين ممن ليسوا ضمن الإيمان التحقيقي. فهم أحوج ما يكونون إلى نقطة استناد وإلى حقيقة ثابتة عضَّت عليها جماعة بالنواجذ، فيرتكزون على تلك الحقيقة القاطعة للثبات تجاه تيارات الضلالة الرهيبة، حيث تكون لهم حجةً قوية، ومرشدا ثبتا، ومرجعا لا ينخدع ولا يخدع ولا يتراجع ولا يتزعزع.
— 358 —
فمن يشاهد ترابطكم المتين وتساندَكم القوي يطمئن قلبُه، إذ يدرك أن هناك حقيقة راسخة لا تُضحى بشيء، ولا يغلبها شيء، ولا تحني رأسَها لأهل الضلالة.. فيقوى إيمانُه، وتعمُق قوتُه المعنوية وينجو -بإذن اللّٰه- من الالتحاق بصفوف أهل السفاهة والدنيا.
إخواني الأوفياء الصادقين!
إياكم والمراء، احذروا المناقشة. فالآذان المتجسسة تستفيد منها، فمهما يكن المناقِش فهو على باطل في وضعنا الحالي، سواءً أكان محقّا أم لا! إذ ربما يُلحق بنا ضررا جسيما في حين ليس له إلّا النیزر اليسير من الحق.
أُكرر لكم الحكاية التي ذكرتُها لإخواني الحساسين في سجن "أسكي شهر":
ولما كنت مع تسعين من ضباطنا -في الحرب العالمية السابقة- أسرى معتقَلين في ردهة طويلة، في شمالي روسيا، كنت لا أسمح بالضوضاء والصخب بإسداء النصح لهم، إذ كانوا يحترمونني بما يفوق قدري بكثير، ولكن على حين غرة أثار الغضبُ الناشئ من توتر الأعصاب والانقباض المستولي على النفوس مناقشاتٍ حادة. فقلت لبضعةٍ منهم: "اذهبوا إلى حيث الضجيج والصياح، وساندوا المبطل دون المحقّ". وقد قاموا بدورهم. فانقطع دابر المناقشات الضارة.
ثم سألوني: "لِمَ قمت بهذا العمل الباطل؟". قلت لهم: "إن المحقّ يكون منصفا ويضحي بحقه الجزئي في سبيل راحة الآخرين ومصلحتهم التي هي كثيرة وكبيرة. أما المبطل فهو -على الأغلب- مغرور وأناني لا يضحي بشيء، فيزداد الصخب!".
إخوتي!
اقرؤوا مكررا وبإمعان ما كُتب في الرسائل الصغيرة من مدار السلوان والصبر والتحمل. فأنا أَضعفُكم وأكثرُكم نصيبا من هذه المصيبة الضجرة. إلّا أنني بفضل اللّٰه أتحمل ذلك الضِيق. فللّٰه الحمد والشكر لم أَمتعض أبدا ممن يحمّلون الأخطاء والتبعات كلها عليّ. ولم أضجَر أيضا ممن دافعوا عن أنفسهم وألقوا التبعات -ضمنا- على الجماعة وحمّلوها علينا باعتبار وحدة المسألة.. فما دمنا نحن إخوة في اللّٰه فأرجو الاقتداء بي في هذا الصبر.
— 359 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء ويا أصحابي في مَضيف هذه الدنيا!
لقد فكرتُ هذه الليلة -بمشاعرِ "سعيد القديم" العزيزة- في سَوقنا معا إلى المحكمة وأنا مكبّل اليدين وسطَ جنود مدججين بالسلاح الأبيض، فانتابنى غضب شديد. وفجأة أُخطر إلى القلب:
ينبغي استقبال هذا المشهد بالشكر المكلل بالفخر والسرور، لا بالغضب والحدة، لأن هؤلاء في نظرِ ما لا يُعد ولا يحصى من ذوي الشعور والمَلك والروحانيين وأهلِ الحقيقة من الناس وأصحاب الضمائر وأهل الإيمان التحقيقي، يَظهرون بمظهرِ قافلةِ الأبطال الميامين الذين يَتَحدَّون هذا العصر في سبيل الحق والحقيقة ورفعِ راية القرآن والإيمان. وحيث إن الرحمة الإلهية والرضى الرباني متوجهان إليهم، ويُقدَّرون في نظرهما بالاستحسان والإعجاب، فلا قيمة ولا أهمية لنظر الإهانة الآتية من قبل شرذمة من السفهاء السائبين.
حتى إنني عندما ذهبت بالسيارة -بسبب المرض- استشعرت ضيقا شديدا. بينما شعرت بانشراح عظيم عندما كنت معكم في أثناء السَوق مُكبل اليدين مثلكم. بمعنى أن تلك الحالة ناشئة من هذا السر. أُكرر ما قلته مرارا:
إنه لا يشاهَد في التاريخ من يتحمل في سبيل الحق أقلَّ المشاق وينال أعظمَ الثواب مثل طلاب رسائل النور. فمهما تحمّلنا من مشاقَّ فهي زهيدة أيضا.
— 360 —
باسمه سبحانه
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
كان من الصعوبة النجاة من مصيبتنا هذه والتهرّب منها بجهتين:
أولاها: كان لابد لنا من المجيء إلى هنا، ليُطعمنا القدرُ الإلهي هنا ما قسّمه لنا. إذن فهذا الوضع هو أفضلُه وأكثره خيرا.
ثانيتها: لم نتمكن من الخلاص من المؤامرة والشِباك التي حيكت لنا. فقد شعرت بها ولكن لا خلاص. حتى إن الشيخ عبد الحكيم(٭) والشيخ عبد الباقي لم ينجيا. بمعنى أن شكوى بعضِنا لبعض في مصيبتنا هذه باطلٌ لا أساس له، ولا معنى، وهو مضر، ونوع من الإعراض عن رسائل النور.
حذار.. حذار مِن جعل ما أظهره الأركانُ الخواص من أعمالٍ وخدمات سببا لهذه المصيبة، ومن ثم الاستياء منهم. فهذا تخلّف عن رسائل النور وندامةٌ على تعلم الحقائق الإيمانية. وتلك مصيبةٌ معنوية أدهى من المصيبة المادية.
فأنا أُطَمْئِنكم -مقسما باللّٰه- أنه بالرغم من أن لي نصيبا في هذه المصيبة أكثر من كلٍ منكم بعشرين أو ثلاثين درجة، فلا أَستاء ممن سبّب هذه المصيبة بنيّة خالصة ومن جراء فعاليته في الخدمة وعدم أخذه بالحذر، بل حتى لو تضاعفت هذه المصيبة بعشرة أمثالها فلا أمتعض منه ولا أَستاء. وكذا لا معنى للاعتراض على ما فات. لأنه غير قابل للترميم.
إخوتي!
إن القلق يضاعف المصيبة ويكون جذرا في القلب لتستقر عليه المصيبةُ المادية، فضلا عن أنه يومئ ويُشَمّ منه نوع من الاعتراض والنقد تجاه القدر الإلهي، وهو نوع من الاتهام تجاه الرحمة الإلهية.
فما دام في كل شيء جهةُ جمال وجلوة من الرحمة الإلهية وأن القدر يفعل ما يفعل وفق عدالة وحكمة، فلابد أننا مكلفون بعدم الاهتمام بالمشقات الهينة في سبيل وظيفة مقدسة في هذا الزمان وذاتِ مساس بالعالم الإسلامي عامة.
— 361 —

(حالة جزئية اعتيادية بسيطة من أحوالي استوجبت كتابتَها إليكم)

إخوتي! إنني اقتنعت قناعة تامة أنَّ العين تصيبني وتؤثر فيّ تأثيرا شديدا وتمرضني. وقد جربت هذا كثيرا.
فأنا أُحب مصاحبتكم من صميم روحي في كل الأحوال ولكن حسب القاعدة المشهورة: "النظر يدخل الجملَ القِدر والرجلَ القبر" [٭]: انظر: القضاعي، مسند الشهاب ٢/١٤٠؛ الديلمي، المسند ٣/٧٧؛ المناوي، فيض القدير ٤/٣٩٧. تصيبني العينُ والنظر. لأن الذي ينظر إليّ إما أنه ينظر بعداوة شديدة، أو بالتقدير والاحترام، فكلا النظرَين أيضا موجودان لدى بعض الناس الذين يحملون خاصية الإصابة في نظرهم، لذا إذا كان من المستطاع ولم يرغموني على مرافقتكم، فلا آتي المحكمة برفقتكم دائما.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
حسب مضمون الآية الكريمة:
وَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًَا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
(البقرة:٢١٦) والقاعدةِ المقررة: "الخير فيما اختاره اللّٰه" فإن بلوغ أكثر الرسائل سرّيّة إلى أيادي أغرب الناس عنّا، وتحدّيها لأعتى المتكبرين، وإظهارَ أخطاءِ مَنْ هم في أعلى مناصب الدولة.. جعلتها تنسلُّ من تحت ستار القاعدة المقررة: "سِرًّا تَنَوَّرَتْ". فقد كان الغرض إلى الآن استصغار قضية رسائل النور ولكن على كل حال قد علموا أنها قضية عظيمة جدا، وأنّ جلبها للأنظار يفتح السبيل إلى فتوحات باهرة جديدة للرسائل ويُلجئ كذلك أعداءَها إلى قراءتها بإعجاب واهتمام. حتى إنها نوّرت كثيرا من المترددين في محكمة "أسكي شهر" والمتحيرين والمحتاجين وأنقذتهم. فبدّلت مشقاتنا تلك إلى رحمات. وستُظهر تلك الخدمة المقدسة فتوحاتِها بإذن اللّٰه هذه المرةَ في ساحة أوسع وفي محاكم كثيرة، ومراكز عديدة.
نعم، إن مَن يُشاهد أسلوبَ بيان رسائل النور لا يمكن أن لا يهتم بها، فهي لا تشبه المؤلفات الأخرى بتأثيرها في العقل والقلب وحدهما، بل تسخّر أيضا النفسَ والمشاعر.
— 362 —
إن تبرئة ساحتكم والإفراج عنكم لا يضر هذه الحقيقة ولكن براءتي أنا فيه ضرر. لأنه حتى نفسي الأمارة قد قبلتْ بأن أُضحّى لأجل حقيقة واحدة تمس العالم الإسلامي لا بحياتي الدنيوية وحدها بل إذا لزم الأمر بحياتي الأخروية وسعادتِها أيضا في سبيل إسعاد أهل الإيمان برسائل النور.
إخوتي الأعزاء الأوفياء الصادقين!
لقد غيرتُ أحد أدعيتي منذ بضعة أيام، إذ رفعتُ كلمة "الصادقين" من دعائي الذي يضم: "واغفر لنا".. أو "وفّق طلبة رسائل النور الصادقين". والذي كنت أكرره لحدّ الآن مائة مرة أحيانا. وذلك لئلا يُحرَم من تلك الأدعية أولئك الإخوة الذين يرون أنفسهم مضطرين إلى العمل بالرخصة الشرعية ويتبرؤون منّا ظاهرا، مما يسببه الضيقُ والشبهات المثارة من ضجر ويأس واتخاذ موقف يخالف العزيمةَ والوفاء.
أخي العزيز الحافظ علي!
لا تهتم لمرضك، نسأله تعالى أن يرزقك الشفاء. آمين. فإنك رابح غانم كثيرا، لأن كل ساعة من العبادة في السجن بمثابة اثنتي عشرة ساعة. فإن كنت محتاجا إلى الدواء فلديّ بعضه لأرسله إليك. علما أن وباءً خفيفا منتشر في الأوساط. ففي اليوم الذي أذهب فيه إلى المحكمة أَمْرَضُ بلا شك.. ولعلك أصبحت معينا لي في ذلك فأخذت شيئا من مرضي، كما كانت تحدث بطولات خارقة سابقا، فيتمرض أحدهم بدلا من أخيه أو يموت بدلا منه.
— 363 —

"عزاء جميل وفي أنسب وقت"

إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لكل مصيبة نقول:
إنا للّٰه وانا اليه راجعون
(البقرة:١٥٦).
أُعزّي نفسي وأعزّيكم وأعزّي رسائل النور. ولكني أهنئ المرحوم "الحافظ علي" وأهنئ مقبرة "دنيزلي" لأن أخانا الرائد الذي أدرك حقيقةَ "رسالةِ الثمرة" عِلمَ اليقين، قد تَرك جسده في القبر، صاعدا كالملائكة إلى النجوم وعالم الأرواح، لأجل الارتقاء إلى مقامِ عين اليقين وحق اليقين، وخلد إلى الراحة والسكون متسرحا عن وظيفته التي أدّاها حق الأداء.
نسأل اللّٰه الرحمن الرحيم أن يكتب في سجل أعماله حسناتٍ بعدد جميع حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة. آمين. وينیزلَ شآبيب رحمته بعددها على روحه... آمين. ويجعلَ القرآن الكريم ورسائل النور مؤنسين لطيفين له في القبر.. آمين. ويحسنَ إلى "مصنع النور" بعشرةِ عاملين بدلا منه.. آمين.. آمين.. آمين.
أما أنتم فيا إخوتي، اذكروه في أدعيتكم، كما أذكره أنا، مستعملين ألف لسان عوضا عن لسانه، راجين من رحمته تعالى أن يكسبه ألف حياة وألف لسان بدلا عما فقده من حياة واحدة ولسانٍ واحد.
ويا إخوتي الأعزاء الأوفياء!
نحمد اللّٰه سبحانه وتعالى بما لا يتناهى من الحمد والشكر، على ما يسّر لنا من نيلِ شرف المقام الرفيع لطلبة العلوم وأعمالهم الجليلة بوساطتكم في هذا الزمان العجيب والمكان الغريب.
ولقد ثبت بوقائع عديدة بمشاهدة أهل كشف القبور، أن طالبَ علمٍ جادًا تواقًا للعلوم عندما يتوفى أثناء تحصيله لها، يرى نفسه -كالشهداء- حيًّا يُرزق ويزاول الدرس. حتى إن أحد أهل كشف القبور المشهورين قد راقب كيفية إجابة طالبِ علم متوفى في أثناء دراسته لعلم الصرف والنحو، لأسئلة المنكر والنكير في القبر، فشاهد أنه عندما سأله الملك: من ربك؟ أجاب: مَن: مبتدأ، ربك: خبره، وذلك على وفق علم النحو، يحسب نفسه أنه مازال في المدرسة يتلقى العلم.
— 364 —
فبناء على هذه الحادثة فإني أعتقد أن المرحوم الحافظ علي منهمك برسائل النور كما كان دأبه في الحياة، وهو على هيئة طالب علم يتلقى أرفع علم وأسماه، وقد تسنّم مرتبة الشهداء حقا ويزاول نمط حياتهم.
وبناء على هذه القاعدة أدعو له في أدعيتي، وأدعو لمثيله "محمد زهدي" و"الحافظ محمد" قائلا: "يا رب سخِّر هؤلاء إلى يوم القيامة لينشغلوا بحقائق الإيمان وأسرار القرآن ضمن رسائل النور بكمال الفرح والسرور... آمين. إن شاء اللّٰه".
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنني لا أستطيع نسيان الأخ "الحافظ علي" وقد هزّني ألمُ فراقه هزا عنيفا. وأحسب أن ذلك المرحوم قد رحل بدلا مني كما كان أشخاصٌ مضحّون يتوفّون أحيانا بدلا من أصحابهم. فلولا أن قام أمثالُكم بما قام به هو من خدمات جليلة وعلى نسقه، لَلَحِق العملَ للقرآن وللإسلام ضررٌ كبير. وإنني كلما تذكرت وارثيه، وهم أنتم، زالت تلك الآلام وتركت مكانها للسرور والانشراح.
وإنه لأمر محيّر أن يتولد لديّ حاليا شوق للذهاب إلى ذلك العالم، عالم البرزخ الذي ذهب إليه أخونا بحياته المعنوية بل المادية وانكشف لروحي مشهد آخر.
وكما نتحاور ونتسامر مع إخوتنا في "إسبارطة" بالمراسلات ونحن مازلنا هنا، ونهدي لهم التحيات ونتجاذب أطراف الحديث معهم، كذلك عالم البرزخ الذي سكن فيه "الحافظ علي" قد أصبح في نظري مثل "إسبارطة" و"قسطموني". حتى طرق سمعي أنه قد رحل أحدهم هذه الليلة إلى هناك (أي توفي) فتأسفتُ أكثر من عشر مرات: لِمَ لم أَبعث معه السلام إلى "الحافظ علي"؟ ثم أُخطر إلى القلب: لا حاجة إلى وسائط لإبلاغ السلام. فإن رابطته كالتلفون، فضلا عن أنه يأتي ويستلم!
إن ذلك الشهيد العظيم قد حبّب إليّ مدينة "دنيزلي" فلا أَرغب في مغادرتها.
— 365 —
إن ما أنجزه هو و"محمد زهدي" و"الحافظ محمد" من خدمات في سبيل الإيمان والنور تدوم بإذن اللّٰه، وهم يشاهدونها من أَقرب موضع، وربما يعاونون في إنجازها.
وحيث إنهم قد أخذوا مواقعَ رفيعة لدى دائرة الأولياء العظام -من حيث خدماتهم الجليلة- فأنا أذكر ذينك الاثنين مع "الحافظ محمد" ضمن سلسلة الأقطاب وأبعث إليهم هدايانا.
إخوتي الأعزاء الصادقين!
إن ما تتحلّون به من إخلاص ووفاء وثبات كاف لغضّ الطرف عن نقائص بعضِكُم للبعض الآخر وسترها وأنتم ترزحون تحت ثقل هذه المضايقات والمشقات. وإن رابطة الأخوة الموثوقة بسلسلة رسائل النور لَحسنةٌ عظيمة تذهب بألف سيئة. فينبغي التعامل بالمحبة والصفح فيما بينكم حسب رجحان الحسنات على السيئات كما هو في الحشر الأعظم حيث تُذهب العدالةُ الإلهية السيئات برجحان الحسنات. وبخلاف ذلك فإن الانفعال وسَورة الغضب إزاء سيئة واحدة، والإثارة المضرة الناجمة من الضجر والضيق، يكون ظلما مضاعفا.. نسأل اللّٰه أن تزيلوا الضجر والسآمة بمعاونة بعضكم البعض الآخر في السراء وبث السلوان.
إخوتي الأعزاء الميامين الأوفياء!
إن سبب عدم محاورتي معكم منذ بضعة أيام هو ما انتابني من مرض شديد مسمّم لم أرَ مثلَه لحدّ الآن.
فأنا أشكر اللّٰه عز وجل باسم رسائل النور إلى آخر رمق من حياتي، وأفتخر بإخوتي الثابتين الأقوياء العاملين الذين لا يتزعزعون ضمن دائرة "النور" [٭]: دائرة النور: المقصود مجموعة من طلاب النور في قرية "إسلام كوي" وفي مقدمتهم الحافظ علي. ودائرة "الورد"،
[٭]: دائرة الورد: المقصود مجموعة من طلاب النور في "إسبارطة" وفي مقدمتهم خسرو. مع الأوفياء المضحين في "قسطموني". وأجد السلوان التام والمرتكز القوي معهم إزاء جميع ما يصبّه الظلمة علينا من عذاب. وحتى لو مُتّ الآن لاستقبلتُ الأجل بصدر رحب وقلب بهيج، ما داموا موجودين.
— 366 —
إن أهل الدنيا تُساورهم شكوك وأوهام لا أساس لها أصلا، وكأنني أتحداهم وأبارزهم في الميدان، لذا ألقَوني في غياهب السجن؛ بينما القدرُ الإلهي ألقاني في السجن، لأنني لم ادعُهم إلى الخير ولم أحاول إصلاحَهم.
ولئن لبثتُ في السجن مع بضعٍ مِن أحبّتي فحسب، لطالبتُ السلطات في "أنقرة" بإجراء محاكمة علنية تهم العالم الإسلامي. وسنرسل إن شاء اللّٰه نسخا عدة من رسالة "الثمرة" وأجزاء من "الدفاع" بالحروف الجديدة، إلى المراجع العليا المهمة.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن قسما من الأحاديث النبوية متشابهات، ليس خاصا ولا جزئيا، ولا يتوجه إلى مواضع عامة. وقسم آخر من الأحاديث يبيّن من الفتن الدينية التي تصيب الأمة الإسلامية زمانا واحدا فقط ومواضع محددة كالحجاز والعراق مثالا لها.
وفي الحقيقة ظهرت في زمن العباسيين فرقٌ ضالة كثيرة أضرت بالإسلام كالمعتزلة والروافض والجبرية والزنادقة والملاحدة المتسیترين. وقد أَخمد أئمةُ الإسلام العظام كالإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل والإمام الغزالي والشيخ الكيلاني والجنيد البغدادي(٭) نارَ تلك الفتن التي دبّت في مجال الشريعة والعقيدة.
وعلى الرغم من مرور ثلاثمائة سنة على هذا الظهور الإيماني فإن تلك الفرق الضالة المتسترة قد أوقعت المسلمين في فتنة هولاكو وجنكيز خان عن طريق السياسة. وقد أشار الحديث الشريف والإمام علي رضي اللّٰه عنه إلى هذه الفتنة إشارة صريحة وبتاريخها. ولما كانت فتنةُ زماننا هذا أعظمَ الفتن فقد أخبرتْ أحاديثُ شريفة متعددة وإشارات قرآنية كثيرة عنها بتواريخها.
وقياسا على هذا، عندما يبيِّن حديثٌ شريف الأحداثَ التي تمر على الأمة بصورة كلية، يبين حادثة واحدة -أحيانا- بتاريخها كمثال من ذلك الكلي. فمثل هذه الأحاديث المتشابهة قد لا تُدرَك معانيها على الوجه الصحيح، وقد أَثبتت أجزاءُ رسائل النور إثباتا واضحا تأويلَ تلك الأحاديث، وأظهرتْ هذه الحقيقةَ مع قواعدها وأصولها في كل من "الكلمة الرابعة والعشرين" و"الشعاع الخامس".
— 367 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد أُخطر إلى قلبي أن أبين لكم حقيقة لئلا يتهم بعضُكم بعضا بالأنانية وعدم الوفاء.
لقد رأيت -يوما- من ولي عظيم قد ترك الأنانية وانمَحت نفسُه الأمارة. رأيت منه أنه يشكو بشدة من النفس الأمارة، فحرتُ في الأمر. ثم عرفت يقينا أنه لأجل إدامة المجاهدة المُثاب عليها إلى نهاية العمر تتحوّل أعتدة النفس الأمارة بموتها إلى العروق والمشاعر.
وهكذا يشكو أولئك الأولياء العظام من هذا العدو الثاني الوارث للنفس الأمارة.
فضلا عن أن القيمة والمقام والمزية المعنوية لا تتوجه إلى هذه الدنيا كي تُشعر بنفسها. بل إن بعضا ممن هم في أعلى المقامات، يعدّون أنفسهم أكثر الناس ضعفا وعجزا وإفلاسا لأنهم لا يستشعرون إحسانا إلهيا أُنعم عليهم. مما يدل على أن الكشف والكرامة والأذواق والأنوار التي تعتبر في نظر العوام مدارَ الكمالات لا تكون قطعا محكّا ولا مدارا لتلك المقامات والقيم المعنوية. ومما يُثبت هذه الحقيقةَ أنه بينما ساعةٌ واحدة من حياة صحابي كريم تعادل يوما من حياة وليّ، بل أياما من معاناته واعتكافه. لا تبدو في كل صحابي تلك الحالات الخارقة المعنوية والكشف كما هو لدى الأولياء.
وهكذا فيا إخوتي!
تأملوا جيدا وراقبوا أنفسكم لئلا تخدعكم نفوسُكم الأمارة بالسوء من زاويةِ قياس الآخرين بالنفس، ومن حيث سوء الظن بالآخرين، ولا تساورَكم الشبهة في أن رسائل النور لا تربّي طلابها.
— 368 —
إخواني الأعزاء الصديقين!
لقد كشف وزير المعارِف (التربية) النقاب عن وجهه وأظهر الكفر السافر في ثوب آخر. فقد كتب ذلك البيانَ بوسيلة أخرى قبل أن يتسلم دفاعاتنا الأخيرة. والواقع أنني لم أَكن أُفكر في إرسالها إلى تلك الدائرة، إلّا أنه بناءً على توصية إخواننا واستحسانهم فقد اتضح أن إرسالها كان ضروريا وملائما. لأن وزيرا متعصبا للإلحاد إلى هذه الدرجة لا يمكن أن يظل مكتوف اليد أمام تلك الأوراق والرسائل السرية الخاصة المرسلةِ إلى "أنقرة"، أو يقابلَها بعدم الاكتراث. ولقد وقعتْ تلك المرافعات غير القابلة للطعن وقع الصاعقة على رأسه. وحَسَنًا ما حدث.
ولسوف تَبعث تلك الرسائل بإذن اللّٰه تيارا قويا متعاطفا مع رسائل النور في تلك الدائرة أيضا.
إخوتي!
مادامت حقيقة بعض الناس على نحو ما بيّنّا. فإن الاستسلام لذلك البعض ما هو إلّا ضرب من الانتحار، بل يعتبر ندامة على الانتماء إلى الإسلام، بل يعد انسلاخا من الدين. لأنهم قد بلغوا من التعصب للإلحاد حدا لا يرضون من أمثالنا مجرد الوقعة والاستسلام والمصانعة، وإنما يقولون: دع قلبك ووجدانك وضميرك واعمل للدنيا وحدها.
ولا يسعنا تجاه وَضْعٍ كهذا سوى الحفاظ على كمال المتانة وضبط النفس والتوكل على اللّٰه عز وجل وتركِ الأمر إلى عنايته سبحانه، مع الدعاء لظهور رسائل النور عليهم بحقائق قوية والتي وصلتهم في أربعة صناديق.
هذا، وقد أَفادتنا التجارب مرارا بأن لا جدوى إطلاقا من وراء التهرب أو المجافاة أو إضمار مشاعر الاستياء بعضنا لبعض، ولا فائدة كذلك من الابتعاد عن رسائل النور أو محاولة الاستسلام لهم أو حتى الالتحاق بهم. وقد أثبت الزمان هذا بالتجارب.
لا تقلقوا أبدا! فمهما يكن من شيء فإن مخاوف ذلك الوزير خوف الفئران إن دلت على أمر فإنما تدل على جُبنه وضعفه، وهي لا تدل على محاولة الاعتداء بقدر دلالتها على اضطراره للتنصل والدفاع عن النفس.
— 369 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء الثابتين المدركين لماهية التوكل وقيمته!
لم تكن لي الرغبة في قراءة أية صحيفة من الصحف ولا الاستفسار عنها منذ عشرين سنة خلت، إلّا أنني اليوم اطّلعتُ على موضوع في جريدة، مع الأسف ونزولا عند رغبة عدد من إخواننا الضعفاء، فأدركت: أن تيارات لها أهميتها تلعب دورها الخطر في الخفاء والعلن. ولما كنا نحن نُشاهَد في الساحة، فيردُ في الحسبان أن لنا علاقة مع تلك التيارات.
نسأل اللّٰه أن تكون لرسائل النور المرسَلة في أربعة صناديق والحاملةِ للدلائل القاطعة غيرِ القابلة للجرح مع مجموعة من دفاتر الدفاع نتائجُ تبشر بالخير لنا وللإيمان والقرآن والإسلام.
إننا لم نتدخل بأمور دنياهم، ولم يثبتوا علينا أي دليل كان على تدخلنا فيها، لذا اضطرت "أنقرة" إلى طلب جميع رسائل النور لإجراء التحقيق عليها.
فما دامت الحقيقة هي هذه، وقد شاهدْنا إلى الآن تجليَ العناية الربانية في العمل لرسائل النور بما لا يمكن إنكاره، وقد شعر كلٌّ منا بها جزئيا كان أم كليا، وما دامت التيارات السياسية العالمية تحشّد كلٌ منها قواها تجاه الآخر، ونحن لا نَقدر إلّا على الرضى بالقضاء الإلهي والتسليم بقََدره والسلوان العظيم السامي النابع من العمل للإيمان والقرآن والنور. فإنّ ألزم ما ينبغي لنا عمله هو عدم القلق والاضطراب، وعدمُ اليأس، وإسنادُ كل منا الآخرَ وإمدادُ روحه المعنويةِ، وعدمُ الخوف، واستقبال هذه المصيبة بالتوكل، وعدم الاكتراث بأقوال الصحف التي يطلقونها جزافا ويستهولون كل حبة صغيرة، بل علينا استصغار ما استعظموه من أمور.
إخوتي! إنه لا أهمية لهذه الحياة الدنيوية، وبخاصة في هذا الزمان وتحت هذه الظروف والضغوط. نعم، لنستقبل بالرضى كلَ ما يصيبنا.
— 370 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الصادقين!
لقد وَجد بضعة من إخواننا سلوانا جميلا يسلون به أنفسهم. وهو على هذه الصورة. فهم يقولون:"إن قسما من إخواننا الحديثي العهد بالسجن، يتحملون هذه المصيبة ويصبرون عليها بضعَ سنين بل عشر سنين، من جراء عمل غير مشروع اقترفوه في ساعة أو ساعتين. بل يقول بعضُهم: حمدا للّٰه لقد نجونا من آثام أخرى، فلِمَ نشكو إذن من ضيق وعنت خيّر، من جراء عمل مشروع جدّا وخدمة إيمانية بوساطة رسائل النور، يستغرق بضعة أشهر؟"
وأنا بدوري أقول لهم: ألف ألف بارك اللّٰه فيكم.
نعم، إن مقاساة المرء خمسةَ أو عشرةَ شهور من المشاق بِنِيَّةِ إنقاذ إيمانه وإيمان غيره لخمس أو عشر سنوات، إنما هو مبعث شكر وافتخار واعتزاز في سبيل خدمة حلوة خيّرة سامية وعبادة فكرية رفيعة.
ولقد ورد في حديث شريف: "لَأَنْ يَهْدِيَ اللّٰه بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" [٭]: انظر:البخاري، الجهاد ١٠٢، ١٤٣، فضائل الأصحاب ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤؛ أبو داود، العلم ١٠. فتأملوا في عدد الذين يُنقذون، أو سينقذون إيمانهم من أعاصير الشبهات الرهيبة بوساطة خدماتكم وكتاباتكم، سواءً هنا أو في أرجاء البلاد كلها أو في "أنقرة". فاشكروا ربكم من خلال الصبر والامتنان والرضى التام.
وإذا ما أصرّ حزبُ الشعب الجمهوري الحاكم في أنقرة وعاند تجاه رسائل النور ذاتِ الحجج الرصينة والمرسَلة إلى هناك، ولم يحاوِل حمايتها والحفاظ عليها بالمصالحة معها، فهذا يعني أن أفضل مكان لنا هو السجن. ويعني أيضا أن الملحدين قد وحّدوا بين الزندقة والشيوعية، وأن الحكومة ستضطر إلى الخضوع لأقوالهم. وعندئذٍ تنسحب "رسائل النور" من الميدان ويتوقف عملُها، وتبدأ المصائب المادية والمعنوية بالهجوم.
— 371 —
باسمه سبحانه
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
(الأنعام:١٣٠)
جواب أستاذنا عن سؤال ورد لحل الإشكال في صدد بعثة الرسل من الجن أيضا كما هو مفهوم الآية الكريمة.
أخي العزيز!
حقا إن لسؤالك هذا أهمية كبيرة، ولكن لما كانت أهمُّ مهمة لرسائل النور، إنقاذَ الإنسان من شِباك الضلالة وظلمات الكفر المطلق، فإن تسلسل الأولوية يحُول دون بلوغ مثل هذه المسائل، فلا تفتح بابَ البحث فيها، علما أن السلف الصالح أيضا لم يبحثوا فيها كثيرا، لأن مثل هذه الأمور الغيبية المحجوبة قد يُساء فيها الاستعمال ويستطيع الماكرون أن يتخذوها وسيلة لمآربهم الذاتية. مثلما يخادع أصحابُ التنويم المغناطيسى في الوقت الحاضر الناسَ ويغررون بهم باسم تلقّي الأخبار عن الجن، لذا لا يُبحث في مثل هذه الأمور كثيرا، لئلا يُساء إلى الدين.
ثم إنه لم يبعث نبي في الجن بعد خاتم الأنبياء (ص).
ثم إن رسائل النور قد سعت في هذا الزمان لإثبات وجود الجن والروحانيين بحجج قاطعة لتُبطل مفهوم المادية الساري سريانَ الطاعون في البشرية. فنظرتْ إلى هذه المسائل بالدرجة الثالثة تاركة أمر تفاصيلها للآخرين.
ولعل اللّٰه يهيئ أحدَ طلاب النور فيفسّر "سورة الرحمن" ويحل هذه المسألة.
— 372 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لكل مصيبة نقول: إنا للّٰه وانا اليه راجعون (البقرة:١٥٦)
حقا إن وفاة "الحافظ علي" و"الحافظ محمد" و"محمد زهدي" ليس ضياعا كبيرا لنا ولإسبارطة وحدها، بل ضياعا أيضا للعالم الإسلامي. ولكن تجلي العناية الربانية قد جرى إلى الآن، أنه عند ضياع أحد طلاب النور، يليه مثنى أو ثلاث من الطلاب على النمط نفسه، فيظهرون في الساحة.
فنحن على أمل كبير أن يظهر طلاب جادّون -بشكل آخر- يؤدون وظيفة أولئك الأبطال، وسيظهرون بإذن اللّٰه. فلقد أدّى أولئك الميامين الثلاثة في فترة قصيرة مهمة مائة سنة من العمل.
نسأل اللّٰه أن ينیزل عليهم شآبيبَ رحمته بعدد حروف رسائل النور التي قرؤوها وكتبوها ونشروها.. آمين.
أبلغوا عني التعازي إلى أقرباء "الحافظ محمد" وقريته الطيبة، وأنا بدوري قد جعلتُه رفيقا للحافظ علي ومحمد زهدي وضممت أسماء أولئك الثلاثة بين أسماء أساتذتي الأقطاب. وقد جعلت "الحافظ عاكف" كذلك رفيقا لعاصم ولطفي.
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن في تأخير مسألتنا هذه خيرًا، والخير فيما اختاره اللّٰه. لأن محبة ذلك الرجل الميت الرهيب تُلقَّن في جميع المدارس والدوائر الحكومية وفي أوساط الشعب عامة. وستؤثر هذه الحالة تأثيرا أليما وفجيعا جدّا في العالم الإسلامي وفي المستقبل.
— 373 —
ثم إن حصول أولئك الذين لهم علاقة معه -وهم آخِر من يتخلون عنه- على رسائل النور التي تُثبت وتُظهر حججا قاطعة حول ماهية ذلك الرجل، وقراءتَها بلهفة وإمعان، حادثةٌ مهمة بحيث تجعل دخولَ ألوف من أمثالنا في السجن -بل حتى سوقَهم إلى الإعدام- زهيدا رخيصا في سبيل الذود عن الدين الإسلامي، لأنها تنقذ -في الأقل- أكثر المتمردين عتوا، من الكفر المطلق والارتداد عن الدين، وتخرجهم إلى كفر مشكوك فيه، ويحدّ من تعديهم الجريء وتجاوُزِهم المتعنت.
"ولتكن رؤوسُنا فداءً لحقيقة افتدتها ملايينُ رؤوس الأبطال".
هذه الجملة التي صدعتُ بها وجوهَهم في المحكمة ختام مرافعتي، أعلنّا بها أننا نَثبت حتى النهاية، فلا نتخلى عن هذه الدعوى، وآمل أن لا يكون فيكم من يتخلى عنها، فما دمتم قد صبرتم وصمدتم حتى الآن، فتجمّلوا بالصبر والتحمل فإنّ قسمَتنا من الرزق ووظيفتَنا هنا لم تنتهيا بعدُ.. ولن تكون هناك حركة عنيدة مضادة لرسائل النور دفاعا عن مسلك الإعدام الأبدي والسجن المنفرد الدائم اللذَين أثبتتهما "رسالةُ الثمرة" بحجج دامغة لا يمكن إنكارها، بل ستُبحث عن وسيلة للمصالحة أو التَرك. والصبر مفتاح الفرج والسرور.
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن الذين يسوموننا العذابَ قد قبضوا بأيديهم على وسائل الحياة ومباهج الحضارة والمُتع والملذات ويتهموننا: أننا لا نعبأ بذلك الطراز من الحياة، بل يدينوننا على ذلك، حتى إنهم يريدون أن يعاقبونا بالإعدام أو بعقوبات مشددة من السجن، ولكن لا يجدون حجة قانونية لذلك.
أما نحن فنقبض بأيدينا على الموت الذي هو ستارٌ دون الحياة الباقية، ونسعى أيضا بكل ما نملك من قوة لإنقاذهم من تبعات المسؤولية الحقيقية، ومن الحُكم عليهم ومن الإعدام الأبدي والسجن المنفرد الدائمي. حتى إنهم إذا أصدروا أشد العقوبات عليّ بسبب الرسائل
— 374 —
القوية المرسَلة إلى "أنقرة"، فإن قلبي وكذا نفسي تطاوعاني على إنیزال تلك العقوبات الصارمة بي إذا نجا أولئك الذين يُصدرون تلك الأحكام من إعدام الموت بسبب تلك الرسائل. بمعنى أننا نريد لهم الحياة في كلا العالَمين ونتحرى لهم عن دواعي ذلك، أما هم فيريدون القضاء علينا ويتشبثون بحجج لذلك.
ألا إن حقيقة الموت الظاهرةَ كالشمس والمشاهَدةَ جليا كالنهار والمصدّقةَ بثلاثين ألف جنازة يوميا من البشر، تُعلن وتبين لأهل الضلالة ثلاثين ألفا من إعدام أبدي وثلاثين ألفا من سجن انفرادي.
إننا لسنا مغلوبين أمامهم. ليقضوا ما هم يقضون. فالآية الكريمة:
فإنّ حزب اللّٰه هُم الغالبُون
(المائدة:٥٦) تبشّر بظهورنا عليهم منذ اثنتى عشرة سنة...
ما دام الأمر هكذا سنقول بعد الآن للمحكمة وللناس:
إننا نسعى لإنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي للموت الماثل أمامنا والذي يرقبنا، ونجهد للنجاة من السجن الانفرادي الدائمي المظلم للقبر الذي فتح بابه على مصراعيه داعيا لنا، ويُقحمنا فيه... إننا نعاونكم في إنقاذ أنفسكم من تلك المصيبة التي لا حيلة لكم دونها.
إلّا أن أهم مسألة دنيوية وسياسية في نظركم، قليلةُ الأهمية في نظرنا وفي نظر الحقيقة، بل لا أهمية لها ولا قيمة لدى الذين لم يُعهد إليهم بتلك الوظائف، بل تُعدّ من الأمور التي لا تعنيهم بشيء. بينما الوظيفة الضرورية الإنسانية التي ننهمك بها، لها علاقات مع الناس قاطبة وفي الأوقات كافة.
فالذين لا يروق لهم وظيفتُنا هذه ويحاولون رفعَها وإزالتها، عليهم رفعَ الموت أولا وإزالته وسدّ باب القبر وغلقه.
— 375 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنه لَتجلٍ من تجليات العناية الربانية انفجارُ وزير التربية بالغيظ والحقد وقذفه جام غضبه وهجومه العنيف علينا قبل أن يرى دفاعاتنا ويدرسَ أوراقنا وكتبنا، بل كان ذلك بشعور مبطّن منه. وبينما كنا ننتظر أن تتخذ "أنقرة" تجاهنا طورَ الشدة والعنف، بالنسبة لعِظم المسألة، والناشئة من تدقيق أعلى المستويات في الدولة الرسائلَ السرية الخاصة أمثال "الشعاع الخامس" و"ذيل الهجمات الست" ودفاعاتي التي تتعرض بشدة للكفر المطلق وتُنیزل ضرباتها به بكل شجاعة. أقول بينما كنا ننتظر ذلك إذا بتلك المَراجع العليا في "أنقرة" تأخذ موقف اللين، بل بما يتسم بالمصالحة.
إن حكمة واحدة من تجلي العناية الربانية هذه هي قراءة رسائل النور قراءة عامة تشمل البلاد كلها، وقراءتُها في المراجع العليا في الدولة قراءة بإمعان وبشوق، فلا شك أن قراءة درس رفيع كهذا الدرس، وفي هذا الزمان بالذات، وفي مجتمعات واسعة ودوائر رفيعة كلية هي عناية ربانية، وأمارة قوية على ظهور رسائل النور على الكفر المطلق.
إخوتي!
إن قسما من أصحاب العوائل ذوي الموارد القليلة، قد يجدون لأنفسهم عذرا بالانسحاب من ميدان رسائل النور والتنائي عنا وربما التخلي عن رسائل النور تحت هذا العنف والضيق والأضرار التي لحقت بهم.
فبينما كنت أفكر في هذا الظن المحتمل، تبدّل الأمر بعد الإفراج. فأقول:
إن الذي دفع كل هذه الأثمان الغالية المادية والمعنوية حفاظا على هذه البضاعة القيّمة النفيسة جدا، وتحمَّل صنوفَ العذاب في سبيلها، إذا ما تخلى عنها فقد خسِر خسرانا مبينا. وإنه لَضرر لا مبرر له للشخص وللخدمة معا إذا ما تخلى أحدُهم عن أجزاء رسائل النور وانقطعت علاقتُه عمّا يتعلق بها وتَرَك الحفاظ علينا وأحجم عن مدّ يد العون إلينا وودّع الخدمة كليا. لذا ينبغي عدم استبدال شيء بالوفاء والارتباط والصلة وخدمة الإيمان، مع أخذ الحذر.
— 376 —
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنه لَتجلٍ من تجليات العناية الربانية وحماية من الحفظ الإلهي، أَنْ غُلب الخبراء في "أنقرة" أمام حقائق رسائل النور. ومع أن هناك أسبابا كثيرة للنقد والاعتراض إلّا أنهم قرروا براءتها -حسب ما سمعت- علما أن العبارات القوية الشديدة للرسائل السرية الخاصة، وتحدّياتِ الدفاعات التي تتعرض لهم، والهجومَ العنيف لوزير التربية، ووجودَ عضوين ترَبَّيا على الفلسفة المادية في هيئة الخبراء من منتسبي وزارة التربية، ووجودَ عالم كبير يؤيد مستحدثات الأمور (الانقلابات) وإثارةَ منظمة الزندقة المتسترة منذ سنة وراء حزب الشعب الجمهوري ووزارة التربية ضدنا.. أقول: بينما كنا ننتظر أن تُصدِر هيئةُ الخبراء اعتراضات شديدة -للأسباب المذكورة- واتهامَنا اتهامات تُنیزل بنا أقصى العقوبات، أغاثتنا الحمايةُ الإلهية والعناية الرحمانية، وأظهرت لهم المقامَ الرفيع لرسائل النور وصرفَتهم عن الانتقادات الشديدة، حتى إنهم لأجل إنقاذنا من العقوبات، وصرفِ النظر عن كوني مجرما سياسيا له سوابق -من قضية "أسكي شهر" وحادثة "٣١ مارت" المشهورة- وكوننا لا نعمل إلّا للدين والعقيدة، وإظهارِ عدم وجود تآمر سياسي في عملنا، قالوا:
"إن سعيدا النورسي منذ السابق يدّعي أحيانا وراثة النبوة، ويتخذ طورَ المجدد في خدمة القرآن والإيمان، أي إنه يتصرف أحيانا تصرف منجذب بجذبة روحية".
فهذه الفقرة التي هي من التعابير الفلسفية الملحدة، والتي تعني أن الشخص أيا كان طالما يعمل للدين فهو إذن يعمل للتجديد بوراثة النبوة!
ولقد استعملوا ذلك التعبير الفلسفى الملحد بانتقاد حسنِ الظن المفرط لدى بعض إخواننا، وإسناد الانجذاب الروحي والانتشاء إليّ في أثناء كلامي العنيف، لأجل تبرئتي من السياسة والحيلولة دون إنیزال العقوبة بي، فضلا عن تخفيف حدّة معارضينا وأعدائنا بنوع من التلطيف، ولأجل كسر ما فيّ أيضا -حسب ظنهم- من حُب للجاه يقينا والأنانية وقصد المصلحة والنفع الذاتي، قياسا على الآخرين.
— 377 —
ولكن رسائل النور كلها من أولها إلى آخرها جوابٌ واضح وضوحَ الشمس إزاء ذلك التعبير وتزيل كل معنى يُشم منه ذلك التعبير ويمحيه، بأن مسلكَنا هو ترك الأنانية والغرور والالتزام بالأخوة. لذا فلا شطحات تنم بالغرور عندنا. فضلا عن أن حياة "سعيد الجديد" في رسائل النور المتسمة بالتذلل للّٰه، وتعديله حسن الظن المفرط لدى إخوانه بدروس مكررة دون النظر إلى شعور أحد، تزيل كلَ ما يُشم من ذلك التعبير من معنى.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لا أرسل إليكم حاليا القرارَ الذي اتفقت عليه هيئةُ الخبراء، لئلا يتضرر المخبر والكاتب.
إن هذه الهيئة الأخيرة قد حاولتْ بكل ما لديها من جهد أن تنقذنا وتحافظ علينا من شر أهل الضلالة والبدع، فقد أقرت بالاتفاق على براءتنا من كل ما أُسند إلينا من التهم، شاعرين بمسؤوليتهم تجاه رسائل النور التي استرشدوا بها. وأن أكثرية الرسائل قد كتبت كتابة علمية إيمانية، وأن "سعيدا" يبين ما اقتنع به بيانا جادا خالصا، وأن ما لديه من قوة واقتدار ليسا كما يُسنَد إليه من إحداث طريقة صوفية وتأسيس جماعة والمجابهة مع الحكومة، بل قوتُه واقتداره ليستا إلّا لإبلاغ حقائق القرآن إلى المحتاجين إليها.
وقالوا أيضا بشأن الرسائل السرية الخاصة التي عُبِّر عنها: إنها غير علمية: "إنه ينجذب أحيانا جذبات روحية ويراوده هيجان الشعور واضطراب الروح، فلا ينبغي أن يكون مسؤولا بسبب هذه المؤلفات". هكذا يُفهم من قرارهم.
وكذا أنه بتعبير "سعيد القديم" و"سعيد الجديد" له شخصيتان، وفي الثانية قوة إيمانية خارقة وعلم حقائق القرآن.
وقالوا مراعاةً لمشاعر أهل الفلسفة المادية: "ربما ينجذب روحيا، وله خلل في الدماغ". قالوا ذلك لأجل إنقاذنا من تبعات التعابير العنيفة للرسائل السرية الخاصة، ولتهدئة شعور معارضينا، وقالوا أيضا -ضمن هذا الشعور-: "ربما هو مصاب باختلال عقلي يرى الخيالَ واقعا".
— 378 —
إن ما يُبطل احتمالَهم هذا من أساسه والجواب الشافي الكافي لهم هو ما حصلوا عليه من رسائل النور التي سبقت جميعَ العقول، ورسالة "الدفاع" و"الثمرة" اللتان أوقعتا جميع المحامين في حيرة وإعجاب.
إنني أَحمد اللّٰه كثيرا أنه قد وُهب لي -بهذا الاحتمال- ما يشير إليه حديث شريف.
ثم إن خبراء قد قرروا بالاتفاق على تبرئة ساحتنا جميعا -أنا وإخوتي- من التهم ويقولون: "إنهم ارتبطوا بسعيد بسبب مؤلفاته العلمية الدقيقة إنقاذا لإيمانهم وآخرتهم. ولم نجد أية أمارة أو صراحة تشير إلى سوء قصدهم تجاه الحكومة لا في مراسلاتهم ولا في كتبهم" ووقّع القرارَ ثلاثةُ أشخاص: أحدهم الفيلسوف نجاتي، والآخر يوسف ضياء (عالم) وآخر الفيلسوف يوسف.
وإنه لَتوافق لطيف، إذ بينما نطلِق على هذا السجن أنه مدرسة يوسفية بحقّنا، وأن رسالة "الثمرة" ثمرتها، فإن هذين المسمّيين بی"يوسف" قالوا بلسان الحال: نحن أيضا لنا حصة خفية في درس هذه المدرسة اليوسفية.
أما دليلهم اللطيف على الجذبة والانجذاب الروحي، فهو عبارةُ: "الكلمة الثالثة والثلاثون والمكتوب الثالث والثلاثون بثلاث وثلاثين نافذة.." وأمثالها من التعابير.. وكذا "إنه يسمع تسبيحات القطط بی: يا رحيم يا رحيم.. وإنه يعدّ نفسه شاهد قبر.." فأظهروا هذه التعابير دليلا على الانجذاب ورؤية الخيال واقعا!
سعيد النورسي
— 379 —
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
ما دمنا نحن تحت العناية الربانية كما تشير إليها أمارات كثيرة، وأن رسائل النور لم تُغلَب تجاه أعداءٍ ظلمة كثيرة جدا، وأنها أسكتت إلى حدّ ما وزيرَ التربية وحزب الشعب الجمهوري، وأن الذين استهولوا مسألتنا كليا حتى أوقعوا الحكومة في قلق واضطراب سيحاولون بكل وسيلة إخفاءَ أكاذيبهم وافتراءاتهم.. فلابد أن نتحلى بالصبر والحيطة مع كمال الاستسلام لأمر اللّٰه والثبات على الخدمة وعدم الوقوع في خيبة الأمل بالذات، وعدم اليأس من ظهور خلاف المأمول، وعدم التزعزع أمام أعاصير مؤقتة زائلة.
نعم، إن خيبةَ الأمل التي تفتّ من القوة المعنوية لأهل الدنيا وتكسر شوكتَهم، تكون لطلاب رسائل النور الذين يرون ألطاف العناية ولمسات الرحمة تحت المشاق والمضايقات والمجاهدات، دافعةً إلى العمل والجد.
ولقد ساقني أهلُ الدنيا السياسيون قبل أربعين سنة إلى مستشفى المجاذيب بإلصاق جنون مؤقت بي. فقلت لهم: إن ما ترونه عقلانيا أراه خلافا للعقل، فأنا أتبرأ من مثل هذه الأمور. وأرى أن هذه القاعدة تسري فيكم:
"وكل الناس مجنونٌ ولكن على قدر الهوى اختلف الجنون"
والآن كذلك أقول الكلامَ نفسه إلى الذين أسندوا الجنون المؤقت إليّ لإنقاذي وإنقاذ إخواني من مسؤولية كبيرة، وكأنَّ نوعا من جنون ينتابني من حيث الرسائل السرية الخاصة. وأُعيد القول مع بيان رضاي من الجنون من جهتين:
الأول: لقد ورد في حديث شريف ما معناه: أن من أكمل المؤمنين إيمانا أن يعدّه الناسُ مجنونا. [٭]: هناك روايات كثيرة بهذا المعنى، نذكر منها: "أكثروا ذكر اللّٰه حتى يقولوا: مجنون". (انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٦٨، ٧١؛ عبد ابن حميد، المسند ص ٢٨٩؛ ابن حبان، الصحيح ٣/٩٩، البيهقى، السنن الكبرى ٩/١٥٣؛ المنذرى، الترغيب والترهيب ٢/٣٩٩؛ الحاكم، المستدرك ١/٤٩٩).
— 380 —
الثاني: إنني لا أرضى فقط بإسناد الجنون إليّ وحده بل أضحى بعقلي الكامل وحياتي كلها وبكل فخر واعتزاز لأجل إنقاذ إخواني وسلامتهم ونجاتهم من ظلمات هذا السجن.
وإذا ارتأيتم أن تُكتب رسالةُ شكر إلى أولئك الذوات الثلاث ويبلَّغون أننا نشركهم في مكاسبنا المعنوية فافعلوا.
إخواني الأوفياء الصادقين، ورفقائي المخلصين في خدمة القرآن والإيمان.
لمناسبة دنو زمن فراق بعضنا بعضا. ينبغي لكلٍ منكم التجاوز عن تقصير أخيه والصفح عنه كليا عما سببته الانفعالاتُ من الضجر والذنوب التي حالت دون الحفاظ على دساتير الإخلاص. فأنتم أقوى أخوّةً من أشقّاء النسب، والأخ يستر تقصير أخيه، ويتناسى نقصه، ويصفح عنه.
فأنا هنا لا أحيل اختلافكم وأنانيتكم غير المتوقعة إلى النفس الأمارة، ولا أجده لائقا بطلاب النور، بل أعدّه نوعا من أنانية مؤقتة التي توجَد في أولياءَ صالحين ممن تركوا نفوسهم أيضا.
فلا تخيّبوا يا إخواني حسنَ ظني بكم بالإصرار والعناد. تصالَحوا.
— 381 —

