الكلمات
— 169 —

الكلمة الثالثة عشرة

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين ﴾
﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾
إذا أَرَدتَ أن تَعقِدَ مُوازَنةً ومُقارَنةً بينَ حِكمةِ القُرآنِ الحَكيمِ والعُلُومِ الفَلسَفِيّةِ، وأَرَدتَ أن تَعرِفَ ما يُمكِنُ أن يُستَخلَصَ مِن كلٍّ مِنهما مِن دُرُوسِ العِبرةِ والعِظةِ، ورُمْتَ أن تَلمَسَ ما يَنطَوِيانِ عليه مِن عُلُومٍ.. فأَمعِنِ النَّظَرَ وتَأَمَّلْ فيما يَأتِي:
إنَّ القُرآنَ الكَريمَ، ببَياناتِه القَوِيّةِ النّافِذةِ، إنَّما يُمَزِّقُ غِطاءَ الأُلفةِ وسِتارَ العادةِ المُلقَى على مَوجُوداتِ الكَونِ قاطِبةً، والَّتي لا تُذكَرُ إلَّا كأنَّها عادِيّةٌ مَألُوفةٌ، مع أنَّها خَوارِقُ قُدرةٍ بَديعةٍ ومُعجِزاتُها العَظِيمةُ؛ فيَكشِفُ القُرآنُ بتَمزِيقِه ذلك الغِطاءَ حَقائقَ عَجِيبةً لِذَوِي الشُّعُورِ، ويَلفِتُ أَنظارَهم إلى ما فيها مِن دُرُوسٍ بَلِيغةٍ للِاعتِبارِ والعِظةِ، فاتِحًا كَنزًا لا يَفْنَى للعُلُومِ أَمامَ العُقُولِ.
أمّا حِكمةُ الفَلسَفةِ، فهي تُخفِي جَميعَ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وتَستُرُها تحتَ غِطاءِ الأُلفةِ والعادةِ، فتُجاوِزُها دُونَ اكتِراثٍ، بل تَتَجاهَلُها دُونَ مُبالاةٍ، فلا تَعْرِضُ أمامَ أَنظارِ ذَوِي الشُّعُورِ إلّا أَفرادًا نادِرةً شَذَّتْ عن تَناسُقِ الخِلقةِ، وتَرَدَّتْ عن كَمالِ الفِطرةِ السَّلِيمةِ، مُدَّعِيةً أنَّها نَماذِجُ حِكمةٍ ذاتِ عِبرةٍ.
فمَثلًا: إنَّ الإنسانَ السَّوِيَّ الَّذي هو في أَحسَنِ تَقوِيمٍ جامِعٍ لِمُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، تَنظُرُ إليه حِكمةُ الفَلسَفةِ نَظَرَها إلى شيءٍ عادِيٍّ مَألُوفٍ، بَينَما تَلفِتُ الأَنظارَ
— 170 —
إلى ذلك الإنسانِ المُشَوَّهِ الَّذي شَذَّ عن كَمالِ الخِلقةِ، كأن يكُونَ له ثلاثةُ أَرجُلٍ أو رَأسانِ مَثلًا، فتُثِيرُ حَولَه نَظَرَ العِبرةِ والِاستِغرابِ.
ومَثلًا: إنَّ إعاشةَ جَميعِ الصِّغارِ مِن خَزائنِ الغَيبِ إعاشةً في مُنتَهَى الِانتِظامِ الَّتي تُمثِّلُ أَلطَفَ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ رَحمَتِه تَعالَى وأَعَمَّها في الوُجُودِ، تَنظُرُ إلَيها حِكمةُ الفَلسَفةِ على أنَّها أَمرٌ مَألُوفٌ عادِيٌّ، فتَستُرُها بسِتارِ الكُفرانِ، بَينَما تَلفِتُ الأَنظارَ إلى إعاشةِ حَشَرةٍ شَذَّتْ عنِ النِّظامِ ونَأَتْ عن طائِفَتِها وظَلَّت وَحِيدةً في الغُربةِ فَرِيدةً في أَعماقِ البَحرِ، فبَدَأَت تَقْتاتُ على وَرَقِ نَباتٍ أَخضَرَ هناك، حتَّى إنَّها لَتُثِيرُ أَشجانَ الصَّيّادِينَ لِما يَتَجَلَّى مِنها مِن لُطفٍ وكَرَمٍ، بل وتَدفَعُهم إلى البُكاءِ والحُزنِ.
(حاشية): لَقد وقَعَت هَذه الحَادِثةُ فِعلًا في أمرِيكَا.
فشاهِدْ في ضَوءِ هذه الأَمثِلةِ ثَروةَ القُرآنِ الطّائِلةَ وغِناه الواسِعَ في مَعرِفةِ اللهِ وفي مَيدانِ العِلمِ والحِكمةِ، وإفلاسَ الفَلسَفةِ وفَقْرَها المُدقِعَ في دُرُوسِ العِبرةِ والعِلمِ بمَعرِفةِ الصّانِعِ الجَليلِ.
ولِأَجلِ هذا السِّرِّ فالقُرآنُ الكَريمُ الَّذي هو جامِعٌ لِحَقائقَ باهِرةٍ ساطِعةٍ لا نِهايةَ لها، مُستَغنٍ عن خَيالاتِ الشِّعرِ.. وثَمّةَ سَبَبٌ آخَرُ لِتَنزُّهِ القُرآنِ عنِ الشِّعر هو: أنَّ القُرآنَ مع أنَّه في أَتَمِّ نِظامٍ خارِقٍ وأَكمَلِ انتِظامٍ مُعجِزٍ ويُفَسِّرُ بأَساليبِه المُنتَظِمةِ تَناسُقَ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ في الكَونِ، نَراه غيرَ مَنظُومٍ، فكلُّ آيةٍ مِن نُجُومِ آياتِه لا تَتَقيَّدُ بنِظامِ الوَزنِ، لِذا تُصبِحُ كأنَّها مَركَزٌ لِأَكثَرِ الآياتِ وشَقيقَتُها، إذ تُمَثِّلُ خُيُوطُ العَلاقةِ بينَ الآياتِ المُتَرابِطةِ في المَعنَى دائرةً واسِعةً، فكَأنَّ كلَّ آيةٍ حُرّةٍ غيرِ مُقيَّدةٍ بنِظام الوَزنِ، تَملِكُ عُيُونًا باصِرةً إلى أَكثَرِ الآيات، ووُجُوهًا مُتَوجِّهةً إلَيها.
ومِن هذا نَجِدُ في القُرآنِ الكَريمِ نِفسِه أُلُوفَ الآلافِ مِنَ المَصاحِفِ، حَيثُ إنَّه يَهَبُ لِكُلِّ ذِي مَشرَبٍ قُرآنًا مِنه.
فسُورةُ الإخلاصِ مَثلًا تَشتَمِلُ على خَزِينةٍ عَظِيمةٍ لِعِلمِ التَّوحِيدِ، تَضُمُّ ثَلاثينَ
— 171 —
سُورةَ إخلاصٍ، تَتَیكوَّنُ مِن تَراكِيبِ جُمَلِها السِّتِّ ذاتِ العَلاقاتِ المُتَرابِطِ بعضُها ببعضٍ، كما وُضِّحَ ذلك في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين".
نعم، إنَّ عَدَمَ الِانتِظامِ الظّاهِرَ في نُجُومِ السَّماءِ، يَجعَلُ كلَّ نَجمٍ مِنها غَيرَ مُقَيَّدٍ وكأنَّها مَركَزٌ لِأَكثَرِ النُّجُومِ ضِمنَ دائرةِ مُحيطِها؛ فتَمُدُّ خُيُوطَ العَلاقاتِ وخُطُوطَ الأَواصِرِ إلى كلٍّ مِنها إشارةً إلى العَلاقاتِ الخَفِيّةِ فيما بينَ المَوجُوداتِ قاطِبةً، وكأنَّ كلَّ نَجمٍ یی كنُجُومِ الآياتِ الكَريمةِ یی يَملِكُ عُيُونًا باصِرةً إلى النُّجُومِ كافّةً ووُجُوهًا مُتَوجِّهةً إلَيها جَميعًا .
فَشَاهِدْ كَمالَ الِانتِظامِ في عَدَمِ الِانتِظامِ، واعتَبِرْ! واعلَمْ مِن هذا سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَريمةِ: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ.
واعلَمْ أيضًا حِكمةً أُخرَى لی وَمَا يَنْبَغِي لَهُ مِمّا يَأتِي: إنَّ شَأنَ الشِّعرِ هو تَجمِيلُ الحَقائقِ الصَّغِيرةِ الخامِدةِ، وتَزيِينُها بالخَيالِ البَرَّاقِ، وجَعْلُها مَقبُولةً تَجلُبُ الإعجابَ؛ بَينَما حَقائقُ القُرآنِ مِنَ العَظَمةِ والسُّمُوِّ والجاذِبيّةِ بحَيثُ تَبقَى أَعظَمُ الخَيالاتِ وأَسطَعُها قاصِرةً دُونَها، وخافِتةً أَمامَها.
فمَثلًا: قولُه تَعالَى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ، وأَمثالُها مِنَ الحَقائقِ الَّتي لا حَدَّ لها في القُرآنِ الكَريمِ شاهِداتٌ على ذلك.
إذا شِئتَ أن تُشاهِدَ وتَتَذوَّقَ كيف تَنشُرُ كلُّ آيةٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ نُورَ إعجازِها وهِدايَتِها، وتُبَدِّدُ ظُلُماتِ الكُفرِ كالنَّجمِ الثّاقِبِ؛ تَصَوَّرْ نَفسَك في ذلك العَصرِ الجاهِلِيِّ وفي صَحراءِ تلك البَداوةِ والجَهلِ؛ فبَينا تَجِدُ كلَّ شيءٍ قد أُسدِلَ علَيه سِتارُ الغَفلةِ وغَشِيَه ظَلامُ الجَهلِ، ولُفَّ بغِلافِ الجُمُودِ والطَّبِيعةِ، إذا بك تُشاهِدُ الحَياةَ وقد دَبَّتِ في تلك المَوجُوداتِ الهامِدةِ أوِ المَيتةِ في أَذهانِ السّامِعِين، فتَنهَضُ مُسبِّحةً ذاكِرةً اللهَ بصَدَى قَولِه تَعالَى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وما شابَهَها مِنَ الآياتِ الجَلِيلةِ.
— 172 —
ثمَّ إنَّ وَجْهَ السَّماءِ المُظلِمةِ الَّتي تَستَعِرُ فيها نُجُومٌ جامِدةٌ، تَتَحوَّلُ في نَظَرِ السّامِعِين، بصَدَى قَولِه تَعالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ إلى فَمٍ ذاكِرٍ للهِ، كلُّ نَجْمٍ يُرسِلُ شُعاعَ الحَقيقةِ ويَبُثُّ حِكمةً حَكِيمةً بَلِيغةً.
وكذا وَجْهُ الأَرضِ الَّتي تَضُمُّ المَخلُوقاتِ الضَّعيفةَ العاجِزةَ يَتَحوَّلُ بذلك الصَّدَى السَّماوِيِّ إلى رَأسٍ عَظيمٍ، والبَرُّ والبَحرُ لِسانَينِ يَلهَجانِ بالتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، وجَميعُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ كَلِماتٍ ذاكِرةً مُسَبِّحةً؛ حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ كُلَّها تَنبِضُ بالحَياةِ.
وهكذا، بانتِقالِك الشُّعُورِيِّ إلى ذلك العَصرِ تَتَذوَّقُ دَقائقَ الإعجازِ في تلك الآيةِ الكَريمةِ؛ وبخِلافِ ذلك تُحرَمُ مِن تَذَوُّقِ تلك الدَّقائقِ اللَّطِيفةِ في الآيةِ الكَريمةِ.
نعم، إنَّك إذا نَظَرتَ إلى الآياتِ الكَريمةِ مِن خِلالِ وَضْعِك الحاضِرِ الَّذي استَنارَ بنُورِ القُرآنِ مُنذُ ذلك العَصرِ حتَّى غَدا مَعرُوفًا، وتَنَوَّرَ بسائرِ العُلُومِ الإسلاميّةِ، حتَّى وَضَحَت بشَمسِ القُرآنِ، أو إذا نَظَرتَ إلى الآياتِ مِن خِلالِ سِتارِ الأُلفةِ، فإنَّك بلا شَكٍّ لا تَرَى رُؤيةً حَقيقِيّةً مَدَى الجَمالِ المُعجِزِ في كلِّ آيةٍ، وكيفَ أنَّها تُبَدِّدُ الظُّلُماتِ الدّامِسةَ بنُورِها الوَهَّاجِ؛ ومِن بعدِ ذلك لا تَتَذَوَّقُ وَجهَ هذا النَّوعِ مِنَ الإعجازِ مِن بينِ وُجُوهِه الكَثيرةِ.
وإذا أَرَدتَ مُشاهَدةَ أَعظَمِ دَرَجةٍ لِإعجازِ القُرآنِ الكَثيرةِ، فاستَمِعْ إلى هذا المِثالِ وتَأَمَّلْ فيه: لِنَفْرِضْ شَجَرةً عَجِيبةً في مُنتَهَى العُلُوِّ والغَرابةِ، وفي غايةِ الِانتِشارِ والسَّعةِ، قد أُسدِلَ علَيها غِطاءُ الغَيبِ، فاستَتَرَت طَيَّ طَبَقاتِ الغَيبِ.
فمِنَ المَعلُومِ أنَّ هُناك تَوازُنًا وتَناسُبًا وعَلاقاتِ ارتِباطٍ بينَ أَغصانِ الشَّجَرةِ وثَمَراتِها وأَوراقِها وأَزاهِيرِها كما هو مَوجُودٌ بينَ أَعضاءِ جِسمِ الإنسانِ، فكلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِها يَأخُذُ شَكلًا مُعَيَّنًا وصُورةً مُعَيَّنةً حَسَبَ ماهِيّةِ تلك الشَّجَرةِ.
فإذا قامَ أَحَدٌ یی مِن قِبَلِ تلك الشَّجَرةِ الَّتي لم تُشاهَد قَطُّ ولا تُشاهَدُ یی ورَسَمَ على شاشةٍ صُورةً لِكُلِّ عُضوٍ مِن أَعضاءِ تلك الشَّجَرةِ، وحَدَّ له، بأَن وَضَع خُطُوطًا تُمَثِّلُ العَلاقاتِ بينَ أَغصانِها وثَمَراتِها وأَوراقِها، ومَلَأَ ما بينَ مَبدَئِها ومُنتَهاها یی البَعِيدَينِ عن
— 173 —
بعضِهما بما لا يُحَدُّ یی بصُوَرٍ وخُطُوطٍ تُمَثِّیلُ أَشكالَ أَعضائِها تَمامًا، وتُبْرِزُ صُوَرَها كامِلةً.. فلا يَبقَى أَدنَى شَكٍّ في أنَّ ذلك الرَّسّامَ يُشاهِدُ تلك الشَّجَرةَ الغَيبِيّةَ بنَظَرِه المُطَّلِعِ على الغَيبِ، ويُحيطُ بها عِلمًا، ومِن بعدِ ذلك يُصَوِّرُها.
فالقُرآنُ المُبينُ كهذا المِثالِ أيضًا، فإنَّ بَياناتِه المُعجِزةَ الَّتي تَخُصُّ حَقيقةَ المَوجُوداتِ یی تلكَ الحَقيقةَ الَّتي تَعُودُ إلى شَجَرةِ الخَلقِ المُمتَدّةِ مِن بَدْءِ الدُّنيا إلى نِهايةِ الآخِرةِ، والمُنتَشِرةِ مِنَ الفَرْشِ إلى العَرْشِ، ومِنَ الذَّرّاتِ إلى الشُّمُوسِ یی قد حافَظَت تلك البَياناتُ الفُرقانِيّةُ على المُوازَنةِ والتَّناسُبِ وأَعطَتْ لِكُلِّ عُضوٍ مِنَ الأَعضاءِ ولِكُلِّ ثَمَرةٍ مِنَ الثَّمَراتِ صُورةً تَلِيقُ بها، بحَيثُ خَلُصَ العُلَماءُ المُحَقِّقُون یی لَدَى إجراءِ تَحقِيقاتِهم وأَبحاثِهم یی إلى الِانبِهارِ والِانشِداهِ قائلِين: ما شاءَ اللهُ! بارَكَ اللهُ! إنَّ الَّذي يَحُلُّ طِلَّسْمَ الكَونِ ويَكشِفُ مُعَمَّى الخَلقِ إنَّما هو أَنتَ وَحْدَك أيُّها القُرآنُ الحَكِيمُ!
فلْنُمثِّلِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی الأَسماءَ والصِّفاتِ الإلٰهِيّةَ والشُّؤُونَ والأَفعالَ الرَّبّانيّةَ كأنَّها شَجَرةُ طُوبَى مِن نُورٍ تَمتَدُّ دائرةُ عَظَمَتِها مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبدِ، وتَسَعُ حُدُودُ كِبْرِيائِها الفَضاءَ المُطلَقَ غيرَ المَحدُودِ وتُحِيطُ به، ويَمتَدُّ مَدَى إجراءاتِها مِن حُدُودِ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء، إلى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وإلى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
فنَرَى أنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُبيِّنُ تلك الحَقيقةَ النُّورانِيّةَ بجَميعِ فُرُوعِها وأَغصانِها، وبجَميعِ غاياتِها وثَمَراتِها بَيانًا في مُنتَهَى التَّوافُقِ والِانسِجامِ، بحيثُ لا تُعِيقُ حَقيقةٌ حَقيقةً أُخرَى، ولا يُفسِدُ حُكمُ حَقيقةٍ حُكْمًا لِأُخرَى، ولا تَستَوحِشُ حَقيقةٌ مِن غَيرِها.
