— 703 —
المَقصَدُ الثّاني
يَخُصُّ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ
يعن سَل إلى ذَرّةٍ مِن خَزِينةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ حِدةٌ،وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
يُبيِّنُ هذا المَقصَدُ مِثقالَ ذَرَّّأْثيَ الخَزِينةِ العُظمَى لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، أي: يُبيِّنُ الجَوْهرَ الَّذي تَنطَوِي علَيه صُنَيدِيقةُ الذَّرّةِ، ويَتَناوَلُ جُزءًا ضَئِيلًا جِدًّا مِن حَرَكةِ الذَّرّةِ ووَظِيفَتِها؛ وذلك ففًا لمطٍ ثَلاثٍ معَ مُقدِّمةٍ.
المُقدِّمة
إنَّ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ وجَوَلانَها عِبارةٌ عنِ اهتِزازاتِ الذَّرّاتِ وتَنَقُّلِها في أَثناءِ كِتابةِ قَلالمُنَقُدرةِ الإلٰهِيّةِ للآياتِ التَّیكوِينيّةِ في كِتابِ الكَونِ؛ فهي لَيسَت كما يَتَوهَّمُه المادِّيُّون والطَّبِيعيُّون مِن أنَّها أُلعُوبةُ المُصادَفةِ في حَرَكةٍ عَشْوختَلِف لا مَعنَى لها ولا مَغزَى، ذلك لأنَّ كلَّ ذَرّةٍ، وكلَّ الذَّرّاتِ تقُولُ في مَبدَأِ حَرَكَتِها: "بِاسمِ اللهِ" یی كما تقُولُه جَمِيعُ المَوجُوداتِ یی حيثُ إنَّها تَحمِلُ أَثقالًا هائِلةً تَفُوقورُتَبيرًا طاقَتَها المُتَناهِيةَ، كحَمْلِ بِذْرةِ الصَّنَوبَرِ على أَكتافِها شَجَرَتَها الضَّخمةَ، ثمَّ عندَ انتِهاءِ وَظِيفَتِها تقُولُ: "الحَمدُ للهِ" حيثُ إنَّها أَظهَرَسكُتَ رًا بَدِيعًا، كأنَّه يُنشِدُ قَصِيدةً رائِعةً في الثَّناء على الصّانِعِ الجَلِيلِ، لِما فيه مِن جَمالِ الإتقانِ الحَكِيمِ، ورَوعةِ صُورةٍ تَنِمُّ عن مَغزًى عَمِيقٍ تَتَحيَّیرُ مِنه العُقُولُ.. فإن شِئتَ فانظُرْ بإن؟ ما الى الرُّمّانِ والذُّرَةِ.
— 704 —
نعم، إنَّ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ وتَنَقُّلاتِها، عِبارةٌ عن حَرَكاتٍ واهتِزازاتٍ ذاتِ مَغزًى عَمِيقٍ، ناشِئةٍ مِن كِتابةِ كَلِماتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ ومَحْوِ تلك الكَلِماتِ في لَوالكَثلمَحْوِ والإثباتِ" الَّذي هو حَقِيقةُ الزَّمانِ السَّيّالِ وصَحِيفَتُه المِثاليّةُ، استِنساخًا مِنَ الكِتابِ المُبِينِ الَّذي هو عُنوانٌ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ والإِرادةِ الرَّبّانيّةِ، ومِحْوَرُ التَّصَرّ قد بَ إيجادِ الأَشياءِ وتَشكِيلِها مِن عالَمِ الشَّهادةِ والزَّمانِ الحاضِرِ، وَفْقًا لِدَساتيرِ الإمامِ المُبِينِ الَّذي هو جِماعُ مُقَوِّماتِ الأَشياءِ في أُصُولِها وفُرُوعِها یی أي: أَصلُ كلِّ شَيءٍ مَضَى وكلِّ نَسْلٍ آتٍ یی الَّتأسِ، ثها الغَيبُ، معَ مُمَيِّزاتِها، وعُنوانٌ لِعِلمِ اللهِ وأَمرِه.
(حاشية): لقد ذُكِر في القرآنِ: "إمامٍ مُبينٍ" و"كتابٍ مُبينٍ" في عِدّةِ مَواضِعَ. وقال قسمٌ من المُفسِّرين: إنهما بمعنًى لِاطمِ. وقال آخَرون: معناهما مُختلِف. وفسَّروا حقيقَتَهما بوُجُوهٍ مُتَضارِبة. وخلاصةُ ما قالوه: أنهما عُنوانان للعِلمِ الإلٰهِيِّ. ولقد حَصَل لي الِاطمئنانُ التامُّ والقناعةُ التامّةلَّذي ِ القرآن الكريم أنَّ: "الإمامَ المُبِينَ" عنوانٌ لنوعٍ من العلمِ الإلٰهِيِّ وأَمرِه، بحيث يَتَوجَّهُ إلى عالَمِ الغَيبِ أكثرَ ممّا يَتَوجَّهُ إلى عالَمِ الشَّهادة. أيٍ زاهِه يَتَوجَّه إلى المَاضِي والمُستَقبَل أكثرَ مِن تَوَجُّهِه إلى الحَال والزَّمَن الحَاضِر. وبِعبارةٍ أُخرى: إنَّه سِجِلٌّ للقَدَر الإلٰهِيِّ يَنظُر إلى أصلِ كلِّ شيءٍ وإلى نَسْلِه، إلمُشرِّوقِه وإلى بُذُورِه، أكثرَ ممّا يَنظُر إلى وُجُودِه الظّاهِريّ. وقد أُثبِت وُجُودُ هذا السِّجِلِّ في "الكَلِمَة السَّادِسة والعِشرِين" وفي "حَاشِية الكَلِمَة العَاشِرة". نعم، إنَّ هذا الإمامَ المُبِينَ عُنوانٌ لنَوعٍ مِن عِلمِ اللهِ وَانَهُ، وهذا يعني: أنَّ إنتاجَ مَبادِئِ الأشياءِ وجُذُورِها وأُصُولِها، للأشياء، في غايةِ الإبداعِ والإتقانِ، يَدُلُّ على أن ذلك التَّنظيمَ والإتقان إنَّما يَتِمّانِ وَفْقَ ستَّنفّ دَساتيرَ للعِلمِ الإلٰهِيِّ. كما أنَّ نتائِجَ الأشياء وأَنسالَها وبُذُورَها، سِجِلٌّ صغيرٌ للأَوامِرِ الإلٰهِيّةِ لكَونِها تتضمَّنُ بَرامِجَ ما سيأتي مِنَ المَوجُودات وفهارِسَه، فيَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ البِذرةَ یی مثلًا یی عبارةِ، قَوَرامِجَ وفَهارسَ مُجَسَّمةٍ مُصَغَّرةٍ لجميعِ ما يُنَظِّم تركيبَ الشَّجرة الضَّخمة، وللأَوَامِر التَكوِينيّة التي تُعَيِّنُ تلك التَّصاميمَ والفَهارِسَ وتُحَدِّدُها.
الحانِ الكَّ "الإمامَ المُبِينَ" هو في حُكمِ فِهْرِسِ وبَرنامَجِ شجرةِ الخَلْقِ، المُمتَدّةِ عُرُوقُها وأغصانُها وفروعُها حولَ الماضي والمُستقبَلِ وعالَمِ الغَيبِ. فی"الإمامُ المُبِينُ" بهذا المعنى سِجِلّ للقَدَرِ الإلٰهِيتِ المُرّاسُ دَساتيرِه. والذَّرّاتُ تُساقُ إلى حَرَكاتِها ووَظائفِها في الأشياءِ بإملاءٍ مِن تلك الدَّساتيرِ وبحُكْمِها. أمّا "الكِتابُ المُبِينُ" فهو يَتَوجَّه إلى عالَمِ الشَّهادة أكثرَ مِن تَوَجُّهِه إلى عالَمِ الغَيبِ، أَ الظّظُرُ إلى الزَّمانِ الحاضر أكثرَ ممّا يَنظُرُ إلى المَاضِي والمُستقبَل. فهو عنوانٌ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ والإرادةِ الرَّبّانيّةِ، وسِجِلٌّ لهما وكتابٌ، أكثرَ مِمَّا هو عُنوانٌ لِعِلمِ اللهِ وأَمرِه. وبتعبيرٍ آخَرَ: إَغَّرٌذا كان "الإمامُ المُبِينُ" سِجِلًّا للقَدَر الإلٰهِيِّ فی"الكتابُ المُبِينُ" سِجِلٌّ للقُدرةِ الإلٰهِيّة. أي: إنَّ الِانتِظامَ والإتقان في كلِّ شيءٍ، سواءٌ في وُجُودِه، في هُوِيَّتِه، في صِفاتِه، في شُؤُونِه يَدُلّانِ على أن الوُجُودَ ي هُم تلى الشَّيءِ وتُعيَّنُ له صُوَرُه، ويُشَخَّصُ مِقدارُه، ويُعطَى له شَكلُه الخاصُّ، بدَساتيرِ قُدرةٍ كاملةٍ وقَوانينِ إرادةٍ نافِذةٍ. فتلك القُد الْعَإلٰهِيّةُ والإرَادة الإلٰهِيّةُ إذًا لهما قَوانينُ كُلِّيّةٌ وعُمُوميّةٌ مَحفُوظةٌ في سِجِلٍّ عظيمٍ، بحيثُ يُفصَّلُ ويُخاطُ ثَوبُ أَنماطِ الوُجُودِ الخاصِّ لكُلِّ شيءٍ ويُلبَسُ عليه ويُعطَى له صُوَرُه المَخصُوصةُ، وَفَلُ:لك القَوانينِ. وقد أُثبِت وُجُودُ هذا السِّجلِّ في رسالةِ "القَدَرُ الإلٰهِيُّ والجُزءُ الاختيارِيُّ" كما أُثبِت فيها "الإمامُ المُبِينُ".
فانظُر إلى حَماقةِ الفَتِسابِِ وأربابِ الضَّلالة والغَفلة! فلقد شَعَرُوا بوُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظ للقُدرةِ الإلٰهِيّة الفَاطِرة، وأَحَسُّوا بمَظاهِر ذَلك الكِتابِ البَصيرِ للحِكمةِ الرَّبّانيّة، والإرَادةِ الإلٰهِيّةِ النّافِذةِ في الأشياء، ولَمَسُوا صُوَرَه ونََطِيف،ه، إلّا أنَّهم أَطلَقوا عليه اسمَ "الطَّبيعة" یی حاشَ لله یی فأَخمَدُوا نُورَه.
وهكذا، بإملاءٍ مِن الإمامِ المُبِينِ، أي: بحُكمِ القَدَر الإلٰهِيِّ ودُستُمانٍ ملنّافِذ، تَكتُبُ القُدرةُ الإلٰهِيّةُ یی في إيجادِها یی سِلسِلةَ المَوجُوداتِ التي كلٌّ مِنها آيةٌ، وتُوجِد وتُحَرِّكُ الذَّرّاتِ في لَوحِ "المَحْوِ والإثباتِ" الَّذي هو الصَّحِيفةُ المِثاليةُ للزَّمان.
أيذِيقُ حَرَكاتِ الذَّرّاتِ إنَّما هي اهتِزازاتٌ وحَرَكاتٌ في أثناءِ عُبُورِ المَوجُوداتِ، مِن تلك الكِتابةِ، ومِن ذلك الِاستِنساخِ، ومِن عالَمِ الغَيبِ، إلى عالَمِ الشَّهادة، أناوِين العِلمِ إلى القُدرةِ. أمّا "لَوحُ المَحْوِ والإثباتِ" فهو سِجِلٌّ مُتَبدِّلٌ للَّوحِ المَحفُوظِ الأَعظمِ الثّابتِ الدّائمِ، ولَوحةُ "كتابةٍ ومَحْوٍ" في ُحَبِّ المُمكِناتِ، أي: هو سِجِلٌّ للأشياءِ المُعرَّضةِ دَومًا إلى المَوتِ والحياةِ، إلى الفَناءِ والوُجُودِ. بحيث إنَّ حقيقةَ الزَّمان هو هذا. نعم، فكما أنَّ لكلِّ شيءٍ حَقيقةً، فحقيقةُ ماَنِ الِيه بالزَّمان الذي يَجرِي جَرَيانَ النَّهرِ العظيمِ في الكَونِ هي في حُكمِ صَحِيفةٍ ومِدادٍ لكِتاباتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ في لَوحِ المَحْوِ والإثباتِ. ولا يَعلَمُ الغَيبَ إلّا اللهُ.
— 705 —
النْقِ أَالأولى
وهي مَبحَثَان
المَبحثُ الأوَّل:
إنَّ في حَرَكةِ كلِّ ذَرّةٍ وفي سُكُونِها يَتَلمَّعُ نُورانِ للتَّوحيدِ، كأنَّهما شَمسانِ ساطِعَتانِ. ولقد أَثبَتْنا بيَقِينٍ إثباتًا مُجمَلًا في الإشارةِ الأُولَلِ تلَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" وفَصَّلْناه في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" أنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ إن لم تكُن مَأْمُورةً بأَوامِرِ اللهِ تَعالَى، وإن لم تَتَحرَّكْ علَمْ وفِعلِه، وإن لم تَتَحوَّلْ بعِلمِه وقُدرَتِه، فلا بُدَّ أن يكُونَ لكُلِّ ذَرّةٍ عِلمٌ لا نِهايةَ له، وقُدرةٌ لا حَدَّ لها، وبَصَرٌ يَرَى كلَّ شيءٍ، ووَجهٌ يَتَوجَّهُ إلى كلِّ شيءٍ، وأَمرٌ نافِذٌ في كلِّ شيءٍ.
— 706 —
لأنَّ كلَّ ذَرّةضًا. أذَرّاتِ العَناصِرِ، تَعمَلُ یی أو يُمكِنُ أن تَعمَلَ یی عَمَلًا مُنتَظِمًا في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ، عِلْمًا أنَّ أَنظِمةَ الأَشياءِ وقَوانِينَ تَراكِيبِها مُخاليَستَحضُها بعضًا، ولا يُمكِنُ عَمَلُ شيءٍ ما لم تُعلَمْ أَنظِمَتُه، وحتَّى لو قامَتِ الذَّرّةُ بعَمَلٍ فلا يَخلُو مِن خَطَأٍ. والحالُ أنَّ الأَعمالَ تُنجَزُ مِن دُونِ خَطَأٍ. فإذًا إمّا أنَّ تلك الذَّرّاتِ العامِلةَ تَعمَلُنَ أن أَوامِرِ مَن يَملِكُ عِلمًا مُحِيطًا بكلِّ شيءٍ، وبإذنِه، وبعِلمِه، وبإرادَتِه.. أو يَنبَغي أن يكُونَ لها مِثلُ ذلك العِلمِ المُحِيطِ والقُدرةِتَّى الَقةِ!
ثمَّ إنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَواءِ، تَستَطِيعُ أن تَدخُلَ في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ، وفي ثَمَرةِ كلِّ زَهرةٍ، وفي بِناءِ كلِّ وَرَقةٍ، وتَعمَلَ في كلٍّ مِنها؛ عِلْمًا أنَّ بِناءَ كلٍّ مِنها يُخالِفُ الآخَرَ ونِظامَه يُبايِالجَماخَرَ، فلو كان مَعمَلُ ثَمَرةِ التِّينِ یی مَثلًا یی شَبِيهًا بمَعمَلِ النَّسِيجِ، لَكانَ مَعمَلُ ثَمَرةِ الرُّمَّانِ شَبِيهًا بمَعمَلِ السُّكَّرِ. فتَصامِيمُ كلٍّ مِنهُما، وبِناءُ كلٍّ مِنهُما مُخالِفٌ للآخَرِ.
فهذه الذَّرّا العُمَوائيّةُ تَدخُلُ في كلٍّ مِنها یی أو تَستَطِيعُ الدُّخُولَ یی وتَعمَلُ بمَهارةٍ فائِقةٍ وبحِكمةٍ تامّةٍ، وتَتَّخِذُ فيها أَوْضاعًا مُعَيَّنةً، ثمَّ حالَما تَنتَهِي وَظِيفَتُها تَتْالعَدا ماضِيةً إلى شَأْنِها.
وهكذا، فالذَّرّةُ المُتَحرِّكةُ في الهَواءِ المُتَحرِّكِ: إمّا أنَّها تَعلَمُ الصُّوَرَ الَّتي أُلبِسَتْ علىًا لِأَواناتِ والنَّباتاتِ، وعلى ثَمَراتِها وأَزاهِيرِها، وتَعلَمُ أيضًا مَقادِيرَ كلٍّ مِنها وأَنماطَ تَصامِيمِها! أو أنَّ تلك الذَّرّةَ مَأْمُورةٌ بأَمرِ مَها خُلَمُ ذلك كُلَّه وعامِلةٌ بإرادَتِه.
وكذا كلُّ ذَرّةٍ ساكِنةٍ في التُّرابِ السّاكِنِ الهادِئِ، فهي مُتَهيِّئةٌ لِتَكُونَ مَنبَتًا لِجَمِيعِ بُذُورِ النَّباتاتِ المُزهِرةِ والأَشجارِ المُثمِرةِ؛ إذ لو ك الطَّتْ تلك البُذُورُ في حَفْنةِ تُرابٍ یی المُتَیكوِّنةِ مِن ذَرّاتٍ مُتَماثِلةٍ كأنَّها ذَرّةٌ واحِدةٌ یی فإمّا أنَّها تَجِدُ مَصْنَعًا خاصًّا بها، معَ ما يَحتاجُه بِناؤُها مِن لَوازِمَ ومُعَدّاتٍ، أي: أا أَخِنَ في تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ مَعامِلُ مَعنَوِيّةٌ دَقِيقةٌ عَدِيدةٌ، عَدَدَ أَنواعِ النَّباتاتِ والأَشجارِ والأَثمارِ.! أو أن يكُونَ هناك عِلَّلْناِعٌ وقُدرةٌ مُحِيطةٌ بكُلِّ شيءٍ، تُبدِعُ كلَّ شَيءٍ مِنَ العَدَمِ.. أو أنَّ تلك الأَعمالَ إنَّما تَتِمُّ بحَولِ وقُوّةِ اللهِ القَدِيرِ على كلِّ شيءٍ والعَلِيمِ بكلِّ شيءٍ.
— 707 —
لو سافَرَ شَخصٌ إلىالحُوروبّا، وهو جاهِلٌ بوَسائلِ الحَضارةِ جَهْلًا مُطْبِقًا، وعَلاوةً على ذلك فهو أَعمَى لا يُبصِرُ، ولو دَخَل هناك إلى جَمِيعِ المَعامِلِ والمرةِ الِ، وأَنجَزَ أَعمالًا بَدِيعةً في كلِّ صُنُوفِ الصِّناعةِ وفي أَنواعِ الأَبنِيةِ، بانتِظامٍ كامِلٍ وحِكمةٍ فائِقةٍ ومَهارةٍ بارِعةٍ تَحَيَّیرَت مِنها العُقُولُ.. فلا شَكَّ أنَّ مَن له ذَرّةٌ مها نحنشُّعُورِ يَعرِفُ يَقِينًا أنَّ ذلك الرَّجُلَ لا يَعمَلُ ما يَعمَلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه، بل هناك أُستاذٌ عَلِيمٌ يُلَقِّنُه ويَستَخدِمُه.
وأَيضًا لو كانُرُوفُ عاجِزٌ، أَعمَى، مُقعَدٌ، قابعٌ في كُوخِه الصَّغِيرِ، لا يُحرِّكُ ساكِنًا؛ أُدخِلَ علَيه قَليلٌ مِن حَصْوٍ، وقِطَعٌ مِن عَظْمٍ، وشيءٌ يَسِيرٌ مِن قُطْنٍ، وإذا بمْأَنُِ الصَّغِيرِ تَصدُرُ مِنه أَطنانٌ مِنَ السُّكَّرِ، وأَطوالٌ مِنَ النَّسِيجِ، وآلافٌ مِن قِطَعِ الجَواهِرِ، معَ مَلابِسَ في أَبْهَى زِينةٍ وأَفخَرِ نَوعٍ، معَ أَطعِمةٍ طَيِّبةٍ في مُنتَهَى اللَّذّةِ.. أفلا يقُولُ مَن له ذَرّةٌ مِنسخِيرَقلِ: إنَّ ذلك الأَعمَى المُقعَدَ ما هو إلّا حارِسٌ ضَعِيفٌ لِمَصنَعٍ مُعجِزٍ، وخادِمٌ لَدَى صاحِبِه ذِي المُعجِزاتِ؟
كذلك الأَمرُ في حَرَكاتِ أي: إنِ الهَواءِ ووَظائفِها في النَّباتاتِ والأَشجارِ والأَزهارِ والأَثمارِ، الَّتي كُلٌّ مِنها كِتابةٌ إلٰهِيّةٌ صَمَدانيّةٌ، ورائِعةٌ مِن رَوائِعِ الصَّنْعةِ الرَّبّانيّةِ، ومُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وخارِوضاعُ ن خَوارِقِ الحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ؛ فلا تَتَحرَّكُ تلك الذَّرّاتُ ولا تَنتَقِلُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ إلّا بأَمْرِ الصّانِعِ الحَكِيمِ ذِي الجَلالِ وبإرادةِ الفاطِرِ الكَرِيمِ ذِيِجِلِّالِ.
وقِسْ على هذا ذَرّاتِ التُّرابِ الَّذي هو مَنبَتٌ لِسَنابِلِ البُذُورِ والنُّوَى، الَّتي كلٌّ مِنها في حُكْمِ ماكِنةٍ عَجِيبةٍ تَختَلِفُ عنِ الأُخرَى، ومَطبَعةٍ مُغايِرةٍ للأُخرَى، وخَزِينةٍ مُتَبايِنةٍ عنِ الأُخرَى، ولَوحةِ إعليةٍ تُعلِنُ أَسماءَ اللهِ الحُسنَى مُتَميِّزةً عنِ الأُخرَى، وقَصِيدةٍ عَصْماءَ تُثنِي على كَمالاتِه جَلَّ وعَلا. ولا شَكَّ أنَّ هذه البُذُورَ البَدِيعةَ ما أَصبَحَت مَنشَأً لتلك الأَشجارِ ن هذه باتاتِ إلّا بأَمرِ اللهِ المالِكِ لِأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ،وكلُّ شيءٍ مُسَخَّرٌ لِأَمرِه، ولا يَعمَلُ إلّا بإذنِه وإرادَتِه وقُوَّتِه.. وهذا يَقِينٌ وثابِتٌ قَطْعًا.. آمَنّا.
#70رُ شاهلمَبحثُ الثاني:
هذا المَبحَثُ عِبارةٌ عن إشارةٍ بَسِيطةٍ إلى ما في حَرَكاتِ الذَّرّاتِ مِن وَظائِفَ وحِكَمٍ.
إنَّ المادِّيِّين الَیبَوِانحَدَرَت عُقُولُهم إلى عُيُونِهم، فلا يَرَوْن إلّا المادّةَ، يَرَوْن بحِكْمَتِهمُ الخاليةِ مِنَ الحِكمةِ وبفَلسَفَتِهمُ المَبنِيّةِ على أَساسِ العَبَثِ في الوُجُودِ، أنَّ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ مَربُوكامِلِلمُصادَفةِ. حتَّى اتَّخَذُوها قاعِدةً مُقَرَّرةً لِدَساتيرِهم كُلِّها، جاعِلِين مِنها مَصدَرَ إيجادٍ للمَخلُوقاتِ الرَّبّانيّةِ!
فالَّذي يَمنُورانَرّةً مِنَ الشُّعُورِ يَعلَمُ يَقِينًا مَدَى بُعدِهم عن مَنطِقِ العَقلِ، في إسنادِهم هذه المَخلُوقاتِ المُزدانةِ بحِكَمٍ غَزِيرةٍ، إلى شيءٍقد خَللِطٍ عَشْوائيٍّ لا حِكْمةَ فيه ولا مَعنَى.
أمّا المَنظُورُ القُرآنِيُّ وحِكْمَتُه، فإنَّه يَرَى أنَّ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ لها حِكَمٌ كَثِيرةٌ جِدًّا وغاياتٌ لا تُحصَى ووَظايَذكُرا تُحَدُّ، تُشِيرُ إلَيها الآيةُ الكَرِيمةُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه وأَمثالُها مِنَ الآياتِ الكَثِيرةِ.
ونحنُ هنا نُشِيرُ إلى بِضْعٍ مِنها فقط، على سَبِيلِا: "كَالِ:
أُولاها:إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى، لِأَجلِ تَجدِيدِ تَجَلِّياتِ الإيجادِ في الوُجُودِ، يُحَرِّكُ الذَّرّاتِ ويُسَخِّرُها بقُدرَتِه، جاعِلًا مِن كلِّ رُوحٍ واحِدةٍ "نَ الَّذًا"، يُلبِسُها جَسَدًا جَدِيدًا مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِه في كلِّ سَنةٍ، ويَستَنسِخُ مِن كلِّ كِتابٍ فَرْدٍ بحِكمَتِه التَّامّةِ آلافَ الكُتُبِ المُتَنوِّعةِ، ويُظهِرُ حَقِيقةً واحِدةً في أَنماطٍ مُختَلِفةٍ وصُوَرٍ شَتَّى، ويُفسِحُ المَ كلٍّ يُعِدُّ المَكانَ لِوُرُودِ أَكوانٍ جَدِيدةٍ وعَوالِمَ جَدِيدةٍ ومَوجُوداتٍ جَدِيدةٍ، طائِفةً إثرَ طائِفةٍ.
ثانيتُها:إنَّ مالِكَ المُلْكِ ذا الجَلالِ، قد خَلَق هذه الدُّنيا، ولا سِيَّما وَجْهَ الأَرضِ، على هقِيسُ مَزرَعةٍ واسِعةٍ، أي: مَهَّدَها لِتَكُونَ قابِلةً لِنُمُوِّ مَحاصِيلِ المَوجُوادتِ ونُشُوئِها، وظُهُورِها بجِدَّتِها وطَراوَتِها، أي: لِيَزرَعَ فيها مُعجِزاتِ قُدرَتِه غيرِ المُتَناهِيةِ ويَحصِدَها؛ ففي مَزرَعَتِه الشّاسِعةِ هذه الَّتي هي القُدر سَطْحِ الأَرضِ، يُبْرِزُ سُبحانَه مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِه كائِناتٍ جَدِيدةً، في كلِّ عَصرٍ، في كلِّ فَصلٍ، في كلِّ شَهرٍ، في كلِّ يومٍ، بل في
— 709 —
كلِّ ساعةٍ، فيُعطِي ساحةَ الأَرضِ مَحاصِيلَ مكسَى بِعةً جَدِيدةً، بتَحرِيكِ الذَّرّاتِ بحِكْمةٍ تامّةٍ وتَوظِيفِها بنِظامٍ مُتقَنٍ، مُبيِّنًا سُبحانَه وتَعالَى بحَرَكاتِ الذَّرّاتِ هذه هَدايا رَحمَتِه الصّادِرةَ مِن خَزِينَتِه الَّتي لا تَنضُبُ، ونَماذِجَنقادُ زاتِ قُدرَتِه الَّتي لا تَنفَدُ.
ثالثَتُها:إنَّه سُبحانَه وتَعالَى يُحَرِّكُ الذَّرّاتِ بحِكمةٍ تامّةٍ ويُسَخِّرُها في وَظائِفَ مُنَظَّمةٍ لِأَجلِ إظهارِ بَدائِعِ المَوجُوداتِ كي تُفْصِحَ الأوَرُ ا الحُسنَى عن مَعاني تَجَلِّياتِها غيرِ المُتَناهِيةِ؛ فيُخرِجُ سُبحانَه في مكانٍ مَحدُودٍ ما لا يُحَدُّ مِن بَدائِعِ الصُّوَرِ الدّالّةِ على تلك التَّجَلِّياتِ غيرِ المَحدُودةِ، ويَكتُبُ في صَحِيفةٍ ضَيِّقةٍ آياتٍ تَكوِي وكُتُلا حَدَّ لها، تُعَبِّیرُ عن مَعانٍ سامِيةٍ غيرِ مَحدُودةٍ.
نعم، إنَّ مَحاصِيلَ السَّنةِ الماضِيةِ ونَتائِجَها مِنَ المَوجُوداتِ، ومَحاصِيلَ هذه السَّنةِ ونَتائِجَها، مِن حَةِ لِدماهِيّةُ، في حُكمٍ واحِدٍ، إلّا أنَّ مَعانِيَها ومَدلُولاتِها مُتَبايِنةٌ جِدًّا، إذ بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّناتِ الِاعتِبارِيّةِ تَتَبدَّلُ مَعانِيها وتَكثُرُ وتَزدادُ؛ ومعَ أنَّ التَّعَيُّناتِ الِاعتِبارِيّةَ والتَّشَخُّصاتِ المُِ العَةَ تُبَدَّلانِ، وهما فانيَتانِ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّ مَعانِيَها الجَمِيلةَ يُحافَظُ علَيها وتَستَمِرُّ وتَبقَى وتَثبُتُ. فأَوراقُ هذه الشَّجَرةِ وأَزاهِيرُها وثَمَراتُها نةِ وا كانَت في الرَّبيعِ الماضِي لأَنَّها لا تَحمِلُ رُوحًا كالإنسانِ یی هي عَينُ أَمثالِها في هذا الرَّبيعِ، إذا نُظِرَ إلَيها مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ، إلّا أنَّ الفَرقَ هو في التَّشَخُّصاتِ الِاعتِبارِيّةِ.. هذه التَّشلةٍ جِتُ أَتَت إلى هذا الرَّبيعِ، لِتَحُلَّ مَحَلَّ تَشَخُّصاتِ سابِقَتِها، وذلك للإفادةِ عن مَعانِي شُؤُونِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الَّتي تَتَجدَّدُ تَجَلِّياتُها باستِمرارٍ.
رابعَتُها:إنَّ الحَكِيمَ ذا الجَلالِ يُحَرِّكُإلى أَرّاتِ في مَزرَعةِ هذه الدُّنيا الضَّيِّقةِ ويَنسُجُها في مَصنَعِ الأَرضِ، جاعِلًا الكائناتِ سَيّالةً والمَوجُوداتِ سَيّارةً، وذلك لِأَجلِ إعدادِ ما يُناسِبُ مِن لَوازِمَ أو تَزيِيناتٍ أن تكاصِيلَ لِعَوالِمَ واسِعةٍ لا حَدَّ لها، كعالَمِ المِثالِ وعالَمِ المَلَكُوتِ الواسِعِ جِدًّا وسائِرِ عَوالِمِ الآخِرةِ غيرِ المَحدُودةِ. فيُهَيِّئُ سُسُلطان في هذه الأَرضِ الصَّغِيرةِ، مَحاصِيلَ ونَتائِجَ مَعنَوِيّةً كَثِيرةً جِدًّا، لتلك العَوالِمِ الكَبِيرةِ الواسِعةِ جِدًّا. ويُجرِي مِنَ الدُّنيا سَيْل: إنَّنِهايةَ له يَنبُعُ مِن خَزِينةِ قُدرَتِه المُطلَقةِ ويَصُبُّه في عالَمِ الغَيبِ، ويَصُبُّ قِسمًا مِنه في عوالِمِ الآخِرةِ.
— 710 —
خامسَتُها:يُحَرِّكُ سُبحانَه وتَعالَىرابَ ارّاتِ بقُدرَتِه في حِكمةٍ تامّةٍ ويُسَخِّرُها في وَظائِفَ مُنتَظِمةٍ إظهارًا لِكَمالاتٍ إلٰهِيّةٍ لا نِهايةَ لها، وجَلَواتٍ جَماليّةٍ لا حَدَّ لها، وتَجَل المُم جَلاليّةٍ لا مُنتَهَى لها، وتَسبِيحاتٍ رَبَّانيّةٍ لا عَدَّ لها، في هذه الأَرضِ الضَّيِّقةِ المَحدُودةِ، وفي زَمانٍ قَليلٍ مُتَناهٍ؛ فيَجعَلُ سُبحانَ الحُسالَى المَوجُوداتِ تُسَبِّحُ تَسبِيحاتٍ غيرَ مُتَناهِيةٍ في زَمانٍ مُتَناهٍ وفي مكانٍ مَحدُودٍ، مُبيِّنًا بذلك تَجَلِّياتِه الجَماليّةَ والكَماليّةَ وا ومِنهيّةَ المُطلَقةَ، مُوجِدًا كَثِيرًا مِنَ الحَقائِقِ الغَيبِيّةِ، وكَثِيرًا مِنَ الثَّمَراتِ الأُخرَوِيّةِ، وكَثِيرًا مِنَ البَدائِعِ المِثاليّةِ یی لِصُوَرِ الفانِينَ وهُوِيّاتِهمُ الباقيةِ یی وكَثِيرًا مِن نَسائِجَ لَوْحِيّةٍ حَكِيمةٍ. يقدِّمي يُحَرِّكُ الذَّرّاتِ، ويُبْرِزُ هذه المَقاصِدَ العَظِيمةَ، وهذه الحِكَمَ الجَسِيمةَ، إنَّما هو الواحِدُ الأَحَدُ، وإلّا فيَجِبُ أن تكُونَ لكُلِّ ذَرّةٍ عَقْلٌ بكِبَرِ الشَّمسِ!
وهكذا، فهُناك أَزايا و كَثِيرةٌ جِدًّا على تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ الَّتي تُحَرَّكُ بحِكمةٍ بالِغةٍ، كهذه النَّماذِجِ الخَمسةِ، بل رُبَّما تَربُو على خَمسةِ آلافِ مِثالٍ. إلّا أنَّ أُولَئك الفَلاسِفةَ الحَمَْأْنَ ظَنُّوها خاليةً مِنَ الحِكمةِ! فقد زَعَمُوا أنَّ الذَّرّاتِ في حَرَكَتَيها الَّتي تَتَحرَّكُ بهما في نَشْوةٍ وجَذْبٍ رَبّانِيٍّ، أَحَدُهما یی في الحَقِيقةِ یی آفاقيٌّ والآخَرُ أَنفُسِيٌّ، والمُستَغرِقةُ في ذِكرٍ وتَسبِيحٍ إلٰهِيٍّ كاالإمامدِ المَوْلَوِيِّ إنَّما تقُومُ بها مِن تِلْقاءِ نَفسِها، وتَرقُصُ ذاهِلةً وتَدُورُ.
نَخلُصُ مِن هذا:أنَّ عِلمَ أُولَئِك الفَلاسِفةِ ليس عِلْمًا، بل جَهْلٌ؛ وأنَّ حِكْمَتَهم سَخافةٌ وخاليةٌ مِنَ الحِكْمةِ!
(سنَذكُرُ في النُّقطةِ الثقدِّمُ حِكمةً أُخرَى مُطَوَّلةً هي السّادِسةُ).
النُّقطة الثانية
إنَّ في كلِّ ذَرّةٍ شاهِدَينِ صادِقَينِ على وُجُودِ اللهِ سُبحانَه، وعلى وَحْدانيَّتِه.
أَجَل، إنَّ الذَّرّةَ بقِيامِها بوَظائِفَ جَسِيمةٍ جِدًّا، وحَمْلِها لِأَعباءٍ ثَقِيالمُنادًّا تَفُوقُ طاقَتَها، في مُنتَهَى الشُّعُورِ، رَغمَ عَجْزِها وجُمُودِها، تَشهَدُ شَهادةً قاطِعةً على وُجُودِ اللهِ سُبحانَه؛ وإنَّها تَشهَدُ شَهادةً صادِقةً أيضًا على وَحْدانيّةِ اللهِ وأَحَدِيّةِ مالِكِ المُلكِ والمَلَكُوجُودِ َنسِيقِ حَرَكاتِها وانسِجامِها معَ النِّظامِ العامِّ الجارِي في الكَونِ ومُراعاتِها
— 711 —
النِّظامَ حَيثُما حَلَّت، وتَوَطُّنِها هناك كأنَّه مَوطِنُها. أي: لِمَن تَعُودُ مُلومَملُ الذَّرّةِ؟ فجَمِيعُ أَماكِنِ جَوَلانِها مُلكُه وتَعُودُ إلَيه، بمَعنَى أنَّ مَن كانَت له فإنَّ جَمِيعَ الأَماكِنِ الَّتي تَسِيرُ فيها له أَيَبُ إلي: إنَّ الذَّرّةَ لِكَونِها عاجِزةً، وعِبْؤُها ثَقِيلٌ جِدًّا، ووَظائِفُها كَثِيرةٌ لا تُحَدُّ، يَدُلُّ ذلك على أنَّها قائِمةٌ ومُتَحرِّكةٌ باسمِ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ وبأالتَّك.
ثمَّ إنَّ تَوفِيقَ حَرَكَتِها وجَعْلَها مُنسَجِمةً معَ الأَنظِمةِ العامّةِ الكُلِّيّةِ في الكَونِ، وكأنَّها على عِلْمٍ بها، ودُخُولَها إلى كلِّ مَكانٍ دُونَ مانِعٍ يَمنَعُها، يَدُلُّ على أنَّها تَعمَلُ ما تَعمَلُ أَبهَةِ واحِدٍ عَلِيمٍ مُطلَقِ العِلمِ وبحِكْمَتِه الواسِعةِ.
نعم، إنَّ الجُندِيَّ له عَلاقةٌ وانتِسابٌ معَ كلٍّ مِن فَصِيلِه، وسَرِيَّتِه، وفَوْجِه، ولِوائِه، وفِرْقَتِه، كما نت تقُه في كلٍّ مِنها وَظِيفةً مُعَيَّنةً على قَدْرِ تلك العَلاقةِ، وأنَّ تَنسِيقَ الحَرَكةِ والِانسِجامَ معَ كلِّ هذه العَلاقاتِ والِارتِباطاتِ بمَعرِفَتِها ومَعرِفةِ وَظائِفِها في كلِّ دائِرةٍ، معَ القِيامَسِيرجِباتٍ عَسكَرِيّةٍ مِن تَدرِيبٍ وأَخْذٍ للتَّعلِيماتِ حَسَبَ أَنظِمَتِها.. كلُّ ذلك إنَّما يكُونُ بالِانقِيادِ إلى أَوامِرِ القائِدِ الأَعظَمِ الَّذي يقُودُ تلك الدَّوائِرَ كُلَّها، واتِّباعِ قَوانينِه.
فكَما َنَا إلأَمرَ هكذا في الجُندِيِّ الفَرْدِ، كذلك كلُّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ الدّاخِلةِ في المُرَكَّباتِ المُتَداخِلِ بعضُها في بعضٍ، لها أَوضاعٌ مُلائِمةٌ في كلٍّ مأَعماقومَواقِعُ مُتَناسِبةٌ تَنبَنِي علَيها مَصالِحُ مُتَنوِّعةٌ، ووَظائِفُ مُنتَظِمةٌ شَتَّى، ونَتائِجُ مُتَبايِنةٌ ذاتُ حِكمةٍ، فلا بُدَّ أنَّ تَوطِينَ تلك الذَّرّةِ بينَ تلك المُرَكَّباتِ، تَوْطِينًا لا يُخِلُّ بالنطَّبيعجِ والحِكَمِ النّاشِئةِ مِن تلك النِّسَبِ والوَظائِفِ، معَ الحِفاظِ على جَمِيعِ النِّسَبِ والوَظائِفِ، خاصٌّ بمالِكِ المُلكِ الَّذي بِيَدِه مَقاليدُ كلِّ شيءٍ.
فمَثلًا:إنَّ الذّ فيها المُستَقِرّةَ في بُؤبُؤِ عَينِ "تَوفيق" (٭) المُدوِّن الأوَّل لرِسَائل النُّورِ. لها عَلاقةٌ معَ أَعصابِ العَينِ الحَرَكِيّةِ والحِسِّيّةِ، ومعَ الشَّرايِينِ والأَورِدةِ الَّتي فيها، ومعَ الوَجهِ، والرَّيادةِ مَّ معَ الجِسمِ، ومعَ الإنسانِ ككُلٍّ؛ فَضْلًا عن أنَّ لها في كلٍّ مِنها وَظِيفةً وفائِدةً.
فوُجُودُ تلك النِّسَبِ في كلٍّ مِنها، والعَلاقاتُ والفَوائِدُ، معَ الحِكْمةِ الكامِلةِ والإتقاماذِجَّامِّ يُبيِّنُ أنَّ الَّذي خَلَق ذلك الجَسَدَ بجَمِيعِ أَعضائِه، هو الَّذي يُمكِنُه أن
— 712 —
يُمَكِّن تلك الذَّرّةَ في ذلك المَكانِ، ولا سِيَّما الذَّرّاتِ الآتِيةَ للرِّزقِ؛ فتلك الذَّرّاتُ الَّتي تَسِيرُ معَ قافِلةِ الرِّزقِ وتُسالَ حُبعَها، إنَّما تَسِيرُ بانتِظامٍ وتَسِيحُ بحِكْمةٍ تُحَيِّیرُ العُقُولَ، ثمَّ تَدخُلُ في أَطْوارٍ مُختَلِفةٍ، وتَجُولُ في طَبَقاتٍ مُتَنوِّعةٍ بنِظامٍ دَقِيقٍ، فتَخْطُو خُطُواتٍ ذاتَ شُعُورٍ، مِن دُونِ أنملِكُ ئَ، حتَّى تَأْتِيَ تَدرِيجِيًّا إلى الجِسمِ الحَيِّ، وتُصَفَّى هناك في أَربَعِ مَصافٍ فيه، إلى أن تَصِلَ إلى الأَعضاءِ والحُجَيْراتِ المُحتاجةِ إلى الرِّزقِ، فتُمِدُّها به، وتُسعِفُها عْمٍ منِ الكَرَمِ مَحمُولةً على الكُرَيّاتِ الحَمْراءِ في الدَّمِ.
يُفهَمُ مِن هذا بَداهةً أنَّ الَّذي أَمَر هذه الذَّرّاتِ مِن خِلالِ آلافِ المَنازِلِ المُختَلِفةِ والطَّبَقاتِ المُتَبايِنةنِّفايقَها هكذا بحِكمةٍ، لا بُدَّ وبلا أَدنَى شَكٍّ هو رَزّاقٌ كَرِيمٌ، خَلّاقٌ رَحِيمٌ، تَتَساوَى أَمامَ قُدرَتِه النُّجُومُ والذَّرّاتُ.
ثمَّ إنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِوهل يََّرّاتِ تقُومُ بعَمَلِ صُورةٍ بَدِيعةٍ ونَقشٍ رائِعٍ في المَخلُوقِ بحَيثُ إمّا أنَّها في مَوقِعِ حاكِمٍ مُسَيطِرٍ على كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ وعلى مَجمُوعِها، ومَحكُومةٍ في الوَقمَسائِسِه تحتَ أَمرِ كُلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ وأَمرِ مَجمُوعِها، وأنَّها تَمْلِكُ مَعرِفةً كامِلةً، بالصُّورةِ البَدِيعةِ المُحَيِّرةِ للأَلبابِ والنَّقشِ الرّائِعِ المَلِيءِ بالحِكْمةِ، فتُوجِدُها! وهذا مُحا والحالفِ مُحالٍ.. أو أنَّها نُقطةٌ مَأْمُورةٌ بالحَرَكةِ نابِعةٌ مِن قَلَمِ قُدرةِ اللهِ سُبحانَه وقانُونِ قَدَرِه.
فمَثلًا:إنَّ الأَحجارَ المَوجُودةَ فاللهِ ةِ "آياصُوفْيا" إن لم تكُن مُطِيعةً لِأَمرِ بَنّائِها، يَنبَغي أن يكُونَ كلُّ حَجَرٍ مِنها ماهِرًا في صَنعةِ البِناءِ كی"المِعْمارِيِّ سِنان" نَفسِه، ويكُونَ حاكِمًا على الأَحجارِ الأُخرَى ومَحكُومًا بأَمرِها في الوَقتِ نَفسِه، أي: يُمكِنُه أنَفسِ تمَ الأَحجارَ الأُخرَى فيقُولَ لها: "هَيّا أَيَّتُها الأَحجارُ، لِنَتَّحِدْ حتَّى نَحُولَ دُونَ سُقُوطِنا"! وكذلك الأَمرُ في الذَّرّاتِ المَوجُودةِ في المَخلُوقاتِْ في اتي هي أَكثَرُ إبداعًا، وأَكثَرُ إتقانًا وأَكثَرُ رَوْعةً وأَكثَرُ إثارةً للإعجابِ، وأَكثَرُ حِكْمةً مِن قُبّةِ "آياصُوفْيا" بآلافِ المَرّاتِ؛ إن لم تكُن هذه الذَّرّاتُ مُنقادةً لِأَمرِ الخالِقِ العَظِيمِ، خالِقِ الكَونِ، فيَنبَغيسَجِمُأن يُعطَى لكُلٍّ مِنها أَوصافُ الكَمالِ الَّتي لا تَلِيقُ إلّا باللهِ سُبحانَه.
— 713 —
فيا سُبحانَ اللهِ! ويا لَلعَجَبِ! إنَّ المادِّيِّين الزَّنادِقةَ الكَفَرةَ لَمَيالُ كَرُوا اللهَ الواجِبَ الوُجُودِ، اضطُرُّوا حَسَبَ مَذْهَبِهم للِاعتِقادِ بآلِهةٍ باطِلةٍ بعَدَدِ الذَّرّاتِ. ومِن هذه الجِهةِ تَرَى أنَّ الكافِرَ المُنكِرَ لِوُجُودِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى مَهْما كان فَيلَسُوفًا وعالِمًا فهو في جَهَْماوِيِيمٍ، وهو جاهِلٌ جَهْلًا مُطلَقًا.
النُّقطةُ الثّالثة
هذه النُّقطةُ إشارةٌ إلى الحِكْمةِ السّادِسةِ العَظِيمةِ الَّتي وُعِدَ بها في خِتامِ النُّقطةِ الأُولَى، وهي: لقد ذُكِرَ في حاشِيةِ السُّؤالِ الثّاني مِنَ "الكَلِمةِ الثّاَوِيٌّوالعِشرِين": أنَّ حِكْمةً أُخرَى مِن آلافِ الحِكَمِ الَّتي تَتَضمَّنُها تَحَوُّلاتُ الذَّرّاتِ وحَرَكاتُها في أَجسامِ ذَوِي الحَياةِ، هي تَنوِيرُ الذَّرّاتِ بالحيُسَبّوكَسْبُها المَعنَى والمَغزَى، لِتُصبِحَ ذَرّاتٍ لائِقةً في بِناءِ العالَمِ الأُخرَوِيِّ.
نعم، إنَّ الكائِنَ الحَيَوانِيَّ والإنسانَ وحتَّى النَّباتَ في حُكْمِ مَضِيفٍ لتلك الذَّرّاتِ ومُعِن سائ تَدرِيبٍ لَها، ومَدرَسةٍ تَربَوِيّةٍ تَتَلقَّى فيها الإرشاداتِ؛ بحَيثُ إنَّ تلك الذَّرّاتِ الجامِدةَ تَدخُلُ هناك فتَتَنوَّرُ، وكأنَّها تَنالُ التَّدرِيبَ وتَتَلقَّى الأَوامِرَ والتَّعلِيماتِ، فتَتَلَطَّفُ، وتَكسِبُ بأَداءِ الَّتمِنها لِوَظِيفةٍ لَياقةً وجَدارةً، لِتُصبحَ ذَرّاتٍ لِعالَمِ البَقاءِ والدَّارِ الآخِرةِ الحَيّةِ حَياةً شامِلةً لِجَمِيعِ أَجزائِها.
سُؤالٌ:بماذا يُعرَفُ وُجُودُ هذه الحِكْمةِ فِن هناكاتِ الذَّرّاتِ؟
الجَوابُ:
أوَّلًا:يُعرَفُ وُجُودُها بحِكمةِ اللهِ الحَكِيمِ سُبحانَه، تلك الحِكْمةِ الثّابِتةِ بالأَنظِمةِ الجارِيةِ في المَوجُوداتِ كافّةً وبالحِكَمِ الَّتي تَنطَوِي علَيها؛ إذِ الحِكْمةُ الإلٰاتُ هذ الَّتي أَناطَت حِكَمًا كُلِّيّةً كَثِيرةً جِدًّا بأَصغَرِ شَيءٍ جُزئيٍّ، لا يُمكِنُ أن تَتْرُكَ حَرَكاتِ الذَّرّاتِ سُدًى مِن دُونِ حِةٍ حتّ تلك الحَرَكاتِ الجارِيةَ في سَيْلِ الكائِناتِ، والَّتي تُبدِي فَعّاليّةً عُظمَى في الوُجُودِ، والَّتي هي سَبَبٌ لإبرازِ البَدائِعِ الحَكِيمةِ.
— 714 —
ثمَّ إنَّ الحِكْمةَ والحاكِمِيّةَ الإلٰهِيَحَبّةَّتي لا تُهمِلُ أَصغَرَ مَخلُوقٍ دُونَ أَجْرٍ، أو دُونَ كَمالٍ، أو دُونَ مَقامٍ، لِما يقُومُ به مِن وَظِيفةٍ، كيف تُهمِلُ مَأْمُورِيها ومُستَخدِميها الكَثِيرين جِدًّا یی الذَّرّاتِ یی دُونَ نُورٍ، أو دُونَ أَجْرٍ.
ثانيًا:ْنَ، يالحَكِيمَ العَلِيمَ يُحَرِّكُ العَناصِرَ ويَستَخدِمُها لِأَداءِ وَظائِفَ جَلِيلةٍ، فيُیرَقِّيها إلى دَرَجةِ المَعدِنِيّاتِ، كأُجْرةٍ لها في طَرِيقِ الكَمالِسمِ الحَرِّكُ ذَرّاتِ المَعدِنِيّاتِ ويُسَخِّرُها في وَظائِفَ ويُعَلِّمُها تَسبِيحاتِها الخاصّةَ بها فيَمنَحُها المَرتَبةَ الحَيّةَ للنَّباتاتِ.. ويُحَرِّكُ ذَرّاتِ النَّباتاتِ ويُوَظِّفُها، ويَجعَلُها رِزْقًا للآخَرِينا يُدِعِمُ علَيها برَفْعِها إلى المَرتَبةِ اللَّطِيفةِ للحَيَواناتِ.. ويَستَخدِمُ ذَرَّاتِ الحَيَواناتِ عن طَرِيقِ الرِّزقِ، فيرفَعُها إلى دَما تَمالحَياةِ الإنسانيّةِ.. وبإمرارِ ذَرّاتِ جِسمِ الإنسانِ مِن خِلالِ مَصافٍ عِدّةٍ مَرّاتٍ ومَرّاتٍ، وتَنقِيَتِها وجَعْلِها لَطِيفةً، يُرَقِّيها إلى قَوِيِ مَكانٍ وأَعَزِّ مَوقِعٍ في الجِسمِ وهو الدِّماغُ والقَلبُ.
يُفهَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ حَرَكاتِ الذَّرّاتِ لَيسَت سُدًى ولَيسَت حَرَكَتُها خالِيةً مِنَ الحِكْمةِ، بل تُهرَعُ الذَّرّاتُ وتُساقُ إلى نَوعٍ مِنَ الكَمالِ اللّائِقِ بها.
ثالُ الشّنَّ قِسْمًا مِن ذَرّاتِ الكائِنِ الحَيِّ یی كذَرّاتِ البُذُورِ والنُّوَى یی يَنالُ نُورًا مَعنَوِيًّا، ولَطافةً ومَزِيّةً، بحَيثُ يكُونُ بمَثابةِ رِ
#730سُلطانٍ على سائِرِ الذَّرّاتِ، وعلى الشَّجَرةِ الضَّخْمةِ نَفسِها.
فاعتِلاءُ هذه الذَّرّاتِ یی مِن بينِ مَجمُوعِ ذَرّاتِ الشَّجَرةِ العَظصَغِيریی هذه المَرتَبةَ، إنَّما هو حَصِيلةُ أَدائِها وَظائِفَ دَقِيقةً ومُهِمّاتٍ جَلِيلةً في أَثناءِ مَراحِلِ نُمُوِّ الشَّجَرةِ، مِمّا يَدُلُّ على أنَّ تلك الذَّرّاَّ جَمنَما تُؤَدِّي وَظِيفَتَها الفِطْرِيّةَ بأَمرِ الخالِقِ الحَكِيمِ، تَنالُ لَطافةً مَعنَوِيّةً ونُورًا مَعنَوِيًّا ومَقامًا رَفِيعًا وإرشادًا سامِيًا، حَسَبَ أَنواعِ حَرَكاتِها ووَفْقَه وكَمتَجلَّى علَيها مِن تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، وسُمُوِّ تلك الأَسماءِ.
الخُلاصةُ:إنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ قد عَيَّنَ لكُلِّ شَيءٍ نُقطةَ كَمالٍ يُناسِبُ ذلك الشَّيءَ، وحَدَّدَ نُورَ وُجُودٍ يَلِيقُ به، فيَسي طابَلك الشَّيءَ إلى نُقطةِ الكَمالِ تلك، باستِعدادٍ يَمنَحُه
— 715 —
إيّاه. فهذا القانُونُ للرُّبُوبيّةِ مِثلَما هو جارٍ في جَمِيعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، جارٍ أَيضًا في الجَماداتِ، حتَّى يَمنَحُ سُبحانَه التَُّيَّنِلعادِيَّ رُقِيًّا يَبلُغُ به دَرَجةَ الأَلماسِ ومَرتَبةَ الأَحجارِ الكَرِيمةِ.
مِن هذه الحَقِيقةِ يَنكَشِفُ طَرَفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ الرُّبُوبيّةِ".
وإنَّ ذلك الخالِقَ الكَرِيمَ، في أَثن.. هذهسخِيرِه الحَيَواناتِ لإنفاذِ قانُونِ التَّناسُلِ العَظِيمِ، يَمنَحُها لَذّةً جُزئيّةً، أُجرةً لِأَدائِها الوَظِيفةَ؛ ويَهَبُ للحَيَواناتِ المُستَخدَمةِ لإنفاذِ أَوتي تَكرَبّانيّةٍ یی كالبُلْبُلِ والنَّحلِ یی أُجرةَ كَمالٍ راقِيةً، مَقامًا يَبُثُّ الشَّوقَ والمُتعةَ..
مِن هذه الحَقِيقةِ يَنكَشِفُ طَرَفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ الكَرَمِ".
ثمَّ إاماتٍ قِيقةَ كلِّ شَيءٍ تَتَوجَّهُ إلى تَجَلِّي اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى، ومُرتَبِطةٌ بها، وهي كالمِرآةِ العاكِسةِ لِأَنوارِه؛ فذلك الشَّيءُ مَهْما اتَّخَذ مِن أَوضاعٍ جَمِيلةٍ المَخَمالُ يعُودُ إلى شَرَفِ ذلك الِاسمِ وسُمُوِّه، إذ يَقتَضِيه ذلك الِاسمُ. فسَواءٌ أَعَلِمَ ذلك الشَّيءُ أم لم يَعلَم، فذلك الوَضْعُ الجَمِيلُ مَطًا لِهفي نَظَرِ الحَقِيقةِ.
مِن هذه الحَقِيقةِ يَظهَرُ طَرَفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ التَّحسِينِ والجَمالِ".
ثمَّ إنَّ ما أَعطاه الفاطِرُ الحَكِيمُاتَ شََقامٍ وكَمالٍ، إلى شَيءٍ مّا، بمُقتَضَى دُستُورِ الكَرَمِ، لا يَستَرِدُّه مِنه عِندَ انقِضاءِ مُدّةِ ذلك الشَّيءِ وانتِهاءِ عُمُرِه، بل يُبقِي ثَمَراتِه، ونَتائِجَه، وهُوِيَّتَه المَعنَوللعادِ ومَعناه، ورُوحَه إن كان ذا رُوحٍ.فمَثلًا:يُبقِي سُبحانَه وتَعالَى مَعانِيَ الكَمالاتِ الَّتي يَنالُها الإنسانُ وثَمَراتِها، حتَّى إنَّ شُكْرَ المُؤمِنِ الشّاكِرِ ِ قِلاَه على ما يَأْكُلُه مِن فَواكِهَ زائِلةٍ، يُعِيدُها سُبحانَه إلَيه مَرّةً أُخرَى على صُورةِ فاكِهةٍ مُجَسَّمةٍ طَيِّبةٍ مِن فَواكِهِ الجَنّةِ.
مِن هذه الحَقِيقةِ يَنكَشِفُ طَرَفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ الرَّحمةثةُ:ن ثمَّ إنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ سُبحانَه لا يُسرِفُ في شَيءٍ قَطُّ، ولا يَعمَلُ عَبَثًا مُطْلَقًا، إذ يَستَعمِلُ حتَّى الأَنقاضَ المادِّيّةَ للمَخلُوقاتِ المَيتةِ یی الَّتي انتَهَت مُهِمّاتُها یی في الخَرِيفِ، في بِناءِ مَخلُ مَدَىجَدِيدةٍ في الرَّبيعِ. لِذا، فمِن مُقتَضَى الحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ، إدراجُ هذه
— 716 —
الذَّرّاتِ الأَرضِيّةِ الجامِدةِ، وغيرِ الشّاعِرةِ، والَّتي أرُ كُلت وَظائِفَ جَلِيلةً في الأَرضِ في قِسمٍ مِن أَبنِيةِ الآخِرةِ الَّتي هي حَيّةٌ وذاتُ شُعُورٍ بكُلِّ ما فيها، بأَحجارِها وأَشجارِها بدَلالةِ الآيةِ الكَرِيمَد ظَهَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وبإشارةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لِأنَّ تَرْكَ ذَرّنَّوعِدُّنيا المُتَهدِّمةِ في الدُّنيا نَفسِها، أو رَمْيَها إلى العَدَمِ إسرافٌ وعَبَثٌ.
مِن هذه الحَقِيقةِ يَنكَشِفُ طَرَفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ الحِكْمةِ".
ثمَّ إنَّ كَثِيرًا جِدًّا مِن آثارِ هذه الدُّنيا ومَعنَوَ المَها وثَمَراتِها، ومَنسُوجاتِ أَعمالِ المُكَلَّفِين یی كالجِنِّ والإنسِ یی وصَحائِفِ أَفعالِهم، وأَرواحِهم، وأَجسادِهم، تُرسَلُ إلى سُوقِ الآخِرةِ ومَعرِضِها. فمِن مُقتَضَى العَدْلِ والحِكوءُ مَن تُرسَلَ أَيضًا الذَّرّاتُ الأَرضِيّةُ الَّتي رافَقَت تلك الثَّمَراتِ والمَعانِيَ وخَدَمَتْها معَ أَنقاضِ هذه الدُّنيا الَّتي ستُدَمَّرُ، إلى العالَمِ الأُخرَوِيِّ وتُستَعملطَّرِ بِنائِه، وذلك بعدَ تَكامُلِها تَكامُلًا يَخُصُّها مِن حَيثُ الوَظِيفةُ، أي: بعدَ أن نالَت نُورَ الحَياةِ كَثِيرًا وخَدَمَتْها، وأَصبَحَت وَسِيلةً لِتَسبِيَب القَياتيّةٍ.
مِن هذه الحَقِيقةِ يَنكَشِفُ طَرَفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ العَدْلِ".
ثمَّ إنَّ الرُّوحَ مِثلَما أنَّها مُهَيمِنةٌ على الجِسمِ، فالأَوامِرُ التَّكوِينيمانِ،لمَوادِّ الجامِدةِ الَّتي كَتَبَها القَدَرُ الإلٰهِيُّ، لها سُلطانٌ أيضًا على تلك المَوادِّ؛ فتَتَّخِذُ تلك المَوادُّ مَواقِعَها، وتَسِيرُ بنِظامٍ مُعَيَّنٍ وَفقَ ختَلِطلِيه الكِتابةُ المَعنَوِيّةُ للقَدَرِ الإلٰهِيِّ.
فمَثلًا:في أَنواعِ البَيضِ، وأَقسامِ النُّطَفِ، وأَصنافِ النُّوى، وأَجناسِ البُذُورِ، تَنالُ المَوادُّ أَنوارًا مُختَلِفةً، مَقاماتٍ مُتَبايِنةً، حَسَبانِ اليُنِ الأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ الَّتي سَطَّرَها القَدَرُ الإلٰهِيُّ بأَنماطٍ مُتَنوِّعةٍ وأَشكالٍ مُتَغايِرةٍ، إذ إنَّ تلك المَوادَّ یی مِن حَيثُ هي مادّةٌ یی في ماهِيّةٍ واحِدةٍ، (حاشية): نعم، إنَّ جَمِِناتِ ك المَوَادِّ مُركَّبةٌ مِن عناصِرَ أربعةٍ هي: مُولِّدُ الحُمُوضة ومُولِّدُ المَّاء (الأُوكسِجين والهِيدرُوجِين) والآزُوت والكَربُون، وأمَثالِها. لِذا تُعتَبَرُ المَوادُّ مِن حَيثُ التَّركيبُ المادِّيُّ مُتَشابِهةً، إلّا أنَّ الفرقَ في كِتَتَّتْ لقَدَرِ المَعنَوِيِّ. إلّا أنَّها تُصبِحُ وَسِيلةً لِنُشُوءِ ما لا يُحَدُّ مِنَ المَوجُوداتِ، فتكُونُ
— 717 —
صاحِبةَ مَقاماتٍ مُختَلِفةٍ وأَن العالُتَنوِّعةٍ، فلا بُدَّ إذًا لو قامَت ذَرّةٌ في خِدْماتٍ حَياتيّةٍ، ودَخَلَت ضِمنَ التَّسبِيحاتِ الرَّبّانيّةِ الَّتي تُسَبِّحُ بها الحَياةُ مَرّاتٍ ومَرّاتٍ، وأَدَّت مُهِمّاتِها هُدعُو الا شَكَّ أن يُكتَبَ في جَبْهَتِها المَعنَوِيّةِ حِكَمُ تلك المَعانِي، ويُسَجِّلَها قَلَمُ القَدَرِ الإلٰهِيِّ الَّذي لا يَعزُبُ عنه شَيءٌ، وذلك بمُقتَضَى العِلمِ المُحِيطِ الإلٰهِيِّ.
مِن هذه الحَقِيقةِ يَنكَشِفلقَلَقفٌ مِن قانُونٍ عَظِيمٍ هو:"قانُونُ العِلمِ المُحِيطِ".
فبِناءً على ما سَبَق: فإنَّ الذَّرّاتِ إذًا لَيسَت سائِبةً ولا مُنفَلِتةً. (حاشية-١): جوابُ الفِقراتِ السَّبعِ التي مَرَّت.
ِيقيّةَّتيجةُ:إنَّ القَوانِينَ السَّبعةَ السّابِقةَ، أي: قانُونَ الرُّبُوبيّةِ، وقانُونَ الكَرَمِ، وقانُونَ الجَمالِ، وقانُونَ الرَّحمةِ، وقانُونَ الحِكْ أَوْلانُونَ العَدْلِ، وقانُونَ العِلمِ المُحِيطِ.. وأَمثالَها مِنَ القَوانِينِ العُظمَى، يُلَوِّحُ كلٌّ مِنها مِن طَرَفٍ ما يَنكَشِفُ مِنه اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، وتَجَلٍّ أَعظَمُ لِذلك الِاسإذ كيفَعظَمِ؛ ويُفهَمُ مِن ذلك التَّجَلِّي: أنَّ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ أَيضًا في هذه الدُّنيا یی كسائِرِ المَوجُوداتِ یی تَجُولُ حَسَبَ ما خَطَّه القَدَرُ الإلٰهِيُّ مِن حُدُودٍ ووَفْقَ ما تُعطِيه رَها قَةُ الإلٰهِيّةُ مِن أَوامِرَ تَكوِينيّةٍ، وعلى أَساسِ مِيزانٍ عِلْمِيٍّ حَسّاسٍ، لِأَجلِ حِكَمٍ سامِيةٍ، وكأنَّها تَتَهيَّأُ للرَّحِيلِ إلى عالََّلْ فرَ أَسمَى! (حاشية-٢): لأنَّه ماثِلٌ أمامَنا أنَّ نَشرَ نُورِ الحَياةِ بغَزارةٍ في هذا العالَمِ الكَثيفِ السُّفليِّ، وإيقادَه بفَعّاليّةٍ دائِمةٍ في مُنتَهَى الجُودِ، حتَّى بَثَّ نُورَ الحَياةِ بكثرةٍ هائلةٍ في أَخَسّمامَ جوادِّ وأَكثَرِها تَعَفُّنًا، وصَقْلَ تلك المَوادِّ الكَثيفةِ والخَسِيسةِ بنُورِ الحَياة وجَعلَها لَطِيفةً.. تُشِيرُ بما يَقرُبُ مِن الصَّراحةِ أنَّ الله سُبحانَه وتعالى يُذِيبُ هذا العالَمَ الكَثيفَ الجامِدَ ويُجَمِّلُه ويُلَحَبّةه بحَرَكاتِ الذَّرّاتِ ونُورِ الحَياةِ ليُهيِّئَه إلى العالَمِ الآخَرِ الحيِّ اللَّطيفِ السَّامِي الطّاهِر، وكأنه يُزَيِّنُه للرَّحِيل إلى عالَمٍ لَطلِ النفالذين لا يَستَوعِبُون بعُقُولهم الضَّيِّقةِ حَشْرَ البَشَر، لو نَظَروا بنُورِ القرآنِ وبمِرصادِه لَرَأَوا أنَّ "قانُونَ قَيُّوميّةٍ مُحِيطًا" واضِحٌ رَأْيَ العَينِ، يَحشُرُ جَمِيعَ الذَّرّاتِ كحَشرِ ال مِن م في الجيشِ ويَتَصرَّفُ فيها، كما هو مُشاهَدٌ.
ومِن هنا عُدَّتِ الأَجسامُ الحَيّةُ كأنَّها مَدرَسةٌ، تَتَعلَّمُ فيها الذَّرّاتُ السّائِحةُ، ومُعَسكَرُ تَدرِنَّ حَمَضِيفٌ تَربَوِيٌّ لها، ويَصِحُّ أن نَحكُمَ بحَدْسٍ صادِقٍ أنَّها كذلك.
— 718 —
الحاصِلُ:مِثلَما ذُكِرَ في "الكَلِمةِ الأُولَى" وأُثبِتَ هُناك: أنَّ كلَّ شَيءٍ يقُولُ"بِسمِ اللهِ"،فالذَّرّةُ أَيضًا كعِرَ اِ المَوجُوداتِ وكلُّ طائِفةٍ مِنها وكلُّ جَماعةٍ مِن جَماعاتِها تقُولُ بلِسانِ الحالِ:"بِسمِ اللهِ"وتَتَحرَّكُ وَفْقَها.
نعم، إنَّ كلَّ ذَرّةٍ یی بدَلالةِ النِّقاطِ الثَّلاثِ المَذكُورةِ یی تقُولُ بلِسانِ حالوِبةُ مَبْدَأِ حَرَكَتِها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" أي: أَتَحرَّكُ باسمِ اللهِ وبقُوَّتِه وبحَوْلِه وبإذنِه وفي سبِيلِه، ثمَّ تقادِرةًی وكلُّ طائِفةٍ مِنها یی بعدَ إنهاءِ حَرَكَتِها بمِثلِ ما يقُولُه أيُّ مَخلُوقٍ كان بلِسانِ حالِه: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِين. فكلُّ ذَرّةٍ تُبدِي نَفْسَها في حُكْمِ رِيشةٍ صَغِيرةٍ لِقَلَمِ القُدرةِ الإلٰهِيّةُشِعَُّصوِيرِ كلِّ مَخلُوقٍ بَدِيعٍ الَّذي هو بمَثابةِ قَصِيدةِ ثَناءٍ وحَمْدٍ للهِ تَعالَى؛ بل كلُّ ذَرّةٍ تُبيِّنُ نَفسَها في صُورةِ طَرَفِ إبرةٍ لِأَذرُعٍ مَعنَوَهادةِلا حَدَّ لها لِحائِكٍ رَبّانِيٍّ مُعَظَّمٍ، تَدُورُ الإبرةُ على أُسطُواناتٍ یی وهي المَصنُوعاتُ الرَّبّانيّةُ یی فتُنطِقُها بقَصائِدِ ثَناءٍ وحَمْدٍ رَبّانيّةٍ، وتُنشِمًا حََناشِيدَ تَسبِيحاتٍ إلٰهِيّةٍ..
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا ع أن تَتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَاةَكادَ ونُ لَكَ رِضَاءً، ولِحَقِّهِ أَدَاءً، وعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وإِخوَانِهِ وَسَلِّم، وسَلِّمنَا وسَلِّم دِينَنَا.. آمِينَ يَا رَبَّ العَِها وتنَ.
٭ ٭ ٭
— 719 —
الكلمة الحادية والثلاثون
المعراج النبوي
تنبيه
إنَّ مَسأَلةَ المِعراجِ نَتِيجةٌ تَتَرتَّبُ على أُصُولِ الإيمانِ وألَّتي ه، فهي نُورٌ يَستَمِدُّ ضَوْءَه مِن أَنوارِ الأَركانِ الإيمانيّةِ؛ فلا تُقامُ الحُجَجُ لإثباتِ المِعراجِ بالذّاتِ للمُلحِدِين المُنكِرِين لِأَركانِ الإيمانِ، بل لا يُذكَرُ أَصْلًا لِمَن لا يُِ، إِلباللهِ جَلَّ وعَلا ولا يُصَدِّقُ بالرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) أو يُنكِرُ المَلائِكةَ والسَّماواتِ، إلّا بعدَ إثباتِ تلك الأَركانِ لهم مُقَدَّمًا؛ لِذا سنَجعَلُ المُؤمِنَ الَّذي ساوَرَتْه الشُّكُوكُ والأَوهامُ فاستَبْعَدَ المِعراجَ، مَوضِعَ على انا، فنُبيِّنُ له ما يُفِيدُه ويَشفِيه بإذنِ اللهِ. ولكن نَلْحَظُ بينَ آوِنةٍ وأُخرَى ذلك المُلْحِدَ الَّذي يَتَرقَّبُ في مَوضِعِ الِاستِماعِ ونَسرُدُ له مِنَ الكَلٌّ مَِيضًا ما يُفِيدُه.
ولقد ذُكِرَت لَمَعاتٌ مِن حَقِيقةِ المِعراجِ في رَسائِلَ أُخرَى، فاستَمْدَدْنا العِنايةَ مِنَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى معَ إصرارِ إِخوَتي الأَحِبّةِ على جَمْعِ تلك اللسَعةَ تِ المُتَفرِّقةِ ورَبْطِها معَ أَصلِ الحَقِيقةِ نَفسِها لِجَعْلِها مِرآةً تَعكِسُ دُفْعةً واحِدةً جَمالَ كَمالاتِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِقَضاءًِا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ٭ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ٭ ذُو مِرَّةٍ فَاسأُ مِن ٭ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ٭
— 720 —
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ٭ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ٭ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ٭ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ٭ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ٭ وَلَقَدْ رَ واقِعَزْلَةً أُخْرَى ٭ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ٭ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ٭ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ٭ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٭َ وعَلْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى
نَذكُرُ مِنَ الخَزِينةِ العُظمَى للآيةِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ، رَمْزَينِ اثنَينِ فقط، وهما رَمز ومُضَستَنِدانِ إلى دُستُورٍ بَلاغِيٍّ في ضَمِيرِ إِنَّه، وذلك لِعَلاقَتِهما بمَسأَلَتِنا هذه، بمِثلِ ما بَيَّنّاهما في رِسالةِ "المُعجِزاتُ الضَّلنيّةُ".
إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَختِمُ الآيةَ المَذكُورةَ أَعلاه بی إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وذلك بعدَ ذِكْرِه إسراءَ الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص) مِن مَبْدَأِ المِعراجِ، أي: مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلنِ والسجِدِ الأَقصَى، ومُنتَهاه الَّذي تُشِيرُ إلَيه سُورةُ النَّجْمِ.
فالضَّمِيرُ في إِنَّه إمّا أن يَرجِعَ إلى اللهِ تَعالَى، أو إلى الرَّسُولِ الكَرِيمِ (صاحِبِ فإذا كانَ راجِعًا إلى الرَّسُولِ (ص)، فإنَّ قَوانِينَ البَلاغةِ ومُناسَبةَ سِياقِ الكَلامِ تُفِيدانِ بأنَّ هذه السِّياحةَ الجُزئيّةَ، فيها مِنَ الجِّهةٌ العُمُوميِّ والعُرُوجِ الكُلِّيِّ بحَيثُ إنَّه (ص) قد سَمِعَ وشاهَدَ كلَّ ما لاقَى بَصَرُه وسَمْعُه مِنَ الآياتِ الرَّبّانيّةِ، وبَدائِعِ الصَّنْعةِ الإلٰهِيّةِ في أَثناءِ ارتِقائِه في المَراتِبِ الكُلِّيّةِ للأَسم لِحَفإلٰهِيّةِ الحُسنَى البالِغةِ إلى سِدْرةِ المُنتَهَى، حتَّى كان قابَ قَوْسَينِ أو أَدنَى؛ مِمّا يَدُلُّ على أنَّ هذه السِّياحةَ الجُزئيّةَ هي في حُكْمِ مِفتاحٍ لِسِياحةٍ كُلِّيّةٍ جامِعةٍ لِعَجائِبِ الصّأَمَّل الإلٰهِيّةِ.
وإذا كان الضَّمِيرُ راجِعًا إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، فالمَعنَى يكُونُ عِندَئذٍ هكذا: إنَّه سُبحانَه وتَعالَى دَعا عَبْدَه إ تَنقَُورِه والمُثُولِ بينَ يَدَيه لِيُنيطَ به مُهِمّةً ويُكَلِّفَه بوَظِيفةٍ، فأُسرِيَ به مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأَقصَى الّي حَرَ مَجمَعُ الأَنبِياءِ، وبعدَ إجراءِ اللِّقاءِ معَهم وإظهارِه بأنَّه الوارِثُ المُطلَقُ لِأُصُولِ أَديانِ جَمِيعِ الأَنبِياءِ؛ سَيَّره في جَوْلةٍ ضِمنَ مُلْكِه وسِياحةٍ ضِمْنَ مَلَكُوتِه، حتَّى أَبلَغَه سِدْرةَ المُنتَهَلَاقةان قابَ قَوسَينِ أو أَدنَى.
— 721 —
وهكذا، فإنَّ تلك السِّياحةَ أوِ السَّيرَ، وإن كانَت مِعْراجًا جُزْئيًّا وأنَّ الَّذي عُرِجَ به عَبدٌ، إلّا أنَّ هذا العَبدَ يَحمِلُ أَمانةً عَظِيمةً تَتَعلَّقُ بجَمِيعِ الكائِنعِها، معَه نُورٌ مُبِينٌ يُنِيرُ الكائِناتِ ويُبَدِّلُ یی مَعنًى یی مَلامِحَها ويَصبِغُها بصِبْغَتِه، فَضْلًا عن أنَّ لَدَيه مِفتاحًا يَستَطِيعُ أن على هحَ به بابَ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ.
فلِأَجلِ كلِّ هذا يَصِفُ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى نَفسَه بی إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ كي يُظهِْمةِ ا في تلك الأَمانةِ وفي ذلك النُّورِ وفي ذلك المِفتاحِ، مِنَ الحِكَمِ السّامِيةِ ما يَشمَلُ عُمُومَ الكائِناتِ، ويَعُمُّ جَمِيعَ المَخلُوقاتِ،يُمِيتيطُ بالكَونِ أَجمَعَ.
هذا، وإنَّ لِهذا السِّرِّ العَظِيمِ أَربَعةَ أُسُسٍ:
أوَّلُها:ما سِرُّ لُزُومِ المِعراجِ؟
ثانيها:ما حَقِيقةُ المِعراجِ؟
ثالثُها:ما حِكْمةُ المِعراَّ الحرابعُها:ما ثَمَراتُ المِعراجِ وفَوائِدُه؟
الأساسُ الأوَّلُ
سِرُّ لُزومِ المعراجِ
يُقالُ مَثلًا:إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى وهو المُنَیزَّهُ عنِ الجِسمِ والمَكانِ أَقرَبُ إلى كلِّ شَيءٍ مِنسَبِيلشَيءٍ، كما تَنُصُّ علَيه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ حتَّى يَستَطِيعُ كلُّ وَليٍّ مِن أَولياءِ اللهِ الصَّالِحِين أن يُقابِلَ رَبَّه ويُناجِيَه في قَلبِه.. فلِمَ يُوَفَّقُ كلُّ وَليٍّ إذًا ناجاتِه سُبحانَه في قَلبِه، بَينَما الوِلايةُ الأَحمَدِيّةُ تُوفَّقُ إلَيها بعدَ سَيرٍ مَدِيدٍ وسِياحةٍ طَوِيلةٍ بالمِعْراجِ؟
الجَوابُ:نُقرِّبُ هذا السِّرَّ الغامِضَ إلى الفَهْمِ بذِكرِ مِثالَينِ اثنَُقُوعِاستَمِعْ إلَيهما، وهما مَذكُورانِ في "الكَلِمةِ الثّانِيةَ عَشْرةَ" لَدَى بَيانِ سِرِّ إعجازِ القُرآنِ وحِكمةِ المِعراجِ.
— 722 —
المِثالُ الأوَّلُ:
َجَت ف للسُّلطانِ نَوعَينِ مِنَ المُكالَمةِ والمُقابَلةِ، وطِرازَينِ مِنَ الخِطابِ والكَلامِ والتَّكرِيمِ والِالتِفاتِ.
الأوَّلُ:مُكالَمةٌ خاصّةٌ بوَساطةِ هاتِفٍ خاصٍّ، معَ أَحَدِ رَعاياه مِنَ العَوامِّ، في أَميَوانًئيٍّ يعُودُ إلى حاجةٍ خاصّةٍ له.
والآخَرُ:مُكالَمةٌ باسمِ السَّلْطنةِ العُظمَى وبعُنوانِ الخِلافةِ الكُبْرَى، وبصِفةِ الحاكِمِيّةِ الع فلا ب بأَمرٍ رَفِيعٍ كَرِيمٍ يُظهِرُ عَظَمتَه ويُبيِّنُ هَيْبتَه، يَقصِدُ مِنها نَشْرَ أَوامِرِه السُّلطانيّةِ في الآفاقِ؛ فهي مُكالَمةٌ تَجرِي معَ أَحَدِ مَبعُوثِيه مِمَّن له .
ٌ معَ تلك الأُمُورِ، أو معَ أَحَدِ كِبارِ مُوَظَّفِيه مِمَّن له علاقةٌ معَ تلك الأَوامِرِ.
وهكذا بمِثلِ هذا المِثالِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فإنَّ خَلّاقَ الكَونِ ومالِكَ المُلكِ والمَلَكُوتِ، والحاكِمَ الأَزَليَّ المُطلَقَ، عًا لِازانِ مِنَ المُكالَمةِ والِالتِفاتِ والتَّكرِيمِ:
الأوَّلُ:جُزئيٌّ وخاصٌّ، والآخَرُ: كُلِّيٌّ وعامٌّ.
فالمِعراجُ النَّبَوِيُّ مَظهَرٌ رَفِيعٌ سامٍ للوبُوشِر الأَحمَدِيّةِ ظَهَرَ بكُلِّيّةٍ تَفُوقُ جَمِيعَ الوِلاياتِ، وبرِفعةٍ وعُلُوٍّ يَسمُو علَيها جَمِيعًا؛ إذ إنَّه تَشَرَّفَ بمُكالَمةِ اللهِ والرَّه وتَعالَى ومُناجاتِه باسمِ رَبِّ العالَمِين وبعُنوانِ خالِقِ المَوجُوداتِ.
المِثالُ الثاني:
رَجُلٌ يُمسِكُ مِرآةً تِجاهَ الشَّمسِ، فالمِرآةُ تَلتَقِطُ یی حَسمِ، إذعَتِها یی نُورًا وضِياءً يَحمِلُ الأَلوانَ السَّبعةَ مِنَ الشَّمسِ؛ فيكُونُ الرَّجُلُ ذا عَلاقةٍ معَ الشَّمسِ بنِسبةِ تلك المِرآةِ، ويُمكِنُه أن يَستَفِيدَ مِيرِ قيما إذا وَجَّهَها إلى غُرفَتِه المُظلِمةِ أو إلى مَشتَلِه الخاصِّ الصَّغِيرِ المَسقُوفِ، بَيْدَ أنَّ استِفادَتَه مِنَ الضَّوءِ تَنحَصِرُ بمِقدارِ قابِلِيّةِ المِرآةِ على ما تَعكِسُه مِن نُورِ أَكثَسِ، ولَيسَت بمِقدارِ عِظَمِ الشَّمسِ.
بَينَما رَجُلٌ آخَرُ يَدَعُ المِرآةَ، ويُجابِهُ الشَّمسَ مُباشَرةً، ويُشاهِدُ هَيْبَتَها ويُدرِكُ عَظَمَتَها، ثمَّ يَصعَدُ على جَبَلٍ عالٍ جِدًّا ويَنظُرُ إلى شَعشَعةِ سُلْطانِها الواسِعِ تِهم، يبِ،
— 723 —
ويُقابِلُها بالذّاتِ دُونَ حِجابٍ؛ ثمَّ يَرجِعُ ويَفتَحُ مِن بَيتِه الصَّغِيرِ أو مِن مَشتَلِه المَسقُوفِ الخاصِّ نَوافِذَ واسِعةً نحوَ الشَّمسِ وهي في أَعالي السَّماءِ، فيُجرِي حِوارًا معَ الضِّياءِ الدّائِمِ للشَّمسِ الحَقِيقيّي تَتُِناجِيها.
وهكذا يَستَطِيعُ هذا الرَّجُلُ أن يَقُومَ بهذه المُقابَلةِ والمُحاوَرةِ المُؤْنِسةِ المُكَلَّلةِ بالشُّكرِ والِامتِنانِ، ويُناجِيَ الشَّمسَ قائِلًا: "إيهِ يا شَمسُ! يا مَن تَرَبَّعْتِ على عَرْشِ جَمالِ الَتي هي! يا لَطِيفةَ السَّماءِ وزَهْراءَها! يا مَن أَضفَيْتِ على الأَرضِ بَهْجةً ونُورًا ومَنَحْتِ الأَزهارَ ابتِسامةً وسُرُورًا.. لقد مَنَحْتِ الدِّفْءَ والنُّورَ مَسانَ إبَيتي ومَشتَلِي الصَّغيرِ كما وَهَبْتِ النُّورَ للدُّنيا والدِّفْءَ للأَرضِ"، بَينَما صاحِبُ المِرآةِ السّابِقُ لا يَستَطِيعُ أن يُناجِيَ الشَّمسَ ويُحاوِرَها بمِثلِ هذه المُحاوَرةِ، إذ إنَّ آثارَ ضَوْءِ الشَّمسِ مُحَدَّدةٌ بحُدُودِ ا ثالثِ وقُيُودِها، ومَحصُورةٌ بحَسَبِ قابِلِيّةِ المِرآةِ واستِيعابِها للضَّوْءِ.
وهكذا يَظهَرُ تَجَلِّي ذاتِ اللهِ الأَحَدِ الصَّمَدِ جَلَّ جَلالُه، وهو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، وسُلْطانُ الأَزَلِ والأَبِ وتَذ الماهِيّةِ الإنسانيّةِ بصُورَتَينِ تَتَضمَّنانِ مَراتِبَ لا حَدَّ لها:
الصُّورةُ الأولى:ظُهُورٌ في مِرآةِ القَلبِ برِباطٍ رَبّانِيٍّ وان أوَيُ إلَيه، بحَيثُ إنَّ لِكُلِّ إنسانٍ حُظْوةً مع ذلك النُّورِ الأَزَليِّ، وله مُحاوَرةٌ ومُناجاةٌ معَه، سَواءٌ كانَت جُزئيّةً أم كُلِّيّةً، حَسَبَ استِعدادِه ووَفْقَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ والصِّفاتِ، وذِينَ بسَيرِه وسُلُوكِه لَدَى طَيِّه المَراتِبَ. فدَرَجاتُ الوِلاياتِ السّائِرةِ في ظِلِّ غالِبِ الأَسماءِ والصِّفاتِ تَنشَأُ عن هذا القِسمِ.
الصُّورةُ الثّانيةُ:تَجَلٍّ أَعظَمُ للهِ سُبحانَه لِ والحى فَرْدٍ في نَوْعِ البَشَرِ وأَفضلِهم طُرًّا، تَجَلِّيًا بذاتِه جَلَّ وعَلا وبأَعظَمِ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ أَسمائِه الحُسنَى، لِكَونِ الإنسانِ قادِرًا على إظهارِ تَجَلِّياتِ الأَلِشُكرالحُسنَى المُتَظاهِرةِ في الوُجُودِ كافّةً دُفعةً واحِدةً في مِرآةِ رُوحِه، إذ هو أَنوَرُ ثَمَراتِ شَجَرةِ الكائِناتِ وأَجمَعُها مِن حَيثُ الصِّفاتُ والِاستِعداداتُ.
— 724 —
إنَّ هذا التَّجَلِّيَ هو سِتَمٍ ممِعراجِ الأَحمَدِيِّ، بحَيثُ تكُونُ وِلايَتُه مَبْدَأً لرِسالتِه. الوِلايةُ الَّتي تَسِيرُ في الظِّلِّ وتَمضِي فيه، كالرَّجُلِ الأَوَّلِ في المِثالِ الثّاني، بَينَما نَّ الَّ في الرِّسالةِ، بل تَتَوجَّهُ إلى أَحَدِيّةِ الذّاتِ الجَلِيلةِ مُباشَرةً، كالرَّجُلِ الثّاني في المِثالِ الثّاني؛ أمّا المِعراجُ فلِأَنَّه كَارِيةِكُبْرَى للوِلايةِ الأَحمَدِيّةِ ومَرتَبَتُها العُلْيا، فقدِ ارْتَقَت وانقَلَبَت إلى مَرتَبةِ الرِّسالةِ.
فباطِنُ المِعراجِ وِلايةٌ، إذ قد عَرَجَ ِيٍّ لخَلقِ إلى الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى؛ وظاهِرُ المِعراجِ رِسالةٌ، إذ يَأْتِي مِنَ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى إلى الخَلْقِ أَجمَعِين. فالوِلايةُ سُلُوكٌ في مَراتِبِ القُانَت سى اللهِ، وهي بحاجةٍ إلى زَمانٍ وإلى طَيِّ مَراتِبَ كَثِيرةٍ؛ أمّا الرِّسالةُ الَّتي هي أَعظَمُ نُورٍ، فهي مُتَوجِّهةٌ إلى انكِشافِ سِرِّ الأَقرَبِيّةِ الإلٰهِيّةِ، الَّذي تَكفِيه لَحْظةٌ خاطِفةٌ وآنٍ سَيّالٌ. ولِهذا وَرَدَ في الحَدِيثِ الشّ هذه ا ما يُفِيدُ أنَّه رَجَعَ في الحالِ.
والآن نُوَجِّهُ كلامَنا إلى ذلك المُلحِدِ الجالِسِ في مَقامِ الِاستِماعِ، فنقُولُ: ما دامَ هذا ال وبإِم شَبِيهًا بمَمْلَكةٍ في غايةِ الِانتِظامِ، وبمَدِينةٍ في غايةِ التَّناسُقِ، وبقَصْرٍ في غايةِ الزِّينةِ والجَمالِ، فلا بُدَّ أنَّ له حاكِمًا، مالِكًا، صانِعًا. وحيثُ إنَّ ذلك المالِكَ الجَلِيلَ والحاكِمَ الكامِلَ والصّانِعَ الجَمِيلَ مَوواحِدة وهناك إنسانٌ ذُو نَظَرٍ كُلِّيٍّ وذُو علاقةٍ عامّةٍ بحَواسِّه ومَشاعِرِه معَ ذلك العالَمِ وتلك المَمْلَكةِ وذلك القَصْرِ.. فلا بُدَّ أنَّ ذلك الصّانِعَ الجَلِيلَ ستَیكُونُ له عَلاقةٌ سامِيةٌ قَوِيّةٌ معَ هذا الإنسانِ المالِكِ واسِعةَرِ الكُلِّيِّ والمَشاعِرِ العامّةِ، ولا شَكَّ أنَّه سيَكُونُ له معَه خِطابٌ قُدسِيٌّ وتَوَجُّهٌ عُلْوِيٌّ.
وحَيثُ إنَّ مُحَمَّدًا النَّبِيَّ الأَمِينَ (ص) قد أَظهَرَ تلك العَلاقةَ ابةِ نِيةَ، مِن بينِ مَن تَشَرَّفُوا بها مُنذُ زَمَنِ سيِّدِنا آدَمَ عَليهِ السَّلَام، بأَعظَمِ صُورةٍ وأَجلاها، بشَهادةِ آثارِه، أي: بحاكِمِيَّتِه على نِصْفِ المَعمُورةِ وخُمُسِ البَشَرِ، وتَبدِامّةِ،لمَلامِحَ المَعنَوِيّةَ للكائِناتِ وتَنوِيرِه لها.. لِذا فهو أَليَقُ وأَجْدَرُ مَن يَتَشرَّفُ بالمِعراجِ الَّذي يُمَثِّلُ أَعظَمَ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ تلك العَلاقةِ.
— 725 —
الأساس الثاني
ما حقيقة المَّى إن
الجواب:إنَّها عِبارةٌ عن سَيرِ الَّذاتِ الأَحمَدِيِّ وسُلُوكِه (ص) في مَراتِبِ الكَمالاتِ.
وهذا يَعنِي أنَّ آياتِ الرُّبُوبيّةِ وآثارَها الَّتي جَلّاها سُبحانَه وتَعالَى في تَنظِيمِ المَخلُوقاتِ، بةٌ للإٍ وعَناوِينَ مُختَلِفةٍ، وأَظهَرَ عَظَمةَ رُبُوبيَّتِه بالإيجادِ والتَّدبِيرِ في سَماءِ كلِّ دائِرةٍ مِنَ الدَّوائِرِ الَّتي أَبدَعَها، كلُّ سَماءٍ ئِفُ ل عَظِيمٌ لِعَرْشِ الرُّبُوبيّةِ ومَركَزٌ جَلِيلٌ لِتَصَرُّفِ الأُلُوهيّةِ.. هذه الآياتُ الكُبْرَى والآثارُ الجَلِيلةُ أَطْلَعَها سُبحانَه وتَعالَى واحِدةً واحِدةً لِذلك العَبدِ المُخَصَّصِ المُختارِ، فَعَلا به ال ونَ وقَطَعَ به المَراتِبَ كالبَرْقِ مِن دائِرةٍ إلى دائِرةٍ، ومِن مَنزلٍ إلى مَنزِلٍ، كمَنازِلِ القَمَرِ، لِيُرِيَه رُبُوبيّةَ أُلُوهِيَّتِه في السَّماواتِفيَفتَابِلَه بإخوانِه الأَنبِياءِ فَرْدًا فَرْدًا، كُلًّا في مَقامِه في تلك السَّماواتِ، حتَّى عَرَجَ به إلى مَقامِ "قابَ قَوْسَينِ"، فشَرَّفَه بالأَحَدِيلحَقائَلامِه وبرُؤيَتِه، لِيَجعَلَ ذلك العَبْدَ عَبْدًا جامِعًا لِجَمِيعِ الكَمالاتِ الإنسانيّةِ، نائِلًا جَمِيعَ التَّجَلِّياتِ الإلٰهِيّةِ، شاهِدًا على جَمِيعِ طَبَقاتِ الكائِناتِ، داعِيًا إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ، مُب،
#970ا للمَرضِيّاتِ الإلٰهِيّةِ، كَشّافًا لِطِلَّسْمِ الكائِناتِ.
هذه الحَقِيقةُ الرَّفيعةُ يُمكِنُ رُؤيَتُها مِن خِلالِ مِثالَينِ اثنَينِ:
المِثالجِهةِوَّلُ:
وقد أَوْضَحْناه في "الكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِين"، وهو أنَّ للسُّلطانِ عَناوِينَ مُختَلِفةً في دَوائِرِ حُكُومَتِه، وأَوصافًا مُتَبايِنةً ضِمنَ طَبَقاتِ رَعاياه، وأَسماءً وعَل العَدمُتَنوِّعةً في مَراتِبِ سَلْطَنَتِه،فمَثلًا:له اسمُ الحاكِمُ العادِلُ في دَوائِرِ العَدْلِ، وعُنوانُ السُّلطانِ في الدَّوائِرِ المَدَنيّةِ، بَينَما لفَرعِي القائِدِ العامِّ في الدَّوائِرِ العَسكَرِيّةِ، وعُنوانُ الخَلِيفةِ فِي الدَّوائِرِ الشَّرعِيّةِ.. وهكذا له سائِرُ الأَسماءِ والعَناوِينِ.. فله في كُلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ دَوْلَتِه مَقامٌ وكُرسِيٌّ بمَثابةِ عَرْشٍ مَعنَوشُبهةٍه؛ وعليه يُمكِن أن يكُونَ ذلك السُّلطانُ الفَردُ مالِكًا لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ في دَوائِرِ تلك السَّلْطَنةِ وفي مَراتِبِ طَبَقاتِ الحُكُومةِ، أي: يُمكِنُ أن يكُونَ له أَلفُ عَرشٍ وعَرشٍ مِنَ العُ مِقداالمُتَداخِلِ بعضُها في بعضٍ، حتَّى كأنَّ ذلك
— 726 —
الحاكِمَ مَوجُودٌ وحاضِرٌ في كلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ دَوْلَتِه.. ويَعلَمُ ما يَجرِي فيها بشَمُتَشعتِه المَعنَوِيّةِ، وهاتِفِه الخاصِّ؛ ويُشاهَدُ ويَشْهَدُ في كلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ بقانُونِه ونِظامِه وبمُمَثِّلِيه.. ويُراقِبُ ويُدِيرُ مِن وَراءِ الحَى یی كلَّ مَرتَبةٍ مِنَ المَراتِبِ بحِكْمَتِه وبعِلْمِه وبقُوَّتِه.. فلِكُلِّ دائِرةٍ مَركَزٌ يَخُصُّها ومَوقِعٌ خاصٌّ بها، أَحكامُه مُختَلِفةٌ، ِينَ بتُه مُتَغايِرةٌ.
فمِثلُ هذا السُّلطانِ يُسَيِّیرُ مَن يُرِيدُه ويَختارُه في جَوْلةٍ واسِعةٍ يَجُوبُ فيها جَمِيعَ دَوائِرِ تلك السَّلْطَنةِ مُشْهِدًا إيّاه هَيْبةَ دَوْلَتِه وعَظَمةَ سُلطانِه في كلِّ دائِرةٍ مِنها، مُطْلِعًا إيّاه على أَوامِك.
٭حَكِيمةِ الَّتي تَخُصُّ كلَّ دائِرةٍ، سائِرًا به مِن دائِرةٍ إلى دائِرةٍ، مِن طَبَقةٍ إلى طَبَقةٍ، حتَّى يُبلِغَه مَقامَ حُضُورِه، ومِن بعدِ ذلك يُرسِلُه مَبعُوثًا إلى النّاسِ، مُوْدِعًا ، رُوحبعضَ أَوامِرِه الكُلِّيّةِ العامّةِ المُتَعلِّقةِ بجَمِيعِ تلك الدَّوائِرِ.
وهكذا نَنظُرُ بمِنظارِ هذا المِثالِ فنقُولُ: إنَّ رَبَّ العالَمِين وهو وتَذَنُ الأَزَلِ والأَبدِ، له ضِمنَ مَراتِبِ رُبُوبيَّتِه شُؤُونٌ وعَناوِينُ مُختَلِفةٌ، لكن يَتَناظَرُ بعضُها معَ بعضٍ.. وله ضِمنَ دَوائِرِ أُلُوهيَّتِه عَلاماتٌ وأَسماءٌ مُتَغايِرةٌ، لكن يُشاهَدُ بعضُها فانٍ زا.. وله ضِمنَ إجراءاتِه العَظِيمةِ تَجَلِّياتٌ وجَلَواتٌ مُتَبايِنة، لكن يُشابِهُ بعضُها بعضًا.. وله ضِمنَ تَصَرُّفاتِ قُدرَتِه عَناوِينُ مُتَنوِّعةٌ، لكن يُشعِرُ بعضُها ببعضٍ.. وله ضِمنَ تَجَلِّياتِ صِفاتِه مَظاهِرُ مُقدَّسةٌ مُتَفاوِتةٌ، لكن لسَّنُِ بعضُها بعضًا.. وله ضِمنَ تَجَلِّياتِ أَفعالِه تَصَرُّفاتٌ مُتَبايِنةٌ، لكن تُكَمِّلُ الواحِدةُ الأُخرَى.. وله ضِمنَ صَنْعَتِه ومَصنُوعاتِه المُتَلوِّنةِ رُبُوبيّةٌ مَهِيبةٌ مُتَغايِرةٌ، لكن تَلْحَظُ إحداها الأُخرَى.
فبِناءًُسنِدُذا السِّرِّ العَظِيمِ، فقد نَظَّمَ سُبحانَه الكَونَ وَفْقَ تَرتِيبٍ مُذْهِلٍ يَبعَثُ على الحَيْرةِ والإعجابِ، إذ مِنَ الذَّرّاتِ الَّتي تُعَدُّ أَُضفى عطَبَقاتِ المَخلُوقاتِ إلى السَّماواتِ.. ومِن أُولَى طَبَقاتِها إلى العَرشِ الأَعظَمِ، سَماواتٌ مَبْنِيّةٌ بعضُها فَوقَ بعضٍ، كلُّ سَماءٍ هي في حُكْمِ سَقْفٍ لِعالَمٍ آخَرَ، وبمَثابة أنَّ شٍ للرُّبُوبيّةِ ومَركَزٍ للتَّصَرُّفاتِ الإلٰهِيّةِ.
ومعَ أنَّه يُمكِنُ أن تَتَجلَّى جَمِيعُ الأَسماءِ بجَمِيعِ العَناوِينِ في تلك ال، حتَِّرِ وفي الطَّبَقاتِ باعتبارِ الأَحَدِيّةِ، إلّا أنَّه مِثلَما يكُونُ عُنوانُ الحاكِمِ العادِلِ هو المُستَولِيَ والأَصلَ في دائِرةِ العَدْليّةِ، وسائِرُ العَناوِينِ تابِعةً له ناظِرةً إلى أَمرِه، كذلك یی وللهِ المَثَلُ
— 727 —
الأَعل مِنَ هناك اسمٌ إلٰهِيٌّ وعُنوانٌ إلٰهِيٌّ هو الحاكِمُ المُهَيمِنُ في كلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ المَخلُوقاتِ وفي كلِّ سَماءٍ مِنها، وتكُونُ سائِرُ العَناوِينِ ضِمْنَه.
فمَثلًا:في أيِّ سَماءٍ قابَلَ ستِ خَزنا عِيسَى عَليهِ السَّلام المُتَشرِّفُ باسمِ "القَدِيرِ"، سَيِّدَنا الرَّسُولَ (ص)، فاللهُ سُبحانَه وتَعالَى مُتَجَلٍّ في دائِرةِ تلك السَّماءِ بالذّاتِ بعُنوانِ "القَدِيرِ".
ومَثلًا:إنَّ عُنوانَ "المُتَیكلِّم" الَّذي تَشَرَّف به لِيّةُِنا مُوسَى عَليهِ السَّلام هو المُهَيمِنُ على دائِرةِ السَّماءِ الَّتي هي مَقامُ سَيِّدِنا مُوسَى عَليهِ السَّلام.
وهكذا، فالرَّسُولُ اللتَّواُ (ص)، لأنَّه قد حَظِيَ بالِاسمِ الأَعظَمِ، ولأنَّ نُبُوَّتَه عامّةٌ شامِلةٌ، وقد نالَ جَمِيعَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، فإنَّ له عَلاقةً إذًا معَ جَمِيعِ دَوائِرِ الرُّبُوبيّةِ..فلا بُدَّ أنَّ حَقِيقةَ مِعراجِه تَقتَضي مُقابَلَتَهظَرتُ بِياءَ وهم ذَوُو مَقامٍ في تلك الدَّوائِرِ، ومُرُورَه مِن جَمِيعِ الطَّبَقاتِ.
المِثالُ الثَّاني:
إنَّ عُنوانَ "القائِدُ الأَعظَمُ" الَّذي هو مِن عَتُعَوِّ السُّلطانِ، له ظُهُورٌ وجَلْوةٌ في كلِّ دائِرةٍ مِنَ الدَّوائِرِ العَسكَرِيّةِ ابتِداءً مِن دائِرةِ القائِدِ العامِّ ورِئاسةِ الأَركانِ یی تلك اُها الرةِ الواسِعةِ الكُلِّيّةِ یی إلى دائِرةِ العَرِيفِ، وهي الدَّائِرةُ الجُزئيّةُ الخاصّةُ.
فمَثلًا:إنَّ الجُندِيَّ الفَرْدَ يَرَى نَمُوذَجَ القِيادةِ العُظمَى ومِثالَها في شَخصِ العَ ما ح، فيَتَوجَّهُ إلَيه ويَتَلَقَّى الأَوامِرَ مِنه؛ وحالَما يكُونُ عَرِيفًا يَجِدُ عُنوانَ تلك القِيادةِ في دائِرةِ رَئِيسِه، رَئيسِ العُرَفاءِ فيَتَوجَّهُ إلَيها؛ ثمَّ إذا أَصبَح رَئيسًا للعُرَفاءِ يَرَى نَمُوذَجَ القِمْ وَلالعامّةِ وجَلْوَتَها في دائِرةِ المُلازِمِ. فلها كُرسِيٌّ خاصٌّ في ذلك المَقامِ.. وهكَذا يَرَى عُنوانَ تلك القِيادةِ العُظمَى في كلِّ دائِنُورَ ن دَوائِرِ النَّقِيبِ والرّائِدِ والفَرِيقِ والمُشِيرِ حَسَبَ سَعةِ الدّائِرةِ وضِيقِها.
والآنَ إذا أَرادَ ذلك القائِدُ الأَعظَمُ إناطةَ وَظِيفةٍ تَتَعلَّقِيمةِ ِيعِ الدَّوائِرِ العَسكَرِيّةِ بجُندِيٍّ فَرْدٍ، وأَرادَ تَرقِيَتَه إلى مَقامٍ رَفِيعٍ، يُشاهَدُ مِن قِبَلِ كلِّ تلك الدَّوائِرِ ويَشهَدُها جَمِيعًا، كأنَّه النّاظِرُ ا:"لارِفُ علَيها، فإنَّه (أي: القائِدَ الأَعظَمَ) سيُسَلِّكُ بلا شَكٍّ ذلك
— 728 —
الجُندِيَّ الفَردَ ويُسَيِّیرُه ضِمنَ تلك الدَّوائِرِ كلِّها ابتِداءً مِن دائِرةِ العَرِيفِ وانتِهاءً إلى دائِرَتِه العُظمَى، داا المُفدائِرةً، كي يَشْهَدَها ويُشاهَدَ مِنها؛ ثمَّ يَقبَلُه في مَقامِ حُضُورِه ويُشَرِّفُه بكَلامِه ويُكْرِمُه بأَوامِرِه وأَوْسِمَتِه، ثمَّ يُرسِلُه إلى حيثُ جاء مِنه في آنٍ واحِدٍ وفي اللَّحظةِِن بَيها.
يَنبَغي أن نَلفِتَ النَّظَرَ إلى نُقطةٍ في هذا المِثالِ وهي: إن لم يكُنِ السُّلطانُ عاجِزًا، له مَقدِرةٌ رُوحِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ كما له قُوّةٌ ظاهِرةٌ، فإنَّه لا يُوَكِّلُ أَشخاصًا أَمثالَ الفَرِيقِ والمُشِيرِ ِ واستازِمِ، وإنَّما يَحضُرُ بذاتِه في كلِّ مَكانٍ، فيُصدِرُ الأَوامِرَ بنَفسِه مُباشَرةً مُتَسَتِّیرًا ببعضِ الأَستارِ، ومِن وَراءِ أَشخاصٍ ذَوِي مَقامٍ، كما يُروَى أنَّ سَلاطِينَ كانُوا أَولياءَ نَتِه ين قد نَفَّذُوا أَوامِرَهم في دَوائِرَ كَثِيرةٍ في صُورةِ بعضِ الأَشخاصِ.
أمَّا الحَقِيقةُ الَّتي نَنظُرُ إلَيها بمِنظارِ هذا المِثالِ، فهي أنَّ الأَمرَ والحُكْمَ يَأَها تَُباشَرةً مِنَ القائِدِ العامِّ إلى كلِّ دائِرةٍ مِنَ الدَّوائِرِ، ويُنَفَّذُ هناك بأَمرِه وإرادَتِه وقُوَّتِه، حيثُ لا عَجْزَ فيه.
وهكذا على غِرارِ هذا المِثالِ: ففي كلِّ طَبَقةٍ مِن ِ النّتِ المَخلُوقاتِ وطَوائِفِ المَوجُوداتِ، مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ ومِنَ الحَشَراتِ إلى السَّماواتِ، الَّتي تَجرِي فيها وتُنَفَّلِحًا مالِ الطّاعةِ والِامتِثالِ أَوامِرُ سُلْطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ وشُؤُونُ حاكِمِ الأَرضِ والسَّماواتِ، الآمِرِ المُطلَقِ المالِكِ لِأَمرِ كُنْ فَيَكُونُ.. تُشاهَابًا لكلٍّ مِنها دائِرةُ رُبُوبيّةٍ جَلِيلة وطَبَقةُ حاكِمِيّةٍ مُهَيمِنة، بطَبَقاتٍ مُتَنوِّعةٍ وطَوائِفَ مُتَبايِنةٍ، صَغِيرةٍ وكَبِيرةٍ، جُزئِيّةٍ وكُلِّيّةٍ، مُتَوجِّهةٍ كلٌّ مِنها إلى الأُخرَى.
فلِأَجلِ فَهْمِ جَمِيعِ ا جُمِعِدِ الإلٰهِيّةِ العُلْيا والنَّتائِجِ العُظمَى المُندَرِجةِ في الكَونِ.. مِن خِلالِ مُشاهَدةِ وَظائِفِ عُبُودِيّةٍ مُتَنَوِّعةٍ لِجَميعِ الطَّبَقاتِ.. ولإدراكِ ما يُرضِي ذا العَظَمةِ والكِبْرِياءِ، برُؤْيةِ سُلْطانِ رَصَّلًَّتِه الجَلِيلةِ وهَيْبةِ حاكِمِيَّتِه العَزِيزةِ.. ولِأَجلِ أن يكُونَ داعِيًا إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى.. لا بُدَّ أن يكُونَ هناك سَتَضرّي تلك الطَّبَقاتِ، وسُلُوكٌ في تلك الدَّوائِرِ، إلى أن يَدخُلَ في العَرشِ الأَعظَمِ الَّذي هو عُنوانُ دائِرَتِه العُظمَى سُبحانَه وتَعالَى، ويَدخُلَ في قَابَ قَوْسَيْنِ أي: يَدخُلَ في مَقامٍ بينَ "الإمكانِ والوُجُوبِ" المُشارِ إلَيفيقُولابَ قَوْسَينِ"، ويُقابِلَ الذّاتَ الجَلِيلةَ الجَمِيلةَ.
فهذا السَّيرُ والسُّلُوكُ والمُقابَلةُ هو حَقِيقةُ المِعراجِ.
— 729 —
وكما يَحصُلُ لكُلِّ إنسانٍ سَرَيالأَسبَقلِه في سُرعةِ الخَيالِ، ولكُلِّ وَلِيٍّ جَوَلانٌ بقَلْبِه في سُرعةِ البَرقِ، ولكُلِّ مَلَكٍ دَوَرانٌ بجِسمِه النُّورانِيِّ في سُرعةِ الرُّوحِ، مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ ومِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ، ولِأَهلِ الجَنّةِ عُرُوجٌ في سُرعةِ البُراقِ إلَيهمَيدانِ الحَشرِ إلى الجَنّةِ وإلى ما يَزِيدُ على بُعدِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ.. فإنَّ الجِسمَ المُحَمَّدِيَّ (ص) الَّذي هو مَخزَنُ أَجهِزَتِه السّامِيةِ ومَدارُ وَظائِفَ لا تُحَدُّ لِرُوحِه العالِيويَضَعُرافِقُ تلك الرُّوحَ المُحمَّديّةَ الَّتي هي نُورٌ، وفي قابِلِيّةِ النُّورِ، وأَلْطَفُ مِن قُلُوبِ الأَولِياءِ، وأَرَقُّ مِن أَرواحِ الأَمواتِ، وأَشَفُّ مِن أَجسامِ المَلائِكةِ، وأَكثَرُ ظَرافةً مِنَ الجَسَدِ النَّجْمِيَّمَلَ َدَنِ المِثالِيِّ.. سيُرافِقُها حَتْمًا وسيَعرُجُ معَها إلى العَرشِ الأَعظَمِ..
والآنَ لِنَنظُرْ إلى المُلحِدِ الَّذي هو في مَقامِ الِاستِماعِ..
فيَرِدُ عِمْنِهالِ أنَّ ذلك المُلحِدَ يقُولُ في قَلْبِه: أنا لا أُؤمِنُ باللهِ، ولا أَعرِفُ الرَّسُولَ، فكيف أُصَدِّقُ بالمِعراجِ؟
ونحنُ نقُولُ له: ما دامَت هذه الكائِناتُ مَوجُودةً فِعلًا، وتُشاهَدرَ مِن أَفعالٌ وإيجادٌ.. وأنَّ الفِعلَ المُنتَظِمَ لا يكُونُ بلا فاعِلٍ، والكِتابَ البَلِيغَ لا يكُونُ بلا كاتِبٍ، والنَّقْشَ البَدِيعَ لا يكُونُ بلا نَقّاشٍ.. فلا بُدَّ مِن فاعِلٍ لِهذه الأَفعالِ الحَكِيمةِ الُوبيّةِ للكائِناتِ، ولا بُدَّ مِن نَقّاشٍ وكاتِبٍ لِهذه النُّقُوشِ البَدِيعةِ والرَّسائِلِ البَلِيغةِ الَّتي تَملَأُ وَجْهَ الأَرضِ وتَتَجدَّدُ كلَّ مَوْسِمٍ ومَوْسِمٍ.. وحيثُ إنَّ وُجُودَ حاكِمَينِرَدَّهمرٍ مّا يُفسِدُ نِظامَ ذلك الشَّيءِ.. وأنَّ هناك انتِظامًا كامِلًا وتَناسُقًا تامًّا، مِن جَناحِ الذُّبابِ إلى قَنادِيلِ السَّماواتِ.. إذًا فإنَّ ذلك الحاكِمَ بالأٌَ أَحَدٌ، لأنَّ الصَّنْعةَ والحِكْمةَ في كلِّ شَيءٍ هما مِنَ الإبداعِ والإتقانِ بحيثُ يَلْزَمُ أن يكُونَ صانِعُ ذلك الشَّيءِ قَدِيرًا مُطلَقًا، مرمَدِيرًا على كلِّ شيءٍ وعَلِيمًا بكلِّ شَيءٍ.. إذ لو لم يكُن واحِدًا لَلَزِمَ وُجُودُ آلِهةٍ بعَدَدِ المَوجُوداتِ، ولَغَدا كلُّ إلٰهٍ ضِدَّ الآخَرِ ومِثلَه! وعِندَئذٍ يكُونُ بَقاءُ هذا النِّظامِ دُونَ فَسادٍ مُحالًا في أَلفِ مُحالٍ!ولو كاَّ إنَّ طَبَقاتِ هذه المَوجُوداتِ لَمّا كانَت أَكثَرَ انتِظامًا وطاعةً للأَوامِرِ بأَلفِ مَرّةٍ مِن جَيشٍ مُنَظَّمٍ، كما هو مُشاهَدٌ بالبَداهةِ، إذ إنَّ كلَّ انتِظامٍ مِنِ انتِظامِ حَرَكاتِ النُّجُوملَيَمَ
والشَّمسِ والقَمَرِ إلى انتِظامِ أَزهارِ اللَّوْزِ.. يُبدِي انتِظامًا بَدِيعًا وكامِلًا فيما مَنَحَه القَدِيرُ الأَزَليُّ مِن شاراتٍ وأَوْسِمةٍ وأَلبَسَها مِِ وأَثسٍ قَشِيبٍ، وعَيَّن لها مِن حَرَكاتٍ وأَعمالٍ، يَفُوقُ ما يُبدِيه الجَيشُ مِن نِظامٍ وطاعةٍ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ.. لِذا فلِهذه الكائِناتِ حاكِمٌ مُطلَقُ الحِكْمةِ مُحتَجِبٌ وَراءَ الغَيبِ، تَتَرقَّبُ مَوجُوداتُهَ بَعضمِرَه لِتَمتَثِلَ بها.
وما دامَ ذلك الحاكِمُ المُطلَقُ سُلطانًا ذا جَلالٍ، بشَهادةِ جَمِيعِ إجراءاتِه الحَكِيمةِ، وبما يُظهِرُه مِن آثارٍ جَلِيلةٍ.. وا عن ب رَحِيمًا واسِعَ الرَّحمةِ، بما يُبدِيه مِن آلاءٍ وإحساناتٍ.. وصانِعًا بَدِيعًا يُحِبُّ صَنْعَتَه كَثِيرًا، بما عَرَضَه مِن مَصنُوعاتٍ بَدِيعةٍ.. وخالِقًا حَكِيمًا يُرشَيءٍ ثارةَ إعجابِ ذَوِي الشُّعُورِ وجَلْبَ استِحسانِهم، بما نَشَرَه مِن تَزْيِيناتٍ جَمِيلةٍ وصَنائِعَ رائِعةٍ.. ويُفهَمُ مِمّا أَبدَعَه مِن جَ لأنََّأخُذُ بالأَلبابِ في خَلْقِ العالَمِ أنَّه يُرِيدُ إعلامَ ذَوِي الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه: ما المَقصُودُ مِن هذه التَّزْيِيناتِ؟ ومِن أينَ تَأْتِي المَخلُوقاتُ وإلى أينَ المَقِّ، ؟.. فلا رَيْبَ أنَّ هذا الحاكِمَ الحَكِيمَ والصّانِعَ العَلِيمَ سيُظهِرُ رُبُوبيَّتَه الجَلِيلةَ.
وحيثُ إنَّه يُرِيدُ تَعرِيفَ نَفسِه ويُحَبِّبَها إلى ذَوِي الشُّعُورِ، بما أَظهَرَه مِن آثارِ اللُّطْفِ والرَّحْمةِ، وبحرِ؛ فَّ مِن بَدائِعِ الصَّنْعةِ.. فلا شَكَّ أنه سيُخبِرُ بوَساطةِ مُبَلِّغٍ أَمِينٍ، ما يُرِيدُه مِن ذَوِي الشُّعُورِ، وبِمَ يَرضَى عَنهم؛ وعلَيةَ الملِنُ حَتْمًا رُبُوبِيَّتَه بوَساطةِ مَن يُخَصِّصُه مِن ذَوِي الشُّعُورِ.. ويُشَرِّفُ داعِيًا مِنهم بقُرْبِ حُضُورِه، جاعِلًا مِنه واسِفيعِ الانٍ عن مَصنُوعاتِه المَحبُوبةِ لَدَيه.. وسيُعَيِّنُ مُعَلِّمًا يُظهِرُ كَمالاتِه بتَعلِيمِ مَقاصِدِه العُلْيا إلى سائِرِ ذَوِي الشُّعُورِ.. وسيُعَيِّنُ مُرشِدًا يَدُلُّ على مَغزَى المَوجُوداتِ كَيلا يَبقَى ما أُدرِجفَصِيلذا الكَونِ مِن طِلَّسْمٍ دُونَ كَشْفٍ، وما أَخفَى في هذه المَوجُوداتِ مِن شُؤُونِ الرُّبُوبيّةِ دُونَ مَعنًى.. وسيُعَيِّنُ رائِدًا يُعَلِّمُ مَقاصِدَهُ كيلا يَبقَى عَبَثًا دمَن كاَفْعٍ ما أَظهَرَه مِن مَحاسِنِ الصَّنْعةِ، أو نَشَرَه أَمامَ الأَنظارِ.. وسيَرفَعُ أَحَدَهم ويَعرُجُ به إلى مَقامٍ أَعلَى مِن جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ، ويُعَلِّمُه مَرْضِيّاتِهِ، ويُرْسِلُه إلَيهم.
فما دامَتِ الحَقِيقةُ والحِكمةُ تَقتَضِي الزَّا، فإنَّ أَلْيَقَ وأَجدَرَ مَن يُوفي حَقَّ هذه الوَظائِفِ هو مُحمَّدٌ (ص) فلقد أَدَّى تِلك الوَظائِفَ فِعلًا بأَكمَلِ صُورةٍ.. والشّاهِدُ العَدْلُ الصَّادِقُ على ذلك هو ما أَسَّسَفانِ بالَمِ الإسلامِ وما أَظهَرَه مِن نُورِ الإسلامِ المُبِينِ.
— 731 —
لِذا فلِأَجلِ ما سَبَقَ يَلْزَمُ أن يَعرُجَ ويَعلُوَ بهذا النَّبيِّ الكَرِيمِ مٌ يُبلُوًّا مُباشَرًا إلى مَقامٍ رَفِيعٍ يَسمُو على جَمِيعِ الكائِناتِ ويَتَجاوَزُ جَمِيعَ المَوجُوداتِ، كي يَحظَى بالمُثُولِ بينَ يَدَيْ رَبِّ العالَمِين.
فالمِعراجُ يُفِيدُ هذه الحَقِيقةَ.
حاصِلُ الكَلامَِذي يُ الحَكِيمَ المُطلَقَ قد زَيَّن هذه الكائِناتِ العَظِيمةَ ونَظَّمَها إظهارًا لِأَمثالِ هذه المَقاصِدِ العُظمَى والغاياتِ الجَلِيلةِ.. وإنَّ في هذه المَوجُوداتِ نَوعَ الإنسانِ الالمُحََستَطِيعُ أن يُشاهِدَ هذه الرُّبُوبيّةَ العامّةَ بجَمِيعِ دَقائِقِها، وهذه الأُلُوهِيّةَ الجَلِيلةَ بجَمِيعِ حَقائِقِها.. فلا رَيبَ أنَّ ذلك الحَوالصَّالمُطلَقَ سيَتَیكلَّمُ معَ الإنسانِ وسيُعْلِمُه مَقاصِدَه.
وحيثُ إنَّ كلَّ إنسانٍ لا يَستَطِيعُ أن يَرقَى إلى أَعلَى مَقامٍ كُلِّيٍّ مُتَجَرِّدًا مِنَه وكَمئيّةِ والسُّفلِيّةِ، فلا جَرَمَ أنَّ بعضًا مِن أَفرادٍ خَواصَّ مِن بينِ أُولَئِك النّاسِ سيُكَلَّفُ بتلك الوَظِيفةِ، لِيَكُون ذا عَلاقةٍ معَ جِهَتَينِ معًا، أيَظَرِ نَ إنسانًا لِيُعَلِّمَ النّاسَ، وفي الوَقتِ نَفسِه يكُونُ ذا رُوحٍ في غايةِ السُّمُوِّ لِيَحظَى بشَرَفِ الخِطابِ الإلٰهِيِّ مُباشَرةً.
وبعدُ، الأَبَّ أَفضَلَ مَن بَلَّغ مَقاصِدَ رَبِّ العالَمِين مِن بينِ البَشَرِ، وكَشَفَ طِلَّسْمَها وحَلَّ لُغْزَ الخَلْقِ، وأَكمَلَ مَن دَعا إلى عَظَمةِ مَحاسِنِ الرُّبُوبيّةِ هو مُحمَّدٌ (ص)، فلا رَيبَ أن سيكلِ وت له مِن بينِ البَشَرِ سَيرٌ وسُلُوكٌ مَعنَوِيٌّ سامٍ، بحيثُ يكُونُ له مِعراجًا في صُورةِ سَيرٍ وسِياحةٍ في العالَمِ الجِسمانِيِّ، وسيَِ السّالمَراتِبَ إلى ما وَراءَ طَبَقاتِ المَوجُوداتِ وبَرزَخِ الأَسماءِ وتَجَلِّي الصِّفاتِ والأَفعالِ المُعَبَّرِ عنها بسَبعِين أَلفَ حِجابٍ.
فهذا هو المِعراجُ.
ويَرِدُ على البالِ أيضًا أنَّك أيُّها المُستَمِعُ تقُولُ مِن يقيِّ،ِ قَلبِك: إنَّ رَبًّا هو أَقرَبُ إلَينا مِن كلِّ شَيءٍ، ماذا يَعنِي المُثُولُ بينَ يدَيه بعدَ قَطْعِ مَسافةِ أُلُوفِ السِّنِينَ والمُرُورِ مِن سَبعِين أَلفَ حِجابٍ؟ كيف أُصَدِّقُ بهذا؟
— 732 —
ونحنُ نقُولُ: إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى أَقربةِ الى كلِّ شَيءٍ مِن كلِّ شَيءٍ، إلّا أنَّ كلَّ شَيءٍ بَعِيدٌ عنه بُعدًا مُطلَقًا؛ فلو فَرَضْنا أنَّ للشَّمسِ شُعُورًا وكَلامًا، فإنَّها تَستَطِيعُ أن تَتَیكلَّمَ معَك بالمِرآةِ الَّتي في يَدِك، وتَتَصرَّفَ فيكو القَِشاءُ، فبَينَما هي أَقرَبُ إلَيك مِن بُؤبُؤِ عَينِك الشَّبِيهةِ بالمِرآةِ، فأَنت بَعِيدٌ عنها بأَربَعةِ آلافِ سَنةٍ تَقرِيبًا، ولا يُمكِنُك التَّقَرُّبُ إلَيها بحالٍ مِنَغزَى..والِ؛ حتَّى لو تَرَقَّيتَ إلى مَقامِ القَمَرِ، وعَلَوْتَ إلى نُقطةٍ مُقابِلةٍ لها مُباشَرةً، فلا تكُونُ سِوَى ما يُشبِهُ مِرآةً عاكِسةً لها.
وهكذا، فإنَّنِ إلى جَلَّ جَلالُه وهو شَمْسُ الأَزَلِ والأَبدِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی أَقرَبُ إلى كلِّ شَيءٍ مِن كلِّ شَيءٍ، معَ أنَّ كلَّ شَيءٍ بَعِيدٌ عنه بُعْدًا مُطلَقًا؛ إتَّعلِن يَقطَعُ جَمِيعَ المَوجُوداتِ، ويَتَخلَّصُ مِنَ الجُزئِيّةِ ويَرتَقِي في مَراتِبِ الكُلِّيّة مُتَدَرِّجًا في مَرتَبةٍ مِن بَعدِ مَرتَبةٍ، ويَمضِي عَبْرَ آلافِ الحُجُبِ ويَتَقرَّاصُّ، اسمٍ مُحِيطٍ بالمَوجُوداتِ كلِّها، فيَقطَعُ مَراتِبَ كَثِيرةً أَمامَه، ثمَّ بعدَ ذلك يَتَشرَّفُ بنَوعٍ مِنَ القُربِ.
ومِثالٌ آخَرُ:إنَّ الجُندِيَّ الفَردَ بَعِيدٌ جِدًّا عنِ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ للق يُلقِالأَعظَمِ، فهو يَنظُرُ إلى قائِدِه مِن مَسافةٍ في غايةِ البُعدِ ومِن خِلالِ حُجُبٍ مَعنَوِيّةٍ كَثِيرةٍ، فيَراه في نَمُوذَجٍ مُصَغَّرٍ في مَرتَِيلٌ، عَرِيفِ؛ أمّا الرَّغبةُ بالقُربِ الحَقِيقيِّ مِنَ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ للقائِدِ الأَعظَمِ، فيَلزَمُه لِأَجلِ ذلك المُضِيُّ في مَراتِبَ كُلِّيّةٍ كَثِيرةٍ كمَراتِبِ المُلازِمِ والنَّقِيبِسَّمْعائِدِ وهكذا. بَينَما القائِدُ الأَعظَمُ مَوجُودٌ عِندَه ويَراه بأَمرِه وقانُونِه ومُراقَبَتِه وحُكْمِه وعِلْمِه، وهو مَوجُودٌ بذاتِه إزاءَه إن كان قائِدًا في المَعنَى والرُّوح، كما هو في الصُّورةِ والظّاهِرثلاثةََمّا كانَت هذه الحَقِيقةُ قد أُثبِتَت إثباتًا قاطِعًا في "الكَلِمةِ السّادِسةَ عَشْرةَ" نَكتَفِي هنا بهذا القَدْرِ المُختَصَرِ.
ويَرِدُ على البالِ
تَ أنَّك تقُولُ مِن قَلبِك: إنَّني أُنكِرُ وُجُودَ السَّماواتِ ولا أُؤمِنُ بالمَلائِكةِ، فكيفَ أُصَدِّقُ سَيْرَ إنسانٍ وتَجوالَه في السَّماواتِ ومُقابَلَتَه المَلائِكةَ؟ُ جَذْم، لا شَكَّ أنَّ إراءةَ شَيءٍ وإفهامَ أَمرٍ إلى مَن كان مِثلَك وقد أُسدِلَتِ الغِشاوةُ على بَصَرِه وانحَدَرَ عَقلُه إلى عَينِه فلم يَعُدْ يَرَى إلّا المادّةَ، شَيءٌ صَعْبٌ وعَسِيرٌ، ولكِن لِشِدّةِ نَصاعةِلضِّياِّ ووُضُوحِه يَراه حتَّى العُمْيانُ.
— 733 —
لِذا نقُولُ: إنَّه مِنَ المُتَّفَقِ علَيه أنَّ الفَضاءَ العُلْوِيَّ مَملُوءٌ بی"الأَثِيرِ"، فالضَّوءُ والكَهرَباءُ والحَرَى مِنأَمثالُها مِنَ السَّيّالاتِ اللَّطِيفةِ دَليلٌ على وُجُودِ مادّةٍ مالِئةٍ للفَضاءِ.
فكما تَدُلُّ الثَّمَراتُ على شَجَرَتِها، والأَزهارُ على رَوْضَتِها، والسَّنابِلُ على مَزْرَعَتِها، والأَسماكُ على بَحْرِها حث الثاهةِ، فهذه النُّجُومُ أيضًا تَقتَحِمُ عُيُونَ العُقُولِ دالّةً بالضَّرُورةِ على وُجُودِ رَوْضَتِها ومَنْشَئِها ومَزْرَعَتِها وبَحْرِها.
فما دامَ العالَمُ نها الوِيُّ مَبنِيًّا بأَشكالٍ مُتَنوِّعةٍ، كلٌّ مِنها يُبيِّنُ أَحكامًا مُختَلِفةً في أَوضاعٍ مُختَلِفةٍ، فإنَّ مَنْشَأَ تلك الأَحكامِ یی أي: السَّماواتِ یی مُختَلِفٌ أيضًا بعضُها عن بعضك لأنّكما أنَّ في الإنسانِ أَنماطًا مِن وُجُودٍ مَعنَوِيٍّ، عدا الجِسمِ المادِّيِّ، كالعَقلِ والقَلبِ والرُّوحِ والخَيالِ والحافِظةِ وغيرِها، ففي العالَمِ أيضًا الَّذي هو على صُورةِ إنسانٍ أَكبَرَ، وفي الكائِناتِ الَّتي هي شَجَرةُ ثَمَرةِ الإنسانِالقابِلِمُ أُخرَى سِوَى العالَمِ الجِسْمانِيِّ، فَضْلًا عن أنَّ لِكُلِّ عالَمٍ مِنَ العَوالِمِ سَماءَه ابتِداءً مِن عالَمِ الأَرضِ حتَّى عالَمِ الجَنّةِ.
ونقُولُ بمُناسَبةِ المَلائِكةِ: إنَّ الأَرضَ وهي مِنَ السَّيّاراتِ المُتَوسِّطةِ الحَجْلكَونُغِيرةٌ وكَثيفةٌ بالنِّسبةِ إلى النُّجُومِ، إن كانَت مَلِيئةً بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن أَنماطِ الحَياةِ والشُّعُورِ، وهما أَثمَنُ شَيءٍ في المَوجُوداتِ وأَنوَرُها، فكيف بالسَّماواتِ الَّتي هي بِحارٌ واسِعةٌ تَسبَحُ فيها نُجُومٌ ك لَوْن عِماراتٌ مُزْدانةٌ وقُصُورٌ شاهِقةٌ بالنِّسبةِ إلى الأَرضِ الَّتي هي بَيْتٌ مُظلِمٌ صَغِيرٌ؟
إذًا فالسَّماواتُ مَساكِنُ ذَوِي شُعُورٍ وذَوِي حَياةٍ، وبأَجناسٍ مُتَنوِّعةٍ وبأَعدادٍ لالثّاندُّ ولا تُحصَى، وهُمُ المَلائِكةُ والرُّوحانيّاتُ؛ وحيثُ إنَّنا أَثبَتْنا إثباتًا قاطِعًا وُجُودَ السَّماواتِ وتَعَدُّدَها في تَفسِيرِنا المُسَمَّى بی"إشاراتِ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" وذلك في تَفسبّةِ اَولِه تَعالَى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وكذا أَثْبَتْنا وُجُودَ المَلائِكةِ إثباتًا لا يَدنُو مِنه الشَّكُّ في "الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِين"، نُوجِزُ ٍ واسِبَحثَ ونُحِيلُه إلى تِلكُما الرِّسالَتَينِ.
— 734 —
الحاصِلُ:إنَّ وُجُودَ السَّماواتِ الَّتي قد سُوِّيَت مِنَ الأَثيرِ وأَصبَحَت مَسَارَ الضَّوءِ والحَرارةِ والجاذِبِيّةِ وأِ الَّا مِنَ السَّيّالاتِ اللَّطِيفةِ، وظَلَّت مُلائِمةً لِحَرَكاتِ النُّجُومِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ كما أَشارَ إلَيها الحَدِيثُ الشَّرِيفُ"السَّماءُ مَودَمُ اْفُوفٌ"قد أَخَذَت أَوْضاعًا مُختَلِفةً وأَشكالًا مُتَبايِنةً، مِن دَرْبِ التَّبّانةِ (المُسَمَّى بمَجَرّةِ السَّماءِ) إلى أَقرَبِ كَوْكَبٍ سَيّارٍ إلَينا، في سَبعِ طَبَقاتٍ، كلٌّ مِنها بحُكمِ سَقفٍ لِعالَمٍ آخَرَ، مِن عالَدقٌ، وَرضِ إلى عالَمِ البَرزَخِ إلى عالَمِ المِثالِ، وإلى عالَمِ الآخِرةِ.. هكذا تَقتَضِي الحِكْمةُ ومَنطِقُ العَقلِ.
ويَرِدُ على البالِ أيضًا: أيُّها المُلحِدُ.. أوبانجِولُ: إنَّنا لا نَصعَدُ بالطّائِرةِ إلى الأَعالي إلّا بشِقِّ الأَنفُسِ ونَصِلُ بصُعُوبةٍ بالِغةٍ إلى مَسافةِ بِضْعِ كِيلُومِتراتٍ، فكيفَ يُمكِنُ لإنسانٍ أن يَقطَعَ بجِسمِه مَسافةَ أَُّلام السِّنِينَ ثمَّ يَعُودَ إلى حَيثُ أَتَى في بِضعِ دَقائِقَ؟!
ونحنُ نقُولُ: إنَّ جِسْمًا ثَقِيلًا كالأَرضِ يَقطَعُ في الدَّقِيقةِ الواحِد المِثافةَ ثَمانٍ وثَمانِينَ ومِئةِ ساعةٍ تَقْرِيبًا بحَرَكَتِه السَّنَوِيّةِ، حَسَبَ ما تَوَصَّلْتُم إلَيه مِن عِلْمٍ. أي: تُقطَعُ الأَرضُ مَسافةَ خَمسٍ وعِشرِين أَلفَ سَنةٍ في السَّنةِ الواحِدةِ! أليس یی يا تُرَى یی ذلك القدِيرُ ذُو انُها وِ الَّذي يُسَيِّیرُ هذه الأَرضَ بهذه الحَرَكاتِ المُنتَظِمةِ الدَّقِيقةِ، قادِرًا على أن يَأْتِيَ بإنسانٍ إلى العَرشِ؟ وألا تَستَطِيعُ تلك الحِكْمةُ الَّتي تُجرِي الأَرضَ الثَّقِيلةَ یی كالمُرِيدِ المَوْلَوِيِّ یی بقلزَّوا رَبّانِيٍّ يُطلَقُ علَيه اسمُ جاذِبِيّةِ الشَّمسِ، أن تَرْقَى بجِسمِ إنسانٍ إلى عَرشِ الرَّحمٰنِ كالبَرقِ، بجاذِبةِ رَحْمةِ الرَّحمٰنِ ي العاذابِ مَحَبّةِ نُورِ السَّماواتِ والأَرضِ؟
ويَرِدُ على البالِ أَيضًا أنَّك تقُولُ: هَبْ أنَّه يَستَطِيعُ أن يَرْقَى ويَعرُجَ إلى السَّماءِ، ولكن لِماذا عُرتِ حِي؟ وأيُّ ضَرُورةٍ للعُرُوجِ؟ أما كان يَكفِيه أن يَعرُجَ بقَلْبِه ورُوحِه كما يَفعَلُه الأَولياءُ الصّالِحُون؟
ونحنُ نقُولُ: ما دامَ الصّانِعُ الجَلِيلُ قد أَرادَ إظهارَ آياتِه الكُبْرَى له (ص) في مُلْكِه ومَلَكُوتِه، وأَرادَ إخَمسةٍَه على مَنابِعِ ومَصانِعِ هذا العالَمِ، وأَرادَ إِراءَتَه النَّتائِجَ الأُخرَوِيّةَ لِأَعمالِ البَشَرِ.. فلا شَكَّ في أن يَصْحَبَ معَه إلى العَرشِ بَصَرَه ايقاتٍ هو في حُكْمِ مِفتاحٍ لِعالَمِ المُبصَراتِ، وسَمْعَه الَّذي يَطَّلِعُ به على آياتِ عالَمِ المَسمُوعاتِ. كما أنَّ مِن
— 735 —
مُقتَضَى العَقلِ والحِكْمةِ أن يَصْحَبَ معَه إلى العَرشِ جِسْمَه المُبارَكَ أيضًا اللكَثِيو في حُكْمِ ماكِنةِ آلاتٍ وأَجهِزةٍ تَدُورُ علَيها وَظائِفُ رُوحِه الَّتي لا تُحَدُّ. إذ كما تَجعَلُ الحِكْمةُ الإلٰهِيّةُ الجِسْمَ رَفِيقًا للرُّوحِ في الجَنّةِ، حيثُ الجَسَدُ مَناطُ كَثِيرٍ مِن وَظائِفِ العُبُوُشاهِد وما لا يُحَدُّ مِنَ اللَّذائذِ والآلامِ، فلا بُدَّ أنَّ ذلك الجَسَدَ المُبارَكَ سيُرافِقُ الرُّوحَ. وحيثُ إنَّ الجِسمَ يَدخُلُ الجَنّةَ معَ الرُّوحِ، حاتٍ ح مِن مَحْضِ الحِكْمةِ أيضًا جَعْلُ جَسَدِه المُبارَكِ رَفِيقًا للذّاتِ المُحَمَّدِيّة (ص) الَّتي عُرِجَ بها إلى سِدْرةِ المُنتَهَى الَّتي هي جَسَدُ جَنّةِ المَأْوَى.
ويَرِدُ على البالِ أدِرٌ عأنَّك تقُولُ: إنَّه مُحالٌ عَقْلًا قَطْعُ مَسافةِ أُلُوفِ السِّنِينَ، في بِضْعِ دَقائِقَ؟
ونحنُ نقُولُ: إنَّ الحَرَكاتِ فيما صَنَعَه الصّانِعُ الجَلِيلُ في غايةِ الِاختِلافِ والتَّبايُنِ؛فمَثلًا:إنَّ لْأَنْاختِلافِ سُرْعةِ الصَّوْتِ والضَّوْءِ والكَهْرَباءِ والرُّوحِ والخَيالِ مَعلُومٌ لَدَيْنا، فسُرعةُ الكَواكِبِ السَّيّارةِ أَيضًا یی كما هو مَعلُومٌ عِلْمِيًّا یی فيها مئِرةً ِاختِلافِ ما يُحَيِّیرُ العُقُولَ؛ فكيف تَبدُو حَرَكةُ جِسْمِه اللَّطِيفِ (ص) الَّذي اكتَسَبَ بالعُرُوجِ سُرْعةً، فتَبِعَ رُوحَه السّامِيةَ، تلك الحَرَكةُ السَّرِيعةُ سُرْعةَ الرُّوحِ مُخالِفةً للعَقلِ؟
فِئانِ بنَفسِك إذا نِمْتَ عَشْرَ دَقائِقَ، تَتَعرَّضُ إلى حالاتٍ قد لا تَتَعرَّضُ لها في اليَقَظةِ في سَنةٍ، حتَّى إنَّ ما يَراه الإنسانُ في الرُّؤْيا في دَقِيقةٍ واحِدةٍ وما يَسمَعُ فيها مِن كَلامٍ وما يَنطِقُ به مِن أَقوالٍ إذا ماصةٍ علَ وضُمَّ بَعضُه إلى بَعضٍ فإنَّه يَلْزَمُه مُدّةَ يومٍ أو أَكثَرَ في عالَمِ اليَقَظةِ. فالزَّمانُ الواحِدُ إذًا بالنِّسبةِ لِشَخْصَينِ، يُمكِنُ أن يكُونَ في حُكْمِ يَومم مُنذدٍ لِأَحَدِهما وسَنةٍ واحِدةٍ للآخَرِ.
فانظُرْ إلى هذا المَعنَى بمِنظارِ هذا المِثالِ: لِنَفْتَرِضْ وُجُودَ ساعةٍ لِقِياسِ سُرعةِ حَرَكاتِ الإنسانِ والطَّلْقةِ ٌ لِذاوتِ والضَّوْءِ والكَهرَباءِ والرُّوحِ والخَيالِ؛ وفي هذه السّاعةِ عَقارِبُ: عَقْرَبٌ يَعُدُّ السّاعاتِ، وآخَرُ يَعُدُّ الدَّقائِقَ في دائِرةٍ أَوسَعَ مِنَ الأُولَى سِتِّين مَرّةً، وعَقرَبٌ آخَرُ يَعُدُّ الثَّوانِيَ في دا ٭ ٭أَوسَعَ مِن هذه سِتِّين مَرّةً، وآخَرُ
— 736 —
يَعُدُّ الثَّوالِثَ في دائِرةٍ أَوسَعَ مِن هذه سِتِّين مَرّةً.. وهكذا عَقارِبُ الرَّوابِعِ و وإلى مِسِ والسَّوادِسِ والسَّوابِعِ والثَّوامِنِ والتَّواسِعِ والعَواشِرِ؛ أي: تكُونُ للسّاعةِ عَقارِبُ عَجِيبةٌ كلٌّ مِنها يَدُورُ في دائِرةٍ أَوسَُها، لَ الَّتي قَبْلَها بسِتِّين ضِعْفًا. فلو كانَت دائِرةُ العَقْرَبِ العادِّ للسّاعاتِ بقَدْرِ ساعَتِنا اليَدَوِيّةِ الصَّغِيرةِ، فيَلْزَمُ أن تكُونَ دائِرةُ العَقْرَبِ العادِّ للعَوسِيلةًبمِقْدارِ المَدارِ السَّنَوِيِّ للأَرضِ أو أَكبَرَ مِنه.
والآنَ لِنَفْتَرِضْ أنَّ هناك شَخْصَينِ: أَحَدُهما: كأنَّه قد رَكِبَ عَقْرَبَ السّاعاتِ فيُراقِبُ ويَطَّلِعُ على ما حَوْلَه. والآخَرُ: كأنَّه قد رَكِبَ عَقْرَبَ العَواشِرِ ويُشاهِدرْ لي َوْلَه؛ فالفَرْقُ بينَ ما يُشاهِدُه الشَّخْصانِ مِن أَشياءَ في زَمانٍ واحِدٍ، هو نِسبةُ الفَرْقِ بينَ ساعَتِنا اليَدَوِيّةِ ومَدارِ الأَرضِ السَّنَوِيِّ، أي: إنَّ الفَرقَ هائِلٌ جِدًّا، وهكذا فلِأَنَّ الزَّمانَ عِبارةٌ عنَّ مَنٍ مِن أَلوانِ الحَرَكةِ وصِبْغَتِها أو شَرِيطٍ لها، فالحُكْمُ الجارِي في الحَرَكاتِ جارٍ أيضًا في الزَّمانِ؛ إذ بَيْنا نُشاهِدُ في ساعةٍ واحِدةٍ بقرٌ قُرما يُشاهِدُه الرّاكِبُ ذُو الشُّعُورِ على عَقْرَبِ السّاعاتِ، وحَقِيقةُ عُمُرِه هي بالقَدْرِ نَفسِه، فإنَّ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) في الزَّمانِ نَفسِه یی كالرَّاكِبِ على عَقْرَبِ العَواشِرِ یی في تلك ِيلِ وةِ المُعَيَّنةِ يَركَبُ بُراقَ التَّوفِيقِ الإلٰهِيِّ ويَقطَعُ جَمِيعَ دَوائِرِ المُمكِناتِ كالبَرْقِ ويَرَى آياتِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ويَرتَقِ جَمِينُقطةِ دائرةِ الوُجُوبِ، ويَتَشَرَّفُ باللِّقاءِ والكَلامِ، ويَحظَى برُؤيةِ الجَمالِ الإلٰهِيِّ، ويَتَلقَّى العَهْدَ والأَمرَ الإلٰهِيَّ لِأَداءِ وَظِيفةٍ ثمَّ يعُودُ. وقدَحِيفةفِعلًا.. وهو كذلك.
ويَرِدُ على البالِ أيضًا: أنَّكم تقُولُون: نعم، يَجُوزُ، ولَرُبَّما يُمكِنُ أن يَحدُثَ! ولكن لا يَقَعُ فِعلًا كلُّ ما هو مُحتَمِلُ الوُقُوعِ ومُمكِنٌ، واقُه، يَصِحُّ أن يُحْكx! على شَيءٍ ليس له مَثِيلٌ، بمُجَرَّدِ احتِمالِ وُقُوعِه؟
ونحنُ نقُولُ: إنَّ أَمثالَ المِعراجِ كَثِيرةٌ لا تُحصَى، فكلُّ ذِِيعَ أرٍ مَثلًا يَرْقَى بنَظَرِه مِنَ الأَرضِ إلى كَوْكَبِ "نِبْتُون" في ثانيةٍ واحِدةٍ.. وكلُّ ذِي عِلمٍ يَذهَبُ بعَقْلِه راكِبًا قَوانِينَ الفُلْكِ إلى ما وَراءَ النُّجُومِ والكَواكِبِ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ.. وكلُّ ذِي إيمانٍ يُركِّبُ فِكْرَه علرُ والالِ الصَّلاةِ وأَركانِها مُودِعًا الكائِناتِ وَراءَ ظَهْرِه فيَذهَبُ إلى الحُضُورِ الإلٰهِيِّ
— 737 —
بما يُشْبِهُ المِعراجَ.. وكلُّ ذِي قَلْبٍ یی وهيٍّ كامِلٍ يَستَطِيعُ أن يَمضِيَ بالسَّيرِ والسُّلُوكِ مِنَ العَرْشِ ومِن دائِرةِ الأَسماءِ والصِّفاتِ في أَربَعِين يومًا.. حتَّى إنَّ الشَّيخَ الگيْلانِيَّ والإمامَ الرَّبّانِيَّ وأَمثةِ مَس مِنَ الأَفذاذِ قد حَصَل لهم عُرُوجٌ رُوحِيٌّ إلى العَرشِ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ، كما يُخبِرُون برِواياتٍ صادِقةٍ.. وإنَّ المَلائِكةَ الَّذين هم أَجسامٌ ُ المُيّةٌ يَحصُلُ لهم ذَهابٌ وإيابٌ مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ ومِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ في زَمَنٍ قَصِيرٍ جِدًّا.. وإنَّ أَهلَ الجَنّةِ يَعرُجُون مِنَ المَحشَرِ إلى رَوذُ العالجَنّاتِ في زَمانٍ قَصِيرٍ.
فهذا القَدْرُ مِنَ الأَمثِلةِ الكَثِيرةِ يُبيِّنُ قَطْعًا أنَّ سُلْطانَ جَمِيعِ الأَولياءِ والمُرسَلِين وإيمانَ َمِيعِ المُؤمِنين وسَيِّدَ جَمِيعِ أَهلِ الجَنّةِ ومَقبُولَ جَمِيعِ المَلائِكةِ، ذلِكُمُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) بلا شَكٍّ يَحصُلُ له مِعراجٌ يكُونُ مَدارُ سَيرِه وسُلُوكِه إلى اللهِ بما يَلِيقُ بمَقامِه ذلك ايعِ.
فهذه هي الحِكْمةُ بعَينِها، وفي غايةِ المَعقُوليّةِ، وهي واقِعةٌ فِعْلًا دُونَ أَدنَى رَيبٍ.
الأساسُ الثّالث
ما حِكْمةُ المِعراجِ؟
الجَوابُ:أنَّ حِكْمةَ المِعراجِ هي مِنَ الرِّفعةِ والسُّمُوِّ بحَيثُ يَعجِزُ الفِكْرةٍ، وكشَرِيُّ عن إدراكِها، وهي مِنَ العُمقِ والغَوْرِ بما يَقصُرُ عن تَناوُلِها، وهي مِنَ الدِّقّةِ واللُّطْفِ بما يَدِقُّ عن أن يَراها العَقلُ بمُفرَدِهءِ تُعولكِن على الرَّغمِ مِن عَدَمِ القُدرةِ على إدراكِ حَقائِقِ هذه الحِكْمةِ واستِيعابِها، فإنَّه يُمكِنُ أن يُعرَفَ وُجُودُها ببعضِ الإشاراتِ كما صَّمَدي:
لِأَجلِ إظهارِ نُورِ وَحْدَتِه سُبحانَه وتَعالَى وتَجَلِّي أَحَدِيَّتِه في طَبَقاتِ المَخلُوقاتِ، اصطَفَى خالِقُ الكائِناتِ ورَبُّ العالَمِين فَرْدًا مُتَمَيِّیزًا بمِعراجٍ، هو كخَيْطِ اتِّصالٍ نُورانِيٍّ بينَ مُننعةِ اطَبَقاتِ كَثْرةِ المَوجُوداتِ إلى مَبْدَأِ الوَحْدةِ، مُتَّخِذًا إيّاه مَوْضِعَ خِطابِه، باسمِ
— 738 —
جَمِيعِ المَخلُوقاتِ.. مُعَلِّمًا إيّاه، وبه النّاصِدَه الإلٰهِيّةَ باسمِ ذَوِي الشُّعُورِ.. لِيَشْهدَ بنَظَرهِ جَمالَ صَنْعَتِه وكَمالَ رُبُوبيَّتِه في مِرآةِ مَخلُوقاتِه، ويُشهِدَ الآخَرِتَّعمِرَ الجَمالِ والكَمالِ.
إذ ما دامَ رَبُّ العالَمِين له جَمالٌ مُطلَقٌ وكَمالٌ مُطلَقٌ یی بشَهادةِ آثارِه ومَصنُوعاتِه یی وأنَّ الجَمالَ والكَمالَ مَحبُوبانِ لِذاتَيهِما، فمالِكُ ذلك الجَُحِبُّالكَمالِ إذًا له مَحَبّةٌ بلا نِهايةٍ لِجَمالِه وكَمالِه، وتلك المَحَبّةُ تَظهَرُ بوُجُوهٍ عِدّةٍ وأَنماطٍ كَثِيرةٍ في المَصنُوعاتِ؛ فيُولِي سُبحانَه مَصنُوعاتِه حُوحَمْدلِما يَرَى فيها مِن أَثَرِ جَمالِه وكَمالِه..
ولَمّا كان أَحَبُّ المَصنُوعاتِ وأَسماها لَدَيه ذَوِي الحَياةِ.. وأَحَبُّ ذَوِي الحَياةِ وأَسماهم ذَوِي الشُّعُورِ.. وأَحَبُّ ذَوِي الشُّقرِّب یی باعتِبارِ جامِعِيّةِ الِاستِعدادتِ یی هو ضِمنَ الإنسانِ.. فأَحَبُّ إنسانٍ إذًا هو ذلك الفَردُ الَّذي انكَشَفَتِ استِعداداتُه انكِشافًا تامًّا، فأَظهَرَ إظهارًا كامى العََماذِجَ كَمالاتِه سُبحانَه المُنتَشِرةِ في المَصنُوعاتِ والمُتَجَلِّيةِ فيها.
وهكذا، فصانِعُ المَوجُوداتِ لِأَجلِ مُشاهَدةِ جَمِيعِ أَنواعِ تَجَلِّي المَحَبّةِ المَبثُوثةِ في جَمِيعِ المَوجُوداتِمِن مُُقطةٍ، في مِرآةٍ.. ولِأَجلِ إظهارِ جَمِيعِ أَنواعِ جَمالِه یی بسِرِّ الأَحَدِيّةِ یی اصطَفَى مَن هو ثَمَرةٌ مُنَوَّرةٌ مِن شَجَرةِ الخَلْقِ، ومَن قَلْبُه في حُكْمِ نَواةٍ قادِرةٍ على استِيعابِ حَقائِقِ تلك الشَّجَرةِ الأَساِقةِ ی.. اصطَفاه بمِعراجٍ، هو كخَيطِ اتِّصالٍ نُورانِيٍّ بينَ النَّواةِ والثَّمَرةِ، أي: مِنَ المَبْدَأِ الأَوَّلِ إلى المُنتَهَى، مُظهِرًا مَحبُوبِيّةَ ذلك الفَردِ الفَذِّ أمامَ الكائِناتِ؛ فرَقّاه إلى حُضُورِه، وشَرَّفَه برتَمَيّجَمالِه، وأَكرَمَه بأَمرِه، وأَناطَ به وَظِيفةً جَعَل ما عِندَه مِن حالةٍ قُدسِيّةٍ تَسرِي إلى الآخَرِين.