الشعاع الرابع عشر

"الدفاعات"
تتمة قصيرة جدّا لإفادتي
أُبيّن لمحكمة أفيون:
إن إفادتي التي قدمتُها لأنظاركم ولعدالة القانون، والتي تتضمن تحرّيَ منیزلي تحرّيا غيرَ قانوني بثلاث وجوه، وسَوقي للاستجواب ومن ثم توقيفي واعتقالي، كلُّ ذلك تعرّضٌ لكرامةِ ثلاث محاكم ومسٌّ لعدالتها واحترامها، بل استخفافٌ بها. لأن تلك المحاكم الثلاث وهيئاتِ الخبراء الثلاث، قد أتمّت تدقيق ما ألّفتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات، وما كتبتُه من مكاتيب، وأجمَعوا قرارهم على براءتنا. فأُعيدت إلينا كتبُنا ومكاتيبُنا.
وبعد البراءة، ومنذ سنوات ثلاث وأنا أعيش في انیزواء عن الناس، وتحت ترصّد شديد بحيث لا أكتب لبعض أصدقائي غير رسالة واحدة لا ضرر فيها. فعلاقتي بالدنيا شبه مقطوعة، بل لم أذهب إلى موطني رغم السماح.
والآن فإن تجديدَ المسألةِ نفسها بما ينمّ عن عدم الاكتراث بالقرار العادل للمحاكم الثلاث إنما هو استهانة بكرامة تلك المحاكم وحطٌّ من شرفها.
لذا لأجل الحفاظ على كرامة تلك المحاكم التي عَدلت في حقي، أرجو من محكمتكم أن تبحث عن سبب آخر ومسألةٍ أخرى لتتهموني بها غير المسائل التي هي: "رسائل النور، تشكيل جمعية، تأسيس طريقة صوفية، احتمال الإخلال بالأمن والنظام".
— 382 —
إن ذنوبي وتقصيراتي كثيرة، لذا قررت أن أُعِينَكم بقدر ما يتعلق الأمر بمسؤوليتي، فلقد تعذبتُ خارج السجن عذابا يفوق كثيرا عمّا في داخله. حتى غدا القبر أو السجن موضعَ راحتي الآن. ولقد سئمت الحياةَ حقا. كفى الإهانات والتعذيب والترصد المؤلم فيما يشبه السجن الانفرادي طوال عشرين سنة فلقد بلغ السيلُ الزبى، وأوشك أن يمسّ غيرةَ اللّٰه، وعندها يا لخسارة هذه البلاد. إني أذكّركم بهذا.
إن أعظم ملجأ لنا وأقواه:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
حسبي اللّٰه لا إله إلّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
— 383 —

"ردّ على لائِحة الادعاء"