وعلى هذه الصُّورةِ المُتَجانِسةِ المُتَناسِقةِ بَيَّنَ القُرآنُ الكَريمُ حَقائقَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ والصِّفاتِ الجَليلةِ والشُّؤُونِ الرَّبّانيّةِ والأَفعالِ الحَكيمةِ بَيانًا مُعجِزًا بحيثُ جَعَل جَميعَ أهلِ الكَشفِ والحَقيقةِ وجَميعَ أُولِي المَعرِفةِ والحِكمةِ الَّذين يَجُولُون في عالَمِ المَلَكُوتِ، يُصَدِّقونه قائلِينَ أمامَ جَمالِ بَيانِه المُعجِزِ والإعجابُ يَغمُرُهم:
— 174 —
"سُبحانَ اللهِ! ما أَصْوَبَ هذا! وما أَكثَرَ انسِجامَه وتَوافُقَه وتَطابُقَه مع الحَقيقةِ! وما أَجمَلَه وأَليَقَه!".
فلو أَخَذْنا مَثلًا أَركانَ الإيمانِ السِّتّةَ الَّتي تَتَوجَّهُ إلى جَميعِ دائرةِ المَوجُوداتِ المُختَلِفةِ ودائرةِ الوُجوبِ الإلٰهِيِّ، والَّتي تُعَدُّ غُصنًا مِن تِلكُما الشَّجَرتَينِ العُظْمَيَينِ، يُصَوِّرها القُرآنُ الكَريمُ بجَميعِ فُرُوعِها وأَغصانِها وثَمَراتِها وأَزاهِيرِها مُراعِيًا في تَصوِيرِه انسِجامًا بَدِيعًا بينَ ثَمَراتِها وأَزاهيرِها، مُعَرِّفًا طَرْزَ التَّناسُبِ في مُنتَهَى التَّوازُنِ والاتِّساقِ، بحَيثُ يَجعَلُ عَقلَ الإنسانِ عاجِزًا عن إدراكِ أَبعادِه ومَبهُوتًا أمامَ حُسْنِ جَمالِه.
ثمَّ إنَّ الإسلامَ الَّذي هو فَرعٌ مِن غُصنِ الإيمانِ، أَبدَعَ القُرآنُ الكَريمُ وأَتَى بالرّائعِ المُعجِبِ في تَصويرِ أَدَقِّ فُرُوعِ أَركانِه الخَمسةِ، وحافَظَ على جَمالِ التَّناسُبِ وكَمالِ التَّوازُنِ فيما بَينَها، بل حافَظَ على التَّناسُبِ فيما بينَ أَبسَطِ آدابِها ومُنتَهَى غاياتِها وأَعمَقِ حِكَمِها وأَصغَرِ فَوائدِها وثَمَراتِها.. وأَبهَرُ دَليلٍ على ذلك هو كَمالُ انتِظامِ الشَّريعةِ العُظمَى النّابعةِ مِن نُصُوصِ ذلك القُرآنِ الجامِعِ، ومِن إشاراتِه ورُمُوزِه..
فكَمالُ انتِظامِ هذه الشَّريعةِ الغَرّاء وجَمالُ تَوازُنِها الدَّقيقِ وحُسْنُ تَناسُبِ أَحكامِها ورَصانَتُها.. كلٌّ مِنها شاهِدُ عَدْلٍ لا يُجرَحُ، وبُرهانٌ قاطِعٌ باهِرٌ لا يَدنُو مِنه الرَّيبُ أبدًا، على هذه الحَقِيقةِ، بمَعنَى أنَّ البَياناتِ القُرآنيّةَ لا يُمكِنُ أن تَستَنِدَ إلى عِلمٍ جُزئِيٍّ لِبَشَرٍ، ولا سيَّما إنسانٍ أُمِّيٍّ، بل لا بُدَّ أن تَستَنِدَ إلى عِلمٍ واسِعٍ مُحِيطٍ بكلِّ شيءٍ، والبَصيرِ بجَميعِ الأَشياءِ معًا..
فهو كَلامُ ذاتِ اللهِ الجَليلِ البَصيرِ بالأَزَلِ والأَبَدِ معًا، والشّاهِدُ بجَميعِ الحَقائقِ في آنٍ واحِدٍ.. ومِمّا يُشيرُ إلى هذه الحَقيقةِ الآيةُ الكَريمةُ:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾
اللَّهُمَّ يَا مُنزِلَ القُرآنِ.. بِحَقِّ القُرآنِ، وبِحَقِّ مَن أُنزِلَ عَلَيهِ القُرآنُ، نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَقُبُورَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ والقُرآنِ.. آمِينَ يَا مُستَعَانُ..
٭ ٭ ٭
— 175 —

المَقامُ الثاني

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
حوارٌ مع عددٍ مِن الشَّبابِ الذين تتجاذَبُهم الإغراءاتُ والأهواءُ ولكنَّهم لم يَفقِدُوا بعدُ صَوابَهم.
طَلَبَ عددٌ مِنَ الشَّبابِ أن تُعِينَهم "رسائلُ النُّورِ" وتَمُدَّ لهم يَدَ النَّجْدةِ سائِلِينَ:
كيف يُمكِنُنا أن نُنقِذَ آخِرَتَنا إزاءَ ما يُحِيطُ بنا في زَمانِنا هذا مِن فِتنةِ الإغراءِ وجاذِبيّةِ الهَوَى وخِداعِ اللَّهْوِ؟
فأَجَبتُهم باسمِ شَخصِيّةِ "رسائلِ النُّورِ" المَعنَوِيّةِ قائلًا: القَبرُ ماثِلٌ أمامَ الجَميعِ، لا يُمكِنُ أن يُنكِرَه أَحَدٌ.. كلُّنا سنَدخُلُه لا مَناصَ.. والدُّخُولُ فيه بثَلاثةِ طُرُقٍ لا غَيرُ:
الطَّريقُ الأوَّلُ: يُؤَدِّي إلى أنَّ القَبرَ بابٌ يَنفَتِحُ للمُؤمِنين إلى رِياضٍ جَميلةٍ وعالَمٍ رَحْبٍ فَسِيحٍ أَفضَلَ وأَجمَلَ مِن هذه الدُّنيا.
الطَّريقُ الثّاني: يُوصِلُ إلى أنَّ القَبرَ بابٌ لِسِجنٍ دائمٍ للمُتَمادِين في الضَّلالةِ والغَيِّ یی معَ إيمانِهم بالآخِرةِ یی فهم يُعامَلُون بجِنسِ ما كانُوا يَعتَقِدُونه ويَرَوْن الوُجُودَ والحَياةَ مِن خِلالِه؛ فيُعزَلُون عن جَميعِ أَحِبَّتِهم في هذا السِّجنِ الِانفِرادِيِّ، لِعَدَمِ عَمَلِهم بما كانوا يَعتَقِدُونه.
الطَّريقُ الثالث: يَنساقُ إلَيه مَن لا يُؤمِنُ بالآخِرةِ مِن أَربابِ الجُحُودِ والضَّلالةِ، فإذا القَبرُ بابٌ إلى العَدَمِ المَحْضِ وإعدامٌ نِهائيٌّ له؛ والقَبرُ في نَظَرِه مِشنَقةٌ تُفنِيه وتُفنِي معه جَميعَ أَحِبَّتِه؛ فهذا هو جَزاءُ جُحُودِه بالآخِرةِ.
— 176 —
هذان الشِّقّان بَدِيهيّانِ، لا يَحتاجانِ إلى دليلٍ، إذ يُمكِنُ مُشاهَدَتُهما رَأْيَ العَينِ.
فما دامَ الأَجَلُ مَستُورًا عَنَّا بسِتارِ الغَيبِ، والمَوتُ يُمكِنُه أن يُدرِكَنا في كلِّ حينٍ، يَضرِبُ عُنُقَ الإنسانِ دُونَ تَميِيزٍ بينَ الشّابِّ والشَّيخِ، فلا شَكَّ أنَّ الإنسانَ الضَّعيفَ الَّذي يَرَى هذه القَضِيّةَ المُذهِلةَ أمامَ عَينَيهِ، في كلِّ وَقتٍ، سوفَ يَتَحرَّى ما يُنْجِيه مِن ذلك الإِعدامِ الأَبَدِيِّ والسِّجنِ الِانفِرادِيِّ الدّائمِ، ويَبحَثُ عَمّا يُحَوِّلُ له بابَ القَبْرِ مِن ظُلمةٍ قاتِمةٍ إلى نُورٍ ساطِعٍ يَنفَتِحُ إلى عالَمٍ خالِدٍ ورِياضٍ مُونِقةٍ في عالَمِ النُّورِ والسَّعادةِ الخالِدةِ.. ولا رَيْبَ أنَّ هذه المَسأَلةَ هي القَضيّةُ الكُبْرَى لَدَى الإنسانِ، بل هي أَعظَمُ وأَجَلُّ مِنَ الدُّنيا كلِّها.
إنَّ ظُهُورَ هذه الحَقيقةِ یی حَقيقةِ المَوتِ والقَبْرِ یی بالطُّرُقِ الثَّلاثةِ المُتقَدِّمةِ، يُنْبِئُ بها مِئةٌ وأَربعةٌ وعِشرُون أَلفًا مِنَ المُخبِرين الصّادِقين، وهُمُ الأَنبِياءُ الكِرامُ عَلَيهم السَّلَام الحامِلُون لِواءَ تَصدِيقِهمُ الَّذي هو مُعجِزاتُهُمُ الباهِرةُ.. ويُنْبِئُ بها مِئةٌ وأربعةٌ وعِشرُون مِليُونًا مِنَ الأَولِياءِ الصّالِحِين، يُصَدِّقُون ما أَخبَرَ به أُولَئِك الأَنبِياءُ الكِرامُ، ويَشهَدُون لهم على الحَقيقةِ نَفسِها بالكَشفِ والذَّوْقِ والشُّهُودِ.. ويُنْبِئُ بها ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقين، يُثبِتُون ما أَخبَرَ به أُولَئِك الأَنبِياءُ والأَولِياءُ بأَدِلَّتِهِمُ العَقلِيّةِ القاطِعةِ البالِغةِ دَرَجَةَ عِلمِ اليَقينِ، وبما يَصِلُ إلى تِسعٍ وتِسعِين بالمِئةِ مِنَ الثُّبُوتِ والجَزمِ.. (حاشية): أحَدُ أُولَئك رَسَائلُ النُّور كَمَا يَرَاها الجَميعُ. فالجَميعُ يُقرِّرُون أنَّ النَّجاةَ مِنَ الإعدامِ الأَبَدِيِّ، والخَلاصَ مِنَ السِّجنِ الِانفِرادِيِّ، وتَحوِيلَ المَوتِ إلى سَعادةٍ أَبَديّةٍ، إنَّما تكُونُ بالإيمانِ باللهِ وطاعَته ليس إلَّا.
نعم، لو سارَ أَحَدُهم في طَريقٍ غيرَ مُكتَرِثٍ بقَولِ مُخبِرٍ عن وُجُودِ خَطَرٍ مُهلِكٍ، ولو باحتِمالِ واحِدٍ مِن المِئةِ، ألَيس ما يُحِيطُ به مِن قَلَقٍ وخَوفٍ عَمّا يَتَصوَّرُه ويَتَوقَّعُه مِن مَخاطِرَ كافِيًا لِقَطعِ شَهِيَّتِه عنِ الطَّعامِ؟ فكيف إذًا بإخبارِ مِئاتِ الآلافِ مِنَ الصّادِقِين المُصَدَّقين، إخبارًا يَبلُغُ صِدقُهم مِئةً في المِئةِ، واتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّ الضَّلالةَ والفِسقَ يَدفَعانِ الإنسانَ إلى مِشنَقةِ القَبرِ وسِجنِه الِانفِرادِيِّ الأَبَدِيِّ كما هو ماثِلٌ أَمامَكم، وأنَّ
— 177 —
الإيمانَ والعِبادةَ یی بيَقِينِ مِئةٍ في المِئةِ یی كَفِيلانِ برَفعِ أَعوادِ المِشنَقةِ وإغلاقِ بابِ السِّجنِ الِانفِرادِيِّ، وتَحوِيلِ القَبرِ إلى بابٍ يُفتَحُ إلى قُصُورٍ مُزيَّنةٍ عامِرةٍ بالسَّعادةِ الدّائِمةِ، وكُنُوزٍ مَلِيئةٍ لا تَنضُبُ.. عِلمًا أنَّهم مع إخبارِهم هذا يَدُلُّون على أَماراتِها ويُظهِرُون آثارَها.
والآن أُوَجِّهُ إلَيكم هذا السُّؤالَ:
تُرَى ما مَوقِفُ الإنسانِ البائسِ یی ولا سِيَّما المُسلِمِ یی إزاءَ هذه المَسأَلةِ الجَسِيمةِ الرَّهيبةِ؟
هل يُمكِنُ أن تُزِيلَ سَلطَنةُ الدُّنيا كلُّها مع ما فيها مِن مُتَعٍ ولَذائذَ، ما يُعانِيهِ الإِنسانُ مِنِ اضطِرابٍ وقَلَقٍ في انتِظارِ دَورِه في كلِّ لَحظةٍ للدُّخُولِ إلى القَبْرِ، إن كان فاقِدًا للإيمانِ والعِبادةِ؟!
ثمَّ إنَّ الشَّيخُوخةَ والمَرَضَ والبَلاءَ، وما يَحدُثُ مِن وَفَيَاتٍ هنا وهناك، تُثِيرُ ذلك الأَلَمَ المَريرَ إلى نَفسِ كلِّ إنسانٍ، وتُنذِرُه دَومًا بمَصِيرِه المَحتُومِ؛ فلا جَرَمَ أنَّ أُولَئك الضّالِّين وأَربابَ السَّفاهةِ والمُجُونِ سيَتَأجَّجُ في قُلُوبِهم جَحِيمٌ مَعنَوِيٌّ، يُعذِّبُهم بلَظاه حتَّى لو تَمَتَّعُوا بمَباهِجِ الدُّنيا ولَذائذِها، بَيْدَ أنَّ الغَفلةَ وَحْدَها هي الَّتي تَحُولُ دُونَ استِشعارِهم ذلك العَذابَ الأَليمَ.
فما دامَ أَهلُ الإيمانِ والطّاعةِ يَرَونَ القَبْرَ الماثِلَ أَمامَهم بابًا إلى رِياضِ سَعادةٍ دائمةٍ ونَعيمٍ مُقيمٍ، بما مُنِحُوا مِنَ القَدَرِ الإلٰهِيِّ مِن وَثيقةٍ تُكسِبُهم كُنُوزًا لا تَفْنَى بشَهادةِ الإيمانِ، فإنَّ كُلًّا مِنهم سيَشعُرُ لَذّةً عَمِيقةً حَقِيقيّةً راسِخةً، ونَشوةً رُوحِيّةً لَدَى انتِظارِه كلَّ لَحظةٍ مَن يُنادِيه قائلًا: تَعالَ خُذْ بِطاقَتَك!
بحيثُ إنَّ تلك النَّشوةَ الرُّوحِيّةَ لو تَجَسَّمَت لَأَصبَحَت بمَثابةِ جَنّةٍ مَعنَوِيّةٍ خاصّةٍ بذلك المُؤمِنِ، بمِثلِ ما تَتَحوَّلُ البِذرةُ وتَتجَسَّمُ شَجَرةً وارِفةً.
ولَمّا كان الأَمرُ هكذا، فالَّذي يَدَعُ تلك المُتعةَ الرُّوحيّةَ الخالِصةَ لِأَجْلِ لَذّةٍ مُؤقَّتةٍ غيرِ مَشرُوعةٍ مُنَغَّصةٍ بالآلامِ كالعَسَلِ المَسمُومِ، بدافِعٍ مِن طَيشِ الشَّبابِ وسَفاهَتِه؛ سيَنحَطُّ إلى مُستوًى أَدنَى بكَثيرٍ مِن مُستَوى الحَيَوانِ.. بل لا يَبلُغُ أن يكُونَ حتَّى بمِثلِ
— 178 —
المَلاحِدةِ الأَجانِب أيضًا؛ لأنَّ مَن يُنكِرُ مِنهم رَسُولَنا الكَريمَ (ص) فقد يُؤمِنُ برُسُلٍ آخَرينَ، وإن لم يُؤمِنْ بالرُّسُل كلِّهم، فقد يُؤمِنُ بوُجُوده تَعالَى، وإن لم يُؤمِن باللهِ فقد تَكُون له مِن الخِصالِ الحَمِيدةِ ما يُرِيهِ الكَمالاتِ.
بَينَما المُسلِمُ لم يَعرِفِ الرُّسُلَ الكِرامَ ولا آمَنَ برَبِّه ولا عَرَف الكَمالاتِ الإنسانيّةَ إلَّا بواسِطةِ هذا النَّبيِّ الكَريمِ (ص)، لِذا مَن يَتْرُكُ مِنهُمُ التَّأدُّبَ بتَربِيَتِه المُبارَكةِ، ويَحُلُّ رِبقَتَه عن أَوامِرِه، لا يَعتَرِفُ بنَبيٍّ آخَرَ، بل يَجحَدُ حتَّى باللهِ سُبحانَه وتَعالَى، ولا يَستَطيعُ أن يُحافِظَ على أُسُسِ الكَمالاتِ الإنسانيّةِ في رُوحِه؛ ذلك لأنَّ أُصُولَ الدِّينِ وأُسُسَ التَّربيةِ الَّتي جاءَ بها الرَّسُولُ الكَريمُ (ص) هي مِنَ الرُّسُوخِ والكَمالِ ما لا يُمكِنُ أن يُحْرِزَ نُورًا ولا كَمالًا قَطُّ مَن يَدَعُها وَيتْرُكُها، بل يُحكَمُ عليه بالتَّرَدِّي والسُّقُوطِ المُطلَقِ، إذ هو (ص) خاتَمُ النَّبيِّين وسَيِّدُ الأَنبِياءِ والمُرسَلين، وإمامُ البَشَريةِ بأَكمَلِها، في الحَقائقِ كلِّها، بل هو مَدارُ فَخرِها واعتِزازِها، كما أَثبَتَ ذلك إثباتًا رائعًا على مَدَى أَربعةَ عَشَرَ قَرْنًا.
فيا مَن فُتِنتُم بزَهرةِ الحَياةِ الدُّنيا ومَتاعِها، ويا مَن يَبذُلُون قُصارَى جُهدِهم لِضَمانِ الحَياةِ والمُستَقبَلِ بالقَلَقِ علَيهما.. أيُّها البائِسُون..
إن كُنتُم تَرُومُون التَّمتُّعَ بلَذّةِ الدُّنيا والتَّنعُّمَ بسَعادَتِها وراحَتِها، فاللَّذائذُ المَشرُوعة تُغنيكم عن كلِّ شيءٍ، فهي كافيةٌ ووافيةٌ لِتَلبِيةِ رَغَباتِكم وتَطْمِينِ أَهوائكم.. ولقد أَدرَكتُم مِمّا بَيَّنّاه آنِفًا أنَّ كلَّ لَذّةٍ ومُتعةٍ خارِجَ نِطاقِ الشَّرعِ فيها أَلْفُ أَلَمٍ وأَلَمٍ، إذ لو أَمكَنَ عَرْضُ ما سيَقَعُ مِن أَحداثٍ مُقبِلةٍ بعدَ خَمسِين سنةً مَثلًا على شاشةٍ الآنَ مِثلَما تُعرَضُ الأَحداثُ الماضِيةُ علَيها، لَبَكَى أَربابُ الغَفلةِ والسَّفاهةِ بُكاءً مُرًّا أَلِيمًا على ما يَضحَكُون له الآنَ.
فمَن كان يُرِيدُ السُّرُورَ الخالِصَ الدّائمَ والفَرَحَ المُقِيمَ في الدُّنيا والآخِرةِ، علَيه أن يَقتَدِيَ بما في نِطاقِ الإيمانِ مِن تَربِيةِ مُحمَّدٍ (ص).
٭ ٭ ٭
— 179 —

حوارٌ مع فريقٍ مِن الشباب

جاءَني ذاتَ يومٍ فَريقٌ مِنَ الشَّبابِ، يَتَدفَّقُون نَضارةً وذكاءً، طالِبِين تَنبِيهاتٍ قَوِيّةً وإرشاداتٍ قَوِيمةً تَقِيهِم مِن شُرُورٍ تَتَطايَرُ مِن مُتَطَلَّباتِ الحَياةِ ومِن فُتُوّةِ الشَّبابِ ومِنَ الأَهواءِ المُحِيطةِ بهم.
فقُلتُ لهم مِثلَ ما قُلتُه لِأُولَئِك الَّذين طَلَبُوا العَونَ مِن رَسائلِ النُّورِ:
اعلَمُوا أنَّ ما تَتَمتَّعُون به مِن رَبيعِ العُمُرِ ونَضارةِ الحَياةِ ذاهِبٌ لا مَحالةَ، فإن لم تُلزِمُوا أَنفُسَكم بالبَقاءِ ضِمنَ الحُدُودِ الشَّرعيّةِ، فسيَضِيعُ ذلك الشَّبابُ ويَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، ويَجُرُّ علَيكُم في الدُّنيا وفي القَبْرِ وفي الآخِرةِ بَلايا ومَصائبَ وآلامًا تَفُوقُ كَثيرًا مَلَذّاتِ الدُّنيا الَّتي أَذاقَكُم إيّاها..
ولكِن لَو صَرَفتُم رَبيعَ عُمُرِكم في عِفّةِ النَّفسِ وفي صَوْنِ الشَّرَف وفي طاعةِ رَبِّكم بتَربِيَتِه على الإسلامِ، أَداءً لِشُكرِ اللهِ تَعالَى على ما أَنعَمَ علَيكُم مِن نِعمةِ الفُتُوّةِ والشَّبابِ، فسيَبقَى ويَدُومُ ذلك العَهْدُ مَعنًى، وسيَكُونُ لكم وَسِيلةً للفَوزِ بشَبابٍ دائمٍ خالِدٍ في الجَنّةِ الخالِدةِ.
فالحَياةُ إن كانَت خالِيةً مِنَ الإيمانِ، أو فَقَدَ الإيمانُ تَأثِيرَه فيها لِكَثرةِ المَعاصي، فإنَّها مع مَتاعِها ولَذَّتِها الظّاهِرِيّةِ القَصِيرةِ جِدًّا تُذِيقُ الآلامَ والأَحزانَ والهُمُومَ أَضعافَ أَضعافِ تلك المُتَعِ والمَلَذّاتِ، ذلك لأنَّ الإنسانَ یی بما مُنِحَ مِن عَقلٍ وفِكرٍ یی ذُو عَلاقةٍ فِطرِيّةٍ وَثيقةٍ بالماضي والمُستَقبَلِ فَضْلًا عمَّا هو عليه مِن زَمانٍ حاضِرٍ، حتَّى إنه يَتَمكَّنُ مِن أن يَذُوقَ لَذائذَ تلك الأَزمِنةِ ويَشعُرَ بآلامِها، خِلافًا للحَيَوانِ الَّذي لا تُعكِّرُ صَفْوَ لَذَّتِه الحاضِرةِ الأَحزانُ الوَارِدةُ مِنَ الماضي، ولا المَخاوِفُ المُتَوقَّعة في المُستَقبَلِ، حيثُ لم يُمنَحِ الفِكرَ.
ومِن هُنا فالإنسانُ الَّذي تَردَّى في الضَّلالةِ، وأَطبَقَتْ علَيه الغَفلةُ، تَفسُدُ مُتعَتُه الحاضِرةُ بما يَرِدُه مِن أَحزانٍ مِنَ الماضِي، وما يَرِدُه مِنِ اضطِرابٍ مِنَ القَلَقِ على المُستَقبَلِ؛ فتَتكَدَّرُ حَياتُه الحاضِرةُ بالآلام والأَوهامِ، لا سِيَّما المَلَذّاتُ غيرُ المَشرُوعةِ، فهي في حُكمِ العَسَلِ المَسمُومِ تَمامًا.
— 180 —
أي: إنَّ الإنسانَ يَسقُطُ في دَرَكةٍ أَدنَى بمِئةِ مَرّةٍ مِنَ الحَيَوانِ مِن حيثُ التَّمتُّعُ بمَلَذّاتِ الحَياةِ، بل إنَّ حَياةَ أَربابِ الضَّلالةِ والغَفلةِ، بل وُجُودَهُم وعالَمَهم، ما هو إلَّا يَومُهُمُ الحاضِرُ، حيثُ إنَّ الأَزمِنةَ الماضِيةَ كُلَّها وما فيها مِنَ الكائناتِ مَعدُومةٌ، مَيتةٌ، بسَبَبِ ضَلالَتِهم، فتَرِدُهُم مِن هُناك بالعَلاقةِ العَقلِيّةِ حَوالِكُ الظُّلُماتِ..!
أمّا الأَزمِنةُ المُقبِلةُ فهي أيضًا مَعدُومةٌ بالنِّسبةِ إلَيهم، وذلك لِعَدَمِ إيمانِهم بالغَيبِ.. فتَملَأُ الفِراقاتُ الأَبَديّةُ الَّتي لا تَنقَطِعُ حَياتَهم بظُلُماتٍ قاتِمةٍ، ما دامُوا يَملِكُون العَقلَ، جاحِدِين بالبَعثِ والنُّشُورِ.
ولكِن إذا ما أَصبَحَ الإيمانُ حَياةً للحَياةِ، وشَعَّ فيها مِن نُورِه، استَنارَتِ الأَزمِنةُ الماضِيةُ واستَضاءَتِ الأَزمِنةُ المُقبِلةُ، ووَجَدَتِ البَقاءَ وأَمَدَّت رُوحَ المُؤمنِ وقَلبَه مِن زاوِيةِ الإيمانِ، بأَذواقٍ مَعنَويّةٍ سامِيةٍ وأَنوارٍ وُجُودِيّةٍ باقِيةٍ، بمِثلِ ما يَمُدُّهما الزَّمنُ الحاضِرُ.
هذه الحَقيقةُ مُوضَّحةٌ تَوضِيحًا وافِيًا في "الرَّجاءِ السّابعِ" مِن رِسالةِ "الشُّيُوخِ"، فلْيُراجَعْ.
هكذا الحَياةُ.. فإن كُنتُم تُرِيدُون أن تَستَمتِعُوا بالحَياةِ وتَلتَذُّوا بها، فأَحيُوا حَياتَكُم بالإيمانِ، وزَيِّنُوها بأَداءِ الفَرائضِ، وحافِظُوا علَيها باجتِنابِ المَعاصي.
أمّا حَقيقةُ المَوتِ الَّتي تُطْلِعُنا على أَهوالِها الوَفَيَاتُ الَّتي نُشاهِدُها كلَّ يومٍ، في كلِّ مكانٍ، فسأُبيِّنُها لكم في مِثالٍ، مِثلَما بَيَّنتُها لِشُبّانٍ آخَرين مِن أَمثالِكم.
تَصَوَّرُوا هَیٰهُنا یی مَثلًا یی أَعوادًا نُصِبَت أَمامَكم للمِشنَقةِ، وبجانِبِها دائرةٌ تُوَزِّعُ جَوائزَ سَخِيّةً كُبْرَى للمَحظُوظِين.. ونحنُ الأَشخاصَ العَشَرةَ هنا سنُدعَى إلى هناك طَوْعًا أو كَرْهًا.. ولكِن لأنَّ زَمانَ الِاستِدعاءِ مَخفِيٌّ عنَّا، فنَحنُ في كلِّ دَقيقةٍ بانتِظارِ مَن يَقُول لكُلٍّ مِنَّا: تَعالَ.. تَسَلَّم قَرارَ إعدامِك، واصْعَدِ المِشنَقةَ.. أو يَقُولُ: تَعالَ خُذْ بِطاقةً تُربِحُك مَلايِينَ اللَّيراتِ الذَّهَبيّةِ.
وبَينا نحن واقِفُون مُنتَظِرون، إذا بشَخصَينِ حَضَرا لَدَى البابِ: أَحَدُهما امْرَأةٌ جَميلةٌ لَعُوبٌ شِبْهُ عارِيةٍ، تَحمِلُ في يَدِها قِطعةً مِنَ الحَلوَى، تُقَدِّمُها إلَينا تَبدُو أنَّها شَهِيّة، ولكِنَّها مَسمُومةٌ في حَقِيقَتِها.
— 181 —
أمّا الآخَرُ فهو رَجُلٌ وَقُورٌ كيِّسٌ، ليسَ خِبًّا ولا غِرًّا، دَخَل على إثْرِ تلك المَرأةِ وقالَ: لقد أَتَيتُكم بِطِلَّسْمٍ عَجِيبٍ، وجِئتُكم بدَرسٍ بَليغٍ، إذا قَرَأتُمُ الدَّرسَ ولم تَأْكُلوا مِن تلك الحَلْوَى، تَنجُونَ مِنَ المِشنَقةِ، وتَتَسَلَّمُون بهذا الطِّلَّسْمِ بطاقةَ تلك الجائزةِ الثَّمينةِ.. فها أَنتُم أُولاءِ تَرَوْن بأُمِّ أَعيُنِكم أنَّ مَن يَأكُلُ تلك الحَلْوَى، يَتَلَوَّى مِن آلامِ البَطنِ حتَّى يَصعَدَ المِشنَقةَ.
أمّا الفائزُون ببِطاقةِ الجائزةِ، فمَعَ أنَّهم مَحجُوبُون عنَّا، ويَبدُو لَنا أنَّهم يَصعَدُون مِنصَّةَ المِشنَقةِ، إلَّا أنَّ أَكثَر مِن مَلايِينِ الشُّهُودِ يُخبِرُون بأنَّهم لم يُشنَقوا، وإنَّما اتَّخَذُوا أَعوادَ المِشنَقةِ سُلَّمًا للِاجْتِيازِ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ إلى دائرةِ الجَوائزِ.
فهَيّا انظُرُوا مِنَ النَّوافِذِ، لتَرَوْا كيفَ أنَّ كِبارَ المَسؤُولين المُشرِفين على تَوزيعِ تلك الجَوائزِ يُنادُون بأَعلَى صَوْتِهم قائلِين: "إنَّ أَصحابَ ذلك الطِّلَّسْمِ العَجيبِ قد فازُوا ببِطاقةِ الجَوائزِ.. اعلَمُوا هذا يَقِينًا كما رَأَيتُم بعَينِ اليَقينِ أُولَئِك الذّاهِبِين إلى المِشنَقةِ، فلا يُساوِرَنَّكمُ الشَّكُّ في هذا، فهو واضِحٌ وُضُوحَ الشَّمسِ في رابِعةِ النَّهارِ".
وهكذا على غِرارِ هذا المِثالِ: فإنَّ مُتَعَ الشَّبابِ ومَلَذّاتِه المَحظُورةَ شَرعًا كالعَسَلِ المَسمُومِ.. وغَدَا المَوتُ لَدَى الَّذي فَقَد بطاقةَ الإيمانِ الَّتي تُربِحُه السَّعادةَ الأَبَديّةَ كأنَّه مِشنَقةٌ، فيَنتَظِرُ جَلَّادَ الأَجَلِ الَّذي يُمكِنُ أن يَحضُرَ كلَّ لَحظةٍ یی لِخَفاءِ وَقتِه عَنّا یی لِيَقطَعَ الأَعناقَ دُونَ تَميِيزٍ بينَ شابٍّ وشَيخٍ.. فيُرْدِيَه إلى حُفرةِ القَبرِ الَّذي هو بابٌ لِظُلُماتٍ أَبَديّةٍ كما هو في ظاهِرِه..
ولكن إذا ما أَعرَض الشّابُّ عن تلك المَلَذّاتِ المَحظُورةِ الشَّبِيهةِ بالعَسَلِ المَسمُومِ، وضَرَب عنها صَفْحًا، وبادَرَ إلى الحُصُولِ على ذلك الطِّلَّسْمِ القُرآنِيِّ وهو الإيمانُ وأَداءُ الفَرائضِ، فإنَّ مِئةً وأَربعةً وعِشرينَ أَلْفًا مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، وما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الأَولياءِ الصّالِحِين والعُلَماءِ العامِلِين يُخبِرُون ويُبَشِّرُون بالاتِّفاقِ، مُظهِرين آثارَ ما يُخبِرُون عنه بأنَّ المُؤمِنَ سيَفُوزُ ببِطاقةٍ تُكسِبُه كُنُوزَ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ.
حاصِلُ الكلامِ: إنَّ الشَّبابَ سيَذْهَب حَتْمًا وسيَزُولُ لا مَحالةَ، فإن كان قد قُضِيَ في سَبِيلِ المَلَذّاتِ ونَشْوةِ الطَّيشِ والغُرُورِ؛ فسيُورِثُ آلافَ البَلايا والآلامِ والمَصائبِ المُوجِعةِ، سواءٌ في الدُّنيا أوِ الآخِرةِ.
— 182 —
وان كُنتُم تَرُومُون أن تَفهَمُوا بأنَّ أَمثالَ هؤلاءِ الشَّبابِ سيَؤُولُ حالُهم في غالِبِ الأَمرِ إلى المُستَشفَياتِ، بسَبَبِ تَصَرُّفاتِهمُ الطّائشةِ وإسرافاتِهم وتَعَرُّضِهم لِأَمراضٍ نَفسِيّةٍ.. أو إلى السُّجُونِ وأَماكِنِ الإهانةِ والتَّحقِيرِ، بسَبَبِ نَزَواتِهم وغُرُورِهم.. أو إلى المَلاهي والخَمَّاراتِ بسَبَبِ ضِيْقِ صُدُورِهم مِنَ الآلامِ والِاضطِراباتِ المَعْنَوِيّةِ والنَّفسِيّةِ الَّتي تَنْتابُهم.. نعم، إن شِئتُم أن تَتَيقَّنُوا مِن هذه النَّتائجِ فاسأَلُوا المُستَشْفَياتِ والسُّجُونَ والمَقابِرَ، فستَسمَعُون بلا شَكٍّ مِن لِسانِ حالِ المُستَشْفَياتِ الأنَّاتِ والآهاتِ والحَسَراتِ المُنبَعِثةَ مِن أَمراضٍ نَجَمَتْ مِن نَزَواتِ الشَّبابِ وإسرافِهم في أَمرِهم.. وستَسْمَعُون أيضًا مِنَ السُّجُونِ صَيْحاتِ الأَسَى وأَصواتِ النَّدَمِ وزَفَراتِ الحَسَراتِ يُطلِقُها أُولَئك الشُّبّانُ الأَشقِياءُ الَّذين انساقُوا وَراءَ طَيشِهم وغُرُورِهم، فتَلَقَّوْا صَفْعةَ التَّأْدِيبِ لِخُروجِهم على الأَوامِرِ الشَّرعِيّةِ، وستَعلَمُون أيضًا أنَّ أَكثرَ ما يُعَذِّبُ المَرءَ في قَبْرِه یی ذلك العالَمِ البَرزَخِيِّ الَّذي لا تَهدَأُ أَبوابُه عنِ الِانفِتاحِ والِانغِلاقِ لكَثرةِ الدّاخِلين فيه یی ما هو إلَّا بما كَسَبَت يَداه مِن تَصَرُّفاتٍ سيِّئةٍ في سِنِي شَبابِه، كما هو ثابتٌ بمُشاهَداتِ أَهلِ كَشفِ القُبُورِ، وشَهادةِ جَميعِ أَهلِ الحَقيقةِ والعِلمِ وتَصدِيقِهم.
واسأَلُوا إن شِئتُمُ الشُّيُوخَ والمَرْضَى الَّذين يُمَثِّلُون غالِبِيّةَ البَشَريّةِ، فستَسْمَعُون أنَّ أَكثَرِيَّتَهمُ المُطلَقةَ تَقُولُ: "وا أَسَفَى على ما فاتَ! لقد ضَيَّعْنا رَبيعَ شَبابِنا في أُمُورٍ تافِهةٍ، بل في أُمُورٍ ضارّةٍ! فإيّاكُم إيّاكُم أن تُعِيدُوا سِيرَتَنا، وحَذارِ حَذارِ أن تَفعَلُوا مِثلَنا!".
ذلك لأنَّ الَّذي يُقاسِي سَنَواتٍ مِنَ الغَمِّ والهَمِّ في الدُّنيا، والعَذابَ في البَرزَخِ، ونارَ سَقَرَ في الآخِرةِ، لِأَجلِ تَمَتُّعٍ لا يَدُومُ خَمْسَ أو عَشْرَ سَنَواتٍ مِن عُمُرِ الشَّبابِ بمَلَذّاتٍ مَحظُورةٍ.. غيرُ جَديرٍ بالإشفاقِ، مع أنَّه في أَشَدِّ الحالاتِ استِدْرارًا للشَّفَقةِ والرِّثاءِ؛ لأنَّ الَّذي يَرضَى بالضَّرَرِ ويَنساقُ إلَيه طَوْعًا، لا يَستَحِقُّ الإشفاقَ علَيه ولا النَّظَرَ إلى حالِه بعَينِ الرَّحمةِ، وَفْقَ القاعِدةِ الحَكِيمةِ: «الرّاضِي بالضَّرَرِ لا يُنظَرُ لَه».
حَفِظَنا اللهُ وإيَّاكُم مِن فِتنةِ هذا الزَّمانِ المُغرِيةِ، ونَجَّانا مِن شُرُورِها.. آمِينَ
٭ ٭ ٭
— 183 —

(حاشية المقام الثاني من الكلمة الثالثةَ عَشْرةَ)

بِاسمِهِ سُبحانَهُ
إنَّ المَسجُونِينَ هم في أَمَسِّ الحاجةِ إلى ما في "رَسائلِ النُّورِ" مِن سُلْوانٍ حَقيقِيٍّ وعَزاءٍ خالِصٍ، ولا سِيَّما أُولَئك الشُّبّانُ الَّذين تَلَقَّوا صَفَعاتِ التَّأدِيبِ ولَطَماتِ التَّأنِيبِ بِنَزَواتِهم وأَهوائِهم، فقَضَوْا نُضارةَ عُمُرِهم في السِّجنِ، فحاجةُ هؤلاءِ إلى النُّورِ كحاجَتِهم إلى الخُبْزِ.
إنَّ عُرُوقَ الشَّبابِ تَنبِضُ لِهَوَى المَشاعِرِ، وتَستَجِيبُ لها أَكثَرَ مِمّا تَستَجِيبُ للعَقلِ وتَرضَخُ له؛ وسَوْراتُ الهَوَى یی كما هو مَعلُومٌ یی لا تُبْصِرُ العُقبَى، فتُفَضِّلُ دِرهمًا مِن لَذّةٍ حاضِرةٍ عاجِلةٍ على طَنٍّ مِن لَذّةٍ آجِلةٍ؛ فيُقْدِمُ الشّابُّ بدافِعِ الهَوَى على قَتلِ إنسانٍ بَرِيءٍ للتَّلَذُّذِ بدَقيقةٍ واحِدةٍ مِن لَذّةِ الِانتِقام، ثمَّ يُقاسِي مِن جَرَّائها ثَمانِيةَ آلافِ ساعةٍ مِن آلامِ السِّجنِ.. والشّابُّ يَنساقُ إلى التَّمَتُّع لساعةٍ واحِدةٍ في اللَّهوِ والعَبَثِ في قَضِيّةٍ تَخُصُّ الشَّرَفَ، ثمَّ يَتَجرَّعُ مِن وَرائِها آلامَ أُلُوفِ الأَيّامِ مِن سَجنٍ وخَوفٍ وتَوَجُّسٍ مِنَ العَدُوِّ المُتَربِّصِ به.. وهكذا تَضِيعُ مِنه سَعادةُ العُمُرِ بينَ قَلَقٍ واضطِرابٍ وخَوفٍ وآلامٍ.
وعلى غِرارِ هذا يَقَعُ الشَّبابُ المَساكِينُ في وَرَطَاتٍ ومَشاكِلَ عَوِيصةٍ كَثِيرةٍ، حتَّى تُحَوِّلَ أَلطَفَ أيّامِ حَياتِهِم وأَحلَاها إلَى أَمَرِّ الأَيّامِ وأَقْساها، وفي حالةٍ يُرثَى لها.. ولا سِيَّما بعدَ أن هَبَّتْ عَواصِفُ هَوْجاءُ مِنَ الشَّمالِ تَحمِلُ فِتَنًا مُدَمِّرةً لهذا العَصْرِ؛ إذ تَستَبِيحُ لِهَوَى الشَّبابِ الَّذي لا يَرَى العُقبَى أَعراضَ النِّساءِ والعَذارَى الفاتِناتِ، وتَدفَعُهم إلى الِاختِلاطِ الماجِنِ البَذِيءِ، فَضلًا عن إباحَتِها أَموالَ الأَغنِياءِ لِفُقَراءَ سُفَهاءَ.
إنَّ فَرائصَ البَشَريّةِ كُلِّها لَتَرتَعِدُ أمامَ هذه الجَرائمِ المُنكَرةِ الَّتي تُرتَكَبُ بحَقِّها.
فعلى الشَّبابِ المُسلِمِ في هذا العَصرِ العَصِيبِ أن يُشَمِّروا عن ساعِدِ الجِدِّ لِيُنقِذُوا المَوقِفَ، ويَسُلُّوا السُّيُوفَ الأَلْماسِيّةَ لِحُجَجِ "رَسائلِ النُّور" وبَراهِينِها الدّامِغةِ یی الَّتي في رِسالةِ "الثَّمَرةِ" و"مُرشِدِ الشَّبابِ" وأَمثالِهِما یی ويُدافِعُوا عن أَنفُسِهم، ويَصُدُّوا هذا
— 184 —
الهُجُومَ الكاسِحَ الَّذي شُنَّ علَيهِم مِن جِهَتَينِ.. وإلَّا فسيَضِيعُ مُستَقبَلُ الشَّبابِ في العالَمِ، وتَذهَبُ حَياتُه السَّعِيدة، ويَفقِدُ تَنَعُّمَه في الآخِرةِ، فتَنقَلِبُ كلُّها إلى آلامٍ وعَذابٍ؛ إذ سيَكُونُ نَزِيلَ المُستَشفَياتِ بما كَسَبتْ يَداه مِن إسرافٍ وسَفاهةٍ.. ونَزِيلَ السُّجُونِ، بطَيشِه وغَيِّه.. وسيَبْكِي أَيّامَ شَيخُوخَتِه بُكاءً مُرًّا، ويَزْفُرُ زَفَراتٍ مِلْؤُها الحَسَراتُ والآلامُ.
ولكِن إذا ما صَانَ نَفْسَه بتَربِيةِ القُرآنِ، ووَقاها بحَقائقِ "رَسائلِ النُّورِ"، فسيَكُونُ شابًّا رائِدًا حَقًّا، وإنسانًا كامِلًا، ومُسلِمًا صادِقًا سَعِيدًا، وسُلطانًا على سائرِ المَخلُوقاتِ.
نعم، إنَّ الشّابَّ إذا دَفَع ساعةً واحِدةً مِن أَربَعٍ وعِشرِين ساعةً مِن يَومِه في السِّجنِ إلى إقامةِ الفَرائضِ، وتابَ عن سَيِّئاتِه ومَعاصِيه الَّتي دفَعَتْه إلى السِّجنِ، وتَجَنَّبَ الخَطايا والذُّنُوبَ مِثلَما يُجَنِّبُه السِّجنُ إيّاها.. فإنَّه سيَعُودُ بفَوائدَ جَمّةٍ إلى حَياتِه وإلى مُستَقبَلِه وإلى بِلادِه وإلى أُمَّتِه وإلى أَحِبَّائِه وأَقارِبِه، فَضْلًا عن أنَّه يَكسِبُ شَبابًا خالِدًا في النَّعيمِ المُقِيمِ بَدَلًا مِن هذا الَّذي لا يَدُومُ خَمسَ عَشْرةَ سنةً.
هذه الحَقيقةُ يُبَشِّرُ بها ويُخبِرُ عنها عن يَقينٍ جازِمٍ جَميعُ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ وفي مُقدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ.
نعم، إذا ما شَكَرَ الشّابُّ على نِعمةِ الشَّبابِ یی ذلك العَهدِ الجَمِيلِ الطَّيِّبِ یی بالِاستِقامةِ على الصِّراطِ السَّوِيِّ، وأَداءِ العِباداتِ، فإنَّ تلك النِّعمةَ المُهداةَ تَزدادُ ولا تَنقُصُ، وتَبقَى مِن دُونِ زَوالٍ، وتُصبِحُ أَكثرَ مُتعةً وبَهجةً.. وإلّا فإنَّها تكُونُ بلاءً ومُصِيبةً مُؤلِمةً ومَغمُورةً بالغَمِّ والحُزنِ والمُضايَقاتِ المُزعِجةِ حتَّى تَذْهَبَ هَباءً، فيَكُونَ عَهْدُ الشَّبابِ وَبالًا على نَفسِه وأَقارِبِه وعلى بِلادِه وأُمَّتِه.
هذا، وإنَّ كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِ المَسجُونِ الَّذي حُكِمَ علَيه ظُلمًا، تكُونُ كعِبادةِ يومٍ كامِلٍ له إن كان مُؤَدِّيًا للفَرائضِ، ويكُونُ السِّجنُ بحَقِّه مَوضِعَ انزِواءٍ واعتِزالٍ مِنَ النّاسِ كما كان الزُّهّادُ والعُبّادُ يَنزَوُون في الكُهُوفِ والمَغاراتِ ويَتَفرَّغُون للعِبادةِ. أي: يُمكِنُ أن يكُونَ هو مِثلَ أُولَئك الزُّهّادِ.
وستَكُونُ كلُّ ساعةٍ مِن ساعاتِه إن كان فَقِيرًا ومَرِيضًا وشَيخًا مُتَعلِّقًا قَلبُه بحَقائقِ
— 185 —
الإيمانِ وقد أَنابَ إلى اللهِ وأَدَّى الفَرائضَ، في حُكْمِ عِبادةِ عِشرِين ساعةً له، ويَتَحوَّلُ السِّجنُ بحَقِّه مَدرَسةً تَربَوِيّةً إِرشادِيّةً، ومَوْضِعَ تَحابُبٍ ومَكانَ تَعاطُفٍ، حيثُ يَقْضِي أيّامَه معَ زُمَلائِه في راحةٍ فَضْلًا عن راحَتِه وتَوَجُّهِ الأَنظارِ إلَيه بالرَّحمةِ، بل لعلَّه يُفَضِّلُ بَقاءَه في السِّجنِ على حُرِّيَّتِه في الخارِجِ الَّتي تَنْثَالُ علَيه بالذُّنوبِ والخَطايا مِن كلِّ جانِبٍ، ويَأنَسُ بما يتَلَقَّى مِن دُرُوسِ التَّربيةِ والتَّزكيةِ فيه.. وحِينَما يُغادِرُه لا يُغادِرُه قاتلًا ولا حَريصًا على أَخْذِ الثَّأرِ، وإنَّما يَخرُجُ رَجُلًا صالِحًا تائبًا إلى اللهِ، قد غَنِمَ تَجارِبَ حَياتيّةً غَزِيرةً، فيُصبِحُ عُضوًا نافِعًا للبِلادِ والعِبادِ؛ حتَّى حَدَا الأَمرُ ببَعضِ مَسؤُولي سِجنِ "دَنِيزلي" إلى القَولِ یی بعدَما شاهَدُوا الَّذين أَخَذُوا دُرُوسًا إيمانيّةً في سُمُوِّ الأَخلاقِ ولو لِمُدّةٍ وَجِيزةٍ مِن رَسائلِ النُّورِ یی: "لو تَلَقَّى هَؤلاءِ دُرُوسَ الإيمانِ مِن رَسائلِ النُّورِ في خَمسةِ أَسابيعَ، فإنَّه أَجْدَى لإصلاحِهم مِن إلقائِهم في السِّجنِ خَمْسَ عَشْرةَ سَنةً".
فما دامَ المَوتُ لا يَفْنَى مِنَ الوُجُودِ، والأَجَلُ مَستُورًا عَنّا بسِتارِ الغَيبِ، ويُمكِنُه أن يَحُلَّ بنا في كلِّ وَقتٍ.. وما دامَ القَبْرَ لا يُغلَقُ بابُه.. والبَشَريّةُ تَغِيبُ وَراءَه قافِلةً إِثرَ قافِلةٍ.. وما دامَ المَوتُ نَفْسُه بحَقِّ المُؤمِنِين ما هو إلَّا تَذكِرةُ تَسرِيحٍ وإعفاءٍ مِنَ الإِعدامِ الأَبَديِّ یی كما وُضِّحَ ذلك بالحَقيقةِ القُرآنيّةِ یی وهو بحَقِّ الضَّالِّينَ السُّفَهاءِ إعدامٌ أَبَدِيٌّ كما يُشاهِدُونَه أَمامَهم؛ إذ هو فِراقٌ أَبدِيٌّ عن جَميعِ أَحِبَّتِهم وأَقارِبِهم بلِ المَوجُوداتِ قاطِبةً.. فلا بُدَّ ولا شَكَّ بأنَّ أَسعَدَ إنسانٍ هو مَن يَشكُرُ رَبَّه صابِرًا مُحتَسِبًا في سِجنِه، مُستَغِلًّا وَقْتَه أَفضَلَ استِغلالٍ، ساعِيًا لِخِدمةِ القُرآنِ والإيمانِ، مُستَرشِدًا برَسائلِ النُّورِ.
أيُّها الإنسانُ المُبتَلَى بالمَلَذَّاتِ والمُتَعِ..
لقد عَلِمتُ يَقينًا طَوالَ خَمسٍ وسَبعِينَ سنةً مِنَ العُمُرِ، وبأُلُوفِ التَّجارِبِ الَّتي كَسِبتُها في حَياتي، ومِثلِها مِنَ الحَوادِثِ الَّتي مَرَّت عَلَيَّ أنَّ الذَّوقَ الحَقيقيَّ، واللَّذّةَ الَّتي لا يَشُوبُها أَلَمٌ، والفَرَحَ الَّذي لا يُكَدِّرُه حُزْنٌ، والسَّعادةَ التّامّةَ في الحَياةِ إنَّما هي في الإيمانِ، وفي نِطاقِ حَقائقِه ليس إلَّا.. ومِن دُونِه فإنَّ لَذّةً دُنيَوِيّةً واحِدةً تَحمِلُ آلامًا كَثيرةً كَثيرةً.. وإذ تُقدِّمُ إليكَ الدُّنيا لَذّةً بقَدْرٍ مّا في حَبّةِ عِنَبٍ، تَصفَعُك بعَشْرِ صَفَعاتٍ مُؤلِماتٍ، سالِبةً لَذّةَ الحَياةِ ومُتعَتَها.
— 186 —
أيُّها المَساكِينُ المُبتَلَوْنَ بمُصِيبةِ السِّجنِ.. ما دامَتْ دُنياكُم حَزِينةً باكِيةً، وإنَّ حَياتَكم قد تَعَكَّرَت بالآلام والمَصائبِ، فابذُلُوا ما في وُسعِكم كيلا تَبكِيَ آخِرَتُكم، ولِتَفْرَحَ وتَحْلُوَ وتَسْعَدَ حَياتُكُمُ الأَبدِيّةُ.. فاغتَنِمُوا يا إخوَتي هذه الفُرصةَ، إذ كما أنَّ مُرابَطةَ ساعةٍ واحِدةٍ أَمامَ العَدُوِّ ضِمْنَ ظُرُوفٍ شاقّةٍ يُمكِنُ أن تَتَحوَّلَ إلى سَنةٍ مِنَ العِبادةِ، فإنَّ كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِكُمُ الَّتي تُقاسُونَها في السِّجنِ تَتَحوَّلُ إلى ساعاتٍ كَثيرةٍ هناك إذا ما أَدَّيتُمُ الفَرائضَ، وعِندَها تَتَحوَّلُ المَشَقّاتُ والمَصاعِبُ إلى رَحَمَاتٍ وغُفرانٍ.
٭ ٭ ٭
بِاسمِهِ سُبحانَهُ
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
أيُّها الإخوةُ الأَعِزّاءُ الأَوفِياءُ..
لقد رَأَيتُ أَنوارَ سُلْوانٍ ثلاثةً، أُبيِّنُها في نِقاطٍ ثلاثٍ للَّذين ابتُلُوا بالسِّجنِ، ومَن يقُومُ بنَظارَتِهم ورِعايَتِهم بالشَّفَقةِ والرَّحمةِ، ومَن يُعينُهم في أَعمالِهم وأَرزاقِهم.
النُّقطة الأُولى: إنَّ كلَّ يومٍ مِن أَيّامِ العُمُرِ الَّتي تَمضِي في السِّجنِ، يُمكِنُ أن يُكسِبَ المَرءَ ثَوابَ عِبادةِ عَشَرةِ أيّامٍ، ويُمكِنُ أن يُحَوِّل ساعاتِه الفانِيةَ یی من حيثُ النَّتيجةُ یی إلى ساعاتٍ باقِيةٍ خالِدةٍ.. بل يُمكِنُ أن يكُونَ قَضاءُ بضعِ سِنينَ في السِّجنِ وَسِيلةَ نَجاةٍ مِن سِجنٍ أَبَديٍّ لِمَلايينِ السِّنينَ.
فهذا الرِّبحُ العَظيمُ مَشرُوطٌ لِأَهلِ الإيمانِ بأَداءِ الفَرائضِ والتَّوبةِ إلى اللهِ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصي الَّتي دَفَعَته إلى السِّجنِ، والتَّوَجُّهِ إلَيه تَعالَى بالشُّكرِ صابِرًا مُحتَسِبًا.. عِلمًا أنَّ السِّجنَ نَفسَه يَحُولُ بَينَه وبينَ كَثيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
النُّقطة الثانية: إنَّ زَوالَ الأَلَم لَذّةٌ، كما أنَّ زَوالَ اللَّذّةِ أَلَمٌ.
نعم، إنَّ كلَّ مَن يُفكِّرُ في الأَيّامِ الَّتي قَضاها بالهَناءِ والفَرَحِ، يَشعُرُ في رُوحِه حَسرةً وأَسَفًا علَيها، حتَّى يَنطَلِقَ لِسانُه بكَلِماتِ الحَسَراتِ: أَوّاه.. آه.. بَينَما إذا تَفَكَّر في الأَيّامِ الَّتي
— 187 —
مَرَّت بالمَصائبِ والبَلايا فإنَّه يَشعُرُ في رُوحِه وقَلبِه فَرَحًا وبَهجةً مِن زَوالِها حتَّى يَنطَلِقَ لِسانُه بی: الحَمدُ للهِ والشُّكرُ له، فقد ولَّتِ البَلايا تارِكةً ثَوابَها. فيَنشَرِحُ صَدرُه ويَرتاحُ.
أي: إنَّ أَلَمًا مُؤقَّتًا لِساعةٍ مِنَ الزَّمانِ يَترُكُ لَذّةً مَعنَويّةً في الرُّوحِ، بَينَما لَذّةٌ مُؤقَّتةٌ لِساعةٍ مِنَ الزَّمانِ تَترُكُ أَلَمًا مَعنَويًّا في الرُّوحِ، خِلافًا لِذلك.
فما دامَتِ الحَقيقةُ هذه، وساعاتُ المَصائبِ الَّتي وَلَّت مع آلامِها أَصبَحَت في عِدادِ المَعدُومِ، وأنَّ أَيّامَ البَلايا لم تَأْتِ بَعدُ، فهي أيضًا في حُكْمِ المَعدُومِ.. وإنَّه لا أَلَمَ مِن غيرِ شيءٍ.. ولا يَرِدُ مِنَ العَدَمِ أَلَمٌ.. فمِنَ البَلاهةِ إذًا إظهارُ الجَزَعِ ونَفادُ الصَّبرِ الآنَ، مِن ساعاتِ آلامٍ وَلَّتْ، ومِن آلامٍ لم تَأْتِ بَعدُ، عِلمًا أنَّها جَميعًا في عِدادِ المَعدُومِ. ومِنَ الحَماقةِ أيضًا إظهارُ الشَّكوَى مِنَ اللهِ وتَركُ النَّفسِ الأَمّارةِ المُقَصِّرةِ مِنَ المُحاسَبةِ، ومِن بعدِ ذلك قَضاءُ الوَقتِ بالحَسَراتِ والزَّفَراتِ. أوَلَيس مَن يَفعَلُ هذا أَشَدَّ بَلاهةً مِمَّن يُداوِمُ على الأَكلِ والشُّربِ طَوالَ اليومِ خَشيةَ أن يَجُوعَ أو يَعطَشَ بعدَ أَيّامٍ؟
نعم، إنَّ الإنسانَ إن لم يُشتِّتْ قُوّةَ صَبْرِه يَمينًا وشِمالًا یی إلى الماضِي والمُستَقَبلِ یی وسَدَّدها إلى اليَومِ الَّذي هو فيه، فإنَّها كافِيةٌ لِتَحُلَّ له حِبالَ المُضايَقاتِ.
حتَّى إنَّني أَذكُرُ یی ولا أَشكُو یی أنَّ ما مرَّ علَيَّ في هذه المَدرسةِ اليُوسُفيّةِ الثّالثةِ في غُضُونِ أَيّامٍ قَلائلَ مِنَ المُضايَقاتِ المادِّيّةِ والمَعنَويّةِ لم أَرَها طَوالَ حَياتي، ولا سِيَّما حِرماني مِنَ القِيامِ بخِدمةِ النُّورِ مع ما فِيَّ مِن أَمراضٍ. وبَينَما كان قَلبي ورُوحِي يَعتَصِرانِ معًا مِنَ الضِّيقِ واليَأْسِ إذا بالعِنايةِ الإلٰهِيّةِ تُمِدُّني بالحَقيقةِ السّابِقةِ، فانشَرَح صَدرِي أيَّما انشِراحٍ، ووَلَّت تلك المُضايَقاتُ، فرَضِيتُ بالسِّجنِ وآلامِه والمَرَضِ وأَوجاعِه، إذ مَن كان مِثلي على شَفِيرِ القَبْرِ يُعَدُّ رِبحًا عَظِيمًا له أن تَتَحوَّلَ ساعةٌ مِن ساعاتِه الَّتي يُمكِنُ أن تَمُرَّ بغَفلةٍ إلى عَشرِ ساعاتٍ مِنَ العِبادةِ.. فشَكَرتُ اللهَ كثيرًا.
النُّقطة الثالثة: إنَّ القِيامَ بمُعاوَنةِ المَسجُونين بشَفَقةٍ ورَأفةٍ، وإعطاءَهم أَرزاقَهُمُ الَّتي يَحتاجُون إلَيها، وتَضْميدَ جِراحاتِهمُ المَعنَويّةِ ببَلْسَمِ التَّسَلِّي والعَزاءِ، مع أنَّه عَمَلٌ بَسِيطٌ، إلَّا أنَّه يَحمِلُ في طَيّاتِه ثَوابًا جَزِيلًا وأَجْرًا عَظِيمًا، حيثُ إنَّ تَسلِيمَ أَرزاقِهمُ الَّتي
— 188 —
تُرسَلُ إلَيهم مِنَ الخارِجِ يكُونُ بحُكمِ صَدَقةٍ، وتُكتَبُ في سِجِلِّ حَسَناتِ كلِّ مَن قامَ بهذا العَمَلِ، سواءٌ الَّذين أَتَوا بها مِنَ الخارِجِ أو الحُرّاسُ أو المُراقِبُون الَّذين عاوَنُوهم، ولا سِيَّما إن كان المَسجُونُ شَيخًا كَبيرًا أو مَرِيضًا أو غَرِيبًا عن بَلَدِه أو فَقِيرًا، فإنَّ ثَوابَ تلك الصَّدَقةِ المَعنَويّةِ يَزدادُ كَثيرًا.
وهذا الرِّبحُ العَظيمُ مَشرُوطٌ بأَداءِ الفَرائضِ مِنَ الصَّلَواتِ لِتُصبِحَ تلك الخِدمةُ لِوَجهِ اللهِ.. مع شَرطٍ آخَرَ هو أن تكُونَ الخِدمةُ مَقرُونةً بالشَّفَقةِ والرَّحمةِ والمَحَبّةِ، مِن دُونِ أن تَحمِيلِ شَيءٍ مِنَ المِنّةِ.
٭ ٭ ٭
بِاسمِهِ سُبحانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
يا إِخوَتي في الدِّين.. ويا زُمَلائي في السِّجنِ..
لقد أُخطِرَ لِقَلبي أن أُبَيِّن لكم حَقيقةً مُهِمّةً، تُنقِذُكم بإذنِ اللهِ مِن عَذابِ الدُّنيا والآخِرةِ، وهي كما أُوضِحُها بمِثالٍ:
إنَّ أَحَدًا قد قَتَل شَقِيقَ شَخصٍ آخَرَ أو أَحَدَ أَقرِبائِه.. فهذا القَتلُ النّاجِمُ مِن لَذّةِ غُرُورِ الِانتِقامِ الَّتي لا تَستَغرِقُ دَقيقةً واحِدةً، تُورِثُه مُقاساةَ مَلايِينِ الدَّقائقِ مِن ضِيقِ القَلبِ وآلامِ السِّجنِ؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يَظَلُّ أَقرِباءُ المَقتُولِ أيضًا في قَلَقٍ دائمٍ وتَحَيُّنِ الفُرَصِ لِأَخذِ الثَّأْرِ، كُلَّما فَكَّرُوا بالقاتِلِ ورَأَوْا ذَوِيه، فتَضِيعُ مِنهم لَذّةُ العُمُرِ ومُتعةُ الحَياةِ بما يُكابِدُون مِن عَذابِ الخَوفِ والقَلَقِ والحِقْدِ والغَضَبِ.
ولا عِلاجَ لِهذا الأَمرِ ولا دَواءَ له إلَّا الصُّلحُ والمُصالَحةُ بَينَهما، وذلك الَّذي يَأْمُرُ به القُرآنُ الكَريمُ، ويَدعُو إلَيه الحَقُّ والحَقيقةُ، وفيه مَصلَحةُ الطَّرَفَينِ، وتَقتَضِيه الإنسانيّةُ، ويَحُثُّ علَيه الإسلامُ.
— 189 —
نعم، إنَّ المَصلَحةَ والحَقيقةَ في الصُّلْحِ، والصُّلْحُ خَيرٌ، لأنَّ الأَجَلَ واحِدٌ لا يَتَغيَّیرُ، فذلك المَقتُولُ على كلِّ حالٍ ما كانَ لِيَظَلَّ على قَيدِ الحَياةِ ما دامَ أَجَلُه قد جاءَ؛ أمّا ذلك القاتِلُ فقد أَصبَحَ وَسيلةً لِذَلك القَضاءِ الإلٰهِيِّ، فإن لم يَحُلَّ بَينَهما الصُّلحُ فسيَظَلّانِ يُعانِيانِ الخَوفَ وعَذابَ الِانتِقامِ مُدّةً مَديدةً؛ لذا يَأمُرُ الإسلامُ بعَدَمِ هَجْرِ المُسلِمِ أَخاه فوقَ ثلاثةِ أَيّامٍ. فإن لم يكُن ذلك القَتلُ قد نَجَم مِن عَداءٍ أَصِيلٍ ومِن حِقدٍ دَفِينٍ، وكان أَحَدُ المُنافِقِين سَببًا في إشعالِ نارِ الفِتنةِ، فيَلْزَمُ الصُّلحُ فَوْرًا، لأنَّه لَولا الصُّلْحُ لَعَظُمَت تلك المُصِيبةُ الجُزئيّةُ ودامَت، بَينَما إذا ما تَصالَحَ الطَّرَفانِ وتابَ القاتِلُ عن ذَنبِه، وصارَ باستِمْرارٍ يَدعُو للمَقتُولِ، فإنَّ الطَّرَفَينِ يَكسِبانِ الكَثيرَ، حيثُ يَدُبُّ الحُبُّ والتَّآلُفُ بَينَهما، فيَصفَحُ هذا عن عَدُوِّه ويَعفُو عنه، واجِدًا أَمامَه إخوةً أَتقِياءَ أَبرارًا بَدَلًا مِن شَقيقٍ واحِدٍ راحِلٍ، ويَستَسْلِمانِ معًا لِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ولا سِيَّما الَّذين استَمَعُوا إلى دُرُوسِ النُّورِ، فهم مَدْعُوُّون لِهَجْرِ كلِّ ما يُفسِدُ بينَ اثنَينِ..
إذِ الأُخُوّةُ الَّتي تَربِطُهم ضِمنَ نِطاقِ النُّورِ والمَصلَحةِ العامّةِ، وراحةِ البالِ وسَلامةِ الصَّدْرِ الَّتي يَستَوجِبُها الإيمانُ.. تَقتَضِي كُلُّها نَبْذَ الخِلافاتِ وإحلالَ الوِفاقِ والوِئامِ؛ ولقد حَصَل هذا فِعلًا بينَ مَسجُونِينَ يُعادِي بعضُهم بعضًا في سِجنِ "دَنِيزْلي"، فأَصبَحُوا بفَضلِ اللهِ إخوةً مُتَحابِّين بعدَ أن تَلَقَّوْا دُرُوسًا مِن رَسائلِ النُّورِ، بل غَدَوْا سَببًا مِن أَسبابِ بَراءَتِنا، حتَّى لم يَجِدِ المُلحِدُون والسُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ بُدًّا أمامَ هذا التَّحابُبِ الأُخرَوِيِّ أن قالُوا مُضطَرِّين: ما شاءَ اللهُ.. بارَكَ اللهُ!!
وهكذا انشَرَحَت صُدُورُ السُّجَناءِ جَميعًا وتَنَفَّسُوا الصُّعَداءَ بفَضلِ اللهِ.. إذ إنِّي أَرَى هنا مَدَى الظُّلمِ الواقِعِ على المَسجُونِين، حيثُ يُشَدَّدُ الخِناقُ على مِئةٍ مِنهم بجَرِيرةِ شَخصٍ واحِدٍ، حتَّى إنَّهم لا يَخرُجُون معَه إلى فِناءِ السِّجنِ في أَوقاتِ الرّاحةِ.. إلَّا أنَّ المُؤمِنَ الغَيُورَ لا تَسَعُه شَهامَتُه أن يُؤذِيَ المُؤمنَ قَطُّ، فكيفَ يُسبِّبُ له الأَذَى لِمَنفَعَتِه الجُزئيّةِ الخاصّةِ، فلا بُدَّ أن يُسارِعَ إلى التَّوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ حالَما يَشعُرُ بخَطَئِه وتَسَبُّبِه في أَذَى المُؤمِنِ.
٭ ٭ ٭
— 190 —
بِاسمِهِ سُبحانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
إخوَتي الأَعزَّاءَ الجُدُدَ، المَسجُونِين القُدامَى..
لقد بِتُّ على قَناعةٍ تامّةٍ أنَّ العِنايةَ الإلٰهِيّةَ هي الَّتي أَلْقَت بنا هَیٰهُنا وذلك لِأَجْلِكم أنتُم، أي: إنَّ مَجِيئَنا إلى هنا إنَّما هو لِبَثِّ السُّلْوانِ والعَزاءِ الَّذي تَحمِلُه رَسائلُ النُّورِ إلَيكُم، وتَخفِيفِ مُضايَقاتِ السِّجنِ عنكم بحَقائقِ الإيمانِ، وصَوْنِكم مِن كَثيرٍ مِن بَلايا الدُّنيا ولَأْوَائِها، وانتِشالِ حَياتِكُمُ المَلِيئةِ بالأَحزانِ والهُمُومِ مِنَ العَبَثيّةِ وعَدَمِ الجَدْوَى، وإنقاذِ آخِرَتِكم مِن أن تكُونَ كدُنياكم حَزينةً باكِيةً.
فما دامَتِ الحَقيقةُ هي هذه، فعلَيكُم أن تكُونُوا إخوةً مُتَحابِّينَ كطُلّابِ النُّورِ وكأُولَئك الَّذين كانُوا مَعَنا في سِجنِ "دَنِيزْلي".
فها أَنتُم أُولاءِ تَرَوْن الحُرّاسَ الَّذين يَحرِصُون على القِيامِ بخِدْماتِكُم يُعانُون الكَثيرَ مِنَ المَشَقّاتِ في التَّفتِيشِ، بل حتَّى إنَّهم يُفَتِّشُون طَعامَكم لِئلّا تكُونَ فيه آلةٌ جارِحةٌ، لِيَحُولُوا دُونَ تَعَدِّي بَعضِكُم على بعضٍ، وكأَنَّكم وُحُوشٌ مُفتَرِسة يَنقَضُّ الواحِدُ على الآخَرِ لِيَقتُلَه، فضلًا عن أنَّكُم لا تَستَمتِعُون بالفُرَصِ الَّتي تُتاحُ لكم للتَّفَسُّحِ والرّاحةِ خَوْفًا مِن نُشُوبِ العِراكِ فيما بَينَكُم.
فيا أيُّها الإخوةُ الحَدِيثو عَهدٍ بالسِّجنِ، يا مَن تَحمِلُون بُطُولةً فِطرِيّةً وشَهامةً وغَيرةً.. ألا فقُولُوا أَمامَ الهَيئةِ ببُطُولةٍ مَعنَوِيّةٍ عَظِيمةٍ في هذا الوَقتِ:
"لَيسَتِ الآلاتُ الجارِحةُ البَسِيطةُ، بل لو وَضَعتُم في أَيدِينا أَسلِحةً نارِيّةً فلا نَتَعَدَّى على أَصدِقائِنا وأَحبابِنا هؤلاء الَّذين نُكِبُوا مَعَنا، حتَّى لو كان بَينَنا عَداءٌ أَصِيلٌ سابقٌ؛ فقد عَفَوْنا عنهم جَمِيعًا، وسنَبذُلُ ما في وُسعِنا كَيلَا نَجْرَحَ شُعُورَهم ونَكسِرَ خاطِرَهم، هذا هو قَرارُنا الَّذي اتَّخَذناه بإرشادِ القُرآنِ الكَريمِ، وبأَمرِ أُخُوّةِ الإسلامِ، وبمُقتَضَى مَصلَحَتِنا جَميعًا".
وهكذا تُحَوِّلُون هذا السِّجنَ إلى مَدرَسةٍ طَيِّبةٍ مُبارَكةٍ.
٭ ٭ ٭
— 191 —

مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تَخَطَّرَت في لَيلةِ القَدْرِ

(ذيلُ المَقامِ الثاني مِن الكَلِمةِ الثالِثةَ عَشْرةَ)
هذه حقيقةٌ واسِعةٌ جِدًّا وطَوِيلةٌ في الوَقتِ نَفسِه، خَطَرَت على القَلبِ لَيلةَ القَدْرِ، سأُحاوِلُ أن أُشِيرَ إلَيها إشارةً مُختَصَرةً جِدًّا، كالآتي:
أوَّلًا:
لقد قاسَتِ البَشَريّةُ مِن وَيلاتِ هذه الحَربِ العالَمِيّةِ الأَخِيرةِ أيَّ مُقاساةٍ، إذ رَأَتْ أَشَدَّ أَنواعِ الظُّلمِ وأَقسَى أَنواعِ الِاستِبدادِ والتَّحَكُّم، مع الدَّمارِ الظّالِمِ المُريعِ في الأرضِ كافّةً؛ فقد نُكِبَ مِئاتُ الأَبرِياءِ بجَريرةِ شَخصٍ واحِدٍ، ووَقَع المَغلُوبُون على أَمرِهم في بُؤسٍ وشَقاءٍ مَرِيرَينِ، وباتَ الغالِبُون في عذابٍ وِجْدانِيٍّ أَليمٍ لِعَجْزِهم عن إصلاحِ دَمارِهِمُ الفَظِيعِ وخَشيَتِهم مِن أن يَعجِزُوا عنِ الحِفاظِ على سِيادَتِهم؛ وظَهَر للنّاسِ بجَلاءٍ تامٍّ أنَّ الحَياةَ الدُّنيا مُؤَقَّتةٌ فانيةٌ لا مَحالةَ، وأنَّ زَخارِفَ المَدَنيّةِ خادِعةٌ ومُخَدِّرة لا تُجْدِي شيئًا، وتَلَطَّخَتِ البَشَريّةُ بدِماءِ الطَّعَناتِ القَوِيّة الَّتي نَزَلَت بالذّاتِ الإنسانيةِ وبالِاستِعداداتِ الرَّفيعةِ في فِطرَتِها؛ وظَهَر للعَيانِ تَحَطُّمُ الغَفلةِ والضَّلالةِ والطَّبِيعةِ الجامِدةِ الصَّمّاءِ تحتَ ضَرَباتِ سَيفِ القُرآنِ الأَلْماسِيِّ؛ وافتُضِحَتِ الصُّورةُ الحَقيقِيّةُ للسِّياسةِ الدَّولِيّةِ الشَّوْهاءِ الغَدّارةِ، الَّتي هي أَوْسَعُ سِتارٍ وأَكثَفُه لإغفالِ النّاسِ وإضلالِهم، وأَشَدُّه خَنْقًا وخِداعًا لِرُوحِهم.
فلا شَكَّ أنَّ فِطرةَ البَشَريّةِ یی بعدَ وُضُوحِ هذه الأُمُورِ یی ستَبحَثُ عن مَعشُوقِها "الحَقيقيِّ" وهو الحَياةُ الباقِيةُ الخالِدةُ، وتَسعَى إلَيها بكُلِّ قُواها یی وقد بَدَت أَماراتُها في شَمالِ العالَمِ وغَربِه وفي أَمرِيكا یی وستَعْلَمُ جَيِّدًا أنَّ الحَياةَ الدُّنيا الَّتي تَتَعشَّقُها تَعَشُّقًا "مَجازِيًّا" دَمِيمةٌ شَوْهاءُ، فانيةٌ زائلةٌ.
ولا رَيبَ أنَّها ستَبحَثُ عنِ القُرآنِ الكَريمِ الَّذي له في كلِّ عَصرٍ ثَلاثُ مِئةِ مِليونٍ
— 192 —
مِنَ العامِلين له المُتَتَلْمِذين عليه مُنذُ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وسِتِّين سنةً.. والَّذي يُصَدِّق كلَّ حُكمٍ مِن أَحكامِه ودَعاوِيه مَلايِينُ مِن أَربابِ الحَقيقةِ.. والَّذي يَحتَفِظُ بمَكانَتِه المُقدَّسةِ في قُلُوبِ مَلايينِ الحُفَّاظ في كلِّ دَقيقةٍ.. والَّذي يُرشِدُ البَشَريةَ بأَلسِنَتِهم، ويُبشِّرُها بأُسلُوبِه المُعجِزِ بالحَياةِ الباقيةِ والسَّعادةِ الدّائمةِ، مُضَمِّدًا بها جِراحاتِها الغائرةَ، بل يُبَشِّرُ بها بالأُلُوفِ مِن آياتِه القَوِيّةِ الشَّديدةِ المُكَرَّرةِ، بل قد يُخبِرُ عنها صَراحةً أو إشارةً بعَشَراتِ الأُلُوفِ مِنَ المَرّاتِ، ناصِبًا علَيها ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ والبَراهِينِ السّاطِعةِ والحُجَجِ الثّابتةِ.
فإن لم تَفقِدِ البَشَريّةُ صَوابَها كُلِّیيًّا، ولم تَقُم علَيها قِيامةٌ مادِّيةٌ أو مَعنَويةٌ، فستَبحَثُ حَتمًا عنِ القُرآنِ الكَريمِ المُعجِز البَيانِ كما حَدَث في قارّاتِ العالَمِ كلِّه ودُوَلِها العُظمَى، وحَدَث فِعلًا في السُّوَيدِ والنُّرويج وفِنلَندا، ومِثلَما يَسعَى لقَبُولِه خُطَباءُ مَشهُورون مِن إنكِلتِرا، وتَقُومُ بالبَحثِ عنه جَمعِيّةٌ تَتَحرَّى الدِّينَ الحَقَّ وهي ذاتُ شأنٍ في أَمرِيكا.. ولا بُدَّ أنَّهم بعدَ أن يُدرِكُوا حَقائقَه سيَعتَصِمُون به ويَلتَفُّون حَولَه بكلِّ مُهَجِهم وأَرواحِهم.. ذلك لأنَّه ليسَ مِن نَظيرٍ للقُرآنِ في مُعالَجةِ هذه الحَقيقةِ، ولن يكُونَ، ولا يُمكِنُ أن يَسُدَّ مَسَدَّ هذه المُعجِزةِ الكُبْرَى شيءٌ قَطْعًا.
ثانيًا:
إنَّ رسائلَ النُّورِ قد أَظهَرَتْ خِدْماتِها كسَيفٍ أَلماسِيٍّ قاطِعٍ بيَدِ هذه المُعجِزةِ الكُبْرَى، حتَّى أَلزَمَتِ الحُجّةَ أعداءَها العَنيدين وأَلْجَأَتْهم إلى الِاستِسلامِ، وأنَّها تَقُومُ بوَظِيفَتِها بينَ يَدَيْ هذه الخَزينةِ القُرآنيةِ مِن حَيثُ كَونُها مُعجِزةً لِمَعانيه المُعجِزةِ على نحوٍ تَستَطيعُ أن تُنَوِّرَ القَلبَ والرُّوحَ والمَشاعِرَ، مُناوِلةً كُلًّا مِنها عِلاجاتِها الناجِعةَ.. ولا غَرْوَ فهي الدّاعِيةُ إلى هذا القرآنِ العَظيمِ والمُستَفيضةُ مِنه وَحدَه ولا تَرجِعُ إلَّا إلَيه.
وإنَّها إذ تَقُومُ بمُهِمَّتِها خيرَ قِيامٍ، انتَصَرَت في الوَقتِ نَفسِه على الدِّعاياتِ المُغرِضةِ الظّالِمةِ الَّتي يُشِيعُها أَعداؤُها، وقَضَت على أَشَدِّ الزَّنادِقةِ تَعَنُّیتًا، ودَكَّت أَقوَى قِلاعِ الضَّلالةِ الَّتي تَحتَمي بها وهي "الطَّبيعةُ" برِسالةِ "الطَّبيعةِ"، كما بدَّدَتِ الغَفلةَ
— 193 —
وأَظهَرَت نُورَ التَّوحيدِ في أَوسَعِ مَيادِينِ العُلُومِ الحَديثةِ وأَشَدِّ الظُّلُماتِ الخانِقةِ للغَفلةِ بالمَسأَلةِ السّادِسةِ "للثَّمَرةِ"، وبالحُجَجِ الأُولَى والثانيةِ والثالثةِ، والثامِنةِ مِن رِسالةِ "عَصا مُوسَى".
ومِن هنا فإنَّه مِنَ الضَّرُوريِّ لنا یی وأَكثَرُ ضَرُورةً للأُمّةِ یی أن يَفتَحَ طُلّابُ النُّورِ في حُدُودِ القُدُراتِ المُتاحةِ في كلِّ مَكانٍ، مَدارِسَ نُورِيّةً صَغيرةً، بعدَما سَمَحَتِ الدَّولةُ في الوَقتِ الحاضِرِ بفَتحِ مَدارِسَ خاصّةٍ لتَدرِيسِ الدِّين.
صحيحٌ أنَّ كلَّ قارِئٍ للرَّسائلِ يَستَطيعُ أن يَستَفيدَ مِنها شَيئًا لنَفسِه، إلَّا أنَّه لا يَستَطيعُ أن يَستَوعِبَ كلَّ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِها.. ولأنَّها إيضاحٌ لِحَقائقِ الإيمانِ، لِذا فهي دُرُوسٌ عِلمِيّةٌ، ومَعرِفةٌ إلٰهِيّةٌ، وسَكِينةٌ للقَلبِ وعِبادةٌ للهِ في الوَقتِ نَفسِه.
(حاشية): حتَّى إنْ لَم يَكن أَحَدُهم بِحَاجة إلى التَّعلُّم فَهو بِلا شكٍّ في شَوقٍ إلى العِبَادة أو إلى المَعرِفة الإلٰهِيّة، أو إلى اطمِئنانِ القَلبِ وسَكِينَتِه. ولِهذا فِإنَّ رَسائلَ النُّور دَرسٌ ضَرُوريٌّ لِكلِّ فَرْدٍ.
إنَّ النَّتائجَ الَّتي كان يُمكِنُ الحُصُولُ علَيها في المَدارسِ الدِّينيّةِ التَّقلِيدِيّةِ طَوالَ خَمسِ أو عَشرِ سَنَواتٍ، يُمكِنُ الحُصُولُ علَيها في مَدارِسِ النُّورِ في خَمسةِ أو عَشَرةِ أَسابيعَ بإِذنِ الله، بل ضَمِنَت تلك النَّتائجَ في العِشرينَ سنةً الَّتي خَلَت والحَمدُ للهِ.
ثمَّ باتَ مِنَ المُسَلَّمِ به فائدةُ هذه الرَّسائلِ الدّاعِيةِ إلى القُرآنِ؛ والَّتي هي لَمَعاتٌ مِن أَنوارِه الباهِرةِ، لِحَياةِ الأُمّةِ ولِأَمْنِ البِلادِ؛ وحتَّى لِحَياتِها السِّياسِيّةِ فَضلًا عن حَياتِها الأُخْرَوِيّةِ؛ فمِنَ الضَّرُوريِّ إذًا للحُكُومةِ ألَّا تَتَعرَّضَ لها بسُوءٍ بل تَسعَى جادّةً إلى نَشرِها، وتُشَجِّعَ النّاسَ على قِراءَتِها، ليكُونَ عَمَلُها هذا كفَّارةً عمَّا اقتَرَفَت مِن سيِّئاتٍ فاحِشةٍ سابِقةٍ، وسَدًّا مَنيعًا في وَجهِ ما سيُقبِلُ مِن وَيلاتٍ ومَصائبَ وفَوْضَى وإِرهابٍ.
٭ ٭ ٭
— 194 —

(الَمسأَلةُ السّادسةُ من رسالة الثَّمَرة)

هذه المسألة إشارةٌ مُختَصَرةٌ إلى بُرهانٍ واحِدٍ فقط مِن بينِ أُلُوفِ البَراهِينِ الكُلِّیيَّة حَولَ (الإيمانِ بالله)، والَّذي تَمَّ إيضاحُه مع حُجَجِهِ القاطِعةِ في عِدّةِ مَواضِعَ مِن رَسائلِ النُّورِ.
جاءَني فَريقٌ مِن طُلّابِ الثّانَوِيّةِ في "قَسْطَمُوني" قائلِينَ:
«عَرِّفْنا خالِقَنا، فإنَّ مُدَرِّسِينا لا يَذكُرُون اللهَ لنا!».
فقُلتُ لَهم: "إنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتي تَقرَؤُونَها يَتَحَدَّثُ عنِ اللهِ دَومًا، ويُعَرِّفُ بالخالِقِ الكَريمِ بلُغَتِه الخاصّةِ؛ فأَصغُوا إلى تلك العُلُومِ دُونَ المُدرِّسِين".
فمَثلًا: لو كانَت هُناكَ صَيدَليّةٌ ضَخمةٌ، في كلِّ قِنِّينةٍ مِن قَنانِيها أَدوِيةٌ ومُستَحضَراتٌ حَيَوِيّةٌ، وُضِعَت فيها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، وبمَقادِيرَ دَقيقةٍ؛ فكما أنَّها تُرِينا أنَّ وَراءَها صَيْدَليًّا حَكِيمًا، وكِيميائيًّا ماهِرًا، كذلك صَيدَلِيّةُ الكُرةِ الأَرضِيّةِ الَّتي تَضُمُّ أَكثَرَ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ نَباتًا وحَيَوانًا، وكلُّ واحِدٍ مِنها في الحَقيقةِ بمَثابةِ زُجاجةِ مُستَحضَراتٍ كِيميائيّةٍ دَقيقةٍ، وقِنِّينةِ مَخالِيطَ حَيَويّةٍ عَجِيبةٍ؛ فهذه الصَّيدَلِيّةُ الكُبْرَى تُرِي حتَّى للعُميانِ صَيدَليَّها الحَكيمَ ذا الجَلالِ، وتُعرِّفُ خالِقَها الكَريمَ سُبحانَه بدَرَجةِ كَمالِها وانتِظامِها وعَظَمَتِها، قِياسًا على تلك الصَّيدَليّةِ الَّتي في السُّوقِ، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الطِّبِّ الَّذي تَقرَؤُونَه.
ومَثلًا: كما أنَّ مَصْنعًا خارِقًا عَجِيبًا يَنسُجُ أُلُوفًا مِن أَنواعِ المَنسُوجاتِ المُتَنوِّعةِ، والأَقمِشةِ المُختَلِفةِ، مِن مادّةٍ بَسِيطةٍ جِدًّا، يُرِينا بلا شَكٍّ أنَّ وَراءَه مُهَندِسًا مِيكانِيكيًّا ماهِرًا، ويُعَرِّفُه لنا؛ كذلك هذه الماكِينةُ الرَّبّانيّةُ السَّيّارةُ المُسمَّاةُ بالكُرةِ الأَرضِيّةِ، وهذا المَصنَعُ الإلٰهِيُّ الَّذي فيه مِئاتُ الآلافِ مِن مَصانِعَ رَئيسِيّةٍ، وفي كلٍّ مِنها مِئاتُ الآلافِ مِنَ المَصانعِ المُتقَنةِ، يُعرِّفُ لنا بلا شَكٍّ صانِعَه، ومالِكَه، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ المَكائنِ
— 195 —
الَّذي تَقرَؤونَه، يُعرِّفُه بدَرَجةِ كَمالِ هذا المَصنَعِ الإلٰهِيِّ وعَظَمَتِه، قِياسًا على ذلك المَصنَعِ الإِنسانِيِّ.
ومَثلًا: كما أنَّ حانُوتًا أو مَخزَنًا للإعاشةِ والأَرزاقِ، ومَحَلًّا عَظِيمًا للأَغذِيةِ والمَوادِّ، أُحضِرَ فيه مِن كلِّ جانِبٍ أَلفُ نوعٍ مِنَ المَوادِّ الغِذائيّةِ، ومُيِّز كلُّ نوعٍ عنِ الآخَرِ، وصُفِّفَ في مَحَلِّه الخاصِّ به، يُرِينا أنَّ له مالِكًا ومُدَبِّرًا؛ كذلك هذا المَخزَنُ الرَّحمانِيُّ للإِعاشةِ الَّذي يَسِيحُ في كلِّ سنةٍ مَسافةَ أَربَعةٍ وعِشرِين أَلفَ سنةٍ، في نِظامٍ دَقيقٍ مُتقَنٍ، والَّذي يَضُمُّ في ثَناياهُ مِئاتِ الآلافِ مِن أَصنافِ المَخلُوقاتِ الَّتي يَحتاجُ كلٌّ مِنها إلى نَوعٍ خاصٍّ مِنَ الغِذاءِ، والَّذي يَمُرُّ على الفُصُولِ الأَربعةِ فيَأْتِي بالرَّبيعِ كشاحِنةٍ مُحَمَّلةٍ بآلافِ الأَنواعِ مِن مُختَلِفِ الأَطعِمةِ، فيَأْتي بها إلى الخَلْقِ المَساكِينِ الَّذين نَفِدَ قُوتُهم في الشِّتاءِ..
تلك هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، والسَّفينةُ السُّبْحانيّةُ الَّتي تَضُمُّ آلافَ الأَنواعِ مِنَ البَضائعِ والأَجهِزةِ ومُعَلَّباتِ الغِذاءِ، فهذا المَخْزَنُ والحانُوتُ الرَّبّانِيُّ يُرِي یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الإعاشةِ والتِّجارةِ الَّذي تَقرَؤُونَه یی صاحِبَه ومالِكَه ومُتَصرِّفَه بدَرَجةِ عَظَمةِ هذا المَخْزَنِ، قِياسًا على ذلك المَخْزَنِ المَصنُوعِ مِن قِبَلِ الإنسانِ، ويُعَرِّفُه لنا، ويُحَبِّبُه إلَينا.
ومَثلًا: لو أنَّ جَيشًا عَظِيمًا يَضُمُّ تحتَ لِوائِه أَربعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الشُّعُوبِ والأُمَمِ، لكُلِّ جِنسٍ طَعامُه المُستَقِلُّ عنِ الآخَرِ، وما يَستَعمِلُه مِن سِلاحٍ يُغايِرُ سِلاحَ الآخَرِ، وما يَرتَدِيه مِن مَلابِسَ تَختَلِفُ عن أَلبِسةِ الآخَرِ، ونَمَطُ تَدرِيباتِه وتَعلِيماتِه يُبايِنُ الآخَرَ، ومُدّةُ عَمَلهِ وأَوقاتُ رُخَصِهِ هي غيرُ المُدّةِ للآخَرِ.. فقائدُ هذا الجَيشِ الَّذي يُزَوِّدُهم وَحدَه بالأَرزاقِ المُختَلِفةِ، والأَسلِحةِ المُتَبايِنةِ، والأَلبِسةِ المُتَغايِرةِ، دُونَ نِسيانِ أيٍّ مِنها ولا الْتِباسٍ ولا حَيرةٍ، لَهُو قائدٌ ذُو خَوارِقَ بلا رَيبٍ؛ فكَما أنَّ هذا المُعَسْكَرَ العَجيبَ يُرِينا بَداهةً ذلك القائدَ الخارِقَ، بل يُحَبِّبُه إلَينا بكلِّ تَقديرٍ وإعجابٍ؛ كذلك مُعَسكَرُ الأَرضِ؛ ففي كلِّ رَبيعٍ يُجَنَّدُ مُجَدَّدًا جَيشٌ سُبحانِيٌّ عَظِيمٌ مُكَوَّنٌ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن شُعُوبِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ، ويَمنَحُ لكلِّ نَوعٍ أَلبِسَتَه وأَرزاقَه وأَسلِحَتَه وتَدرِيبَه ورُخَصَه الخاصّةَ به، مِن لَدُنْ قائدٍ عَظيمٍ واحِدٍ أَحَدٍ جلَّ وعلا، بلا نِسيانٍ لِأَحَدٍ ولا اختِلاطٍ ولا تَحَيُّرٍ، وفي مُنتَهَى الكَمالِ وغايةِ الِانتِظامِ..
— 196 —
فهذا المُعَسكَرُ الشّاسِعُ الواسِعُ للرَّبيعِ المُمتَدِّ على سَطحِ الأَرضِ يُرِي یی لِأُولِي الأَلبابِ والبَصائرِ یی حاكِمَ الأَرضِ حَسَبَ العُلُومِ العَسكَريّةِ ورَبَّها ومُدَبِّرَها، وقائِدَها الأَقدَسَ الأَجَلَّ، ويُعَرِّفُه لهم، بدَرَجةِ كَمالِ هذا المُعَسكَرِ المَهِيبِ، ومَدَى عَظَمَتِه، قِياسًا إلى ذلك المُعَسكَرِ المَذكُورِ، بل يُحبِّبُ مَلِيكَه سُبحانَه بالتَّحمِيدِ والتَّقديسِ والتَّسبِيحِ.
ومَثلًا: هَبْ أنَّ مَلايينَ المَصابيحِ الكَهْرَبائيّةِ تَتَجوَّلُ في مَدينةٍ عَجيبةٍ دُونَ نَفَادٍ للوَقُودِ ولا انطِفاءٍ، ألا تُرِي بإعجابٍ وتَقدِيرٍ أنَّ هناك مُهَندِسًا حاذِقًا، وكَهرَبائيًّا بارِعًا لِمَصنَعِ الكَهرَباءِ، ولتلك المَصابِيحِ؟.. فمَصابِيحُ النُّجُومِ المُتَدلِّيةُ مِن سَقْفِ قَصرِ الأَرضِ وهي أَكبَرُ مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ نَفسِها بأُلُوفِ المَرّاتِ حَسَبَ عِلمِ الفَلَكِ، وتَسِيرُ أَسرَعَ مِنِ انطِلاقِ القَذيفةِ، مِن دُونِ أن تُخِلَّ بنِظامِها، أو تَتَصادَمَ معَ بَعضِها مُطلَقًا ومِن دُونِ انطِفاءٍ، ولا نَفَادِ وَقُودٍ وَفْقَ ما تَقرَؤُونَه في عِلمِ الفَلَكِ..
هذه المَصابيحُ تُشِيرُ بأَصابعَ مِن نُورٍ إلى قُدرةِ خالِقِها غيرِ المَحدُودةِ. فشَمسُنا مثَلًا وهي أَكبَرُ بمِليُونِ مَرّةٍ مِن كُرَتِنا الأَرضِيّةِ، وأَقدَمُ مِنها بمِليُونِ سنةٍ، ما هي إلَّا مِصباحٌ دائمٌ، ومَوقِدٌ مُستَمِرٌّ لدارِ ضِيافةِ الرَّحمٰنِ.. فلِأَجلِ إدامةِ اتِّقادِها واشتِعالِها كلَّ يومٍ يَلزَمُ وَقُودٌ بقَدْرِ بِحارِ الأَرضِ، وفَحْمٌ بقَدْرِ جِبالِها، وحَطَبٌ بقَدْرِ أَضعافِ أَضعافِ حَجْمِ الأَرضِ، ولكِنَّ الَّذي يُشعِلُها یی ويُشعِلُ جَميعَ النُّجُومِ الأُخرَى أَمثالِها یی بلا وَقُودٍ ولا فَحْمٍ ولا زَيتٍ ودُونَ انطِفاءٍ، ويُسَيِّرُها بسُرعةٍ عَظيمةٍ معًا دُونَ اصطِدامٍ، إنَّما هو قُدرةٌ لا نِهايةَ لها وسَلطَنةٌ عَظيمةٌ لا حُدُودَ لها.. فهذا الكَونُ العَظيمُ وما فيه مِن مَصابِيحَ مُضِيئةٍ، وقَنادِيلَ مُتَدلِّيةٍ يُبيِّنُ بوُضُوحٍ یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الكَهرَباءِ الَّذي قَرَأتُمُوه أو ستَقرَؤُونه یی سُلطانَ هذا المَعرِضِ العَظيمِ والمَهرَجانِ الكَبِيرِ، ويُعرِّفُ مُنوِّرَه ومُدَبِّرَه البَديعَ وصانِعَه الجَليلَ، بشَهادةِ هذه النُّجُومِ المُتَلَأْلِئةِ، ويُحَبِّبُه إلى الجَميعِ بالتَّحمِيدِ والتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، بل يَسُوقُهم إلى عِبادَتِه سُبحانَه.
ومثلًا: لو كان هُناكَ كِتابٌ كُتِبَ في كلِّ سَطرٍ مِنه كِتابٌ بخَطٍّ دَقيقٍ، وكُتِبَ في كلِّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه سُورةٌ قُرآنيّةٌ، وكانَت جَميعُ مَسائلِه ذاتَ مَغزًى ومَعنًى عَميقٍ، وكُلُّها يُؤيِّدُ بَعضُها بعضًا، فهذا الكِتابُ العَجِيبُ يُبيِّنُ بلا شَكٍّ مَهارةَ كاتِبِه الفائقةَ، وقدُرةَ
— 197 —
مُؤَلِّفِه الكامِلةَ؛ أي: إنَّ كِتابًا كهَذا يُعرِّفُ كاتِبَه ومُصَنِّفَه تَعرِيفًا يُضاهِي وُضُوحَ النَّهارِ، ويُبيِّنُ كَمالَه وقُدرَتَه، ويُثيرُ مِنَ الإعجابِ والتَّقدِيرِ لَدَى النّاظِرين إلَيه ما لا يَملِكُون معَه إلَّا تَردِيدَ: تَبارَكَ اللهُ! سُبحانَ اللهِ! ما شاءَ اللهُ! مِن كَلِماتِ الِاستِحسانِ والإعجابِ؛ كذلك هذا الكِتابُ الكَبيرُ للكَونِ الَّذي يُكتَبُ في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنه، وهي سَطحُ الأَرضِ، ويُكتَبُ في مَلزَمةٍ واحِدةٍ مِنه، وهي الرَّبيعُ، ثلاثُ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الكُتُبِ المُختَلِفةِ، وهي طَوائفُ الحَيَواناتِ وأَجناسُ النَّباتاتِ، كلٌّ مِنها بمَثابةِ كِتابٍ.. يُكتَبُ كلُّ ذلك معًا ومُتَداخِلًا بعضُها ببعضٍ بلا اختِلاطٍ ولا خَطَأٍ ولا نِسيانٍ، وفي مُنتَهَى الِانتِظامِ والكَمالِ، بل يُكتَبُ في كلِّ كَلِمةٍ مِنه كالشَّجَرةِ، قَصيدةٌ كامِلةٌ رائعةٌ، وفي كلِّ نُقطةٍ مِنه كالبِذرةِ، فِهرِسُ كِتابٍ كامِلٍ.
فكما أنَّ هذا مُشاهَدٌ وماثِلٌ أَمامَنا، ويُرِينا بالتَّأكِيدِ أنَّ وَراءَه قَلَمًا سيَّالًا يُسَطِّر، فلَكُم إذًا أن تُقَدِّرُوا مَدَى دَلالةِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ العَظيمِ الَّذي في كلِّ كَلِمةٍ مِنه مَعانٍ جَمّةٌ وحِكَمٌ شَتَّى، ومَدَى دَلالةِ هذا القُرآنِ الأَكبَرِ المُجَسَّمِ یی وهو العالَمُ یی على بارِئِه سُبحانَه، وعلى كاتِبِه جلَّ وعلا، قِياسًا إلى ذلك الكِتابِ المَذكُورِ في المِثالِ. وذلك بمُقتَضَى ما تَقرَؤُونَه مِن عِلمِ حِكمةِ الأَشياءِ أو فَنِّ القِراءةِ والكِتابةِ، وتَناوُلِه بمِقياسٍ أَكبَرَ، وبالنَّظرةِ الواسِعةِ إلى هذا الكَونِ الكَبيرِ؛ بل تَفهَمُون كيفَ يُعرِّفُ الخالقَ العَظيمَ بی"اللهُ أَكبَرُ"، وكيفَ يُعلِّمُ التَّقديسَ بی"سُبحانَ الله!" وكيفَ يُحَبِّبُ اللهَ سُبحانَه إلَينا بثَناءِ "الحَمدُ للهِ".
وهكذا، فإنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ العَديدةِ جِدًّا، يَدُلُّ على خالِقِ الكَونِ ذِي الجَلالِ یی قِياسًا على ما سَبَق یی ويُعرِّفُه لنا سُبحانَه بأَسمائِه الحُسنَى، ويُعَلِّمُنا إيّاه بصِفاتِه الجَليلةِ وكَمالاتِه، وذلك بما يَملِكُ مِن مَقاييسَ واسِعةٍ، ومَرايا خاصّةٍ، وعُيُونٍ حادّةٍ باصِرةٍ، ونَظَراتٍ ذاتِ عِبرةٍ.
فقُلتُ لأُولئك الطَّلَبةِ الشَّبابِ: إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ مِن: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ و رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إنَّما هي لِأَجلِ الإِرشادِ إلى هذه الحَقيقةِ المَذكُورةِ، وتَلقينِ البُرهانِ الباهِرِ للتَّوحِيدِ، ولِأَجلِ تَعرِيفِنا بخالِقِنا العَظيمِ سُبحانَه.
فقالُوا: شُكرًا لِرَبِّنا الخالِقِ بغَيرِ حَدٍّ، على هذا الدَّرسِ الَّذي هو الحَقيقةُ السّامِيةُ عَينُها، فجَزاكَ اللهُ عنّا خَيرَ الجَزاءِ ورَضِيَ عنك.
— 198 —
قلتُ: إنَّ الإنسانَ ماكِينةٌ حَيَويّةٌ، يَتَألَّمُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ الآلامِ، ويَتَلذَّذُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ اللَّذائذِ، ومع أنَّه في مُنتَهَى العَجزِ، فإنَّ له مِنَ الأَعداءِ ما لا يُحَدُّ، سَواءٌ المادِّيُّونَ أوِ المَعنَوِيُّون؛ ومع أنَّه في غايةِ الفَقرِ فإنَّ له رَغَباتٍ باطِنةً وظاهِرةً لا تُحصَرُ، فهو مَخلُوقٌ مِسكِينٌ يَتَجرَّعُ آلامَ صَفَعاتِ الزَّوالِ والفِراقِ باستِمرارٍ.. ورَغمَ كلِّ هذا، فإنَّه يَجِدُ بانتِسابِه إلى السُّلطانِ ذِي الجَلالِ بالإيمانِ والعُبُوديّةِ، مُستَنَدًا قَوِيًّا، ومُرتَكَزًا عَظيمًا يَحتَمِي به في دَفعِ أعدائِه كافّةً، ويَجِدُ فيه كذلك مَدارَ استِمدادٍ يَستَغِيثُ به لِقَضاءِ حاجاتِه وتَلبِيةِ رَغَباتِه وآمالِه كافّةً، فكَما يَنتَسِبُ كلٌّ إلى سَيِّدِه ويَفخَرُ بشَرَفِ انتِسابِه إلَيه، ويَعتَزُّ بمَكانةِ مَنزِلَتِه لَدَيه، كذلك فإنَّ انتِسابَ الإنسانِ بالإيمانِ إلى القَديرِ الَّذي لا نِهايةَ لِقُدرَتِه، وإلى السُّلطانِ الرَّحيمِ ذِي الرَّحمةِ الواسِعةِ، ودُخُولَه في عُبُودِيَّتِه بالطّاعةِ والشُّكرانِ، يُبَدِّلُ الأَجَلَ والمَوتَ مِنَ الإعدامِ الأَبَدِيِّ إلى تَذكِرةِ مُرُورٍ ورُخصةٍ إلى العالَمِ الباقي!. فلَكُم أن تُقَدِّروا كم يكُونُ هذا الإنسانُ مَتَلَذِّذًا بحَلاوةِ العُبُوديّةِ بينَ يَدَيْ سَيِّدِه، ومُمتَنًّا بالإيمانِ الَّذي يَجِدُه في قَلبِه، وسَعيدًا بأَنوارِ الإسلامِ، ومُفتَخِرًا بسَيِّدِه القَديرِ الرَّحيمِ، شاكِرًا له نِعمةَ الإيمانِ والإسلامِ.
ومِثلَما قُلتُ ذلك لإخواني الطَّلَبةِ، أَقُولُ كذلك للمَسجُونِين:
إنَّ مَن عَرَف اللهَ وأطاعَه سَعيدٌ ولو كان في غَياهِبِ السِّجنِ، ومَن غَفَلَ عنه ونَسِيَه شَقِيٌّ ولو كان في قُصُورٍ مُشَيَّدةٍ.. فلقد صَرَخ مَظلُومٌ ذاتَ يومٍ بوَجهِ الظّالِمِين وهو يَعتَلِي مِنَصّةَ الإعدامِ فَرِحًا جَذِلًا وقائلًا:
إنَّني لا أَنتَهِي إلى الفَناءِ ولا أُعدَمُ، بل أُسَرَّحُ مِن سِجنِ الدُّنيا طَلِيقًا إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ، ولكِنِّي أَراكُم أَنتُم مَحكُومًا علَيكم بالإعدامِ الأَبَديِّ لِأنَّكم تَرَون المَوتَ فَناءً وعَدَمًا، فأنا إذًا قد ثَأَرْتُ لِنَفسِي مِنكم.. فَسَلَّم رُوحَه وهو قَريرُ العَينِ يُردِّدُ: لا إلٰهَ إلَّا اللهُ.
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
٭ ٭ ٭
— 199 —

نكتة توحيدية في لفظ "هو"

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
إخوتي الأَعزَّاءَ الأَوفِياءَ.. لقد شاهَدتُ یی مُشاهَدةً آنِيّةً یی خِلالَ سِياحةٍ فِكريّةٍ خَياليةٍ، لَدَى مُطالَعةِ صَحيفةِ الهَواءِ مِن حيثُ جِهَتُه المادِّيّةُ فقط، نُكتةً تَوحِيديّةً ظَريفةً تَوَلَّدَت مِن لَفظِ "هو" المَوجُودِ في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وفي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ورَأَيتُ فيها أنَّ سَبِيلَ الإيمانِ سَهلٌ ويَسِيرٌ إلى حَدِّ الوُجُوبِ، بَينَما سَبِيلُ الشِّركِ والضَّلالةِ فيه مِنَ المُحالاتِ والمُعضِلاتِ إلى حَدِّ الِامتِناعِ.
سأُبيِّنُ بإشارةٍ في مُنتَهَى الِاختِصارِ تلك النُّكتةَ الظَّريفةَ الواسِعةَ الطَّويلةَ: نعم، إنَّ حَفنةً مِن تُرابٍ، يُمكِنُ أن تكُونَ مَوضِعَ استِنباتِ مِئاتٍ مِنَ النَّباتاتِ المُزهِرةِ إن وُضِعَتْ فيها مُتَعاقِبةً، فإن أُحِيلَ هذا الأَمرُ إلى الطَّبيعةِ والأَسبابِ يَلزَمُ: إمّا أن تكُونَ في تلك الحَفنةِ مِنَ التُّرابِ مِئاتٌ مِنَ المَصانِعِ المُصَغَّرةِ المَعنَويّةِ، بل بعَدَدِ الأَزهارِ؛ أو أنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ تلك الحَفنةِ مِنَ التُّرابِ تَعلَمُ بِناءَ تلك الأَزهارِ المُتَنوِّعةِ وتَركِيبَها بخَصائصِها المُتَنوِّعةِ وأَجهِزَتِها الحَيَويّةِ، أي: لها عِلمٌ مُحِيطٌ وقُدرةٌ مُطلَقةٌ بما يُشبِهُ عِلمَ الإلٰهِ وقُدرَتِه!!
وكذلك الهَواءُ الَّذي هو عَرشٌ مِن عُرُوشِ الأَمرِ والإرادةِ الإلٰهِيّةِ، فلِكُلِّ جُزءٍ مِنه، مِن نَسيمٍ ورِيحٍ، بل حتَّى للهَواءِ المَوجُودِ في جُزءٍ مِن نَفَسِ الإنسانِ الضَّئيلِ عِندَما يَنطِقُ كلمةَ «هو» وَظائفُ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
— 200 —
فلو أُسنِدَت هذه الوَظائفُ إلى الطَّبيعةِ والمُصادَفةِ والأَسبابِ: فإمّا أنَّه (أي: الهَواءُ) يَحمِلُ بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ مَراكزَ بَثٍّ واستِقبالٍ لِجَميعِ ما في العالَمِ مِن أَصواتٍ ومُكالَماتٍ في التِّلِغرافِ والهاتِفِ والمِذْياعِ مع ما لا يُحَدُّ مِن أنواعِ الأَصواتِ للكَلامِ والمُحادَثاتِ، وأن يكُونَ له القُدرةُ على القِيامِ بتلك الوَظائفِ جَميعِها في وقتٍ واحِدٍ؛ أو أنَّ ذلك الجُزءَ مِنَ الهَواءِ المَوجُودِ في كلمةِ «هو» ، وكلَّ جُزءٍ مِن أَجزائِه وكلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِه، لها شَخصِيّاتٌ مَعنَويّةٌ، وقابِلِيّاتٌ بعَدَدِ كلِّ مَن يَتَكلَّمُ بالهَواتِفِ وجَميعِ مَن يَبُثُّ مِنَ البَرقِيّاتِ المُتَنوِّعةِ وجَميعِ مَن يُذِيعُ كَلامًا مِنَ المَذاييعِ، وأن تَعلَمَ لُغاتِهم ولَهَجاتِهم جَميعًا، وتُعَلِّمَه في الوَقتِ نَفسِه إلى الذَّرّاتِ الأُخرَى، وتَنشُرَه وتَبُثَّه؛ حيثُ إنَّ قِسمًا مِن ذلك الوَضعِ مَشهُودٌ أَمامَنا، وأنَّ أَجزاءَ الهَواءِ كُلِّها تَحمِلُ تلك القابِلِيّةَ.. إذًا فلَيسَ هناك مُحالٌ واحِدٌ في طَريقِ الكُفرِ مِنَ المادِّيِّينَ الطَّبِيعيِّين بل مُحالاتٌ واضِحةٌ جَلِيّةٌ ومُعضِلاتٌ وإشكالاتٌ بعَدَدِ ذَرّاتِ الهَواءِ.
ولكِن إن أُسنِدَ الأَمرُ إلى الصّانِعِ الجَليلِ، فإنَّ الهَواءَ يُصبِحُ بجَميعِ ذَرّاتِه جُندِيًّا مُستَعِدًّا لِتَلَقِّي الأَوامِرِ، فعِندَئذٍ تَقُومُ ذَرّاتُه بأَداءِ وَظائفِها الكُلِّيّةِ المُتَنوِّعةِ والَّتي لا تُحَدُّ بإذنِ خالِقِها وبقُوَّتِه وبانتِسابِها واستِنادِها إلَيه سُبحانَه، وبِتَجَلِّي قُدرةِ صانِعِها تَجَلِّيًا آنِيًّا یی بسُرعةِ البَرقِ یی وبسُهُولةِ قِيامِ ذَرّةٍ واحِدةٍ بوَظيفةٍ مِن وَظائفِها وبيُسْرِ تَلَفُّظِ كلمةِ «هو» وتَمَوُّجِ الهَواءِ فيها.. أي: يكُونُ الهَواءُ صَحيفةً واسِعةً للكِتاباتِ المُنَسَّقةِ البَديعةِ الَّتي لا تُحصَرُ لِقَلَمِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وتكُونُ ذَرّاتُه بِداياتِ ذلك القَلمِ، وتُصبِحُ وَظائفُ الذَّرّاتِ كذلك نِقاطَ قَلَمِ القَدَرِ، لذا يكُونُ الأَمرُ سَهلًا كسُهُولةِ حَرَكةِ ذَرّةٍ واحِدةٍ.
رَأَيتُ هذه الحَقيقةَ بوُضُوحٍ تامٍّ وبتَفصيلٍ كامِلٍ وبعَينِ اليَقينِ عِندَما كُنتُ أُشاهِدُ عالَمَ الهَواءِ، وأُطالِعُ صَحِيفَتَه في سِياحَتِي الفِكرِيّةِ وتَأَمُّلي في لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وعَلِمتُ بعِلمِ اليَقينِ أنَّ في الهَواءِ المَوجُودِ في لَفظِ «هو» بُرهانًا ساطِعًا للوَحدانيّةِ مِثلَما أنَّ في مَعناه وفي إشارَتِه تَجَلِّيًا للأَحَديّةِ في غايةِ النُّورانيّةِ وحُجّةً تَوحِيدِيّةً في غايةِ القُوّةِ، حيثُ فيها قَرِينةُ الإِشارةِ المُطلَقةِ المُبهَمةِ لِضَميرِ «هو» ، أي:
— 201 —
إلى مَن يَعُودُ؟ فعَرَفتُ عِندَئذٍ لِماذا يُكَرِّرُ القُرآنُ الكَريمُ وأَهلُ الذِّكرِ هذه الكَلِمةَ عندَ مَقامِ التَّوحيدِ.
نعم، لو أَرادَ شَخصٌ أن يَضَعَ عِدّةَ نِقاطٍ مُعَيَّنةً یی مثلًا یی على وَرَقةٍ بَيضاءَ بحَجْمِ نُقطةٍ واحِدةٍ، لَكان الأَمرُ مُشكِلًا؛ ولو طُلِبَ مِن أَحَدٍ القِيامُ بوَظائِفَ عِدّةٍ في آنٍ واحِدٍ، لَاختَلَط علَيه الأَمرُ؛ ولو حُمِّلَ كائِنٌ صَغِيرٌ أَعباءً ثَقِيلةً، فإنَّه يَرزَحُ تَحتَها.. ويُفتَرَضُ أيضًا أن يَختَلِطَ النِّظامُ ويَتَبعثَرَ عِندَ خُرُوجِ كَلِماتٍ كَثيرةٍ في وَقتٍ واحِدٍ مِنَ الفَمِ ودُخُولِها الأُذُنَ معًا..
ولكنِّي شاهَدتُ بعَينِ اليَقينِ، وبدَلالةِ لَفظِ «هو» ، هذا الَّذي أَصبَح مِفتاحًا وبمَثابةِ بُوصِلةٍ، أنَّ نِقاطًا مُختَلِفةً تُعَدُّ بالأُلُوفِ وحُرُوفًا وكَلِماتٍ تُوضَعُ یی أو يُمكِنُ أن تُوضَعَ یی على كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الهَواءِ الَّذي أَسِيحُ فيه فِكرًا، بل يُمكِنُ أن تُوضَعَ كلُّها على عاتِقِ ذَرّةٍ واحِدةٍ مِن دُونِ أن يَحدُثَ اختِلاطٌ أو تَشابُكٌ أو يَنفَسِخَ النِّظامُ، عِلمًا أنَّ تلك الذَّرّةَ تقُومُ بوَظائفَ أُخرَى كَثيرةً جدًّا في الوَقتِ نَفسِه، فلا يَلتَبِسُ علَيها شيءٌ، وتَحمِلُ أَثقالًا هائلةً جدًّا مِن دُونِ أن تُبدِيَ ضَعفًا أو تَكاسُلًا، فلا نَراها قاصِرةً عن أَداءِ وَظائفِها المُتَنوِّعةِ واحتِفاظِها بالنِّظامِ؛ إذ تَرِدُ إلى تلك الذَّرّاتِ أُلُوفُ الأُلُوفِ مِنَ الكَلِماتِ المُختَلِفةِ في أَنماطٍ مُختَلِفةٍ وأَصواتٍ مُختَلِفةٍ، وتَخرُجُ مِنها أيضًا في غايةِ النِّظامِ مِثلَما دَخَلَت، دُونَ اختِلاطٍ أوِ امتِزاجٍ ودُونَ أن تُفسِدَ إحداها الأُخرَى؛ فكأنَّ تلك الذَّرّاتِ تَملِكُ آذانًا صاغِيةً صَغيرةً على قِياسِها، وأَلسِنةً دَقيقةً تُناسِبُها فتَدخُلُ تلك الكَلِماتُ تلك الآذانَ وتَخرُجُ مِن أَلسِنَتِها الصَّغِيرةِ تلك.. فمع كلِّ هذه الأُمُورِ العَجيبةِ فإنَّ كلَّ ذَرّةٍ یی وكلَّ جُزءٍ مِنَ الهَواءِ یی تَتَجوَّلُ بحُرِّيّةٍ تامّةٍ ذاكِرةً خالِقَها بلِسانِ الحالِ وفي نَشوةِ الجَذْبِ والوَجْدِ قائلةً: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بلِسانِ الحَقيقةِ المَذكُورةِ آنِفًا وشَهادَتِها.
وحِينَما تَحدُثُ العَواصِفُ القَوِيّةُ وتُدَوِّي أَهازِيجُ الرَّعدِ، ويَتَلَمَّعُ الفَضاءُ بسَنَا البَرقِ، يَتَحوَّلُ الهَواءُ إلى أَمواجٍ ضَخمةٍ مُتَلاطِمةٍ، بَيْدَ أنَّ الذَّرّاتِ لا تَفقِدُ نِظامَها ولا
— 202 —
تَتَعثَّیرُ في أَداءِ وَظائفِها، فلا يَمنَعُها شُغُلٌ عن شُغُلٍ... هكذا شاهَدتُ هذه الحَقيقةَ بعَينِ اليَقينِ، إذًا.. فإمّا أن تكُونَ كلُّ ذَرّةٍ یی وكلُّ جُزءٍ مِنَ الهَواءِ یی صاحِبةَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكمةٍ مُطلَقةٍ وإرادةٍ مُطلَقةٍ وقُوّةٍ مُطلَقةٍ وقُدرةٍ مُطلَقةٍ وهَيمَنةٍ كامِلةٍ على جَميع الذَّرّاتِ.. كي تَتَمكَّنَ مِنَ القِيامِ بأَداءِ هذه الوَظائفِ المُتَنوِّعةِ على وَجهِها.. وما هذا إلَّا مُحالاتٌ ومُحالاتٌ بعَدَدِ الذَّرّاتِ وباطِلٌ بُطلانًا مُطلَقًا. بل حتَّى لا يَذكُرُه أيُّ شَيطانٍ كان..
لذا فإنَّ البَداهةَ تَقتَضي یی بل هو بحَقِّ اليقينِ وعينِ اليقينِ وعِلمِ اليقينِ یی أنَّ صَحيفةَ الهَواءِ هذه إنَّما هي صَحيفةٌ مُتَبدِّلةٌ يَكتُبُ الخالِقُ فيها بعِلمِه المُطلَقِ ما يَشاءُ بقَلَمِ قُدرَتِه وقَدَرِه الَّذي يُحَرِّكُه بحِكمَتِه المُطلَقةِ، وهي بمَثابةِ لَوحةِ مَحْوٍ وإثباتٍ في عالَمِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ للشُّؤُونِ المُسَطَّرةِ في اللَّوحِ المَحفُوظِ.
فكما أنَّ الهَواءَ يَدُلُّ على تَجَلِّي الوَحدانيّةِ بهذه الأُمُورِ العَجِيبةِ المَذكُورةِ آنِفًا، وذلك لَدَى أَداءِ وَظيفةٍ واحِدةٍ مِن وَظائفِه یی أيِ: الهَواءِ یی وهي نَقلُ الأَصواتِ، ويُبيِّنُ في الوَقتِ نَفسِه بَيانًا واضِحًا مُحالاتِ الضَّلالةِ الَّتي لا تُحصَرُ، كذلك فهو يقُومُ بوَظائفَ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ وفي غايةِ النِّظامِ، ومِن دُونِ اختِلاطٍ أو تَشابُكٍ أو الْتِباسٍ كنَقلِ المَوادِّ اللَّطيفةِ مِثلَ الكَهرَباءِ والجاذِبيّةِ والدّافِعةِ والضَّوءِ.. وفي الوَقتِ نَفسِه يَدخُلُ إلى مَداخِلِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ بالتَّنفُّسِ مُؤدِّيًا هناك مُهِمّاتِه الحَياتيّةَ بإتقانٍ، وفي الوقتِ عَينِه يقُومُ بنَقلِ حُبُوبِ اللِّقاحِ یی أي: وظيفةِ تَلقيحِ النَّباتاتِ یی وهكذا أَمثالَ هذه الوَظائفِ الأَساسيّةِ لإدامةِ الحَياةِ؛ مِمّا يُثبِتُ يَقينًا أنَّ الهَواءَ عَرشٌ عَظيمٌ يَأتَمِرُ بالأَمرِ الإلٰهِيِّ وإرادَتِه الجَليلةِ، ويُثبِتُ أيضًا بعَينِ اليقينِ أنْ لا احتِمالَ قَطعًا لِتَدَخُّلِ المُصادَفةِ العَشواءِ والأَسبابِ السّائبةِ التّائهةِ والمَوادِّ العاجِزةِ الجامِدةِ الجاهِلةِ في الكِتابةِ البَديعةِ لهذه الصَّحيفةِ الهَوائيّةِ وفي أَداءِ وَظائفِها الدَّقيقةِ.. فاقْتَنَعْتُ بهذا اقْتِناعًا تامًّا بعَينِ اليقينِ وعَرَفتُ أنَّ كلَّ ذَرّةٍ وكلَّ جُزءٍ مِنَ الهَواءِ تقُولُ بلِسانِ حالِها: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
— 203 —
ومِثلَما شاهَدتُ هذه الأُمُورَ العَجيبةَ في الجِهةِ المادِّيّةِ مِنَ الهَواءِ بهذا المِفتاحِ یی أَعني مِفتاحَ «هو» یی فعُنصُرُ الهَواءِ برُمَّتِه أَصبَح أيضًا كلَفظِ «هو» مِفتاحًا لعالَمِ المِثالِ وعالَمِ المَعنَى؛ إذ قد عَلِمتُ أنَّ عالَمَ المِثالِ كآلةِ تَصويرٍ عَظيمةٍ جدًّا، تَلتَقِطُ صُوَرًا لا تُعَدُّ ولا تُحصَى للحَوادِثِ الجارِيةِ في الدُّنيا، تَلتَقِطُها في آنٍ واحِدٍ بلا اختِلاطٍ ولا الْتِباسٍ، حتَّى غَدا هذا العالَمُ يَضُمُّ مَشاهِدَ عَظيمةً وواسِعةً أُخرَوِيّةً تَسَعُ أُلُوفَ أُلُوفِ الدُّنَى، تَعرِضُ أَوضاعَ حالاتٍ فانِيةٍ لِمَوجُوداتٍ فانِيةٍ، وتُظهِرُ ثِمارَ حَياتِها العابرةِ في مَشاهِدَ ولَوحاتٍ خالدةٍ تُعرَضُ أَمامَ أَصحابِ الجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ في مَعارِضَ سَرمَدِيّةٍ، مُذَكِّرةً إيّاهم بحَوادِثِ الدُّنيا وذِكرَياتِهمُ الجَميلةِ الماضِيةِ فيها.
فالحُجّةُ القاطِعةُ على وُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظِ وعالَمِ المِثالِ ونَمُوذَجُها المُصَغَّرُ هو ما في رَأسِ الإنسانِ مِن قُوّةٍ حافِظةٍ وما يَملِكُ مِن قُوّةِ خَيالٍ، فمع أنَّهما لا تَشغَلانِ حَجمَ حَبّةٍ مِن خَردَلٍ إلَّا أنَّهما تَقُومانِ بوَظائفِهما على أَتَمِّ وَجهٍ بلا اختِلاطٍ ولا الْتِباسٍ، وفي انتِظامٍ كاملٍ وإتقانٍ تامٍّ، حتَّى كأنَّهما يَحتَفِظانِ بمَكتَبةٍ ضَخمةٍ جدًّا مِنَ المَعلُوماتِ والوَثائقِ.. مِمّا يُثبِتُ لنا أن تَينِكَ القُوَّتَينِ نَمُوذَجانِ للَّوحِ المَحفُوظِ وعالَمِ المِثالِ.
وهكذا، لقد عُلِمَ بعِلمِ اليقينِ القاطِعِ أنَّ الهَواءَ والماءَ ولا سِيَّما سائلَ النُّطَفِ، واللَّذانِ يَفُوقانِ التُّرابَ في الدَّلالةِ على اللهِ یی الَّذي أَورَدْناه في مُستَهَلِّ البَحثِ یی صَحِيفَتانِ واسِعَتانِ يَكتُبُ فيهما قَلَمُ القَدَرِ والحِكمةِ كِتابةً حَكيمةً بَلِيغةً، ويُجرِيانِ فيهما الإرادةَ وقَلَمَ القَدَرِ والقُدرةِ؛ وأنَّ مُداخَلةَ المُصادَفةِ العَشْواءِ والقُوّةِ العَمْياءِ والطَّبيعةِ الصَّمّاءِ والأَسبابِ التّائهةِ الجامِدةِ في تلك الكِتابةِ الحَكِيمةِ مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ وغيرُ مُمكِنٍ قَطعًا.
أَلفُ أَلفِ تَحيّةٍ وسَلامٍ إلى الجَميعِ.
٭ ٭ ٭