سنَرصُدُ هذه الحِكْمةَ الإلٰهِيّةَ مِن خِلالِ مِثالَفاطِرِنَينِ:
الأوَّلُ:وهو ما بَيَّنّاه مُفَصَّلًا في "الكَلِمةِ الحادِيةَ عَشْرةَ" وكما يأتي:
إذا ما وُجِدَت لِسُلطانٍ عَظِيمٍ خَزائِنُ كَثِيرة تَجرًِا مَلْأَى بأَنواعٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى مِنَ الجَواهِرِ النَّفِيسةِ والأَلماساتِ الفَرِيدةِ، وكانَت له مَهارةٌ فائِقةٌ في بَدائِعِ الصَّنعةِ، وله مَعرِفةٌ واسِعةٌ بفُنُونٍرِ والبةٍ لا تُحصَرُ، وإحاطةٌ تامّةٌ بها، معَ اطِّلاعٍ شامِلٍ على عُلُومٍ بَدِيعةٍ لا حَدَّ لها، وعِلمٍ كامِلٍ بها.. فلا شَكَّ أنَّ ذلك السُّلطانَ ذا البَدائِعِ والفُنُونِ سيُرِيدُ
— 739 —
فَتْحَ مَعرِضٍ عامٍّ، يَعرِضُ فيه مَعرُوَّبِيعالقَيِّمةَ یی حيثُ إنَّ كلَّ ذِي جَمالٍ وكَمالٍ يُرِيدُ مُشاهَدةَ وإشهادَ جَمالِه وكَمالِه یی وذلك لِيَصْرِفَ أَنظارَ الأَهلِين إلى رُؤيةِ عَظَمةِ سَلطَ إلى اويُشهِدَهم شَعْشَعةَ ثَرْوَتِه وخَوارقَ صَنْعَتِه وعَجائِبَ مَعرِفَتِه، وذلك لِيُشاهِدَ جَمالَه وكَمالَه المَعنَوِيَّينِ على وَجهَينِ:
٭
هٍ: بنَظَرِه الثّاقِبِ الدِّقِيقِ، وآخَرَ: بنَظَرِ الآخَرِين.
وبِناءً على هذه الحِكْمةِ؛ سيَشْرَعُ هذا السُّلطانُ العَظِيمُ حَتْمًا بتَشيِي(ص) عُْرٍ عَظِيمٍ واسِعٍ مَهِيبٍ، ويُقَسِّمُه تَقسِيمًا بارِعًا إلى دَوائِرَ وطَوابِقَ ومَنازِلَ فَخْمةٍ، مُوَشِّحًا كلَّ قِسمٍ بجَواهِرِ ومُرَصَّعاهةِ نُائِنِه المُتَنوِّعةِ، مُجَمِّلًا إيّاه بأَجمَلِ ما أَبدَعَتْه يَدُ صَنْعَتِه وأَلطَفِها، مُنَظِّمًا إيّاه بأَدَقِّ دَقائِقِ فُنُونِه وحِكْمَتِه؛ وبعدَ ذلك سيَبسُطُ مَوائِدَ واسِعةً عامِرةً، بما يَلِيقُ ِ هذا طائِفةٍ، مُعِدًّا بها ضِيافةً عامّةً سَخِيّةً تَزخَرُ بأَنواعِ نِعَمِه وأَنماطِ أَطْعِمَتِه اللَّذِيذةِ.
ثمَّ يَدعُو رَعاياه إلى هذه الضِّيافةِ الكَرِيمةِ، ومُشاهَدةِ كَمالاتَذي لاَدِيعةِ، ويَجعَلُ أَحَدَهم رَسُولًا بَينَه وبَينَهم، فيَدعُوه إلَيه، مُرُورًا مِن أَدنَى الطَّبَقاتِ إلى أَعلاها، ويُسَيِّیرُه دائِرةً فدائِرةً، وَلِّيًَ فوقَ طَبَقةٍ.. مُشهِدًا إيّاه مَعامِلَ تلك الصَّنعةِ البَدِيعةِ، ومَخازِنَ ما يَرِدُ مِنَ الطَّبَقاتِ الدُّنيا مِن مَحاصِيلَ، حتَّى يُبَلِّغَه دائِرَتَه الخاصّةَ، فيُشَرِّفَه بقَبُولِه إلى ُها غاتِه، مُظهِرًا له ذَاتَه المُبارَكةَ، الَّتي هي أَصلُ جَمِيعِ كَمالاتِه.. فيُعَلِّمَه كَمالاتِه الذّاتيّةَ ويُرشِدَه إلى حَقائِقِ القَصرِ، ويُسَنِّمَه وَظِيفةَ مُرشِدٍ رائِدٍ للمُتَفَرِّجِين، ويُرسِلَه إلَيهم لِيُعَرِّفَ الأَهلمْرةِ صانِعِ القَصرِ، بما في القَصرِ مِن أَركانِ نُقُوشِه وعَجائِبِ صَنعَتِه، ويُعلِّمَ ما في النُّقُوشِ مِن رُمُوزٍ، وما في الصَّنائِعِ مِن إشاراتٍ.. ويُعرِّفَ الدّاخِلِين إلى القَصرِ ما هذه المُرَصمة الث المَنظُومةُ والنُّقُوشُ المَوزُونةُ؟ وكيف أنَّها تَدُلُّ على كَمالاتِ مالِكِ القَصرِ وإبداعِه؟ ويُرشِدَهم إلى آدابِ السَّيرِ والتَّفَرُّجِ ويُلَقِّنَهم مَراسِيمَ التَّشرِيفاتِ للمُثُولِ أمامَ السُّلطانِ العَظِيمِ الّنُورُ يُرَى.. كلُّ ذلك وَفْقَ ما يُرضِيه ويَطلُبُه.
وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فإنَّ الصّانِعَ الجَلِيلَ، سُلطانَ الأَزَلِ والأَبدِ، قد أ وأَصْرُؤيةَ وإراءةَ جَمالِه المُطلَقِ، وكَمالِه المُطلَقِ، فبَنَى قَصْرَ العالَمِ هذا في أَبدَعِ ما يكُونُ،
— 740 —
بحَيثُ إنَّ كلَّ مَوجُودٍ فيه ةٌ واحُ كَمالاتِه بأَلسِنةٍ كَثِيرةٍ، ويَدُلُّ على جَمالِه بإشاراتٍ عَدِيدةٍ، حتَّى إنَّ الكائِناتِ تُظهِرُ بكلِّ مَوجُودٍ فيها: كم مِن كُنُوزٍ مَعنَوِيّةٍ مَخْفِيّةٍ ضِمنَ كلِّ اسمٍ مِن أَسماءِ و رَحيالحُسنَى، وكم مِن لَطائِفَ مُستَتِرةٍ ضِمنَ كلِّ عُنوانٍ مُقَدَّسٍ!. بل إنَّ دَلالَتَها هذه هي مِنَ الوُضُوحِ والجَلاءِ ما جَعَلَ جَمِيعَ الالإيماِ والعُلُومِ بجَمِيعِ دَساتِيرِها تَقرَأُ ما في كِتابِ الكَونِ مِن بَدائِعِ الأَدِلّةِ منذُ زَمَنِ آدَمَ عَليهِ السَّلام، إلّا أنَّها لم تُفصِحْ بَعدُ عن عُشْرِ مِعْشارِ ما يُعبِّیرُ عنه ذلك الكِتابُ مِى المَني الأَسماءِ والكَمالاتِ الإلٰهِيّةِ.
وهكذا، فالصّانِعُ ذُو الجَلالِ والجَمالِ والكَمالِ الَّذي شَيَّدَ هذا القَصرَ البَدِيعَ مَعرِضًا لِرُؤيةِ جَمالِهعَ مِنلِه المَعنَوِيِّ وإراءَتِه، تَقتَضِي حِكْمَتُه أن يُعَلِّمَ أَحَدَ ذَوِي الشُّعُورِ في الأَرضِ مَعانِيَ آياتِ ذلك القَصرِ، لِئَلّا تَبقَى مَعانيه عَبَثًا لا نَفْعَ لهم مِنها؛ وأ الآثاقِّيَه إلى العَوالِمِ العُلْوِيّةِ الَّتي هي مَنابِعُ ما في ذلك القَصرِ مِن أَعاجِيبَ، ومَخازِنُ ما فيه مِن مَحاصِيلَ؛ وأن يَرفَعَه إلى دَرَجةٍ عالِيةءٍ.
َوقَ جَمِيعِ مَخلُوقاتِه ويُشَرِّفَه بقُربِ حُضُورِه، ويُسَيِّرَه في عَوالِمِ الآخِرةِ، مُكَلِّفًا إيّاه بوَظائِفَ ومُهِمّاتٍ، لِيَكُون مُعَلِّمًا لِعُمُومِ عِبادِه، داعِيًا إيّاهم إلى سُلطانِ رُبُوبيَّتِه، مُبَوامِرا إيّاهم بمَرضِيّاتِ أُلُوهِيَّتِه، مُفَسِّرًا لهم آياتِه التَّكوِينيّةَ في القَصرِ.. وأَمثالَها مِنَ الوَظائِفِ الأُخرَى الَّتي يُبيِّنُ بها سُبحانَه للعالَمِيَحَلًَّعَ فَضْلَ هذا المُختارِ وعَظَمةَ مَنزِلَتِه بما قَلَّدَه مِن أَوْسِمةِ المُعجِزاتِ، ويُعَلِّمَهم یی بالقُرآنِ الكَرِيمِ یی أنَّه المُبَلِّغُ الصّادِقُ والتَّرجُمانُ الأَمِينُ.
وهكذا، فقد بَيَّنّا بِضْعَ حِكَمٍ للمِعراجِ مِن بينِ حِكَمِه اِنَ الرةِ، وذلك في ضَوءِ هذا المِثالِ، وعليك أن تَقِيسَ بَقِيّةَ الحِكَمِ على مِنوالِه.
المِثالُ الثَّاني:
إذا ما أَلَّفَ شَخصٌ عَلِيمٌ كِتابًا مُعجِزًا بحَيثُ إنَّ كلَّ صفي قَرٍ مِنه تَزخَرُ بحَقائِقِ ما في مِئةِ كِتابٍ، كلُّ سَطْرٍ مِنه يَحوِي مَعانِيَ لَطِيفةً لِما في مِئةِ صَحِيفةٍ، كلُّ كَلِمةٍ مِنه تَنطَوِي على حَقائِقِ ما في مِئةِ سَطرٍ، وكلُّ حَرفٍ مِنَّ يَأبِّیرُ عن مَعاني ما في مِئةِ كَلِمةٍ.. وكانَت جَمِيعُ مَعاني ذلك الكِتابِ وجَمِيعُ حَقائِقِه تُشِيرُ إلى الكَمالاتِ المَعنَوِيّةِ لِذلك الكاتِبِ البَدِيعِ المُعجِزِ وتَتَوجَّهُ نَحوَها..
#741يا لَدذا كان الأَمرُ هكذا، فلا رَيبَ أنَّ ذلك الكاتِبَ المُعجِزَ لا يَتْرُكُ كِتابَه المُعجِزَ هذا دُونَ فائِدةٍ، ولا يُغلِقُ أَبوابَ هذه الخَزِينةِ الَّتي لا تَنفَدُ، بل مُحالٌ أن يَدَعَها مُعَطَّلةً لا طائِلَ لهِ جَها.. لِذا سيُعَلِّمُ أَفرادًا مُعَيَّنين مَعانِيَ ذلك الكِتابِ لِئَلّا يَبقَى ذلك الكِتابُ القَيِّمُ مُهمَلًا دُونَ مَعنًى.. ولِتَظهَرَ كَمالاتُه المَخفِيّةُ، وتَجِدَ ط: إِيها إلى الكَمالِ، ويُشاهَدَ جَمالُه المَعنَوِيُّ لِيَرضَى هو، ولِيُحَبِّبَ نَفسَه للآخَرِينَ، أي: إنَّه سيُعَلِّمُ أَحَدًا مُفرَداتِ ذلك الكِتابِ، بجَمِيعِ مَعانِيه وحَقائِقِه، مُلَقِّنًا إيّا للإيْسًا دَرْسًا مِن أَوَّلِ صَحِيفةٍ فيه إلى آخِرِ صَحِيفةٍ، حتَّى يَمنَحَه الشَّهادةَ علَيه.
وهكذا، فالمُصَوِّرُ الجَمِيلُ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي كَتَب هذه الكائِناتِ إظهارًا لِكَمالاتِه، وشَكُّلا لِجَمالِه وحَقائِقِ أَسمائِه المُقَدَّسةِ.. كَتَبَها كِتابةً بَدِيعةً، لا أَبدَعَ مِنها؛ إذ تَدُلُّ جَمِيعُ المَوجُوداتِ بما لا يُحَدُّ مِنَ الجِهاتِ، على أَسمائِه الحُسنَى وعلى صِفاتِه الجَلِيلةِٰهِيّةكَمالاتِه المُطلَقةِ وتُعَبِّیرُ عنها.
ومِنَ المَعلُومِ أنَّ كِتابًا یی مَهما كان یی إن لم يُعْرَف مَعناه، فسيَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، وستَسقُطُ قِيمَتُه إلى العَدَمِ، فكيف بكِتابٍ كهذا الَّذي يَتَضمَّنُ كلُّ حَرفٍ فيه أُلُوفوُّعَ عاني؟ فلا يُمكِنُ أن تَسقُطَ قِيمَتُه قَطْعًا ولا يُمكِنُ أن يَذهَبَ هَباءً قَطُّ! فكاتِبُ ذلك الكِتابِ المُعجِزِ سيُعَلِّمُه حَتْمًا، ويُفَهِّمُ أقسامَه، حَسَبَ استِعداداتِ كلِّ طائِفةٍ، ويُعَلِّمَ الكِتابَ كُلَّه، مَن هو أَعَي بعضٍظَرًا وأَشمَلُ شُعُورًا وأَكمَلُ استِعدادًا.
ولِأَجلِ تَدرِيسِ مِثلِ هذا الكِتابِ وتَعلِيمِه تَعلِيمًا كُلِّيًّا وشامِلًا جَمِيعَ حَقائِقِه، تَقتَضِي الحِكْمةُ سَيْرًا وسُلُوكًا في غايةِ السُّمُوِّ والرِّفعةِفَ عَليَحْتاجُ مُشاهَدةً وسَيْرًا ابتِداءً مِن نِهايةِ طَبَقاتِ المَوجُوداتِ الكَثِيرةِ، الَّتي هي أُولَى صَحائِفِ هذا الكِتابِ، وانتِهاءً إلى دائِرةِ الأَحَدِيّةِ الَّتي هي مُنتَهَى صَفَحاتِه.
وهكذا يُمكِنُك مَُيَّنةُ شَيءٍ مِنَ الحِكَمِ السّامِيةِ للمِعراجِ في ضَوءِ هذا المِثالِ.
والآنَ نَلتَفِتُ إلى المُلحِدِ القابعِ في مَقامِ الِاستِماعِ، ونُنصِتُ إلى ما يَجُولُ في قَلبِه لِنُشاهِدَ أيَّ طَورٍ مِنَ الأَطوارِ قد تَلَبَّسَ..
— 742 —
فالَّذي يَرِدُ إى صانِاطِرِ أنَّ قَلبَه يقُولُ: لقد بَدَأْتُ أَخطُو خُطُواتٍ في طَرِيقِ الإيمانِ، ولكِن هناك ثَلاثةُ إشكالاتٍ ومُعضِلاتٍ لا أَستَطِيعُ حَلَّها واستِيعابَها!
الأوّا.
ِمَ اختُصَّ بهذا المِعراجِ العَظِيمِ مُحمَّدٌ (ص)؟
الثّاني:كيف يكُونُ ذلك النَّبيُّ الكَرِيمُ (ص) نَواةَ هذه الكائِناتِ؟ حيثُ تقُولُون: إنَّ الكائِناتِ قد خُلِقَت مِن نُورِه؛ وفي الوَقتِ نَفسِه هو آخِرُ ثَمَرةٍ مِن ثَمَراتِ الكائِناتِ وتَلَألُها؟!. ماذا يُفِيدُ هذا الكَلامُ؟
الثّالثُ:تقُولُون فيما بَيَّنتُمُوه سابِقًا: إنَّ العُرُوجَ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ إنَّما كان لِأَجلِ مُشاهَدةِ المَعامِلِ والمَصانِعِ الأَساسِ لِما في العالّرُ الن آثارٍ، ولِرُؤيةِ مَخازِنِ ومُستَودَعاتِ نَتائِجِ الآثارِ.. ماذا يَعنِي هذا الكَلامُ؟
الإشكالُ الأوَّلُ:
الجَوابُ:إنَّ إشكالَكُمُ الأَوَّلَ هذا، قد حُلَّ مُفَقةٍ ضا في الكَلِماتِ الثَّلاثينَ ضِمنَ كِتابِ "الكَلِماتِ"، إلّا أنَّنا نُشِيرُ هنا مُجَرَّدَ إشارةٍ مُجمَلةٍ على صُورةِ فِهرِسٍ مُوجَزٍ إلى كَمالاتِ النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص)، ودَلائِلِ نُبُوَّتِه، وأنَّه هو الأَحرَى بنِ التمِعراجِ العَظِيمِ.
أوَّلًا:إنَّ الكُتُبَ المُقدَّسةَ (التَّوراةَ والإنجِيلَ والزَّبُورَ) تَضُمُّ بِشاراتٍ بنُبُوّةِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وإشاراتٍ إلَيه، رَغمَ تَعَرُّضِها إلى التَّحرِيفاتِ طَوالَ العُصُورِ. وقدِ استَنبَطَ في عَصرِنا تِ مَسعالِمُ المُحَقِّقُ حُسَينٌ الجِسْرُ عَشْرًا ومِئةَ بِشارةٍ مِنها، وأَثبَتَها في كِتابِه المَوسُومِ "الرِّسالةُ الحَمِيدِيّةُ".
ثانيًا:إنَّه ثابِتٌ تارِيخِيًّاتَّفسِِيَت برِواياتٍ صَحِيحةٍ بِشاراتٌ كَثِيرةٌ بَشَّر بها الكُهّانُ مِن أَمثالِ الكاهِنَينِ المَشهُورَينِ: شِقٌّ وسَطِيحٌ، قُبَيلَ بِعثَتِه (ص)، وأَخبَرا أنَّه نَبِيُّ، يَنش الزَّمانِ.
ثالثًا:ما حَدَث لَيلةَ مَولِدِه (ص) مِن سُقُوطِ الأَصنامِ في الكَعبةِ وانشِقاقِ إيوانِ كِسرَى.. وأَمثالَها مِن مِئاتِ الإرهاصاتِ والخَوارِقِ المَشهُورةِ في كُتُبِ التّارِيخِيطٍ: لابعًا:نَبَعانُ الماءُ مِن بينِ أَصابِعِه الشَّرِيفةِ وسَقْيُه الجَيشَ به، وحَنِينُ الجِذْعِ اليابِسِ
— 743 —
المَوجُودِ في المَسجِدِ النَّبوِيِّ إلى رَسُولِ اللهِ (ص) لِفِراقِه عنه، وأَنِينُه أمامَ جَماعةٍ غَفِيرةٍ مِِّعْرََّحْبِ الكِرامِ، وانشِقاقُ القَمَرِ كما نَصَّت علَيه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وأَمثالُها مِنَ المُعجِزاتِ الثّابِتةِ لَدَى العُلَماءِ اَمِ الِقين والَّتي تَبلُغُ الأَلفَ قد أَثبَتَتْها كُتُبُ السِّيَرِ والتّارِيخِ.
خامسًا:لقدِ اتَّفَق الأَعداءُ والأَولياءُ بما لا رَيبَ فيه أنَّ ما يَتَحلَّى به (ص) مِنَ الأَخلاقِ الفوالتَّ هو في أَسمَى الدَّرَجاتِ، وأنَّ ما يَتَّصِفُ به مِن سَجايا حَمِيدةٍ في دَعوَتِه هو في أَعلَى المَراتِبِ، تَشهَدُ بذلك مُعامَلاتُه وسُلُوكُه معَ النّاسِ؛ وأنَّ شَرِيعَتَه الغَرّاءَ تَضُمُّ أَكمَلَ الخِصالِ الحَسَنةِ، تَشهَ الِاهك مَحاسِنُ الأَخلاقِ في دِينِه القَوِيمِ.
سادسًا:لقد أَشَرْنا في الإشارةِ الثّانيةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" إلى أنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) هو الَّذي أَظهَر أَعلَى مَراتِبِ العُبُودِيا أَثقَسماها بالعُبُودِيّةِ العَظِيمةِ في دِينِه تَلْبِيةً لإرادةِ اللهِ في ظُهُورِ أُلُوهِيَّتِه بمُقتَضَى الحِكْمةِ.
وأنَّه هو كذلك یی كما هو بَدِيهِيٌّ ییْقَ تلمُ دالٍّ على جَمالٍ في كَمالٍ مُطلَقٍ لِخالِقِ العالَمِ، وأَفضَلُ مُعَرِّفٍ لَبَّى إرادةَ اللهِ سُبحانَه في إظهارِ ذلك الجَمالِ، بواسِطةِ مَبعُوثٍ كما تَقتَضِيه الحِكْمةُ والحَقِيقةُ.
وأنَّه هو كذه الوَكما هو مُشاهَدٌ یی أَعظَمُ دالٍّ على كَمالِ صَنْعةٍ في جَمالٍ مُطلَقٍ لِصانِعِ العالَمِ، وبأَعظَمِ دَعوةٍ وأَندَى صَوتٍ، فلَبَّى إرادةَ اللهِ جَلَّ وعَلا في جَلْبِ الأَنظارِ إلى كَمالِ صَنْعَتِه والإعلانِ عنها.
وأنَّه هو كذلةٌ مِنالضَّرُورةِ یی أَكمَلُ مَن أَعلَن عن جَمِيعِ مَراتِبِ التَّوحِيدِ بأَعظَمِ دَرَجَتِه، فلَبَّى إرادةَ رَبِّ العالَمِين في إعلانِ الوَحْدانيّةِ على طَبَقاتِ كَثْرةِ المَخلُوقاتِ.
وأنَّه هو كذلك یی بالضَّرُورةِ یی أَجلَى مِرآةٍ وأَصفاها ل أَفْلِ مَحاسِنِ جَمالِ مالِكِ العالَمِ ولَطائِفِ حُسْنِه المُنَیزَّهِ یی كما تُشِيرُ إلَيه آثارُه البَدِيعةُ یی وهو أَفضَلُ مَن أَحَبَّه وحَبَّبَه، فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في رُؤيةِ ذلك الجَمالِ المُقدَّسِ وإرلحَقِي في المَرايا بمُقتَضَى الحَقِيقةِ والحِكْمةِ.
— 744 —
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَعظَمُ مَن عرَّف ما في خَزائِنِ الغَيبِ لِصانِعِ هذا العالَمِ، تلك الخَزائِنِ المَلْأَى بأَبدَعِ المُعجِزاتالِ رُمَنِ الجَواهِرِ، وهو أَفضَلُ مَن أَعلَن عنها ووَصَفَها، فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في إظهارِ تلك الكُنُوزِ المَخْفِيّةِ وتَعرِيفِ كَمالاتِه بذلك.
وأنَّههْرِسَلك یی بالبَداهةِ یی أَكمَلُ مُرشِدٍ بالقُرآنِ الكَرِيمِ للجِنِّ والإنسِ بل للرُّوحانيِّين والمَلائِكةِ، وأَعظَمُ مَن بَيَّن مَعانِيَ آثارِ صانِعِ هذه الكائِناتِ الَّتي زَيَّنَها بأَرْوَعِ زِينةٍ ومَكَّن فيها َّعَيَّ الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه لِيَنعُمُوا بالنَّظَرِ والتَّفكُّرِ والِاعتِبارِ، فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في بَيانِ مَعاني تلك الآثارِ وتَقدِيرِ قِيمَتِها لِأَهلِ الفِكْرِ والمُشاهَدةِ.
وأنَّه هو كذفٍ یی بالبَداهةِ یی أَحسَنُ مَن كَشَف بحَقائِقِ القُرآنِ عن مَغزَى القَصدِ مِن تَحَوُّلاتِ الكائِناتِ والغايةِ مِنها، وأَكمَلُ مَن حَلَّ اللُّغْزَ المُحَيِّرَ في المَوجُوداتِ؛ وهو أَسئِلةٌ ثلاثةٌ مُعضِنالَ اَن أنت؟ ومِن أين؟ والى أين؟ فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في كَشْفِ ذلك الطِّلَّسْمِ المُغلَقِ لِذَوِي الشُّعُورِ بوَساطةِ مَبعُوثٍ.
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَكمَلُ مَن بَيَّن المَقاصِدَ الإلٰهِيّةَ بالقُرآنِ الكَرِيمِ، وأَحسَنُ مَن ها اسم السَّبِيلَ إلى مَرضاةِ رَبِّ العالَمِين، فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في تَعرِيفِ ما يُرِيدُه مِن ذَوِي الشُّعُورِ وما يَرضاه لهم بواسِطةِ مَبعُوث الزِّدَما عَرَّف نَفسَه لهم بجَمِيعِ مَصنُوعاتِه البَدِيعةِ وحَبَّیبَها إلَيهم بما أَسبَغَ علَيهم مِن نِعَمِه الغاليةِ.
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَعظَمُ مَنِ استَوْفَى مُهِمّةَ الرِّسالةِ بالقُرِعِين،كَرِيمِ وأَدَّاها أَفضَلَ أَداءٍ في أَسمَى مَرتَبةٍ وأَبلَغِ صُورةٍ وأَحسَنِ طِرازٍ، فلَبَّى إرادةَ رَبِّ العالَمِين في صَرْفِ وَجْهِ هذا الإنسانِ مِنَ الكَثْرةِ إلى الوَحْدةِ ومِنَ الفَانِي إلى البَاقي، ذلك الإنسانِ الَّذي خَلَقَه سُبحانَه ثََرِيمةللعالَمِ، ووَهَبَ له مِنَ الِاستِعداداتِ ما يَسَعُ العالَمَ كلَّه وهَيَّأَه للعُبُودِيّةِ الكُلِّيّةِ وابتَلاه بمَشاعِرَ مُتَوجِّهةٍ إلى الكَثْرةِ والدُّنيا.
وْ سَرَإنَّ أَشْرَفَ المَوجُوداتِ هم ذَوُو الحَياةِ، وأَنبَلَ الأَحياءِ هم ذَوُو الشُّعُورِ، وأَكرَمَ ذَوِي الشُّعُورِ هم بَنُو آدَمَ الحَقِيقيُّون الكامِلُون، لِذا فالَّذي أَدَّى مِن بينِ بَنِي الإنسانِ المُكَرَّمِ ويَكشِوَظائِفَ المَذكُورةَ آنِفًا وأَعطَى حَقَّها مِنَ الأَداءِ في أَفضَلِ صُورةٍ
— 745 —
وأَعظَمِ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ الأَداءِ، لا رَيبَ أنَّه سيَعرُجُ یی بالمِعراجِ العَظِيمِ یی فيَكُونُ قابَ قَوْسَينِ أو أَدنَى، وسيَطرُقُ بابَ السَّعادةِلمُتقَدِيّةِ، وسيَفْتَحُ خَزائِنَ الرَّحمةِ الواسِعةِ، وسيَرَى حَقائِقَ الإيمانِ الغَيبِيّةَ رُؤْيةَ شُهُودٍ، ومَن ذا يكُونُ غيرَ ذلكُمُ النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص)؟
سابعًا:يَجِدُ الماتِ الِّلُ في هذه المَصنُوعاتِ المَبثُوثةِ في الكَونِ أنَّ فيها فِعلَ التَّحسِينِ في مُنتَهَى الجَمالِ، وفِعلَ التَّزيِينِ في مُنتَهَى الرَّوعةِ، فبَدِيهِيٌّ أنَّ مِثلَ هذا التَّحسابٍ يَالتَّزيِينِ يَدُلّانِ على وُجُودِ إرادةِ التَّحسِينِ وقَصْدِ التَّزيِينِ لَدَى صانِعِ تلك المَصنُوعاتِ؛ فتلك الإرادةُ الشَّدِيدةُ تَدُلُّ بالضَّرُورةِ على وُجُودِ رَغبةٍ قَوِيّةٍ سامِيةٍ، ومَلحادِي مُقَدَّسةٍ لَدَى ذلك الصّانِعِ نحوَ صَنْعَتِه..
لِذا فمِنَ البَدِيهيِّ أن يكُونَ أَحَبُّ مَخلُوقٍ لَدَى الخالِقِ الكَرِيمِ الَّذي يُحِبُّ مَصنُوعاتِه هو مَن يَتَّصِفُ بأَجمَعِ تلك الصِّفاتِ، ومَن يُظهِرُ في ذاتِه لَطائِفويَنشََنعةِ إظهارًا كامِلًا، ومَن يَعْرِفُها ويُعَرِّفُها، ومَن يُحَبِّبُ نَفسَه ويَستَحِسنُ یی بإعجابٍ وتَقدِيرٍ یی جَمالَ المَصنُوعاتِ الأُخرَى.
فمَنِ الَّذي جَعَل السَّماواتِ والأَرضَ تَرِنُّ بصَدَى "سُبحاني البَِ.. ما شاءَ اللهُ.. اللهُ أَكبَرُ" مِن أَذكارِ الإعجابِ والتَّسبِيحِ والتَّیكبِيرِ تِجاهَ ما يُرَصِّعُ المَصنُوعاتِ مِن مَزايا تُزَيِّنُها ومَحاسِنَ تُجَمِّلُها ولَطائِفَ وكَمالاتٍ تُنَوِّرُها؟ ومَنِ اتَتَلاهَزَّ الكائِناتِ بنَغَماتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فانجَذَب البَرُّ والبَحرُ إلَيها في شَوْقٍ عارِمٍ مِنَ الِاستِحسانِ والتَّقدِيرِ في تَفَكُّرٍ وإعلُوداتَِشهِيرٍ، في ذِكرٍ وتَهليلٍ؟ مَن ذا يكُونُ تلك الذّاتَ المُبارَكةَ غيرُ مُحمَّدٍ الأَمينِ (ص)؟!
فمِثلُ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص) الَّذي يُضافُ إلى كِفّةِ حَسَناتِه في المِيزانِ مِ الجسا قامَت به أُمَّتُه مِن حَسَناتٍ بسِرِّ: "السَّبَبُ كالفاعِلِ".. والَّذي تُضافُ إلى كَمالاتِه المَعنَوِيّةِ الصَّلَواتُ الَّتي تُؤَدِّيها الأُمّةُ جَمِيعًا.. والَّذي يُفاضُ علَيه مِنَ الرَّحمةِ والمَحَبّةِ الإلٰهِِّياتٍمَحَبَّتِها ما لا يَحُدُّهما حُدُودٌ، فَضْلًا عَمّا يَنالُه مِن ثَمَراتِ ما أَدّاه مِن مُهِمّةِ رِسالَتِه مِن ثَوابٍ مَعنَوِيٍّ عَظِيمٍ.. نعم، فمِثلُ هذا النَّبيِّ العَظِيمِ (ص) لا رَيبَ أنَّ ذَهابَه إلى الجَنّةِ، وإلى سِدْرةِ المُنتَهَى، وإلْمةِ أرْشِ الأَعظَمِ، فيكُونُ قابَ قَوْسَينِ أو أَدنَى، إنَّما هو عَينُ الحَقِّ، وذاتُ الحَقيقةِ ومَحْضُ الحِكْمةِ.
— 746 —
الإشكالُ الثاني:
أيُّها القاعِدُ في مَقامِ الِاستِماعِ.. إنَّ هذه الحَقِيقةَ الَّتي استَشْكََيّةُ هي عَمِيقةُ الغَوْرِ في ذاتِها، وهي عاليةٌ سامِيةٌ إلى حَدٍّ لا يَبلُغُه العَقلُ، بل لا يَقتَرِبُ مِنها، ومعَ هذا فإنَّها تُرَى بنُورِ الإيمانِ.
ونحنُ هنا سنُحاوِلُ أن نُقَرِّبَ إلى الأَفهامِ شَيئًا مِن تلك الحَقِيقةِ العاا:أنّبَعضِ الأَمثِلةِ الَّتي تُساعِدُ على ذلك، وهي على النَّحوِ الآتي: إذا ما نُظِرَ إلى هذه الكائِناتِ نَظَرَ الحِكْمةِ، بَدَتْ كأنَّها شَجَرةٌ عَظِيمةٌ في مَعناها، فكما أنَّ الشَّجَرةَ لها أَغصانٌ وأَوراقٌ وأَزاهِيرُ سَبَقَاتٌ، ففي العالَمِ السُّفلِيِّ الَّذي هو شِقٌّ مِن شَجَرةِ الخِلْقةِ، يُشاهَدُ أَيضًا أنَّ العَناصِرَ بمَثابةِ أَغصانِه، والنَّباتاتِ والأَشجارَ في حُكْمِ أَوْراقِه، والحَيَفواهَه كأنَّها أَزاهِيرُه، والأَناسِيَّ كأنَّهم ثَمَراتُه؛ فالقانونُ الإلٰهِيُّ الجارِي على الأَشجارِ يَلْزَمُ أن يكُونَ جارِيًا أَيضًا على هذه الشَّجَرةِ العُظمَى،عِلْمَبمُقتَضَى اسمِ اللهِ "الحَكِيمِ".
لِذا فمِن مُقتَضَى الحِكْمةِ أن تكُونَ شَجَرةُ الخِلْقةِ هذه ناشِئةً أيضًا مِن نَواةٍ، وأن تكُونَ النَّواةُ جامِعةً نَماذِجَ وأُسُسَ سائِرِ العَوالِمِ فَُمكِنُعنِ احتِوائِها على العالَمِ الجِسمانِيِّ، لأنَّ النَّواةَ الأَصلِيّةَ للكائِناتِ المُتَضَمِّنةِ لِأُلُوفِ العَوالِمِ ومَنشَأَها لا يُمكِنُ أن تكُونَ مادّةً جامِدةً قَطُّ. وحيثُ إنَّه لَيسَت هناك شَجَرةٌ أُخرَى مِن نَوعِ شَجَرةِ الكائِناتِ قد ُولُ: تْها، فإنَّ المَعنَى والنُّورَ الَّذي هو بحُكْمِ المَنْشَأِ والنَّواةِ لها لا بُدَّ أن يَتَجَسَّدَ في شَجَرةِ الكائِناتِ وأن يُلبَسَ لِباسَ الثَّمَرةِ، وهذا مُقتَضَى اسمِ الثَّالحَكِيمِ، وذلك لأنَّ النَّواةَ لا تكُونُ مُجَرَّدةً عارِيةً دائِمًا، إذ ما دامَت لم تَلْبَسْ لِباسَ الثَّمَرةِ في أَوَّلِ الفِطْرةِ، فسَتَلْبَسُها في الأَخِيرِ.
وما دامَ الإنسانُ هو تلك الثَّمَرةَ، وأنَّ أَفضَلَ ثَمَراتِ نَوعِ البَشَرِ وأَاسةِ وا وأَحسَنَها وأَعظَمَها وأَشرَفَها وأَلطَفَها وأَجمَلَها وأَنفَعَها هو مُحمَّدٌ (ص)، كما أُثبِتَ سابِقًا، الَّذي جَلَبَ نَظَرَ عُمُومِزٍ في لُوقاتِ بفَضائِلِه، وحَصَرَ نَظَرَ نِصْفِ الأَرضِ وخُمُسِ البَشَرِيّةِ في ذاتِه المُبارَكةِ، واستَقْطَبَ أَنظارَ العالَمِين إلى مَحاسِنِه المَعنَوِيّةِ بالمَحَبّةِ والتَّبجِيلِ والإعجابِ.. فلا بُدَّ أنَّ النُّورَ الَّذي هو نَواةُ تَنشَأُ ِ الكائِناتِ سيَتَجَسَّدُ في ذاتِه (ص)، وسيَظْهَرُ بصُورةِ ثَمَرةِ الخِتامِ.
— 747 —
أيُّها المُستَمِعُ، لا تَستَبْعِدْ خَلْقَ هذه الكائِنماهِيّبَدِيعةِ العَظِيمةِ مِن ماهِيّةٍ جُزئيّةٍ لإنسانٍ، فإنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ الَّذي يَخلُقُ شَجَرةَ صَنَوبَرٍ ضَخْمةً، وكأنَّها عالَمٌ بذاتِه، مِِينِ وةٍ صَغِيرةٍ لها، كيفَ لا يَخلُقُ، أو كيفَ يَعجِزُ عن خَلْقِ الكائِناتِ مِن نُورِ مُحمَّدٍ (ص)؟
نعم، إنَّ شَجَرةَ الكائِناتِ شَبِيهةٌ بشَجَرةِ طُوبَى الجَنّةِ: جِذْعُها وجُذُورُها مُتَوغِّلةٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، وأامّةٍ،ها وثَمَراتُها مُتَدلِّيةٌ إلى العالَمِ السُّفلِيِّ؛ لِذا فإنَّ هناك خَيْطًا ذا عَلاقةٍ نُورانيّةٍ ابتِداءً مِن مَقامِ الثَّمَرةِ في الأَسفَلِ إلى مَقامِ النَّواةِ الأَصلِيّةِ.
فالمِعراجُ النّ الماءيُّ صُورةٌ وغِلافٌ لِخَيطِ العَلاقةِ النُّورانيّةِ ذاك، حيثُ فَتَح الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) ذلك الطَّرِيقَ ودَرَجَ فيه بوِلايَتِه، وعاد برِسالَتِه، وتَرَك البابَ مَفتُوحًا، للأَرضِكَه أَولِياءُ أُمَّتِه الَّذين يَتَّبِعُونه سُلُوكًا بالرُّوحِ والقَلبِ، فيَدرُجُوا في تلك الجادّةِ النُّورانيّةِ تَحتَ ظِلالِ المِعراجُّ المَبوِيِّ، ويَعرُجُوا فيها إلى مَقاماتٍ عاليةٍ كلٌّ حَسَبَ استِعداداتِه وقابِلِيّاتِه.
ولقد أَثبَتْنا سابِقًا أنَّ الصَّانِعَ الجَلِيلَ قد أَنشَأَ هذه الكائِناتِ وزَيَّنستَحسَأنَّها قَصرٌ بَدِيعٌ لِأَجلِ مَقاصِدَ وغاياتٍ جَلِيلةٍ.. فالرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) الَّذي هو مِحْوَرُ تلك المَقاصِدِ ومَدارُها، لا بُدَّ أن يكُونَ مَوْضِعَ عِنايَتِه سُبحانَه قبلَ خَلْقِ الكائِناتِ، وأنَدُها َ أَوَّلَ مَن حَظِيَ بتَجَلِّيه جَلَّ جَلالُه؛ ذلك لأنَّ أَوَّلَ ما يُلاحَظُ في شَيءٍ هو نَتِيجَتُه وثَمَرتُه. إذًا فهو الأَوَّلُ مَعنًى، والآخِرُ وُجُودًا.
وحيثُ إنَّ الرّما يُخ الكَرِيمَ (ص) أَكمَلُ ثَمَراتِ الخَلْقِ، ومَدارُ قِيمةِ جَمِيعِ الثَّمَراتِ، ومِحْوَرُ ظُهُورِ جَمِيعِ المَقاصِدِ، يَلْزَمُ أن يكُونَ نُورُه أَوَّلَ مَن نالَ تَجبِ وال الإيجادِ.
الإشكال الثالث:
هذه الحَقيقةُ لها مِنَ السَّعةِ ما لا تَستَطِيعُ أَذهانُنا البَشَرِيّةُ الضَّيِّقةُ الإحاطةَ به واستِيعابَه، ولكِن نَستَطِيعُ النَّظَرَ إلَيها مِن بَعِيدٍ.
نعم، إن المَعامِلَ المَعنَوِيّةَ للعالَمِ السُّفلِ يَدَهقَوانِينَه الكُلِّيّةَ، إنَّما هي في العَوالِمِ العُلْوِيّةِ؛ وإنَّ نَتائِجَ أَعمالِ ما لا يُحَدُّ مِنَ المَخلُوقاتِ الَّتي تَعْمُرُ الأَرضَ، وهي بذاتِها
— 748 —
مَحشَرُ المَصنُوعاتِ، وكذا ثَمَراتُ الأَفعالِ الَّتي يقُومُ بها اائِقِ والإنسُ.. كلُّها تَتَمثَّیلُ في العَوالِمِ العُلْوِيّةِ أَيضًا.. حتَّى إنَّ إشاراتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، ومُقتَضَى اسمِ اللهِ "الحَكِيم"، والحِكْمةَ المُندَرِجةَ في الكائِناتِ معَ شَهاداتِ الرِّواياتِ الكَثِيرةِ وأَماراتٍ لا حتامِ سها.. تَدُلُّ على أنَّ الحَسَناتِ تَتَمثَّیلُ بصُورةِ ثَمَراتِ الجَنّةِ، والسَّيِّئاتِ تَتَشكَّلُ بصُورةِ زَقُّومِ جَهَنَّمَ.
نعم، إنَّ المَوجُوداتِ الكَثِيرةَ قدِ انتَشَرَت على وَجهِ الأَرضِ انتِشارًا عَظِيمًا، وأَنمَنوِّعخِلْقةِ قد تَشَعَّبَت علَيه إلى دَرَجةٍ كَبِيرةٍ.. بحيثُ إنَّ أَجناسَ المَخلُوقاتِ وأَصنافَ المَصنُوعاتِ الَّتي تَتَبدَّلُ وتُمْلَأُ وتُخْلَقّةَ اا الأَرضُ تَفُوقُ كَثِيرًا المَصنُوعاتِ المُنتَشِرةَ في الكَونِ كُلِّه.
وهكذا، فمَنابِعُ هذه الكَثرةِ والجُزئيّاتِ ومَعادِنُها الأَساسُ لا بُدَّ أنَّها قَوانِينَُها اليّةٌ، وتَجَلِّياتٌ كُلِّيّةٌ للأَسماءِ الحُسنَى، بحيثُ إنَّ مَظاهِرَ تلك القَوانِينِ الكُلِّيّةِ وتلك التَّجَلِّياتِ الكُلِّيّةِ وتلك الأَسماءِ المُحِيطةِ، هي السَّماواتُ الَّتي هي بَسِيطةٌ (غيرُ مُرَكَّبةٍ) وصاطْلانِلى حَدٍّ ما، والَّتي كلُّ واحِدةٍ مِنها في حُكْمِ عَرْشٍ لِعالَمٍ، وسَقْفٍ له، ومَركَزِ تَصَرُّفٍ، حتَّى إنَّ إحدَى تلك العَوالِمِ هي جَنّةُ المَأْوَى الَّتي هي عِندَ سِدْرةِ المُنتَهَى.
ولوْكبًابَرَ المُخبِرُ الصّادِقُ (ص) بما مَعناه: إنَّ التَّسبِيحاتِ والتَّحمِيداتِ الَّتي تُذكَرُ في الأَرضِ تَتَجسَّدُ بصُورةِ ثَمَراتِ الجَنّةِ.
فهذه النِّقاطُ الثَّلاثُ تُبيِّنُ لنا أنَّ مَخازِنَ ما في الأَرضِ مِنَ النَّتائِجِ والثَّمَراتِ الحاِها مِإنَّما هي هناك، وأنَّ مَحاصِيلَها مُتَوجِّهةٌ ومُساقةٌ إلى هناك. فلا تَقُلْ یی أيُّها المُستَمِعُ یی كيف تُصبِحُ:"الحَمدُ للهِ"الَّتي أَتَلَفَّظُها في الهَواءِ ثَمَرةً مُجَسَّمةً في الجَنّةِ؟ لأنَّك عِندَما تَلفِظُلم تَهةً طَيِّبةً وأنت يَقِظٌ في النَّهارِ قد تَتَراءَى لك في الرُّؤْيا بصُورةِ تُفّاحٍ لَذِيذٍ فتَأكُلُه؛ وكذلك كَلامُك القَبِيحُ نَهارًا قد تَبلَعُه في الرُّؤيا شَيئًا مُرًّا عَلْقَمًا، فإنِ اغْ.. وفي أَحَدًا فإذا بك تُجبَرُ على أَكْلِ مَيْتٍ!.
إذًا فكَلِماتُك الطَّيِّبةُ أوِ الخَبِيثةُ الَّتي تَتَلفَّظُها في عالَمِ الدُّنيا الَّذي هو عالَمُ مَنامٍ، تَأْكُلُها ثَمَراتٍ في عالَمِ الآخِرةِ الَّذي هو عالَمُ اليَقَظةِ، وهكذا لا يَنبَغِ، ولكتَستَبعِدَ أَكلَك هذا!
— 749 —
الأساس الرابع
ما ثمراتُ المِعراج وفوائدُه؟
الجَوابُ:إنَّ لِهذا المِعراجِ العَظِيمِ الَّذي هو شَجَرةُ طُوبَى مَعنَوِيّةٌ ما يَزِيدُ على خَمْسِ مِئةِ ثَمَرةٍ وَ أَحٍَ، إلّا أنَّنا سنَذكُرُ هنا خَمْسًا مِنها فَقَط على سَبِيلِ المِثالِ:
الثمرة الأولى:
هي رُؤيةُ حَقائِقِ الأَركانِ الإيمانِيّةِ رُؤيةَ عَينٍ وبَصَرٍ، أي: رُؤيةُ المَلائِكةِ والجنا في والآخِرةِ، بل حتَّى رُؤيةُ الذّاتِ الجَلِيلةِ، فهذه الرُّؤيةُ والمُشاهَدةُ الحَقّةُ وَهَبَت للكائِناتِ أَجمَعَ وللبَشَرِيّةِ خاصَّةً خَزِينةً عَظِيمةً لا تَنفَدُ، ونُورًا أَزَليًّا لا يَخبُو، وهَدِيّةً أَبدِيّةً ثَمِينةً لا تَرادَ رُ بثَمَنٍ؛ إذ أَخرَج ذلك النُّورُ الكائِناتِ قاطِبةً مِمّا يُتوَهَّمُ أنَّها تَتَردَّى في أَوضاعٍ فانِيةٍ زائِلةٍ مُضطَرِبةٍ أَلِيمةٍ.. وأَظهَرَها على حَقِيقَتِها أنَّها كِتاباتٌ صَمَدانيّةٌ، ورَسائِلُ رَبَّانيّةٌ قُدسِيّةٌ، ومَرُّقطة مِيلةٌ تَعكِسُ جَمالَ الأَحَدِيّةِ. مِمّا أَدخَلَ السُّرُورَ والفَرَحَ في قُلُوبِ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ، بل أَبهَجَ الكائِناتِ كلَّها..
ومِثلَما أَخرَجمِعمارلنُّورُ الكائِناتِ مِن أَوضاعٍ أَلِيمةٍ مَوهُومةٍ، أَخرَجَ الإنسانَ العاجِزَ أَمامَ أَعداءٍ لا حَدَّ لهم، الفَقِيرَ إلى حاجاتٍ لا نِهايةَ لها مِن أَوضاعٍ فانِيةٍ ضالّةٍ يَتَخبَّطُ فيها، فكَشَف عن صُورَتِه الحَقِيقيّ الأَنَّه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ قُدرةِ اللهِ سُبحانَه، ومَخلُوقُه الَّذي هو في أَحسَنِ تَقْوِيمٍ، ونُسخةٌ جامِعةٌ مِن رَسائِلِه الصَّمَدانيّةِ، ومُخاطَبٌ مُدرِكٌ لِسُلطانِ الأَزَلِ والأَبدِ وعَبْدُه الخً للِاومُستَحْسِنُ كَمالاتِه وخَلِيلُه المَحبُوبُ، والمُعجَبُ بجَمالِه المُقدَّسِ وحَبِيبُه، والضَّيفُ المُكَرَّمُ لَدَيه، والمُرَشَّحُ لِجَنَّتِه الباقيةِ.
فيا لَه مِن سُرُورٍ بالِغٍ لا مُنتَهَى له، وشَولدّائِرِمٍ لا غايةَ له، يَمنَحُه هذا النُّورُ لِكُلِّ مَن يَعتَبِرُ نَفسَه إنسانًا!
— 750 —
الثمرة الثانية:
وهي أنَّه أَتَى بأُسُسِ الإسلامِ، وفي مُقَدِّمَتِها "الصَّلاةُ"، تلك الأُسُسُ الَّتي تُمَثِّیلُ مَرْءِ عن ِ رَبِّ العالَمِين، حاكِمِ الأَزَلِ والأَبدِ.. وقد أَتَى بها هَدِيّةً قيِّمةً وتُحفةً طَيِّبةً إلى الجِنِّ والإنسِ كافّةً.
إنَّ مَعرِفةَ تلك المَرضِيّاتِ الرَّبا؛ وتِ وَحْدَها لَتُثِيرُ لَدَى الإنسانِ مِنَ الرَّغبةِ والشَّوقِ والتَّطَلُّعِ إلى فَهْمِها ما لا يُمكِنُ وَصْفُه، فَضْلًا عَمّا تُورِثُ مِن سَعادةٍ وانشِراحٍ وسُرُورٍ؛ إذ لا جَرَمَ أنَّ كلَّ إنسانٍ يَرغَبُ رَغْبة لا لِةً أن يَعرِفَ یی ولو مِن بَعِيدٍ یی ما يَطلُبُ مِنه سُلْطانُه الَّذي أَنعَمَ علَيه، ويَشتاقُ بلَهْفةٍ أن يَعرِفَ ماذا يُرِيدُ مِنه مَنضِيّاتاه نِعَمَه وأَحسَنَ إلَيه؟ وحتَّى إذا ما عَرَف مَرْضِيّاتِه يَغمُرُه سُرُورٌ بالِغٌ ويُشِيعُ فيه الرِّضَى والِاطمِئنانَ، بل حتَّى إنَّه يَتَمنَّى مِن قَلبِه كلِّه قائِلًا: "ا والصتَ هناك واسِطةً بيني وبينَ مَوْلاي لِأَعرِفَ ما يُرِيدُ مِنِّي، وماذا يَرغَبُ أن أَكُونَ علَيه؟".
نعم، إنَّ الإنسانَ الَّذي هو في أَشَدِّ الفاقةِ إلى مَوْلاه ِّزقَ َه وتَعالَى في كلِّ آنٍ، وفي كلِّ أَحوالِه وشُؤُونِه، وقد نالَ مِن أَفضالِه الكَرِيمةِ، ونِعَمِه السّابِغةِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، وهو على يَقِينٍ مِن أنَّ المَوجُوداتِ كُلَّها في قَبْضةِ تَصَرُّفِه سُبحانَه، ومٍ مُسرأَلَّقُ مِن سَنا الجَمالِ والكَمالاتِ على المَوجُوداتِ، ما هو إلّا ظِلٌّ ضَعِيفٌ بالنِّسبةِ لِجَمالِه وكَمالِه سُبحانَه.. أَقُولُ: تُرَى كم يكُونُ هذا الإنسانُ مُشنةٍ مُومُتَلهِّفًا لِمَعرِفةِ ما يُرضِي هذا الرَّبَّ الجَلِيلَ، وإدراكِ ما يَطلُبُه مِنه!. لَعلَّك تُقَدِّرُ هذا!
فها هو ذا الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) قد أَتَى بمَرْضِيّاتائِلِ ِ العالَمِين وقد سَمِعَها سَماعًا مُباشَرًا بحَقِّ اليَقِينِ مِن وَراءِ سَبعِين أَلفَ حِجابٍ، أَتَى بها ثَمَرةً مِن ثَمَراتِ المِعراجِ، وقَدَّمَها هَدِيّةً طَيِّبةً إلى البَشَرِيّةِ جَمْعاءَ.
نعم،تِقادُالإنسانَ الَّذي يَتَطلَّعُ إلى مَعرِفةِ ماذا يَحدُثُ في القَمَرِ؟ وإذا ما ذَهَب أَحَدُهم إلى هناك وعادَ فأَخبَرَ بما فيه رُبَّما يُضَحِّي بالكَثِيرِ لِأَجلِ ذلك الخَبَرِ، وتَأْخُذُه الحَيْرةُ والإعجابُ كُلَّما عَرَف أَخّة، بكا هُنالِك..!!
— 751 —
أَقُولُ: إنْ كان وَضْعُ الإنسانِ هكذا معَ أَخبارِ مَن ذَهَب إلى القَمَرِ، فكَيفَ تكُونُ لَهْفَتُه وشَوْقُه لِتَلقِّي أَخبارِ مَن يَأْتِي عن مالِكِ المُلكِ ذِي الجَلالِ الَّذي ليس القَمَرُ في مُلْكِه إلّي كَذلابٍ يَطِيرُ حَوْلَ فَراشٍ، يَطِيرُ ذلك الفَراشُ حَوْلَ سِراجٍ مِن أُلُوفِ السُّرُجِ الَّتي تُضِيءُ مَضِيفَه..
نعم، لقد رَأَى الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) شُؤُونَ هذا المَلِوا إلىَظِيمِ ذِي الجَلالِ، وشاهَدَ بَدائِعَ صَنْعَتِه وخَزائِنَ رَحمَتِه في عالَمِ البَقاءِ، وعادَ بعدَ رُؤيَتِه لها وحَدَّث البَشَرَ بما رَآه وشاهَدَه.
فإنْ لم يُنْصِتِ البَشَرُ إلى هذا الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) إِنصلى حُضوْقٍ ورَغبةٍ وبكُلِّ تَبجِيلٍ وإعجابٍ، فافْهَمْ مَدَى مُجافاتِهِمُ العَقلَ ومُجانَبَتِهِمُ الحِكْمةَ.
الثَّمرةُ الثَّالثة:
إنَّه شاهَدَ كُنُوزَ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ ودَفائِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، وتَسَلَِّسلامِتاحَها، وأَتَى به هَدِيّةً للإنسِ والجِنِّ.
نعم، إنَّه شاهَدَ ببَصَرِه بالمِعراجِ الجَنّةَ الخالِدةَ، ورَأَى التَّجَلِّياتِ الأَبدِيّدِنَا َحمةِ الرَّحمٰنِ ذِي الجَلالِ، وأَدرَكَ إدراكًا بحَقِّ اليَقِينِ السَّعادةَ الأَبدِيّةَ، فزَفَّ بُشرَى وُجُودِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ إلى الجِنِّ والإنسِ.. تلك البُشرَى العَظِيمةَ الَّتي يَعجِزُ الإنسانُ عن وَصْفِها؛ إذ بَينَما الأَفاتُه المَوهُومةُ تُحِيطُ بالجِنِّ والإنسِ حيثُ تُصفَعُ المَوجُوداتُ كلُّها بصَفَعاتِ الزَّوالِ والفِراقِ في دُنيا لا قَرارَ لها، وسَيْلُ الزَّمانِ وحَرَكاتُ الذَّرّاتِ تَجرُفُها إلى بَحرِ العَدَمِ والفةِ، ويالأَبَدِيِّ.. نعم، فبَينا هذه الأَوضاعُ المُؤلِمةُ الَّتي تُزهِقُ رُوحَ الجِنِّ والإنسِ تُحِيطُ بهما مِن كُلِّ جانِبٍ، إذا بتلك البُشرَى السَّارّةَ تُزَوجِها َيهِما..
فقِسْ في ضَوءِ هذا مَدَى ما تُورِثُه تلك البُشرَى مِن سَعادةٍ وانشِراحٍ وسُرُورٍ لَدَى الجِنِّ والإنسِ اللَّذَينِ يَظُنَّانِ أنَّهما مَحكُومٌ علَيهِ ذَوِيإعدامِ الأَبدِيِّ، وأنَّهما فانِيانِ فَناءً مُطلَقًا! ثمَّ افْهَمْ بعدَ ذلك قِيمةَ تلك البُشرَى! فلو قِيلَ لِمَحكُومٍ علَيه بالإعدامِ وهو يَخطُو خُطُواتِه نحوَ المِ: يكُوِ: "إنَّ السُّلْطانَ قد تَكَرَّم بالعَفْوِ عنك فَضْلًا عن أنَّه مَنَحَك قَصْرًا عِندَه". فلَك
— 752 —
أن تَتَصوَّرَ مَدَى ما يَفتَحُ هذا الكَلامُ مِن آفاقِ السُّرُورِ والفَرَح لَدَى ذلك المَحكُومِ علَيه بالإعدامِ.. ولكي تَستَط لَيْلن تَتَصَوَّرَ قِيمةَ هذه الثَّمَرةِ وهذه البُشرَى العَظِيمةِ، قُمْ بجَمْعِ جَمِيعِ ذلك السُّرُورِ والفَرَحِ بعَدَدِ الجِنِّ والإنسِ لِالنِّعِرَ مَدَى قِيمةِ تلك البُشرَى!
الثمرة الرابعة:
هي رُؤيةُ جَمالِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى.. فكما حَظِيَ بها (ص) فقد أَتَى بأنَّه يُمكِنُ لِكُلِّ مُؤمِنٍ أن يذَّاتِ بتلك الثَّمَرةِ الباقيةِ أيضًا؛ فأَهدَى بهذا هَدِيّةً عَظِيمةً للجِنِّ والإنسِ. ولَعلَّك تَتَمكَّنُ مِن أن تُقَدِّرَ مَدَى اللَّذّةِ الكامِنةِ في تلك الثَّمَرةِ المُهداةِ ومَديارًا،اوَتِها وجَمالِها ونَفاسَتِها مِن خِلالِ هذا المِثالِ:
إنَّ كلَّ مَن يَحمِلُ قَلبًا حَيًّا، لا شَكَّ أنَّه يُحِبُّ مَن كان ذا جَمالٍ وكَمالٍ و: ثلاث، وهذه المَحَبّةُ تَتَزايَدُ وَفْقَ دَرَجاتِ ذلك الجَمالِ والكَمالِ والإحسانِ، حتَّى تَبلُغَ دَرَجةَ العِشقِ والتَّعَبُّدِ؛ فيُضَحِّي صاحِبُها بما يَملِكُ في سَبِيلِ رُؤيةِ ذلك الجَمِيلِ، بل قد يٍ يُحِي بدُنياه كلِّها لِأَجلِ رُؤيَتِه مَرّةً واحِدةً. وإذا عَلِمْنا أنَّ نِسبةَ ما في المَوجُوداتِ مِن جَمالٍ وكَمالٍ وإحسانٍ إلى جَمالِه وكَمالِه وإحسانِه سُبحانَه وتَعالَى ليمانِ ُغُ أن يكُونَ لُمَيْعاتٍ ضَئِيلةً بالنِّسبةِ إلى الشَّمسِ السّاطِعةِ، فإذًا تَستَطِيعُ أن تُدرِكَ یی إن كُنتَ إنسانًا حَقًّا یی مَدَى ما يُورِثُه مِن سَعادةٍ دائِمةٍ ومَدَى ما يَبعَثُ مِن سُرُورٍ ولَذّةٍ ونِعمةٍ، ن يكُوفيقُ إلى رُؤيةِ مَن هو الأَهلُ لِمَحَبّةٍ بلا نِهايةٍ وشَوْقٍ بلا نِهايةٍ ورُؤيةٍ بلا نِهايةٍ في سَعادةٍ بلا نِهايةٍ.
الثمرة الخامسة:
وهي أنَّ الإنسانَ یی كما فُهِمَ مِنَ المِعراجِى هذه مَرةٌ قَيِّمةٌ مِن ثَمَراتِ الكائِناتِ، جَلِيلُ القَدْرِ، ومَخلُوقٌ مُكَرَّمٌ مَحبُوبٌ لَدَى الصّانِعِ الجَلِيلِ. هذه الثَّمَرةُ الطَّيِّبةُ أَتَى بها الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) بالمِعراجِ، هَدِيّةً إلى الجِنِّ والإنسِ، فرَفولا سِتلك الثَّمَرةُ الإنسانَ مِن كَونِه مَخلُوقًا صَغِيرًا وحَيَوانًا ضَعِيفًا وذا شُعُورٍ عاجِزٍ إلى مَقامٍ رَفِيعٍ ومَرتَبةٍ عاليةٍ، بل إلى أَرقَى مَقامٍ عَزِيزٍ مُكَرَّمٍ على جَمِيعِ المَخلُوقاتِ.. فمتَفُوقْ هذه الثَّمَرةُ الإنسانَ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ والسَّعادةِ الخالِصةِ ما يُعْجَزُ عن وَصْفِه.
— 753 —
لأنَّه إذا قِيلَ لِجُندِيٍّ بَسِتَ أَمقد أَصبَحْتَ مُشِيرًا في الجَيشِ، كم يكُونُ امتِنانُه وحَمْدُه وسُرُورُه وفَرَحُه ورِضاه؟ لا يُقدَّرُ حَتْمًا؛ بَينَما الإنسانُ المَخلُوقُ الضَّعِيفُ والحَيَوانُ النّاطِقُ، والعاجِزُ الفاني، الذَّليلُ أَمامَ ضَرَباتِ اسُّذَّلِ والفِراقِ، لو قيلَ له: إنَّك ستَدخُلُ جَنّةً خالِدةً وتَتَنعَّمُ برَحمةِ الرَّحمٰنِ الواسِعةِ الباقيةِ، وتَتَنزَّهُ في مُلْكِه ومَلَكُوتِه الَّذي يَسَعُ السَّماواتِ والأَرضَ، وتَتَمتَّعُ بها بجَمِيعضُها َباتِ القَلبِ في سُرعةِ الخَيالِ وفي سَعةِ الرُّوحِ وجَوَلانِ العَقلِ وسَرَيانِه.. وفوقَ كلِّ هذا ستَحْظَى برُؤيةِ جَمالِه سُبحانَه في السَّعادةِ الأَبدِيّةِ. فكلُّ إنسانٍ لم تَنحَطَّ إنسانيَّیتُه يَستَطِيعُ أن يُدٌ على َدَى الفَرَحِ والسُّرُورِ اللَّذَين يَغمُرانِ ذلك الَّذي يُقالُ له مِثلُ هذا الكَلامِ.
والآنَ نَتَوجَّهُ إلى ذلك القاعِدِ في مَقامِ الِاستِماعِ، مُهِمُ له: مَزِّقْ عنك قَمِيصَ الإلحادِ، وارْمِه بَعِيدًا، واستَمِعْ بأُذُنِ المُؤمِنِ، وتَقَلَّدْ نَظَرَ المُسلِمِ، فسأُبيِّنُ لك قِيمةَ بِضْعِ ثَمَراتٍ ضِمنَ مِثالَينِ صَغِيرَينِ:
المِثالُ الأوَّل:هَبْ أنَّنا معَك في مَملَكةيْنِ؛ عةٍ، أَينَما تَتَوجَّهُ فيها بالنَّظَرِ فلا تَرَى إلّا العَداءَ، فكُلُّ شَيءٍ عَدُوٌّ لنا، وكلُّ شَيءٍ يُضمِرُ عَداوةً للآخَرِ، وكلُّ ما فيها غَرِيبٌ عَنّا لا نَعرِفُه، وكلُّ زاوِينيّةً ها مَلْأَى بجَنائِزَ تُثِيرُ الرُّعْبَ والدَّهشةَ؛ وتَتَعالَى أَصواتٌ مِن هنا وهناك وهي أَصواتُ نِياحِ واستِغاثاتِ اليَتامَى والمَظلُومين.. فبَينَما نحنُ في مِثلِ هذه المَآسِي والآلامِ، إذا بأَحَدٍ يَذهَبُ إلى سُلْطانِ المَهِيزَ ِ ويَأْتِي مِنه ببُشرَى سارّةٍ للجَمِيعِ.
فإذا ما بَدَّلَتْ تلك البُشرَى ما كان غَرِيبًا عَنّا أَحبابًا أَوِدّاءَ.. وإذا ما غَيَّرَتْ شَكْلَ مَن كُنّا نَراه عَدُوًّا إلى صُورةِ إخوانٍ أَحِبّاا الشّإذا ما أَظْهَرَتْ لَنا الجَنائِزَ المَيْتةَ المُخِيفةَ على صُورةِ عِبادٍ خاشِعِين قانِتِين ذاكِرِين اللهَ مُسَبِّحِين بحَمْدِه.. وإذا ما حَوَّلَت تلك الصِّياحاتِ والنُّواحاتِ إلى ما والِاُ الحَمْدَ والثَّناءَ والشُّكْرَ.. وإذا ما بَدَّلَت تلك الأَمواتَ والغَصْبَ والنَّهْبَ إلى تَرخِيصٍ وتَسرِيحٍ مِن أَعباءِ الوَظِيفةِ.. وإذا كُنّا نحن نُشارِكُ اْرٍ، فين في سُرُورِهم فَضْلًا عن سُرُورِنا.. عِندَ ذلك يُمكِنُك أن تُقَدِّرَ مَدَى السُّرُورِ الَّذي يَعُمُّنا بتلك البُشرَى العَظِيمةِ.
— 754 —
وهكذا، فإِحْدَى ثَمَراتِ المِعراجِ هي الَّذالإيمانِ، فلو خَلَتِ الدُّنيا مِن هذه الثَّمَرةِ، أي: إذا ما نُظِرَ إلى الكائِناتِ بنَظَرِ الضَّلالةِ، فلا تَرَى المَوجُوداتِ إلّا غَرِيبةً، مُتَوحِّشةً، مُزعِجةً، مُضِرّةً، والأَجسامَ الضَّخْمةَ یی كالجِبالِ یی جَنائِزَ تُثِيرُ الدَّهْشةَ ومِيعَ فَ، والأَجَلَ جَلَّادًا يَضرِبُ أَعناقَ المَوجُوداتِ ويَرمِيها إلى بِئرِ العَدَمِ، وجَمِيعَ الأَصواتِ والأَصداءِ ما هي إلّا صُراخٌ ونَعْيٌ ناشِئانِ مِنَ الفِراقِ والزَّوالِ..
فبَينَما تُصَوِّرُ لك الضَّلالةَُهُن ججُوداتِ هكذا، إذا بثَمَرةِ المِعراجِ الَّتي هي حَقائِقُ الإيمانِ تُنَیوِّرُ المَوجُوداتِ كلَّها وتُظْهِرُها أَحِبّاءَ مُتَآخِيةً، في تَسبِيحٍ وذِكْرٍ لِرَبِّها الجَلِيلِ، والمَوتَ والزَّوالَ تَسرِيحًَّذَوّ الوَظِيفةِ وراحةً مِنها، وتلك الأَصواتَ تَسبِيحاتٍ وتَحمِيداتٍ.. وهكذا، فإن شِئْتَ أن تَرَى هذه الحَقِيقةَ بأَوضَحِ صُورَتِها فراجِعِ "الكَلِمةَ الثَّانيةَ" و"الكَلِمةَ الثَّامِنةَ".
المِثالُ الثَّاني:هَبْ أنَّنا معَك في صَرِيقِ كُبْرَى، تُحِيطُ بنا عَواصِفُ رَملِيّةٌ مِن كلِّ جانِبٍ، وظُلْمةُ اللَّيلِ تَحجُبُ عَنّا كلَّ شَيءٍ حتَّى لا نَیكادُ نَرَى أَيدِيَنا، والجُوعُ يَفتِكُ بنا والعَطَشُ يُلهِبُ أَفئِدَتَنا، ولا مُعِينَ لنا ولا مَلْجَرائِيلَصَوَّرْ هذه الحالةَ الَّتي نَضطَرِبُ فيها، وإذا بشَخْصٍ كَرِيمٍ يُمَزِّقُ حِجابَ الظَّلامِ ثمَّ يَأْتِي إلَينا، وفي مَعِيَّتِه مَركَبةٌ فارِهةٌ هَدِيّةً لنا، فيُقِلُّنا بها إلى مَكانٍ أَشْبَهَ ما يكُونُ بالجَنّةِ، كلُّ شََلَأْله على ما يُرامُ، كلُّ شَيءٍ مُهَيَّأٌ ومَضمُونٌ لنا.. يَتَولّانا مَن هو في مُنتَهَى الرَّحمةِ والشَّفَقةِ والرَّأفةِ، وقد أَعَدَّ لنا كلَّ ما نَحتاجُه مِن وَسائِلِ الأَكلِ والشُّرْبِ... أَظُنُّك تُقَدِّرُ الآنَ كم نكُونُ شاكِرِين لِفَضلِ ذلك بقُدرصِ الكَرِيمِ الَّذي أَخَذَنا مِن مَوْضِعِ اليَأْسِ والقُنُوطِ إلى مَكانٍ كُلُّه أَمَلٌ وسُرُورٌ.
فتلك الصَّحراءُ الكُبْرَى هي هذه الدُّنيا، وتلك العَواصِفُ الرَّمْلِيّةُ هي حَرَكاتُ الذَّرّاتِ وسُيُولُالوَسامانِ الَّتي تَضطَرِبُ بها المَوجُوداتُ وهذا الإنسانُ المِسكِينُ.. كلُّ إنسانٍ قَلِقٌ ومُضطَرِبٌ يَتَوجَّسُ خِيفةً مِمَّا يُخفِيه له مُقبِلُ أيّامِه المُظلِمةِ المُخِيفةِ.. هكذا تُرِيه الضَّلالةُ، ئِذِ اعرِفُ بمَن يَستَغِيثُ، وهو يَتَضَوَّرُ جُوعًا وعَطَشًا..
وهكذا، فمَعرِفةُ مَرضِيّاتِ اللهِ سُبحانَه، وهي ثَمَرةٌ مِن ثَمَراتِ المِعراجِ، تَجعَلُ
— 755 —
هذه الدُّنيا مَضِيبتَربُِضِيفٍ جَوادٍ كَرِيمٍ، وتَجعَلُ الأَناسِيَّ ضُيُوفَه المُكَرَّمين، ومَأْمُورِيه في الوَقتِ نَفسِه، وضَمِن له مُستَقبَلًا زاهِيًا كالجَنّةِ ومُمْتِعًا ولَذِيذًا كالرَّحمةِ،َمِ العًا باهِرًا كالسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ.
فإذا تَصَوَّرْتَ هذا وذاك فعِندَئِذٍ يُمكِنُك أن تَقِيسَ مَدَى لَذّةِ تلك الثَّمَرةِ وجَمالِها وحَلاوَتِها!
إنَّ مَن كان في مَقامِ الِاستِماعِ يقُولُ: حَمْدًا للهِ وشُكْرًا أَلفَ شُكَّذي يقد نَجَوتُ بفَضلِه مِنَ الإلحادِ، فسَلَكْتُ طَرِيقَ الإيمانِ والتَّوحِيدِ، وغَنِمتُ الإيمانَ.. والحَمْدُ للهِ.
ونحنُ نقُولُ له: أيُّها الأَخُ، نُهَنِّیئُك بالإما بَث ونَسأَلُه تَعالَى أن يَجعَلَنا مِمَّن يَنالُون شَفاعةَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص).
اللَّهُمَّ صَلِّ على مَنِ انشَقَّ بإِشارَتِه القَمَرُ، ونَبَعَ مِن أَصابِعِه الماءُ كالكَوْثَرِ، صِ: "أنالمِعراجِ ومَا زاغَ البَصَرُ، سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِه وأَصحابِه أَجمَعِين.. مِن أَوَّلِ الدُّنيا إلى آخِرِ المَحْشَرِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَى الجَالْحَكِيمُ
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُلُ إلّ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
— 756 —
ذيلُ
الكلَعامِ اسعة عشرة والحادية والثلاثين
مُعجِزةُ انشِقاقِ القمرِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ٭ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوها كلّقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ
إنَّ فَلاسِفةً مادِّيِّين، ومَن يُقَلِّدُونَهم تَقْلِيدًا أَعمَى، يُرِيدُون أن يَطمِسُوا ويَخسِفُوا مُعجِزةَ انشِقاقِ القَمَرِ السَّاطِعِ كالبَدْرِ، فيُثِيرُوا حَوِ رَبّأَوْهامًا فاسِدةً، إذ يقُولُون: "لو كانَ الِانشِقاقُ قد حَدَث فِعْلًا لَعَرَفَه العالَمُ، ولَذَكَرَتْه كُتُبُ التّارِيخِ كُلُّها!".
الجَوابُ:إنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُعجِزةٌ لإثباتِ النُّبوّةِ، وَقَعَت أَمامَ الَّذين سَتَحدَّ بدَعوَى النُّبوّةِ وأَنكَرُوها، وحَدَثَتْ لَيلًا، في وَقْتٍ تَسُودُ فيه الغَفْلةُ، وأُظهِرَت آنِيًّا؛ فَضْلًا عن أنَّ اختِلافَ المَطالِعِ ووُجُودَ السَّحابِ والغَمامِ وأَمثالَها مِنَ المَوانِعِ تَحُولُ دُونَ رُؤيةِ القَلمُطلَعِلْمًا أنَّ أَعمالَ الرَّصدِ ووَسائِلَ الحَضارةِ لم تكُن في ذلك الوَقتِ مُنتَشِرةً، لِذا لا يَلْزَمُ أن يَرَى الِانشِقاقَ كلُّ النّاسِ، في كلِّ مَكانٍ، وأُسلُوْزَمُ أيضًا أن يَدخُلَ كُتُبَ التّارِيخِ.
فاستَمِعِ الآنَ إلى نِقاطٍ خَمْسٍ فقَطْ مِن بينِ الكَثِيرِ مِنها، تُبَدِّدُ بإذنِ اللهِ سُحُبَ الأَوهامِ الَّتي تَلَبَّدَت على وَجْهِ هذه المُعجِزةِ الباهِرةِ:
النُّقطة الجِ؟
إنَّ تَعَنُّتَ الكُفَّارِ في ذلك الزَّمانِ مَعلُومٌ ومَشهُورٌ تارِيخًا، فعِندَما أَعلَن القُرآنُ الكَرِيمُ: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وبَلَغ صَداه الآفاقَ، لم يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنَ الكُفّارِ یی ونُّورِحَدُون بالقُرآنِ یی أن يُكَذِّبَ بهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، أي: يُنكِرَ وُقُوعَ الحادِثةِ، إذ لو لم تكُنِ الحادِثةُ قد
— 757 —
وَقَعَت فِعلًا في ذلك الو التَّولم تكُن ثابِتةً لَدَى أُولَئِك الكُفّارِ، لَاندَفَعُوا بشِدّةٍ لِيُبطِلُوا دَعوَى النُّبوّةِ، ويُكَذِّبُوا الرَّسُولَ (ص)؛ بَينَما لمةِ رَجلْ كُتُبُ التَّارِيخِ والسِّيَرِ شَيْئًا مِن أَقوالِ الكُفّارِ حَولَ إنكارِهم حُدُوثَ الِانشِقاقِ، إلّا ما بَيَّنَتْه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ، وهو أنَّ الَّذين شاهَدُوا المُعجِزةَ مِنَ الكُفّارِ قالُوا: ه كلِّ ْرٌ، فابعَثُوا إلى أَهلِ الآفاقِ حتَّى تَنظُرُوا أَرَأَوْا ذلك أم لا؟ ولَمّا حانَ الصَّباحُ أَتَتِ القَوافِلُ مِنَ اليَمَنِ وغيرِها فسَأَلُولك في َخبَرُوهم أنَّهم رَأَوْا مِثلَ ذلك. فقالُوا: "إنَّ سِحْرَ يَتِيمِ أبي طالِبٍ قد بَلَغَ السَّماءَ!".
النُّقطة الثانية:
لقد قالَ مُعظَمُ أَئِمّةِعَقلٌ الكَلامِ، مِن أَمثالِ سَعْدٍ التَّفتازانِيِّ: "إنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُتَواتِرٌ، مِثلَ فَوَرانِ الماءِ مِن بينِ أَصابِعِه الشَّرِيفةِ (ص) وارتِواءِ الجَيشِ مِنه، ومِثلَ حَيمُ يُالجِذْعِ الَّذي كان يَستَنِدُ إلَيه أَثناءَ الخُطبةِ مِن فِراقِه (ص)، وسَماعِ جَماعةِ المَسجِدِ لِأَنينِه. أي: إنَّ الحادِثةَ نَقَلَتْها جَماعةٌ غَفِيرةٌ عن جَماعةٍ غَفِيرةٍ يَستَحِيلُ تَواطُؤُهم على الكَذِبِ،ولكنَّدِثةُ مُتَواتِرةٌ تَواتُرًا قَطْعِيًّا كظُهُورِ المُذَنَّبِ قَبلَ أَلفِ سَنةٍ، وكوُجُودِ جَزِيرةِ سَرَنْدِيبَ الَّتي لم نَرَها".
وهكذا تَرَى أنَّ إثارةَ الشُّكُوكِ حَوْلَ هذه المَسأَلةِ القاطِعةِ وأَمثالِها مِنَ المَسائِلِ راتِبِهَدةِ شُهُودًا عِيانًا إنَّما هي بَلاهةٌ وحَماقةٌ، إذ يَكفِي فيها أنَّها مِنَ المُمكِناتِ ولَيسَت مُستَحِيلًا؛ عِلْمًا أنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُمكِنٌ كانفِلاقِ الجَبَلِ ببُركانٍ.
النُّقطة الثالثَ، وهك إنَّ المُعجِزةَ تَأْتِي لإثباتِ دَعوَى النُّبوّةِ عن طَرِيقِ إقناعِ المُنكِرِين، وليس إِرغامَهم على الإيمانِ؛ لِذا يَلْزَمُ إظهارُها للَّذِين سَمِعُوا دَعوَى النُّبوّةِ، بما يُوصِلُهم إلى القَناعةِ واَياةِ ئْنانِ إلى صِدْقِ النُّبوّةِ؛ أمّا إظهارُها في جَمِيعِ الأَماكِنِ، أو إظهارُها إظهارًا بَدِيهِيًّا بحَيثُ يُضطَرُّ النّاسُ إلى القَبُولِ والرُّضُوخِ فهو مُنافٍ لِحِكُدِيرُللهِ الحَكِيمِ ذِي الجَلالِ، ومُخالِفٌ أَيضًا لِسِرِّ التَّكلِيفِ الإلٰهِيِّ، ذلك لأنَّ سِرَّ التَّكلِيفِ الإلٰهِيِّ يَقتَضِي فَتْحَ المَجالِ أَمامَ العَقلِ دُونَ سَلْبِ الِاختِيارِ مِنه.
— 758 —
فلو كان الخالالعَينكَرِيمُ قد تَرَك مُعجِزةَ الِانشِقاقِ باقِيةً لِساعَتَينِ مِنَ الزَّمانِ، وأَظهَرَها لِلعالَمِ أَجمَعَ ودَخَلَت بُطُونَ التّارِيخِ كما يُرِيدُها الفَلاسِفةُ لَكان الكُفّارُ يقُولُون: إنَّها ْتَنَاٌ فَلَكِيّةٌ مُعتادةٌ. وما كانَت حُجّةً على صِدْقِ النُّبوّةِ، ولا مُعجِزةً تَخُصُّ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص)؛ أو لَكانَت تُصبِحُ مُعجِزةً بَدِيهِيّةً تُرغِمُ العَقلَ على الإيمانِ وتَسلُبُ مِنه الِاختِيارَ، وعِندَالكَلِتَساوَى أَرواحٌ سافِلةٌ كالفَحْمِ الخَسِيسِ مِن أَمثالِ أبي جَهْلٍ، معَ الأَرواحِ العاليةِ الصّافيةِ كالأَلْماسِ مِن أَمثالِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ، أي: لَضاعَ سِرُّ التَّكلِيفِ الإلٰهنْسَ ا ولِأَجلِ هذا فقد وَقَعَتِ المُعجِزةُ آنِيًّا، وفي اللَّيلِ، وحينَ تَسُودُ الغَفْلةُ، وغَدا اختِلافُ المَطالِعِ والغَمامِ وأَمثالُها حُجُبًا أَمامَ رُؤيةِ النّاسِ لها.. فلم تَدخُلْ بُطُونَ كُتُبِ التّارِيخِ.
النُّقطة الرابعة:
861
ذه المُعجِزةَ الَّتي وَقَعَت لَيْلًا، وآنِيًّا، وعلى حِينِ غَفلةٍ، لا يَراها كلُّ النّاسِ دُونَ شَكٍّ في كلِّ مَكانٍ؛ بل حتَّى لو ظَهَرَتْ لِبَعضِهم، فلا يُصَدِّقُ عَينَه، ولو صَدَّقها فإنّلأرضِثةً كهذه مَروِيّةً مِن شَخصٍ واحِدٍ لا تكُونُ ذاتَ قِيمةٍ للتّارِيخِ.
ولقد رَدَّ العُلَماءُ المُحَقِّقُون ما زِيدَ في رِوايةِ المُعجِزةِ مِن أنَّ القُفسِّربعدَ انشِقاقِه قد هَبَط إلى الأَرضِ! قالُوا: رُبَّما أَدخَل هذه الزِّيادةَ بعضُ المُنافقِين ليُسقِطُوا مِن قِيمةِ الرِّوايةِ ويُهَوِّنُوتَّنازشَأْنِها.
ثمَّ إنَّ سُحُبَ الجَهلِ كانَت یی في ذلك الوَقتِ یی تُغَطِّي سَماءَ إنكِلْتِرا، والوَقتُ على وَشْكِ الغُرُوبِ في إسبانيا، وأَمرِيكا في وَضَحِ النَّهارِ، والصَّباحُ قد تَنَفَّسَ في الصِّينِ واليابانِةِ بأن غيرِها مِنَ البُلْدانِ هناك مَوانِعُ أُخرَى للرُّؤيةِ، فلا تُشاهَدُ هذه المُعجِزةُ العَظِيمةُ فيها.
فإذا عَلِمتَ هذا فتَأَمَّلْ في كَلامِ الَّذي يقُولُ: "إنَّ تارِيخَ إنكِلْتِر فكماِّينِ واليابانِ وأَمرِيكا وأَمثالِها مِنَ البُلْدانِ لا تَذكُرُ هذه الحادِثةَ، إذًا لم تَقَعْ!". أيُّ هَذَرٍ هذا.. ألَا تَبًّا للَّذين يَقتاتُون على فُتاتِ أَورُوبّا..
— 759 —
النُّقطة الخامسة:
إنَّ انشِقاقَ القَم فالعُس حادِثةً حَدَثَت مِن تِلقاءِ نَفسِها، بِناءً على أَسبابٍ طَبِيعيّةٍ وعن طَرِيقِ المُصادَفةِ! بل أَوْقَعَها الخالِقُ الحَكِيمُ، رَبُّ الشَّمسِ والقَمَرِ، حَدَثًا خارِقًا للسُّنَنِ الكَوعَلاقة تَصدِيقًا لِرِسالةِ رَسُولِه الحَبِيبِ (ص)، وإعلانًا عن صِدْقِ دَعوَتِه، فأَبرَزَه سُبحانَه وتَعالَى وَفْقَ حِكْمَتِه وبمُقتَضَى سِرِّ الإرشادِ والتَّكلِيفِ وحِكْمةِ تَبلِيغِ الرِّسالةِ، ولِيُقيمَ الحُجّةَ على َّذي هءَ مِنَ المُشاهِدِين له، بَينَما أَخفاه یی اقتِضاءً لِحِكْمَتِه سُبحانَه ومَشِيئَتِه یی عَمَّن لم تَبلُغْهم دَعوةُ نَبيِّه (ص) مِنَ السّاكِنِين في أَقطارِ الُولُ ب، وحَجَبَه عنهم بالغُيُومِ والسَّحابِ وباختِلافِ المَطالِعِ وعَدَمِ طُلُوعِ القَمَرِ، أو شُرُوقِ الشَّمسِ في بعضِ البُلدانِ وانجِلاءِ النَّهارِ في أُخرَ الدَّرُوبِ الشَّمسِ في غيرِها.. وأَمثالِها مِنَ الأَسبابِ الدّاعِيةِ إلى حَجْبِ رُؤيةِ الِانشِقاقِ.
فلو أُظهِرَتِ المُعجِزةُ إلى جَمِيعِ النّاسِ في اَذي لهِ كُلِّه، فإمّا أنَّها كانَت تَبْرُزُ لهم نَتِيجةَ إشارةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) وإظهارًا لِمُعجِزةٍ نَبَوِيّةٍ، وعِندَها تَصِلُ إلى البَداهةِ، أي: يالبَدُِّ النّاسُ كُلُّهم إلى التَّصدِيقِ، أي: يُسلَبُ مِنهُمُ الِاختِيارُ، فيَضِيعُ سِرُّ التَّكلِيفِ؛ بَينَما الإيمانُ يُحافِظُ على حُرِّيّةِ العَقلِ في الِاختِيارِ ولا يَسلُبُها مِنه.. أو أنَّها تَبْرُزُ لهم كحادِثةٍ سَماوِيّةٍ مَحْضةٍ،ما علىَها تَنقَطِعُ صِلَتُها بالرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ ولا تَبقَى لها مَزِيّةٌ خاصّةٌ.
الخُلاصةُ:إنَّ انشِقاقَ القَمَرِ لا رَيبَ فيه، فلقد أُثبِتَ إثباتًا قاطِعًا. وسنُشِيرُ هنا إلى ونُ ذلكه بسِتّةِ بَراهِينَ قاطِعةٍ (حاشية): أي: إنَّ هُناك سِتَّ حُجَجٍ قاطِعةٍ على وُقُوعِ انشِقاقِ القمرِ في سِتّة أنواعٍ مِنَ الإجماع. ولَكِن للأسَفِ لم نُوفِ هذا المَقامَ حَقَّه مِنَ البحثِ فظَلَّ مُقتََلَقَي مِن بينِ الكَثِيرِ مِنها، وهي: إِجماعُ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ علَيهم أَجمَعِين وهُمُ العُدُولُ، واتِّفاقُ العُلَماءِ المُحَقِّقين مِنَ المُفَسِّرِين لَدَى تَفسِيرِهم: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، ونَقْلُ جَمِيعِ وتَ ليدِّثين الصَّادِقين في رِواياتِهم وُقُوعَه بأَسانِيدَ كَثِيرةٍ وبطُرُقٍ عَدِيدةٍ، وشَهادةُ جَمِيعِ أَهلِ الكَشْفِ والإلهامِ مِنَ الأَولِياءِ والصِّدِّيقِين الصّالِحِين، وتَصدِيقُ أَئِمّةِ عِلمِ الكَلامِ المُتَبَحِّرِين رَغمَ تَبايُنِ مءَ نَثِهم ومَشارِبِهم، وقَبُولُ الأُمّةِ الَّتي لا تَجتَمِعُ على ضَلالةٍ كما نَصَّ عليه الحَدِيثُ الشَّرِيفُ.
— 760 —
كلُّ ذلك يُبيِّنُ انشِقعاوَى قَمَرِ ويُثبِتُه إثباتًا قاطِعًا يُضاهِي الشَّمسَ في وُضُوحِها.
حاصِلُ الكَلامِ:كان البَحثُ إلى هنا باسمِ التّحقِيقِ العِلْميِّ، إلزامًا للخَصْمِ. أمّا بعدَ هذا فسيكُونُ الكَلامُ باسمِ الحَقِيقةِ ولِأَجلِ الإيمسَّيرِقد نَطَق التَّحقِيقُ العِلمِيُّ هكذا.. أمّا الحَقِيقةُ فتقُولُ:
إنَّ خاتَمَ دِيوانِ النُّبوّةِ (ص) وهو القَمَرُ المُنِيرُ لِسَماءِ الرِّسالةِ، وقد سَمَتْ وِلايةُ عُبُودِيَّتِه إلى مَرتَبةِ المَحبُوبيّةِ، فأَظهَ"المُزلكَرامةَ العُظمَى والمُعجِزةَ الكُبْرَى بالمِعراجِ. أي: بجَوَلانِ جِسْمٍ أَرضِيٍّ في آفاقِ السَّماواتِ العُلا، وتَعرِيفِ أَهلِ السَّماواتِ به، فأَثبَتَت بتلك المُعجِزةِ وِلايَتَه العُظمَى للهِ ومَحبُوبيَّیتَه الخالِصةَ له وسُمُوَّه علالَّذيِ السَّماواتِ والمَلَأِ الأَعلَى.. كذلك فقد شَقَّ سُبحانَه القَمَرَ المُعَلَّقَ في السَّماء والمُرتَبِطَ معَ الأَرضِ بإشارةٍ مِن عَبدِه في الأَرضِ، فأَظهَرَ مُعجِزَتَه هذه، إثباتًا لرِسالةِ ذلك العَبدِ الحَبِيبِ، حتَّى أَصبَحَ (ص) كالفةِ "النِ المُنيرَينِ للقَمَرِ، فعَرَجَ إلى أَوْجِ الكَمالاتِ بجَناحَيِ الوِلايةِ والرِّسالةِ النَّورانيَّينِ، حتَّى بَلَغ قابَ قَوسَينِ أو أَدنَى، وأَصبَحَ فَخْرًا لِأَهلِ السَّماواتِ كما هو فَحاشية)َهلِ الأَرضِ.
علَيه وعلى آلِه وصَحبِه الصَّلاةُ والتَّسلِيماتُ مِلْءَ الأَرضِ والسَّماواتِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أًا مِنالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ بِحَقِّ مَنِ انشَقَّ القَمَرُ بِإِشَارَتِهِ اجْعَلْ قَلبِي وقُلُوبَ طَلَبَةِ رَسَائلِ النُّورِ الصَّادِقِينَ كَالقَمَرِ فِي مُقَابَلَةِ شَمسِ القُرآنِ.. آمِينَ. آمِينَ.
ي: إنّ ٭
— 761 —
الكلمة الثانية والثلاثون
هذه الكلمة ثلاثةُ مواقف
هذه الكَلِمةُ ذَيلٌ يُوضِّحُ اللَّمعةَ الثّامِنةَ مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين". وهي تَفسِيرٌ لِأوَّلِ لِسانٍ مِن َيئةِ وخَمسِين لِسانًا مِن أَلسِنةِ المَوجُوداتِ الشّاهِدةِ على وَحدانيّةِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، والَّتي أُشِيرَ إلَيها في رِسالةِ "قَطْرةٌ مِن بَحرِ التَّوحِيدِ" وهماءُ الوَقتِ نَفسِه حَقِيقةٌ مِنَ الحَقائقِ الزّاخِرةِ للآيةِ الكَرِيمةِ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا لَبِسَت ثَوبَ التَّمثِيلِ.
المَوقِفُ الأوَّلُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ يرٍ، إِيمِ
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
لَا إلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ، يُحيِي وصدُها:ُ وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وإلَيهِ المَصِيرُ.
كُنتُ قد بَيَّنتُ في إِحدَى لَيالي رَمَضانَ المُبارَكِ، أنَّ في كلٍّ مِنَ الجُمَلِ الإحدَى عَشْرةَ مِن هذا الكَلامِ التَّوحِيدِيِّ بِشيُثِيرارّةً، ومَرتَبةً مِن مَراتِبِ التَّوحِيدِ. وقد بَسَطتُ الكَلامَ بَسْطًا يَقْرُبُ مِن فَهْمِ العَوامِّ لِتَوضِيحِ ما في جُملةِ"لا شَرِيكَ له"وَحْدَها مِن مَعانٍ جَمِيلةٍ؛ وذلك على صُورةِ مُحاوَرةٍ تَمثِيليّةٍ ومُناشَرِّهافتِراضِيّةٍ، واتِّخاذِ لِسانِ الحالِ على هَيئةِ لِسانِ المَقالِ. وأُدرِجُ الآنَ تلك المُحاوَرةَ إسعافًا لِطَلَبِ إِخوَتي الأَعِزّاءِ الَّذين
— 762 —
يُعينُونَني في شُؤُوني، ونُزُولًا عِندَ رَغبةِ رُفَقائي في المَسجِدِ ونَظَرًا لِطَلَبِهم. وهي َها تَنَّحوِ الآتي:
نَفتَرِضُ شَخْصًا يُمَثِّیلُ الشُّرَكاءَ الَّذين يَتَوَهَّمُهم جَمِيعُ أَنواعِ أَهلِ الشِّركِ والكُفرِ والضَّلالِ مِن أَمثالِ عَبَدةِ الطَّبِيعةِ والمُعتَقِدِين بتَأْثيرِ الأَسبابِ والمُشرِكِين. ونَفرُِوتِ اَ ذلك الشَّخصَ المُفتَرَضَ يُرِيدُ أن يكُونَ رَبًّا لِشَيءٍ مِن مَوجُوداتِ العالَمِ، ويَدَّعِي التَّمَلُّكَ الحَقِيقيَّ له!
وهكذا، فقد قابَلَ ذلك المُدَّعِي أَوَّلًا ما هو أَصغَرُ شَيءٍ في المَوجُوداالَهماوهو الذَّرّةُ یی فقال لها بلِسانِ الطَّبِيعةِ وبلُغةِ الفَلسَفةِ المادِّيّةِ: إنَّه رَبُّها ومالِكُها الحَقِيقيُّ!
فأَجابَتْه تلك الذَّرّةُ بلِسانِ الحَقِيقةِ وبلُةٍ واسحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ المُودَعةِ فيها: إنَّني أُؤَدِّي وَظائِفَ وأَعمالًا لا يَحصُرُها العَدُّ، فأَدخُلُ في كلِّ مَصنُوعٍ على اختِلافِ أَنواعِه؛ فإن كُنتَ أيُّها المُدَّعِي مالِكًا عِلْمًا واسِعًا يُحِي
نعمِيعِ تلك الوَظائِفِ، وصاحِبَ قُدرةٍ شامِلةٍ تُوَجِّهُ جَمِيعَها، ولك حُكْمٌ نافِذٌ وهَيمَنةٌ كامِلةٌ على تَسخِيرِي وتَوجِيهِي معَ أَمثالي
(حاشية): نعمَ سِتاأنَّ كلَّ شيءٍ مُتحرِّكٌ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى الكَواكِبِ السَّيّارةِ يَدُلُّ على الوَحدانيّةِ، بما فيه مِن سِكّةِ الصَّمَدانيّةِ وطابَأَعظَمفإنَّه يَضُمُّ جَمِيعَ الأَماكِنِ الَّتي يَجُولُ فيها ضِمنَ مُلكِ مالِكِه الواحِدِ.. أمّا المَصنُوعاتُ السّاكِنةُ ابتِداءً مِنَ النَّباتاتِ إلى النُّج أَسوَلثّابِتةِ فهي بمَثابةِ أَختامِ الوَحدانيّةِ حيثُ يُظهِرُ كلٌّ مِنها أنَّ مَوْضِعَه بمَثابةِ رِسالةٍ مِن صانِعِه ومَكتُوبٍ مِنه. أي: إنَّ كلَّ نَباتٍ، وكلَّ ثَمَرٍ، هو خَتْمِقَ الدانيّةٍ، وسِكّةُ وَحْدةٍ، بحيثُ يَدُلُّ على أنَّ مَواضِعَه وأَوطانَه رِسالةٌ لِصانِعِه البَدِيعِ.
والخُلاصةُ: أنَّ كلَّ شَيءٍ يُسَيطِرُ بحَرَكتِه على جَمِيعِ الأَشياءِ باسمِ الوَحدانيّةِ، أ وعَجَْ الَّذي لا يَقبِضُ زِمامَ جَمِيعِ النُّجُومِ بيَدِه لن يكُونَ رَبًّا على الذَّرّةِ.
مِنَ الذَّرّاتِ العامِلةِ والمُتَجوِّلةِ في الوُجُودِ.. وكذا لو كُنُ على َمكَّنُ مِن أن تكُونَ مالِكًا حَقِيقيًّا للمَوجُوداتِ الَّتي أنا جُزءٌ مِنها، كالكُرَيّاتِ الحُمْرِ، وتَتَصرَّفَ فيها بانتِظامٍ تامٍّ.. فلكَ أن تَدَّعِيَ المالِكِيّةَ عَلَيَّ، وتُسنِدَ أَمرِي إلى غيرِ خالِقِي سُبحانَه.. وإلّا فُمِ عِْ! إذ لا تَقدِرُ على أن تَتَدخَّلَ في شُؤُوني، فَضْلًا عن أنَّك لا تَستَطِيعُ أن تكُونَ رَبًّا لي، لأنَّ ما في وَظائِفِنا وأَعمالِنا وحَرَكاتِنا مِنَ النِّظامِ المُتقَنِ الكامِلِ بحَيثُ لن يَقدِرَ علَيه مَن لم يكُن ذا حِكْمةٍ مُطلَقةٍ وعِلْمٍأنَّهاطٍ، فلو تَدَخَّلَ غَيرُه لَأَفْسَدَ. فأَنَّى لك أيُّها
— 763 —
المُدَّعِي أن تَمُدَّ إصبَعَك في شُؤُونِنا وأنت العاجِزُ الجامِدُ الأَعمَى الأَسِيرُ بِيَدِ الطَّبِيي إلى لمُصادَفةِ العَمْياوَيْنِ!
فقال المُدَّعِي ما يقُولُه المادِّيُّون: "إذًا كُوني مالِكةً لِنَفسِكِ، فلِمَ تقُولين: إنَّك تَعمَلِين في سَبِيلِ غَيرِكِ؟".
فأَجابَتْه الذَّرّةُ: "لو كان لي لبَسُهجَبّارٌ كالشَّمسِ وعِلمٌ مٌحِيطٌ كضَوئِها وقُدرةٌ شامِلةٌ كحَرارَتِها وحَواسُّ ومَشاعِرُ واسِعةٌ كالأَلوانِ السَّبعةِ في ضِيائِها ووَجهٌ مُتَوجِّهٌ إلى كلِّ مَكانٍ أَسِيحُ فيه وعَينٌ ناظِرةٌ وكَلامٌ نافِذٌ إلى كلِّ مَوجُودٍ أَتَوجَّهُ إلَصُورِهُبَّما كُنتُ أَتَغابَى مِثلَك فأَدَّعِي الحاكِمِيّةَ لِنَفسِي!. تَنَحَّ عنِّي فلَيس لك مَوضِعٌ فينا".
وعِندَما يَئِسَ داعِيةُ الشِّرْكِ مِنَ الذَّلةً واقابَلَ كُرَيّةً حَمْراءَ مِنَ الدَّمِ، عَلَّه يَظْفَرُ مِنها بشَيءٍ، فقالَ لها بلِسانِ الأَسبابِ ولُغةِ الطَّبِيعةِ ومَنطِقِ الفَلْسَفةالإبداا لكِ رَبٌّ ومالِكٌ!".
فرَدَّت علَيه الكُريّةُ الحَمْراءُ بلِسانِ الحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ: "إنَّني لَسْتُ وَحِيدةً مُنفَرِدةً، فأنا وأَمثالي جَمِيعًا في جَيشِ الدَّمِأُسُسُِيفِ، نِظامُنا واحِدٌ ووَظائِفُنا مُوَحَّدةٌ، نَسِيرُ تحتَ إِمْرةِ آمِرٍ واحِدٍ؛ فإن كُنتَ تَقْدِرُ على أن تَملِكَ زِمامَ جَمِيعِ ما في الدَّمِ مِن أَمثالي، ولك حِكْمةٌ دَقِيقةٌ وقُدرةٌ عَظِيمةٌ تُحكِمانِ سَيطَرَتَهما عئِفةٍ،ِيعِ خَلايا الجِسْمِ الَّتي نَجُولُ فيها ونُستَخدَمُ لإنجازِ مُهِمّاتٍ فيها بكُلِّ حِكْمةٍ وانتِظامٍ، فهاتِها؛ فلَرُبَّما يكُونُ عِندَئذٍ لِدَعواك مَعنًى.. ولكِنَّك أيُّها المُدَّعِي لا تََمَّلُسِوَى قُوّةٍ عَمْياءَ وطَبِيعةٍ صَمّاءَ، فلا تَقْدِرُ على أن تَتَدخَّلَ في شُؤُونِنا ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ، فَضْلًا عنِ ادِّعاءِ التَّمَلُّكِ علَينا، لأنَّ النِّظامَ الَّذي يُهَيمِنُ علَينا دَقيقٌ وصارِمٌ إلى حَدٍّ لا يُمكِنُ أن يَحكُمَنا إلّا" و"لََرَى كلَّ شَيءٍ ويَسمَعُ كلَّ شَيءٍ ويَعلَمُ كلَّ شَيءٍ ويَفعَلُ ما يَشاءُ. ولِهذا فاسْكُتْ، إذ لا تَدَعُ وَظائِفُنا الجَلِيلةُ ودِقَّتُها ونِظامُها مَجالًا لنا لِنَسمَعَ هَذَرَك.." وهكَذا تَطرُدُه الكُرَيّةُ الحَمْراءُ.
ولَمّا ل فإنَّدْ ذلك المُدَّعي بُغيَتَه فيها، ذَهَب فقابَلَ خَلِيّةً في الجِسْمِ فقال لها: بمَنطِقِ الفَلسَفةِ ولِسانِ الطَّبِيعةِ: "لم أَتَمكَّنْ موّةِ وأُسمِعَ دَعْوايَ إلى الذَّرّةِ، ولا إلى
— 764 —
الكُرَيّةِ الحَمْراءِ، فلَعلِّي أَجِدُ مِنكِ أُذُنًا صاغِيةً، لأنَّكِ لَستِ إلّا حُجَيرةً صَغِيرةً حاوِيةً على أَشياءَ مُتَفرِّقةٍ! ولِهذا فإنَّني قادِر وعِندصُنْعِك، فكُوني مَصنُوعَتِي ومَملُوكَتي حَقًّا!".
فقالَت له الخَلِيّةُ بِلُغةِ الحِكمةِ والحَقِيقةِ: "إنَّني صَغِيرةٌ جِدًّا حَقًّا، ولكِنْ لي وَظائِفُ جَلِيلةٌ وجَسِيمةٌ، ولي عَلاقاتٌ ورَوابِطُ وَثِيقةٌ و، مَقاةٌ جِدًّا معَ جَمِيعِ خَلايا الجِسمِ؛ فلي وَظائِفُ مُتقَنةٌ معَ جَمِيعِ الأَوعِيةِ الدَّمَوِيّةِ مِن شَرايِينَ وأَورِدةٍ وأَعصابٍ مُحَرَّكةٍ وحِسِّيّةٍ، ومعَ جَمِيعِ القُوَى الَّتي تُنَظِّمُ الجِسمَ كالقُوّةِ الجاذِبةِ والرُ به ةِ والمُوَلِّدةِ والمُصَوَّرةِ وأَمثالِها.. فإن كان لك أيُّها المُدَّعِي عِلمٌ واسِعٌ وقُدرةٌ شامِلةٌ تُنشِئُ تلك العُرُوقَ والأَعصابَ والقلآخَرِلمُودَعةَ في الجِسمِ وتُنَسِّقُها وتَستَخدِمُها في مُهِمّاتِها، وكذا إن كانَت لَدَيك حِكمةٌ شامِلةٌ وقُدرةٌ نافِذةٌ تَستَطِيعُ أن تَتَصرَّفَ في شُؤُونِ أَخَواتي مِن خَلايا الجِسمِ كلِّها، والَّتي تَتَشابَهُ في الإتقانِ والرَّوعةِ النَّوتَشهَد، فهَيّا أَظْهِرْها، ثمَّ ادَّعِ بأنَّك تَتَمكَّنُ مِن صُنعِي.. وإلّا فاغْرُبْ عَنّا، فإنَّ الكُرَيّاتِ الحُمْرَ تُزَوِّدُني بالأَرزاقِ، والكُرَيّاتِ البِيضَ تُدافِعُ عَنِّي تُجاهَ الأَمراي یی فُهاجِمةِ؛ فلِيَ أَعمالٌ جِسامٌ، لا تَشغَلْني عنها، فإنَّ عاجِزًا قاصِرًا أَعمَى مِثلَك ليس له حَقُّ التَّدَخُّلِ في شُؤُونِنا الدَّقيقةِ أَبدًا، لأنَّ فينا مِنَ النِّظامِ المُحكَمِ الكامِلِ
(حاشية): إنَّ الصَّانِعَ الحَكِيم ؤَقَّتَق جسمَ الإنسان على هَيئةِ مَدِينةٍ مُنَسَّقة ومُنتَظِمة جدًّا، فقِسمٌ مِن العُرُوق يقوم بمُهِمّة التِّلغرافِ والهاتفِ، وقسمٌ منها بمَثابةِ الأنابيبِ التي تأتي بالماء مِنَ اليَنابِيعِ فيَسِيرُ فيتِ جَمَّمُ، ذلك السّائلُ الباعِثُ على الحياة.. والدَّمُ نفسُه قد خُلِق فيه قسمانِ مِن الكُرَيّاتِ، يُطلَق على إحداهما الكُرَيّاتُ الحُمْرُ التي تقومُ بتَوزيعِ الأَرزاقِ إلَّرّاتيراتِ البَدَن، فتُوصِلُ إليها أَرزاقَها بقانونٍ إلٰهِيٍّ مِثلَما يقومُ مُوَظَّفو الأَرزاقِ وتُجَّارُها بالتَّوزيعِ. والقِسمُ الآخَرُ هو الكُرَيّاتُ البِيضُ التي هي أقلُّ عَددًا مِن في شَولَى، وتقومُ بالدِّفاع عنِ الجِسمِ تِجاهَ الأمراضِ مُتَّخِذةً وَضْعًا سَرِيعًا عجِيبًا بنَوعَينِ مِنَ الدَّوَرانِ والحركة یی كالمُرِيدِ المَوْلَوِيِّأَدنَىلَما تَدخُل حَوْمةُ المَعركةِ.. أمّا مجموعُ الدَّم فله وَظِيفتانِ عامَّتانِ: الأُولى: تَعمِيرُ الحُجَيراتِ المُتَهدِّمة في الجسم وتَرميمُها.. والأخرى: تَنظيفُ الجِسمِ بجَمْعِ ال مُهِمات وأَنقاضِ الخَلايا.
وهناك قِسمانِ مِنَ العُرُوقِ أيضًا، يُطلَق على أَحَدِهما الشَّرايِينُ الَّتي تقومُ بنَقْلِ الدَّمِ الصَّافي وتَوزيعِه، فهي بحُكْمِ مَجارِيى أَغصمِ النَّقيِّ الصّافي.. والآخَرُ: هو مَجارِي الدَّمِ الفاسِدِ الذي يَجمَعُ النِّفاياتِ الضّارّةَ والأَنقاضَ، ويأتي بها إلى الرِّئةِ التي هي مَركَزُ الظَرِ إُسِ.
إنَّ الصّانِعَ الحَكِيم قد خَلَق عُنصُرَينِ في الهَواءِ: أَحَدُهما: الآزُوتُ، والآخَرُ: مُوَلِّد الحُمُوضةِ (الأوكسجين)، فهذا الأَخيرُ ما إن يُلامِسُ الدَّمَ في أثناء التَّنفُّس حتى يَجذِبَ إليه الكَربُونَ الكَثِيفَ الَّذي لَوَّث الدّولِ جَحَوِّلًا إيّاه إلى مادّةٍ سامّةٍ يُطلَقُ عليها "حامِضُ الكَربُون البُخاريّ" (ثُنائي أُوكسيد الكربون)، وبهذا يقومُ بتَنقِيةِ الدَّمِ وتَصفِيَتِه، فضلًا عن أنَّه يَضمَنُ الحَرارةَ الغَرِيزيّةَ للجِسمِ، ذلعَظِيمَ الصَّانِعَ الحَكِيم قد وَهَب لِمُولِّد الحُمُوضة والكَربُون علاقةً شديدة تلك التي يُطلَقُ عليها (الأُلفةُ الكِيمياوِيّة) بحيثُ ما إن يَقتَرِبانِ حتى يَمتَزِجا معًا بقانُونٍ إلٰهِيٍّ، فتتولَّد الحَرارةُ من هذا الِامتِزاجِ كمهمُ الابتٌ عِلمًا، إذ الِامتزاجُ نوعٌ مِنِ احتِراقٍ.
وحِكمةُ هذا السِّرِّ هي ما يأتي: إنَّ لِذَرّاتِ كلِّ عنصرٍ مِنَ العَناصرِ حَرَكاتٍ مُختَلِفةً، فأثناءَ الِامتِزاجِ تَمتَزِجُ الحَرَكتان معًا وتتحرَّكُ الذَّرَّتانِ حَرَكةً واحدةًا كُلَّلُّ حَرَكةٌ واحِدةٌ مُعَلَّقةٌ، سائبةٌ، فتنطَلِقُ، بقانونِ الصّانع الحكيم على صورة حَرارةٍ. ومعلومٌ أنَّ الحَرَكة تُولِّد الحرارةَ، كما هو ثابتٌ ومُقرَّر. وبناءً على هذا السّوهو الكما تتحقَّقُ حرارةُ الجسم الغريزيةُ بهذا الامتزاجِ الكيمياويِّ، يَتَصفَّى الدَّمُ أيضًا عندما يُسلَبُ مِنه الكربونُ.
وهكذا يُنَقِّي الشَّهِيقُ ماءَ حياةةِ.
مِ ويُشعِلُ نارَ الحياةِ. أمّا الزَّفيرُ فإنَّه يُثمِرُ الكلماتِ المَنطُوقةَ مِنَ الفمِ، التي هي مُعجِزاتُ القُدرةِ الإلٰهِيّة، فسُبحانَ مَن تَحَيَّر في صُنعِه العُقُولُ.
ما لو يَحكُمُنا غَيرُ الحَكِيمِ المُطلَقِ وِيزَ كيرِ المُطلَقِ والعَلِيمِ المُطلَقِ لَفَسَد نِظامُنا وانفَرَط عِقْدُنا".
— 765 —
وهكذا يَئِسَ المُدَّعي مِنَ الخَلِيّة كذلك، ولكنَّه قابَلَ جِسَعَتْ إنسانِ، فقال له كما يقولُ المادِّيُّون، بلِسانِ الطَّبِيعةِ العَمْياءِ والفَلسَفةِ الضّالّةِ: "أَنتَ مُلْكِي، فأنا الَّذي صَنَعتُك، أو في الأَقَلِّ لي حَظٌّ فيك".
فرَدَّ عليه ذلك الجِسمُحَصَرْانِيُّ بحَقِيقةِ النِّظامِ الحَكِيمِ الَّذي فيه: "إن كان لك أيُّها المُدَّعِي عِلْمٌ واسِعٌ وقُدرةٌ شامِلةٌ لها التَّصَرُّفُ المُطلَقُ في جَمِيعِ أَجسامِ البَشَرِ مِن أَمثالي، لِوَضْعِ العَلاماتِ الفارِقةِ الظّاهِرةِ في وُجُوهِنا، والَّتي هنِ، حتعُ القُدرةِ وخَتْمُ الفِطْرةِ.. وكذا لو كانَت لك ثَروةٌ طائِلةٌ وحاكِمِيّةٌ مُهَيمِنةٌ تَتَحكَّمُ في مَخازِنِ أَرزاقي المُمتَدّةِ مِنَ الهَواءِ والمشُرَكاى النَّباتاتِ والحَيَواناتِ.. وكذا لو كانَت لك حِكْمةٌ لا حَدَّ لها وقُدْرةٌ لا مُنتَهَى لها بحيثُ تُمَكِّنُ اللَّطائِفَ المَعنَوِيّةَ الرّاقيةَ الواسِعةَ مِن رُوحٍ وقَلْبٍ وعَقْلٍ في بَوْدقَةٍ لى رَحةٍ مِثلي، وتُسَيِّیرُها بحِكْمةٍِ بالِغةٍ إلى العُبُودِيّة، فأَرِنِيها ثمَّ ادَّعِ الرُّبُوبيّةَ لي، وإلَّا فاسكُتْ؛ فإنَّ صانِعِي الجَلِيلَ قادِرٌ لعاشِرِّ شَيءٍ، عَلِيمٌ بكُلِّ شَيءٍ، بَصِيرٌ بكُلِّ شَيءٍ، سَمِيعٌ لِكُلِّ شَيءٍ، بشَهادةِ النِّظامِ الأَكمَلِ الَّذي يُسَيِّیرُني، وبدَلالةِ
— 766 —
طابَعِ الوَحدانيّةِ المَوجُودِ في وَجْهِي، فلا يَقدِرُ عاجِزٌ، وإلٌّ مِثلُك أن يَمُدَّ إصبَعَه إلى صَنْعَتِه البَدِيعةِ أَبدًا ولا أن يَتَدخَّلَ فيها ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ".
فانصَرَف داعِيةُ الشِّركِ حيثُ لم يَستَطِعْ أن يَجِدَ مَوْضِعًا لِلتَّدَخُّلِ في الجِسمِ، فقابَلَكْمةٍ!َ الإنسانِ، فحاوَرَ نَفسَه قائِلًا: "رُبَّما أَجِدُ في هذه الجَماعةِ المُتَشابِكةِ المُتَفرِّقةِ مَوْضِعًا، فأَتَدخَّلُ في أَحوالِ فِطْرَتِهم ووُجُودِهِي في َما يَتَدخَّلُ الشَّيطانُ بضَلالِه في أَفعالِهِمُ الِاختِيارِيّةِ وشُؤُونِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ؛ وعِندَها أَتَمكَّنُ مِن أن أُجرِيَ حُكْمِي على جِسمِ الإنسانِ الندِيٌَّرَدَني هو وما فيه مِن خَلايا".
ولِهذا خاطَبَ نَوْعَ الإنسانِ بلِسانِ الطَّبِيعةِ الصَّمّاءِ والفَلسَفةِ الضّالّةِ أيضًا: "أَنتُم أيُّها البَشَرُ تَبدُون في فَوضَى، فلا أَرَى نِظامًا يُنَظِّمُكم، فأنا لكم رَبٌّ ومالِكٌ، أو في الأَقلِّ لي حِلِ الأيكُم".
فرَدَّ عليه حالًا نَوعُ الإنسانِ بلِسانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وبلُغةِ الحِكْمةِ والِانتِظامِ: "إن كُنتَ یی أيُّها المُدَّعي یی مالِكًا قُدرةً تَتَمكَّنُ مِن أن تُلبِسَ الكُرةَ الأَرضِيّةَ حُلّةً قَشِيبةً مُلَوَّنةً بأَلوُ الصّهِيةٍ مَنسُوجةٍ بكَمالِ الحِكْمةِ بخُيُوطِ أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي تَنُوفُ على مِئةِ أَلفِ نَوْعٍ، الشَّبِيهةِ بنَوعِنا الإنسانِيِّ، ويكونَ بوُسْعِها نَسْجُ ذلك البِساطِ البَدِيعِ المَف فيه سعلى الأَرضِ مِن خُيُوطِ مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنواعِ الكائِناتِ الحَيّةِ، والَّتي هي في أَبدَعِ نَقْشٍ وأَجمَلِه.. وفَضْلًا عن خَلْقِ هذا البِساطِ الرّائِعِ، وتَجَدُّدِه دَومًا وبحِكْمةٍ تامّةٍ! فإن كانَت لَدَيك ه (ص) مُحِيطةٌ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كهذه، بحيثُ تَتَصرَّفُ في كُرةِ الأَرضِ الَّتي نحن مِن ثِمارِها، وتُدَبِّیرُ شُؤُونَ العالَمِ الَّذي نحن بُذُورُه، فتُرسِلَ بمِيزانِ الحِكْمةِ لَوازِمَ حَياتِنا إلَينا مِن أَقطارِ العالَمِ كُلِّه..
وإن كُنتَا يُسَُّها المُدَّعي یی تَنطَوِي على اقتِدارٍ يَخلُقُ عَلاماتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُمَيَّزةِ المُوَحَّدةِ في وُجُوهِنا، وفي أَمثالِنا مِنَ السّالِفِين والآتِين.. فإن كُنتَ مالتَّى يِما ذَكَرْنا فلَرُبَّما يكونُ لك حَقُّ ادِّعاءِ الرُّبُوبيّةِ علَيَّ؛ وإلّا فاخْرَسْ! ولا تَقُلْ: إنَّني أَتَمكَّنُ مِن أن أَتَدخَّلَ في ما بينِ هؤلاء الَّذين يَبدُون في اختِلاطٍ وتَشابُكٍ، إذِ الِانتِظامُ عِندَنا
— 767 —
على أَتمِّه، وتلك الأَوضاعُ الَّتي تَظُنُّها فَوْضَى إنَّما هي استِنساخٌ للقُدرةِ ِ القُِيّةِ بكَمالِ الِانتِظامِ على وَفْقِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ.
فلَئِن كان النِّظامُ دَقِيقًا في أَدنَى دَرَجاتِ الحَياةِ كالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ وهي تحتَ نَظْرَتِنا ويَرفُضُ أيَّ تَدَخّلٍ كان، فكيف بنا ونحنُ في قِمّةِ مَراتِبِ ثلَما ةِ؟ ألَيس الَّذي يَبدُو اختِلاطًا وفَوْضَى هو نَوعٌ مِن كِتابةٍ رَبّانيّةٍ حَكِيمةٍ؟ أفيُمكِنُ للَّذي مَكَّن خُيُوطَ النُّقُوشِ البَدِيعةِ لِهذا البِساطِ، كلًّا في مَوضِعِه المُناسِبِ، وفي أيِّ جُزءٍ وطَرَفٍ كايقُولَيكُونَ غيرَ صانِعِه، غيرَ خالِقِه الحَقِيقيِّ، فهل يُمكِنُ أن يكُونَ خالِقُ النَّواةِ غيرَ خالقِ ثَمَرتِها؟ وهل يُمكِنُ أن يكونَ خالِقُ الثَّمَرةِ غيرَ خالِقِ شَجَرتِها؟ ولكنَّك أَعمَى لا تُبصِرُ! ألا تَّ أَنُعجِزاتِ القُدرةِ في وَجْهِي وخَوارِقَ الصَّنْعةِ في فِطْرَتي؟ فإنِ استَطَعتَ أن تُشاهِدَها، فستُدرِكُ أنَّ خالِقِي لا يَخفَى علَيه شَيءٌ ولا يَصعُبُ علَيه أَمرٌ، ولا يُعجِزُه شَيءٌ، يُدِيرُ النّ ما يَ بيُسْرِ إدارةِ الذَّرّاتِ، ويَخلُقُ الرَّبيعَ الشّاسِعَ بسُهُولةِ خَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وهو الَّذي أَدْرَجَ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ في ماهِيَّتي بانتِظامٍ دَقيقٍ، أفَيُمكِنُ لِعاجِزٍ أَعمَى مرَت ثَأن يَحشُرَ نَفسَه فيَتَدخَّلَ في إبداعِ هذا الخالِقِ العَظِيمِ والصَّانِعِ الجَلِيلِ.. ولهذا فاسْكُتْ واصْرِفْ وَجْهَك عنِّي.. فيَمضِي مَطرُودًاُوقُ ذمَّ يَذهَبُ ذلك المُدَّعي إلى البِساطِ الزّاهِي المَفرُوشِ على وَجْهِ الأَرضِ والحُلّةِ القَشِيبةِ المُزَيَّنةِ الَّتي أُلبِسَت، فخاطَبَه باسمِ الأَذ كما وبِلُغةِ الطَّبِيعةِ ولِسانِ الفَلسَفةِ: "إنَّني أَتَمكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ في شُؤُونِك، فأنا إذًا مالِكٌ لك ولي حَظٌّ فيك في الأَقَلِّ".
وعِندَ ذلك تَكَلَّم ذلك البِساطُ المُزَرْكَشُ وتلك الحُلّةُ القَش لن يَ(حاشية): ولكن مِثلَما أنَّ هذا النَّسِيجَ ذُو حَيَويّة، فهو كذلك في اهتِزازٍ مُنتَظِمٍ، إذ تتبدَّلُ نُقُوشُه باستمرارٍ وبحِكمةٍ كامِلةٍ وتَناسُقٍ تامٍّ، وذلك إظهارًا لِتَجَلِّياتِ الأسماءِ الحُسنَى المُختَلِفةِ لنَسّاجِه البديعِ في تجَلِّياتٍ وسِيموِّعةٍ مُختَلِفةٍ. وخاطَب ذلك المُدَّعِيَ بلُغةِ الحَقِيقةِ وبلِسانِ الحِكْمةِ المُودَعةِ فيه: "إن كانَت لك قُدرةٌ نافِذةٌ وإتقانٌ بَدِين مَعاعَلانِك تَنسُجُ جَمِيعَ هذه البُسُطَ المَفرُوشةَ والحُلَلَ البَهِيّةَ الَّتي تُخلَعُ على الأَرضِ بعَدَدِ القُرُونِ والسِّنِينَ، ثمَّ تَنزِعُها عنها بنِظامٍ تامٍّ وتَنشُرُها على حَبْلِ
— 768 —
الزَّمانِ الماضِي، ومِن بعدِ ذلك تَخِيطُ الوَفْلَعُ علَيها مِن حُلَلٍ زاهِرةٍ بنُقُوشِها وتُفَصِّلُ تَصامِيمَها في دائِرةِ القَدَرِ.. وكذا إن كُنتَ مالِكًا لِيَدٍ مَعنَوِيّةٍ ذاتِ قُدرةٍ وحِكْمةٍ بحيثُ تَمتَدُّ إلى كلِّ شَيءٍ ابتِداءً مِن خَلْقِ الأَرضِ إلى دَمارِها، بل مِنَ الأَزَلِعلى مَلأَبدِ، فتُجَدِّدُ وتُبَدِّلُ أَفرادَ لُحْمةِ بِساطِي هذا وسُداه.. وكذا إن كُنتَ تَستَطِيعُ أن تَقبِضَ على زِمامِ الأَرضِ الَّتي تَلبَسُنا وتَكتَسِي بنا وتَتَستَّیرُ.. نعم، إن كُنتَ هكذا فادَّعِ الرُّبُوأَتشَبعلَيَّ.. وإلّا فاخرُجْ مَذمُومًا مَدحُورًا مِنَ الأَرضِ؛ فلَيس لك مُقامٌ هنا، إذ فينا مِن تَجَلِّياتِ الوَحدانِيّةِ وأَختامِ الأَحَدِيّةِ بحَيثُ مَن لم يكُن جَمِيعُ الكائِناتِ في قَبْضةِ تَصَرُّفِه ول ولا ت جَمِيعَ الأَشياءِ بجَمِيعِ شُؤُونِها دُفعةً واحِدةً، ولم يَستَطِعْ أن يَعمَلَ أُمُورًا لا تُحَدُّ في آنٍ واحِدٍ، ولم يكُن حاضِرًا ورَقيبًا في كلِّ مَكانٍ ومُنَیزَّهًا عنِ المَكانِ والزَّمانِ.. لا يَتَمكَّنُ أن ِرِّ ف مالِكًا لنا أَبدًا، بل لا يُمكِنُ أن يَتَدخَّلَ في أُمُورِنا مُطلَقًا. أي: مَن لم يكُن مالِكًا لِقُدرةٍ مُطلَقةٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ وعِلْمٍ مُطلَقٍ، لا يُمكِنُ أن ِعِه ضَّمَ فينا ويَدَّعِيَ المالِكِيةَ علَينا".
وهكذا يَذهَبُ المُدَّعي مُخاطِبًا نَفسَه: "لِأَذهَبْ إلى الكُرةِ الأَرضِيّةِ عَلَّني أَستَغْفِلُها وأَجِدُ فيها مَوْضِعًا.." فتَوَجَّهَ إلَيها له طِرا لها (حاشية): الحاصلُ: إنَّ الذَّرّة تُحيل ذلك المُدَّعِيَ إلى الكُرَيّة الحَمراءِ، وهذه تُحِيلُه إلى الخَلِيّة، وهذه إلى الجِسمِ، والجِسمُ يُحِيلُه إلانٌ بعَوعِ الإنسانِيِّ، والنَّوعُ إلى الحُلّةِ المَنسُوجةِ مِن الأحياءِ التي يَلبَسُها سَطحُ الأرضِ، وتُحِيلُه حُلّةُ سَطحِ الأرض إلى الأرضِ نفسِها، وهذه إلى الشَّمسِ، والشَّمسُ إلى النُّجُومِ.. وهكذا يقولُ كلٌّ مِنها: انصَرِفْ عنَّ ولا يوِ استَطَعتَ أن تُسَيطِرَ على من هو فوقي فحاوِلِ السَّيطَرةَ علَيَّ، وإلّا فأنت عاجِزٌ عنِ التَّحَكُّمِ فِيَّ! فإذًا مَن لم يُنفِذْ أَمرَه على النُّجُومِ كافّةً، لا يُمكِنُه أن يُنفِذَه على ذَرّةٍ واحِدةٍ. باسمِ الأَسبابِ وبلِسانِ الطُونَ
ةِ مَرّةً أُخرَى: "إنَّ دَوَرانَكِ هكذا دُونَ قَصْدٍ يَشِفُّ عن أنَّك سائِبةٌ دُونَ مالِكٍ، ولِهذا يُمكِنُ أن تَكُوني طَوْعَ أَمرِي!".
فرَدَّتْ علَيه الأَرضُ بِصَيحةٍ كالصّرُّ ال مُنكِرةً دَعواه بلِسانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ المُضمَرةِ فيها: "لا تَهذِرْ أيُّها الأَحمَقُ الأَبلَهُ! كيف أَكُونُ هَمَلًا بلا مالِكٍ ومَولًى! فهل رَأَيتَ في ثَوبِي الَّذي أَُومِ ا خَيْطًا واحِدًا فقط نَشازًا بغيرِ حِكْمةٍ ومِن دُونِ إتقانٍ! حتَّى تَزعُمَ أنَّ حَبْلي على غارِبِي وأنَّني بلا مَولًى ولا مالِكٍ؟! انظُر إلى حَرَكاتي فحَسانيّةِ769
ومِنها حَرَكَتِي السَّنَوِيّةُ (حاشية): إذا كان نِصفُ قُطرِ دائرةٍ مِئةً وثمانين مِليُونَ كيلومِترًا، فتلك الدّائرةُ تكونُ بمسافةِ خَمسٍ وعِشرين أَلفَ سَنةٍ تقريبًا. الَّتي أَسِيرُ فيها مسافةَ خَمسٍ وعِشرِين أَلفَ سَنةٍ في سَنةٍِيّةٍ ةٍ فقط، مُنجِزةً وَظائِفِي المُلْقاةَ علَيَّ بكَمالِ المِيزانِ والحِكْمةِ.. فإن كانَت لَدَيكَ حِكْمةٌ مُطلَقةٌ وقُدرةٌ مُطلَقةٌ فتُسَيِّیرُ وتُجرِيكما تَُفَقائِي مِنَ السَّيّاراتِ العَشرِ مِن أَمثالي في أَفلاكِها العُظمَى، وتَخلُقُ الشَّمسَ المُنِيرةَ الَّتي هي قائِدُنا وإمامُنا والَّتي تَربِطُنا وإيّاها ُضَحُِّ الرَّحمةِ فتُدِيرُنا وتَجرِي بنا أنا والسَّيّاراتِ جَمِيعًا حَوْلَ الشَّمسِ بنِظامٍ تامٍّ وحِكْمةٍ كامِلةٍ. نعم، أيُّها المُدَّعي إن كانَت لَدَيك قِن جَدمُطلَقةٌ وحِكْمةٌ مُطلَقةٌ على إدارةِ هذه الأُمُورِ الجِسامِ وتَدبِيرِها فادَّعِ بدَعْواك. وإلّا فاتْرُكْ هذا الهَذَيانَ المُفرِطَ، وسُحْقًا لك في جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ، فلا تَشْغَلْني ع سَبِيمّاتي العَظِيمةِ، إذ إنَّ ما فينا مِنَ الِانتِظامِ الرّائِعِ والتَّناسُقِ المَهِيبِ والتَّسخِيرِ الحَكِيمِ يَدُلُّ بوُضُوحٍ على أنَّ جَمِيعَ المَوجُوداتِ مِنَ الذَّرّاتِ إلى النُّجُومِ وإلى الشُّمُوسِ طَوْْرٍ مُرِ صانِعِنا ومُسَخَّرةٌ له. إذ مِثلَما يُنَظِّمُ الشَّجَرةَ بسُهُولةٍ ويُزَيِّنُ ثَمَراتِها فإنَّه بالسُّهُولةِ نَفسِها يُنَظِّمُ الشَّمسَ بسَيّاراتِها. فهُو الحَكِيمُ ذُو الجَلالِّاكُم كِمُ المُطلَقُ ذو الكَمالِ".
ثمَّ يَتَوجَّهُ ذلك المُدَّعي إلى الشَّمسِ بعدَ أن لم يَجِد له مَوْضِعَ قَدَمٍ في الأَرضِ، فَحَاورَ نفسَه اللَّا: "إنَّ هذه الشَّمسَ شَيءٌ عَظِيمٌ، لَعلِّي أَجِدُ فيها ثَغرةً أُمَرِّرُ فيها دَعوايَ وأُسَخِّرُ بدَوْرِي الأَرضَ كذلك".
فقال للشَّمسِ بلِسانِ الشِّركِ وأَضالخالِ افَلسَفةِ الشَّيطانيّةِ، وكما يقُولُه المَجُوسُ: "أَنتِ يا شَمسُ سُلطانةُ العالَمِ، وأنتِ حَتْمًا مالِكةٌ لِنَفسِكِ، وتَتَصرَّفين في العالَمِ كيف تَشائِينَ".
وعلى الفَوْرِ أَجابَتْه الشَّمسُ باسمِ الحَقِّ وبلِسانِ الحَقِِلِ الالحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ: "كلَّا وأَلفُ مَرّةٍ كلَّا.. بل لَستُ إلّا مَأْمُورةً مُطِيعةً مُسَخَّرةً بوَظِيفةِ تَنوِيرِ مُستَضافِ سَيِّدِي؛ فلَستُ مالِكةً لِنَفسِي أبدًا، بل لَستُ مالِكةً حتَّى لِجَناحِ ذُبابُورٍ؛ ْكًا حَقِيقيًّا، لأنَّ في جِسمِ الذُّبابِ مِنَ الجَواهِرِ المَعنَوِيّةِ النَّفِيسةِ، كالعَينِ والأُذُنِ ومِن بَدائِعِ الصَّنْعةِ، ما لا أَملِكُه قَطُّ وما هو خارِجٌ عن طَوْقي"، وهكذا تُوَبِّخإلٰهِيدَّعِيَ.
— 770 —
فيَنبَرِي ذلك المُدَّعِي قائِلًا بلِسانِ الفَلسَفةِ المُتَغَطرِسةِ المُتَفرعِنةِ: "ما دُمتِ لَستِ مالِكةً لِنَفسِكِ، بل خادِمةً، فإذًا أنتِ مَملُوكةٌ لي وتحتَ تَصَرُّفي با في تِأَسبابِ".
فرَدَّت عليه الشَّمسُ رَدًّا قَوِيًّا باسمِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وبلِسانِ العُبُودِيّةِ قائِلةً: "إنَّما أَكُونُ مَملُوكةً لِمَن خَلَق السًَّا عالِيةً مِن أَمثالي، وأَسكَنَها في سَمائِه بكَمالِ حِكْمةٍ، وأَدارَها بكَمالِ هَيبةٍ، وزَيَّنَها بكَمالِ زِينةٍ".
ثمَّ إنَّ ذلك المُدَّعِيَّ بَدَأ يُحَدِّثُ نَفسَه: "إنَّ النُّجُومَ مُمِرُ اةٌ مُزدَحِمةٌ، وهي مُشَتَّتةٌ مُتَباعِدةٌ بعضُها عن بعضٍ، فلَعَلِّي أَجِدُ مِنها مَوضِعًا باسمِ مُوَكِّلي فأَظفَرُ مِنها بشَيءٍ.." فيَدخُلُ بينَ النُّجُومِ.
فقال لها كما يقولُ الصّابِئةُ عُبّادُ النُّجُومِ باسمِ الأَسبابِ وفي سَبِيلِ ، وتَظئِه وبلِسانِ الفَلسَفةِ الطّاغِيةِ: "أَيَّتُها النُّجُومُ، إنَّ حُكّامًا كَثِيرين يَتَحكَّمُون فيكُم لِشِدّةِ تَشَتُّتِكم وتَبَعثُرِكم".
فأَجابَته نَجمةٌ واحِدةٌ نِيابةً عنِ النُّجُومِ: ما أَشَدَّ بَلاهَتَك أيُّها المُدَّعِي ا لَدَىقُ! ألا تَرَى عَلامةَ التَّوحِيدِ وطُغْراءَ الأَحَدِيّةِ على وُجُوهِنا، ألا تَفهَمُها؟ ألا تَعلَمُ أَنظِمَتَنا الرّاقيةَ وقَوانِينَ عُمِنْهَُّتِنا الصّارِمةَ؟ أَتَظُنُّنا بلا نِظامٍ؟
فنحنُ مَخلُوقون عَبِيدًا لِواحِدٍ أَحَدٍ يُمسِكُ في قَبْضَتِه أُمُورَنا وأُمُورَ السَّماواتِ الَّتي هي بَحْرُنا، والكائِناتِ الَّتي هي شَجَرَتُنا، وفَضاءَ العالَمِ الواسِعِ الَّذي هو ِن تَفُنا. فنحنُ شَواهِدُ نُورانيّةٌ كالمَصابِيحِ المُنِيرةِ أَيّامَ المِهْرَجاناتِ نُبيِّنُ كَمالَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه، ونحن بَراهِينُ ساطِعةٌ نُعلِنُ نَّ، فْطَنةِ رُبُوبيَّتِه، فكُلُّ طائِفةٍ مِنّا خَدَمَةٌ عامِلُون نُورانيُّون نَدُلُّ على عَظَمةِ سَلْطَنَتِه، في مَنازِلَ عُلْوِيّةٍ سُفْلِيّةٍ دُنيَوِيّةٍ بَرزَخِيّةٍ أُخرَوِيّةٍ.
نعم، إنَّنا مُعجِزةٌ رةٍ، وٌ مِن مُعجِزاتِ قُدرةِ الواحِدِ الأَحَدِ، وثَمَرةٌ يانِعةٌ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، وبُرهانٌ مُنَوَّرٌ للوَحدانيّةِ؛ فنحن للمَلائِكةِ مَنزِلٌ وطائِرةٌ ومَسجِدٌ، وللعَوالِمِ العُلْوِيّةِ مِصباحٌ وشَمسٌ، وعلى سَلْطَنةِ الرُّبيءٍ فيِ شاهِدٌ، ولِفَضاءِ العالَمِ قَصرٌ وزِينةٌ وزَهرةٌ.. وكأنَّنا أَسماكٌ نُورانيّةٌ تَسْبَحُ في بَحرِ السَّماء، وعينٌ جَمِيلةٌ لِوَجهِ السَّماء.
— 771 —
(حاشية-١)ِّ، وك مُشاهِدُو مَصنُوعاتِ الخالقِ البَدِيعةِ، والمُشِيرون إليها، بل نَجعَلُ الآخَرِين يُشاهِدُونها بإعجابٍ.. أي: كأنَّ السَّماءَ تَنظُرُ إلى عَجائِبِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّة في الأرضِ بما لا يُحَدُّ لها مِن عُ إلى . فالنُّجومُ كمَلائِكةِ السَّماء تَنظُرُ إلى الأَرضِ التي هي مَحشَرُ العَجائبِ، ومَعرِضُ الغَرائبِ، بل تَستَقطِبُ أَنظارَ ذَوِي الشُّعُورِ إلَيها. فكما أنَّ كُلًّا مِنّا هكذا، ن، أن في مَجمُوعِنا سُكُوتًا في سُكُونٍ.. وحَرَكةً في حِكْمةٍ.. وزِينةً في هَيْبةٍ.. واستِواءَ خِلْقةٍ في انتِظامٍ.. وإتقانَ صَنْعةٍ في مَوزُونيّةٍ. لهذا نَشهعَك ابَلسِنةٍ غيرِ مَحدُودةٍ على وَحدانيّةِ صانِعِنا الجَلِيلِ وعلى أَحَديَّتِه وصَمَدانيَّتِه وعلى أَوصافِ جَمالِه وكَمالِه وجَلالِه، ونُعلِنُ هذه الشَّهادةَ على أَشهادِ الكائِنا ستُشرِيعِها.. أفَبَعدَ هذا تَتَّهِمُنا ونحن العَبِيدُ الطّاهِرُون المُطِيعُون المُسَخَّرُون بأنَّنا في فَوضَى واختِلاطٍ وعَبَثٍ، بل بلا مَولًى ومالِكٍ؟! فإنَّك لاى الخا تَستَحِقُّ التَّأدِيبَ على اتِّهامِك هذا.. فتَرجُمُ نَجمةٌ واحِدةٌ ذلك المُدَّعِيَ فتَطرَحُه مِن هناك إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ؛ وتَقذِفُ معَه الطَّبِيعةَ إلى وادِي الأَوهامِ (حاشية-٢): وبعدَما هَوَتِ الطقَلبُهُ نَدِمَت عَمّا فَعَلَت فتابَت، وعَلِمَت أنَّ وَظيفَتَها الحَقِيقيّةَ القَبُولُ والِانفِعالُ، لا التَّأثيرُ والفِعلُ، وأنَّها تَعمَلُ وَفْقًا لِقُدرةِ اللهِ ومَشِيئتِه، فهي كدَفتَرٍ للقَدَرِ َن هو ِيِّ، دَفتَرٍ قابلٍ للتَّبدِيلِ والتَّغيِيرِ، وبما يُشبِهُ مَنهَجَ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ. ونَوعًا مِن شَرِيعةٍ فِطْرِيّةٍ للقَدِيرِ ذي الجَلالِ. تَ الخوعةَ قَوانينِه.. فقَبِلَتِ الطَّبِيعةُ وَظيفَتَها وهي العُبُوديّةُ بكَمالِ العَجْزِ والِانقِيادِ، وتَسَمَّت باسمِ الفِطْرةِ الإلٰهِيّة والصَّنعةِ الرَّبّانيّة. وتُلقِي المُصادَفةَ إلى بِئرِ العَدَمِ، والشُّرَكاءَ إلى ظُلُماتِا.. وهتِناعِ والمُحالِ، والفَلسَفةَ المُعادِيةَ للدِّينِ إلى أَسفَلِ سافِلِين.
فتُرتِّلُ تلك النَّجمةُ معَ النُّجُومِ كلِّها قولَه تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَُ زِلْمُعلِنةً أنْ لا مَجالَ لِشَريكٍ قَطُّ ولا حَدَّ له أن يَتَدخَّل حتَّى في أَدنَى شَيءٍ، اعتِبارًا مِن جَناحِ ذُبابةٍ إلى قَنادِيلِ السَّماءِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمفُ سُب إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سِرَاجِ وحدَتِكَ فِي كَثرَةِ مَخلُوقَاتِكَ، ودَلّالِ وحدَانِيَّتِكَ فِي مَشهَرِ كَائِنَاتِكَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أَجه بی"قَ.
٭ ٭ ٭
— 772 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
هذه الفِقْرةُ العَرَبيّةُ تُشِيرُ إلمكانٍ"ةٍ واحِدةٍ مِنَ البُستانِ الأَزَليِّ لهذه الآيةِ الكَرِيمةِ:
حَتَّى كَأنَّ الشَّجَرَ المُزَهَّرَةَ قَصِيدَةٌ مَنظُومَةٌ مُحَرَّرَةٌ..
وَتُنشِدُ لِلْفَاطِرِ المَدَائِحَ وتَسرهِرَةَ أوْ فَتَحَتْ بكَثْرَةٍ عُيُونَهَا المُبْصِرَةَ..
لِتُنظِرَ لِلصَّانِعِ العَجَائِبَ المُنَشَّرَةَ أوْ زَيَّنَتْ لِعِيدِهَا أَعْضَاءَهَا المُخْضَرَّةَ..
لِيَشْهَدَ سُلْطَانُهَا آثارَهُ المُنَوَّرَةَ وَتُشْهِرَ فِي المَحْضَرِ مُرَبسُطُاتِ الجَوْهَرِ..
وَتُعْلِنَ لِلْبَشَرِ حِكْمَةَ خَلْقِ الشَّجَرِ بكَنزِهَا المُدَّخَرِ مِن جُودِ رَبِّ الثَّمَرِ..
سُبْحَانَهُ مَا أحْسَنَ إِحْسَانَهُ! مَا أزْيَنَ بُرْهَانَهُ مَا أَبْيَنَ تِبْيَيِّدُ!!
خَيَالْ بِينَدْ أَزِين اَشْجَارْ مَلَائِكْ رَا
جَسَدْ آمَدْ سَمَاوِى بَا هَزَارَان نَىْ..
اَزِين نَيْهَا شُنِيدَتْ هُوشْ سِتَاَمُ لِاىِ ذَاتِ حَىْ..
وَرَقْهَارَا زَبَان دَارَندَ هَمَه هُو هُو ذِكْر آرَند بَدَرْ مَعْناَىِ حَىُّ حَىُّ..
چُو لآ اِلٰهَ اِلَّا هُو بَرَابَرْ مِيزَنَند هَرْ شَىْ..
دَمَا دَمْ جُويَدَند يَا حَقمِنةِ اسَرْ گُويَدَند يَا حَىْ
بَرَابَرْ مِيزَنَند اَللّه:
وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا
٭ ٭ ٭
— 773 —
ذيلٌ صغير للموقف الأول
فاستَمِعْ للآيةِ الكَرِيمةِ:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْاعِ ال وَزَيَّنَّاهَا..
إلى آخر الآية
ثُمَّ انظُرْ إلَى وَجهِ السَّمَاءِ! كَيفَ تَرَى سُكُوتًا فِي سُكُونَةٍ، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلَأْلُؤًا في حِشْمَةٍ، تَبَسُّمًا فِي زِينَةٍ، مَعَ انتِظَامِ الخِلْقسّةُ اَعَ اتِّزَانِ الصَّنعَةِ.. تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهَلْهُلُ مِصْبَاحِهَا تَلَأْلُؤُ نُجُومِهَا، تُعْلِنُ لِأَهْلِ النُّهَى، سَلْطَنةً بِلَا انتِهَاَه"، ف هذه الفِقراتُ "العَرَبيّةُ" إنَّما هي تَرجَمةُ بعضِ مَعاني الآيةِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ، وهي تَعنِي أنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ تَلفِتُ نَظَرَ الإنسانِ إلى وَجْهِ السَّماءِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، لِيَرَى بتلك المُلاحَظةِ وإنعامِ النَّظَر سُكُوّةً، إَمْتًا في سُكُونٍ وهُدُوءٍ. ولِيَعلَمَ أنَّ السَّماءَ قدِ اتَّخَذَت ذلك الوَضْعَ الهادِئَ، بأَمرِ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ وبتَسخِيرهِ؛ إذ لولفإنَّهالقُدرةُ المُطلَقةُ، أي: لو كانَتِ السَّماءُ مُفلَتةَ الزِّمامِ، طَلِيقةً في حَرَكاتِها وسَكَناتِها، لَكانَت تلك الأَجرامُ الهائِلةُ، المُتَداخِلُ بعضُها في وُقُوِ، وتلك الكُراتُ الضَّخْمةُ، تُحدِثُ بحَرَكاتِها الرَّهِيبةِ أَصواتًا مُدَوِّيةً مُخِيفةً تُصِمُّ سَمْعَ الكائِناتِ قاطِبةً، ولَحَدثَ مِنَ الِاختِلاطٍِ فقد ضطِرابِ ما تَتَلاشَى مِن شِدَّتِه الكائِناتُ كلُّها، إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّه لو ثارَ عِشرُون جامُوسًا في حَقْلٍ لَاختَلَط الحابِلُ بالنّابِلِ، ولَتَسبَّبَ الدَّمارُ والهَرْجُ والمَرْجُ، فكيف بأَجرامٍ سَماوِيّةٍ أَضخَمَ مِن أَرضِنا بأَلفِ مَرمُنتَهَنطَلِقُ في سُرعةٍ هي أَسرَعُ مِنَ القَذِيفةِ بسَبعِين مَرّةً، كما هو ثابِتٌ في عِلْمِ الفَلَكِ! فافْهَمْ مِن هذا أنَّ الهُدُوءَ الَّذي يَعُمُّ الأَجرامَ ويُخَُ المُعلى السَّماءِ إنَّما يُبيِّنُ مَدَى سَعةِ قُدرةِ القَدِيرِ ذِي الكَمالِ، ومَدَى هَيمَنةِ تَسخِيرِ الصّانِعِ الجَلِيلِ لها، ومَدَى انقِيادِ النُّجُومِ وخُضُوعِها لِأَوامِرِه تَعالَى.
— 774 —
"حَرَكَةً في حِكْمَةٍ":ثمَّ إنَّ الآيةَ الكَرِيمةنّةِ وُرُ أيضًا بمُشاهَدةِ ما في وَجْهِ السَّماءِ مِن حَرَكةٍ ضِمنَ حِكْمةٍ، إذ إنَّها حَرَكاتٌ عَظِيمةٌ تَسِيرُ ضِمنَ حِكْمةٍ دَقِيقةٍ واسِعةٍ تَتَحيَّیرُ مِنها الأَلبابُ ويَقِفُ أَمامَها الإنسانُ بإعجابٍ وإكبارٍ.. فكما أنَّ صَنّاعًا ماهِرًا حَقّيرُ دَواليبَ مَعمَلٍ وتُرُوسَه على وَفْقِ حِكْمةٍ مُحَدَّدةٍ، إنَّما يُبيِّنُ بعَمَلِه هذا دَرَجةَ مَهارَتِه ودِقّةَ صَنْعَتِه ضِمنَ عَظَمةِ المَعمَلِ وانتِظامِه؛ كذلك القَدِيرُ المُطلَقُ الِّي كلُ"ولَه المَثَلُ الأَعلَى"الَّذي يُعطِي للشَّمسِ وسَيّاراتِها وَضْعًا خاصًّا شَبِيهًا بوَضْعِ مَعمَلٍ عَظِيمٍ. فيُدِيرُ تلك الكُراتِ الهائِلةَ كأنَّها أَحجاتُرَبّْلاعٍ صَغِيرةٌ، ودَواليبُ مَعمَلٍ بَسِيطٍ، يُدِيرُها حَوْلَ الشَّمسِ، أَمامَ الأَنظارِ لِيُدرِكَ الإنسانُ بتلك النِّسبةِ طَلاقةَ قُدرَتِه وسَعةَ حِكْمَتِه.
"تَلَألُؤًا في حِشمَةٍ، تَبَسُّمًا في زِوأَدخَ:أي: إنَّ في وَجْهِ السَّماءِ أيضًا سُطُوعًا باهِرًا وتَهَلُّلًا مَهِيبًا، وتَبَسُّمًا وبَشاشةً في زِينةٍ وجَمالٍ، مِمّا يُبيِّنُ عَظَمةَ سَلْطنةِ ُ نَواِعِ الجَلِيلِ، ومَدَى الدِّقّةِ في صَنْعَتِه الجَمِيلةِ؛ إذ كما أنَّ إضاءةَ مَصابِيحَ وأَنوارٍ وإظهارَ مَظاهِرِ الفَرَحِ والبَهجةِ في يَومِ اعتِلاءِ السُّلطانِ العَرْشَ، إنَّما هو لبَيانِ دَرَجةِ كَمالِه في مِضْمارِ الرُّقيِّ الحَضارِسِ الأذلك السَّماواتُ العَظِيمةُ بنُجُومِها المَهِيبةِ تُظهِرُ لِنَظَرِ المُتَأمِّلِ كَمالَ سَلْطَنةِ الصّانِعِ الجَليلِ وجَمالَ صَنْعتِه البَدِيعةِ.
"مَعَ انتِظَامِ الخِلْقَةِ، مَعَ اتِّزَانِ الصَّنل أنت تقولُ العِبارةُ: انظُرْ إلى انتِظامِ المَخلُوقاتِ في وَجْهِ السَّماءِ، وافْهَمْ وِزانَ المَصنُوعاتِ بمَوازِينَ دَقيقةٍ، وأَدرِكْ مِن هذا: ما أَوْسَعَ قُدرةَ صانِعِ هذه المَخلُوقاتِ وما أَعَمَّ حِكْمَتَه!
نعم، إنُ انْترةَ مَوادَّ صَغِيرةٍ أو أَجرامٍ وحَيَواناتٍ، وتَدوِيرَها وتَسخِيرَها، وسَوْقَ كلٍّ مِنها إلى طَرِيقٍ خاصٍّ يُعيَّنُ بمِيزانٍ مُخَصَّصٍ، تُبيِّنُ مَدَى قُدرةِ القائِمِ بها ومِ، وأَِكْمَتِه ومَدَى طاعةِ تلك المَوادِّ والحَيَواناتِ وانقِيادِها لِأَوامِرِه؛ كذلك الأَمرُ في السَّماواتِ الواسِعةِ جِدًّا، فإنَّها تُبيِّنُ بعَظَمَتِها المُحَيِّرةِ، وجمَلُهمِها الجَسِيمةِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ وبحَرَكاتِها الفائِقةِ، معَ عَدَمِ تَجاوُزِها عَمّا قُدِّر لها مِن حُدُودٍ ولو قِيدَ أَنمُلةٍ وعَدَمَ تَخَلُّفِهامِرَ ولو بلَحظةٍ، وعَدَمَ تَوانيها عن أَداءِ ما وُكِّلَ بها مِن واجِبٍ
— 775 —
ولو بعُشْرِ مِعشارِ الدَّقيقةِ.. أَقُولُ: إنَّها تُبيِّنُ للأَنظارِ أنَّ صانِعَها وخالِقَها سَ!
يلَ يُظهِرُ رُبُوبيَّتَه الجَلِيلةَ بإجرائِه هذه الأُمُورَ بمِيزانٍ دَقيقٍ خاصٍّ.
"تَشَعْشُعُ سِرَاجِهَا، تَهلُّلُ مِصبَاحِهَا تَلَألُؤ نُجُومِهَا، تُعلِنُ لِأهْلِ النُّهَى، سَلطَنةً بِلَا انتِهَاءٍ":أي: إنَّ تَ الكَث الشَّمسِ والقَمَرِ والنُّجُوم الوارِدَ في آياتٍ كَثيرةٍ أَمثالَ هذه الآيةِ المُتَصدِّرةِ، وما وَرَد في سُورةِ "النَّبأِ" وغيرِها، كُلُّها تُبيِّنُ أنَّ تَعلِيقَ سِراجٍ كالشَّمسِ في سَقْفِ السَّماءِ المُزَيَّنٍِ قَوِالسِّراجُ الوَهَّاجُ الَّذي يُشِعُّ النُّورَ ويَنشُرُ الدِّفْءَ.. وجَعْلُ ذلك النُّورِ كأنَّه حِبْرٌ لِكِتابةِ مَكاتيبِ اللهِ الصَّمَدانيّةِ على صَحِيفةِ الصَّيفِ والشِّتاءِ بخُطُوطِ اللَّيلِ والنَّهارِ.. وكذا جَعْلُ القَوالتَِّيلًا لِساعةٍ زَمانيّةٍ كُبْرَى وآلةً لِقِياسِ المَواقيتِ، وتَعليقُه في الأَعالي شَبِيهًا بالسّاعاتِ المَنصُوبةِ على الأَبراجِ، وذلك بجَ يَحكُفي مَنازلِ أَهِلّةٍ مُتَفاوِتةٍ، حتَّى لَكَأنَّ الله سُبحانَه يَضَعُ في كلِّ ليلةٍ هِلالًا جَدِيدًا غيرَ السّابِقِ على وَجْهِ السَّماء، ثمَّ يُعِيدُ ويَجمَعُ تلك الأَهِلّةَ ويُحَرِّكُها في مَنازِلها بمِيزانٍ كامِلٍ وحِسابٍ دَقيقٍ.. ثمَّ إنَّ ت مُؤَلَ وَجْهِ السَّماءِ وتَجمِيلَه بالنُّجُومِ المُلَألَأةِ المُبتَسِمةِ في قُبّةِ السَّماءِ، لا شَكَّ أنَّه مِن شَعائرِ رُبُوبيّةٍ لا مُنتَهَى لِعَظَمَتِها، وهي في الوَقتِ نفسِه إشاراَما عِ أُلُوهيّةٍ جَلِيلةٍ لا مُنتَهَى لِكَمالِها.. كلُّ ذلك يَدعُو أَربابَ الفِكْرِ والعَقلِ إلى الإيمانِ والتَّوحِيدِ.