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
"بعد صمت دام ثمانية عشر عاما، اضطررت إلى إعادة تقديم هذه الدعوى ردا على لائحة الادعاء، رغم تقديمها إلى المحكمة وتقديم صورة منها إلى المراجع العليا في أنقرة".
"أدناه خلاصة لدفاع قصير -هو الحقيقة عينها- قد قلته للمدعين العامين وضابطي الشرطة الذين أتوا لتحري منیزلي في "قسطموني" ثلاث مرات، وقلته أيضا لمدير الشرطة ولثلة من أفراد الشرطة -في المرة الثالثة- ولمحكمة دنيزلي وأفيون. فليكن معلوما لديكم أن ما قلته لهم هو: أنني أعيش معتكفا ومنیزويًا منذ عشرين سنة. فطوال ثماني سنوات في "قسطموني" بقيتُ مقابل مخفر الشرطة، وكذا الحال في بقية الأماكن؛ كنت طوال هذه الفترة تحت المراقبة والترصد الدائم. وقد تحرّوا منیزلي عدة مرات، ومع ذلك لم يعثروا على أية أمارة لها علاقة بالدنيا أو بالسياسة. فلو كان لي شيء من التدخل بها لكانت الشرطة والعدلية تعلم به، أو علمتْ به ولكن لم تُعر له بالا، بمعنى أنهم مسؤولون أكثر مني.
فما دام الأمر هكذا فلِمَ تتعرضون لي إلى هذا الحد دون داع إليه وبما يُلحق الضرر بالبلاد والعباد. علما أنه لا يُتعرض في الدنيا كلِّها للمنیزوين المعتكفين المنشغلين بآخرتهم.
نحن طلابَ النور آلينا على أنفسنا أن لا نجعل من رسائل النور أداة طيعة للتيارات السياسية، بل للكون كله. فضلا عن أن القرآن الكريم قد منعَنا بشدة من الاشتغال بالسياسة.
نعم، إن مهمة رسائل النور الأساس هي خدمة القرآن الكريم، والوقوف بصرامة وحزم في وجه الكفر المطلق الذي يُودِي بالحياة الأبدية ويجعل من الحياة الدنيا نفسها سما
— 384 —
زعافا وجحيما لا يطاق. ومنهجها في ذلك هو إظهار الحقائق الإيمانية الناصعة المدعَمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي تُلزم أشد الفلاسفة والمتزندقة تمردا، على التسليم بالإيمان. لذا فليس من حقنا أن نجعل رسائل النور أداة لأي شيء كان، وذلك لأسباب:
أولا: كي لا تُحوَّل الحقائق القرآنية التي تفوق الألماس نفاسة إلى قطع زجاج متكسر في نظر أهل الغفلة، حيث يتوهمونها كأنها دعاية سياسية تخدم أغراضا معينة، وكي لا نمتَهن تلك المعاني القرآنية القيمة.
ثانيا: إن منهج رسائل النور الذي هو عبارة عن الشفقة والعدل والحق والحقيقة والضمير لَيمنعنا بشدة عن التدخل بالأمور السياسية أو بشؤون السلطة الحاكمة. لأنه إذا كان هناك بعض ممن ابتُلوا بالإلحاد واستحقوا بذلك العقاب فإن وراء كل واحد منهم عددا من الأطفال والمرضى والشيوخ الأبرياء. فإذا نزل بأحد أولئك المبتلَيْنَ المستحِقين للعقاب كارثةٌ أو مصيبة، فإن أولئك الأبرياء أيضا سيحترقون بنارهم دون ذنب جَنَوْه. وكذا لأن حصول النتيجة المرجوة أمر مشكوك فيه، لذا فقد مُنِعْنا بشدة من التدخل في الشؤون الإدارية بما يُخل بأمن البلاد ونظامها عن طريقِ وسائلَ سياسية.
ثالثا: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسةِ أسس ثابتة، حتى يمكنَ إنقاذ البلاد وإنقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام. وهذه المبادئ هي:
١- الاحترام المتبادل
٢- الشفقة والرحمة
٣- الابتعاد عن الحرام
٤- الحفاظ على الأمن
٥- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخولُ في الطاعة.
والدليل على أن رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُثبت وتُحكم هذه الأسس الخمسة وتحترمها احتراما جادا محافِظة بذلك على الحجر الأساس لأمن البلاد، هو أن رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاما أن تجعل أكثر من مائة ألف رجل أعضاء
— 385 —
نافعين للبلاد والعباد دون أن يتأذى أو يتضرر بهم أحد من الناس. ولعل محافظتَي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول.
فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فلا شك أن أكثر أولئك الذين يتعرضون لأجزاء رسائل النور إنما يخونون الوطن والأمة والسيادة الإسلامية. ويعملون -سواءً بعلم أو بدون علم- لحساب الفوضوية والتطرف.
إن مائة وثلاثين رسالة من أجزاء رسائل النور التي مَنحت مائة وثلاثين حسنة وفائدة لهذه البلاد، لا تزيلها الأضرار الموهومة التي يتوهمها أهلُ الغفلة القاصرُو النظرِ الشكاكون، من نقص وقصور في رسالتين أو ثلاث. فالذي يهوّن من شأن تلك الرسائل بهذه الأوهام والشبهات ظَلومٌ مبين.
أما تقصيراتي وذنوبي التي تمس شخصي الذي لا أهمية له، فإني أضطر دون رغبة مني إلى القول بأن الذي قضى حياة الاغتراب التي هي أشبه ما تكون بالسجن الانفرادي طوال اثنتين وعشرين سنة، معتكِفا ومنیزويا عن أحوال الناس. والذي لم يخرج باختياره طوال هذه الفترة إلى مجمع الناس في السوق وفي الجوامع الكبيرة. والذي أُجري عليه أشدُّ أنواع الضيق والعنت وخالَف أمثالَه من المنفيين فلم يراجع الحكومةَ ولو لمرة واحدة. ولم يقرأ جريدة ولم يستمع إليها، بل لم يكترث بها طوال هذه الفترة.
وخير شاهد على هذا القريبون من أصدقائه وأحبّائه خلال سنتين في قسطموني وخلال سبع سنوات في أماكن أخرى. بل لم يَعرف أحداثَ الحرب العالمية ولا المنتصر من المغلوب، ولم يهتم بالمعاهدة والصلح، بل لم يعرف حتى من هم أطراف الحرب، ولم يتحرك فضوله لمعرفتهم، ولم يسأل عنهم ولم يستمع إلى الراديو القريب منه خلال ثلاث سنوات سوى ثلاث مرات. والذي يواجه الكفر المطلق برسائل النور، ذلك الكفر الذي يفني الحياة الأبدية ويزيد آلام الحياة الدنيا ويجعلها عذابا في عذاب. والشاهد الصادق لذلك مائة ألف ممن أنقذوا إيمانهم برسائل النور المترشحة من فيض نور القرآن العظيم والتي تجعل الموت بحق مائة ألف شخص تذكرة تسريح بدلا من الإعدام الأبدي.
تُرى أي قانون يسمح بالتعرض لهذا الرجل (يقصد نفسه) وجعْلِه في يأس من الحياة،
— 386 —
ودفعه إلى البكاء والحزن، مما يدفع مائة ألف من إخوانه إلى البكاء؟ بل أية مصلحة في ذلك؟ أَلاَ يرتكبون باسم العدالة غدرا لا مثيل له ولا نظير؟ أفلا يكون باسم القانون خروجا عن القانون؟
أما إذا قلتم واحتججتم بتصرفكم هذا بما يحتج به فريق من الموظفين في هذه التحريات وادعيتم كما يدعون، بأنك وطائفة من رسائلك تخالفان نُظمنا ومبادءنا.
فالجواب:
أولا: ليس من حق نظمكم ومبادئكم المبتدَعة هذه أن تدخل معتكفاتِ المنیزوين إطلاقا.
ثانيا: إن ردّ أمر ما شيء وعدمَ قبوله قلبيا شيء آخر، وعدم العمل به شيء آخر تماما. وإن ولاة الأمور إنما ينظرون إلى اليد لا إلى القلب. وهناك في كل قُطر وفي كل مكان معارِضون شديدون للحكومة لا يتدخلون في شؤون الإدارة والأمن. حتى إنه في عهد سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه لم يمسّ النصارى بشيء مع أنهم كانوا ينكرون الإسلام وقوانين الشريعة.
وعلى هذا واستنادا إلى مبدأ حرية الفكر والوجدان، إذا كان بعض طلاب النور يرفضون نظمكم ومبادئكم، وينتقدونها على أساس علميّ نقدا بَنّاءً، أو إنْ صدرت منهم أعمال وتصرفات لا تتفق وتلك المبادئ، بما في ذلك إضمار العداء لأولى الأمر، فليس من حق القانون أن يحاسبهم على ذلك بشرط واحد وهو أن لا يتدخلوا في الشؤون الإدارية، وأن لا يخلّو بالأمن والنظام.
أما بالنسبة للرسائل، فقد أطلقنا على تلك الرسائل أنها سرية وخاصة، وحظرنا نشرها. حتى إن أحدهم قد أتى لي بنسخة واحدة من الرسالة التي سببت هذه الحادثة لمرة أو مرتين طوال ثماني سنوات في قسطموني، وضيعناها في اليوم نفسه. وأنتم الآن تشهرونها بالقوة والإكراه، وقد اشتهرت حقا.
ومن المعلوم أنه إذا وجد نقص يوجب الذنب في رسالة ما، فإن تلك الكلمات وحدها تُحذف ويُسمح بالبقية، ولقد وجدوا خمس عشرة كلمة فقط هي مدار النقد من بين مائة
— 387 —
رسالة من رسائل النور بعد إجراء تدقيقات عليها دامت أربعة أشهر في محكمة "أسكي شهر". ووجدوا في صفحتين فقط من بين أربعمائة صفحة من مجموعة "ذوالفقار" [٭]: مجموعة تضم رسالة المعجزات القرآنية والمعجزات الأحمدية ورسالة الحشر. موضعَ نقد بعدم تلاؤمها مع القانون المدني حيث فيهما تفسير الآيات الكريمة الخاصة بميراث المرأة وحجابها، ذلك التفسير الذي كتب قبل ثلاثين سنة.. كل ذلك يُثبت أن هدف رسائل النور ليست الدنيا، بل الناس كافة بحاجة إليها. فلا تصادَر تلك المجموعة (ذوالفقار) لأجل تلكما الصفحتين. ولترفعْ إذن الصفحتان وتُعَدْ لنا مجموعتنا. نعم، من حقنا أن نطالب بإعادتها لنا.
أما إذا خلتم الإلحاد ضربا من متطلبات السياسة وقلتم بزعمكم -كما يزعم البعض-: "إنك برسائلك هذه تفسد علينا مدنيتنا وتَحُول دون تمتعنا بمباهج الحياة وملذاتها"... فأنا أقول: "إنه لا يمكن لأي شعب أن يعيش بلا دين. وهذا دستور عام، معترف به في الدنيا كلها. ولا سيما إن كان هناك كفر مطلق فإنه يسبب لصاحبه عذابا أشد إيلاما من عذاب جهنم في الدنيا نفسها. كما أُثبتَ ذلك بأدلة وبراهين لا تقبل المناقشة في رسالة "مرشد الشباب"، تلك الرسالة المطبوعة رسميا، إذ لو ارتد مسلم -والعياذ باللّٰه- فإنه يقع في الكفر المطلق، ولن يبقى في الكفر المشكوك فيه الذي يمهَل الحياة لصاحبه إلى حدٍ ما. ولا يكون كملاحدة الأجانب أيضا. بل من حيث التمتع بملذات الحياة التي قد يتصورها، لا يكون حظه من ذلك سوى الهبوط إلى مرتبة أدنى من مرتبة الحيوانات بمائة مرة التي لا معنى للماضي والمستقبل لديها. وذلك لأن موت الموجودات السابقة واللاحقة وفراقها الأبدي، يترك في نفسه آلاما مستمرة متعاقبة بسبب ضلاله.
أما إذا جاء الإيمان ولامس بشاشة القلب وتمكّن فيه، فإن أولئك الأصدقاء الذين لا يحصيهم العد سيحيَوْن فجأةً ويقولون بلسان حالهم: نحن لم نمت.. ولم نفنَ..! وحينئذٍ تنقلب تلك الحالة الجهنمية إلى لذائذ فيحاء وروضة غناء.
فما دامت الحقيقة هي هذه، فإنني أذكّركم بالآتي: لا تبارزوا رسائل النور المستنِدة إلى القرآن الكريم فإنها لا تُغلب، وإلّا فسيكون أمر هذه البلاد مؤسفا إذا ما حاول أحدٌ طمسَ نورها وسوف تذهب إلى مكان آخر، وتنور أيضا.
— 388 —
ألا فلتعلموا جيدا بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من الشعر، وفُصل كل يوم واحد منها عن جسدي، فلن أَحني هذا الرأسَ الذي نذرتُه للحقائق القرآنية أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى بحال من الأحوال عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يسعني التخلي عنها.
لا شك أنه لا يُنظر إلى نقائصَ تقع في إفادةِ معتكِف منذ عشرين سنة، ولا يقال: إنه خرج عن الصدد لدفاعه عن رسائل النور، إذ ما دامت محكمة "أسكي شهر" لم تجد غير مادة أو مادتين لرسالة أو رسالتين من بين مائة من الرسائل السِّرّية الخاصة والعلنية العامة، أثناء إجراء التدقيق عليها خلال أربعة أشهر، علما أن المادتين توجبان عقابا خفيفا، حتى إن المحكمة حكمت بالسجن لمدة ستة أشهر على خمسة عشر من المتهمين البالغ عددهم مائة وعشرين شخصا، ونحن بدورنا قضينا هذا العقاب..
وما دامت جميع أجزاء رسائل النور قد أصبحت في متناول المسؤولين -قبل سنوات- وأعيدت إلى أصحابها بعد إجراء التدقيق عليها خلال شهور عدة..
وما دامت لم تظهر أية أمارة تمس العدلية والأمن طوال ثماني سنوات في "قسطموني" رغم التحريات الدقيقة..
وما دام قد تحقق لدى هيئة التحريات الأخيرة في "قسطموني" -قبل سنوات- أن بعض الرسائل وُجدت تحت أكوام الحطب، مما يومئ إلى عدم نشرها بل فقدانها..
وما دام مدير الشرطة في قسطموني ومسؤول العدلية قد وعداني وعدا قاطعا بإعادة الكتب المخفية لي وقبل استلامي لها ساقوني في اليوم التالي بمجرد مجيء أمر التوقيف من إسبارطة..
ومادامت محكمتا "دنيزلي" و"أنقرة" قد برأتا ساحتنا أعادتا إلينا جميع الرسائل..
فلا بد وبناء على هذه الحقائق الست بمقتضى واجبِ محكمة "دنيزلي" ومدعيها العام كما هو من واجب عدلية "أفيون" ومدعيها العام أخذُ جميع حقوقي المهمة بنظر الاعتبار. فأنا على أملِ أن المدعي العام الذي يدافع عن الحقوق العامة سيدافع عن حقوقي الشخصية التي أصبحت بمثابة الحقوق العامة لمناسبة رسائل النور، بل أنتظر ذلك منه.
— 389 —
إن سعيدا الجديد الذي انسحب من ميدان الحياة الاجتماعية منذ اثنتين وعشرين سنة، ويجهل القوانين الحاضرة وأصول الدفاع الحالية، والذي قدّم مائة صحيفة من الدفاع المبرهن ببراهين لا تُجرح والذي قدّمها سابقا إلى محكمتَي "أسكي شهر ودنيزلي" وقاسى جزاء تقصيراته إلى ذلك الوقت. ومِن بعده في قسطموني وفي أميرداغ حيث قضى حياته فيما يشبه السجن المنفرد وتحت الرقابة الدائمة.. أقول: إن هذا السعيد الجديد -وأمره هذا- يؤثر جانب الصمت ويدع الكلام لسعيد القديم.
يقول سعيد القديم: لما كان سعيد الجديد قد أعرض عن الدنيا ولا يتكلم مع أهلها ولا يجد مبررا للدفاع إلّا إذا اضطر إلى ذلك. إلّا أن المسألة تمس الكثيرين من الأبرياء من الفلاحين و أصحاب الأعمال حيث يُعتقلون بمناسبة علاقتهم الواهية معنا، ويصيب أعمالَهم الكسادُ لعجزهم عن تدارك حاجات أهليهم وأطفالهم في موسم العمل هذا.. إن هذا الأمر قد مسّ وجداني مسا قويا وأبكاني من الأعماق.
لذا أقسم باللّٰه العظيم أنه لو كان باستطاعتي أن آخذ على عاتقي جميع مشاق أولئك لأخذتها، فالذنب كله يعود لي -إن كان هناك ذنب- وهم أبرياء أصلا. فلأجل هذه الحالة المؤلمة، على الرغم من سكوت "سعيد الجديد" أقول:
لما كان "سعيد الجديد" يجيب عن مائة من الأسئلة التافهة للمدَّعين العامين -لولايات "إسبارطة" و"دنيزلي" و"أفيون"- فأنا كذلك من حقي أن أسأل ثلاثة أسئلة من وزير الداخلية التي يرأسها "شكري قايا"، وأسأل من وزارة العدل الحاضرة. والأسئلة هي:
السؤال الأول بأي قانون يجري توقيفي وتوقيف مائة وعشرين شخصا معي، جراء مشادّة كلامية لم تفض إلى حادثة، جرت بين شخص اعتيادي من "أكريدر" وهو ليس من طلاب النور وبين عريفِ شرطة (جاويش) لمجرد أن وُجد بحوزته أحد مكاتيبي الاعتيادية، ومن ثم إجراء التحقيق عليه من قبل المحكمة في أربعة أشهر، ومن بعد ذلك إبراء ساحةِ الجميع سوى خمسة عشر شخصا من الضعفاء المساكين، مع إلحاق ضرر ماليّ لأكثر من مائة شخص بأكثر من ألف ليرة؟
— 390 —
تُرى بأي أصل من أصول القانون يمكن جعل الإمكانات والاحتمالات بدلا عن الوقوعات؟ وعلى وفق أيّ دستور يتم إضرار سبعين شخصا من "دنيزلي" ضررا ماليا يقدّر بألوف الليرات بعد أن كسبوا البراءة؟
السؤال الثاني الدستور الإلهي هو:
ولا تزر وازرة وزر اخرى
(الأنعام:١٦٤) وإن وجود رسالة صغيرة قد حظرنا نشرَها، ولم أحصل عليها خلال ثماني سنوات سوى مرةً أو مرتين، وقد كُتب أصلُها قبل خمس وعشرين سنة وهي التي تنقذ الإيمان من الشبهات في نقاط مهمة فيها، وتُنجي المرءَ من الوقوع في إنكار الأحاديث المتشابهة.. أقول: إن حصول هذه الرسالة الصغيرة لدى رجل لا نعرفه وفي مكان بعيد عنا، ومَنْحَها معنًى مغايرا لها، ووجدانَ مكتوب في "كوتاهية" و"بَالِيكَسِيرْ" ينمّ عن تعرض طفيف، ثم توقيفَنا جراء ذلك في شهر رمضان المبارك حينها وفي هذا الجو القارس حاليا، مع كثير من الفلاحين والكَسَبة الأبرياء، وتوقيفَ شخص لمجرد وجود مكتوب اعتيادي قديم لنا بحوزته، أو أخذني في جولة بسيارته، أو أبدى علاقةَ صداقةٍ معنا، أو لقراءته أحدَ كتبي، وإلحاقَ ضرر مادي ومعنوي بهم وبالوطن وبالأمة بقدر أُلوف الليرات استنادا إلى شبهات تافهة.. أتساءل: أيُّ قانون من قوانين العدالة يُجري كلَّ هذا؟ وحسبَ أيةِ مادةٍ قانونية تنفذ الأمور؟ إننا نطالِب بمعرفة تلك القوانين لئلا نخطئ في المسير!
نعم، إن حقيقةَ أحد الأسباب التي أدت إلى اعتقالنا في كل من "دنيزلي" و"أفيون" هي "الشعاعُ الخامس". علما أن هذه الرسالة كُتب أصلُها قبل فترةِ "دار الحكمة الإسلامية" بكثير، بِنِیيّة إنقاذ إيمان العوام تجاه المنكرين لطائفة من أحاديث نبوية شريفة لجهلهم بمراميها وتأويلاتها، حتى قالوا: لا يطيب لها العقلُ. ولنفرض فرضا محالا أن هذه الرسالة متوجهةٌ إلى الدنيا والسياسة، وكُتبت في الوقت الحاضر. ولكن لأنها رسالة سرية، ولم يُعثر عليها عندنا لدى إجراء التحريات، وإن ما أخبرتْ به من أمور مستقبلية هي صحيحةٌ، وأنها تزيل الشبهات الواردة على الإيمان، ولا تمسّ الأمن والنظام ولا تتعرض لأشخاص معينين، بل تُبيّن حقيقة علمية بيانا كليا.. أقول: لو فرضنا هذا فرضا محالا، فلا يشكِّل أيضا ذنبا. وذلك لأنها أخذت بالسرية التامة للحيلولة دون حدوث مناقشة حولها قبل أن
— 391 —
تَنشُرها وتُعلن عنها المحاكم. ثم إنّّ ردَّ شيءٍ ما ورفضَه يخالف تماما عدمَ قبوله قبولا علميا ويباين كليا عدم العمل به. فتلك الرسالة لا تَقبل علميا النظامَ الذي سيأتي في المستقبل القريب، بل ترفضه، وهذا لا يشكّل ذنبا. ولا نجد احتمال وجود ذنب بمثل هذا في قوانين العدالة في العالم كله.
حاصل الكلام: إن الكفر المطلق يبيد الحياةَ الأبدية ويحوّل الحياة الدنيوية إلى سمّ زعاف ويمحي لذتَها ومتعَها.. فرسائل النور منذ ثلاثين سنة تقطع دابرَ هذا الكفر. وقد حازت التوفيقَ في دحرها المفهومَ الكفري الرهيب الذي يحمله الماديون الطبيعيون، وتثبت ببراهين ساطعة دساتيرَ سعادة هذه الأمة في حياتَيها، وتستند إلى حقيقة القرآن السامية. فرسائل هذا شأنُها لو كانت لها ألف نقص ونقص -وليست مسألة أو مسألتين- تترجح حسناتُها التي تفوق الأُلوف على نقائصها بل تُذهبها. نحن ندّعي هذا ومستعدون للإثبات.
السؤال الثالث من المعلوم أنه لو شوهدت خمسُ كلمات غير مستساغة قانونا في مكتوب يحمل عشرين كلمة فإن تلك الكلمات الخمس تُحذف ويُسمح للأُخريات. ولقد تُوُهِّم في خمس عشرة كلمة وَهْما ظاهريا على أنها تحمل ذنبا، وذلك في محكمة "أسكي شهر" بعد إجراء التدقيق عليها لمدة أربعة أشهر. ولم تجد هيئةُ الوكلاء في مجموعةِ "ذوالفقار" البالغةِ أربعمائة صفحة ما يخالف القانون الحالي سوى صفحتين فقط، لا تلائمان القوانين الحاضرة. علما أن الصفحتين لم تتعرضا إلّا لتفسيرِ آيتين كريمتين
[٭]: الآية الكريمة: (للذكر مثل حظّ الانثيين) و (فلأمّه السدس) (النساء:١١) كُتب قبل ثلاثين سنة، وأن خبراء "دنيزلي" و"أنقرة" لم يجدوا إلّا خمسة عشر سهوا في رسائل النور التي أصبحت وسيلةً لإصلاح مئات الألوف من الناس إلى الآن، وحَققتْ للبلاد والأمة ألفا من المنافع.
ثم إنّ أخذ عائلة "جَالِشْقان" إلى التوقيف في موسم العمل هذا وفي عزّ الشتاء القارس مع أي مبدأ يتلاءم من مبادئ الجمهورية؟ وأيُّ قانون من قوانينها يجيزه؟ علما بأن كل ما قامت به هذه العائلةُ هي أنها قَدّمت خدمات بسيطة للرسائل واستنسخوها لإنقاذ إيمانهم وعاونوني في غربتي في "أميرداغ" إشفاقا على شيخوختي وابتغاءً لوجه اللّٰه.
— 392 —
وما دامت مبادئ الجمهورية لا تتعرض للمَلاحدة وفقا لمبدأ حرية الضمير والوجدان، فمن الأَولى والأحق أن لا تتعرض لأولئك الذين لا علاقة لهم بالدنيا، ولا يجادلون مع أهلها، ويعملون لآخرتهم وإيمانهم ووطنهم بشكل نافع. كما لا ينبغي ولا يحقّ لأرباب السياسة الذين بيدهم السلطة في آسيا التي تشرفت بالأنبياء أن يحملوا الشعب على التخلي عن الصلاح والتقوى اللذَين هما بمثابة الغذاء والعلاج من الحاجات الضرورية لهذه الأمة منذ ألف عام.
إنه من مقتضى الإنسانية الصفحُ عن تقصيراتٍ تَرِد ضمن أسئلةِ مَن قضى عشرين سنة من عمره معتكفا منیزويا عن الناس تلك التي يسألها بعقلِ "سعيد القديم" قبل عشرين سنة.
إنني أذكّركم بالآتي لمنفعة الأمة والأمن وكواجب من واجباتي الوطنية:
إن اعتقالَ أو محاولةَ الإساءة إلى أولئك الذين لهم علاقة واهية بنا و برسائل النور، قد يدفع بالكثيرين ممّن لهم منافعُ إيجابية للوطن والنظام أن يتحولوا إلى أناس مُعادين للإدارة، ويفسح المجالَ للفوضى والإرهاب.
نعم، إن عدد الذين أنقذوا إيمانَهم برسائل النور، واندفع بها خطرُهم عن المجتمع، بل أصبحوا أعضاء نافعين إيجابيين يزيد كثيرا على مائة ألف شخص. وهم يشغلون مناصب رفيعة في كل دائرة من دوائر الحكومة الجمهورية، ويمثلون مختلف طبقات الناس، وهم يعملون بتفانٍ وإخلاص كاملين وعلى أتمّ وجه من الصدق والنفع والاستقامة.. فالإنصاف يقتضي إذن حمايةَ هؤلاء ومساندتهم لا محاولةَ الإساءة إليهم.
إن فريقا من الموظفين الرسميين الذين ضربوا صفحا عن الإنصات إلى شكوانا ولم يسمحوا لنا بالكلام، ويتذرعون بمختلف الحجج والادعاءات الزائفة في مضايقتنا لَيحملوننا على الاعتقاد اعتقادا قويا، بأنهم بتصرفهم هذا إنما يفسحون المجال للفوضى في البلاد.
ثم إني أقول باسم مصلحة الحكومة: ما دامت محكمَتَا "دنيزلي" و"أنقرة" لم يتعرضا "للشعاع الخامس" بعد إجراء التدقيق عليه وأُعيد إلينا، فمن الضروري للإدارة أن لا تُقحمه في أمور رسمية ثانية فتجعلَ منه موضع نقاش.
— 393 —
فكما أننا قد أخفينا تلك الرسالة قبل أن تحصل عليها المحكمةُ وتُعلن عنها، فعلى محكمة "أفيون" أن لا تجعل منها مدار سؤال وجواب؛ لأن تلك الرسالة قويّة، لا تُردّ. وقد أخبرتْ عن حوادثَ قبل وقوعها، ووقعتْ كما أخبرتْ. فضلا عن أنها لا تستهدِف أمور الدنيا. وكل ما في الأمر أن أحدَ معانيها الكثيرةِ توافق رجلا مات وانتهى أمره. [٭]: المقصود مصطفى كمال. فلقد حملني وجداني أن أذكّركم لمصلحة البلاد والأمة ولأجل صيانة الأمن والنظام والإدارة بالآتي:
لا يدفعنّكم التعصب لذلك الرجل الميت إلى إقحام ذلك الخبر الغيبي والمعنى الوارد في تلك الرسالة في أمور رسمية فإنها تفسح المجالَ لزيادة الإعلان عنها.