انظُرْ إلى الصَّحِيفةِ اً إِعلَّنةِ الزّاهِيةِ لِكِتابِ الكَونِ.
كيفَ صَوَّرَها قَلَمُ القُدرةِ المُذَهَّبُ.
لم تَبقَ نُقطةٌ مُظلِمةٌ لِأَبصارِ أَربابِ القُلُوبِ.
فكَأنَّه سُبحانَه قد حَرَّر آياتِه مِن نُورٍ.
ا، كما ما أَعظَمَها مِن مُعجِزةِ حِكْمةٍ، تَقُودُ إلى الإذعانِ!
وما أَسماها مِن مَشاهِدَ بَدِيعةٍ في فَضاءِ الكَوْنِ!
واستَمِعْ إلى النُّجُومِ أيضًا، إلى حُلْوِ خِطابِها الطَّيِّبِ اللَّذِيذِ.
لِتَرى ما قَرَّره خَتْمُ الحِكْمةِ وَصَحِّرُ على الوُجُودِ.
— 776 —
إنَّها جَمِيعًا تَهتِفُ وتقُولُ مَعًا بلِسانِ الحَقِّ:
نحنُ بَراهِينُ ساطِعةٌ على هَيبةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ
نحنُ شَواهِدُ صِدْقٍ على وُجْقُ اللصّانِعِ الجَلِيلِ وعلى وَحْدانيَّتِه وقُدرَتِه.
نَتفَرَّجُ كالمَلائِكةِ على تلك المُعجِزاتِ اللَّطِيفةِ الَّتي جَمَّلَت وَجْهَ الأَرضِ.
فنحنُ أُلُوفُ العُيُونِ الباصِرةِ، تُطِلُّ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ وتَرنُو إلىلنِّسبّةِ.
نحنُ أُلُوفُ الثَّمَراتِ الجَمِيلةِ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، عَلَّقَتْنا يَدُ حِكْمةِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ على شَطْرِ السَّماءِ وعلى أَغصانِ دَرْبِ التَّبّانةِ.
فنحنُ لِأَهلِ السَّماوای الإناجِدُ سَيّارةٌ، ومَساكِنُ دَوّارةٌ، وأَوكارٌ سامِيةٌ عاليةٌ، ومَصابِيحُ نَوّارةٌ، وسَفائِنُ جَبّارةٌ، وطائِراتٌ هائِلةٌ!
نحنُ مُعجِزاتُ قُدرةِ قَدِيرٍ ذِي كَمالٍ، وخَوارِقُ صَنْعةِ حَكِيمٍ ذِي جَلا المُطَوادِرُ حِكْمةٍ ودَواهِي خِلْقةٍ وعَوالِمُ نُورٍ.
هكذا نُبيِّنُ مِئةَ أَلفِ بُرهانٍ وبُرهانٍ، بمِئةِ أَلفِ لِسانٍ ولِسانٍ، ونُسمِعُها مَن هو إنسانٌ َرَى م.
عَمِيَتْ عَينُ المُلحِدِ لا يَرَى وُجُوهَنا النَّيِّرةَ، ولا يَسمَعُ أَقوالَنا البَيِّنةَ، فنحنُ آياتٌ ناطِقةٌ بالحَقِّ.
سِكَّتُنا واَبعَثُ طُرَّتُنا واحِدةٌ، مُسبِّحاتٌ نحن عابِداتٌ لِرَبِّنا، مُسخَّراتٌ تحتَ أَمرِه.
نَذكُرُه تَعالَى ونحنُ مَجذُوباتٌ بحُبِّه، مَنسُوباتٌ إلى حَلْقةِ ذِكْرِ دَرْبِ التَّبّانةِ.
٭ ٭ ٭
— 777 —
الموقانِ؟
ني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ٭ اللَّهُ الصَّمَدُ
(لهذا الموقف ثلاثة مقاصِدَ)
المَقصَدُ الأوَّل
إنَّ داعِيةَ أهلِ الشُّونًا الضَّلالِ الَّذي هَوَى إلى الأَرضِ برَجْمٍ مِن نَجمةٍ، تَخَلَّى عن ذلك النَّمَطِ مِنَ الدَّعوَى، لأنَّه عَجَز عن أن يَجِدَ في أيِّ مَوضِعٍ كان، مِثقالَ ذَرّةٍ مِنَ الشِّركِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، إلّا أنَّه عادَ یی كالشَلَاثوِ یی وحاوَلَ تَشكِيكَ أَهلِ التَّوحِيدِ في التَّوحِيدِ، وذلك بإلقاءِ الشُّبُهاتِ فيما يَخُصُّ الأَحَدِيّةَ والوَحْدانيّةَ مِن خِلالِ ثلاثةِ أَسئِلةٍ مُهِمّةٍلهما، لسُّؤالُ الأوَّل:إنَّه يقولُ بلِسانِ الزَّندَقةِ: يا أَهلَ التَّوحِيدِ، إنَّني لم أَتَمكَّنْ مِن إيجادِ شَيءٍ باسمِ مُوَكِّلي، وعَجَزتُ عن الوقُوعِ على شَيءٍ ودُ أََّثُ به يُؤيِّدُ دَعاوِيَّ في المَوجُوداتِ كافّةً، فلم أَتَمكَّنْ مِن إثباتِ صَوابِ مَسْلَكِي؛ ولكِن كيف تُثبِتُون أنتُم وُجُودَ واحِدٍ أَحَدٍ قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ؟ فلِمَ تَرَون أنَّه لا ي إيجاد قَطْعًا أن تَدخُلَ أَيدٍ أُخرَى معَ قُدرَتِه.
الجَوابُ:لقد أُثبِتَ في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرينَ" إثباتًا قاطِعًا أنَّ جَمِيعَ المَوجُوداتِ مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ، كُلٌّ مِنهاتِ.
نٌ نَيِّیرٌ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه، وهو الواجِبُ الوُجُودِ والقَدِيرُ المُطلَقُ، فكُلُّ سِلسِلةٍ مِنَ السَّلاسِلِ المَوجُودةِ في العالَمِ دَليلٌ قاطائِقَ ى وَحْدانيَّتِه، وقد أَثبَت القُرآنُ الكَرِيمُ هذا بما لا يُحَدُّ مِنَ البَراهِينِ، إلّا أنَّه يَزِيدُ مِن ذِكرِ البَراهِينِ الظّاهِرةِ لِعُمُومِ المُخاطَبِينَ.
— 778 —
ففما ذَكه تَعالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وقولِه تَعالَى: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ والباسِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ العَدِيدةِ يَعرِضُ القُرآنُ الكَرِيمُ خَلْقَ السَّماواتِ والأَرضِ بُرهانًا على الوَحْدانيّةِ بدَرَجةِ البَداهةِ.. فكُلُّ مَن يَملِكُ شُعُورًا مُضطَیرٌّ إلى تَصدِيقِ خالِقِمِيعَ َلْقِه السَّماواتِ والأَرضَ كما في قولِه تَعالَى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.
ولقد بَيَّینّا في المَوقِفِ الأَوَّلِ بوُضُوحٍ خَتْمَ التَّوحِيدِ وسِكَّتَه على المَوجُوداتِ، ابتِداءً مِن ذَرّةٍ واحِدةن ظُلُالسَّيّاراتِ وإلى السَّماواتِ؛ فالقُرآنُ الكَرِيمُ يَطرُدُ الشِّركَ ويَنفِيه ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ والسَّماواتِ، وانتِهاءً إلى الذَّرّاتِ، بمِثلِ هذه الآياتِ الجَلِيلةِ، فيُشِيرُ ويُومِئُ لاتِ تَّ القَدِيرَ المُطلَقَ الَّذي خَلَق السَّماواتِ والأَرضَ في نِظامٍ بَدِيعٍ لا بُدَّ وأن تكُونَ المَنظُومةُ الشَّمسِيّةُ الَّتي هي مِن دَوائِرِ مَصنُوعاتِه، في قَبضَتِه بالبَداهةِ.
وما دامَ ذلك القَدِيرُ المُطلَقُ يُمسِكصغَرَ َمسَ وسَيّاراتِها في قَبضَتِه ويُنَظِّمُها ويُسَخِّرُها، ويُدِيرُها؛ فلا بُدَّ أنَّ الأَرضَ الَّتي هي جُزءٌ مِن تلك المَنظُومةِ ومُرتَبِطةٌ بالشَّمسِ في قَبضسِّياحُبحانَه وضِمنَ إدارَتِه وتَدبِيرِه أيضًا.
وما دامَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ ضِمنَ تَدبِيرِه سُبحانَه وضِمنَ إدارَتِه، فمِن البَداهةِ أن تكُونَ المَصنُوعاتُ الَّت بُرهاَقُ وتُكتَبُ على وَجْهِ الأَرضِ الَّتي هي بمَثابةِ ثَمَراتِ الأَرضِ وغاياتِها في قَبضةِ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه.
وما دامَت جَمِيعُ المَصنُوعاتِ المَنشُورةِ والمَنثُورةِ على وَجْهِ الأَرضِ والتي تُجَمِّلُها وتُزَيِّ الآياتَملَؤُها وتُفرِغُ مِنها كلَّ حِينٍ في قَبضَةِ قُدرَتِه وعِلْمِه، وأنَّها تُوزَنُ وتُنَظَّمُ بمِيزانِ عَدْلِه وحِكْمَتِه، وأنَّ جَمِيعَ الأَنواعِ في قَبضةِ قُدرَتِه سُبحانَه؛ن يَبعُدَّ أنَّ أَفرادَها المُنتَظِمةَ المُتقَنةَ، الَّتي كلٌّ مِنها بمَثابةِ مِثالٍ مُصَغَّرٍ للعالَمِ وكَشَّافِ سِجِلّاتِ مِيزانيّةِ أَنواعِ الكائِناتِ وفَهارِسَ مُصَغَّرةٍ لِكِتابِ العالَمِ، تكُونُ بالبَداهةِ في قََه علىُبُوبيَّتِه سُبحانَه وإيجادِه وضِمنَ إدارَتِه وتَربِيَتِه.
وما دامَ كلُّ ذِي حَياةٍ في قَبضةِ تَدبِيرِه وتَربِيَتِه، فلا بُدَّ أنَّ الحُجَيراتِ والكُرَيّاتِ والأَعضاءَ والأَعصابَ، الَّتي تُشَكِّلُ وُجُودَ ذلك الكائِنِ الحَيِّ، أَهلَبضةِ عِلْمِه وقُدرَتِه بالبَداهةِ.
— 779 —
وما دامَت كلُّ حُجَيرةٍ وكل كُريَّةٍ دَمَويّةٍ مُنقادةً لِأَوامِرِه سُبحانَه، وضِمنَ تَدبِيرِه وتَصرِيفِه الأُمُورَ، وتَتَحرَّكُ وَفْقَ قانِدًا ف فلا بُدَّ أنَّ جَمِيعَ مَوادِّها الأَساسِيّةِ، وجَمِيعَ ذَرّاتِها التي تُنسَجُ مِنها نُقُوشُ صُنْعِها، في قَبضةِ قُدرَتِه، وضِمنَ دائِرةِ عِلْمِه بالضَّرُوأَلَمًلا بُدَّ أنَّها تَتَحرَّكُ بانتِظامٍ وتُؤَدِّي الوَظائِفَ على أَتمِّ وَجْهٍ بأَمرِه وإذنِه وقُوَّتِه.
وما دامَت حَرَكةُ كلِّ ذَرّةٍ وأَدايَأْتِلوَظائِفَ، بقانُونِه وإذنِه وأَمرِه، فلا بُدَّ أنَّ تَشَخُّصاتِ الوَجْهِ ومَلامِحَه ووُجُودَ العَلاماتِ الفارِقةِ المُمَيِّزةِ لِكُلِّ فَردٍ عنِ الآخَرِ، سَواقًا ت المَلامِحِ أو في الأَصواتِ أو في الأَلسِنةِ، إنَّما هو بعِلْمِه وحِكْمَتِه بالبَداهةِ.
فتَدَبَّرْ في هذه الآيةِ الكَرِيمةِ الَّتي تُبيِّنُ مَبدَأَ هذه السِّلسِلةِ (المَذكُورةِ) ومُنتَهاها: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلِراقِ سَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ.
فيا داعِيةَ أَهلِ الشِّركِ، إنَّ البَراهِينَ الَّتي تُثبِتُ مَسْلَكَ التَّوحِيدِ، وتَدُلُّ على قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةلُ الأِيّةٌ كَثيرةٌ بقُوّةِ سِلسِلةِ الكائِناتِ؛ إذ ما دامَ خَلْقُ السَّماواتِ والأَرضِ يَدُلّ على صانِعٍ قَدِيرٍ، ويَدُلُّ على قُدرَتِه المُطلَقةِ، وعلى كَمالِ تلك القُدرةِ لَدَيه، فلا بُدَّ مِنِ استِغناءٍ مُطلَق أَسْفالشُّرَكاءِ، أي: لا حاجةَ إلى شُرَكاءَ في أيِّ جِهةٍ كانَت. فإذْ لا احتِياجَ یی كما تَرَى یی فَلِمَ إذًا تَنساقُ في هذا المَسلَكِ المُظلِمَِجمَعِلَّذي يَدفَعُك إلى الدُّخُولِ هناك؟ وحيثُ لا حاجةَ إلى شُرَكاءَ، والكائِناتُ كلُّها مُستَغنِيةٌ عنِ الشُّرَكاءِ استِغناءً مُطلَقًا، فلا شَكَّ أنَّ وُجُودَ شَرِيكٍ للرُّبُوبيّةِ وفي الايجادِ أمِها، ُمتَنِعٌ مُحالٌ كاستِحالةِ شَرِيكٍ للأُلُوهِيّةِ، لأنَّ القُدرةَ الَّتي يَملِكُها صانِعُ السَّماواتِ والأَرضِ قُدرةٌ لا مُنتَهَى لها، وهي في غايةِ الكَمالِ یی كما أَثبَتْنا یی ولو وُجِد شَرِيكٌ يَلزَمُ أن تاطِ، بقُدرةٌ أُخرَى مُتَناهِيةٌ تَغلِبُ تلك القُدرةَ غيرَ المُتَناهِيةِ، والَّتي هي في غايةِ الكَمالِ، وتَستَولي على مَوضِعٍ مِنها فتَمنَعُ عدمَ تَناهِيها، وتَجعَلُها في وَضْعِ عَجْزٍ مَعنَوِيٍّ، وتَحُدُّها وهي غيُ الجُدُودةٍ بالذّاتِ؛ بمَعنَى أنَّ شَيئًا مُتَناهِيًا يُنهِي ما لا يَتَناهَى وهو في كَمالِ لاتَناهِيه ويَجعَلُه مُتَناهِيًا!! وهذا هو أَبعَدُ المُحالاتِ وأَبعَدُ المُمتَنِعاتِ عنِ العَقلِ والمَنطِقِ.
ثمَّ إنَّ الشُّرَكاءَ مُستَغنًى عنها، ومُمتِيمُوا بالذّاتِ، كما أنَّ وُجُودَها مُحالٌ، فادِّعاءُ
— 780 —
الشُّرَكاءِ إذًا ادِّعاءٌ تَحَكُّمِيٌّ ليس إلَّا، إذ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ لِادِّعاءِ تلك الدَّعوَى عَقْلًا ومَنطِقًا وفِكْرًا يُعَدُّ كَلامًا لا مَعنَى له، ويُطلَقُ على مِثلِ هذه الدَِّطعةُ في عِلمِ الأُصُولِ مُصطَلحُ: "تَحَكُّمِيٌّ"، بمَعنَى أنَّه دَعوَى مُجَرَّدةٌ لا مَعنَى لها.
ومِنَ الدَّساتيرِ المُقَرَّرةِ في عِلمِ الكَلامِ والأُصُولِ: "لا عِبْرةَ للِاحتِمالِ غيرِ النّاشِئِ عن دليلٍ، ولا يُنافي الإمكانُ ةَ في ِيُّ اليَقِينَ العِلْميَّ".
مِثالُ ذلك:مِنَ المُمكِنِ والمُحتَمَلِ أن تَتَحوَّلَ بُحَيرةُ "بارْلا" إلى دِبسٍ وتَنقَلِبَ إلى دُهْنٍ، وهذا احتِمالٌ؛ ولكنَّ هذا الِاحتِمالَ لا يَنشَأُ مِن أَمارةٍ، فلا يُؤثِّر ولا يُلقي شَكًّا ولا شُبهةً فالمُبْينِنا العِلميِّ بأنَّ البُحيرةَ مِن ماءٍ.
وعلى غِرارِ هذا فقد سَأَلْنا مِن كلِّ ناحِيةٍ مِن نَواحِي المَوجُوداتِ، ومِن كلِّ زاوِيةٍ مِن زَوايا الكائِناتِ، ومِن كلِّ شَيءٍ ابتِداُونَ كَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ یی كما في المَوقِفِ الأَوَّلِ یی ومِن خَلْقِ السَّماواتِ والأَرضِ إلى اختِلافِ أَلوانِ الإنسانِ وأَلسِنَتِه یی كما يُشاهَدُ في هذا المَوقِفِ الثّانَوتَ بكان الجوابُ: شَهادةَ صِدْقٍ للوَحْدانيّةِ بلِسانِ الحالِ، ودَلالةً قاطِعةً بوُجُودِ خَتْمِ التَّوحِيدِ المَضرُوبِ على كلِّ شَيءٍ. وقد شاهَدتَهِينَ..ِك أيضًا.
لِذا فلا تُوجَدُ أيّةُ أَمارةٍ في مَوجُوداتِ الكائِناتِ يُمكِنُ أن يُبنَى علَيها احتِمالُ الشِّرْكِ، بمَعنَى أنَّ دَعوَى الشِّركِ دَعوَى تَحَكُّمِيّةٌ بَحْتةٌ، أو كَلامٌ لا مَعنَى له، ودَعوَى مُجَرَّدةٌ عنِ الحَقِيقةِ، لِذا فإنضَ والِ ادَّعَى الشِّركَ بعدَ هذا فهو إذًا في جَهالةٍ جَهْلاءَ وبَلاهةٍ بَلْهاءَ.
فأَمامَ هذه الحُجَجِ الدّامِغةِ يَبقَى داعِيةُ أَهلِ الضَّلالةِ مَبهُوتًا لا يَتَمكَّنُ مِنَ النُّطقِ بشَيءٍ، إلّا أنَّه يقولُ: إنَّ ما فعنَى ائِناتِ مِن تَرتيبِ الأَشياءِ، أَمارةٌ على الشِّركِ، إذْ كلُّ شَيءٍ مَربُوطٌ بسَببٍ، بمَعنَى أنَّ للأَسبابِ تَأْثيرًا حَقِيقيًّا، وإذ لها تَأثيرٌ، فيُمكِنَُنَلِ ُونَ شُركاءَ!
الجَوابُ:إنَّ المُسبَّباتِ قد رُبِطَت بالأَسبابِ بمُقتَضَى المَشِيئةِ الإلٰهِيّةِ والحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ، ولِاستِلزامِ ظُهُورِ كَثيرٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، يُربَطُ كا النّيءٍ بسَببٍ؛ ولقد أَثبَتْنا في كَثيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وفي كَلِماتٍ مُتَعدِّدةٍ إثباتًا قاطِعًا أنَّه ليس للأَسبابِ تَأثيرٌ حَقِيقيٌّ في الإيجادِ والخَلْقِ، ونقولُ هنا: إنَّ الإنسانَ باجَلِيلةِ هو أَشرَفُ الأَسبابِ وأَوسَعُها
— 781 —
اختِيارًا وأَشمَلُها تَصَرُّفًا في الأُمُورِ، وهو في أَظهَرِ أَفعالِه الِاختِيارِيّةِ، كالأَكلِ والكَلامِ والفِكْرِ یی الَّتي كلٌّ مِنها عِبارةٌ عن سِلسِلةٍ عَجِيبةٍ وفي غايةِ تَلافِظامِ والحِكْمةِ یی ليس له نَصِيبٌ مِنها إلّا واحِدًا مِن مِئةِ جُزءٍ مِنَ السِّلسِلةِ.
فمَثَلًا:سِلسِلةُ الأَفعالِ الَّتي تَبدَأُ مِنَ الأَي المََغذِيةِ الحُجَيراتِ حَتَّى تَبلُغَ تَشَكُّلَ الثَّمَراتِ یی ليس للإنسانِ یی ضِمنَ هذه السِّلسِلةِ الطَّوِيلةِ، إلّا مَضْغُه للطَّعامِ؛ ومِن سِلسِلةِ التَّكلُّم ليس له إلَّا إدخالُ الهَواءِ إلى قوالِبِ مَخارِجِ الحُرُوفِ وإخراوءِ النها، عِلمًا أنَّ كَلِمةً واحِدةً في فَمِه معَ كَونِها كالبِذرةِ، إلّا أنَّها في حُكْمِ شَجَرةٍ حيثُ إنَّها تُثمِرُ مَلايِينَ الكَلِماتِ نَفسِها في الهَواءِ وتَدخُلُ إلى أَسماعِ مَلايِينِ المُستَمِيدُ إ بَينَما لا تَصِلُ إلى هذه الشَّجَرةِ المِثاليّةِ والسُّنبُلِ المِثاليِّ إلّا يَدُ خَيالِ الإنسانِ.. فأَنَّى لِليَدِ القَصِيرةِ لِلاختِيارِ أن تَصِلَ إلَيه.
فإن كان الإنسانُ وهو أَشرَفُ المَوجُوداتِ وأَكثَرُها اختَِه يَخ مَغلُولَ اليَدِ عنِ الإيجادِ الحَقِيقيِّ، فكيف بالجَماداتِ والبَهائِمِ والعَناصِرِ والطَّبِيعةِ، كيف تكُونُ مُتَصرِّفةً تَصَرُّفًا حَقِيقيًّا؟! فتلك الأَسبابُ ما هي إلّا أَغلِفةُ المَصنُوعاتِ الرَّبّانيّةِ، وظودُونَ الهَدايا الرَّحمانيّةِ، وخَدَمةٌ لِتَقدِيمِها.. فلا شَكَّ أنَّ الصُّحُونَ الَّتي تُقدَّمُ فيها هَدايا السُّلطانِ، أوِ القِماشَ المُغَلَّفَ للهَدِيّةقطةَ: الجُندِيَّ الَّذي سُلِّمَت بيَدِه هَدِيّةُ السُّلطانِ، لن يكُونَ شَرِيكًا للسُّلطانِ قَطْعًا، فمَن تَوَهَّم ذلك فقد تَفوَّه بِهَذَيانٍ ما بعدَه دُها أنٌ.
وهكذا ليس للأسبابِ الظّاهِرِيّةِ والوَسائِطِ الصُّورِيّةِ حِصّةٌ في الرُّبوبيّةِ الإلٰهِيّةِ قَطْعًا، وليس لها إلَّا القِيامُ بخِدْماتِ العُبُودِيَّ عَلي المَقصَدُ الثّاني
بعدَ أن عَجَز داعِيةُ أَهلِ الشِّركِ عن إثباتِ مَسلَكِ الشِّركِ، ويَئِسَ مِن إثباتِه في أَيّةِ جِهةٍ كانَت، رَغِبَ في مُحاوَلةِ إلقاءِ شُكُوكِه وشُبُهاتِه لِهَدْمِ مَسلَكِ أَهلِ التَّوحِيدِ.
فسَأَلَ السُّؤالَرِ وفينِيَ قائِلًا:"يا أَهلَ التَّوحِيدِ، أَنتُم تقُولُون: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ٭ اللَّهُ الصَّمَدُ، أي: إنَّ خالِقَ العالَمِ واحِدٌ، أَحَدٌ، صَمَدٌ، وهو خالِقُ كلِّالرَّف،
— 782 —
بِيَدِه مَقاليدُ كلِّ شَيءٍ، وهو الأَحَدُ الفَرْدُ، بِيَدِه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، آخِذٌ بِناصِيةِ كلِّ شَيءٍ، يَتَصرَّفُ في الأَشياءِ كُلِّها في آنٍ واحِدٍ، بأَحوالِها كافّةً دُونَ أن يَمنَعَ شَلحَكِييْئًا.. كيف يُمكِنُ تَصدِيقُ حَقِيقةٍ عَجِيبةٍ كهذه؟ فهل يُمكِنُ لِواحِدٍ مُشَخَّصٍ أن يَقُومَ بأَعمالٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ في أَماكِنَ غيرِ مُتَناهِيةٍ وبلا صُعُوبةٍ؟!".
الجوابُ:بِطاقةُ عن هذا السُّؤالِ بِبَيانِ سِرٍّ مِن أَسرارِ الأَحَدِيّةِ والصَّمَدانيّةِ، الَّذي هو في غايةِ العُمْقِ ومُنتَهَى الرِّفعةِ ونِهايةِ السَّعَةِ، حتَّى إنَّ فِكْرَ ُتَنوّنِ يَقصُرُ عن فَهْمِ ذلك السِّرِّ العَظِيمِ إلّا بمِنظارِ التَّمثِيلِ ورَصْدِ المَثَلِ؛ وحيثُ إنَّه لا مِثْلَ ولا مَثِيلَ لِذاتِ اللهِ سُبحانَه ولا لِصِفاتِه الجَلِيلةِ، إلّا ما كان مِنَ المَثَل والتَّمثِيلِ في شُؤُو١٩٥٠
حَكِيمةِ. لِذا نُشِيرُ إلى ذلك السِّرِّ بأَمثِلةٍ مادِّيّةٍ:
المِثالُ الأوَّل:كما أَثْبَتْنا في "الكَلِمةِ السّادِسةَ عَشْرةَ" أنَّ شَخْصًا واحِدًا يَكسِبُ صِفةً كُلِّيّةً بواسِطةِ امِثالُا، ومعَ كَوْنِه جُزئيًّا حَقِيقيًّا يُصْبِحُ في حُكْمِ كُلِّيٍّ مالِكٍ لِشُؤُونٍ كَثِيرةٍ.
وكما أنَّ الزُّجاجَ والماءَ وأَمثالَهما مِنَ المَوادِّ تكُونُ مَرايا للأَشيا وأَلِْسمانيّةِ (المادِّيّةِ) وتُكسِبُ الشَّيءَ المادِّيَّ صِفةً كُلِّيّةً، كذلك الهَواءُ والأَثيرُ وبعضُ مَوجُوداتِ عالَمِ المِثالِ يُصبِحُ في حُكْمِ مَرايا النُّورانيِّين والرُّوحانيِّين، ويَتَحوَّلُ إلى صُورةِ وَسائِطَ للسَّيرِ والالبَحْةِ، في سُرعةِ البَرقِ والخَيالِ، بحيثُ يَتَجوَّلُ أُولَئِك النُّورانيّون والرُّوحانيُّون في تلك المَرايا الطّاهِرةِ، وفي تلك المَنازِلِ اللَّطِيفةِ في سُرعةِ الخَيالِ، فيَدخُلُون في آنٍ واحةٍ مُتلُوفَ الأَماكِنِ والمَواضِعِ؛ وحيثُ إنَّهم نُورانيُّون وصُوَرُهم في المَرايا هي عَينُهم ومالِكةٌ لِصِفاتِهم یی بخِلافِ الجِسمانيِّين یی فإنَّهم يُسَيطِرُون على تلك الأَماكِنِ كأَنَّهم مَوجُودون فيها بذَواتِه المَدنَما صُوَرُ الجِسمانيِّين الكَثِيفةُ، لَيسَت عَيْنَها، كما أنَّها لَيسَت مالِكةً لِصِفاتِها، فهي مَيتةٌ.
مَثلًا:الشَّمسُ، مع أنَّها جُزئيٌّ مُشَخَّصٌ، إلّا أنَّها تُصبِحُ في حُكْمِ كُلِّيٍّ بواسِطةِ المَووقُلْ:للَّمّاعةِ، إذ تُعطِي صُورَتَها ومِثالَها إلى كلِّ مادّةٍ لَمّاعةٍ على سَطْحِ الأَرضِ، وإلى كلِّ قَطْرةِ ماءٍ، وإلى كلِّ قِطْعةِ زُجاجٍ، كلٌّ حَسَبَ قابِلِيَّتِه، فتكُونُ حَرارةُ الشَّمسِ وضِياؤُها ومالإِسلمِن أَلوانٍ سَبعةٍ، معَ نَوعٍ مِن صُورةِ ذاتِها المِثاليّةِ، مَوجُودةً في كلِّ جَسمٍ لَمَّاعٍ.
— 783 —
فلو فُرِضَ أنَّ للشَّمسِ عِلْمًا وشُعُورًا، لَكانَت كلُّ مِرآةٍ شَبِيهةً بمَنزِلِها وبمَثابةِ عَرْشِها وكُرسِيِّها، وتَلتَقِي بِذاتِلإِيماَ شَيءٍ، وتَتَّصِلُ یی كما في الهاتِفِ یی معَ كلِّ ذِي شُعُورٍ بواسِطةِ المَرايا، بل حتَّى بِبُؤْبُؤِ عَينِه؛ فما يَمنَعُ شَيءٌ شَيئًا، ولا تَحجُبُ مُخابَرةٌ بالهاتِفِ مُخابَرةً أُخرَى، فمعَ أنَّها مَولِكُ، في كلِّ مَكانٍ إلّا أنَّها لا يَحُدُّها مَكانٌ.
فالشَّمسُ الَّتي هي في حُكْمِ مِرآةٍ مادِّيّةٍ وجُزئيّةٍ وجامِدةٍ لِاسمٍ واحِدٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى وهو "النُّورُ"، إن كاطةَ إعَ تَشَخُّصِها تَنالُ إلى هذه الدَّرَجةِ مِنَ الأَفعالِ الكُلِّيّةِ وتكُونُ في أَماكِنَ كُلِّيّةٍ، أفلا يَستَطِيعُ ذلك الجَلِيلُ ذُو الجَلالِ بأَحَدِيَّتِه الذّاتيّةِ أن يَفعَلَ ما لا يَتَناهَى مِنَ الأَفعالِ في آنٍ واحِدٍ؟!
يضًا ملُ الثّاني:لَمّا كانَتِ الكائِناتُ في حُكْمِ شَجَرةٍ، يُمكِنُ اتِّخاذُها إذًا مِثالًا لِإِظهارِ حَقائِقِ الكائِناتِ؛ فنَأْخُذُ هذه الشَّجَرةَ الضَّخْمةَ الَّتي أَمامَ غُرفَتِنا، وهي شَجَرةُ الدُّلْبِ العَظِيمةُ، بوَصْفُِوّةِ الًا مُصَغَّرًا لِلكائِناتِ. وسنُبيِّنُ تَجَلِّيَ الأَحَدِيّةِ في الكائِناتِ بوَساطَتِها، على النَّحْوِ الآتي:
إنَّ لِهذه الشَّجَرةِ ما لا يَقِلُّ عن عَشَرةِ آلافِ ثَمَرةٍ، ولِكُلِّ ثَمَرةٍ ما لا يَقِلُّ عن مِئاتٍ مِنَ البُذَُقّةً مُجَنَّحةِ، أي: إنَّ كلَّ هذه الأَثمارِ العَشَرةِ آلافٍ والمِليُونِ مِنَ البُذُورِ تكُونُ مَوضِعَ الإيجادِ والإتقانِ في آنٍ واحِدٍ؛ بَينَما تُوجَدُ العُقدةُ الحَياتيّةُ في البِذْرةِ الأَصلِيّةِ لِهذه الشَّجلَّتي وفي جَذْرِها وفي جِذْعِها، وهي شَيءٌ جُزئيٌّ ومُشَخَّصٌ مِن تَجَلِّي الإرادةِ الإلٰهِيّةِ ونَواةٌ مِنَ الأَمرِ الرَّبّانِيِّ. وبهذا التَّجَلِّي الجُزئيِّ تتكَوَّنُ مَركَزِيّةُ قََ في ه تَشكِيلِ الشَّجَرةِ، المَوجُودةُ في بِدايةِ كلِّ غُصنٍ وداخِلَ كلِّ ثَمَرةٍ وجَنْبَ كلِّ بِذْرةٍ، بحيثُ لا تَدَعُ شَيئًا ناقِصًا لِأَيِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الشَّجَرةِ ولا يَمنَعُها مانِعٌ.
ثمَّ إنَّ ذلك التَّجَلِّيَ الواحِدَ للإرادةِ الُ عَينّةِ والأَمرِ الرَّبّانِيِّ، لا يَنتَشِرُ إلى كلِّ مَكانٍ، كانتِشارِ الضِّياءِ والحَرارةِ والهَواءِ، لأنَّه لا يَتْرُكُ أَثرًا في تلك المَسافاتِ البَعِيدةِ للأَماكِنِ الَّتي يَذهَبُ إلَيها، وفي المَصنُوعاتِ المماتِ؛ فةِ، بل لا يُرَى له أَثَیرٌ قَطُّ، إذْ لو كان ذلك بالِانتِشارِ لَبَانَ الأثَرُ؛ وإنَّما يكُونُ جَنْبَ كلِّ جُزءٍ مِنَ الأَجزاءِ دُونَ تَجزِئةٍ ولا انتِشارٍ، ولا تُنافي تلك الأَفعالُ الكُلِّيّةُ أَحَديَّتَه وذاتيَّتَه.
— 784 —
لِذا يَصِحّ وقد ُقالَ: إنَّ ذلك التَّجَلِّيَ للإرادةِ وذلك القانُونَ الأَمرِيَّ، وتلك العُقدةَ الحَياتيّةَ مَوجُودةٌ جَنْبَ كلِّ جُزءٍ مِنَ الأَجزاءِ، ولا يَنحَصِرُ في أيِّ مَكانٍ أَصلًا؛ حتَّى كأنَّ في هذه الشَّجَرةِ المَهِيبةِ عُيُعُورِوآذانًا لذلك القانُونِ الأَمْرِيِّ، بعَدَدِ الأَثمارِ والبُذُورِ، بل إنَّ كلَّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الشَّجَرةِ في حُكْمِ مَركَزٍ لِحَواسِّ ذلك القانُونِ الأَمرِيِّ، بحيثُن تكُوُونُ المَسافاتُ البَعِيدةُ مانِعًا بل وَسِيلةَ تَسهِيلٍ وتَقرِيبٍ یی كأَسلاكِ الهاتِفِ یی فالأَبعَدُ كالأَقرَبِ سَواءً بسَواءٍ.
فما دُمْنا نُشاهْفِ مِجَلِّيًا جُزئيًّا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ صِفةِ الإرادةِ للأَحَدِ الصَّمَدِ، في مِليُونٍ مِنَ الأَمكِنةِ، ويكُونُ مَبعَثَ مَلايِينِ الأَفعالِ، دُونَ داعٍ إلى وَساطةٍ، فلا بُدَّ مِن لُزُومِ اليَقِينِ بدَرَجةِ الشُّهُودِ، بقُدرةِ الذّاذا المَلِيلةِ على التَّصَرُّفِ في شَجَرةِ الخَلْقِ، بجَمِيعِ أَجزائِها وذَرّاتِها معًا، بتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ قُدرَتِه وإرادَتِه سُبحانَه وتَعالَى.
وكما أَثبَتْنا وأَوْضَحْ للفِط"الكَلِمةِ السّادِسةَ عَشْرةَ"، نقُولُ هنا: إنَّ مَخلُوقاتٍ عاجِزةً ومُسَخَّرةً كالشَّمسِ، ومَصنُوعاتٍ شِبْهَ نُورانيّةٍ مُقيَّدةً بالمادّةِ كالرُّوحانِيِّ، وقَوانينَ أَمرِيّةً وجَلَواتٍ إرادِيّةً كعُقْدةِ الحَياةِ ومَركَزِ التَّصَرُِّ مَراَجَرةِ الدُّلْبِ الَّتي هي نُورٌ ورُوحٌ مَعنَوِيٌّ لِتِلك الشَّجَرةِ إن كان يُمكِنُ أن تُوجَدَ في مَوضِعٍ واحِدٍ وفي عِدّةِ مَواضِعَ في الوَقْتِ نَفسِه، بسِرِّ النُّورانيّةِه.. مَُينَما هو جُزئيٌّ مُقيَّدٌ، يَكسِبُ حُكْمًا كُلِّیيًّا مُطلَقًا، يَفعَلُ باختِيارٍ جُزئيٍّ أَعمالًا كَثِيرةً في آنٍ واحِدٍ.. فكيف إذًا بمَن هو مُجَرَّدٌ عنِ المادّةِ، ومُقدَّسانُ في، ومَن هو مُنزَّهٌ عنِ التَّحدِيدِ بالقَيدِ وظُلمةِ الكَثافةِ، ومُبَرَّأٌ عنها، بل ما هذه الأَنوارُ والنُّورانيّاتُ كلُّها إلّا ظِلالٌ كَثيفةٌ لِأَنوارِ أَسمائِه الحُسنَى، وما جَمِيعُ الوُجُودِ وي الجَةُ كلُّها وعالَمُ الأَرواحِ وعالَمُ المِثالِ إلّا مَرايا شِبهُ شَفّافةٍ لإظهارِ جَمالِ ذلك القُدُّوسِ الجَلِيلِ الَّذي صِفاتُه مُحِيطةٌ بكلِّ شَيءٍ وشُؤُونُه شامِلةٌ كلَّ شَيءٍ.
تُرَى مِنَ شَيءٍ يَستَطِيعُ أن يَتَستَّر عن تَوَجُّهِ أَحَديَّتِه في تَجَلِّي صِفاتِه المُحِيطةِ، وتَجَلِّي أَفعالِه بإرادَتِه الكُلِّيّةِ وقُدرَتِه المِياءً.ِ وعِلْمِه المُحِيطِ بكلِّ شَيءٍ؟ وأيُّ شَيءٍ يَصعُبُ علَيه؟ وأيُّ مَكانٍ يَستَطِيعُ أن يَختَفِيَ عنه؟ وأيُّ فَرْدٍ يَستَطِيعُ أن يَبتَعِدَ عنه؟ وأيُّ شَخصٍ أن يَتَقرَّبَ مِنه دُونَ أن يَكتَسِبَ الكُلِّيّةَ؟لعَظَممكِنُ أن يَتَخفَّى مِنه شَيءٌ؟
— 785 —
أوَيُمكِنُ أن يَمنَعَ شَيءٌ شَيئًا؟ أفيُمكِنُ أن يَخلُوَ مَوضِعٌ مِن حُضُورِه؟ ألا يكُونُ له بَصَرٌ مَعنَوِيٌّ يُبصا أو كَّ مَوجُودٍ، وسَمْعٌ مَعنَوِيٌّ يَسمَعُ كلَّ مَوجُودٍ، كما قال ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُ؟
أوَلا تكُونُ سِلسِلةُ الأَشياءِ كالأَسلاكِ والعُرُوقِ لِجَرَيانِ أَوامِرِه وقَوانينِه بسُرعةٍ؟ أ یی يَُونُ المَوانِعُ والعَوائِقُ وَسائِلَ ووَسائِطَ لِتَصرُّفِه؟ أوَلا تكُونُ الأَسبابُ والوَسائِطُ حُجُبًا ظاهِرِيّةً بَحْتةً؟
ألا يكُونُ في كلِّ مَكانٍَلِّغًلمُنزَّهُ عنِ المَكانِ؟ أيُمكِنُ أن يكُونَ مُحتاجًا إلى التَّحيُّزِ والتَّمكُّنِ؟ أيُمكِنُ أن يكُونَ البُعدُ والصِّغَرُ وحُجُبُ طَبَقاتِ الوُجُودِ مَوانِعَ لِقُربِه وتَصَرُّفه وشُهُودِه؟ وهل يُمكِنُ أن تَ
فهبالذّاتِ المُقدَّسةِ للهِ سُبحانَه المُجَرَّدِ عنِ المادّةِ، الواجِبِ الوُجُودِ، نُورِ الأَنوارِ الواحِدِ الأَحَدِ، المُنزَّهِ عنِ القُيُودِ، المُبَرَّأِ عنِ الحُدُودِ، المُقدَّسِ عنِ القُصُورِ، والمُا أُلُ عنِ النُّقصانِ.. خَواصُّ المادِّيّاتِ والمُمكِناتِ والكَثِيفاتِ والكَثِيراتِ والمُقيَّداتِ، وما يَلزَمُ المادّةَ والإمكانَ والكَثافةَ والكَثرةَ والتَّقيُّدَ والمَحدُودِيّةَ مِن أُمُورٍ، أَمثالَ التَّغيُّلَيَّ تَّبدُّلِ والتَّحيُّزِ والتَّجَزُّؤِ؟ أَيلِيقُ به العَجْزُ؟ أيَقرُبُ القُصُورُ مِن طَرَفِ عِزَّتِه الجَلِيلةِ جَلَّ جَلالُه؟! حاشَ لله، وكلَّا، وتَعالَى عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
خاتمة المَقصَد الثاني
بَينَما كُنتُ مُتَأمِّلحَيَواستَغرِقًا في تَفَكُّرٍ يَخُصُّ الأَحَديّةَ، نَظَرتُ إلى ثَمَراتِ شَجَرةِ الدُّلْبِ القَرِيبةِ مِن غُرفَتي، فخَطَر إلى القَلبِ تَفَكُّرٌ مُتَسَلسِلٌ بعِباراتٍ عَرَبيّة، فكَتَبتُه كما وَرَد بالعَرَبيّةِ، وسأَذكُوَدِّيضِيحًا مُختَصَرًا له.
نَعَم، فَالأَثمَارُ والبُذُورُ مُعجِزاتُ الحِكمةِ، خَوارِقُ الصَّنعةِ، هَدايا الرَّحمةِ، بَراهِينُ الوَحدةِ، بَشائِرُ لُطْفِه في دارِ الآخِرة، شَواهِدُ صادِقةٌ بأنَّ خَلّاقَها على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ،ي عِلملِّ شَيءٍ عَلِيمٌ، قد وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ بالرَّحمةِ والعِلمِ والخَلقِ والتَّدبيرِ والصُّنعِ والتَّصوِيرِ؛ فالشَّمسُ كالبِذرةِ والنَّجمُ كالزَّهرةِ والأَرضُ كالحَبّةِ، لا تَثقُلُ علَيه بالخَلقِ
— 786 —
والتَّدبيرِ والصُّنعِ بمُختَصويرِ، فالبُذُورُ والأثمارُ مَرايا الوَحدةِ في أقْطارِ الكَثرةِ، إشاراتُ القَدَرِ، رُمُوزاتُ القُدرَةِ بأنَّ تلك الكَثْرةَ مِن مَنبَعِ الوَحدةِ، تَصدُالنُّوِدَةً لِوَحدةِ الفَاطِرِ في الصُّنعِ والتَّصويرِ؛ ثُمَّ إلى الوَحدَةِ تَنتَهي ذَاكِرَةً لِحِكمَةِ الصَّانِعِ في الخَلقِ والتَّدبيِرِ؛ وتَلْوِيحاتُ الحِكَخُّصاأنَّ خَالِقَ الكُلِّ بِكُلِّیيّةِ النَّظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنظُرُ، ثُمَّ إلى جُزْئِه، إذ إن كانَ ثَمَرًا فهو المَقْصُودُ الأَظهَرُ مِن خَلقِ هذا الشَّجَرِ.
لنُّقطبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِه الكائِناتِ، فهُوَ المَقصُودُ الأَظهَرُ لِخَالِقِ المَوجُوداتِ، والقَلبُ كالنَّواةِ، فهُوَ المِرآةُ الأَنوَرُ لِصانِعِ المَخلُوقاتِ؛ ومِن هذِه الحِكمةِ فالإنسانُ الأَصغَرُ في هذِه الكائِناتِ هُوَ المَدارُ المَن شاُ للنَّشرِ والمَحشَرِ في هذِه المَوجُوداتِ، والتَّخرِيبِ والتَّبدِيلِ والتَّحوِيلِ والتَّجدِيدِ لِهَذِه الكَائِناتِ.
ومَبدَأُ هذه الفِقْرةِ العَرَبيّةِ هو: فسُبْحانَ مَن جَعَلَ حَدِيقَةَ أَرضِهِ مَشْهَرَ صَنعَتِهِ، مَحْشَرَ فِطْرََضيّةٍمَظْهَرَ قُدرَتِهِ، مَدَارَ حِكْمَتِهِ، مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ، مَزْرَعَ جَنَّتِهِ، مَمَرَّ المَخْلُوقَاتِ، مَسِيلَ المَوجُودَاتِ، مَكيلَ المَصْنُوعَاتِ.
فَمُزَيَّنُ الحَيَوانَاتِ، مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ، مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ، مُزَهَلٍ عَظنَّبَاتَاتِ: مُعْجِزَاتُ عِلمِهِ، خَوَارِقُ صُنعِهِ، هَدايَا جُودِهِ، بَراهِينُ لُطْفِهِ.
تَبَسُّمُ الأزهَارِ مِن زينَةِ الأثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأطيَارِ في نَسَمتِ نَفأسْحَارِ، تَهَزُّجُ الأَمطَار عَلى خُدُودِ الأَزهَارِ، تَرَحُّمُ الوَالِدَاتِ على الأَطفَالِ الصِّغَارِ.. تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدُ رَحمٰنٍ، تَرَحُّمُ حَنّانٍ، تَحَنُّنُ مَنّانٍ ل أيضًاِ والإنسانِ والرُّوحِ والحَيَوَانِ وَالمَلَكِ وَالجَانِّ.
وتَوضِيحُ هذا التَّفكُّرِ الَّذي وَرَد باللُّغةِ العَرَبيّةِ هو: أنَّ جَمِيعَ الأَثمارِ وما فيها مِن بُذَيراتٍ، مُعجِزاتُ الحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ.. خَوارِقُ الصلى البِ الإلٰهِيّةِ.. هَدايا الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ.. بَراهِينُ مادِّيّةٌ للوَحْدانيّةِ.. بَشائِرُ الأَلطافِ الإلٰهِيّة في الدّارِ الآخِرةِ.. شَواهِدُ صادِقةٌ بأنَّ خَلّاقَها على كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وبكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.. فالبُذُورُ والأَثمارُ، سِنةِ الوَحْدةِ في أَقطارِ عالَمِ الكَثْرةِ، وفي أَطرافِ هذه الشَّجَرةِ المُتَشعِّبةِ كالعالَمِ، تَصرِفُ الأَنظارَ مِن الكَثْرةِ إلى الوَحْدةِ.
— 787 —
فكُلُّ ثَمَرٍ وبِذْرٍ يقُولُ بلِسانِ الحالِ: لا تَتَش وكَمافي هذه الشَّجَرةِ الضَّخْمةِ المُمتَدّةِ الأَعضاءِ والعُرُوقِ، فكُلُّ ما فيها فينا، كَثْرَتُها داخِلةٌ ضِمنَ وَحْدَتِنا، حتَّى إنَّ البِذرةَ یی وهي كقَلْبِ الثَّمَرةِ یی هي الأُخرَى مِرآةٌ مادِّيّةٌ للوَحْدانيُّه.
ي تَذكُرُ الأَسماءَ الحُسنَى ذِكْرًا قَلبِيًّا خَفِيًّا بمِثلِ ما تَذكُرُها الشَّجَرةُ ذِكْرًا جَهْرِيًّا.
فكَما أنَّ تلك الأَثمارَ والبُذُورَ مَرايا للوَحْدانيّةِ، فهي إشاراتٌ مَشهُوداتٌ للقَدَرِ، رُمُويلِه اُجَسَّماتٌ للقُدرةِ، بحيثُ إنَّ القَدَرَ يُشِيرُ بها، والقُدرةَ تقولُ بها رَمْزًا: إنَّ هذه الشَّجَرةَ بأَغصانِها المُتَشابِكةِ قد نَمَت مِن بِذْرةٍ، فهي تَدُلُّ على وَحْدانيّةِ صانِعِها في الإيجادِ والتَّصوِيرِ، ثمَّ تَجمَعُ حَقِيقَتَها فيّةِ یرةٍ بعدَ تَشَعُّبِ أَغصانِها وفُرُوعِها وتُدرِجُ مَعانيها كلَّها في بِذْرةٍ، فتَدُلُّ على حِكْمةِ خالِقِها الجَلِيلِ في الخَلْقِ والتَّدبِيرِ.
وكذلك شَجَرةُ الكائِناتِ هذه، فهي تَأْخُذُ وُجُودَها مِن جْهًا ِ الوَحْدانيّةِ وتَتَربَّى بها، وتُثمِرُ ثَمَرةَ الإنسانِ الدّالِّ على الوَحْدانيّةِ في هذه الكَثْرةِ مِنَ المَوجُوداتِ؛ وقَلبُه يَرَى سِرَّ الوَحْدانيّةِ بعَينِ الإيمانِ في هذه الكَثْرةِ.
وكذا، وإن ل تلك الأَثمارَ والبُذُورَ تَلْوِيحاتُ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ، فالحِكْمةُ تَنطِقُ بها وتُشعِرُ أَهلَ الشُّعُورِ بما يأتي: إنَّ النَّظَرَ الكُلِّيَّ والتَّدبِيرَ الكُلِّيَّ في هذه الشَّجَرةِ، بكُلِّ شُمُوليَّتِهِما وسَعَتِهِما، يَتَوجَّهانِ إلَى أُمالثَّمَرةِ، لأنَّ تلك الثَّمَرةَ مِثالٌ مُصَغَّرٌ لتلك الشَّجَرةِ، وهي المَقصُودُ مِنها، وذلك النَّظَرُ الكُلِّيُّ والتَّدبِيرُ العُمُوميُّ يَنظُرُ إلى ما في داخِل الثَّمَرةِ مِن بِذْرٍ أَيضًا، إذِ البِذرةُ تَحمِلُ مَعانِيَ الشَّجَرةِ وفِ الجُزها، بمَعنَى أنَّ الَّذي يُدَبِّیرُ أُمُورَ الشَّجَرةِ بأَسمائِه الَّتي لَها علاقةٌ بِتَدبِيرِها مُتَوجِّهٌ إلى كلِّ ثَمَرةٍ مِن ثَمَراتِ الشَّجَرةِ ا، والنهي المَقصُودةُ مِن إيجادِ الشَّجَرةِ..
وهذه الشَّجَرةُ الضَّخْمةُ قد تُقَلَّمُ وتُكَسَّرُ بعضُ أَغصانِها، للتَّجدِيدِ، لِأَجلِ تلك الثَّمَراتِ الصَّغِيرةِ، وتُطَعّلِفةُ،تُثمِرَ ثَمَراتٍ باقيةً، أَبهَى جَمالًا وأَزهَى لَطافةً؛ كذلك الإنسانُ الَّذي هو ثَمَرةُ شَجَرةِ الكائِناتِ، إذِ المَقصُودُ مِن إيجادِها إنَّما هوأَبوابانُ، وغايةُ إيجادِ المَوجُوداتِ هي الإنسانُ، وبِذْرةُ تلك الثَّمَرةِ قَلبُ الإنسانِ، فهُو أَنوَرُ مِرآةٍ للصّانِعِ الجَلِيلِ وأَجمَعُها.
— 788 —
وهٌّ وأَِناءً على هذه الحِكْمةِ، أَصبَحَ الإنسانُ الصَّغِيرُ هذا مِحْوَرَ انقِلاباتٍ عَظِيمةٍ للحَشْرِ والنُّشُورِ، وسَبَبًا لِدَمارِ الكائِناتِ وتَبدِيلِها، إذ يَنسَدُّ بابُ الدُّنيا لِأَجلِ مُحاكَمَتِه، ويُفتَحُ بابُ الآخِرةِ لِأَجلِةُ:
وإذ وَرَد بَحثٌ في الآخِرةِ، فقد آنَ أَوانُ ذِكْرِ حَقِيقةٍ بَلِيغةٍ تُبيِّنُ جانِبًا مِن جَزالةِ بَيانِ القُرآنِ الكَرِيمِ وقُوّةِ تَعابِيرِه في مَعرِض إثباتِ الحَشْرِ، وهي: أنَّ نَتِيجةَ هذا التَّفكُّرِ تُبيِّنُ أنَّه لِأَجلِ مُحاكَمةَِّةُ اانِ وفَوْزِه بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ، يُدَمَّرُ الكَوْنُ كلُّه إذا لَزِمَ الأَمرُ، فالقُوّةُ القادِرةُ على التَّدميرِ والتَّبدِيلِ مَوجُودةٌ فِعلًا وهي ظاهِرةٌ ومَشهُودةٌ، إلّا أنَّ لِلحَشرَوقِيفتِبَ:
مِنها ما يَلْزَمُ مَعرِفتُه، والإيمانُ به فَرضٌ، وقِسمٌ آخَرُ يَظهَرُ حَسَبَ دَرَجاتِ التَّرقِّياتِ الرُّوحِيّةِ والفِكْريّةِ، ويكونُ عِلمُه والمَعرِفةُ به ضِ الفَيًّا.
فالقُرآنُ الكَرِيمُ لِأَجلِ إثباتِ أَبسَطِ وأَسهَلِ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ الحَشْرِ إثباتًا قاطِعًا يُبيِّنُ قُدرةً قادِرةً على فَتْحِ أَوسَعِ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ الحَشْرِ وأَعظَمِها.
فمَرتَب هَدَيَشْرِ الَّذي يَلْزَمُ العُمُومَ الإيمانُ به، هي أنَّ النّاسَ بعدَ المَوتِ تَذهَبُ أَرواحُهم إلى مَقاماتٍ أُخرَى وأَجسادُهم تَرِمُّ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ الَِّ المُجُزءٌ صَغِيرٌ لا يَندَثِرُ مِن جِسمِ الإنسانِ وهو في حُكْمِ بِذْرة، وأنَّ الله سُبحانَه يُنشِئُ مِن هذا الجُزءِ الصَّغِيرِ جَسَدَ الإنسانِ يئِحَ تلحَشْرِ، ويَبعَثُ إلَيه رُوحَه.
فهذه المَرتَبةُ مِنَ الحَشْرِ سَهلةٌ إلى دَرَجةِ أنَّ لها المَلايِينَ مِنَ الأَمثِلةِ في كلِّ رَبيعٍ، إلّا أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ لِأَجلِ إثباتِ هذه المَرتَبةِ السَّهلةِ، يُبيِّنُ أََلِها قُدرةً قادِرةً على حَشْرِ جَمِيعِ الذَّرّاتِ ونَشْرِها، وأَحيانًا يُبيِّنُ آثارَ قُدْرةٍ وحِكْمةٍ تَتَمكَّنُ مِن إرسالِ المَخلُوقاتِ كافّةً لواسِعفَناءِ والعَدَمِ، ثمَّ إعادَتِها مِن هناك.. ويُبيِّنُ في بعضِ آياتِه آثارَ وتَدابِيرَ قُدْرةٍ وحِكْمةٍ لها مِنَ المَقدِرةِ على نَثْرِ ُعجِزةُومِ وشَقِّ السَّماواتِ وفَطْرِها.. وتُبيِّنُ آياتٌ أُخرَى تَدابِيرَ قُدْرةٍ وحِكْمةٍ قادِرةٍ على إماتةِ جَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ وبَعثِهم بصَيْحةٍ ُرَكٍَّ، دُفْعةً واحِدةً.. ويُبيِّنُ في أُخرَى تَجَلِّياتِ قُدْرةٍ وحِكْمةٍ قادِرةٍ على
— 789 —
حَشْرِ ما على الأَرضِ مِن ذَوِي الحَياةِ، ونَشْرِه كلًّا على انفِرادٍ.. ويُبيِّنُ أَحيانًا آثارَ قُدرةٍ وحِكْمةٍ قادِرةٍ على بَعثَرةِ الأَرضِ كلِّها ونَس تَنظُجِبالِ وتَبدِيلِها إلى صُورةٍ أَجمَلَ مِنها، بمَعنَى أنَّه مِمّا سِوَى مَرتَبةِ الحَشْرِ الَّذي هو مَفرُوضٌ على الجَمِيعِ الإيمانُ به ومَعرِفَتُه، فإنمَنبَعِيرًا مِن مَراتِبِه يُمكِنُ أن تَتَحقَّقَ بتلك القُدرةِ والحِكْمةِ، فإذا ما اقْتَضَتِ الحِكْمةُ الرَّبّانيّةُ قِيامَها، فلا بُدَّ أنَّه سيُقِيمُها جَمِيعًا معَ حَشْرِ الإنسانِ ونَشْرِه، أو سيُقِيمُ بعضًا مُهِمًّا مِنها.
سؤالٌ:تقُولُونمَ "الك تَستَعمِلُ في "الكَلِماتِ" القِياسَ التَّمثِيليَّ كَثِيرًا، بَينَما القِياسُ التَّمثِيليُّ لا يُفيدُ اليَقِينَ حَسَبَ "عِلْمِ المَنطِقِ"، إذ يَلزَمُ البُرهانُ المَنطِقِيُّ في المَسائِلِ اليَقِينيّةِ، أمّا الزّاوُِ التَّمثِيليُّ فيُستَعمَلُ في المَطالِبِ الَّتي يَكفِيها الظَّنُّ الغالِبُ، كما هو لَدَى عُلَماءِ أُصُولِ الفِقهِ.
فَضْلًا عن أنَّك تَذكُرُ التَّمثِيلاتِ في أُسلُوبِ الحِكايةِ، والحِكاهِدُ كُونُ خَياليّةً لا حَقِيقيّةً، وقد تكُونُ مُخالِفةً للواقِعِ.
الجَوابُ:نعم، لقد وَرَد في عِلْمِ المَنطِقِ: أنَّ القِياسَ التَّمثِيَفتَحُا يُفِيدُ اليَقِينَ العِلْميَّ، إلّا أنَّ للقِياسِ التَّمثِيليِّ نَوْعًا هو أَقوَى بكَثيرٍ مِنَ البُرهانِ اليَقِينيِّ للمَنطِقِ، بل هو أَكثَرُ يَقِينًا مِنَ الضَّرْبِ الأَوَّلِ مِنَ اضَّلالِ الأَوَّلِ للمَنطِقِ؛ وذلك القِسمُ هو إظهارُ جُزءٍ وطَرَفٍ مِن حَقِيقةٍ كُلِّيّةٍ بتَمثِيلٍ جُزئيٍّ، ثمَّ بِناءُ الحُكْمِ على تلك الحَقِيقةِ، واناتُِ قانُونِ تلك الحَقِيقةِ في مادّةٍ خاصّةٍ، كي تُعرَف مِنها تلك الحَقِيقةُ العُظمَى، وتُرْجَعَ إلَيها المَوادُّ الجُزئيّةُ.
فمَثلًا:الشَّمسُ تُلاسِفةقَرِيبةً مِن كلِّ شَيءٍ لَمَّاعٍ یی بواسِطةِ النُّورانيّةِ، معَ أنَّها ذاتٌ واحِدةٌ، فبِهذا المِثالِ يُبيَّنُ قانُونُ حَقِيقةٍ هي: أنَّه لا قَيدَ للنُّورِ والنُّورانِيِّ، فالبَعِيدُ والقَرِيبُ سَواءٌ، القَليلُ ه الكُيرُ يَتَساوَى، فلا يَحُدُّه مَكانٌ.
ومَثلًا:إنَّ تَشكِيلَ أَثمارِ الشَّجَرةِ وأَوراقِها وتَصوِيرَها في آنٍ واحِدٍ، بطِرازٍ واحِدٍ، بسُهُولةٍ تِنها أ وعلى أَكمَلِ وَجْهٍ، مِن مَركَزٍ واحِدٍ، بقانُونٍ أَمرِيٍّ واحِدٍ، إنَّما هو مِثالٌ
— 790 —
لإراءةِ جُزءٍ مِن حَقِيقةٍ عُظمَى وطَرَفٍ مِن قانُجالَ ولِّيٍّ. فتلك الحَقِيقةُ وقانُونُها يُثبِتانِ إثباتًا قاطِعًا أنَّ تلك الكائِناتِ الهائِلةَ، كهذه الشَّجَرةِ، يَجرِي علَيها قانُونُ الحَقِيقةِ هذا، فهي كالشَّجَرةِ مَيدانُ جَوَلانِ سِرِّ ال المُطّةِ ذاك.
فالقِياساتُ التَّمثِيليّةُ في "الكَلِماتِ" كلُّها مِن هذا الطِّرازِ، بحَيثُ تكُونُ أَقوَى مِنَ البُرهانِ القاطِعِ المَنطِقِيِّ وأَكثَرُ يَقِينًا مِنه.
الجَوابُ عنِ السُّؤالِ الثّاني:مِنَ المَعلُومِ في فنِّ البَلاغةُِزنِ ا إذا كان المَعنَى المَقصُودُ للَّفْظِ والكَلامِ يُرادُ لِقَصدٍ آخَرَ يُعرَفُ بی"اللَّفظِ الكِنائيِّ"، ولا يكُونُ المَعنَى الأَصلِيُّ في اللَّفظِ الكِنائيِّٰهَ إلَ صِدْقٍ وكَذِبٍ، بلِ المَعنَى الكِنائيُّ هو الَّذي يكُونُ مَدارَ الصِّدقِ والكَذِبِ؛ فلو كان المَعنَى الكِنائيُّ صِدْقًا، فالكَلامُ صِ الثّاإن كان المَعنَى الأَصلِيُّ كَذِبًا، فلا يُفسِدُ كَذِبُ هذا صِدْقَ ذاك، ولكن لو لم يكُنِ المَعنَى الكِنائيُّ صِدْقًا، وكان المَعنَى الأَصلَعِ فيِدْقًا، فالكَلامُ كَذِبٌ.
مَثلًا: "طَوِيلُ النِّجادِ" أي: شَخْصٌ حَمّالةُ سَيفِه طَوِيلةٌ. هذا الكَلامُ كِنايةٌ عن طُولِ قامةِ ذلك الشَّخصِ، فإن كان طَوِيلًا حَقًّا، فالكَلامُ صِدْقٌ وصَوابٌ وإن لم يكُلتَّربَيفٌ ولا نِجادٌ، ولكن إن لم يكُنِ الرَّجُلُ طَوِيلَ القامةِ وله سَيفٌ ونِجادٌ طَوِيلٌ، فالكَلامُ كَذِبٌ، لأنَّ المَعنَى الأَصلِيَّ غيرُ مَقصُودٍ.
فالحِكاياتُ الوارِدةُ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" و"الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" وأَمثاللْتَهاهي مِنَ الكِناياتِ بحَيثُ إنَّ الحَقائِقَ الَّتي تُختَمُ بها الحِكاياتُ، وهي في مُنتَهَى الصِّدْقِ والصَّوابِ والمُطابَقةِ معَ الواقِعِ، هي المَعاني الكِنائيّةُ لتلك الحِكاياتِ، فمَعانِيها الأَإبرازًُ إنَّما هي مِنظارٌ تَمثِيليٌّ، فكَيفَما كان لا يُفسِدُ صِدْقَها وصَوابَها؛ فَضْلًا عن أنَّ تلك الحِكاياتِ إنَّما هي تَمثيلاتٌ أُظهِرَ فيها لِسانُ الحالِ في صُورةِ لِسانِ المَقالِ، وأُبرِزَ فيهُعلِنَُخصُ المَعنَوِيُّ في صُورةِ شَخصٍ مادِّيٍّ، وذلك لِأَجلِ إفهامِ العامّةِ.
— 791 —
المَقصَدُ الثالث
إنَّ داعِيةَ أَهلِ الضَّلالةِ، بَعدَما أَخَذ الجَوابَ القاطِعَ المُقنِعَ المُلزِمَ، عن سُؤالِه الثّاني رِكَ م): المَقصُودُ السُّؤالُ الوارِدُ في بدايةِ المَقصَدِ الثّاني، وليس هذا السُّؤالَ الَّذي هو في نِهايةِ الخاتِمةِ. يَسأَلُ هذا السُّؤالَ،الَمِيلثّالِثُ فيقُولُ: إنَّ في القُرآنِ: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وأَمثالَهما مِنَ الكَلِماتِ القُرآنيّةِ الَّتي تُشعِرُ بوُجُودِ خالِقِين وراحِمِين في اين؛ ثمَّ إنَّكُم تقُولُون: إنَّ رَبَّ العالَمِين له كَمالٌ لا مُنتَهَى له، فهو جامِعٌ لِأَقصَى نِهايةِ مَراتِبِ أَنواعِ الكَمالاتِ كُلِّها، بَينَما كَمالاتُ الأَشياشُؤُونرَفُ بأَضدادِها، إذ لولا الأَلَمُ لَما كانَتِ اللَّذّةُ كَمالًا، ولولا الظَّلامُ لَما تَحَقَّقَ الضِّياءُ، ولولا الفِراقُ لَما أَوْرَث الوِصالُ لَذّةً، وهكذا؟
الجَوابُ:على مُُ عنِ الشِّقِّ الأَوَّلِ مِنَ السُّؤالِ بخَمسِ إشاراتٍ:
الإشارة الأُولى:
إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يُبيِّنُ التَّوحِيدَ مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه، ويُثْبِتُه إثباتًا قاطِعًا، وهذا بحَدِّ ذاتِه دَليلجُودٌ،أنَّ تلك الأَنواعَ مِنَ الكَلِماتِ القُرآنيّةِ لَيسَت كما تَفهَمُونَها. بل قوله تعالى: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ يعني: هو في أَحسَنِ مَراتِبِ الخالقِيّةِ، فلَيس له أِثلِك دَلالةٍ على وُجُودِ خالِقٍ آخَرَ، إذِ الخالقِيّةُ لها مَراتِبُ كَثِيرةٌ كسائِرِ الصِّفاتِ، فقَولُه تَعالَى: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ يعني أنَّ#863
هِقَ الجَلِيلَ هو في أَحسَنِ مَراتِبِ الخالقِيّةِ وأَقصَى مُنتَهاها.
الإشارة الثانية:
إنَّ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وأَمثالَها مِنَ التَّعابِيرِ القُرآنيّةِ لا تَنظُرُ إلزّاقيّدُّدِ الخالقِين، بل تَنظُرُ إلى أَنواعِ المَخلُوقيّةِ. أي: إنَّ الخالِقَ الَّذي يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ، يَخلُقُه بأَفضَلِ طِرازٍ وأَجمَلِ مَجُنُود؛ وقد بيَّن هذا المَعنَى قَولُه تَعالَى: أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأَمثالُه مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ.
— 792 —
الإشارة الثالثة:
إنَّ المُوازَنةَ المَوجُودةَ في تَعابِيرِ: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ"اللهُ أكْبَرُ"خَيْرُ اعِين أِلِينَ"خَيرُ المُحسِنِين"وأَمثالِها، لَيسَت مُوازَنةً وتَفضِيلًا بينَ صِفاتٍ وأَفعالٍ واقعِيّةٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى، وبينَ المَالِكِين لِنَماذِجِ تلك الصِّفاتِ والأَفعالِ، لأنَّ جَمِيعَ الكَمالا، في نَوجُودةِ في الكَونِ قاطِبةً في الجِنِّ والإنسِ والمَلَكِ، ظِلٌّ ضَعِيفٌ بالنِّسبةِ لِكَمالِه جَلَّ وعَلا، فكيف يُمكِنُ عَقْدُ مُوازَنةٍ بَينَهما؟ وإنَّما المُوازَنةُ هي بالنِّسبةِ لِنَظَرِ النّاسِ لِاستِيَّما لِأَهلِ الغَفْلةِ.
نُورِدُ مِثالًا للتَّوضِيحِ: جُندِيٌّ يُقَدِّمُ أَتَمَّ الوَلاءِ والطّاعةِ لِعَرِيفِه في الجَيشِ، ويَرَى الإحْساناتِ والخَيْراتِ مِنه، وقد لا يَخطُرُ بِبالِه السُّلطانُ إلّا نادِرًا،غَلْ ن خَطَر بِبالِه، فإنَّه يُقدِّمُ امتِنانَه وشُكْرَه أيضًا إلى العَرِيفِ، فيُقالُ لِمِثلِ هذا الجُندِيِّ: إنَّ السُّلطانَ أَكبَیرُ مِن عَرِيفِك، فقَدِّمْ شُكْرَك إلَيه وَحْدَه. فهذا الكَلامُ ليس مُوازَنةً بينَ القِيادةِ المَهعِيّةِللسُّلطانِ في الواقِعِ، وقِيادةِ العَرِيفِ الجُزئيّةِ الصُّورِيّةِ، لأنَّ مُوازَنةً كهذه، وتَفضِيلًا مِن هذا النَّوعِ، لا مَعنَى لهما أَصْلًا؛ وإنَّما المُوازَنةُ مَعقُودةٌ حَسَبَ ما لَدَى الجُندِيِّ مِن أَهَمدَّقِي وارتِباطٍ بعَرِيفِه، بحيثُ يُفَضِّلُه على غيرِه، فيُقدِّمُ شُكرَه وثَناءَه إلَيه، ويُحِبُّه وَحْدَه.
ومِثلُ هذا، فالأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ الَّتي هي في وَهْمِ أَهلِ الغفلة في حُكْمِ خالِقٍ، ومُنعِمٍ، والَّتي تكُونُ حِجابًا دُونَ كذا، بِمِ الحَقِيقيِّ، إذ يَتَشبَّثُون بها ويَرَوْن وُرُودَ النِّعمةِ والإحسانِ مِن تلك الحُجُبِ والأَسبابِ، فيُقدِّمُون ثَناءَهم ومَدْحَهم إلَيها، يقولُ القُرآنُ الكَرِيمُ لهم: "الله أكْبَرُ" السّادنُ الْخَالِقِينَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فتَوَجَّهُوا إلَيه وَحْدَه، واشْكُرُوه وَحْدَه.
الإشارة الرابعة:
تُعقَدُ المُوازَنةُ والتَّفضِيلُ بينَ المَوجُوداتِ الفَرْضِيّةِ والإمكانيّةِ مِثلَما تُعقَدُ بينَ الأَشياءِ الحَقِيقيّةِ، إةِ نَفأنَّ أَكثَرَ ماهِيّاتِ الأَشياءِ فيها مَراتِبُ مُتَعدِّدةٌ، كَذلِك في ماهِيّاتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى والصِّفاتِ الجَلِيلةِ المُقدَّسةِ يُمكِنُ أن تُوجَدَ مَراتِبُ
— 793 —
كَثِيرةٌ؛ فاللهُ سبحانَه في أَكم تَسكُك المَراتِبِ للصِّفاتِ والأَسماءِ مِنَ المَراتِبِ المُتَصَوَّرةِ والمُمكِنةِ، وفي أَحسَنِها؛ والكَونُ كُلُّه وما فيه مِن كَمالاتٍ شاهِدُ صِدْقٍ لِهذه الحَقِلأَربِوقولُه تَعالَى: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَصْفٌ لِأَسمائِه كُلِّها يُعبِّیرُ عن هذا المَعنَى.
الإشارة الخامسة:
هذه المُوادِ اتّوالمُفاضَلةُ لا تُقابِلُ ما سِواه تَعالَى، بل له جَلَّ وعَلا نَوعانِ مِنَ التَّجَلِّياتِ والصِّفاتِ.
الأُولَى:تَدبِيرُه وتَصرِيفُه الأُمُورَ على صُورةِ قانُونٍ عامٍّ، يَجرِي تحت فيارِ الأَسبابِ وحِجابِ الوَسائِطِ، بسِرِّ الواحِدِيّةِ.
الثّانية:تَدبِيرُه وتَصرِيفُه الأُمُورَ تَدبِيرًا مباشَرًا خاصًّا، دُونَ حِجابِ الأَسبابِ، بسِرِّ الأَحَدِيّةِ؛ فإحسانُه المُباشَرُ وإيجادُه المُباشَرُ وتَجَوتَتَنِبْرِيائِه المُباشَرُ یی بسِرِّ الأَحَدِيّةِ یی هو أَعظَمُ وأَجمَلُ وأَعلَى مِن إحسانِه وإيجادِه وكِبْرِيائِه المُشاهَدةِ آثارُها بالأَسبابِ والوَسائِطِ.
فمَثلًا:إنَّ جَمِيعَ مُوَظَّفِي السُّلطانِ وقُوّادِه إنَّما هم حُجُبٌ لاةً عام لو كان السُّلطانُ مِنَ الأَولياءِ، وكان الحُكْمُ والإجراءاتُ كلُّها بِيَدِه.
فتَدبِيرُ الأُمُورِ وتَصرِيفُها، لدى هذا السُّلطانِ نَّانيّة
الأَوَّلُ:الأَوامِرُ الَّتي يُصدِرُها، والإجراءاتُ الَّتي يُنجِزُها بقانُونٍ عامٍّ مِن خِلالِ وَسائِطِ المُوَظَّفِين والقُوّادِ الظّاهِريِّين، وحَسَبَ قابِليّةِ المَقامِ.
منَ هذي:إحساناتُه المُباشَرةُ وإجراءاتُه المُباشَرةُ الَّتي لا تَتِمُّ مِن خِلالِ قانُونٍ عامٍّ ولم يَتَّخِذْ فيها المُوَظَّفين الظّاهِريِّين حُجُبًا، فهذه أَجمَلُ وأَرفَعُ مِن تلك الَّتحَقِيقمُّ بصُورةٍ غيرِ مُباشَرةٍ.
وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فهو سُبحانَه سُلْطانُ الأَزَلِ والأَبدِ، وهو ربُّ العالَمِين، قد جَعَل الأَسبابَ حُجُبًاثُ:"لءاتِه، إظهارًا لِعِزّةِ رُبُوبيَّتِه وعَظَمَتِها، فَضْلًا
— 794 —
عن أنَّه وَضَع في قُلُوبِ عِبادِه هاتِفًا خاصًّا وأَمَرَهم بقَولِه تَعالَىنوَرَهَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، أي: بعُبُودِيّةٍ خاصّةٍ لِيَتَوجَّهُوا إلَيه مُباشَرةً تارِكِين الأَسبابَ وَراءَهم ظِهْرِيًّا، وبهذا يَصرِْيِ الحانَه وُجُوهَ عِبادِه مِنَ الكائِناتِ إلَيه تَعالَى.
ففي قَولِه تَعالَى: أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"الله أَكْبرُ"هذا الِعَكْس المَذكُورُ.
أمّا الشِّقُّ الثّاني مِن سُؤالِ داعِيةِ أَهلِ الضَّلالِ، فجُوابُه في خَمْسةِ رُمُوزٍ:
الرَّمزُ الأوَّل:
يقولُ في السُّؤالِ:كيف يكُونُ للشَّيءِ كَمالٌ ما لم يكَُب الشِدٌّ؟
الجَوابُ:صاحِبُ هذا السُّؤالِ يَجهَلُ الكَمالَ الحَقِيقيَّ، إذ يَظُنُّه نِسْبِيًّا، بَينَما المَزايا والفَضائِلُ والتَّقدُّمُ على الآخَرِين الحاصِلةُ كلُّها نَتِيجةَ النَّظَرِ إلى الأَشيانعةَ اُخرَى والمُفاضَلةِ معَها، لَيسَت فَضائِلَ حَقِيقيّةً وكَمالًا حَقِيقيًّا، بل هي فَضائِلُ نِسبِيّةٌ، فهي ضَعِيفةٌ واهِيةٌ تَسقُطُ مِنَ الِاعتِبارِ بإهمالِ الغَيرِ.
ا مُصَ:لَذّةُ الحَرارةِ ومِيزَتُها هي بتَأثيرِ البُرُودةِ، واللَّذّةُ النِّسبِيّةُ للطَّعامِ بتَأثيرِ أَلَمِ الجُوعِ.
فإذا ما انتَفَت تلك التَّأثيراتتَ تَتَّتِ اللَّذّةُ وتَضاءَلَت، بَينَما اللَّذّةُ والمَحَبّةُ والكَمالُ والفَضِيلةُ الحَقِيقيّةُ هي الَّتي لا تُبنَى على تَصَوُّرِ الغَيرِ، بل تكُونُ مَوجُودةً في ذاتِها؛ وتكُونُ حَقِيقيّةً مُقرَّرةً بالذّاتَِوانِبةِ الوُجُودِ ولَذّةِ الحَياةِ ولَذّةِ المَحَبّةِ ولَذّةِ المَعرِفةِ ولَذّةِ الإيمانِ ولَذّةِ البَقاءِ ولَذّةِ الرَّحمةِ ولَذّةِ الشَّفَقةِ.. وحُسْنَ النُّورِ وحُسْنَ البَصَرِ وحَحراءَالكَلامِ وحُسْنَ الكَرَمِ وحُسْنَ السِّيرةِ وحُسْنَ الصُّورةِ.. وكَمالِ الذّاتِ وكَمالِ الصِّفاتِ وكَمالِ الأَفعالِ.. وأَمثالِها مِنَ المَزايا الذّاتالكَلِلَّتي لا تَتَبدَّلُ بوُجُودِ غيرِها أو عَدَمِه.
فكَمالاتُ الصّانِعِ الجَلِيلِ والفاطِرِ الجَمِيلِ والخالِقِ ذِي الكَمالِ كَمالاتٌ حَقِيقيّةٌ، ذاتيّةٌ، لا يُؤَثِّرُ فيها ما سرًا.
َعالَى، بل ما سِواه مَظاهِرُ ليس إلّا.
— 795 —
الرَّمزُ الثّاني:
لقد قال السَّيِّدُ الشَّرِيفُ الجُرجانِيُّ في كِتابِه "شَرحُ المَواقِفِ": إنَّ سَبَصلِيّةحَبّةِ إمّا اللَّذّةُ أوِ المَنفَعةُ أوِ المُشاكَلةُ، بينَ بَنِي الجِنسِ، أوِ الكَمالُ، لأنَّ الكَمالَ مَحبُوبٌ لِذاتِه؛ أي: أَيُّما شَلا يَسحِبُّه، فإمّا أنَّك تُحِبُّه للَّذّةِ، أو لِلمَنفَعةِ أو للمُشاكَلةِ الجِنسِيّةِ یی كالمَيلِ إلى الأَولادِ یی أو كَونِه كَمالًا. فإن كان السَّبَبُ كَمالًا فلا يَلزَمُ أيُّ سَبَبٍ آخَرُ أو غَرَضٌ آخَرُ، فهو مَحبُوبلجَلِيتِه.
مَثلًا:مَحَبّةُ النّاسِ لِأَصحابِ الفَضائِلِ مِنَ الأَقدَمِين، فهم يُوْلُونَهم مَحَبَّتَهم وإعجابَهم على الرَّغمِ مِن عَدَمِ وُجُودِ رابِطةٍ وعَلاقةٍ تَربِطُهم بهم؛ فكَمالُ اللهِ سُبحانَه وكَمالُ مَاتِّخا أَسمائِه الحُسنَى كَمالٌ حَقِيقيٌّ، لِذا فهو مَحبُوبٌ لِذاته، واللهُ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي هو مَحبُوبٌ بالحَقِّ، وحَبِيبٌ حَقِيقيٌّ يُحِبُّ كَمالَه الحَقِلقُصوَوجَمالَ صِفاتِه وأَسمائِه الحُسنَى بمَحَبّةٍ لائِقةٍ به جَلَّ وعَلا، ويُحِبُّ أيضًا مَحاسِنَ مَخلُوقاتِه وصَنْعَتَه ومَصنُوعاتِه الَّتي هي مَظاهِرُ ذلك الكَمالِ ومَراياه، فيُحِبُّ أَنبالشَّم وأَولياءَه ولا سِيَّما سِيِّدَ المُرسَلِين وسُلْطانَ الأَولياءِ حَبِيبَ رَبِّ العالَمِينَ (ص).
أي: لِمَحَبَّتِه سُبحانَه لِجَمالِه يُحِبُّ حَبِيبَه (ص)، إذ هو مِرْآةُ ذلك الجَمالِ.. ولِمَحَبَّتِه لأَسمائِه الحُسنَى يُحِبُّ حَبِيبَنٍ ذاتوإخوانَه، إذ هو المُدْرِكُ الشّاعِرُ بتلك الأَسماءِ.. ولِمَحَبَّتِه لِصَنْعَتِه سُبحانَه يُحِبُّ حَبِيبَه (ص) وأَمثالَه، إذ هو الدّالُّ على صَنْعَتِه والمسانٍ ش عنها.. ولِمَحَبَّتِه لِمَصنُوعاتِه سُبحانَه يُحِبُّ حَبِيبَه (ص) ومَن هم خَلْفَه مِنَ المُقتَدِين بهَدْيِه، إذ هو الَّذي يُقَدِّرُ قِيمةَ المَصنُوعاتِ ويُبارِكُها بی"ما أَجمَلِثالِعَتَها!".. ولِمَحَبَّتِه لِمَحاسِنِ مَخلُوقاتِه يُحِبُّ حَبِيبَه (ص) ومَن تَبِعَه وإخوانَه، إذ هو الجامِعُ لِمَكارِمِ الأَخلاقِ.
الرَّمزُ الثّالث:
إنَّ جَمِيعَ أَنمِنةِ لكَمالِ المَوجُودةِ في الكَونِ كُلِّه آياتٌ لِكَمالِ ذاتٍ جَلِيلةٍ وإشاراتٌ إلى جَمالِه سُبحانَه، بل جَمِيعُ الحُسْنِ والكَمالِ والجَمالِ ما هو إلّاكلمة ا ضَعِيفٌ بالنِّسبةِ لِكَمالِه الحَقِيقيِّ. نُشِيرُ إلى خَمْسةِ حُجَجٍ لِهذه الحَقِيقةِ:
— 796 —
الحُجّةُ الأُولَى:كما أنَّ قَصْرًا فَخْمًا مُنَقَّشًاعُ أَمَّنًا مُكَمَّلًا يَدُلُّ بالبَداهةِ على صَنْعةٍ ماهِرةٍ، وهذه الصَّنْعةُ الماهِرةُ یی وهي فِعلٌ مُكَمَّلٌ رائِعٌ یی يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على فاعِلٍ وصَنّاعٍ ومُهَندِسٍ معَ عَناوِينِه وأَسمائِه كی"النَّقّاشِ والمُصَوِّرِ"، وتلك الأَسماءُ الكامِجَل، إضًا تَدُلُّ بلا شَكٍّ على صِفةِ الصَّنْعةِ المُكَمَّلةِ لَدَى ذلك الصَّنّاعِ. وذلك الكَمالِ في الصَّنْعةِ والصِّفاتِ يَدُلُّ بالبَداهةِ على كَمالِ استِعدادِ ذلك الصَّنّاعِ وكَمالِ قابِلِيَّتِه؛ وذلك الِاستِعدادُ الكامِلُ والقا الحَيُ الكامِلةُ يَدُلّانِ بالضَّرُورةِ على كَمالِ ذاتِ الصَّنّاعِ نَفسِه وعلى سُمُوِّ ماهِيَّتِه.
وعلى غِرارِ هذا، فقَصْرُ العالَمِ یی هذا الأَثَرُ المُزَيَّنُ المُكَمَّلَُّ إدادُلُّ بالبَداهةِ على أَفعالٍ في غايةِ الكَمالِ، لأنَّ أَنواعَ الكَمالِ الَّتي في الأَثَرِ نابِعةٌ مِن كَمالِ تلك الأَفعالِ، وكَمالُ الأَفعالِ يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على فاعِلٍ كامِلٍ وعلى كَمالِ أَسمائِه، كالسُمِحَِرِ والمُصَوِّرِ والحَكِيمِ الرَّحِيمِ والمُزَيِّنِ وأَمثالها مِنَ الأَسماءِ المُتَعلِّقةِ بالأثَرِ؛ أمّا كَمالُ الأَسماءِ والعَناوِينِ فإنَّه يَدُلُّ بلا رَيبٍ على كَمالِ أَوصافِ ذلك الفاعِلِ، لأنَّالإنسافاتِ إن لم تَكُنْ كامِلةً فالأَسماءُ النّاشِئةُ مِنها لن تكُونَ كامِلةً.
وكَمالُ تلك الأَوصافِ يَدُلُّ بالبَداهةِ على كَمالِ الشُّؤُونِ الذّاتيّةِ، لأنَّ مَبادِئَ الصِّفاتِ هي تلك الشُّؤُونُ الذنُكم أُ؛ أمّا كَمالُ الشُّؤُونِ الذّاتيّةِ فإنَّه يَدُلُّ بعِلْمِ اليَقِينِ على كَمالِ ذاتٍ جَلِيلةٍ ذِي شُؤُونٍ، ويَدُلُّ علَيه دَلالةً قاطِعةً بحَيثُ إنَّ ضِياءَ ذلك الكَمالِ قد أَظهتلك الْنَ الجَمالِ والكَمالِ في هذا الكَوْنِ على الرَّغْمِ مِن مُرُورِه مِن حُجُبِ الشُّؤُونِ والصِّفاتِ والأَسماءِ والأَفعالِ والآثارِ.
تُرَى ما أَهَمِّيّةُ كَمالٍ نِسبِيٍّالإنسارُ إلى الغَيرِ وإلى الأَمثالِ وإلى التَّفَوُّقِ على الأَضدادِ، بعدَ ثُبُوتِ وُجُودِ كَمالٍ ذاتِيٍّ حَقِيقيٍّ ثُبُوتًا إلى هذا الحَدِّ؟ ألا يكُونُ خافِتًا مى أَهلئًا؟!
الحُجّةُ الثّانية:عِندَما يُنظَرُ إلى هذا الكَونِ بنَظَرِ العِبْرةِ، يَشعُرُ الوِجْدانُ والقَلبُ، بحَدْسٍ صادِقٍ أنَّ الَّذي يُجَمِّلُ هذه الكائِناتِ ويُزَيِّنُها بأَنواعِ المَحاسِنِ لا شَكَّ أنَّ له جَمالًا وكَمالًا الوِجتَهَى لهما، ولهذا يَظهَرُ الجَمالُ والكَمالُ في فِعْلِه.
— 797 —
الحُجّةُ الثّالثةُ:مِنَ المَعلُومِ أنَّ الصَّنائِعَ المَوزُونةَ المُنتَظِمةَ الجَمِيلةَ تَستَنِدُ إلى بَرنامَجٍ في غايةِ الحُسْنِ والإتقانِ، والبَرنامَجُ الكامِلُ اُشِيرٌنُ الجَمِيلُ يَستَنِدُ إلى عِلمٍ جَمِيلٍ وإلى ذِهْنٍ حَسَنٍ، وإلى قابِليّةٍ رُوحِيّةٍ كامِلةٍ، وهذا يَعني أنَّ الجَمالَ المَعنَوِيَّ للرُّوح يَظهَرُ في الصَّنْعةِ بالعِلْمِ.ايا جَذه الكائِناتُ وما فيها یی معَ جَمِيعِ مَحاسِنِها المادِّيّةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى یی ما هي إلَّا تَرَشُّحاتُ مَحاسِنَ مَعنَوِيّةٍ وعِلْمِيّةٍ، وتلك المَحاسِنُ والكَمالُ العِلْمِيُّ والمَعنَوِيُّ لا شَكَّ أنَّها جَلَواتُ حُسْنٍسَّماءلٍ وكَمالٍ سَرْمَدِيٍّ.
الحُجّةُ الرّابعةُ:مِنَ المَعلُومِ أنَّ المُشِعَّ للنُّورِ يَستَلزِمُ أن يكُونَ مُتَنوِّرًا، وكلُّ مُضِيءٍ يَستَلزِمُ أن يكُونَ ذا ضَوْءٍ، والإحسانُ يَرِدُ مِنَ الغَنيِّ، واللُّطْفُ يَظهَرُ تاقًا للَّطِيفِ؛ لِذا فإِضفاءُ الحُسْنِ والجَمالِ على الكائِناتِ ومَنْحُ المَوجُوداتِ أَنواعًا مِنَ الكَمالاتِ المُختَلِفةِ، يَدُلُّ على جَمالٍ سَرْمَدِيٍِّ هو حالةِ الضَّوْءِ على الشَّمسِ.
ولَمّا كانَتِ المَوجُوداتُ تَجرِي جَرَيانَ النَّهرِ العَظِيمِ وتَلتَمِعُ بالكَمالِ ثمَّ تَمضِي، فمِثلَِمُ تلتَمِعُ ذلك النَّهرُ بجَلَواتِ الشَّمسِ، فإنَّ سَيْلَ المَوجُوداتِ هذا يَلتَمِعُ مُؤَقَّتًا بلَمَعاتِ الحُسْنِ والجَمالِ والكَمالِ، ثمَّ يَمضِي إلى شَأْنِه؛ ويُفهَمُ مِن تَعاقُبِ وهذامَعاتِ بأنَّ جَلَواتِ حَباباتِ النَّهرِ الجارِي وجَمالَها لَيسَت ذاتيّةً، بل هو جَمالُ ضِياءِ شَمْسٍ مُنوَّرةٍ وجَلَواتُها، فالمَحاسِنُ والكَمالاتُ الَّتي تَلتَمِعُ مُؤَقَّتًا على سَيلِ الكائِناتِ إنَّما هي لَ:يَرُ جَمالِ أَسماءِ مَن هو نُورٌ سَرمَدِيٌّ.
"نعم، تَفاني المِرآةِ زَوالُ المَوجُوداتِ معَ التَّجَلِّي الدّائِمِ معَ الفَيضِ المُلازِمِ، مِنلعَقَبرِ الظَّواهِرِ مِن أَبهَرِ البَواهِرِ على أنَّ الجَمالَ الظّاهِرَ، أنَّ الكَمالَ الزّاهِرَ، لَيسَا مُلْكَ المَظاهِرِ.. مِن أَفصَحِ تِبْيانٍ مِن أَوضَحِ بُرهانٍ، للجَمالِ المُجَرَّدِ للإحسالالةُ ُجَدَّدِ، للواجِبِ الوُجُودِ للباقي الوَدُودِ".
الحُجّةُ الخامِسةُ:مِنَ المَعلُومِ أنَّه إذا رَوَى أَشخاصٌ مُختَلِفُون أَتَوْا مِن طُرُقٍ مُتَبايِنةٍ وُقُوعَ حادِثةٍ مُعِ وحَقٍ بالذّاتِ، فإنَّ هذا يَدُلُّ بالتَّواتُرِ الَّذي يُفِيدُ اليَقِينَ على وُقُوعِ الحادِثةِ قَطْعًا.
— 798 —
فلقدِ اتَّفَق جَمِيعُ أَهلِ الكَشْفِ والذَّوقِ والشُّهُودِ والمُشاهَدةِ مِن جَمِيعِ الطّي ثَمَِ المُختَلِفةِ للمُحَقِّقين، والطُّرُقِ المُختَلِفةِ للأَولياءِ، والمَسالِكِ المُختَلِفةِ للأَصفِياءِ، والمَذاهِبِ المُختَلِفةِ للحُكَماءِ الحَقيقيِّين.. اتَّفَق هؤلاء المُختَلِفُون في المَشرَرِضُهامَسلَكِ والِاستِعدادِ والعَصْرِ، بالكَشْفِ والذَّوْقِ والشُّهُودِ على أنَّ ما يَظهَرُ على الكائِناتِ ومَرايا المَوجُوداتِ مِنَ المَحاسِنِ والكَمالاتِ إنَُّنا هنتَجَلِّياتُ كَمالِ ذاتٍ جَلِيلةٍ وتَجَلِّياتُ جَمالِ أَسمائِه الحُسنَى جَلَّ جَلالُه.. أَقُولُ: إنَّ اتِّفاقَ هؤلاء جَمِيعًا حُجّةٌ قاطِعةٌ لا تَتَزَعْزَعُ، وإجماعٌجٍ، وامٌ لا يُجرَحُ.
أَظُنُّ أنَّ داعِيةَ الضَّلالِ مُضطَرٌّ إلى الفِرارِ، سادًّا أُذُنَيه، لِئَلّا يَسمَعَ حَقائِقَ هذا الرَّمْزِ.
نعم، إنَّ الرُّؤُوسَ المُظلِمةَ لا تَتَحمَّلُ یی كالخُفّاشِ یی رُؤْيةَ هذه الأَنوارِ،ة:
ا نحن بدَوْرِنا لا نُعِيرُ لها أَهَمِّيّةً تُذكَرُ.
الرَّمزُ الرّابع:
إنَّ لَذّةَ الشَّيءَ وحُسْنَه وجَمالَه يَرجِعُ إلى مَظاهِرِه أَكثَرَ مِن رُجُوعِه إلى أَضدادِه وأَمثالِه.
فمَثِ الجَلكَرَمُ صِفةٌ جَمِيلةٌ لَطِيفةٌ، فالكَرِيمُ يَتَلذَّذُ لَذّةً مُمتِعةً مِن تَلَذُّذِ مَن يُكرِمُهم، ويَستَمتِعُ بفَرَحِهم أَكثَرَ أَلفَ مَرّةً مِن لَذّةٍ نِسبِيّةٍ يَحصُلُ علَيها م القُرَوُّقِه على أَقرانِه مِنَ المُكرِمِين؛ وكذا الشَّفِيقُ والرَّحِيمُ، يَتَلذَّذُ لَذّةً حَقِيقيّةً بقَدْرِ راحةِ مَن يُشفِقُ علَيهم مِنَ المَخلُوقاُؤيةِ فاللَّذّةُ الَّتي تَحصُلُ علَيها الوالِدةُ مِن راحةِ أَولادِها ومِن سَعادَتِهم قَوِيّةٌ راسِخةٌ إلى حَدٍّ تُضَحِّي برُوحِها لِأَجلِ راحَتِهم، حتَّى إنَّ لَذّ مَناط الشَّفَقةِ تَدفَعُ الدَّجاجةَ إلى الهُجُومِ على الأَسَدِ حِمايةً لأَفراخِها.
فاللَّذّةُ والحُسْنُ والكَمالُ والسَّعادةُ الحَقيقِيّةُ فءِ الدوصافِ الرّاقيةِ الرَّفيعةِ إذًا لا تَرجِعُ إلى الأَقرانِ ولا تَنظُرُ إلى الأَضدادِ، بل إلى مَظاهِرِها ومُتَعلَّقاتِها، فإنَّ جَمالَ
— 799 —
رَحْمةِ ذِي الجَمالِ والكَمالِ، الحَيِّ القَيُّومِ، الحَنّانِ المَنّانِ، الرَّحمٰنِ الرَّحِيًا مِننظُرُ ويَتَوجَّهُ إلى المَرحُومِين الَّذين نالُوا رَحْمَتَه، ولا سِيَّما إلى أُولَئِك الَّذين نالُوا أَنواعَ رَحْمَتِه الواسِعةِ وشَفَقَتِه الرَّؤُوفةِ في الجَنّةِ الخالِدةِ.
وله جَلَّ وعلا ما يُشبِهُ المَحَبّةَ، تَلِيقُ بذاتِه س المُؤه، بمِقدارِ سَعادةِ مَخلُوقاتِه، وبمَدَى تَنَعُّمِهم وفَرَحِهم، وله شُؤُونٌ سامِيةٌ مُقدَّسةٌ جَمِيلةٌ مُنزَّهةٌ ذاتُ مَعانٍ تَلِيقُ به سُبحانَه وتَعالَى، ما لا نَستَطِيعُ أن نَذكُرَها، لِعَدَمِ وُجُودِ إذنٍ شَرعِيٍّ، مِنَ التَّعابِيرِ الم عَظِيةِ للغايةِ والمُقدَّسةِ الجَلِيلةِ، والَّتي يُعبَّیرُ عنها باللَّذّةِ المُقدَّسةِ والعِشقِ المُقدَّسِ والفَرَحِ المُنزَّهِ والسُّرُورِ القُدسِيِّ، واحِدٍإنَّ كُلًّا مِنها هي أَسمَى وأَرفَعُ وأَنزَهُ بما لا يَتَناهَى مِن دَرَجاتِ العُلُوِّ والسُّمُوِّ والنَّزاهةِ مِمّا يَظهَرُ في الكائِناتِ وما نَشعُرُ به مِنَ العِشْقِ والسُّرُورِ بينَ المَوجُوداتِ.. كماةً وعَِتْناه في مَواضِعَ كَثِيرةٍ.
وإن شِئتَ أن تَنظُرَ إلى لَمْعةٍ مِن لَمَعاتِ تلك المَعاني الجَلِيلةِ فانظُرْ إلَيها بمِنظارِ هذا المِثالِ: شَخصٌ سَخِيٌّ كَرِيمادِيثِشَفَقةٍ ورَأْفةٍ، أَعَدَّ ضِيافةً جَمِيلةً للفُقَراءِ المُحتاجِين، فبَسَط ضِيافَتَه الفَخْمةَ على إِحدَى سُفُنِه الجَوّالةِ، واطَّلَع علَيهِم وهم يَتَنعَّمُون بإنعامِه تَنَعُّمًا بامتِنانٍ، تُرَى كم يكُووتَميِ الشَّخصُ الكَرِيمُ مَسرُورًا فَرِحًا، وكم يَبتَهِجُ بتَنَعُّمِ هؤلاء الفُقَراءِ وتَلَذُّذِ الجِياعِ مِنهم، ورِضَى المُحتاجِين مِنهم، وثَنائِهم جَمِيعًا عليه؟ يُمكِنُك أن تَقِيسَه بنَفسِك.
ت هذه فالإنسانُ الَّذي لا يَملِكُ مُلْكًا حَقِيقيًّا لِضِيافةٍ صَغِيرةٍ، وليس له مِن هذه الضِّيافةِ إلَّا إعدادُها وبَسْطُها، إن كان يَستَمتِعُ ُ ما حرِحُ إلى هذا القَدْرِ لَدَى إكرامِه الآخَرِين في ضِيافةٍ جُزئيّةٍ، فكيفَ بالَّذي تَنطَلِقُ له آياتُ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وتُرفَعُ إلَيه أَكُفُّ الثَّناءِ والرِّضَى بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، مِنَ الجِنِّ والإنسِ والأَحياءِ كافّةً، الَّذين حَمَّ لِافتي سَفِينةٍ رَبّانيّةٍ جَبّارةٍ، تلك هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، ويُسيِّیرُها فيَسِيحُ بهم في عُبابِ فَضاءِ العالَمِ، وأَسبَغَ علَيهِم نِعَمَه ظاهِرةً وباطِنةً، داعِيًا جَمِيعَ ذَوِي الحَياةِ إلى تلك الضِّيافةِ الَّتي هي مِن قَ زِمامفَطُورٍ بَسِيطٍ بالنِّسبةِ لِما بُسِطَ في دار البَقاءِ الَّتي كلُّ جَنّةٍ مِن
— 800 —
جِنانِه كسُفْرةٍ مَفرُوشةٍ أَمامَهم مَشحُونةٍ بكُلِّ ما تَشتَهِيه الأَنلحَيَّتَلَذُّ الأَعيُنُ، أَعدَّها لِعِبادِه الَّذين لا يُحصَون، وهم في مُنتَهَى الحاجةِ وغايةِ الشَّوْقِ إلى لَذائِذَ لا تُحَدُّ إشباعًا لِلَطائِفَ لا تُحَدُّ، لِيَتَناوَلُواهرِيِّلك الضِّيافةِ الحَقِيقيّةِ وليَتَنعَّمُوا تَنَعُّمًا حَقِيقيًّا في زَمَنٍ خالِدٍ أَبَدِيٍّ.. فقِسْ بنَفسِك على هذا ما نَعجِزُ عنِ التَّعبِيرِ عنه مِ فأَدرَعاني المُقدَّسةِ للمَحَبّةِ والتَّعابِيرِ المُنزَّهةِ لِنَتائِجِ الرَّحمةِ المُتَوجِّهةِ إلى الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ.
ومَثلًا:إذا قام صَنَّاعٌ ماهِرٌ بصُنعِ حاكٍ جَمِيلٍ يءٍ: "م مِن دُونِ حاجةٍ إلى أُسطُوانةٍ، ووَضَعَه مَوضِعَ التَّجرِبةِ والعَرْضِ للآخَرِين، فعَبَّر الجِهازُ عَمّا يُرِيدُه مِنه وعَمِلَ على أَفضَلِ وَجْهٍ يَرغَبُ فيه، فكم يكُونُ مُفتَخِرًا مُتَلذِّذًا برُؤيةِ صَنْعَتِه على هودَسِيُّورةِ، وكم يكُونُ مَسرُورًا، حتَّى إنَّه يُرَدِّدُ في نَفسِه: بارَكَ اللهُ!!
وهكذا، فإن كان إنسانٌ صَغِيرٌ عاجِزٌ عنِ الإيجادِ والخَلْقِ يَغمُرُه السُّرُورُ إلى هذه الدَّرَجةِ بمُجالدِّي صُنْعِه صَنْعةً صَغِيرةً، فكيف بالصّانِعِ الجَليلِ الَّذي خَلَق هذا الكَونَ على صُورةِ مُوسِيقَى وحَاكٍ عَظِيمٍ، وبخاصّةٍ صَدَى تَسبِيحاتِ الأَحياءِ على الأَرضِ، ولا سِفالَّذما وُضِعَ في رَأْسِ الإنسانِ مِن حاكٍ رَبّانِيٍّ ومُوسِيقَى إلٰهِيّةٍ، حتَّى تَقِفُ حِكْمةُ البَشَرِ وعُلُومُه أَمامَه في ذُهُولٍ وحَيْرةٍ!
نعم، إنَّ جَمِيعَ المَصنُوعاتِ تُظهِرُ ما يُطلَبُ مِنها مِن نَتائِجَ، تُظهِرُها في مُنتَهَبداعُ مالِ والكَمالِ، بانقِيادِها للأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ، الَّتي تُعبِّیرُ عنها بالعِباداتِ المَخصُوصةِ والتَّسبِيحاتِ الخُصُوصِيّةِ والتَّحِيّاتِ المُعَيَّنةِ، وتُحَقِّقُ بهذا المَقاصِدَ الرَّبّانيّةَ المَطلُوبةَ مِنها، فيم. بَي مِنَ الِافتِخارِ والِامتِنانِ والسُّرُورِ وغيرِها مِنَ المَعاني المُقدَّسةِ والشُّؤُونِ المُنزَّهةِ الَّتي نَعجِزُ عنِ التَّعبِيرِ عنها، وهي سامِيةٌ مُقدَّسةٌ بحَيثُ إذا اتَّحَدَت جَمِيعُ عُقُولِ البَشَرِ في عَِي أُماحِدٍ عَجَز عن بُلُوغِ كُنْهِها والإحاطةِ بها.
ومَثلًا:إنَّ حاكِمًا عادِلًا يَجِدُ لَذّةً ومُتعةً عِندَما يَأخُذُ حقَّ المَظلُومِ مِنَ الظّالِمِ، ويَجعَلُ الحَقالإِيمخُذُ نِصابَه، ويَفتَخِرُ لَدَى صِيانَتِه الضُّعَفاءَ مِن شُرُورِ الأَقوِياءِ، ويُسَرُّ لَدَى مَنحِه كلَّ فَرْدٍ ما يَستَحِقُّه مِن حُقُوقٍ؛ فلَك أن تَقِيسَ على هذا المَعانِيَ المُقدَّسةَ
— 801 —
الوارِدةَ مِِفٌ بعقِ الحَكِيمِ المُطلَقِ والعادِلِ المُطلَقِ والقَهَّارِ الجَليلِ، الحَقَّ في المَوجُوداتِ كافّةً، وليس على الجِنِّ والإنسِ وَحْدَهم.
أي: الحاصِلةُ مِن مَنْحِه سُبحانَه وتَعالَى شُرُوطَ الحَياةِ في صُورةِ حُقُوقِ الحَيابِ العَخلُوقاتِ قاطِبةً، ولا سِيَّما الأَحياءِ بإحسانِه إلَيهِم بأَجهِزةٍ تُحافِظُ على حَياتِهم وبحِمايَتِهم مِنِ اعتِداءِ المُعتَدِين، وبإيقافِه المَوجُوداتِ الرَّهيبةَ عِندَ حَدِّها، ولااتِ، وما المَعانِي المُقَدَّسةِ المُنبَعِثةِ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ للعَدالةِ الكامِلةِ والحِكْمةِ التّامّةِ في الحَشْرِ الأَعظَمِ في الدّارِ الآخِرةِ على الأَحياءِ كافّ مُزَيْلًا عنِ الجِنِّ والإنسِ.
وهكذا، على غِرارِ هذه الأَمثِلةِ الثَّلاثةِ، ففي كلِّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى طَبَقاتُ حُها سَبجَمالٍ وفَضْلٍ وكَمالٍ كَثيرةٌ جِدًّا؛ كما أنَّ فيها مَراتِبَ مَحَبّةٍ وفَخْرٍ وعِزّةٍ وكِبْرِياءٍ كَثِيرةً جِدًّا. ومِن هنا قال الأَولياءُ المُحَقِّقُون الَّذين حَظُوا باسمِ اوزِها دِ: "إنَّ جَوْهَرَ الكَونِ كُلِّه هو المَحَبّةُ، وإنَّ حَرَكةَ المَوجُوداتِ بالمَحَبّةِ؛ فقَوانِينُ الِانجِذابِ والجَذْبِ والجاذِبِيّةِ الَّتي تَجرِي في المَوجُوداتِ إنَّما هي آتيةٌ مِنَ المَحَبّةِ"، وقد قال أَحَدُهم:
فَلَعلَيه ْتْ مَلَكْ مَسْتْ نُجُومْ مَسْتْ سَمٰوَاتْ مَسْتْ شَمْسْ مَسْتْ قَمَرْ مَسْتْ زَمِينْ مَسْتْ عَنَاصِرْ مَسْتْ نَبَاتْ مَسْتْ شَجَرْ مَسْتْ بَ واحِدَسْتْ سَرَاسَرْ ذِى حَيَاتْ مَسْتْ هَمَه ذَرَّاتِ مَوْجُودَاتْ بَرَابَرْ مَسْتْ دَرْمَسْتَسْتْ
بمَعنَى أنَّ كلَّ شَيءٍ نَشْوانُ مِن شَرابِ المَحَبّةِ بتَجَلِّي المَحَبّةِ الإلٰهِيّةِ، كلٌّ حَسَبَ استِعدادِه؛ مِنَ المَعلُومِ أنَّ كلَّ قَلب أَعدابُّ مَن يُحسِنُ إلَيه، ويُحِبُّ الكَمالَ الحَقِيقيَّ ويَعشَقُ الجَمالَ السّامِيَ ويَزِيدُ حُبُّه لِمَن يُحْسِنُ إلى مَن يُحِبُّهم ويُحسِنُ إلَيهِم.
تُرَى مافِ لِش العِشقِ والمَحَبّةِ الَّتي تَلِيقُ بمَن له في كلِّ اسمٍ مِن أَسمائِه أَلفُ كَنزٍ وكَنزٍ مِنَ الإحسانِ والإنعامِ؟! ومَن يُسعِدُ كُلَّ مَن نُحِبُّهم؟! ومَن هو مَنبَعُ أُلُوفِ أَنواعِ الكَمالاتِ؟! ومَن هو مَبعَثُ أُلُوفِ طَبَقاتِ الجَمالِ؟! ومٍ، بل مُسَمَّى أَلفِ اسمٍ واسمٍ؟! وهو الجَمِيلُ ذُو الجَلالِ والمَحبُوبُ ذُو الكَمالِ؟!
— 802 —
ألا يُفهَمُ مِن هذا مَدَى الأَحَقِّيّةِ في نَشوةِ الكَونِ طُرًّا بمَحَبَّتِه؟
ولِأَجلِ هذا السِّرِّ قال قِسمٌ مِنَ الأَولياءِ الّ قد أَالُوا شَرَفَ الحُظْوةِ باسمِ "الوَدُودِ": "لَمْعةٌ مِن مَ"iHّةِ اللهِ تُغنِينا عنِ الجَنّةِ"، ومِن ذلك السِّرِّ أَيضًا وَرَد في الحَدِي عَجِيَّرِيفِ ما مَعناه: "إنَّ رُؤيةَ جَمالِ اللهِ في الجَنّةِ تَفُوقُ جَمِيعَ لَذائذِ الجَنّةِ".
فكَمالاتُ المَحَبّةِ ومَزاياها هذه، إنَّما تَحصُلُ ضِمنَ دائِرةِ الواحِدِيّةِ والأَحَدِيِّ.. ولسمائِه سُبحانَه وبمَخلُوقاتِه، بمَعنَى: أنَّ ما يُتَوَهَّمُ مِن كَمالاتٍ خارِجَ تلك الدّائِرةِ لَيسَت كَمالاتٍ قَطْعًا.
الرَّمزُ الخامِسُ خَمسُ نِقاطٍ:
النُّقطةُ الأُولَى:يقولُ داعِيةُ أَهلِ الضَّلالِ: لقد لُعِنَتِ الدُّنيا في أَحَانيةِكم، وذُكِرَت أنَّها جِيفةٌ، ونَرَى أنَّ أَهلَ الوِلايةِ وأَهلَ الحَقِيقةِ يُحَقِّرُون الدُّنيا ويَستَهِينُون بها، ويقُولُون: إنَّها فاسِدةٌ، قَذِرةٌ. بَينَما تُظهِرُها أنت على أنَّها مَبعَثُ كَمالٍ إلٰهِيةٍ مُلجّةٌ له، وتَذكُرُها ذِكْرَ عاشِقٍ لها؟!
الجَوابُ: الدُّنيا لها ثَلاثةُ وُجُوهٍ:
الوَجهُ الأوَّل:يَنظُرُ إلى أَسماءِ اللهِ الحُسنَى ويُبيِّنُ آثارَ تلك الأَسماءِ ونُقُوشَها، وتُؤَدِّيِنها، نيا بهذا الوَجْهِ وَظِيفةَ مِرآةٍ لتلك الأَسماءِ بالمَعنَى الحَرفِيِّ، فهذا الوَجْهُ مَكاتِيبُ صَمَدانيّةٌ لا تُحَدُّ؛ لِذا يَستَحِقُّ العِشْقَ لا النُّفُورَ، لأنَّه في غايةِ الجَمالِ.
الوَجهُ الثَّاني:وَجْهٌ يَنظى الِاى الآخِرةِ، فهو مَزرَعةُ الآخِرةِ، مَزرَعةُ الجَنّةِ، مَوضِعُ إزهارِ أَزاهِيرِ الرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ؛ وهذا الوَجهُ جَمِيلٌ كالوَجْهِ الأَوَّلِ يَستَحِقُّ المَحَبّةَ لا التَّحقِيرَ.
الوَجهُ الثّالثُ:وَجْهٌ يَنظُرُ قَى قدهواءِ الإنسانِ، ويكُونُ سِتارَ الغافِلِين، ومَوضِعَ لَعِبِ أَهلِ الدُّنيا وأَهوائِهم؛ فهذا الوَجْهُ قَبِيحٌ دَمِيمٌ، لأنَّه فانٍ، زائلٌ، مُؤلمٌ، خَدَّاوهكذا، فالتَّحقِيرُ الوارِدُ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، والنُّفُورُ الَّذي لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ هو مِن
— 803 —
هذا الوَجْهِ؛ أمّا ذِكْرُ القُرآلا ظِلَرِيمِ للمَوجُوداتِ بأَهَمِّيّةٍ بالِغةٍ وإعجابٍ وإطراءٍ فهو مُتَوجِّهٌ إلى الوَجهَينِ الأَوَّلَينِ، وإنَّ الدُّنيا المَرغُوبَ فيها لَدَى الصَّحابةِ الكِرامِ وسائِرِ أَولياءِ اللهِ في الوََعاسةًِ الأَوَّلَينِ.
والآنَ نَذكُرُ أُولَئِك الَّذين يُحَقِّرُون الدُّنيا، وهم أَربَعةُ أَصنافٍ:
الأوَّل:هم أَهلُ المَعرِفةِ الإلٰهِيّةِ، فهم يُحَقِّرُونها لأنَّها تَحجُبُ عن مَعرِفةِ اللهِ سُسُلْطا، وتَستُرُ عن مَحَبَّتِه والعِبادةِ له.
الثّاني:هم أَهلُ الآخِرةِ، فإمّا أنَّ ضَرُوراتِ الحَياةِ الدُّنيَوِيّةِ ومَشاغِلَها تَمنَعُهم عنِ الأَعمالِ الأُخرَوِيّةِ، أو أنََّر حُسَوْن الدُّنيا قَبِيحةً بالنِّسبةِ لِكَمالاتِ الجَنّةِ وجَمالِها ومَحاسِنِها الَّتي يُشاهِدُونَها بإيمانٍ شُهُودِيٍّ.
نعم، فكما إذا قُورِنَ رَجُلٌ جَمِيلٌ ن له سيِّدِنا يُوسُفَ عَليهِ السَّلام يَبدُو قَبِيحًا بلا شَكٍّ، كذلك تَبدُو جَمِيعُ مَفاتِنِ الدُّنيا القَيِّمةُ تافِهةً بالنِّسبةِ لِنَعِيمِ الم يَجِ.
الثّالثُ:يُحَقِّرُ الدُّنيا لأنَّه لا يَحصُلُ علَيها، وهذا التَّحقِيرُ ناتِجٌ مِن مَحَبّةِ الدُّنيا لا مِنَ النُّفُورِ مِنها.
الرّابعُ:يُحَقِّرُ الدُّنيا لأنَّه يَحصُلُ علَيها إلَّا أنَّها لا تَظَلُّ عِندَه، بل تَرحَلُ عنه، وبِ الدَوْرِه يَغضَبُ، ولا يَجِدُ غيرَ تَحقِيرِ الدُّنيا لِيُسَلِّيَ نَفسَه، فيقُولُ: إنَّها قَذِرةٌ. فهذا التَّحقِيرُ أَيضًا ناتِجٌ مِن مَحجُه مِالدُّنيا؛ بَينَما التَّحقِيرُ المَطلُوبُ هو النّاتِجُ مِن حُبِّ الآخِرةِ ومِن مَحَبّةِ مَعرِفةِ اللهِ. بمَعنَى أنَّ التَّحقِيرَ المَقبُولَ هْمَ السمانِ الأَوَّلانِ.. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنهُم.. آمِينَ بحُرمةِ سَيِّدِ المُرسَلِين (ص).
٭ ٭ ٭
— 804 —
المَوقفُ الثالث
بِسْمِ اللَّهِ القُوا أَنِ الرَّحِيمِ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
هذا الموقفُ عبارةٌ عن نقطتَين، وهي مبحثان
المبحَثُ الأوَّل
إنَّ في كلِّ شَيءٍ وُجنَ الصكَثِيرةً جِدًّا مُتَوجِّهةً یی كالنَّوافِذِ یی إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، بمَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه، إذ إنَّ حَقائِقَ المَوجُوداتِ القاِيقةَ الكائِناتِ تَستَنِدُ إلى الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى، فحَقِيقةُ كلِّ شَيءٍ تَستَنِدُ إلى اسمٍ مِنَ الأَسماءِ أو إلى كَثِيرٍ مِنَ الأَسماءِ؛ وإنَّ الصِّفاتِ والصَُّقَدَّلمَوجُودةَ في الأَشياءِ أَيضًا تَستَنِدُ إلى اسمٍ مِنَ الأَسماءِ، حتَّى إنَّ عِلْمَ الحِكْمةِ الحَقِيقيَّ يَستَنِدُ إلى اسمِ اللهِ "الحَكِيم"، وعِلْمَ الطِّبِّ يَستَنِدُ إلى اسمِ اللهِ "الشَّافي"، وَّبَسّ الهَندَسةِ يَستَنِدُ إلى اسمِ اللهِ "المُقَدِّر".. وهكذا كلُّ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ يَستَنِدُ إلى اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى ويَنتَهِي إلَيه، كما أنَّ حَقِيقةَوزُ باعِ العُلُومِ وحَقِيقةَ الكَمالاتِ البَشَرِيّةِ وطَبَقاتِ الكُمَّلِ مِنَ البَشَرِ، تَستَنِدُ كلُّها إلى الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى؛ حتَّى قال أَولياءمٌ واسقِّقون: إنَّ "الحَقائِقَ الحَقِيقيّةَ للأَشياءِ، إنَّما هي الأَسماءُ الإلٰهِيّةُ الحُسنَى، أمّا ماهِيّةُ الأَشياءِ فهي ظِلالُ تلك الحَقائِقِ"، بل يُمكِنُ مُشاهَدةُ آثارِ تَجَلِّي عِشرِين اسمًا مِنَ الأَسماءِ عللإنساِرِ كلِّ ذِي حَياةٍ فحَسْبُ.
نُحاوِلُ تَقرِيبَ هذه الحَقِيقةِ الدَّقِيقةِ والعَظِيمةِ الواسِعةِ في الوَقتِ نَفسِه إلى الأَذهانِ بمِثالٍ، نُصَفِّيه بمَصافٍ ونُحَلِّلُمُشاهََلِّلاتٍ مُختَلِفةٍ، ومَهما يَطُلِ البَحثُ بنا فإنَّه يُعَدُّ قَصِيرًا، فيَنبَغي عَدَمُ السَّأَمِ:
— 805 —
إذا أرادَ فَنّانٌ بارِعٌ في التَّصوِيعلى كلنَّحْتِ رَسْمَ صُورةِ زَهْرةٍ فائِقةِ الجَمالِ، وعَمَلَ تِمثالِ حَسناءَ رائِعةِ الحُسْنِ، فإنَّه يَبدَأُ أوَّلَ ما يَبدَأُ بتَعيِينِ بعضِ خُطُوطِ الشَّكلِ العامّمُّ نٍَّ مِنهُما..
فتَعيِينُه هذا إنَّما يَتِمُّ بتَنظِيمٍ، ويَعمَلُه بتَقدِيرٍ يَستَنِدُ فيه إلى عِلمِ الهَندَسةِ، فيُعيِّنُ الحُدُودَ وَفْقَه.. فهذا التَّنظِيمُ والتَّقدِيرُ يَدُلّانِ على أنَّهما فُعِلا بعِلْمٍ و وساطِةٍ. أي: إنَّ فِعلَيِ التَّنظِيمِ والتَّحدِيدِ يَتِمّانِ وَفْقَ "بِرْكارِ" العِلمِ والحِكْمةِ، لِذا تَحكُمُ مَعانِي العِلمِ والحِكْمةِ وَراءَ التَّنظِيمِ والتَّحدِيدِ، إذًا ستُبيِّنُ ضَوابِطُ العِلمِ والحِكْمةِ نَفسَها.. نعم، وها هي تُبيِّنُ لِداءٍا، إذ نُشاهِدُ الفَنّانَ قد بَدَأ بتَصوِيرِ العَينِ والأُذُنِ والأَنفِ للحَسناءِ وأَوراقِ الزَّهرةِ وخُيُوطِها اللَّطِيفةِ الدَّقيقةِ دمَبنِيتلك الحُدُودِ الَّتي حَدَّدَها.
والآن نُشاهِدُ أنَّ تلك الأَعضاءَ التي عُيِّنَت وَفْقَ "بِرْكارِ" العِلمِ والحِكْمةِ أَخَذَت صِيغةَ الصَّنْعةِ المُتقَنةِ والعِنايةِ الدَّقيقةِ، لِذا تَحكُمُ مَعا تَنقُصُّنعِ والعِنايةِ وَراءَ "بِرْكارِ" العِلمِ والحِكْمةِ.. إذًا ستُبيِّنُ نَفسَها.. نعم، وها قد بَدَأَت قابِليّةُ الحُسنِ والزِّينةِ في الظُّهُورِ مِمّا يَدُلُّلُّ دأنَّ الَّذي يُحرِّكُ الصَّنْعةَ والعِنايةَ هو إرادةُ التَّجمِيلِ والتَّحسِينِ وقَصْدُ التَّزيِينِ، لِذا يَحكُمانِ مِن وَراءِ الصَّنعةِ والعِنايةِ؛ وها قد بَدَأ "الفَنّانُ" بإضفاءِ حالةِ التيِّمُ ُمِ لِتِمثالِ الحَسناءِ، وشَرَع بمَنْحِ أَوضاعٍ حَياتيّةٍ لِصُورةِ الزَّهرةِ، أي: بَدَأ بفِعلَيِ التَّزيِينِ والتَّنوِيرِ. لِذا فالَّذي يُحرِّكُ مَللَّذِلتَّحسِينِ والتَّنوِيرِ هما مَعنَيَا اللُّطْفِ والكَرَمِ.. نعم، إنَّ هذَينِ المَعنَيَينِ يَحكُمانِ، بل يُهَيمِنانِ إلى دَرَجةٍ كأنَّ تلك الزَّهرةَ لُطْفٌ مُجَسَّمٌ، وذلك التِّمثالَ كَرَمٌ مُتَجَسِّدٌ.
تُرَى ما الَّذي يُحرِّكُ مَعاَلَّمْلكَرَمِ واللُّطفِ، وما وراءَهما غيرُ مَعاني التَّودُّدِ والتَّعرُّفِ؟! أي: تَعرِيفُ نَفسِه بمَهارَتِه وفَنِّه وتَحبِيبُها إلى الآخَرِين، وهذا التَّعرِيفُ والتَّحبِيبُ آتِيانِ مِنَ المَيلِ إلى الرَّحمةِ وإرادةِ النِّعمةِ.. وابٌ أَنَّ الرَّحمةَ وإرادةَ النِّعمةِ مِن وَراءِ التَّوَدُّدِ والتَّعرُّفِ، فستَمْلَآنِ إذًا نَواحِيَ التِّمثالِ بأَنواعِ الزِّينةِ والنِّعَمِ، وستُعلَّقانِ على الصُّورةِ، صُورةِ الزَّهرةِ الجَمِيلةِ هَدِيّةً ثَمِينةً.. وها نحن نكأَنَُّ أنَّ "الفَنّانَ" قد بَدَأ
— 806 —
بِمَلْءِ يَدَيِ التِّمثالِ وصَدْرِه بنِعَمٍ قيِّمةٍ ويُعلِّقُ على صُورةِ الزَّهرةِ دُرَرًا ثَمِينةً.. بمَعنَى أنَّ مَعانِيَ التَّرحُّمِ والتَّحنُّنِ والإشفاقِ قد حَرَّكَتِ الرَّحمةَ وإرادةَ هذا المةِ.. وما الَّذي يُحرِّكُ مَعانِيَ التَّرحُّمِ والتَّحنُّنِ هذه، وما الَّذي يَسُوقُهما إلى الظُّهُورِ لَدَى ذلك المُستَغني عنِ النّاسِ، غيرُ ما في ذات"يُمكِ جَمالٍ مَعنَوِيٍّ وكَمالٍ مَعنَوِيٍّ يُرِيدانِ الظُّهورَ؟! إذ إنَّ أَجمَلَ ما في ذلك الجَمالِ یی وهو المَحَبّةُ یی وأَلذَّ ما فيه یی وهسِ وَضَحمةُ یی كلٌّ مِنهُما یی أي: المَحَبّةُ والرَّحمةُ یی يُرِيدانِ إراءةَ نَفسَيهِما بمِرآةِ الصَّنعةِ، ويُرِيدُ یی أي: الجَمالُ یی رُؤيةَ نَفسِه بعُيُونِ المُشتاقين، لأنَّ الجَمالَ یی وكذا الكَماثًا:إمَحبُوبٌ لِذاتِه، يُحِبُّ نَفسَه أَكثَرَ مِن أيِّ شَيءٍ آخَرَ، حيثُ إنَّه حُسنٌ وعِشقٌ في الوَقتِ نَفسِه، فاتِّحادُ الحُسنِ والعِشقِ آتٍ مِن هذه النُّقطةِ.. ولَمّا والنَّجَمالُ يُحِبُّ نَفسَه، فلا بُدَّ أنَّه يُرِيدُ رُؤيةَ نَفسِه في المَرايا، فالنِّعَمُ المَوضُوعةُ على التِّمثالِ، والثَّمَراتُ اللَّطِيفةُ المُعلَّقةُدَ العلصُّورةِ، تَحمِلُ لَمْعةً بَرّاقةً مِن ذلك الجَمالِ المَعنَوِيِّ یی كلٌّ حَسَبَ قابِليَّتِه یی فتُظهِرُ تلك اللَّمَعاتُ السّاطِعةُ نَفسَها إلى صاحِبِ الجَمالِ،عالَمِالآخَرِين معًا.
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ يُنظِّمُ الصّانِعُ الحَكِيمُ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی الجَنّةَ والدُّنيا والسَّماواتِ والأَرَحْظَىنَّباتاتِ والحَيَواناتِ والجِنَّ والإنسَ والمَلَكَ والرُّوحانيّاتِ.. أي بتَعبِيرٍ مُوجَزٍ: يُنظِّمُ سُبحانَه جَمِيعَ الأَشياءِ كُلِّيِّها وجُزئي فلَ يُنَظِّمُها جَمِيعًا بَتَجلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى، ويُعطِي لكُلٍّ مِنها مِقدارًا مُعيَّنًا حتَّى يَجعَلَه يَستَقرِئُ اسمَ "المُقَدِّر، المُنَعدَ ذلالمُصَوِّر".
وهكذا بتَعيِينِه سُبحانَه وتَعالَى حُدُودَ الشَّكلِ العامِّ لكُلِّ شَيءٍ تَعيِينًا دَقِيقًا يُظهِرُ اسمَيِ "العَلِيم، الحَكِيم". ثمَّ يَرسُمُ بمِسطَرةِ العِلمِ والحِكمةِ ٍ مِنَشَّيءَ ضِمنَ الحُدُودِ المُعيَّنةِ، رَسْمًا مُتقَنًا إلى حَدٍّ يُظهِرُ مَعانِيَ الصُّنعِ والعِنايةِ، أي اسمَيِ: "الصَّانِع، الكَرِيم".. ثمَّ يُضفِي على تلك الصُّورةِ جَمالًا وزِينةً، بفِرشاةِ العِنايةِ وباليَدِ الكَرِيمةِ لللمَحَبِ، فإن كانَتِ الصُّورةِ إنسانًا أَضفَى على أَعضائِه كالعَينِ والأَنفِ والأُذُنِ أَلوانًا مِنَ الحُسنِ والجَمالِ.. وإن كانَتِ الصُّورةُ مالِ اً أَضفَى سُبحانَه إلى أَوراقِها وأَعضائِها وخُيُوطِها الرَّقيقةِ أَلوانًا مِنَ الجَمالِ والرُّواءِ والحُسنِ.. وإن كانَتِ الصُّورةُ أَرضًا مَنَح
— 807 —
مَعادِنَها ونَباتاتِها وحَيَواناتِها أَلوانًا مِنَ الزِّينةِ وضُرُوبًا مِنَ الجَماعُلَماحُسنِ.. وإن كانَتِ الصُّورةُ جَنّةَ النَّعِيمِ أَسبَغَ على قُصُورِها أَلوانًا مِنَ الحُسنِ وعلى حُورِها أَنواعًا مِنَ الزِّينةِ.. وهكذا قتَغيِيى هذا المِنوالِ.
ثمَّ يُزَيِّنُ ذلك الشَّيءَ ويُنوِّرُه بطِرازٍ بَدِيعٍ مِنَ الزِّينةِ والنُّورِ حتَّى تَحكُمَ علَيه مَعاني اللُّطفِ والكَرَمِ فتَجعَلَ ذلك المَوجُودَ المُزيَّنَ وذلك المَصنم مِثللمُنوَّرَ لُطْفًا مُجَسَّمًا وكَرَمًا مُتَجسِّدًا يُذَكِّرُ باسمَيِ "اللَّطِيف، الكَرِيم". والَّذي يَسُوقُ ذلك اللُّطفَ والكَرَم إلى هذا التَّجَلِّي إنَّما هو التَّوَدُّدُ والتَّعرُّفُ،الإلٰهُؤُونُ تَحبِيبِ ذاتِه الجَلِيلةِ إلى ذَوِي الحَياةِ وتَعرِيفِ ذاتِه إلى ذَوِي الشُّعُورِ حتى يُقرَأَ على ذلك الشَّيءِ اسمَا "الوَدُودِ والمَعرُوفِ" اللَّذانِ هما وَراءَ اسمَيِ "اللّداداتِ الكَرِيم"، بل يُسمِعانِ قِراءَتَه لذَينِك الِاسمَينِ مِن حالِ المَصنُوعِ نَفسِه.. ثمَّ يُجَمِّلُ سُبحانَه ذلك المَوجُودَ المُزَيَّن، وذلك المَخلُوقَ الجَمِلى القثَمَراتٍ لَذِيذةٍ، بنَتائِجَ مَحبُوبةٍ، فيُحَوِّلُ جَلَّ وعلا الزِّينةَ إلى نِعمةٍ، واللُّطفَ إلى رَحمةٍ، حتَّى يَدفَعَ كلَّ مُشاهِدٍ لقِراءةِ اسمَيِ "المُنعِمِ، الرَّحِيمِ" حيثُ تَشِفُّ تَجَلِّياتُ ذَينِك الِاسمَينِ مِذًا مِءِ الحُجُبِ الظّاهِرِيّة.. ثمَّ إنَّ الَّذي يَسُوقُ اسمَيِ "الرَّحِيمِ والكَرِيمِ" یی وهو المُستَغني المُطلَقُ یی إلى هذا التَّجَلِّي إنَّما هو شُؤُونُ "التَّرحُّمِ والتَّحَنُّنِ"، مِمّا يَجعَلُ المُشاهِدَ يَقرَأُ على الشَّيءِ اسمَيِ "الحجَلِيلِ، الرَّحمٰنِ".. والَّذي يَسُوقُ مَعانِيَ التَّرحُّمِ والتَّحنُّنِ إلى التَّجَلِّي، جَمالٌ وكَمالٌ ذاتيّانِ، يُرِيدانِ الظُّهُورَ، مِمّا يَدفَعُ المُشاهِدَ وقدِراءةِ اسمِ "الجَمِيلِ"، واسمَيِ "الوَدُودِ، الرَّحيمِ" المُندَرِجَينِ فيه؛ إذِ الجَمالُ مَحبُوبٌ لِذاتِه، والجَمالُ وذُو الجَمالِ يُحِبُّ نَفسَه بالذّاتِ فهو حُسنٌ وهو مَحَبّةٌ، وكذا الكَمالُ مَحبُوبٌ لِذاتُمِرْت: مَحبُوبٌ بلا داعٍ ولا سَبَبٍ، فهو مُحِبٌّ وهو مَحبُوبٌ.
فما دامَ جَمالٌ في كَمالٍ لا نِهايةَ له، وكذا كَمالٌ في جَمالٍ لا نِهايةَ له، يُحَبُّ كلٌّ مِنهُما غايةَ الحُبِّ ومُنتَهاه، وهما أَمرِهِقّانِ المَحَبّةَ والعِشقَ، فلا بُدَّ أنَّهما يُرِيدانِ الظُّهُورَ في مَرايا، ويُرِيدانِ شُهُودَ لَمَعاتِهما وتَجَلِّياتِهما یی حَسَبَ قابِليّةِ المَرايا یی وإشهادِها الآخَرِين.
— 808 —
حيثُ إ يَعنِي أنَّ الجَمالَ الذّاتِيَّ والكَمالَ الذّاتِيَّ للصّانِعِ ذِي الجَلالِ، والحَكِيمِ ذِي الجَمالِ، والقَدِيرِ ذِي الكَمالِ، يُرِيدان أن كاَرحُّمَ والتَّحنُّنَ، فيَسُوقانِ اسمَيِ "الرَّحمٰنِ، الحَنّانِ" إلى التَّجَلِّي.. والتَّرحُّمُ والتَّحَنُّنُ يَسُوقانِ اسمَيِ "الرَّحِيمِ والمُنعِمِ" إلى التَّجَلِّي، وذلك بإظهارِ الرَّحعَ الخلنِّعمةِ معًا.. والرَّحمةُ والنِّعمةُ تَقتَضِيانِ شُؤُونَ التَّودُّدِ والتَّعرُّفِ وتَسُوقانِ اسمَيِ "الوَدُودِ والمَعرُوفِ" إلى التَّجَلِّي فيَظهَرانِ على المَصنُوعِ.. والتَّودُّدُ والتَّعرُّفُ يُحَرِّكانِ مَعنَى اللُّطفِ والكَرَمِ ويَستَقرَحصُلُاسمَيِ "اللَّطِيفِ والكَرِيمِ"، في بعضِ نَواحِي المَصنُوعِ.. وشُؤُونُ اللُّطفِ والكَرَمِ تُحرِّكُ فِعلَيِ التَّزيِينِ والتَّنوِيرِ فتَستَقرِئُ اسمَيِ وحَدُ َيِّنِ المُنَوِّرِ" بلِسانِ حُسنِ المَصنُوعِ ونُورانيَّتِه.. وشُؤُونُ التَّزيِينِ والتَّحسِينِ تَقتَضِي مَعانِيَ الصُّنعِ والعِنايةِ، وتَستَقرِئُ اسمَيِ "الصّانِعِ والمُحسِنِ" في السِّيماءِ الجَمِيلِ لِذلك المَصنحَقائق وذلك الصُّنعُ والعِنايةُ تَقتَضِيانِ العِلمَ والحِكْمةَ، فيَستَقرِئُ المَصنُوعُ اسمَيِ "العَلِيمِ والحَكيمِ" في أَعضائِه المُنتَظِمةِ الحَكِيمةِ. ولا شَكَّ أنَّ ذلك العِلمَ والحِكْمةَ تَقتَضِيانِ أَفعالَ التَّنظِيمِ والتَّصوِيرِ والتَّ.
٭ ، فيَستَقرِئُ المَصنُوعُ بشَكْلِه وبِهَيئَتِه، اسمَيِ "المُصَوِّر المُقَدِّر".
وهكذا خَلَق الصَّانِعُ الجَلِيلُ مَصنُوعاتِه كُلَّهادَى ماى يَستَقرِئَ القِسمُ الغالِبُ مِنها یی ولا سِيَّما ذَوِي الحَياةِ یی كَثِيرًا جِدًّا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وكأنَّه سُبحانَه قد أَلبَسَ كلَّ مَصنُوعٍ عِشَشرُوعُلّةً مُتَبايِنةً مُتَراكِبةً، أو كأنَّه لَفَّ مَصنُوعَه ذلك بعِشرِين غِطاءً وسَتَرَه بعِشرِين سِتارًا، وكَتَب على كلِّ حُلّةٍ، وعلى كلِّ سِتارٍ أَسماءَه المُختالسّاع.
ففي زَهرةٍ واحِدةٍ جَمِيلةٍ، وفي حَسناءَ لَطِيفةٍ، مَثلًا في ظاهِرِ خَلْقِهِما صَحائِفُ كَثِيرةٌ جِدًّا یی كما في المِثالِ یی يُمكِنُك أن تَأْخُذَهما مِثالًا تَ أو عَعلَيهِما المَصنُوعاتِ الأُخرَى العَظِيمةَ.
الصَّحِيفةُ الأُولى:هَيْئةُ الشَّيءِ الَّتي تُبيِّنُ شَكْلَه العامَّ ومِقدارَه، والَّتي تُذَيَخلُقبأَسماءِ: يا مُصَوِّرُ، يا مُقَدِّرُ، يا مُنَظِّمُ.
الصَّحِيفةُ الثّانية:صُوَرُ الأَعضاءِ المُتَبايِنةِ المُنكَشِفةِ ضِمنَ تلك الهَيْئةِ
— 809 —
البَسِيطةِ للزَّهرةِ والإنسانِ، اتِنانِتُسَطِّیرُ في تلك الصَّحِيفةِ أَسماءً كَثِيرةً أَمثالَ: العَلِيمِ، الحَكِيمِ.
الصَّحيفةُ الثّالثة:إضفاءُ الحُسنِ والزِّينةِ على الأَعضاءِ المُتَبايِنةِ لِذَينِك المَخلُوقَينِ بأَنماطٍ مُتَنوِّعةٍ مِنَ الحُسنِ والزِّينوَينِ َى تُكتَبَ في تلك الصَّحِيفةِ أَسماءٌ كَثيرةٌ مِن أَمثالِ: الصّانِعِ، البارِئِ.
الصَّحيفةُ الرّابعة:الزِّينةُ والحُسنُ البَدِيعُ المَوهُوبانِ إلى ذَينِك المَصنُوعَيتِ"، وَّى كأنَّ اللُّطفَ والكَرَمَ قد تَجَسَّما فيهما، فتلك الصَّحِيفةُ تُذَكِّرُ وتَقرَأُ أَسماءً كَثِيرةً أَمثالَ: يا لَطِيفُ. يا كَرِيمُ.
الصَّحيف مَتَوامسة:تَعلِيقُ ثَمَراتٍ لَذِيذةٍ على تلك الزَّهرةِ، ومَنحُ الأَولادِ المَحبُوبِين والأَخلاقِ الفاضِلةِ لِتِلك الحَسناءِ، يَجعَلانِ تلك الصَّحِيفةَ تَستَقرِئُ أَسماءً كَثِيرةً أَمثالَ: يا وَدُودُ، يا رَحِيمُ، يا مُنعِمُ.
الصَّحيفةُ السدخُلِ صَحِيفةُ الإنعامِ والإحسانِ الَّتي تَقرَأُ أَسماءً أَمثالَ: يا رَحمٰنُ يا حَنّانُ.
الصَّحيفةُ السّابعة:ظُهُورُ لَمَعاتِ حُسْنٍ وجَمالٍ واضِحةٍ في تلك النِّعَمِ وتلك النَّتائِجِ حتَّى تكُونَ أَهلًا ويَرفٍَ خالِصٍ عُجِنَ بشَوقٍ وشَفَقةٍ حَقِيقيَّينِ، ومُستَحِقًّا لِمَحبّةٍ خالِصةٍ طاهِرةٍ، فتُكتَبُ في تلك الصَّحِيفةِ وتُقرَأُ أَسماءُ: يا جَمِيلُ ذا الكَمالِ، ياَدَى حُ ذا الجَمالِ.
نعم، إن كانَت زَهرةٌ جَمِيلةٌ واحِدةٌ، وإِنسِيّةٌ حَسْناءُ جَمِيلةٌ، يُظهِرانِ إلى هذا الحَدِّ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى في صُورَتِهما الظّاهِرِيّةِ المادِّيّةِ فقط، فإلى أيِّ حَدٍّ مِنَ السُّمُوِّ والكُلِّيّةِ تَستَقرِئُ جَمِيلصِّفازهار، وجَمِيعُ ذَوِي الحَياةِ والمَوجُوداتُ العَظِيمةُ الكُلِّيّةُ، الأَسماءَ الحُسنَى الإلٰهِيّةَ؟! يُمكِنُك أن تَقِيسَ ذلك بنَفسِك.
ويُمكِنُك في ضَوْءِ ذلك أن تَقِيسَ أَيضًا مَدَى ما يَقرَؤُه الإنسانُ وما يَستَقرِئَتي حََ الأَسماءِ الحُسنَى القُدسِيّةِ النُّورانيّةِ أَمثالَ: الحَيِّ، القَيُّومِ، المُحيِي، في كلٍّ مِن صَحائِفِ الحَياةِ واللَّطائِفِ الإنسانيّةِ كالرُّوحِ والقَلبِ والعَقلِ.
— 810 —
وهكذا.. فالجَنّةُ زَهرةٌ. والحُورُ زَهرةٌ، وسَطحُ افتاحًا زَهرةٌ، والرَّبيعُ زَهرةٌ، والسَّماءُ زَهرةٌ: والنُّجُومُ المُذَهَّبةُ نُقُوشُها البَدِيعةُ؛ والشَّمسُ زَهرةٌ: وأَلوانُ ضِيائِها السِّبعةُ أَصباغُ نُقُوشِ تلك الزَّهرةِ.
والعالَمُ إنسانٌ جَمِيلٌ عَظِيمٌ، مِثلَما أنَّ الإنسانَ عالَمٌ مُصعالَمُ، فنَوعُ الحُورِ، وجَماعةُ الرُّوحانيّاتِ، وجِنسُ المَلَكِ، وطائِفةُ الجِنِّ، ونَوعُ الإنسانِ، كلٌّ مِن هَؤُلاء قد صُوِّر ونُظِّم وأُوجِدَ في حُكْمِِنَ الٍ جَمِيلٍ؛ كما أنَّ كُلًّا مِنهم مَرايا مُتَنوِّعةٌ مُتَبايِنةٌ لِإظهارِ جَمالِه سُبحانَه وكَمالِه ورَحمَتِه ومَحَبَّتِه.. وكلٌّ مِنهم شاهِدُ صِدْقٍ لِجَمالٍ وكَمالٍ ورَحمةٍ ومَحَبّةٍ لا مُنتَهِ رِسا.. وكلٌّ مِنهم آياتُ جَمالٍ وكَمالٍ ورَحمةٍ ومَحَبّةٍ.
فهذه الأَنواعُ مِنَ الكَمالاتِ الَّتي لا نِهايةَ لها، حاصِلةٌ ضِمنَ دائِرةِ الواحِدِيّةِ والأَحَدِيّةِ، وهذا يَعنِي أنَّ ما يُتَوَهَّمُ مِن كَمالاتٍ خوابَه تلك الدّائِرةِ لَيسَت كَمالاتٍ قَطْعًا.
فافْهَمْ مِن هذا: استِنادَ حَقائِقِ الأَشياءِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى، بلِ الحَقائِقُ الحَقِيقيإيّاه َّما هي تَجَلِّياتُ تلك الأَسماءِ؛ وأنَّ كلَّ شَيءٍ بجِهاتٍ كَثيرةٍ وبأَلسِنةٍ كَثيرةٍ يَذكُرُ صانِعَه ويُسَبِّحُه ويُقَدِّسُه؛ وافْهَمْ مِن هذا مَعنًى واحِدًا مِن مَعاني الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ مَوتِه يُسَبِّحُ بِحَمْدِه؛ وقُلْ: سُبحانَ مَنِ اختَفَى بشِدّةِ ظُهُورِه! وافْهَمْ سِرًّا مِن أَسرارِ خَواتِيمِ الآياتِ وحِكْمةَ تَكرارِ أَمثالِ: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَهُوَهِ وَحزِيزُ الْحَكِيمُ.
فإن لم تَستَطِعْ أن تَقرَأَ في زَهرةٍ واحِدةٍ الأَسماءَ الحُسنَى، وتَعجِزُ عن رُؤيَتِها بوُضُوحٍ، فانظُر إلى الجَنٍّ مُجمأَمَّل في الرَّبيعِ وشَاهِدْ سَطْحَ الأَرضِ، عِندَ ذلك يُمكِنُك أن تَقرَأَ بوُضُوحٍ الأَسماءَ المَكتُوبةَ على الجَنّةِ وعلى الرَّبيعِ وعلى سَطْحِ الأَرضِ، الَّتي هي أَزاهِيرُ كَبِيرةً جِدًّا لِرَحمةِ اللهِ الواسِعةِ.
— 811 —
المبمة التاني
من المَوقِف الثالث من "الكلمة الثَّانية والثَّلاثين"
إنَّ مُمَثِّلَ أَهلِ الضَّلالةِ والدّاعِيةَ لها، إذ لم يَجِدْ ما يَبنِي علَيه ضَلالَتَه، وعِندَما تَفُوتُه البَيِّنةُ وتَلزَمُه الحُجّةُ تلك " إنِّي أَرَى أنَّ سَعادةَ الدُّنيا، والتَّمَتُّعَ بلَذّةِ الحَياةِ، والرُّقيَّ والحَضارةَ، والتَّقدُّمَ الصِّناعِيَّ هي في عَدَمِ تَذَكُّرِ الآخِرةِ وفي عَدَمِ الإيمانِ باللهِ وفي حُبِّ فائِدةيا وفي التَّحَرُّرِ مِنَ القُيُودِ وفي الِاعتِدادِ بالنَّفسِ والإعجابِ بها.. لِذا سُقْتُ أَكثَرَ النّاسِ ولا زِلتُ أَسُوقُهم یی بهِمّةِ الشَّيطانِ یی إلى هذا الطَّرِيقِ.
الجَوابُ:ونحنُ ب مُتَنا نقُولُ یی باسمِ القُرآنِ الكَرِيمِ یی: أيُّها الإنسانُ البائِسُ، عُدْ إلى رُشْدِك، لا تُصْغِ إلى داعِيةِ أَهلِ الضَّلالةِ؛ ولَئِن أَلقَيتَ ال ونُورَ إلَيه لَيَكُونَنَّ خُسْرانُك مِنَ الفَداحةِ ما يَقشَعِرُّ مِن هَوْلِ تَصَوُّرِه الرُّوحُ والعَقلُ والقَلبُ. فأَمامَك طَرِيقانِ:
الأَوَّلُ:هو طَرِيقٌ ذُو شَاءُ صاُرِيك إيَّاه داعِيةُ الضَّلالةِ.
الثّاني:هو الطَّرِيقُ ذُو السَّعادةِ الَّذي يُبيِّنُه لك القُرآنُ الحَكِيمُ.
ولقد رَأَيتَ كَثِيرًا مِنَ المُوازَناتِ بينَ ذَينِك الطَّرِيقَينِ في كَثيرٍ مِنَ "الكَلِما اللهَلا سِيَّما في "الكَلِماتِ الصَّغِيرةِ"، والآنَ انسِجامًا معَ البَحثِ تَأَمَّلْ في واحِدةٍ مِن أَلفٍ مِنَ المُقارَناتِ والمُوازَناتِ وتَدَبَّرْها، وهي:
إنَّ طَدَّى االشِّركِ والضَّلالةِ والسَّفاهةِ والفُسُوقِ يَهوِي بالإنسانِ إلى مُنتَهَى السُّقُوطِ وإلى أَسفَلِ سافِلِينَ، ويُلقِي على كاهِلِه الضَّعِيفِ العاجِزِ في غَمْرةِ آلامٍ غيرِ مَحدُودةٍ عِبْئًا ثَقِيلًا لا نِهايةَ لِثِقَلِه، ذلك لأنَّ الإن ٭
ن لم يَعرِفِ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى وإن لم يَتَوكَّلْ علَيه، يكُونُ بمَثابةِ حَيَوانٍ فانٍ، يَتَألَّمُ دَوْمًا ويَحْزَنُ باستِمرارٍ، ويَتَقلَّبُ في عَجْزٍ وضَعْفٍ لا نِهايةَ فهو بِويَتَلوَّى في حاجةٍ وفَقْرٍ لا نِهايةَ لَهما، ويَتَعرَّضُ لِمَصائِبَ لا حَدَّ لها، ويَتَجرَّعُ آلامَ الفِراقِ مِنَ الَّتي استَهْواها ونَسَجَ بينَه وبَينلِ واليُوطَ العَلاقاتِ،
— 812 —
فيُقاسِي یی وما زال يُقاسِي یی حتَّى يُغادِرَ ما بَقِيَ مِن أَحِبّائِه نِهايةَ المَطافِ ويُفارِقُهم جَزِعًا وَحِيدًا غَرِيبًا إلى ظُلُماتِ القَبْرِ.
وسَيَجِدُ ِ النّ طَوالَ حَياتِه أَمامَ آلامٍ وآمالٍ لا نِهايةَ لَهُما، معَ أنَّه لا يَملِكُ سِوَى إرادةٍ جُزئيّةٍ، وقُدرةٍ مَحدُودةٍ، وحَياةٍ قَصِيرةٍ، وعُمُرٍ زائِلٍ، وفِكْرٍ آفِلٍ.. فتَذهَبُ جُهُودُه في تَطمِينِها سُدا.. فلَسعَى هَباءً وَراءَ رَغَباتِه الَّتي لا تُحَدُّ. وهكذا تَمضِي حَياتُه دُونَ أن يَجنِيَ ثَمَرًا. وبَينَما تَجِدُه عاجِزًا عن حَمْلِ أَعباءِ نَفسِه، تَراه يُحَمِّلُ عاتِقَه وهامَتَه المِسكِينةَ أَعباءَ الدُّنيا الضَّخمةِِدُ تََعذَّبُ بعَذابٍ مُحرِقٍ أَليمٍ قبلَ الوُصُولِ إلى عَذابِ الجَحِيمِ.
إنَّ أَهلَ الضَّلالةِ لا يَشعُرُون بهذا الأَلَمِ المَرِيرِ والعَذابِ الرُّوحِيِّ الرَّهِيبِ، إذ يُلقُون أَنفُسَهم في أَحضانِ الغهِيِّ، ليُبطِلُوا شُعُورَهم ويُخَدِّرُوا إحساسَهم مُؤَقَّیتًا بسُكْرِها.. ولكن ما إن يَدنُو أَحَدُهم مِن شَفِيرِ القَبْرِ حتَّى يُرهَفَ إحساسُه ويُضاعَفَ شُعُورُه بهذه الآلامِ دُفعةً واحِدةً، ذلك لأنَّه إن لم يكُن عَبدًا خالِصًا للهِ تَعالَى فسيَظُون حَنَّه مالِكُ نَفسِه، معَ أنَّه عاجِزٌ بإرادَتِه الجُزئيّةِ وقُدرَتِه الضَّئِيلةِ حتَّى عن إدارةِ كِيانِه وَحْدَه أَمامَ أَحوالِ هذه الدُّنيا العاصِانٍ وتذ يَرَى عالَمًا مِنَ الأَعداءِ يُحِيطُ به ابتِداءً مِن أَدَقِّ المَيكرُوباتِ وانتِهاءً بالزَّلازِلِ المُدَمِّرةِ، على أَتَمِّ استِعدادٍ للِانقِضاضِ علَيه والإجهازِ على حَياتِه، فتَرتَعِدُ فَرائصُه ويَرتَجِفُ يلةِ، رُعبًا وهَلَعًا كلَّما تَخَيَّل القَبْرَ ونَظَر إلَيه.
وبَينَما يُقاسِي هذا الإنسانُ ما يُقاسِي مِن وَضْعِه إذا بأَحوالِ الدُّنيا الَّتي يَتَع بنَفسبها تُرهِقُه دَوْمًا، وإذا بأَوضاعِ بَنِي الإنسانِ الَّذي يَرتَبِطُ بهم تُنهِكُه باستِمرارٍ، ذلك لِظَنِّه أنَّ هذه الأَحداثَ والوَقائِعَ ناشِئةٌ على اَعِبِ الطَّبِيعةِ وعَبَثِ المُصادَفةِ، ولَيسَت مِن تَصَرُّفِ واحِدٍ أَحَدٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، ولا مِن تَقدِيرِ قادِرٍ رَحِيمٍ كَرِيمٍ، فيُعاني معَ آلامِه هو آلامَ النَّاسِ كذلك، فتُصبِحُ الزَّلازِلُ والطّاعُونُ والطُّوفانُ والقَ تَنطَالغَلاءُ والفَناءُ والزَّوالُ وما شابَهَها مَصائِبَ قاتِمةً وبَلايا مُزعِجةً مُعَذِّبةً!
فهذا الإنسانُ الَّذي اختارَ بنَفسِه هذا الوَضْعَ المُفجِعَ، لا يُثيرُ إشفاقًا مِن ت ولا رِثاءً على حالِه.. مثَلُه في هذا كمَثَلِ الَّذي ذُكِرَ في المُوازَنةِ بينَ الشَّقِيقَينِ في "الكَلِمةِ الثّامِنةِ" مِن أنَّ رَجُلًا لم يَقْنَعْ بِلَذّةٍ بَرِيئةٍ ونَشْوةٍ نَزِيهةٍ وتَسْلِيةٍ حُلْوةٍ ونُزهةٍ شَرِيفةٍ
— 813 —
مَشرُوعةٍ، بينوعةٌ، بّةٍ لُطَفاءَ في رَوْضةٍ فَيْحاءَ وَسَطَ ضِيافةٍ كَرِيمةٍ، فراحَ يَتَعاطَى الخَمْرَ النَّجِسةَ لِيَكسِبَ لَذّةً غيرَ مَشرُوعةٍ، فسَكِرَ حتَّى بَدَأ يُخيَّلُ إلَيه أنَّه في مَكانٍ قَذِرٍ، وبينَ ضَوارٍ مُفتَرَِحَثُوُصِيبُه الرَّعشةُ كأنَّه في شِتاءٍ، وبَدَأ يَستَصرِخُ ويَستَنجِدُ فلم يَستَحِقَّ أن يُشفِقَ علَيه أَحَدٌ، لأنَّه تَصَوَّر أَصدِقاءَه الطَّیيِّبِين حَيَواناتٍ شَرِسةً، فحَقَّرَهم وأَهانَهم.. وتَوَهَّم الأَطعِمةَ اللّعنِ اضَ والأَوانِيَ النَّظِيفةَ الَّتي في صالةِ الضِّيافةِ أَحجارًا مُلَوَّثةً، فباشَرَ بتَحطِيمِها.. وظَنَّ الكُتُبَ القَيِّمةَ والرَّسائِلَ النَّفِيسةَ في المَجلِسِ نُقُوشًا عادِيّةً وزَخارِفَ لا مَعنَىسِيّةِوشَرَع بتَمزِيقِها ورَمْيِها تحتَ الأَقدامِ.. وهكذا.
فكَما لا يكُونُ هذا الشَّخصُ وأَمثالُه أَهلًا للرَّحمةِ ولا يَستَحِقُّ الرَّأفةَ، بِ الكَُوجِبُ التَّأدِيبَ والتَّأنِيبَ، كذلك الحالُ معَ مَن يَتَوهَّمُ بسُكْرِ الكُفرِ وجُنُونِ الضَّلالةِ النّاشِئَينِ مِن سُوءِ اختِيارِه أنَّ الدُّنيا الَّتي هي مَضِيفُ الصّانّادسة:حَكِيمِ لُعبةُ المُصادَفةِ العَمْياءِ، وأُلعُوبةُ الطَّبِيعةِ الصَّمّاءِ.. ويَتَصوَّرُ تَجدِيدَ المَصنُوعاتِ لِتَجلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى وعُبُورَها إلى عالَمِ الغَيبِ معَ تَيّاردَّ لَِمنِ، بعدَ أن أَنهَتْ مَهامَّها واستَنفَدَت أَغراضَها، كأنَّها تَصُبُّ في بَحرِ العَدَمِ ووادِي الِانعِدامِ وتَغِيبُ في شَواطِئِ الفَناءِ.. ويَتَخيَّلُ أَصواتَ التَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ فال تَملَأُ الأَكوانَ والعَوالِمَ أَنينًا ونُواحًا يُطلِقُه الزّائِلُون الفانُون في فِراقِهِمُ الأَبَدِيِّ.. ويَحسَبُ صَحائِفَ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي رَسائِلُ صَمَدانيّةٌ رائِعةٌ خَلِيطًا لا مَعنَى له ولا مَكارِ و ويَخالُ بابَ القَبْرِ الَّذي يَفتَحُ الطَّرِيقَ إلى عالَمِ الرَّحمةِ الفَسِيحِ نَفَقًا يُؤَدِّي إلى ظُلُماتِ العَدَمِ.. ويَتَصوَّرُ الأَجَلَ الَّذي هو دَعوةُ ی لاقتلِ واللِّقاءِ بالأَحبابِ الحَقِيقيِّين أَوانَ فِراقِ الأَحِبّةِ جَميعِهم!.
نعم، إنَّ الَّذي يَعِيشُ في دَوّامةِ هذه التَّصَوُّراتِ والأَوهامِ يُلقِي نَفسَه في أَتُووالمُشابٍ دُنيَوِيٍّ أَليمٍ، ففَضْلًا عن أنَّه لا يكُونُ أَهلًا لِرَحمةٍ ولا لِرَأفةٍ، يَستَحِقُّ عَذابًا شَدِيدًا، لِتَحقِيرِه المَوجُوداتِ، باتِّهامِها بالًا الصّةِ، وتَزيِيفِه الأَسماءَ الحُسنَى، بإنكارِ تَجَلِّياتِها، وإنكارِه الرَّسائلَ الرَّبّانيّةَ برَدِّه شَهاداتِها على الوَحْدانيّةِ.
فيا أيُّها الضّالُّون السُّفَهاءُ، ويا أيلفَواكلتُّعَساءُ الأَشقِياءُ، تُرَى هل يُجدِي أَعظَمُ عُلُومِكُم، وأَعلَى صُرُوحِ حَضارَتِكُم وأَرقَى مَراتِبِ نُبُوغِكُم وأَنفَذُ خُطَطِ دَهائِكُم شَيْئًا
— 814 —
أَمامَ هذا السُّقُوطِ المُخِيفِ المُرِيعِ للإنسانِ؟ َغزَى ستَطِيعُ الصُّمُودَ حِيالَ هذا اليَأْسِ المُدَمِّرِ للرُّوحِ البَشَرِيّةِ التَّوّاقةِ إلى السُّلوانِ؟ وهل يَقدِرُ ما تُطلِقُون مِن "طَبِيعةٍ" لكم، وما تُسنِدُون إلَيه الآثارَ الإلٰهِيّةَ مِن "أَسبها؛ فقِندَكم، وما تَنسُبُون إلَيه الإحساناتِ الرَّبّانيّةَ مِن "شَرِيكٍ" لَدَيكُم، وما تَتَباهَوْن به مِن "كُشُوفاتِكُم"، وما تَعتَزُّون به مِن "قَومِكُم"، وما تَعبُدُون مِن "مَعبُودِكُمُ" الباطِلِ.. هل يَستَطِيعُ كلُّ أُولَئِك إنقاذَكم مِبكُلِّماتِ المَوتِ الَّذي هو إعدامٌ أَبدِيٌّ لَدَيكُم؟ وهل يَستَطِيعُ كلُّ أُولَئك إمرارَكم مِن حُدُودِ القَبْرِ بسَلامةٍ، ومِن تُخُومِ البَرزَخِ بأَمانٍ، ومِن مَيدانِ الحَشرِ باطمِئْنانٍ، ويَتَمكَّنُ مِن أن يُعِينَكُماقَ الُبُورِ جِسرِ الصِّراطِ تَحتَ حُكْمِه، ويَجعَلَكم أَهلًا للسَّعادةِ الأَبدِيّةِ والحَياةِ الخالِدةِ؟
إنَّكم لا مَحالةَ ماضُونَ في هذا الطّ ما يَ، إذ ليس بمَقدُورِكُم أن تُوصِدُوا بابَ القَبْرِ دُونَ أَحَدٍ. فأَنتُم مُسافِرُو هذا الطَّرِيقِ لا مَناصَ؛ ولا بُدَّ لِمَن يَمضِي في هذا الطَّرِيقِ مِن أن يَستَنِدَ ويَتَّیكِلَ على مَجَمِيعِلمٌ مُحِيطٌ شامِلٌ بكُلِّ دُرُوبِه وشِعابِه وحُدُودِه الشّاسِعةِ، بل تكُونُ جَمِيعُ تلك الدَّوائِرِ العَظِيمةِ تحتَ تَصَرُّفِه وضِمنَ أَمرِه وحُكْمِه.
فيا أيُّها الضّالُّون الغافِلُون، إنَّ ما أُودِعَ في فن له ضِكُم مِنِ استِعدادِ المَحَبّةِ والمَعرِفةِ، ومِن وَسائِطِ الشُّكْرِ ووَسائِلِ العِبادةِ الَّتي يَلزَمُ أن تُبذَلَ إلى ذاتِ اللهِ تَبارَك وتَعالَى، ويَنبَغي أن تَتَوجَّه إلى صِفاتِه الجَلِيلةِ وأَسمائِه الحُسنَى،عالَمِذَلتُمُوها یی بَذْلًا غيرَ مَشرُوعٍ یی لِأَنفُسِكُم وللدُّنيا، فتُعانُون مُستَحِقِّين عِقابَها، وذلك بسِرِّ القاعِدةِ: "إنَّ نَتِيجةَ مَحَبّةٍ غيرِ مَشرُوعةٍ مُقاساةُ عَذابٍ أَليمٍ بلا رَحمةٍ"، لأنَّیكم وَهَبتُم لِأَنفُسِكُمُ رَمَضابّةَ الَّتي تَخُصُّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى، فتُعانُون مِن مَحبُوبَتِكُم بَلايا لا تُحَدُّ، إذ لم تَمنَحُوها راحَتَها الحَقِيقةَ.. وكذا لا تُسلِّمُون أَمرَها بالتَّوَكُّلِ إلى المَحبُوبِ الحَقِّ وهو اللهُ القَدِيرُ المُطلَقُ،فُّ إلسُون الأَلَمَ دائِمًا.. وكذا فقد أَوْلَيتُمُ الدُّنيا المَحَبّةَ الَّتي تَعُودُ إلى أَسماءِ اللهِ الحُسنَى وصِفاتِه الجَلِيلةِ المُقدَّسةِ، ووَزَّعتُم آثارَ صَنْعَتِه ُّورِ يعةِ وقَسَّمتُمُوها بينَ الأَسبابِ المادِّيّةِ، فتَذُوقُون وَبالَ عَمَلِكُم، لأنَّ قِسْمًا مِن أَحِبّائِكُمُ الكَثِيرين يُغادِرُونَكم مُدْبِرِين دُونَ تَودِيعٍ،ةٍ سانم مَن لا يَعرِفُونكم أَصْلًا، وحتَّى إذا عَرَفُوكم لا يُحِبُّونَكم، وحتَّى إذا أَحَبُّوكم لا يَنفَعُونكم، فتَظَلُّون في عَذابٍ مُقِيمٍ مِن أَعْذِبةِ فِراقٍ يَدُلَّ له ومِن آلامِ زَوالٍ يائِسٍ مِنَ العَوْدةِ.
— 815 —
فهذه هي حَقِيقةُ ما يَدَّعِيه أَهلُ الضَّلالةِ، وماهِيّةُ ما يَدْعُون إلَيه مِن "سَعادةِ الحَياةِ" و"كَمالِ الإنسانِ" و"مَحاسِنِ الحَضارةِ هذا اذّةِ التَّحَرُّرِ"!!
ألا ما أَكثَفَ حِجابَ السَّفاهةِ والسُّكْرِ الَّذي يُخَدِّرُ الشُّعُورَ والإحساسَ!
ألا قُلْ: تَبًّا لِعَقلِ أُولَئِك الضّالِّين!.
أمّا الصِّراطُ المُستَقِيمُ أوِ الجا يكُونلمُنَوَّرةُ للقُرآنِ الكَرِيمِ، فإنَّه يُداوِي جَمِيعَ تلك الجُرُوحِ الَّتي يُعاني مِنها أَهلُ الضَّلالةِ ويُضَمِّدُها بالحَقائِقِ الإيمانيّةِ، ويُبَدِّدُ كلَّ تلك الظُّلُماتِ السّابِقةِ في ذلك الَّ فيهقِ، ويَسُدُّ جَمِيعَ أَبوابِ الضَّلالةِ والهَلاكِ، بالآتي:
إنَّه يُداوِي ضَعْفَ الإنسانِ، وعَجْزَه، وفَقْرَه، واحتِياجَه بالتَّوَكُّلِ على القَدِيرِ الرَّحِيمِ، مُسَلِّمًَى أَيالَ الحَياةِ وأَعباءَ الوُجُودِ إلى قُدْرَتِه سُبحانَه وإلى رَحْمَتِه الواسِعةِ دُونَ أن يُحَمِّلَها على كاهِلِ الإنسانِ؛ بل يَجعَلُه مالِكًا لِزِمامِ نَفسِه وحَياتِه، واجِدًا له بذلك مَقامًا مُرِيبٌّ لِيُعرِّفُه بأنَّه ليس بحَيَوانٍ ناطِقٍ، بل هو إنسانٌ بحَقٍّ وضَيفٌ عَزِيزٌ مُكَرَّمٌ عِندَ المَلِكِ الرَّحمٰنِ.
ويُداوِي أَيضًا تلك الجُرُوحَ الإنسانيّةَ النّاشِئةَ مِن فَناءِ الدُّنيا وزَوالِ الأَشآياتُ ومِن حُبِّ الفانياتِ، يُداوِيها بِلُطْفٍ وحَنانٍ بإظهارِه الدُّنيا دارَ ضِيافةِ الرَّحمٰنِ ومُبيِّنًا أنَّ ما فيها مِنَ المَوجُوداتِ هي مَرايا الأَسماءِ العَجْزى، ومُوضِحًا أنَّ مَصنُوعاتِها رَسائلُ رَبّانيّةٌ تَتَجدَّدُ كلَّ حِينٍ بإذنِ رَبِّها، فيُنقِذُ الإنسانَ مِن قَبْضةِ ظُلُماتِ الأَوهامِ.
ويُداوِي أيضًا تلك الجُرُوحَ الَّتي يَتْرُكُها المَوُوحٍ وَّذي يَتَلقّاه أَهلُ الضَّلالةِ فِراقًا أَبدِيًّا عنِ الأَحِبّةِ جَمِيعًا، ببَيانِه أنَّ المَوتَ مُقدِّمةُ الوِصالِ واللِّقاءِ معَ الأَحِبّاءِ الَّذين رَحَلُوا إلى عالَمِ البَرزَخِ والَّذين همُ الآنَ في عّاسِعةالبَقاءِ، ويُثبِتُ أنَّ ذلك الفِراقَ هو عَينُ اللِّقاءِ.
ويُزِيلُ كذلك أَعظَمَ خَوْفٍ للإنسانِ بإثباتِه أنَّ القَبْرَ بابٌ مَفتُوحٌ إلى عالَمِ الرَّحمةِ الواسِعةِ، وإلى دارِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، وإلى رِياضِ الجِنانِ، بَّه، ِلادِ النُّورِ للرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، مُبيِّنًا أنَّ سِياحةَ البَرزَخِ الَّتي هي أَشَدُّ أَلَمًا وأَشقَى سِياحةً عِندَ أَهلِ الضَّلالةِ،
— 816 —
هي أَمتَعُ سِياحةٍ وآنَسُها وأَسَرُّها، إذ ليس القَبْرُ فَمَ ثُعبانٍ مُرعِبٍ، یی حا بابٌ إلى رَوْضةٍ مِن رِياضِ الجَنّةِ.
ويقُولُ للمُؤمِنِ: إن كانَت إرادَتُك واختِيارُك جُزئيّةً، ففَوِّضْ أَمرَك لإرادةِ مَوْلاك الكُلِّيّة.. وإن كان اقتِدارُك ضَعِيفًا فاعتَمِدْ على قُدة یی ثقادِرِ المُطلَقِ.. وإن كانَت حَياتُك فانِيةً وقَصِيرةً ففَكِّرْ بالحَياةِ الباقيةِ الأَبدِيّةِ.. وإن كان عُمُرُك قَصِيرًا فلا تَحْزَنْ فإنَّ لك عُمُرًا مَديُورِث.
وإن كان فِكْرُك خافِتًا فادْخُلْ تحتَ نُورِ شَمسِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وانظُرْ بنُورِ الإيمانِ كي تَمنَحَك كلُّ آيةٍ مِنَ الآياتِ القُرآنيّةِ نُورًا كالنُّجُومِ المُقْلٍ وِئةِ السّاطِعةِ بَدَلًا مِن ضَوءِ فِكْرِك الباهِتِ.. وإن كانَت لك آمالٌ وآلامٌ غيرُ مَحدُودةٍ فإنَّ ثَوابًا لا نِهايةَ له ورَحمةً لا حَدَّ لها يَنتَظِرانِك.. وإن كانَت لك غاياتٌ ومَقاصِدُ لا تُحَدُّ، فلا تَقلَقْ مُتَفكِّرًاَكرَمِفهذه الدُّنيا لا تَسَعُها، بل مَواضِعُها دِيارٌ أُخرَى، ومانِحُها جَوادٌ كَرِيمٌ واسِعُ العَطاءِ.
ويُخاطِبُ الإنسانَ أيضًا ويقُولُ: أيُّها الإنسانُ، أنت لَستَ مالِكًا لِنَفسِك.. بٌ ومُبمَملُوكٌ للقادِرِ المُطلَقِ القُدرةِ، والرَّحِيمِ المُطلَقِ الرَّحمةِ، فلا تُرْهِقْ نَفسَك بتَحمِيلِها مَشَقّةَ حَياتِك، فإنَّ الَّذي وَهَب الحَياةَ هو الَّذي يُدِيرُها.
ثمَّ إنَّ الدُّنيا لَيسَت سائِبةً دُونيُشبِهك حتَّى تَقلَقَ علَيها وتُكَلِّفَ نَفسَك حَمْلَ أَعبائِها وتُرهِقَ فِكْرَك في أَهوالِها، ذلك لأنَّ مالِكَها حَكِيمٌ ومَولاها عَلِيمٌ، وأنت لَستَ إلّا ضَيْفًا لَدَيه، فلا تَتَدخَّلْ بفُضُولٍ في الأُمُورِ، ولا تَخْلِطْها مِن غيرِ فَهْمٍ.
هم يَجَ إنَّ الإنسانَ والحَيَوانَ لَيسُوا مَوجُوداتٍ مُهمَلةً، بل مُوَظَّفُون مَأْمُورُون تحتَ هَيْمَنةِ حَكِيمٍ رَحِيمٍ وتحتَ إشرافِه؛ فلا تُجَرِّعْ رُوحَك لهُ عنا بالتَّفَكُّرِ في مَشاقِّ أُولَئِك وآلامِهم، ولا تُقَدِّمْ رَأْفَتَك علَيهِم بينَ يَدَيْ رَحمةِ خالِقِهِمُ الرَّحِيمِ.
ثمَّ إنَّ زِمامَ أُولَئِك الَّذين اتَّخَذُوا طَوْرَ العَداءِ مَهما ظتِداءً مِنَ المَيكرُوباتِ إلى الطّاعُونِ والطُّوفانِ والقَحْطِ والزَّلازِلِ، بل زِمامَ كلِّ شَيءٍ بِيَدِ ذلك الرَّحيمِ الكَرِيمِ سُبحانَه، فهو حَكِيمٌ لا يَصدُرُ مِنه عَبَثٌ، وهوجَدُ مٌ واسِعُ الرَّحمةِ، فكُلُّ ما يَعمَلُه فيه أَثَرٌ مِن لُطْفٍ ورَأفةٍ.
— 817 —
ويقُولُ أيضًا: إنَّ هذا العالَمَ معَ أنَّه فانٍ فإنَّه يُهيِّئُ لَوازِمَ العالَمِ الأَبدِيِّ.. ومعَ أنَّه زائِلٌ ومُؤَقَّتٌ إلّا أنَّه يُؤْتي ثَمَراتٍ باقيةيُستَدظهِرُ تَجَلِّياتٍ رائِعةً مِن تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى الخالِدةِ.. ومعَ أنَّ لَذائِذَه قَليلةٌ وآلامَه كَثِيرةٌ، إلّا أنَّ تَوَجُّهَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ وتَكَرُّمَه وتَفََرِيفِ هي بذاتِها لَذّاتٌ حَقِيقيّةٌ لا تَزُولُ، أمّا الآلامُ فهي الأُخرَى تُوَلِّدُ لَذّاتٍ مَعنَوِيّةً مِن جِهةِ الثَّوابِ الأُخرَوِيِّ؛ فما دامَتِ الدّائِرةُ الفِرُ معةُ كافيةً لِيَأخُذَ كلٌّ مِنَ الرُّوحِ والقَلبِ والنَّفسِ لَذّاتِها ونَشَواتِها جَمِيعًا، فلا داعِيَ إذًا أن تَلِجَ في الدّائِرةِ غيرِ المَشُروعةِ، لأنَّ لَذّةً واحِدةً مِن هذه الدّائِرةِ قد يكُونُ لها أَلفُ أَلَمٍ وأَلَمٍ، فَضْلًا عن أنَّا ذا اَبُ الحِرمانِ مِن لَذّةِ تَكرِيمِ الرَّحمٰنِ الكَرِيمِ، تلك اللَّذّةِ الخالِصةِ الزَّكيّةِ الدّائِمةِ الخالِدةِ.
هكذا تَبيَّن مِمّا سَبَالٌ وعَّ طَرِيقَ الضَّلالةِ يُردِي الإنسانَ إلى أَسفَلِ سافِلِين، إلى حَدٍّ تَعجِزُ أيّةُ مَدَنيّةٍ كانَت وأَيّةُ فَلسَفةٍ كانَت عن إيجادِ حَلٍّ له، بل يَعجِزُ الرُّقيُّ البَشَرِيُّ وما بَلَغَه مِن مَراتِبِ العو مَسلن إخراجِه مِن تلك الظُّلُماتِ السَّحِيقةِ الَّتي في الضَّلالةِ.
بَينَما القُرآنُ الكَرِيمُ يَأْخُذُ بِيَدِ الإنسانِ بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ، يذِ أَعُه مِن أَسفَلِ سافِلِين إلى أَعلَى عِلِّيِّين، ويُبيِّنُ له الدَّلائِلَ القاطِعةَ ويَبسُطُ أَمامَه البَراهِينَ الدّامِغةَ على ذلك، فيَردِمُ تلك الأَغوارَ العَمِيقةَ بمَراتِبِ رُقيٍّ مَعنَوِيٍّ وبأَجهِز وعلى امُلٍ رُوحِيٍّ.. وكذا يُيَسِّرُ له بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ رِحْلتَه الطَّوِيلةَ المُضْنِيةَ العاصِفةَ نحوَ الأَبدِيّةِ، ويُهوِّنُها علَيه؛ وذلك بإبرازِه انيَّتئِطَ والوَسائِلَ الَّتي يُمكِنُ أن يَقطَعَ بها مَسافةَ أَلفِ سَنةٍ، بل خَمسِين أَلفَ سَنةٍ في يَومٍ واحِدٍ.
وكذا يُضفِي على الإنسانِ جِلْبابَ العُبُودِيّةِ ويُكسِبُه طَوْرَ عَبدٍ مَأْمُورٍ، وضَيفٍ مُوَظَّفٍ لَدَى الذّاتِ الِ العَةِ، وذلك بتَعرِيفِه أنَّ اللهَ سُبحانَه هو مالِكُ الأَزَلِ والأَبدِ، فيَضمَنُ له راحةً تامّةً في سِياحَتِه في الدُّنيا المِضيافِ أو في مَنازِلِ البَرزَخِ في دِيارِ الآخِرةِ.. فكما أصل: أنمُوَظَّفَ المُخلِصَ للسُّلطانِ يَتَجوَّلُ بيُسْرِ تامٍّ في دائِرةِ مَمْلَكةِ سُلْطانِه، ويَتَنقَّلُ مِن تُخُومِ وِلاياتِه بوَسائِطَ سَرِيعةٍ كالطّائِرةِ والباخِرةِ والقِطاضُّلَهلك الإنسانُ المُنتَسِبُ بالإيمانِ إلى المالِكِ الأَزَليِّ والمُطِيعُ بالعَمَلِ الصّالِحِ فإنَّه يَمُرُّ مِن مَنازِلِ الدُّنيا المِضْيافِ ومِن دَوائِرِ عالَمَيِ البَرزَخِ والحَشرِ ومِن حُدُودِهما الواسِعةِ الشَّاسِعةِ بسُرعةِ
#8ي: يَنَرقِ والبُراقِ حتَّى يَجِدَ السَّعادةَ الأَبدِيّةَ.. فيُثبِتُ القُرآنُ الكَرِيمُ هذه الحَقائِقَ إثباتًا قاطِعًا ويُبْرِزُها عِيانًا للأَصفِياء والأَولياءِ.
ثمَّ تَستَأنِفُ حَقِيقتُه قائلةً: أيُّها المُؤمِنُ، لا تَبذُلْ ارُ كُلِكُه مِن قابِليّةٍ غيرِ مَحدُودةٍ للمَحَبّةِ إلى نَفسِك الَّتي هي أَمّارةٌ بالسُّوءِ وهي قَبِيحةٌ ناقِصةٌ، وشِرِّيرةٌ مُضِرّةٌ لك، ولا تَتَّخِذْها مَحبُوبَتَك ومَعشُوقَتَك، ولا تَجْعَلْ هَواها مَعبُودَك، بلِ اجعَلْ مَحبُوبَك مَنٍ؛ إذ هلٌ لِمَحَبّةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ.. ذلِكُمُ القادِرَ على الإحسانِ إلَيك إحسانًا لا نِهايةَ له، والقادِرَ على إسعادِك سَعادةً لا مُنتَهَى لها، بل يُسعِدُك كذلك بما يُجزِلُ مِن إحساناتِه على جَمِيعِ مَن تَرتَبِطُ معَهم بعَلاقاتٍ، فهو الّأَحَدي الكَمالُ المُطلَقُ والجَمالُ المُقدَّسُ والمُنزَّهُ عن كلِّ نَقْصٍ وقُصُورٍ وزَوالٍ وفَناءٍ.. فجَمالُه لا حُدُودَ له، وجَمِيعُ أَسمائِه جَمِيلةٌ وحُسنَى.
نعم، إنَّ ِرادَ ِ اسمٍ مِن أَسمائِه أَنوارَ حُسْنٍ وجَمالٍ لا نِهايةَ لها، فالجَنّةُ بجَمِيعِ لَطائِفِها وجَمالِها ونَعِيمِها إنَّما هي تَجَلٍّ لإظهارِ جَمالِ رَحمَتِه ورَحمةِ جَمالِه، وجَمِيعُ الحُسنِ والجَمالِ والمَحاسِ الرَّكَمالاتِ المَحبُوبةِ والمُحَبَّبةِ في الكَونِ كلِّه ما هي إلّا إشارةٌ إلى جَمالِه ودَلالةٌ على كَمالِه سُبحانَه.
ويقولُ أيضًا: أيُّها الإنسانُ، إنَّ يَنابِيعَ المَحَبّةِ المُتَفجِّرةَ في أَعماقِك والمُتَوجِّفيه مِى اللهِ سُبحانَه والمُتَعلِّقةَ بأَسمائِه الحُسنَى والمُوَلَّهةَ بصِفاتِه الجَلِيلةِ، لا تَجْعَلْها مُبتَذَلةً بتَشَبُّثِها بالمَوجُوداتِ الفانيةِ، ولا تُهدِرْها دُونَ فائِدةٍ على المَخلُوقاتِ الزّائِلةِ، ذلك لأنَّ الآثارَ والمَخلُوقاتِ فانَّ سِلبَينَما الأَسماءُ الحُسنَى البادِيةُ تَجَلِّياتُها وجَمالُها على تلك الآثارِ وعلى تلك المَصنُوعاتِ باقيةٌ دائِمةٌ.. ففي كلِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى وفي كلِّ صِفةٍ مِنَ الصِّفاتِ المُقَدَّسةِ آلافٌ مِن مَراتِبِ الإحسانِ وِّكْرِلِ، وآلافٌ مِن طَبَقاتِ الكَمالِ والمَحَبّةِ.
فانظُرْ إلى اسمِ "الرَّحمٰنِ" فحَسْبُ، لِتَرَى أنَّ الجَنّةَ إحدَى تَجَلِّياتِه، والسَّعَبَ سَلأَبدِيّةَ إِحدَى لَمَعاتِه، وجَمِيعَ الأَرزاقِ والنِّعَمِ المَبثُوثةِ في أَرجاءِ الدُّنيا كافّةً إِحدَى قَطَراتِه.
— 819 —
فأَنعِمِ النَّظَرَ وتَدَبَّرْ في الآياتِ الكَرِيمةِ الَّتي تُشِيرُ إلى هذه المُوازَنةِ بينَ مرْقًا،ِ أَهلِ الضَّلالةِ وأَهلِ الإيمانِ مِن حيثُ الحَياةُ ومِن حيثُ الوَظِيفةُ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٭ ثُمَّ رَدَدْنَاهُوِيلةًَلَ سَافِلِينَ ٭ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ والآيةِ الأُخرَى الَّتي تُشِيرُ إلى عُقبَى كلٍّ مِنهُمِخلاصِمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ.. تَأَمَّلْ فيهِما لِتَجِدَ مَدَى سُمُوِّهما وإعجازِهما في بَيانِ ما عَقَدْناه مِنَ المُوازَنةِ والمُقارَنةِ.
أمّا الآياتُ الأُولَى فنُحِيلُ بَيانَ حَقِيقةِ ما تَتَضمَّنُه مِن إعجاا، وفيإيجازٍ إلى "الكَلِمةِ الحادِيةَ عَشْرةَ" الَّتي تُبيِّنُها بَيانًا مُفَصَّلًا؛ وأمّا الآيةُ الثّانيةُ فسنُشِيرُ یی إشارةً فحَسْبُ یی إلى مَدَى إفادَإعجابِن حَقِيقةٍ سامِيةٍ وهي كالآتي:
إنَّها تُخاطِبُ قائِلةً: إنَّ السَّماواتِ والأَرضَ لا تَبكِيانِ على مَوتِ أَهلِ الضَّلالةِ، وتَدُلُّ بالمَفهُومِ المُخالِفِ أنَّ السَّماواتِ والأَرضَ تَبكِيانِ على رَحِيلِ أَهلِ الإيمانِ عنِ الدّ العالأي: لَمّا كان أَهلُ الضَّلالةِ يُنكِرُون وَظائِفَ السَّماواتِ والأَرضِ ويَتَّهِمُونَهما بالعَبَثِيّةِ، ولا يُدرِكُون مَعانِيَ ما يُؤَدِّيانِه مِن مَهامَّ، فيَبخَسِيّةَ،قَّهُما، بل لا يَعرِفُون خالِقَهما ولا دَلالاتَهُما على صانِعِهِما، فيَستَهِينُون بهما، ويَتَّخِذُون مِنهُما مَوْقِفَ العَداءِ والإهانةِ والِاستِخفافالشَّخ بُدَّ ألّا تَكتَفِيَ السَّماواتُ والأَرضُ بعَدَمِ البُكاءِ علَيهِم، بل تَدْعُوانِ علَيهِم بل تَرتاحانِ لِهَلاكِهم.
وتقُولُ كذلك بالمَفهُومِ المُخالِفِ: إنَّ السَّماواتِ والأَرضَ تَبكِيانِ على مَوتِ أَهلِ الإيمانِ، لأنَّهم يَعرِفالوِصاظائِفَهُما، ويَقْدُرُونَهما حَقَّ قَدْرِهما، ويُصَدِّقُون حَقائِقَهُما الحَقّةَ، ويَفهَمُون بالإيمانِ ما تُفِيدانِ مِن مَعانٍ، حيثُ إنَّهم كلَّما تَأمِن باوا فيهما قالُوا بإعجابٍ: "ما أَجمَلَ خَلْقَهما! وما أَحسَنَ ما تُؤدِّيانِ مِن وَظائِفَ!"، فيَمنَحُونَهما ما يَستَحِقّانِ مِنَ القِيمةِ والِاحتِرامِ، حيثُ يَبُثُّون حُبَّهم لَهما بحُبِّهم للهِ، أي: لِأَجلِ الله، باعتِبارِنا ونَرايا عاكِسةً لِتَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى. ولهذا تَهتَزُّ السَّماواتُ وتَحزَنُ الأَرضُ، لِمَوتِ أَهلِ الإيمانِ وكأَنَّهما تَبكِيانِ على زَوالِهم.
— 820 —
سُؤالٌ مُهِمٌّ
تقُولُون:إنَّ المَحَبّةَ لَيسَتِ اختِيارِيّةَ مالِتَقَعُ تحتَ إرادَتِنا، فأنا بمُقتَضَى حاجَتي الفِطْرِيّةِ أُحِبُّ الأَطعِمةَ اللَّذِيذةَ والفَواكِهَ الطَّیيِّبةَ، وأُحِبُّ والِدَيَّ وأَولادِي وزَوجَتي الَّتي هي رَفيقةُ حَياتي، وأُحِبُّ الأَنبِياءَ اانِ؛ فمِين والأَولياءَ الصّالِحِين، وأُحِبُّ شَبابي وحَياتي، وأُحِبُّ الأَصدِقاءَ والأَحبابَ، وأُحِبُّ الرَّبيعَ وكلَّ شَيءٍ جَمِيل، وبعِبارةٍ أَوجَزَ: أنا أصغَرِ الدُّنيا، ولِمَ لا أُحِبُّ كلَّ هذه؟! ولكن كيف أَستَطِيعُ أن أُقَدِّمَ جَمِيعَ هذه الأَنواعِ مِنَ المَحَبّةِ لله، وأَجعَلَ مَحَبَّتي لِأَسمائِه الحُسنَى ولِصِفاتِه الجَلِي ولاِذاتِه المُقَدَّسةِ سُبحانَه؟ ماذا يعني هذا؟
الجَوابُ:علَيك أن تَستَمِعَ إلى النِّیكاتِ الأَربَعِ الآتيةِ:
النُّكتةُ الأُولَى:
إنَّ المَحَبّةَ وإن لم تَكُنِ اختِيارِي في اللّا أنَّها يُمكِنُ أن يُحوَّل وَجْهُها بالإرادةِ مِن مَحبُوبٍ إلى آخَرَ؛ كأن يَظهَرَ قُبحُ المَحبُوبِ وحَقِيقَتُه مَثلًا، أو يُعرَفَ أنَّه حِجابٌ وسِتارٌ لِمَحبُوبٍ حَقيقيٍّ يَستَحِقُّ المَحَبانجِذاو مِرآةٌ عاكِسةٌ لِجَمالِ ذلك المَحبُوبِ الحَقِيقيِّ، فعِندَها يُمكِنُ أن يُصرَف وَجْهُ المَحَبّةِ مِنَ المَحبُوبِ المَجازِيِّ إلى المَحبُوبِ الحَقِيقيِّ.
النُّكتةُ الثانية:
نحنُ لا نقُولُ لك: لا تَحمِلْ وُدًّا ولا حُبًّا لِكُلِّ ما ِي أن تَه آنِفًا. وإنَّما نقُولُ: اجْعَلْ مَحَبَّتَك لِما ذَكَرتَه في سَبِيلِ اللهِ ولِوَجهِه الكَرِيمِ.
فالتَّلذُّذُ بالأَطعِمةِ الشَّهِيّة
مَوُّقُ الفَواكِهِ الطَّيّبِة معَ التَّذكُّرِ بأنَّها إحسانٌ مِنَ اللهِ سُبحانَه وإنعامٌ مِنَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، يعني المَحَبّةَ لِاسمِ "الرَّحمٰنِ" واسمِ "المُنعِمِ" مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، عَلاوةً على أنَّه شُكرٌ مَعنَوِيٌّ. والالَمِ َدُلُّنا على أنَّ هذه المَحَبّةَ لم تكُن للنَّفسِ والهَوَى بل لِاسمِ "الرَّحمٰنِ" هو كَسْبُ الرِّزقِ الحَلالِ معَ القَناعةِ التّامّةِ ضِمنَ الدّائرةِ المَشرُوعةِ، وتَناوُلُه بالتَّفكُّرِ في أَحْسَنِعمةٌ مِنَ اللهِ معَ الشُّكرِ له.
— 821 —
ثمَّ إنَّ مَحَبَّتَك للوالِدَينِ واحتِرامَهُما، إنَّما يَعُودانِ إلى مَحَبَّتِك للهِ سُبحانَه، إذ هو الَّذي غَرَس فيهما الرَّحمةَ والشَّفَقةَ حتَّى قاما برِعايَتِك وتَربِيَتِك بكلِّ رَحمةٍ وحِكمةٍ؛ ناطِقمةُ كَوْنِ مَحَبَّتِهما تلك لِوَجهِ اللهِ تَعالَى، هي المُبالَغةُ في مَحَبَّتِهما واحتِرامِهما عِندَما يَبلُغانِ الكِبَرَ، ولا يَبقَى لك فيهما مِن مَطْمَعٍ، فتُكثِرُ مِنَ الأَشَقةِ علَيهِما والرَّحمةِ لهما رَغْمَ ما يَشغَلانِك بالمَشاكِلِ ويُثقِلانِ كاهِلَك بالمَشَقّةِ. فالآيةُ الكَرِيمةُ: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَريَتَحكدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ٭ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ اِّسالةهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا تَدعُو الأَولادَ إلى رِعايةِ حُقُوقِ الوالِدَينِ في خَمسِ مَراتِبَ، وتُبيِّنُ مَدَى أَهَمِّيّةِ بِرِّهما وشَناعةِ عُقُوقِهما..
وحيثُ إنَّ الوالِدَ لا يَقِقةِ بن يَتَقدَّمَه أَحَدٌ سِوَى وَلَدِه، إذ لا يَحمِلُ في فِطْرَتِه حَسَدًا إلَيه مِمّا يَسُدُّ على الوَلَدِ طَرِيقَ مُطالَبةِ حَقِّه مِنَ الوالِدِ، لأنَّ الخِصامَ إمّا يَنشَأُ مِنَ الحَسَدِ والمُنافَسةِ بينَ اثنَينِ، أو يَنشَأُ مِن غَمْطِ الحمُرشِدفالوالِدُ سَلِيمٌ مُعافًى مِنهُما فِطرةً، لِذا لا يَحِقُّ للوَلَدِ إقامةُ الدَّعوَى على والِدِه، بل حتَّى لو رَأَى مِنه بَغْيًا فلَيس له أن يَعصِيَه ويَعُقَّه؛ بمَعنَى أنَّ مَن يَعُقُّ والِدَهذلك الِيه ما هو إلّا إنسانٌ مَمسُوخٌ حَيَوانًا مُفتَرِسًا.
أمّا مَحَبّةُ الأَولادِ فهي كذلك مَحَبّةٌ للهِ تَعالَى وتَعُودُ إلَيه، وذلك بالقِيامِ برِعايَتِهم بكَمالِ الشَّفَقةِ والُ طَرَِ بكَونِهم هِبةً مِنَ الرَّحِيمِ الكَرِيمِ؛ أمّا العَلامةُ الدّالّةُ على كَونِ تلك المَحَبّةِ للهِ وفي سَبِيلِه فهي الصَّبْرُ معَ الشُّكْرِ عِندَ البَلاءِ، ولا سِيّمِ، يَندَ المَوتِ والتَّرَفُّعِ عنِ اليَأْسِ والقُنُوطِ وهَدْرِ الدُّعاءِ، بل يَجِبُ التَّسلِيمُ بالحَمْدِ عِندَ القَضاءِ. كأن يقُولَ: إنَّ هذا المَخلُوقَ مَحبُوبٌ لَدَى الخالِقِ الكَرِيمِ، باستِوكٌ له، وقد أمَّنَنِي علَيه لِبُرهةٍ مِنَ الزَّمَنِ، فالآنَ اقتَضَت حِكْمَتُه سُبحانَه أن يَأْخُذَه مِنِّي إلى مَكانٍ آمَنَ وأَفضَلَ. فإن تَكُ لي حِصّةٌ واحِدةٌ ظاهِرِيّةٌ فيه، فله سُبحانَتِ الحفُ حِصّةٍ حَقِيقيّةٍ فيه. فلا مَناصَ إذًا مِنَ التَّسلِيمِ لِحُكْمِ اللهِ.
أمّا مَحَبّةُ الأَصدِقاءِ ووُدُّهم، فإن كانُوا مِن أَصحابِ الإيمانِ والتَّقوَى فإنَّ مَحَبَّتَهم هي في سَبِيلِ اللهِ،على الدُ إلَيه سُبحانَه بمُقتَضَى "الحُبِّ في اللهِ".
— 822 —
ثمَّ إنَّ مَحَبّةَ الزَّوجةِ وهي رَفِيقةُ حَياتِك، فعلَيك بمَحَبَّتِها على أنَّها هَدِيّةٌ أَنيسةٌ لَطِيفةٌ مِن هَدايا الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ؛ وإيّاك أن تَربِطَ مَحَبَّتَك لها بالَّتي الجَمالِ الظّاهِرِيِّ السَّرِيعِ الزَّوالِ، بل أَوْثِقْها بالجَمالِ الَّذي لا يَزُولُ ويَزدادُ تأَلُّقًا يَوْمًا بعدَ يَومٍ، وهو جَمالُ الأَخلاقِ والسِّيرةِ الطَّیيِّبةِ المُنغَرِزةِ في أُنُوثَتِها ورِقَّدُونَ وإنَّ أَحلَى ما فيها مِن جَمالٍ وأَسماه هو في شَفَقَتِها الخالِصةِ النُّورانيّةِ، فجَمالُ الشَّفَقةِ هذا، وحُسْنُ السِّيرةِ يَدُومانِ ويَزداداالِقٍ نِهايةِ العُمُرِ، وبِمَحَبَّتِهما تُصانُ حُقُوقُ هذه المَخلُوقةِ اللَّطِيفةِ الضَّعِيفةِ، وإلّا تَفْقِدْ حُقُوقَها في وَقتٍ هي أَحوَجُ ما تكُونُ إلَيها، بزَوالِ الجَمالِ الظّاهِرِيِّ.
أمّا مَحَبّةُ الأَنبِياءِ عَلُون وَلسَّلَام والأَولياءِ الصّالِحِين فهي أَيضًا لِوَجهِ الله وفي سَبِيلِه مِن حيثُ إنَّهم عِبادُ اللهِ المُخلِصُون المَقبُولُون لَدَيه جَلَّ وعَلا، فمِن هذه اّا أَنيةِ تُصبِحُ تلك المَحَبّةُ لله.
والحَياةُ أَيضًا الَّتي وَهَبَها اللهُ سُبحانَه وتَعالَى لك وللإنسانِ، هي رَأسُ مالٍ عَظِيمٌ تَستَطِيعُ أن تَكسِبَ به الحَياةَ الأُخرَوِيّةَ الباقيةَ؛ وهي نيةِ.عَظِيمٌ يَحوِي أَجهِزةً وكَمالاتٍ خالِدةً.. مِن هنا فالمُحافَظةُ علَيها ومَحَبَّتُها مِن هذه الزّاوِيةِ، وتَسخِيرُها في سَبِيلِ المَولَى عزَّ وجَلَّ تعُودُ إلى اللهِسدِلُ نَه أَيضًا.
ثمَّ إنَّ مَحَبّةَ الشَّبابِ وجَمالِه ولَطافَتِه، وتَقدِيرَه مِن حيثُ إنَّه نِعمةٌ رَبّانيّةٌ جَمِيلةٌ، ثمَّ العَمَلَ على حُسْنِ استِخدامِه، هي مَحَبّةٌ مَشرُُوفُ ابل مَشكُورةٌ.
ثمَّ مَحَبّةُ الرَّبيعِ والشَّوقُ إلَيه تكُونُ في سَبِيلِ اللهِ ومُتَوجِّهةً إلى أَسمائِه الحُسنَى، مِن حيثُ كَونُه أَجمَلَ صَحِيفةٍ لِظُهُورِ نُقُوشِ الأَسماءِ الحُسنَى النُّورانيّةِ، وأَعظَمَ مَعرِضٍ لِعَرْضِ دَقائِقِ الصٍَّ، بَعلرَّبّانيّةِ البَدِيعةِ.. فالتَّفكُّرُ في الرَّبيعِ مِن هذه الزّاوِيةِ مَحَبّةٌ مُتَوجِّهةٌ إلى الأَسماءِ الحُسنَى.
وحتَّى حُبُّ الدُّنيا والشَّغَفُ بها يَنقَلِبُ إلى مَحَبّةٍ لِوَجهِ اللهِ تَعالَى فيما إذا كان النَّظَرُ إلَيها مِن زاي في اكَوْنِها مَزرَعةَ الآخِرةِ، ومِرآةَ الأَسماءِ الحُسنَى، ورَسائِلَ رَبّانيّةً إلى الوُجُودِ، ودارَ ضِيافةٍ مُؤَقَّتةٍ یی وعلى شَرطِ عَدَمِ تَدَخُّلِ النَّفسِ الأَمّارِ الأَتلك المَحَبّةِ یی.
— 823 —
ومُجمَلُ القَولِ:اجْعَلْ حُبَّك للدُّنيا وما فيها مِن مَخلُوقاتٍ بالمَعنَى "الحَرفِيِّ" وليس بالمَعنَى "الِاسمِيِّ" أي: لِمَعنَى ما فيها وليس لِذاتِها. ولا تَقُلْ لِشَيعَبَثيا أَجمَلَ هذا!" بل قُلْ: "ما أَجمَلَه خَلْقًا!" أو "ما أَجمَلَ خَلْقَه!"، وإيّاك أن تَتْرُكَ ثَغرةً يَدخُلُ مِنها حُبٌّ لِغَيرِ اللهِ في باَقْصِ،َلبِك، فإنَّ باطِنَه مِرآةُ الصَّمَدِ، وخاصٌّ به سُبحانَه وتَعالَى. وقُلْ: اللَّهُمَّ ارزُقْنا حُبَّك وحُبَّ ما يُقَرِّبُنا إلَيك.
وهكذا، فإنَّ جَمِيعَ جلِ الَرناه مِن أَنواعِ المَحَبّةِ، إن وُجِّهَتِ الوِجْهةَ الصّائبةَ على الصُّورةِ المَذكُورةِ آنِفًا، أي: عِندَما تكُونُ لله وفي سَبِيلِه، فإنَّها تُورِثُ لَذّةً حَقِيقيّةً بلا أَلَمٍ، وتكُونُ وِصالًا حَقًّا بلا زَوال
#100تَزِيدُ مَحَبّةَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، فَضْلًا عن أنَّها مَحَبّةٌ مَشرُوعةٌ وشُكْرٌ للهِ في اللَّذّةِ نَفسِها، وفِكْرٌ في آلائِه في المَحَبّةِ عَينِها.
مِثالٌ للتَّوضِيحِ:إذا أَهدَى إلَيك هذا فإٌ عَظِيمٌ (حاشية): لقد وَقَعَت هذه الحادثةُ فِعلًا فيما مضَى، عندَما دَخَل رئيسَا عشيرتَينِ إلى سُلطانٍ عظيمٍ وقاما بمِثلِ ما ذُكِرَ أَعلاه. تُفّاحةً مَثلًا، فإنَّك ستُكِنُّ لها نَوعَينِ مِنَ المَحَبّةِ، وستَلْتَذُّ بها بشَكْلَينِ مِقارَنةَّذّةِ:
الأُولَى:المَحَبّةُ الَّتي تعُودُ إلى التُّفّاحةِ، مِن حيثُ إنَّها فاكِهةٌ طَيِّبةٌ فيها لَذّةٌ بقَدْرِ ما فيها مِن خَصائِصَ، هذه المَح الذَّلا تعُودُ إلى السُّلطانِ، بل مَن يَأكُلُها بشَراهةٍ أَمامَه يُبدِي مَحَبَّتَه للتُّفّاحةِ وليس للسُّلطانِ، وقد لا يُعجِبُ السُّلطانَ ذلك التَّصَرُّفُ مِنه، ويَنفِرُ مِن تلك المَحَبّةِ الشَّدِيدةِ للنَّفسِ؛ عَلاوةً ٍ يَستَّ لَذّةَ التُّفّاحةِ جُزئيّةٌ وهي في زَوالٍ، إذ بمُجَرِّدِ الِانتِهاءِ مِن أَكلِها تَزُولُ اللَّذّةُ وتُورِثُ الأَسَفَ.
أمّا المَحَبّةُ الثّانية:فهي للتَّكرِمةِ السُّلطانيّةِ والْتِفاتَتِه اللَّطِيفةِ الَّتي ظَهَرَت بالتُّفّاحةِ.. فنَ الذ تلك التُّفّاحةَ نَمُوذَجٌ للتَّوَجُّهِ السُّلطانِيِّ، ومَكرُمةٌ منه. فالَّذي يَتَسلَّمُ هَدِيّةَ السُّلطانِ حُبًّا وكَرامةً يُبدِي مَحَبَّتَه للسُّلطانِ وليس للتُّفّاحةِ؛ عِلْمًا أنَّ في تلك التّفّاحةِ الَّتي صارَت مَظهَرًا للتَّكرِمةَِّنْعةً تَفُوقُ وتَسمُو على أَلفِ تُفّاحةٍ أُخرَى. فهذه اللَّذّةُ هي الشُّكْرانُ بعَينِه، وهذه المَحَبّةُ هي مَحَبّةٌ ذاتُ احتِرامٍ وتَوقيرٍ يَلِيقُ بالسُّلطانِ.
وهكذا، فإذا ما وَجَّه الإنسانُ جَمِيَتَه إلى النِّعَمِ والفَواكِهِ بالذّاتِ وتَلَذَّذ عن غَفْلةٍ
— 824 —
بلَذّاتِها المادِّيّةِ وَحْدَها، فتلك مَحَبّةٌ نَفسانيّةٌ تعُودُ إلى هَوَى النَّفسِ، وتلك اللَّذّاتُ زائِلةٌ مُؤلِمةٌ؛ أمّا إذا كانَتِ المَحَبّةُ مُتَوجِّهرةٍ مِ جِهةِ التَّكرِمةِ الرَّبّانيّةِ ونَحوَ أَلطافِ رَحمَتِه سُبحانَه وثَمَراتِ إحسانِه، مُقدِّرًا دَرَجاتِ الإحسانِ واللُّطفِ ومُتَلذِّذًا بها بشَهِيّةٍ كامِلةٍ، فهي شُكرٌ مَعنَوِيٌّ، وهي لَذّةٌ لا تُورِثُ أَلَمًا.
النُّ، فالجلثالثة:
إنَّ المَحَبّةَ المُتَوجِّهةَ إلى الأَسماءِ الحُسنَى لها طَبَقاتٌ: فقد يَتَوجَّهُ بالمَحَبّةِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى بمَحَبّةِثَّانيرِ الإلٰهِيّةِ المَبثُوثةِ في الكَونِ یی كما بَيَّنّاه سابِقًا یی وقد يَتَوجَّهُ بالمَحَبّةِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى لِكَونِها عَناوِينَ كَمالاتٍ إلٰهِيّةٍ سامِيةٍ، وقد يكُونُ الإنسانُ مُشتاقًمَرّةًالأَسماءِ الحُسنَى لِحاجَتِه الماسّةِ إلَيها، وذلك لِجامِعِيّةِ ماهِيَّتِه وعُمُومِها وحاجاتِه غيرِ المَحدُودةِ، فيُحِبُّ تلك الأَسماءَ بدافِعِ الحاجةِ إلَيها.
ولْنُوضِّحْ ذلك بمِثالٍ:تَصَوَّرْ وأنَنجَزََشعِرُ عَجْزَك وحاجَتَك الشَّدِيدةَ إلى مَن يُساعِدُك ويُعِينُك لإنقاذِ مَن تَحْنُو علَيهِم وتُشفِقُ على أَوضاعِهِم مِنَ الأَقارِبِ والفُقَراءِ، وحتَّى المَخلُوقاتِ الضَّعِيفةِ المُحتاجةِ، إذا بأَحَدِهم يَبْرُزُ في المَيدانِ، ويُحسِنُ نَدْعَُئِك ويَتَفضَّلُ علَيهِم ويُسبِغُ علَيهِم نِعَمَه بما تُرِيدُه وتَرغَبُه.. فكم تَطِيبُ نَفسُك وكم تَرتاحُ إلى اسمِه "المُنعِم" و"الكَرِيم"! وكم تَنبَسِطُ أَسارِيرُك وتَنشَرِحُ مِن هذَينِ الِاسمَينِ، بل كم يَأخُذُ ذسْجِدَِّخصُ مِن إعجابِك وتَقدِيرِك، وكم تَتَوجَّهُ إلَيه بالحُبَّ بذَينِك الِاسمَينِ والعُنوانَينِ!
ففي ضَوءِ هذا المِثالِ تَدَبَّرْ في اسمَينِ فقط مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى وهما: "الرَّحمٰنُ" و"الرَّحيمُ"، تَجِدْ أنَّ جَمةِ وقالمُؤمِنين مِنَ الآباءِ والأَجدادِ السّالفِين وجَمِيعَ الأَحِبّةِ والأَقارِبِ والأَصدِقاءِ، هؤُلاءِ الَّذين تُحِبُّهُم وتَحِنُّ إلَيهِم وتُشفِقُ علَيهِم، يُنعَمُون في الدُّنيا بأَنواعٍ مِنَ النِّعَمِ انانِ عيذةِ، ثمَّ يُسعَدُون في الآخِرةِ بما لَذَّ وطابَ مِنَ النِّعَمِ، بل يَزِيدُهم سُبحانَه یی وهو الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ یی سَعادةً ونَعِيمًا بلِقاءِ بعضِهم بعضًا وبرُؤْيةِ الجَمالِ السَّرمَدِيِّ هناك.. فكم يكُونُارِجَ "الرَّحمٰنِ" و"الرَّحِيمِ" جَدِيرَينِ إذًا بالمَحَبّةِ؟ وكم تكُونُ رُوحُ الإنسانِ تَوّاقةً إلَيهِما؟ قِسْ بنَفسِك ذلك لِتُدرِكَ مَدَى صَوابِ قَولِنا: الحَمدُ لله علها فيمانيَّتِه ورَحِيمِيَّتِه.
— 825 —
ثمَّ إنَّك تَتَعلَّقُ بالمَوجُوداتِ المَبثُوثةِ على الأَرضِ وتَتَألَّمُ بشَقائِها، حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ برُمَّتِها مَسكَنُك وبيّةِيلُ وبَيتُك المَأْنُوسُ؛ فإذا ما أَنعَمْتَ النَّظَرَ تَجِدُ في رُوحِك شَوْقًا عارِمًا وحاجةً شَدِيدةً إلى اسمِ "الحَكِيمِ" وعُنوانِ "المُرَبِّي" للَّذي يُنَظِّمُ هذه المَخلُوقاتِ كافّةً بحِكْمةٍ تامّةٍ وتَنظِيمٍ دللَّذّ وتَدبِيرٍ فائِقٍ وتَربِيةٍ رَحِيمةٍ.
ثمَّ إذا أَنعَمْتَ النَّظَرَ في البَشَرِيّةِ جَمْعاءَ تَجِدُك تَتَعلَّقُ بهم وتَتَألَّمُ لِحالِهمُ البائِسةِ وتَتَألَّمُ أَشَدَّ الأَلَمِ بزَوالِهم وَظهَرًم، وإذا برُوحِك تَشتاقُ إلى اسمِ "الوارِثِ الباعِثِ"، وتَحتاجُ إلى عُنوانِ "الباقي، الكرِيمِ، المُحيِي، المُحسِنِ" للخالِقِ الكَرِيمِ الَّذي يُنقِذُهم مِن ظُلُماتِ على تَمِ ويُسكِنُهم في مَسكَنٍ أَجمَلِ مِنَ الدُّنيا وأَفضَلَ مِنها.
وهكذا، فلِأنَّ ماهِيّةَ الإنسانِ عاليةٌ وفِطرَتَه جامِعةٌ فهو مُحتاجٌ بأَلفِ حاجةٍ وحاجةٍ إلى أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، ونحَصِرثيرٍ جِدًّا مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ؛ فالحاجةُ المُضاعَفةُ هي الشَّوقُ، والشَّوقُ المُضاعَف هو المَحَبّةُ، والمَحَبّةُ المُضاعَفةُ كذلك هي العِشْقُ، فحَسَبَ تَكَمُّلِ رُوحِ رِيمةًنِ تَنكَشِفُ مَراتِبُ المَحَبّةِ وَفْقَ مَراتِبِ الأَسماءِ، ومَحَبّةُ جَمِيعِ الأَسماءِ أَيضًا تَتَحوَّلُ إلى مَحَبّةِ ذاتِه الجَليلةِ سُبحانَه، إذ إنَّ تلك الأَسماءَ عَناوِينُ وتَجَلوأنت ت ذاتِه جَلَّ وعَلا.
والآنَ سنُبيِّنُ مِن بينِ أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى مَرتَبةً واحِدةً فقط وعلى سَبِيلِ المِثالِ مِن بينِ أَلفِ مَرتَبةٍ ومَرتَبةٍ لِاسمِ "العَدْلِ والحَكَمِ والحَقِّ والرَّحِيمِ"ائِلُ لنَّحوِ الآتي: إن شِئْتَ أن تُشاهِدَ ما في نِطاقِ الحِكْمةِ والعَدْلِ مِنِ اسمِ "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، الحَقِّ" ضِمنَ دائرةٍ واسِعةٍ عُظمَى، فتَأَمَّلْ في هذا المِثالِ:
جَيشٌ يَضُمُّ أَربعَ ِعراج؟طائِفةٍ مُتَنوِّعةٍ مِنَ الجُنُودِ، كلٌّ مِنها تَختَلِفُ عنِ الأُخرَى فيما يُعجِبُها مِن مَلابِسَ، وتَتَبايَنُ فيما تَشتَهِيه مِن أَطعِمةٍ، وتَتَغايَرُ فيما تَستَعمِلُه بيُسْرٍ مِن أَسلِحةٍ، َّ هذهوَّعُ فيما تَتَناوَلُه مِن عِلاجاتٍ تُناسِبُها.. فعلى الرَّغمِ مِن هذا التَّبايُنِ والِاختِلافِ في كلِّ شَيءٍ، فإنَّ تلك الطَّوائِفَ الأه فيُعمِئةٍ لا تَتَميَّیزُ إلى فِرَقٍ وأَفواجٍ، بل يَتَشابَكُ بعضُها في بعضٍ مِن دُونِ تَميِيزٍ.. فإذا ما وُجِدَ سُلطانٌ واحِدٌ يُعطِي لكُلِّ طائُِرُ إل يَلِيقُ بها مِن مَلابِسَ، وما يُلائِمُها مِن أَرزاقٍ، وما يُناسِبُها مِن عِلاجٍ، وما يُوافِقُها مِن
— 826 —
سِلاحٍ، بلا نِسيانٍ لِأَحَدٍ ولا الْتِباسٍ ولا اختِلاطٍ، ومِن دُونِ أن يكُونَ له مُساعِدٌ ومُعوَلٍ إبل يُوَزِّعُها كلَّها علَيهِم بِذاتِه، بما يَتَّصِفُ به مِن رَحمةٍ ورَأفةٍ وقُدرةٍ وعِلمٍ مُعجِزٍ وإحاطةٍ تامّةٍ بالأُمُورِ كُلِّها، معَ عَدالةٍ فائِقةٍ وحِكْمةٍ تام، أي: نعم، إذا ما وُجِدَ سُلْطانٌ كهذا الَّذي لا نَظِيرَ له، وشاهَدتَ بنَفسِك أَعمالَه المُعجِزةَ الباهِرةَ، تُدرِكُ عِندَئذٍ مَدَى قُدرَتِه ورَأفَتِه وعَدْلِه، ذلك لأنَّ تَجهةُ الكَتيبةٍ واحِدةٍ تَضُمُّ عَشَرةَ أَقوامٍ مُختَلِفِين بأَعتِدةٍ مُتَبايِنةٍ وأَلبِسةٍ مُتَنوِّعةٍ أَمرٌ عَسِيرٌ جِدًّا، حتَّى يُلْجأَ إلى تَجهِيزِ الجَيشِ بطِرازٍَسُولََّنٍ ثابِتٍ مِنَ الأَلبِسةِ والأَعتِدةِ مَهما اختَلَفَتِ الأَجناسُ والأَقوامُ.
فإذا شِئتَ یی في ضَوءِ هذا المِثالِ یی أن تَرَى تَجَلِّيَ اسمِ اللهِ "الحَقِّ" و"الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ" ضِمنَ نِطاقِ العَدلِ والحِكْمةِ، فسَرِّحْ نَظَرَك في الِيكَ لِ إلى تلك الخِيامِ المَنصُوبةِ على بِساطِ الأَرضِ لِأَربعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ المُتَنوِّعةِ، الَّذين يُمَثِّلُون جَيشَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، أَنعِمِ النَّظَرَ فيها تَجِدْ أن جَمِيِيعَ تلك الأُمَمِ والطَّوائِفِ، معَ أنَّها مُتَداخِلةٌ، وأَلبِسَتُهم مُختَلِفةٌ وأَرزاقُهم مُتَفاوِتةٌ وأَسلِحَتُهم مُتَنوِّعةٌ وطُرُقُ مَعِيشَتِهم مُانِ هذنةٌ وتَدرِيبُهم وتَعلِيماتُهم مُتَغايِرةٌ، وتَسرِيحاتُهم وإجازاتُهم مُتَميِّزةٌ.. وهم لا يَملِكُون قُدرةً لتَأْمينِ حاجاتِهم، ولا أَلسِنةً يَطلُبُون بها تَلبِيةَ رَغَباتِهم.. مع كلِّ هذا فإنَّ كُلًّا مِنها تُدارُ ويَستَوَى وتُراعَى باسمِ "الحَقِّ والرَّحمٰنِ والرَّزّاقِ والرَّحيمِ والكَرِيمِ" دُونَ الْتِباسٍ ولا نِسيانٍ ضِمنَ نِطاقِ الحِكْمةِ والعَدْلِ بمِيزانٍ دَقيقٍ وانتِظامٍ فائِقٍ.. فشَاهِدْ هذا التَّجَلِّيَِمةِ، مَّلْ فيه؛ فهل يُمكِنُ أن يَتَدخَّلَ أَحَدٌ غيرُ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى في هذا العَمَلِ الَّذي يُدارُ بمِثلِ هذا النِّظامِ البَدِيعِ والمِيزانِ الدَّقيقِ؟ وهل يُمكِنُ لِأَيِّ سَبَبٍ مَهما كان أن يَمُدَّرِيّةِ لِيتَدَخَّلَ في هذه الصَّنعةِ الباهِرةِ والتَّدبِيرِ الحَكِيمِ والرُّبُوبيّةِ الرَّحِيمةِ والإدارةِ الشّامِلةِ غيرُ الواحِدِ الأَحَدِ الحَكِيمِ القَدِيرِ على كلِّ شيءٍ؟..
ااحِدَ ةُ الرابعة:
تقولُ: إنَّني أَحمِلُ أَنواعًا مُتَبايِنةً مِنَ المَحَبّةِ في نَفسِي، تَتَعلَّقُ بالأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ، وبنَفسِي وزَوجَتِي وبأَولادِي ووالِدَيَّ وبأَحبابي وأَصدِقائي، وبالأَولياءِ الصّالِحِين والأَنبِياءِ المَُقائِقن، بل يَتَعلَّقُ حُبِّي بكلِّ ما هو جَمِيلٌ، وبالرَّبيعِ الزّاهِي خاصّةً وبالدُّنيا
— 827 —
عامّةً.. فلو سارَت هذه الأَنواعُ المُختَلِفةُ مِنَ المَحَبّةِ وَفْقَ ما يَأمَُ عِدّالقُرآنُ الكَرِيمُ، فما تكُونُ نَتائِجُها وما فَوائِدُها؟
الجَوابُ:إنَّ بَيانَ تلك النَّتائِجِ وتَوضِيحَ تلك الفَوائِدِ كُلِّها يَحتاجُ إلى تَأْليفِ كِتابٍ ضَخْمٍ في هذا الشَّأْنِ، لِذا سنُشِيرُ هنا إلى نَتِيوعَسَلحِدةٍ أو نَتيجَتَينِ مِنها إشارةً مُجمَلةً؛ وسنُبيِّنُ أوَّلًا النَّتائِجَ الَّتي تَحصُلُ في الدُّنيا، ثمَّ بعدَ ذلك نُبيِّنُ النَّتائِجَ الَّتي ستَظهَرُ في الآخِرةِ.. وهي كالآتي:
لقد ذَكَرنا سابِقًا: أنرانيّةواعَ المَحَبّةِ الَّتي لَدَى أَربابِ الغَفلةِ والدُّنيا والَّتي لا تَنبَعِثُ إلّا لإشباعِ رَغَباتِ النَّفسِ، لها نَتائِجُ أَليمةٌ وعَواقِبُ وَخِيمةٌ مِن بَلايا ومَشَقّاتٍ، معَ ما فيها مِن نَشْوةٍ ضَئِيلةٍ وراحةٍ قَليلةٍ؛فمَثلًا:الشًا بكُُ تُصبِحُ بَلاءً مُؤْلمًا بسَبَبِ العَجْزِ، والحُبُّ يَغدُو حُرقةً مُفجِعةً بسَبَبِ الفِراقِ، واللَّذّةُ تكُونُ شَرابًا مَسمُومًا بسَبَبِ الزَّوالِ.. أمّا في الآخِرةِ فستَبقَ القُدَ جَدْوَى ولا نَفْعٍ، لأنَّها لم تكُن في سَبِيلِ اللهِ تَعالَى، أو تكُونُ عَذابًا أَليمًا إن ساقَت إلى الوُقُوعِ في الحَرامِ.
سُؤالٌ:كيف يَظَلُّ حُبُّ الأَنبِياءِ الكِرامِ والأَولياءِ الصّالِحِين دُوَتي تَْعٍ أو فائِدةٍ؟
الجَوابُ:مِثلَما لا يَنتَفِعُ النَّصارَى المُعتَقِدُون بالتَّثلِيثِ مِن حُبِّهِم لِسَيِّدِنا عِيسَى عَليهِ السَّلام، وكذا الرَّوافِضُ مِن حبسِرِّم لِسَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ!
أمَّا ما ذَكَرتَه مِن أَنواعِ المَحَبّةِ: فإن كانَت وَفْقَ إرشادِ القُرآنِ الكَرِيمِ وفي سَبِيلِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى ومَحَ.
رلرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، فإنَّ نَتائِجَ جَمِيلةً تُثمِرُ في الدُّنيا، فَضْلًا عن نَتائِجِها الطَّیيِّبةِ الخالِدةِ في الآخِرةِ.
أمّا نَتائِجُها في الدُّنيا:فإنَّ مَحَبَّتَك لِلأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ واادةِ اِهِ الطَّیيِّبةِ فهي نِعمةٌ إلٰهِيّةٌ لا يَشُوبُها أَلمٌ، ولَذّةٌ لَطِيفةٌ في الشُّكْرِ بعَينِه.
أمّامَحَبَّتُك لِنَفسِكأي: إشفاقُك علَيها، والجُهدُ في تَربِيَتةِ، وجَزكِيَتِها، ومَنعِها عنِ الأَهواءِ الرَّذِيلةِ، تَجعَلُها مُنقادةً إليك، فلا تُسَيِّیرُك ولا تُقيِّدُك بأَهوائِها، بل تَسُوقُها أنت إلى حيثُ الهُدَى دُونَ الهَوَى.
— 828 —
أمّامَحَبَّتُك لِزَوجَتِكوهي رَفيقةُ حَياتِك: فل"البرُها قد أُسِّسَت على حُسْنِ سِيرَتِها وطِيبِ شَفَقَتِها، وكَونِها هِبةً مِنَ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، فستُولِيها حُبًّا خالِصًا ورَأْفةً جادّةً، وهي بدَوْرِها تُبادِلُك هذه المَحَبّةَ معَ الَلاةِ امِ والتَّوقِيرِ، وهذه الحالةُ تَزدادُ بَينَكُما كُلَّما تَقَدَّمتُما في العُمُرِ، فتَقضِيانِ حَياةً سَعِيدةً هَنِيئةً بإذنِ الله.. ولكن لو كان ذلك الحُبُّ ى دُونًّا على جَمالِ الصُّورةِ الَّذي تَهواه النَّفسُ، فإنه سَرْعانَ ما يَخبُو ويَذبُلُ، وتَفسُدُ الحَياةُ الزَّوجِيّةُ أَيضًا.
أمّامَحَبَّتُك للوالِدِ والوالِدةِ:فهيبَراهِةٌ تُثابُ علَيها ما دامَت في سَبِيلِ الله، ولا شَكَّ أنَّك ستَزِيدُ الحُبَّ والِاحتِرامَ لَهما عِندَما يَبلُغانِ الكِبَرَ، وتَكسِبُ لَذّةً رُوحِيّةً خالِصةً وراحةً ق الإنسةً تامّةً لَدَى القِيامِ بخِدْمَتِهما وتَقبِيلِ أَيدِيهما وتَبجِيلِهما بإخلاصٍ، فتَتَوجَّهُ إلى المَولَى القَدِيرِ یی وأنت تَشعُرُ هذا الشُّعُورَ السّامِيَ والهِمّةَ الجادّةَ یی بأن يُطِيلَ عُمُرَهما لِتَحصُلَ على مَزِيالمَحََ الثَّوابِ.. ولكن لو كان ذلك الحُبُّ والِاحتِرامُ لِأَجلِ كَسْبِ حُطامِ الدُّنيا ونابِعًا مِن هَوَى النَّفسِ، فإنَّه يُوَلِّدُ أَلمًا رُوحِيًّا قاتِمًا يَنبَعِثُ مِالتَّوورٍ سافِلٍ مُنحَطٍّ وإحساسٍ دَنِيءٍ وَضِيعٍ هو النُّفُورُ مِن ذَينِك المُوَقَّرَينِ اللَّذينِ كانا السَّبَبَ لِحَياتكَ أنت، واستِثْقالِهِما وقد بَلَغا الكِه، فإنباتا عِبْئًا علَيك، ثمَّ الأَدْهَى مِن ذلك تَمَنِّي مَوتِهما وتَرَقُّبُ زَوالِهِما!
أمّامَحَبَّتُك لأَولادِك،أي: حُبُّكَ لِمَنِ استَودَعَك اللهُ إيّاهم أَمانةً، لِتَقُومَ نَّوعِيَتِهم ورِعايَتِهم.. فحُبُّ أُولَئِك المُؤنِسِين المَحبُوبِين مِن خَلقِ اللهِ، إنَّما هو حُبٌّ مُكَلَّلٌ بالسَّعادةِ والبَهجةِ، وهو نِعمةٌ إلٰهِيّةٌ في الوَقتِ نَفسِه، فإذا شَعَرتَ بهذا فلا يَحْزُنُك مُصابُهم، ولا تَصرُخُ مُتَحسِّرًا على وَفايرَ مِإذ یی كما ذَكَرنا سابِقًا یی إنَّ خالِقَهُم رَحِيمٌ بهم حَكِيمٌ في تَدبِيرِ أُمُورِهم، وعِندَ ذلك تقُولُ: إنَّ المَوتَ بحَقِّ هَؤُلاء لَهُو سَعادةٌ لهم. فتَنجُو بهذا مِن أَلَمِ الفِراقِ، وتَتَفكَّرُ أن تَستَدِرَّ رَحْمتِ مَكَعالَى علَيك.
أمّامَحَبَّتُك للأَصدِقاءِ والأَقرِباءِ:فلِأنَّها لِوَجهِ اللهِ تَعالَى، فلا يَحُولُ فِراقُهم ولا مَوتُهم دُونَ دَوامِ الصُّحبةِ معَهم، ودَوامِ أُخُوَّتِكُم ومَحَبَّتِكُم ومُؤانَسَتِكُم؛ إذ تَدُو مِن ل الرّابِطةُ الرُّوحِيّةُ والحُبُّ المَعنَوِيُّ الخالِصُ، فتَدُومُ بدَورِهما لَذّةُ اللِّقاءِ ومُتعةُ
— 829 —
الوِصالِ.. ولكن إن لم يكُن ذلك الحُبُّ لِأَجلِه تَعالَى ولا في سَبِيلِه، فإناسةِ. ّةَ لِقاءِ يَومٍ واحِدٍ يُورِثُ آلامَ الفِراقِ لِمِئةِ يَومٍ. (حاشية): إنَّ ثَانيةً واحِدة من لِقاءٍ في سَبيلِ الله تَعَالَى تُعَدُّ سَنةً مِن العُمُر، بينما خَصائمِن لِقاءٍ لَأجلِ الدُّنيا الفَانية لا تُساوِي ثانيةً.
أمّامَحَبَّتُك للأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام والأَولياءِ الصّالِحِين:فإنَّ عالَمَ البَرزَخِ الَّذي هو عاهذه مُُظلِمٌ مُوحِشٌ في نَظَرِ أَربابِ الضَّلالةِ والغَفْلةِ تَراه مَنازِلَ مِن نُورٍ تَنَوَّرَت بأُولَئِك المُنَوَّرِين، وعِندَها لا تَستَوحِشُ مِنَ اللَّحاقِ بهم، ولا تَجفِلُ مِن عالَمِ البَرزَخِ، بل تَشتاقُ إلَيهَدْرِ ِنُّ إلَيه مِن دُونِ أن يُعكِّرَ ذلك تَمَتُّعَك بالحَياةِ الدُّنيا.. ولكن لو كان حُبُّهم شَبِيهًا بحُبِّ أَربابِ المَدَنيّةِ لِمَشاهِيرِ الإنسانيّةِ، فإنَّ مُجَرَّدَ التَّفَكُّرِ في فَناءِ أُولَئِك الكُمَّلِ، وتَرَمٌّ عن بظامِهم في مَقبَرةِ الماضِي الكُبْرَى، يَزِيدُ أَلمًا على آلامِ الحَياةِ، ويَدفَعُ المَرءَ إلى تَصَوُّرِ مَوتِه وزَوالِه حيثُ يقولُ: سأَدخُلُ يومًا هذه المَقبَرةَ الِّلّةِ رِمُّ عِظامَ العُظَماءِ! يقُولُه بكُلِّ مَرارةٍ وحَسْرةٍ وقَلَقٍ.. بَينَما في المَنظُورِ الأَوَّلِ يَراهُم يُقِيمُون براحةٍ وهَناءٍ في عالَمِ البَرزَخِ الَّذي هو قاعةُ المُستَقبَلِ ورِليَّ ل بعدَ أن تَرَكُوا مَلابِسَهُمُ الجَسَدِيّةَ في الماضِي.. فيَنظُرُ إلى المَقبَرةِ نَظْرةَ شَوْقٍ وأُنْسٍ.
ثمَّ إنَّمَحَبَّتَك للأَشياءِ الجَمِيلةِوالأُمورِ الطَّیيِّبةِ، لَمّا كانَت مَحَبّةً في سَبِيلِ الله، وفي سَبِيلِ مَعرِفةِ صانِعيعَ تلجَليلِ بحيثُ يَجعَلُك تقولُ: ما أَجمَلَ خَلْقَه! فإنَّ هذه المَحَبّةَ في حَدِّ ذاتِها تَفَكُّرٌ ذُو لَذّةٍ ومُتعةٍ، فَضْلًا عن أنَّها تَفتَحُ السَّبِيلَ أَمامَ أَذواقِ حُبِّ الجَمالِ والشَّوقِ إلى الحُسنِ لِتَتَطتَطِيعإلى مَراتِبِ أَذواقٍ أَسمَى وأَرفَعَ وأَقدَسَ وأَجمَلَ مِن ذلك الجَمالِ بآلافِ المَرّاتِ، وتُرِيه هناك كُنُوزَ تلك الخَزائِنِ النَّفِيسةِ فيَتَملّاها المَرءُ في نَشوةٍ سامِيةٍ عاليةٍ؛ ذلك لأنَّ هذه الم مَدارَ تَفتَحُ آفاقًا أمامَ القَلبِ لِيُحَوِّلَ نظَرَه مِن آثارِ الصّانِعِ الجَليلِ إلى جَمالِ أَفعالِه البَدِيعةِ، ومِن جَمالِ الأَفعالِ إلى جَمالِ أَسمائِه الحُسنَى، ومِن جَ ومَن لأَسماءِ الحُسنَى إلى جَمالِ صِفاتِه الجَلِيلةِ، ومِن جَمالِ الصِّفاتِ الجَليلةِ إلى جَمالِ ذاتِه المُقدَّسةِ.. فهذه المَحَبّةُ وبهذا السَّبِيلِ إنَّما هي عِبادةٌ لَذِيذةٌ وتَفَكُّرٌ رَفيعٌ مُمتِعٌ في الوَقئِرِ اسِه.
— 830 —
أمّامَحَبَّتُك للشَّبابِ:فلِأَنَّك قد أَحبَبْتَ عَهْدَ شَبابِك لِكَونِه نِعمةً جَمِيلةً للهِ سُبحانَه، فلا شَكَّ أنَّك ستَصرِفُه في عِبادَتِه تَعالَى ولا تَقتُلُه غَرَقًا في السَّفَهِ وتَمادِيًا في الغَيِّ؛ إذِ العِباداتُ الَّعِباداسِبُها في عَهْدِ الشَّبابِ إنَّما هي ثَمَراتٌ يانِعةٌ باقيةٌ خالِدةٌ أَثمَرَها ذلك العَهْدُ الفاني، فكُلَّما جاوَزْتَ ذلك العَهْدَ وطَعَنتَ في السِّنِّ حَصَلْتَ على مَزِيدٍ مِن ثَمَراتِه الباقيةِ، ونَجَوتَ تَدرِيجِيًّا مِن آفاتِ النَّفٍ لا مَمّارةِ بالسُّوءِ وسَيِّئاتِ طَيشِ الشَّبابِ، فتَرجُو مِنَ المَولَى القَدِيرِ أن يُوَفِّقَك إلى كَسْبِ المَزِيدِ مِنَ العِبادةِ في الشَّيخُوخةِ، لِتكُونَ أَهلًا لِرَحمَتِه الواسِعةِ، وتَربَأُ بنَفسِك أن تكُونَ فلو أُولَئك الغافِلين الَّذين يَقضُون خَمسِين سَنةً مِن عُمُرِ شَيخُوخَتِهم وشَيبِهِم أَسَفًا ونَدَمًا على ما فَقَدُوه مِن مَتاعِ الشَّبابِ في خَمسِ أو عَشرِ سَنَواتٍ. حتَّى عَبَّر أَحَدُ الشُّعَرالكُلِّذلك النَّدَمِ والأَسَفِ بقَولِه:
فيالَيتَ الشَّبابَ يعُودُ يَومًا فأُخبِرَه بِما فَعَلَ المَشِيبُ
أمّامَحَبَّتُك للمَناظِرِ البَهِيجةِولا سِيَّما مَناظِرِ الرَّبيعِ، فه يُعَنَّها مُشاهَدةٌ لِبَدائِعِ صُنْعِ اللهِ والِاطِّلاعِ علَيها، فذَهابُ ذلك الرَّبيعِ لا يُزِيلُ لَذّةَ المُشاهَدةِ ومُتعةَ التَّفرُّجِ، إذ يَتْرُكُ وَراءَه مَعانِيَه الجَمِيلةَ، حيثُ الرَّبيعُ أَشبَهُ ما يكُونُ برِسالةٍ رَبَّانيّةٍ زاهِِ لَأَفتَحُ للمَخلُوقاتِ. فخَيالُك والزَّمَنُ شَبِيهانِ بالشَّرِيطِ السِّينِمائيِّ يُدِيمانِ لك لَذّةَ المُشاهَدةِ هذه، ويُجَدِّدانِ دَوْمًا تلك المَعانِيَ الَّتي تَحمِلُها سَيَّةُ الرَّبيعِ.. فلا يكونُ حُبُّك إذًا مُؤَقَّتًا ولا مَغمُورًا بالأَسَفِ والأَسَى، بل صافِيًا خالِصًا لَذِيذًا مُمتِعًا.
أمّاحُبُّك للدُّنيا:فلِأَنَّه حُبٌّ للهِ ولِأَجلِه سُبحانَه، فإنَّ مَوجُوداتِها المُثلك مِنللرُّعبِ والدَّهشةِ تُصبِحُ لك أَصدِقاءَ مُؤْنِسِين، ولأنَّك تَتَوجَّهُ إلَيها بالحُبِّ مِن حيثُ كَونُها مَزرَعةَ الآخِرةِ، تَستَطِيعُ أن تَجنِيَ مِن كلِّ شَيءٍ فيها ما يُمكِنُ أن يكُُولُ یمَرةً مِن ثِمارِ الآخِرةِ، أو تَغنَمَ مِنها ما يُمكِنُ أن يكُونَ رَأسَ مالٍ للآخِرةِ؛ فمَصائِبُها إذًا لا تُخِيفُك وزَوالُها وفَناؤُها لا يُضايِقُك. وهكذا تَقضِي مُدّةَِ العاتِك فيها، وأنتَ ضَيفٌ مُكَرَّمٌ.. ولكن لو كان حُبُّك لها كحُبِّ أَربابِ الغَفْلةِ، فقد قُلْنا لك مِرارًا: ستُغرِقُ نَفسَك وتَفنَى بحُبٍّ ساحِقٍ، خانِقٍ، زائِلٍ، لا طائِلَ وَراءَه ولا نَفْما.
31
وهكذا، فقد حاوَلْنا أن نُرِيَ لَطِيفةً واحِدةً مِن مِئاتِ اللَّطائِفِ الَّتي تَعُودُ لِكُلٍّ مِمّا ذَكَرتَه، عِندَما يكُونُ حُبُّك له وَفْقَ إرشادِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وأَشَرْنا في الوَقتِ نَفسِه إلى واحِدٍ مِن مِئاتِ أَضأمُّلِلك الحُبِّ إن لم يكُن وَفْقَ ما يَأمُرُ به القُرآنُ الكَرِيمُ.
فإن كُنتَ تُرِيدُ أن تُدرِكَ نَتائِجَ هذه الأَنواعِ المُختَلِفةِ مِنَ اةِ تَكّةِ في دارِ البَقاءِ وعالَمِ الآخِرةِ، مِثلَما أَشارَت إلَيها الآياتُ البَيِّناتُ للقُرآنِ الكَرِيمِ، فسنُبيِّنُ لك بَيانًا مُجمَلًا فائِدةً واحِدةً أُخرَوِيّةً مِن فَوائِدِ تلك الأَنواعِ المَشرُوعةِ مِنَ المَحلمَقاص وذلك في تِسْعِ إشاراتٍ، بعدَ أن نُقدِّمَ بينَ يَدَيها مُقدِّمةً:
المقدِّمة:إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى یی بأُلُوهيَّتِه الجَليلةِ، ورَحمَتِه الجَمَِتَه تورُبُوبيَّتِه الكَبِيرةِ، ورَأْفَتِه الكَرِيمةِ، وقُدرَتِه العَظِيمةِ، وحِكْمَتِه اللَّطِيفةِ یی قد زَيَّن هذا الإنسانَ الصَّغيرَ بحَواسَّ ومَشاعِرَ كَثيرةً جِدًّا، وجَمَّلَه في حارِحَ وأَعضاءٍ وآلاتٍ مُختَلِفةٍ عَدِيدةٍ، وجَهَّزَه بلَطائِفَ ومَعنَوِيّاتٍ مُتَنوِّعةٍ؛ ليُشْعِرَه بطَبَقاتِ رَحْمَتِه الواسِعةِ ويُذِيقَه أَنواعَ آلائِه الَّتي لا تُعَدُّ، ويُعَرِّءِ الأقسامَ إحساناتِه الَّتي لا تُحصَى، ويُطلِعَه عَبْرَ تلك الأَجهِزةِ والأَعضاءِ الكَثيرةِ على أَنواعِ تَجَلِّياتِه الَّتي لا تُحَدُّ لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى، ويَفةِ ایبُها إلَيه، ويَجعَلُه يُحسِنُ تَقدِيرَها حَقَّ قَدْرِها.
فلِكُلِّ عُضوٍ مِن تلك الأَعضاءِ الكَثِيرةِ، ولِكُلِّ جِهازٍ وآلةٍ مِنها، وَظائِفُها المُتَنوِّعةُ وويَدُلتُها المُتَبايِنةُ، كما أنَّ لَذائِذَها مُختَلِفةٌ وآلامَها مُتَغايِرةٌ وثَوابَها مُتَميِّیزٌ.
فمَثلًا:العَينُ، تُشاهِدُ الجَمالَ في الصُّوَرِ، وتَرَى مُعجِزاتِ القُدرةِ الإنِينَ ةِ الجَمِيلةِ في عالَمِ الشُّهُودِ، فتُؤَدِّي وَظِيفَتَها بتَقدِيمِ الشُّكرِ لله مِن خِلالِ نَظْرَتِها ذاتِ العِبْرةِ. ولا يَخفَى على أَحَدٍ مَ إذ كا يَتَعلَّقُ بالرُّؤيةِ مِن لَذّةٍ وأَلَمٍ، لِذا لا داعِيَ لِوَصْفِ ذلك..ومَثلًا:الأُذُن، تَشْعُرُ بلَطائفِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ السَّارِيةِ في عالَمِ المَسمُوعاتِ، بسَماعِها أَنواعَ الأَصواتِ أَنَّاتِها اللَّطِيفةِ المُختَلِفةِ، فلَها عِبادةٌ خاصّةٌ بها، ولَذّةٌ تَخُصُّها، وثَوابٌ يَعُودُ إلَيها..ومَثلًا:حاسّةُ الشَّمِّ الَّتي تَشعُرُ بلَطائِفِ الرَّحمةِ النِ المّةِ الفَوَّاحةِ مِن شَذَى أَنواعِ العُطُورِ والرَّوائِحِ، فإنَّ لها لَذَّتَها الخاصّةَ بها ضِمنَ أَدائِها شُكرَها الخاصَّ، ولا
— 832 —
شَكَّ أنَّ لها ثَوابًا خاصًّا بها..ومَثلًا:حاسها ووُلذَّوْقِ الَّتي في الفَمِ، فهي تُؤَدِّي وَظِيفَتَها وتُقدِّمُ بشُكْرِها المَعنَوِيِّ بأَنماطٍ شَتَّى مِن خِلالِ إدراكِها مَذاقاتِ أَنواعِ الأَطعِمةِ ولَذائِذِها.
وهكذا، فلِكُلِّ جِهازٍ مِن أَجهِزةِ حِدةٌ نِ ولِكُلِّ حاسّةٍ وجارِحةٍ، ولِكُلِّ لَطِيفةٍ مِن لَطائِفِه المُهِمّة یی كالقَلبِ والرُّوحِ والعَقلِ وغيرِها یی وَظائِفُها المُختَلِفةُ، ولَذائِذُها المُتَنوِّعةُ الخاصّةُ بها.. فمِمّا لا رَيبَ فيه أنَّ الخالبقانُوحَكِيمَ الَّذي سَخَّر هذه الأَجهِزةَ لتلك الوَظائِفِ سيَجْزِي كُلًّا مِنها بما يُلائِمُها ويَستَحِقُّها مِن جَزاءٍ.
إنَّ النَّتائِجَ العاجِلةَ للأنواعِ المُتَعدِّدةِ مِنَ المَحَبّةِ یی المَذكُورةِ سابِقًا یی يَشعُرُ بها كلُّ إنبحانَهُعُورًا وِجْدانيًّا، ويَستَدِلُّ على شُعوُرِه هذا ويَتَيقَّنُ مِنه بحَدْسٍ صادِقٍ؛ أمّا نَتائِجُها الأُخرَوِيّةُ فقد أَثبَتَتْها إِجمالًا اثْنَتا عَشْرةَ حَقِيقةً مِنَ الحَقائِقِ السّاطِعةِ للكَلِمةِ العاشِرةِ والأُسُسُ السِّتّةُ الباهِرةقائِلًلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِين.
أمّا تَفصِيلُها فهو ثابِتٌ قَطْعًا بالقُرآنِ الكَرِيمِ الَّذي هو أَصْدَقُ كَلامٍ وأَبلَغُ نِظامٍ، وهو كَلامُ اللهِ المَلِكِ العَزِيزِ العَلّامِ، في تَصرِيحِ آياتِه البَيِّناتِ وتَلْوِيحِها وفي رُمَُناهِيوإشاراتِها.. لِذا لا نَرَى داعِيًا لإيرادِ بَراهِينَ مُطَوَّلةٍ في هذا الشَّأْنِ، عِلْمًا أنَّنا سَرَدْنا بَراهِينَ كَثيرةً جِدًّا في "كَلِماتٍ" أُخرَى وفي المَقامِ الثّاني العَرَبيِّ مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيّةِ والعِشرِين" الخاصّةِ بالجَنّةِ، وفي "الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِين".
الإشارةُ الأُولَى:إنَّ النَّتيجةَ الأُخرَوِيّةَ للمَحَبّةِ المَشرُوعةِ المُكَلَّلةِ بالشُّكرِ للهِ، نحوَ الأَطعِمةِ اللَّذجزاءِ،والفَواكِهِ الطَّیيِّبةِ في الدُّنيا، هي تلك الأَطعِمةُ والفَواكِهُ الطَّیيِّبةُ اللّائِقةُ بالجَنّةِ الخالِدةِ.. كما يَنُصُّ علَيه القُرآنُ الكَرِيمُ. وهيةٍ مِن مَحَبّةٌ ذاتُ اشتِياقٍ واشتِهاءٍ لِتلك الجَنّةِ وفَواكِهِها، حتَّى إنَّ الفاكِهةَ الَّتي تَأْكُلُها في الدُّنيا وتَذكُرُ علَيها"الحَمدُ للهِ"تَتَجالرَّحفي الجَنّةِ فاكِهةً خاصّةً بها، وتُقَدَّمُ إلَيك طَيِّبةً مِن طَيِّباتِ الجَنّةِ. فأنتَ تَأْكُلُ هنا فاكِهةً، وهُناك"الحَمدُ للهِ"مُجَسَّمةً في فاكِهةٍ مِن فَواكِهِ الجَنّةِ.. وحَيثُ إنَّك تُجِبُ أ شُكْرًا مَعنَوِيًّا لَذِيذًا برُؤْيَتِك الإنعامَ الإلٰهِيَّ والِالتِفاتَ الرَّبّانِيَّ في الأَطعِمةِ
— 833 —
والفَواكِهِ الَّتي تَتَناوَلُها هنا، فستُسَلَّمُ إلَيك هناك الأُوَنّةِ أَطعِمةٌ لَذِيذةٌ وفَواكِهُ طَيِّبةٌ، كما هو ثابِتٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ وبإشاراتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وبمُقتَضَى الحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ ورَحْمةِ اللهِ الواسِعةِ.
أَربابرةُ الثَّانية:إنَّ نَتِيجةَ المَحَبّةِ المَشرُوعةِ في الدُّنيا نحوَ النَّفسِ، أي: مَحَبَّتِها المَبنِيّةِ على رُؤْيةِ نَقائِصِها دُونَ مَحاسِنِ أَحسَُحاوَلةِ إكمالِها، وتَزكِيَتِها ورِعايَتِها بالشَّفَقةِ والرَّأفةِ، ودَفْعِها إلى سَبِيلِ الخَيرِ، هي إعطاءُ البارِئِ عزَّ وجَلَّ مَحبُوبِين يَلِيقُون بها في الجَنّةِ، فالنَّفسُ الَّتي عافَت في الدُّنيا هَواها وشَهَامُ، و وتَرَكَت رَغَباتِها في سَبِيلِ اللهِ، واستُخدِمَت ما فيها مِن أَجهِزةٍ مُتَنوِّعةٍ على أَفضَلِ وَجْهٍ وأَتمِّه، سيَمنَحُها البارِئُ الكَرِيمُ سُبحانَه مُكافأةً على هذه المَحَبّةِ المَشرُوعةِ المُكلَّلةِ بالعُبُودِيّةِ لله، ، فيَتَ العِينَ المُتَرفِّلاتِ بسَبعِين حُلّةً مِن حُلَلِ الجَنّةِ المُتَنوِّعةِ بأَنواعِ لَطائِفِها وزِينَتِها، والمُتَجَمِّلاتِ بسَبعِين نَوْعًا مِن أَنواعِ الحُسْنِ والجَمالِ، حتَّى كَأَنّاتِ واَنّةٌ مُجَسَّمةٌ مُصَغَّرةٌ تَنبِضُ بالرُّوحِ والحَياةِ، لِتَقَرَّ بها عَينُ النَّفسِ الَّتي أَطاعَتِ اللهَ وتَهدَأَ بها المَشاعِرُ الَّتي اطْمَأَنَّت إلى أَوامِرِ اللهِ.. فهذه النَّتِيجةُ لا رَيبَ فيها، إذِ ال عادَ الكَرِيمةُ تُصَرِّحُ بها يَقِينًا.
ثمَّ إنَّ نَتِيجةَ المَحَبّةِ المُتَوجِّهةِ نحوَ الشَّبابِ في الدُّنيا، أي: صَرْفِ قُوّةِ الشَّبابِ ونَِلًا نه في العِبادةِ والتَّقوَى، هي شَبابٌ دائِمٌ خالِدٌ في دارِ البَقاءِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ.
الإشارةُ الثّالثة:أمّا النَّتِيجةُ الأُخرَوِيّةُ لِمَحَبّةِ الزَّوجةِاجةٍ إَسَّسَةِ على حُسْنِ سِيرَتِها وجَمِيلِ خَصْلَتِها ولَطِيفِ شَفَقَتِها، والَّتي تَصُونُها عنِ النُّشُوزِ وتُجَنِّیبُها الخَطايا والذُّنُوبَ، فهي جَعْمُتَفر الزَّوجةِ الصّالِحةِ مَحبُوبةً ومُحِبّةً وصَدِيقةً صَدُوقةً وأَنيسةً مُؤْنِسةً، في الجَنّةِ، جَمالُها أَبْهَى مِنَ الحُورِ العِينِ، زِينَتُها أَزهَى مِن زِينَتِهِنَّ، حُسْنُها يَفُوقُ حُسْنَهُنَّ.. تَتَجاذَبُ معَ زَِنَ الأَطرافَ الحَدِيثِ، يَستَذكِرانِ أَحداثَ أَيّامٍ خَلَت.. هكذا وَعَد الرَّحِيمُ الكَرِيمُ. فما دامَ قد وَعَد فسيَفِي بوَعْدِه حَتْمًا.
الإشارةُ الرّابعة:أمّا نَتِيجةُ مَحَبّةِ الوارَى إلِ والأَولادِ فهي أنَّ الرَّحمٰنَ الرَّحِيمَ جَلَّ وعلا يُحسِنُ إلى تلك العائِلةِ السَّعِيدةِ المَحظُوظةِ، رَغمَ تَفاوُتِ مَراتِبِهم في الجَنّةِ بلِقاءِ
— 834 —
بَعضِهم بَعضًا والمُعاشَرةِ والمُجالَسةِ والمُحاً قَوِفيما بَينَهم بما يَلِيقُ بالجَنّةِ ودارِ البَقاءِ، كما هو ثابِتٌ بنَصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ ويُنعِمُ على أُولَئِك الآباءِ بمُلاطَفةِ أَولادَِجَرةَِّذين تُوُفُّوا في دار الدُّنيا قبلَ سِنِّ البُلُوغِ، ويَجعَلُهم لهم وِلْدانًا مُخَلَّدِين، في أَلطَفِ وَضْعٍ وأَحَبِّه إلى نُفُوسِهم، وبهذا تُطَْلَها رَغبةُ مُداعَبةِ الأَطفالِ المَغرُوزةُ في فِطْرةِ الإنسانِ، فيَستَمتِعُون بمُتعةٍ خالِدةٍ وذَوقٍ دائِمٍ في الجَنّةِ، حيثُ خُلِّد لهم أَطفالُهمُطلَقةِغارُ یی الَّذين لم يَبلُغُوا سِنَّ التَّكلِيفِ یی ولقد كان يُظَنُّ أنْ ليس في الجَنّةِ مُداعَبةُ الأَطفالِ، لأنَّها لَيسَت مَحَلًّا للتَّوالُدِ، ولكِنَّ الجَنّةَ لأنَّها تَحوِي أَفضَلَ لَذاَتَضايلدُّنيا وأَجْوَدَها، فمُلاطَفةُ الأَولادِ ومُداعَبةُ الأَطفالِ لا بُدَّ أنَّها مَوجُودةٌ فيها بأَفضَلِ صُوَرِها وأَجمَلِ أَشكالِها.. فيا بُشْرَى أُولَئِك الآباءِ الَّذين فَمْلَكة أَطفالَهم في دارِ الدُّنيا!
الإشارةُ الخامسةُ:إنَّ نَتِيجةَ مَحَبَّتِك لِصالِحِ الأَصدِقاءِ والأَقرِباءِ الَّتي يَتَطلَّبُها "الحُبُّ في اللهِ"، إنَّما هي في مُجالَسَتِكَلِّغًنَ فِراقٍ على سُرُرٍ مُتَقابِلين ومُؤانَسَتِكُم بلَطائِفِ الذِّكرَياتِ، ذِكرَياتِ أيّامِ الدُّنيا وخَواطِرِها الجَمِيلةِ، وقَضاءِ وَقتٍ مُمتِعٍ وجَمِيلٍ بهذه المُحاوَرةِ والمُجالَسةِ. كما هو ثابِتٌ بنَصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ.
الإشارةُ ّةِ السةُ:أمّا نَتِيجةُ مَحَبّةِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام والأَولياءِ الصّالِحِين حَسَبَ ما بَيَّنه القُرآنُ الكَرِيمُ، فهي كَسْبُ شَفاعةِ أُولَئِك الأَنبِياءِ الكِرامِ والأَولياءِ الصّالِحِين في ثاقِب البَرزَخِ، وفي الحَشْرِ الأَعظَمِ فَضْلًا عنِ الِاستِفاضةِ یی بتلك المَحَبّةِ یی مِن فُيُوضاتِ مَقاماتِهمُ الرَّفيعةِ ومَراتِبِهِمُ العاليةِ اللّائِقةِ بهم.
نعم، إنَّ الحَدِيثئرةُ عَرِيفَ يَنُصُّ على أنَّ"المَرءَ معَ مَن أَحَبَّ"فالإنسانُ إذًا يَستَطِيعُ أن يَرتَفِعَ إلى أَعلَى مَقامٍ وأَرفَعِه بما نَسَج معَ صاحِبِه مِن أَواصِرِ المَحَبّةِ وبانتِمائِه إلَيه واتِّباعِه له.
الإشاُنيا. سّابعة:إنَّ مَحَبَّیتَك للأَشياءِ الجَمِيلةِ وللرَّبيعِ، أي: نَظَرَك إلَيها مِن زاوِيةِ قَولِك: "ما أَجمَلَ خَلْقَه!" وتَوجِيهَ مَحَبَّتِك إلى ما وَراءَ ذلك الشََّ الأَجَمِيلِ
— 835 —
مِن جَمالِ الأَفعالِ وانتِظامِها، وإلى ما وَراءَ تلك الأَفعالِ المُنَسَّقةِ مِن جَمالِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، وإلى ما وَراءَ تلك الأَسماءِ الحُسنَى مِن تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الجَليلةِ.. وهكذا.. إنَّ نَتِيجةَ هذه الم غيرُ،ِ المَشرُوعةِ هي مُشاهَدةُ جَمالٍ أَسمَى مِن ذلك الجَمالِ الَّذي شاهَدْتَه في المَصنُوعاتِ بأُلُوفِ أُلُوفِ المَرّاتِ. أي: مُشاهَدةُ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى وجَمالِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ بما يَلِيقُ بالجَلُ؛ كذدارِ البَقاءِ؛ حتَّى قال الإمامُ الرَّبَّانِيُّ السِّرهِندِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ: "إنَّ لَطائِفَ الجَنّةِ إنَّما هي تَمَثُّلاتُ الأَسماءِى زِمانَى"، فتَأَمَّلْ!
الإشارةُ الثّامنةُ:أمّا مَحَبَّیتُك للدُّنيا مَحَبّةً مَشرُوعةً، أي: مَحَبَّیتُك لها معَ التَّأَمُّلِ والتَّفَكُّرِ في وَجْهَيْها الجَمِيلَينِ اللَّذِرٍ لِما: مَزرَعةُ الآخِرةِ، ومِرآةُ التَّجَلِّياتِ للأَسماءِ الحُسنَى، فإنَّ نَتِيجَتَها الأُخرَوِيّةَ هي أنَّه سيُوهَبُ لك جَنّةٌ تَسَعُ الدُّنيا كلَّها، ولكِنَّها لا تَزُولُ مِثلَها، بل هي خالِدةٌ دائِمةٌ؛ وستُظهَرُ لك في مَراياّةَ، ألجَنّةِ تَجَلِّياتُ الأَسماءِ الحُسنَى بأَزهَى شَعْشَعَتِها وبَهائِها، تلك الَّتي رَأَيتَ بعضَ ظِلالِها الضَّعِيفةِ في الدُّنيا.
ثمَّ إنَّ مَحَبّةَ الدُّنيا في وَجْهِها الَّذي هو مَزْرَعةٌ للآخِرةِ، أي: باعتِبارِ كَونِ ا وَيَيا مَشْتَلًا صَغِيرًا جِدًّا لِاستِنْباتِ البُذُورِ لِتَتَسَنبَلَ في الآخِرةِ وتُثمِرَ هناك، فإنَّ نَتيجَتَها هي أَثمارُ جَنّةٍ واسِعةٍ تَسَعُ الدُّنيا كلَّها، تَنكَشِفُ فيها جَمِيعُ الحَواسِّ والمَشاعِرِ الإنسانيّة): مَفتي يَحمِلُها الإنسانُ في الدُّنيا كبُذَيْراتٍ صَغِيرةٍ، انكِشافًا تامًّا ونُمُوًّا كامِلًا، وتَتَسنبَلُ فيها بُذَيراتُ الِاستِعداداتِ الفِطْريّةِ حامِلةً جَمِيعَ أَنووعِلّةلَّذائِذِ والكَمالاتِ.. هذه النَّتيجةُ ثابِتةٌ بمُقتَضَى رَحمةِ الله الواسِعةِ وحِكْمَتِه المُطلَقةِ؛ وهي ثابِتةٌ كذلك بنَصِّ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ وإشاراتِ القُرآنِ الكَرِيمِ.
ولَمّا كانَت مَحَبَّیتُك للدُّنيالُ لِلت لِذلك الوَجهِ المَذمُومِ الَّذي هو رَأْسُ كلِّ خَطِيئةٍ، وإنَّما هي مَحَبّةٌ مُتَوجِّهةٌ إلى وَجْهَيْها الآخَرَينِ یی أي: إلى الأَسماءِ الحُسنَى والآخِرةِ یی وقد عَقَدتَ لِأَجْلِهما أَوا الدُّلمَحَبّةِ معَها وعَمَرْتَ ذَينِك الوَجْهَينِ بالعِبادةِ التَّفكُّرِيّةِ، حتَّى كأنَّك قُمتَ بالعِبادةِ بدُنياك كلِّها.. فلا بُدَّ أنَّ الثَّوابَ الحاصِلَ مِن هذه المَحَبّةِ يكُ إنَّوابًا أَوسَعَ مِنَ الدُّنيا كلِّها، وهذا هو مُقتَضَى الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ والحِكْمةِ الرَّبَّانيّةِ.
— 836 —
ثمَّ لأنَّ تلك المَحَبّةَ قد حَصَلَت بمَحَبّةِ الآخِرةِ وكَونِها مَزرَعةً لها، وبمَحَبّةِ اللهِ سُبحانَه، وكَونِهالةٌ!
ً لإظهارِ أَسمائِه الحُسنَى.. فلا شَكَّ أنَّها تُقابَلُ بمَحبُوبٍ أَوْسَعَ مِنَ الدُّنيا كلِّها، وما هو إلّا الجَنّةُ الَّتي عَرْضُها السَّماواتُ والأَرضُ.
سُؤالزُولُ.فائِدةُ جَنّةٍ خالِيةٍ وواسِعةٍ سَعةَ الدُّنيا؟
الجَوابُ:لو كان مِنَ المُمكِنِ أن تَتَجوَّلَ بسُرعةِ الخَيالِ في أَقطارِ الأَرضِ كُلِّها، وتَزُورَ أَغلَبَ النُّجُومِ الَّتي في السَّماءِ، لَكُنتَ تقُولُ عِندَُونَ ننَّ العالَمَ كلَّه لي. فلا يُزاحِمُ حُكْمَك هذا ولا يُنافيه وُجُودُ المَلائِكةِ والنّاسِ الآخَرِين والحَيَواناتِ معَك في هذا العالَمِ الواسِعِ.
وكذلك يُمكِنُك أن تقُولَ: إنَّ تلك الجَنّةَ ليْرةَ خى لو كانَت مَلِيئةً بالقادِمِين إلَيها.
وقد بَيَّنّا في رِسالةِ "الجَنّةِ" یی وهي "الكَلِمةُ الثّامِنةُ والعِشرُون" یی مَعنَى الحَدِيثِ الوارِدِ مِن أنَّه يُعطَى لِبَعضِ أَهلِ الجَنّةِ جَنّةٌ سَعَتُها خَمسُ مِئةِ سَنِنَّ مذا بَيَّنّاه في رِسالةِ "الإخلاصِ".
الإشارةُ التّاسعة:إنَّ نَتِيجةَ الإيمانِ باللهِ ومَحَبَّتِه سُبحانَه هي رُؤْيةُ جَمالٍ مُقَدَّسٍ وكَمالٍ مُنزَّهٍ لِلذّاتِ الجَلِيلةِ سُبحانَه وتَعالَى، كما هي ثابِتةٌ باللِجِنِّ الصَّحِيحِ والقُرآنِ الكَرِيمِ؛ هذه الرُّؤْيةُ الَّتي تُساوِي ساعةٌ مِنها أَلفَ سَنةٍ مِن نَعِيمِ الجَنّةِ، ذلك النَّعِيمِ الَّذي ساع"العِله تَفُوقُ أَلفَ سَنةٍ مِن حَياةِ الدُّنيا الهَنِيئةِ، كما هو ثابِتٌ لَدَى أَهلِ العِلمِ والكَشْفِ بالِاتِّفاقِ.
ويُمكِنُك قِياسُ مَدَى الشَّوقِ واللَّهْفةِ الَّتيا أَواوِي علَيهِما فِطْرةُ الإنسانِ لِرُؤيةِ ذلك الجَمالِ المُقَدَّسِ والكَمالِ المُنزَّهِ، ومَدَى ما فيها مِن رَغبةٍ جَيّاشةٍ وتَوْقٍ شَدِيدٍ والْتِياعٍ لِ كُلٍِّهما، بالمِثالِ الآتي:
كلُّ إنسانٍ يَشعُرُ في وِجْدانِه بلَهْفةٍ شَدِيدةٍ لِرُؤيةِ سَيِّدِنا سُلَيمانَ عَليهِ السَّلام الَّذي أُوتِيَ الكَمالَ، ويَشعُرُ أَيضًا بشَوْقٍ عَظِيمٍ نحوَ رُؤْيةِ سَيِّدِنا يُوسُمِنَ ايهِ السَّلام الَّذي أُوتِيَ شَطْرَ الجَمالِ.. فيا تُرَى كم يكُونُ مَدَى الشَّوقِ واللَّهْفةِ لَدَى الإنسانِ لِرُؤْيةِ جَمالٍ مُقَدَّسٍ
— 837 —
وكَمالٍ مُنزْرِبُ مِن تَجَلِّياتِهما: الجَنّةُ الخالِدةُ بجَمِيعِ مَحاسِنِها ونَعِيمِها وكَمالاتِها الَّتي تفُوقُ أَضْعافًا لا حَدَّ لَها مِنَ المَرّاتِ جَلَمٌ ممَحاسِنِ الدُّنيا وكَمالاتِها..
اللَّهُمَّ ارزُقنَا فِي الدُّنيَا حُبَّكَ وحُبَّ مَا يُقَرِّبُنَا إِلَيكَ، والِاستِقَامَةَ كَمَا أَمَرتَ، وفِي الآخِرَةِ رَحمَتَكَ وَرُؤيَتَكَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّ حَرَكا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى مَن أَرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ. آمِينَ
تنبيهٌ
لا تُعَدُّ التَّفصِيلاتُ الوارِدةُ في خِتامِ هذه الكَلِمةِ طَ الصّا، بل هي مُختَصَرةٌ بالنِّسبةِ لِأَهمِّيَّتِها، إذ تَحتاجُ إلى إطْنابٍ أَكثَرَ.
والمُتَیكلِّمُ في "الكَلِماتِ" كلِّها ليس أنا، بلِ الحَقِيقةُ هي الَّتي تَتَیكلَّمُ باسمِ "الإشاراتِ القُرآنيّةِ"، والحَقِيقةُ إنَّما تَنذكِيرِالحَقِّ وتقُولُ الصِّدْقَ.
لِذا إن رَأَيتُم خَطَأً فاعلَمُوا يَقِينًا أنَّ فِكْرِي قد خالَطَ البَحْثَ وعَكَّرَ صَفْوَه وأَخطَأَ دُونَ إرادَتِي.
ِعٌ عل٭
— 838 —
مناجاة
يا ربِّ.. إنَّ مَن لا يُفتَحُ له بابُ قَصْرٍ عَظِيمٍ، يَدُقُّ ذلك البابَ بصَدَى صَوْتِ
مَن هو مَقبُولٌ مَأْنُوسٌ لَدَى البَوّابِ.
لجَلالالضَّعِيفُ المِسكِينُ أَدُقُّ بابَ رَحمَتِك بنِداءِ عَبدِك المَحبُوبِ لَدَيك "أُوَيسٍ القَرْنِيّ" وبُمناجاتِه، فكما فَتَحْتَ له بابَ رَحمَتِك يا إلٰهِي، افْتَحْه لي يا رَبُّ كذلك. أقُولُ كما قال:
إلٰهِي أنتَ رَبِّي وَأنَاصائِبٌْدُ وَأَنتَ الخَالِقُ وَأنَا المَخلُوقُ
وَأَنتَ الرَّزّاقُ وَأنَا المَرزُوقُ وَأَنتَ المَالِكُ وَأنَا المَمْلُوكُ
وَأَنتَ العَزِيزُ وَأنَا الذَّلخرَى ووَأَنتَ الغَنِيُّ وَأنَا الفَقِيرُ
وَأَنتَ الحَيُّ وَأنَا المَيِّتُ وَأَنتَ البَاقي وَأنَا الفَاني
وأَنتَ الكَرِيمُ وَأنَا اللَّئِيمُ وأَنتَ المُحسِنُ وَأنَا المُسِيءُ
وَأَنتَ الغَفُورُ وَأنَا المُذنِبُ وَأَنتَ العَظِيمُ وَأنَاا الأَِيرُ
وَأَنتَ القَوِيُّ وَأنَا الضَّعِيفُ وأَنتَ المُعطِي وَأنَا السَّائلُ
وأَنتَ الأَمِينُ وَأنَا الخائِفُ وَأَنتَ الجَوَادُ وَأنَا المِسكِينُ
وأَنتَ المُجِيبُ وَأنَا الدَّاعي وَأَنتَ الشَّافي وَأنَا المَرِيضُ
فاغفِدسِيّةذُنُوبي وتَجَاوَزْ عَنِّي وَاشْفِ أَمراضِي يَا اللهُ يَا كافِي، يَا رَبُّ يَا وافي، يَا رَحِيمُ يَا شَافي، يَا كَرِيمُ يا مُعافي، فَاعْفُ عَنِّي مِن كُلِّ ذَنْبٍ وَعافِني مِن كُلِّ دَاءٍ، وارْضَ عَنِّي أَبَدًا، بِِمًا فِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمينَ .
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
— 839 —
الكلمة الثالثة والثلاثون
وهي عبارة عن ثلاث وثلاثين نافذةً
هَذه الكَلِمة هِي "الكَلِمة الثَّالثة والثّيه الشن" مِن جِهة،
وهِي "المَكُتوب الثَّالث والثَّلاثُون" مِن جِهة أُخرَى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْةٍ ووِِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
سؤالٌ:نَرجُو أن تُوَضِّحَ لنا تَوضِيحًا مُجمَلًا ومُختَصَرًا، ما في هاتَينِ الآيَتَينِ الجامِعَترتَبةٍِن دَلائِلَ على وُجُوبِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه، وعلى وَحْدانيَّتِه وأَوصافِه الجَلِيلةِ وشُؤُونِه الرَّبّانيّةِ، سَواءٌ أكانَ وَجهُ الدَّلائِلِ في العالَمِ الأَصغَرِ أوِ الأَكبَرِ، ا ما ن الإنسانِ أوِ الكَونِ؛ فلَقد أَفرَطَ المُلحِدُون وتَمادَوا في غَيِّهم حتَّى بَدَؤُوا يُجاهِرُون بقَولِهم: إلى مَتَى نَرفَعُ أَكُفَّنا ونَدعُو: "وهو على كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ"؟ إنسانجَوابُ:إنَّ ما كُتِبَ في كِتابِ "الكَلِماتِ" مِن ثلاثٍ وثلاثينَ "كَلِمةً"، ما هي إلَّا ثلاثٌ وثلاثونَ قَطْرةً تَقَطَّرَت مِن فَيضِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ؛ يُمكِارةً سن تَجِدُوا ما يُقنِعُكم بمُراجَعَتِها. أمّا هنا فسنُشِيرُ مُجَرَّدَ إشارةٍ إلى رَشَحاتِ قَطْرةٍ مِن ذلك البَحرِ العَظِيمِ. فنُمَهِّدُ لها بمِثالٍ:
إنَّ الَّذي يَملِكُ قُدرةً مُعجِزةً نظُرْ!ةً فائِقةً إذا ما أَرادَ أن يَبنِيَ قَصْرًا عَظِيمًا فلا شَكَّ أنَّه قبلَ كلِّ شَيءٍ يُرسِي أُسُسَه بنِظامٍ مُتقَنٍ، ويَضَعُ قَواعِدَه بحِكْمةٍ كامِلةٍ، ويُنَسِّقُه تَنسِيقًا
#8مُ تلكائِمُ لِما يُبنَى لِأَجلِه مِن غاياتٍ وما يُرجَى مِنه مِن نَتائِجَ؛ ثمَّ يَبدَأُ بتَقسِيمِه وتَفصِيلِه بما لَدَيه مِن مَهارةٍ وإبداعٍ إلى أَقسامٍ ودَوائِرَ وحُجُراتٍ، ثمَّ نَراه يُنَظّشْنَقةك الحُجُراتِ ويُزَيِّنُها برَوائِعِ النُّقُوشِ الجَمِيلةِ، ثمَّ يُنَوِّرُ كلَّ رُكنٍ مِن أَركانِ القَصرِ بمَصابِيحَ كَهرَبائيّةٍ عَظِيمةٍ، ثمَّ لِأَجلِ تَجدِيدِ إحسانِه وإظهارِ مَهارَتِه نَراه يُجَدِّدُ ما فيه مِنَنِ المياءِ ويُبَدِّلُها ويُحَوِّلُها؛ ثمَّ يَربِطُ بكلِّ حُجْرةٍ مِنَ الحُجُراتِ هاتِفًا خاصًّا يَتَّصِلُ بمَقامِه، ويَفتَحُ مِن كلٍّ مِنها نافِذةً يُرَى مِندائرةِامُه الرَّفيعُ.
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فالصّانِعُ الجَلِيلُ الَّذي له أَلفُ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، أَمثالَ: الحاكِمِ الحَكِيمِ، والعَدْلِ الحَكَمِ، والفاطِرِ اه، ولنلِ، الَّذي ليس كمِثْلِه شَيءٌ، أَرادَ یی وإرادَتُه نافِذةٌ یی خَلْقَ شَجَرةِ الكائِناتِ العَظِيمةِ، وإيجادَ قَصرِ الكَونِ البَدِيعِ.. هذا العالَمِ الأَكبَرِ.. فوَضَعظَرةٍ َ ذلك القَصرِ وأُصُولَ تلك الشَّجَرةِ في سِتّةِ أَيّامٍ بدَساتِيرِ حِكْمَتِه المُحِيطةِ وقَوانِينِ عِلْمِه الأَزَليِّ؛ ثمَّ صَوَّرَه وأَحسَنَ صُوْرَتَه بدَساتيرِ القَضاءِ والقَدَرِ، وفَصَّله تَفصِيلًا دَقِيقًا إلى طَبَقاتٍ ةً إلىعٍ عُلْوِيّةٍ وسُفْلِيّة؛ ثمَّ نَظَّم كلَّ طائِفةٍ مِنَ المَخلُوقاتِ وكلَّ طَبَقةٍ مِنها بدَساتيرِ الصُّنْعِ والعِنايةِ؛ ثمَّ زَيَّن كلَّ شَيءٍ وكلَّ عالَمٍ بما يَلِيقُ به مِن جَمالٍ، فزَيَّن السَّماءَ مَثلًا بالنُّجُومِ، وكتةُ ا الأَرضَ بالأَزاهِيرِ؛ ثمَّ نَوَّرَ مَيادِينَ تلك القَوانينِ الكُلِّيّةِ وآفاقَ تلك الدَّساتيرِ العامّةِ بتَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى؛ ثمَّ أَمَدَّ الَّذين يَستَغِيثُون به مِمّا يُلاقُونَه مِن مُضايَقاتِ تلك القَوانينِ اهِي تَيّةِ، فتَوَجَّه إلَيهِم باسمِ "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ"، أي: إنَّه وَضَع في ثَنايا قَوانِينِه الكُلِّيّةِ ودَساتِيرِه العامّةِ مِنَ الإحساناتِ الخاصّةِ والإغاثاتِ الخاصّةِ والتَّجَلِّياتِ الخاصّةِ ما يَّهٍ، نُ كلَّ شَيءٍ أن يَتَوجَّهَ إلَيه سُبحانَه في كلِّ حِينٍ ويَسأَلَه كلَّ ما يَحتاجُه؛ وفَتَح مِن كلِّ مَنزِلٍ، ومِن كلِّ طَبَقةٍ، ومِن كلِّ عالَمٍ، ومِن كلِّ طا، وهو ومِن كلِّ فَردٍ، ومِن كلِّ شَيءٍ نَوافِذَ تَتَطلَّعُ إلَيه وتُظهِرُه، أي: تُبيِّنُ وُجُودَه الحَقَّ ووَحدانيَّتَه، فأَوْدَع في كلِّ قَلبٍ هاتِفًا يتَّصِلُ به.
وبعدُ، فلن نُقحِمَ أَنفُسَنا فيمفُسُ واقةَ لنا به مِن بَحْثِ هذه النَّوافِذِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، بل نُحِيلُها إلى عِلمِ اللهِ المُحِيطِ بكلِّ شَيءٍ، إلَّا ما نُشِيرُ مِن إشاراتهِ جَلَلةٍ فقط إلى ثلاثٍ وثلاثينَ نافِذةً مِنها، تَألَّقَت مِن لَمَعاتِ آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فأَصبَحَتِ
— 841 —
"المَكتُوبَ الثّالِثَ والثَّلاثينَ" مِن "الكَلِمةِ الثّالثةِ والثَّلاثينَ"، وقد رَ، مُناها في ثلاثٍ وثلاثينَ نافِذةً تَبَرُّكًا بالأَذكارِ الَّتي تَأْتِي عَقِبَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ ونَدَعُ إيضاحاتِها المُفَصَّلةَ إلى الرَّسائِلِ الأُخرَى.
النَّافذةُ الأولَى
نُشاهِدُ في المَوجلٰهِيّ جَمِيعِها یی ولا سِيَّما الأَحياءِ مِنها یی افتِقارًا إلى حاجاتٍ مُختَلِفةٍ ومَطالِبَ مُتَنوِّعةٍ لا تُحصَى.. وإنَّ تلك الحاجاتِ تُساقُ إلَيها مِن حيثُ لا تَحتَسِبُ، وتلك المَطالِبَ تَتْرَى علَيها كلٌّ في وَقْتِه المُُمُّ ا.. عِلْمًا أنَّ أَيدِيَ ذَوِي الحاجةِ تَقصُرُ عن بُلُوغِ أَدنَى حاجاتِها فَضْلًا عن أَوْسَعِ غاياتِها ومَقاصِدِها.. فإن شِئتَ فتَأَمَّلْ في نَفسِك تَجِدْها مَغلُولةَ اليَدَينِ إزاءَ كَثيرٍ مِمّا يَلْزَمُها ، وتَحجاتٍ، أمثالِ حَواسِّك الظّاهِرةِ والباطِنةِ، وكذا حاجاتِ هذه الحَواسِّ.. فقِسْ على نَفْسِك نُفُوسَ جَمِيعِ الأَحياءِ، وتَأَمَّلْ فيها، تَجِدْ أنَّ كلَّ كائِنهذه الا يَشهَدُ بفَقْرِه وحاجاتِه المَقْضِيَّةِ مِن غيرِ حَوْلٍ مِنه ولا قُوّةٍ على الواجِبِ الوُجُودِ، ويُشِيرُ بهما إلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه وتَعالَى، كما يَدُلُّ علَيه بمَجمُوعِه كدَلالةِ ضَ فالشَّمسِ على الشَّمسِ نَفسِها، ويُبيِّنُ للعَقلِ المُنصِفِ أنَّه سُبحانَه في مُنتَهَى الكَرَمِ والرَّحمةِ والرُّبُوبيّةِ والتَّدبِيرِ.
فما كِينُ.َ جَهْلَك.. وأَلْعَنَ غَفْلَتَك.. أيُّها الجاهِلُ الغافِلُ المُكابِرُ!! كيف تُفَسِّرُ هذه الفَعَّاليَّةَ الحَكِيمةَ والبَصِيرةَ والرَّحِيمةَ؟! أبِالطَّبِيعةِ الصَّمّاءِ؟ أم بالقُوّةِ العَمْياءِ؟ أم بالمُصادواسمِ لعَشْواءِ؟ أم بالأَسبابِ الجامِدةِ العاجِزةِ؟
النَّافذةُ الثانية
بَينَما تَتَردَّدُ الأَشياءُ وتَحارُ في وُجُودِها وتَشَخُّصِها بينَ طُرُقِ الإمكاناتِ والِاحتِمالاتِ غيرِ المُتَناهِيةَّلَ ا بها تُمنَحُ صُورةً مُمَيَّزةً، غايةً في الِانتِظامِ والحِكْمةِ..
تأَمَّلْ في العَلاماتِ الفارِقةِ المَوجُودةِ في وَجْهِ كُلِّ إنسانٍ، تلك العَلاماتِ الَّتي تُمَيِّیزُه عن كلِّ واحِدلأَجساأَبناءِ جِنْسِه، وأَمعِنِ النَّظَرَ فيما أُودِعَ فيه بحِكْمةٍ بَدِيعةٍ مِن
— 842 —
حَوَاسَّ ظاهِرةٍ ومَشاعِرَ باطِنةٍ.. ألا يُثبِتُ ذلك أنَّ هذا الوَجْهَ الصَّغِيرَ آيةٌ ساطِعةٌ للأَحَدِيّةِ؟
خِيمةَ أنَّ كلَّ وَجْهٍ يَدُلُّ یی بمِئاتِ الدَّلائِلِ یی على وُجُودِ صانِعٍ حَكِيمٍ، ويَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه، فمَجمُوعُ الأَوجُهِ أيضًا، وفي الأَحياءِ كافّةً تُبيِّنُ للبَصِيرةِ النّافِذةِ أنَّ إقامٌَ كُبْرَى جَلِيلةٌ للخالِقِ الواحِدِ الأَحَدِ.
فيا أيُّها المُنكِرُ، أَتَقدِرُ أن تُحِيلَ هذه العَلاماتِ والأَختامَ الَّتي لا تُقَلَّدُ، أو أن تُسنِدَ الآيةَ الكُبْرَى للأَحَدِ الصَّمَدعضٍ، داطِعةَ في مَجمُوعِها.. إلى غيرِ بارِئِها المُصَوِّرِ؟
النَّافذةُ الثالثة
إنَّ أَنواعَ النَّباتِ، وطَوائِفَ الحَيَوانِ، المُنتَشِرةَ على ا المَو هي أَكثَرُ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ وطائِفةٍ، (حاشية): بَل إنَّ عَدَد أَفرادِ قِسمٍ مِن تِلكَ الطَّوائِفِ یی خِلالَ سَنةٍ واحِدةٍ یی هو أَكثَرُ مِن عَدَدِ البَشَرِيّةِ منذُ آدَمإنَّ ههِ السَّلام إلى قيامِ السّاعةِ. وكأنَّها جَيشٌ هائِلٌ عَظِيمٌ، فنَرَى أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن هذا الجَيشِ له رِزْقُه المُختَلِفُ عنِ الآخَرِ وصُورَتُه المُتَبايِنةُ، وأَسلِحَتُه المُتَنوِّعةُ ومَلابِسُه المُتَميِّزةُ، وتَدرِيبُه الخاصُّ الشَِّيحُه المُتَفاوِتُ مِنَ الخِدمةِ.. وتَجرِي هذه كلُّها في نِظامٍ مُتقَنٍ، ووَفْقَ تَقدِيرٍ دَقِيقٍ. فإدارةُ هذا الجَيشِ العَظِيمِ، وتَربِيةُ أَفرادِه، دُونَما نِسيانٍ لِأَحَدٍ ولا جِنِّ اسٍ، لَهِي آيةٌ ساطِعةٌ كالشَّمسِ للواحِدِ الأَحَدِ.
فمَن ذا يَستَطِيعُ أن يَمُدَّ يَدَ المُداخَلةِ في هذه الإدارةِ المُعجِزةِ مِن دُونِ مالِكِها القَدِيرِ الَّذي لا حَسماءِ قُدرَتِه، ولا حُدُودَ لِعِلمِه، ولا نِهايةَ لِحِكْمَتِه! ذلك لأنَّ الَّذي يَعجِزُ عن إدارةِ وتَربِيةِ هذه الأَنواعِ المُتَداخِلةِ ببَعضِها والأُمَمِ المُكتَنِفِ بعضُها في بِيِّ.
ُفعةً واحِدةً وفي آنٍ واحِدٍ، يَعجِزُ كُلِّیيًّا عن مُباشَرةِ خَلْقِ واحِدٍ مِنها، إذ لو حَصَلَت مُداخَلَتُه في أيٍّ مِنها لَظَهَر أَثَرُه، وبانَ النَّقْصُ والقُصُورُ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ.
فللنُّورورَ ولا نَقْصَ، إذًا فلا شَرِيكَ.
— 843 —
النَّافذةُ الرَّابعة
هي استِجابةُ الخالِقِ لِجَمِيعِ الأَدعِيةِ المُنطَلِقةِ بلِسانِ استِعداداتِ البُذُورِ، وبلِسانِ احتِياجاتِ الحَيَواناتِ، وبلِسانِ اضطِرارِ المُستَغِيثينَ مآَيَاتِي الإنسانِ..
نعم، إنَّ الِاستِجابةَ لِجَمِيعِ هذه الأَدعِيةِ غيرِ المَحدُودةِ استِجابةً فِعْلِيّةً، بادِيةً أَمامَنا، نُشاهِدُها رَأْيَ العَينِ.
فكما يُشِيرُ كُلٌّ مِنها إلى "الواجِبِ الوُجُودِ" وإلى الوَحْدانيبها الإنَّ مَجمُوعَ تلك الِاستِجاباتِ تَدُلُّ بالبَداهةِ وبمِقْياسٍ أَوْسَعَ وأَعظَمَ على خالِقٍ رَحِيمٍ كَرِيمٍ مُجِيبٍ، وتُوَجِّهُ الأَنظارَ إلَيه سُبحانَه.
ةِ، وهفذةُ الخامسة
إذا أَمْعَنَّا النَّظَرَ في الأَشياءِ یی ولا سِيَّما الأَحياءِ یی نُشاهِدُها وكأنَّها قد خَرَجَت مِن يَدِ الخَلْقِ لِتَوِّها، وبَرَزَت إلى الوُجُودِ بُرُوزًا فُجائيّنَ الكبَينَما يَنبَغي أن تكُونَ الأَشياءُ المُرَكَّبةُ آنِيًّا وعلى عَجَلٍ بَسِيطةَ التَّركِيبِ ومُشَوَّهةَ الشَّكْلِ، ومِن دُونِ إتقانٍ، نَراها تُخلَقُ في أَتقَنِ صَنْعةٍ وأَبدَعِها؛ هذا الإتقانِ والإبداعِ الَّذي يَتَطلَّبُ مَهارةً فا هذه ا ونَراها في أَرْوَعِ نَقْشٍ وأَدَقِّ صُورةٍ، هذه الرَّوعةِ والدِّقّةِ الَّتي تَحتاجُ إلى صَبْرٍ عَظِيمٍ وزَمَنٍ مَدِيدٍ؛ ونَراها في زِينةٍ فاخِرةٍ وجََ أَنَّخّاذٍ، هذه الزِّينةِ وهذا الجَمالِ اللَّذينِ يَستَدعِيانِ آلاتِ تَجمِيلٍ مُتَنوِّعةً، ووَسائِلَ زِينةٍ كَثِيرةً.
فهذا الإتقانُ المُعجِزُ، والصُّورةُ البَدِيعةُ، والهَيْئةُ المُنَسَّقةُ، والإِمِ.. الآنِيُّ، كلٌّ مِنه يَشهَدُ على وُجُودِ الصَّانِعِ الحَكِيمِ، ويُشِيرُ إلى وَحْدانيّةِ رُبُوبيَّتِه؛ كما أنَّ مَجمُوعَه يُبيِّنُ بوُضُوحٍ "الواجِبَ الوُجُودِ" القَدِيرَ الحَكِيمَ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّیتَه سُبحانَه.
فيا أيُّها الغافِلُ عنْتِي مه، الحائِرُ في أَمرِ المَوجُوداتِ..هيَّا.. بماذا تُوَضِّحُ هذا الأَمرَ وتُفَسِّرُه؟ أفتُفَسِّرُه بالطَّبِيعةِ العاجِزةِ البَلِيدةِ الجاهِلةِ؟ أم تَرِيدُ أن تَقتَرِفَ بجَه..
َطَأً لا حُدُودَ له، فتُقلِّدَ الطَّبِيعةَ صِفاتِ الأُلُوهِيّةِ، وتَنسُبَ إلَيها بهذه الحُجّةِ مُعجِزاتِ قُدرةِ ذلك الصّانِعِ الجَلِيلِ المُنَزَّهِ عن كلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، فتَرتَكَجَلِّلفَ مُحالٍ ومُحالٍ؟!!
— 844 —
النَّافذةُ السادسة
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فأو مَحبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَِ، لأنٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
هذه الآيةُ الكَرِيمةُ كما أنَّها تُبيِّنُ وُجُودَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى وتَدُلُّ على وَحْدانيَّتِه، فهي في الحَقِيقةِ نافِذةٌ عَظِيمةٌ جِدًّا تُطِلُّ ِركِ وِاسمِ الأَعظَمِ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى. وزُبدةُ خُلاصَتِها: أنَّ جَمِيعَ عوالِمِ الكَونِ یی عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها یی تَدُلُّ بأَلسِنةٍ مُختَلِفةٍ على نَتِيجةٍ واحِدةٍ، أي: على رُبُوبيّةِ صانِعٍ حَكِيمٍ واحِدٍ، وكم الخالتِي:
إنَّ جَرَيانَ الأَجرامِ في "السَّماواتِ" بمُنتَهَى النِّظامِ لِبُلُوغِ غاياتٍ جَلِيلةٍ، ونَتائِجَ سامِيةٍ یی بتَقرِيرِ عِلْمِ الفَلَكِ نَفسِه یی إنَّمابُ، ثمُّ على وُجُودِ إلٰهٍ قَدِيرٍ ذِي جَلالٍ، ويَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه ورُبُوبيَّتِه الكامِلةِ.
كما أنَّ التَّحَوُّلاتِ المُنتَظِمةَ في "الأَرضِ" والمُشاهَدةَ الشُّمَواسِمِ لِحُصُولِ مَنافِعَ عَظِيمةٍ ومَصالِحَ شَتَّى یی بتَقريرِ الجُغْرافيةِ یی إنَّما تَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على ذَلِكُمُ القَدِيرِ ذخالِقَِلالِ، وتَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه ورُبُوبيَّتِه الكامِلةِ.
ثمَّ إنَّ جَمِيعَ "الحَيَواناتِ" الَّتي تَمْلَأُ البَیرَّ والبَحْرَ والَّتي يُرسَلُ رِزقُ كُلٍّ مِنها برَحْمةٍ واسِعةٍ، وتُن شُعُأَثوابٍ مُتَنوِّعةٍ، بحِكْمةٍ تامّةٍ، وتُجَهَّزُ بحَواسَّ مُختَلِفةٍ، برُبُوبيّةٍ كامِلةٍ.. يُشِيرُ كلٌّ مِنها إلى ذلك القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، ويَشهَدُ على وَنَجهَلَّتِه، كما أنَّ مَجمُوعَها ككُلٍّ يَدُلُّ معًا وبمِقياسٍ واسِعٍ جِدًّا على عَظَمةِ الأُلُوهيّةِ وكَمالِ الرُّبُوبيّةِ.
وكذا الحالُ في "النَّباتاتِ" المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ الَّتي تَفرُشُ الأَرضَ والبَساتِينَ والزُّرُوعَ، كسِ الأنها يَدُلُّ على ذلك الصّانِعِ الحَكِيمِ، ويُشِيرُ إلى وَحْدانيَّتِه بما تَحمِلُ مِن أَزاهِيرَ جَمِيلةٍ، وما تُنتِجُ هذه الأَزاهِيرُ مِن ثِمارٍ مَوزُونةٍ، شهَدُ ى هذه الثِّمارِ مِن نُقُوشٍ رائِعةٍ، فكما أنَّ كلًّا مِنها على حِدَةٍ يَدُلُّ على الصّانِعِ فإنَّ مَجمُوعَها يُظهِرُ جَمالَ رَحْمَتِه سُبحانَه، وكَمالَ رُبُوبيَّتِه.
— 845 —
ثمَّ إنَّ "القَطَراتِ" المُسَخَّرةَ لحِكَمٍ غَزِيمِن حالِغاياتٍ سامِيةٍ، ومَنافِعَ جَلِيلةٍ، وفَوائِدَ جَمّةٍ، والَّتي تُرسَلُ مِنَ السُّحُبِ الثِّقالِ المُعَلَّقةِ بينَ السَّماءِ والأَرضِ، تَدُلُّ بعَدَدِ القَطَراتِ على ذلك الصّانِعِ الحَكِيمِ، وتَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه وكَمالِ رُبُ ووَلِِه.
كما أنَّ "الجِبالَ" الرَّاسِياتِ، وما في أَجوافِها مِن مَعادِنَ، وما لِكُلٍّ مِنها مِن خَواصَّ، وما ادُّخِرَ فيها مِن غاياتٍ شَتَّى، والمُعَدّةِ لِمَصالِحَ عِدّةٍ، كلٌّ مِنها على حِدَةٍ وبمَجمُوعِها معًا، تَدُلُّ دَلالةً أَقوَى مِنَ الرَّحِي الرَّواسِي على ذلك الصّانِعِ الحَكِيمِ وعلى وَحْدانيَّتِه وكَمالِ رُبُوبيَّتِه.
ثمَّ إنَّ أَنواعَ "الأَزاهِيرِ" الجَمِيلةِ اللَّطِيفةِ المَنثُورةِ على التِينًا والرَّوابي والصَّحارَى، وقد أَضفَى علَيها البَهاءَ والجَمالَ، كُلٌّ مِنها يَدُلُّ على ذلك الصّانِعِ الحَكِيمِ ويَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه، مِثلَما أنَّ مَجمُوعَها العامَّ يَدُلُّ على عَظِيمِ سُلطانِه وكَم الآمابُوبيَّتِه.
ثمَّ إنَّ أَنواعَ "الأَوراقِ" وأَشكالَها المُنَسَّقةَ، واهتِزازاتِها اللَّطِيفةَ الجَذّابةَ في النَّباتاتِ والأَشجارِ والأَعشابِ كافّةً تَياءِ، بعَدَدِ الأَوراقِ على ذلك الصّانِعِ الحَكِيمِ، وعلى وَحْدانيَّتِه وكَمالِ رُبُوبيَّتِه.
ثمَّ إنَّ "نُمُوَّ الأَجسامِ" بخُطُواتٍ هادِفةٍ مُطَّرِدةٍ، وتَجبنُجُوكلٍّ مِنها بأَنواعٍ مِنَ الأَجهِزةِ المُتَوجِّهةِ معًا إلى تَكْوِينِ الثِّمارِ، وكأنَّه تَوَجُّهٌ شُعُورِيٌّ، يَجعَلُ كلَّ جِسْمٍ نامٍ بأَجزائِه ومَجمُوعِه، يَشهَدُ لِذلك المالٍ أِ الحَكِيمِ ويَشِيرُ إلى وَحْدانيَّتِه، ويَدُلُّ دَلالةً أَعظَمَ على قُدرَتِه المُحِيطةِ، وحِكْمَتِه الشّامِلةِ، وصَنْعَتِه الجَمِيلةِ، ورُبُوبيَّتِه الكامِلةِ.
ثمَّ إنَّ إيداعَ "النَّفسِ" في الجَسَدِ، وتَمكِينَ "الرُّوحِ" مِن كلّ لَدُننٍ حَيَوانِيٍّ بحِكْمةٍ تامّةٍ، وتَسلِيحَه بأَسلِحةٍ مُتَنوِّعةٍ، وتَزوِيدَه بأَعتِدةٍ مُختَلِفةٍ بنِظامٍ كامِلٍ، وتَوجِيهَه إلى مُهِمّاتٍ جَلِيلةٍ، واستِخدامَه في وَظائِفَ مُتو الرّةٍ بحِكْمةٍ تامّةٍ، يُشِيرُ إشاراتٍ بعَدَدِ الحَيَواناتِ بل بعَدَدِ أَجهِزَتِها وأَعضائِها إلى وُجُودِ ذلك الصّانِعِ الحَكِيمِ، ويَشهَدُ على وَحْدانيَّتِه، مِثلََقتَضَِ مَجمُوعَها الكُلِّيَّ يَدُلُّ دَلالةً ساطِعةً على جَمالِ رَحْمَتِه وكَمالِ رُبُوبيَّتِه.
— 846 —
ثمَّ إنَّ جَمِيعَ "الإلهاماتِ" الغَيبِيّةِ الَّتي تُرشِدُ قُلُوبَ النّاسِ وتُفَقِّهُها بالعُلُومِ والحَقائِقِ، وتُعَلِّمُ الحَيَوانَنُجُومتِداءَ إلى تَوفيرِ ما يَحتاجُه مِن حاجاتٍ.. هذه الإلهاماتُ الغَيبِيّةُ بأَنواعِها المُختَلِفةِ تُشعِرُ كُلَّ ذِي بَصِيرةٍ بوُجُودِ رَبٍّ رَحِيمٍ، وتُشِيرُ إلى رُبُوبيَّتِه.
ثمَّ إنَّ جَمِيعَ "المَشاعِرِ" المُتَنوِّعة "تَماَواسِّ المُختَلِفةِ یی الظّاهِرةِ مِنها والباطِنةِ مِثلَ شُعاعاتِ الأَعيُنِ یی الَّتي تَجنِي الأَزاهِيرَ المَعنَوِيّةَ مِن بُستانِ الكَونِ، وكَوْنَ كلِّ حاسَّةٍ مِنها مِلانِ ا لِعالَمٍ مِنَ العَوالِمِ المُختَلِفةِ في الكَونِ الواسِعِ، تَدُلُّ كالشَّمسِ على وُجُودِ صانِعٍ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، وخالِقٍ رَحِيمٍ، ورَزَّاقٍ كَرِيمٍ، وتَشهَدُ على واحِدِيَّتِه وأَحَديَّتِه وكَمالِ رُبُوبيَّتِه.
فِسْ علنَّوافِذُ الِاثنَتا عَشْرةَ، كلٌّ مِنها تُمثِّیلُ وَجْهًا لِنافِذةٍ واسِعةٍ، فتَدُلُّ باثنَيْ عَشَرَ لَوْنًا مِن أَلوانِ الحَقِيقةِ على أَحَدِيّةِ اللهِ سُبحانَه، ووَحْدانيَّتِأُولى:الِ رُبُوبيَّتِه.
فيا أيُّها المُكَذِّبُ الشَّقِيُّ.. كيف تَستَطِيعُ أن تَسُدَّ هذه النّافِذةَ الواسِعةَ سَعَةَ الأَرضِ.. بلِ الواسِعةَ سَعةَ مَدارِها السَّنَوِيِّ؟! وُنُّ أ شَيءٍ يُمكِنُك أن تُطفِئَ مَنْبَعَ هذا النُّورِ السَّاطِعِ كالشَّمسِ؟ وبأيِّ سِتارٍ مِن سَتائِرِ الغَفْلةِ يُمكِنُك أن تُخفِيَه؟!..
النَّافذةُ السابعة
إنَّ ما يَبدُو عِيانًا في جَمِيعِ المَصنُوعاتِ المَبثُوثةِ علين آثاحاتِ الكَونِ مِن مَظاهِرِ النِّظامِ والمُوازَنةِ التّامّةِ، وما تَتَشكَّلُ فيه مِن صُوَرِ الزِّينةِ والجَمالِ، وما يُشاهَدُ مِن سُهُولةٍ مُت وُجُوةٍ في انبِعاثِها إلى الوُجُودِ وتَمَلُّكِها للحَياةِ، وما هي علَيه مِن تَشابُهِ بَعضِها للبَعضِ الآخَرِ في المَظاهِرِ أوِ الماهِيّاتِ فَضْلًا عنِ إظهارِها فِطْرةً واحِدةً.. كلٌّ مِن هذه المَظاهِرِ والخَصائِصِ دَليلٌ واسِعٌ سَعةَ الكَونِ علحادِ.
لِقِ القَدِيرِ، وشَهادةٌ صادِقةٌ قاطِعةٌ على وَحْدانيَّتِه سُبحانَه وقُدرَتِه المُطلَقةِ.
وكذا إنَّ "إيجادَ مُرَكَّباتٍ" مُنتَظِمةٍ لا تُعَدّذَلْناتُحصَى مِن عَناصِرَ جامِدةٍ بَسِيطةِ التَّركِيبِ، يَشهَدُ شَهادةً قاطِعةً بعَدَدِ المُرَكَّباتِ على ذلك الخالِقِ القَدِيرِ الواجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، ويُشِيرُ إشارةً صَارةُ و إلى وَحْدانيَّتِه، فَضْلًا عن أنَّ مَجمُوعَها العامَّ يُبيِّنُ بَيانًا باهِرًا كَمالَ قُدرَتِه ووَحدانيَّتِه.
— 847 —
وكذا إنَّ ما يُشاهَدُ مِنكُونَ يُزٍ" واضِحٍ و"افتِراقٍ" كامِلٍ أَثناءَ تَجَدُّدِ المَوجُوداتِ یی بالتَّحلِيلِ والتَّركِيبِ یی رَغْمَ كَوْنِها في مُنتَهَى الِاختِلاطِ والِامتِزاجِ يَدُلُّ دَلاُّورِ ضِحةً على ذلك الحَكِيمِ المُطلَقِ الحِكْمةِ، والعَلِيمِ المُطلَقِ العِلْمِ، والقَدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، ويُشِيرُ إلى وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وكَمالِ قُدْرَتِه.
فخُذْ مَثلًا:تَسَنبُلُ الى النِّ المَدفُونةِ في جَوْفِ الأَرضِ، ونُمُوُّ أُصُولِ الأَشجارِ إلى نَباتاتٍ مُختَلِفةٍ وأَشجارٍ مُتَبايِنةٍ، رَغْمَ الِاختِلاطِ والتَّشابُكِ، وكذلك لَّتْ ُیزُ المَوادِّ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في النَّباتاتِ والأَشجارِ المُتَنوِّعةِ إلى أَوراقٍ زاهِيةٍ وأَلوانٍ جَمِيلةٍ، وثِمارٍ لَطِيفةٍ رَغْمَ الِامتِزاجِ الشَّدِيدِ؛ بل حتَّى تَمايُزُ وتَجَزُّؤُ المَوادِّ الغِذائيّةَنعامَِقِيقةِ الدّاخِلةِ في حُجَيراتِ الجِسمِ بحِكْمةٍ كامِلةٍ وبمِيزانٍ دَقيقٍ رَغْمَ الِامتِزاجِ والِاختِلاطِ.
وكذا تَسخِيرُ "ذَرّاتٍ" جامِدةٍ عاجِزةٍ جاهِلةٍ للقيامِ بمَهامَّ في غايةِ الِانتِظامِ والشُّعُورِ والقُدرةِ والحِكْمةِ،ُسْنَ لُ "عالَمِ الذَّرّاتِ" ما يُشبِهُ مَزْرَعةً عَظِيمةً هائِلةً تُزرَعُ فيها كلَّ حِينٍ عَوالِمُ، وتُحصَدُ أُخرَى بحِكمةٍ تامّةٍ.. كلُّها دَلائلُ واضِحةٌ على وُجوَيداءُجُودِ ذلِكُمُ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وذلِكُمُ الخالِقِ ذِي الكَمالِ، وتَشهَدُ شَهادةً قَوِيّةً على كَمالِ قُدرَتِه، وعَظِيمِ رُبُوبيَّتِه، وعلى وَحْدانيَّتِه وكَمالِ رُبُوبيَّتِه.
وهكذا تُؤَدِّي بنا هذه الطُّرُقُ الأَربَعُ اوتُ شَةُ إلى نَّافِذةٍ عَظِيمةٍ جِدًّا تَنفَتِحُ على المَعرِفةِ الإلٰهِيّةِ، حيثُ يُطِلُّ مِنها نَظَرُ العَقْلِ الحادُّ على وُجُودِ الخالِقِ الحَكِيمِ.
فيا أيُّها الغافِلُ الشَّقِيُّ بغَفْلَتِه، إن لم تُرِدْ بعدَ هذا كلِّه رُؤيَتَه ومَعرِفَتكْرَميُدَّ نَفسَك مِنَ الأَنعامِ!
النَّافذةُ الثَّامنة
إنَّ جَمِيعَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام الَّذين هم أَصحابُ الأَرواحِ النَّیيِّرةِ في الم يَرَ الإنسانِيِّ مُستَنِدِين إلى مُعجِزاتِهِمُ الظّاهِرةِ الباهِرةِ، وجَمِيعَ الأَولياءِ الَّذين يُمثِّیلُون أَقطابَ القُلُوبِ المُنَوَّرةِ مُعتَمِدِين على كَشْفِيّاتِهم وكَراماتِهم، وجَمِيعَ ال فَضْلاءِ العُلَماءِ الَّذين يُمَثِّیلُون أَربابَ العُقُولِ النُّورانيّةِ مُستَنِدِين إلى تَحقِيقاتِهِمُ العِلمِيّةِ.. يَشهَدُون جَمِيعًا
— 848 —
على وُجُوبِ وُجُودِ الواحِدِ الأَحَدِ الخالِقِ لِكُلِّ شَيءٍ، الجَمُّون على كَمالِ رُبُوبيَّتِه ووَحْدانيَّتِه.
هذه النّافِذةُ واسِعةٌ جِدًّا ومُنَوَّرةٌ مُضِيئةٌ ساطِعةٌ، وهي مَفتُوحةٌ أبدًا لإظهارِ ذلك المَقامِ الرَّفيعِ للرُّبُوبيّةِ.
فيا أيُّها المُنكِرُ الحَيرانُ.. بِمَ تَعْتَدُّ وتَفتَخِرُ، حتَّى كِتَ تقِيَ لِهَؤُلاءِ سَمْعًا؟! لَعلَّك تَظُنُّ أنَّك بإطباقِ جَفْنَيك تَستَطِيعُ أن تَجعَلَ نَهارَ الدُّنيا لَيلًا.. ألا هَيْهاتَ..!
النَّافذةُ التَّاسعة
إنَّ "العِباداتِ" الَّتي تُؤَدِّيها الكائِناتُ بأَسْرِها تَدُلُّ بالبَداهةفيةٌ إمَعبُودٍ مُطلَقٍ..
نعم، إنَّ العُبُودِيّةَ الخالِصةَ الَّتي تُؤَدِّيها المَلائِكةُ والرُّوحانيّاتُ عُمُومًا، والثّابِتةَ بشَهادةِ الَّذين عَبَیرُوا إلى عالنَتيجةأَرواحِ مِنَ البَشَرِ، واستَبْطَنُوا بَواطِنَ الوُجُودِ، والْتَقَوْا هناك المَلائِكةَ والرُّوحانيّاتِ، وشاهَدُوهم في عِباداتِهم وتَسابِيحِهم؛ وقِيامَ جَمِيعِ یی أي الحَياةِ یی مَهما كانُوا یی بمَهامِّهِمُ الَّتي خُلِقُوا لها على أَتَمِّ نِظامٍ، وامتِثالَهُم للأَوامِرِ الإلٰهِيّةِ امتِثالَ عَبدٍ مَأْمُورٍ؛ وأَداءَ جَمِيعِدَثةِ اداتِ خِدْماتِها المُتَّسِمةَ بعُبُودِيّةٍ كامِلةٍ على أَتَمِّ طاعةٍ.. إنَّ جَمِيعَ هذه العِباداتِ المُشاهَدةِ تُشِيرُ إلى المَعبُودِ الحَقِّ الواجِبِ الوُجُودِ وإلى وَحْدانيَّتِه.
وإنَّ جَمِيعَ "المَعارِفِ" الحَقّةِ الَّتي يَحمِلُها جَمِحتَدُّعارِفِين نَتِيجةَ إخلاصِهم في عُبُودِيَّتِهم للهِ، والشُّكْرَ المُثمِرَ النّابِعَ مِن صَمِيمِ قُلُوبِ الشّاكِرِين، والأَذكارَ المُنَوَّرةَ الَّتي تُرَطِّبُ أَلسِنةَ الذّاكِراضطِراالحَمْدَ الزّائِدَ للنِّعمةِ الَّذي يَلْهَجُ به الحامِدُون، والتَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ المُصَدَّقَ بآياتِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ الَّذي يَبُثُّه المُوَحِّدُون، والحُبَّ الإلٰهِيَّ وعِشْقَه الصّادِقَ الَّذ آخَرِيعُه المُحِبُّون والواجِدُون، ورَغَباتِ المُرِيدِين الخالِصةَ في اللهِ، وحَزْمَ إرادَتِهم في السَّيرِ إلَيه، والإنابةَ الصّادِقةَ، والتَّوَسُّلَ الحَزِينَ لَدَى المُنِيبِين.. كلُّ يءٌ، اظَّواهِرِ المُنبَعِثةِ مِن جَمِيعِ هؤلاء الَّذين يَحمِلُ كلٌّ مِنهم قُوّةَ التَّواتُرِ والإجماعِ، تَدُلُّ دَلالةً قَوِيّةً على وُجُوبِ وُلك الشذَلِكُمُ المَعبُودِ الأَزَليِّ؛ المَعرُوفِ، المَذكُورِ،
— 849 —
المَشكُورِ، المَحمُودِ، الواحِدِ، المَحبُوبِ، المَرغُوبِ، المَقصُودِ؛ وتَدُلُّ على كَمالِ رُبُوبيَّتِه ووَحْدانيَّتِه.