إلى السادة رئيس محكمة أفيون والمدعي العام والأعضاء

أُقدّم لكم هنا نصَّ الدفاع الذي كنت قد قدمتُه إلى المراجع العدلية في "دنيزلي" والذي اشتمل على تسعة أُسس.
إنني -كما تعلمون- شخص قد ترك الحياة الاجتماعية ولاسيما الحياة الرسمية والسياسية التي لها نواحٍ دقيقة. لذا فإنني لا أعلم ما يجب عليّ عملُه حيالها، ولا أفكّر في ذلك، إذ إن التفكير فيه يؤلمني ألما شديدا، ولكني مضطر إلى أن أُدرج دفاعي هذا لأنني تعرضت في محكمة سابقة إلى أسئلة متكررة عديدة لا داعي لها من شخص لا يتصف بالإنصاف، وهذا الدفاع (الذي يعدّ بمثابةِ خاتمة للأجوبة التي قدمتها آنذاك) قد يَخرج أحيانا عن الصدد، وقد يكون فيه تكرارٌ لا لزوم له، وقد يخلو من النظام والاتساق، وقد يحوي على عبارات عنيفة يمكن أن تُستغل ضدي، أو جملا تخالف بعض القوانين الجديدة التي لا أعرفها، ولكن مادام هذا الدفاع يتوجّه نحو الحقيقة ويستهدفها لذا يمكن التجاوز عن جوانب القصور هذه من أجل الحقيقة. إن دفاعي كان يستند إلى تسعة أسس:
— 394 —
الأول مادامت حكومة الجمهورية لا تتعرض لأهل الإلحاد ولأهل السفاهة وذلك تحت شعار حرية الوجدان السارية في الجمهورية، لذا فإن عليها -من باب أَولى- أن لا تتعرض لأهل الدين ولأهل التقوى.. ومادامت أيةُ أمة لا تستطيع العيشَ دون دين، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أممَ قارة آسيا لا تشبه أمم أوروبا من ناحية الدين، وأن الإسلام لا يشبه النصرانية من زاوية الحياة الشخصية والحياة الأخروية. فالمسلم الملحد لا يشبه الملاحدة الآخرين. لذا أصبح هذا الدين حاجةً فطرية في أعماق هذه الأمة التي نَوّرتْ أرجاء الدنيا منذ ألف عام بدينها وبدفاعها البطولي عن تمسكها بهذا الدين تجاه جميع غارات العالم وهجومه عليه. وليس هناك أي تقدم وأية مدنية تستطيع الحلول محلَّ تعلّم الصلاح والدين وحقائق الإيمان في نفس هذه الأمة.. لا تستطيع أن تحل محله ولا أن تنسيها إياه: إذن فإن على أية حكومة تحكم أمة هذا الوطن وتأخذ العدالة والأمن بنظر الاعتبار أن لا تتعرض لرسائل النور، ويجب أن لا تسمح لأحد أن يقوم بهذا التعرض.
الأساس الثاني هناك فرق كبير بين أن ترفض وتردَّ شيئا ما وبين أن لا تعمل بذلك الشيء؛ ففي كل حكومة هناك جماعةٌ معارضة لها بشدة، فقد يكون هناك جماعة مسلمون تحت حكم مجوسي، وقد يكون هناك يهود أو نصارى تحت حكم إسلامي كما في عهد عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه، ومع ذلك تصان الحرية الشخصية لمن لا يخلّ بالأمن ولا يتعرض لإدارة الحكومة، فالحكومات يهمها الظاهر ولا تنقّب ما في داخل القلوب. علما بأن أي شخص يروم التعرض للأمن وللسياسة ولإدارة الدولة لابد أن يطالع الجرائد ويتتبع ما يجري في الدنيا من أحداث لكي يحيط علما بالتيارات وبالأوضاع المساعدة له، لكي لا يخطأ في تصرفه ولا تزلّ قدمُه. أما رسائل النور فقد منعت طلابَها عن هذا منعا باتا، حتى إن أصدقائي المقربين يعلمون بأنني ومنذ خمس وعشرين سنة تركت الجرائد ولم أسأل ولم أستفسر عن أية جريدة ولم يكن لدي فضول أو رغبة فيها فضلا عن قراءتها. وأما الآن فلا أعرف (ومنذ عشر سنوات) أي
— 395 —
شيء عن أخبار العالم وأوضاعها سوى عن هزيمة الألمان وانتصار البلاشفة.. إلى هذه الدرجة منعتني رسائل النور وأبعدتني عن الحياة الاجتماعية. إذن فمن المفروض ومن الواجب أن تَمنع حكمةُ الحكومة وقانونُ السياسة ودستورُ العدالة التعرضَ لي أو لإخواني من أمثالي. وكلُّ من يتعرض لا يفعل ذلك إلّا تحت تأثير أوهامه أو أحقاده أو عناده.
الأساس الثالث لقد اضطُررت إلى تقديم الشرح الطويل التالي جوابا على اعتراضات خاطئة لا معنى لها ولا ضرورة لها، التي قدّمها المدعي العام في المحكمة السابقة حول ما جاء في "الشعاع الخامس". ولم يكن هذا المدّعي يستند إلى مادة في القانون، بل إلى حُبّ وتعصب لشخص ميت.
أولا: لقد كنا نحتفظ بی"الشعاع الخامس" بشكل سري قبل أن تقع هذه الرسالة في يد الحكومة، ورغم التحريات التي أُجريت لم تعثر الحكومةُ عندي على نسخة منها. ولم تكن غاية هذه الرسالة إلّا إنقاذَ إيمان العوام وإزالةَ شبههم وإنقاذَهم من ردِّ وإنكار بعض الأحاديث المتشابهة. ولم تلتفت هذه الرسالة إلى شؤون الدنيا إلّا بالدرجة الثالثة أو الرابعة وكشيء عرضي. علما بأن ما أخبرَتْه كان صحيحا ولم تتعرض لأهل السياسة ولأهل الدنيا ولم تخاصمهم أو تبارزهم، بل اكتفت بسَوق الأخبار دون أن تعيِّن الأشخاصَ أو أن تسمِّي المسميات، بل تبين حقيقةَ حديث نبوي بشكل كلي وعام. ولكنهم قاموا بتطبيق هذه الحقيقة على شخص مدهش عاش في هذا العصر فانطبقت عليه تماما، لذا فقد أظهروا اعتراضهم لأنهم حسبوا أن هذه الرسالة أُلّفت في هذه السنوات، علما بأن تاريخ هذه الرسالة أَقْدَمُ من تاريخِ انتسابي إلى "دار الحكمة الإسلامية" ولكنها نسّقت فيما بعد ودخلت ضمن رسائل النور، وإليكم التفاصيل:
قدِمتُ إلى إسطنبول قبل أربعين سنة، أي قبل عام واحد فقط من إعلان الحرية، [٭]: إعلان الحرية: المقصود منه الإعلان الثاني للدستور، أي المشروطية الثانية وتم ذلك سنة ١٩٠٨ من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني. وكان القائد الياباني العام آنذاك قد وجّه إلى علماء الإسلام بعض الأسئلة الدينية، فوجّه علماءُ
— 396 —
إسطنبول هذه الأسئلة إليّ كما طرحوا عليّ أسئلة أخرى عديدة بهذه المناسبة، ومن ضمن هذه الأسئلة ما ورد في أحد الأحاديث الشريفة أنه "يصبح شخص رهيب في آخر الزمان وقد كتب على جبينه: هذا كافر" فقلت: "سيتولى أمر هذه الأمة شخص عجيب، ويصبح وقد لبس قبعة على رأسه، ويُكره الناس على لبسها".
فسألوني بعد هذا الجواب: "ألا يكونُ من يلبسها آنذاك كافرا؟". قلت: "عندما تستقر القبعة على الرأس ستقول: لا تسجد، ولكن الإيمان الموجود في الرأس سيرغم تلك القبعة على السجود إن شاء اللّٰه، وسيدخلها الإسلام.
ثم قالوا: "وسيشرب هذا الشخص ماءً وستنثقب يدُه، وعند ذلك سيعلم الجميع أنه "السفياني". فأجبتهم: "هناك مَثل يُضرب للمسرف فيُقال عنه: أن يدَه مثقوبة وكفَّه منخرقةٌ، أي إن المال لا يبقى في يده، بل يسيل ويضيع".
وهكذا فإن ذلك الشخص المدهش والعجيب سيُبتلى بالإدمان على الخمر (وهو سائل) وسيمرض جراء هذا الإدمان مما سيقوده إلى إسرافات لا حدود لها، وسيعوّد غيرَه أيضا على الإسراف.
فسأل أحدهم: عندما يموت هذا الشخص سيهتف الشيطان في منطقة "ديكيلي طاش" في إسطنبول للدنيا أن فلانا قد مات؟ فقلت له آنذاك: سيُعلَن هذا النبأ عن طريق البرقيات.
ولكني عندما سمعت فيما بعد باختراع الراديو علمتُ أن جوابي القديم لم يكن تاما.. وقلت بعد ثماني سنوات عندما كنت في دار الحكمة:
سيتم إعلان النبأ إلى العالم أجمع بوساطة الراديو.
ثم سألوا أسئلة عديدة حول سد ذي القرنين ويأجوج ومأجوج وحول دابة الأرض والدجال وعن نزول عيسى عليه السلام، فأجبت عنها، حتى إن قسما من هذه الأجوبة أدرج في بعض مؤلفاتي القديمة.
بعد مدة أرسَل "مصطفى كمال" رسالتين بالشفرة إلى صديقي "تحسين بك" الذي كان واليا سابقا على مدينة "وان" يستدعيني إلى "أنقرة" لكي يكافئني على قيامي بنشر رسالة
— 397 —

"الخطوات الست" [٭]: في تلك الفترة كانت هناك حكومتان: حكومة الخلافة في إسطنبول تحت الاحتلال الإنكليزي. وحكومة منشقّة في أنقرة برئاسة مصطفى كمال تقاتل دول الاحتلال. وكان الأستاذ النورسي في إسطنبول آنذاك فنشر هناك هذه الرسالة الموجهة ضد احتلال الإنكليز ودحض سياستهم، وكان لها وقع كبير آنذاك. فذهبتُ إليها. فعرض عليّ -مصطفى كمال- تعييني في وظيفة الواعظ العام في الولايات الشرقية براتب قدره ثلاثمائة ليرة في محل الشيخ السنوسي(٭) وذلك لعدم معرفة الشيخ اللغة الكردية. وكذلك تعييني نائبا في مجلس المبعوثان (المجلس النيابي) وفي رئاسة الشؤون الدينية مع عضوية في "دار الحكمة الإسلامية". وكان يريد بذلك إرضائي وتعويضي عن وظيفتي السابقة. وكان السلطان "رشاد" قد خصص تسعة عشر ş"Z ليرة ذهبية لإنشاء مدرسة الزهراء - التي كنتُ قد وضعت أسسها - ودارِ الفنون في مدينة "وان" فقرر مجلس المبعوثان زيادة هذا المبلغ إلى مائة وخمسين ألف ليرة ورقية حيث وقّع ثلاث وستون ومائة نائبا من بين أعضاء المجلس البالغ عددهم مائتي نائب بالموافقة على ذلك.