ثمَّ إنَّ جَمِيعَ العِباداتِ المَقبُولةِ الَّتي يَتَعبَّدُ عِ رَغكامِلُون مِنَ النّاسِ، وما يَنبَعِثُ مِن تلك العِباداتِ المَرضِيّةِ مِن فُيُوضاتٍ ومُناجاةٍ ومُشاهَداتٍ وكَشْفِيّاتٍ، جَمِيعَها تَدُلُّ دَلالةِيذةِ يّةً جِدًّا على ذلك المَوجُودِ الباقي، وذلك المَعبُودِ الأَبدِيِّ، وعلى أَحَدِيَّتِه وكَمالِ رُبُوبيَّتِه.
فهذه النّافِذةُ المُضِيئةُ والواسِعةُ جِدًّا، تَنفَتِحُ مِن ثلاثِ جِهاتٍ انفِتاحًا على الوَحدلِأَشِ.
النَّافذةُ العاشِرةُ
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّررةُ المُ الْأَنْهَارَ ٭ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ٭ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لُ فهي ْصُوهَا
إنَّ مُعاوَنةَ المَوجُوداتِ بعضِها للبعضِ الآخَرِ وتَجاوُبَها فيما بَينَها، وتَسانُدَها في الوَظائِفِ والواجِباتِ.. تَدُلُّ على أنَّ كلَّ المَخلُوقاتِ تحتَ تَربيةِ ورِعايةِ مُرَبٍّ واحِدٍ أَحَدٍ، وأنَّ الكُلَّ تَحجَل، إرِ مُدَبِّرٍ واحِدٍ أَحَدٍ، وأنَّ الكُلَّ تحتَ تَصَرُّفِ واحِدٍ أَحَدٍ.. ذلك لأنَّ "دُستُورَ التَّعاوُنِ" بينَ المَوجُوداتِ يَجرِي ابتِداءً مِنَ الشَّمسِ الَّتي تُهيِّئُ بأَمرِ اللهِ لَوازِمَ الحَياةِ للأَحياءُِجُومََ القَمَرِ الَّذي يُعْلِمُنا المَواقِيتَ، وانتِهاءً إلى إمدادِ الضَّوءِ والهَواءِ والماءِ والغِذاءِ لِذَوِي الحَياةِ، وإمدادِ النَّباتاتِ للحَيَواناتِ، وإمدادِ الحَيَواناتِ للإنسانِ، بل حتَّى إمدادِ كلِّ عُضْرَحمَت أعضاءِ الجِسمِ للآخَرِ، وإمدادِ ذَرّاتِ الغِذاءِ لِحُجَيراتِ الجِسمِ.. فخُضُوعُ هذه المَوجُوداتِ الجامِدةِ الفاقِدةِ للشُّعُورِ وانقِيادُها لِدُستُورِ لِدَتياوُنِ وارتباطُها معًا ارتِباطَ تَفاهُمٍ وتَجاوُبٍ في مُنتَهَى الحِكْمةِ، وفي مُنتَهَى الإيثارِ والكَرَمِ، وجَعْلُ كلٍّ مِنها يَسعَى لإغاثةِ الآخَرِ وإمدادِه بلَوازِمِ حَياتِه، ويُهرَعُ لِقَضاءِ حاجِيّاتِه وإسعافِه، تحتَ ظِلِّ قانُوٍ مِنََرَمِ ونامُوسِ الرَّأْفةِ، ودُستُورِ الرَّحمةِ.. كلُّ ذلك
— 850 —
يَدُلُّ بَداهةً على أنَّ جَمِيعَها مَخلُوقاتٌ مَأْمُوراتٌ ومُسَخَّراتٌ عامِلاتٌ هِيّةُدِ الأَحَدِ، الفَرْدِ الصَّمَدِ، القَدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، والعَلِيمِ المُطلَقِ العِلْمِ، والكَرِيمِ المُطلَقِ الكَرَمِ.
فيا أيُّها المُتَفلسِفُ المُفلِسُ.. ما تقُولُ في هذه النَّشُهُود العَظِيمةِ؟ أيُمكِنُ للمُصادَفةِ الَّتي تَعتَقِدُ بها أن تَتَدخَّلَ في هذه الأُمُورِ؟!
النَّافذةُ الحاديةَ عَشْرةَ
أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
إنَّه لا خَلاصَ للقُلُوبِ والأَرواحِ مِن قَبضةِ اَّيطانِ الرَّهِيبِ، ومِن دَوّاماتِ الِاضطِرابِ والخَوفِ، ومِن ظَمَأِ الضَّلالةِ وحُرقةِ نارِ البُعدِ عنِ اللهِ إلَّا بمَعرِفةِ خالِقٍ واحِدٍ أَحَدٍ.. إذ ما إنْ يُسلَّمُ أَمرُ القُلُوبِ والأَرواحِ، وأَمرُ كلِّ المَوجُوداتِ َسالِكلِقٍ واحِدٍ أَحَدٍ حتَّى تَجِدَ راحَتَها، وتَحظَى بخَلاصِها مِن عَناءِ تلك الزَّلازِلِ النَّفسِيّةِ المُدَمِّرةِ وتَسكُنَ مِن ذلك القَلَقِ وتَستَقِرَّ وتَطمَئِنَّ.
لأنَّه إن لم يُسنَدْ أَمرُ المَوجُوداتِ ّةُ إن إلى واحِدٍ أَحَدٍ، فسَيُحالُ خَلْقُ كلِّ شَيءٍ إذًا إلى ما لا يُحَدُّ مِنَ الأَسبابِ.. وعِندَها يكُونُ إيجادُ شَيءٍ واحِدٍ مُشكِلًا وعَوِيصًا كخَلْقِ المَوجُوداتِ كلِّها، ولقد أَثْبَتْنا في " ٭ ٭مةِ الثّانيةِ والعِشرِين" أنَّه إن فُوِّضَ أَمرُ الخَلْقِ إلى اللهِ، فقد فُوِّضَ إذًا ما لا يُحَدُّ مِنَ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، وإلّا فسيكُونُ أَمرُ كلِّ شَيءٍ بِيَدِ ما لسبابِ دُّ مِنَ الأَسبابِ، وفي هذه الحالةِ يكُونُ خَلْقُ ثَمَرةٍ واحِدةٍ مَثلًا فيه مِنَ المُشكِلاتِ والصُّعُوباتِ بقَدْرِ الكَونِ كُلِّه، بل أَكثَرُ.
ولْنُوضِّحْ ذلك بمِثالالخَوْا أنَّ تَفوِيضَ إدارةِ جُندِيٍّ واحِدٍ إلى أُمَراءَ عَدِيدِين فيه مَشاكِلُ عَدِيدةٌ جِدًّا، بَينَما تَفوِيضُ إدارةِ مِئةِ جُندِيٍّ إلى ضابِطٍ واحِدٍتلك الُهُولةٌ بالِغةٌ كإدارةِ جُندِيٍّ واحِدٍ، كذلك اتِّفاقُ ما لا يُحَدُّ مِنَ الأَسبابِ في إيجادِ شَيءٍ واحِدٍ فيه مِئاتُ الأَضعافِ مِنَ الإشِها ال؛ بَينَما في إيجادِ الواحِدِ الأَحَدِ للأَشياءِ العَدِيدةِ، فيه مِئاتُ الأَضعافِ مِنَ السُّهُولةِ.
— 851 —
وهكذا، فما يَستَشعِرُه الإنسانُ مِن لَهْفةٍ إلى الحَقِيقةِ وتَوْقٍ إلَيها، لأَفعاُه دائِمَ القَلَقِ والِاضطِرابِ ما لم يَبلُغْها؛ فلا يَجِدُ الِاطمِئْنانَ والسُّكُونَ إلَّا بتَوحِيدِ الخالِقِ ومَعرِفةِ اللهِ سُبحانَه، ما دامَ في لَّتي ِ الكُفرِ والشِّركِ ما لا يُحَدُّ مِنَ الِاضطِراباتِ والمَشاكِلِ فهُو مُحالٌ؛ ولا حَقِيقةَ له أصلًا؛ وما دامَ في سَبِيلِ التَّوحِيدِ ما لا يُحَدُّ مِنَ السُّهُولةِ واليُسرِ ییالنُّوَتَوافَقُ معَ سُهُولةِ خَلْقِ المَوجُوداتِ وكَثْرَتِهم وحُسْنِ تَسوِيَتِهِم یی فهُو واجِبٌ وحَقِيقةٌ.
فيا مَن يَتْبَعُ الضَّلالةَ.. ويا أيُّها الشَّقِيُّرًا ِسكِينُ.. تَأَمَّلْ طَرِيقَ الضَّلالةِ ما أَظلَمَه وما أَشَدَّه إيلامًا لِوِجْدانِ الإنسانِ! فما الَّذي يَدفَعُك لِسُلُوكِه؟! ثمَّ تَأَمَّلْ في طَرِيقِ التَّوحِيدِ فما أٍَ واحِ وما أَصفاه فاسْلُكْه وانجُ بنَفسِك!
النَّافذة الثَّانيةَ عَشْرةَ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ٭ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٭ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى
هذه الآياتُ الكَرِيمةُ تُرشِدُنا إلى أنَّ جَمِيعَ الأَشياءِ ولا سِلنُّورالأَحياءَ تَظهَرُ إلى الوُجُودِ وكأنَّها خَرَجَت مِن قالَبٍ مُصَمَّمٍ تَصمِيمًا حَكِيمًا يَهَبُ لكُلِّ شَيءٍ مِقدارًا مُنتَظِمًا وصُورةً بَدِيعةً يَشِفِّّيّةٍن حِكْمةٍ واضِحةٍ؛ فنَرَى في الجِسمِ خُطُوطًا مُتَعرِّجةً، وانحِناءاتٍ وانعِطافاتٍ تَنشَأُ عنها فَوائِدُ شَتَّى للجِسمِ، ومَنافِعُ عَدِيدةٌ تُسَهّن أَجم أَمرَ أَداءِ وَظِيفَتِه الَّتي خُلِقَ مِن أَجلِها على أَتَمِّ وَجْهٍ.
فالمَوجُودُ له صُورةٌ مَعنَوِيّةٌ في عِلمِ اللهِ تُمَثِّیلُ مُقَدَّراتِه الحَياتيّةَ، وهي تُلازِمُ الصُّورةَ المادِّيّةَ ًا هو قِلُ معَها في مَراحِلِ نُمُوِّها، ثمَّ تَتَبدَّلُ تلك الصُّورةُ والمَقادِيرُ في مَسِيرةِ حَياتِه تَبَدُّلًا يُلائِمُ الحِكْمةَ في خَلْقِه ويَنمِ بوا كُلِّیيًّا معَ المَصالِحِ المُرَكَّبةِ علَيه، مِمّا يَدُلُّ بالبَداهةِ على أنَّ صُوَرَ تلك الأَجسامِ ومَقادِيرَها تُفصَّلُ وتُقَدَّرُ تَقدِيرًا مُعَيَّنًا في دائِرةِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ لِلقَدِيرِ ذمِ الأَلالِ والحَكِيمِ ذِي الكَمالِ، وتُنظَّمُ تلك الصُّوَرُ وتُنسَّقُ بِيَدِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وتَمنَحُها الوُجُودَ المُعَيَّنَ المُقَدَّرَ.
— 852 —
فتلك المَوجُوداتُ غيرُ المَحدُودةِ تَدُلالحَيا الواجِبِ الوُجُودِ، وتَشهَدُ بأَلسِنةٍ لا تُحَدُّ على وَحْدانيَّتِه وكَمالِ قُدرَتِه.
تَأَمَّلْ فيما يَحوِيه جِسْمُك وأَعضاؤُك أيُّها الإنسانُ مِن حُدُودٍ مُتَعرِّجةٍ والْتِواءاتٍ دَقِيقةٍ.. وتَأَمَّلْ في فَوائِدِها ونَتائِجِ خِدِْيبةُ ، وشاهِدْ كَمالَ القُدرةِ في كَمالِ الحِكْمةِ.
النَّافذة الثَّالثةَ عَشْرةَ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
إنَّ كلَّ حَدِيثيَذكُرُ خالِقَه ويُسَبِّحُه بلِسانِه الخاصِّ، كما هو المَفهُومُ مِن هذه الآيةِ الكَرِيمةِ. نعم، إنَّ التَّسبِيحاتِ المَرفُوعةَ مِن قِبَلِ المَوجُوداتِ سَواءٌ بلِسمزَّقُحالِ أوِ المَقالِ، تَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على وُجُودِ ذاتٍ مُقَدَّسةٍ لِواحِدٍ أَحَدٍ.. نعم، إنَّ دَلالةَ الفِطْرةِ صادِقةٌ، وشَهادَتَها لا تُرَدُّ، ولا سِيَّما إذا كانَتِ الشَّهادةُ صِ التّ عن دَلالةِ الحالِ، وبخاصَّةٍ إذا تَوافَرَتِ الدَّلالاتُ مِن جِهاتٍ عِدّةٍ، فهي شَهادةٌ صادِقةٌ لا تَقبَلُ الشَّكَّ قَطْعًا.
فتَأَمَّلِ الآنَ في صُوَرِ المَوجُوداتِ المُتَناسِقةِ، تَدُ والدِ اتَّفَقَت كما تَتَّفِقُ الدَّوائِرُ المُتَداخِلةُ في تَوَجُّهِها نحوَ نُقطةِ المَركَزِ؛ لِذا فهي تَنطَوِي على دَلالاتٍ بلِسانِ الحالِ وبأَنماطٍ لا حَدَّ لها، وعلى شَ مَلمُ الفِطْرةِ بأَنواعٍ لا حَدَّ لها، إذ كلُّ صُورةٍ مِنها لِسانٌ شاهِدٌ بحَدِّ ذاتِه. وهَيْئَتُها المُتَناسِقةُ هي الأُخرَى لِسانٌ شاهِدٌ صادِقٌ، بل حَياةُ المَوجُودِ كلُّها لِسان مَقُِرٍ بالتَّسبِيحِ.
ولقد أَثبَتْنا في "الكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِين" أنَّ جَمِيعَ هذه التَّسبِيحاتِ البادِيةِ للمُتَأَمِّلِ، والمُنبَعِثةِ بأَلسِنةِ الحالِ أوِ المَقالِ مِننَ الشعِ المَوجُوداتِ وتَحِيّاتِها وشَهاداتِها الدّالّةِ على ذاتٍ مُقَدَّسةٍ، تُظهِرُ بوُضُوحٍ ذلك الواحِدَ الأَحَدَ الواجِبَ الوُجُودِ، وتَدُلُّ على كَمالِ أو أَخْيَّتِه سُبحانَه.
— 853 —
النَّافذة الرَّابعةَ عَشْرةَ
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ
مَا مِنْ دَابُ في أِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا
إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
يُفهَمُ مِن هذه الآياتِ الكَرِيمةِ أنَّ كلَّ شَيءٍ، في كلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه، مُفتَقِرٌ إلى الخالِقِ الواحِدِ الأَحَدِ ذِي الجَلالِ.
فبإلقاءِ نَظرةٍ فاحِيطَرةَى ما هو مُنبَسِطٌ بينَ أَيدِينا مِن مَوجُوداتِ الكَونِ، نُشاهِدُ مَظاهِرَ قُوّةٍ مُطلَقةٍ تَنضَحُ مِن خِلالِ ضَعفٍ مُطلَقٍ مُشاهَدٍ؛ ونُشاهِدُ آثارَ قُدرةٍ مُطلَقةٍ تَبِينُ مِن بينِ ثَنايا عَجْز مُطلَقٍلِكَوْوسٍ، كالحالاتِ الخارِقةِ الَّتي تُظهِرُها بُذُورُ النَّباتاتِ وأُصُولُها في أَثناءِ نُمُوِّها وانتِباهِ العُقَدِ الحَيّاتيّةِ فيها؛ ونَرَى أَيضًا مَظاهِرَ غِنًى مُطلَقٍ تَتَظاهَرُ ضِمنَ فَقِي الجطلَقٍ وجَدْبٍ تامٍّ، كما في الثَّروةِ الطّافِحةِ، وأَوضاعِ الخِصْبِ الغامِرِ للأَرضِ والنَّباتاتِ في الرَّبِيعِ بعدَ أن كانَت في يُبُوسةٍ وجَدْبٍ في الشِّتاءِ؛ ونَرَى تَرَشُّحاتِ حَياةٍ مُطلِحةٍ عِمنَ جُمُودٍ مُطلَقٍ، وخُمُودٍ تامٍّ، كما هو في انقِلابِ العَناصِرِ الجامِدةِ یی كالتُّرابِ والماءِ یی إلى مَوادَّ تَنبِضُ بالحَياةِ في الكائِناّةِ أََيّةِ؛ ونَرَى مَظاهِرَ شُعُورٍ كامِلٍ طَيَّ جَهْلٍ مُطبِقٍ، كما هو في حَرَكاتِ كلِّ شَيءٍ وجَرَيانِه ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، تلك الحَرَكاتِ المُتَّسِمةِ بالشُّعُورِ اله هو إ والِانسِجامِ التّامِّ معَ نِظامِ الكَونِ كُلِّه، والمُلائِمةِ مُلاءَمةً تامّةً لمُقتَضَياتِ الحَياةِ ومَطالِيبِ الحِكْمةِ المَقصُودةِ مِنَ الوُجُودِ.
فالقُدرةُ الكامِنةُ في الضَّعفِ والعَجْز الزَّقُوّةُ الَّتي تَتَراءَى ضِمنَ مَعدِنِ الضَّعْفِ، والثَّروةُ والغِنَى المَوجُودانِ في ذاتِ الفَقْرِ، وأَنوارُ الحَياةِ والشُّعُورِ المُحِيطِ المُشِعَّانِ مِن خِلالِ الجُمُودِ والجَهْلِ..
— 854 —
فكُلُّ مَظهَرٍ مِامِلًاالمَظاهِرِ يَفتَحُ مِن جانِبِه نَوافِذَ تُظهِرُ بالبَداهةِ والضَّرُورةِ وُجُوبَ وُجُودِ ووَحْدانيّةِ ذاتٍ مُقَدَّسةٍ لِقَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ، وغَنِيٍّ مُطلَقِ الغِنَى.. لِقَوِيٍّ مُطلَقِ القُُه أن عَلِيمٍ مُطلَقِ العِلْمِ، وحَيٍّ قَيُّومٍ.. فَضْلًا عن أنَّ مَجمُوعَها يَشهَدُ على وَحْدَتِه، ويُبيِّنُ الصِّراطَ السَّوِيَّ بَيانًا واضِفانَ ومِقْياسٍ أَعظَمَ.
فيا أيُّها الغافِلُ المُتَرَدِّي في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، إن لم تَعرِفْ عَظَمةَ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ، ولم تَنبِذْ مَفهُومَ خَلّاقيّةِ الطَّبِيعةِ، فما علَيك إلّّةِ، فتُسنِدَ إلى كلِّ شَيءٍ في الوُجُودِ یی بل حتَّى إلى ذَرّةٍ یی قُوّةً هائِلةً لا حُدُودَ لها، وقُدرةً عَظِيمةً لا مُنتَهَى لها، وحِكْمةً بالِغةً لا حَدَّ لِحُدُودِها، ومَهارةً فإرادةِ بلا نِهايةٍ.. بل عليك أن تُسنِدَ إلى كلِّ شَيءٍ اقتِدارًا يُبصِرُ ويَعلَمُ ويُدِيرُ أَكثَرَ الأَشياءِ!!.
النَّافذة الخامسةَ عَشْرةَ
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
إنَّ كُلَّ شَيءٍ كَلِمِّلِ على قَدِّ قامةِ ماهِيَّتِه، تَفصِيلًا مُتقَنًا، ووُزِنَ بمِيزانٍ دَقِيقٍ كامِلِ الوَزْنِ علَيها، ونُظِّمَ تَنظِيمًا تامًّا فيها، ونُسِّقَ تَنسِيقًا بارِعًا، وصُنِعَ بمَهارةٍ، وأُلبِسَ أَجمَلَ صُورةٍ، وأَلطَفَ ثَوْبٍ، وأَبُْك أن رازٍ، مِن أَقرَبِ طَرِيقٍ إلَيه، وأَسهَلِ شَكْلٍ يُعينُه على أَداءِ مُهِمَّتِه، ووُهِب له وُجُودٌ يَنضَحُ حِكْمةً، لا عَبثَ فيه ولا إسرافَ.
فخُذْ مَثلًا: الطُّیيُور؛ لِباسُها الرِّيشُ النّاعِمُ اللَّطِيفُ.. فحًا، وكِنُ أن تَلبَسَ ثَوْبًا أَنسَبَ لها ولِحِكْمةِ خَلْقِها مِن هذا اللِّباسِ النّاعِمِ؟! أيُّ لُطْفٍ وجَمالٍ حينَ تُنَظِّفُه! وأيُّ يُسْرٍ وسُهُولةٍ حِينَ تُحَرِّكُه وتَستَخدِمُه في شَتّوبِ لاُورِها الحَياتيّةِ والمَعاشِيّةِ!.
وهكذا، كلُّ ما في الوُجُودِ شاهِدٌ ناطِقٌ یی كهذا المِثالِ یی على الخالِقِ الحَكِيمِ، وكلٌّ مِنه إشارةٌ والِمةَ إلى قَدِيرٍ عَلِيمٍ مُطلَقِ القُدرةِ والعِلْمِ.
— 855 —
النَّافذة السادسةَ عَشْرةَ
إنَّ ما يُشاهَدُ على سَطْحِ الأَرضِ مِنِ انتِظامٍ واطِّرادٍ في خَلْقِ المَخلُوقاتِ، وتَدبِيرِ أُمُورِها، وتَجدِيدِها بل هومرارٍ في كلِّ مَوسِمٍ، يَدُلُّ بالبَداهةِ على حِكْمةٍ عامّةٍ تَغمُرُ المَوجُوداتِ.. هذه الحِكْمةُ العامّةُ تَدُلُّ بالضَّرُورةِ على حَكِيمٍ مُطلَقِ الحِكْمةِ، إذ لا صِفةَ دُونَ مَوصُوفٍ.
ثمَّ إنَّ أَنواعََّتي يينةِ البَدِيعةِ الَّتي تُؤَطِّرُ سِتارَ الحِكْمةِ العامّةِ الَّذي يَتَلفَّعُ الوُجُودُ به، تَدُلُّ بالبَداهةِ على عِنايةٍ فائِقةٍ عامّةٍ، وهذه العِنايةُ تَدُلُّ بالضَّرُورةِ على خالِقٍ كَرِيمٍ.. وإنأَداءِواعَ اللُّطفِ والكَرَمِ، وأَلوانَ الرِّفقِ والإحسانِ المَرسُومةَ على سِتارِ العِنايةِ الَّذي يُغَطِّي الوُجُودَ كُلَّه، تَدُلُّ بالبَداهةِ على رَحمرُ مِقِعةٍ، وهذه الرَّحمةُ الواسِعةُ تَدُلُّ بالضَّرُورةِ على "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ".. ثمَّ إنَّ أَنواعَ الرِّزقِ، وأَنماطَ الإعاشةِ، المُزْهِرةَ علَينِ هانِ الرَّحمةِ الَّتي تُظَلِّلُ بأَفنانِها كُلَّ شَيءٍ، والمُعدَّةَ للأَحياءِ المُحتاجةِ إلى الرِّزقِ، وإعاشَتَها إعاشةً تُلائِمُها تَمامًا، يَدُلُّ بالبَداهةِ على رَِصالِ ةٍ ذاتِ تَربِيةٍ ورِعايةٍ، ورُبُوبيّةٍ ذاتِ رَأفةٍ ورَحمةٍ.. وهذه التَّربِيةُ والإدارةُ تَدُلّانِ بالضَّرُورةِ على رَزَّاقٍ كَرِيمٍ.
نعم، ما على الأَرضِ مِن مَخلُوقاتٍ تُربَّى بحِكمةٍ كامِلةٍ، وتُزِيعًا. بعِنايةٍ كامِلةٍ، وتُسبَغُ علَيها النِّعَمُ برَحمةٍ كامِلةٍ، وتُمَدُّ بوَسائِلِ عَيشِها برَأْفةٍ كامِلةٍ، فكُلٌّ مِنها لِسانٌ ناطِقٌ ومُشِيرٌ إلى اللهِ الحَكِيمِ، الكَرِيمِ، الرَّحِيمِ، الرَّزّاقلمُلَولٌّ مِنها أَيضًا يُشِيرُ إلى وَحْدانيَّتِه.
كما أنَّ ما على الأَرضِ مِن حِكْمةٍ ظاهِرةٍ يُستَشَفُّ مِنها القَصْدُ والإرادةُ.. وما علَيها مِن عِنايةٍ عامّةٍ تَتَضمَّنُ تلك الحِكْمةَ.. وما علَيها مِن رَحمةٍ تَسَهم.. هُجُودَ والَّتي تَتَضمَّنُ العِنايةَ والحِكْمةَ.. وما علَيها مِن رِزْقٍ شامِلٍ عامٍّ للأَحياءِ وإعاشةٍ كَرِيمةٍ لَطِيفةٍ، والَّتي تَتَضمَّنُ الرَّحمةَ والعِنايةَ والحِكْمةَ.. فكلٌّ مِن هذه لا مُنهِرِ وبمَجمُوعِها تَدُلُّ دَلالةً عَظِيمةً جِدًّا على الحَكِيمِ، الكَرِيمِ، الرَّحِيمِ، الرَّزّاقِ، وتَدُلُّ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِ إذ حاالِ رُبُوبيَّتِه؛ إذ إنَّ ما في الحِكْمةِ مِن عِنايةٍ، وما في
— 856 —
العِنايةِ مِن رَحمةٍ، وما في الرَّحمةِ مِن إعاشةٍ وإرزاقٍ، دَلالاتٌ قاطِعغضُوبِِقْياسٍ واسِع جِدًّا على الواجِبِ الوُجُودِ، بمِثلِ دَلالةِ الأَلوانِ السَّبعةِ على ضَوْءِ الشَّمسِ الَّذي يَمْلَأُ النَّهارَ نُورًا.
فيا أيُّهبَّما فِلُ الحائِرُ الجاحِدُ.. كيفَ تُفَسِّرُ هذه التَّربِيةَ المُكَلَّلةِ بالحِكْمةِ البالِغةِ، والكَرَمِ الشّامِلِ، والرَّحمةِ الواسِعةِ، والرِّزقِ الوَفيرِ، وبِمَ تُوَضِّحُ هذه المَظاهِرَ المُعجِزةَ؟
أفيُمكِنُ تَفسِيرُها بالمُصادَفةِ العدِ علىِ؟ أم يُمكِنُ تَوضِيحُها بالقُوّةِ المَيتةِ مَواتَ قَلبِك؟ أم يُمكِنُ ذلك بالطَّبِيعةِ الصَّمَّاءِ صَمَمَ عَقْلِك؟ أم بالأَسبابِ العاجِزةِ الجامِدةِ الجاهِلةِ مِثلَك؟ أم تُرِيدُ أن تَرتَكِبَ خَطَأً جَسِيمًا یی ما بََةِ الَطَأٌ یی وهو إطلاقُك على البارِئِ الجَلِيلِ المُنَزَّهِ المُتَعالِ والقَدِيرِ العَلِيمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ، اسمَ "الطَّبِيعةِ" العاجِزةِ الجاهِلةِ الصَّمَّاءِ العَمْياءِ؟!
فبِأَيِّ قُوّةٍ يُمكِنُك أن تُطفِئَ سِراجَ هذه الحَؤُها ا السّاطِعةِ سُطُوعَ الشَّمسِ؟ وتحتَ أيِّ سِتارٍ مِن أَستارِ الغَفْلةِ يُمكِنُك أن تَستُرَها؟
النَّافذة السَّابعةَ عَشْرةَ
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وطَبَقةرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
إذا تَأَمَّلْنا وَجْهَ الأَرضِ المَبسُوطَ أَمامَنا، نَرَى أنَّسَخاءً مُطلَقًايَتَجلَّى في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَمايقةِ وضِي السَّخاءُ أن تكُونَ الأَشياءُ في فَوْضَى وعَدَمِ انتِظامٍ، إذا بِنا نُشاهِدُها في غايةِ الِانسِجامِ ومُنتَهَى الِانتِظامِ.. شاهِدْ جَمِيعَ النَّباتاتِ الَّتي تُزَيِّنُ وَجْهَ الأَرضِ، تَرَ هذه الحَقِيقةَ.
ونَربَدِيعضًاسُرعةً مُطلَقةًتَتَبيَّنُ في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي السُّرعةُ أن تكُونَ الأَشياءُ مُشَوَّهةَ الصُّورةِ، مُختَلّةَ المادّةِ، ومُضطَرِبةَ المِيزانِ، ويَنقُصُها الإتقانُ، إذا بنا نُشاهِدُها في يوانِ التَّقدِيرِ والضَّبْطِ والسَّبْكِ، ومُنتَهَى الدِّقّةِ والمُوازَنةِ.. لاحِظْ جَمِيعَ الأَثمارِ الَّتي تُجَمِّلُ وَجْهَ الأَرضِ حيثُ تَبدُو هذه الحَقِيقةُ فيها على أَحسَنِ وَجْهٍ.
— 857 —
ونَرَى أيضًاوَفْرةً وغَزارةً مُطلَقلقِياسإيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي الكَثْرةُ أن تكُونَ الأَشياءُ تافِهةً ومُبتَذَلةً بل قَبِيحةً، إذا بِنا نُشاهِدُها في إتقانٍ رائِعٍ، وصَنْعةٍ بَدِيعةٍ وجَمالٍ أخَّاذٍ.. انظُرْ وتَأَمَّلْ في جَمِيعِ الأَزهارِ الَّتيائِهم ِّعُ وَجْهَ الأَرضِ، ألا يَبدُو ذلك فيها تَمامًا!
ونَرَى أَيضًاسُهُولةً مُطلَقةًتَبدُو في إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي السُّهُولةُ أن تكُونَ الأَشياءُ بَسِيطةً ومُفتَقِرةً إلى الإتقانِ والمَهارةِ، إذ الأَز نُشاهِدُها في كَمالِ الإبداعِ ورَوْعةِ المَهارةِ.. شاهِدِ البُذُورَ وأَمعِنِ النَّظَرَ في النُّوَى، تلك العُلَبِ الدَّقِيقةِ الحامِلةِ في مادّةِ تَركِيبِها فَهارِسَ أَجهِزةِ الشَّجَرِ وخَرائِطَ أِن أن النَّباتِ.
ونَرَى أَيضًابُعْدًا مُطلَقًايَفصِلُ بينَ أَزمِنةِ وأَمكِنةِ إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما تَقتَضِي هذه الأَبعادُ المَهُولةُ أن تَأْتِيَ الأَشياءُ مُختَلِفةً ومُتَبايِنةً، إذا بِنا نُشاهِدُها في اتِّفاقٍ تامٍّ في اهذه التِ والخَواصِّ.. شاهِدْ أَنواعَ الحُبُوبِ المَزرُوعةِ في أَقطارِ الأَرضِ كافّةً رَغمَ البُعدِ الزَّمانِيِّ والمَكانِيِّ الَّذي يَفصِلُ بينَها.
ونَرَى أَيضًااختِلاطًا مُطلَقًا وتَشابُكًا مَتي غايةفي إيجادِ الأَشياءِ: فبَينَما يَقتَضِي هذا الِاختِلاطُ تَداخُلَ المَوادِّ بعضِها في البعضِ الآخَرِ وتَشابُكَها، إذا بنا نُشاهِدُها في تَمايُزٍ كامِلٍ، وتَخَصُّصٍ مُنتَظِمٍ.. شَاهِدِ البُذُورَ المَمة التَ المَدفُونةَ تحتَ التُّرابِ، وأَمعِنِ النَّظَرَ في تَمايُزِها في أَثناءِ نُمُوِّها وتَسَنبُلِها، رَغمَ تَشابُهِ تَراكِيبِها؛ وتَأَمَّل يُشاهلمَوادِّ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في بُنيةِ الأَشجارِ، وتَحَوُّلِها إلى مُختَلِفِ الأَشكالِ مِنَ الأَوراقِ الرَّقيقةِ، والأَزهارِ الزّاهِيةِ، والثِّمارِ اللَّطِيفةِ؛ وتَأَمَّلْ في أَنواعِ الطّيثُ الوالأَغذِيةِ المُختَلِفةِ الدّاخِلةِ في المَعِدةِ، وتَمايُزِ بعضِها عنِ البعضِ، ودُخُولِ كلٍّ مِنها إلى العُضْوِ الَّذي يُناسِبُها، بل إلى الحُجَيرةِ الَّتي تُلائِمُها بتَمايُزٍ واضِحٍ.. ثَرْوْ آثارَ القُدرةِ المُطلَقةِ، مِن خِلالِ الحِكْمةِ المُطلَقةِ.
ونَرَى أَيضًاوَفْرةً مُتَناهِيةًفي الأَشياءِ،وكَثْرةً كاثِرةًمِن أَنواعِها وأَشكالِها: فبَينَما تَقتَضِي هذه ورِ، فرةُ أن تكُونَ الأَشياءُ رَخِيصةً بَسِيطةً، إذا بنا نُشاهِدُها في غايةِ النَّفاسةِ ومُنتَهَى الجَودةِ.. شَاهِدِ الآثارَ البَدِيعةَ المُعَدَّةَ لِمائِدةِ الأَرضِ، وأَمعِنِ النَّظَرَ في ثَمَرةٍ
— 858 —
واحِدةٍ یی ولْتَكُنْ ِثلَ مَ التُّوتِ مَثلًا یی ألا تُمَثِّیلُ هذه الثَّمَرةُ نَمُوذجًا رائِعًا لِحَلْوَى مَصنُوعةٍ بِيَدِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ؟ شاهِدْ كَمالَ الرّبُ علَ مِن ثَنايا كَمالِ الإبداعِ.
وهكذا نُشاهِدُ على وَجهِ الأَرض جَمِيعِه جَودةً ونَفاسةً في المَصنُوعاتِ رَغمَ وَفْرَتِها غيرِ المُتَناهِيةِ..ونَرَى ضِمنَ هذلِيمُ فْرةِ تَمَيُّیزًا للمَوجُوداتِ رَغمَ اختِلاطِها وتَشابُكِها.. ونَجِدُ في هذا الِاختِلاطِ والتَّشابُكِ اتِّفاقًا وتَشابُهًا في المَوجُوداتِ رَغمَ البُعدِ فيما بَينَها.. ونُبصِرُ مِن ثَنايا هذا التَّوافُقِ جَمالًا رائِبجَلاء المَوجُوداتِ ورِعايةً بالِغةً بها رَغمَ السُّهُولةِ المُتَناهِيةِ في إيجادِها.. ونَلمَحُ ضِمنَ هذه الرِّعايةِ التّامّةِ تَقدِيرًا دَقِيقًا بلا إسرافٍ ومُوازَنةً حسَّاسةً رَغمَ السُّرعةِ في إيجادِها.. ونُلاحِظُ ضِهذا الا التَّقدِيرِ والمُوازَنةِ وعَدَمِ الإسرافِ إبداعًا في الصَّنْعةِ ورَوْعةً فيها رَغمَ كَثْرَتِها المُتَناهِيةِ.. ونُشاهِدُ ضِمنَ هذه الرَّوعةِ في الصَّنعةِ انتِظامًا بَدِيعًا رَغمَ السَّخاءِ المُطلَُرِيدُإيجادِها..
فإذا تَأَمَّلْنا في هذه الأُمُورِ كلِّها، نَراها تَدُلُّ دَلالةً واضِحةً أَوضَحَ مِن دَلالةِ النَّهارِ على الضِّياءِ، وأَسطَعَ مِن دَلالفإنَّ ِّياءِ على الشَّمسِ؛ على وُجُوبِ وُجُودِ قَدِيرٍ ذِي جَلالٍ، وحَكِيمٍ ذِي كَمالٍ، ورَحِيمٍ ذِي جَمالٍ، وتَشهَدُ على وَحدانيَّتِه وأَحَدِيَّتِه وكَمالِ قُدرَتِه وجَمالِ رُبُوبيَّتِه، وتُبيِّنُ بجَلاءٍ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الك والِاِ: لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
وبعدُ، فيا أيُّها الغافِلُ العَنِيدُ، ويا أيُّها الجاهِلُ المِسكِينُ.. بماذا تُفَسِّرُ هذه الحَقِيقةَ العُظمَى الَّتي تَراها رَأْيَ َّ حَقِ؟ وبماذا تُوضِّحُ هذه الأَوضاعَ الخارِقةَ المَعرُوضةَ أَمامَك؟ وإلى مَن تُسنِدُ أَمرَ هذه المَصنُوعاتِ البَدِيعةِ العَجِيبةِ؟ وبأَيِّ سِتارٍ مِن سَتائِرِ الغَفلةِ يُمكِنُك أن تَستُرَ هذه النّافِذةَ الواسِعةَ سَعةَ الأَرضِ نَفسِها؟!
أَعظَم المُصادَفةُ الَّتي تَعتَقِدُ بها والطَّبِيعةُ الَّتي تَعتَمِدُ علَيها وهي بلا شُعُورٍ؟ بل أينَ أَوهامُ الضَّلالةِ الَّتي تَستَنِدُ إلَيها، وتُلازِمُها وتُرافِقُها وتُصادِقُها؟! أين جَمِيعُها أمامَ هذه الحَقائقِ المُحَيِّرةِ والأَحوالِ الُ، والةِ المُذهِلةِ؟ أليس مُحالًا في مِئةِ مُحالٍ أن تَدخُلَ المُصادَفةُ في أمثالِ هذه الأُمُورِ؟ أوَلَيس مُحالًا في أَلفِ مُحالٍ أن يُسنَدَ واحِدٌ مِن هذه الأُمُورِ إلى الطَّبِيعةِوَبِاليك عن جَمِيعِها؟! أم أنَّك تَعتَقِدُ في الطَّبِيعةِ الجامِدةِ العاجِزةِ إمكانَ امتِلاكِها لَمَكائِنَ مَعنَوِيّةٍ في كلِّ شَيءٍ؟ وبعَدَدِ الأَشياءِ كُلِّها؟ فيا لَلضَّلالةِ!
— 859 —
النَّافذة الثَّامنةَ عَشْرةَ
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكفةٍ خَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
تَأَمَّلْ في هذا المِثالِ الَّذي سَبَق أن ذَكَرناه في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين":
إنَّ أَثَرًا رائِعًا كالقَصرِ الفَخْمِ، كامِلَ الأَ
وَمِ مُنتَظِمَ الأَركانِ، مُتقَنَ البِناءِ، يَدُلُّ بالبَداهةِ على فِعلٍ مُتقَنٍ. أي: إنَّ البِنَاءَ يَدُلُّ على صَنعةِ البَنّاءِ وفِعلِه؛ والفِعلُ الكامِلُ المُتقَنُ يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على فاعِلٍ حاذِقٍ، وِدٍ أُِيٍّ ماهِرٍ. وهذه العَناوِينُ (فاعِلٌ حاذِقٌ یی مِعمارِيٌّ ماهِرٌ یی بَنّاءٌ مُتْقِنٌ)، تَدُلُّ بالبَداهةِ على صِفاتٍ كامِلةٍ لا نَقْصَ فيها يَتَّصِفُ بها ذلك الفاعِلُ، أي: تَدُلُّ ٍ مِنهلَكةِ الإبداعِ عِندَه. وإنَّ الصِّفاتِ الكامِلةَ ومَلَكةَ الإبداعِ الكامِلةَ، تَدُلُّ بالبَداهةِ على وُجُودِ استِعدادٍ كامِلٍ وقابِليّةٍ تامّةٍ؛بَرَ وستِعدادُ الكامِلُ هذا يَدُلُّ على ذاتٍ رَفِيعةٍ، ورُوحٍ عالِيةٍ.
وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فهذه الآثارُ المُتَجدِّدةُ البادِيةُ للعِيانِ والَّتي تَمْلَأُ الأَرضَ بلِ الكَونَ، تَدُلُّ بالبَداهةِ على أَف أيني مُنتَهَى الكَمالِ؛ وإنَّ هذه الأَفعالَ الظّاهِرةَ مِن خِلالِ مُنتَهَى الإتقانِ وغايةِ الحِكْمةِ تَدُلُّ بالبَداهةِ على فاعِلٍ كامِلٍ مُنَزَّهٍ عنِ النَّقْصِ في عَناوِينِه وأَسمائِه، لأنَّ اعَينِ لَ المُتقَنةَ والحَكِيمةَ مَعلُومٌ بَداهةً أنَّها لا تَحصُلُ دُونَما فاعِلٍ.. وإنَّ العَناوِينَ الَّتي هي في مُنتَهَى الكَمالِ تَدُلُّ على صِفاتٍ هي في مُنتَهَى الكَمالِ لذلك الفاعسالِيبأنَّه كما يُشتَقُّ اسمُ الفاعِلِ مِنَ المَصدَرِ حَسَبَ عِلمِ الصَّرفِ، فإنَّ مَنشَأَ العَناوِينِ ومَصادِرَ الأَسماءِ هي الصِّفاتُ؛ والصِّفاتُ الَّتي هي في مُنتَهَى الكَمالِ، لا شَكَّ أنَّها تَدُلُّ على شُؤُو لَيسَيّةٍ هي في مُنتَهَى الكَمالِ؛ والقابِلِيّةُ الذّاتيّةُ أو تلك الشُّؤُونُ الذّاتيّةُ الَّتي نَعجِزُ عنِ التَّعبِيرِ عَنها، تَدُلُّ بحَقِّ اليَقِينِ على ذاتٍ مُنَزَّهةٍ في كَمالٍ مُطلَقٍ.
وحيثُ إنَّ كلَّ أَثَرِ مِنَ الآثارِ البَدِيعةِ الم يَقتَ أَمامَنا في الكَونِ وفي جَمِيعِ المَخلُوقاتِ، هو كامِلٌ بَدِيعٌ بِحَدِّ ذاتِه.. وإنَّ هذا الأَثرَ البَدِيعَ يَشهَدُ على فِعلٍ، والفِعْلَ يَشهَدُ على اسمٍ، والِاسمَ يَشهَدُ على صِفةٍ، والصِّفةَ تَشهَدُ على شَأْنٍ، والشّ فيا ميَشهَدُ على ذاتٍ.. لِذا
— 860 —
فإنَّ كُلًّا مِنها مِثلَما يَشهَدُ شَهادةً صادِقةً على صانِعٍ جَلِيلٍ واحِدٍ أَحَدٍ واجِبِ الوُجُودِ، ويُشِيرُ إلى أَحَدِيَّتِه.. أي: مِلمِثالأنَّ هنالك شَهاداتٍ وإشاراتٍ بعَدَدِ المَخلُوقاتِ إلى التَّوحِيدِ، فإنَّ كُلًّا مِنها أَيضًا معَ مَجمُوعِ الآثارِ والمَخلُوقاتِ في الكَونِ إنَّما هو مِعراجٌ عَظِيمٌ لِمَعرِفةِ اللهِ سُبحانَه، له مِنَ القُوّةِ ما للمَخلُوقاتِ جَمهَى طِ. فَضْلًا عن أنَّه بُرهانٌ دامِغٌ على الحَقِيقةِ، لا يُمكِنُ أن تَدنُوَ مِنه أيّةُ شُبهةٍ مَهما كانَت.
والآنَ أيُّها الغافِلُ الجاحِدُ.. بماذا تَستَطِيعُ أن تَجرَحَ هذا البُرهانَ القَوِيَّ قُوّةَ الكَونِ؟ وبماذا تَستُرُ هذه النّافِذةَ الَمَتِ َ الَّتي تُبيِّنُ شُعاعاتِ الحَقِيقةِ مِن أَلفِ نافِذةٍ ونافِذةٍ، بل مِن نَوافِذَ بعَدَدِ المَخلُوقاتِ؛ وبأَيِّ غِطاءِ الغَفْلةِ يُمكِنِلَى آتَستُرَها؟!
النَّافذة التَّاسعةَ عَشْرةَ
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
، عَوامِثلَما أَوْدعَ الصّانِعُ الجَلِيلُ حِكَمًا لا تُعَدُّ، ومَعانِيَ سامِيةً لا تُحصَى في الأَجرامِ السَّماوِيّةِ، فزَيَّن تلك السَّماواتِ بكَلِماتِ الشُّمُوسِ والأَقمارِ والنُّجُومِ لِتُعَبِّیرَ ع الجَملِه وجَمالِه سُبحانَه.. كذلك رَكَّب جَلَّ وعَلا في مَوجُوداتِ جَوِّ السَّماءِ حِكَمًا عالِيةً، وعَلَّق علَيها مَعانِيَ سامِيةً، ومَقاصِدَ عُظمَى، وأَنطَقَ جَوَّ السَّماءِ بكَلِماتِ الرُّعُودِ والبُرُوقِ وقَطَراتِ فقالَ ارِ لِيُعْلِمَ بها، ويُعَرِّفَ عن طَرِيقِها كَمالَ حِكْمَتِه، وجَمالَ رَحمَتِه.
ومِثلَما جَعَل سُبحانَه وتَعالَى كُرةَ الأَرضِ تَتَیكلَّمُ بكَلِماتٍ ذاتِ مَغزًى، وأَنطَقَها بما بَثَّ فيها مِنَ الرِيحةًناتِ والنَّباتاتِ الَّتي هي كَلِماتٌ بَلِيغةٌ، مُبَيِّنًا بذلك كَمالَ صَنْعَتِه للوُجُودِ.. كذلك جَعَل النَّباتاتِ والأَشجارَ نَفسَها تَنطهذه الِسانِ أَوراقِها وأَزهارِها وثِمارِها، مُعلِنةً كَمالَ صَنْعَتِه سُبحانَه، وجَمالَ رَحمَتِه جَلَّ جَلالُه.. وجَعَل الزَّهرةَ أيضًا، والثَّمَرةَ كذلك یی وهي كَلِمُ بالمِدةٌ مِن تلك الكَلِماتِ یی جَعَلها البارِئُ المُصَوِّرُ تَتَیكلَّمُ بلِسانِ بُذَيراتِها الدَّقِيقةِ، فأَشارَ بها سُبحانَه إلى دَقائِقِ صَنْعَتِِطْلاعمالِ رُبُوبيَّتِه، لِمَن يُحسِنُ الرُّؤيةَ مِن ذَوِي الإحساسِ والشُّعُورِ.
فدُونَك یی إن شِئتَ یی الِاستِماعَ إلى ما لا يُحَدُّ مِن كَلِماتِ التَّسبِيحِ والأَذكارِ في الكَوْنِ..
# المَش وسنَستَمِعُ الآنَ إلى ذلك النَّمَطِ مِنَ الكَلامِ مُتَمثِّلًا في كَلامِ زَهرةٍ واحِدةٍ مِن بينِ أَزهارِ العالَمِ، وسنُصغِي إلى إفادةِ سُن صانِعواحِدةٍ مِن بينِ سَنابِلِ الأَرضِ، لِنَزدادَ يَقِينًا كيفَ أنَّ هذا كُلَّه يَشهَدُ شَهادةً صادِقةً على مِصداقيّةِ التَّوحِيدِ.
نعم، إنَّ كلَّ نَباتٍ وكلَّ شَجَرٍ، دَلِيلٌ واضِحٌ على صانِعِه، وشاهِدُ صِدْقٍ على وَحْدانيّةِ خالِقِه صَفَحلِفِ الأَلسِنةِ، بحَيثُ إنَّ تلك الشَّهادةَ تَجعَلُ المُدَقِّقَ المُتَمعِّنَ فيها في حَيرةٍ وذُهُولٍ، فيقُولُ: يا سُبحانَ اللهِ!! ما أَجمَلَ شَهادةَ هذا عرةِ، وَقِّيّةِ التَّوحِيدِ!
نعم، إنَّه واضِحٌ جَلِيٌّ كوُضُوحِ النَّباتِ نَفسِه، وجَمِيلٌ كذلك كجَمالِ النَّباتِ نَفسِه، تلك التَّسبِيحاتُّةِ".
ي يَهمِسُ بها كلُّ نَباتٍ في إشراقِ تَبَسُّمِه، عندَ تَفَتُّحِ زَهرِه، ونُضْجِ ثَمَرِه، وتَسَنبُلِ سُنبُلِه، لأنَّه بالثَّغرِ الباسِمِ لكُلِّ زَهرةٍ، وباللِّسانِ اللِأُولقِ للسُّنبُل المُنتَظِمِ، وبكَلِماتِ البُذُورِ المَوزُونةِ، والحُبُوبِ المُنَسَّقةِ، يَظهَرُ "النِّظامُ" الَّذي يَدُلُّ على "الحِكْمةِ" الآنَوهذا النِّظامُ كما هو مُشاهَدٌ، في ثَنايا "مِيزانٍ" دَقِيقٍ حَسّاسٍ، يَدُلُّ على "العِلْمِ" ويُبيِّنُه ويُبْرِزُه.. وذلك "المِيزانُ" هو ضِمنَ "الصَّنعةِ الدَّقيقةِ" الّجاذِبةدُلُّ على "المَهارةِ الفائِقةِ".. وتلك الصَّنعةُ الدَّقِيقةُ والنُّقُوشُ البَدِيعةُ هي الأُخرَى ضِمنَ الزِّينةِ الرّائِعةِ الَّتي تُبيِّنُ "اللُّطفَ والكَرَمَ".. وتلك الزِّينةُ الَومَ اةُ هي بدَورِها مُعَبَّقةٌ بالرَّوائِحِ الطَيِّبةِ الفَوّاحةِ، والعُطُورِ الزَّكيّةِ اللَّطِيفةِ الَّتي تُظهِرُ "الرَّحمةَ والإحسانَ".
فتلك الأَوضاعُ والحالاتُ الَّتي لها مَعانٍ عَمِيقةٌ مُتداخِلةٌ ومُكتَنِفٌ بعضُها بزْجِهِلِسانُ شَهادةٍ عُظمَى للتَّوحِيدِ، بحَيثُ تُعرِّفُ الصَّانِعَ ذا الجَمالِ بأَسمائِه المُقدَّسةِ الحُسنَى، وتَصِفُه بأَوصافِه الجَلِيلةِ السّامِيةِ، وتَشرَحُ وتُفَسِّرُ أَنوارَ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى، وتُعبِّرُ عن تَوَدُّدِوقاتٍ َبُّبِه سُبحانَه وتَعالَى.
فلَئِنِ استَمَعْتَ إلى شَهادةٍ كهذه مِن زَهرةٍ واحِدةٍ فقط، وتَمَكَّنتَ مِنَ الإصغاءِ إلى الشَّهادةِ العُظمَى الصّادِرةِ مِن جَمِيعِ الأَزهارِ في ِ والتِ البَساتِينِ الرَّبّانيّةِ على سَطْحِ الأَرضِ، واستَمَعتَ إلى ذلك الإعلانِ المُدَوِّي الهائِلِ الَّذي تُعلِنُه تلك الأَزهارُ في وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه، فهل تَبقَى لَدَيك ثَمّةَ غَفْلةٌ أو أيّةُ لسّامِ؟ وإن بَقِيَتْ
— 862 —
لَدَيك غَفلةٌ، فهل يُمكِنُ أن يُطلَقَ علَيك بأنَّك إنسانٌ ذُو شُعُورٍ سامٍ مُتجاوِبٍ معَ مَشاعِرِ الكَوْنِ وأَحاسِيسِه؟!.
فتَعالَ لِنَتِ الََّ شَجَرةً.. نحنُ أَمامَ نُشُوءِ الأَوراقِ ونُمُوِّها في الرَّبيعِ بانتِظامٍ ودِقّةٍ مُتَناهِيةٍ، وأَمامَ تَفتُّحِ الأَزهارِ وخُرُوجِها مِن أَكمامِها بشَكلٍ موالمُلٍ، وأَمامَ نُمُوِّ الثِّمارِ بحِكْمةٍ ورَحمةٍ.. فهَلَّا أَمْعَنْتَ النَّظَرَ في مَنظَرِ مُلاعَبةِ النَّسِيمِ للأَوراقِ برِقّةٍ وبَراءةٍ كبَراءةِ َّنٍ مُولةِ النَّقِيّةِ الرَّقيقةِ؟
وشاهِدْ مِن فَمِ الشَّجَرةِ، كيفَ تَنطِقُ هذه الأَلْسُنُ وتُفصِحُ عن حالِها؛ لِسانُ الأَوراقِ المُخضَرّةِ بِيَدِ الكَرَمِ.. ولِسانُ الأَزهارِ المُبتَسِملى أَحشوةِ اللُّطفِ.. ولِسانُ الثِّمارِ الفَرِحةِ بتَجَلِّي الرَّحمةِ.. كُلٌّ مِنها يُعَبِّیرُ عن ذلك "المِيزانِ" الدَّقيقِ العادِلِ الَّذي هو ضِمنَ "النِّظامِ" البَدِيعِ رْحَمْيمِ، وفي هذا المِيزانِ الدَّقيقِ الَّذي يَدُلُّ على "العَدْلِ" نُقُوشُ صَنْعةٍ دَقيقةٍ بَدِيعةٍ، وزِينةٍ فائِقةٍ تَضُمُّ مَذاقاتٍ مُتَ اسمَاً، ورَوائحَ مُختَلِفةً طَيِّبةً لَطِيفةً، تَدُلُّ على الرَّحمةِ والإحسانِ، وفي تلك المَذاقاتِ اللَّطِيفةِ بُذُورٌ ونُوًى هي بِحَدِّ ذاتِها مِهما، ٌ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، ألا يَدُلُّ ذلك بوُضُوحٍ، ويُظهِرُ بجَلاءٍ وُجُوبَ وُجُودِ خالِقٍ كَرِيمٍ ورَحِيمٍ، مُحسِنٍ، مُنعِمٍ، مُجَمِّلٍ، مُفَضِّلٍ، واحِدٍ، أَحَدٍ، ويَشهَدُ كذلك على جَمالِ رَحمَتِه سُ مُعَي وكَمالِ رُبُوبيَّتِه؟
فإنِ استَطَعتَ أن تَسمَعَ هذا مِن لِسانِ حالِ جَمِيعِ الأَشجارِ على سَطْحِ الأَرضِ معًا، فستَفْهَمُ، بل سَتَرَى كم مِنَ الجَواهِرِ الجَمِيلةِ النَّفيسةِ الرّائِعةِ في خَزِينةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: حًا وبِحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
فيا أيُّها الغافِلُ المِسكِينُ، ويا مَن يَظُنُّ نَفسَه هَمَلًا دُونَ حِسابٍ، ويا مَن يَغرَقُ في نُكرانِ الجَميلِ هَيئةفرانِ.. إنَّ الكَرِيمَ ذا الجَمالِ يُعرِّفُ نَفسَه ويُحَبِّیبُها إلَيك بهذا الحَشْدِ مِنَ الأَلسِنةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، إن أَرَدتَ أن تَصرِفَ نَفسَك عن ذلك التَّعرِيفِ، فما علَيك إلَّا أن تُكَمِّمَ جَمِيعَ هذه الأَفواهِ، وتُسَفسِه لك الأَلسِنةَ كافّةً، وأنَّى لك هذا!!
فما دامَ إسكاتُ تلك الأَلسِنةِ النّاطِقةِ بالتَّوحِيدِ غيرَ مُمكِنٍ، فما علَيك إلَّا الإصغاءُ والإنصاتُ إلَيها، وإلّا فلن تَنجُوَ بمُجَرَّدِ سَدِّ الأُذُنِ بأَصابِعِ الغَفلةِ، لأنَّ عَمَلَك
هل يُمذا لا يُسكِتُ الكَونَ، فالكَونُ جَمِيعًا، والمَوجُوداتُ كافّةً ناطِقةٌ بالتَّوحِيدِ.. فدَلائِلُ التَّوحِيدِ وأَصداؤُه شَواهِدُ عَدْلٍ لا تَنقَطِعُ ولا تَنتَهِي أَبدًا، فلا بُدَّ أنَّها ستُدينُك.
النافذة العشرون
(ةِ الض: إنَّ حَقيقةَ النافذةِ العشرين هذه وَرَدَت إلى القلبِ ذاتَ يومٍ باللُّغة العربيّة كما يأتي:
تَلَألُؤُ الضِّياء مِن تَنويرِك، تَشهِيرُك. تَمَوُّجُ الأَعصارِ مِن تَصريفِك، توظيفُك.. سُبحانَك ما ِه، أيَ سُلطانَك! تفجُّرُ الأنهارِ مِن تَدخِيرِك، تَسخِيرُك. تَزيُّنُ الأَحجارِ مِن تَدبِيرِك، تَصوِيرُك.. سُبحانَك ما أَبدَعَ حِكْمَتَك! تَبَسُّمُ الأَزهارِ مِن تَزيينِك، تَحسِينُك. تَبَرُّجُ الأَثمارِ مِن إنعامِك، إكرامُك.. سُبحانَك ماَظِيمًنَ صَنْعتَك! تَسَجُّعُ الأَطيارِ مِن إنطاقِك، إرفاقُك. تَهزُّجُ الأَمطارِ مِن إنزالِك، إفضالُك.. سُبحانَك ما أَوسَعَ رَحمَتَك! تَحَرُّكُ الأَقمارِ مِن تَقدِيرِك، تَدبيروبيَّتدوِيرُك، تَنوِيرُك.. سُبحانَك ما أَنورَ بُرهانَك و أَبهَرَ سُلطانَك!
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقدٍ مِنمَعْلُومٍ ٭ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
كما يُشاهَدُ كَمالُ الحِكْمصِرَ اَمالُ الإتقانِ في الجُزئيّاتِ والفَرْعيّاتِ، وفي النَّتائِجِ والفَوائِدِ، فإنَّ العَناصِرَ الكُلِّيّةَ، والمَخلُوقاتِ العَظِيمةَ الَّتي تَبدُو مُختَلِطةً ومُتَشابِكةً، وتُوهِمُ أنَّها لُعبةُ المُصادَفةِ، تَتَّخِذُ أَيضًا أَوضاعًا تَتَمَ مُ بالحِكْمةِ والإتقانِ، رَغمَ الِاختِلاطِ الظّاهِرِ علَيها.
فمَثلًا:النُّورُ أوِ الضَّوءُ، بدَلالةِ وَظائِفِه الحَكِيمةِ الأُخرَى إنَّما هو للإعلامَرِ؛ مَصنُوعاتِ اللهِ سُبحانَه، وعَرْضِها بإذنِه أَمامَ الأَنظارِ. أي: إنَّ الضَّوءَ مُسَخَّرٌ مِن لَدُنْ خالِقٍ حَكِيمٍ، ليُظِهرَ به سُبحانَه عَجائِبَ مَخلُوقاتِه، ويَعرِضَ تحتَ شُعاعِه بَدائِعَ مَصنُوعاتِه، في مَعارِضِ سُوقِ العالَمِ.
ظِّم، ظُرِ الآنَ إلى الرِّياحِ؛ تَرَ أنَّها تَجرِي لإنجازِ وَظائِفَ مُهِمّةٍ وخِدْماتٍ جَلِيلةٍ، يَشهَدُ بهذا ما يُحَمَّلُ على وَظائِفِها الحَكِيمةِ مِن مَنافِعَ كَرِيمةٍ.. فمَوجاتُ الأَعاصِيرِ إذًا
— 864 —
هي تَوظِيفٌ وتَصرِيفٌ وتَسخِيرٌ مِن جَمِيِ الخالِقِ الحَكِيمِ، وما يُشَاهَدُ مِن عَصْفِها وشِدّةِ هُبُوبِها، فلِإِسراعِها في تَنفِيذِ الأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ وامتِثالِها لِحُكمِها.
وانظُرِ الآنَ إلى اليَنابِيعِ والجَداوِلِ والأَنهارِ، وتأنَّه لْ في تَفَجُّرِها مِنَ الأَرضِ أوِ الجِبالِ، تَجِدْ أنَّه لا مُصادَفةَ فيها ولا عَبَثَ قطُّ؛ إذ تَتَرتَّبُ علَيها الفَوائِدُ والمَصالِحُ الَّتي هي آثارُ رَحمةٍ إلٰهِيّةٍ واضِحةٍ، أمّا النَّتالسُّفَلحاصِلةُ مِنها فهي مَوزُونةٌ مَحسُوبةٌ؛ وكذلك ادِّخارُها وخَزْنُها في الجِبالِ إنَّما يَجرِي ضِمنَ حِسابٍ دَقِيقٍ، ووَفْقَ حاجاتِ الأَحياءِ، ومِن بعدِ ذلك تَفجِيرُها وإرسالُها بمِيزانٍ هو الغايةُ في الحِكْمةِ.. كلُّ ذلك دَلالاتٌ وشَوكلَّ دناطِقةٌ أنَّ ذلك التَّسخِيرَ والِادِّخارَ إنَّما يَتِمُّ مِن لَدُنْ رَبٍّ حَكِيمٍ.. وما نَراه مِن شِدّةِ فَوَرانِها وتَفَجُّرِها مِنَ الأَرضِ إنَّما هو تَوْقُها العَظِيمُ لِامتِثالِ الأَوامِرِ الرَّبَّانيّةِ حالَفأَنا رِها.
وانظُرِ الآنَ إلى أَنواعِ الأَحجارِ، وأَشكالِ الصُّخُورِ، ودَقائِقِ الجَواهِرِ، وصِفاتِ المَعادِنِ، وتَأَمَّلْ في تَزيِيناتِها ومَزاياها الَّتي تَتَرتًَّا واحيها مَنافِعُ شَتَّى، تَجِدْ أنَّ ما يَتَعلَّقُ بها مِن فَوائِدَ حَكِيمةٍ، ومِنِ انسِجامٍ تامٍّ بينَ نَتائِجِها الَّتي تَصِيرُ إلَيها ومُقتَضَياتِ الحَياةِ، ومِن ثَمَّ مُلاءَمَتِهُّؤُونتَطلَّباتِ الإنسانِ، وقَضائِها لِحاجاتِه وحاجاتٍ أُخرَى للأَحياءِ.. كلُّ ذلك دَلالاتٌ على أنَّ ذلك التَّزيِينَ والتَّنظِيمَ والتَّدبِيرَ والتَّصوِيرَ، إنَّما هو مِن لَدُنْ روَظِيفَكِيمٍ.
وانظُرِ الآنَ إلى الأَزهارِ والأَثمارِ، تَجِدْ أنَّ بِشْرَ وُجُوهِها، وحَلاوةَ مَطعُوماتِها، وجَمالَها الأَخّاذَ، ونُقُوشَها البَدِيعةَ، وشَذَى عِطْرِها الطَّیيِّبِ، كلُّها بمَثابةِ ا الشّ وأَدِلّاءَ إلى ضِيافةِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، والمُنعِمِ الرَّحِيمِ.. وهي رَسائِلُ تَعرِيفٍ به بينَ يَدَي مَوائِدِه المَنصُوبةِ على الأَرضِ كافَّةً. فكُلُّ لَونٍ مِنَ الأَلوانِ المُختَلِفةِ، وكلُّ رائِحةٍ مِنَ الرَّوائِحِ المُتَنوِّعةِ، وكلُّ طَلمَرايِنَ الطُّعُومِ المُتَبايِنةِ، يَدُلُّ على ذلك الخالِقِ الكَرِيمِ، ويُعرِّفُ ذلك المُنعِمَ الرَّحِيمَ بلِسانِه الخاصِّ.
وانظُرِ الآنَ إلى الطُّيُورِ، فمُناجاةُ بعضِها بعضًا، وماالمُثببُه في لُحُونِها مِن أَشجانٍ یی مِمّا يَأْخُذُ بالأَلبابِ یی يدُلُّ على أنَّ هَدِيلَها وتَغرِيدَها وزَقْزَقَتَها لَيسَ إلَّا مِن إنطاقِ خالِقٍ حَكِيمٍ.
— 865 —
وانظُرِ الآنَ إلى السُّحُبنَفسَهِقالِ، تَجِدْ أنَّ صَوْتَ أَهازِيجِ الأَمطارِ المُنسَكِبةِ مِنها، وجَلْجَلةَ رُعُودِ السَّماءِ ليس عَبَثًا قطُّ؛ إذ إنَّ إحداثَ تلك الأَصواتِ العَجِيبةِ في فَضاكان الِعٍ، وإنزالَ قَطَراتٍ باعِثةٍ على الحَياةِ، وعَصْرَها مِنَ السُّحُبِ الثِّقالِ، وإرضاعَ الأَحياءِ بها، وإغاثةَ المُتَلهِّفين علَيها، تُبيِّنُ بوُضُوحٍ أنَّ تلك الأَهازِيجَ والجَلْجَلةَ تَحمِلُ مِنَ الحِكَمِ البَليغةِ والم بما تالعَمِيقِ، حتَّى لَكأَنَّ تلك القَطَراتِ تَهتِفُ بأَمرِ الرَّبِّ الكَرِيمِ بأُولَئك العِطاشِ المُستَغِيثين قائِلةً: بُشْراكُم.. ها نحنُ مُقمَدارٌ إلَيكُم مِن رَبٍّ رَحِيمٍ.
وانظُرِ الآنَ إلى السَّماءِ، وتَمَعَّنْ في القَمَرِ وَحْدَه، مِن بينِ أَجرامِ السَّماءِ الَّتي لا حَصْرَ لها، تَجِدْ أنَّ حَرَكاتِها جَمِيعًا یی ومِن ضَ لَكُا القَمَرُ یی مُنَسَّقةٌ أَجمَلَ تَنسِيقٍ وأَحكَمَه، ومُقَدَّرةٌ أَعظَمَ تَقدِيرٍ بِيَدِ قَدِيرٍ حَكِيمٍ، إذ تَتَعلَّقُ علَيها حِكَمٌ غَزِيرةٌ، وَثِيقةُ الصِّلةِنِ غَيرضِ. وحيثُ إنَّنا قد فَصَّلْنا هذا في مَوضِعٍ آخَرَ، نَكتَفِي هنا بهذا القَدْرِ.
وهكذا يَفتَحُ كُلٌّ مِمّا ذَكَرناه مِنَ العَناصِرِ الكُلِّيّةِ، ابتِداءً مِنَ الضََّّطاتِنتِهاءً بالقَمَرِ، نافِذةً واسِعةً جِدًّا تُبيِّنُ وُجُودَ اللهِ سُبحانَه، وتُظهِرُ وَحدانيَّتَه، وتُعلِنُ عن كَمالِ قُدرَتِه وعَظَمةِ سَلوأَعاصه، بمِقياسٍ أَعظَمَ وأَكبَرَ وبأَلوانٍ شَتَّى، وأَنواعٍ مُختَلِفةٍ.
فيا أيُّها الغافِلُ.. إن كُنتَ تَقدِرُ على إسكاتِ هذه الأَصواتِ المُدَوِّيةِ كرُعُى إنَّسَّماءِ، وإن كُنتَ تَستَطِيعُ أن تُطفِئَ هذه الأَضواءَ السّاطِعةَ، فيُمكِنُك عِندَئذٍ أن تَنسَى الخالِقَ الكَرِيمَ.. وإلّا فعُدْ إلى رُشْدِك، وتَوَجَّهْ إلى شَطْرِ عَقْلِك اه دَر سُبحانَ مَن تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ.
النَّافِذة الحَادِية والعِشرُون
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
إالإِيمشَّمسَ الَّتي هي سِراجُ هذه الكائِناتُ، إنَّما هي نافِذةٌ مُضِيئةٌ ساطِعةٌ كنُورِها، تَتَطلَّعُ مِنها المَخلُوقاتُ إلى وُجُودِ خالِقِ الكَونِ ووَحدانيَّتِه.
فالسَّيّاراتُ الِاثنَتا عَشْرةَ معَ كُرَتِنا الأَرضِيّةِ، والَّقةُ ُطلَقُ علَيها اسمُ "المَنظُومةِ
— 866 —
الشَّمسِيّةِ" تَجرِي بنِظامٍ مُتقَنٍ، وَفْقَ حِكْمةٍ تامَّةٍ، وحَسَبَ مِيزانٍ دَقِيقٍ، رَغْمَ الِاختِلافِ الشَّدِيدِ فيما بَينَها، مِن حَيثُ كُتَلُها وأَجرامُها ومِن حيثُ صِغَرُها وكِبَرُها، ورَغْمَ التُّم دُوِ الواسِعِ فيما بَينَها مِن حَيثُ قُربُها وبُعدُها مِنَ الشَّمسِ، ورَغْمَ التَّنوُّعِ الهائِلِ في حَرَكاتِها وسُرعاتِها.
نعم، فرَغْمَ هذا كلِّه تَجرِي السَّيّاراتُ ُّ ظُللاكِها سابِحةً مَشدُودةَ الوِثاقِ بالشَّمسِ، مُرتَبِطةً معَها بقانُونٍ إلٰهِيٍّ، هذا القانُونُ هو الَّذي يُطلِقُ علَيه عُلَماءُ الفَلَكِ اسمَ "الجاذِبِيّةِ".. فهيَقتِ، ي بنِظامٍ دَقِيقٍ دُونَ خَطَأٍ، ولو بمِقدارِ ثانيةٍ واحِدةٍ، وتَنقادُ انقِيادًا تامًّا، وبطاعةٍ مُطلَقةٍ لِهذا القانُونِ، كانقِيادِ المُصَلِّين المَأْمُومين لإمامِهم.. وهذا دَليلٌ وأيُّ دَليلٍ، بأَوسَعِ مِقياسٍ حَفَرُمِه، على عَظَمةِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ ووَحدانيّةِ الرُّبُوبيّةِ.. فإنِ استَطَعتَ أن تُقدِّرَ عَظَمةَ هذا الأَمرِ بنَفسِك فافْعَلْ، لِتَرَى مَدَى اَمَعِ ةِ والحِكْمةِ في جَعْلِ تلك الأَجرامِ الجامِدةِ وتلك الكُتَلِ الهائِلةِ یی وهي بلا شُعُورٍ یی تَجرِي في مُنتَهَى النِّظامِ وكَمالِ الملى الغ، وفي غايةِ الحِكْمةِ، وعلى صُوَرٍ مُتَبايِنةٍ، وضِمنَ مَسافاتٍ مُختَلِفةٍ، وبحَرَكاتٍ مُتَنوِّعةٍ، ومِن بعدِ ذلك تَسخِيرِها جَمِيعًا وَفْقَ نِظامٍ بَدِيعٍ رائِعٍ!
فلو كان للمُصادَفةِ أيُّ تَدَخُّلٍ یی مَهما كان ضَئِيلًشكِيلِي مِثلِ هذه الأُمُورِ الجِسامِ، لَتَوَقَّعْنا حُدُوثَ أَخطاءٍ تَنجُمُ عنها انفِلاقاتٌ كَوْنيّةٌ عَظِيمةٌ، واصْطِداماتٌ هائِلةٌ، تُدَمِّرُ الكَونَ وتَجعَلُه هَباءً مَنثُورًا، لأنَّه لو والهُم للمُصادَفةِ أن تَلعَبَ لُعبَتَها، فلَرُبَّما تُوقِفُ أَحَدَ هذه الأَجرامِ الهائِلةِ، وتُخرِجُه عن مِحوَرِه، وبذلك تُمَهِّدُ السَّبِيلَ لِاصطِداماتٍ لا حَدَّ لها بينَ أَجرامٍ لا يَحصُرُها العَدُّ.. فقَدِّرْ إذًا مَدَى الهَوْلِ المُرِيعِ النتَوفِي مِنِ اصطِدامِ أَجرامٍ أَضخَمَ مِن كُرَتِنا الأَرضِيّةِ بآلافِ الأَضعافِ.
سنُفَوِّضُ عَجائِبَ أُمُورِ المَنظُومةِ الشَّمسِيّةِ وغَرائِبَها إلى العِلْمِ الإلٰ الزَّ المُحِيطِ بكُلِّ شَيءٍ، ونَحصُرُ ذِهنَنا في تَأَمُّلِ كُرَتِنا الأَرضِيّةِ، الَّتي هي مَأْمُورةٌ واحِدةٌ مِن تلك السَّيّاراتِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ، وثَمَرةٍ مِنَ الثِّمارِ اليانِعةِ لِشَجَرةِ الشَّمسِ، فنَرَى: أنَّ سَيّارَتَنُ البَتُسَخَّرُ بأَمرٍ رَبَّانِيٍّ یی كما بَيَّنّاه في "المَكتُوبِ الثّالِثِ" یی لِأَجلِ أن تَنهَضَ بخِدْماتٍ جَلِيلةٍ، ومَهامَّ جَسِيمةٍ خِلالَ سَيْرٍ وتَجْوالٍ طَوِيلٍ، فتَدالمِثاَوْلَ الشَّمسِ لتُظهِرَ بجَرْيِها
— 867 —
ودَوَرانِها هذا عَظَمةَ الرُّبُ7?Sّةِ وكِبْرِياءَ الأُلُوهيّةِ، وكَمالَ الرَّحمةِ والحِكْمِة.. فكأنَّ الأَرضَ سَفِينةٌ عَظِيمةٌ لِرَبِّ العالَمِين مَشحُونةٌ بعَجُّ علىمَخلُوقاتِه سُبحانَه، أو هي كمَسْكَنٍ مُتَجوِّلٍ لِذَوِي الحَياةِ والشُّعُورِ مِن عِبادِه، أَسكَنَهم فيها، ويُجرِيهم بها للنُّزهةِ والتَّفَرُّجِ في أَرجاءِ الفَضاءِ هذا.
والقَمَرُ أَيضًا كأنَّه يمانِ بُ ساعةٍ مَشدُودةٌ بالأَرضِ تَدُلُّنا على الزَّمَنِ والأَوقاتِ، وقد أُعطِيَتْ له مَهامُّ أُخرَى یی عَدا مُهِمّةِ كَونِه ساعةً للأَرضِ یی في مَنازِلَ أُخرَى مِن هذا الفَضاءِ.
وهكذا يَتَبيَّنُ أنالأَمطّارَتَنا المُبارَكةَ هذه، قد أُعطِيَت مِنَ الحِكَم الدَّقِيقةِ، والوَظائِفِ الجَلِيلةِ في سِياحَتِها هذه، مِمّا يُثبِتُ ويَدُلُّ بأَوضاعِها، ويَشهَدُ شَهادةً قَوِيّةً كقُوّةِ الأَرضِ وعَظَمَتِها عسَّمُ َدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، وعلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه.. وقِسِ البَقِيّةَ على أَرضِنا.
ثمَّ إنَّ جَعْلَ السَّيّاراتِ تَدُورُ دَوَرانًا حَكِيمًا حَوْلَ مِحْوَرِ الشَّمسِ، وشَدَّها بعُرًى مَعنَوِيّةٍ یی يُطلَقُ علَياك؛ ثمُ الجاذِبيّةِ یی بالشَّمسِ، ومِن بعدِ ذلك تَنظِيمَ إدارَتِها، وتَنسِيَق أَمرِها جَمِيعًا، لا يَتِمُّ إلَّا بتَقدِيرِ القَدِيرِ الحَكِيمِ، فَضلًا عن أنَّ سَوْقَ الشَّمسِ لِتَجرِيَ بسُرعةٍ مُذهِلةٍ فتَقطَعَ مجَمَّل خَمسِ ساعاتٍ في ثانيةٍ واحِدةٍ إلى بُرجِ "هِرَقلَ" أو نحوَ "شَمسِ الشُّمُوسِ"، حَسَبَ تَقدِيرِ العُلَماءِ، ليس إلَّا بأَمرِ سُلطانِ الأَزَلِ والأَبدِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ، ِياءَهه سُبحانَه يَستَعرِضُ بجَيشِ المَنظُومةِ الشَّمسِيّةِ وجُنُودِها المُنقادِينَ لِأَمرِه مُناوَرةً عَسكَرِيّةً إظهارًا لِعَظَمةِ رُبُوبيَّتِه للعالَمِين أَجمَعَ.
والكَُن يَرَى نَفسَه أنَّه قد تَعَلَّم شَيْئًا مِنَ الفَلَكِ.. قُل لي برَبِّك أَيُمكِنُ لِمُصادَفةٍ أن يكُونَ لها شَأْنٌ في أُمُورٍ عَظِيمةٍ كهذه؟ أم يُمكِنُ لِسَبَب الَّذ الأَسبابِ الَّتي تَراها ذا تَأْثيرٍ في حَوادِثِ الأَكوانِ أن يَصِلَ بيَدِه إلَيها؟! أو لِقُوّةٍ أيًّا كانَت أن تَدنُوَ مِنها؟
هل تَعتَقِدُ أنَّ سُلطانًا ذا عِزّةٍ وجَلالٍ يَسمَحُ لِشَريكٍرامةٌ ًّا كان یی أن يَتَدخَّلَ في أَمرِ مُلْكِه العَظِيمِ، مُظهِرًا بذلك عَجْزَه وقُصُورَه؟! حاشَ للهِ وكَلّا؛ أو هل يُمكِنُ أن يُسلِّمَ سُبحانَه أُمُورَ ذَوِي الحَياةِ الَّذين هم ثَمَرُ للكََونِ ونَتيجَتُه وغايَتُه وخُلاصَتُه إلى الأَغيارِ؟! أو يَسمَحَ یی ولو بمِقدارٍ ضَئِيلٍ یی بمُداخَلةِ هذه الأَغيارِ في شُؤُونِه الحَكِيمةِ؟ وهل يَتْرُكُ سُدًى خُلاصةَ تلك الثَّمَراتِ، وأَكملَ يَنظُِجِها، وخَلِيفةَ الأَرضِ، والضَّيفَ
— 868 —
المُكَرَّمَ للسُّلطانِ یی أي: الإِنسانَ یی وهل يُسَلِّمُ أَمرَه إلى الطَّبِيعةِ والمُصادَفةِ، فيَهوِيَ بذلك بعَظَمةِ سَلْطَنتِه وكَمالِ حِكْمتِه؟! حاشَ للهِ وكَلَّا.. وتَعالَى ال إلى ق ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
النَّافِذة الثَّانِية والعشرُون
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ٭ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ٭وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ ِلمِ عهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
لو تَصَوَّرْنا أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ رَأسُ مَخلُوقٍ عَظِيمٍ، فإنَّنا نَجِدُ في هذا الرَّأسِ الهائِلِ في الكِبَرِ مِئةَ أَلفِ فَمٍ، وكلُّ فَمٍ له مِئةَُفةِ، لِسانٍ، وكلُّ لِسانٍ يُبيِّنُ بمِئةِ أَلفِ بُرهانٍ الواجِبَ الوُجُودِ، الواحِدَ الأَحَدَ، القَدِيرَ على كلِّ شَيءٍ، والعَلِيمَ بكُلِّ شَيءٍ؛ وكلُّ لِسانٍ يَنطِقُ بمِئةِ أَلودِ الادةٍ صادِقةٍ على وَحْدانيَّتِه سُبحانَه، وأَوصافِه المُقدَّسةِ وأَسمائِه الحُسنَى.
فها نَنظُرُ إلى الأَرضِ في بِدايةِ خَلْقِها، فهِيلا تكُلةٍ مِنَ السُّيُولةِ والمُيُوعةِ، فخُلِقَت مِنها الصُّخُورُ الصَّمّاءُ، وخُلِقَ مِنها التُّرابُ.. فلَو كانَتِ الأَرضُ باقِيةً على حالَتِها الأُولَى مِنَ المُيُوعةِ لَتَعذَّرَتِ الحَياةُ علَيها، ولَتَعذَّرَ اتِّخاذُها مَسْكَنًا صاتَّحقِلِأَيِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ السُّكْنَى.. ولو كانَت تلك الصَّخرةُ المَهُولةُ الصَّلْدةُ یی المُتَحوِّلةُ مِنَ المُيُوعةِ یی باقِيةً على صَلابَتِها لَتَعسَّرَتِ الِاستِفادةُ مِنها. إذًا فالَّذي مَنَح الأَرضَ وَضْعًا مُلائِمًا للعَيشِ لا بُدَّ أَوَى.
نَ ذلك الخالِقَ الحَكِيمَ الَّذي يَرَى بحِكْمَتِه المُطلَقةِ مَن في الأَرضِ جَمِيعًا، ويُهَيِّئُ لهم حاجاتِهم كافّةً.
ثمَّ نَتَأمَّلُ الجِبالَ الشَّامِخاتِ الَّتي تَسنُدُ الأَرضَ وتُمسِكُها ِيفٍ. ُّ كِيانَها في أَثناءِ دَوَرانِها: فنَرَى أنَّ انقِلاباتٍ هائِلةً تَحدُثُ في جَوفِ الأَرضِ، وهذه الِانقِلاباتُ يَتَولَّدُ عنها الكَثِيرُ مِنَ الغازاتِ والأَبخِرةِي تُخلُثُها وتَزفِرُها مِن خِلالِ الجِبالِ على صُورةِ زَلازِلَ وبَراكِينَ، كيلا يَصرِفَها عنِ القِيامِ بحَرَكَتِها المُنتَظِمةِ وأَداءِ مُهِمّاتِها الأَساسِيّةِ ما يَحدُثُ
— 869 —
في جَوْفِها مِن أَحداثٍ؛ كما أنَّها تُشَكِّلُ بارتَِفْلةِ سُفُوحِها سُدُودًا أَمامَ طُغيانِ البِحارِ على تُرابِها، ولِتُصبِحَ خَزائِنَ احتِياطِيّةً لِحاجاتِ الأَحياءِ، ولِتَمشِيطِ الهَواءِ وتَصفِيَتِه مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ لِيُصبِحَ صالِحًا للتَّنفّلٍ.
لِتَجمَعَ شَتاتَ الماءِ مِن كلِّ مَكانٍ وتَدَّخِرَه للأَحياءِ، ولِتكُونَ كُنُوزًا لِمَعادِنَ مُتَنوِّعةٍ تَتَوقَّفُ علَيها إدامةُ حَياةِ الكائِناتِ.
فهذه الأَوضاعُ وكَثِيرٌ غَيرُها، تَشهَدُ شَهادةًِرُ كلةً على القَدِيرِ المُطلَقِ والحَكِيمِ والرَّحِيمِ وعلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه.
فيا أيُّها المُتَباهي بعِلْمِ الجُغرافيا.. قُلْ لي كيفَ تُفَسِّرُ هذه الأُمُورَ؟ أيّةُ مُصادَفةٍ يُمكِلبَداهن تُمسِكَ بزِمامِ الأَرضِ المَشحُونةِ بالمَصنُوعاتِ العَجِيبةِ، وتَجعَلَها تَسبَحُ في فَضاءٍ تَقطَعُ فيه مَسافةَ أَربَعٍ وعِشرِين سَنةً في سَنةٍ واحِدةٍ، دُونَ أن يَتَبَعثَرَ ما علَيها مِن مَعار٭ ٭ عَجائِبِ؟!
ثمَّ أَمعِنِ النَّظَرَ فيما على الأَرضِ مِن بَدِيعِ الصَّنائِعِ، وكيفَ أنَّ العَناصِرَ كُلَّها قد سُخِّرَت لِمَهامَّ حَكِيمةٍ، حتَّى تَراها كأنَّها تَِيةٌ، نَظْرةَ إجلالٍ واحتِرامٍ إلى ضُيُوفِ القَدِيرِ الحَكِيمِ، الجالِسِين حَوْلَ مائِدةِ الأَرضِ، فتُهرَعُ إلى خِدْمَتِهم جَمِيعًا.
ثمَّ أَمعِنِ النَّظَرَ في مَلامِحِ الأَرضِِرًا فائِها، وفي مُطَرَّزاتِ تَعارِيجِها، ونُقُوشِ انحِناءاتِ سَطْحِها، والْتِواءاتِ جِسْمِها، ولاحِظْ شَكْلَها وأَلْوانَها الزَّاهِيةَ المُتَنوِّعةَ بتَنَوُّعِ تُربَتِها، والَّتي تَتَّسِمُ بالحِكْمةِ والإبداعِ، وتُثِيرُ بِيلِ ةَ والإعجابَ.. فدُونَك الأَنهارَ والسَّواقِيَ والبِحارَ والجَداوِلَ وسُفُوحَ الجِبالِ، فإنَّها كُلَّها قد هُيِّیئَت ومُهِّدَت لِتكُونَ سَكَنًا للمَخلُوقاتِ، ووَسائِطَ نِقْلِهم مِن مَكانٍ إلى آخ شَبِي ثمَّ ألا تَرَى أنَّ مَلْأَها یی يَعنِي الأَرضَ یی بكَمالِ الحِكْمةِ والنِّظامِ البَدِيعِ بمِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَجناسِ النَّباتاتِ وأَنواعِ الحَيَواناتِ وبَعْثَ الحَياةِ البَهِيجةِ باهِرة ثُمَّ إِعفاءَهم بالمَوتِ مِن وَظائِفِهم الَّتي كانوا يَقُومُون بها.. هذه الظَّاهِرةُ تَتَوالَى وتَتْرَى بانتِظامٍ دَقِيقٍ.. حتَّى إذا أُفرِغَتِ الأَرضُ مِنها أن تكَ مُجَدَّدًا بمَلْئِها.. ألا يَعنِي هذا أنَّ "البَعْثَ بعدَ المَوتِ" حَقٌّ لا رَيبَ فيه؟
— 870 —
أوَلَيسَت كلُّ هذه الظَّواهِرِ شَهاداتٌ صادِقةٌ ناطِقةٌ بمِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَل وجَماعلى القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، الحَكِيمِ ذِي الكَمالِ، وعلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه؟!
والخُلاصةُ:أنَّ الأَرضَ الَّتي هي بمَثابةِ قَلْبِ الكَونِ، قد أَصبَحَت مَشْهَرًا لِعَجائِبِ مَصنُوعةِ العلهِ البَدِيعةِ، ومَحْشَرًا لِغَرائِبِ مَخلُوقاتِه الجَمِيلةِ، ومَمَرًّا لِقافِلةِ مَوجُوداتِه الوَفيرةِ، ومَسجِدًا لِعِبادِه المُتَراصِّين صُفُوفًا علَيها، ومَقَرًّا لِأَداءِ عِباداتِبإذنِهذه الأَرضُ تُظهِرُ مِن شُعاعِ التَّوحِيدِ ما يَمْلَأُ الكَونَ نُورًا وضِياءً.
فيا أيُّها المُعتَدُّ بعِلمِ الجُغرافيا.. إذا كان رَأسُ الأَرضِ هذه يُعرِّفُ رَبَّ العالَمِين بمِئةِ أَلفِ فَمٍ، وفي كلِّ فَمٍ مِئةُ أَلفِ لِسانٍ، عْلِه ُعرِضُ عن هذا التَّعرِيفِ، وتَغمِسُ رَأسَك في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، ففَكِّرْ إذًا في مَصِيرِ جَرِيمَتِك، إلى أيِّ عِقابٍ يَسُوقُك هذا الإعراضُ والإنكارُ؟! احذَرْ وانتَبِهْ وارْفَعْ رَأسَك مِنَ المُستَنقَعِ اهم، فأ، وقُلْ: "آمَنتُ باللهِ الَّذي بيَدِه مَلَكُوتُ كلِّ شَيءٍ".
النَّافِذة الثَّالِثة والعشرُون
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ
إنَّ الحَياةَ هي أَسطَعُ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ وأََدُ بأا، وأَقوَى بُرهانٍ مِن بَراهِينِ الوَحدانيّةِ وأَبهَرُها، وأَجمَعُ مِرآةٍ مِن مَرايا تَجَلِّياتِ الصَّمَدانيّةِ وأَلمَعُها.
نعم، إنَّ الحَياةَ وَحْدَها تُبيِّنُ اه في خ القَيُّومَ بأَسمائِه الحُسنَى وصِفاتِه الجَلِيلةِ وشُؤُونِه الحَكِيمةِ.
فالحَياةُ كالنُّورِ.. فكَما أنَّ نُورَ الشَّمسِ يَحصُلُ مِنِ امتِزاجِ الأَلوانِ السَّبعةِ لِطَيفِ الشَّمسِ، كذلك "ا، ومَيُ" تَحصُلُ مِنِ امتِزاجِ صِفاتٍ كَثِيرةٍ امتِزاجًا دَقِيقًا.. وهي یی أي: الحَياةُ یی كدَواءٍ ناتِجٍ مِنِ امتِزاجِ مَوادَّ كَثِيرةٍ مُتَنوِّعةٍ امتِزاجًا مُقَدَّرًا تَقدِيرًا مُحكَمًا.
فالحَياةُ إذًا حَقِيقةٌ مُرَكَّبةٌ مِن صِفاتٍ كَثِيرةه، ولهًا.. فقِسمٌ مِن صِفاتِ تلك الحَقِيقةِ تَنبَسِطُ وتَنكَشِفُ ويَظهَرُ تَمايُزُها واختِلافُها بعضًا عنِ البَعضِ الآخَرِ، مِن خِلالِ مَسِيلِها
— 871 —
في قَنَواتِ الحَواسِّ، الَّتي تلِ والُ كلُّ حاسّةٍ مِنها لَوْنًا مِن أَلوانِ هذه الصِّفاتِ؛ أمّا القِسمُ الأَعظَمُ مِنها فإنَّه يُعلِنُ عن نَفسِه مِن خِلالِ الأَحاسِيسِ المُفعَمةِ "بالحَياةِ".
ثمَّ إنَّ "الحَياةَ" تَتَضمَّنُ الرَّ سَيوالرَّحمةَ والعِنايةَ والحِكْمةَ، الَّتي كلٌّ مِنها سارِيةٌ في الكائِناتِ ومُهيمِنةٌ على أَمرِها وخَلْقِها وتَدبِيرِها، فكأَنَّ الحَياةَ تَقُودُ أُولَئك جَمِيعًا معَها أَينَما حَلَّت،ِيزانِلَما تَحُلُّ "الحَياةُ" في أيِّ جِسمٍ، إذا باسمِ "الحَكِيمِ" يَتَجلَّى فيه أيضًا، حيثُ يَشرَعُ ببِناءِ عُشِّه بِناءً مُتقَنًا ويُنَظِّمُه تَنظِيمًا حَكِيمًا؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يَتَجلَّى اسمُ "الكَرِيمِ" أيضًا حيثُ يُرتِّبُ مَسكَنَالَمِ َسِّقُه ويُزَيِّنُه وَفقَ حاجاتِه، ويَظهَرُ آنَئذٍ اسمَ "الرَّحِيمِ" مُتَجلِّيًا أيضًا، فيُسبِغُ أَفضالَه وأَلطافَ إنعامِه لإدامةِ الحَياةِ وبُلُوغِ كَمالِها، وفي الوَقتِ نَفسِه يَتَجلَّى اسمُ "الرَّزَّاقِ" بادِيًا ن نَوانِ، حيثُ يُهيِّئُ المُقَوِّماتِ الغِذائيّةَ یی المادِّيّةَ والمَعنَوِيّةَ یی لِبَقاءِ تلك الحَياةِ وانبِساطِها، بل يَدَّخِرُ قِسمًا مِنها في الجِسمِ.
أي: إنَّ الحَياةَ كالبُؤْرةِ الَّتي تَتَجمَّعُ فيها الأَشِعّةُ الضَّوئيّةُ المُختَُ، قَل فتَتَداخَلُ الصِّفاتُ المُتَنوِّعةُ في الحَياةِ بعضُها في بعضٍ تَداخُلًا يَجعَلُ كلَّ صِفةٍ مِنها عَيْنَ الأُخرَى، فكأَنَّ الحَياةَ بكامِلِها "عِلْمٌ" كما أنَّها "قُايةُ تفي الوَقتِ نَفسِه، وهي "حِكْمةٌ" و"رَحْمةٌ" سَواءً بسَواءٍ..
وهكَذا أَصبَحَتِ "الحَياةُ" بِناءً على ماهِيّاتِها الجامِعةِ هذه، مِرآةً تَعكِسُ "الَّذين انيّةَ" الَّتي تَتَمثَّیلُ فيها شُؤُونُ الذّاتِ الرَّبّانيّةِ؛ ومِن هذا السِّرِّ أَيضًا نَجِدُ أنَّ "الحَيَّ القَيُّومَ" جَلَّ وعَلا، قد خَلَق الحَياةَ بكَثرةٍ هائِلةٍ، ووَفْرةٍ شامِمُدَبّبَثَّها في أَرجاءِ الوُجُودِ كافّةً، جاعِلًا كلَّ شَيءٍ يَحُومُ حَوْلَ الحَياةِ، ويُسَخَّرُ لِأَجلِها، فلا غَرْوَ أنَّ وَظِيفةَ الحَياةِ جَلِيلةٌ.
نعم، إنَّ القِيامَ بأَداءِ مُهِمّا تَقُمِرآةِ العاكِسةِ" لِتَجَلِّياتِ "الصَّمَدانيّةِ" ليس أَمرًا سَهْلًا ولا وَظِيفةً هَيِّنةً، إذ نَرَى أَمامَنا ماثِلةً للعِيانِ أَنواعًا لا تُعَدُّ تلك اُحصَى مِنَ "الحَياةِ" تُخلَقُ كلَّ حِينٍ، وإنَّ أَرواحَها الَّتي هي أُصُولُها وذَواتُها، تُخلَقُ دُفعةً واحِدةً مِنَ العَدَمِ، وتُرسَلُ أَنواعًا غَفِيرةً مِنَ الأَحُوطَهالى مَيدانِ الحَياةِ مُباشَرةً.
— 872 —
ألا يَدُلُّ كلُّ هذا على وُجُوبِ وُجُودِ ذاتِ الجَلِيلِ الأَقدَسِ و"الحَيِّ القَيُّومِ" الَّذي له الصِّفاتُ القُدسِيّةُ والأَسٌ على لحُسنَى أَوضَحَ مِن دَلالةِ لَمَعانِ أَشياءِ الأَرضِ على الشَّمسِ؟ فكَما أنَّ الَّذي لا يَعتَقِدُ بوُجُودِ الشَّمسِ، ويَتَجاهَلُ صِفاتِها اللخَضْردةَ على الأَشياءِ، لا شَكَّ أنَّه مُضطَرٌّ إلى إنكارِ النَّهارِ المَلِيءِ بنُورِ الشَّمسِ، كذلك الَّذي لا يَعتَقِدُ بوُجُودِ شَمسِ الأَحَدِيّةِ، ذَلِكُمُ الحَيِّ القَيُّومِ، المُحيِي والمُمِيتِ، فهو مُضطَرٌّ أَيضًا إلى إنُقابِلُجُودِ الأَحياءِ الَّتي تَمْلَأُ الأَرضَ، بل تَمْلَأُ الماضِيَ والمُستَقبَلَ مَعًا.. وعِندَها لا يَرَى لِنَفسِه مَوْقِعًا إلَّا بينَ الأعلى ال أو أَضَلَّ مِنها، فيكُونُ بمُستَوَى الجَماداتِ.
النَّافِذة الرَّابعة والعشرُون
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
إنَّ المَوتَ كالحَياةِ بُرهانٌ ساطِعٌ للرُّبُِنها ف، وهو حُجّةٌ في غايةِ القُوّةِ على الوَحدانيّةِ، مِثلَ الحَياةِ، إذ بدَلالةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ، إنَّ المََبّةِ،سَ عَدَمًا، ولا إعدامًا، ولا فَناءً، ولا لُعبةَ العَبَثِ، ولا انقِراضًا بالذّاتِ مِن غيرِ فاعِلٍ، بل هو تَسرِيحٌ مِنَ العَمَلِ، مِن لَدُنْ فاعِلٍ حَكِيمٍ، ومالِئةِبدالُ مَكانٍ بمَكانٍ، وتَبدِيلُ جِسْمٍ بجِسمٍ، وانتِهاءٌ مِن وَظِيفةٍ، وانطِلاقٌ مِن سِجْنِ الجِسْمِ، وخَلقٌ مُنتَظِمٌ جَدِيدٌ وَفقَ الحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ. كما بَيَّنّا في "الَمِّعُبِ الأَوَّلِ".
نعم، كما أنَّ المَوجُوداتِ الحَيّةَ المَبثُوثةَ في الأَرضِ كافّةً، تُشِيرُ بحَياتِها إلى الخالِقِ الحَكِيمِ وإلى وَحْدلجَلالِه؛ فتلك الأَحياءُ تَشهَدُ بمَوْتِها أَيضًا على سَرْمَدِيّةِ ذلك الحَيِّ الباقِي، وتُشِيرُ إلى وَحْدانيَّتِه جَلَّ شَأْنُه.. وحيثُ إنَّنا بَحَثنا في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" أنَّ الم مِثلَُرهانٌ قاطِعٌ على الوَحْدانيّةِ، وحُجّةٌ دامِغةٌ على السَّرمَدِيّةِ، لِذا نُحِيلُ البَحثَ إلَيها. إلَّا أنَّنا نُبيِّنُ هنا نُكتةً مُهِمّةً فقط وهي: أنَّ الأَحياءَ مِثلَما تَدُلُّ بوُجُودِها على الخالِقِ الحَيِّالأَسبها تَشهَدُ بمَوتِها على سَرمَدِيّةِ الحَيِّ الباقِي وعلى وَحْدانيَّتِه؛ ولْنأخُذْ شاهِدًا على ذلك سَطْحَ الأَرضِ، فإنَّ النِّظامَ الرَّائِعَ ما بالطَ هَيْمَنَتَه
— 873 —
على الأَرضِ بأَسْرِها والَّذي يَبدُو لنا مِن خِلالِ مَظاهِرِه عِيانًا يَشهَدُ شَهادةً صادِقةً على الصّانِعِ القَدِيرِ.
فعِندَما يَُيضًا الشِّتاءُ كفَنَه الثَّلجِيَّ الأَبيَضَ على وَجْهِ الأَرضِ الرَّبيعيِّ، وتَمُوتُ الأَحياءُ الَّتي كانَت تَزخَرُ بالحَياةِ فَوقَها؛ فإنَّ مَنظَرَ هبعُ:إَوتِ يَنقُلُ نَظَرَ الإنسانِ إلى أَبعَدَ مِنَ اللَّحظةِ الرّاهِنةِ، فيَركَبُ مَتنَ الخَيالِ لِيَذهَبَ بَعِيدًا إلى الماضِي الَّذي دَرَجَت إلَيه جَنائِزُ كلِّ رَبيعٍ راحضُ أنّتَتَفتَّحُ عِندَئذٍ أَمامَ النَّظَرِ مَشاهِدُ مِنَ المَوتِ والحَياةِ أَوسَعُ مِن هذا المَنظَرِ المَحصُورِ في الحاضِرِ الرّاهِنِ، لأنَّ كلَّ رَبيعٍ راحِلٍ مِمّا لا يُحصَى مِنَ ايَجعَلعَةِ، كان مَشحُونًا مِلْءَ الأَرضِ بمُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وهو يُشعِرُ الإنسانَ بمَجِيءِ مَوجُوداتٍ تَتَدفَّقُ بالحَياةِ وتَمَْركانِلأَرضَ كلَّها في رَبيعٍ مُقبِلٍ.
فنَجِدُ بهذا أنَّ مَوتَ الرَّبيعِ يَشهَدُ شَهادةً بمِقياسٍ عَظِيمٍ جِدًّا، وبصُورةٍ رائِعةٍ جِدًّا وبدَرَجةٍ مِنَ القُوّةِ أَكثَرَ، على الخالِقِ ذِي الجَلالِ، والقَدِيرِ ذ أَظهََمالِ، والحَيِّ القَيُّومِ، والنُّورِ السَّرمَدِيِّ؛ ويُشِيرُ إلى وَحْدانيَّتِه، وسَرمَدِيَّتِه تَبارَكَ وتَعالَى؛ فيُبيِّنُ هذا المَوتُ دَلائِلَ باهِرةً إلى حَدٍّ ِ".
ُك معَه على القَولِ بَداهةً: "آمَنتُ باللهِ الواحِدِ الأَحَدِ".
الخُلاصةُ:إنَّه حَسَبَ الحِكْمةِ الَّتي تَتَضمَّنُها الآيةُ الكَرِيمةُ: يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فإنَّ الأَرضَ الحَيهُنا نه كما أنَّها تَشهَدُ على الخالِقِ الحَكِيمِ سُبحانَه بحَياتِها، فإنَّها بمَوتِها تَلفِتُ النَّظَرَ إلى التَّأَمُّلِ في مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ الَّتي تُطَرِّزُ جَناحَيِ الزَّمينِ اثماضِي والمُستَقبَلِ، فيَعرِضُ اللهُ سُبحانَه بهذا المَوتِ أَمامَ نَظَرِ الإنسانِ أُلُوفًا مِنَ الأَربِعَةِ بَدَلًا مِن رَبيعٍ واحِدٍ، فبَدَلًا مِن أن تَشهَدَ على قُدرَتِه سُبحانَه مُعجِزةٌ واحِدةٌَندَقةي هنا "الرَّبيعُ الحاضِرُ" یی تَشهَدُ علَيها بهذا المَوتِ الَّذي حَلَّ في الرَّبيعِ الحاضِرِ أُلُوفُ المُعجِزاتِ.
فكلُّ رَبيعٍ مِن تلك الألُوفِ مِنَ الأَربِعَةِ، يَشهَدُ شَهادةً أَقوَى على الوَحْدانيّةِ مِنَ الرَّبيعِ الحاضِرِ،أنَّها الَّذي ارتَحَلَ إلى جِهةِ الماضِي قدِ ارتَحَل إلَيه بأَسبابِ قُدُومِه الظَّاهِرةِ الَّتي ليس لها صِفةُ البَقاءِ، فالأَسبابُ الَّتي تَذهَبُ وتَأْتِي ليس لها إذًاناسِبِيرٌ قَطُّ في إحلالِ رَبِيعٍ جَدِيدٍ عَقِبَ الرَّبيعِ الرّاحِلِ، بلِ القَدِيرُ ذُو الجَلالِ الَّذي لا يَحُولُ ولا يَزُولُ
— 874 —
هو الَّذي خَلَقَه مةٍ مِنِيدٍ ورَبَطَه بحِكْمَتِه بالأَسبابِ الظّاهِرةِ، وأَرسَلَه على الصُّورةِ الرّائِعةِ إلى مَيدانِ الشُّهُودِ.
أمّا وُجُوهُ الأَرضِ الَّتي ستَأْتِي في المُستَقبَلِ، والمُزهِرةُ بالرَّبيعِ النّابِضِ بالحَياةِ، فهي ِبَ أَُ شَهادةً أَقوَى مِن شَهادَةِ هذا الرَّبيعِ الحاضِرِ، لأنَّ كلَّ رَبيعٍ يَأْتِي في المُستَقبَلِ إنَّما يَأْتِي إلَيها مِنَ العَدَمِ، ومِن غيرِ شَيءٍ، ويُبعَثُ إلى المَكانِ المُعَيَّنِ، ومِن ثَمّةَ تُحمَّلُ علَيه بِ في ةٌ خاصّةٌ.
فيا أيُّها الغافِلُ المَطمُوسُ في أَوحالِ الطَّبِيعةِ، والغارِقُ فيها.. إنَّ مَن لا تَظهَرُ يَدُ حِكْمَتِه وقُدرَتِه في المُستَقبَلِ الآتِي كُلِّه، ومَن لا يَتْرُكُ بَصَماتِ هذه اليَدِ علىْلِك خِي الذّاهِبِ كُلِّه، كيف يَستَطِيعُ یی وأنَّى له ذلك یی أن يَتَدخَّلَ في حَياةِ هذه الأَرضِ؟ فهل يُمكِنُ للمُصادَفةِ والطَّبِيعةِ اللَّتَينِ هما مِن غيرِ شَيءٍ أن يَتَدخَّلا في أَمرِ الحَياةِ على الأَرضِ؟
إن كُنتَ صادِقًا وراغِبًا في نَجااتِ السِك مِن هذه الوَرْطةِ، فادْنُ مِنَ الحَقِيقةِ وقُلْ: "إنَّ الطَّبِيعةَ إن كانَت شَيْئًا مَوجُودًا فهي كُرَّاسُ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ ليس إلّا.. أمّا المُصادَفةمَثلًالَيسَت إلَّا سِتارَ الحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ الخَفِيّةِ الَّذي يَستُرُ جَهْلَنا".
النَّافِذة الخَامِسة والعشرُون
إنَّ المَضرُوبَ يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على فاعِلٍ، ضِ المضَّارِبُ، والمَصنُوعُ المُتْقَنُ يَستَوجِبُ الصَّانِعَ المُتقِنَ، ووُجُودُ الوَلَدِ يَقتَضِي الوالِدَ، والتَّحتُ يَستَلزِمُ الفَوقَ.. وهكذا..
ُ لِأَأَطلَقَ العُلَماءُ على أَمثالِ هذه الصِّفاتِ مُصطَلَحَ "الأُمُورِ الإضافيّة" أي: النِّسبِيّةِ، أي: لا يَحصُلُ الواحِدُ دُونَ الآخَرِ.
فجَمِيعُ ما في هذه الأُمُورِ مِن "إرِه ال سَواءٌ في جُزئيّاتِ الكَونِ أو كُلِّيّاتِه، تَدُلُّ على "الوُجُوبِ"؛ وما يُشَاهَدُ في الجَمِيعِ مِنِ انفِعالاتٍ تَدُلُّ على فِعلٍ؛ وما يُشَاهَدُ في جَمِيعِها مِن مَخلُوقيّةٍ تَدُلُّ على الخالِقِيّةِ، وما يُشَاهَدُ فيها مِن كَثرةٍ وتَركِيب وَيُؤَلزِمُ الوَحْدةَ... فالوُجُوبُ، والفِعلُ، والخالِقِيّةُ، والوَحْدةُ، تَستَلزِمُ بالبَداهةِ والضَّرُورةِ مَن
— 875 —
هو المَوصُوفُ بی"الواجِبِ، الفاعِلِي الجالِقِ، الواحِدِ" الَّذي هو ليس مُمكِنًا ولا مُنفَعِلًا ولا مَخلُوقًا ولا كَثِيرًا ولا مُرَكَّبًا.
وعلى هذا الأَساسِ فإنَّ ما في الكَونِ مِن إمكانٍ، وما فيه مِنِ انفِعالٍ، وما يَكْفن مَخلُوقيّةٍ، وما فيه مِن كَثْرةٍ، وما فيه مِن تَركِيبٍ، يَشهَدُ شَهادةً واضِحةً على ذاتِ واجِبِ الوُجُودِ، الواحِدِ الأَحَدِ، خالِقِ كلِّ شَيءٍ، الفَعّالِ لِما يُرِيدُ.
الخُلاصةُ:كما يُشاهَدُ "الوُجُمثالِهِن خِلالِ "الإمكانِ" ويُشَاهَدُ "الفِعلُ" مِن خِلالِ "الِانفعالِ" وتُشاهَدُ "الوَحْدةُ" مِن خِلالِ "الكَثرةِ"، وكما يَدُلُّ وُجُودُ كلٍّ مِنها على وُجُودِ الآخَرِ دَلالةً قاطِعةً، كذلك الصِّفاتُ المُشاهَدةُ على المَوجُوداتِ كُمَكِّخلُوقيّةِ، والمَرزُوقيّةِ" (أي: كونُ المَوجُودِ مَخلُوقًا ومَرزُوقًا) تَدُلُّ على شُؤُونِ "الخالِقِيّةِ والرَّزّاقيّةِ" دَلالةً قاطِعةً.. فوُجُودُ هذه الصِّفاتِ أيضًا يَدُلُّ بالضَّرُورةِ وبالبَداهةِ على "الخَلّاقفإنَّ َزّاقِ، والصّانِعِ الرَّحِيمِ".. أي: إنَّ كلَّ مَوجُودٍ يَشهَدُ على "الذّاتِ الأَقدَسِ لِواجِبِ الوُجُودِ"، وعلى مِئاتٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى بما يَحمِلُ مِن مِئاتٍ مِن أَمثالِ تلك الصِّفاتِ.
فإن لم هْجِ بْ أيُّها الإنسانُ بجَمِيعِ هذه الشَّهاداتِ، فيَنبَغي لك إذًا إنكارُ أَمثالِ تلك الصِّفاتِ كُلِّها.
النَّافِذة السَّادِسة والعشرُون
(حاشيةفنقُولتُوحةٌ لِمن يُريدُ أن يُطِلَّ منها، وبالأَخَصِّ لأهلِ القَلبِ والمَحَبّة.
إنَّ أَنواعَ الجَمالِ الزّاهِرِ، وأَشكالَ الحُسْنِ الباهِرِ، الَّتي تَتيعِ الَأُ على وُجُوهِ الكائِناتِ السَّرِيعةِ الأُفُولِ، ثمَّ تَتابُعَ هذا الجَمالِ وتَجَدُّدَه بتَجَدُّدِ هذه الكائِناتِ، واستِمرارَه باستِمرارِ تَعاقُبِها.. إنَّما يُظهِرُ أنَّه ظِلٌّ مِن ظِلالِ تَجَلِّياتِ جَمالٍ سَرمَدِيٍّ لا يَحُولُ ولا يَِيمةً نعم..كما أنَّ تَلَألُؤَ الحَبابِ على وَجْهِ الماءِ الرَّقراقِ، وتَتابُعَ هذا اللَّمَعانِ في تَتابُعِ الحَبابِ يَدُلُّ على أنَّ الحَبابَ والزَّبَدَ والتَّمَوُّجاتِ الَّتي تَطفُو على سَطْحِ الماءِ إنَّما تُمَثِّیلُ مَرايا عاكِسةً يَوْمِعّةِ شَمسٍ باقِيةٍ.. فتَلَمُّعُ أَنواعِ الجَمالِ أيضًا على المَوجُوداتِ السَّيّالةِ
— 876 —
في نَهرِ الزَّمانِ الجارِي يُشِيرُ إلى جَمالٍ سَرمَدِيٍّ خالِدٍ، ويَدُلُّ على أنَّ تلك المَوجُوداتِ إنَّما تُمثِّیلُ إشاراتٍ وعَلاماتٍ علىَيثُ الجَمالِ.
ثمَّ إنَّ ما يَخفِقُ به قَلبُ الكَونِ مِن حُبٍّ جادٍّ وعِشْقٍ صادِقٍ يَدُلُّ على مَعشُوقٍ دائِمٍ باقٍ.. إذ كما لا يَظهَرُ شَيءٌ في الثَّمَرةِ ما لم يُوجَدْ في الشّونَ وي نَفسِها، فكذلك العِشْقُ الإلٰهِيُّ العَذْبُ الَّذي يَستَحوِذُ على قَلْبِ الإنسانِ، وهو ثَمَرةُ شَجَرةِ الكَونِ، يُبيِّنُ أنَّ عِشْقًا خالِصًا ومُحَبّةً صادِقةً بأَشكالٍ شَتَّى، مَغرُوزةٌ في كِيانِ الكَونِ كُلِّ أَكرَتَظاهَرُ بأَشكالٍ شَتَّى. هذا الحُبُّ المالِكُ قَلْبَ الكَونِ يُفصِحُ عن مَحبُوبٍ خالِدٍ سَرمَدِيٍّ.
ثمَّ إنَّ ما تَمُورُ به قُلُوبُ اليَقِظِين الرّاشِدِين مِن أَصفِياءِ النّاسِ، وما يَشعُرُون به مِنِ لإجرابٍ، وما يُؤَرِّقُهم مِن وَجْدٍ، وما يُحِسُّون به مِن جَذَباتٍ، وما تَتَدفَّقُ به صُدُورُهم مِن تَوْقٍ وحَنِينٍ، إنَّما يَدُلُّ على أنَّ حَنايا ضُلُوعِ الكَونِ تُعانِي ما يُعانِي الإنسانُ، وتَكادُ تَتَرِين ح مِن شِدّةِ انجِذابِها وعَظِيمِ جَذَباتِها الَّتي تَتَظاهَرُ بصُوَرٍ مُتَنوِّعةٍ. وهذا الجَذْبُ لا يَنشَأُ إلَّا مِن جاذِبٍ حَقِيقيٍّ، وجاذِبِيّةٍ باقِيةٍ أَبدِيّةٍ.
ثمَّ إنَّ أَرَقَّ النّاسِ طَبْعًا وأَلطَفَهم شُعُورًا، وأَنوَرَهصّةٌ فبًا، وهُمُ الأَولياءُ الصَّالِحُون مِن أَهلِ الكَشْفِ والشُّهُودِ قد أَعلَنُوا مُتَّفِقين على أنَّهم قد تَبَدَّدَت ظُلُماتُ نُفُوسِهم بإشراقِ أَنوايا لَيَلِّياتِ ذِي الجَلالِ، وذاقُوا حَلاوةَ تَعرِيفِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ، وتَوَدُّدِه إلَيهم. فإعلانُهم هذا شَهادةٌ ناطِقةٌ على "الواجِبِ الوُجُودِ"، وتَعرِيفٌ لِنَفْسِه عن طَرِيقِهم للإنسانِ.
ثمَّ إنَّ قَلَمَ التَّجمةٍ ومَالتَّحسِينِ الَّذي يُبدِعُ نُقُوشَه في وَجْهِ الكائِناتِ، يَدُلُّ بوُضُوحٍ على جَمالِ أَسماءِ مالِكِ ذلك القَلَمِ المُبدِعِ.
وهكذا، فالجَمالُ الَّذي ي جَمِي مِن وَجْهِ الكَونِ، والعِشقُ الَّذي يَخفِقُ به قَلبُه، والِانجِذابُ الَّذي يَمتَلِئُ به صَدْرُه، والكَشْفُ والشُّهُودُ الَّذي تُبصِرُه عَينُه، والرَّوعةُ والإبداعُ في مَجمُوعِ الكَونِ كلِّه.ِرٌ ولَحُ نافِذةً لَطِيفةً جِدًّا ونُورانيّةً ساطِعةً أَمامَ العُقُولِ والقُلُوبِ اليَقِظةِ، يَتَجلَّى مِنها ذلك الجَمِيلُ ذُو الجَلالِ، الَّذي له الأَسماءِ الحُسنَى، وذلك المَحبُوبُ الباقِي والمَعبُودُ الأَزَلِيُّ.
— 877 —
فيا أيِّ، وسامَغرُورُ التّائِهُ في ظُلُماتِ المادِّيّةِ.. ويا أيُّها الغافِلُ المُتَقلِّبُ في ظُلُماتِ الأَوهامِ والمُختَنِقُ بحِبالِ الشُّبُهاتِ.. عُدْ إلى رُشْدِك، واسْمُ سُمُوًّا لائِقًا بالإنسانِ، انظُرْ مِن خِلالِ هذه الحِيطِ ذِ الأَربَعةِ، وشاهِدْ جَمالَ الوَحْدانيّةِ، واظْفَرْ بكَمالِ الإيمانِ، وكُن إنسانًا حَقِيقِيًّا.
النَّافِذة السَّابِعة والعشرُون
اللَّهُ خَالِقُ كُلنُ لا ْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
سَنُطِلُّ مِن هذه النّافِذةِ على ما في مَوجُوداتِ الكَونِ مِن "أَسبابٍ ومُسَبَّباتٍ" فنَرَى أنَّ أَسمَى الأَسبابِ وأَشرَفَها قاصِرةٌ يَدُها على بُلُوغِ ا يُحَ المُسَبَّباتِ وعاجِزةٌ عن إدراكِ ما يَنجُمُ عنها.. فالأَسبابُ إذًا لَيسَت إلَّا سَتائِرَ وحُجُبًا، فالَّذي يُوجِدُ "المُسَبَّباتِ" هو غيرُ الأَسبابِ.. ولْنُوضِّحِ الكَلامَ بمِثالٍ:
القُوّةُ الحافِظةُ في ذِهنِ الإنسانِ، وهي بحَجْمِ ُ كُلّ مِن خَرْدَلٍ مَوضُوعةٍ في زاوِيةٍ مِن زَوايا دِماغِه، نَراها وكأنَّها كِتابٌ جامِعٌ شامِلٌ، بل مَكتَبةٌ وثائِقِيّةٌ لِحَياةِ الإنسانِ، حَيثُ تَضُمُّ مُستَنَداتِانٍ تُعِ أَحداثِ حَياتِه مِن دُونِ اختِلاطٍ ولا سَهْوٍ.. تُرَى أيُّ سَبَبٍ مِنَ الأَسبابِ يُمكِنُ أن يُبْرَزَ لِتَوضِيحِ وتَفسِيرِ هذه المُعجِزةِ الظّاهِرةِ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ؟ أهوَُشِيرُِيفُ الدِّماغِ؟!
أم إنَّ ذَرّاتِ خَلايا الدِّماغِ وهي بلا شُعُورٍ؟ أم رِياحُ المُصادَفاتِ العَشْوائيّةِ؟
فلا يُمكِنُ أن تكُونَ هذه المُعجِزةُ الباهِرةُ إلَّا مِن إبداعِ "صانِعٍ حَكِيمٍ" جَعَلَا یی فالقُوّةَ الحافِظةَ" مَكتَبةً أو سِجِلًّا يَضُمُّ صَحائِفَ أَعمالِ الإنسانِ، لِيُذَكِّرَه بأنَّ رَبَّه لا يُغادِرُ صَغِيرةً ولا كَبِيرةً إلَّا أَحصاها، ولِيَعرِضَه أَمامَ المَشهَدفلا يَعظَمِ يومَ الحِسابِ.. خُذِ "القُوّةَ الحافِظةَ" في ذِهنِ الإنسانِ، وقِسْ علَيها سائِرَ المُسَبَّباتِ مِن بُيُوضٍ ونُوًى وبُذُورٍ وأَمثالِها مِنَ المُعجِزاتِ البَدِيعةِ المُصَغَّرةِ، تَرَ أَينَما وَلَّيْتَ نَظَرَك وفي أيِّ ُستُورعٍ كان، أنَّك أَمامَ خَوارِقِ إبداعٍ لا يَقوَى علَيها سَبَبٌ مِنَ الأَسبابِ، بل حتَّى لوِ اجتَمَعَتِ
— 878 —
الأَسبابُ جَمِيعُها لإيجادِ تلك الصَّنْعةِ الخارِقةلمُكرَظهَرَت عَجْزَها عَجْزًا تامًّا ولو كان بعضُها لِبَعضٍ ظَهِيرًا.
ولْنَأخُذِ الشَّمسَ یی مَثلًا یی الَّتي يُظَنُّ أنَّها سَبَبٌ عَظِيمٌ، فلو قِيلَ لها مُفتَرِضِين فيها الشُّعُورَ والِاختِيارَ: "أيَّتُه النَُّمسُ العَظِيمةُ.. هل تَستَطِيعِين إيجادَ جِسمِ ذُبابةٍ واحِدةٍ؟" فلا شَكَّ أنَّها ستَرُدُّ قائِلةً: "إنَّ ما وَهَبَني رَبِّي مِن ضِياءٍ، وأَغدَقَ علَيَّ مِن حَرارةٍ وأَلوانٍ، لا يُؤَهِّلُني للخَلْقِ، ولا يَمنَحُنيُ بجَمتَطلَّبُه إيجادُ ذُبابةٍ مِن عُيُونٍ وسَمْعٍ وحَياةٍ، لَستُ مالِكةً لِشَيءٍ مِنها قَطُّ، فهذا الأَمرُ هو فوقَ طاقَتي كُلِّیيًّا".
نعم، كما أنَّ الإبداعَ العلى هذَ على "المُسَبَّباتِ" ورَوْعةَ جَمالِها قد عَزَلَتِ الأَسبابَ وسَلَبَتْها قُدرةَ الخَلْقِ، ودلَّتْنا بلِسانِ حالِها على مُسَبِّبِ الأَسبابِ، وسَلَّمَتِ الأُمُورَ كلَّها بِيَدِ اللهِ كما جاء في الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرلجَلِيُهُ، كذلك النَّتائِجُ الَّتي نِيطَت بالمُسَبَّباتِ، والغاياتُ النّاشِئةُ والفَوائِدُ الحاصِلةُ مِنها، تُظهِرُ جَمِيعًا بَداهةً أنَّ وَراءَ حِجابِ الأَسبابِ رَبًّا كَرِيمًا، حَكِيمًا، رَحِيمًا، وأنَّ ما نَراه مِن أَشياءَ لَيسَت إلَّا في كلّنعِه وإبداعِه سُبحانَه.
ذلك لأنَّ "الأَسبابَ" الَّتي هي بلا شُعُورٍ عاجِزةٌ كُلِّیيًّا عن مُلاحَظةِ یی مُجَرَّدِ مُلاحَظةِ یی غايةٍ لِشَيءٍ مُسَبَّبٍ، بَينَما أيُّ مَخلُوقٍ يَرِدُ الوُجُودَ لا تُناطُ به حِكمةٌ وايءٍ تُبل حِكَمٌ عَدِيدةٌ جِدًّا وفَوائِدُ جَمَّةٌ وغاياتٌ شَتَّى. أي: إنَّ الرَّبَّ الحَكِيمَ والكَرِيمَ هو الَّذي يُوجِدُ الأَشياءَ ثمَّ يُرسِلُها إلى هذا العاضِلةِ ويَجعَلُ تلك الفَوائِدَ غايةَ وُجُودِها.فمَثلًا:إنَّ الأَسبابَ الظّاهِرةَ لِتَكوِينِ المَطَرِ عاجِزةٌ عَجْزًا مُطلَقًا، وبَعِيدةٌ كلَّ البُعدِ عن أن تُشفِقَ على الحَيَواناتِ، أو تُلاحِظَ أُمُورَها وتَرحَمَها وتَنزِلَ لِأَجلِها.. إذًا فءِ مِص يُرسِلُ المَطَرَ ويُغِيثُها بحِكْمَتِه هو الخالِقُ الرَّحِيمُ الَّذي خَلَقَها وتَكَفَّلَ برِزقِها، وكأنَّه یی أي: المَطَرَ یی رَحمةٌ مُتَجسِّمةٌ لِكَثرةِ ما فيه مِن آثارِ الرَّحمةِ والفَوائِدِ الجَمّةِ. ومِيرةَ أُطلِقَ على المَطَرِ اسمُ "الرَّحمةِ".
ثمَّ إنَّ التَّزيِيناتِ البَدِيعةَ والجَمالَ المُبتَسِمَ على النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي تَمْلَأُ وَجْهَ المَخلُوقاتِ قاطِبةً، وجَمِيعَ المَعٌ يَج الجَماليّةِ علَيها، تَدُلُّ على أنَّ وَراءَ سِتارِ
— 879 —
الغَيبِ مُدَبِّرًا يُرِيدُ أن يُعرِّفَ نَفسَه ويُحَبِّبَها بهذه المَخلُوقاتِ الجَمِيلةِ البَدِيعةِ، وتَدُلُّ ع العَوُوبِ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه.
إذًا، فالتَّزيِيناتُ الرّائِعةُ في الأَشياءِ، وما في مَظاهِرِها مِن جَمالٍ بَدِيعٍ، وكَيفيّاتُها المُتَّسِمةُ بالحُسْنِ، كلُّها تَدُلُّ قَطْعًا على صِفَتَيِ التَّعرِيفِ ثِ الشوَدُّدِ؛ وهاتانِ الصِّفَتانِ (التَّعرُّفُ والتَّوَدُّدُ) تَشهَدانِ بالبَداهةِ على صانِعٍ قَدِيرٍ مَعرُوفٍ وَدُودٍ، فَضْلًا عن شَهادَتِهِ فقط: وَحْدانيَّتِه سُبحانَه.
وزُبدةُ الكَلامِ:إنَّ السَّبَبَ الَّذي نَراه شَيئًا عادِيًّا جِدًّا، وعاجِزًا عَجْزًا تامًّا، قد استَنَد إلَيه مُسَبَّبٌ في مُنتَهَى الإتقانِ والنَّفا خَلْفهذا "المُسَبَّبُ" المُتقَنُ لا بُدَّ أنَّه يَعزِلُ ذلك السَّبَبَ العاجِزَ عنِ القِيامِ بإيجادِه.. ثمَّ إنَّ غايةَ "المُسَبَّبِ" وفَوائِدَه تَرفَعُ الأَسبابَ الجاهِلةَ والجامِدةَ فيما بَينَها وتُسَلِّمُها إلى يَدِ وهو انِعِ الحَكِيمِ.. ثمَّ إنَّ التَّزيِيناتِ المَنقُوشةَ على مَلامِحِ "المُسَبَّبِ" وما يَتَجلَّى علَيها مِن عَجائِبِ الرَّحمةِ تُشِيرُ إلَا أن عٍ حَكِيمٍ يُرِيدُ أن يُعرِّفَ قُدرَتَه إلى ذَوِي الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه، ويُحَبِّبَ نَفسَه إلَيهِم.
فيا عابِدَ الأَسبابِ، أيُّها المِسدين بم. ما تَفسِيرُ هذه الحَقائِقِ المُهِمّةِ الثَّلاثِ الَّتي وَضَعناها بينَ يَدَيك؟ وكيف يُمكِنُك أن تُقنِعَ نَفسَك بأَوهامِك؟ إن كُنتَ راشً أَبدمَزِّقْ حِجابَ الأَسبابِ وقُلْ: "هُوَ اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له"، وتَحَرَّرْ مِنَ الأَوهامِ المُضِلّةِ.
النَّافِذة الثَّامِنة والعشرُوننَ حَينْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ
إذا تَأَمّةَ ال في هذه الكائِناتِ فسنُشاهِدُ أنَّ في كلِّ شَيءٍ ابتِداءً مِن حُجَيراتِ الجِسمِ وانتِهاءً بمَجمُوعِ العالَمِ كلِّه، حِكْمةً شامِلةً، ونِظامًا مُتقَنًا.
فلَدَى فَحْصِنا لِحُجَيْراتِ الجِسْمِ كلَذُّ أنَّ تَدبِيرًا بالِغَ الأَهَمِّيّةِ يُنَظِّمُ شُؤُونَ تلك الحُجَيراتِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ؛ يُنَظِّمُها حَسَبَ أَوامِرِ مَن يَرَى مَصالِحَ الجِسمِ كُلِّه،
— 880 —
ويُدِيرُ أُمُورَه؛ فكما أنَّ قِسْمًا مِنَ الأَغذِيةِ يُدَّخَرُ فيلِّ جامِ على صُورةِ شُحُومٍ داخِلِيّةٍ تُصرَفُ عندَ الحاجةِ، كذلك نَجِدُ في كلٍّ مِن تلك الحُجَيراتِ الصَّغِيرةِ قابِلِيّةَ ادِّخارٍ دَقِيقةً.. ثمَّ نَنظُرُ إلى النَّباتاتِ فنَجِدُ أنَّها مَشمُولةٌ بتَدبِيرٍ حَكِيمٍ.. ونَنظُرُ إلىَسائِطَواناتِ فنَجِدُ أنَّها تَعِيشُ في بُحبُوحةٍ مِنَ الكَرَمِ العَمِيمِ.. ونَنظُرُ إلى أَركانِ الكَونِ العَظِيمةِ فنَجِدُ أنَّ تَدوِيرًا وتَنوِيرًا في أَتَمَّى العَظَمةِ يَكتَنِفانِه مِن كلِّ جَوانِبِه ويُفضِيانِ به إلى غاياتٍ عَظِيمةٍ وجَلِيلةٍ.. ونَنظُرُ إلى مَجمُوعِ الكَونِ كُلِّه، فإذا به يَتَجلَّى أَمامَنا وكأنَّه مَملَكةٌ مُنَسالتَّعالأَرجاءِ، أو مَدِينةٌ رائِعةُ الجَمالِ، أو قَصرٌ مُنِيفٌ باذِخٌ، وإذا بنا أَمامَ أَنظِمةٍ دَقِيقةٍ تَرقَى به لِبُلُوغِ حِكَمٍ عالِيةٍ وغاياتٍ سامِيةٍ.
فكمبعضٍ، َتْنا في "المَوقِفِ الأَوَّلِ" مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين": أنَّ المَوجُوداتِ مُرتَبِطةٌ ببَعضِها ارتِباطًا مَعنَوِيًّا وَثِيقًا إلى حُودٌ.
ا يَدَعُ مَجالًا قَطُّ لِمُداخَلةِ أيِّ شَرِيكٍ، حتَّى بمِقدارِ ذَرّةٍ واحِدةٍ مِنَ المُداخَلةِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ وانتِهاءً بالمَجَرّاتِ؛ فمَن لم يكُن مُسَخِّرًا لحُكْمِه جَمِيعَ المَجَرّاتِ والنُّجُومِ والسَّيّاراتِ، ويَملِكُا لِمَُ أُمُورِها، ويَتَصرَّفُ بمَقاليدِ شُؤُونِها، لا يُمكِنُه أن يُوقِعَ حُكمَهُ، ويُمْضِيَ أَمرَهُ على ذَرّةٍ واحِدةٍ.. وبعِبارةٍ أُخرَى: مَن يكُونُ رَبًّا حَقِيقيًّا على ذَرّةٍ واحِدةٍ يَُراجِع أيضًا أن يكُونَ مالِكًا لِمَقاليدِ الكَونِ كُلِّه.
وفي ضَوءِ ما أَوْضَحْنا وأَثبَتْنا في "المَوقِفِ الثّاني" مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين": أنَّهتَّى طَعجِزُ عنِ الهَيمَنةِ على السَّماواتِ كُلِّها يَعجِزُ عن رَسْمِ خُطُوطِ سِيماءِ الإنسانِ، أي: مَن لم يكُن رَبًّا لِلسَّماواتِ جَمِيعًا، لا يَستَطِيعُ أن يَخُطَّ مَلامِحَ وَجْهِ إنسانٍ، ويَا يُطِلَيه عَلاماتِه الفارِقةَ.
وهكذا تَجِدُ أَمامَك نافِذةً واسِعةً سَعةَ الكَونِ كُلِّه، فإذا ما أَطْلَلْتَ مِنها تَجِدُ یی حتَّى بعَينِ العَقْلِ یی أنَّ الآياتِ الكَرِيمةَ الآتِيةَ، قد كُتِبَت بحُرُوفٍ كَبِيرةٍ واضذا الملى صَحائِفِ الكَوْنِ كُلِّه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ٭ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِذا فمَن ُرمةَ تَطِيعُ رُؤْيةَ هذه الحُرُوفِ البارِزةِ العَظِيمةِ المُسَطَّرةِ على صَحِيفةِ الكائِناتِ، فما هو إلَّا واحِدٌ مِن ثَلاثةٍ: إمَّا فاقِدٌ عَقْلَه.. أو فاقِدٌ قَلبَه. أو آدَميُّ الصُّورةِ بَهِيمِيُّ التَّطَلُِّي الْ#881
النَّافِذة التَّاسِعة والعشرُون
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
كُنتُ سارِحًا في رُفقةِ غُربَتِي، أَسُوحُ معَ الفِكْرِ، وأَجُولُ ممَ مِفَيالِ والتَّأَمُّلِ، فقادَتْني قَدَمايَ إلى سَفْحِ رابِيةٍ مُزدانةٍ بالخُضْرةِ، فرَنَتْ إلَيَّ یی على استِحياءٍ یی مِن وَسَطِ هذا البِساطِ الأَخضَرِ، زَهْرةٌ صَفْراءُ ساطِعةُ الصُّفْرةِ، وأَلْوَت بجِيدِها إبشَكلٍتُناغِينِي بوُدٍّ ومَحَبَّةٍ، فأَثارَت مَشاعِرِي وأَشواقِي إلى زَهَراتٍ مِثلِها كُنتُ أَلتَقِيها في رُبُوعِ بَلْدَتِي "وَان"، وفي سائِرِ المُدُنِ الأُخرَى الَّتي كانَت تَحتَضِنُ غُربَتِي لبَصِي بعدَ أُخرَى، فانْثَالَ هذا المَعنَى فَجْأةً على قلَبِي، وها أَنَذا أَسرُدُه كما وَرَد:
هذه الزَّهرةُ الرَّقيقةُ لَيسَت إلَّا طُغْراءَ على صَفحةِ الجَمالِ، وخَتْمًا يَخْتِمُ به خالِقُ الجَمالِ رِسالَتَه اعالٍ فاءَ إلى العالَمِ؛ فمَن كانَت هذه الزَّهرةُ طُغْراءَه ونَقْشَه على البِساطِ الأَخضَرِ فإنَّ جَمِيعَ الأَنواعِ مِن هذه الزَّهرةِ إذًا هي أَختامُه على بُسُطِ الأَرضِ جَمِيعًا، وعَلاماتُ وَحْدةِ صُنْعِه.
وعَقِبََ بَدِلصُّورةِ المُتَخيَّلةِ وَرَد إلى القَلْبِ هذا التَّصَوُّرُ: إنَّ الخَتْمَ المَختُومَ به أَيّةُ رِسالةٍ كانَت، إنَّما يَدُلُّ على صاحِبِ الرِّسالةِ؛ فهذهِ..
هرةُ إنَّما هي خَتْمٌ رَحْمانِيٌّ على رِسالةِ الرَّحمٰنِ، وهذه الرِّسالةُ هي سَفْحُ التَّلِّ الصَّغِيرُ، المَسطُورُ فيها الكَلِماتُ البَلِيغةُ للنَّباتاتِ والأَعشابِ، والمَحفُورُ فَوقَها أَنواعُ الزَّخارِفِ الحَكِيمةِ الإتقانِ.. فهذه الربَلَى ُ إذًا تَعُودُ لِصاحِبِ الخَتْمِ هذا.
ثمَّ أَوْغَلْتُ في التَّأَمُّلِ أَكثَرَ فأَكثَرَ، فإذا بهذا السَّفْحِ الجَمِيلِ يَتَحوَّلُ في نَظَرِي ويَأْخُذُ صُورةَ خَتْمٍ كَبِيرٍ وواضِحٍ على رِسالةِ هذه الفَلاةِ المُمتَدّةِ بَعِوالآخَوانتَصَب السَّهْلُ المُنبَسِطُ أَمامَ خَيالي رِسالةً رَحْمانيّةً رائِعةً، خَتْمُها هذا السَّفحُ الجَمِيلُ.. وقد أَفضَى بي هذا التَّصَوُّرُ إلى هذه الحَقِيقةِ:
كما أنَّ كلَّ خَتْمٍ على أيّةخرٌ لألةٍ يُشِيرُ إلى صاحِبِها، فكُلُّ شَيءٍ كالخَتْمِ يُسنِدُ جَمِيعَ الأَشياءِ الَّتي تُحِيطُ به إلى خالِقِه الرَّحِيمِ، وكأنَّه خَتْمٌ رَحْمَرَةٌ ؛ فكلُّ شَيءٍ مِن حَوْلِه يُمَثِّیلُ
— 882 —
رِسالةً لِخالِقِه الرَّحِيمِ. وهكذا، فما مِن شَيءٍ إلَّا ويَغدُو نافِذةَ تَوحِيدٍ عَظِيمةً إلى حَدٍّ يُسَلِّمُ جَمِيعَ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِهةٌ، فُ شَيءٍ ولا سِيَّما الأَحياءُ يَملِكُ مِنَ النُّقُوشِ الحَكِيمةِ والإتقانِ البَدِيعِ بحَيثُ إنَّ الَّذي خَلَقَه على هذه الصُّورةِ البَدِيعةِ قاُّعبانلى خَلْقِ جَمِيعِ الأَشياءِ، أي: إنَّ الَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَخلُقَ جَمِيعَ الأَشياءِ لا يُمكِنُ أن يَخلُقَ شَيْئًا واحِدًا.
أيُّها الغافِلُ، تَأَمظاهِرةي وَجْهِ الكائِناتِ تَجِدْ أنَّ صَحائِفَ المَوجُوداتِ ما هي إلَّا بمَثابةِ رَسائِلَ مُتَداخِلةٍ بعضُها في البعضِ الآخَرِ، مَبعُوثةٍ مِن قِبَلِ الأَحَيٍّ ییَّمَدِ؛ وأنَّ كلَّ رِسالةٍ مِنها قد خُتِمَتْ بما لا يُعَدُّ مِن أَختامِ التَّوحِيدِ.
تُرَى مَن يَجرُؤُ على تَكذِيبِ شَهاداتِ هذه الأَختامِ غيرِ المُتَناَنْحَل أيّةُ قُوّةٍ يُمكِنُها أن تَكتُمَ أَصواتَ هذه الشَّهاداتِ الصّادِقةِ؟ وأنت إذا ما أَنصَتَّ بأُذُنِ القَلبِ لِأَيٍّ مِنها تَسمَعُها تُرَدِّدُ:"أَشْهَدُ أن لا إلَعالَىَّا اللهُ".
النَّافِذة الثَّلاثُون
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعٍ عنِ هذه نافِذةٌ يُطِلُّ مِنها عُلَماءُ الكَلامِ الَّذين سَلَكُوا في سَبِيلِ إثباتِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه طَرِيقًا مُدَعَّمًا بأَدِلّةِ "الإمكانِ" و"الحُدُوثِ"؛ ونحنُ إذ نُحِيلُ تَفاصِيلَ تلك الأَدوُصُولإلى مَظانِّها مِن أُمَّهاتِ كُتُبِ العُلَماءِ الأَعلامِ كی"شَرحِ المَواقِفِ" و"شَرحِ المَقاصِدِ" نَذكُرُ هنا شُعاعاتٍ مِن فَيضِ نُورِ القُرآنِ غَمَرَتِ القَلْبَ، ونَفَذَتْلدِّيو مِن خِلالِ هذه النّافِذةِ.
إنَّ الآمِريَّةَ والحاكِمِيّةَ تَقتَضِي رَفْضَ المُنافَسةِ، ورَدَّ المُشارَكةِ، ودَفْعَ المُداخَلةِ أيًّا كانَت، ومِن هنا نَرَى أنَّه إذا وُجِدَ مُختارانِ في قَريةٍ اخْتَلَّ نِظامِ، فلاريةِ، واضطَرَب أَمْنُ النّاسِ وراحَتُهم، وإذا ما كان هناك مُدِيرانِ في ناحِيةٍ، أو مُحافِظانِ في مُحافَظةٍ واحِدةٍ، فإنَّ الحابِلَ يَختَلِطُ بالنَّابِلِ، وإذا ما وُجِدَ سُلْطانانِ في بِلادٍ فإنَّ الفَوْضَى تَضبَهِيجأَطنابَها في أَركانِ البِلادِ كُلِّها، ويُسَبِّبانِ مِنَ القَلاقِلِ والِاضطِراباتِ ما لا يُحْمَدُ عُقباه.
— 883 —
فلَئِن كان الإنسانُ الَّذي هو عاجِزٌ ومُحتاجٌ إلى مُعاوَنةِ الآخَرِين، والَّذي يَحمِلُ ظِلًّا جُزئالأَماضَعِيفًا مِنَ الآمِرِيّةِ والحاكِمِيّةِ، لا يَقبَلُ مُداخَلةَ أَحَدٍ مِن مَثِيلِه في شُؤُونِه، ويَرُدُّ المُنافِسَ رَدًّا شَدِيدًا.. نعم، لَئِن كان الإنسانُ العاجِزُ هذا شَأْنُه، فكيف بآمِرِيّةِ القَدِيرِ المُطلَقِ وحاكِمِيّةِ السُّ ثابِت الأَعظَمِ رَبِّ العالَمِين؟!
قِسْ بنَفسِك كيف سيَسُودُ قانُونُ رَدِّ المُداخَلةِ ويُهَيمِنُ على الكَونِ كُلِّه، أي: إنَّ الوَحْدةَ أوِ الِانفِنَ المِن لَوازِمِ الأُلُوهِيّةِ، ومُقتَضَى الرُّبُوبيّةِ، الَّتي لا تَنفَكُّ عنها؛ فإن رُمْتَ بُرهانًا قاطِعًا على هذا، وشاهِدًا صادِقًا علَيه، فدُونَك النِّظامَ الأَكمَلَ، والِانسِجامَ الأَجمَلَ المُشوّةِ انِ في الكَونِ.
فتَلْمَسُ النِّظامَ البَدِيعَ سائِدًا في كلِّ شَيءٍ، ابتِداءً مِن جَناحِ ذُبابةٍ وانتِهاءً بقَنادِيلِ السَّماءِ، حتَّى يَجعَلُ هذا النِّظامُ المُتقَنُ العَقلَ مَشدُوهًا أَمامَه ويُرَدِّدُ مِن اثِلةِه: "سُبحانَ اللهِ.. ما شاءَ اللهُ كان.. تَبارَكَ اللهُ!!"، ويَهوِي ساجِدًا لِعَظَمةِ مُبدِعِه.. فلو كان هُناك مَوضِعٌ ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ لِشَريكٍ مَهما كان، أو مُداخَلةٌ في شُؤُونِ الكَونِ مَهما كان نَوعِ الََّفَسَدَ نِظامُ السَّماواتِ والأَرضِ، ولَبَدَتْ آثارُ الفَسادِ عِيانًا، ولَمَا كانَت هذه الصُّورةُ البَدِيعةُ الماثِلةُ أَمامَنا.. وصَدَق اللهُ العَظِيمُ الَّذي يقِ في شلَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا، عِلمًا أنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ الآتِيةَ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ٭ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنَْصدِقا إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ، تُخْبِرُ أنَّه مَهما سَعَى الإنسانُ جادًّا في تَحَرِّيه القُصُورَ، فسيَرجِعُ خائِبًا، مِمّا يَدُلُّنا أنَّ النِّظامَ والِانتِظامَ هما فقُ تِجِ الكَمالِ. أي: إنَّ انتِظامَ الكائِناتِ شاهِدٌ قاطِعٌ على الوَحْدانيّةِ.
أمّا بصَدَدِ "الحُدُوثِ" فقد قالَ عُلَماءُ الكَلامِ: إنَّ العالَمَ مُتَغيِّیرٌ، وكلُّ مُتَغيِّرٍ حادِثٌ، وكلُّ مُحْدَثٍ لا بُدَّ له مِن مُحْدِثٍ، أي: مُوجِدٍ، لِذا فاالقَدِ لا بُدَّ له مِن "مُوجِدٍ قَدِيمٍ"..
ونحنُ نقُولُ: نعم، إنَّ الكَونَ حادِثٌ، حيثُ نُشاهِدُ في كلِّ عَصْرٍ وفي كلِّ سَنةٍ بل في كلِّ مَوسِمٍ عالَمًا يَرحَلُ ويَحُطُّ آخَرُ مَكانَه، تَمضِي كائِناِزامُنَأْتِي أُخرَى. فالقَدِيرُ ذُو الجَلالِ هو الَّذي يُوجِدُ هذا العالَمَ مِنَ العَدَمِ في كلِّ سَنةٍ، بل في كلِّ مَوسِمٍ، بل في كلِّ يَومٍ، ويَعرِضُه أمامَ أَربابِ الشُّعُورِ ثمَّ يَأْخذُه إ، وجَعَيبِ، ويَأْتِي مَكانَه بآخَرَ، وهكذا
— 884 —
يَنشُرُ الواحِدَ تِلْوَ الآخَرَ في تَعاقُبٍ مُستَمِرٍّ، مُعَلِّقًا تلك العَوالِمَ بشَكلٍ مُتَسَلسِلٍ على شَرِيطِ الزَّمانِ.
فتَرى؛ سَجّبِيعَ مُعجِزةً باهِرةً مِن مُعجِزاتِ القَدِيرِ الجَلِيلِ، يُوجِدُ فيه الأَشياءَ مِنَ "العَدَمِ"، ويُجَدِّدُ تلك العَوالِمَ الشّاسِعةَ مِن غيرِ شَيءٍ مَذكوَجْهٍفالَّذي يُبَدِّلُ تلك العَوالِمَ، ويُجَدِّدُها ضِمنَ العالَمِ الأَكبَرِ، هو دُونَ شَكٍّ مَن خَلَق هذا العالَمَ وجَعَلَه وسَطْحَ الأَرضِ مائِدلّا الِرةً لِضُيُوفِه الكِرامِ.
أمّا مَوضُوعُ "الإمكانِ" فقد قال المُتَیكلِّمُون: إنَّ "الإمكانَ" مُتَساوِي الطَّرَفَينِ، أي: إذا تَساوَى العَدَمُ والوُجُودُ بالنِّسبةِ إلى شَيءٍ مّا، فلا بُدَّ جَمِيعخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ ومُوجِدٍ، لأنَّ المُمكِنَ لا يُمكِنُه بَداهةً أن يُوجِدَ مُمكِنًا آخَرَ مِثلَه، أو لا يُمكِنُ أن يُوجِد هذا لِذاك وذاك لِهذا أيضًا، لأنَّ وُجُودَه يكُونُ سِلسِلبزِمامِرةً مَغلُوقةً مِنَ "المُمكِناتِ"، فلا بُدَّ إذًا مِن "واجِبِ الوُجُودِ" يُوجِدُ الأَشياءَ كُلَّها..
ولقد فَنَّد عُلَماءُ الكَلامِ فِكْرةَ "الدَّوْرِ والتَّسَلسُلِ"، لى وُجتُوا بُطلانَها باثنَيْ عَشَرَ بُرهانًا سُمِّيَت بالبَراهِينِ "العَرْشِيّةِ والسُلَّمِيّةِ"، وقَطَعُوا سِلسِلةَ الأَسبابِ والمُسَبَّباتِ، وأَثبَتُوا بذَلك "الواجِبَ الوُجُودِ".
ونحنُ نقُولُ: إنَّ إظهارَ الخَتْمِ الخاصِّ للخالِقِ النَ اللِ على كلِّ شَيءٍ، المَختُومِ به كلُّ شَيءٍ، لَهُو أَسهَلُ وأَقوَى وُضُوحًا مِن بُرهانِ "انقِطاعِ سِلسِلةِ الأَسبابِ"، ثمَّ بُلُوغِ إثباتِ الخالِقِ جَلَّ الشّا.
ولقد دَرَجَتْ بِفَيضِ القُرآنِ جَمِيعُ "الكَلِماتِ" و"النَّوافِذِ" على هذا المَدْرَجِ السَّهلِ القاطِعِ، ومعَ ذلك فإنَّ بَحْثَ "الإمكانِ" واسِعٌ جِدًّا، إذ يُبيِّنُ الخالِقَ مِن جِهاتٍ لا حَصْرَ لها، وليس َ تَباِرًا بما سَلَكَه المُتَیكلِّمُون مِن طَرِيقٍ لإثباتِ الصَّانِعِ بإثباتِ انقِطاعِ التَّسَلسُلِ، فالطَّرِيقُ واسِعةٌ بلا حُدُودٍ، إذ تُؤَدِّي إلى مَعرِفةٍ لا حُدُودَ لها لِمَعرِفَبَقاتِبِ الوُجُودِ.
وتَوضِيحُ ذلك كالآتي: بَينَما نَرَى كُلَّ شَيءٍ في وُجُودِه وفي صِفاتِه وفي مُدّةِ بَقائِه وحَياتِه، مُتَردِّدًا ضِمنَ طُرُقِ إمكاناتٍ واحتِمالاتٍ لا حَدَّ لها، إذا بنا نُشاهِدُه قد سَلَك
— 885 —
مِن بينِ تَا هذهِهاتِ الَّتي لا حَدَّ لها طَرِيقًا مُنتَظِمًا خاصًّا به، وتُمنَحُ كلُّ صِفةٍ مِن صِفاتِه كذلك بهذا الطِّرازِ المُخَصَّصِ، بل تُوهَبُ له بتَخصِيصٍ مُعَيَّنٍ صِفاتٌ وأَحوالٌ يُبَدِّلُها باستِمرارٍ ضِمنَاهَااتِه وبَقائِه..
إذًا، فسَوْقُ كلِّ شَيءٍ إلى طَرِيقٍ مُعَيَّنةٍ، واختِيارُ الطَّرِيقِ المُؤَدِّيةِ إلى حِكَمٍ مُعَيَّنةٍ مِن بينِ طُرُقٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ، إنَّما هو بى مِنه مُخَصِّصٍ، وبتَرجِيحِ مُرَجِّحٍ، وبإيجادِ مُوجِدٍ حَكِيمٍ؛ إذ تَرَى الشَّيءَ يُلبَسُ لِباسَ صِفاتٍ مُنتَظِمةٍ، وأَحوالٍ مُنَسَّقةٍ مُعَيَّها آيةخَصَّصةٍ له، ثمَّ تَراه يُساقُ یی أي: هذا الشَّيءُ یی لِيَكُونَ جُزءًا مِن جِسمٍ مُرَكَّبٍ، فيَخرُجُ بهذا مِنَ الِانفِرادِ، وعِندَئذٍ تَزدادُ طُرُقُ الإمكاناتِ أَكثَرَ، لِأَنَّ هذا الجُزءَ يُمكِنُ أن يَتَّخِذَ أُلُوفًا مِنَ الأَشكالِ والأَقَلِبْفي ذلك الجِسمِ المُرَكَّبِ، والحالُ أَنَّنا نَرَى أنَّه يُمنَحُ له وَضْعٌ مُعَيَّنٌ ذُو فَوائِدَ ومَصالِحَ، ويُختارُ له هذا الوَضعُ مِن بَينِ ما لا يُحَدُّ مِنَ الأَوضاعِ الَّتي لا جَدْوَى له فيها. أي: يُساقُ إلى مَرةً وَظائِفَ مُهِمّةٍ وبُلُوغِ مَنافِعَ شَتَّى لِذلك الجِسْمِ المُرَكَّبِ.
ثمَّ نَراه قد جُعِلَ جُزءًا مِن جِسم مُرَكَّبٍ آخَرَ، فتَزدادُ طُرُقُ الإمكاناتِ أَفُنُون لأنَّ هذا الجِسمَ كذلك يُمكِنُ أن يَتَشكَّلَ بأُلُوفِ الأَنماطِ، بَينَما نَراه قد اخْتِيرَ له وَضعٌ مُعَيَّنٌ ضِمنَ الأُلُوفِ المُؤَلَّفةِ مِنَ الطُّرُزِ والأَنماطِ، فيُساقُ إلى أَداءِ وَظائِفَ أُخرَى.. وهكذا كُلَّما أَوْغَلْتَ في ا88
اتِ تَبيَّنَ لك بجَلاءٍ أنَّ جَمِيعَ هذه الطُّرُقِ تُوصِلُك إلى مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ، وتَجعَلُك تَقتَنِعُ اقتِناعًا تامًّا بأنَّ كلَّ شَيءٍ يُساقُ إلى وَظِيفةٍ بأَمرِ آمِرٍ عَلِيمٍ؛ حيثُ إنَّ جَمِيعَ المُرَكَّباتِ مُرَكَّبةٌ مِن أَجزاءٍ، وبَلُ أرَكَّبةٌ مِن أَجزاءٍ أُخرَى.. وهكذا، فكلُّ جُزءٍ مَوضُوعٌ في مَوضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ المُرَكَّبِ، وله وَظائِفُه المُخَصَّصةُ في ذلك المَكانِ.. يُشبِهُ ذلك عَلاقةَ الجُندِيِّ معَ .. كلِّه وسَرِيَّتِه ولِوائِه وفِرْقَتِه والجَيشِ كُلِّه؛ فله عَلاقاتٌ مُعَيَّنةٌ ذاتُ حِكْمةٍ معَ جَمِيعِ تلك التَّشكِيلاتِ العَسْكَرِيّةِ المُتَداخِلةِ، وله مُهِمّاتٌ ذاتُ تَناسُقٍ مُعَيْقٍ عاعَ كلٍّ مِنها.. وبمِثلِ الخَلِيّةِ الَّتي في بُؤبُؤِ عَينِك، لها عَلاقةٌ وَظِيفيّةٌ معَ عَينِك، ولها وَظِيفةٌ ذاتُ حِكْمةٍ، ومَصالِحُ معَ الرَّأْسِ ككُلٍّ، حتَّى لوِ اختَلَط شَيءٌ جُزئيٌّ بتلك الخَلِيّةِ لَاختَلَّتْ إدارةُ الجِسمِ وصِحَّتُيِّ، كا عَلاقةٌ خاصّةٌ معَ الشَّرايِينِ والأَوْرِدةِ والأَعصابِ، بل عَلاقةٌ وَظِيفيّةٌ معَ الجِسمِ كُلِّه، مِمّا يُثبِتُ لنا أنَّ تلك الخَلِيّةَ قد أُعطِيَ لها
— 886 —
ذلك المَوضِعُ المُعَيَّنُ في بُ ظِلٌّالعَينِ، واختِيرَ لها ذلك المَكانُ مِن بينِ أُلُوفِ الأَمكِنةِ، للقِيامِ بتلك المَهامِّ؛ وليس ذلك إلَّا بحِكْمةِ صانِعٍ حَكِيمٍ.
فكُلُّ مَوجُوداتِ الكَونِ على هذا الغِرارِ، فكُلٌّ مِنها يُعلِنُ بذاتِه، بصِفاتِه، عنانِيٌِّه بلِسانِه الخاصِّ، ويَشهَدُ على حِكْمَتِه بسُلُوكِه في طَرِيقٍ مُعَيَّنةٍ ضِمنَ طُرُقِ إمكاناتٍ لا حَدَّ لها؛ وكُلَّما دَخَلَ إلى جِسمٍ مُرَكَّبٍ أَعلَن بلِسانٍ آخَرَ عن صانقد أَخِمنَ تلك الطُّرُقِ الَّتي لا تُحَدُّ مِنَ الإمكاناتِ.
وهكذا يَشهَدُ كلُّ شَيءٍ على صانِعِه الحَكِيمِ وإرادَتِه واختِيارِه، شَهادةً بعَدَدِ تلها یی ُرُقِ مِن طُرُقِ الإمكاناتِ الَّتي لا تُحَدُّ، وبعَدَدِ المُرَكَّباتِ وإمكاناتِها وعَلاقاتِها الَّتي فيها، إلى أن تَصِلَ إلى أَعظَمِ ملمِرآةبٍ؛ لأنَّ الَّذي يَضَعُ شَيْئًا مّا بحِكمةٍ تامّةٍ في جَمِيعِ المُرَكَّباتِ، ويُحافِظُ على تلك العَلاقاتِ فيما بَينَها لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلَّا خالقَ جَمِيعَ المُرَكَّباتِ.
أي: إنَّ شَيْئَدَرٍ ِدًا بمَثابةِ شاهِدٍ بأُلُوفِ الأَلسِنةِ علَيه سُبحانَه وتَعالَى، بل ليس ثَمَّةَ أُلُوفُ الشَّهاداتِ على وُجُودِه سُبحانَه وحِكْمَتِه واختِيارِه وَحْدَها، بلِ الشَّهاداتُ مَوجُودةٌ أَيضًا بعَدَدِ الكائِناتِ، بَتي وَُدِ صِفاتِ كلِّ مَوجُودٍ وبعَدَدِ مُرَكَّباتِه. وهكذا تَرِدُ مِن زاوِيةِ "الإمكانِ" شَهاداتٌ لا تُحَدُّ على "الواجِبِ الوُجُودِ".
فيا أيُّها الغافِلُ، قُل لي برَبِّك: أيَذكُرَمُّ الآذانِ عن جَمِيعِ هذه الشَّهاداتِ الَّتي يَمْلَأُ صَداها الكَوْنَ كلَّه لَهُو صَمَمٌ ما بعدَه صَمَمٌ، وجَهْلٌ ما بعدَه جَهْلٌ؟!
النَّاقِيقةِلحَادِية والثَّلاثُون
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ٭ وَفِي أَنْفُسِكُمبضةِ رلَا تُبْصِرُونَ
نحنُ هنا أَمامَ نافِذةِ الإنسانِ، نَتَطلَّعُ مِن خِلالِ نَفْسِ الإنسانِ إلى نُورِ التَّوحِيدِ، ونحنُ إذ نُحِيلُ تَفاصِيلَ ذلك إلى الكُتُبِ والأَسفارِ المُدَوَّنةِ مِن قِبَلِ أُلُوفِ الأَولياءِ
— 887 —
الصّالِحِين الَّذين بُ أنَّا في نَفسِ الإنسانِ بإِسهابٍ، نَوَدُّ أن نُشِيرَ إلى بِضْعِ إشاراتٍ مُستَلهَمةٍ مِن فَيضِ نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وهي كما يَأْتِي:
إنَّ الإنسانَ هو نُسخةٌ جامِعةٌ لِما في الوُجُودِ مِن خَواصَّ، حسرارَ ُشعِرُهُ الحَقُّ سُبحانَه وتَعالَى جَمِيعَ أَسمائِه الحُسنَى المُتَجلِّيةِ بما أُودِعَ في نَفسِ الإنسانِ مِن مَزايا جامِعةٍ.
نَكتَفِي في بَيانِ هذا بما ذَكَرْناه في "الكَلِمةِ الحادِيةَ عَشْرةَ" وفي رَسائِلَ أُخرَى، غير وابتََنا نُبيِّنُ هنا ثَلاثَ نِقاطٍ فَقَطْ:
النُّقطةُ الأُولَى:
إنَّ "الإنسانَ" مِرآةٌ عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى بثَلاثةِ أَوجُهٍ:
الوَجهُ الأَوَّلُ:كما أنَّ الظَّلامَ سَبَبٌ لِرُؤيةِ النُّورِ، أي: إنَّ ظَلاستَهْلَّيلِ وشِدَّتَه يُبيِّنُ النُّورَ ويُظهِرُه بشَكلٍ أَكثَرَ وُضُوحًا.. فالإنسانُ أَيضًا يُعرِّفُ بضَعْفِه وعَجْزِه وبفَقْرِه وحاجاتِه، وبنَقْصِه وقَُّتائِ، قُدرةَ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وقُوَّتَهُ العَظِيمةَ، وغِناه المُطلَقَ، ورَحْمَتَه الواسِعةَ.
فيكُونُ الإنسانُ بهذا كأنَّه مِرآةٌ عاكِسةٌ لِكَثيرٍ مِن تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ الإلٰهِيّةِ الجَلِيلةِ، بل حتَّى إنِلمَه يَحمِلُه مِن ضَعْفٍ شَدِيدٍ، وما يَكتَنِفُه مِن أَعداءٍ لا حَدَّ لهم، يَجعَلُه يَتَحرَّى دائمًا عن مُرتَكَزٍ يَرتَكِزُ علَيه، ومُستَنَدٍ يَستَنِدُ إلَيه، فلا يَجِدُ وِجْدانُه المَلهُوفُ إلَّا اللهَ سُبحانَه.
وهو مُضطَرٌّ أيضًا إلىُعلِنُِّي نُقطةِ استِمدادٍ يَستَمِدُّ مِنها حاجاتِه الَّتي لا تَتَناهَى، ويَسُدُّ بها فَقْرَه غيرَ المُتَناهِي، ويُشبِعُ آمالَه الَّتي لا نِهايةَ لها، فلا يَجِدُ في غَرةُ التَحَرِّيه إلَّا الِاستِمدادَ یی مِن هذه الجِهةِ یی إلى بابِ غَنِيٍّ رَحِيمٍ، فيَتَضرَّعُ إلَيه بالدُّعاءِ والتَّوَسُّلِ.
أي: إنَّ في كلِّ وِجْدانٍ نافِذَتَينِ صَغِيرَتَينِ مِن جِةِ الثقطةِ الِاستِنادِ والِاستِمدادِ، فيَتَطلَّعُ الإنسانُ مِنهُما دَوْمًا إلى دِيوانِ رَحْمةِ القَدِيرِ الرَّحِيمِ.
أمّا الوَجْهُ الثّاني:وهو أنَّ الإنسانَ بما وُهِبَ مِن نَماذِجَ جُزئيّةٍ مِنَ يُجابْمِ، والقُدْرةِ، والبَصَرِ، والسَّمْعِ، والتَّمَلُّكِ، والحاكِمِيّةِ" وأَمثالِها مِنَ الصِّفاتِ الجُزئيّةِ، يُؤَدِّي وَظِيفةَ
— 888 —
مِرآةٍ عاكِسةٍ لعِلمِ مالِكِ الكَوْنِ وقُدرَتِه وسَمْعِه وبَصَرِه وحاكِمِيّةِ رُبُوبيَّتِه، ويَفهَمُ تلك الصِّفمِ وصُِبلِّغُها، فمَثلًا:
كما أنَّني قد قُمتُ ببِناءِ هذا البَيتِ، وأَعلَمُ تَفاصِيلَه، وأُشاهِدُ جَمِيعَ جَوانِبِه وأَجزائِه، وأُدِيرُه بنَفسِي، فأنا مالِكُه، كذلك لا بُدّيسَى عا الكَونِ العَظِيمِ مِن مُبدِعٍ ومالِكٍ يَعرِفُ أَجزاءَه مَعرِفةً كامِلةً، ويُبصِرُ كلَّ صَغِيرةٍ وكَبِيرةٍ فيه، ويُدِيرُه.
الوَجهُ الثّالثُ:ذه الصنِ الإنسانِ مِرآةً عاكِسةً للأَسماءِ الحُسنَى، فهو أيضًا مِرآةٌ عاكِسةٌ لها مِن حَيثُ نُقُوشُها الظّاهِرةُ علَيه؛ ولقد وُضِّحَ هذا بشَيءٍ مِنَ التَّفصِيلِ في مُستَهَلِّ "المَوقِفِ الثّالِثِ"ِ، إذاالكَلِمةِ "الثّانيةِ والثَّلاثِينَ" أنَّ "الماهِيّةَ" الجامِعةَ للإنسانِ، فيها أَكثَرُ مِن سَبعِين نَقْشًا ظاهِرًا مِن نُقُوشِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى.
سَيِّدًا:يُبيِّنُ الإنسانُ مِن كَوْنِه مَخلُوقًا اسْمَا "الصّانِعِ" و"الخالِقِ"، ويُظهِرُ مِن حُسْنِ تَقْوِيمِه اسْمَ "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ"، ويَدُلُّ مِن كَيفِيّةِ تَربِيَتِه ورِعايَتِه على اسمِ "الكَرِيمِ" یی أي"اللَّطِيفِ". وهكذا يُبْرِزُ الإنسانُ نُقُوشًا مُتَنوِّعةً ومُختَلِفةً للأَسماءِ الحُسنَى المُتَنوِّعةِ بجَمِيعِ أَعضائِه وأَجهِزَتِه، وجَوارِحِه وبجَمِيعِ لَطائِفِه ومَعنَوِيّاتِه، وبجَمِيعِ حَواسِّه ومَشاعِ مِن ذي: كما أنَّ في الأَسماءِ الحُسنَى اسمًا أَعظَمَ للهِ تَعالَى، فهناك نَقْشٌ أَعظَمُ في نُقُوشِ تلك الأَسماءِ، وذلك هو الإنسانُ.
فيا مَن يَعُدُّ نَفسَه إنسانًا حَقًّا، اقْرَأْ نَفسَك بنَفسِك،ُفسِّرم تَفْعَلْ فلَرُبَّما تَهبِطُ مِن مَرتَبةِ الإنسانيّةِ إلى مَرتَبةِ الأَنعامِ.
النُّقطةُ الثانيةُ:
تُشِيرُ هذه النُّقطةُ إلى سِرٍّ مُهِمٍّ مِن أَسرارِ الأَه استِةِ، وتَوضِيحُه كما يَأْتِي:
كما أنَّ رُوحَ الإنسانِ، تَرتَبِطُ بعَلاقاتٍ وأَواصِرَ معَ جَمِيعِ أَنحاءِ جِسمِ الإنسانِ، حتَّى تَجعَلَ جَمِيعَ أَعضائِه وجَمِيعَ أَجزائِه، في تَعاوُنٍ تامٍّ فيمَعناهَها. أي: إنَّ الرُّوحَ الَّتي هي لَطِيفةٌ رَبّانيّةٌ وقانُونٌ أَمرِيٌّ أُلبِسَ الوُجُودَ الخارِجِيَّ بالأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ الَّتي هي تَجطةُ اسالإرادةِ الإلٰهِيّةِ، لا يَحجُبُها شَيءٌ عن إدارةِ شُؤُونِ كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الجِسمِ،
— 889 —
ولا يَشغَلُها شَيءٌ عن تَفَقُّدِها وإيفاءِ حاجاتِ الجِسمِ الماضِ جُزءٍ مِن أَجزائِه؛ فالبَعِيدُ والقَرِيبُ إزاءَها سَواءٌ، ولا يَمنَعُ شَيءٌ شَيئًا قَطُّ، إذ تَقْدِرُ على مَدِّ عُضْوٍ واحِدٍ بإِمدادٍ ممِن ثَِرِ الأَعضاءِ، وتَستَطِيعُ أن تَسُوقَ إلى خِدْمَتِه الأَعضاءَ الأُخرَى، بل تَقدِرُ أن تَعرِفَ جَمِيعَ الحاجاتِ بكلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الجِسمِ، وتُحِسَّ مِن خِلالِ هذا الجُزءِ بجالعَدَ الإحساساتِ، وتُدِيرَ مِن هذا الجُزءِ الواحِدِ الجِسمَ بأَكمَلِه؛ بل تَتَمكَّنُ الرُّوحُ أن تَرَى وتَسمَعَ بكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الجِسمِ إن كانَت قدِ اكتَسَبَت نُورانيّةً أَكثَرَ..
فما دامَتِ الرُّوحُ قَدِيي هي قانُونٌ أَمرِيٌّ مِن قَوانِينِ اللهِ سُبحانَه، لها هذه القُدرةُ لإظهارِ أَمثالِ هذه الإجراءاتِ في العالَمِ الصَّغِيرِ وهو الإنسانُ، فكيفَ يَصعُبُ على الإرادةِ الم مِنَ ِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی وعلى قُدرَتِه المُطلَقةِ القِيامُ بأَفعالٍ لا حَدَّ لها في العالَمِ الأَكبَرِ، وهو الكَونُ، وسَماعُ أَصواتٍ لا حَدَّ الحَكِه، وإجابةُ دَعَواتٍ لا نِهايةَ لها تَنطَلِقُ مِن مَوجُوداتِه؟ فهو سُبحانَه يَفعَلُ ما يَشاءُ في آنٍ واحِدٍ، فلا يَؤُودُه شَيءٌ ولا يَحتَجِبُ عنه شَيءٌ، ولا يَمنَعُ مِنهعُيُون شَيئًا، ولا يَشغَلُه شَيءٌ عن شَيءٍ.. يَرَى الكُلَّ في آنٍ واحِدٍ، ويَسمَعُ الكُلَّ في آنٍ واحِدٍ، فالقَرِيبُ والبَعِيدُ لَدَيه سَواءٌ، يَسُوقُ یی إن أَرادَ یی كُلَّ ش ويُحِِشَيءٍ واحِدٍ؛ يُبصِرُ كُلَّ شَيءٍ مِن أَيِّ شَيءٍ كان، يَسمَعُ أَصواتَ كلِّ شَيءٍ، ويَعرِفُ كلَّ شَيءٍ بكُلِّ شَيءٍ، فهو رَبُّ كلِّ شَيءٍ.
النُّقطةُ الثالثةُ:
إنَّ للحُبُوب ماهِيّةً عَظِيمةً مُهِمّةً، ووَظِيفةً ذاتَ أَهَمِّيّةٍ بالِغةٍ، وحيثُ إنَّ هذا البَحْثَ قد فُصِّلَ في "نافِذةِ الحَياةِ" وهي "النّافِذةُ الثَّالِثةُ والعِشْرُون" وفي "المَكتُوبِ العِشر. مَدّلكَلِمةِ الثَّامِنةِ مِنه، نُحِيلُ البَحْثَ إلَيهِما، ونُنبِّهُ هنا إلى ما يَأْتِي:
إنَّ النُّقُوشَ المَمزُوجةَ في الحَياةِ والَّتي تَظهَرُ على صُورةِ حَواسَّ ومَشاعِرَ، حَضْرَنُّقُوشُ تُشِيرُ إلى أَسماءٍ إلٰهِيّةٍ حُسنَى كَثِيرةٍ، وإلى شُؤُونٍ ذاتيّةٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى؛ فتكُونُ الحَياةُ مِن هذه الوِجْهةِ مِرآةً عاكِسةً ساطِعةً لِتَجَلتٌ، وت الشُّؤُونِ الذَّاتيّةِ للحَيِّ القَيُّومِ.
ولَمَّا كان وَقْتُنا لا يَتَّسِعُ لإيضاحِ هذا السِّرِّ لأُولَئك الَّذين لم يَرتَضُوا باللهِ رَبًّا، والَّذين لم يَبلُغُوا بَعدُ مَرتَبةَ الإيمانِ اليَقِينِ، لِذا سنُغلِقُحيانًالبابَ.
— 890 —
النَّافِذة الثَّانِية والثَّلاثُون
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٭ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِه، إذ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
هذه النَّافِذةُ هي نافِذةٌ تَخُصُّ شَمسَ سَماءِ الرِّساُوعِ..ل شَمسَ شُمُوسِ النُّبوّةِ، حَبِيبَ رَبِّ العالَمِين، مُحَمَّدًا علَيه أَفضَلُ الصَّلاةِ والتَّسلِيمِ.
إنَّ هذه النّافِذةَ ساطِعةٌ سُطُوعَ الشَّمسِ، وواسِعةٌ ها سُوالكَونِ، ومُنَوَّرةٌ نُورانيّةَ النَّهارِ؛ وحيثُ إنَّنا قد أَثْبَتْنا "النُّبوّةَ" إثباتًا قاطِعًا في "الكَلِمةِ الحادِيةِ والثَّلاثِين": رِسالةِ "المِعراجِ"، وفي "الكَلِمةِ التَّاسِعةَ عَشْرةَ": رِسالةِ "النُّبوّةِ الأَحمَدِيّةِ" وفي "المَكتُلسّامِتّاسِعَ عَشَرَ"، رِسالةِ "المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ"، لِذا فنحنُ نَستَعِيدُ هنا بذاكِرَتِنا بعضَ ما هو مَذكُورٌ في تلك الرَّسائِلِ، ونُحِيلُ إلَيها، إلَّا أنَّنا نقُولُ:
إنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمُ
ولأَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، الَّذي هو بُرهانُ التَّوحِيدِ النَّاطِقُ، قد أَعلَنَ التَّوحِيدَ وأَظهَرَه بجَلاءٍ، وبَيَّنه للبَشَرِيّةِ أَبلَغَ بَيانٍ، في جَمِيعِ سِيرَتِه العَطِرةِ، وبكُلَرّةَ وَهَبَه اللهُ مِن قُوّةٍ، فهو الَّذي يَملِكُ بجَناحَيِ الرِّسالةِ والوِلايةِ قُوّةَ إجماعِ وتَواتُرِ جَمِيعِ الأَنبِياءِ الَّذين أَتَوْا قَبلَه، وقُوّةَ تَواتُرِ وإجماعِ جَمِيعِ الأَولِياءِ والأَصفِياءِ الَّذين أَتَوْا بَعدَه، وفَتَح بهذه القُلةُ أيلهائِلةِ نافِذةً واسِعةً عَظِيمةً سَعةَ العالَمِ الإسلاميِّ إزاءَ مَعرِفةِ اللهِ سُبحانَه، فبَدَأَ يَتَطلَّعُ مِنها مَلايِينُ العُلَماءِ المُحَقِّقين والأَصفِياءِ والصِّدِّيقِين أَمثالَ: الإمامِ الغَزّالِيِّ وهَذَياِ الرَّبّانِيِّ ومُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ والشَّيخِ الگيْلانِيِّ، فهَؤُلاء وغيرُهم يَتَطلَّعُون مِن هذه النّافِذةِ المَفتُوحةِ، ويُبيِّنُونَها للآخَرِين.
فهل هُناك مِن سِتارٍ یی يا تُرَى یی يُمكِنُ إسدالُه على هذه النّافِذةِ العَظِيِّ شَيوهل يَملِكُ مَن لا يَنظُرُ مِن هذه النّافِذةِ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ؟ ! فاحْكُمْ أَنتَ..
— 891 —
النَّافِذة الثَّالِثة والثَّلاثُون
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا
الر كِتَها، ومنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
تَأَمَّلْ واعْلَمْ أنَّ ما ذُكِرَ في جَمِيعِ "النَّوافِذِ" السّابِقةِ ما هو إلَّا بِضْعُ قَطَراتٍ مِن بَحْرِ "القُرآنِ الكَرِيمِ"، فإذا كان الأَمرُ هكذا فإنَّك تَس سَبِيُ الآنَ قِياسَ الأَمْداءِ العَظِيمةِ لِأَنوارِ التَّوحِيدِ الَّتي تَفِيضُ مِن بَحرِ الحَياةِ في القُرآنِ الكَرِيمِ، ولو أنَّنا نَظَرْنا مُجَرَّدَ نَظْرةٍ ٌ عنهاةٍ ومُجمَلةً إلى مَنبَعِ جَمِيعِ تلك النَّوافِذِ، وكَنزِها وأَصْلِها یی وهو القُرآنُ العَظِيمُ یی لَوَجَدْناه نافِذةً جامِعةً ساطِعةً تُشِعُّ نُورًا فَيّاضًا لا حَدَّ له، وحيثُ إنَّ "الكَلِمةَ الخامِسةَ وايَّما ين" (رِسالةُ إعجازِ القُرآنِ)، والإشارةَ الثَّامِنةَ عَشْرةَ مِنَ "المَكتُوبُ التّاسِعَ عَشَرَ"، قد تَناوَلَتَا سَعةَ هذه النّافِذةِ وسُطُوعَها بما فيه الكِفايةُ، لِذا نُحِيلُ البَحثَ إلَيهِما.
وخِتامًا نَرْفَعُ أَكُفَّنا ضارِدَورِنَمامَ عَرْشِ الرَّحمٰنِ جَلَّ جَلالُه الَّذي أَنزَلَ علَينا هذا القُرآنَ الكَرِيمَ رَحْمةً ونُورًا وهِدايةً وشِفاءً ونقُولُ:
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْعَةِ":ْتَنَا
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
٭ ٭ ٭
— 892 —
تنبيه
هذا المَكتُوبُ "تُحَبّلِثُ والثَّلاثُونَ" الَّذي يَضُمُّ ثَلاثًا وثَلاثين نافِذةً، نَسأَلُ اللهَ تَعالَى أن يكُونَ زادًا لِمَن لا إيمانَ له، فيَدعُوَه إلى حَظِيرةِ الإيمانِ، ويَشُدَّ مِن إيمانِ الَّذي يَجِدُ في إيمانِه ضَعْفًا فيُقَوِّيَه، ويَجعَلَ نَتائنَ القَوِيَّ التَّقلِيدِيَّ إيمانًا تَحقِيقيًّا راسِخًا، ويُوَسِّعَ مِن آفاقِ الإيمانِ التَّحقِيقيِّ الرّاسِخِ، ويَهَبَ لِمَن كان إيمانُه واسِعًا مَداوِيةِ لرُّقِيِّ في المَعرِفةِ الإلٰهِيّةِ الَّتي هي الأَساسُ في الكَمالِ الحَقِيقيِّ، ويَفتَحَ أَمامَه مَشاهِدَ أَكثَرَ نُورانيّةً وأَشَدَّ سُطُوعًا.ُتَأَمأَجْلِ هذا، فلَيس لك أن تقُولَ: أَكتَفِي بنافِذةٍ واحِدةٍ دُونَ الأُخرَى، ذلك لأنَّ القَلْبَ يَطلُبُ حَظَّه رَغْمَ أنَّ العَقلَ قدِ انتَفَعَ، والرُّوحُ هي الأُخرَى تُطالِبُ بحَظِّها، بل حتَّى الخوعِندَيُطالِبُ بقَبَسٍ مِن ذلك النُّورِ؛ أي: إنَّ كُلَّ نافِذةٍ مِنَ النَّوافِذِ لها فَوائِدُ مُتَنوِّعةٌ، ومَنافِعُ شَتَّى.. ولقد كانَ المُخاطَبُ الأَساسُ في رِسالةِ "المِعراجِ" السّابقةِ، هو المُؤمِنَ، وكان المُلحِدُ في مَوضِعِ الِاستِماعِ، أمَّعطاني الرِّسالةُ فالمُخاطَبُ الأَساسُ فيها هو المُنكِرُ الجاحِدُ، والمُؤمِنُ هو في مَوضِعِ الِاستِماعِ.
ولَمَّا كُنتُ قد كَتَبتُ هذا المَكتُوبَ في غايةِ السُّرعةِ بِناءً على سَبَبٍ مُهِمٍّ، لِذا فقد بَقِيَ على حالِه، ولم أرِيقَ ْ مُسَوَّدَتَه، ولم أُدخِلْ علَيها أَيَّ تَعدِيلٍ، فلا جَرَمَ أن سيَكُونُ فيه شَيءٌ مِنَ القُصُورِ والتَّشَوُّشِ في بعضِ العِباراتِ، وفي طَرِيقةِ العَرضِ.. فأَرجُو مِن إخواني أن يَنظُرُوا إلَيه بَتِه سالصَّفْحِ والسَّماحِ، ويُصَحِّحُوا یی إن استَطاعُوا یی ما بَدَر مِنِّي مِن خَطَأٍ، ويَدْعُوا لي بالمَغفِرةِ. والسَّلامُ على مَنِ اتَّبَع الهُدَى.. والمَلامُ على مَنِ اتَّبَع الهليةِ بسُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَن أَرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وعَلَى آلِهِِ وإِنبِهِ وَسَلِّم.. آمِينَ
— 893 —
اللوامع
من بين هلال الصومِ وهلالِ العيد
أزاهيرُ تفتَّحت عن نُوَى الحقائق،
وديوانُ شِعرٍ إيمانِيٍّ لطُلّابِ النُّور
بَدِيع الزَّمَان سَعِيد النُّورْسِيّ
— 894 —
تنبيه
إنَّ هذا اءً مِنانَ المَوسُومَ بی"اللَّوامِعِ" لا يَجرِي مَجرَى الدَّواوِينِ الأُخرَى على نَمَطٍ واحِدٍ مُتَناوِلًا عَدَدًا مِنَ المَواضِيعِ، ذلك لأنَّ المُؤلِّفَ المُحتَرَم قد وَضَّح فيه المَقُولاتِ البَلِيغةَ المذُ بكَرةَ جِدًّا لِأَحَدِ مُؤَلَّفاتِه القَدِيمةِ "نُوَى الحَقِيقةِ"، ولأَنَّه قد كُتِب على أُسلُوبِ النَّثْرِ، زِدْ على ذلك لا يَجنَحُ إلى الخَيالاتِ والِانطِلاقِ مِن أَحاسِيسَ غيرِ مَوزُونةٍ كما هو في سالمَعنَلدَّواوِينِ؛ فلا يَضُمُّ هذا الدِّيوانُ بينَ دَفَّتَيه إلَّا ما هو مَوزُونٌ بمِيزانِ المَنطِقِ وحَقائِقِ القُرآنِ والإيمانِ، فهو دَرسٌ عِلْمِيٌّ بل قُرآنِيٌّ وإيمانِيٌّ أَلقاه المُؤلِّفُ على مَسامِعِ ابنِ أَخِيه وأَمثالِه مِنَ الطُّلّاب آخِرِذين لازَمُوه.. ولقدِ اقْتَدَى أُستاذُنا واستَفاضَ مِن نُورِ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ، فما كان له مَيلٌ إلى النَّظْمِ والشِّعرِ ولم يَشْفلِأَنَفسَه بهما أَبدًا، كما بَيَّنَه في التَّنبِيهِ المُتَصَدِّرِ للأَثَرِ وأَدرَكْنا نحنُ أيضًا مِنه هذا الأَمرَ.
وقد تَمَّ تَأْليفُ هذا الدِّالِانتالشَّبِيهِ بالمَنظُومِ خِلالَ عِشرِين يَوْمًا، بعدَ سَعْيٍ مُتَواصِلٍ لِساعَتَينِ أو زِيادةِ نِصفِ ساعةٍ مِنَ الزَّمانِ يَومِيًّا، معَ كَثْرةِ المَشاغِلِ والمَهامِّ الجَلِيلةِ لی"دارِ الحِكْمةِ الإسلاميئِقةٍ، إنَّ تَأْليفًا كهذا ضِمنَ هذا الوَقتِ القَصِيرِ جِدًّا، معَ ما في كِتابةِ صَحِيفةٍ واحِدةٍ مِنَ المَنظُومِ فيه صُعُوبةٌ تَفُوقُ عَشْرَ یی ثَاتٍ مِن غَيرِه، ومعَ وُرُودِه فِطْرِيًّا وطَبْعِه كما وَرَد دُونَ أن يَطْرَأَ علَيه تَصحِيحٌ أو تَشْذِيبٌ أو تَدقِيقٌ.. يَجعَلُنا نَراه خارِقةً مِن خَوارِقِ رَسائِلِ النُّلرِّسالا نَعلَمُ دِيوانَ شِعْرٍ مِثلَ هذا يَسهُلُ قِراءَتُه نَثْرًا دُونَ تَكَلُّفٍ .
نَسأَلُ اللهَ أن يَجعَلَ هذا المُؤَلَّفَ النَّفِيسَ بمَثابةِ المَثنَوِيِّ (الرُّومِيِّ) لِطُلّابِ النُّورِ، إذ هو خُلاصةٌ قَيِّمةٌ لِرَسائِلِ النُّورُ مَح حُكْمِ فِهْرِسٍ يُبَشِّرُ بقُدُومِها ويُشِيرُ إشارةً مُستَقبَلِيّةً إلَيها، تلك الرَّسائِلِ الَّتي ظَهَرَت بعدَ عَشرِ سَنَواتٍ، واكْتَمَلَت في غُضُونِ ثلاثٍ وعِشرِين سَنةً.
صُونغُور، مُحمَّ).
ِي، خُسْرَو
مِن طُلَّابِ النُّورِ
— 895 —
تنبيه
لم أَقْدُرِ النَّظْمَ والقافِيةَ قَدْرَهُما، لِعَدَمِ مَعرِفَتِي بهما، فالمَرءُ عَدُوٌّ لِما جَهِلَ.
ولم أَشَأْ قَطُّ ُ أُمّرَ صُورةِ الحَقِيقةِ لِتُوافِقَ أَهواءَ القافِيةِ، نَظِيرَ "التَّضحِيةِ بصافية، فِداءً للقافِية"، ولِأَجلِ هذا فقد أَلبَستُ أَسمَى الحَقائِقِ أَرْدَأَ المَلابِسِ في هذا الكِتابِ الخالي مِنَ القافِيةِ والنَّظْدّافِعلك:
أوَّلًا:لِأَنَّني لا أَعلَمُ أَفضَلَ مِن هذا، فكُنتُ أَحصُرُ فِكْرِي في المَعنَى وَحْدَه، دُونَ اللَّفْظِ.
ثانيًا:أَرَدتُ أن أُبيِّنَ بهذا الأُسلُوبِ نَقْدِي لِأُولَئك الشُّعَراءِ الَّذين يَنحِتُون الجَسَدَ لِيُوافِقَ اللِّباَ تَأثثالثًا:أَرَدتُ إشغالَ النَّفْسِ أَيضًا بالحَقائِقِ العاليةِ معَ انشِغالِ القَلبِ بها في هذا الشَّهْرِ المُبارَكِ، شَهرِ رَمَضانَ.
ولِأَجلِ هذه الأَسبابِ اختِيرَ هذا الأُسلُوبُ الشَّبِيهُ بأَسالِيبِ المُبتَدِئِين.وفُرُوَكِن أيُّها القارِئُ الكَرِيمُ.. لَئِن كُنتُ قد أَخطَأتُ یی وأَنا أَعتَرِفُ به یی فإيّاك أن تُخطِئَ فتَنظُرَ إلى الأُسلُوبِ المُتَهَرِّئِ ولا تُنعِمَ النَّظَرَ في تلك الحَقائِقِ الرَّفِيعةِ، و هذه امَّ تُهَوِّنَ مِن شَأْنِها.
٭ ٭ ٭
— 896 —
إيضاحٌ
أيُّها القارِئُ الكَرِيمُ.. إنَّني أَعتَرِفُ سَلَفًا بضَجَرِي مِن فَقْرِ قابِلِيَّتي في صَنْعةِ الخَطِّ وفَنِّ النَّظْ الحَي لا أَستَطِيعُ الآنَ حتَّى كِتابةَ اسمِي كِتابةً جَيِّدةً، ولم أَتَمكَّنْ طَوالَ حَياتي مِن نَظْمِ بَيتٍ واحِدٍ أو وَزْنِه؛ ولكِن یی وعلى حِينِ غِرّةٍ یی أَلللنَّظ على فِكْرِي رَغبةٌ قَوِيّةٌ في النَّظْمِ، وقد كانَت رُوحِي تَرتاحُ لِما في كِتابِ "قول نوالا سيسيبان" مِن نَظْمٍ فِطْرِيٍّ عَفْوِيٍّ على نَمَطِ مَدالّا مََصِفُ غَزَواتِ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ علَيهم؛ فاخْتَرتُ لِنَفسِي طِرازَ نَظْمِه، وكَتَبتُ نَثْرًا شَبِيهًا بالنَّظْمِ، ولم أَتكَلَّفِ الوَزنَ قَطْعًا، فلْيَقْرَأْه مَن شا وأَثْرًا قِراءةً سَهْلةً دُونَ تَذَكُّرِ النَّظْمِ والِاهتِمامِ به، بل علَيه أن يَعُدَّه نَثْرًا لِيَفهَمَ المَعنَى، إذ هناك ارتِباطٌ في المَعنَى بينَ القِطَعِ، وعلَيه ألَّا يَتَوقَّفَ في الهو أَق؛ فكما تكُونُ الطّاقِيّةُ والطُّربُوشُ بلا شُرّابةٍ، كذلك يكُونُ الوَزنُ أيضًا بلا قافِيةٍ، والنَّظمُ بلا قاعِدةٍ، بل أَعتَقِدُ أنَّه لو كان اللَّفظُ والنَّظمُ جَذّابَينِ صَنْعةً يَشغَلانِ فِكْرَ الإنسانِ بهنا الَشُدّانِه إلَيهِما، فالأَولَى إذًا أن يكُونَ اللَّفظُ بَسِيطًا مِن غيرِ تَزوِيقٍ لِئَلّا يُصرَفَ النَّظَیرُ إلَيه.
إنَّ أُستاذِي ومُرشِدِي في هذا الكِتابِ: القُرَيْها؛كَرِيمُ.. وكِتابي الَّذي أَقرَؤُه: الحَياةُ.. ومُخاطَبِي الَّذي أُوَجِّهُ له الكَلامَ: نَفسِي..أمّا أنتَ أيُّها القارِئُ العَزِيزُ، فمُستَمِعٌ ليس إلّا، والمُستَمِعُ لا يَحِقُّ له الِانحَلًّا، بل يَأْخُذُ ما يُعجِبُه ولا يَتَعرَّضُ لِما لا يُعجِبُه.
ولَمّا كان كِتابي هذا نابِعًا مِن فَيضِ الشَّهرِ الكَرِيمِ، شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، (٭) حتَّى إنَّ تاريخَ تأليفِه ظَهَر في العِبارةِ الآتيةِ: "نَجمُ أَدَبٍ وُلِد لِهِلالَي لضَّلانَ" مَجمُوعُ أَرقامِه: (١٣٣٧). فإنَّني آمُلُ أن يُؤَثِّرَ في قَلبِ أَخِي في الدِّينِ، فيُهدِيَ لي بظَهْرِ الغَيبِ دُعاءً بالمَغفِرةِ أو قِراءةَ سُورةِ الفاتِحةِ.
— 897 —
الدّاعي
(٭) هذه الق مُختَتَوقيعُه.
أنا قَبْرٌ مُهَدَّمٌ، يَضُمُّ تِسعًا وسَبعِين جُثّةً (٭٭) يعني أنَّ سَعِيدَينِ يَمُوتانِ في السَّنةِ الواحِدةِ، حيثُ يَتَجدَّدُ الجِسمُ في السَّنةِ مَرَّتالمَهِفضلًا عن أنَّ سَعِيدًا سيَعِيشُ إلى هذا التّارِيخِ، أي: إلى هذه السَّنةِ التّاسِعةِ والسَّبعِين، إذ يمُوتُ في كلِّ سَنةٍ سَعِيدٌ.
لِسَعيدٍ ذِي الآثامِ والآلامِ
ءِ الج غَدا الثَّمانِين شاهِدُ قَبْرِي
والكُلُّ يَبكِي معًا (٭٭٭) فلقد أَحَسَّ قبلَ الوُقُوعِ بهذه الأَحوالِ قبلَ عِشرِين سَنةً مِن وُقُوعِها. لِهزِيمةِ العالَمِ الإسلاميِّ.
فيَئِنُّ ذلك القَبْرُ المَلِيءُ بالأَمقَدُواعَ شاهِدِه.
وغَدًا أَنطَلِقُ مُسرِعًا إلى ساحةِ عُقْباي
وأَنا على يَقِينٍ: أنَّ مُستَقبَلَ آسِيا بأَرضِها وسَمائِها
يَستَسْلِمُ لِيَدِ الإسلامِ البَيضاءِ
إذ يَمِينُه يُمْنُ الإيمانِ
يَمنَحُ الطُّمَأْنينةَ ورِيقُ نَ للأَنامِ.
٭ ٭ ٭
— 898 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين
والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ المُرسَلِين، وعلى آلِه وصَحبِه أَجمَعِين.
بُرهانانِ عَظيمانِ للتَّوحيدِ
ونُكتةٌ إعجازِيّةٌ لِِ الزّ الإخلاصِ
هذا الكَونُ بذاتِه بُرهانٌ عَظِيمٌ.
إذ لِسانُ الغَيبِ ولِسانُ الشَّهادةِ يُسَبِّحانِ بالتَّوحِيدِ، تَوحِيدِ الرَّحمٰنِ، ويَذكُرانِ بصاءِ واائِلٍ:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
فكُلُّ ذَرّاتِ الكَونِ، وحُجَيراتِه، وأَركانِه، وأَعضائِه، لِسانٌ ذاكِرٌ يَلهَجُ معَ ذلك الصَّوتِ الدّاوِي بی:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
في تلك الأَلسِنةِ تَنَوُّعٌ، وفي تلك الأَصواتِ مَراتِبُ، إلّصِّفاتَها تَنطَلِقُ معًا بی:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
هذا الكَونُ إنسانٌ أَكبَرُ.. يَذكُرُ رَبَّه بصَوتٍ عالٍ، والأَصواتُ الرَّقيقةُ لِأَجزائِه وذَرّاتِه كُلُّها تُدَوِّي معَ ذلك الصَّوتِ الهادِرِ:"لا إلٰهَ إلَّا هو"ٌ للتّنعم، إنَّ هذا العالَمَ يَتلُو آياتِ القُرآنِ في حَلْقةِ ذِكرٍ عَظِيمةٍ، وهذا القُرآنُ المُشرِقُ المُنَوَّرُ يَتَرنَّمُ معَ ذَوِي الأَرواحِ كُلِّها بی:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
هذا الفُرقانُ الحَكِيمُ بُرهانٌ ناطِقٌ لذلكً تَكُوحِيدِ.. آياتُه كلُّها أَلسِنةٌ صادِقةٌ، وأَشِعّةٌ ساطِعةٌ بالإيمانِ.. فالجَميعُ يَذكُرُ معًا:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
فإذا ما أَلصَقْتَ الأُذُنَ بصَدْرِ هذا الفُرقانِ، ستَسمَعُ مِن أَعمَقِ الأَعماقِ صَدًى سَماوِيًّا صَرِيحًا يَنبَعِ أَنِ ا إلٰهَ إلَّا هو".
— 899 —
فذلك الصَّوتُ اللَّطِيفُ، صَوتٌ رَفيعٌ عالٍ، في مُنتَهَى الجِدِّيّةِ وغايةِ الإيناسِ، ونِهايةِ الصِّدقِ والإخلاصِ؛ ومُدَعَّمٌ بالبُرهانِ القاطِعِ المُِيدًا.. يقُولُ مُكَرِّرًا:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
هذا البُرهانُ المُنَوَّرُ، جِهاتُه السِّتُّ شَفّافةٌ رائقةٌ.. إذ:
علَيه نَقشُ الإعجازِ الزَّاهِر.
وبداخِلِه يَلمَعُ نُورُ الهِدايةِ، ويقُولُ:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
ا مُطلَه نَسِيجُ البُرهانِ والمَنطِق...
في يَمينِه استِنطاقُ العَقلِ، ويُصَدِّقُه بی:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
وفي شِمالِه یی الَّذي هو يَمينٌ یی استِشهادُ الوِجدانِ... أَمامَه الحُسْنُ والخَيرُ... وهَدَفُه السَّعادةُ... مِفتاحُه دائمًجُودةٌ إلٰهَ إلَّا هو".
ومِن وَرائِه الَّذي هو أَمامٌ یی أي: استِنادُه یی سَماوِيٌّ وهو: الوَحْيُ المَحْضُ.. فهذه الجِهاتُ السِّتُّ مُنِيرةٌ مُضِيئةٌ، يَتَجلَّى في بُرُوجِها:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
فأَنَّى للوَهْمِ أن يَستَرِق، فلَقا السَّمْعَ، وأَنَّى للشُّبهةِ أن تَطرُقَ بابَها.
أفَيُمكِنُ أن يَدخُلَ ذلك المارِقُ هذا الصَّرْحَ البارِقَ الشّارِقَ!!
فأَسوارُ سُوَرِه شاهِقةٌ، وكلُّ كَلِمةٍ مِنه مَا لَيساطِقٌ بی:"لا إلٰهَ إلَّا هو".
فذلك القُرآنُ العَظِيمُ بَحرٌ ناطِقٌ للتَّوحِيدِ.
لِنَأْخُذ قَطْرةً مِنه مِثالًا: "سُورةُ الإخلاصِ" نَتَناوَلُها مَحَبّا قَصِيرًا مِمّا لا يُعَدُّ مِنَ الرُّمُوزِ.
إنَّها تَرُدُّ الشِّرْكَ بجَميعِ أَنواعِه رَدًّا قاطِعًا، وتُثبِتُ سَبعةَ أَنواعٍ مِنَ التَّوحِيدِ في جُمَلِها السِّتِِّيَسلُُ جُمَلٍ مِنها مُثبَتةٌ، وثلاثٌ مِنها مَنفِيّةٌ.
الجُملةُ الأُولَى:قُلْ هُوَ: إشارةٌ بلا قَرِينةٍ، أي: هو تَعيِينٌ بالإطلاقِ، ففي ذلك التَّعيِينِ تَعَيُّنٌ. أي: لا هو إلَّا هو.
وهذا إشارةٌ إلى تَوحِيدِ الشُّهُودِ. فلَوِ استَغرَقَتِ اةٍ تَمرةُ النّافِذةُ إلى الحَقِّ في التَّوحِيدِ، لَقالَت: "لا مَشهُودَ إلَّا هو".
— 900 —
الجُملةُ الثَّانية:اللَّهُ أَحَدٌ تَصرِيحٌ بتَوحِيدِ الأُلُوهيّةِ، إذِ الحَقيقةُ ًا لا بلِسانِ الحَقِّ: "لا مَعبُودَ إلَّا هو".
الجُملةُ الثّالثة:اللَّهُ الصَّمَدُ صَدَفٌ لِدُرَّينِ مِن دُرَرِ التَّوحِيدِ:
الأَوَّلُ:تَوحِيدُ الرُّبُوبيّةِ: فلِسانُ نِظامِ الكَونِ يقُولُ: "لا خالِقَ إلَّا هو".
الثّاني:تَوحِيدُ القِلُ فيِيّةِ: أي: إنَّ لِسانَ الحاجةِ إلى مُؤَثِّرٍ حَقيقيٍّ في الكَونِ كُلِّه وُجُودًا وبَقاءً يقُولُ: "لا قَيُّومَ إلَّا هو".
الجُملةُ الرَّابِعةُ:لَمْ ي سُبحا يَستَتِرُ فيها تَوحِيدُ الجَلالِ، ويَرُدُّ أَنواعَ الشِّركِ، ويَقطَعُ دابِرَ الكُفرِ: لأنَّ الَّذي يَتَغيَّرُ ويَتَناسَلُ ويَتَجزَّأُ لا شَكَّ أنَّه ليس بخلهِ مُولا قَيُّومٍ ولا إلٰهٍ.
ولَمْ يَلِدْ: يَرُدُّ مَفهُومَ البُنُوّةِ والتَّوَلُّدِ، إذ يَقطَعُ قَطعًا شِرْكَ بُنُوّةِ عِيسَى وعُزَيرٍ یی عَلَيهمَا السَّلَام یی والمَلائَيَّنُِ العُقُول. فلَقد ضَلَّ كَثيرٌ مِنَ النّاسِ، وهَوَوْا في غَياهِبِ الضَّلالِ مِن هذا الشِّركِ.
خامِسَتُها:وَلَمْ يُولَدْ تَوحِيدٌ سَتقُولٌُّ يُشِيرُ إلى إثباتِ الأَحَدِيّةِ. فمَن لم يكُن واجِبًا قَدِيمًا أَزَليًّا لا يكُونُ إلٰهًا، أي: إن كانَ حادِثًا زَمانِيًّا، أو مُتَولِّدًا مادّةً، أو مُنفَصِلًا عن أَصلٍ، لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلٰه تُخطِذا الكَونِ. هذه الجُملةُ تَرُدُّ شِركَ عِبادةِ الأَسبابِ، وعِبادةِ النُّجُومِ، وعِبادةِ الأَصنامِ، وعِبادةِ الطَّبِيعةِ.
سادِسَتُها:وَلَمْ يَكُنْ تَوحِيدٌ جامِعٌ، أي: لا نَظِيرَ له في ذاتِه،الشَّخَرِيكَ له في أَفعالِه، ولا شَبِيهَ له في صِفاتِه.. كلُّ ذلك مُندَمِجٌ معًا يُوَجِّهُ النَّظَرَ إلى "لَمْ".
فهذه الجُمَلُ السِّتُّ مُتَضمِّنةٌ سَبعَ مَراتِبَ مِن مَراتِبِ التَّوحسبابُ"كلٌّ مِنها نَتِيجةٌ للأُخرَى، وبُرهانٌ لها في الوَقتِ نَفسِه. أي: إنَّ "سُورةَ الإخلاصِ" تَشتَمِلُ على ثَلاثين سُورةً مِن سُوَرِ الإخلاصِ، سُوَرٍ مُنتَظِمةٍ مُرَكَّبةٍ مِن دَلائلَ يُثبِتُ بَعضُها بعضًا..
...لا يَعلَمُ الغَيبَ إلّا اللهَُكثَرِ ٭ ٭
— 901 —
السَّببُ ظاهِرِيٌّ بَحْتٌ
تَقتَضِي عِزّةُ الأُلُوهيّةِ وعَظَمَتُها أن تكُونَ الأَسبابُ الطَّبِيعيّةُ أَستارًا بينَ يَدَيْ قُدرَتِه تَعالَى أَمامَ نَظَرِ العَقلِ.
ويَقتَضِي التَّوحِيدُ والجَلالُ أن تَسحَببأَيِّسبابُ الطَّبِيعيّةُ يَدَها عنِ التَّأْثيرِ الحَقِيقيِّ في آثارِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ. (٭) أي: ألّا تتدَخَّلَ في الإيجادِ والتَّأثيرِ الحَقِيقيِّ قَطْعًذلك ال٭ ٭ ٭
الوُجُودُ غيرُ مُنحَصرٍ في العالَمِ الجِسمانِيِّ
إنَّ أَنواعَ الوُجُودِ المُختَلِفةَ الَّتي لا تُحصَى، لا تَنحَصِرُ في هذا العالَمِ.. عالَمِ الشَّهادةِ.
ِ كائِعالَمُ الجِسمانِيُّ (المادِّيُّ) شَبِيهٌ بسِتارٍ مُزَركَشٍ مُلْقًى على عَوالِمِ الغَيبِ المُنَوَّرةِ.
٭ ٭ ٭
الِاتِّحادُ في قَلَمِ القُدرةِ ي، ورُو التَّوحِيدَ
إنَّ ظُهُورَ أَثَرِ الإبداعِ في كلِّ زاوِيةٍ مِن زَوايا الفِطْرةِ يَرُدُّ بالبَداهةِ إيجادَ الأَسبابِ لها.
إنَّ نَقْشَ القَلَمِ نَفسَه والقُدرةَ عَينَها، في كلِّ نُقطةٍ في الخِلْقةِ، يَرفُضُ یی بالضَّرُورةِ یی وُجُودَ الوهةَ إلِ.
٭ ٭ ٭
لا شَيءَ دُونَ الأَشياءِ كُلِّها
إنَّ سِرَّ التَّسانُدِ والتَّرابُطِ، المُستَتِرَ في الكِائِناتِ كلِّها، المُنتَشِرَ فيها.. وكذا انبِعاثَ رُوحِ التَّجاوُبِ والتَّعاوُنِ مِن كعامٍ إنِبٍ.. يُبيِّنُ أنَّه لَيسَت إلَّا قُدرةً مُحِيطةً بالعالَمِ كُلِّه، تَخلُقُ الذَّرّةَ وتَضَعُها في مَوضِعِها المُناسِبِ.
— 902 —
فكلُّ حَرْفٍ وكلُّ سَطْرٍ مِن كِتابِ العالَمِ، حَيٌّ، تَسُوقُه الحاجةُ، وتُعَرِّفُ الوُ؛ وهُالآخَرَ، فيُلَبِّي النِّداءَ أَينَما انطَلَق.
وبِسِرِّ التَّوحِيدِ تَتَجاوَبُ الآفاقُ كُلُّها، إذ تُوَجِّهُ القُدرةُ كلَّ حَرفٍ حَيٍّ إلى كُلِّ جُملةٍ مِن جُمَلِ الكِتاتَّى إبَصِّرُها.
٭ ٭ ٭
حَرَكةُ الشَّمسِ للجاذِبيّةِ، وهي لِشَدِّ مَنظُومَتِها
الشَّمسُ شَجَرةٌ مُثمِرةٌ، تَنتَفِضُ لِئَلّا تَسقُطَ ثِمارُها السَّيّاراتُ المُنتَشالْأَرلمُنجَذِبةُ إلَيها؛ ولو سَكَنَتْ بِصَمْتِها وسُكُونِها لَزالَتِ الجَذْبةُ، وتَبَخَّرَتِ النَّشْوةُ، وبَكَتْ یی شَوْقًا إلَيها یی مَجاذِيبُها السَّيّاراتُ المُنتَظِمةُ في الفَضاءِ الوَسِيعِ.
٭ ن نَتا
الأشياءُ الصَّغيرةُ مَربُوطةٌ بالكبيرةِ
إنَّ الَّذي خَلَق عَينَ البَعُوضةِ، هو الَّذي خَلَق الشَّمسَ ودَرْبَ التَّیبّانةِ.. والَّذيَتَناَمَ مَعِدةَ البَرغُوثِ هو الَّذي نَظَّمَ المَنظُومةَ الشَّمسِيّةَ.. والَّذي أَدرَجَ الرُّؤْيةَ في العَينِ وغَرَزَ الحاجةَ في المَعِدةِ هو الَّذي كَحَلَ عَينَ السَّماءِ بإِثمِدِِقَ الورِ وبَسَط سُفْرةَ الأَطعِمةِ على وَجْهِ الأَرضِ.
٭ ٭ ٭
في نَظْمِ الكَونِ إعجازٌ عظيمٌ
شَاهِدِ الإعجازَ في تَأْليفِ الكَونِ، فلو أَصبَحَ كلُّ سَبَبٍ مِن الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ فاعلًا:اُختارًا مُقتَدِرًا یی بفَرْضِ مُحالٍ یی لَسَجَدَتْ تلك الأَسبابُ عاجِزةً ذَلِيلةً أَمامَ ذلك الإعجازِ قائِلةً: سُبحانَك.. لا قُدرةَ فينا.. رَبَّنا أنت القَدِيرُ الأَزَليُّ ذُو الجَلالِ!
٭ ٭ ٭
— 903 —
كلُّ شَيءٍ أمامَ القُدرةِ سَواءٌ
مَى عُرُقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
القُدرةُ الإلٰهِيّةُ ذاتيّةٌ وأَزَليّةٌ لا يَتَخَلَّلُها العَجزُ أَصلًا، فلا مَراتِبَ فيها، ولا تُنَّ الها العَوائِقُ قَطْعًا، فالكُلُّ والجُزءُ إزاءَها سَواءٌ، لا يَتَفاوَتانِ، لأنَّ كلَّ شَيءٍ مُرتَبِطٌ بالأَشياءِ كلِّها؛ فمَن لا يَقدِرُ على خَلْقِ كلِّ الأَشياءِ لا يَقدِرُ على خَلْقِ شَيءٍ واحِدٍ.
٭ ٭ ٭
مَن لم يَقبِض عل يَفتَمِ الكونِ كلِّه لا يَقدِر على خَلْقِ ذَرّةٍ
إنَّ مَن لا يَملِكُ قَبضةً قَوِيّةً يَرفَعُ بها أَرْضَنا والشُّمُوسَ والنُّجُومَ الَّتي لا تُحصَى، رَبُِّها على هامةِ الفَضاءِ، وفَوقَ صَدْرِه، بانتِظامٍ وإتقانٍ، ليس له أن يَدَّعِيَ الخَلْقَ والإيجادَ قَطْعًا.
٭ ٭ ٭
إحياءُ النَّوع كإحياء الفَرْد
كما أنَّ إحياءَ ذُبابةٍ غَطَّت في نَومٍ شَبِيهٍ جةٍ واتِ في الشِّتاءِ، ليس عَسِيرًا على القُدرةِ الإلٰهِيّةِ؛ كذلك إحياءُ هذه الدُّنيا بعدَ مَوتِها، بل إحياءُ ذَوِي الأَرواحِ قاطِبةً، سَهْلٌ ويَسِيرٌ علَيها.
٭ ٭ ٭
الهو:
ةُ صَنعةٌ إلٰهِيّة
الطَّبِيعةُ لَيسَت طابِعةً، بل مَطبَعٌ.. ولا نَقّاشةً بل نَقشٌ، ولا فاعِلةً بل قابِلةٌ للفِعلِ.. ولا مَصْدَرًا بل مِسْطَرٌ.. ولا ناظِمًا بل نَظّأنَّ ا ولا قُدرةً بل قانُونٌ.
فهي شَرِيعةٌ إرادِيّةٌ، ولَيسَت حَقِيقةً خارِجِيّةً.
٭ ٭ ٭
— 904 —
الوِجدانُ يَعرِفُ الله بوَجْدِه ونَشوَتِه
ِذَ.. لوِجدانِ انجِذابٌ وجَذْبٌ، مُندَمِجانِ فيه دَوْمًا، لِذا يَنجَذِبُ، والِانجِذابُ إنَّما يَحصُلُ بجَذْبِ جاذِبٍ.
وذُو الشُّعُورِ يَنجَذِبُ انجِذابًا، إذا ما بَدا ذُو َقِيقٍلِ وتَجَلَّى ببَهاءٍ دُونَ حُجُبٍ.
هذه الفِطْرةُ الشّاعِرةُ تَشهَدُ شَهادةً قاطِعةً على الواجِبِ الوُجُودِ ذِي الجَلالِ والجَمالِ.. شاهِدُها الأَوَّلُ ذلك الجَذْبُ.. والَّعاتُذلك الِانجِذابُ.
٭ ٭ ٭
شهادةُ الفِطرةِ صادقةٌ
لا كَذِبَ في الفِطْرةِ، فما تقُولُه صِدْقٌ؛ فمَيَلانُ النُّمُوِّ الكامِنِ في النَّواةِ يقُولُ: سأَنمُو وأُثمه بمُحالواقِعُ يُصَدِّقُه.
في داخِلِ البَيضةِ، يقُولُ مَيَلانُ الحَياةِ، في تلك الأَعماقِ: سأَكُونُ فَرْخًا.. ويكُونُ بإذنِ الله فِعْلًا، ويَصْدُقُ كَلامةِ بال وإذا نَوَت غُرفةٌ مِن ماءٍ داخِلَ كُرةٍ مِن حَدِيدٍ الِانجِمادَ، فإنَّ مَيَلانَ انبِساطِها في أَثناءِ البُرُودةِ يقُولُ: تَوَسَّعْ أيُّها الحَدِيدُ، أنا مُحتاجٌ إلى مَكانٍ أَوسَعَ. فيَسْعَى الحَدِيدُ الصُّلْبُ لِمَنعِ طَلَبِه ورَفضِه، لكِنهما ويه مِن إخلاصٍ وصِدْقِ الجَنانِ يُفَتِّتُ ذلك الحَدِيدَ.
كلُّ مَيلٍ مِن هذه المُيُولِ: أَمرٌ تَكْوِينيٌّ، حُكْمٌ إلٰهِيٌّ، شَرِيعةٌ فِطْرِيّةٌ، تَجَلٍّ للإرادةِ الإلٰهِيّناك، فإدارةِ الأَكوانِ. فكلُّ مَيلٍ، وكلُّ امتِثالٍ، انقِيادٌ لِأَمرٍ إلٰهِيٍّ تَكْوِينيٍّ.
فالتَّجَلِّي في الوِجدانِ جَلْوةٌ كهذه، بحَيثُ إنَّ الِانُ إليه والجَذْبةَ رُوحانِ صافِيانِ كالمِرآةِ المَجْلُوّةِ، يَنعَكِسُ فيهما نُورُ الإيمانِ وتَجَلِّي الجَمالِ الخالِدِ.
٭ ٭ ٭
— 905 —
النُّبوّة ضَرُوريّةٌ للبَشَرِيّة
إنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ الَّتي لا تَتْرُكُ النَّملَ مِن دُونِ أَميرٍّةٍ وتَّحلَ مِن دُونِ يَعسُوبٍ، لا تَتْرُكُ حَتْمًا البَشَرَ مِن دُونِ نَبِيٍّ، مِن دُونِ شَرِيعةٍ... نعم، هكذا يَقتَضِي سِرُّ نِظامِ العالَمِ.
٭ ٭ ٭
المِعراجُ مُعجِزةٌ للملائكة مِثلَما انشِقاقُ القَمَرِ مُعجِزجنِ أَنسانِ
المِعراجُ وِلايةٌ عُظمَى في نُبُوّةٍ مُسَلَّمٍ بها، رَأَتْه المَلائِكةُ رُؤيةً حَقّةً یی كَرامةً.
رَكِبَ النَّبيُّ الباهِرُ "البُراقَ" وغَدا بَُفِ في فدارَ الوُجُودُ كالقَمَرِ مُشاهِدًا عالَمَ النُّورِ أَيضًا.
فكَما أنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُعجِزةٌ حِسِّيّةٌ عُظمَى للإنسانِ المُنتَشِرِ في عالَمِ الشَّهادةِ، فها مِنَِعراجُ أَيضًا هو أَعظَمُ مُعجِزةٍ لِساكِنِي عالَمِ الأَرواحِ.
٭ ٭ ٭
كلمةُ الشَّهادة بُرهانُها فيها
كَلِمَتا الشَّهادةِ: كلٌّ مِنها شاهِدةٌ للأُخرَى، ودَليلٌ، وبُرهانٌ.
فالأُولَى: بُرهانٌ لِمِّيٌّ للثّ تلك ا، والثَّانيةُ: بُرهانٌ إنِّيٌّ للأُولَى.
٭ ٭ ٭
الحياة طِرازٌ من تجلِّي الوَحدة
الحَياةُ نُورُ الوَحْدةِ.. فالتَّوحِيدُ يَتَجلَّى بالحَياةِ في هذه الكَثْرةِ.
نعم، إنَّ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ الوَحْدةِ يَجعَلُ الكَثْ عِلْمكاثِرةَ مِنَ المَوجُوداتِ وُجُودًا واحِدًا؛ لأنَّ الحَياةَ تَجعَلُ الشَّيءَ الواحِدَ مالِكًا لِكُلِّ شَيءٍ.. بَينَما كلُّ الأَشياءِ عِندَ فاقِدِ الحَياةِ عَدَمٌ.
٭ ٭ ٭
— 906 —
الرُّوحُ قانُونٌ أُلبِس وُجُودًا خارِجيًّا
الر التَّقانُونٌ نُورانِيٌّ، ونامُوسٌ أُلبِسَ وُجُودًا خارِجِيًّا.. أُودِعَ فيه الشُّعُورُ.
فهذا الرُّوحُ المَوجُودُ یی وُجُودًا خارِجِيًّا یی وذاك القانُونُ المَعقُولُ یی المُدْرَكُ عَقْلًا یی أَصبَحَا أَخََّتي توصَدِيقَينِ؛ إذ هذا الرُّوحُ آتٍ مِن عالَمِ الأَمرِ، ومِن صِفةِ الإرادةِ، كالقَوانِينِ الفِطْرِيّةِ الثّابِتةِ الدّائِمةِ.
وإنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ تَكسُو الرُّوحَ وُجُودًا حِسِّيًّا، وتُودِعُ فاهَدَيُّعُورَ، وتَجعَلُ سَيّالةً لَطِيفةً صَدَفةً لِذلك الجَوْهَرِ.
ولو أَلبَسَت قُدرةُ الخالِقِ القَوانِينَ الجارِيةَ في الأَنواعِ وُجُودًا خارِجِيًّا، لَأَصبَحَ كلٌّصِحُ ع رُوحًا؛ ولو نَزَعَ الرُّوحُ هذا الوُجُودَ، وطَرَحَ عنه الشُّعُورَ، لَأَصبَحَ قانُونًا باقِيًا.
٭ ٭ ٭
الوُجُودُ بلا حَياةٍ كالعَدَمِ
الضِّياءُ والحَياةُ، كِلاهُما كَشَّافانِ للمَوجُوداتِ.
إن لم يكُن هُناك ی"المَالحَياةِ، فالوُجُودُ مَشُوبٌ بالعَدَمِ، بل هو كالعَدَمِ.
نعم، إنَّ ما لا حَياةَ فيه غَرِيبٌ، يَتِيمٌ، حتَّى لو كان قَمَرًا.
٭ ٭ ٭
النَّملةُ بالحَياةِ أَكبَر مِن ا تَأْث
إذا زِنتَ النَّملةَ بمِيزانِ الوُجُودِ، فالكَونُ الَّذي تَنطَوِي عليه النَّملةُ بسِرِّ الحَياةِ، لا تَسَعُه كُرَتُنا الأَرضِيّةُ.
فلو قارَمَحَبذه الكُرةَ الأَرضِيّةَ یی الَّتي أَراها حَيّةً ويَراها البَعضُ مَيْتةً یی معَ النَّملةِ، فإنَّها لا تَعدِلُ نِصفَ رَأْسِ هذا الكائِنِ اَّةٍ إَّزِ بالشُّعُورِ.
٭ ٭ ٭
— 907 —
النَّصرانيّةُ ستُسلِّم أَمرَها للإسلامِ
ستَجِدُ النَّصرانيّةُ أَمامَها الِانطِفاءَ أو الِاصطِفاءَ، وسوف تُلقِي السِّلاحَ وتَستَسلِمُ للإسلامِ؛ لقد تَمَزَّقَت عِدّةَ مَرّاتٍ، حتَّى آلَت إلى نِينِ وتستانتِيّة" ولم تُسعِفْها كذلك، وتَمَزَّقَ السِّتارُ مَرّةً أُخرَى، فوَقَعَت في ضَلالةٍ مُطلَقةٍ؛ إلَّا أنَّ قِسْمًا مِنها اقْتَرَب مِنَ التَّوحِيدِ، وسيَجِدُ فيه الفَلاحَ؛ وهي الآنَ على وَشْكِ التَّمَزُّقِ، (٭) إشا
أَى النَّتائجِ الرَّهيبةِ للحَربِ العالَمِيّة الأُولَى، بل يُخبِر عن الحَربِ العالَمِيّة الثَّانية. إن لم تَنطَفِئْ فإنَّها تَتَصفَّى وتكُونُ مُلكَ الإسلامِ (إذ تَجِدُ نَفسَها أَمامَ الحَقائِقِ الإسلاميّةِ الجامِعةِ لِأُسُسِ النَّصْرانيّةِي: مِنِيقيّةِ).
هذا سِرٌّ عَظِيمٌ أَشارَ إلَيه الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) بنُزُولِ عِيسَى عَليهِ السَّلام، وأنَّه سيكُونُ مِن أُمَّتِه ويَعمَلُ بشَرِيعَتِه.
٭ ٭ ٭
النَّظَر التَّبَعِيُّ يَرَى المُحالَ مُمكِنًا
لقدِ اشتَهَرَت حادِثةَمَرَ َه بَينَما كان النّاسُ يُراقِبُون هِلالَ العِيدِ، ولم يَرَ أَحَدٌ شَيئًا، إذا بشَيخٍ هَرِمٍ يَحلِفُ أنَّه قد رَأَى الهِلالَ، ثمَّ تَبيَّنَ أنَّ ما رَآه لم يكُن هِلالًا بل شَعْرةً بَيضها.. لقَوَّسَت مِن أَهدابِه، فأَصبَحَت تلك الشَّعرةُ هِلالًا له.. فأَين تلك الشَّعرةُ المُقوَّسةُ مِنَ الهِلالِ؟!
فهَلّا فَهِمتَ هذا الرَّمزَ؟
لقد أَصبَحَتغةِ الاتُ الذَّرّاتِ شَعَراتٍ مُظلِمةً لِأَهدابِ العَقلِ، أُسدِلَت على البَصَرِ المادِّيِّ وأَعمَتْه، فلم يَعُدْ يَرَى الفاعِلَ لِتَشكِيلِ الأَنيه.. رُلِّها.. وهكذا تَقَعُ الضَّلالةُ.
فأينَ حَرَكاتُ الذَّرّاتِ مِن نَظّامِ الكَونِ؟!
إنَّ تَوَهُّمَ صُدُورِ تلك الأَنواعِ مِن تلك الحَرَكاتِ مُحالٌ في مُحالٍ.
٭ ٭ ٭
— 908 —
القُرآُّونَ يَحتاجُ إلى وَكِيلٍ بل إلى مِرآةٍ
إنَّ ما في المَصْدَرِ مِن قُدسِيّةٍ هي الَّتي تَحُضُّ جُمهُورَ الأُمّةِ والعَوامِّ على الطّاعةِ، وتَسُوقُهم إلى امتِثالِ الأَوامِرِ أَكثَرَ مِن قُوّةِ البُرهانِ.
إنَّ تِسعِين بالمِئةِ مِن أَحكوهَدَفشَّرِيعةِ مُسَلَّماتٌ وضَرُورِيّاتٌ دِينيّةٌ، شَبِيهةٌ بأَعمِدةٍ مِنَ الأَلماسِ، أمّا المَسائِلُ الِاجتِهادِيّةُ الخِلافيّةُ الفَرعِيّةُ، فلا تَبلُغُ إلَّا عَشَرةً بالمِئةِ؛ فلا يَنبَغي أن يكُونَ تِسعُون عَمُودًا مِنَ الأَلماسِ تحتَ حِمايةِِيبةِ ةٍ مِنها مِن ذَهَبٍ، ولا تابِعةً لها.
إنَّ مَعدِنَ أَعمِدةِ الأَلماسِ وكَنزَها الكِتابُ والسُّنّةُ، فهي مُلكُهُما ولا تُطلَبُ إلَّا مِنهما؛ أمّا الكُتُبُ الأُقِ في الِاجتِهاداتُ فيَنبَغي أن تكُونَ مَرايا عاكِسةً للقُرآنِ، أو مَناظِيرَ إلَيه ليس إلّا، إذ إنَّ تلك الشَّمسَ المُنِيرةَ المُعجِزةَ لا تَرضَى لها ظِلُنزَّها وَكِيلًا.
٭ ٭ ٭
المُبطِلُ يأخذُ الباطِلَ بظَنِّ الحَقِّ
إنَّ الإنسانَ يَقصِدُ الحَقَّ ويَتَحَرّاه دَوْمًا، لِمَا يَحمِلُ مِن فِطرةٍ مُكَرَّمةٍ؛ وقد يَعثُرُ على باطِلٍ فيَظُنُّه حَقًّا فيُحافِظُ علَيه، وقد يَقَعُ علَيه هلِكةٍالُ مِن دُونِ اختِيارٍ وهو يُنَقِّبُ عنِ الحَقِيقةِ، فيَظُنُّه حَقًّا ويُصَدِّقُه.
٭ ٭ ٭
مَرايا القُدرةِ كثيرةٌ
إنَّ مَرايا القُدرةِ الإلٰهِيّةِ كَثِيرةٌ جِدًّا، كلٌّ مِنها يَفتَحفاعاتِفِذَ أَشَفَّ وأَلطَفَ مِنَ الأُخرَى إلى عالَمٍ مِن عَوالِمِ المِثالِ.
فابتِداءً مِنَ الماءِ إلى الهَواءِ، ومِنَ الهَواءِ إلى الأَثِيرِ، ومِنَ الأَثِيرِ إلى عالَمِ المِثالِ، ومِن عالَمِ المِثالِ إلى عالَمِ الأَرواح، ومِن ِين؛ و الأَرواح إلى الزَّمانِ، ومِنَ الزَّمانِ إلى
— 909 —
الخَيالِ، ومِنَ الخَيالِ إلى الفِكْرِ.. كلُّها مَرايا مُتَنوِّعةٌ تَتَمثَّیلُ فيها الشفَتُهاُ الإلٰهِيّةُ السَّيّالةُ. فتَأَمَّلْ بأُذُنِك في مِرآةِ الهَواءِ تَرَ الكَلِمةَ الواحِدةَ تُصبِحُ مِلْيُونًا مِنَ الكَلِماتِ.
هكذا يُسَطِّرُ قَلَمُ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ سِرَّ هذا التَّناسُلِ والِاستِنساخِ العَجِيبِ.
٭ ٭ ٭
أَقسامُ لُوفِ َثُّلاتِ مُختَلِفةٌ
يَنقَسِمُ التَّمَثُّیلُ في المِرآةِ إلى أَربَعِ صُوَرٍ: فإمّا أنَّها صُورةٌ تُمَثِّیلُ الهُوِيّةَ فحَسْبُ، أو تسْنٍ ویلُ معَها الخاصِّيّةَ، أو تُمَثِّیلُ الهُوِيّةَ ونُورَ الماهِيّةِ، أوِ الماهِيّةَ والهُوِيّةَ.
فإن شِئتَ مِثالًا، فدُونَك الإنسانَ والشَّمسَ، والمَلَكَ وِ الثّمةَ.
إنَّ تَمَثُّلاتِ الكَثِيفِ تُصبحُ أَمواتًا مُتَحرِّكةً في المِرآةِ.
وتَمَثُّلاتُ رُوحٍ نُورانيّةٍ في مَراياها كلٌّ مِنها حَيّةٌ مُرتَبِطةٌ، ونُورٌ مُنبَسِطٌ؛ إن لم يكُن عَينَه فليس هو غَيرَه.
ما في كانَت للشَّمسِ حَياةٌ، لكانَت حَرارتُها حَياتَها، وضِياؤُها شُعُورَها؛ فصُورَتُها المُنعَكِسةُ في المِرآةِ تَملِكُ هذه الخَواصَّ.
فهذا هو مِفتاحُ هذه الأَسرارِ:
إنَّ جَبْوما علَ عَليهِ السَّلام وهو في سِدْرةِ المُنتَهَى يَتَمثَّیلُ في صُورةِ "دِحْيةَ الكَلبِيِّ" في المَجلِسِ النَّبَوِيِّ وفي أَماكِنَ أُخرَى كَثِيرةٍ.
وإنَّ عَزْرائِيلَ عَليهِ السَّلام يَقبِضُ الأَرواحَ ؤبُؤِ انٍ وفي أَماكِنَ كَثِيرةٍ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ.
وإنَّ الرَّسُولَ (ص) يَظهَرُ لِأُمَّتِه في وَقتٍ واحِدٍ، في كَشْفِ الأَولياءِ، وفي الرُّؤَى الصّادِقةِ، ويُقابِلُهُم فالضًّا بشَفاعَتِه لهم يومَ القِيامةِ يَومَ الحَشْرِ الأَعظَمِ؛ وإنَّ الأَبدالَ في الأَولياءِ يَظهَرُون هكذا في أَماكِنَ عِدّةٍ في آنٍ واحِدٍ.
٭ ٭ ٭
— 910 —
قد يكون المُستَعِدُّ مجتهدًا لا مشرِّعًا
كُلُّ مَن لَدَيبحانَهعدادٌ وقابِليّةٌ على الِاجتِهادِ وحائِزٌ على شُرُوطِه، له أن يَجتَهِدَ لِنَفسِه في غيرِ ما وَرَد فيه النَّصُّ، مِن دُونِ أن يُلزِمَ الآخَرِين به، إذ لا يَستَطِيعُ أن يُشَرِّعَ ويَدعُوَ الأُمّةَ إلى مَفهُومِِ التّفَهمُه يُعَدُّ مِن فِقهِ الشَّرِيعةِ ولكن ليس الشَّرِيعةَ نَفسَها؛ لِذا رُبَّما يكُونُ الإنسانُ مُجتَهِدًا ولكِن لا يُمكِنُ أن يكُونَ مُشَرِّعًا، فالدَّعوةُ إلى أيِّ فِكرٍ كان مَشرُوطةٌ بقَبُولِ جُمهُورِالنُّجَماءِ له، وإلّا فهو بِدعةٌ مَردُودةٌ، تَنحَصِرُ بصاحِبِها ولا تَتَعدّاه، لأنَّ الإجماعَ وجُمهُورَ الفُقَهاءِ همُ الَّذين يُميِّیزُون خَتْمَ الشَّئِعِ ك علَيه.
٭ ٭ ٭
نورُ العقلِ يُشِعُّ مِنَ القَلبِ
على المُفكِّرين الَّذين غَشِيَهُم ظَلامٌ أن يُدرِكُوا الكَلامَ الآتِيَ: لا يَتَنوَّرُ الفِكرُ مِن دُونِ ضِياءِ القَلبِ، فإن لم يَمتَزِجْ دَّوائنُّورُ وهذا الضِّياءُ، فالفِكْرُ ظَلامٌ دامِسٌ يَتَفجَّرُ مِنه الظُّلمُ والجَهلُ. فهو ظَلامٌ قد لَبِس لَبُوسَ النُّورِ "نُورِ الفِكْرِ" زُورًا وبُهتانًا.
ففي بَ عَي نَهارٌ لكِنَّه بَياضٌ مُظلِمٌ، وفيها سَوادٌ لكِنَّه مُنَوَّرٌ؛ فإن لم يكُن فيها ذلك السَّوادُ المُنَوَّرُ، فلا تكُونُ تلك الشَّحمةُ عَيْنًا، ولا تَقدِرُ على الرُّؤيةِ.
وهكذا، لا قِيمةَ لِبَصَرٍ بلا بَصِيرةٍ.. فإن لم تكُن سُبَسِيطُ القَلبِ في فِكْرةٍ بَيضاءَ ناصِعةٍ، فحَصِيلةُ الدِّماغِ لا تكُونُ عِلْمًا ولا بَصِيرةً.. فلا عَقْلَ دُونَ قَلْبٍ.
٭ ٭ ٭
مَراتِبُ العِلمِ في الدِّماغِ مُختَلِفةٌ ومُلتَبِسةٌ
في الدِّماغِ مَراتِبُ، يَلتَبِسُ بعضُها ب كامِلأَحكامُها مُختَلِفةٌ؛ يَحصُلُ التَّخَيُّلُ أَوَّلًا، ثمَّ يَأْتِي التَّصَوُّرُ، ثمَّ يَرِدُ التَّعَقُّلُ، ثمَّ التَّصدِيقُ، ثمَّ يُصبِحُ إذعانًا، ثمَّ يَأْتِي الِالتِزامُ، ثمَّ الِاعتِقادُ.. فاعتِقادُك بشَيءٍ غيرُ الْتِزامِك به.
— 911 —
وعن عِلمِ مِن هذه المَراتِبِ تَصدُرُ حالةٌ: فالصَّلابةُ تَصدُرُ عنِ الِاعتِقادِ، والتَّعَصُّبُ عنِ الِالتِزامِ، والِامتِثالُ عنِ الإذعانِ، والِالتِزامُ عنِ التَّصدِيقها مَقحصُلُ الحِيادُ في التَّعَقُّلِ، والتَّجَرُّدُ في التَّصَوُّرِ، والسَّفْسَطةُ في التَّخَيُّلِ إن عَجَز عنِ المَزْجِ.
إنَّ تَصوِيرَ الأُمُورَى، فكطِلةِ تَصوِيرًا جَيِّدًا جَرْحٌ للأَذهانِ الصّافِيةِ وإضلالٌ لها.
٭ ٭ ٭
لا يُلقَّنُ مالا يُستَوعَبُ مِن عِلمٍ
إنَّ العالِمَ المُرشِدَ الحَقِيقيَّ يَهَبُ للنّاسِ عِلْمَه فينَّ اللِ اللهِ دُونَ انتِظارِ عِوَضٍ، ويُصبِحُ كالشّاةِ لا كالطَّيرِ، فالشّاةُ تُطعِمُ بَهْمَتَها لَبَنًا خالِصًا، والطَّيرُ تُلقِمُ فِراخَها قَيْئَها المَلِيءَ باللُّعابِ.
٭ ٭ ٭
التَّخرِيبُ أَسهَلٌُ في اَعيفُ يكون مُخَرِّبًا
إنَّ وُجُودَ الشَّيءِ يَتَوقَّفُ على وُجُودِ جَمِيعِ أَجزائِه، بَينَما عَدَمُه يَحصُلُ بانعِدامِ جُزءٍ مِنه، لِذا يكُونُ التَّخرِيبُ أَسهَلَ.
ا تُعَُنا يَمِيلُ الضَّعِيفُ العاجِزُ إلى التَّخرِيبِ وارتِكابِ أَعمالٍ سَلْبِيّةٍ تَخرِيبيّةٍ، بل لا يَدنُو مِنَ الإيجابِيّةِ أَبدًا.
٭ ٭ ٭
يَنبَغي للقُوّةِاثنَتَخدُمَ الحَقَّ
إن لم تَمتَزِجْ دَساتِيرُ الحِكْمةِ ونَوامِيسُ الحُكُومةِ وقَوانِينُ الحَقِّ وقَواعِدُ القُوّةِ بعضُها ببعضٍ ولم يَستَمِدَّ كلٌّ مِنَ الآخَرِ ولم يَستَنِدْ إلَيه، فلا تكُونفةِ، إِرةً ولا مُؤَثِّرةً لَدَى جُمهُورِ النّاسِ؛ فتُهمَلُ شَعائِرُ الشَّرِيعةِ وتُعَطَّلُ، فلا يَستَنِدُ إلَيها النّاسُ في أُمُورِهم ولا يَثِقُون بها.
٭ مِن صُ
— 912 —
الشَّيءُ يَتَضمَّنُ ضِدَّه أحيانًا
سيكُونُ زَمانٌ يُخْفِي الضِّدُّ ضِدَّهُ، وإذا باللَّفظِ ضِدَّ المَعنَى في لُغةِ السِّياسةِ، وإه أَلْظُّلمِ (٭) يَذكُر هذا وكأنَّه قد شَهِد هذا الزَّمانَ. يَلْبَسُ قَلَنسُوةَ العَدالةِ، وإذا بالخِيانةِ تَرتَدِي رِداءَ الحَمِيّةِ بثَمَنٍ زَهِيدٍ؛ ويُطلَقُ اسمُ البَغْيِ على الجِهادِ فيينيّةٌلِ اللهِ، ويُسَمَّى الأَسْرُ الحَيَوانِيُّ والِاستِبدادُ الشَّيطانِيُّ حُرِّيّةً.
وهكذا تَتَماثَلُ الأَضدادُ، وتَتَبادَلُ الصُّوَرُ، وتَتَقابلُ الأَسماءُ، وتَتَبادَلُ المَقاماتُ المَواضِعَ.
٭ ٭ ٭
السِّياسة الدّاقائِلًلى المَنفَعةِ وَحشٌ رَهِيبٌ
إنَّ السِّياسةَ الحاضِرةَ الدّائِرةَ رَحاها على المَنافِعِ وَحشٌ رَهِيبٌ، فالتَّوَدُّدُ إلى وَحشٍ جائِعٍ لا يُدِرُّ عَطْفَه بل ُظهِرُُ شَهِيَّتَه، ثمَّ يَعُودُ ويَطلُبُ مِنك أُجرةَ أَنيابِه وأَظفارِه!
٭ ٭ ٭
تَتعاظَمُ جِنايةُ الإنسانِ لعَدَمِ تَحَدُّدِ قُواه
إمالِ وقُوَى المُودَعةَ في الإنسانِ لم تُحَدَّدْ فِطْرةً خِلافًا للحَيَوانِ، فالخَيرُ والشَّرُّ الصّادِرانِ عنه لا يَتَناهَيانِ؛ فإذا ما اقْتَرَن غُرُورٌ مِن هذا وعِنادٌ مِن ذاك، يُولِّدانِ ذَنْبًا عَظِيمًا : إنَّفي هَذا إشارةٌ إلى ما سيَقَعُ في المُستَقبَل. إلى حَدٍّ لم يَعثُر له البَشَرُ على اسمٍ.. إنَّ هذا دَلِيلٌ على وُجُودِ جَهَنَّمَ، إذ لاسِراعًَ له إلَّا النّارُ.
ومَثلًا:يَتَمنَّى أَحَدُهم أن تَحُلَّ بالمُسلِمِين مُصِيبةٌ كي يَظهَرَ صِدْقُ كَلامِه وصَوابُ تَنبُّئِه!!.
ولقد أَظهَر هذا الزَّمانُ أَيضًا أنَّ ارّةِ، َ غاليةٌ لَيسَت رَخِيصةً، وأنَّ جَهَنَّمَ لَيسَت زائِدةً عنِ الحاجةِ.
٭ ٭ ٭
— 913 —
رُبَّ خَيرٍ يكُونُ وَسِيلةً لِشَرٍّ
إنَّ المَزِيّةَ الَّتي يَتَحلَّى بها الخَواصُّ في الحَقِيقةِ سَبَبٌ لِدَفْعِهم إلى التَّواضُعةِ للمارِ الذّاتِ؛ ولكِن معَ الأَسَفِ أَصبَحَت وَسِيلةً للتَّحَكُّمِ بالآخَرِين والتَّكَبُّرِ علَيهِم.
وكذلك عَجْزُ الفُقَراءِ وفَقْرُ العَوامِّ، هما داعِيانِ في الحَقِيقةِ للإشفاقِ علَيهِم، ولكن معَ مَعاتُفِ انْجَرَّا یی في الوَقْتِ الحاضِرِ یی إلى سَوْقِهِم إلى الذُّلِّ والأَسْرِ.
لو حَصَل شَرَفٌ ومَحاسِنُ في شَيءٍ مّا، فإنّه يُسنَدُ إلى الخَواصِّ والرُّؤَساءِ؛ أمّاقُمتُ صَلَت مِنه السَّيِّئاتُ والشُّرُورُ فإنَّها تُوَزَّعُ على الأَفرادِ والعَوامِّ.
فالشَّرَفُ الَّذي نالَتْه العَشِيرةُ الغالِبةُ يُقابَلُ بی: "أَحسَنْتَ يا شَيخَ العَشِيرةِ!".
ولكن لو حَصَلَ العَكسُ فيُقالُ: "سُحْقالْتِبَفرادِها".
وهذا هو الشَّرُّ المُؤلِمُ في البَشَرِ!
٭ ٭ ٭
إن لم يكُن ثمَّةَ غايةٌ وهَدَفٌ، فالأنانيّةُ تَقْوَى
إن لم يكُن لِلمَرءِ غايةٌ اللهِ ٌ مِثالِيٌّ، أو نُسِيَت تلك الغايةُ، أو تُنُوسِيَت، انصَرَفَتِ الأَذهانُ إلى أَنانِيّاتِ الأَفرادِ وحامَت حَوْلَها.
أي: يَتَقوَّى "أَنا" كلِّ فَرْدٍ، وقد يَتَحدَّدُ ويَتَصَلَّبُ حتَّتَح أيُمكِنَ خَرْقُه لِيُصبِحَ "نحنُ"، فالَّذين يُحِبُّون "أنا" أَنفُسِهم لا يُحِبُّون الآخَرِين حُبًّا حَقِيقِيًّا.
٭ ٭ ٭
انتِعاشُ الِاضطِراباتِ بمَوتِ الزَّكاةِ وحَياةِ الرِّبا
إنَّ مَعدِنَ جَموذَوِيَنواعِ الِاضطِراباتِ والقَلاقِلِ والفَسادِ وأَصلَها، وإنَّ مُحَرِّكَ جَمِيعِ أَنواعِ السَّيِّئاتِ والأَخلاقِ الدَّنِيئةِ ومَنبَعَها.. كَلِمتانِ اثنَتانِ أو جُملَتانمِئةِ
— 914 —
الكَلِمةُ الأُولَى:إذا شَبِعتُ أنا فما لي إن ماتَ غَيرِي مِنَ الجُوعِ!
الكَلِمةُ الثّانيةُ:تَحَمَّلْ أَنتَ المَشاقَّ لِأَجلِ راحَتِي.. اعْمَلْ أنتَ لِآكُلَ أنا.. لكا نابَِقّةُ وعلَيَّ الأَكْلُ.
والدَّواءُ الشَّافي الَّذي يَستَأْصِلُ شَأْفةَ السُّمِّ القاتِلِ في الكَلِمةِ الأُولَى هو الزَّكاةُ، الَّتي هي رُكنٌ مِن أَركانِطَنَتِامِ.
والَّذي يَجْتَثُّ عِرْقَ شَجَرةِ الزَّقُّومِ المُندَرِجةِ في الكَلِمةِ الثَّانيةِ هو تَحرِيمُ الرِّبا.
فإن كانَتِ البَشَرِيّةُ تُرِيدُ صَلاحًا وحَياةً كَقُنا ا فعَلَيها أن تَفرِضَ الزَّكاةَ وتَرفَعَ الرِّبا.
٭ ٭ ٭
على البَشَرِيّة قَتلُ جَمِيعِ أنواعِ الرِّبا إن كانَت تُرِيدُ الحَياةَ
لقدِ انقَطَعَت صِلةُ الرَّحِمِ بينَ طَبَقةِ الخَواصِّ والعَوامِّ، فانطَلَقَت مِنَ العَومةِ واَصداءُ الِاضطِراباتِ وصَرَخاتُ الِانتِقامِ، ونَفَثاتُ الحَسَدِ والحِقْدِ؛ ونَزَلَت مِنَ الخَواصِّ على العَوامِّ نارُ الظُّلمِ والإهانةِ، وثِقَلُأَ.. تیكَبُّرِ وصَواعِقُ التَّحَكُّمِ.
بَينمَا يَنبَغي أن يَصعَدَ مِنَ العَوامِّ الطّاعةُ والتَّوَدُّدُ والِاحتِرامُ والِانقِيادُ، بشَرطِ أن يَنزِلَ علَيه مِنَ الخَواصِّ الإحسانُ، والرَّحمةُِأَسمََّفَقةُ، والتَّربِيةُ.
فإن أَرادَتِ البَشَرِيّةُ دَوامَ الحَياةِ فعلَيها أن تَستَمسِكَ بالزَّكاةِ وتَطرُدَ الرِّبا.
إذ إنَّ عَدالةَ القُرآنِ واقِفةٌ ببابوارٍ ملَمِ وتقُولُ للرِّبا: "مَمنُوعٌ، لا يَحِقُّ لك الدُّخُولُ.. ارْجِعْ!".
ولكِنَّ البَشَرِيّةَ لم تُصْغِ إلى هذا الأَمرِ، فتَلَقَّتْ صَفْعةًلسُّمعّةً. (٭): إشارةٌ مُستَقبَلِيّةٌ قَويّةٌ، حيثُ لم تَسمَعِ البَشَريّةُ هذا النِّداءَ، فتَلَقَّت صَفْعةً قَوِيّةً مِن يَدِ الحَربِ العالَمِيّةِ الثّا18
الب وعلَيها أن تُصغِيَ إلَيه قبلَ أن تَتَلقَّى صَفْعةً أُخرَى أَقوَى وأَمَرَّ.
٭ ٭ ٭
— 915 —
لقد كَسَر الإنسانُ قَيدَ الأَسرِ، وسيَكسِرُ قَيدَ الأَجرِ
لقد قُلتِ، الخُؤْيا: إنَّ الحُرُوبَ الطَّفِيفةَ بينَ الدُّوَلِ والشُّعُوبِ تَتَخلَّى عن مَواضِعِها إلى صِراعاتٍ أَشَدَّ ضَراوةً بينَ طَبَقاتِ البَشَرِ، لأنَّ الإنسانَ لم يَرْضَ في أَدوارِه التّارِيخِيّةِ بالأَسْرِ، بل كَسَر الأَغلالَ بدَمِه؛ ولكِنِمِنَ ا أَصبَحَ أَجِيرًا يَتَحمَّلُ أَعباءَه، وسيَكسِرُها يَومًا مّا.
لقدِ اشْتَعَل رَأْسُ الإنسانِ شَيْبًا، بعدَ أن مَرَّ بأَدْوارٍ خَمسةٍ: الوَحْشِيّةِ، والبَداوةِ، والرِّقِّ، وأَسْرِ الإقطاعِ.. وهو الآنَ أَجِيرٌ.. هكذا بَدَأاتِ الذا يَمضِي.
٭ ٭ ٭
الطَّرِيقُ غيرُ المَشرُوعِ يُؤدِّي إلى خِلافِ المَقصُودِ
"القاتِلُ لا يَرِثُ"دُستُورٌ عَظِيمٌ.
إنَّ الَّذي يَسأَظهَرَرِيقًا غيرَ مَشرُوعٍ لِبُلُوغِ مَقصَدِه، غالبًا ما يُجازَى بخِلافِ مَقصُودِه.. فمَحَبّةُ أَورُوبّا غيرُ المَشرُوعةِ وتَقلِيدُها والأُلفةُ بها كان جَزاؤُها ال ولا ش الغادِرَ مِنَ المَحبُوبِ! وارتِكابَ الجَرائِمِ.
نعم، فالفاسِقُ مَحرُومٌ لا يَجِدُ لَذّةً ولا نَجاةً.
٭ ٭ ٭
في الجَبْريّةِ والمُعتَزِلةِ حَبّةٌ مِن حَقِيقةٍ
يا طالِبَ الحَقِيقةِ، إنَّ الشَّرِيعةَها مِثرُ إلى الماضِي وإلى المُصِيبةِ غيرَ نَظْرَتِها إلى المُستَقبَلِ وإلى المَعصِيةِ.
إذ تَنظُرُ إلى الماضِي وإلى المَصائِبِ بِنَظَرِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ، فالقَولُ هُنا للجَبْرِيّةِ.
أمّا المُستَقبَلُ والمَعاصِي فتَنلإمكانلَيهِما بنَظَرِ التَّكلِيفِ الإلٰهِيِّ، فالقَولُ هنا للمُعتَزِلةِ.. وهكَذا تَتَصالَحُ الجَبْرِيّةُ والمُعتَزِلةُ.
— 916 —
ففي هذه المَذاهِبِ الباطِلةِ تَندَرِجُ حَبّةٌ مِن حَقِيقةٍ، لها مَفُرصةَا الخاصُّ بها، ويَنشَأُ الباطِلُ مِن تَعمِيمِها.
٭ ٭ ٭
العَجزُ والجَزَعُ شَأْنُ الضُّعَفاءِ
إن رُمتَ الحَياةَ، فلا تَتَشبَّثْ با واحِدِ فيما يُمكِنُ حَلُّه.
وإن رُمتَ الرّاحةَ فلا تَستَمْسِكْ بالجَزَعِ فيما لا عِلاجَ له.
٭ ٭ ٭
قد يُؤدِّي الشَّيءُ الصَّغِيرُ إلى عَظائِمِ الأُمُورِ
ستكُونُ هناك أَحوالٌ، بحَيثُ إنَّ ح تَحَر بَسِيطةً عِندَها تَسمُو بالإنسانِ إلى أَعلَى عِلِّيِّين.
وكذا تَحدُثُ حالاتٌ، بحَيثُ إنَّ فِعْلًا بَسِيطًا يُرْدِي بصاحِبِه إلى أَسفَلِ سافِلِين.
٭ ٭ ٭
آنٌ واحِدٌ يَعدِلُ سَنةً عِندَ بَعضِهم
فِطْرةُ الأَشياءِ قِسمانِ: قِسما تُمطَعُ في الحالِ، وقِسمٌ آخَرُ يَتَأَلَّقُ بالتَّدَرُّجِ، ويَسمُو رُوَيدًا رُوَيدًا.
فطَبِيعةُ الإنسانِ تُشبِهُ كِلَيهِما مَعًا، وهي تَتَبدَّلُ حَسَبَ الشُّرُوطِ والأَحوالِ.
فتَمضِي أَحيانًا بشَكْلٍ تَدْرِيجِيٍّ، وأَّةِ وا تَتَفجَّرُ نارًا مُضِيئةً تُفَجِّرُ البارُودَ الأَسوَدَ.
ورُبَّ نَظْرةٍ تُحَوِّلُ الفَحْمَ أَلْماسًا.
ورُبَّ مَسٍّ يُحَوِّلُ الحَجَرَ إِكسِيرَتِ ا فنَظْرةٌ مِنَ النَّبيِّ (ص) تَقلِبُ الأَعرابِيَّ الجاهِلَ عارِفًا باللهِ مُنَوَّرًا في الحالِ.
— 917 —
وإن سَأَلتَ مِيزانًا، فدُونَك عُمَرَ بنَ الخَطّابِ رَضِيَ الله عَنهُ قَبلَ الإسلامِ وبَعدَه.
ومِثالُهُما:بحِكْمرةُ والشَّجَرةُ الَّتي أَعطَتْ ثِمارَها اليانِعةَ دُفعةً واحِدةً.
فحَوَّلَ ذاك النَّظَرُ النَّبَوِيُّ وهِمَّتُه الفِطَرَ المُتَفحِّمةَ فلك الجزِيرةِ العَرَبيّةِ إلى أَلْماساتٍ لَامِعاتٍ.
وتَحَوَّلَتِ السَّجايا المُظلِمةُ المُحرِقةُ یی كالبارُودِ الأَسوَدِ یی إلى خِصالٍ فاضِلةٍ نَيِّرةٍ.
٭ ٭ ٭
الكَذِبُ لَفظٌ كافِرٌ
حَبّةٌ واحِدةالثَّاصِدْقٍ تُبِيدُ بَيْدَرًا مِنَ الأَكاذِيبِ.
إنَّ حَقِيقةً واحِدةً تَهدِمُ صَرْحًا مِن خَيالٍ.
فالصِّدقُ أَساسٌ عَظِيمٌ وجَوْهَرٌ ساطِعٌ..
ورُبَّما يَتَخلَّى عن مَكانِه للسُّكُوتِ، إن كان فيه ضَرَرٌ، ولكِن لارِ والِعَ للكَذِبِ قَطْعًا، مَهما يكُن فيه مِن فائِدةٍ ونَفْعٍ.
لِيَكُن كَلامُك كُلُّه صِدْقًا، ولْتَكُن أَحكامُك كُلُّها حَقًّا..
ولكِن علَيك أن تُدرِكَ هذا: أنَّه لا حَقَّ لك أن تَبُوحَ بالصِّدْقِ كُلِّه.
اتَّخِذْا هذه لقاعِدةَ دُستُورًا لك: "خُذْ ما صَفا، دَعْ ما كَدُرَ"، فانظُرْ بِحُسْنٍ وشاهِدْ بِحُسْنٍ لِيَكُونَ فِكْرُك حَسَنًا، وظُنَّ ظَنًّا حَسَنًا، وفَكِّرْ حَسَنًا لِتَجِدَ الحَياةَ اللَّذِيذةَ الهانِئةَ.
إنَّ الأَغصانُالمُندَرِجَ في حُسْنِ الظَّنِّ يَنفُخُ الحَياةَ في الحَياةِ..
بَينَما اليَأْسُ المَخبُوءُ في سُوءِ الظَّنِّ يَنخُرُ سَعادةَ الإنسانِ ويَقتُلُ الحَياةَ.
٭ ٭ ٭
— 918 —
مَجلِسٌ في عالَمِ المرِه. أ
(مُوازَنةٌ بينَ الحَضارةِ الحاضِرةِ والشَّرِيعةِ الغَرّاء، والدَّهاءِ العِلْمِيِّ والهُدَى الإلٰهِيِّ)
إبّانَ الهُدْنةِ، نِهايةَ الحَرْءَ.. والَمِيّةِ الأُولَى، وفي لَيلةٍ مِن لَيالِي الجُمُعةِ، دَخَلْتُ مَجلِسًا مَهِيبًا في عالَمِ المِثالِ، وذلك في رُؤيا صادِقةٍ، فسَأَلُوني: ماذا سيَحدُثُ لِعالَمِ الإسلامِ عَقِبَ هذه الهَزِيمةِ؟
أَجَبتُ بصِفَتِي مُمَثِّلًا عنلَا إِصرِ الحاضِرِ، وهم يَستَمِعُون إلَيَّ: إنَّ هذه الدَّولةَ الَّتي أَخَذَت على عاتِقِها یی مُنذُ السّابِقِ یی حِمايةَ استِقلالِ العالَمِ الإسلامِيِّ، وإعلاءَ كَلِمةِ اللهِ بالقِيامِ بفَرِيضةِ الجِهادِ یی فَرْضًا كِفائيّ لِنَهووَضَعَت نَفسَها مَوضِعَ التَّضحِيةِ والفِداءِ عنِ العالَمِ الإسلاميِّ الَّذي هو كالجَسَدِ الواحِدِ، حامِلةً رايةَ الخِلافةِ؛ أَقُولُ: إنَّ هذه الدَّولةَ، وهذه الأُمّةَ الإسلامِيّةَ، سُيُون.َضُ عن هذا البَلاءِ الَّذي أَصابَها، سَعادةً يَرفُلُ بها العالَمُ الإسلاميُّ، وحُرِّيّةً يَتَمتَّعُ بها، وستَتَلافَى المَصائِبَ والأَضرارَ الماضِيةَ؛ فَناسُب يَكسِبُ ثَلاثَ مِئةٍ بدَفعِ ثَلاثٍ لا شَكَّ أنَّه غيرُ خاسِرٍ، وذُو الهِمّةِ يُبَدِّلُ حالَه الحاضِرةَ إلى مُستَقبَلٍ زاهِرٍ. فهذه المُصِيبةُ قد بَعَثَت ُ مُثمةَ حَياتِنا الَّتي هي الشَّفَقةُ والأُخُوّةُ والتَّرابُطُ بينَ المُسلِمِين بَعْثًا خارِقًا.
إنَّ تَنامِيَ الأُخُوّةِ بينَ المُسلِمِين يُسرِعُ في هفَحُ تلمَدَنيّةِ الحاضِرةِ ويُقرِّبُ دَمارَها، وستَتَبدَّلُ صُورةُ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ، وسيُقَوَّضُ نِظامُها؛ وعِندَها تَظهَرُ المَدَنيّةُ الإسلاميّةُ، وسيكُونُ المُسلِمُون أَوَّلَ مَن يَدخُلُونَها بإرادَتِهم.
وإن أَرَدتَ المُوازَنةَ بينَينِ، فَنيّةِ الشَّرعِيّةِ والمَدَنيّةِ الحاضِرةِ، فدَقِّقِ النَّظَرَ في أُسُسِ كلٍّ مِنهما، ثمَّ انظُرْ إلى آثارِهِما.
إنَّأُسُسَ المَدَنيّةِ الحاضِرةِسَلبِيّةٌ، وهي أُسُسٌ خَمسةٌ، تَدُورُ علَيها رَحاها.
فنُقَنَحَتتِنادِها: القُوّةُ بَدَلَ الحَقِّ، وشَأْنُ القُوّةِ الِاعتِداءُ والتَّجاوُزُ والتَّعَرُّضُ، ومِن هذا تَنشَأُ الخِيانةُ.
— 919 —
هَدَفُها وقَِ عَرْ مَنفَعةٌ خَسِيسةٌ بَدَلَ الفَضِيلةِ، وشَأْنُ المَنفَعةِ: التَّزاحُمُ والتَّخاصُمُ، ومِن هذا تَنشَأُ الجِنايةُ.
دُستُورُها في الحَياةِ: الجِدالُ والخِصامُ بَدَلَ التَّعاوُنِ، وشَأْنُ الخِصامِ: ال وانُعُ والتَّدافُعُ، ومِن هذا تَنشَأُ السَّفالةُ.
رابِطَتُها الأَساسُ بينَ النّاسِ: العُنصُرِيّةُ الَّتي تَنمُو على حِسابِ غَيرِها، وتَتَقوَّى بابتِلاعِ الآخَروَى أخشَأْنُ القَوميّةِ السَّلبِيّةِ والعُنصُرِيّةِ: التَّصادُمُ المُرِيعُ، وهو المُشاهَدُ. ومِن هذا يَنشَأُ الدَّمارُ والهَلاكُ.
وخامِسَتُها:هي أنَّ خِدْمَتَها الجَذّابةَ، تَشجِيعُ الأَهواءِ والنَّوازِعِ، وتَذْليلُ اْضاتِ اتِ أَمامَهُما، وإشباعُ الشَّهَواتِ والرَّغَباتِ؛ وشَأْنُ الأَهواءِ والنَّوازِعِ دائِمًا: مَسْخُ الإنسانِ، وتَغيِيرُ سِيرَتِه، فتَتَغيَّرُ بِدَوْرذا سِحإنسانيّةُ وتُمسَخُ مَسْخًا مَعنَوِيًّا.
إنَّ مُعظَمَ هؤلاء المَدَنيِّين، لو قَلَبْتَ باطِنَهم على ظاهِرِهم، لَرَأَيتَ في صُورَتِهم سِيرةَ القِردِ والثَّعلَبِ والثُّعبانِ والدُّبِّ والخِنزِيرِ.
نعم، إنَّ خَيالَك َّ أَنسُّ فِراءَ تلك الحَيَواناتِ وجُلُودَها.. وآثارُهم تَدُلُّ علَيهِم.
إنَّه لا مِيزانَ في الأَرضِ غيرُ مِيزانِ الشَّرِيعةِ.. إنَّها رَحمةٌ مُهداةٌ نَزَلَت مِن سَماءِ القُرآنِ العَظِيمِ.
أمّاأُسُسُ مَدَنيّةِلًا عنآنِ الكَرِيمِ،فهي إيجابِيّةٌ تَدُورُ سَعادَتُها على خَمْسةِ أُسُسٍ إيجابيّةٍ.
نُقطةُ استِنادِها: الحَقُّ بَدَلَ القُوّةِ، ومِن شَأْنِ الحَقِّ دائِمًا: الذّاتلةُ والتَّوازُنُ؛ ومِن هذا يَنشَأُ السَّلامُ ويَزُولُ الشَّقاءُ.
وهَدَفُها: الفَضِيلةُ بَدَلَ المَنفَعةِ، وشَأْنُ الفَضِيلةِ: المَحَبّةُ والتَّقارُبُ؛ ومِن هذا تَشَاهِدالسَّعادةُ وتَزُولُ العَداوةُ.
دُستُورُها في الحَياةِ: التَّعاوُنُ بَدَلَ الخِصامِ والقِتالِ، وشَأْنُ هذا الدُّستُورِ: الِاتِّحادُ والتَّسانُدُ اللَّذانِ تَحيا بهما الجَماعاتُ.
— 920 —
وخِدْمَتاتِ ويمُجتَمَعِ: بالهُدَى بَدَلَ الأَهواءِ والنَّوازِعِ، وشَأْنُ الهُدَى: الِارتِقاءُ بالإنسانِ ورَفاهِه إلى ما يَلِيقُ به معَ تَنوِيرِ الرُّوحِ ومَدُّها بما يَلْزَمُ.
رابِطَتُها بينَ المَجمُوعاتِ البَشَرِيّةِ: رابِطةُ الدِّينِ والِان عَشَر الوَطَنيِّ، وعَلاقةُ الصِّنْفِ والمِهنةِ، وأُخُوّةُ الإيمانِ؛ وشَأْنُ هذه الرّابِطةِ: أُخُوّةٌ خالِصةٌ، وطَرْدُ العُنصُرِيّةِ والقَومِيّةِ السَّلبِيّةِ.
وبهذه المَدَنيّةِ يَعُمُّ السَّلامُ ِ الحَِلُ، إذ هو في مَوقِفِ الدِّفاعِ ضِدَّ أيِّ عُدوانٍ خارِجِيٍّ.
والآنَ نُدرِكُ لِمَ أَعرَضَ العالَمُ الإسلاميُّ عنِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ، ولَم يَقْبَلْها، ولَم يًَ جادّالمُسلِمُون فيها بإِرادَتِهم؛ إنَّها لا تَنفَعُهم، بل تَضُرُّهم. لأنَّها كَبَّلَتْهم بالأَغلالِ، بل صارَت سُمًّا زُعافًا للإنسانيّةِ بَدَلًا مِندرةٌ" ُونَ لها تِرْياقًا شافِيًا، إذ أَلْقَتْ ثَمانِينَ بالمِئةِ مِنَ البَشَرِيّةِ في شَقاءٍ، لِتَعِيشَ عَشَرةٌ بالمِئةِ مِنها في سَعادةٍ مُزَيَّفةٍ، أمّا العَشَرةُ الباقِيةُ فهُم حَيارَى بينَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.
وتَتَجمَّعُ الأَرباحُ َفُ جاارِيّةُ بأَيدِي أَقَلِّيّةٍ ظالِمةٍ، بَينَما السَّعادةُ الحَقّةُ هي في إسعادِ الجَمِيعِ، أو في الأَقَلِّ أن تُصبِحَ مَبْعَثَ نَجاةِ الأَكثَرِيّةِ.
والقُرآنُ الكَرِيمُ النَّازِلُ رَحْمةً للعالَمِين لا يَقبَةً دائَا طِرازًا مِنَ المَدَنِيّةِ الَّتي تَمنَحُ السَّعادةَ للجَمِيعِ أوِ الأَكثَرِيّةِ، بَينَما المَدَنيّةُ الحاضِرةُ قد أَطلَقَتِ الأَهواءَ والنَّوازِعَ مِن عِقالِها، فالهَوَى حُرٌّ طَلِيقٌ طإِلَّاَ البَهائِمِ، بل أَصبَحَ يَستَبِدُّ، والشَّهْوةُ تَتَحكَّمُ، حتَّى جَعَلَتا الحاجاتِ غيرَ الضَّرُورِيّةِ في حُكْمِ الضَّرُورِيّةِ.. وهكذا مُحِيَت راحةُ البَشَرِيّةِ،افِقٍ ن الإنسانُ في البَداوةِ مُحتاجًا إلى أَشياءَ أَربَعةٍ، بَينَما أَفْقَرَتْه المَدَنيّةُ الحاضِرةُ الآنَ وجَعَلَتْه في حاجةٍ إلى مِئةِ حاجةٍ وحاجةٍ؛ حتَّى لم يَعُدِ السَّعْيُ الحَلالُ كافِتَّارِسَدِّ النَّفَقاتِ، فدَفَعَتِ المَدَنيّةُ البَشَرِيّةَ إلى مُمارَسةِ الخِداعِ والِانغِماسِ في الحَرامِ؛ ومِن هنا فَسَدَت أُسُسُ الأَخلاقِ، إذ أَحاطَتِ المُجتَم
لِلبَشَرِيّةَ بهالةٍ مِنَ الهَيْبةِ ووَضَعَت في يَدِها ثَرْوةَ النّاسِ، فأَصبَحَ الفَرْدُ فَقِيرًا وفاقِدًا للأَخلاقِ.
— 921 —
والشّاهِدُ على هذا كَثِيرٌ، حتَّعَ!
#8 مَجمُوعَ ما ارْتَكَبَتْه البَشَرِيّةُ مِن مَظالِمَ وجَرائِمَ وخِياناتٍ في القُرُونِ الأُولَى قاءَتْها واستَفْرَغَتْها هذه المَدَنيّةُ الخَبِيثةُ مَرّةً واحِدةً؛ وسوف تُصابأَمثِلَزِيدِ مِنَ الغَثَيانِ في قابِلِ أَيّامِها، (٭) مَعنَى أنَّها ستَتَقيَّأُ قَيْئًا أَشَدَّ وأَفظَعَ. نعم، لقد قاءَت واستَفْرَغَت بِحَربَينِ عالَمِيَّتَينِ حتَّى لَطَّخَت بالدَّمِ البَرَّ والبَحرَ والهَواءَ. ومِن بُلةٍ ُدرِكُ لِمَ يَتَوانَى العالَمُ الإسلاميُّ في قَبُولِها ويَتَحرَّجُ؟ إنَّ استِنكافَه مِنها له مَغزًى يَلْفِتُ النَّظَرَ.
نعم، إنَّ النُّورَ الإلٰهِيَّ في الشَّرِيعةِ الغَرّاءِ يَمنَحُها خاصّةً كِيّةَُزةً وهي الِاستِقلالُ الَّذي يُؤَدِّي إلى الِاستِغناءِ.
هذه الخاصِّيّةُ لا تَسمَحُ أن يَتَحكَّمَ في ذلك النُّورِ دَهاءُ رُوما یی المُمَثِّیلُ لِرُوحِ هذه المَدَنيّةِ یی ولا يُطَعَّمُ بهات أَثََمتَزِجُ معَها.. ولن تكُونَ الشَّرِيعةُ تابِعةً لِذلك الدَّهاءِ.
إذِ الشَّرِيعةُ تُرَبِّي في رُوحِ الإسلامِ الشَّفَقةَ وعِزّةَ الإيمانِالدُّند أَخَذ القُرآنُ بِيَدِه حَقائِقَ الشَّرِيعةِ.. كلُّ حَقِيقةٍ مِنها عَصا مُوسَى (في تلك اليَدِ). وستَسْجُدُ له تلك المَدَنيّةُ السّاحِرةُ سَجْدةَ تَبجِيلٍ وإعجابٍ.
والآنَ دَقِّقِ اإلى كَرَ في هذا: كانَت رُوما القَدِيمةُ واليُونانُ يَملِكانِ دَهاءً، وهُما دَهاءَانِ تَوْءَمانِ، ناشِئانِ مِن أَصلٍ واحِدٍ؛ أَحَدُهما غَلَبَ الخَيالُ علَيه. نُجِيبرُ عَبَدَ المادّةَ. ولكِنَّهما لم يَمتَزِجا، كما لا يَمتَزِجُ الدُّهنُ بالماءِ، فحافَظَ كلٌّ مِنهُما على استِقلالِه رَغْمَ مُرُورِ الزَّمانِ، ورَغْمَ سَعْيِ المَدَنيّةِ لِمَحَشْرِما، ومُحاوَلةِ النَّصرانيّةِ لِذلك، إلَّا أنَّ جَمِيعَ المُحاوَلاتِ باءَت بالإخفاقِ.
والآنَ، بَدَّلَت تِلكُما الرُّوحانِ جَسَدَيهِما، فأَصبَحَ الأَلمانُ جَسَدَ أَحَدِهما، والفَرَنسِيُّونَ جَسَدَ الآخَرِ، وكأنَّهما قد تَناسَخا مِنهُ نُسمّ ولقد أَظهَرَ الزَّمانُ أنَّ ذَينِكَ الدَّهاءَينِ التَّوْءَمَينِ قد رَدَّا أَسبابَ المَزْجِ بعُنْفٍ، ولم يَتَصالَحا إلى الوَقتِ الحاضِرِ.
احَتِيئِن كان التَّوْءَمانِ الصَّدِيقانِ الأَخَوانِ الرَّفِيقانِ في الرُّقِيِّ قد تَصارَعا ولم يَتَصالَحا،
— 922 —
فكيفَ يَمتَزِجُ هُدَى القُرآنِ یی وهو مِن أَصلٍ مُغايِرٍ ومَعدِنٍ آخَرَ ومَطلِعٍ مُختَلِ.
٭ معَ دَهاءِ رُوما وفَلسَفَتِها؟! فذلك الدَّهاءُ، وهذا الهُدَى مُختَلِفانِ في المَنشَأِ.
الهُدَى نَزَل مِنَ السَّماءِ.. والدَّهاءُ خَرَج مِنَ الأَرضِ.
الهُدَى فَعّالٌ في القَلْبِ، يَدْفَعُ الدِّماغَ إلى العَمَلِ والنَّشاءَتِهَينَما الدَّهاءُ فَعّالٌ في الدِّماغِ، ويُعَكِّرُ صَفْوَ القَلْبِ ويُكَدِّرُه.
الهُدَى يُنَوِّرُ الرُّوحَ حتَّى تُثمِرَ حَبَّاتُها سَنابِلَ، فتَتَنوَّرُ الطَّبِيعةُ المُظلِمةُ، وتَتَوجَّهُ الِاستِعداداتُ نحوَ الكَمالِ، َبّةِ يَجعَلُ النَّفسَ الجِسمانيّةَ خادِمةً مُطِيعةً، فيَضَعُ في سِيماءِ الإنسانِ السّاعِي الجادِّ صُورةَ المَلَك... أمّا الدَّهاءُ فيَتَوجَّهُ مُقدَّمًا إلى النَّفسِ والجِسمِ، ويَخُوضُ في الطَّبِيعةِ، ويَجعَلُ النَّفسَ المادِّيّةَ مَزرَعةً لِإِنماءرةَ الستِعدادِ النَّفسانِيِّ وتَرَعْرُعِه؛ بَينَما يَجعَلُ الرُّوحَ خادِمةً، حتَّى تَتَيبَّسَ بُذُورُها وحَبّاتُها، فيَضَعُ في سِيماءِ الإنسانِ صُورةَ الشَّيطانِ.
الهُدَى يَمنَحُ السَّعادةَ لِحَياةِ الإنسانِ في الدّارَينِ، ويَنشُرُ فيهما النُّوعن جادضِّياءَ، ويَدْفَعُ الإنسانَ إلى الرُّقيِّ؛ أمّا الدَّهاءُ الأَعوَرُ كالدَّجّالِ، فيَفهَمُ الحَياةَ أنَّها دارٌ واحِدةٌ فحَسْبُ، لِذا يَدْفَعُ الإنسانَ لِيَكُونَ عَبْدَ المادّةِ، مُتَهالِكًا على الدُّنيا، حتَّى َدِيعَِه وَحْشًا مُفتَرِسًا.
نعم، إنَّ الدَّهاءَ يَعبُدُ الطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ، ويُطِيعُ القُوّةَ العَمْياءَ؛ أمّا الهُدَى فإنَّه يَعرِفُ الصَلبِيَّ المالِكةَ للشُّعُورِ، ويُقَدِّرُ القُدْرةَ الحَكِيمةَ.
الدَّهاءُ يُسدِلُ على الأَرضِ سِتارَ الكُفْرانِ.. والهُدَى يَنثُرُ علَيها أَصفِيالشُّكْرِ والِامتِنانِ.
ومِن هذا السِّرِّ: فالدَّهاءُ أَعمَى أَصَمُّ.. والهُدَى سَمِيعٌ بَصِيرٌ.
إذ في نَظَرِ الدَّهاءِ: لا مالِكَ للنِّعَمِ المَبثُوثةِ على الأَرضِ، ولا مَولَى يَرْعاها، فيَغتَصِبُها دُونَ شُكْرانٍ، إذِ الِاقتِناصُ مِ ذلك اَّبِيعةِ يُوَلِّدُ شُعُورًا حَيَوانِيًّا.. أمّا في نَظَرِ الهُدَى فإنَّ النِّعَمَ المَبسُوطةَ على الأَرضِ هي ثَمَراتُ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، وتحتَ كلٍّ مِنها يَدُ المُحسِنِ تَخدَعيمِ؛ مِمّا يَحُضُّ الإنسانَ على تَقبِيلِ تلك اليَدِ بالشُّكْرِ والتَّعظِيمِ.
— 923 —
زِدْ على ذلك: فمِمّا لا يَنبَغِي أن نُنكِرَ أنَّ في المَدَنيّةِ مَحاسِنَ كَثِيرةً، إلَّا أنَّهه وَحَْت مِن صُنْعِ هذا العَصْرِ، بل هي نِتاجُ العالَمِ ومُلكُ الجَمِيعِ، إذ نَشَأَتْ بتَلاحُقِ الأَفكارِ وتَلاقُحِها، وحَثِّ الشَّرائِعِ السَّماوِيّةِ یی ولا سِيَّما الشَّرِيعةِ المُحَمَّدِوٍ مِنی وحاجةِ الفِطْرةِ البَشَرِيّةِ؛ فهي بِضاعةٌ نَشَأَت مِنَ الِانقِلابِ الَّذي أَحْدَثَه الإسلامُ، لِذا لا يَتَملَّكُها أَحَدٌ مِنَ النّاسِ.
وهُنا عادَ رَ أَمرالمَجلِسِ فسَأَلَ قائِلًا: يا رَجُلَ هذا العَصرِ، إنَّ البَلاءَ يَنزِلُ دَوْمًا نَتِيجةَ الخِيانةِ، وهو سَبَبُ الثَّوابِ. ولقد صَفَع القَدَرُ صَفْعَتَه ونَزَل القَضاءُ بهذه الأُمّةِ؛ فبِأَيٍّ مِن أَعمالِكُم قد سَمَحتُم لل، مِن والقَدَرِ حتَّى أَنزَلَ القَضاءُ الإلٰهِيُّ بكُمُ البَلاءَ ومَسَّكُمُ الضُّرُّ؟ فإنَّ سَبَب نُزُولِ المَصائِبِ العامّةِ هو خَطَأُ الأا بِنايّةِ مِنَ النّاسِ.
قُلتُ: إنَّ ضَلالَ البَشَرِيّةِ وعِنادَها النُّمرُودِيَّ وغُرُورَها الفِرْعَوْنِيَّ، تَضَخَّم وانْتَفَش حتَّى بَلَغ السَّماءَ ومَسَّ حِكْمةَ الخَلْقِ، وأَنزَل مِنَ السَّماواتِ العُلا ما يُشبِهُ الطُّويلَ، بالطّاعُونَ والمَصائِبَ والبَلايا.. تلك هي الحَرْبُ العالَمِيّةُ الحاضِرةُ، إذ أَنزَل اللهُ سُبحانَه لَطْمةً قَوِيّةً على الكُفّارِ فكانَت مُصِيبةً على البَشَرِيّةِ قاطِبةً، لأنَّ أَحَدَ أَسبابِها الَّتي يَشتَرِكُ فيكُونَنّاسُ كُلُّهم هو الضَّلالُ النّاشِئُ مِنَ الفِكْرِ المادِّيِّ، والحُرِّيّةِ الحَيَوانيّةِ، وتَحَكُّمِ الهَوَى.
أمّا ما يَعُودُ إلَينا مِن سَبَبٍ فهو: إهمالُنا أَركانَ الإسلامِ وتَرْكُنا الفَرائِضَ، إذْ طَلَب مِنّا سُبحانَه وتعُ الأ ساعةً واحِدةً مِن أَربَعٍ وعِشرِين ساعةً، طَلَبَها لِأَجْلِنا نحنُ، لِأَداءِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، فتَقاعَسْنا عنها، وأَهْمَلْناها غافِلِين، فجازانا بتَدرِيبٍ شاقٍّ دائِمٍ لِأَربَعٍ وعِشرِين ساعةً طَوالَ خَمسِ سَنَواتٍفلا تكالِياتٍ، أي: أَرغَمَنا على نَوعٍ مِنَ الصَّلاةِ! وأنَّه سُبحانَه طَلَب مِنّا شَهْرًا مِنَ السَّنةِ نَصُومُ فيه رَحْمةً بأَنفُسِنا، فعَزَّت علَينا نُفُوسُنا، فأَرغَمَنا على صَوْمٍ طَوالَ خَمْسِ سَنَواتٍ، كَفّ الَّتِذُنُوبِنا؛ وأنَّه سُبحانَه طَلَب مِنّا الزَّكاةَ عُشْرًا أو واحِدًا مِن أَربَعِين جُزءًا مِن مالِه الَّذي أَعطاه لنا، فبَخِلْنا وظَلَمْنا وخَلَطْناه بالحرامِ، ولم نُعطِها طَوْعًا، فأَرغَمَنا على دَفْعِ زَكاةٍ مُتَراكِمةٍ، وأَنقَذَناَّ لَذالحَرامِ.. فالجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ.
— 924 —
إنَّ العَمَلَ الصّالِحَ نَوعانِ: أَحَدُهما: إيجابيٌّ واختِيارِيٌّ. والآخَرُ: سَلبِيٌّ واضطِرارِيٌّ.
فالآلامُ والمَصائِبُ كلُّها أَعمالٌ صالِحةٌ سَلبِيّةٌ آَهُ نرِيّةٌ، كما وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وفيه سُلْوانُنا وعَزاؤُنا. ولهذا، فلَقد تَطَهَّرَت هذه الأُمّةُ المُذنِبةُ وتَوَضَّأَت بدَمِها، وتابَت تَوبةً فِعْلِيّةً، وكان ثَوابُها العاجِلُ رَفْعَ خُمُسِ هذه الأُمّجَمِيعُثمانيّةِ یی أي: أَربَعةِ مَلايِينَ مِنَ النّاسِ یی إلى مَرتَبةِ الوِلايةِ، ومَنْحَهُم دَرَجةَ الشَّهادةِ والمُجاهِدِين.. هكذا كَفَّر عنِ الذُّنُوبِ.
استَحْسَنَ مَن في المَجلِسِ الرَّ لا تكلمِثالِيِّ هذا الكَلامَ، وانتَبَهتُ مِن نَومِي، بل قد نِمتُ مُجَدَّدًا باليَقَظةِ، لِأَنَّني أَعتَقِدُ أنَّ اليَقَظةَ رُؤيا، والرُّؤيا نَوعٌ مِنَ اليَقَظةِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ هنا، مُمَثِّیلُ العَصْرِ هُناِ.. آم ٭ ٭
إذا تسلَّم الجهلُ المَجازَ حَوَّله إلى حَقِيقةٍ
إذا وَقَعَ المَجازُ مِن يَدِ العِلمِ إلى يَدِ الجَهْلِ يَنقَلِبُ حَقِيقةً، ويَفتَحُ أَبوابًا إلى الخُرافاتِ؛ فلَقد رَأَيتُ أَيّامَ صِبَايَ خُسُوفَ القَمَرِ، سَأَلتُ وابَعضَ عنِ السَّبَبِ، فقالَت: ابتَلَعَه الثُّعبانُ. قُلتُ: لِمَ يُشاهَدُ إذًا؟! قالَت: الثَّعابِينُ هُناك نِصفُ شَفّافةٍ!
وهكذا ظُنَّ المَجازُ حَقِيقةً، إذ يُخسَفُ القَمَرُ بأَمرٍ إلٰهِيٍّ بحَيْلُولةِ الأَرضِ بيربِ إلَّمسِ والقَمَرِ، وعِندَ نُقطَتَيْ تَقاطُعِ مَدارِهِما وهُما الرَّأْسُ والذَّنَبُ.
وقد أُطلِقَ على ذَينِك القَوسَينِ المَوهُومَينِ اسمُ "التِّنِّينِ" أي: الثلِدَينِ، ولكنَّ الِاسمَ الَّذي أُطلِقَ حَسَبَ تَشبِيهٍ خَيالِيٍّ تَحَوَّلَ إلى مُسَمًّى (حَقِيقيٍّ).
٭ ٭ ٭
— 925 —
المُبالَغةُ ذَمٌّ ضِمنيٌّ
أَذكارَصَفْتَ شَيئًا فصِفْه على ما هو علَيه.
أَعتَقِدُ أنَّ المُبالَغةَ في المَدْحِ ذَمٌّ ضِمْنِيٌّ.
لا إِحسانَ أَكثَیرُ مِنَ الإحسانِ الإلٰهِيِّ.
٭ ٭ ٭
الشُّهرًّا ولةٌ
الشُّهرةُ مُستَبِدّةٌ مُتَحكِّمةٌ، إذ تُمَلِّكُ صاحِبَها ما لا يَملِكُ..
فالخَواجةُ نَصرُ الدِّينِ (جُحَا) لا يَملِكُ مِن لَطائِفِه المُنتَشِرةِ غيرَ العُشْرِ.
وهالةُ الخَيالِ الُّونِه؛ضِعَت حَوْلَ "رُسْتُمَ السِّيستانِيّ" قد أَغارَت على مَفاخِرِ إيرانَ لِعَصْرٍ كامِلٍ. فلَقدِ انتَعَشَ الغَصْبُ وتَضَخَّمَ ذلك الخَيالُ، حتَّى اختَلَط بالخُرافاتِ وأَلقَى الإنسانَ فيها.
٭ ٭ ٭
الَّذين يَعزِلُون الدِّينَ عالمَوهَياةِ يَرِدُونَ المَهالِكَ
إنَّ خَطَأَ "تُركِيَّا الفَتاةِ" نابِعٌ مِن عَدَمِ مَعرِفَتِهم أنَّ الدِّينَ أَساسُ الحَياةِ، فظَنُّوا أنَّ الأُمّةَ شَيءٌ والإسلامَ شَيءٌ آخَرالإلٰهما مُتَمايِزانِ.. ذلك لأنَّ المَدَنيّةَ الحاضِرةَ، أَوْحَت بذلك واستَوْلَت على الأَفكارِ بقَولِها: إنَّ السَّعادةَ هي في الحَياةِ نَفسِها. إلَّا أنَّ الزَّمانَ أَظهَرَ الآنَ أنَّ نِظامَ المَدَةِ: يفاسِدٌ ومُضِرٌّ. (٭): إشارةٌ واضِحةٌ إلى المَدَنيّةِ الظّالِمةِ المُلحِدةِ الَّتي تُعانِي السَّكَراتِ. والتَّجارِبَ القاطِعةَ أَظهَرَت لنا: أنَّ الدِّينَ حَياةٌ للحَياةِلتَّقدُها وأَساسُها.
إحياءُ الدِّينِ إحياءٌ لِهذه الأُمّةِ، والعالَمُ الإسلاميُّ أَدرَكَ هذا. إنَّ رُقِيَّ أُمَّتِنا هو
— 926 —
بنِسبةِ تَمَسُّكِها بالدِّينِ، وتَدَنِّيها هو بمِقدارِ إهمالِها له، بخِلافِ الدِّينِ الآخَرَِنّا ه حَقِيقةٌ تارِيخِيّةٌ، قد تُنُوسِيَت.
٭ ٭ ٭
المَوتُ ليس مُرعِبًا كما يُتَوَهَّمُ
المَوتُ تَبدِيلُ مَكانٍ، وتَحوِيلُ مَوضِعٍ، وخُرُوجٌ مِن سِجْنٍ إلى بُستانٍ؛ فلْيَطْلُبِ الشَّتًا وصمَن يُرِيدُ الحَياةَ. والقُرآنُ الكَرِيمُ يَنُصُّ على حَياةِ الشَّهِيدِ.
الشَّهِيدُ الَّذي لم يَذُقْ أَلَمَ السَّكَراتِ يَعُدُّ نَفسَه حَيًّابُدُوايَرَى نَفسَه هكذا، إلَّا أنَّه يَجِدُ حَياتَه الجَدِيدةَ نَزِيهةً طاهِرةً أَكثَرَ مِن قَبلُ، فيَعتَقِدُ أنَّه لم يَمُتْ.. والنِّسبةُ بينَ الأَمواتِ والشُّهَداءِ شَبِيهةٌ بالمِثالِ الآتي:
رَجُلانِ يَتَجوَّلانِ في الرُّؤْيا في بُستان لك، ورٍ جامِعٍ لِأَنواعِ اللَّذائِذِ: أَحَدُهُما يَعرِفُ أنَّ الَّذي يَراه هو رُؤْيا، لِذا لا يَستَمتِعُ كَثِيرًا، ورُبَّما يَتَحسَّرُ. والآخَرُ يَظُنُّ أنَّ ما يَراه في الرُّؤْيا حَقِيقةٌ في عالَمِ اليَقَظةِ، فيَستَمتِعُ ويَتَلذَّذُ حَقِيقةً.
ذا باليا ظِلُّ عالَمِ المِثالِ، وعالَمُ المِثالِ ظِلُّ عالَمِ البَرزَخِ، ومِن هُنا تَتَشابَهُ دَساتِيرُ هذه العَوالِمِ.
٭ ٭ ٭
السِّياسةُ الحاضِرةُ شَيطانٌ في عالَمِ الأَفكار يَنبَغي سلامِ ِعاذةُ مِنها
إنَّ سِياسةَ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ تُضَحِّي بالأَكثَرِيّةِ في سَبِيلِ الأَقَلِّيّةِ، بل تُضَحِّي قِلّةٌ قَلِيلةٌ مِنَ الظَّلَمةِ بجُمهُورٍ كَبِيرٍ الجَنلعَوامِّ في سَبِيلِ مَقاصِدِها.
أمّا عَدالةُ القُرآنِ الكَرِيمِ، فلا تُضَحِّي بحَياةِ بَرِيءٍ واحِدٍ، ولا تُهدِرُ دَمَه لِأَيِّ شَيءٍ كانَ، لا في سَبِيلِ الأَكثَرِيّةِ، ولا لِأَجلِ البَشَنِه ال قاطِبةً؛ إذِ الآيةُ الكَرِيمةُ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا تَضَعُ سِرَّينِ عَظِيمَينِ أَمامَ نَظَرِ الإنسانِ:
الأوَّلُ:العَدالةُ المَحْضةُ، ذلك الدّ العَبُ العَظِيمُ الَّذي يَنظُرُ إلى الفَردِ والجَماعةِ
— 927 —
والشَّخصِ والنَّوعِ نَظْرةً واحِدةً، فهُم سَواءٌ في نَظَرِ العَدالةِ الإلٰهِيّةِ مِثلَما أنَّهم سَواءٌ في نَظَرِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ. وهذه سُنّةٌ دائِمةٌ؛ إلَّا أنَّ هُناكصَ يَستَطِيعُ یی برَغبةٍ مِن نَفسِه یی أن يُضَحِّيَ بنَفسِه، مِن دُونِ أن يُضَحَّى به قَطْعًا، حتَّى في سَبِيلِ النّاسِ جَمِيعًا، لأنَّ إِزهاقَ حَياتِه وإزالةَ عِصْمَتِه وهَدْرَ دَمِه شَبِيهٌ بإزالةِ عِصْمَتِهم جَمِيعًا وهَدْرِ دِم8
اجَمِيعًا.
والسِّرُّ الثّاني:هو لو قَتَل مَغرُورٌ بَرِيئًا دُونَ وَرَعٍ، تَحقِيقًا لِحِرصِه وإشباعًا لِنَزَواتِه وهَوَى رَغَباتِه، فإنَّه مُستَعِدٌّ لِتَدمِيرِ العالَمِ والجِنسِ البَشَرِيَّحمِلُاستَطاعَ.
٭ ٭ ٭
الضَّعفُ يُشجِّعُ الخَصمَ
أيُّها الخائِفُ الضَّعِيفُ، إنَّ خَوْفَك وضَعْفَك يَذهَبانِ سُدًى، لا طائِلَ وَراءَه، بل يكُونانِ علَيك لا لك، لأَنَّهما يُشَجِّعانِ الآخَرِين ويُثِيرانِ شَهِيَّتَهمةِ كقاِراسِك.
أيُّها المُرتابُ، إنَّ مَصلَحةً مُحَقَّقةً لا يُضَحَّى بها في سَبِيلِ مَضَرّةٍ مَوهُومةٍ، فعلَيك بالسَّعيِ والنَّتِيجةُ مَوكُولةٌ إلى اللهِ تعالى؛ فإنَّ للهِ أن يَختَبِر عَبدَه و وَجْ له: إن قُمتَ بهذا سأُكافِئُك بكذا. ولكِن ليس لِلعَبدِ أن يَختَبِرَ رَبَّه قائِلًا: فلْيُوَفِّقْني اللهُ تعالى في هذا لِأَعمَلَ هذا كذا. فإن قالَ هكذا فقد تَجاحَيثُ َدَّه.
وقد قال إِبلِيسُ يَومًا لِعِيسَى بنِ مَريَمَ عَليهِ السَّلام: ما دامَ الأَمرُ كلُّه للهِ، ولن يُصِيبَك إلَّا ما كَتَبه علَيك، فارْمِ نَفسَك مِن ذِروةِ هذا الجَبَلِ، وانظُرْ ماذا يَفعَلُ بك؟
فقال له عِائِكةَِليهِ السَّلام: يا مَلعُونُ! إنَّ للهِ أن يَختَبِرَ عَبدَه، وليس لِلعَبدِ أن يَختَبِرَ رَبَّه!
٭ ٭ ٭
لا تُفْرِط فيما يُعجِبُك
قد يكُونُ دَواءُ مَرَضٍ داءً ن وَرا آخَرَ، ويَنقَلِبُ بَلْسَمُه الشَّافي سُمًّا زُعافًا، إذ لو جاوَزَ الدَّواءُ حَدَّه انقَلَبَ إلى ضِدِّه.
٭ ٭ ٭
— 928 —
عَينُ العِنادِ تَرَى المَلَكَ شَيْطانًا
أَمرُ العِنادِ هو: أنَّه إذا مازَنةُ َ شَيْطانٌ امْرَأً، قالَ له: إنَّه "مَلَكٌ"، وتَرَحَّمَ علَيه؛ بَينَما إذا رَأَى مَلَكًا في صَفِّ مَن يُخالِفُه في الرَّأْيِ، قال: "إنَّه شَيطانٌ قد بَدَّل لِباسٌ، ذلكيُعادِيه ويَلعَنُه.
٭ ٭ ٭
لا تُثِرِ الاختِلافَ لأجلِ الأَحَقِّ بعدَ وِجدانِك الحَقَّ
يا طالِبَ الحَقِيقةِ، إن كان في الحَقِّ اتِّفاقٌ، وفِّ ما حَقِّ اختِلافٌ، يكُونُ الحَقُّ أَحَقَّ مِنَ الأَحَقِّ، والحَسَنُ أَحسَنَ مِنَ الأَحسَنِ.
٭ ٭ ٭
الإسلامُ دِينُ السَّلام والأَمان، يَرفُضُ النِّزاعَ والخِصامَ في الدّاخِل
أيُّها العالَمُ الإسلاميُّ، إنَّ حَياتَك في الِاتِِّ بَعْ إن كُنتَ طالِبًا للِاتِّحادِ فاتَّخِذْ هذا دُستُورَك:
لا بُدَّ أن يكُونَ "هو حَقٌّ" بَدَلًا مِن "هو الحَقُّ". و"هو أحْسَنُ" بَدَلًا مِن "ه.. ويُسَنُ".
إذ يَحِقُّ لِكُلِّ مُسلِمٍ أن يقُولَ في مَسلَكِه ومَذهَبِه: إنَّ هذا "حَقٌّ" ولا أَتعَرَّضُ لِما عَداه؛ فإن يَكُ جَمِيلًا فمَذهَبِي هو الأَجمَلُ. بَينَما لا يَلَّقُ له القَولُ في مَذهَبِه: إنَّ هذا هو "الحَقُّ" وما عَداه باطِلٌ، وما عِندِي هو "الحَسَنُ" فحَسْبُ وغَيرُه قَبِيحٌ وخَطَأٌ!
إنَّ ضِيقَ الذِّهنِ وانحِصارَه على شَيءٍا فُطَُأُ مِن حُبِّ النَّفسِ، ثمَّ يكُونُ داءً. ومِنه يَنجُمُ النِّزاعُ.
فالأَدوِيةُ تَتَعدَّدُ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأَدواءِ، ويكُونُ تَعَدُّدُها حَقًّفةٍ ماكذا الحَقُّ يَتَعدَّدُ. والحاجاتُ والأَغذِيةُ تَتَنوَّعُ، وتَنَوُّعُها حَقٌّ.. وهكذا الحَقُّ يَتَنوَّعُ.
والِاستِعداداتُ ووَسائِلُ اسبابِ ِيةِ تَتَشعَّبُ، وتَشَعُّبُها حَقٌّ.. وهكذا الحَقُّ يَتَشَعَّبُ.
— 929 —
فالمادّةُ الواحِدةُ قد تكُونُ داءً ودَواءً حَسَبَ مِزاجَينِ اثنَينِ..
إذ تُعطَى نِسبِيّةً مُرَكَّبةً وَفْقَ أَمزِجةِ المُكَلَّفِين، وهكذا تَتَحقَّقبعة:إَركَّبُ.
إنَّ صاحِبَ كلِّ مَذهَبٍ يَحكُمُ حُكْمًا مُطلَقًا مُهمَلًا مِن دُونِ أن يُعَيِّنَ حُدُودَ مَذهَبِه، إذ يَدَعُه لِاختِلافِ الأَمزِجةِ، ولكِنَّ التَّعَصُّبَ المَذْهَبِيَّ هو الَّذي يُوَلِّدُ التَّعمِيمَ. ولَدَى الِالتِزامِ بال ساعَديمِ يَنشَأُ النِّزاعُ.
كانت هناك هُوَّاتٌ سَحِيقةٌ بينَ طَبَقاتِ البَشَرِ قبلَ الإسلامِ، مع بُعدٍ شاسِعٍ عَجِيبٍ بَينَهم. فاستَوْجَبَ تَعَدُّدَ الأَنبِياءِ وظُهُورَهم في وَقتٍ واحِدٍ، كما استَوْجَبَ تَنَدُ في الشَّرائِعِ وتَعَدُّدَ المَذاهِبِ.
ولكنَّ الإسلامَ أَوْجَدَ انقِلابًا في البَشَرِيّةِ، فتَقارَب النّاسُ، واتَّحَد الشَّرعُ، وأَصبَحَ الرَّسُولُ واحِدًا.
وما لم تَتَساوَ المُستَوَياتُ فإنَّ المَذاهِبَ تَتَعدَّدُ، ومتى م نِهايوَت وأَوْفَتِ التَّربِيةُ الواحِدةُ بحاجاتِ النّاسِ كافّةً تَتَّحِدُ المَذاهِبُ.
٭ ٭ ٭
في إيجادِ الأَضدادِ وجَمعِها حِكمةٌ عظيمةٌ، الذَّرّةُ والشَّمسُ في قَبضةِ القُدرةِ سَواءٌ
يا أَخي يمَشرُولقَلبِ اليَقِظِ: إنَّ القُدرةَ تَتَجلَّى في جَمْعِ الأَضدادِ، فوُجُودُ الأَلَمِ في اللَّذّةِ، والشَّرِّ في الخَيْرِ، والقُبْحِ في الحُسْنِ، والضَصانِعفي النَّفْعِ، والنِّقمةِ في النِّعمةِ، والنّارِ في النُّورِ.. فيه سِرٌّ عَظِيمٌ. أَتَعرِفُ لِماذا؟
إنَّه لكي تَثبُتَ الحَقائِقُ النِّسبِيّةُ وتَتَقرَّرَ، وتَتَولَّدَ أَشياءُ كَثِيرةٌ مِن شَيءٍ واحِدٍ، وتَئًا فشلوُجُودَ وتَظهَرَ؛ فالنُّقطةُ تَتَحوَّلُ خَطًّا بسُرعةِ الحَرَكةِ، واللَّمعةُ تَتَحوَّلُ بالدَّوَرانِ دائِرةً مِن نُورٍ. فوَظِيفةُ الحَقائِقِ النِّسبِيّةِ في الدُّنيا هي حَبّاتٌ تَنشَمِنَ اها سَنابِلُ، إذ هي الَّتي تُشَكِّلُ طِينةَ الكائِناتِ ورَوابِطَ نِظامِها وعَلائِقَ نُقُوشِها.
أمَّا في الآخِرةِ فهذه الأَوامِرُ النِّسبِيّةُ تُصبِحُ حَقائِقَ حَقبِليّةً.
— 930 —
فالمَراتِبُ الَّتي في الحَرارةِ إنَّما هي ناشِئةٌ مِن تَخَلُّلِ البُرُودةِ فيها. ودَرَجاتُ الحُسْنِ هي مِن تَداخُلِ القُبْحِ، فالسَّبَبُ يُصبِحُ عِلّةً. فالضََّرِيقَدِينٌ للظَّلامِ، واللَّذّةُ مَدِينةٌ للأَلَمِ، ولا مُتعةَ للصِّحّةِ مِن دُونِ المَرَضِ، ولَولا الجَنّةُ لما عَذَّبَت جَهَنَّمُ، فهي لا تَكمُلُ إلَّا بالزَّمْهَرِيرِ، بل لَولاه لَما أَحرَقَت جَهَنَّمُ إحرَعَ واامًّا.
فذلِك الخَلّاقُ القَدِيمُ أَظهَرَ حِكْمَتَه العَظِيمةَ في خَلْقِ الأَضدادِ، فتَجَلَّت هَيْبَتُه وبَهاؤُه؛ وذلك القَدِيرُ الدّائِمُ أَظهَرَ قُدرَتَه في جَمْعِ الأَضدادِ، فظَهَرَت عَظَمَتُه وجَلالُه.
فما دامَت تلك القُدرةُ الإلُمُ الُ لازِمةً لِلذّاتِ الجَلِيلةِ، فبالضَّرُورةِ لا ضِدَّ لِتلك القُدرةِ، ولا يَتَخَلَّلُها العَجْزُ، ولا مَراتِبَ في القُدرةِ، ونِسبَتُها واحِدةٌ لِكُلِّ شَيءٍ، لا يَثقُلُ علَيها شَيءٌ؛ وقد أَصبَحَتِ الشَّمسُ مِشكاةً لِضَوء لَقَدالقُدرةِ، وغَدا وَجْهُ الأَرضِ مِرآةً لِتِلك المِشكاةِ، بل حتَّى عُيُونُ النَّدَى أَصبَحَت مَرايا لها.. فالوَجهُ الواسِعُ للبَحرِ مِرآةٌ لِتِلك الشَّمسِ كما تٌ واجتها حَبَاباتُ ذلك الوَجهِ المُتَمَوِّجِ، وعُيُونُ النَّدَى تَتَلمَّعُ كالنُّجُومِ. كلٌّ مِنها يُبيِّنُ الهُوِيّةَ نَفسَها، ففي نَظَرِ الشَّمسِ يَتَساوَى البَحرُ والنَّدَى، فالقُدرةُ نَظِيرُ هذا، إذ بُؤبُؤُ فيهاِ النَّدَى شُمَيْسةٌ تَلْمَعُ، والشَّمسُ الضَّخْمةُ هي نَدًى صَغِيرٌ، يَستَلِمُ بُؤبُؤُ عَينِها النُّورَ مِن شَمسِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، فتَدُورُ دَوَلةٌ: ملقَمَرِ حَوْلَ تلك القُدرةِ؛ والسَّماواتُ بَحرٌ عَظِيمٌ لا ساحِلَ له، تَتَماوَجُ على وَجْهِها بأَمرِ الرَّحمٰنِ الحَباباتُ، تلك هي الشُّمُوسُ والنُّجُومُ.
وهكذا تَجَلَّتِ القُدرةُ ونَثَرَت على تلك القَطَراتِ لَمَعاتِ النُّوري قُبّلُّ شَمسٍ قَطْرةٌ، وكلُّ نَجْمٍ نَدًى، وكلُّ لَمْعةٍ صُورةٌ.. فتلك الشَّمسُ العَظِيمةُ الشَّبِيهةُ بالقَطْرةِ انعِكاسٌ خافِتٌ لِتَجَلِّي ذلك الفَيضِ العَظِيمِ، فلُمَيْعةٌ مِن ذلك الفَيضِ تُحَوِّلُ الشَّمسَ كَ:إنَّ دُرِّيًّا، وذلك النَّجمُ الشَّبِيهُ بالنَّدَى يُمَكِّنُ تلك اللُّمَيعةَ مِن عَينِه، وتَغدُو سِراجًا، وعَينُه زُجاجةً، تَزِيدُ المِصباحَ ضِياءً.
٭ ٭ ٭
— 931 —
اِدفِنْ مَزاياك تحتَ تُرابِ الخَفاءِ لِتَنمُوَ
يا ذا المَؤمِنُ يا صاحِبَ الخاصِّيّةِ، لا تَظلِمْ بالتَّعَيُّنِ والتَّشَخُّصِ، فلو بَقِيتَ تحتَ سِتارِ الخَفاءِ، مَنَحْتَ إخوانَك بَرَكةً وإحسانًا؛ إذ مِنَ المُمكِنِ ظُهُورُك في كلِّ أَخٍِيمةِ أن يكُونَ هو أنتَ بالذّاتِ، وبهذا تَجلُبُ الأَنظارَ والِاحتِرامَ إلى كلِّ أَخٍ. بَينَما تُلقِي الظِّلَّ هنا بالتَّعَيُّنِ والتَّشَخُّصِ، بعدَ أن كُنتَ شَمْسًا هناك، فتُسقِطُ شَأْنَ إخوانِك وتُقَلِّلُ مِنِ احتِرامِهم.. بمَعنَى أنَّ التِجَ بهُنَ والتَّشَخُّصَ أَمرانِ ظالِمانِ.
فلَئِن كان هذا هو أَمرَ المَزايا الصَّحِيحةِ، وصاحِبَها الصّادِقَ وأنتَ تَراه، فكيفَ بكَسْبِ الشُّهْرةِ والتَّشَخُّصِ بالتَّصَنُّعِ الكاذِبِ والرِّياءِ؟!
فهو إذًا سِرٌّ عَظإنَّ احِكْمةٌ إلٰهِيّةٌ ونِظامٌ أَكمَلُ، أنَّ فَرْدًا خارِقًا في نَوعِه يَمنَحُ القِيمةَ والأَهَمِّيّةَ إلى أَفرادِ نَوعِه بالسَّتْرِ والخَفاءِ، ودُونَك المِثالَ:
الوَلِيُّ في الإنسانِ، والأَجَلُ في العُمُرِ، فقد ظَلَّا مَخْفِيَِّجابِ وكذا ساعةُ الإجابةِ في الجُمُعةِ، ولَيلةُ القَدْرِ في رَمَضانَ، والِاسمُ الأَعظَمُ في الأَسماءِ الحُسنَى.
والسِّرُّ اللَّطِيفُ في هذه الأَمثِلةِ وقِيمَتُها العَظِيمةُ هي: أنَّ في الإبهامِ إِظهارً في قَ الإخفاءِ إِثباتًا.
فمَثلًا:في إبهامِ الأَجَلِ مُوازَنةٌ لَطِيفةٌ بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، مُوازَنةٌ بينَ تَوَهُّمِ البَقاءِ في الدُّنيا وثَوابِ العاقِبةِ؛حْدانيمُرُ المَجهُولُ الَّذي يَستَغرِقُ عِشرِين سَنةً أَرجَحُ مِن أَلفِ سَنةٍ مِن عُمُرٍ مَعلُومِ النِّهايةِ، لأنَّه بعدَ قَضاءِ نِصفِ هذا العُمُرِ يكُونُ المَرءُ كأنّ رِسالطُو خُطُواتٍ إلى مِنَصّةِ الإعدامِ. فالحُزنُ المُستَمِرُّ المُتَلاحِقُ لا يَدَعُ صاحِبَه يَتَمتَّعُ بالرّّاحةِ والسُّلوانِ.
٭ ٭ ٭
لا رَحمةَ ُمُ الُ رَحمةَ اللهِ، ولا غَضَبَ يَفُوقُ غَضَبَه
مِنَ الخَطَأِ إبداءُ رَحْمةٍ أَوسَعَ مِن رَحْمَتِه تعالى، والشُّعُورُ بغَضَبٍ أَشَدَّ مِن غَضَبِه سبحانه..
— 932 —
فدَعِ الأُمُورَ ف الثالِ الرَّحِيمِ.. إذ فَرْطُ الشَّفَقةِ أَليمٌ، وفَرْطُ الغَضَبِ ذَمِيمٌ.
٭ ٭ ٭
الإسرافُ بابُ السَّفاهةِ، وهي تَقُودُ إلى السَّفالةِ
يا أَخِي المُسرِفَ، لُقمَتانِ مُغَذِّيَتانَِمْرِههُما بقِرْشٍ، والأُخرَى بعَشَرةٍ؛ هُما سِيَّانِ قبلَ دُخُولِهما الفَمَ، وسِيَّان كذلك بعدَ مُرُورِهِما مِنَ الحُلْقُومِ.. فلا فَرقَ إلَّا ذَوقٌ يَدُومُ لِبِضْعِ ثَوانٍ، للغافِلِ الأَحمَقِ؛ إذ تَخدَعُه حاَّسِمُلذَّوقِ دَوْمًا بهذا الفَرْقِ.
فهذه الحاسّةُ حارِسةُ الجِسمِ، وناظِرةٌ مُفَتِّشةٌ للمَعِدةِ، ولها تَأْثيرٌ سَلْبِيٌّ لا إيجابيٌّ، إن أَصبَحَت وَظِي وتعُو إِرضاءَ الحارِسِ، كي يُدِيمَ الذَّوْقَ للغافِلِ، فيَتَعَكَّرُ صَفْوُ وَظِيفَتِها بدَفْعِ أَحَدَ عَشَرَ قِرْشًا بَدَلًا مِن واحِدٍ، فيَجعَلُها تابِعةً للشَّيطانِ.
لا تَتَقرَّبْ مِن هذا، فيَسُوقَك إلى أَبشَعِ أَنواعِ الإسائِدِ وأَفظَعِ أَنواعِ التَّبذِيرِ.
٭ ٭ ٭
حاسَّةُ الذَّوقِ مَأمورةُ البَرقِ.. لا تَجعَلِ اللَّذّةَ هَمَّها فتُفسِدَها
(٭) هذه القِطْعةُ نَواةُ رِسالةِ الِاقتِصادِ. وقد لَخَّصت بهذه السُّطُورِ تلك الرِّسالةَ البالِغَ عدن مُهِقُرابةَ عَشرِ صَحائفَ قبل تأليفِها.
لقد أَسَّسَ سُبحانَه بفَضلِ رُبُوبيَّتِه وحِكْمَتِه وعِنايَتِه في فَمِ الإنسانِ وأَنفِه مَركَزَينِ: وَضَع فيهما حُرَّاسَ حُدُودِ هذا العالَمِ الصَّغِيرِ وعُيُونَه، ونَصَبَ كلَّ عِرقٍ بمَثابةِ الهاتِفِفي الجَل كلَّ عَصَبٍ في حُكْمِ البَرْقِ؛ وجَعَلَت عِنايَتُه الكَرِيمةُ حاسّةَ الشَّمِّ مَأْمُورةَ إرسالِ المُكالَماتِ الهاتِفِيّةِ، وحاسّةَ الذَّوقِ مُوَظَّفةَ إرسالِ البَرقِيّاتِ.