ولكني عندما لاحظت أن قسما مما جاء من الأخبار في المتن الأصلي لرسالة "الشعاع الخامس" ينطبق على شخص شاهدته هناك، فقد اضطررت إلى ترك تلك الوظائف المهمة، إذ اقتنعت بأن من المستحيل التفاهم مع هذا الشخص أو التعامل معه أو الوقوف أمامه، فنبذت أمور الدنيا وأمور السياسة والحياة الاجتماعية، وحصرت وقتي في سبيل إنقاذ الإيمان فقط. ولكن بعض الموظفين الطاغين والبعيدين عن الإنصاف استكتبوني رسالتين أو ثلاثا من الرسائل المتوجهة إلى الدنيا
ثم قمت -نیزولا عند رغبة بعض الذوات- بجمعِ وتنظيمِ أصولِ تلك الرسائل القديمة بمناسبة الأسئلة المتعلقة بالأحاديث النبوية المتشابهة حول علامات يوم القيامة، حيث أخذتْ هذه الرسالة اسم "الشعاع الخامس" من رسائل النور. وإن أرقام رسائل النور ليست مطّردة مع ترتيبِ أو تسلسل تأليفها، فی"المكتوب الثالث والثلاثون" مثلا أُلّف قبل "المكتوب الأول"، كما أن أصل "الشعاع الخامس" هذا مع بعض أجزاء رسائل النور تم تأليفُها قبل رسائل النور. على أية حال فإن تعصب المدعي العام لمصطفى كمال وصداقته له -وهو يشغل مثل هذا المقام- أدّى إلى أسئلة واعتراضات غير قانونية وغير ضرورية وخاطئة مما ساقني إلى تقديم هذه الإيضاحات الخارجة عن الصدد، وأنا أبين هنا أحد أقواله كمثال على كلامه المشوب بالمزاج الشخصي الخارج عن القانون.
قال: ألم تندم من قلبك على ما أوردتَه في "الشعاع الخامس"؟ ذلك لأنك قمت بإهانته وتحقيره عندما قلت عنه: إنه أصبح مثل قربة الماء من كثرة شربه الخمرَ والشراب؟
— 398 —
وأنا أقول جوابا على تعصبه الذميم والخاطئ تماما الناشئ من صداقته له:
لا يمكن إسناد شرفِ انتصارِ الجيش البطل إليه وحده، ولكن تكون له حصة معينة فقط من هذا الانتصار. فمِن الظلم ومن الخروج على العدالة بشكل صارخ إعطاءُ غنائمِ الجيش وأمواله وأرزاقه إلى قائد واحد.
وكما قام ذلك المدعي العام البعيد عن الإنصاف باتهامي لكوني لا أحب ذلك الشخص ذا العيوب الكثيرة، إلى درجة أنه وضعني موضع الخائن للوطن، فإنني أتهمه أيضا بعدم حبه للجيش، ذلك لأنه عندما يعطي إلى صديقه ذاك كلَّ الشرف وكل المغانم المعنوية فإنه يكون بذلك قد جرد الجيش من الشرف، بينما الحقيقة هي وجوب توزيع الأمور الإيجابية والحسنات والأفضال على الجماعة وعلى الجيش، أما الأمور السلبية والتقصيرات والتخريبات فيجب توجيهها إلى القيادة وإلى الرأس المدبر وإلى الممسك بزمام الأمور. ذلك لأن وجود أي شيء لا يتحقق إلا بتحقق جميع شرائطه وأركان وجوده، والقائد هنا شرط واحد فقط من هذه الشروط. أما انتفاء أي شيء وفساده فيكفي له عدم وجود شرط واحد أو فساد ركن واحد فقط. لذا يمكن عزو ذلك الفساد إلى الرأس المدبر وإلى الرئيس لأن الحسنات والأمور الجيدة تكون عادة إيجابية ووجودية. فلا يمكن حصرها على من هم في رأس الدولة. بينما السيئات والتقصيرات عدمية وتخريبية ويكون الرؤساء هم المسؤولين عنها. ومادام هذا هو الحق وهو الحقيقة، فكيف يمكن أن يقال لرئيس عشيرة قامت بفتوحات: "أحسنت يا حسن آغا"؟ وإذا غُلبت تلك العشيرة، وجّهت إلى أفرادها الإهانة والتحقير؟.. إن مثل هذا التصرف يكون مجانبا للحق تماما ومعاكسا له.
وهكذا فإن ذلك المدعي العام الذي قام باتهامي قد جانب الحق والحقيقة وجانَبَ الصوابَ، ومع ذلك فهو بزعمه قد حكم باسم العدالة.
وعلى مثالِ خطأِ هذا الشخص فقد جاءني قُبيل الحرب العالمية السابقة في مدينة "وان" بعضُ الأشخاص المتدينين والمتقين وقالوا لي: "هناك بعض القواد تصدر منهم أعمالٌ ضد الدين. فاشترك معنا لأننا سنعلن العصيان عليهم".
قلت لهم: "إن تلك الأعمال اللادينية وتلك السيئات تعود إلى أمثال أولئك القواد. ولا
— 399 —
يمكن أن نحمّل الجيش مسؤوليتها، ففي هذا الجيش العثماني قد يوجد مائة ألفٍ من أولياء اللّٰه. وأنا لا أستطيع أن أَمتشق سيفي ضد هذا الجيش، لذا لا أستطيع أن أشترك معكم". فتركني هؤلاء، وشهروا أسلحتهم، وكانت النتيجة حدوثَ واقعة "بتليس" [٭]: واقعة بتليس: عصيان قامت به العشائر الكردية المحيطة بمدينة بتليس ضد حكم الاتحاد والترقي قبيل الحرب العالمية الأولى. التي لم تُحقق أي هدف. وبعد قليل اندلعت الحرب العالمية، واشترك ذلك الجيش في تلك الحرب تحت راية الدين ودخل حومة الجهاد، فارتقت منه مئات الآلاف من الشهداء إلى مرتبة الأولياء، فقد وقّعوا بدمائهم على شهادات الولاية. وكان هذا برهانا وتصديقا على صحة سلوكي وصواب تصرفي في تلك الدعوى.
على أية حال.. لقد اضطررت إلى الإطالة قليلا، وقد ساقتني إليها تصرفاتُ المدعي العام العجيبة والمتسمة بالإهانة تجاهي وتجاه رسائل النور، مع أن من الواجب عند مَنْ يتكلم باسم العدالة أن لا يَسمح لأية عواطف شخصية ولا لأية مؤثرات خارجية بالتأثير عليه وجرِّه إلى الخطأ وإن كان جزئيا أو إلى عدم الحياد وإلى الحكم بانفعالات شخصية ونفسية.
الأساس الرابع بعد أن قامت محكمة "أسكي شهر" بتدقيق مئات الرسائل والخطابات طوال أربعة أشهر، أعطت حكما بالسجن ستة أشهر لخمسة عشر شخصا فقط من بين مائة وعشرين متهما. أما بالنسبة لي فقد حكم عليّ بالسجن سنة واحدة. فمع أنهم دققوا مائة رسالةٍ (من رسائلي) فلم يجدوا فيها شيئا سوى خمسَ عشرة كلمة في رسالة أو في رسالتين. وصدر القرار ببراءتي في مسائل تشكيل الطرق الصوفية والجمعيات السياسية وفي موضوع القبعة، وقد قضينا مدة الحكم في السجن. وبعد ذلك وفي "قسطموني" لم يجدوا شيئا لإدانتي مع أنهم تحروا وبحثوا وفتشوا كثيرا ولعدة مرات. وقبل سنوات وَضَعَت الحكومة يدَها في "إسبارطة" على جميع أجزاء رسائل النور بلا استثناء، العلنية منها والسرية الخاصة، وبعد تدقيق هذه الرسائل لمدة ثلاثة أشهر أعادَتْها إلى أصحابها. وبعد عدة سنوات بقيتْ جميعُ الرسائل تحت تدقيق محكمة "دنيزلي" ومحكمة "أنقرة" لمدة سنتين، ثم أُعيدت جميعها إلينا.
— 400 —
إذن فما دامت هذه هي الحقيقة فإن القيام باتهامي واتهامِ رسائل النور و"طلبةِ رسائل النور" من قِبل أناس يتكلمون باسم القانون ولكنهم يتصرفون بحقد ويلوموننا تحت تأثيرِ أهواء ومشاعر شخصية وبشكل غير قانوني، لا يعني اتهامنا فقط بل يعني قبل ذلك اتهام محكمة "أسكي شهر" وكذلك اتهام حكومة "قسطموني" واتهام موظفي الأمن في تلك الولاية، ويعني أيضا اتهام جهاز العدالة في "إسبارطة" وكذلك محكمة "دنيزلي" ومحكمة الجنايات الكبرى في "أنقرة"، أي إنهم يقومون بإشراك كل هذه المؤسسات معنا في الذنب (إن كان لنا أي ذنب). لأنه لو كان لنا أي ذنب فمعنى ذلك أن الجهات الأمنية في تلك الولايات الثلاثة أو الأربعة لم تستطع أن ترى شيئا رغم مراقبتها الدقيقة، أو أنها رأت ولكنها أغمضت عيونها، كما أن تلك المحكمتين لم تستطيعا معرفة ذلك مع قيامهما بالفحص الدقيق طوال سنتين أو أنهما لم يُقرءا باهتمام. إذن فإن هذه الجهات تكون هي المتهَمة أكثر مما نكون نحن. هذا علما بأنه لو كانت لدينا رغبة في التوجه إلى الأمور الدنيوية، لما كان الصوت الصادر منا مثل طنين الذباب، بل لكان صوتا هادرا كدويّ المدافع.
أجل، إن رجلا دافع بكل شدة وصلابة دفاعا مؤثرا ودون خوف أو وجل أمام المحكمة العرفية العسكرية التي انعقدت بسبب أحداث ٣١ مارت، [٭]: حوادث ٣١ مارت: هي حركةُ تمرد في الجيش عام ١٩٠٩م تسببت في اندلاعها جماعةُ الاتحاد والترقي واتهموا السلطان عبد الحميد بإثارتها كمبرر لعزله، مع أن السلطان نفى هذا الاتهام وطلب تشكيل لجنة تتقصى الحقائق إلا أن الاتحاديين رفضوا ذلك وعزلوا السلطان. وفي مجلس المبعوثان دون أن يبالي بغضب مصطفى كمال وحدّته.. كيف يُتهم هذا الشخص بأنه يدير سرًّا خلال ثماني عشرة سنة ودون أن يشعر به أحد مؤامرات سياسية؟ إن من يقوم بمثل هذا الاتهام لا شك أنه شخص مغرض. وكما أملنا من المدعي العام لمحكمة "دنيزلي" فإننا نأمل من المدعي العام لمحكمة "أفيون" أن ينقذنا من اعتراضات هؤلاء المغرضين ومن أحقادهم، وأن يُظهر وجهَ العدالة وحقيقتَها.
الأساس الخامس إن من الدساتير الأساسية لطلبة النور هو عدمُ التعرض قدر الإمكان للسياسة ولأمور الحكومة وشؤونها وإجراءاتها، ذلك لأن القيام بخدمة القرآن بإخلاص يكفيهم ويُغنيهم عن أي شيء آخر. ثم إن الداخلين الآن ساحةَ السياسة مع وجود تيارات قوية سائدة لا يستطيع
— 401 —
أحد منهم أن يحافظ على استقلاليته وعلى إخلاصه، لأنَّ تيارا من هذه التيارات سيجرّه إليه ويجعله يعمل لحسابه ويستغله في مقاصده الدنيوية، مما يؤدي إلى الإخلال بقدسية عمله وخدمته. ثم إن أشد أنواع الظلم مع أشد أنواع الاستبداد قد أصبحا دستورا وقانونا من قوانين الصراع والنیزاع المادي في هذا العصر، وهذا يعني أن كثيرا من الأبرياء يذهبون ضحيةَ خطأِ فرد واحد، أو يقع هذا الفردُ مغلوبا على أمره. عند ذلك يَتوهم مَن هَجَر دينَه من أجل دنياه أو جعل دينَه وسيلةً لدنياه أن حقائق القرآن المقدسة -التي لا ينبغي أن تُستغل لأي شيء- قد تم استغلالُها في ساحة الدعاية السياسية. ثم إن أفرادَ الأمة بجميع طبقاتها.. المعارضين منهم أو المؤيدين، الموظفين منهم أو العامة.. جميعَهم لهم حصة في تلك الحقائق القرآنية وهم بحاجة إليها، لذا كان على طلبة النور أن يبقوا محايدين تماما، وكان من الضروري لهم عدمُ الخوض في السياسة وفي الصراع المادي وعدمُ الاشتراك فيه.
الأساس السادس لا يجوز التهجم على رسائل النور بحجةِ وجود قصور في شخصي أو في بعض إخواني، ذلك لأن رسائل النور مرتبطة بالقرآن مباشرة، والقرآن مرتبط بالعرش الأعظم. إذن فمن ذا يجرُؤ أن يمد يده إلى هناك، وأن يحل تلك الحبال القوية؟ ثم إن رسائل النور لا يمكن أن تكون مسؤولة عن عيوبنا وعن قصورنا الشخصي، لا يمكن هذا ولا يجوز أن يكون أبدا، حيث إن بركتها المادية والمعنوية وخدماتها الجليلة لهذه البلاد قد تحققت بإشاراتِ ثلاث وثلاثين آية قرآنية وبثلاث كرامات غيبية للإمام علي رضى اللّٰه عنه وبالإخبار الغيبي للشيخ الكيلاني قدس سره. وإلا فإن هذا البلد سيواجه خسائر وأضرارا مادية ومعنوية لا يمكن تلافيها.
وسيرتد كيدُ الأعداء الخفيين لرسائل النور من الملاحدة إلى نحورهم وستفشل بإذن اللّٰه الخططُ الشيطانية التي يحوكونها والحملات التي يشنونها عليها. ذلك لأن طلبة النور ليسوا مثل الآخرين، فبعون اللّٰه تعالى وعنايته لا يمكن تشتيتهم ولا حملهم على ترك دعوتهم ولا التغلب عليهم. ولو لم يكن القرآن مانعا عن الدفاع المادي فإن طلبة النور -الذين كسبوا محبة جماهير هذه الأمة وتقديرها في حكم شريان في هذه الأمة- والذين هم موجودون في كل مكان، لن يشتركوا في حادثة جزئية كحادثة الشيخ سعيد أو حادثة "مَنَمَن"
— 402 —
إذ لو وقع عليهم -لا سمح اللّٰه- ظلم شديد إلى درجة الضرورة القصوى وهوجمت رسائل النور فإن الملاحدة والمنافقين الذين خدعوا الحكومة سيندمون لا محالة ندما شديدا..
والخلاصة أنه مادمنا لا نتعرض لدنيا أهل الدنيا، فيجب عليهم أن لا يتعرضوا لآخرتنا ولا لخدماتنا الإيمانية.
(أدرج فيما يلي خاطرةً قديمة وقصةَ دفاع لطيفة حول محكمة "أسكي شهر" بقيت مخفيةً حتى الآن ولم تُدرج في المضابط الرسمية للمحكمة كما لم ترد في دفاعي أمام تلك المحكمة).
سألوني هناك: ما رأيك حول النظام الجمهوري؟ فقلت لهم:
تستطيعون أن تتأكدوا من كتاب "تاريخ حياتي" الموجود لديكم بأنني كنت شخصا متدينا ومن أنصار النظام الجمهوري. وذلك قبل أن تأتوا أنتم إلى الدنيا.. هذا باستثناء رئيس المحكمة المتقدم في العمر. وخلاصة ذلك أنني كنت آنذاك منیزويا -كحالي الآن- تحت قبة خالية، فكانوا يأتون لي بالحساء، وكنت أقوم بإعطاء النمل حبات الحساء واكتفي بغمس الخبز في سائل الحسیاء. سألوني في محكمة "أسكي شهر" عن السبب فقلت: "إن أمة النمل وكذلك النحل تعيیش في نظام جمهوري، وأعطي النمل الحبات احتراما لنظامها الجمهوري".
ثم قالوا: "أنت تخالف بذلك السلف الصالح".
فأجبتهم: "لقد كان الخلفاء الراشدون خلفاء ورؤساء جمهورية في الوقت نفسه. فالصديق الأكبر رضي اللّٰه عنه كان دون شك بمثابة رئيس جمهورية للعشرة المبشرة وللصحابة الكرام. ولكن ليس تحت عنوان أو شكل فارغ، بل كل منهم رئيس جمهورية متدين يحمل معنى العدالة الحقيقية والحرية الشرعية.
إذن فيا أيها المدّعي العام ويا أعضاء المحكمة! أنتم تتهمونني الآن بمعاداة فكرٍ كنت أحمله منذ خمسين سنة.
— 403 —
أما إنْ كان سؤالُكم حول الجمهورية العلمانية فإن ما أعلمه هو أن معنى العلمانية هو البقاء على الحياد، فكما لا تتعرض مثلُ هذه الحكومة للملحدين ولأهل السفاهة بحجة حرية الضمير فيجب أن لا تتعرضَ لأهل الدين ولأهل التقوى. وإنني الآن لا أعلم الأوضاع السياسية والأحوال التي تعيش فيها الحكومةُ الجمهورية، لأنني قد اعتزلت الحياة الاجتماعية منذ خمس وعشرين سنة، فإن كانت قد دخلت في مرحلة مرعبة ومذهلة من العمل لحساب الملاحدة وبدأت بسنّ القوانين التي تدين من يعمل لآخرته ولإيمانه -والعياذ باللّٰه- فإني أقول لكم دون خوف أو خشية أنه لو كان لي ألف نفس لما ترددت في التضحية بها في سبيل إيماني وفي سبيل آخرتي واعملوا أنتم ما بدا لكم، وسيكون آخر كلامي:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
ولو قمتم بإعدامي ظلما أو بسجني مع الأشغال الشاقة فإنني سأردُّ عليكم بقولي:
إنني وبفضل ما كشفَته رسائل النور بصورة قاطعة لن أُعدَم، بل أُسرّح وأَذهب إلى عالم النور والسعادة. أما أنتم يا أعداءنا المتسترين والمتخفين الذين تسحقوننا لأجل الضلالة فأقول لكم بأنني متهيئٌ لكي أُسلّم الروح باطمئنان وبراحة قلب. لأنني أعلم وأرى أنه سيُحكم عليكم بالإعدام الأبدي وبالحبس الانفرادي المؤبَّد، لذا فإن انتقامي منكم سيكون تاما وكاملا. هذا ما قلتُه لهم.
الأساس السابع
استنادا إلى بعض التحقيقات السطحية -التي جرت في أماكن أخرى- فقد اتهمَتنا محكمةُ "أفيون" بالسعي لإنشاء جمعية سياسية.
وأنا أقول جوابا على هذا:
أولا: إن جميع مَن صادقني يشهد بأنني لم أقرأ جريدةً واحدة منذ تسعة عشر عاما ولم أستمع إليها ولم أسأل عنها، وفي ظرفِ عشرةِ أعوام وخمسةِ أشهر لم أعرف من الأخبار سوى هزيمةِ ألمانيا والخطر الشيوعي، لم أعرف أيّ خبر آخر ولم يكن عندي فضول أو رغبة للمعرفة.. إذن فمثل هذا الشخص لا يمكن أن تكون له أدنى علاقة بالسياسة ولا الجمعيات السياسية.
— 404 —
ثانيا: إن رسائل النور البالغَ عددُها مائة وثلاثين رسالة، موجودةٌ كلها في متناول اليد وأمام الأنظار، وقد اقتنعتْ محكمةُ "أسكي شهر" بأنه لا يوجد في رسائل النور أيّ هدف آخر وأية غاية دنيوية عدا حقائق الإيمان، لذا لم تتعرض إلّا لرسالة واحدة أو لرسالتين. أما محكمة "دنيزلي" فلم تتعرض لأية رسالة، كما أن جهاز الأمن الضخم في "قسطموني" بالرغم من قيامه بالترصّد والمراقبة الدائمة طوال ثمانية أعوام لم يجد من يتهمه سوى شخصين كانا يعاونانني في شؤوني وثلاثة أشخاص آخرين بأسباب واهية، وهذا حجةٌ قاطعة بأن طلاب النور لا يشكّلون بأي حال من الأحوال جمعيةً سياسية. أما إن كان مفهومُ الجمعية عند الادعاء العام هو جماعة إيمانية تعمل لآخرتها، فإننا نقول جوابا له: لو قمتم بإطلاق تسمية الجمعية على طلاب دار الفنون (الجامعة) وعلى أصحاب كل مهنة من المهن، عند ذاك يمكن إطلاق اسم الجمعية -بهذا المفهوم- علينا. أما إن كان المقصود هو جماعة تقوم بالإخلال بالأمن الداخلي ببواعث دينية فإننا نردّ على ذلك بأن عدم تورط طلاب النور طوال عشرين سنة بأية حادثة مخلّة بالأمن الداخلي في أي مكان، وعدمَ تسجيل أي شيء ضدهم في هذا الخصوص لا من قبل الحكومة ولا من قبل المحاكم، لَدليلٌ ساطع على بطلان هذه التهمة. أما إن كنتم تتوهمون أن تقوية المشاعر الدينية ستؤدي في المستقبل إلى الإخلال بالأمن الداخلي وأن هذا هو ما تقصدونه من توجيه تهمة الجمعية إلينا فإننا نقول:
أولا: إن جميع الوعاظ (وعلى رأسهم رئاسة الشؤون الدينية) يؤدون الخدمات نفسها.
ثانيا: إن طلبة النور ليسوا بعيدين فقط عن الإضرار بالأمن والإخلال بالاستقرار، بل إنهم يعملون بكل قواهم وبكل قناعاتهم لحفظ الأمة من الفوضى والفتن، ويحاولون بكل جهدهم تأمين الاستقرار والأمن والدليلُ على هذا هو ما جاء في الأساس الأول أعلاه.
أجل، نحن جماعة هدفُنا وبرنامجُنا إنقاذ أنفسنا أولا ثم إنقاذ أُمتنا من الإعدام الأبدي ومن السجن البرزخي الانفرادي المؤبّد ووقاية مواطنينا من حياة الفوضى والسفاهة ومحافظةُ أنفسنا (بالحقائق القوية الفولاذية الواردة في رسائل النور) من الإلحاد الذي يروم القضاء على حياتنا في الدنيا وفي الآخرة.
— 405 —
الأساس الثامن إنهم يقومون بتوجيه التُّهم إلينا استنادا إلى بعض الجمل المؤثرة الواردة في رسائل النور واستنادا إلى بعض التحقيقات السطحية التي جرت في بعض الأماكن، ونقول نحن جوابا على هذا:
مادامت غايتُنا محصورةً في الإيمان وفي الآخرة وليست في الصراع والنیزاع والمبارزة مع أهل الدنيا.. ومادام التعرض الجزئي القليل جدّا الوارد في رسالة أو رسالتين لم يكن مقصودا من قِبَلنا، بل ربما ارتطمنا بهم عرضا ونحن نسير نحو هدفنا، لذا لا يمكن عدّه غرضا سياسيا.. ومادامت الاحتمالاتُ والإمكانات تعدّ شيئا والوقائع شيئا آخر، ذلك لأن الاتهام الموجه ليس في أننا قمنا بالإخلال بالأمن بل هو "يُحتمل" أو من الممكن أن نخلّ بالأمن، وهو اتهام باطل ولا معنى له، ويشبه اتهام أي شخص باقتراف جريمةِ قتل لأن من الممكن أن يقوم بذلك، علما أن المحاكم في "أسكي شهر" وفي "قسطموني" وفي "إسبارطة" وفي "دنيزلي" لم تستطع العثور (بالرغم من تدقيقها الشديد) على أي دليلِ اتهام في آلاف النسخ من الرسائل والمكاتيب المتبادلة بين عشرات الآلاف من الأشخاص طوال عشرين عاما، ومع أن محكمة "أسكي شهر" لم تعثر على شيء سوى رسالةٍ صغيرة، فاضطرت باستعمالِ مادة قانونية مطاطة إلى إلقاء المسؤولية علينا، ومع أنها تصرفتْ بشكل يُدين كل من ألقى درسا دينيا إلّا أنها مع ذلك لم تستطع إلا إصدار الحكم بإدانة خمسة عشر شخصا فقط من بين مائة شخص ولمدة ستة أشهر، ولو افترضنا أنَّ شخصا مثلنا كان بينكم وتم القيام بتدقيق عشرين رسالة من رسائله الخاصة التي كتبها في ظرف سنة واحدة.. لو تم هذا ألا يمكن العثور في هذه الرسائل على عشرين جملة تضعه في موقف حرج وفي موقف المسؤولية؟ لذا فإن العجز عن العثور على عشرين جملة حقيقية تدين صاحبها من بين عشرين ألف نسخة من الرسائل والمكاتيب لعشرين ألف شخص طوال عشرين سنة برهان قاطع على أن الهدف المباشر لرسائل النور هو الآخرة، ولا علاقة لها بالدنيا.
— 406 —
الأساس التاسع لقد سُجل في قرار الادعاء لمحكمة "أفيون" الموادُّ التي أوردها المدعى العام المنصف لمحكمة "دنيزلي"، وحكامُ التحقيق غير المنصفين والسطحيين في أماكن أخرى، وبدلالةِ ما عوملنا من معاملات أثناء التحقيق، والمواد هي نفسها وأبرزت المكاتيب من دون تاريخ يُذكر، والمراسلات التي تمت خلال عشرين أو خمس عشرة سنة أو عشر سنوات، فتلك المواد أُجيب عنها في الأساس الثالث والسؤال الثاني في ادعائي، والتي تدور حول الشعاع الخامس والرسائل البالغة مائة وثلاثين رسالة ومكاتيب مرت بالتدقيق في محكمة "أسكي شهر" وقضينا عقابه وشملَتها قوانينُ العفو، وبرأت ساحتَها محكمةُ "دنيزلي"، فالآن يحاولون أن يجدوا معاذير واهية من تلك الرسائل كي تكون موادَ اتهام لنا.
فيا تُرى إن الذي أخضع بخطاب منه ثمانيَ كتائبَ من الجيش في حادثةِ "٣١ مارت" مع أنهم لم يعيروا سمعا لشيخ الإسلام ولا لكلام العلماء، هل يمكن أن يُقنِع ويَستغفِل طوال ثماني سنوات أمثالَ هؤلاء الرجال فقط؟ فهل يمكن أن يُقال إنه تمكّن فحسب من استغفال خمسة رجال في ولاية عظيمة، ولايةِ قسطمونى؟
فلقد أخرجتم جميعَ كتبي والرسائل الخاصة والسرية منها والعلنية في "قسطمونى" وحوادث "دنيزلي". وبعد إجراء التدقيق عليها -لمدة ثلاثة أشهر- لم يعثروا في تلك الولاية العظيمة على غير فيضى وأمين وحلمي وتوفيق وصادق.
فهؤلاء الخمسة كانوا يعاونونني في أعمالي الشخصية ابتغاء وجه اللّٰه. وعثروا في ظرفِ ثلاث سنوات ونصف السنة في "أميرداغ" على ثلاثة أصدقاء، وبعثوهم إليّ.
فلو كنت أعمل كما ورد في تلك التحقيقات السطحية، لكنتُ أستطيع استغفال خمسمائة شخص لا خمسة أشخاص أو عشرة، بل لكنت أستطيع استغفال خمسة آلاف شخص بل خمسمائة ألف.
أُبيّن ما قلتُه في محكمة "دنيزلي" للحقيقة ولإظهار مدى خطئهم. وأدناه أُورِدُ نموذجا أو نموذجين منها:
— 407 —
إنهم يؤاخذوننا لقيامنا بجمع آيات كريمة من القرآن الكريم تُعين على التفكر في آيات اللّٰه -في الكون- تلك التي هي منبع رسائل النور، وذلك اتباعا لعادة إسلامية جرت منذ عصر النبوة. وسمّينا مجموعة تلك الآيات: "حزب القرآن" أيمكن أن يقال لمن يقوم بمثل هذا العمل: إنهم يحرفون الدين..
ثم إني رغم مقاساتي سنةً واحدة من العقاب النازل بي حول "رسالة الحجاب" التي عثروا عليها تحت أكوام الحطب والوقود، نراهم يريدون إدانتنا بها كأنها استنسخت ونشرت هذه السنة.
ثم إنني لما اعترضت بكلمات قاسية على ذلك الشخص المعروف الذي تولى رئاسة الحكومة بأنقرة، لم يقابلني بشيء، بل آثر الصمت. إلّا أن بعد موته أظهرت حقيقةُ حديثٍ شريف خطأَه -كنت قد كتبته قبل أربعين سنة- فتلك الحقيقة والانتقادات التي كانت فطرية وضرورية واتخذناها سرية، وعامة غير خاصة على ذلك الشخص قد طبقها المدعي العام بحذلقة على ذلك الشخص، وجعلها مدار مسؤولية علينا. فأين عدالة القوانين التي هي رمز الأمة وتذكارها وتجل من تجليات اللّٰه سبحانه، من محاباة شخص مات وانقطعت علاقته بالحكومة.
ثم إننا جعلنا حريةَ الوجدان والعقيدة التي اتخذتْها حكومةُ الجمهورية أساسا لها مدارَ استناد لنا. ودَافَعْنا عن حقوقنا بهذه المادة، ولكن اتخذتها المحكمةُ مدارَ مسؤولية وكأننا نعارض حرية الوجدان والعقيدة.
وفى رسالة أخرى انتقدتُ سيئات المدنية الحاضرة وبينت نواقصها، فأُسند إليّ في أوراق التحقيق شيء لم يخطر ببالي قط، وهو إظهاري بمظهر من يرفض استعمال الراديو (٭): لأجل تقديم الشكر للّٰه تجاه نعمة الراديو، وهى نعمة إلهية عظمى، فقد قلت: "إن ذلك يكون بتلاوة القرآن الكريم من الراديو كي يُسمع ذلك الصوت الندي إلى العالم أجمع فيكون الهواء بذلك قارئا للقرآن الكريم" (المؤلف). وركوبَ القطار والطائرة. فأكون مسؤولا عن كوني معارضا للرقي الحضاري الحاضر.!
فقياسا على هذه النماذج، يمكن تقدير مدى بُعد المعاملة عن العدالة. نأمل أن لا تهتم محكمة "أفيون" لما ورد في أوراق التحقيق من أوهام وشبهات كما لم تهتم بها محكمة "دنيزلي" العامة ومدعيها العام المنصف.
— 408 —
وأغرب من جميع ما ذكر هو أن الطائرة والقطار والراديو التي تعتبر من نعم اللّٰه العظيمة وينبغي أن تقابَل بالشكر للّٰه، لم تقابِلها البشرية بالشكر فنیزلت على رؤوسهم قنابل الطائرات.
والراديو نعمة إلهية عظيمة بحيث ينبغي أن يكون الشكر المقدم لأجله في استخدامه جهازا حافظا للقرآن الكريم يُسمِع البشرية جمعاء. ولقد قلنا في "الكلمة العشرين": إن القرآن الكريم يخبر عن خوارق المدنية الحاضرة، وبيّنّا فيها عند حديثنا عن إشارة من إشاراتِ آيةٍ كريمة، بأن الكفار سيَغلِبون العالم الإسلامي بوساطة القطار. ففي الوقت الذي أحثُّ المسلمين إلى مثل هذه البدائع الحضارية فقد جعلها بعض المدعين العامين لمحاكمَ سابقة مدارَ اتهام لنا وكأنني أعارض هذه الاختراعات.
ثم إن أحدهم قال: إن رسالة النور نابعة من نور القرآن الكريم، أي إلهام منه، وهي وارثة، تؤدي وظيفةَ الرسالة والشريعة. فأَورد المدعى العام معنى خطأ فاضحا ببيانه ما لا علاقة له أصلا وكأن "رسالة النور رسول" وجعلوا ذلك مادةَ اتهام لي.
ولقد أثبتنا في عشرين موضعا في الدفاع وبحجج قاطعة أننا لا نجعل الدين والقرآن ورسائل النور أداة ووسيلة لكسب العالم أجمع، ولا ينبغي أن تكون وسائل قطعا. ولا نستبدل بحقيقة منها سلطنةَ الدنيا كلها. ونحن في الواقع هكذا. وهناك ألوف من الأمارات على هذه الدعوى.
ولكن يبدو من سير الادعاء لمحكمة "أفيون" وفى قرارها المبني على تحقيقات أخرى: أننا نبتغي الدنيا ولا نسعى إلّا لحبك المؤامرات وكسب حطام الدنيا ونجعل الدين أداة لمواد خسيسة تافهة ونعمل على الحط من قيمته.. فيتهموننا على هذا الأساس.
فما دام الأمر هكذا فنحن نقول بكل ما نملك:
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
سعيد النورسي
— 409 —
باسمه سبحانه
تتمة الاعتراض المقدم إلى محكمة "أفيون"
إن مخاطبي في هذا الاعتراض ليس محكمةَ "أفيون" ولا مدّعيها العام، بل أولئك الموظفين العاملين هنا وفى دائرة التحقيقات ممن تساورهم الشكوكُ والأوهامُ والأغراض الشخصية فيتخذون مواضعَ ضدّنا مستندين إلى تحقيقات ناقصة وإخباريات مختلقة استند إليها مدّعون عامون ومخبرون ومتحرون في أماكن أخرى.
أولا: إن إطلاق اسم "الجمعية" -التي لا تخطر على البال ولا أصل لها أساسا- على طلاب رسائل النور الأبرياء الذين ليس لهم أيةُ علاقة بالسياسة، ومن ثم عَدُّ أولئك المساكين الداخلين في تلك الدائرة ممن ليس لهم غايةٌ غيرُ الإيمان والآخرة، أنهم ناشرو تلك الجمعية وأعضاؤها الفعالون ومن منتسبيها، أو جعلُ الذين قرؤوا رسائل النور أو استقرؤوها أو استنسخوها مذنبين ودفعُهم إلى المحكمة.. كل هذه الأمور بعيدةٌ بُعدا واضحا عن العدالة.
والحجة القاطعة عليها هي: أنَّ الذين يقرؤون مؤلفاتٍ ضارةً كالسم الزعاف والتي تهاجم القرآن، كمؤلفات "الدكتور دوزي" وأمثاله من الزنادقة، لا يُعدّون مذنبين حسب دستورِ حرية الفكر والحرية العلمية، بينما تُعدّ ذنبا قراءةُ وكتابةُ رسائل النور التي تبين الحقائق القرآنية والإيمانية وتعلّمها المحتاجين إليها حاجة ماسة والمشتاقين إليها وتوضّحها لهم وضوحَ الشمس الساطعة!
ثم إنهم اتهمونا على بضع جُمل فحسب وردت في رسائل اتخذناها رسائل سرية -لئلا تُفسّر تفسيرا خاطئا وذلك قبل الإعلان عنها في المحاكم- علما أن تلك الرسائل قد دققتها محكمة "أسكي شهر" -سوى واحدةٍ منها- واتخذت ما يستوجب الأمر لها، ولم تعترض إلّا على مسألة أو مسألتين من رسالة "الحجاب" وقد أجبتُ عنها في عريضتي وفي اعتراضي بأجوبة قاطعة. وقلنا: "إن ما في أيدينا نورٌ ولا نملك صولجان السياسة". وأثبتنا ذلك في محكمة "أسكي شهر" بعشرين وجها.
— 410 —
وإن محكمة "دنيزلي" قد دققت جميعَ الرسائل دون استثناء، ولم تعترض على أية رسالة منها.. ولكن أولئك المدَّعين غير المنصفين قد عمموا حكمَ تلك الجمَل المعترَض عليها التي لا تتجاوز جملتين أو ثلاثا على جميع الرسائل حتى صادروا مجموعة "ذو الفقار" البالغة أربعمائة صفحة لأجل صفحات منها فقط. وجعلوا قارئي الرسائل ومستنسخيها مذنبين، واتهموني بأنني أُعارض الحكومة وأتحدّاها.
إنني أُشهد أصدقائي القريبين منى والذين يقابلونني أُشهدهم مُقسِما باللّٰه: إنني منذ أكثر من عشر سنوات لا أعرف سوى رئيسين للجمهورية ونائبا واحدا في البرلمان ووالي "قسطموني". فلا أعرف معرفة حقيقية أحدا غيرهم من أركان الحكومة ووزرائها وقوادها وموظفيها ونوابها، وليس لي الفضول لمعرفتهم. إلّا أن شخصا أو شخصين أظهرا قبل سنة علاقة نحوي فعرفتُ عن طريقهما خمسةً أو ستة من أركان الحكومة.
فهل من الممكن لمن يريد مبارزة الحكومة أن لا يعرف من يبارز، ولا يتحرك فيه الفضول لمعرفتهم، ولا يهتم بمن يواجههم، أ هُم أعداءٌ أم أصدقاء؟
يُفهم من هذه الأحوال أنهم يختلقون معاذيرَ لا أصل لها قطعا. فمادام الأمر هكذا: فإنني أقول لأولئك الظلمة غير المنصفين ولا أخاطب هذه المحكمة:
إنني لا أعير أقلَّ اهتمام بما تعتزمون إنزالَه بي من عقاب، مهما بلغت درجتُه من الشدة والقسوة. لأنني على عتبة باب القبر، وفى السن الخامسة والسبعين من عمري، فهل هناك سعادةٌ أعظمُ من استبدال مرتبة الشهادة بسنة أو سنتين من حياة بريئة ومظلومة كهذه؟
ثم إنني موقنٌ كلَ اليقين ولا يخالجني أدنى شك في أن الموت بالنسبة لنا تسريح وتأشيرةُ دخول إلى عالم الطمأنينة والسعادة. ولنا آلاف البراهين من رسائل النور على ذلك، وحتى إنْ كان الموتُ إعداما ظاهريا لنا فإن مشقةَ ساعة من الزمان تتحول بالنسبة لنا إلى سعادة ومفتاح للرحمة وفرصة عظيمة للانتقال إلى عالم البقاء والخلود.
أما أنتم يا أعداءنا المتسترين ويا أولئك الذين يضللون العدالة في سبيل إرضاء الزندقة ويتسببون في خلق الأوهام الزائفة في أذهان المسؤولين في الدولة لينشغلوا بنا دون داعٍ أو سببٍ.. اعلموا قطعا -ولترتَعد فرائصُكم- أنكم تحكمون على أنفسكم بالإعدام الأبدي وبالسجن الانفرادي الدائم. وأن الانتقام لنا يؤخذ منكم أضعافا مضاعفة، فها نحن أولاء
— 411 —
نرى ذلك ونشفق عليكم. ولا شك أنَّ حقيقة الموت التي ظلّت تُفرغ هذه المدنية مائة مرة إلى المقابر، لابد أن تكون لها غايةٌ ومطلبٌ فوق غاية العيش والحياة. وإن محاولة الخلاص من براثن ذلك الإعدام الأبدي هي قضية في مقدمة القضايا الإنسانية، بل هي من أهم الضروريات البشرية وأشدها إلحاحا.
فما دامت هذه هي الحقيقة، أفَليس من دواعي العجَب والغرابة أن يَتهم نفرٌ من الناس طلابَ رسائل النور -الذين اهتدوا إلى ذلك السر وعثروا على تلك الحقيقة-، ويلصقوا اتهامات باطلة برسائل النور التي أَثبتت تلك الحقيقةَ نفسها بآلاف الحجج والبراهين؟ إن كل مَن له مسكة من عقل -بل حتى لو كان مجنونا- يدرك تمام الإدراك بأن أولئك النفر باتهاماتهم تلك إنما يضعون أنفسهم موضع الاتهام أمام الحقيقة والعدالة.
إن هناك ثلاث مواد توهم بوجود جمعية سياسية لا علاقة لنا بها أصلا، هي التي خدعت هؤلاء الظلمة.
أولاها: العلاقة الوطيدة التي تربط طلابي منذ السابق، قد أوحت لهم وجودَ جمعية.
الثانية: أنَّ بعضا من طلاب رسائل النور يعملون بأسلوب جماعي كما هو لدى الجماعات الإسلامية الموجودة في كل مكان والتي تسمح بها قوانين الجمهورية ولا تتعرض لها؛ لذا ظنَّ البعضُ فيهم أنهم جمعية، والحال أنَّ نيَّة أولئك الأفراد القليلين ليس تشكيل جمعية أو ما شابهها، بل هي أخوّة خالصة وترابُط وثيق أخروي بحت.
الثالثة: أنَّ أولئك الظلمة يعرفون هم أنفسهم أنهم قد غرقوا في عبادة الدنيا وضلوا ضلالا بعيدا ووَجدوا بعضَ قوانين الحكومة منسجمة معهم، لذا يقولون ما يدور في ذهنهم: إن سعيدا ورفقاءه معارضون لنا ولقوانين الحكومة التي تساير أهواءنا، فهم إذن جمعية سياسية.
وأنا أقول: أيها الشقاة! لو كانت الدنيا أبديةً خالدة، ولو كان الإنسان يظل فيها خالدا، ولو كانت وظائفُه منحصرةً في السياسة وحدها، ربما يكون لفريتكم هذه معنى. ولكن اعلموا أنني لو دخلت العمل من باب السياسة لكنتم ترون ألفَ جملةٍ وجملة صيغت بأسلوب التحدي السياسي، لا عشرَ جمل في رسالة. ولنفرض فرضا محالا أننا نعمل -كما تقولون- ما وَسِعَنا لمقاصد دنيوية وكسبِ مُتَعها الرخيصة والحصولِ على سياستها -ذلك الفرض الذي لم يحاول
— 412 —
الشيطان أن يقنع به أحدا- فما دامت جميعُ وقائعنا طوال عشرين سنة لا تُبرز شيئا لملاحقتنا، إذ الحكومة تنظر إلى كسب الشخص لا إلى قلبه، والمعارضون موجودون في كل حكومة بشكل قوي، فلا شك أنكم لا تستطيعون أن تجعلونا في موضع التهمة بقوانين العدالة.
كلمتي الأخيرة:
حسبى اللّٰه لا اله الّا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
سعيد النورسي
— 413 —