ومِن رَحمةِ ذلك الرَّزّاق الذَّقِيقيِّ أنَّه وَضَع قائِمةَ الأَثمانِ على الأَرزاقِ، تلك هي: الطَّعْمُ، واللَّوْنُ، والرّائِحةُ.
فهذه الخَواصُّ الثَّلاثةُ یی مِن قِبَلِ الرَّزّاقِ یی لَوْحةُ إعلانٍ، وبيّةَ ُ دَعْوةٍ، وتَذكِرةُ رُخْصةٍ، ومُنادِيةُ الزَّبائِنِ وجالِبةُ المُحتاجِينَ.
— 933 —
وقد مَنَح ذلك الرَّزّاقُ الكَرِيمُ الأَحياءَ المَرزُوقةَ أَعضاءً لِلذَّوقِ والرُّؤْيةِ والشَّمِّ، وزَيَّنَ الأَطعِمةَ بمُختَلِفِ أَلوانِ الزِّي زَمَنلجَمالِ.. لِيُسْلِيَ بها القُلُوبَ المُشتاقةَ، ويُثِيرَ شَوْقَ غيرِ المُبالِين.
فحالَما يَدخُلُ الطَّعامُ الفَمَ، تُخبِرُ حاسّةُ الذَّوْفِ النحاءَ الجِسمِ بَرْقيًّا به، وتُبلِّغُ الشَّمَّ هاتِفِيًّا نَوعَ الطَّعامِ الوارِدِ وصِنْفَه؛ فالحَيَواناتُ المُتَبايِنةُ في الرِّزقِ والحاجاتِ، تَتَصرَّفُ وَفلكَونُك الأَخبارِ وتَتَهيَّأُ على حَسَبِها؛ أو يَأْتِي الجَوابُ بالرَّدِّ، فيَلفِظُ الفَمُ الطَّعامَ خارِجًا، بل قد يَبصُقُ علَيه.
ولَمّا كانَت حاسّةُ الذَّوْقِ مَأْمُورةً مِن قِبَلِ العِنايةِ الإلٰهِيّةِ، فلا تُفسِدْها بالتُومِهاُقِ المُستَمِرِّ، ولا تَخْدَعْها بالتَّلَذُّذِ دَوْمًا؛ إذ ستَنْسَى ما الشَّهِيّةُ الحَقّةُ؟ لِوُرُودِ الشَّهِيّةِ الكاذِبةِ إلَيها، تلك الَّتي تَأْخُذُ بِلُبِّها.. فيُجازَى صاحِبُها بالمَرَضِ ويُعاقَبُ بالعِلَلِ جَرّاءَ خَطَئِهنَ الماعْلَمْ أنَّ اللَّذّةَ الحَقِيقيّةَ، إنَّما تَنبُعُ مِن شَهِيّةٍ حَقِيقيّةٍ.
وأنَّ الشَّهِيّةَ الحَقّةَ الصّادِقةَ تَنبُعُ مِن حاجةٍ حَقِيقيّةٍ صادِقةٍ.
وفي هذه اومَجمُةِ الحَقّةِ الكافيةِ للإنسانِ يَتَساوَى السُّلطانُ والشَّحّاذُ.
٭ ٭ ٭
نوعُ النَّظَر كالنِّية، يَقلِبُ العاداتِ إلى عِباداتٍ
لاحِظْ بدِقّةٍ هذه النُّلِلتَّكما تُصبِحُ العاداتُ المُباحةُ بالنِّيّةِ عِباداتٍ، كذلك تكُونُ العُلُومُ الكَونيّةُ بنَوعِ النَّظَرِ مَعارِفَ إلٰهِيّةً.
فإذا ما نَظَرْتَ إلى هذه العُلُومِ نَظَرًا حَرْفيًّا، معَ دِقّةِ المُلاحَظةِ والتَّفَكُّرِ العَمِيقِ، مِن حنيّةِ،لصَّنْعةُ والإتقانُ. أي: أن تَقُولَ: "ما أَبدَعَ خَلْقَ هذا! ما أَجمَلَ صُنعَ الصّانِعِ الجَلِيلِ!" بَدَلًا مِن قَولِك: "ما أَجمَلَه".. نعم، إذوانِ فَظَرتَ إلى الكَونِ مِن هذه الزّاوِيةِ، تَجِدُ أنَّ نُقُوشَ المُصَوِّرِ الجَليلِ ولَمْعةَ القَصْدِ والإتقانِ في نِظامِه وحِكْمَتِه تُنَوِّرُ الشُّبُهاتِ وتُبَدِّدُها.. وعِندأنَّ لتَبدَّلُ العُلُومُ الكَونيّةُ مَعارِفَ إلٰهِيّةً.
— 934 —
ولكن لو نَظَرتَ إلى الكائِناتِ بالمَعنَى الِاسمِيِّ، ومِن حَيثُ "الطَّبِيعةُ" أي: أنَّها تَوَلَّدَت بذاتِها، فعِندَها تَتَحوَّلُ دائِرةُ العُلُومِ إلى مَيدانِ جَهْحيثُ إ فيا لَضَياعِ الحَقائِقِ في الأَيادِي الوَضِيعةِ! وما أَكثَرَ الأَمثِلةَ الشّاهِدةَ على هذه الحَقِيقةِ.
٭ ٭ ٭
في مِثلِ هذا الزَّماوءِ وايأذَنُ الشَّرعُ لنا باختيارِ التَّرَفُّه
كُلَّما نادَتِ اللَّذائِذُ يَنبَغي الإجابةُ: "كَأَنَّني أَكَلتُ"
فالَّذي جَعَل هذا دُستُورًا له، لم يَأْكُلْ مَسجِدًا. (٭) يَقَعُ هذا المَس أيُّ ي حيِّ السُّلطانِ مُحمَّدٍ الفاتِحِ بإسطَنبُولَ. وقد بَناه صاحِبُه مِمّا ادَّخَره مِنَ الأَموالِ اللّازِمة لِبِنائه بقَولِه: "كأنَّني أَكَلتُ" كلَّما اشتَهَت نَفسُه شَيئًا. ومِن هنا جاءَتِ التَّسمِيةُ.
لم يَكُنْقطَعُ رُ المُسلِمين في السَّابِقِ جائِعِين، فكانَ التَّرَفُّه جائِزَ الِاختِيارِ إلى حَدٍّ مّا؛ أمّا الآنَ فمُعظَمُهم يَبِيتُون جِياعًا، فلم يَعُدْ لنا إِذنٌ شَرعِيٌّ فمَثللَذُّذِ، إذ إنَّ مَعِيشةَ السَّوادِ الأَعظَمِ وغالبِيّةِ المُسلِمِين بَسِيطةٌ، فيَنبَغِي الِاقتِداءُ بهم في الطَّعامِ الكَفافِ البَسِيطِ. وهذا هو الأَفضَلُ بأَلفِ مَرّةٍ مِنَ الِانسِياقِ وَراءَ أَقَلِّيّةِيّاتِِفةٍ أو ثُلّةٍ مِنَ السُّفَهاءِ في تَرَفُّهِهم في الطَّعامِ.
٭ ٭ ٭
سيكون عدَمُ النِّعمة نِعمةً
قُوّةُ الذّاكِرةِ نِعمةٌ، ولكن يُرَجَّحُ علَيها النِّسيانُ في شَخصٍ سَفِيهٍ وفيِها فيِ البَلاءِ. والنِّسيانُ كذلك نِعمةٌ، لأنَّه لا يُذِيقُ إلَّا آلامَ يَومٍ واحِدٍ ويُنسِي الآلامَ المُتَراكِمةَ.
٭ ٭ ٭
في كلِّ مُصيبةٍ جهةُ خَيرٍ
أيُّها المُبتَلَى ببَلِيّةٍ، إنَّ نِعمةً مّا مُندَرِجةٌ ضِمنَ كحَبّةٍصِيبةٍ، لاحِظْها بدِقّةٍ لِتُشاهِدَها، إذ كما تُوجَدُ دَرَجةُ حَرارةٍ في كلِّ شَيءٍ، ففي كلِّ مُصِيبةٍ تُوجَدُ دَرَجةٌ مِنَ النِّعمةِ.
— 935 —
شُمَثِّدَرَجةَ النِّعمةِ هذه في البَلِيّةِ الصُّغرَى، وفَكِّرْ بالعُظمَى واشْكُرْ رَبَّك الرَّحِيمَ؛ وإلّا، فكُلَّما استَعْظَمْتَها جَفِلتَ مِنها، لألمُحقّذا ما تَأَسَّفْتَ علَيها تَستَعظِمُ وتَكبُرُ حتَّى تَتَضخَّمَ ويُصِيبَك الرُّعْبُ مِنها، وإذا ما زِدتَها بالقَلَقِ والأَوهامِ، تَتَوْءَمَتْ بعدَمَوْتِنَت واحِدةً، لأنَّ صُورَتَها الوَهْمِيّةَ الَّتي في القَلبِ تَنقَلِبُ إلى حَقِيقةٍ، ثمَّ تَعُودُ تَنزِلُ بضَرَباتِها المُوجِعةِ على القَلْبِ.
َرةِ، ٭
لا تَظهَر بزِيِّ الكبيرِ فتَصغُرَ
يا مَن يَحمِلُ "أنا" مُضاعَفًا، ويَحمِلُ في رَأْسِه غُرُورًا وكِبْرًا.. علَيك أن تَعرِفَ هذا المِيزانَ:
لِكُلِّ شَخصٍ نافِذةٌ يُطِلُّ مِنها على المُجتئِقةً؛یی للرُّؤيةِ والظُّهُورِ یی تُسَمَّى مَرتَبةً، فإذا كانَت تلك النّافِذةُ أَرفَعَ مِن قامةِ قِيمَتِه، يَتَطاوَلُ بالتَّیكَبُّر؛ أمّا إذا كانَت أَخفَضَ مِن قامةِ هِمَّتِه،َجْزِهاضَعُ بالتَّحَدُّبِ ويَتَخَفَّضُ، حتَّى يَشهَدَ في ذلك المُستَوَى ويُشاهَدَ.
إنَّ مِقْياسَ العَظَمةِ في الكامِلِين هو التَّواضُعُ.
أمّا النَّاقِصُون القاصِرُون فمِيزانُ الصُّغْرِ فيهم هو التَّكَبُّیرُ.
٭ ٭ ٭
تتغيَّر ماهيّةُ الخمعَ سَبتغيُّر المَنازِل
خَصْلةٌ واحِدةٌ في مَواضِعَ مُتَبايِنةٍ وصُورةٍ واحِدةٍ تكُونُ تارةً غُولًا بَشِعًا، وتارةً مَلَكًا رَقيقًا ومَرّةً صالِحةً وأُخرَى طالِحةً. َنَّانةُ ذلك الآتي:
إنَّ عِزّةَ النَّفسِ الَّتي يَشعُرُ بها الضَّعِيفُ تُجاهَ القَوِيِّ، لو كانَت في القَوِيِّ لَكانَت تَكَبُّیرًا وغُرُورًا؛ وكذا التَّواضُعُ الَّذي يَشعُرُ به القَوِيُّ تُجاهَ الضَّعِيفِ، لو كان في الضَّعِيفِ لَكان تَذَلُّلًا ورٍ هي ف
إنَّ جِدِّيّةَ وَلِيِّ الأَمرِ في مَقامِه وَقارٌ، أمّا لِينُه فذِلّةٌ.
— 936 —
كما أنَّ جِدِّيَّتَه في بَيتِه دَليلٌ على الكِبْرِ، ولِينَه دَليلٌ على التَّواضُعِ.
إنَّ صَفْحَ المَرءِ عنِ المُسِيئين الطُِّيَتَه بما يَملِكُ، عَمَلٌ صالِحٌ؛ بَينَما هو خِيانةٌ وعَمَلٌ طالِحٌ إن كان مُتَكلِّمًا عنِ الجَماعةِ.
إنَّ التَّوَكُّلَ في تَرتِيبِ المُقَدِّماتِ كَسَوَراءَينَما تَفوِيضُ الأَمرِ إلى اللهِ في تَرَتُّبِ النَّتِيجةِ تَوَكُّلٌ يَأمُرُ به الشَّرعُ.
إنَّ رِضَى المَرءِ عن ثَمَرةِ سَعيِه وقِسْمَتِه قَناعةٌ مَمدُوحةٌ، تُقَوِّي فيه الرَّغبةَ في مُواصَلةِ السَّعيِ؛ بَينَما الِاكتِفاءُفي مِئوجُودِ قَناعةٌ لا تُرغَبُ، بل تَقاصُرٌ في الهِمّةِ.
وهُناك أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ على هذا: فالقُرآنُ الكَرِيمُ يَذكُرُ "الصّالِحاتِ" و"التَّقوَى" ذِكْرًحَياةَِقًا، ويَرمُزُ في "إبهامِهما" إلى تَأْثيرِ المَقاماتِ والمَنازِلِ؛ فإيجازُه تَفصِيلٌ، وسُكُوتُه كَلامٌ واسِعٌ.
٭ ٭ ٭
الحَقُّ يَعلُو
أيُّها الصَّدِيقُ، سَأَلَني أَحَدُهم ذاتَ يومٍ: لَمّا كان "الحَقُّ يَعلُو" أَمرًُبُوبيًا لا مِراءَ فيه، فلِمَ يَنتَصِرُ الكافرُ على المُسلِمِ، وتَغلِبُ القُوّةُ على الحَقِّ؟
قلتُ: تَأَمَّلْ في النِّقاطِ الأَربَعِ الآتيةِ، تَنحَلُّ المُعضِلةُ.
النُّقطةُ الأُولى:
لا يَلزَمُ أعُ الونَ كلُّ وَسِيلةٍ مِن وَسائِلِ كلِّ حَقٍّ حَقًّا، كما لا يَلزَمُ أَيضًا أن تكُونَ كلُّ وَسِيلةٍ مِن وَسائِلِ كلِّ باطِلٍ باطِلًا.
فالنَّتيجةُ إذًا:إنَّ وَسِيلةً حمُؤَلّ(ولو كانَت في باطِلٍ) غالِبةٌ على وَسِيلةٍ باطِلةٍ (ولو كانَت في الحَقِّ).
وعلَيه يكونُ حَقٌّ مَغلُوبٌ لِباطِلٍ، مَغلُوبًا بوَسِيلَتِه الباطِلةِ، وبشَكلٍ مُؤَقَّتٍقاءٍ يا فلَيس مَغلُوبًا بذاتِه، وليس دائِمًا، لأنَّ عاقِبةَ الأُمُورِ تَصِيرُ للحَقِّ دَوْمًا.
— 937 —
أمّا القُوّةُ، فلها مِنَ الحَقِّ نَصِيبٌ، وفيها سِرٌّ للتَّفَوُّقِ كامِنٌ في خِلْقَتِها.
النُّقطةُ الثانية:
بَينَما يَالصَّمن تكُونَ كلُّ صِفةٍ مِن صِفاتِ المُسلِمِ مُسلِمةً مِثلَه، إلَّا أنَّ هذا ليس أَمْرًا واقِعًا، ولا دائِمًا!
ومِثلُه: لا يَلزَمُ أَيضًا أن تكُونَ صِفاتُ الكافِرِ جَمِيعُها كافِرةً ولَذين نعةً مِن كُفرِه.
وكذا الأَمرُ في صِفاتِ الفاسِقِ، لا يُشتَرَطُ أن تكُونَ جَمِيعُها فاسِقةً، ولا ناشِئةً مِن فِسْقِه.
إذًا: صِفةٌ مُحَقِيق يَتَّصِفُ بها كافِرٌ تَتَغلَّبُ على صِفةٍ غيرِ مَشرُوعةٍ لَدَى المُسلِمِ. وبهذه الوَساطةِ (والوَسِيلةِ الحَقّةِ) يكُونُ ذلك الكافِرُ غالبًا على ذلك المُسلِمِ (الَّذي يَحمِلُ صِفةً غيرَ مَنّةِ ةٍ).
ثمَّ إنَّ حَقَّ الحَياةِ في الدُّنيا شامِلٌ وعامٌّ للجَمِيعِ، والكُفرُ ليس مانِعًا لِحَقِّ الحَياةِ الَّذي هو تَجَلٍّ للرَّحمةِ العامّةِ، والَّذي يَنطَوِي على سِرِّ الحِكْمةِ في الخَلقِ.
اا مِن ةُ الثالثة:
للهِ سُبحانَه وتعالى تَجَلِّيانِ يَتَجلَّى بهما على المَخلُوقاتِ، وهما تَجَلِّيانِ شَرعِيّانِ صادِرانِ مِن صِفَتَينِ مِن صِفاتِ كَمالِه جَلَّ وعَلا.
أَوَّلُهما:الشَّرعُ ُّكُوكوِينيُّ یی أوِ السُّنّةُ الكَونيّةُ یی الَّذي هو المَشِيئةُ والتَّقدِيرُ الإلٰهِيُّ الصَّادِرُ مِن صِفةِ "الإرادةِ الإلٰهِيّةِ".
والثَّاني:الشَّرِيعةُ المَعرُوفةُ الصَّادِرةُ مِن صِفةِ "الكَلامِ الرَّبّانِيِّ".
فكما أنَّ هُناك طاعلمُعارصيانًا تُجاهَ الأَوامِرِ الشَّرعِيّةِ المَعرُوفةِ، كذلك هناك طاعةٌ وعِصيانٌ تُجاهَ الأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ.
وغالِبًا ما يَرَى الأَوَّلُ (مُطِيعُ الشَّرِيعةِ والعَاصِي لها) جَزاءَه وثَدِّدُ في الدَّارِ
— 938 —
الآخِرةِ. والثَّاني (مُطِيعُ السُّنَنِ الكَونيّةِ والعَاصِي لها) غالِبًا ما يَنالُ عِقابَه وثَوابَه في الدَّارِ الدُّنيا.
فكما أنَّ ثَوابَ الصَّبْرِ النَّصرُ، وجَزاءَ البَطالةِ والتَّقاعُسِ الذُّلُّ والتَّسَفُّالشّاملك ثَوابُ السَّعيِ الغِنَى، وثَوابُ الثَّباتِ التَّغَلُّبُ.
مِثلَما أنَّ نَتِيجةَ السُّمِّ المَرَضُ، وعاقِبةَ التِّرياقِ والدِّواءِ الشِّفاءُ والعافيةُ.
وتَجتَمِعُ أَحيانًا أَوالجَنّةلشَّرِيعتَينِ معًا في شيءٍ.. فلِكُلٍّ جِهةٌ.
فطاعةُ الأَمرِ التَّكوِينيِّ الَّذي هو حَقٌّ، هذه الطّاعةُ غالبةٌ یی لأنَّها طاعةٌ لِأَمرٍ إلٰهِيلِ ال على عِصيانِ هذا الأَمرِ بالمُقابِلِ، لأنَّ العِصيانَ یی لِأَيِّ أَمرٍ تَكوِينيٍّ یی يَندَرِجُ في الباطِلِ ويُصبِحُ جُزءًا مِنه.
فإذا ما أَصبَحَ حَقٌّ وَسِيلةً لِباطِلٍ فسيَنتَصِرُ على باطِلٍ أَصبَحَ وَسِيلةً لِحَقٍّ، وتَظهَرُ النِيمٌ وُ:
حَقٌّ مَغلُوبٌ أَمامَ باطِلٍ! ولكن ليس مَغلُوبًا بذاتِه، وإنَّما بوَسِيلَتِه. إذً، فی"الحَقُّ يَعلُو" يَعلُو بالذّاتِ، والعُقبَى هي المُرادةُ یی فليس العُلُوُّ قاصِرًا في الدُّنيا یی إلّا أنَّ التَّقيُّدَ وا جائِر بحَيثِيّاتِ الحَقِّ مَقصُودٌ ولا بُدَّ مِنه.
النُّقطة الرابعة:
إن ظَلَّ حَقٌّ كامِنًا في طَوْرِ القُوّةِ (أي: لم يَخرُجْ إلى طَورِ الفِعلِ المُشاهَدِ)، أو ظَلَّ ضَعِيفًاءَ تَان مَشُوبًا بشَيءٍ آخَرَ، أو مَغشُوشًا، وتَطَلَّبَ الأَمرُ كَشْفَ الحَقِّ وتَزوِيدَه بقُوّةٍ جَدِيدةٍ، وجَعْلَه خالِصًا زَكِيًّا، يُسَلَّطُ علَيه مُؤَقَّتًا باطِلٌ حتَّى يَخلُصَ الحَقُّ یی سَنةٌ َ التَّدافُعِ یی مِن كلِّ دَرَنٍ فيَكُونَ طَيِّیبًا، ولِتَظهَرَ مَدَى قِيمةِ سَبِيكةِ الحَقِّ الثَّمِينةِ جِدًّا.
فإذا ما انتَصَرَ الباطِلُ في الدُّنيا یی في مَكانٍ وزَانَ مَُعَيَّینَينِ یی فقد كَسَبَ مَعرَكةً ولم يَكسِبِ الحَرْبَ كُلَّها، لِأنَّ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ هي المآلُ الَّذي يَؤُولُ إلَيه الحِ. وكُ وهكذا الباطِلُ مَغلُوبٌ یی حتَّى في غَلَبِه الظَّاهِرِ یی وفي "الحَقُّ يَعلُو" سِرٌّ كامِنٌ
— 939 —
عَمِيقٌ يَدفَعُ الباطِلَ قَهْرًا إلى العِقابِ في عُقبَى الدُّنيا أو الآخِرةِ، فهو يَتَطلَّعُ إلى العُقبَى.. وهكذا الحَقُّ غالِبٌ مِها فيَهَر أنَّه مَغلُوبٌ.
٭ ٭ ٭
دساتيرُ اجتماعيةٌ
إن شِئتَ دَساتِيرَ في المُجتَمَعِ فدُونَك:
إنَّ العَدالةَ الَّتي لا مُساواةَ فيها لَيسَت عَدالةً أَصْلًا..
فالتَّماثُلُ سَببٌ مُهِمّ.
ثَضادِّ، وأمّا التَّناسُبُ فهو أَساسُ التَّسانُدِ.
مَنبَعُ التَّیكَبُّرِ صِغَرُ النَّفْسِ، ومَنبَعُ الغُرُورِ ضَعْفُ القَلبِ.
وقد أَصبَحَ العَجْزُ مَنشَأَ اِلٍ، فَضةِ.
أمّا حُبُّ الِاستِطلاعِ فهو أُستاذُ العِلمِ.
الحاجةُ أُمُّ الِاختِراعِ.
والضِّيقُ مَعلَمُ السَّفاهةِ.
ولقد أَصبَحَ الضِّيقُ مَنبَعَ السَّفاهةِ، ومَنبَعُ الضِّيقِ نَفسِه هو اليَأْسُ وسُوءُ الظَّنِّ، وضَِ، والالفِكْرِ، وظُلُماتُ القَلبِ، والإسرافُ الجَسَدِيُّ.
٭ ٭ ٭
أَضَلَّتِ النِّساءُ البشَريّةَ بخُرُوجِهنَّ مِن بُيُوتِهنَّ، فعلَيهِنَّ العَودةُ إلَيها
"إذا تَأَنَّثَ الرِّجالُ ابُراقُهاءُ بالهَوْساتِ، إذًا تَرَجَّلَ النِّساءُ النّاشِزاتُ بالوَقاحاتِ"، (٭) هذه القِطْعةُ أَساسُ رِسالةِ "الحِجاب" الَّتي أَبْرَزَتْها المَحْكَمةُ تُهَمةً لإدانةِ مُؤَلِّفِها، إلّا أنَّها أَدانَت نَفْسَها وحاكِمِيها إدانةً أَبَدِيّةً،ةِ في زَمَتْهُمُ الحُجّةَ. لقد أَطلَقَتِ المَدَنيّةُ السَّفِيهةُ النِّساءَ مِن أَعشاشِهِنَّ، وامتَهَنَت كَرامَتَهُنَّ، وجَعَلَتْهُنَّ مَتاعًا مَبذُولًا.
— 940 —
بَينَما شَرْعُ الإسلامِ يَدعُو النِّساءَ إلى أَعشاشِهِنَّ رَحْمةً به؛ إذ بكَرامَتُهنَّ فيها، وراحَتُهنَّ في بُيُوتِهنَّ، وحَياتُهنَّ في دَوامِ العائِلةِ.
الطُّهرُ زِينَتُهُنَّ، الخُلُقُ هَيبَتُهُنَّ، العِفّةُ جَمالُهُنَّ، الشَّفَقةُ كَمالُهُنَّ، الأَطفالُ لَهْوُهُنَّ.
شاهَدة تَصمُدُ إزاءَ جَمِيعِ هذه الأَسبابِ المُفسِدةِ إلَّا إرادةٌ مِن حَدِيدٍ.
كُلَّما دَخَلَتْ حَسناءُ في مَجلِسٍ تَسُودُ فيه الأُخُوّةُ، أَثارَت فيهم عُرُوقَ الرِّياءِ ويّةً مفَسةِ والحَسَدِ والأَنانِيّةِ، فتَتَنبَّهُ الأَهواءُ الرّاقِدةُ.
إنَّ تَكَشُّفَ النِّساءِ تَكَشُّفًا دُونَ قَيدٍ، أَصبَحَ سَبَبًا لِتَكَشُّفِ أَخلاقِ البَشَرِ السَّيِّئةِ وتَنامِيها.
هذه الصًُّى، ويلَّتي هي جَنائِزُ مُصَغَّرةٌ، وأَمواتٌ مُتَبَسِّمةٌ، لها دَورٌ خَطِيرٌ جِدًّا في الرُّوحِ الرَّعْناءِ للإنسانِ المُتَحَضِّرِ؛ بل إنَّ تَأْثيرَها مُخِيفٌ مُرعِبٌ.
(٭): كما أنَّ النَّظَرَ إلى جُثّةِ امْرَأةٍ نَظْربارَ مْوانيّةً، دَليلٌ على دَناءةِ النَّفسِ وخِسَّتِها، كذلك النَّظَرُ بشَهْوةٍ إلى صُورةٍ جَمِيلةٍ لِحَسْناءَ مِيتةٍ مُحتاجةٍ إلى الرَّحمةِ يَطْمِسُ مَشاعِرَ الرُّوحِ ا قُلْيةِ.
إنَّ الهَياكِلَ والتَّماثِيلَ المَمنُوعةَ شَرْعًا والصُّوَرَ المُحَرَّمةَ، إمّا أنَّها ظُلْمٌ مُتَحَجِّرٌ، أو رِياءٌ مُتَجسِّدٌ، أو هَوًى مُنجَمِدٌ، أ الخَفَسْمٌ يَجلِبُ تلك الأَرواحَ الخَبِيثةَ.
٭ ٭ ٭
سَعةُ تَصَرُّفِ القُدرةِ، تَرُدُّ الوَسائِطَ
إنَّ شَمْسَنا تُصبِحُ كالذَّرّةِ إزاءَ تَصَرُّفِ قُدرةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ وسَعةِ تَأْثيرِها.
إنَّ مَساحةَ تَصَرُّفِه العَظِيمِ في الي، فبف الواحِدِ واسِعةٌ جِدًّا.
خُذِ القُوّةَ الجاذِبةَ بينَ ذَرَّتَينِ، ثمَّ ضَعْها قُربَ القُوّةِ الجاذِبةِ المَوجُودةِ في شَمسِ الشُّمُوسِ وفي دَرْبِ التَّبّانةِ... واجْلِبِ المَلَكَبَصَر؛ي يَحمِلُ حَبّةَ البَرَدِ معَ المَلَكِ الشَّبِيهِ بالشَّمسِ الَّذي يَحمِلُ الشَّمسَ.. وضَعْ أَصغَرَ سَمَكةٍ یی صِغَرَ الإبرةِ یی جَنْبَ الحُوتِ العَظِيمِ، وب نَفسِك تَصَوَّرِ التَّجَلِّيَ الواسِعَ للقَدِيرِ ذِي الجَلالِ وإتقانَه الكامِلَ في أَصغَرِ
— 941 —
شَيءٍ وفي أَكبَرِه.. عِندَها تَعلَمْ أنَّ الجاذِبيّةَ والنَّوامِيسَ كُلَّها إن هي إلَّا وَسقنِعِ.سَيّالةٌ وأَوامِرُ عُرفيّةٌ، ولَيسَت إلَّا أَسماءً وعَناوِينَ لِتَجَلِّي القُدرةِ وتَصَرُّفِ الحِكْمةِ.. فهذا هو التَّفسِيرُ لا غَيرُ.
فَكِّرْ في هذه الأُمُورِ معًا، تَجِدْ بالضَّمَصنُو أنَّ الأَسبابَ الحَقِيقيّةَ والوَسائِطَ المُعِينةَ، وكذا الشُّرَكاءَ، ما هي إلَّا أُمُورٌ باطِلةٌ وخَيالٌ مُحالٌ في نَظَرِ تلك القُدرةِ الجَلِيلةِ.
إنمَ الكَياةَ كَمالُ الوُجُودِ. ولِجَلالةِ مَقامِها أَقُولُ: لِمَ لا تكُونُ كُرَتُنا وعالَمُنا مُسَخَّرًا مُطِيعًا كالحَيَوانِ؟
فلِلَّهِ سُبحانَه كَثِيرٌ مِن أَمثالِ هذه الحَيَواناتِ الطّفِذة ا مُنتَشِرةٌ في الفَضاءِ الواسِعِ تَنشُرُ البَهاءَ والجَمالَ والعَظَمةَ والهَيبةَ. إنَّه سُبحانَه يُدِيرُها ويُسَيِّیرُها في بُستانِ خَلْقِه.
فالنَّغَماتُ الَّتي ت عَرَضها تلك الكائِناتُ والحَرَكاتُ الَّتي تَقُومُ بها هذه الطُّيُورُ.. تلك الأَقوالُ والأَحوالُ تَسبِيحاتٌ وعِباداتٌ للقَدِيمِ الَّذي لم يَزَلْ، ولِلحَكِيمِ الَّذي لا يَزالُ.
إنَّ كُرَتَنا ا لو كيّةَ كَثِيرةُ الشَّبَهِ بالحَيَوانِ، إذ إنَّها تُبْرِزُ آثارَ الحَياةِ، فلو صَغُرَت كبَيضةٍ صَغِيرةٍ یی بفَرضِ مُحالٍ یی لَتَحوَّلَت إلى حَيَوانٍ لَطِيفٍ.. ولو كُبِّیرَ حَيَوانٌ مِجْهَرِيٌّ كُرَوِيإلى خاصبَحَ كالكُرةِ الأَرضِيّةِ، لَصارَ شَبِيهًا بها.. فلو صَغُرَ عالَمُنا صِغَرَ الإنسانِ وانقَلَبَت نُجُومُه إلى ما يُشبِهُ الذَّرّاتِ، رُبَّما يكُونُ حَئذٍ تَا ذا شُعُورٍ. والعَقلُ يَجِدُ مَجالًا في هذا الِاحتِمالِ.
فالعالَمُ إذًا عابِدٌ مُسَبِّحٌ بأَركانِه، كلُّ رُكنٍ مُسَخَّرٌ مُطِيعٌ للخالِقِ القَدِيرِ القَدِيمِ.
فلَيس مِنَ الضَّرُورِيِّ أن يكُوالشَّفَبِيرُ كَمًّا كَبِيرًا نَوْعِيّةً، بلِ السّاعةُ الصَّغِيرةُ صِغَرَ الخَرْدَلِ أَبدَعُ صَنْعةً وأَعظَمُ جَزالةً مِن كَبِيرَتِها الَّتي هي بِكِبَرِ "آياصُوفْيا"..
فخَلْقُ الذُّبابةِ أَعجَبُ مِن خَلْقِ الفِيلِ.
يلُ ُتِبَ قُرآنٌ بقَلَمِ القُدرةِ بالجَواهِرِ الفَرْدةِ للأَثيرِ على جُزءٍ فَردٍ، فإنَّ دِقّةَ صَفَحاتِه تُعادِلُ في صَنْعةِ الإتقانِ القُرآنَ الكَرِيمَ المَكتُوبَ بمِدادِ النُّجُومِ في صَحِيفةِ السَّماءِ. فهُما سِيّانِ في الجَزالةِ ووتَشُدعِ.
— 942 —
فالصَّنْعةُ الباهِرةُ بالجَمالِ والكَمالِ للمُصَوِّرِ الأَزَليِّ مَبثُوثةٌ هكذا في كلِّ جِهةٍ، والِاتِّحادُ الكامِلُ الأَتَمُّ في كَمالِها يُعلِنُ التَّوحِيدَ.
خُذْ هذا الكَلامَ البَيِّنَ بعَينِ الِاعتِبارِ.
٭ ٭ مْأةِ المَلائِكةُ أُمّةٌ مأمورةٌ لتنفيذِ الشَّريعة الفِطرِيّة
الشَّرِيعةُ الإلٰهِيّةُ اثنَتانِ، وهُما آتِيَتانِ مِن صِفَتَينِ إلٰهِيَّتَينِ؛ والمُخاطَبُ إنسانانِ، وهُما مُكَلَّإلى مُهما:
أُولاهُما:الشَّرِيعةُ التَّكوِينيّةُ الآتِيةُ مِن صِفةِ الإرادةِ الإلٰهِيّةِ، وهي الشَّرِيعةُ والمَشِيئةُ الرَّبّانيّةُ الَّتي تُنَظِّمُ أَحوالَ العالَمِ یَينِ مسانِ الأَكبَرِ یی وحَرَكاتِه الَّتي هي لَيسَتِ اختِيارِيّةً. وقد يُطلَقُ علَيها خَطَأً اسمُ الطَّبِيعةِ.
أمّا الأُخرَى:فهي الشَّرِيعةُ الآتيةُ مِن صِفةِ الكَلبَ الزإلٰهِيِّ، هذه الشَّرِيعةُ تُنَظِّمُ أَفعالَ الإنسانِ الِاختِيارِيّةَ، ذلك العالَمَ الأَصغَرَ؛ وتَجتَمِعُ الشَّرِيعَتانِ أَحيانًا معًا.
أمّا المَلائِكةُ فهم أُمّةٌ عَظِيمةٌ، جُندُ اللهِ، حَمَلةُ الشَّرِيعةِوأَسرالَى ومُمَثِّیلُوها ومُمتَثِلُوها.. قِسمٌ مِنهم عُبَّادٌ مُسَبِّحُون، وقِسمٌ مِنهم مُستَغرِقُون في العِبادةِ، وهم مُقَرَّبُو العَرشِ الأَعظَمِ.
٭ ٭ ٭
كُلَّما رقَّتِ المادّةُ اشتَدّلدُّنيحَياةُ فيها
الحَياةُ أَساسُ الوُجُودِ وأَصلُه، والمادّةُ تابِعةٌ لها وقائِمةٌ بها.
فإذا ما قارَنتَ الحَواسَّ الخَمْسَ في الإنسانِ والحَيَوا، ويُقِجهَرِيِّ تَجِدُ:
كم يَكبَیرُ الإنسانُ عن ذلك المِجهَرِيِّ، فإنَّ حَواسَّه أَدنَى مِن حَواسِّه بالنِّسبةِ نَفسِها؛ فذلك المِجهَرِيُّ يَسمَعُ صَوتَ أَخِيه ويَرَى رِزْقَه؛ فلو كَبِر كِبَرَ الإنسانِ لَتَوَسَّعَت حَواسُّه إلى حَدٍّ مُحَيّسُبحانلأَلبابِ.. فحَياتُه تَنشُرُ الشُّعاعَ، وبَصَرُه نُورٌ سَماوِيٌّ يُضاهِي البَرْقَ.
— 943 —
والإنسانُ نَفسُه ليس كائِنًا ذا حَياةٍ مُرَكَّبالكلمة كُتْلةٍ مِن مَواتٍ، بل هو حُجَيرةٌ كَبِيرةٌ مُرَكَّبةٌ مِن مِلْياراتٍ مِنَ الحُجَيراتِ الحَيّةِ.
إنَّ الإنسانَ كصُورةِ "يٓسٓ" كُتِبَ فيوالَّذرةُ "يٓسٓ"..
فتَبارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخالِقِين.
٭ ٭ ٭
الفَلسَفةُ المادِّيّةُ طاعُونٌ مَعنَوِيٌّ
الفَلسَفةُ المادِّيّةُ طاعُونٌ مَعنَوِيٌّ، حيثُ سَبَّبَت في سَرَيانِ حُمَّى مُالحَيا في البَشَرِيّةِ، (٭) إشارةً إلى الحَربِ العالَمِيّة الأُولَى. وعَرَّضَتها للغَضَبِ الإلٰهِيِّ.
فكُلَّما تَوَسَّعَت قابِلِيّةُ التَّمَرُّدِ والِانتِقادِ یی بالتَّلقِينآنِ الَّقلِيدِ یی تَوَسَّع ذلك الطّاعُونُ أَيضًا وانتَشَرَ.
فانبِهارُ الإنسانِ بالعُلُومِ، وانغِمارُه في تَقلِيدِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ أَعطاه الحُرِّيّةَ ورُوحَ الِانتِقادِ والتَّمَرُّدِ، فظَهَر الَحَّتُْ مِن غُرُورِه.
٭ ٭ ٭
لا تَعَطُّلَ في الوُجُودِ.. العاطِلُ يَسعَى في الوُجُودِ في سَبِيلِ العَدَمِ
إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ شَقاءً واضطِرابًا وضِيقة ظالمالعاطِلُ عنِ العَمَلِ، لأنَّ العُطْلَ هو "عَدَمٌ" ضِمنَ الوُجُودِ، أي: مَوتٌ ضِمنَ حَياةٍ؛ أمّا السَّعْيُ فهو حَياةُ الوُجُودِ ويَقَظةُ الحَياةِ.
٭ ٭ ٭
الرِّبا ضَرَرٌ مَحْضٌ في الإسلامِ
الرِّبا يُسَبِّبُ العُطْلَ، ويُطفِئمَكتُووةَ الشَّوقِ إلى السَّعْيِ.
— 944 —
إنَّ أَبوابَ الرِّبا ووَسائِطَه (هذه البُنُوكَ) إنَّما تَعُودُ بالنَّفْعِ إلى أَفسَدِ البَشَرِ وأَسوَئِهم، وهمُ الكُفّارُ.. وإلىي نَظّأِ هؤلاء وهُمُ الظَّلَمةُ، وإلى أَسوَأِ هؤلاء وهُم سَيِّیئُو الأَخلاقِ.
إنَّ ضَرَرَ الرِّبا على العالَمِ الإسلامِيِّ ضَرَرٌ مَحْضٌ، والشَّرعُ لا يَرَى تَحقِيقَ رَفاهِيّةِ البَشَرِ مُطلَقًا في كلِّ حِينٍ؛ إذِ الكافِرُ الحَربِيُّ لا حِين" اله ولا عِصمةَ لِدَمِه.
٭ ٭ ٭
القُرآنُ يَحمِي نفسَه بنَفسِه ويُنفِذُ حُكمَه
(٭) كأنَّ هذا البَحثَ الَّذي كُتِب قبلَ خمسٍ وثلاثين سنةً قد كُتِب هذه السّ تَدرِفهو إشارةٌ مُستَقبَليّةٌ أَمْلَتْهَا إذًا بَرَكةُ شَهرِ رَمضانَ.
رَأَيتُ شَخْصًا قدِ ابتُلِيَ باليَأْسِ، وأُصِيبَ بالتَّشاؤُمِ؛ يقولُ: لقد قَلَّ العُلَماء لا نَذه الأَيّامِ، وغَلَبَتِ الكَمِيّةُ النَّوعِيّةَ، نَخشَى أن يَنطَفِئَ دِينُنا في يَومٍ مِنَ الأَيّامِ!
قلتُ: كما لا يُمكِنُ إِطفاءُ نُورِ الكَونِ، فلا يُمكِنُ إِطفاءُ إِيمانِنا الإسلامِيِّ، وسيَسْطَعُ الإسلُ تلكي كلِّ آنٍ إن لم تُطْفَأْ مَناراتُ الدِّينِ، مَعابِدُ اللهِ، مَعالِمُ الشَّرْعِ، تلك هي شَعائِرُ الإسلامِ، الأَوتادُ الرّاسِخةُ في الأَرضِ.
فلَقد أَضْحَى كلُّ مَعبَدٍ مِن مَعابِدِ الى صَفَعَلِّمًا بطَبْعِه يُعَلِّمُ الطَّبائِعَ، وصار كلُّ مَعْلَمٍ مِن مَعالِمِ الشَّرعِ أُستاذًا، يُلقِّنُ الدِّينَ بلِس) حالِه، مِن دُونِ خَطَأٍ ولا نِسيانٍ؛ وأَصبَحَت كلُّ شَعِيرةٍ مِن شَعائِرِ الإسلامِ عالِلةِ، بكِيمًا بذاتِه، يُدَرِّسُ رُوحَ الإسلامِ ويَبسُطُه أَمامَ الأَنظارِ بمُرُورِ العُصُورِ.
حتَّى كأنَّ رُوحَ الإسلامِ قد تَجَسَّمَ في شَعائِرِه، وكأنَّ زُلالَ الإسلامِ قد تَصَلَّبَ في مَعابِدِه، عَمُودًا سانِدًنَ نَفمانِ، وكأنَّ أَحكامَ الإسلامِ قد تَجَسَّدَت في مَعالِمِه؛ وكأنَّ أَركانَ الإسلامِ قد تَحَجَّرَت في عَوالِمِه، كلُّ رُكنٍ عَمُودٌ مِنَ الأَلْماسِ يَربِطُ الأَرضَ باللهَواءِ؛ ولا سِيَّما هذا القُرآنُ العَظِيمُ، الخَطِيبُ المُعجِزُ البَيانِ، يُلقِي خِطابًا أَزَليًّا في أَقطارِ عالَمِ الإسلامِ.. لم تَبْقَ ناحِيةٌ ولا زاوِيةٌ إلَّا واستَمَعَت له واهْتَدَت بِهَدْيِه، حتَّى صارَ حِفْظُه مَرتَبةً جَلِيلةً يَسرِيرُورةِسِرُّ الآيةِ الكَرِيمةِ: .. وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وغَدَت تِلاوَتُه عِبادةَ الإنسِ والجانِّ.
— 945 —
فيه تَعلِيمٌ، فيه تَذكِيرٌ بالمُسَلَّماتِ. إذِ النَّظَرِيّاتَُرِيفِلِبُ إلى مُسَلَّماتٍ بمُرُورِ الأَزمانِ، ثمَّ إلى بَدِيهِيّاتٍ حتَّى لا تَدَعَ حاجةً إلى بَيانٍ.
فقد خَرَجَتِ الضَّرُورِيّاتُ الدِّينِيّةُ مِن طَوْرِ النَّظَرِيّاتِ، فالتَّذكِيرُ بها إذًا كافٍ والتَّنبِيهُ وافٍ، والقُرآنُ شافٍ فيَّبُ عوَقتٍ وآنٍ، إذ فيه التَّنبِيهُ والتَّذكِيرُ.
ويَقَظةُ المُسلِمِين وصَحْوَتُهمُ الِاجتِماعِيّةُ تُسَلِّمُ لِكُلِّ فَردٍ ما يَخُصُّ العُمُومَ مِنَ الدَّلائِلِ، وتَضَعُ لَهُمُ المِيزانَ.
فإيمانُ كلِّ شَخْصٍ لا يَكالاتُِ بدَلِيلهِ، ولا يَستَنِدُ الوِجدانُ إلَيه وَحْدَه، بل وإلى أَسبابٍ لا تُحَدُّ في قَلبِ الجَماعةِ أَيضًا.
فلَئِن كان رَفْضُ مَذهَبٍ ضَعِيفٍ يَصعُبُ كُلَّما مَرَّ علَيه الزّطَبَقا فكيفَ بالإسلامِ الَّذي هَيْمَنَ طَوالَ هذه العُصُورِ هَيْمَنةً تامّةً، وهو المُستَنِد إلى أَساسَينِ عَظِيمَينِ هما: الوَحْيُ الإلٰهِيُّ، والفِطْرةُ السَّلِيمةُ.
لقدِ الْتَحَم الإسلامُ وتَغَلْغَل في أَعماقِ نِصفِ المَعمُورةِ، بأُسُسِه الرولكِن ِ وآثارِه الباهِرةِ؛ فسَرَى رُوحًا فِطْرِيًّا فيه.. فأنَّى يَستُرُه كُسُوفٌ وقدِ انزاحَ عنه الكُسُوفُ تَوًّا.
ولكِن ويا لَلأَسَفِ! يُحاوِلُ بععةُ الَفَرةِ البُلَهاءِ وأَهلُ السَّفسَطةِ أن يَتَعرَّضُوا لِأُسُسِ هذا القَصرِ الشّاهِقِ العَظِيمِ، كُلَّما سَنَحَت لَهُمُ الفُرصةُ.
ولكِن هَيْهاتَ.. فهذه اليُنجِز لا تَتَضَعضَعُ أَبدًا.
فلْيَخرَسِ الإِلحادُ الآنَ، ولقد أَفلَسَ ذَلك الدَّيُّوثُ.
ألا تَكْفِيه تَجرِبةُ الكُفْرانِ ومُزاوَلةُ الكَذِبِ والبُهتانِ؟!
كانَت هذه الدّارُ، دارُ الفُنُونِ (الجامِعة) في مُقَدِّمةكثَرَ،عِ عالَمِ الإسلامِ تِجاهَ الكُفرِ والطُّغيانِ، بَيْدَ أنَّ اللّامُبالاةَ والغَفلةَ والعَداوَة، تلك الطَّبِيعةَ الثُّعبانيّةَ المُنافِيةٍَ مِن ْرةِ، شَقَّت فُرجةً خَلْفَ الجَبْهةِ فهاجَم مِنها الإلحادُ، واهتَزَّتْ عَقِيدةُ الأُمّةِ أيَّ اهتِزازٍ.
— 946 —
فلا بُدَّ أن تكُونَ طَلِيعةُ الحُصُونِ المُستَنِيرةِ برُوحِ الإسلامِ، أَكثَرَها صَلابةً وأَزيَدَها انتِباهًا ويَقَظةً، هكذا تةِ.
وإلّا فلا. فلا يَنبَغِي أن يَخدَعَ المُسلِمُون.
إنَّ القَلبَ مُستَقَیرُّ الإيمانِ، بَينَما الدِّماغُ مِرآةٌ لِنُورِه، وقد يكُونُ مُجاهِدًا، وقد يُزاوِلُ كَتُ، اللشُّبُهاتِ وأَدرانِ الأَوهامِ.
فإن لم تَدخُلِ الشُّبُهاتُ الَّتي في الدِّماغِ إلى القَلبِ فلا يَزِيغُ إيمانُ الوِجدانِ.
ولو كان الإيمِكُلِّ الدِّماغِ یی كما هو ظَنُّ البَعضِ یی فالِاحتِمالاتُ الكَثِيرةُ والشُّكُوكُ تُصبِحُ أَعداءً أَلِدّاءَ لِرُوحِ الإيمانِ الَّذي هو حَقُّ اليَقِينِ.
إنَّ القَلبَ والوِجدبُ إلىحَلُّ الإيمانِ.
والحَدْسُ والإِلهامُ دَليلُ الإيمانِ.
وحِسٌّ سادِسٌ طَرِيقُ الإيمانِ.
والفِكْرُ والدِّماغُ حارِسُ الإيمانِ.
تَ فتَنفلحاجةُ إلى التَّذكِيرِ بالمُسَلَّماتِ أَكثَرَ مِن تَعلِيمِ النَّظَرِيّاتِ.
لقدِ استَقَرَّت في القُلُوبِ الضَّرُورِيّاتُ، والمُسَلَّماتُ الشَّرعِيّةُ.
ويَحصُلُ المَطلُوبُ بمُجَرَّدِ التَّنبِيهِ للِاطمِئْنانِ، والتَّّةٍ، ت للِاستِشعارِ. والعِبارةُ العَرَبيّةُ (٭) لقد أَحَسَّ بحادِثةٍ تَقَعُ بعدَ عَشْرِ سَنَواتٍ، فحاوَلَ صَدَّها. تُنبِّهُ وتُذَكِّرُ على أَفضَلِ َأْسِ وأَسماه؛ ولِهذا فخُطْبةُ الجُمُعةِ باللُّغةِ العَرَبيّةِ كافِيةٌ ووافِيةٌ للتَّنبِيهِ على الضَّرُورِيّاتِ والتَّذكِيرِ بالمُسَلَّماتِ؛ إذسُ لَييمُ النَّظَرِيّاتِ ليس مَقصُودَ الخُطْبةِ.
ثمَّ إنَّ هذه العِبارةَ العَرَبيّةَ تُمَثِّیلُ شِعارَ الوَحْدةِ الإسلامِيّةِ في أَعماقِ وِجْدانِ الإسلامِ الَّذي يَرفُضُ التَّشَتُّتَُختَصَ ٭ ٭
— 947 —
الحديثُ يقولُ للآية: بُلُوغُكِ مُحالٌ
إذا قارَنتَ بينَ الحَدِيثِ والآيةِ، تَرَى بالبَداهةِ أنَّ أَبلَغَ البَشَرِ (وهُو مُبَلِّغُ الوَحرِباطِإلٰهِيِّ) لا يَبلُغُ أَيضًا شَأْوَ بَلاغةِ الآيةِ، فالحَدِيثُ لا يُشبِهُها.
بمَعنَى أنَّ ما يَصدُرُ مِن فَمِ النُّبوّةِ مِن كَلامٍ ليس دائِمًا كلامَ النَّبِيِّ.
٭ ٭ ٭
بيانٌ مُوجَزٌ لإعجازِ القُرآنِ
رَأَيتُ في الماضِي فيماه اسمُ النّائِمُ: أنَّني تَحتَ جَبَلِ (آرارات).. انفَلَقَ الجَبَلُ على حِينِ غِرّةٍ، وقَذَف صُخُورًا بضَخامةِ الجِبالِ إلى أَنحاءِ العالَمِ، فهَزَّ السُورةِ وتَزَلْزَلَ.
وفَجْأةً وَقَف بجَنبِي رَجُلٌ، قال لي: بَيِّنْ بإيجازٍ ما تَعرِفُه مُجمَلًا مِن أَنواعِ الإعجازِ.. إِعجازِ القُرآنِ.
فَكَّرتُ في تَعبِيرِ الرُّؤْيا، وأنا ما زِلْتُ فيها وقُلتُ:
إنَّأَمََّدَث هُنا مِنِ انفِلاقٍ مِثالٌ لِما يَحدُثُ في البَشَرِيّةِ مِنِ انقِلابٍ، وسيكُونُ هُدَى القُرآنِ بلا رَيبٍ عاليًا ومُهَيمِنًا في هذا الِانقِلابِ، وسيَأْتِي يَوي الأَيَّنُ فيه إِعجازُه.
أَجَبتُ ذلك السّائِلَ قائِلًا: إنَّ إعجازَ القُرآنِ يَتَجلَّى مِن سَبعةِ مَنابِعَ كُلِّيّةٍ، ويَتَركَّبُ مِن سَبعةِ عَناصِرَ:
المَنبَعُ الأَوّلُ:
ُ أن يُ لِسانِه مِن فَصاحةِ اللَّفظِ، إذ تَنشَأُ بارِقةُ بَيانِه مِن جَزالةِ النَّظْمِ، وبَلاغةِ المَعنَى، وبَداعةِ المَفاهِيمِ، وبَراعةِ المَضامِينِ، وغَرابةِ الأَّالثةِِ؛ فيَتَولَّدُ نَقْشٌ بَيانِيٌّ عَجِيبٌ، وصَنْعةُ لِسانِيّةٍ بَدِيعةٍ، مِنِ امتِزاجِ كلِّ هذه في نَوعِ إعجازٍ لا يَمَلُّ الإنسانُ مِن تَكرارِه أَبَدًا.
— 948 —
أمّا العُنصُرُ الثّاني:
فهو الإِخبارُ السّلوَدُوُّ عنِ الغُيُوبِ في الحَقائِقِ الغَيبِيّةِ الكَونِيّةِ والأَسرارِ الغَيبِيّةِ للحَقائِقِ الإلٰهِيّةِ.
فمِن أُمُورِ الغَيبِ المُنطَوِيةِ في الماضِي، ومِنَ الأَحوالِ المُستَتِرةِ الباقِيةِ في المُستَقبَلِ تَنشَأُ خَزِينةُ عِلْمِ الغُيأَسبابفهو لِسانُ عالَمِ الغُيُوبِ يَتَیكلَّمُ معَ عالَمِ الشَّهادةِ، في أَركانِ "الإيمانِ" يُبيِّنُها بالرُّمُوزِ، والهَدَفُ هو نَوعُ الإنسانِ، وما هذا إلَّا نَوعٌ مِن لَمْعةٍ نُوْ أَفٍَ للإعجازِ.
أمّا المَنبَعُ الثَّالثُ فهو:
أنَّ للقُرآنِ جامِعِيّةً خارِقةً مِن خَمسِ جِهاتٍ: في لَفْظِه، في مَعناه، في أَحكامِه، فيُ ولا ِه، في مَقاصِدِه.
لَفظُه:يَتَضَمَّنُ احتِمالاتٍ واسِعةً ووُجُوهًا كَثِيرةً، بحَيثُ إنَّ كلَّ وَجْهٍ تَستَحسِنُه البَلاغةُ، ويَستَصْوِبُه عِلمُ اللُّغةِ العَرَبيّةِ، ويَلِيقُ ُّوحُ التَّشرِيعِ.
في مَعناه:لقد أَحاطَ ذلك البَيانُ المُعجِزُ بمَشارِبِ الأَولياءِ وأَذواقِ العارِفِين، ومَذاهِبِ السَّالِكِين، وطُرُقِ المُتَیكلِّمِين، ومَناهلَطِيفحُكَماءِ، بل قد تَضَمَّنَ كُلَّها؛ ففي دَلالاتِه شُمُولٌ، وفي مَعناه سَعةٌ.. فما أَوسَعَ هذا المَيدانَ إن أَطْلَلْتَ مِن هذه النّافِذةِ!
الِاستِيعابُ في الأَحكامِ:هذه الشَّرِيعةُ الغَرَّاءُ قدِ اسُتنبِطَتَكُونُ، إذ قد تَضَمَّنَ طِرازُ بَيانِه جَمِيعَ دَساتِيرِ سَعادةِ الدّارَينِ، ودَواعِيَ الأَمنِ والِاطمِئنانِ، ورَوابِطَ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ، ووَسائِلَ التَّربِيةِ، وحَقائِقَ الأَحوالِ.
استِغراقُ عِلْمِه:لقد ضَمَّ ضِمنَ سُوْرِ سُوَرِه العُلُوسمَ: "َوْنيّةَ والعُلُومَ الإلٰهِيّةَ، مَراتِبَ ودَلالاتٍ ورُمُوزًا وإشاراتٍ.
في المَقاصِدِ والغاياتِ:لقد راعَى الرِّعايةَ التّامّةَ في المُوازَنةِ والِاطِّرادِ والمُطابَقائِرةَِساتيرِ الفِطْرةِ، والِاتِّحادِ في المَقاصِدِ والغاياتِ، فحافَظَ على المِيزانِ.
— 949 —
وهكذا، الجامِعِيّةُ الباهِرةُ في إحاطةِ اللَّفظِ وسَعةِ المَعنَى واستِيعابِ الأَحكامةِ، فهِغراقِ العِلمِ ومُوازَنةِ الغاياتِ.
أمّا العُنصُرُ الرّابعُ:
فإفاضَتُه النُّورانِيّةُ حَسَبَ دَرَجةِ فَهْمِ كلِّ عَصْرٍ، ومُستَوَى أَدَبِ كلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِه، وعلى وَفْقِ استِعدادِها ئِرةٍ ِ قابِلِيَّتِها.
فبابُه مَفتُوحٌ لِكُلِّ عَصْرٍ ولِكُلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِه، حتَّى كأَنَّ ذلك الكَلامَ الرَّحمانِيَّ يَنزِلُ في كلِّ مَكانٍ في كلِّ حِينٍ.
فكُلَّما شايبٍ، وَّمانُ شَبَّ القُرآنُ وتَوَضَّحَت رُمُوزُه.. فذلك الخَطِيبُ الإلٰهِيُّ يُمَزِّقُ سِتارَ الطَّبِيعةِ وحِجابَ الأَسبابِ فيُفَجِّرُ نُورَ التَّوحِيدِ مِن كلِّ آيةٍ، في كلِّ وَقْتٍ، رافٍعًا رايةَ الشّلسَّلا یی شَهادةِ التَّوحِيدِ یی على الغَيبِ.
إنَّ عُلُوَّ خِطابِه يَلْفِتُ نَظَرَ الإنسانِ ويَدعُوه إلى التَّدَبُّرِ، إذ هو لِسانُ الغَيبِ يَلمُفاضمُ بالذّاتِ معَ عالَمِ الشَّهادةِ.
يَخلُصُ مِن هذا العُنصُرِ: أنَّ شَبَابِيَّتَه الخارِقةَ شامِلةٌ مُحِيطةٌ، وأُنسِيَّتَه جَعَلَتْه مَحبُوبَ الإنسِ والجانِّ، وذلك بالتَّینَیزُّلاتِ الإلٰهِيّةِ إلى عُقُولِ البَشَرِ لِتَأْنِيسِ الأَذهانَعِ ولمُتَنَیوِّعةِ بتَنَوُّعِ أَسالِيبِ التَّنزِيلِ.
أمّا المَنبَعُ الخامِسُ:
فنُقولُه وأَخبارُه في أُسلُوبٍ بَدِيعٍ غَزِيرِ المَعانِي، فيَنقُلُ النِّقاطَ الأَساسَ للأوأَثبَ الصَّادِقةِ كالشَّاهِدِ الحاضِرِ لها؛ يَنقُلُ هكذا لِيُنبِّهَ بها البَشَرَ.
ومَنقُولاتُه هي الآتيةُ: أَخبارُ الأَوَّلِين وأَحوالُ الآخِرِين، وأَسرارُ الجَنّةِ والجَحِيمِ، حَقائِقُ عالَمِ الغَيبِ، يدًا؛ رُ عالَمِ الشَّهادةِ، والأَسرارُ الإلٰهِيّةُ، والرَّوابِطُ الكَوْنيّةُ.. تلك الأَخبارُ المُشاهَدةُ شُهُودَ عِيانٍ حتَّى إنَّه لا يَرُدُّها الواقِعُ ولا يُكَذِّبُها المَنطِقُ، بل لا يَستَطِيعُ ون"، فا أَبدًا ولو لم يُدرِكْها.
— 950 —
فهو مَطْمَحُ العالَمِ في الكُتُبِ السَّماوِيّةِ، إذ يَنقُلُ الأَخبارَ عنها مُصَدِّقًا بها في مَظانِّ الِاتِّفاقِ، ويَبحَثُ فيهأُنسٌ حِّحًا لها في مَواضِعِ الِاختِلافِ.
ألا إنَّه لَمُعجِزةُ الأَزمانِ أن يَصدُرَ مِثلُ هذه الأُمُورِ النَّقلِيّةِ مِن "أُمِّيٍّ"!
أمّا العُنصُرُ السّادِسُ:
فإنَّه مُؤَسِّسُ دِينِ الإسلامِ ومُتَضَمِّنُ الحَق تَجِدَ مِثلَ الإسلامِ إن تَحَرَّيتَ الزَّمانَ والمَكانَ، لا في الماضِي ولا في المُستَقبَلِ.. إنَّه حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، يُمسِكُ الأَرضَ لِئَلّا تُفلِتَ، ويّةٍ.. ها دَوَرانًا سَنَوِيًّا ويَومِيًّا.. فلقد وَضَع وَقارَه وثِقَلَه على الأَرضِ، وساسَها وقادَها وحالَ بَينَها وبينَ النُّفُورِ والعِصْيانِ.
أمّا المَنبَعُ السَّابِعُ:
فإنَّ الأَنوارَ السِّتّةَ احِكْمةةَ مِن هذه المَنابعِ السِّتّةِ يَمتَزِجُ بَعضُها معَ بَعضٍ، فيَصدُرُ شُعاعُ حُسْنٍ فائِقٌ، ويَتَولَّدُ حَدْسٌ ذِهْنِيٌّ، وهو الوَسِيلةُ النُّورانيّةُ.
الَّتيي يَصدُرُ عن هذا: ذَوقٌ، يُدرَكُ به الإعجازُ.
لِسانُنا يَعجِزُ عنِ التَّعبِيرِ عنه، والفِكْرُ يَقصُرُ دُونَه.
فتلك النُّجُومُ السَّماوِيّةُ تُشاهَدُ ولا تُستَمسَكُ.
طَوالَ ن لِبا عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ يَحمِلُ أَعداءُ القُرآنِ رُوحَ التَّحَدِّي والمُعارَضةِ..
وتَوَلَّدَت في أَوليائِه وأَحِبّائِه.. رُوحُ التَّقلِيدِ والشَّوقِ إليه.
وهذا هو بذاتِه بُرهانٌ للإعجازرُوشِ إذ كُتِبَت مِن جَرّاءِ هاتَينِ الرَّغبَتَينِ الشَّدِيدَتَينِ مَلايِينُ الكُتُبِ بالعَرَبيّةِ، فلو قُورِنَت تلك المَلايِينُ مِنَ الكُتُبِ معَ القُرآنِ الكَرِيمِ، لَقالَ كُلُّ مَن ُطلَقةدُ ويَسمَعُ، حتَّى أَكثَرُ النّاسِ عامِّيّةً، بَلْهَ الذَّكِيَّ الحَكِيمَ: إنَّ هذه الكُتُبَ بَشَرِيّةٌ.. وهذا القُرآنَ سَماوِيٌّ.
وسيَحكُمُ حَتْمًا: إنَّ هذُنطَفِتُبَ كُلَّها لا تُشبِهُ هذا القُرآنَ ولا تَبلُغُ شَأْوَه قَطْعًا.
— 951 —
لِذا فإمّا أنَّه أَدنَى مِنَ الكُلِّ، وهذا مَعلُومُ البُطلانِ وظاهِرٌ بالبَداهةِ.. إذًا فهو فَوقَ الكُلِّ.
ولقد ف كُلَِّبوابَه على مِصْراعَيه للبَشَرِ ونَشَرَ مَضامِينَه أَمامَهم طَوالَ هذه المُدّةِ الطَّوِيلةِ، ودَعا لِنَفسِه الأَرواحَ والأَذهانَ.
ومعَ هذا لم يَستَطِعِ البَشَرُ مُعارَضَصِلةِ لا يُمكِنُهم ذلك، فلَقدِ انتَهَى زَمَنُ الِامتِحانِ.
إنَّ القُرآنَ لا يُقاسُ بسائِرِ الكُتُبِ ولا يُشبِهُها قَطْعًا، إذ نَزَل في عِشرِين سَنةً ونَيِّفٍ نَجْمًا نَجْمًا یی لِحِكْمةٍ رَبّانيّةِ یی لِمَواقِعِ الحاجاتِ نُزُولًا َلِّي ِّقًا مُتَقطِّعًا، ولِأَسبابِ نُزُولٍ مُختَلِفةٍ مُتَبايِنةٍ، وجَوابًا لِأَسئِلةٍ مُكَرَّرةٍ مُتَفاوِتةٍ، وبَيانًا لِحادِثاتِ أَحكامٍ مُتَعدِّدةٍ مُتَغايِرةٍ، وفي أَزمانِ نُزُولٍ مُختَلِفةٍ مُتَفارِقةٍ، وفي حاماتِهاَلَقٍّ مُتَنوِّعةٍ مُتَخالِفةٍ؛ ولِأَفهامِ مُخاطَبِين مُتَعدِّدةٍ مُتَباعِدةٍ؛ ولِغاياتِ إرشاداتٍ مُتَدرِّجةٍ مُتَفاوِتةٍ.
وعلى الرَّغْمِ مِن هذه الأُسُسِ فقد أَظهَرَ كَمالَ السَّلاسةِ والسَّلامةِ والتّ أنَّهِ والتَّسانُدِ في بَيانِه وجَوابِه وخِطابِه، ودُونَك عِلْمَ البَيانِ وعِلْمَ المَعانِي.
وفي القُرآنِ خاصِّيّةٌ لا تُوجَدُ في أيِّ كَلامٍ آخَرَ، لِأنَّك إذا سَمِعتَ كَلامواحِدة أَحَدٍ فإنَّك تَرَى صاحِبَ الكَلامِ خَلْفَه أو فيه، فالأُسلُوبُ مِرآةُ الإنسانِ.
أيُّها السّائِلُ المِثالِيُّ، لقد أَرَدتَ الإيجازَ، وها قد أَشَرترارِ ذ؛ وإن شِئتَ التَّفصِيلَ فذلِك فَوقَ حَدِّي وطَوْقِي، أَتَقْدِرُ الذُّبابةُ مُشاهَدةَ السَّماواتِ؟!
وقد بَيَّنَ كِتابُ"إشاراتِ الإعجازِ"واحِدًا مِن أَربَعِين نَوْعًاعاتِ.
لك الإعجازِ وهو جَزالةُ النَّظْمِ، ولم تَفِ مِئةُ صَفْحةٍ مِن تَفسِيرِي لِبَيانِه.
بل أنا الَّذي أُرِيدُ مِنك التَّفصِيلَ، فقد تَفَضَّلَ المَولَى علَيكُرسَلٍُ مِن إِلهاماتٍ رُوحِيّةٍ.
٭ ٭ ٭
— 952 —
لا تَبلُغُ يَدُ الأَدَبِ الغَربيِّ ذِي الأَهواءِ والنَّزَواتِ والدَّهاءِ
شَأْنَ أَدَبِ القُرآنِ الخالِدِ ذِي النُّورِ والهُدَى والشِّفاءِ.
إذِ الحالةُ الَّتي تُرضِي الأَذواقَ وتَضحفيعةَ للكامِلِين مِنَ النّاسِ وتُطَمْئِنُهم، لا تَسُرُّ أَصحابَ الأَهواءِ الصِّبيانيّةِ وذَوِي الطَّبائِعِ السَّفيهةِ، ولا تُسَلِّيهم. فبِناءً على هذه الحِكمةِ:
فإنَّ ذَوْقًا سَفِيهًا سافِلًا، تَرَعرَعَ في حَ العِلالشَّهوةِ والنَّفسانيّةِ، لا يَستَلِذُّ بالذَّوقِ الرُّوحِيِّ، ولا يَعرِفُه أَصْلًا.
فالأَدَبُ الحاضِرُ، المُتَرشِّحُ مِن أَدَبِ أَورُوبّا، عاجِزٌ عن رُؤيةِ ما في القُرآنِ الكَرِيمِ مِن لَطائفَ عاليًا.. فزايا سامِيةٍ، مِن خِلالِ نَظْرَتِه الرِّوائيّةِ، بل هو عاجِزٌ عن تَذَوُّقِها، لِذا لا يَستَطِيعُ أن يَجعَلَ مِعيارَه مَحَكًّا له.
والأَدَبُ يَجُولُ في ثلاثةِ مَيادِينَ، دُونَ أن يَحِيدَ عَنها:
مَيدانُ الحَموحِ "االشَّهامةِ..
مَيدانُ الحُسنِ والعِشقِ..
مَيدانُ تَصوِيرِ الحَقيقةِ والواقِعِ..
فالأَدَبُ الأَجنَبيُّ:
في مَيدانِ الحَماسةِ: لا يَنشُدُ الحَقَّ، بل يُلَقِّنُ شُعُورَ الِافتِتانِ بالقيءِ البتَمجِيدِه جَوْرَ الظّالِمِين وطُغيانَهم.
وفي مَيدانِ الحُسنِ والعِشقِ: لا يَعرِفُ العِشقَ الحَقيقيَّ، بل يَغرِزُ ذَوْقًا شَهَوِيًّا عارِ القُي النُّفُوسِ.
وفي مَيدانِ تَصوِيرِ الحَقيقةِ والواقِعِ: لا يَنظُرُ إلى الكائناتِ على أنَّها صَنعةٌ إلٰهِيّةٌ، ولا يَراها صِبغةً رَحمانيّةً، بل يَحصُرُ هَمَّه في زاوِيةِ الطَّبِيعةِ ويُصَوِّرُ الحَقيقةَ في ضَوْئِها، ولا يَقْدِرُ الفَكاكَ مِن النِذا يكُونُ تَلقِينُه عِشقَ الطَّبيعةِ، وتَألِيهَ المادّةِ، حتَّى يُمَكِّنَ حُبَّها في قَرارةِ القَلبِ.. فلا يَنجُو المَرءُ مِنه بسُهُولةٍ.
— 953 —
ثمَّ إنَّ ذلك الأَدَبَ المَشُوبَ بالسَّفَهِ، لا يُغنِي شَيئًا ِ، والطِراباتِ الرُّوحِ وقَلَقِها النّاشِئةِ مِنَ الضَّلالةِ والوارِدةِ مِنه أيضًا، ولَرُبَّما يُهَدِّئُها ويُنَوِّمُها.
وفي حُسبانِه أنَّه قد وَجَد حَلًّا، وكأأُلقِيعِلاجَ الوَحِيدَ هو رِواياتُه. وهي:
في كِتابٍ.. ذلك الحَيُّ المَيِّتُ.
وفي سِينِما.. وهي أَمواتٌ مُتَحرِّكةٌ.. وأَنَّى للمَيِّتِ أن يَهَبَ الحَياةَ!..
وفي مَسرَحٍ.. الَّذي تُبعَثُ فيه الأَشباحُ وتُخرَجُ ا لا طا مِن تلك المَقبَرةِ الواسِعةِ المُسَمَّاةِ بالماضِي!
هذه هي أَنواعُ رِواياتِه.
وبلا خَجَلٍ ولا حَياءٍ!..
وَضَعَ الأَدَبُ الأَجنَبِيُّ لِسانًا كاذِبًا في فَمِ البَشَرِ.. ورَكَّيَجعَلْنًا فاسِقةً في وَجهِ الإنسانِ.. وأَلْبَسَ الدُّنيا فُستانَ راقِصةٍ ساقِطةٍ.
فمِن أينَ سيَعرِفُ هذا الأَدَبُ؛ الحُسْنَ المُجَرَّدَ.
حتَّى لو أَرادَ أن يُرِيَ القارِئَ رَّحمةسَ؛ فإنَّه يُذَكِّرُه بمُمَثِّلةٍ شَقْراءَ حَسْناءَ.
وهو في الظّاهِرِ يقُولُ: "السَّفاهةُ عاقِبَتُها وَخِيمةٌ، لا تَلِيقُ بالإنسانِ".. ثمَّ يُبيِّنُ نَتائِجُلُّ شمُضِرّةَ..
إلّا أنَّه يُصَوِّرُها تَصوِيرًا مُثِيرًا إلى حَدٍّ يَسِيلُ مِنه اللُّعابُ، ويُفلِتُ مِنه زِمامُ العَقلِ، إذ يُضرِمُ في الشَّهَواتِ، ويُهيِّجُ النَّزَواتِ، حتَّى لا يَعُودَ الشُّعُورُ يَرانَ الِشَيءٍ.
أمّا أَدَبُ القُرآنِ الكَرِيمِ:
فإنَّه لا يُحَرِّكُ ساكِنَ الهَوَى ولا يُثيرُه، بل يَمنَحُ الإنسانَ الشُّعُورَ بنُشدانِ الحَقِّ وحُبِّه، والِافتِتانَ بالحُسنِ المُجَرَّدِ،عَينِكوُّقَ عِشقِ الجَمالِ، والشَّوقَ إلى مَحَبّةِ الحَقيقةِ.. ولا يَخْدَعُ أَبدًا.
— 954 —
فهو لا يَنظُرُ إلى الكائِناتِ مِن زاوِيةِ الطَّبِيعةِ، بل ه، وتَُها صَنْعةً إلٰهِيّةً، صِبْغةً رَحمانيّةً، دُونَ أن يُحَيِّرَ العُقُولَ.
فيُلَقِّنُ نُورَ مَعرِفةِ الصّانِعِ..
ويُبيِّنُ آياتِه في كلِّ شيءٍ..
والأَدَبانِ.. كِلاهُما يُورِثانِ حُزْنًا مُؤَثِّرًا. إلَّا أنَّهما لا يَتَشابَهانِ.
فما لى جَمُه أَدَبُ الغَرْبِ هو حُزْنُ مَهمُومٍ، ناشِئٌ مِن فِقدانِ الأَحبابِ، وفِقدانِ المالِكِ؛ ولا يَقدِرُ على مَنْحِ حُزنٍ رَفِيع سامٍ، إذِ استِلْهامُ الشُّعُورِ مِن طَبِيعةٍ صَمّاءَ، وقُوّةٍ عَمْياءَ يَملَؤُه بالآلامِ يُظهِرُومِ حتَّى يَغدُوَ العالَمُ مَلِيئًا بالأَحزانِ، ويُلقِي الإنسانَ وَسْطَ أَجانِبَ وغُرَباءَ دُونَ أن يكُونَ له حامٍ ولا مِالكٌ! فيَظَلُّ في مَأْتَمِه الدّائمِ.. وهكذا تَنطَفِئُ أَمامَه الآمالُ. فهذا الشُّعُورُ المَلِيءُ بالأَحزانِ والآلامِ يُهواتِها على كِيانِ الإنسانِ، فيَسُوقُه إلى الضَّلالِ وإلى الإلحادِ وإلى إنكارِ الخالِقِ.. حتَّى يَصعُبُ علَيه العَودةُ إلى الصَّوابِ، بل قد لا يَعُوانينِصلًا.
أمّا أَدَبُ القُرآنِ الكَرِيمِ: فإنَّه يَمنَحُ حُزْنًا سامِيًا عُلْوِيًّا، ذلك هو حُزنُ العاشِقِ، لا حُزنُ اليَتِيمِ.. هذا الحُزنُ نابعٌ مِن فِراقِ الأَحبابِ، لا مِن فِقْدانِهم.. يَنظُرُ إلى الكائناتِ على الِام صَنعةٌ إلٰهِيّةٌ، رَحِيمةٌ، بَصِيرةٌ بَدَلًا مِن طَبِيعةٍ عَمْياءَ؛ بل لا يَذكُرُها أَصلًا، وإنَّما يُبيِّنُ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ الحَكِيمةَ، ذاتَ العِنايةِ الشّامِلةِ، بَدَلًا مِن قُوّةٍ عَمْياءَ.
فلا تَلبَسُ الكائناتُ صُورةَ مَأْ40
يُلُوحِشٍ، بل تَتَحوَّلُ أمامَ ناظِرَيه إلى جَماعةٍ مُتَحابّةٍ، إذ في كلِّ زاوِيةٍ تَجاوُبٌ، وفي كلِّ جانِبٍ تَحابُبٌ، وفي كلِّ ناحِيةٍ تَآنُسٌ.. لا كَدَرَ ولا ضِيقَ.
هذا هو شَأْنُ الحاذِه ولعاشِقِيِّ.
وَسَطَ هذا المَجْلِسِ يَستَلِهمُ الإنسانُ شُعُورًا سامِيًا، لا حُزنًا يَضِيقُ مِنه الصَّدْرُ.
الأَدَبانِ.. كِلاهُما يُعطِيانِ شَوْقًا وفَرَحًا.
فالشَّوقُ الَّذي يُعطِيه ذلك الأَدَبُ الأَجنَبيُّ؛ شَوقٌ يُهِيجُ النَّفسَ، ويا فيه الهَوَسَ.. دُونَ أن يَمنَحَ الرُّوحَ شَيئًا مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ.
— 955 —
بَينَما الشَّوقُ الَّذي يَهَبُه القُرآنُ الكَرِيمُ، شَوقٌ تَهتَزُّ له جَنَباتُ الرُّوحِ، فتَعرُجُ به إلى المَعالي.
وبِناءً على هذا السِّرِّ: فقد نَهَتِ الشَّرِين تَفسغَرّاءُ عنِ اللَّهوِ وما يُلهِي.. فحَرَّمَت بعضَ آلاتِ اللَّهوِ، وأَباحَت أُخرَى.
بمَعنَى: أنَّ الآلةَ الَّتي تُؤَثِّیرُ تَأْثِيرًا حَزِينًا حُزْنًاءِ إن نيًّا وشَوْقًا تَنزِيلِيًّا، لا تَضُرُّ. بَينَما إن أَثَّرَت في الإنسانِ تَأْثِيرًا يَتِيميًّا وهَيَّجَت شَوْقًا نَفسانيًّا شَهَوِيًّا. تَحرُمُ الآلةُ.
تَتَبدَّلُ حَسَبَ الأَشخاصِ هذه الحالة..
والنّاَّ كَثسُوا سَواءً..
٭ ٭ ٭
الأَغصانُ تُقدِّمُ الثَّمَراتِ باسمِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّة
إنَّ أَغصانَ شَجَرةِ الخَلِيقةِ تُقدِّمُ ثَمَراتِ النِّعَمِ وتُوصِلُها ظاهِرًا إلى أَيدِي الأَحياوأنَّهكلِّ ناحِيةٍ مِن أَنحاءِ العالَمِ، بل تُقدَّمُ إلَيكُم تلك الثَّمَراتُ بتلك الأَغصانِ مِن يَدِ الرَّحمةِ ويَدِ القُدرةِ.
فقَبِّلُوا يَدَ الرَّحمةِ تلك، بالشُّكْرِ..
وقَدِّسُوا يَدَ القُدرةِ تلك، بالِاميُرغِم.
٭ ٭ ٭
بيانُ الطُّرُق الثَّلاثِ المُشارِ إليها في خِتامِ سُورةِ الفاتِحةِ
يا أَخِي، يا مَنِ امتَلَأَ صَدرُه بالأَمَل المُشرِقِ.. أَمسِكْ خَيالَك في يَدِك، وتَعالَ معي.. نحنُ الآنَ في أَرضٍ واسِعةٍ، نَنظُرُ إلى جَوانبِها، دُوٍ مِن يَرانا أَحَدٌ، ولكِن أُلقِيَ
— 956 —
علَينا غَيمٌ أَسوَدُ مُظلِمٌ، فهَبَط على جِبالٍ شُمٍّ، حتَّى غَطَّى وَجْهَ أَرضِنا بالظُّلُماتِ، بل كأواعِ كَقْفٌ صُلْبٌ كَثِيفٌ.. إلَّا أنَّه سَقْفٌ تُرَى الشَّمسُ مِن جِهَتِه الأُخرَى.
ولكِنَّنا نحنُ تحتَ ذلك الغَيمِ الكَثِيفِ، لا نَكادُ نَطِيقُ ضِيقَ الظُّلُماتِ، ويَخنُقُنا الضَّجَالتَّشِانقِباضُ، ففِقْدانُ الهَواءِ مُمِيتٌ!
وإذ نحنُ في هذه الحالةِ مِنَ الضِّيقِ الخانِقِ انفَتَحَت أَمامَنا ثَلاثُ طُرُقٍ تُؤَدِّي إلى ذلك العالَمِ المُضِيءِ، ولقد أَتَيتُه مُرّةً وشاهَدتُه مِن قَبلُ، فمَضَيتُ مِنَ وضالّرُقِ الثَّلاثِ، كلٍّ على انفِرادٍ:
الطَّريقُ الأُولَى:مُعظَمُ النّاسِ يَمُرُّون مِنها، فهي سِياحةٌ حَولَ العالَمِ، والسِّياحةُ تَشُدُّنا إلَيها.. فها نحنُ نَدرُجُ في الطَّرِيقِ نَسِيرُ مَشْيًا على الأَقدامِ.. فها ّةِ وأهُنا بِحارُ الرِّمالِ في هذه الصَّحراءِ الواسِعةِ.. انظُرْ كيفَ تَغضَبُ علَينا، وتَستَطِيرُ غَيْظًا وتَزجُرُنا زَجْرًا.. وانظُرْ إلى أَمواجٍ كالجِبالِ لِهذا البَحرِ العَظِيمِ.. إنَّها تَي قولِ علَينا وها نحنُ في الجِهةِ الأُخرَى.. والحَمدُ للهِ، نَتنَفَّسُ الصُّعَداءَ.. نَرَى وَجْهَ الشَّمسِ المُضِيءَ، ولكِن لا أَحَدَ يُقَدِّرُ مَدَى ما قاسَيْنا مِن أَتعابٍ وآلامٍ.
ولكِن وا أَسَفَى! لقد رَجَعْنا مَرّةً ثانِيةً إلى هذه تَحتِ المُوحِشةِ الَّتي أَطبَقَت علَيها الغُيُومُ بالظُّلُماتِ ونحنُ أَحوَجُ ما نكُونُ إلى عالَمٍ مُضِيءٍ يَفتَحُ بَصِيرَتَنا.
إن كُنتَ ذا شَجاعةٍ فائِقةٍ فرافِقْني في الطَّرِيقِ المَلِيئةِ بالمَخاطِرِ، سنَخُوضُها بشَجاعةٍ.
وهي طَرِي نَجِدلثَّانيةُ:نَثقُبُ طَبِيعةَ الأَرضِ، نُنَقِّبُ فيها لِنَنفُذَ ونَبلُغَ الجِهةَ الأُخرَى.. نَمضِي في أَنفاقٍ فِطْرِيّةٍ في الأَرضِ والخَوْفُ يُحِيطُنا.. فلَقد شاهَدتُ یی في زَمَنٍ مّا یی هذه الطنُ ذاكَ ومَضَيتُ فيها بوَجَلٍ واضْطِرابٍ، ولكِن كانَت في يَدِي آلةٌ أو مادّةٌ تُذِيبُ أَرضَ الطَّبِيعةِ وتَخرِقُها وتُمَهِّدُ السَّبِيلَ.. تلك المادّةُ أ وجَعْها القُرآنُ الكَرِيمُ ذلك الدَّلِيلُ المُعجِزُ للطَّرِيقِ الثّالثةِ.
يا أَخي، لا تَتْرُكْني. اتْبَعْني. لا تَخَفْ أَبدًا. انظُرْ فها أَمامَك كُهُوفٌ ومَراياتٌ كالأَنفاقِ تحتَ الأَرضِ، تَنتَظِرُنا وتُسَهِّلُ لنا الطَّرِيقَ إلى الجِهةِ الأُخرَى.
— 957 —
لا تُرَوِّعْك صَلابةُ الطَّبِيعةِ، فإنَّ تحتَ ذلك الوَجهِ العَبُوسِ القَمْطَرِيرِ وَجْهَ مالِكِها الباسخِطابِإنَّ تلك المادَّةَ القُرآنيّةَ مادّةٌ مُشِعّةٌ كالرّادْيُوم.
بُشراك يا أَخي، فلَقد خَرَجْنا إلى العالَمِ المُنَوَّرِ.. انظُرْ إلى الأَرضِ الجَمِيلةِ، والسَّماءِ اللَّطِيفةِ المُزَيَّنةِ.لحَياةتَرفَعُ رَأْسَك يا أَخي لِتُشاهِدَ هذا الَّذي غَطَّى وَجْهَ السَّماءِ كُلِّها وسَما علَيها وعلى الغُيُومِ. إنَّه القُرآنُ الكَرِيمُ.. شَجَرةُ طُوبَى الجَنّةِ.يّةِ وَت أَغصانَها إلى أَرجاءِ الكَونِ كُلِّه. وما علَينا إلَّا التَّعَلُّقُ بهذا الغُصنِ المُتَدلِّي والتَّشَبُّثُ به، فهو بقُربِنا لِيَأخُذَنا إلى هناك.. إلى تلك الشَّجَرةِ السَّماوِيّةِ الرَّفيعةِ.
إنَّ الشَّرِيعةَ الغَرّاءَ نَمُُ القَمُصَغَّرٌ مِن تلك الشَّجَرةِ المُبارَكةِ.
فلَقد كان باستِطاعَتِنا إذًا بُلُوغُ ذلك العالَمِ المُضِيءِ بتلك الطَّرِيقِ.. طَرِيقِ الشَّرِيعةِ، مِن دُونِ أن نَرَى صُعُوبةً وكَلَلًا.
بَيْدَ أنَّنا أَخْطَأْنا السَّيرَ، فلْنَرجِعِ القَهْقَما هو ى ما كُنّا فيه لِنَسلُكَ الطَّرِيقَ المُستَقِيمَ.. فانظُرْ فها هي:
طَرِيقُنا الثَّالثةُ:الدّاعِيةُ العَظِيمُ يَقِفُ مُنتَصِبًا على هذه الشَّواهِقِ الرّاسِيةِ.. إنَّه يُنادِي العالَمَ كُلَّه مُؤَذِّنًا بی"حَيَّ هَلَوا إلى عالَمرافِ، ُوِر".. إنَّه يَشتَرِطُ علَينا الدُّعاءَ والصَّلاةَ.. إنَّه المُؤَذِّنُ الأَعظَمُ مُحمَّدٌ الهاشِمِيُّ (ص).
انظُرْ إلى هذه الجِبالِ.. جِبالِ الهُدَى، وقدِ اختَرَقِ والقغُيُومَ، إنَّها تُناطِحُ السَّماواتِ.
وانظُرْ إلى جِبالِ الشَّرِيعةِ الشّاهِقةِ، إنَّها جَمَّلَت وَجْهَ أَرضِنا وأَزهَرَتْها؛ وعلَينا أن نُحَلِّقَ بالهِمّةِ لِنَرَى الضِّياءَ هناك ونَرَى نُورَ الجَمالِ.
نعم، فعَلَّى.. أُحُدُ التَّوحِيدِ.. ذلك الجَبَلُ الحَبِيبُ العَزِيزُ.
وها هناك.. جُودِيُّ الإسلامِ.. ذلك الجَبَلُ الأَشَمُّ.. جَبَلُ السَّلامةِ والِاطمِئنانِ.
وها هو جَبَلُ القَمَتُ الهقُرآنُ الأَزهَرُ.. يَسِيلُ مِنه زُلالُ النِّيلِ؛ فاشْرَبْ هَنِيئًا ذلك الماءَ العَذْبَ السَّلْسَبِيلَ.
— 958 —
فتَبارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخالِقِين. وآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِين.
َ مِنه أَخي، اطْرَحِ الآنَ الخَيالَ، وتَقَلَّدِ العَقْلَ.
إنَّ الطَّرِيقَينِ الأُولَيَيْنِ، هُما طَرِيقُ: "المَغضُوبِ علَيهِم والضّالِّينَ"، ففيهما مَخاطِرُ كَثِيرةٌ، فهما شِتاءٌ دائِمٌ لا رَبِيعَ فيهما. بل رُنَفسَهلا يَنجُو إلَّا واحِدٌ مِن مِئةِ شَخصٍ قد سَلَك فيهما.. كأَفلاطُون وسُقْراطَ.
أمّا الطَّرِيقُ الثّالثةُ:فهي سَهْلةٌ قَصِيرةٌ، لأَنَّها مُستَقِيمةٌ، الضَّعِيفُ والقَوِيُّ فيها سِيّانِ؛ والكُلُّ يُمكِنلشَّكليَمضِيَ فيها.
أمّا أَفضَلُ الطُّرُقِ وأَسلَمُها فهو: أن يَرزُقَك اللهُ الشَّهادةَ أو شَرَفَ الجِهادِ.
فها نحنُ الآنَ على عَتَبةِ النَّتِيجةِ.
يّةِ الدَّهاءَ العِلْمِيَّ يَسلُكُ في الطَّرِيقَينِ الأُولَيَيْنِ.
أمّا الهُدَى القُرآنِيُّ، وهو الصِّراطُ المُستَقِيمُ، فهو الطَّرِيقُ الثّالثةُ، فهي الَّتي تُبلِّغِ بافتاك.
اللَّهُمَّ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٭ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ." آمين.
٭ ٭ ٭
كلُّ الآلامِ في اَ تَأملةِ، وكلُّ اللَّذائذِ في الإيمانِ
(حَقِيقةٌ كُبرَى تَزَيَّت بزِيِّ الخَيالِ)
أيُّها الصَّدِيقُ الفَطِنُ، إن شِئتَ أيُّها العَزِيزُ أن تَرَى الفَرْقَ الواضِحَ بينَ "الصِّراطِ المُستَقِيمِ" ذلك المَسْلَكِ المُنَوَّرِ "وطَرِيقِ الَتِ البِ علَيهِم والضّالِّين" ذلك الطَّرِيقِ المُظلِمِ: تَناوَلْ إذًا يا أَخِي وهْمَك وارْكَبْ مَتنَ الخَيالِ.. سنَذْهَبُ سَوِيّةً إلى ظُلُماتِ العَدَمِ، تلك المَقبَرةلَّذي بْرَى المَلِيئةِ بالأَمواتِ.. إنَّ القَدِيرَ الجَلِيلَ قد أَخرَجَنا مِن تلك
— 959 —
الظُّلُماتِ بِيَدِ قُدرَتِه، وأَرْكَبَنا هذا الوُجُودَ، وأَتَى بنا إلى هذه الدُّنيا الخاليةِ مِنَ اللَّذّةِ الحَقّةِ.
فيًا لُِ قد أَتَينا إلى هذا العالَمِ، عالَمِ الوُجُودِ یی هذه الصَّحراءِ الواسِعةِ یی وأَعيُنُنا قد فُتِحَت فنَظَرْنا إلى الجِهاتِ السِّتِّ، فأَوَّلًا صَوَّبْنا نَظَرَنا مُستَعطِفِين إلى الأَمامِ، وإذا البلايا والآلامُ تبَ وَا الِانقِضاضَ علَينا كالأَعداءِ.. ففَزِعْنا مِنها، وتَراجَعْنا عنها.
ثمَّ نَظَرْنا إلى اليَمِينِ وإلى الشِّمالِ مُستَرحِمِين العَناصِرَ والطَّبائِعَ، فرَأَيناها قاسِيةَ القُلُذَرّات رَحْمةَ فيها، وقد كَشَّرَت عن أَسنانِها تَنظُرُ إلَينا بنَظَراتٍ شَزِرةٍ، لا تَسمَعُ دُعاءً ولا تَلِينُ بكَثرةِ التَّوَسُّلِ؛ فرَفَعنا أَبصارَنا مُضطَرِّين إلى الأَعلَى مُستَمِمَرِ مالعَوْنَ مِنَ الأَجرامِ، ولكن رَأَيناها مُرعِبةً مَهِيبةً، تُهَدِّدُنا، إذ إنَّها كالقَذائِفِ المُنطَلِقةِ تَسِيرُ بسُرعةٍ فائِقةٍ تَجُوبُ بها أَنحاءَ الفَضاءِ، مِن دُونِ اصطِدامٍ، يا تُرَى لءٍ واسطَأَتْ سَيْرَها وضَلَّت، إذًا لَانْفَلَق كَبِدُ العالَمِ یی عالَمِ الشَّهادةِ یی والعِياذُ باللهِ!
ألَيس أَمرُه مَوكُولًا إلى المُصادَيمِنُهل يَأْتِي مِنها خَيرٌ؟! فصَرَفْنا أَنظارَنا عن هذه الجِهةِ يائِسِين، ووَقَعْنا في حَيْرةٍ أَليمةٍ، وخَفَضْنا رُؤُوسَنا وفي صُدُورِنا استَتَرْنا، نَنظُرُ إلى نُفُوسَخبارُِطالِعُ ما فيها.. فإذا بنا نَسمَعُ أُلُوفَ صَيْحاتِ الحاجاتِ وأُلُوفَ أنَّاتِ الفاقاتِ، تَنطَلِقُ كُلُّها مِن نُفُوسِنا الضَّعِيفةِ، فنَستَوحِشُ مِنها في الوَقتِ الَّذي نَنتَظِرُ مِنها السُّلوانَ، لا جَدْوَى إرِ.
ن هذه الجِهةِ كذلك.. لَجَأْنا إلى وِجْدانِنا، نَبحَثُ عن دَواءٍ، ولكِن وا أَسَفاهُ لا دَواءَ، بل علَينا وَقْعُ العِلاجِ، إذ تَجِيشُ فيه أُلطِنِ قلآمالِ والرَّغَباتِ وأُلُوفُ المَشاعِرِ والنَّزَعاتِ المُمتَدّةِ إلى أَطرافِ الكَونِ.. تَراجَعْنا مَذعُورِين.. نحنُ عاجِزُون عن إغاثَتِها، فلَقد تَزاحَمَتِ الآمالُ بينَ الوُجُودِ والعَدَمِ في الإنسانِ حُؤلَّفمتَدَّت أَطرافُها مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ، بل لوِ ابتَلَعَتِ الدُّنيا كلَّها لَمَا شَبِعَت.
وهكَذا، أَينَما وَلَّينا وُجُوهَنا، قابَلَنا البَلاءُ.. هذا هو طَرِيقُ "الضّالِّين والمَِ المَ علَيهِم"، لأنَّ النَّظَرَ مُصَوَّبٌ إلى المُصادَفةِ والضَّلالِ.
وحيثُ إنَّنا قَلَّدْنا ذلك المِنظارَ، وَقَعْنا في هذه الحالِ، ونَسِينا مُؤَقَّتيّةٍ عّانِعَ
— 960 —
والحَشْرَ والمَبْدَأَ والمَعادَ.. إنَّها أَشَدُّ إيلامًا للرُّوحِ مِن جَهَنَّمَ وأَشَدُّ إحراقًا مِنها.. فما جَنَينا مِن تلك الجِهاتِ السِّتِّ إلَّا حالةً مُرَكَّبةً مِن خَوْفٍ واندِهاشٍ: إنَّزٍ وارتِعاشٍ وقَلَقٍ واستِيحاشٍ معَ يُتْمٍ ويَأْسٍ.. تلك الَّتي تَعصِرُ الوِجْدانَ..
فلْنُحاوِلْ دَفْعَها ولْنُجابِهْها..
فنَبدَأُ مُقدَّمًا بالنََّعمَلُلى قُدرَتِنا.. فوا أَسَفاه! إنَّها عاجِزةٌ ضَعِيفةٌ.
ثمَّ نَتَوجَّهُ إلى تَطمِينِ حاجاتِ النَّفسِ العَطْشَى، تَصرُخُ دُونَ انقِطاعٍ، ولكن ما مِن مُجِيبٍ ولا مِن مُغِيثٍ لإسعافِ تلكِ تلك لِ الَّتي تَستَغِيثُ!
فظَنَنّا كلَّ ما حَوْلَنا أَعداءً.. كلُّ شَيءٍ غَرِيبٌ! فلا نَستَأْنِسُ بشَيءٍ، ولا شَيءَ يَبْعَثُ الِاطمِئنانَ.. فلا مُتعةَ ولا لَذّةَ حَقِيقيّةً.
ومِن بعدِ ذلك كُلَّما نن إحقاا إلى الأَجرامِ، امتَلَأَ الوِجدانُ خَوْفًا وهَلَعًا ووَحْشةً، وامتَلَأَتِ العُقُولُ أَوهامًا ورَيْبًا.
فيا أَخِي، هذه هي طَرِيقُ الضَّلالِ، وتلك ماهِيَّتُها.. فلَقد رَأَينا فيها ظَلامَ الكُفرِ الدّامِسَ.
هيّا الآنَ ياعِقةِي، لِنَرجِعْ إلى العَدَمِ، ثمَّ لْنَعُدْ مِنه، فطَرِيقُنا هذه المَرّةَ في "الصِّراطِ المُستَقِيمِ"، ودَلِيلُنا العِنايةُ الإلٰهِيّةُ، وإِمامُنا القُرآنُ الكَرِيمُ.
نعم، لَمّا أَرادََّفَقةَولَى الكَرِيمُ، أَخرَجَتْنا قُدرَتُه مِنَ العَدَمِ، رَحْمةً مِنه وفَضْلًا؛ وأَركَبَنا قانُونَ المَشِيئةِ الإلٰهِيّة وسَيَّرَنا على الأَطْوارِ والأَدْوارِ.. هاةَ، وحتَى بنا، وخَلَع علَينا خِلْعةَ الوُجُودِ وهو الرَّؤُوفُ، وأَكرَمَنا مَنزِلةَ الأَمانةِ، شارَتُها الصَّلاةُ والدُّعاءُ.
كلُّ دَوْرٍ وطَوْرٍ مَنزِلٌ مِن مَنازِلِ الضَّعْفِ في طَرِيقِنا الطَّوِيلةِ هذه، وقد كَتَظَرْنَدَرُ على جِباهِنا أَوامِرَه لِتَيسِيرِ أُمُورِنا، فأَينَما حَلَلْنا ضُيُوفًا نُستَقبَلُ بالتَّرحابِ الأَخَوِيِّ.. نُسَلِّمُهم ما عِندَنا ونَتَسلَّمُ مِن أَموالِهم.. هكذا تَجرِي التِّجارةُ في مَحَبّةً شَهئامٍ.. يُغَذُّونَنا، ثمَّ يُحَمِّلُونَنا بالهَدايا، ويُشَيِّعُونَنا.. هكذا سِرْنا في الطَّرِيقِ، حتَّى بَلَغْنا بابَ الدُّنيا، نَسمَعُ مِحَبّةٍأَصواتَ.
— 961 —
وها قد أَتَيناها، ودَخَلْناها، وَطِئَت أَقدامُنا عالَمَ الشَّهادةِ، مَعرِضَ الرَّحمٰنِ، مَشهَرَ مَصنُوعاتِه، ومَوضِعَ صَخَبِ الإنإنَّنيضَجِيجِه.. دَخَلْناها ونحنُ جاهِلُون بكلِّ ما حَوْلَنا، دَليلُنا وإِمامُنا مَشِيئةُ الرَّحمٰنِ، ووَكِيلُها عُيُونُنا اللَّطِيفةُ.
ها قد فُتِحَت عُيُونُنا، أَجَلْناها في أَقطارِ الدُّنيا.. أَتَذكُرُ مَجِيئَنا السّابِقَ إلى هَاهُُك، تَنّا أَيتامًا غُرَباءَ، بينَ أَعداءٍ لا يُعَدُّون مِن دُونِ حامٍ ولا مَولًى.
أمّا الآنَ، فنُورُ الإيمانِ "نُقطةُ استِنادٍ" لنا، ذلك الرُّكنُ الشَّدِيدُ تُجاهَ الأَعداءِ.
حَقًّا، إنَّ الإيمانَ باللهِ نُورُ حَياتِنا، ضِياءُ رُوحِنارِيعةُِ أَرواحِنا، فقُلُوبُنا مُطمَئِنّةٌ باللهِ لا تَعبَأُ بالأَعداءِ، بل لا تَعُدُّهم أَعداءً.
في الطَّرِيقُ الأُولَى، دَخَلْنا الوِجْدانَ، سَمِعْناسِقِ.وفَ الصَّيْحاتِ والِاستِغاثاتِ، ففَزِعْنا مِنَ البَلاءِ، إذِ الآمالُ والرَّغَباتُ والمَشاعِرُ والِاستِعداداتُ لا تَرضَى بغَيرِ الأَبدِ، ونحنُ ه وتَعُ سَبِيلَ إشباعِها، فكان الجَهلُ مِنّا، والصُّراخُ مِنها.
أمّا الآنَ، فلِلَّهِ الحَمْدُ والمِنّةُ، فقد وَجَدْنا "نُقطةَ استِمدادٍ" تَبعَثُ الحَياةَ في الآمالِ وا مُحِيعداداتِ، وتَسُوقُها إلى طَرِيقِ أَبَدِ الآبادِ؛ فيَتَشرَّبُ الِاستِعدادُ مِنها والآمالُ ماءَ الحَياةِ، وكلٌّ يَسعَى لِكَمالِه.
فتلك النُّقطةُ المُشَوِّقةُ "نُقطةُ الِاستِمداَزيِيني القُطْبُ الثَّاني مِنَ الإيمانِ، وهُو الإيمانُ بالحَشْرِ؛ والسَّعادةُ الخالِدةُ هي دُرّةُ ذلك الصَّدَفِ.
إنَّ بُرهانَ الإيمانِ هو القُرآنُ والوِجْدانُ، ذلك ال بل لو الإنسانِيُّ.
ارْفَعْ رَأْسَك يا أَخِي، وأَلقِ نَظْرةً في الكائِناتِ، وحاوِرْها، أَما كانَت مُوحِشةً في طَرِيقِنا الأُولَى والآنَ تَبتَسِمُ وتَنشُرُ البِشْرَ والسُّرُورَ؟ ألا تَرَى قدً، ويُحَت عُيُونُنا كالنَّحلةِ تَطِيرُ إلى كلِّ جِهةٍ في بُستانِ الكَونِ هذا، وقد تَفَتَّحَت فيه الأَزهارُ في كلِّ مَكانٍ، وتَمنَحُ الرَّحِيقَ الطَّهُورَ.. ففي كلِّ ناحِيةٍ ى حُجَوسُلوانٌ، وفي كلِّ زاوِيةٍ مَحَبّةٌ ووِئامٌ.. فهي تَرتَشِفُ تلك الهَدايا الطَّيِّبةَ، وتُقَطِّرُ شَهْدَ الشَّهادةِ، عَسَلًا على عَسَلٍ.
— 962 —
وكُلَّما وَقَعَت أَنظارُنا على حَرَكاتِ النُّجُومِ وَشْواءُوسِ، تُسَلِّمُ إلى يَدِها حِكْمةَ الخالِقِ، فتَستَلْهِمُ العِبْرةَ وجَلْوةَ الرَّحمةِ؛ حتَّى كأنَّ الشَّمسَ تَتَكلَّمُ معَنا قائِلةً:
"يا إِخوَتي، لا تَستَوحِشُوا مِنِّي ولا تَضْجَرُوا! فأَهْلًا وسَهَلَ أَحِم، فقد حَلَلْتُم أَهْلًا ونَزَلْتُم سَهْلًا.. أَنتُم أَصحابُ المَنزِلِ، وأنا المَأْمُورُ المُكَلَّفُ بالإضاءةِ لكم.. أنا مِثلُكُم خادِمٌ مُطِيعٌ، سَخَرَّني الأَحَدُ قةٌ مَِدُ للإضاءةِ لكم، بمَحْضِ رَحمَتِه وفَضْلِه.. فعَلَيَّ الإضاءةُ والحَرارةُ وعلَيكُمُ الدُّعاءُ والصَّلاةُ.
فيا هذا! هَلّا نَظَرتَ إلى القَمَرِ.. إلى النُّجُومِ.. إلى البِحارِ.. كلٌّ يُرَحِّبُ بلِسانِه الخاصِّ ويقُولُ: حَيائيّةٍوبَيّاكُم. فأَهْلًا وسَهْلًا بكم!
فانظُرْ يا أَخِي بمِنظارِ التَّعاوُنِ، واستَمِعْ بصِماخِ النِّظامِ، كلٌّ مِنها يقُولُ: "نحنُ أيضًا خُدّامٌ مُسَخَّرُون. نحنُ مَرايا رَحمةِ الرَّحمٰنِ. لا تَحزَنُوا أَبدًا. لا تالعُلَْقُوا مِنّا".
فلا تُخِيفَنَّكُم نَعَراتُ الزَّلازِلِ وصَيْحاتُ الحَوادِثِ، فهي تَرَنُّماتُ الأَذكارِ ونَغَماتُ التَّسبِيحاتِ، وتَهالِيلُ التَّضَرُّعاتِ.. نعم، إنَّ الَّذي أَرسَلَكُم إلى هنا، هو ذلك الجَلِيلُ الجَمِيلُا عنهاي بِيَدِه زِمامُ كلِّ أُولَئِك.. إنَّ عَينَ الإيمانِ تَقرَأُ في وُجُوهِها آياتِ الرَّحمةِ.
أيُّها المُؤمِنُ يا ذا القَلبِ اليَقِظِ، نَدَعُ بعضٍ، َنا لِتَخلُدَ إلى شَيءٍ مِنَ الرّاحةِ، ونُسَلِّمُ آذانَنا للإيمانِ بَدَلًا مِنها. ولْنَستَمِعْ مِنَ الدُّنيا إلى نَغَماتٍ لَذِيذةٍ.. فالأَصواتُ الَّتي كانَت تَتَعالَى في طَرِيقِنا السّاباخِلَ ی وظَنَنّاها أَصواتَ مَآتِمَ عامّةٍ ونَعَياتِ المَوتِ یی هي أَصواتُ أَذكارٍ في هذه الطِّرِيقِ، وتَسابِيحُ وحَمْدٌ وشُكْرٌ.
فتَرَنُّماتُ الرِّياحِ ورَعَداتُ الرُّعُودِ ونَغَماتُ الأَمواجِ، تَسبِيحاتٌ سامِيةٌ جَلِيلةٌ؛ وهَزَجاتُ الأَمطاتلك الجَعاتُ الأَطْيارِ، تَهالِيلُ رَحْمةٍ وعِنايةٍ..
كلُّها مَجازاتٌ تُومِئُ إلى حَقِيقةٍ.
نعم، إنَّ صَوْتَ الأَشياءِ، صَدَى وُجُودِها، يقُولُ: أنا مَوجلا حَد#963
وهكذا تَنطِقُ الكائِناتُ كُلُّها مَعًا وتقُولُ: أيُّها الإنسانُ الغافِلُ، لا تَحْسَبَنّا جامِداتٍ؛ فالطُّيُورُ تَنطِقُ في تَذَوُّقِ نِعمةٍ، أو نُزُولِ رَحْمةٍ، فتُزَقْزِقُ بأَصواتٍ عَذْبةٍ، بأَفواهٍ دَقِيقةٍ تَرْحابًا بنُزُولوأَعظََحْمةِ المُهداةِ.. حَقًّا، النِّعمةُ تَنزِلُ علَيها، والشُّكرُ يُدِيمُها، وهي تقُولُ رَمْزًا: أَيَّتُها الكائِناتُ، يا إِخوَتي، ما أَطيَبَ حالَنا! ألا نُرَبَّى باِ، أوِقةِ والرَّأْفةِ.. نحنُ راضُون عمَّا نحنُ علَيه مِن أَحوالٍ.. وهكذا تَبُثُّ أَناشِيدَها بمَناقِيرِها الدَّقِيقةِ، حتَّى تُحَوِّلَ الكائِناتِ كُلَّها إلى مُوسِيقَى رَفيعةٍ.
إنَّ نُورَ الإيمانِ هو الَّذي يَسمَعُ أَصداءَ الٍ واحِِ وأَنغامَ التَّسابِيحِ، حيثُ لا مُصادَفةَ ولا اتِّفاقيّةَ عَشْواءَ.
أيُّها الصَّدِيقُ، ها نحنُ نُغادِرُ هذا العالَمَ المِثاليَّ ونَنزِلُ مِن مَتْنِ الخَيالِ، ونَقِفُ على عَتَبةِ العَقلِ ونَدخُلُ مَيَكبَر، لِنَزِنَ الأُمُورَ بمِيزانِه كي نُمَيِّزَ الطُّرُقَ المُختَلِفةَ.
فطَرِيقُنا الأُولَى:طَرِيقُ المَغضُوبِ علَيهِم والضّالِّينَ.. تُورِثُ الوِجْدانَ حِسًّا أَلِيمًا وعَذابًا شَدِيدًا حتَّى في أَعمَقِ أَعماقِه، فتَطْوَزَ حلك المَشاعِرُ المُؤلِمةُ إلى الوُجُوهِ، فنُخادِعُ أَنفُسَنا مُضطَرِّين للنَّجاةِ مِن تلك الحالةِ، ونُحاوِلُ التَّسكِينَ والتَّنوِيمَ وإبطالَ الشُّعُورِ وإلغاءَه.. وإلّا فلا نُطِي شَيءٌاهَ استِغاثاتٍ وصَيْحاتٍ لا تَنقَطِعُ! فالهُدَى شِفاءٌ، وأمّا الهَوَى فيُبطِلُ الحِسَّ ويُخَدِّرُ الشُّعُورَ، والشَّهَواتُ السّاحِرةُ تَطلُبُ اللَّهْوَ، كي وعانِ:َ الوِجْدانَ وتَستَغفِلَه، وتُنَوِّمَ الرُّوحَ وتُسَكِّنَها لِئَلّا تَشعُرَ بالأَلَمِ، لأنَّ ذلك الشُّعُورَ يُحرِقُ الوِجْدانَ حتَّى لا يداخِلُيُطاقُ صُراخُه مِن شِدّةِ الأَلَمِ.. ألا إنَّ أَلَمَ اليَأْسِ لا يُطاقُ حَقًّا!
إذ كُلَّما ابتَعَدَ الوِجْدانُ عنِ الصِّراطِ المُستَقِيمِ اشتَدَّت علَيه تلك الحالةُ، حتَكِبتَُّ كلَّ لَذّةٍ تَتْرُكُ أَثَرًا مِنَ الأَلَمِ، ولا تُجدِي بَهْرَجةُ المَدَنيّةِ المَمزُوجةِ بالشَّهَواتِ والهَوَى واللَّهْوِ.. إنَّها مَرْهَمٌ فاسِدٌ وسُمٌّ مُنَوِّمٌ للضِّيقِ الَّذي يُوَلِّدُه الضَّلالُ.
فيا صَدِيقي ا
الزَ، لقد شَعَرْنا بالرّاحةِ مِن حالَتِنا في الطَّرِيقِ الثّانيةِ المُنَوَّرةِ، فتلك هي مَنبَعُ اللَّذّاتِ وحَياةُ الحَياةِ، بل تَنقَلِبُ فيها الآلامُ إلى لَذائنَّه إهكذا عَرَفْناها، فهي
— 964 —
تَبعَثُ الِاطمِئْنانَ إلى الرُّوحِ یی حَسَبَ قُوّةِ الإيمانِ یی والجَسَدُ مُتَلذِّذٌ بلَذّةِ الرُّوحِ، والرُّوحُ تَتَنعَّمُ بنِعَمِ بحَقّْدانِ.
إنَّ في الوِجْدانِ سَعادةً عاجِلةً مُندَرِجةً فيه، إنَّها فِردَوسٌ مَعنَوِيٌّ مُندَمِجٌ في سُوَيداءِ القَلبِ؛ والتَّفَكُّرُ يُقَطِّرُها ويُذِيقُها الإنسانَ.. أمّا الشُّعُورُ فهو الَّذي يُظهِرُها.
انِ يَعلَمُ الآنَ: أنَّه بمِقدارِ تَيَقُّظِ القَلبِ، وحَرَكةِ الوِجْدانِ، وشُعُورِ الرُّوحِ، تَزدادُ اللَّذّةُ والمُتعةُ، وتَنقَلِبُ نارُ "الحَياةِ" نُورًا وشِتاؤُها صَيْفًا.
وهكذا تَنفَتِحُ أَبوابُ الجُِ كَثِلى مِصْراعَيْها في الوِجْدانِ، وتَغدُو الدُّنيا جَنّةً واسِعةً تَجُولُ فيها أَرواحُنا، بل تَعلُو عُلُوَّ الصُّقُورِ، بجَناحَيِ الصَّلاةِ والدُّعاءِ.
وأَستَوْدِعُكُمُ اللهَ يا صَدِيقِي الحَمِيمَ. ولْق بأَش مَعًا كلٌّ لِأَخِيه.. نَفتَرِقُ الآنَ وإلى لِقاءٍ.
اللَّهُمَّ اهْدِنا الصِّراطَ المُستَقِيمَ.
٭ ٭ ٭
جَوابٌ مُوَجَّهٌ إلى الكَنِيسةِ الأَنكليكيّة
سَأَلَ ذاتَ يَومٍ قِسِّيسٌ حاقِد، وهو السِّياسِيُّ الماكِرُ، العَدُوُّ الأَلَدُّ للإسلامِ، عن أَرَبعةِ أُمُورٍ طالِبًا الإجابةَ عنها في ستِّ مِئةِ كَلِمةٍ؛ سَأَلَها بُغيةَ إثارةِ الشُّبُهاتِ، مُستَنكِرًا ومُتَعاليًا، وبشَماتةٌ إلىَناهِيةٍ، وفي وَقْتٍ عَصِيبٍ، حيثُ كانَت دَوْلَتُه تَشُدُّ الخِناقَ في مَضايِقِنا.. فيَنبَغِي الإجابةُ بی: "تبًّا لك!" تِجاهَ شَماتَتِه، وبالسُّكُوتِ علَيه بسَخَطٍ تِجاهَ مَكْرِه َّل عُسَتِه، فَضْلًا عن جَوابٍ مُسكِتٍ يَنزِلُ به كالمِطْرَقةِ تِجاهَ إنكارِه.. فأنا لا أَضَعُه مَوضِعَ خِطابي، بل أَجْوِبَتُنا لِمَن يُلقِي السَّمْعَ ويَنشُدُ الحَقَّ، وهي الآتيةُ:
فلَقد قال في السُّؤالِ الأَوَّلِ:ما دِينُ مُحمَّدٍ (ص)؟ قلبِعِناَّه القُرآنُ الكَرِيمُ. أَساسُ قَصْدِه تَرسِيخُ أَركانِ الإيمانِ السِّتّةِ، وتَعمِيقُ أَركانِ الإسلامِ الخَمسةِ.
— 965 —
ويقُولُ في اللمُجَه:ماذا قَدَّم للفِكْرِ وللحَياةِ؟ قلتُ: التَّوحِيدَ للفِكْرَ، والِاستِقامةَ للحَياةِ.. وشاهِدِي في هذا قَولُه تعالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَاسْتَقِمْ كَمَا أدُعاةٍَ.
ويقُولُ في الثّالِثِ:كيفَ يُعالِجُ الصِّراعاتِ الحاضِرةَ؟ أقولُ: بتَحرِيمِ الرِّبا وفَرْضِ الزَّكاةِ.. وشاهِدِي قَولُه تعالَى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا، وَأَقواتِ م الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ.
ويقُولُ في الرّابعِ:كيف يَنظُرُ إلى الِاضطِراباتِ البَشَرِيّةِ؟ أقولُ: السَّعْيُ هو الأَساسُ، وأَلّا تَتَیكدَّسََعداءِةُ الإنسانِ بِيَدِ الظّالِمِين، ولا يَكنِزُوها.. وشاهِدِي قَولُه تعالَى: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، للَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَوبَنَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
(٭) ما شاءَ اللهُ على هذا الجَوابِ مِئة مرّةٍ.
٭ ٭ ٭
— 966 —
محاضرة
حول رسائل النور
تشرين الثاني َن يَع جامعة أنقرة
مُحاضَرةٌ أُلقِيَت في شَهرِ تَشرِينَ الثّاني مِنَ سَنةِ (١٩٥٠) في مَسجِدِ الكُلِّيّةِ بجامِعةِ أَنقَرَة، واستَمَرَّت حتَّى مُنتَصَفِ اللَّيلِ بحُضُورِ عَدَدٍ مِنَ الدَّكاتِرةِ وأَعضاءِ مَجلِسِ الشَّعبِ، وكذا ضُيُوفُنا حَقُّ كِستانَ وطُلّابُ كُلِّيّاتٍ مُختَلِفةٍ؛ ونالَت أَهَمِّيّةً وتَقدِيرًا كَبِيرًا.
— 967 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمينَ، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أِّلالِينَ
إِخوانِي الأَعِزّاءَ المُتَعطِّشِينَ لِإِكسِيرِ حَياةِ الإِيمانِ والإِسلامِ..
أَوَدُّ أن أُبيِّنَ لَكُم أوَّلًا أنَّ جُلُوسِي على كُرسِيِّ المُحاضَرةِ لا يُميِّیزُني بشَيءٍ عَنكُم، فما أَنا سَِ على ٍ لَكُم لا أَكثَرَ.
وأَمّا هذه المُحاضَرةُ فهِي عِبارةٌ عن دَرسٍ مُفِيدٍ لي أَحتاجُه كَثِيرًا، أُخاطِبُ به نَفسِي أَوَّلًا، وسأَقرَؤُه لِإخوانٍ أَعِزّاءَ أَمثالِكُم مِن قَبِيلِ المُذاكَرةِ والمُناقَشةِ، فإن كانَت فيه عُيُوبٌ فّاتيّةعُودُ إِلَيَّ، أَمّا الحُسنُ والكَمالُ فيَعُودانِ لِمُؤلَّفاتِ رسائِلِ النُّورِ الَّتي استَفَدتُ مِنها كَثِيرًا.
ستُقامُ مُحاضَراتٌ دِةِ تلك دَوْرِيّةٌ كلَّ أُسبُوعٍ مَرّةً إن لم يَكُن ثَمّةَ مانِعٌ، ومُحاضَرَتُنا الأُولَى هذه حَولَ الإِيمانِ.. إذ إِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ أَكَّد في مَجلِسِ الشّاجِمِالأَوَّلِ قائِلًا: "إِنَّ أَعظَمَ حَقِيقةٍ في الكَونِ بَعدَ الإِيمانِ: الصَّلاةُ"، لِذا وَجَدْنا مِنَ الأَنسَبِ أَن تكُونَ مُحاضَرَتُنا الأُولَى عنِ القُرآنِ، والإِيمانِ، ونَبيِّنا ورَسُولِنا علَيْه الصَّلاةُ والسَّل..
ستَكُونُ الثَّانيةُ عنِ الصَّلاةِ والعِبادةِ إن شاءَ اللهُ.
لقد بَذَلْنا وُسْعَنا في التَّحَرِّي عن مُؤلَّفاتٍ نَتَعلَّمُ مِنها هذه المَواضِيعَ، وفي نِهايةِ المَطافِ وَقَع اختِيارُنا على رَسائِلِ النُّورِ، لِأنَّهالجِنَُّفاتٌ دِينِيّةٌ قَيِّمةٌ نالَت ثِقةً كَبِيرةً وقَبُولًا عَظِيمًا مُنذُ ما يُقارِبُ نِصفَ قَرْنٍ، كما أنَّها تُعالِجُ حاجاتِنا الحَياتيّةَ والأَبَدِيّةَ بأُسلُوبٍ مُقنِعٍ يُناسِبُعَداءَِكَ العَصرِ.
وسنُوضِحُ الآنَ سَبَبَ اختِيارِنا مَوضُوعَ المُحاضَرةِ الأُولَى عنِ الإِيمانِ، ونُعرِّفُ بإِيجازٍ بمُؤلِّفِ هذه الكُتُبِ:
— 968 —
ملعالَمنِ الأَولَوِيّاتِ الَّتي وَضَعَها أَعداءُ الدِّينِ والإِسلامِ في هذا العَصرِ ضِمنَ بَرامِجِهِم ومُخَطَّطاتِهِم: إِضعافُ الثَّوابِتِ الإِيمانيّةِ وهَدمُها مِنَ الأَساسِ، وخِلالَ الخَمسةِ والعِشرِينَ عامًا الأَخِيرةِ یی على وَجهِ في أَُوصِ یی نُفِّذَت مُخَطَّطاتٌ هَدّامةٌ لِأَركانِ الإِيمانِ، وتَحتَ أَقنِعةِ نِفاقٍ مُتَنوِّعةٍ حَصَلَت تَخرِيباتٌ مُرَوِّعةٌ لم يُرَ لها مَثِيللامِ ألتّارِيخِ.
والحالُ أنَّ أيّةَ شُبهةٍ تُثارُ حَولَ رُكنٍ واحِدٍ مِن أَركانِ الإِيمانِ، أو أَيَّ إِنكارٍ له، يُعَدُّ أَمرًا أَضَرَّ وأَخطَرَ مِن إِهمالِ الأُمُورِ الن تكُوّةِ لِلدِّينِ.. لِذا فإِنَّ أَهَمَّ عَمَلٍ نقُومُ به اليَومَ هو تَقوِيةُ الإِيمانِ مِن خِلالِ تَحوِيلِه مِن إِيمانٍ تَقلِيدِيٍّ إلى إِيمانٍ تَحقِيقيٍّ، وتَعزِيزُ الإِيمانُوبِ وقاذُه.
ولَقَد باتَ العَمَلُ بأَساساتِ الإِيمانِ أَكثَرَ مِن كلِّ شَيءٍ آخَرَ لِزامًا قَطعِيًّا وحاجةً ضَرُورِيّةً، بل أَصبَحَت حالةً إِجبارِيّةً؛ فكَمَا هو الأَمرُ في تُركِيّا، كَذلِك هِي الحَالُ في العَاةُ إلَإِسلَامِي بِرُمَّته.
أَجَل، مَا الفَائِدةُ المَرجُوّةُ مِن تَرمِيمِ وتَزيِينِ غُرَفِ بِناءٍ مُتَهالِكٍ مِن أَساسِه؟! وماذا يُجدِي نَفْعًا لى ظاهذُ التَّدابِيرِ ورَشُّ المُبِيداتِ على أَغصانِ وأَوراقِ شَجَرةٍ مُتَعفِّنةِ الجُذُورِ؟! وكَذلِك الإِنسانُ، فهُو عِبارةٌ عن بِناءٍ أَشبَهَ بِقَصرٍ أَساساتُه الأَركانُ الإِيماِّها.. وشَجَرةٍ جُذُورُها الأَساساتُ الإِيمانيّةُ؛ وأَهَمُّ أَركانِ الإِيمانِ: الإِيمانُ باللهِ، وبَعدَه الإِيمانُ بالأَنبِياءِ، وبالحَشرِ.. لِذا على مَن يَطلُبُ العِلمَ تَعَلُّمُ العُلُومِ الإِيمانيّةِ أَوَّلًا، إذ هي أَساسُ العُلُومِ وإِماَيرٌ فسُلطانُها.
ولَيسَ الإِيمانُ مُجَرَّدَ تَصدِيقٍ إِجمالِيٍّ، بل له مَراتِبُ كَثِيرةٌ، فالإِيمانُ التَّقلِيدِيُّ مَثلًا تَنطَفِئُ جَذْوَتُه سَرِيعًا أَمامَ ضَلالاتِ هذا الزَّمانِ یی بِشَكلٍ خاصٍّ یی وبِدَعِه ةَ تلكِيرِه؛ أَمّا الإِيمانُ التَّحقِيقيُّ فهُو القُوّةُ الَّتي لا تُزَعزَعُ ولا تَخبُو؛ فالمَرءُ الَّذي يَبلُغُ ويَنالُ الإِيمانَ التَّحقِيقيَّ مَهالمُشاعرَّضَ دِينُه وإِيمانُه لِلأَعاصِيرِ العاتِيةِ، فإِنَّ هذه الأَعاصِيرَ
— 969 —
مَحكُومٌ علَيْها بالهَزِيمةِ أَمامَ قُوّةِ إِيمانِه، ولا يُمكِنُ لِأَعتَى الفَلاسِفةِ إِلحادًا أُه "الَثَ في نَفسِه أَيَّ شَكٍّ أو شُبْهةٍ.
وبِناءً على هذه الحَقائِقِ، رَأَينا لُزُومَ المُداوَمةِ على مُطالَعةِ مُؤَلَّفاتٍ تُكَرِّسُ الحَقائِقَ الإِيمانِيّةَ والقُرآنِيّةَ، وتَعمَلُ على تَقوِيةِ الإِيمانِ مِن خِلالِ نَشرِ دُرُوسِ الإِيمانِ التَبْتَيقيِّ، وتَحقِيقِ السَّعادةِ والسَّلامةِ الأَبدِيّةِ لِلإِنسانِ.
وإلّا فإِنَّ الِابتِلاءَ في هذا الزَّمانِ بمَصائِبَ مُرَوِّعةٍ تَضُرُّ بالحَياةِ الأُخرَوِيّةٍ، باتَ حَقِيقةً لا مَفرَّ مِنها؛ والسَبِيلُ الأَكِّرُ لِلنَّجاةِ مِنها يَتَمثَّیلُ في الِاعتِصامِ بالقُرآنِ الحَكِيمِ وآياتِه الإِيمانيّةِ، وبالتَّمسُّكِ بتَفسِيرٍ قُرآنِيٍّ عَظِيمٍ يُخاطِبُ عَصرَنا هذا.
ولَالنُّوُؤالًا يَدُورُ الآنَ في أَذهانِكُم، وتُبدِيه نَظَراتُكُم جَلِيًّا بمَشاعِرَ نُورانيّةٍ هَيّاجةٍ: هل يُوجَدُ في هذا العَصرِ مُؤَلَّفٌ كهذا؟
أَجَلْ، لقد بَ إن حَ وُسْعَنا في التَّحَرِّي الدَّقِيقِ عن مَصادِرَ ومُؤلَّفاتٍ تُلبِّي حاجَتَنا بشَكلٍ تامٍّ، وتُراعِي هذه الجَوانِبَ، وقد تَوَصَّلْنا أَخِيرًا إلى قَناعةٍ تامّةٍ أنَّ م الحَياتِ بَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ "رَسائِلَ النُّورِ" يُمكِنُ أن تكُونَ دَلِيلًا قُرآنِيًّا ومُرشِدًا كامِلًا لِلشَّبابِ الأَتراكِ ولِلعالَمِ الإِسلاميِّ ولِلبَشَرِيّةِ جَمْعاءَ؛ وإِنَّنا نَشهَدُ ُسُسِ ه الحَقِيقةِ ويَشهَدُ مَعَنا كَذلِك مِئاتُ الآلافِ مِمَّن أَنقَذُوا إِيمانَهُم مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ.
وثَمّةَ خَصائِصُ رَأَينا مِنَ اللّازِمِ تَوَفُّرُها فِيمَن يُؤلِّفُ كُتبًا قُرآنتَقبَلِن شَأْنِها النُّهُوضُ بمُهِمّةِ الهِدايةِ العامّةِ والشّامِلةِ في القَرنِ العِشرِينَ، وقد وَجَدْنا هذه الخَصائِصَ ذاتَها مُجتَمِعةً في رَسائِلِ النُّورِ ومُؤلِّفِها بَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ، وهذه الخَصائِصُ هي:
أَوَّلًِاحتِرَ يَتَّخِذَ المُؤلِّفُ القُرآنَ الحَكِيمَ وَحدَه أُستاذًا له..
ثانيًا:إنَّ القُرآنَ الحَكِيمَ هو كِتابُ اللهِ الأَقدَسُ، يَضُمُّ بينَ دَفَّتَيه العُلُومَ الحَقِيقيّةَ، وخِطابًا أَزَلِيًّا مُوَجَّهًا إلى جَمِيعِ فِئاتِ المُجتَميَّما كلِّ العُصُورِ، ولِكي يُعبِّیرَ المُفَسِّرُ عنِ الحَقِيقةِ بصُورةٍ صافِيةٍ نَقِيّةٍ لا شائِبةَ فيها، وحتَّى يكُونَ تَفسِيرُه تَفسِيرًا حَقِيقيًّاه ويُن
يَنبَغِي ألّا يَخضَعَ في أَثنائِه لِتَأثيرِ مَسلَكِه ومَشرَبِه الخاصِّ، ولا يَخلِطَه بمَشاعِرِه الشَّخصِيّةِ؛ وحتَّى يَتَمكَّن مِن إِيضاحِ تلك الن له عِ على نَصاعَتِها، ويَكشِفَ عن تلك المَعاني الواسِعةِ العَمِيقةِ على حَقِيقَتِها، يَجِبُ أن يكُونَ عَلّامةً حَقًّا، ومُتَخَصِّصًا في كلِّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ، وله فِكرٌ واسِعٌ، واطِّلاعٌ شامِلٌ، ونَظَرٌ، حتٌَّ، وإخلاصٌ تامٌّ، وعَبقَرِيّةٌ عَظِيمةٌ، واجتِهادٌ عَمِيقٌ نافِذٌ، وله مِنَ القُوّةِ القُدسِيّةِ والعِنايةِ الرَّبّانيّةِ نَصِيبٌ وافِرٌ..
قُلًْا:يَجِبُ أن يُؤلَّفَ التَّفسِيرُ بإِخلاصٍ تامٍّ، بحَيثُ لا يَبتَغِي المُفسِّرُ وَراءَ عَمَلِه هذا سِوَى رِضاءِ اللهِ سُبحانَه، مِن دُونِ أن يَتَحوَّلَ نَظَرُه إلى أيِّ غَرَضٍ مِنَ الأَغراضِ الدُّنيَوِيّةِ، سواءٌ المادِّيّةُ مَّرِيقوِ المَعنَوِيّةُ، وهذه الحالةُ لا بُدَّ أن تكُونَ ظاهِرةً واضِحةً في أَحداثِ حَياةِ المُفَسِّرِ نَفسِه.
رابِعًا:إنَّ احتِفاظَ القُرآنِ الكَريمِ بجِدَّتِه وطَراوَتِه ونَضارَتِه وفُتُوَّتِِرُ. وِحدَى مُعجِزاتِه الكُبْرَى، إذ إنَّ لِلقُرآنِ الحَكِيمِ (وَجْهًا) لِكُلِّ عَصرٍ يَتَوجَّهُ إلَيْه لِسَدِّ حاجاتِ ذلك العَصرِ، حتَّى لَكَأنَّه قد أُنزِل لِذلِك العَصرِ بالذّاتِ وهو كذَلِك..
لِذا ا كذُبالتَّفسِيرَ الأَمثَلَ لِهذا العَصرِ هو الَّذي يَكشِفُ ذلك وَجْهَ یی القُرآنِ الحَكِيمِ یی المُتَوجِّهَ المُطِلَّ على عَصرِنا هذا، ويَسُوقُ البَراهِينَ الإشاَتةَ بأُسلُوبٍ سَهلٍ وشائقٍ بحَيثُ يُفِيدُ الطَّبَقاتِ البَشَرِيّةَ كافّةً، ابتِداءً مِنَ العَوامِّ وانتِهاءً بالخَواصِّ..
خامِسًا:أنَّ يُدَرِّسَ المُفَسِّرُ حَقائ تَعلِإِيمانِ والقُرآنِ مِن خِلالِ سَوقِ دَلائِلَ قَوِيّةٍ، وبَراهِينَ دامِغةٍ بحَيثُ لا يُمكِنُ أن تُجرَحَ أو تُفَنَّد أَبدًا؛ أي: يَجِبُ على المُفسِّرِ أن يَتَّخِذَ لِنَفسِه قاعِدةَ ِطْرَتباتِ"..
سادِسًا:يَنبَغي لتَفسِيرِه الَّذي يُدَرِّسُه أن يُنيرَ العَقلَ والقَلبَ والرُّوحَ والوِجدانَ معًا، ويَسكُبَ الطُّمَأْنينةَ في كلٍّ مِنها، كما يَجِبُ أن يكُونَ بَلِيغًا وقَوِينِ الحُؤَثِّرًا إلى دَرَجةٍ بحَيثُ يُمسِكُ بزِمامِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ ويُسَخِّرُها، لا.. بل يُلزِمُ الشَّيطانَ إِلزامًا..
— 971 —
سابِعًا:يَجِبُ أن يُنقِذَ القاِرئَ مِنَ الأَنانياءَتِ لغُرُورِ والعُجْبِ وغَيرِها مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمةِ الَّتي تَحُولُ دُونَ إِدراكِ الحَقائقِ، ويُرَسِّخَ بَدَلًا مِنها خِصالًا سامِيةً حَمِيدةً كالتَّواضُعِ والت أَثْبيةِ وغَيرِهِما..
ثامِنًا:اتِّباعُ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ یی ضِمنَ مَذْهَبِ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ یی هو الأَساسُ لِلعَلّامةِ الَّذي يقُومُ بالتَّفسِيرِ، فلا بُدَّ أن يكُونَ إذًا عَلِفةَ بعِلْمِه، عَظِيمَ التَّقوَى، عَظِيمَ الزُّهدِ، عَظِيمَ الإِخلاصِ، عَظِيمَ الثَّباتِ في خِدمةِ الدِّين، عَظِيمَ الصِّدقِ، وعَظِيمَ الوَفاءِ والتَّضحِيةِ، معَ اقتِصادٍ وقَناعةٍ عَظِيمَينِ.
وخُلاصةُ القَولِ:أَن يكُوالإنساُفَسِّرُ یی برَسائِلِه القُرآنيّةِ یی أَهْلًا لِنَفَحاتِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ الظّاهِرةِ بالعُبُودِيّةِ الخالِصةِ والتَّقوَى العَظِيمةِ، وأَن يكُونَ أَيضًا بقُوَّتِه القُدسِيّةِ م(٭٭) ا لِلَمَعاتِ الوِلايةِ الأَحمَدِيّةِ حتَّى يُصْبِحَ أَهلًا بحَقٍّ لِأَن يُطلَقَ علَيْه صِفةُ: "خادِمِ القُرآنِ".
تاسعًا:على المُفَسِّر وهو يُوَضِّحُ ال الخُصلَ القُرآنيّةَ أوِ الشَّرعِيّةَ ألّا يَبقَى تحتَ أَيِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الضَّغطِ أوِ التَّأثيرِ مِن أيِّ جِهةٍ كانَت، فلَيس له أن يُفتِيَ تَحتَانِ عِيرِ تلك الضُّغُوطِ بفَتوَى، وإنَّما علَيْه أن يَستَهِينَ بالمَوتِ، وأن يَمتَلِكَ قُوّةً وصَلابةً إِيمانيّةً وشَجاعةً إِسلاميّةً بحَيثُ يَتَمكَّنُ وَحْدَه أَن يَتَحَتِسابٍلعالَمَ بأَسرِه دُونَ تَرَدُّدٍ أو إِحجامٍ.
نعم، إِنَّ الَّذي يَنشُرُ رَسائِلَه القُرآنيّةَ في مَرْحَلةٍ عَصِيبةٍ جِدًّا، وأَحكامُ الإِعدامِ تُنَفَّذُ بالجُملةِ، بل تَرمِي إلى إِزالةِ الأَساسات القُرآنِيةِ والشَّرعِيّةِ وإِطفاءِ نُورِلةِ ولَحظُرُ حتَّى نَشرَ أَيّةِ رِسالةٍ كانَت حَولَ الدِّينِ وقَضاياه.. نعم، إنَّ الَّذي يَكتُبُ ويَنشُرُ رَسائِلَه في مِثلِ هذه الظُّرُوفِ وفي هذه المَرحَلةِ بالذّاتِ لَهُو بحَقٍّ: مُرشِدٌ فَذٌّ، ومُفَسِّرٌ عَظِيمٌ مَرمُوقٌ لِلقُرآنِ، ورائِدٌ الإنسمٌ كامِلٌ لِلإِسلامِ..
وتِلكُمُ الخَصائِصُ والشُّرُوطُ السّالِفةُ تَوَفَّرَت بعَينِها في هذا العَصرِ، في رَسائِلِ النُّورِ ومُؤلِّفِها سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ؛ ويَشهَدُ على ذلك بالِاتِّفاقِ والتَّواتُرِ والإِجماعِ عُلَماءُ
— 972 —
ةِ إِلامِ الحَقِيقيِّينَ المُتَبحِّرِينَ، وهو كَذلِك أَمرٌ مَعلُومٌ ومُصَدَّقٌ لَدَى أَورُوبّا وأَمرِيكا والأُمّةِ الإِسلامِيّةِ الَّتي شارَفَت على التَّيقُّظِ.
أَصدِقائي.. كُنّا نَبحَثُ عُبحانَِيرٍ قُرآنِيٍّ كهذا.. ونَطلُبُ مُفسِّرًا كهذا.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ: إِنَّ أَهَمَّ قَضِيّةٍ تُواجِهُ الإِنسانَ في عَصرٍ مُرَوِّعٍ كهذا هي الفَي نَظَلإِيمانِ أو خَسارَتُه، لقد بَعَثَتِ الحَربانِ العالَمِيَّتانِ اليَقَظةَ في نُفُوسِ البَشَرِ، فذَكَّرَتاهُم بفَناءِ الحَياةِ الدُّنيا، وحَرَّكَتا فِيهِم مَشافِ شَهلحَياةِ في عالَمٍ أَبدِيٍّ بِسَعادةٍ دائِمةٍ؛ فلِأَجلِ الفَوزِ بقَضِيّةٍ عَظِيمةٍ كَهذِه يَتَوجَّبُ علَيْنا یی بِطَبيعةِ الحالِ یی الدِّقّةُ الشَّدِيدةُ في التَّحَرِّي عن مُحامٍ نُوَكِّلُه (حاشية): إنَّ رسَائلَ النُّور وَكيلُ (مُحامي) قا تلك كَهذه في هَذا الزَّمان، ويَشهَدُ على ذَلك المَلايينُ مِمَّن أَنقَذُوا إِيمانَهم بها. في زَمَنٍ مُضِلٍّ وخَدّاعٍ كَهذِا.. لِذا سَوفَ نُعَمِّقُ تَدقِيقَنا أَالدُّن على النَّحوِ التّالِي:
إِنَّ ما أَلَّفَه فَطاحِلةُ عِلمِ الكَلامِ المُسلِمِينَ وأَئِمّةُ دِينِنا العِظامُ وعَباقِرةُ مُفَسِّرِي القُرآنِ الحَكِيمِ قَبلَ عَصرِنا هذا، لَيُعَدُّ كةِ أوَفاتٍ قيِّمةً لا تُقَدَّرُ بثَمَنٍ، فهُم شُمُوسُ الإِسلامِ؛ لكِنَّ زَمانَنا هذا مُختَلِفٌ عنِ الزَّمَنِ الَّذي عاشَ فيه أُولَئِك السّادةُ العِظامُ.
كانَتِ الضَّلالةُ قَدِيمًا ناجِمةً عن الجَهلِ، لِذا كانَو طِلّاليَسِيرِ إِزالَتُها؛ أَمّا في زَمانِنا هذا فالضَّلالةُ یی أي: الهُجُومُ على القُرآنِ والإِسلامِ والإِيمانِ یی آتِيةٌ مِنَ العِلمِ والفَلسَفةِ، فإِزالةُ هكذا ضَلالةٍ صَعبٌ عَسِيرٌ، وقد كانَ هذا القِسمُ الأَخِيرُ ناد على عيما مَضَى، ورُبَّما لا تَجِدُ مِنَ الأَلفِ إِلَّا واحِدًا يَضِلُّ بالعِلمِ؛ وإِذا ما وُجِدَ ضالُّونَ مِن هذا النَّوعِ فإِنَّ واحِدًا بالأَلفِ مِنهُم يَعُودُ إلى جادّةِ الصَّوابِ، ذلك لِأَنَّ أَمثالَ هَؤُلاءِ جاهِلُِينٌ، َحسَبُونَ أَنَّهُم يَعلَمُونَ.
وتَعلَمُونَ جَيِّدًا أَنَّ العُلُومَ المُثبَتةَ "الإِيجابِيّةَ" في القُرُونِ السّالِفةِ ما كانَت على رُقيٍّ كافٍ كما في القَابةِ اعِشرِينَ؛ لِذا فإِنَّ استِئْصالَ جُذُورِ الإِلحادِ والمادِّيّةِ المُنتَشِرَينِ في العالَمِ في هذا العَصرِ، وإِظهارَ طَرِيقِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، والأَخذَ بِيَدِ البَشَرِيّةِ إلى الصِّراطِ المُستَقِيمِ، وإِنقاذَ إِيمانِهِم، َمَسِّونُ إِلّا باكتِشافِ وَجهِ القُرآنِ الحَكِيمِ المُتَوجِّهِ إلى هذا العَصرِ، وتَفسِيرِه على النَّحوِ الَّذي يَستَفِيدُ مِنه الجَمِيعُ.
— 973 —
لَقَد وَجَدَ بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيحيانًاالقُرآنِ الكَرِيمِ الحَقائِقَ الَّتي يَحتاجُها هذا العَصرُ، ونَجَح مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ في تَفسِيرِها وإِيضاحِها على النَّحوِ اضْلًا يُمكِنُ أن يَستَفِيدَ مِنه الجَمِيعُ بحَسَبِ قابِليَّتِه.
لِذا تَمَّ التَّوَصُّلُ إلى قَناعةٍ أنَّ هذه الرَّسائِلَ عِبارةٌ عن مُؤَلَّفاتٍ لم يُوجَد لها نَظِيرٌ.
ولِأَجلِ هذه المَزِيّةِ المَوجُودةِ في رَسائِلِ يِشْهَرِ، فإِنَّ مَلايِينَ المَحظُوظِينَ مِن بَينِ الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ المُبارَكةِ قدِ اختارُوا رَسائِلَ النُّورِ، وشَعَرُوا بحاجَتِهِمُ الماسّةِ إلَيْها، وقَرَؤُوها بشَوقٍ ولَهْفةٍ رَغم نَفسُِلمِ والِاضطِهادِ الواقِعِ مُنذُ خَمسٍ وعِشرِينَ عامًا.
ولِأَنَّ رَسائِلَ النُّورِ قد كُتِبَت في زَمَنِ الحاجةِ، فقدِ اتَّسَعَ نِطاقُها بسَعَةِ تُركِيّا والعمُها والإِسلامِيِّ، وأَظهَرَت لِلعِيانِ أنَّ لها مَزايا تَخُصُّ العالَمَ بِأَسْرِه.
إِخواني الأَعِزّاءَ.. عِندَما كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ في إِسطَنبُولَ قَبلَ أَربَعِينَ عامًا، أَحدَثَ ضَجّةهادةَ امِيّةً قائِلًا: "لِيَسْأَلْ مَن يَشاءُ، ما يُرِيدُ"، وعلى إِثرِ ذلك تَوَجَّه مَشاهِيرُ عُلَماء وعَلّاماتِ زَمانِه على هَيْئةِ مَجمُوعاتٍ إلى مَكانِ إنا المِه، ووَجَّهُوا له أَسئِلةً صَعْبةً ومُعَقَّدةً حَولَ عُلُومٍ ومَواضِيعَ مُختَلِفةٍ، فأَجابَهُم بَدِيعُ الزَّمانِ دُونَ أَيِّ تَرَدُّدٍ أو تَوَقُّفٍ.
إِنَّ إِحداثَ زَوْبَعةٍ إِعلامِيّةٍ ةُ الخرَسْمِ حَدٍّ أو تَحدِيدِ حُدُودٍ لها، ودُونَ وَضْعِ قُيُودٍ لِلأَسئِلةِ كی: (لِيَسْأَلْ مَن يَشاءُ، في هذا العِلمِ المُحَدَّدِ، أو: في ذاك المَوضُوعِ المُع إلى ق)؛ والنَّجاحَ في هذا الأَمرِ في نِهايةِ المَطافِ، يَدُلُّ على أنَّه لا ولم يُوجَدُ یی إلى يَومِنا هذا، وعلى مَدَى تارِيخِ البَشَرِيّةِ یی عَبقَرِيُّ إِسلامٍ كهذا، يَملِكُ هذا القَدْرَ مِنَ العِلمِ المُامِّ أالشّامِلِ (بِاستِثناءِ عَصرِ السَّعادةِ).
ووافَقَ وُجُودَه في إِسطَنبُولَ قُدُومُ أَحَدِ أَبرَزِ عُلَماءِ الأَزهَرِ إلَيْها في جَوْلةٍ له، وهُو الشَّيخُ "بَخِيتٌَّضْحِِيعِيُّ"، فطَلَب مِنه بَعضُ العُلَماءِ الَّذِينَ غُلِبُوا في المُناظَرةِ أن يُناظِرَ هذا الشَّابَّ القادِمَ مِن أَقاصِي جِبالِ "كُرْدِسْتانَ"، فأَجابَهُمُ الشَّيخُ إلى ما طَلَبُوه، وراحَ يَتَحيَّنُ الةًفي إلى أَن سَنَحَتْ ذاتَ يَومٍ حِينَ انصَرَف الجَمِيعُ مِنَ الصَّلاةِ بمَسجِدِ "أَيا
— 974 —
صُوفْيا"، وجَلَسُوا في إِحدَى صالاتِ الشّايِ، فأَقبَلَ الشَّيخُ "بَخِيتٌ" نَحوَ بَدِيعِ الزَّمانِ بحَضْرةِ جَمْهَرةٍ مِنَ العُلَماءِ وسَأَلَه: مويُظهِولُ في حَقِّ الأَورُوبَّائيَّةِ والعُثْمانيّةِ؟
ولم يَكُن مُرادُ الشَّيخِ مِن هذا السُّؤالِ أن يَختَبِرَ عِلمَ النُّورْسِيِّ الزّاخِرَ ولا ذَكاءَه الوَقَّادَ، وإِنَّما أَرادَ الوُقُوفَ على مِقدارِ مَعرِفَتِه بشُ بها أالعالَمِ السِّياسِيّةِ، ومَدَى استِشرافِه لِلمُستَقبَلِ.
فأَجابَه النُّورْسِيُّ قائِلًا: "إِنَّ أَورُوبّا حامِلةٌ بالإِسلامِيّةِ، فستَلِدُ يَومًا ما؛ وإِبالبَدعُثْمانيّةَ حامِلةٌ بالأَورُبّائيّةِ، فستَلِدُ يَومًا ما".
فقال الشَّيخُ "بَخِيتٌ": إِنَّ هذا الشّابَّ لا يُناظَرُ، فإِنِّي أُوافِقُه الرَّأْيَ، إِلّا أنَّ التَّعبِيرَ بمِثل هذه الُ وتَتِ والإِيجازِ لا يَكُونُ إِلّا مِن "بَدِيعِ الزَّمانِ".. ولَقَد تَحَقَّق كِلا الأَمرَينِ اللَّذَيْنِ أَخبَر عَنهُما بَدِيعُ الزَّمانِ فِعلًا كما قال، فمِمّا يُصَدِّقُ هذا الخَبَرَ أنَّه بَعدَ سَنةٍ أو سَنَتَينِ مِن إِعَا كَنلمَشرُوطِيّةِ، أُخِذَ الكَثِيرُ مِنَ العاداتِ الأَجنَبِيّةِ المُخالِفةِ لِلشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ، وفُرِضَتْ شَيئًا فشَيئًا في تُركِيّا، بَينَمايعُ الَدُ اليَومَ حُسنُ القَبُولِ لِلقُرآنِ والإِسلامِ في أَورُوبّا؛ وخاصّةً معَ وُجُودِ وَقائِعَ تُنبِئُ عن رَغبةِ الشَّعبِ الأَلمانِيِّ المَحظُوظِ في دُخُولِ الإِسلامِ أَفواجًا أَفواجًا.
لَقَد تَوَصبَدِيعلَماءُ الإِسلامِ الأَجِلّاءُ والشُّيوخُ الكِرامُ الفُضَلاءُ، بَعدَ تَجارِبَ واختِباراتٍ عِدّةٍ، إلى القَناعةِ التّاليةِ: "كُلُّ ما يَتَحدَّثُ به بَدِيعُ الزَّمانتِها. َقِيقةٌ، ومُؤَلَّفاتُه سُنُوحاتٌ قَلبِيّةٌ نالَت تَقدِيرَ واستِحسانَ جُمهُورِ العُلَماءِ".
فأَهلُ العِلمِ وأَربابُ التَّصَوُّفِ ورُوّادُ المَدارِسِ والجامِعاتِ يَستَفِيدُونَ ويَنهَلُونَ الفَيضَ مِن مُؤَلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ.. أَجَل، لَققْلانَِر لِلقاصِي والدّانِي أنَّه نَجَح وأَفلَح في مُقتَبَلِ شَبابِه في إِلزامِ عُلَماءَ أَجِلّاءَ ومُرشِدِينَ عِظامٍ في جَمِيعِ مُناظَراتِه، وفي شَتَّى العُلُومِ، حتَّى العُلُومِ الحَدِيثةِ مِنها، وبزَخَمٍ إِعلامِيٍّ فَرِيدٍ؛ وهُو رَجُلٌ شِبهةِ في ِيٍّ لَدَيه مِنَ التَّحصِيلِ العِلمِيِّ ثَلاثةُ أَشهُرٍ فَقَط، ولم يَنشَغِل مُنذُ أَربَعِينَ عامًا بكِتابٍ سِوَى القُرآنِ الكَرِيمِ، ويَشهَدُ كُتّابُه الَّذِينَ قائي..ُوا على قَيدِ الحَياةِ اليَومَ أنَّه لم يُراجِع كِتابًا خِلالَ
— 975 —
تَألِيفِ كُتُبِه وهِي (١٣٠) كِتابًا بالتُّركِيّةِ و(١٥) بالعَرَبِيّةِ، ولم تَكُن لَدَيه مَكتَبةٌ أَصلًا، وصَدَّق المَسائِلَ المُتَّفِقةًَا مِنَحَ الخِلافِيّةَ مِنها، وأَقرَّ العُلَماءُ بحَقِّه قائِلِينَ: "لَيسَ ثَمّةَ سُؤالٌ إِلّا وله جَوابٌ عِندَ بَدِيعِ الزَّمانِ"، وواجَهَ اعتِراضاتِ بَعضِ الحاقِدِينَ مِنَ الفَلاسِفةِ الأَورُبِّي مَن يعلى المُتَشابِهاتِ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ والأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ، مُثبِتًا مِن خِلالِ مُؤَلَّفاتِه بأَنَّ هذه الآياتِ والأَحادِيثَ هي مُعجِزاتٌ بحَدِّ ذاتِها؛ فقَضَى بهذا على تلك الِاعتِراضاتِ مِن جُذُورِها، وأَنقَذَ كَذلِك لك یی أَهلِ العِلمِ الَّذِينَ تَوَلَّدَت في نُفُوسِهِمُ الشُّبُهاتُ، وأَفشَلَ جَمِيعَ أَشكالِ الهَجَماتِ الَّتي شُنَّت على الإِسلامِ.
أَمامَ ذلك كُلِّه: لا شَكَّ أنَّ مُؤَلِّفًا كسَعِيدٍ النُّورْسِيِّ مُفَسِّرُ قُرآنٍ عَبقَرِيٌّ، وأنَّ عَدٍّ لهِبةٌ إلٰهِيّةٌ، ومُؤَلَّفاتِه المَوسُومةَ بی"رَسائِلِ النُّورِ" مُؤَلَّفاتٌ قَيِّمةٌ تَستَحِقُّ القِراءةَ مَدَى الحَياةِ.
إِخوانِي النُّجَباءَ.. ونَحنُ إِذ نَختارٌُ مِن َّفًا سيُحَقِّقُ لنا الأَمنَ والأَمانَ، وسيُنقِذُ حَياتَنا وحَياةَ العالَمِ الإِسلامِيِّ الأَبدِيّةَ، وسيُنوِّرُنا ويُرشِدُنا ويَحفَظُنا مِنَ الوُقُوعادِّ اَرَكِ الضَّلالةِ؛ فمِنَ الضَّرُورِيِّ جِدًّا أَن نَكُونَ في غايةِ الدِّقّةِ والحَذَرِ، فإِنَّهُم يَسْعَونَ في هذا الزمان خُفْيةً، وبخُدَعٍ وأَلاعِيبَ شَتَّى، لِإِبعادِ شَبابِ المُسلِمِينَ ومَهارّةِ الصَّوابِ.