"حادثة غير قانونية"

بعد براءتنا من محكمة "دنيزلي" ورغم اعتزالي الناسَ وانسحابي إلى الاعتكاف طوال ثلاث سنوات تاركا السياسة كليا، فإن هذه الحادثة الجديدة التي أفضت بنا إلى سجنِ "أفيون" لا تمتّ إلى القانون بشيء بل غير قانونية بعشرة وجوه:
الأول إن رسائل النور قد مرّت بثلاث محاكم وثلاث هيئات للخبراء ومن سبع مراجع مسؤولة في "أنقرة" وعند كثير من مدققي العدلية في ظرف سنتين.. فاتفقوا كلهم من دون استثناء على براءة جميع الرسائل وبراءةِ "سعيد" ومن معه من أصدقائه البالغ عددهم خمسة وسبعين شخصا. ولم يعاقَبوا حتى بجزاء يوم واحد. وعلى الرغم من هذا فإن تجاوزهم على تلك الرسائل وكأنها أوراق مخلّة بأمن البلد، يَجعل كل من يملك مسكة من الإنصاف أن يدركَ مدى خروج الأمر عن القانون.
الثاني إن الذي ظَلَّ في الانیزواء والاعتكاف في "أميرداغ" طوال ثلاث سنوات بعد البراءة، وعاش غريبا، حتى إن بابَه كان يُغلَق من الداخل والخارج معا ولا يَقبل أحدا من الناس لمقابلته إلّا للضرورة القصوى، والذي تخلَّى حتى عن التأليف الذي كان مستمرا عليه طوال عشرين سنة، يأتي المتحرّون ويكسرون قفلَ الباب ويداهمون غرفته إجراءً لسياسة دنيوية!
الثالث إنه كما قال في المحكمة: أنَّ من لم يهتم بأخبار الحرب العالمية -بشهادة سبعين شاهدا- ولم يستفسر عنها، ومازال مستمرا على حاله ولم يقرأ أية صحيفة كانت منذ خمس وعشرين سنة ولم يستمع إليها والذي قال: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة" منذ ثلاثين سنة، ونفَرَ من
— 414 —
السياسة بكل ما لديه من قوة، وقاسى ما قاسى من العذاب طوال اثنين وعشرين عاما.. ولم يراجِع ولو لمرة واحدة الدوائرَ الحكومية -لضمان راحته- دفعا لجلب الأنظار إليه حيث إنه لا يتدخل بالأمور السياسية.. فعلى الرغم من كل هذا أيوافقُ القانونَ مداهمةُ منیزله ومعتكَفه وكأنه يدير المؤامرات السياسية، وشدُّ الخناق عليه بما لم يُرَ مثله؟.. إن مَنْ يملك وجدانا ولو بمثقال ذرة يتألم على هذا الوضع.
الرابع بعد تدقيق دام ستة أشهر في محكمة "أسكي شهر" تمت تبرئة رسائل النور من تُهمِ محاولةِ تشكيل جمعية سياسية أو تأسيس طريقة صوفية. ومع أن الرئيس الكبير حرض بعض أفراد وزارة العدل وموظفيها مدفوعا إلى ذلك بأوهامه وبحقده الشخصي، إلا أن رسائل النور بُرئت من تهمة تشكيل أية جمعية وأية طريقة صوفية، هذا ماعدا رسالة "الحجاب" (التي تُعدّ جزءا صغيرا فقط من رسائل النور) حيث جعلوها تكأة وحُجة -ليست قانونية بل بقناعة شخصية ووجدانية- مما أدّى هذا الأمر إلى الحكم بالسجن لمدة ستة أشهر لعدد من طلاب النور لا يتجاوز عددُهم عشرةَ طلاب من بين مائة منهم. ولما كان هؤلاء موقوفين منذ أربعة أشهر ونصف حتى موعد فحص الرسائل وتدقيقها فإنهم لم يُسجَنوا سوى شهر ونصف الشهر.
وبعد عشر سنوات قامت محكمة "دنيزلي" أيضا بتدقيقِ وتمحيصِ جميع ما كُتب من مكاتيب ورسائل ومؤلفات في عشرين سنة تدقيقا جيدا دام تسعة أشهر - على إثر اتهام هذه المؤلّفات بالتحريض على تأسيس جمعية أو طريقة صوفية، وأُرسلت إلى محكمة الجزاء الكبرى في "أنقرة" خمسة صناديق من هذه الكتب حيث دققت تلك الرسائل والكتب سنتين اثنتين من قبل محكمة الجزاء الكبرى في "أنقرة" ومحكمة "دنيزلي". واتفقت المحكمتان بالإجماع على تبرئة هذه الرسائل والكتب من التُهم الموجهة إليها كتشكيل جمعية أو طريقة صوفية وما شابهها من التُهم
(٭): إن أساس رسائل النور وهدفها هو إظهار الحقيقة القرآنية والعملُ من أجل "الإيمان التحقيقي"؛ لذا فقد حصلت على قرار بالتبرئة عن تهمةِ تشكيلِ طريقة صوفية من ثلاث محاكم. ثم إنه ما من شخص ادعى خلال عشرين سنة أن "سعيدا أعطاني إذنا بالدخول والانتساب إلى طريقة صوفية". ثم إنه لا يجوز أن يكون انتسابُ أكثريةِ أجدادِ هذه الأمة منذ ألف عام إلى مسلك معين سببا في اتهامه أو تحميله مسؤولية ما. ثم إن المنافقين المتسترين يُلصقون اسم "الطريقة" على حقيقة الإسلام. فلا يُتهم كل من يتصدى للدفاع عن دين هذه الأمة بأنه صاحب "طريقة". أما تهمة الجمعية، فالذي عندنا هو أخوة إسلامية هدفها أخوة أخروية، وليست جمعية سياسية، لذا فقد أصدرت محاكم ثلاث قراراتِها بالتبرئة أيضا من هذه التهمة. (المؤلف).
— 415 —
وإعادَتها إلى أصحابها كما برّأت سعيدا وأصدقاءه. إذن كم يكون خروجا على القانون اتهامُ "سعيد" باعتباره "رجلا سياسيا يسعى لتشكيل جمعية" أو "رجل مؤامرات" أو ما شابه ذلك، وتحريضُ موظفي العدالة ضدَّه باعتباره "رجل طريقة". يَعلم ذلك كلُّ من لم يمُت شعورُه.
الخامس لما كانت "الشفقة" دستورَ حياتي منذ ثلاثين سنة، وأساسَ مسلكي ومسلك رسائل النور، فإنني لا أتجنّب التعرض للمجرمين الذين ظلموني وحدَهم بل لا أستطيع حتى مقابلتَهم بالدعاء عليهم، وذلك لكي لا أتسبب في إلحاق الضرر بأي شخص بريء. بل إن هذه الشفقة هي التي منَعتني من أن أتعرض أو حتى أن أدعُو على بعض الفساق بل الظالمين اللادينيين الذين اندفعوا بحقد شديد في ظلمي، ذلك لكي لا أتسبّبَ في ضرر مادي يَلحق بالشيوخ والعجائز المساكين من أمثال والد ذلك الظالم أو والدته، أو في الإضرار بأنفُس بريئة مثلِ أولاده. لذا فمن أجل أربع أو خمس من الأنفس البريئة لا أستطيع التعرّض لذلك الظالم الغدّار، بل أعفو عنهم أحيانا.
وهكذا فبسرّ هذه الشفقة لا أكتفي قطعا بعدم التعرض للحكومة وللأمن فقط، بل أوصي جميع أصدقائي بذلك إلى درجةِ أن بعض رجال الأمن المنصفين في ولايات ثلاث قد اعترفوا أن "طلاب رسائل النور" هم رجال أمن معنويون، لأنهم يحافظون على الأمن وعلى النظام. وهذه حقيقة يشهد عليها آلافُ الشهود، ويصدّقها فترةُ حياةٍ تمتد عشرين سنة ومع طلاب يبلغ عددُهم الآلاف، لم يسجِّل رجالُ الأمن أيةَ حادثة منهم تمس الأمن. ومع وجودِ كل هذه البراهين فقد اقتحموا بيت هذا الضعيف وكأنه رجلُ ثورة ورجل مؤامرة وعاملوه دون إنصاف من قِبَل هؤلاء الأشخاص الغلاظ وكأنه سفّاح ارتكب مائة جريمة (مع أنهم لم يجدوا شيئا في منیزله)، وقاموا بمصادرة نسخة نادرة من القرآن المعجز [٭]: نسخة من القرآن الكريم بخط اليد تبين الوجه الجميل للإعجاز في توافقات لفظ الجلالة. واللوحات الموجودة فوق رأسه وكأنها أوراق ضارة.
تُرى أي قانون يجيز مثل هذه التصرفات ضد آلاف الأشخاص المتدينين الذين حافظوا على الأمن بحُسن خُلقهم؟ وأيةُ مصلحة في تحريض هؤلاء ودفعِهم بالقوة للوقوف ضد الأمن والنظام؟
— 416 —
السادس بفضل من اللّٰه تعالى إنني رجل عَرف من فيض القرآن منذ ثلاثين سنة كيف أن الشهرة المؤقتة والفانية للدنيا وجاهها المتسم بالأنانية والأثرة، وعبادة الشهرة والصيت فيها، أمرٌ لا فائدة ولا خير منه ولا معنى له، فألفُ حمد وشكر للّٰه. لذا فقد حاول منذ ذلك الحين وبكل جهده الصراع مع نفسه الأمّارة. ومع أن أصدقاءه والذين خدموه يعلمون علم اليقين ويشهدون بأنه قام بكل ما في وسعه لكسر شوكةِ نفسه والتخلّص من أنانيته وتجنب النفاق والتصنع، وقد حاول منذ عشرين سنة معارضة كل الذين أثنَوا عليه ومدحوه وتوجهوا نحو شخصه مدفوعين بحُسن الظن الذي تهشّ له نفسُ كل إنسان، وخالف كلَّ الذين رأوه أهلا لمقامات معنوية، بل فرّ منها بكل ما يملك من قوة، وردّ حُسن الظن المفرط الذي يحمله أصدقاؤه القريبون إليه وخلّانه الخاصون إلى درجةِ أنه آلمهم وجرح شعورَهم، وفي رسائله الجوابية لم يقبل أبدا مديحَهم وحُسن ظنهم الزائد عن الحد في حقه، إذ نَسب كلَّ الفضيلة إلى رسائل النور التي هي عبارة عن تفسير للقرآن الكريم ولم يَنسبها لنفسه بل حرمها من الفضائل ووجّه "طلاب رسائل النور" للتعلق بالشخصية المعنوية لرسائل النور وعدّ نفسَه مجرد خادم عادي للقرآن الكريم، وهذا يُثبت إثباتا قاطعا بأنه لم يسعَ أبدا لإبراز شخصه وتحبيب نفسه بل ردَّ ذلك.
ومع ذلك فهل هناك قانون يسمح بتحميل أية مسؤولية عليه، ويسمح بالهجوم على دار هذا الشخص الغريب والمريض والمنیزوي في غرفته والمتقدم جدّا بالعمر والذي لا حول له ولا قوة، والقيامِ بكسر قفل داره ودخول موظفي التفتيش إلى غرفته وكأنه مجرم عتيد، وذلك لمجرد أن بعض أصدقائه البعيدين عنه مدحوه خلافا لرغبته وأَثنَوا عليه ثناءً يزيد عن حقه ورأوه أهلا لمقام معنوي لما يحملونه من حُسن ظنٍّ مفرط، ثم لقيام واعظ لا يعرفه في مدينة "كوتاهية" بالتفوه ببعض الكلمات في حقه؟!
ومع أنني لم أُرسِل أيةَ رسالة إلى تلك المدينة، إلّا أنه تمتْ كتابةُ رسالةٍ وُضع عليها توقيع مزوّر لي، مما دعا إلى توهّم مسؤوليتي عنها، وكذلك وجود كتاب مؤثر لا يُعرف كاتبه
— 417 —
في مدينة "باليكسر".. أهذه الأمور تسمح لهم باقتحام الدار والتفتيش فيها؟.. مع أنهم لم يجدوا في الدار سوى الأوراد وسوى اللوحات.. أيُّ قانون في الدنيا وأية سياسة فيها تسمح بمثل هذا الهجوم؟
السابع في مثل هذا الوقت الذي تُوجد فيه كل هذه التيارات الحزبية الفوارة في الداخل وفي الخارج، أي في الوقت الذي تهيأت له فرصةُ الاستفادة، أي فرَص كسب سياسيين عديدين إلى جانبه بدلا من أفراد معدودين من أصدقائه، فإنه كَتب إلى جميع أصدقائه قائلا لهم: "إياكم والانجراف في التيارات أو الدخول إلى معترك السياسة وإياكم والإخلال بالأمن" وذلك لتجنب التدخل كليا في السياسة والإضرار بإخلاصه وتجنّب جلب أنظار الحكومة عليه والابتعاد عن الانشغال بالدنيا.
وقد قام التيار السابق نتيجةً لأوهامه بمدّ يد السوء والضرر إليه جراء تجنّبه هذا. أما التيار الجديد فلادعائه: "أنه لا يساعدنا ولا يتعاون معنا". وقد سببا له ضيقا وكربا شديدين ولكنه مع هذا لم يتدخل أبدا في دنيا أهل الدنيا، بل انشغل بأمور آخرته إلى درجة أنه لم يرسل إلى أخيه الموجود في قرية "نُورْس" رسالة واحدة طوال اثنتين وعشرين سنة ولم يرسل لأصدقائه في تلك المحافظات عشر رسائل طوال عشرين عاما.. فأي قانون يسمح إذن بالتعرض لهذا الشخص الضعيف المنشغل بآخرته مثلَ هذا التعرض؟
وفي الوقت الذي لا يتعرض أحد ضد انتشار كتب الملاحدة، وهي كتب ضارة جدّا للبلاد وللأمة وللأخلاق، ولا لمطبوعات الشيوعيين، وذلك باسم قانون الحرية، فإنه تتم مصادرة أجزاء رسائل النور وكأنها أوراق ضارة وتُقدّم إلى المحكمة. هذا مع أن ثلاث محاكم لم تجد في هذه الرسائل أي أمر مضر، فهي تدعو منذ عشرين سنة إلى خير الحياة الاجتماعية لهذه البلاد ولهذه الأمة وتقوية أخلاقها وترسيخ أمنها، وإلى تقوية الأخوة الإسلامية مع العالم الإسلامي، هذه الأخوة التي تُعدّ ركنَ استنادٍ وقوة حقيقية، وإلى إعادة صداقة العالم الإسلامي لهذه الأمة وتقويتها بصورة مؤثرة. وقد أَمر وزير الداخلية علماءَ رئاسة الشؤون الدينية بتدقيق رسائل النور بُغية نقدها، وبعد ثلاثة أشهر من التدقيق لم تقم بنقدها، بل أدركت
— 418 —
قيمتَها حق الإدراك وذكرت بأنها "مؤلَّف ذو قيمة كبيرة" ووَضعت رسائلَ أمثال "ذو الفقار" و"عصا موسى" في مكتبتها. كما شاهد الحُجاج مجموعة رسائل "عصا موسى" في الروضة الشريفة للرسول الكريم (ص).
فهل هناك قانون أو ضمير أو إنصاف يسمح بمصادرة رسائل النور وجمعها وتقديمها إلى المحكمة؟
الثامن بعد اثنتين وعشرين سنة من النفي غير المبرر والمتسم بالضنك، وبعد أن أُعيدت له الحرية فإنه لم يشأ الذهاب إلى بلده الذي ولد فيه حيث يوجد الآلاف من أهله وأحبائه، بل اختار حياة الغربة والعزلة لكي لا يقرب من الدنيا ومن معترك الحياة الاجتماعية والسياسية، وتَرَك الصلاة في الجامع -مع وجود ثواب كبير في صلاة الجماعة- واختار الصلاة المنفردة في غرفته.. أي إنه شخص يميل إلى تجنّبِ ما يبديه الناسُ نحوه من احترام. كما أن عشرين سنة من عمره تشهد ويشهد معها آلافٌ من الشخصيات التركية الموقرة بأنه يفضّل تركيًّا واحدا ذا دين وتقوى على العديد من الأكراد غير الملتزمين، كما أثبت في المحكمة أنَّ أخًا تركيّا واحدا قويَّ الإيمان مثل "الحافظ علي" يُرجَّح على مائة كردي.
أي إن شخصا يتجنب لقاء الناس إلّا لضرورة ماسة لكي يتجنب مظاهر توقيرهم واحترامهم له، ولا يذهب حتى إلى الجامع، وعَمِلَ بكل جهده وعَبْر جميع مؤلفاته -منذ أربعين سنة- على ترسيخ الأخوة الإسلامية وعلى تنمية روح المحبة بين المسلمين، وعدَّ الأمة التركية حاملةً لراية القرآن ونائلة لثناء القرآن، وأحبَّ هذه الأمة حبَّا جما لهذا السبب، وصَرَف حياته من أجلها.. أيجوز أن يقول والٍ سابق في كتاب رسمي غادر حاول منه نشر دعاية معينة قصَد منها إخافة أصدقائه: "إنه كردي وأنتم أتراك، وهو شافعي وأنتم حنفيون" بغية محاولة إلقاء الرعب في قلوب الجميع وجعلهم يحذرون منه ويتجنبونه؟
ثم إنني أتسائل: أهناك قانون أو مصلحة في محاولةِ إجبار شخص منیزوٍ وإكراهِه على لبس القبعة مع أنه لم يجبره أحد على تغيير قيافته طوال عشرين عاما وخلال محكمتين اثنتين؟ هذا علما بأن القبعة رفعت عن رؤوس نصف العساكر.
— 419 —
التاسع وهنا نقطة مهمة جدّا وقوية (٭): إن وجود النصارى واليهود في الحكومات الإسلامية، وكذلك وجود المسلمين في الحكومات النصرانية والمجوسية يدل على أنه لا يمكن من الناحية القانونية التعرض لأي شخص معارض لم يتعرض بسوء إلى إدارة الدولة أو إلى أمنها بشكل فعلي. وأيضًا إن الاحتمالات والإمكانات لا يمكن أن تكون مدار مسؤولية، وإلا استلزم تقديم الجميع للمحاكم على أساس احتمال قيامهم باقتراف الجرائم. (المؤلف). ولكني أسكت عنها لأنها تتعلق بالسياسة.
العاشر وهذا أيضا لا يسمح به أي قانون، ولا توجد فيه أية مصلحة، وإنما هو عبارة عن أوهام لا معنى لها وعن مبالغات تجعل من الحَبَّة قُبَّة، وهو تعرّضٌ وتهجّم لا يُقرّه أي قانون، وهنا أيضا نسكت لئلا نمسّ السياسة التي يحظر النظر إليها حسب مسلكنا..
وهكذا فإننا نقول ونحن أمام أوجه عشرة من أوجه المعاملات غير القانونية:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
سعيد النورسي
— 420 —

نقاط أخرى أودّ أن أعرضها على إدارة مدينة "أفيون" ومحكمتها وشرطتها

الأولى: أن ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وفي آسيا وظهور أغلب الحكماء في الغرب وفي أوروبا إشارة قدرية منذ الأزل على أن الدين هو السائد وهو الحاكم في آسيا، وتأتي الفلسفة في الدرجة الثانية. وبناءً على هذا الرمز القدري، فإن الحاكم في آسيا إن لم يكن متدينا فعليه -في الأقل- ألّا يتعرض للعاملين في سبيل الدين، بل عليه أن يشجعهم.
الثانية: أن القرآن الحكيم بمثابة عقل الأرض وفكرها الثاقب، فلو خرج القرآن -والعياذ باللّٰه- من هذه الأرض لجنت الأرض، وليس ببعيد أن تنطح رأسها الذي أصبح خاليا من العقل بإحدى السيارات وتتسبب في حدوث قيامة.
أجل، إن القرآن هو العروة الوثقى وحبل اللّٰه المتين يربط ما بين العرش والفرش، وهو يقوم بحفظ الأرض أكثر مما تقوم به قوة الجاذبية، ورسائل النور هي التفسير الحقيقي والتفسير القوي لهذا القرآن العظيم، وهذه الرسائل التي أظهرت تأثيرها منذ عشرين سنة في هذا العصر وفي هذا الوطن لهذه الأمة تعد نعمة إلهية كبرى ومعجزةً قرآنية لا تنطفئ، لذا فليس على الحكومة التعرض لها وترويع طلابها منها ليبتعدوا عنها، بل عليها حماية هذه الرسائل والتشجيع على قراءتها.
الثالثة: بناءً على قيام أهل الإيمان الآتين بتقديم حسناتهم إلى أرواح الذين سبقوهم مع دعواتهم بالمغفرة لهم فقد قلت في محكمة "دنيزلي":
لو سألكم أهل الإيمان -الذين يعدون بالمليارات- في يوم المحكمة الكبرى وسألوا الذين يضيقون على طلاب رسائل النور الذين يعملون في سبيل إظهار حقائق القرآن ويحكمون عليهم بالسجن، وقالوا: "إنكم كنتم في غاية التسامح مع كتب الملاحدة والشيوعيين ومنشوراتهم باسم قانون الحرية وتسامحتم مع الجمعيات التي ربّت وغذّت الفوضى، ولم تتعرضوا لهم أبدا، ولكنكم أردتم أن تقضوا على رسائل النور وعلى طلابها بالسجن وبشتى وسائل التضييق، مع أنهم كانوا يحاولون إنقاذ الوطن والأمة من الإلحاد ومن الفساد وإنقاذ مواطنيهم من الإعدام الأبدي".. لو سألوكم هذا فماذا سيكون جوابكم؟ ونحن أيضا نوجه هذا السؤال إليكم..
— 421 —
لقد قلت هذا لهم، وعند ذلك قام أولئك الذوات المحترمون الذين كانوا من أهل الإنصاف والعدالة بإصدار قرار بتبرئتنا وأظهروا عدالة جهاز العدالة.
الرابعة: كنت أنتظر أن تستدعيني "أنقرة" أو "أفيون" إلى لجنة الشورى وتعاطي الأسئلة والأجوبة حول المسائل الكبيرة التي أخذت رسائلُ النور على عاتقها القيامَ بها.
أجل، إن رسائل النور هي أقوى وسيلة وأنجع دواء لهذه الأمة في هذا البلد في سبيل إعادة الأخوّة الإسلامية السابقة والمحبة السابقة وحسن الظن والتعاون المعنوي بين ثلاثمائة وخمسين مليون مسلم، وفي سبيل البحث عن وسائل هذا التعاون.
ونذكر أدناه أمارة واضحة على ذلك:
لقد قام في هذه السنة في مكة المكرمة عالم كبير بترجمة أجزاء كبيرة من رسائل النور إلى اللغة الهندية وإلى اللغة العربية وأرسل هذه التراجم إلى الهند وإلى الحجاز قائلا:
"إن رسائل النور تحاول تحقيق وحدتنا وأخوّتنا الإسلامية التي هي أقوى سند نستند إليها، وهي بذلك ترينا أن الأمة التركية هي دائما في المقدمة من ناحية الدين والإيمان".
كما كنت أتوقع أن تثار أسئلة في مسائل كبيرة كالجبال الشوامخ أمثال: "ما درجة خدمة رسائل النور وطلابها ضد الشيوعية التي تحولت إلى حركة فوضوية في وطننا؟ وكيف يمكن صيانة هذا الوطن المبارك وحفظه من هذا السيل الجارف المخيف؟"... كنت أنتظر وأتوقع هذا، فإذا بي أُفاجأ بمسائل تافهة لا تزن جناح ذبابة، ولا تتجاوز مسائل جزئية لا تستلزم مسؤولية، نابعة من أحقاد شخصية وافتراءات مقصودة تجعل من الحبة قبة... وهكذا قاسيت من هذه الشروط والظروف القاسية آلاما لم أتجرعها حتى الآن. وقد وجهت إلينا الأسئلة نفسها حول المسائل التي وجهت إلينا في ثلاث محاكم سابقة والتي برأتنا منها هذه المحاكم مع إضافة مسألة أو مسألتين شخصيتين تافهتين وأسئلة لا معنى لها.
الخامسة: لا يمكن الوقوف أمام رسائل النور ومبارزتُها، لأنها لا تُغلب؛ فهي قد أسكتت منذ عشرين سنة أكثرَ الفلاسفة عنادا وتعلن حقائق الإيمان كالشمس في رابعة النهار. لذا فعلى الذين يحكمون هذا البلد الاستفادة من قوتها.
— 422 —
السادسة: إن التهوين من شأني بأخطائي الشخصية التي لا أهمية لها وإسقاطي في نظر عامة الناس بإنزال الإهانات بي، لا يضرّ رسائل النور، بل يمدّها -من جهة- إذ لو سكت لساني الفاني فإن ألسنة مئات الآلاف من نسخ رسائل النور لن تكفّ عن النطق، ولن تسكت عن الكلام والتبليغ، كما أن الألوف من طلبتها الأوفياء الذين مُنحوا قوةَ النطق ووضوح الحجة سيديمون تلك الوظيفة النورية القدسية الكلية إن شاء اللّٰه إلى يوم القيامة، كما كان شأنهم إلى الآن.
السابعة: كما ذكرنا في دفاعاتنا أمام المحاكم السابقة والتي سردنا فيها حججنا، فإن أعداءنا السريين ومعارضينا الرسميين وغير الرسميين الذين خدعوا الحكومة واستغفلوها واستغلوا الأوهام والمخاوف المتسلطة على بعض أركانها ووجهوا جهاز العدالة ضدنا، إما أنهم من المخدوعين بشكل سيئ جدّا أو من المنخدعين أو هم يعملون لصالح الفوضويين من الذين يحاولون قلب نظام الحكم بشكل غادر، أو هم من أعداء الإسلام ومن المرتدين الذين يحاربون الحقيقة القرآنية ومن الملاحدة الزنادقة.. فهؤلاء لم يترددوا أبدا عندما حاربونا من إطلاق صفة النظام على الردة التامة، ومن إطلاق صفة "المدنية" على السفاهة والتسيب الأخلاقي الرهيب، ومن إطلاق صفة "القانون" على نظام الكفر القهري المنفلت والمرتبط بالأهواء. وهكذا استطاعوا أن يضيقوا علينا تضييقا شديدا، واستغفلوا الحكومة وخدعوها ووجهوا جهاز العدالة للانشغال بنا دون أي داعٍ، لذا فإننا نحيل هؤلاء إلى قهر القهار ذي الجلال ونلتجئ إلى حصنِ
حَسْبُنا اللّٰه وَنِعْمَ الوَكيلُ
ليحفظنا من شرور هؤلاء.
الثامنة: قامت روسيا في السنة الماضية بإرسال العديد من الحجاج إلى حج بيت اللّٰه الحرام من أجل الدعاية وإظهار الروس بمظهرِ من يحترمون القرآن أكثر من الأمم الأخرى، ولتأليب العالم الإسلامي من الناحية الدينية ضد هذه الأمة المتدينة في هذا الوطن. ثم إنه نظرا للانتشار الجزئي لأجزاء كبيرة من رسائل النور في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة وفي دمشق وحلب وفي مصر، وحيازتها على تقدير العلماء وقيامها بكسر الدعاية الشيوعية، فإنها أظهرت للعالم الإسلامي بأن الأمة التركية وإخوتهم لا يزالون متمسكين بدينهم وبقرآنهم، وأنها بمثابة الأخ الكبير للعالم الإسلامي وبمثابة قائد مقدام في سبيل خدمة القرآن. أي إن رسائل النور بينت هذه الحقيقة في
— 423 —
تلك المراكز والمدن الإسلامية وأظهرتها. فإذا كانت الخدمات الجليلة لرسائل النور تقابل بهذه الأنواع من التضييق والآلام ألا ترون من الممكن أن تحتد الكرة الأرضية وتغضب؟
التاسعة: أُورِدُ هنا تلخيصا لإثبات مسألة معينة أوردتها في مرافعتي أمام محكمة "دنيزلي":
ولو فرضنا أن قائدا رهيبا وعبقريا استطاع بذكائه أن ينسب لنفسه جميع حسنات الجيش، وأن ينسب سيئاته وسلبياته الشخصية للجيش، فإنه يكون بذلك قد قلل عدد الحسنات التي هي بعدد أفراد الجيش إلى حسنة شخص واحد، وعندما نسب سيئاته وأخطاؤه إلى الجيش يكون قد كثّر هذه السيئات بعدد أفراد الجيش، وهذا ظلم مخيف ومجانب للحقيقة، لذا فقد قلت للمدعي العام في إحدى محاكماتي السابقة عندما هاجمني لكوني وجهت صفعة تأديب لذلك الشخص عندما قمت قبل أربعين سنة بشرح حديث نبوي، قلت للمدعى العام: حقا إنني أقلل من شأنه بإيراد أخبار من الأحاديث النبوية، إلّا أنني أقوم في الوقت نفسه بصيانة شرف الجيش وحفظه من الأخطاء الكبيرة، وأما أنت فتقوم بتلويث شرف الجيش الذي يعد حامل لواء القرآن، وقائدا مقداما للعالم الإسلامي، وتلغي حسناته لأجل صديق واحد لك. فخضع ذلك المدعى العام للإنصاف، بإذن اللّٰه، ونجا من الخطأ.
العاشرة: لما كان من المفروض أن يقوم جهاز العدالة بحفظ حقيقة العدالة وحفظ حقوق جميع المراجعين له دون أي تمييز، والعملِ في سبيل الحق وباسمه وحده، فإننا نرى أن الإمام عليا رضي اللّٰه عنه في أيام خلافته يمثل أمام المحكمة مع يهودي ليتحاكما. [٭]: انظر: أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/١٣٩-١٤٠؛ الذهبي، ميزان الاعتدال ٢/٣٥٣؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء ص ١٨٤-١٨٥. وقد شاهد أحد مسؤولي العدل أن أحد الموظفين احتد وغضب على سارق ظالم وهو يقطع يده فأصدر أمره بعزل ذلك الموظف في الحال، وقال آسفا: "من خلط مشاعره الذاتية بإجراء العدالة فقد اقترف ظلما كبيرا".
أجل، إن الموظف عندما يقوم بتنفيذ حكم القانون إن لم يشفق على المحكوم فليس له أن يحتدّ عليه، فإن فعَلَ ذلك كان ظالما. حتى إن أحد الحاكمين العادلين قال: "إن الشخص الذي يقوم بتنفيذ قصاص القتل إن احتد وغضب أثناء ذلك التنفيذ يُعدّ قاتلا".
— 424 —
إذن فما دامت الحقيقة الخالصة والبعيدة عن الأغراض هي التي لا بد أن تسود في المحكمة، فإن من الغريب أن يتعرض طلاب النور -البريئون والمحتاجون إلى من يسرّي عنهم وإلى تجلي العدالة في حقهم- إلى إهانات ومعاملات قاسية هنا، رغم صدور قرارٍ بتبرئتنا من ثلاث محاكم، ورغم وجود أمارات عديدة لاستعداد تسعين في المائة من هذه الأمة للشهادة، وهذا يدل على أنه لا يمكن صدور أي ضرر من طلاب النور، بل على العكس من ذلك فإنهم يقدّمون فوائد جمة لهذه الأمة ولهذا الوطن. ولأننا قررنا أن نتحمل كلَ مصيبة وكلَ إهانة بكل صبر، فإننا نسكت ونحيل الأمر إلى اللّٰه تعالى ونقول: "لعل في هذا الأمر خيرا". ولكنني خشيت أن تؤدي هذه المعاملات الموجَّهة إلى هؤلاء الأبرياء نتيجةً لتبليغات مُغرضة إلى قدوم البلايا، لذا اضطررتُ إلى كتابة هذا الأمر.
وإذا كان هناك أي تقصير أو ذنب في هذه المسألة فإنه يعود إليّ. ولم يمد لي هؤلاء المساكين يدَ المساعدة إلّا بدافع من إيمانهم ومن أجل آخرتهم ضمن مرضاة اللّٰه تعالى، ومع أنهم كانوا يستحقون التقدير فإن القيام بمثل هذه المعاملات القاسية تجاههم قد أغضب حتى الشتاء.
ومن الغريب أيضا والمحيِّر أنهم ساقوا أوهام تشكيل جمعية مرة أخرى، مع أن ثلاث محاكم دَققت هذه الناحيةَ وأصدرت قرارَها بالبراءة. ثم إنه لا يوجد فيما بيننا أيّ أمر يستدعي اتهامنا بتشكيل أية جمعية، ولم تجد المحاكمُ ولا رجال الأمن ولا أهل الاختصاص أيةَ أمارة حول ذلك، إذ لا توجد بيننا سوى رابطة الأخوة الأخروية مثلما يوجد ما بين المعلم وتلاميذه وما بين أستاذ جامعي وبين طلابه وما بين حافظ القرآن وتلاميذه الذين يسعون لحفظ القرآن. فالذين يتهمون طلاب النور بتشكيل جمعية عليهم أن ينظروا بنفس المنظار إلى جميع أهل المهن وإلى جميع الطلاب وإلى جميع الوعاظ أيضا، لذا فلا أجد لزاما عليَّ أن أدافع عن هؤلاء الذين جيىءَ بهم إلى السجن هنا نتيجة اتهامات تافهة لا أساس لها أبدا.
ولما قمتُ بالدفاع ثلاث مرات عن رسائل النور التي يهتم بها هذا البلد والعالمِ الإسلامي والتي صدرت منها فوائد مادية ومعنوية كبيرة لهذه الأمة، فسأقوم بالدفاع عنها مرة أخرى منطلِقا من الحقيقة نفسها، وليس هناك أي سبب يمنع دفاعي هذا ولا يوجد أي قانون أو أية سياسة تستطيع أن تَحُول بيني وتمنعني عن هذا.
— 425 —
أجل، نحن جمعية.. جمعية لها منتسبون يبلغ عددهم في كل عصر ثلاثمائة وخمسين مليونا، وفي كل يوم يُظهِر كل منتسب حرمته وتوقيره الكامل لمبادئ هذه الجمعية المقدسة بأدائه الصلاة خمس مرات ويُظهر استعداده لخدمة هذه المبادئ، ويهبّون لمساعدة بعضهم بعضا بأدعيتهم وبمكاسبهم المعنوية حسب دستورهم المقدس: انما المؤمنون اخوة (الحجرات:١٠). ها نحن أولاء أفراد هذه الجمعية العظيمة المقدسة، وظيفتنا الخاصة إيصال حقائق القرآن الإيمانية بشكلها اليقيني إلى أهل الإيمان، وإنقاذُهم وإنقاذ أنفسنا من الإعدام الأبدي ومن السجن البرزخي الانفرادي، ولكن لا توجد لنا أية علاقة بالجمعيات الدنيوية والسياسية المتّسمة بالألاعيب وبالأساليب الملتوية، ولا توجد لنا أية علاقة بلعبة الجمعيات أو بأية جمعية سرية مع أن هذه هي التهمة الموجهة إلينا على الدوام ونحن أصلا لا نتدنى أبدا إليها.
وبعد أن قامت أربعُ محاكم بتدقيق هذا الأمر وتمحيصه جيدا قررت إصدار قراراتها بالبراءة.
سعيد النورسي