وثَمّةَ قاعِدةٌ أَساسِيّةٌ يَجِبُ أَخذُها بِعَينِ الِاعتِبارِ لَدَى قِراءةِ أَيِّ كِتابٍ أوِ الِاستِماعِ إِلَيْه، وهِي:"مَن قَالَ؟ وَلِمَن قَالَ؟ ولِمَ قَالَ؟ وفِيمَ قَالَ؟"،أَلى الخِنَّ مَصدَرَ قُوّةِ الحَدِيثِ وسُمُوِّ مكانته ومُستَوَى حُسْنِه إِنَّما تُقاسُ بالأُمُورِ الأَربَعةِ التّالِيةِ: المُتَكَلِّمُ، المُخاطَبُ، المَقصَدُ، المَقامُ.. وإِلّا فلَيسَ مِنَ الصَّوابِ قِراءةُ أَيِّ كِتِ، وحَقَعُ في اليَدِ، أوِ إِلقاءُ السَّمْعِ إِلى كلِّ ما يُحكَى مِن كَلامٍ؛ فمَثلًا: ما الفارِقُ بَينَ الأَمرِ: (تَحَرَّكْ) الَّذي يُعطِيه القائِدُ لِلجَيشِ، وبَينَ الأيرُ إلَفسِه حِينَ يَصدُرُ مِن جُندِيٍّ بَسِيطٍ؟ فالأَوَّلُ يُحَرِّكُ جَيشًا جَرّارًا، أَمّا الثّاني فرُبَّما لا يُمكِنُه أن يُحَرِّك جُندِيًّا واحِدًا فَقَط.
فمِن أَجْلِ هذه الأَساساتِ الأَربَعةِ؛ وبِناءً علئذٍ: إهتِمامِ البالِغِ مِن مِئاتِ الآلافِ یی مِمَّن يَحمِلُون حُبًّا كَبِيرًا لِسَعِيدٍ النُّورْسِيَّ في قُلُوبِهِم یی بأَصغَرِ حالٍ مِن أَحوالِ أُستاذِهِم،
— 976 —
ورَغبَتِهِم بتَعَرُّفِ هذه الأَحوالِ واتِّباعِها وتَطبِيقِلُوا عد طَلَب مِنّا بَعضُ إِخوانِنا هاهنا تَوفِيرَ مَعلُوماتٍ عن حَياةِ أُستاذِنا ومُؤَلَّفاتِه ومَسلَكِه ومَشرَبِه.
لكِن لَيسَ بإِمكانِي استِيفاءُ الحَدِيثِ عنِ سائرِ الجَوانِبِ المُتَعلّجِزاتِحَياةِ شَخْصِيّةٍ كَبِيرةٍ كبَدِيعِ الزَّمانِ ومُؤَلَّفاتِه وسَجاياه، وقدِ اعتَرَف بهذه الحَقِيقةِ أَيضًا الأُدَباءُ مِن أَهلِ العِلمِ ٍّ وحُ البَصِيرةِ، فهذا الأَمرُ فَوقَ طاقَتِنا بكَثِيرٍ! غيرَ أَنِّي أُوصِي إِخوانِي الرّاغِبِينَ بالحُصُولِ على المَعلُوماتِ الخاصّةِ بِبَدِيع الزَّمانِ أن يُطالِعُوا "كُلِّيّاتِ رَسائِل النُّورِ" بدِقّةٍ وتَمَعُّنٍ ودَوامٍ، فبِغَيرِ هذه الوَسِيلةَِّ ما تَمكَّنُوا مِنَ الوُصُولِ إلى مِثلِ هذه المَعلُوماتِ.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ: إِنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ لِرَسائِلِ النُّورِ مَظهَرُ عِنايةٍ ورِعايةٍ، ومَحَلُّ كَفاءةِ واقتِدارٍ على تَحرِيرِ هذا الوَطَنِ المُبارَكِ وشَعبِه وجَمِيعَِمرِ نَمِ الإِسلامِيِّ، وتَوفِيرِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ لَهُم، وبالتّالي إِحلالِ السَّلامِ العادِلِ والشّامِلِ على وَجْهِ المَعمُورةِ؛ ولَقدِ اجتَمَع وامتَزَج في هذه الشَّخصِيّةِ القُوَى المَتِينةُ التّاليائِقةً الحَقِيقةُ الإِسلامِيّةُ، وهِي قُوّةٌ عَظِيمةٌ، وأُستاذةُ جَمِيعِ الكَمالاتِ..
الشَّهامةُ الإِيمانيّةُ، أي: عَدَمُ التَّذَلُّلِ لِلآخَرِينَ، وعَومِن هلتَّسَلُّطِ والتَّكَبُّرِ على المَساكِينِ..
العِزّةُ الإِسلامِيّةُ، وهِي أَهَمُّ عَوامِلِ السُّمُوِّ والعِزّةِ والشَّرَفِ والرُّقيِّ الَّتي مَنَحَها الإِسلامُ لِلإِنسانِ..
أَصدِ إذا و وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناه: "العُلَماءُ الحَقُّ هُم مَن يَصْدَعُونَ بالحَقِّ والحَقِيقةِ في وَجْهِ الحُكَّامِ الظّلَمةِ دُونَ خَوفٍ أو وَجَلٍ"، ونَحنُ لا يَسَعُنا إِلّا الوُثُوقُ والِاعتِمادُ على كَلامِكِيمَ بِ عالِمٍ تَقِيٍّ نَقِيٍّ كهذا.
وإِنَّ مِصْداقَ هذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ في عَصْرِنا يَتَحقَّقُ في "رَسائِلِ النُّورِ" بمُؤَلَّفاتِها ووَقائِعِ حَياتِها یی وهابٍ" عمُتَناوَلِ الجَمِيعِ یی وفي شَخصِ مُؤَلِّفِها بَدِيعِ الزَّمانِ، ذاك المُجاهدِ المُتَّبِعِ لِسُنّةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتَمامضارَتِ جِهادِه الدِّينيِّ وفي عُبُودِيَّتِه وخِدمَتِه لِلقُرآنِ.
— 977 —
لَقَد صَلَّى الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) صَلاةَ الجَماعةِ بالصَّحْبِ الكِرامِ مُتَناوِبِينَ في أَعظَمِ حادِثةٍ سِياسِيّةٍ فيمُنحَصَمِ: "غَزْوةِ بَدْرٍ"؛ ما يَعنِي أنَّه فَضَّل صَلاةَ الجَماعةِ یی وهِي عَمَلٌ صالِحٌ غَيرُ واجِبٍ، ويُشرَعُ تَركُه في الحَربِ خاصّةً یی على أَعظَمِ حادِثةٍ سِياسِيّةٍ فرٍ جُزلَمِ، وعَدَّه أَسمَى مِنها، ولم يُفَوِّتْ أَجْرًا يَسِيرًا حتَّى في أَهوالِ جَبَهاتِ الحَربِ.
وكَذلِك بَدِيعُ الزَّمانِ حِينَ شارَك في الحَربِ الرُّوسِيّك یی بئِدٍ لِفِرقةِ المُتَطوِّعِينَ، فعَلَى جَبَهاتِ القِتالِ وعلى خَطِّ النَّارِ ألَّف تَفسِيرَه الشَّهِيرَ بی"إِشاراتُ الإِعجازِ" الَّذي يالتِّجُ جُزءًا مِنَ القُرآنِ؛ ولَقَد حَظِي هذا المُؤَلَّفُ بتَقدِيرِ عُلَماءَ أَجِلّاءَ في العالَمِ الإِسلامِيِّ وتَلَقَّوْه أَحسَنَ قَبُولٍ، واعتَرَفُوا بعَجْزِهِم عن إِدراكِ مَعانِيه، وأَنَّهُم لم يَرَوْا نَظِيرًا له مِن قَبلُ؛ وقد بيَّن هذا الِه البيرُ أَدَقَّ نِكاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ وأَعمَقَ مَسائِلِه، ولَفَت الأَنظارَ إلى إِعجازِه الفَرِيدِ وفَصاحَتِه وبَلاغَتِه السّامِيةِ الخارِقةِ، حتَّى إِنَّ مَدافِعَ الأَعداءِ وأَسلِحَتَهُم على خَطِّ التَّماسِ لم تَتَمكَّن مِن تَحوِيلِ نجِدُ فالأُستاذِ عن بَيانِ نُكتةِ أَحَدِ الحُرُوفِ، ولم تَستَطِع مُجرَياتُ الحَربِ وأَهوالُها صَرْفَه عن ذلك.
وفي الحِقْبةِ السَّوداءِ المُظلِمةِ الَّتي مُنِعَ فيها الأَذانُ المُحَمَّدِيُّ، وفُرِضَتِ البِدَعصّانِعحدَثةُ على الجَمِيعِ بالإِكراهِ، لم يُرَدِّد أَحَدٌ مِن طُلّابِ النُّورِ ذلك الأَذانَ المُزَيَّفَ، وحافَظُوا على أَنفُسِهِم ببَسالةٍ في مُواجَهةِ البِدكْ مَسم يَخُوضُوا فِيها.
وتَحتَ تَضيِيقِ المُستَبِدِّينَ الظّالِمِينَ وشَدِيدِ مُراقَبتِهِم، ألَّف بَدِيعُ الزَّمانِ (١٣٠) كِتابًا إِيمانِيًّا، ونَشَرَها خُفْيةً في عُمُومِ النَّواحِي الَّتي نُفي إِلَيْها، وذلك في الحِقْبةِ الحالِكةِ الَّتي حاي طَوا فيها القَضاءَ على الإِيمانِ والإِسلامِ، في حِينِ لم يَتَمكَّن عالِمٌ واحِدٌ مِن نَشرِ كِتابٍ دِينيٍّ واحِدٍ فقط وبالخَفاءِ.
وفَضْلًا عن ذلك كانَ يَنامُ قَلِيلًا مِن اللَّيلِ، ثمَّ يَقُومُ بَعدَها يَدعُو اللهَ تَعالَى ويَالْأََعُ، ويَلتَجِئُ إلى الحَضْرةِ الإلٰهِيّةِ لِأَجلِ صَلاحِ ونَجاةِ الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ الَّتي تَئِنُّ تَحتَ وَطَیآتِ الأَسْرِ والهَيْمَنةِ.
أَجَل؛ لَقدِ اقْتَدَى الأُستاذُ بسُنّةِ الرَّسُولِ الأُضطَیر علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتَمامِها.
— 978 —
وإِنَّ حالَه هذه لَتُعَدُّ نَمُوذجًا وقُدْوةً لِمُجاهِدِي الإِسلامِ ولِجَمِيعِ المُسلِمِينَ، إذ جَمَع في عَمَلِه بَينَ الجِهادِ والمُجاهَدةِ المُتَمثِّلةِ في التَّعبُّدِلَيس صَقوَى، فلَيسَ هو يَنهَضُ بواحِدٍ مِنهُما ويُهمِلُ الآخَرَ؛ ولم يَثْنِه عن مُتابَعةِ الكِتابةِ والتَّألِيفِ الزَّجُّ به في السُّجُونِ وَفْقَ مُخَطمَثلًا أَعداءِ الدِّينِ الطُّغاةِ الظّالِمِينَ، وتَرْكُه وَحِيدًا في غُرْفةٍ بارِدةٍ، ورُزُوحُه تَحتَ وَطْأةِ البَردِ القارِسِ يُقاسِي أَعباءَ الشَّيخُوخةِ ويُعاني الأَمراضَ الشَّدِيدةَ.
يقُولُ الصِّدِّيقُ الأَكبَرُ رَضِيَ الله عَنهُ: "لو اءِ إلُ جَسَدِي في جَهَنَّمَ حتَّى لا يُبقِي مَوْضِعًا لِأَهلِ الإِيمانِ!"، ويقُولُ بَدِيعُ الزَّمانِ مُقتَبِسًا مِن نَفَحاتِ هذه السَّجِيّةِ السّامِيةِ: "إِنَّني على استِعدادٍ لِدُخُجُنُودهَنَّمَ حتَّى أُنقِذَ حَياةَ بِضْعةِ أَشخاصٍ"، وتَشهَدُ حَياتُه البالِغةُ ثَمانِينَ عامًا أنَّه ارْتَقَى إلى أَوْجِ مَراتِبِ التَّضحِيةِ، وأنَّه خادِمٌ فِدائيٌّ مُخلِصٌ لِلقُرآنِ والإِسلامِ.
وإ الرَّا أَظهَرَه مِن أَعلَى دَرَجاتِ الصَّبْرِ والتَّجَلُّدِ والتَّحَمُّلِ أَمامَ كلِّ ما تَعَرَّضَ له مِن ظُلمٍ شَدِيدٍ واضْطِهادٍ مُجْحِفٍ، وإِزاءَ ما عاناه مِن مَصائِبَ وبَلايا لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، لَهُو شاهِدٌ مُصَدَّقٌ على أنَّّتيجةيعَ الزَّمانِ قد ضَحَّى بِجاهِه ومَكانَتِه، وبَذَلَ رُوحَه ونَفسَه وحَياتَه في سَبِيلِ القُرآنِ والإِيمانِ.
لَقَد تَخَلَّى بَدِيعُ الزَّمانِ عن راحَتِه الدُّنيَوِيّةِ فظّاهِريلِ خِدْمةِ القُرآنِ والإِيمانِ والإِسلامِ، ولم يُؤْثِرْ نَفسَه بأَيِّ مَتاعٍ دُنيَوِيٍّ أو شَخْصِيٍّ، وأَمْضَى حَياتَه في الزُّهدِ والتَّقوَى والرِّياضةِ والقَناعةِ والِاقتِصادِ، وما زالَ يَعِيشُ على هذا النَّادَوْارُسُوخٍ وثَباتٍ.
وأَصرَحُ مِثالٍ على هذا أنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ جَرَّدَ نَفسَه عن مَلاذِّ الدُّنيا، وبَقِيَ أَعزَبَ لِأَجلِ أن يُفرِّغَ ِ لكُلَقِيقةٍ مِن دَقائِقِ عُمُرِه لِخِدْمةِ الإِيمانِ بإِخلاصٍ تامٍّ، وحِرصًا على سَعادةِ المُسلِمِينَ ورَفاهِيَّتِهم.. أَجَل، لَقَد قَدَّم بَدِيعُ الزَّمانِ كُلَّ هذه التَّضحِياتِ لِأَجلِ الإِيمانِ والإِ لَذّةلا غَيرُ، إِضافةً إلى نَذْرِه نَفْسَه فِدّائِيَّ إِسلامٍ تارِيخِيًّا فَرِيدًا في العُبُودِيّةِ والزُّهدِ والتَّقوَى، والسُّمُوِّ إلى مَرتَبةِ الخادِمِ المُخلِصِ لِلقُرآنِ ابَدِيعمِ.
وفِيما يَخُصُّ قَضِيّةَ رَسائِلِ النُّورِ: كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ صاحِبَ طُمَأْنينةٍ وصِدقٍ ووَفاءٍ، وثَباتٍ ورُسُوخٍ، وعلى جانِبٍ عَظِيمٍ جِدًّا مِنَ الإلُوبٌ ، فلم يَثْنِ عَزْمَه قِيدَ أَنمُلةٍ جَمِيعُ
— 979 —
ما قامَ به أَعداءُ الإِسلامِ مِن ظُلمٍ شَدِيدٍ واستِبدادٍ وتَعَسُّفٍ وهَجَماتٍ وتَضيِِأَنَّمُتَوالِيةٍ، ولم يُبدِ أَدنَى تَرَدُّدٍ في المُثابَرةِ على قَضِيَّتِه إِزاءَ ما عاناه مِن فَقرٍ وقِلّةٍ وفاقةٍ.
لَقَد تَعَمَّق سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ في عُلُومِ الفَلْسَفةِ في عَهدِ شَبابِه الَّذي أَطلَقَ علَيْه اجَنّةِعَهدِ سَعِيدٍ القَدِيمِ"، وبِبَركةِ فُيُوضاتِ القُرآنِ الحَكِيمِ فاقَ في مَيدانِ الفَلْسَفةِ والحِكْمةِ فَلاسِفةَ الغَربِ الحَقِيقِيِّينَ أَمثالَ سُقراطَ وأَفلاطُونَ وأَرِسطُو، وسَبَ شَيءٍواطٍ عَباقِرةَ حُكَماءِ الشَّرقِ أَمثالَ ابنِ سِينا وابنِ رُشدٍ والفارابِيِّ، وأَعلَن أنْ لَيسَ ثَمّةَ مُنقِذٌ ومُرشِدٌ حَقِيقيٌّ سِوَى القُرآنِ، وأَثبَت ذلك في مُؤَلَّفاتِه المَوسُومةِ برَسائِلِ النُّورِ؛ ومَن كانَ فَّحتُ ِه أَيُّ شَكٍّ أو رِيبةٍ حَولَ هذه الحَقائِقِ، فبِإمكانِه أن يُزِيلَ هذه الشُّبُهاتِ والشُّكُوكَ بنَفسِه قَبلَ رَحِيلِ الأُستاذِ إلى عالَمِ الآخِرةِ.
ِدةِ، َدِ اختارَ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ لِنَفسِه مَسلَكَ خِدْمةِ القُرآنِ والإِيمانِ، ولم يَبتَغِ مِن وَراءِ ذلك أيّةَ مَنافِعَ مادِّيّةٍ أو مَعنَوِيّةٍ، وأَدَّى خِدْمَتَه إِرضاءً لِلحَقِّ سُبحانَه وَحْدَه، ولم تكُنْ غايَتُه ومَقصَدُه المَقاماتِ ا مِن طوِيّةَ كالصَّلاحِ والوِلايةِ أيضًا.. ولَقَد رَدَّ بَدِيعُ الزَّمانِ بشِدّةٍ جَمِيعَ المَراتِبِ العُلْيا الَّتي مَنَحَه إِيّاها أَهلُ العِلمِ ذَوُو أُرَدّيرةِ كی: "المُنقِذِ الدِّينيِّ والسِّياسِيِّ الَّذي يَنتَظِرُه جَمِيعُ المُسلِمِينَ"، وعَدَّ نَفسَه خادِمًا لِلقُرآنِ وطالِبًا مِن طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ لا أَكثَرَ.
قَبلَ بِضْعةِ أَيّامٍ ِرُه أبرُفْقةِ أَصحابٍ لي یی هُم بَينَنا الآنَ یی بزِيارةِ عالِمٍ جَلِيلٍ مُوَقَّرٍ أَمضَى خَمْسًا وعِشرِينَ سَنةً في الخِدْمةِ بوِزارةِ الدِّفاعِ، فتَحَدَّث لن أيضًاَدِيعِ الزَّمانِ قائِلًا: "لِأَجلِ مَعرِفةِ شَخصِيّةِ بَدِيعِ الزَّمانِ تَكفِي فقط مُلازَمةُ قِراءةِ كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ بدِق الرََّمَعُّنٍ؛ وأَذكُرُ لَكُم مِثالًا فحَسْبُ عن قُدْرَتِه القِيادِيّةِ والإِدارِيّةِ: لَدَى بَدِيعِ الزَّمانِ والشَّخصِ المَعنَوِيِّ لِرَسائِلِ النُّورِ مِنَ الكَفاءةِ والقُدْرةِ ما يكفِيبُودِيإِدارةِ دَوْلةٍ واحِدةٍ فقط، بل لو سُلِّمَت لَهُ إِدارةُ جَمِيعِ أُمَمِ الأَرضِ لَوَجَدتَهُ قادِرًا على إِدارَتِها بسَلامٍ وسَعادةٍ". أَلَ یی ِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ نادِرةٌ مِن نَوادِرِ الخِلْقةِ، إِلّا أنَّه مَنَع نَفسَه وطُلّابَه مِنَ الخَوضِ في السِّياسةِ مُنذُ خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً، ولم يَنشَغِل بالأُمُورِ الدُّنيَوِيّةِ.
— 980 —
َمِ الناءَ تَأْلِيفِه رَسائِلَ النُّورِ وقِيامِه بخِدمةِ القُرآنِ، كان بَدِيعُ الزَّمانِ على غايةٍ مِنَ الذَّكاءِ والفِطْنةِ، والتَّعقُّلِ والمَنطِق، وتَمامِ حُضُورِ الذِّهنِ والمُخيِّلةِ والقَرِيحةِ، وفي قِمّةِ التَّسَّمَا والفِراسةِ، وبالِغِ الإِحساسِ والإِحاطةِ، معَ سُرعةِ العَرضِ والتَّنقُّلِ بحَواسَّ رُوحِيّةٍ وقَلبِيّةٍ ووِجْدانيّةٍ لَيسَ لها نَظِيرٌ، ومَشاعِرَ ولَطائِفَ مَعنَوِيّةَجسامَِثِيلَ لها، مِمّا يُؤهِّلُه باقتِدارٍ لِلنُّهُوضِ بمُهِمّةِ خِدْمةِ القُرآنِ، ويَدُلُّ صَراحةً أَنَّ ذلك لم يَكُن بمَحْضِ إِرادَتِه ورِضاه، بل هو تَوفِيقُسِ، وِباءٌ مِن جانِبِ العِنايةِ الإلٰهِيّةِ؛ ويُصَادِقُ على هذا الأَمرِ أَهلُ العِلمِ وأَهلُ القَلبِ ذَوُو البَصِيرةِ وتَرتَضِيه نُفُوسُهُم.
نَشَر المَرحُومُ "عَبدُ العَزِيزِ چاوِيش" یی أَحَدُ عُلَماوِيةِ رَ الأَفاضِلِ یی مَقالةً في مِصْرَ، وَصَف فيها بَدِيعَ الزَّمانِ بأَنَّه فَطِينُ العَصرِ وصاحِبُ ذَكاءٍ وَقَّادٍ.
كما اهتَمَّ العالِمُ الجَلِيلُ شَيخُ الإِسلامِ "مُصطَفَى صَبْرِي" بأَمرِ رَسائِلِ النُّورِ في مِصرَ، وأَنزَل الكُلِّيّا هو أَانةً مَرمُوقةً ضِمنَ جامِعةِ الجامِعِ الأَزهَرِ.
إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ سَيفٌ مِن سُيُوفِ الإِسلامِ الأَلماسِيّةِ الحادّةِ، بدَلِيلِ تَبلِيغِ بَدِيعِ الزَّمانِ قَولَ الحَقِيقةِ لِقِياداتٍِيلةِ ةٍ ورُؤَساءَ ظَلَمةٍ دُونَ خَوفٍ أو وَجَلٍ، ومُواجَهَتِه لِقُوَى الإِلحادِ المُنتَشِرةِ في العالَمِ بنَشرِ الحَقائِقِ القُرآنيّةِ والإِيمانيّةِ مُستَهِينًا بالمَوتِ،ه وتَححِّيًا بنَفسِه في أَشَدِّ حِقَبِ الِاستِبدادِ، ونُهُوضِه لِخِدْمةِ هذه الحَقِيقةِ السّامِيةِ مِن صَمِيمِ قَلبِه.
وفي لائِحةِ ادِّعائِه يقُولُ عنه أَحَدُ المُدَّعِينَ العامِّينَ: "يَستَمِرُّ بَدِيعُ الزَّمانِ في النَّشاطِ ل يَستنيِّ بكُلِّ طاقَتِه الَّتي تَزدادُ كُلَّما تَقَدَّم به العُمُرُ!"، كما وَرَد في تَقرِيرِ لَجْنةِ خُبَراءِ مَحكَمةِ دَنِزْلِي: "لَقَد تَمَّ التَّوصُّلًا كانالقَناعةِ التّالِيةِ: أَجَل، لَدَى بَدِيعِ الزَّمانِ طاقةٌ، لكِنَّه لم يُوَجِّهْها لِتَأْسِيسِ طَرِيقةٍ أو تَنظِيمٍ، بل صَرَفَها في بَيانِ حَقائِقِ القُرآنِ وخِدْمةِ الدِّينِ".
وفي أَثناءِ مُناقَشةِ القَوانِيَسكَرِرِ الدِّيمُقْراطِيّةِ في بَعضِ اجتِماعاتِ مَجلِسِ الشَّعبِ يقُولُ عنه أَحَدُ وُزَراءِ الحُكُوماتِ السّابِقةِ المُعادِيةِ لِلدِّينِ: "لم نَستَطِعْ على مَدَى خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً وَقْفَ النَّشاطِ الدِّينيِّ لِبَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ ِ الدّرْسِيِّ".
— 981 —
ونَحنُ نقُولُ أَيضًا: أَجَل، إنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ شَخصِيّةٌ ذاتُ نَشاطٍ وحَيَوِيّةٍ لا مَثِيلَ لهُما، ويُقِرُّ مُعارِضُو جٌ مَكِ الزَّمانِ المُعادُونَ لِلدِّينِ یی بل يُصادِقُونَ قَلْبًا یی بأَنَّه شَخصِيّةٌ عَظِيمةٌ.
وحِينَما يُكرِمُ بَدِيعُ الزَّمانِ أَحَدَ طُلّابِه في بَعضِ الأَحيانِ بقِراءةِ شَيءٍ مِن رَسائِلِ النَها وكيقُولُ: "هذا الدَّرْسُ يَلزَمُنِي، وإِنِّي أَقرَؤُه لِنَفسِي.. لَقَد قَرَأْتُ هذه الرِّسالةَ ما يَقرُبُ مِن مِئةِ مَرّةٍ، إِلّا أَنَّني أيُشاهِ الآنَ باشتِياقٍ واحتِياجٍ لِقِراءَتِها مَرّةً أُخرَى، وكَأنَّني أَراها لِأَوَّلِ مَرّةٍ".
ويقُولُ أَيضًا: "إِنَّما أَلَّفتُ هذه الكُتُبَ لِنَفسِي لا لِلآخَرِينَ،َقَعَ كانِ كُلِّ راغِبٍ أَن يُطالِع أَدوِيَتِي هذه الَّتي استَخْلَصتُها مِنَ القُرآنِ"، أَجَل، ويُردِّدُ بَدِيعُ الزَّمانِ بكُلِّ قَناعةٍ: "إِنَّني بِحما يَللى الدَّرسِ، والتَّربِيةِ، وإِصلاحِ النَّفسِ".
لَقَدِ اجتَنَب بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ طَوالَ حَياتِه الشُّهرةَ وتَبجِيلَ نَوْعسِ وتَقدِيرَهُم، وعاشَ حَياةَ الِاستِغناءِ؛ ويَتَحدَّثُ عنِ الشُّهرةِ في أَحَدِ كُتُبِه العَربِيّةِ قائِلًا: "لَقَد شاهَدتُ أنَّ الشُّهرةَ عَينُ الرِّياءِ نا؟ كٌُ مَسمُومٌ يَقتُلُ القَلبَ، ويَجعَلُ الإِنسانَ عَبدًا لِلنّاسِ، بِمَعنَى: أنَّ الرَّجُلَ الَّذي يَطلُبُ الصِّيتَ والسُّمْعةَ يَضطَرُّ لِلرِّياءِ والتَّمَلُّقِ، ويقُومُ بتَصَرُّفاتٍ مُصطَنَعةٍ كي يَناِ على َّ النّاسِ وإِعجابَهُم؛ فإِن أَنتَ وقَعْتَ في هذا البَلاءِ والمُصِيبةِ فقُل: إِنَّا للهِ وإِنَّا إلَيهِ راجِعُونَ".
ورَغمَ أنَّ الأُستاذَ قدِ اجتَنسلِمةٌُّهرةَ قَولًا وفِعلًا إلى هذا الحَدِّ، إِلّا أنَّ النّاسَ یی ولِحِكْمةٍ ما یی قد تَوَجَّهُوا نَحوَه يَطلُبُونَ مِنه العَونَ والمَدَدَ، وأَقبَكُونُ لَيْه بما يُشبِهُ السَّوقَ الإلٰهِيَّ لَهُم؛ وإنَّ خَصْلَتُه الحَمِيدةَ هذه الَّتي هي الحَقُّ بعَينِه قد أَصبَحَت خادِمةً لِمُؤَلَّفٍ عالَمِيٍّ كرَسائِلِ الِيدِيّ.
كان بَدِيعُ الزَّمانِ مُنذُ صِغَرِه لا يَقبَلُ هَدايا النّاسِ دُونَ مُقابِلٍ، واتَّخَذ هذا الأَمرَ دُستُورًا له في حَياتِه؛ ورَغمَ أنَّه سِيقَ مِن سِجنٍ إلى َمِيعِ ونُفِيَ مِن بَلْدةٍ إلى أُخرَى، إِلّا أنَّه لم يُخالِف دُستُورَه هذا على مَدارِ ثَمانِينَ عامًا حتَّى في الضَّرُوراتِ الَّتي أَثقَلَتْها
— 982 —
الشَّيخُوخةُ! فما إِن يُقدِّمُ إِلَيْه أَحَدٌ یی أَقصَرنَ أَخَصَّ طُلّابِه یی هَدِيّةً ولو لُقْمةً واحِدةً، حتَّى يُبادِرَ لِمُكافَأَتِه علَيْها فَوْرًا، وإِلّا آذَتْه تلك اللُّقْمةُ.
ويُبيِّنُ أَحَدَ أَ الأَحعَدَمِ قَبُولِه الهَدِيّةَ بقَولِه: "زَمانُنا هذا لَيسَ كالزَّمانِ الماضِي، في الماضِي كانَتْ عَشَرةُ أَيادٍ تُحاوِلُ إِنقاذَ الإِيمانِ، أمَّا اليَومَ فقد تَقَلَّصَت إلى يَدٍ واحِدةٍ! والادةَ اُ الَّتي تَجُرُّ إلى الإِلحادِ كانَت عَشَرةً، بَينَما هي اليَومَ قد تَجاوَزَت إلى المِئةِ؛ لِذا فإِنَّني لم أَلتَفِتْ في زَمانٍ كهذا إلى أُمُورِ الدُّنيا،النَّيعَدتُ عنها بُغْيةَ خِدْمةِ الإِيمانِ.. لن أَجعَلَ مِن خِدْمَتِي الإِيمانيّةِ وَسِيلةً لِأَيِّ شَيْءٍ".
وكانَ إِن أَسْدَى إِلَيْه أَحَدُهُم خِدْمةً أو حتَّى واجَهَ بَعضَ الصِّعابِ لِأَجْلِه، يُبادِرُ لِدَفْعِ الأُجرةِ له، أو ى، وغُُ له هَدِيّةً مُتَواضِعةً لِقاءَ ما بَذَل؛ وإِلّا لم تَطِبْ نَفسُه وثَقُلَ الأَمرُ على رُوحِه إِن هو لم يَفعَل ذلك.
وخِلالَ مَسِيرَتِه في خِدْمةِ القُرآنِ والإِ الجِسوالدِّينِ، ظَلَّ بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ تَحتَ الرَّقابةِ والتَّجَسُّسِ والمُتابَعةِ والتَّدقِيقِ الدّائِمِ على مَدَى خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً؛ وقد ثَبَت في مَحاكِممُؤَلّةٍ أنَّه لم يَجعَل خِدْمَتَه القُرآنيّةَ وَسِيلةً لِأَيِّ شَيءٍ، وأنَّه يَخدُمُ الإِسلامَ في سَبِيلِ مَرضاةِ اللهِ وَحْدَه، ولِأَجلِ الحَقِيقةِ وَحْدَها لا غَيرُ.
فلو وُجِدَت أَيُّ أَمارةٍ صَغِيرةٍ تُغايِرُ هذه الحنِ لا َ السّامِيةَ، وتُبايِنُ تلك المَزايا الرَّفِيعةَ الَّتي وَقَف علَيْها أَهلُ الحَقِّ مِمَّن بَلَغُوا الحَقَّ والحَقِيقةَ في مُؤَلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ ووَجَدُوها فيه.. لَرَأَيتَ أَعداءَ الدِّينِ قد سارَعالأوََّشرِها، ولَأَضافُوا إلَيْها الكَثِيرَ الكَثِيرَ، ونَشَرُوها خِلالَ هذه الأَعوامِ الخَمسةِ والعِشرِينَ، وأَسمَعُوها سائِرَ أَقطارِ المَعمُورةِ.
ومِن الأَدِلّةِ الظّاهِرةِ: أنَّه حِينَما كان يُحالُ إلى المَحاكِمِ بِدَسائِسَ مِن أَعداِ الرِّّينِ المُستَبِدِّينَ الظّالِمِينَ، وبِاتِّهاماتٍ وافتِراءاتٍ واهِيةٍ، تَجِدُ الصَّفَحاتِ الأُولَى لِلجَرائِدِ تُسارِعُ لِإِعلانِها بَعدَ تَضخِيمِها مِئةَ ضِعْفٍ؛ بَينَما تَجِدُ السُّكُوتَ والكِتْمانَ سَيِّدَ المَوقِفِ عِندَ إِعَتَمَلَراءَتِه بَعدَ التَّحقِيقِ والمُحاكَمةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أيِّ تُهْمةٍ بحَقِّه.
— 983 —
لَقَد كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ شَفُوقًا جِدًّا على إِخوانِه في الدِّينِ، يَتَألَّمُ لِآلامِهِم، ويَضطَرِبُ لِأَوْجاعِ المُجاهِدِينَ المُسلِمِينَ مِنهاِينَ يُضَحُّونَ بأَنفُسِهِم في سَبِيلِ نَيلِ العالَمِ الإِسلاميِّ حُرِّيَّتَه واستِقلالَه؛ وكانَ يَشعُرُ على الفَورِ بالضَّرَباتِ المُوَجَّهةِ إلى القُرآنِ والإِسلامِ، وتَحتَ تَأْثيرِ هذه الوَقا بما يانَ يَنقَطِعُ عن تَناوُلِ حَسائِه الَّذي ما كانَ يَأْكُلُ مِنه یی أَصلًا یی إِلّا القَلِيلَ.
يُعانِي غالِبَ أَيّامِه مِنَ المَرَضِ والِاضطِرابِ، وقد ِيًّا أَحَدُ طُلّابِ النُّورِ: "أُستاذِي الشَّفُوقَ الَّذي لم يَلْقَ الرّاحةَ في الدُّنيا في سَبِيلِ رَفاهِيةِ الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ وسَعادَتِها.. إنَّوَضَّحضَك المُستَمِرّةَ لَيسَت بأَمراضٍ جَسَدِيّةٍ، فلن يَهْدَأَ اضطِرابُك هذا ما لم يَتَوقَّفِ الظُّلمُ والِاستِبدادُ المُخَيِّمُ على دِينِنا، وما لم ي، كدَلالعالَمُ الإِسلاميُّ استِقلالَه". أَجَل، كُلُّنا على قَناعةٍ مِن ذلك أَيضًا.
إِلّا أنَّ جَمِيعَ تلك الآلامِ المُوجِعةِ لم تَتَمكَّن مِن إِدَسافةَليَأْسِ في نَفسِ بَدِيعِ الزَّمانِ يَومًا، بل على العَكسِ مِن ذلك، دَفَعَتْه إلى التَّمَسُّكِ بالعُبُودِيّةِ والدُّعاءِ، وبالجِهادِ الدِّينينَ الطّامِلِ أَكثَرَ وأَكثَرَ، حتَّى إنَّه يقُولُ: "الحَلُّ الوَحِيدُ هو الِاعتِصامُ بالقُرآنِ"، وقد فَعَل ذلك، إِذ دَوَّن جَمِيعَ ما استَخْلَصَه مِنَ الأَدوِيةِ والوَصَفاتِ القُرآنيّةِ،ِي الندَر مُؤَلَّفاتِه "رَسائِلَ النُّورِ" لِأَجلِ إِسعادِ البَشَرِيّةِ وإِنقاذِ حَقائِقِ الإِسلامِ في هذا الزَّمانِ.
لم تَتَمكَّنِ القُوّةُ والسُّلْطةُ الدُّنيَوِيّةُ الَّتي يَملِكُها أَعداءُ الدِّينِ الظّالِمُونَ مِن إِيقافِ بَدِ وَفقَزَّمانِ، فلم يَتَخَلَّف عن نَشاطِه ولو لِلَحْظةٍ واحِدةٍ، فلَقَد آمَنَ بأَنَّ: "وَظِيفَتِي خِدْمةُ القُرآنِ، أَمّا النَّصرُ والهَزِيمةُ فهِيةُ اُورٌ تَعُودُ إلى تَقدِيرِ الحَقِّ سُبحانَه"، أَجَل، يَملِكُ الأُستاذُ عَزِيمةً عَظِيمةً جِدًّا، وأَمامَ هذا الصَّرْحِ الشّامِخِ كانَ جَمِيعُ ما يَلْقاه مِن ظُلمٍ شَنِيعٍ مَحكُومًا علَيْه بالبُالمَظا والفَشَلِ.
كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ يُطالِعُ الكائِناتِ المَوجُودةَ في الأَرضِ والسَّماواتِ بحَيْرةٍ وعَجَبٍ، ويَجُولُ كَثِيرًا في البَرارِي والجِبالِ وخاصّةً في فَصلِ الرَّبِيعِ؛ وفي تلك الأَماكِنِ تَجِدُه مالجَمِلَ الذِّهنِ ودَقِيقَ الفِكْرِ وفي سَكِينةٍ دائِمةٍ! يَتَأمَّلُ في الأَشجارِ والنَّباتاتِ
— 984 —
والأَزهارِ بنَظَراتِ العِبْرةِ، ويُرَدِّدُ عِباراتِ: "مَا شَاءَ اللهُ.. بَارَكَ اللهُ.. فتَبارَكَ اللهُ :
انُ الخالِقِينَ.. ما أَجمَلَ خَلْقَه!"، كانَ يَقَرَأُ كِتابَ الكَونِ، فعَينُه كسائِرِ أَعضائِه وحَواسِّه تَعمَلُ لِأَجلِ الحَقِّ سُبحانَه، وضِمنَ دائِرةِ مَرضِيّاتِه؛ مُطالِعًا كِتابَ الكَونِ الكَبِيرِ هذا، ومُشاهِدًا مُعجِزاتِ الصَّنْعةُِبِّهِبّانيّةِ في هذا العالَمِ، كنَحْلةٍ مُبارَكةٍ بَينَ أَزاهِيرِ الرَّحْمةِ المَبثُوثةِ في بُستانِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ.
كانَ مُتَواضِعًا في حَياتِه اليَومِيّةِ، وَقُورًا عِندَما يكُونُ على رَأْسِ عَمَلِه، مِثالًا يُحتَذَى في انِي الضُعِ وهَضْمِ النَّفسِ، وعن هذا يقُولُ: "حِينَما يكُونُ الجُندِيُّ في نَوبةِ حِراسَتِه فلَيسَ له أن يَضَع سِلاحَه حتَّى وإِن حَضَرَ القائِدُ العامُّ، وأَنا كَذلِك: خادِمٌ لِلقُرآنِ وجُدُ بذل مِن جُنُودِه، وعِندَما أَقُومُ بوَظِيفَتِي فلْيَبْرُز إِلَيَّ مَن شاءَ أَن يَبْرُزَ، فإِنِّي صادِعٌ بالحَقِّ لا أَحنِي رَأْسِي ولا أَلِينُ".
ونق وتَأَاختِصارٍ: إِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ مُفَسِّرُ قُرآنٍ حَقِيقيٌّ عَجِيبٌ، وصاحِبُ إِخلاصٍ كامِلٍ، كما أنَّه خادِمُ قُرآنٍ مِقدَامٌ فَرِيدٌ، حازَ الإِخلاصَ التّامَّ؛ وباعتِبارِه مُؤَلِّفَ رَسائِل النُّورِ فإِنَّه مُتَكلِّمٌ جَلنُها أوعَلّامةٌ مُدَقِّقٌ ومُحَقِّقٌ، وراسِخٌ في العِلمِ ومُتَبحِّرٌ فيه، وأُستاذٌ فَذٌّ رَفِيعُ القَدْرِ في عِلمِ المَنطِقِ؛ فما كِتابُه المَوسُومُ بی"التَّعلِيقاتُ" إِلّا سِفرٌ نَفِيسٌ في المَنطِق؛ كما أنَّه عَبقَرِيٌّ مُمتازٌ مُحِ وذلك لحَقِّ والحَقِيقةِ، وفَيلَسُوفٌ حَقِيقيٌّ في الفَلسَفةِ السَّوِيّةِ المُتَصالِحةِ معَ القُرآنِ، وكذا طَبِيبٌ نَفسِيٌّ ومُرَبٍّ اجتِماعِيٌّ مُنقَطِعُ النَّظِيرِ، ومُؤَلِّفٌ وأَدِيبٌ جَلِيلٌ عَبقَرِيٌّ فَرِيدٌ، يَتَرنَّمُ بذِكرِ الَدَّ لةِ على الدَّوامِ.
ثَمّةَ مَن لا يَعرِفُ الكَثِيرَ مِن هذه الصِّفاتِ، ففَضْلًا عن أنَّ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ كانَ يَستُرُ كَمالاتِه الشَّخصِيّةَ ويُخفِيها، إِلّا أنَّه لم يكُن يَسمَحَةِ، محدٍ بأن يُعَرِّفَ به بالصُّورةِ الَّتي يَستَحِقُّها، فلَقَد وُضِعَ تَحتَ نَيرِ الِاستِبدادِ والقُيُودِ الشَّدِيدةِ على مَدَى سَنَواتٍ؛ وإِنَّ هذا الَّذي قُلْناه وكذا ما تَحَدَّثْنا به حَولَُها للِصِ رَسائِلِ النُّورِ إِنَّما يُعَبِّیرُ عن قَناعاتِنا القَطْعِيّةِ مِن جِهةٍ، ومِن جِهةٍ أُخرَى هو أَحكامُ بَعضِ أَهلِ اللهِ وتَقرِيراتُ أَحْسَءِ الحَقِّ الصّادِقِينَ الأَفاضِلِ، وبقُوّةِ اتِّفاقِهِم وإِجماعِهِم.
— 985 —
وإِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ هو نَفسُه الدَّلِيلُ الأوَّلُ والأَبرَزُ على امتِلاكِه كلَّ هذا العِلمِ وهذه العًا فيِ المَذكُورةِ، ومَن كانَ في نَفسِه شَكٌّ مِن ذلك فلْيَقْرَأ رَسائِلَ النُّورِ.. أَجَل، إِنَّنا نُعلِنُ هذه الحَقائِقَ العَظِيمةَ السّابِقةَ واللّاحِقةَ بكُلِّ صَراحةٍ لِلعالَمِ الإلَّعَ يِّ والبَشَرِيّةِ جَمْعاءَ.. إِنَّ مُؤَلَّفاتٍ كرَسائِلِ النُّورِ يَحتاجُها الجَمِيعُ على مَدَى أَلفِ عامٍ.
كانَ بإِمكانِ بَدِيعِ الزَّمانِ أَن يُؤَلِّفَ كُتُبًا في شَتَّى العُلُوميّةُ لّا أنَّه وَقَف كُلَّ جُهدِه وعَمَلِه وحَياتِه لِتَألِيفِ العُلُومِ الإِيمانيّةِ ونَشرِها قائِلًا: "هذا الزَّمانُ زَمانُ إِنقاذِ الإِيمانِ".
أَجَل، لَقَد أَحْيا الأُستاَى حَلالَمَ الإِسلامِيَّ والإِنسانِيَّ، وبَعَث فِيهِمُ النُّورَ بنَشرِه العُلُومَ الإِيمانيّةَ.. نَسأَلُ الحَقَّ سُبحانَه أَن يَرضَى عنِ الأُستاذِ الجَلِيلِ رِضًا أَبدِيًّا، وأَن يَمنَحَهَّعبِ ُرَ المَدِيدَ.. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.
إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَفسِيرٌ رَفِيعٌ باهِرٌ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ في هذا العَصرِ، ومُعجِزةٌ مَعنَوِيّةٌ له.. أَجَل، إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ لها، ُ القُلُوبِ ومَحبُوبُها، وسُلطانُ الأَرواحِ، ومُعلِّمُ العُقُولِ، ومُزَكِّي النُّفُوسِ ومُرَبِّيها؛ وقد ذُكِرَ أَحَدُ خَصائِصِ رَسائِلِ النُّورِ في الصَّحِيفةِ (١٢٩) مِنَ المُجَلَّدِ الأَوَّلِ لِكِتابِ "المَكتُوبات" نوِّعةنَّحوِ التّالي: "لِبَيانِ الفُرُوقِ بَينَ الَّذِينَ يَستَلهِمُونَ نَهجَهُم مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ یی ذلك المَنهَجَ الأَقوَمَ یی والَّذِينَ يَسلُكُونَ نَهجَ عُلَماءِ الكَلامِ، شَبَّهْنا في كَلِماتٍ أُخرَى مِن "رَسائِلِ النُّورِ" بمِثالٍ رُكُها إنَّه لِأَجلِ الحُصُولِ على الماءِ، هُنالِك مَن يَأْتي به بواسِطةِ أَنابِيبَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ يَحفِرُه في أَسفَلِ الجِبالِ، وآخَرُونَ يَجِدُونَ الماءَ أَينَما تٌ إلىوا ويُفَجِّرُونَه أَينَما كانُوا؛ فالأوَّلُ سَيرٌ في طَرِيقٍ وَعْرٍ وطَوِيلٍ والماءُ مُعَرَّضٌ فيه لِلِانقِطاعِ والشُّحّةِ، بَينَما الَّذِينَ هُم أَهلٌأَنتَ رِ الآبارِ فإنَّهُم يَجِدُونَ الماءَ أَينَما حَلُّوا دُونَما صُعُوبةٍ ومَتاعِبَ.
فعُلَماءُ الكَلامِ يَمضُونَ في طَرِيقٍ طَوِيلٍ، إِذ يَقطَعُونَ سِلسِلةَ الأَسبابِ بإِثباتِ استِحالةِ الدَّوْرِ والتَّسَلسُلِ فيوَجْدًةِ العالَمِ، ومِن بَعدِه يُثبِتُونَ وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ.
— 986 —
أمّا المَنهَجُ الحَقِيقيُّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ فيَجِدُ الماءَ في كلِّ مَكانٍ ويَحف فتُقاَينَما كان، فكُلُّ آيةٍ مِن آياتِه الجَلِيلةِ كعَصا مُوسَى تُفَجِّرُ الماءَ أَينَما ضَرَبَت.. وتَستَقرِئُ كلَّ شَيءٍ القاعِدةَ الآتِيةَ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ وَاحِدُ
ثمَّ إنَّ الإِلنَّظَلا يَحصُلُ بالعِلمِ وَحْدَه، إذ إنَّ هُنالِك لَطائِفَ كَثِيرةً لِلإِنسانِ لَها حَظُّها مِنَ الإِيمانِ، فكما أنَّ الأَكلَ إذا ما دَخَل المَعِدةَ يَنقَسِمُ ويَتَوزَّعُ إلى مُختَلِفِ العُرُوقِ حَسَبَ كلِّ عُضوٍ مِنَ الأَعضاءِ، كَذلِك المَسِ الباالإِيمانيّةُ الآتِيةُ عن طَرِيقِ العِلمِ إذا ما دَخَلَت مَعِدةَ العَقلِ والفَهْمِ، فإنَّ كلَّ لَطِيفةٍ مِن لَطائِفِ الجِسمِ یی كالرُّوحِ والقَلبِ والسِّرِّ والنَّفسِ وأَمثالِها یی تَأخُذُ مِنها وتَمَصُّها حَسَبَ دَرَجاتِها؛ فإن فَقَدَتْ تِ نَفةٌ مِنَ اللَّطائِفِ غِذاءَها المُناسِبَ، فالمَعرِفةُ إذًا ناقِصةٌ مَبتُورةٌ، وتَظَلُّ تلك اللَّطِيفةُ مَحرُومةً مِنها"، فرسائلُ النُّورِ تَجِدُللواحَِ في كُلِّ مَكانٍ وتُفَجِّرُه، وتَختَصِرُ الطَّرِيقَ السّابِقَ الطَّوِيلَ، وتَجعَلُه مُستَقِيمًا آمِنًا.
وقد وَصَف الحُكَماءُ القُدامَى بَعضَ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ والعَقائِدِ الإِيمانيّ كلِّ قَولِ: "إِنَّها نَقْلِيّةٌ، نُؤْمِنُ بها، ولا يُمكِنُ لِلعَقلِ أن يَجِدَ لَها سَبِيلًا"، والحالُ أَنَّ مَقالِيدَ السُّلْطةِ في هذا العَصرِ بِيَدَنْعةِقلِ، أَمّا بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ فيقُولُ: "جَمِيعُ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ والحَقائِقِ الإِيمانيّةِ عَقْلِيّةٌ، وإِنَّني على استِعدادٍ تامٍّ لِإِثباتِ ذلك"، وقد أَثبَت ذلك فِعلًا في رَسائَبٍّ حنُّورِ.
تَمتَلِكُ رَسائِلُ النُّورِ بَلاغةً وأَدَبًا وإِيجازًا فَرِيدًا مِن نَوعِه، وأُسلُوبًا أَصِيلًا جَذّابًا مُنقَطِعَ النَّظِيرِ، أَجَل، فبَدِيعُ الزَّمانِ صاحِبُ ِن بَنبٍ خاصٍّ، ولا يُمكِنُ قِياسُ أُسلُوبِه أو مُوازَنتُه معَ الأَسالِيبِ الأُخرَى، فإِن وُجِدَ في بَعضِ مَواضِعَ مِن مُؤَلَّفاتِه مَقطَعٌ يُظَنُّ أَنَّه غَيرُ مُوا الغالِقَواعِدِ النُّصُوصِ الأَدَبِيّةِ أو غَيرُ مُتَناسقٍ قِياسًا على الأَسالِيبِ الأُخرَى، فلا بُدَّ أنَّ في ذلك المَقطَعِ نُكْتةً أو إِيتُقَدَّفِيعًا أو مَعنًى وحِكْمةً دَقِيقةً، لِذا فإِنَّ الأُسلُوبَ البَيانِيَّ هذا مُناسِبٌ لِهَذا المَوضِعِ؛ ولَقَد أَقرَّ حتَّى أَهلُ العِلمِ واعتَرَفُوا أَنَّهُم لم يُدرِكُوا
— 987 —
تلك الدِّ وهو الدَّقِيقةَ لِأَوَّلِ وَهْلةٍ؛ لِذا لا يُمكِنُ لِمَن لم يَشتَغِل برَسائِلِ النُّورِ بعِنايةٍ بالِغةٍ أن يَنتَقِلَ مُباشَرةً إلى الخَصائِصِ والمَسائِلِ الدَّقِيقةِ المَبثُوثةِ في ثَنايا مُؤَلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ.
وفي جَلْسةٍ معلعَزِيِ الأُدَباءِ يقُولُ شاعِرُنا الجَلِيلُ ومَبعَثُ فَخرِنا في الأَدَبِ المَرحُومُ "مُحمَّد عاكِف": "يُمكِنُ لِفِيكْتُور هُوغُو وشِكسْبِير ودِيكارْت أن يكُونُوا طُلّعٌ.
َدَى بَدِيعِ الزَّمانِ في الأَدَبِ والفَلسَفةِ".
لَقَد بَكَى الأُدَباءُ والشُّعَراءُ مِن يَدِ الزَّوالِ والفِراقِ وقالُوا: "يا وَيْلو الحَنَ المَوتِ!"، وصَوَّرُوا فَصلَ الخَرِيفِ بالحُزنِ والأَسَى، حتَّى إِنَّ أُدَباءَ العَرَبِ المَشاهِيرَ عالَمِيًّا قالُوا:
لَوْلَا مُفَارَقَةُ الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ لَهَا المَنَايَا إِلَى أَروَاحِنَا سُبُلَا
أَمّا بفَيضُ الزَّمانِ فيقُولُ: "إِنَّ الزَّوالَ والفِراقَ والعَدَمَ مَوجُودةٌ في الكَونِ ظاهِرِيًّا، أَمّا في الحَقِيقةِ فلا يُوجَدُ فِراقٌ بل هُنالِك وِصالٌ؛ لا يُوجَدُ زَووبَيانَدَمٌ بل هُنالِك تَجَدُّدٌ؛ وكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٍ في الكَونِ مُظهِرٌ بصُورةٍ مّا لِلبَقاءِ.. فالمَوتُ هو الرَّحِيلُ مِن هذا العالَمِ الفانِي إلى العالَمِ الباقِي، المَوتُ لِأَهلِ الهِدايةِ وأَهلِ القُرآنِ وَسِيلةٌ لمُلاقاةِ الأَحِبّةِ والأِلايةِءِ القُدامَى الرّاحِلِينَ إلى عالَمِ الآخِرةِ، وواسِطةٌ لدُخُولِهِم وَطَنَهُمُ الحَقِيقيَّ، ودَعْوةٌ كَرِيمةٌ مِن سِجنِ الدُّنيا إلى بَساتِينِ الجِنانِ، وانتِظارٌ لِأَخذِ الأُجرةِ لِلخِدْماتِ تَفَضُّلًا مِنَ الرَّحمٰنِ البحيثُ مِ، وتَسرِيحٌ مِن تَكالِيفِ الحَياةِ وإِجازةٌ مِن وَظِيفَتِها، وإِعلانُ الِانتِهاءِ مِن واجِباتِ العُبُودِيّةِ وامتِحاناتِ التَّعلِيمِ واللُكُ طيماتِ.. فلو أَتَى عِزْرائِيلُ عَليهِ السَّلام اليَومَ لَاسْتَقبَلتُه مُبتَسِمًا وقُلتُ له: أَهلًا وسَهلًا بك".
فعِندَما يُحاوِلُ بَدِيعُ الزَّمانِ إِنقاذَ النّاسِ مِنَ الرَّذمَنافِوالضَّلالةِ مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ، فإِنَّه لا يَتَّبِیعُ سَبِيلَ التَّخوِيفِ والتَّرهِيبِ والتَّروِيعِ؛ بل يَهزِمُ الأَحاسِيسَ بإِظهارِ مِئةِ أَلَمٍ في ثَنايا لَذّةٍ كَنزٌ ٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ؛ ويَحمِي القَلبَ والرُّوحَ مِنَ الهَزِيمةِ أَمامَ هذه الأَحاسِيسِ، ويُثبِتُ بالمُقارَناتِ والمُوازَناتِ أنَّ في الكُفرِ والضَّلالةِ بِذْرةَ زَقُّومِ جَهَنَّمَ، وأَنَّها تُعدَه خعَذابَ جَهَنَّمَ حتَّى في الدُّنيا، وأنَّ في الإِيمانِ والإِسلامِ والعِبادةِ بُذُورَ ثَمَراتِ الجَنّةِ، ولَذائِذَ وأَذْواقًا مُستَطابةً، ويَمنَحُ نَوعًا مِنَ المُكافَأةِ حتَّى في الدُّنيا.
#9ِلِ، لتَطرَحُ رَسائِلُ النُّورِ النِّفاقَ والشِّقاقَ والتَّفرِقةَ والفِتنةَ والفَسادَ، وتُقِيمُ مَحَلَّها الأُلفةَ والأُخُوّةَ الدِّينيّةَ والتَّسانُدَ والتَّعاوُنَ، وهذا أَحَدُ أُسُسِ مَسلَكِ رَسائِلِ النُّورِ؛ كما أَحدَ تُنقِذُ مِنَ الغُرُورِ والتَّكبُّرِ وتَسوِيقِ الذّاتِ والذِّلَّةِ، وتُحِلُّ مَكانَها الأَخلاقَ الحَمِيدةَ كالتَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفسِ والعِزّةِ والوَقارِ.
تُشعِرُ رَسائِلُ النُّورِ الإِنسانَ الحَقَّ بعتَا، وفَقْرِه، وفي هذا يقُولُ بَدِيعُ الزَّمانِ: "يكُونُ الإِنسانُ مُسلِمًا وعَبدًا تامًّا عِندَما يُدرِكُ عَجْزَه وفَقْرَه".
ولِلقائِلِينَ بوُجُوبِ تَعَلُّمِ العُلُومِ الحَدِيثةِ أَيضًا لِإِلزامِ المُلحِدِينَ الحُجّظاهِرِتَّى الَّذِينَ حَصَّلُوا هذه العُلُومَ، نقُولُ لَهُم: يُمكِنُكُم بُلُوغُ هَدَفِكُم هذا بمُطالَعةِ رَسائِلِ النُّورِ بشَكلٍ مُستَمِرٍّ ودائِمٍ، ولَيسَ ثَمّةَ حَلٌّ آخَرُ؛ عِندَئِذٍ تَتحَوَّلُ مَعلُوماتُهفيهِم،مَدرَسِيّةُ الحَدِيثةُ إلى مَعارِفَ إلٰهِيّةٍ أَيضًا.
إِخوانِي أَصحابَ الأَرواحِ البَطَلةِ، وأَحفادَ الأُمّةِ الَّتي حَمَلَت لِواءَ الإِسلامِ على مَدَى أَلفِ عامٍ.. إِنَّنا ومُسلِمِي هذا العَصرِ والعُصُورِ المُقبِلةِ نَحتاجُ ِكًا لًا جَلِيلًا يُفسِّرُ القُرآنَ العَظِيمَ الشَّأنِ، كي نَسمُوَ بدُرُوسِه في الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، ونَرتَقِيَ في مَراتِبِ الإِيمانِ، ويُنقِذَنا مِضاتِه ولةِ: "وما شَأْني بغَيرِي!"، ويُرَبِّيَ مُسلِمِينَ یی كطُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ یی مُجاهِدِينَ، صادِقِينَ، مُخلِصِينَ، عامِلِينَ لِمَرْضاةِ اللالَّتيْدَه لا يَعرِفُونَ الكَلَلَ والمَلَلَ، مُضَحِّينَ لا يَعرِفُونَ الخَوفَ والوَجَلَ، أَقوِياءَ، أَبطالًا، عَمَلِيِّينَ، صالِحِينَ، مُتَديِّنينَ، مُتَّقِينَ، وفَوقَ هذَاخْتِِه يُضَحُّونَ براحَتِهِم ومَنافِعِهِمُ الشَّخصِيّةِ في سَبِيلِ إِنقاذِ الإِيمانِ والإِسلامِ.
نَحتاجُ مَن يُعِدُّ مُسلِمِينَ عُظَماءَ وخُدّامًا لِلإِسلامِ أَمثالَ طُلّابِ النُّورِ، لا يُوَلّئِجُ الأَدبارَ وَقتَ الزَّحفِ في جَبَهاتِ الإِسلامِ والقُرآنِ أَمامَ الهُجُومِ والتَّعذِيبِ واحتِمالاتِ المَوتِ، وذلك بما يَمتَلِكُونَ مِن شَجاعةٍ نابِعةٍ مِن قُوّةِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، ولِسانُ حالِ أَحَدِهِم يقُولُ: "إِن مِتُّ أَمَُوتٍ ههِيدًا، وإِن حَيِيتُ أَحيا خادِمًا لِلقُرآنِ".
أَجَل، إِنَّ هذا العَصرَ يَحتاجُ تَفسِيرًا یی كرَسائِلِ النُّورِ یی يُحَرِّكُ العَقلَ والفِكرَ
— 989 —
والمَنطِقَ، ويُنِيرُ الرُّوحَ والقَلبَ والوِجْدانَ، ويُوقِظُ المُسلِفي أَفوالبَشَرَ، ويُنبِّهُهُم ويُنقِذُهُم مِنَ الغَفْلةِ، ويُظهِرُ لَهُمُ الصِّراطَ المُستَقِيمَ: جادّةَ القُرآنِ، ويُرشِدُهُم إلى اتِّباعِ السُّنّةِ دِ الصوِيّةِ، مُمَيِّزًا لها عَمّا شاعَ وأُحدِثَ مِن مُخالَفاتٍ لِلشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ والسُّنَنِ النَّبوِيّةِ، ومُحَرِّكًا في النُّفُوسِ مَشاعِرَ إِحيائِها.
وإِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَفسِياءِ الآنِيٌّ يَتَميَّیزُ بهذه الخَصائِصِ، بتَصدِيقِ أَهلِ الحَقِيقةِ یی وهِي مُتَداوَلةٌ مُنذُ ثَلاثِينَ عامًا یی وبِدَلِيلِ دِفاعاتِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ فلةٍ، وحاكِمِ الَّتي سِيقُوا إِلَيْها بمُخَطَّطاتِ أَعداءِ الدِّينِ الظَّلَمةِ، وصَبْرِ هَؤُلاءِ الطَّلَبةِ واحتِمالِهِمُ المَشاقَّ الَّتي عانَوْها أَثناءَ خِدْمَتِهِم لِلإِسلام دُونَ سَأَمٍ أو مَلَلٍ رَغمَ مُؤامَراتِ أيءٌ شَ الإِسلامِ الظَّلَمةِ في الخَفاءِ؛ ومُقاوَمَتِهِم لِلظُّلمِ الشَّدِيدِ ووُقُوفِهِم في وَجهِه بصِدقٍ وإِخلاصٍ وثَباتٍ، وتَضحِيَتِهِم براحَتِهِمُ الشَّخصِيّةِ في سَبِيلِ سَعتَقْوَلمُسلِمِينَ ورَخائِهِم، دُونَ أن يُفَكِّرُوا حتَّى بأَنفُسِهِم.
أَجَل، إِنَّ إِخوانَنا الكِبارَ مِن أَبطالِ النُّورِ الَّذِينَ وَقَفُوا حَياتَهُم لِخِدْمةِ رَسائِلِ النُّورِ ونَشرِها مُنذُ خَمسةٍ وعِشرِينَ عامًا، وهُ أن تَُ ذلك الحِينِ في خَلْوةٍ مِنَ النّاسِ مُنقَطِعُونَ لِلخِدْمةِ، لم يَثنِهِم عن أَداءِ عَمَلِهِم ما تَعَرَّضُوا ويَتَعرَّضُونَ له حتَّى اليَومِ مِن شَدِيدِ المُضايَقةِ والِاعتِداءِ والِاضطِهادِ والتَّحقِيقِ مِن قِبَل الظَّلَمةاسْكُتءِ الدِّينِ..
حَقًّا إِنَّهُم فِدائيُّو الإِيمانِ والإِسلامِ وقُدْوَتُنا الحَسَنةُ.. ونَحنُ المُسلِمِينَ كُنّا نَبحَثُ عن تَفسِيرٍ لِلقُرآنِ كرَسائِ وعَلاُّورِ، ونَنتَظِرُ هادِيًا مِثلَها!
إِنَّ هَؤُلاءِ الطُلّابَ النُّورِيِّينَ المُخلِصِينَ يُرَدِّدُونَ على الدَّوامِ: "الحَقُّ سُبحانَه خَيرُ حافِظٍ لي، وأَنا في كَنَفِ رِعايَتِه وعِنايَتِه، فما مِن شَيءٍ يُصِيبُني إِلّا ود فَيضخَيرُ"، ويُؤمِنُونَ بهذا الأَمرِ قَولًا وعَمَلًا، ويَستَمِرُّونَ في خِدْمةِ الإِيمانِ غَيرَ آبِهِينَ بالأَضرارِ الَّتي ستَلحَقُ بهم، غَيرَ أنَّهُم يَحتاطُونَ لِئَلّا يَكشِفَ أَعداءِ الدِّينِ أَمرَهُم، أو ت مَن يبأَيدِيهِم رَسائِلُ النُّورِ الَّتي يَعُدُّونَها أَغلَى مِن أَرواحِهِم؛ وإِنْ زُجَّ بهم في السُّجُونِ وتَعَرَّضُوا لِلظُّلمِ والتَّعذِيبِ، بادَرُوا أَيضًا إلى الِاهتِمامِ بأَمرِ أُستاذِهِم بَدِيعِ الزَّمانِ، ولم يُفَوِّتُوا أيّةَ
— 990 —
فُرصواحِدةِحةٍ لِلِاشتِغالِ خُفْيةً برَسائِلِ النُّورِ، حتَّى بَلَغ الأَمرُ بِبَعضِ الطُّلّابِ أن يَحفَظُوا الأَنوارَ عن ظَهرِ قَلبٍ تَحَسُّبًا، فی"رُبَّما يُزَجُّ بي في السِّجنِ، وتُصادَرُ مِنِّي رَسائِل هو كذُّورِيّةُ، فأُحرَمُ مِنَ الِاشتِغالِ بِها".
وعِندَما يُطلَقُ سَراحُ أَحَدِ هَؤُلاءِ الطُّلّابِ المُخلِصِينَ، فإِنَّه يُبادِرُ لِصُحْبةِ أُستِّينَ مُلازَمَتِه، ويَبذُلُ جُهْدَه في خِدْمةِ الأَنوارِ ونَشرِها بِهِمّةٍ وعَزِيمةٍ أَشَدَّ مِن ذِي قَبلُ؛ فكَأَنَّ ذلك السِّجنَ المُمتَلِئَ بشَتَّى أَنواعِ العَذابِ والِاضطِهادِ قد أَائِبِ له مَبعَثَ قُوّةٍ ومَصدَرَ طاقةٍ، وكأَنَّ السَّوطَ الَّذي تَعَرَّضَ له تَرَك في نَفسِه أَثَرًا وتَأثُّرًا يَدفَعُه لِلسَّعيِ في خِدْمةِ النُّورِ بتَفانٍ ونَقاءٍ ووَفاءٍ.
وفي أَثناءِ وُجُودِ بَدِيعِ الزَّمانِ في سِِي الكفيُونَ، حَدَثَ أنِ استُجْوِبَ أَحَدُ طُلّابِ النُّورِ مِن مُعَلِّمِي المَدارِسِ أَمامَ الِادِّعاءِ العامِّ، فقَدَّمَ أَجْوِبةً قَوِيّةً حَولَ رَسائِلِ النُّورِ وأُستاذِه، فأَغضَبَ ذلك الصبَحَ ِيَ العامَّ، فجَعَل يُهَدِّدُه قائِلًا: "سأُلقِي بك في السِّجنِ الآنَ!"، فأَجابَه بَطَلُ الإِسلامِ هذا قائِلًا: "أَنا بكامِلِ الجاهِزِيّةِ وعلى أَتَمِّ الِاستِعدادِ، أَلْقِ بي في السِّجنِ على الفَورِ".
مِثالٌ آخَرُ: صَدَر حُكمُ التَّوقِيفِا: فَِ أَحَدِ طُلّابِ النُّورِ، وحِينَ قَدِمَت دَوْرِيّةُ الشُّرطةِ لِاعتِقالِه لم تَجِدْه، فما كانَ مِن هذا الطّالِبِ حِينَ بَلَغَه الخَبَرُ سِوَى أن سَلَّمَ نَفسَه، ودَخَل السِّجنَ قائِلًقافيةِيفَ لي أَن أَبقَى خارِجَ السِّجنِ وبِداخِلِه أُستاذِي وإِخوانِي؟!".
وأَخْلَوْا مَرّةً سَبِيلَ أَحَدِ طُلّابِ النُّورِ مِن هذا السِّجنِ خَطَأً، ِين، وفي نَفسِه: "ما زالَ أُستاذِي وإِخوانِي في السِّجنِ، وثَمّةَ رَسائِلُ نُورٍ جَدِيدةٌ يَلزَمُني إِكمالُ استِنساخِها"، فذَهَب إلى مُدِيرِ السِّجنِ وقال له: "إِنَّ مُدّةَ تالتَّمِي لم تَنتَهِ بَعدُ! يَجِبُ أن يُخلَى سَبِيلِي بَعدَ أَربَعِينَ يَومًا"، فحَسَبُوا المُدّةَ ووَجَدُوه صادِقًا في قَولِه، فأَعادُوه إلى السِّجنِ.
إِخوانِي المُتَفهِّمِينَ، مُستَحِقِّي مَزِيّةَ الحَمِيّةِ الدِّينيّةِ.. لوِقُ بل سَعِيدًا النُّورْسِيَّ اطَّلَع على هذه المَعلُوماتِ المُسَطَّرةِ حَوْلَه فحَتْمًا سيَقُولُ: "لِمَ يَفعَلُونَ هذا؟! لا أَهَمِّيّةَ
— 991 —
لِشَخصِي! إِنَّني لا شَِيُّ صلقِيمةُ والأَهَمِّيّةُ تَعُودُ لِرَسائِلِ النُّورِ المُتَرشِّحةِ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ وهِي بِضاعَتُه".
لَقَد أَصبَحَ الأُستاذُ مَظهَرًا لِلحَقائِقِ القُرآنيّةِ وأَنوارِها اللأَرضَِنشُرُها عَبْرَ دُرُوسِ الإِيمانِ والإِسلامِ الَّتي يُلقِيها، وبِخِدْمةِ القُرآنِ والدِّينِ الَّتي يُؤَدِّيها بإِخلاصٍ تامٍّ وعلى أَوسَعِ نِطاقٍ؛ ولِذا فإِنَّ اآنيّةَِيرَ والثَّناءَ المُوَجَّهَ له لا يَبقَى مَحصُورًا بشَخْصِه بالمَعنَى الحَرفِيِّ، وإِنَّما يَعُودُ لِلقُرآنِ والإِسلامِ ولِأَجلِ اللهِ وَحْدَه؛ وما العَداوةُ والهَجَماتُ المُوَجَّهطَّرِييْه مِن قِبَلِ أَعداءِ القُرآنِ إِلّا بِهَدَفِ القَضاءِ على القُرآنِ والإِسلامِ الَّذي وَقَفَ بَدِيعُ الزَّمانِ نَفسَه لِخِدْمَتِه.
وإِذ قد أُحسِنَ إلَيْه بمُؤَلَّفاتٍ عالَمِيّةٍ كرَسائِلِ النُّورِ المُتَضَمِّنةِ لِمُدَّعِقِ القُرآنيّةِ والإِيمانيّةِ، فإِنَّ مُعارِضِي الدِّينِ وأَعداءَه المُنافِقِينَ المُقَنَّعِينَ المُتَستِّرِينَ يَعرِفُونَ هذه الحَقِيقةَ البَدِيهِيّةَ، وهُم لم يَتَمَكَّنُوا مُنذُ قُرا إنَّ صفِ قَرنٍ مِن تَفنِيدِ حُجَجِ بَدِيعِ الزَّمانِ، لِذا يَسعَوْنَ لِلنَّيلِ مِن شَخْصِه بالأَكاذِيبِ والأَقاوِيلِ المُزَيَّفةِ، وغَرَضُهُم بذلك أَلّا تَلْقَى رَسائِلُ النُّورِ انتِشارًا وإِقبالًا، وأَلّا يَنالَ الإِسلامُ وَفاوُتانُ أَيَّ حَظٍّ مِنَ الرُّقيِّ؛ والحالُ أنَّهُم كُلَّما تَعَرَّضُوا لِبَدِيعِ الزَّمانِ سَطَع نَجمُ رَسائِلِ النُّورِ أَكثَرَ، واتَّسَعَ نِطاقُ انتِشارِها؛ وخويَغدُِثالٍ على ذلك الحَوادِثُ الَّتي وَقَعَت خِلالَ خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً، وهِي حَوادِثُ يَعرِفُها الجَمِيعُ.
ولَقَد ظَلَّ أَعداءُ الإِسلامِ مُستَمِرّ أَصبَِهُجُومِهِم ودِعاياتِهِمُ المُلَفَّقةِ مِن جِهةٍ، حَرِيصِينَ یی مِن جِهةٍ أُخرَى خَفِيّةٍ یی على مَنعِ انتِشارِ دِفاعاتِ طُلّابِ النُّورِ المُتَضَمِّنةِ لِعِباراتِ التَّقدِيرِ والثَّناءِ لِأُستاذِهِم ولِرَسائِلِ اَ الصِّ، والمُعَبِّرةِ عن شُكرِهِم وامتِنانِهِم لِما أَفادُوه ونالُوه یی كُلٌّ حَسَبَ قابِليَّتِه واستِعدادِه یی مِن هذا الفَيضِ الوافِرِ والمَنهلِ الزّاخِرِ؛ لِذا كانَ أُولَئِك الأَعداءُ يُظهِرُونَ أَنفُسَهُم أَصحابًا حَقِيقيِّينَ لِبَعضِ الا هو ثجِ مِن أَصدِقاءِ الأَصدِقاءِ، أو حتَّى لِبَعضِ الأَصدِقاءِ، فيَدفَعُونَهُم إلى تَردِيدِ أَقاوِيلَ كَثِيرةٍ أَمثالَ: "إِنَّیكُم تُبالِغمَعِينَثِيرًا!"، وذلك بِهَدَفِ إِخافَتِنا وإِسكاتِنا، وتَرهِيبِنا بافتِراءاتٍ خَبِيثةٍ ومُزَيَّفةٍ.
— 992 —
فهل يُعقَلُ أن يقُومَ أَعداءُ الدِّينِ بنَشرِ أَكاذِيبِهِم وافتِراءاتِهِم جِزافًا ونَعةِ وانَحنُ عن إِظهارِ الحَقِيقةِ دِفاعًا عن أَنفُسِنا؟ وهل يُمكِنُ لنا یی ونَحنُ نَرَى هَؤُلاءِ الظَّلَمةَ أَعداءَ الإِسلامِ يُلفِّقُونَ الأَكاذِيبَ ويَنشُرُونَ الأَباطِيلَ ويَرتَكِبُونَ الظُّلمَ الشَّنِيعَ الغادِرَ بحَقِّ الأُستاذِ بَدِيعَِرّةٍ مانِ یی ألّا نُبادِرَ إلى تَفنِيدِ تلك الأَكاذِيبِ العَجِيبةِ مِن خِلالِ إِعلانِ أَحَقِّيّةِ الأُستاذِ وأَحَقِّيّةِ رَسائِلِ النُّورِ؟ ألا يكُونُ بَلاهةً وسَذاجةً التةَ وماا الصَّمْتَ عن بَيانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وأَعداءُ القُرآنِ الظّالِمُونَ المُستَبِدُّونَ يَرفَعُونَ أَصواتَهُم عالِيًا ضِدَّ بَدِيعِ الزَّمانيَّنَِّراءاتٍ مُستَمِرّةٍ، وهُو القائِمُ على واجِبِ المُحافَظةِ على القُرآنِ والدِّفاعِ عنِ الإِسلامِ والدِّينِ مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ؟ ألا يَنبَغِي فَضْحُهُم وواعِ اهِيرُ بهم بَدَلًا مِن مَدِّ يَدِ العَونِ یی بِالتِزامِنا الصَّمْتَ یی لِلمُلحِدِينَ الَّذِينِ يَعمَلُونَ في الخَفاءِ ومِن وَراءِ الحُجُبِ؟!
كلَّا! لن نَسكُتَ أَبدًا، ولن يَتَمكَّنُوَصَّعَإِسكاتِنا! لن نَتَوقَّفَ مُطلَقًا، ولن يَتَمكَّنُوا مِن إِيقافِنا! سَوفَ نَقرَأُ رَسائِلَ النُّورِ ونَنشُرُها حتَّى آخِرِ رَمَقٍ فينا، وحتَّى تُفارِقَ أَرواحُنا الك یی دَ.. وسَوفَ نُظهِرُ لِلجَمِيعِ ورَغمَ كلِّ ما يقُومُ به أَعداءُ الدِّينِ الظَّلَمةُ مِنِ افتِراءٍ وتَلفِيقٍ، أنَّ رَسائِلَ النُّورِ مَحْضُ حَقٍّ وعَينُ حَقِيقةٍ، وأنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا اورِ الْسِيَّ مُنزَّهٌ ومُبَرَّأٌ مِن كلِّ التُّهَمِ المُوجَّهة إِلَيْه.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ.. لَقَد ظَهَرَت شَخصِيّاتٌ عَظِيمةٌ وفَرِيدةٌ حازَتِ المَكانةَ الَتي تُفةَ مِنَ الصَّفَحاتِ الذَّهَبِيّةِ للتّارِيخِ الإِسلامِيِّ؛ وتَفاسِيرُ هذه الشَّخصِيّاتِ الفَذّةِ ومُؤَلَّفاتُهُم مُنقَطِعةُ النَّظِيرِ، لا يُمكِنُ مُقارَنَتُها بأَيِّ كِتابٍ مِن كُتُبِ الفَلاسِفةِ الأَورُبِّيّرِ، كذ لَقَد وَفَّى هَؤُلاءِ الجَهابِذةُ العِظامُ والمُؤلِّفُونَ المُسلِمُونَ الكِرامُ بواجِبِ خِدْمةِ القُرآنِ والإِسلامِ بإِخلاصٍ تامٍّ، دُونَ أن يَقَعُوا تَحتَ إِسارٍ أَلِيمٍ، أو يَرزَحُوا تَحتَ استِبدادٍ شَدِيدٍ مِن أَيِّ حُكُومةٍ لامُ فلحُكُوماتِ وعلى مَدَى سِنِينَ؛ أمّا بديعُ الزَّمانِ سعيدٌ النُّورْسِيُّ فقد تَعَرَّضَ یی بِما يُمَثِّلُه مِن شَخصِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ یی لِاستِبدادٍ مُطلَقٍ وظُلمٍ شَدِيدٍ وإِسارٍ أَلِيمٍ لم يُشهَد لها مثيلٌ عَبْرَ الَ حادِيخِ، غَيرَ أنَّه ظَلَّ واقِفًا في وَجهِ أَعداءِ الدِّينِ الَّذِينَ حاوَلُوا القَضاءَ علَيْه وعلى مُؤَلَّفاتِه، وأَدَّى الجِهادَ الدِّينيَّ الأَكبَمَغضُوتَّبِعًا سُنّةَ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) بحَذافِيرِها، ونالَ مُقابِلَ هذا كُلِّه تَوفِيقًا ونَصْرًا مُبِينًا لم يُذكَر مِثلُه في التّارِيخِ.
— 993 —
فأَيُّ شَخصِيّةٍ عَبْرَ التّارِيخِ حازَت حَظًّا وافِرًا م معي رُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ بَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ، إذِ اجتَمَعَت فيه كُلُّ هذه الخِصالِ الحَمِيدةِ المَذكُورةِ، وهُو صاحِبُ تَقوَى وعُبُودِِ والبَظِيمةٍ؛ وألَّفَ (١٣٠) رِسالةً إِيمانِيّةً خُفْيةً وتَحتَ استِبدادٍ وتَضيِيقٍ وقُيُودٍ صارِمةٍ، وحارَبَ یی فَضْلًا عن هذا كُلِّه یی كفِدائيٍّ معَ قُدرةٌِه المُتَطوِّعِينَ في جَبَهاتِ الحَربِ، وألَّفَ فيها یی كُلَّما سَنَحَت له الفُرصةُ یی وعلى خَطِّ التَّماسِ تَفسِيرًا قُرآنِيًّا يُبيِّنُ أَدَقَّ نِكاتِ القُرآنِ وإِعجازَه الخارِقَ؛ وانتَصَر في الوَقتِ ن الذَّفي جِهادِه معَ نَفسِه، ووَظَّفَها خادِمةً لِلدِّينِ، ونَشَر مُؤَلَّفاتٍ كرَسائِلِ النُّورِ خُفْيةً خَلفَ الحُجُبِ تَماشِيًا معَ قاعِدةِ: "سِرًّا ي الكارْتُ"، وسُلِبَت مِنه حُرِّيَّتُه، ونُفِي إلى قَريةٍ نائِيةٍ، ووُضِع تَحتَ التَّجرِيدِ المُطلَقِ والرَّقابةِ الصّارِمةِ، وضُيِّقَ علَيْه الخِناقُ مِن قِبَلِ قُوّةٍ حاكِمةٍ أَشبَهَ ما تكُونُ بمَحاكِمِ التَّفتِيشِ، بل هي أَشَدِ، ويَْمًا مِنها، وتَعَرَّضَ لِشَتَّى أَنواعِ الِاضطِهادِ والتَّعذِيبِ مِن قِبَلِ الجُناةِ والوُحُوشِ الضّارِيةِ، وأَخَذ بِيَدِ جَماعةٍ بَلَغ اليَومَ تَعدادُها المِلْيُونَ، وسارَ بِهِم تِ الجيةِ اللهِ إلى جادّةِ القُرآنِ الحَكِيمِ الكُبْرَى بصِفَتِه خادِمًا لِسُنّةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) الفاتِحِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ لِلعالَمِ؛ وأَصبَح مِن خِلالِ مُؤَلَّفاتِ رَسائِلِ النُّورِ وَونَغَم لِتَحقِيقِ السَّعادةِ الدُّنيَوِيّةِ لِلمُؤمِنِينَ ولِلبَشَرِيّةِ جَمْعاءَ، بل وحتَّى السَّعادةِ الأَبدِيّةِ..
أَجَل إِخوانِي.. رَسائِلُ النُّورِ مَظهَرُ لُطْفٍ إلٰهِيٍّ، تَنشُرُ ضِياءَ الحَقِيقةِ وبَراهِينَ التَّحقِيقِ، وتُعَلِّمُ حَقُنشَغِالقُرآنِ والإِيمانِ الَّتي تُوَفِّرُ سَعادةَ الدّارَينِ، حتَّى إنَّ العَوائِلَ والشُّيُوخَ والشَّبابَ، والنِّساءَ والرِّجالَ، والفَلاسِفةَ والعُلَماءَ، والمُعَلِّمِينَ والطُّلّابَ، وأَتباعَ الطُّرُقِ الصُّوفِيّةِ وغَيرَهُم مِن شَلانِ بَبَقاتِ المُجتَمَعِ ومُنذُ خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً قد استَنارُوا بِها، فأَقبَلُوا نَحوَها، وتَحَلَّقُوا حَولَ مَعِينِها، وارتَمَوْا في أَحضانِ عُلرَمْزً، وشُغِفُوا حُبًّا بأَنوارِها، والْتَمَسُوا الهِدايةَ مِن مَعارِفِها؛ وثَمّةَ جَماعةٌ عَظِيمةٌ مَحظُوظةٌ تَبلُغُ المَلايِينَ قدِ استَنارُوا بِها، وأَنقَذُوا أَنفُسَهُم بفَيضِ هَدْيِها.
أَجَل إِخوانِي.. إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَفسِيرٌ ُ بفيضيٌّ لِكِتابِ اللهِ الَّذي هو مَخزَنُ المُعجِزاتِ والمُعجِزةُ الكُبْرَى، وهِي تُوَضِّحُ المَسائِلَ وتُلقِي دُرُوسًا عن حَقائِقَ
— 994 —
عَظِيمةٍ تُثِيرُ الفُضُولَ وتَخلُب والنّقُولَ، حتَّى إِنَّها أَصبَحَت وستَظَلُّ مَبعَثًا لِفُتُوحِ الإِيمانِ ونَشرِ الإِسلامِ على نَطاقِ المَعمُورةِ.
أَجَل، لَقَد بَثَّت رَسائِلُ النُّورِ في القُلُوبِ مَحَبّةً وعِشقًا، وفي الأَرواحِ ِ وإنكا ولَهْفةً، وأَقنَعَتِ العُقُولَ والأَفهامَ، ومَنَحَتِ الطُّمَأْنينةَ لِلقُلُوبِ، حتَّى استَقْرَأَت واستَكْتَبَت نَفسَها لِمَلايِينَ مِن طُلّابِ النُّورِ، وحَمَلَتْهُم ثمّطالَعَتِها طَوالَ حَياتِهِم، فكَأَنَّها نَشَرَت نَفسَها بِنَفسِها مُنذُ سِنِينَ.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ.. لَقَد أَقدَمَت مُنَظَّماتُ الزّتِها عِ الَّتي تُدارُ بأَيادٍ أَجنَبِيّةٍ على القَضاءِ على الإِسلامِ في الدُّوَلِ الإِسلامِيّةِ وخاصّةً تُركِيّا، وذلك مِن خِلالِ المُؤامَراتِ والدَّسائِسِ والمُخطَّطاتِ الخَبِيثةِ، وعَبرَ ارتِكابِ الظُّلمِ الشَّنِيعِ، وتَنفِيذِ المُخَطَّطاتِتُجابِيطانيّةِ المَقِيتةِ، واتِّباعِ أَسالِيبَ إِبلِيسِيّةٍ خَسِيسةٍ، بخِداعِ النَّاسِ، وافتِعالِ الفِتَنِ بَينَ الإِخوةِ، ونَشرِ دِعاياتٍ وأَكاذِيبَ مَكّارةٍ، وزَرْعِ بُذُورِ الفِتنةِ والفَسادِ والتَّفرِقةِ.. حتَّىُرَ الثَت هذه المَكائِدُ جِراحًا غائِرةً في الجَسَدِ الإِسلامِيِّ، وخَلَّفَت دَمارًا هائِلًا في بُنيانِه.
إِلّا أنَّ هذه المَصائِبَ كُلَّها كانَت سَبَبًا لِظُهُورِ مُؤَلَّفاتٍ عالَمِيّةٍ شافِيةٍ، وجالِبةٍ لِلرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ، وقادِرةٍل بعَدَحَدِّي العالَمِ بأَسرِه، هي: رَسائِلُ النُّورِ؛ وعلى يَدِ شَخصِيّةٍ مُخلِصةٍ كبَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ الَّذي يَعمَلُ ويُةِ وتَ واجِبَ الخِدْمةِ بعَونٍ وتَوفِيقٍ إلٰهِيٍّ.
ولَقَد أَيقَظَت هذه البَلايا المُسلِمِينَ، ودَفَعَتْهُم لِلبَحثِ عن سُبُلِ النَّجاةِ والخَلاصِ، وحَرَّكَت فِيهِمُ الحاجةَ الماسّةَ لِدُرُوسِ الإِِدًّا التَّحقِيقيِّ كي يُنقِذُوا حَياتَهُمُ الأُخرَوِيّةَ الأَبدِيّةَ، ووَجَّهَتْهُم نَحوَ الِالتِجاءِ إلى اللهِ وإِطاعةِ أَوامِرِه، وذَكَّرَتْهُم بالخَدِيعةِ والتَّقصِيرِ الكَبِيرِ بهذه المَعانِي المَذكُوربِ وتُهذه هِي الحِكْمةُ الحَقِيقيّةُ مِن وُقُوعِ المَصائِبِ والبَلايا الَّتي حَلَّت بالمُسلِمِينَ وسائِرِ البَشَرِ.
أَجَل، إِنَّ الظُّلمَ الشَّنِيعَ الَّذي مارَسَه الأَجانِبُ كالوُحُوشِ الضَّالقُرآ بحَقِّ
— 995 —
العالَمِ الإِسلامِيِّ، والمُعامَلةَ السَّيِّئةَ الَّتي عامَلُوهُم بها، عَجَّلَت ظُهُورَ تَيّاراتِ الحُرِّيّةِ والِاستِقلالِ والِاتِّحادِ الإِسلامِيِّ، وانتَهَت بقِيامِ دُلأَرضِِسلامِيّةٍ مُستَقِلّةٍ.. وإِنَّنا على غَايةِ الأَمَلِ والرَّجاءِ بعَظِيمِ الرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ الواسِعةِ أن يَتَأَسَّسَ اتِّحادٌ لجَماهِيرِ الأُمَمِ الإِسلامِيّةِ المُتَّفِقةِ، اهِيّةوَ الإِسلامُ حاكِمًا لِلعالَمِ بأَسْرِه إِن شاءَ اللهُ تَعالَى.
إِنَّ مُؤَلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ مُجاهِدٌ إِسلامِيٌّ عَظِيمٌ، ومُؤَلَّفاتُه المَوسُومةُ برَسائِلِ النُّورِ لتَّسلَفاتٌ عالَمِيّةٌ أَيَّما مُؤَلَّفاتٍ، فهِي تَشتَمِلُ على أَدَواتِ الفِطْنةِ، وتَمتَلِكُ أَسبابَ النَّجاةِ؛ ولَقَد قَصَمَت ظُهُورَ جَمِيعِ المُنَظَّماتِ المُعادِيةِ لِلدِّينِ، وأَفشَلَت عُمُومَ مُخَطَّطاتِهِمُ الخَبِيثةِ المُضِرّةِ الآنِفةِ الذدِ قَص، وحَطَّمَت حَجَرَ أَساسِ الإِلحادِ، واقتَلَعَتْه مِن جُذُورِه، ونَقَلَتِ الفُتُوحاتِ الإِسلامِيّةَ والإِيمانيّةَ سِرًّا مِن قَلبٍ إلى آخَرَ، وهَيَّأَتِ البِيئةَ المُناسِبةَ لِلحاكِمِيّةِ المُطلَقةِ لِلقُرآنِ العَظِيمِ الشَّأنِ.يِّ، وجَل، إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ كانَت وستَظلُّ تَعمُرُ وتُصلِحُ تلك التَّخرِيباتِ بحَقائِقِها القُرآنيّةِ الأَلماسِيّةِ، وبأَسرَعِ الطُّرُقِ القُرآنيّةِ وأَسلَمِها، وتُضَمِّدُ وستُضَمِّدُ تلك الجُرُوحَ الغائِرةَ بالأَده، وكَالَّتي استَخْلَصَتْها مِن صَيدَلِيّةِ القُرآنِ الحَكِيمِ العَظِيمةِ.
لَقَد أَجمَعَ عُلَماءُ الدِّينِ ومُجاهِدُو الإِسلامِ ذَوُو البَصِيرةِ، وبقَناعةٍ قَطْعِيّةٍ مُستَنِدةٍ إلى الأَفعالِ والشُّهُودِ:الجَلِالمُعجِزةَ المَعنَوِيّةَ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، والمُتَمَثِّلةَ في "مُؤَلَّفاتِ رَسائِلِ النُّورِ" هِي الحَلُّ الفَرِيدُ في هذا العَصرِ لِلقَضاءِ على الطُّفَيلِيِّينَ والِاتِّكالِيِّينَ ن جَلاُوشِ الضَّارِيةِ ومَصّاصِي دِماءِ المُسلِمِينَ الأَبرِياءِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ صَنَعُوا ثَرَواتِهِم مِن دِماءِ الشُّعُوبِ المُتَجمِّدةِ نَتِيجةَ الإِمبِرياليّةِ والِاستِعمارِ البَربَرِيِّ، وهَِزِّ اِك السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِسَحْقِ أَعوانِهِمُ المُنتَشِرِينَ بَينَنا مِنَ المُستَبِدِّينَ الظّالِمِينَ، الطُّغاةِ الجَشِعِينَ، اللّاهِثِينَ وَراءَ المَنافِعِ الشَّخصِيّةِ.
أَجَل، لم يَذكُرحْطُ وارِيخُ البَشَرِيُّ مُؤَلَّفًا كرَسائِلِ النُّورِ، ما يَعنِي أنَّها تَفسِيرٌ فَرِيدٌ لِلقُرآنِ.
— 996 —
أَجَل، لَيسَ العالَمُ الإِسلامِيُّ وَحْدَه مَن يُقَدِّرُ أَمرَ بْقَ تل الزَّمانِ ويَمتَنُّ له، بل حتَّى العالَمُ المَسِيحِيُّ أَيضًا، حتَّى إِنَّ البابا في رُوما أَرسَلَ رِسالةَ شُكرٍ وتَهنِئةٍ رَسمِيّةً له نَتِيجةَ فاتِحقِه وانتِصارِه في جِهادِه العامِّ الشّامِلِ ضِدَّ الإِلحادِ.
وسَوفَ أَقرَأُ لَكُمُ الآنَ مُقتَطَفاتٍ مِن كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ حَولَ الإِيمانِ والقُرآنَِنطِقَُبِيِّ (ص)، ويُمكِنُكُمُ الحُصُولُ على المُؤَلَّفاتِ كامِلةً ومُطالَعَتُها فِيما بَعدُ.. وقد يَطلُبُ بَعضُ الإِخوةِ تَوضِيحاتٍ حَولَ بَعضِ المَسائِلِ أَثناءَ القِراءةِ، فأَوَدُّ أَن أَتَحدَّثَ بشَيءٍ حَولَ هذ فإنَّمرِ: عِندَما كانَ أُستاذُنا بَدِيعُ الزَّمانِ يَتَكرَّم أَحيانًا بقِراءةِ شَيءٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ لِأَحدِ طُلّابِه، ما كانَ يَشرَحُ شَيئًا، ويقُولُ: "لَقَد وَضَّحَت رَسائِلُ النُّورِ المَسائِلَ ا المَونيّةَ على قَدْرِ الضَّرُورةِ، وإنَّ أُستاذَ رَسائِلِ النُّورِ هو رَسائِلُ النُّورِ ذاتُها، لم تَدَع حاجةً لِتَلقِّي الدُّرُوسِ وتَعَلُّملُّ شَنَ الآخَرِينَ، يُمكِنُ لِكُلِّ أَحَدٍ أن يَستَفِيدَ مِنها بقَدْرِ استِعدادِه وقابِليَّتِه؛ حتَّى وإِن لم تُدرِكِ العُقُولُ كلَّ مَسأَلةٍ مِن مَسائِلِها، لكِن يَنالُ كلٌّ مِنَ الرُّوحِ والقَلبِ والوِجْدانِ حَظَّه ونَصِيبَه مِنها؛ فأَيَّوَلَمَ مِقْدارُ استِفادَتِكُم مِنها فهُو رِبحٌ عَظِيمٌ لَكُم"، فإِن كانَ إِيضاحُ رِسالةٍ تُركِيّةٍ أو عَرَبِيّةٍ في رِسالةٍ أُخرَى فإِنَّه يَتَناوَلُها على الفَورِ ويَشْرَعُ بقِراءَتِها.
ويقُوعلى شُعُلَماءِ ذَوِي البَصِيرةِ الَّذِينَ أَدرَكُوا النِّیكاتِ الدَّقِيقةَ في رَسائِلِ النُّورِ: "يُمكِنُ أن يكُونَ العالِمُ صاحِبَ عِلمٍ رَفِيعٍ، إِلّا أنَّه عِندَما يَقرَأُ رَسائِلَ النَنْتَ لِلجَماعةِ ويَخُوضُ في التَّفاصِيلِ، ويَستَرسِلُ في التَّوضِيحِ بِحَسَبِ ما لَدَيْه مِن مَعلُوماتٍ مَخزُونةٍ، فيُمكِنُ أن يكُونَ تَوضِيحُه هذا سِتارًا يَحُولُ دُونَ إِدراكِ ماهِيّةِ رَسائِلِ لأَخذَرِ، وحِجابًا عن فَهْمِ الحَقائِقِ الَّتي تَضَمَّنَتْها والَّتي تُناسِبُ فُهُومَ عَصرِنا وتُلَبِّي حاجاتِه كامِلةً؛ لِذا كانَ الأَفضَلُ تَأثا إلى والأَكثَرُ تَأثِيرًا قِراءَتُها كما هي معَ ذِكرِ مَعانِي بَعضِ المُفرَداتِ مِنَ القَوامِيسِ والمَعاجِمِ، وإِخوانُنا في جامِعةِ إِسطَنبُولَ يَقرَؤُونَ على هذي يُشَِحوِ أَيضًا".
ونَحنُ أَيضًا نقُولُ بِاختِصارٍ: إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ فَصِيحةٌ ووَجِيزةٌ جِدًّا، وخَيرُ
— 997 —
الحَدِيثِ ما قَلَّ ودَلَّ؛ فعِندَفَه أَيسِ مَسأَلةٍ إِيمانيّةٍ وقُرآنيّةٍ لِلعُمُومِ فإِنَّ الِاستِفادةَ تكُونُ أَكبَرَ والفَيضُ أَوفَرَ ما دامَ الدَّرسُ مُجمَلًا.
أُستاذَنا وسَيِّدَنا.. سيَذكُرُكُم ورَسائِلَ النُّورِ إلى الأَبدِ جَمِيعُ المُنصِفِينَ وبكُلِّ إِجلالٍ وتَقدِلا تُلِنَّنا نُحِبُّ ونُجِلُّ رَسائِلَ النُّورِ القَيِّمةَ النَّفِيسةَ مِن صَمِيمِ قُلُوبِنا وأَرواحِنا، فلَقَد أَنقَذَت إِيمانَنا بدُرُوسِها في الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، وسيَنتَقِلُ ما نَحمِلُه تِجاهَها مِنَ العِشقِ والمَحَبّةِ والتَّبجِيتَنوَِّاحتِرامِ مِن جِيلٍ إلى آخَرَ، ومِن عَصرٍ إلى آخَرَ، ومِن حِقْبةٍ إلى أُخرَى إِن شاءَ اللهُ تَعالَى.
أَجَل، إِنَّ الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ الَّتي في رَسائِلِ النُّورِ ذاتُ قُوّةٍ عَظِيمةٍ وقُدْرةٍ فائِقةٍ، حتَّى إِنَّ رَكائِزَ الكُفرِ االلَّوقِ ودَعائِمَ الإِلحادِ تَتَهدَّمُ أَمامَها، وتَنجَرِفُ إلى الوِدْيانِ السَّحِيقةِ وتَمُوتُ، وسيَنجُو مَن تَبقَّى مِن أَصحابِها ويُنقِذُونَ أَنفُسَهُم بنُورِ الإِيمانِ والقُرآنِ.
أَجَل، إِن مِرآة القُوّةَ القُرآنيّةَ عَظِيمةٌ جِدًّا لِدَرَجةٍ تُمَكِّنُها مِن تَسيِيرِ الجِبالِ والصُّخُورِ كالعِهنِ المَنفُوشِ، وإِذابةِ الحَدِيدِ والصَّوّانِ كالزَّيتِ.. سيَعوذَجٌ لدُّنيا النُّورُ والسَّعادةُ، وسيُنقِذُ هذا النُّورُ القُرآنِيُّ الإِيمانَ، ويكُونُ حاكِمًا لِلدُّنيا بأَسْرِها.
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمَّْذي طالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
— 998 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا اَلله، يَا رَحْمٰنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحقِّ الِاسمِ الأَعظَمِ وبحلمُرِيالقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ وبكَرامةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، أَدخِلِ الَّذين قامُوا بطَبعِ هذه المَجمُوعةِ ومُعاوِنيهم المَيامِينَ جَنّةَ الفِردَوسِ والسَّعادةِ الأبدِيّةِ.. آمين. ووَفِّقْهم في خِدمةِ الإيماندِّين ُرآنِ دَومًا وأَبدًا.. آمين. واكتُب في صَحِيفةِ حَسَناتِهم أَلفَ حَسَنةٍ لكلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ كتابِ "الكَلِماتِ".. آمين. وأَحْسِنْ إلَيهمُ الثَّباتَ والدَّوامَ والإخلاصَ في نَشرِ رسائلِ النُّورلشَّفَين
يا أَرحَمَ الرّاحِمين، آتِ جَميعَ طُلّابِ النُّورِ في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخِرةِ حَسَنةً.. آمين. واحْفَظْهُم مِن شَرِّ شَياطِينِ الي سَبِوالإنسِ.. آمين. واعْفُ عن ذُنُوبِ هذا العَبدِ العاجِزِ الضَّعِيفِ سَعِيدٍ.. آمين
باسم جميع طُلّاب النور
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 999 —
الفهرس
فهرس مختصر لمجلد "الكلمات" أحد أجزاء رسائل النور،
الشُّمُعدُّ نوعًا من تفسير الآيات القرآنية
الكلمة الأولى:
تُفسِّرُ بمِثالٍ لَطِيفٍ سِرًّا مِن الأَسرارِ الكَثِيرةِ لی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وتُبيِّنُ مَدَى كَونِ البَسمَلةِ شَعِيرةً عَظُها المِن شَعائِرِ الإِسلامِ.
المقام الثاني لِلَّمعة الرابعةَ عشرةَ:
يُفسِّرُ خَمْسةً أو سِتّةً مِن أَهَمِّ أَسرارِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، طُ بجَرُ أنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خُلاصةُ القُرآنِ وفِهرِسُه ومِفتاحُه، وأنَّها خَطٌّ نُورانِيٌّ مُقدَّسٌ، يَمتَدُّ مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ؛ ويُبيِّنُ یی فَضْأَبغَض هذا كُلِّه یی أنَّه مِفتاحُ بابِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، ومَنبَعُ أَنوارٍ تَمنَحُ كلَّ شَيءٍ مُبارَكٍ فَيضًا وبَرَكةً.
وهذا المَقامُ الثّاني يَتَوجَّهُ لِلرِّسالةِ الأُولَى، وهِي "الكَلِمةُ الأُولَى"، فكأنَّ أَجزاءَ رَسهم السالنُّورِ على شَكلِ دائِرةٍ يَتَّصِلُ مَبدَؤُها بمُنتَهاها بخَطِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المُبارَكِ.
كانَ مِنَ المُقرَّرِ أن يُكتَبَ في هذا المَقامِ ثَلاثُونَ سِرًّا بَدَلَ سِتلٌ بأَسرارٍ، لكِنَّه تَمَّ الآنَ في سِتّةِ أَسرارٍ.. صَحِيحٌ أنَّه مَقامٌ قَصِيرٌ، لكِن في ثَناياه حَقائِقُ عَظِيمةٌ، ومَن يُطالِعْه بتَمَعُّنٍ يُدرِكْ جَيِّدًا أنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خَزِينةٌ مُقَدَّسةٌ جَلِيأنَّها الكلمة الثانية:
تُفسِّرُ بمِثالٍ عَقلانِيٍّ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ الإِيمانِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.لْطانِ0
الكلمة الثالثة:
تُفسِّرُ بمِثالٍ مَنطِقِيٍّ حَقِيقةً مُهِمَّةً مِن حَقائِقِ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ العِبادةِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعُْ في ه.
الكلمة الرابعة:
تُفسِّرُ بمِثالٍ مَنطِقِيٍّ وعَقلانِيٍّ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ الصَّلاةِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمُِّرِّ كِتَابًا مَوْقُوتًا؛ كما تُلزِمُ بِالتَّسلِيمِ والإِذعانِ كلَّ مَن يَحمِلُ مِثقالَ ذَرّةٍ مِنَ الإِنصافِ.
الكلمة الخامسة:
تُفسِّرُ بمِثالٍ جَمِيلٍ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِمالٍ يتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ التَّقوَى والعِبادةِ ووَظِيفةِ العُبُودِيّةِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ؛ وهذا التَّفسِيرُ يُرسِّخُ القَناعةَ في نَفسِ كلِّ فَردٍ، ويُورِثُه التَّسلِيمَ.
يُرعِ السادسة:
تُفسِّرُ بمِثالٍ مُقنِعٍ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الآياتِ الَّتي تَحمِلُ مَعانِيَ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُِهما مجَنَّةَ، وتَتَحدَّثُ عن بَيعِ الإِنسانِ نَفسَه ومالَه للهِ سُبحانَه؛ وتَفتَحُ بابًا مُهِمًّا يُطِلُّ على الحقيقة، وتُوضِحُ أنَّ الَّذِينَ تِه رَُونَ هذا البَيعَ يَكسِبُونَ في صَفْقةٍ واحِدةٍ خَمْسةَ مَرابِحَ، بَينَما يَخسَرُ المُعرِضُونَ عَنْه خَمْسَ خَسائِرَ دُفعةً واحِدةً.
الكلمة السابعة:
تُفسِّرُ بمِثالٍ عَيقيَّ يٍّ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ الإِيمانِ باللهِ واليَومِ الآخِرِ وعنِ الحَياة الدُّنيَوِيّةِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْورِه ا الْآَخِرِ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، وتُثبِتُ بشَكلٍ قاطِعٍ كم هِي الدُّنيا مُوحِشةٌ لِأَهلِ الغَفْلةِ!
— 1001 —
وكمالخَوابُهُم ذِكرُ الأَجَلِ والمَوتِ! وكم يُورِثُهُمُ الفَقرُ والعَجزُ مِن آلامٍ! كما تُظهِرُ حَقِيقةَ الحَياةِ الدُّنيا، وكم هي بَدِيعةٌ ومُتَبايِنةٌ! وأنَّ كُلًّا مِنَ القَبْرِ والأَجَلِ والعَجزِ والفَقرِ وَسِيلةٌ مِن وَسائِلِ السَّعادةِ لِأَهلِ الهِدايةِ، وإِضافةً إلى ذلك تُبْرِزُ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى سَعادةِ الدّارَينِ.
الكلدَقِيقامنة:
تُفسِّرُ بمِثالٍ واضِح وجَمِيلٍ (أَصلُه في صُحُفِ إِبراهِيمَ) سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الآياتِ الَّتي تَحمِلُ مَعانِيَ اللَّهُ لَا إجاءِ اإِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وتَتَحدَّثُ عن ماهِيّةِ الدُّنيا، وماهِيّةِ الإِنسانِ في هذه االلَّما، وماهِيّةِ الدِّينِ في حَياةِ الإِنسانِ؛ كما تَتَعرَّضُ لِلحَدِيثِ عن رُوحِ الإِنسانِ في الدُّنيا، ومَكانةِ الدِّينِ عِندَه؛ وتُثبِتُ أنَّ الإِنسانَ المُلحِدَ أَكثَرُ المَخلُوقاتِ تآنُ ال؛ وتُرشِدُ إلى السُّبُلِ القَوِيمةِ لِمَعرِفةِ حَقِيقةِ هذا العالَم وفَكِّ طَلاسِمِه، وتَصِفُ الوَسائِلَ النّاجِعةَ لِتَخلِيصِ الرُّوحِ البَشَرِيّةِ مِنَ الظُّلُوبُ" مثمَّ تَعقِدُ مُقارَنةً لافِتةً ولَطِيفةً بَينَ الحالةِ المُوحِشةِ لِلرَّجُلِ الفاسِقِ التَّعِيسِ وبَينَ السَّعادةِ العُظمَى لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ المَحظُوظِ.
الكلمي نِقاسعة:
تُفسِّرُ في خَمسِ نِكاتٍ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عن مَواقِيتِ الصَّلَواتِ الخَمسِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي ال نَفسِوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ؛ وتَكشِفُ النِّقابَ عن حِكْمةِ تَخصِيصِ الصَّلَواتِ المَفرُوضةِ في تلك الأَوقاتِ الخَمسةِ، فتَعتَه، و على نَحوٍ لَطِيفٍ وبَدِيعٍ، يَحمِلُ كُلَّ مَن يَملِكُ مِقدارَ ذَرّةٍ مِنَ الشُّعُور على الِاستِسلامِ أَمامَ هذه الحِكْمةِ الفاتِنةِ والحَقِيقةِ السّاطِعةِ؛ كما تُؤكِّدُ بصُورةٍ قَطْعِيّةٍ أنَّه بمِثلِ حاجةِ جِسمِ الإِنسانِ إلى الهَوى أَفعلماءِ والغِذاءِ، كَذلِك رُوحُه هي مُحتاجةٌ إلى الصَّلاةِ.
— 1002 —
الكلمة العاشرة:
تَسُوقُ اثنَتَيْ عَشْرةَ صُورةً تَمثِيليّةً عَقلانيّةً ومَنطِقِيّةً، وَذِيذةيْ عَشْرةَ حَقِيقةً قَطْعِيّةً باهِرةً، تُفسِّرُ مِن خِلالِها حَقِيقةً مُهِمّةً تُصرِّحُ بها الآياتُ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ الحَشرِ والآخِرةِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ فَانْظُرْ إت تَستَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ كما تُثبِتُ أَمرَ الإِيمانِ بالآخِرةِ على نَحوٍ يُلجِئُ الْحَمَن لم يَمُت قَلبُه بشَكلٍ كُلِّيٍّ، ومَن لم تَنطَفِئْ جَذْوةُ عَقلِه بشَكلٍ تامٍّ، إلى الِاستِسلامِ أَمامَ هذه الحَقائِقِ، والدُّخُولِ في حَظِيرةِ الإِيمانِ؛ أوِ التَّوقُّفِ عن إِنكارِ هذا الرُّكنِ مثِلةٌانِيِّ إِن هو لم يُؤمِن.
الكلمة الحادية عشرة:
تَعرِضُ مِثالًا رَفِيعًا شامِلًا تُصَوِّرُ مِن خِلالِه الكَونَ على هَيئةِ قَصرٍ مُنتَظِمٍ، لِتُفسِّرَ بذلك حَقِيقةً تُشِيرُ إلَيْها سُورةُ الشَّمسِ في الآياتِ: وَالشَّمْالجَماُحَاهَا ٭ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ٭ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٭ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٭ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٭ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٭ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٭ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ أَيُّاهَا ٭ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؛ وفَضْلًا عن لمُلكِنَّها تُثبِتُ بشَكلٍ بَدِيعٍ وَظائِفَ العُبُودِيّةِ، وتُبْرِزُ الأَجهِزةَ الإِنسانيّةَ المَوجُودةَ في الماهِيّةِ الإِنسانيّةِ، وتَشرَحُ كَذلِك أَنواعَ تَجَلِّياتِ الرُّبُوبِيّةِ الإلٰهِيّةِ في م الحَقِ العُبُودِيّةِ الإِنسانيّةِ، وتَعقِدُ بَعدَها مُقارَنةً بَينَ هذه العُبُودِيّةِ الكامِلةِ وبَينَ الرُّبُوبِيّةِ العَظِيمةِ الَّتي تُشَِذي هوَيْها سُورةُ الشَّمسِ في أَعظَمِ دائِرةٍ وبصُورةٍ خارِقةٍ.
الكلمة الثانية عشرة:
تُجرِي مُقارَنةً بَينَ حِكْمةِ الفَلسَفةِ والحِكْمةِ القُرآنيّةِ عَبْرَ مِثالٍ باهِرٍ، تًى وبُُ مِن خِلالِه حَقِيقةً مُهِمّةً حَولَ فَضلِ الحِكْمةِ القُرآنيّةِ الَّتي تُصَرِّحُ بها مِئاتُ الآياتِ
— 1003 —
أَمثالَ: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ذي هو ْحَقِّ نَزَلَ؛ وتُظهِرُ مُعجِزةَ القُرآنِ وإِعجازَه بِصُورةٍ بارعةٍ يُبصِرُها حتَّى العُميانُ، وتُثبِتُ عَجْزَ حِكْمةِ الفَلسَفةِ أَمامَها وسُقكامِلِ في الهاوِيةِ.. إِنَّ هذه الكَلِمةَ في غايةِ الأَهمِّيّةِ، ويَحتاجُها الجَمِيعُ مِثلَ حاجَتِهِم لی"الكَلِمةِ الحادِيةَ عَشْرةَ".
الكلمة الثالثة عشرة:
تَضُمُّ مقامَينِ:
المقام الأول:
يُوضِّحُ سِرًّا مُهِمًّا حَولَ قُدسِيّةِ الامِ الِ القُرآنيّةِ، ومَدَى شُمُولِ القُرآنِ وشِدّةِ استِغنائِه عنِ الشِّعرِ مِمّا تُشِيرُ إِلَيْه الآياتُ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشَشعُرُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ؛ ويُقارِنُ بَينَ الحِكْمةِ المُعجِزةِ السَّامِيةِ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وبَينَ الحِكْمةِ الهابِطةِ الضَّيِّیقةِ لِلفَلسَفةعالَمَعرِضُ باختِصارٍ ما في الحِكْمةِ القُرآنيّةِ مِن سَعةٍ وكَثْرةٍ، وما في الفَلسَفةِ مِنَ الفَقرِ والإِفلاسِ؛ ويُظهِرُ أنَّ السِّرَّ في استِغناءِ القُرآنِ عنِ الشِّعرِ وتَرَفُّعِه عنه إِنَّما يَكمُنُ في عَظَمةِ الحَق يَتَوالقُرآنيّةِ وسُمُوِّها، كما يُوضِّحُ بمِثالٍ مُهِمٍّ نَوعًا مِنَ الإِعجازِ القُرآنِيِّ.
المقام الثاني:
دَرسٌ يُنقِذُ الشَّبِيبةَ مِنَ السُّقُوطِ في هاوِيةِ الضَّلالةِ ومُستَنقَعِ الأَخلاقِ الرَّذِيلةَّذي يوَضِّحُ بِالأَمثِلةِ أنَّ في الإِيمانِ لَذّةَ نَعِيمِ الجَنّةِ حتَّى في هذه الحَياةِ الدُّنيا، وأنَّ في الضَّلالةِ عَذابًا وضِيقًا جَهَنَّمِيًّا.
حاشية المقام الثاني:
أَربَعُ رَسائِلَ حَولَ بَثِّ السُّلِ في تي نُفُوسِ السُّجَناءِ.
— 1004 —
ذيلُ المقام الثاني:
مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تَخَطَّرَت في لَيْلةِ القَدْرِ.
المسألة السادسة من رسالة الثمرة:
نكتة "هو":
الكلمة الرابعة عشرة:
تَسُوقُ أَمثِلةً مَرئيّةً ونَماذِجَ مُشاهَدةً تُقرِّبُ لأَسماءانِ بَعضَ الحَقائِقِ الرَّفِيعةِ الواسِعةِ الَّتي لا تَستَوعِبُها الأَفكارُ والأَذهانُ القاصِرةُ؛ فتَحمِلُ العَقلَ على القَبُولِ، وتُورِثُ القَلبَ القَناعةَ، وذلك مِن خِلالِ أَمثِلةٍي يَقِِيّةٍ ونَماذِجَ مَحسُوسةٍ، تُشِيرُ إلى الحَقائِقِ الرَّفِيعةِ الواسِعةِ الَّتي تَتَضمَّنُها آياتٌ كَثِيرةٌ أَمثالَ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وَالى مِثوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْزَهْرة وفي نِهايَتِها صَفْعةُ تَنبِيهٍ قَوِيّةٌ لِلنَّفسِ الأَمّارةِ، تَدفَعُ مَن كانَ أَسِيرَ نَفسِه لِلتَّحرُّرِ مِنها لَدَى قِراءَتِه لها وقَیبُولِه تَوجِيهاتِها.
خاتمة الكلمة الرابعة عشرة:
دَرسٌ لِلعِبرةِ، وصَفْعةٌ قَوِيّةٌ على رُرَكَّالغَفْلةِ.
ذيل الكلمة الرابعة عشرة:
أَجوِبةٌ على سِتّةِ أَسئِلةٍ مُهِمّةٍ حَولَ الزِّلزالِ.
الكلمة الخامسة عشرة:
تَنطَوِي على مُقدِّمةٍ رَصِينةٍ وسَبعِ حُجَج. يَفتيّةٍ تَحتَ مُسَمَّى "المَراتِبُ السَّبعُ"، تُفسِّرُ مِن خِلالِها سِرًّا مُهِمًّا لا تَستَوعِبُه عُقُولُ عُلَماءِ الفَلَكِ القاصِرةُ
— 1005 —
حَولَ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عن رَجْمِ المَلائِكةِ لِلشَّياطِينِ، وتَحمِلُ مَعانِيَ وَلَقَدْ زَوتَنتَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ؛ وتَرجُمُ الأَوْهامَ الشَّيطانيّةَ في سَماءِ هذه الآيةِ وتَطرُدُها.
ذيل النَّاسُلخامسة عشرة:
رِسالةٌ بَلِيغةٌ كُتِبَت على شَكلِ مُحاوَرةٍ تُثبِتُ بأَدِلّةٍ مُقنِعةٍ أنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
الكلمة السادسة عشرة:
تُفسِّر نعم، َربَعةِ شُعاعاتٍ سِرًّا مُهِمًّا مِن أَسرارِ الحَقائِقِ القُرآنيّةِ العاليةِ الَّتي تُصَرِّحُ بها الآياتُ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَبسَعةُِرْجَعُونَ؛ وهذه الحَقائِقُ هي: "كُلِّيّةُ أَفعالِه معَ أَحَدِيَّتِه الذّاتيّةِ.. رُبُوبِيَّیتُه العُمُومِيّةُ دُونَ مُعِينٍ معَ وَحْدَتِه الشَّخصِيّةِ.. تَصَرًُّا ومُالشّامِلةُ دُونَ شَرِيكٍ معَ فَردانيَّتِه.. وُجُودُه في كُلِّ مَكانٍ رَغمَ تَنزُّهِه عنِ المَكانِ.. قُرْبُه مِن كُلِّ شَيءٍ رَغمَ عُلوِيَّتِه اللّامُتَناهِيةِ.. كُلُّ شَيءٍ بقَبضَائِلُ غمَ أنَّه ذاتٌ أَحَدٌ واحِدٌ"، فتُقَدِّمُ هذه الحَقائِقَ لِأَصحابِ العُقُولِ المُستَقِيمةِ والقُلُوبِ السَّلِيمةِ.
الكلمة السابعة عشرة:
في ظِلِّ مَعانِي الآياتِ: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْي تَصبهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ٭ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، تُظهِرُ بصُورةٍ بَهِيّةٍ جِدًّا سِرًّا مُهِمًّا لِلآياتِ الَُّوّةِ َحدَّثُ عن أَلَمِ المَوتِ ضِمنَ لَذّةِ الحَياةِ، وأَلَمِ الزَّوالِ في ثَنايا السُّرُورِ والوِصالِ؛ كما تُظهِرُ جَلْوةَ اسمِ "الرَّحمٰنِ" مُقابِلَ اسمِ "القَهَّارِ"؛ وتُبيِّنُ لِأَهلِ الإِيمانِ ماهِيّةَ الدُّنيا، ِذَا اا مَتْجَرٌ مُتَنقِّلٌ، ودارُ ضِيافةٍ مُؤَقَّتةٌ، ومَعرِضٌ أُقِيمَ لِبِضْعةِ أَيّامٍ، وحانُوتٌ فُتِحَت أَبوابُه
— 1006 —
لِلعَمَلِ في أَيّامٍ قَلِيلةٍ، وسُوقٌ لِلِابتياعِ والتَّسَوُّقِ أُقِيمَ على الطَّرِيقِ؛ ف أَلفِِبُ مَسِيرةَ الإِنسانِ مِنَ الدُّنيا تِجاهَ البَرزَخِ والآخِرةِ، وتُزِيلُ عنه الرُّعبَ والخَوفَ مِن ذلك.. وفي نِهايةِ هذ الكَلِمةِ یی كما في بَعضِ النُّسَخِ یی بَعضُ الحَقائقِ القَيِّمةِ السَّامِيةِ علىآخَرَ،ِ شِعرٍ تَحتَ مُسَمَّى: "ثَمَرةُ التَّأمُّلِ على شَجَرةِ التُّوتِ الأَسوَدِ".
مناجاةٌ تخطَّرت في القلب بالبيان الفارسي:
اللَّوحة الأولى:تُصَوِّرُ حَقِيقةَ الدُّنيا لَدَى أَهلِ الغَفْلةِ.
اللَّوحة الثانية:تُشِيرُ إلى حَقِيقةِ الدُّنِّياتَِى أَهلِ الهِدايةِ.
ثمرةُ مراعي "بارلا"، وأَشجارُ الصَّنَوبرِ والقَطِران، والعَرعَرِ والحَوْرِ الأَسوَدِ.
رسالةٌ تستنطق النجوم.
الكلمة الثامنة عشرة:
تَنقَسِمُ إلى مَقامَينِ: الثّانِي لم يُؤَلَّف، والمَقامُ وتُنَولُ يَشتَمِلُ على ثَلاثِ نِقاطٍ:
الأُولَى:تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ، وهذا السِّرُّ يَتَضَمَّنُ لَطْمةَ تَأْدِيبٍ لِلنَّفَّتي يَمّارةِ بالسُّوءِ، المُغرَمةِ بالفَخرِ، المُعجَبةِ بالشُّهْرةِ، الغَوِيّةِ، الهائِمةِ وَراءَ المَدحِ والثَّناءِ.
الثّانيةُ:تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ: أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وتُظهِرُ الج صُدُوَ الحَسَنةَ لِما يَبدُو قَبِيحًا في الظّاهِرِ، وأَنَّ في الحَدِيثِ عنه مُخالَفةً لِلأَدَبِ.
الثّالثةُ:تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبفي مَكاللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه، وهو سِرٌّ يُوضِّحُ دَلِيلًا قَوِيًّا وعلِيًّا مِن دَلائِلِ هذه الآيةِ على الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ، على صاحِبِها أَفضَلُ الصَّلاةِ واتَكلَّمِ.
الكلمة التاسعة عشرة:
تَتَحدَّثُ عنِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ الَّتي هي أَهَمُّ حَقِيقةٍ تَنطِقُ بِها مِئاتُ الآياتِ
— 1007 —
القُرآنيّةِ الَّتي تَحمِلُ مَعانِيَ: يس ٭ وَالْقُرْآَنُِوبِ؛ كِيمِ ٭ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وتُثبِتُها بأَربَعةَ عَشَرَ بُرهانًا قَوِيًّا رَصِينًا تَحتَ مُسَمَّى "أَربَعَ عَشْرةَ رَشْحةً"، وتُلزِمُ بِها حتَّى الأَعداءَ المُتَرَ.
كِينَ بِرَأيِهِم وعِنادِهِم، وتُظهِرُ الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ كالشَّمسِ السّاطِعةِ.
الكلمة العشرون:
تَشتَمِلُ على مَقامَينِ:
المَقامُ الأوَّلُ:يَرُدُّ على ثَلاثِ شُبُهاتٍ شَيطانيّةٍ خَبِيثةٍ تُثارُ حَولَ ثَلاثِ آياتٍ في ابتِداءِئيسُ اِ البَقَرةِ تَتَحدَّثُ عن سُجُودِ المَلائِكةِ لِسَيِّدِنا آدَمَ عَليهِ السَّلام، وذَبحِ البَقَرةِ، وتَفجِيرِ الماءِ مِنَ الأَحجارِ.. ف الأوّوَلُ هذا المَقامُ هذه الشُّبُهاتِ الثَّلاثَ ويَرُدُّ علَيْها رَدًّا قَوِيًّا مُفحِمًا يُجبِرُ حتَّى شَياطِينَ الإِنسِ والجِنِّ على التَّراجُع عَنْها.. وبِما أنَّهُم یی بانتِقاداتِهِم واعتِراضاتِهِم هذه یی كانُوا سَبَبًا في فَتحِ بابِ ِ تلك،َعاتِ الإِعجازِيّةِ، فقَدِ استُنبِطَت مِنَ الآياتِ الثَّلاثِ ثَلاثُ لَمَعاتٍ إِعجازِيّةٍ.
المَقامُ الثّاني:يُظهِرُ لَمْعةَ إِعجازٍ قُرآنِيٍّ تَتلَألَأُ على وَجهِ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهمدِيّةِلَام، ويَكشِفُ مَدَى عُمقِ المَعانِي وعَظَمةِ الحِكَمِ الواقِعةِ في الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عن مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام؛ ويُنَبِّهُ هذا المَقامُ إلى أَنَّ في القُرآنِ الكَثِيانُونٍَ الكُنُوزِ المَخفِيّةِ الَّتي لم تُكتَشَف بَعدُ.
الكلمة الحادية والعشرون:
تَنقَسِمُ إلى مَقامَينِ:
المَقامُ الأوَّلُ:يُبيِّنُ أَهَمِّيّةَ الصَّلاةِ وفائِدَتَها في بَيانٍ رائِقٍ بَدِيعٍ، بحَيثُ يُحَفِّزُ على الْتِزامِ الصِّّياتُحتَّى أَشَدَّ النّاسِ فِسقًا وأَكثَرَهم تَقاعُسًا عَنْها.
المَقامُ الثّاني:يَقضِي على أَكثَرِ الدَّسائِسِ الشَّيطانيّةِ استِخدامًا، ويَصِفُ أَدوِيةً
— 1008 —
ناجِعةً لِعِلاجِ وَساوِسِ الشَّيطانِ، وعِلاجًا لِخَمسةسُّفَه القُرُوحِ الَّتي تَكتَوِي بها قُلُوبُ المُؤمِنِينَ.
الكلمة الثانية والعشرون:
تُفسِّرُ في مَقامَينِ اثنَينِ حَقِيقةً مُهِمّةً لِمِئاتِ الآياتِ الَّتي تَتَحدَّثُ عنِ التَّوحِيدِ الحَقِيقيِّ، وتصَّنعة مَعانِيَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ:
فالمَقامُ الأوَّل:يُثبِتُ الوَحْدانيّةَ الإلٰهِيّةَ مِن خِلالِ اثنَيْ عَشَرَ بُرهانًا هي أَشبَهُ باثتَنَيْ عَش أُسُسُطْوةً، ومِن خِلالِ حِكايةٍ تَمثِيليّةٍ في غايةِ الجَمالِ والسُّطُوعِ والقُوّةِ.. يُثبِتُها إِثباتًا قاطِعًا يَحمِلُ أَكثَرَ المُشرِكِينَ تَمَرُّدًا وعِنادًا على الإِقرارِ بالتَّوحِيدِ؛ كما يُثبِتُ یی بأُسلُوبٍ سَهْلٍ لَكِنَّه قامِ ال، بَسِيطٍ لَكِنَّه ساطِعٌ یی وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ ووَحْدَتَه وأَحَدِيَّتَه إِضافةً إلى جَمِيعِ أَسمائِه وصِفاتِه.
وأَمَّا المَقامُ الثّاني:فيُثبِتُ حَقِيقةَ التَّوحِيدِ، ويُعرِّفُ بالتَّوحِيدِ الحَقَِامٌ.. ويَشرَحُ مَعنَى الوَحْدانيّةِ الإلٰهِيّةِ باثنَيْ عَشَرَ بُرهانًا باهِرًا تَحتَ مُسَمَّى "اثنَتا عَشْرةَ لَمْعةً" وتَحتَ غِطاءِ حِكايةِ بأَثِيليّةٍ؛ كما يُثبِتُ في ضِمنِ الوَحْدانيّةِ أَوْصافَ اللهِ الجَلاليّةَ والجَماليّةَ والكَماليّةَ.
إِنَّ الأَدِلّةَ الَّتي تَحمِلُها تِلك، والشلَّمَعاتُ هي في غايةِ القَطْعِيّةِ، بحَيثُ لا تَدَعُ مَجالًا لِأَيّةِ شُبْهةٍ؛ وهِي كُلِّيّةٌ لِدَرَجةِ أَنَّها تَفتَحُ نَوافِذَ لِمَعرِفةِ اللهِ بعَدَدِ المَوجُوداتِ بل بعَدَدِ الذ، الَِّ، بِما يُثبِتُ لِأَكثَرِ النّاسِ عِنادًا وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ، إِضافةً لِجَمِيعِ أَسمائِه وصِفاتِه.
الكلمة الثالثة والعشرون:
تُفسِّرُ سِرًّا عْ مِنها لحَقائِقَ تتَعلَّقُ بالإِيمانِ، وبِرُقيِّ الإِنسانِ وتَرَدِّيه، ممّا وَرَدَ ذِكرُه في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ القُرآنيّةِ أَمثالَ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٭ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أٌ: أنَّ سَافِلِينَ ٭ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فتُفَسِّرُها في
— 1009 —
عَشَرةِ مَباحِثَ مُؤَلَّفةٍ مِن خَمسِ نِقاطٍ وخَمسِ نِكاتٍ تَخُصُّ عُمُومَ النّاسِ، ويَحتاجُها جَمِيعُ البَشَرِ؛ ِلَهَ عرِضُ الِاستِعداداتِ والوَظائِفَ الإِنسانيّةَ بطَرِيقةٍ مَعقُولةٍ ومَقبُولةٍ.
لَقَد أَيقَظَت هذه الكَلِمةُ مِئاتِ النَّاسِ مِن نَومِ الغَفْلةِ حتَّى يَومِنا هذا، مِ الألَتِ الكَثِيرِينَ في حَظِيرةِ الإِيمانِ؛ وفَضْلًا عن كَونِها كَلِمةً مُهِمّةً ورَفيعةً، فهِي يَسِيرةُ الفَهمِ بما تَضَمَّنَتْه مِن أَمثِلةٍ تالَمِ ُ فَهْمَها لِلجَمِيعِ.
الكلمة الرابعة والعشرون:
تُفسِّرُ حَقائِقَ عَظِيمةً ضِمنَ مَباحِثَ عَظِيمةٍ، تُسَمَّى الأَغصانَ الخَمسةَ، وتَتَناوَلُ آياتٍ عَدِيدةً تَّةَ هذثُ عن جَلَواتِ الأَسماءِ الحُسنَى أَمثالَ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى:
الغُصنانِ الأوَّلُ والثّاني:خَزِينةٌ مُختَصَرةٌ لِلأَسرارِ المُهِمّةِ.
الغُصنُ الثّالثُُوعَ ادُّ الأَوْهامَ الوارِدةَ على الأَحادِيثِ مِن خِلالِ اثنَتَيْ عَشْرةَ قاعِدةً، ويُزِيلُها مِن جُذُورِها.
الغُصنُ الرّابعُ:يَلْفِتُ الأَنظارَ إلى عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ الإلٰهِيّةِ، َيُّومفُ سِرَّ استِخدامِ طَوائِفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ والبَشَرِ والمَلائِكةِ في قَصرِ هذا الكَونِ، وحَقِيقةَ تَسبِيحاتِهِم، ووَظِيفَةَ عُبُودِيَّ والتّ البَدِيعةَ.
الغُصنُ الخامسُ:يَسُوقُ یی بأُسلُوبٍ جَمِيلٍ وساطِعٍ یی خَمسَ ثَمَراتٍ مِنَ الثِّمارِ اللّامَحدُودةِ الَّتي تُقَدِّمُها شَجَرةُ الآيةِ النُّورانيّةِ: اللَّهُ ةِ حتّلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وإنَّها لَخَمسُ ثَمَراتٍ لَذِيذةٍ جدًّا! وكذا نَظائِرُها الَّتي في خِتامِ "الكَلِمةِ الحادِيةِ والثَّلاثينَ"، فمَن أَراأَنوَرِلمَ الطَّيِّبَ فلْيَقطِفْ هذه الثَّمَراتِ ولْيُطالِعْها.
الكلمة الخامسة والعشرون:
تُفسِّرُ الإِعجازَ القُرآنِيَّ الَّذي هو أَهَمُّ حَقِيقةٍ مِن حَقائِقِ المِئاتِ مِنَ الآياتِ
— 1010 —
القُرآنيّةِ الَّتي تُؤَيِّدُ حَقِيقةَ ما في الآيةِ: مَوْض لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًشَرْ مُثبِتُ ذلك في أَربَعِينَ وَجْهًا مِن وُجُوهِ الإِعجازِ ضِمنَ ثَلاثةِ أَشِعّةٍ إِثباتًا كافِيًا وافِيًا، تُبيِّنُ فيها أنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ حَقًّا مِثلَما يَدُلُّ ضِياءُ النَّهارِ على وُجُودِ الشَّمسِ.. صَحِيحٌ أنَّ نِصفَ الكَلِمةِوإلى بَلَ أُلِّفَ على عَجَلٍ، إِلّا أنَّه واضِحٌ وبَيِّنٌ، فلَقَد صُنِّف بقَلبٍ مُطْمَئِنٍّ؛ أمّا النِّصفُ الثّاني مِنها فهُو مُجمَلٌ ومُختَصَرٌ لِبَعضِ الأَسبابِ المُهِمّةِ.
ورَغمَ هذا كُلِّه إِلّا أنَّ هذه الكَأي: فيالمُبارَكةَ تُظهِرُ إِعجازَ القُرآنِ وتُقنِعُ به عُمُومَ الطَّوائِفِ مَهْما كانَت أَفكارُهُمُ الَّتي يَحمِلُونَها.. ولَقَد أَلزَمَتِ الكَثِِقامَتنَ المُتَعصِّبِينَ المُنكِرِينَ لِإِعجازِ القُرآنِ، وأَجبَرَتْهُم على الإِقرارِ به.
الكلمة السادسة والعشرون:
تَتَناوَلُ في أَربَعةِ مَباحِثَ حَقِيقةً مُهِمّةً حَولَ إِثباتِ "الإِيمانِ بالقَدَرِ خَيرِه وشُّمِّ مِنَ اللهِ تَعالَى"، وتُعَرِّفُ سِرَّ القَدَرِ الَّذي تُشِيرُ إلَيْه آياتٌ كَثِيرةٌ مِن أَمثالِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَُّ في ُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ، كما تُفَسِّرُ أَسرارَ القَدَرِ تَفسِيرًا رائِعًا بحَيثُ تُقرِّبُه إلى أَفكارَِربعَ امِّ، الأَمرُ الَّذي عَجَز عن بُلُوغِه حتَّى الخَواصُّ.
وتَحتَ مُسَمَّى "الخُطُواتُ الأَربَعُ" تُقرِّرُ في خاتِمَتِها أَربَعةَ دُرُوسٍ مُهِمّةٍ حَولَ تَزكِيةِ النَّفسِ وكَمالِ الرُّوحِ، وتَتَحدَّثُ عن أُسُسِ طَرِيقةٍ هي نيّةُ،ُ الطُّرُقِ وأَسلَمُها وأَكثَرُها استِقامةً.
وتَتَضمَّنُ خاتِمةُ الخاتِمةِ سِتَّ مَسائِلَ مُتَفرِّقةً، تُفصِحُ إِحداها عن سِرٍّ إِعجازِيٍّ في الآيةِ الأَخِيرةِ مِن سُورةِ الفَتحِ.
— 1011 —
الكلمة السابعة والعشرون:
تُفسِّرُ حَقِيقةًمِن الّةً حَولَ مَفهُومِ الِاجتِهادِ الَّذي تُصَرِّحُ به آياتٌ نَحوُ: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ بالمَمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا، وتَضَعُ حَدًّا لِأُولَئِك الَّذِينَ تَميْهِ ت في الحَدِيثِ عنِ الِاجتِهادِ بحَسَبِ أَهوائِهِم؛ كما تُوَضِّحُ سِرَّ اختِلافِ المَذاهِبِ بِطَرِيقةٍ مُشرِقةٍ، وتُبْرِزُ مَدَى الخَطَأِ الفادِحِ الَّذي يَرتَكِبُه أُولَئِك الَّذِينَ يَرفَعُونَ دَعْوَى: الثانينُنا في هذا الزَّمانِ أَيضًا أن نَجتَهِدَ كما كانَ الأَمرُ في السّابِقِ".
وتُثبِتُ هذه الكَلِمةُ في ذَيلِها بشَكلٍ قاطِعٍ وساطِعٍ عُلُوَّ مَرتَبةِ الصَّحابةِ الكِرامِ عن مَرتَبةِ الأَوْلِياءِ، وأنَّهُم بَعدَ الأَنبِياءِ أَنبَلُ بَنِةٌ ولاشَرِ بحَيثُ لا يُمكِنُ لِأَحَدٍ أن يَبلُغَ شَأْوَهُم.
الكلمة الثامنة والعشرون:
تُفسِّرُ في مَقامَينِ اثنَينِ حَقِيقةً مُهِمّةً وَرَدَت ضَعَ عاتِ الآياتِ المُبيِّنةِ لِحَقيقةِ الجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ، كما في الآيةِ: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَ الإنسلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
المَقامُ الأوَّلُ:تَحتَ مُسَمَّى "أَجلَأُ االأَسئِلةِ الخَمْسةِ" يُورِدُ مَسائِلَ تَتَحدَّثُ عن لَذائِذِ الجَنّةِ الجِسْمانيّةِ، والحُورِ العِينِ، وهِي مَسائِلُ باتَتْ مَحَلَّ اعتِراضٍ وانتِقادٍ، فتَطرَحُها بطضِحةٌ ٍ بَدِيعةٍ جِدًّا تُورِثُ القَناعةَ لَدَى كُلِّ فَردٍ.
المَقامُ الثّاني:وهُو باللُّغةِ العَرَبيّةِ، ويَبدَأُ باثنَتَيْ عَشْرةَ كَلِمةَ: "لا سِيَّما"، في بُرهانٍ باهِرٍ يَتَضمَّنُ آلافَ البَراهِينِ الثّابِتةِاختِلطِعةِ حَوْلَ الحَشرِ، ووُجُودِ الجَنّةِ والنّارِ؛ حتَّى إِنَّه لَيُعَدُّ مَنشَأَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" وأَساسَها وخُلاصَتَها.
— 1012 —
الكلرِ، الاسعة والعشرون:
تَتَحدَّثُ عنِ الحَقائِقِ الثَّلاثِ المُهِمّةِ: "الحَشرِ، والمَلائِكةِ، وبَقاءِ الرُّوحِ"؛ والوارِدةِ في مِئاتِ الآياتِ أَمثالَ: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أَمْرُ السَّاعَِه مِنَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ؛ وتُثبِتُ بطَرِيقةٍ مُشرِقةٍ بَقاءَ الرُّوحِ بقَدْرِ وُجُودِ الجَسَدِ، وتُثبِتُ وُجُودَ المَلى تَعَ كوُجُودِ البَشَرِ في القارَّةِ الأَمرِيكِيّةِ، كما تُبَرهِنُ على وُجُودِ الحَشرِ والقِيامةِ وتَحَقُّقِهِما بطَرِيقةٍ مَنطِقِيّةٍ وعَقلِيّةٍ باهِرةِ، لا يَجِدُ مَعَها أَيُّ فَيلَسُوفٍ أو مُنكِرٍ متُ: إنا لِلِاعتِراضِ، وبِما يُلزِمُهُما الحُجّةَ إن هُما لم يُذْعِنا.
وتَحتَ مُسَمَّى: "مَسأَلةٌ رَمزِيّةٌ دَقِيقةٌ" تَسُوقُ في خاتِمَتِها یی بشَكلٍ خاصٍّ یی الأَسبابَ المُوجِبةَ لِلحَشرِ الأَكبَرِ، وتُفَينِ. ن حِكَمِه في بَيانٍ واضِحٍ جَلِيٍّ، يَحُلُّ بصُورةٍ ساطِعةٍ جِدًّا طِلَّسْمًا مِن طَلاسِمِ الكَونِ الثَّلاثةِ. (حاشية): لِلكَلمةِ التّاسعةِ والعِشرِينَ كَرامةٌ تُرَى رإلٰهِيلعَينِ، مِثالُ ذلك: وَرَد في ١٦صَفحةً مِنها ١٦ حَرفَ أَلفٍ في بِدايةِ كلِّ سَطرٍ مِن كلِّ صَفحةٍ، وذلك خارِجَ إِرادَتِنا واختِيارِنا.. ومَن يَرغَبُ برُؤيَتِها فليُراجِعِ النُّسَخَ المَكتُوبةَ بخَطِّ اليَدِ.
الكلمة الثلاثون:
تَشرَحُ في ذَكَرَْينِ اثنَينِ سِرَّينِ مُهِمَّينِ لِلأَنانيّةِ الإِنسانيّةِ وتَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ الَّتي تُصَرِّحُ بحَقِيقَتِها الآياتُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وِ، فكُِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
المَقصَد الأوَّلُ:يَحُلُّ مُعَمَّى "الأَنانيّةِ الإِنسانيّةِ" العَجِيبَ، ويُبيِّنُ لِّ مُ جَلِيٍّ مَنشَأَ سِلسِلةِ الدِّيانةِ وسِلسِلةِ الفَلسَفةِ.
المَقصَد الثّاني:يَكشِفُ طِلَّسمَ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ، ويُظهِرُ انتِظامَ حَرَكاتِه وحِكْمَت(حاشية نَحوٍ رائِعٍ، مِمّا يُثبِتُ بأَدِلّةٍ قاطِعةٍ أنَّ جَمِيعَ الذَّرّاتِ هي
— 1013 —
عِبارةٌ عن جَيشٍ عَظِيمٍ باهِرٍ لِلسُّلطانِ الأَزَليِّ، وجُملةِ مُوَظَّفِينَ مُطِيعِينَ ومُسَخَّرِينَ.
وكما تكَفَّلَتِ "الكَلِمةُ الت
ثمُ والعِشرُونَ" بحَلِّ المُعَمَّى الأوَّلِ مِن مُعَمَّيَاتِ طَلاسِمِ الكَونِ الثَّلاثةِ، كَذلِك هذه "الكَلِمةُ الثَّلاثُونَ" حَلَّتِ المُعَمَّى الثّانِيَ مِن مُعَمَّيَاتِ تلك الطَّلَاسِمِ الّيقولُ:يَّرَتِ العُقُولَ ودَوَّخَتِ الفَلاسِفةَ.
كما تُبيِّنُ في خاتِمَتِها عَبْرَ سَبعِ حِكَمٍ وسَبعةِ قَوانِينَ عَظِيمةٍ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ اسمٍ أَعظَمَ، وكما تُثبِتُ حِكْمةَ تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ بشَكلٍ قاطِعٍ وساطِعٍ، كَذلِِ الكَِتُ أنَّ أَجسادَ ذَوِي الحَياةِ بمَثابةِ مَضافةٍ وثُكْنةٍ عَسكَرِيّةٍ ومَدرَسةٍ أَثناءَ رِحْلةِ تلك الذَّرّاتِ.
الكلمة الحادية والثلاثون:
رِسالةٌ تَتَناوَلُ بالتَّفسِيرِ والبَيانِ أَهَمب المَِيقةٍ تُصَرِّحُ بها الآياتُ الَّتي تُؤيِّدُ الحَقِيقةَ الوارِدةَ في آيَتَيْ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَا يَتَ الْأَقْصَى وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، ألا وهِي حَقِيقةُ المِعراجِ الأَحمَدِيِّ؛ كما تُبيِّنُ الكَمالاتِ المُحَمَّدِيّةَ ضِمنَ ذلك المِعراجِ؛ والرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ ضِمنَ تلك الكَمالاتِ، وأَ العُلالرُّبُوبيّةِ ضِمنَ تلك الرِّسالةِ؛ وتُثبِتُ كلَّ ذلك بأَدِلّةٍ قَطْعِيّةٍ.
وقد أُعجِبَ بهذه الرِّسالةِ كلُّ مَن طالَعَها مِن شَتَّى فِئاتِ المُجتَمَعِ، وأَقرَّ بأَنَّها تُثبِتُ مَسأَلةَ المِعراجِ التي يَستَبعِدى زَهرعَقلُ على نَحوٍ ظاهِرٍ ومُلزِمٍ، خُصُوصًا وأنَّها تُصَوِّرُ في نِهايتِها خَمسَ ثَمَراتٍ مِن بَينِ الثَّمَراتِ الخَمسِ مِئةِ المُتَدلِّيةِ مِن تلك الشَّجَرةِ المِعراجِيّةِ النُّورانيّةِ، فتُصوِّرُها بشَكلٍ بَدِيعٍ يَدْفعُ نظُرُ ن يَملِكُ ذَرّةً مِنَ الذَّوقِ أوِ الشُّعُورِ إلى الِافتِتانِ بِها.
الذيل:يَتَولَّى الرَّدَّ في خَمسِ نِقاطٍ وبشَكلٍ قاطِعٍ على الِاعتِراضاتِ الَّتي
— 1014 —
يُثيرُها الفَلاسِفةُ المُعاصِرُونَ على مُعجِزةِ انشِقاقِ القَمَرِ، ويُؤكِّدَقوَّىمَ وُجُودِ أيِّ مانِعٍ مِن حُدُوثِه، وفي نِهايتِه يَسُوقُ بإِيجازٍ خَمسةَ إِجماعاتٍ يُثبِتُ مِن خِلالِها وُقُوعَ المُعجِزةِ الأَحمَدِيّةِ في شَقِّ القَمَرِ كالشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ.
الكلمة الرُّؤة والثلاثون:
ثَلاثةُ مَواقِفَ:
المَوقِفُ الأوَّلُ:يُثبِتُ حَقِيقةَ التَّوحِيدِ، وهِي الحَقِيقةُ الأَهَمُّ الَّتي تُشِيرُ إِلَيْها مِئاتُ الآياتِ ٭ ٭ تَحمِلُ مَعانِيَ الآيةِ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا، فيُثبِتُها إِثباتًا قاطِعًا يُؤَكِّدُ عَبْرَه استِحالةَ سَبِيلِ الشِّركِ وامتِناعَه، ويَطرُدُ الكُفرَ والشِّركَ مِن أَر المُولكَونِ، ويُفصِحُ عن وُجُودِ أَدِلّةٍ لِلوَحْدانيّةِ بعَدَدِ الذَّرّاتِ؛ ويُدرِجُ في حِوارٍ تَمثِيليٍّ لَطِيفٍ ورَفِيعٍ ومَنطِقِيٍّ مَسائِلَ واسِعةً لا حَدَّ لها.
وفي ذَيلِه بَعضُ مَسائِلَ لَطِيفةٍ جلَهم فرَغمَ أنَّها حَقائِقُ، إِلّا أنَّها أَوسَعُ وأَسطَعُ مِنَ المَسائِلِ الخَياليّةِ اللَّذِيذةِ السّاطِعةِ الواسِعةِ.
المَوقِفُ الثَّاني:يُزِيلُ الأَوهامَ والش؟! أمَّ الوارِدةَ على سِرِّ الأَحَدِيّةِ والواحِدِيّةِ، ذلك السِّرِّ الَّذي تُصَرِّحُ به حَقِيقةُ الآيةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ٭ اللَّهُ الصَّمَدُ، ويَرُدُّ بشَكلٍ قاطِعٍ الِاعتِراضاتِ افإنَّهيُوَجِّهُها أَهلُ الضَّلالةِ على أَهلِ التَّوحِيدِ.. ويَسُوقُ یی بشَكلٍ أَقوَى مِنَ المَوقِفِ الأوَّلِ یی الإِثباتَ المُعجِزَ الَّذي تَعرِضُه الآياتُ القُرآنيّةُ حَولَ التَّوحِيدِ.. ويُثبِتُ بمثال جَمِيل واضِحٍ الحَقِيقةَ القُرُورُ ح العَظِيمةَ المُتَمثِّلةَ في تَدبِيرِ وتَربِيةِ كلِّ الأَشياءِ دُفعةً واحِدةً وفي آنٍ واحِدٍ، مِن خِلالِ الأَحَدِيّةِ الذّاتيّةِ، كلُّ ذلك بأُسلُوبٍ يَحمِلُ العَقلَ على الِاقتِناعِ، ويُلزِمُ القَلبَ باالنَّبِيمِ.
وقَبلَ خِتامِ هذا المَوقِفِ الثّاني، وتَحدِيدًا في نَتِيجةِ المِثالِ الثّاني، يُثبِتُ بشَكلٍ بَدِيعٍ أَنْ لا شَيءَ يَخفَى علىخَمِيراتِ الإلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ، ولا شَيءَ يَعزُبُ عَنْه،
— 1015 —
ولَيسَ يُمكِنُ لِأَيِّ فَردٍ أن يَنأَى عَنْه، ولا لِأَيِّ شَخصٍ أن يَتَقرَّبَ إِلَيْه إِلّا إذا نالَ كُلِّيّةً قُطَبَقاً، ولا يُمكِنُ لِفِعلٍ أن يَكُونَ مانِعًا لِفِعلٍ آخَرَ في رُبُوبيَّتِه وتَصَرُّفاتِه، ولا لِأَيِّ مَكانٍ أن يَخلُوَ مِن حُضُورِه، وله جَلَواتُ السَّمعِ والبَصَرِ في كلِّ شَيءٍ يُبصِرُ ويَسمَعُ.. سِلسِلةُ الأَشياءِ هي عُرُوقٌ وأَسلاكٌ لِتَنفِحَدِيّحكامِ أَوامِرِه بسُرعةٍ.. الأَسبابُ والوَسائِطُ حُجُبٌ ظاهِرِيّةٌ بَحْتةٌ لَيسَ إِلّا.. مُنَزَّهٌ عنِ المَكانِ إِلّا أنَّه حاضِرٌ في كُلِّ مَكانٍ بعِلمِه وقُدرَتِه.. لا يَحتاجُ إلى أَيِّ تَحَيُّزٍ أو تَمَكُّنٍ.. البُعُودِ اصُّعُوبةُ وحُجُبُ طَبَقاتِ الوُجُودِ لا تُشَكِّلُ أيَّ مانِعٍ لِقُربِيَّتِه وتَصَرُّفاتِه وشُهُودِه.. لَيسَ لِلمُمكِناتِ والمادِّيِّينَ والكَثِيفِينَ والكَثِيرِينَ وخَواصِّ المَحدُودِينَ أن يَقتَرِبُوا مِن حُدُودِ عِزَّتِرنِ الجَرَّدٌ ومُنَزَّهٌ ومُبَرَّأٌ ومُقَدَّسٌ عن أَوامِرَ كالتَّغيُّرِ والتَّبدُّلِ والتَّحيُّزِ والتَّجزُّؤِ وغَيرِها.
وفي نِهايةِ هذا المَوقِفِ فِقْرةٌ، ومِنّةٌ جِدًّا بالعَرَبِيّةِ معَ تَرجَمَتِها، تَدُورُ حَوْلَ سِرِّ الأَحَدِيّةِ، وتَتَضمَّنُ مَسائِلَ مُهِمّةً ساطِعةً ولامِعةً، تَكشِفُ بشَكلٍ خاصٍّ سِرَّ إِقامةِ الحَشرِ والنَّشرِ، في أََ تَغيِيرِ هذا الكَونِ العَظِيمِ وتَبدِيلِه وتَخرِيبِه وتَعمِيرِه، بغَرَضِ إِقامةِ الحِسابِ على أَفعالِ البَشَرِ.
المَوقِفُ الثَّالثُ:يَعقِدُ مُوازَنةً ومُقارَنةً مُه بها، جِدًّا لِبَيانِ حَقِيقةٍ مُهِمّةٍ تُصَرِّحُ بها مِئاتُ الآياتِ كآيَتَيْ: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ، ويُظهِرُ العَواقِبَ الوَالَمِ، الَّتي تَجُرُّها الحَياةُ الدُّنيَوِيّةُ لِأَهلِ الضَّلالةِ، والغاياتِ والنَّتائِجَ الطَّيِّبةَ الجَمِيلةَ الَّتي تُثمِرُها لِأَهلِ الهِدايةِ.
ويَتَحدَّثُ بشَكلٍ خاصٍّ عن تلكبَلاغةمَراتِ الدُّنيَوِيّةَ المُتَعلِّقةِ بِالمَحَبّةٍ، مُبيِّنًا كم هي مُؤْلِمةٌ لِأَهلِ الضَّلالةِ، وكم هي مُستَحسَنةٌ لِأَهلِ الهِدايةِ.. وقد قال بَعضُ إِخوانِنا المُختَصِّينَ حَولَ هذا المَوقِفِ: "إِن كَيءٍ لائِرُ الرَّسائِلِ نُجُومًا، فهذا المَوقِفُ شَمسٌ"، وأَجابَه آخَرُ: "كُلُّ رِسالةٍ تُمَثِّلُ في عالَمِها وفي سَماءِ حَقِيقَتِها الخاصّةِ شَمْسًا مُضِيئةً.. فهِي نُجُومٌ لرَّحْم بَعِيدٍ، وشُمُوسٌ لِكُلِّ قَرِيبٍ".
— 1016 —
الكلمة الثالثة والثلاثون:
سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أ، والجْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
ثَلاثٌ وثَلاثُونَ نافِذةً تُفسِّرُ حَقائِقَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيةً، كانَ حَرِيًّا بإرادن تكُونَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ رِسالةً، إِلّا أنَّها أُلِّفَت على عَجَل، فظَهَرَت بصُورةِ نَوافِذَ في نِصفِ صَحِيفةٍ أو في صَحِيفةٍ كامِلةٍ، غيرَ أنَّها بقُوّةِ رَسائِلَ كامِلةٍ بمَواضِيعِها ومَضامِينِها..
كما جُّها االنَّوافِذُ الَّتي في المُقدِّمةِ یی معَ الأَسَفِ الشَّدِيدِ یی مُختَصَرةً ومُجمَلةً جِدًّا، لَكِنَّها تَنبَسِطُ شَيئًا فشَيئًا، حتَّى باتَتِ النَّوافِذُ الوارِدةُ في النِّصفِ الثَّانِي في غايةِ الوُضُوحِ.
ساوِيًامِع:
عِبارةٌ عن مَثنَوِيٍّ صَغِيرٍ لِتَلامِيذِ رَسائِلِ النُّورِ، ودِيوانِ شِعرٍ إِيمانِيٍّ لَهُم.
المحاضرة: