Risale-i Nur

الكلمات
— 360 —
وحيثُ إنَّ الوَحدةَ تَدُلُّ على الواحِدِ كما هو مَعلُومٌ، لِذا يَلزَمُ أن يكُونَ صانِعُ هذه الأَشياءِ ومالِكُها واحِدًا أَحَدًا.. زِدْ على هذا فإنَّك تَرَى أنَّه يَخرُجُ حَبلٌ غَلِيظٌ مِن وَراءِ سِتارِ الغَيبِ، فتَتَدلَّى مِنه خُيُوطٌ (حاشية): الحَبلُ إشَارةٌ إلى الشَّجرةِ المُثمِرة، والخُيوطُ الرَّفيعةُ إشَارةٌ إلى أغصَانِها، أمّا الهَدايَا والمُرصَّعات فَهي إشَارةٌ إلى أَنواعِ الأزهَارِ وأضرَابِ الثِّمار. تَحمِلُ ما هو أَثمَنُ مِنَ الماسِ والزُّمُرُّدِ مِنَ الآلاءِ والإحسانِ.
إذًا: فقَدِّر بنَفسِك مَدَى بَلاهةِ مَن لا يَعرِفُ الَّذي يُديرُ هذه الأُمُورَ العَجِيبةَ ويُقَدِّم هذه الهَدايا البَديعةَ! قَدِّر مَدَى تَعاسةِ مَن لا يُؤدِّي شُكرَه علَيها! إذ إنَّ جَهلَه به يُرغِمُه على التَّفَوُّهِ بما هو مِن قَبِيلِ الهَذَيانِ، فيقُولُ مثلًا: إنَّ تلك الحِبالَ هي الَّتي تَصنَعُ تلك اللَّآلِئَ المُرَصَّعاتِ! أي: يُلزِمُه جَهلُه أن يَمنَحَ مَعنَى السُّلطانِ لكُلِّ حَبلٍ مِن تلك الحِبالِ! والحالُ أنَّنا نَرَى أنَّ يَدًا غَيبِيّةً هي الَّتي تَمتَدُّ إلى تلك الحِبالِ فتَصنَعُها وتُقلِّدُها الهَدايا. أي: إنَّ كلَّ ما في هذا القَصرِ يَدُلُّ على صانِعِه المُبدِعِ دَلالةً أَوضَحَ مِن دَلالَتِه على نَفسِه.. فإن لم تَعرِفْه يا صاحِبي حَقَّ المَعرِفةِ فستَهوِي إذًا في دَرْكٍ أَحَطَّ مِنَ الحَيَواناتِ، لأنَّك تُضطَرُّ إلى إنكارِ جَميعِ هذه الأَشياءِ.

البُرهان التاسع

أيُّها الصَّدِيقُ الَّذي يُطلِقُ أَحكامَه جِزافًا، إنَّك لا تَعرِفُ مالِكَ هذا القَصرِ ولا تَرغَبُ في مَعرِفَتِه، فتَستَبعِدُ أن يكُونَ له مالِكٌ، وتَنساقُ إلى إنكارِ أَحوالِه لعَجْزِ عَقلِك عنِ استِيعابِ هذه المُعجِزاتِ الباهِرةَ والرَّوائعَ البَديعةَ، مع أنَّ الِاستِبعادَ الحَقيقيَّ، والمُشكِلاتِ العَوِيصةَ والصُّعُوباتِ الجَمَّةَ في مَنطِقِ العَقلِ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفةِ المالِكِ، والَّذي يُفضِي بك إلى إنكارِ وُجُودِ هذه المَوادِّ المَبذُولةِ لك بأَثمانِها الزَّهيدةِ ووَفْرَتِها العَظيمةِ.
بَينَما إذا عَرَفْناه يكُونُ قَبُولُ ما في هذا القَصرِ، وما في هذا العالَمِ سَهلًا ومُستَساغًا ومَعقُولًا جِدًّا، كأنَّه شيءٌ واحِدٌ، إذ لو لم نَعرِفْه ولَولاه، لكان كلُّ شيءٍ عِندَئذٍ صَعْبًا وعَسِيرًا، بل لا تَرَى شَيئًا مِمّا هو مُتَوفِّیرٌ ومَبذُولٌ أَمامَك.. فإن شِئتَ فانظُر فحَسْبُ إلى
— 361 —
عُلَبِ المُرَبَّيَاتِ (حاشية-١): مُعلَّباتُ المُربَّيات، إشَارةً إلى البِطّيخِ والشَّمَّام والرُّمَّان وغَيرِها مِن مُعلَّباتِ القُدرةِ الإلٰهِيّة، وكلُّ ذلك هَدَايا الرَّحمةِ الإلٰهِيّة. المُتَدَلِّيةِ مِن هذه الخُيُوطِ، فلو لم تكُن مِن إنتاجِ مَطبَخِ تلك القُدرةِ المُعجِزةِ، لَمَا كان باستِطاعَتِك الحُصُولُ علَيها ولو بأَثمانٍ باهِظةٍ.
نعم، إنَّ الِاستِبعادَ والمُشكِلاتِ والصُّعُوبةَ والهَلاكَ والمُحالَ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفَتِه، لأنَّ إيجادَ ثَمَرةٍ یی مَثلًا یی يكُونُ صَعبًا ومُشكِلًا كالشَّجَرةِ نَفسِها فيما إذا رُبِطَ كلُّ ثَمَرةٍ بمَراكِزَ مُتَعدِّدةٍ وقَوانينَ مُختَلِفةٍ، بَينَما يكُونُ الأَمرُ سَهلًا مُستَساغًا إذا ما كان إيجادُ الثَّمَرةِ بقانُونٍ واحِدٍ ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، فيكُونُ إيجادُ آلافِ الأَثمارِ كإيجادِ ثَمَرةٍ واحِدةٍ؛ مَثَلُه في هذا كمَثَلِ تَجهِيزِ الجَيشِ بالعَتادِ، فإن كان مِن مَصدَرٍ واحِدٍ وبقانُونٍ واحِدٍ ومِن مَعمَلٍ واحِدٍ، فالأَمرُ سَهلٌ ومُستَساغٌ عَقلًا.. بَينَما إذا جُهِّزَ كلُّ جُندِيٍّ بقانُونٍ خاصٍّ ومِن مَصدَرٍ خاصٍّ ومِن مَعمَلٍ يَخُصُّه، فالأَمرُ صَعبٌ ومُشكِلٌ جِدًّا، بل سيَحتاجُ ذلك الجُندِيُّ حِينَئذٍ إلى مَصانِعِ عَتادٍ ومَراكِزِ تَجهِيزاتٍ وقَوانينَ كَثيرةٍ بعَدَدِ أَفرادِ جَيشٍ كامِلٍ.
فعلى غِرارِ هذَينِ المِثالَينِ، فإنَّ إيجادَ هذه الأَشياءِ في هذا القَصرِ العَظيمِ والمَدينةِ الرّائعةِ، وفي هذه المَملَكةِ الرّاقيةِ والعالَمِ المَهِيبِ إذا ما أُسنِدَ إلى واحِدٍ أَحَدٍ، فإنَّ الأَمرَ سَهلٌ ومُستَساغٌ، حيثُ يكُونُ ما نَراه مِن وَفرةِ الأَشياءِ وكَثرَتِها واضِحًا؛ بَينَما إن لم يُسنَدِ الأَمرُ إلَيه يكُونُ إيجادُ أيِّ شيءٍ كان عَسِيرًا جِدًّا، بل لا يُمكِنُ إيجادُه أَصلًا حتَّى لو أُعطِيَتِ الدُّنيا كلُّها ثَمَنًا له.

البُرهان العاشر

أيُّها الصَّديقُ، ويا مَن يَتَقرَّبُ شَيئًا فشَيئًا إلى الإنصافِ.. فها نحنُ هنا منذُ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا، (حاشية-٢): إشَارةً إلى سِنِّ التَّكليفِ البالِغِ خَمسَ عَشْرةَ سنةً. فإن لم نَعرِفْ أَنظِمةَ هذه البِلادِ وقَوانينَها ولم نَعرِفْ مَلِيكَها فالعِقابُ يَحِقُّ علَينا، إذ لا مَجالَ لنا بَعدُ للِاعتِذارِ، فلقد أَمهَلُونا طَوالَ هذه الأَيّامِ، ولم يَتَعرَّضُوا
— 362 —
لنا بشيءٍ؛ إلّا أنَّنا لا شَكَّ لَسنا طُلَقاءَ سائِبِينَ، فنحنُ في مَملَكةٍ رائعةٍ بَدِيعةٍ فيها مِنَ الدِّقّةِ والرِّقّةِ والعِبرةِ في المَصنُوعاتِ المُتقَنةِ ما يَنُمُّ عن عَظَمةِ مَلِيكِها، فلا بُدَّ أنَّ جَزاءَه شَديدٌ أيضًا.. وتَستَطيعُ أن تَفهَمَ عَظَمةَ المالِكِ وقُدرَتَه مِن هذا:
إنَّه يُنَظِّم هذا العالَمَ الضَّخمَ بسُهُولةِ تَنظِيمِ قَصرٍ مُنيفٍ، ويُدِيرُ أُمُورَ هذا العالَمِ العَجِيبِ بيُسرِ إدارةِ بَيتٍ صَغيرٍ، ويَملَأُ هذه المَدِينةَ العامِرةَ بانتِظامٍ كامِلٍ دُونَ نَقصٍ، ويُخْلِيها مِن سُكّانِها بحِكمةٍ تامّةٍ بمِثل سُهُولةِ مَلْءِ صَحنٍ وإفراغِه، ويَنصِبُ المَوائدَ الفَخمةَ المُتَنوِّعةَ، (حاشية): إشَارةً إلى وَجهِ الأرضِ في الرَّبيعِ والصَّيفِ، حَيث تَخرُج أَطعِمةٌ لَذيذةٌ مُتَنوِّعةٌ مِن مَطبَخِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، وتُنصَبُ مَوائدُ النِّعَم المُتَنوِّعةُ المُختَلِفةُ وتُجَدَّد باستمرارٍ، فكلُّ بُستانٍ مَطبَخٌ، وكلُّ شَجَرةٍ خادِمُ المَطبَخِ. ويُعِدُّ الأَطعِمةَ اللَّذيذةَ بكَمالِ كَرَمِه بِيَدٍ غَيبِيّةٍ ويَفرُشُها مِن أَقصَى العالَمِ إلى أَقصاه، ثمَّ يَرفَعُها بسُهُولةِ وَضعِ سُفرةِ الطَّعامِ ورَفعِها.. فإن كُنتَ فَطِنًا فستَفْهَمُ أنَّ هذه العَظَمةَ والهَيبةَ لا بُدَّ أنَّها تَنطَوِي على كَرَمٍ لا حَدَّ له وسَخاءٍ لا حُدُودَ له.
ثمَّ انظُر: كما أنَّ هذه الأَشياءَ شاهِدةُ صِدقٍ على عَظَمةِ المالِكِ القَديرِ وعلى هَيمَنَتِه، وعلى أنَّه سُلطانٌ واحِدٌ أَحَدٌ، كذلك القَوافِلُ المُتَعاقبةُ والتَّحَوُّلاتُ المُتَرادِفةُ دَليلٌ على دَوامِ ذلك السُّلطانِ وبَقائِه، لأنَّ الأَشياءَ الزّائلةَ إنَّما تَزُولُ معَها أَسبابُها أيضًا؛ فالأَشياءُ والأَسبابُ تَزُولانِ معًا، بَينَما الَّتي تَعقُبُها تَأْتي جَديدةً ولها آثارٌ كسابِقَتِها، فهي إذًا لَيسَت مِن فِعلِ تلك الأَسبابِ، بل مِمَّن لا يَطرَأُ علَيه الزَّوالُ! فكما أنَّ بَقاءَ اللَّمَعانِ والتَّألُّقِ یی بعدَ زَوالِ حَبابِ النَّهرِ الجاري یی في الَّتي تَعقُبُها مِن الحَبابِ، يُفَهِّمُنا أنَّ هذا التَّألُّقَ ليس مِنَ الحَبابِ الزّائلةِ بل مِن مَصدَرِ نُورٍ دائمٍ، كذلك تَبَدُّلُ الأَفعالِ بالسُّرعةِ المُذهِلةِ، وتَلَوُّنُ الَّتي تَعقُبُها وانصِباغُها بصِفاتِها يَدُلُّنا على أنَّ تلك الأَفعالَ إنَّما هي تَجَلِّياتُ مَن هو دائمٌ لا يَزُولُ وقائمٌ لا يَحُولُ.. والأَشياءُ جَميعًا نُقُوشُه ومَراياه وصَنعَتُه ليس إلَّا.

البُرهان الحاديَ عشَرَ

تَعالَ أيُّها الصَّديقُ لِأُبيِّنَ لك بُرهانًا يَملِكُ مِنَ القُوّةِ ما لِلبَراهينِ العَشَرةِ السّابِقةِ:
— 363 —
دَعْنا نَتَأَهَّبْ لِسَفْرةٍ بَحرِيّةٍ، سنَركَبُ سَفينةً (حاشية-١): السَّفينةُ إشارةٌ إلى التَّاريخِ، والجَزيرةُ إشارةٌ إلى خَيرِ القُرُونِ وهو قَرْنُ السَّعادةِ النَّبويّةِ؛ فإذا خَلَعْنا ما أَلْبَسَتنا الحَضارةُ الدَّنِيّة مِن مَلابسَ على ساحِلِ هذا العَصرِ المُظلِمِ، وأَلقَيْنا أَنفُسنَا في بحرِ الزَّمان، ورَكِبنا سفينةَ كُتُبِ التاريخِ والسِّيرةِ الشَّريفة ووَصَلْنا إلى ساحِلِ جَزِيرةِ عَصرِ السَّعادةِ والنُّورِ، وبَلَغْنا الجَزيرةَ العَربيّةَ، وحَظِينا بالرَّسول الكريمِ (ص) وهو يُزاوِلُ مُهِمّةَ النُّبوّةِ المُقدَّسة، عندَ ذلك نَعلَمُ أنَّ ذلك النبيَّ (ص) إنَّما هو بُرهانٌ باهِرٌ للتَّوحِيدِ ودَليلٌ ساطعٌ عَليه بحيثُ نوَّرَ سطحَ الأرضِ جَميعًا، وأَضاءَ وَجهَيِ الزَّمانِ المَاضي والمُستقبَلِ، ومَحَا ظُلُماتِ الكُفرِ والضَّلالةِ. لِنَذهَبَ إلى جَزيرةٍ بَعيدةٍ عَنّا.. أَتَعلَمُ لِماذا نَذهَبُ إلَيها؟ إنَّ فيها مَفاتِيحَ أَلغازِ هذا العالَمِ ومَغاليقَ أَسرارِه وأَعاجِيبِه.. ألا تَرَى أَنظارَ الجَميعِ مُحدِقةً بها، يَنتَظِرُون مِنها بَلاغًا ويَتَلقَّون مِنها الأَوامِرَ؟ فها نحن نَبدَأُ بالرِّحلةِ.. وها قد وَصَلنا إلَيها ووَطِئَت أَقدامُنا أَرضَ الجَزيرةِ.. نحنُ الآنَ أَمامَ حَشْدٍ عَظيمٍ مِنَ النّاسِ وقدِ اجتَمَعَ أَشرافُ المَملَكةِ جَميعُهم هنا.. أَمعِنِ النَّظَرَ يا صَدِيقي إلى رَئيسِ الِاجتِماعِ المَهِيبِ.. هلَّا نَتَقرَّبُ إلَيه قَليلًا فنَعرِفَه عن كَثَبٍ.. فها هو ذا مُتَقلِّدٌ أَوْسِمةً راقِيةً تَزِيدُ على الأَلفِ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى المُعجِزاتِ الَّتي أَظهَرها الرَّسولُ الكريمُ (ص) وهي ثَابتةٌ عِند أُولِي العِلمِ والتَّحقيقِ. ويَتَحدَّثُ بكَلامٍ مِلْؤُه الطِّيبُ والثِّقةُ والِاطمِئنانُ..
وحيثُ إنِّي كُنتُ قد تَعَلَّمتُ شيئًا مِمّا يقُولُ خِلالَ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا السّابِقةِ فسوف أُعَلِّمُك إيّاه.. إنَّه يَتَحدَّثُ عن سُلطانِ هذه المَملَكةِ ذِي المُعجِزاتِ ويقُولُ: إنَّه هو الَّذي أَرسَلَني إلَيكُم.. انظُر: إنَّه يُظهِرُ خَوارِقَ عَجِيبةً ومُعجِزاتٍ باهِرةً بحيثُ لا يَدَعُ شُبهةً في أنَّه مُرسَلٌ خِصِّيصًا مِن لَدُنِ السُّلطانِ العَظِيمِ.. أَصْغِ جَيِّدًا إلى حَديثِه وكَلامِه، فجَميعُ المَخلُوقاتِ آذانٌ صاغِيةٌ له، بلِ المَملَكةُ برُمَّتِها تُصغِي إلَيه، حيثُ الجَميعُ يَسعَوْن إلى سَماعِ كَلامِه الطَّيِّبِ، ويَتَلهَّفُون لِرُؤيةِ مُحَيّاه الزّاهِرِ.. أوَتَظُنُّ أنَّ الإنسانَ وَحدَه يُصغِي إلَيه فحَسْبُ؟ بلِ الحَيَواناتُ أَيضًا، بل حتَّى الجِبالُ والجَماداتُ تُصغِي لِأَوامِرِه وتَهتَزُّ مِن خَشْيَتِها وشَوْقِها إلَيه.. انظُر إلى الأَشجارِ كيف تَنقادُ إلى أَوامِرِه وتَذهَبُ إلى ما أَشارَ إلَيه مِن مَواضِعَ، إنَّه يُفَجِّرُ الماءَ أَينَما يُرِيدُ، بل حتَّى مِن بينِ أَصابِعِه، فيَرتَوِي النّاسُ مِن ذلك الماءِ الزُّلالِ.. انظُر إلى ذلك المِصباحِ المُتَدلِّي
— 364 —
مِن سَقفِ المَملَكةِ (حاشية-١): إشَارةً إلى القَمَر، ومُعجِزةِ شقِّ القَمَر. فَقد قَال مَوْلانا جامي: إنَّ ذلك الأُمِّيَّ الذي لَم يَكتُب في حَياتِه شيئًا غيرَ ما كَتَبه بإصبعِه حرفَ أَلِفٍ على صَحيفةِ السَّماءِ، فشَقَّ به القَمَر شِقَّينِ... إنَّه يَنشَقُّ إلى شِقَّينِ اثنَينِ بمُجَرَّدِ إشارةٍ مِنه، فكأنَّ هذه المَملَكةَ وبما فيها تَعرِفُه جيِّدًا وتَعلَمُ يَقِينًا أنَّه مُوَظَّفٌ مُرسَلٌ بمُهِمّةٍ مِن لَدُنِ السُّلطانِ، ومُبَلِّغٌ أَمينٌ لِأَوامِرِه الجَليلةِ، فتَراهُم يَنقادُون له انقِيادَ الجُندِيِّ المُطِيعِ، فما مِن راشِدٍ عاقِلٍ مِمَّن حَولَه إلَّا ويقُولُ: إنَّه رَسُولٌ كَريمٌ، ويُصَدِّقُونه ويُذعِنُون لِكَلامِه؛ ليس هذا فحَسْبُ، بل يُصَدِّقُه ما في المَملَكةِ مِنَ الجِبالِ والمِصباحِ العَظيمِ، (حاشية-٢): إشَارةً إلى الشَّمسِ التي رَجَعَت عنِ المَغيبِ بعَودةِ الأرضِ مِنَ المَشرِق ، فشُوهِدَت مِن جديدٍ، وبناءً على هذه المُعجِزة أدَّى الإمامُ عليٌّ رَضِيَ الله عَنهُ صَلاةَ العَصرِ التي كَادَت تَفُوتُه، وذلك بِسبَب نَومِ الرسولِ (ص) على فَخِذِه. والجَميعُ يقُولُون بلِسانِ الحالِ وبخُضُوعٍ: نعم.. نعم إنَّ كلَّ ما يَنطِقُ به صِدقٌ وعَدلٌ وصَوابٌ..
فيا أيُّها الصَّدِيقُ الغافِلُ.. هل تَرَى أنَّه يُمكِنُ أن يكُون هناك أَدنَى احتِمالٍ لِكَذِبٍ أو خِداعٍ في كَلامِ هذا الكَريمِ؟ حاشَ للهِ أن يكُونَ مِن ذلك شيءٌ مِن كَلامِه أَبدًا! وهو الَّذي أَكرَمَه السُّلطانُ بأَلفٍ مِنَ الأَنواطِ والشّاراتِ، وهي عَلاماتُ تَصدِيقِه له، وجَميعُ أَشرافِ المَملَكةِ يُصَدِّقُونه، وكَلامُه كُلُّه ثِقةٌ واطمِئنانٌ، فهو يَبحَثُ في أَوصافِ السُّلطانِ المُعجِزِ وعن أَوامِرِه البَليغةِ، فإن كُنتَ تَجِدُ في نَفسِك شَيئًا مِنِ احتِمالِ الكَذِبِ، فيَلزَمُ علَيك أن تُكَذِّبَ كلَّ الجَماعاتِ المُصَدِّقةِ به، بل تُنكِرَ وُجُودَ القَصرِ والمَصابِيحِ وتُنكِرَ وُجُودَ كلِّ شيءٍ وتُكَذِّبَ حَقيقَتَهم، وإلَّا فهاتِ ما عِندَك إن كان لَدَيك شيءٌ، فالدَّلائلُ تَتَحدَّى.

البُرهان الثَّانيَ عشَرَ

أيُّها الأَخُ.. لَعلَّك استَرشَدتَ بما قُلنا شَيئًا فشَيئًا، فسأُبيِّنُ لك الآنَ بُرهانًا أَعظَمَ مِن جَميعِ البَراهِينِ السّابقةِ:
انظُر إلى هذه المَرسُومِ السُّلطانِيِّ النّازِلِ مِنَ الأُفُقِ الأَعلَى.. الجَميعُ يُوَقِّیرُونَه ويَنظُرُون إلَيه بإجلالٍ وإعجابٍ، وقد وَقَف ذلك الشَّخصُ الكَريمُ المُجَلَّلُ بالأَوسِمةِ
— 365 —
بجانِبِ هذا المَرسُومِ النُّورانيِّ، (حاشية): إشَارةً إلى القُرآنِ الكريمِ والعَلامةُ المَوضُوعةُ عليه إشَارةٌ إلى إعجَازِه. ويُفَسِّر للحُشُودِ المُجتَمِعةِ مَعانِيَه.. انظُر إلى أُسلُوبِه: إنَّه يُشِعُّ ويَسطَعُ حتَّى يَسُوقَ الجَميعَ إلى الإعجابِ والتَّعظيمِ، إذ يَبحَثُ في مَسائلَ جادَّةٍ تُهِمُّ الجَميعَ بحيثُ لا يَدَعُ أَحَدًا إلَّا ويُصْغي إلَيه.. إنَّه يُفَصِّلُ تَفصيلًا كامِلًا شُؤُونَ السُّلطانِ وأَفعالَه وأَوامِرَه وأَوصافَه، فكما أنَّ على ذلك المَرسُومِ السُّلطانِيِّ طُغْراءَ السُّلطانِ نَفسِه، فعلى كلِّ سَطرٍ مِن سُطُورِها أيضًا شارَتُه، بل إذا أَمعَنتَ النَّظَرَ فعلى كلِّ جُملةٍ بل كلِّ حَرفٍ فيها خاتَمُه الخاصُّ، فَضْلًا عن مَعانِيها ومَرامِيها وأَوامِرِها ونَواهِيها.
الخُلاصةُ: إنَّ ذلك المَرسُومَ السُّلطانِيَّ يَدُلُّ على ذلك السُّلطانِ العَظيمِ كدَلالةِ الضَّوءِ على النَّهارِ.
فيا أيُّها الصَّدِيقُ.. أَظُنُّك قد عُدتَ إلى صَوابِك وأَفَقْتَ مِن نَومِ الغَفلةِ، فإنَّ ما ذَكَرناه لك وبَسَطْناه مِن بَراهِينَ لَكافٍ ووافٍ، فإن بَدَا لك شيءٌ فاذكُرْه.
فما كان مِن ذلك المُعانِدِ إلَّا أن قالَ: لا أَقُولُ إلَّا: الحَمدُ للهِ، لقد آمَنتُ وصَدَّقتُ، بل آمَنتُ إيمانًا واضِحًا أَبلَجَ كالشَّمسِ وكالنَّهارِ، ورَضِيتُ بأنَّ لِهذه المَملَكةِ رَبًّا ذا كَمالٍ، ولِهذا العالَمِ مَولًى ذا جَلالٍ، ولِهذا القَصرِ صانِعًا ذا جَمالٍ.. لِيَرضَ اللهُ عنك يا صَدِيقي الحَميمَ، فقد أَنقَذتَني مِن إسارِ العِنادِ والتَّعَصُّبِ المَمقُوتِ الَّذي بَلَغ بي حَدَّ الجُنُونِ والبَلاهةِ؛ ولا أَكتُمُك يا أَخي، فإنَّ ما سُقتَه مِن بَراهِينَ، كلُّ واحِدٍ مِنها كان بُرهانًا كافيًا لِيُوصِلَني إلى هذه النَّتيجةِ، إلَّا أنَّني كُنتُ أُصغِي إلَيك لِأَنَّ كلَّ بُرهانٍ مِنها قد فَتَح آفاقًا أَرحَبَ ونَوافِذَ أَسطَعَ إلى مَعرِفةِ اللهِ وإلى مَحَبَّتِه الخالِصةِ. وهكذا تَمَّتِ الحِكايةُ الَّتي كانَت تُشِيرُ إلى الحَقيقةِ العُظمَى للتَّوحِيدِ والإيمانِ باللهِ.
وسنُبيِّنُ في المَقامِ الثّاني بفَضلِ الرَّحمٰنِ وفَيضِ القُرآنِ الكَريمِ ونُورِ الإيمانِ مُقابِلَ ما جاءَ مِنِ اثنَي عَشَرَ بُرهانًا في الحِكايةِ التَّمثيليّةِ اثنَتَي عَشْرةَ لَمعةً مِن لَمَعاتِ شَمسِ التَّوحِيدِ الحَقيقيِّ بعدَ أن نُمَهِّدَ لها بمُقدِّمةٍ.
نَسأَلُ اللهَ التَّوفيقَ والهِدايةَ.
٭ ٭ ٭
— 366 —

المقام الثاني

من الكلمة الثانية والعشرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ٭ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

المقدمة

لقد بيَّنّا إجمالًا في رِسالةِ "قَطرةٌ مِن بَحرِ التَّوحِيدِ" قُطبَ أَركانِ الإيمانِ وهو «الإيمانُ بالله» ، وأَثبَتْنا أنَّ كلَّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ يَدُلُّ على وُجُوبِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه، ويَشهَدُ على وَحدانيَّتِه بخَمسةٍ وخَمسِين لِسانًا، وذَكَرنا كذلك في رِسالةِ "نُقطةٌ مِن نُورِ مَعرِفةِ اللهِ جَلَّ جَلالُه" أَربَعةَ بَراهِينَ كُلِّیيّةٍ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه ووَحدانيَّتِه، كلُّ بُرهانٍ مِنها بقُوّةِ أَلفِ بُرهانٍ، كما ذَكَرنا مِئاتٍ مِنَ البَراهِينِ القاطِعةِ الَّتي تُبيِّنُ وُجُوبَ وُجُودِه سُبحانَه ووَحدانيَّتَه فيما يَقرُبُ مِنِ اثنَتَي عَشْرةَ رِسالةً باللُّغةِ العَرَبيّةِ، لِذا نَكتَفي بما سَبَق ولا نَدخُلُ في تَفاصِيلَ دَقيقةٍ، إلَّا أنَّنا نَسعَى في هذه "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" لإظهارِ "اثنَتَيْ عَشْرةَ لَمعةً" مِن شَمسِ «الإيمان بالله» ، تلك الَّتي ذَكَرتُها إجمالًا في رسائلِ النُّورِ.

اللَّمعة الأولى

التَّوحِيدُ تَوحِيدانِ، لِنُوضِّحْ ذلك بمِثالٍ: إذا وَرَدَتْ إلى سُوقٍ أو إلى مَدينةٍ بَضائِعُ مُختَلِفةٌ وأَموالٌ مُتَنوِّعةٌ لِشَخصٍ عَظيمٍ، فهذه الأَموالُ تُعرَفُ مُلكِيَّیتُها بشَكلَينِ اثنَينِ:
— 367 —
الأوَّلُ: شَكلٌ إجماليٌّ عامِّيٌّ (أي: لَدَى العامّةِ مِنَ النّاسِ) وهو: "أنَّ مِثلَ هذه الأَموالِ الطّائلةِ ليس بمَقدُورِ أَحَدٍ غيرِه أن يَمتَلِكَها"، ولكِن ضِمنَ نَظرةِ الشَّخصِ العامِّيِّ هذه يُمكِنُ أن يَحدُثَ اغتِصابٌ، فيَدَّعيَ الكَثيرُون امتِلاكَ قِطَعِها.
الثاني: أن تُقرَأَ الكِتابةُ المَوجُودةُ على كلِّ رِزْمةٍ مِن رِزَمِ البِضاعةِ، وتُعرَفَ الطُّغْراءُ المَوجُودةُ على كلِّ طَولٍ، ويُعلَمَ الخَتْمُ المَوجُود على كلِّ مَعْلَمٍ.. أي: كلُّ شيءٍ في هذه الحالةِ يَدُلُّ ضِمنًا على ذلك المالِكِ.
فكما أنَّ البِضاعةَ يُعرَفُ مالِكُها بشَكلَينِ، كذلك التَّوحِيدُ فإنَّه على نَوعَينِ:
الأوَّل: التَّوحِيدُ الظّاهِرِيُّ العامِّيُّ: وهو "أنَّ اللهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ له ولا مَثِيلَ، وهذا الكَونُ كلُّه مُلْكُه".
الثّاني: التَّوحِيدُ الحَقيقيُّ: وهو الإيمانُ بيَقينٍ أَقرَبَ ما يكُونُ إلى الشُّهُودِ، بوَحدانيَّتِه سُبحانَه، وبصُدُورِ كلِّ شيءٍ مِن يَدِ قُدرَتِه، وبأنَّه لا شَرِيكَ له في أُلُوهيَّتِه، ولا مُعِينَ له في رُبُوبيَّتِه، ولا نِدَّ له في مُلكِه، إيمانًا يَهَبُ لِصاحِبِه الِاطمِئنانَ الدّائِمَ وسَكِينةَ القَلبِ، لِرُؤيَتِه آيةَ قُدرَتِه وخَتْمَ رُبُوبيَّتِه ونَقْشَ قَلَمِه، على كلِّ شيء.. فيَنفَتِحُ شُبَّاكٌ نافِذٌ مِن كلِّ شيءٍ إلى نُورِه سُبحانَه.
وسنَذكُرُ في هذه "الكَلِمةِ" شُعاعاتٍ تُبيِّنُ ذلك التَّوحِيدَ الحَقيقيَّ الخالِصَ السّامِيَ.
تنبيهٌ ضِمنَ اللَّمعةِ الأُولَى:
أيُّها الغافِلُ الغارِقُ في عِبادةِ الأَسبابِ.. اعلَمْ أنَّ الأَسبابَ لَيسَت إلَّا سَتائرَ أَمامَ تَصَرُّفِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، لأنَّ العِزّةَ والعَظَمةَ تَقتَضِيانِ الحِجابَ، أمّا الفاعِلُ الحَقيقيُّ فهو القُدرةُ الصَّمَدانيّةُ، لِأَنَّ التَّوحِيدَ والجَلالَ يَتَطلَّبانِ هذا، ويَقتَضِيانِ الِاستِقلالَ.
واعلَمْ أنَّ مَأْمُورِي السُّلطانِ الأَزَليِّ ومُوَظَّفِيه ليسوا همُ المُنَفِّذين الحَقيقيِّين لِأُمُورِ سَلْطنةِ الرُّبُوبيّةِ، بل هم دالُّون على تلك العَظَمةِ والسُّلطانِ، والدَّاعُون إلَيها، ومُشاهِدُوها المُعجَبُون، فما وُجِدُوا إلَّا لإظهارِ عِزّةِ الرُّبُوبِيّةِ وقُدرَتِها وهَيبَتِها وعَظَمتِها،
— 368 —
وذلك لِئلَّا تَظهَرَ مُباشَرةُ يَدِ القُدرةِ في أُمُورٍ جُزئيّةٍ خَسِيسةٍ لا يُدرِكُ نظَرُ أَكثَرِ الغافِلين حُسْنَها ولا يَعرِفُ حِكمَتَها، فيَشتَیكيَ بغَيرِ حَقٍّ ويَعتَرِضَ بغَيرِ عِلمٍ؛ وهم لَيسُوا كمُوَظَّفي السُّلطانِ البَشَريِّ الَّذي لم يُعيِّنْهم ولم يُشْرِكْهم في سَلطَنَتِه إلّا نَتيجةَ عَجزِه وحاجَتِه.
فالأَسبابُ إذًا إنَّما وُضِعَت لِتَبقَى عِزّةُ القُدرةِ مَصُونةً مِن جِهةِ نَظَرِ العَقل الظّاهِريِّ؛ إذ إنَّ لكلِّ شيءٍ جِهَتَينِ كوَجهَيِ المِرآةِ: إحداهما: جِهةُ "المُلْكِ" الشَّبِيهةُ بالوَجهِ المَطلِيِّ المُلَوَّنِ للمِرآةِ الَّذي يكُونُ مَوضِعَ الأَلوانِ والحالاتِ المُختَلِفةِ، والأُخرَى: جِهةُ "المَلَكُوتِ" الشَّبِيهةُ بالوَجهِ الصَّقيلِ للمِرآةِ؛ ففي الوَجهِ الظّاهِرِ یی أي: جِهةِ المُلْكِ یی هناك حالاتٌ مُنافيةٌ ظاهِرًا لِعِزّةِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ وكَمالِها، فوُضِعَتِ الأَسبابُ كي تكُونَ مَرجِعًا لتلك الحالاتِ ووَسائلَ لها؛ أمّا جِهةُ المَلَكُوتِ والحَقيقةِ فكلُّ شيءٍ فيها شَفّافٌ وجَميلٌ ومُلائمٌ لِمُباشَرةِ يَدِ القُدرةِ لها بذاتِها، وليس مُنافيًا لِعِزَّتِها؛ لذا فالأَسبابُ ظاهِرِيّةٌ بَحتةٌ، وليس لها التَّأثيرُ الحَقيقيُّ في المَلَكُوتيّةِ أو في حَقيقةِ الأَمرِ.
وهناك حِكمةٌ أُخرَى للأَسبابِ الظّاهِريّةِ وهي: عَدَمُ تَوجِيهِ الشَّكاوَى الجائرةِ والِاعتِراضاتِ الباطِلةِ إلى العادِلِ المُطلَقِ جلَّ وعَلا. أي: وُضِعَتِ الأَسبابُ لِتكُونَ هَدَفًا لتلك الِاعتِراضاتِ وتلك الشَّكاوِي، لأنَّ التَّقصِيرَ صادِرٌ مِنها، ناشِئٌ مِنِ افتِقارِ قابِليَّتِها.
ولقد رُوِيَ لبَيانِ هذا السِّرِّ مِثالٌ لَطِيفٌ ومُحاوَرةٌ مَعنَويّةٌ هي: أنَّ عَزرائيلَ عَليهِ السَّلام قال لِرَبِّ العِزّةِ: "إنَّ عِبادَك سوف يَشتَیكُون مِنِّي ويَسخَطُون علَيَّ عِندَ أَدائي لِوَظيفةِ قَبضِ الأَرواحِ". فقال اللهُ سُبحانَه وتَعالَى له بلِسانِ الحِكمةِ: "سَأَضَعُ بَينَك وبينَ عِبادي سَتائرَ المَصائبِ والأَمراضِ لِتَتَوجَّه شَكاواهم إلى تلك الأَسبابِ".
وهكذا، تأَمَّلْ: كما أنَّ الأَمراضَ سَتائرُ يَرجِعُ إلَيها ما يُتَوَهَّمُ مِن مَساوِئَ في الأَجَلِ، وكما أنَّ الجَمالَ المَوجُودَ في قَبضِ الأَرواحِ یی وهو الحَقيقةُ یی يَعُودُ إلى وَظيفةِ عِزرائيلَ عَليهِ السَّلام، فإنَّ عِزرائيلَ عَليهِ السَّلام هو الآخَرُ سِتارٌ، فهو سِتارٌ لِأَداءِ تلك الوَظيفةِ وحِجابٌ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ، إذ أَصبَحَ مَرجِعًا لحالاتٍ تَبدُو ظاهِرًا غيرَ ذاتِ رَحمةٍ، ولا تَليقُ بكَمالِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ.
— 369 —
نعم، إنَّ العِزَّة والعَظَمةَ تَستَدعِيانِ وَضْعَ الأَسبابِ الظّاهِريّةِ أمامَ نَظَرِ العَقلِ، إلَّا أنَّ التَّوحِيدَ والجَلالَ يَرُدَّانِ أَيدِيَ الأَسبابِ عنِ التَّأثيرِ الحَقيقيِّ.

اللَّمعة الثانية

تأمَّلْ في بُستانِ هذه الكائناتِ، وانظُرْ إلى جِنانِ هذه الأَرضِ، وأَنعِمِ النَّظَرَ في الوَجهِ الجَميلِ لِهذه السَّماءِ المُتَلألِئةِ بالنُّجُومِ، تَرَ أنَّ للصّانِعِ الجَليلِ جلَّ جَلالُه خَتْمًا خاصًّا بمَن هو صانِعُ كلِّ شيءٍ على كلِّ مَصنُوعٍ مِن مَصنُوعاتِه، وعَلامةً خاصّةً بمَن هو خالِقُ كلِّ شيءٍ على كلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه، وآيةً لا تُقَلَّد خاصّةً بسُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ على كلِّ مَنشُورٍ مِن كِتاباتِ قَلَمِ قُدرَتِه على صَحائفِ اللَّيلِ والنَّهارِ وصَفَحاتِ الصَّيفِ والرَّبيعِ. سنَذكُرُ مِن تلك الأَختامِ والعَلاماتِ بِضعًا مِنها نَمُوذجًا ليس إلَّا..
انظُرْ مِمّا لا يُحصَى مِن عَلاماتِه إلى هذه العَلامةِ الَّتي وَضَعَها على "الحَياةِ": "إنَّه يَخلُقُ مِن شيءٍ واحِدٍ كلَّ شيءٍ، ويَخلُقُ مِن كلِّ شيءٍ شيئًا واحِدًا". فمِن ماءِ النُّطفةِ بل مِن ماءِ الشُّربِ، يَخلُقُ ما لا يُعدُّ مِن أَجهِزةِ الحَيَوانِ وأَعضائِه، فهذا العَمَلُ لا شَكَّ أنَّه خاصٌّ بقَديرٍ مُطلَقِ القُدرةِ.
ثمَّ إنَّ تَحوِيلَ الأَطعِمةِ المُتَنوِّعةِ یی سَواءٌ الحَيَوانيّةُ أوِ النَّباتيّةُ یی إلى جِسمٍ خاصٍّ بنِظامٍ كامِلٍ دَقيقٍ، ونَسْجَ جِلدٍ خاصٍّ للكائنِ وأَجهِزةٍ مُعيَّنةٍ مِن تلك المَوادِّ المُتَعدِّدةِ لا شَكَّ أنَّه عَمَلُ قَديرٍ على كلِّ شيءٍ وعَليمٍ مُطلَقِ العِلمِ.
نعم، إنَّ خالقَ المَوتِ والحَياةِ يُديرُ الحَياةَ في هذه الدُّنيا إدارةً حَكِيمةً بقانُونٍ أَمْرِيٍّ مُعجِزٍ، بحيثُ لا يُمكِنُ أن يُطَبِّقَ ذلك القانُونَ ويُنفِّذَه إلّا مَن يُصَرِّفُ جَميعَ الكَونِ في قَبضَتِه.
وهكذا، إن لم تَنطَفِئْ جَذوةُ عَقلِكَ ولم تَفقِدْ بَصيرةَ قَلبِك، فستَفْهَمُ أنَّ جَعْلَ الشَّيءِ الواحِدِ كلَّ شَيءٍ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ وانتِظامٍ كامِلٍ، وجَعْلَ كلِّ شيءٍ شيئًا واحِدًا بمِيزانٍ دَقيقٍ وانتِظامٍ رائعٍ وبمَهارةٍ وإبداعٍ، ليس إلَّا علامةً واضِحةً وآيةً بيِّنةً لِخالقِ كلِّ شيءٍ وصانِعِه.
— 370 —
فلو رَأَيتَ یی مثلًا یی أنَّ أَحَدًا يَملِكُ أَعمالًا خارِقةً: يَنسُجُ مِن وَزنِ دِرهَمٍ مِنَ القُطنِ مِئةَ طَولٍ مِنَ الصُّوفِ الخالِصِ وأَطوالًا مِنَ الحَريرِ وأَنواعًا مِنَ الأَقمِشةِ، ورَأَيتَ أنَّه يُخرِجُ یی عَلاوةً على ذلك یی مِن ذلك القُطنِ حَلْوَيَاتٍ لَذيذةً وأَطعِمةً مُتَنوِّعةً كَثيرةً، ثمَّ رَأَيتَ أنَّه يَأخُذُ في قَبضَتِه الحَديدَ والحَجَرَ والعَسَلَ والدُّهنَ والماءَ والتُّرابَ، فيَصنَعُ مِنها الذَّهَبَ الخالِصَ، فستَحكُمُ حَتْمًا أنَّه يَملِكُ مَهارةً مُعجِزةً تَخُصُّه وقُدرةً مُهيمِنةً على التَّصَرُّفِ في المَوجُوداتِ، بحيثُ إنَّ جَميعَ عَناصِرِ الأَرضِ مُسَخَّرةٌ بأَمرِه، وجَميعَ ما يَتَولَّدُ مِنَ التُّرابِ مُنَفِّذٌ لِحُكمِه.. فإن تَعْجَبْ مِن هذا فإنَّ تَجَلِّيَ القُدرةِ والحِكْمةِ الإلٰهِيّةِ في "الحَياةِ" لَهُو أَعجَبُ مِن هذا المِثالِ بأَلفِ مَرّةٍ.. فإلَيك عَلامةً واحِدةً مِن عَلاماتٍ عَدِيدةٍ مَوضُوعةٍ على الحَياةِ.

اللَّمعة الثالثة

انظُر إلى "ذَوِي الحَياةِ" المُتَجوِّلةِ في خِضَمِّ هذه الكائناتِ السَّيّالةِ، وبينَ هذه المَوجُوداتِ السَّيّارةِ، تَرَ أنَّ على كلِّ كائنٍ حَيٍّ، أَختامًا كَثيرةً، وَضَعَها الحَيُّ القَيُّومُ.. انظُر إلى خَتمٍ واحِدٍ مِنها:
إنَّ ذلك الكائنَ الحَيَّ یی ولْيَكُن هذا الإنسانَ یی كأنَّه مِثالٌ مُصَغَّیرٌ للكَونِ، وثَمَرةٌ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، ونَواةٌ لهذا العالَمِ، حيثُ إنَّه جامِعٌ لِمُعظَمِ نَماذِجِ أَنواعِ العَوالِمِ؛ وكأنَّ ذلك الكائِنَ الحَيَّ قَطرةٌ مَحلُوبةٌ مِنَ الكَونِ كُلِّه، مُستَخلَصةٌ بمَوازِينَ عِلمِيّةٍ حَسّاسةٍ، لِذا يَلزَمُ لِخَلْقِ هذا الكائنِ الحَيِّ، وتَربِيَتِه ورِعايَتِه أن يكُونَ الكَونُ قاطِبةً في قَبضةِ الخالِقِ وتحتَ تَصَرُّفِه.. فإن لم يكُن عَقْلُك غارِقًا في الأَوهامِ، فستَفْهَمُ أنَّ جَعْلَ النَّحلةِ الَّتي تُمثِّلُ كَلِمةً مِن كَلِماتِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ بمَثابةِ فِهرِسٍ مُصَغَّرٍ لِكَثيرٍ مِنَ الأَشياءِ؛ وكِتابةَ أَغلَبِ مَسائلِ كِتابِ الكَونِ في كِيانِ الإنسانِ الَّذي يُمَثِّلُ صَحيفةً مِن قُدرَتِه سُبحانَه؛ وإدراجَ مِنهاجِ شَجَرةِ التِّينِ الضَّخمةِ في بُذَيراتِها الَّتي تُمَثِّلُ نُقطةً في كِتابِ القُدرةِ؛ وإراءةَ آثارِ الأَسماءِ الحُسنَى المُحيطةِ المُتَجلِّيةِ على صَفَحاتِ هذا الكَونِ العَظيمِ في قَلبِ الإنسانِ الَّذي يُمَثِّلُ حَرْفًا واحِدًا مِن ذلك الكِتابِ؛ ودَرْجَ ما تَضُمُّه مَكتَبةٌ ضَخمةٌ
— 371 —
مِن مُفَصَّلِ حَياةِ الإنسانِ في ذاكِرَتِه المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ.. كلُّ ذلك دُونَ شَكٍّ خَتمٌ يَخُصُّ مَن هو خالِقُ كلِّ شيءٍ ورَبُّ العالَمِين.
فلَئِن أَظهَرَ خَتْمٌ واحِدٌ مِن بينِ أَختامٍ رَبّانيّةٍ كَثيرةٍ، على "ذَوِي الحَياةِ" نُورَه باهِرًا حتَّى استَقْرَأَ آياتِه قِراءةً واضِحةً، فكيف إذا استَطَعتَ أن تَنظُرَ إلى جَميعِ "ذَوِي الحَياةِ"، وتُشاهِدَ تلك الأَختامَ معًا، وأن تَراها دُفعةً واحِدةً، أمَا تقُولُ: «سُبحانَ مَنِ اختَفَى بشِدّةِ ظُهُورِه» ؟

اللَّمعة الرابعة

انظُر إلى هذه المَوجُوداتِ المُلَوَّنةِ الزّاهِيةِ المَبثُوثةِ على وَجهِ الأَرضِ، وإلى هذه المَصنُوعاتِ المُتَنوِّعةِ السّابِحةِ في بَحرِ السَّماواتِ، تَأَمَّلْ فيها جَيِّدًا.. تَرَ: أنَّ على كلِّ مَوجُودٍ مِنها طُغْراءَ لا تُقَلَّدُ للمُنوِّرِ الأَزَليِّ جلَّ وعَلا، فكما تُشاهَدُ على "الحَياةِ" آياتُه وشاراتُه، وعلى "ذَوِي الحَياةِ" أَختامُه یی وقد رَأَينا بَعضًا مِنها یی تُشاهَدُ آياتٌ وشاراتٌ أيضًا على "الإحياءِ"، أي: مَنحِ الحَياةِ. سنَنظُرُ إلى حَقيقَتِها بمِثالٍ، إذِ المِثالُ يُقرِّبُ المَعانِيَ العَمِيقةَ للأَفهامِ:
إنَّه يُشاهَدُ على كلٍّ مِنَ السَّيّاراتِ السّابِحةِ في الفَضاءِ، وقَطَراتِ الماءِ، وقِطَعِ الزُّجاجِ الصَّغيرةِ، وبِلَّوراتِ الثَّلجِ البَرّاقةِ.. طُغْراءُ لِصُورةِ الشَّمسِ وخَتمٌ لِانعِكاسِها، وأَثَرٌ نُورانِيٌّ خاصٌّ بها؛ فإن لم تَقبَلْ أنَّ تلك الشُّمَيساتِ المُشرِقةَ على الأَشياءِ غيرِ المَحدُودةِ، هي انعِكاساتُ نُورِ الشَّمسِ وتَجَلِّيها، فستُضطَیرُّ أن تَقبَلَ بوُجُودِ شَمسٍ بالأَصالةِ في كلِّ قَطرةٍ، وفي كلِّ قِطعةِ زُجاجٍ مُعرَّضةٍ للضَّوءِ، وفي كلِّ ذَرّةٍ شَفّافةٍ تُقابِلُ الضَّوءَ، مِمّا يَستَلزِمُ تَرَدِّيَك في مُنتَهَى البَلاهةِ ومُنتَهَى الجُنُونِ!
وهكذا، فلِلَّه سُبحانَه وهو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ تَجَلِّياتٌ نُورانيّةٌ مِن حيثُ "الإحياءُ" وإفاضةُ الحَياةِ، فهو آيةٌ جَلِيّةٌ وطُغْراءُ واضِحةٌ يَضَعُها سُبحانَه على كلِّ ذِي حَياةٍ، بحيثُ لوِ افتُرِضَ اجتِماعُ جَميعِ الأَسبابِ وأَصبَحَ كلُّ سَبَبٍ فاعِلًا مُختارًا فلن تَستَطيعَ مَنحَ حَياةٍ لِمَوجُودٍ. أي: إنَّها تَعجِزُ عَجْزًا مُطلَقًا عن أن تُقَلِّدَ الخَتْمَ الرَّبّانِيَّ في
— 372 —
الإحياءِ، ذلك لِأَنَّ كلَّ ذِي حَياةٍ هو بحَدِّ ذاتِه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّة، إذ هو على صُورةِ نُقطةٍ مَركَزيّةٍ "كالبُؤرةِ" لِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، الَّتي كُلٌّ مِنها بمَثابةِ شُعاعٍ مِن نُورِه سُبحانَه. فلو لم يُسنَد ما يُشاهَدُ على الكائنِ الحَيِّ مِن صَنعةٍ بَدِيعةٍ في الصُّورةِ، وحِكمةٍ بالِغةٍ في النِّظامِ، وتَجَلٍّ باهِرٍ لِسِرِّ الأَحَديّةِ، إلى الأَحَدِ الصَّمَدِ جلَّ جَلالُه، لَلَزِمَ قَبُولُ قُدرةٍ فاطِرةٍ مُطلَقةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ مُستَتِرةٍ في كلِّ ذِي حَياةٍ، ووُجُودُ عِلمٍ مُحِيطٍ واسِعٍ فيه، معَ إرادةٍ مُطلَقةٍ قادِرةٍ على إدارةِ الكَونِ، بل يَجِبُ قَبُولُ وُجُودِ بَقيّةِ الصِّفاتِ الَّتي تَخُصُّ الخالِقَ سُبحانَه في ذلك الكائِنِ، حتَّى لو كان الكائنُ الحَيُّ ذُبابةً أو زَهرةً! أي: إعطاءُ صِفاتِ الأُلُوهيّةِ لكُلِّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ أيِّ كائنٍ! أي: قَبُولُ افتِراضاتٍ مُحالةٍ مِن أَمثالِ هذه الِافتِراضاتِ الَّتي تُوجِبُ السُّقوطَ إلى أَدنَى بَلاهاتِ الضَّلالةِ وحَماقاتِ الخُرافةِ!
ذلك لأنَّه سُبحانَه وتَعالَى قد أَعطَى ذَرّاتِ كلِّ شيءٍ یی لا سِيَّما إذا كانَت مِن أَمثالِ البِذرةِ والنَّواةِ یی وَضْعًا مُعَيَّنًا، كأنَّ تلك الذَّرّةَ تَنظُرُ إلى ذلك الكائنِ الحَيِّ كُلِّه یی رَغمَ أنَّها جُزءٌ مِنه یی وتَتَّخِذُ مَوقِفًا مُعيَّنًا وَفقَ نِظامِه، بل تَتَّخِذُ هَيئةً خاصّةً بما يُفيدُ دَوامَ ذلك النَّوعِ، وانتِشارَه ونَصْبَ رايَتِه في كلِّ مَكانٍ، وكأَنَّها تَتَطلَّعُ إلى نَوْعِ ذلك الكائنِ في الأَرضِ عُمُومًا یی فتُزوِّدُ البِذرةَ مَثلًا بما يُشبِهُ جُنَيحاتٍ لِأَجلِ الطَّيَرانِ والِانتِشارِ یی وتَتَّخِذُ مَوقِفًا يَتَعلَّقُ بجَميعِ مَوجُوداتِ الأَرضِ الَّتي يَحتاجُها ذلك الكائنُ الحَيُّ لإدامةِ حَياتِه وتَربِيَتِه ورِزقِه ومُعامَلاتِه.. فإن لم تكُن تلك الذَّرّةُ مَأمُورةً مِن لَدُنْ قَديرٍ مُطلَقِ القُدرةِ، وقُطِعَت نِسبَتُها مِن ذلك القَديرِ المُطلَقِ، لَزِمَ أن يُعطَى لها بَصَرٌ تُبصِرُ به جَميعَ الأَشياءِ، وشُعُورٌ يُحيطُ بكلِّ شيءٍ!!.
حاصِلُ الكَلامِ: كما أنَّه لو لم تُسنَدْ صُوَرُ الشُمَيساتِ المُشرِقةِ وانعِكاساتُ الأَلوانِ المُختَلِفةِ في القَطَراتِ وقِطَعِ الزُّجاجِ إلى ضَوءٍ الشَّمس، يَنبَغي عِندَئذٍ قَبُولُ شُمُوسٍ لا تُحصَى بَدَلًا مِن شَمسٍ واحِدةٍ، مِمّا يَقتَضِي التَّسليمَ بخُرافةٍ مُحالةٍ؛ كذلك لو لم يُسنَد خَلْقُ كلِّ شيءٍ إلى القَديرِ المُطلَقِ، لَلَزِمَ قَبُولُ آلِهةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ بل بعَدَدِ ذَرّاتِ الكَونِ بَدَلًا مِنَ اللهِ الواحِدِ الأَحَدِ سُبحانَه.. أي: قَبُولُ مُحالٍ بدَرَجةِ مِئةِ مُحالٍ، أي: يَنبَغي السُّقُوطُ إلى هَذَيانِ الجُنُونِ.
— 373 —
نَخلُصُ مِن هذا: أنَّ في كلِّ ذَرّةٍ ثَلاثةَ شَبابِيكَ نافِذةٍ مُفتَّحةٍ إلى نُورِ وَحدانيّةِ اللهِ جلَّ جَلالُه وإلى وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وتَعالَى:
النّافِذةُ الأُولَى:
إنَّ كلَّ ذَرّةٍ كالجُندِيِّ الَّذي له عَلاقةٌ مع كلِّ دائرةٍ مِنَ الدَّوائرِ العَسكَريّةِ، أي: مع رَهْطِه وسَرِيَّتِه وفَوجِه ولِوائِه وفِرقَتِه وجَيشِه، وله حَسَبَ تلك العَلاقةِ وَظيفةٌ هناك، وله حَسَبَ تلك الوَظِيفةِ حَرَكةٌ خاصّةٌ ضِمنَ نِطاقِ نِظامِها، فالذَّرّةُ الجامِدةُ الصَّغيرةُ جِدًّا، الَّتي هي في بُؤبُؤِ عَينِك لها عَلاقةٌ مُعيَّنةٌ ووَظيفةٌ خاصّة، في عَينِك ورَأسِك وجِسمِك، وفي القُوَى المُوَلِّدةِ والجاذِبةِ والدّافِعةِ والمُصَوِّرةِ، وفي الأَورِدةِ والشَّرايِينِ والأَعصابِ، بل لها عَلاقةٌ حتَّى مع نَوعِ الإنسانِ.
فوُجُودُ هذه العَلاقاتِ والوَظائفِ للذَّرّةِ، يَدُلُّ بَداهةً لِذَوِي البَصائرِ على أنَّ الذَّرّةَ إنَّما هي أثَرٌ مِن صُنعِ القَديرِ المُطلَقِ، وهي مَأمُورةٌ مُوَظَّفةٌ تحتَ تَصَرُّفِه سُبحانَه وتَعالَى.
النّافِذةُ الثانية:
إنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَواءِ تَستَطيعُ أن تَزُورَ أيّةَ زَهرةٍ أو ثَمَرةٍ كانَت، وتَتَمكَّنَ مِنَ الدُّخُولِ والعَمَلِ فيها، فلو لم تكُنِ الذَّرّةُ مَأمُورةً مُسَخَّرةً مِن لَدُنِ القَديرِ المُطلَقِ البَصيرِ بكلِّ شيءٍ، لَلَزِمَ أن تكُونَ تلك الذَّرّةُ التّائهةُ عالِمةً بجَميعِ أَجهِزةِ الأَثمارِ والأَزهارِ وبكَيفيّاتِ بِنائِها، ومُدرِكةً صَنْعَتَها الدَّقيقةَ المُتَبايِنةَ، ومُحِيطةً بنَسْجِ وتَفصِيلِ ما قدَّ علَيها مِن صُوَرٍ وأَشكالٍ، ومُتقِنةً صِناعةَ نَسِيجِها إتقانًا تامًّا!!
وهكذا تُشِعُّ هذه الذَّرّةُ شُعاعًا مِن شُعاعاتِ نُورِ التَّوحِيدِ كالشَّمسِ وُضُوحًا.. وقِسِ الضَّوءَ على الهَواءِ، والماءَ على التُّرابِ، حيثُ إنَّ مَنشَأَ الأَشياءِ مِن هذه المَوادِّ الأَربَعةِ.. وقِسْ ما في العُلُومِ الحاضِرةِ مِن مُوَلِّدِ الماءِ ومُولِّدِ الحُمُوضةِ (الأُوكسِجِين والهِيدرُوجِين) والآزُوتِ والكاربُونِ على تلك العَناصِرِ المَذكُورةِ.
— 374 —
النّافِذةُ الثّالثة:
يُمكِنُ أن تكُونَ كُتلةٌ مِنَ التُّرابِ المُرَكَّبِ مِن ذَرّاتٍ دَقيقةٍ مَنشَأً ومَصْدرًا لِنُمُوِّ أيِّ نَباتٍ مِنَ النَّباتاتِ المُزهِرةِ والمُثمِرةِ المَوجُودةِ في الأَرضِ كافّةً، فيما لو وُضِعَت فيها بُذَيراتُها الدَّقيقةُ، تلك البُذَيراتُ المُتَشابِهةُ كالنُّطَفِ، والمُرَكَّبةُ مِنَ الكَربُونِ وآزُوت وأُوكسِجِين وهِيدرُوجِين، فهي مُتَماثِلةٌ ماهِيّةً، رَغمَ أنَّها مُختَلِفةٌ نَوعيّةً، حيثُ أُودِعَ فيها بقَلَمِ القَدَرِ بَرنامَجُ أَصلِها الَّذي هو مَعنَوِيٌّ بَحتٌ.. فإذا ما وَضَعْنا بالتَّعاقُبِ تلك البُذُورَ في سَنَدانةٍ، فستَنمُو كلُّ بِذرةٍ بلا رَيب بشَكلٍ يُبرِزُ أَجهِزَتَها الخارِقةَ وأَشكالَها الخاصّةَ وتَراكيبَها المُعيَّنةَ.. فلو لم تكُن كلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ التُّرابِ مَأمُورةً ومُوَظَّفةً ومُتَأهِّبةً للعَمَلِ تحتَ إمرةِ عَلِيمٍ بأَوضاعِ كلِّ شيءٍ وأَحوالِه، وقَديرٍ على إعطاءِ كلِّ شيءٍ وُجُودًا يَلِيقُ به ويُدِيمُه، أي: لو لم يكُن كلُّ شيءٍ مُسَخَّرًا أمامَ قُدرَتِه سُبحانَه، لَلَزِم أن تكُونَ في كلِّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ التُّرابِ، مَصانِعُ ومَكائِنُ ومَطابِعُ مَعنَويّةٌ، بعَدَدِ النَّباتاتِ، كي تُصبِحَ مَنشَأً لِتلك النَّباتاتِ ذاتِ الأَجهِزةِ المُتَبايِنةِ والأَشكالِ المُختَلِفة!.. أو يَجِبُ إسنادُ عِلمٍ يُحِيطُ بجَميعِ المَوجُوداتِ إلى كلِّ ذَرّةٍ، وقُدرةٍ تَقدِرُ على القِيامِ بعَمَلِ جَميعِ الأَجهِزةِ والأَشكالِ فيها، كي تكُونَ مَصْدَرًا لِجَميعِها!!
أي: إنَّه إذا ما انقَطَع الِانتِسابُ إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، يَنبَغي قَبُولُ وُجُودِ آلِهةٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ التُّرابِ!! وهذه خُرافةٌ مُستَحِيلةٌ في أَلفِ مُحالٍ ومُحالٍ؛ بَينَما الأَمرُ يكُونُ مُستَساغًا عَقلًا وسَهلًا ومَقبُولًا عِندَما تُصبِحُ كلُّ ذَرّةٍ مَأمُورةً، إذ كما أنَّ جُندِيًّا اعتِيادِيًّا لَدَى سُلطانٍ عَظيمٍ يَستَطيعُ یی باسمِ السُّلطانِ واستِنادًا إلى قُوَّتِه یی أن يَقُومَ بتَهجِيرِ مَدِينةٍ عامِرةٍ مِن أَهلِها، أو يَصِلَ بينَ بَحرَينِ واسِعَينِ، أو يَأسِرَ قائدًا عَظِيمًا، كذلك تَستَطيعُ بَعُوضةٌ صَغيرةٌ أن تَطرَحَ نَمرُودًا عَظِيمًا على الأَرضِ، وتَستَطيعُ نَملةٌ بَسِيطةٌ أن تُدَمِّر صَرْحَ فِرعَونَ، وتَستَطيعُ بِذرةُ تِينٍ صَغيرةٌ جِدًّا أن تَحمِلَ شَجَرةَ التِّينِ الضَّخمةَ على ظَهرِها.. كلُّ ذلك بأَمرِ سُلطانِ الأَزلِ والأَبدِ، وبفَضلِ ذلك الِانتِسابِ.
وكما رَأَينا هذه النَّوافِذَ الثَّلاثَ المُفتَّحةَ على نُورِ التَّوحِيدِ في كلِّ ذَرّةٍ، ففيها أيضًا شاهِدانِ صادِقانِ آخَرانِ على وُجُودِ الصّانِعِ سُبحانَه وتَعالَى وعلى وَحدانيَّتِه.
— 375 —
أوَّلُهما: هو حَملُ الذَّرّةِ على كاهِلِها وَظائفَ عَظيمةً جِدًّا ومُتَنوِّعةً جِدًّا، مع عَجْزِها المُطلَقِ.
والآخَرُ: هو تَوافُقُ حَرَكاتِها بانتِظامٍ تامٍّ وتَناسُقُها معَ النِّظامِ العامِّ، حتَّى تَبدُوَ وكأنَّ فيها شُعُورًا عامًّا كُلِّیيًّا معَ أنَّها جَمادٌ. أي: إنَّ كلَّ ذَرّةٍ تَشهَدُ بلِسانِ عَجزِها على وُجُودِ القَديرِ المُطلَقِ، وتَشهَدُ بإظهارِها الِانسِجامَ التّامَّ معَ نِظامِ الكَونِ العامِّ على وَحدانيّةِ الخالقِ سُبحانَه وتَعالَى.
وكما أنَّ في كلِّ ذَرّةٍ شاهِدَينِ على أنَّ اللهَ واجِبُ الوُجُودِ وواحِدٌ، كذلك في كلِّ "حَيٍّ" له آيتانِ على أنَّه "أَحَدٌ صَمَدٌ".
نعم، ففي كلِّ حَيٍّ هناك آيتانِ:
إحداهما: آيةُ الأَحَديّةِ.
والأُخرَى: آيةُ الصَّمَديّةِ.
لأنَّ كلَّ "حَيٍّ" يُظهِرُ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى المُشاهَدةِ في أَغلَبِ الكائناتِ، يُظهِرُها دُفعةً واحِدةً في مِرآتِه، وكأنَّه نُقطةٌ مَركَزِيّة یی كالبُؤرةِ یی تُبيِّنُ تَجَلِّيَ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ: «الحَيُّ القَيُّومُ». أي: إنَّه يَحمِلُ آيةَ الأَحَديّةِ بإظهارِه نَوعًا مِن ظلِّ أَحَديّةِ الذّاتِ تحتَ سِتارِ اسمِ المُحيِي.
ولَمّا كان الكائنُ الحَيُّ بمَثابةِ مِثالٍ مُصَغَّرٍ للكائناتِ، وبمَثابةِ ثَمَرةٍ لِشَجَرةِ الخَليقةِ، فإنَّ إحضارَ حاجاتِه المُتَرامِيةِ في الكائناتِ إلى دائرةِ حَياتِه الصَّغيرةِ جِدًّا، بسُهُولةٍ كامِلةٍ، وبدَفعةٍ واحِدةٍ، يُبْرِزُ للعَيانِ آيةَ الصَّمَديّةِ ويُبيِّنُها، أي: إنَّ هذا الوَضْعَ يُبيِّنُ أنَّ لهذا الكائنِ الحَيِّ رَبًّا یی نِعمَ الرَّبُّ یی بحيثُ إنَّ تَوَجُّهًا مِنه إلَيه يُغنِيه عن كلِّ شيءٍ، ونَظْرةً مِنه إلَيه تَكفِيه عن جَميعِ الأَشياءِ، ولن يَحُلَّ جَميعُ الأَشياءِ مَحَلَّ تَوَجُّهٍ واحِدٍ مِنه سُبحانَه.
"نعم، يَكفِي لكُلِّ شيءٍ شيءٌ عن كلِّ شيءٍ، ولا يَكفي عنه كلُّ شيءٍ ولو لِشَيءٍ واحِدٍ".
— 376 —
وكذا يُبيِّنُ ذلك الوَضعُ أنَّ رَبَّه ذاك جلَّ شَأنُه كما أنَّه ليس مُحتاجًا إلى شيءٍ أيًّا كان، فإنَّ خَزائِنَه لا يَنقُصُ مِنها شيءٌ أيضًا، ولا يَصعُبُ على قُدرَتِه شيءٌ.. فإلَيك مِثالًا مِن آيةٍ تُظهِرُ ظِلَّ الصَّمَديّةِ. أي: إنَّ كلَّ ذِي حَياةٍ يُرَتِّلُ بلِسانِ الحَياةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ٭ اللَّهُ الصَّمَدُ.
هذا، وإنَّ هناك عِدّةَ نَوافِذَ مُهِمّةٍ أُخرَى عَدا ما ذَكَرناه قد اختُصِرَت هنا فيما فُصِّلَت في أَماكِنَ أُخرَى، فما دامَت كلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ هذا الكَونِ تَفتَحُ ثَلاثَ نَوافِذَ، وكُوَّتَينِ، والحَياةُ نَفسُها تَفتَحُ بابَينِ دُفعةً واحِدةً إلى وَحدانيّةِ اللهِ سُبحانَه، فلا بُدَّ أنَّك تَستَطيعُ الآنَ قِياسَ مَدَى ما تَنشُرُه طَبَقاتُ المَوجُوداتِ، مِنَ الذَّرّاتِ إلى الشَّمسِ، مِن أَنوارِ مَعرِفةِ اللهِ ذِي الجَلالِ.. فافْهَمْ مِن هذا سَعةَ دَرَجاتِ الرُّقيِّ المَعنَوِيِّ في مَعرِفةِ اللهِ سُبحانَه ومَراتِبَ الِاطمِئنانِ والسَّكِينةِ القَلبِيّةِ، وقِسْ علَيها.

اللَّمعة الخامسة

مِنَ المَعلُومِ أنَّه يَكفِي لإِخراجِ كِتابٍ مّا، قَلَمٌ واحِدٌ إن كان مَخطُوطًا؛ وتَلزَمُ أَقلامٌ عَدِيدةٌ بعَدَدِ حُرُوفِه إن كان مَطبُوعًا، أي: حُرُوفٌ مَعدِنيّةٌ عَدِيدةٌ؛ ولو كُتِبَ مُعظَمُ ما في الكِتابِ في بعضِ حُرُوفِه بخَطٍّ دَقيقٍ جِدًّا یی ككِتابةِ سُورةِ يسٓ مُصَغَّرةً في لَفظِ يسٓ یی فيَلزَمُ عِندَئذٍ أن تكُونَ جَميعُ الحُرُوفِ المَعدِنيّةِ مُصَغَّرةً جِدًّا لِطَبعِ ذلك الحَرفِ الواحِدِ.
فكما أنَّ الأَمرَ هكذا في الكِتابِ المُستَنسَخِ أوِ المَطبُوعِ، كذلك كِتابُ الكَونِ هذا، إذا قُلتَ: إنَّه كِتابةُ قَلَمِ قُدرةِ الصَّمَدِ، ومَكتُوبُ الواحِدِ الأَحَدِ، فقد سَلَكتَ إذًا طَريقًا سَهلةً بدَرَجةِ الوُجُوبِ، ومَعقُولةً بدَرَجةِ الضَّرُورةِ؛ ولكن إذا ما أَسنَدتَه إلى الطَّبيعةِ وإلى الأَسبابِ، فقد سَلَكتَ طَرِيقًا صَعبةً بدَرَجةِ الِامتِناعِ، وذاتَ إشكالاتٍ عَوِيصةٍ بدَرَجةِ المُحالِ، وذاتَ خُرافاتٍ لا تَقبَلُها الأَوْهامُ؛ إذ يَلزَمُ أن تُنشِئَ الطَّبِيعةُ في كلِّ جُزءِ تُرابٍ، وفي كلِّ قَطرةِ ماءٍ، وفي كلِّ كُتلةِ هَواءٍ مَلايينَ المَلايينِ مِن مَطابعَ مَعدِنيّةٍ، وما لا يُحَدُّ مِن مَصانِعَ مَعنَويّةٍ، كي يُظهِرَ كلُّ جُزءٍ مِن تلك الأَجزاءِ ويُنشِئَ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ النَّباتاتِ المُزهِرةِ والمُثمِرةِ.. أو تُضطَیرُّ إلى قَبُولِ وُجُودِ عِلمٍ
— 377 —
مُحِيطٍ بكلِّ شيءٍ، وقُوّةٍ مُقتَدِرةٍ على كلِّ شيءٍ في كلٍّ مِنها، كي يكُونَ مَصْدرًا حَقيقيًّا لهذه المَصنُوعاتِ، لأنَّ كلَّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ التُّرابِ والماءِ والهَواءِ يُمكِنُ أن يكُونَ مَنشَأً لِأَغلَبِ النَّباتاتِ.
والحالُ أنَّ تَركِيبَ كلِّ نَباتٍ مُنتَظِمٌ، ومَوزُونٌ، ومُتَمايزٌ، ومُختَلِفٌ نَوعًا، فكلٌّ مِنه إذًا بحاجةٍ إلى مَعمَلٍ مَعنَويٍّ خاصٍّ به وَحدَه، وإلى مَطبَعةٍ تَخُصُّه هو فقط؛ فالطَّبِيعةُ إذًا إذا خَرَجَت عن كَونِها وَحدةَ قِياسٍ للمَوجُوداتِ إلى مَصدَرٍ لِوُجُودِها، فما علَيها إلّا إحضارُ مَكائنِ جَميعِ الأَشياءِ في كلِّ شيءٍ!!
وهكذا، فإنَّ أَساسَ فِكرةِ عِبادةِ الطَّبيعةِ هذه خُرافةٌ یی بِئسَتِ الخُرافةُ یی حتَّى الخُرافيُّون أَنفُسُهم يَخجَلُون مِنها.. فتَأَمَّلْ في أَهلِ الضَّلالةِ الَّذين يَعُدُّون أَنفُسَهم عُقَلاءَ كيف تَمَسَّكُوا بفِكرةٍ غيرِ مَعقُولةٍ بالمَرّةِ.. ثمَّ اعتَبِرْ!!
الخُلاصةُ: إنَّ كلَّ حَرفٍ في أيِّ كِتابٍ كان، يُظهِرُ نَفسَه بمِقدارِ حَرفٍ، ويَدُلُّ على وُجُودِه بصُورةٍ مُعيَّنةٍ، إلَّا أنَّه يُعَرِّفُ كاتِبَه بعَشرِ كَلِماتٍ، ويَدُلُّ علَيه بجَوانِبَ عَدِيدةٍ، فيَقُولُ مَثلًا: إنَّ كاتِبي خَطُّه جَمِيلٌ، وإنَّ قَلَمَه أَحمَرُ، وإنَّه كذا وكذا..
ومِثلُ ذلك كلُّ حَرفٍ مِن كِتابِ العالَمِ الكَبيرِ هذا، يَدُلُّ على ذاتِه بقَدْرِ جِرمِه (مادَّتِه)، ويُظهِرُ نَفسَه بمِقدارِ صُورَتِه، إلَّا أنَّه يُعرِّفُ أَسماءَ «البارِئ المُصَوِّر» سُبحانَه بمِقدارِ قَصيدةٍ، ويُظهِرُ تلك الأَسماءَ الحُسنَى ويُشِيرُ إلَيها بعَدَدِ أَنواعِه شاهِدًا على مُسَمّاه، لِذا لا يَنبَغي أن يَزِلَّ إلى إنكارِ الخالِقِ ذِي الجَلالِ حتَّى ذلك السُّوفسَطائيُّ الأَحمَقُ الَّذي يُنكِرُ نَفسَه ويُنكِرُ الكَونَ.

اللَّمعة السادسة

إنَّ الخالقَ ذا الجَلالِ كما وَضَع على جَبِينِ كلِّ "فَردٍ" مِن مَخلُوقاتِه وعلى جَبهةِ كلِّ "جُزءٍ" مِن مَصنُوعاتِه، آيةَ أَحَدِيَّتِه یی وقد رَأَيتَ قِسمًا مِنها في اللَّمَعاتِ السّابِقةِ یی فإنَّه سُبحانَه قد وَضَع على كلِّ "نَوعٍ" كَثيرًا مِن آيةِ الأَحَديّةِ بشَكلٍ ساطِعٍ لامِعٍ، وعلى
— 378 —
كلِّ "كُلٍّ" عَدِيدًا مِن أَختامِ الواحِدِيّةِ، بل وَضَع على مَجمُوعِ العالَمِ أَنواعًا مِن طُغْراءِ الوَحدةِ.. وإذا تَأَمَّلْنا خَتْمًا واحِدًا مِن تلك الأَختامِ والعَلاماتِ العَدِيدةِ المَوضُوعةِ على صَحِيفةِ سَطحِ الأَرضِ في مَوسِمِ الرَّبيعِ تَبيَّنَ لنا ما يَأتي:
إنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه وتَعالَى قد حَشَر ونَشَر أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ على وَجهِ الأَرضِ في فَصلِ الرَّبيعِ والصَّيفِ بتَميِيزٍ وتَشخِيصٍ بالِغَينِ، وبانتِظامٍ وتَفريقٍ كامِلَينِ رَغمَ اختِلاطِ الأَنواعِ اختِلاطًا كامِلًا؛ فأَظهَر لنا آيةً واسِعةً ساطِعةً للتَّوحِيدِ، واضِحةً وُضُوحَ الرَّبيعِ. أي: إنَّ إيجادَ ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَمُوذَجٍ مِن نَماذِجِ الحَشرِ بانتِظامٍ كامِلٍ عِندَ إحياءِ الأَرضِ المَيتةِ في مَوسِمِ الرَّبيعِ، وكِتابةَ الأَفرادِ المُتَداخِلةِ لثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مُختَلِفٍ على صَحِيفةِ الأَرضِ كِتابةً دُونَ خَطَأٍ ولا سَهْوٍ ولا نَقْصٍ، وفي مُنتَهَى التَّوازُنِ والِانتِظامِ، وفي مُنتَهَى الِاكتِمالِ، لا شَكَّ أنَّه آيةٌ خاصّةٌ بمَن هو قَدِيرٌ على كلِّ شيءٍ، بيَدِه مَلَكُوتُ كلِّ شيءٍ، وبيَدِه مَقاليدُ كلِّ شيءٍ، وهو الحَكِيمُ العَليمُ.. هذه الآيةُ مِنَ الوُضُوحِ بحيثُ يُدرِكُها كلُّ مَن له ذَرّةٌ مِن شُعُورٍ.
ولقد بيَّنَ القُرآنُ الكَريمُ هذه الآيةَ السّاطِعةَ في قوله تعالى:
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
نعم، إنَّ قُدرةَ الفاطِرِ الحَكيمِ الَّتي أَظهَرَت ثَلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن نَماذِجِ الحَشرِ في إحياءِ الأَرضِ خِلالَ بِضعةِ أَيّامٍ، لا بُدَّ أن يكُونَ حَشْرُ الإنسانِ لَدَيها سَهلًا ويَسِيرًا؛ إذ هل يَصِحُّ أن يُقالَ یی مثلًا یی لِمَن له خَوارِقُ بحيثُ يُزيلُ جَبَلًا عَظيمًا بإشارةٍ مِنه: هل يَستَطيعُ أن يُزيلَ هذه الصَّخرةَ العَظيمةَ الَّتي سَدَّت طَرِيقَنا مِن هذا الوادِي؟ ومِثلَه كذلك: لا يَجرُؤُ ذُو عَقلٍ أن يقُولَ بصِيغةِ الِاستِبعادِ للقَديرِ الحَكيمِ والكَريمِ الرَّحيمِ الَّذي خَلَق الجِبالَ والسَّماواتِ والأَرضَ في سِتّةِ أَيّامٍ، والَّذي يَملَؤُها ويُفرِغُها حِينًا بعدَ حِينٍ: كيف يَستَطيعُ أن يُزيلَ طَبَقةَ التَّرابِ هذه الَّتي علَينا، والَّتي سَدَّت طَرِيقَنا المَفرُوشةَ إلى مُستَضافِه الخالِد؟
فهذا مِثالُ آيةٍ واحِدةٍ للتَّوحيدِ، تَظهَرُ على سَطحِ الأَرضِ في فَصلِ الرَّبيعِ
— 379 —
والصَّيفِ! فتَأَمَّلْ إذًا كيف يَظهَرُ خَتْمُ الواحِدِيّةِ بجَلاءٍ على تَصرِيفِ الأُمُورِ في الرَّبيعِ الهائلِ على سَطحِ الأَرضِ وهو في مُنتَهَى الحِكمةِ والبَصَرِ؛ ذلك لأنَّ هذه الإجراءاتِ المُشاهَدةَ، هي في انتِظامٍ مُطلَقٍ، وخِلْقةٍ تامّةٍ، وصَنْعةٍ كامِلةٍ بَدِيعةٍ، مع أنَّها تَجرِي في سَعةٍ مُطلَقةٍ، ومع هذه السَّعةِ فهي تَتِمُّ في سُرعةٍ مُطلَقةٍ، ومعَ هذه السُّرعةِ فهي تَرِدُ في سَخاءٍ مُطلَق.. ألَا يُوَضِّحُ هذا أنَّه خَتْمٌ جَلِيٌّ بحيثُ لا يُمكِنُ أن يَمتَلِكَه إلَّا مَن يَملِكُ عِلمًا غيرَ مُتَناهٍ وقُدرةً غيرَ مَحدُودةٍ.
نعم، إنَّنا نُشاهِدُ على سَطحِ الأَرضِ كافّةً أنَّ هناك خَلْقًا وتَصَرُّفًا وفَعّاليّةً تَجرِي في سَعةٍ مُطلَقةٍ، ومعَ السَّعةِ تُنجَزُ في سُرعةٍ مُطلَقةٍ، ومعَ السُّرعةِ والسَّعةِ يُشاهَدُ سَخاءٌ مُطلَقٌ في تَكثيرِ الأَفرادِ، ومعَ السَّخاءِ والسَّعةِ والسُّرعةِ تَتَّضِحُ سُهُولةٌ مُطلَقةٌ في الأَمرِ مع انتِظامٍ مُطلَقٍ وإبداعٍ في الصَّنعةِ، وامتِيازٌ تامٌّ رَغمَ الِاختِلاطِ الشَّديدِ والِامتِزاجِ الكامِلِ؛ ويُشاهَدُ كذلك آثارٌ ثَمينةٌ جِدًّا، ومَصنُوعاتٌ نَفيسةٌ جِدًّا رَغمَ الوَفرةِ غيرِ المَحدُودةِ، معَ انسِجامٍ كامِلٍ في نِطاقٍ واسِعٍ جِدًّا، ودِقّةِ الصَّنعةِ وبَدائعِها ورَوعَتِها وهي في مُنتَهَى السُّهُولةِ واليُسرِ.. فإيجادُ كلِّ هذا في آنٍ واحِدٍ، وفي كلِّ مَكانٍ، وبالطِّرازِ نَفسِه، وفي كلِّ فَردٍ، معَ إظهارِ الصَّنعةِ الخارِقةِ والفَعّاليّةِ المُعجِزةِ، لا شَكَّ مُطلَقًا أنَّه بُرهانٌ ساطِعٌ وخَتمٌ يَخُصُّ مَن لا يَحُدُّه مَكانٌ، مِثلَما أنَّه في كلِّ مَكانٍ حاضِرٌ وناظِرٌ رَقيبٌ حَسِيبٌ، ومَن لا يَخفَى علَيه شيءٌ مِثلَما أنَّه لا يُعجِزُه شيءٌ، فخَلْقُ الذَّرّاتِ والنُّجُومِ سَواءٌ أَمامَ قُدرَتِه.
لقد أَحصَيتُ ذاتَ يومٍ عَناقيدَ ساقٍ نَحيفةٍ لِعِنَبٍ مُتَسلِّقٍ بغِلَظِ إصبعَينِ، تلك العَناقيدَ الَّتي هي مُعجِزاتُ الرَّحيمِ ذِي الجَمالِ في بُستانِ كَرَمِه، فكانَت مِئةً وخمسةً وخَمسين عُنقُودًا؛ وأَحصَيتُ حَبَّاتِ عُنقُودٍ واحِدٍ مِنها فكانَت مِئةً وعِشرِين حَبّةً؛ فتَأَمَّلتُ وقُلتُ: لو كانَت هذه السّاقُ الهَزِيلةُ خِزانةَ ماءٍ مُعَسَّلٍ، وكانَت تُعطي ماءً باستِمرارٍ لَمَا كانَت تَكفي أَمامَ لَفْحِ الحَرارةِ ما تُرضِعُه لِمِئاتِ الحَبّاتِ المَملُوءةِ مِن شَرابِ سُكَّرِ الرَّحمةِ.. والحالُ أنَّها قد لا تَنالُ إلَّا رُطُوبةً ضَئيلةً جدًّا، فيَلزَمُ أن يكُونَ القائمُ بهذا العَمَلِ قادِرًا على كلِّ شيءٍ.. فی «سُبحانَ مَن تَحيَّرَ في صُنعِه العُقولُ !».
— 380 —

اللَّمعة السابعة

كما أنَّك تَتَمكَّنُ مِن رُؤيةِ أَختامِ الأَحَدِ الصَّمَدِ سُبحانَه، المَختُومةِ بها صَحِيفةُ الأَرضِ، وذلك بنَظرةِ إمعانٍ قَليلةٍ، فارْفَعْ رَأسَك وافتَحْ عَينَيك، وأَلقِ نَظرةً على كِتابِ الكَونِ الكَبيرِ، تَرَ أنَّه يُقرَأُ على الكَونِ كلِّه خَتْمُ الوَحدةِ بوُضُوحٍ تامٍّ، بقَدْرِ عَظَمتِه وسَعَتِه؛ ذلك لأنَّ هذه المَوجُوداتِ كأَجزاءِ مَعمَلٍ مُنتَظِمٍ، وأَركانِ قَصرٍ مُعظَّمٍ، وأَنحاءِ مَدينةٍ عامِرةٍ، كلُّ جُزءٍ ظَهيرٌ للآخَرِ، كلُّ جُزءٍ يَمُدُّ يَدَ العَونِ للآخَرِ، ويَجِدُّ في إسعافِ حاجاتِه؛ والأَجزاءُ جَميعًا تَسعَى يدًا بيَدٍ بانتِظامٍ تامٍّ في خِدمةِ ذَوِي الحَياةِ، مُتَكاتِفةً مُتَسانِدةً مُتَوجِّهةً إلى غايةٍ مُعَيَّنةٍ في طاعةِ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ واحِدٍ.
نعم، إنَّ دُستُورَ "التَّعاوُن" الجارِي الظّاهِر، ابتِداءً مِن جَرْيِ الشَّمسِ والقَمَرِ، وتَعاقُبِ اللِّيلِ والنَّهارِ وتَرادُفِ الشِّتاءِ والصَّيفِ.. إلى إمدادِ النَّباتاتِ للحَيَواناتِ الجائعةِ، وإلى سَعْيِ الحَيَواناتِ لِمُساعَدةِ الإنسانِ الضَّعيفِ المُكَرَّمِ، بل إلى وُصُولِ المَوادِّ الغِذائيّةِ على جَناحِ السُّرعةِ لإغاثةِ الأَطفالِ النِّحافِ، وإمدادِ الفَواكِهِ اللَّطيفةِ؛ بل إلى خِدمةِ ذَرَّاتِ الطَّعامِ لِحاجةِ حُجَيراتِ الجِسمِ.. كلُّ هذه الحَرَكاتِ الجارِيةِ وَفقَ دُستُورِ "التَّعاوُنِ" تُرِي لِمَن لم يَفقِدْ بَصِيرتَه كُلِّيًّا أنَّها تَجرِي بقُوّةِ مُرَبٍّ واحِدٍ كَرِيمٍ مُطلَقِ الكَرَمِ، وبأَمرِ مُدَبِّرٍ واحِدٍ حَكِيمٍ مُطلَقِ الحِكمةِ.
فهذا التَّسانُدُ، وهذا التَّعاوُنُ، وهذا التَّجاوُبُ، وهذا التَّعانُقُ، وهذا التَّسخِيرُ، وهذا الِانتِظامُ، الجارِي في هذا الكَونِ، يَشهَدُ شَهادةً قاطِعةً، أنَّ مُدَبِّیرًا واحِدًا هو الَّذي يُدِيرُه، ومُرَبِّيًا أَحَدًا يَسُوقُ الجَميعَ في الكَونِ. زِدْ عليه، فإنَّ الحِكمةَ العامّةَ الظّاهِرةَ بَداهةً في خَلْقِ الأَشياءِ البَدِيعةِ، وما تَتَضمَّنُه مِن عِنايةٍ تامّةٍ، وما في هذه العِنايةِ مِن رَحمةٍ واسِعةٍ، وما على هذه الرَّحمةِ مِن أَرزاقٍ مَنثُورةٍ تَفي بحاجةِ كلِّ ذِي حَياةٍ وتُعِيشُه وَفقَ حاجاتِه.. كلُّ ذلك خَتمٌ عَظيمٌ للتَّوحيدِ له مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ ما يَفهَمُه كلُّ مَن لم تَنطَفِئْ جَذوةُ عَقلِه، ويَراه كلُّ مَن لم يَعْمَ بَصَرُه.
نعم، إنَّ حُلَّةَ "الحِكمةِ" الَّتي يَتَراءَى مِنها القَصدُ والشُّعُورُ والإرادةُ قد أُسبِغَت
— 381 —
على الكَونِ كُلِّه وجَلَّلَت كلَّ جَوانبِه.. وخُلِعَتْ على حُلّةِ الحِكمةِ هذه حُلّةُ "العِنايةِ" الَّتي تَشِفُّ عنِ اللُّطْفِ والتَّزيينِ والتَّحسِينِ والإحسانِ.. وعلى هذه الحُلّةِ القَشِيبةِ للعِنايةِ أُلقِيَت حُلّةُ "الرَّحمة" الَّتي يَتَألَّقُ مِنها بَرِيقُ التَّودُّدِ والتَّعرُّفِ والإنعامِ والإكرامِ وهي تَغمُرُ الكَونَ كُلَّه وتَضُمُّه.. وصُفَّت على هذه الحُلّةِ المُنَوَّرةِ للرَّحمةِ العامّةِ "الأَرزاقُ العامّةُ"، ومُدَّت مَوائِدُها الَّتي تَعرِضُ التَّرَحُّمَ والإحسانَ والإكرامَ والرَّأفةَ الكامِلةَ وحُسنَ التَّربيةِ ولُطفَ الرُّبُوبيّةِ.
نعم، إنَّ هذه المَوجُوداتِ ابتِداءً مِنَ الذَّرَّاتِ إلى الشُّمُوسِ، سَواءٌ أكانَت أَفرادًا أم أَنواعًا، وسَواءٌ أكانَت صَغيرةً أم كَبيرةً، قد أُلبِسَت ثَوبًا رائعًا جِدًّا، نُسِجَ هذا الثَّوبُ مِن قُماشِ "الحِكمةِ" المُزَيَّنِ بنُقُوشِ الثَّمَراتِ والنَّتائجِ والغاياتِ والفَوائدِ والمَصالِحِ.. وكُسِيَت بحُلّةِ "العِنايةِ" المُطَرَّزةِ بأَزاهِيرِ اللُّطْفِ والإحسانِ قُدَّت وفُصِّلَت حَسَبَ قامةِ كلِّ شيءٍ ومَقاسِ كلِّ مَوجُودٍ.. وعلى حُلّةِ العِنايةِ هذه قُلِّدَت شاراتُ "الرَّحمةِ" السّاطِعةِ ببَريقِ التَّوَدُّدِ والتَّكَرُّمِ والتَّحَنُّنِ، والمُتَلألِئةِ بلَمَعاتِ الإنعامِ والإفضالِ.. وعلى تلك الشّاراتِ المُرَصَّعةِ المُنَوَّرةِ نُصِبَت مائِدةُ "الرِّزق" العامِّ على امتِدادِ سَطحِ الأَرضِ، بما يَكفِي جَميعَ طَوائفِ ذَوِي الحَياةِ، وبما يَفي سَدَّ جَميعِ حاجاتِهم.
وهكذا، فهذا العَمَلُ يُشِيرُ إشارةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ، إلى حَكِيمٍ مُطلَقِ الحِكمةِ، وكَرِيمٍ مُطلَقِ الكَرَمِ، ورَحِيمٍ مُطلَقِ الرَّحمةِ، ورَزّاقٍ مُطلَقِ الرِّزقِ.
أَحَقًّا أنَّ كلَّ شيءٍ بحاجةٍ إلى الرِّزقِ؟
نعم، كما أنَّنا نَرَى أنَّ كلَّ فَردٍ بحاجةٍ إلى رِزقٍ يُدِيمُ حَياتَه، كذلك جَميعُ مَوجُوداتِ العالَمِ یی ولا سِيَّما الأَحياءُ یی الكُلِّيُّ مِنها والجُزئيُّ، أوِ الكُلُّ والجُزءُ، لها في كِيانِها، وفي بَقائِها، وفي حَياتِها وإدامَتِها، مَطاليبُ كَثيرةٌ، وضَرُورِيّاتٌ عَدِيدةٌ، مادّةً ومَعنًى. ومعَ أنَّها مُفتَقِرةٌ ومُحتاجةٌ إلى أَشياءَ كَثيرةٍ مِمّا لا يُمكِنُ أن تَصِلَ يَدُها إلى أَدناها، بل لا تَكفي قُوّةُ ذلك الشَّيءِ وقُدرَتُه للحُصُولِ على أَصغَرِ مَطالِبِه، نُشاهِدُ أنَّ جَميعَ تلك المَطالِبِ والأَرزاقِ المادِّيّةِ والمَعنَويّةِ تُسلَّمُ إلى يَدَيه مِن حيثُ لا
— 382 —
يَحتَسِبُ، وبانتِظامٍ كامِلٍ وفي الوَقتِ المُناسِبِ تَسلِيمًا مُوافِقًا لِحَياتِه مُتَّسِمًا بالحِكمةِ الكامِلةِ.
ألَا يَدُلُّ هذا الِافتِقارُ، وهذه الحاجةُ في المَخلُوقاتِ، وهذا النَّمَطُ مِنَ الإمدادِ والإعانةِ الغَيبيّةِ، على رَبٍّ حَكيمٍ ذِي جَلالٍ، ومُدَبِّرٍ رَحيمٍ ذِي جَمالٍ؟!

اللَّمعة الثامنة

مِثلَما أنَّ زِراعةَ بُذُورٍ في حَقلٍ مّا، تَدُلُّ على أنَّ ذلك الحَقلَ هو تحتَ تَصَرُّفِ مالِكِ البِذرةِ، وأنَّ تلك البِذرةَ هي كذلك تحتَ تَصَرُّفِه؛ فإنَّ كُلِّيّةَ العَناصِرِ في مَزرَعةِ الأَرضِ، وفي كلِّ جُزءٍ مِنها، مع أنَّها واحِدةٌ وبَسِيطةٌ، وانتِشارَ المَخلُوقاتِ مِن نَباتاتٍ وحَيَواناتٍ في مُعظَمِ الأَماكِنِ یی وهي تُمَثِّیلُ ثَمَراتِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ ومُعجِزاتِ قُدرَتِه وكَلِماتِ حِكمَتِه یی معَ أنَّها مُتَماثِلةٌ ومُتَشابِهةٌ ومُتَوطِّنةٌ في كلِّ طَرَفٍ.. إنَّ هذه الكُلِّيّةَ والِانتِشارَ يَدُلّانِ دَلالةً جَلِيّةً على أنَّهما تحتَ تَصَرُّفِ رَبٍّ واحِدٍ أَحَدٍ، حتَّى كأنَّ كلَّ زَهرةٍ، وكلَّ ثَمَرةٍ، وكلَّ حَيَوانٍ، آيةُ ذلِكُمُ الرَّبِّ الكَريمِ وخَتْمُه وطُغْراؤُه، فأَينَما يَحُلُّ أيٌّ مِنها يقُولُ بلِسانِ حالِه: "مَن كُنتُ آيَتَه، فهذه الأَرضُ مَصنُوعَتُه، ومَن كُنتُ خَتْمَه فهذا المكانُ مَكتُوبُه، ومَن كُنتُ عَلامَتَه فهذا المَوطِنُ مَنسُوجُه.."
فالرُّبُوبيّةُ إذًا على أَدنَى مَخلُوقٍ، إنَّما هي مِن شَأنِ مَن يُمسِكُ في قَبضةِ تَصَرُّفِه جَميعَ العَناصِرِ؛ ورِعايةُ أَدنَى حَيَوانٍ إنَّما هي مِن شَأنِ مَن لا يُعجِزُه تَربِيةُ جَميعِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والمَخلُوقاتِ ضِمنَ قَبضةِ رُبُوبيَّتِه! هذه الحَقيقةُ واضِحةٌ لِمَن لم يَعْمَ بَصَرُه!
نعم، إنَّ كُلَّ فَردٍ يقُولُ بلِسانِ مُماثَلَتِه ومُشابَهَتِه معَ سائرِ الأَفرادِ: "مَن كان مالِكًا لِجَميعِ نَوعِي يُمكِنُه أن يكُون مالِكِي، وإلَّا فلا". وإنَّ كلَّ نَوعٍ يقُولُ بلِسانِ انتِشارِه معَ سائرِ الأَنواعِ: "مَن كان مالِكًا لِسَطحِ الأَرضِ كُلِّه يُمكِنُه أن يكُونَ مالِكِي، وإلَّا فلا"، وكذا الأَرضُ تقُولُ بلِسانِ ارتِباطِها بسائرِ السَّيّاراتِ بشَمسٍ واحِدةٍ وتَسانُدِها معَ السَّماواتِ: "مَن كان مالِكًا للكَونِ كُلِّه يُمكِنُه أن يكُونَ مالِكِي، وإلَّا فلا".
— 383 —
فلو قيلَ لِتُفّاحةٍ ذاتِ شُعُورٍ: "أنتِ مَصنُوعَتي أنا"، فستَیرُدُّ علَيه تلك التُّفّاحةُ بلِسانِ الحالِ قائلةً: "صَهْ.. لوِ استَطَعتَ أن تكُونَ قادِرًا على تَركيبِ ما على سَطحِ الأَرضِ مِن تُفّاحٍ، بل لو أَصبَحْتَ مُتَصرِّفًا فيما على الأَرضِ مِن نَباتاتٍ مُثمِرةٍ مِن جِنسِنا، بل مُتَصرِّفًا في هَدايا الرَّحمٰنِ الَّتي يَجُودُ بها مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ؛ فادَّعِ آنَذاك الرُّبُوبيّةَ علَيَّ!" فتَلْطُمُ تلك التُّفّاحةُ بهذا الجَوابِ فَمَ ذلك الأَحمَقِ لَطمةً قَوِيّةً..!

اللَّمعة التاسعة

لقد أَشَرْنا إلى آياتٍ وأَختامٍ مَوضُوعةٍ على "الجُزءِ والجُزئيِّ"، وعلى "الكُلِّ والكُلِّيِّ"، وعلى "كُلِّ العالَمِ"، وعلى "الحَياةِ" وعلى "ذَوِي الحَياةِ" وعلى "الإحياءِ"، فنُشِيرُ هنا إلى آيةٍ واحِدةٍ مِمّا لا يُحصَى مِنَ الآياتِ في "الأَنواعِ":
إنَّ تكاليفَ أَثمارٍ عَدِيدةٍ لِشَجرةٍ مُثمِرةٍ تَتَسهَّلُ، ومَصارِيفَها تَتَذلَّلُ، حتَّى تَتَساوَى معَ تكاليفِ ومَصاريفِ ثَمَرةٍ واحِدةٍ تَرَبَّت بأَيدِي الكَثرةِ؛ ذلك لأنَّ الشَّجَرةَ الواحِدةَ المُثمِرةَ تُدارُ مِن مَركَزٍ واحِدٍ، وبتَربِيةٍ واحِدةٍ، وبقانُونٍ واحِدٍ. أي: إنَّ الكَثرةَ وتَعَدُّدَ المَراكِزِ يَستَدعِيانِ أن تكُونَ لكلِّ ثَمَرةٍ مَصارِيفُ وتكاليفُ وأَجهِزةٌ یی كَمِيّةً یی بقَدرِ ما تَحتاجُه شَجَرةٌ كامِلةٌ. والفَرقُ في النَّوعيّةِ ليس إلَّا. مَثَلُه في هذا مَثَلُ عَمَلِ عَتادٍ لِجُندِيٍّ، وتَوفيرِ تَجهِيزاتِه العَسكَريّةِ، إذ يَحتاجُ مَعامِلَ بقَدْرِ المَعامِلِ الَّتي يَحتاجُها الجَيشُ بأَكمَلِه، فالعَمَلُ إذًا إذا انتَقَلَ مِن يَدِ الوَحدةِ إلى يَدِ الكَثرةِ فإنَّ التَّیكاليفَ تَزدادُ مِن حيثُ الكَمِيّةُ بعَدَدِ الأَفرادِ.. وهكذا فإنَّ ما يُشاهَدُ مِن أَثرِ اليُسْرِ والسُّهُولةِ الظّاهِرةِ في النَّوعِ إنَّما هو ناشِئٌ مِنَ السُّهُولةِ الفائقةِ في الوَحدةِ والتَّوحيدِ.
الخُلاصةُ: كما أنَّ التَّشابُهَ والتَّوافُقَ في الأَعضاءِ الأَساسِ لأَنواعِ جِنسٍ واحِدٍ وأَفرادِ نَوعٍ واحِدٍ، يُثبِتانِ أنَّ تلك الأَنواعَ والأَفرادَ إنَّما هي مَخلُوقاتُ خالقٍ واحِدٍ، كذلك السُّهُولةُ المُطلَقةُ المَشهُودةُ، وانعِدامُ التَّكاليفِ، تَستَلزِمانِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ أن يكُونَ الجَميعُ آثارَ صانِعٍ واحِدٍ، لأنَّ وَحْدةَ القَلَمِ ووَحْدةَ السِّكّةِ والخَتْمِ تَقتَضِيانِ هذا،
— 384 —
وإلّا لَساقَتِ الصُّعُوبةُ الَّتي هي في دَرَجةِ الِامتِناعِ ذلك الجِنسَ إلى الِانعِدامِ، وذلك النَّوعَ إلى العَدَمِ.
نَحصُلُ مِن هذا: أنَّه إذا أُسنِدَ الخَلقُ إلى الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى فإنَّ جَميعَ الأَشياءِ حُكْمُها في سُهُولةِ الخَلقِ كخَلْقِ شيءٍ واحِدٍ، وإن أُسنِدَ إلى الأَسبابِ فإنَّ كلَّ شيءٍ يكُونُ حُكمُه في الخَلقِ صَعبًا كصُعُوبةِ خَلقِ جَميعِ الأَشياءِ.. ولَمَّا كان الأَمرُ هكذا، فالوَفرةُ الفائقةُ المُشاهَدةُ في العالَمِ، والخِصْبُ الظّاهِرُ أمامَ العَينِ يُظهِرانِ كالشَّمسِ آيةَ الوَحدةِ؛ فإن لم تكُن هذه الفَواكِهُ الوَفيرةُ الَّتي نَتَناوَلُها مُلكًا لِواحِدٍ أَحَدٍ، لَمَا أَمكَنَنا أن نَأكُلَ رُمّانةً واحِدةً ولو أَعطَينا ما في الدُّنيا كلِّها ثَمَنًا لِصُنعِها.

اللَّمعة العاشرة

كما أنَّ الحَياةَ الَّتي تُظهِرُ تَجَلِّيَ الجَمالِ الرَّبّانِيِّ هي بُرهانُ الأَحَديّةِ، بل هي نَوعٌ مِن تَجَلِّي الوَحدةِ، فالمَوتُ الَّذي يُظهِرُ تَجَلِّيَ الجَلالِ الإلٰهِيِّ هو الآخَرُ بُرهانُ الواحِدِيّةِ.
فمَثلًا: إنَّ الفُقاعاتِ والزَّبَدَ والحَبابَ المُواجِهةَ للشَّمسِ، والَّتي تَنسابُ مُتَألِّقةً على سَطحِ نَهرٍ عَظيمٍ، والمَوادَّ الشَّفّافةَ المُتَلمِّعةَ على سَطحِ الأَرضِ، شَواهِدُ على وُجُودِ تلك الشَّمسِ، وذلك بإراءَتِها صُورةَ الشَّمسِ وعَكْسِها لِضَوْئِها؛ فدَوامُ تَجَلِّي الشَّمسِ ببَهاءٍ معَ غُرُوبِ تلك القَطَراتِ وزَوالِ لَمَعانِ المَوادِّ، واستِمرارُ ذلك التَّجَلِّي دُونَ نَقصٍ على القَطَراتِ والمَوادِّ الشَّفّافةِ المُقبِلةِ مُجَدَّدًا، لَهِيَ شَهادةٌ قاطِعةٌ على أنَّ تلك الشُّمَيساتِ المِثاليّةَ، وتلك الأَضواءَ المُنعَكِسةَ، وتلك الأَنوارَ المُشاهَدةَ الَّتي تَنطَفِئُ وتُضِيءُ وتَتَغيَّیرُ وتَتَبدَّلُ مُتَجدِّدةً، إنَّما هي تَجَلِّياتُ شَمسٍ باقيةٍ، دائمةٍ، عاليةٍ، واحِدةٍ لا زَوالَ لها.. فتلك القَطَراتُ اللَّمّاعةُ إذًا بظُهُورِها وبمَجِيئِها تَدُلُّ على وُجُودِ الشَّمسِ وبزَوالِها تَدُلُّ على دَوامِها ووَحْدَتِها.
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی نَجِدُ أنَّ: هذه المَوجُوداتِ السَّيّالةَ
— 385 —
إذ تَشهَدُ بوُجُودِها وحَياتِها على وُجُوبِ وُجُودِ الخالقِ سُبحانَه وتَعالَى، وعلى أَحَديَّتِه، فإنَّها تَشهَدُ بزَوالِها ومَوتِها أيضًا على أَزَليّةِ الخالقِ سُبحانَه وعلى وسَرمَدِيَّتِه وواحِدِيَّتِه.
نعم، إنَّ تَجَدُّدَ المَصنُوعاتِ الجَميلةِ وتَبَدُّلَ المَخلُوقاتِ اللَّطيفةِ، ضِمنَ الغُرُوبِ والشُّرُوقِ، وباختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وبتَحَوُّلِ الشِّتاءِ والصَّيفِ، وتَبَدُّلِ العُصُورِ والدُّهُورِ، كما أنَّها تَشهَدُ على وُجُودِ ذِي جَمالٍ سَرمَدِيٍّ رَفيعِ الدَّرَجاتِ دائمِ التَّجَلِّي، وعلى بَقائِه سُبحانَه ووَحْدَتِه، فإنَّ مَوتَ تلك المَصنُوعاتِ وزَوالَها یی بأَسبابِها الظّاهِرةِ یی يُبيِّنُ تَفاهةَ تلك الأَسبابِ وعَجْزَها، وكَونَها سِتارًا وحِجابًا ليس إلَّا.. فيُثبِتُ لنا هذا الوَضعُ إثباتًا قاطِعًا أنَّ هذه الخِلْقةَ والصَّنعةَ، وهذه النُّقُوشَ والتَّجَلِّياتِ إنَّما هي مَصنُوعاتٌ ومَخلُوقاتٌ مُتَجدِّدةٌ للخالقِ جلَّ جَلالُه الَّذي جَميعُ أَسمائِه حُسنَى مُقدَّسةٌ، بل هي نُقُوشُه المُتَحوِّلةُ، ومَراياه المُتَحرِّكةُ، وآياتُه المُتَعاقِبةُ، وأَختامُه المُتَبدِّلةُ بحِكمةٍ.
الخُلاصةُ: إنَّ كِتابَ الكَونِ الكَبيرَ هذا إذ يُعلِّمُنا آياتِه التَّكوِينيّةِ الدّالّةِ على وُجُودِه سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه، يَشهَد كذلك على جَميعِ صِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ والجَلالِ للذّاتِ الجَليلةِ؛ ويُثبِتُ أيضًا كَمالَ ذاتِه الجَليلةِ المُبَرَّأةِ مِن كلِّ نَقصٍ، والمُنزَّهةِ عن كلِّ قُصُورٍ، ذلك لأنَّ ظُهُورَ الكَمالِ في أَثَرٍ مّا يَدُلُّ على كَمالِ الفِعلِ الَّذي هو مَصدَرُه، كما هو بَديهيٌّ.. وكَمالُ الفِعلِ هذا يَدُلُّ على كَمالِ الِاسمِ، وكَمالُ الِاسمِ يَدُلُّ على كَمالِ الصِّفاتِ، وكَمالُ الصِّفاتِ يَدُلُّ على كَمالِ الشَّأْنِ الذّاتِيِّ، وكَمالُ الشَّأنِ الذّاتِيِّ يَدُلُّ على كَمالِ الذّاتِ یی ذاتِ الشُّؤُون یی حَدْسًا وضَرُورةً وبَداهةً.
فمَثلًا: إنَّ النُّقُوشَ المُتقَنةَ والتَّزييناتِ البَديعةَ لِقَصرٍ كامِلٍ رائعٍ، تَدُلُّ على ما وَراءَها مِن كَمالِ الأَفعالِ التّامّةِ لِبَنّاءٍ ماهِرٍ خَبِيرٍ.. وإنَّ كَمالَ تلك الأَفعالِ وإتقانَها يَنطِقُ بتَكامُلِ الأَسماءِ لرُتَبِ وعَناوِينِ ذلك البَنّاءِ الفاعِلِ، وتَكامُلَ الأَسماءِ والعَناوِينِ يُفصِحُ عن تَكامُلِ صِفاتٍ لا تُحصَى لِذَلك الصّانِعِ مِن جِهةِ صَنْعَتِه، وتَكامُلَ تلك الصِّفاتِ وإبداعَ الصَّنعةِ يَشهَدانِ على تَكامُلِ قابِليّاتِ ذلك الصّانِعِ واستِعداداتِه الذّاتيّةِ المُسَمّاةِ بالشُّؤُونِ، وتَكامُلَ تلك الشُّؤُونِ والقابِليّاتِ الذّاتيّةِ تَدُلُّ على تَكامُلِ ماهِيّةِ ذاتِ الصّانِعِ.
— 386 —
وهكذا الأَمرُ في الصَّنعةِ المُبدَعةِ المُبَرَّأةِ مِنَ النَّقصِ والفُطُورِ في الآثارِ المَشهُودةِ في العالَمِ، وفي هذه المَوجُوداتِ المُنتَظِمةِ في الكَونِ، الَّتي لَفَتَتْ الأَنظارَ إلَيْها الآيةُ الكَريمةُ: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، فهي تَدُلُّ بالمُشاهَدةِ على كَمالِ الأَفعالِ لِمُؤثِّرٍ ذِي قُدرةٍ مُطلَقةٍ، وكَمالُ الأَفعالِ ذاك يَدُلُّ بالبَداهةِ على كَمالِ أَسماءِ الفاعِلِ ذِي الجَلالِ، وذلك الكَمالُ يَدُلُّ ويَشهَدُ بالضَّرُورةِ على كَمالِ صِفاتِ مُسَمًّى ذِي جَمالٍ لتلك الأَسماءِ، وكَمالُ الصِّفاتِ ذاك يَدُلُّ ويَشهَدُ يَقينًا على كَمالِ شُؤُونِ مَوصُوفٍ ذِي كَمالٍ، وكَمالُ الشُّؤونِ ذاك يَدُلُّ بحَقِّ اليَقينِ على كَمالِ ذاتٍ مُقدَّسةٍ ذاتِ شُؤُونٍ، دَلالةً واضِحةً بحيثُ إنَّ ما في الكَونِ مِن أَنواعِ الكَمالاتِ المُشاهَدةِ ليس إلَّا ظِلًّا ضَعيفًا مُنطَفِئًا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی بالنِّسبةِ لآياتِ كَمالِه ورُمُوزِ جَلالِه وإشاراتِ جَمَالِه سُبحانَه وتَعالَى.

اللَّمعة الحاديةَ عَشْرةَ السّاطعةُ كالشُّموس

لقد عُرِف في "الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ" بأنَّ أَعظَمَ آيةٍ في كِتابِ الكَونِ الكَبيرِ، وأَعظَمَ اسمٍ في ذلك القُرآنِ الكَبيرِ، وبِذرةَ شَجَرةِ الكَونِ، وأَنوَرَ ثِمارِها، وشَمسَ قَصرِ هذا العالَمِ، والبَدْرَ المُنوَّرَ لعالَمِ الإسلامِ، والدّالَّ على سُلطانِ رُبُوبيّةِ اللهِ، والكَشّافَ الحَكيمَ لِلُغزِ الكائناتِ، هو سيِّدُنا مُحمَّدٌ الأَمينُ علَيه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، الَّذي ضَمَّ الأَنبِياءَ جَميعًا تحتَ جَناحِ الرِّسالةِ، وحَمَى العالَمَ الإسلاميَّ تحتَ جَناحِ الإسلامِ، فحَلَّقَ بهما في طَبَقاتِ الحَقيقةِ، مُتَقدِّمًا مَوْكِبَ جَميعِ الأَنبِياءِ والمُرسَلين، وجَميعَ الأَولياءِ والصِّدِّيقين، وجَميعَ الأَصفِياءِ والمُحَقِّقين، مُبيِّنًا الوَحدانيّةَ واضِحةً جَلِيّةً بكُلِّ ما أُوتِيَ مِن قُوّةٍ، فاتِحًا طَرِيقًا سَوِيّةً إلى عَرشِ الأَحَديّةِ، دالًّا على طَرِيقِ الإيمانِ باللهِ، مُثبِتًا الوَحدانيّةَ الحَقّةَ.. فأنَّى لِوَهْمٍ أو شُبهةٍ أن يكُونَ لهما الجُرأةُ لِيَسُدَّا أو يَحجُبا ذلك الطَّرِيقَ السَّوِيَّ؟!
ولَمّا كُنَّا قد بَيَّنّا إجمالًا في "الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ" و"المَكتُوبِ التّاسِعَ عشَرَ" ذلك البُرهانَ القاطِعَ مِن مَعرِفَتِه الَّتي هي الماءُ الباعِثُ للحَياةِ بأَربَعَ عَشْرةَ رَشْحةً، وتِسعَ عَشْرةَ إشارةً، معَ بيانِ أَنواعِ مُعجِزاتِه (ص)، لذا نَكتَفي بهذه الإشارةِ هنا، ونَختِمُها
— 387 —
بالصَّلاةِ والسَّلامِ على ذلك البُرهانِ القاطِعِ للوَحدانيّةِ، صَلاةً وسَلامًا تُشِيرانِ إلى تلك الأُسُسِ الَّتي تُزَكِّيه وتَشهَدُ على صِدْقِه:
اللَّهُمَّ صَلِّ على مَن دَلَّ على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحدانيَّتِك، وشَهِد على جَلالِك وجَمالِك وكَمالِك.. الشَّاهِدُ الصَّادِقُ المُصَدَّق، والبُرهانُ النَّاطِقُ المُحَقَّق.. سيِّدُ الأَنبياءِ والمُرسَلين، الحامِلُ سِرَّ إجماعِهم وتَصدِيقِهم ومُعجِزاتِهم.. وإمامُ الأَولياءِ والصِّدِّيقين الحاوِي سِرَّ اتِّفاقِهم وتَحقيقِهم وكَراماتِهم، ذُو المُعجِزاتِ الباهِرةِ والخَوارِقِ الظّاهِرةِ والدّلائلِ القاطِعةِ المُحَقَّقة المُصَدِّقةِ له.. ذُو الخِصالِ الغاليةِ في ذاتِه، والأَخلاقِ العاليةِ في وَظيفَتِه، والسَّجايا السَّاميةِ في شَرِيعَتِه المُكَمَّلةِ المُنزَّهةِ عنِ الخِلافِ.. مَهبِطُ الوَحيِ الرَّبّانِيِّ بإجماعِ المُنزِلِ والمُنزَلِ والمُنزَلِ عليه.. سَيّارُ عالَمِ الغَيبِ والمَلَكُوتِ.. مُشاهِدُ الأَرواحِ ومُصاحِبُ المَلائكةِ.. أُنمُوذَجُ كَمالِ الكائناتِ شَخصًا ونَوعًا وجِنسًا.. أَنوَرُ ثَمَراتِ شَجَرةِ الخِلْقةِ.. سِراجُ الحَقِّ، بُرهانُ الحَقيقةِ، تِمثالُ الرَّحمةِ، مِثالُ المَحَبّةِ، كَشَّافُ طِلَّسمِ الكائناتِ، دَلَّالُ سَلطَنةِ الرُّبُوبيّةِ، المُرمِزُ بعُلْويّةِ شَخصِيَّتِه المَعنَويّة إلى أنَّه نَصَبَ عَينَ فاطِرِ العالَمِ في خَلقِ الكائناتِ.. ذُو الشَّرِيعةِ الَّتي هي بوُسْعةِ دَساتيرِها وقُوَّتها تُشِيرُ إلى أنَّها نِظامُ ناظِمِ الكَونِ ووَضْعُ خالقِ الكائناتِ.
نعم، إنَّ ناظِمَ الكائناتِ بهذا النِّظامِ الأَتَمِّ الأَكمَلِ هو ناظِمُ هذا الدِّينِ بهذا النِّظامِ الأَحسَنِ الأَجمَلِ، سيِّدُنا یی نحن مَعاشِرَ بني آدَمَ ومُهدِينا إلى الإيمانِ نحن مَعاشِرَ المُؤمِنين یی مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ علَيه أَفضَلُ الصَّلَواتِ وأَتَمُّ التَّسليماتِ ما دامَتِ الأَرضُ والسَّماواتُ، فإنَّ ذلك الشَّاهِدَ الصّادِقَ المُصَدَّق يَشهَدُ على رُؤُوسِ الأَشهادِ مُنادِيًا، ومُعلِّمًا لِأَجيالِ البَشَرِ خَلفَ الأَعصارِ والأَقطارِ، نِداءً عُلْوِيًّا بجَميعِ قُوَّتِه وبغايةِ جِدِّيَّتِه وبنِهايةِ وُثُوقِه وبقُوّةِ اطمِئنانِه وبكَمالِ إيمانِه: "أَشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له".
— 388 —

اللَّمعةُ الثانيةَ عَشْرةَ السّاطعةُ كالشُّموس

إنَّ هذه اللَّمعةَ الثّانيةَ عَشْرةَ مِن هذه الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين لَهِي بَحرُ الحَقائقِ، ويا لَه مِن بَحرٍ عَظيمٍ! بحيثُ إنَّ الكَلِماتِ الِاثنَتَينِ والعِشرِين السّابقةَ لا تكُونُ إلَّا مُجَرَّدَ اثنَتَينِ وعِشرِين قَطرةً مِنه؛ وهي مَنبَعُ الأَنوارِ، ويا لَه مِن مَنبَعٍ عَظيمٍ! بحيثُ إنَّ تلك الكَلِماتِ الِاثنَتَينِ والعِشرِين لَيسَت سِوَى اثنَتَينِ وعِشرِين لَمْعةً مِن تلك الشَّمسِ!
نعم، إنَّ كلَّ كَلِمةٍ مِن تلك الكَلِماتِ الِاثنَتَينِ والعِشرِين السّابقةِ ما هي إلّا لَمعةٌ واحِدةٌ لِنَجْمِ آيةٍ واحِدةٍ تَسطَعُ في سَماءِ القُرآنِ الكَريمِ، وما هي إلَّا قَطرةٌ واحِدةٌ مِن نَهرِ آيةٍ تَجرِي في بَحرِ الفُرقانِ الكَريمِ، وما هي إلّا لُؤلُؤةٌ واحِدةٌ مِن صُندُوقِ جَواهِرِ آيةٍ واحِدةٍ مِن كِتابِ اللهِ الَّذي هو الكَنزُ الأَعظَمُ..
لِذا ما كانَتِ الرَّشحةُ الرّابعةَ عَشْرةَ مِنَ الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ إلّا نُبذةً مِن تَعرِيفِ ذلك الكَلامِ الإلٰهيِّ العَظيمِ، كَلامِ اللهِ الَّذي نَزَل مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ.. مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ.. مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ للرُّبوبيّةِ العُظمَى، في سَعةٍ مُطلَقةٍ، وسُمُوٍّ مُطلَقٍ، يَربِطُ الأَزَلَ بالأَبدِ، والفَرْشَ بالعَرْشِ، والَّذي يقُولُ بكلِّ قُوَّتِه ويُرَدِّدُ بكلِّ قَطعِيّةٍ آياتِه: «لا إلٰهَ إلَّا هو» مُشهِدًا علَيه الكَونَ قاطِبةً.
حقًّا إنَّ العالَمَ كُلَّه يَنطِقُ معًا: "لا إلٰهَ إلَّا هو".
فإذا نَظَرتَ إلى ذلك القُرآنِ الكَريمِ ببَصِيرةِ قَلبٍ سَليمٍ، تَرَى أنَّ جِهاتِه السِّتَّ ساطِعةٌ نَيِّرةٌ، وشَفّافةٌ رائقةٌ، بحيثُ لا يُمكِنُ لِظُلمةٍ ولا لِضَلالةٍ ولا لِشُبهةٍ ولا لِحِيلةٍ أيًّا كانَت أن تَرَى لها شَقًّا وفُرجةً للدُّخُولِ في رِحابِه المُقَدَّسِ قَطُّ، حيثُ إنَّ علَيه: شارةَ الإعجازِ، وتَحتَه: البُرهانُ والدَّليلُ، وخَلْفَه (نُقطةُ استِنادِه): الوَحيُ الرَّبّانِيُّ المَحضُ، وأَمامَه: سَعادةُ الدّارَينِ، ويَمينَه: تَصدِيقُ العَقلِ باستِنطاقِه، وشِمالَه: تَثبِيتُ تَسلِيمِ الوِجدانِ باستِشهادِه، وداخِلَه: هِدايةٌ رَحمانيّةٌ خالِصةٌ بالبَداهةِ، وفَوقَه: أَنوارٌ إيمانيّةٌ خالِصةٌ بالمُشاهَدةِ، وثِمارُه: الأَصفِياءُ والمُحَقِّقون والأَولياءُ والصِّدِّيقُون المُتَحلُّون بكَمالاتِ الإنسانيّة بعَينِ اليَقينِ.
— 389 —
فإذا أَلصَقْتَ أُذُنَك إلى صَدرِ لِسانِ الغَيبِ مُصْغِيًا فإنَّك ستَسمَعُ مِن أَعمَقِ الأَعماقِ صَدًى سَماوِيًّا في غايةِ الإيناسِ والإمتاعِ، وفي مُنتَهَى الجِدِّيّةِ والسُّمُوِّ المُجَهَّز بالبُرهانِ، يُردِّدُ: «لا إلٰهَ إلَّا هو» ، ويُكرِّرُها بقَطعيّةٍ جازِمةٍ ويُفيضُ علَيك مِنَ العِلمِ اليَقينِ بدَرَجةِ عَينِ اليَقينِ بما يَقُولُه مِن حَقِّ اليَقينِ.
زُبدةُ الكَلامِ: إنَّ الرَّسُولَ الكَريمَ (ص)، والفُرقانَ الحَكيمَ اللَّذَينِ كلٌّ مِنهما نُورٌ باهِرٌ، أَظهَرا حَقيقةً واحِدةً؛ هي حَقيقةُ التَّوحِيدِ.
فأَحَدُهما: لِسانُ عالَمِ الشَّهادةِ. أَشارَ إلى تلك الحَقيقةِ بأَصابِعِ الإِسلامِ والرِّسالةِ وبَيَّنَها بجَلاءٍ، بكلِّ ما أُوتِيَ مِن قُوّةٍ مِن خِلالِ أَلفٍ مِن مُعجِزاتِه وبتَصدِيقِ جَميعِ الأَنبِياءِ والأَصفياءِ.
والآخَرُ: هو بمَثابةِ لِسانِ عالَمِ الغَيبِ. أَظهَر الحَقيقةَ نَفسَها وأَشارَ إلَيها بأَصابعِ الحَقِّ والهِدايةِ، وعَرَضَها بكلِّ جِدٍّ وأَصالةٍ، مِن خِلالِ أَربَعين وَجهًا مِن وُجُوهِ الإعجازِ، وتَصدِيقٍ مِن قِبَلِ جَميعِ الآياتِ التَّكوِينيّةِ للكَونِ.. ألا تكُونُ تلك الحَقيقةُ أَبهَرَ مِنَ الشَّمسِ وأَسطَعَ مِنها، وأَوضَحَ مِنَ النَّهارِ وأَظهَرَ مِنه؟!
أيُّها الإنسانُ الحَقيرُ المُتَمرِّدُ السّادِرُ في الضَّلالةِ.. (حاشية): هذا الخِطابُ مُوجَّهٌ للَّذي حاوَلَ رَفْعَ القُرآنِ وإزالَتَه. كيف تَتَمكَّنُ أن تُضارِعَ هذه الشُّمُوسَ بما في رَأسِك مِن بَصيصٍ خافِتٍ هَزِيلٍ؟ وكيف يُمكِنُك الِاستِغناءُ عن تلك الشُّموسِ، وتَسعَى إلى إطفائِها بنَفْخِ الأَفواهِ؟ تَبًّا لِعَقلِك الجاحِدِ، كيف تَجحَدُ ما قالَه لِسانُ الغَيبِ ولِسانُ الشَّهادةِ مِن كَلامٍ باسمِ رَبِّ العالَمِين ومالِكِ الكَونِ، وتُنكِرُ ما دعا إلَيه مِن دَعوةٍ؟!
أيُّها الشَّقِيُّ الأَعجَزُ مِنَ الذُّبابِ والأَحقَرُ مِنه، مَن أنت حتَّى تُوَرِّطَ نَفسَك في تَكذِيبِ مالِكِ الكَونِ ذي الجَلالِ والإكرامِ؟!
٭ ٭ ٭
— 390 —

الخاتمة

أيُّها الصَّدِيقُ، يا ذا العَقلِ المُنَوَّرِ والقَلبِ المُتَيقِّظِ.. إن كُنتَ قد فَهِمتَ هذه "الكَلِمةَ الثّانيةَ والعِشرِين" مِن بِدايَتِها، فخُذْ بيَدِك الِاثنَتَيْ عَشْرةَ لَمعةً دَفعةً واحِدةً، واظفَرْ بها سِراجًا للحَقيقةِ، بقُوّةِ آلافٍ مِنَ المَصابيحِ، واعتَصِمْ بالآياتِ القُرآنيّةِ المُمتَدّةِ مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ، وامتَطِ بُراقَ التَّوفيقِ، واعرُجْ في سَماواتِ الحَقائقِ، واصعَدْ إلى عَرْشِ مَعرِفةِ اللهِ سُبحانَه، وقُل: أَشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلّا أنتَ وَحدَك لا شَريكَ لك. وأَعلِنْ في المَسجِدِ الكَبيرِ للعالَمِ على رُؤُوسِ مَوجُوداتِ الكَونِ الوَحدانيّةَ قائلًا:
لا إلٰهَ إلّا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ لَه، لَهُ المُلكُ، ولَهُ الحَمدُ، يُحيِي ويُميتُ، وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بيَدِه الخَيرُ، وهُو عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ٭ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَن أَرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وارحَمنَا وارحَم أُمَّتَهُ بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.. آمِينَ.
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
— 391 —

الكلمة الثالثة والعشرون

وهي مبحثان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٭ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٭ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

المبحث الأول

نُبيِّن خَمسَ مَحاسِنَ مِن بينِ آلافِ مَحاسِنِ الإيمانِ، وذلك في خَمسِ نِقاطٍ:

النُّقطة الأولى

إنَّ الإنسانَ يَسمُو بنُورِ الإيمانِ إلى أَعلَى عِلِّیيِّينَ، فيَكتَسِبُ بذلك قِيمةً تَجعَلُه لائقًا بالجَنّةِ، بَينَما يَتَردَّى بظُلمةِ الكُفرِ إلى أَسفَلِ سافِلينَ، فيَكُونُ في وَضْعٍ يُؤَهِّلُه لِنارِ جَهَنَّم، ذلك لأنَّ الإيمانَ يَربِطُ الإنسانَ بصانِعهِ الجَليلِ، ويَربِطُه بوَثاقٍ شَديدٍ ونِسبةٍ إلَيه، فالإيمانُ إنَّما هو انتِسابٌ؛ لِذا يَكتَسِبُ الإنسانُ بالإيمانِ قِيمةً سامِيةً مِن حيثُ تَجَلِّي الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ فيه، وظُهُورِ آياتِ نُقُوشِ الأَسماءِ الرَّبّانيّةِ على صَفحةِ وُجُودِه.. أمَّا الكُفرُ فيَقطَعُ تلك النِّسبةَ وذلك الِانتِسابَ، وتَغشَى ظُلمَتُه الصَّنعةَ الرَّبّانيّةَ وتَطمِسُ على مَعالِمِها، فتَنقُصُ قِيمةُ الإنسانِ حيثُ تَنحَصِرُ في مادَّتِه فحَسْبُ؛ وقِيمةُ المادّةِ لا يُعتَدُّ بها فهي في حُكمِ المَعدُومِ، لكَونِها فانيةً، زائلةً، وحَياتُها حَياةٌ حَيَوانيّةٌ مُؤَقَّتةٌ.
— 392 —
وها نحن أُولاءِ نُبيِّنُ هذا السِّرَّ بمِثالٍ تَوضِيحيٍّ: إنَّ قِيمةَ المادّةِ تَختَلِفُ عن قيمةِ الصَّنعةِ ومَدَى الإجادةِ فيما يَصنَعُه الإنسانُ، فنَرَى أحيانًا القِيمتَينِ مُتَساوِيتَينِ، وقد تكُونُ المادّةُ أَكثرَ قِيمةً مِنَ الصَّنعةِ نَفسِها، وقد يَحدُثُ أن تَحتَوِيَ مادّةُ حَديدٍ على قِيمةٍ فَنِّیيّةٍ وجَماليّةٍ عاليةٍ جِدًّا، ويَحدُثُ أن تَحُوزَ صَنعةٌ نادِرةٌ نَفيسةٌ جِدًّا قِيمةَ مَلايينِ اللَّيراتِ رَغمَ كَونِها مِن مادّةٍ بَسِيطةٍ جِدًّا؛ فإذا عُرِضَت مِثلُ هذه التُّحفةِ النّادِرةِ في سُوقِ الصَّنَّاعين والحِرْفيِّين المُجِيدِين وعَرَفوا صانِعَها الباهِرَ الماهِرَ الشَّهيرَ فإنَّها تَحُوزُ سِعرَ مِليونِ ليرةٍ، أمّا إذا أُخِذَتِ التُّحفةُ نَفسُها إلى سُوقِ الحَدِيدِ الخامِ یی مثلًا یی فقد لا يَتَقدَّمُ لِشِرائها أَحَدٌ، ورُبَّما لا يُنفِقُ أَحَدٌ في شِرائها شيئًا.
وهكذا الإنسانُ، فهو الصَّنعةُ الخارِقةُ للخالقِ الصّانِعِ سُبحانَه، وهو أَرقَى مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِه وأَلطَفُها، حيثُ خَلَقه الباري مَظهَرًا لِجَميعِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى، وجَعَله مَدارًا لِجَميعِ نُقُوشِه البَدِيعةِ جَلَّت عَظَمتُه، وصَيَّرَه مِثالًا مُصَغَّرًا ونَمُوذجًا للكائنات بأَسرِها.
فإذا استَقَرَّ نُورُ الإيمانِ في هذا الإنسانِ بَيَّن یی ذلك النُّورُ یی جَميعَ ما على الإنسانِ مِن نُقُوشٍ حَكيمةٍ، بل يَستَقْرِئُها الآخَرِين؛ فيَقرَؤُها المُؤمنُ بتَفَكُّرٍ، ويَشعُرُ بها في نَفسِه شُعُورًا كامِلًا، ويَجعَلُ الآخَرِين يُطالِعُونَها ويَتَملَّونَها، أي: كأنَّه يقُولُ: "ها أنا ذا مَصنُوعُ الصّانِعِ الجَليلِ ومَخلُوقُه.. انظُرُوا كيف تَتَجلَّى فِيَّ رَحمَتُه، وكَرَمُه". وبما شابَهَها مِنَ المَعاني الواسِعةِ تَتَجلَّى الصَّنعةُ الرَّبّانيّةُ في الإنسانِ.
إذًا الإيمانُ الَّذي هو عِبارةٌ عنِ الِانتِسابِ إلى الصّانِعِ سُبحانَه، يقُومُ بإظهارِ جَميعِ آثارِ الصَّنعةِ الكامِنةِ في الإنسانِ، فتَتَعيَّنُ بذلك قِيمةُ الإنسانِ على مَدَى بُرُوزِ تلك الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، ولَمَعانِ تلك المِرآةِ الصَّمَدانيّةِ. فيَتَحوَّلُ هذا الإنسانُ الَّذي لا أَهَمِّيّةَ له إلى مَرتَبةِ أَسمَى المَخلُوقاتِ قاطِبةً، حيثُ يُصبِحُ أَهلًا للخِطابِ الإلٰهِيِّ، ويَنالُ شَرَفًا يُؤَهِّلُه للضِّيافةِ الرَّبّانيّةِ في الجَنّةِ.
أمّا إذا تَسَلَّل الكُفرُ یی الَّذي هو عِبارةٌ عن قَطعِ الِانتِسابِ إلى الله یی في الإنسانِ، فعِندَئذٍ تَسقُطُ جَميعُ مَعاني نُقُوشِ الأَسماءِ الحُسنَى الإلٰهِيّةِ الحَكِيمةِ في الظَّلامِ وتُمحَى
— 393 —
نِهائيًّا، وتَتَعذَّرُ مُطالَعَتُها وقِراءَتُها؛ ذلك لأنَّه لا يُمكِنُ أن تُفهَم الجِهاتُ المَعنَويّةُ المُتَوجِّهةُ فيه إلى الصّانِعِ الجَليلِ بنِسيانِ الصّانِعِ سُبحانَه، بل تَنقَلِبُ على عَقِبَيها، وتَندَرِسُ أَكثرُ آياتِ الصَّنعةِ النَّفيسةِ الحَكيمةِ وأَغلَبُ النُّقُوشِ المَعنَويّةِ العاليةِ، أمّا ما يَتَبقَّى مِنها مِمّا يَتَراءَى للعَينِ فسوف يُعزَى إلى الأَسبابِ التّافِهةِ.. إلى الطَّبِيعةِ والمُصادَفةِ، فتَسقُطُ نِهائيًّا وتَزُولُ، حيثُ تَتَحوَّلُ كلُّ جَوهَرةٍ مِن تلك الجَواهِرِ المُتَلألِئةِ إلى زُجاجةٍ سَوداءَ مُظلِمةٍ، وتَقتَصِرُ أَهَمِّيَّتُها آنَذاك على المادّةِ الحَيَوانيّةِ وَحْدَها.. وكما قُلنا: إنَّ غايةَ المادّةِ وثَمَرتَها هي قَضاءُ حَياةٍ قَصِيرةٍ جُزئيّةٍ يَعيشُها صاحِبُها وهو أَعجَزُ المَخلُوقاتِ وأَحوَجُها وأَشقاها، ومِن ثَمَّ يَتَفسَّخُ في النِّهايةِ ويَزُولُ.. وهكذا يَهدِمُ الكُفرُ الماهِيّةَ الإنسانيّةَ ويُحِيلُها مِن جَوهَرةٍ نَفيسةٍ إلى فَحمةٍ خَسِيسةٍ.

النُّقطة الثانية

كما أنَّ الإيمانَ نُورٌ يُضِيءُ الإنسانَ ويُنوِّرُه ويُظهِرُ بجَلاءٍ جَميعَ المَكاتيبِ الصَّمَدانيّةِ المَكتُوبةِ علَيه ويَستَقرِئُها، كذلك فهو يُنيرُ الكائناتِ أيضًا، ويُنقِذُ القُرُونَ الخاليةَ والآتيةَ مِنَ الظُّلُماتِ الدّامِسةِ.
وسنُوضِحُ هذا السِّرَّ بمِثالٍ، استِنادًا إلى أَحَدِ أَسرارِ هذه الآيةِ الكَريمةِ: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ:
لقد رَأَيتُ في واقِعةٍ خَياليّةٍ أنَّ هناك طَودَينِ شامِخَينِ مُتَقابِلَينِ، نُصِبَ على قِمَّتَيهما جِسرٌ عَظِيمٌ مُدهِشٌ، وتَحتَه وادٍ عَمِيقٌ سَحِيقٌ، وأنا واقِفٌ على ذلك الجِسرِ، والدُّنيا يُخَيِّمُ علَيها ظَلامٌ كَثيفٌ مِن كلِّ جانبٍ، فلا يَكادُ يُرَى مِنها شيءٌ؛ فنَظَرتُ إلى يَمِيني فوَجَدتُ مَقبَرةً ضَخمةً تحتَ جُنْحِ ظُلُماتٍ لا نِهايةَ لها، أي: هكذا تَخَيَّلتُ، ثمَّ نَظَرتُ إلى طَرَفي الأَيسَرِ فكأَنِّي وَجَدتُ أَمواجَ ظُلُماتٍ عاتيةٍ تَتَدافَعُ فيها الدَّواهي المُذهِلةُ والفَواجِعُ العَظِيمةُ وكأنَّها تَتَأهَّبُ للِانقِضاضِ، ونَظَرتُ إلى أَسفَلِ الجِسرِ فتَراءَتْ لِعَيني هُوّةٌ عَمِيقةٌ لا قَرارَ لها، وقد كُنتُ لا أَملِكُ سِوَى مِصباحٍ يَدَوِيٍّ خافِتِ النُّورِ أَمامَ كلِّ هذا الهَدِيرِ العَظيمِ مِنَ الظُّلُماتِ، فاستَخدَمتُه، فبَدا لي وَضعٌ رَهيبٌ، إذ
— 394 —
رأيتُ أُسُودًا وضَوارِيَ ووُحُوشًا وأَشباحًا في كلِّ مَكانٍ حتَّى في نِهاياتِ الجِسرِ وأَطرافِه، فتَمَنَّيتُ أنْ لم أَكُن أَملِكُ هذا المِصباحَ الَّذي كَشَفَ لي كلَّ هذه المَخلُوقاتِ المُخِيفةِ، إذ إنَّني أَينَما وَجَّهتُ نُورَ المِصباحِ شَهِدتُ المَخاطِرَ المُدهِشةَ نَفسَها، فتَحَسَّرتُ في ذاتِ نَفسِي وتَأَوَّهتُ قائلًا: "إنَّ هذا المِصباحَ مُصِيبةٌ وبَلاءٌ عَلَيَّ". فاستَشاطَ غَيظِي، فأَلقَيتُ المِصباحَ إلى الأَرضِ وتَحَطَّمَ، وكأَنِّي بتَحَطُّمِه قد أَصَبتُ زِرًّا لِمِصباحٍ كَهرَبائيٍّ هائلٍ، فإذا به يُنوِّرُ الكائناتِ جَميعًا، فانقَشَعَتْ تلك الظُّلُماتُ وانكَشَفَتْ وزالَت نِهائيًّا، وامتَلَأ كلُّ مكانٍ وكلُّ جِهةٍ بذلك النُّورِ، وبَدَتْ حَقيقةُ كلِّ شيءٍ ناصِعةً واضِحةً:
فوَجَدتُ أنَّ ذلك الجِسرَ المُعَلَّقَ الرَّهيبَ ما هو إلّا شارِعٌ يَمُرُّ مِن سَهلٍ مُنبَسِطٍ، وتَبَيَّنتُ أنَّ تلك المَقبَرةَ الهائلةَ الَّتي رَأَيتُها على جِهةِ اليَمينِ لَيسَت إلَّا مَجالِسَ ذِكرٍ وتَهليلٍ وخِدمةً جَليلةً، وعِبادةً سامِيةً، ونَدوةً كَرِيمةً لَطِيفةً، تحتَ إِمرةِ رِجالٍ نُورانيِّينَ في جَنائِنَ خُضْرٍ جَميلةٍ تُشِعُّ بَهجةً ونُورًا، وتَبعَثُ في القَلبِ سَعادةً وسُرُورًا.
أمّا تلك الأَودِيةُ السَّحِيقةُ والدَّواهي المُدهِشةُ والحَوادِثُ الغامِضةُ الَّتي رَأَيتُها عن يَسارِي، فلم تكُن إلّا جِبالًا مُشَجَّرةً خَضراءَ تَسُرُّ النّاظِرِين، ووَراءَها مَضِيفٌ عَظِيمٌ ومُرُوجٌ رائعةٌ ومُتَنزَّهٌ رائعٌ.. نعم، هكذا رَأَيتُها بخَيالي.
أمّا تلك المَخلُوقاتُ المُخِيفةُ والوُحُوشُ الضّارِيةُ الَّتي شاهَدتُها فلم تكُن إلَّا حَيَواناتٍ أَليفةً أَنيسةً، كالجَمَلِ والثَّورِ والضَّأنِ والماعِزِ؛ وعِندَها تَلَوتُ الآيةَ الكَريمةَ: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وبَدَأتُ أُرَدِّدُ: "الحَمدُ للهِ على نُورِ الإيمانِ. ثُمَّ أَفَقْتُ مِن تلك الواقِعةِ".
وهكذا، فذاكُما الجَبَلانِ هما: بِدايةُ الحَياةِ ومُنتَهاها، أي: هما عالَمُ الأَرضِ وعالَمُ البَرزَخِ؛ وذلك الجِسرُ هو طَرِيقُ الحَياةِ؛ والطَّرَفُ الأَيمَنُ هو الماضي مِنَ الزَّمَن، والطَّرَفُ الأَيسَرُ هو المُستَقبَلُ منه؛ أمَّا المِصباحُ اليَدَوِيُّ فهو أَنانيّةُ الإنسانِ المُعتَدَّةُ بنَفسِها والمُتَباهِيةُ بما لَدَيها مِن عِلمٍ، والَّتي لا تُصغِي إلى الوَحْيِ السَّماوِيِّ.. أمّا تلك الغِيلانُ والوُحُوشُ الكاسِرةُ فهي حَوادِثُ العالَمِ العَجيبةُ ومَوجُوداتُه.
— 395 —
فالإنسانُ الَّذي يَعتَمِدُ على أَنانيَّتِه وغُرُورِه، ويَقَع في شِراكِ ظُلُماتِ الغَفلةِ ويُبْتلَى بأَغلالِ الضَّلالةِ القاتلةِ، فإنَّه يُشبِهُ حالَتِي الأُولَى في تلك الواقِعةِ الخَياليّةِ، حيثُ يَرَى الزَّمَنَ الماضِيَ بنُورِ ذلك المِصباحِ النّاقِصِ الَّذي هو مَعرِفةٌ ناقِصةٌ مُنحَرِفةٌ للضَّلالةِ كمَقبَرةٍ عَظِيمةٍ في ظُلُماتِ العَدَمِ، ويُصَوِّرُ الزَّمَنَ مِنَ المُستَقبَلِ مُوحِشًا تَعبَثُ فيه الدَّواهِي والخُطُوبُ مُحِيلًا إيّاه إلى الصُّدْفةِ العَمْياءِ؛ كما يُصَوِّرُ جَميعَ الحَوادِثِ والمَوجُوداتِ یی الَّتي كلٌّ مِنها مُوَظَّفةٌ مُسَخَّرةٌ مِن لَدُن رَبٍّ رَحيمٍ حَكيمٍ یی كأنَّها وُحُوشٌ كاسِرةٌ وَفَواتِكُ ضارِيةٌ. فيَحِقُّ علَيه حُكمُ الآيةِ الكَريمةِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ.
أمّا إذا أَغاثَتِ الإنسانَ الهِدايةُ الإلٰهِيّةُ، ووَجَد الإيمانُ إلى قَلبِه سَبِيلًا، وانكَسَرَتْ فِرعَونيّةُ النَّفسِ وتَحَطَّمَتْ، وأَصغَى إلى كِتابِ اللهِ، فيكُونُ أَشبَهَ بحالَتِي الثّانيةِ في تلك الواقِعةِ الخَياليّةِ، فتَصطَبِغُ الكائناتُ بالنَّهارِ وتَمتَلِئُ بالنُّورِ الإلٰهِيِّ، ويَنطِقُ العالَمُ برُمَّتِه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
فلَيس الزَّمَنُ الغابِرُ إذ ذاك مَقبَرةً عُظمَى كَما يُتوَهَّمُ، بل كلُّ عَصْرٍ مِن عُصُورِه یی كما تَشهَدُه بَصِيرةُ القَلبِ یی زاخِرٌ بوَظائفِ عُبُودِيّةٍ تحتَ قِيادةِ نَبيٍّ مُرسَلٍ، أو طائفةٍ مِنَ الأَولياءِ الصّالِحِين، يُدِيرُ تلك الوَظيفةَ السّامِيةَ ويَنشُرُها ويُرسِّخُ أَركانَها في الرَّعِيّةِ على أَتَمِّ وَجهٍ وأَكمَلِ صُورةٍ؛ ومِن بعدِ انتِهاءِ هذه الجَماعاتِ الغَفيرةِ مِن ذَوِي الأَرواحِ الصّافيةِ مِن أَداءِ وَظائفِها الحَياتيّةِ وواجِباتِها الفِطرِيّةِ تُحَلِّقُ مُرتَقيةً إلى المَقاماتِ العاليةِ مُرَدِّدةً: "اللهُ أَكبَرُ"، مُختَرِقةً حِجابَ المُستَقبَلِ.
وعِندَما يَلتَفِتُ إلى يَسارِه يَتَراءَى له مِن بَعيدٍ یی بمِنظارِ نُورِ الإيمانِ یی أنَّ هناك وَراءَ انقِلاباتٍ بَرزَخيّةٍ وأُخرَوِيّةٍ یی وهي بضَخامةِ الجِبالِ الشَّواهِقِ یی قُصُورَ سَعادةِ الجِنانِ، قد مُدَّت فيها مَضايِفُ الرَّحمٰنِ مَدًّا لا أَوَّلَ له ولا آخِرَ؛ فيَتَيقَّنُ بأنَّ كلَّ حادِثةٍ مِن حَوادِثِ الكَونِ یی كالأَعاصِيرِ والزَّلازِلِ والطّاعُونِ وأَمثالِها یی إنَّما هي مُسَخَّراتٌ مُوَظَّفاتٌ مَأمُوراتٌ، فيَرَى أنَّ عَواصِفَ الرَّبيعِ والمَطَرِ وأَمثالَها مِنَ الحَوادِثِ الَّتي
— 396 —
تَبدُو حَزِينةً سَمِجةً، ما هي في الحَقيقةِ والمَعنَى إلَّا مَدارُ الحِكَمِ اللَّطِيفةِ، حتَّى إنَّه يَرَى المَوتَ مُقدِّمةً لِحَياةٍ أَبَديّةٍ، ويَرَى القَبْرَ بابَ سَعادةٍ خالِدةٍ..
وقِسْ على هذا المِنوالِ سائرَ الجِهاتِ بتَطبِيقِ الحَقيقةِ على المِثالِ.

النُّقطة الثالثة

كما أنَّ الإيمانَ نُورٌ، فهُو قُوّةٌ أيضًا، فالإنسانُ الَّذي يَظفَرُ بالإيمانِ الحَقيقيِّ يَستَطيعُ أن يَتَحدَّى الكائناتِ، ويَتَخلَّصَ مِن ضِيقِ الحَوادِثِ، مُستَنِدًا إلى قُوّةِ إيمانِه، فيُبحِرُ مُتَفرِّجًا على سَفينةِ الحَياةِ في خِضَمِّ أَمواجِ الأَحداثِ العاتيةِ بكَمالِ الأَمانِ والسَّلامِ قائلًا: "تَوَكَّلتُ على اللهِ". ويُسَلِّمُ أَعباءَه الثَّقيلةَ أَمانةً إلى يَدِ القُدرةِ للقَدِيرِ المُطلَقِ، ويَقطَعُ بذلك سَبِيلَ الدُّنيا مُطمَئِنَّ البالِ في سُهُولةٍ وراحةٍ حتَّى يَصِلَ إلى البَرزَخِ ويَستَرِيحَ، ومِن ثَمَّ يَستَطيعُ أن يَرتَفِعَ طائرًا إلى الجَنّةِ للدُّخُولِ إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ؛ أمَّا إذا تَرَك الإنسانُ التَّوَكُّلَ فلا يُفَوِّتُ التَّحلِيقَ والطَّيَرانَ إلى الجَنّةِ فحَسْبُ، بل ستَجذِبُه تلك الأَثقالُ إلى أَسفَلِ سافِلينَ.
فالإيمانُ إذًا يَقتَضي التَّوحِيدَ، والتَّوحِيدُ يَقُودُ إلى التَّسليمِ، والتَّسلِيمُ يُحَقِّقُ التَّوكُّلَ، والتَّوكُّلُ يُسَهِّلُ الطَّريقَ إلى سَعادةِ الدّارَينِ؛ ولا تَظُنَّنَّ أنَّ التَّوكُّلَ هو رَفضُ الأَسبابِ ورَدُّها كُلِّیيًّا، وإنَّما هو عِبارةٌ عنِ العِلمِ بأنَّ الأَسبابَ هي حُجُبٌ بيَدِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، يَنبَغي رِعايتُها ومُداراتُها، أمّا التَّشَبُّثُ بها أوِ الأَخذُ بها فهو نَوعٌ مِنَ الدُّعاءِ الفِعليِّ؛ فطَلَبُ المُسَبَّباتِ إذًا وتَرَقُّبُ النَّتائجِ لا يكُونُ إلَّا مِنَ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى، وأنَّ المِنّةَ والحَمدَ والثَّناءَ لا تَرجِعُ إلّا إلَيه وَحدَه.
إنَّ مَثَلَ المُتَوكِّلِ على اللهِ وغَيرَ المُتَوكِّلِ كَمَثَلِ رَجُلَينِ قاما بحَملِ أَعباءٍ ثَقيلةٍ حُمِّلَتْ على رَأسَيهِما وعاتِقَيهِما، فقَطَعا التَّذاكِرَ وصَعِدا سَفِينةً عَظِيمةً، فوَضَعَ أَحَدُهُما ما على كاهِلِه حالَما دَخَل السَّفينةَ وجَلَسَ علَيه يَرقُبُه، أمّا الآخَرُ فلم يَفعَلْ مِثلَه لِحَماقَتِه وغُرُورِه، فقيل له: "ضَعْ عنك حِمْلَكَ الثَّقيلَ لِتَرتاحَ مِن عَنائِك!"، فقال: "كلَّا، إنّي لَستُ فاعِلًا ذاك مَخافةَ الضَّياعِ، فأنا على قُوّةٍ لا أَعبَأُ بحِملي، وسأَحتَفِظُ بما أَملِكُه فَوقَ رَأسي وعلى ظَهرِي".
— 397 —
فقيلَ له ثانيةً: "ولكِن أيُّها الأَخُ إنَّ هذه السَّفِينةَ السُّلطانيّةَ الأَمينةَ الَّتي تُؤوِينا وتَجرِي بنا هي أَقوَى وأَصلَبُ عُودًا مِنّا جَميعًا، وبإمكانِها الحِفاظُ علَينا وعلى أَمتِعَتِنا أَكثَرَ مِن أَنفُسِنا، فرُبَّما يُغمَى علَيك فتَهوِي بنَفسِك وأَمتِعَتِك في البَحرِ، فَضلًا عن أنَّك تَفقِدُ قُوَّتَك رُوَيدًا رُوَيدًا، فكاهِلُك الهَزِيلُ هذا وهامَتُك الخَرقاءُ هذه لن يَسَعَهُما بَعدُ حَمْلُ هذه الأَعباءِ الَّتي تَتَزايدُ رَهَقًا، وإذا رَآك رُبَّانُ السَّفينة على هذه الحالةِ فسيَظُنُّك مُصابًا بمَسٍّ مِنَ الجُنُونِ وفاقِدًا للوَعْيِ، فيَطْرُدُك ويَقذِفُ بكَ خارِجًا، أو يَأمُرُ بإلقاءِ القَبضِ علَيك ويُودِعُك السِّجنَ قائلًا: إنَّ هذا خائنٌ يَتَّهِمُ سفِينَتَنا ويَستَهزِئُ بنا. وستُصبِحُ أُضحُوكةً للنّاسِ، لأنَّك بإِظهارِك التَّكَبُّرَ الَّذي يُخفي ضَعْفًا یی كما يَراه أَهلُ البَصائرِ یی وبغُرُورِك الَّذي يَحمِلُ عَجْزًا، وبتَصَنُّعِك الَّذي يُبطِنُ رِياءً وذِلّةً، قد جَعَلتَ مِن نَفسِك أُضحُوكةً ومَهزَلةً.. ألا تَرَى أنَّ الكُلَّ باتُوا يَضحَكُون مِنك ويَستَصغِرُونك..!".
وبَعدَما سَمِع كلَّ هذا الكَلامِ عادَ ذلك المِسكِينُ إلى صَوابِه، فوَضَع حِمْلَه على أَرضِ السَّفِينةِ وجَلَسَ علَيه وقالَ: "الحَمدُ للهِ.. لِيَرضَ اللهُ عنك كلَّ الرِّضَى، فلقد أَنقَذْتَني مِنَ التَّعَب والهَوانِ، ومِنَ السِّجنِ والسُّخرِيةِ".
فيا أيُّها الإنسانُ البَعيدُ عنِ التَّوكُّلِ.. ارجِعْ إلى صَوابِك وعُدْ إلى رُشدِك كهذا الرُّجُل، وتَوَكَّلْ على الله لِتَتَخلَّصَ مِنَ الحاجةِ والتَّسَوُّلِ مِنَ الكائناتِ، ولِتَنجُوَ مِنَ الِارتِعادِ والهَلَعِ أمامَ الحادِثاتِ، ولِتُنقِذَ نَفسَك مِنَ الرِّياءِ والِاستِهزاءِ، ومِنَ الشَّقاءِ الأَبَديِّ، ومِن أَغلالِ مُضايَقاتِ الدُّنيا.

النُّقطة الرابعة

إنَّ الإيمانَ يَجعَلُ الإنسانَ إنسانًا حَقًّا، بل يَجعَلُه سُلطانًا، لِذا كانَت وَظِيفتُه الأَساسُ الإيمانَ باللهِ تَعالَى والدُّعاءَ إلَيه؛ بَينَما الكُفرُ يَجعَلُ الإنسانَ حَيَوانًا مُفتَرِسًا في غايةِ العَجْزِ.
وسنُورِدُ هنا دَليلًا واضِحًا وبُرهانًا قاطِعًا مِن بينِ آلافِ الدَّلائلِ على هذه المَسأَلةِ، وهو: التَّفاوُتُ والفُرُوقُ بينَ مَجِيءِ الحَيَوانِ والإنسانِ إلى دارِ الدُّنيا.
— 398 —
نعم، إنَّ التَّفاوُتَ بينَ مَجِيءِ الحَيَوانِ والإنسانِ إلى هذه الدُّنيا يَدُلُّ على أنَّ اكتِمالَ الإنسانيّةِ وارتِقاءَها إلى الإنسانيّةِ الحَقّةِ إنَّما هو بالإيمانِ وَحدَه؛ وذلك لأنَّ الحَيَوانَ حِينَما يأتي إلى الدُّنيا يأتي إلَيها كأنَّه قدِ اكتَمَلَ في عالَمٍ آخَرَ، فيُرسَلُ إلَيها مُتَكامِلًا حَسَبَ استِعدادِه، فيَتَعلَّمُ في ظَرْفِ ساعَتَينِ أو يَومَينِ أو شَهرَينِ جَميعَ شَرائطِ حَياتِه وعَلاقاتِه بالكائناتِ الأُخرَى وقَوانينِ حَياتِه، فتَحصُلُ لَدَيه مَلَكةٌ، فيَتَعلَّمُ العُصفُورُ أوِ النَّحلةُ یی مَثلًا یی القُدرةَ الحَياتيّةَ والسُّلُوكَ العَمَليَّ عن طَرِيقِ الإلهامِ الرَّبّانِيِّ وهِدايَتِه سُبحانَه؛ ويَحصُلُ في عِشرِين يَومًا على ما لا يَتَعلَّمُه الإنسانُ إلّا في عِشرِين سنةً.. إذًا الوَظِيفةُ الأَساسُ للحَيَوانِ لَيسَتِ التَّكَمُّلَ والِاكتِمالَ بالتَّعَلُّمِ، ولا التَّرَقِّيَ بكَسْبِ العِلمِ والمَعرِفةِ، ولا الِاستِعانةَ والدُّعاءَ بإظهارِ العَجزِ؛ وإنَّما وَظِيفتُه الأَصلِيّةُ: العَمَلُ حَسَبَ استِعدادِه، أي: العُبُودِيّةُ الفِعلِيّةُ.
أمّا الإنسانُ فعلى العَكسِ مِن ذلك تَمامًا، فهو عِندَما يَقْدَمُ إلى الدُّنيا يَقدَمُها وهو مُحتاجٌ إلى تَعَلُّمِ كلِّ شيءٍ وإدراكِه؛ إذ هو جاهِلٌ بقَوانينِ الحَياةِ كافّةً جَهْلًا مُطبِقًا، حتَّى إنَّه قد لا يَستَوعِبُ شَرائطَ حَياتِه خِلالَ عِشرِين سنةً، بل قد يَبقَى مُحتاجًا إلى التَّعَلُّمِ والتَّفَهُّمِ مَدَى عُمُرِه؛ فَضْلًا عن أنَّه يُبعَثُ إلى الحَياةِ وهو في غايةِ الضَّعْفِ والعَجْزِ، حتَّى إنَّه لا يَتَمكَّنُ مِنَ القِيامِ مُنتَصِبًا إلّا بعدَ سنَتَينِ مِن عُمُرِه، ولا يَكادُ يُميِّیزُ النَّفعَ مِنَ الضَّرِّ إلّا بعدَ خَمسَ عَشْرةَ سنةً، ولا يُمكِنُه أن يُحَقِّقَ لِنَفسِه مَنافِعَ حَياتِه ومَصالِحَها ولا دَفْعَ الضَّرَرِ عنها إلّا بالتَّعاوُنِ والِانخِراطِ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ البَشَريّةِ.
يَتَّضِحُ مِن هذا أنَّ وَظِيفةَ الإنسانِ الفِطرِيّةَ إنَّما هي التَّیكَمُّلُ بی"التَّعَلُّمِ" أي: التَّرَقِّي عن طَريقِ كَسْبِ العِلمِ والمَعرِفةِ، والدُّعاءِ والعُبُودِيّةِ، أي: أن يُدرِكَ بنَفسِه ويَستَفسِرَ: "برَحمةِ مَن وشَفَقَتِه أُدارَى بهذه الرِّعايةِ الحَكِيمةِ؟! وبمَكْرُمةِ مَن وسَخائِه أُرَبَّى هذه التَّربيةَ المُفعَمةَ بالشَّفَقةِ والرَّحمةِ؟! وبأَلطافِ مَن وبجُودِه أُغَذَّى بهذه الصُّورةِ الرّازِقةِ الرَّقيقةِ؟!". فيَرَى أنَّ وَظِيفتَه حَقًّا هي الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ والتَّوَسُّلُ والرَّجاءُ بلِسانِ الفَقرِ والعَجْزِ إلى قاضي الحاجاتِ لِيَقضِيَ له طَلَباتِه وحاجاتِه الَّتي لا تَصِلُ يَدُه إلى واحِدةٍ مِنَ الأَلفِ مِنها.. وهذا يعني أنَّ وَظيفَتَه الأَساسَ هي التَّحليقُ والِارتِفاعُ بجَناحَيِ "العَجْزِ والفَقْرِ" إلى مَقامِ العُبُوديّةِ السّامي.
— 399 —
إذًا فلقد جِيء بهذا الإنسانِ إلى هذا العالَمِ لِأَجلِ أن يَتَكامَلَ بالمَعرِفةِ والدُّعاءِ، لأنَّ كلَّ شيءٍ فيه مُوَجَّهٌ إلى العِلمِ، ومُتَعلِّقٌ بالمَعرِفةِ حَسَبَ الماهِيّةِ والِاستِعدادِ؛ فأَساسُ كلِّ العُلُومِ الحَقيقيّةِ ومَعدِنُها ونُورُها ورُوحُها هو "مَعرِفةُ اللهِ تَعالَى"، كما أنَّ أُسَّ هذا الأَساسِ هو «الإيمانُ باللهِ جلَّ وعَلا».
وحيثُ إنَّ الإنسانَ مُعَرَّضٌ لِما لا يُحصَى مِن أَنواعِ البَلايا والمَصائبِ ومُهاجَمةِ الأَعداءِ معَ ما يَحمِلُ مِن عَجْزٍ مُطلَقٍ، وله مَطالِبُ كَثيرةٌ وحاجاتٌ عَدِيدةٌ مع أنَّه في فَقْرٍ مُدقِعٍ لا نِهايةَ له؛ لِذا تكُونُ وَظيفَتُه الفِطرِيّةُ الأَساسُ «الدُّعاءَ» بعدَ الإيمانِ، وهو أَساسُ العِبادةِ ومُخُّها.. فكما يَلْجَأُ الطِّفلُ یی العاجِزُ عن تَحقيقِ مَرامِه أو تَنفيذِ رَغبَتِه بما لا تَصِلُ إلَيه يَدُه یی إلى البُكاءِ والعَوِيلِ، أو يَطلُبُ مَأمُولَه، أي: يدعو بلسان عجزه إمَّا قَولًا أو فِعلًا فيُوَفَّقُ إلى مَقصُودِه ذاك، كذلك الإنسانُ الَّذي هو أَلْطَفُ أَنواعِ الأَحياءِ وأَعجَزُها وأَفقَرُها وهو بمَنزِلةِ صَبِيٍّ ضَعِيفٍ لَطِيفٍ، فلا بُدَّ له مِن أن يَأوِيَ إلى كَنَفِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ والِانطِراحِ بينَ يَدَيهِ إمّا باكِيًا مُعَبِّیرًا عن ضَعفِه وعَجزِه، أو داعيًا بفَقرِه واحتِياجِه، حتى تُلَبَّى حاجَتُه وتُنفَّذَ رَغبَتُهُ؛ وعِندَئذٍ يكُونُ قد أَدَّى شُكرَ تلك الإغاثاتِ والتَّلبِياتِ والتَّسخِيراتِ.
وإلَّا فإذا قالَ بغُرُورٍ كالطِّفلِ الأَحمَقِ: "أنا أَتَمكَّنُ أن أُسَخِّرَ جَميعَ هذه الأَشياءِ وأَستَحوِذَ علَيها بأَفكاري وتَدبِيري" وهي الَّتي تَفُوقُ أُلُوفَ المَرّاتِ قُوَّتَه وطاقَتَه! فلَيس ذلك إلَّا كُفرانًا بنِعَمِ اللهِ تَعالَى، ومَعصِيةً كَبِيرةً تُنافي الفِطرةَ الإنسانيّةَ وتُناقِضُها، وسَبَبًا لِجَعْلِ نَفسِه مُستَحِقًّا لِعَذابٍ أَليمٍ.

النُّقطة الخامسة

كما أنَّ الإيمانَ يَقتَضِي «الدُّعاء» ، ويَجْعَلُهُ وَسِيلةً قاطِعةً ووَساطةً بينَ المُؤمِنِ ورَبِّه، وكما أنَّ الفِطرةَ الإنسانيّةَ تَتَلهَّفُ إلَيه بشِدّةٍ وشَوْقٍ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى أيضًا يَدعُو الإنسانَ إلى الأَمرِ نَفسِه بقَولِه: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، وبقَولِه تَعالَى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.
— 400 —
ولَعلَّك تقُولُ: "إنَّنا كَثِيرًا مّا نَدعُو اللهَ فلا يُستَجابُ لنا رَغمَ أنَّ الآيةَ عامّةٌ تُصَرِّحُ بأنَّ كلَّ دُعاءٍ مُستَجابٌ"!
الجَوابُ: إنَّ استِجابةَ الدُّعاءِ شيءٌ، وقَبُولَه شيءٌ آخَرُ؛ فكُلُّ دُعاءٍ مُستَجابٌ، إلَّا أنَّ قَبُولَه وتَنفِيذَ المَطلُوبِ نَفسِه مَنُوطٌ بحِكمةِ اللهِ سُبحانَه.
فمَثلًا: يَستَصرِخُ طِفلٌ عَليلٌ الطَّبِيبَ قائلًا: أيُّها الطَّبيبُ.. انظُرْ إلَيَّ وقُمْ بفَحْصِي. فيقُولُ الطَّبيبُ: أَمرُك يا صَغِيري. فيقُولُ الطِّفلُ: أَعطِني هذا الدَّواءَ. فالطَّبيبُ حِينَذاك إمَّا أن يُعطِيَه الدَّواءَ نفسَه، أو يُعطيَه دَواءً أَكثَرَ نَفعًا وأَفضلَ له، أو يَمنَعَ عنه العِلاجَ نِهائيًّا، وذلك حَسَبَ ما تَقتَضِيه الحِكمةُ والمَصلَحةُ.
وكذلك الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالَى یی ولَه المَثَلُ الأَعلَى یی فلِأَنَّه حَكِيمٌ مُطلَقٌ ورَقيبٌ حَسِيبٌ في كلِّ آنٍ، فهو سُبحانَه يَستَجِيبُ دُعاءَ العَبدِ، وباستِجابَتِه يُزِيلُ وَحْشَتَه القاتِمةَ وغُربَتَه الرَّهيبةَ، مُبَدِّلًا إيّاها أَمَلًا وأُنسًا واطمِئنانًا؛ وهو سُبحانَه إمّا أن يَقبَلَ مَطلَبَ العَبدِ ويَستَجِيبَ لِنَفسِ دُعائِه مُباشَرةً، أو يَمنَحَه أَفضَلَ مِنه، أو يَرُدَّه، وذلك حَسَبَ اقتِضاءِ الحِكمةِ الرَّبّانيّةِ، لا حَسَبَ أَهواءِ العَبدِ المُتَحَكِّمةِ وأَمانيِّه الفاسِدةِ.
وكذا، فالدُّعاءُ هو ضَرْبٌ مِنَ العُبُودِيّةِ، وثِمارُ العُبُودِيّةِ وفَوائدُها أُخرَوِيّةٌ؛ أمّا المَقاصِدُ الدُّنيَويّةُ فهي "أَوقاتُ" ذلك النَّوعِ مِنَ الدُّعاءِ والعِبادةِ، ولَيسَت غاياتِها.
فمَثلًا: صَلاةُ الِاستِسقاءِ نَوعٌ مِنَ العِبادةِ، وانقِطاعُ المَطَرِ هو وَقتُ تلك العِبادةِ، فلَيسَت تلك العِبادةُ وذلك الدُّعاءُ لِأَجلِ نُزُولِ المَطَرِ. فلو أُدِّيَتْ تلك العِبادةُ لِأَجلِ هذه النِّیيّةِ وَحدَها إذًا لَكانَت غيرَ حَرِيَّةٍ بالقَبُولِ، حيثُ لم تكُن خالِصةً لِوَجهِ اللهِ تَعالَى..
وكذا وَقتُ غُرُوبِ الشَّمسِ هو إعلانٌ عن صلاةِ المَغرِبِ، ووَقتُ كُسُوفِ الشَّمسِ وخُسُوفِ القَمَرِ هو وَقتُ صَلاةِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ. أي: إنَّ اللهَ سُبحانَه يَدعُو عِبادَه إلى نَوعٍ مِنَ العِبادةِ لِمُناسَبةِ انكِسافِ آيةِ النَّهارِ وانخِسافِ آيةِ اللَّيلِ اللَّتَينِ تُومِئانِ وتُعلِنانِ عَظَمتَه سُبحانَه.. وإلَّا فلَيسَت هذه العِبادةُ لِانجِلاءِ الشَّمسِ والقَمَرِ الَّذي هو مَعلُومٌ عِندَ الفَلَكيِّ..
— 401 —
فكما أنَّ الأَمرَ في هذا هكذا، فكذلك وَقتُ انحِباسِ المَطَرِ هو وَقتُ صَلاةِ الِاستِسقاءِ، وتَهافُتُ البَلايا وتَسَلُّطُ الشُّرُورِ والأَشياءِ المُضِرّةِ هو وَقتُ بعضِ الأَدعيةِ الخاصّةِ، حيثُ يُدرِكُ الإنسانُ حِينَئذٍ عَجْزَه وفَقْرَه فيَلُوذُ بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ إلى بابِ القَديرِ المُطلَقِ.. وإذا لم يَدفَعِ اللهُ سُبحانَه تلك البَلايا والمَصائبَ والشُّرُورَ مع الدُّعاءِ المُلِحِّ، فلا يُقالُ: إنَّ الدُّعاءَ لم يُستَجَبْ، بل يُقالُ: إنَّ وَقتَ الدُّعاءِ لم يَنقَضِ بَعدُ. وإذا ما رَفَع سُبحانَه بفَضلِه وكَرَمِه تلك البَلايا وكَشَفَ الغُمّةَ فقدِ انتَهَى وَقتُ الدُّعاءِ إذًا وانقَضَى.
وبهذا: فالدُّعاءُ سِرٌّ مِن أَسرارِ العُبُودِيّةِ، والعُبُودِيّةُ لا بُدَّ أن تكُونَ خالِصةً لِوَجهِ اللهِ، بأن يَأوِيَ الإنسانُ إلى ربِّه بالدُّعاءِ مُظهِرًا عَجْزَه، مع عَدَمِ التَّدَخُّلِ في إجراءاتِ رُبُوبيَّتِه، أو الِاعتِراضِ علَيها؛ وتَسليمُ الأَمرِ والتَّدبِيرِ كُلِّه إلَيه وَحدَه، معَ الِاعتِمادِ على حِكمَتِه مِن دُونِ اتِّهامٍ لرَحمَتِه ولا القُنُوطِ مِنها.
نعم، لقد ثَبَت بالآياتِ البَيِّناتِ أنَّه: مِثلَما أنَّ المَوجُوداتِ في وَضعِ تَسبِيحٍ للهِ تَعالَى، كلٌّ بتَسبِيحٍ خاصٍّ، في عِبادةٍ خاصّةٍ، في سُجُودٍ خاصٍّ، فكذلك تُرفَعُ أَدعِيةٌ مِن جَمِيعِ الكائِناتِ إلى كَنَفِ رَبٍّ عَظِيمٍ: إمّا عن طَرِيقِ "لِسانِ الِاستِعدادِ والقابِليّةِ"، كدُعاءِ جَميعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ قاطِبةً، حيثُ يَبتَغي كلُّ واحِدٍ مِنها مِنَ الفَيَّاضِ المُطلَقِ صُورةً مُعيَّنةً له فيها مَعانٍ لأَسمائِه الحُسنَى؛ أو عن طَريقِ "لِسانِ الحاجةِ الفِطرِيّةِ" كأَدعِيةِ جَميعِ أَنواعِ الأَحياءِ للحُصُولِ على حاجاتِها الضَّرُورِيّةِ الَّتي هي خارِجةٌ عن قُدرَتِها.
فيَطلُبُ كلُّ حَيٍّ مِنَ الجَوادِ المُطلَقِ بلِسانِ حاجَتِه الفِطرِيّةِ عَناصِرَ استِمرارِ وُجُودِه الَّتي هي بمَثابةِ رِزقِه، أو عن طَرِيقِ "لِسانِ الِاضطِرارِ"، كدُعاءِ المُضطَیرِّ الَّذي يَتَضرَّعُ تَضَرُّعًا كامِلًا إلى مَولاه وَراءَ الحُجُبِ، بل لا يَتَوجَّهُ إلَّا إلى رَبِّه الرَّحِيمِ الَّذي يُلَبِّي حاجَتَه ويَقبَلُ الْتِجاءَه.. فهذه الأَنواعُ الثَّلاثةُ مِنَ الدُّعاءِ مَقبُولةٌ إن لم يَطرَأْ علَيها ما يَجعَلُها غيرَ مَقبُولةٍ.
— 402 —
والنَّوعُ الرّابعُ مِنَ الدُّعاء، هو "دُعاؤُنا" المَعرُوفُ، فهو أيضًا نَوعانِ:
أحدُهما: دُعاءٌ فِعلِيٌّ وحاليٌّ. وثانيهما: دُعاءٌ قَلبيٌّ وقَوليٌّ.
فمَثلًا: الأَخذُ بالأَسبابِ هو دُعاءٌ فِعليٌّ، عِلمًا أنَّ اجتِماعَ الأَسبابِ ليس المُرادُ مِنه إيجادَ المُسَبَّبِ، وإنَّما هو لِاتِّخاذِ وَضعٍ مُلائمٍ ومُرْضٍ للهِ سُبحانَه لِطَلَبِ المُسَبَّبِ مِنه بلِسانِ الحالِ. حتَّى إنَّ الحِراثةَ بمَنزِلةِ طَرْقِ بابِ خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ؛ ونَظَرًا لِكَونِ هذا النَّوعِ مِنَ الدُّعاءِ الفِعلِيِّ مُوَجَّهٌ نحوَ اسمِ الجَوادِ المُطلَقِ وإلى عُنوانِه فهو مَقبُولٌ لا يُرَدُّ في أَكثَرِ الأَحيانِ.
أمّا القِسمُ الثاني: فهو الدُّعاءُ باللِّسانِ والقَلبِ، أي: طَلَبُ الحُصُولِ على المَطالِبِ والحاجاتِ الَّتي لا تَصِلُ إلَيها اليَدُ.. فأَهَمُّ جِهةٍ لهذا الدُّعاءِ وأَلطَفُ غاياتِه وأَلَذُّ ثَمَراتِه هو أنَّ الدّاعِيَ يُدرِكُ أنَّ هناك مَن يَسمَعُ خَواطِرَ قَلبِه، وتَصِلُ يَدُه إلى كلِّ شيءٍ، ومَن هو القادِرُ على تَلبِيةِ جَميعِ رَغَباتِه وآمالِه، ومَن يَرحَمُ عَجْزَه ويُواسِي فَقْرَه.
فيا أيُّها الإنسانُ العاجِزُ الفَقيرُ.. إيّاك أن تَتَخلَّى عن مِفتاحِ خَزِينةِ رَحمةٍ واسِعةٍ ومَصدَرِ قُوّةٍ مَتينةٍ، ألا وهو الدُّعاءُ، فتَشَبَّثْ به لِتَرتَقِيَ إلى أَعلَى عِلِّيِّي الإنسانيةِ، واجعَلْ دُعاءَ الكائناتِ جُزءًا مِن دُعائِك، ومِن نَفسِك عَبدًا كُلِّیيًّا ووَكِيلًا عامًّا بقَولِك: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وكُن أَحسَنَ تَقوِيمٍ لِهذا الكَونِ.
— 403 —

المبحث الثاني

وهو عِبارةٌ عن خمسِ نِكاتٍ تَدُورُ حَولَ سَعادةِ الإنسانِ وشَقاوَتِه:
إنَّ الإنسانَ نَظَرًا لِكَونِه مَخلُوقًا في أَحسَنِ تَقوِيمٍ، ومَوهُوبًا بأَتَمِّ استِعدادٍ جامِعٍ، فإنَّه أُلقِيَ في مَيدانِ الِامتِحانِ هذا كي يَتَمكَّنَ مِن الدُّخُولِ ضِمنَ مَقاماتٍ ومَراتِبَ ودَرَجاتٍ ودَرَكاتٍ مَصفُوفةٍ، ابتِداءً مِن سِجِّينَ "أَسفَلِ سافِلينَ" إلى رِياضِ "أَعلَى عِلِّیيِّينَ"، فيَسمُو أو يَتَردَّى، ويَرقَى أو يَهوِي ضِمنَ دَرَجاتٍ مِنَ الثَّرَى إلى العَرشِ الأَعلَى، مِنَ الذَّرّةِ إلى المَجَرّةِ، إذ قد فُسِحَ المَجالُ أَمامَه للسُّلُوكِ في نَجدَينِ لا نِهايةَ لهما للصُّعُودِ والهُبُوطِ. وهكذا أُرسِلَ هذا الإنسانُ إلى الدُّنيا مُعجِزةَ قُدرةٍ، ونَتيجةَ خِلقةٍ، وأُعجُوبةَ صَنْعةٍ.
وسنُبيِّنُ هنا أَسرارَ هذا التَّرقِّي والعُرُوجِ الرّائعِ، أوِ التَّدَنِّي والسُّقُوطِ المُرعِبِ في "خَمسِ نِكاتٍ".

النُّكتة الأولى

إنَّ الإنسانَ مُحتاجٌ إلى أَكثَرِ أَنواعِ الكائناتِ، وهو ذُو عَلاقةٍ صَمِيميّةٍ معَها، فلقدِ انتَشَرَت حاجاتُه في كلِّ طَرَفٍ مِنَ العالَمِ، وامتَدَّتْ رَغَباتُه وآمالُه إلى حيثُ الأَبَدُ، فمِثلَما يَطلُبُ أُقحُوانةً يَطلُبُ أيضًا رَبِيعًا زاهِيًا فَسِيحًا، ومِثلَما يَرغَبُ في مَرْجٍ مُبهِجٍ يَرغَبُ أيضًا في الجَنّةٍ الأَبَديّةِ، ومِثلَما يَتَلهَّفُ لرُؤْيةِ مَحبُوبٍ له يَشتاقُ أيضًا ويَتُوقُ إلى رُؤيةِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ، ومِثلَما أنَّه مُحتاجٌ إلى فَتحِ بابِ غُرفةٍ لرُؤيةِ صَدِيقٍ حَمِيمٍ قابعٍ فيها، فهو مُحتاجٌ أيضًا إلى زِيارةِ عالَمِ البَرزَخِ الَّذي يَقبَعُ فيه تِسعٌ وتِسعُون بالمِئةِ مِن أَحبابِه وأَقرانِه، كما هو مُحتاجٌ إلى اللَّواذِ ببابِ القَديرِ المُطلَقِ الَّذي سيُغلِقُ بابَ
— 404 —
الكَونِ الواسِعَ ويَفتَحُ بابَ الآخِرةِ الزّاخِرةِ والمَحشُورةِ بالعَجائبِ، والَّذي سيَرفَعُ الدُّنيا ليَضَعَ مَكانَها الآخِرةَ إنقاذًا لهذا الإنسانِ المِسكِينِ مِن أَلَمِ الفِراقِ الأَبَديِّ.
لِذا فلا مَعبُودَ لِهذا الإنسانِ وهذا وَضْعُه، إلّا مَن بيَدِه مَقاليدُ الأُمُورِ كُلِّها، ومَن عِندَه خَزائنُ كلِّ شيءٍ، وهو الرَّقيبُ على كلِّ شيءٍ، وحاضِرٌ في كلِّ مَكانٍ، ومُنزَّهٌ مِن كلِّ مَكانٍ، ومُبَرَّأٌ مِنَ العَجزِ، ومُقَدَّسٌ مِنَ القُصُورِ، ومُتَعالٍ عنِ النَّقصِ، وهو القادِرُ ذُو الجَلالِ، وهو الرَّحيمُ ذُو الجَمالِ، وهو الحَكِيمُ ذُو الكَمالِ؛ ذلك لأنَّه لا يَستَطِيعُ أَحَدٌ تَلبِيةَ حاجاتِ إنسانٍ بآمالٍ ومَطامِحَ غيرِ مَحدُودةٍ إلّا مَن له قُدرةٌ لا نِهايةَ لها وعِلمٌ مُحِيطٌ شامِلٌ لا حُدُودَ له، فإذاً لا يَستَحِقُّ العِبادةَ إلّا هو.
فيا أيُّها الإنسانُ.. إذا آمَنتَ باللهِ وَحدَه وأَصبَحتَ عبدًا له وَحدَه، فُزْتَ بمَوقِع مَرمُوقٍ فوقَ جَميعِ المَخلُوقاتِ؛ أمَّا إذا استَنكَفْتَ مِنَ العُبُودِيّةِ وتَجاهَلْتَها فسوف تكُونُ عَبْدًا ذَليلًا أمامَ المَخلُوقاتِ العاجِزةِ، وإذا ما تَباهَيتَ بقُدرَتِك وأَنانيَّتِك، وتَخَلَّيتَ عنِ الدُّعاءِ والتَّوكُّلِ، وتَكبَّرتَ وزِغتَ عن طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ، فستكُونُ أَضعَفَ مِنَ النَّملةِ والنَّحلةِ مِن جِهةِ الخَيرِ والإيجادِ، بل أَضعَفَ مِنَ الذُّبابةِ والعَنكَبُوتِ، وستكُونُ أَثقَلَ مِنَ الجَبَلِ وأَضَرَّ مِنَ الطّاعُونِ مِن جِهةِ الشَّرِّ والتَّخرِيبِ.
نعم، أيُّها الإنسانُ.. إنَّ فيك جِهَتَينِ:
الأُولى: جِهةُ الإيجادِ والوُجُودِ والخَيرِ والإيجابيّةِ والفِعلِ.
والأُخرَى: جِهةُ التَّخرِيبِ والعَدَمِ والشَّرِّ والسَّلبيّةِ والِانفِعالِ.
فعلى اعتِبارِ الجِهةِ الأُولَى (جِهةِ الإيجادِ) فإنَّك أَقَلُّ شَأنًا مِنَ النَّحلةِ والعُصفُورِ، وأَضعَفُ مِنَ الذُّبابةِ والعَنكَبُوتِ؛ أمَّا على اعتِبارِ الجِهةِ الثّانيةِ (جِهةِ التَّخرِيبِ) فبِاستِطاعَتِك أن تَتَجاوَزَ الأَرضَ والجِبالَ والسَّماواتِ، وبوُسعِكَ أن تَحمِلَ على عاتِقِك ما أَشفَقْنَ مِنه فتَكسِبَ دائرةً أَوسَعَ ومَجالًا أَفسَحَ، لأنَّك عِندَما تقُومُ بالخَيرِ والإيجادِ فإنَّك تَعمَلُ على سَعةِ طاقَتِك وبقَدْرِ جُهدِك وبمَدَى قُوَّتِك، أمّا إذا قُمتَ بالإساءةِ والتَّخرِيبِ، فإنَّ إساءَتَكَ تَتَجاوَزُ وتَستَشرِي، وإنَّ تَخرِيبَك يَعُمُّ ويَنتَشِرُ.
— 405 —
فمَثلًا: الكُفرُ إساءةٌ وتَخرِيبٌ وتَكذِيبٌ، ولكِنَّ هذه السَّيِّئةَ الواحِدةَ تُفضِي إلى تَحقِيرِ جَميعِ الكائناتِ وازدِرائِها واستِهجانِها، وتَتَضمَّنُ أيضًا تَزيِيفَ جَميعِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى وإنكارَها، وتَتَمخَّضُ كذلك عن إهانةِ الإنسانيّةِ وتَرذِيلِها؛ ذلك لأنَّ لهذه المَوجُوداتِ مَقامًا عاليًا رَفيعًا، ووَظِيفةً ذاتَ مَغزًى، حيثُ إنَّها مَكاتيبُ رَبّانيّةٌ، ومَرايا سُبحانيّةٌ، ومُوَظَّفاتٌ مَأمُوراتٌ إلٰهِيّةٌ.. فالكُفرُ فَضلًا عن إسقاطِه تلك المَوجُوداتِ مِن مَرتَبةِ التَّوظِيفِ ومَنزِلةِ التَّسخِيرِ ومُهِمّةِ العُبُودِيّةِ، فإنَّه كذلك يُرْدِيها إلى دَرْكِ العَبَثِ والمُصادَفةِ ولا يَرَى لها قِيمةً ووَزنًا بما يَعتَرِيها مِن زَوالٍ وفِراقٍ يُبدِّلانِ ويُفَسِّخانِ بتَخرِيبِهما وأَضرارِهما المَوجُوداتِ إلى مَوادَّ فانيةٍ تافِهةٍ عَقيمةٍ لا أَهَمِّيّةَ لها ولا جَدوَى مِنها؛ وهو في الوَقتِ نَفسِه يُنكِرُ الأَسماءَ الإلٰهِيّةَ ويَتَجاهَلُها، تلك الأَسماءَ الَّتي تَتَراءَى نُقُوشُها وتَجَلِّياتُها وجَمالاتُها في مَرايا جَميعِ الكائناتِ.
حتَّى إنَّ ما يُطلَقُ علَيه: «الإنسانيّةُ» الَّتي هي قَصِيدةٌ حَكِيمةٌ مَنظُومةٌ تُعلِنُ إعلانًا لَطِيفًا جَميعَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ القُدسِيّةِ، وهي مُعجِزةُ قُدرةٍ باهِرةٍ جامِعةٍ كالنَّواةِ لِأَجهِزةِ شَجَرةٍ دائمةٍ باقيةٍ؛ هذه «الإنسانيّةُ» يَقذِفُها الكُفرُ مِن صُورَتِها الحَيّةِ الَّتي تَفَوَّقَتْ بها على الأَرضِ والجِبالِ والسَّماواتِ بما أَخَذَتْ على عاتِقِها مِنَ الأَمانةِ الكُبْرَى وفُضِّلَتْ على المَلائكةِ وتَرَجَّحَت علَيها حتَّى أَصبَحَت صاحِبةَ مَرتَبةِ خِلافةِ الأَرضِ... يَقذِفُها مِن هذه القِمّةِ السّامِيةِ العاليةِ إلى دَرَكاتٍ هي أَذَلُّ وأَدنَى مِن أيِّ مَخلُوقٍ ذَليلٍ فانٍ عاجِزٍ ضَعِيفٍ فَقِيرٍ، بل يُردِيها إلى دَرْكةِ أَتفَهِ الصُّوَرِ القَبيحةِ الزّائلةِ سَرِيعًا.
وخُلاصةُ القَولِ: إنَّ النَّفسَ الأَمّارةَ بإمكانِها اقتِرافُ جِنايةٍ لا نِهايةَ لها في جِهةِ الشَّرِّ والتَّخرِيبِ، أمّا في الخَيرِ والإيجادِ فإنَّ طاقَتَها مَحدُودةٌ وجُزئيّةٌ؛ إذِ الإنسانُ يَستَطِيعُ هَدْمَ بَيتٍ في يومٍ واحِدٍ، إلّا أنَّه لا يَستَطِيعُ أن يُشَيِّدَه في مِئةِ يومٍ، أمّا إذا تَخَلَّى الإنسانُ عنِ الأَنانيّةِ، وطَلَبَ الخَيرَ والوُجُودَ مِنَ التَّوفيقِ الإلٰهِيِّ، وأَرْجَعَ الأَمرَ إلَيه، وابتَعَد عنِ الشَّرِّ والتَّخرِيبِ، وتَرَك اتِّباعَ هَوَى النَّفسِ، فاكتَمَلَ عَبدًا للهِ تَعالَى تائبًا مُستَغفِرًا، ذاكِرًا له سُبحانَه، فسيَكُونُ مَظهَرًا للآيةِ الكَرِيمةِ: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، فتَنقَلِبُ القابِليّةُ العُظمَى عِندَه للشَّرِّ إلى قابِليّةٍ عُظمَى للخَيرِ، ويَكتَسِبُ قيمةَ "أَحسَنِ تَقوِيمٍ"، فيُحَلِّقُ عاليًا إلى أَعلَى عِلِّیيِّينَ.
— 406 —
أيُّها الإنسانُ الغافِلُ.. انظُر إلى فَضلِ الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى وكَرَمِه، ففي الوَقتِ الَّذي تَقتَضِي العَدالةُ أن يَكتُبَ السَّيِّئةَ مِئةَ سَيِّئةٍ ويَكتُبَ الحَسَنةَ حَسَنةً واحِدةً أو لا يَكتُبَها، فهو یی جَلَّت قُدرَتُه یی يَكتُبُ السَّيِّئةَ سَيِّئةً واحِدةً والحَسَنةَ يَزِنُها بعَشرِ أَمثالِها أو بسَبعِينَ أو بسَبعِ مِئةٍ أو بسَبعةِ آلافِ أَمثالِها.
فافْهَمْ مِن هذه النُّكتةِ أنَّ الدُّخُولَ في جَهَنَّمَ هو جَزاءُ عَمَلٍ وهو عَينُ العَدالةِ، وأمّا دُخُولُ الجَنّةِ فهو فَضْلٌ إلٰهِيٌّ مَحْضٌ ومَكرُمةٌ خالِصةٌ، ومَرحَمةٌ بَحتةٌ.

النُّكتة الثانية

في الإنسانِ وَجهانِ:
الأولُ: جِهةُ الأَنانيّةِ المَقصُورةِ على الحَياةِ الدُّنيا.
والآخَرُ: جِهةُ العُبُودِيّةِ المُتَوَجِّهةِ إلى الحَياةِ الأَبَديّةِ.
فهو على اعتِبارِ الوَجهِ الأَوَّلِ مَخلُوقٌ مِسكِينٌ، إذ رَأسُ مالِه مِنَ الإرادةِ الجُزئيّةِ جُزءٌ ضَئِيلٌ كالشَّعرةِ، وله مِنَ الِاقتِدارِ كَسْبٌ ضَعِيفٌ، وله مِنَ الحَياةِ شُعلةٌ لا تَلبَثُ أن تَنطَفِئَ، وله مِنَ العُمُرِ مُدّةٌ عابِرةٌ خاطِفةٌ، وله مِنَ الوُجُودِ جِسمٌ يَبلَى بسُرعةٍ؛ ومع هذا فالإنسانُ فَردٌ لَطِيفٌ رَقيقٌ ضَعيفٌ مِن بينِ الأَفرادِ غيرِ المَحدُودةِ والأَنواعِ غيرِ المَعدُودةِ المُتَراصّةِ في طَبَقاتِ الكائناتِ.
أمّا على اعتِبارِ الوَجهِ الثّاني وخاصّةً مِن حيثُ العَجزُ والضَّعفُ المُتَوجِّهانِ إلى العُبُودِيّةِ، فهو يَتَمتَّعُ بفُسحةٍ واسِعةٍ، وأَهَمِّيّةٍ عَظِيمةٍ جِدًّا، لأنَّ الفاطِرَ الحَكِيمَ قد أَودَعَ في ماهِيَّتِه المَعنَوِيّةِ عَجْزًا عَظِيمًا لا نِهايةَ له، وفَقْرًا جَسِيمًا لا حَدَّ له، وذلك ليكُونَ مِرآةً واسِعةً جامِعةً جِدًّا للتَّجَلِّياتِ غيرِ المَحدُودةِ «للقَدِيرِ الرَّحيمِ» الَّذي لا نِهايةَ لقُدرَتِه ورَحمَتِه، و «للغَنيِّ الكَريمِ» الَّذي لا مُنتَهَى لغِناه وكَرَمِه.
نعم، إنَّ الإنسانَ يُشبِهُ البِذرةَ، فلقد وُهِبَت للبِذرةِ أَجهِزةٌ مَعنَوِيّةٌ مِن لَدُنِ «القُدرة» ، وأُدرِجَت فيها خُطّةٌ دَقيقةٌ ومُهِمّةٌ جِدًّا مِن لَدُنِ «القَدَر» ، لتَتَمكَّنَ مِنَ العَمَلِ داخِلَ التُّربةِ،
— 407 —
مِنَ النُّمُوِّ والتَّرَعرُعِ والِانتِقالِ مِن ذلك العالَمِ المُظلِمِ الضَّيِّقِ إلى عالَمِ الهَواءِ الطَّليقِ والدُّنيا الفَسِيحةِ، وأَخيرًا التَّوَسُّلِ والتَّضَرُّعِ لخالِقِها بلِسانِ الِاستِعدادِ والقابِليّاتِ لكي تَصِيرَ شَجَرةً، والوُصُولِ إلى الكَمالِ اللّائقِ بها، فإذا قامَت هذه البِذرةُ بجَلْبِ المَوادِّ المُضِرّةِ بها، وصَرفِ أَجهِزَتِها المَعنَوِيّةِ الَّتي وُهِبَت لها إلى تلك المَوادِّ الَّتي لا تَعنِيها بشيءٍ، وذلك لِسُوءِ مِزاجِها وفَسادِ ذَوقِها، فلا شَكَّ أنَّ العاقبةَ تكُونُ وَخِيمةً جدًّا؛ إذ لا تَلبَثُ أن تَتَعفَّنَ دُونَ فائدةٍ، وتَبلَى في ذلك المَكانِ الضَّيِّقِ؛ أمّا إذا أَخضَعَتْ أَجهِزَتَها المَعنَويّةَ لِتَتَمثَّل أَمرَ: فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى التَّكوِينيَّ وأَحسَنَتِ استِعمالَها، فإنَّها ستَنبَثِقُ مِن عالَمِها الضَّيِّقِ لِتَكتَمِلَ شَجَرةً مُثمِرةً باسِقةً، ولِتأخُذَ حَقيقتُها الجُزئيّةُ ورُوحُها المَعنَويّةُ الصَّغيرةُ صُورَتَها الحَقيقيّةَ الكُلِّیيَّةَ الكَبِيرةَ.
فكما أنَّ البِذرةَ هكذا فالإنسانُ كذلك، فقد أُودِعَتْ في ماهِيَّتِه أَجهِزةٌ مُهِمّةٌ مِن لَدُنِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، ومُنِحَ بَرامِجَ دَقيقةً وثَمِينةً مِن لَدُنِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ؛ فإذا أَخطَأ هذا الإنسانُ التَّقدِيرَ والِاختِيارَ، وصَرَف أَجهِزَتَه المَعنويةَ تحتَ ثَرَى الحَياةِ الدُّنيا وفي عالَمِ الأَرضِ الضَّيِّقِ المَحدُودِ، إلى هَوَى النَّفسِ، فسوف يَتَعفَّنُ ويَتَفسَّخ كتلك البِذرةِ المُتَعفِّنةِ، لِأَجلِ لَذّةٍ جُزئيّةٍ ضِمنَ عُمُرٍ قَصِيرٍ وفي مكانٍ مَحصُورٍ وفي وَضعٍ مُتَأَزِّمٍ مُؤلِمٍ، وستَتَحمَّلُ رُوحُه المِسكِينةُ تَبِعاتِ المَسؤُوليّةِ المَعنَوِيّةِ، فيَرحَلُ مِنَ الدُّنيا خائبًا خاسِرًا.
أمّا إذا رَبَّى الإنسانُ بِذرةَ استِعدادِه وسَقاها بماءِ الإسلامِ، وغَذّاها بضِياءِ الإيمانِ تحتَ تُرابِ العُبُودِيّةِ مُوَجِّهًا أَجهِزَتَه المَعنَوِيّةَ نحوَ غاياتِها الحَقيقيّةِ بامتِثالِ الأَوامِرِ القُرآنيّةِ.. فلا بُدَّ أنَّها ستَنشَقُّ عن أَوراقٍ وبَراعِمَ وأَغصانٍ تَمتَدُّ فُرُوعُها وتَتَفتَّحُ أَزاهِيرُها في عالَمِ البَرزَخِ، وتَتوَلَّدُ في عالَمِ الآخِرةِ وفي الجَنّةِ نِعَمًا وكَمالاتٍ لا حَدَّ لها، فيُصبِحُ الإنسانُ بِذرةً قيِّمةً حاوِيةً على أَجهِزةٍ جامِعةٍ لِحَقيقةٍ دائمةٍ ولِشَجَرةٍ باقيةٍ، ويَغدُو آلةً نَفيسةً ذاتَ رَونَقٍ وجَمالٍ، وثَمَرةً مُبارَكةً مُنَوَّرةً لِشَجَرةِ الكَونِ.
نعم، إنَّ السُّمُوَّ والرُّقيَّ الحَقيقيَّ إنَّما هو بتَوجيهِ القَلبِ، والسِّرِّ، والرُّوحِ، والعَقلِ، وحتَّى الخَيالِ وسائرِ القُوَى المَمنُوحةِ للإنسانِ، إلى الحَياةِ الأَبَديّةِ الباقيةِ،
— 408 —
واشتِغالِ كلٍّ مِنها بما يَخُصُّه ويُناسِبُه مِن وَظائفِ العُبُودِيّةِ. أمّا ما يَتَوهَّمُه أَهلُ الضَّلالةِ سُمُوًّا، مِنَ الِانغِماسِ في تَفاهاتِ الحَياةِ والتَّلَذُّذِ بمَلَذّاتِها الهابِطةِ، والِانكِبابِ على جُزئيّاتِ لَذّاتِها الفانيةِ دُونَ الِالتِفاتِ إلى جَمالِ الكُلِّيّاتِ ولَذائذِها الباقيةِ الخالِدة، مُسَخِّرِين القَلبَ والعَقلَ وسائرَ اللَّطائفِ الإنسانيّةِ تَحتَ إِمرةِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ، وتَسيِيرِها جَميعًا لِخِدْمَتِها، فإنَّ هذا لا يَعني رُقيًّا قطُّ، بل هو سُقُوطٌ وهُبُوطٌ وانحِطاطٌ.
ولقد رَأَيتُ هذه الحَقيقةَ في واقِعةٍ خَياليّةٍ كهذا المِثالِ:
دَخَلتُ في مَدِينةٍ عَظِيمةٍ، وَجَدتُ فيها قُصُورًا فَخمةً ودُورًا ضَخمةً، وكانَت تُقامُ أَمامَ القُصُورِ والدُّورِ حَفَلاتٌ ومَهرَجاناتٌ وأَفراحٌ تَجلِبُ الأَنظارَ كأنَّها مَسارِحُ ومَلاهٍ، فلها جاذِبيّةٌ وبَهرَجةٌ؛ ثمَّ أَمعَنتُ النَّظَرَ فإذا صاحِبُ القَصرِ واقِفٌ أَمامَ البابِ وهو يُداعِبُ كَلبَه ويُلاعِبُه، والنِّساءُ يَرقُصْنَ مع الشَّبابِ الغُرَباءِ، وكانَتِ الفَتَياتُ اليافِعاتُ يُنَظِّمْنَ أَلعابَ الأَطفالِ، وبَوَّابُ القَصرِ قدِ اتَّخَذَ طَوْرَ المُشرِفِ يقُودُ هذا الحَشْدَ. فأَدرَكتُ أنَّ هذا القَصرَ خالٍ مِن أَهلِه، وأنَّه قد عُطِّلَت فيه الوَظائفُ والواجِباتُ، فهؤلاء السّارِحُون مِن ذَوِيه السّادِرُون في غَيِّهم قد سَقَطَتْ أَخلاقُهم وماتَت ضَمائِرُهم وفَرَغَت عُقُولُهم وقُلُوبُهم، فأَصبَحُوا كالبَهائمِ يَهِيمُون على وُجُوهِهم ويَلعَبُون أَمامَ القَصرِ.
ثمَّ مَشَيتُ قَليلًا ففاجَأَني قَصرٌ آخَرُ: رَأَيتُ كَلبًا وَفِيًّا مُستَلقِيًا على عَتَبةِ بابِه، ومعَه بَوّابٌ شَهمٌ وَقُورٌ هادِئٌ، ولَيس أَمامَ القَصرِ ما يُثيرُ الِانتِباهَ، فتَعَجَّبتُ مِن هذا الهُدُوءِ والسَّكينةِ واستَغرَبتُ! واستَفسَرتُ عنِ السَّبَبِ، فدَخَلتُ القَصرَ فوَجَدتُه عامِرًا بأَهلِه، فهناك الوَظائفُ المُتَبايِنةُ والواجِباتُ المُهِمّةُ الدَّقيقةُ يُنجِزُها أَهلُ القَصرِ، كلٌّ في طابِقِه المُخَصَّصِ له في جَوٍّ مِنَ البَهاءِ والهَناءِ والصَّفاءِ بحيثُ يَبعَثُ في الفُؤادِ الفَرحةَ والبَهجةَ والسَّعادةَ؛ ففي الطّابِقِ الأَوَّلِ هناك رِجالٌ يَقُومُون بإدارةِ القَصرِ وتَدبِيرِ شُؤُونِه، وفي طابِقٍ أَعلَى هناك البَناتُ والأَولادُ يَتَعلَّمُون ويَتَدارَسُون، وفي الطّابِقِ الثّالثِ السَّيِّداتُ يَقُمنَ بأَعمالِ الخِياطةِ والتَّطرِيزِ ونَسجِ الزَّخارِفِ المُلَوَّنةِ والنُّقُوشِ الجَميلةِ على أَنواعِ المَلابِسِ؛ أمّا الطّابِقُ الأَخيرُ فهُناك صاحِبُ القَصرِ يَتَّصِلُ هاتِفِيًّا بالمَلِكِ لِتَأمِينِ الرّاحةِ
— 409 —
والسَّلامةِ والحَياةِ الحُرّةِ العَزِيزةِ المَرضِيّةِ لِأَهلِ القَصرِ، كلٌّ يُمارِسُ أَعمالَه حَسَبَ اختِصاصِه، ويُنجِزُ وَظائفَه اللّائِقةَ بمَكانَتِه المُلائِمةِ بكَمالِه ومَنزِلَتِه.
ونَظَرًا لِكَوني مَحجُوبًا عنهم فلم يَمنَعْني أَحَدٌ مِنَ التَّجَوُّلِ في أَنحاءِ القَصرِ، لِذا استَطلَعتُ الأُمُورَ بحُرِّيّةٍ تامّةٍ، ثمَّ غادَرتُ القَصرَ وتَجَوَّلتُ في المَدِينةِ، فرَأَيتُ أنَّها مُنقَسِمةٌ إلى هَذَينِ النَّوعَينِ مِنَ القُصُورِ والبِناياتِ، فسَأَلتُ عن سَبَبِ ذلك أيضًا فقِيلَ لي: "إنَّ النَّوعَ الأَوَّلَ مِنَ القُصُورِ الخاليةِ مِن أَهلِها والمُبَهرَجِ خارِجُها والمُزَيَّنةِ سُطُوحُها وأَفنِيَتُها، ما هي إلّا مَأْوَى أَئمّةِ الكُفرِ والضَّلالةِ؛ أمّا النَّوعُ الثّاني مِنَ القُصُورِ فهي مَساكِنُ أَكابِرِ المُؤمِنين مِن ذَوِي الغَيرةِ والشَّهامةِ والنَّخوةِ"، ثمَّ رَأَيتُ قَصْرًا في زاوِيةٍ مِن زَوايا المَدِينةِ مَكتُوبٌ علَيه اسمُ "سَعيدٍ"، فتَعَجَّبتُ، وعِندَما أَمعَنتُ النَّظَرَ أَبصَرتُ كأنَّ صُورَتي قد تَراءَت لي، فصَرَختُ مِن دَهشَتي واستَرْجَعتُ عَقْلي وأَفَقتُ مِن خَيالي.
وأُرِيدُ أن أُفَسِّرَ بتَوفيقِ اللهِ هذه الواقِعةَ الخَياليّةَ:
فتلكَ المَدِينةُ هي الحَياةُ الِاجتِماعيّةُ البَشَريّةُ، ومَدينةُ الحَضارةِ الإنسانيّةِ، وكلُّ قَصرٍ مِن تلك القُصُورِ عِبارةٌ عن إنسانٍ، أمّا أَهلُ القَصرِ فهم جَوارِحُ الإنسانِ كالعَينِ والأُذُنِ، ولَطائِفُه كالقَلبِ والسِّرِّ والرُّوحِ، ونَوازِعُه كالهَوَى والقُوّةِ الشَّهوانيّةِ والغَضَبيّةِ؛ وكلُّ لَطِيفةٍ مِن تلك اللَّطائفِ مُعَدّةٌ لِأَداءِ وَظِيفةِ عُبُودِيّةٍ مُعَيَّنةٍ، ولها لَذائِذُها وآلامُها؛ أمّا النَّفسُ والهَوَى والقُوّةُ الشَّهوانيّةُ والغَضَبيّةُ فهي بحُكْمِ البَوّابِ وبمَثابةِ الكَلبِ الحارِسِ.. فإخضاعُ تلك اللَّطائفِ السّامِيةِ إذًا لِأَوامِرِ النَّفسِ والهَوَى، وطَمْسُ وَظائفِها الأَصلِيّةِ لا شَكَّ يُعتَبَرُ سُقُوطًا وانحِطاطًا وليس تَرَقِّيًا وصُعُودًا.. وقِسْ أنت سائرَ الجِهاتِ علَيْها.

النُّكتة الثالثة

إنَّ الإنسانَ یی مِن جِهةِ الفِعلِ والعَمَلِ، وعلى أَساسِ السَّعيِ المادِّيِّ یی حَيَوانٌ ضَعيفٌ ومَخلُوقٌ عاجِزٌ، دائرةُ تَصَرُّفاتِه وتَمَلُّكِه في هذه الجِهةِ مَحدُودةٌ وضَيِّقةٌ، فهي على مَدِّ يَدِه القَصِيرةِ، حتَّى إنَّ الحَيَواناتِ الأَليفةَ الَّتي أُعطِيَ زِمامُها بيَدِ الإنسانِ قد
— 410 —
تَسَرَّبَ إلَيها مِن ضَعفِ الإنسانِ وعَجْزِه وكَسَلِه حِصّةٌ كَبِيرةٌ، فلَو قِيسَ مَثلًا الغَنَمُ والبَقَرُ الأَهلِيُّ بالغَنَمِ والبَقَرِ الوَحشِيِّ لَظَهَر فَرقٌ هائلٌ وبَونٌ شاسِعٌ.
إلَّا أنَّ الإنسانَ مِن جِهةِ الِانفِعالِ والقَبُولِ والدُّعاءِ والسُّؤالِ ضَيفٌ عَزِيزٌ كَرِيمٌ في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا، قدِ استَضافَه المَولَى الكَرِيمُ ضِيافةً كَرِيمةً، حتَّى فَتَح له خَزائنَ رَحمَتِه الواسِعةَ، وسَخَّرَ له خَدَمَه ومَصنُوعاتِه البَدِيعةَ غيرَ المَحدُودةِ، وهَيَّأَ لِتَنزُّهِه واستِجمامِه ومَنافِعِه دائرةً عَظِيمةً واسِعةً جِدًّا، نِصفُ قُطْرِها مَدُّ البَصَرِ، بل مَدُّ انبِساطِ الخَيالِ.
فإذا استَنَد الإنسانُ إلى أَنانيَّتِه وغُرُورِه واتَّخَذ الحَياةَ الدُّنيا غايةَ آمالِه، وكان جُهدُه وكَدُّه لِأَجلِ الحُصُولِ على لَذّاتٍ عاجِلةٍ في سَعيِه وَراءَ مَعِيشَتِه، فسوف يَغرَقُ في دائرةٍ ضَيِّقةٍ، ويَذهَبُ سَعيُه أَدراجَ الرِّياحِ، وستَشْهَدُ علَيه يومَ الحَشرِ جَميعُ الأَجهِزةِ والجَوارِحِ واللَّطائفِ الَّتي أُودِعَتْ فيه شاكِيةً ضِدَّه، ساخِطةً ثائِرةً علَيه؛ أمّا إذا أَدرَكَ أنَّه ضَيفٌ عَزِيزٌ، وتَحَرَّكَ ضِمنَ دائرةِ مَرضاةِ مَن نَزَل علَيه ضَيْفًا وهو الكَرِيمُ ذُو الجَلالِ، وصَرَفَ رَأسَ مالِ عُمُرِه ضِمنَ الدّائرةِ المَشرُوعةِ، فسوف يكُونُ نَشاطُه وعَمَلُه ضِمنَ دائرةٍ فَسِيحةٍ رَحْبةٍ جِدًّا تَمتَدُّ إلى الحَياةِ الأَبَديّةِ الخالِدةِ، وسيَعِيشُ سالِمًا آمِنًا مُطمَئِنًّا، ويَتَنفَّسُ الصُّعَداءَ ويَستَروِحُ، وبإمكانِهِ الصُّعُودُ والرُّقيُّ إلى أَعلَى عِلِّیيِّينَ، وسيَشهَدُ له في الآخِرةِ ما مَنَحَه اللهُ مِنَ الأَجهِزةِ والجَوارِحِ واللَّطائفِ.
نعم، إنَّ الأَجهِزةَ الَّتي زُرِعَت في الإنسانِ لَيسَت لِهذه الحَياةِ الدُّنيا التّافِهةِ، وإنَّما أُنعِمَ علَيه بها لِحَياةٍ باقيةٍ دائمةٍ، لها شَأْنُها وأَيُّ شَأنٍ؛ ذلك لِأَنَّنا إذا قارَنَّا بينَ الإنسانِ والحَيَوانِ نَرَى أنَّ الإنسانَ أَغنَى مِنَ الحَيَوانِ بكَثيرٍ مِن حَيثُ الأَجهِزةُ والآلاتُ بمَئةِ مَرّةٍ، ولكِنَّه مِن حيثُ لَذَّتُه وتَمَتُّعُه بالحَياةِ الدُّنيا أَفقَرُ مِنه بمِئةِ دَرَجةٍ، لأنَّ الإنسانَ يَجِدُ في كلِّ لَذّةٍ يَلْتَذُّ بها ويَتَذوَّقُها آثارَ آلافٍ مِنَ الآلامِ والمُنَغِّصاتِ؛ فهناك آلامُ الماضِي، ومَخاوِفُ المُستَقبَلِ، وهناك الآلامُ النّاتِجةُ مِن زَوالِ اللَّذّاتِ.. كلُّ ذلك يُفسِدُ علَيه مِزاجَه وأَذواقَه، ويُكَدِّرُ علَيه صَفْوَه ونَشْوَتَه، حيثُ يَتْرُكُ في لَذائِذِه أَثرًا للأَلَمِ، بَينَما الحَيَوانُ ليس كذلك، فهو يَتَلذَّذُ دُونَ أَلَمٍ، ويَتَذوَّقُ الأَشياءَ صافِيةً دُونَ تَكَدُّرٍ وتَعَكُّرٍ،
— 411 —
فلا تُعَذِّبُه آلامُ الماضِي ولا تُرهِبُه مَخاوِفُ المُستَقبَلِ، فيَعِيشُ مُرتاحًا ويَغفُو هانِئًا شاكِرًا خالِقَه حامِدًا له.
إذًا فالإنسانُ الَّذي خُلِقَ في "أَحسَنِ تَقوِيمٍ" إذا حَصَر فِكرَه في الحَياةِ الدُّنيا وَحدَها، فسيَهبِطُ ويَتَّضِعُ ويُصبِحُ أقلَّ شَأنًا بمِئةِ دَرَجةٍ مِن حَيَوانٍ كالعُصفُورِ وإن كانَ أَسمَى وأَتَمَّ مِنَ الحَيَوانِ مِن حيثُ رَأسُ مالِه بمِئةِ دَرَجةٍ.. ولقد وَضَّحتُ هذه الحَقيقةَ بمَثَلٍ أَورَدتُه في مَوضِعٍ آخَرَ، وسأُعيدُه هنا بالمُناسَبةِ:
إنَّ رَجُلًا مَنَح خادِمَه عَشرَ لَيراتٍ ذَهبِيّةٍ، وأَمَره أن يُفَصِّلَ لِنَفسِه حُلّةً مِن قِماشٍ مُعَيَّنٍ، وأَعطَى لِخادِمِه الآخَرِ أَلفَ لَيرةٍ ذَهبِيّةٍ، إلَّا أنَّه أَرفَقَ بالمَبلَغِ قائِمةً صَغيرةً فيها ما يَطلُبُه مِنه، ووَضَع المَبلَغَ والقائِمةَ في جَيبِ الخادِمِ، وبَعَثَهما إلى السُّوقِ؛ اشتَرَى الخادِمُ الأَوَّلُ حُلّةً أَنيقةً كامِلةً مِن أَفخَرِ الأَقمِشةِ البَدِيعةِ بعَشْرِ لَيراتٍ، أمَّا الخادِمُ الثّاني فقد قَلَّدَ الخادِمَ الأَوَّلَ وحَذا حَذْوَه، ومِن حَماقَتِه وسَخافةِ عَقْلِه لم يُراجِعِ القائِمةَ المَوجُودةَ لَدَيه، فدَفَع لِصاحِبِ مَحَلٍّ كلَّ ما عِندَه (أَلفَ لَيرةٍ)، وطَلَب مِنه حُلّةً أَنِيقةً كامِلةً، ولكنَّ البائِعَ غيرَ المُنصِفِ اختارَ له حُلّةً مِن أَردَأِ الأَنواعِ، وعِندَما قَفَل هذا الخادِمُ الشَّقِيُّ راجِعًا إلى سَيِّدِه، ووَقَف بينَ يَدَيه، عَنَّفَه سَيِّدُه أَشَدَّ التَّعنِيفِ وأنَّبَه أَقسَى التَّأنِيبِ وعَذَّبَه عَذابًا أَليمًا.
فالَّذي يَملِكُ أَدنَى شُعُورٍ وأَقلَّ فِطْنةٍ يُدرِكُ مُباشَرةً أنَّ الخادِمَ الثانِيَ الَّذي مُنِحَ أَلفَ لَيرةٍ لم يُرْسَل إلى السُّوقِ لِشِراءِ حُلّةٍ، وإنَّما للِاتِّجارِ في تِجارةٍ مُهِمّةٍ جِدًّا.
فكذلك الإنسانُ الَّذي وُهِبَت له هذه الأَجهِزةُ المَعنَوِيّةُ واللَّطائفُ الإنسانيّةُ الَّتي إذا ما قِيسَت كلُّ واحِدةٍ مِنها بما في الحَيَوانِ لَظَهَرتْ أنَّها أَكثَرُ انبِساطًا وأَكثَرُ مَدًى بمِئةِ مَرّةٍ.
فمَثلًا: أين عَينُ الإنسانِ الَّتي تُميِّیزُ جَميعَ مَراتِبِ الحُسنِ والجَمالِ؟ وأين حاسَّتُه الذَّوقيّةُ الَّتي تُميِّیزُ بينَ مُختَلِفِ المَطعُوماتِ بلَذائذِها الخاصّةِ؟ وأين عَقلُه الَّذي يَنفُذُ إلى قَرارةِ الحَقائقِ وإلى أَدَقِّ تَفاصِيلِها؟ وأين قَلبُه المُشتاقُ المُتَلهِّفُ إلى جَميعِ أَنواعِ
— 412 —
الكَمالِ؟ أين كلُّ هذه الأَجهِزةِ وأَمثالُها مِمّا في الآلاتِ الحَيَوانيّةِ البَسِيطةِ الَّتي قد لا تَنكَشِفُ إلَّا لِحَدِّ مَرتَبتَينِ أو ثَلاثٍ!! فيما عَدا الأَعمالَ الخاصّةَ المُناطةَ بجِهازٍ خاصٍّ في حَيَوانٍ مُعَيَّنٍ، والَّذي يُؤَدِّي عَمَلَه بشَكلٍ قد يَفضُلُ ما عِندَ الإنسانِ الَّذي ليس مِن مُهِمَّتِه مِثلُ هذه الأَعمالِ والوَظائفِ.
والسِّرُّ في وَفْرَةِ الأَجهِزةِ الَّتي مُنِحَت للإنسانِ وغِناها هو: أنَّ حَواسَّ الإنسانِ ومَشاعِرَه قدِ اكتَسَبَت قُوّةً ونَماءً وانكِشافًا وانبِساطًا أَكثَرَ، لِما يَملِكُ مِنَ الفِكرِ والعَقلِ، فقد تَبايَنَ كَثيرًا مَدَى استِقطابِ حَواسِّه، نَظَرًا لِتَبايُنِ احتِياجاتِه وكَثرَتِها، لِذا تَنَوَّعَت أَحاسِيسُه وتَعَدَّدَت مَشاعِرُه؛ ولِأَنَّه يَملِكُ فِطرةً جامِعةً فقد أَصبَحَ مِحْورًا لِآمالٍ ورَغَباتٍ عِدّةٍ، ومَدارًا للتَّوَجُّهِ إلى مَقاصِدَ شَتَّى؛ ونَظَرًا لِكَثرةِ وَظائفِه الفِطرِيّةِ فقدِ انفَرَجَت أَجهِزَتُه وتَوَسَّعَت.. وبسَبَبِ فِطرَتِه البَدِيعةِ المُهَيَّأةِ لِشَتَّى أَنواعِ العِبادةِ فقد مُنِحَ استِعدادًا جامِعًا لِبُذُورِ الكَمالِ، لِذا لا يُمكِنُ أن يُمنَحَ هذه الأَجهِزةَ الوَفيرةَ إلى هذه الدَّرَجةِ الكَثيفةِ لِتَحصِيلِ هذه الحَياةِ الدُّنيَويّةِ المُؤَقَّتةِ الفانيةِ فحَسْبُ، بل لا بُدَّ أنَّ الغايةَ القُصوَى لهذا الإنسانِ هي أن يَفِيَ بحَقِّ وَظائفِه المُتَطَلِّعةِ إلى مَقاصِدَ لا نِهايةَ لها، وأن يُعلِنَ عن عَجزِه وفَقرِه أَمامَ اللهِ تَعالَى بعُبُودِيَّتِه، وأن يَرَى بنَظَرِه الواسِعِ تَسبِيحاتِ المَوجُوداتِ، فيَشهَدَ على ذلك ويَطَّلِعَ على ما تُمِدُّه الرَّحمةُ الإلٰهِيّةُ مِن إنعامٍ وآلاءٍ فيَشكُرَ اللهَ علَيها، وأن يُعايِنَ مُعجِزاتِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ في هذه المَصنُوعاتِ فيَتَفكَّرَ فيها ويَتَأمَّلَ ويَنظُرَ إلَيها نَظَرَ العِبرةِ والإعجابِ.
فيا عابِدَ الدُّنيا وعاشِقَ الحَياةِ الفانيةِ الغافِلَ عن سِرِّ "أَحسَنِ تَقوِيمٍ".. استَمِعْ إلى هذه الواقِعةِ الخَياليّةِ الَّتي تَتَمثَّلُ فيها حَقيقةُ حَياةِ الدُّنيا، تلك الواقِعةِ التَّمثِيليّةِ الَّتي رَآها "سَعِيدٌ القَدِيمُ" فحَوَّلَتْه إلى "سَعِيدٍ الجَدِيدِ" وهي: أنِّي رَأَيتُ نَفسِي كأنِّي أُسافِرُ في طَرِيقٍ طَوِيلةٍ، أي: أُرسَلُ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، وكان سيِّدي قد خَصَّص لي مِقدارَ ستِّين لَيرةً ذَهَبيّةً يَمنَحُني مِنها كلَّ يومٍ شيئًا، حتَّى دَخَلتُ إلى فُندُقٍ فيه مَلهًى، فطَفِقتُ أُبذِّرُ ما أَملِكُ، وهي عَشْرُ لَيراتٍ، في لَيلةٍ واحِدةٍ على مائِدةِ القِمارِ والسَّهَرِ في سَبِيلِ الشُّهرةِ
— 413 —
والإعجابِ، فأَصبَحتُ وأنا صِفرُ اليَدَينِ لم أتَّجِرْ بشَيءٍ، ولم آخُذْ شيئًا مِمّا سأَحتاجُ إلَيه في المَكانِ الَّذي أَقصِدُه، فلم أُوَفِّرْ لِنَفسِي سِوَى الآلامِ والخَطايا الَّتي تَرَسَّبَتْ مِن لَذّاتٍ غيرِ مَشرُوعةٍ، وسِوَى الجُرُوحِ والغُصَّاتِ والآهاتِ الَّتي تَرَشَّحَت مِن تلك السَّفاهاتِ والسَّفالاتِ..

وبَينَما أنا في هذه الحالةِ الكَئيبةِ الحَزِينةِ(8Uبائِسةِ، إذ تَمَثَّل أَمامي رَجُلٌ فقالَ: "أَنفَقتَ جَميعَ رَأسِ مالِك سُدًى، وصِرتَ مُستَحِقًّا للعِقابِ، وستَذهَبُ إلى البَلَدِ الَّذي تُرِيدُه خاوِيَ اليَدَينِ؛ فإن كُنتَ فَطِنًا وذا بَصِيرةٍ فبابُ التَّوبةِ مَفتُوحٌ لم يُغلَقْ بَعدُ، فبِإمكانِك أن تَدَّخِرَ نِصفَ ما تَحصُلُ علَيه مِمّا بَقِي لك مِنَ اللَّيراتِ الخَمْسَ عَشْرةَ لِتَشتَرِيَ بَعضًا مِمّا تَحتاجُ إلَيه في ذلك المَكانِ.." فاستَشَرتُ نَفسِي فإذا هي غيرُ راضِيةٍ بذلك، فقال الرَّجُلُ: "فادَّخِرْ إذًا ثُلُثَه". ولكن وَجَدتُ نَفسِي غيرَ راضِيةٍ بهذا أيضًا، فقال: "فادَّخِرْ رُبُعَه"، فرَأَيتُ نَفسِي لا تُرِيدُ أن تَدَع العادةَ الَّتي ابتُلِيَتْ بها، فأَدارَ الرَّجُلُ رَأسَه وأَدبَر في حِدّةٍ وغَيظٍ ومَضَى في طَرِيقِه.

ثمَّ رَأَيتُ كأَنَّ الأُمُورَ قد تَغَيَّرَت، فرَأَيتُ نَفسِي في قِطارٍ يَنطَلِقُ مُنحَدِرًا بسُرعةٍ فائقةٍ في داخِلِ نَفَقٍ تحتَ الأَرضِ، فاضْطَرَبتُ مِن دَهشَتي، ولكِن لا مَناصَ لي حيثُ لا يُمكِنُني الذَّهابُ يَمِينًا ولا شِمالًا، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّه كانَت تَبدُو على طَرَفَيِ القِطارِ أَزهارٌ جَمِيلةٌ جَذّابةٌ وثِمارٌ لَذِيذةٌ مُتَنوِّعةٌ، فمَدَدتُ يَدِي یی كالأَغبِياءِ یی نحوَها أُحاوِلُ قَطْفَ أَزهارِها والحُصُولَ على ثَمَراتِها، إلّا أنَّها كانَت بَعِيدةَ المَنالِ، الأَشواكُ فيها انغَرَزَتْ في يَدِي بمُجَرَّدِ مُلامَسَتِها فأَدْمَتْها وجَرَحَتْها، والقِطارُ كان ماضِيًا بسُرعةٍ فائقةٍ، فآذَيتُ نَفسِي مِن دُونِ فائدةٍ تَعُودُ علَيَّ، فقال أَحَدُ مُوَظَّفي القِطارِ: "أَعطِني خَمسةَ قُرُوشٍ لِأَنتَقِيَ لك الكَمِيّةَ المُناسِبةَ الَّتي تُرِيدُها مِن تلك الأَزهارِ والأَثمارِ، فإنَّك تَخسَرُ بجُرُوحِك هذه أَضعافَ أَضعافِ ما تَحصُلُ علَيه بخَمسةِ قُرُوشٍ، فَضْلًا عن أنَّ هناك عِقابًا على صَنِيعِك هذا، حيثُ إنَّك تَقطِفُها مِن غيرِ إذنٍ"، فاشتَدَّ علَيَّ الكَرْبُ في تلك الحالةِ.
— 414 —
فنَظَرتُ أَتَطَلَّعُ مِنَ النّافِذةِ إلى الأَمامِ لِأَتعَرَّفَ إلى نِهايةِ النَّفَقِ، فرَأَيتُ أنَّ هناك نَوافِذَ كَثيرةً وثُغُورًا عِدّةً قد حَلَّت مَحَلَّ نِهايةِ النَّفَقِ، وأنَّ مُسافِرِي القِطارِ يُقذَفُون خارِجًا مِنَ القِطارِ إلى تلك الثُّغُورِ والحُفَرِ، ورَأَيتُ أن ثَغْرًا يُقابِلُني أنا بالذّاتِ أُقِيمَ على طَرَفَيه حَجَرٌ أَشبَهُ ما يكُونُ بشَواهِدِ القَبْرِ، فنَظَرتُ إلَيها بكلِّ دِقّةٍ وإمعانٍ، فرَأَيتُ أنَّه قد كُتِبَ علَيهما بحُرُوفٍ كَبِيرةٍ اسمُ "سَعِيد"، فصَرَختُ مِن فَرَقي وحَيْرَتي: يا وَيلاه!! وآنَذاك سَمِعتُ صَوتَ ذلك الرَّجُلِ الَّذي أَطالَ علَيَّ النُّصْحَ في بابِ المَلهَى وهو يقُولُ: "هلِ استَرجَعْتَ عَقلَك يا بُنيَّ وأَفَقْتَ مِن سَكرَتِك؟" فقُلتُ: "نعم، ولكن بعدَ فَواتِ الأَوانِ، بعدَ أن خارَتْ قُوايَ ولَم يَبْقَ لي حَولٌ ولا قُوّةٌ". فقال: "تُبْ وتَوَكَّلْ" فقُلتُ: "قد فَعَلتُ". ثمَّ أَفَقْتُ وقدِ اختَفَى سَعيدٌ القَدِيمُ ورَأَيتُ نَفسِي سَعِيدًا جَدِيدًا.
ونَرجُو مِنَ اللهِ أن يَجَعَل هذه الواقِعةَ الخَياليّةَ خَيرًا، وسأُفَسِّرُ قِسمًا مِنها وعلَيك تَفسيرُ الباقي، وهو: أنَّ ذلك السَّفَرَ هو السَّفَرُ الَّذي يَمُرُّ مِن عالَمِ الأَرواحِ، ومِن أَطوارِ عالَمِ الرَّحِمِ، ومِنَ الشَّبابِ، ومِنَ الشَّيخُوخةِ، ومِنَ القَبْرِ، ومِنَ البَرزَخِ، إلى الحَشْرِ وإلى الصِّراطِ وإلى أَبَدِ الآبادِ؛ وتلك اللَّيراتُ الذَّهَبيّةُ البالِغةُ سِتِّينَ هي العُمُرُ البالِغُ سِتِّين عامًا؛ وحِينَما رَأَيتُ تلك الواقِعةَ الخَياليّةَ كُنتُ في الخامِسةِ والأَربَعين مِنَ العُمُرِ حَسَبَ ظَنِّي، ولم يكُن لي سَنَدٌ ولا حُجّةٌ مِن أن أَعيشَ إلى السِّتِّين مِنَ العُمُرِ، إلّا أنَّه أَرشَدَني أَحَدُ تَلاميذِ القُرآنِ المُخلِصين أن أُنفِقَ نِصفَ ما بَقِي مِنَ العُمُرِ الغالِبِ یی وهو خَمسةَ عَشَرَ عامًا یی في سَبِيلِ الآخِرةِ.. وذلك الفُندُقُ هو مَدِينةُ إسطَنبُولَ بالنِّسبةِ إلَيَّ.. وذلك القِطارُ هو الزَّمَنُ، وكلُّ عامٍ بمَنزِلةِ عَرَبةٍ مِنه.. وذلك النَّفَقُ هو الحَياةُ الدُّنيا.. وتلك الأَزهارُ والثِّمارُ الشّائكةُ هي اللَّذّاتُ غيرُ المَشرُوعةِ واللَّهوُ المَحظُورُ، فالأَلَمُ الحاصِلُ مِن تَصَوُّرِ الزَّوالِ حِينَ الوِصالِ يُدمِي القَلبَ ويُمَزِّقُه أثناءَ الفِراقِ، ويُعَرِّضُه للعُقُوبةِ أيضًا؛ وإنَّ مَعنَى ما قالَه الخادِمُ في القِطارِ: "أَعطِني خَمسةَ قُرُوشٍ أُعطِك مِن أَحسَنِ ما تَحتاجُه" هو: أنَّ اللَّذّاتِ والأَذواقَ الَّتي يَحصُلُ علَيها الإنسانُ عن طَرِيقِ السَّعيِ الحَلالِ ضِمنَ الدّائرةِ المَشرُوعةِ كافيةٌ لِسَعادَتِه وهَنائِه وراحَتِه، فلا يَدَعُ مَجالًا للدُّخُولِ في الحَرامِ.. ويُمكِنُك أن تُفَسِّرَ ما بَقِي.
— 415 —

النُّكتة الرابعة

إنَّ الإنسانَ في هذا الكَونِ أَشبَهُ ما يكُونُ بالطِّفلِ الضَّعيفِ المَحبُوبِ، يَحمِلُ في ضَعفِه قُوّةً كَبِيرةً، وفي عَجْزِه قُدرةً عَظِيمةً، لأنَّه بقُوّةِ ذلك الضَّعْفِ وقُدرةِ ذلك العَجزِ سُخِّرَت له هذه المَوجُوداتُ وانقادَت؛ فإذا ما أَدرَكَ الإنسانُ ضَعْفَه ودَعا رَبَّه قَوْلًا وحالًا وطَوْرًا، وأَدرَكَ عَجْزَه فاستَنجَد واستَغاثَ رَبَّه، فسَيُؤَدِّي الشُّكرَ والثَّناءَ على ذلك التَّسخِيرِ، وسيُوفَّقُ إلى مَطلُوبِه، وستَخْضَعُ له مَقاصِدُه وتَتَحقَّقُ مَآرِبُه، وتأتي إلَيه طائِعةً مُنقادةً، مع أنَّه يَعجِزُ عن أن يَنالَ بقُدرَتِه الذّاتيّةِ الجُزئيّةِ المَحدُودةِ بل ولا يَتَسنَّى له عُشرُ مِعشارِ ذلك، إلّا أنَّه يُحِيلُ یی خَطَأً یی أَحيانًا ما نالَه بدُعاءِ لِسانِ الحالِ إلى قُدرَتِه الذّاتيّةِ.
وعلى سَبِيلِ المِثالِ: إنَّ القُوّةَ الكامِنةَ في ضَعفِ فَرْخِ الدَّجاجِ تَجعَلُ أُمَّه تَدفَعُ عنه الأَسَدَ، وإنَّ القُوّةَ الكامِنةَ في ضَعفِ شِبلِ الأَسَدِ تُسَخِّیرُ أُمَّه المُفتَرِسةَ الضّارِيةَ لِنَفسِه، بحيثُ يَبقَى الأَسَدُ يَتَضوَّرُ مِنَ الجُوعِ بَينَما يَشبَعُ هو معَ صِغَرِه وضَعفِه.. وإنَّه لَجَديرٌ بالمُلاحَظةِ: القُوّةُ الهائِلةُ في الضَّعفِ، بل حَرِيٌّ بالمُشاهَدةِ والإعجابِ: تَجَلِّي الرَّحمةِ في ذلك الضَّعفِ.
وكما أنَّ الطِّفلَ المَحبُوبَ الرَّقيقَ يَحصُلُ بضَعفِه على شَفَقةِ الآخَرِين، وببُكائِه على مَطالِبِه، فيَخضَعُ له الأَقوِياءُ والسَّلاطِينُ، فيَنالُ ما لا يُمكِنُه أن يَنالَ واحِدًا مِنَ الأَلفِ مِنه بقُوَّتِه الضَّئيلةِ؛ فضَعفُه وعَجزُه إذًا هما اللَّذانِ يُحَرِّكانِ ويُثيرانِ الشَّفَقةَ والحِمايةَ بحَقِّه، حتَّى إنَّه يُذَلِّلُ بسَبّابَتِه الصَّغيرةِ الكِبارَ، ويَنقادُ إلَيه المُلُوكُ والأُمَراءُ.
فلو أَنكَرَ ذلك الطِّفلُ تلك الشَّفَقةَ واتَّهَم تلك الحِمايةَ، وقال بحَماقةٍ وغُرُورٍ: "أنا الَّذي سَخَّرتُ كلَّ هؤلاء الأَقوِياءِ بقُوَّتي وإرادَتي!"، فلا شَكَّ أنَّه يَستَحِقُّ أن يُقابَلَ باللَّطمةِ والصَّفعةِ؛ وكذلك الإنسانُ إذا أَنكَرَ رَحمةَ خالِقِه واتَّهَم حِكمَتَه وقالَ مِثلَ ما قالَ قارُونُ جاحِدًا النِّعمةَ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي، فلا شَكَّ أنَّه يُعرِّضُ نَفسَه للعَذابِ.
— 416 —
فهذه المَنزِلةُ والسَّلطَنةُ الَّتي يَتَمتَّعُ بها الإنسانُ، وهذه التَّرقِّياتُ البَشَريّةُ والآفاقُ الحَضارِيّةُ لَيسَت ناشِئةً مِن تَفَوُّقِه وقُوّةِ جِدالِه وهَيمَنةِ غَلَبَتِه ولا هو بجالِبٍ لها، بل مُنِحتْ للإنسانِ لِضَعفِه ومُدَّت له يدُ المُعاوَنةِ لِعَجزِه، وأُحسِنَتْ إلَيه لِفَقْرِه، وأُكرِمَ بها لِاحتِياجِه؛ وإنَّ سَبَب تلك السَّلطَنةِ ليس بما يَملِكُ مِن قُوّةٍ ولا بما يَقدِرُ علَيه مِن عِلمٍ، بل هو الشَّفَقةُ والرَّأفةُ الرَّبّانيّةُ، والرَّحمةُ والحِكْمةُ الإلٰهِيّةُ، الَّتي سَخَّرَت له الأَشياءَ وسَلَّمَتْها إلَيه.
نعم، إنَّ الإنسانَ المَغلُوبَ أَمامَ عَقرَبٍ بلا عُيُونٍ، وحَيّةٍ بلا أَرجُلٍ، لَيسَت قُدرَتُه هي الَّتي أَلْبَسَتْه الحَرِيرَ مِن دُودةٍ صَغِيرةٍ وأَطعَمَتْه العَسَلَ مِن حَشَرةٍ سامّةٍ؛ وإنَّما ذلك ثَمَرةُ ضَعفِه النّاتِجةُ مِنَ التَّسخِيرِ الرَّبّانِيِّ والإكرامِ الرَّحمانِيِّ.
فيا أيُّها الإنسانُ.. ما دامَتِ الحَقيقةُ هكذا، فدَعْ عنك الغُرُورَ والأَنانيّةَ، وأَعلِنْ أَمامَ عَتَبةِ بابِ الأُلُوهيّةِ عَجزَك وضَعفَك، أَعلِنْهما بلِسانِ الِاستِمدادِ، وأَفصِحْ عن فَقْرِك وحاجَتِك بلِسانِ التَّضَرُّعِ والدُّعاءِ، وأَظهِرْ بأنَّك عبدٌ للهِ خالِصٌ قائلًا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فارتَفِعْ وارتَقِ في مَدارِجِ العُلا.
ولا تقُلْ: "أنا لَستُ بشَيءٍ! وما أَهَمِّيَّتي حتَّى يُسَخَّرَ لي هذا الكَونُ مِن لَدُنِ الحَكيمِ العَليمِ عن قَصدٍ وعِنايةٍ، وحتَّى يُطلَبَ مِنِّي الشُّكرُ الكُلِّيُّ؟!"، ذلك وإن كُنتَ بحَسَبِ نَفسِك وصُورَتِك الظّاهِرِيّةِ في حُكمِ العَدَمِ، إلّا أنَّك بحَسَبِ وَظِيفَتِك ومَنزِلَتِك مُشاهِدٌ فَطِنٌ، ومُتَفرِّجٌ ذَكِيٌّ على الكائناتِ العَظِيمةِ.. وأنَّك اللِّسانُ النّاطِقُ البَلِيغُ يَنطِقُ باسمِ هذه المَوجُوداتِ الحَكِيمةِ.. وأنَّك القارِئُ الدّاهِي والمُطالِعُ النَّبِيهُ لِكِتابِ العالَمِ هذا.. وأنَّك المُشرِفُ المُتَفكِّرُ في هذه المَخلُوقاتِ المُسَبِّحةِ.. وأنَّك بحُكمِ الأُستاذِ الخَبِيرِ والمِعمارِ الكَريمِ لهذه المَصنُوعاتِ العابِدةِ السّاجِدةِ.
نعم، أيُّها الإنسانُ.. إنَّك مِن جِهةِ جِسمِك النَّباتِيِّ ونَفسِك الحَيَوانيّةِ جُزءٌ صَغيرٌ وجُزئيٌّ حَقيرٌ ومَخلُوقٌ فَقيرٌ وحَيَوانٌ ضَعيفٌ تَخُوضُ في الأَمواجِ الهادِرةِ لِهذه المَوجُوداتِ المُتَزاحِمةِ المُدهِشةِ؛ إلّا أنَّك مِن حيثُ إنسانيَّتُك المُتَكامِلةُ بالتَّربيةِ الإسلاميّةِ، المُنَوَّرةُ بنُورِ الإيمانِ المُتَضَمِّنِ لِضِياءِ المَحَبّةِ الإلٰهِيّةِ سُلطانٌ في هذه العَبْدِيّةِ،
— 417 —
وأنَّك كُلِّيٌّ في جُزئيَّتِك، وأنَّك عالَمٌ واسِعٌ في صِغَرِك، ولك المَقامُ السّامي مع حَقارَتِك، فأَنتَ المُشرِفُ ذُو البَصِيرةِ النَيِّرةِ على هذه الدّائرةِ الفَسِيحةِ المَنظُورةِ، حتَّى يُمكِنُك القَولُ: "إنَّ رَبِّيَ الرَّحِيمَ قد جَعَلَ لي الدُّنيا مَأوًى ومَسكَنًا، وجَعَل لي الشَّمسَ والقَمَرَ سِراجًا ونُورًا، وجَعَل لي الرَّبيعَ باقةَ وَرْدٍ زاهِيةً، وجَعَلَ لي الصَّيفَ مائِدةَ نِعمةٍ، وجَعَل لي الحَيَوانَ خادِمًا ذَليلًا، وأَخِيرًا جَعَل لي النَّباتَ زِينةً وأَثاثًا وبَهجةً لِدارِي ومَسكَني".
وخُلاصةُ القَولِ: أنَّك إذا أَلقَيتَ السَّمْعَ إلى النَّفسِ والشَّيطانِ، فستَسقُطُ إلى أَسفَلِ سافِلينَ، وإذا أَصغَيتَ إلى الحَقِّ والقُرآنِ ارتَقَيتَ إلى أَعلَى عِلِّيِّينَ، وكُنتَ "أَحسَنَ تَقوِيمٍ" في هذا الكَونِ.

النُّكتةُ الخامِسةُ

إنَّ الإنسانَ أُرسِلَ إلى الدُّنيا ضَيفًا ومُوَظَّفًا، ووُهِبَتْ له مَواهِبُ واستِعداداتٌ مُهِمّةً جِدًّا، وعلى هذا أُسنِدَت إلَيه وَظائفُ جَليلةٌ؛ ولكي يقُومَ الإنسانُ بأَعمالِه ولِيَكَدَّ ويَسعَى لتلك الغاياتِ والوَظائفِ العَظِيمةِ فقد رُغِّبَ ورُهِّبَ لإنجازِ عَمَلِه.
سنُجمِلُ هنا الوَظائفَ الإنسانيّةَ وأَساساتِ العُبُودِيّةِ الَّتي أَوضَحناها في مَوضِعٍ آخَرَ، وذلك لِفَهمِ وإدراكِ سِرِّ "أَحسَنِ تَقوِيمٍ" فنقُولُ:
إنَّ الإنسانَ بعدَ مَجِيئِه إلى هذا العالَمِ له عُبُودِيّةٌ مِن ناحِيَتَينِ:
النّاحِيةُ الأُولَى: عُبُودِيّةٌ وتَفَكُّرٌ بصُورةٍ غِيابيّةٍ.
النّاحِيةُ الثّانيةُ: عُبُودِيّةٌ ومُناجاةٌ بصُورةِ مُخاطَبةٍ حاضِرةٍ.
النّاحِيةُ الأُولَى هي: تَصدِيقُه بالطّاعةِ لِسُلطانِ الرُّبُوبيّةِ الظّاهِرِ في الكَونِ، والنَّظَرُ إلى كَمالِه سُبحانَه ومَحاسِنِه بإعجابٍ وتَعظِيمٍ؛ ثمَّ استِنباطُ العِبرةِ والدُّرُوسِ مِن بَدائِعِ نُقُوشِ أَسمائِه الحُسنَى القُدسِيّةِ، وإعلانُها ونَشْرُها وإشاعَتُها؛ ثمَّ وَزنُ جَواهِرِ الأَسماءِ الرَّبّانيّةِ ودُرَرِها یی كلُّ واحِدٍ مِنها خَزِينةٌ مَعنَوِيّةٌ خَفِيّةٌ یی بمِيزانِ الإدراكِ والتَّبَصُّرِ، وتَقيِيمُها بأَنوارِ التَّقدِيرِ والعَظَمةِ والرَّحمةِ النّابِعةِ مِنَ القَلبِ؛ ثمَّ التَّفكُّرُ بإعجابٍ عِندَ
— 418 —
مُطالَعةِ أَوراقِ الأَرضِ والسَّماءِ وصَحائفِ المَوجُوداتِ الَّتي هي بمَثابةِ كِتاباتِ قَلَمِ القُدرةِ؛ ثمَّ النَّظَرُ باستِحسانٍ بالِغٍ إلى زِينةِ المَوجُوداتِ والصَّنائعِ الجَمِيلةِ اللَّطيفةِ الَّتي فيها، والتَّحَبُّبُ لِمَعرِفةِ الفاطِرِ ذِي الجَمالِ، والتَّلَهُّفُ إلى الصُّعُودِ إلى مَقامِ حُضُورٍ عِندَ الصّانِعِ ذِي الكَمالِ ونَيلِ الْتِفاتِه الرَّبّانِيِّ.
النّاحِيةُ الثّانيةُ هي: مَقامُ الحُضُورِ والخِطابِ الَّذي يَنفُذُ مِنَ الأَثَرِ إلى المُؤَثِّرِ، فيَرَى أنَّ صانِعًا جَلِيلًا يُرِيدُ تَعرِيفَ نَفسِه إلَيه بمُعجِزاتِ صَنعَتِه، فيُقابِلُه هو بالإيمانِ والمَعرِفةِ؛ ثمَّ يَرَى أنَّ رَبًّا رَحِيمًا يُرِيدُ أن يُحَبِّبَ نَفسَه إلَيه بالأَثمارِ الحُلوةِ اللَّذِيذةِ لِرَحمَتِه، فيُقابِلُه هو بجَعلِ نَفسِه مَحبُوبًا عِندَه بالمَحَبّةِ الخالِصةِ والتَّعبُّدِ الخالِصِ لِوَجهِه؛ ثمَّ يَرَى أنَّ مُنعِمًا كَرِيمًا يُغرِقُه في لَذائِذِ نِعَمِه المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ، فيُقابِلُه هو بفِعلِه وحالِه وقَولِه بكلِّ حَواسِّه وأَجهِزَتِه یی إنِ استَطاعَ یی بالشُّكرِ والحَمدِ والثَّناءِ علَيه؛ ثمَّ يَرَى أنَّ جَلِيلًا جَمِيلًا يُظهِرُ في مِرآةِ هذه المَوجُوداتِ كِبرِياءَه وعَظَمتَه وكَمالَه، ويُبْرِزُ جَلالَه وجَمالَه فيها بحيثُ يَجلِبُ إلَيها الأَنظارَ، فيُقابِلُ هو ذلك كلَّه: بتَردِيدِ "اللهُ أَكبَرُ.. سُبحانَ اللهِ.."، ويَسجُدُ سُجُودَ مَن لا يَمَلُّ بكلِّ حَيرةٍ وإعجابٍ وبمَحَبّةٍ ذائبةٍ في الفَناءِ.
ثمَّ يَرَى أنَّ غَنِيًّا مُطلَقًا يَعرِضُ خَزائنَه وثَروَتَه الهائلةَ الَّتي لا تَنضُبُ في سَخاءٍ مُطلَقٍ، فيُقابِلُه هو بالسُّؤالِ والطَّلَبِ بكَمالِ الِافتِقارِ في تَعظِيمٍ وثَناءٍ؛ ثمَّ يَرَى أنَّ ذلك الفاطِرَ الجَليلَ قد جَعَل الأَرضَ مَعرِضًا عَجِيبًا لِعَرْضِ جَميعِ الصَّنائِعِ الغَرِيبةِ النّادِرةِ، فيُقابِلُ هو ذلك بقَولِه: "ما شاءَ اللهُ!" مُستَحسِنًا لها، وبقَولِه: "بارَكَ اللهُ" مُقَدِّرًا لها، وبقَولِه: "سُبحانَ اللهِ" مُعجَبًا بها، وبقَولِه: "اللهُ أَكبَرُ" تَعظِيمًا لِخالِقِها؛ ثمَّ يَرَى أنَّ واحِدًا يَختِمُ على المَوجُوداتِ كُلِّها خَتْمَ التَّوحِيدِ وسِكَّتَه الَّتي لا تُقَلَّدُ وطُغْراءَه الخاصّةَ به، ويَنقُشُ علَيها آياتِ التَّوحِيدِ، ويَنصِبُ رايةَ التَّوحِيدِ في آفاقِ العالَمِ مُعلِنًا رُبُوبيَّتَه، فيُقابِلُه هو بالتَّصدِيقِ والإيمانِ والتَّوحِيدِ والإذعانِ والشَّهادةِ والعُبُودِيّةِ.
فالإنسانُ بمِثلِ هذه العِبادةِ والتَّفكُّرِ يُصبِحُ إنسانًا حَقًّا، ويُظهِرُ نَفسَه في "أَحسَنِ تَقوِيمٍ"، فيَصيرُ بيُمْنِ الإيمانِ وبَرَكَتِه لائقًا للأَمانةِ الكُبْرَى وخَلِيفةً أَمِينًا على الأَرضِ.
— 419 —
فيا أيُّها الإنسانُ الغافِلُ المَخلُوقُ في "أَحسَنِ تَقوِيمٍ"، والَّذي يَنحَدِرُ أَسفَلَ سافِلينَ لِسُوءِ اختِيارِه ونَزَقِه وطَيشِه.. اسمَعْني جَيِّدًا، وانظُر إلى اللَّوحَتَينِ المَكتُوبَتَينِ في المَقامِ الثّاني مِنَ "الكَلِمةِ السّابِعةَ عَشْرةَ" حتَّى تَرَى أنت أيضًا كيف كُنتُ أَرَى الدُّنيا مِثلَك حُلْوةً خَضِرةً عِندَما كُنتُ في غَفلةِ الشَّبابِ وسُكْرِه؛ ولكن لَمّا أَفَقتُ مِن سُكْرِ الشَّبابِ وصَحَوتُ مِنه بصُبْحِ المَشِيبِ رَأَيتُ أنَّ وَجْهَ الدُّنيا غيرَ المُتَوجِّهِ إلى الآخِرةِ، والَّذي كُنتُ أَعُدُّه جَمِيلًا، رَأَيتُه وَجهًا قَبِيحًا، وأنَّ وَجهَ الدُّنيا المُتَوجِّهَ إلى الآخِرةِ حَسَنٌ جَمِيلٌ.
فاللَّوحةُ الأُولَى: تُصَوِّرُ دُنيا أَهلِ الغَفلةِ، فقد رَأَيتُ فيها یی مِن دُونِ أن أَسكَرَ یی شَبَهًا بدُنيا أَهلِ الضَّلالةِ الَّذين أَطبَقَتْ علَيهِم حُجُبُ الغَفلةِ.
اللَّوحةُ الثّانيةُ: تُشِيرُ إلى حَقيقةِ أَهلِ الهِدايةِ وذَوِي القُلُوبِ المُطمَئِنّةِ.
فلم أُبَدّلْ شَيئًا مِن تِلكُما اللَّوحَتَينِ، بل تَرَكتُهما كما كانَتا مِن قَبلُ، وهما وإن كانَتا تُشبِهانِ الشِّعرَ إلّا أنَّهما لَيسا بشِعرٍ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ٭ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ٭ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ٭ يَفْقَهُوا قَوْلِي
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ، اللَّطِيفَةِ الأَحَدِيَّةِ، شَمسِ سَمَاءِ الأَسرَارِ، ومَظهَرِ الأَنوَارِ، ومَركَزِ مَدَارِ الجَلَالِ، وقُطبِ فَلَكِ الجَمالِ.
اللَّهُمَّ بِسِرِّهِ لَدَيكَ وبِسَيرِهِ إلَيكَ، آمِنْ خَوفِي وأَقِل عَثرَتِي وأَذهِب حُزنِي وحِرصِي وكُن لِي، وخُذنِي إلَيكَ مِنِّي وارزُقنِي الفَنَاءَ عَنِّي، ولَا تَجعَلنِي مَفتُونًا بِنَفسِي مَحجُوبًا بِحِسِّي، واكشِفْ لِي عَن كُلِّ سِرٍّ مَكتُومٍ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.
وارحَمنِي وارحَمْ رُفَقَائِي وارحَمْ أَهلَ الإيمَانِ والقُرآنِ. آمِينَ آمِينَ
يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، ويَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
— 420 —

الكلمة الرابعة والعشرون

هذه الكَلِمةُ عِبارةٌ عن خَمسةِ أَغصانٍ.. لاحِظْ بإمعانٍ الغُصنَ الرّابعَ، واستَمْسِكْ بالغُصنِ الخامِسِ، واصْعَدْ لِتَقطِفَ ثِمارَه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
نُشِيرُ إلى خَمسةِ أَغصانٍ لِحَقيقةٍ واحِدةٍ مِنَ الحَقائقِ الكُبْرَى الجَليلةِ لهذه الآيةِ الكَرِيمةِ:

الغُصنُ الأوَّل

إنَّ للسُّلطانِ عَناوِينَ مُختَلِفةً في دَوائرِ حُكُومَتِه، وأَوصافًا مُتَبايِنةً ضِمنَ طَبَقاتِ رَعاياه، وأَسماءً وعَلاماتٍ مُتَنوِّعةً في مَراتِبِ سَلطَنَتِه؛ فمَثلًا: له اسمُ "الحاكِمِ العادِلِ" في دَوائرِ العَدلِ، وعُنوانُ "السُّلطانِ" في الدَّوائرِ المَدَنيّةِ، بَينَما له اسمُ "القائدِ العامِّ" في الدَّوائرِ العَسكَرِيّةِ، وعُنوانُ "الخَليفةِ" في الدَّوائرِ الشَّرعيّةِ.. وهكذا له سائرُ الأَسماءِ والعَناوِينِ، فله في كلِّ دائرةٍ مِن دَوائرِ دَولَتِه مَقامٌ وكُرسِيٌّ بمَثابةِ عَرشٍ مَعنَوِيٍّ له؛ وعلَيه يُمكِنُ أن يكُونَ ذلك السُّلطانُ الفَرْدُ مالِكًا لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ في دَوائرِ تلك السَّلطَنةِ وفي مَراتبِ طَبَقاتِ الحُكُومةِ، أي: يُمكِنُ أن يكُونَ له أَلفُ عَرشٍ وعَرشٍ مِنَ العُرُوشِ المُتَداخِلِ بعضُها في بعضٍ، حتَّى كأنَّ ذلك الحاكِمَ مَوجُودٌ وحاضِرٌ في كلِّ دائرةٍ مِن دَوائرِ دَولَتِه، ويَعلَمُ ما يَجرِي فيها بشَخصِيَّتِه المَعنَويّةِ، وهاتِفِه الخاصِّ، ويُشاهَدُ ويَشْهَدُ في كلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ بقانُونِه ونِظامِه وبمُمَثِّليه..
— 421 —
ويُراقِبُ ويُدِيرُ مِن وَراءِ الحِجابِ كلَّ مَرتَبةٍ مِنَ المَراتبِ بحِكمَتِه وبعِلْمِه وبقُوَّتِه.. فلُكِلِّ دائِرةٍ مَركَزٌ يَخُصُّها ومَوقِعٌ خاصٌّ بها، أَحكامُه مُختَلِفةٌ، طَبَقاتُه مُتَغايِرةٌ.
وهكذا، فإنَّ رَبَّ العالَمِين یی وهو سُلطانُ الأَزَلِ والأَبدِ یی له ضِمنَ مَراتبِ رُبُوبيَّتِه شُؤُونٌ وعَناوِينُ مُختَلِفةٌ، لكن يَتَناظَرُ بعضُها مع بعضٍ؛ وله ضِمنَ دَوائرِ أُلُوهيَّتِه عَلاماتٌ وأَسماءٌ مُتَغايرةٌ، لكن يُشاهَدُ بعضُها في بعضٍ؛ وله ضِمنَ إجراءاتِه العَظِيمةِ تَجَلِّياتٌ وجَلَواتٌ مُتَبايِنةٌ، لكن يُشابِهُ بَعضُها بعضًا؛ وله ضِمنَ تَصَرُّفاتِ قُدرَتِه عَناوِينُ مُتَنوِّعةٌ، لكن يُشعِرُ بعضُها ببعضٍ؛ وله ضِمنَ تَجَلِّياتِ صِفاتِه مَظاهِرُ مُقَدَّسةٌ مُتَفاوِتةٌ، لكن يُظهِرُ بعضُها بعضًا؛ وله ضِمنَ تَجَلِّياتِ أَفعالِه تَصَرُّفاتٌ مُتَبايِنةٌ، لكن تُكَمِّلُ الواحِدةُ الأُخرَى؛ وله ضِمنَ صَنْعَتِه ومَصنُوعاتِه رُبُوبيّةٌ مَهِيبةٌ مُتَغايِرةٌ، لكن تَلحَظُ إحداها الأُخرَى.
ومع هذا يَتَجلَّى عُنوانٌ مِن عَناوِينِ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، في كلِّ عالَمٍ مِن عَوالِمِ الكَونِ، وفي كلِّ طائفةٍ مِن طَوائفِه؛ ويكُونُ ذلك الِاسمُ حاكِمًا مُهَيمِنًا في تلك الدّائرةِ، وبَقيّةُ الأَسماءِ تابِعةً له هناك، بل مُندَرِجةً فيه.
ثمَّ إنَّ ذلك الِاسمَ له تَجَلٍّ خاصٌّ ورُبُوبيّةٌ خاصّةٌ في كلِّ طَبَقاتِ المَخلُوقاتِ، صَغِيرةً كانَت أم كَبِيرةً، قَلِيلةً كانَت أم كَثيرةً، خاصّةً كانَت أم عامّةً؛ بمَعنَى أنَّ ذلك الِاسمَ وإن كان مُحِيطًا بكلِّ شيءٍ وعامًّا، إلَّا أنَّه مُتَوجِّهٌ بقَصْدٍ وبأَهَمِّيّةٍ بالِغةٍ إلى شيءٍ مّا، حتَّى كأنَّ ذلك الِاسمَ مُتَوجِّهٌ فقط وبالذّاتِ إلى ذلك الشَّيءِ وكأنَّه خاصٌّ بذلك الشَّيءِ.
زِدْ على ذلك: فإنَّ الخالِقَ الجَليلَ قَرِيبٌ إلى كلِّ شيءٍ، معَ أنَّ له سَبعِينَ أَلفَ حِجابٍ مِنَ الحُجُبِ النُّورانيّةِ، ويُمكِنُك أن تَقِيسَ ذلك یی مَثلًا یی مِنَ الحُجُبِ المَوجُودةِ في مَراتِبِ اسمِ الخالقِ، ابتِداءً مِنَ المَرتَبةِ الجُزئيّةِ لِاسمِ الخالقِ المُتَجَلِّي علَيْك بخَلْقِك، وانتِهاءً بالمَرتَبةِ الكُبْرَى والعُنوانِ الأَعظَمِ لِخالقِ الكَوْنِ أجْمَعَ؛ بمَعنَى أنَّك تَستَطِيعُ أن تَبلُغَ نِهايةَ تَجَلِّياتِ اسمِ الخالقِ وتَدخُلَ إلَيها مِن بابِ المَخلُوقيّةِ، بشَرطِ أن تَدَعَ الكائناتِ وَراءَك، وعِندَئذٍ تَتَقرَّبُ إلى دائرةِ الصِّفاتِ.
— 422 —
ولِوُجُودِ المَنافِذِ في الحُجُبِ، والتَّناظُرِ في الشُّؤُونِ، والتَّعاكُسِ في الأَسماءِ، والتَّداخُلِ في التَّمَثُّلاتِ، والتَّمازُجِ في العَناوِينِ، والتَّشابُهِ في الظُّهُورِ، والتَّسانُدِ في التَّصَرُّفاتِ، والتَّعاضُدِ في الرُّبُوبيّاتِ، لَزِمَ البَتَّةَ لِمَن عَرَفَه سُبحانَه في واحِدٍ مِمّا مَرَّ مِنَ الأَسماءِ والعَناوِينِ والرُّبُوبيّةِ ألَّا يُنكِرَ سائرَ الأَسماءِ والعَناوِينِ والشُّؤُونِ، بل يَفهَمَ بَداهةً أنَّه هو هو؛ وإلَّا يَتَضرَّرَ إن ظلَّ مَحجُوبًا عن تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الأُخرَى ولم يَنتَقِل مِن تَجَلِّي اسمٍ إلى آخَرَ.
فمَثلًا: إذا رَأَى أَثَرَ اسمِ الخالقِ القَدِيرِ، ولم يَرَ أَثَرَ اسمِ العَليمِ، يَسقُطُ في ضَلالةِ الطَّبِيعةِ، لِذا علَيه أن يَجُولَ بنَظَرِه فيما حَوْلَه ويَرَى أنَّ اللهَ هو هو، ويُشاهِدَ تَجَلِّيَه في كلِّ شيءٍ، وأن تَسمَعُ أُذُنُه مِن كلِّ شيءٍ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ويُنصِتَ إلَيه، وأن يُرَدِّدَ لِسانُه دائمًا: «لا إلٰهَ إلَّا اللهُ» ، ويُعلِنَ «لا إلٰهَ إلَّا هُو.. بَرَابَرْ ميزَنَدْ عَالَمْ».
وهكذا يُشِيرُ القُرآنُ الكَرِيمُ بهذه الآيةِ الكَرِيمةِ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى إلى الحَقائقِ الَّتي ذَكَرناها.
فإن كُنتَ تُرِيدُ أن تُشاهِدَ تلك الحَقائقَ الرَّفيعةَ عن قُرْبٍ، فاذهَبْ إلى بَحرٍ هائِجٍ، وإلى أَرضٍ مُهتَزّةٍ بالزَّلازِلِ، واسْأَلْهما: ما تَقُولانِ؟ ستَسمَعُ حَتْمًا أنَّهما يُنادِيانِ: يا جَليلُ.. يا جَليلُ.. يا عَزِيزُ.. يا جَبّارُ. ثمَّ اذْهَبْ إلى الفِراخِ والصِّغارِ مِنَ الحَيَواناتِ الَّتي تَعِيشُ في البَحرِ أو على الأَرضِ، والَّتي تُرَبَّى في مُنتَهَى الشَّفَقةِ والرَّحمةِ، واسْأَلْها: ما تَقُولين؟ لا بُدَّ أنَّها تَتَرنَّمُ: يا جَمِيلُ.. يا جَمِيلُ.. يا رَحِيمُ.. يا رَحِيمُ.
(حاشية): حتَّى إنَّني لاحَظتُ القِطَطَ وتأمَّلتُ فيها، فَرأيتُ أنَّها بعدَما أَكلَت ولَعِبَت، نَامَت؛ فوَرَد إلى ذِهني سُؤالٌ: لِمَ يُطلَقُ عَلى هَذه الحَيَواناتِ الشَّبِيهةِ بالمُفتَرِسةِ: حَيَواناتٌ مُبارَكةٌ طَيِّبةٌ؟ ثمَّ في اللَّيلِ اضطَجَعتُ لِأَنامَ وإذا بقِطّةٍ مِن تلك القِطَطِ جاءَت واستَنَدَتْ إلى وِسادَتي وقَرَّبَت فَمَها إلى أُذُني، وذَكَرَتِ اللهَ ذِكرًا صَرِيحًا باسمِ: "يا رَحِيمُ.. يا رَحِيمُ.. يا رَحِيمُ" وكأنَّها رَدَّت ما وَرَد مِنَ الِاعتِراضِ والإهانةِ باسمِ طائفَتِها. فوَرَد إلى عَقْلي: تُرى هل هذا الذِّكرُ خاصٌّ بهذه القِطّةِ فقط أم بطائفةِ القِطَطِ عامّةً؟ وإنَّ استِماعَ ذِكرِها، هل هو خاصٌّ بي ومُنحَصِرٌ لِمُعتَرِضٍ بغيرِ حقٍّ مِثلي، أم أنَّ كلَّ إنسانٍ يَستَطيعُ الِاستِماعَ إلى حَدٍّ، لو أَعارَ سَمْعَه إلَيها؟ وفي الصَّباحِ بَدَأتُ أُنصِتُ إلى القِطَطِ الأُخرَى، كانَت تُكَرِّرُ الذِّكرَ نَفسَه بدَرَجاتٍ مُتَفاوِتةٍ وإن لم يكُن صَريحًا مثلَ الأُولى، إذ في بِدايةِ هَرِيرِها لا يَتميَّیزُ هذا الذِّكرُ ثم يُمكِنُ تَميِيزُ: "يا رَحِيمُ.. يا رَحِيمُ.." في الهَرِيرِ، ثم يَتَحوَّلُ هَرِيرُها كلُّه إلى: "يا رَحِيمُ" نَفسِه، فتَذكُرُ اللهَ ذِكْرًا حَزِينًا فَصِيحًا دونَ إخراجٍ للحُرُوفِ حيثُ تَسُدُّ فَمَها وتَذكُرُ اللهَ ذِكرًا لَطِيفًا بی: "يا رَحِيمُ".
ذَكَرتُ الحادِثةَ نَفسَها للَّذين أَتَوا لزِيارَتي، وهم بدَورِهم بَدَؤُوا يُلاحِظُون الأَمرَ، ثمَّ قالوا: "نَسمَعُ الذِّكرَ إلى حَدٍّ مّا"، ثمَّ وَرَد بقلبي: "ما وَجهُ تَخصِيصِ هذا الِاسمِ: يا رَحِيمُ؟ ولِمَ تَذكُرُ القِطَطُ هذا الِاسمَ بالذّاتِ بلَهجةِ لِسانِ الإنسانِ ولا تَذكُرُه بلِسانِ الحَيَواناتِ؟"، فوَرَد: أنَّ القِطَّ حَيَوانٌ رَقيقٌ لَطِيفٌ كالطِّفلِ الصَّغيرِ، يَختَلِطُ مع الإنسانِ في كلِّ زاوِيةٍ مِن مَسكَنِه، حتَّى كأنَّه صَدِيقُه، فهو مُحتاجٌ إذًا إلى مَزِيدٍ مِنَ الشَّفَقةِ والرَّحمةِ؛ فعِندَما يُلاطَف ويُستَأنَسُ به يَحمَدُ اللهَ تارِكًا الأسبابَ، بخِلافِ الكَلبِ، ومُعلِنًا في عالَمِه الخاصِّ رَحمةَ خالِقِه الرَّحِيمِ، فيُوقِظُ بذلك الذِّكرِ الإنسانَ السّادِرَ في نَومِ الغَفلةِ، وبنِداءِ: "يا رَحِيمُ" يُنبِّه عَبَدةَ الأسبابِ قائلًا: "مِمَّن يَرِدُ المَدَدُ والعَونُ، ومِمَّن يُتوَقَّعُ الرَّحمةُ؟" ثمَّ أَنْصِتْ
— 423 —
إلى السَّماءِ كيف تُنادِي: يا جَلِيلُ ذُو الجَمالِ.. وأَعِرْ سَمْعَك إلى الأَرضِ كيف تُرَدِّدُ: يا جَمِيلُ ذُو الجَلالِ. وأَنْصِتْ للحَيَواناتِ كيف تَقُولُ: يا رَحمٰنُ يا رَزَّاقُ. واسْأَلِ الرَّبيعَ، فستَسمَعُ مِنه: يا حَنَّانُ يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ يا كَرِيمُ يا لَطِيفُ يا عَطُوفُ يا مُصَوِّرُ يا مُنَوِّرُ يا مُحسِنُ يا مُزَيِّنُ.. وأَمثالَها مِنَ الأَسماءِ الكَثِيرةِ.
واسْأَلْ إنسانًا هو حَقًّا إنسانٌ، وشاهِدْ كيف يَقرَأُ جَمِيعَ الأَسماءِ الحُسنَى، فهي مَكتُوبةٌ على جَبهَتِه، حتَّى إذا أَنعَمْتَ النَّظَرَ ستَقرَؤُها أنت بنَفسِك.. وكأنَّ الكَونَ كلَّه مُوسِيقَى مُتَناغِمةُ الأَلحانِ لِذِكرٍ عَظِيمٍ؛ فامتِزاجُ أَصغَرِ نَغْمةٍ وأَوْطَئِها معَ أَعظَمِ نَغْمةٍ وأَعلاها يُنتِجُ لَحْنًا لَطِيفًا مَهِيبًا.. وقِسْ على ذلك.. غيرَ أنَّ الإنسانَ مهما كان مَظهَرًا لِجَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى إلَّا أنَّ تَنَوُّعَ الأَسماءِ الحُسنَى أَصبَحَ سَبَبًا لتَنَوُّعِ الإنسانِ إلى حَدٍّ مّا، كما هي الحالُ في تَنوُّعِ الكائناتِ واختِلافِ عِبادةِ المَلائكةِ، بل قد نَشَأَت مِن هذا التَّنوُّعِ شَرائعُ الأَنبِياءِ المُختَلِفةُ وطَرائِقُ الأَولياءِ المُتَفاوِتةُ ومَشارِبُ الأَصفِياءِ المُتَنوِّعةُ؛ فمَثلًا: إنَّ الغالِبَ في سيِّدِنا عِيسَى عَليهِ السَّلام هو تَجَلِّي اسمِ "القَدِيرِ" معَ الأَسماءِ الأُخرَى، والمُهَيمِنَ على أَهلِ العِشقِ هو اسمُ "الوَدُودِ"، والمُستَحوِذَ على أَهلِ التَّفكُّرِ هو اسمُ "الحَكِيمِ".
فلو أنَّ رَجُلًا كان عالِمًا وضابِطًا وكاتِبَ عَدْلٍ ومُفَتِّشًا في دَوائرِ الدَّولةِ في الوَقتِ نَفسِه، فإنَّ له في كلِّ دائرةٍ مِن تلك الدَّوائرِ عَلاقةً وارتِباطًا ووَظِيفةً وعَمَلًا، وله أيضًا
— 424 —
أُجرةٌ ومُرتَّبٌ ومَسؤُوليّةٌ فيها، وله كذلك مَراتِبُ رُقيٍّ، فَضْلًا عن وُجُودِ الحُسَّادِ والأَعداءِ الَّذين يُحاوِلُون أن يُعيقُوا عَمَلَه.. فكما أنَّ هذا الرَّجُلَ یی وهذا شَأنُه یی يَظهَرُ أمامَ السُّلطانِ بعَناوِينَ كَثيرةٍ مُختَلِفةٍ جِدًّا، ويَرَى السُّلطانَ مِن خِلالِ تلك العَناوِينِ المُتَنوِّعةِ، ويَسأَلُه العَوْنَ والمَدَدَ بأَلسِنةٍ كَثيرةٍ، ويُراجِعُه بعَناوِينَ كَثيرةٍ، ويَستَعِيذُ به في صُوَرٍ شَتَّى كَثيرةٍ، خَلاصًا مِن شَرِّ أعدائِه؛ كذلك الإنسانُ الَّذي حَظِيَ بتَجَلِّياتِ أَسماءٍ كَثيرةٍ، وأُنيطَت به وَظائفُ كَثيرةٌ، وابتُلِي بأَعداءٍ كَثيرين، يَذكُرُ كَثيرًا مِن أَسماءِ اللهِ في مُناجاتِه واستِعاذَتِه.. كما أنَّ مَدارَ فَخرِ الإنسانيّةِ، وهو الإنسانُ الكامِلُ الحَقيقيُّ مُحمَّدٌ (ص)، يَدعُو اللهَ ويَستَعِيذُ به مِنَ النّارِ بأَلفِ اسمٍ واسمٍ في دُعائِه المُسَمَّى بالجَوْشَنِ الكَبِيرِ.
ومِن هذا السِّرِّ نَجِدُ القُرآنَ يَأمُرُ بالِاستِعاذةِ بثَلاثةِ عَناوِينَ، وذلك في سُورةِ النّاسِ:
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ٭ مَلِكِ النَّاسِ ٭ إِلَهِ النَّاسِ ٭ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ..،
ويُبيِّنُ في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الِاستِعانةَ بثَلاثةِ أَسماءٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى.

الغُصنُ الثَّاني

يُبيِّنُ سِرَّينِ يَتَضمَّنانِ مَفاتِيحَ أَسرارٍ كَثيرةٍ:
السِّرُّ الأوَّل: لِمَ يَختَلِفُ الأَولياءُ كَثِيرًا في مَشهُوداتِهم وكَشفِيّاتِهم مع أنَّهم يتَّفقُون في أُصُولِ الإيمانِ، إذ تَظهَرُ أحيانًا كُشُوفُهمُ الَّتي هي في دَرَجةِ الشُّهودِ مُخالِفةً للواقِعِ ومُجانِبةً للحَقِّ؟ ولماذا يَرَى ويُبيِّنُ أَصحابُ الفِكرِ وأَربابُ النَّظَرِ الحَقيقةَ مُتَناقِضةً في أَفكارِهم، رَغمَ إثباتِ أَحَقِّيَّتِها بالبُرهانِ القاطِعِ لَدى كلِّ واحِدٍ مِنهم؟ فِلمَ تَتَلوَّنُ الحَقيقةُ الواحِدةُ بأَلوانٍ شَتَّى؟
السِّرُّ الثَّاني: لِماذا تَرَك الأَنبِياءُ السّابِقُون عَلَيهم السَّلَام قِسْمًا مِن أَركانِ الإيمانِ، كالحَشرِ الجِسمانِيِّ، على شَيءٍ مِنَ الإجمالِ، ولم يُفَصِّلُوه تَفصِيلًا كامِلًا كما هو في القُرآنِ الكَرِيمِ؛ حتَّى ذَهَب فيما بَعدُ قِسمٌ مِن أُمَمِهم إلى إنكارِ تلك الأَركانِ المُجمَلةِ؟ ثمَّ لِماذا تَقَدَّم قِسمٌ مِنَ الأَولياءِ العارِفين الحَقيقيِّين في التَّوحِيدِ فحَسْبُ، حتَّى بَلَغُوا دَرَجةَ حَقِّ
— 425 —
اليَقينِ، معَ أنَّ قِسمًا مِن أَركانِ الإيمانِ يَبدُو مُجمَلًا في مَشارِبِهم أو يَتَراءَى نادِرًا، بل لِأَجلِ هذا لم يُولِ مُتَّبِعُوهم فيما بعدُ تلك الأَركانَ الِاهتِمامَ اللّازِمَ، بل قد زاغَ بعضُهم وضَلَّ.
فما دامَ الكَمالُ الحَقيقيُّ يُنالُ بانكِشافِ أَركانِ الإيمانِ كلِّها، فلِماذا تَقَدَّم أَهلُ الحَقيقةِ في بَعضِها بَينَما تَخَلَّفُوا في بعضِها الآخَرِ، عِلمًا أنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) وهو إمامُ المُرسَلين الَّذي حَظِيَ بالمَراتِبِ العُظمَى للأَسماءِ الحُسنَى كلِّها، وكذا القُرآنُ الحَكِيمُ الَّذي هو إمامُ جَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ، قد فَصَّلا أَركانَ الإيمانِ كُلَّها تَفصِيلًا واضِحًا جَلِيًّا وبأُسلُوبٍ جادٍّ ومَقصُودٍ؟
الجَوابُ: نعم، لأنَّ الكَمالَ الحَقيقيَّ الأَتَمَّ هو هكذا في الحَقيقةِ.
وحِكمةُ هذه الأَسرارِ هي على النَّحوِ الآتي: إنَّ الإنسانَ على الرَّغمِ مِن أنَّ له استِعدادًا لِبُلُوغِ الكَمالاتِ كلِّها ونَيلِ أَنوارِ الأَسماءِ الحُسنَى جَمِيعِها، فإنَّه يَتَحرَّى الحَقيقةَ مِن خِلالِ أُلُوفِ الحُجُبِ والبَرازِخِ، إذِ اقتِدارُه جُزئيٌّ، واختِيارُه جُزئيٌّ، واستِعداداتُه مُختَلِفةٌ ورَغَباتُه مُتَفاوِتةٌ؛ ولِأَجلِ هذا تَتَوسَّطُ الحُجبُ والبَرازِخُ لَدَى انكِشافِ الحَقيقةِ، وفي شُهُودِ الحَقِّ؛ فبَعضُهم لا يَستَطِيعُ المُرُورَ مِنَ البَرزِخِ. وحيثُ إنَّ القابِليَّاتِ مُتَفاوِتةٌ، فقابِليّةُ بعضِهم لا تكُونُ مَنشَأً لِانكِشافِ بعضِ أَركانِ الإيمانِ.
ثمَّ إنَّ أَلوانَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ تَتَنوَّعُ حَسَبَ نَيلِ المَظاهِرِ، وتُصبِحُ مُتَغايرةً، فلا يَستَطيعُ بعضُ مَن حَظِيَ بمَظهَرِ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ أن يكُونَ مَدارًا لِتَجلِّيه تَجَلِّيًا كامِلًا، فَضْلًا عن أنَّ تَجَلِّيَ الأَسماءِ تَتَّخِذُ صُوَرًا مُختَلِفةً باعتِبارِ الكُلِّيّةِ والجُزئيّةِ والظِّلِّيّةِ والأَصلِيّةِ؛ فيَقصُرُ بعضُ الِاستِعداداتِ عنِ اجتِيازِ الجُزئيّةِ والخُرُوجِ مِنَ الظِّلِّ. وقد يَغلِبُ اسمٌ مِنَ الأَسماءِ حَسَبَ الِاستِعدادِ، فيَنفُذُ حُكمُه وَحدَه، ويكُونُ مُهَيمِنًا في ذلك الِاستِعدادِ. وهكذا، فهذا السِّرُّ الغامِضُ العَمِيقُ وهذه الحِكمةُ الواسِعةِ، سنُشِيرُ إلَيها ببِضعِ إشاراتٍ ضِمنَ تَمثِيلٍ واسِعٍ تُمازِجُه الحَقيقةُ إلى حَدٍّ:
فلْنَفرِضْ "زَهرةً" ذاتَ نُقُوشٍ، و"قَطْرةً" ذاتَ حَياةٍ عاشِقةً للقَمَرِ، و"رَشْحةً" ذاتَ صَفاءٍ مُتَوجِّهةً نحوَ الشَّمسِ، بحيثُ إنِّ لِكُلٍّ مِنها شُعُورًا، ولِكُلٍّ مِنها كَمالًا، وشَوْقًا
— 426 —
نحوَ ذلك الكَمالِ؛ فهذه الأَشياءُ الثَّلاثةُ تُشِيرُ إلى حَقائقَ كَثِيرةٍ، فَضْلًا عن إشاراتِها إلى سُلُوكِ النَّفسِ والعَقلِ والقَلبِ، وهي أَمثِلةٌ لِثَلاثِ طَبَقاتٍ لِأَهلِ الحَقيقةِ:
(حاشية): وفي كلِّ طَبَقة أيضًا ثَلاثُ طَوائفَ. فالأَمثِلةُ الثلاثةُ الوارِدةُ في التَّمثيلِ مُتَوجِّهةٌ إلى الطَّبَقاتِ الثلاثِ التي في كلِّ طَبَقةٍ، بَل إلى الطَّبَقاتِ التِّسعِ التي فيها. لا الطَّبَقاتِ الثلاثِ وَحدَها.
أُولاها: أَهلُ الفِكرِ، وأَهلُ الوِلايةِ، وأَهلُ النُّبوّةِ.. فهذه الأَشياءُ تُشِيرُ إلى هؤلاء.
ثانيَتُها: السَّالِكُون إلى الحَقيقةِ سَعْيًا لِبُلوغِ كَمالِهم بأَجهِزةٍ جِسمانيّةٍ (أي: عن طَرِيقِ الحَواسِّ)، والماضُون إلى الحَقيقةِ بالمُجاهَدةِ بتَزكِيةِ النَّفسِ وإعمالِ العَقلِ، والسّائرُون إلى الحَقيقةِ بتَصفِيةِ القَلبِ والإيمانِ والتَّسليمِ.. فهذه الأَشياءُ أَمثِلةٌ لِهَؤُلاء.
ثالثَتُها: الَّذين حَصَرُوا السُّلُوكَ إلى الحَقيقةِ باستِدلالِهم، ولم يَدَعوا الأَنانيّةَ والغُرُورَ، وأَوغَلُوا في الآثارِ؛ والَّذين يَتَحرَّون الحَقيقةَ بالعِلمِ والحِكمةِ والمَعرِفةِ؛ والَّذين يَصِلُون إلى الحَقيقةِ سَرِيعًا بالإيمانِ والقُرآنِ والفَقرِ والعُبُودِيّةِ.
فالأَشياءُ الثَّلاثةُ تَمثيلاتٌ، تُشِيرُ إلى حِكمةِ الِاختِلافِ في الطَّوائفِ الثَّلاثِ المُتَفاوِتةِ في الِاستِعداداتِ.
فالسِّرُّ الدَّقيقُ والحِكمةُ الواسِعةُ الّ ال يَتَضمَّنُها رُقيُّ هذه الطَّبَقاتِ الثَّلاثِ، نُحاوِلُ أن نُبيِّنَها ضِمنَ تَمثيلٍ وتحتَ عَناوِينِ: "زَهْرةٌ" و"قَطْرةٌ" و"رَشْحةٌ".
فمَثلًا: للشَّمسِ یی بإذنِ خالِقِها وبأَمرِه یی أَنواعٌ ثلاثةٌ مُختَلِفةٌ مِنَ التَّجَلِّي والِانعِكاسِ والإفاضةِ.
أَحَدُها: على الأَزهارِ.
والآخَرُ: على القَمَرِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ.
وآخَرُ: على المَوادِّ اللَّمَّاعةِ كالزُّجاجِ والماءِ.
فالأوَّلُ: مِن هذا التَّجَلِّي والإفاضةِ والِانعِكاسِ على أَوجُهٍ ثلاثةٍ:
الأوَّلُ: تَجَلٍّ كُلِّيٌّ وانعِكاسٌ عُمُوميٌّ، وهو إفاضَتُها على جَميعِ الأَزهارِ.
— 427 —
الثّاني: تَجَلٍّ خاصٌّ، وهو انعِكاسٌ خاصٌّ حَسَبَ كلِّ نَوعٍ.
الثّالثُ: تَجَلٍّ جُزئيٌّ، وهو إفاضةٌ حَسَبَ شَخصِيّةِ كلِّ زَهرةٍ.
هذا، وإنَّ مِثالَنا مَبنيٌّ على الرَّأيِ القائلِ بأنَّ الأَلوانَ الزّاهِيةَ للأَزهارِ إنَّما تَنشَأُ مِنِ انعِكاسِ تَحَلُّلِ الأَلوانِ السَّبعةِ لِضِياءِ الشَّمسِ. وبِناءً على هذا القَولِ فالأَزهارُ أيضًا نَوعٌ مِن مَرايا الشَّمسِ.
ثانيها: هو الفَيضُ والنُّور الَّذي تُعطِيه الشَّمسُ القَمَرَ والكَواكِبَ السَّيّارةَ، بإذنِ الفاطِرِ الحَكِيمِ، فالقَمَرُ يَستَفيدُ مِنَ النُّورِ الَّذي هو في حُكمِ ظِلٍّ لِضِياءِ الشَّمسِ استِفادةً كُلِّيّةً، بعدَ أن أُفيضَ علَيه هذا الفَيضُ الكُلِّيُّ والنُّورُ الواسِعُ، وبعدَ ذلك يُفيدُ القَمَرُ فيَفيضُ بالنُّور بشَكلٍ خاصٍّ على البِحارِ والهَواءِ والتُّرابِ اللّامِعِ، ويَفيضُ بصُورةٍ جُزئيّةٍ على حَباباتِ الماءِ ودَقائقِ التُّرابِ وذَرّاتِ الهَواءِ.
ثالثُها: هو انعِكاسٌ للشَّمسِ، بأَمرٍ إلٰهِيٍّ، انعِكاسًا صافيًا كُلِّیيًّا بلا ظِلٍّ، بحيثُ يَجعَلُ كلًّا مِن جَوِّ الهَواءِ ووَجهِ البِحارِ مَرايا.. ثمَّ إنَّ تلك الشَّمسَ تُعطِي صُورَتَها الجُزئيّةَ وتِمثالَها المُصَغَّرَ إلى كلٍّ مِن حَباباتِ البِحارِ وقَطَراتِ الماءِ ورَشَحاتِ الهَواءِ وبِلَّوْراتِ الثَّلجِ.
وهكذا، فالشَّمسُ في الجِهاتِ الثَّلاثِ المَذكُورةِ لها إفاضةٌ وتَوَجُّهٌ إلى كلِّ زَهرةٍ، وإلى كلِّ قَطرةٍ مُتَوجِّهةٍ للقَمَرِ، وإلى كلِّ رَشحةٍ، بطَريقَينِ اثنَينِ في كلٍّ مِنها:
الطَّريقُ الأوَّلُ: إفاضةٌ مُباشَرةٌ بالأَصالةِ، مِن دُونِ المُرُورِ في البَرزَخِ، وبلا حِجابٍ.. هذا الطَّريقُ يُمَثِّلُ طَرِيقَ النُّبوّةِ.
الطَّريقُ الثّاني: تَتَوسَّطُ فيه البَرازِخُ، إذ قابِلِيّاتُ المَرايا والمَظاهِرِ تُعطِي لَوْنًا لِتَجَلِّياتِ الشَّمسِ.. هذا الطَّرِيقُ يُمَثِّلُ طَرِيقَ الوِلايةِ.
وهكذا، "فالزَّهرةُ" و"القَطرةُ" و"الرَّشحةُ" كلٌّ مِنها تَستَطِيعُ أن تقُولَ في الطَّرِيقِ الأوَّلِ: "أنا مِرآةُ شَمسِ العالَمِ أَجمَعَ". ولكِنَّها لا تَتَمكَّنُ مِن أن تقُولَها في الطَّرِيقِ
— 428 —
الثّاني، بل تقُولُ: "إنَّني مِرآةُ شَمسِي" أو "إنَّني مِرآةٌ للشَّمسِ المُتَجلِّيةِ على نَوعِي"، لأنَّها تَعرِفُ الشَّمسَ هكذا؛ إذ لا تَستَطِيعُ أن تَرَى الشَّمسَ المُتَوجِّهةَ إلى العالَمِ كلِّه، لأنَّ شَمسَ ذلك الشَّخصِ، أو نَوعَه، أو جِنسَه، تَظهَرُ له ضِمنَ بَرزَخٍ ضَيِّقٍ وتحتَ قَيدٍ مَحدُودٍ، فلا يَستَطِيعُ أن يَمنَحَ تلك الشَّمسَ المُقيَّدةَ آثارَ الشَّمسِ المُطلَقةِ بلا قَيدٍ ولا بَرزَخٍ. أي: لا يَستَطِيعُ أن يَمنَحَ بشُهُودٍ قَلبيٍّ دِفْءَ وَجهِ الأَرضِ قاطِبةً وتَنوِيرَه وتَحرِيكَ حَياةِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ جَميعِها وجَعْلَ السَّيّاراتِ تَجرِي حَولَها.. وأَمثالَها مِنَ الآثارِ الجَليلةِ المَهِيبةِ، لا يَستَطِيعُ مَنحَ تلك الشَّمسِ الآثارَ التي شاهَدَها ضِمنَ ذلك القَيدِ الضَّيِّقِ والبَرزَخِ المَحدُودِ.
وحتَّى لو مَنَحَتِ الأَشياءُ الثَّلاثةُ یی الَّتي فَرَضْناها ذاتَ شُعُورٍ یی الشَّمسَ تلك الآثارَ العَجِيبةَ الَّتي تُشاهِدُها تحتَ ذلك القَيدِ، فإنَّها يُمكِنُها أن تَمنَحَها بوَجهٍ عَقليٍّ وإيمانِيٍّ بَحتٍ، وبتَسلِيمٍ تامٍّ مِن أنَّ تلك المُقيَّدةَ هي المُطلَقةُ ذاتُها؛ فتلك "الزَّهرةُ والقَطرةُ والرَّشحةُ" الَّتي فَرَضْناها شَبِيهةً بالإنسانِ العاقِلِ، إسنادُها هذه الأَحكامَ (أي: الآثارَ العَظِيمةَ) إلى شُمُوسِها إسنادٌ عَقليٌّ لا شُهُوديٌّ.. بل قد تَتَصادَمُ أَحكامُها الإيمانيّةُ معَ مَشهُوداتِها الكَونيّةِ، فتُصَدَّقُ بصُعُوبةٍ بالِغةٍ.
وهكذا، فعلَينا نحنُ الثَّلاثةَ الدُّخُولَ إلى هذا التَّمثيلِ المُمتَزِجِ بالحَقيقةِ، والَّذي يَضِيقُ بها ولا يَسَعُها، وتُشاهَدُ في بعضِ جَوانبِه أَعضاءُ الحَقيقةِ:
سنَفتَرِضُ أَنفُسَنا نحنُ الثَّلاثةَ "الزَّهرة" و"القَطرة" و"الرَّشحة"، إذ لا يَكفِي ما افتَرَضْناه مِن شُعُورٍ فيها، فنُلحِقَ بها عُقُولَنا أيضًا. أي: أن نُدرِكَ أنَّ تلك الثَّلاثةَ مِثلَما تَستَفِيضُ مِن شَمسِها المادِّيّةِ، فنحنُ كذلك نَستَفِيضُ مِن شَمسِنا المَعنَوِيّةِ.
فأنت أيُّها الصِّدِّيقُ الَّذي لا يَنسَى الدُّنيا ويُوغِلُ في المادِّيّاتِ وقد غَلُظَتْ نَفسُه وتَكاثَفَت.. كُنِ "الزَّهرةَ". لِأنَّ استِعدادَك شَبِيهٌ بها، إذ إنَّ تلك الزَّهرةَ تَأخُذُ لَوْنًا قد تَحَلَّل مِن ضِياءِ الشَّمسِ وتَمزِجُ مِثالَ الشَّمسِ مِن ذلك اللَّونِ، وتَتَلوَّنُ به في صُورةٍ زاهِيةٍ.
— 429 —
أمّا هذا الفَيلَسُوفُ الَّذي دَرَس في المَدارِسِ الحَدِيثةِ، والمُعتَقِدُ بالأَسبابِ، والَّذي يُشبِهُه "سَعيدٌ القَديمُ"، فلْيَكُنِ "القَطْرةَ" العاشِقةَ للقَمَرِ الَّذي يَمنَحُها ظِلَّ الضِّياءِ المُستَفادِ مِنَ الشَّمسِ فيُعطِي عَينَها نُورًا فتَتَلَألَأُ به.. ولكِنَّ "القَطْرةَ" لا تَرَى بذلك النُّورِ إلّا القَمَرَ، ولا تَستَطِيعُ أن تَرَى به الشَّمسَ، بل يُمكِنُها رُؤيةُ الشَّمسِ بإيمانِها.
ثمَّ إنَّ هذا الفَقيرَ الَّذي يَعتَقِدُ أنَّ كلَّ شيءٍ مِنه تَعالَى مُباشَرةً، ويَعُدُّ الأَسبابَ حِجابًا، لِيَكُن هو "الرَّشحةَ"، فهي رَشحةٌ فَقيرةٌ في ذاتِها، لا شَيءَ لها كي تَستَنِدَ إلَيه وتَعتَمِدَ علَيه كالزَّهرةِ، وليس لها لَونٌ كي تُشاهَدَ به، ولا تَعرِفُ أَشياءَ أُخرَى كي تَتَوجَّهَ إلَيها. فلَها صَفاءٌ خالِصٌ يُخبِّئُ مِثالَ الشَّمسِ في بُؤبُؤِ عَينِها.
والآنَ، ما دُمنا قد حَلَلْنا مَواضِعَ هذه الثَّلاثةِ، علَينا أن نَنظُرَ إلى أَنفُسِنا، لِنَرَى ماذا بنا؟ وماذا نَعمَلُ؟
فها نحن نَنظُرُ، وإذا بالكَرِيمِ يُسبِغُ علَينا نِعَمَه وإحسانَه، فيُنوِّرُنا ويُرَبِّينا ويُجَمِّلُنا؛ والإنسانُ عَبدُ الإحسانِ، ويَسأَلُ القُرْبَ مِمَّن يَستَحِقُّ العِبادةَ والمَحَبّةَ، ويَطلُبُ رُؤيَتَه، لِذا فكُلٌّ مِنّا يَسلُكُ حَسَبَ استِعدادِه بجاذِبةِ تلك المَحَبّةِ.
فيا مَن يُشبِهُ "الزَّهْرةَ".. أنت تَمضِي في سُلُوكِك، ولكِنِ امْضِ وأنت زَهرةٌ؛ وها قد مَضَيتَ، وقد تَرَقَّيتَ تَدرِيجِيًّا حتَّى بَلَغْتَ مَرتَبةً كُلِّيّةً، كأَنَّك أَصبَحتَ بمَثابةِ كلِّ الأَزهارِ.. بَينَما الزَّهرةُ مِرآةٌ كَثيفةٌ، فأَلوانُ الضِّياءِ السَّبعةُ تَنكَسِرُ وتَتَحلَّلُ فيها، فتُخْفِي صُورةَ الشَّمسِ المُنعَكِسةَ، فلن تُوَفَّقَ إلى رُؤْيةِ وَجهِ مَحبُوبِك الشَّمسِ، لأنَّ الأَلوانَ المُقَيَّدةَ، والخَصائِصَ، تُشَتِّتُ ضَوْءَ الشَّمسِ وتُسدِلُ الحِجابَ دُونَه، فيَحجُبُ ما وَراءَه. فأنتَ في هذه الحالةِ لن تَنجُوَ مِنَ الفِراقاتِ النّاشِئةِ مِن تَوَسُّطِ الصُّوَرِ والبَرازِخِ، ولكنَّ النَّجاةَ بشَرطٍ واحِدٍ هو: أن تَرفَعَ رَأسَك السّارِحَ في مَحَبّةِ نَفسِك، وتَكُفَّ نَظَرَك المُستَمتِعَ بمَحاسِنِ نَفسِك والمُغتَرَّ بها، وتَجعَلَه يُحدِّقُ في وَجهِ الشَّمسِ الَّتي هي في كَبِدِ السَّماءِ، ثمَّ تُحَوِّلَ وَجْهَك المُنكَبَّ على التُّرابِ يَسأَلُ الرِّزقَ، إلى الشَّمسِ في عُلاها؛ ذلك لأنَّك مِرآةٌ لتلك الشَّمسِ، ووَظِيفَتُك مِرآتيّةٌ وإظهارٌ لِتَجَلِّيها. أمّا رِزقُك فسيَأتيك
— 430 —
مِن بابِ خَزِينةِ الرَّحمةِ: التُّراب، سَواءٌ أَعلِمتَ أمْ لم تَعلَمْ. نعم، كما أنَّ الزَّهرةَ مِرآةٌ صَغِيرةٌ للشَّمسِ، فإنَّ هذه الشَّمسَ الضَّخْمةَ أيضًا هي مِرآةٌ كقَطْرةٍ في بَحرِ السَّماءِ، تَعكِسُ لَمْعةً مُتَجَلِّيةً مِنِ اسمِ اللهِ "النُّورُ". فأَدْرِكْ يا قَلْبَ الإنسانِ مِن هذا ما أَعظَمَ الشَّمسَ الَّتي أنتَ مِرْآتُها!
فبَعدَما أَنجَزْتَ هذا الشَّرطَ تَجِدُ كَمالَك، ولكن لن تَرَى الشَّمسَ بذاتِها وفي نَفسِ الأَمرِ، بل لا تُدرِكُ تلك الحَقيقةَ مُجَرَّدةً، إذ أَلوانُ صِفاتِك تُعطِيها لَونًا، ومِنظارُك الكَثِيفُ يُلبِسُها صُورةً، وقابِليَّتُك المُقيَّدةُ تُحَدِّدُها تحتَ قَيدٍ.
والآنَ أيُّها الفَيلَسُوفُ الحَكِيمُ الدّاخِلُ في "القَطْرةِ".. إنَّك بمِنظارِ قَطْرةِ فِكْرِك وسُلَّمِ الفَلسَفةِ رَقِيتَ وصَعِدتَ حتَّى بَلَغتَ القَمَرَ، ودَخَلْتَ القَمَرَ.. انظُر: القَمَرُ في ذاتِه كَثِيفٌ مُظلِمٌ، لا ضِياءَ له ولا حَياةَ، فقد ذَهَب سَعْيُك هَباءً وعِلْمُك بلا جَدْوَى ولا نَفْعٍ، فإنَّك تَقْدِرُ أن تَنجُوَ مِن ظُلُماتِ اليَأْسِ ووَحْشةِ الغُربةِ وإزعاجاتِ الأَرواحِ الخَبِيثةِ بهذه الشُّرُوطِ، وهي: أنَّك إن تَرَكتَ لَيلَ الطَّبِيعةِ وتَوَجَّهتَ إلى شَمسِ الحَقيقةِ، واعتَقَدتَ يَقِينًا أنَّ أَنوارَ اللَّيلِ هذا هي ظِلالُ ضِياءِ شَمسِ النَّهار، فإن وَفَيْتَ بهذا الشَّرطِ تَجِدُ كَمالَك، فتَجِدُ الشَّمسَ المَهِيبةَ بَدِيلَ قَمَرٍ فَقِيرٍ مُعتِمٍ؛ ولَكِنَّك أيضًا یی مِثلَ صَدِيقِك الآخَرِ یی لن تَرَى الشَّمسَ صافِيةً، وإنَّما تَراها وَراءَ سَتائِرَ آنَسَها عَقلُك وأَلِفَتْها فَلْسَفَتُك، تَراها خَلْفَ ما نَسَجَها عِلْمُك وحِكمَتُك مِن حُجُبٍ، تَراها في صِبغةٍ أَعطَتْها إيّاها قابِلِيَّتُك.
وهذا صَدِيقُكُمُ الثّالثُ الشَّبِيهُ بی"الرَّشْحةِ" فَقِيرٌ، عَدِيمُ اللَّونِ، يَتَبخَّرُ بسُرعةٍ بحَرارةِ الشَّمسِ، يَدَعُ أَنانيَّتَه ويَمتَطِي البُخارَ فيَصعَدُ إلى الجَوِّ، يَلتَهِبُ ما فيه مِن مادّةٍ كَثِيفةٍ بنارِ العِشقِ، يَنقَلِبُ بالضِّياءِ نُورًا، يُمسِكُ بشُعاعٍ صادِرٍ مِن تَجَلِّياتِ ذلك الضِّياءِ ويَقتَرِبُ مِنه.
فيا مِثالَ الرَّشْحةِ.. ما دُمتَ تُؤدِّي وَظِيفةَ المِرآةِ للشَّمسِ مُباشَرةً، فكُن أَينَما شِئتَ مِنَ المَراتبِ، فيُمكِنُك أن تَجِدَ نافِذةً نَظّارةً صافيةً تُطِلُّ مِنها إلى عَينِ الشَّمسِ بعَينِ اليَقينِ؛ فلا تُعانِيَ صُعُوبةً في إسنادِ الآثارِ العَجِيبةِ للشَّمسِ إلَيها، إذ تَستَطِيعُ أن
— 431 —
تُسنِدَ إلَيْها أَوْصافَها المَهِيبةَ بلا تَرَدُّدٍ، فلا يُمكِنُ أن يُمسِكَ يَدَك ويَكُفَّك شيءٌ قَطْعًا عن إسنادِ الآثارِ المُذهِلةِ لِسَلطَنَتِها الذّاتيّةِ إلَيْها.. فلا يُحَيِّیرُك ضِيقُ البَرازِخِ ولا قَيْدُ القابِليّاتِ ولا صِغَرُ المَرايا، ولا يَسُوقُك إلى خِلافِ الحَقيقةِ شَيءٌ مِن ذلك، لأنَّك صافٍ وخالِصٌ تَنظُرُ إلَيْها مُباشَرةً، ولذلك فقد أَدرَكْتَ أنَّ ما يُشاهَدُ في المَظاهِرِ ويُرَى في المَرايا ليس شَمْسًا، وإنَّما نَوعٌ مِن تَجَلِّياتِها وضَرْبٌ مِنِ انعِكاساتِها المُتَلَوِّنةِ، وأنَّ تلك الِانعِكاساتِ إنَّما هي دَلائلُ وعَناوِينُ لها فحَسْبُ، ولكِنْ لا يُمكِنُها أن تُظهِرَ آثارَ هَيبَتِها جَمِيعًا.
ففي هذا التَّمثيلِ المُمتَزِجِ بالحَقيقةِ يُسلَكُ إلى الكَمالِ بطُرُقٍ ثلاثةٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ، فهم يَتَبايَنُون في مَزايا تلك الكَمالاتِ وفي تَفاصِيلِ مَرتَبةِ الشُّهُودِ، إلّا أنَّهم يَتَّفِقُون في النَّتيجةِ، وفي الإذعانِ للحَقِّ، وفي التَّصدِيقِ بالحَقيقةِ.
هذا، فكما أنَّ إنسانًا لَيْلِيًّا لم يُشاهِدِ الشَّمسَ أَصْلًا، وإنَّما يَرَى ظِلالَها في مِرآةِ القَمَرِ، لا يُمكِنُه أن يُمَكِّنَ في عَقْلِه ويَستَوعِبَ هَيْبةَ الضِّياءِ الخاصِّ بالشَّمسِ وجاذِبَتِها العَظِيمةِ، وإنَّما يُقلِّدُ مَن رآها ويَستَسلِمُ لهم؛ كذلك مَن لم يَبلُغْ بالوِراثةِ النَّبوِيّةِ المَرتَبةَ العُظمَى لِاسْمَيِ "القَدِيرِ" و"المُحيِي" وأَمثالِهما مِنَ الأَسماءِ يَرَى الحَشْرَ الأَعظَمَ والقِيامةَ الكُبْرَى ويَقبَلُها تَقلِيدًا، قائلًا: إنَّها لَيسَت مَسأَلةً عَقلِيّةً، لأنَّ حَقيقةَ الحَشرِ والقِيامةِ مَظاهِرُ لِتَجَلِّي الِاسمِ الأَعظَمِ والمَراتِبِ العُظمَى لِقِسمٍ مِنَ الأَسماءِ. فمَن لم يَرْقَ نَظَرُه إلى تلك المَرتَبةِ يُضطَرُّ إلى التَّقليدِ، بَينَما مَن نَفَذَ فِكْرُه إلى هناك يَرَى الحَشْرَ والقِيامةَ سَهْلةً كسُهُولةِ تَعاقُبِ اللَّيلِ والنَّهارِ والشِّتاءِ والصَّيفِ، فيَرضَى بها مُطمَئِنَّ القَلبِ.
وهكذا، فمِن هذا السِّرِّ يَذكُرُ القُرآنُ الكَرِيمُ الحَشْرَ والقِيامةَ في أَعظَمِ مَرتَبةٍ وفي أَكمَلِ تَفصِيلٍ، وهكذا يُرشِدُ إلَيْهما الرَّسُولُ الأَعظَمُ (ص) الَّذي حَظِيَ بأَنوارِ الِاسمِ الأَعظَمِ؛ أمّا الأَنبِياءُ السَّابقُون عَلَيهم السَّلَام فلم يُبيِّنُوا الحَشْرَ في أَعظَمِ دَرَجةٍ وأَوسَعِ تَفصِيلٍ بل بشَيءٍ مِنَ الإجمالِ، وذلك بمُقتَضَى حِكمةِ الإرشادِ حيثُ كانَت أُمَمُهم على أَحوالٍ ابتِدائيّةٍ بَسِيطةٍ.
— 432 —
ومِن هذا السِّرِّ أيضًا لم يَرَ قِسمٌ مِنَ الأَولياءِ بعضَ أَركانِ الإيمانِ في مَرتَبَتِه العُظمَى أو عَجَزُوا عن أن يُبَيِّنُوه هكذا.
ومِن هذا السِّرِّ أيضًا تَتَفاوَتُ كَثِيرًا دَرَجاتُ العارِفين في مَعرِفةِ اللهِ.
وهكذا تَنكَشِفُ مِن هذه الحَقيقةِ أَسرارٌ كَثيرةٌ أَمثالَ هذه.
والآنَ نَكتَفي بالتَّمثيلِ، لأنَّه يُشعِرُ إلى حَدٍّ مّا بالحَقيقةِ، إذِ الحَقيقةُ واسِعةٌ جِدًّا وعَمِيقةٌ جِدًّا، ولا نَتَدخَّلُ بما هو فَوقَ حَدِّنا مِن أَسرارٍ وبما لا طاقةَ لنا به.

الغُصنُ الثّالث

نَظَرًا لِشَيءٍ مِنَ الغُمُوضِ الَّذي يَكتَنِفُ فَهْمَ قِسمٍ مِنَ الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ الَّتي تَبحَثُ في "عَلاماتِ السّاعةِ وأَحداثِها"، وفي "فَضائلِ الأَعمالِ وثَوابِها"، فقد ضَعَّفها عَدَدٌ مِن أَهلِ العِلمِ المُعتَدِّين بعُقُولِهم، ووَضَعُوا بعضَها في عِدادِ "المَوضُوعاتِ"؛ وتَطَرَّف آخَرُون مِن ضِعافِ الإيمانِ المَغرُورِين بعُقُولِهم فذَهَبُوا إلى إنكارِها؛ ونحنُ هنا لا نُرِيدُ أن نُناقِشَهم تَفصِيلًا، بل نُنَبِّهُ إلى "اثنَيْ عَشَرَ" أَصْلًا مِنَ الأُصُولِ والقَواعِدِ العامّةِ الَّتي يُمكِنُ الِاستِهداءُ بها في فَهْمِ هذه الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ مَوضُوعِ البَحثِ.
الأصلُ الأوَّلُ: وهو المَسأَلةُ الَّتي بَيَّنّاها في الجَوابِ عنِ السُّؤالِ الوارِدِ في نِهايةِ "الكَلِمةِ العِشرِين" ومُجمَلُها: أنَّ الدِّينَ امتِحانٌ واختِبارٌ، يُمَيِّیزُ الأَرواحَ العالِيةَ مِنَ الأَرواحِ السّافِلةِ؛ لِذا يَبحَثُ في الحَوادِثِ الَّتي سيَشهَدُها النّاسُ في المُستَقبَلِ بصِيغةٍ لَيسَت مَجهُولةً ومُبهَمةً إلى حَدِّ استِعصاءِ فَهْمِها، ولَيسَت واضِحةً وُضُوحَ البَداهةِ الَّتي لا مَناصَ مِن تَصدِيقِها، بل يَعرِضُها عَرْضًا مُنفَتِحًا على العُقُولِ، لا يُعجِزُها، ولا يَسلُبُ مِنها القُدرةَ على الِاختِيارِ؛ فلو ظَهَرَت عَلامةٌ مِن عَلاماتِ السّاعةِ بوُضُوحٍ كوُضُوحِ البَدِيهيّاتِ، واضطُرَّ النّاسُ إلى التَّصدِيقِ، لَتَساوَى عِندَئذٍ استِعدادٌ كالفَحْمِ في خَساسَتِه مع استِعدادٍ آخَرَ كالأَلماسِ في نَفاسَتِه، ولَضاعَ سِرُّ التَّكليفِ وضاعَت نَتِيجةُ الِامتِحانِ سُدًى.
— 433 —
فلِأَجلِ هذا ظَهَرَتِ اختِلافاتٌ كَثيرةٌ في مَسائلَ عَدِيدةٍ، كمَسائلِ المَهدِيِّ والسُّفيانِيِّ، وصَدَرَت أَحكامٌ مُتَضارِبةٌ لكَثرةِ الِاختِلافِ في الرِّواياتِ.
الأصلُ الثّاني: للمَسائلِ الإسلاميّةِ طَبَقاتٌ ومَراتِبُ، فبَينَما تَحتاجُ إحداها إلى بُرهانٍ قَطعِيٍّ، كما في مَسائلِ العَقائدِ، تَكتَفي الأُخرَى بغَلَبةِ الظَّنِّ، وأُخرَى إلى مُجَرَّدِ التَّسليمِ والقَبُولِ وعَدَمِ الرَّفضِ.
لهذا لا يُطلَبُ بُرهانٌ قَطعِيٌّ وإذعانٌ يَقينيٌّ في كلِّ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الفُرُوعِ أوِ الأَحداثِ الزَّمانيّةِ الَّتي هي لَيسَت مِن أُسُسِ الإيمان، بل يُكتَفَى بالتَّسلِيمِ وعَدَمِ الرَّفضِ.
الأصلُ الثّالثُ: لقد أَسلَمَ كَثيرٌ مِن عُلَماءِ بَني إسرائيلَ والنَّصارَى في عَهْدِ الصَّحابةِ الكِرامِ رَضِيَ الله عَنهُم، وحَمَلُوا معَهم إلى الإسلامِ مَعلُوماتِهِمُ السّابِقةَ، فأُخِذَ وَهْمًا غيرُ قَلِيلٍ مِن تلك المَعلُوماتِ السّابِقةِ المُخالِفةِ لِواقِعِ الحالِ كأنَّها مِنَ العُلُومِ الإسلاميّةِ.
الأصلُ الرّابعُ: لقد أُدرِجَ شَيءٌ مِن أَقوالِ الرُّواةِ، أوِ المَعاني الَّتي استَنبَطُوها ضِمنَ مَتنِ الحَدِيثِ، فأُخِذَت على عِلّاتِها؛ ولَمّا كان الإنسانُ لا يَسلَمُ مِن خَطَأٍ، ظَهَر شَيءٌ مِن تلك الأَقوالِ والِاستِنباطاتِ مُخالِفًا للواقِعِ، مِمّا سبَّبَ ضَعْفَ الحَدِيثِ.
الأصلُ الخامِسُ: اعتُبِر بعضُ المَعاني المُلهَمةِ للأَولياءِ وأَهلِ الكَشفِ مِنَ المُحَدِّثين على أنَّها أَحادِيثُ، بِناءً على أنَّ في الأُمّةِ مُحَدَّثين، أي: مُلهَمِين؛ ومِنَ المَعلُومِ أنَّ إلهامَ الأَولياءِ قد يكُونُ خَطَأً لبَعضِ العَوارِضِ، فيُمكِنُ أن يَظهَرَ ما يُخالِفُ الحَقيقةَ في أَمثالِ هذا النَّوعِ مِنَ الرِّواياتِ.
الأصلُ السّادِسُ: تَشتَهِرُ بعضُ الحِكاياتِ بينَ النّاسِ، فتَجرِي تلك الحِكايةُ مَجرَى الأَمثالِ، والأَمثالُ لا يُنظَر إلى مَعناها الحَقيقيِّ، وإنَّما يُنظَرُ إلى الهَدَفِ الَّذي يُساقُ إلَيْه المَثَلُ، لهذا كان في بعضِ الأَحادِيثِ ذِكرُ بعضِ ما تَعارَف علَيه النّاسُ مِن قِصَصٍ وحِكاياتٍ كِنايةً وتَمثِيلًا على سَبِيلِ التَّوجِيهِ والإرشادِ. فإن كان هناك نَقْصٌ وقُصُورٌ في المَعنَى الحَقيقيِّ في مِثلِ هذه المَسائلِ، فهو يَعُودُ إلى أَعرافِ النّاسِ وعاداتِهم، ويَرجِعُ إلى ما تَسامَعُوه وتَعارَفُوا علَيه مِن حِكاياتٍ.
— 434 —
الأصلُ السّابعُ: هناك كَثيرٌ مِنَ التَّشبِيهاتِ والتَّمثِيلاتِ البَلاغِيّةِ تُؤخَذُ كحَقائقَ مادِّيّةٍ، إمّا بمُرُورِ الزَّمَنِ، أو بانتِقالِها مِن يَدِ العِلمِ إلى يَدِ الجَهلِ، فيَقَعُ النّاسُ في الخَطَأِ مِن حُسْبانِ تلك التَّشبِيهاتِ حَقائقَ مادِّيّةً.
فمَثلًا: إنَّ المَلَكَينِ المُسَمَّيَينِ بالثَّورِ والحُوتِ، والمُتَمَثِّلَينِ على صُورَتَيهِما في عالَمِ المِثالِ، وهما مِن مَلائِكةِ اللهِ المُشرِفةِ على الحَيَواناتِ البَرِّيّةِ والبَحرِيّةِ، قد تَحَوَّلا إلى ثَوْرٍ ضَخْمٍ وحُوتٍ مُجَسَّمٍ في ظَنِّ النّاسِ وتَصَوُّرِهمُ الخَطَأِ، مِمّا أَدَّى إلى الِاعتِراضِ على الحَدِيثِ.
ومَثلًا: سُمِعَ صَوْتٌ في مَجلِسِ الرَّسُولِ (ص)، فقالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فهُوَ يَهْوِي في النَّارِ الآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا». فالَّذي يَسمَعُ بهذا الحَدِيثِ ولم تَتَبيَّنْ له الحَقِيقةُ يُنكِرُه، فيَزِيغُ، ولكِنْ إذا عَلِمَ ما هو ثابِتٌ قَطْعًا، أنَّه بعدَ مُدّةٍ وَجِيزةٍ جاءَ أَحَدُهم فأَخبَرَ النَّبِيَّ (ص) أنَّ المُنافِقَ الفُلانِيَّ المَشهُورَ قد ماتَ قَبلَ هُنَيْهةٍ، عِندَئذٍ يَتَيقَّنُ أنَّ الرَّسُولَ (ص) قد صَوَّرَ ببَلاغَتِه النَّبَوِيّةِ الفائِقةِ ذلك المُنافِقَ الَّذي دَخَلَ السَّبعِينَ مِن عُمُرِه حَجَرًا يَتَدحْرَجُ إلى قَعْرِ جَهَنَّمَ، حيثُ إنَّ حَياتَه كُلَّها سُقُوطٌ إلى الكُفْرِ، وتَرَدٍّ إلى أَسْفَلِ سافِلِين، وقد أَسْمَعَ اللهُ سُبحانَه ذلك الصَّوْتَ في لَحْظةِ مَوْتِ ذلك المُنافِقِ وجَعَلَه عَلامةً علَيه.
الأصلُ الثّامِنُ: يُخفي الحَكِيمُ العَلِيمُ في دارِ الِامتِحانِ ومَيدانِ الِابتِلاءِ هذا، أُمُورًا مُهِمّةً جِدًّا بينَ ثَنايا كَثْرةٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَرتَبِطُ بهذا الإخفاءِ حِكَمٌ كَثيرةٌ ومَصالِحُ شَتَّى.
فمَثلًا: قد أَخفَى سُبحانَه وتَعالَى "لَيلةَ القَدْرِ" في شَهرِ رَمَضانَ، و"ساعةَ الإجابةِ" في يَومِ الجُمُعةِ، و"أَولياءَه الصّالِحِين" بينَ مَجامِيعِ البَشَرِ، و"الأَجَلَ" في العُمُر، و"قِيامَ السّاعةِ" في عُمُرِ الدُّنيا.. وهكذا، فلو كانَ أَجَلُ الإنسانِ مُعَيَّنًا ومَعلُومًا وَقتُه، لَقَضَى هذا الإنسانُ المِسكِينُ نِصْفَ عُمُرِه في غَفْلةٍ تامّةٍ، ونِصفَه الآخَرَ مَرعُوبًا مَدهُوشًا كمَن يُساقُ خَطْوةً خَطْوةً نحوَ حَبْلِ المِشْنَقةِ؛ بَينَما تَقتَضِي المُحافَظةُ على التَّوازُنِ المَطلُوبِ بينَ الدُّنيا والآخِرةِ ومَصلَحةُ بقاءِ الإنسانِ مُعَلَّقًا قَلبُه بينَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، أن تكُونَ في
— 435 —
كُلِّ دَقيقةٍ تَمُرُّ بالإنسانِ إمكانُ حُدُوثِ المَوتِ أوِ استِمرارِ الحَياةِ.. وعلى هذا يُرجَّحُ عِشرُون سَنةً مِن عُمُرٍ مَجهُولِ الأَجَلِ على أَلفِ سَنةٍ مِن عُمُرٍ مَعلُومِ الأَجَلِ.
وهكذا، فقِيامُ السّاعةِ هو أَجَلُ هذه الدُّنيا الَّتي هي كإنسانٍ كَبِيرٍ، فلو كان وَقتُه مُعَيَّنًا ومُعْلَنًا لَمَضَتِ القُرُونُ الأُولَى والوُسْطَى سادِرةً في نَومِ الغَفلةِ، بَينَما تَظَلُّ القُرُونُ الأَخيرةُ في رُعبٍ ودَهشةٍ، ذلك لأنَّ الإنسانَ وَطِيدُ العَلاقةِ بحَياةِ مَسكَنِه الأَكبَرِ وبلَدِه الأَعظَمِ: الدُّنيا، بحُكْمِ حَياتِه الِاجتِماعيّةِ والإنسانيّةِ، مِثلَما يَرتَبِطُ بمَسكَنِه وبلَدِه بحُكْمِ حَياتِه اليَوميّةِ والشَّخصِيّةِ.
نَفهَمُ مِن هذا أنَّ القُربَ المَذكُورَ في الآيةِ الكَرِيمةِ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ لا يُناقِضُه مُرُورُ أَلفِ سَنةٍ ونَيِّفٍ، إذِ السّاعةُ أَجَلُ الدُّنيا. وما نِسبةُ أَلفِ سَنةٍ أو أَلفَينِ مِنَ السِّنينَ إلى عُمُرِ الدُّنيا إلّا كنِسبةِ يَومٍ أو يَومَينِ أو دَقيقةٍ ودَقيقتَينِ إلى سِنِيْ العُمُرِ.
فلا يَنبَغي أن يَغِيبَ عن بالِنا أنَّ يَومَ القِيامةِ ليس أَجَلَ الإنسانيّةِ فحَسْبُ حتَّى يُقاسَ قُربُه وبُعْدُه بمِقياسِ عُمُرِها، بل هو أَجَلُ الكائِناتِ والسَّماواتِ والأَرضِ ذاتِ الأَعمارِ المَهُولةِ الَّتي تَنِدُّ عنِ القِياسِ والحِسابِ.
ولِأَجلِ هذا فقد أَخفَى الحَكِيمُ العَلِيمُ مَوعِدَ قِيامِ السّاعةِ في عِلمِه بينَ المُغيَّباتِ الخَمسةِ، وكان مِن حِكمةِ الإخفاءِ هذا أن يَخشَى النّاسُ في جَمِيعِ العُصُورِ قِيامَ السّاعةِ، حتَّى الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيهم كانُوا أَشَدَّ خَشْيةً مِن قِيامِها في زَمَنِهم مِن غَيرِهم، معَ أنَّهم كانُوا يَعيشُون في خَيرِ القُرُونِ، وهو قَرْنُ السَّعادةِ وانجِلاءِ الحَقائقِ، بل قال بعضُهم: إنَّ أَشراطَ السّاعةِ وعَلاماتِها قد تَحَقَّقَت. فالَّذين يَجهَلُون حِكمةَ الإخفاءِ وحَقيقَتَه في الوَقتِ الحاضِرِ يقُولُون ظُلْمًا: كيفَ ظَنَّ الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيهم قُرْبَ وُقُوعِ حَقيقةٍ مُهِمّةٍ وخَطِيرةٍ ستَأتِي بعدَ أَلفٍ وأَربعِ مِئةِ سَنةٍ، ظَنُّوها قَرِيبةً في عَصْرِهم؛ عِلْمًا بأنَّهم كانُوا أَقْدرَ المُسلِمين وأَفضَلَهم في إدراكِ مَعانِي الآخِرةِ، وأَحَدَّ المُؤمنين بَصِيرةً وأَرهَفَهم حِسًّا بإرهاصاتِ ما سيَأتِي به الزَّمَنُ؟ لَكَأنَّ فِكْرَهم قد حادَ عنِ الحَقيقةِ أَلفَ سَنةٍ!
— 436 —
الجَوابُ: لِأَنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ یی رَضِيَ الله عَنهُم أَجمَعِين یی كانُوا أَكثرَ النّاسِ تَفَكُّرًا بالآخِرةِ، وأَرسَخَهم يَقِينًا بفَناءِ الدُّنيا، وأَوْسَعَهم فِقهًا بحِكْمةِ إخفاءِ اللهِ سُبحانَه لِوَقتِ القِيامةِ، وذلك بفَضْلِ نُورِ الصُّحبةِ النَّبوِيّةِ وفَيضِها علَيهم، لِذا كانُوا مُنتَظِرين أَجَلَ الدُّنيا، مُتَهيِّئين لِمَوتِها كمَن يَنتَظِرُ أَجَلَه الشَّخصِيَّ، فسَعَوْا لِآخِرَتِهم سَعْيًا حَثِيثًا.
ثمَّ إنَّ تَكرارَ الرَّسُولِ (ص): ".. فانتَظِروا السّاعةَ" نابِعٌ مِن هذه الحِكمةِ، حِكمةِ الإخفاءِ والإبهامِ، وفيه إرشادٌ نَبَوِيٌّ بَلِيغٌ، وليس تَعيِينًا لِمَوعِدِ السّاعةِ بالوَحْيِ، حتَّى يُظَنَّ بُعدُه عنِ الحَقيقةِ، إذِ الحِكمةُ شَيءٌ يَختَلِفُ عنِ العِلّةِ. وهكذا، فالأَحادِيثُ الشَّرِيفةُ الَّتي هي مِن هذا القَبِيلِ نابِعةٌ مِن حِكمةِ الإخفاءِ والإبهامِ.
وبِناءً على هذه الحِكمةِ نَفسِها، فقدِ انتَظَر النّاسُ مُنذُ زَمَنٍ مَدِيدٍ، بل مُنذُ زَمَنِ التّابعِين، ظُهُورَ المَهدِيِّ والدَّجّالِ السُّفيانِيِّ، على أَمَلِ اللَّحاقِ بهم، حتَّى قالَ قِسمٌ مِنَ الأَولياءِ الصّالِحين بفَواتِ وَقتِهم!
فالحِكمةُ في عَدَمِ تَعيِينِ أَوقاتِ ظُهُورِهم هي الحِكمةُ نَفسُها في عَدَمِ تَعيِينِ يَومِ القِيامةِ. وتَتَلخَّصُ بما يَأتِي: إنَّ كلَّ وَقتٍ وكلَّ عَصْرٍ بحاجةٍ إلى "مَعنَى" المَهدِيِّ الَّذي يكُونُ أَساسًا للقُوّةِ المَعنَوِيّةِ، وخَلاصًا مِنَ اليَأْسِ. فيَلزَمُ أن يكُونَ لكُلِّ عَصْرٍ نَصِيبٌ مِن هذا المَعنَى. وكذلك يَجِبُ أن يكُونَ النّاسُ في كلِّ عَصْرٍ مُتَيقِّظين وحَذِرِين مِن شَخصِيّاتٍ شِرِّيرةٍ تكُونُ على رَأْسِ النِّفاقِ، وتَقُودُ تَيّارًا عَظِيمًا مِنَ الشَّرِّ، وذلك لِئَلّا يَرتَخِيَ عِنانُ النَّفسِ بالتَّسَيُّبِ وعَدَمِ المُبالاةِ. فلو كانَت أَوقاتُ ظُهُورِ المَهدِيِّ والدَّجّالِ وأَمثالِهما مِنَ الأَشخاصِ مُعَيَّنةً لَضاعَت مَصْلَحةُ الإرشادِ والتَّوجِيهِ.
أمّا سِرُّ الِاختِلافِ في الرِّواياتِ الوارِدةِ في حَقِّهما فهو: أنَّ الَّذين فَسَّروا تلك الأَحادِيثَ الشَّرِيفةَ قد أَدمَجُوا استِنباطاتِهم واجتِهاداتِهمُ الشَّخصِيّةَ معَ مَتْنِ الحَدِيثِ، كتَفسِيرِهم أنَّ وَقائِعَ المَهديِّ وأَحداثَ الدَّجّالِ تَقَعُ حَولَ الشّامِ والبَصْرةِ والكُوفةِ حَسَبَ تَصَوُّرِهم، إذ كانَت تلك المُدُنُ تَقَعُ حَولَ مَركَزِ الخِلافةِ يَومَئذٍ في المَدِينةِ المُنَوَّرةِ والشّامِ.
— 437 —
أو أنَّهم فَسَّرُوا تلك الأَحادِيثَ بأنَّ الآثارَ العَظِيمةَ الَّتي تُمَثِّیلُ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ لأُولَئك الأَشخاصِ أو تَقُومُ بها جَماعاتُهم، تَصَوَّرُوها ناشِئةً مِن شَخصِيَّتِهمُ الذّاتيّةِ الفَردِيّةِ، مِمّا أَدَّى إلى أن يُفهَمَ أنَّ هؤلاء الأَشخاصَ سيَظهَرُون ظُهُورًا خارِقًا للعادةِ، فيَعرِفُهم جَميعُ النّاسِ، والحالُ یی كما قلنا یی أنَّ الدُّنيا مَيدانُ اختِبارٍ وامتِحانٍ، وأنَّ اللهَ تَعالَى عِندَما يَختَبِرُ الإنسانَ لا يَسلُبُ مِنه الِاختِيارَ، بل يَفتَحُ البابَ أمامَ عَقْلِه؛ لِذا فهؤلاء الأَشخاصُ یی أيِ: الدَّجّالُ والمَهدِيُّ یی لا يُعرَفُون مِن قِبَلِ كَثيرٍ مِنَ النّاسِ عندَ ظُهُورِهم، بل لا يَعرِفُ ذلك الدَّجّالُ الرَّهِيبُ نَفسُه أنّه دَجّالٌ بادِئَ الأَمرِ، وإنَّما يَعرِفُهم مَن يَنظُرُ إلَيهم بنُورِ الإيمانِ النّافِذِ إلى الأَعماقِ.
والدَّجّالُ الَّذي هو مِن عَلاماتِ السّاعةِ أَخبَرَ عنه الرَّسُولُ (ص) أنَّ يَومًا مِن أيّامِه كسَنةٍ، ويَومًا كشَهْرٍ، ويَومًا كجُمُعةٍ، وسائرَ أيّامِه كأيّامِكم. وأنَّ الدُّنيا تَسمَعُ صَوتَه، ويَسِيحُ في الأَرضِ في أَربَعِين يَومًا.
فالَّذين لم يُنصِفُوا قالُوا: هذه الرِّوايةُ ضَرْبٌ مِنَ المُحالاتِ! وأَنكَرُوها. حاشَ للهِ، بل إنَّ حَقِيقتَها یی والعِلمُ عندَ اللهِ یی هي الآتي: إنَّ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ إشارةً إلى ظُهُورِ شَخْصٍ مِن جِهةِ الشَّمالِ، الَّذي هو أَكثَفُ مَنطِقةٍ لِعالَمِ الكُفرِ، يَقُودُ تَيّارًا عَظِيمًا يَتَمَخَّضُ عنِ المادِّيّةِ الجاحِدةِ، ويَدعُو إلى الإلحادِ وإنكارِ الخالقِ. فمَعنَى الحَديثِ فيه إشارةٌ إلى ظُهُورِ هذا الشَّخصِ مِن شَمالِ العالَمِ.
وتَتَضمَّنُ هذه الإشارةُ رَمْزًا حَكِيمًا وهو: أنَّ الدّائرةَ القَرِيبةَ للقُطبِ الشَّماليِّ تكُونُ السَّنةُ فيها يَومًا ولَيلةً، حيثُ إنَّ سِتّةَ أَشهُرٍ مِنها لَيلٌ، والسِّتّةَ الأُخرَى نَهارٌ. أي: يَومُ الدَّجّالِ هذا سَنةٌ واحِدةٌ كما وَرَد: "يَومٌ كسَنةٍ". فهذه إشارةٌ إلى ظُهُورِه قَرِيبًا مِن تلك الدّائرةِ.
أمّا المُرادُ بی"يَومٌ كشَهْرٍ" فهو أنَّه كُلَّما تَقَدَّمْنا مِنَ الشَّمالِ نَحوَ مَناطِقِنا يكُونُ النَّهارُ أَحيانًا شَهرًا كامِلًا، حيثُ لا تَغرُبُ الشَّمسُ شَهرًا في الصَّيفِ. وهذه إشارةٌ أيضًا إلى تَجاوُزِ الدَّجّالِ إلى عالَمِ الحَضارةِ بعدَ ظُهُورِه في الشَّمالِ. وهذه الإشارةُ آتيةٌ مِن إسنادِ اليومِ إلى الدَّجّالِ.. وهكذا كلَّما اقتَرَبْنا نُیزُولًا مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ نَرَى
— 438 —
الشَّمسَ لا تَغرُبُ أُسبُوعًا، إلى أن يكُون الفَرقُ في الشُّروقِ والغُروبِ ثلاثَ ساعاتٍ.. وقد كُنتُ في مكانٍ كهذا عِندَما كنتُ أَسِيرًا في رُوسيا، فكانَتِ الشَّمسُ لا تَغرُبُ أُسبُوعًا في مَكانٍ قَرِيبٍ مِنّا، حتَّى كان النّاسُ يَخرُجُون لِمُشاهَدةِ المَنظَرِ الغَرِيبِ للغُرُوبِ.
أمَّا بُلُوغُ صَوْتِ الدَّجّالِ إلى أَنحاءِ العالَمِ، وأنَّه يَطُوفُ الأَرضَ في أَربَعين يَومًا، فقد حَلَّتْهما أَجهِزةُ الرّاديُو والمُخابَرةِ ووَسائلُ النَّقلِ الحاضِرةُ مِن قِطاراتٍ وطائراتٍ. فالَّذين أَنكَرُوا هاتَينِ الحالتَينِ مِنَ المُلحِدِين بالأَمسِ وعَدُّوهما مِنَ المُحالاتِ يَرَونَهما اليَومَ مِنَ الأُمُورِ العادِيّةِ.
أمَّا يأجُوجُ ومأجُوجُ والسَّدُّ اللَّذانِ هما مِن عَلاماتِ السّاعةِ، فقد كَتَبتُ عنهما بشَيءٍ مِنَ التَّفصِيلِ في رِسالةٍ أُخرَى، أُحِيلُ إلَيها، أمّا هنا فأَقُولُ: إنَّه مِثلَما دَمَّرتْ قَبِيلَتا المانجُورِ والمَغُولِ بالأَمسِ المُجتَمَعاتِ البَشَرِيّةَ وكانُوا السَّببَ في بِناءِ سَدِّ الصِّينِ، فهناك رِواياتٌ تُشِيرُ إلى أنَّه معَ قُرْبِ قِيامِ السّاعةِ ستَسقُطُ الحَضارةُ الجَدِيدةُ أيضًا وتَنهارُ تحتَ ضَرَباتِ أَقدامِ أَفكارِهمُ الإرهابيّةِ والفَوضَوِيّةِ المُرعِبةِ.
وهنا يَتَساءَلُ عَدَدٌ مِنَ المَلاحِدةِ: أين هذه الطّائفةُ مِنَ البَشَرِ، الَّتي قامَت وستَقُومُ بمِثلِ هذه الأَفعالِ؟
الجَوابُ: كما أنّ الجَرادَ آفةٌ زِراعيّةٌ تَكتَسِحُ مَنطِقةً مُعيَّنةً في مَوسِمٍ مُعيَّنٍ، ثمَّ تَختَفي تَبَعًا لِتَبَدُّلِ المَوسِمِ. فإنَّ خَواصَّ تلك الأَجناسِ الَّتي أَبادَتْ تلك المَنطِقةَ مَخبُوءةٌ في حَنايا بعضِ أَفرادٍ مَحدُودِين مِنها، فتَظهَرُ تلك الآفةُ نَفسُها، بأَمرٍ إلٰهِيٍّ، في مَوسِمٍ مُعيَّنٍ، وبكَثرةٍ ساحِقةٍ، أي: إنَّ حَقيقةَ أَجناسِها تَنزَوِي ولا تَضْمَحِلُّ، لِتَظهَرَ مِن جَديدٍ في مَوسِمٍ مُعيَّنٍ.
فكما أنَّ الأَمرَ هكذا في الجَرادِ، فإنَّ الأَقوامَ الَّذين أَشاعُوا الفَسادَ في العالَمِ في وَقتٍ مّا، سيَظهَرُون عِندَ مَوعِدٍ مُحدَّدٍ لهم لإهلاكِ البَشَرِيّةِ بأَمرٍ إلٰهِيٍّ وبمَشِيئتِه سُبحانَه، فيُدَمِّرُون الحَضارةَ البَشَرِيّةَ مَرّةً أُخرَى، ولكِنَّ إثارتَهم وتَحرِيكَهم سيكُونُ بنَمَطٍ آخَرَ. ولا يَعلَمُ الغَيبَ إلّا اللهُ.
— 439 —
الأصلُ التّاسِع: إنَّ حَصِيلةَ قِسمٍ مِنَ المَسائلِ الإيمانيّةِ مُتَوجِّهةٌ إلى أُمُورٍ تَتَعلَّقُ بهذا العالَمِ الضَّيِّقِ المُقيَّدِ، والقِسمُ الآخَرُ مِنها يَرنُو إلى العالَمِ الأُخرَوِيِّ الواسِعِ الطَّليقِ؛ وحيثُ إنَّ قِسمًا مِنَ الأَحادِيثِ النَّبَوِيّةِ الوارِدةِ في فَضائلِ الأَعمالِ قد عبَّر عنها الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) بأُسلُوبٍ بَلاغيٍّ يُناسِبُ التَّرغِيبَ والتَّرهِيبَ، فقد ظَنَّ مَن لا يُنعِمُ النَّظَرَ أنَّ تلك الأَحادِيثَ الشَّرِيفةَ تَحمِلُ مُبالَغةً! كلّا، إنَّها جَميعًا لَعَينُ الحَقِّ ومَحْضُ الحَقيقةِ، وليس فيها مُبالَغةٌ قَطُّ.
مِثالٌ: إنَّ الَّذي يَخرِشُ أَذهانَ المُتعَسِّفين ويُثيرُها هو الحَدِيثُ الآتي: «لو كانَتِ الدُّنيا تَعدِلُ عندَ اللهِ جَناحَ بَعُوضةٍ ما شَرِبَ الكافِرُ مِنها جَرعةَ ماءٍ». أو كما قالَ. وحَقيقَتُه هي:
أنَّ كَلِمةَ "عِندَ اللهِ" تُعبِّرُ عنِ العالَمِ الباقي، فالنُّورُ المُنبَثِقُ مِن عالَم البَقاءِ، ولو بمِقدارِ جَناحِ بَعُوضةٍ هو أوسعُ وأعمُّ، لأنه أَبَديٌّ، من نُورٍ مؤقَّت ولو كان يَملَأ الأرضَ. أي: إنَّ الحَدِيثَ لا يَعقِدُ مُوازَنةً بينَ جَناحِ البَعُوضِ والعالَمِ الكَبِيرِ، وإنَّما المُوازَنةُ هي بينَ دُنيا كلِّ فَرْدٍ، مَحصُورةٍ في عُمُرِه القَصِيرِ، وبينَ النُّورِ الدّائِمِ المُشِعِّ، ولو بمِقدارِ جَناحِ بَعُوضةٍ مِنَ الفَيضِ الإلٰهِيِّ وإحسانِه العَمِيمِ.
ثمَّ إنَّ الدُّنيا لها وَجهانِ، بل ثلاثةُ أَوجُهٍ:
الأوَّلُ: وَجهٌ كالمِرآة يَعكِسُ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى.
والثاني: وَجهٌ يَنظُرُ إلى الآخِرةِ، أي: أنَّ الدُّنيا مَزرَعةُ الآخِرةِ.
أمَّا الثّالِثُ: فهو الوَجهُ الَّذي يَنظُرُ إلى العَدَمِ والفَناءِ، فهذا الوَجهُ الأَخِيرُ هو الدُّنيا غيرُ المَرضِيّةِ عندَ اللهِ، وهي المَعرُوفةُ بدُنيا أَهلِ الضَّلالةِ.
إذًا، فالدُّنيا المَذكُورةُ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ لَيسَت بالدُّنيا العَظِيمةِ الَّتي هي كمَرايا للأَسماءِ الحُسنَى ورَسائلَ صَمَدانيّةٍ، ولا هي بالدُّنيا الَّتي هي مَزرَعةٌ للآخِرةِ؛ وإنَّما هي الدُّنيا الَّتي هي نَقِيضُ الآخِرةِ ومَنشَأُ جَمِيعِ الخَطايا والذُّنُوبِ، ومَنبَعُ كلِّ البَلايا والمَصائبِ، هي دُنيا عَبَدَةِ الدُّنيا الَّتي لا تَعدِلُ ذَرّةً واحِدةً مِن عالَمِ الآخِرةِ السَّرمَدِيِّ
— 440 —
المَمنُوحِ لعِبادِ اللهِ المُؤمِنين. فأينَ هذه الحَقِيقةُ الصّادِقةُ الصّائبةُ مِن فَهْمِ أَهلِ الإلحادِ الظّالِمين لِما ظَنُّوه مُبالَغةً؟!
ومِثالٌ آخَرُ: هو ما ذَهَب إلَيْه المُلحِدُون وتَمادَوا فيه بتَعَسُّفِهم، حينَ ظَنُّوا أنَّ ما وَرَد مِنَ الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ حَولَ ثَوابِ الأَعمالِ وفَضائلِ بعضِ السُّوَرِ في القُرآنِ الكَرِيمِ مُبالَغةٌ غيرُ مَعقُولةٍ، بل حتَّى قالُوا: إنَّها مُحالةٌ!
فقد وَرَد یی مَثلًا یی أنَّ سُورةَ "الفاتِحةِ" لها ثَوابُ القُرآنِ، وسُورةَ "الإخلاصِ" تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، وسُورةَ "الزِّلزالِ" رُبُعُ القُرآنِ، ١ وسُورةَ "الكافِرُون" رُبُعُ القُرآنِ، وسُورةَ "يسٓ" لها ثَوابُ عَشَرةِ أَمثالِ القُرآنِ. فالَّذين لا يُنعِمُون النَّظَرَ وليس لهم إنصافٌ وتَرَوٍّ يَدَّعُون استِحالةَ هذه الرِّواياتِ! إذ يقُولُون: كيفَ تكُون لِسُورةِ "يسٓ" هذه الفَضِيلةُ وهي سُورةٌ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ وهناك سُوَرٌ أُخرَى فاضِلةٌ؟!
إنَّ حَقِيقةَ هذه الرِّواياتِ هي: أنَّ لِكُلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ القُرآنِ الكَرِيمِ ثَوابًا، وهو حَسَنةٌ واحِدةٌ، ولكِن بفَضلِ اللهِ وكَرَمِه يَتَضاعَفُ ثَوابُ هذه الحُرُوفِ ويُثمِرُ حِينًا عَشْرَ حَسَناتٍ، وأَحيانًا سَبعِين، وأُخرَى سَبْعَ مِئةٍ (كما في حُرُوفِ آيةِ الكُرسِيِّ) ورابعةً: أَلفًا وخَمْسَ مِئةٍ (كما في حُرُوفِ سُورةِ الإخلاصِ) وخامِسةً: عَشَرةَ آلافِ حَسَنةٍ (كقِراءةِ الآياتِ في الأَوقاتِ الفاضِلةِ ولَيلةِ النِّصفِ مِن شَعبانَ) وسادِسةً: ثلاثين أَلفًا مِنَ الحَسَناتِ (كما في قِراءةِ الآياتِ في لَيلةِ القَدْرِ) فتَتَضاعَفُ هذه الحَسَناتُ كما تَتَكاثَرُ بُذُورُ الخَشْخاشِ. ويُمكِنُ فَهمُ تَضاعُفِ الثَّوابِ إلى ثَلاثين أَلفًا مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
وهكذا، فلا يُمكِنُ مُقايَسةُ ولا مُوازَنةُ القُرآنِ الكَرِيمِ معَ وُجُودِ هذا التَّضاعُفِ العَدَدِيِّ التَّصاعُدِيّ للثَّوابِ المَذكُورِ، وإنَّما يُمكِنُ ذلك معَ أَصلِ الثَّوابِ لِبَعضِ السُّوَرِ.
ولْنُوَضِّحْ ذلك بمِثالٍ: لِنَفرِضْ أنَّ مَزرَعةً زُرِعَت فيها أَلفُ حَبّةٍ مِنَ الذُّرَةِ، فلو أَنبَتَت بعضُ حَبّاتها سَبْعَ سَنابِلَ (عَرانِيسَ) في كلِّ سُنبُلةٍ مِئةُ حَبّةٍ، فإنَّ حَبّةً واحِدةً مِنَ الذُّرَة تَعدِلُ عِندَئذٍ ثُلُثَي ما في المَزرَعةِ؛ ولو فَرَضْنا مَثلًا أنَّ حَبّةً أُخرَى أَنبَتَت عَشْرَ
— 441 —
سَنابِلَ (عَرانِيسَ) في كلِّ سُنبُلةٍ مِنها مِئَتا حَبّةٍ، فإنَّ حَبّةً واحِدةً عِندَ ذلك تُساوِي ضِعْفَ الحُبُوبِ المَزرُوعةِ أَصْلًا.. وهكذا قِسْ في ضَوءِ هذا المِثالِ.
فالآنَ نَتَصَوَّرُ القُرآنَ الكَرِيمَ مَزْرعةً سمَاوِيّةً نُورانيّةً مُقَدَّسةً، كلُّ حَرْفٍ فيه معَ ثَوابِه الأَصلِيِّ بمَثابةِ حَبّةٍ واحِدةٍ، بغَضِّ النَّظَرِ عن سَنابِلِها، فإذا ما طَبَّقتَ هذا على المِثالِ السّابِقِ يُمكِنُك مَعرِفةُ فَضائلِ السُّوَرِ الَّتي وَرَدَتْ بحَقِّها الأَحادِيثُ الشَّرِيفةُ، بمُقارَنَتِها بأَصلِ حُرُوفِ القُرآنِ.
مِثالُ ذلك: إنَّ حُرُوفَ القُرآنِ الكَرِيمِ ثَلاثُ مِئةِ أَلفٍ وسِتُّ مِئةٍ وعِشرُون حَرْفًا، وحُرُوفَ سُورةِ الإخلاصِ معَ البَسمَلةِ تِسعٌ وسِتُّون حَرْفًا، فثَلاثةُ أَضعافِ تِسعٍ وسِتِّين تُساوِي مِئَتَينِ وسَبعةَ حُرُوفٍ. أي: إنَّ حَسَناتِ كلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ سُورةِ الإخلاصِ تُقارِبُ أَلفًا وخَمسَ مِئةِ حَسَنةٍ. وكذلك إذا حَسَبْتَ حُرُوفَ سُورةِ "يسٓ" وأَخَذْتَ النِّسبةَ بَينَها وبينَ مَجمُوعِ حُرُوفِ القُرآنِ، وأَخَذْنا التَّضاعُفَ إلى عَشَرةِ أَمثالِها بنَظَرِ الِاعتِبارِ، نَجِدُ أنَّ لِكُلِّ حَرفٍ فيها ما يُقارِبُ مِن خَمسِ مِئةِ حَسَنةٍ.
فإذا قِسْتَ على هذا المِنوالِ بَقيّةَ ما وَرَد في فَضائلِ السُّوَرِ في الأَحادِيثِ، فستُدرِكُ مَدَى كَونِها حَقيقةً صائبةً لَطِيفةً، ومَدَى بُعْدِها عن كلِّ ما يُومِئُ إلى المُبالَغةِ والإسرافِ في الكَلامِ.
الأصلُ العاشِرُ: قد يُوجَدُ لَدَى بَعضِ الأَشخاصِ الأَفذاذِ تَفَوُّقٌ في الأَعمالِ والأَفعالِ البَشَرِيّة، كما هي الحالُ في أَكثَرِ طَوائفِ المَخلُوقاتِ، فإن كان الفَرْدُ الفَذُّ هذا قد سَبَق الآخَرِين وبَزَّهم في الخَيرِ والصَّلاحِ، فسيكُونُ مَبْعَثَ فَخْرٍ لِبَني جِنْسِه ومَدارَ اعتِزازِهم، وإلّا فهو نَذِيرُ شُؤْمٍ وبَلاءٍ علَيهِم؛ فكلٌّ مِن هؤلاء الأَفذاذِ يَنبَثُّ كشَخصِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ في كلِّ مَكانٍ في المُجتَمَعِ، ويُحاوِلُ الآخَرُون تَقلِيدَه في أَفعالِه ويَجِدُّون لبُلُوغِ شَأْوِه، ورُبَّما يَبلُغُ واحِدٌ مِنهم مَبلَغَه في هذا الفِعلِ أو ذاك. فالقَضِيّةُ إذًا مِن حيثُ المَنطِقُ هي قَضِيّةٌ "مُمكِنةٌ"، لإمكانِ وُجُودِ ذلك الفَردِ الخارِقِ في كلِّ مَكانٍ، وُجُودًا مَخفِيًّا ومُطلَقًا. أي: إنَّه أَصبَحَ شَخْصًا كُلِّیيًّا بعَمَلِه هذا، أي: مِنَ المُمكِنِ لِكُلِّ عَمَلٍ أن يَأْتِيَ بنَتِيجةٍ كهذه.
— 442 —
فانظُرْ في ضَوءِ هذا المِثالِ إلى أَحادِيثَ نَبَوِيّةٍ شَرِيفةٍ وَرَدَت بهذه المَعانِي: مَن صَلَّى رَكعَتَينِ كذا فلَه أَجرُ حَجّةٍ. أي: ثَوابُ رَكعِتَينِ في أَوقاتٍ مُعَيَّنةٍ يُقابِلُ حَجّةً، هذه حَقيقةٌ ثابِتةٌ. فيَجُوزُ إذًا أن تَحمِلَ كلُّ رَكعَتَينِ مِنَ الصَّلاةِ بالكُلِّيةِ هذا المَعنَى، ولكنَّ الوُقُوعَ الفِعلِيَّ لِهذا النَّوعِ مِنَ الرِّواياتِ ليس دائمًا ولا كُلِّیيًّا، حيثُ إنَّ للقَبُولِ شَرائطَه المُعَيَّنةَ؛ لذا تَنتَفي مِن أَمثالِ هذه الرِّواياتِ صِفةُ الكُلِّيّةِ والدَّيمُومةِ، فهي إمّا بالفِعلِ مُؤَقَّتةٌ مُطلَقةٌ؛ أو هي قَضِيّةٌ مُمكِنةٌ، كُلِّيّةٌ؛ والكُلِّيّةُ في أَمثالِ هذه الأَحادِيثِ هي مِن حيثُ الإمكانُ، كما هو في: «الغِيبةُ كالقَتلِ». أي: يكُونُ الفَرْدُ بالغِيبةِ سُمًّا زُعافًا قاتِلًا؛ وكما هو في: «الكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدَقةٌ كعِتقِ رَقَبةٍ».
والحِكْمةُ في إيرادِ هذه الأَحادِيثِ بهذه الصِّيغةِ أي: إبرازُ إمكانيّةِ وُقُوعِ هذا الفَرْدِ الفَذِّ المُبهَمِ المُطلَقِ في كلِّ مَكانٍ بصُورَةٍ واقعةٍ فِعلًا، هي: أنَّه أَبلَغُ في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ وأَكثَیرُ حَضًّا للنُّفُوسِ على الخَيرِ، وأَشَدُّ تَجنِيبًا لها مِنَ الشَّرِّ.
ثمَّ إنَّ شُؤُونَ العالَمِ الأَبَدِيِّ لا تُوزَنُ بمَقايِيسِ عالَمِنا الحاضِرِ، إذ إنَّ أَضخَمَ ما عِندَنا يُمكِنُ أن يكُونَ أَصغَرَ شيءٍ هناك ولا يُوازِيه، فثَوابُ الأَعمالِ نَظَرًا لِكَونِه يَتَطلَّعُ إلى ذلك العالَمِ الأَبَدِيِّ، فإنَّ نَظْرَتَنا الدُّنيَوِيّةَ الضَّيِّقةَ تَغدُو قاصِرةً دُونَه، فنَعجِزُ عن أن نَستَوعِبَه بعُقُولِنا المَحدُودةِ.
فمَثلًا: هناك رِوايةٌ تَلفِتُ أَنظارَ مَن لا يُدقِّقُون النَّظَرَ ولا يُنصِفُون في أَحكامِهم، هي: "مَن قَرَأَ هذا أُعطِيَ مِثلَ ثَوابِ مُوسَى وهارُونَ"، أي: "الحَمْدُ للهِ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأَرَضِينَ رَبِّ العالَمِين، وله الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأَرضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ؛ الحَمْدُ للهِ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأَرَضِينَ رَبِّ العالَمِين، وله العَظَمةُ في السَّماواتِ والأَرضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ، وله المُلْكُ رَبُّ السَّماواتِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ".
فحَقيقةُ أَمثالِ هذه الأَحادِيثِ الَّتي تُثِيرُ الأَذهانَ هي: أنَّنا لا نُدرِكُ مَدَى الثَّوابِ الَّذي يَنالُه نَبِيّانِ عَظِيمانِ هما مُوسَى وهارُونُ عَلَيهمَا السَّلَام إلّا حَسَبَ تَصَوُّرِنا ووَفقَ إطارِ فِكرِنا الضَّيِّقِ، وضِمنَ حُدُودِ نَظَرِنا القاصِرِ الدُّنيَوِيِّ؛ لِذا فحَقيقةُ الثَّوابِ الَّذي يَنالُه عَبدٌ
— 443 —
عاجِزٌ مُطلَقَ العَجْزِ بقِراءَتِه ذلك الوِرْدَ، مِن رَبٍّ رَحِيمٍ واسِعِ الرَّحمةِ، في حَياةٍ خالِدةٍ أَبَديّةٍ، يُمكِنُ أن يكُونَ مُماثِلًا لِذلك الثَّوابِ الَّذي تَصَوَّرْناه بعُقُولِنا القاصِرةِ للنَّبِيَّينِ العَظِيمَينِ، وذلك حَسَبَ دائرةِ عِلْمِنا وأُفُقِ تَفكِيرِنا.
مَثَلُنا في هذا كمَثَلِ بَدَوِيٍّ لم يَرَ السُّلطانَ ولا يُدرِكُ عَظَمَتَه وأُبَّهَتَه، وفي نَظَرِه المَحدُودِ وفِكْرِه الضَّيِّقِ أنَّ السُّلطانَ شَخْصٌ كشَيخِ القَريةِ أو أَكبَرُ مِنه بقَليلٍ؛ حتَّى لقد كان حَوالَينا یی في شَرْقيِّ الأَناضُولِ یی قَرَوِيُّون سُذَّجٌ يقُولُون: إنَّ السُّلطانَ يَجلِسُ قُرْبَ المَوْقِدِ ويُشرِفُ على طَبِيخِه بنَفسِه.. بمَعنَى أن أَقصَى ما يَتَصَوَّرُه البَدوِيُّ لِعَظَمة السُّلطان لا يَرقَى إلى مُستوَى آمِرِ فَوْجٍ في الجَيشِ.. فلو قِيلَ لِأَحَدِ هؤلاء: إذا أَنجَزتَ لي هذا العَمَلَ فسأُكافِئُك برُتبةِ السُّلطانِ (أي: بمَكانةِ آمِرِ الفَوْجِ)، فهذا القَولُ حَقِيقةٌ وصَوابٌ، حيثُ إنَّ عَظَمةَ السُّلطانِ في ذِهنِ السّامِعِ وفي فِكرِه المَحدُودِ هي بمِقدارِ عَظَمةِ آمِرِ الفَوْجِ ليس إلّا.
وهكذا، فنحنُ لا نَكادُ نَفهَمُ حتَّى بمِثلِ هذا البَدَوِيِّ الحَقائقَ الوارِدةَ في ثَوابِ الأَعمالِ المُتَوَجِّهةِ إلى الآخِرةِ، بعُقُولِنا الضَّيِّقةِ وبأَفكارِنا القاصِرةِ وبنَظَرِنا الدُّنيَوِيِّ الكَليلِ؛ إذ إنَّ ما في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ليس هو عَقْدًا لِمُوازَنةٍ بينَ الثَّوابِ الحَقيقيِّ الَّذي يَنالُه مُوسَى وهارُونُ عَلَيهمَا السَّلَام والَّذي هو مَجهُولٌ لَدَينا، وبينَ الثَّوابِ الَّذي يَنالُه العَبدُ الذّاكِرُ للوِرْدِ؛ لأنَّ قاعِدةَ التَّشبِيهِ هي قِياسُ المَجهُولِ على المَعلُومِ، أي: إدراكُ حُكْمِ المَجهُولِ مِن حُكْمِ المَعلُومِ. بل إنَّ المُوازَنةَ هي بينَ ثَوابِهِما "المَعلُومِ" لَدَينا حَسَبَ تَصَوُّرِنا، وبينَ الثَّوابِ الحَقيقيِّ للعَبدِ الذّاكِرِ "المَجهُولِ" عِندَنا.
ثمَّ إنَّ صُورةَ الشَّمسِ المُنعَكِسةَ مِن سَطْحِ البَحرِ ومِن قَطْرةِ ماءٍ هي الصُّورةُ نَفسُها، والفَرقُ في النَّوعِيّةِ فقط، فكِلاهُما يَعكِسانِ صُورةَ الشَّمسِ وضَوْءَها، لِذا فإنَّ رُوحَ كلٍّ مِن مُوسَى وهارُونَ عَلَيهمَا السَّلَام الَّتي هي مِرآةٌ صافِيةٌ كالبَحرِ تَنعَكِسُ علَيها مِن ماهِيّةِ الثَّوابِ ما يَنعَكِسُ على رُوحِ العَبدِ الذّاكِرِ الَّتي هي كقَطْرةِ ماءٍ، فكِلاهُما ثَوابٌ واحِدٌ مِن حيثُ الماهِيّةُ والكَمِّيّةُ، إلّا أنَّ النَّوعِيّةَ تَختَلِفُ، إذ تَتْبَعُ القابِلِيّةَ.
— 444 —
ثمَّ إنَّ تَردِيدَ ذِكرٍ وتَسبِيح مُعيَّنٍ، أو تِلاوةَ آيةٍ واحِدةٍ قد تَفتَحُ مِن أَبوابِ الرَّحمةِ والسَّعادةِ ما لا تَفتَحُه عِبادةُ سِتِّين سنةً، أي: إنَّ هناك حالاتٍ تَمنَحُ فيها آيةٌ واحِدةٌ مِنَ الفَوائدِ ما للقُرآنِ الكَرِيمِ كلِّه.
ثمَّ إنَّ الفُيُوضاتِ الرَّبّانيّةَ المُتَجلِّيةَ على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) بتِلاوَتِه آيةً واحِدةً قد تكُونُ مُساوِيةً لفَيضٍ إلٰهِيٍّ كامِلٍ على نَبِيٍّ آخَرَ؛ إذ هو (ص) مَوضِعُ تَجَلِّي الِاسمِ الأَعظَمِ. فإذا قيلَ: إنَّ مُؤمِنًا نالَ ظِلًّا مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ بواسِطةِ الوِراثةِ الأَحمَدِيّةِ، يَكسِبُ ثَوابًا حَسَبَ قابِليَّتِه بقَدْرِ الفَيضِ الإلٰهِيِّ لِنَبِيٍّ مِن حَيثُ الكَمِّيّةُ؛ فلا يُمكِنُ أن يَكُونَ ذلك خِلافَ الحَقِيقةِ قَطُّ.
ثمَّ إنَّ الثَّوابَ والأَجرَ مِن عالَمِ النُّورِ الخالِدِ، الَّذي يُمكِنُ أن يَنحَصِرَ عالَمٌ مِنه في ذَرّةٍ واحِدةٍ، بمِثلِ انحِصارِ صُورةِ السَّماواتِ بنُجُومِها في قِطعةٍ صَغيرةٍ مِن زُجاجٍ ورُؤيَتِها فيها. وهكذا فقِراءةُ آيةٍ واحِدةٍ أو ذِكرٍ مُعيَّنٍ بنِيّةٍ خالِصةٍ يُمكِنُ أن تُولِّدَ شَفّافيّةً في الرُّوحِ یی كالزُّجاجِ یی تَستَطيعُ أن تَستَوعِبَ ثَوابًا نُورانيًّا كالسَّماواتِ الواسِعةِ.
النَّتيجةُ: أيُّها النّاظِرُ إلى كلِّ شيءٍ بعَينِ النَّقدِ والتَّجرِيحِ ومِن دُونِ تَدقيقٍ، ويا ذا الإيمانِ الواهِي والفِكرِ المَملُوءِ بالفَلسَفةِ المادِّيّةِ.. أَنصِفْ قَلِيلًا.. أَدِمِ النَّظَرَ في هذه الأُصُولِ العَشَرةِ، وإيّاك أن تَمُدَّ إصبَعَ اعتِراضِك إلى الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ، وبدَورِه إلى ما يُخِلُّ بمَرتَبةِ عِصْمةِ النُّبوّةِ للرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) بحُجّةِ ما تَراه في رِوايةٍ مِن خِلافٍ قَطعِيٍّ للواقِعِ ومُنافاةٍ للحَقيقةِ.
فهذه الأُصُولُ العَشَرةُ، ومَيادِينُ تَطبِيقِها تَجعَلُك تَتَخلَّى عنِ الإنكارِ، وتَكُفُّك عنِ الرَّفْضِ أوَّلًا؛ ثمَّ تُخاطِبُك: إن كان هناك تَقصِيرٌ حَقيقِيٌّ، فهذا راجِعٌ إلَينا (أي: إلى الأُصُولِ)، وليس إلى الحَدِيثِ الشَّرِيفِ قَطْعًا، وإن لم يكن ثَمّةَ تَقصِيرٌ حَقيقيٌّ فهو يَعُودُ إلى سُوءِ فَهْمِك أنت!
وحاصِلُ الكَلامِ: إنَّ مَن يَستَرسِلُ في الإنكارِ والرَّفضِ، علَيه أن يُفنِّدَ الأُصُولَ العَشَرةَ المَذكُورةَ، وإلّا فلا يَستَطِيعُ الإنكارَ؛ فإن كُنتَ مُنصِفًا حَقًّا فتَأَمَّلْ جَيِّدًا في
— 445 —
هذه الأُصُولِ العَشَرةِ، ومِن بَعدِها لا تَنهَضْ لإنكارِ حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ يَراه عَقلُك مُخالِفًا للحَقيقةِ، بل قُل: رُبَّما هناك تَفسِيرٌ له، أو تَأوِيلٌ، أو تَعبِيرٌ.. ودَعِ الِاعتِراضَ!
الأصلُ الحادِيَ عشَرَ: كما أنَّ في القُرآنِ الكَرِيمِ آياتٍ مُتَشابِهاتٍ تَحتاجُ إلى تَأوِيلٍ أو تَطلُبُ التَّسليمَ المُطلَقَ، كذلك في الحَدِيثِ الشَّريفِ مُشكِلاتٌ تَحتاجُ أَحيانًا إلى تَفسِيرٍ وتَعبِيرٍ دَقيقَينِ. ويُمكِنُك الِاكتِفاءُ بالأَمثِلةِ المَذكُورةِ.
نعم، إنَّ اليَقِظَ يَستَطِيعُ أن يُعبِّر عن رُؤيا النّائمِ، بَينَما النّائمُ الَّذي يَسمَعُ مَن حَولَه مِنَ اليَقِظِين قد يُطبِّقُ كَلامَهم بشَكلٍ مّا في مَنامِه، فيُعبِّیرُ عنه بما يُلائِمُه في النَّومِ.
فيا أيُّها المُنوَّمُ بالغَفلةِ والفَلسَفةِ المادِّيّةِ، ويا عَدِيمَ الإنصافِ.. إنَّ الَّذي يقُولُ اللهُ تَعالَى في حَقِّه: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، والَّذي يقُولُ عن نَفسِه: «تَنامُ عَيناي ولا يَنامُ قَلبي» هو اليَقظانُ الحَقيقيُّ، فلا تُنكِرْ ما يَراه هو، بل عَبِّر عنه وجِدْ له تَعبِيرًا في رُؤياك، والْتَمِسْ له تَفسِيرًا؛ إذ لو لَسَعَتْ بَعُوضةٌ شَخصًا نائمًا، فإنَّ آثارَ ذلك تَظهَرُ عليه وكأنَّه قد جُرِح في الحَربِ، وإذا ما استُفسِر عنه بعدَ صَحْوِه، فسيقُولُ: نعم كنتُ في حَربٍ دامِيةٍ والمَدافِعُ مُصَوَّبةُ نَحوِي! بَينَما اليَقِظُون الَّذين حَولَه يَأخُذُون اضطِرابَه هذا مَأخَذَ الِاستِهزاءِ. فنَظَرُ الغَفْلةِ المُنَوِّمةِ وفِكرُ الفَلسَفةِ المادِّيّة لا يُمكِنُ أن يكُونا قَطْعًا مَحَكًّا للحَقائقِ النَّبوِيّةِ.
الأصلُ الثانِيَ عشَرَ: إنَّ نَظَرَ النُّبوّةِ والتَّوحِيدِ والإيمانِ يَرَى الحَقائقَ في نُورِ الأُلُوهيّةِ والآخِرةِ ووَحدةِ الكَونِ، لأنَّه مُتَوجِّهٌ إلَيها، أمّا العِلمُ التَّجرِيبيُّ والفَلسَفةُ الحَدِيثةُ فإنَّه يَرَى الأُمُورَ مِن زاوِيةِ الأَسبابِ المادِّيّةِ والكَثرةِ والطَّبِيعةِ، لأنَّه مُتَوَجِّهٌ إلَيها؛ فالمَسافةُ إذًا بينَ زاوِيتَيِ النَّظَرِ بَعِيدةٌ جِدًّا، فرُبَّ غايةٍ عَظِيمةٍ جَليلةٍ لَدَى أَهلِ الفَلسَفةِ، تافِهةٌ وصَغِيرةٌ لا تكادُ تُرَى بينَ مَقاصِدِ عُلَماءِ أُصُولِ الدِّين وعِلمِ الكَلامِ؛ ولهذا فقد تَقَدَّم أَهلُ العِلمِ التَّجرِيبيِّ كَثيرًا في مَعرِفةِ خَواصِّ المَوجُوداتِ وتَفاصِيلِها وأَوصافِها الدَّقيقةِ، في حينِ تَخَلَّفوا كَثيرًا حتَّى عن أَبسَطِ المُؤمِنين وأَقلِّهم عِلْمًا في مَجالِ العِلمِ الحَقيقيِّ، وهو العُلُومُ الإلٰهِيّةُ السّاميةُ والمَعارِفُ الأُخرَوِيّةُ.
— 446 —
فالَّذين لا يُدرِكُون هذا السِّرَّ، يَظُنُّون أنَّ عُلَماءَ الإسلامِ مُتَأخِّرُون عن عُلَماء الطَّبِيعةِ والفَلاسِفةِ، والحالُ أنَّ مَنِ انحَدَرَت عُقُولُهم إلى عُيُونِهم وأَصبَحُوا لا يُفكِّرون إلّا بما يَرَون، وغَرِقوا في الكَثرةِ مِنَ المَخلُوقاتِ، أنَّى لهمُ الجُرأةُ لِيَلحَقُوا بوَرَثةِ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام الَّذين بلَغُوا المَقاصِدَ الإلٰهِيّةَ السّامِيةَ وغاياتِها الرَّفيعةَ العاليةَ؟!
ثمَّ إنَّ الرُّؤيةَ إن كانَت مِن زاوِيتَينِ مُختَلِفتَينِ، فلا شَكَّ في ظُهُورِ حَقيقتَينِ مُتَبايِنتَينِ، وقد تكُون كِلتاهما حَقيقةً. وحَتْمًا لا تَتَعارَضُ حَقيقةٌ عِلميّةٌ قاطِعةٌ معَ حَقائقِ النُّصُوصِ القُرآنيّةِ المُقدَّسةِ، إذِ اليَدُ القَصِيرةُ للعِلمِ التَّجرِيبيِّ قاصِرةٌ عن بُلُوغِ أَهدابِ طَرَفٍ مِن حَقائقِ القُرآنِ الرَّفيعةِ المُنَیزَّهةِ. وسنُورِدُ مِثالًا واحِدًا فقط على هذا:
حَقِيقةُ الكُرةِ الأَرضِيّةِ في نَظَرِ أَهلِ العِلمِ هي: أنَّها إحدَى السَّيّاراتِ ذاتِ الحَجمِ المُتَوسِّطِ، تَدُورُ حَولَ الشَّمسِ، وهي جِرمٌ صَغِيرٌ قِياسًا بالكَواكِبِ والنُّجُومِ الَّتي لا تُعدُّ ولا تُحصَى؛ أمّا إذا نَظَرنا إلى الكُرةِ الأَرضِيّةِ بنَظَرِ أَهلِ القُرآنِ، فحَقيقَتُها هي كما وضَّحَتْها "الكَلِمةُ الخامِسةَ عَشْرةَ":
إنَّ الإنسانَ الَّذي هو أَلطَفُ ثَمَرةٍ للعالَم، ومُعجِزةٌ جامِعةٌ مِن مُعجِزاتِ القادِرِ الحَكِيمِ، وأَبدَعُ المَخلُوقاتِ وأَعَزُّها وأَلطَفُها، معَ أنَّه أَعجَزُها وأَضعَفُها.. هذا الإنسانُ يَعيشُ على هذه الأَرضِ، فالأَرضُ إذًا مَهْدٌ لهذا الإنسانِ، فهي مع صِغَرِها وحَقارَتِها قِياسًا إلى السَّماواتِ، عَظِيمةٌ وجَلِيلةٌ مِن حيثُ المَعنَى والمَغزَى والإبداعِ؛ حتَّى أَصبَحَت بالمَنظُورِ القُرآنِيِّ: قَلبَ الكَونِ ومَركَزَه مِن حيثُ المَعنَى.. ومَعرِضَ جَمِيعِ المَصنُوعاتِ المُعجِزةِ.. ومَوضِعَ تَجَلِّي الأَسماءِ الحُسنَى كلِّها، حتَّى لَكَأنَّها البُؤرةُ الجامِعةُ لتلك الأَنوارِ.. ومَحشَرَ الأَفعالِ الرَّبّانيّةِ المُطلَقةِ ومِرآتَها.. وسُوقًا واسِعةً لإبرازِ الخَلّاقيّةِ الإلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، ولا سِيَّما إيجادُها الكَثرةَ الهائلةَ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الدَّقيقةِ بكلِّ جُودٍ وكَرَمٍ.. ونَمُوذجًا مُصَغَّرًا لِمَصنُوعاتِ عالَمِ الآخِرةِ الواسِعِ الفَسِيحِ.. ومَصنَعًا يَعمَلُ بسُرعةٍ قُصْوَى لإنتاجِ مَنسُوجاتٍ خالِدةٍ.. ومَوضِعَ عَرْضٍ لِنَماذِجِ المَناظِرِ السَّرمَدِيّةِ المُتَبَدِّلةِ بسُرعةٍ فائقةٍ.. ومَزرَعةً ضَيِّقةً مُؤَقَّتةً لِاستِنباتِ بُذَيراتٍ تُربَّى بسُرعةٍ للبَساتينِ الخالِدةِ الرّائعةِ.
— 447 —
لهذا كُلِّه يَجعَلُ القُرآنُ الكَرِيمُ الأَرضَ صِنْوًا للسَّماواتِ، مِن حيثُ عَظَمَتُها مَعنًى وأَهمِّيَّتُها صَنْعةً، وكأنَّها ثَمَرةٌ صَغِيرةٌ لِشَجَرةٍ ضَخْمةٍ، وكأنَّها قَلبٌ صَغِيرٌ لِجَسَدٍ ضَخْمٍ؛ فيَذكُرُها القُرآنُ الكَريمُ مَقرُونةً بالسَّماواتِ، فهي في كِفّةٍ والسَّماواتُ كلُّها في كِفّةٍ، فتُكَرَّرُ الآيةُ الكَرِيمةُ: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وهكذا فقِسْ سائرَ المَسائلِ على هذا المِنوالِ، وافهَمْ: أنَّ الحَقائقَ المَيتةَ المُنكَفِئةَ للفَلسَفةِ لا يُمكِنُها أن تَتَصادَمَ معَ حَقائقِ القُرآنِ الحَيّةِ والمُنوَّرةِ، فكِلتاهما حَقيقةٌ، إلّا أنَّ الِاختِلافَ هو في زاوِيةِ النَّظَر، فتَظهَرُ الحَقائقُ مُتَبايِنةً.

الغُصنُ الرّابعُ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
سنُبيِّنُ جَوهَرةً واحِدةً فقط مِنَ الخَزِينةِ العُظمَى الواسِعةِ لهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وذلك: أنَّ القُرآنَ الحَكِيمَ يُصَرِّحُ بأنَّ كلَّ شيءٍ مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ، ومِنَ المَلَكِ إلى السَّمَكِ، ومِنَ المَجرَّاتِ إلى الحَشَراتِ، ومِنَ السَّيَّاراتِ إلى الذَّرَّاتِ.. كلٌّ مِنها يَسجُدُ للهِ، ويَعبُدُه، ويَحمَدُه ويُقَدِّسُه؛ إلَّا أنَّ عِباداتِها مُختَلِفةٌ مُتَبايِنةٌ مُتَنوِّعةٌ، كلٌّ حَسَبَ قابِليّاتِه، ومَدَى نَيلِه لِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى.
نُبيِّنُ هنا تَنَوُّعَ عِباداتِ المَخلُوقاتِ وتَبايُنَها بمِثالٍ:
فمَثلًا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی أنَّ مَلِكًا عَظِيمًا وسُلطانًا ذا شَأْنٍ، يَستَخدِمُ أَربَعةَ أَنواعٍ مِنَ العُمّالِ في بِناءِ قَصرٍ أو مَدِينةٍ:
النَّوعُ الأوَّلُ: عَبِيدُه. هذا النَّوعُ لا مُرَتَّبَ لهم ولا أُجرةَ، بل يَنالُون ذَوْقًا في مُنتَهَى اللُّطفِ، ويَحصُلُون على غايةِ الشَّوقِ في كلِّ ما يَعمَلُونه ويُؤَدُّونَه بأَمرِ سَيِّدِهم، بل يَزدادُون مُتعةً وشَوْقًا مِن أيِّ كَلامٍ في مَدحِ سيِّدِهم ووَصْفِه، فحَسْبُهمُ الشَّرَفُ العَظِيمُ الَّذي يَنالُونه
— 448 —
بانتِسابِهم إلى سيِّدِهم؛ فَضْلًا عن تَلَذُّذِهم لَذّةً مَعنَوِيّةً في أَثناءِ إشرافِهم على العَمَلِ باسمِ ذلك المالِكِ، وفي سبِيلِه ونَظَرِه إلَيهم؛ فلا داعيَ إلى مُرتَّبٍ ولا إلى رُتبةٍ ولا إلى أُجرةٍ.
القِسمُ الثّاني: خُدَّامٌ بُسَطاءُ، لا يَعرِفُون لِماذا يَعمَلُون، بل ذلك المالِكُ العَظيمُ هو الَّذي يَستَخدِمُهم ويَسُوقُهم إلى العَمَلِ بفِكرِه وعِلمِه، ويُعطِيهم أُجرةً جُزئيّةً تُناسِبُهم. وهؤلاء الخُدّامُ لا يَعرِفُون نَوعَ الغاياتِ الكُلِّيّةِ والمَصالِحِ العَظِيمةِ الَّتي تَتَرتَّبُ على عَمَلِهم، حتَّى حَدا ببعضِ النّاسِ أن يَتَوهَّمَ أنَّ عَمَلَ هؤلاء لا غايةَ له إلّا أُجرةٌ جُزئيّةٌ تَخُصُّهم بالذّاتِ.
القِسمُ الثّالثُ: الحَيَواناتُ الَّتي يَملِكُها ذلك المالِكُ العَظيمُ، ويَستَخدِمُها في أَعمالِ بِناءِ القَصرِ والمَدِينةِ، ولا يُعطِيها إلّا عَلَفَها. فهذه الحَيَواناتُ تَتَمتَّعُ بلَذّةٍ في أَثناءِ قِيامِها بعَمَلٍ يُوافِقُ استِعداداتِها، إذِ القابِليّةُ أو الِاستِعدادُ إن دَخَلَت طَوْرَ الفِعلِ والعَمَلِ بعدَما كانَت في طَورِ القُوّةِ الكامِنةِ، تَنبَسِطُ وتَتَنفَّسُ، فتُورِثُ لَذّةً، وما اللَّذّةُ المَوجُودةُ في الفَعّاليّاتِ كُلِّها إلّا نابِعةٌ مِن هذا السِّرِّ. فأُجرةُ هذا القِسمِ مِنَ الخُدّامِ ومُرَتَّبُهم هو العَلَفُ مع لَذّةٍ مَعنَوِيّةٍ، فهم يَكتَفُون بهما.
القِسمُ الرّابعُ: عُمّالٌ يَعرِفُون ماذا يَعمَلُون، ولِماذا يَعمَلُون، ولِمَن يَعمَلُون؛ فَضْلًا عن مَعرِفَتِهم لِمَ يَعمَلُ العُمّالُ الآخَرُون، وما الَّذي يَقصِدُه المالِكُ العَظِيمُ، ولِمَ يَدفَعُ الجَميعَ إلى العَمَلِ؟ فهذا النَّوعُ مِنَ العُمّالِ، لهم رِئاسةٌ على العُمّالِ الآخَرِين، وإشرافٌ علَيهم، ولهم مُرَتَّباتُهم حَسَبَ دَرَجاتِهم ورُتَبِهم.
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ، فإنَّ مالِكَ السَّماواتِ والأَرَضِين ذا الجَلالِ، وبانِيَ الدُّنيا والآخِرةِ ذا الجَمالِ، وهو رَبُّ العالَمِين، يَستَخدِمُ المَلائكةَ والحَيَواناتِ والجَماداتِ معَ النَّباتاتِ والإنسانَ في قَصرِ هذا الكَونِ ضِمنَ دائرةِ الأَسبابِ، ويَسُوقُهم إلى العِبادةِ، لا لِحاجةٍ، إذ هو خالِقُهم وما يَعمَلُونَ، بل لِأَجلِ إظهارِ العِزّةِ والعَظَمةِ وشُؤُونِ الرُّبُوبيّةِ وأَمثالِها مِنَ الحِكَمِ..
وهكذا فقد كَلَّف هذه الأَنواعَ الأَربَعةَ بأَربَعةِ أَنماطٍ مُختَلِفةٍ مِنَ العِبادةِ.
— 449 —
القِسمُ الأوَّلُ الَّذين يُمَثِّلُون العَبِيدَ في المِثالِ: همُ المَلائكةُ، فهم لا مَراتِبَ لهم في الرُّقيِّ بالمُجاهَدةِ، إذ لكُلٍّ مِنهم مَقامٌ ثابِتٌ ورُتبةٌ مُعيَّنةٌ، إلّا أنَّ لهم ذَوْقًا خاصًّا في عَمَلِهم نَفسِه، وهم يَستَقبِلُون الفُيُوضَ الرَّبّانيّةَ حَسَبَ دَرَجاتِهم، في عِبادَتِهم نَفسِها، بمَعنَى أنَّ أُجرةَ خِدْماتِهم مُندَرِجةٌ في عَينِ أَعمالِهم؛ إذ كما يَتَلذَّذُ الإنسانُ مِنَ الماءِ والهَواءِ والضِّياءِ والغِذاءِ، كذلك المَلائكةُ، يَتَلذَّذُون ويَتَغذَّون ويَتَنعَّمُون بأَنوارِ الذِّكرِ والتَّسبِيحِ والحَمدِ والعِبادةِ والمَعرِفةِ والمَحَبّةِ، لِأَنَّهم مَخلُوقُون مِن نُورٍ، فيَكفيهِمُ النُّورُ غِذاءً، بل حتَّى الرَّوائِحُ الطَّیيِّبةُ القَرِيبةُ مِنَ النُّورِ، هي الأُخرَى نَوعٌ مِن غِذائِهم حيثُ يُسَرُّون بها. نعم، إنَّ الأَرواحَ الطَّيِّبةَ تُحِبُّ الرَّوائِحَ الطَّيِّبةَ.
ثمَّ إنَّ للمَلائكةِ سَعادةً عُظمَى إلى دَرَجةٍ لا يُدرِكُها عَقلُ البَشَرِ، ولا يَستَطِيعُ أن يَعرِفَها إلّا المَلَك نَفسُه، وذلك فيما يَعمَلُون مِن عَمَلٍ بأَمرِ مَعبُودِهم، وفي الأَعمالِ الَّتي يُؤَدُّونها في سَبِيلِه، والخِدْماتِ الَّتي يقُومُون بها باسمِه، والإشرافِ الَّذي يُزاوِلُونه بنَظَرِه، والشَّرَفِ الَّذي يَغنَمُونه بانتِسابِهم إلَيه، والتَّفَسُّحِ والتَّنزُّهِ الَّذي يَنالُونَه بمُطالَعةِ مُلْكِه ومَلَكُوتِه، والتَّنعُّمِ الَّذي يَحصُلُون علَيه بمُشاهَدةِ تَجَلِّياتِ جَمالِه وجَلالِه.
فقِسمٌ مِنَ المَلائكةِ عُبّادٌ، وآخَرُون يُزاوِلُون عِباداتِهم في أَعمالِهم؛ والقِسمُ العامِلُ مِنَ المَلائكةِ الأَرضِيِّين شَبِيهٌ بنَوعِ الإنسانِ یی إن جازَ التَّعبِيرُ یی فمِنهم مَن يُؤدِّي مُهِمّةَ رِعايةِ الحَيَوانِ وهُمُ الرُّعاةُ، ونَوعٌ آخَرُ لهُمُ الإشرافُ على نَباتِ الأَرضِ وهُمُ الفَلّاحُون.. بمَعنَى أنَّ سَطحَ الأَرضِ مَرعًى عامٌّ يُشرِفُ علَيْه مَلَكٌ مُوَكَّلٌ به، أي: يُشرِفُ على جَميعِ طَوائفِ الحَيَواناتِ الَّتي تَدِبُّ على الأَرضِ بأَمرِ الخالقِ الجَليلِ، وبإِذنِه، وفي سَبِيلِه، وبحَوْلِه وقُوَّتِه؛ وهناك مَلَكٌ مُوَكَّلٌ أَصغَرُ للقِيامِ برِعايةٍ خاصّةٍ لِكُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ.
وحيثُ إنَّ سَطحَ الأَرضِ مَزرَعةٌ، تُزرَعُ فيها أَنواعُ النَّباتاتِ كُلُّها، فهناك إذًا مَلكٌ مُوَكَّلٌ للإشرافِ على تلك النَّباتاتِ كُلِّها، باسمِ اللهِ سُبحانَه، وبقُوَّتِه، وهناك مَلَكٌ أَوْطَأُ مَرتَبةً، يُشرِفُ على كلِّ طائِفةٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ، وهكذا.. فهُناك مَلائكةٌ مُشرِفُون،
— 450 —
وسيِّدُنا مِيكائِيلُ عَليهِ السَّلام الَّذي هو مِن حَمَلةِ عَرْشِ الرَّزّاقيّةِ، هو المُشرِفُ الأَعظَمُ على هؤلاء المَلائكةِ.
وإنَّ المَلائكةَ الَّذين هم بمَثابةِ الرُّعاةِ والفَلّاحِين يَختَلِفُون عنِ الإنسانِ، لأنَّ إشرافَهم على الأُمُورِ هو عَمَلٌ خالِصٌ في سَبِيلِ اللهِ، وباسمِه، وبقُوَّتِه وبأَمرِه، بل إنَّ إشرافَهم هو مُشاهَدةُ تَجَلِّياتِ الرُّبُوبيّةِ في النَّوعِ الَّذي أُوكِلَ إِلَيْهِمُ الإشرافُ علَيْه، ومُطالَعةُ تَجَلِّياتِ القُدرةِ والرَّحمةِ فيه، والقِيامُ بإلهامِ الأَوامِرِ الإلٰهِيّةِ إلَيه، وأَداءُ ما يُشبِهُ التَّنظِيمَ في أَفعالِه الِاختِيارِيّةِ، ولا سِيَّما إشرافُها على النَّباتاتِ في مَزرَعةِ الأَرضِ، هو تَمثِيلُ تَسبِيحاتِها المَعنَوِيّةِ، وإعلانُ تَحِيّاتِها المَعنَوِيّةِ إلى فاطِرِها الجَليلِ بلِسانِ المَلائكةِ، عَلاوةً على حُسْنِ استِعمالِ الأَجهِزةِ المَمنُوحةِ لها وتَوجِيهِها إلى غاياتٍ مُعيَّنةٍ والقِيامِ بنَوعٍ مِنَ التَّنظِيمِ فيها.
وتُعَدُّ هذه الخِدْماتُ الَّتي تُؤَدِّيها المَلائكةُ نَوعًا مِن كَسبٍ بالجُزءِ الِاختِيارِيِّ، بل هي نَوعٌ مِنَ العِبادةِ والعُبُودِيّةِ، إذ ليس لهم تَصَرُّفٌ حَقيقيٌّ، لأنَّ كلَّ شيءٍ يَحمِلُ سِكّةً خاصّةً وخَتْمًا مُعَيَّنًا لِخالقِ كلِّ شيءٍ لا يُمكِنُ لغَيرِه تَعالَى أن يَحشُرَ نَفسَه في الإيجادِ قَطْعًا. أي: إنَّ هذا النَّوعَ مِن عَمَلِ المَلائكةِ هو عِباداتُهم، إذ ليست هي عاداتٍ كما هي في الإنسانِ.
القِسمُ الثّاني مِنَ العُمّالِ في قَصرِ الكَونِ: هو الحَيَواناتُ.
وحيثُ إنَّ الحَيَواناتِ لها نَفسٌ مُشتَهِيةٌ، واختيارٌ جُزئيٌّ، فلا تكُونُ أَعمالُها خالِصةً لِوَجهِ اللهِ، بل تَستَخرِجُ النَّفسُ حَظَّها وشَهْوَتَها مِن عَمَلِها، لِذا يَمنَحُ مالِكُ المُلكِ ذُو الجَلالِ والإكرامِ تلك الحَيَواناتِ أُجرةً ومُرَتَّبًا ضِمنَ أَعمالِها، تُطَمئِنُ نُفُوسَها وتُشبِعُها.
فمَثلًا: البُلبُلُ المَعرُوفُ بعاشِقِ الوُرُودِ والأَزهارِ، (حاشية): لَمّا كان البُلبُل يُغرِّد تَغرِيدًا شاعِرِيًّا فإنَّ بَحثَنا هذا قدِ انسابَ فيه شيءٌ مِن رُوحِ الشّاعِرِيّةِ، إلّا أنه ليس بخَيالٍ بل حَقيقة. يَستَخدِمُ الفاطِرُ الجَليلُ ذلك الحَيَوانَ الصَّغيرَ ويَستَعمِلُه في خَمسِ غاياتٍ:
— 451 —
أُولاها: أنَّه مَأمُورٌ ومُكَلَّفٌ، باسمِ القَبائلِ الحَيَوانيّةِ، بإعلانِ شِدّةِ العَلاقةِ تِجاهَ طَوائفِ النَّباتاتِ.
ثانيَتُها: أنَّه مُوَظَّفٌ بإعلانِ الفَرَحِ والسُّرُورِ، والتَّرحِيبِ بالهَدايا المُرسَلةِ مِن قِبَلِ الرَّزّاقِ الكَرِيمِ، حيثُ إنَّه خَطِيبٌ رَبّانِيٌّ يَسأَلُ بتَغرِيدِه أَرزاقَ الحَيَواناتِ، ضُيُوفِ الرَّحمٰنِ، المُحتاجِين إلى الرِّزقِ.
ثالثَتُها: إظهارُ حُسْنِ الِاستِقبالِ على رُؤُوسِ النَّباتاتِ جَميعًا، تَعبِيرًا عن إرسالِ النَّباتاتِ إمدادًا لِبَني جِنسِه مِنَ الطَّيرِ والحَيَوانِ.
رابعَتُها: بَيانُ شِدّةِ حاجةِ الحَيَواناتِ إلى النَّباتاتِ الَّتي تَبلُغُ حَدَّ العِشقِ تِجاهَ الوُجُوهِ المَلِيحةِ للنَّباتاتِ، وإعلانُها على رُؤُوسِ الأَشهادِ.
خامسَتُها: تَقدِيمُ أَلطَفِ تَسبِيحٍ إلى دِيوانِ رَحمةِ مالِكِ المُلكِ ذِي الجَلالِ والإكرامِ في أَلطَفِ شَوقٍ ووَجْدٍ، وفي أَلطَفِ وَجهٍ، وهو الوَردُ.
وهكذا، هناك مَعانٍ أُخرَى شَبِيهةٌ بهذه الغاياتِ الخَمسِ.
فهذه المَعاني وهذه الغاياتُ هي الغايةُ مِن عَمَلِ البُلبُلِ الَّذي يقُومُ به لِأَجلِ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى، فالبُلبُلُ يُغرِّدُ بلُغَتِه ونحنُ نَفهَمُ هذه المَعانِيَ مِن نَغَماتِه الحَزِينةِ، مِثلَما يَفهَمُها أَيضًا المَلائكةُ والرُّوحانيّاتُ؛ وإنَّ عَدَمَ فَهمِ البُلبُلِ لِمَعنَى نَغَماتِه مَعرِفةً كامِلةً ليس حائلًا أمامَ فَهْمِنا نحن لِذلك، ولا يَقدَحُ فيه، والمَثَلُ: "رُبَّ مُستَمِع أَوعَى مِن مُتَیكلِّم" مَشهُورٌ؛ ثمَّ إنَّ عَدَمَ مَعرِفةِ البُلبُلِ لِهذه الغاياتِ بالتَّفصِيلِ لا يَدُلُّ على عَدَمِ وُجُودِها، فهو في الأَقلِّ كالسّاعةِ الَّتي تُعَرِّفُك أَوقاتَك وهي لا تَعلَمُ شَيئًا مِمّا تَعمَلُ، فجَهلُها لا يَضُرُّ بمَعرِفَتِك؛ أمّا مُرَتَّبُ ذلك البُلبُلِ ومُكافَأَتُه الجُزئيّةُ فهي الذَّوقُ الَّذي يَحصُلُ علَيه مِن مُشاهَدةِ تَبَسُّمِ الأَزهارِ الجَمِيلةِ، والتَّلَذُّذُ الَّذي يَحصُلُ علَيه مِن مُحاوَرَتِها، أي: إنَّ نَغَماتِهِ الحَزِينةَ وأَصواتِه الرَّقيقةَ ليستَ شَكاوَى نابِعةً مِن تَألُّماتٍ حَيَوانيّةِ، بل هي شُكرٌ وحَمدٌ وثَناءٌ تِجاهَ العَطايا الرَّحمانيّةِ.
— 452 —
وقِسْ على البُلبُلِ بَلابِلَ النَّحلِ والعَنكَبُوتِ والنَّملِ والهَوامِّ والحَيَواناتِ الصَّغيرةِ، فلِكُلٍّ مِنها غاياتٌ كَثيرةٌ في أَعمالِها، أُدرِجَ فيها ذَوقٌ خاصٌّ، ولَذّةٌ مَخصُوصةٌ، كمُرتَّبٍ وكَمُكافَأةٍ جُزئيّةٍ، فهي تَخدُمُ غاياتٍ جَليلةً لِصَنعةٍ رَبّانيّةٍ بذلك الذَّوقِ. فكما أنَّ لِعامِلٍ بَسِيطٍ في سَفِينةِ السُّلطانِ مُرَتَّبَه الجُزئيَّ، كذلك لِهذه الحَيَواناتِ الَّتي تَخدُمُ الخِدْماتِ السُّبْحانيّةَ مُرتَّبُها الجُزئيُّ.
تتمّة لبحث البلبل:
لا تَحسَبَنَّ أنَّ هذه الوَظِيفةَ الرَّبّانيّةَ في الإعلانِ والدَّلالةِ والتَّغَنِّي بِهَزَجاتِ التَّسبِيحاتِ خاصٌّ بالعَندَليبِ، بل إنَّ لِكُلِّ نَوعٍ مِن أَكثَرِ أَنواعِ المَخلُوقاتِ صِنفًا شَبِيهًا بالعَندَليبِ، له فَردٌ لَطِيفٌ أو أَفرادٌ يُمثِّلُون أَلطَفَ مَشاعِرِ ذلك النَّوعِ ويَتَغنَّى بأَلطَفِ التَّسبِيحاتِ بأَلطَفِ السَّجَعاتِ، ولا سِيَّما أَنواعِ الهَوامِّ والحَشَراتِ، فبَلابِلُها كَثيرةٌ، وعَنادِلُها مُتَنوِّعةٌ جِدًّا، تُمَتِّعُ جَميعَ مَن له آذانٌ صاغِيةٌ إلَيهم بَدْءًا مِن أَصغَرِ حَيَوانٍ إلى أَكبَرِه، وتَنثُرُ على رُؤُوسِهم تَسبِيحاتِها بأَجمَلِ نَغَماتِها.
وقِسمٌ مِن هذه البَلابِلِ لَيلِيٌّ، يكُونُ الأَنيسَ المَحبُوبَ والقاصَّ المُؤنِسَ في ذلك اللَّيلِ السّاكِنِ والمَوجُوداتِ الصّامِتةِ، للحَيَواناتِ الصَّغيرةِ الَّتي خَلَدت إلى الهُدُوءِ، حتَّى كأنَّ كُلًّا مِن تلك البَلابِلِ قُطْبٌ في حَلْقةِ ذِكْرٍ خَفِيٍّ، وَسَطَ ذلك المَجلِسِ الَّذي انسَحَب كلُّ فَردٍ فيه إلى الهُدُوءِ والسُّكُونِ يُنصِتُ إلى نَوعٍ مِن ذِكرِ اللهِ وتَسبِيحِه، بقَلبِه المُطمَئِنِّ إلى الفاطِرِ الجَليلِ.
وقِسمٌ آخَرُ مِن هذه البَلابِلِ نَهارِيٌّ، يُعلِنُ في وَضَحِ النَّهارِ رَحمةَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ على مَنابِرِ الأَشجارِ وعلى رُؤُوسِ الأَشهادِ، ويَتَغنَّى بها، ولا سِيَّما في مَوسِمِ الصَّيفِ والرَّبِيعِ، ويَنثُرُونَ بتَغرِيداتِهمُ الرَّقيقةِ وشَدْوِهِمُ اللَّطِيفِ وتَسبِيحاتِهِمُ المُسْجَعةِ الوَجْدَ والشَّوقَ، لَدَى كلِّ سامِعٍ لهم، حتَّى يَشرَعَ السّامِعُ بذِكرِ فاطِرِه الجَليلِ بلِسانِه الخاصِّ، وبنَغَماتِه الخاصّةِ. بمَعنَى أنَّ لكُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ المَوجُوداتِ بُلبُلَه الخاصَّ به، فهو رَئيسُ حَلْقةِ ذِكرٍ خاصٌّ بهم، بل حتَّى لِنُجُومِ السَّماءِ بُلبُلُها الخاصُّ بها، يَشدُو بأَنوارِه ويَتَرنَّمُ بأَضوائِه.
— 453 —
ولكِنَّ أَفضَلَ هذه البَلابِلِ طُرًّا وأَشرَفَها وأَنوَرَها وأَبهَرَها وأَعظَمَها وأَكرَمَها، وأَعلاها صَوْتًا وأَجلاها نَعْتًا وأَتمَّها ذِكرًا وأَعَمَّها شُكرًا وأَكمَلَها ماهِيّةً وأَحسَنَها صُورةً، هو الَّذي يُثيرُ الوَجْدَ والجَذْبَ والشَّوقَ في الأَرضِ والسَّماواتِ العُلا، في بُستانِ هذا الكَونِ العَظِيمِ، بسَجَعاتِه اللَّطِيفةِ وتَضَرُّعاتِه اللَّذِيذةِ، وتَسبِيحاتِه العُلوِيّةِ.. وهو العَندَليبُ العَظيمُ لِنَوعِ البَشَر، في بُستانِ الكائناتِ، بُلبُلُ القُرآنِ لِبَني آدَمَ، مُحمَّدٌ الأَمينُ، علَيه وعلى آلِه وأَمثالِه، أَفضَلُ الصَّلَواتِ وأَجمَلُ التَّسلِيماتِ.
خُلاصةُ ما سَبَق: إنَّ الحَيَواناتِ الخادِمةَ في قَصرِ الكَونِ تَمتَثِلُ الأَوامِرَ التَّكوِينيّةَ امتِثالًا تامًّا، وتُظهِرُ ما في فِطْرَتِها مِن غاياتٍ بأَجمَلِ صُورَتِها باسمِ اللهِ؛ فتَسبِيحاتُها هي قِيامُها بوَظائفِ حَياتِها بأَبدَعِ طِرازٍ بقُوّةِ اللهِ سُبحانَه، وبِبَذْلِ الجُهدِ في العَمَلِ؛ وعِباداتُها هي هَداياها وتَحِيّاتُها الَّتي تُقَدِّمُها إلى الفاطِرِ الجَليلِ واهِبِ الحَياةِ.
القِسمُ الثّالثُ مِنَ العُمّالِ: هم النَّباتاتُ والجَماداتُ.. هؤلاء العُمّالُ لا مُرَتَّبَ لهم ولا مُكافأةَ، لأنَّهم لا اختِيارَ لهم، فأَعمالُهم خالِصةٌ لِوَجهِ اللهِ، وحاصِلةٌ بمَحضِ إرادَتِه سُبحانَه وبِاسمِه وفي سَبِيلِه، وبِحَولِه وقُوَّتِه؛ إلّا أنَّه يُستَشعَرُ مِن أَحوالِ النَّباتاتِ أنَّ لها نَوْعًا مِنَ التَّلَذُّذِ في أَدائِها وَظائِفَ التَّلقِيحِ والتَّوليدِ وإنماءِ الثِّمارِ، إلّا أنَّها لا تَتَألَّمُ قَطُّ، بخِلافِ الحَيَواناتِ الَّتي تَتَعرَّض لِلآلامِ مِثلَما تَستَمتِعُ باللَّذائِذِ، حيثُ إنَّ لها اختِيارًا. ولِأَجلِ عَدَمِ تَدَخُّلِ الِاختِيارِ في أَعمالِ النَّباتاتِ والجَماداتِ تكُونُ آثارُهما أَتقَنَ وأَكمَلَ مِن أَعمالِ الحَيَواناتِ الَّتي لها اختِيارٌ. وفي النَّحلِ یی مَثلًا یی الَّتي تَتَنوَّرُ بالوَحيِ والإلهامِ، يكُونُ الإتقانُ في الأَعمالِ أَكمَلَ مِن حَيَوانٍ آخَرَ يَعتَمِدُ على جُزئِه الِاختِيارِيِّ.
وكلُّ طائفةٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ في مَزرَعةِ الأَرضِ تَسأَلُ فاطِرَها الحَكِيمَ وتَدعُوه بلِسانِ الحالِ والِاستِعدادِ، قائلةً: يا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنك قُوّةً، كي نَنصِبَ رايةَ طائفَتِنا في أَرجاءِ الأَرضِ كافّةً، لِنُعلِنَ بلِسانِنا عَظَمةَ رُبُوبيَّتِك.. ووَفِّقنا يا رَبَّنا لِعِبادَتِك في كلِّ رُكنٍ مِن أَركانِ مَسجِدِ الأَرضِ هذا.. وهَبْ لنا قُدرةً لِنَسِيحَ في كلِّ ناحِيةٍ مِن نَواحِي مَعرِضِ الأَرضِ لِنُشهِرَ فيها نُقُوشَ أَسمائِك الحُسنَى وبَدائِعَ صُنعِك وعَجائِبَها.
— 454 —
والفاطِرُ الحَكِيمُ يَستَجِيبُ لِدُعاءِ النَّباتاتِ المَعنَوِيِّ هذا.. فيَهَبُ لِبُذُورِ طائفةٍ مِنها جُنَيحاتٍ مِن شُعَيراتٍ دَقيقةٍ لِتَتَمكَّنَ بها مِنَ الطَّيَرانِ إلى كلِّ مكانٍ؛ فتَجعَلُ النّاظِرَ إلَيها يَقرَأُ أَسماءَ اللهِ الحُسنَى كما في أَغلَبِ النَّباتاتِ الشَّوكِيّةِ وقِسمٍ مِن بُذُورِ الأَزهارِ الصَّفراءِ.. ويَهَبُ سُبحانَه لآخَرَ نَسِيجًا طَرِيًّا طَيِّیبًا يَحتاجُه الإنسانُ ويَرتاحُ إلَيه، حتَّى يَجعَلُ الإنسانَ خادِمًا له، فيَزرَعُه في كلِّ ناحِيةٍ.. ويَهَبُ لِطائِفةٍ أُخرَى ما لا يُهضَمُ مِن شَبِيهِ العِظامِ مَكسُوًّا بما يُشبِهُ اللَّحمَ تَستَسِيغُه الحَيَواناتُ، فتَنشُرُها في أَقطارِ الأَرضِ.. ويَهَبُ لبَعضٍ شُوَيكاتٍ دَقيقةً تَتَعلَّقُ بالأَشياءِ بأَدنَى تَماسٍّ، وبهذا يَنتَقِلُ مِن مكانٍ إلى آخَرَ فيَنشُرُ رايةَ طائِفَتِه هناك. وهكذا تَنشُرُ النَّباتاتُ بَدائِعَ صُنعِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، فيَهَبُ لِقِسمٍ آخَرَ عُلَبًا مَملُوءةً بالبُذُورِ تَقذِفُ بها إلى مَسافةِ أَمتارٍ حِينَ نُضُوجِها..
وقِسْ على هذا المِنوالِ كيفَ تَستَنطِقُ النَّباتاتُ أَلسِنةً كَثيرةً في ذِكرِ الفاطِرِ الجَليلِ وفي تَقدِيسِه، فلقد خَلَق الفاطِرُ الحَكِيمُ والقَدِيرُ العَلِيمُ كلَّ شيءٍ في أَحسَنِ صُورةٍ، وفي أَكمَلِ انتِظامٍ، وجَهَّزَه بأَفضَلِ جِهازٍ، ووَجَّهَه إلى أَحسَنِ وِجهةٍ، ووَظَّفَه بأَحسَنِ وَظِيفةٍ، فيَقُومُ الشَّيءُ بأَفضَلِ التَّسبِيحاتِ وأَجمَلِها، ويُؤَدِّي العِباداتِ على أَفضَلِ الوُجُوهِ.
فإن كُنتَ أيُّها الإنسانُ إنسانًا حَقًّا، فلا تُقحِمِ الطَّبِيعةَ والمُصادَفةَ والعَبَثِيّةَ والضَّلالةَ في هذه الأُمُورِ الجَمِيلةِ، ولا تُشَوِّهْ جَمالَها بعَمَلِك القَبِيحِ، فتَكُونَ قَبِيحًا.
القِسمُ الرّابعُ: هو الإنسانُ، فالإنسانُ الَّذي هو نَوعٌ مِن أَنواعِ الخَدَمِ العامِلين في هذا القَصرِ، قَصرِ الكَونِ، هذا الإنسانُ شَبِيهٌ بالمَلائكةِ مِن جِهةٍ، وشَبِيهٌ بالحَيَوانِ مِن جِهةٍ أُخرَى؛ إذ يُشبِهُ المَلائكةَ في العِبادةِ الكُلِّيّةِ وشُمُولِ الإشرافِ وإحاطةِ المَعرِفةِ، وكَونِه داعِيًا إلى الرُّبُوبيّةِ الجَليلةِ، بلِ الإنسانُ أَكثَرُ جامِعِيّةً مِنَ المَلائكةِ، ولأنَّ الإِنسانَ يَحمِلُ نَفْسًا شِرِّيرةً شَهَوِيّةً، بخِلافِ المَلائكةِ، فُتِحَ أَمامَه نَجْدانِ، له أن يَختارَ، إمَّا رُقِيًّا عَظِيمًا أو تَدَنِّیيًا مُرِيعًا. ووَجهُ شَبَهِ الإنسانِ بالحَيَوانِ هو أنَّه يَبحَثُ في أَعمالِه عن حَظٍّ لِنَفسِه، وحِصّةٍ لِذاتِه، لِذا فالإنسانُ له مُرَتَّبانِ:
— 455 —
الأوَّل: جُزئيٌّ حَيَوانِيٌّ مُعَجَّلٌ.
والثّاني: كُلِّيٌّ ملَائكِيٌّ مُؤَجَّلٌ.
ولقد ذَكَرنا في الكَلِماتِ الثَّلاثِ والعِشرِين السّابِقةِ قِسْمًا مِن مُكافأةِ الإنسانِ ومُرَتَّبِه ووَظائفِه، ومَدارِجِ رُقيِّه وتَدَنِّيه، ولا سِيَّما في الكَلِمةِ "الحادِيةَ عَشْرةَ" و"الثّالثةِ والعِشرِين" إذ فيهما تفَصيِلُ بَيانٍ، لِذا نَختَصِرُ هذا البَحثَ ونَختِمُ بابَه سائلِين العَلِيَّ القَدِيرَ أن يَفتَحَ علَينا أَبوابَ رَحمَتِه، ويُوَفِّقَنا إلى إتمامِ هذه الكَلِمةِ، راجِين مِنه سُبحانَه وتَعالَى أن يَعفُوَ عن سَيِّئاتِنا ويَغفِرَ لنا خَطايانا.

الغُصنُ الخامسُ

لِهذا الغُصنِ خَمسُ ثَمَراتٍ:
الثَّمرةُ الأُولى: يا نَفسِيَ المُحِبّةَ لِنَفسِها، ويا رَفيقي العاشِقَ للدُّنيا.. اعلَمي أنَّ المَحَبّةَ سَبَبُ وُجُودِ هذه الكائناتِ، والرّابِطةُ لِأَجزائِها، وأنَّها نُورُ الأَكوانِ، وحَياتُها.
ولَمّا كان الإنسانُ أَجمَعَ ثَمَرةٍ مِن ثَمَراتِ هذا الكَونِ، فقد أُدرِجَت في قَلبِه الَّذي هو نَواةُ تلك الثَّمَرةِ مَحَبّةٌ قادِرةٌ على الِاستِحواذِ على الكائناتِ كلِّها. لذا لا يَلِيقُ بمِثلِ هذه المَحَبّةِ غيرِ المُتَناهِيةِ إلّا صاحِبُ كَمالٍ غيرِ مُتَناهٍ.
فيا نَفسِي، ويا صاحِبي.. لقد أَوْدَع اللهُ سُبحانَه جِهازَينِ في فِطرةِ الإنسانِ، لِيَكُونا وَسِيلَتَينِ للخَوفِ وللمَحَبّةِ؛ وتلك المَحَبّةُ والخَوفُ إمّا سيَتَوجَّهانِ إلى الخَلقِ أو إلى الخالقِ، عِلمًا أنَّ الخَوفَ مِنَ الخَلقِ بَليّةٌ أَليمةٌ، والمَحَبّةَ المُتَوجِّهةَ نحوَه أيضًا مُصِيبةٌ مُنَغِّصةٌ، إذ إنَّك أيُّها الإنسانُ تَخافُ مَن لا يَرحَمُك، أو لا يَسمَعُ استِرحامَك، فالخَوفُ إذًا في هذه الحالةِ بَلاءٌ أَليمٌ.
أمّا المَحَبّةُ: فإنَّ ما تُحِبُّه إمّا أنَّه لا يَعرِفُك، فيَرحَلُ عنك دونَ تَودِيعٍ، كشَبابِكَ ومالِكَ، أو يُحَقِّرُك لِمَحَبَّتِك؛ ألَا تَرَى أنَّ تِسعةً وتِسعِين في المِئةِ مِنَ العُشّاقِ المَجازِيِّين يَشكُون مَعشُوقِيهم، ذلك لأنَّ عِشْقَ مَحبُوباتٍ دُنيَوِيّةٍ شَبِيهةٍ بالأَصنامِ لِحَدِّ العِبادةِ،
— 456 —
بباطِنِ القَلبِ الَّذي هو مِرآةُ الصَّمَدِ، ثَقيلٌ في نَظَرِ أُولئِك المَحبُوبِين، إذِ الفِطرةُ تَرُدُّ كلَّ ما لَيسَ بفِطرِيٍّ وغيرَ لائِقٍ بها. "والحُبُّ الشَّهْوانِيُّ خارِجٌ عن بَحثِنا". بمَعنَى: أنَّ ما تُحِبُّه مِن أَشياءَ إمّا أنَّه لا يَعرِفُك أو يُحَقِّرُك أو لا يُرافِقُك، بل يُفارِقُك وأَنفُك راغِمٌ.
فما دامَ الأَمرُ هكذا، فاصرِفْ هذه المَحَبّةَ والخَوْفَ إلى مَن يَجعَلُ خَوفَك تَذَلُّلًا لَذِيذًا، ومَحَبَّیتَك سَعادةً بلا ذِلّةٍ. نعم، إنَّ الخَوفَ مِنَ الخالقِ الجَليلِ يعني وِجدانَ سَبِيلٍ إلى رَأفَتِه ورَحمَتِه تَعالَى للِالْتِجاءِ إلَيه. فالخَوفُ بهذا الِاعتِبارِ هو سَوْطُ تَشِويقٍ يَدفَعُ الإنسانَ إلى حُضنِ رَحمَتِه تَعالَى، إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الوالِدةَ تُخَوِّفُ طِفلَها لِتَضُمَّه إلى صَدْرِها، فذلك الخَوفُ لَذِيذٌ جِدًّا لِذلك الطِّفلِ، لأنَّه يَجذِبُ ويَدفَعُ الطِّفلَ إلى صَدْرِ الحَنانِ والعَطْفِ، عِلمًا أنَّ شَفَقةَ الوالِداتِ كلِّهن ما هي إلَّا لَمعةٌ مِن لَمَعاتِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ. بمَعنَى أنَّ في الخَوفِ مِنَ اللهِ لَذّةً عَظيمةً. فلَئِن كانَ للخَوفِ مِنَ اللهِ لَذّةٌ إلى هذا الحَدِّ، فكيف بمَحَبّةِ الله سُبحانَه، ألَا يُفهَمُ كم مِنَ اللَّذائذِ غيرِ المُتَناهِيةِ فيها؟!
ثمَّ إنَّ الَّذي يَخافُ اللهَ يَنجُو مِنَ الخَوفِ مِنَ الآخَرِين، ذلك الخَوفِ المَلِيءِ بالقَساوة والبَلايا.
ثمَّ إنَّ المَحَبّةَ الَّتي يُوليها الإنسانُ إلى المَخلُوقاتِ، إن كانَت في سَبِيلِ اللهِ لا تَكُونُ مَشُوبةً بالأَلَمِ والفِراقِ. نعم، إنَّ الإنسانَ يُحِبُّ نَفسَه أوَّلًا، ثمَّ يُحِبُّ أَقارِبَه، ثمَّ أُمَّتَه، ثمَّ الأَحياءَ مِنَ المَخلُوقاتِ، ثمَّ الكائناتِ، ثمَّ الدُّنيا، فهو ذُو عَلاقةٍ معَ كلِّ دائرةٍ مِن هذه الدَّوائرِ، ويُمكِنُ أن يَتَلذَّذ بلَذائذِها ويَتَألَّمَ بآلامِها؛ بَينَما لا يَقَیرُّ قَرارٌ لِشَيءٍ في هذا العالَمِ الصّاخِبِ الَّذي يَمُوجُ بالهَرْجِ والمَرْجِ، وتَعصِفُ فيه العَواصِفُ المُدَمِّرةُ، لِذا تَرَى قَلبَ الإنسانِ المِسكِينِ يُجرَحُ دائِمًا، فالأَشياءُ الَّتي يَتَشَبَّثُ بها هي الَّتي تَجرَحُه بالذَّهابِ عنه، بل قد تَقطَعُ يَدَه، لِذا لا يَنجُو الإنسانُ مِن قَلَقٍ دائِمٍ، ورُبَّما يُلقِي نَفسَه في أَحضانِ الغَفلةِ والسُّكْرِ.
فيا نَفسِي.. إن كُنتِ تَعقِلِين، فاجمَعِي إذً جَميعَ أَنواعِ تلك المَحَبّةِ وسَلِّمِيها إلى صاحِبِها الحَقيقيِّ وانْجِي مِن هذه البَلايا.
— 457 —
فهذه الأَنواعُ مِنَ المَحَبّةِ غيرِ المُتَناهِيةِ إنَّما هي مَخصُوصةٌ لِصاحِبِ كَمالٍ وجَمالٍ لا نِهايةَ لهما، ومتى سَلَّمتِها إلى صاحِبِها الحَقيقيِّ يُمكِنُكِ أن تُحِبِّي الأَشياءَ جَميعَها باسمِه دونَ قَلَقٍ ومِن حيثُ إنَّها مَراياه، بمَعنَى أنَّه لا يَنبَغي أن تَصرِفي هذه المَحَبّةَ مُباشَرةً إلى الكائناتِ، وإلّا انقَلَبَتِ المَحَبّةُ إلى نِقمةٍ أَليمةٍ بعدَ أن كانَت نِعمةً لَذِيذةً.
ظَلَّ أَمرٌ آخَرُ وهو أَهَمُّ مِمّا ذُكِرَ: إنَّكِ يا نَفسِي تُولينَ وَجهَ مَحَبَّتِك إلى نَفسِك بالذّاتِ، فتَجعَلِين نَفسَك مَحبُوبةَ نَفسِها بل مَعبُودةً لها، وتُضَحِّين بكُلِّ شَيءٍ في سَبِيلِها وكأنَّكِ تَمنَحِينَها نَوعًا مِنَ الرُّبُوبيّةِ، مع أنَّ سَبَبَ المَحَبّةِ إمّا كَمالٌ، والكَمالُ مَحبُوبٌ لِذاتِه، أو مَنفَعةٌ أو لَذّةٌ أو فَضِيلةٌ أو أيُّ سَبَبٍ مُشابِهٍ لِهَذه الأَسبابِ المُؤَدِّيةِ إلى المَحَبّةِ.
والآنَ يا نَفسِي.. لقد أَثبَتْنا في عَدَدٍ مِنَ "الكَلِماتِ" إثباتًا قاطِعًا أنَّ ماهِيَّتَكِ الأَصلِيّةَ هي عَجِينةٌ مُرَكَّبةٌ مِنَ القُصُورِ والنَّقصِ والفَقرِ والعَجزِ، فإنَّكِ حَسَبَ الضِّدِّيّةِ تُؤَدِّين وَظيفةَ المِرآةِ، فبالنَّقصِ والقُصُورِ والفَقرِ والعَجزِ المَوجُودِ في ماهِيَّتِكِ أَصلًا، تُظهِرِين كَمالَ الفاطِرِ الجَليلِ وجَمالَه وقُدرَتَه ورَحمَتَه، مِثلَما يُبيِّنُ الظَّلامُ الدّامِسُ سُطُوعَ النُّورِ.
فيا أيَّتُها النَّفسُ.. علَيكِ ألّا تُحِبِّي نَفسَكِ، بلِ الأَولَى لكِ مُعاداتُها، أوِ التَّألُّمُ لِحالِها، والإشفاقُ علَيها، بعدَ أن تُصبِحَ نَفسًا مُطمَئِنّةً.
فإن كُنتِ تُحِبِّين نَفسَكِ لِكَونِها مَنشَأَ اللَّذّةِ والمَنفَعةِ، وأنتِ مَفتُونةٌ بأَذواقِ اللَّذّةِ والمَنفَعةِ، فلا تُفَضِّلي لَذّةً نَفسانِيّةً بقَدْرِ ذَرّةٍ على لَذّةٍ لا نِهايةَ لها ومَنافِعَ لا حَدَّ لها؛ فلا تكُوني كاليَراعةِ الَّتي تُغرِقُ جَميعَ الأَشياءِ وجَميعَ أَحِبَّتِها في وَحْشةِ الظَّلامِ مُكتَفِيةً هي بلُمَيعةٍ في نَفسِها، لأنَّ لَذَّتَكِ النَّفسانيّةَ ومَنفَعَتَكِ وما تَنتَفِعِين مِن وَراءِ مَنفَعَتِهم وما تَسعَدِين بسَعادَتِهم وجَميعَ مَنافِعِ الكائناتِ ونَفْعَها كلَّها إنَّما هي مِن لُطْفِ مَحبُوبٍ أَزَليٍّ سُبحانَه. فعلَيكِ إذًا أن تُحِبِّي ذلك المَحبُوبَ الأَزَليَّ حتَّى تَلْتَذِّي بسَعادَتِكِ وبسَعادةِ أُولَئِك، بلَذّةٍ لا مُنتَهَى لها مِن مَحَبّةِ الكَمالِ المُطلَقِ.
وفي الحَقيقةِ إنَّ مَحَبَّتَكِ الشَّدِيدةَ لِنَفسِكِ والمَغرُوزةَ فيكِ، ما هي إلَّا مَحَبّةٌ ذاتيّةٌ مُتَوجِّهةٌ إلى ذاتِ اللهِ الجَليلةِ سُبحانَه، إلَّا أنَّكِ أَسَأتِ استِعمالَ تلك المَحَبّةِ
— 458 —
فوَجَّهْتِها إلى ذاتِك. فمَزِّقي يا نَفسِي إذًا ما فيكِ مِن "أنا"، وأَظهِرِي "هو"، فإنَّ جَميعَ أَنواعِ مَحَبَّتِكِ المُتَفرِّقةِ على الكائناتِ إنَّما هي مَحَبّةٌ مَمنُوحةٌ لكِ تِجاهَ أَسمائِه الحُسنَى وصِفاتِه الجَليلةِ، بَيْدَ أنَّكِ أَسَأْتِ استِعمالَها، فستَنالِين جَزاءَ ما قَدَّمَتْ يَداكِ، لأنَّ جَزاءَ مَحَبّةٍ غيرِ مَشرُوعةٍ وفي غيرِ مَحَلِّها، مُصِيبةٌ لا رَحمةَ فيها.
وإنَّ مَحبُوبًا أَزَليًّا أَعَدَّ یی باسمِه الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ یی مَسْكَنًا جامِعًا لِجَميعِ رَغَباتِكِ المادِّيّةِ، وهو الجَنّةُ المُزَيَّنةُ بالحُورِ العِينِ، وهَيَّأَ بسائرِ أَسمائِه الحُسنَى آلاءَه العَمِيمةَ لإشباعِ رَغَباتِ رُوحِكِ وقَلبِكِ وسِرِّكِ وعَقلِكِ وبَقيّةِ لَطائفِك؛ بل له سُبحانَه في كلِّ اسمٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى خَزائنُ مَعنَوِيّةٌ لا تَنفَدُ مِنَ الإحسانِ والإكرامِ. فلا شَكَّ أنَّ ذَرّةً مِن مَحَبّةِ ذلك المَحبُوبِ الأَزَليِّ تَكفِي بَدِيلًا عنِ الكائناتِ كلِّها، ولا يُمكِنُ أن تكُونَ الكائناتُ برُمَّتِها بَدِيلًا عن تَجَلٍّ جُزئيٍّ مِن تَجَلِّياتِ مَحَبَّتِه سُبحانَه.
فاستَمِعِي يا نَفسِي واتَّبِعِي هذا العَهْدَ الأَزَليَّ الَّذي أَنطَقَ به ذلك المَحبُوبُ الأَزَليُّ، حَبِيبَه الكَرِيمَ بقَولِه تَعالَى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الثَّمرة الثانية: يا نَفسُ.. إنَّ وَظائفَ العُبُودِيّةِ وتَكاليفَها لَيسَت مُقدَّمةً لِثَوابٍ لاحِقٍ، بل هي نَتيجةٌ لِنِعمةٍ سابِقةٍ.
نعم، نحنُ قد أَخَذْنا أُجرَتَنا مِن قَبلُ، وأَصبَحْنا بحَسَبِ تلك الأُجرةِ المُقَدَّمةِ لنا مُكَلَّفين بالخِدمةِ والعُبُودِيّةِ، ذلك لأنَّ الخالقَ ذا الجَلالِ والإكرامِ الَّذي أَلبَسَكِ یی أيَّتُها النَّفسُ یی الوُجُودَ، وهو الخَيرُ المَحْضُ، قد أَعطاكِ باسمِه "الرَّزّاقِ" مَعِدةً تَتَذوَّقين وتَتَلذَّذِين بجَميعِ ما فَرَشَه أَمامَك على مائدةِ النِّعمةِ مِن مَأكُولاتٍ؛ ثمَّ إنَّه وَهَب لكِ حَياةً حَسّاسةً، فهي كالمَعِدةِ تَطلُبُ رِزقًا لها، فوَضَع أَمامَ حَواسِّكِ مِن عَينٍ وأُذُنٍ یی وهي كالأَيدِي یی مائدةَ نِعمةٍ واسِعةٍ سَعةَ سَطْحِ الأَرضِ، ثمَّ وَهَب لكِ إنسانيّةً تَطلُبُ بدَورِها أَرزاقًا مَعنَوِيّةً كَثيرةً، ففَتَح أَمامَ مَعِدةِ الإنسانيّةِ آفاقَ المُلْكِ والمَلَكُوتِ بمِقدارِ ما يَصِلُ إلَيه العَقْلُ.
— 459 —
وبما وَهَب لكِ مِنَ الإسلامِ والإيمانِ الَّذي هو "الإنسانيّةُ الكُبْرَى"، والَّذي يَطلُبُ نِعَمًا لا نِهايةَ لها، ويَتَغذَّى على ثِمارِ الرَّحمةِ الَّتي لا تَنفَدُ، فَتَح لكِ مائِدةَ النَّعمةِ والسَّعادةِ واللَّذّةِ الشّامِلةِ للأَسماءِ الحُسنَى، والصِّفاتِ الرَّبّانيّةِ المُقدَّسةِ، ضِمنَ دائرةِ المُمكِناتِ، ثمَّ أَعطاكِ المَحَبّةَ الَّتي هي نُورٌ مِن أَنوارِ الإيمانِ، فأَحسَنَ إليكِ بمائدةِ نِعمةٍ وسَعادةٍ ولَذّةٍ لا تَنتَهي أَبدًا.
بمَعنَى أنَّكِ قدِ انتَقَلتِ بإحسانِه سُبحانَه وتَعالَى مِن جُزءٍ جُزئيٍّ یی بحَسَبِ جِسمِكِ الصَّغيرِ المَحدُودِ المُقيَّدِ الذَّليلِ العاجِزِ الضَّعِيفِ یی إلى كُلٍّ كُلِّيِّ نُورانِيٍّ، بما أَعطاكِ "الحَياةَ"، ثمَّ إلى الكُلِّيّةِ الحَقيقيّةِ بما وَهَب لكِ "الإنسانيّةَ"، ثمَّ إلى الكُلِّيّةِ النُّورانيّةِ السّامِيةِ بما أَحسَنَ إلَيكِ "الإيمان"، ومِنها رَفَعَكِ إلى النُّورِ المُحِيطِ الشّامِلِ بما أَنعَمَ عَلَيكِ مِنَ "المَعرِفةِ والمَحَبّةِ".
فيا نَفسُ.. لقد قَبَضْتِ مُقَدَّمًا كلَّ هذه الأُجُورِ والأَثمانِ، ثمَّ كُلِّفْتِ بالعُبُودِيّةِ، وهي خِدمةٌ لَذيذةٌ وطاعةٌ طَيِّبةٌ بل مُرِيحةٌ خَفِيفةٌ؛ أفَبَعدَ هذا تَتَكاسَلِين عن أَداءِ هذه الخِدمةِ العَظِيمةِ المُشَرَّفةِ؟ وتقُولين بدَلالٍ: لِمَ لا يُقبَلُ دُعائي؟ حتَّى إذا ما قُمْتِ بالخِدمةِ بشَكلٍ مُهَلهَلٍ تُطالِبِين بأُجرةٍ عَظِيمةٍ أُخرَى، وكأنَّكِ لم تَكتَفِي بالأُجرةِ السّابِقةِ؟ نعم، إنَّه ليس مِن حَقِّكِ الدَّلالُ أَبدًا، وإنَّما مِن واجِبِكِ التَّضَرُّعُ والدُّعاءُ، فاللهُ سُبحانَه وتَعالَى يَمنَحُكِ الجَنّةَ والسَّعادةَ الأَبَديّةَ بمَحْضِ فَضْلِه وكَرَمِه، لِذا فالْتَجِئِي إلى رَحمَتِه، واعتَمِدِي علَيها، ورَدِّدِي هذا النِّداءَ العُلْوِيَّ الرَّبّانِيَّ:
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
وإذا قُلتِ: كيف يُمكِنُني أن أُقابِلَ تلك النِّعَمَ الكُلِّيّةَ الَّتي لا تُحَدُّ بشُكرِي المَحدُودِ الجُزئيِّ؟
فالجَوابُ: بالنِّيّةِ الكُلِّيّةِ، وبالِاعتِقادِ الجازِمِ الَّذي لا حَدَّ له.
فمَثلًا: إنَّ رَجُلًا يَدخُلُ إلى دِيوانِ السُّلطانِ بِهَديّةٍ زَهيدةٍ مُتَواضِعةٍ بقِيمةِ خَمسةِ فُلُوسٍ، ويُشاهِدُ هناك هَدايا مَرصُوصةً تُقَدَّرُ أَثمانُها بالمَلايِينِ أُرسِلَت إلى السُّلطانِ مِن
— 460 —
قِبَلِ ذَواتٍ مَرمُوقين، فعِندَها يُناجي نَفسَه: ماذا أَعمَلُ؟ إنَّ هَدِيَّتي زَهِيدةٌ ولا شَيءٌ! إلّا أنَّه يَستَدرِكُ ويقُولُ فَجْأةً: "يا سَيِّدي.. إنَّني أُقدِّمُ لكَ جَميعَ هذه الهَدايا باسمِي، فإنَّك أَهلٌ لها؛ ويا سَيِّدي العَظيمَ، لو كان باستِطاعَتِي أن أُقَدِّم لك أَمثالَ أَمثالِ هذه الهَدايا الثَّمِينةِ لَما تَرَدَّدتُ". وهكذا فالسُّلطانُ الَّذي لا حاجةَ له إلى أَحَدٍ، والَّذي يَقبَلُ هَدايا رَعاياه رَمْزًا يُشِيرُ إلى مَدَى إخلاصِهم وتَعظِيمِهم له، يَقبَلُ هذه النِّیيّةَ الكُلِّيّةَ مِن ذلك الرَّجُلِ المَسكِينِ، وأُمنِيَّتَه ورَغبَتَه الصّادِقةَ، ويَقِينَه السّامِيَ الجَمِيلَ بأنّ السُّلطانَ أَهلٌ لتلك الهَدايا؛ يَقبَلُها كأَعظَمِ هَدِيّة.
وهكذا، فالعَبدُ العاجِزُ عِندَما يقُولُ في الصَّلاةِ: "التَّحِيَّاتُ للهِ" يَنوِي بها: "إنَّني أَرفَعُ إلَيك يا إلٰهِي باسمِي هَدايا العُبُودِيّةِ لِجَميعِ المَخلُوقاتِ، الَّتي هي حَياتُها؛ فلو كُنتُ أَستَطِيعُ أن أُقدِّمَ التَّحِيَّاتِ إلَيكَ يا رَبِّي بعَدَدِ تلك الهَدايا لَمَا أَحجَمْتُ ولا تَرَدَّدتُ، فإنَّكَ أَهلٌ لِذاك، بل أَكثَیرُ. فهذه النِّیيّةُ الصّادِقةُ والِاعتِقادُ الجازِمُ، هي الشُّكرُ الكُلِّيُّ الواسِعُ".
ولْنَأخُذْ مَثَلًا مِنَ النَّباتاتِ حيثُ النُّوَى والبُذُورُ فيها بمَثابةِ نِيَّاتِها. فالبِطِّيخُ مَثلًا يقُولُ بما يُنوَى مِن آلافِ النُّوَى الَّتي في جَوفِه: يا خالقِي إنَّني على شَوْقٍ ورَغبةٍ أن أُعلِنَ نُقُوشَ أَسمائِك الحُسنَى في أَرجاءِ الأَرضِ كُلِّها. وحيثُ إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى يَعلَمُ ما يَحدُثُ وكيف يَحدُثُ، فإنَّه يَقبَلُ النِّیيّةَ الصّادِقةَ كأنَّها عِبادةٌ فِعلِيّةٌ، أي: كأنَّها حَدَثَت. ومِن هنا تَعلَمُ كيف أنَّ نِيّةَ المُؤمِنِ خَيرٌ مِن عَمَلِه، وتَفهَمُ كذلك حِكمةَ التَّسبِيحِ بأَعدادٍ غيرِ نِهائيّةٍ في مِثلِ: «سُبحانَك وبحَمدِك عَدَدَ خَلقِك ورِضاءَ نَفسِك وزِنةَ عَرشِك ومِدادَ كَلِماتِك» ، و: نُسَبِّحُك بجَميعِ تَسبِيحاتِ أَنبِيائِك وأَوليائِك ومَلائِكَتِك.
فكما أنَّ الضّابِطَ المَسؤُولَ عنِ الجُنُودِ يُقدِّمُ أَعمالَهم وإنجازاتِهم إلى السُّلطانِ باسمِه، كذلك هذا الإنسانُ الَّذي هو ضابِطٌ على المَخلُوقاتِ، وقائدٌ للنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، ومُؤهَّلٌ ليكونَ خَلِيفةً على مَوجُوداتِ الأَرضِ، ويَعُدُّ نَفسَه مَسؤُولًا ووَكيلًا عمَّا يَحدُثُ في عالَمِه الخاصِّ.. يقُولُ بلِسانِ الجَميعِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فيُقدِّمُ إلى المَعبُودِ ذي الجَلالِ جَميعَ عِباداتِ الخَلقِ واستِعاناتِهم،
— 461 —
ويَجعَلُ المَوجُوداتِ قاطِبةً كذلك تَتَكلَّمُ باسمِه، وذلك عندَ قَولِه: "سُبحانَك بجَميعِ تَسبِيحاتِ جَميعِ مَخلُوقاتِك، وبأَلسِنةِ جَميعِ مَصنُوعاتِك".
ثمَّ إنَّه يُصَلِّي على النَّبيِّ (ص) باسمِ جَميعِ الأَشياءِ على الأَرضِ: «اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ الكائناتِ ومُرَكَّباتِها».. إذ إنَّ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ له عَلاقةٌ معَ النُّورِ المُحَمَّديِّ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وهكذا افْهَمْ حِكمةَ الأَعدادِ غيرِ النِّهائيّةِ في التَّسبِيحاتِ والصَّلَواتِ.
الثَّمرةُ الثالثة: فيا نَفسُ.. إن كُنتِ حَقًّا تُرِيدِين أن تَنالي عَمَلًا أُخرَوِيًّا خالِدًا في عُمُرٍ قَصِيرٍ، وإن كُنتِ حَقًّا تُرِيدِين أن تَرَيْ فائِدةً في كلِّ دَقيقةٍ مِن دَقائقِ عُمُرِكِ كالعُمُرِ الطَّوِيلِ، وإن كُنتِ حَقًّا تُرِيدِين أن تُحَوِّلي العادةَ إلى عِبادةٍ وتُبَدِّلي غَفلَتَكِ إلى طُمَأنينةٍ وسَكِينةٍ.. فاتَّبِعي السُّنَّةَ النَّبوِيّةَ الشَّرِيفةَ.. ذلك: لِأنَّ تَطبِيقَ السُّنَّةِ والشَّرعِ في مُعامَلةٍ مّا، يُورِثُ الطُّمَأنينةَ والسَّكِينةَ، ويُصبِحُ نَوعًا مِنَ العِبادةِ، بما يُثمِرُ مِن ثَمَراتٍ أُخرَوِيّةٍ كَثيرةٍ.
فمَثلًا: إذا ابتَعْتَ شَيئًا، ففي اللَّحظةِ الَّتي تُطَبِّقُ الأَمرَ الشَّرعِيَّ (الإيجابَ والقَبُولَ)، فإنَّ جَميعَ هذا البَيعِ والشِّراءِ يَأخُذُ حُكمَ العِبادةِ، حيثُ يُذَكِّرُك بالحُكْمِ الشَّرعيِّ، مِمّا يُعطِي تَصَوُّرًا رُوحِيًّا، وهذا التَّصَوُّرُ يُذَكِّرُك بالشّارِعِ الجَليلِ سُبحانَه، أي: يُعطِي تَوَجُّهًا إلٰهِيًّا. وهذا هو الَّذي يَسكُبُ السَّكِينةَ والطُّمَأنينةَ في القَلبِ.
أي: إنَّ إنجازَ الأَعمالِ وَفقَ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ يَجعَلُ العُمُرَ الفانِيَ القَصِيرَ مَدارًا للحَياةِ الأَبَدِيّةِ، وذا ثِمارٍ خالُ اٍ؛ لِذا فأَنصِتي جَيِّدًا إلى قَولِه تَعالَى: فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ واسْعَيْ أن تَكُوني مَظهَرًا جامِعًا شامِلًا لِفَيضِ تَجَلٍّ لكُلِّ اسمٍ مِن تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى المُنتَشِرةِ في أَحكامِ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ والشَّرعِ.
الثَّمرة الرابعة: أيَّتُها النَّفسُ.. لا تُقَلِّدِي أَهلَ الدُّنيا، ولا سِيَّما أَهلَ السَّفاهةِ وأَهلَ الكُفرِ خاصّةً، مُنخَدِعةً بزِينَتِهِمُ الظّاهِرِيّةِ الصُّورِيّةِ، ولَذائذِهِمُ الخادِعةِ غيرِ المَشرُوعةِ،
— 462 —
لأنَّكِ بالتَّقلِيدِ لا تَكُونِين مِثلَهم قَطعًا، بل تَتَردَّيْنَ كَثيرًا جِدًّا، بل لن تكُوني حتَّى حَيَوانًا أيضًا، لأنَّ العَقلَ الَّذي في رَأسِكِ يُصبِحُ آلةً مَشؤُومةً مُزعِجةً تَنزِلُ بمَطارِقِها على رَأسِكِ، إذ إن كان ثَمَّةَ قَصرٌ فَخمٌ فيه مِصباحٌ كَهرَبائيٌّ عَظيمٌ تَشَعَّبَت مِنه قُوّةُ الكَهرَباءِ إلى مَصابِيحَ أَصغَرَ فأَصغَرَ مُوزَّعةٍ في مَنازِلَ صَغِيرةٍ مُرتَبِطةٍ كُلِّها بالمِصباحِ الرَّئيسِ؛ فلو أَطفَأَ أَحَدُهمُ المِصباحَ الكَهرَبائيَّ الكَبِيرَ، فسيَعُمُّ الظَّلامُ المَنازِلَ الأُخرَى كلَّها، وتَستَولي الوَحْشةُ فيها؛ ولكن ثَمّةَ مَصابِيحُ في قُصُورٍ أُخرَى غيرَ مَربُوطةٍ بالمِصباحِ الكَبيرِ في القَصرِ الفَخْمِ، فإنَّ صاحِبَ القَصرِ هذا إن أَطفَأَ المِصباحَ الكَهرَبائيَّ الكَبيرَ فإنَّ مَصابِيحَ صَغِيرةً تَعمَلُ على الإضاءةِ في القُصُورِ الأُخرَى، ويُمكِنُه أن يُؤَدِّيَ بها عَمَلَه، فلا يَستَطِيعُ اللُّصُوصُ نَهْبَ شيءٍ مِنه.
فيا نَفسِي.. القَصرُ الأَوَّلُ هو المُسلِمُ، والمِصباحُ الكَبِيرُ هو سيِّدُنا الرَّسُولُ (ص) في قَلبِ ذلك المُسلِمِ، فإن نَسِيَه وأَخرَجَ الإيمانَ به مِن قَلبِه یی والعِياذُ باللهِ یی فلا يُؤمِنُ بعدُ بأيِّ نَبِيٍّ آخَرَ، بل لا يَبقَى مَوضِعٌ للكَمالاتِ في رُوحِه، بل يَنسَى رَبَّه الجَليلَ ويكُونُ ما أُدرِجَ في ماهِيَّتِه مِن مَنازِلَ ولَطائِفَ طُعْمةً للظَّلامِ، ويُحدِثُ في قَلبِه دَمارًا رَهِيبًا، وتَستَولي علَيه الوَحْشةُ.. تُرَى ما الَّذي يُغنِي عن هذا الدَّمارِ الرَّهيبِ، وما النَّفعُ الَّذي يَكسِبُه حتَّى يَستَطِيعَ أن يُعَمِّرَ ذلك الدَّمارَ والوَحْشةَ؟!
أمّا الأَجانِبُ فإنَّهم يُشبِهُون القَصرَ الثّانِيَ، بحيثُ لو أَخرَجُوا نُورَ مُحمَّدٍ (ص) مِن قُلُوبِهم، تَظَلُّ لَدَيهِم أَنوارٌ بالنِّسبةِ لهم، أو يَظُنُّون أنَّها تَظَلُّ! إذ يُمكِنُ أن يَبقَى لَدَيهِم شَيءٌ مِنَ العَقيدةِ باللهِ والإيمانِ بمُوسَى وعِيسَى عَلَيهمَا السَّلَام، والَّذي هو مِحْوَرُ كَمالِ أَخلاقيّاتِهم.
فيا نَفسِي الأَمّارةَ بالسُّوءِ.. إذا قُلتِ: أنا لا أُريدُ أن أَكُونَ أَجنَبِيًّا بل حَيَوانًا! فلَقد كَرَّرْنا علَيكِ القَولَ يا نَفسِي: إنَّكِ لن تكُوني حتَّى كالحَيَوانِ، لأنَّكِ تَملِكِين عَقْلًا، فهذا العَقلُ الجامِعُ لِآلامِ الماضِي ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ يُنزِلُ ضَرَباتٍ مُوجِعةً وصَفَعاتٍ مُؤلِمةً برَأسِكِ وعَينِكِ، فيُذِيقُكِ أُلُوفَ الآلامِ في ثَنايا لَذّةٍ واحِدةٍ، بَينَما الحَيَوانُ يَستَمتِعُ بلَذّةٍ غيرِ مَشُوبةٍ بالآلامٍ. لِذا إن أَرَدتِ أن تكُوني حَيَوانًا فتَخَلَّيْ عن عَقلِكِ أَوَّلًا وارمِيه بَعِيدًا، وتَعَرَّضي لِصَفعةِ التَّأدِيبِ في الآيةِ الكَرِيمةِ: كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ.
— 463 —
الثَّمرةُ الخامسة: يا نَفسُ لقد كَرَّرْنا القَولَ: إنَّ الإنسانَ ثَمَرةُ شَجَرةِ الخِلقةِ، فهو كالثَّمَرةِ أَبعَدُ شيءٍ عنِ البِذرةِ، وأَجمَعُ لِخَصائصِ الكُلِّ، وله نَظَرٌ عامٌّ إلى الجَميعِ، ويَضُمُّ جِهةَ وَحدةِ الكُلِّ، فهو مَخلُوقٌ يَحمِلُ نَواةَ القَلبِ، ووَجهُهُ مُتَوجِّهٌ إلى الكَثرةِ مِنَ المَخلُوقاتِ، وإلى الفَناءِ، وإلى الدُّنيا، ولكِنَّ العِبادةَ الَّتي هي حَبْلُ الوِصالِ، أو نُقطةُ اتِّصالٍ بينَ المَبدَأِ والمُنتَهَى، تَصرِفُ وَجهَ الإنسانِ مِنَ الفَناءِ إلى البَقاءِ، ومِنَ الخَلقِ إلى الحَقِّ، ومِنَ الكَثرةِ إلى الوَحدانيّةِ، ومِنَ المُنتَهَى إلى المَبدَأِ.
لو أنَّ ثَمَرةً قيِّمةً ذاتَ إدراكٍ أَوشَكَت على أن تُكوِّنَ البُذُورَ، تَباهَتْ بجَمالِها، ونَظَرَتْ إلى أَسفَلَ مِنها مِن ذَوِي الأَرواحِ، وأَلقَت نَفسَها في أَيدِيهم أو غَفَلَت فسَقَطَت، فلا شَكَّ أنَّها تَتَفتَّتُ وتَتَلاشَى في أَيدِيهم، وتَضِيعُ كأَيّةِ ثَمَرةٍ اعتِيادِيّةٍ؛ ولكِنَّ تلك الثَّمَرةَ المُدرِكةَ إن وَجَدَت نُقطةَ استِنادِها، وتَمَكَّنَت مِنَ التَّفكِيرِ في أنَّها ستكُونُ وَساطةً لبَقاءِ الشَّجَرةِ وإظهارِ حَقِيقَتِها ودَوامِها، بما تُخبِّئُ في نَفسِها مِن جِهةِ الوَحْدةِ للشَّجَرةِ، فإنَّ البِذرةَ الواحِدةَ لتلك الثَّمَرةِ الواحِدةِ تَنالُ حَقِيقةً كُلِّيّةً دائمةً ضِمنَ عُمُرٍ باقٍ دائمٍ..
فالإنسانُ الَّذي تاهَ في كَثرةِ المَخلُوقاتِ، وغَرِق في الكائناتِ، وأَخَذ حُبُّ الدُّنيا بلُبِّه حتَّى غَرَّه تَبَسُّمُ الفانِياتِ وسَقَط في أَحضانِها، لا شَكَّ أنَّ هذا الإنسانَ يَخسَرُ خُسرانًا مُبِينًا، إذ يَقَعُ في الضَّلالِ والفَناءِ والعَدَمِ، أي: يُعدِمُ نَفسَه مَعنًى. ولكِن إذا ما رَفَع هذا الإنسانُ رَأسَه واستَمَع بقَلبٍ شَهِيدٍ لدُرُوسِ الإيمانِ مِن لِسانِ القُرآنِ، وتَوَجَّه إلى الوَحدانيّةِ، فإنَّه يَستَطِيعُ أن يَصعَدَ بمِعراجِ العِبادةِ إلى عَرْشِ الكَمالاتِ والفَضائلِ، فيَغدُوَ إنسانًا باقِيًا.
يا نَفسِي.. لَمّا كانَتِ الحَقيقةُ هي هذه، وأنتِ مِنَ المِلّةِ الإبراهِيميّةِ، فقُولي على غِرارِ سيِّدِنا إبراهيمَ: لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ، وتَوَجَّهي إلى المَحبُوبِ الباقي، وابكِي مِثلي، قائلةً: ................
(الأَبياتُ الفارِسيّةُ لم تُدرَج هنا، حيثُ أُدرِجَت في المَقامِ الثاني مِنَ الكَلِمةِ السّابِعةَ عَشْرةَ).
٭ ٭ ٭
— 464 —

الكلمة الخامسة والعشرون

المعجزات القرآنية
أَرَى مِنَ الفُضُولِ التَّحَرِّيَ عن بُرهانٍ وفي اليَدِ مُعجِزةٌ خالِدةٌ: القُرآنُ.
أتُراني أَتَضايقُ مِن إلزامِ الجاحِدِين، وفي اليَدِ بُرهانُ الحَقيقةِ: القرآنُ!
تنبيه
لقد عَزَمْنا في بِدايةِ هذه الكَلِمةِ على أن نَكتُبَ خَمسَ شُعَلٍ، ولكن في أَواخِرِ الشُّعلةِ الأُولَى یی قبلَ وَضْعِ الحُرُوفِ الجَدِيدةِ بشَهرَينِ یی اضطُرِرنا إلى الإسراعِ في الكِتابةِ لِطَبعِها بالحُرُوفِ القَدِيمةِ، حتَّى كُنّا نَكتُبُ یی في بعضِ الأَيّامِ یی عِشرِين أو ثَلاثين صَحِيفةً في غُضُونِ ساعَتَينِ أو ثَلاثِ ساعاتٍ، لِذا اكتَفَيْنا بثَلاثِ شُعَلٍ فكَتَبناها مُجمَلةً مُختَصَرةً، وتَرَكنا الآنَ شُعْلَتَينِ.
فآمُلُ مِن إخواني الكِرامِ أن يَنظُرُوا بعَينِ الإنصافِ والمُسامَحةِ إلى ما كان مِنِّي مِن تَقصِيراتٍ ونَقائصَ وإشكالاتٍ وأَخطاءٍ.
٭ ٭ ٭
— 465 —
إنَّ كلَّ آيةٍ مِن أَكثَرِ الآياتِ الوارِدةِ في هذه الرِّسالةِ «المُعجِزاتُ القُرآنيّةُ» إمَّا أنَّها أَصبَحَت مَوضِعَ انتِقادِ المُلحِدِين، أو أَصابَها اعتِراضُ أَهلِ العُلُومِ الحَدِيثةِ، أو مَسَّتْها شُبُهاتُ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ وأَوهامُهم.
ولقد تَناوَلَتْ هذه "الكَلِمةُ الخامِسةُ والعِشرُون" تلك الآياتِ وبَيَّنَتْ حَقائقَها ونِكاتِها الدَّقيقةَ على أَفضَلِ وَجهٍ، بحيثُ إنَّ ما ظَنَّه أَهلُ الإلحادِ والعُلُومِ مِن نِقاطِ ضَعْفٍ ومَدارِ نَقْصٍ، أَثْبَتَتِ الرِّسالةُ بقَواعِدِها العِلمِيّةِ أنَّه لَمَعاتُ إعجازٍ ومَنابِعُ كَمالِ بَلاغةِ القُرآنِ.
أمَّا الشُّبُهاتُ فقد أُجِيبَ عنها بأَجوِبةٍ قاطِعةٍ مِن دُونِ ذِكرِ الشُّبهةِ نَفسِها، وذلك لِئلّا تَتَكدَّرَ الأَذهانُ، كما في الآيةِ الكَريمةِ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي.. وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، إلّا ما ذَكَرناه مِن شُبُهاتِهم في المَقامِ الأَوَّلِ مِنَ "الكَلِمةِ العِشرِين" حَولَ عَدَدٍ مِنَ الآياتِ.
ثمَّ إنَّ هذه الرِّسالةَ «المُعجِزاتُ القُرآنيّةُ» وإن كُتِبَتْ باختِصارٍ شَديدٍ وفي غايةِ السُّرعةِ، إلّا أنَّها قد بَيَّنَت جانِبَ البَلاغةِ وعُلُومَ العَرَبيّةِ بَيانًا شافِيًا بأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ وعَمِيقٍ يُثيرُ إعجابَ العُلَماءِ.
وعلى الرَّغْمِ مِن أنَّ كلَّ بَحثٍ مِن بُحُوثِها لا يَستَوعِبُه كلُّ مُهتَمٍّ ولا يَستَفيدُ مِنه حَقَّ الفائِدةِ، فإنَّ لكُلٍّ حَظَّه المُهِمَّ في تلك الرِّياضِ الوارِفةِ.
والرِّسالةُ وإن أُلِّفَت في أَوضاعٍ مُضطَرِبةٍ وكُتِبَتْ على عَجَلٍ، ومع ما فيها مِن قُصُورٍ في الإفادةِ والتَّعبِيرِ، إلّا أنَّها قد بَيَّنَت حَقائِقَ كَثيرٍ مِنَ المَسائلِ المُهِمّةِ مِن وِجهةِ نَظَرِ العِلْمِ.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 466 —
رسالةُ المُعجِزاتِ القُرآنيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
لقد أَشَرنا إلى نحوِ أَربَعين وَجهًا مِن وُجُوه إعجازٍ لا تُحَدُّ للقُرآنِ الحَكِيمِ الَّذي هو مَنبَعُ المُعجِزاتِ والمُعجِزةُ الكُبْرَى للرَّسُولِ الكَريمِ (ص)، وذلك في رَسائِلي العَرَبيّةِ، وفي رَسائلِ النُّورِ العَرَبيّةِ، وفي تَفسِيري المَوسُومِ بی"إشاراتُ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ"، وفي الكَلِماتِ الأَربَعِ والعِشرِينَ السّابِقةِ.
وفي هذه الرِّسالةِ نُشِيرُ إلى خَمسةٍ مِن تلك الوُجُوهِ ونُبيِّنُها بشَيءٍ مِنَ التَّفصيلِ، ونُدرِجُ فيها سائرَ الوُجُوهِ مُجمَلةً.
وفي المُقدِّمةِ نُشِيرُ إلى تَعرِيفِ القُرآنِ الكَرِيمِ وماهيَّتِه.
— 467 —

المُقدِّمة

عبارةٌ عن ثلاثة أجزاءٍ

الجزء الأوَّل

القرآنُ ما هو؟ وما تَعريفُه؟
لقد وُضِّحَ في "الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ"، وأُثبِتَ في رسائلَ أخرى أنَّ القُرآن:
هو التَّرجَمةُ الأَزَليّةُ لِكِتابِ الكائناتِ الكَبِيرِ..
والتَّرجُمانُ الأَبَدِيُّ لِأَلسِنَتِها المُتَنوِّعةِ التّاليةِ للآياتِ التَّكوِينيّةِ..
ومُفَسِّرُ كِتابِ عالَمِ الغَيبِ والشَّهادةِ..
وكذا هو كَشّافٌ لِمَخْفيَّاتِ الكُنُوزِ المَعنَوِيّةِ للأَسماءِ الإلٰهِيّةِ المُستَتِرةِ في صَحائفِ السَّماواتِ والأَرضِ..
وكذا هو مِفتاحٌ لِحَقائقِ الشُّؤُونِ المُضْمَرةِ في سُطُورِ الحادِثاتِ..
وكذا هو لِسانُ عالَمِ الغَيبِ في عالَمِ الشَّهادةِ..
وكذا هو خَزِينةٌ للمُخاطَباتِ الأَزَليّةِ السُّبحانيّةِ والِالتِفاتاتِ الأَبَديّةِ الرَّحمانيّةِ الوارِدةِ مِن عالَمِ الغَيبِ المَستُورِ وَراءَ حِجابِ عالَمِ الشَّهادةِ هذا..
وكذا هو شَمسُ عالَمِ الإسلامِ المَعنَوِيِّ وأَساسُه وهَندَسَتُه..
وكذا هو خَرِيطةٌ مُقدَّسةٌ للعَوالِمِ الأُخرَوِيّةِ..
وكذا هو القَولُ الشّارِحُ والتَّفسِيرُ الواضِحُ والبُرهانُ القاطِعُ والتَّرجُمانُ السّاطِعُ لِذاتِ اللهِ وصِفاتِه وأَسمائِه وشُؤُونِه..
وكذا هو المُرَبِّي لهذا العالَمِ الإنسانِيِّ..
وكالماءِ والضِّياءِ للإنسانيّةِ الكُبْرَى الَّتي هي الإسلامُ..
— 468 —
وكذا هو الحِكمةُ الحَقيقيّةُ لِنَوعِ البَشَرِ..
وهو المُرشِدُ المُهدِي الَّذي يَسُوقُ الإنسانيّةَ إلى السَّعادةِ..
وكذا هو للإنسانِ: كما أنه كِتابُ شَرِيعةٍ، كذلك هو كِتابُ حِكمةٍ، وكما أنَّه كِتابُ دُعاءٍ وعُبُودِيّةٍ، كذلك هو كِتابُ أَمرٍ ودَعوةٍ، وكما أنَّه كِتابُ ذِكرٍ كذلك هو كِتابُ فِكرٍ..
وهو الكِتابُ الوَحِيدُ المُقدَّسُ الجامِعُ لكُلِّ الكُتُبِ الَّتي تُحقِّقُ جَميعَ حاجاتِ الإنسانِ المَعنَوِيّةِ، حتَّى إنَّه قد أَبرَزَ لِمَشرَبِ كلِّ واحدٍ مِن أَهلِ المَشارِبِ المُختَلِفةِ، ولِمَسلَكِ كلِّ واحِدٍ مِن أَهلِ المَسالِكِ المُتَبايِنةِ مِنَ الأَولياءِ والصِّدِّيقين ومِنَ العُرَفاءِ والمُحَقِّقين رِسالةً لائقةً لِمَذاقِ ذلك المَشرَبِ وتَنوِيرِه، ولِمَساقِ ذلك المَسلَكِ وتَصوِيرِه.. فهذا الكِتابُ السَّماوِيُّ أَشبَهُ ما يكُونُ بمَكتَبةٍ مُقدَّسةٍ مَشحُونةٍ بالكُتُبِ.

الجُزءُ الثاني وتتمّةُ التعريف

لقد وُضِّحَ في "الكَلِمةِ الثّانيةَ عَشْرةَ" وأُثبِتَ فيها: أنَّ القرآنَ قد نَزَل مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ، مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ، مِن أَعظَمِ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى..
فهو كَلامُ اللهِ بوَصْفِه رَبَّ العالَمِين، وهو أَمرُ الله بوَصفِه إلٰهَ المَوجُوداتِ، وهو خِطابُه بوَصفِه خالِقَ السَّماواتِ والأَرضِ، وهو مُكالَمةٌ سامِيةٌ بصِفةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ، وهو خِطابٌ أَزَليٌّ باسمِ السَّلطَنةِ الإلٰهِيّةِ الشّامِلةِ العُظمَى، وهو سِجِلُّ الِالتِفاتِ والتَّكريمِ الرَّحمانِيِّ النّابِعِ مِن رَحمَتِه الواسِعةِ المُحِيطةِ بكلِّ شيءٍ، وهو مَجمُوعةُ رَسائلَ رَبّانيّةٍ تُبيِّنُ عَظَمةَ الأُلُوهيّةِ، إذ في بِداياتِ بَعضِها رُمُوزٌ وشِفْراتٌ، وهو الكِتابُ المُقدَّسُ الَّذي يَنثُرُ الحِكمةَ، نازِلٌ مِن مُحِيطِ الِاسمِ الأَعظَمِ يَنظُرُ إلى ما أَحاطَ به العَرشُ الأَعظَمُ.
ومِن هذا السِّرِّ أُطلِقَ على القُرآنِ الكَريمِ ويُطلَقُ علَيه دَوْمًا ما يَستَحِقُّه مِنِ اسمٍ وهو: "كَلامُ اللهِ". وتَأتي بعدَ القُرآنِ الكَريمِ الكُتُبُ المُقدَّسةُ لِسائرِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام وصُحُفُهم.
أمّا سائرُ الكَلِماتِ الإلٰهِيّةِ الَّتي لا تَنفَدُ، فمِنها ما هو مُكالَمةٌ في صُورةِ إلهامٍ نابِعٍ باعتِبارٍ خاصٍّ، وبعُنوانٍ جُزئيٍّ، وبتَجَلٍّ خاصٍّ لِاسمٍ خُصُوصيٍّ، وبرُبُوبيّةٍ خاصّةٍ،
— 469 —
وسُلطانٍ خاصٍّ، ورَحمةٍ خُصُوصيّةٍ.. فإلهاماتُ المَلَك والبَشَرِ والحَيَواناتِ مُختَلِفةٌ جِدًّا مِن حيثُ الكُلِّيّةُ والخُصُوصيّةُ.

الجزءُ الثالث

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ كِتابٌ سَماوِيٌّ يَتَضمَّنُ إجمالًا كُتُبَ جَميعِ الأَنبِياءِ المُختَلِفةِ عُصُورُهم، ورَسائلَ جَميعِ الأَولياءِ المُختَلِفةِ مَشارِبُهم، وآثارَ جَميعِ الأَصفِياءِ المُختَلِفةِ مَسالكُهُم..
جِهاتُه السِّتُّ مُشرِقةٌ ساطِعةٌ نَقِيّةٌ مِن ظُلُماتِ الأَوهامِ، طاهِرةٌ مِن شائبةِ الشُّبُهاتِ..
إذ نُقطةُ استِنادِه: الوَحْيُ السَّماوِيُّ والكَلامُ الأَزَليُّ باليَقينِ..
هَدَفُه وغايَتُه: السَّعادةُ الأَبَديّةُ بالمُشاهَدةِ..
مُحتَواه: هِدايةٌ خالِصةٌ بالبَداهةِ..
أَعلاه: أَنوارُ الإيمان بالضَّرورةِ..
أَسفَلُه: الدَّليلُ والبُرهانُ بعِلمِ اليَقينِ..
يَمِينُه: تَسلِيمُ القَلبِ والوِجدانِ بالتَّجرِبةِ..
يَسارُه: تَسخِيرُ العَقلِ والإذعانُ بعَينِ اليَقينِ..
ثَمَرتُه: رَحمةُ الرَّحمٰنِ ودارُ الجِنانِ بحَقِّ اليَقينِ..
مَقامُه: قَبُولُ المَلَكِ والإنسِ والجانِّ بالحَدْسِ الصّادِقِ.
إنَّ كلَّ صِفةٍ مِنَ الصِّفاتِ المَذكُورةِ في تَعرِيفِ القُرآنِ الكَريمِ بأَجزائِه الثّلاثةِ، قد أُثبِتَت إثباتًا قاطِعًا في مَواضِعَ أُخرَى أو ستُثبَتُ، فدَعوانا لَيسَتْ مُجَرَّدَ ادِّعاءٍ مِن دُونِ دَليلٍ، بل كلٌّ مِنها مُبَرهَنٌ بالبُرهانِ القاطِعِ.
٭ ٭ ٭
— 470 —

الشُّعلة الأولى

هذه الشُّعلةُ لها ثلاثُ أَشِعّاتٍ

الشُّعاع الأوَّل

بلاغةُ القرآن مُعجِزةٌ
هذه البَلاغةُ المُعجِزةُ نَبَعَت مِن جَزالةِ نَظْمِ القُرآنِ وحُسنِ مَتانَتِه، ومِن بَداعةِ أَساليبِه وغَرابَتِها وجَوْدَتِها، ومِن بَراعةِ بَيانِه وتَفُوُّقِه وصَفْوَتِه، ومِن قُوّةِ مَعانيه وصِدقِها، ومِن فَصاحةِ أَلفاظِه وسَلاسَتِها.
بهذه البَلاغةِ الخارِقةِ تَحَدَّى القُرآنُ الكَريمُ یی مُنذُ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ مِنَ السِّنينَ یی أَذكَى بُلَغاءِ بَني آدَمَ وأَبرَعَ خُطَبائِهم وأَعظَمَ عُلَمائِهم، فما عارَضُوه، وما حارُوا ببِنتِ شَفةٍ، مع شِدّةِ تَحَدِّيه إيّاهم، بل خَضَعَتْ رِقابُهم بِذُلٍّ، ونَكَّسُوا رُؤُوسَهم بِهَوانٍ، مع أنَّ مِن بُلَغائهم مَن يُناطِحُ السَّحابَ بغُرُورِه.
نُشِيرُ إلى وَجهِ الإعجازِ في بَلاغَتِه بصُورَتَينِ:

الصُّورة الأولى:

إنَّ أَكثرَ سُكّانِ جَزِيرةِ العَرَبِ كانُوا في ذلك الوَقتِ أُمِّيِّين، لِذا كانُوا يَحفَظُون مَفاخِرَهم ووَقائِعَهمُ التّارِيخيّةَ وأَمثالَهم وحِكمَهم ومَحاسِنَ أَخلاقِهم في شِعرِهم وبَلِيغَ كَلامِهمُ المُتَناقَلِ شِفاهًا، بَدَلًا مِنَ الكِتابةِ؛ فكان الكَلامُ الحَكِيمُ ذُو المَغزَى يَستَقِرُّ في الأَذهانِ ويَتَناقَلُه الخَلَفُ عنِ السَّلَفِ. فهذه الحاجةُ الفِطرِيّةُ فيهم دَفَعَتْهم إلى أن يكُونَ أَرغَبُ مَتاعٍ في أَسواقِهم وأَكثَرُه رَواجًا هو الفَصاحةَ والبَلاغةَ، حتَّى كان بَليغُ القَبِيلةِ رَمْزًا لِمَجْدِها وبَطَلًا مِن أَبطالِ فَخرِها، فهؤلاء القَومُ الَّذين ساسُوا العالَمَ بفِطنَتِهم بعدَ
— 471 —
إسلامِهم كانُوا في الصَّدارةِ والقِمّةِ في مَيدانِ البَلاغةِ بينَ أُمَمِ العالَمِ، فكانَتِ البَلاغةُ رائجةً وحاجَتُهم إلَيها شَدِيدةً حتَّى يَعُدُّوها مَدارَ اعتِزازِهم، بل حتَّى كانَت رَحَى الحَربِ تَدُورُ بينَ قَبيلَتَينِ أو يَحُلُّ الوِئامُ بَينَهما بمُجَرَّدِ كلامٍ يَصدُرُ عن بَليغِهم، بل كَتَبُوا سَبعَ قَصائدَ بماءِ الذَّهبِ لِأَبلَغِ شُعَرائهم وعَلَّقُوها على جِدارِ الكَعبةِ، فكانَتِ "المُعَلَّقاتِ السَّبعَ" الَّتي هي رَمزُ فَخرِهم.
ففي مِثلِ هذا الوَقتِ الَّذي بَلَغَتْ فيه البَلاغةُ قِمّةَ مَجدِها، ومَرغُوبٌ فيها إلى هذا الحَدِّ، نَزَل القُرآنُ الكَريمُ یی بمِثلِ ما كانَت مُعجِزةُ سَيِّدِنا مُوسَى وعِيسَى عَلَيهمَا السَّلَام مِن جِنسِ ما كان رائجًا في زَمانِهما، وهو السِّحرُ والطِّبُّ یی نَزَل في هذا الوَقتِ مُتَحدِّيًا ببَلاغَتِه بلاغةَ عَصرِه وكلِّ العُصُورِ التّاليةِ، ودَعا بُلَغاءَ العَرَبِ إلى مُعارَضَتِه، والإتيانِ ولو بأَقصَرِ سُورةٍ مِن مِثلِه، فتَحَدَّاهم بقَولِه تَعالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، واشتَدَّ علَيهِم بالتَّحَدِّي: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ أي: ستُساقُون إلى جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ؛ فكان هذا يَكسِرُ غُرُورَهم، ويَستَخِفُّ بعُقُولِهم ويُسَفِّهُ أَحلامَهم، ويَقضِي علَيهم في الدُّنيا بالإعدامِ كما هو في الآخِرةِ، أي: إمّا أن تَأتُوا بمِثلِه أو أنَّ أَرواحَكم وأَموالَكم في خَطَرٍ، ما دُمتُم مُصِرِّين على الكُفرِ!
وهكذا، فلَو كانَتِ المُعارَضةُ مُمكِنةً فهل يُمكِنُ اختِيارُ طَريقِ الحَربِ والدَّمارِ، وهي أَشَدُّ خَطَرًا وأَكثَرُ مَشَقّةً، وبينَ أَيدِيهم طَرِيقٌ سَهلةٌ هَيِّنةٌ، تلك هي مُعارَضَتُه ببِضعةِ أَسطُرٍ تُماثِلُه، لإبطالِ دَعواه وتَحَدِّيه؟!
أَجَل، هل يُمكِنُ لأُولَئك القَومِ الأَذكِياءِ الَّذين أَدارُوا العالَمَ بسِياسَتِهم وفِطنَتِهم أن يَتْرُكوا أَسهَلَ طَرِيقٍ وأَسلَمَها، ويَختارُوا الطَّرِيقَ الصَّعبةَ الَّتي تُلقِي أَرواحَهم وأَموالَهم إلى الهَلاكِ؟ إذ لو كان باستِطاعةِ بُلَغائِهم أن يُعارِضُوا القُرآنَ ببِضعةِ حُرُوفٍ، لَتَخَلَّى القُرآنُ عن دَعواه، ولَنَجَوا مِنَ الدَّمارِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ؛ والحالُ أنَّهمُ اختارُوا طَرِيقَ الحَربِ المُرِيعةِ الطَّوِيلةِ، بمَعنَى أنَّ المُعارَضةَ بالحُرُوفِ مُحالةٌ، ولا يُمكِنُهم ذلك بحالٍ مِنَ الأَحوالِ، لِذا عَمَدُوا إلى المُقارَعةِ بالسُّيُوفِ.
— 472 —
ثمَّ إنَّ هناك دافِعَينِ في غايةِ القُوّةِ لِمُعارَضةِ القُرآنِ والإتيانِ بمَثيلِه وهما:
الأوَّلُ: حِرصُ الأَعداءِ على مُعارَضَتِه.
الثّاني: شَغَفُ الأَصدِقاءِ على تَقلِيدِه.
ولقد أُلِّفَتْ تحتَ تَأثيرِ هذَينِ الدّافِعَينِ الشَّدِيدَينِ مَلايينُ الكُتُبِ بالعَرَبيّةِ، مِن دُونِ أن يكُونَ كِتابٌ واحِدٌ مِنها شَبِيهًا بالقُرآنِ قَطُّ، إذ كلُّ مَن يَراها یی سَواءٌ أكانَ عالِمًا أو جاهِلًا یی لا بُدَّ أن يقُولَ: القُرآنُ لا يُشبِهُ هذه الكُتُبَ، ولا يُمكِنُ أن يُعارِضَ واحِدٌ مِنها القُرآنَ قَطعًا، ولهذا فإمّا أنَّ القُرآنَ أَدنَى بَلاغةً مِنَ الكُلِّ، وهذا باطِلٌ مُحالٌ باتِّفاقِ الأَعداءِ والأَصدِقاءِ، وإمّا أنَّ القُرآنَ فَوقَها جَمِيعًا، وأَسمَى وأَعلَى.
فإن قُلْتَ: كيف نَعلَمُ أنَّ أَحَدًا لم يُحاوِلِ المُعارَضةَ؟ أَلَم يَعتَمِدْ أَحَدٌ على نَفسِه ومَوهِبَتِه لِيَبْرُزَ في مَيدانِ التَّحَدِّي؟! أوَلَم يَنفَعْ تَعاوُنُهم ومُؤازَرةُ بَعضِهم بَعضًا؟!
الجَوابُ: لو كانَتِ المُعارَضةُ مُمكِنةً، لَكانَتِ المُحاوَلةُ قائِمةً لا مَحالةَ، لأنَّ هناك قَضِيّةَ الشَّرَفِ والعِزّةِ وهَلاكِ الأَرواحِ والأَموالِ؛ فلَو كانَتِ المُعارَضةُ قد وَقَعَت فِعلًا، لَكان الكَثِيرُون يَنحازُون إلَيها، لأنَّ المُعارِضِين للحَقِّ والعَنِيدِين كَثيرُون دائمًا، فلَو وُجِدَ مَن يُؤيِّدُ المُعارَضةَ لَاشتَهَرَت، إذ كانُوا يُنَظِّمُون القَصائدَ لِخِصامٍ طَفيفٍ، ويَجعَلُونَها في المَآثِرِ، فكيف بصِراعٍ عَجِيبٍ كهذا يَبقَى مَستُورًا في التّارِيخِ؟!
ولقد نُقِلَت واشتَهَرَت أَشنَعُ الإشاعاتِ وأَقبَحُها طَعْنًا بالإسلامِ، ولم تُنقَلْ سِوَى بِضعِ كَلِماتٍ تَقَوَّلَها مُسَيلِمةُ الكَذّابُ لِمُعارَضةِ القُرآنِ، ومُسَيلِمةُ هذا وإن كانَ صاحِبَ بَلاغةٍ لا يُستَهانُ بها، إلَّا أنَّ بَلاغَتَه عِندَما قُورِنَت مع بَلاغةِ القُرآنِ الَّتي تَفُوقُ كلَّ حُسْنٍ وجَمالٍ عُدَّت هَذَيانًا.. ونُقِلَ كَلامُه هكذا في صَفَحاتِ التّارِيخِ.
وهكذا، فالإعجازُ في بَلاغةِ القُرآنِ يَقينٌ كيَقينِ حاصِلِ ضَربِ الِاثنَينِ في اثنَينِ يُساوِي أَربعًا، ولِهذا يكُونُ الأَمرُ هكذا.
— 473 —

الصورة الثانية:

سنُبيِّنُ حِكمةَ الإعجازِ في بَلاغةِ القُرآنِ بخَمسِ نِقاطٍ:
النُّقطة الأولى: إنَّ في نَظمِ القُرآنِ جَزالةً خارِقةً، وقد بَيَّن كِتابُ «إشاراتُ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ» مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه هذه الجَزالةَ والمَتانةَ في النَّظمِ، إذ كما أنَّ عَقارِبَ السّاعةِ العادَّةَ للثَّواني والدَّقائقِ والسّاعاتِ يُكَمِّلُ كلٌّ مِنها نِظامَ الآخَرِ، كذلك النَّظمُ في هَيئاتِ كلِّ جُملةٍ مِن جُمَلِ القُرآنِ، والنِّظامُ الَّذي في كَلِماتِه، والِانتِظامُ الَّذي في مُناسَبةِ الجُمَلِ كلٌّ تِجاهَ الآخَرِ، وقد بُيِّن كُلُّ ذلك بوُضُوحٍ تامٍّ في التَّفسِيرِ المَذكُورِ، فمَن شاءَ فلْيُراجِعْه لِيَتَمكَّنَ مِن أن يُشاهِدَ هذه الجَزالةَ الخارِقةَ في أَجمَلِ صُوَرِها، إلّا أنَّنا نُورِدُ هنا مِثالَينِ فقط لِبَيانِ نَظْمِ الكَلِماتِ المُتَعانِقةِ لكُلِّ جُملةٍ (والَّتي لا يَصلُحُ مَكانَها غَيرُها بتَناسُقٍ وتَكامُلٍ).
المِثالُ الأوَّلُ: قَولُه تَعالَى: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ.
هذه الجُملةُ مَسُوقةٌ لِإظهارِ هَوْلِ العَذابِ، ولكِن بإظهارِ التَّأثيرِ الشَّديدِ لِأَقلِّه، ولِهذا فإنَّ جَميعَ هَيئاتِ الجُملةِ الَّتي تُفيدُ التَّقليلَ تَنظُرُ إلى هذا التَّقليلِ وتَمُدُّه بالقُوّةِ كي يُظهِرَ الهَوْلَ:
فلَفظُ: لَئِنْ هو لِلتَّشكِيكِ، والشَّكُّ يُوحِي القِلّةَ. ولَفظُ مَسَّ هو إصابةٌ قَليلةٌ، يُفيدُ القِلّةَ أَيضًا. ولَفظُ نَفْحَةٌ مادَّتُه رائحةٌ قَليلةٌ، فيُفيدُ القِلّةَ، كما أنَّ صِيغَتَه تَدُلُّ على واحِدةٍ، أي: واحِدةٍ صَغيرةٍ یی كما في التَّعبيرِ الصَّرفِيِّ: مَصدَرُ المَرّةِ یی فيُفيدُ القِلّةَ.. وتَنوِينُ التَّنكِيرِ في نَفْحَةٌ هي لِتَقليلِها، بمَعنَى أنَّها شيءٌ صَغِيرٌ إلى حَدٍّ لا يُعلَمُ، فيُنكَر. ولَفظُ مِنْ هو للتَّبعِيضِ، بمَعنَى جُزءٍ، فيُفيدُ القِلّةَ. ولَفظُ عَذَابِ هو نَوعٌ خَفِيفٌ مِنَ الجَزاءِ بالنِّسبةِ إلى النَّیكالِ والعِقابِ، فيُشِيرُ إلى القِلّةِ. ولَفظُ رَبِّكَ بَدَلًا مِنَ: القَهَّار، الجَبَّار، المُنتَقِم، فيُفيدُ القِلّةَ أَيضًا وذلك بإحساسِه الشَّفَقةَ والرَّحمةَ.
— 474 —
وهكذا تُفيدُ الجُملةُ أنَّه: إذا كان العَذابُ شَدِيدًا ومُؤثِّرًا مع هذه القِلّةِ، فكيف يكُونُ هَوْلُ العِقابِ الإلٰهِيِّ؟ فتَأَمَّلْ في الجُملةِ لِتَرَى كيفَ تَتَجاوَبُ الهَيئاتُ الصَّغيرةُ، فيُعِينُ كلٌّ الآخَرَ، فكلٌّ يَمُدُّ المَقصَدَ بجِهَتِه الخاصّةِ.
هذا المِثالُ الَّذي سُقناه يَلحَظُ اللَّفظَ والمَقصَدَ.
المِثالُ الثّاني: قولُه تَعالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
فهَيئاتُ هذه الجُملةِ تُشِيرُ إلى خَمسةِ شُرُوطٍ لِقَبُولِ الصَّدَقةِ:
الشَّرطُ الأوَّلُ: المُستَفادُ مِن "مِن" التَّبعيضِيّةِ في لَفظِ: مِمَّا أي: ألّا يَبسُطَ المُتَصدِّقُ يَدَه كلَّ البَسْطِ فيَحتاجَ إلى الصَّدَقةِ.
الشَّرطُ الثَّاني: المُستَفادُ مِن لَفظِ: رَزَقْنَاهُمْ أي: ألّا يَأخُذَ مِن زَيدٍ ويَتَصدَّقَ على عَمرٍو، بل يَجِبُ أن يكُونَ مِن مالِه، بمَعنَى: تَصَدَّقُوا مِمّا هو رِزقٌ لكم.
الشَّرطُ الثّالثُ: المُستَفادُ مِن لَفظِ: "نا" في رَزَقْنَا أي: ألّا يَمُنَّ فيَستَیكثِرَ، أي: لا مِنّةَ لكم في التَّصَدُّقِ، فأنا أَرزُقُكم، وتُنفِقُون مِن مالي على عَبْدِي.
الشَّرطُ الرّابعُ: المُستَفادُ مِن: يُنْفِقُونَ أي: أن يُنفِقَ على مَن يَضَعُه في حاجاتِه الضَّرُورِيّةِ ونَفَقَتِه، وإلّا فلا تكُونُ الصَّدَقةُ مَقبُولةً على مَن يَصرِفُها في السَّفاهةِ.
الشَّرطُ الخامسُ: المُستَفادُ مِن: رَزَقْنَاهُمْ أيضًا، أي: يكُونُ التَّصَدُّقُ باسمِ اللهِ، أي: المالُ مالي، فعلَيكُم أن تُنفِقُوه بِاسمِي.
ومعَ هذه الشُّرُوطِ هناك تَعمِيمٌ في التَّصَدُّقِ، إذ كما أنَّ الصَّدَقةَ تكُونُ بالمالِ، تكُونُ بالعِلْمِ أَيضًا، وبالقَولِ والفِعلِ والنَّصِيحةِ كذلك، وتُشِيرُ إلى هذه الأَقسامِ كَلِمةُ مَّا الَّتي في مِمَّا بعُمُوميَّتِها. وتُشِيرُ إلَيها في هذه الجُملةِ بالذّاتِ، لأَنَّها مُطلَقةٌ تُفيدُ العُمُومَ.
وهكذا تَجُودُ هذه الجُملةُ الوَجِيزةُ یی الَّتي تُفيدُ الصَّدَقةَ یی إلى عَقلِ الإنسانِ خَمسةَ شُرُوطٍ للصَّدَقةِ مع بَيانِ مَيدانِها الواسِعِ، وتُشعِرُها بهَيئاتِها.
— 475 —
وهكذا، فلِهَيئاتِ الجُمَلِ القُرآنيّةِ نُظُمٌ كَثيرةٌ أَمثالُ هذه.
وكذا للكَلِماتِ القُرآنيّةِ أيضًا مَيدانُ نَظْمٍ واسِعٌ مثلُ ذلك، كلٌّ تِجاهَ الآخَرِ. وكذا للكَلامِ القُرآنِيِّ ولِجُمَلِه دَوائرُ نَظْمٍ كتِلك.
فمَثلًا قَولُه تَعالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ٭ اللَّهُ الصَّمَدُ ٭ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٭ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ: هذه الآياتُ الجَليلةُ فيها سِتُّ جُمَلٍ: ثَلاثٌ مِنها مُثبَتةٌ، وثَلاثٌ مِنها مَنفِيّةٌ، تُثبِتُ سِتَّ مَراتِبَ مِنَ التَّوحيدِ كما تَرُدُّ سِتّةَ أَنواعٍ مِنَ الشِّركِ؛ فكلُّ جُملةٍ مِنها تكُونُ دَليلًا للجُمَلِ الأُخرَى كما تكُونُ نَتِيجةً لها، لأن لِكُلِّ جُملةٍ مَعنَيَينِ، تكُونُ باعتِبارِ أَحَدِهما نَتيجةً، وباعتِبارِ الآخَرِ دَليلًا.
أي: إنَّ سُورةَ الإخلاصِ تَشتَمِلُ على ثَلاثينَ سُورةً مِن سُوَرِ الإخلاصِ.. سُوَرٌ مُنتَظِمةٌ مُرَكَّبةٌ مِن دَلائلَ يُثبِتُ بَعضُها بَعضًا، على النَّحوِ الآتي:
قُلْ هُوَ اللَّهُ: لأنَّه أَحَدٌ، لأنَّه صَمَدٌ، لأنَّه لم يَلِدْ، لأنَّه لم يُولَدْ، لأنَّه لم يكُن له كُفُوًا أَحَدٌ.
وكذا: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ: لأنَّه لم يُولَدْ، لأنَّه لم يَلِدْ، لأنَّه صَمَدٌ، لأنَّه أَحَدٌ، لأنَّه هو اللهُ.
وكذا: هُوَ اللَّهُ فهو أَحَدٌ، فهو صَمَدٌ، فإذًا لم يَلِدْ، فإذًا لم يُولَدْ، فإذًا لم يكُن له كُفُوًا أَحَدٌ. وهكذا فقِسْ على هذا المِنوالِ.
ومَثلًا: قَولُه تَعالَى: الٓمٓ ٭ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ:
فلِكُلٍّ مِن هذه الجُمَلِ الأَربَعِ مَعنَيانِ: فبِاعتِبارِ أَحَدِهما يكُونُ دَليلًا للجُمَلِ الأُخرَى، وباعتِبارِ الآخَرِ نَتِيجةً لها.. فيَحصُلُ مِن هذا نَقْشٌ نَظمِيٌّ إعجازِيٌّ مِن سِتّةَ عَشَرَ خَطًّا مِن خُطُوطِ المُناسَبةِ والعَلاقةِ.
وقد بَيَّنَ ذلك كِتابُ "إشارات الإعجاز" حتَّى كأنَّ لِكُلِّ آيةٍ مِن أَكثَرِ الآياتِ القُرآنيّةِ عَيْنًا ناظِرةً إلى أَكثَرِ الآياتِ، ووَجْهًا مُتَوجِّهًا إلَيها، فتَمُدُّ إلى كلٍّ مِنها خُطُوطًا
— 476 —
مَعنَوِيّةً مِنَ المُناسَباتِ والِارتِباطاتِ، ناسِجةً نَقْشًا إعجازِيًّا. كما بُيِّنَ ذلك في "الكَلِمةِ الثّالثةَ عَشْرةَ". وخَيرُ شاهِدٍ على هذا "إشاراتُ الإعجاز" إذ مِن أَوَّلِ الكِتابِ إلى آخِرِه شَرحٌ لِجَزالةِ النَّظْمِ هذه.
النُّقطة الثانية: البَلاغةُ الخارِقةُ في مَعناه، إذا شِئتَ أن تَتَذوَّقَ بَلاغةَ المَعنَى في الآيةِ الكَرِيمةِ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فانظُرْ إلى هذا المِثالِ المُوَضَّحِ في "الكَلِمةِ الثّالثةَ عَشْرةَ".
فتَصَوَّرْ نَفْسَك قَبلَ مَجِيءِ نُورِ القُرآنِ، في ذلك العَصرِ الجاهِليِّ، وفي صَحراءِ البَداوةِ والجَهلِ، فبَينَما تَجِدُ كلَّ شيءٍ قد أُسدِلَ علَيه سِتارُ الغَفلةِ وغَشِيَه ظَلامُ الجَهلِ، ولُفَّ بغِلافِ الجُمُودِ والطَّبِيعةِ، إذا بك تُشاهِدُ بصَدَى قَولِه تَعالَى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، أو تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ قد دَبَّتِ الحَياةُ في تلك المَوجُوداتِ الهامِدةِ أوِ المَيتةِ بصَدَى سَبَّحَ و تُسَبِّحُ في أَذهانِ السّامِعِين، فتَنهَضُ مُسَبِّحةً ذاكِرةً الله.
وإنَّ وَجهَ السَّماءِ المُظلِمةِ الَّتي تَستَعِرُ فيها نُجُومٌ جامِدةٌ والأَرضُ الَّتي تَدِبُّ فيها مَخلُوقاتٌ عاجِزةٌ، تَتَحوَّلُ في نَظَرِ السّامِعين بصَدَى تُسَبِّحُ وبنُورِه إلى فَمٍ ذاكِرٍ للهِ، كلُّ نَجْمٍ يُشِعُّ نُورَ الحَقيقةِ، ويَبُثُّ حِكمةً حَكِيمةً بالِغةً؛ ويَتَحوَّلُ وَجهُ الأَرضِ بذلك الصَّدَى السَّماوِيِّ ونُورِه إلى رَأسٍ عَظِيمٍ، والبَرُّ والبَحرُ لِسانَينِ يَلهَجانِ بالتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، وجَميعُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ إلى كَلِماتٍ ذاكِرةٍ مُسَبِّحةٍ، حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ كُلَّها تَنبِضُ بالحَياةِ.
ومَثلًا: انظُرْ إلى هذا المِثالِ الَّذي أُثبِتَ في "الكَلِمةِ الخامِسةَ عَشْرةَ" وهو قَولُه تَعالَى:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٭ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٭ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ٭ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ.
— 477 —
استَمِعْ لهذه الآياتِ وتَدبَّر ما تقُولُ.. إنَّها تقُولُ: "أيُّها الإنسُ والجانُّ، أيُّها المَغرُورُونَ المُتَمرِّدُونَ، المُتَوحِّلُون بعَجْزِهم وضَعْفِهم، أيُّها المُعانِدُون الجامِحُون المُتَمرِّغُون في فَقْرِهم وضَعْفِهم.. إنَّكم إن لم تُطِيعُوا أَوامِري، فهيَّا اخرُجُوا مِن حُدُودِ مُلكِي وسُلطاني إنِ استَطَعتُم! فكيف تَتَجرَّؤُون إذًا على عِصيانِ أَوامِرِ سُلطانٍ عَظيمٍ: النُّجُومُ والأَقمارُ والشُّمُوسُ في قَبضَتِه، تَأتَمِرُ بأَوامِرِه، كأنَّها جُنُودٌ مُتَأهِّبُون.. فأَنتُم بطُغيانِكم هذا إنَّما تُبارِزُون حاكِمًا عَظِيمًا جَلِيلًا له جُنُودٌ مُطِيعُون مَهِيبُون يَستَطيعُون أن يَرجُمُوا بقَذائفَ كالجِبالِ، حتَّى شَياطِينَكم لو تَحَمَّلَت.. وأَنتُم بكُفرانِكُم هذا إنما تَتَمرَّدُون في مَملَكةِ مالِكٍ عَظِيمٍ جَليلٍ، له جُنُودٌ عِظامٌ يَستَطِيعُون أن يَقصِفُوا أَعداءً كَفَرةً یی ولو كانُوا في ضَخامةِ الأَرضِ والجِبالِ یی بقَذائفَ مُلتَهِبةٍ وشَظايا مِن لَهِيبٍ كأَمثالِ الأَرضِ والجِبالِ، فيُمَزِّقُونَهُم ويُشَتِّیتُونَهُم؛ فكيف بمَخلُوقاتٍ ضَعِيفةٍ أَمثالِكُم؟! وأنتُم تُخالِفُون قانُونًا صارِمًا يَرتَبِطُ به مَن له القُدرةُ یی بإذنِ اللهِ یی أن يُمطِرَ علَيكُم قَذائفَ وراجِماتٍ أَمثالَ النُّجُومِ".
قِسْ في ضَوءِ هذا المِثالِ قُوّةَ مَعاني سائرِ الآياتِ ورَصانةَ بَلاغَتِها وسُمُوَّ إفاداتِها.
النُّقطة الثالثة: البَداعةُ الخارِقةُ في أُسلُوبِه: نعم، إنَّ أَساليبَ القُرآنِ الكَريمِ غَرِيبةٌ وبَدِيعةٌ كما أنَّها عَجِيبةٌ ومُقنِعةٌ، لم يُقَلِّد أَحَدًا قَطُّ ولا يَستَطيعُ أَحَدٌ أن يُقلِّدَه؛ فلَقد حافَظَ وما يَزالُ يُحافِظُ على طَراوةِ أَساليبِه وشَبابِيَّتِه وغَرابَتِه مِثلَما نَزَل أوَّلَ مَرّةٍ.
فمَثلًا: إنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعةَ المَذكُورةَ في بِداياتِ عِدّةٍ مِنَ السُّوَرِ تُشبِهُ الشِّفراتِ، أَمثالَ: الٓمٓ الٓر طه يسٓ حمٓ عٓسٓقٓ. وقد كَتَبنا نحوَ سِتٍّ مِن لَمَعاتِ إعجازِها في "إشاراتِ الإعجازِ" نَذكُرُ مِنها:
إنَّ الحُرُوفَ المَذكُورةَ في بِداياتِ السُّوَرِ تُنصِّفُ كلَّ أَزواجِ طَبائعِ الحُرُوفِ الهِجائيّةِ مِن المَهمُوسةِ والمَجهُورةِ والشَّدِيدةِ والرِّخوةِ.. وغيرِها مِن أَقسامِها الكَثيرةِ، أمّا الأَوتارُ یی الَّتي لا تَقبَلُ التَّنصِيفَ یی فمِنَ الثَّقيلِ النِّصفُ القَليلُ كالقَلقَلةِ، ومِنَ الخَفيفِ النِّصفُ الكَثيرُ كالذَّلاقةِ.
— 478 —
فسُلُوكُه في التَّنصِيفِ والأَخذُ بهذا الطَّرِيقِ الخَفِيِّ الَّذي لا يُدرِكُه العَقلُ مِن بينِ هذه الطُّرُقِ المُتَداخِلةِ المُتَردِّدةِ بين مِئتَيِ احتِمالٍ، ثمَّ سَوقُ الكَلامِ في ذلك السِّياقِ وفي ذلك المَيدانِ الواسِعِ المُشتَبِهةِ الأَعلامِ ليس بالأَمرِ الَّذي يأتي مُصادَفةً قَطُّ، ولا هو مِن شَأْنِ البَشَرِ.
فهذه الحُرُوفُ المُقَطَّعةُ الَّتي في أَوائل السُّوَرِ والَّتي هي شِفراتٌ ورُمُوزٌ إلٰهِيّةٌ تُبيِّنُ خَمسًا أو سِتًّا مِن أَسرارِ لَمَعاتِ إعجازٍ أُخرَى، بل إنَّ عُلَماءَ عِلمِ أَسرارِ الحُرُوفِ والمُحَقِّقين مِنَ الأَولياءِ قدِ استَخرَجُوا مِن هذه المُقَطَّعاتِ أَسرارًا كَثيرةً جِدًّا، ووَجَدُوا مِنَ الحَقائقِ الجَليلةِ ما يُثبِتُ لَدَيهم أنَّ المُقَطَّعات مُعجِزةٌ باهِرةٌ بحَدِّ ذاتِها. أمّا نحنُ فلن نَفتَحَ ذلك البابَ لأنَّنا لَسنا أَهلًا لِأَسرارِهم، زِدْ على ذلك لا نَستَطِيعُ أن نُثبِتَها إثباتًا يكُونُ مَشهُودًا لَدَى الجَميعِ، وإنَّما نَكتَفي بالإحالةِ إلى ما في "إشاراتِ الإعجازِ" مِن خَمسِ أو سِتِّ لَمَعاتِ إعجازٍ تَخُصُّ المُقَطَّعاتِ.
والآنَ نُشِيرُ عِدّةَ إشاراتٍ إلى أَساليبِ القُرآنِ، باعتِبارِ السُّورةِ، والمَقصَدِ، والآياتِ، والكَلامِ، والكَلِمةِ:
فمَثلًا: سُورةُ "النَّبأِ" عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ.. إلى آخِرِها، إذا أُنعِمَ النَّظرُ فيها فإنَّها تَصِفُ وتُثبِتُ أَحوالَ الآخِرةِ والحَشرِ والجَنّةِ وجَهَنَّمَ بأُسلُوبٍ بَدِيعٍ يُطَمْئِنُ القَلبَ ويُقنِعُه، حيثُ تُبيِّنُ أنَّ ما في هذه الدُّنيا مِن أَفعالٍ إلٰهِيّةٍ وآثارٍ رَبّانيّةٍ مُتَوجِّهةٌ إلى كلٍّ مِن تلك الأَحوالِ الأُخرَوِيّةِ؛ ولَمّا كان إيضاحُ أُسلُوبِ السُّورةِ كُلِّها يَطُولُ علَينا، فسنُشِيرُ إلى نُقطةٍ أو نُقطَتَينِ مِنه:
تقُولُ السُّورةُ في مُستَهَلِّها إثباتًا ليَومِ القِيامةِ: لقد جَعَلْنا الأَرضَ لكم مَهْدًا قد بُسِطَ بَسْطًا جَمِيلًا زاهِيًا، والجِبالَ أَعمِدةً وأَوتادًا مَلِيئةً بالخَزائنِ لِمَساكِنِكم وحَياتِكم، وخَلَقناكُم أَزواجًا تَتَحابُّون فيما بَينَكم ويَأنَسُ بَعضُكم ببَعضٍ، وجَعَلْنا اللَّيلَ ساتِرًا لكم لِتَخلُدُوا إلى الرّاحةِ، والنَّهارَ مَيدانًا لِمَعِيشَتِكُم، والشَّمسَ مِصباحًا مَضِيئًا ومُدْفِئًا لكم، وأَنزَلْنا مِنَ السُّحُبِ لكم ماءً باعِثًا على الحَياةِ يَجرِي مَجرَى العُيُونِ، ونُنشِئُ بسُهُولةٍ مِن ماءٍ بَسِيطٍ أَشياءَ شَتَّى مِن مُزهِرٍ ومُثمِرٍ يَحمِلُ أَرزاقَكم.. فإذًا يومُ الفَصلِ یی وهو يومُ القِيامةِ یی يَنتَظِرُكم؛ والإتيانُ به ليس بعَسيرٍ علَينا.
— 479 —
وبعدَ ذلك يُشِيرُ إشارةً خَفِيّةً إلى إثباتِ ما يَحدُثُ في يومِ القِيامةِ مِن سَيرِ الجِبالِ وتَناثُرِها، وتَشَقُّقِ السَّماواتِ وتَهَيُّؤِ جَهَنَّمَ، ومَنحِ أَهلِ الجَنّةِ الرِّياضَ الجَمِيلةَ؛ وكأنَّه يقُولُ: إنَّ الَّذي يَفعَلُ هذه الأَفعالَ في الجِبالِ والأَرضِ بمَرْأًى مِنكُم سيَفعَلُ مِثلَها في الآخِرةِ، أي: إنَّ ما في بِدايةِ السُّورةِ مِن جِبالٍ تُشِيرُ إلى أَحوالِ الجِبالِ يومَ القِيامةِ، وإنَّ الحَدائقَ الَّتي في صَدْرِ السُّورةِ تُشِيرُ إلى رِياضِ الجَنّةِ في الآخِرةِ.. فقِسْ سائرَ النِّقاطِ على هذا لِتُشاهِدَ عُلُوَّ الأُسلُوبِ ومَدَى لَطافَتِه.
ومَثلًا:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٭ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
هذه الآيةُ تُبيِّنُ بأُسلُوبٍ عالٍ رَفيعٍ ما في بَني الإنسانِ مِن شُؤُونٍ إلٰهِيّةٍ، وما في تَعاقُبِ اللَّيلِ والنَّهارِ مِن تَجَلِّياتٍ إلٰهِيّةٍ، وما في فُصُولِ السَّنةِ مِن تَصَرُّفاتٍ رَبّانيّةٍ، وما في الحَياةِ والمَماتِ والحَشْرِ والنَّشرِ الدُّنيَوِيِّ على وَجهِ الأَرضِ مِن إجراءاتٍ رَبّانيّةٍ.. هذا الأُسلُوبُ عالٍ وبَدِيعٌ إلى حَدٍّ يُسَخِّرُ عُقُولَ أَهلِ النَّظَرِ؛ وحيثُ إنَّ هذا الأُسلُوبَ العاليَ ساطِعٌ يُمكِنُ رُؤيَتُه بأَدنَى نَظَرٍ فلا نَفتَحُ الآنَ هذا الكَنزَ.
ومَثلًا:
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ٭ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٭ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ٭ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٭ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ.
تُبيِّنُ هذه الآياتُ مَدَى انقِيادِ السَّماواتِ والأَرضِ وامتِثالِهما أَوامِرَ اللهِ سُبحانَه، تُبيِّنُها بأُسلُوبٍ عالٍ رَفيعٍ؛ إذ كما أنَّ قائِدًا عَظِيمًا يُؤسِّسُ دائرتَينِ عَسكَريَّتَينِ لإنجازِ مُتَطلَّباتِ الجِهادِ، كشُعَبِ المُناوَرةِ والجِهادِ، وشُعَبِ التَّجنِيدِ والسَّوقِ إلى الجِهادِ،
— 480 —

وإنَّه حالَما يَنتَهي وَقتُ الجِهادِ والمُناوَرةِ يَتَوجَّهُ إلى تَينِكَ الدّائِرَتَينِ لِيَستَعمِلَهم)9Zي شُؤُونٍ أُخرَى، فقدِ انتَهَت مُهِمَّتُهما.. فكأنَّ كُلًّا مِنَ الدّائرَتَينِ تقُولُ بلِسانِ مُوَظَّفِيها وخُدّامِها أو بلِسانِها لو أُنطِقَتْ:

"يا قائدِي أَمهِلْنا قَليلًا كي نُهيِّئَ أَوضاعَنا ونُطهِّرَ المَكانَ مِن بَقايا أَعمالِنا القَدِيمةِ ونَطرَحَها خارِجًا، ثمَّ شَرِّفْ وتَفَضَّلْ علَينا"، وبعدَ ذلك تقُولُ: "فها قد أَلقَيناها خارِجًا، فنحنُ طَوْعُ أَمرِك، فافعَلْ ما تَشاءُ، فنحنُ مُنقادُون لِأَمرِك، فما تَفعَلُه حَقٌّ وجَميلٌ وخَيرٌ".
فكَذلِك السَّماواتُ والأَرضُ دائرَتانِ فُتِحَتا للتَّكلِيفِ والِامتِحانِ، فعِندَما تَنقَضِي المُدّةُ، تُخَلِّي السَّماواتُ والأَرضُ بإذنِ اللهِ ما يَعُودُ إلى دائرةِ التَّكليفِ، ويقُولانِ: "يا رَبَّنا استَخدِمْنا فيما تُرِيدُ، فالِامتِثالُ حَقٌّ واجِبٌ علَينا، وكلُّ ما تَفعَلُه هو حَقٌّ". فانظُرْ إلى سُمُوِّ هذا الأُسلُوبِ الخارِقِ في هذه الجُمَلِ وأَنعِمِ النَّظَرَ فيه.
ومَثلًا:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
للإشارةِ إلى قَطْرةٍ مِن بَحرِ بَلاغةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ نُبيِّنُ أُسلُوبًا مِنها في مَرآةِ التَّمثيلِ، وذلك: أنَّ قائدًا عَظِيمًا في حَرْبٍ عالَمِيّةٍ شامِلةٍ يَأمُرُ جَيشَه بعدَ إحرازِ النَّصرِ: "أَوقِفُوا إطلاقَ النّارِ"، ويَأمُرُ جَيشَه الآخَرَ: "كُفُّوا عنِ الهُجُومِ"، ففي اللَّحظةِ نَفسِها يَنقَطِعُ إطلاقُ النّارِ ويَقِفُ الهُجُومُ، ويَتَوجَّهُ إلَيهم قائلًا: "لقدِ انتَهَى كلُّ شيءٍ، واستَوْلَينا على الأَعداءِ، وقد نُصِبَتْ راياتُنا على قِمّةِ قِلاعِهم، ونالَ أُولَئك الظّالِمُون الفاسِدُون جَزاءَهم ووَلَّوْا إلى أَسفَلِ سافِلينَ".
كذلك، فإنَّ السُّلطانَ الَّذي لا نِدَّ له ولا مَثِيلَ، قد أَمَر السَّماواتِ والأَرضَ بإهلاكِ قَومِ نُوحٍ، وبعدَ أنِ امتَثَلا الأَمرَ تَوَجَّه إلَيهِما: "أيَّتُها الأَرضُ ابلَعِي ماءَكِ، وأَنتِ أيَّتُها السَّماءُ اسكُنِي واهْدَئي فقدِ انتَهَت مُهِمَّتُكما؛ فانسَحَبَ الماءُ فَورًا مِن دُونِ تَرَيُّثٍ، واستَوَت سَفِينةُ المَأمُورِ الإلٰهِيِّ كخَيمةٍ ضُرِبَت على قِمّةِ جَبَلٍ، ولَقِيَ الظّالِمُون جَزاءَهم".
— 481 —
فانظُرْ إلى عُلُوِّ هذا الأُسلُوبِ، إذِ الأَرضُ والسَّماءُ كجُندِيَّينِ مُطِيعَينِ مُستَعِدَّينِ للطّاعةِ وتَلَقِّي الأَوامِرِ، فتُشِيرُ الآيةُ بهذا الأُسلُوبِ إلى أنَّ الكائناتِ تَغضَبُ مِن عِصيانِ الإنسانِ وتَغتاظُ مِنه السَّماواتُ والأَرضُ؛ وبهذه الإشارةِ تقُولُ: "إنَّ الَّذي تَمتَثِلُ السَّماواتُ والأَرضُ بأَمرِه لا يُعصَى ولا يَنبَغي أن يُعصَى"، مِمّا يُفيدُ زَجْرًا شَدِيدًا رادِعًا للإنسانِ؛ فأنت تَرَى أنَّ الآيةَ قد جَمَعَت ببَيانٍ مُوجَزٍ مُعجِزٍ جَمِيلٍ مُجمَلٍ في بِضعِ جُمَلٍ حادِثةَ الطُّوفانِ الَّتي هي عامّةٌ وشامِلةٌ معَ جَميعِ نَتائجِها وحَقائقِها.. فقِسْ قَطَراتِ هذا البَحرِ الأُخرَى على هذه القَطْرةِ.
والآنَ انظُرْ إلى الأُسلُوبِ الَّذي يُرِيه القُرآنُ مِن نَوافِذِ الكَلِماتِ: فمَثلًا إلى كَلِمةِ: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ في الآيةِ الكَريمةِ: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ كيف تَعرِضُ أُسلُوبًا في غايةِ اللُّطفِ.
وذلك: أنَّ للقَمَرِ مَنزِلًا هو دائرةُ الثُّرَيّا، حِينَما يكُونُ القَمَرُ هِلالًا فيه يُشبِهُ عُرجُونًا قَدِيمًا أَبيَضَ اللَّونِ. فتَضَعُ الآيةُ بهذا التَّشبِيهِ أَمامَ عَينِ خَيالِ السّامِعِ، كأنَّ وَراءَ سِتارِ الخَضراءِ شَجَرةً شَقَّ أَحَدُ أَغصانِها النُّورانيّةِ المُدَبَّبةِ البَيضاءِ ذلك السِّتارَ ومَدَّ رَأسَه إلى الخارِجِ، والثُّرَيّا كأَنَّها عُنقُودٌ مُعلَّقٌ فيه، وسائرُ النُّجُومِ كالثَّمَراتِ النُّورانيّةِ لِشَجَرةِ الخِلقةِ المَستُورةِ.. ولا جَرَمَ فإنَّ عَرضَ الهِلالِ بهذا التَّشبِيهِ لأُولَئك الَّذين مَصدَرُ عَيشِهم ومُعظَمُ قُوْتِهِم مِنَ النَّخيلِ هو أُسلُوبٌ في غايةِ الحُسنِ واللَّطافةِ، وفي مُنتَهَى التَّناسُقِ والعُلُوّ. فإن كُنتَ صاحِبَ ذَوقٍ تُدرِكْ ذلك.
ومَثلًا: كَلِمةُ تَجْرِي في الآيةِ الكَريمةِ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا تَفتَحُ نافِذةً لِأُسلُوبٍ عالٍ یی كما أُثبِتَ في خِتامِ الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ یی وذلك:
إنَّ لَفظَ تَجْرِي الَّذي يَعنِي دَوَرانَ الشَّمسِ، يُفهِّمُ عَظَمةَ الصّانِعِ الجَليلِ بتَذكِيرِه تَصَرُّفاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُنتَظِمةِ في دَوَرانِ الصَّيفِ والشِّتاءِ وتَعاقُبِ اللَّيلِ والنَّهارِ، ويَلفِتُ الأَنظارَ إلى المَكتُوباتِ الصَّمَدانيّةِ الَّتي كَتَبَها قَلَمُ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ في صَحائفِ الفُصُولِ، فيُعَلِّمُ حِكمةَ الخالِقِ ذِي الجَلالِ.
— 482 —
وإنَّ قَولَه تَعالَى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا أي: مِصباحًا، يَفتَحُ بتَعبِيرِ سِرَاجًا نافِذةً لِمِثلِ هذا الأُسلُوبِ.
وهو أنَّه يُفَهِّمُ عَظَمةَ الصّانِعِ وإحسانَ الخالِقِ بتَذكِيرِه أنَّ هذا العالَمَ كأنَّه قَصرٌ، وأنَّ ما فيه مِن لَوازِمَ وأَطعِمةٍ وزِينةٍ قد أُعِدَّت للإنسانِ وذَوِي الحَياةِ، وأنَّ الشَّمسَ أيضًا ما هي إلّا مِصباحٌ مُسَخَّرٌ؛ فيُبيِّنُ بهذا دَليلًا للتَّوحِيدِ، إذِ الشَّمسُ الَّتي يَتَوهَّمُها المُشرِكُونَ أَعظَمَ مَعبُودٍ لَدَيهِم وأَلمَعَها ما هي إلّا مِصباحٌ مُسَخَّرٌ ومَخلُوقٌ جامِدٌ.
فإذًا بتَعبِيرِ سِرَاجًا يُذَكِّرُ رَحمةَ الخالِقِ في عَظَمةِ رُبُوبيَّتِه، ويُفَهِّمُ إحسانَه في سَعةِ رَحمَتِه، ويُشعِرُ بذلك الإفهامِ بكَرَمِه في عَظَمةِ سُلطانِه، ويُفَهِّمُ الوَحدانيّةَ بهذا الإشعارِ؛ وكأنَّه يقُولُ: إنَّ مِصباحًا مُسَخَّرًا وسِراجًا جامِدًا لا يَستَحِقُّ العِبادةَ بأيِّ حالٍ مِنَ الأَحوالِ.
ثمَّ إنَّ جَرَيانَ الشَّمسِ بتَعبِيرِ تَجْرِي يُذَكِّرُ بتَصَرُّفاتٍ مُنتَظِمةٍ مُثِيرةٍ للإعجابِ في دَوَرانِ الصَّيفِ والشَّتاءِ واللَّيلِ والنَّهارِ، ويُفَهِّمُ بذلك التَّذكِيرِ عَظَمةَ قُدرةِ الصّانِعِ المُتَفرِّدِ في رُبُوبيَّتِه؛ بمَعنَى أنَّه يَصرِفُ ذِهنَ الإنسانِ مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ إلى صَحائفِ اللَّيلِ والنَّهارِ والصَّيفِ والشِّتاءِ، ويَجلِبُ نَظَرَه إلى ما في تلك الصَّحائفِ مِن سُطُورِ الحادِثاتِ المَكتُوبةِ.
أَجَل، إنَّ القُرآنَ لا يَبحَثُ في الشَّمسِ لِذاتِ الشَّمسِ بل لِمَن نَوَّرَها وجَعَلَها سِراجًا، ولا يَبحَثُ في ماهِيَّتِها الَّتي لا يَحتاجُها الإنسانُ، بل في وَظِيفَتِها، إذ هي تُؤَدِّي وَظيفةَ نابِضٍ "زُنْبُرُك" لِانتِظامِ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، ومَركَزٍ لِنِظامِ الخِلقةِ الرَّبّانيّةِ، ومَكُّوكٍ لِانسِجامِ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، في الأَشياءِ الَّتي يَنسُجُها المُصَوِّرُ الأَزَليُّ بخُيُوطِ اللَّيلِ والنَّهارِ.
ويُمكِنُك أن تَقِيسَ على هذا سائرَ الكَلِماتِ القُرآنيّةِ، فهي وإن كانَت تَبدُو كأنَّها كَلِماتٌ مَألُوفةٌ بَسِيطةٌ، إلّا أنَّها تُؤَدِّي مُهِمّةَ مَفاتيحَ لِكُنُوزِ المَعاني اللَّطيفةِ.
وهَكذا، فلِعُلُوِّ أُسلُوبِ القُرآنِ یی كما في الوُجُوهِ السّابِقةِ في الأَغلَبِ یی كان الأَعرابيُّ يَعشَقُ كَلامًا واحِدًا مِنه أَحيانًا، فيَسجُدُ قَبلَ أن يُؤمِنَ، كما سَمِعَ أَحَدُهمُ الآيةَ الكَرِيمةَ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ فخَرَّ ساجِدًا، فلَمّا سُئلَ: "أَأَسلَمتَ؟" قال: "لا، بل أَسجُدُ لِبَلاغةِ هذا الكَلامِ!".
— 483 —
النُّقطة الرابعة: الفَصاحةُ الخارِقةُ في لَفظِه: نعم، إنَّ القُرآنَ كما هو بَليغٌ خارِقٌ مِن حَيثُ أُسلُوبُه وبَيانُ مَعناه، فهو فَصِيحٌ في غايةِ السَّلاسةِ في لَفظِه؛ والدَّليلُ القاطِعُ على فَصاحَتِه هو عَدَمُ إيراثِه السَّأَمَ والمَلَلَ؛ كما أنَّ شَهادةَ عُلَماءِ عِلمِ البَيانِ والمَعاني بُرهانٌ باهِرٌ على حِكمةِ فَصاحَتِه.
نعم، لو كُرِّرَ أُلُوفَ المَرّاتِ فلا يُورِثُ سَأَمًا ولا مَلَلًا، بل يَزِيدُ لَذّةً وحَلاوةً؛ ثمَّ إنَّه لا يَثقُلُ على ذِهنِ صَبِيٍّ بَسِيطٍ فيَستَطيعُ حِفظَه؛ ولا تَسأَمُ مِنه أُذُنُ المُصابِ بداءٍ عُضالٍ الَّذي يَتَأذَّى مِن أَدنَى كَلامٍ، بل يَتَلذَّذُ به؛ وكأنَّه الشَّرابُ العَذبُ في فَمِ المُحتَضَرِ الَّذي يَتَقلَّبُ في السَّكَراتِ، وهو لَذيذٌ في أُذُنِه ودَماغِه لَذّةَ ماءِ زَمزَمَ في فَمِه.
والحِكمةُ في عَدَم المَلَلِ والسَّأَمِ مِنَ القُرآنِ هو أنَّ القُرآنَ قُوتٌ وغِذاءٌ للقُلُوبِ، وقُوّةٌ وغَناءٌ للعُقُولِ، وماءٌ وضِياءٌ للأَرواحِ، ودَواءٌ وشِفاءٌ للنُّفُوسِ، لِذا لا يُمَلُّ؛ مِثالُه الخُبزُ الَّذي نَأكُلُه يَومِيًّا دُونَ أن نَمَلَّ، بَينَما لو تَناوَلْنا أَطيَبَ فاكِهةٍ يَوميًّا لَشَعَرنا بالمَلَلِ.. فإذًا لأنَّ القُرآنَ حَقٌّ وحَقيقةٌ وصِدقٌ وهُدًى وذُو فَصاحةٍ خارِقةٍ، فلا يُورِثُ المَلَلَ والسَّآمةَ، وإنَّما يُحافِظُ على شَبابِيَّتِه دائمًا كما يُحافِظُ على طَراوَتِه وحَلاوَتِه، حتَّى إنَّ أَحَدَ رُؤَساءِ قُرَيشٍ وبُلَغائِها عِندَما ذَهَب إلى الرَّسُولِ الكَريمِ لِيَسمَعَ القُرآنَ، قالَ بعدَ سَماعِه له: "واللهِ إنَّ له لَحَلاوةً، وإنَّ علَيه لَطَلاوةً.. وما يقُولُه بَشَرٌ. ثمَّ قالَ لِقَومِه: واللهِ ما فيكُم رَجُلٌ أَعلَمُ بالشِّعرِ مِنِّي، ولا بأَشعارِ الجِنِّ، واللهِ ما يُشبِهُ الَّذي يقُولُ شَيئًا مِن هذا".
فلم يَبقَ أَمامَهم إلّا أن يقُولُوا: إنَّه ساحِرٌ، لِيُغَرِّرُوا به أَتباعَهم ويَصُدُّوهم عنه. وهكذا يَبقَى حتَّى أَعتَى أَعداءِ القُرآنِ مَبُهوتًا أَمامَ فَصاحَتِه.
إنَّ إيضاحَ أَسبابِ الفَصاحةِ في آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ وفي كَلامِه وفي جُمَلِه يَطُولُ كَثيرًا، فتَفادِيًا مِنَ الإطالةِ نَقصُرُ الكَلامَ على إظهارِ لَمعةِ إعجازٍ تَتَلمَّعُ مِن أَوضاعِ الحُرُوفِ الهِجائيّةِ وكَيفيّاتِها في آيةٍ واحِدةٍ فقط على سَبِيلِ المِثالِ، وهي قَولُه تَعالَى:
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ
— 484 —
كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
لقد جَمَعَت هذه الآيةُ جَمِيعَ حُرُوفِ الهِجاءِ وأَجناسَ الحُرُوفِ الثَّقيلةِ، ومعَ ذلك لم يُفقِدْها هذا الجَمعُ سَلاسَتَها، بل زادَها بَهاءً إلى جَمالِها، ومَزَج نَغْمةً مِنَ الفَصاحةِ نَبَعَت مِن أَوتارٍ مُتَناسِبةٍ مُتَنوِّعةٍ.
فأَنعِمِ النَّظَرَ في هذه اللَّمعةِ ذاتِ الإعجازِ، وهي أنَّ الأَلِفَ والياءَ لأَنَّهما أَخَفُّ حُرُوفِ الهِجاءِ، وتَنقَلِبُ إحداهُما بالأُخرَى كأنَّهما أُختانِ، تَكَرَّر كلٌّ مِنهما إحدَى وعِشرِين مَرّةً.. وأنَّ المِيمَ والنُّونَ (حاشية-١): والتَّنوينُ أيضًا نونٌ. لأنَّهما أُختانِ، ويُمكِنُ أن تَحُلَّ إحداهما مَحَلَّ الأُخرَى فقد ذُكِرَ كلٌّ مِنهما ثلاثًا وثلاثين مَرّةً.. وأنَّ الصّادَ والسِّينَ والشِّينَ مُتَآخِيةٌ حَسَبَ المَخرَجِ والصِّفةِ والصَّوتِ، فذُكِرَ كلُّ واحِدٍ مِنها ثلاثَ مَرّاتٍ.. وأنَّ العَينَ والغَينَ مُتَآخِيَتانِ، فذُكِرَتِ العَينُ سِتَّ مَرّاتٍ لِخِفَّتِها، بَينَما الغَينُ لِثِقَلِها ذُكِرَت ثلاثَ مرّاتٍ، أي: نِصفَه.. وأنَّ الطّاءَ والظّاءَ والذّالَ والزّايَ، مُتَآخِيةٌ حَسَبَ المَخرَجِ والصِّفةِ والصَّوتِ، فذُكِرَ كلُّ واحِدٍ مِنها مَرَّتَينِ.. وأنَّ اللّامَ والأَلِفَ مُتَّحِدَتانِ في صُورةِ "لا"، وأنَّ حِصّةَ الأَلِفِ نِصفٌ في صُورةِ "لا"، فذُكِرَتِ اللّامُ اثنَتَينِ وأَربَعين مَرّةً، وذُكِرَتِ الأَلِفُ یی نِصفُها یی إحدَى وعِشرِين مرّةً.. وأنَّ الهَمزةَ والهاءَ مُتَآخِيَتانِ حَسَبَ المَخرَجِ، فذُكِرَتِ الهَمزةُ ثلاثَ عَشْرةَ مرّةً (حاشية-٢): الهَمزةُ المَلفُوظةُ وغيرُ المَلفُوظةُ هي خَمسٌ وعِشرُون. وهي فوقَ أُختِها وهي الألف السَّاكنةُ بِثلاثِ دَرَجاتٍ، لأنَّ الحَرَكةَ ثلاثةٌ. والهاءُ أَربَعَ عَشْرةَ مَرّةً لِكَونِها أَخَفَّ مِنها بدَرَجةٍ.. وأنَّ القافَ والفاءَ والكافَ مُتَآخِيةٌ، فذُكِرَتِ القافُ عَشْرَ مَرّاتٍ لِزِيادةِ نُقطةٍ فيها، وذُكِرَتِ الفاءُ تِسعَ مَرّاتٍ والكافُ تِسعًا.. وأنَّ الباءَ ذُكِرَت تِسعَ مَرّاتٍ، والتّاءَ ذُكِرَت اثنَتَي عَشْرةَ مَرّةً، لأنَّ دَرَجَتَها ثلاثةٌ.. وأنَّ الرّاءَ أُختُ اللّامِ، ولكنَّ الرّاءَ مِئَتانِ واللّامَ ثلاثُون حَسَبَ حِسابِ "أَبجَدِيّةِ الجُمَّلِ" أي: إنَّ الرّاءَ فوقَ اللّامِ بسِتِّ
— 485 —
دَرَجاتٍ، فانخَفَضَت عنها بسِتِّ دَرَجاتٍ؛ وأيضًا الرَّاءُ تَتَیكرَّرُ كَثيرًا في التَّلَفُّظِ، فيَثقُلُ، فذُكِرَت سِتَّ مَرّاتٍ فقط.. ولأنَّ الخاءَ والحاءَ والثّاءَ والضّادَ ثَقيلةٌ وبَينَها مُناسَباتٌ، ذُكِرَ كلٌّ مِنها مَرَّةً واحِدةً.. ولأنَّ الواوَ أَخَفُّ مِنَ "الهاءِ والهَمْزةِ" وأَثقَلُ مِنَ "الياءِ والأَلِفِ" ذُكِرَت سَبعَ عَشْرةَ مَرّةً فوقَ الهَمزةِ الثَّقيلةِ بأَربَعِ دَرَجاتٍ وتحتَ الأَلِفِ الخَفيفةِ بأَربَعِ دَرَجاتٍ أيضًا.
وهكذا، فإنَّ هذه الحُرُوفَ بهذا الوَضعِ المُنتَظِمِ الخارِقِ، مع تلك المُناسَباتِ الخَفِيّةِ، والِانتِظامِ الجَمِيلِ، والنِّظامِ الدَّقيقِ، والِانسِجامِ اللَّطيفِ تُثبِتُ بيَقينٍ جازِمٍ كحاصِلِ ضَرْبِ اثنَينِ في اثنَينِ يُساوِي أَربعًا أنَّه ليس مِن شَأْنِ البَشَرِ ولا يُمكِنُهم أن يَفعَلُوه.. أمّا المُصادَفةُ فمُحالٌ أن تَلعَبَ به.
وهكذا، فإنَّ ما في أَوضاعِ هذه الحُرُوفِ مِنَ الِانتِظامِ العَجِيبِ والنِّظامِ الغَرِيبِ مِثلَما هو مَدارٌ للفَصاحةِ والسَّلاسةِ اللَّفظيّةِ، يُمكِنُ أن تكُونَ له حِكَمٌ كَثيرةٌ أُخرَى؛ فما دامَ في الحُرُوفِ هذا الِانتِظامُ، فلا شَكَّ أنَّه قد رُوعِيَ في كَلِماتِها وجُمَلِها ومَعانيها انتِظامٌ ذُو أَسرارٍ، وانسِجامٌ ذُو أَنوارٍ، لو رَأَتْه العَينُ لَقالَت مِن إعجابِها: "ما شاءَ الله!"، وإذا أَدرَكَه العَقلُ لَقالَ مِن حَيرَتِه: "بارَكَ اللهُ".
النُّقطة الخامسة: بَراعةُ البَيانِ: أي: التَّفَوُّقُ والمَتانةُ والهَيبةَ، إذ كما أنَّ في نَظْمِ القُرآنِ جَزالةً، وفي لَفظِه فَصاحةً، وفي مَعناه بَلاغةً، وفي أُسلُوبِه إبداعًا، ففي بَيانِه أيضًا بَراعةٌ فائقةٌ. نعم، إنَّ بَيانَ القُرآنِ لَهُو في أَعلَى مَراتِبِ أَقسامِ الكَلامِ وطَبَقاتِ الخِطابِ: كالتَّرغِيبِ والتَّرهِيبِ، والمَدْحِ والذَّمِّ، والإثباتِ والإرشادِ، والإفهامِ والإفحامِ.
فمِن بينِ آلافِ أَمثِلةِ مَقامِ «التَّرغِيبِ والتَّشوِيقِ» سُورةُ "الإنسانِ"، إذ بَيانُ القُرآنِ في هذه السُّورةِ سَلِسٌ يَنسابُ كالسَّلسَبِيلِ، ولَذِيذٌ كثِمارِ الجَنّةِ، وجَميلٌ كحُلَلِ الحُورِ العِينِ. (حاشية): هَذا الأُسلوبُ قد لَبِس حُلَلَ مَعاني السُّورة نفسِها.
ومِن بينِ الأَمثِلةِ الَّتي لا تُحَدُّ لِمَقامِ «التَّرهِيبِ والتَّهدِيدِ» مُقدِّمةُ سُورةِ "الغاشِيةِ"، إذ بَيانُ القُرآنِ في هذه السُّورةِ يُؤَثِّر تَأثِيرَ غَلَيانِ الرَّصاصِ في صِماخِ الضَّالِّين، ولَهِيبَ
— 486 —
النَّارِ في عُقُولِهم، وكالزَّقُّومِ في حُلُوقِهم، وكلَفْحِ جَهَنَّمَ في وُجُوهِهم، وكالضَّرِيعِ الشّائكِ في بُطُونِهم. نعم، إن كانَت مَأمُورةُ العَذابِ جَهَنَّمُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ، فكيف يكُونُ تَهديدُ وتَرهيبُ آمِرِها بالعَذابِ؟!
ومِن بينِ آلافِ أَمثِلةِ مَقامِ «المَدحِ» ، السُّوَرُ الخَمسُ المُستَهَلّةُ بی"الحَمدُ للهِ"، إذ بَيانُ القُرآنِ في هذه السُّوَرِ ساطِعٌ كالشَّمسِ، (حاشية): في هَذه العِباراتِ إشَارةٌ لِمَوضُوعاتِ تِلك السُّورِ. مُزيَّنٌ كالنُّجومِ، مَهِيبٌ كالسَّماواتِ والأَرضِ، مَحبُوبٌ مَأنُوسٌ كالمَلائكةِ، لَطِيفٌ رَؤُوفٌ كالرَّحمةِ على الصِّغارِ في الدُّنيا، وجَميلٌ بَهيجٌ كالجَنّةِ اللَّطيفةِ في الآخِرةِ.
ومِن بينِ آلافِ أَمثِلةِ مَقامِ «الذَّمِّ والزَّجرِ» الآيةُ الكَريمةُ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ.
تَنهَى هذه الآيةُ الكَرِيمةُ عنِ الغِيبةِ بسِتِّ مَراتِبَ وتَزجُرُ عنها بشِدّةٍ وعُنفٍ، وحيثُ إنَّ خِطابَ الآيةِ مُوَجَّهٌ إلى المُغتابِين، فيكُونُ المَعنَى كالآتي: إنَّ الهَمزةَ المَوجُودةَ في البِدايةِ للِاستِفهامِ الإنكارِيِّ، حيثُ يَسرِي حُكمُه ويَسِيلُ كالماءِ إلى جَميعِ كَلِماتِ الآيةِ، فكُلُّ كَلِمةٍ مِنها تَتَضمَّنُ حُكْمًا:
ففي الكَلِمةِ الأُولَى تُخاطِبُ الآيةُ الكَرِيمةُ بالهَمزةِ: ألَيسَ لكُم عَقلٌ یی وهو مَحَلُّ السُّؤالِ والجَوابِ یی لِيَعيَ هذا الأَمرَ القَبِيحَ؟
وفي الكَلِمةِ الثّانية: أَيُحِبُّ تُخاطِبُ الآيةُ بالهَمزةِ: هل فَسَد قَلبُكم یی وهو مَحَلُّ الحُبِّ والبُغضِ یی حتَّى أَصبَحَ يُحِبُّ أَكرَهَ الأَشياءِ وأَشَدَّها تَنفِيرًا؟
وفي الكَلِمةِ الثّالثةِ: أَحَدُكُمْ تُخاطِبُ بالهَمزةِ: ماذا جَرَى لِحَياتِكُمُ الِاجتِماعيّةِ الَّتي تَستَمِدُّ حَيَويَّتَها مِن حَيَويّةِ الجَماعةِ، وما بالُ مَدَنيَّتِكم وحَضارَتِكم حتَّى أَصبَحَت تَرضَى بما يُسَمِّمُ حَياتَكم ويُعكِّرُ صَفْوَكم.
وفي الكَلِمةِ الرّابعةِ: أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ تُخاطِبُ بالهَمزةِ: ماذا أَصابَ إنسانيَّیتَیكم حتَّى أَصبَحتُم تَفتَرِسُون صَدِيقَكمُ الحَميمَ.
— 487 —
وفي الكَلِمةِ الخامِسةِ: أَخِيهِ تُخاطِبُ بالهَمزةِ: ألَيس بكُم رَأفةٌ ببَني جِنسِكم؟ ألَيس لكُم صِلةُ رَحِمٍ تَربِطُكم معَهم، حتَّى أَصبَحتُم تَفتِكُون بمَن هو أَخُوكم مِن عِدّةِ جِهاتٍ، وتَنهَشُون شَخْصَه المَعنَوِيَّ المَظلُومَ نَهشًا قاسِيًا؟ أَيَملِكُ عَقلًا مَن يَعَضُّ عُضْوًا مِن جِسمِه؟ أوَليس هو بمَجنُونٍ؟!
وفي الكَلِمةِ السّادِسةِ: مَيْتًا تُخاطِبُ بالهَمزةِ: أين وِجدانُیكم؟ أفَسَدَت فِطرَتُكم حتَّى أَصبَحتُم تَجتَرِحُون أَبغَضَ الأَشياءِ وأَفسَدَها، وهو أَكلُ لَحمِ أَخيكم، في الوَقتِ الَّذي هو جَدِيرٌ بكُلِّ احتِرامٍ وتَوقيرٍ؟!
يُفهَمُ مِن هذه الآيةِ الكَرِيمةِ یی وبما ذَكَرناه مِن دَلائلَ مُختَلِفةٍ في كَلِماتِها یی أنَّ الغِيبةَ مَذمُومةٌ عَقلًا وقَلْبًا وإنسانيّةً ووِجدانًا وفِطرةً ومِلّةً.
فتَدَبَّرْ هذه الآيةَ الكَرِيمةَ، وانظُر كيف أنَّها تَزْجُرُ عن جَرِيمةِ الغِيبةِ بإعجازٍ بالِغٍ وبإيجازٍ شَدِيدٍ في سِتِّ مَراتِبَ.
ومِن بينِ آلافِ أَمثِلةِ مَقامِ «الإثباتِ» الآيةُ الكَرِيمةُ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فإنَّها تُثبِتُ الحَشْرَ وتُزِيلُ استِبعادَه ببَيانٍ شافٍ ووافٍ لا بَيانَ فَوقَه، وذلك كما أَثبَتْنا في "الحَقيقةِ التّاسِعةِ مِنَ الكَلِمةِ العاشِرةِ" وفي "اللَّمعةِ السّادِسةِ مِنَ الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" بأنَّه كُلَّما حَلَّ مَوسِمُ الرَّبيعِ، فكأنَّ الأَرضَ تُبعَثُ مِن جَديدٍ بانبِعاثِ ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ الحَشْرِ والنُّشُورِ، في انتِظامٍ مُتقَنٍ وتَميِيزٍ تامٍّ، عِلمًا أنَّها في مُنتَهَى الِاختِلاطِ والتَّشابُكِ، حتَّى يكُونُ ذلك الإحياءُ والبَعْثُ ظاهِرًا لكُلِّ مُشاهِدٍ، وكأنَّه يقُولُ له: إنَّ الَّذي أَحيا الأَرضَ هكذا لن يَصعُبَ علَيه إقامةُ الحَشْرِ والنُّشُورِ.
ثمَّ إنَّ كِتابةَ هذه الأُلُوفِ المُؤَلَّفةِ مِن أَنواعِ الأَحياءِ على صَحِيفةِ الأَرضِ بقَلَمِ القُدرةِ دُونَ خَطَأٍ ولا نَقْصٍ لَهِي خَتْمٌ واضِحٌ للواحِدِ الأَحَدِ، فكما أَثبَتَت هذه الآيةُ الكَرِيمةُ التَّوحِيدَ، تُثبِتُ القِيامةَ والحَشْرَ أيضًا مُبيِّنةً أنَّ الحَشْرَ والنُّشُورَ سَهلٌ على تلك القُدرةِ، وقَطعِيٌّ ثابِتٌ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ غُرُوبِ الشَّمسِ وشُرُوقِها.
— 488 —
ثمَّ إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ إذ تُبيِّنُ هذه الحَقيقةَ بلَفظِ كَيْفَ أي: مِن زاوِيةِ الكَيفيّةِ، فإنَّ سُوَرًا أُخرَى كَثيرةً قد فَصَّلَت تلك الكَيفيّةَ؛ مِنها: سُورةُ "قٓ" مَثلًا، فإنَّها تُثبِتُ الحَشرَ والقِيامةَ ببَيانٍ رَفيعٍ جَميلٍ باهِرٍ يُفيدُ أنَّه لا رَيبَ في مَجيءِ الحَشرِ كما لا رَيبَ في مَجيءِ الرَّبيعِ؛ فتَأَمَّلْ في جَوابِ القُرآنِ لِلكُفّارِ المُنكِرِين وتَعَجُّبِهم مِن إحياءِ العِظامِ وتَحَوُّلِها إلى خَلقٍ جَديدٍ، إذ يقُولُ لهم:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ٭ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ٭ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ٭ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ٭ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ٭ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ.
فهذا البَيانُ يَسِيلُ كالماءِ الرَّقْراقِ، ويَسطَعُ كالنُّجُومِ الزّاهِرةِ، وهو يُطعِمُ القَلبَ ويُغَذِّيه بغِذاءٍ حُلوٍ طَيِّبٍ كالرُطَبِ، فيكُونُ غِذاءً ويكُونُ لَذّةً في الوَقتِ نَفسِه.
ومِن أَلطَفِ أَمثِلةِ مَقامِ «الإثباتِ» هذا المثالُ: يس ٭ وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ٭ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. هذا القَسَمُ يُشِيرُ إلى أنَّ حُجّةَ الرِّسالةِ وبُرهانَها يَقينٌ جازِمٌ وحَقٌّ واضِحٌ حتَّى بَلَغَتْ في الحَقَّانيّةِ والصِّدقِ مَرتَبةَ التَّعظِيمِ والإجلالِ، فيُقْسَمُ به.
يقُولُ القُرآنُ الكَريمُ بهذه الإشارةِ: إنَّك رَسُولٌ لِأنَّ في يَدِك قُرآنًا حَكِيمًا، والقُرآنُ نَفسُه حقٌّ وكَلامُ الحَقِّ، لأنَّ فيه الحِكمةَ الحَقّةَ، وعلَيه خَتْمَ الإعجازِ.
ونَذكُرُ مِن أَمثِلةِ مَقامِ «الإثباتِ» ذاتِ الإعجازِ والإيجازِ هذه الآيةَ الكَرِيمةَ: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٭ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. ففي المِثالِ الثّالثِ مِنَ الحَقيقةِ التّاسِعةِ للكَلِمةِ العاشِرةِ تَصويرٌ لَطِيفٌ لهذه المَسأَلةِ، على النَّحوِ الآتي: لو أنَّ قائِدًا عَظِيمًا شَكَّلَ أمامَ أَنظارِنا جَيشًا ضَخْمًا في يومٍ واحِدٍ؛ فلو قالَ أَحَدُهم: إنَّ هذا الشَّخصَ يُمكِنُه أن يَجمَعَ جُنُودَ طابُورِه المُتَفرِّقين للِاستِراحةِ ببُوقٍ عَسكَرِيٍّ فيَنتَظِمُ له الطّابُورُ حالًا. وأنت أيُّها الإنسانُ إن قُلتَ: لا أُصَدِّقُ!! تُدرِكُ عِندَئذٍ مَدَى بُعدِ إنكارِك عنِ العَقلِ.
— 489 —
والأَمرُ كذلك یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی: أنَّ الَّذي يَبعَثُ أَجسادَ الأَحياءِ قاطِبةً مِن غيرِ شيءٍ، كأنَّها أَفرادُ جَيشٍ ضَخمٍ بكَمالِ الِانتِظامِ وبمِيزانِ الحِكمةِ، ويَجمَعُ ذَرّاتِ تلك الأَجسادِ ولَطائِفَها ويَحفَظُها بأَمرِ كُن فَيَكُونُ في كلِّ قَرْنٍ، بل في كلِّ رَبيعٍ، على وَجهِ الأَرضِ كافّةً، ويُوجِدُ مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَمثالِها مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ. إنَّ القَدِيرَ العَليمَ الَّذي يَفعَلُ هذا هل يُمكِنُ أن يُستَبعَدَ مِنه جَمعُ الذَّرّاتِ الأَساسيّةِ والأَجزاءِ الأَصليّةِ المُتَعارِفةِ تحتَ نِظامِ الجَسَدِ كأنَّها أَفرادُ جَيشٍ مُنَظَّمٍ، بصَيحةٍ مِن صُورِ إسرافيلَ؟ إنَّ استِبعادَ هذا مِن ذلِكُمُ القَديرِ العَليمِ لا مَحالةَ جُنُونٌ!
وفي مَقامِ «الإرشاد» فإنَّ البَياناتِ القُرآنيّةَ مُؤثِّرةٌ ورَفيعةٌ ومُؤنِسةٌ ورَقيقةٌ، حتَّى إنَّها تَملَأُ الرُّوحَ شَوْقًا والعَقلَ لَهْفةً والعَينَ دَمْعًا؛ فلْنأخُذ هذا المِثالَ مِن بينِ آلافِ أَمثِلَتِه: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، فكما أَوضَحْنا وأَثبَتْنا في مَبحَثِ الآيةِ الثَّالثةِ مِنَ "المَقامِ الأَوَّلِ للكَلِمةِ العِشرِين" فإنَّ الآيةَ هذه تُخاطِبُ بني إسرائيلَ قائلةً: ماذا أَصابَكُم يا بَني إسرائيلَ حتَّى لا تُبالُوا بجَميعِ مُعجِزاتِ مُوسَى عَليهِ السَّلام؟! فعُيُونُیكم شاخِصةٌ جافّةٌ لا تَدمَعُ، وقُلُوبُكم قاسِيةٌ غَلِيظةٌ لا حَرارةَ فيها ولا شَوْقَ، بَينَما الحِجارةُ الصَّلْدةُ القاسِيةُ قد ذَرَفَتِ الدُّمُوعَ مِنِ اثنَتَيْ عَشْرةَ عَينًا بضَربةٍ مِن عَصا مُوسَى عَليهِ السَّلام، وهي مُعجِزةٌ واحِدةٌ مِن مُعجِزاتِه!
نكتَفي بهذا القَدْرِ هنا، ونُحِيلُ إلى تلك الكَلِمةِ حيثُ وُضِّحَ هذا المَعنَى الإرشادِيُّ إيضاحًا كافِيًا.
وفي مَقامِ «الإفحامِ والإلزامِ» تَأَمَّلْ في هذَينِ المِثالَينِ فحَسْبُ مِن بينِ آلافِ أَمثِلَتِه:
المِثالُ الأوَّل:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
— 490 —
سنُشِيرُ هنا إشارةً مُجمَلةً فحَسْبُ، إذ قد أَوضَحْناه وأَثبَتْناه وأَشَرْنا إلَيه في "إشاراتِ الإعجازِ"، وهو: أنَّ القُرآنَ المُعجِزَ البَيانِ يقُولُ: يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ.. إن كانَت لَدَيكم شُبهةٌ في أنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ، وتَتَوهَّمُون أنَّه مِن كَلامِ بَشَر، فهَيّا، فها هو مَيدانُ التَّحَدِّي، فائْتُوا بقُرآنٍ مِثلِ هذا يَصدُرُ عن شَخصٍ أُمِّيٍّ لا يَعرِفُ القِراءةَ ولا الكِتابةَ، مِثلَ مُحمَّدٍ الَّذي تَصِفُونه أنتُم بی"الأَمينِ"..
فإن لم تَفعَلُوا هذا فائْتُوا به مِن غيرِ أُمِّيٍّ، ولْيَكُن عالِمًا بَلِيغًا؛ فإن لم تَفعَلُوا هذا فائْتُوا به مِن جَماعةٍ مِنَ البُلَغاءِ وليس مِن شَخصٍ واحِدٍ، بلِ اجْمَعُوا جَميعَ بُلَغائِكم وخُطَبائِكم والآثارَ الجَيِّدةَ للسّابِقين مِنهم ومَدَدَ اللّاحِقين وهِمَمَ شُهَدائِكم وشُرَكائِكم مِن دُونِ اللهِ، وابذُلُوا كلَّ ما لَدَيْكم حتَّى تَأْتُوا بمِثلِ هذا القُرآنِ؛ فإن لم تَفعَلُوا هذا فائْتُوا بكِتابٍ في مِثلِ بَلاغةِ القُرآنِ ونَظْمِه، بصَرفِ النَّظَرِ عن حَقائقِه العَظيمةِ ومُعجِزاتِه المَعنَويّةِ.
بلِ القُرآنُ قد تَحَدّاهم بأَقلَّ مِن هذا إذ يقُولُ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ أي: ليس ضَرُورِيًّا صِدْقُ المَعنَى فلْتَكُن أَكاذِيبَ مُفتَرَياتٍ؛ وإن لم تَفعَلُوا فلْيَكُن عَشْرَ سُوَرٍ مِنه وليس ضَرُورِيًّا كلُّ القُرآنِ؛ وإن لم تَفعَلُوا هذا فائْتُوا بسُورةٍ واحِدةٍ مِن مِثلِه فحَسْبُ، وإن كُنتُم تَرَوْن هذا أيضًا صَعْبًا علَيكُم، فلْتَكُن سُورةً قَصِيرةً.. وأَخِيرًا ما دُمتُم عاجِزِين لا تَستَطيعُون أن تَفعَلُوا ولن تَفعَلُوا معَ أنَّكم في أَمَسِّ الحاجةِ إلى الإتيانِ بمَثيلِه، لأنَّ شَرَفَكم وعِزَّتَكم ودِينَكم وعَصَبِيَّتَكم وأَموالَكم وأَرواحَكم ودُنياكم وأُخراكم إنَّما تُصانُ بإتيانِ مِثلِه، وإلّا ففي الدُّنيا يَتَعرَّضُ شَرَفُكم ودِينُكم إلى الخَطَرِ، وتُسامُون الذُّلَّ والهَوانَ وتُهدَرُ أَموالُكم، وفي الآخِرةِ تَصِيرُون حَطَبًا للنَّارِ مع أَصنامِكم ومَحكُومين بالسِّجنِ الأَبَدِيِّ، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ.
فما دُمتُم قد عَرَفتُم عَجْزَكم بثَماني مَراتِبَ، فلا بُدَّ أن تَعرِفُوا أنَّ القُرآنَ مُعجِزٌ بثَماني مَراتِبَ، فإمّا أن تُؤمِنُوا به أو تَسكُتُوا نِهائيًّا وتكُونَ جَهَنَّمُ مَثْواكم وبِئسَ المَصِيرُ.
وبعدَما عَرَفتَ بَيانَ القُرآنِ هذا وإلزامَه في مَقامِ «الإفحام» قل: حَقًّا إنَّه "ليس بعدَ بَيانِ القُرآنِ بَيانٌ".
— 491 —
المِثالُ الثّاني:
فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ٭ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ٭ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ٭ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ٭ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ٭ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ٭ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ٭ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ ٭ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ٭ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ٭ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ٭ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ٭ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ٭ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ٭ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
مِن بينِ آلافِ الحَقائقِ الَّتي تَتَضمَّنُها هذه الآياتُ الجَليلةُ سنُبيِّنُ حَقيقةً واحِدةً فقط مِثالًا للإلزامِ وإفحامِ الخَصْمِ كالآتي: إنَّ هذه الآياتِ الكَرِيمةَ تُلزِمُ جَميعَ أَقسامِ أَهلِ الضَّلالةِ وتُسكِتُهم، وتَسُدُّ جَميعَ مَنابِتِ الشُّبُهاتِ وتُزِيلُها، وذلك بلَفظِ: أَمْ.. أَمْ، بخَمسَ عَشْرةَ طَبَقةً مِنَ الِاستِفهامِ الإنكارِيِّ التَّعَجُّبيِّ، فلا تَدَعُ ثَغرةً شَيطانيّةً يَنزَوِي فيها أَهلُ الضَّلالةِ إلَّا وتَسُدُّها، ولا تَدَعُ سِتارًا يَتَستَّرون تحتَه إلَّا وتُمَزِّقُه، ولا تَدَعُ كَذِبًا مِن أَكاذيبِهم إلّا وتُفَنِّدُه؛ فكلُّ فِقرةٍ مِن فِقْراتِها تُبطِلُ خُلاصةَ مَفهُومِ كُفرٍ تَحمِلُه طائفةٌ مِنَ الطَّوائفِ الكافِرةِ، إمّا بتَعبيرٍ قَصيرٍ وَجيزٍ، أو بالسُّكُوتِ عنه وإحالَتِه إلى بَداهةِ العَقلِ لِظُهُورِ بُطلانِه، أو بإشارةٍ مُجمَلةٍ إذ قد رُدَّ ذلك المَفهُومُ الكُفرِيُّ وأُفحِمَ في مَوضِعٍ آخَرَ بالتَّفصيلِ، فمَثلًا:
الفِقْرةُ الأُولَى تُشِيرُ إلى الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أمّا الفِقْرةُ الخامِسةَ عَشْرةَ فهي تَرمُزُ إلى الآيةِ الكَريمةِ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.. قِسْ بنَفسِك سائرَ الفِقْراتِ في ضَوءِ هذه الفِقْرةِ، وذلك:
ففي المُقدِّمة تقُولُ: بَلِّغِ الأَحكامَ الإلٰهِيّةَ، فإنَّك لَستَ بكاهِنٍ، لأنَّ كَلامَ الكاهِنِ مُلَفَّقٌ مُختَلِطٌ لا يَعدُو الظَّنَّ والوَهْمَ، بَينَما كَلامُك هو الحَقُّ بعَينِه وهو اليَقينُ.. وذَكِّر بتلك الأَحكامِ فلَستَ مَجنُونًا قَطُّ، فقد شَهِدَ أَعداؤُك كذلك على كَمالِ عَقلِك.
— 492 —
أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ: فيا عَجَبًا! أيقُولُون لك: شاعرٌ، كالكُفّارِ العَوامِّ الَّذين لا يَحتَیكِمُون إلى العَقلِ! أَوَهُم يَنتَظِرُون هَلاكَك ومَوتَك! قل لهم: انتَظِرُوا وأنا معَكُم مِنَ المُنتَظِرين. فإنَّ حَقائقَك العَظيمةَ الباهِرةَ مُنزَّهةٌ عن خَيالاتِ الشِّعرِ ومُستَغنِيةٌ عن تَزيِيناتِه.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا: أم إنَّهم يَستَنكِفُون عنِ اتِّباعِك كالفَلاسِفةِ المُعتَدِّين بعُقُولِهمُ الفارِغةِ؟! الَّذين يقُولُون: كَفانا عَقلُنا. مع أنَّ العَقلَ نَفسَه يَأمُرُ باتِّباعِك، فما مِن قَولٍ تَقُولُه إلّا وهو مَعقُولٌ، ولكن لا يَبلُغُه العَقلُ بمُفرَدِه.
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ: أم إنَّ سَبَب إنكارِهم هو عَدَمُ رُضُوخِهم للحَقِّ كالطُّغاةِ الظَّلَمةِ؟ مع أنَّ عُقبَى الجَبّارِين العُتاةِ مِن فَراعِنةٍ ونَمارِيدَ مَعلُومةٌ لا تَخفَى على أَحَدٍ.
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ: أم إنَّهم يَتَّهِمُونك بأنَّ القُرآنَ كَلامٌ مِن عِندِك، كما يقُولُ المُنافِقُون الكاذِبُون الَّذين لا ضَمِيرَ لهم ولا وِجدانَ؟ مع أنَّهم همُ الَّذين يَدْعُونك إلى الآنَ بی"مُحمَّدٍ الأَمينِ" لِصِدْقِ كَلامِك؛ فإذًا لا يَنوُون الإيمانَ، وإلَّا فلْيَجِدُوا في آثارِ البَشَرِ مَثيلًا للقُرآنِ.
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ: أم إنَّهم يَعُدُّون أَنفُسَهم سائبِينَ، خُلِقُوا سُدًى بلا غايةٍ ولا وَظيفةٍ ولا خالِقَ لهم ولا مَولَى؟! ويَعتَقِدُون الكَونَ كلَّه عَبَثًا كما يَعتَقِدُ به الفَلاسِفةُ العَبَثيُّون! أفَعَمِيَتْ أَبصارُهم؟ أفلا يَرَونَ الكَونَ كلَّه مِن أَقصاه إلى أَقصاه مُزَيَّنًا بالحِكَمِ ومُثمِرًا بالغاياتِ، والمَوجُوداتُ كلُّها مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ مُناطةٌ بوَظائفَ جَليلةٍ ومُسَخَّرةٌ لِأَوامِرَ إلٰهِيّةٍ.
أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ: أم إنَّهم يَظُنُّون أنَّ الأَشياءَ تَتَشكَّلُ بنَفسِها وتُربَّى بنَفسِها وتَخلُقُ لَوازِمَها بنَفسِها، كما يقُولُ المادِّيُّون المُتَفرعِنُون! حتَّى غَدَوا يَستَنكِفُون مِنَ الإيمانِ والعُبُودِيّةِ للهِ. فإذًا هم يَظُنُّون أَنفُسَهم خالِقِين، والحالُ أنَّ خالِقَ شيءٍ واحِدٍ يَلزَمُ أن يكُونَ خالِقًا لكلِّ شيءٍ؛ فلَقد دَفَعَهم إذًا غُرُورُهم وعُتُوُّهم إلى مُنتَهَى الحَماقةِ والجَهلِ حتَّى ظَنُّوا أنَّ مَن هو عاجِزٌ أمامَ أَضعَفِ مَخلُوقٍ یی كالذُّبابِ والمَيكرُوبِ یی قادِرٌ مُطلَقٌ! فما دامُوا قد تَخَلَّوا إلى هذا الحَدِّ عنِ العَقلِ وتَجَرَّدُوا مِنَ الإنسانيّةِ، فهم
— 493 —
إذًا أَضَلُّ مِنَ الأَنعامِ بل أَدنَى مِنَ الجَماداتِ.. فلا تَهتَمَّ لإنكارِهم، بل ضَعْهم في عِدادِ الحَيَواناتِ المُضِرّةِ والمَوادِّ الفاسِدةِ، ولا تُلْقِ لهم بالًا ولا تَلتَفِتْ إلَيهم أَصلًا.
أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ: أم يَجحَدُون وُجُودَ اللهِ تَعالَى كالمُعَطِّلةِ الحَمْقَى المُنكِرِين للخالقِ؟ فلا يَستَمِعُون للقُرآنِ! فعلَيهم إذًا أن يُنكِرُوا خَلْقَ السَّماواتِ والأَرضِ، أو يقُولُوا: نحنُ الخالقُون؛ ولْيَنسَلِخُوا مِنَ العَقلِ كُلِّیيًّا، ولْيَدخُلُوا في هَذَيانِ الجُنُونِ، لأنَّ بَراهِينَ التَّوحيدِ واضِحةٌ تُقرَأُ في أَرجاءِ الكَونِ بعَدَدِ نُجُومِ السَّماءِ وبعَدَدِ أَزاهِيرِ الأَرضِ، كلُّها تَدُلُّ على وُجُودِه تَعالَى وتُفصِحُ عنه؛ فإذًا لا يَرغَبُون في الرُّضُوخِ للحَقِّ واليَقينِ، وإلّا فكيف ظَنُّوا أنَّ كِتابَ الكَونِ العَظيمِ هذا الَّذي تَندَرِجُ في كلِّ حَرفٍ مِنه أُلُوفُ الكُتُبِ، أنَّه دُونَ كاتِبٍ! مع أنَّهم يَعلَمُون جَيِّدًا أنَّ حَرْفًا واحِدًا لا يكُونُ دُونَ كاتِبٍ؟!
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ: أم إنَّهم يَنفُون الإرادةَ الإلٰهِيّةَ كبَعضِ الفَلاسِفةِ الضَّالِّين، أو يُنكِرُون أَصلَ النُّبوَّةِ كالبَراهِمةِ، فلا يُؤمِنُون بك! فعلَيهِم إذًا أن يُنكِرُوا جَميعَ آثارِ الحِكَمِ والغاياتِ الجَليلةِ والِانتِظاماتِ البَدِيعةِ والفَوائدِ المُثمِرةِ وآثارِ الرَّحمةِ الواسِعةِ والعِنايةِ الفائقةِ الظّاهرةِ على المَوجُوداتِ كافّةً، والدَّالةِ على الإرادةِ والاختِيارِ الإلٰهِيِّ، وعلَيهِم أن يُنكِرُوا جَميعَ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، أو علَيهِم أن يقُولُوا: إنَّ الخَزِينةَ الَّتي تَفيضُ بالإحسانِ على الخَلْقِ أَجمَعين هي عِندَنا وبأَيدِينا؛ وليُسْفِرُوا عن حَقيقَتِهم بأنَّهم لا يَستَحِقُّون الخِطابَ، ولا هم أَهلٌ له.. إذًا فلا تَحزَنْ على إنكارِهم، فلِلَّه حَيَواناتٌ ضالّةٌ كَثيرةٌ.
أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ: أم إنَّهم تَوَهَّمُوا أَنفُسَهم رُقَباءَ على أَعمالِ اللهِ تَعالَى؟ أفَيُريدُون أن يَجعَلُوه سُبحانَه مَسؤُولًا، كالمُعتَزِلةِ الَّذين نَصَّبُوا العَقلَ حاكِمًا! فلا تُبالِ ولا تَكتَرِثْ بهم إذ لا طائلَ وَراءَ إنكارِ هؤلاء المَغرُورِين وأَمثالِهم.
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ: أم إنَّهم يَظُنُّون أَنفُسَهم قد وَجَدُوا طَرِيقًا آخَرَ إلى عالَمِ الغَيبِ كما يَدَّعيه الكُهّانُ الَّذين اتَّبَعُوا الشَّياطِينَ
— 494 —
والجانَّ، وكمُشَعوِذِي تَحضِيرِ الأَرواحِ؟ أم يَظُنُّون أنَّ لَدَيهِم سُلَّمًا إلى السَّماواتِ الَّتي صُكَّت أَبوابُها بوُجُوهِ الشَّياطِين، حتَّى لا يُصَدِّقُوا بما تَتَلقّاه مِن خَبَرِ السَّماءِ! فإنكارُ هؤلاء الفَجَرةِ الكَذّابين وأَمثالِهم، هو في حُكمِ العَدَمِ.
أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ: أم إنَّهم يُسنِدُون الشِّركَ إلى الأَحَدِ الصَّمَدِ باسمِ العُقُولِ العَشَرةِ وأَربابِ الأَنواعِ كما يَعتَقِدُ به فَلاسِفةٌ مُشرِكُون، أو بنَوعٍ مِنَ الأُلُوهيّةِ المَنسُوبةِ إلى النُّجُومِ والمَلائكةِ كالصَّابِئةِ، أو بإسنادِ الوَلَدِ إلَيه تَعالَى كالمُلحِدِين والضَّالِّين، فيَنسُبُون إلَيه الوَلَدَ المُنافِيَ لِوُجُوبِ وُجُودِ الأَحَدِ الصَّمَدِ ولِوَحدانيَّتِه وصَمَدانيَّتِه، فهو المُستَغني المُتَعالِ؟ أم يُسنِدُون الأُنُوثةَ إلى المَلائكةِ المُنافيةَ لِعُبُودِيَّتِهم وعِصمَتِهم وجِنسِهم "طَبِيعَتِهم"؟ أفَهُم يَظُنُّون أنَّهم بهذا يُوجَدُون شُفَعاءَ لأَنفُسِهم، فلا يَتَّبِعُونك!؟ إنَّ الإنسانَ الفانِيَ الَّذي يَطلُبُ الوَرِيثَ المُعِينَ، والمَطبُوعَ على حُبِّ الدُّنيا إلى حَدِّ الهُيامِ بها، وهو العاجِزُ الفَقيرُ إلى بَقاءِ نَوعِه، والمُؤَهَّلُ للتَّناسُلِ والتَّكاثُرِ والتَّجَزُّؤِ الجِسمانِيِّ، ذلك التَّناسُلِ الَّذي هو رابِطةُ البَقاءِ وآصِرةُ الحَياةِ للمَخلُوقاتِ كافّةً.. فإسنادُ التَّناسُلِ هذا إلى مَن وُجُودُه واجِبٌ وهو الدّائمُ الباقي، الأَزَليُّ الأَبَديُّ، الذّاتِيُّ، المُنزَّهُ عنِ الجِسمانيّةِ، المُقدَّسُ عن تَجزِئةِ الماهِيّةِ، المُتَعالي عن أن يَمَسَّ قُدرَتَه العَجزُ، وهو الواحِدُ الأَحَدُ الجَليلُ ذُو الجَلالِ.. وإسنادُ الأَولادِ إلَيه ولا سِيَّما الضُّعَفاءِ العاجِزِين أي: البَناتِ اللَّاتي لم يَرتَضِها غُرُورُ هؤلاء، إنَّما هو نِهايةُ السَّفسَطةِ ومُنتَهَى الجُنُونِ وغايةُ الهَذَيانِ، حتَّى إنَّه لا حاجةَ إلى تَفنِيدِ افتِراءاتِهم وإظهارِ بُطلانِها، فلا تُنصِتْ إلَيهم ولا تُلقِ لهم بالًا، إذ لا تُسمَعُ سَفسَطةُ كلِّ ثَمِلٍ ولا هَذَيانُ كلِّ مَجنُونٍ.
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ: أم إنَّهم يَرَون تَكاليفَ العُبُودِيّةِ الَّتي تَطلُبُها مِنهم ثَقيلةً علَيهم؟ كما يَراها الطُّغاةُ الباغُونَ الحَرِيصُونَ على الدُّنيا المُعتادُون على الخِسّةِ فيَهرُبُون مِن تلك التَّكاليفِ! ألا يَعلَمُون أنَّك لا تُرِيدُ مِنهم أَجرًا ولا مِن أَحَدٍ إلّا مِنه سُبحانَه؟ أَيعُزُّ علَيهِمُ التَّصَدُّقُ مِن مالِ اللهِ الَّذي أَعطاه إيّاهم لِيَزدادَ المالُ بَرَكةً ولِيُحَصَّنَ مِن حَسَدِ الفُقَراءِ، ومِنَ الدُّعاءِ بالسُّوءِ على مالِكِه؟ فالزَّكاةُ بمِقدارِ العُشْرِ أو واحِدٍ مِن أَربَعين، والتَّصَدُّقُ بها على فُقَرائِهم أتُعَدُّ أَمرًا ثَقِيلًا حتَّى يَهرُبُوا مِنَ
— 495 —
الإسلامِ؟ إنَّهم لا يَستَحِقُّون حتَّى الجَوابَ على تَكذيبِهم، فهو واضِحٌ جِدًّا وتافِهٌ جِدًّا، بل يَستَحِقُّون التَّأدِيبَ لا الإجابةَ.
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ: أم إنَّهم لا يَرُوقُ لهم ما تَتَلقَّاه مِن أَخبارِ الغَيبِ، فيَدَّعُون مَعرِفةَ الغَيبِ كالبُوذِيِّين وكالعَقلانيِّين الَّذين يَحسَبُون ظُنُونَهم يَقينًا! أعِندَهم كِتابٌ مِنَ الغَيبِ وهو مَفتُوحٌ لهم يَكتُبُون مِنه حتَّى يَرُدُّوا كِتابَك الغَيبيَّ!؟ إنَّ ذلك العالَمَ لا يَنزاحُ حِجابُه إلّا للرُّسُلِ المُوحَى إلَيهم، ولا طاقةَ لِأَحَدٍ بالوُلُوجِ فيه بنَفسِه قَطُّ.
ولا يَستَخِفَّنَّك عن دَعوَتِك تَكذِيبُ هؤلاء المَغرُورِين المُتَكبِّرِين الَّذين تَجاوَزُوا طَوْرَهم وتَعَدَّوْا حُدُودَهم، فعن قَرِيبٍ ستُحَطِّمُ حَقائقُك أَحلامَهم وتَجعَلُها أَثرًا بعدَ عَينٍ.
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ: أم إنَّهم يُرِيدُون أن يكُونُوا كالمُنافِقين الَّذين فَسَدَتْ فِطْرَتُهم وتَفَسَّخ وِجدانُهم، وكالزَّنادِقةِ المَكّارِين الَّذين يَصُدُّون النّاسَ عنِ الهُدَى الَّذي حُرِمُوا مِنه بالمَكِيدةِ والخَدِيعةِ فيَصرِفُوهم عن سَواءِ السَّبِيلِ، حتَّى أَطلَقُوا عليك اسمَ الكاهِنِ أوِ المَجنُونِ أوِ السّاحِرِ، مع أنَّهم هم أَنفُسَهم لا يُصَدِّقُون دَعواهم فكيف بالآخَرِين؟ فلا تَهتَمَّ بهؤلاء الكَذّابين الخَدّاعين ولا تَعتَبِرْهم في زُمرةِ الأَناسِيِّ، بلِ امْضِ في الدَّعوةِ إلى اللهِ، لا يُفَتِّرْك شيءٌ عنها، فأُولَئك لا يَكِيدُونك بل يَكِيدُون أَنفُسَهم، ويَضُرُّونَ بأَنفُسِهم؛ وما نَجاحُهم في الفَسادِ والكَيدِ إلّا أَمرٌ مُؤَقَّتٌ زائلٌ، بل هو استِدراجٌ ومَكْرٌ إلٰهِيٌّ.
أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ: أم إنَّهم يُعارِضُونَك ويَستَغنُون عَنك لأنَّهم يَتَوهَّمُون إلٰهًا غَيرَ اللهِ يَستَنِدُون إلَيه، كالمَجُوسِ الَّذين تَوَهَّمُوا إلٰهَينِ اثنَينِ باسمِ خالقِ الخَيرِ وخالقِ الشَّرِّ! أو كعُبّادِ الأَسبابِ والأَصنامِ الَّذين يَمنَحُون نَوْعًا مِنَ الأُلُوهيّةِ للأَسبابِ ويَتَصوَّرُونَها مَوئلَ استِنادٍ؟ إذًا فقد عَمِيَت أَبصارُهُم، أفلا يَرَون هذا الِانتِظامَ الأَكمَلَ الظّاهِرَ كالنَّهارِ في هذا الكَونِ العَظِيمِ ولا هذا الِانسِجامَ الأَجمَلَ فيه!..
فبِمُقتَضَى قَولِه تَعالَى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا إذا ما حَلَّ مُختارانِ في قَريةٍ، ووالِيانِ في وِلايةٍ وسُلطانانِ في بَلَدٍ، فالِانتِظامُ يَختَلُّ حَتْمًا والِانسِجامُ يَفسُدُ
— 496 —
نِهائيًّا؛ والحالُ أنَّ الِانتِظامَ الدَّقيقَ واضِحٌ بَدءًا مِن جَناحِ البَعُوضةِ إلى قَنادِيلِ السَّماءِ؛ فليس للشِّركِ مَوضِعٌ ولو بمِقدارِ جَناحِ بَعُوضٍ، فما دامَ هؤلاء يَمرُقُون مِن نِطاقِ العَقلِ، ويُجافُون الحِكمةَ والمَنطِقَ، ويقُومُون بأَعمالٍ مُنافيةٍ كُلِّیيًّا للشُّعُورِ والبَداهةِ، فلا يَصرِفْك تَكذِيبُهم لك عنِ التَّذكيرِ والإرشادِ.
وهكذا، فهذه الآياتُ الَّتي هي سِلسِلةُ الحَقائقِ، قد بيَّنّا بَيانًا مُجمَلًا جَوهَرةً واحِدةً مِنها فقط مِن مِئاتِ جَواهِرِها، تلك الجَوهَرةَ الَّتي تَخُصُّ «الإلزامَ والإفحامَ» ؛ فلو كانَت لي قُدرةٌ لِأُبيِّنَ عِدّةَ جَواهِرَ أُخرَى مِنها لكُنتَ تقُولُ أيضًا: إنَّ هذه الآياتِ مُعجِزةٌ بحَدِّ ذاتِها!
أمّا بَيانُ القُرآنِ في «الإفهامِ والتَّعليمِ» فهو خارِقٌ وذُو لَطافةٍ وسَلاسةٍ، حتَّى إنَّ أَبسَطَ شَخصٍ عامِّيٍّ يَفهَمُ بتلك البَياناتِ أَعظَمَ حَقيقةٍ وأَعمَقَها بيُسرٍ وسُهُولةٍ.
نعم، إنَّ القُرآنَ المُبِينَ يُرشِدُ إلى كثيرٍ مِنَ الحَقائقِ الغامِضةِ، ويُعَلِّمُ النّاسَ إيّاها بأُسلُوبٍ سَهْلٍ وواضِحٍ وببَيانٍ شافٍ يُراعِي نَظَرَ العَوامِّ، مِن دُونِ إيذاءٍ لِشُعُورِ العامّةِ ولا إرهاقٍ لفِكرِ العَوامِّ ولا إزعاجٍ له، فكما إذا ما حاوَرَ إنسانٌ صَبِيًّا فإنَّه يَستَعمِلُ تَعابِيرَ خاصّةً به، كذلك الأَساليبُ القُرآنيّةُ والَّتي تُسَمَّى بی «التَّنزُّلاتِ الإلٰهِيّةِ إلى عُقُولِ البَشَرِ» خِطابٌ يَنزِلُ إلى مُستَوَى مَدارِكِ المُخاطَبِين، حتَّى يُفَهِّمَ أَشَدَّ العَوامِّ أُمِّيّةً مِنَ الحَقائقِ الغامِضةِ والأَسرارِ الرَّبّانيّةِ ما يَعجِزُ حُكَماءُ مُتَبحِّرُون عن بُلُوغِها بفِكرِهم، وذلك بالتَّشبِيهاتِ والتَّمثيلاتِ بصُوَرٍ مُتَشابِهاتٍ.
فمَثلًا: الآيةُ الكَرِيمةُ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى تُبيِّنُ الرُّبُوبيّةَ الإلٰهِيّةَ وكيفيّةَ تَدبِيرِها لِشُؤُونِ العالَمِ في صُورةِ تَمثيلٍ وتَشبِيهٍ لِمَرتَبةِ الرُّبُوبيّةِ بالسُّلطانِ الَّذي يَعتَلِي عَرْشَه ويُدِيرُ أَمرَ السَّلْطَنةِ.
نعم، لَمّا كان القُرآنُ كَلامًا لرَبِّ العالَمين نَزَل مِنَ المَرتَبةِ العُظمَى لِرُبُوبيَّتِه الجَليلةِ، مُهَيمِنًا على جَميعِ المَراتِبِ الأُخرَى، مُرشِدًا البالِغِين إلى تلك المَراتِبِ، مُختَرِقًا سَبعِين أَلفَ حِجابٍ، مُلتَفِتًا إلَيها ومُنَوِّرًا لها، وقد نَشَر نُورَه على آلافِ الطَّبَقاتِ مِنَ المُخاطَبين المُتَباينِين في الفَهْمِ والإدراكِ، ونَثَر فَيضَه طَوالَ عُصُورٍ وقُرُونٍ مُتَفاوِتةٍ في الِاستِعداداتِ.
— 497 —
وعلى الرَّغمِ مِن نَشرِه لِمَعانيه بسُهُولةٍ تامّةٍ في جَميعِ الأَنحاءِ والأَزمانِ، احتَفَظ بحَيَويَّتِه ونَداوَتِه ونَضارَتِه ولم يَفقِدْ شَيئًا مِنها، بل ظَلَّ في مُنتَهَى الطَّراوةِ والجِدّةِ واللَّطافةِ سَهْلًا مُمتَنِعًا، إذ مِثلَما يُلقِي دُرُوسَه على أيِّ عامِّيٍّ كان في غايةِ السُّهُولةِ يُلقِيه على المُختَلِفين في الفَهمِ والمُتَباينِين في الذَّكاءِ لِكَثيرٍ جِدًّا مِنَ الطَّبَقاتِ المُتَفاوِتةِ ويُرشِدُهم إلى الصَّوابِ، ويُورِثُهُمُ القَناعةَ والِاطمِئنانَ.
ففي هذا الكِتابِ المُبِينِ أينَما وَجَّهتَ نَظَرَك يُمكِنُك أن تُشاهِدَ لَمعةَ إعجازٍ.
حاصِلُ الكَلامِ: كما أنَّ لَفظةً قُرآنيّةً مِثلَ: «الحَمدُ للهِ» عِندَما تُتلَى تَملَأُ الكَهفَ الَّذي هو بمَثابةِ أُذُنِ الجَبَلِ، فإنَّها تَملَأُ في الوَقتِ نَفسِه الأُذَينَ الصَّغيرةَ جِدًّا لِبَعُوضٍ، فتَستَقِرُّ اللَّفظةُ نَفسُها فيهما معًا؛ كذلك الأَمرُ في مَعاني القُرآنِ الكَريمِ، إذ مِثلَما تُشبِعُ عُقُولًا جَبّارةً، تُعَلِّمُ عُقُولًا صَغيرةً وبَسِيطةً جِدًّا، وتُطَمْئِنُها بالكَلِماتِ نَفسِها. ذلك لأنَّ القُرآنَ يَدعُو جَميعَ طَبَقاتِ الجِنِّ والإنسِ إلى الإيمانِ، ويُعلِّمُ جَميعَهم عُلُومَ الإيمانِ ويُثبِتُها لهم جَميعًا؛ لِذا يَستَمِعُ إلى دَرسِ القُرآنِ وإرشادِه أَغبَى الأَغبِياءِ مِن عامّةِ النّاسِ معَ أَخَصِّ الخَواصِّ جَنْبًا إلى جَنْبٍ مُتَكاتِفين معًا.
أي: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ مائِدةٌ سَماوِيّةٌ تَجِدُ فيها آلافٌ مِن مُختَلِفِ طَبَقاتِ الأَفكارِ والعُقُولِ والقُلُوبِ والأَرواحِ غِذاءَهم، كلٌّ حَسَبَ ما يَشتَهِيه ويُلَبِّي رَغَباتِه؛ حتَّى إنَّ كَثِيرًا مِن أَبوابِ القُرآنِ ظَلَّت مُغلَقةً لِتُفتَح في المُستَقبَلِ مِنَ الزَّمانِ.
فإن شِئتَ مِثالًا على هذا المَقامِ، فالقُرآنُ كُلُّه مِن بِدايَتِه إلى نِهايَتِه أَمثِلةٌ لِهذا المَقامِ. نعم، إنَّ تَلامِذةَ القُرآنِ والمُستَمِعين لِإرشادِه مِنَ المُجتَهِدين والصِّدِّيقين وحُكَماءِ الإسلامِ، والعُلَماءِ المُحَقِّقين وعُلَماءِ أُصُولِ الفِقهِ والمُتَكلِّمين، والأَولياءِ العارِفين والأَقطابِ العاشِقِين، والعُلَماءِ المُدَقِّقين، وعامّةِ المُسلِمين.. كلَّهم يقُولُون بالِاتِّفاقِ: "نحنُ نَتَلقَّى الإرشادَ على أَفضَلِ وَجهٍ مِنَ القُرآنِ".
والخُلاصةُ: إنَّ لَمعةَ إعجازِ القُرآنِ تَتَلمَّعُ في هذا المَقامِ أَيضًا (مَقامِ الإفهامِ والتَّعليمِ) كما هي الحالُ في سائرِ المَقاماتِ.
— 498 —

الشُّعاعُ الثاني

جامِعِيّةُ القُرآنِ الخارِقةُ
لهذا الشُّعاعِ خَمسُ لَمَعات:

اللَّمعةُ الأُولَى: الجامِعِيّةُ الخارِقةُ في لَفظِه:

هذه الجامِعِيّةُ واضِحةٌ جَلِيّةٌ في الآياتِ المَذكُورةِ في "الكَلِماتِ" السّابقةِ وفي هذه "الكَلِمة".
نعم، إنَّ الأَلفاظَ القُرآنيَّةَ قد وُضِعَت وَضْعًا بحيثُ إنَّ لِكُلِّ كَلامٍ بل لِكُلِّ كَلِمةٍ بل لِكُلٍّ حَرفٍ بل حتَّى لِسُكُوتٍ أَحيانًا وُجُوهًا كَثيرةً جِدًّا، تَمنَحُ كلَّ مُخاطَبٍ حَظَّه ونَصِيبَه مِن أَبوابٍ مُختَلِفةٍ، كما يُشِيرُ إلى ذلك الحَديثُ الشَّريفُ، فلِكُلِّ آيةٍ ظَهْرٌ وبَطنٌ وحَدٌّ ومَطْلَعٌ، ولكُلٍّ شُجُونٌ وغُصُونٌ وفُنُونٌ.
فمَثلًا: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، فحِصّةُ عامِّيٍّ مِن هذا الكَلامِ: أنَّه يَرَى الجِبالَ كالأَوتادِ المَغرُوزةِ في الأَرضِ كما هو ظاهِرٌ أمامَ عَينِه، فيَتَأمَّلُ ما فيها مِن نِعَمٍ وفَوائِدَ، ويَشكُرُ خالِقَه.
وحِصّةُ شاعِرٍ مِن هذا الكَلامِ: أنَّه يَتَخيَّلُ أنَّ الأَرضَ سَهلٌ مُنبَسِطٌ، وقُبّةَ السَّماءِ عِبارةٌ عن خَيمةٍ عَظِيمةٍ خَضْراءَ ضُرِبَت علَيه، وزُيِّنَتِ الخَيمةُ بمَصابيحَ، وأنَّ الجِبالَ تَتَراءَى وهي تَملَأُ دائِرةَ الأُفُقِ، تَمَسُّ قِمَمُها أَذيالَ السَّماءِ، وكأنَّها أَوتادُ تلك الخَيمةِ العَظيمةِ؛ فتَغمُرُه الحَيرةُ والإعجابُ، ويُقدِّسُ الصّانِعَ الجَليلَ.
أمّا البَدَوِيُّ البَليغُ فحِصَّتُه مِن هذا الكَلامِ أنَّه يَتَصوَّرُ سَطْحَ الأَرضِ كصَحراءَ واسِعةٍ، وكأنَّ سَلاسِلَ الجِبالِ سِلسِلةٌ مُمتَدّةٌ لِخِيَمٍ كَثيرةٍ بأَنواعٍ شَتَّى لِمَخلُوقاتٍ مُتَنوِّعةٍ، حتَّى إنَّ طَبَقةَ التُّرابِ عِبارةٌ عن غِطاءٍ أُلقِيَ على تلك الأَوتادِ المُرتَفِعةِ فرَفَعَتْها برُؤُوسِها الحادّةِ، جاعِلةً مِنها مَساكِنَ مُختَلِفةً لِأَنواعٍ شَتَّى مِنَ المَخلُوقاتِ.. هكذا يَفهَمُ فيَسجُدُ للفاطِرِ الجَليلِ سَجدةَ حَيرةٍ وإعجابٍ بجَعْلِه تلك المَخلُوقاتِ العَظِيمةَ كأنَّها خِيامٌ ضُرِبَت على الأَرضِ.
— 499 —
أمّا الجُغرافِيُّ الأَدِيبُ فحِصَّتُه مِن هذا الكَلامِ أنَّ كُرةَ الأَرضِ عِبارةٌ عن سَفِينةٍ تَمْخُرُ عُبابَ بَحرِ المُحِيطِ الهَوائيِّ أوِ الأَثيرِيِّ، وأنَّ الجِبالَ أَوتادٌ دُقَّت على تلك السَّفينةِ للتَّثبِيتِ والمُوازَنةِ.. هكذا يُفَكِّرُ الجُغرافِيُّ ويقُولُ أَمامَ عَظَمةِ القَديرِ ذِي الكَمالِ الَّذي جَعَل الكُرةَ الأَرضِيّةَ الضَّخمةَ سَفينةً مُنتَظِمةً وأَرْكَبَنا فيها، لِتَجرِيَ بنا في آفاقِ العالَمِ: "سُبحانَك ما أَعظَمَ شَأنَك!".
أمّا المُتَخصِّصُ في أُمُورِ المُجتَمَعِ والمُلِمُّ بمُتَطلَّباتِ الحَضارةِ الحَدِيثةِ فحِصَّتُه مِن هذا الكَلامِ: أنَّه يَفهَمُ الأَرضَ عِبارةً عن مَسكَنٍ، وأنَّ عِمادَ هذا المَسكَنِ هو الحَياةُ الحَيَوانيّةُ، وعِمادَ هذه الحَياةِ الحَيَوانيّةِ هو الماءُ والهَواءُ والتُّرابُ، الَّتي هي شَرائطُ الحَياةِ؛ وأنَّ عِمادَ هذه الثَّلاثةِ هو الجِبالُ، لأنَّ الجِبالَ مَخازِنُ الماءِ، مَشّاطةُ الهَواءِ ومِصْفاتُه إذ تُرَسِّبُ الغازاتِ المُضِرّةَ، وحامِيةُ التُّرابِ إذ تَحمِيه مِنِ استِيلاءِ البَحرِ والتَّوَحُّلِ، وخَزِينةٌ لِسائرِ ما تَقتَضيه حَياةُ الإنسانِ.. هكذا يَفهَمُ فيَحمَدُ ويُقدِّسُ ذلِكُمُ الصَّانِعَ ذا الجَلالِ والإكرامِ الَّذي جَعلَ هذه الجِبالَ العِملاقةَ أَوتادًا ومَخازِنَ مَعايِشِنا على الأَرضِ الَّتي هي مَسكَنُ حَياتِنا.
وحِصّةُ فَيلَسُوفٍ طَبِيعيٍّ مِن هذا الكَلامِ: أنَّه يُدرِكُ أنَّ الِامتِزاجاتِ والِانقِلاباتِ والزَّلازِلَ الَّتي تَحصُلُ في باطِنِ الأَرضِ تَجِدُ استِقرارَها وسُكُونَها بظُهُورِ الجِبالِ، فتكُونُ الجِبالُ سَببًا لِهُدُوءِ الأَرضِ واستِقرارِها حَولَ مِحوَرِها ومَدارِها وعَدَمِ عُدُولِها عن مَدارِها السَّنَوِيِّ، وكأنَّ الأَرضَ تَتَنفَّسُ بمَنافِذِ الجِبالِ فيَخِفُّ غَضَبُها وتَسكُنُ حِدَّتُها.. هكذا يَفهَمُ ويَطْمَئِنُّ ويَلِجُ في الإيمانِ قائلًا: "الحِكمةُ للهِ".
ومَثلًا: أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا:
إنَّ كَلِمةَ رَتْقًا في هذه الآيةِ تُفيدُ لِمَن لم يَتَلوَّثْ بالفَلسَفةِ: السَّماءُ كانَت صافِيةً لا سَحابَ فيها، والأَرضُ جَدْباءَ لا حَياةَ فيها، فالَّذي فَتَح أَبوابَ السَّماءِ بالمَطَرِ وفَرَشَ الأَرضَ بالخُضْرةِ هو الَّذي خَلَق جَميعَ ذَوِي الحَياةِ مِن ذلك الماءِ، وكأنَّه حَصَلَ نَوعٌ مِنَ المُزاوَجةِ والتَّلقيحِ بَينَهما، وما هذا إلَّا مِن شَأْنِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ الَّذي يكُونُ
— 500 —
وَجهُ الأَرضِ لَدَيه كبُستانٍ صَغيرٍ، والسُّحُبُ الَّتي تَحجُبُ وَجهَ السَّماءِ مُعصِراتٍ لِذلك البُستانِ.. يَفهَمُ هكذا فيَسجُدُ أَمامَ عَظَمةِ قُدرَتِه تَعالَى.
وتُفيدُ تلك الكَلِمةُ رَتْقًا للعالِمِ الكَونِيِّ أنَّه في بَدْءِ الخَلِيقةِ، كانَتِ الأَرضُ والسَّماءُ كُتلَتَينِ لا شَكلَ لهما وعَجِينَتَينِ طَرِيَّتَينِ لا نَفْعَ لَهما، فبَينَما هما مادّةٌ لا مَخلُوقاتِ لَهُما ولا مَن يَدِبُّ علَيهِما، بَسَطَهما الفاطِرُ الحَكِيمُ بَسْطًا جَمِيلًا، ومَنَحَهما صُوَرًا نافِعةً وزِينةً فاخِرةً وكَثْرةً كاثِرةً مِنَ المَخلُوقاتِ.. هكذا يَفهَمُ ويَأخُذُه العَجَبُ أَمامَ سَعةِ حِكمَتِه تَعالَى.
وتُفيدُ هذه الكَلِمةُ للفَلاسِفةِ المُعاصِرِين أنَّ كُرَتَنا الأَرضِيّةَ وسائرَ السَّيّاراتِ الَّتي تُشَكِّلُ المَنظُومةَ الشَّمسِيّةَ كانَت في البِدايةِ مُمتَزِجةً معَ الشَّمسِ بشَكلِ عَجِينةٍ لم تُفرَشْ بَعدُ، ففَتَقَ القادِرُ القَيُّومُ تلك العَجِينةَ ومَكَّن فيها السَّياراتِ كلًّا في مَوضِعِه، فالشَّمسُ هُناك والأَرضُ هنا.. وهكذا. وفَرَشَ الأَرضَ بالتُّرابِ وأَنزَلَ علَيها المَطَرَ مِنَ السَّماءِ، ونَثَر علَيها الضِّياءَ مِنَ الشَّمسِ وأَسكَنَها الإنسانَ.. هكذا يَفهَمُ ويَرفَعُ رَأسَه مِن حَمْأةِ الطَّبِيعةِ قائلًا: "آمَنتُ باللهِ الواحِدِ الأَحَدِ".
ومَثلًا: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا:
فاللّامُ في لِمُسْتَقَرٍّ تُفيدُ مَعنَى اللّامِ نَفسِها ومَعنَى "في" ومَعنَى "إلى". فهذه "اللّامُ" يَفهَمُها العَوامُّ بمَعنَى "إلى" ويَفهَمُون الآيةَ في ضَوئِها؛ أي: إنَّ الشَّمسَ الَّتي تَمنَحُكُمُ الضَّوءَ والحَرارةَ، تَجرِي إلى مُستَقَرٍّ لها وستَبلُغُه يَومًا، وعِندَها لن تُفيدَكم شَيئًا؛ فيَتَذكَّرُ بهذا ما رَبَط اللهُ سُبحانَه وتَعالَى مِن نِعَمٍ عَظِيمةٍ بالشَّمسِ، فيَحمَدُ رَبَّه ويُقَدِّسُه قائلًا: «سُبحانَ اللهِ والحَمدُ للهِ».
والآيةُ نَفسُها تُظهِرُ "اللَّامَ" بمَعنَى "إلى" للعالِم أَيضًا، ولكن ليس بمَعنَى أنَّ الشَّمسَ مَصدَرُ الضَّوءِ وَحدَه، وإنَّما كمَكُّوكٍ تَحِيكُ المَنسُوجاتِ الرَّبّانيّةَ الَّتي تُنسَجُ في مَعمَلِ الرَّبيعِ والصَّيفِ؛ وإنَّها مِدادٌ ودَواةٌ مِن نُورٍ لِمَكتُوباتِ الصَّمَدِ الَّتي تُكتَبُ على صَحِيفةِ اللَّيلِ والنَّهارِ. فيَتَصوَّرُها هكذا، ويَتَأمَّلُ في نِظامِ العالَمِ البَديعِ الَّذي يُشِيرُ إلَيه
— 501 —
جَرَيانُ الشَّمسِ الظّاهِرِيُّ، فيَهوِي ساجِدًا أَمامَ حِكمةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ قائلًا: "ما شاءَ اللهُ كان، تَبارَك اللهُ!".
أمَّا بالنِّسبةِ للفَلَكيِّ، فإنَّ "اللّامَ" يَفهَمُها بمَعنَى "في". أي: إنَّ الشَّمسَ تُنَظِّمُ حَرَكةَ مَنظُومَتِها "كزُنْبُرُكِ السّاعةِ" بحَرَكةٍ مِحوَرِيّةٍ حَولَ نَفسِها. فأَمامَ هذا الصّانِعِ الجَليل الَّذي خَلَق مِثلَ هذه السّاعةِ العُظمَى يَأخُذُه العَجَبُ والِانبِهارُ فيقُولُ: "العَظَمةُ والقُدرةُ للهِ وَحدَه!"، ويَدَعُ الفَلسَفةَ داخِلًا في مَيدانِ حِكمةِ القُرآنِ.
و"اللّامُ" هذه يَفهَمُها العالِمُ المُدَقِّقُ بمَعنَى "العِلّةِ" وبمَعنَى "الظَّرفيّةِ". أي: إنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ جَعَل الأَسبابَ الظّاهِرِيّةَ سِتارًا لِأَفعالِه وحِجابًا لِشُؤُونِه؛ فقد رَبَط السَّياراتِ بالشَّمسِ بقانُونِه المُسَمَّى بی"الجاذِبيّةِ" وبه يُجرِي السَّيّاراتِ المُختَلِفةَ بحَرَكاتٍ مُختَلِفةٍ ولكن مُنتَظِمةٍ؛ ويُجرِي الشَّمسَ حَولَ مَركَزِها سَببًا ظاهِرِيًّا لِتَوليدِ تلك الجاذِبيّةِ. أي: إنَّ مَعنَى لِمُسْتَقَرٍّ هو: أنَّ الشَّمسَ تَجرِي في مُستَقرٍّ لها لِاستِقرارِ مَنظُومَتِها، لأنَّ الحَرَكةَ تُوَلِّدُ الحَرارةَ، والحَرارةَ تُوَلِّدُ القُوّةَ، والقُوّةَ تُوَلِّدُ الجاذِبيّةَ الظّاهِرِيّةَ.. وذلك قانُونٌ رَبَّانِيٌّ وسُنّةٌ إلٰهِيّةٌ. وهكذا، فهذا الحَكِيمُ المُدَقِّقُ يَفهَم مِثلَ هذه الحِكمةِ مِن حَرفٍ واحِدٍ مِنَ القُرآنِ الحَكيمِ، ويقُولُ: "الحَمدُ للهِ، إنَّ الحِكمةَ الحَقّةَ لَهِي في القُرآنِ، فلا أَعتَبِرُ الفَلسَفةَ بَعدُ شَيئًا يُذكَرُ".
ومِن هذه "اللّامِ" والِاستِقرارِ يَرِدُ هذا المَعنَى إلى مَن يَملِكُ فِكْرًا وقَلْبًا شاعِرِيًّا أنَّ الشَّمسَ شَجَرةٌ نُورانيّةٌ، والسَّيّاراتِ الَّتي حَولَها إنَّما هي ثَمَراتُها السّائِحةُ، فالشَّمسُ تَنتَفِضُ یی بخِلافِ الأَشجارِ یی لِئَلَّا تَتَساقَطَ ثَمَراتُها، وبعَكسِه تَتَبعثَرُ الثَّمَراتُ.
ويُمكِنُ أن يَتَخيَّلَ أيضًا أنَّ الشَّمسَ كسَيِّدٍ في حَلْقةِ ذِكرٍ، يَذكُرُ اللهَ في مَركَزِ تلك الحَلْقةِ ذِكرَ عاشِقٍ وَلْهانَ، حتَّى يَدفَعَ الآخَرِين إلى الجَذْبةِ والِانتِشاءِ.
وقد قُلتُ في رِسالةٍ أُخرَى في هذا المَعنَى: "نعم، إنَّ الشَّمسَ مُثمِرةٌ، تَنتَفِضُ لِئلّا تَتَساقَطَ الثَّمَراتُ الطَّيِّبةُ، ولو سَكَنَتْ وسَكَتَت لانْفَقَد الِانجِذابُ، فيَصرُخُ العُشّاقُ المُنْساقُون في الفَضاءِ الواسِعِ هَلَعًا مِنَ السُّقُوطِ والضَّياعِ!"
— 502 —
ومَثلًا: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فيها سُكُوتٌ، وفيها إطلاقٌ، إذ لم تُعَيِّن بمَ يُفلِحُون؟ لِيَجِدَ كلُّ واحِدٍ مُبتَغاه في هذا السُّكُوتِ؛ فالآيةُ تَختَصِرُ الكَلامَ لِيتَّسِعَ المَعنَى، إذ إنَّ قَصْدَ قِسمٍ مِنَ المُخاطَبين هو النَّجاةُ مِنَ النَّارِ، وقِسمٌ آخَرٌ لا يُفكِّرُ إلّا بالجَنّةِ، وقِسمٌ يَأمُلُ السَّعادةَ الأَبَديّةَ، وقِسمٌ يَرجُو الرِّضَى الإلٰهِيَّ فحَسْبُ، وقِسمٌ غايةُ أَمَلِه رُؤيةُ اللهِ سُبحانَه. وهكذا.. فيَتْرُكُ القُرآنُ الكَلامَ على إطلاقِه لِيَعُمَّ، ويَحذِفُ لِيُفيدَ مَعانِيَ كَثيرةً، ويُوجِزُ لِيَجِدَ كلُّ واحِدٍ حَظَّه مِنها.
وهكذا فی الْمُفْلِحُونَ هنا لا يُعيِّنُ بِمَ سيُفلِحُون. وكأنَّ الآيةَ بسُكُوتِها تقُولُ: أيُّها المُسلِمُون لَكُمُ البُشرَى! أيُّها المُتَّقي: إنَّ لك نَجاةً مِنَ النَّارِ. أيُّها العابِدُ الصّالِحُ: فَلاحُك في الجَنَّةِ. أيُّها العارِفُ باللهِ: ستَنالُ رِضاه. أيُّها العاشِقُ لِجَمالِ اللهِ.. ستَحظَى برُؤيَتِه تَعالَى.. وهكذا.
ولقد أَوْرَدْنا مِنَ القُرآنِ الكَريمِ مِن جِهةِ جامِعِيّةِ اللَّفظِ في الكَلامِ والكَلِمةِ والحُرُوفِ والسُّكُوتِ مِثالًا واحِدًا فحَسْبُ مِن بينِ آلافِ الأَمثِلةِ؛ فقِسِ الآيةَ والقِصّةَ على ما أَسلَفْناه.
ومَثلًا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ:
هذه الآيةُ لها مِنَ الوُجُوهِ الكَثيرةِ والمَراتبِ العَدِيدةِ حتَّى رَأَت جَميعُ طَبَقاتِ الأَولياءِ في شَتَّى أَنواعِ سُلُوكِهم ومَراتِبِهم حاجَتَهم إلى هذه الآيةِ، فأَخَذ كلٌّ مِنهُم غِذاءً مَعنَوِيًّا لائقًا بمَرتَبَتِه الَّتي هو فيها، لأنَّ لَفظَ الجَلالةِ «الله» اسمٌ جامِعٌ لِجَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى، ففيه أنواعٌ مِنَ التَّوحيدِ بقَدْرِ عَدَدِ الأَسماءِ نَفسِها، أي: لا رَزَّاقَ إلَّا هو، لا خالقَ إلَّا هو، لا رَحمٰنَ إلّا هو.. وهكذا.
ومَثلًا: قِصّةُ مُوسَى عَليهِ السَّلام مِنَ القِصَصِ القُرآنيّةِ، فيها مِنَ العِبَرِ والدُّرُوسِ بقَدْرِ ما في عَصا مُوسَى عَليهِ السَّلام مِنَ الفَوائدِ، إذ فيها تَطمِينٌ للرَّسُولِ (ص) وتَسليةٌ له، وتَهديدٌ للكُفَّارِ، وتَقبِيحٌ للمُنافِقين، وتَوبيخٌ لليَهُودِ.. وما شابَهَها مِنَ المَقاصِدِ؛ فلَها إذًا وُجُوهٌ كَثيرةٌ جِدًّا، لِذا كُرِّرَت في سُوَرٍ عِدّةٍ؛ فمعَ أنَّها تُفيدُ جَميعَ المَقاصِدِ في كلِّ مَوضِعٍ إلّا أنَّ مَقصَدًا مِنها هو المَقصُودُ بالذّاتِ، وتَبقَى المَقاصِدُ الأُخرَى تابِعةً له.
— 503 —
إذا قُلتَ: كيف نَفهَمُ أنَّ القُرآنَ قد أَرادَ جَميعَ تلك المَعاني الَّتي جاءَت في الأَمثِلةِ السّابِقةِ، ويُشِيرُ إلَيها؟
فالجَوابُ: ما دامَ القُرآنُ الكَريمُ خِطابًا أَزَليًّا، يُخاطِبُ به اللهُ سُبحانَه وتَعالَى مُختَلِفَ طَبَقاتِ البَشَريّةِ المُصطَفّةِ خَلفَ العُصُورِ ويُرشِدُهم جَميعًا، فلا بُدَّ أنَّه يُدرِجُ مَعانِيَ عِدّةً لِتُلائِمَ مُختَلِفَ الأَفهامِ، وسيَضَعُ أَماراتٍ على إرادَتِه هذه.
نعم، ففي كِتابِ "إشاراتِ الإعجازِ" ذَكَرْنا هذه المَعانِيَ المَوجُودةَ هنا وأَمثالَها مِنَ المَعاني المُتَعدِّدةِ لِكَلِماتِ القُرآنِ، وأَثبَتْناها وَفقَ قَواعِدِ عِلمِ الصَّرفِ والنَّحوِ وحَسَبَ دَساتيرِ عِلمِ البَيانِ وفَنِّ المَعاني وقَوانينِ فنِّ البَلاغةِ.
وإلى جانِبِ هذا فإنَّ جَميعَ الوُجُوهِ والمَعاني الَّتي هي صَحيحةٌ حَسَبَ عُلُومِ العَرَبيّةِ، وصائِبةٌ وَفقَ أُصُولِ الدِّينِ، ومَقبُولةٌ في فَنِّ المَعاني، ولائقةٌ في عِلمِ البَيانِ، ومُستَحسَنةٌ في عِلمِ البَلاغةِ، هي مِن مَعاني القُرآنِ الكَريمِ، بإجماعِ المُجتَهِدين والمُفَسِّرين وعُلَماءِ أُصُولِ الدِّينِ وأُصُولِ الفِقهِ، وبشَهادةِ اختِلافِ وِجْهاتِ نَظَرِهم؛ وقد وَضَع القُرآنُ الكَريمُ أَماراتٍ على كلٍّ مِن تلك المَعاني حَسَبَ دَرَجاتِها، وهي إمَّا لَفظِيّةٌ أو مَعنَوِيّةٌ، والأَمارةُ المَعنَويّةُ هي: إمَّا السِّياقُ نَفسُه أو سِياقُ الكَلامِ أو أَمارةٌ مِن آياتٍ أُخَرَ تُشِيرُ إلى ذلك المَعنَى.
إنَّ مِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ التَّفاسِيرِ الَّتي قد بَلَغ بَعضُها ثَمانين مُجَلَّدًا یی وقد أَلَّفَها عُلَماءُ مُحَقِّقُون یی بُرهانٌ قاطِعٌ باهِرٌ على جامِعِيّةِ لَفظِ القُرآنِ وخارِقيَّتِه.
وعلى كلِّ حالٍ فلو أَوْضَحْنا في هذه الكَلِمةِ كلَّ أَمارةٍ تَدُلُّ على كلِّ مَعنًى مِنَ المَعاني بقانُونِها وبقاعِدَتِها لَطالَت بنا الكَلِمةُ، لِذا نَختَصِرُ الكَلامَ هنا ونُحِيلُ إلى كِتابِ "إشاراتِ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ".

اللَّمعةُ الثّانية: الجامِعِيّةُ الخارِقةُ في مَعانيه:

نعم، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد أَفاضَ مِن خَزِينةِ مَعانيه الجَليلةِ مَصادِرَ جَمِيعِ المُجتَهِدين، ومَذاقَ جَميعِ العارِفين، ومَشارِبَ جَميعِ الواصِلِين ومَسالِكَ جَميعِ
— 504 —
الكامِلين، ومَذاهِبَ جَميعِ المُحَقِّقين، فَضْلًا عن أنَّه صارَ دَليلَهم في كلِّ وَقتٍ ومُرشِدَهم في رُقيِّهم كلَّ حِينٍ، ناشِرًا على طُرُقِهم أَنوارَه السَّاطِعةَ مِن خَزِينَتِه الَّتي لا تَنضُبُ، كما هو مُصَدَّقٌ ومُتَّفقٌ علَيه بَينَهم.

اللَّمعةُ الثالثة: الجامِعِيّةُ الخارِقةُ في عِلمِه:

نعم، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ مِثلَما أَجرَى مِن بَحرِ عُلُومِه عُلُومَ الشَّريعةِ المُتَعدِّدةَ الوَفيرةَ، وعُلُومَ الحَقيقةِ المُتَنوِّعةَ الغَزِيرةَ، وعُلُومَ الطَّرِيقةِ المُختَلِفةَ غيرَ المَحدُودةِ، فإنَّه أَجرَى كذلك مِن ذلك البَحرِ بسَخاءٍ وانتِظامٍ الحِكمةَ الحَقيقيّةَ لِدائرةِ المُمكِناتِ، والعُلُومَ الحَقيقيّةَ لِدائرةِ الوُجُوبِ، والمَعارِفَ الغامِضةَ لِدائرةِ الآخِرةِ. ولو أَرَدْنا إيرادَ مِثالٍ لهذه اللَّمعةِ فلا بُدَّ مِن كِتابةِ مُجَلَّدٍ كامِلٍ! لِذا نُبيِّنُ "الكَلِماتِ" الخَمسةَ والعِشرِين السّابِقةَ فحَسْبُ.
نعم، إنَّ الحَقائقَ الصّادِقةَ للكَلِماتِ الخَمسِ والعِشرِين كلِّها إنْ هي إلّا خَمسٌ وعِشرُون قَطرةً مِن بَحرِ عِلمِ القُرآنِ، فإن وُجِدَ قُصُورٌ في تلك "الكَلِماتِ" فهُو راجِعٌ إلى فَهمي القاصِرِ.

اللَّمعةُ الرابعة: الجامِعِيّة الخارِقةُ في مَباحِثِه:

نعم، إنَّ القُرآنَ قد جَمَعَ المَباحِثَ الكُلِّيّةَ لِما يَخُصُّ الإنسانَ ووَظِيفَتَه، والكَونَ وخالِقَه، والأَرضَ والسَّماواتِ، والدُّنيا والآخِرةَ، والماضِيَ والمُستَقبَلَ، والأَزَلَ والأَبدَ، فَضْلًا عن ضَمِّه مَباحِثَ مُهِمّةً أَساسِيّةً ابتِداءً مِن خَلقِ الإنسانِ مِنَ النُّطفةِ إلى دُخُولِه القَبْرَ، ومِن آدابِ الأَكلِ والنَّومِ إلى مَباحِثِ القَضاءِ والقَدَرِ، ومِن خَلقِ العالَمِ في سِتّةِ أَيّامٍ إلى وَظائفِ هُبُوبِ الرِّيحِ الَّتي يُشِيرُ إلَيها القَسَمُ في وَالْمُرْسَلَاتِ وَالذَّارِيَاتِ، ومِن مُداخَلَتِه سُبحانَه في قَلبِ الإنسانِ وإرادَتِه بإشاراتِ الآياتِ الكَرِيمةِ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ إلى وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، ومِن وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ إلى الحَقيقةِ العَجيبةِ الَّتي تُعبِّیرُ عنها الآيةُ:
— 505 —
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، ومِن حالةِ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ إلى انشِقاقِ السَّماءِ وانكِدارِ النُّجُومِ وانتِشارِها في الفَضاءِ الَّذي لا يُحَدُّ، ومِنِ انفِتاحِ الدُّنيا للِامتِحانِ إلى انتِهاءِ الِاختِبارِ، ومِنَ القَبْرِ الَّذي هو أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِ الآخِرةِ والبَرزَخِ والحَشرِ والصِّراطِ إلى الجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ، ومِن وَقائعِ الزَّمانِ الماضي الغابِرِ مِن خَلقِ آدَمَ عَليهِ السَّلام وصِراعِ ابنَيْهِ إلى الطُّوفانِ، إلى هَلاكِ قَومِ فِرعَونَ وحَوادِثَ جَليلةٍ لِأَغلَبِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، ومِنَ الحادِثةِ الأَزَليّةِ في أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ إلى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ٭ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ الَّتي تُفيدُ الأَبَديّةَ.
فجَميعُ هذه المَباحِثِ الأَساسيّةِ والمُهِمّة تُبيَّنُ في القُرآنِ بَيانًا واضِحًا يَليقُ بذاتِ اللهِ الجَليلةِ سُبحانَه الَّذي يُدَبِّر الكَونَ كُلَّه كأنَّه قَصرٌ، ويَفتَحُ الدُّنيا والآخِرةَ كغُرفتَينِ يَفتَحُ إحداهما ويَسُدُّ الأُخرَى بسُهُولةٍ، ويَتَصَرَّفُ في الأَرضِ تَصَرُّفَه في بُستانٍ صَغيرٍ، وفي السَّماءِ كأنَّها سَقْفٌ مُزَيَّنٌ بالمَصابيحِ، ويَطَّلِعُ على الماضي والمُستَقبَلِ كصَحِيفتَينِ حاضِرَتَينِ أمامَ شُهُودِه كاللَّيلِ والنَّهارِ، ويُشاهِدُ الأَزَلَ والأَبَدَ كاليَومِ وأَمسِ، يُشاهِدُهما كالزَّمانِ الحاضِرِ الَّذي اتَّصَل فيه طَرَفا سِلسِلةِ الشُّؤونِ الإلٰهِيّةِ.
فكما أنَّ مِعمارِيًّا يَتَكلَّمُ في بِناءَينِ بَناهُما وفي إدارَتِهما، ويَجعَلُ للأَعمالِ المُتَعلِّقةِ بهما صَحِيفةَ عَمَلٍ وفِهرِسَ نِظامٍ؛ فالقُرآنُ الكَرِيمُ كذلك كَلامٌ مُبِينٌ يَليقُ بمَن خَلَق هذا الكَونَ ويُدِيرُه، وكَتَب صَحِيفةَ أَعمالِه وفَهارِسَ بَرامِجِه یی إن جازَ التَّعبِيرُ یی وأَظهَرَها؛ فلا يُشاهَدُ فيه أَثَرٌ مِن تَصَنُّعٍ وتَكَلُّفٍ بأيِّ جِهةٍ كانَت، كما لا أَمارةَ قَطعًا لِشائبةِ تَقليدِ كَلامِ أَحَدٍ آخَرَ، وفَرْضِ نَفسِه في مَكانِه ومَوقِعِه على سَبِيلِ الخِداع. فهو بكلِّ جِدِّيَّتِه، وبكُلِّ صَفائِه، وبكُلِّ خُلُوصِه صافٍ برَّاقٌ ساطِعٌ زاهِرٌ، إذ مِثلَما يقُولُ ضَوءُ الشَّمسِ: أنا مُنبَعِثٌ مِنَ الشَّمسِ، فالقُرآنُ كذلك يقُولُ: "أنا كَلامُ رَبِّ العالَمين وبَيانُه".
نعم، إنَّ الَّذي جَمَّل هذه الدُّنيا وزَيَّنها بصَنائعِه الثَّمينةِ ومَلَأَها بأَطايِبِ نِعَمِه الشَّهِيّةِ، ونَشَرَ في وَجهِ الأَرضِ بَدائِعَ مَخلُوقاتِه ونِعَمَه القَيِّمةَ بكُلِّ إبداعٍ وإحسانٍ وتَنسِيقٍ وتَنظِيمٍ، ذلِكُمُ الصَّانِعُ الجَليلُ والمُنعِمُ المُحسِنُ، مَن غَيرُهُ يَليقُ أن يكُونَ صاحِبَ هذا
— 506 —
البَيانِ، بَيانِ القُرآنِ الكَريمِ الَّذي مَلَأَ الدُّنيا بالتَّقدِيرِ والتَّعظيمِ والِاستِحسانِ والإعجابِ والحَمدِ والشُّكرِ، حتَّى جَعَل الأَرضَ رِباطَ ذِكرٍ وتَهليلٍ، ومَسجِدًا يُرفَعُ فيه اسمُ اللهِ، ومَعرِضًا لِبَدائعِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ؟ ومَن يكُونُ غيرُه صاحِبَ هذا الكَلامِ؟ ومَن يُمكِنُه أن يَدَّعيَ أن يكُونَ صاحِبَه؟
فهل يَليقُ للضِّياءِ الَّذي مَلَأ الدُّنيا نُورًا أن يعُودَ لِغَيرِ الشَّمسِ؟ وبَيانُ القُرآنِ الَّذي كَشَف لُغزَ العالَمِ ونَوَّرَه، نُورَ مَن يكُونُ غيرَ نُورِ مَن خَلَق السَّماواتِ والأَرضِ؟ فمَن يَجرُؤُ أن يُقلِّدَه ويَأتِيَ بنَظيرٍ له؟!
حقًّا، إنَّ الصّانِعَ الَّذي زَيَّن بإبداعِ صَنْعتِه هذه الدُّنيا، مُحالٌ ألَّا يَتَكلَّمَ مع هذا الإنسانِ المَبهُورِ بصُنعهِ وإبداعِه، فما دامَ يَفعَلُ ويَعلَمُ فلا بُدَّ أنَّه يَتَكلَّمُ، وما دامَ يَتَكلَّمُ فلا يَليقُ بكَلامِه إلّا القُرآنُ؛ فمالِكُ المُلكِ الَّذي يَهْتَمُّ بتَنظِيمِ زَهرةٍ صَغيرةٍ كيف لا يُبالي بكَلامٍ حَوَّلَ مُلكَه إلى جَذْبةِ ذِكرٍ وتَهليلٍ؟ أيُمكِنُ أن يُنزَل مِن قَدْرِ هذا الكَلامِ بنِسبَتِه إلى غيرِه؟!

اللَّمعةُ الخامسة: الجامِعِيّةُ الخارِقةُ في أُسلُوبه وإيجازِه:

في هذه اللَّمعةِ خَمسةُ أَضواءٍ:
الضَّوءُ الأوَّلُ: إنَّ لِأُسلُوبِ القُرآنِ جامِعِيّةً عَجيبةً، حتَّى إنَّ سُورةً واحِدةً تَتَضمَّنُ بَحرَ القُرآنِ العَظيمِ الَّذي ضَمَّ الكَونَ بينَ جَوانِحِه؛ وإنَّ آيةً واحِدةً تَضُمُّ خَزِينةَ تلك السُّورةِ؛ وإنَّ أَكثَرَ الآياتِ كُلٌّ منها كسُورةٍ صَغيرةٍ، وأَكثَرَ السُّوَرِ كلٌّ مِنها كقُرآنٍ صَغيرٍ؛ فمِن هذا الإيجازِ المُعجِزِ يَنشَأُ لُطْفٌ عَظيمٌ للإرشادِ وتَسهِيلٌ واسِعٌ جَميلٌ، لأنَّ كلَّ إنسانٍ على الرَّغمِ مِن حاجَتِه إلى تِلاوةِ القُرآنِ كلَّ وَقتٍ، فإنَّه قد لا يُتاحُ له تِلاوَتُه، إمّا لِغَباوَتِه وقُصُورِ فَهمِه أو لِأَسبابٍ أُخرَى، فلِكَيلا يُحرَمَ أَحَدٌ مِنَ القُرآنِ فإنَّ كلَّ سُورةٍ في حُكمِ قُرآنٍ صَغيرٍ، بل كلُّ آيةٍ طَوِيلةٍ في مَقامِ سُورةٍ قَصِيرةٍ، حتَّى إنَّ أَهلَ الكَشْفِ مُتَّفِقُون أنَّ القُرآنَ في الفاتِحةِ، والفاتِحةَ في البَسمَلةِ. أمّا البُرهانُ على هذا فهو إجماعُ أَهلِ التَّحقيقِ وأَهلِ العِلمِ.
— 507 —
الضَّوءُ الثّاني: إنَّ الآياتِ القُرآنيّةَ جامِعةٌ بدَلالاتِها وإشاراتِها لِأَنواعِ الكَلامِ والمَعارِفِ الحَقيقيّةِ والحاجاتِ البَشَريّةِ كالأَمرِ والنَّهيِ، والوَعدِ والوَعيدِ، التَّرغِيبِ والتَّرهيبِ، الزَّجرِ والإرشادِ، القَصَصِ والأَمثالِ، الأَحكامِ والمَعارِفِ الإلٰهِيّةِ، العُلُومِ الكَونيّةِ، وقَوانينِ وشَرائطِ الحَياةِ الشَّخصِيّةِ والحَياةِ الِاجتِماعيّةِ والحَياةِ القَلبِيّةِ والحَياةِ المَعنَوِيّة والحَياةِ الأُخرَوِيّة. حتَّى يَصْدُقُ علَيه المَثَلُ السّائرُ بينَ أَهلِ الحَقيقةِ: "خُذ ما شِئتَ لِما شِئتَ" بمَعنَى أنَّ الآياتِ القُرآنيّةَ فيها مِنَ الجامِعِيّةِ ما يُمكِنُ أن يكُونَ دَواءً لكُلِّ داءٍ وغِذاءً لكُلِّ حاجةٍ.
نعم، هكذا يَنبَغي أن يكُونَ، لأنَّ الرّائدَ الكامِلَ المُطلَقَ یی وهو القُرآنُ العَظيمُ یی لِجَميعِ طَبَقاتِ أَهلِ الكَمالِ الَّذين يَقطَعُون المَراتِبَ دَوْمًا إلى الرُّقيِّ لا بُدَّ أن يكُونَ مالِكًا لِهذه الخاصِّيّةِ.
الضَّوءُ الثّالثُ: الإيجازُ المُعجِزُ للقُرآنِ. فقد يَذكُرُ القُرآنُ مَبدَأَ سِلسِلةٍ طَوِيلةٍ ومُنتَهاها ذِكرًا لَطِيفًا يُرِي السِّلسِلةَ بكامِلِها، وقد يُدرِجُ في كَلِمةٍ واحِدةٍ بَراهِينَ كَثيرةً لِدَعوَى؛ صَراحةً وإشارةً ورَمزًا وإيماءً.
فمَثلًا: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ.
هذه الآيةُ الكَريمةُ تَذكُرُ مَبدَأَ سِلسِلةِ خَلقِ الكَونِ ومُنتَهاها، وهي سِلسِلةُ آياتِ التَّوحيدِ ودَلائلِه، ثمَّ تُبيِّنُ السِّلسِلةَ الثّانيةَ، جاعِلةً القارِئَ يَقرَأُ السِّلسِلةَ الأُولَى، وذلك: أنَّ أُولَى صَحائفِ العالَم الشّاهِدةِ على الصّانِعِ الحَكيمِ هي خَلقُ السَّماواتِ والأَرضِ، ثمَّ تَزيِينُ السَّماواتِ بالنُّجُوم وإعمارُ الأَرضِ بذَوِي الحَياةِ، ثمَّ تَبَدُّلُ المَواسِمِ بتَسخِيرِ الشَّمسِ والقَمَرِ، ثمَّ سِلسِلةُ الشُّؤُونِ الرَّبَّانيّةِ في اختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وتَعاقُبِهما.. وهكذا تَدرِيجِيًّا حتَّى تَبلُغَ خُصُوصيّةَ المَلامِحِ والأَصواتِ وامتِيازَها وتَشَخُّصاتِها الَّتي هي أَكثَرُ مَواضِعِ انتِشارِ الكَثرةِ.
فإذا ما وُجِدَ انتِظامٌ بَديعٌ حَكيمٌ مُحَيِّیرٌ للأَلبابِ، وتَبيَّنَ عَمَلُ قَلَمِ صَنّاعٍ حَكيمٍ في أَكثَرِ المَواضِعِ بُعدًا عنِ الِانتِظامِ وأَزيَدِها تَعَرُّضًا للمُصادَفةِ ظاهِرًا، تلك هي مَلامِحُ وُجُوهِ الإنسانِ وأَلوانُه، فلا بُدَّ أنَّ الصَّحائفَ الأُخرَى الظّاهِرَ نِظامُها تُفهَمُ بنَفسِها وتَدُلّ على مُصَوِّرِها البَديعِ.
— 508 —
ثمَّ إنّه لَمّا كان أَثرُ الإبداعِ والحِكمةِ يُشاهَدُ في أَصلِ خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ الَّتي جَعَلَها الصّانِعُ الحَكيمُ الحَجَرَ الأَساسَ للكَونِ، فلا بُدَّ أنَّ نَقْشَ الحِكمةِ وأَثرَ الإبداعِ ظاهِرٌ جِدًّا في سائرِ أَجزاءِ الكَونِ.
فهذه الآيةُ حَوَت إيجازًا لَطِيفًا مُعجِزًا في إظهارِ الخَفِيِّ وإضمارِ الظّاهِرِ، فأَوجَزَتْ وأَجمَلَت. حَقًّا إنَّ سِلسِلةَ البَراهِينِ المُبتَدِئةِ مِن فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ والَّتي تَتَكرَّرُ فيها سِتَّ مَرّاتٍ وَمِنْ آَيَاتِهِ.. وَمِنْ آَيَاتِهِ إنَّما هي سِلسِلةُ جَواهِرَ، سِلسِلةُ نُورٍ، سِلسِلةُ إعجازٍ، سِلسِلةُ إيجازٍ إعجازِيٍّ؛ يَتَمنَّى القَلبُ أنْ أُبيِّنَ الجَواهِرَ الكامِنةَ في هذه الكُنُوزِ، ولكن ما حِيلَتي فالمَقامُ لا يَحتَمِلُه، فلا أَفتَحُ ذلك البابَ، وأُعَلِّقُ الأَمرَ إلى وَقتٍ آخَرَ بمَشِيئةِ اللهِ.
ومَثلًا: فَأَرْسِلُونِ ٭ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ: فبَينَ كَلِمةِ فَأَرْسِلُونِ وكَلِمةِ يُوسُفُ يَكْمُنُ مَعنَى العِبارةِ التّاليةِ: "إلى يُوسُفَ لِأَستَعبِرَ مِنه الرُّؤيا، فأَرسَلُوه، فذَهَب إلى السِّجنِ، وقال.." بمَعنَى أنَّه أَوْجَزَ عِدّةَ جُمَلٍ في جُملةٍ واحِدةٍ مِن دُونِ أن يُخِلَّ بوُضُوحِ الآيةِ ولا أَشكَلَ في فَهمِها.
ومَثلًا: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا: ففي مَعرِضِ رَدِّ القُرآنِ على الإنسانِ العاصِي الَّذي يَتَحدَّى الخالقَ بقَولِه: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟ يقُولُ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ويقُولُ أيضًا: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا قادِرٌ على أن يُحيِيَ العِظامَ وهي رَمِيمٌ.
فهذا الكَلامُ يَتَوجَّهُ إلى دَعوَى الإحياءِ مِن عِدّةِ جِهاتٍ ويُثبِتُها، إذ إنَّه يَبدَأُ مِن سِلسِلةِ الإحساناتِ الَّتي أَحسَنَ اللهُ بها إلى الإنسانِ، فيُذَكِّرُه بها ويُثيرُ شُعُورَه، إلّا أنَّه يَختَصِرُ الكَلامَ، لأنَّه فَصَّلَه في آياتٍ أُخرَى، ويُوجِزُه مُحِيلًا إيّاه على العَقلِ. أي: إنَّ الَّذي مَنَحَكم مِنَ الشَّجَرِ الثَّمَرَ والنّارَ، ومِنَ الأَعشابِ الرِّزقَ والحُبُوبَ ، ومِنَ التُّرابِ الحُبُوبَ والنَّباتاتِ، وقد جَعَل لكُمُ الأَرضَ مَهْدًا، فيها جَميعُ أَرزاقِكم، والعالَمَ قَصْرًا
— 509 —
فيه جَميعُ لَوازِمِ حَياتِكم؛ فهل يُمكِنُ أن يَتْرُكَكم سُدًى فتَفِرُّوا مِنه، وتَختَفُوا عنه في العَدَمِ؟ فلا يُمكِنُ أن تكُونُوا سُدًى فتَدخُلُوا القَبْرَ وتَنامُوا براحةٍ دُونَ سُؤالٍ عمَّا كَسَبتُم ودُونَ إحيائِكم!
ثمَّ يُشِيرُ إلى دَليلٍ واحِدٍ لتلك الدَّعوَى: فيقُولُ رَمْزًا بكَلِمةِ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ: "أيُّها المُنكِرُ للحَشْرِ.. انظُر إلى الأَشجارِ، فإنَّ مَن يُحيِي أَشجارًا لا حَدَّ لها في الرَّبيعِ بعدَ أن ماتَت في الشِّتاءِ وأَصبَحَت شَبِيهةً بالعِظامِ، ويَجعَلُها مُخضَرّةً، بل يُظهِرُ في كلِّ شَجَرةٍ ثَلاثةَ نَماذِجَ مِنَ الحَشرِ، في الأَوراقِ والأَزهارِ والأَثمارِ.. إنَّ هذا القَدِيرَ لا تُتَحَدَّى قُدرَتُه بالإنكارِ ولا يُستَبعَدُ مِنه الحَشرُ".
ثمَّ يُشِيرُ إلى دَليلٍ آخَرَ ويقُولُ: "إنَّ الَّذي أَخرَجَ لكُمُ النَّارَ، تلك المادّةَ الخَفيفةَ النُّورانيّةَ، مِنَ الشَّجَرِ الكَثيفِ الثَّقيلِ المُظلِمِ، كيف تَستَبعِدُون مِنه مَنْحَ حَياةٍ لَطيفةٍ كالنّارِ، وشُعُورٍ كالنُّورِ لِعِظامٍ كالحَطَبِ".
ثمَّ يَأتي بدَليلٍ آخَرَ صَراحةً ويقُولُ: إنَّ الَّذي يَخلُقُ النّارَ مِنَ الشَّجَرِ المَشهُورِ لَدَى البَدَويِّين بِحَكِّ غُصنَينِ معًا، ويَجمَعُ بينَ صِفَتَينِ مُتَضادَّتَينِ (الرُّطُوبةِ والحَرارةِ)، ويَجعَلُ إحداهما مَنشَأً للأُخرَى، يَدُلُّنا على أنَّ كلَّ شيءٍ حتَّى العَناصِرُ الأَصليّةُ والطَّبائعُ الأَساسِيّةُ إنَّما تَتَحرَّكُ بقُوَّتِه وتَتَمثَّلُ بأَمرِه، ولا شَيءَ مِنها يَتَحرَّكُ بِذاتِه أو سُدًى؛ فمِثلُ هذا الخالقِ العَظيمِ لا يُمكِنُ أن يُستَبعَدَ مِنه إحياءُ الإنسانِ مِنَ التُّرابِ وقد خَلَقَه مِنَ التُّرابِ ويُعيدُه إلَيه، فلا يُتَحدَّى بالعِصيانِ.
ثمَّ بعدَ ذلك يُذَكِّرُ بكَلِمةِ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ شَجَرةِ مُوسَى عَليهِ السَّلام المَشهُورةِ، فيُومِئُ إلى اتِّفاقِ الأَنبِياءِ إيماءً لَطِيفًا بأنَّ هذه الدَّعوَى الأَحمَدِيّةَ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ هي بعَينِها دَعوَى مُوسَى عَليهِ السَّلام، مِمّا يَزِيدُ إيجازَ هذه الكَلِمةِ لَطافةً وحُسْنًا آخَرَ.
الضَّوءُ الرَّابعُ: إنَّ إيجازَ القُرآنِ جامِعٌ ومُعجِزٌ، فلو أُنعِمَ النَّظَرُ فيه لَشُوهِدَ بوُضُوحٍ أنَّ القُرآنَ قد بَيَّن في مِثالٍ جُزئيٍّ وفي حادِثةٍ خاصّةٍ، دَساتيرَ كُلِّيّةً واسِعةً وقَوانينَ عامّةً طَوِيلةً، وكأنَّه يُبيِّنُ في غُرفةِ ماءٍ بَحرًا واسِعًا.
— 510 —
سنُشِيرُ إلى مِثالَينِ اثنَينِ مِن آلافِ أَمثِلَتِه:
المِثالُ الأوَّلُ: هو الآياتُ الثَّلاثُ الَّتي فَصَّلْنا شَرْحَها في المَقامِ الأَوَّلِ مِنَ "الكَلِمةِ العِشرِين"، وهي: أنَّه بتَعلِيمِ آدَمَ عَليهِ السَّلام الأَسماءَ كلَّها تُفيدُ الآيةُ الكَرِيمةُ: تَعلِيمَ جَميعِ العُلُومِ والفُنُونِ المُلهَمةِ لِبَني آدَمَ.
وبحادِثةِ سُجُودِ المَلائكةِ لآدَمَ عَليهِ السَّلام وعَدَمِ سُجُودِ الشَّيطانِ تُبيِّنُ الآيةُ أنَّ أَكثَرَ المَوجُوداتِ یی مِنَ السَّمَكِ إلى المَلَكِ یی مُسَخَّرةٌ لِبَني الإنسانِ، كما أنَّ المَخلُوقاتِ المُضِرّةَ یی مِنَ الثُّعبانِ إلى الشَّيطانِ یی لا تَنقادُ إلَيه بل تُعادِيه، وبحادِثةِ ذَبحِ قَومِ مُوسَى عَليهِ السَّلام البَقَرةَ تُعبِّیرُ الآيةُ عن أنَّ فِكرةَ عِبادةِ البَقَرِ قد ذُبِحَتْ بسِكِّينِ مُوسَى عَليهِ السَّلام، تلك الفِكرةَ الَّتي كانَت رائِجةً في مِصرَ حتَّى إنَّ لها أَثَرًا مُباشِرًا في حادِثةِ العِجلِ؛ وبنَبَعانِ الماءِ مِنَ الحَجَرِ وتَشَقُّقِ الصُّخُورِ وسَيَلانِ الماءِ مِنها تُبيِّنُ الآيةُ أنَّ الطَّبقةَ الصَّخرِيّةَ الَّتي تحتَ التُّرابِ خَزائنُ أَوعِيةِ الماءِ تُزَوِّدُ التُّرابَ بما يَبعَثُ فيه الحَياةَ.
المِثالُ الثّاني: إنَّ قِصّةَ مُوسَى عَليهِ السَّلام قد تَكَرَّرَت كَثيرًا في القُرآنِ الكَريمِ، إذ إنَّ في كلِّ جُملةٍ مِنها، وفي كلِّ جُزءٍ مِنها إظهارًا لِطَرَفٍ مِن دُستُورٍ كُلِّيٍّ، ويُعبِّیرُ عن ذلك الدُّستُورِ.
مِنها: الآيةُ الكَرِيمةُ: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا: يَأمُرُ فِرعَونُ وَزِيرَه: ابنِ لي بُرجًا عاليًا لِأَطَّلِعَ على أَحوالِ السَّماواتِ وأَنظُرَ هل هناك إلٰهٌ يَتَصرَّفُ فيها كما يَدَّعيه مُوسَى عَليهِ السَّلام؟ فبِكَلِمةِ صَرْحًا تُبيِّنُ الآيةُ الكَرِيمةُ بحادِثةٍ جُزئيّةٍ دُستُورًا عَجِيبًا وعُرْفًا غَرِيبًا كان جارِيًا في سُلالةِ فَراعِنةِ مِصرَ الَّذين ادَّعَوُا الرُّبُوبيّةَ لِجُحُودِهم بالخالقِ وإيمانِهم بالطَّبيعةِ، وخَلَّدُوا أَسماءَهم بجَبَیرُوتِهم وعُتُوِّهم، فشَيَّدُوا الأَهرامَ المَشهُورةَ كأنَّها جِبالٌ وَسَطَ صَحراءَ لا جِبالَ فيها، ليَشتَهِرُوا بها، وحَفِظُوا جَنائزَهم بالتَّحنيطِ واضِعين إيَّاها في تلك المَقابرِ الشّامِخةِ، لِاعتِقادِهم بتَناسُخِ الأَرواحِ والسِّحرِ.
ومِنها: قولُه تَعالَى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى فِرعَونَ الَّذي غَرِقَ، وفي الوَقتِ نَفسِه تُبيِّنُ الآيةُ ما كان للفَراعِنةِ مِن دُستُورٍ لِحَياتِهم مُذَكِّرٍ بالمَوتِ مَليءٍ بالعِبَرِ، وهو نَقلُ أَجسادِ مَوتاهم بالتَّحنيطِ مِنَ الماضِي إلى الأَجيالِ المُقبِلةِ
— 511 —
لِعَرضِها أَمامَهم وَفْقَ اعتِقادِهم بتَناسُخِ الأَرواحِ. كما تُفيدُ الآيةُ الكَرِيمةُ بأُسلُوبٍ مُعجِزٍ إشارةً غَيبيّةً إلى أنَّ الجَسَدَ الَّذي اكتُشِفَ في العَصرِ الأَخيرِ هو نَفسُه جَسَدُ فِرعَونَ الَّذي غَرِقَ، فكما أُلقِيَ به إلى السَّاحِلِ في المَوضِعِ الَّذي غَرِقَ فيه، فسيُلقَى به كذلك مِن بَحرِ الزَّمانِ، فوقَ أَمواجِ العُصُورِ، إلى ساحِلِ هذا العَصرِ.
ومِنها: قَولُه تَعالَى: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ، فإنَّه بحادِثةِ ذَبحِ بَني إسرائيلَ واستِحياءِ نِسائِهم وبَناتِهم في عَهدِ فِرعَونَ يُبيِّنُ الإبادةَ الجَماعيّةَ الّتي يَتَعرَّضُ لها اليَهُودُ في أَكثَرِ البُلدانِ وفي كلِّ عَصرٍ، والدَّورَ المُهِمَّ الَّذي تُؤَدِّيه نِساؤُهم وبَناتُهم في حَياةِ السَّفاهةِ للبَشَريّةِ وتَحَلُّلِ أَخلاقِها.
ومِنها: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
هذان الحُكْمانِ القاضِيانِ في حَقِّ اليَهُودِ (الحِرصُ والفَسادُ)، يتَضَمَّنانِ هذَينِ الدُّستُورَينِ العامَّينِ المُهِمَّينِ، اللَّذَينِ يُدِيرُهما أُولَئك القَومُ في حَياةِ المُجتَمعِ الإنسانِيِّ بالمَكرِ والحِيَلِ والخَدِيعةِ؛ فالآيةُ تُبيِّنُ أنَّهم همُ الَّذين زَلزَلُوا الحَياةَ الِاجتِماعيّةَ الإنسانيّةَ وأَوقَدُوا الحَرْبَ بينَ الفُقَراءِ والأَغنِياءِ بتَحرِيضِ العامِلِين على أَصحابِ رَأسِ المالِ، وكانُوا السَّبَبَ في تَأسِيسِ البُنُوكِ بجَعلِهِمُ الرِّبا أَضعافًا مُضاعَفةً، وجَمَعُوا أَموالًا طائلةً بكُلِّ وَسِيلةٍ دَنيئةٍ بالمَكرِ والحِيَلِ، هؤلاء القَومُ هم أَنفسُهم أيضًا انخَرَطُوا في كلِّ أَنواعِ المُنَظَّماتِ الفاسِدةِ، ومَدُّوا أَيدِيَهم إلى كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الثَّوراتِ، أَخْذًا بثَأْرِهم مِنَ الشُّعُوبِ الغالِبةِ ومِنَ الحُكُوماتِ الَّتي ذاقُوا مِنها الحِرمانَ وسامَتْهُم أَنواعَ العَذابِ.
ومِنها: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٭ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا، فالآيةُ تُبيِّنُ بعُنوانِ حادِثةٍ جُزئيّةٍ وَقَعَتْ في مَجلِسٍ صَغيرٍ في الحَضْرةِ النَّبَويّةِ الكَرِيمةِ، مِن أنَّ اليَهُودَ
— 512 —
الَّذين هم أَحرَصُ النّاسِ على حَياةٍ وأَخوَفُهم مِنَ المَوتِ، لن يَتَمنَّوُا المَوتَ ولن يَتَخَلَّوا عنِ الحِرصِ على الحَياةِ حتَّى قِيامِ السّاعةِ.
ومِنها: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ: تُبيِّنُ الآيةُ الكَرِيمةُ بهذا العُنوانِ، مُقَدَّراتِ اليَهُودِ في المُستَقبَلِ بصُورةٍ عامّةٍ، وحيثُ إنَّ الحِرصَ والفَسادَ قد تَغَلغَلَ في سَجاياهم وتَمَكَّن مِن طَبْعِهم، فالقُرآنُ الكَريمُ يُغلِظُ علَيهم في الكَلامِ ويَصفَعُهم صَفَعاتِ زَجْرٍ عَنيفةً للتَّأدِيبِ.
ففي ضَوءِ هذه الأَمثِلةِ، قِسْ بنَفسِك قِصّةَ مُوسَى عَليهِ السَّلام وحَوادِثَ وَقَعَت لِبَني إسرائيلَ وقِصَصَهم.
وبعدُ، فإنَّ وَراءَ كَلِماتِ القُرآنِ البَسِيطةِ ومَباحِثِه الجُزئيّةِ، هناك كَثيرٌ مِن أَمثالِ ما في هذا الضَّوءِ الرّابعِ مِن لَمَعاتِ إعجازٍ كلَمعةِ إيجازٍ إعجازِيٍّ، والعارِفُ تَكفيه الإشارةُ.

الضَّوءُ الخامِسُ: هو الجامِعِيّةُ الخارِقةُ لِمَقاصِدِ القُرآنِ ومَسائلِه ومَعانيه وأَساليبِه ولَطائفِه ومَحاسِنِه:

نعم، إذا أُنعِمَ النَّظَرُ في سُوَرِ القُرآنِ الكَريمِ وآياتِه، ولا سِيَّما فَواتحِ السُّوَرِ، ومَبادِئِ الآياتِ ومَقاطِعِها تَبيَّنَ: أنَّ القُرآنَ المُعجِزَ البَيانِ قد جَمَع أَنواعَ البَلاغةِ، وجَميعَ أَقسامِ فَضائلِ الكَلامِ، وجَميعَ أَصنافِ الأَساليبِ العاليةِ، وجَميعَ أَفرادِ مَحاسِنِ الأَخلاقِ، وجَميعَ خُلاصاتِ العُلُومِ الكَونيّةِ، وجَميعَ فَهارِسِ المَعارِفِ الإلٰهِيّةِ، وجَميعَ الدَّساتيرِ النّافِعةِ للحَياةِ البَشَريّةِ الشَّخصِيّةِ والِاجتِماعيّةِ، وجَميعَ القَوانينِ النُّورانيّةِ لِحِكمةِ الكَونِ السّامِيةِ.. وعلى الرَّغمِ مِن جَمعِه هذا، لا يَظهَرُ علَيه أيُّ أَثَرٍ كان مِن آثارِ الخَلطِ وعَدَمِ الِاستِقامةِ في التَّركيبِ أوِ المَعنَى.
حقًّا، إنَّ جَمعَ جَميعِ هذه الأَجناسِ المُختَلِفةِ الكَثيرةِ في مَوضِعٍ واحِدٍ، مِن دُونِ أن يَنشَأَ مِنه اختِلالُ نِظامٍ أو اختِلاطٌ وتَشَوُّشٌ، إنَّما هو شَأنُ نِظامِ إعجازِ قهَّارٍ ليس إلّا.
وحَقًّا، إنَّ تَمزِيقَ سِتارِ العادِيّاتِ، الَّتي هي مَصدَرُ الجَهلِ المُرَكَّبِ، ببَياناتٍ نافِذةٍ، واستِخراجَ خَوارِقِ العاداتِ المُتَستِّرةِ تحتَ ذلك السِّتارِ وإظهارَها بجَلاءٍ،
— 513 —
وتَحطِيمَ طاغُوتِ الطَّبيعةِ الَّتي هي مَنبَعُ الضَّلالةِ بسُيُوفِ البَراهِينِ الأَلماسِيّةِ، وتَشتِيتَ حُجُبِ نَومِ الغَفلةِ الكَثيفةِ بصَيْحاتٍ مُدَوِّيةٍ كالرَّعدِ، وحَلَّ طِلَّسْمِ الكَونِ المُغلَقِ والمُعَمَّى العَجيبِ للعالَمِ الَّذي أَعجَزَ الفَلسَفةَ البَشَريّةَ والحِكمةَ الإنسانيّةَ.. ما هو إلّا مِن صُنعِ هذا القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، البَصيرِ بالحَقيقةِ، المُطَّلِعِ على الغَيبِ، المانِحِ للهِدايةِ، المُظهِرِ للحَقِّ.
نعم، إذا أُنعِمَ النَّظَرُ في آياتِ القُرآنِ الكَريمِ بعَينِ الإنصافِ، شُوهِدَت أنَّها لا تُشبِهُ فِكرًا تَدرِيجِيًّا مُتَسَلسِلًا يُتابِعُ مَقصَدًا أو مَقصَدَينِ كما هي الحالُ في سائرِ الكُتُبِ، بل إنَّها تُلْقَى إلقاءً، ولها طَورٌ دَفعِيٌّ وآنِيٌّ، وأنَّ علَيها عَلامةَ أنَّ كلَّ طائفةٍ مِنها تَرِدُ معًا إنَّما تَرِدُ مُستَقِلّةً وُرُودًا وَجِيزًا مُنَجَّمًا، ومِن مَكانٍ قَصِيٍّ ضِمنَ مُخابَرةٍ في غايةِ الأَهمِّيّةِ والجِدِّيّةِ.
نعم، مَن غَيرُ رَبِّ العالَمِين يَستَطيعُ أن يُجرِيَ هذا الكَلامَ الوَثيقَ الصِّلةِ بالكَونِ وبخالقِ الكَونِ وبهذه الصُّورةِ الجادّةِ؟ ومَن غيرُه تَعالَى يَتَجاوَزُ حَدَّه بما لا حَدَّ له مِنَ التَّجاوُزِ فيَتكلَّمُ حَسَبَ هَواه باسمِ الخالِقِ ذِي الجَلالِ وباسمِ الكَونِ كَلامًا صَحِيحًا كهذا؟
نعم، إنَّه واضِحٌ جَلِيٌّ في القُرآنِ أنَّه كلامُ ربِّ العالَمِين.. هذا الكَلامُ الجادُّ الحَقُّ السّامي الحَقيقيُّ الخالِصُ، ليس علَيه أيّةُ أَمارةٍ كانَت تُومِئُ بالتَّقليدِ؛ فلو فَرَضْنا مُحالًا أنَّ هناك مَن هو مِثلُ مُسَيلِمةَ الكَذّابِ الَّذي تَجاوَزَ حَدَّه بغَيرِ حُدُودٍ، فقَلَّدَ كَلامَ خالِقِه ذِي العِزّةِ والجَبَرُوتِ، وتَكَلَّم مِن بَناتِ فِكرِه، ناصِبًا نَفسَه مُتَكلِّمًا عنِ الكَونِ، فلا بُدَّ أنَّه ستَظهَرُ آلافٌ مِن أَماراتِ التَّقليدِ والتَّصَنُّعِ وآلافٌ مِن عَلاماتِ الغِشِّ والتَّكَلُّفِ، لأنَّ مَن يَتَلبَّسُ طَوْرًا أَسمَى وأَعلَى بكَثيرٍ مِن حالَتِه الدَّنيئةِ لا شَكَّ أنَّ كلَّ حالةٍ مِن حالاتِه تَدُلُّ على التَّقليدِ والتَّصَنُّعِ.
فانظُرْ إلى هذه الحَقيقةِ الَّتي يُعلِنُها هذا القَسَمُ وأَنعِمِ النَّظَرَ فيها: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ٭ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ٭ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ٭ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
— 514 —

الشُّعاع الثالث

إعجازُ القرآنِ الكريمِ الناشِئُ مِن إخبارِه عن الغُيُوبِ
ودَيمُومةُ شَبابِه، وصَلاحُه لكلِّ طَبَقةٍ مِنَ النّاسِ
ولهذا الشُّعاعِ ثلاثُ جَلَواتٍ:

الجَلْوة الأولى: إخبارُه عن الغُيوب:

لهذه الجَلْوةِ ثلاثُ قَبَساتٍ:
القَبَسُ الأوَّلُ: إخبارُه الغَيبيُّ عنِ الماضِي:
إنَّ القُرآنَ الحَكيمَ، بلِسانِ أُمِّيٍّ أَمينٍ بالِاتِّفاقِ يَذْكُرُ أَخبارًا مِن لَدُن آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى خَيرِ القُرُونِ، مع ذِكرِه أَهَمَّ أَحوالِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام وأَحداثِهمُ المُهِمّةِ، يَذكُرُها ذِكرًا في مُنتَهَى القُوّةِ وغايةِ الجِدِّ، وبتَصدِيقٍ مِنَ الكُتُبِ السّابقةِ كالتَّوراةِ والإنجِيلِ، فيُوافِقُ ما اتَّفَقَت علَيه تلك الكُتُبُ السّابقةُ ويُصَحِّحُ حَقيقةَ الواقِعةِ ويُفَصِّلُ في تلك المَباحِثِ الَّتي اختَلَفَت فيها.
بمَعنَى أنَّ نَظَرَ القُرآنِ الكَريمِ یی ذلك النَّظَرَ المُطَّلِعَ على الغَيبِ یی يَرَى أَحوالَ الماضِي أَفضَلَ مِن تلك الكُتُبِ، وبما هو فَوقَها جَميعًا، بحيثُ يُزَكِّيها ويُصَدِّقُها في المَسائلِ المُتَّفَقِ علَيها، ويُصَحِّحُها، ويُفَصِّلُ في المَباحِثِ الَّتي اختُلِفَ فيها؛ عِلْمًا أنَّ إخبارَ القُرآنِ الَّذي يَخُصُّ أَحوالَ الماضِي ووَقائِعَه ليس أَمرًا عَقلِيًّا حتَّى يُخبَرَ عنه بالعَقلِ، بل هو أَمرٌ نَقليٌّ مُتَوقِّفٌ على السَّماعِ، والنَّقلُ خاصٌّ بأَهلِ القِراءةِ والكِتابةِ، مع أنَّ الأَعداءَ والأَصدِقاءَ مُتَّفِقُون معًا على أنَّ القُرآنَ إنَّما نَزَل على شَخصٍ أُمِّيٍّ لا يَعرِفُ القِراءةَ والكِتابةَ، مَعرُوفٍ بالأَمانةِ مَوصُوفٍ بالأُمِّيّةِ، وحِينَما يُخبِرُ عن تلك الأَحوالِ الماضِيةِ يُخبِرُ عنها وكأنَّه يُشاهِدُها كلَّها، إذ يَتَناوَلُ رُوحَ حادِثةٍ طَويلةٍ وعُقدَتَها الحَياتيّةَ، فيُخبِرُ عنها، ويَجعَلُها مُقدِّمةً لِمَقصَدِه.
بمَعنَى أنَّ الخُلاصاتِ والفَذْلَكاتِ المَذكُورةَ في القُرآنِ الكَريمِ تَدُلُّ على أنَّ الَّذي أَظهَرَها يَرَى جَميعَ الماضِي بجَميعِ أَحوالِه، إذ كما أنَّ شَخصًا مُتَخصِّصًا في فَنٍّ أو صَنْعةٍ إذا
— 515 —
أَتَى بخُلاصةٍ مِن ذلك الفَنِّ، أو بنَمُوذَجٍ مِن تلك الصَّنعةِ، فإنَّها تَدُلُّ على مَهارَتِه ومَلَكَتِه؛ كذلك الخُلاصاتُ ورُوحُ الوَقائعِ المَذكُورةِ في القُرآنِ الكَريمِ تُبيِّنُ أنَّ الَّذي يقُولُها إنَّما يقُولُها وقد أَحاطَ بها ويَراها، ثمَّ يُخبِرُ عنها بمَهارةٍ فوقَ العادةِ یی إن جازَ التَّعبيرُ یی.
القَبَسُ الثَّاني: إخبارُه الغَيبيُّ عنِ المُستَقبَلِ:
لهذا القِسمِ أنواعٌ كَثيرةٌ:
القِسمُ الأوَّلُ: خاصٌّ بقِسمٍ مِن أَهلِ الكَشفِ والوِلايةِ:
مثلًا: إنَّ مُحيِيَ الدِّين بنَ عَرَبيٍّ وَجَد كَثيرًا مِنَ الأَخبارِ عنِ الغَيبِ في سُورةِ الرُّومِ الٓمٓ ٭ غُلِبَتِ الرُّومُ، وإنَّ الإمامَ الرَّبّانِيَّ "أَحمَدَ الفارُوقيَّ السِّرهِندِيَّ" قد شاهَدَ في المُقَطَّعاتِ الَّتي في بِداياتِ السُّوَرِ كَثيرًا مِن إشاراتِ المُعامَلاتِ الغَيبِيّةِ؛ وبالنِّسبةِ إلى عُلَماءِ الباطِنِ فالقُرآنُ الحَكِيمُ مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه نَوعٌ مِنَ الإخبارِ عنِ الغَيبِ. أمَّا نحنُ فسنُشِيرُ إلى قِسمٍ مِنها، إلى الَّذي يَخُصُّ العُمُومِ ويَرجِعُ إلى الجَميعِ. ولهذا القِسمِ أيضًا طَبَقاتٌ كَثيرةٌ، فسنَقْصُرُ كَلامَنا على طَبَقةٍ واحِدةٍ.
فالقُرآنُ الكَريمُ يقُولُ للرَّسُولِ الكَريمِ (ص):
(حاشية): هذه الآياتُ التي تُنبئُ عنِ الغَيبِ، وضَّحَتها تَفاسيرُ كَثيرةٌ، فَلم تُوضَّح هُنا لأنَّ العَزمَ على طَبعِ الكِتابِ بحُرُوفٍ قَديمةٍ "عرَبيّة" دَفَع المُؤلِّفَ إلى خَطَأِ الِاستعجالِ، لِذا ظَلَّت تلك الكُنُوزُ القيِّمةُ مُقفَلةً.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٭ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ٭ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ٭ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ
— 516 —
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
وأَمثالُ هذه الآياتِ كَثيرةٌ جِدًّا تَتَضمَّنُ أَخبارًا عنِ الغَيبِ، وقد تَحَقَّقَت كما أَخبَرَتْ.
فالإخبارُ عنِ الغَيبِ دُونَ تَرَدُّدٍ وبكَمالِ الجِدِّ والِاطمِئنانِ وبما يُشعِرُ بقُوّةِ الوُثُوقِ، على لِسانِ مَن هو مُعَرَّضٌ لِاعتِراضاتِ المُعتَرِضين وانتِقاداتِهم، ورُبَّما يَفقِدُ دَعواه لِخَطَأٍ طَفيفٍ، يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّه يَتَلقَّى الدَّرسَ مِن أُستاذِه الأَزَليِّ ثمَّ يقُولُه للنّاسِ.

القَبَسُ الثّالثُ: إخبارُه الغَيبيُّ عنِ الحَقائقِ الإلٰهِيّةِ والحَقائقِ الكَونيّةِ والأُمُورِ الأُخرَويّةِ:

نعم، إنَّ بَياناتِ القُرآنِ الَّتي تَخُصُّ الحَقائقَ الإلٰهِيّةَ، وبَياناتِه الكَونيّةَ الَّتي فَتَحَتْ طِلَّسْمَ الكَونِ وكَشَفَت عن مُعَمَّى خَلقِ العالَمِ لَهِيَ أَعظَمُ البَياناتِ الغَيبيّةِ، لأنَّه ليس مِن شَأنِ العَقلِ قَطُّ، ولا يُمكِنُه أن يَسلُكَ سُلُوكًا مُستَقيمًا بينَ ما لا يُحَدُّ مِن طُرُقِ الضَّلالةِ، فيَجِدَ تلك الحَقائقَ الغَيبيّةَ، وكما هو مَعلُومٌ فإنَّ أَعظَمَ دُهاةِ حُكَماءِ البَشَرِ لم يَصِلُوا إلى أَصغَرِ تلك الحَقائقِ وأَبسَطِها بعُقُولِهم؛ ثمَّ إنَّ عُقُولَ البَشَرِ ستقُولُ بلا شَكٍّ أمامَ تلك الحَقائقِ الإلٰهِيّةِ والحَقائقِ الكَونيّةِ الَّتي أَظهَرَها القُرآنُ الكَريمُ: صَدَقْتَ، وستَقبَلُ تلك الحَقائقَ بعدَ استِماعِها إلى بَيانِ القُرآنِ بصَفاءِ القَلبِ وتَزكيةِ النَّفسِ، وبعدَ رُقيِّ الرُّوحِ واكتِمالِ العَقلِ، وستُبارِكُه. وحيثُ إنَّ "الكَلِمةَ الحادِيةَ عَشْرةَ" قد أَوضَحَت وأَثبَتَت نُبذةً مِن هذا القِسمِ فلا داعيَ للتَّیكرارِ.
— 517 —
أمّا إخبارُ القُرآنِ الغَيبيُّ عنِ الآخِرةِ والبَرزَخِ، فإنَّ عَقلَ البَشَرِ وإنْ لم يُدرِكْ أَحوالَ الآخِرةِ والبَرزَخِ بمُفرَدِه ولا يَراها وَحْدَه، إلّا أنَّ العقلَ يُثبِتُها بدَرَجةِ الشُّهُودِ عبْرَ الطُّرُقِ الَّتي بيَّنَها القُرآنُ.
فراجِعِ "الكَلِمةَ العاشِرةَ" لِتَلمِسَ مَدَى صَوابِ الإخبارِ الغَيبيِّ عنِ الآخِرةِ الَّذي أَخبَرَ به القُرآنُ الكَريمُ. فقد أَثبَتَتْه تلك الرِّسالةُ ووَضَّحَتْه أيَّما إيضاحٍ.

الجَلوةُ الثانية: شَبابيّةُ القرآنِ وفُتُوَّتُه

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد حافَظَ على شَبابيَّتِه وفُتُوَّتِه حتَّى كأنَّه يَنزِلُ في كلِّ عَصرٍ نَضِرًا فَتيًّا.
نعم، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ لأنَّه خِطابٌ أَزَليٌّ يُخاطِبُ جَميعَ طَبَقاتِ البَشَرِ في جَميعِ العُصُورِ خِطابًا مُباشَرًا يَلزَمُ أن تكُونَ له شَبابيّةٌ دائمةٌ كهذه؛ فلَقد ظَهَر شابًّا وهو كذلك كما كان، حتَّى إنَّه يَنظُرُ إلى كلِّ عَصرٍ مِنَ العُصُورِ المُختَلِفةِ في الأَفكارِ والمُتَبايِنةِ في الطَّبائعِ نَظَرًا كأنَّه خاصٌّ بذلك العَصرِ ووَفقَ مُقتَضَياتِه مُلَقِّنًا دُرُوسَه لافِتًا إلَيها الأَنظارَ.
إنَّ آثارَ البَشَرِ وقَوانينَه تَشِيبُ وتَهرَم مِثلَه، وتَتَغيَّیرُ وتُبدَّل؛ إلّا أنَّ أَحكامَ القُرآنِ وقَوانِينَه لها مِنَ الثَّباتِ والرُّسُوخِ بحيثُ تَظهَرُ مَتانَتُها أَكثَرَ كُلَّما مَرَّتِ العُصُورُ.
نعم، إنَّ هذا العَصرَ الَّذي اغتَیرَّ بنَفسِه وأَصَمَّ أُذُنَيه عن سَماعِ القُرآنِ أَكثَرَ مِن أيِّ عَصرٍ مَضَى، وأَهلَ الكِتابِ مِنهم خاصّةً، أَحوَجُ ما يكُونُون إلى إرشادِ القُرآنِ الَّذي يُخاطِبُهم بی يَا أَهْلَ الْكِتَابِ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ حتَّى كأنَّ ذلك الخِطابَ مُوَجَّهٌ إلى هذا العَصرِ بالذّاتِ، إذ إنَّ لَفظَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَضمَّنُ مَعنًى: أَهلَ الثَّقافةِ الحَديثةِ أيضًا!
فالقُرآنُ يُطلِقُ نِداءَه يُدَوِّي في أَجواءِ الآفاقِ ويَملَأُ أَقطارَ العالَمِ بكُلِّ شِدّةٍ وقُوّةٍ وبكُلِّ نَضارةِ وشَبابٍ فيقُولُ:
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...
— 518 —
فمَثلًا: إنَّ الأَفرادَ والجَماعاتِ معَ أنَّهم قد عَجَزُوا عن مُعارَضةِ القُرآنِ، إلَّا أنَّ المَدَنيّةَ الحاضِرةَ الَّتي هي حَصِيلةُ أَفكارِ بَني البَشَرِ ورُبَّما الجِنِّ أيضًا، قدِ اتَّخَذَت طَوْرًا مُخالِفًا له، وأَخَذَت تُعارِضُ إعجازَه بأَساليبِها السّاحِرةِ؛ فلِأَجلِ إثباتِ إعجازِ القُرآنِ بدَعوَى الآيةِ الكَرِيمةِ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ.. لهذا المُعارِضِ الجَديدِ الرَّهيبِ نَضَعُ الأُسُسَ والدَّساتيرَ الَّتي أَتَت بها المَدَنيّةُ الحاضِرةُ أمامَ أُسُسِ القُرآنِ الكَريمِ.
ففي الدَّرَجةِ الأُولَى: نَضَعُ المُوازَناتِ الَّتي عُقِدَت والمُوازِينَ الَّتي نُصِبَت في الكَلِماتِ السّابقةِ، ابتِداءً مِنَ الكَلِمةِ الأُولَى إلى الخامِسةِ والعِشرِين، وكذا الآياتِ الكَريمةَ المُتَصدِّرةَ لتلك الكَلِماتِ، والَّتي تُبيِّنُ حَقيقَتَها، تُثبِتُ إعجازَ القُرآنِ وظُهُورَه على المَدَنيّةِ الحاضِرةِ بيَقينٍ لا يَقبَلُ الشَّكَّ قَطْعًا.
وفي الدَّرَجةِ الثّانيةِ: نُورِدُ إجمالًا قِسْمًا مِن دَساتيرِ المَدَنيّةِ والقُرآنِ الَّتي وَضَّحَتْها وأَثبَتَتْها "الكَلِمةُ الثّانيةَ عَشْرةَ".
فالمَدَنيّةُ الحاضِرةُ تُؤمِنُ بفَلسَفَتِها أنَّ رَكيزةَ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ البَشَرِيّةِ هي "القُوّةُ"، وهي تَستَهدِفُ "المَنفَعةَ" في كلِّ شيءٍ، وتَتَّخِذُ "الصِّراعَ" دُستُورًا للحَياةِ، وتَلتَزِمُ بی"العُنصُرِيّة" و"القَومِيّةِ السَّلبِيّةِ" رابِطةً للجَماعاتِ؛ وغايَتُها هي "لَهْوٌ عابِثٌ" لإشباعِ رَغَباتِ الأَهواءِ ومُيُولِ النَّفسِ، الَّتي مِن شَأنِها تَزييدُ جُمُوحِ النَّفسِ وإثارةُ الهَوَى. ومِنَ المَعلُومِ أنَّ شَأنَ "القُوّةِ" هو "التَّجاوُزُ"، وشَأنَ "المَنفَعةِ" هو "التَّزاحُمُ"، إذ هي لا تَفِي بحاجاتِ الجَميعِ وتَلبِيةِ رَغَباتِهم؛ وشَأنَ "الصِّراعِ" هو "التَّصادُمُ"، وشَأنَ "العُنصُريّةِ" هو "التَّجاوُزُ" حيثُ تَكبُرُ بابتِلاعِ غَيرِها.
فهذه الدَّساتيرُ والأُسُسُ الَّتي تَستَنِدُ إلَيها هذه المَدَنيّةُ الحاضِرةُ هي الَّتي جَعَلَتْها عاجِزةً یی معَ مَحاسِنِها یی عن أن تَمنَحَ سِوَى عِشرِين بالمِئةِ مِنَ البَشَرِ سَعادةً ظاهِرِيّةً، بَينَما أَلقَتِ البَقيّةَ إلى شَقاءٍ وتَعاسةٍ وقَلَقٍ.
أمّا حِكمةُ القُرآنِ فهي تَقبَلُ "الحَقَّ" نُقطةَ استِنادٍ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ بَدَلًا مِنَ "القُوّةِ"، وتَجعَلُ "رِضَى اللهِ" و"نَيلَ الفَضائلِ" هو الغايةَ والهَدَفَ بَدَلًا مِنَ "المَنفَعةِ"،
— 519 —
وتَتَّخِذُ دُستُورَ "التَّعاوُنِ" أَساسًا في الحَياةِ بَدَلًا مِن دُستُورِ "الصِّراعِ"، وتَلتَزِمُ رابِطةَ "الدِّينِ" والصِّنفِ والوَطَنِ لِرَبطِ فِئاتِ الجَماعاتِ بَدَلًا مِنَ "العُنصُرِيّةِ" و"القَوميّةِ السَّلبِيّةِ"، وتَجعَلُ غاياتِها "الحَدَّ مِن تَجاوُزِ النَّفسِ الأَمّارةِ، ودَفعَ الرُّوحِ إلى مَعالي الأُمُورِ وتَطمِينَ مَشاعِرِها السَّامِيةِ لِسَوقِ الإنسانِ نحوَ الكَمالِ والمُثُلِ العُلْيا لِجَعلِ الإنسانِ إنسانًا حَقًّا".
إنَّ شَأنَ "الحَقِّ" هو "الِاتِّفاقُ"، وشَأنَ "الفَضِيلةِ" هو "التَّسانُدُ"، وشَأنَ "التَّعاوُنِ" هو "إغاثةُ كُلٍّ للآخَرِ"، وشَأنَ "الدِّينِ" هو "الأُخُوّةُ والتَّكاتُفُ"، وشَأنَ "إلجامِ النَّفسِ وكَبحِ جِماحِها وإطلاقِ الرُّوحِ وحَثِّها نحوَ الكَمالِ" هو "سَعادةُ الدَّارَينِ".
وهكذا غُلِبَتِ المَدَنيّةُ الحاضِرةُ أَمامَ القُرآنِ الحَكيمِ معَ ما أَخَذَت مِن مَحاسِنَ مِنَ الأَديانِ السّابِقةِ، ولا سِيَّما مِنَ القُرآنِ الكَريمِ.
وفي الدَّرَجةِ الثّالثةِ: سنُبيِّنُ یی على سَبِيلِ المِثالِ یی أَربَعةَ مَسائلَ فحَسْبُ مِن بينِ آلافِ المَسائلِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: إنَّ دَساتيرَ القُرآنِ الكَريمِ وقَوانينَه لأنَّها آتِيةٌ مِنَ الأَزَلِ، فهي باقيةٌ وماضِيةٌ إلى الأَبَدِ، لا تَهرَمُ أَبدًا ولا يُصِيبُها المَوتُ، كما تَهرَمُ القَوانينُ المَدَنيّةُ وتَمُوتُ، بل هي شابّةٌ وقَوِيّةٌ دائمًا في كلِّ زَمانٍ.
فمَثلًا: إنَّ المَدَنيّةَ بكلِّ جَمعِيّاتِها الخَيرِيّةِ، وأَنظِمَتِها الصّارِمةِ ونُظُمِها الجَبّارةِ، ومُؤَسَّساتِها التَّربَوِيّةِ الأَخلاقيّةِ لم تَستَطِعْ أن تُعارِضَ مَسأَلتَينِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، بلِ انهارَت أَمامَهما وهي في قَولِه تَعالَى: وَآَتَوُا الزَّكَاةَ و وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.
سنُبيِّنُ هذا الظُّهُورَ القُرآنِيَّ المُعجِزَ وهذه الغالبِيّةَ بمُقدِّمةٍ: إنَّ أُسَّ أَساسِ جَميعِ الِاضطِراباتِ والثَّوراتِ في المُجتَمَعِ الإنسانِيِّ إنَّما هو كَلِمةٌ واحِدةٌ، كما أنَّ مَنبَعَ جَميعِ الأَخلاقِ الرَّذيلةِ كَلِمةٌ واحِدةٌ أَيضًا. كما أُثبِتَ ذلك في "إشاراتِ الإعجازِ".
— 520 —
الكَلِمةُ الأُولَى: "إنْ شَبِعتُ، فلا عَلَيَّ أن يَمُوتَ غَيرِي مِنَ الجُوعِ".
الكَلِمةُ الثَّانيةُ: "اكتَسِبْ أنتَ، لِآكُلَ أنا، واتْعَبْ أنتَ لِأَستَرِيحَ أنا".
نعم، إنَّه لا يُمكِنُ العَيشُ بسَلامٍ ووِئامٍ في مُجتَمَعٍ إلّا بالمُحافَظةِ على التَّوازُنِ القائمِ بينَ الخَواصِّ والعَوامِّ، أي: بينَ الأَغنياءِ والفُقَراءِ؛ وأَساسُ هذا التَّوازُنِ هو رَحمةُ الخَواصِّ وشَفَقَتُهم على العَوامِّ، وإطاعةُ العَوامِّ واحتِرامُهم للخَواصِّ.
فالآنَ، إنَّ الكَلِمةَ الأُولَى قد ساقَتِ الخَواصَّ إلى الظُّلمِ والفَسادِ، ودَفَعَتِ الكَلِمةُ الثَّانيةُ العَوامَّ إلى الحِقدِ والحَسَدِ والصِّراعِ؛ فسُلِبَتِ البَشَريّةُ الرّاحةَ والأَمانَ لِعُصُورٍ خَلَت، كما هو في هذا العَصرِ، حيثُ ظَهَرَت حَوادِثُ أَورُوبَّا الجِسامُ بالصِّراعِ القائمِ بينَ العُمَّالِ وأَصحابِ رَأسِ المالِ كما لا يَخفَى على أَحَدٍ.
فالمَدَنيّةُ بكُلِّ جَمعِيَّاتِها الخَيرِيّةِ ومُؤَسَّساتِها الأَخلاقيّةِ وبكُلِّ وَسائلِ نِظامِها وانضِباطِها الصّارِمِ عَجَزَتْ عن أن تُصلِحَ بينَ تَينِكَ الطَّبَقتَينِ مِنَ البَشَرِ، كما عَجَزَت عن أن تُضَمِّدَ جُرحَيِ الحَياةِ البَشَريّةِ الغائرَينِ.
أمّا القُرآنُ الكَريمُ فإنَّه يَقلَعُ الكَلِمةَ الأُولَى مِن جُذُورِها، ويُداوِيها بوُجُوبِ الزَّكاةِ؛ ويَقلَعُ الكَلِمةَ الثّانيةَ مِن أَساسِها، ويُداوِيها بحُرمةِ الرِّبا. نعم، إنَّ الآياتِ القُرآنيّةَ تَقِفُ على بابِ العالَم قائلةً للرِّبا: "الدُّخُولُ مَمنُوعٌ". وتَأمُرُ البَشَريّةَ: "أَوصِدُوا أَبوابَ الرِّبا لِتَنسَدَّ أَمامَكم أَبوابُ الحُرُوبِ"، وتُحَذِّرُ تَلاميذَ القُرآنِ المُؤمِنين مِنَ الدُّخولِ فيها.
الأَساسُ الثّاني: إنَّ المَدَنيّةَ الحاضِرةَ لا تَقبَلُ تَعَدُّدَ الزَّوجاتِ، وتَحسَبُ ذلك الحُكمَ القُرآنِيَّ مُخالِفًا للحِكمةِ ومُنافيًا لِمَصلَحةِ البَشَرِ.
نعم، لو كانَتِ الحِكمةُ مِنَ الزَّواجِ قاصِرةً على قَضاءِ الشَّهوةِ لَلَزِم أن يكُونَ التَّعدُّدُ مَعكُوسًا، بَينَما هو ثابتٌ حتَّى بشَهادةِ جَميعِ الحَيَواناتِ وبتَصدِيقِ النَّباتاتِ المُتَزاوِجةِ؛ إنَّ الحِكمةَ مِنَ الزَّواجِ والغايةَ مِنه إنَّما هي التَّكاثُرُ وإنجابُ النَّسْلِ. أمّا اللَّذّةُ الحاصِلةُ مِن قَضاءِ الشَّهوةِ فهي أُجرةٌ جُزئيّةٌ تَمنَحُها الرَّحمةُ الإلٰهِيّةُ لِتَأدِيةِ تلك المُهِمّةِ. فما دامَ الزَّواجُ للتَّكاثُرِ وإنجابِ النَّسلِ ولِبَقاءِ النَّوعِ حِكمةً وحَقيقةً، فلا شَكَّ
— 521 —
أنَّ المَرأةَ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَلِدَ إلّا مَرّةً واحِدةً في السَّنةِ، ولا تكُونُ خِصْبةً إلّا نِصفَ أَيّامِ الشَّهرِ وتَدخُلُ سِنَّ اليَأسِ في الخَمسِين مِن عُمُرِها، لا تَكفي الرَّجُلَ الَّذي له القُدرةُ على الإخصابِ في أَغلَبِ الأَوقاتِ حتَّى وهو ابنُ مِئةِ سَنةٍ، لِذا تُضطَرُّ المَدَنيّةُ إلى فَتحِ أَماكِنِ العُهرِ والفُحشِ.
الأَساسُ الثّالثُ: إنَّ المَدَنيّةَ الَّتي لا تَتَحاكَمُ إلى المَنطِقِ العَقليِّ، تَنتَقِدُ الآيةَ الكَريمةَ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ الَّتي تَمنَحُ النِّساءَ الثُلُثَ مِنَ المِيراثِ (أي: نِصفَ ما يَأخُذُه الذَّكَرُ).
ومِنَ البَدِيهيِّ أنَّ أَغلَبَ الأَحكامِ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ إنَّما تُسَنُّ حَسَبَ الأَكثَرِيّةِ مِنَ النّاسِ، فغالبِيّةُ النِّساءِ يَجِدْنَ أَزواجًا يُعيلُونَهنَّ ويَحمُونَهنَّ، بَينَما الكَثيرُ مِنَ الرِّجالِ مُضطَرُّون إلى إعالةِ زَوجاتِهم وتَحَمُّلِ نَفَقاتِهنَّ. فإذا ما أَخَذَتِ الأُنثَى الثُّلُثَ مِن أَبيها (أي: نِصفَ ما أَخَذَه الزَّوجُ مِن أَبيه)، فإنَّ زَوجَها سيَسُدُّ حاجَتَها، بَينَما إذا أَخَذ الرَّجُلُ حَظَّينِ مِن أَبيه، فإنَّه سيُنفِقُ قِسطًا مِنه على زَوجَتِه؛ وبذلك تَحصُلُ المُساواةُ، ويكُونُ الرَّجُلُ مُساوِيًا لِأُختِه. وهكَذا تَقتَضِي العَدالةُ القُرآنيّةُ.
(حاشية): هذه فِقرةٌ من اللَّائِحةِ المَرفُوعةِ إلى مَحكَمةِ التَّمييز، أُلقِيَت أمامَ المَحكَمة، فأَسكَتَتْها وأَصبَحَت حاشِيةً لهذا المَقامِ: وأنا أقولُ لمحكَمةِ وِزارةِ العَدلِ: إنَّ إدانةَ مَن يُفسِّر أَقدَسَ دُستُورٍ إلٰهِيٍّ وهو الحَقُّ بعَينِه، ويَحتَكِمُ إلَيه ثلاثُ مِئةٍ وخَمسُون مِليُونًا مِن المُسلِمين في كلِّ عَصرٍ في حَياتِهم الِاجتِماعيّةِ، خِلالَ ألفٍ وثلاثِ مِئةٍ وخَمسِين عامًا. هذا المُفسِّرُ استَنَد في تَفسِيرِه إلى ما اتَّفَق علَيه وصَدَّق به ثلاثُ مِئةٍ وخَمسُون ألفَ مُفسِّرٍ، واقتَدَى بالعَقائدِ التي دانَ بها أَجدادُنا السّابقُون في أَلفٍ وثلاثِ مِئةٍ وخَمسين سنةً.. أقولُ: إنَّ إدانةَ هذا المُفسِّرِ قَرارٌ ظالمٌ لا بُدَّ أن تَرفُضَه العَدالةُ، إن كانت هُناك عَدالةٌ على وَجهِ الأَرضِ، ولا بُدَّ أن تَرُدَّ ذلك الحُكمَ الصّادِرَ بحَقِّه وتَنقُضَه.
الأَساسُ الرّابعُ: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ مِثلَما يَمنَعُ بشِدّةٍ عِبادةَ الأَصنامِ، يَمنَعُ كذلك اتِّخاذَ الصُّوَرِ الَّتي هي شَبِيهةٌ بنَوعٍ مِنِ اتِّخاذِ الأَصنامِ؛ أمّا المَدَنيّةُ الحاضِرةُ فإنَّها تَعُدُّ الصُّوَرَ مِن مَزاياها وفَضائِلِها وتُحاوِلُ أن تُعارِضَ القُرآنَ. والحالُ أنَّ الصُّوَرَ أيًّا كانَت، ظِلِّيّةً أو غَيرَها، فهي إمّا ظُلمٌ مُتَحَجِّرٌ، أو رِياءٌ مُتَجسِّدٌ، أو هَوًى مُتَجَسِّمٌ، حيثُ تُهيِّجُ الأَهواءَ، وتَدفَعُ الإنسانَ إلى الظُّلمِ والرِّياءِ والهَوَى.
— 522 —
ثمَّ إنَّ القُرآنَ يَأمُرُ النِّساءَ أن يَحتَجِبْنَ بحِجابِ الحَياءِ، رَحمةً بهنَّ وصِيانةً لِحُرمَتِهنَّ وكَرامَتِهنَّ، ولِكَيلا تُهانَ تلك المَعادِنُ الثَّمينةُ مَعادِنُ الشَّفَقةِ والرّأفةِ، وتلك المَصادِرُ اللَّطيفةُ للحَنَانِ والرَّحمةِ، تحتَ أَقدامِ الذُّلِّ والمَهانةِ؛ ولِكَيلا يَكُنَّ آلةً لِهَوْساتِ الرَّذيلةِ ومُتعةً تافِهةً لا قيمةَ لها. (حاشية): إن اللَّمعةَ الرّابعةَ والعِشرين تُثبِتُ بقَطعيّةٍ تامّةٍ أنَّ الحِجابَ أَمرٌ فِطرِيٌّ جِدًّا للنِّساء، بَينَما رَفعُ الحِجابِ يُنافي فِطرَتَهنَّ.. أمّا المَدَنيّةُ فإنَّها قد أَخرَجَتِ النِّساءَ مِن أَوكارِهنَّ وبُيُوتِهنَّ ومَزَّقَت حِجابَهنَّ وأَدَّت بالبَشَريّةِ أن يُجَنَّ جُنُونُها. عِلْمًا أنَّ الحَياةَ العائلِيّةَ إنّما تَدُومُ بالمَحبّةِ والِاحتِرامِ المُتَبادَلِ بينَ الزَّوجِ والزَّوجةِ، بَينَما التَّكَشُّفُ والتَّبرُّجُ يُزِيلانِ تلك المَحَبّةَ الخالِصةَ والِاحتِرامَ الجادَّ ويُسَمِّمانِ الحَياةَ العائلِيّةَ، ولا سِيَّما الوَلَعُ بالصُّوَرِ فإنَّه يُفسِدُ الأَخلاقَ ويَهدِمُها كُلِّیيًّا، ويُؤدِّي إلى انحِطاطِ الرُّوحِ وتَرَدِّيها. ويُمكِنُ فَهمُ هذا بالآتي:
كما أنَّ النَّظَرَ بدافِعِ الهَوَى وبشَهوةٍ إلى جِنازةِ امرأةٍ حَسناءَ تَنتَظِرُ الرَّحمةَ وتَرجُوها، يَهدِمُ الأَخلاقَ ويَحُطُّها، كذلك النَّظَرُ بشَهوةٍ إلى صُوَرِ نِساءٍ مَيِّتاتٍ أو إلى صُوَرِ نِساءٍ حَيَّاتٍ یی وهي في حُكمِ جَنائِزَ مُصَغَّرةٍ لَهُنَّ یی يُزَعزِعُ مَشاعِرَ الإنسانِ ويَعبَثُ بها، ويَهدِمُها.
وهكذا بمِثلِ هذه المَسائلِ الأَربعِ فإنَّ كلَّ مَسأَلةٍ مِن آلافِ المَسائلِ القُرآنيّةِ تَضمَنُ سَعادةَ البَشَرِ في الدُّنيا، كما تُحَقِّقُ سَعادَتَه الأَبَديّةَ في الآخِرةِ. فلَكَ أن تَقِيسَ سائرَ المَسائِلِ على المَسائلِ المَذكُورةِ.
وأيضًا: فكما أنَّ المَدَنيّةَ الحاضِرةَ تَخسَرُ وتُغلَبُ أَمامَ دَساتيرِ القُرآنِ المُتَعلِّقةِ بحَياةِ الإنسانِ الِاجتِماعيّةِ، فَيظهَرُ إفلاسُها یی مِن زاوِيةِ الحَقيقةِ یی إزاءَ إعجازِ القُرآنِ المَعنَوِيِّ، كذلك فإنَّ فَلسَفةَ أَورُوبّا وحِكمةَ البَشَرِ یی وهي رُوحُ المَدَنيّةِ یی عِندَ المُوازَنةِ بَينَها وبينَ حِكمةِ القُرآنِ بمَوازِينِ الكَلِماتِ الخَمسِ والعِشرِين السّابقةِ، ظَهَرَتْ عاجِزةً وحِكمةُ القُرآنِ مُعجِزةً، وإن شِئتَ فراجِعِ "الكَلِمةَ الحادِيةَ عَشْرةَ" و"الثَّانيةَ عَشْرةَ" لِتَلمِسَ عَجْزَ حِكمةِ الفَلسَفةِ وإفلاسَها وإعجازَ حِكمةِ القُرآنِ وغِناها.
— 523 —
وأيضًا، فكَما أنَّ المَدَنيّةَ الحاضِرةَ غُلِبَتْ أمامَ إعجازِ حِكمةِ القُرآنِ العِلميِّ والعَمَليِّ، كذلك آدابُ المَدَنيّةِ وبَلاغَتُها فهي مَغلُوبةٌ أمامَ الأَدَبِ القُرآنِيِّ وبَلاغَتِه؛ والنِّسبةُ بَينَهما أَشبَهُ ما تكُونُ ببُكاءِ يَتيمٍ فَقَد أَبوَيهِ بُكاءً مِلْؤُه الحُزنُ القاتِمُ واليَأسُ المَرِيرُ، إلى إنشادِ عاشِقٍ عَفيفٍ حَزِينٍ على فِراقٍ قَصِيرِ الأَمَدِ غِناءً مِلْؤُه الشَّوقُ والأَمَلُ.. أو نِسبةِ صُراخِ سِكِّيرٍ يَتَخبَّطُ في وَضعٍ سافِلٍ، إلى قَصائدَ حَماسِيّةٍ تَحُضُّ على بَذْلِ الغَوالي مِنَ الأنفُسِ والأَموالِ وبُلُوغِ النَّصرِ، لأنَّ الأَدَبَ والبَلاغةَ مِن حيثُ تَأثيرُ الأُسلُوبِ، إمّا يُورِثانِ الحُزنَ وإمّا الفَرَح. والحُزنُ نَفسُه قِسمانِ:
إمَّا أنَّه حُزنٌ مُنبَعِثٌ مِن فَقْدِ الأَحِبّةِ، أي: مِن عَدَمِ وُجُودِ الأَحِبّةِ والأَخِلّاءِ، وهو حُزنٌ مُظلِمٌ كَئيبٌ تُورِثُه المَدَنيّةُ المُلَوَّثةُ بالضَّلالةِ والمَشُوبةُ بالغَفلةِ والمُعتَقِدةُ بالطَّبيعةِ؛ وإمّا أنَّه ناشِئٌ مِن فِراقِ الأَحِبّةِ، بمَعنَى أنَّ الأَحِبّةَ مَوجُودُون، ولكِنَّ فِراقَهم يَبعَثُ على حُزنٍ يَنُمُّ عن لَوعةِ الِاشتِياقِ. فهذا الحُزنُ هو الَّذي يُورِثُه القُرآنُ الهادِي المُنيرُ.
أمّا الفَرَحُ والسُّرُورُ فهو أيضًا قِسمانِ:
الأوَّلُ: يَدْفَعُ النَّفْسَ إلى شَهَواتِها، هذا هو شَأْنُ آدابِ المَدَنيّةِ مِن أَدَبٍ مَسرَحِيٍّ وسِينِمائيٍّ ورُوائِيٍّ.
أمّا الثّاني: فهو فَرِحٌ لَطِيفٌ بَرِيءٌ نَزِيهٌ، يَكبَحُ جِماحَ النَّفسِ ويُلجِمُها ويَحُثُّ الرُّوحَ والقَلبَ والعَقلَ والسِّرَّ على المَعالي وعلى مَوطِنِهمُ الأَصلِيِّ، على مَقَرِّهمُ الأَبَدِيِّ، على أَحِبَّتِهمُ الأُخرَوِيِّين. وهذا الفَرَحُ هو الَّذي يَمنَحُه القُرآنُ المُعجِزُ البَيانِ الَّذي يَحُضُّ البَشَرَ ويُشَوِّقُه للجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ وعلى رُؤيةِ جَمالِ اللهِ تَعالَى.
ولقد تَوَهَّمَ بعضُ قاصِرِي الفَهمِ ومِمَّن لا يُكلِّفُون أَنفُسَهم دِقّةَ النَّظَرِ أنَّ المَعنَى العَظيمَ والحَقيقةَ الكُبْرَى الَّتي تُفِيدُها الآيةُ الكَرِيمةُ:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
ظَنُّوها صُورةً مُحالةً ومُبالَغةً بَلاغِيّةً! حاشَ للهِ! بل إنَّها بَلاغةٌ هي عَينُ الحَقيقةِ، وصُورةٌ مُمكِنةٌ، وواقِعةٌ ولَيسَت مُحالةً قَطُّ.
— 524 —
فأَحَدُ وُجُوهِ تلك الصُّورةِ هو أنَّه لوِ اجتَمَع أَجمَلُ ما يقُولُه الإنسُ والجِنُّ الَّذي لم يَتَرشَّح مِنَ القُرآنِ ولا هو مِن مَتاعِه، فلا يُماثِلُ القُرآنَ قَطُّ ولن يُماثِلَه. لِذا لم يَظهَر مَثيلُه.
والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ المَدَنيّةَ وحِكمةَ الفَلسَفةِ والآدابَ الأَجنَبِيّةَ الَّتي هي نَتائِجُ أَفكارِ الجِنِّ والإنسِ وحتَّى الشَّياطينِ وحَصِيلةُ أَعمالِهم، هي في دَرَكاتِ العَجزِ أَمامَ أَحكامِ القُرآنِ وحِكمَتِه وبَلاغَتِه. كما قد بَيَّینَّا أَمثِلةً مِنها.

الجَلوةُ الثّالثة: خِطابُه كلَّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ النّاسِ:

إنَّ القُرآنَ الحَكيمَ يُخاطِبُ كلَّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ البَشَرِ في كلِّ عصرٍ مِنَ العُصُورِ، وكأنَّه مُتَوجِّهٌ تَوَجُّهًا خاصًّا إلى تلك الطَّبَقةِ بالذّاتِ، إذ لَمَّا كان القُرآنُ يَدعُو جَميعَ بَني آدَمَ بطَوائفِهم كافّةً إلى الإيمانِ الَّذي هو أَسمَى العُلُومِ وأَدَقُّها، وإلى مَعرِفةِ اللهِ الَّتي هي أَوسَعُ العُلُومِ وأَنوَرُها، وإلى الأَحكامِ الإسلاميّةِ الَّتي هي أَهَمُّ المَعارِفِ وأَكثَرُها تَنَوُّعًا، فمِنَ الأَلزَمِ إذًا أن يكُونَ الدَّرسُ الَّذي يُلقِيه على تلك الطَّوائفِ مِنَ النَّاسِ دَرْسًا يُوائِمُ فهْمَ كلٍّ مِنها؛ والحالُ أنَّ الدَّرسَ واحِدٌ، وليس مُختَلِفًا، فلا بُدَّ إذًا مِن وُجُودِ طَبَقاتٍ مِنَ الفَهمِ في الدَّرسِ نَفسِه، فكلُّ طائفةٍ مِنَ النّاسِ یی حَسَبَ دَرَجاتِها یی تَأخُذُ حَظَّها مِنَ الدَّرسِ مِن مَشهَدٍ مِن مَشاهِدِ القُرآنِ.
ولقد وافَينا بأَمثِلةٍ كَثيرةٍ لهذه الحَقيقةِ، يُمكِنُ مُراجَعَتُها، أمّا هنا فنَیكتَفي بالإشَارةِ إلى بِضعِ أَجزاءٍ مِنها، وإلى حَظِّ طَبَقةٍ أو طَبَقتَينِ مِنها مِنَ الفَهمِ فحَسْبُ.
فمَثلًا: قولُه تَعالَى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٭ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ:
فإنَّ حَظَّ فَهْمِ طَبَقةِ العَوامِّ الَّتي تُشَكِّلُ الأَكثَريّةَ المُطلَقةَ هو "أنَّ اللهَ مُنَیزَّهٌ عنِ الوالِدِ والوَلَدِ وعنِ الزَّوجةِ والأَقرانِ".
وحَظُّ طَبَقةٍ أُخرَى مُتَوسِّطةٍ مِنَ الفَهمِ هو "نَفيُ أُلُوهيّةِ عِيسَى عَليهِ السَّلام والمَلائكةِ، وكلِّ ما هو مِن شَأنِه التَّولُّدُ" لأنَّ نَفيَ المُحالِ لا فائدةَ مِنه في الظّاهِرِ، لِذا فلا بُدَّ أن يكُونَ
— 525 —
المُرادُ إذًا ما هو لازِمُ الحُكمِ كما هو مُقَرَّرٌ في البَلاغةِ؛ فالمُرادُ مِن نَفيِ الوَلَدِ والوالِدِيّةِ اللَّذَينِ لهما خَصائصُ الجِسمانيّةِ هو نَفيُ الأُلُوهيّةِ عن كلِّ مَن له وَلَدٌ ووالِدٌ وكُفْؤٌ، وبَيانُ عَدَمِ لَياقَتِهم للأُلُوهيّةِ. فمِن هذا السِّرِّ تَبيَّنَ أنَّ سُورةَ الإخلاصِ يُمكِنُ أن تُفيدَ كلَّ إنسانٍ في كلِّ وَقتٍ.
وحَظُّ فَهمِ طَبَقةٍ أَكثَرَ تَقَدُّمًا هو أنَّ اللهَ مُنَیزَّهٌ عن كلِّ رابِطةٍ تَتَعلَّقُ بالمَوجُوداتِ تُشَمُّ مِنها رائحةُ التَّوليدِ والتَّولُّدِ، وهو مُقَدَّسٌ عن كلِّ شَريكٍ ومُعينٍ ومُجانِسٍ؛ وإنَّما عَلاقَتُه بالمَوجُوداتِ هي الخَلَّاقيَّةُ، فهو يَخلُقُ المَوجُوداتِ بأَمرِ كُنْ فَيَكُونُ بإرادَتِه الأَزليّةِ وباختِيارِه، وهو مُنَیزَّهٌ عن كلِّ رابِطةٍ تُنافي الكَمالَ، كالإيجابِ والِاضطِرارِ والصُّدُورِ بغَيرِ اختِيارٍ.
وحَظُّ فَهْمِ طَبَقةٍ أَعلَى مِن هذه هو: أنَّ اللهَ أَزَليٌّ، أَبَدِيٌّ، أَوَّلٌ وآخِرٌ، لا نَظِيرَ له ولا كُفْؤَ، ولا شَبِيهَ، ولا مَثِيلَ ولا مِثالَ في أيَّةِ جِهةٍ كانَت، لا في ذاتِه ولا في صِفاتِه ولا في أَفعالِه؛ وإنَّما هناك "المَثَلُ" یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی الَّذي يُفيدُ التَّشبيهَ في أَفعالِه وشُؤُونِه فحَسْبُ.
فلَك أن تَقِيسَ على هذه الطَّبَقاتِ أَصحابَ الحُظُوظِ المُختَلِفةِ في الإدراكِ، مِن أَمثالِ طَبَقةِ العارِفين وطَبَقةِ العاشِقِين وطَبَقةِ الصِّدِّيقين وغيرِهم..
المِثالُ الثّاني: قَولُه تَعالَى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ:
فحَظُّ فَهْمِ الطَّبقةِ الأُولَى مِن هذه الآيةِ هو: أنَّ زَيدًا خادِمَ الرَّسُولِ (ص) ومُتَبنَّاه ومُخاطَبَه بی: "يا بُنيَّ"، قد طَلَّق زَوجَتَه العَزيزةَ بعدَما أَحَسَّ أنَّه ليس كُفْئًا لها، فتَزَوَّجَها الرَّسُولُ (ص) بأَمرِ اللهِ تَعالَى؛ فالآيةُ (النّازِلةُ بهذه المُناسَبةِ) تقُولُ: إنَّ النَّبيَّ (ص) إذا خاطَبَكم مُخاطَبةَ الأَبِ لِابنِه، فإنَّه يُخاطِبُكم مِن حيثُ الرِّسالةُ، إذ هو ليس أَبًا لِأَحَدٍ مِنكم باعتِبارِه الشَّخصِيِّ حتَّى لا تَلِيقَ به الزِّيجاتُ.
وحَظُّ فَهمِ الطَّبقةِ الثّانيةِ هو أنَّ الأَميرَ العَظيمَ يَنظُرُ إلى رَعاياه نَظَرَ الأَبِ الرَّحيمِ، فإنْ كان سُلْطانًا رُوحانيًّا في الظّاهِرِ والباطِنِ فإنَّ رَحمَتَه ستَفُوقُ رَحمةَ الأَبِ وشَفَقَتَه
— 526 —
أَضعافًا مُضاعَفةً، حتَّى تَنظُرَ إلَيه أَفرادُ الرَّعِيّةِ نَظَرَهم لِلأَبِ وكأَنَّهم أَولادُه الحَقيقيُّون، وحيثُ إنَّ النَّظرةَ إلى الأَبِ لا يُمكِنُ أن تَنقَلِبَ إلى النَّظَرِ إلى الزَّوجِ، والنَّظَرَ إلى البِنتِ لا يَتَحوَّلُ بسُهُولةٍ إلى النَّظَرِ إلى الزَّوجةِ، فلا يُوافِقُ في فِكرِ العامّةِ تَزَوُّجُ الرَّسُولِ (ص) ببَناتِ المُؤمِنين استِنادًا إلى هذا السِّرِّ، لِذا فالقُرآنُ يُخاطِبُهم قائلًا: إنَّ الرَّسُولَ (ص) يَنظُرُ إلَيكم نَظَرَ الرَّحمةِ والشَّفَقةِ مِن زاوِيةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، ويُعامِلُكم مُعامَلةَ الأَبِ الحَنُونِ مِن حيثُ النُّبوّةُ، ولكِنَّه ليس أَبًا لكم مِن حيثُ الشَّخصِيّةُ الإنسانيّةُ حتَّى لا يُلائِمَ تَزَوُّجَه مِن بَناتِكم ويَحرُمَ ذلك علَيه.
القِسمُ الثّالثُ يَفهَمُ الآيةَ هكذا: يَنبَغي علَيكُم ألَّا تَرتَكِبُوا السَّيِّئاتِ والذُّنُوبَ اعتِمادًا على رَأفةِ الرَّسُولِ الكَريمِ (ص) علَيكُم وانتِسابِكُم إلَيه، إذ إنَّ هناك الكَثيرينَ يَعتَمِدُون على ساداتِهم ومُرشِدِيهم فيَتَكاسَلُون عنِ العِبادةِ والعَمَلِ، بل يقُولُون أَحيانًا: "قد أُدِّيَتْ صَلاتُنا" (كما هي الحالُ لَدَى بَعضِ الشِّيعةِ!).
النُّكتةُ الرّابعةُ: إنَّ قِسمًا آخَرَ يَفهَمُ إشارةً غَيبيّةً مِنَ الآيةِ، وهي أنَّ أَبناءَ الرَّسُولِ (ص) لا يَبلُغُون مَبلَغَ الرِّجالِ، وإنَّما يَتَوفّاهُمُ اللهُ قبلَ ذلك، فلا يَدُومُ نَسْلُه مِن حَيثُ كَونُهم رِجالًا، لِحِكمةٍ يَراها سُبحانَه وتَعالَى؛ فإنَّ لَفْظَ "رِجال" فقط يُشِيرُ إلى أنَّه سيَدُومُ نَسْلُه مِنَ النِّساءِ دُونَ الرِّجالِ.. فلِلّهِ الحَمدُ والمِنّةُ فإنَّ النَّسْلَ الطَّیيِّبَ المُبارَكَ مِن فاطِمةَ الزَّهراءِ رَضِيَ الله عَنهَا كالحَسَنِ والحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُمَا وهما البَدرانِ المُنَوِّرانِ لِسِلسِلَتَينِ نُورانيَّتَينِ، يُدِيمانِ ذلك النَّسْلَ المُبارَكَ (المادِّيَّ والمَعنَوِيَّ) لِشَمسِ النُّبوّةِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ علَيه وعلى آلِه.
(تمَّتِ الشُّعلةُ الأُولَى بأَشِعَّتِها الثّلاثةِ).
٭ ٭ ٭
— 527 —

الشُّعلة الثَّانية

هذه الشُّعلة لها ثلاثةُ أنوارٍ

النُّور الأوَّل

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد جَمَع السَّلاسةَ الرّائقةَ والسَّلامةَ الفائقةَ والتَّسانُدَ المَتينَ والتَّناسُبَ الرَّصِينَ والتَّعاوُنَ القَوِيَّ بينَ الجُمَلِ وهَيْئاتِها، والتَّجاوُبَ الرَّفيعَ بينَ الآياتِ ومَقاصِدِها، بشَهادةِ عِلمِ البَيانِ وعِلمِ المَعاني، وشَهادةِ أُلُوفٍ مِن أَئمّةِ هذه العُلُومِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسَّكَّاكِيِّ وعبدِ القاهِرِ الجُرجانِيِّ، مع أنَّ هناك ما يُقارِبُ تِسعةَ أَسبابٍ مُهِمّةٍ تُخِلُّ بذلك التَّجاوُبِ والتَّعاوُنِ والتَّسانُدِ والسَّلاسةِ والسَّلامةِ؛ فلم تُؤَثِّر تلك الأَسبابُ في الإفسادِ والإخلالِ، بل مَدَّت وعَضَدَت سَلاسَتَه وسَلامَتَه وتَسانُدَه، إلّا ما أَجرَتْه بشَيءٍ مِن حُكْمِها في إخراجِ رُؤُوسِها مِن وَراءِ سِتارِ النِّظامِ والسَّلاسةِ، وذلك لِتَدُلَّ على مَعانٍ جَليلةٍ مِن سَلاسةِ نَظمِ القُرآنِ، بمِثلِ ما تُخرِجُ البَراعِمُ بعضَ البُرُوزاتِ والنُّدَبِ في جِذْعِ الشَّجَرةِ المُنَسَّقةِ.. فهذه البُرُوزاتُ لَيسَت لِإخلالِ تَناسُقِ الشَّجَرةِ وتَناسُبِها، وإنَّما لإِعطاءِ ثَمَراتٍ يَتِمُّ بها جَمالُ الشَّجَرةِ وكَمالُ زِينَتِها.
إذ إنَّ ذلك القُرآنَ المُبِينَ نَزَل في ثَلاثٍ وعِشرِين سنةً نَجْمًا نَجْمًا لِمَواقِعِ الحاجاتِ نُزُولًا مُتَفرِّقًا مُتَقطِّعًا، معَ أنَّه يُظهِرُ مِنَ التَّلاؤُمِ الكامِلِ كأنَّه نَزَل دُفعةً واحِدةٍ.
وأيضًا إنَّ ذلك القُرآنَ المُبِينَ نَزَل في ثلاثٍ وعِشرِين سنةً لِأَسبابِ نُزُولٍ مُختَلِفةٍ مُتَبايِنةٍ، معَ أنَّه يُظهِرُ مِنَ التَّسانُدِ التّامِّ كأنَّه نَزَل لِسَبَبٍ واحِدٍ.. وأيضًا إنَّ ذلك القُرآنَ جاءَ جَوابًا لِأَسئلةٍ مُكرَّرةٍ مُتَفاوِتةٍ، معَ أنَّه يُظهِرُ مِنَ الِامتِزاجِ التّامِّ والِاتِّحادِ الكامِلِ كأنَّه جَوابٌ عن سُؤالٍ واحِدٍ.. وأيضًا إنَّ ذلك القُرآنَ جاءَ بَيانًا لِأَحكامِ حَوادِثَ مُتَعدِّدةٍ مُتَغايِرةٍ، مع أنَّه يُبيِّنُ مِنَ الِانتِظامِ الكامِلِ كأنَّه بَيانٌ لِحادِثةٍ واحِدةٍ.. وأيضًا
— 528 —
إنَّ ذلك القُرآنَ نَزَل مُتَضمِّنًا لِتَنزُّلاتٍ كَلاميّةٍ إلٰهِيّةٍ في أَساليبَ تُناسِبُ أَفهامَ مُخاطَبِين لا يُحصَرُون، وحالاتٍ مِنَ التَّلَقِّي مُتَخالِفةٍ مُتَنوِّعةٍ، معَ أنَّه يُبيِّنُ مِنَ السَّلاسةِ اللَّطيفةِ والتَّماثُلِ الجَميلِ، كأنَّ الحالةَ واحِدةٌ والفَهْمَ واحِدٌ، حتَّى تَجرِي السَّلاسةُ كالماءِ السَّلسَبِيلِ.. وأيضًا إنَّ ذلك القُرآنَ جاءَ مُكَلِّمًا مُتَوجِّهًا إلى أَصنافٍ مُتَعدِّدةٍ مُتَباعِدةٍ مِنَ المُخاطَبين، معَ أنَّه يُظهِرُ مِن سُهُولةِ البَيانِ وجَزالةِ النِّظامِ ووُضُوحِ الإِفهامِ كأنَّ المُخاطَبِين صِنفٌ واحِدٌ بحيثُ يَظُنُّ كلُّ صِنفٍ أنَّه المُخاطَبُ وَحدَه بالأَصالةِ.. وأيضًا إنَّ ذلك القُرآنَ نَزَل هادِيًا ومُوصِلًا إلى غاياتٍ إرشاديّةٍ مُتَدرِّجةٍ مُتَفاوِتةٍ، معَ أنَّه يُبيِّنُ مِنَ الِاستِقامةِ الكامِلةِ والمُوازَنةِ الدَّقيقةِ والِانتِظامِ الجَميلِ كأنَّ المَقصَدَ واحِدٌ.
فهذه الأَسبابُ مع أنَّها أَسبابٌ للتَّشوِيشِ واختِلالِ المَعنَى والمَبنَى، إلّا أنَّها استُخدِمَت في إظهارِ إعجازِ بَيانِ القُرآنِ وسَلاسَتِه وتَناسُبِه.
نعم، مَن كان ذا قَلبٍ غيرِ سَقيمٍ، وعَقلٍ مُستَقيمٍ، ووِجدانٍ غيرِ مَرِيضٍ، وذَوقٍ سَليمٍ، يَرَى في بَيانِ القُرآنِ سَلاسةً جَميلةً وتَناسُقًا لَطِيفًا ونَغمةً لَذيذةً وفَصاحةً فَرِيدةً؛ فمَن كانَت له عينٌ سَلِيمةٌ في بَصِيرَتِه، فلا رَيبَ أنَّه يَرَى في القُرآنِ عَينًا تَرَى كلَّ الكائناتِ ظاهِرًا وباطِنًا بوُضُوحٍ تامٍّ كأنَّها صَحِيفةٌ واحِدةٌ، يُقَلِّبُها كيف يَشاءُ، فيُعَرِّفُ مَعانيَها على ما يَشاءُ مِن أُسلُوبٍ.
فلو أَرَدْنا تَوضِيحَ حَقيقةِ هذا النُّورِ الأَوَّلِ بأَمثِلةٍ، لَاحتَجْنا إلى بِضعةِ مُجَلَّداتٍ، لِذا نَكتَفي بالإيضاحاتِ الَّتي تَخُصُّ هذه الحَقيقةَ في كلٍّ مِنَ "الرَّسائلِ العَرَبيّةِ" و"إشاراتِ الإعجازِ" والكَلِماتِ الخَمسِ والعِشرِين السّابِقةِ؛ بلِ القُرآنُ الكَريمُ بكامِلِه مِثالٌ لِهذه الحَقيقةِ، أُبيِّنُه كُلَّه دُفعةً واحِدةً.

النُّور الثاني

يَبحَثُ هذا النُّورُ عن مَزِيّةِ الإعجازِ في الأُسلُوبِ البَدِيعِ للقُرآنِ في الخُلاصاتِ (الفَذْلَكاتِ) والأَسماءِ الحُسنَى الَّتي تَنتَهي بها الآياتُ الكَرِيمةُ:
— 529 —
تَنبِيهٌ: ستَرِدُ آياتٌ كَثيرةٌ في هذا النُّورِ الثّاني، وهي لَيسَت خاصّةً به وَحدَه بل تكُونُ أَمثِلةً أيضًا لِما ذُكِرَ مِنَ المَسائلِ والأَشِعّةِ. ولو أَرَدنا أن نُوفِيَ هذه الأَمثِلةَ حقَّها مِنَ الإيضاحِ لَطالَ بنا البَحثُ، بَيْدَ أنِّي أَراني مُضطَرًّا في الوَقتِ الحاضِرِ إلى الِاختِصارِ والإجمالِ، لِذا فقد أَشَرْنا إشارةً في غايةِ الِاختِصارِ والإجمالِ إلى الآياتِ الَّتي أَوْرَدْناها مِثالًا لِبَيانِ هذا السِّرِّ العَظِيمِ "سِرِّ الإعجازِ"، مُؤَجِّلين تَفصِيلاتِها إلى وَقتٍ آخَرَ.
فالقُرآنُ الكَرِيمُ يَذكُرُ في أَكثَرِ الأَحيانِ قِسمًا مِنَ الخُلاصاتِ والفَذْلَكاتِ في خاتِمةِ الآياتِ. فتلك الخُلاصاتُ إمّا أنَّها تَتَضمَّنُ الأَسماءَ الحُسنَى أو مَعناها، وإمّا أنَّها تُحِيلُ قَضاياها إلى العَقلِ وتَحثُّه على التَّفكُّرِ والتَّدبُّرِ فيها، أو تَتَضمَّنُ قاعِدةً كُلِّيّةً مِن مَقاصِدِ القُرآنِ فتُؤيِّدُ بها الآيةَ وتُؤَكِّدُها.
ففي تلك الفَذْلَكاتِ بَعضُ إشاراتٍ مِن حِكمةِ القُرآنِ العاليةِ، وبَعضُ رَشاشاتٍ مِن ماءِ الحَياةِ للهِدايةِ الإلٰهِيّةِ، وبَعضُ شَراراتٍ مِن بَوارِقِ إعجازِ القُرآنِ.
ونحن الآنَ نَذكُرُ إجمالًا "عَشْرَ إشاراتٍ" فقط مِن تلك الإشاراتِ الكَثيرةِ جِدًّا، كما نُشِيرُ إلى مِثالٍ واحِدٍ فقط مِن كَثيرٍ مِن أَمثِلَتِها، وإلى مَعنًى إجماليٍّ لِحَقيقةٍ واحِدةٍ فقط مِن بينِ الحَقائقِ الكَثيرةِ لكُلِّ مِثالٍ.
هذا، وإنَّ أَكثَرَ هذه الإشاراتِ العَشْرِ تَجتَمِعُ في أَكثَرِ الآياتِ معًا مُكوِّنةً نَقْشًا إعجازِيًّا حَقيقيًّا. وإنَّ أَكثَرَ الآياتِ الَّتي نَأْتي بها مِثالًا هي أَمثِلةٌ لِأَكثَرِ الإشاراتِ. فنُبيِّنُ مِن كلِّ آيةٍ إشارةً واحِدةً مُشِيرين إشارةً خَفيفةً إلى مَعاني تلك الآياتِ الَّتي ذَكَرناها في "كَلِماتٍ" سابِقةٍ.

مَزِيّةُ الجَزالةِ الأُولَى:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ یی ببَياناتِه المُعجِزةِ یی يَبسُطُ أَفعالَ الصّانِعِ الجَليلِ ويَفرُشُ آثارَه أمامَ النَّظَرِ، ثمَّ يَستَخرِجُ مِن تلك الأَفعالِ والآثارِ الأَسماءَ الإلٰهِيّةَ، أو يُثبِتُ مَقصَدًا مِن مَقاصِدِ القُرآنِ الأَساسِيّةِ كالحَشرِ والتَّوحيدِ.
فمِن أَمثِلةِ المَعنَى الأوَّلِ: قَولُه تَعالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
— 530 —
ومِن أَمثِلةِ المَعنَى الثَّاني: قَولُه تَعالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ٭ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ٭ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا إلى قَولِه تَعالَى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا؛ ففي الآيةِ الأُولَى: يَعرِضُ القُرآنُ الآثارَ الإلٰهِيّةَ العَظيمةَ الَّتي تَدُلُّ بغاياتِها ونَظْمِها على عِلمِ اللهِ وقُدرَتِه، يَذكُرُها مُقدِّمةً لِنَتيجةٍ مُهِمّةٍ وقَصْدٍ جَليلٍ، ثمَّ يَستَخرِجُ اسمَ اللهِ «العَليم». وفي الآيةِ الثّانيةِ: يَذكُرُ أَفعالَ اللهِ الكُبْرَى وآثارَه العُظمَى، ويَستَنتِجُ مِنها الحَشرَ الَّذي هو يومُ الفَصْلِ، كما وُضِّح في النُّقطةِ الثّالثةِ مِنَ الشُّعاعِ الأَوَّلِ مِنَ الشُّعلةِ الأُولَى.

النُّكتة البَلاغيةُ الثانية:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يَنشُرُ مَنسُوجاتِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ ويَعرِضُها على أَنظارِ البَشَرِ، ثمَّ يَلُفُّها ويَطوِيها في الخُلاصةِ ضِمنَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ، أو يُحِيلُها إلى العَقلِ.
فمِن أَمثِلةِ الأوَّلِ:
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٭ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ.
فيقُولُ أوَّلًا: " مَنِ الَّذي هَيَّأ السَّماءَ والأَرضَ وجَعَلَهما مَخازِنَ ومُستَودَعاتٍ لرِزقِكم، فأَنزَل مِن هُناك المَطَرَ ويُخرِجُ مِن هنا الحُبُوبَ؟ ومَن غيرُ اللهِ يَستَطيعُ أن يَجعَلَ السَّماءَ والأَرضَ العَظيمَتَينِ في حُكمِ خازِنَينِ مُطيعَينِ لحُكمِه؟ فالشُّكرُ والحَمدُ إذًا له وَحدَه".
ويقُولُ في الفِقرةِ الثَّانية: " أَمَّن هو مالِكُ أَسماعِكم وأَبصارِكمُ الَّتي هي أَثمَنُ ما في أَعضائِكم؟ مِن أيِّ مَصنَعٍ أو مَحَلٍّ ابتَعتُمُوها؟ فالَّذي مَنَحَكم هذه الحَواسَّ اللَّطيفةَ مِن عينٍ وسَمْعٍ إنَّما هو ربُّیكم! وهو الَّذي خَلَقَكم ورَبَّاكم، ومَنَحَها لكم، فالرَّبُّ إذًا إنَّما هو وَحدَه المُستَحِقُّ للعِبادةِ ولا يَستَحِقُّها غيرُه".
ويقُولُ في الفِقرةِ الثّالثة: " أَمَّن يُحيِي مِئاتِ الآلافِ مِنَ الطَّوائفِ المَيتةِ كما يُحيِي
— 531 —
الأَرضَ؟ فمَن غيرُ الحَقِّ سُبحانَه وخالقِ الكَونِ يَقْدِرُ أن يَفعَلَ هذا الأَمرَ؟ فلا رَيبَ أنَّه هو الَّذي يَفعَلُ وهو الَّذي يُحيِي الأَرضَ المَيتةَ.. فما دامَ هو الحَقَّ فلن تَضِيعَ عِندَه الحُقُوقُ، وسيَبعَثُكم إلى مَحكَمةٍ كُبْرَى وسيُحيِيكم كما يُحيِي الأَرضَ".
ويقُولُ في الفِقرةِ الرّابعةِ: " مَن غيرُ اللهِ يَستَطيعُ أن يُدَبِّرَ شُؤُونَ هذا الكَونِ العَظيمِ ويُدِيرَ أَمرَه إدارةً مُنَسَّقةً مُنَظَّمةً بسُهُولةِ إدارةِ قَصْرٍ أو مَدِينةٍ؟ فما دام ليس هناك غيرُ الله، فلا نَقْصَ إذًا في القُدرةِ القادِرةِ على إدارةِ هذا الكَونِ العَظيمِ، بكلِّ أَجرامِهِ، بيُسرٍ وسُهُولةٍ؛ ولا حاجةَ لها إلى شَرِيكٍ ولا إلى مُعِينٍ، فهي مُطلَقةٌ لا تَحُدُّها حُدُودٌ؛ ولا يَدَعُ مَن يُدَبِّیرُ أُمُورَ الكَونِ العَظيمِ إدارةَ مَخلُوقاتٍ صَغيرةٍ إلى غيرِه.. فأنتُم إذًا مُضطَیرُّون لِأَن تقُولُوا: الله".
فتَرَى أنَّ الفِقْرةَ الأُولَى والرّابِعةَ تقُولُ: «الله» ، وتقُولُ الثّانيةُ: «رَبُّ». وتقُولُ الثّالثةُ: «الحَقُّ» ؛ فافْهَم مَدَى الإعجازِ في مَوقِعِ جُملةِ: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ.
وهكذا يَذكُرُ القُرآنُ عَظيمَ تَصَرُّفاتِ اللهِ سُبحانَه وعَظيمَ مَنسُوجاتِه، ثمَّ يَذكُرُ اليَدَ المُدَبِّرةَ لتلك الآثارِ الجَليلةِ والمَنسُوجاتِ العَظيمةِ: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، أي: إنَّه يُرِي مَنبَعَ تلك التَّصَرُّفاتِ العَظيمةِ ومَصدَرَها بذِكرِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ: اللهُ، الرَّبُّ، الحَقُّ.
ومِن أَمثِلةِ الثَّاني:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
يَذكُرُ القُرآنُ في هذه الآياتِ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرضِ مِن تَجَلِّي سَلطَنةِ الأُلُوهيّةِ الَّذي يُظهِرُ تَجَلِّيَ كَمالَ قُدرَتِه سُبحانَه وعَظَمةَ رُبُوبيَّتِه، ويَشهَدُ على وَحدانيَّتِه.. ويَذكُرُ تَجَلِّيَ الرُّبُوبيّةِ في اختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وتَجَلِّيَ الرَّحمةِ بتَسخِيرِ السَّفينةِ وجَرَيانِها في البَحرِ الَّتي هي مِنَ الوَسائلِ العُظمَى للحَياةِ الِاجتِماعيّةِ، وتَجَلِّيَ عَظَمةِ القُدرةِ في
— 532 —
إنزالِ الماءِ الباعِثِ على الحَياةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ المَيتةِ وإحيائِها معَ طَوائفِها الَّتي تَزِيدُ على مِئاتِ الآلافِ، وجَعْلِها في صُورةِ مَعرِضٍ للعَجائبِ والغَرائبِ.. كما يَذكُرُ تَجَلِّيَ الرَّحمةِ والقُدرةِ في خَلْقِ ما لا يُحَدُّ مِنَ الحَيَواناتِ المُختَلِفةِ مِن تُرابٍ بَسِيطٍ.. كما يَذكُرُ تَجَلِّيَ الرَّحمةِ والحِكمةِ مِن تَوظِيفِ الرِّياحِ بوَظائفَ جَليلةٍ كتَلقيحِ النَّباتاتِ وتَنَفُّسِها، وجَعْلِها صالِحةً في تَرديدِ أَنفاسِ الأَحياءِ بتَحرِيكِها وإدارَتِها.. كما يَذكُرُ تَجَلِّيَ الرُّبُوبيّةِ في تَسخِيرِ السُّحُبِ وجَمْعِها وتَفرِيقِها وهي مُعَلَّقةٌ بينَ السَّماءِ والأَرضِ كأنَّها جُنُودٌ مُنصاعُون للأَوامِرِ، يَتَفرَّقُون للرّاحةِ ثمَّ يُجَمَّعُون لِتَلَقِّي الأَوامِرِ في عَرضٍ عَظيمٍ.
وهكذا، بعدَ سَرْدِ مَنسُوجاتِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ يَسُوقُ العَقلَ إلى اكتِناهِ حَقائقِها تَفصِيلًا فيقُولُ: لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ آخِذًا بزِمامِ العَقلِ إلى التَّدَبُّرِ، مُوقِظًا إيّاه إلى التَّفَكُّرِ.

مَزِيّةُ الجَزالةِ الثّالثة:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد يَذكُرُ أَفعالَ اللهِ سُبحانَه بالتَّفصيلِ، ثمَّ بعدَ ذلك يُوجِزُها ويُجمِلُها بخُلاصةٍ. فهو بتَفصِيلِها يُورِثُ القَناعةَ والِاطمِئنانَ، وبإيجازِها وإجمالِها يُسهِّلُ حِفظَها وتَقيِيدَها.
فمَثلًا:
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
يُشِيرُ بهذه الآيةِ إلى النِّعَمِ الَّتي أَنعَمَها اللهُ على سيِّدِنا يُوسُفَ وعلى آبائِه مِن قَبلُ، فيقُولُ: إنَّ اللهَ تَعالَى هو الَّذي اصطَفاكم مِن بَني آدَمَ لِمَقامِ النُّبوّةِ، وجَعَل سِلسِلةَ جَميعِ الأَنبِياءِ مُرتَبِطةً بسِلسِلَتِكم، وسَوَّدَها على سائرِ سَلاسِلِ بني البَشَرِ، كما جَعَل أُسرَتَكم مَوضِعَ تَعليمٍ وهِدايةٍ، تُلَقِّنُ العُلُومَ الإلٰهِيّةَ والحِكمةَ الرَّبّانيّةَ، فجَمَع فيكم سَلطَنةَ الدُّنيا السَّعيدةَ وسَعادةَ الآخِرةِ الخالِدةَ، وجَعَلَك بالعِلمِ والحِكمةِ عَزِيزًا لِمِصرَ ونَبِيًّا عَظيمًا ومُرشِدًا حَكيمًا.. فبَعدَ أن يَذكُرَ تلك النِّعَمَ ويُعَدِّدُها، وكيف أنَّ اللهَ قد جَعَلَه هو وآباءَه مُمتازِينَ بالعِلمِ والحِكمةِ، يقُولُ: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: اقتَضَت رُبُوبيَّیتُه
— 533 —
وحِكمَتُه أن يَجعَلَك وآباءَك تَحظَون بنُورِ اسمِ "العَليمِ الحَكيمِ". وهكذا أَجمَلَ تلك النِّعَمَ المُفَصَّلةَ بِهذه الخُلاصةِ.
ومَثلًا: قَولُه تَعالَى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ إلى قَولِه تَعالَى: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
تَعرِضُ هذه الآيةُ أَفعالَ اللهِ سُبحانَه في المُجتَمَعِ الإنسانِيِّ، وتُفيدُ بأنَّ العِزّةَ والذِّلّةَ والفَقرَ والغِنَى مَربُوطةٌ مُباشَرةً بمَشِيئةِ اللهِ وإرادَتِه تَعالَى. أي: "إنَّ التَّصَرُّفَ حتَّى في أَكثَرِ طَبَقاتِ الكَثرةِ تَشَتُّیتًا إنَّما هو بمَشِيئةِ اللهِ وتَقدِيرِه، فلا دَخْلَ للمُصادَفةِ قَطُّ".
فبَعدَ أن أَعطَتِ الآيةُ هذا الحُكمَ، تقُولُ: إنَّ أَعظَمَ شيءٍ في الحَياةِ الإنسانيّةِ هو رِزقُه. فتُثبِتُ ببِضعِ مُقدِّماتٍ أنَّ الرِّزقَ إنَّما يُرسَلُ مُباشَرةً مِن خَزِينةِ الرَّزّاقِ الحَقيقيِّ، إذ إنَّ رِزقَكم مَنُوطٌ بحَياةِ الأَرضِ، وحَياةُ الأَرضِ مَنُوطةٌ بالرَّبيعِ، والرَّبيعُ إنَّما هو بِيَدِ مَن يُسَخِّرُ الشَّمسَ والقَمَرَ ويُكَوِّرُ اللَّيلَ والنَّهارَ. إذًا فإنَّ مَنْحَ تُفّاحةٍ لإنسانٍ رِزقًا حَقيقيًّا، إنَّما هو مِن فِعلِ مَن يَملَأُ الأَرضَ بأَنواعِ الثَّمَراتِ، وهو الرَّزَّاقُ الحَقيقيُّ. وبعدَ ذلك يُجمِلُ القُرآنُ ويُثبِتُ تلك الأَفعالَ المُفَصَّلةَ بهذه الخُلاصةِ: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

النُّكتةُ البلاغيّةُ الرابعة:

إنَّ القُرآنَ قد يَذكُرُ المَخلُوقاتِ الإلٰهِيّةَ مُرتَّبةً بتَرتيبٍ مُعيَّنٍ، ثمَّ يُبيِّنُ به أنَّ في المَخلُوقاتِ نِظامًا ومِيزانًا، يُرِيانِ ثَمَرةَ المَخلُوقاتِ. وكأنَّه يُضْفي نَوْعًا مِنَ الشَّفافيّةِ والسُّطُوعِ على المَخلُوقاتِ الَّتي تَظهَرُ مِنها الأَسماءُ الإلٰهِيّةُ المُتَجلِّيةُ فيها، فكأنَّ تلك المَخلُوقاتِ المَذكُورةَ أَلفاظٌ، وهذه الأَسماءَ مَعانِيها، أو أنَّها ثَمَراتٌ وهذه الأَسماءَ نُواها أو لُبابُها.
فمَثلًا:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ٭ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ٭ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
— 534 —
يَذكُرُ القُرآنُ خَلْقَ الإنسانِ وأَطوارَه العَجيبةَ الغَريبةَ البَديعةَ المُنتَظِمةَ المَوزُونةَ ذِكرًا مُرَتَّیبًا يُبيِّنُ كالمِرآةِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، حتَّى كأنَّ هذه الأَطْوارَ بنَفسِها تُوحِي هذه الآيةَ، بل حتَّى قالَها قبلَ مَجِيئِها أَحَدُ كُتَّابِ الوَحيِ حِينَما كان يَكتُبُ هذه الآيةَ، فذَهَب به الظَّنُّ إلى أن يقُولَ: أَأُوحِيَ إلَيَّ أيضًا؟! والحالُ أنَّ كَمالَ نِظامِ الكَلامِ الأَوَّلِ وشَفافيَّتَه الرّائقةَ وانسِجامَه التّامَّ يُظهِرُ نَفسَه قبلَ مَجِيءِ هذه الكَلِمةِ.
وكذا قَولُه تَعالَى:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
يُبيِّنُ القُرآنُ في هذه الآيةِ عَظَمةَ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وسَلطَنةَ الرُّبُوبيّةِ، بوَجهٍ يَدُلُّ على قَديرٍ ذِي جَلالٍ استَوَى على عَرشِ رُبُوبيَّتِه ويُسطِّیرُ آياتِ رُبُوبيَّتِه على صَحائفِ الكَونِ، ويُحوِّلُ اللَّيلَ والنَّهارَ كأنَّهما شَرِيطانِ يَعقُبُ أَحَدُهما الآخَرَ؛ والشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُتَهيِّئةٌ لِتَلقِّي الأَوامِرِ كجُنُودٍ مُطِيعين. لِذا فكلُّ رُوحٍ ما إن تَسمَعُ هذه الآيةَ إلّا وتقُولُ: "تَبارَكَ اللهُ رَبُّ العالَمِين.. بارَكَ اللهُ.. ما شاءَ اللهُ!". أي: إنَّ جُملةَ: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَجرِي مَجرَى الخُلاصةِ لِما سَبَق مِنَ الجُمَلِ، وهي بحُكمِ نَواتِها وثَمَرتِها وماءِ حَياتِها.

مَزِيّةُ الجَزالةِ الخامِسةِ:

إنَّ القُرآنَ قد يَذكُرُ الجُزئيّاتِ المادِّيّةَ المُعَرَّضةَ للتَّغَيُّرِ والَّتي تكُونُ مَناطَ مُختَلِفِ الكَيفيّاتِ والأَحوالِ، ثمَّ لِأَجلِ تَحوِيلِها إلى حَقائقَ ثابتةٍ يُقيِّدُها ويُجْمِلُها بالأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الَّتي هي نُورانيّةٌ وكُلِّيّةٌ وثابتةٌ؛ أو يَأتي بخُلاصةٍ تَسُوقُ العَقلَ إلى التَّفكُّرِ والِاعتِبارِ.
ومِن أَمثِلةِ المَعنَى الأوَّل:
وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٭ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
— 535 —
هذه الآيةُ تَذكُرُ أوَّلًا حادِثةً جُزئيّةً هي أنَّ سَبَب تَفضِيلِ آدَمَ في الخِلافةِ على المَلائكةِ هو "العِلمُ"، ومِن بعدِ ذلك تَذكُرُ حادِثةَ مَغلُوبيّةِ المَلائكةِ أمامَ سيِّدِنا آدَمَ في قَضِيّةِ العِلمِ، ثمَّ تُعَقِّبُ ذلك بإجمالِ هاتَينِ الحادِثتَينِ بذِكرِ اسمَينِ كُلِّیيَّينِ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، بمَعنَى أنَّ المَلائكةَ يقُولُون: أنتَ العَليمُ يا رَبُّ فعَلَّمتَ آدَمَ فغَلَبَنا، وأنتَ الحَكيمُ فتَمنَحُنا كلَّ ما هو مُلائِمٌ لِاستِعدادِنا، وتُفَضِّلُه علَينا باستِعداداتِه.
ومِن أَمثِلةِ المَعنَى الثّاني:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ٭ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٭ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٭ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
تعرِضُ هذه الآياتُ الكَريمةُ أنَّ اللهَ تَعالَى جَعَل الشّاةَ، والمَعْزَى، والبَقَرَ، والإبلَ، وأَمثالَها مِنَ المَخلُوقاتِ يَنابِيعَ خالِصةً زَكيّةً لَذِيذةً تَدفُقُ الحَليبَ، وجَعَل سُبحانَه العِنَبَ والتَّمرَ وأَمثالَهما أَطباقًا مِنَ النِّعمةِ وجِفانًا لَطِيفةً لَذِيذةً.. كما جَعَل مِن أَمثالِ النَّحلِ یی الَّتي هي مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ یی العَسَلَ الَّذي فيه شِفاءٌ للنّاسِ، إلى جانِبِ لَذَّتِه وحَلاوَتِه.. وفي خاتِمةِ المَطافِ تَحُثُّ الآياتُ على التَّفكُّرِ والِاعتِبارِ وقِياسِ غَيرِها علَيها بی إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

النُّكتة البلاغيّةُ السَّادِسة:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد يَنشُرُ أَحكامَ الرُّبُوبيّةِ على الكَثرةِ الواسِعةِ المُنتَشِرةِ، ثمَّ يَضَعُ علَيها مَظاهِرَ الوَحدةِ، ويَجمَعُها في نُقطةِ تَوَحُّدِها كجِهةِ وَحدةٍ بَينَها، أو يُمَكِّنُها في قاعِدةٍ كُلِّيّةٍ.
فمَثلًا: قولُه تَعالَى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:
— 536 —
فهذه الآيةُ (أي: آيةُ الكُرسِيِّ) تَأتي بعَشرِ جُمَلٍ تُمَثِّیلُ عَشرَ طَبَقاتٍ مِنَ التَّوحيدِ في أَشكالٍ مُختَلِفةٍ، وتُثبِتُها. وبعدَ ذلك تَقطَعُ قَطعًا كُلِّیيًّا بقُوّةٍ صارِمةٍ عِرقَ الشِّركِ وتَدَخُّلَ غيرِ اللهِ بی مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ؛ فهذه الآيةُ لِأَنَّها قد تَجَلَّى فيها الِاسمُ الأَعظَمُ فإنَّ مَعانيَها مِن حيثُ الحَقائقُ الإلٰهِيّةُ هي في الدَّرَجةِ العُظمَى والمَقامِ الأَسمَى، إذ تُبيِّنُ تَصَرُّفاتِ الرُّبُوبيّةِ في الدَّرَجةِ العُظمَى؛ وبعدَ ذِكرِ تَدبِيرِ الأُلُوهيّةِ المُوَجَّهِ للسَّماواتِ والأَرضِ كافّةً تَوَجُّهًا في أَعلَى مَقامٍ وأَعظَمِ دَرَجةٍ، تَذكُرُ الحَفيظيّةَ الشّامِلةَ المُطلَقةَ بكلِّ مَعانيها؛ ثمَّ تُلخِّصُ مَنابِعَ تلك التَّجَلِّياتِ العُظمَى في رابِطةِ وَحدةِ اتِّحادٍ، وجِهةِ وَحدةٍ بقَولِه تَعالَى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.
ومَثلًا:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ٭ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ٭ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.
تُبيِّنُ هذه الآياتُ كيف أنَّ اللهَ تَعالَى قد خَلَق هذا الكَونَ للإنسانِ في حُكمِ قَصْرٍ، وأَرسَلَ ماءَ الحَياةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، فجَعَل السَّماءَ والأَرضَ مُسخَّرتَينِ كأنَّهما خادِمانِ عامِلانِ على إيصالِ الرِّزقِ إلى النّاسِ كافّةً، كما سَخَّر له السَّفينةَ لِيَمنَحَ الفُرصةَ لكُلِّ أَحَدٍ، لِيَستَفيدَ مِن ثِمارِ الأَرضِ كافّةً، لِيَضمَنَ له العَيشَ، فيَتَبادَلُ الأَفرادُ فيما بَينَهم ثِمارَ سَعيِهم وأَعمالِهم. أي: جَعَل لكُلٍّ مِنَ البَحرِ والشَّجَرِ والرِّيحِ أَوضاعًا خاصّةً بحيثُ تكُونُ الرِّيحُ كالسَّوطِ والسَّفينةُ كالفَرَسِ والبَحرُ كالصَّحراءِ الواسِعةِ تَحتَها. كما أنَّه سُبحانَه جَعَل الإنسانَ يَرتَبِطُ مع كلِّ ما في أنحاءِ المَعمُورةِ بالسَّفينةِ وبوَسائطِ نَقلٍ فِطرِيّةٍ في الأَنهارِ والرَّوافِدِ، وسَيَّر له الشَّمسَ والقَمَرَ وجَعَلَهما مَلّاحَينِ مَأمُورَينِ لإدارةِ دُولابِ الكائناتِ الكَبيرِ وإحضارِ الفُصُولِ المُختَلِفةِ وإعدادِ ما فيها مِن نِعَمٍ إلٰهِيّةٍ. كما سَخَّر اللَّيلَ والنَّهارَ جاعِلًا اللَّيلَ لِباسًا وغِطاءً لِيَخلُدَ الإنسانُ إلى الرّاحةِ، والنَّهارَ مَعاشًا لِيتَّجِرَ فيه.
— 537 —
وبعدَ تَعدادِ هذه النِّعَمِ الإلٰهِيّةِ تَأتي الآيةُ بخُلاصةٍ: وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا لِبَيانِ مَدَى سَعةِ دائرةِ إنعامِ اللهِ تَعالَى على الإنسانِ وكيف أنَّها مَملُوءةٌ بأَنواعِ النِّعَمِ، أي: إنَّ كلَّ ما سَأَلَه الإنسانُ بحاجَتِه الفِطرِيّةِ وبلِسانِ استِعدادِه قد مَنَحَه اللهُ تَعالَى إيّاه. فتلك النِّعَمُ لا تَدخُلُ في الحَصْرِ ولا تَنفَدُ ولا تَنقَضي بالتَّعدادِ.
نعم، إن كانَتِ السَّماواتُ والأَرضُ مائدةً مِن مَوائِدِ نِعَمِه العَظيمةِ وكانَتِ الشَّمسُ والقَمَرُ واللَّيلُ والنَّهارُ بَعضًا مِن تلك النِّعَمِ الَّتي احتَوَتْها تلك المائدةُ، فلا شَكَّ أنَّ النِّعَمَ المُتَوجِّهةَ إلى الإنسانِ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.

سِرُّ البلاغة السابعة:

قد تُبيِّنُ الآيةُ غاياتِ المُسَبَّبِ وثَمَراتِه لِتَعزِلَ السَّبَبَ الظّاهِرِيَّ وتَسلُبَ مِنه قُدرةَ الخَلقِ والإيجادِ. وليُعلَم أنَّ السَّبَبَ ما هو إلّا سِتارٌ ظاهِرِيٌّ، ذلك لأنَّ إرادةَ الغاياتِ الحَكيمةِ والثَّمَراتِ الجَليلةِ يَلزَمُ أن يكُونَ مِن شَأنِ مَن هو عَليمٌ مُطلَقُ العِلمِ وحَكيمٌ مُطلَقُ الحِكمةِ، بَينَما سَبَبُها جامِدٌ مِن غيرِ شُعُورٍ. فالآية تُفيدُ بذِكرِ الثَّمَراتِ والغاياتِ أنَّ الأَسبابَ وإن بَدَتْ في الظّاهِرِ والوُجُودِ مُتَّصِلةً معَ المُسَببَّاتِ، إلّا أنَّ بَينَهما في الحَقيقةِ وواقِعِ الأَمرِ بَوْنًا شاسِعًا جِدًّا.
نعم، إنَّ المَسافةَ بينَ السَّبَبِ وإيجادِ المُسَبَّبِ مَسافةٌ شاسِعةٌ بحيثُ لا طاقةَ لِأَعظَمِ الأَسبابِ أن تَنالَ إيجادَ أَدنَى مُسَبَّبٍ، ففي هذا البُعدِ بينَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ تُشرِقُ الأَسماءُ الإلٰهِيّةُ كالنُّجُومِ السّاطِعةِ.
مَطالِعُ تلك الأَسماءِ هي في تلك المَسافةِ المَعنَويّةِ، إذ كما يُشاهَدُ اتِّصالُ أَذيالِ السَّماءِ بالجِبالِ المُحيطةِ بالأُفُقِ وتَبدُو مَقرُونةً بها، بَينَما هناك مَسافةٌ عظيمةٌ جِدًّا بينَ دائرةِ الأُفُقِ الجَبَليّةِ وسَفْحِ السَّماءِ، وهي یی أي: المَسافةُ یی مَطْلِعٌ لِجَميعِ النُّجُومِ ومَساكِنُ أَشياءَ أُخرَى، كذلِك فإنَّ ما بينَ الأَسبابِ والمُسَبَّباتِ مَسافةٌ مَعنَوِيّةٌ عَظيمةٌ جِدًّا لا تُرَى إلَّا بمِنظارِ الإيمانِ ونُورِ القُرآنِ.
— 538 —
فمَثلًا:
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ٭ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ٭ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ٭ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ٭ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ٭ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ٭ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ٭ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ٭ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ
هذه الآياتُ الكَرِيمةُ تَذكُرُ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ ذِكرًا مُرَتَّبًا حَكيمًا تَربِطُ الأَسبابَ بالمُسَبَّباتِ، ثمَّ في خاتِمةِ المَطافِ تُبيِّنُ الغايةَ بلَفظِ: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ، فتُثبِتُ في تلك الغايةِ أنَّ مُتَصرِّفًا مُستَتِرًا وَراءَ جَميعِ تلك الأَسبابِ والمُسبَّباتِ المُتَسَلسِلةِ يَرَى تلك الغاياتِ ويُراعِيها. وتُؤَكِّدُ أنَّ تلك الأَسبابَ ما هي إلّا حِجابٌ دُونَه.
نعم، إنَّ عِبارةَ: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ تَسلُبُ جَميعَ الأَسبابِ مِنَ القُدرةِ على الإيجادِ والخَلقِ، إذ تقُولُ مَعنًى: إنَّ الماءَ الَّذي يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ لِتَهيِئةِ الأَرزاقِ لكم ولِأَنعامِكُم لا يَنزِلُ بنَفسِه، لأنَّه ليس له قابِليّةُ الرَّحمةِ والحَنانِ علَيكم وعلى أَنعامِكم كي يَرْأَفَ بحالِكُم، فإذًا يُرسَلُ إرسالًا؛ وإنَّ التُّرابَ الَّذي لا شُعُورَ له، لأنَّه بَعيدٌ كلَّ البُعدِ مِن أن يَرأَفَ بحالِكُم فيُهيِّئَ لكُمُ الرِّزقَ، فلا يَنشَقُّ إذًا بنَفسِه، بل هناك مَن يَشُقُّه ويَفتَحُ أَبوابَه، ويُناوِلُكمُ النِّعَمَ مِنه؛ وكذا الأَشجارُ والنَّباتاتُ، فهي بَعيدةٌ كلَّ البُعدِ عن تَهيِئةِ الثَّمَراتِ والحُبُوبِ رَأفةً بكم وتَفَكُّرًا برِزقِكُم، فما هي إلّا حِبالٌ وشَرائطُ مُمتَدّةٌ مِن وَراءِ سِتارِ الغَيبِ يَمُدُّها حَكيمٌ رَحيمٌ عَلَّق تلك النِّعَمَ بها وأَرسَلَها إلى ذَوِي الحَياةِ.
وهكذا، فمِن هذه البَياناتِ تَظهَرُ مَطالِعُ أَسماءٍ حُسنَى كَثيرةٌ كالرَّحيمِ والرَّزّاقِ والمُنعِمِ والكَرِيمِ.
ومَثلًا:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ٭ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ٭ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
— 539 —
فهذه الآيةُ الكَريمةُ حِينَما تُبيِّنُ التَّصَرُّفاتِ العَجِيبةَ في إنزالِ المَطَرِ وتَشَكُّلِ السَّحابِ الَّذي يُمَثِّیلُ سِتارَ خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ وأَهَمَّ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ الرُّبُوبيّةِ، تُبيِّنُها كأنَّ أَجزاءَ السَّحابِ كانَت مُنتَشِرةً ومُختَفِيةً في جَوِّ السَّماءِ یی كالجُنُودِ المُنتَشِرين للرَّاحةِ یی فتَجتَمِعُ بأَمرِ اللهِ وتَتَألَّفُ تلك الأَجزاءُ الصَّغيرةُ مُشَكِّلةً السَّحابَ كما يَجتَمِعُ الجُنُودُ بصَوتِ بُوقٍ عَسكَرِيٍّ، فيُرسِلُ الماءَ الباعِثَ على الحَياةِ إلى ذَوِي الحَياةِ كافّةً، مِن تلك القِطَعِ مِنَ السَّحابِ الَّتي هي في جَسامةِ الجِبالِ السَّيّارةِ في القِيامةِ وعلى صُورَتِها، وهي في بَياضِ الثَّلجِ والبَرَدِ وفي رُطُوبَتِها.. فيُشاهَد في ذلك الإرسالِ إرادةٌ وقَصْدٌ لأنَّه يَأتي حَسَبَ الحاجةِ، أي: يُرسَلُ المَطَرُ إرسالًا، ولا يُمكِنُ أن تَجتَمِعَ تلك الأَجزاءُ الضَّخمةُ مِنَ السَّحابِ وكأنَّها جِبالٌ بنَفسِها في الوَقتِ الَّذي نَرَى الجَوَّ بَرَّاقًا صَحْوًا لا شيءَ يُعَكِّرُه، بل يُرسِلُها مَن يَعرِفُ ذَوِي الحَياةِ ويَعلَمُ بحالِهم.
ففي هذه المَسافةِ المَعنَويّةِ تَظهَرُ مَطالِعُ الأَسماءِ الحُسنَى كالقَدِيرِ والعَليمِ والمُتَصرِّفِ والمُدَبِّرِ والمُرَبِّي والمُغيثِ والمُحيِي.

مَزيّةُ الجَزالة الثامنة:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد يَذكُرُ مِن أَفعالِ اللهِ الدُّنيَوِيّةِ العَجيبةِ والبَديعةِ كي يُعِدَّ الأَذهانَ للتَّصديقِ ويُحضِرَ القُلُوبَ للإيمانِ بأَفعالِه المُعجِزةِ في الآخِرةِ، أو إنَّه يُصَوِّرُ الأَفعالَ الإلٰهِيّةَ العَجِيبةَ الَّتي ستَحدُثُ في المُستَقبَلِ والآخِرةِ بشَكلٍ يَجعَلُنا نَقتَنِعُ ونَطمَئِنُّ إلَيه بما نُشاهِدُه مِن نَظائرِها العَدِيدةِ.
فمَثلًا: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ.. إلى آخِرِ سُورةِ "يسٓ".. هنا في قَضِيّةِ الحَشرِ، يُثبِتُ القُرآنُ الكَريمُ ويَسُوقُ البَراهِينَ علَيها، بسَبعِ أو ثَماني صُوَرٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ:
إنَّه يُقَدِّم النَّشأةَ الأُولَى أوَّلًا، ويَعرِضُها للأَنظارِ قائلًا: إنَّكم تَرَوْن نَشأَتَكم مِنَ النُّطفةِ إلى العَلَقةِ ومِنَ العَلَقةِ إلى المُضغةِ ومِنَ المُضغةِ إلى خَلقِ الإنسانِ، فكيف تُنكِرُون إذًا النَّشأةَ الأُخرَى الَّتي هي مِثلُ هذا بل أَهوَنُ مِنه؟
— 540 —
ثمَّ يُشِيرُ بی الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا إلى تلك الآلاءِ وذلك الإحسانِ والإنعامِ الَّذي أَنعَمَه الحَقُّ سُبحانَه على الإنسانِ، فالَّذي يُنعِمُ علَيكم مِثلَ هذه النِّعَمِ لن يَتْرُكَكم سُدًى ولا عَبَثًا، لِتَدخُلُوا القَبْرَ وتَنامُوا دُونَ قِيامٍ.
ثمَّ إنَّه يقُولُ رَمْزًا: إنَّكم تَرَون إحياءَ الأَشجارِ المَيتةِ واخضِرارَها، فكيف تَستَبعِدُون اكتِسابَ العِظامِ الشَّبِيهةِ بالحَطَبِ للحَياةِ ولا تَقِيسُون علَيها؟ ثمَّ هل يُمكِنُ أن يَعجِزَ مَن خَلَق السَّماواتِ والأَرضَ عن إحياءِ الإنسانِ وإماتَتِه وهو ثَمَرةُ السَّماواتِ والأَرضِ؟ وهل يُمكِنُ مَن يُدِيرُ أَمرَ الشَّجَرةِ ويَرعاها أن يُهمِلَ ثَمَرتَها ويَتْرُكَها للآخَرِين؟! فهل تَظُنُّون أن يَتْرُكَ للعَبَثِ "شَجَرةَ الخِلقةِ" الَّتي عُجِنَت جَميعُ أَجزائِها بالحِكمةِ، بأن يُهمِلَ ثَمَرتَها ونَتيجَتَها؟! وهكذا فإنَّ الَّذي سيُحيِيكُم في الحَشرِ مَن بِيَدِه مَقاليدُ السَّماواتِ والأَرضِ، وتَخضَعُ له الكائناتُ خُضُوعَ الجُنُودِ المُطِيعين لِأَمرِه، فيُسَخِّرُهم بأَمرِ كُنْ فَيَكُونُ تَسخِيرًا كامِلًا.. ومَن عِندَه خَلقُ الرَّبيعِ يَسيرٌ وهَيِّنٌ كخَلقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وإيجادُ جَميعِ الحَيَواناتِ سَهلٌ على قُدرَتِه كإيجادِ ذُبابةٍ واحِدةٍ.. فلا ولن يُسأَلَ للتَّعجِيزِ صاحِبُ هذه القُدرةِ: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ ؟
ثمَّ إنَّه بعِبارةِ: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يُبيِّنُ أنَّه سُبحانَه بيَدِه مَقاليدُ كلِّ شيءٍ، وعِندَه مَفاتيحُ كلِّ شيءٍ، يُقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ، والشِّتاءَ والصَّيفَ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ كأنَّها صَفَحاتُ كِتابٍ، والدُّنيا والآخِرةُ هما عِندَه كمَنزِلَينِ يُغلِقُ هذا ويَفتَحُ ذاك. فما دامَ الأَمرُ هكذا فإنَّ نَتيجةَ جَميعِ الدَّلائلِ هي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: إنَّه يُحيِيكُم مِنَ القَبْرِ، ويَسُوقُكم إلى الحَشرِ، ويُوَفِّي حِسابَكم عند دِيوانِه المُقَدَّسِ.
وهكذا تَرَى أنَّ هذه الآياتِ قد هَيَّأَتِ الأَذهانَ، وأَحضَرَتِ القُلُوبَ لِقَبُولِ قَضِيّةِ الحَشرِ، بما أَظهَرَت مِن نَظائرِها بأَفعالٍ في الدُّنيا.
هذا، وقد يَذكُرُ القُرآنُ أيضًا أَفعالًا أُخرَوِيّةً بشَكلٍ يُحَسِّسُ ويُشِيرُ إلى نَظائرِها الدُّنيَوِيّةِ، لِيَمنَعَ الإنكارَ والِاستِبعادَ.
— 541 —
فمَثلًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ٭ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ٭ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ٭ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ٭ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ٭ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ٭ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ٭ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ٭ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ٭ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ٭ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ٭ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ٭ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ٭ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ..
إلى آخِرِ السُّورة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ٭ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٭ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٭ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٭ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ..
إلى آخِرِ السُّورة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ٭ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٭ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ٭ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٭ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ...
إلى آخِر السُّورةِ.
فتَرَى أنَّ هذه السُّوَرَ تَذكُرُ الِانقِلاباتِ العَظيمةَ والتَّصَرُّفاتِ الرَّبّانيّةَ الهائلةَ في القِيامةِ والحَشرِ بأُسلُوبٍ يَجعَلُ الإنسانَ يَرَى نَظائِرَها في الخَرِيفِ والرَّبيعِ فيَقبَلُها بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، معَ أنَّها كانَت تَجعَلُ القَلبَ أَسِيرَ دَهشةٍ هائِلةٍ، ويَضِيقُ العَقلُ دُونَها، ويَبقَى في حَيرةٍ.
ولَمّا كان تَفسِيرُ السُّوَرِ الثَّلاثِ هذه يَطُولُ، لِذا سنَأخُذُ كَلِمةً واحِدةً نَمُوذَجًا، فمَثلًا: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ: تُفيدُ هذه الآيةُ: "ستُنشَرُ في الحَشرِ جَميعُ أَعمالِ الفَردِ مَكتُوبةً على صَحيفةٍ". وحيثُ إنَّ هذه المَسأَلةَ عَجِيبةٌ بذاتِها فلا يَرَى العَقلُ إلَيها سَبِيلًا، إلّا أنَّ السُّورةَ كما تُشِيرُ إلى الحَشرِ الرَّبيعيِّ، وكما أنَّ للنِّقاطِ الأُخرَى نَظائرَها وأَمثِلَتَها، كذلك نَظيرُ نَشرِ الصُّحُفِ ومِثالُها واضِحٌ جَلِيٌّ، فلِكُلِّ ثَمَرٍ ولكُلِّ عُشْبٍ ولكُلِّ شَجَرٍ، أَعمالٌ وله أَفعالٌ، وله وَظائفُ؛ وله عُبُودِيّةٌ وتَسبِيحاتٌ بالشَّكلِ الَّذي تَظهَرُ به الأَسماءُ الإلٰهِيّةُ الحُسنَى.. فجَميعُ هذه الأَعمالِ مُندَرِجةٌ معَ تارِيخِ حَياتِه في بُذُورِه ونُواه كُلِّها، وستَظهَرُ جَميعُها في رَبيعٍ آخَرَ ومَكانٍ آخَرَ. أي: إنَّه كما يَذكُرُ بفَصاحةٍ بالِغةٍ أَعمالَ أُمَّهاتِه وأُصُولِه بالصُّورةِ والشَّكلِ الظّاهِرِ، فإنَّه يَنشُرُ كذلك صَحائفَ أَعمالِه بنَشرِ الأَغصانِ وتَفتُّحِ الأَوراقِ والأَثمارِ.
— 542 —
نعم، إنَّ الَّذي يَفعَلُ هذا أَمامَ أَعيُنِنا بكلِّ حِكمةٍ وحِفظٍ وتَدبِيرٍ وتَربِيةٍ ولُطفٍ هو الَّذي يقُولُ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ... وهكذا قِسِ النِّقاطَ الأُخرَى على هذا المِنوالِ، وإن كانَت لَدَيك قُوّةُ استِنباطٍ فاستَنبِطْ.
ولِأَجلِ مُساعَدَتِك ومُعاوَنَتِك سنَذكُرُ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أيضًا: فإنَّ لَفظَ كُوِّرَتْ الَّذي يَرِدُ في هذا الكَلامِ هو بمَعنَى: لُفَّت وجُمِعَت، فهو مِثالٌ رائِعٌ ساطِعٌ فوقَ أنَّه يُومِئُ إلى نَظِيرِه ومَثيلِه في الدُّنيا:
أوَّلًا: إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى قد رَفَع سَتائرَ العَدَمِ والأَثيرِ والسَّماءِ، عن جَوهَرةِ الشَّمسِ الَّتي تُضِيءُ الدُّنيا كالمِصباحِ، فأَخرَجَها مِن خَزِينةِ رَحمَتِه وأَظهَرَها إلى الدُّنيا، وسيَلُفُّ تلك الجَوهَرةَ بأَغلِفَتِها عِندَما تَنتَهي هذه الدُّنيا وتَنسَدُّ أَبوابُها.
ثانيًا: إنَّ الشَّمسَ مُوَظَّفةٌ ومَأمُورةٌ بنَشرِ غُلالاتِ الضَّوء في الأَسحارِ ولَفِّها في الأَماسِيِّ. وهكذا يَتَناوَبُ اللَّيلُ والنَّهارُ هامَةَ الأَرضِ، وهي تَجمَعُ مَتاعَها مُقَلِّلةً مِن تَعامُلِها، أو يكُونُ القَمَرُ یی إلى حَدٍّ مّا یی نِقابًا لِأَخذِها وعَطائِها ذلك، أي: كما أنَّ هذه المُوَظَّفةَ تَجمَعُ مَتاعَها وتَطوِي دَفاتِرَ أَعمالِها بهذه الأَسبابِ، فلا بُدَّ أن يَأتِيَ يَومٌ تُعفَى مِن مَهامِّها، وتُفصَلُ مِن وَظيفَتِها، حتَّى إن لم يكُن هناك سَبَبٌ للإعفاءِ والعَزْلِ.. ولعلَّ تَوَسُّعَ ما يُشاهِدُه الفَلَكيُّون على وَجهِها مِنَ البُقعَتَينِ الصَّغيرَتَينِ الآنَ اللَّتَينِ تَتَوسَّعانِ وتَتَضخَّمانِ رُوَيدًا رُوَيدًا، تَستَرجِعُ الشَّمسُ یی بهذا التَّوَسُّعِ یی وبأَمرٍ رَبّانِيٍّ ما لَفَّتْه ونَشَرَتْه على رَأسِ الأَرضِ بإذنٍ إلٰهِيٍّ مِنَ الضَّوءِ، فتَلُفُّ به نَفسَها، فيقُولُ رَبُّ العِزّةِ: "إلى هنا انتَهَت مُهِمَّتُكِ مع الأَرضِ، فهَيّا إلى جَهَنَّمَ لِتُحرِقي الَّذين عَبَدُوكِ وأَهانُوا مُوَظَّفةً مُسَخَّرةً مِثلَكِ وحَقَّرُوها مُتَّهِمِين إيّاها بالخِيانةِ وعَدَمِ الوَفاءِ". بهذا تَقرَأُ الشَّمسُ الأَمرَ الرَّبّانِيَّ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ على وَجهِها المُبقِعِ.

نُكتةُ البَلاغةِ التّاسعة:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد يَذكُرُ بعضًا مِنَ المَقاصِدِ الجُزئيّةِ، ثمَّ لِأَجلِ أن يُحَوِّلَ تلك الجُزئيّاتِ إلى قاعِدةٍ كُلِّيّةٍ ويُجِيلَ الأَذهانَ، فيها يُثبِّتُ ذلك المَقصَدَ الجُزئيَّ ويُقرِّرُه ويُؤكِّدُه بالأَسماءِ الحُسنَى الَّتي هي قاعِدةٌ كُلِّيّةٌ.
— 543 —
فمَثلًا: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يقُولُ القُرآنُ: إنَّ اللهَ سَمِيعٌ مُطلَقُ السَّمعِ يَسمَعُ كلَّ شيءٍ، حتَّى إنَّه لَيَسمَعُ باسمِه "الحَقِّ" حادِثةً جُزئيّةً لِامرَأةٍ، تلك المَرأةِ الَّتي حَظِيَت بأَلطَفِ تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، وهي الَّتي تُمَثِّلُ أَعظَمَ كَنزٍ لِحَقيقةِ الرَّأفةِ والحَنانِ؛ هذه الدَّعوَى المُقدَّمةَ مِنِ امرَأةٍ وهي مُحِقّةٌ في دَعواها على زَوجِها وشَكْواها إلى اللهِ مِنه يَسمَعُها برَحمةٍ بالِغةٍ كأيِّ أَمرٍ عَظيمٍ باسمِ "الرَّحِيمِ"، ويَنظُرُ إلَيها بكلِّ شَفَقةٍ ويَراها باسمِ "الحَقِّ".
فلِأَجلِ جَعْلِ هذا المَقصَدِ الجُزئيِّ كُلِّیيًّا تُفيدُ الآيةُ بأنَّ الَّذي يَسمَعُ أَدنَى حادِثةٍ مِنَ المَخلُوقاتِ ويَراها، يَلزَمُ أن يكُونَ ذلك الَّذي يَسمَعُ كلَّ شيءٍ ويَراه، وهو المُنَیزَّهَ عنِ المُمكِناتِ؛ والَّذي يكُونُ رَبًّا للكَونِ لا بُدَّ أن يَرَى ما في الكَونِ أَجمَعَ مِن مَظالِمَ، ويَسمَعَ شَكوَى المَظلُومِين، فالَّذي لا يَرَى مَصائِبَهم ولا يَسمَعُ استِغاثاتِهم لا يُمكِنُ أن يكُونَ رَبًّا لهم. لذا فإنَّ جُملةَ: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ تُبيِّنُ حَقيقَتَينِ عَظيمَتَينِ. كما جَعَلَتِ المَقصَدَ الجُزئيَّ أَمرًا كُلِّیيًّا.

ومَثَلٌ ثانٍ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيع 9Oلْبَصِيرُ:

إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يَختِمُ هذه الآيةَ بی إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وذلك بعدَ ذِكرِه إسراءَ الرَّسُولِ الحَبيبِ (ص) مِن مَبدَأِ المِعراجِ، أي: مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأَقصَى.
فالضَّميرُ في إِنَّه إمّا أن يَرجِعَ إلى اللهِ تَعالَى، أو إلى الرَّسُولِ الكَريمِ (ص)؛ فإذا كان راجِعًا إلى الرَّسُولِ (ص) فإنَّ قَوانينَ البَلاغةِ ومُناسَبةَ سِياقِ الكَلامِ تُفيدانِ أنَّ هذه السِّياحةَ الجُزئيّةَ فيها مِنَ السَّيرِ العُمُوميِّ والعُرُوجِ الكُلِّيِّ ما قد سَمِعَ وشاهَدَ كلَّ ما لاقَى بَصَرَه وسَمْعَه مِنَ الآياتِ الرَّبّانيّةِ، وبَدائِعِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ في أثناءِ ارتِقائِه المَراتِبَ الكُلِّيّةَ للأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى البالِغةِ إلى سِدْرةِ المُنتَهَى، حتَّى كان قابَ قَوسَينِ أو أَدنَى. مِمّا يَدُلُّ على أنَّ هذه السِّياحةَ الجُزئيّةَ هي في حُكمِ مِفتاحٍ لِسِياحةٍ كُلِّیيّةٍ جامِعةٍ لِعَجائِبِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ.
— 544 —
وإذا كان الضَّميرُ راجِعًا إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، فالمَعنَى يكُونُ عِندَئذٍ هكذا: إنَّه سُبحانَه وتَعالَى دَعا عَبدَه إلى حُضُورِه والمُثُولِ بينَ يَدَيهِ، لِيُنيطَ به مُهِمّةً ويُكلِّفُه بوَظيفةٍ، فأَسرَى به مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأَقصَى الَّذي هو مَجمَعُ الأَنبِياءِ؛ وبعدَ إجراءِ اللِّقاءِ معَهم وإظهارِه بأنَّه الوارِثُ المُطلَقُ لِأُصُولِ أَديانِ جَميعِ الأَنبِياءِ، سَيَّیرَه في جَولةٍ ضِمنَ مُلكِه وسِياحةٍ ضِمنَ مَلَكُوتِه، حتَّى أَبلَغَه سِدْرةَ المُنتَهَى، فكان قابَ قَوسَينِ أو أَدنَى.. وهكذا، فإنَّ تلك السِّياحةَ أو السَّيرَ، وإن كانَت مِعراجًا جَزئيًّا، وأنَّ الَّذي عُرِجَ به عَبدٌ، إلّا أنَّ هذا العَبدَ يَحمِلُ أَمانةً عَظيمةً تَتَعلَّقُ بجَميعِ الكائناتِ، ومعَه نُورٌ مُبِينٌ يُنيرُ الكائناتِ ويُبدِّلُ مِن مَلامِحِها ويَصبِغُها بصِبغَتِه؛ فَضْلًا عن أنَّ لَدَيه مِفتاحًا يَستَطِيعُ أن يَفتَحَ به بابَ السَّعادةِ الأَبَديّةِ والنَّعيمِ المُقيمِ.
فلِأَجلِ كلِّ هذا يَصِفُ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى نَفسَه بی إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ كي يُظهِرَ أنَّ في تلك الأَمانةِ وفي ذلك النُّورِ وفي ذلك المِفتاحِ، مِنَ الحِكَمِ السّامِيةِ ما يَشمَلُ عُمُومَ الكائناتِ، ويَعُمُّ جَميعَ المَخلُوقاتِ، ويُحِيطُ بالكَونِ أَجمَعَ.
ومِثالٌ آخَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ففي هذه السُّورةِ يقُولُ تَعالَى: إنَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأَرضِ ذا الجَلالِ قد زَيَّن السَّماواتِ والأَرضَ، وبَيَّن آثارَ كَمالِه على ما لا يُعَدُّ مِنَ المُشاهِدِين، وجَعَلَهم يَرفَعُون إلَيه ما لا نِهايةَ له مِنَ الحَمدِ والثَّناءِ؛ وإنَّه تَعالَى زَيَّن الأَرضَ والسَّماءَ بما لا يُحَدُّ مِنَ النِّعَمِ والآلاءِ، فتَحمَدُ السَّماواتُ والأَرضُ بلِسانِ نِعَمِها وبلِسانِ المُنعَمِين جَميعًا وتُثنِي على فاطِرِها "الرَّحمٰنِ".. وبعدَ ذلك يقُولُ: إنَّ اللهَ سُبحانَه الَّذي مَنَح الإنسانَ والحَيَواناتِ والطُّیيُورَ مِن سُكّانِ الأَرضِ أَجهِزةً وأَجنِحةً يَتَمكَّنُون بها مِنَ الطَّيَرانِ والسِّياحةِ بينَ مُدُنِ الأَرضِ ومَمالِكِها، والَّذي مَنَح سُكّانَ النُّجُومِ وقُصُورَ السَّماواتِ یی وهُمُ المَلائكةُ یی كي تَسِيحَ وتَطِيرَ بينَ مَمَالِكِها العُلْوِيّةِ وأَبراجِها السَّماوِيّةِ، لا بُدَّ أن يكُونَ قادِرًا على كلِّ شيءٍ؛ فالَّذي أَعطَى الذُّبابةَ الجَناحَ لِتَطيرَ مِن ثَمَرةٍ إلى أُخرَى،
— 545 —
والعُصفُورَ لِيَطيرَ مِن شَجَرةٍ إلى أُخرَى، هو الَّذي جَعَل المَلائكةَ أُولي أَجنِحةٍ لِتَطيرَ مِنَ الزُّهْرةِ إلى المُشتَرِي ومِنَ المُشتَرِي إلى زُحَلَ.
ثمَّ إنَّ عِبارةَ: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ تُشِيرُ إلى أنَّ المَلائكةَ لَيسُوا مُنحَصِرين بجُزئيّةٍ ولا يُقيِّدُهم مَكانٌ مُعَيَّنٌ، كما هي الحالُ في سُكّانِ الأَرضِ، بل يُمكِنُ أن يكُونُوا في آنٍ واحِدٍ في أَربَعِ نُجُومٍ أو أَكثَرَ.
فهذه الحادِثةُ الجُزئيّةُ، أي: تَجهِيزُ المَلائكةِ بالأَجنِحةِ تُشِيرُ إلى عَظَمةِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُطلَقةِ العامّةِ وتُؤكِّدُها بخُلاصةٍ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

نُكتةُ البلاغةِ العاشرة:

قد تَذكُرُ الآيةُ ما اقتَرَفَه الإنسانُ مِن سَيِّئاتٍ، فتَزجُرُه زَجْرًا عَنِيفًا، ثمَّ تَختِمُها ببَعضٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى الَّتي تُشِيرُ إلى الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ لِئلَّا يُلقِيَه الزَّجرُ العَنيفُ في اليَأسِ والقُنُوطِ.
فمَثلًا:
قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ٭ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ٭ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا.
تقُولُ هذه الآيةُ: قُل لهم: لو كان في مُلكِ اللهِ شَريكٌ كما تقُولُون، لَامتَدَّت أَيدِيهم إلى عَرشِ رُبُوبيَّتِه، ولَظَهَرَت عَلائمُ المُداخَلةِ باختِلالِ النِّظامِ، ولكنَّ جَميعَ المَخلُوقاتِ مِنَ السَّماواتِ السَّبعِ الطِّباقِ إلى الأَحياءِ المِجهَرِيّةِ، جُزئيِّها وكُلِّیيِّها، صَغيرِها وكَبِيرِها، تُسَبِّحُ بلِسانِ ما يَظهَرُ علَيها مِن تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى ونُقُوشِها، وتُقَدِّسُ مُسَمَّى تلك الأَسماءِ ذا الجَلالِ والإكرامِ، وتُنزِّهُه عنِ الشَّريكِ والنَّظيرِ.
نعم، إنَّ السَّماءَ تُقَدِّسُه وتَشهَدُ على وَحدَتِه بكَلِماتِها النَّیيِّرةِ مِن شُمُوسٍ ونُجُومٍ، وبحِكمَتِها وانتِظامِها.. وإنَّ جَوَّ الهَواءِ يُسَبِّحُه ويُقَدِّسُه ويَشهَدُ على وَحدانيَّتِه بصَوتِ السَّحابِ وكَلِماتِ الرَّعدِ والبَرقِ والقَطَراتِ.. والأَرضُ تُسَبِّحُ خالِقَها الجَليلَ وتُوَحِّدُه
— 546 —
بكَلِماتِها الحَيّةِ مِن حَيَواناتٍ ونَباتاتٍ ومَوجُوداتٍ.. وكذا تُسَبِّحُه وتَشهَدُ على وَحدانيَّتِه كلُّ شَجَرةٍ مِن أَشجارِها بكَلِماتِ أَوراقِها وأَزاهيرِها وثَمَراتِها.. وكلُّ مَخلُوقٍ صَغيرٍ ومَصنُوعٍ جُزئيٍّ معَ صِغَرِه وجُزئيَّتِه يُسبِّحُ بإشاراتِ ما يَحمِلُه مِن نُقُوشٍ وكَيفيّاتٍ وما يُظهِرُه مِن أَسماءٍ حُسنَى كَثيرةٍ، ويُقدِّسُ مُسَمَّى تلك الأَسماءِ ذا الجَلالِ ويَشهَدُ على وَحدانيَّتِه تَعالَى.
وهكذا، فالكَونُ برُمَّتِه معًا وبلِسانٍ واحِدٍ يُسَبِّحُ خالِقَه الجَليلَ مُتَّفِقًا ويَشهَدُ على وَحدانيَّتِه، مُؤَدِّيًا بكَمالِ الطّاعةِ ما أُنيطَ به مِن وَظائفِ العُبُودِيّةِ، إلّا الإنسانَ الَّذي هو خُلاصةُ الكَونِ ونَتيجَتُه وخَليفَتُه المُكَرَّمُ وثَمَرتُه اليانِعةُ، يقُومُ بخِلافِ جَميعِ ما في الكَونِ وبضِدِّه، فيَكفُرُ باللهِ ويُشرِكُ به! فكم هو قَبيحٌ صَنِيعُه هذا؟! وكم يا تُرَى يَستَحِقُّ عِقابًا على ما قَدَّمَت يَداه؟ ولكِن لئَلّا يَقَع الإنسانُ في هاوِيةِ اليَأسِ والقُنُوطِ ولِتَبيِنَ حِكْمةُ عَدَمِ هَدْمِ القَهَّارِ الجَليلِ الكَونَ على رَأسِه بما يَجتَرِحُه مِن سَيِّئاتٍ شَنِيعةٍ كهذه الجِنايةِ العُظمَى، تقُولُ الآيةُ الكَرِيمةُ: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا مُبَيِّنةً بهذه الخاتِمةِ حِكْمةَ الإمهالِ، تارِكةً بابَ الأَمَلِ مَفتُوحًا.
فافْهَمْ مِن هذه الإشاراتِ العَشْرِ الإعجازِيّةِ، أنَّ في الخُلاصاتِ والفَذْلَكاتِ الَّتي في خِتامِ الآياتِ لَمَعاتٍ إعجازِيّةً كَثيرةً فَضْلًا عَمّا يَتَرشَّحُ مِنها مِن رَشَحاتِ الهِدايةِ الغَزِيرةِ، حتَّى بَلَغ بدُهاةِ البُلَغاءِ أنَّهم لم يَتَمالَكُوا أَنفُسَهم مِنَ الحَيرةِ والإعجابِ أَمامَ هذه الأَساليبِ البَدِيعةِ فقالُوا: ما هذا كَلامُ البَشَرِ، وآمَنُوا بحَقِّ اليَقينِ بقَولِه تَعالَى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
هذا، وإنَّ بَعضَ الآياتِ یی إلى جانِبِ جَميعِ الإشاراتِ المَذكُورةِ یی تَتَضمَّنُ مَزايا أُخرَى عَدِيدةً لم نَتَطرَّقْ إلَيها في بَحثِنا، فيُشاهَدُ مِن إجماعِ تلك المَزايا نَقْشٌ إعجازِيٌّ بَدِيعٌ يَراه حتَّى العُميانُ.

النُّور الثالثُ

وهو أنَّ القُرآنَ الكَريمَ لا يُمكِنُ أن يُقاسَ بأَيِّ كَلامٍ آخَرَ، إذ إنَّ مَنابِعَ عُلُوِّ طَبَقةِ الكَلامِ وقُوَّتِه وحُسْنِه وجَمالِه أَربَعةٌ:
— 547 —
الأوَّلُ: المُتَكلِّمُ. الثّاني: المُخاطَبُ. الثّالث: المَقصَدُ. الرّابع: المَقامُ. وليس المَقامُ وَحدَه كما ضَلَّ فيه الأُدَباءُ. فلا بُدَّ أن تَنظُرَ في الكَلامِ إلى: مَن قالَ؟ ولِمَن قالَ؟ ولِمَ قالَ؟ وفيمَ قالَ؟ فلا تَقِفْ عِندَ الكَلامِ وَحدَه وتَنظُرْ إلَيه.
ولَمّا كان الكَلامُ يَستَمِدُّ قُوَّتَه وجَمالَه مِن هذه المَنابِعِ الأَربَعةِ، فبإِنعامِ النَّظَرِ في مَنابِعِ القُرآنِ تُدرِكُ دَرَجةَ بَلاغَتِه وحُسْنَه وسُمُوَّه وعُلُوَّه.
نعم، إنَّ الكَلامَ يَستَمِدُّ القُوّةَ مِنَ المُتَكلِّمِ، فإذا كانَ الكَلامُ أَمرًا ونَهيًا يَتَضمَّنُ إرادةَ المُتَكلِّمِ وقُدرَتَه حَسَبَ دَرَجتِه، وعِندَ ذاك يكُونُ الكَلامُ مُؤَثِّرًا نافِذًا يَسرِي سَرَيانَ الكَهرَباءِ مِن دُونِ إعاقةٍ أو مُقاوَمةٍ؛ وتَتَضاعَفُ قُوّةُ الكَلامِ وعُلُوُّه حَسَبَ تلك النِّسبةِ.
فمَثلًا: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي و فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
فانظُرْ إلى قُوّةِ وعُلُوِّ هذه الأَوامِرِ الحَقيقيّةِ النّافِذةِ الَّتي تَتَضمَّنُ القُوّةَ والإرادةَ، ثمَّ انظُرْ إلى كَلامِ إنسانٍ وأَمرِه الجَماداتِ الشَّبِيهِ بهَذَيانِ المَحمُومِ: اسكُنِي يا أَرضُ وانشَقِّي يا سَماءُ وقُومي أَيَّتُها القِيامةُ!
فهل يُمكِنُ مُقايَسةُ هذا الكَلامِ معَ الأَمرَينِ النّافِذَينِ السّابقَينِ؟ ثمَّ أينَ الأَوامِرُ النّاشِئةُ مِن فُضُولِ الإنسانِ والنّابِعةُ مِن رَغَباتِه والمُتَولِّدةُ مِن أَمانيِّه.. وأينَ الأَوامِرُ الصّادِرةُ مِمَّن هو مُتَّصِفٌ بالآمِرِيّةِ الحَقّةِ يَأمُرُ وهو مُهَيمِنٌ على عَمَلِه؟! نعم، أينَ أَمرُ أَميرٍ عَظِيمٍ مُطاعٍ نافِذِ الكَلامِ يَأمُرُ جُنُودَه بی: "تَقَدَّمْ"؟ وأينَ هذا الأَمرُ إذا صَدَر مِن جُندِيٍّ بَسِيطٍ لا يُبالَى به؟ فهَذانِ الأَمرانِ وإن كانا صُورةً واحِدةً إلّا أنَّ بَينَهما مَعنًى بَوْنًا شاسِعًا، كما بينَ القائدِ العامِّ والجُندِيِّ.
ومَثلًا: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون و وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ: انظُرْ إلى قُوّةِ الأَمرَينِ وعُلُوِّهِما في هاتَينِ الآيتَينِ، ثمَّ انظُرْ إلى كَلامِ البَشَرِ مِن قَبِيلِ الأَمرِ. ألا تكُونُ النِّسبةُ بَينَهما كضَوءِ اليَراعِ أَمامَ نُورِ الشَّمسِ السّاطِعةِ؟
— 548 —
نعم، أينَ تَصوِيرُ عامِلٍ يُمارِسُ عَمَلَه، وبَيانُ صانِعٍ وهو يَصنَعُ، وكَلامُ مُحسِنٍ في آنِ إحسانِه؟ كلٌّ يُصَوِّرُ أَفاعيلَه، ويُطابِقُ فِعلُه قَولَه، أي يقُولُ: انظُرُوا فقد فَعَلتُ كذا لِكذا، أَفعَلُ هذا لذاك، وهذا يكُون كذا وذاك كذا.. وهكذا يُبيِّنُ فِعلَه للعَينِ والأُذُنِ معًا.
فمَثلًا:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ٭ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ٭ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ٭ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ٭ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ٭ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ
أينَ هذا التَّصوِيرُ الَّذي يَتَلَألَأُ كالنَّجمِ في بُرجِ هذه السُّورةِ في سَماءِ القُرآنِ، كأنَّه ثِمارُ الجَنّةِ، وقد ذَكَر كثيرًا مِنَ الدَّلائلِ ضِمنَ هذه الأَفعالِ معَ انتِظامِ البَلاغةِ وأَثبَتَ الحَشْرَ الَّذي هو نَتيجَتُها بتَعبِيرِ: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ لِيُلزِمَ به الَّذين يُنكِرُون الحَشْرَ في مُستَهَلِّ السُّورةِ.. فأينَ هذا وأينَ كَلامُ النّاسِ على وَجهِ الفُضُولِ عن أَفعالٍ لا تَمَسُّهم إلّا قَلِيلًا؟ فلا تكُونُ نِسبَتُه إلَيه إلّا كنِسبةِ صُورةِ الزَّهرةِ إلى الزَّهرةِ الحَقيقيّةِ الَّتي تَنبِضُ بالحَياةِ.
إنَّ بَيانَ مَعنَى هذه الآياتِ مِن قَولِه تَعالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى كَذَلِكَ الْخُرُوجُ على وَجهٍ أَفضَلَ يَتَطلَّبُ مِنّا وَقتًا طَوِيلًا، فنَكتَفي بالإشارةِ إلَيه ونَمضِي إلى شَأْنِنا:
إنَّ القُرآنَ يَبسُطُ مُقدِّماتٍ ليُرغِمَ الكُفّارَ على قَبُولِ الحَشْرِ، لإنكارِهم إيّاه في مُستَهَلِّ السُّورةِ، فيقُولُ: أفَلا تَنظُرُون إلى السَّماءِ فَوقَكم كيف بَنَيناها بِناءً مَهِيبًا مُنتَظِمًا؟ أوَلا تَرَوْن كيف زَيَّنّاها بالنُّجُومِ وبالشَّمسِ والقَمَرِ دُونَ نَقْصٍ أو فُطُورٍ؟ أوَلا تَرَوْن كيفَ بَسَطْنا الأَرضَ وفَرَشناها لكُم بالحِكمةِ، وثَبَّتْنا فيها الجِبالَ لِتَقِيَها مِن مَدِّ البِحارِ واستِيلائِها؟ أوَلا تَرَوْن أنّا خَلَقْنا فيها أَزواجًا جَمِيلةً مُتَنوِّعةً مِن كلِّ جِنسٍ مِنَ الخُضراواتِ والنَّباتاتِ، وزَيَّنّا بها أَرجاءَ الأَرضِ كافّةً؟ أوَلا تَرَوْن كيف أُرسِلُ ماءً مُبارَكًا مِنَ السَّماءِ فأُنبِتُ به البَساتينَ والزَّرعَ والثَّمَراتِ اللَّذِيذةَ مِن تَمْرٍ ونَحوِه وأَجعَلُه رِزقًا لِعِبادِي؟ أوَلا تَرَوْن أنَّني أُحيِي الأَرضَ المَيتةَ بذَلك الماءِ؟ وآتي أُلُوفًا مِنَ الحَشرِ الدُّنيَوِيّ.. فكما أُخرِجُ بقُدرَتي هذه
— 549 —
النَّباتاتِ مِن هذه الأَرضِ المَيتةِ، كذلك خُرُوجُكم يومَ الحَشرِ، إذ تَمُوتُ الأَرضُ في القِيامةِ وتُبعَثُون أنتُم أَحياءً. فأَينَ ما أَظهَرَتْه الآيةُ في إثباتِ الحَشرِ مِن جَزالةِ البَيانِ الَّتي ما أَشَرْنا إلّا إلى واحِدةٍ مِنَ الأَلْفِ مِنها؟ وأينَ الكَلِماتُ الَّتي يَسرُدُها النّاسُ لِدَعوَى مِنَ الدَّعاوَى؟
لَقدِ انتَهَجْنا مِن أَوَّلِ هذه الرِّسالةِ إلى هنا نَهْجَ المُحايِدِ المَوضُوعيِّ في تَحقيقِ قَضِيّةِ الإعجازِ، وقد أَبقَيْنا كَثِيرًا مِن حُقُوقِ القُرآنِ مَطوِيّةً مَخفِيّةً مَستُورةً، فكُنّا نَعقِدُ مُوازَنةً نُنزِلُ تلك الشَّمسَ مَنزِلةَ الشُّمُوعِ، وذلك كلُّه لِكَي نُخضِعَ خَصْمًا عاتِيًا لِقَبُولِ إعجازِ القُرآنِ.
والآنَ وقد وَفَّى التَّحقيقُ العِلمِيُّ مُهِمَّتَه، وأُثبِتَ إعجازُ القُرآنِ إثباتًا ساطِعًا، فنُشِيرُ ببَعضِ القَولِ باسمِ الحَقيقةِ لا باسمِ التَّحقيقِ العِلمِيِّ، إلى مَقامِ القُرآنِ، ذلك المَقامِ العَظيمِ الَّذي لا تَسَعُه مُوازَنةٌ ولا مِيزانٌ.
نعم، إنَّ نِسبةَ سائرِ الكَلامِ إلى آياتِ القُرآنِ، كنِسبةِ صُوَرِ النُّجُومِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ الَّتي تَتَراءَى في المَرايا، إلى النُّجُومِ نَفسِها.
نعم، أينَ كَلِماتُ القُرآنِ الَّتي كُلٌّ مِنها تُصَوِّرُ الحَقائقَ الثّابِتةَ وتُبيِّنُها؟ وأينَ المَعاني الَّتي يَرسُمُها البَشَرُ بكَلِماتِه على مَرايا صَغيرةٍ لِفِكرِه ومَشاعِرِه؟ أينَ الكَلِماتُ الحَيّةُ حَياةَ المَلائكةِ الأَطهارِ.. كَلِماتُ القُرآنِ الَّذي يَفِيضُ بأَنوارِ الهِدايةِ وهو كَلامُ خالِقِ الشَّمسِ والقَمَرِ؟ وأينَ كَلِماتُ البَشَرِ اللّاذِعةُ الخادِعةُ بدَقائقِها السّاحِرةِ بنَفَثاتِها الَّتي تُثِيرُ أَهواءَ النَّفسِ؟
نعم، كم هي النِّسبةُ بينَ الحَشَراتِ السّامّةِ والمَلائكةِ الأَطهارِ والرُّوحانيِّين المُنَوَّرِين؟ إنَّها هي النِّسبةُ نَفسُها بينَ كَلِماتِ البَشَرِ وكَلِماتِ القُرآنِ الكَريمِ. وقد أَثبَتَتْ هذه الحَقيقةَ معَ "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين" جَميعُ الكَلِماتِ الأَربَعِ والعِشرِينَ السّابِقةِ. فدَعوانا هذه لَيسَتِ ادِّعاءً، وإنَّما هي نَتيجةٌ لِبُرهانٍ سَبَقَها.
نعم، أينَ أَلفاظُ القُرآنِ الَّتي كلٌّ مِنها صَدَفُ دُرَرِ الهِدايةِ، ومَنبَعُ حَقائقِ الإيمانِ، ومَعدِنُ أُسُسِ الإسلامِ، والَّتي تَتَنزَّلُ مِن عَرشِ الرَّحمٰنِ وتَتَوجَّهُ مِن فَوقِ الكَونِ ومِن خارِجِه إلى الإنسانِ؟ فأينَ هذا الخِطابُ الأَزَليُّ المُتَضمِّنُ للعِلمِ والقُدرةِ والإرادةِ، مِن أَلفاظِ الإنسانِ الواهِيةِ المَليئةِ بالأَهواءِ؟
— 550 —
نعم، إنَّ القُرآنَ يُمَثِّیلُ شَجَرةَ طُوبَى طَيِّبةً نَشَرَت أَغصانَها في جَميعِ أَرجاءِ العالَمِ الإسلاميِّ، فأَوْرَقَت جَميعَ مَعنَوِيّاتِه وشَعائرِه وكَمالاتِه ودَساتيرِه وأَحكامِه، وأَبرَزَت أَولياءَه وأَصفِياءَه كزُهُورٍ نَضِرةٍ جَميلةٍ تَستَمِدُّ حُسْنَها ونَداوَتَها مِن ماءِ حَياةِ تلك الشَّجَرةِ، وأَثمَرَت جَميعَ الكَمالاتِ والحَقائقِ الكَونيّةِ والإلٰهِيّةِ حتَّى غَدَت كلُّ نَواةٍ مِن نُوَى ثِمارِها دُستُورَ عَمَلٍ ومَنهَجَ حَياةٍ.. نعم، أينَ هذه الحَقائقُ المُتَسَلسِلةُ الَّتي يُطالِعُنا بها القُرآنُ بمَثابةِ شَجَرةٍ مُثمِرةٍ وارِفةِ الظِّلالِ؟ وأينَ مِنها كَلامُ البَشَرِ المَعهُودُ؟ أينَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيّا؟
إنَّ القُرآنَ الحَكيمَ يَنشُرُ جَميعَ حَقائقِه في سُوقِ الكَونِ ويَعرِضُها على المَلَأِ أَجمَعينَ مُنذُ أَكثَرَ مِن أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ سَنةٍ، وإنَّ كلَّ فَردٍ وكلَّ أُمّةٍ وكلَّ بَلَدٍ قد أَخَذ مِن جَواهِرِه ومِن حَقائقِه، وما زالَ يَأخُذُ.. على الرَّغمِ مِن هذا فلم تُخِلَّ تلك الأُلفةُ، ولا تلك الوَفرةُ، ولا مُرُورُ الزَّمانِ، ولا التَّحَوُّلاتُ الهائلةُ، بحَقائقِه القَيِّمةِ ولا بأُسلُوبِه الجَميلِ، ولم تُشَيِّبْه ولم تَتَمكَّن مِن أن تُفقِدَهُ طَراوَتَه أو تُسقِطَ مِن قِيمَتِه أو تُطفِئَ سَنَا جَمالِه وحُسْنِه. إنَّ هذه الحالةَ وَحْدَها إعجازٌ أيُّ إعجازٍ.
والآنَ إذا ما قامَ أَحَدٌ ونَظَم قِسْمًا مِنَ الحَقائقِ الَّتي أَتَى بها القُرآنُ حَسَبَ أَهوائِه وتَصَرُّفاتِه الصِّبيانيّةِ، ثمَّ أَرادَ أن يُوازِنَ بينَ كَلامِه وكَلامِ القُرآنِ، بُغيةَ الِاعتِراضِ على بَعضِ آياتِه، وقال: "لقد قُلتُ كَلامًا شَبِيهًا بالقُرآنِ". فلا شَكَّ أنَّ كَلامَه هذا يَحمِلُ مِنَ السُّخْفِ والحَماقةِ ما يُشبِهُ هذا المِثالَ:
إنَّ بَنّاءً شَيَّدَ قَصْرًا فَخْمًا، أَحجارُه مِن جَواهِرَ مُختَلِفةٍ، ووَضَع تلك الأَحجارَ في أَوضاعٍ وزَيَّنَها بزِينةٍ ونُقُوشٍ مَوزُونةٍ تَتَعلَّقُ بجَميعِ نُقُوشِ القَصرِ الرَّفيعةِ، ثمَّ دَخَل ذلك القَصرَ مَن يَقصُرُ فَهمُه عن تلك النُّقُوشِ البَدِيعةِ، ويَجهَلُ قِيمةَ جَواهِرِه وزِينَتِهِ. وبَدَأَ يُبَدِّلُ نُقُوشَ الأَحجارِ وأَوضاعَها، ويَجعَلُها في نِظامٍ حَسَبَ أَهوائِه حتَّى غَدا بَيْتًا اعتِيادِيًّا؛ ثمَّ جَمَّلَه بما يُعجِبُ الصِّبْيانَ مِن خَرَزٍ تافِهٍ، ثمَّ بَدَأَ يقُولُ: انظُرُوا.. إنَّ لي مِنَ المَهارةِ في فَنِّ البِناءِ ما يَفُوقُ مَهارةَ باني ذلك القَصرِ الفَخْمِ، ولي ثَروةٌ أَكثَرُ مِن بَنّاءِ القَصْرِ! فانظُرُوا إلى جَواهِرِي الثَّمِينةِ! لا شَكَّ أنَّ كَلامَه هذا هَذَيانٌ بل هَذَيانُ مَجنُونٍ ليس إلّا.
٭ ٭ ٭
— 551 —

الشُّعلةُ الثالثة

هذه الشُّعلة لها ثلاثةُ أضواءٍ

الضِّياءُ الأوَّل

لقد وُضِّحَ في "الكَلِمةِ الثّالثةَ عَشْرةَ" وَجهٌ عَظيمٌ مِن وُجُوهِ إعجازِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، فأُخِذ هنا وأُدرِجَ معَ سائرِ إِخوَتِه مِن وُجُوهِ الإعجازِ: إذا شِئتَ أن تُشاهِدَ وتَتَذوَّقَ كيف تَنشُرُ كلُّ آيةٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ نُورَ إعجازِها وهِدايَتِها وتُبَدِّدُ ظُلُماتِ الكُفرِ كالنَّجمِ الثّاقِبِ؛ فتَصَوَّرْ نَفسَك في ذلك العَصرِ الجاهِليِّ وفي صَحراءِ تلك البَداوةِ والجَهلِ، فبَيْنا تَجِدُ كلَّ شيءٍ قد أُسدِلَ علَيه سِتارُ الغَفلةِ وغَشِيَه ظَلامُ الجَهلِ ولُفَّ بغِلافِ الجُمُودِ والطَّبِيعةِ، إذا بك تُشاهِدُ وقد دَبَّتِ الحَياةِ في تلك المَوجُوداتِ الهامِدةِ أوِ المَيتةِ في أَذهانِ السّامِعِين، فتَنهَضُ مُسَبِّحةً ذاكِرةً اللهَ بصَدَى قَولِه تَعالَى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وما شابَهَها مِنَ الآياتِ الجَليلةِ.
ثمَّ إنَّ وَجهَ السَّماءِ المُظلِمةِ الَّتي تَستَعِرُ فيها نُجُومٌ جامِدةٌ، تَتَحوَّلُ في نَظَرِ السّامِعِين، بصَدَى قَولِه تَعالَى تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ إلى فَمٍ ذاكِرٍ للهِ، كلُّ نَجمٍ يُرسِلُ شُعاعَ الحَقيقةِ ويَبُثُّ حِكمةً حَكيمةً بَليغةً.
وكذا يَتَحوَّلُ وَجهُ الأَرضِ الَّذي يَضُمُّ المَخلُوقاتِ الضَّعيفةَ العاجِزةَ بذلك الصَّدَى السَّماوِيِّ إلى رَأسٍ عَظيمٍ، والبَرُّ والبَحرُ لِسانَينِ يَلهَجانِ بالتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ وجَميعُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ كَلِماتٍ ذاكِرةً مُسَبِّحةً؛ حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ كلَّها تَنبِضُ بالحَياةِ.. وهكذا بانتِقالِك الشُّعُورِيِّ إلى ذلك العَصرِ تَتَذوَّقُ دَقائقَ الإعجازِ في تلك الآيةِ الكَرِيمةِ، وبخِلافِ ذلك تُحرَمُ مِن تَذَوُّقِ تلك الدَّقائقِ اللَّطيفةِ في الآيةِ الكَريمةِ.
نعم، إنَّك إذا نَظَرتَ إلى الآياتِ الكَريمةِ مِن خِلالِ وَضْعِك الحاضِرِ الَّذي
— 552 —
استَنارَ بنُورِ القُرآنِ منذُ ذلك العَصرِ حتَّى غَدا مَعرُوفًا، وتَنَوَّرَ بسائرِ العُلُومِ الإسلاميّةِ، حتَّى أَخَذَت صُورةَ النَّهارِ بشَمسِ القُرآنِ؛ أو إذا نَظَرتَ إلى الآياتِ مِن خِلالِ سِتارِ الأُلفةِ، فإنَّك یی بلا شَكٍّ یی لا تَرَى رُؤيةً حَقيقيّةً مَدَى الجَمالِ المُعجِزِ في كلِّ آيةٍ، وكيف أنَّها تُبَدِّدُ الظُّلُماتِ الدّامِسةَ بنُورِها الوَهّاجِ، ومِن بعدِ ذلك لا تَتَذوَّقُ وَجهَ إعجازِ القُرآنِ المَذكُورَ مِن بينِ وُجُوهِه الكَثيرةِ.
وإذا أَرَدتَ مُشاهَدةَ أَعظَمِ دَرَجةٍ لإعجازِ القُرآنِ الكَثيرةِ، فاستَمِعْ إلى هذا المِثالِ وتَأَمَّلْ فيه: لِنَفرِضْ شَجَرةً عَجِيبةً في مُنتَهَى العُلُوِّ والغَرابةِ وفي غايةِ الِانتِشارِ والسَّعةِ، قد أُسدِلَ علَيها غِطاءُ الغَيبِ، فاستَتَرَت طَيَّ طَبَقاتِ الغَيبِ، فمِنَ المَعلُومِ أنَّ هناك تَوازُنًا وتَناسُبًا وعَلاقاتِ ارتِباطٍ بينَ أَغصانِ الشَّجَرةِ وثَمَراتِها وأَوراقِها وأَزاهِيرِها یی كما هو مَوجُودٌ بينَ أَعضاءِ جِسمِ الإنسانِ یی فكُلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِها يَأخُذُ شَكْلًا مُعَيَّنًا وصُورةً مُعَيَّنةً حَسَبَ ماهِيوات تلك الشَّجَرةِ.
فإذا قامَ أَحَدٌ یی مِن قِبَلِ تلك الشَّجَرةِ الَّتي لم تُشاهَدْ قَطُّ ولا تُشاهَدُ یی ورَسَمَ على شاشةٍ صُورةً لِكُلِّ عُضْوٍ مِن أَعضاءِ تلك الشَّجَرةِ، وحَدَّ له، بأَن وَضَع خُطُوطًا تُمَثِّیلُ العَلاقاتِ بينَ أَغصانِها وثَمَراتِها وأَوراقِها، ومَلَأَ ما بينَ مَبدَئِها ومُنتَهاها یی البَعِيدَينِ عن بَعضِهِما بما لا يُحَدُّ یی بصُوَرٍ وخُطُوطٍ تُمثِّیلُ أَشكالَ أَعضائِها تَمامًا، وتُبْرِزُ صُوَرَها كامِلةً.. فلا يَبقَى أَدنَى شَكٍّ في أنَّ ذلك الرَّسَّامَ يُشاهِدُ تلك الشَّجَرةَ الغَيبِيّةَ بنَظَرِه المُطَّلِعِ على الغَيبِ ويُحِيطُ به عِلْمًا، ومِن بعدِ ذلك يُصَوِّرُها.
فالقُرآنُ المُبِينُ كهذا المِثالِ أيضًا، فإنَّ بَياناتِه المُعجِزةَ الَّتي تَخُصُّ حَقيقةَ المَوجُوداتِ یی تلك الحَقيقةَ الَّتي تَعُودُ إلى شَجَرةِ الخَلقِ المُمتَدّةِ مِن بَدْءِ الدُّنيا إلى نِهايةِ الآخِرةِ، والمُنتَشِرةِ مِنَ الفَرْشِ إلى العَرْشِ ومِنَ الذَّرّاتِ إلى الشُّمُوسِ یی قد حافَظَت تلك البَياناتُ الفُرقانيّةُ على المُوازَنةِ والتَّناسُبِ، وأَعطَتْ لكُلِّ عُضْوٍ مِنَ الأَعضاءِ ولكُلِّ ثَمَرةٍ مِنَ الثَّمَراتِ صُورةً تَلِيقُ بها، بحيثُ خَلُصَ العُلَماءُ المُحَقِّقون لَدَى إجراءِ تَحقِيقاتِهم وأَبحاثِهم إلى الِانبِهارِ والِانشِداهِ قائِلِين: "ما شاءَ اللهُ.. بارَكَ اللهُ، إنَّ الَّذي يَحُلُّ طِلَّسْمَ الكَونِ ويَكشِفُ مُعَمَّى الخَلقِ إنَّما هو أنتَ وَحْدَك أيُّها القُرآنُ الحَكِيمُ"!
— 553 —
فلْنُمَثِّلْ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی أَسماءَ اللهِ تَعالَى وصِفاتِه الجَلِيلةَ والأَفعالَ والشُّؤُونَ الرَّبّانيّةَ كأنَّها شَجَرةُ طُوبَى مِن نُورٍ تَمتَدُّ دائِرةُ عَظَمَتِها مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ، وتَسَعُ حُدُودُ كِبْرِيائِها الفَضاءَ المُطلَقَ غيرَ المَحدُودِ وتُحِيطُ به، ويَمتَدُّ مَدَى إجراءاتِها مِن حُدُودِ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ إلى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وإلى وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، فنَرَى أنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُبيِّنُ تلك الحَقيقةَ النُّورانيّةَ بجَميعِ فُرُوعِها وأَغصانِها وبجَميعِ غاياتِها وثَمَراتِها بَيانًا في مُنتَهَى التَّوافُقِ والِانسِجامِ بحيثُ لا تُعِيقُ حَقيقةٌ حَقيقةً أُخرَى، ولا يُفسِدُ حُكمُ حَقيقةٍ حُكْمًا لِأُخرَى، ولا تَستَوحِشُ حَقيقةٌ مِن غيرِها؛ وعلى هذه الصُّورةِ المُتَجانِسةِ المُتَناسِقةِ بيَّنَ القُرآنُ الكَريمُ حَقائقَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ والصِّفاتِ الجَليلةِ والشُّؤُونِ الرَّبّانيّةِ والأَفعالِ الحَكِيمةِ بَيانًا مُعجِزًا بحيثُ جَعَل جَميعَ أَهلِ الكَشفِ والحَقيقةِ وجَميعَ أُولي المَعرِفةِ والحِكمةِ الَّذين يَجُولُون في عالَمِ المَلَكُوتِ، يُصَدِّقُونه قائلِين أمامَ جَمالِ بَيانِه المُعجِزِ والإعجابُ يَغمُرُهم: "سُبحانَ الله! ما أَصْوَبَ هذا! وما أَكثَرَ انسِجامَه وتَوافُقَه وتَطابُقَه معَ الحَقيقةِ، وما أَجمَلَه وأَليَقَه!".
فلَو أَخَذْنا مَثلًا أَركانَ الإيمانِ السِّتّةَ الَّتي تَتَوجَّهُ إلى جَميعِ دائرةِ المَوجُوداتِ المُختَلِفةِ ودائرةِ الوُجُوبِ الإلٰهِيِّ، والَّتي تُعَدُّ غُصْنًا مِن تِلكُما الشَّجَرتَينِ العَظِيمَتَينِ، يُصَوِّرُها القُرآنُ الكَريمُ بجَميعِ فُرُوعِها وأَغصانِها وثَمَراتِها وأَزاهِيرِها، مُراعِيًا في تَصوِيرِه انسِجامًا بَدِيعًا بينَ ثَمَراتِها وأَزاهِيرِها، مُعَرِّفًا طَرْزَ التَّناسُبِ في مُنتَهَى التَّوازُنِ والِاتِّساقِ، بحيثُ يَجعَلُ عَقلَ الإنسانِ عاجِزًا عن إدراكِ أَبعادِه، ومَبهُوتًا أمامَ حُسْنِ جَمالِه.
ثمَّ إنَّ الإسلامَ الَّذي هو فَرعٌ مِن غُصنِ الإيمانِ أَبدَعَ القُرآنُ الكَرِيمُ وأَتَى بالرّائِعِ المُعجِبِ في تَصوِيرِ أَدَقِّ فُرُوعِ أَركانِه الخَمسةِ، وحافَظَ على جَمالِ التَّناسُبِ وكَمالِ التَّوازُنِ فيما بَينَها، بل حافَظَ على أَبسَطِ آدابِها ومُنتَهَى غاياتِها وأَعمَقِ حِكَمِها وأَصغَرِ فَوائدِها وثَمَراتِها؛ وأَبهَرُ دَليلٍ على ذلك هو كَمالُ انتِظامِ الشَّريعةِ العُظمَى النّابعةِ مِن نُصُوصِ ذلك القُرآنِ الجامِعِ ومِن إشاراتِه ورُمُوزِه.. فكَمالُ انتِظامِ هذه الشَّريعةِ الغَرّاءِ
— 554 —
وجَمالُ تَوازُنِها الدَّقيقِ وحُسْنُ تَناسُبِ أَحكامِها ورَصانَتُها، كلٌّ مِنها شاهِدُ عَدْلٍ لا يُجرَحُ، وبُرهانٌ قاطِعٌ باهِرٌ لا يَدنُو مِنه الرَّيبُ أَبدًا على أَحَقِّيّةِ القُرآنِ الكَريمِ؛ بمَعنَى أنَّ البَياناتِ القُرآنيّةَ لا يُمكِنُ أن تَستَنِدَ إلى عِلْمٍ جُزْئيٍّ لِبَشَرٍ، ولا سِيَّما إنسانٍ أُمِّيٍّ، بل لا بُدَّ أن تَستَنِدَ إلى عِلمٍ واسِعٍ مُحِيطٍ بكُلِّ شيءٍ بَصيرٍ بجَميعِ الأَشياءِ مَعًا..
فهو كَلامُ ذاتِ اللهِ الجَليلِ البَصِيرِ بالأَزَلِ والأَبَدِ مَعًا، والشّاهِدِ على جَميعِ الحَقائقِ في آنٍ واحِدٍ.. آمَنَّا.

الضِّياءُ الثَّاني

إنَّ فَلسَفةَ البَشَرِ الَّتي تُحاوِلُ أن تَتَصدَّى لِحِكمةِ القُرآنِ الكَريمِ وتَسعَى لِمُعارَضَتِها، قد سَقَطَتْ وهَوَت أمامَ حِكمةِ القُرآنِ السّامِيةِ، كما أَوضَحْنا ذلك في "الكَلِمةِ الثّانيةَ عَشْرةَ" في أُسلُوبِ حِكايةٍ تَمثيليّةٍ، وأَثبَتْناه إثباتًا قاطِعًا في كَلِماتٍ أُخرَى.
لِذا نُحِيلُ إلى تلك الرَّسائلِ، إلّا أنَّنا سنَعقِدُ هنا مُوازَنةً جُزئيّةً بَسِيطةً بَينَهما مِن جانبٍ آخَرَ وهو جانِبُ نَظْرَتِهما إلى الدُّنيا، كالآتي:
إنَّ فَلسَفةَ البَشَرِ وحِكمَتَه تَنظُرُ إلى الدُّنيا على أنَّها ثابِتةٌ دائِمةٌ، فتَذكُرُ ماهِيّةَ المَوجُوداتِ وخَواصَّها ذِكْرًا مُفَصَّلًا مُسهَبًا، بَينَما لو ذَكَرَتْ وَظائفَ تلك المَوجُوداتِ الدّالّةَ على صانِعِها فإنَّها تَذكُرُها ذِكْرًا مُجمَلًا مُقتَضَبًا. أي: إنَّها تُفَصِّلُ في ذِكرِ نُقُوشِ كِتابِ الكَونِ وحُرُوفِه، في حِينِ لا تُعيرُ مَعناه ومَغزاه اهتِمامًا كَبِيرًا.
أمّا القُرآنُ الكَريمُ فإنَّه يَنظُرُ إلى الدُّنيا على أنَّها: عابِرةٌ سَيّالةٌ، خَدّاعةٌ سَيّارةٌ، مُتَقلِّبةٌ لا قَرارَ لها ولا ثَباتَ، لِذا يَذكُرُ خَواصَّ المَوجُوداتِ وماهِيّاتِها المادِّيّةَ الظّاهِرةَ ذِكْرًا مُجمَلًا مُقتَضَبًا، بَينَما يُفَصِّلُ تَفصِيلًا كامِلًا لَدَى بَيانِه وَظائِفَها الَّتي تَنُمُّ عن عُبُودِيَّتِها الَّتي أَناطَها بها الصّانِعُ الجَليلُ، ولَدَى بَيانِه مَدَى انقِيادِ المَوجُوداتِ للأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ الإلٰهِيّةِ، وكيف وبأَيِّ وَجهٍ مِن وُجُوهِها تَدُلُّ على أَسماءِ صانِعِها الحُسنَى؟
— 555 —
ففي بَحثِنا هذا، سنُلقِي نَظرةً عَجْلَى على الفَرْقِ بينَ نَظرةِ الفَلسَفةِ ونَظرةِ القُرآنِ إلى الدُّنيا والمَوجُوداتِ مِن حيثُ هذا الإجمالُ والتَّفصِيلُ، لِنَرَى أينَ يَقِفُ الحَقُّ الأَبلَجُ والحَقيقةُ السّاطِعةُ.
إنَّ ساعَتَنا اليَدَويّةَ الَّتي يَبدُو علَيها الِاستِقرارُ والثَّباتُ تنطَوِي على تَغَيُّراتٍ وتَبَدُّلاتٍ واهتِزازاتٍ عَدِيدةٍ، سَواءٌ في حَرَكاتِ التُّرُوسِ الدّائمةِ أو في اهتِزازاتِ المُسَنَّناتِ والآلاتِ الدَّقيقةِ؛ فكما أنَّ السّاعةَ هكذا، فالدُّنيا كذلك كأنَّها ساعةٌ عَظِيمةٌ أَبدَعَتْها القُدرةُ الإلٰهِيّةُ، فعلى الرَّغمِ مِن أنَّها تَبدُو ثابِتةً مُستَقِرّةً، فهي تَتَقلَّبُ وتَتَدحْرَجُ في تَغَيُّرٍ واضطِرابٍ دائمَينِ، ضِمنَ تَيّارِ الزَّوالِ والفَناءِ؛ إذ لَمّا حَلَّ "الزَّمانُ" في الدُّنيا، أَصبَحَ "اللَّيلُ والنَّهارُ" كعَقْرَبِ الثَّواني ذِي الرَّأسِ المُزدَوَجِ لتلك السّاعةِ العُظمَى، تَتَبدَّلُ بسُرعةٍ.. وصارَتِ "السَّنةُ" كأنَّها عَقرَبُ الدَّقائقِ لتلك السّاعةِ.. وغَدا "العَصرُ" كأنَّه عَقرَبُ السّاعاتِ لها.. وهكذا أَلقَى "الزَّمانُ" الدُّنيا على ظَهرِ أَمواجِ الزَّوالِ والفَناءِ، مُستَبْقِيًا الحاضِرَ وَحدَه للوُجُودِ مُسَلِّمًا الماضِيَ والمُستَقبَلَ إلى العَدَمِ.
فالدُّنيا یی عَلاوةً على هذه الصُّورةِ الَّتي يَمنَحُها الزَّمانُ یی هي كالسّاعةِ أيضًا مُتَغيِّرةٌ وغيرُ ثابِتةٍ، مِن حيثُ "المَكانُ"؛ إذ إنَّ "الجَوَّ" یی كمَكانٍ یی في تَبَدُّلٍ سَرِيعٍ، وفي تَغَيُّرٍ دائِمٍ، وفي تَحَوُّلٍ مُستَمِرٍّ، حتَّى إنَّه قد يَحدُثُ في اليَومِ الواحِدِ مَرّاتٍ عِدّةً امتلاءُ الغُيُومِ بالأَمطارِ ثمَّ انقِشاعُها عن صَحْوٍ باسِمٍ. أي: كأنَّ الجَوَّ بسُرعةِ تَغَيُّرِه وتَحَوُّلِه يُمَثِّیلُ عَقْرَبَ الثَّواني لتلك السّاعةِ العُظمَى.
و"الأَرضُ" الَّتي هي رَكِيزةُ دارِ الدُّنيا، فإنَّ "وَجْهَها" كمَكانٍ في تَبَدُّلٍ مُستَمِرٍّ، مِن حيثُ المَوتُ والحَياةُ، ومِن حيثُ ما علَيه مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ، لِذا فهو كعَقْرَبِ الدَّقائقِ تُبيِّنُ لنا أنَّ هذه الجِهةَ مِنَ الدُّنيا عابِرةٌ سائِرةٌ زائِلةٌ؛ وكما أنَّ الأَرضَ مِن حيثُ وَجْهُها في تَبَدُّلٍ وتَغَيُّرٍ، فإنَّ ما في "باطِنِها" مِن تَغَيُّراتٍ وزَلازِلَ وانقِلاباتٍ تَنتَهي إلى بُرُوزِ الجِبالِ وخَسْفِ الأَرضِ، جَعَلَها كعَقْرَبِ السّاعاتِ الَّتي تَسِيرُ ببُطْءٍ نَوعًا مّا، إلّا أنَّها تُبيِّنُ لنا أنَّ هذه الجِهةَ مِنَ الدُّنيا أيضًا تَمضِي إلى زَوالٍ.
— 556 —
أمّا "السَّماءُ" الَّتي هي سَقْفُ دارِ الدُّنيا، فإنَّ التَّغَيُّراتِ الحاصِلةَ فيها یی كمَكانٍ یی سَواءٌ بحَرَكاتِ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ، أو بظُهُورِ المُذَنَّباتِ وحُدُوثِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ، وسُقُوطِ النُّجُومِ والشُّهُبِ وأَمثالِها مِنَ التَّغَيُّراتِ تُبيِّنُ أنَّ السَّماءَ لَيسَت ثابِتةً ولا مُستَقِرّةً، بل تَسِيرُ نحوَ الهَرَمِ والدَّمارِ؛ فتَغَيُّراتُها كعَقرَبِ السّاعةِ العادَّةِ للأَسابِيعِ، الدّالّةِ على مُضِيِّها نحوَ الخَرابِ والزَّوالِ رَغمَ سَيرِها البَطِيءِ.
وهكذا، فالدُّنيا یی مِن حَيثُ إنَّها دُنيا (أي: باعتِبارِ نَفسِها) یی قد شُيِّدَت على هذه الأَركانِ السَّبعةِ، هذه الأَركانُ تَهُدُّها في كلِّ وَقتٍ وتُزَلزِلُها كلَّ حِينٍ، إلّا أنَّ هذه الدُّنيا المُتَزلزِلةَ المُتَغيِّرةَ المُتَبدِّلةَ باستِمرارٍ عِندَما تَتَوجَّهُ إلى صانِعِها الجَليلِ، فإنَّ تلك التَّغيُّراتِ والحَرَكاتِ تَغدُو حَرَكاتِ قَلَمِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ لَدَى كِتابَتِها رَسائِلَ صَمَدانيّةً على صَفْحةِ الوُجُودِ، وتُصبِحُ تَبَدُّلاتُ الأَحوالِ مَرايا مُتَجدِّدةً تَعكِسُ أَنوار تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى، وتُبيِّنُ شُؤُونَها الحَكِيمةَ وتَصِفُها بأَوصافٍ مُتَنوِّعةٍ مُختَلِفةٍ لائِقةٍ بها.
وهكذا، فالدُّنيا یی مِن حيثُ إنَّها دُنيا یی مُتَوجِّهةٌ نحوَ الفَناءِ والزَّوالِ، وساعيةٌ سَعْيًا حَثِيثًا نحوَ المَوتِ والخَرابِ، ومُتَزلزِلةٌ مُتَبدِّلةٌ باستِمرارٍ؛ فهي عابِرةٌ راحِلةٌ كالماءِ الجارِي في حَقيقةِ أَمرِها، إلّا أنَّ الغَفلةَ عنِ اللهِ أَظهَرَت ذلك الماءَ جامِدًا ثابِتًا، وبمَفهُومِ "الطَّبِيعةِ" المادِّيِّ تُعَكِّرُ صَفْوَه وتُلَوِّثُ نَقاءَه، حتَّى غَدَتِ الدُّنيا سِتارًا كَثِيفًا يَحْجُبُ الآخِرةَ.
فالفَلسَفةُ السَّقِيمةُ بتَدقِيقاتِها الفَلسَفيّةِ وتَحَرِّياتِها، وبمَفهُومِ الطَّبِيعةِ المادِّيِّ، وبمُغرِياتِ المَدَنيّةِ السَّفِيهةِ الفاتِنةِ، وهَوْساتِها وعَرْبَدَتِها.. كَثَّفَت تلك الدُّنيا وزادَتْها صَلابةً وتَجَمُّدًا، وعَمَّقَتِ الغَفلةَ في الإنسانِ، وضاعَفَت مِن لَوْثاتِها وشَوائِبِها حتَّى أَنْسَتْه الصّانِعَ الجَليلَ والآخِرةَ البَهِيجةَ.
أمّا القُرآنُ الكَرِيمُ فإنَّه يَهُزُّ هذه الدُّنيا یی وتلك حَقِيقَتُها یی هَزًّا عَنِيفًا یی مِن حيثُ إنَّها دُنيا یی حتَّى يَجعَلَها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وذلك في قَولِه تَعالَى: الْقَارِعَةُ ٭ مَا الْقَارِعَةُ و إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ و وَالطُّورِ ٭ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الجَليلةِ.
— 557 —
ثمَّ إنَّه يَمنَحُ الدُّنيا شَفافيّةً وصَفاءً رائِقًا مُزِيلًا عنها الشَّوائبَ والأَكدارَ، وذلك ببَياناتِها الرّائعةِ في قَولِه تَعالَى: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الحَكِيمةِ.
ثمَّ إنَّه يُذِيبُ تلك الدُّنيا الجامِدةَ بنَظَرِ الغَفلةِ عنِ اللهِ بعِباراتِه النُّورانيّةِ اللّامِعةِ في قَولِه تَعالَى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ العَظِيمةِ.
ثمَّ إنَّه يُزِيلُ تَوَهُّمَ الأَبَديّةِ والخُلُودِ في الدُّنيا بعِباراتِه الَّتي تَنُمُّ عن زَوالِ الدُّنيا ومَوتِها في قَولِه تَعالَى: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ.
ثمَّ إنَّه يُبَدِّدُ الغَفلةَ المُوَلِّدةَ لِمَفهُومِ "الطَّبِيعةِ" المادِّيِّ، ويُشَتِّیتُها بنِداءاتِه المُدَوِّيةِ كالصّاعِقةِ في قَولِه تَعالَى:
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ..
وأَمثالِها مِنَ الآياتِ النَّیيِّرةِ.
وهكذا، فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ بجَميعِ آياتِه المُتَوجِّهةِ للكَونِ يَمضِي على هذا الأَساسِ، فيَكشِفُ عن حَقيقةِ الدُّنيا كما هي، ويُبَيِّنُها للأَنظارِ، ويَصرِفُ نَظَرَ الإنسانِ ببَيانِه إلى مَدَى دَمامةِ وَجهِ الدُّنيا القَبِيحِ یی بتلك الآياتِ یی لِيَتَوجَّهَ إلى الوَجهِ الصَّبُوحِ الجَميلِ للدُّنيا الجَمِيلةِ، ذلك الوَجهِ المُتَوجِّهِ إلى الصّانِعِ الجَليلِ؛ فيُوَجِّهُ نَظَرَ الإنسانِ إلى هذا الوَجهِ، مُلَقِّنًا إيّاه الحِكمةَ الصّائبةَ والفَلسَفةَ الحَقّةَ بما يُعَلِّمُه مِن مَعاني كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ معَ الْتِفاتِه إلى حُرُوفِه ونُقُوشِه نادِرًا كَيْلا يُبَدِّدَ جُهُودَه فيما لا يَعنِيه مِن أُمُورِ نُقُوشِ الحُرُوفِ الزّائِلةِ كما تَفعَلُه الفَلسَفةُ الثَّمِلةُ العاشِقةُ للقَبِيحِ، حيثُ أَنْسَتْه النَّظَرَ إلى المَعنَى والمَغزَى.
— 558 —

الضِّياءُ الثّالث

لقد أَشَرْنا في "الضِّياءِ الثّاني" إلى انْهِزامِ حِكمةِ البَشَرِ وسُقُوطِها أمامَ حِكمةِ القُرآنِ، فكانَت إِشارةً إلى إعجازِ حِكمةِ القُرآنِ. وفي هذا الضِّياءِ سنُبيِّنُ دَرَجةَ حِكمةِ تَلاميذِ القُرآنِ، وهمُ العُلَماءُ الأَصفِياءُ والأَولِياءُ الصّالِحُون والمُنَوَّرُون مِن حُكَماءِ الإشراقيِّين أمامَ حِكمةِ القُرآنِ، مُشِيرِين مِن هذا الجانِبِ إلى إعجازِ القُرآنِ إشارةً مُختَصَرةً.
إنَّ أَصدَقَ دَليلٍ على سُمُوِّ القُرآنِ الحَكِيمِ وعُلُوِّه، وأَوضَحَ بُرهانٍ على كَوْنِه صِدْقًا وعَدلًا، وأَقْوَى عَلامةٍ وحُجّةٍ على إعجازِه، هو أنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد حافَظَ على التَّوازُنِ في بَيانِه التَّوحِيدَ بجَميعِ أَقسامِه معَ جَميعِ مَراتِبِ تلك الأَقسامِ وجَميعِ لَوازِمِه، ولم يُخِلَّ باتِّزانِ أَيٍّ مِنها.. ثم إنَّه قد حافَظَ على المُوازَنةِ المَوجُودةِ بينَ الحَقائقِ الإلٰهِيّةِ السّامِيةِ كُلِّها.. وجَمَع الأَحكامَ الَّتي تَقتَضِيها الأَسماءُ الإلٰهِيّةُ الحُسنَى جَميعُها معَ الحِفاظِ على التَّناسُبِ والتَّناسُقِ بينَ تلك الأَحكامِ.. ثمَّ إنَّه قد جَمَع بمُوازَنةٍ كامِلةٍ شُؤُونَ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهيّةِ.
فهذه "المُحافَظةُ والمُوازَنةُ والجَمعُ" خاصِّيّةٌ لا تُوجَدُ قَطْعًا في أيِّ أَثَرٍ كان مِن آثارِ البَشَرِ، ولا في نِتاجِ أَفكارِ أَعاظِمِ المُفَكِّرِين كافّةً، ولا تُوجَدُ قَطُّ في آثارِ الأَولياءِ الصّالِحِين النّافِذِين إلى عالَمِ المَلَكُوتِ، ولا في كُتُبِ الإشراقيِّين المُوغِلِين في بَواطِنِ الأُمُورِ، ولا في مَعارِفِ الرُّوحانيِّين الماضِين إلى عالَمِ الغَيبِ؛ بل كلُّ قِسْمٍ مِن أُولَئك قد تَشَبَّثَ بغُصنٍ أو غُصنَينِ فحَسْبُ مِن أَغصانِ الشَّجَرةِ العُظمَى للحَقيقةِ، فانشَغَلَ كُلِّیيًّا معَ ثَمَرةِ ذلك الغُصنِ ووَرَقِه، دُونَ أن يَلتَفِتَ إلى غَيرِه مِنَ الأَغصانِ؛ إمّا لِجَهْلِه به أو لِعَدَمِ الْتِفاتِه إلَيه.. وكأنَّ هناك نَوْعًا مِن تَقسِيمِ الأَعمالِ فيما بَينَهم.
نعم، إنَّ الحَقيقةَ المُطلَقةَ لا تُحِيطُ بها أَنظارٌ مَحدُودةٌ مُقَيَّدةٌ، إذ تَتَطلَّبُ نَظَرًا كُلِّیيًّا كنَظَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ لِيُحِيطَ بها، فكلُّ ما سِوَى القُرآنِ الكَرِيمِ یی ولو تَلَقَّى الدَّرْسَ مِنه یی لا يَرَى تَمامًا بعَقْلِه الجُزئيِّ المَحدُودِ إلّا طَرَفًا أو طَرَفَينِ مِنَ الحَقيقةِ الكامِلةِ، فيَنهَمِكُ
— 559 —
بذلك الجانِبِ ويَعكُفُ علَيه ويَنحَصِرُ فيه، فيُخِلُّ بالمُوازَنةِ الَّتي بينَ الحَقائقِ، ويُزِيلُ تَناسُقَها إمّا بالإفراطِ أو بالتَّفرِيطِ.
ولقد بَيَّنّا هذه الحَقيقةَ بتَمثيلٍ عَجِيبٍ في "الغُصنِ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ الرّابعةِ والعِشرِين"، أمّا هنا فسنُورِدُ مِثالًا آخَرَ يُشِيرُ إلى المَسأَلةِ نَفسِها، هو: لِنَفْرِضْ أنَّ كَنْزًا عَظِيمًا يَضُمُّ ما لا يُحَدُّ مِنَ الجَواهِرِ الثَّمِينةِ في قَعْرِ بَحرٍ واسِعٍ، وقد غاصَ غَوّاصُون مَهَرةٌ في أَعماقِ ذلك البَحرِ بَحْثًا عن جَواهِرِ ذلك الكَنزِ الثَّمينِ، ولكِن لأنَّ عُيُونَهم مَعصُوبةٌ فلا يَتَمكَّنُون مِن مَعرِفةِ أَنواعِ تلك الجَواهِرِ الثَّمينةِ إلّا بأَيدِيهم؛ ولقد لَقِيَت يَدُ بَعضِهم أَلْماسًا طَوِيلًا نِسبِيًّا، فيَقضِي ذلك الغَوّاصُ ويَحكُمُ أنَّ الكَنزَ عِبارةٌ عن قُضْبانٍ مِن أَلماسٍ؛ وعِندَما يَسمَعُ مِن أَصدِقائِه أَوْصافًا لِجَواهِرَ غَيرِها يَحسَبُ أنَّ تلك الجَواهِرَ الَّتي يَذكُرُونَها ما هي إلّا تَوابِعُ ما وَجَدَه مِن قُضبانِ الأَلْماسِ، وما هي إلّا فُصُوصُه ونُقُوشُه؛ ولْنَفْرِضْ أنَّ آخَرِين لَقُوا شَيئًا كُرَوِيًّا مِنَ الياقُوتِ، وآخَرِين وَجَدُوا كَهْرَبًا مُرَبَّعًا.. وهكذا.. فكلُّ واحِدٍ مِن هؤلاء الَّذين رَأَوْا تلك الجَواهِرَ والأَحجارَ الكَرِيمةَ بأَيدِيهم یی دُونَ عُيُونِهم یی يَعتَقِدُ أنَّ ما وَجَدَه مِن جَوْهَرٍ نَفيسٍ هو الأَصلُ في ذلك الكَنزِ ومُعظَمُه، ويَزعُمُ أنَّ ما يَسمَعُه مِن أَصدِقائِه زَوائِدُه وتَفَرُّعاتُه، وليس أَصْلًا لِلكَنزِ.
وهكذا تَختَلُّ مُوازَنةُ الحَقائقِ، ويَضْمَحِلُّ التَّناسُقُ أيضًا، ويَتَبدَّلُ لَونُ كَثيرٍ مِنَ الحَقائقِ، إذ يُضطَیرُّ مَن يُرِيدُ أن يَرَى اللَّونَ الحَقيقيَّ للحَقيقةِ إلى تَأوِيلاتٍ وتَكَلُّفاتٍ، حتَّى قد يَنْجَرُّ بَعضُهم إلى الإنكارِ والتَّعطِيلِ؛ فمَن يَتَأمَّلُ في كُتُبِ حُكَماءِ الإشراقيِّين، وكُتُبِ المُتَصوِّفةِ الَّذين اعتَمَدُوا على مَشهُوداتِهم وكَشْفِيّاتِهم دُونَ أن يَزِنُوها بمَوازِينِ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ يُصَدِّقُ حُكْمَنا هذا دُونَ تَرَدُّدٍ.. إذًا فعلى الرَّغمِ مِن أنَّهم يَستَرشِدُون بالقُرآنِ، ويُؤَلِّفُون في جِنسِ حَقائقِ القُرآنِ، إلّا أنَّ النَّقصَ يُلازِمُ آثارَهم، لأَنَّها لَيسَت قُرآنًا.
فالقُرآنُ الكَريمُ الَّذي هو بَحرُ الحَقائقِ، آياتُه الجَليلةُ غَوّاصةٌ كذلك في البَحرِ تَكشِفُ عنِ الكَنزِ، إلّا أنَّ عُيُونَها مُفَتَّحةٌ بَصِيرةٌ تُحِيطُ بالكَنزِ كُلِّه، وتُبصِرُ كلَّ ما فيه، لِذا يَصِفُ القُرآنُ الكَريمُ بآياتِه الجَليلةِ ذلك الكَنزَ العَظيمَ وَصْفًا مُتَوازِنًا يُلائِمُه ويَنسَجِمُ معَه، فيُظهِرُ حُسْنَه الحَقيقيَّ وجَمالَه الأَخّاذَ.
— 560 —
فمَثلًا: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يَرَى عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ الجَليلةِ، ويَصِفُها بما تُفِيدُه الآياتُ الكَرِيمةُ: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، وفي الوَقتِ نَفسِه يَرَى شُمُولَ رَحمَتِه تَعالَى ويَدُلُّ علَيها بما تُفصِحُ عنه الآياتُ الكَريمةُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ٭ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ.
ثمَّ إنَّه مِثلَما يَرَى سَعةَ الخَلّاقيّةِ الإلٰهِيّةِ ويَدُلُّ علَيها بما تُعَبِّیرُ عنه الآيةُ الكَريمةُ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ فإنَّه يَرَى شُمُولَ تَصَرُّفِه تَعالَى في الكَونِ وإحاطةَ رُبُوبيَّتِه بكُلِّ شيءٍ ويَدُلُّ علَيه بما تُبيِّنُه الآيةُ الكَريمةُ: خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ.
ثمَّ إنَّه مِثلَما يَرَى الحَقيقةَ العُظمَى الَّتي تَدُلُّ علَيها الآيةُ الكَريمةُ: يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فإنَّه يَرَى حَقيقةَ الكَرَمِ الواسِعِ الَّتي تُعبِّیرُ عنها الآيةُ الكَريمةُ: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ويَدُلُّ علَيها، ويَرَى في الوَقتِ نَفسِه حَقيقةَ الحاكِمِيّةِ المُهَيمِنةِ ويَدُلُّ علَيها بی وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ، ومِثلَما يَرَى الحَقيقةَ الرَّحِيمةَ المُدَبِّرةَ الَّتي تُفِيدُها الآيةُ الكَريمةُ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يَرَى الحَقيقةَ العُظمَى الَّتي تُفِيدُها الآيةُ الكَريمةُ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا في الوَقتِ الَّذي يَرَى حَقيقةَ الرَّقابةِ الإلٰهِيّةِ في تَعبِيرِ الآيةِ: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ كالحَقيقةِ المُحِيطةِ الَّتي تُفصِحُ عنها الآيةُ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ويَرَى أَقرَبِيَّیتَه سُبحانَه الَّتي يُعبِّیرُ عنها قَولُه تَعالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ مع ما تُشِيرُ إلَيه مِن حَقيقةٍ سامِيةٍ الآيةُ الكَريمةُ: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ كالحَقيقةِ الجامِعةِ الَّتي تَدُلُّ علَيها وتُفِيدُها الآيةُ الكَريمةُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ وأَمثالُها مِنَ الآياتِ الكَريمةِ الَّتي تَضُمُّ الدَّساتيرَ الدُّنيَويّةَ والأُخرَوِيّةَ والعِلمِيّةَ والعَمَليّةَ.
— 561 —
فالقُرآنُ يَرَى جَميعَ الدَّساتيرِ الَّتي تُحَقِّقُ سَعادةَ الدّارَينِ ويُبيِّنُها معَ بَيانِه كلَّ رُكنٍ مِن أَركانِ الإيمانِ السِّتّةِ بالتَّفصِيلِ، وكلَّ رُكنٍ مِن أَركانِ الإسلامِ الخَمسةِ بقَصْدٍ وجِدٍّ، مُحافِظًا على المُوازَنةِ فيما بَينَها جَميعًا مُدِيمًا تَناسُبَها، فيَنشَأُ مِن مَنبَعِ الجَمالِ والحُسْنِ البَدِيعِ الحاصِلِ مِن تَناسُبِ مَجمُوعِ تلك الحَقائقِ وتَوازُنِها إعجازٌ مَعنَوِيٌّ رائِعٌ للقُرآنِ.
فمِن هذا السِّرِّ العَظيمِ يَتَبيَّنُ أنَّ عُلَماءَ الكَلامِ وإن تَتَلمَذُوا على القُرآنِ الكَريمِ وأَلَّفُوا أُلُوفَ الكُتُبِ یی بعضُها عَشَراتُ المُجَلَّداتِ یی إلّا أنَّهم لِتَرجِيحِهمُ العَقْلَ على النَّقلِ كالمُعتَزِلةِ، عَجَزُوا عن أن يُوَضِّحُوا ما تُفِيدُه عَشْرُ آياتٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ وتُثبِتُه إثباتًا قاطِعًا بما يُورِثُ القَناعةَ والِاطمِئنانَ، ذلك لأنَّهم يَحفِرُون عُيُونًا في سُفُوحِ جِبالٍ بَعيدةٍ لِيَأتُوا مِنها بالماءِ إلى أَقصَى العالَمِ بوَساطةِ أَنابِيبَ، أي: بسِلسِلةِ الأَسبابِ، ثمَّ يَقطَعُون تلك السِّلسِلةَ هناك، فيُثبِتُون وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ والمَعرِفةَ الإلٰهِيّةَ الَّتي هي كالماءِ الباعِثِ على الحَياةِ!! أمّا الآياتُ الكَريمةُ فكُلُّ واحِدةٍ مِنها كعَصا مُوسَى تَستَطِيعُ أن تُفَجِّرَ الماءَ أَينَما ضَرَبَت، وتَفتَحَ مِن كلِّ شيءٍ نافِذةً تَدُلُّ على الصّانِعِ الجَليلِ وتُعَرِّفُه. وقد أُثبِتَت هذه الحَقيقةُ بوُضُوحٍ في سائرِ الكَلِماتِ وفي الرِّسالةِ العَرَبيّةِ "قَطْرةٌ" المُتَرَشِّحةِ مِن بَحرِ القُرآنِ.
ومِن هذا السِّرِّ أيضًا نَجِدُ أنَّ جَميعَ أَئِمّةِ الفِرَقِ الضّالّةِ الَّذين تَوَغَّلُوا في بَواطِنِ الأُمُورِ واعتَمَدُوا على مَشهُوداتِهم مِن دُونِ اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبَويّةِ، فرَجَعُوا مِن أَثناءِ الطَّرِيقِ، وتَرَأَّسُوا جَماعةً وشَكَّلُوا لهم فِرقةً ضالّةً.. هؤلاء قد زَلُّوا إلى مِثلِ هذه البِدَعِ والضَّلالةِ، وساقُوا البَشَرِيّةَ إلى مِثلِ هذه السُّبُلِ الضّالّةِ، لأنَّهم لم يَستَطِيعُوا أن يُحافِظُوا على تَناسُقِ الحَقائقِ ومُوازَنَتِها.. إنَّ عَجْزَ جَميعِ هؤلاء يُبيِّنُ إعجازًا للآياتِ القُرآنيّةِ.
٭ ٭ ٭
— 562 —

الخاتمة

لقد مَضَتْ لَمْعَتانِ إعجازِيَّتانِ مِن لَمَعاتِ إعجازِ القُرآنِ، في "الرَّشحةِ الرّابِعةَ عَشْرةَ مِنَ الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ"، وهما حِكمةُ التَّكرارِ في القُرآنِ، وحِكمةُ إجمالِه في مِضمارِ العُلُومِ الكَونيّةِ؛ وتَبيَّنَ بوُضُوحٍ هناك أنَّ كُلًّا مِنهما مَنبَعٌ مِن مَنابِعِ الإعجازِ بخِلافِ ما يَظُنُّ بعضُ النّاسِ أنَّهما سَبَبُ نَقصٍ وقُصُورٍ.. كما قد وُضِّحَت بجَلاءٍ لَمعةٌ مِن إعجازِ القُرآنِ الَّتي تَتَلَألأُ على وَجهِ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، وذلك في "المَقامِ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ العِشرِين"، وذُكِرَت كذلك أَمثالُ هذه اللَّمَعاتِ في سائرِ "الكَلِماتِ" وفي رَسائِلي العَرَبيّةِ، فنَكتَفي بها.
ولكِن نقُولُ: إنَّ مُعجِزةً قُرآنيّةً أُخرَى هي: كما أنَّ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ بمَجمُوعِها أَظهَرَت نَقْشًا مِن نُقُوشِ إعجازِ القُرآنِ، فإنَّ القُرآنَ كذلك بجَميعِ مُعجِزاتِه مُعجِزةٌ للرَّسُولِ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنَّ مُعجِزاتِه (ص) جَمِيعَها أيضًا هي مُعجِزةٌ قُرآنيّةٌ، إذ إنَّها تُشِيرُ إلى نِسبةِ القُرآنِ إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، أي: أنَّه كَلامُ الله. وبظُهُورِ هذه النِّسبةِ تكُونُ كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِ القُرآنِ مُعجِزةً، لأنَّ الكَلِمةَ الواحِدةَ آنَذاك يُمكِنُ أن تَتَضمَّنَ بمَعناها شَجَرةً مِنَ الحَقائقِ فهي بمَثابةِ النَّواةِ.. ويُمكِنُ أن تكُونَ ذاتَ عَلاقةٍ معَ جَميعِ أَعضاءِ الحَقيقةِ العُظمَى، بمَثابةِ مَركَزِ القَلبِ.. ويُمكِنُ أن تَنظُرَ وتَتَوجَّهَ بحُرُوفِها وهَيْئَتِها وكَيفِيَّتِها ومَوقِعِها إلى ما لا يُحَدُّ مِنَ الأُمُورِ، وذلك لِاستِنادِها إلى عِلمٍ مُحِيطٍ وإرادةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ.
ومِن هنا يَدَّعي عُلَماءُ عِلمِ الحُرُوف أنَّهمُ استَخْرَجُوا مِن حَرْفٍ مِنَ القُرآنِ أَسرارًا كَثيرةً تَسَعُ صَحِيفةً كامِلةً، ويُثبِتُون دَعواهم لِأَهلِ ذلك الفَنِّ.
والآنَ تَذَكَّرْ ما مَضَى في هذه الرِّسالةِ مِن أَوَّلِها إلى هنا، وانظُرْ بمِنظارِ مَجمُوعِ ما فيها مِنَ الشُّعَلِ والأَشِعّةِ واللَّمَعاتِ والأَنوارِ والأَضواءِ إلى نَتِيجةِ الدَّعوَى المَذكُورةِ في
— 563 —
أَوَّلِ الرِّسالةِ، تَجِدْها تُعلِنُها إعلانًا بأَعلَى صَوْتِها وتَقرَؤُها، تلك هي:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ٭ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ٭ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ٭ يَفْقَهُوا قَوْلِي
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم أَفضَلَ وأَجمَلَ وأَنبَلَ، وأَظهَرَ وأَطهَرَ، وأَحسَنَ وأَبَرَّ، وأَكرَمَ وأَعَزَّ، وأَعظَمَ وأَشرَفَ، وأَعلَى وأَزكَى، وأَبرَكَ وأَلطَفَ صَلَوَاتِكَ، وأَوفَى وأَكثَرَ وأَزيَدَ، وأَرقَى وأَرفَعَ وأَدوَمَ سَلَامِكَ، صَلَاةً وسَلَامًا، ورَحمَةً ورِضوَانًا، وعَفوًا وغُفرَانًا، تَمْتَدُّ وتَزِيدُ بِوَابِلِ سَحَائِبِ مَوَاهِبِ جُودِكَ وكَرَمِكَ، وتَنمُو وتَزكُو بِنَفَائِسِ شَرَائِفِ لَطَائِفِ جُودِكَ ومِنَنِكَ، أَزَلِيَّةً بِأزَلِيَّتِكَ لَا تَزُولُ، أَبَدِيَّةً بِأَبَدِيَّتِكَ لَا تَحُولُ، عَلَى عَبدِكَ وحَبِيبِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ خَيرِ خَلقِكَ، النُّورِ البَاهِرِ اللَّامِعِ، والبُرهَانِ الظَّاهِرِ القَاطِعِ، والبَحرِ الزَّاخِرِ، والنُّورِ الغَامِرِ، والجَمَالِ الزَّاهِرِ، والجَلَالِ القَاهِرِ، والكَمَالِ الفَاخِرِ، صَلَاتَكَ الَّتِي صَلَّيتَ بِعَظَمَةِ ذَاتِكَ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ كَذَلِكَ، صَلَاةً تَغفِرُ بِهَا ذُنُوبَنَا، وتَشرَحُ بِهَا صُدُورَنَا، وتُطَهِّرُ بِهَا قُلُوبَنَا، وتُرَوِّحُ بِهَا أَروَاحَنَا، وتُقَدِّسُ بِهَا أَسرَارَنَا، وتُنَزِّهُ بِهَا خَوَاطِرَنَا وأَفكَارَنَا، وتُصَفِّي بِهَا كُدُورَاتِ مَا فِي أَسرَارِنَا، وتَشفِي بِهَا أَمرَاضَنَا، وتَفتَحُ بِهَا أَقفَالَ قُلُوبِنَا.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
آمِينَ .. آمِينَ .. آمِينَ
٭ ٭ ٭
— 564 —

الذَّيلُ الأوَّلُ

المَرتَبةُ السّابعةَ عَشْرةَ مِنَ الشُّعاعِ السّابعِ "رسالة الآيةِ الكُبْرَى" أُلحِقَت ذَيلًا بالكَلِمةِ الخامسةِ والعِشرين "المُعجِزات القُرآنيّة".
إنَّ السَّائِحَ الَّذي لا يَنالُه تَعَبٌ ولا شِبَعٌ، والَّذي عَلِمَ أنَّ غايةَ الحَياةِ في هذه الدُّنيا، بل حَياةَ الحَياةِ إنَّما هو الإيمانُ، حاوَرَ هذا السّائِحُ قَلبَه قائلًا: "إنَّ كَلامَ مَن نَتَحَدَّثُ عنه هو أَشهَرُ كَلامٍ في هذا الوُجُودِ وأَصدَقُه وأَحكَمُه، وقد تَحَدَّى في كلِّ عَصرٍ مَن لا يَنقادُ إلَيه. ذلك القُرآنُ الكَريمُ ذُو البَيانِ المُعجِزِ.. فلنُراجِعْ إذًا هذا الكِتابَ الكَرِيمَ، ولْنَفْهَم ماذا يقُولُ.. ولكِن لِنَقِفْ لَحظةً قَبلَ دُخُولِنا هذا العالَمَ الجَمِيلَ، لِنَبحَثْ فيما يَجعَلُنا نَستَيقِنُ أنَّه كِتابُ خالِقِنا نحنُ..". وهكذا باشَرَ بالتَّدقيقِ والبَحثِ.
وحيثُ إنَّ هذا السّائحَ مِنَ المُعاصِرِين فقد نَظَر أوَّلًا إلى "رَسائلِ النُّورِ" الَّتي هي لَمَعاتُ الإعجازِ المَعنَوِيِّ للقُرآنِ الكَرِيمِ، فرَأَى أنَّ هذه الرَّسائلَ البالِغةَ مِئةً وثَلاثين رِسالةً هي بذاتِها تَفسِيرٌ قَيِّمٌ للآياتِ الفُرقانيّةِ، إذ إنَّها تَكشِفُ عن نِكاتِها الدَّقيقةِ وأَنوارِها الزّاهِيةِ.
ورَغمَ أنَّ رَسائلَ النُّورِ نَشَرَتِ الحَقائقَ القُرآنيّةَ بجِهادٍ مُتَواصِلٍ إلى الآفاقِ كافّةً، في هذا العَصرِ العَنِيدِ المُلحِدِ، لم يَستَطِعْ أَحَدٌ أن يُعارِضَها أو يَنقُدَها، مِمّا يُثبِتُ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي هو رائِدُها ومَنبَعُها، ومَرجِعُها، وشَمْسُها، إنَّما هو سَماوِيٌّ مِن كَلامِ اللهِ رَبِّ العالَمِين، وليس بكَلامِ بَشَرٍ، حتَّى إنَّ "الكَلِمةَ الخامِسةَ والعِشرِين" وخِتامَ "المَكتُوب التّاسِعَ عَشَرَ" وهما حُجّةٌ واحِدةٌ مِن بينِ مِئاتِ الحُجَجِ، تُقيمُها "رسائلُ النُّورِ" لِبَيانِ إعجازِ القُرآنِ، فتُثبِتُه بأَربَعِين وَجْهًا إثباتًا حَيَّر كلَّ مَن نَظَر إلَيها،
— 565 —
فقَدَّرَها وأُعجِبَ بها یی ناهِيك عن أنَّهم لم يَنقُدُوها ولم يَعتَرِضُوا علَيها قَطُّ یی بل أَثنَوْا علَيها كَثِيرًا. هذا، وقد أَحالَ السّائِحُ إثباتَ وَجهِ الإعجازِ للقُرآنِ الكَرِيمِ، وأنَّه كَلامُ اللهِ سُبحانَه حَقًّا إلى رَسائلِ النُّورِ، إلّا أنَّه أَنعَمَ النَّظَرَ في بِضْعِ نِقاطٍ تُبيِّنُ بإشارةٍ مُختَصَرةٍ عَظَمةَ القرآنِ الكَرِيمِ:
النُّقطةُ الأولى: مِثلَما أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ بكُلِّ مُعجِزاتِه وحَقائقِه الدّالّةِ على أَحَقِّیيَّتِه هو مُعجِزةٌ لِمُحمَّدٍ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فإنَّ مُحمَّدًا علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ بكُلِّ مُعجِزاتِه ودَلائلِ نُبُوَّتِه وكَمالاتِه العِلميّةِ مُعجِزةٌ أيضًا للقُرآنِ الكَرِيمِ وحُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ كَلامُ اللهِ ربِّ العالَمِين.
النُّقطةُ الثّانية: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد بَدَّلَ الحَياةَ الِاجتِماعيّةَ تَبدِيلًا هائِلًا نَوَّرَ الآفاقَ ومَلَأَها بالسَّعادةِ والحَقائقِ، وأَحدَث انقِلابًا عَظِيمًا سَواءٌ في نُفُوسِ البَشَرِ وفي قُلُوبِهم، أو في أَرواحِهم وفي عُقُولِهم، أو في حَياتِهِمُ الشَّخصِيّةِ والِاجتِماعيّةِ والسِّياسيّةِ، وأَدامَ هذا الِانقِلابَ وأَدارَه، بحيثُ إنَّ آياتِه البالِغةَ سِتّةَ آلافٍ وسِتَّ مِئةٍ وسِتًّا وسِتِّين آيةً تُتْلَى منذُ أَربَعةَ عَشَر قَرْنًا في كلِّ آنٍ بأَلسِنةِ أَكثَرَ مِن مِئةِ مِليُونِ شَخصٍ في الأَقَلِّ بكلِّ إجلالٍ واحتِرامٍ، فيُرَبِّي النّاسَ ويُزَكِّي نُفُوسَهم، ويُصَفِّي قُلُوبَهم، ويَمنَحُ الأَرواحَ انكِشافًا ورُقِيًّا، والعُقُولَ استِقامةً ونُورًا، والحَياةَ حَياةً وسَعادةً.. فلا شَكَّ أنَّه لا نَظِيرَ لِمِثلِ هذا الكِتابِ ولا شَبِيهَ له ولا مَثِيلَ، فهو خارِقٌ، وهو مُعجِزٌ.
النُّقطة الثّالثة: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد أَظهَرَ بَلاغةً یی أيَّما بَلاغةٍ یی منذُ ذلك العَصرِ إلى زَمانِنا هذا، حتَّى إنَّه حَطَّ مِن قِيمةِ "المُعَلَّقاتِ السَّبْعِ" المَشهُورةِ وهي قَصائِدُ أَبلَغِ الشُّعَراءِ، كُتِبَت بالذَّهَبِ وعُلِّقَت على جُدرانِ الكَعبةِ، حتَّى إنَّ ابنةَ "لَبِيدٍ" أَنزَلَت قَصِيدةَ أَبِيها مِن على جِدارِ الكَعبةِ قائِلةً: "أمَّا وقد جاءَتِ الآياتُ فلَيس لِمِثلِكِ هنا مَقامٌ".
— 566 —
وكذا عِندَما سَمِعَ أَعرابيٌّ الآيةَ الكَرِيمةَ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ خَرَّ ساجِدًا. فقيلَ له: "أَأَسْلَمْتَ؟" قال: "لا، بل سَجَدتُ لِبَلاغةِ هذه الآيةِ".
وكذا، فإنَّ آلافًا مِن أَئمّةِ البَلاغةِ وفُحُولِ الأَدَبِ، أَمثالَ عبدِ القاهِرِ الجُرجانِيِّ، والسَّكّاكِيِّ، والزَّمَخْشَرِيِّ، قد أَقَرُّوا بالإجماعِ والِاتِّفاقِ: أنَّ بَلاغةَ القُرآنِ فَوقَ طاقةِ البَشَرِ ولا يُمكِنُ أن تُدرَكَ.
وكذا، فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ منذُ نُزُولِه كانَ یی وما زالَ كذلك یی يَتَحدَّى كلَّ مَغرُورٍ ومُتَعنِّتٍ مِنَ الأُدَباءِ والبُلَغاءِ، ويَنالُ مِن عُتُوِّهم وتَعاليهم، تَحَدّاهم بأن يَأتُوا بسُورةٍ مِن مِثلِه، أو أن يَرضَوْا بالهَلاكِ والذُّلِّ في الدُّنيا والآخِرةِ.
وبَينَما يُعلِنُ القُرآنُ تَحَدِّيَه هذا، إذا ببُلَغاءِ ذلك العَصرِ العَنِيدِين قد تَرَكوا السَّبِيلَ القَصِيرةَ وهي المُضاهاةُ والمُعارَضةُ والإتيانُ بسُورةٍ مِن مِثلِه، سالِكِين السَّبِيلَ الطَّوِيلةَ، سَبِيلَ الحَربِ الَّتي تَأتي بالوَيلِ والدَّمارِ على الأَرواحِ والأَموالِ، مِمّا يُثبِتُ باختِيارِهم هذا أنَّه لا يُمكِنُ المَسِيرُ في تلك السَّبِيلِ القَصِيرةِ.
وكذا، ففي مُتَناوَلِ الأَيدِي مَلايِينُ الكُتُبِ العَرَبيّةِ الَّتي كَتَبَها أَولِياءُ القُرآنِ بشَغَفِ اقتِباسِ أُسلُوبِه وتَقلِيدِه، أو كَتَبَها أَعداؤُه لِأَجلِ مُعارَضَتِه ونَقْدِه، فكلُّ ما كُتِبَ، ويُكتَبُ، معَ التَّقَدُّمِ والرُّقِيِّ في الأُسلُوبِ النّاشِئِ مِن تَلاحُقِ الأَفكارِ یی ومنذُ ذلك الوَقتِ إلى الآنَ یی لا يُمكِنُ أن يُضاهِيَ أو يُدانِيَ أيٌّ مِنها أُسلُوبَ القُرآنِ، حتَّى لوِ استَمَعَ رَجُلٌ عامِّيٌّ لِمَا يُتلَى مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ لَاضطَرَّ إلى القَولِ: إنَّ هذا القُرآنَ لا يُشبِهُ أَيًّا مِن هذه الكُتُبِ، ولا في مَرتَبَتِها؛ فإمّا أنَّ بَلاغَتَه تحتَ الجَميعِ، أو أنَّها فوقَ الجَميعِ. ولن يَستَطِيعَ إنسانٌ كائِنًا مَن كانَ، ولا كافِرٌ، ولا أَحمَقُ أن يقُولَ: إنَّها أَسفَلُ الجَميعِ. فلا بُدَّ إذًا أنَّ مَرتَبةَ بَلاغَتِه فوقَ الجَميعِ. حتَّى قد تَلَا أَحَدُهمُ الآيةَ الكَرِيمةَ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثمَّ قالَ: "إنِّي لا أَرَى الوَجْهَ المُعجِزَ الَّذي تَرَونَه في بَلاغةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ".
فقيلَ له: عُدْ بخَيالِك كهذا السّائِحِ إلى ذلك العَصرِ واستَمِعْ إلَيها هناك.
وبَينَما هو يَتَخيَّلُ نَفسَه هناك فيما قَبلَ نُزُولِ القُرآنِ الكَرِيمِ، إذا به يَرَى: أنَّ مَوجُوداتِ العالَمِ مُلقاةٌ في فَضاءٍ خالٍ شاسِعٍ دُونَ حُدُودٍ، في دُنيا فانِيةٍ زائِلةٍ، وهي في حالةٍ يائِسةٍ مُضطَرِبةٍ تَتَخبَّطُ في ظُلمةٍ قاتِمةٍ، وهي جامِدةٌ دُونَ حَياةٍ وشُعُورٍ، وعاطِلةٌ
— 567 —
دُونَ وَظيفةٍ ومَهامَّ؛ ولكِن حالَما أَنصَتَ إلى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ وتَدَبَّرها، إذا به يَرَى أنَّ هذه الآيةَ قد كَشَفَتْ حِجابًا مُسدَلًا عن وَجهِ الكَونِ وعن وَجهِ العالَمِ كُلِّه حتَّى بانَ ذلك الوَجهُ مُشرِقًا ساطِعًا، فأَلقَى هذا الكَلامُ الأَزَليُّ والأَمرُ السَّرمَدِيُّ دَرْسًا على جَميعِ أَربابِ المَشاعِرِ المُصطَفِّين حَسَبَ العُصُورِ كُلِّها مُظهِرًا لهم: أنَّ هذا الكَونَ هو بحُكمِ مَسجِدٍ كَبِيرٍ، وأنَّ جَميعَ المَخلُوقاتِ یی ولا سِيَّما السَّماواتِ والأَرضَ یی مُنهَمِكةٌ في ذِكرٍ وتَهليلٍ وتَسبِيحٍ يَنبِضُ بالحَيَويّةِ. وقد تَسَنَّم الكُلُّ وَظائِفَهم بكُلِّ شَوقٍ ونَشوةٍ، وهم يُنجِزُونَها بكلِّ سَعادةٍ وامتِنانٍ.
هكذا شاهَدَ السّائِحُ سَرَيانَ مَفعُولِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ في الكَونِ، فتَذَوَّق مَدَى سُمُوِّ بَلاغَتِها، وقاسَ علَيها سائرَ الآياتِ الكَرِيمةِ، فأَدرَكَ السِّرَّ في هَيمَنةِ بَلاغةِ القُرآنِ الفَرِيدةِ على نِصفِ الأَرضِ وخُمُسِ البَشَرِيّةِ، وعَلِم حِكمةً واحِدةً مِن آلافِ الحِكَمِ لِدَيمُومةِ جَلالِ سُلطانِ القُرآنِ الكَرِيمِ بكلِّ تَوقيرٍ وتَعظِيمٍ على مَدَى أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ دُونَ انقِطاعٍ.
النُّقطةُ الرّابعةُ: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد أَظهَرَ عُذُوبةً وحَلاوةً ذاتَ أَصالةٍ وحَقِيقةٍ بحيثُ إنَّ التَّكرارَ الكَثيرَ المُسبِّبَ للسَّآمةِ حتَّى مِن أَطيَبِ الأَشياءِ، لا يُورِثُ المَلالَ عِندَ مَن لم يَفسُدْ قَلبُه ويَبلُدْ ذَوقُه، بل يَزِيدُ تَكرارُ تِلاوَتِه مِن عُذُوبَتِه وحَلاوَتِه. وهذا أَمرٌ مُسَلَّمٌ به عِندَ الجَميعِ منذُ ذلك العَصرِ، حتَّى غَدا مَضرِبَ الأَمثالِ.
وكذا، فقدِ احتَفَظَ القُرآنُ الكَرِيمُ بطَراوَتِه وفُتُوَّتِه ونَضارَتِه وجِدَّتِه وكأنَّه قد نَزَل الآنَ، رَغمَ مُرُورِ أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ علَيه، ورَغمَ تَيَسُّرِ الحُصُولِ علَيه للجَميعِ، فكلُّ عَصرٍ قد تَلَقّاه شابًّا نَضِرًا وكأنَّه يُخاطِبُه. وكلُّ طائفةٍ عِلمِيّةٍ یی معَ أنَّهم يَجِدُونَه في مُتَناوَلِ أَيدِيهم ويَنهَلُون مِنه كلَّ حِينٍ، ويَقتَفُون أَثَرَ أُسلُوبِ بَيانِه یی يَرَونَه مُحافِظًا دائِمًا على الجِدّةِ نَفسِها في أُسلُوبِه، والفُتُوّةِ عَينِها في طَرْزِ بَيانِه.
النُّقطةُ الخامسةُ: إنَّ القُرآنَ الكَريمَ قد بَسَط أَحَدَ جَناحَيه نحوَ الماضِي والآخَرَ نحوَ المُستَقبَلِ؛ فالحَقيقةُ الَّتي اتَّفَق علَيها الأَنبِياءُ السّابِقُون هي جَذْرُ القُرآنِ وأَحَدُ جَناحَيه، فهو يُصَدِّقُهم ويُؤَيِّدُهم، وهم بدَورِهم يُؤيِّدُونَه ويُصَدِّقُونَه بلِسانِ حالِ التَّوافُقِ.
— 568 —
وكذلك فإنَّ الأَولياءَ الصّالِحِين، والعُلَماءَ الأَصفِياءَ هم ثِمارٌ استَمَدَّتِ الحَياةَ مِن شَجَرةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فتَكامُلُهُمُ الحَيَوِيُّ يَدُلُّ على أنَّ شَجَرَتَهمُ المُبارَكةَ هي ذاتُ حَياةٍ وعَطاءٍ، وذاتُ فَيضٍ دائِمٍ وذاتُ حَقيقةٍ وأَصالةٍ، فالَّذين انضَوَوْا تحتَ حِمايةِ جَناحِه الثّاني، وعاشُوا في ظِلالِه مِن أَصحابِ جَميعِ طُرُقِ الوِلايةِ الحَقّةِ، وأَربابِ جَميعِ العُلُومِ الإسلاميّةِ الحَقّةِ يَشهَدُون أنَّ القُرآنَ هو عَينُ الحَقِّ، ومَجمَعُ الحَقائقِ، ولا مَثِيلَ له في جامِعِيَّتِه وشُمُوليَّتِه، فهو مُعجِزةٌ باهِرةٌ.
النُّقطةُ السّادسة: إنَّ الجِهاتِ السِّتَّ للقُرآنِ الكَرِيمِ مُنَوَّرةٌ مُضِيئةٌ، مِمّا يُبيِّنُ صِدقَه وعَدْلَه.
نعم، فمِن تَحتِه أَعمِدةُ الحُجَجِ والبَراهِينِ، وعلَيه تَتَألَّقُ سِكّةُ الإعجازِ، وبينَ يَدَيه (هَدَفُه) هَدايا سَعادةِ الدّارَينِ، ومِن خَلفِه (أي: نُقطةُ استِنادِه) حَقائقُ الوَحيِ السَّماوِيِّ، وعن يَمينِه تَصدِيقُ ما لا يُحَدُّ مِن أَدِلّةِ العُقُولِ المُستَقِيمةِ، وعن يَسارِه الِاطمِئنانُ الجادُّ والِانجِذابُ الخالِصُ والِاستِسلامُ التّامُّ للقُلُوبِ السَّليمةِ والضَّمائرِ الطّاهِرةِ.
وإذ تُثبِتُ تلك الجِهاتُ السِّتُّ أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ حِصنٌ سَماوِيٌّ حَصِينٌ في الأَرضِ لا يَقوَى على خَرْقِه خارِقٌ ولا يَنفُذُ مِن جِدارِه نافِذٌ، فهناك أيضًا سِتّةُ "مَقاماتٍ" تُؤَكِّدُ أنَّه الصِّدقُ بذاتِه والحَقُّ بعَينِه، وأنَّه ليس بكَلامِ بَشَرٍ قَطُّ، وأنَّه لا يَأتيه الباطِلُ مِن بينِ يَدَيه ولا مِن خَلفِه؛ وأَوَّلُ تلك المَقاماتِ: تَأيِيدُ مُصَرِّفِ هذا الكَونِ ومُدَبِّرِه، الَّذي اتَّخَذَ إظهارَ الجَميلِ وحِمايةَ البِرِّ والصِّدقِ ومَحْقَ الخَدّاعِين وإزالةَ المُفتَرِين، سُنّةً جارِيةً لِفَعّاليَّتِه سُبحانَه، فأيَّد سُبحانَه وصَدَّق هذا القُرآنَ بما مَنَحَه مِن مَقامِ احتِرامٍ وتَعظِيمٍ وأَوْلاه مِن مَرتَبةِ تَوفيقٍ وفَلاحٍ هو أَكثَرُ قَبُولًا وأَعلَى مَرتَبةً وأَعظَمُ هَيمَنةً في العالَمِ.
ومِن ثَمَّ فإنَّ الِاعتِقادَ الرّاسِخَ والتَّوقيرَ اللّائقَ مِنَ الذّاتِ المُبارَكةِ للرَّسُولِ الكَريمِ (ص) نحوَ القُرآنِ الكَريمِ يَفُوقُ الجَميعَ، وهو مَنبَعُ الإسلامِ وتَرجُمانُ القُرآنِ، وكَونُه بينَ اليَقَظةِ والنَّومِ حِينَما يَتَنزَّلُ علَيه الوَحيُ فيَتَنزَّلُ علَيه دُونَ إرادَتِه، وعَدَمُ بُلُوغِ
— 569 —
سائِرِ كَلامِه شَأْوَه، بل عَدَمُ مُشابَهَتِه له إلى حَدٍّ رَغمَ أنَّه أَفصَحُ النّاسِ، وبَيانُه بهذا القُرآنِ بَيانًا غَيبِيًّا لِما مَضَى مِنَ الحَوادِثِ الكَونيّةِ الواقِعةِ ولِمَا سيَأْتي مِنها معَ أُمِّيَّتِه، مِن دُونِ تَرَدُّدٍ وبكُلِّ اطمِئنانٍ، وعَدَمُ ظُهُورِ أيّةِ حِيلةٍ أو خَطَأٍ أو ما شابَهَها مِنَ الأَوضاعِ مِنه مَهما صَغُرَت رَغمَ أنَّه بينَ أَنظارِ أَشَدِّ النّاسِ إنعامًا للنَّظَرِ في تَصَرُّفاتِه.. فإيمانُ هذا التَّرجُمانِ الكَريمِ والمُبَلِّغِ العَظيمِ (ص) وتَصدِيقُه بكُلِّ قُوَّتِه لِكُلِّ حُكْمٍ مِن أَحكامِ القُرآنِ الكَريمِ، وعَدَمُ زَعزَعةِ أيِّ شيءٍ له مَهما عَظُمَ يُؤَيِّدُ ويُؤَكِّدُ أنَّ القُرآنَ سَماوِيٌّ وكُلُّه صِدقٌ وعَدلٌ وكَلامٌ مُبارَكٌ للرَّبِّ الرَّحِيمِ.
وكذا فإنَّ ارتِباطَ خُمُسِ البَشَرِيّةِ، بلِ الشَّطرِ الأَعظَمِ مِنهم بذلك القُرآنِ الكَريمِ المُشاهَدِ أَمامَهم، ارتِباطَ انجِذابٍ وتَدَيُّنٍ، واستِماعَهُم إلَيه بجِدٍّ وشَوْقٍ ولَهْفةٍ، وتَوافُدَ الجِنِّ والمَلائكةِ والرُّوحانيِّين إلَيه والْتِفافَهم حَولَه عندَ تِلاوَتِه الْتِفافَ الفَراشةِ العاشِقةِ للنُّورِ بشَهادةِ أَماراتٍ ووَقائِعَ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ كَثيرةٍ، كلُّ ذلك تَصدِيقٌ بأنَّ هذا القُرآنَ هو مَحَلُّ رِضَى الكَونِ وإعجابِه، وأنَّ له فيه أَسمَى مَقامٍ وأَعلاه.
وكذا فإنَّ أَخْذَ كلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ البَشَرِ یی ابتِداءً مِنَ الغَبِيِّ الشَّديدِ الغَباءِ والعامِّيِّ، إلى الذَّكِيِّ الحادِّ الذَّكاءِ والعالِمِ یی نَصِيبَها كامِلًا مِنَ الدُّرُوسِ الَّتي يُلقِيها القُرآنُ الكَريمُ، وفَهْمَهم مِنه أَعمَقَ الحَقائقِ، واستِنباطَ جَميعِ الطَّوائفِ مِن عُلَماءِ مِئاتِ العُلُومِ والفُنُونِ الإسلاميّةِ، وبخاصّةٍ مُجتِهِدي الشَّرِيعةِ السَّمْحةِ ومُحَقِّقي أُصُولِ الدِّينِ وعَباقِرةِ عِلمِ الكَلامِ وأَمثالِهم، واستِخراجَهُمُ الأَجوِبةَ الشّافِيةَ لِما يَحتاجُونَه مِنَ المَسائلِ الَّتي تَخُصُّ عُلُومَهم مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، إنَّما هو تَصدِيقٌ بأنَّ القُرآنَ الكَريمَ هو مَنبَعُ الحَقِّ ومَعدِنُ الحَقيقةِ.
وكذا فإنَّ عَدَمَ مُعارَضةِ أُدَباءِ العَرَبِ الَّذين هم في المُقدِّمةِ في الأَدَبِ، ولا سِيَّما الَّذين لم يَدخُلُوا في الإسلامِ معَ رَغبَتِهمُ المُلِحّةِ في المُعارَضةِ، وعَجْزَهم عَجْزًا تامًّا أمامَ وَجهٍ واحِدٍ، یی وهو الوَجهُ البَلاغِيُّ یی مِن بينِ وُجُوهِ الإعجازِ السَّبعةِ الكُبْرَى للقُرآنِ، وعَجزَهم عنِ الإتيانِ بسُورةٍ واحِدةٍ فَقَط مِن مِثلِه، وصُدُودَهم عن ذلك، وعَدَمَ
— 570 —
مُعارَضَتِه مِمَّن أَتَى مِن مَشاهِيرِ البُلَغاءِ وعَباقِرةِ العُلَماءِ لِحَدِّ الآنَ لِأَيِّ وَجهٍ مِن وُجُوهِ الإعجازِ معَ رَغبَتِهم في ذُيُوعِ صِيتِهم بالمُعارَضةِ، وسُكُوتَهم بعَجْزٍ وإحجامَهم عن ذلك، لَهُو حُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مُعجِزةٌ فوقَ طاقةِ البَشَرِ.
نعم، إنَّ قِيمةَ الكَلامِ وعُلُوَّه وبَلاغَتَه تَتَوضَّحُ في بَيانِ: "مَن قالَه؟ ولمِن قالَه؟ ولِمَ قالَه؟".
وبِناءً على هذا فإنَّ القُرآنَ الكَريمَ لم يَأْتِ ولن يَأْتِيَ مِثلُه، ولن يُدانِيَه شيءٌ قَطُّ؛ ذلك لأنَّ القُرآنَ الكَريمَ إنَّما هو خِطابٌ مِن رَبِّ العَوالِمِ جَميعًا وكَلامٌ مِن خالِقِها، وهو مُكالَمةٌ لا يُمكِنُ تَقلِيدُها بأَيِّ جانِبٍ كان مِنَ الجَوانِبِ، وليس فيه أَمارةٌ تُومِئُ بالتَّصَنُّعِ.
ثمَّ إنَّ المُخاطَبَ هو مَبعُوثٌ باسمِ البَشَرِيّةِ قاطِبةً، بل باسمِ المَخلُوقاتِ جَميعًا، وهو أَكرَمُ مَن أَصبَحَ مُخاطَبًا وأَرفَعُهم ذِكرًا، وهو الَّذي تَرَشَّحَ الإسلامُ العَظيمُ مِن قُوّةِ إيمانِه وسَعَتِه، حتَّى عُرِج به إلى قابِ قَوْسَينِ أو أَدنَى فنَزَل مُكَلَّلًا بالمُخاطَبةِ الصَّمَدانيّةِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَريمَ المُعجِزَ البَيانِ قد بَيَّنَ سَبِيلَ سَعادةِ الدّارَينِ، ووَضَّحَ غاياتِ خَلْقِ الكَونِ، وما فيه مِنَ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ مُوَضِّحًا ما يَحمِلُه ذلك المُخاطَبُ الكَريمُ مِنَ الإيمانِ السّامي الواسِعِ الَّذي يَضُمُّ الحَقائقَ الإسلاميّةَ كُلَّها عارِضًا كلَّ ناحِيةٍ مِن نَواحي هذا الكَونِ الهائلِ ومُقَلِّبًا إيّاه كمَن يُقلِّبُ خارِطةً أو ساعةً أَمامَه، مُعَرِّفًا الإنسانَ صانِعَه الخالِقَ سُبحانَه مِن خِلالِ أَطوارِ الكَونِ وتَقَلُّباتِه. فلا رَيبَ ولا بُدَّ أنَّه لا يُمكِنُ الإتيانُ بمِثلِ هذا القُرآنِ أَبدًا، ولا يُمكِنُ مُطلَقًا أن تُنالَ دَرَجةُ إعجازِه.
وكذا فإنَّ الآلافَ مِنَ العُلَماءِ الأَفذاذِ الَّذين قامَ كُلٌّ مِنهم بكِتابةِ تَفسِيرٍ للقُرآنِ الكَريمِ في مُجَلَّداتٍ بَلَغ قِسمٌ مِنها ثَلاثين أو أَربَعين مُجَلَّدًا بل سَبعِين مُجَلَّدًا، وبَيانَهم بأَسانيدِهم ودَلائلِهم لِما في القُرآنِ الكَريمِ مِمّا لا يُحَدُّ مِنَ المَزايا السّامِيةِ والنِّیكاتِ البَليغةِ والخَواصِّ الدَّقيقةِ والأَسرارِ اللَّطيفةِ والمَعاني الرَّفيعةِ والإخباراتِ الغَيبِيّةِ
— 571 —
الكَثيرةِ بأَنواعِها المُختَلِفةِ، وإظهارَ كلِّ هؤلاء لتلك المَزايا وإثباتَهم لها.. دَليلٌ قاطِعٌ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ مُعجِزةٌ إلٰهِيّةٌ خارِقةٌ، وبخاصّةٍ إثباتَ كلِّ كِتابٍ مِن كُتُبِ رَسائلِ النُّورِ البالِغةِ مِئةً وثلاثين كِتابًا لِمَزّيةٍ مِن مَزايا القُرآنِ الكَريمِ ولِنُكْتةٍ مِن نِكاتِه البَدِيعةِ إثباتًا قاطِعًا بالبَراهِينِ الدّامِغةِ، ولا سِيَّما رِسالةَ "المُعجِزاتُ القُرآنيّة"، و"المَقامُ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ العِشرِين" الَّذي يَستَخرِجُ كَثيرًا مِن خَوارِقِ الحَضارةِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ أَمثالَ القِطارِ والطّائِرةِ، و"الشُّعاعُ الأَوَّلُ" المُسَمَّى بی"الإشاراتِ القُرآنيّةِ" الَّذي يُبيِّنُ إشاراتِ آياتٍ إلى رَسائلِ النُّورِ وإلى الكَهرَباءِ، والرَّسائلَ الصَّغيرةَ الثَّمانيةَ المُسَمّاةَ بی"الرُّمُوزِ الثَّمانيةِ" الَّتي تُبيِّنُ مَدَى الِانتِظامِ الدَّقيقِ في حُرُوفِ القُرآنِ الكَريمِ، وكم هي ذاتُ أَسرارٍ ومَعانٍ غَزِيرةٍ، والرِّسالةَ الصَّغيرةَ الَّتي تُبيِّنُ خَواتيمَ سُورةِ الفَتْحِ وتُثبِتُ إعجازَها بخَمسةِ وُجُوهٍ مِن حيثُ الإخبارُ الغَيبِيُّ، وأَمثالَها مِنَ الرَّسائلِ.. فإنَّ إظهارَ كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ رَسائلِ النُّورِ لِحَقيقةٍ مِن حَقائقِ القُرآنِ الكَريمِ، ولِنُورٍ مِن أَنوارِه، كلُّ ذلك تَصدِيقٌ وتَأْكيدٌ بأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ ليس له مَثِيلٌ، وأنَّه مُعجِزةٌ وخارِقةٌ، وأنَّه لِسانُ الغَيبِ في عالَمِ الشَّهادةِ هذا، وأنَّه كَلامُ عَلّامِ الغُيُوبِ.
وهكذا، لِأَجلِ مَزايا وخَواصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ هذه الَّتي أُشِيرَ إلَيها في سِتِّ نِقاطٍ، وفي سِتِّ جِهاتٍ، وفي سِتّةِ مَقاماتٍ، دامَت حاكِمِيَّیتُه النُّورانيّةُ الجَليلةُ وسُلْطانُه المُقَدَّسُ المُعَظَّمُ، بكَمالِ الوَقارِ والِاحتِرامِ مُضِيئةً وُجُوهَ العُصُورِ ومُنَوِّرةً وَجهَ الأَرضِ أَيضًا، طَوالَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ سنةٍ. ولِأَجلِ تلك الخَواصِّ أيضًا نالَ القُرآنُ الكَريمُ مِيزاتٍ قُدسِيّةً حيثُ إنَّ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه عَشَرةَ أَثوِبةٍ وعَشْرَ حَسَناتٍ في الأَقَلِّ، وعَشْرَ ثِمارٍ خالِدةٍ، بل إنَّ كلَّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ قِسمٍ مِنَ الآياتِ والسُّوَرِ يُثمِرُ مِئةً أو أَلفًا أو أَكثَرَ، مِن ثِمارِ الآخِرةِ، ويَتَصاعَدُ نُورُ كلِّ حَرفٍ وثَوابُه وقيمَتُه في الأَوقاتِ المُبارَكةِ مِن عَشَرةٍ إلى المِئاتِ.. وأَمثالَها مِنَ المَزايا القُدسِيّةِ قد فَهِمَها سائحُ العالَمِ.
فخاطَبَ قَلبَه قائلًا: حَقًّا إنَّ هذا القُرآنَ الكَريمَ المُعجِزَ في كلِّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه، قد شَهِدَ بإجماعِ سُوَرِه وباتِّفاقِ آياتِه، وبتَوافُقِ أَسرارِه وأَنوارِه، وبتَطابُقِ ثِمارِه وآثارِه،
— 572 —
شَهادةً ثابِتةً بالدَّلائلِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى وَحْدانيَّتِه سُبحانَه، وعلى صِفاتِه الجَليلةِ، وعلى أَسمائِه الحُسنَى، حتَّى تَرَشَّحَتِ الشَّهاداتُ غيرُ المَحدُودةِ لِجَميعِ أَهلِ الإيمانِ مِن تلك الشَّهادةِ.
وهكذا، فقد ذُكِرَت في "المَرتَبةِ السّابِعةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِ" إشارةٌ قصِيرةٌ لِما تَلَقّاه السّائِحُ هذا مِن دَرْسِ التَّوحِيدِ والإيمانِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ:
لَا إلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذِي دَلَّ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ فِي وَحْدَتِهِ: القُرآنُ المُعجِزُ البَيَانِ، المَقبُولُ المَرغُوبُ لِأَجنَاسِ المَلَكِ والإِنسِ والجَانِّ، المَقرُوءُ كُلُّ آيَاتِه فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ بِكَمَالِ الِاحتِرَامِ، بِأَلسِنَةِ مِئَاتِ المَلَايِينِ مِن نَوعِ الإِنسَانِ، الدَّائِمُ سَلطَنَتُهُ القُدسِيَّةُ عَلَى أَقطَارِ الأَرضِ والأَكوَانِ، وعَلَى وُجُوهِ الأَعصَارِ والزَّمَانِ، والجَارِي حَاكِمِيَّتُهُ المَعنَوِيّةُ النُّورَانيَّةُ عَلَى نِصفِ الأَرضِ وخُمُسِ البَشَرِ فِي أَربَعَةَ عَشَرَ عَصرًا بِكَمَالِ الِاحتِشَامِ.. وكَذَا شَهِدَ وبَرهَنَ بإجمَاعِ سُوَرِهِ القُدسِيّةِ السَّمَاوِيَّةِ، وباتِّفَاقِ آيَاتِهِ النُّورَانِيَّةِ الإلٰهِيَّةِ وبِتَوَافُقِ أَسرَارِهِ وأَنوَارِهِ وبِتَطَابُقِ حَقَائِقِهِ وثَمَراتِهِ وآثارِهِ بِالمُشَاهَدَةِ والعَيَانِ.
٭ ٭ ٭
— 573 —

الذَّيلُ الثّاني

«المسألة العاشرة» من الشُّعاع الحادِيَ عَشَرَ "رسالة الثَّمَرة"
زهرة أميرداغ
(ردٌّ شافٍ ومُقنِعٌ على اعتراضاتٍ تَرِدُ حولَ التَّكرارِ في القرآنِ الكريم)
إخواني الأَعِزّاءَ الأَوفياءَ..
كنتُ أُعاني مِن حالةٍ مُضطَرِبةٍ بائِسةٍ حِينَما تَناوَلْتُ هذه المَسأَلةَ بالكِتابةِ، لِذا اكتَنَفَها شيءٌ مِنَ الغُمُوضِ لِكَونِها بَقِيَت كما جاءَت عَفْوَ الخاطِرِ؛ ولكنِّي أَدرَكتُ أنَّ تلك العِباراتِ المُشَوَّشةَ تَنطَوِي على إعجازٍ رائِعٍ.. فيا أَسَفَا إذْ لم أَستَطِع أن أُوفِيَ حَقَّ هذا الإعجازِ مِنَ الأَداءِ والتَّعبِيرِ، فعِباراتُ الرِّسالةِ مَهما كانَت خافِتةَ الأَنوارِ، إلّا أنَّها تُعَدُّ یی مِن حيثُ تَعَلُّقُها بالقُرآنِ الكَريمِ یی "عِبادةً فِكرِيّةً" و"صَدَفَةً" تَضُمُّ لَآلِئَ نَفيسةً سامِيةً، فالرَّجاءُ أن تَصرِفُوا النَّظَرَ عن قِشرَتِها وتُنعِمُوا النَّظَرَ بما فيها مِن لَآلِئَ ساطِعةٍ.. فإن وَجَدتُمُوها جَدِيرةً حَقًّا فاجْعَلُوها "المَسأَلةَ العاشِرةَ" لرِسالةِ الثَّمَرةِ، وإلّا فاقبَلُوها رِسالةً جَوابيّةً عن تَهانِيكُم.
ولقدِ اضطُرِرتُ إلى كِتابَتِها في غايةِ الإجمالِ والِاقتِضابِ، لِما كُنتُ أُكابِدُ مِن سُوءِ التَّغذِيةِ وأَوجاعِ الأَمراضِ، حتَّى إنَّني أَدرَجتُ في جُملةٍ واحِدةٍ مِنها حَقائقَ وحُجَجًا غَزِيرةً، وأَتمَمتُها بفَضلِ اللهِ في يَومَينِ مِن أَيّامِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ. فأَرجُو المَعذِرةَ عمَّا بَدَر مِنِّي مِن تَقصِيرٍ.
(حاشية): هَذه المَسألة زُهَيرة لَطِيفة وَضَّاءة لهذا الشَّهر الكَريم ولِمَدينَة "أَمِيردَاغ"، أُلحِقَت بی"ثَمرِة" سِجنِ دَنِيزْلي عَلى أنَّها "المَسألَة العَاشِرة". فَهي تُزيلُ بِإذن الله ما يَنفُثُه أهلُ الضَلالَة مِن سُمُومِ الأوهامِ العَفِنةِ حولَ ظَاهرةِ التَّكرار في القُرآن، وذَلك بِبَيانِها حِكمةً مِن حِكَمِها الكثيرة.
— 574 —
إخوَتي الأَوفياءَ الصّادِقين..
حِينَما كُنتُ أَتلُو القُرآنَ المُعجِزَ البَيانِ في الشَّهرِ المُبارَكِ (رَمَضانَ)، تَدَبَّرتُ في مَعاني الآياتِ الثَّلاثِ والثَّلاثين الَّتي وَرَدَت إشارَاتُها إلى رَسائلِ النُّورِ في "الشُّعاعِ الأَوَّلِ"، فرَأَيتُ أنَّ كلَّ آيةٍ مِنها، بل آياتِ تلك الصَّحِيفةِ في المُصحَفِ ومَوضُوعِها، كأنَّها تُطِلُّ على رَسائلِ النُّورِ وطُلّابِها مِن جِهةِ نَيلِهم غَيضًا مِن فَيضِها وحَظًّا مِن مَعانيها، لا سِيَّما آيةَ النُّورِ في سُورةِ النُّورِ، فهي تُشِيرُ بالأَصابعِ العَشرِ إلى رَسائلِ النُّورِ، كما أنَّ الآياتِ الَّتي تَعقُبُها یی وهي آيةُ الظُّلُماتِ یی تُطِلُّ على مُعارِضِي الرَّسائلِ وأَعدائِها، بل تُعطِيهم حِصّةً كُبْرَى، إذْ لا يَخفَى أنَّ مَقامَ تلك الآياتِ وأَبعادَها ومَرامِيَها غيرُ قاصِرةٍ على زَمانٍ ومَكانٍ مُعَيَّنَينِ، بل تَشمَلُ الأَزمِنةَ والأَمكِنةَ جَمِيعَها، أي: تَخرُجُ مِن جُزئيّةِ الأَمكِنةِ والأَزمِنةِ إلى كُلِّیيَّتِهما الشّامِلةِ؛ لِذا شَعَرتُ أنَّ رَسائلَ النُّورِ وطُلّابَها إنَّما يُمَثِّلُون في عَصرِنا هذا یی حَقَّ التَّمثيلِ یی فَردًا واحِدًا مِن أَفرادِ تلك الكُلِّیيّةِ الشّامِلةِ.
إنَّ خِطابَ القُرآنِ الكَريمِ قدِ اكتَسَب الصِّفةَ الكُلِّیيّةَ والسَّعةَ المُطلَقةَ والرِّفعةَ السَّامِيةَ والإحاطةَ الشّامِلةَ، لِصُدُورِه مُباشَرةً مِنَ المَقامِ الواسِعِ المُطلَقِ للرُّبُوبيّةِ العامّةِ الشّامِلةِ للمُتَیكلِّمِ الأَزَليِّ سُبحانَه.. ويَكتَسِبُها مِنَ المَقامِ الواسِعِ العَظيمِ لِمَن أُنزِل علَيه هذا الكِتابُ، ذلِكُمُ النَّبيُّ الكَريمُ (ص) المُمَثِّیلُ للنَّوعِ البَشَريِّ والمُخاطَبُ باسمِ الإنسانيّةِ قاطِبةً، بل باسمِ الكائناتِ جَميعًا.. ويَكتَسِبُها أيضًا مِن تَوَجُّهِ الخِطابِ إلى المَقامِ الواسِعِ الفَسِيحِ لِطَبَقاتِ البَشَريّةِ كافّةً وللعُصُورِ كافّةً.. ويَكتَسِبُها أيضًا مِنَ المَقامِ الرَّفيعِ المُحيطِ النّابعِ مِنَ البَيانِ الشَّافي لِقَوانينِ اللهِ سُبحانَه المُتَعلِّقةِ بالدُّنيا والآخِرةِ، بالأَرضِ والسَّماءِ، بالأَزَلِ والأَبَدِ، تلك القَوانينِ الَّتي تَخُصُّ رُبُوبيَّتَه وتَشمَلُ أُمُورَ المَخلُوقاتِ كافّةً.
فهذا الخِطابُ الجَليلُ الَّذي اكتَسَب مِنَ السَّعةِ والسُّمُوِّ والإحاطةِ والشُّمُولِ ما اكتَسَب، يُبْرِزُ إعجازًا رائعًا وإحاطةً شامِلةً، بحيثُ: إنَّ مَراتِبَه الفِطرِيّةَ والظّاهِرِيّةَ الَّتي تُلاطِفُ أَفهامَ العَوامِّ البَسِيطةَ یی وهم مُعظَمُ المُخاطَبِينَ یی تَمنَحُ في الوَقتِ نَفسِه حِصّةً وافِرةً لِأَعلَى المُستَوَياتِ الفِكرِيّةِ ولِأَرقَى الطَّبَقاتِ العَقلِيّةِ، فلا يَهَبُ لِمُخاطَبِيه شَيئًا مِن إرشاداتِه
— 575 —
وَحدَها، ولا يَخُصُّهم بعِبرةٍ مِن حِكايةٍ تارِيخيّةٍ فَقَطْ، بل يُخاطِبُ معَ ذلك كلَّ طَبَقةٍ في كلِّ عَصْرٍ یی لِكَونِها فَرْدًا مِن أَفرادِ دُستُورٍ كُلِّيٍّ یی خِطابًا نَدِيًّا طَرِيًّا جَدِيدًا كأنَّه الآنَ يَنزِلُ علَيهم.
ولا سِيَّما كَثرةَ تَكرارِه: الظَّالِمِينَ.. الظَّالِمِينَ.. وزَجْرَه العَنيفَ لهم وإنذارَه الرَّهِيبَ مِن نُزُولِ مَصائبَ سَماوِيّةٍ وأَرضِيّةٍ بذُنُوبِهم ومَظالِمِهم، فيَلفِتُ الأَنظارَ بهذا التَّكرارِ إلى مَظالِمَ لا نَظِيرَ لها في هذا العَصرِ، بعَرضِه أَنواعًا مِنَ العَذابِ والمَصائبِ النّازِلةِ على قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ وفِرعَونَ؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يَبعَثُ السُّلوانَ والطُّمَأنينةَ إلى قُلُوبِ المُؤمِنين المَظلُومين، بذِكرِه نَجاةَ رُسُلٍ كِرامٍ أَمثالَ إبراهِيمَ ومُوسَى عَلَيهمَا السَّلَام.
ثمَّ إنَّ هذا القُرآنَ العَظيمَ يُرشِدُ كلَّ طَبَقةٍ مِن كلِّ عَصرٍ إرشادًا واضِحًا بإعجازٍ رائعٍ مُبَيِّنًا: أنَّ "الأَزمِنةَ الغابِرةَ" والعُصُورَ المُندَثِرةَ الَّتي هي في نَظَرِ الغافِلين الضَّالِّين وادٍ مِن عَدَمٍ سَحِيقٍ مُوحِشٍ رَهِيبٍ، ومَقبَرةٌ مُندَرِسةٌ أَليمةٌ كَئيبةٌ، يَعرِضُها صَحيفةً حَيّةً تَطفَحُ عِبَرًا ودُرُوسًا، وعالَمًا عَجِيبًا يَنبِضُ بالحَياةِ ويَتَدفَّقُ بالحَيَويّةِ مِن أَقصاه إلى أَقصاه، ومَملَكةً رَبّانيّةً تَرتَبِطُ معَنا بوَشائجَ وأَواصِرَ فيُبيِّنُها بإعجازِه البَدِيعِ واضِحةً جَلِيّةً كأنَّها مَشهُودةٌ تُعرَضُ أَمامَنا على شاشةٍ، فتارةً يأتي بتلك العُصُورِ ماثِلةً شاخِصةً أَمامَنا، وتارةً يَأخُذُنا إلى تلك العُصُورِ.
ويُبيِّنُ بالإعجازِ نَفسِه "الكَونَ" الَّذي يَراه الغافِلُون فَضاءً مُوحِشًا بلا نِهايةٍ، وجَماداتٍ مُضطَرِبةً بلا رُوحٍ تَتَدحرَجُ في دَوّامةِ الفِراقِ والآلامِ، يُبيِّنُه القُرآنُ كِتابًا بَليغًا، كَتَبه الأَحَدُ الصَّمَدُ، ومَدِينةً مُنَسَّقةً عَمَرَها الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ، ومَعرِضًا بَدِيعًا أَقامَه الرَّبُّ الكَريمُ لإِشهارِ مَصنُوعاتِه؛ فيَبعَثُ بهذا البَيانِ حَياةً في تلك الجَماداتِ، ويَجعَلُ بَعضَها يَسعَى لإِمدادِ الآخَرِ، وكلُّ جُزءٍ يُغيثُ الآخَرَ ويُعِينُه كأنَّه يُحاوِرُه مُحاوَرةً وُدِّيّةً صَمِيميّةً، فكلُّ شيءٍ مُسَخَّرٌ وكلُّ شيءٍ أُنِيطَ به وَظيفةٌ وواجِبٌ.. وهكذا يُلقِي القُرآنُ دُرُوسَ الحِكمةِ الحَقِيقيّةِ والعِلمِ المُنَوَّرِ إلى الإنسِ والجِنِّ والمَلائكةِ كافّةً.. فلا رَيبَ أنَّ هذا القُرآنَ العَظيمَ الَّذي له هذا الإعجازُ في البَيانِ قَمِينٌ بأن يَحُوزَ خَواصَّ راقيةً عاليةً، ومِيزاتٍ مُقَدَّسةً سامِيةً، أَمثالَ:
— 576 —
في كلِّ حَرفٍ مِنه عَشْرُ حَسَناتٍ، بل أَلفُ حَسَنةٍ أَحيانًا، بل أُلُوفُ الحَسَناتِ في أَحيانٍ أُخرَى.. وعَجْزُ الجِنِّ والإنسِ عنِ الإتيانِ بمِثلِه ولوِ اجتَمَعُوا له.. ومُخاطَبَتُه بَني آدَمَ جَمِيعَهم بلِ الكائناتِ برُمَّتِها مُخاطَبةً بَلِيغةً حَكِيمةً.. وحِرْصُ المَلايينِ مِنَ النّاسِ في كلِّ عَصْرٍ على حِفظِه عن ظَهرِ قَلْبٍ بشَوقٍ ومُتعةٍ.. وعَدَمُ السَّأَمِ مِن تِلاوَتِه الكَثيرةِ رَغمَ تَكراراتِه.. واستِقرارُه التّامُّ في أَذهانِ الصِّغارِ اللَّطِيفةِ البَسِيطةِ معَ كَثرةِ ما فيه مِن جُمَلٍ ومَواضِعَ تَلتَبِسُ علَيهم.. وتَلَذُّذُ المَرضَى والمُحتَضَرين الَّذين يَتَألَّمُون حتَّى مِن أَدنَى كَلامٍ بسَماعِه، وجَرَيانُه في أَسماعِهم عَذْبًا طَيِّیبًا.. وغَيرُها مِنَ الخَواصِّ السّامِيةِ والمَزايا المُقدَّسةِ الَّتي يَحُوزُها القُرآنُ الكَريمُ، فيَمنَحُ قُرّاءَه وتَلامِيذَه أَنواعًا مِن سَعادةِ الدّارَينِ.
ويُظهِرُ إعجازَه الجَميلَ أيضًا في "أُسلُوبِ إرشادِه البَلِيغِ" حيثُ راعَى أَحسَنَ الرِّعايةِ أُمِّيّةَ مُبَلِّغِه الكَريمِ (ص) باحتِفاظِه التّامِّ على سَلاسَتِه الفِطرِيّةِ، فهو أَجَلُّ مِن أن يَدنُوَ مِنه تَكَلُّفٌ أو تَصَنُّعٌ أو رِياءٌ مَهما كان نَوعُه، فجاءَ أُسلُوبُه مُستَساغًا لَدَى العَوامِّ الَّذين هم أَكثَريّةُ المُخاطَبِين مُلاطِفًا بَساطةَ أَذهانِهم بتَنَزُّلاتِه الكَلامِيّةِ القَرِيبةِ مِن أَفهامِهم.. باسِطًا أَمامَهم صَحائفَ ظاهِرةً ظُهُورًا بَدِيهيًّا كالسَّماواتِ والأَرضِ.. مُوَجِّهًا الأَنظارَ إلى مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وسُطُورِ حِكمَتِه البالِغةِ المُضمَرَتَينِ تحتَ العادِيّاتِ مِنَ الأُمورِ والأَشياءِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُظهِرُ نَوعًا مِن إعجازِه البَدِيعِ أَيضًا في "تَكرارِه البَليغِ" لِجُملةٍ واحِدةٍ، أو لِقِصّةٍ واحِدةٍ، وذلك عِندَ إرشادِه طَبَقاتٍ مُتَبايِنةً مِنَ المُخاطَبين إلى مَعانٍ عِدّةٍ وعِبَرٍ كَثيرةٍ في تلك الآيةِ أو القِصّةِ، فاقتَضَى التَّیكرارَ حيثُ إنَّه كِتابُ دُعاءٍ ودَعوةٍ كما أنَّه كِتابُ ذِكرٍ وتَوحيدٍ، وكلٌّ مِن هذا يَقتَضِي التَّكرارَ، فكلُّ ما كُرِّرَ في القُرآنِ الكَريمِ إذًا مِن آيةٍ أو قِصّةٍ إنَّما تَشتَمِلُ على مَعنًى جَديدٍ وعِبرةٍ جَديدةٍ.
ويَظهَرُ إعجازُه أيضًا عِندَ تَناوُلِه "حَوادِثَ جُزئيّةً" وَقَعَت في حَياةِ الصَّحابةِ الكِرامِ أَثناءَ نُزُولِه وإرسائِه بِناءَ الإسلامِ وقَواعِدَ الشَّرِيعةِ، فتَراه يَأخُذُ تلك الحَوادِثَ بنَظَرِ الِاهتِمامِ البالِغِ، مُبيِّنًا بها أنَّ أَدَقَّ الأُمُورِ لِأَصغَرِ الحَوادِثِ جُزئيّةً إنَّما هي تحتَ
— 577 —
نَظَرِ رَحمَتِه سُبحانِه، وضِمنَ دائرةِ تَدبِيرِه وإرادَتِه، فَضْلًا عن أنَّه يُظهِرُ بها سُنَنًا إلٰهِيّةً جارِيةً في الكَونِ ودَساتيرَ كُلِّيّةً شامِلةً؛ زِدْ على ذلك أنَّ تلك الحَوادِثَ الَّتي هي بمَثابةِ النُّوَيّاتِ عِندَ تَأسِيسِ الإسلامِ والشَّرِيعةِ، ستُثمِرُ فيما يأتي مِنَ الأَزمانِ ثِمارًا يانِعةً مِنَ الأَحكامِ والفَوائدِ.
إنَّ تَكَرُّرَ الحاجةِ يَستَلزِمُ التَّیكرارَ. هذه قاعِدةٌ ثابِتةٌ، لذا فقد أَجابَ القُرآنُ الكَريمُ عن أَسئِلةٍ مُكرَّرةٍ كَثيرةٍ خِلالَ عِشرِين سَنةً، فأَرشَدَ بإجاباتِه المُكَرَّرةِ طَبَقاتٍ كَثيرةً مُتَبايِنةً مِنَ المُخاطَبِين؛ فهو يُكَرِّرُ جُمَلًا تَملِكُ أُلُوفَ النَّتائجِ، ويُكَرِّرُ إرشاداتٍ هي نَتِيجةٌ لِأَدِلّةٍ لا حَدَّ لها، وذلك عِندَ تَرسِيخِه في الأَذهانِ وتَقرِيرِه في القُلُوبِ ما سيَحدُثُ مِنِ انقِلابٍ عَظِيمٍ وتَبَدُّلٍ رَهيبٍ في العالَمِ، وما سيُصِيبُه مِن دَمارٍ وتَفَتُّتِ الأَجزاءِ، وما سيَعقُبُه مِن بِناءِ الآخِرةِ الخالِدةِ الرّائعةِ بَدَلًا مِن هذا العالَمِ الفاني.
ثمَّ إنَّه يُكَرِّرُ تلك الجُمَلَ والآياتِ أيضًا عِندَ إثباتِه أنَّ جَميعَ الجُزئيّاتِ والكُلِّيّاتِ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى النُّجُومِ إنَّما هي في قَبْضةِ واحِدٍ أَحَدٍ سُبحانَه وضِمنَ تَصَرُّفِه جَلَّ شَأنُه.
ويُكرِّرُها أيضًا عِندَ بَيانِه الغَضَبَ الإلٰهِيَّ والسَّخَطَ الرَّبّانِيَّ على الإنسانِ المُرتَكِبِ للمَظالِمِ عِندَ خَرْقِه الغايةَ مِنَ الخَلقِ، تلك المَظالِمِ الَّتي تُثيرُ هَيَجانَ الكائناتِ والأَرضِ والسَّماءِ والعَناصِرِ وتُؤَجِّجُ غَضَبَها على مُقتَرِفيها.
لِذا فإنَّ تَكرارَ تلك الجُمَلِ والآياتِ عِندَ بَيانِ أَمثالِ هذه الأُمُورِ العَظِيمةِ الهائلةِ لا يُعَدُّ نَقصًا في البَلاغةِ قَطُّ، بل هو إعجازٌ في غايةِ الرَّوعةِ والإبداعِ، وبَلاغةٌ في غايةِ العُلُوِّ والرِّفعةِ، وجَزالةٌ یی بل فَصاحةٌ یی مُطابِقةٌ تَطابُقًا تامًّا لِمُقتَضَى الحالِ، فعلى سَبِيلِ المِثالِ:
إنَّ جُملةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ هي آيةٌ واحِدةٌ تَتكرَّرُ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ مَرّةً في القُرآنِ الكَريمِ، ذلك لأَنَّها حَقيقةٌ كُبْرَى تَملَأُ الكَونَ نُورًا وضِياءً، وتَشُدُّ الفَرْشَ بالعَرْشِ برِباطٍ وَثيقٍ یی كما بَيَّینّاها في اللَّمْعةِ الرّابعةَ عَشْرةَ یی فما مِن أَحَدٍ إلّا وهو
— 578 —
بحاجةٍ مَسِيسةٍ إلى هذه الحَقيقةِ في كلِّ حِينٍ، فلو تَكَرَّرَت هذه الحَقيقةُ العُظمَى مَلايِينَ المَرّاتِ، فالحاجةُ ما زالَت قائمةً باقيةً لا تَرْتَوِي. إذ لَيسَت هي حاجةً يَومِيّةً كالخُبزِ، بل هي أيضًا كالهَواءِ والضِّياءِ الَّذي يُضطَیرُّ إلَيه ويُشتاقُ كلَّ دَقيقةٍ.
وإنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ تَتكَرَّرُ ثَمانِيَ مَرّاتٍ في سُورةِ "الشُّعَراءِ"، فتَكرارُ هذه الآيةِ العَظِيمةِ الَّتي تَنطَوِي على أُلُوفِ الحَقائقِ في سُورةٍ تَذْكُرُ نَجاةَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام وعَذابَ أَقوامِهم، إنَّما هو لِبَيانِ: أنَّ مَظالِمَ أَقوامِهم تَمَسُّ الغايةَ مِنَ الخَلْقِ، وتَتَعرَّضُ إلى عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ، فتَقتَضي العِزّةُ الرَّبّانيّةُ عَذابَ تلك الأَقوامِ الظّالِمةِ مِثلَما تَقتَضي الرَّحمةُ الإلٰهِيّةُ نَجاةَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام؛ فلو تَكَرَّرَت هذه الآيةُ أُلُوفَ المَرّاتِ لَمَا انقَضَتِ الحاجةُ والشَّوقُ إلَيها، فالتَّكرارُ هُنا بَلاغةٌ راقِيةٌ ذاتُ إعجازٍ وإيجازٍ.
وكذلك الآيةُ الكَريمةُ: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ المُكَرَّرةُ في سُورةِ "الرَّحمٰنِ"، والآيةُ الكَريمةُ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ المُكَرَّرةُ في سُورةِ "المُرسَلاتِ"، تَصرُخُ كلٌّ مِنهما في وَجهِ العُصُورِ قاطِبةً وتُعلِنُ إعلانًا صَرِيحًا في أَقطارِ السَّماواتِ والأَرضِ أنَّ كُفْرَ الجِنِّ والإِنسِ وجُحُودَهم بالنِّعَمِ الإلٰهِيّةِ، ومَظالِمَهمُ الشَّنيعةَ، يُثِيرُ غَضَبَ الكائناتِ ويَجعَلُ الأَرضَ والسَّماواتِ في حِنْقٍ وغَيظٍ علَيهم.. ويُخِلُّ بحِكمةِ خَلقِ العالَمِ والقَصدِ مِنه.. ويَتَجاوَزُ حُقُوقَ المَخلُوقاتِ كافّةً ويَتَعدَّى علَيها.. ويَستَخِفُّ بعَظَمةِ الأُلوُهيّةِ ويُنكِرُها، لذا فهاتانِ الآيَتانِ تَرتَبِطانِ بأُلُوفٍ مِن أَمثالِ هذه الحَقائقِ، ولَهما مِنَ الأَهَمِّيّةِ ما لِأُلُوفِ المَسائلِ وقُوَّتِها، لو تَكَرَّرَتا أُلُوفَ المَرّاتِ في خِطابٍ عامٍّ مُوَجَّهٍ إلى الجِنِّ والإنسِ لَكانَتِ الضَّرُورةُ قائمةً بَعدُ، والحاجةُ إلَيها ما زالَت مَوجُودةً باقيةً؛ فالتَّكرارُ هنا بلاغةٌ مُوجَزةٌ جَليلةٌ ومُعجِزةٌ جَميلةٌ.
ومثالٌ آخَرُ نَسُوقُه حَولَ حِكمةِ التَّكرارِ في الحَديثِ النَّبَويِّ (ص): فالمُناجاةُ النَّبَويّةُ المُسَمّاةُ بی"الجَوشَنِ الكَبيرِ" مُناجاةٌ رائعةٌ مُطابِقةٌ لِحَقيقةِ القُرآنِ الكَريمِ، ونَمُوذَجٌ مُستَخلَصٌ مِنه. نَرَى فيها جُملةَ: "سُبحانَك يا لا إلٰهَ إلّا أنتَ، الأَمانَ الأَمانَ، خَلِّصْنا مِنَ
— 579 —
النّارِ.. أَجِرْنا مِنَ النّارِ.. نَجِّنا مِنَ النّارِ"، هذه الجُمَلُ تَتَكرَّرُ مِئةَ مَرّةٍ، فلو تَكَرَّرَت أُلُوفَ المَرّاتِ لَمَا وَلَّدَتِ السَّأَمَ، إذ إنَّها تَنطَوِي على أَجَلِّ حَقيقةٍ في الكَونِ وهي التَّوحِيدُ، وأَجَلِّ وَظيفةٍ للمَخلُوقاتِ تِجاهَ رَبِّهِمُ الجَليلِ وهي التَّسبِيحُ والتَّحمِيدُ والتَّقدِيسُ، وأَعظَمِ قَضِيّةٍ مَصِيريّةٍ للبَشَريّةِ وهي النَّجاةُ مِنَ النّارِ والخَلاصُ مِنَ الشَّقاءِ الخالِدِ؛ وأَلْزَمِ غايةٍ للعُبُودِيّةِ وللعَجْزِ البَشَرِيِّ وهي الدُّعاءُ.
وهكذا نَرَى أَمثالَ هذه الأُسُسِ فيما تَشتَمِلُ علَيه أَنواعُ التَّیكرارِ في القُرآنِ الكَريمِ، حتَّى نَرَى أنَّه يُعَبِّیرُ أَكثَرَ مِن عِشرِين مَرّةً عن حَقيقةِ التَّوحِيدِ صَراحةً أو ضِمنًا، في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنَ المُصحَفِ، وذلك حَسَبَ اقتِضاءِ المَقامِ، ولُزُومِ الحاجةِ إلى الإفهامِ، وبلاغةِ البَيانِ، فيُهيِّجُ بالتَّكرارِ الشَّوْقَ إلى تَكرارِ التِّلاوةِ، ويُمِدُّ به البَلاغةَ قُوّةً وسُمُوًّا مِن دُونِ أن يُورِثَ سَأَمًا أو مَلَلًا.
ولقد أَوضَحَتْ أَجزاءُ رَسائلِ النُّورِ حِكمةَ التَّیكرارِ في القُرآنِ الكَريمِ وبَيَّنَتْ حُجَجَها وأَثبَتَت مَدَى مُلاءَمةِ التَّكرارِ وانسِجامِه معَ البَلاغةِ، ومَدَى حُسنِه وجَمالِه الرّائعِ.
أمّا حِكمةُ اختِلافِ السُّوَرِ المَكِّيّةِ عنِ المَدَنِيّةِ مِن حيثُ البَلاغةُ، ومِن جِهةِ الإعجازِ، ومِن حيثُ التَّفصيلُ والإجمالُ فهي كما يأتي:
إنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ مِنَ المُخاطَبين والمُعارِضين في مَكّةَ كانُوا مُشرِكِي قُرَيشٍ، وهم أُمِّیيُّون لا كِتابَ لهم، فاقتَضَتِ البَلاغةُ أُسلُوبًا عالِيًا قَوِيًّا وإجمالًا مُعجِزًا مُقنِعًا، وتَكرارًا يَستَلزِمُه التَّثبِيتُ في الأَفهامِ؛ لِذا تَناوَلَت أَغلَبُ السُّوَرِ المَكِّيّةِ أَركانَ الإيمانِ ومَراتِبَ التَّوحِيدِ بأُسلُوبٍ في غايةِ القُوّةِ والعُلُوِّ، وبإيجازٍ في غايةِ الإعجازِ، وكَرَّرَتِ الإيمانَ باللهِ والآخِرةِ، والمَبدَأِ والمَعادِ كَثيرًا، بل قد عَبَّیرَت عن تلك الأَركانِ الإيمانيّةِ في كلِّ صَحِيفةٍ أو آيةٍ، أو في جُملةٍ واحِدةٍ، أو كَلِمةٍ واحِدةٍ، بل رُبَّما عَبَّیرَت عنها في حَرفٍ واحِدٍ، في تَقديمٍ وتَأخِيرٍ، في تَعرِيفٍ وتَنكِيرٍ، في حَذْفٍ وذِكْرٍ؛ فأَثبَتَت أَركانَ الإيمانِ في أَمثالِ تلك الحالاتِ والهَيئاتِ البَلاغِيّةِ إثباتًا جَعَلَ عُلَماءَ البَلاغةِ وأَئِمَّتَها يَقِفُونَ حَيارَى مَبهُوتينَ أَمامَ هذا الأُسلُوبِ المُعجِزِ.
— 580 —
ولقد وَضَّحَت رَسائلُ النُّورِ یی ولا سِيَّما "الكَلِمةُ الخامِسةُ والعِشرُون: المُعجِزاتُ القُرآنيّةُ" معَ ذُيُولِها یی إعجازَ القُرآنِ في أَربَعِين وَجْهًا مِن وُجُوهِها، وكذلك تَفسِيرُ "إشاراتُ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" باللُّغةِ العَرَبيّةِ الَّذي يُبيِّنُ بَيانًا رائعًا إعجازَ القُرآنِ مِن حيثُ وَجهُ النَّظمِ بينَ الآياتِ الكَريمةِ؛ فأَثبَتَت كِلْتا الرِّسالَتَينِ فِعلًا عُلُوَّ الأُسلُوبِ البَلاغِيِّ الفَذِّ وسُمُوَّ الإيجازِ المُعجِزِ في السُّوَرِ المَكِّيّةِ وآياتِها.
أمّا الآياتُ المَدَنيّةُ وسُوَرُها فالصَّفُّ الأَوَّلُ مِن مُخاطَبِيها ومُعارِضِيها كانُوا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارَى وهم أَهلُ كِتابٍ مُؤمِنُون باللهِ، فاقتَضَت قَواعِدُ البَلاغةِ وأَساليبُ الإرشادِ وأُسُسُ التَّبلِيغِ أن يكُونَ الخِطابُ المُوَجَّهُ لِأَهلِ الكِتابِ مُطابِقًا لِواقِعِ حالِهم، فجاءَ بأُسلُوبٍ سَهلٍ واضِحٍ سَلِسٍ، مع بَيانٍ وتَوضِيحٍ في الجُزئيَّاتِ دُونَ الأُصُولِ والأَركانِ (الإيمانيّةِ)، لأنَّ تلك الجُزئيّاِت هي مَنشَأُ الأَحكامِ الفَرعِيّةِ والقَوانينِ الكُلِّیيّةِ، ومَدارُ الِاختِلافاتِ في الشَّرائعِ والأَحكامِ.
لِذا فغالبًا ما نَجِدُ الآياتِ المَدَنيّةَ واضِحةً سَلِسةً بأُسلُوبٍ بَيانِيٍّ مُعجِزٍ خاصٍّ بالقُرآنِ الكَريمِ، ولكِنَّ ذِكْرَ القُرآنِ فَذْلَكةً قَوِيّةً أو نَتيجةً مُلَخَّصةً أو خاتِمةً رَصِينةً أو حُجّةً دامِغةً تَعقِيبًا على حادِثةٍ جُزئيّةٍ فَرْعيّةٍ، يَجعَلُ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ قاعِدةً كُلِّيّةً عامّةً، ومِن بعدِ ذلك يَضمَنُ الِامتِثالَ بها بتَرسِيخِ الإيمانِ باللهِ الَّذي يُحَقِّقُه ذِكْرُ تلك الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ المُلَخِّصةِ للتَّوحِيدِ والإيمانِ والآخِرةِ، فتَرَى أنَّ ذلك المَقامَ الواضِحَ السَّلِسَ يَتَنوَّرُ ويَسمُو بتلك الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ.
ولقد بَيَّنَت رَسائلُ النُّورِ وأَثبَتَت حتَّى للمُعانِدِين مَدَى البَلاغةِ العاليةِ والمِيزاتِ الرَّاقيةِ وأَنواعَ الجَّزالةِ السّاميةِ الدَّقيقةِ الرَّفيعةِ في تلك الفَذْلَكاتِ والفَواصِلِ، وذلك في عَشْرِ مُمَيِّزاتٍ ونُكَتٍ في النُّورِ الثَّاني مِنَ الشُّعلةِ الثَّانيةِ للكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين الخاصَّةِ بإعجازِ القُرآنِ.
فإن شِئتَ فانظُرْ إلى إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الَّتي تُفيدُ
— 581 —
التَّوحِيدَ وتُذَكِّرُ بالآخِرةِ، والَّتي تَنتَهي بها أَغلَبُ الآياتِ الكَريمةِ، تَرَ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ عِندَ بَيانِه الأَحكامَ الشَّرعيّةَ الفَرعيّةَ والقَوانينَ الِاجتِماعيّةَ يَرفَعُ نَظَرَ المُخاطَبِ إلى آفاقٍ كُلِّيّةٍ سامِيةٍ، فيُبَدِّلُ بهذه الفَواصِلِ الخِتامِيّةِ ذلك الأُسلُوبَ السَّهلَ الواضِحَ السَّلِسَ أُسلُوبًا عاليًا رَفيعًا، كأنَّه يَنقُلُ القارِئَ مِن دَرسِ الشَّرِيعةِ إلى دَرسِ التَّوحِيدِ؛ فيُثبِتُ أنَّ القُرآنَ كِتابُ شَرِيعةٍ وأَحكامٍ وحِكمةٍ كما هو كِتابُ عَقيدةٍ وإيمانٍ، وهو كِتابُ ذِكْرٍ وفِكْرٍ كما هو كِتابُ دُعاءٍ ودَعوةٍ.
وهكذا تَرَى أنَّ هناك نَمَطًا مِن جَزالةٍ مُعجِزةٍ ساطِعةٍ في الآياتِ المَدَنيّةِ هو غيرُ بلاغةِ الآياتِ المَكِّيّةِ، حَسَبَ اختِلافِ المَقامِ وتَنَوُّعِ مَقاصِدِ الإرشادِ والتَّبلِيغِ.
فقد تَرَى هذا النَّمَطَ في كَلِمتَينِ فقط: رَبُّكَ و رَبِّ الْعَالَمِينَ إذ يُعلِّمُ الأَحَديّةَ بتَعبيرِ: رَبُّكَ، ويُعلِّمُ الواحِدِيّةَ بی رَبِّ الْعَالَمِينَ، فيُفِيدُ الواحِدِيّةَ ضِمْنَ الأَحَديّةَ.
بل قد تَرَى ذلك النَّمَطَ مِنَ البَلاغةِ في جُملةٍ واحِدةٍ، فيُريك في آيةٍ واحِدةٍ مَثلًا نُفُوذَ عِلمِه إلى مَوضِعِ الذَّرّةِ في بُؤبُؤِ العَينِ، ومَوقِعَ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّماءِ، وإحاطةَ قُدرَتِه الَّتي تَضَعُ بالآلةِ الواحِدةِ كُلًّا في مَكانِه، جاعِلةً مِنَ الشَّمسِ كأنَّها عَينُ السَّماءِ فيُعَقِّبُ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ بعدَ آيةِ: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، أي: يُعَقِّبُ نُفُوذَ عِلمِه سُبحانَه إلى خَفايا الصُّدُورِ بعدَ ذِكرِه عَظَمةَ الخَلْقِ في السَّماواتِ والأَرضِ وبَسْطِها أَمامَ الأَنظارِ، فيُقِرُّ في الأَذهانِ أنَّه يَعلَمُ خَواطِرَ القُلُوبِ وخَوافِيَ شُؤُونِها ضِمنَ جَلالِ خَلّاقِيَّتِه للسَّماواتِ والأَرضِ وتَدبِيرِه لِشُؤُونِها.. فهذا التَّعقِيبُ: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ لَونٌ مِنَ البَيانِ يُحَوِّلُ ذلك الأُسلُوبَ السَّهلَ الواضِحَ الفِطْرِيَّ القَرِيبَ إلى أَفهامِ العَوامِّ، إلى إرشادٍ سامٍ وتَبلِيغٍ عامٍّ جَذّابٍ.
سُؤالٌ: إنَّ النَّظْرةَ السَّطْحيّةَ العابِرةَ لا تَستَطِيعُ أن تَرَى ما يُورِدُه القُرآنُ الكَريمُ مِن حَقائقَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، فلا تَعرِفُ نَوعَ المُناسَبةِ والعَلاقةِ بينَ فَذْلَكةٍ سامِيةٍ تُعبِّیرُ عن التَّوحِيدِ أو تُفيدُ دُستُورًا كُلِّیيًّا، وبينَ حادِثةٍ جُزئيّةٍ مُعتادةٍ، لِذا يَتَوهَّمُ البَعضُ أنَّ هناك شَيئًا مِن قُصُورٍ في البَلاغةِ؛ فمَثلًا: لا تَظهَرُ المُناسَبةُ البَلاغيّةُ في ذِكرِ الدُّستُورِ العَظِيمِ:
— 582 —
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تَعقِيبًا على حادِثةٍ جُزئيّةٍ، وهي إيواءُ يُوسُفَ عَليهِ السَّلام أَخاه إلَيه بتَدبِيرٍ ذَكِيٍّ.. فيُرجَى بَيانُ السِّرِّ في ذلك وكَشْفُ الحِجابِ عن حِكمَتِه؟
الجَوابُ: إنَّ أَغلَبَ السُّوَرِ المُطَوَّلةِ والمُتَوسِّطةِ الَّتي كلٌّ مِنها كأنَّه قُرآنٌ على حِدةٍ، لا تَكتَفي بمَقصَدَينِ أو ثلاثةٍ مِن مَقاصِدِ القُرآنِ الأَربَعةِ (وهي: التَّوحِيدُ، النُّیبُوّةُ، الحَشرُ، العَدْلُ معَ العُبُودِيّةُ)، بل كلٌّ مِنها يَتَضمَّنُ ماهيّةَ القُرآنِ كلَّها، والمَقاصِدَ الأَربَعةَ معًا، أي: كلٌّ مِنها: كِتابُ ذِكرٍ وإيمانٍ وفِكرٍ، كما أنَّه كِتابُ شَريعةٍ وحِكمةٍ وهِدايةٍ؛ فكلُّ سُورةٍ مِن تلك السُّوَرِ تَتَضمَّنُ كُتُبًا عِدّةً، وتُرشِدُ إلى دُرُوسٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ.
فتَجِدُ أنَّ كلَّ مَقامٍ یی بل حتَّى الصَّحِيفةَ الواحِدةَ یی يَفتَحُ أَمامَ الإنسانِ أَبوابًا للإيمانِ يُحَقِّقُ بها إقرارَ مَقاصِدَ أُخرَى، حيثُ إنَّ القُرآنَ يَذكُرُ ما هو مَسطُورٌ في كِتابِ الكَونِ الكَبيرِ ويُبَيِّنُه بوُضُوحٍ، فيُرَسِّخُ في أَعماقِ المُؤمِنِ إحاطةَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه بكلِّ شيءٍ، ويُرِيه تَجَلِّياتِها المَهِيبةَ في الآفاقِ والأَنفُسِ.. لِذا فإنَّ ما يَبدُو مِن مُناسَبةٍ ضَعيفةٍ، يُبنَى علَيها مَقاصِدُ كُلِّيّةٌ، فتَتَلاحَقُ مُناسَباتٌ وَثيقةٌ وعَلاقاتٌ قَوِيّةٌ بتلك المُناسَبةِ الضَّعِيفةِ ظاهِرًا، فيكُونُ الأُسلُوبُ مُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى ذلك المَقامِ، فتَتَعالَى مَرتَبَتُه البَلاغِيّةُ.
سُؤالٌ آخَرُ: ما حِكمةُ سَوقِ القُرآنِ أُلُوفَ الدَّلائلِ لإثباتِ أُمُورِ الآخِرةِ وتَلقِينِ التَّوحِيدِ وإثابةِ البَشَرِ؟ وما السِّرُّ في لَفْتِه الأَنظارَ إلى تلك الأُمُورِ صَراحةً وضِمنًا وإشارةً في كلِّ سُورةٍ بل في كلِّ صَحِيفةٍ مِنَ المُصحَفِ وفي كلِّ مَقامٍ؟
الجَوابُ: لأنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُنَیبِّهُ الإنسانَ إلى أَعظَمِ انقِلابٍ يَحدُثُ ضِمنَ المَخلُوقاتِ ودائرةِ المُمكِناتِ في تارِيخِ العالَمِ، وهو الآخِرةُ؛ ويُرشِدُه إلى أَعظَمِ مَسأَلةٍ تَخُصُّه وهو الحامِلُ للأَمانةِ الكُبْرَى وخِلافةِ الأَرضِ، تلك هي مَسأَلةُ التَّوحِيدِ الَّذي تَدُورُ علَيه سَعادَتُه وشَقاوَتُه الأَبَدِيَّتانِ.. وفي الوَقتِ نَفسِه يُزِيلُ القُرآنُ سَيْلَ الشُّبُهاتِ الوارِدةِ دُونَ انقِطاعٍ، ويُحَطِّمُ أَشَدَّ أَنواعِ الجُحُودِ والإنكارِ المَقِيتِ.
لِذا لو قامَ القُرآنُ بتَوجِيهِ الأَنظارِ إلى الإيمانِ بتلك الِانقِلاباتِ المُدهِشةِ وحَمْلِ الآخَرِين على تَصدِيقِ تلك المَسأَلةِ العَظِيمةِ الضَّرُورِيّةِ للبَشَرِ.. نعم، لو قامَ به آلافَ
— 583 —
المَرَّاتِ، وكَرَّر تلك المَسائلَ مَلايِينَ المَرّاتِ، لا يُعَدُّ ذلك مِنه إسرافًا في البَلاغةِ قَطُّ، كما أنَّه لا يُوَلِّدُ سَأَمًا ولا مَلَلًا البَتّةَ، بل لا تَنقَطِعُ الحاجةُ إلى تَكرارِ تِلاوَتِها في القُرآنِ الكَريمِ، إذْ ليس في الوُجُودِ مَسأَلةٌ أَهَمُّ ولا أَعظَمُ مِنَ التَّوحِيدِ والآخِرةِ.
فمَثلًا: إنَّ حَقيقةَ الآيةِ الكَريمةِ: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ هي بُشرَى السَّعادةِ الخالِدةِ تَزُفُّها هذه الآيةُ الكَرِيمةُ إلى الإنسانِ المِسكِينِ الَّذي يُلاقي حَقيقةَ المَوتِ كلَّ حِينٍ، فتُنقِذُه هذه البُشرَى مِن تَصَوُّرِ المَوتِ إعدامًا أَبَدِيًّا، وتُنجِيه وعالَمَه وجَميعَ أَحِبَّتِه مِن قَبضةِ الفَناءِ، بل تَمنَحُه سَلطَنةً أَبَديّةً، وتُكسِبُه سَعادةً دائمةً.. فلو تكَرَّرَت هذه الآيةُ الكَريمةُ مِليارًا مِنَ المَرّاتِ لا يُعَدُّ تَكرارُها مِنَ الإسرافِ قَطُّ، ولا يَمَسُّ بَلاغَتَها شيءٌ.
وهكذا تَرَى أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي يُعالِجُ أَمثالَ هذه المَسائلِ القَيِّمةِ، ويَسعَى لإِقناعِ المُخاطَبِين بها بإقامةِ الحُجَجِ الدّامِغةِ، يُعَمِّقُ في الأَذهانِ والقُلُوبِ تلك التَّحَوُّلاتِ العَظيمةَ والتَّبَدُّلاتِ الضَّخمةَ في الكَونِ، ويَجعَلُها أَمامَهم سَهلةً واضِحةً كتَبَدُّلِ المَنزِلِ وتَغيُّرِ شَكْلِه؛ فلا بُدَّ أنَّ لَفْتَ الأَنظارِ إلى أَمثالِ هذه المَسائلِ یی صَراحةً وضِمنًا وإشارةً یی بأُلُوفِ المَرَّاتِ ضَرُورِيٌّ جِدًّا، بل هو كضَرُورةِ الإنسانِ إلى نِعمةِ الخُبزِ والهَواءِ والضِّياءِ الَّتي تَتَیكرَّرُ حاجَتُه إلَيها دائمًا.
ومَثلًا: إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وأَمثالَها مِن آياتِ الإنذارِ والتَّهدِيدِ، وسَوْقِها بأُسلُوبٍ في غايةِ الشِّدّةِ والعُنفِ، هي یی مِثلَما أَثبَتْناها في رَسائلِ النُّورِ إثباتًا قاطِعًا یی: أنَّ كُفْرَ الإنسانِ إنَّما هو تَجاوُزٌ یی أَيُّ تَجاوُزٍ یی على حُقُوقِ الكائناتِ وأَغلَبِ المَخلُوقاتِ، مِمّا يُثِيرُ غَضَبَ السَّماواتِ والأَرضِ، ويَملَأُ صُدُورَ العَناصِرِ حِنْقًا وغَيْظًا على الكافرِين، حتَّى تَقُومَ تلك العَناصِرُ بصَفْعِ أُولَئك الظّالِمِين بالطُّوفانِ وغيرِه، بل حتَّى الجَحِيمُ تَغضَبُ علَيهم غَضَبًا تكادُ تَتَفجَّرُ مِن شِدَّتِه كما هو صَريحُ الآيةِ الكَريمةِ: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ٭ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ؛ فلو كَرَّرَ سُلطانُ الكَونِ في أَوامِرِه تلك
— 584 —
الجِنايةَ العُظمَى "الكُفْرَ" وعُقُوبَتَها بأُسلُوبٍ في غايةِ الزَّجْرِ والشِّدّةِ أُلُوفَ المَرّاتِ، بل مَلايِينَ المَرّاتِ، بل مِلياراتِ المَرّاتِ، لَمَا عُدَّ ذلك إسرافًا مُطلَقًا ولا نَقْصًا في البَلاغةِ، نَظَرًا لِضَخامةِ تلك الجِنايةِ العامّةِ وتَجاوُزِ الحُقُوقِ غيرِ المَحدُودِ، وبِناءً على حِكمةِ إظهارِ أَهَمِّيّةِ حُقُوقِ رَعِيَّتِه سُبحانَه وإبرازِ القُبحِ غيرِ المُتَناهي في كُفْرِ المُنكِرين وظُلمِهِمُ الشَّنِيعِ؛ إذ لا يُكَرَّرُ ذلك لِضَآلةِ الإنسانِ وحَقارَتِه، بل لِهَولِ تَجاوُزِ الكافِرِ وعِظَمِ ظُلْمِه.
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ مِئاتِ المَلايِينِ مِنَ النّاسِ مُنذُ أَلفٍ ومِئاتٍ مِنَ السِّنينَ يَتْلُون القُرآنَ الكَريمَ بلَهفةٍ وشَوقٍ وبحاجةٍ ماسّةٍ إلَيه دُونَ مَلَلٍ ولا سَأَمٍ.
نعم، إنَّ كلَّ وَقْتٍ وكلَّ يَومٍ إنَّما هو عالَمٌ يَمضِي وبابٌ يَنفَتِحُ لِعالَمٍ جَديدٍ، لذا فإنَّ تَكرارَ: «لا إلٰهَ إلّا اللهُ» بشَوقِ الحاجةِ إلَيها أُلُوفَ المَرّاتِ لِأَجلِ إضاءةِ تلك العَوالِمِ السَّيّارةِ كلِّها وإنارَتِها بنُورِ الإيمانِ، يَجعَلُ تلك الجُملةَ التَّوحِيدِيّةَ كأنَّها سِراجٌ مُنيرٌ في سَماءِ تلك العَوالِمِ والأَيّامِ.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذا في: «لا إلٰهَ إلّا اللهُ» ، كذلك تِلاوةُ القُرآنِ الكَريمِ، فهي تُبَدِّدُ الظَّلامَ المُخَيِّمَ على تلك الكَثرةِ الكاثِرةِ مِنَ المَشاهِدِ السّارِيةِ، وعلى تلك العَوالِمِ السَّيّارةِ المُتَجدِّدةِ، وتُزِيلُ التَّشَوُّهَ والقُبْحَ عن صُوَرِها المُنعَكِسةِ في مِرآةِ الحَياةِ، وتَجعَلُ تلك الأَوضاعَ الزّائِلةَ شُهُودًا له يومَ القِيامةِ لا شُهُودًا علَيه؛ وتُرَقِّيه إلى مَرتَبةِ مَعرِفةِ عِظَمِ جَزاءِ الجِناياتِ، وتَجعَلُه يُدرِكُ قِيمةَ النُّذُرِ المُخِيفةِ لِسُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ الَّتي تُشَتِّتُ عِنادَ الظّالِمين الطُّغاةِ، وتُشَوِّقُه إلى الخَلاصِ مِن طُغيانِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ.. فلِأَجلِ هذه الحِكَمِ كلِّها يُكَرِّرُ القُرآنُ الكَريمُ ما يُكَرِّرُ في غايةِ الحِكمةِ، مُظهِرًا أنَّ النُّذُرَ القُرآنيّةَ الكَثيرةَ إلى هذا القَدْرِ، وبهذه القُوّةِ والشِّدّةِ والتَّكرارِ حَقيقةٌ عُظمَى، يَنهَزِمُ الشَّيطانُ مِن تَوَهُّمِها باطِلًا، ويَهرُبُ مِن تَخَيُّلِها عَبَثًا.
نعم، إنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ لَهُو عَينُ العَدالةِ لِأُولَئك الكُفّارِ الَّذين لا يُعِيرُون للنُّذُرِ سَمْعًا.
ومِنَ المُكَرَّراتِ القُرآنيّةِ "قِصَصُ الأَنبِياءِ" عَلَيهم السَّلَام، فالحِكمةُ یی مَثلًا یی في تَكرارِ
— 585 —
قِصّةِ مُوسَى عَليهِ السَّلام الَّتي لها من الحِكَمِ والفَوائدِ ما لِعَصا مُوسَى، وكذا الحِكمةُ في تَكرارِ قِصَصِ الأَنبِياءِ إنَّما هي لِإِثباتِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ، وذلك بإظهارِ نُبُوّةِ الأَنبِياءِ جَمِيعِهم حُجّةً على أَحَقِّيّةِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ وصِدْقِها، حيثُ لا يُمكِنُ أن يُنكِرَها إلّا مَن يُنكِرُ نُبُوَّتَهم جَميعًا، فذِكْرُها إذًا دَليلٌ على الرِّسالةِ.
ثمَّ إنَّ كَثيرًا مِنَ النّاسِ لا يَستَطِيعُون كلَّ حِينٍ ولا يُوَفَّقُون إلى تِلاوةِ القُرآنِ الكَريمِ كُلِّه، بل يَكتَفُون بما يَتَيسَّرُ لهم مِنه.. ومِن هنا تَبدُو الحِكمةُ واضِحةً في جَعْلِ كلِّ سُورةٍ مُطَوَّلةٍ ومُتَوسِّطةٍ بمَثابةِ قُرآنٍ مُصَغَّرٍ، ومِن ثَمَّ تَكرارِ القِصَصِ فيها بمِثلِ تَكرارِ أَركانِ الإيمانِ الضَّرُوريّةِ؛ أي: إنَّ تَكرارَ هذه القِصَصِ هو مُقتَضَى البَلاغةِ وليس فيه إسرافٌ قَطُّ؛ زِدْ على ذلك فإنَّ فيه تَعلِيمًا بأنَّ حادِثةَ ظُهُورِ مُحمَّدٍ (ص) أَعظَمُ حادِثةٍ للبَشَريّةِ وأَجَلُّ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الكَونِ.
نعم، إنَّ مَنْحَ ذاتِ الرَّسُولِ الكَريمِ (ص) أَعظَمَ مَقامٍ وأَسماه في القُرآنِ الكَريمِ، وجَعْلَ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ» یی الَّذي يَتَضمَّنُ أَربَعةً مِن أَركانِ الإيمانِ یی مَقرُونًا بی «لا إلٰهَ إلّا اللهُ» دَليلٌ یی وأَيُّ دَليلٍ یی على أنَّ الرِّسالةَ المُحَمَّديّةَ هي أَكبَرُ حَقيقةٍ في الكَونِ، وأنَّ مُحمَّدًا (ص) لَهُو أَشرَفُ المَخلُوقاتِ طُرًّا، وأنَّ الحَقيقةَ المُحمَّديّةَ الَّتي تُمَثِّلُ الشَّخصِيّةَ المَعنَويّةَ الكُلِّيّةَ لِمُحمَّدٍ (ص) هي السِّراجُ المُنيرُ للعالَمَينِ كِلَيهِما، وأنَّه (ص) أَهلٌ لهذا المَقامِ الخارِقِ، كما قد أُثبِتَ ذلك في أَجزاءِ رَسائلِ النُّورِ بحُجَجٍ وبَراهِينَ عَديدةٍ إثباتًا قاطِعًا.. نُورِدُ هنا واحِدًا مِن أَلفٍ مِنها كما يأتي:
إنَّ كلَّ ما قامَ به جَميعُ أُمّةِ مُحمَّدٍ (ص) مِن حَسَناتٍ في الأَزمِنةِ قاطِبةً يُكتَبُ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه (ص)، وذلك حَسَبَ قاعِدةِ: «السَّبَبُ كالفاعِلِ».. وإنَّ تَنوِيرَه لِجَميعِ حَقائقِ الكائناتِ بالنُّورِ الَّذي أَتَى به لا يَجعَلُ الجِنَّ والإنسَ والمَلائكةَ وذَوِي الحَياةِ في امتِنانٍ ورِضًى وَحْدَهم، بل يَجعَلُ الكَونَ برُمَّتِه والسَّماواتِ والأَرضَ جَميعًا راضِيةً عنه مُحَدِّثةً بفَضائلِه.. وإنَّ ما يَبعَثُه صالِحُو الأُمّةِ يَومِيًّا مِن مَلايِينِ الأَدعِيةِ ومعَ الرُّوحانيِّين مِن مِلياراتِ الأَدعِيةِ الفِطرِيّةِ المُستَجابةِ الَّتي لا تُرَدُّ یی بدَلالةِ القَبُولِ الفِعليِّ
— 586 —
المُشاهَدِ لِأَدعِيةِ النَّباتاتِ بلِسانِ الِاستِعدادِ، وأَدعِيةِ الحَيَواناتِ بلِسانِ حاجةِ الفِطرةِ یی ومِن أَدعِيةِ الرَّحمةِ بالصَّلاةِ والسَّلامِ علَيه، وما يُرسِلُونه بما ظَفِرُوا مِن مَكاسِبَ مَعنَويّةٍ وحَسَناتِ هَدايا، إنَّما تُقَدَّمُ إلَيه أَوَّلًا.. فَضْلًا عمّا يَدخُلُ في دَفتَرِ حَسَناتِه (ص) مِن أَنوارٍ لا حُدُودَ لها بما تَتلُوه أُمَّتُه یی بمُجَرَّدِ التِّلاوةِ یی مِنَ القُرآنِ الكَريمِ الَّذي في كلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِه الَّتي تَزِيدُ على ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ حَرْفٍ، عَشْرُ حَسَناتٍ وعَشْرُ ثِمارٍ أُخرَوِيّةٍ، بل مِئةٌ بل أَلفٌ مِنَ الحَسَناتِ..
نعم، إنَّ عَلَّامَ الغُيُوبِ سُبحانَه قد سَبَق عِلْمُه وشاهَدَ أنَّ الحَقيقةَ المُحمَّديّةَ الَّتي هي الشَّخصِيّةُ المَعنَوِيّةُ لتلك الذّاتِ المُبارَكةِ (ص) ستَكُونُ كمِثالِ شَجَرةِ طُوبَى الجَنّةِ، لِذا أَوْلاه في قُرآنِه تلك الأَهَمِّيّةَ العُظمَى حيثُ هو المُستَحِقُّ لِذلك المَقامِ الرَّفيعِ، وبَيَّن في أَوامِرِه أنَّ نَيلَ شَفاعَتِه إنَّما هو باتِّباعِه والِاقتِداءِ بسُنَّتِه الشَّرِيفةِ وهو أَعظَمُ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِ الإنسانِ، بل أَخَذَ بنَظَرِ الِاعتِبارِ یی بينَ حِينٍ وآخَرَ یی أَوضاعَه الإنسانيّةَ البَشَريّةَ الَّتي هي بمَثابةِ بِذرةِ شَجَرةِ طُوبَى الجَنّةِ.
وهكذا، فلِأنَّ حَقائقَ القُرآنِ المُكرَّرةَ تَملِكُ هذه القِيمةَ الرّاقيةَ وفيها مِنَ الحِكَمِ ما فيها، فالفِطرةُ السَّليمةُ تَشهَدُ أنَّ في تَكرارِه مُعجِزةً مَعنَويّةً قَوِيّةً وواسِعةً، إلّا مَن مَرِضَ قَلبُه وسَقُمَ وِجدانُه بطاعُونِ المادِّيّةِ، فتَشمَلُه القاعِدةُ المَشهُورةُ:
قَد يُنكِرُ المَرءُ ضَوءَ الشَّمسِ مِن رَمَدٍ
ويُنكِرُ الفَمُ طَعمَ الماءِ مِن سَقَمِ
٭ ٭ ٭
— 587 —
خاتِمةُ هذه المسألة العاشِرة في حاشيتَينِ
الحاشيةُ الأُولَى: طَرَق سَمْعي قبلَ اثنَتَي عَشْرةَ سَنةً أنَّ زِندِيقًا عَنِيدًا، قد فَضَح سُوءَ طَوِيَّتِه وخُبْثَ قَصْدِه بإِقدامِه على تَرجَمةِ القُرآنِ الكَريمِ، فحاكَ خُطّةً رَهيبةً، للتَّهوِينِ مِن شَأنِه بمُحاوَلةِ تَرجَمَتِه؛ وصَرَّح قائلًا: لِيُتَرجَمِ القُرآنُ لِتَظهَرَ قِيمَتُه. أي: لِيَرَى النَّاسُ تَكراراتِه غيرَ الضَّرُورِيّةِ! ولِتُتلَى تَرجَمَتُه بَدَلًا مِنه.. إلى آخِرِه مِنَ الأَفكارِ السّامّةِ.. إلّا أنَّ رَسائلَ النُّورِ بفَضلِ اللهِ قد شَلَّت تلك الفِكرةَ وأَجهَضَت تلك الخُطّةَ بحُجَجِها الدّامِغةِ وبانتِشارِها الواسِعِ في كلِّ مَكانٍ، فأَثبَتَت إثباتًا قاطِعًا أنَّه لا يُمكِنُ قَطعًا تَرجَمةُ القُرآنِ الكَريمِ تَرجَمةً حَقيقيّةً.. وأنَّ أَيّةَ لُغةٍ غيرِ اللُّغةِ العَرَبيّةِ الفُصحَى عاجِزةٌ عنِ الحِفاظِ على مَزايا القُرآنِ الكَريمِ ونُكَتِه البَلاغِيّةِ اللَّطِيفةِ.. وأنَّ التَّرجَماتِ العادِيّةَ الجُزئيّةَ الَّتي يقُومُ بها البَشَرُ لن تَحُلَّ بأَيِّ حالٍ مَحَلَّ التَّعابِيرِ الجامِعةِ المُعجِزةِ للكَلِماتِ القُرآنيّةِ الَّتي في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِها حَسَناتٌ تَتَصاعَدُ مِنَ العَشَرةِ إلى الأَلفِ، لذا لا يُمكِنُ مُطلَقًا تِلاوةُ التَّرجَمةِ بَدَلًا مِنه.
بَيْدَ أنَّ المُنافِقين الَّذين تَتَلمَذُوا على يَدِ ذلك الزِّندِيقِ، سَعَوْا بمُحاوَلاتٍ هَوْجاءَ في سَبِيلِ الشَّيطانِ لِيُطفِئُوا نُورَ القُرآنِ الكَريمِ بأَفواهِهم؛ ولكن لَمَّا كُنتُ لا أَلتَقي أَحَدًا، فلا عِلمَ لي بحَقيقةِ ما يَدُورُ مِن أَوضاعٍ، إلّا أنَّ أَغلَبَ ظَنِّي أنَّ ما أَورَدتُه آنِفًا هو السَّبَبُ الَّذي دَعا إلى إملاءِ هذه "المَسأَلةِ العاشِرةِ" عَلَيَّ، رَغمَ ما يُحِيطُ بي مِن ضِيقٍ.
الحاشيةُ الثانية: كُنتُ جالِسًا ذاتَ يومٍ في الطّابِقِ العُلْوِيِّ مِن فُندُق "شَهِرْ" عَقِبَ إطلاقِ سَراحِنا مِن سِجنِ "دَنِيزْلي"، أَتأَمَّلُ فيما حَوْلي مِن أَشجارِ الحَوْر (الصَّفْصافِ) الكَثيرةِ في الحَدائقِ الغَنَّاءِ والبَساتينِ الجَميلةِ، رَأَيتُها جَذْلَى بحَرَكاتِها الرّاقِصةِ الجَذّابةِ، تَتَمايَلُ بجُذُوعِها وأَغصانِها، وتَهتَزُّ أَوراقُها بأَدنَى لَمْسةٍ مِن نَسِيمٍ؛ فبَدَت أَمامي بأَبهَى صُورةٍ وأَحلاها، وكأنَّها تُسَبِّحُ للهِ في حَلَقاتِ ذِكرٍ وتَهليلٍ.
— 588 —
مَسَّت هذه الحَرَكاتُ اللَّطيفةُ أَوْتارَ قَلبي المَحزُونِ مِن فِراقِ إخواني، وأنا مَغمُومٌ لِانفِرادِي وبَقائي وَحِيدًا، فخَطَر على البالِ فَجأةً مَوْسِمَا الخَرِيفِ والشِّتاءِ وانتابَتْني غَفْلةٌ، إذ ستَتَناثَرُ الأَوراقُ وسيَذهَبُ الرُِّواءُ والجَمالُ.. وبَدَأتُ أَتأَلَّمُ على تلك الحَوَرِ الجَميلةِ، وأَتحَسَّرُ على سائرِ الأَحياءِ الَّتي تَتَجلَّى فيها تلك النَّشوةُ الفائقةُ تأَلُّمًا شَدِيدًا، حتَّى اغرَوْرَقَت عَينايَ واحتَشَدَت على رَأسِي أَحزانٌ تَدَفَّقَت مِنَ الزَّوالِ والفِراقِ تَملَأُ هذا السِّتارَ المُزَرْكَشَ البَهيجَ للكائناتِ!
وبَينَما أنا في هذه الحالةِ المُحزِنةِ إذا بالنُّورِ الَّذي أَتَت به الحَقيقةُ المُحمَّديّةُ (ص) يُغِيثُني مِثلَما يُغيثُ كلَّ مُؤمِنٍ ويُسعِفُه، فبَدَّل تلك الأَحزانَ والغُمُومَ الَّتي لا حُدُودَ لها مَسَرّاتٍ وأَفراحًا لا حَدَّ لها، فبِتُّ في امتِنانٍ أَبَدِيٍّ ورِضًى دائمٍ مِنَ الحَقيقةِ المُحمَّدِيّةِ الَّتي أَنقَذَني فَيضٌ واحِدٌ مِن فُيُوضاتِ أَنوارِها غيرِ المَحدُودةِ، فنَشَر ذلك الفَيضُ السُّلوانَ في أَرجاءِ نَفسِي وأَعماقِ وِجداني، وكان ذلك كالآتي:
إنَّ تلك النَّظرةَ الغافِلةَ أَظهَرَت تلك الأَوراقَ الرَّقيقةَ والأَشجارَ الفارِعةَ الهَيفاءَ مِن دُونِ وَظِيفةٍ ولا مُهِمّةٍ، لا نَفْعَ لها ولا جَدْوَى، وأنَّها لا تَهتَزُّ اهتِزازَها اللَّطِيفَ مِن شِدّةِ الشَّوقِ والنَّشوةِ، بل تَرتَعِدُ مِن هَوْلِ العَدَمِ والفِراقِ.. فتَبًّا لها مِن نَظرةٍ غافِلةٍ أَصابَت صَمِيمَ ما هو مَغرُوزٌ فِيَّ یی كما هو عِندَ غَيرِي یی مِن عِشقٍ للبَقاءِ، وحُبِّ الحَياةِ، والِافتِتانِ بالمَحاسِنِ، والشَّفَقةِ على بَني الجِنسِ.. فحَوَّلَتِ الدُّنيا إلى جَهَنَّمَ مَعنَوِيّةٍ، والعَقلَ إلى عُضوٍ للشَّقاءِ والتَّعذِيبِ.. فبَينَما كُنتُ أُقاسِي هذا الوَضْعَ المُؤلِمَ، إذا بالنُّورِ الَّذي أَنارَ به مُحمَّدٌ (ص) البَشَرِيّةَ جَمعاءَ يَرفَعُ الغِطاءَ ويُزِيلُ الغِشاوةَ ويُبْرِزُ حِكَمًا ومَعانِيَ ووَظائفَ ومُهِمَّاتٍ غَزِيرةً جِدًّا تَبلُغُ عَدَدَ أَوراقِ الحَوْر.. وقد أَثبَتَت رَسائلُ النُّورِ أنَّ تلك الوظائفَ والحِكَمَ تَنقَسِمُ إلى ثلاثةِ أَقسامٍ:
القِسمُ الأَوَّلُ: وهو المُتَوجِّهُ إلى الأَسماءِ الحُسنَى للصَّانِعِ الجَليلِ. فكما أنَّ صانِعًا ماهِرًا إذا ما قامَ بصُنعِ ماكِينةٍ بَدِيعةٍ، يُثني علَيه الجَميعُ ويُقَدِّرُون صَنْعَتَه ويُبارِكُون إبداعَه، فإنَّ تلك الماكينةَ هي بدَورِها كذلك تُبارِكُ صانِعَها وتُثني علَيه بلِسانِ حالِها، وذلك بإراءَتِها النَّتائجَ المَقصُودةَ مِنها إراءةً تامّةً.
— 589 —
أمّا القِسمُ الثّاني: فهو المُتَوجِّهُ إلى أَنظارِ ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الشُّعُورِ مِنَ المَخلُوقاتِ، أي: يكُونُ مَوضِعَ مُطالَعةٍ حُلْوةٍ وتَأمُّلٍ لَذيذٍ، فيكُونُ كلُّ شيءٍ كأنَّه كِتابُ مَعرِفةٍ وعِلمٍ، ولا يُغادِرُ هذا العالَمُ یی عالَمُ الشَّهادةِ یی إلّا بعدَ وَضْعِ مَعانيه في أَذهانِ ذَوِي الشُّعُورِ، وطَبْعِ صُوَرِه في ذاكِرَتِهم، وانطِباعِ صُورَتِه في الأَلواحِ المِثاليّةِ لِسِجِلَّاتِ عِلْمِ الغَيبِ، أي: لا يَنسَحِبُ مِن عالَمِ الشَّهادةِ إلى عالَمِ الغَيبِ إلّا بعدَ دُخُولِه ضِمنَ دَوائرِ وُجُودٍ كَثيرةٍ، ويَكسِبُ أنواعًا مِنَ الوُجُودِ المَعنَوِيِّ والغَيبيِّ والعِلْميِّ بَدَلًا عن وُجُودٍ صُورِيٍّ ظاهِرِيٍّ.
نعم، ما دامَ اللهُ مَوجُودًا، وعِلْمُه يُحِيطُ بكلِّ شيءٍ، فلا بُدَّ ألّا يكُونَ هناك في عالَمِ المُؤمِنِ عَدَمٌ وإعدامٌ وانعِدامٌ وعَبَثٌ ومَحْوٌ وفَناءٌ مِن زاوِيةِ الحَقيقةِ.. بَينَما دُنيا الكُفّارِ زاخِرةٌ بالعَدَمِ والفِراقِ والِانعِدامِ، ومَليئةٌ بالعَبَثِ والفَناءِ؛ ومِمّا يُوَضِّحُ هذه الحَقيقةَ ما يَدُورُ على الأَلسِنةِ مِن قَولٍ مَشهُورٍ هو: «مَن كَانَ لَه اللهُ، كَان لَه كلُّ شيءٍ، ومَن لَم يَكُن لَه اللهُ، لَم يَكُن لَه شيءٌ».
الخُلاصةُ: إنَّ الإيمانَ مِثلَما يُنقِذُ الإنسانَ مِنَ الإعدامِ الأَبَديِّ أَثناءَ المَوتِ، فهو يُنقِذُ دُنيا كلِّ شَخصٍ أَيضًا مِن ظُلُماتِ العَدَمِ والِانعِدامِ والعَبَثِ.. بَينَما الكُفرُ یی ولا سِيَّما الكُفرُ المُطلَقُ یی فإنَّه يُعدِمُ ذلك الإنسانَ، ويُعدِمُ دُنياه الخاصّةَ به بالمَوتِ، ويُلقِيه في ظُلُماتِ جَهَنَّمَ مَعنَويّةٍ مُحَوِّلًا لَذائذَ حَياتَه آلامًا وغُصَصًا.
فلْتَرِنَّ آذانُ الَّذين يَستَحِبُّون الحَياةَ الدُّنيا على الآخِرةِ، ولْيَأتُوا بعِلاجٍ لهذا الأَمرِ إن كانُوا صادِقِين، أو لِيَدْخُلُوا حَظِيرةَ الإيمانِ ويُخَلِّصُوا أَنفُسَهم مِن هذه الخَسارةِ الفادِحةِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
أخُوكُم الرَّاجِي دَعَوَاتكُم والمُشتَاق إليكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 590 —

الكلمة السادسة والعشرون

رسالة القَدَر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ
القَدَرُ الإلٰهِيُّ والجُزءُ الِاختِيارِيُّ مَسأَلتانِ مُهِمَّتانِ، نُحاوِلُ حَلَّ بعضِ أَسرارِهما في أَربَعةِ مَباحِثَ تَخُصُّ القَدَرَ.

المَبحَثُ الأوَّلُ

إنَّ القَدَرَ والجُزءَ الِاختِيارِيَّ جُزءانِ مِن إيمانٍ حالِيٍّ ووِجدانِيٍّ، يُبيِّنُ نِهايةَ حُدُودِ الإيمان والإسلام، وليسا مباحثَ عِلْميّةً ونَظَرِيّةً. أي: إنَّ المُؤمِنَ يُعطِي للهِ كلَّ شيءٍ، ويُحِيلُ إلَيه كلَّ أَمرٍ، وما يَزالُ هكذا حتى يُحِيلَ فِعلَه ونَفسَه إلَيه؛ ولكَيْلا يَنجُوَ في النِّهايةِ مِنَ التَّیكليفِ والمَسؤُوليّةِ يَبْرُزُ أَمامَه الجُزءُ الِاختِيارِيُّ قائلًا له: "أنت مَسؤُولٌ، أنتَ مُكَلَّفٌ"! ثمَّ إنَّه لكَيْلا يَغتَرَّ بما صَدَرَ عنه مِن حَسَناتٍ وفَضائِلَ، يُواجِهُه القَدَرُ، قائلًا له: "اعرِفْ حَدَّك، فلَستَ أنت الفاعِلَ".
أَجَل، إنَّ القَدَرَ والجُزءَ الِاختيارِيَّ هما في أَعلَى مَراتِبِ الإيمانِ والإسلامِ، قد دَخَلا ضِمنَ المَسائِلِ الإيمانيّةِ، لأنَّهما يُنقِذانِ النَّفسَ الإنسانيّةَ.. فالقَدَرُ يُنقِذُها مِنَ الغُرُورِ، والجُزءُ الِاختِيارِيُّ يُنجِيها مِنَ الشُّعُورِ بعَدَمِ المَسؤُوليّةِ؛ ولَيسا مِنَ المَسائلِ
— 591 —
العِلْميّةِ والنَّظَرِيّةِ الَّتي تُفضِي إلى ما يُناقِضُ سِرَّ القَدَرِ وحِكمةَ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ كُلِّيًّا، بالتَّشَبُّثِ بالقَدَرِ للتَّبْرِئةِ مِن مَسؤُوليّةِ السَّيِّئاتِ الَّتي اقتَرَفَتْها النُّفُوسُ الأَمَّارةُ بالسُّوءِ، والِافتِخارِ بالفَضائِلِ الَّتي أُنعِمَتْ علَيها والِاغتِرارِ بها وإسنادِها إلى الجُزءِ الِاختِيارِيِّ.
أَجَل، إنَّ العَوامَّ الَّذين لم يَبلُغُوا مَرتَبةَ إدراكِ سِرِّ القَدَرِ لهم مَواضِعُ لِاستِعمالِه، ولكن هذه المَواضِعُ تَنحَصِرُ في الماضِياتِ مِنَ الأُمُورِ وبخُصُوصِ المَصائبِ والبَلايا والَّذي هو عِلاجُ اليَأْسِ والحُزنِ، وليس في أُمُورِ المَعاصِي أو في المُقْبِلاتِ مِنَ الأَيّامِ حتَّى يكُونَ مُساعِدًا على اقتِرافِ الذُّنوبِ والتَّهاوُنِ في التَّكاليفِ. بمَعنَى أنَّ مَسأَلةَ القَدَرِ لَيسَت للفِرارِ مِنَ التَّیكليفِ والمَسؤُوليّةِ، بل لإنقاذِ الإنسانِ مِنَ الفَخرِ والغُرُورِ، ولِهذا دَخَلَتْ ضِمنَ مَسائِلِ الإيمانِ. أمَّا الجُزءُ الِاختِيارِيُّ فقد دَخَل ضِمنَ مَباحِثِ العَقِيدةِ لِيَكُونَ مَرجِعًا للسَّيِّئاتِ، لا لِيَكُونَ مَصدَرًا للمَحاسِنِ والفَضائِلِ الَّتي تَسُوقُ إلى الطُّغيانِ والتَّفَرعُنِ.
نعم، إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يُبيِّنُ أنَّ الإنسانَ مَسؤُولٌ عن سَيِّئاتِه مَسؤُوليّةً كامِلةً، لأنَّ الإنسانَ هو الَّذي أَرادَ السَّيِّئاتِ؛ ولَمَّا كانَتِ السَّيِّئاتُ مِن قَبِيلِ التَّخرِيباتِ لِذا يَستَطِيعُ الإنسانُ أن يُوقِعَ دَمارًا هائِلًا بسَيِّئةٍ واحِدةٍ، كإحراقِ بَيتٍ كامِلٍ بعُودِ ثِقابٍ، وبذلك يَستَحِقُّ إنزالَ عِقابٍ عَظيمٍ به.
أمَّا في الحَسَناتِ، فلَيس له الحَقُّ في الفَخرِ والمُباهاةِ، لأنَّ حِصَّتَه فيها ضَئِيلةٌ جِدًّا، لأنَّ الرَّحمةَ الإلٰهِيّةَ هي الَّتي أرادَتِ الحَسَناتِ، واقتَضَتْها، والقُدرةُ الرَّبّانيّةُ هي الَّتي أَوجَدَتْها، فالسُّؤالُ والجَوابُ والسَّببُ والدَّاعي كِلاهما مِنَ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى، ولا يكُونُ الإنسانُ مالِكًا لِهذه الحَسَناتِ وصاحِبًا لها إلَّا بالدُّعاءِ والتَّضَرُّع، وبالإيمانِ، وبالشُّعُورِ بالرِّضَى عنها؛ بَينَما الَّذي أَرادَ السَّيِّئاتِ هو النَّفْسُ الإنسانيّةُ، إمَّا بالِاستِعدادِ أو بالِاختِيارِ، مِثلَما تَكتَسِبُ بعضُ المَوادِّ التَّعَفُّنَ والِاسوِدادَ مِن ضِياءِ الشَّمسِ الجَميلِ اللَّامِعِ، فَذلك الِاسوِدادُ إنَّما يَعُودُ إلى استِعدادِ تلك المادّةِ، ولكِنَّ الَّذي يُوجِدُ تلك السَّيِّئاتِ بقانُونٍ إلٰهِيٍّ مُتَضمِّنٍ لِمَصالِحَ كَثِيرةٍ إنَّمَا هو اللهُ سُبحانَه أيضًا. أي: إنَّ التَّسَبُّبَ والسُّؤالَ هما مِنَ النَّفْسِ الإنسانيّةِ بحَيثُ تَتَحمَّلُ المَسؤُوليّةَ
— 592 —
عنها. أمّا الخَلْقُ والإيجادُ الخاصُّ به سُبحانَه وتَعالَى فهو جَمِيلٌ، لأنَّ له ثَمَراتٍ أُخرَى جَميلةً، ونَتائِجَ شَتَّى جَميلةً، فهو خَيرٌ.
ومِن هذا السِّرِّ يكُونُ خَلْقُ الشَّرِّ ليس شَرًّا، وإنَّما كَسْبُ الشَّرِّ شَرٌّ، إذ لا يَحِقُّ لِكَسلانَ قد تأَذَّى مِنَ المَطَرِ المُتَضمِّنِ لِمَصالِحَ غَزِيرةٍ أن يقُولَ: المَطَرُ ليس رَحمةً.
نعم، إنَّ في الخَلقِ والإيجادِ خَيرًا كَثِيرًا معَ تَضَمُّنِه لِشَرٍّ جُزئيٍّ، وإنَّ تَرْكَ خَيرٍ كَثيرٍ لِأَجلِ شَرٍّ جُزئيٍّ يُحدِثُ شَرًّا كَثيرًا، لِذا فإنَّ ذلك الشَّرَّ الجُزئيَّ يُعَدُّ خَيرًا وفي حُكمِه؛ فليس في الخَلقِ الإلٰهِيِّ شَرٌّ ولا قُبحٌ، بل يَعُودُ الشَّرُّ إلى كَسْبِ العَبدِ وإلى استِعدادِه.
وكما أنَّ القَدَرَ الإلٰهِيَّ مُنَزَّهٌ عنِ القُبحِ والظُّلمِ، مِن حيثُ النَّتيجةُ والثَّمَراتُ، كذلك فهو مُقَدَّسٌ عنِ القُبحِ والظُّلمِ مِن حيثُ العِلّةُ والسَّبَبُ، لأنَّ القَدَرَ الإلٰهِيَّ يَنظُرُ إلى العِللِ الحَقيقيّةِ، فيَعدِلُ، بَينَما النّاسُ يَبنُون أَحكامَهم على ما يُشاهِدُونه مِن عِللٍ ظاهِرةٍ، فيَرتَكِبُون ظُلمًا ضِمنَ عَدالةِ القَدَرِ نَفسِه.
فمَثلًا: هَبْ أنَّ حاكِمًا قد حَكَم علَيك بالسِّجنِ بتُهمةِ السَّرِقةِ، وأنت بَرِيءٌ مِنها، ولكن لك قَضِيّةُ قَتلٍ مَستُورةٌ لا يَعرِفُها إلَّا اللهُ؛ فالقَدَرُ الإلٰهِيُّ قد حَكَم علَيك بذلك السِّجنِ، وقد عَدَلَ مِن أَجلِ ذلك القَتلِ المَستُورِ عنِ النّاسِ. أمّا الحاكِمُ فقد ظَلَمَك، حيثُ حَكَمَ علَيك بالسِّجنِ بتُهمةِ السَّرِقةِ وأنتَ بَرِيءٌ مِنها.
وهكذا، ففي الشَّيءِ الواحِدِ تَظهَرُ جِهَتانِ: جِهةُ عَدالةِ القَدَرِ والإيجادِ الإلٰهِيِّ، وجِهةُ ظُلمِ البَشَرِ وكَسْبِه. قِسْ بَقِيّةَ الأُمُورِ على هذا.. أي: إنَّ القَدَرَ والإيجادَ الإلٰهِيَّ مُنَزَّهانِ عنِ الشَّرِّ والقُبحِ والظُّلمِ، باعتِبارِ المَبدَأِ والمُنتَهَى والأُصُولِ والفُرُوعِ والعِلَلِ والنَّتائِجِ.
وإذا قيلَ: ما دامَ الجُزءُ الِاختِيارِيُّ لا قابِلِيّةَ له في الإيجادِ، ولا يُوجَدُ في يَدِ الإنسانِ غيرُ الكَسْبِ الَّذي هو في حُكمِ أَمرٍ اعتِبارِيٍّ، فكيف تكُونُ إذًا شَكوَى القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ مِن هذا الإنسانِ شَكاوَى عَظِيمةً تِجاهَ عِصْيانِه خالِقَ السَّماواتِ والأَرضِ؛ حتَّى كأنَّه أُعطِيَ وَضْعَ العَدُوِّ العاصِي، بل يُرسِلُ سُبحانَه جُنُودَه المَلائِكةَ لإِمدادِ العَبدِ المُؤمِنِ تِجاهَ ذلك العاصِي، بل يُمِدُّه خالِقُ السَّماواتِ والأَرضِ بنَفسِه.. فِلمَ هذه الأَهَمِّيّةُ البالِغةُ؟
— 593 —
الجَوابُ: لأنَّ الكُفرَ والعِصيانَ والسَّيِّئةَ كلَّها تَخرِيبٌ وعَدَمٌ، ويُمكِنُ أن تَتَرتَّبَ تَخرِيباتٌ هائِلةٌ وعَدَميّاتٌ غيرُ مَحدُودةٍ على أَمرٍ اعتِبارِيٍّ وعَدَميٍّ واحِدٍ؛ إذ كما أنَّ عَدَمَ إيفاءِ مَلَّاحِ سَفِينةٍ ضَخْمةٍ بوَظيفَتِه يُغرِقُ السَّفِينةَ، ويُفسِدُ نَتائِجَ أَعمالِ جَمِيعِ العامِلين فيها، لِتَرتُّبِ جَمِيعِ تلك التَّخرِيباتِ الجَسِيمةِ على عَدَمٍ واحِدٍ، كذَلِك الكُفرُ والمَعصِيةُ، لِكَونِهما نَوعًا مِنَ العَدَمِ والتَّخرِيبِ، فيُمكِنُ أن يُحَرِّكَهما الجُزءُ الِاختِيارِيُّ بأَمرٍ اعتِبارِيٍّ، فيُسَبِّبانِ نَتائِجَ مُرِيعةً.
لأنَّ الكُفرَ وإن كان سَيِّئةً واحِدةً إلّا أنَّه تَحقِيرٌ لِجَميعِ الكائناتِ بوَصْمِها بالتَّفاهةِ والعَبَثِيّةِ، وتَكذِيبٌ لِجَمِيعِ المَوجُوداتِ الدّالّةِ على الوَحدانيّةِ، وتَزيِيفٌ لِجَمِيعِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى؛ فإنَّ تَهدِيدَه سُبحانَه وتَعالَى، وشَكواه باسمِ الكائناتِ قاطِبةً، والمَوجُوداتِ كافّةً، والأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى كُلِّها، مِنَ الكافِرِ شَكاوَى عَنيفة وتَهدِيدات مُرِيعة، هو عَينُ الحِكمةِ، وإنَّ تَعذِيبَه بعَذابٍ خالِدٍ هو عَينُ العَدالةِ.
وحيثُ إنَّ الإنسانَ لَدَى انحِيازِه إلى جانِبِ التَّخرِيبِ بالكُفرِ والعِصيانِ، يُسَبِّبُ دَمارًا رَهِيبًا بعَمَلٍ جُزئيٍّ، فإنَّ أَهلَ الإيمانِ مُحتاجُون إذًا یی تِجاهَ هَؤُلاءِ المُخَرِّبين یی إلى عِنايةٍ إلٰهِيّةٍ عَظِيمةٍ، لأنَّه إذا تَعَهَّد عَشَرةٌ مِنَ الرِّجالِ الأَقوِياءِ بالحِفاظِ على بَيتٍ وتَعمِيرِه، فإنَّ طِفْلًا شِرِّيرًا في مُحاوَلَتِه إحراقَ البَيتِ، يُلجِئُ أُولَئِك الرِّجالَ إلى الذَّهابِ إلى وَلِيِّه بلِ التَّوَسُّلِ إلى السُّلطانِ. لِذا فالمُؤمِنُون مُحتاجُون أَشَدَّ الحاجةِ إلى عِنايَتِه سُبحانَه وتَعالَى للصُّمُودِ تِجاهَ هؤلاء العُصاةِ الفاجِرِين.
نَحصُلُ مِمّا سَبَق: أنَّ الَّذي يَتَحدَّثُ عنِ القَدَرِ والجُزءِ الِاختِيارِيِّ: إن كان ذا إيمانٍ كامِلٍ، مُطمَئِنَّ القَلبِ، فإنَّه يُفَوِّضُ أَمرَ الكائناتِ كلِّها یی ونَفسَه كذلك یی إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، ويَعتَقِدُ أنَّ الأُمُورَ تَجرِي تحتَ تَصَرُّفِه سُبحانَه وتَدبِيرِه؛ فهذا الشَّخصُ يَحِقُّ له الكَلامُ في القَدَرِ والجُزءِ الِاختِيارِيِّ، لأنَّه يَعرِفُ أنَّ نَفسَه وكلَّ شَيءٍ، مِنه سُبحانَه وتَعالَى، فيَتَحمَّلُ المَسؤُوليّةَ، مُستَنِدًا إلى الجُزءِ الِاختِيارِيِّ الَّذي يَعتَبِرُه مَرجِعًا للسَّيِّئاتِ، فيُقَدِّسُ رَبَّه ويُنَیزِّهُه، ويَظَلُّ في دائِرةِ العُبُودِيّةِ ويَرضَخُ للتَّیكلِيفِ الإلٰهِيِّ ويَأْخُذُه على عاتِقِه، ويَنظُرُ إلى القَدَرِ في الحَسَناتِ والفَضائِلِ الصّادِرةِ عنه، لِئَلَّا يَأْخُذَه الغُرُورُ، فيَشكُرُ رَبَّه بَدَلَ الفَخرِ، ويَرَى القَدَرَ في المَصائِبِ الَّتي تَنزِلُ به فيَصبِرُ.
— 594 —
ولكن إن كان الَّذي يَتَحدَّثُ في القَدَرِ الإلٰهِيِّ والجُزءِ الِاختِيارِيِّ مِن أَهلِ الغَفلةِ، فلا يَحِقُّ له الخَوضُ فيهما، لأنَّ نَفسَه الأَمّارةَ بالسُّوءِ یی بدافِعٍ مِنَ الغَفلةِ أوِ الضَّلالةِ یی تُحِيلُ الكائناتِ إلى الأَسبابِ، فتَجعَلُ ما للهِ إلَيها، وتَرَى نَفسَها مالِكةً لِنَفسِها، وتُرجِعُ أَفعالَها إلى نَفسِها وتُسنِدُها إلى الأَسبابِ، بَينَما تُحَمِّلُ القَدَرَ المَسؤُوليّةَ والتَّقصِيراتِ؛ وحِينَئذٍ يكُونُ الخَوضُ في القَدَرِ والجُزءِ الِاختِيارِيِّ باطِلًا لا أَساسَ له بهذا المَفهُومِ، ولا يَعني سِوَى دَسِيسةٍ نَفسِيّةٍ تُحاوِلُ التَّمَلُّصَ مِنَ المَسؤُوليّةِ، مِمّا يُنافي حِكمةَ القَدَرِ وسِرَّ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ.

المبحث الثاني

هذا المَبحَثُ بَحثٌ عِلْميٌّ دَقيقٌ خاصٌّ للعُلَماءِ.
(حاشية): هذا المَبحَثُ الثاني هو أَعمَقُ وأَعضَلُ مَسأَلةٍ في القَدَرِ، وهو مَسأَلةٌ عَقَديّةٌ كَلاميّةٌ ذاتُ أَهَمِّيّةٍ جَليلةٍ لَدَى العُلَماءِ المُحَقِّقين، وقد حَلَّتْها رَسائلُ النُّورِ حَلًّا تامًّا.
إذا قُلتَ: كيفَ يُمكِنُ التَّوفيقُ بينَ القَدَرِ والجُزءِ الِاختِياريِّ؟
الجَوابُ: بسَبعةِ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنَّ العادِلَ الحَكِيمَ الَّذي تَشهَدُ لِحِكمَتِه وعَدالَتِه الكائناتُ كلُّها بلِسانِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، قد أَعطَى للإنسانِ جُزءًا اختِيارِيًّا مَجهُولَ الماهِيّةِ، لِيَكُونَ مَدارَ ثَوابٍ وعِقابٍ؛ فكما أنَّ للحَكِيمِ العادِلِ حِكَمًا كَثيرةً خَفِيّةً عنّا، كذلك كَيفيّةُ التَّوفيقِ بينَ القَدَرِ والجُزءِ الِاختِياريِّ خافِيةٌ علَينا، ولكِنْ عَدَمُ عِلْمِنا بكَيفيّةِ التَّوفيقِ لا يَدُلُّ على عَدَمِ وُجُودِه.
الثاني: إنَّ كلَّ إنسانٍ يَشعُرُ بالضَّرُورةِ أنَّ له إرادةً واختِيارًا في نَفسِه، فيَعرِفُ وُجُودَ ذلك الِاختيارِ وِجدانًا؛ وإنَّ العِلمَ بماهِيّةِ المَوجُوداتِ شَيءٌ والعِلمَ بوُجُودِها شَيءٌ آخَرُ، فكَثيرٌ مِنَ الأَشياءِ وُجُودُها بَدِيهيٌّ لَدَينا، إلَّا أنَّ ماهِيَّتَها مَجهُولةٌ بالنِّسبةِ إلينا؛ فهذا الجُزءُ الِاختِياريُّ يُمكِنُ أن يَدخُلَ ضِمنَ تلك السِّلسِلةِ، فلا يَنحَصِرُ كلُّ شَيءٍ في نِطاقِ مَعلُوماتِنا، وإنَّ عَدَمَ عِلْمِنا لا يَدُلُّ على عَدَمِه.
— 595 —
الثالثُ: إنَّ الجُزءَ الِاختِياريَّ لا يُنافي القَدَرَ، بلِ القَدَرُ يُؤيِّدُ الجُزءَ الِاختِياريَّ، لأنَّ القَدَرَ نَوعٌ مِنَ العِلمِ الإلٰهِيِّ، وقد تَعَلَّق العِلْمُ الإلٰهِيُّ باختِيارِنا، ولِهذا يُؤَيِّدُ الِاختِيارَ ولا يُبطِلُه.
الرّابعُ: القَدَرُ نَوعٌ مِنَ العِلمِ، والعِلمُ تابِعٌ للمَعلُومِ، أي: على أَيّةِ كَيفيّةٍ يكُونُ المَعلُومُ يُحِيطُ به العِلمُ ويَتَعلَّقُ به، فلا يكُونُ المَعلُومُ تابِعًا للعِلمِ، أي: إنَّ دَساتِيرَ العِلمِ لَيسَت أَساسًا لإدارةِ المَعلُومِ مِن حيثُ الوُجُودُ الخارِجِيُّ، لأنَّ ذاتَ المَعلُومِ ووُجُودَه الخارِجِيَّ يَنظُرُ إلى الإرادةِ ويَستَنِدُ إلى القُدرةِ.
ثمَّ إنَّ الأَزَل ليس طَرَفًا لِسِلسِلةِ الماضِي كي يُتَّخذَ أَساسًا في وُجُودِ الأَشياءِ ويُتَصَوَّر اضطِرارًا بحَسَبِه، بلِ الأَزَلُ يُحِيطُ بالماضِي والحاضِرِ والمُستَقبَلِ كإحاطةِ السَّماءِ بالأَرضِ، كالمِرآةِ النّاظِرةِ مِنَ الأَعلَى؛ لِذا ليس مِنَ الحَقيقةِ في شَيءٍ تَخَيُّلُ طَرَفٍ ومَبدَأٍ في جِهةِ الماضِي للزَّمانِ المُمتَدِّ في دائِرةِ المُمكِناتِ وإطلاقُ اسمِ الأَزَلِ علَيه، ودُخُولُ الأَشياءِ بالتَّرتيبِ في ذلك العِلمِ الأَزَليِّ، وتَوَهُّمُ المَرءِ نَفسَه في خارِجِه، ومِن ثَمَّ القيامُ بمُحاكَمةٍ عَقلِيّةٍ في ضَوءِ ذلك.
فانظُر إلى هذا المِثالِ لِكَشْفِ هذا السِّرِّ: إذا وُجِدَتْ في يَدِك مِرآةٌ، وفَرَضْتَ المَسافةَ الَّتي في يَمِينِها الماضِيَ، والمَسافةَ الَّتي في يَسارِها المُستَقبَلَ؛ فتلك المِرآةُ لا تَعكِسُ إلَّا ما يُقابِلُها، وتَضُمُّ الطَّرَفَينِ بتَرتيبٍ مُعَيَّنٍ، حيثُ لا تَستَوعِبُ أَغلَبَهما، لأنَّ المِرآةَ كُلَّما كانَت واطِئةً عَكَسَتِ القَليلَ، بَينَما إذا رُفِعَتْ إلى الأَعلَى فإنَّ الدّائرةَ الَّتي تُقابِلُها تَتَوسَّعُ، وهكذا بالصُّعُودِ تَدرِيجِيًّا تَستَوعِبُ المِرآةُ المَسافةَ في الطَّرَفَينِ معًا في نَفسِها في آنٍ واحِدٍ. وهكذا يَرتَسِمُ في المِرآة في وَضعِها هذا كلُّ ما يَجرِي مِن حالاتٍ في كِلْتا المَسافَتَينِ، فلا يُقالُ: إنَّ الحالاتِ الجارِيةَ في إحداها مُقدَّمةٌ على الأُخرَى، أو مُؤَخَّرةٌ عنها، أو تُوافِقُها، أو تُخالِفُها.
وهكذا، فالقَدَرُ الإلٰهِيُّ لِكَونِه مِنَ العِلمِ الأَزَليِّ، والعِلمُ الأَزَليُّ "في مَقامٍ رَفيعٍ يَضُمُّ كلَّ ما كان وما يكُونُ، ويُحِيطُ به" كما يُعَبَّیرُ عنه في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، لِذا لا نكُونُ نحن ولا مُحاكَماتُنا العَقلِيّةُ خارِجَينِ عن هذا العِلْمِ قَطْعًا، حتَّى نَتَصوَّرَه مِرآةً تَقَعُ في مَسافةِ الماضِي.
— 596 —
الخامس: أنَّ القَدَرَ يَتَعلَّقُ بالسَّببِ وبالمُسَبَّب معًا، أي: أنَّ هذا المُسَبَّبَ سيَقَعُ مِن خِلالِ هذا السَّبَبِ، لِذا لا يَنبَغِي أن يُقالَ: ما دامَ مَوتُ الشَّخصِ الفُلانِيِّ مُقَدَّرًا في الوَقتِ الفُلانِيِّ، فما ذَنبُ مَن يَرمِيه بطَلْقةٍ عبْرَ استِخدامِه الجُزءَ الِاختِيارِيَّ، إذ لو لم يَرمِه لَمات أيضًا؟
سؤالٌ: لِمَ يَجِبُ ألَّا يُقالَ؟
الجَوابُ: لأنَّ القَدَرَ قد عَيَّنَ مَوتَه ببُندُقيّةِ ذاك، فإذا فَرَضْتَ عَدَمَ رَميِه، عِندَئذٍ تَفرِضُ عَدَمَ تَعَلُّقِ القَدَرِ، فبِمَ تَحكُمُ إذًا على مَوتِه؟ إلّا إذا تَرَكْتَ مَسلَكَ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ ودَخَلْتَ ضِمنَ الفِرَقِ الضّالّةِ الَّتي تَتَصوَّرُ قَدَرًا للسَّبَبِ وقَدَرًا للمُسَبَّبِ، كما هو عندَ الجَبْرِيّةِ، أو تُنكِرُ القَدَرَ كالمُعتَزِلةِ؛ أمّا نحنُ أَهلَ الحَقِّ فنقُولُ: لو لم يَرمِه فإنَّ مَوتَه مَجهُولٌ عندَنا. أمّا الجَبْرِيّةُ فيقُولُون: لو لم يَرْمِه لَمات أيضًا. بَينَما المُعتَزِلةُ يقُولُون: لو لم يَرْمِه لم يَمُتْ.
السّادس: (حاشية): حَقيقةٌ خَاصَّةٌ للعُلَماء المُدَقِّقين غَايةَ التَّدقيقِ. إنَّ المَيَلانَ الَّذي هو أُسُّ أَساسِ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ، أَمرٌ اعتِبارِيٌّ عندَ الماتُرِيديّةِ، فيُمكِنُ أن يكُونَ بيَدِ العَبدِ، ولكنَّ المَيَلانَ أَمرٌ مَوجُودٌ لَدَى الأَشعَرِيِّين، فليس هو بيَدِ العَبدِ، إلّا أنَّ التَّصَرُّفَ عِندَهم أَمرٌ اعتِبارِيٌّ بيَدِ العَبدِ؛ ولِهذا فذلك المَيَلانُ وذلك التَّصَرُّف فيه أَمرانِ نِسبِيّانِ، ليس لهما وُجُودٌ خارِجِيٌّ مُحَقَّق. أمّا الأَمرُ الِاعتِبارِيُّ فلا يَحتاجُ ثُبُوتُه إلى عِلّةٍ تامّةٍ، والَّتي تَستَلزِمُ الضَّرُورةَ المُوجِبةَ لِرَفعِ الِاختِيارِ، بل إذا اتَّخَذَت عِلّةُ ذلك الأَمرِ الِاعتِبارِيِّ وَضْعًا بدَرَجةٍ مِنَ الرُّجحانِ، فإنَّه يُمكِنُ أن يَثبُتَ، ويُمكِنُ أن يَترُكَه في تلك اللَّحظةِ، فيقُولُ له القُرآن آنَئذٍ: هذا شَرٌّ! لا تَفعَلْ.
نعم، لو كان العَبدُ خالِقًا لِأَفعالِه وقادِرًا على الإيجادِ، لَرُفِعَ الِاختِيارُ، لأنَّ القاعِدةَ المُقَرَّرة في عِلمِ الأُصُولِ والحِكمةِ أنَّه: "ما لم يَجِبْ لم يُوجَد" أي: لا يَأْتِي إلى الوُجُودِ شَيءٌ ما لم يكُن وُجُودُه واجِبًا، أي: لا بُدَّ مِن وُجُودِ عِلّةٍ تامّةٍ ثمَّ يُوجَدُ؛ أمّا العِلّةُ التّامّةُ فتَقتَضِي المَعلُولَ بالضَّرُورةِ وبالوُجُوبِ، وعِندَها لا اختِيارَ.
— 597 —
إذا قُلتَ: التَّرجِيحُ بلا مُرَجِّحٍ مُحالٌ، بَينَما كَسْبُ الإنسانِ الَّذي تُسَمُّونه أَمرًا اعتِبارِيًّا، بالعَمَلِ أَحيانًا وبعَدَمِه أُخرَى، يَلْزَمُ التَّرجِيحَ بلا مَرَجِّحٍ، إن لم يُوجَد مُرَجِّحٌ مُوجِبٌ، وهذا يَهدِمُ أَعظَمَ أَصلٍ مِن أُصُولِ الكَلامِ!
الجَوابُ: إنَّ التَّرجُّحَ بلا مُرَجِّحٍ مُحالٌ یی أي: الرُّجحانُ بلا سَبَبٍ ولا مُرَجِّحٍ یی دُونَ التَّرجِيحِ بلا مُرَجِّحٍ الَّذي يجُوزُ وهو واقِعٌ، فالإرادةُ الإلٰهِيّةُ صِفةٌ مِن صِفاتِه تَعالَى، وشَأْنُها القِيامُ بمِثلِ هذا العَمَلِ (أي: اختِيارُه تَعالَى هو المُرَجِّحُ).
إذا قُلتَ: ما دامَ الَّذي خَلَق القَتْلَ هو اللهَ سُبحانَه وتَعالَى، فلِماذا يُقالُ لي: القاتِلُ؟
الجَوابُ: إنَّ اسمَ الفاعِلِ مُشتَقٌّ مِنَ المَصدَرِ الَّذي هو أَمرٌ نِسبِيٌّ حَسَبَ قَواعِدِ عِلمِ الصَّرفِ، ولا يُشتَقُّ مِنَ الحاصِلِ بالمَصدَرِ الَّذي هو أَمرٌ ثابِتٌ؛ فالمَصدَرُ هو كَسْبُنا، ونَتَحمَّلُ عُنوانَ القاتِلِ نحنُ، والحاصِلُ بالمَصدَرِ مَخلُوقُ اللهِ سُبحانَه، وما يُشَمُّ مِنه المَسؤُوليّةُ لا يُشتَقُّ مِنَ الحاصِلِ بالمَصدَرِ.
السّابع: إنَّ إرادةَ الإنسانِ الجُزئيّةَ وجُزأَه الِاختِيارِيَّ ضَعيفٌ وأَمرٌ اعتِبارِيٌّ، إلّا أنَّ اللهَ سُبحانَه یی وهو الحَكِيمُ المُطلَقُ یی قد جَعَل تلك الإرادةَ الجُزئيّةَ الضَّعِيفةَ شَرْطًا عادِيًّا لإرادَتِه الكُلِّيّةِ. أي: كأنَّه يقُولُ مَعنًى: يا عَبدِي، أيُّ طَرِيقٍ تَختارُه للسُّلوكِ، فأنا أَسُوقُك إلَيه. ولهذا فالمَسؤُوليّةُ تَقَعُ علَيك، فمَثلًا یی ولا مُشاحَّةَ في الأَمثالِ یی: إذا أَخَذْتَ طِفلًا عاجِزًا ضَعِيفًا على عاتِقِك وخَيَّرتَه قائلًا: سآخُذُك حَيثُما تُرِيدُ فاختَرْ مكانًا. وطَلَبَ الطِّفلُ الصُّعُودَ على جَبَلٍ عالٍ، وأنت أَخَذْتَه إلى هناك، ولكنَّ الطِّفلَ أصابَه البَرْدُ أو سَقَط، فلا شَكَّ ستقُولُ له: أنت الَّذي طَلَبْتَ! وتُعاتِبُه، وتَزِيدُه لَطْمةَ تَأْدِيبٍ. وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فهو سُبحانَه أَحكَمُ الحاكِمِين جَعَلَ إرادةَ عَبدِه الَّذي هو في مُنتَهَى الضَّعْفِ شَرْطًا عادِيًّا لإرادَتِه الكُلِّيّةِ.
حاصِلُ الكَلامِ: أيُّها الإنسانُ.. إنَّ لك إرادةً في مُنتَهَى الضَّعفِ، إلّا أنَّ يَدَها طَوِيلةٌ في السَّيِّئاتِ والتَّخرِيباتِ وقاصِرةٌ في الحَسَناتِ. هذه الإرادةُ هي الَّتي تُسَمَّى بالجُزءِ الِاختِيارِيِّ، فسَلِّمْ لِإحدَى يَدَيْ تلك الإرادةِ الدُّعاءَ، كي تَمتَدَّ وتَبلُغَ الجَنّةَ الَّتي هي ثَمَرةٌ مِن ثِمارِ سِلسِلةِ الحَسَناتِ وتَبلُغَ السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ الَّتي هي زَهرةٌ مِن أَزاهِيرِها.. وسَلِّم لليَدِ الأُخرَى الِاستِغفارَ كي تَقصُرَ يَدُها عنِ السَّيِّئاتِ، ولا تَبلُغ ثَمَرةَ الشَّجَرةِ
— 598 —
المَلعُونةِ زَقُّومِ جَهَنَّمَ. أي: إنَّ الدُّعاءَ والتَّوَكُّلَ يَمُدّانِ مَيَلانَ الخَيرِ بقُوّةٍ عَظِيمةٍ، كما أنَّ الِاستِغفارَ والتَّوبةَ يَكسِرانِ مَيَلانَ الشَّرِّ ويَحُدّانِ مِن تَجاوُزِه.

المبحث الثَّالث

إنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ مِن أَركانِ الإيمانِ، أي: إنَّ كلَّ شَيءٍ بتَقدِيرِ اللهِ، والدَّلائِلُ القاطِعةُ على القَدَرِ كَثيرةٌ جِدًّا لا تُعَدُّ ولا تُحصَى. ونحن سنُبيِّنُ هنا مَدَى قُوّةِ هذا الرُّكنِ الإيمانِيِّ وسَعَتِه بأُسلُوبٍ بَسِيطٍ وظاهِرٍ في مُقدِّمةٍ.
المُقدِّمة: إنَّ كلَّ شَيءٍ قبلَ كَونِه وبعدَ كَونِه مَكتُوبٌ في كِتابٍ، يُصَرِّحُ بهذا القُرآنُ الكَرِيمُ في كَثيرٍ مِن آياتِه الكَرِيمةِ أَمثالَ: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وتُصَدِّقُ هذا الحُكْمَ القُرآنِيَّ الكائِناتُ قاطِبةً، الَّتي هي قُرآنُ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ الكَبِيرُ، بآياتِ النِّظامِ والمِيزانِ والِانتِظامِ والِامتِيازِ والتَّصوِيرِ والتَّزيِينِ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ التَّكوِينيّةِ.
نعم، إنَّ كِتاباتِ كِتابِ الكائناتِ المَنظُومةِ ومَوزُوناتِ آياتِها تَشهَدُ على أنَّ كُلَّ شَيءٍ مَكتُوبٌ. أمّا الدَّليلُ على أنَّ كلَّ شَيءٍ مَكتُوبٌ ومُقَدَّرٌ قبلَ وُجُودِه وكَونِه، فهو جَمِيعُ المَبادِئِ والبُذُورِ وجَمِيعُ المَقادِيرِ والصُّوَرِ، شَواهدُ صِدْقٍ، إذ ما البُذُورُ إلّا صُنَيدِيقاتٌ لَطِيفةٌ أَبدَعَها مَعمَلُ "ك.ن"، أَوْدَع فيها القَدَرُ فُهَيرِسَ رَسمِه، وتَبْني القُدرةُ یی حَسَبَ هَندَسةِ القَدَرِ یی مُعجِزاتِها العَظِيمةَ على تلك البُذَيراتِ، مُستَخدِمةً الذَّرّاتِ. بمَعنَى أنَّ كلَّ ما سيَجرِي على الشَّجَرةِ مِن أُمُورٍ معَ جَمِيعِ وَقائِعِها، في حُكمِ المَكتُوبِ في بِذرَتِها، لأنَّ البُذُورَ بَسِيطةٌ ومُتَشابِهةٌ مادّةً، فلا اختِلافَ بَينَها.
ثمَّ إنَّ المِقدارَ المُنَظَّمَ لكُلِّ شَيءٍ يُبيِّنُ القَدَرَ بوُضُوحٍ: فلو دُقِّقَ النَّظَرُ إلى كائِنٍ حَيٍّ لَتَبيَّن أنَّ له شَكلًا ومِقدارًا، كأنَّه قد خَرَج مِن قالَبٍ في غايةِ الحِكمةِ والإتقانِ، بحيثُ إنَّ اتِّخاذَ ذلك المِقدارِ والشَّكلِ والصُّورةِ: إمّا أنَّه يَتَأَتَّى مِن وُجُودِ قالَبٍ مادِّيٍّ خارِقٍ في مُنتَهَى الِانثِناءاتِ والِانحِناءاتِ، أو أنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ تُفَصِّلُ تلك الصُّورةَ وذلك الشَّكلَ وتُلبِسُها إِيّاه بقالَبٍ مَعنَوِيٍّ عِلميٍّ مَوزُونٍ أَتَى مِنَ القَدَرِ.
— 599 —
تَأَمَّلِ الآنَ في هذه الشَّجَرةِ، وهذا الحَيَوانِ: فالذَّرّاتُ الصُّمُّ العُمْيُ الجامِدةُ الَّتي لا شُعُورَ لها والمُتَشابِهُ بَعضُها ببَعضٍ، تَتَحرَّكُ في نُمُوِّ الأَشياءِ، ثمَّ تَتَوقَّفُ عندَ حُدُودٍ مُعيَّنةٍ تَوَقُّفَ عارِفٍ عالِمٍ بمَظانِّ الفَوائِدِ والثَّمَراتِ، ثمَّ تُبَدِّلُ مَواضِعَها وكأَنَّها تَستَهدِفُ غايةً كُبْرَى، أي: إنَّ الذَّرَّاتِ تَتَحرَّكُ على وَفقِ المِقدارِ المَعنَوِيِّ الآتي مِنَ القَدَرِ، وحَسَبَ الأَمرِ المَعنَوِيِّ لذَلِك المِقدارِ.
فما دامَت تَجَلِّياتُ القَدَرِ مَوجُودةً في الأَشياءِ المادِّيّةِ المَشهُودةِ إلى هذه الدَّرَجةِ، فلا بُدَّ أنَّ أَوضاعَ الأَشياءِ الحاصِلةَ والصُّوَرَ الَّتي تَلبَسُها والحَرَكاتِ الَّتي تُؤَدِّيها بمُرُورِ الزَّمانِ تابِعةٌ أيضًا لِانتِظامِ القَدَرِ.
نعم، إنَّ في البِذرةِ تَجَلِّيَينِ للقَدَرِ:
الأوَّلُ: " بَدِيهيٌّ" يُخبِرُ ويُشِيرُ إلى الكِتابِ المُبِينِ الَّذي هو عُنوانُ الإرادةِ والأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ.
والآخَرُ: تَجَلٍّ نَظَرِيٌّ "مَعقُولٌ" يُخبِرُ ويَرمُزُ إلى الإمامِ المُبِينِ الَّذي هو عُنوانُ الأَمرِ والعِلمِ الإلٰهِيِّ.
فی «القَدَرُ البَدِيهِيُّ» هو ما تَتَضمَّنُ تلك البِذرةُ مِن أَوضاعٍ وكَيفِيّاتٍ وهَيئاتٍ مادِّيّةٍ للشَّجَرةِ، والَّتي ستُشاهَدُ فيما بَعدُ.
و «القَدَرُ النَّظَرِيُّ» هو ما سيُخلَقُ مِن تلك البِذرةِ مِن أَوضاعٍ وأَشكالٍ وحَرَكاتٍ وتَسبِيحاتٍ طَوالَ حَياةِ الشَّجَرةِ، وهي الَّتي يُعَبَّیرُ عنها بسِيرةِ حَياةِ الشَّجَرةِ.. فتلك الأَوضاعُ والأَشكالُ والأَفعالُ تَتَبدَّلُ حِينًا بعدَ حِينٍ إلّا أنَّ لها مِقْدارًا قَدَرِيًّا مُنتَظِمًا، كما هو الظّاهِرِ في أَغصانِ الشَّجَرةِ وأَوراقِها؛ فلَئِن كان للقَدَرِ تَجَلٍّ كهذا في الأَشياءِ الِاعتِيادِيّةِ والبَسِيطةِ، فلا بُدَّ أنَّ هذا يُفِيدُ أنَّ الأَشياءَ كلَّها قبلَ كَونِها ووُجُودِها مَكتُوبةٌ في كِتابٍ، ويُمكِنُ أن يُفهَم ذلك بشَيءٍ مِنَ التَّدَبُّرِ.
أمّا الدَّليلُ على أنَّ سِيرةَ حَياةِ كُلِّ شَيءٍ، بعدَ وُجُودِه وكَونِه مَكتُوبٌ، فهو جَمِيعُ الثَّمَراتِ الَّتي تُخبِرُ عنِ الكِتابِ المُبِينِ والإمامِ المُبِينِ، والقُوّةُ الحافِظةُ للإنسانِ الَّتي تُشِيرُ
— 600 —
إلى اللَّوح المَحفُوظِ وتُخبِرُ عنه؛ كلٌّ مِنها شاهِدٌ صادِقٌ، وأَمارةٌ وعَلامةٌ على ذلك. نعم، إنَّ كلَّ ثَمَرةٍ تُكتَبُ في نَواتِها یی الَّتي هي في حُكْمِ قَلبِها یی مُقَدَّراتُ حَياةِ الشَّجَرةِ ومُستَقبَلُها أيضًا.
والقُوّةُ الحافِظةُ للإنسانِ یی الَّتي هي كحَبّةِ خَردَلٍ في الصِّغَرِ یی تَكتُبُ فيها يَدُ القُدرةِ بقَلَمِ القَدَرِ سِيرةَ حَياةِ الإنسانِ وقِسمًا مِن حَوادِثِ العالَمِ الماضِيةِ كِتابةً دَقيقةً، كأنَّها عَهدٌ صَغِيرٌ ووَثيقةٌ مِن صَحِيفةِ الأَعمالِ، أَعطَتْه تلك القُدرةُ للإنسانِ ووَضَعَتْها في زاوِيةٍ مِن دِماغِه، لِيَتذَكَّرَ بها وَقْتَ المُحاسَبةِ، ولِيَطمَئِنَّ أنَّ في ثَنايا هذا الهَرْجِ والمَرْجِ والفَناءِ والزَّوالِ، مَرايا للبَقاءِ رَسَمَ فيها القَدِيرُ هُوِيّاتِ الزّائلاتِ، وأَلواحًا يَكتُبُ فيها الحَفِيظُ العَليمُ مَعانِيَ الفانياتِ.
نَحصُلُ مِمّا سَبَق: أنَّ حَياةَ النَّباتاتِ إن كانَت مُنقادةً إلى هذا الحَدِّ لِنِظامِ القَدَرِ مع أنَّها أَدنَى حَياةٍ وأَبسَطُها، فإنَّ حَياةَ الإنسانِ الَّتي هي في أَعلَى مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ الحَياةِ، لا بُدَّ أنَّها رُسِمَت بجَمِيعِ تَفَرُّعاتِها بمِقياسِ القَدَرِ وكُتِبَت بقَلَمِه.
نعم، كما أنَّ القَطَراتِ تُخبِرُ عنِ السَّحابِ، والرَّشَحاتِ تَدُلُّ على نَبْعِ الماءِ، والمُستَنَداتِ والوَثائِقَ تُشِيرُ إلى وُجُودِ السِّجِلِّ الكَبِيرِ؛ كذلك الثَّمَراتُ والنُّطَفُ والبُذُورُ والنُّوَى والصُّوَرُ والأَشكالُ الماثِلةُ أَمامَنا، وهي في حُكْمِ رَشَحاتِ القَدَرِ البَدِيهيِّ، أي: الِانتِظامِ المادِّيِّ في الأَحياءِ، وقَطَراتِ القَدَرِ النَّظَرِيِّ یی أي: الِانتِظامِ المَعنَوِيِّ والحَياتِيِّ یی وبمَثابةِ مُستَنَداتِهما ووَثائِقهما.. تَدُلُّ بالبَداهةِ على الكِتابِ المُبِينِ، وهو سِجِلُّ الإرادةِ والأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ، وعلى اللَّوحِ المَحفُوظِ، الَّذي هو دِيوانُ العِلْمِ الإلٰهِيِّ، الإمامُ المُبِينُ.
النَّتيجةُ: ما دُمنا نَرَى أنَّ ذَرّاتِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ، في أَثناءِ نُمُوِّه ونُشُوئِه تَرحَلُ إلى حُدُودٍ ونِهاياتٍ مُلْتَوِيةٍ مُنْثَنِيةٍ وتَقِفُ عِندَها، وتُغيِّیرُ طَرِيقَها لِتُثمِرَ في تلك النِّهاياتِ حِكْمةً وفائِدةً ومَصلَحةً، فبِالبَداهةِ أنَّ المِقدارَ الظَّاهِرِيَّ لِذَلك الشَّيءِ قد رُسِمَ بقَلَمِ القَدَرِ.
وهكذا، فإنَّ القَدَرَ البَدِيهيَّ المَشهُودَ يَدُلُّ على ما في الحالاتِ المَعنَوِيّةِ أَيضًا لِذلِك الكائِنِ الحَيِّ مِن حُدُودٍ مُنتَظِمةٍ ومُثمِرةٍ ونِهاياتٍ مُفِيدةٍ قد رُسِمَت بقَلَمِ القَدَرِ أيضًا؛ فالقُدرةُ مَصدَرٌ، والقَدَرُ مِسْطَرٌ، تُسَطِّرُ القُدرةُ على مِسْطَرِ القَدَرِ ذلك الكِتابَ للمَعاني.
— 601 —
فما دُمنا نُدرِكُ إدراكًا جازِمًا أنَّ ما رُسِمَ مِن حُدُودٍ وثَمَراتٍ ونِهاياتٍ حَكِيمةٍ، إنَّما هو بقَلَمِ القَدَرِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ، فلا بُدَّ أنَّ ما يُجرِيه الكائِنُ الحَيُّ طَوالَ حَياتِه مِن أَحوالٍ وأَطوارٍ قد رُسِمَ أَيضًا بقَلَمِ ذلك القَدَرِ؛ إذ إنَّ سِيرةَ حَياتِه تَجرِي على وَفْقِ نِظامٍ وانتِظامٍ، معَ تَغيِيرِها الصُّوَرَ واتِّخاذِها الأَشكالَ؛ فما دامَ قَلَمُ القَدَرِ مُهَيمِنًا على جَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ، فلا شَكَّ أنَّ سِيرةَ حَياةِ الإنسانِ یی الَّذي هو أَكمَلُ ثَمَرةٍ مِن ثَمَراتِ العالَمِ وخَلِيفةُ الأَرضِ الحامِلُ للأَمانةِ الكُبْرَى یی أَكثَرُ انقِيادًا لِقانُونِ القَدَرِ مِن أَيِّ شَيءٍ آخَرَ.
فإن قال: إنَّ القَدَر قد كَبَّلَنا وسَلَبَ حُرِّيَّتَنا! ألَا تَرَى أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ يُورِثُ ثِقَلًا على القَلبِ ويُولِّدُ ضِيقًا في الرُّوحِ، وهما المُشتاقانِ إلى الِانبِساطِ والجَوَلانِ؟
والجَوابُ: كلَّا، حاشَ لله! فكما أنَّ القَدَرَ لا يُورِثُ ضِيقًا، فإنَّه يَمنَحُ خِفّةً بلا نِهايةٍ وراحةً بلا غايةٍ وسُرُورًا ونُورًا يُحَقِّقُ الأَمنَ والأَمانَ والرَّوْحَ والرَّيحانَ؛ لأنَّ الإنسانَ إن لم يُؤمِنْ بالقَدَرِ يُضطَرُّ لِأَن يَحمِلَ ثِقَلًا بقَدْرِ الدُّنيا على كاهِلِ رُوحِه الضَّعيفِ، ضِمنَ دائرةٍ ضَيِّقةٍ وحُرِّيّةٍ جُزئيّةٍ وتَحَرُّرٍ مُؤَقَّتٍ، لأنَّ الإنسانَ له عَلاقاتٌ معَ الكائناتِ قاطِبةً، وله مَقاصِدُ ومَطالِبُ لا تَنتَهِيانِ، إلّا أنَّ قُدرَتَه وإرادتَه وحُرِّيَّتَه لا تَكفِي لإيفاءِ واحِدٍ مِن مِلْيُونٍ مِن تلك المَطالِبِ والمَقاصِدِ. ومن هنا يُفهَمُ مَدَى ما يُقاسِيه الإنسانُ مِن ثِقَلٍ مَعنَوِيٍّ في عَدَمِ الإيمانِ بالقَدَرِ، وكم هو مُخِيفٌ ومُوحِشٌ.
بَينَما الإيمانُ بالقَدَرِ يَحمِلُ الإنسانَ على أن يَضَعَ جَمِيعَ تلك الأَثقالِ في سَفِينةِ القَدَرِ، مِمّا يَمنَحُه راحةً تامّةً، إذ يَنفَتِحُ أَمامَ الرُّوحِ والقَلبِ مَيدانُ تَجوالٍ واسِعٌ، فيَسِيرانِ في طَرِيقِ كَمالاتِهما بحُرِّيّةٍ تامّةٍ؛ بَيْدَ أنَّ هذا الإيمانَ يَسلُبُ مِنَ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ حُرِّيَّتَها الجُزئيّةَ ويَكسِرُ فِرعَونيَّیتَها ويُحَطِّمُ رُبُوبيَّیتَها ويَحُدُّ مِن حَرَكاتِها السّائبةِ.
ألَا إنَّ للإيمانِ بالقَدَرِ لَذّةً ما بَعدَها لَذّةٌ، وسَعادةٌ ما بَعدَها سَعادةٌ. وحيثُ لا نَستَطِيعُ تَعرِيفَ تلك اللَّذّةِ والسَّعادةِ، نُشِيرُ إلَيهِما بالمِثالِ الآتي:
رَجُلانِ يُسافِرانِ معًا إلى عاصِمةِ سُلطانٍ عَظيمٍ، ويَدخُلانِ إلى قَصرِ السُّلطانِ العامِرِ بالعَجائِبِ والغَرائِبِ. أَحَدُهما لا يَعرِفُ السُّلطانَ ويُرِيدُ أن يَسكُنَ في القَصرِ خِلسةً ويُمضِيَ حَياتَه بغَصْبِ الأَموالِ، فيَعمَلُ في حَدِيقةِ القَصرِ؛ ولكنَّ إدارةَ تلك
— 602 —
الحَدِيقةِ وتَدبِيرَها وتَنظِيمَ وارِداتِها وتَشغِيلَ مَكائِنِها وإعطاءَ أَرزاقِ حَيَواناتِها الغَرِيبةِ وأَمثالَها مِن أُمُورِها المُرهِقةِ دَفَعَتْه إلى الِاضطِرابِ الدّائِمِ والقَلَقِ المُستَمِرِّ، حتَّى أَصبَحَت تلك الحَدِيقةُ الزّاهِيةُ الشَّبِيهةُ بالجَنّةِ جَحِيمًا لا يُطاقُ، إذ يَتَألَّمُ لكُلِّ شَيءٍ يَعجِزُ عن إدارتِه، فيَقضِي وَقتَه بالآهاتِ والحَسَراتِ. وأَخِيرًا يُلقَى به في السِّجنِ عِقابًا وتَأْدِيبًا له على سُوءِ تَصَرُّفِه وأَدَبِه.
أمّا الشَّخصُ الثّاني فإنَّه يَعرِفُ السُّلطانَ، ويَعُدُّ نَفسَه ضَيفًا عليه، ويَعتَقِدُ أنَّ جَمِيعَ الأَعمالِ في القَصرِ والحَدِيقةِ تُدارُ بسُهُولةٍ تامّةٍ، بنِظامٍ وقانُونٍ وعلى وَفْقِ بَرنامَجٍ ومُخَطَّطٍ؛ فيُلقِي الصُّعُوباتِ والتَّكاليفَ إلى قانُونِ السُّلطانِ، مُستَفِيدًا بانشِراحٍ تامٍّ وصَفاءٍ كامِلٍ مِن مُتَعِ تلك الحَدِيقةِ الزّاهِرةِ كالجَنّةِ؛ ويَرَى كلَّ شَيءٍ جَمِيلًا حَقًّا، استِنادًا إلى عَطْفِ السُّلطانِ ورَحمَتِه، واعتِمادًا على جَمالِ قَوانينِه الإدارِيّةِ.. فيَقضِي حَياتَه في لَذّةٍ كامِلةٍ وسَعادةٍ تامّةٍ.
فافْهَمْ مِن هذا سِرَّ: «مَن آمَنَ بالقَدَرِ، أَمِنَ مِنَ الكَدَرِ».

المبحث الرابع

إذا قُلتَ: لقد أَثبَتَّ في المَبحَثِ الأَوَّلِ أنَّ كلَّ ما للقَدَرِ جَمِيلٌ وخَيرٌ، بل حتَّى الشَّرُّ الآتي مِنه خَيرٌ، والقُبْحُ الوارِدُ مِنه جَمِيلٌ؛ بَينَما المَصائِبُ والبَلايا الَّتي تَنزِلُ في دارِ الدُّنيا هذه تَجرَحُ هذا الحُكْمَ وتَقْدَحُ بهذا الإِثباتِ.
الجَوابُ: يا نَفسِي، ويا صاحِبِي.. يا مَن تَتَألَّمانِ كَثِيرًا لِشِدّةِ ما تَحمِلانِ مِن شَفَقةٍ ورَأفةٍ، اعلَما أنَّ الوُجُودَ خَيرٌ مَحضٌ والعَدَمَ شَرٌّ مَحضٌ؛ والدَّليلُ هو رُجُوعُ جَمِيعِ المَحاسِنِ والكَمالاتِ والفَضائِلِ إلى الوُجُودِ، وكَونُ العَدَمِ أَساسَ جَمِيعِ المَعاصِي والمَصائِبِ والنَّقائِصِ.
ولَمّا كان العَدَمُ شَرًّا مَحضًا، فالحالاتُ الَّتي تَنجَرُّ إلى العَدَمِ أو يُشَمُّ مِنها العَدَمُ تَتَضمَّنُ الشَّرَّ أَيضًا، لِذا فالحَياةُ الَّتي هي أَسطَعُ نُورٍ للوُجُودِ، تَتَقوَّى بَتَقَلُّبِها ضِمنَ أَحوالٍ مُختَلِفةٍ، وتَتَصفَّى بدُخُولِها أَوضاعًا مُتَبايِنةً، وتُثمِرُ ثَمَراتٍ مَطلُوبةً باتِّخاذِها
— 603 —
كَيفِيّاتٍ مُتَعدِّدةٍ، وتُبيِّنُ نُقُوشَ أَسماءِ واهِبِ الحَياةِ بَيانًا لَطِيفًا وجَمِيلًا بتَحَوُّلِها في أَطوارٍ مُتَنوِّعةٍ.
وبِناءً على هذه الحَقيقةِ تُعرَضُ حالاتٌ على الأَحياءِ في صُوَرِ الآلامِ والمَصائِبِ والمَشَقّاتِ والبَلِيّاتِ، فتَتَجدَّدُ بتلك الحالاتِ أَنوارُ الوُجُودِ في حَياتِهم، وتَتَباعَدُ عنها ظُلُماتُ العَدَمِ، وإذا بحَياتِهم تَتَطهَّرُ وتَتَصفَّى، ذلك لأنَّ التَّوَقُّفَ والسُّكُونَ والسُّكُوتَ والعَطالةَ والدَّعةَ والرَّتابةَ، كلٌّ مِنها عَدَمٌ في الكَيفِيّاتِ والأَحوالِ، حتَّى إنَّ أَعظَمَ لَذّةٍ مِنَ اللَّذائِذِ تَتَناقَصُ بل تَزُولُ في الحالاتِ الرَّتيبةِ.
حاصِلُ الكَلامِ: لَمّا كانَتِ الحَياةُ تُبيِّنُ نُقُوشَ الأَسماءِ الحُسنَى، فكُلُّ ما يَنزِلُ بالحَياةِ إذًا جَمِيلٌ وحَسَنٌ.
فمَثلًا: إنَّ صانِعًا ثَرِيًّا ماهِرًا يُكَلِّفُ رَجُلًا فَقِيرًا لِقاءَ أُجرةٍ مُعيَّنةٍ لِيَقُومَ له في ظَرفِ ساعةٍ بدَورِ النَّمُوذَجِ (مُودِيل)، لِأَجلِ إظهارِ آثارِ صَنْعَتِه الجَمِيلةِ وإبرازِ مَدَى ثَرَواتِه القَيِّمةِ، فيُلبِسُه ما نَسَجَه مِن حُلّةٍ قَشِيبةٍ في غايةِ الجَمالِ والإبداعِ، ويُجرِي علَيه أَعمالًا ويُظهِرُ أَوضاعًا وأَشكالًا شَتَّى لإظهارِ خَوارِقِ صَنائِعِه وبَدائِعِ مَهاراتِه، فيَقُصُّ ويُبَدِّلُ ويُطَوِّلُ ويُقَصِّرُ، وهكذا..
تُرَى أَيَحِقُّ لِذَلِك الفَقيرِ الأَجيرِ أن يقُولَ لذلك الصّانِعِ الماهِرِ: "إنَّك تُتعِبُني وتُرهِقُني بطَلَبِك مِنِّي الِانحِناءَ مَرّةً والِاعتِدالَ أُخرَى.. وإنَّك تُشَوِّهُ بقَصِّك وتَقصِيرِك هذا القَمِيصَ الَّذي يُجَمِّلُني ويُزَيِّنُني؟" تُرَى أَيَقدِرُ أن يقُولَ له: "لقد ظَلَمْتَ وما أَنصَفْتَ؟!".
وكذلك الأَمرُ في الصّانِعِ الجَليلِ الفاطِرِ الجَمِيلِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی إذ يُبَدِّلُ قَمِيصَ الوُجُودِ الَّذي أَلبَسَه ذَوِي الحَياةِ، ويُقَلِّبُه في حالاتٍ كَثيرةٍ، ذلك القَمِيصَ المُرَصَّعَ باللَّطائِفِ والحَواسِّ كالعَينِ والأُذُنِ والعَقلِ والقَلبِ وأَمثالِها، يُبَدِّلُه ويُقَلِّبُه إظهارًا لِنُقُوشِ أَسمائِه الحُسنَى.
ففي الأَوضاعِ الَّتي تَتَّسِمُ بالآلامِ والمَصائِبِ أَنوارُ جَمالٍ لَطِيفٍ تَشِفُّ عن أَشِعّةِ رَحمةٍ ضِمنَ لَمَعاتِ الحِكمةِ الإلٰهِيّةِ، إظهارًا لِأَحكامِ بَعضِ الأَسماءِ الحُسنَى.
— 604 —

الخاتمة

هذه فِقْراتٌ خَمسٌ أَسكَتَتِ النَّفسَ الأمّارةَ بالسُّوءِ لِسَعيدٍ القَدِيمِ، تلك النَّفسَ الجاهِلةَ المُتَفاخِرةَ المَغرُورةَ المُرائيةَ المُعجَبةَ بنَفسِها.
الفِقرةُ الأولى: ما دامَتِ الأَشياءُ مَوجُودةً ومُتقَنةَ الصُّنعِ، فلا بُدَّ أنَّ صانِعًا ماهِرًا قد صَنَعَها، فلَقد أَثبَتْنا في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" إثباتًا قاطِعًا أنَّه إن لم تُسنَد كلُّ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، يَتَعسَّرُ كلُّ شَيءٍ كتَعَسُّرِ الأَشياءِ كُلِّها، وإن أُسنِدَ كلُّ شَيءٍ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، تَسهُلُ الأَشياءُ كُلُّها كسُهُولةِ شَيءٍ واحِدٍ.
ولَمّا كان الَّذي خَلَق الأَرضَ والسَّماواتِ هو الواحِدَ الأَحَدَ، فلا بُدَّ أنَّ ذلك البَدِيعَ الحَكِيمَ لا يُعطِي ثَمَراتِ الأَرضِ والسَّماواتِ ونَتائِجَهما وغاياتِهما یی وهم ذَوُو الحَياةِ یی إلى غَيرِه فيُفسِدَ الأُمُورَ، ولا يُمكِنُ أن يُسَلِّمَها إلى أَيدِي الآخَرِين فيَعبَثَ بجَمِيعِ أَعمالِه الحَكِيمةِ، ولا يُمكِنُ أن يُبِيدَها.. ولا يُسَلِّمُ أَيضًا شُكْرَها وعِباداتِها إلى غيرِه.
الفِقرةُ الثّانية: يا نَفسِي المَغرُورةَ.. إنَّكِ تُشبِهِين ساقَ العِنَبِ، لا تَغتَرِّي ولا تَفتَخِرِي، فتلك السّاقُ لم تُعَلِّقِ العَناقِيدَ على نَفسِها، بل عَلَّقَها علَيها غيرُها.
الفِقرةُ الثّالثة: يا نَفسِي المُرائيةَ.. لا تَغتَیرِّي قائِلةً: "إنَّني خَدَمتُ الدِّينَ"، فإنَّ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ صَرِيحٌ بی «إنَّ اللهَ لَيُؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ» ، فعَلَيكِ أن تَعُدِّي نَفسَكِ ذلك الرَّجُلَ الفاجِرَ، لأنَّكِ غيرُ مُزَكّاةٍ؛ واعلَمِي أنَّ خِدمَتَكِ للدِّينِ وعِباداتِكِ ما هي إلّا شُكرُ ما أَنعَمَ اللهُ علَيكِ، وهي أَداءٌ لِوَظِيفةِ الفِطرةِ وفَرِيضةِ الخَلْقِ ونَتيجةِ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ.. اعلَمِي هذا وأَنقِذِي نَفسَكِ مِنَ العُجْبِ والرِّياءِ.
— 605 —
الفِقرةُ الرَّابعة: إن كُنتِ تَرُومِين الحُصُولَ على عِلمِ الحَقيقةِ، والحِكمةِ الحَقّةِ، فاظْفَرِي بمَعرِفةِ اللهِ؛ إذ حَقائقُ المَوجُوداتِ كلُّها إنَّما هي أَشِعّةُ اسمِ اللهِ الحَقِّ، ومَظاهِرُ أَسمائِه الحُسنَى، وتَجَلِّياتُ صِفاتِه الجَليلةِ؛ واعلَمِي أنَّ حَقِيقةَ كلِّ شَيءٍ مادِّيًّا كان أو مَعنَوِيًّا وجَوهَرِيًّا أو عَرَضِيًّا، وحَقِيقةَ الإنسانِ نَفسِه إنَّما تَستَنِدُ إلى نُورٍ مِن أَنوارِ أَسمائِه تَعالَى وتَرتَكِزُ على حَقِيقَتِه. وإلّا فهي صُورةٌ تافِهةٌ لا حَقِيقةَ لها. ولقد ذَكَرْنا في خِتامِ "الكَلِمةِ العِشرِين" شَيئًا مِن هذا البَحْثِ.
يا نَفسِي.. إن كُنتِ مُشتاقةً إلى هذه الدُّنيا، وتَفِرِّين مِنَ المَوتِ، فاعلَمِي يَقِينًا أنَّ ما تَظُنِّينَه حَياةً ما هو إلّا الدَّقيقةُ الَّتي أنتِ فيها، فما قَبلَ تلك الدَّقيقةِ مِن زَمانٍ وما فيه مِن أَشياءَ دُنيَوِيّةٍ كُلُّه مَيِّتٌ، وما بعدَ تلك الدَّقيقةِ مِن زَمانٍ وما فيه كُلِّه عَدَمٌ، لا شَيءٌ؛ بمَعنَى أنَّ ما تَفتَخِرِين به وتَغتَیرِّين به مِن حَياةٍ فانِيةٍ ليس إلَّا دَقيقةً واحِدةً، حتَّى إنَّ قِسْمًا مِن أَهلِ التَّدقيقِ قالُوا: إنَّ الحَياةَ عاشِرةُ عَشرٍ مِنَ الدَّقيقةِ، بل آنٌ سَيَّالٌ.. مِن هنا حَكَم قِسمٌ مِن أَهلِ الوِلايةِ والصَّلاحِ بِعَدَمِيَّةِ الدُّنيا مِن حَيثُ إنَّها دُنيا.
فما دامَ الأَمرُ هكذا، فدَعِي الحَياةَ المادِّيّةَ النَّفسِيّةَ، واصعَدِي إلى دَرَجاتِ حَياةِ القَلبِ والرُّوحِ والسِّرِّ، وانظُرِي، ما أَوسَعَ دائِرةَ حَياتِها! فالماضِي والمُستَقبَلُ المَيِّتانِ بالنِّسبةِ إليكِ حَيّانِ بالنِّسبةِ لها ومَوجُودانِ.
فيا نَفسِي.. ما دامَ الأَمرُ هكذا، ابكِي كما يَبكِي قَلبِي، واستَغِيثي وقُولي:
أنا فانٍ.. مَن كان فانيًا لا أُريد
أنا عاجِز.. مَن كان عاجزًا لا أُريد..
سلَّمتُ رُوحي للرَّحمٰن، سِواه لا أُريد..
بل أُريد، ولكِن حَبِيبًا باقيًا أُريد..
أنا ذَرّة، ولكِنْ شَمسًا سَرْمدًا أُريد.
أنا لا شيء، ومِن غيرِ شيء، ولكِنِ المَوجُوداتِ كلَّها أُريد.
— 606 —
الفِقرةُ الخامسة: هذه الفِقرةُ خَطَرَت باللُّغةِ العَرَبيّةِ وكُتِبَت كما وَرَدَتْ. وهي إشارةٌ إلى مَرتَبةٍ مِنَ المَراتِبِ الثَّلاثِ والثَّلاثين في ذِكرِ "اللهُ أَكبَرُ":
اللهَ أَكبَرُ: إذ هو القَدِيرُ العَلِيمُ الحَكِيمُ الكَرِيمُ الرَّحِيمُ الجَمِيلُ النَّقّاشُ الأَزَليُّ الَّذي ما حَقِيقةُ هذه الكائناتِ كُلًّا وجُزْءًا وصَحائِفَ وطَبَقاتٍ، وما حَقائِقُ هذه المَوجُوداتِ كُلِّيًّا وجُزئيًّا ووُجُودًا وبَقاءً إلَّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضائِه وقَدَرِه وتَنظِيمِه وتَقدِيرِه بعِلمٍ وحِكمةٍ، ونُقُوشُ بِرْكارِ عِلْمِه وحِكمَتِه وتَصوِيرِه وتَدبِيرِه بصُنعٍ وعِنايةٍ، وتَزيِيناتُ يَدِ بَيضاءِ صُنعِه وعِنايَتِه وتَزيِينِه وتَنوِيرِه بلُطفٍ وكَرَمٍ، وأَزاهِيرُ لَطائِفِ لُطفِه وكَرَمِه وتَوَدُّدِه وتَعَرُّفِه برَحمةٍ ونِعمةٍ، وثَمَراتُ فَيّاضِ رَحمَتِه ونِعمَتِه وتَرَحُّمِه وتَحَنُّنِه بجَمالٍ وكَمالٍ، ولَمَعاتُ وتَجَلِّياتُ جَمالِه وكَمالِه بشَهاداتِ تَفانِيةِ المَرايا وسَيّاليّةِ المَظاهِرِ معَ بَقاءِ الجَمالِ المُجَرَّدِ السَّرمَدِيِّ، الدّائمِ التَّجَلِّي والظُّهُورِ، على مَرِّ الفُصُولِ والعُصُورِ والدُّهُورِ، ودائمِ الإنعامِ على مَرِّ الأَنامِ والأَيَّامِ والأَعوامِ.
نعم، فالأَثَرُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ ذا عَقلٍ على الفِعلِ المُكَمَّلِ، ثمَّ الفِعلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ ذا فَهمٍ على الِاسمِ المُكَمَّلِ، ثمَّ الِاسمُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بالبَداهةِ على الوَصْفِ المُكَمَّلِ، ثمَّ الوَصْفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على الشَّأنِ المُكَمَّلِ، ثمَّ الشَّأنُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ باليَقِينِ على كَمالِ الذّاتِ بما يَلِيقُ بالذّاتِ وهو الحَقُّ اليَقِينُ.
نعم، تَفاني المِرآةِ، زَوالُ المَوجُوداتِ، معَ التَّجَلِّي الدّائِمِ، معَ الفَيضِ المُلازِمِ.. مِن أَظْهَرِ الظَّواهِرِ أنَّ الجَمالَ الظّاهِرَ، ليس مُلكَ المَظاهِرِ.. مِن أَفصَحِ تِبْيانٍ.. مِن أَوضَحِ بُرهانٍ للجَمالِ المُجَرَّدِ للإحسانِ المُجَدَّدِ للواجِبِ الوُجُودِ.. للباقي الوَدُودِ..
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيّدِنا مُحَمَّدٍ مِنَ الأزَلِ إلَى الأبَدِ عَدَدَ مَا فِي عِلمِ اللهِ، وعَلَى آلهِ وصَحبِهِ وَسَلِّم.
٭ ٭ ٭

ذيل

هذا الذَّيلُ القصير جدًّا له أهمِّيّةٌ عظيمة ومنافعُ للجميع
لِلوُصُولِ إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى طَرائقُ كَثيرةٌ، وسُبُلٌ عَدِيدةٌ؛ ومَورِدُ جَمِيعِ الطُّرُقِ الحَقّةِ ومَنهَلُ السُّبُلِ الصّائبةِ هو القُرآنُ الكَرِيمُ. إلّا أنَّ بعضَ هذه الطُّرُقِ أَقرَبُ مِن بعضٍ وأَسلَمُ وأَعَمُّ.
وقدِ استَفَدتُ مِن فَيضِ القُرآنِ الكَرِيمِ یی بالرَّغم مِن فَهمِي القاصِرِ یی طَرِيقًا قَصِيرًا وسَبِيلًا سَوِيًّا هو: طَرِيقُ العَجْزِ، الفَقْرِ، الشَّفَقةِ، التَّفَكُّرِ.
نعم، إنَّ العَجزَ كالعِشقِ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلى اللهِ، بل أَقرَبُ وأَسلَمُ، إذ هو يُوصِلُ إلى المَحبُوبيّةِ بطَرِيقِ العُبُودِيّةِ؛ والفَقرُ مِثلُه يُوصِلُ إلى اسمِ اللهِ "الرَّحمٰنِ"؛ وكذلك الشَّفَقةُ كالعِشقِ مُوصِلٌ إلى اللهِ إلّا أنَّه أَنفَذُ مِنه في السَّيرِ وأَوسَعُ مِنه مَدًى، إذ هو يُوصِلُ إلى اسمِ اللهِ "الرَّحِيمِ"؛ والتَّفكُّرُ أيضًا كالعِشقِ إلّا أنَّه أَغنَى مِنه وأَسطَعُ نُورًا وأَرحَبُ سَبِيلًا، إذ هو يُوصِلُ السّالِكَ إلى اسمِ اللهِ "الحَكِيمِ".

وهذا الطَّرِيقُ يَختَلِفُ عمّا سَلَكَه أَهلُ السُّلُوكِ في ا فُقِ الخَفاءِ ذاتِ الخُطُواتِ العَشرِ یی كاللَّطائفِ العَشْرِ یی وفي طُرُقِ الجَهرِ ذاتِ الخُطُواتِ السَّبعِ یی حَسَبَ النُّفُوسِ السَّبعةِ یی فهذا الطَّرِيقُ عِبارةٌ عن أَربَعِ خُطُ78Iٍ فحَسْبُ، وهو حَقِيقةٌ شَرعِيّةٌ أَكثَرُ مِمّا هو طَرِيقةٌ صُوفيّةٌ.

ولا يَذهَبَنَّ بكُم سُوءُ الفَهْمِ إلى الخَطَأِ، فالمَقصُودُ بالعَجْزِ والفَقْرِ والتَّقصِير إنَّما هو إظهارُ ذلك كُلِّه أَمامَ اللهِ سُبحانَه، وليس إِظهارَه أَمامَ النَّاسِ.
أمّا أَورادُ هذا الطَّرِيقِ القَصِيرِ وأَذكارُه فتَنحَصِرُ في اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبَوِيّةِ، والعَمَلِ بالفَرائضِ، ولا سِيَّما إقامةِ الصَّلاةِ باعتِدالِ الأَركانِ، والعَمَلِ بالأَذكارِ عَقِبَها، وتَركِ الكَبائرِ.
— 608 —
أمّا مَنابعُ هذه الخُطُواتِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ فهي: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ تُشِيرُ إلى الخُطوةِ الأُولَى... وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ تُشِيرُ إلى الخُطوةِ الثّانية... مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ تُشِيرُ إلى الخُطوةِ الثّالثة... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ تُشِيرُ إلى الخُطوةِ الرّابِعة.
وإيضاح هذه الخُطُواتِ الأربَعِ بإيجازٍ شَديدٍ كالآتي:
الخُطوةُ الأولَى: كما تُشِيرُ إلَيها الآيةُ الكَرِيمةُ: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وهي عَدَمُ تَزكِيةِ النَّفسِ، ذلك لأنَّ الإنسانَ حَسَبَ جِبِلَّتِه، وبمُقتَضَى فِطرَتِه، مُحِبٌّ لِنَفسِه بالذّاتِ، بل لا يُحِبُّ إلّا ذاتَه في المُقدِّمة؛ ويُضَحِّي بكُلِّ شَيءٍ مِن أَجْلِ نَفسِه، ويَمدَحُ نَفسَه مَدْحًا لا يَلِيقُ إلّا بالمَعبُودِ وَحدَه، ويُنزِّهُ شَخْصَه ويُبَرِّئُ ساحةَ نَفسِه، بل لا يَقبَلُ التَّقصِيرَ لِنَفسِه أَصلًا، ويُدافِعُ عنها دِفاعًا قَوِيًّا بما يُشبِهُ العِبادةَ، حتَّى كأَنَّه يَصرِفُ ما أَودَعَه اللهُ فيه مِن أَجهِزةٍ لِحَمْدِه سُبحانَه وتَقدِيسِه إلى نَفسِه، فيُصِيبُه وَصْفُ الآيةِ الكَرِيمةِ: مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، فيُعجَبُ بنَفسِه ويَعتَدُّ بها.. فلا بُدَّ إذًا مِن تَزكِيَتِها، فتَزكِيَتُها في هذه الخَطوةِ وتَطهِيرُها يَكُونُ بعَدَمِ تَزكِيَتِها.
الخُطوةُ الثّانية: كما تُلَقِّنُه الآيةُ الكَرِيمةُ مِن دَرسِ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ، وذلك أنَّ الإنسانَ يَنسَى نَفسَه ويَغفُلُ عنها، فإذا ما فَكَّر في المَوتِ صَرَفَه إلى غَيرِه، وإذا ما رَأَى الفَناءَ والزَّوالَ دَفَعَه إلى الآخَرِين، وكأنَّه لا يَعنِيه بشَيءٍ، إذ مُقتَضَى النَّفسِ الأَمّارةِ أنَّها تَذكُرُ ذاتَها في مَقامِ أَخْذِ الأُجرةِ والحُظُوظِ وتَلتَزِمُ بها بشِدّةٍ، بَينَما تَتَناسَى ذاتَها في مَقامِ الخِدْمةِ والعَمَلِ والتَّیكليفِ؛ فتَزكِيَتُها وتَطهِيرُها وتَربِيَتُها في هذه الخُطوةِ هي العَمَلُ بعَكسِ هذه الحالةِ، أي: عَدَمُ النِّسيانِ في عَينِ النِّسيانِ، أي: نِسيانُ النَّفسِ في الحُظُوظِ والأُجرةِ، والتَّفكُّرُ فيها عندَ الخِدْماتِ والمَوتِ.
والخُطوةُ الثالثة: هي ما تُرشِدُ إليه الآيةُ الكَرِيمةُ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وذلك أنَّ ما تَقتَضِيه النَّفسُ دائمًا أنَّها تَنسُبُ الخَيرَ إلى ذاتِها، مِمّا يَسُوقُها هذا إلى الفَخْرِ والعُجْبِ؛ فعلى المَرءِ في هذه الخُطوةِ ألّا يَرَى
— 609 —
مِن نَفسِه إلّا القُصُورَ والنَّقصَ والعَجْزَ والفَقرَ، وأن يَرَى كلَّ مَحاسِنِه وكَمالاتِه إحسانًا مِن فاطِرِه الجَليلِ، ويَتَقبَّلَها نِعَمًا مِنه سُبحانَه، فيَشكُرَ عِندَئذٍ بَدَلَ الفَخْرِ، ويَحمَدَ بَدَلَ المَدحِ والمُباهاةِ.. فتَزكِيةُ النَّفسِ في هذه المَرتَبةِ هي في سِرِّ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وهي أنْ تَعلَمَ بأنَّ كَمالَها في عَدَمِ كَمالِها، وقُدرَتَها في عَجْزِها، وغِناها في فَقْرِها، (أي: كَمالُ النَّفسِ في مَعرِفةِ عَدَمِ كَمالِها، وقُدرَتُها في عَجْزِها أَمامَ اللهِ، وغِناها في فَقْرِها إلَيه).
الخُطوةُ الرّابعة: هي ما تُعَلِّمُه الآيةُ الكَرِيمةُ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ، ذلك لأَنَّ النَّفسَ تَتَوهَّمُ نَفسَها حُرّةً مُستَقِلّةً بذاتِها، لِذا تَدَّعِي نَوعًا مِنَ الرُّبُوبيّةِ، وتُضمِرُ عِصيانًا حِيالَ مَعبُودِها الحَقِّ؛ فبإدراكِ الحَقيقةِ الآتيةِ يَنجُو الإنسانُ مِن ذلك وهي أنَّ كلَّ شَيءٍ بحَدِّ ذاتِه، وبمَعناه الِاسمِيِّ: زائِلٌ، مَفقُودٌ، حادِثٌ، مَعدُومٌ، إلّا أنَّه في مَعناه الحَرفِيِّ، وبجِهةِ قِيامِه بدَورِ المِرآةِ العاكِسةِ لِأَسماءِ الصّانِعِ الجَليلِ، وباعتِبارِ مَهامِّه ووَظائِفِه: شاهِدٌ، مَشهُودٌ، واجِدٌ، مَوجُودٌ.
فتَزكِيَتُها في هذه الخُطوةِ هي مَعرِفةُ أنَّ عَدَمَها في وُجُودِها ووُجُودَها في عَدَمِها، أي: إذا رَأَت ذاتَها وأَعطَت لِوُجُودِها وُجُودًا، فإنَّها تَغرَقُ في ظُلُماتِ عَدَمٍ يَسَعُ الكائِناتِ كُلَّها؛ يعني إذا غَفَلَتْ عن مُوجِدِها الحَقيقيِّ وهو اللهُ، مُغتَرّةً بوُجُودِها الشَّخصِيِّ، فإنَّها تَجِدُ نَفسَها وَحِيدةً غَرِيقةً في ظُلُماتِ الفِراقِ والعَدَمِ غيرِ المُتَناهِيةِ، كأنَّها اليَراعةُ في ضِيائِها الفَردِيِّ الباهِتِ في ظُلُماتِ اللَّيلِ البَهِيمِ؛ ولكِن عِندَما تَتْرُكُ الأَنانيّةَ والغُرُورَ وتَرَى نَفسَها حَقًّا لا شَيءٌ بالذّاتِ، وإنَّما هي مِرآةٌ تَعكِسُ تَجَلِّياتِ مُوجِدِها الحَقِيقيِّ، فتَظفَرُ بوُجُودٍ غيرِ مُتَناهٍ وتَربَحُ وُجُودَ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ.
نعم، مَن يَجِدُ اللهَ فقد وَجَدَ كُلَّ شَيءٍ، فما المَوجُوداتُ جَمِيعُها إلَّا تَجَلِّياتُ أَسمائِه الحُسنَى جَلَّ جَلالُه.
— 610 —
خاتمة
إنَّ هذا الطَّرِيقَ الَّذي يَتَیكوَّنُ مِن أَربَعِ خُطُواتٍ یی وهي العَجزُ والفَقرُ والشَّفقةُ والتَّفكُّرُ یی سبَقَ إيضاحُه في "الكَلِماتِ السِّتِّ والعِشرِين" السّابِقةِ مِن كِتابِ "الكَلِماتِ" الَّذي يَبحَثُ عن عِلمِ الحَقيقةِ، حَقيقةِ الشَّرِيعةِ، حِكمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ.
إلّا أنَّنا نُشِيرُ هنا إشارةً قَصِيرةً إلى بِضْعِ نِقاطٍ وهي: أنَّ هذا الطَّرِيقَ هو أَقصَرُ وأَقرَبُ مِن غَيرِه، لأنَّه عِبارةٌ عن أَربَعِ خُطُواتٍ؛ فالعَجزُ إذا ما نَفَض يَدَه مِنَ النَّفسِ يُسَلِّمُها مُباشَرةً إلى "القَدِيرِ" ذِي الجَلالِ، بَينَما إذا نَفَض العِشقُ يَدَه مِنَ النَّفسِ یی في طَرِيقِ العِشقِ الَّذي هو أَنفَذُ الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلى اللهِ یی فإنَّه يَتَشبَّثُ بالمَعشُوقِ المَجازِيِّ، وعِندَما يَرَى زَوالَه يَصِلُ إلى المَحبُوبِ الحَقِيقيِّ.
ثمَّ إنَّ هذا الطَّرِيقَ أَسلَمُ مِن غَيرِه، فليس للنَّفسِ فيه شَطَحاتٌ أوِ ادِّعاءاتٌ فوقَ طاقَتِها، إذِ المَرءُ لا يَجِدُ في نَفسِه غيرَ العَجزِ والفَقرِ والتَّقصِيرِ فيَتَجاوَزَ حَدَّه.
ثمَّ إنَّ هذا الطَّرِيقَ طَرِيقٌ عامٌّ وجادّةٌ كُبْرَى، لأنَّه لا يُضطَرُّ إلى إعدامِ الكائِناتِ ولا إلى سَجْنِها، حيثُ إنَّ أَهلَ "وَحْدةِ الوُجُودِ" تَوَهَّمُوا الكائناتِ عَدَمًا، فقالُوا: "لا مَوجُودَ إلّا هو" لِأَجلِ الوُصُولِ إلى الِاطمِئنانِ والحُضُورِ القَلبيِّ؛ وكذا أَهلُ "وَحْدةِ الشُّهُودِ"، حيثُ سَجَنُوا الكائناتِ في سِجنِ النِّسيانِ، فقالوا: "لا مَشهُودَ إلّا هو" للوُصُولِ إلى الِاطمِئنانِ القَلبِيِّ.. بَينَما القُرآنُ الكَرِيمُ يُعفِي الكائِناتِ مِنَ العَدَمِ بكُلِّ وُضُوحٍ، ويُطلِقُ سَراحَها مِنَ السِّجنِ.
فهذا الطَّرِيقُ على نَهجِ القُرآنِ يَنظُرُ إلى الكائناتِ على أنَّها مُسَخَّرةٌ لِفاطِرِها الجَليلِ وخادِمةٌ في سَبِيلِه، وأنَّها مَظاهِرُ لِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى كأنَّها مَرايا تَعكِسُ تلك التَّجَلِّياتِ. أي: إنَّه يَستَخدِمُها بالمَعنَى الحَرفِيِّ ويَعزِلُها عنِ المَعنَى الِاسمِيِّ مِن أن تكُونَ خادِمةً ومُسَخَّرةً بنَفسِها. وعِندَها يَنجُو المَرءُ مِنَ الغَفلةِ، ويَبلُغُ الحُضُورَ الدّائِمَ على نَهْجِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فيَجِدُ إلى الحَقِّ سُبحانَه طَرِيقًا مِن كلِّ شَيءٍ.
وزُبدةُ الكَلامِ: إنَّ هذا الطَّرِيقَ لا يَنظُرُ إلى المَوجُوداتِ بالمَعنَى الِاسمِيِّ، أي: لا يَنظُرُ إلَيها أنَّها مُسَخَّرةٌ لِنَفسِها ولِذاتِها، بل يَعزِلُها مِن هذا ويُقلِّدُها وَظِيفةَ أنَّها مُسَخَّرةٌ للهِ سُبحانَه.
— 611 —

الكلمة السابعة والعشرون

رسالة الاجتهاد
قبلَ حوالَيْ خَمسِ سَنَواتٍ أو أَكثَرَ كَتَبتُ بحثًا حَولَ "الِاجتِهادِ" في رِسالةٍ بالعَرَبيّة. واستِجابةً لرَغبةِ أَخَوَينِ عَزِيزَينِ كَتبتُ هذه "الكَلِمةَ" إرشادًا لِمَن لا يَعرِفُ حَدَّه في هذه المَسأَلةِ، لِيُدرِكَ ما يَجِبُ أن يَقِفَ عِندَه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم
إنَّ بابَ الِاجتِهادِ مَفتُوحٌ، إلّا أنَّ هناك سِتّةَ مَوانِعَ في هذا الزَّمانِ تَحُولُ دُونَ الدُّخُولِ فيه:
أوَّلُها: كما تُسَدُّ المَنافِذُ حتَّى الصَّغِيرةُ مِنها عِندَ اشتِدادِ العَواصِفِ في الشِّتاءِ، ولا يُستَصْوَبُ فَتحُ أَبوابٍ جَدِيدةٍ، وكما لا تُفتَحُ ثُغُورٌ لِتَرميمِ الجُدرانِ وتَعمِيرِ السُّدُودِ عندَ اكتِساحِ السُّيُولِ، لأنَّه يُفضِي إلى الغَرَقِ والهَلاكِ.. كذلك مِنَ الجِنايةِ في حَقِّ الإسلامِ فَتْحُ أَبوابٍ جَدِيدةٍ في قَصرِه المُنِيفِ، وشَقُّ ثَغَراتٍ في جُدرانِه، مِمّا يُمَهِّدُ السَّبِيلَ للمُتَسلِّلين والمُخَرِّبين باسمِ الِاجتِهادِ، ولا سِيَّما في زَمَنِ المُنكَراتِ، ووَقتَ هُجُومِ العاداتِ الأَجنَبِيّةِ واستِيلائِها، وأَثناءَ كَثرةِ البِدَعِ وتَزاحُمِ الضَّلالةِ ودَمارِها.
— 612 —
ثانيها: إنَّ الضَّرُورِيّاتِ الدِّينيّةَ الَّتي لا مَجالَ فيها للِاجتِهادِ لِقَطعِيَّتِها وثُبُوتِها، والَّتي هي في حُكْمِ القُوتِ والغِذاءِ، قد أُهمِلَت في العَصرِ الحاضِرِ وأَخَذَت بالتَّصَدُّع؛ فالواجِبُ يُحَتِّمُ صَرفَ الجُهُودِ وبَذْلَ الهِمَمِ جَمِيعًا لإحياءِ هذه الضَّرُورِيّاتِ وإقامَتِها، حيثُ إنَّ الجَوانِبَ النَّظَرِيّةَ للإسلامِ قدِ استَثْرَتْ بأَفكارِ السَّلفِ الصّالِحِين وتَوَسَّعَت باجتِهاداتِهمُ الخالِصةِ، حتَّى لم تَعُد تَضِيقُ بالعُصُورِ جَمِيعًا؛ لِذا فإنَّ تَرْكَ تلك الِاجتِهاداتِ الزَّكِيّةِ والِانصِرافَ عنها إلى اجتِهاداتٍ جَدِيدةٍ اتِّباعًا للهَوَى إنَّما هو خِيانةٌ مُبتَدَعةٌ.
ثالثُها: مِثلَما يُرَوَّجُ لِمَتاعٍ في السُّوقِ حَسَبَ المَواسِمِ ويُرْغَبُ فيه، كذلك أَسواقُ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ ومَعارِضُ الحَضارةِ البَشَرِيّةِ في العالَمِ، فتَرَى مَتاعًا يُرْغَبُ فيه في عَصرٍ، فيكُونُ له رَواجٌ، فتُوَجَّهُ إلَيه الأَنظارُ، وتُجذَبُ نحوَه الأَفكارُ، فتَحُومُ حَوْلَه الرَّغَباتُ.
فمَثلًا: إنَّ المَتاعَ الَّذي تُلْفَتُ إلَيه الأَنظارُ في عَصرِنا الحاضِرِ ويُرْغَبُ فيه هو الِانشِغالُ بالأُمُورِ السِّياسِيّةِ وأَحداثِها، وتَأْمِينُ الرّاحةِ في الحَياةِ الدُّنيا وحَصْرُ الهَمِّ بها، ونَشْرُ الأَفكارِ المادِّيّةِ وتَروِيجُها؛ بَينَما نَرَى أنَّ السِّلعةَ الغاليةَ النَّفيسةَ، والبِضاعةَ الرّائِجةَ المَقبُولةَ في عَصرِ السَّلَفِ الصّالِحِ وأَكثَرَ ما يُرْغَبُ فيه في سُوقِ زَمانِهم هو إرضاءُ رَبِّ السَّماواتِ والأَرضِ والوُقُوفُ عندَ حُدُودِه، واستِنباطُ أَوامِرِه ونَواهِيه مِن كَلامِه الجَليلِ، والسَّعيُ لِنَيلِ وَسائِلِ الوُصُولِ إلى السَّعادةِ الخالِدةِ الَّتي فَتَح أَبوابَها إلى الأَبَدِ القُرآنُ الكَرِيمُ ونُورُ النُّبوّةِ السّاطِعُ.
فكانَتِ الأَذهانُ والقُلُوبُ والأَرواحُ كلُّها مُتَوجِّهةً في ذلك العَصرِ وبكُلِّ قُواها إلى مَعرِفةِ مَرضاةِ اللهِ سُبحانَه وإدراكِ مَرامي كَلامِه، حتَّى باتَت وِجهةُ حَياتِهم وأَحوالُهمُ المُختَلِفةُ ورَوابِطُهم فيما بَينَهم وحَوادِثُهم وأَحادِيثُهم مُقبِلةً كلُّها إلى مَرضاةِ رَبِّ السَّماواتِ والأَرَضِين؛ لِذا ففي مِثلِ هذه الحَياةِ الَّتي تَجرِي بشَتَّى جَوانِبِها وَفْقَ مَرضاةِ رَبِّ العالَمِين سُبحانَه تُصبِحُ الحَوادِثُ بالنِّسبةِ لِصاحِبِ الِاستِعدادِ والقابِلِيّاتِ الفِطْرِيّةِ دُرُوسًا وعِبَرًا له مِن حيثُ لا يَشعُرُ، وكأنَّ قَلْبَه وفِطْرتَه يَتَلقَّيانِ الدُّرُوسَ والإرشادَ مِن كلِّ ما حَوْلَه، ويَستَفِيدانِ مِن كلِّ حادِثةٍ وظَرْفٍ وطَوْرٍ، وكأنَّ كلَّ شَيءٍ يَقُومُ بدَورِ مُعَلِّمٍ مُرشِدٍ يُعلِّمُ فِطْرَتَه ويُلَقِّنُها ويُرشِدُها ويُهيِّیئُها للِاجتِهادِ، حتَّى يكادُ زَيتُ ذَكائِه يُضِيءُ
— 613 —
ولو لم تَمْسَسْه نارُ الِاكتِسابِ. فإذا ما شَرَع مِثلُ هذا الشَّخصِ المُستَعِدِّ في مِثلِ هذا المُجتَمَعِ بالِاجتِهادِ في أَوانِه، فإنَّ استِعدادَه يَنالُ سِرًّا مِن أَسرارِ نُورٌ عَلَى نُورٍ، ويُصبِحُ في أَقرَبِ وَقتٍ وأَسرَعِه مُجتَهِدًا.
بَينَما في العَصرِ الحاضِرِ: فإنَّ تَحَكُّمَ الحَضارةِ الأَورُوبِّيّةِ، وتَسلُّطَ الفَلسَفةِ المادِّيّةِ وأَفكارِها، وتَعَقُّدَ مُتَطلَّباتِ الحَياةِ اليَومِيّةِ.. كُلُّها تُؤَدِّي إلى تَشَتُّتِ الأَفكارِ وحَيْرةِ القُلُوبِ وتَبَعثُرِ الهِمَمِ وتَفَتُّتِ الِاهتِماماتِ، حتَّى أَضْحَتِ الأُمُورُ المَعنَوِيّةُ غَرِيبةً عنِ الأَذهانِ.
لِذا، لو وُجِدَ الآنَ مَن هو بذَكاءِ "سُفيانَ بنِ عُيَينةَ" الَّذي حَفِظ القُرآنَ الكَرِيمَ وجالَسَ العُلَماءَ وهو لا يَزالُ في الرّابِعةِ مِن عُمُرِه، لَاحتاجَ إلى عَشَرةِ أَمثالِ ما احتاجَه ابنُ عُيَينةَ لِيَبْلُغَ دَرَجةَ الِاجتِهادِ، أي: إنَّه لو كان قد تَيَسَّرَ لِسُفيانَ بنِ عُيَينةَ الِاجتِهادُ في عَشْرِ سَنَواتٍ، فإنَّ الَّذي في زَمانِنا هذا قد يَحصُلُ علَيه في مِئةِ سنةٍ، ذلك لأنَّ مَبْدَأَ تَعَلُّمِ "سُفيانَ" الفِطرِيَّ للِاجتِهادِ يَبدَأُ مِن سِنِّ التَّميِيزِ، ويَتَهيَّأُ استِعدادُه تَدرِيجًا كاستِعدادِ الكِبريتِ للنّارِ.
أمّا نَظِيرُه في الوَقتِ الحاضِرِ فقد غَرِق فِكْرُه في مُستَنقَعِ الفَلسَفةِ المادِّيّةِ، وسَرَح عَقْلُه في أَحداثِ السِّياسةِ، وحارَ قَلبُه أمامَ مُتَطلَّباتِ الحَياةِ المَعاشِيّةِ، وابتَعَدَتِ استِعداداتُه وقابِلِيّاتُه عنِ الِاجتِهادِ، فلا جَرَمَ قدِ ابتَعَد استِعدادُه عنِ القُدرةِ على الِاجتِهاداتِ الشَّرعِيّةِ بمِقدارِ تَفَنُّنِه في العُلُومِ الأَرضِيّةِ الحاضِرةِ، وقَصُرَ عن نَيلِ دَرَجةِ الِاجتِهادِ بمِقدارِ تَبَحُّرِه في العُلُومِ الأَرضِيّةِ، لِذا لا يُمكِنُه أن يقُولَ: لِمَ لا أَستَطِيعُ أن أَبلُغَ دَرَجةَ سُفيانَ بنِ عُيَينةَ وأنا مِثلُه في الذَّكاءِ؟ نعم، لا يَحِقُّ له هذا القَولُ، كما أنَّه لن يَلْحَقَ به ولن يَبلُغَ شَأْوَه أَبَدًا.
رابعها: إنَّ مَيْلَ الجِسمِ إلى التَّوَسُّعِ لِأَجلِ النُّمُوِّ إن كان داخِليًّا فهو دَليلُ التَّكامُلِ، بَينَما إن كان مِنَ الخارِجِ فهو سَبَبُ تَمَزُّقِ الغِلافِ والجِلدِ، أي: إنَّه سَبَبُ الهَدمِ والتَّخرِيبِ لا النُّمُوِّ والتَّوَسُّعِ.
وهكذا، فإنَّ وُجُودَ إرادةِ الِاجتِهادِ والرَّغبةِ في التَّوَسُّعِ في الدِّينِ عندَ الَّذين يَدُورُون في فَلَكِ الإسلامِ، ويَأْتُون إلَيه مِن بابِ التَّقوَى والوَرَعِ الكامِلَينِ، وعن طَرِيقِ
— 614 —
الِامتِثالِ بالضَّرُوريّاتِ الدِّينيّةِ، فهو دَليلُ الكَمالِ والتَّكامُلِ، وخَيرُ شاهِدٍ علَيه السَّلَفُ الصّالِحُ؛ أمّا التَّطَلُّعُ إلى الِاجتِهادِ والرَّغبةِ في التَّوَسُّعِ في الدِّينِ إن كان ناشِئًا لَدَى الَّذين تَرَكُوا الضَّرُورِيّاتِ الدِّينيّةَ واستَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنيا، وتَلَوَّثُوا بالفَلسَفةِ المادِّيّةِ، فهو وَسِيلةٌ إلى تَخرِيبِ الوُجُودِ الإسلاميِّ وحَلِّ رِبقةِ الإسلامِ مِنَ الأَعناقِ.
خامسها: هناك ثَلاثُ نِقاطٍ تَدعُو إلى التَّأَمُّلِ والنَّظَرِ، تَجعَلُ اجتِهاداتِ هذا العَصرِ أَرضِيّةً وتَسلُبُ مِنها رُوحَها السَّماوِيَّ؛ بَينَما الشَّرِيعةُ سَماوِيّةٌ والِاجتِهاداتُ بدَورِها سَماوِيّةٌ، لإظهارِها خَفايا أَحكامِها. والنِّقاطُ هي الآتي:
أوَّلًا: إنَّ "عِلّةَ" كلِّ حُكمٍ تَختَلِفُ عن "حِكمَتِه"، فالحِكمةُ والمَصلَحةُ سَبَبُ التَّرجِيحِ ولَيسَت مَناطَ الوُجُودِ ولا مَدارَ الإيجادِ، بَينَما "العِلّةُ" هي مَدارُ وُجُودِ الحُكمِ.
ولْنُوَضِّحْ هذا بمِثالٍ: تُقصَرُ الصَّلاةُ في السَّفَرِ، فتُصَلَّى رَكعَتينِ. فعِلّةُ هذه الرُّخصةِ الشَّرعيّةِ السَّفَرُ، أمّا حِكمَتُها فهي المَشَقّةُ. فإذا وُجِدَ السَّفَرُ ولم تكُن هناك مَشَقّةٌ فالصَّلاةُ تُقصَرُ، لأنَّ العِلّةَ قائِمةٌ وهي السَّفَرُ؛ في حينِ إن لم يكُن هناك سَفَرٌ وكانت هناك أَضعافُ أَضعافِ المَشَقّةِ، فلن تكُونَ تلك المَشَقّاتُ عِلّةَ القَصرِ.
وخِلافًا لهذه الحَقيقةِ يَتَوجَّهُ نَظَرُ الِاجتِهادِ في هذا العَصرِ إلى إقامةِ المَصلَحةِ والحِكمةِ بَدَلَ العِلَّة، وفي ضَوئِها يَصدُرُ حُكمُه، فلا شَكَّ أنَّ اجتِهادًا كهذا أَرضِيٌّ وليس بسَماوِيٍّ.
ثانيًا: إنَّ نَظَرَ هذا العَصرِ مُتَوجِّهٌ أوَّلًا وبالذّاتِ إلى تَأْمينِ سَعادةِ الدُّنيا، ويُوَجِّهُ الأَحكامَ نَحوَها، والحالُ أنَّ قَصْدَ الشَّرِيعةِ مُتَوجِّهٌ أوَّلًا وبالذّاتِ إلى سَعادةِ الآخِرةِ، ويَنظُرُ إلى سَعادةِ الدُّنيا بالدَّرَجةِ الثّانيةِ، ويَتَّخِذُها وَسِيلةً للحَياةِ الأُخرَى، أي: إنَّ وِجهةَ هذا العَصرِ غَرِيبةٌ عن رُوحِ الشَّرِيعةِ ومَقاصِدِها، فلا تَستَطِيعُ أن تَجتَهِدَ باسمِ الشَّريعةِ.
ثالثًا: إنَّ القاعِدةَ الشَّرعيّةَ: «الضَّرُوراتُ تُبِيحُ المَحظُوراتِ» لَيسَت كُلِّيّةً، لِأنَّ الضَّرُورةَ إن لم تَكُنْ ناشِئةً عن طَرِيقِ الحَرامِ فإنَّها تَتَسبَّبُ في إِحلالِ الحَرامِ؛ وإلّا فالضَّرُورةُ الَّتي نَشَأَت عن سُوءِ اختِيارِ الفَردِ، أو عن وَسائِلَ غيرِ مَشرُوعةٍ لن تكُونَ حُجّةً ولا سَبَبًا لإباحةِ المَحظُوراتِ ولا مَدارًا لِأَحكامِ الرُّخَصِ.
— 615 —
فمَثلًا: لو أَسْكَر أَحَدٌ نَفسَه بسُوءِ اختِيارِه، فتَصَرُّفاتُه لَدَى عُلَماءِ الشَّرعِ حُجَّةٌ علَيه، أي: لا يُعذَرُ؛ وإن طَلَّق زَوجَتَه فطَلاقُه واقِعٌ، وإنِ ارتَكَبَ جَرِيمةً يُعاقَبْ علَيها؛ ولكن إن كانَت مِن دُونِ اختِيارٍ مِنه، فلا يَقَعُ طَلاقُه، ولا يُعاقَبُ على ما جَنَى، فليس لِمُدمِنِ خَمرٍ یی مَثلًا یی أن يقُولَ: إنَّها ضَرُورةٌ لي، فهي إذًا حَلالٌ لي، حتَّى لو كان مُبتَلًى بها إلى حَدِّ الضَّرُورةِ بالنِّسبةِ إليه.
فانطِلاقًا مِن هذا المَفهُومِ: فإنَّ هناك كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ في الوَقتِ الحاضِرِ ابتُلِي بها النّاسُ وباتَت ضَرُورِيّةً بالنِّسبةِ إليهم، حتَّى أَخَذَت شَكلَ "البَلوَى العامّة"، فهذه الَّتي تُسَمَّى ضَرُورةً، لن تكُونَ حُجّةً لِأَحكامِ الرُّخَصِ، ولا تُباحُ لِأَجلِها المَحظُوراتُ، لأنَّها نَجَمَت مِن سُوءِ اختِيارِ الفَردِ ومِن رَغَباتٍ غيرِ مَشرُوعةٍ ومِنَ مُعامَلاتٍ مُحَرَّمةٍ.
وحيثُ إنَّ أَهلَ اجتِهادِ هذا الزَّمانِ قد جَعَلُوا تلك الضَّرُوراتِ مَدارًا للأَحكامِ الشَّرعِيّةِ، لِذا أَصبَحَتِ اجتِهاداتُهم أَرضِيّةً وتابِعةً للهَوَى، ومَشُوبةً بالفَلسَفةِ المادِّيّةِ، فهي إذًا لَيسَت سَماوِيّةً، ولا يَصِحُّ تَسمِيَتُها اجتِهاداتٍ شَرعِيّةً قَطْعًا؛ ذلك لأنَّ أيَّ تَصَرُّفٍ في أَحكامِ خالِقِ السَّماواتِ والأَرضِ وأيَّ تَدَخُّلٍ في عِبادةِ عِبادِه دُونَما رُخصةٍ أو إِذنٍ مَعنَوِيٍّ فهو مَردُودٌ.
ولْنَضْرِبْ لِذَلك مِثالًا: يَستَحْسِنُ بعضُ الغافِلين إلقاءَ خُطبةِ الجُمُعةِ وأَمثالِها مِنَ الشَّعائِرِ الإسلاميّةِ باللُّغةِ المَحَلِّيّةِ لكُلِّ قَومٍ دُونَ العَرَبيّةِ، ويُبَرِّرُون استِحْسانَهم هذا بسبَبَينِ:
الأوَّلُ: " لِيَتَمكَّنَ عَوامُّ المُسلِمين مِن فَهمِ الأَحداثِ السِّياسِيّةِ!" معَ أنَّها قد دَخَلَها مِنَ الأَكاذِيبِ والدَّسائِسِ والخِداعِ ما جَعَلَها في حُكْمِ وَسْوَسةِ الشَّياطِينِ! بَينَما المِنبَرُ مَقامُ تَبلِيغِ الوَحْيِ الإلٰهِيِّ، وهو أَرفَعُ وأَجَلُّ مِن أن تَرتَقِيَ إلَيه الوَسْوَسةُ الشَّيطانيّةُ.
الثّاني: " الخُطبةُ هي لِفَهْمِ ما يُرشِدُ إلَيه بعضُ السُّورِ القُرآنيّةِ مِن نَصائِحَ".
نعم، لو كان مُعظَمُ المُسلِمينَ يُطَبِّقون المُسَلَّماتِ الشَّرعِيّةَ والأَحكامَ المَعلُومةَ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورةِ، ويَمتَثِلُونها، فلَرُبَّما كان يُستَحْسَنُ عندَ ذاك إيرادُ الخُطبةِ باللُّغةِ المَعرُوفةِ لَدَيهم، ولكانَت تَرجَمةُ سُوَرٍ مِنَ القُرآنِ لها مَبَرِّرٌ یی إن كانَتِ التَّرجَمةُ
— 616 —
مُمكِنةً (حاشية): لقد أَثبتَتِ الكَلمةُ الخَامسة والعِشرُون "المُعجِزات القُرآنيّة" أنه لا يُمكِنُ تَرجمةُ القُرآنِ ترجمةً حقيقيّةً. یی وذلك لِيَفهَمُوا النَّظَرِيّاتِ الشَّرعِيّةَ والمَسائِلَ الدَّقيقةَ والنَّصائِحَ الخَفِيّةَ؛ أمَّا وقد أُهمِلَت في زَمانِنا هذا الأَحكامُ الواضِحةُ المَعلُومةُ؛ كوُجُوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ وحُرمةِ القَتْلِ والزِّنَى والخَمرِ، وأنَّ عَوامَّ المُسلِمينَ لَيسُوا بحاجةٍ إلى دُرُوسٍ في مَعرِفةِ هذا الوُجُوبِ وتلك الحُرمةِ بقَدْرِ ما هم بحاجةٍ إلى الِامتِثالِ بتلك الأَحكامِ واتِّباعِها في حَياتِهم. ولا يَتِمُّ ذلك إلّا بتَذكِيرِهم وحَثِّهم على العَمَلِ، وشَحْذِ الهِمَمِ وإثارةِ غَيرةِ الإسلامِ في عُرُوقِهم، وتَحرِيكِ شُعُورِ الإيمانِ لَدَيهِم كي يَنهَضُوا بامتِثالِ تلك الأَحكامِ المُطَهَّرةِ واتِّباعِها.
فالمُسلِمُ العامِّيُّ یی مَهما بَلَغ جَهلُه یی يُدرِكُ هذا المَعنَى الإجماليَّ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، ومِنَ الخُطبةِ العَرَبيّةِ، ويَعلَمُ في قَرارةِ نَفسِه بأنَّ الخَطِيبَ أوِ القارِئَ للقُرآنِ الكَرِيمِ يُذَكِّرُه ويُذَكِّرُ الآخَرِين معَه بأَركانِ الإيمانِ وأُسُسِ الإسلامِ الَّتي هي مَعلُومةٌ مِنَ الدِّينِ بالضَّرُورةِ. وعِندَها يُفعَمُ قَلبُه بالأَشواقِ إلى تَطبِيقِ تلك الأَحكامِ.
ليتَ شِعرِي أيُّ تَعبِيرٍ في الكَونِ كُلِّه يُمكِنُه أن يَقِفَ على قَدَمَيه حِيالَ الإعجازِ الرّائِعِ في القُرآنِ الكَرِيمِ المَوصُولِ بالعَرشِ العَظِيمِ.. وأيُّ تَرغِيبٍ وتَرهِيبٍ وبَيانٍ وتَذكِيرٍ يُمكِنُ أن يكُونَ أَفضَلَ مِنه؟!
سادسها: إنَّ قُرْبَ عَهْدِ المُجتَهِدِين العِظامِ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِين لِعَصرِ الصَّحابةِ الكِرامِ الَّذي هو عَصرُ الحَقِيقةِ وعَصرُ النُّورِ يَسَّر لهم أن يَأْخُذُوا النُّورَ الصّافِيَ مِن أَقرَبِ مَصادِرِه، فتَمَكَّنُوا مِنَ القِيامِ باجتِهاداتِهِمُ الخالِصةِ؛ في حينِ أنَّ مُجتَهِدِي العَصرِ الحَدِيثِ يَنظُرُون إلى كِتابِ الحَقيقةِ مِن مَسافةٍ بَعِيدةٍ جِدًّا ومِن وَراءِ كَثيرٍ جِدًّا مِنَ الأَستارِ والحُجُبِ حتَّى لَيَصعُبُ علَيهِم رُؤيةُ أَوضَحِ حرفٍ فيه.
فإن قُلتَ: إنَّ مَدارَ الِاجتِهاداتِ ومَصْدرَ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ هو عَدالةُ الصَّحابةِ وصِدْقُهم، حتَّى اتَّفَقَتِ الأُمّةُ على أنَّهم عُدُولٌ صادِقُون، عِلْمًا أنَّهم بَشَرٌ مِثلُنا، لا يَخْلُو أَحَدٌ مِنهم مِن خَطَأٍ!
— 617 —
الجَوابُ: إنَّ الصَّحابةَ رِضوانُ اللهِ علَيهِم أَجمَعِين هم رُوّادُ الحَقِّ وعُشّاقُه، وهمُ التَّوَّاقُون إلى الصِّدقِ والعَدْلِ، فقد تَبَيَّن في عَصرِهم قُبْحُ الكَذِبِ ومَساوِئُه، وجَمالُ الصِّدقِ ومَحاسِنُه بوُضُوحٍ تامٍّ، بحَيثُ أَصبَحَ البَونُ شاسِعًا بينَ الصِّدقِ والكَذِبِ، كالبُعدِ بينَ الثُّرَيّا والثَّرَى وبينَ العَرْشِ والفَرْشِ!! إذ يُوضِحُ ذلك الفارِقَ الكَبِيرَ بينَ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) الواقِفِ على قِمّةِ دَرَجاتِ الصِّدقِ وفي أَعلَى عِلِّيِّينَ، وبينَ مُسَيلِمةَ الكَذَّابِ الَّذي كان في أَسفَلِ سافِلين وفي أَوْطَأِ دَرَكاتِ الكَذِبِ؛ فالَّذي أَهوَى بمُسَيلِمةَ إلى تلك الدَّرَكاتِ الهابِطةِ الدَّنِيئةِ هو الكَذِبُ، والَّذي رَفَع مُحمَّدًا الأَمِينَ (ص) إلى تلك الدَّرَجاتِ الرَّفيعةِ هو الصِّدقُ والِاستِقامةُ.
لِذا فالصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيهِمُ الَّذين كانُوا يَملِكُون الهِمَمَ العاليةَ والخُلُقَ الرَّفيعَ، واستَنارُوا بنُورِ صُحْبةِ شَمسِ النُّیبُوّةِ، لا رَيبَ أنَّهم تَرَفَّعُوا عنِ الكَذِبِ المَمقُوتِ القَبِيحِ المَوجُودِ في بِضاعةِ مُسَيلِمةَ الكَذّابِ ونَجاساتِها المُوجِبةِ للذِّلّةِ والهَوانِ یی كما هو ثابِتٌ یی وتَجَنَّیبُوا الكَذِبَ كتَجَنُّبِهمُ الكُفرَ الَّذي هو صِنْوُه، وسَعَوْا سَعْيًا حَثِيثًا في طَلَبِ الصِّدقِ والِاستِقامةِ والحَقِّ یی تِلكُمُ الخِصالِ المُتَّسِمةِ بالحُسنِ وبالجَمالِ، القَمِينةِ بالمُباهاةِ والفَخْرِ، والَّتي هي وَسِيلةٌ للعُرُوجِ صُعُدًا إلى الرُّقِيِّ والكَمالِ، والَّتي تَنَوَّرَت بنُورِ شُعاعِها الحَياةُ الِاجتِماعِيّةُ البَشَرِيّةُ، ونَحوُ ذلك ممّا هو أَكثَرُ أَنواعِ بَضائِعِ خَزِينةِ فَخرِ العالَمِينَ (ص) رَواجًا یی وتَحَرَّوْها بكُلِّ ما أُوتُوا مِن قُوّةٍ وعَزْمٍ، فشُغِفُوا بها ولا سِيَّما في رِوايةِ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ وتَبلِيغِها.
أمَّا الآنَ، فقد ضاقَتِ المَسافةُ بينَ الكَذِبِ والصِّدقِ، وقَصُرَت حتَّى صارا مُتَقارِبَينِ بل مُتَكاتِفَينِ، وبات الِانتِقالُ مِنَ الصِّدقِ إلى الكَذِبِ سَهْلًا وهَيِّنًا جِدًّا، بل غَدا الكَذِبُ يَفضُلُ على الصِّدقِ في الدِّعاياتِ السِّياسِيّةِ؛ فإن كان أَجمَلُ شَيءٍ يُباعُ معَ أَقبَحِه في حانُوتٍ واحِدٍ جَنْبًا إلى جَنْبٍ وبالثَّمَنِ نَفسِه، فلا يَنبَغِي على مُشتَرِي لُؤلُؤةِ الصِّدقِ الغالي أن يَعتَمِدَ على كَلامِ صاحِبِ الحانُوتِ ومَعرِفَتِه دُونَ فَحْصٍ وتَمحِيصٍ.
٭ ٭ ٭
— 618 —

الخاتمة

تَتَبدَّلُ الشَّرائعُ بتَبَدُّلِ العُصُورِ، وقد تَأْتِي شَرائِعُ مُختَلِفةٌ، ويُرسَلُ رُسُلٌ كِرامٌ في عَصرٍ واحِدٍ، حَسَبَ الأَقوامِ. وقد حَدَث هذا فِعْلًا.
أمَّا بعدَ خَتْمِ النُّیبُوّةِ، وبِعثةِ خاتَمِ الأَنبِياءِ والمُرسَلِين علَيه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، فلم تَعُدْ هناك حاجةٌ إلى شَرِيعةٍ أُخرَى، لأنَّ شَرِيعَتَه العُظمَى كافِيةٌ ووافِيةٌ لكُلِّ قَومٍ في كلِّ عَصْرٍ.
أمَّا جُزئيّاتُ الأَحكامِ غيرُ المَنصُوصِ علَيها، الَّتي تَقتَضِي التَّبدِيلَ تَبَعًا للظُّرُوفِ، فإنَّ اجتِهاداتِ فُقَهاءِ المَذاهِبِ كَفِيلةٌ بمُعالَجةِ التَّبدِيلِ؛ فكما تُبَدَّلُ المَلابِسُ باختِلافِ المَواسِمِ، وتُغيَّیرُ الأَدوِيةُ حَسَبَ حاجةِ المَرضَى، كذلك تُبَدَّلُ الشَّرائِعُ حَسَبَ العُصُورِ، وتَدُورُ الأَحكامُ وَفْقَ استِعداداتِ الأُمَمِ الفِطرِيّةِ، لأنَّ الأَحكامَ الشَّرعِيّةَ الفَرعِيّةَ تَتْبَعُ الأَحوالَ البَشَرِيّةَ، وتَأْتي مُنسَجِمةً معَها، وتُصِبحُ دَواءً لِدائِها.
ففي زَمَنِ الأَنبِياءِ السّابِقِين عَلَيهم السَّلَام كانَتِ الطَّبَقاتُ البَشَرِيّةُ مُتَباعِدةً بعضُها عن بعضٍ، معَ ما فيهم مِن جَفاءٍ وشِدّةٍ في السَّجايا، فكانُوا أَقرَبَ ما يكُونُون إلى البَداوةِ في الأَفكارِ، لِذا أَتَتِ الشَّرائِعُ في تلك الأَزمِنةِ مُتَبايِنةً مُختَلِفةً، معَ مُوافَقَتِها لِأَحوالِهم وانسِجامِها مَعَ أَوضاعِهم، حتَّى لقد أَتَى أَنبِياءُ مُتَعدِّدون بشَرائِعَ مُختَلِفةٍ في مَنطِقةٍ واحِدةٍ وفي عَصرٍ واحِدٍ.
ولكِن بمَجِيءِ خاتَمِ النَّبِيِّين وهو نَبِيُّ آخِرِ الزَّمانِ (ص) تكامَلَتِ البَشَرِيّةُ وكأَنَّها تَرَقَّت مِن مَرحَلةِ الدِّراسةِ الِابتِدائيّةِ إلى مَرحَلةِ الدِّراسةِ الثّانَوِيّةِ، وأَصبَحَت أَهْلًا لِأَن تَتَلقَّى دَرْسًا واحِدًا، وتُنصِتَ إلى مُعَلِّمٍ واحِدٍ، وتَعمَلَ بشَرِيعةٍ واحِدةٍ.. وذلك بسَبَبِ كَثِيرٍ مِنَ الِانقِلاباتِ والِاختِلاطاتِ، فلم تَعُد ثَمّةَ حاجةٌ إلى شَرائِعَ عِدّةٍ ولا ضَرُورةٌ إلى مُعَلِّمِين عَدِيدِين.
— 619 —
ولكِن لِعَجْزِ البَشَرِيّةِ مِن أن تَصِلَ جَمِيعًا إلى مُستَوًى واحِدٍ، وعَدَمِ تَمَكُّنِها مِنَ السَّيرِ على نَمَطٍ واحِدٍ في حَياتِها الِاجتِماعيّةِ، فقد تَعَدَّدَتِ المَذاهِبُ الفِقْهِيّةُ في الفُرُوعِ؛ فلو تَمَكَّنَتِ البَشَرِيّةُ بأَكثَرِيَّتِها المُطلَقةِ أن تَحْيا حَياةً اجتِماعِيّةً واحِدةً، وأَصبَحَت في مُستَوًى واحِدٍ مِثلَ طُلّابِ الدِّراساتِ العُلْيا، فحِينَئذٍ يُمكِنُ أن تَتَوحَّدَ المَذاهِبُ، ولكِن مِثلَما لا تَسمَحُ أَحوالُ العالَمِ، وطَبائِعُ النّاسِ لِبُلُوغِ تلك الحالةِ، فإنَّ المَذاهِبَ كذلك لا تكُونُ واحِدةً.
فإن قلتَ: إنَّ الحَقَّ واحِدٌ، فكيف يُمكِنُ أن تكُونَ الأَحكامُ المُختَلِفةُ للمَذاهِبِ الأَربَعةِ والِاثنَيْ عشَرَ حَقًّا؟
الجَوابُ: يَأْخُذُ الماءُ أَحكامًا خَمسةً مُختَلِفةً حَسَبَ أَذواقِ المَرضَى المُختَلِفةِ وحالاتِهم: فهو دَواءٌ لِمَريضٍ على حَسَبِ مِزاجِه، أي: تَناوُلُه واجِبٌ علَيه طِبًّا؛ وقد يُسَبِّبُ ضَرَرًا لِمَريضٍ آخَرَ فهو كالسُّمِّ له، أي: يَحْرُمُ علَيه طِبًّا، وقد يُوَلِّدُ ضَرَرًا أَقلَّ لِمَريضٍ آخَرَ فهو إذًا مَكرُوهٌ له طِبًّا، وقد يكُونُ نافِعًا لآخَرَ مِن دُونِ أن يَضُرَّه، فيُسَنُّ له طِبًّا، وقد لا يَضُرُّ آخَرَ ولا يَنفَعُه، فهو له مُباحٌ طِبًّا فلْيَهْنَأْ بشُربِه.
فنَرَى مِنَ الأَمثِلةِ السّابِقةِ أنَّ الحَقَّ قد تَعَدَّد هنا، فالأَقسامُ الخَمسةُ كُلُّها حَقٌّ، فهل لك أن تقُولَ: إنَّ الماءَ عِلاجٌ لا غَيرُ، أو واجِبٌ فحَسْبُ، وليس له حُكمٌ آخَرُ؟
وهكذا یی بمِثلِ ما سَبَق یی تَتَغيَّرُ الأَحكامُ الإلٰهِيّةُ بسَوْقٍ مِنَ الحِكمةِ الإلٰهِيّةِ وحَسَبَ التّابِعِين لها، فهي تَتَبدَّلُ حَقًّا، وتَبقَى حَقًّا، ويكُون كلُّ حُكمٍ مِنها حَقًّا، ويُصبِحُ مَصلَحةً.
فمَثلًا: نَجِدُ أنَّ أَكثَرِيّةَ الَّذين يَتَّبِعُون الإمامَ الشّافِعيَّ رَضِيَ الله عَنهُ هم أَقرَبُ مِنَ الأَحنافِ إلى البَداوةِ وحَياةِ الرِّيفِ، تلك الحَياةِ القاصِرةِ عن حَياةٍ اجتِماعيّةٍ تُوَحِّدُ الجَماعةَ؛ فيَرغَبُ كلُّ فَردٍ في بَثِّ ما يَجِدُه في نَفسِه إلى قاضِي الحاجاتِ بكُلِّ اطمِئنانٍ وحُضُورِ قَلْبٍ، ويَطلُبُ حاجَتَه الخاصّةَ بنَفسِه، ويَلْتَجِئُ إلَيه، فيَقرَأُ "سُورةَ الفاتِحة" بنَفسِه رَغمَ أنَّه تابِعٌ للإمامِ. وهذا هو عَيْنُ الحَقِّ، وحِكمةٌ مَحْضةٌ في الوَقتِ نَفسِه.
— 620 —
أمَّا الَّذين يتَّبِعُون الإمامَ الأَعظَمَ "أبا حَنِيفةَ النُّعمانَ رَضِيَ الله عَنهُ"، فهم بأَكثَرِيَّتِهمُ المُطلَقةِ أَقرَبُ إلى الحَضارةِ وحَياةِ المُدُنِ المُؤَهَّلةِ لِحَياةٍ اجتِماعيّةٍ، وذلك بحُكمِ الْتِزامِ أَغلَبِ الحُكُوماتِ الإسلامِيّةِ بهذا المَذهَبِ؛ فصارَتِ الجَماعةُ الواحِدةُ في الصَّلاةِ كأنَّها فَردٌ واحِدٌ، وأَصبَحَ الفَردُ الواحِدُ يَتَكلَّمُ باسمِ الجَمِيعِ، وحيثُ إنَّ الجَمِيعَ يُصَدِّقُونه ويَرتَبِطُون به قَلْبًا، فإنَّ قَولَه يكُون في حُكْمِ قَولِ الجَمِيعِ.. فعَدَمُ قرِاءةِ الفَردِ وَراءَ الإمامِ بی"الفاتِحةِ" هو عَينُ الحَقِّ وذاتُ الحِكمةِ.
ومَثلًا: لَمّا كانَتِ الشَّرِيعةُ تَضَعُ حَواجِزَ لِتَحُولَ دُونَ تَجاوُزِ طَبائِعِ البَشَرِ حُدُودَها، فتُقَوِّمُها بها وتُؤَدِّبُها، وتُرَبِّي النَّفسَ الأَمّارةَ بالسُّوءِ، فلا بُدَّ أن يَنتَقِضَ الوُضُوءُ بمَسِّ المَرأةِ، ويَضُرَّ قَليلٌ مِنَ النَّجاسةِ، حَسَبَ المَذْهبِ الشّافِعِيِّ الَّذي أَكثَرُ أَتْباعِه مِن أَهلِ القُرَى وأَنصافِ البَدْوِ والمُنهَمِكين بالعَمَلِ؛ أمّا حَسَبَ المَذهَبِ الحَنَفيِّ الَّذي دَخَلَ أَتْباعُه بأَكثَرِيَّتِهمُ المُطلَقةِ الحَياةَ الِاجتِماعيّةَ، واتَّخَذُوا طَوْرَ أَنصافِ مُتَحضِّرِين فلا يَنتَقِضُ الوُضُوءُ بِمَسِّ المَرأةِ، ويُسمَحُ بقَدْرِ دِرْهَمٍ مِنَ النَّجاسةِ.
ولْنَنظُرِ الآنَ إلى عامِلٍ وإلى مُوَظَّفٍ، فالعامِلُ بحُكمِ مَعِيشَتِه في القَريةِ مُعَرَّضٌ للِاختِلاطِ والتَّماسِّ بالنِّساءِ الأَجنَبِيّاتِ والجُلُوسِ معًا حَولَ مَوقِدٍ واحِدٍ، والوُلُوجِ في أَماكِنَ مُلَوَّثةٍ، فهو مُبتَلًى بكُلِّ هذا بحُكمِ مَهنَتِه ومَعيشَتِه، وقد تَجِدُ نَفسُه الأَمّارةُ بالسُّوءِ مَجالًا أَمامَها لِتَتَجاوَزَ حُدُودَها؛ لِذا تُلقِي الشَّرِيعةُ في رُوعِ هذا صَدًى سَماوِيًّا فتَمنَعُ تلك التَّجاوُزاتِ بأَمرِها له: لا تَلمَسْ فيَنتَقِضَ الوُضُوءُ.. لا تَتَلَوَّثْ فتَبطُلَ صَلاتُك.
أمّا ذلك المُوَظَّفُ، فهو حَسَبَ عادَتِه الِاجتِماعيّةِ لا يَتَعرَّضُ للِاختِلاطِ بالنِّساءِ الأَجنَبِيّاتِ یی بشَرطِ أن يكُونَ نَبِيلًا یی ولا يُلَوِّثُ نَفسَه كَثِيرًا بالنَّجاساتِ، آخِذًا بأَسبابِ النَّظافةِ المَدَنيّةِ، لِذا لم تُشَدِّد علَيه الشَّرِيعةُ، بل أَظهَرَت له جانِبَ الرُّخصةِ یی دونَ العَزِيمةِ یی باسمِ المَذْهَبِ الحَنَفيِّ، وخَفَّفَت عنه قائِلةً: إن مَسَّت يَدُك امرأةً أَجنَبِيّةً فلا يَنتَقِضُ وُضُوءُك، ولا ضَرَرَ علَيك إن لم تَستَنْجِ بالماءِ حَياءً مِنَ الحاضِرِين، فهُناك سَماحٌ بقَدْرِ دِرهَمٍ مِنَ النَّجاسةِ، فتُخَلِّصُه بهذا مِنَ الوَسْوَسةِ، وتُنَجِّيه مِنَ التَّرَدُّدِ.
— 621 —
فهاتانِ قَطْرَتانِ مِنَ البَحرِ نَسُوقُهما مِثالًا، قِسْ علَيهما، وإذا استَطَعتَ أن تَزِنَ مَوازِينَ الشَّرِيعةِ بمِيزانِ "الشَّعْرانِيِّ" على هذا المِنوالِ فافْعَلْ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى مَن تَمَثَّلَ فِيهِ أَنوَارُ مَحَبَّتِكَ لِجَمَالِ صِفَاتِكَ وأَسمَائِكَ، بِكَونِهِ مِرآةً جَامِعَةً لِتَجَلِّيَاتِ أَسمَائِكَ الحُسنَى.. ومَن تَمَركَزَ فِيهِ شُعَاعَاتُ مَحَبَّتِكَ لِصَنْعَتِكَ فِي مَصْنُوعَاتِكَ بِكَونِهِ أَكمَلَ وَأَبدَعَ مَصنُوعَاتِكَ، وصَيرُورَتِهِ أُنمُوذَجَ كَمَالَاتِ صَنعَتِكَ، وفِهْرِسْتَ محَاسِنِ نُقُوشِكَ.. ومَن تَظَاهَرَ فيهِ لَطَائفُ مَحَبَّتِكَ ورَغبَتِكَ لِاستِحسَانِ صَنعَتِكَ بِكَونِهِ أَعلَى دَلّالِي مَحَاسِنِ صَنعَتِكَ، وأَرفَعَ المُستَحسِنِينَ صَوتًا فِي إعلَانِ حُسنِ نُقُوشِكَ، وأبدَعَهُم نَعتًا لِكَمَالَاتِ صَنعَتِكَ.. ومَن تَجَمَّعَ فِيهِ أَقسَامُ مَحَبَّتِك واستِحسَانِكَ لِمَحَاسِنِ أَخلَاقِ مَخلُوقَاتِكَ ولَطَائِفِ أَوصَافِ مَصنُوعَاتِكَ، بِكَونِهِ جَامِعًا لِمَحَاسِنِ الأخلَاقِ كَافَّةً بِإِحسَانِكَ ولِلَطَائِفِ الأَوصَافِ قَاطِبةً بِفَضلِكَ.. ومَن صَارَ مِصداقًا صادِقًا ومِقيَاسًا فَائِقًا لِجَمِيعِ مَن ذَكَرتَ فِي فُرقَانِكَ أنَّكَ تُحِبُّهُم مِنَ المُحسِنِينَ والصَّابِرِينَ والْمُؤمِنِينَ والمُتَّقينَ والتَّوَّابِينَ والأَوَّابِينَ وجَمِيع الأصنَافِ الَّذِينَ أَحبَبتَهُم وشَرَّفتَهُم بِمَحَبَّتِكَ، فِي فُرقَانِكَ حتَّى صَارَ إِمَامَ الحَبِيبِينَ لَكَ، وسَيِّدَ المَحبُوبِينَ لَكَ ورَئِيسَ أَوِدَّائِكَ.. وعَلَى آلِهِ وأَصحَابِهِ وإخوَانِهِ أَجمَعِينَ
آمِينَ.. بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 622 —

ذيلُ رسالة الاجتهاد

يَخُصُّ الصحابةَ الكرام
رضوان الله تعالى عليهم أجمعين
أَقُولُ كما قال مَولانا جامي:
يا رَسُولَ اللّه چِه بَاشَدْ چُون سَگِ اَصْحَابِ كَهْف
دَاخِلِ جَنَّتْ شَوَمْ دَرْ زُمْرَه ى اَصْحَابِ تُو؟
اُو رَوَدْ دَرْ جَنَّتْ مَنْ دَرْ جَهَنَّمَ كَىْ رَوَاسْت؟!
اُو سَگِ اَصْحَابِ كَهْف مَنْ سَگِ اَصْحَابْ تُو؟
بِاسمِهِ سُبْحَانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
تَسأَلُ يا أَخي: أنَّ هناك رِواياتٍ تُفيدُ أنَّه عندَ انتِشارِ البِدَعِ يُمكِنُ أن يَبلُغَ مُؤمِنُون صادِقُون دَرَجةَ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ علَيهِم ورُبَّما يَسبِقُونَهم، فهل هذه الرِّواياتُ صَحِيحةٌ؟ وإن كانَت كذلك، فما حَقِيقَتُها؟
— 623 —
الجَوابُ: إنَّ إجماعَ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ على أنَّ الصَّحابةَ هُم أَفضَلُ نَوْعِ البَشَرِ بعدَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، لَهُو حُجّةٌ قاطِعةٌ على أنَّ الصَّحِيحَ مِن تلك الرِّواياتِ يَخُصُّ الفَضِيلةَ الجُزئيّةَ ولَيسَ الفَضائِلَ الكُلِّيّةَ، إذ قد يَتَرجَّحُ المَرجُوحُ على الرّاجِحِ في الفَضائِلِ الجُزئيّةِ وفي كَمالٍ خاصٍّ مُعَيَّنٍ، وإلّا فلا يَبلُغُ أَحَدٌ مِن حيثُ الفَضائِلُ الكُلِّيّةُ مَنزِلةَ الصَّحابةِ الكِرامِ الَّذين أَثنَى اللهُ تَعالَى علَيهِم في قُرآنِه المُبِينِ ووَصَفَهم في التَّوراةِ والإنجِيلِ، كما هو في خِتامِ سُورةِ الفَتحِ.
وسنُبيِّنُ ثَلاثًا مِنَ الحِكَمِ المُنطَوِيةِ على أَسبابٍ ثَلاثةٍ مِن بينِ الكَثِيرِ مِنَ الأَسبابِ والحِكَمِ.
الحِكمة الأولى: إنَّ الصُحْبةَ النَّبَوِيّةَ إكسِيرٌ عَظِيمٌ، لَها مِنَ التَّأْثيرِ الخارِقِ ما يَجعَلُ الَّذين يتَشَرَّفُون بها لِدَقيقةٍ واحِدةٍ يَنالُون مِن أَنوارِ الحَقيقةِ ما لا يَنالُه مَن يَصرِفُ سِنينَ مِن عُمُرِه في السَّيرِ والسُّلُوكِ؛ ذلك لأنَّ في الصُّحبةِ انصِباغًا وانعِكاسًا؛ إذ يَستَطِيعُ المَرءُ بانعِكاسِ ذلك النُّورِ الأَعظَمِ أن يَرقَى إلى مَراتِبَ سامِيةٍ ودَرَجاتٍ رَفِيعةٍ، وأن يَحظَى بالتَّبَعيّةِ والِانتِسابِ بأَرفَعِ المَقاماتِ.. مَثَلُه في هذا مَثَلُ خادِمِ السُّلطانِ الَّذي يَستَطِيعُ أن يَصِلَ إلى مَواقِعَ رَفيعةٍ لا يَقدِرُ على بُلُوغِها قُوَّادُ السُّلطانِ وأُمَراؤُه.
ومِن هذا السِّرِّ نَرَى أنَّه لا يَستَطِيعُ أن يَرقَى أَعظَمُ وَلِيٍّ مِن أَولياءِ اللهِ الصّالِحِين إلى مَرتَبةِ صَحابيٍّ كَرِيمٍ للرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، بل حتَّى لو تَشَرَّف أَولِياءُ صالِحُون مِرارًا بصُحبةِ النَّبيِّ (ص) في الصَّحوةِ، كجَلالِ الدِّينِ السُّيُوطيِّ مَثَلًا، وأُكرِمُوا بلِقائِه يَقَظةً في هذا العالَمِ، فلا يَبلُغُون أيضًا دَرَجةَ الصَّحابةِ، لأنَّ صُحبةَ الصَّحابةِ الكِرامِ للنَّبيِّ (ص) كانَت بنُورِ النُّبوّةِ، إذ كانُوا يَصحَبُونه في حالةِ كَونِه نَبِيًّا رَسُولًا؛ أمّا الأَولياءُ الصّالِحُون فإنَّ رُؤيَتَهم له (ص) إنَّما هي بعدَ وَفاتِه، أي: بعدَ انقِطاعِ الوَحْيِ، فهي صُحْبةٌ بنُورِ الوِلايةِ، أي: إنَّ تَمَثُّلَ الرَّسُولِ (ص) وظُهُورَه لِنَظَرِهم إنَّما هو مِن حيثُ الوِلايةُ الأَحمَدِيّةُ، وليس باعتِبارِ النُّبوّةِ. فما دامَ الأَمرُ هكذا، فلا بُدَّ أن تَتَفاوَت الصُّحْبَتانِ بمِقدارِ سُمُوِّ دَرَجةِ النُّبوّةِ وعُلُوِّها على مَرتَبةِ الوِلايةِ.
— 624 —
ولكي يَتَوضَّح ما للصُّحبةِ النَّبَوِيّةِ مِن تَأْثيرٍ خارِقٍ ونُورٍ عَظِيمٍ، يَكفِي مُلاحَظةُ ما يَأْتِي:
بَينَما أَعرابيٌّ غَلِيظُ القَلبِ يَئِدُ بِنْتَه بيَدِه، إذا به يَكسِبُ خِلالَ حُضُورِه مَجلِسَ الرَّسُولِ (ص) ومِن صُحبَتِه ساعةً مِنَ الزَّمانِ، رِقّةَ قَلبٍ وسَعةَ صَدْرٍ وشَفّافيّةَ رُوحٍ، ما يَجعَلُه يَتَحاشَى قَتلَ نَملةٍ صَغِيرةٍ؛ أو آخَرُ يَجهَلُ شَرائِعَ الحَضارةِ وعُلُومَها، يَحضُرُ يَومًا مَجلِسَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) فيُصبِحُ مُعَلِّمًا لِأَرقَى الأُمَمِ المُتَحضِّرةِ، كالهِندِ والصِّينِ، ويَحكُمُ بينَهم بالقِسطاسِ المُستَقيمِ، ويَغدُو لهم مَثَلًا أَعلَى وقُدوةً طَيِّبةً.
السَّببُ الثاني: لقد أَثبَتْنا في رِسالةِ "الِاجتِهادِ" أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ هم في قِمَّةِ الكَمالِ الإنسانِيِّ، حيثُ إنَّ التَّحَوُّلَ العَظِيمَ الَّذي أَحدَثَه الإسلامُ في مَجرَى الحَياةِ في ذلك الوَقتِ، سَواءٌ في المُجتَمَعِ أو في الفَرْدِ، قد أَبرَزَ جَمالَ الخَيرِ والحَقِّ وأَظهَر نَصاعَتَهما الباهِرةَ، وكَشَف عن خُبْثِ الشَّرِّ والباطِلِ وبَيَّن سَماجَتَهما وقُبحَهما، حتَّى انجَلَى كلٌّ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّدقِ والكَذِبِ بوُضُوحٍ تامٍّ، يَكادُ المَرءُ يَلمَسُه لَمْسَ اليَدِ، وانفَرَجَتِ المَسافةُ بينَ الخَيرِ والشَّرِّ وبينَ الصِّدقِ والكَذِبِ، ما بينَ الإيمانِ والكُفرِ، بل ما بينَ الجَنّةِ والنّارِ.
لِذا فالصَّحابةُ الكِرامُ رَضِيَ الله عَنهُم الَّذين وُهِبُوا فِطَرًا سَلِيمةً ومَشاعِرَ سامِيةً، وهُمُ التَّوّاقُون لِمَعالي الأُمُورِ ومَحاسِنِ الأَخلاقِ شَدُّوا أَنظارَهم إلى الَّذي تَسَنَّم قِمّةَ أَعلَى عِلِّيِّي الكَمالِ والدَّاعِي إلى الخَيرِ والصِّدقِ والحَقِّ، بل هو المِثالُ الأَكمَلُ والنَّمُوذَجُ الأَتَمُّ، ذَلِكُمُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ حَبِيبُ رَبِّ العالَمِين مُحمَّدٌ (ص)، فبَذَلُوا كلَّ ما وَهَبَهمُ اللهُ سُبحانَه مِن قُوّةٍ للِانضِواءِ تحتَ لِوائِه، بمُقتَضَى سَجِيَّتِهمُ الطَّاهِرةِ وجِبِلَّتِهمُ النَّقِيةِ، ولم يُرَ مِنهم أيُّ مَيلٍ كان إلى أَباطِيلِ مُسَيلِمةَ الكَذّابِ الَّذي هو مِثالُ الكَذِبِ والشَّرِّ والباطِلِ والخُرافاتِ.
ولِتَوضِيحِ الأَمرِ نَسُوقُ هذا المِثالَ: تُعرَضُ أَحيانًا في سُوقِ الحَضارةِ البَشَرِيّةِ ومَعرِضِ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ أَشياءُ لها مِنَ الآثارِ السَّيِّئةِ المُرعِبةِ والنَّتائِجِ الشِّرِّيرةِ الخَبِيثةِ ما للسُّمِّ الزُّعافِ للمُجتَمَعِ؛ فكُلُّ مَن كانَت له فِطرةٌ سَلِيمةٌ يَنفِرُ مِنها بشِدّةٍ
— 625 —
ويَتَجنَّیبُها ولا يَقرَبُها.. وتُعرَضُ كذَلِك أَشياءُ أُخرَى وأَمتِعةٌ مَعنَوِيّةٌ في السُّوقِ نَفسِها، لها مِنَ النَّتائِجِ الطَّيِّبةِ والآثارِ الحَسَنةِ ما يَستَقطِبُ الأَنظارَ إلَيها، وكأنَّها الدَّواءُ النّاجِعُ لِأَمراضِ المُجتَمَعِ، لِذا يَسعَى نَحوَها المَفطُورُون على الخَيرِ والصَّلاحِ.
وهكذا، ففي عَصرِ النُّبوّةِ السَّعِيدِ وخَيرِ القُرُونِ على الإطلاقِ، عُرِضَت في سُوقِ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ أُمُورٌ، فبَدِيهيٌّ أن يَسعَى الصَّحابةُ الكِرامُ نحوَ الصِّدقِ والخَيرِ والحَقِّ لِما يَملِكُون مِن فِطَرٍ صافِيةٍ وسَجايا سامِيةٍ، وبَدِيهيٌّ كذلك أن يَنفِرُوا ويَتَجَنَّبوا كلَّ مالَه نَتائِجُ وَخِيمةٌ وشَقاءُ الدُّنيا والآخِرةِ كالكَذِبِ والشَّرِّ والكُفرِ، فالْتَفُّوا حَولَ رايةِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وتَجَنَّیبُوا مَهازِلَ مُسَيلِمةَ الكَذَّابِ الَّذي يُمَثِّیلُ الكَذِبَ والشَّرَّ والباطِلَ.
بَيْدَ أنَّ الأُمُورَ تَغَيَّیرَت تَدرِيجِيًّا وبمُرُورِ الزَّمَنِ، فلم تَبقَ على حالِها كما هي في خَيرِ القُرُونِ، فتَقَلَّصَتِ المَسافةُ بينَ الكَذِبِ والصِّدقِ رُوَيدًا رُوَيدًا كُلَّما اقتَرَبْنا إلى عُصُورِنا الحاضِرةِ حتَّى أَصبَحا مُتَرادِفَينِ مُتَیكاتِفَينِ في العَصرِ الحاضِرِ، فصارَ الصِّدقُ والكَذِبُ يُعرَضانِ معًا في مَعرِضٍ واحِدٍ، ويَصدُرانِ معًا مِن مَصدَرٍ واحِدٍ، ففَسَدَتِ الأَخلاقُ الِاجتِماعيّةُ واخْتَلَّت مَوازِينُها.. وزَادَتِ الدِّعاياتُ السِّياسِيّةُ إخفاءَ قُبحِ الكَذِبِ المُرعِبِ وسَتْرَ جَمالِ الصِّدقِ الباهِرِ.
فهل يَقوَى أَحَدٌ على الجُرأةِ في عَصرٍ كهذا ويَدَّعي: أَستَطِيعُ أن أَدنُوَ مِن مَرتَبةِ أُولَئك الكِرامِ العِظامِ الَّذِين بَلَغُوا مِنَ اليَقينِ والتَّقوَى والعَدالةِ والصِّدْقِ وبَذْلِ النَّفسِ والنَّفيسِ في سَبِيلِ الحَقِّ ما لم يَبلُغْه أَحَدٌ، فَضْلًا عن أنْ يَسبِقَهم؟
سأُورِدُ حالةً مَرَّت علَيَّ تُوَضِّحُ جانِبًا مِن هذه المَسأَلةِ: لقد خَطَر على قَلبِي ذاتَ يَومٍ سُؤالٌ وهو: لِمَ لا يَبلُغُ أَشخاصٌ أَمثالَ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ مَرتَبةَ الصَّحابةِ الكِرامِ؟ ثمَّ لاحَظْتُ في أَثناءِ قَولي في سُجُودٍ في صَلاةٍ: "سُبحانَ ربِّيَ الأَعلَى" أنَّ شَيْئًا مِنَ الحَقائقِ الجَلِيلةِ لِمَعاني هذه الكَلِمةِ الطَّيِّبةِ قدِ انكَشَف لي، لا أَقُولُ كُلُّها، بلِ انكَشَف شيءٌ مِنها.. فقُلتُ في قَلبِي: لَيتَنِي أَحظَى بصَلاةٍ كامِلةٍ تَنكَشِفُ لي مِن مَعانِيها ما انكَشَف مِن مَعاني هذه الكَلِمةِ المُبارَكةِ، فهي خَيرٌ مِن عِبادةِ سَنةٍ كامِلةٍ مِنَ النَّوافِلِ.
— 626 —
ثمَّ أَدْرَكْتُ عَقِبَ الصَّلاةِ أنَّ تلك الخاطِرةَ وتلك الحالَ كانَت جَوابًا على سُؤالي، وإرشادًا إلى استِحالةِ إدراكِ أَحَدٍ مِنَ النّاسِ دَرَجةَ الصَّحابةِ الكِرامِ في العِبادةِ؛ ذلك أنَّ التَّغيِيرَ الِاجتِماعِيَّ العَظِيمَ الَّذي أَحدَثَه القُرآنُ الكَرِيمُ بأَنوارِه السّاطِعةِ قد مَيَّز الأَضدادَ بَعضَها عنِ البَعضِ الآخَرِ، فالشُّرُورُ بجَمِيعِ تَوابِعِها وظُلُماتِها أَصبَحَت في مُجابَهةِ الخَيرِ والكَمالاتِ معَ جَمِيعِ أَنوارِها ونَتائِجِها؛ ففي هذه الحالةِ المُحَفِّزةِ لِانطِلاقِ نَوازِعِ الخَيرِ والشَّرِّ مِن عِقالِها، تَنَیبَّهَت لَدَى أَهلِ الخَيرِ نَوازِعُه، فغَدا كلُّ ذِكْرٍ وتَسبِيحٍ وتَحْمِيدٍ يُفيدُ لَدَيهِم مَعانيَه كامِلةً ويُعبِّیرُ عنها تَعبِيرًا نَدِيًّا نَضِرًا، فارتَشَفَتْ مَشاعِرُهمُ المُرهَفةُ ولَطائِفُهمُ الطّاهِرةُ بل حتَّى خَيالُهم وسِرُّهم رَحِيقَ المَعاني السّامِيةِ العَدِيدةِ لِتِلك الأَذكارِ ارتِشافًا صافِيًا يَقِظًا حَسَبَ أَذواقِها الرَّقيقةِ. وبِناءً على هذه الحِكمةِ، فإنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ الَّذين كانُوا يَملِكُون مَشاعِرَ حَسّاسةً مُرهَفةً وحَواسَّ مُنتَبِهةً ولَطائِفَ يَقِظةً، عِندَما يَذكُرُون تلك الكَلِماتِ المُبارَكةَ الجامِعةَ لِأَنوارِ الإيمانِ والتَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ يَشعُرُون بجَمِيعِ مَعانِيها ويَأْخُذُون حَظَّهم مِنها بجَمِيعِ لَطائِفِهمُ الزَّكيّةِ.
بَيْدَ أنَّ الأُمُورَ لم تَبْقَ على ذلك الوَضْعِ النَّدِيِّ والطَّراوةِ والجِدّةِ، فتَبَدَّلَت تَدرِيجِيًّا بمُرُورِ الزَّمَنِ حتَّى غَطَّتِ اللَّطائِفُ في نَومٍ عَمِيقٍ، وغَفَلَتِ المَشاعِرُ والحَواسُّ وانصَرَفَتْ عنِ الحَقائِقِ، ففَقَدَتِ الأَجيالُ اللّاحِقةُ شَيئًا فشَيئًا قُدرَتَها على تَذَوُّقِ طَراوةِ تلك الكَلِماتِ الطَّيِّبةِ والتَّلَذُّذِ بطُعُومِها ونَداوَتِها، فغَدَت لَدَيهم كالثِّمارِ الفاقِدةِ لِطَراوَاتِها ونَضارَتِها، حتَّى لَكأَنَّها جَفَّت ويَبِسَت ولم تَعُدْ تَحمِلُ لهم إلا نَزْرًا يَسِيرًا مِنَ الطَّراوةِ، لا تَرجِعُ إلى سابِقِ عَهْدِها إلّا بعدَ إعمالِ الذِّهنِ والتَّفَكُّرِ العَمِيقِ، وبَذْلِ الجُهدِ وصَرْفِ الطّاقةِ.
لِذا فالصَّحابِيُّ الجَلِيلُ الَّذي يَنالُ مَقامًا وفَضِيلةً في أَربَعِين دَقيقةً لا يَنالُه غَيرُه إلّا في أَربَعِين يَوْمًا، بل في أَربَعِين سَنةً.
السَّببُ الثالث: لقد أَثْبَتْنا في كلٍّ مِنَ الكَلِماتِ "الثَّانيةَ عَشْرةَ والرّابِعةِ والعِشرِين والخامِسةِ والعِشرِين" أنَّ نِسبةَ النُّبوّةِ إلى الوِلايةِ كنِسبةِ الشَّمسِ المَشهُودةِ بذاتِها إلى صُورَتِها المِثاليّةِ الظّاهِرةِ في المَرايا، لِذا فإنَّ سُمُوَّ مَنزِلةِ العامِلِين في دائِرةِ
— 627 —
النُّبوّةِ وهمُ الصَّحابةُ الكِرامُ الَّذين كانُوا أَقرَبَ النُّجُومِ إلى تلك الشَّمسِ السّاطِعةِ، وعُلُوَّ مَرتَبتِهم على الأَولياءِ الصّالِحِين، هو بنِسبةِ سُمُوِّ دائِرةِ النُّبوّةِ وعُلُوِّها على دائِرةِ الوِلايةِ، بل حتَّى لو كَسَبَ أَحَدُ الأَولياءِ مَرتَبةَ الوِلايةِ الكُبْرَى، وهي مَرتَبةُ وَرَثةِ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقِين ووِلايةِ الصَّحابةِ، فإنَّه لا يَبلُغُ مَقامَ أُولَئك الصَّفوةِ المُتَقدِّمين في الصَّفِّ الأَوَّلِ، رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيهِم أَجمَعِين.
سنُبيِّنُ ثلاثةَ أَوجُهٍ فقط مِن بَينِ الوُجُوهِ العَدِيدةِ لِهذا السَّببِ الثّالثِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: لا يُمكِنُ اللَّحاقُ بالصَّحابةِ الكِرامِ في الِاجتِهادِ، أي: في استِنباطِ الأَحكامِ، أي: إدراكُ مَرضاةِ اللهِ سُبحانَه مِن خِلالِ كَلامِه، لأنَّ مِحوَرَ ذلك الِانقِلابِ الإلٰهِيِّ العَظِيمِ الَّذي حَدَث في ذلك الوَقتِ كان يَدُورُ على مَرضاةِ الرَّبِّ مِن خِلال فَهْمِ أَحكامِه الإلٰهِيّة؛ فالأَذهانُ كلُّها كانَت مَفتُوحةً مُتَوجِّهةً إلى استِنباطِ الأَحكامِ، والقُلُوبُ كلُّها كانَت مُتَلهِّفةً إلى مَعرِفةِ: ماذا يُرِيدُ مِنّا رَبُّنا؟ فالمُحادَثاتُ والمُحاوَراتُ كانَت تَتَضمَّنُ هذه المَعانِيَ، والظُّرُوفُ والأَحداثُ تَجرِي في ضَوئِها.
وحيثُ إنَّ كلَّ شيءٍ في ذلك الوَقتِ وكلَّ حالٍ وكلَّ مُحاوَرةٍ ومُجالَسةٍ ومُحادَثةٍ وحِكايةٍ تَجرِي بما يُرشِدُ إلى تلك المَعاني ويَدُلُّ علَيها، لِذا كانَت تلك الظُّرُوفُ تُكَمِّلُ قابِلِيّاتِ الصَّحابةِ الكِرامِ وتُنَوِّرُ أَفكارَهم وتُهَيِّئُ استِعداداتِهم لِقَدْحِ زِنادِها للِاجتِهادِ واستِنباطِ الأَحكامِ، إذ كانُوا يَكسِبُون مِنَ المَلَكةِ على الِاستِنباطِ والِاجتِهادِ في يومٍ واحِدٍ أو في شَهرٍ واحِدٍ ما لا يُمكِنُ أن يَحصُلَ علَيه في هذا الوَقتِ مَن هو في مُستَوَى ذَكائِهم واستِعدادِهم في عَشرِ سَنَواتٍ، بل في مِئةِ سَنةٍ، لأنَّ الأَنظارَ في الوَقتِ الحاضِرِ مُتَوجِّهةٌ إلى نَيلِ حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ رَغِيدةٍ دُونَ سَعادةِ الآخِرةِ الأَبَديّةِ وحَياةِ النَّعيمِ المُقِيمِ فيها، فالأَنظارُ مَصرُوفةٌ عنها.. فهُمُومُ العَيشِ الَّتي تَتَضاعَفُ بعَدَمِ التَّوَكُّلِ على اللهِ تُلقي ثِقَلَها على رُوحِ الإنسانِ وتَجعَلُها في اضطِرابٍ وقَلَقٍ، والفَلسَفةُ المادِّيّةُ والطَّبِيعيّةُ تُكِلُّ العَقلَ وتُعمِي البَصِيرةَ. فتَرَى المُحِيطَ الِاجتِماعيَّ الحاضِرَ مِثلَما لا يَمُدُّ ذِهْنَ ذلك الشَّخصِ "الذَّكِيِّ" لا يُؤازِرُ استِعدادَه الفِطرِيَّ نحوَ الِاجتِهادِ فَضْلًا عن أنَّه يُشَتِّتُه ويُرهِقُه أَكثَرَ.
— 628 —
ولقد عَقَدْنا مُوازَنةً في رِسالةِ "الِاجتِهادِ" بينَ سُفيانَ بنِ عُيَينةَ ومَن هو في مُستَوَى ذَكائِه في هذا العَصرِ، وخَلُصْنا مِنَ المُوازَنةِ إلى: "أنَّ ما حَصَل علَيه سُفيانُ في عَصرِه مِنَ القُدرةِ على الِاستِنباطِ في عَشْرِ سَنَواتٍ لا يُمكِنُ أن يَحصُلَ علَيه مَن هو بمُستَوَى ذَكائِه في هذا العَصرِ في مِئةِ سَنةٍ".
الوَجهُ الثّاني: لا يُمكِنُ اللَّحاقُ بالصَّحابةِ الكِرامِ في قُربِهم مِنَ اللهِ بخُطَى الوِلايةِ، ذلك لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى هو أَقرَبُ إلَينا مِن حَبلِ الوَرِيدِ، أمّا نحنُ فبَعِيدُون عنه بُعْدًا مُطْلَقًا.. والإنسانُ يُمكِنُه أن يَنالَ القُرْبَ مِنه بالصُّورَتَينِ الآتِيَتَينِ:
الصُّورةُ الأولَى: مِن حيثُ انكِشافُ أَقرَبيَّتِه سُبحانَه وتَعالَى للعَبدِ، فقُرْبُ النُّبوّةِ إلَيه تَعالَى هو مِن هذا الِانكِشافِ، والصَّحابةُ الكِرامُ مِن حيثُ الصُّحبةُ النَّبوِيّةُ ووَرَثةُ النُّبوّةِ يَحْظَوْن بهذا الِانكِشافِ.
الصُّورةُ الثّانيةُ: مِن حيثُ بُعدُنا عنه سُبحانَه، فالتَّشَرُّفُ بشَيءٍ مِن قُربِه سُبحانَه يكُونُ بقَطْعِ المَراتِبِ إلَيه. وأَغلَبُ طُرُقِ الوِلايةِ وما فيها مِن سَيرٍ وسُلُوكٍ تَجرِي على هذه الصُّورةِ، سَواءٌ مِنها السَّيرُ الأَنفُسِيُّ أوِ الآفاقِيُّ.
فالصُّورةُ الأُولَى الَّتي هي انكِشافُ أَقرَبيَّتِه سُبحانَه یی أي: قُربُه سُبحانَه مِنَ العَبدِ یی هِبةٌ مَحْضةٌ مِنه تَعالَى وليس كَسْبًا قَطُّ، بل هو انجِذابٌ إلٰهِيٌّ وجَذْبٌ رَحمانِيٌّ، ومَحبُوبيّةٌ خالِصةٌ. فالطَّرِيقُ قَصِيرٌ، إلّا أنَّه ثابِتٌ رَصِينٌ، وهو عالٍ رَفيعٌ سامٍ جِدًّا، وخالِصٌ طاهِرٌ لا ظِلَّ فيه ولا كَدَرَ.
أمّا الصُّورةُ الأُخرَى مِنَ التَّقرُّبِ إلى اللهِ، فهي كَسْبِيّةٌ، طَوِيلةٌ، فيها شَوائِبُ وظِلالٌ، ورَغمَ أنَّ خَوارِقَها كَثيرةٌ فإنَّها لا تَبلُغُ الصُّورةَ الأُولَى مِن حيثُ الأَهمِّيّةُ والقُربُ مِنه تَعالَى.
ولْنُوَضِّحْ ذلك بمِثالٍ: لأَجْلِ إدراكِ أَمسِ مِن هذا اليومِ هناك طَرِيقانِ:
الأوَّلُ: الِانسِلاخُ مِن وَقائِعِ الزَّمَنِ وجَرَيانِه بقُوّةٍ قُدسِيّةٍ، والعُرُوجُ إلى ما فَوقَ الزَّمانِ، ورُؤيةُ أَمسِ حاضِرًا كاليومِ.
— 629 —
أمّا الثّاني: فهو قَطْعُ مَسافةِ سَنةٍ كامِلةٍ لِمُلاقاةِ الأَمسِ مِن جَدِيدٍ، ومعَ ذلك لا يُمكِنُ أن تُمسِكَ به، لأنَّه يَدَعُك ويَمضِي.
وهكذا الأَمرُ في النُّفُوذِ مِنَ الظّاهِرِ إلى الحَقِيقةِ، فإنَّه بصُورَتَينِ:
الأولَى: الِانجِذابُ إلى الحَقيقةِ مُباشَرةً ووِجدانُ الحَقيقةِ في عَينِ الظّاهِرِ المُشاهَدِ، مِن دُونِ الدُّخُولِ إلى بَرْزَخِ الطَّرِيقةِ.
الثّانيةُ: قَطْعُ مَراتِبَ كَثيرةٍ بالسَّيرِ والسُّلُوكِ.
فأَهْلُ الوِلايةِ رَغمَ أنَّهم يُوَفَّقُون إلى فَناءِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ ويَقتُلُونَها، فإنَّهم لا يَبلُغُون مَرتَبةَ الصَّحابةِ الكِرامِ، لأنَّ نُفُوسَ الصَّحابةِ كانَت مُزَكّاةً ومُطَهَّرةً، فنالُوا كَثِيرًا مِن أَنواعِ العِبادةِ وضُرُوبًا مُختَلِفةً مِن أَلوانِ الشُّكرِ والحَمدِ بأَجهِزةِ النَّفسِ العَدِيدةِ، بَينَما عِبادةُ الأَولياءِ یی بعدَ فَناءِ النَّفسِ یی تُصبِحُ بَسِيطةً ومَأْلُوفةً.
الوَجهُ الثّالثُ: لا يُمكِنُ إدراكُ الصَّحابةِ الكِرامِ في فَضائِلِ الأَعمالِ وثَوابِ الأَفعالِ وجَزاءِ الآخِرةِ، لأنَّ الجُندِيَّ المُرابِطَ لِساعةٍ مِنَ الزَّمَنِ في ظُرُوفٍ صَعبةٍ تُحِيطُه، وفي مَوقِعٍ مُهِمٍّ مُخِيفٍ، يَكسِبُ فَضِيلةً وثَوابًا يُقابِلُ سَنةً مِنَ العِبادةِ، وإذا أُصِيبَ بطَلْقةٍ واحِدةٍ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ، فإنَّه يَسمُو إلى مَرتَبةٍ لا يُمكِنُ بُلُوغُها في مَراتِبِ الوِلايةِ إلّا في أَربَعِين يَومًا على أَقَلِّ تَقدِيرٍ؛ كذلك الأَمرُ في جِهادِ الصَّحابةِ الكِرامِ عندَ إرساءِ دَعائِمِ الإسلامِ، ونَشْرِ أَحكامِ القُرآنِ، وإعلانِهِمُ الحَرْبَ على العالَمِ أَجمَعَ باسمِ الإسلامِ، فهو مَرتَبةٌ عَظِيمةٌ وخِدمةٌ جَلِيلةٌ لا تَرقَى سَنةٌ كامِلةٌ مِنَ العَمَلِ لَدَى غَيرِهم إلى دَقيقةٍ واحِدةٍ مِن عَمَلِهم، بل يَصِحُّ أن يُقالَ:
إنَّ دَقائِقَ عُمُرِ الصَّحابةِ الكِرامِ جَمِيعَها یی في تلك الخِدمةِ المُقدَّسةِ یی إنَّما هي بمِثلِ الدَّقيقةِ الَّتي استُشهِدَ فيها الجُندِيُّ، وإنَّ ساعاتِ عُمُرِهم كُلَّها هي بمِثلِ السّاعةِ لِذَلِك الجُندِيِّ الفِدائيِّ المُرابِطِ في مَوقِعٍ خَطِرٍ مُرعِبٍ. فالعَمَلُ قَليلٌ، إلّا أنَّ الأَجرَ عَظِيمٌ والثَّوابَ جَزِيلٌ، والأَهَمِّيّةَ جَليلةٌ.
— 630 —
نعم، إنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ إنَّما يُمَثِّلُون اللَّبِنةَ الأُولَى في تَأْسِيسِ صَرْحِ الإسلامِ، وهُمُ الصَّفُّ الأَوَّلُ في نَشرِ أَنوارِ القُرآنِ، فلَهم إذًا قِسطٌ وافِرٌ مِن جَمِيعِ حَسَناتِ الأُمّةِ، حَسَبَ قاعِدةِ "السَّبَبُ كالفاعِلِ"، فالأُمّةُ الإسلاميّةُ في أَثناءِ تَردِيدِها: "اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وأَصحابِه وسَلِّمْ" إنَّما تُبيِّنُ ما لِلآلِ والصَّحْبِ الكِرامِ مِن حَظٍّ وافِرٍ في حَسَناتِ الأُمّةِ جَمِيعِها.
ولكي نُوَضِّحَ ما يَتَرتَّبُ مِن نَتائِجَ عَظِيمةٍ على أَثَرٍ ضَئِيلٍ في البِدايةِ نَسُوقُ الأَمثِلةَ الآتِيةَ: خاصِّيّةٌ صَغِيرةٌ مُهِمّةٌ في جَذْرِ النَّباتِ تَأْخُذُ صُورةً عَظِيمة في أَغصانِها، فتلك الخاصِّيّةُ في الجَذْرِ إذًا هي أَعظَمُ مِن أَعظَمِ غُصْنٍ.. وارتِفاعٌ ضَئِيلٌ في البِدايةِ يكُونُ تَدرِيجِيًّا عَظِيمًا في النِّهايةِ.. وإنَّ الزِّيادةَ الطَّفِيفةَ في نُقطةِ المَركَزِ، ولو بمِقدارِ أَنمُلةٍ، تكُونُ أَحيانًا بمِقدارِ مِتْرٍ كامِلٍ في الدّائِرةِ المُحِيطةِ.
وهكذا، فلِأنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ هم مُؤَسِّسُو الإسلامِ، وجُذُورُ شَجَرةِ الإسلامِ المُنِيرةِ، وبِدايةُ الخُطُوطِ الأَساسيّةِ لِبِناءِ الإسلامِ، ورَكِيزةُ المُجتَمَعِ الإسلاميِّ وأَئِمَّتُه، وأَقرَبُ النّاسِ إلى شَمسِ النُّبوّةِ المُنِيرةِ وسِراجُ الحَقيقةِ.. فعَمَلٌ قَليلٌ مِنهم هو عَظِيمٌ جَلِيلٌ، وخِدمةٌ ضَئِيلةٌ يُقَدِّمُونها هي جَسِيمةٌ كَثِيرةٌ، فلا يُمكِنُ اللَّحاقُ بهم وإدراكُهم إلّا أن يكُونَ المَرءُ صَحابِيًّا مِثلَهم.
اللَّهُمَّ صَلِّ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ الَّذي قال: "أَصحابي كالنُّجُومِ، بأَيِّهِمُ اقتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُم" و"خَيرُ القُرُونِ قَرْني.." وعلى آلِه وأَصحابِه وسَلِّمْ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 631 —
سؤالٌ: يُقالُ إنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ قد رَأَوُا الرَّسُولَ (ص) عِيانًا، ثمَّ آمَنُوا به وصَدَّقُوه، أمّا نحنُ فقد آمَنّا به مِن دُونِ أن نَراه، فإيمانُنا إذًا أَقوَى مِن إيمانِهم، فَضْلًا عن أنَّ هُناك رِواياتٍ تُؤَيِّدُ ما نَذهَبُ إلَيه!!
الجَوابُ: إنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيهِم أَجمَعِين، قد وَقَفُوا أَمامَ جَمِيعِ التَّيّاراتِ الفِكرِيّةِ في العالَمِ أَجمَعَ، والَّتي كانَت تُعادِي حَقائقَ الإسلامِ وتَصُدُّها، فآمَنُوا إيمانًا راسِخًا صادِقًا خالِصًا مع أنَّهم لم يَرَوْا مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) بَعدُ إلّا ظاهِرَ صُورَتِه الإنسانيّةِ، بل آمَنُوا به أَحيانًا مِن دُونِ أن يَرَوْا مِنه مُعجِزةً، وأَصبَحَ إيمانُهم مِنَ الرُّسُوخِ والمَتانةِ ما لا تُزَعزِعُه جَمِيعُ تلك الأَفكارِ العامّةِ المُناهِضةِ للإسلامِ، بل لم تُؤَثِّر ولو بأَدنَى شُبهةٍ أو وَسوَسةٍ.
أمّا أَنتُم فمَع أنَّكم لم تَرَوْا صُورَتَه الظّاهِرةَ وشَخصِيَّتَه البَشَرِيّةَ الَّتي هي بمَثابةِ نَواةٍ لِشَجَرةِ طُوبَى النُّیبُوّةِ، فإنَّ أَفكارَ عالَم الإسلامِ تَشُدُّ مِن إيمانِكُم وتُمِدُّه وتُعزِّزُه، فَضْلًا عن أنَّكُم تَرَوْن بعَينِ العَقلِ شَخصِيّةَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ المَعنَوِيّةَ (ص) المُنَوَّرةَ بأَنوارِ الإسلامِ وحَقائقِ القُرآنِ، تلك الشَّخصِيّةَ المَهِيبةَ بأَلفٍ مِن مُعجِزاتِه الثّابِتةِ.. أفَيُوازَنُ إيمانُكم هذا معَ إيمانِهمُ العَظِيمِ؟! فأَين إيمانُكمُ الَّذي يَهوِي في شِراكِ الشُّبُهاتِ بمُجَرَّدِ كَلامٍ يُطلِقُه فَيلَسُوفٌ مادِّيٌّ أَورُوبِّيٌّ، مِن إيمانِهِمُ الَّذي كان كالطَّوْدِ الشّامِخِ لا يَتَزَعزَعُ أمامَ الأَعاصِيرِ الَّتي يُثِيرُها جَمِيعُ أَهلِ الكُفرِ والإلحادِ واليَهُودِ والنَّصارَى والحُكَماءِ؟!
فيا أَيُّها المُدَّعي.. أينَ إيمانُك الواهي الَّذي قد لا يَقوَى لِأَداءِ الفَرائِضِ على وَجهِها مِن صَلابةِ وقُوّةِ إيمانِهم وعَظِيمِ تَقواهُم وصَلاحِهِمُ الَّذي بَلَغ مَرتَبةَ الإحسانِ؟
أمّا ما وَرَد في الحَدِيثِ الشَّريفِ بما مَعناه: أنَّ الَّذين لم يَرَوْني وآمَنُوا بي هم أَفضَلُ مِنكم.. فهو يَخُصُّ الفَضائِلَ الخاصّةَ، وهو بحَقِّ بعضِ الأَشخاصِ، بَينَما بَحثُنا هذا هو في الفَضائِلِ الكُلِّيّةِ وما يَعُودُ إلى الأَكثَرِيّةِ المُطلَقةِ.
— 632 —
السُّؤالُ الثّاني: يقُولُون: إنَّ الأَولياءَ الصّالِحِين وأَصحابَ الكَمالِ قد تَرَكُوا الدُّنيا وعافُوا ما فيها، بمَضْمُونِ ما وَرَد في حَدِيثٍ شَرِيفٍ: «حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كلِّ خَطِيئةٍ» ، بَينَما الصَّحابةُ الكِرامُ قد أَخَذُوا بأُمُورِ الدُّنيا وأَقبَلُوا علَيها ولم يَدَعُوها، بل قد سَبَق قِسمٌ مِنهم أَهلَ الحَضارةِ في أَخذِهِم بمُتَطَلَّباتِ الدُّنيا، فكيفَ تَقُولُ: إنَّ أَصغَرَ صَحابيٍّ مِن أَمثالِ هؤلاء هو كأَعظَمِ وَليٍّ مِن أَولياءِ اللهِ الصّالِحِين؟
الجَوابُ: لقد أَثبَتْنا إثباتًا قاطِعًا في "المَوقِفِ الثّاني والثّالثِ مِنَ الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثِين": أنَّ للدُّنيا ثلاثةَ وُجُوهٍ: فإِبداءُ المَحَبّةِ إلى وَجهَيِ الدُّنيا المُتَطلِّعَينِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى والآخِرةِ، ليس نَقْصًا في العُبُودِيّةِ، بل هو مَناطُ كَمالِ الإنسانِ وسُمُوِّ إيمانِه، إذ كُلَّما جَهِدَ الإنسانُ في مَحَبَّتِه لِذَينِك الوَجهَينِ كَسَبَ مَزِيدًا مِنَ العِبادةِ ومَزِيدًا مِن مَعرِفةِ اللهِ سُبحانَه. ومِن هنا كانَت دُنيا الصَّحابةِ الكِرامِ مُتَوجِّهةً إلى ذَينِك الوَجهَينِ، فعَدُّوها مَزرَعةَ الآخِرةِ، وزَرَعُوا الحَسَناتِ وجَنَوُا الثَّمَراتِ اليانِعةَ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والأَجرِ العَظِيمِ، واعتَبَرُوا الدُّنيا وما فيها كأنَّها مَرايا تَعكِسُ أَنوارَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، فتَأَمَّلُوا فيها وفَكَّرُوا في جَنَباتِها بلَهفةٍ وشَوقٍ، فتَقَرَّبُوا إلى اللهِ أَكثَرَ؛ وفي الوَقتِ نَفسِه تَرَكُوا الوَجهَ الثّالِثَ مِنَ الدُّنيا وهو وَجهُها الفاني المُتَطلِّعُ إلى شَهَواتِ الإنسانِ وهَواه.
السُّؤالُ الثّالث: إنَّ الطُّرُقَ الصُّوفيّةَ هي سُبُلُ الوُصُولِ إلى الحَقائقِ، وأَشهَرُها وأَسماها هي الطَّرِيقةُ النَّقْشَبَندِيّةُ الَّتي تُعَدُّ الجادّةَ الكُبْرَى. وقد لَخَّصَ قَواعِدَها بعضُ أَقطابِها هكذا:
دَرْ طَرِيقِ نَقْشِبَندِى لَازِمْ أٰمَدْ چَارِ تَرْك:
تَرْكِ دُنيَا، تَرْكِ عُقْبىٰ، تَرْكِ هَسْتِى، تَرْكِ تَركْ
أي: يَلْزَمُ في الطَّرِيقةِ النَّقْشَبَندِيّةِ تَركُ أَربَعةِ أَشياءَ: تَرْكُ الدُّنيا بألّا تَجعَلَها مَقصُودًا بالذّاتِ، وتَرْكُ الآخِرةِ بحِسابِ النَّفسِ، وتَرْكُ النَّفسِ، أي: أن تَنساها، ثمَّ تَرْكُ التَّرْكِ. أي: ألّا تَتَفكَّرَ بهذا التَّرْكِ، لِئَلّا تَقَعَ في العُجْبِ والفَخْرِ. بمَعنَى أنَّ مَعرِفةَ اللهِ والكَمالاتِ الإنسانيّةِ الحَقيقِيَّتَينِ إنَّما تَحصُلُ في تَرْكِ ما سِواه تَعالَى..
— 633 —
الجَوابُ: لو كان الإنسانُ مُجَرَّدَ قَلبٍ فقط، لكان علَيه أن يَتْرُكَ كلَّ ما سِواه تَعالَى، بل يَتْرُكَ حتَّى الأَسماءَ والصِّفاتِ ويَرتَبِطَ قَلْبُه بذاتِه سُبحانَه. ولكن للإنسانِ لَطائِفُ كَثِيرةٌ جِدًّا كالقَلبِ، مِنها العَقلُ والرُّوحُ والسِّرُّ والنَّفسُ، كلُّ لَطِيفةٍ مِنها مُكَلَّفةٌ بوَظِيفةٍ ومَأْمُورةٌ للقِيامِ بعَمَلٍ خاصٍّ بها.
فالإنسانُ الكامِلُ هو كالصَّحابةِ الكِرامِ، يَسُوقُ جَمِيعَ تلك اللَّطائِفِ إلى مَقصُودِه الأَساسِ وهو عِبادةُ اللهِ. فيَسُوقُ القَلْبُ كالقائِدِ كُلَّ لَطِيفةٍ مِنها ويُوَجِّهُها نحوَ الحَقيقةِ بطَرِيقِ عُبُودِيّةٍ خاصٍّ بها. عندَ ذلك تَسِيرُ الكَثْرةُ الكاثِرةُ مِنَ اللَّطائفِ جُنُودًا في رَكْبٍ عَظِيمٍ وفي مَيدانٍ واسِعٍ فَسِيحٍ، كما هو لَدَى الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ علَيهِم. وإلّا فإنَّ تَرْكَ القَلْبِ جُنُودَه دارِجًا وَحدَه لإنقاذِ نَفسِه، ليس مِنَ الفَخرِ والِاعتِزازِ، بل هو نَتِيجةُ اضطِرارٍ ليس إلّا.
السُّؤالُ الرّابع: مِن أينَ يَنشَأُ ادِّعاءُ الأَفضَلِيّةِ تِجاهَ الصَّحابةِ الكِرامِ؟ ومَن همُ الَّذين يُثيرُون هذا الِادِّعاءَ؟ ولِماذا تُثارُ هذه المَسائِلُ في الوَقتِ الحاضِرِ؟ ومِن أينَ يَنبَعِثُ ادِّعاءُ بُلُوغِ المُجتَهِدِين العِظامِ؟
الجَوابُ: إنَّ الَّذين يقُولُون بهذه المَسائِلِ هم قِسمانِ:
قِسمٌ مِنهم: رَأَوا بعضَ الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ ونَشَرُوها كي يُحَفِّزُوا الشَّوقَ لَدَى المُتَّقِين وأَهلِ الصَّلاحِ في هذا الوَقتِ ويُرَغِّبُوهم في الدِّينِ.. فهؤلاء هم أَهلُ دِينٍ وعِلمٍ، وهم مُخلِصُون، وليس لنا ما نُعَلِّقُ به علَيهم، وهم قِلَّةٌ ويَنتَبِهُون بسُرعةٍ.
أمّا القِسمُ الآخَرُ: فهم أُناسٌ مَغرُورُون جِدًّا، ومُعجَبُون بأَنفُسِهم أَيَّما إعجابٍ، يُرِيدُون أن يَبُثُّوا انسِلاخَهُم مِنَ المَذاهِبِ الفِقهِيّةِ تحتَ ادِّعاءِ أنَّهم في مُستَوَى المُجتَهِدِين العِظامِ، بل يُحاوِلُون إمرارَ إِلحادِهم وانسِلاخِهم مِنَ الدِّينِ بادِّعاءِ أنَّهم في مُستَوَى الصَّحْبِ الكِرامِ، فهؤلاء الضّالُّون قد وَقَعُوا:
أوَّلًا: في هاوِيةِ السَّفاهةِ حتَّى غَدَوْا مُعتادِين علَيها، ولا يَستَطِيعُون أن يَتْرُكُوا
— 634 —
ما اعتادُوه، ويَنهَضُوا بتَكاليفِ الشَّرعِ الَّتي تَردَعُهم عنِ السَّفاهةِ. فتَرَى أَحَدَهم يُبَرِّرُ نَفسَه قائلًا: "إنَّ هذه المَسائِلَ إنَّما هي مَسائِلُ اجتِهادِيّةٌ، والمَذاهِبُ الفِقهِيّةُ مُتَبايِنةٌ في أَمثالِ هذه المَسائِلِ، وهم رِجالٌ مِثلُنا قدِ اجتَهَدُوا ورُبَّما يُخطِئُون، ونحن أَيضًا رِجالٌ أَمثالُهم، يُمكِنُنا أن نَجتَهِدَ مِثلَهم، لِذا نُؤَدِّي العِباداتِ بالشَّكلِ الَّذي يَرُوقُ لنا نحن، أي: لَسنا مُضطَرِّين إلى اتِّباعِهم!!". فهؤلاء التُّعَساءُ يَحُلُّون رِبقةَ المَذاهِبِ عن أَنفُسِهم بهذه الدَّسِيسةِ الشَّيطانيّةِ، فما أَوهاها مِن دَسِيسةٍ وما أَرخَصَها مِن تَبْرِيرٍ! وقد أَثبَتْنا ذلك في رِسالةِ "الِاجتِهادِ".
ثانيًا: إنَّهم عِندَما رَأَوْا أنَّ دَسِيسَتَهم لا تَكمُلُ حَلَقاتُها عندَ حَدِّ التَّعَرُّضِ للمُجتَهِدِين العِظامِ، بَدَؤُوا يَتَعرَّضُون للصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيهِم، حيثُ إنَّ المُجتَهِدِين يَحمِلُون النَّظَرِيّاتِ الدِّينيّةَ وَحدَها، وهؤلاء الضَّالُّون يَرُومُون هَدْمَ الضَّرُوريّاتِ الدِّينيّةِ وتَغيِيرَها، فلو قالُوا: "نحنُ أَفضَلُ مِنَ المُجتَهِدِين" لم تَنْتَهِ قَضِيَّتُهم، حيثُ إنَّ مَيدانَ المُجتَهِدِين النَّظَرُ في المَسائِلِ الفَرعِيّةِ، دُونَ النُّصُوصِ الشَّرعِيّةِ، لِذا تَراهُم وهم مُنسَلِخُون مِنَ المَذاهِبِ يَبدَؤُون بمَسِّ الصَّحابةِ الأَجِلّاءِ الَّذين هم حامِلُو الضَّرُورِيّاتِ الدِّينيّةِ. ولكِن هَيهَاتَ! فلَيس أَمثالُ هؤلاءِ الأَنعامِ الَّذين هم في صُورةِ إنسانٍ، بل حتَّى الإنسانُ الحَقيقيُّ، بل الكامِلُون مِنهم وهم أَعاظِمُ الأَولياءِ الصّالِحِين، لا يُمكِنُهم أن يَكسِبُوا دَعوَى المُماثَلةِ معَ أَصغَرِ صَحابِيٍّ جَليلٍ. كما أَثبَتْناه في رِسالةِ "الِاجتِهادِ".
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم على رَسُولِك الَّذي قال: "لا تَسُبُّوا أَصحابي، لا تَسُبُّوا أَصحابي، فوَالَّذي نَفسِي بِيَدِه لو أنَّ أَحَدَكم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهم ولا نَصِيفَه". صدق رسول الله (ص)..
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 635 —

الكلمة الثامنة والعشرون

هذه الكَلِمةُ تَخُصُّ الجَنَّةَ، وهي عِبارةٌ عن مَقامَينِ: المَقامُ الأوَّلُ يُشِيرُ إلى عددٍ مِن لَطائفِ الجَنّةِ. والمَقامُ الثّاني قد جاء باللُّغةِ العَرَبيّة. وهو خُلاصةُ الكَلِمةِ العاشِرةِ وأَساسُها، أُثبِتَ فيه وُجُودُ الجَنّةِ باثنتَي عَشْرةَ حَقيقةً قاطِعةً مُتَسَلسِلةً إثباتًا ساطِعًا، لِذا لا نَبحَثُ هنا عن إثباتِ وُجُودِ الجَنّةِ، وإنَّما نَقصُرُ الكَلامَ على أَسئِلةٍ وأَجوِبةٍ حَولَ بعضِ أَحوالِ الجَنّةِ الَّتي تَتَعرَّضُ إلى النَّقْدِ، وسوف تُكتَبُ إن شاء اللهُ كَلِمةٌ جَليلةٌ حَولَ تلك الحَقيقةِ العُظمَى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
هذه أَجوِبةٌ قَصِيرةٌ عن عَدَدٍ مِن أَسئِلةٍ تَدُورُ حَولَ الجَنّةِ الخالِدةِ
إنَّ آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ الَّتي تَخُصُّ الجَنّةَ، هي أَجمَلُ مِنَ الجَنّةِ، وأَلطَفُ مِن حُورِها، وأَحلَى مِن سَلسَبِيلِها.. هذه الآياتُ البَيِّناتُ لم تَدَعْ مَزِيدًا لِكَلامٍ، لِذا نَضَعُ دَرَجاتِ سُلَّمٍ، تَقرِيبًا لِتلك الآياتِ السّاطِعةِ الأَزَليّةِ الرَّفيعةِ الجَمِيلةِ للفَهمِ، فنَذكُرُ باقةً مِن مَسائِلَ لَطِيفةٍ هي نَماذِجُ أَزاهِيرَ مِن جَنّةِ القُرآنِ، ونُشِيرُ إلَيها في خَمسةِ رُمُوزٍ ضِمنَ أَسئِلةٍ وأَجوِبةٍ.
نعم، إنَّ الجَنّةَ شامِلةٌ جَمِيعَ اللَّذائِذِ المَعنَوِيّةِ، كما هي شامِلةٌ جَمِيعَ اللَّذائِذِ "المادِّيّةِ" الجِسمانيّةِ أيضًا.
— 636 —
سُؤالٌ: ما عَلاقةُ الجِسمانيّةِ "المادِّيّةِ" القاصِرةِ النّاقِصةِ المُتَغيِّرةِ القَلِقةِ المُؤلِمةِ، بالأَبَدِيّةِ والجَنّةِ؟ فما دامَتِ الرُّوحُ تَكتَفِي بلَذائذِها العُلْوِيّةِ في الجَنّةِ، فلِمَ يَلْزَمُ حَشْرٌ جِسمانِيٌّ للتَّلَذُّذِ بلَذائِذَ جِسمانيّةٍ؟
الجَوابُ: على الرَّغمِ مِن كَثافةِ التُّرابِ وظُلْمَتِه، نِسبةً إلى الماءِ والهَواءِ والضِّياءِ، فهو مَنشَأٌ لِجَميعِ أَنواعِ المَصنُوعاتِ الإلٰهِيّةِ؛ لِذا يَسمُو ويَرتَفِعُ مَعنًى فَوقَ سائِرِ العَناصِرِ.. وكذا النَّفسُ الإنسانيّةُ، على الرَّغمِ مِن كَثافَتِها فإنَّها تَرتَفِعُ وتَسمُو على جَمِيعِ اللَّطائِفِ الإنسانيّةِ بجامِعِيَّتِها، بشَرطِ تَزكِيَتِها.
فالجِسمانيّةُ كذلك هي أَجمَعُ مِرآةٍ لِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ، وأَكثَرُها إحاطةً وأَغناها؛ فالآلاتُ الَّتي لها القُدرةُ على وَزنِ جَمِيعِ مُدَّخَراتِ خَزائِنِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ وتَقدِيرِها، إنَّما هي في الجِسمانيّةِ، إذ لو لم تَكُن حاسَّةُ الذَّوقِ الَّتي في اللِّسانِ مَثَلًا حاوِيةً على آلاتٍ لِتَذَوُّقِ الرِّزقِ بعَدَدِ أَنواعِ المَطعُوماتِ كُلِّها، لَمَا كانَت تُحِسُّ بكُلٍّ مِنها، وتَتَعرَّفُ على الِاختِلافِ فيما بَينَها، ولَمَا كانَت تَستَطِيعُ أن تُحِسَّ وتُمَيِّیزَ بَعضَها عن بَعضٍ.
وكذا، فإنَّ أَجهِزةَ مَعرِفةِ أَغلَبِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ المُتَجلِّيةِ والشُّعُورِ بها وتَذَوُّقِها وإدراكِها، إنَّما هي في الجِسمانيّةِ؛ وكذا فإنَّ الِاستِعداداتِ والقابِلِيّاتِ القادِرةَ على الشُّعُورِ والإحساسِ بلَذائِذَ لا مُنتَهَى لها، وبأَنواعٍ لا حُدُودَ لها، إنَّما هي في الجِسمانيّةِ.
يُفهَمُ مِن هذا فَهْمًا قاطِعًا یی كما أَثبَتْناه في الكَلِمةِ الحادِيةَ عَشْرةَ یی أنَّ صانِعَ هذه الكائِناتِ، قد أَرادَ أن يُعرِّفَ بهذه الكائِناتِ جَمِيعَ خَزائِنِ رَحمَتِه، ويُعلِّمَ بها جَمِيعَ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى، ويُذِيقَ بها جَمِيعَ أَنواعِ نِعَمِه وآلائِه، وذلك مِن خِلالِ مَجرَى حَوادِثِ هذه الكائِناتِ وأَنماطِ التَّصَرُّفِ فيها، ومِن خِلالِ جامِعِيّةِ استِعداداتِ الإنسانِ.. فلا بُدَّ إذًا مِن حَوضٍ عَظِيمٍ يُصَبُّ فيه سَيلُ الكائِناتِ العَظِيمُ هذا.. ولا بُدَّ مِن مَعرِضٍ عَظِيمٍ يُعرَضُ فيه ما صُنِعَ في مَصنَعِ الكائِناتِ هذا.. ولا بُدَّ مِن مَخزَنٍ أَبَدِيٍّ تُخزَنُ فيه مَحاصِيلُ مَزرَعةِ الدُّنيا هذه.. أي: لا بُدَّ مِن دارِ سَعادةٍ تُشبِهُ هذه الكائِناتِ إلى حَدٍّ مّا،
— 637 —
وتُحافِظُ على جَمِيعِ أُسُسِها الجِسمانيّةِ والرُّوحانيّةِ.. ولا بُدَّ أنَّ ذلك الصّانِعَ الحَكِيمَ والعادِلَ الرَّحِيمَ، قد خَصَّ لَذائِذَ تَلِيقُ بتلك الآلاتِ الجِسمانيّةِ أُجرةً لِوَظائِفِها، ومَثُوبةً لِخِدْماتِها، وأَجْرًا لِعِباداتِها الخاصّةِ؛ وإلّا (أي: بخِلافِ هذا) تَحصُلُ حالةٌ مُنافيةٌ تمامًا لِحِكمَتِه سُبحانَه وعَدالَتِه ورَحمَتِه، مِمّا لا يَنسَجِمُ ولا يَلِيقُ بجَمالِ رَحمَتِه وكَمالِ عَدالَتِه مُطلَقًا، تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
سُؤالٌ: إنَّ أَجزاءَ الكائِنِ الحَيِّ في تَركِيبٍ وتَحَلُّلٍ دائِمَينِ، وهي مُعرَّضةٌ للِانقِراضِ ولا تَنالُ صِفةَ الأَبَديّةِ، وإنَّ الأَكلَ والشُّربَ لِبَقاءِ الشَّخصِ نَفسِه ومُعاشَرةَ الزَّوجةِ لِبَقاءِ النَّوعِ، فصارَت هذه الأُمُورُ أُمُورًا أَساسِيّةً في هذا العالَمِ؛ أمّا في العالَمِ الأَبَدِيِّ والأُخرَوِيِّ فلا حاجةَ إلَيها، فلِمَ أُدْرِجَت إذًا ضِمنَ لَذائِذِ الجَنّةِ العَظِيمةِ؟
الجَوابُ: أوَّلًا: إنَّ تَعَرُّضَ جِسمٍ حَيٍّ للِانقِراضِ والمَوتِ في هذا العالَمِ، ناجِمٌ مِنِ اختِلالِ مُوازَنةِ الوارِداتِ والصَّرْفيَّاتِ (أي: بينَ ما يَرِدُ وما يُستَهلَكُ)، فالوارِداتُ كَثِيرةٌ مُنذُ الطُّفُولةِ إلى سِنِّ الكَمالِ، وبعدَ ذلك يَزدادُ الِاستِهلاكُ، فتَضِيعُ المُوازَنةُ، ويَمُوتُ الكائِنُ الحَيُّ..
أمّا في عالَمِ الأَبَدِيّةِ، فإنَّ الذَّرّاتِ تَبقَى ثابِتةً لا تَتَعرَّضُ للتَّركِيبِ والتَّحَلُّلِ، أو تَستَقِرُّ المُوازَنةُ، فهي تامّةٌ ومُستَمِرّةٌ بينَ الوارِداتِ والصَّرفِيّاتِ، (حاشية): إنَّ جِسمَ الإنسانِ والحَيَوانِ في هذه الدُّنيا، كأنَّه مَضِيفٌ للذَّرّاتِ، وثُكْنةٌ عَسكَرِيّةٌ لها، ومَدرَسةُ تَعليمٍ لها، حيثُ تَدخُلُ فيه الذَّرّاتُ الجامِدةُ فتَكتَسِبُ لَياقةً تُؤَهِّلُها لتكُونَ ذَرّاتٍ لِعالَمِ البَقاءِ الحَيِّ، ثمَّ تَخرُجُ مِنه، أمّا في الآخِرةِ فإنَّ نُورَ الحَياةِ هناك عامٌّ شامِلٌ لِكُلِّ شَيءٍ لِقَولِه تَعالَى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ، فلا حاجةَ إلى ذلك السَّيرِ والسَّفَرِ والتَّعليماتِ، ولا إلى تِلك التَّعليماتِ والتَّدرِيباتِ لِأَجلِ التَّنَوُّرِ. فالذَّرّاتُ تَبقَى ثابِتةً مُستَقِرّةً. ويُصبِحُ الجِسمُ أَبَدِيًّا معَ اشتِغالِ مَصنَعِ الحَياةِ الجِسمانيّةِ لِاستِمرارِ تَذَوُّقِ اللَّذائِذِ. فعلى الرَّغمِ مِن أنَّ الأَكلَ والشُّربَ والعَلاقاتِ الزَّوجِيّةَ، ناشِئةٌ عن حاجةٍ في هذه الدُّنيا وتُفضِي إلى أَداءِ وَظِيفةٍ، فقد أُودِعَت فيها لَذائِذُ حُلوةٌ ومُتَنوِّعةٌ تَرجَحُ على سائرِ اللَّذائِذِ، أُجرةً مُعجَّلةً لِتلك الوَظِيفةِ.
— 638 —
فما دامَ الأَكلُ والنِّیكاحُ مَدارَ لَذائِذَ عَجِيبةٍ ومُتَنوِّعةٍ إلى هذا الحَدِّ، في دارِ الأَلَمِ هذه، فلا شَكَّ أنَّ تلك اللَّذائِذَ تَتَّخِذُ صُوَرًا رَفيعةً جِدًّا وسامِيةً جِدًّا، في دارِ اللَّذّةِ والسَّعادةِ، وهي الجَنّةُ فَضْلًا عن لَذّةِ الأُجرةِ الأُخرَوِيّةِ للوَظِيفةِ الدُّنيَوِيّةِ، الَّتي تَزِيدُها لَذّةً. وعَلاوةً على لَذّةِ الشَّهِيّةِ الأُخرَوِيّةِ اللَّطِيفةِ نَفسِها، بَدَلًا عنِ الحاجةِ الدُّنيَوِيةِ یی الَّتي تَزِيدُها لَذّةً أُخرَى یی حتَّى تَزدادَ تلك اللَّذائِذُ لَطافةً وذَوْقًا بحَيثُ تكُونُ لَذّةً جامِعةً لِجَمِيعِ اللَّذائذِ، ونَبعًا حَيًّا فَيّاضًا لِلَذائِذَ لائِقةٍ بالجَنّةِ ومُلائِمةٍ للأَبدِيّةِ؛ إذِ المَوادُّ الجامِدةُ الَّتي لا شُعُورَ لها ولا حَياةَ، في دار الدُّنيا هذه، تُصبِحُ هناك ذاتَ شُعُورٍ وحَياةٍ بدَلالةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.
فالأَشجارُ هناك كالإنسانِ هنا، تُدرِكُ الأَوامِرَ وتُنَفِّذُها، والأَحجارُ هناك كالحَيَواناتِ هنا، تُطِيعُ ما تُؤمَرُ. فإذا قُلتَ لِشَجَرةٍ: أَعطِيني ثَمَرةَ كذا. تُعطِيك حالًا، وإن قُلتَ لِحَجَرٍ: تَعالَ هنا. يَأْتيك.
فما دامَتِ الأَشجارُ والأَحجارُ تَتَّخِذُ مِثلَ هذه الدَّرَجاتِ العاليةِ مِنَ الصِّفاتِ، فلا شَكَّ أنَّ الأَكلَ والشُّربَ والنِّیكاحَ یی معَ الحِفاظِ على الحَقِيقةِ الجِسمانيّةِ یی تَتَّخِذُ صُوَرًا رَفيعةً عالِيةً تَفُوقُ دَرَجَتَها الدُّنيَوِيّةَ بنِسبةِ سُمُوِّ دَرَجةِ الجَنّةِ على الدُّنيا.
سُؤالٌ: يَحضُرُ أَعرابيٌّ مَجلِسَ الرَّسُولِ (ص) لِدَقيقةٍ واحِدةٍ، فيَكسِبُ مَحَبّةً للهِ، ويكُونُ معَه (ص) في الجَنّةِ حَسَبَ ما وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «المَرْءُ معَ مَن أَحَبَّ» ، فكيف يُعادَلُ فَيضٌ غيرُ مُتَناهٍ يَنالُه الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) معَ فَيضِ هذا الأَعرابيِّ؟
الجَوابُ: نُشِيرُ إلى هذه الحَقيقةِ السّامِيةِ بمِثالٍ: رَجُلٌ عَظِيمٌ أَعَدَّ ضِيافةً فاخِرةً جِدًّا، في بُستانٍ مُزهِرٍ رائِعِ الجَمالِ، وهَيَّأَ مَعرِضًا في مُنتَهَى الزِّينةِ والإبداعِ، جامِعًا لِجَمِيعِ أَنواعِ المَطعُوماتِ الَّتي تُحِسُّ بها حاسَّةُ الذَّوقِ، شامِلًا جَمِيعَ المَحاسِنِ الَّتي تَرتاحُ إلَيها حاسّةُ البَصَرِ، ومُشتَمِلًا على جَمِيعِ الغَرائِبِ الَّتي تُبهِجُ قُوّةَ الخَيالِ. وهكذا وَضَع فيه كُلَّ ما يُرضِي ويُطَمْئِنُ كلَّ حاسّةٍ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرةِ والباطِنةِ.
والآنَ يَذهَبُ صَدِيقانِ معًا إلى تلك الضِّيافةِ ويَجلِسانِ جَنبًا إلى جَنْبٍ على مائِدةٍ
— 639 —
واحِدةٍ في مَكانٍ مُخَصَّصٍ، ولكن لِكَونِ أَحَدِهما يَملِكُ حاسّةَ ذَوْقٍ ضَعِيفةً، لا يَتَذوَّقُ إلّا شَيئًا قليلًا مِن تلك الضِّيافةِ، ولا يَرَى كَثِيرًا مِنَ الأَشياءِ، لأنَّ بَصَرَه ضَعِيفٌ، ولا يَشَمُّ الرَّوائِحَ الطَّيِّبةَ، لأنَّه فاقِدٌ لِحاسّةِ الشَّمِّ، ولا يَفهَمُ خَوارِقَ الأَشياءِ، لِعَجزِه عن إدراكِ غَرائِبِ الصَّنعةِ.. أي: لا يَستَفِيدُ مِن تلك الرَّوضةِ الرّائعةِ، ولا يَذُوقُ مِن تلك الضِّيافةِ العامِرةِ إلّا واحِدًا مِن أَلفٍ، بل مِن مِليُونٍ مِمّا فيها، وذلك حَسَبَ قابلِيّاتِه الضَّعِيفةِ؛ أمّا الآخَرُ، فلِأنَّ جَمِيعَ حواسِّه الظّاهِرةِ والباطِنةِ، وجَمِيعَ لَطائِفِه مِن عَقلٍ وقَلبٍ وحِسٍّ، كامِلةٌ مُكتَمِلةٌ، مُتَفتِّحةٌ مُنكَشِفةٌ بحيثُ يُحِسُّ بجَمِيعِ دَقائقِ الصَّنعةِ مِن ذلك المَعرِضِ البَهِيجِ، وجَمِيعَ ما فيه مِن جَمالٍ ولَطائِفَ وغَرائِبَ، يُحِسُّ بكُلٍّ مِنها ويَتَذوَّقُها، معَ أنَّه جالِسٌ معَ الرَّجُلِ الأَوَّلِ.
فلَئِن كان هذا حَاصِلًا في هذه الدُّنيا المُضطَرِبةِ المُؤلِمةِ الضَّيِّقةِ، ويكُونُ الفَرقُ بَينَهما كالفَرقِ بينَ الثَّرَى والثُّرَيّا، فلا بُدَّ یی بالطَّرِيقِ الأَولَى یی أن يَأْخُذَ كلُّ امرِئٍ حَظَّه مِن سُفرةِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، في دارِ السَّعادةِ والخُلُودِ، ويُحِسَّ بما فيها على وَفقِ استِعداداتِه، رَغمَ كَونِه معَ مَن يُحِبُّ؛ فالجِنانُ لا تَمنَعُ أن يكُونا معًا بالرَّغمِ مِن تَفاوُتِهما، لأنَّ طَبَقاتِ الجَنّةِ الثَّمانِيَ، كلٌّ مِنها أَعلَى مِنَ الأُخرَى، إلّا أنَّ عَرشَ الرَّحمٰنِ سَقْفُ الكُلِّ، إذ لو بُنِيَت بُيُوتٌ مُتَداخِلةٌ حَولَ جَبَلٍ مَخرُوطِيٍّ، كلُّ مِنها أَعلَى مِنَ الآخَرِ، كالدَّوائرِ المُحِيطةِ بالجَبَلِ، فإنَّ تلك الدَّوائِرَ تَعلُو الواحِدةُ على الأُخرَى، ولكن لا تَمنَعُ الواحِدةُ الأُخرَى عن رُؤيةِ الشَّمسِ، فنُورُ الشَّمسِ يَنفُذُ في البُيُوتِ كُلِّها.. كذلك الجِنانُ شَبِيهةٌ بهذا المِثالِ إلى حَدٍّ مّا، كما يُفهَمُ مِنَ الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ.
سُؤالٌ: وَرَد في أَحادِيثَ شَرِيفةٍ ما مُفادُه: أنَّ المَرأةَ مِن نِساءِ أَهلِ الجَنّةِ يُرَى مُخُّ سُوقِها مِن وَراءِ سَبعِين حُلّةً، ما مَعنَى هذا وما المُرادُ مِنه؟ وكيف يُعَدُّ هذا جَمالًا؟
الجَوابُ: إنَّ مَعناه جَمِيلٌ جِدًّا، بل جَمالُه في مُنتَهَى الحُسنِ واللُّطفِ، وذلك: أنَّه في هذه الدُّنيا القَبِيحةِ المَيتةِ الَّتي أَغلَبُها قِشْرٌ، يَكفِي للجَمالِ والحُسنِ أن يَبدُوَ جَمِيلًا للبَصَرِ، ولا يكُونُ مانِعًا للأُلفةِ؛ بَينَما في الجَنّةِ الَّتي هي جَمِيلةٌ وحَيّةٌ ورائِعةٌ وكُلُّها لُبٌّ
— 640 —
مَحضٌ لا قِشْرَ فيها تَطلُبُ حَواسُّ الإنسانِ كُلُّها، كالبَصَرِ، ولَطائِفُه كلُّها، أَخْذَ حُظُوظِ أَذواقِها المُختَلِفةِ، ولَذائِذِها المُتَبايِنةِ مِنَ الجِنسِ اللَّطِيفِ، وهُنَّ الحُورُ العِينُ، ومِن نِساءِ الدُّنيا لِأَهلِ الجَنّةِ، وهُنَّ يَفْضُلْنَ الحُورَ العِينَ بجَمالِهنَّ، بمَعنَى أنَّ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يُشِيرُ إلى أنَّه ابتِداءً مِن أَعلَى طَبَقةٍ مِن جَمالِ الحُلَلِ حتَّى مُخِّ السِّيقانِ في داخِلِ العِظامِ، كُلٌّ مِنها مَدارُ ذَوْقٍ لِحِسٍّ مُعَيَّنٍ ولِلَطِيفةٍ خاصّةٍ.
نعم، إنَّ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يُشِيرُ بتَعبِيرِ "على كلِّ زَوجةٍ سَبعُون حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سُوقِها" أنَّ الحُورَ العِينَ جامِعةٌ لِكُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الزِّينةِ والحُسنِ والجَمالِ المادِّيّةِ والمَعنَوِيّةِ، الَّتي تُشبِعُ وتُرضِي كلَّ ما في الإنسانِ مِن مَشاعِرَ وحَواسَّ وقُوًى ولَطائِفَ عاشِقةٍ لِلحُسنِ، ومُحِبّةٍ للذَّوقِ، ومَفتُونةٍ بالزِّينةِ، ومُشتاقةٍ إلى الجَمالِ.. بمَعنَى أنَّ الحُورَ يَلبَسْنَ سَبعِين طَرْزًا مِن أَقسامِ زِينةِ الجَنّةِ، دُونَ أن يَستُرَ أَحَدُها الآخَرَ، إذ ليس مِن جِنسِه، بل يُبدِينَ جَمِيعَ مَراتِبِ الحُسنِ والجَمالِ المُتَنوِّعةِ بأَجسادِهِنَّ وأَنفُسِهنَّ وأَجسامِهنَّ بأَكثَرَ مِن سَبعِين مَرتَبةً حتَّى يُظهِرْنَ حَقِيقةَ إشارةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ.
ثمَّ إنَّ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يُبيِّنُ أنَّه ليس لِأَهلِ الجَنّةِ فَضَلاتٌ بعدَ الأَكلِ والشُّربِ، إذ ليس في الجَنّةِ ما لا يُحتاجُ إلَيه مِن مَوادَّ قِشْرِيّةٍ زائِدةٍ. نعم، ما دامَتِ الأَشجارُ في هذه الدُّنيا السُّفلِيّةِ، وهي في أَدنَى مَرتَبةٍ مِن ذَواتِ الحَياةِ، لا تَترُكُ فَضَلاتٍ معَ تَغذِيَتِها الكَثِيرةِ، فلِمَ لا يكُونُ أَهلُ الطَّبَقاتِ العُلْيا، وهم أَهلُ الجَنّةِ دُونَ فَضَلاتٍ؟
سُؤالٌ: لقد وَرَد في أَحادِيثَ نَبَوِيّةٍ هذا المَعنَى: أنه يُنعَمُ على بعضِ أَهلِ الجَنّةِ بمُلكٍ بِقَدْرِ الدُّنيا كُلِّها، ومِئاتِ الآلافِ مِنَ القُصُورِ ومِئاتِ الآلافِ مِنَ الحُورِ العِينِ، فما حاجةُ رَجُلٍ واحِدٍ إلى هذه الكَثْرةِ مِنَ الأَشياءِ؟ وماذا يَلزَمُه مِنها؟ وكيف يكُونُ ذلك؟ وماذا تَعنِي هذه الأَحادِيثُ؟
الجَوابُ: لو كان الإنسانُ جَسَدًا جامِدًا فحَسْبُ، أو كان مَخلُوقًا نَباتِيًّا، وعِبارةً عن مَعِدةٍ فقط، أو عِبارةً عن جِسْمٍ حَيَوانِيٍّ، وكائِنٍ جِسمانِيٍّ مُؤَقَّتٍ بَسِيطٍ مُقَيَّدٍ ثَقِيلٍ،
— 641 —
لَمَا كان يَملِكُ تلك الكَثْرةَ الكاثِرةَ مِنَ القُصُورِ والحُورِ، ولا كانَت تَلِيقُ به، ولكِنَّ الإنسانَ مُعجِزةٌ مِنَ المُعجِزاتِ الإلٰهِيّةِ الباهِرةِ، بحيثُ لو يُعطَى له مُلكُ الدُّنيا كُلِّها وثَروَتُها ولَذائِذُها في هذه الدُّنيا الفانِيةِ وفي هذا العُمُرِ القَصِيرِ فلا يُشبِعُ حِرْصَه، حيثُ هناك حاجاتٌ لِقِسمٍ مِن لَطائِفَ غيرِ مُنكَشِفةٍ.
بَينَما الإنسانُ في دارِ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وهو المالِكُ لِاستِعداداتٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ، يَطرُقُ بابَ رَحمةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ، بلِسانِ احتِياجاتٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ، وبِيَدِ رَغَباتٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ، فلا شَكَّ أنَّ نَيلَه لإحساناتٍ إلٰهِيّةٍ كما وَرَد في الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ مَعقُولٌ وحَقٌّ وحَقِيقةٌ قَطْعًا.
وسنَرصُدُ هذه الحَقِيقةَ السّامِيةَ بمِنظارٍ تَمثِيليٍّ على النَّحوِ الآتي: إنَّ لِكُلِّ بُستانٍ مِنَ البَساتِينِ المَوجُودةِ في "بارْلا" صَاحِبَه ومالِكَه كما هي الحالُ في بُستانِ هذا الوادِي، (حاشية): هو بُستانُ سُلَيمانَ الذي خَدَم هذا الفَقِيرَ ثمانِيَ سَنَواتٍ بوَفاءٍ تامٍّ، وقد كُتِب هذا البَحثُ هناك في غُضُونِ ما يَقرُبُ مِن ساعتَينِ. إلّا أنَّ كلَّ نَحلٍ وطَيرٍ وعُصفُورٍ في "بارْلا" يَستَطِيعُ القَولَ: إنَّ جَمِيعَ بَساتِينِ "بارْلا" ورِياضَها مُتَنزَّهاتي ومَيدانُ جَوَلاني، بالرَّغمِ مِن أنَّه تَكفِيه حَفْنةٌ مِن قُوتٍ. أي: إنَّه يَضُمُّ "بارْلا" كُلَّها في مِلكِه؛ ولا يَجرَحُ حُكمَه هذا اشتِراكُ الآخَرِين معَه.
وكذلك الإنسانُ یی الَّذي هو حَقًّا إنسانٌ یی يَصِحُّ له أن يقُولَ: إنَّ خالِقِي قد جَعَل لي هذه الدُّنيا كُلَّها بَيْتًا، والشَّمسَ سِراجًا، والنُّجُومَ مَصابِيحَ، والأَرضَ مَهْدًا مَفرُوشًا بزَرابِيَّ مَبثُوثةٍ مُزهِرةٍ. يقُولُ هذا ويَشكُرُ رَبَّه؛ ولا يَنقُضُ حُكمَه هذا اشتِراكُ المَخلُوقاتِ الأُخرَى معَه في الدُّنيا، بلِ المَخلُوقاتُ تُزَيِّنُ بَيتَه وتُجَمِّلُه.
تُرَى! لوِ ادَّعَى إنسانٌ أو طَيرٌ نَوعًا مِنَ التَّصَرُّفِ، في مِثلِ هذه الدَّوائِرِ العُظمَى، ونالَ نِعَمًا جَسِيمةً في هذه الدُّنيا الضَّيِّقةِ جِدًّا، فكيف يُستَبعَدُ إذًا الإحسانُ إلَيه بمُلكٍ عَظِيمٍ، مَسِيرةُ عَرْضِه خَمسُ مِئةِ عامٍ في دارِ سَعادةٍ واسِعةٍ أَبَدِيّةٍ؟
ثمَّ إنَّنا نُشاهِدُ ونَعلَمُ في هذه الدُّنيا الكَثِيفةِ المُظلِمةِ الضَّيِّقةِ وُجُودَ الشَّمسِ بعَينِها
— 642 —
في مَرايا كَثِيرةٍ جِدًّا في آنٍ واحِدٍ.. ووُجُودَ ذاتٍ نُورانيّةٍ في أَماكِنَ كَثِيرةٍ في آنٍ واحِدٍ.. وحُضُورَ جَبْرائيلَ عَليهِ السَّلام في أَلفِ نَجمٍ ونَجمٍ وأَمامَ العَرْشِ الأَعظَمِ، وفي الحَضْرةِ النَّبَوِيّةِ وفي الحَضْرةِ الإلٰهِيّةِ في آنٍ واحِدٍ.. ولِقاءَ الرَّسُولِ (ص) أَتقِياءَ أُمَّتِه في الحَشرِ الأَعظَمِ في آنٍ واحِدٍ.. وظُهُورَه (ص) في الدُّنيا في مقاماتٍ لا تُحَدُّ في آنٍ واحِدٍ.. ومُشاهَدةَ الأَبدالِ یی وهم نَوعٌ غَريبٌ مِنَ الأَولياءِ یی في أَماكِنَ كَثِيرةٍ في وَقتٍ واحِدٍ.. وإنجازَ العَوامِّ مِنَ النّاسِ في الرُّؤيا ومُشاهَدَتَهم عَمَلَ سَنةٍ كامِلةٍ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ.. ووُجُودَ كلِّ إنسانٍ بالقَلبِ والرُّوحِ والخَيالِ في أَماكِنَ كَثِيرةٍ، وتَكوِينَ عَلاقاتٍ معَها في آنٍ واحِدٍ.. كلُّ ذلك مَعلُومٌ ومَشهُودٌ لَدَى النّاسِ.
فلا شَكَّ أنَّ وُجُودَ أَهلِ الجَنّةِ یی الَّذين تكُونُ أَجسامُهم في قُوّةِ الرُّوحِ وخِفَّتِها وفي سُرعةِ الخَيالِ یی في مِئةِ أَلفِ مَكانٍ ومُعاشَرَتَهم مِئةَ أَلفٍ مِنَ الحُورِ العِينِ، وتَلَذُّذَهم بمِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ اللَّذائِذِ، في وَقتٍ واحِدٍ.. لائِقٌ بتلك الجَنّةِ الأَبَدِيّةِ، الجَنّةِ النُّورانيّةِ، غيرِ المُقيَّدةِ، الواسِعةِ، ومُلائِمٌ تَمامًا معَ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، ومُنطَبِقٌ تَمامًا معَ ما أَخبَرَ به الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) فهو حَقٌّ وحَقِيقةٌ؛ ومعَ كلِّ هذا فإنَّ تلك الحَقائِقَ العَظِيمةَ السّامِيةَ جِدًّا لا تُوزَنُ بمَوازِينِ عُقُولِنا الصَّغِيرةِ.
نعم، لا يَلزَمُ العُقُولَ الصَّغِيرةَ إدراكُ تلك المَعاني، لأنَّ هذا المِيزانَ لا يَتَحمَّلُ ثِقَلًا بهذا القَدْرِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى حَبِيبِكَ الَّذِي فَتَحَ أَبوَابَ الجَنَّةِ بِحَبِيبِيَّتِهِ وبِصَلَاتِهِ، وأَيَّدَتْه أُمَّتُهُ عَلَى فَتحِهَا بِصَلَوَاتِهِم عَلَيهِ، عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ.
اللَّهُمَّ أَدخِلنَا الجَنّةَ مَعَ الأبرَارِ بِشَفَاعَةِ حَبِيبِكَ المُختَارِ.. آمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 643 —
ذَيلٌ صغيرٌ
يَخُصُّ جَهَنَّمَ
إنَّ الإيمانَ يَضُمُّ بِذْرةَ جَنّةٍ مَعنَوِيّةٍ، كما أنَّ الكُفرَ يُخفِي نَواةَ زَقُّومِ جَهَنَّمَ مَعنَوِيّةٍ، كما أَثبَتْنا ذلك في الكَلِمةِ الثّانيةِ والثّامِنةِ.
إذ كما أنَّ الكُفرَ بِذْرةٌ لِجَهَنَّمَ، فجَهَنَّمُ كذلك ثَمَرةٌ له؛ وكما أنَّ الكُفرَ سَبَبٌ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ، كذلك سَبَبٌ لِوُجُودِها وإيجادِها، لأنَّه لو كان هُناك حاكِمٌ صَغِيرٌ ذُو عِزّةٍ وغَيرةٍ وجَلالٍ بَسِيطٍ، وقال له رَجُلٌ فاسِدُ الخُلُقِ مُتَحَدِّيًّا: "إنَّك لا تَقدِرُ على تَأْدِيبِي، ولن تَقدِرَ علَيه". فلا شَكَّ أنَّه سيَبْني سِجْنًا لِذلك الشَّقيِّ ويُلقِيه فيه ولو لم يَكُن هناك سِجْنٌ.
بَينَما الكافِرُ بإنكارِه وُجُودَ جَهَنَّمَ، يُكَذِّبُ مَن له العِزّةُ المُطلَقةُ والغَيرةُ المُطلَقةُ والجَلالُ المُطلَقُ، ويُسنِدُ إلى القَدِيرِ المُطلَقِ العَجْزَ، ويَتَّهِمُه بالكَذِبِ والعَجْزِ؛ فهو بكُفرِه يَتَعرَّضُ لِعِزَّتِه بشِدّةٍ، ويَمَسُّ غَيرَتَه بقُوّةٍ، ويَطعَنُ في جَلالِه بعِصيانٍ.. فلا شَكَّ أنَّه لو لم يكُن لِوُجُودِ جَهَنَّمَ أَيُّ سَبَبٍ كان یی وهو فَرْضُ مُحالٍ یی فإنَّه سُبحانَه يَخلُقُ جَهَنَّمَ لِذلك الكافِرِ الَّذي يَتَضمَّنُ كُفرُه هذا الحَدَّ مِنَ التَّیكذِيبِ وإسنادِ العَجْزِ، ويُلقِيه فيها.
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
٭ ٭ ٭
— 644 —

الكلمة التاسعة والعشرون

تخُصُّ بقاءَ الرُّوح والملائكة والحشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
هذا المقام عبارة عن مقصَدَينِ أساسَينِ مع مقدِّمة

المقدِّمة

يَصِحُّ القولُ بأنَّ وُجُودَ المَلائِكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ ثابِتٌ كثُبُوتِ وُجُودِ الإنسانِ والحَيَوانِ، فكما بَيَّنّا في المَرتَبةِ الأُولَى مِنَ "الكَلِمةِ الخامِسةَ عَشْرةَ": أنَّ الحَقِيقةَ تَقتَضِي قَطْعًا، والحِكْمةَ تَستَدعِي يَقِينًا، أن تكُونَ للسَّماواتِ یی كما هي لِلأَرضِ یی مِن ساكِنِين؛ ولا بُدَّ أنَّهم ذَوُو شُعُورٍ، وهم مُتَلائِمُون معَها كلَّ التَّلاؤُمِ؛ وفي مُصطَلَحِ الدِّينِ يُسَمَّى أُولَئك السّاكِنُون مِن ذَوِي الأَجناسِ المُختَلِفةِ بی"المَلائِكةِ" و"الرُّوحانيّاتِ".
نعم، إنَّ الحَقِيقةَ تَقتَضِي هذا.. فرَغمَ ضَآلةِ كُرَتِنا الأَرضِيّةِ وصِغَرِها قِياسًا إلى السَّماءِ، فإنَّ مَلْأَها بمَخلُوقاتٍ ذَواتِ مَشاعِرَ، بينَ حِينٍ وآخَرَ، وإخلاءَها مِنهم، وتَزيِينَها بآخَرِين جُدُدٍ، يُشِير بل يُصَرِّحُ: أنَّ السَّماواتِ ذاتَ البُرُوجِ المُشَيَّدةِ وكأنَّها
— 645 —
قُصُورٌ مُزَيَّنةٌ، لا بُدَّ أنَّها مَلْأَى أَيضًا بذَوِي حَياةٍ مُدرِكِين واعِين، الَّذِين هم نُورُ الوُجُودِ؛ ومِن ذَوِي الشُّعُورِ الَّذين هم ضِياءُ الأَحياءِ؛ وأنَّ تلك المَخلُوقاتِ یی كالإنسِ والجِنِّ یی هم كذلك مُشاهِدُو قَصْرِ هذا العالَمِ الفَخْمِ، ومُطالِعُو كِتابِ الكَونِ هذا، والدّاعُون الأَدِلّاءُ إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ؛ ويُمَثِّیلُون بعُبُودِيَّتِهمُ الكُلِّيّةِ الشّامِلةِ تَسابِيحَ الكائِناتِ، وأَورادَ المَوجُوداتِ الضَّخْمةِ.
أَجَل، إنَّ كَيفِيّةَ هذه الكائِناتِ تَدُلُّ على وُجُودِ المَلائِكةِ؛ لأنَّ تَزيِينَ الكائِناتِ بدَقائِقِ الصَّنعةِ المُبدِعةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وبمَحاسِنَ ذاتِ مَعانٍ ونُقُوشٍ حَكِيمةٍ، يَتَطلَّبُ بالبَداهةِ أَنظارَ مُتَفكِّرِين ومُستَحسِنِين، ومُعجَبِين مُقَدِّرِين.. أي: يَستَدعِي وُجُودَهم.
نعم، كما أنَّ الجَمالَ يَطلُبُ العاشِقَ، والطَّعامَ يُعطَى للجائِعِ، فلا بُدَّ أنَّ غِذاءَ الأَرواحِ وقُوتَ القُلُوبِ في هذه الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ الجَمِيلةِ الرّائِعةِ يَدُلُّ على وُجُودِ المَلائِكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ ويَتَوجَّهُ إلَيهِم؛ ولَمّا كانَت هذه التَّزيِيناتُ غيرُ النِّهائيّةِ في الكَونِ تَتَطلَّبُ تَأَمُّلًا وعُبُودِيّةً غيرَ مَحدُودةٍ، وأنَّ الإنسَ والجِنَّ لا يُمكِنُهُما القِيامُ إلّا بقِسْطٍ ضَئِيلٍ جِدًّا یی واحِدٍ مِن مِليُونٍ یی مِن هذه الوَظِيفةِ غيرِ النِّهائيّةِ، ومِن هذه الرُّؤيةِ الحَكِيمةِ، ومِن هذه العُبُودِيّةِ الواسِعةِ.. فلا بُدَّ أن تكُونَ لِهذه الوَظائِفِ غيرِ النِّهائيّةِ والعِباداتِ المُتَنوِّعةِ، أَنواعٌ غيرُ نِهائيّةٍ أَيضًا مِنَ "المَلائكةِ" وأَجناسٌ غيرُ مَحدُودةٍ مِنَ "الرُّوحانيّاتِ"، كي يَعْمُرُوا بصُفُوفِهِمُ المُتَراصّةِ ويَملَؤُوا هذا المَسجِدَ الكَبِيرَ.. هذا العالَمَ.. هذا الكَونَ..
أَجَل، ففي كلِّ جِهةٍ مِن هذا الكَونِ، وفي كلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِه، هناك "مُوظَّفُون" مِن طَبَقةِ "المَلائِكةِ والرُّوحانيّاتِ" قد أُسنِدَ إلَيهم واجِبُ القِيامِ بعُبُودِيّةٍ مَخصُوصةٍ.. فاستِنادًا إلى إشاراتِ بعضِ الأَحادِيثِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ مِن جِهةٍ، واستِلهامًا مِن حِكمةِ انتِظامِ هذا العالَمِ مِن جِهةٍ أُخرَى، يَصِحُّ القَولُ: إنَّ بَعضًا مِنَ الأَجسامِ الجامِدةِ السَّيّارةِ، ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ وانتِهاءً بقَطَراتِ المَطَرِ، إنَّما هي سُفُنٌ ومَراكِبُ لقِسمٍ مِنَ المَلائِكةِ،
— 646 —
فهم يَركَبُونَها بإذنٍ إلٰهِيٍّ، ويُشاهِدُون عالَمَ الشَّهادةِ سائِحِين فيه، ويُمَثِّیلُون "تَسبِيحاتِ" تلك المَراكِبِ.. وحيثُ إنَّ الشُّهَداءَ «أَرواحُهُم في جَوفِ طَيرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ مِنَ الجَنّةِ» ، كما جاءَ في حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ شَرِيفٍ، لِذا يَصِحُّ القَولُ: إنَّه ابتِداءً مِمّا أَشارَ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ مِن "طَيرٍ خُضْرٍ" إلى النَّحلِ مِنَ الأَجسامِ الحَيّةِ، هي طائِراتٌ لِأَجناسٍ مِنَ الأَرواحِ، فهي تَحُلُّ في أَجسادِ تلك الأَحياءِ، بأَمرِ اللهِ الحَقِّ، وتُشاهِدُ العالَمَ المادِّيَّ مِن خِلالِ حَواسِّها كالأَعيُنِ والآذانِ، وتَتَفرَّجُ على رَوائِعِ المُعجِزاتِ الفِطرِيّةِ فيه، وبذلك تُؤَدِّي تَسبِيحاتِها المَخصُوصةَ..
وهكذا، فكما اقتَضَتِ الحَقِيقةُ وُجُودَ المَلائِكةِ والرُّوحانيّاتِ، كذلِك تَقتَضِيه الحِكمةُ:
لِأنَّ الفاطِرَ الحَكِيمَ الَّذي يَخلُقُ باستِمرارٍ وبفَعّاليّةٍ جادّةٍ حَياةً لَطِيفةً ذاتَ إدراكٍ مُتَنوِّرٍ، مِن هذا التُّرابِ الكَثِيفِ على ضَآلةِ عَلاقَتِه بالرُّوحِ، ومِنَ الماءِ العَكِرِ على جُزئيّةِ تَعَلُّقِه بنُورِ الحَياةِ؛ لا بُدَّ أن يكُونَ له أيضًا مَخلُوقاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا ذواتُ شُعُورٍ، قد خُلِقَت مِن بَحرِ النُّورِ، وحتَّى مِن مُحِيطِ الظُّلمةِ، ومِنَ الهَواءِ، ومِنَ الكَهرَباءِ، ومِن سائِرِ المَوادِّ اللَّطِيفةِ الَّتي هي أَلْيَقُ بالرُّوحِ وأَنسَبُ للحَياةِ وأَقرَبُ إلَيها.
— 647 —

المَقصَدُ الأوَّلُ

"التَّصدِيقُ بالمَلائكةِ رُكنٌ مِن أَركانِ الإيمانِ"
في هذا المَقصَدِ أَربَعُ نِكاتٍ أَساسِيّة:

الأساسُ الأوَّل

إنَّ كَمالَ الوُجُودِ معَ الحَياةِ، بل إنَّ الوُجُودَ الحَقيقيَّ للوُجُودِ كائِنٌ معَ الحَياةِ؛ فالحَياةُ نُورُ الوُجُودِ، والشُّعُورُ ضِياءُ الحَياةِ؛ والحَياةُ رَأْسُ كلِّ شَيءٍ وأَساسُه، وهي الَّتي تَجعَلُ كلَّ شَيءٍ مِلْكًا لكُلِّ كائِنٍ حَيٍّ، فتَجعَلُ الشَّيءَ الحَيَّ الواحِدَ بحُكْمِ المالِكِ لِجَمِيعِ الأَشياءِ، فبِالحَياةِ يَتَمكَّنُ الشَّيءُ الحَيُّ أن يقُولَ: "إنَّ هذه الأَشياءَ مِلكِي، والدُّنيا مَسكَنِي، والكائِناتُ كُلُّها مِلكٌ أَعطانِيه مالِكِي".. وكما أنَّ الضَّوءَ سَبَبٌ لِرُؤيةِ الأَجسامِ وسَبَبٌ لِظُهُورِ الأَلوانِ یی على قَولٍ یی كذلك الحَياةُ هي كَشّافةٌ للمَوجُوداتِ، وسَبَبٌ لِظُهُورِها، وسَبَبٌ لِتَحَقُّقِ النَّوعِيّاتِ.. وهي الَّتي تَجعَلُ جُزءَ الجُزئيِّ بحُكمِ الكُلِّ والكُلِّيِّ، وسَبَبٌ لِحَصرِ الأَشياءِ الكُلِّيّةِ في الجُزءِ، وسَبَبٌ لِجَميعِ كَمالاتِ الوُجُودِ؛ كإشراكِها وتَوحِيدِها الأَشياءَ الوَفيرةَ، وجَعْلِها مَدارًا لِوَحدةٍ واحِدةٍ ومَظهَرًا لِرُوحٍ واحِدةٍ.. حتَّى إنَّ الحَياةَ نَوعٌ مِن تَجَلِّي الوَحدةِ في طَبَقاتِ الكَثْرةِ مِنَ المَخلُوقاتِ، فهي مِرآةٌ للأَحَدِيّةِ في الكَثْرةِ..
والآن لِنُوضِّحْ:
انظُرْ إلى الجِسمِ الجامِدِ، وإن كان جَبَلًا شاهِقًا، فهُو غَرِيبٌ.. يَتِيمٌ.. وَحِيدٌ.. إذ تَنحَصِرُ عَلاقَتُه وصِلَتُه بمَكانِه، وما يَتَّصِلُ به مِن أَشياءَ فَقَط، وما يُوجَدُ في الكائِناتِ الأُخرَى مَعدُومٌ بالنِّسبةِ إلَيه، وذلك لأَنَّه ليس له "حَياةٌ" حتَّى يَتَّصِلَ بها، ولا "شُعُورٌ" حتَّى يَتَعلَّقَ به.
ثمَّ انظُرْ إلى جِسمٍ صَغِيرٍ حَيٍّ كالنَّحلِ مَثَلًا، ففي الوَقتِ الَّذي تَدخُلُ فيه "الحَياةُ" فإنَّه يُقِيمُ عَقْدًا تِجارِيًّا وصِلةً معَ جَمِيعِ الكائِناتِ والمَوجُوداتِ، وخاصّةً معَ نَباتاتِ
— 648 —
الأَرضِ وأَزهارِها بحَيثُ يُمكِنُه القَولُ: "إنَّ جَمِيعَ الأَرضِ هي حَدِيقَتِي ومَتْجَرِي.".. فهُناك إذًا یی عدا الحَواسِّ المَعرُوفةِ الظّاهِرةِ والباطِنةِ في الأَحياءِ، دَوافِعُ فِطرِيّةٌ أُخرَى غيرُ مَعرُوفةٍ كأَحاسِيسَ سائِقةٍ ومُشَوِّقةٍ تُعطِي للنَّحلِ فُرصةَ التَّصَرُّفِ وإمكانيّةَ الإِحساسِ والأُنسِ والتَّبادُلِ معَ أَكثَرِ أَنواعِ المَوجُوداتِ في الدُّنيا.
ولَئِن كانَتِ الحَياةُ تُظهِرُ تَأْثِيرَها هكذا في كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ، فلا بُدَّ أنَّها كُلَّما عَلَتْ وارتَقَتْ إلى مَرتَبةٍ عُلْيا وهي المَرتَبةُ الإنسانيّةُ، فإنَّ تَأْثِيرَها يَتَّسِعُ ويَكبُرُ ويَتَنوَّرُ، بحَيثُ يَجُولُ هذا الإنسانُ بعَقلِه وشُعُورِه یی الَّذي هو ضِياءُ الحَياةِ یی في العَوالِمِ العُلْوِيّةِ والرُّوحِيّةِ والمادِّيّةِ كما يَجُولُ في غُرَفِ دارِه.. وهذا يَعنِي أنَّه مِثلَما يُسافِرُ ذلك الكائِنُ الحَيُّ ذُو الشُّعُورِ إلى تلك العَوالِمِ مَعنَوِيًّا، فإنَّ تلك العَوالِمَ تَأْتِي وتكُونُ ضُيُوفًا على مِرآةِ رُوحِه بارتِسامِها وتَمَثُّلِها فيها.
والحَياةُ بحَدِّ ذاتِها أَسطَعُ بُرهانٍ لِوَحدانيّةِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، وأَوسَعُ مَجالٍ لِنِعمَتِه العَظِيمةِ، وأَلطَفُ تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحمَتِه، وأَدَقُّ نَقْشٍ مِن نُقُوشِ صَنْعَتِه الخَفِيّةِ النَّزِيهةِ.
نعم، إنَّها خَفِيّةٌ ودَقيقةٌ، لأنَّ تَنَبُّهَ "العُقدةِ الحَياتيّةِ" أي: تَفَتُّحَها ونُمُوَّها في البِذرةِ یی الَّتي هي أُولَى مَراتِبِ الحَياةِ في النَّباتِ الَّذي يُمَثِّیلُ أَدنَى أَنواعِ الحَياةِ یی بَقِيَ مَستُورًا عن أَنظارِ عِلمِ البَشَرِ مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَليهِ السَّلام، رَغمَ شِدّةِ ظُهُورِه وكَثرَتِه والإلفةِ به، ولم تَنكَشِفْ حَقِيقَتُه الصّائِبةُ لِعَقلِ البَشَرِ لِحَدِّ الآنَ بجَلاءٍ.
والحَياةُ نَزِيهةٌ نَقِيّةٌ بحَيثُ إن وَجْهَيْها یی المُلْكِ والمَلَكُوتِ یی صافِيانِ وشَفّافانِ، إذ إنَّ يَدَ القُدرةِ تُباشِرُ أَعمالَها فيها دُونَ وَضْعٍ لِسِتارِ الأَسبابِ، في حِينِ أنَّها جَعَلَتِ الأَسبابَ الظّاهِرِيّةَ حِجابًا لِتَصَرُّفهِا في سائِرِ الأُمُورِ الأُخرَى، كي تكُونَ مَنْشَأً للأُمُورِ الخَسِيسةِ وللكَيفِيّاتِ غيرِ النَّزِيهةِ الَّتي تُنافِي عِزّةَ القُدرةِ في ظاهِرِ الأَمرِ.
والخُلاصةُ: يَصِحُّ القَولُ: إن لم تكُن هُناك حَياةٌ فالوُجُودُ ليس بوُجُودٍ، ولا يَختَلِفُ عنِ العَدَمِ، فالحَياةُ ضِياءُ الرُّوحِ والشُّعُورُ نُورُ الحَياةِ.
— 649 —
ولَمّا كانَتِ الحَياةُ والشُّعُورُ لَهُما هذه الأَهَمِّيّةُ، وما دُمْنا نُشاهِدُ كلَّ هذا النِّظامِ المُتقَنِ في هذا العالَمِ، ونَرَى هذه الدِّقّةَ والإتقانَ والإحكامَ التّامَّ والِانسِجامَ الكامِلَ في الكَونِ، وما دامَت كُرَتُنا الأَرضِيّةُ یی وهي كذَرّةٍ بالنِّسبةِ إلى الكَونِ یی تَزخَرُ بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن ذَوِي الأَرواحِ وذَوِي المَشاعِرِ والإدراكِ، فلا بُدَّ أن يُحكَمَ بحَدْسٍ صادِقٍ ويُقَرَّرَ بيَقِينٍ قاطِعٍ أنَّ جَوانِبَ هذه القُصُورِ السَّماوِيّةِ والبُرُوجِ الشّاهِقةِ تَدِبُّ فيها سَكَنةٌ مِنَ الأَحياءِ وذَوِي المَشاعِرِ بما يُلائِمُها ويَتَجاوَبُ معَها، إذ كما أنَّ السَّمَكَ يَعِيشُ في الماءِ، كذلك مِنَ المُمكِنِ أن يُوجَدَ سَكَنةٌ نُورانِيُّون في لَهِيبِ الشَّمسِ مِمَّن يَتَلاءَمُون معَها، لأنَّ النّارَ لا تُحرِقُ النُّورَ بل تُمِدُّه وتُدِيمُه.
وما دامَتِ القُدرةُ الإلٰهِيّةُ تَخلُقُ أَحياءً وذَوِي أَرواحٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى مِن مَوادَّ عادِيّةٍ جِدًّا، بل مِن أَكثَفِ العَناصِرِ، وتُبَدِّلُ المادّةَ الكَثِيفةَ الغَلِيظةَ بالحَياةِ إلى مادّةٍ لَطِيفةٍ بكُلِّ عِنايةٍ وإتقانٍ، وتَنْشُرُ نُورَ الحَياةِ في كلِّ شَيءٍ بغَزارةٍ، وتُرَصِّعُ أَغلَبَ الأَشياءِ بضِياءِ الشُّعُورِ، فلا بُدَّ أنَّ ذلك القَدِيرَ الحَكِيمَ لن يُهمِلَ بقُدرَتِه الكامِلةِ وبحِكمَتِه التّامّةِ، النُّورَ والأَثِيرَ وأَمثالَهما مِنَ السَّيّالاتِ اللَّطِيفةِ والقَرِيبةِ، بلِ المُلائِمةِ للرُّوحِ، دُونَ حَياةٍ، ولن يَتْرُكَه جامِدًا ولن يَدَعَه دُونَ شُعُورٍ، وإنَّما الأَولَى أن يَخلُقَ جَلَّت قُدرَتُه وحِكمَتُه أَحياءً وذَوِي شُعُورٍ مِن تلك المَوادِّ السَّيّالةِ اللَّطِيفةِ، مِن مادّةِ النُّورِ وحتَّى مِنَ الظَّلامِ وحتَّى مِن مادّةِ الأَثيرِ وحتَّى مِنَ المَعاني وحتَّى مِنَ الهَواءِ وحتَّى مِنَ الكَلِماتِ، فيَخلُقُ كَثْرةً كاثِرةً مِنَ المَخلُوقاتِ ذَواتِ الأَرواحِ المُختَلِفةِ یی كالأَجناسِ الكَثِيرةِ المُختَلِفةِ للحَيَواناتِ یی فيَصِيرُ قِسمٌ مِنها المَلائِكةَ وقِسمٌ آخَرُ أَجناسَ الجِنِّ والرُّوحانِيّاتِ.
وفي المِثالِ الآتي يَتَبيَّنُ لك كم تكُونُ فِكرةُ وُجُودِ المَلائِكةِ والرُّوحانيّاتِ بكَثْرةٍ، كما بَيَّنَه القُرآنُ الكَرِيمُ، حَقيقةً وبَداهةً وأَمْرًا مَعقُولًا، وكم يكُونُ الرَّفْضُ وعَدَمُ القَبُولِ خِلافًا للحَقِيقةِ والحِكمةِ، بل خُرافةً وضَلالةً وهَذَيانًا وبَلاهةً:
يَتَصادَقُ اثنانِ أَحَدُهما بَدَوِيٌّ وآخَرُ حَضَرِيٌّ، كانا يَسِيرانِ معًا إلى مَدِينةٍ عَظِيمةٍ یی كإسطَنْبُولَ یی وقَبلَ دُخُولِهما المَدِينةَ وفي زاوِيةٍ مِن زَواياها يُصادِفانِ مَبنًى صَغِيرًا ووَرْشةً قَذِرةً، فيُبصِرانِ المَبنَى مَمْلُوءًا برِجالٍ مَساكِينَ يَعمَلُون مَنهُوكِين في هذا
— 650 —
المَعمَلِ الغَرِيبِ، ويُلاحِظانِ حَولَ المَعمَلِ حَيَواناتٍ وأَحياءً أُخرَى أَيضًا تَقْتاتُ كُلٌّ بطَرِيقَتِها الخاصّةِ حَسَبَ شَرائِطِ حَياتِها؛ فمِنها ما يَأْكُلُ النَّباتَ وأُخرَى تَأْكُلُ الأَسماكَ فقط، وهكذا.. وفيما هما يُراقِبانِ أَحوالَ هَؤُلاءِ إذا بهما يَرَيانِ على بُعْدٍ مِنهُما آلافًا مِنَ العِماراتِ المُزَيَّنةِ والقُصُورِ العالِيةِ تَفصِلُ بَينَها مَيادِينُ وفُسَحٌ واسِعةٌ، إلّا أنَّ سُكّانَ تلك العِماراتِ الرّائِعةِ لا يَظهَرُون لهما، إمّا لِبُعدِهِما عنهم، أو لِضَعفِ نَظَرِهما، أو لِاختِفاءِ سَكَنةِ تلك القُصُورِ أَنفُسِهِم، ولا تُوجَدُ شَرائِطُ الحَياةِ الَّتي في هذه الوَرْشةِ القَذِرةِ في تلك القُصُورِ العالِيةِ.
فالبَدَوِيُّ الَّذي لم يَرَ المَدِينةَ في حَياتِه قال: "إنَّ تلك العِماراتِ خالِيةٌ مِن أَهلِها ولا أَحَدَ فيها مِنَ الأَحياءِ، إذ إنَّني لا أَراهُم، وليس هناك ما يُشِيرُ إلى الحَياةِ كحَياتِنا أصلًا"، فأَظهَرَ بهَذَيانِه هذا حَماقَتَه الشَّدِيدةَ.
أَجابَه صَدِيقُه العاقِلُ الرَّزِينُ: يا هذا! أما تَرَى أنَّ هذا المَسْكَنَ البَسِيطَ الحَقِيرَ مَلِيءٌ بالأَحياءِ وليس هُناك شِبْرٌ مِن فَراغٍ حَوْلَنا لم يُملَأْ بالأَحياءِ والعامِلِين؟! فهُناك مَن يُبَدِّلُهم ويُجَدِّدُهم دائِمًا ويَستَخدِمُهم أَبَدًا.. فانظُرِ الآنَ هل مِنَ المُمكِنِ أن تكُونَ تلك العِماراتُ الرّائِعةُ المُنتَظِمةُ والتَّزيِيناتُ الحَكِيمةُ، والقُصُورُ الباذِخةُ على بُعدِها عَنَّا خالِيةً مِن أَهلِها المُتَلائِمِين معَها؟. إنَّها لا بُدَّ قد مُلِئَت جَمِيعًا بذَوِي أَرواحٍ، لهم شَرائِطُ حَياةٍ أُخرَى خاصّةٌ بهم، فلَرُبَّما يَأْكُلُون بَدَلًا مِنَ الأَعشابِ والأَسماكِ شَيْئًا آخَرَ، فإنَّ عَدَمَ رُؤيَتِهم یی لبُعدِهم أو لِقِصَرِ النَّظَرِ أو اختِفائِهم یی لا يُقِيمُ دَليلًا أَبَدًا على عَدَمِ وُجُودِهم، إذ إنَّ عَدَم الرُّؤيةِ لا يَدُلُّ مُطلَقًا على عَدَمِ الوُجُودِ. وليس عَدَمُ الظُّهُورِ بحُجّةٍ قَطْعًا على عَدَمِ الوُجُودِ.
وقِياسًا على هذا المِثالِ البَسِيطِ الواضِحِ: إنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ وهي واحِدةٌ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ، على كَثافَتِها وضَآلةِ حَجْمِها، قد أَصبَحَت مَوْطِنًا لِما لا يُحَدُّ مِنَ الأَحياءِ وذَوِي المَشاعِرِ، حتَّى لقد أَصبَحَتْ أَقْذَرُ وأَخَسُّ الأَماكِنِ فيها مَنابِعَ ومَواطِنَ لِكَثيرٍ مِنَ الأَحياءِ، ومَحْشَرًا ومَعْرِضًا للكائِناتِ الدَّقيقةِ؛ فالضَّرُورةُ والبَداهةُ والحَدْسُ الصّادِقُ واليَقِينُ القاطِعُ جَمِيعًا تَدُلُّ وتَشْهَدُ بل تُعلِنُ أنَّ هذا الفَضاءَ الواسِعَ والسَّماواتِ
— 651 —
ذاتَ البُرُوجِ والأَنجُمَ والكَواكِبَ كُلَّها مَلِيئةٌ بالأَحياءِ وبذَوِي الإدراكِ والشُّعُورِ؛ ويُطلِقُ القُرآنُ الكَرِيمُ والشَّرِيعةُ الغَرّاءُ على أُولَئِك الأَحياءِ الشّاعِرِين والَّذين خُلِقُوا مِنَ النُّورِ والنّارِ ومِنَ الضَّوءِ والظَّلامِ والهَواءِ ومِنَ الصَّوتِ والرّائِحةِ ومِنَ الكَلِماتِ والأَثِيرِ وحتَّى مِنَ الكَهرَباءِ وسائِرِ السَّيّالاتِ اللَّطِيفةِ الأُخرَى بأَنَّهم: مَلائِكةٌ.. وجانٌّ.. ورُوحانيّاتٌ. ولكن كما أنَّ الأَجسامَ أَجناسٌ مُختَلِفةٌ كذلك المَلائِكةُ، إذ ليس المَلَكُ المُوَكَّلُ على قَطْرةِ المَطَرِ مِن جِنسِ المَلَكِ المُوَكَّلِ على الشَّمسِ. وكذلك الجِنُّ والرُّوحانيّاتُ لهم أَجناسٌ مُختَلِفةٌ كَثِيرةٌ.
خاتِمةُ هذه النُّكتة الأساسِ
لقد ثَبَت بالتَّجرِبةِ أنَّ المادّةَ لَيسَت أَساسًا وأَصْلًا لِيَبقَى الوُجُودُ مُسَخَّرًا مِن أَجلِها وتابِعًا لها، بل هي قائِمةٌ بی"مَعنًى"، وهذا المَعنَى هو الحَياةُ.. هو الرُّوحُ..
وتُرِينا المُشاهَدةُ والمُلاحَظةُ كذلك أنَّ المادّةَ لا تكُونُ مُطاعةً حتَّى يُرْجَعَ إلَيها كلُّ شَيءٍ، وإنَّما هي وَسِيلةٌ مُطِيعةٌ خادِمةٌ لإكمالِ حَقِيقةٍ مُعيَّنةٍ.. هذه الحَقيقةُ هي الحَياةُ.. وأَساسُها هو الرُّوحُ.
ومِنَ البَدِيهيِّ أنَّ المادّةَ لَيسَت هي الحاكِمةَ حتَّى يُستَجْدَى على بابِها وتُطلَبَ أو تُنتَظرَ مِنها الكَمالاتُ والمُثُلُ، بل هي مَحكُومةٌ تَسِيرُ وَفقَ أَساسٍ مُعَيَّنٍ وتَتَحرَّكُ بإشارَتِه.. هذا الأَساسُ هو الحَياةُ، هو الرُّوحُ، هو الشُّعُورُ.
وتَقتَضي الضَّرُورةُ كذلك ألّا تَرتَبِطَ بالمادّةِ الأَعمالُ والمُثُلُ ولا تُبنَى على ضَوْئِها، إذ إنَّها لَيسَت لُبًّا ولا أَصْلًا ولا أَساسًا ولا ثابِتًا مُستَقِرًّا؛ وإنَّما هي قِشرةٌ وغِلافٌ وزَبَدٌ وصُورةٌ مُهَيَّأةٌ للتَّشَقُّقِ والذَّوَبانِ والتَّمَزُّقِ.
ألا يُشاهَدُ كيف أنَّ الحَيَواناتِ الدَّقيقةَ الَّتي لا يُمكِنُ رُؤيَتُها بالعَينِ المُجَرَّدةِ تَملِكُ إحساساتٍ حادّةً وقَوِيّةً، حتَّى إنَّها تَسمَعُ هَمَساتِ بَنِي جِنسِها وتَرَى مَوادَّ رِزقِها؟! إنَّ هذا يُبيِّنُ لنا بوُضُوحٍ أنَّ المادّةَ كُلَّما صَغُرَت ودَقَّتِ ازدادَ انطِباعُ مَلامِحِ الحَياةِ وآثارِها علَيها، واشتَدَّ نُورُ الرُّوحِ فيها، أي: إنَّ المادّةَ كُلَّما دَقَّت وابتَعَدَت عن
— 652 —
مادِّيَّتِها كأنَّها تَقتَرِبُ أَكثَرَ مِن عالَمِ الرُّوحِ، وعالَمِ الحَياةِ، وعالَمِ الشُّعُورِ، فيَتَجلَّى نُورُ الحَياةِ وحَرارةُ الرُّوحِ بشِدّةٍ أَكثَرَ..
فهل مِنَ المُمكِنِ أن يَتَرشَّحَ كلُّ ما نَرَى مِن تَرَشُّحاتِ الحَياةِ والمَشاعِرِ والرُّوحِ وتَنسابَ رَقْراقةً مِن أَغطِيةِ المادّةِ، ولا يكُونَ العالَمُ الباطِنُ الكائِنُ تحتَ سِتارِ المادّةِ مَملُوءًا بذَوِي المَشاعِرِ وبذَوِي الأَرواحِ؟ وهل مِنَ المُمكِنِ أن يَرجِعَ إلى المادّةِ ويُسنَدَ إلَيْها وإلى حَرَكَتِها كلُّ ما في عالَمِ الشَّهادةِ مِن تَرَشُّحاتٍ غيرِ مَحدُودةٍ للمَعاني والرُّوحِ والحَقِيقةِ ومَنابعِ لَمَعاتِها وثَمَراتِها، وتَتَوضَّحَ بها وَحدَها!؟ كلَّا ثمَّ كلَّا.. بل إنَّ هذه المَظاهِرَ غيرَ المَحدُودةِ المُتَرشِّحةَ، ولَمَعاتِها تُظهِرُ لنا أنَّ عالَمَ الشَّهادةِ المادِّيَّ هذا إنَّما هو سِتارٌ مُنَقَّشٌ مُزَركَشٌ مُلْقًى على عالَمِ المَلَكُوتِ والأَرواحِ.

الأساسُ الثاني

يَصِحُّ القَولُ بأنَّ هناك إجماعًا ضِمنِيًّا یی مع تَبايُنِ التَّعبِيرِ یی على وُجُودِ حَقِيقةِ المَلائِكةِ وثُبُوتِ العالَمِ الرُّوحانِيِّ، بينَ أَهلِ العَقلِ والنَّقلِ كافّةً سَواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا.. فلم يُنكِرْ "مَعنَى" المَلائِكةِ حتَّى المَشّاؤُون مِنَ الفَلاسِفةِ الإشراقيِّين الَّذين أَوغَلُوا في المادِّيّاتِ؛ إذ عَبَّیرُوا عن "مَعنَى" المَلائِكةِ بقَولِهم: "إنَّ هناك ماهِيّةً مُجَرَّدةً رُوحِيّةً لِكُلِّ نَوعٍ". والآخَرُون مِنَ الإشراقيِّين عِندَما اضطُرُّوا لِقَبُولِ مَعنَى المَلائِكةِ أَطلَقُوا علَيهِم خَطَأً: "العُقُولُ العَشَرةُ وأَربابُ الأَنواعِ".
ومِنَ المَعلُومِ أنَّ جَمِيعَ أَهلِ الأَديانِ مُؤمِنُون یی بإلْهامِ الوَحيِ الإلٰهِيِّ وإِرشادِه یی أنَّ لِكُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ المَوجُوداتِ مَلَكًا مُوَكَّلًا به، فيُعَبِّیرُون عنهم بأَسماءِ: مَلَكِ الجِبالِ، ومَلَكِ البِحارِ، ومَلَكِ الأَمطارِ..
وحتَّى المادِّيُّون والطَّبِيعيُّون، الَّذين تَحَدَّرَت عُقُولُهم إلى عُيُونِهم، والمُتَجَرِّدُون مَعنَوِيًّا مِنَ الإنسانيّةِ، السّاقِطُون إلى دَرَجةِ الجَماداتِ، لم يَسَعْهُم إنكارُ "مَعنَى" المَلائِكةِ، فأَطلَقُوا علَيها "القُوَى السّارِية"، فكان هذا تَصدِيقًا اضطِرارِيًّا مِنهم یی ولو بصُورةٍ مُشَوَّهةٍ یی لِمَعنَى المَلائِكةِ.
— 653 —
فيا أيُّها الإنسانُ المِسكِينُ المُتَردِّدُ في قَبُولِ وُجُودِ المَلائِكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ.. علَامَ تَستَنِدُ؟ وبأَيِّ حَقِيقةٍ تَفتَخِرُ؟ حتَّى تُواجِهَ ما اتَّفَقَ علَيه جَمِيعُ أَهلِ العَقلِ، سَواءٌ عَلِمُوا أم لم يَعلَمُوا، مِن ثُبُوتِ مَعنَى وحَقِيقةِ وُجُودِ المَلائِكةِ وتَحَقُّقِ العالَمِ الرُّوحانِيِّ؟
فما دامَتِ الحَياةُ یی كما أَثبَتْنا في الأَساسِ الأَوَّلِ یی كَشّافةً للمَوجُوداتِ بل نَتِيجَتَها وزُبدَتَها؛ وأنَّ جَمِيعَ أَهلِ العَقلِ قدِ اتَّفَقُوا ضِمْنِيًّا یی وإنِ اختَلَفُوا في التَّعبِيرِ یی على مَعنَى المَلائِكةِ؛ وأنَّ أَرضَنا هذه مَعمُورةٌ بكُلِّ هذه الأَحياءِ وذَوِي الأَرواحِ، فكيف يُمكِنُ إذًا أن يَخلُوَ هذا الفَضاءُ الواسِعُ مِن ساكِنِيه، وتلك السَّماواتُ البَدِيعةُ اللَّطِيفةُ مِن عامِرِيها؟!
ولا يَخطُرَنَّ ببالِك أنَّ النَّوامِيسَ والقَوانِينَ الجارِيةَ في العالَمِ كافِيةٌ أن تَجعَلَ الكائِناتِ ذاتَ حَياةٍ، لأنَّ تلك النَّوامِيسَ الجارِيةَ والقَوانِينَ الحاكِمةَ أَوامِرُ اعتِبارِيّةٌ، ودَساتِيرُ وَهْمِيّةٌ، لا يُعتَدُّ بها، ولا تُعَدُّ شَيْئًا أَصلًا.
فإنْ لم يكُن هُناك عِبادُ اللهِ المُسَمَّون بی"المَلائِكةِ" يَأْخُذُون بزِمامِ هذه القَوانِينِ ويُظهِرُونَها ويُمَثِّیلُونها، فلا يَتَعيَّنُ لتلك القَوانِينِ والنَّوامِيسِ أيُّ وُجُودٍ كان، ولا تُعرَف لها هُوِيّةٌ، فهي لَيسَت حَقيقةً خارِجِيّةً قَطُّ؛ والحالُ أنَّ الحَياةَ حَقِيقةٌ خارِجِيّةٌ، والأَمرُ الوَهْمِيُّ لا يُمكِنُ أن تُحمَلَ علَيه حَقِيقةٌ خارِجِيّةٌ.
نَخلُصُ مِن هذا أنَّه: ما دامَ أَهلُ الحِكمةِ وأَهلُ الدِّينِ وأَصحابُ العَقلِ والنَّقلِ مُتَّفِقين ضِمْنيًّا على أنَّ المَوجُوداتِ لا تَنحَصِرُ في عالَمِ الشَّهادةِ هذا، وأنَّ عالَمَ الشَّهادةِ الظّاهِرَ الجامِدَ الَّذي لا يَكادُ يَتَّفِقُ معَ إقامةِ الأَرواحِ وتَشَكُّلِها قد تَزَيَّنَ بهذا العَدَدِ الهائِلِ مِن ذَوِي الأَرواحِ والأَنسامِ؛ لِذا فالوُجُودُ لا يُمكِنُ أن يكُونَ مُنحَصِرًا فيه، بل هناك طَبَقاتٌ أُخرَى كَثِيرةٌ مِنَ الوُجُودِ، بحَيثُ يُصبِحُ عالَمُ الشَّهادةِ بالنِّسبةِ لها سِتارًا مُزَرْكَشًا؛ وما دامَ عالَمُ الغَيبِ وعالَمُ المَعنَى مُلائِمَينِ للأَرواحِ یی كمُلاءَمةِ البِحارِ للأَسماكِ یی فلا بُدَّ أنَّهما يَزخَرانِ بأَرواحٍ مُلائِمةٍ لهما.
ولَمّا كانَت جَمِيعُ الأُمُورِ قد شَهِدَت على وُجُودِ مَعنَى المَلائِكةِ، لِذلك فلا رَيبَ أنَّ أَحسَنَ صُورةٍ لِوُجُودِ المَلائِكةِ وحَقِيقةِ الرُّوحانِيّاتِ، وأَفضَلَ حالٍ وكَيفيّةٍ لها،
— 654 —
بحَيثُ تَستَسِيغُها العُقُولُ السَّلِيمةُ وتَستَحسِنُها، هو بلا شَكٍّ ما شَرَحَه القُرآنُ الكَرِيمُ وبَيَّنَه بوُضُوحٍ.
فالقُرآنُ الكَرِيمُ يَذكُرُ المَلائِكةَ بأنَّهم: عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، فهم أَجسامٌ نُورانيّةٌ لَطِيفةٌ تَنقَسِمُ إلى أَنواعٍ مُختَلِفةٍ.
نعم، فكما أنَّ البَشَرَ هم أُمّةٌ يَحمِلُون ويُمَثِّلُون ويُنَفِّذُون الشَّرِيعةَ الإلٰهِيّةَ الآتيةَ مِن صِفةِ "الكَلامِ"، كذلك المَلائِكةُ أُمّةٌ عَظِيمةٌ جدًّا بحَيثُ إنَّ قِسمَ العامِلِين مِنهم يَحمِلُون ويُمَثِّلُون ويُنَفِّذُون الشَّريعةَ التَّیكوِينيّةَ الآتِيةَ مِن صِفةِ "الإرادةِ"، وهم نَوعٌ مِن عِبادِ اللهِ الطّائِعِين لِأَوامِرِ المُؤَثِّرِ الحَقيقيِّ الَّذي هو القُدرةُ الفاطِرةُ والإرادةُ الإلٰهِيّةُ طاعةً كامِلةً، حتَّى جَعَلُوا كلَّ جِرمٍ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ العُلْوِيّةِ بمَثابةِ مَسجِدٍ ومَعبَدٍ لهم.

الأساسُ الثّالث

إنَّ مَسأَلةَ ثُبُوتِ المَلائِكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ مِنَ المَسائِلِ الَّتي تَنطَبِقُ علَيها القاعِدةُ المَنطِقِيّةُ: "يُدرَكُ تَحَقُّقُ الكُلِّ بثُبُوتِ جُزءٍ واحِدٍ"، أي: إنَّه برُؤيةِ شَخصٍ واحِدٍ للمَلائِكةِ يُعرَفُ وُجُودِ النَّوعِ عامّةً، لأنَّ الَّذي يُنكِرُ المَلائِكةَ يُنكِرُها كُلِّیيًّا، فإذا ما قَبِلَ فَرْدًا واحِدًا مِن ذلك النَّوعِ، فعلَيه أن يَقبَلَ النَّوعَ جَمِيعًا، إذًا تأَمَّلْ:
ألَا تَرَى وتَسمَعُ أَنَّ جَمِيعَ أَهلِ الأَديانِ، في جَمِيعِ العُصُورِ، مُنذُ زَمَنِ سَيِّدِنا آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى يَومِنا هذا، قدِ اتَّفَقُوا على وُجُودِ المَلائِكةِ وثُبُوتِ العالَمِ الرُّوحانِيِّ، وأنَّ طَوائِفَ مِنَ البَشَرِ قد أَجمَعُوا على ثُبُوتِ مُحادَثةِ المَلائِكةِ ومُشاهَدَتِهم والرِّوايةِ عنهم مِثلَما يَتَحاوَرُون ويُشاهِدُون ويَروُون الرِّواياتِ فيما بَينَهم. فيا تُرَى هل يُمكِنُ أن يَحصُلَ مِثلُ هذا الإجماعِ، ويَدُومَ هذا الِاتِّفاقُ، بهذا الشَّكلِ المُتَواتِرِ المُستَمِرِّ في أَمرٍ وُجُودِيٍّ، إيجابيٍّ، مُستَنِدٍ إلى الشُّهُودِ، إن لم يكُن قد شُوهِدَ أَحَدٌ مِنَ المَلائِكةِ عِيانًا وبَداهةً؟ أو لم يُعرَف وُجُودُ شَخصٍ أو أَشخاصٍ مِنهم بصُورةٍ قاطِعةٍ بالمُشاهَدةِ؟ أو لم يُشعَرْ
— 655 —
بوُجُودِهم بالبَداهةِ والمُشاهَدةِ؟ وهل مِنَ المُمكِنِ ألّا يكُونَ مَنشَأُ هذا الِاعتِقادِ العامِّ مَبادِئَ ضَرُورِيّةً وأُمُورًا بَدِيهيّةً؟ وهل مِنَ المُمكِنِ أن يَستَمِرَّ ويَبقَى وَهْمٌ لا حَقِيقةَ له في جَمِيعِ العَقائِدِ الإنسانيّةِ وفي خِضَمِّ التَّقَلُّباتِ البَشَرِيّةِ؟ وهل مِنَ المُمكِنِ أنَّ الإجماعَ العَظِيمَ لِأَهلِ الأَديانِ هذا، لا يَستَنِدُ إلى حَدْسٍ قَطْعِيٍّ وعلى يَقِينٍ شُهُودِيٍّ؟ وهل مِنَ المُمكِنِ أنَّ هذا الحَدْسَ القَطعِيَّ واليَقِينَ الشُّهُودِيَّ لا يَستَنِدانِ إلى ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الأَماراتِ والعَلاماتِ؟ وأنَّ هذه الأَماراتِ لا تَستَنِدُ إلى مُشاهَداتٍ واقِعِيّةٍ؟ وأنَّ هذه المُشاهَداتِ الواقِعِيّةَ لا تَستَنِدُ إلى مَبادِئَ ضَرُورِيّةٍ لا شَكَّ فيها ولا شُبْهةَ؟
ولَمَّا كان الأَمرُ كذلك، فإنَّ أُسُسَ ومُستَنَداتِ الِاعتِقاداتِ العامّةِ في أَهلِ الأَديانِ هي مَبادِئُ ضَرُورِيّةٌ، نَتَجَت بالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ النّابِعِ مِن رُؤيةِ الرُّوحانيّاتِ ومُشاهَدةِ المَلائِكةِ مِرارًا وتَكْرارًا، فهي أُسُسٌ قَطعِيّةُ الثُّبُوتِ.
وهل مِنَ المُمكِنِ أوِ المَعقُولِ أن تَدخُلَ الشُّبْهةُ في وُجُودِ المَلائِكةِ وعالَمِ الرُّوحِ ومُشاهَدَتِهمُ الَّذي أَخبَر عنه وشَهِدَ به الأَنبِياءُ والأَولِياءُ، شُهُودًا مُتَواتِرًا وبقُوّةِ الإجماعِ المَعنَوِيِّ، وهم شُمُوسُ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ البَشَرِيّةِ ونُجُومُها وأَقمارُها، وبخاصّةٍ أنَّهم "أَهلُ الِاختِصاصِ" في هذه المَسأَلةِ؛ إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ اثنَينِ مِن أَهلِ الِاختِصاصِ يُرَجَّحانِ على آلافٍ مِن غَيرِهم، وهم كذلك "أَهلُ الإثباتِ" في هذه المَسأَلةِ، ومِنَ المَعلُومِ أنَّ اثنَينِ مِن أَهلِ الإثباتِ يُرَجَّحانِ كذلك على آلافٍ مِن "أَهلِ النَّفيِ".
وهل مِنَ المُمكِنِ أن تَدخُلَ أيّةُ شُبهةٍ وبخاصّةٍ فيما ذَكَرَه القُرآنُ الحَكِيمُ المُعجِزُ الَّذي يَتَلَألَأُ في سَماءِ الكائِناتِ دائمًا دُونَ أُفُولٍ، فهو شَمسُ شُمُوسِ عالَمِ الحَقِيقةِ، وبما شَهِدَه وشاهَدَه النَّبِيُّ الكَرِيمُ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو شَمسُ الرِّسالةِ؟
ولَمّا كان تَحَقُّقُ وُجُودِ كائِنٍ رُوحانِيٍّ واحِدٍ یی في وَقتٍ مّا یی يُظهِرُ حَقِيقةَ وُجُودِ جَمِيعِ نَوعِه، وقد تَحَقَّق هذا فِعلًا، فلا بُدَّ أنَّ أَفضَلَ صُورةٍ مَعقُولةٍ ومَقبُولةٍ لِحَقيقةِ وُجُودِهم هي مِثلَما شَرَحَتْها الشَّرِيعةُ الغَرّاءُ، وأَظهَرَها القُرآنُ الكَرِيمُ، وشاهَدَها صاحِبُ المِعراجِ علَيه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
— 656 —

الأساسُ الرابع

إذا أَمعَنّا النَّظَرَ في مَوجُوداتِ الكَونِ نُلاحِظُ أنَّ: "للكُلِّيّاتِ یی كما هي للجُزئيّاتِ یی شَخصِيّةً مَعنَوِيّةً، بحَيثُ تُظهِر لها وَظِيفةً كُلِّيّةً".
فكما أنَّ الزَّهرةَ یی مَثلًا یی بإظهارِها دِقّةَ الصَّنعةِ فيها تُسَبِّحُ بلِسانِ حالِها بأَسماءِ فاطِرِها، فرِياضُ الأَرضِ كلُّها أيضًا هي بحُكمِ تلك الزَّهرةِ، لها وَظِيفةٌ تَسبِيحيّةٌ كُلِّيّةٌ في غايةِ الِانتِظامِ.
وكما أنَّ الثَّمَرةَ تُعبِّیرُ وتُعلِنُ بنِظامِها البَدِيعِ المُنَسَّقِ عن تَسبِيحاتِها، كذلك الشَّجَرةُ الباسِقةُ بكُلِّيَّتِها، لها عِبادةٌ ووَظِيفةٌ فِطرِيّةٌ في أَتَمِّ نِظامٍ.
وكما أنَّ للشَّجَرةِ الباسِقةِ تَسابِيحَ بحَمْدِ رَبِّها بكَلِماتِ أَوراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها، فإنَّ لِآفاقِ السَّماواتِ الشّاسِعةِ تَسابِيحَها للفاطِرِ الحَكِيمِ بكَلِماتِ شُمُوسِها ونُجُومِها وأَقمارِها، وهي تَحمَدُ وتُمَجِّدُ صانِعَها جَلَّ جَلالُه.
وهكذا المَوجُوداتُ الخارِجِيّةُ كُلُّها یی رَغمَ أنَّها جامِدةٌ ودُونَ شُعُورٍ ظاهِرًا یی فلَها واجِباتٌ وتَسابِيحُ بحَمْدِ رَبِّها في مُنتَهَى الإحساسِ والحَيَوِيّةِ.
فالمَلائِكةُ إذ يُمَثِّیلُون المَوجُوداتِ ويُعَبِّرُون عن تَسبِيحاتِها في عالَمِ المَلَكُوتِ، فالمَوجُوداتُ بدَورِها هي بحُكْمِ المَساكِنِ والمَساجِدِ للمَلائِكةِ في عالَمِ المُلكِ والشَّهادةِ.. ولقد بَيَّنّا في "الكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِين" في الغُصنِ الرّابِعِ مِنها أنَّ مالِكَ قَصرِ هذا العالَمِ الفَخمِ وصانِعَه جَلَّ جَلالُه يَستَخدِمُ في إعمارِ مَمْلَكَتِه أَربَعةَ أَقسامٍ مِنَ العامِلِين، وفي مُقدِّمَتِهمُ المَلائِكةُ والرُّوحانيّاتُ.
"فالنَّباتاتُ والجَماداتُ" تَقُومُ بعَمَلِها دُونَ دِرايةٍ لِقَصْدِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ودُونَ أن تَأْخُذَ أُجرةً لِقاءَ خِدْماتِها العَظِيمةِ، ولكن تقُومُ بها بإمرةِ عَلِيمٍ؛ و"الحَيَواناتُ" تقُومُ بخِدماتٍ عَظِيمةٍ كُلِّيّةٍ دُونَ دِرايةٍ أيضًا، ولكن بأُجرةٍ جُزئيّةٍ؛ و"الإنسانُ" يُستَخدَمُ في أَعمالٍ مُوافِقةٍ لِما يَعلَمُ مِن مَقاصِدِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ مُقابِلَ أُجرَتَينِ: آجِلةٍ
— 657 —
وعاجِلةٍ، معَ أَخْذٍ لِنَصِيبِ نَفسِه أَيضًا مِن كُلِّ شَيءٍ، ورِعايَتِه العُمّالَ الآخَرِين: النَّباتاتِ والحَيَواناتِ..
نعم، فما دامَ استِخدامُ هذه الأَنواعِ مُشاهَدًا عِيانًا، فلا بُدَّ أنَّ ثمّةَ قِسمًا رابِعًا، بل هم مُقدِّمةُ صُفُوفِ الخَدَمةِ والعُمّالِ، فهم يَتَشابَهُون معَ الإنسانِ مِن ناحِيةٍ، حَيثُ يَعلَمُون المَقاصِدَ العامّةَ للصّانِعِ ذِي الجَلالِ، فيَعبُدُونَه بحَرَكاتِهمُ المُنسَجِمةِ معَ أَوامِرِه، ولكِنَّهم يَختَلِفُون عنِ الإنسانِ مِن ناحِيةٍ أُخرَى، وهي أنَّهم مُجَرَّدُون مِن حُظُوظِ النَّفسِ وأَخذِ الأُجرةِ الجُزئيّةِ، إذ يَكتَفُون بما يُحَصِّلُونه مِنَ اللَّذّةِ والذَّوقِ والكَمالِ والسَّعادةِ بمُجَرَّدِ نَظَرِه سُبحانَه إلَيهِم، ومِن أَوامِرِه لهم، وتَوَجُّهِه إلَيهِم، وقُربِهم مِنه، وانتِسابِهم إلَيه، فيَسْعَوْن لِأَجلِه، وباسمِه، فيما يَخُصُّهم مِن أَعمالٍ بكلِّ إخلاصٍ.. وأُولَئك همُ المَلائِكةُ، فتَتَنوَّعُ وَظائِفُ عُبُودِيَّتِهم حَسَبَ أَجناسِهم، وحَسَبَ أَنواعِ المَوجُوداتِ في الكَونِ؛ إذ كما أنَّ للحُكُومةِ مُوَظَّفِين مُختَلِفِين حَسَبَ اختِلافِ وتَنَوُّعِ دَوائِرِها، كذلك تَتَنوَّعُ تَسبِيحاتُ ووَظائِفُ العُبُودِيّةِ باختِلافِ الدَّوائِرِ في سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ.
فمَثلًا: سَيِّدُنا مِيكائِيلُ عَليهِ السَّلام بأَمرٍ مِنَ اللهِ ولِأَجلِه، وبِحَوْلِه وقُوَّتِه، هو كالمُشرِفِ العامِّ یی إذا جازَ التَّعبِيرُ یی على جَمِيعِ المَخلُوقاتِ الإلٰهِيّةِ المَزرُوعةِ في حَقْلِ الأَرضِ، أي: هو رَئِيسُ جَمِيع مَن هم بحُكمِ المُزارِعِ مِنَ المَلائِكةِ. وللفاطِرِ الحَكِيمِ جَلَّ جَلالُه كذلك مَلَكٌ مُوَكَّلٌ عَظِيمٌ يَتَولَّى بإذنِه وأَمرِه وبقُوَّتِه وحِكمَتِه رِئاسةَ جَمِيعِ الرُّعاةِ المَعنَوِيِّين للحَيَواناتِ جَمِيعًا.
فما دامَ على كُلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ الظّاهِرةِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، يُمَثِّیلُ ما تُظهِرُ تلك المَوجُوداتُ مِن وَظائِفِ العُبُودِيّةِ والتَّسبِيحِ في عالَمِ المَلَكُوتِ، ويُقَدِّمُه بعِلمٍ إلى الحَضْرةِ الإلٰهِيّةِ المُقَدَّسةِ الجَلِيلةِ؛ فلا بُدَّ أن نَفْهَمَ أنَّ ما رُوِيَ عنِ المُخبِرِ الصّادِقِ (ص) حَولَ المَلائِكةِ مِن صُوَرٍ هي أَحسَنُ تَصوِيرٍ وأَقرَبُ إلى العَقلِ وبشَكلٍ جِدِّ مُناسِبٍ ولائِقٍ.
— 658 —
فمَثلًا: رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ (ص) قال: «إنَّ للهِ مَلائِكةً لها أَربَعُون یی أو أَربَعُون أَلفَ یی رَأسٍ، في كلِّ رَأسٍ أَربَعُون أَلفَ فَمٍ، وفي كلِّ فَمٍ أَربَعُون أَلفَ لِسانٍ، يُسَبِّحُ أَربَعِين أَلفَ تَسبِيحةٍ» أو كما قال.. فحَقيقةُ هذا الحَدِيثِ لها مَعنًى، ولها صُورةٌ.
أمّا مَعناها فهو: أنَّ عِبادةَ المَلائِكةِ في غايةِ الِانتِظامِ والكَمالِ، وهي في مُنتَهَى السَّعةِ والكُلِّيّةِ أَيضًا.
وأمّا صُورَتُها فهي: أنَّ هناك بعضَ المَوجُوداتِ الجِسمانيّةِ الضَّخمةِ تُنجِزُ وَظائِفَ عُبُودِيَّتِها بأَربَعِين أَلفَ رَأْسٍ وبأَربَعِين أَلفَ نَمَطٍ وشَكلٍ؛ فالسَّماءُ مَثلًا تُسَبِّحُ بالشُّمُوسِ والنُّجُومِ، والأَرضُ أَيضًا معَ أنَّها واحِدةٌ مِنَ المَخلُوقاتِ، فإنَّها تَقُومُ بوَظائِفِ عُبُودِيَّتِها وتَسبِيحاتِها لِرَبِّها بمِئةِ أَلفِ رِأْسٍ، وفي كلِّ رَأْسٍ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ الأَفواهِ، وفي كلِّ فَمٍ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ الأَلسِنةِ، فلِأَجلِ أن يُظهِرَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِكُرةِ الأَرضِ هذا المَعنَى في عالَمِ المَلَكُوتِ، لا بُدَّ أن يَظهَر هو الآخَرُ بتلك الهَيئةِ والصُّورةِ. حتَّى إنَّني رَأَيتُ ما يُقارِبُ الأَربَعين غُصْنًا یی بما يُشبِهُ الرَّأسَ یی لِشَجَرةٍ مُتَوسِّطةٍ مِن أَشجارِ اللَّوزِ، ومِن ثَمَّ نَظَرتُ إلى أَحَدِ أَغصانِها فكان له ما يُقارِبُ الأَربَعِين مِنَ الأَغصانِ الصَّغِيرةِ بمَثابةِ الأَلسِنةِ، ورَأَيتُ هناك أَربَعِين زَهرةً قد تَفَتَّحَتْ مِن أَحَدِ تلك الأَلسِنةِ؛ فنَظَرتُ بدِقّةٍ وأَمعَنتُ بحِكمةٍ إلى تلك الأَزهارِ، فإذا في كلِّ زَهرةٍ ما يُقارِبُ الأَربَعِين مِنَ الخُيُوطِ الدَّقيقةِ المُنتَظِمةِ ذاتِ الأَلوانِ البَدِيعةِ والدِّقّةِ الرّائِعةِ، بحيثُ إنَّ كلَّ خَيطٍ مِن تلك الخُيُوطِ يُظهِرُ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ أَسماءِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ ويَستَنطِقُ اسمًا مِن أَسمائِه الحُسنَى.
فهل مِنَ المُمكِنِ أنَّ صانِعَ شَجَرةِ اللَّوزِ ذا الجَلالِ، وهو الحَكِيمُ ذُو الجَمالِ، الَّذي حَمَّل تلك الشَّجَرةَ الجامِدةَ جَمِيعَ تلك الوَظائِفِ، ثمَّ لا يُرَكِّبُ علَيها مَلَكًا مُوكَّلًا يُناسِبُها، وبمَثابةِ الرُّوحِ لها، ويَفهَمُ مَعنَى وُجُودِها، ويُعَبِّیرُ عن ذلك المَعنَى ويُعلِنُه للكائِناتِ ويَرفَعُه إلى الحَضرةِ المُقدَّسةِ؟!
أيُّها الصَّدِيقُ، إنَّ ما بَيَّنّاه حتَّى الآنَ، إنَّما كان تَمهِيدًا كي يُحضِرَ القَلبَ للقَبُولِ،
— 659 —
ويُلزِمَ النَّفسَ بالتَّسلِيمِ، ويُهَيِّئَ العَقلَ إلى الإذعانِ؛ فإن كُنتَ قد فَهِمْتَه، وكُنتَ تَرغَبُ في مُقابَلةِ المَلائكةِ حَقًّا، فتَهَيَّأْ وتَطَهَّرْ مِنَ الأَوهامِ الرَّدِيئةِ؛ فدُونَك عالَمَ القُرآنِ الكَريمِ مُفَتَّحةً أَبوابُه، فإنَّ جَنّةَ القُرآنِ مُفَتَّحةُ الأَبوابِ دائِمًا.. فادْخُلْ، وانظُرْ إلى أَجمَلِ صُورةٍ للمَلائِكةِ في فِردَوسِ القُرآنِ، فكُلُّ آيةٍ مِن آياتِ التَّنزِيلِ شُرْفةٌ.. ومِن هذه الشُّرُفاتِ.. قِفْ.. وانظُرْ.. وتَمَتَّعْ:
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ٭ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ٭ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ٭ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ٭ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ٭ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ٭ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ٭ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ٭ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
ثمَّ أَنصِتْ إلى الثَّناءِ علَيهِم:
سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ٭ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
وإن كُنتَ تَرغَبُ في مُقابَلةِ الجِنِّ فادخُلْ حِصنَ سُورةِ:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا..
ثمَّ أَنصِتْ إلَيهِم ماذا يَقُولُون؟ واعتَبِر.. إنَّهم يَقُولُون:
إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا ٭ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
٭ ٭ ٭
— 660 —

المَقصَدُ الثّاني

القِيامة ودَمارُ الدنيا والحياةِ الآخرة
فيه أَربَعةُ أُسُسٍ مع مُقدِّمةٍ

المُقدِّمة

إذا ادَّعى أَحَدٌ أنَّ هذه المَدِينةَ أوِ القَصرَ سيُدَمَّرُ، ويُبنَى ويُعْمَرُ مِن جَدِيدٍ عِمْرانًا مُحكَمًا رَصِينًا، فلا شَكَّ أنَّه يَتَرتَّبُ على دَعواه هذه سِتّةُ أَسئِلةٍ:
الأوَّلُ: لِماذا يُدَمَّر؟ وهل هناك مِن مُبَرِّرٍ؟ فإذا أَثبَتَ أنْ نعم، فهُنا يَرِدُ:
السُّؤالُ الثاني: هلِ الَّذي يَهدِمُ ثمَّ يَبنِي ويَعْمُرُ قادِرٌ على عَمَلِه؟ وإذا أَثبَتَ هذا أيضًا، فسَيَلِي:
السُّؤالُ الثالثُ هكذا: وهل يُمكِنُ هَدْمُه؟
وسُؤالٌ آخَرُ: وهل يُهدَمُ فِعلًا؟ فإذا أَثبَتَ أنَّه يُمكِنُ هَدْمُه وأنَّه سوف يَهدِمُه فِعلًا فسيَرِدُ هنا سُؤالانِ:
هل يُمكِنُ إعمارُ هذه المَدِينةِ الرّائِعةِ أوِ القَصرِ مِن جَديدٍ؟ فإن كان الجَوابُ: نعم، إنَّه مُمكِنٌ..
فسَيَرِدُ السُّؤالُ: وهل يَعْمُرُه فِعلًا ؟
فإذا كان الجَوابُ: نعم. وأَثبَتَ كلَّ ذلك، عِندَئذٍ لا تَبقَى أيّةُ ثَغْرةٍ في جَمِيعِ جَوانِبِ هذه المَسأَلةِ لِدُخُولِ أيّةِ شُبهةٍ أو شَكٍّ أو وَهْمٍ فيها.
وهكذا على غِرارِ هذا المِثالِ، فهُناك مُبَرِّرٌ لِهَدْمِ قَصرِ الدُّنيا ومَدِينةِ هذه الكائِناتِ وتَخرِيبِها وتَدمِيرِها، ومِن ثَمَّ تَعمِيرِها وبِنائِها، وأنَّ هناك مَن هو قادِرٌ ومُهَيمِنٌ على ذلك، وبالتّالي فهو يُمكِنُه هَدْمُها، وسيَهدِمُها فِعلًا، ومِن ثَمَّ فهو يُمكِنُه تَعمِيرُها، وسيَعْمُرُها فِعلًا مِن جَدِيدٍ. وستَثْبُتُ لَدَينا هذه المَسائِلُ بعدَ الأَساسِ الأَوَّلِ.
— 661 —

الأساسُ الأوَّل

إنَّ الرُّوحَ باقِيةٌ قَطْعًا، إذ إنَّ الدَّلائِلَ الَّتي دَلَّت على وُجُودِ المَلائِكةِ والرُّوحانيّاتِ في "المَقصَدِ الأَوَّلِ" هي نَفسُها دَلائِلُ مَسأَلَتِنا (بَقاءِ الرُّوحِ) هذه؛ وعِندِي أنَّ هذه المَسأَلةَ ثابِتةٌ إلى دَرَجةٍ بحَيثُ يكُونُ مِنَ العَبَثِ أن نَخُوضَ في تَوضِيحِها.
نعم، إنَّها قَصِيرةٌ ودَقِيقةٌ تلك المَسافةُ الَّتي بَينَنا وبينَ القَوافِلِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى مِنَ الأَرواحِ الباقِيةِ في عالَمِ البَرزَخِ وعالَمِ الأَرواحِ والمُنتَظِرةِ للرَّحِيلِ إلى الآخِرةِ، بحَيثُ لا نَحتاجُ إلى بُرهانٍ لإيضاحِها؛ فاللِّقاءاتُ الَّتي بَينَها وبينَ ما لا يُعَدُّون مِن أَهلِ الكَشْفِ والشُّهُودِ، ورُؤيةُ أَهلِ كَشْفِ القُبُورِ لهم، وعَلاقاتُ عامّةِ النّاسِ وارتِباطُهُم معَهم في الرُّؤَى الصّادِقةِ، ومُحاوَراتُ قِسمٍ مِنَ العَوامِّ معَهم.. كلُّ ذلك جَعَل الرُّوحَ وبَقاءَها یی لِكَثْرةِ التَّواتُرِ یی مِنَ المَفاهِيمِ المَعرُوفةِ للبَشَرِيّةِ.
بَيْدَ أنَّ الفِكْرَ المادِّيَّ في عَصْرِنا هذا قد أَسْكَرَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، فأَوْغَلَ الوَهْمَ والشُّبْهةَ في أَبسَطِ الأُمُورِ البَدِيهِيّةِ؛ فلِأَجلِ إزالةِ هذه الأَوهامِ والوَساوِسِ، سنُشِيرُ إلى "أَربَعةِ مَنابِعَ" فقط، مِن بَينِ تلك المَنابعِ الغَزِيرةِ للحَدْسِ القَلْبِيِّ والإذعانِ العَقْلِيِّ مُمَهِّدِين لها "بمُقَدِّمةٍ".
المُقدِّمة: كما أُثبِتَ في الحَقيقةِ الرّابِعةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّ الجَمالَ البَدِيعَ الخالِدَ الأَبَدِيَّ الَّذي ليس له مَثِيلٌ يَطلُبُ خُلُودَ مُشتاقِيه وبَقاءَهم وهم كالمِرآةِ العاكِسةِ لذلك الجَمالِ؛ وأنَّ الصَّنعةَ الكامِلةَ الخالِدةَ غيرَ النّاقِصةِ تَستَدعِي دَوامَ مُنادِيها المُتَفكِّرِين؛ وأنَّ الرَّحمةَ والإحسانَ غيرَ النِّهائيِّ يَقتَضِيانِ دَوامَ تَنَعُّمِ شاكِرِيهما المُحتاجِين.. فذلك المُشتاقُ الَّذي هو كالمِرآةِ المَصقُولةِ، وذلك المُنادِي المُتَفكِّرُ، وذلك الشَّاكِرُ المُحتاجُ، إنْ هو إلّا رُوحُ الإنسانِ أَوَّلًا؛ لذا فالرُّوحُ باقِيةٌ بصُحبةِ ذلك الجَمالِ وذلك الكَمالِ وتلك الرَّحمةِ.. في طَرِيقِ الخُلُودِ والأَبَدِيّةِ.
وأَثبَتْنا كذلك في الحَقيقةِ السّادِسةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّه لَيسَتِ الرُّوحُ البَشَرِيّةُ وَحْدَها لم تُخلَقْ للفَناءِ، بل حتَّى أَبسَطُ المَخلُوقاتُ كذلك لم تُخلَقْ للفَناءِ بل لها نَوعٌ مِنَ
— 662 —
البَقاءِ؛ فالزَّهرةُ البَسِيطةُ یی مَثلًا یی الَّتي لا تَملِكُ رُوحًا مِثلَنا، هي أَيضًا عِندَما تَرحَلُ مِنَ الوُجُودِ الظّاهِرِيِّ تَبقَى صُورَتُها مُحفُوظةً في كَثِيرٍ مِنَ الأَذهانِ، كما يَدُومُ قانُونُ تَراكِيبِها في مِئاتٍ مِن بُذَيراتِها المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ، فتُمَثِّیلُ بذلك نَمُوذَجًا لِنَوعٍ مِنَ البَقاءِ بآلافٍ مِنَ الأَوجُهِ.
وما دامَ نَمُوذَجُ صُورةِ الزَّهرةِ وقانُونُ تَركِيبِها، الشَّبِيهُ جُزْئيًّا بالرُّوحِ، باقيًا ومَحفُوظًا مِن قِبَلِ الحَفِيظِ الحَكِيمِ في بُذَيراتِها الدَّقيقةِ بكلِّ انتِظامٍ في خِضَمِّ التَّقلُّباتِ الكَثِيرةِ، فلا شَكَّ أنَّ رُوحَ البَشَرِ یی الَّتي هي قانُونٌ أَمرِيٌّ نُورانِيٌّ تَملِكُ ماهِيّةً سامِيةً، وهي ذاتُ حَياةٍ وشُعُورٍ، وخَصائِصَ جامِعةً شامِلةً جِدًّا وعالِيةً جِدًّا، وقد أُلبِسَت وُجُودًا خارِجِيًّا یی لا بُدَّ أنَّها باقِيةٌ للأَبَدِ، ومَشدُودةٌ بالسَّرمَدِيّةِ، وذاتُ ارتِباطٍ معَ الخُلُودِ دُونَ أَدنَى شَكٍّ. وكيف تَدَّعي إن لم تَفهَمْ هذا: إنَّني إنسانٌ واعٍ..؟
فهل يُمكِنُ أن يُسأَلَ الحَكِيمُ ذُو الجَلالِ والحَفِيظُ الباقي الَّذي أَدرَجَ تَصمِيمَ الشَّجَرةِ الباسِقةِ وحَفِظَ قانُونَ تَركِيبِها الشَّبِيهَ بالرُّوحِ في بِذرةٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ: كيف يُحافِظُ على أَرواحِ البَشَرِ بعدَ مَوتِهم؟
المَنبَعُ الأوَّل: أَنفُسِيٌّ..
أي: إنَّ كلَّ مَن يُدَقِّقُ النَّظَرَ في حَياتِه ويُفكِّرُ مَلِيًّا في نَفسِه، يُدرِكُ أنَّ هنالك رُوحًا باقِيةً.
نعم، إنَّه بَدِيهيٌّ أنَّ كلَّ رُوحٍ رَغمَ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ الجارِي على الجِسمِ عَبْرَ سِنِيْ العُمُرِ تَظَلُّ باقِيةً بعَينِها دُونَ أن تَتَأثَّرَ، لِذا فما دامَ الجَسَدُ يَزُولُ ويُستَحْدَثُ، معَ ثَباتِ الرُّوح، فلا بُدَّ أنَّ الرُّوحَ حتَّى عِندَ انسِلاخِها بالمَوتِ انسِلاخًا تامًّا، وزَوالَ الجَسَدِ كُلِّه، لا يَتَأثَّرُ بَقاؤُها ولا تَتَغيَّرُ ماهِيَّتُها.. أي: إنَّها باقِيةٌ ثابِتةٌ رَغمَ هذه التَّغَيُّراتِ الجَسَدِيّةِ؛ وكلُّ ما هنالك أنَّ الجَسَدَ يُبدِّلُ أَزياءَه تَدرِيجِيًّا طَوالَ حَياتِه معَ بَقاءِ الرُّوحِ، أمّا عندَ المَوتِ فيُجَرَّدُ نِهائِيًّا وتَثبُتُ الرُّوحُ. فبِالحَدْسِ القَطعِيِّ بل بالمُشاهَدةِ نَرَى أنَّ الجَسَدَ قائِمٌ بالرُّوحِ، أي: لَيسَتِ الرُّوحُ قائِمةً بالجَسَدِ، وإنَّما الرُّوحُ قائِمةٌ ومُسَيطِرةٌ بنَفسِها؛ ومِن ثَمَّ فتَفَرُّقُ الجَسَدِ وتَبَعثرُه بأيِّ شَكلٍ مِنَ الأَشكالِ وتَجَمُّعُه لا يَضُرُّ باستِقلاليّةِ الرُّوحِ ولا يُخِلُّ بها أَصلًا، فالجَسَدُ عُشُّ الرُّوحِ ومَسكَنُها وليس برِدائِها، وإنَّما رِداءُ الرُّوحِ غِلافٌ
— 663 —
لَطِيفٌ وبَدَنٌ مِثاليٌّ ثابِتٌ إلى حَدٍّ مّا ومُتَناسِبٌ بِلَطافَتِه معَها، لِذا لا تَتَعرَّى الرُّوحُ تَمامًا حتَّى في حالةِ المَوتِ، بل تَخرُجُ مِن عُشِّها لابِسةً بَدَنَها المِثاليَّ وأَردِيَتَها الخاصّةَ بها.
المَنبَعُ الثاني: آفاقيٌّ..
وهو حُكْمٌ نابِعٌ مِنَ المُشاهَداتِ المُتَكرِّرةِ والوَقائِعِ المُتَعدِّدةِ ومِنَ التَّجارِبِ الكَثِيرةِ.
نعم، إذا ما فُهِمُ بَقاءُ رُوحٍ واحِدةٍ بعدَ المَماتِ، يَستَلزِمُ ذلك بَقاءَ "نَوعِ" تلك الرُّوحِ عامّةً، إذِ المَعلُومُ في عِلمِ المَنطِقِ أنَّه إذا ظَهَرَت خاصّةٌ "ذاتيّةٌ" في فَردٍ واحِدٍ، يُحكَمُ على وُجُودِ تلك الخاصّةِ في جَمِيعِ الأَفرادِ، لأَنَّها خاصَّةٌ ذاتيّةٌ، فلا بُدَّ مِن وُجُودِها في كلِّ فَردٍ؛ والحالُ أنَّ بَقاءَ الرُّوحِ لم يَظهَرْ في فَردٍ واحِدٍ فحَسْبُ، بل إنَّ الآثارَ الَّتي تَستَنِدُ إلى المُشاهَداتِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى والأَماراتِ الَّتي تَدُلُّ على بَقائِها ثابِتةٌ بصُورةٍ قَطعِيّةٍ إلى دَرَجةِ أنَّه كما لا يُساوِرُنا الشَّكُّ ولا يَأْخُذُنا الرَّيبُ أَبدًا في وُجُودِ القارّةِ الأَمرِيكيّةِ المُكتَشَفةِ حَدِيثًا واستِيطانِها بالسُّكّانِ، كذلك لا يُمكِنُ الشَّكُّ أنَّ في عالَمِ المَلَكُوتِ والأَرواحِ الآنَ أَرواحًا غَفِيرةً للأَمواتِ، لها عَلاقاتٌ معَنا، إذْ إنَّ هَدايانا المَعنَوِيّةَ تَمضِي إلَيها، وتَأْتينا مِنها فُيُوضاتُها النُّورانيّةُ.
وكذا يُمكِنُ الإحساسُ یی وِجْدانًا بالحَدْسِ القَطعِيِّ یی بأنَّ رُكْنًا أَساسًا في كِيانِ الإنسانِ يَظَلُّ باقِيًا بعدَ مَوْتِه، وهذا الرُّكنُ الأَساسُ هو الرُّوحُ، حيثُ إنَّ الرُّوحَ لَيسَت مُعَرَّضةً للِانحِلالِ والخَرابِ، لأنَّها بَسِيطةٌ ولها صِفةُ الوَحْدةِ؛ إذِ الِانحِلالُ والفَسادُ هما مِن شَأْنِ الكَثْرةِ والأَشياءِ المُرَكَّبةِ. وكما بَيَّنّا سابِقًا فإنَّ الحَياةَ تُؤَمِّنُ طَرْزًا مِنَ الوَحْدةِ في الكَثْرةِ، فتكُونُ سَبَبًا لِنَوعٍ مِنَ البَقاءِ. أي: إنَّ الوَحدةَ والبَقاءَ هما أَساسا الرُّوحِ حيثُ يَسرِيانِ مِنهُما إلى الكَثْرةِ. لذلك فإنَّ فَناءَ الرُّوحِ إمّا أن يكُونَ بالهَدْمِ والتَّحَلُّلِ أو بالإعدامِ؛ فأمّا الهَدْمُ والتَّحَلُّلُ فلا تَسمَحُ لهما الوَحْدةُ والتَّفَرُّدُ بالوُلُوجِ، ولا تَتْرُكُهما البَساطةُ للإفسادِ، وأمّا الإعدامُ فلا تَسمَحُ به الرَّحمةُ الواسِعةُ للجَوادِ المُطلَقِ، ويَأْبَى جُودُه غيرُ المَحدُودِ أن يَستَرِدَّ ما أَعطَى مِن نِعمةِ الوُجُودِ لِرُوحِ الإنسانِ اللَّائِقةِ والمُشتاقةِ إلى ذلك الوُجُودِ.
— 664 —

المَنبَعُ الثَّالث:

الرُّوحُ قانُونٌ أَمرِيٌّ، حَيٌّ، ذُو شُعُورٍ، نُورانِيٌّ، وذاتُ حَقِيقةٍ جامِعةٍ، مُعَدَّةٍ لِاكتِسابِ الكُلِّيّةِ والماهِيّةِ الشّامِلةِ، وقد أُلبِسَت وُجُودًا خارِجِيًّا؛ إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ أَضعَفَ الأَوامِرِ القانُونيّةِ يَظهَرُ علَيها الثَّباتُ والبَقاءُ، لأنَّه إذا أَمْعَنّا النَّظَرَ نَرَى بأنَّ هُناك "حَقِيقةً ثابِتةً" في جَمِيعِ الأَنواعِ المُعَرَّضةِ للتَّغَيُّرِ، حيثُ تَتَدحرَجُ ضِمنَ التَّغَيُّراتِ والتَّحَوُّلاتِ وأَطوارِ الحَياةِ مُبَدِّلةً صُوَرًا وأَشكالًا مُختَلِفةً، ولَكِنَّها تَظَلُّ هي باقِيةً حَيّةً ولا تَمُوتُ أَبَدًا؛ فالقانُونُ الَّذي يَسرِي على "نَوْعٍ" مِنَ الأَحياءِ الأُخرَى يكُونُ جارِيًا أيضًا على الشَّخصِ "الفَرْدِ" للإنسانِ، إذِ الإنسانُ "الفَرْدُ" حَسَبَ شُمُولِ ماهِيَّتِه، وكُلِّيّةِ مَشاعِرِه وأَحاسِيسِه، وعُمُومِ تَصَوُّراتِه، قد أَصَبَح في حُكْمِ "النَّوعِ" وإن كانَ بَعدُ فَرْدًا واحِدًا، لأنَّ الفاطِرَ الجَلِيلَ قد خَلَق هذا الإنسانَ مِرآةً جامِعةً، وشامِلةً، معَ عُبُودِيّةٍ تامّةٍ، وماهِيّةٍ راقِيةٍ. فحَقِيقَتُه الرُّوحِيّةُ في كلِّ فَردٍ لا تَمُوتُ أَبدًا یی بإذنِ اللهِ یی وإن بَدَّلَت مِئاتِ الآلافِ مِنَ الصُّوَرِ، فتَستَمِرُّ رُوحُه حَيّةً كما بَدَأَت حَيّةً؛ لذا فإنَّ الرُّوحَ الَّتي هي حَقِيقةُ شُعُورِ ذلك الشَّخصِ وعُنصُرُ حَياتِه باقِيةٌ دائِمًا وأَبدًا بإبقاءِ اللهِ لها وبأَمرِه وإِذنِه تَبارَك وتَعالَى.

المَنبَعُ الرّابع:

إنَّ القَوانِينَ المُتَحَكِّمةَ والسّارِيةَ في الأَنواعِ تَتَشابَهُ معَ الرُّوحِ إلى حَدٍّ مّا، إذْ إنَّ كِلَيهِما آتِيانِ مِن عالَمِ "الأَمرِ والإرادةِ"، فهي تَتَوافَقُ معَ الرُّوحِ بدَرَجةٍ جُزئيّةٍ مُعَيَّنةٍ لِصُدُورِهما مِنَ المَصدَرِ نَفسِه؛ فلو دَقَّقْنا النَّظَرَ في تلك النَّوامِيسِ والقَوانِينِ النّافِذةِ في الأَنواعِ الَّتي ليس لها إحساسٌ ظاهِرٌ، يَظهَرُ لنا أنَّه لو أُلبِسَتْ هذه القَوانِينُ الأَمرِيّةُ وُجُودًا خارِجِيًّا لَكانَتْ إذًا بمَثابةِ الرُّوحِ لِهذه الأَنواعِ، إذ إنَّ هذه القَوانِينَ ثابِتةٌ ومُستَمِرّةٌ وباقِيةٌ دائِمًا، فلا تُؤَثِّرُ في وَحْدَتِها التَّغَيُّراتُ ولا تُفسِدُها الِانقِلاباتُ؛ فمَثلًا: إذا ماتَتْ شَجَرةُ تِينٍ وتَبَعْثَرَت، فإنَّ قانُونَ تَركِيبِها ونَشْأَتِها الَّذي هو بمَثابةِ رُوحِها يَبقَى حَيًّا في بِذْرَتِها المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ. أي: إنَّ وَحْدةَ تلك القَوانِينِ لا تَفسُدُ ولا تَتَأَثَّرُ ضِمنَ جَمِيعِ التَّغَيُّراتِ والتَّقَلُّباتِ.
— 665 —
وطالَما أنَّ أَبْسَطَ الأَوامِرِ القانُونيّةِ السّارِيةِ وأَضعَفَها مُرتَبِطةٌ بالدَّوامِ والبَقاءِ، فيَلْزَمُ أنَّ الرُّوحَ الإنسانِيّةَ لا تَرتَبِطُ معَ البَقاءِ فحَسْبُ بل معَ أَبَدِ الآبادِ، لأنَّ الرُّوحَ بِنَصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ: مِنْ أَمْرِ رَبِّي آتٍ مِن عالَمِ الأَمرِ، فهو قانُونٌ ذُو شُعُورٍ ونامُوسٌ ذُو حَياةٍ، قد أَلْبَسَتْه القُدرةُ الإلٰهِيّةُ وُجُودًا خارِجِيًّا.. إذًا فكما أنَّ القَوانِينَ غيرَ ذاتِ الشُّعُورِ الآتِيةَ مِن عالَمِ "الأَمرِ" وصِفةِ "الإرادةِ" تَظَلُّ باقِيةً دائِمًا أو غالِبًا، فكذلك الرُّوحُ الَّتي هي صِنْوُها، آتِيةٌ مِن عالَمِ "الأَمرِ"، وهي تَجَلٍّ لِصِفةِ "الإرادةِ"، فهي أَلْيَقُ بالبَقاءِ وأَصلَحُ له. أي: إنَّ بَقاءَها أَوْلَى بالثُّبُوتِ والقَطْعِيّةِ، لأنَّ لها وُجُودًا وامتِلاكًا للحَقِيقةِ الخارِجِيّةِ، وهي أَقوَى مِن جَمِيعِ القَوانِينِ وأَعلَى مَرتَبةً مِنها، ذلك لأنَّ لَها شُعُورًا، وهي أَدْوَمُ وأَثمَنُ قِيمةً مِنها لأنَّها تَمتَلِكُ الحَياةَ.

الأساسُ الثاني

إنَّ هناك ضَرُورةً ومُقتَضًى للسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وإنَّ الَّذي يَهَبُ تلك الحَياةَ والسَّعادةَ الأَبدِيّةَ قادِرٌ مُقتَدِرٌ، وإنَّ دَمارَ العالَمِ ومَوْتَ الدُّنيا مُمكِنٌ، وإنَّه سيَقَعُ فِعلًا؛ وإنَّ الحَشْرَ وبَعْثَ العالَمِ مِن جَدِيدٍ مُمكِنٌ أيضًا، وإنَّه ستَقَعُ هذه الواقِعةُ فِعلًا.
فهذه سِتُّ مَسائِلَ، سنُبَيِّنُها بالتَّعاقُبِ باختِصارٍ يُقنِعُ العَقلَ، عِلْمًا أنَّنا قد سُقْنا في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" بَراهِينَ جَعَلَتِ القُلُوبَ تَرقَى إلى مَرتَبةِ الإيمانِ الكامِلِ؛ ولكنَّنا هنا نَتَناوَلُها فحَسْبُ بما يُقنِعُ العَقلَ ويُبهِتُه، كما فَعَل "سَعِيدٌ القَدِيمُ" في رِسالةِ "نُقطةٌ مِن نُورِ مَعرِفةِ اللهِ جَلَّ جَلالُه".
نعم، إنَّ هناك ما يَقتَضِي الحَياةَ الأُخرَى، وإنَّ هناك مُبَرِّرًا للسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وإنَّ البُرهانَ القاطِعَ الدّالَّ على هذه الضَّرُورةِ حَدْسٌ يَتَرشَّحُ مِن عَشَرةِ يَنابِيعَ ومَداراتٍ:
المَدارُ الأوَّلُ: إذا تَأَمَّلْنا في أَرجاءِ الكَونِ نَرَى أنَّ هُناك نِظامًا كامِلًا وتَناسُقًا بَدِيعًا مَقصُودًا في جَمِيعِ أَجزِائِه، فنُشاهِدُ رَشَحاتِ الإرادةِ والِاختِيارِ، ولَمَعاتِ القَصْدِ في كلِّ جِهةٍ.. حتَّى نُبصِرُ نُورَ "القَصْدِ" في كلِّ شَيءٍ، وضِياءَ "الإرادةِ" في كلِّ شَأْنٍ، ولَمَعانَ "الِاختِيارِ" في كلِّ حَرَكةٍ، وشُعلةَ "الحِكمةِ" في كلِّ تَركِيبٍ.
— 666 —
فشَهادةُ ثَمَراتِ كلِّ ما سَبَق تَلفِتُ الأَنظارَ. وهكذا إن لم يكُن هناك حَياةٌ أُخرَى وسَعادةٌ خالِدةٌ، فماذا يَعني هذا النِّظامُ الرَّصِينُ؟ إنَّه سيَبقَى مُجَرَّدَ صُورةٍ ضَعِيفةٍ باهِتةٍ واهِيةٍ، وسيكُونُ نِظامًا كاذِبًا دُونَ أَساسٍ، وستَذهَبُ المَعنَوِيّاتُ والرَّوابِطُ والنِّسَبُ یی الَّتي هي رُوحُ ذلك النِّظامِ والتَّناسُقِ البَدِيعِ یی هَباءً مَنثُورًا.. أي: إنَّ الحَياةَ الأُخرَى والسَّعادةَ الأَبدِيّةَ، هي الَّتي جَعَلَت هذا "النِّظامَ" نِظامًا فِعْلًا وأَعطَت له مَعنًى، لِذا فنِظامُ العالَمِ هذا يُشِيرُ إلى تلك السَّعادةِ الأَبدِيّةِ وحَياةِ الخُلُودِ.
المَدارُ الثاني: في خَلْقِ الكائِناتِ تَتَّضِحُ حِكمةٌ جَلِيّةٌ.. نعم، إنَّ الحِكمةَ الإلٰهِيّةَ الَّتي تَرمُزُ إلى عِنايَتِه الأَزَليّةِ واضِحةٌ وُضُوحًا تامًّا؛ فرِعايةُ مَصالِحِ كلِّ كائِنٍ، والْتِزامُ الفَوائِدِ والحِكَمِ فيها ظاهِرةٌ جَلِيّةٌ في الجَمِيعِ، وهي تُعلِنُ بلِسانِ حالِها أنَّ السَّعادةَ الأَبدِيّةَ مَوجُودةٌ، ذلك إن لم تكُن هُناك حَياةٌ أُخرَى أَبدِيّةٌ فيَجِبُ أن نُنكِرَ یی مُكابِرِين ومُعانِدِين یی كلَّ ما في هذه الكائِناتِ مِنَ الحِكَمِ والفَوائِدِ الثّابِتةِ البَدِيهِيّةِ.
نَقتَصِرُ على هذا مُكتَفِين بالحَقِيقةِ العاشِرةِ "للكَلِمةِ العاشِرةِ"، فقد أَظهَرَت هذه الحَقِيقةَ كالشَّمسِ.
المَدارُ الثالث: لقد ثَبَت عَقْلًا وحِكْمةً واستِقراءً وتَجرِبةً: أنَّه لا عَبَثِيّةَ ولا إسرافَ في خَلْقِ المَوجُوداتِ، وأنَّ عَدَمَهما يُشِيرُ إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ والدَّارِ الآخِرةِ؛ والدَّليلُ على أنَّه ليس في الفِطْرةِ إسرافٌ ولا في الخَلْقِ عَبَثٌ، هو أنَّ الخالِقَ سُبحانَه وتَعالَى قدِ اختارَ لِخَلْقِ كلِّ شَيءٍ أَقْرَبَ طَرِيقٍ، وأَدْنَى جِهةٍ، وأَرَقَّ صُورةٍ، وأَجمَلَ كَيفِيّةٍ، فقد يُسنِدُ إلى شَيءٍ واحِدٍ مِئةَ وَظِيفةٍ، وقد يُعَلِّقُ على شَيءٍ دَقِيقٍ واحِدٍ أَلْفًا مِنَ الغاياتِ والنَّتائِجِ؛ فما دامَ ليس هُناك إسرافٌ، ولا يُمكِنُ أن يكُون هُناك عَبَثٌ، فلا بُدَّ أن تَتَحقَّقَ تلك الحَياةُ الأُخرَى الأَبدِيّةُ، وذلك إن لم يكُن هُناك رُجُوعٌ إلى الحَياةِ مِن جَدِيدٍ، فإنَّ العَدَمَ يُحَوِّلُ كُلَّ شَيءٍ إلى عَبَثٍ، بمَعنَى أنَّ كُلَّ شَيءٍ كان إسرافًا وهَدَرًا، إلّا أنَّ عَدَمَ الإسرافِ الثّابِتَ حَسَبَ عِلمِ وَظائِفِ الأَعضاءِ في الفِطْرةِ جَمِيعِها یی ومِنها الإنسانُ یی لَيُبيِّنُ لنا أنَّه لا يُمكِنُ أن تَذْهَبَ هَباءً، فيكُونُ إسرافًا جَمِيعُ الِاستِعداداتِ المَعنَوِيّةِ، والآمالِ غيرِ النِّهائيّةِ، والأَفكارِ والمُيُولِ.. حيثُ إنَّ المَيْلَ الأَصِيلَ إلى
— 667 —
التَّكامُلِ المَغرُوسِ في أَعماقِ الإنسانِ يُفصِحُ عن وُجُودِ كَمالٍ مَعَيَّنٍ، وأنَّ مَيْلَه وتَطَلُّعَه إلى السَّعادةِ يُعلِنُ إعلانًا قاطِعًا عن وُجُودِ سَعادةٍ خالِدةٍ، وأنَّه المُرَشَّحُ لِهذه السَّعادةِ.
فإن لم يكُنِ الأَمرُ هكذا، فالمَعنَوِيّاتُ الرَّصِينةُ والآمالُ الرّاقِيةُ السّامِيةُ الَّتي تُؤَسِّسُ ماهِيّةَ الإنسانِ الحَقِيقيّةَ تكُونُ كُلُّها یی حاشَ للهِ یی إسرافًا وعَبَثًا، وتَذْهَبُ هَباءً، خِلافًا للحِكمةِ المَوجُودةِ في جَمِيعِ الخَلْقِ.
نَكتَفِي هنا بهذا القَدْرِ لأَنَّنا قد أَثبَتْناها سابِقًا في الحَقِيقةِ الحادِيةَ عَشْرةَ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ".
المَدارُ الرابع: إنَّ التَّبَدُّلاتِ والتَّحَوُّلاتِ الَّتي تَحدُثُ في كَثِيرٍ مِنَ الأَنواعِ، حتَّى في اللَّيلِ والنَّهارِ، وفي الشِّتاءِ والرَّبِيعِ، وفي الهَواءِ، وحتَّى في جَسَدِ الإنسانِ خِلالَ حَياتِه، والنَّومِ الَّذي هو أَخُو المَوتِ.. تُشابِهُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، وهي نَوعٌ مِنَ القِيامةِ لِكُلٍّ مِنها، وتُشْعِرُ بحُدُوثِ القِيامةِ الكُبْرَى وتُخبِرُ عنها رَمْزًا؛ فمِثلَما ساعاتُنا تَعُدُّ اليَومَ، والسّاعةَ، والدَّقِيقةَ، والثّانيةَ بحَرَكةِ تُرُوسِها، فتُخبِرُ عقارِبُها بحَرَكَتِها عن كُلِّ واحِدةٍ مِنها، وبالَّتي تَلِيها یی أي: إنَّ كلَّ واحِدةٍ مِنها مُقدِّمةٌ للَّتي تَلِيها یی كذلك هذه الدُّنيا فهي كساعةٍ إلٰهِيّةٍ عَظِيمةٍ، تَعمَلُ بدَوَرانِها وتَعاقُبِها على عَدِّ الأَيّامِ والسِّنِينَ وعُمُرِ البَشَرِ وعُمُرِ العالَمِ، فتُخبِرُ كلٌّ مِنها عنِ الَّتي تَلِيها وهي مُقدِّمةٌ لها.. فكما أنَّها تُحدِثُ الصُّبحَ بعدَ اللَّيلِ، والرَّبِيعَ بعدَ الشِّتاءِ، كذلك تُخبِرُنا رَمْزًا عن حُدُوثِ صُبْحِ القِيامةِ بعدَ المَوتِ وصُدُورِها مِن تلك السّاعةِ العُظمَى.
وهناك أَشكالٌ مُختَلِفةٌ كَثِيرةٌ مِن أَنواعِ القِيامةِ يَمُرُّ بها الإنسانُ في مُدّةِ حَياتِه، ففي كلِّ لَيلةٍ هناك نَوعٌ مِنَ المَوتِ وفي الصَّباحِ يَرَى نَوْعًا مِنَ البَعْثِ، أي: إنَّه يَرَى أَماراتِ الحَشرِ، بل إنَّه يَرَى كيفَ تَتَبدَّلُ جَمِيعُ ذَرَّاتِ جِسمِه في بِضعِ سِنِين، حتَّى إنَّه يَرَى نَمُوذَجَ قِيامةٍ وحَشْرٍ تَدرِيجِيَّينِ مَرَّتَينِ في السَّنةِ الواحِدةِ مِن تلك التَّبَدُّلاتِ الَّتي تَحصُلُ في أَجزاءِ جِسمِه جَمِيعِها؛ ويُشاهِدُ كذلك الحَشْرَ والنُّشُورَ والقِيامةَ النَّوعِيّةَ في كلِّ رَبيعٍ في أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ أَلفٍ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ.. فهذا الحَشْدُ مِنَ الأَماراتِ والإشاراتِ الَّتي لا تُحَدُّ على الحَشْرِ، وهذا الحَدُّ مِنَ العَلاماتِ والرُّمُوزِ الَّتي لا تُحصَى على النُّشُورِ.. ما هو إلّا بمَثابةِ تَرَشُّحاتٍ للقِيامةِ الكُبْرَى تُشِيرُ إلى
— 668 —
الحَشرِ الأَكبَرِ. فحُدُوثُ مِثلِ هذه القِيامةِ النَّوعِيّةِ وما يُشبِهُ الحَشْرَ والنُّشُورَ في الأَنواعِ، مِن قِبَلِ الخالِقِ الحَكِيمِ، بإحيائِه جَمِيعَ الجُذُورِ وقِسمًا مِنَ الحَيَواناتِ بعَينِها، وإعادَتِه سُبحانَه سائِرَ الأَشياءِ والأَوراقِ والأَزهارِ والأَثمارِ بمِثلِها، يُمكِنُ أن يكُونَ دَلِيلًا على القِيامةِ الشَّخصِيّةِ لِكُلِّ فَردٍ إنسانِيٍّ ضِمنَ القِيامةِ العامّةِ؛ حيثُ إنَّ "الفَرْدَ" الإنسانِيَّ يُقابِلُ "النَّوعَ" مِنَ الكائِناتِ الأُخرَى، لأنَّ نُورَ الفِكْرِ أَعطَى مِنَ السَّعةِ العَظِيمةِ لآمالِه وأَفكارِه بحَيثُ يَتَمكَّنُ أن يُحِيطَ بالماضِي والمُستَقبَلِ، بل إذا ابتَلَع الدُّنيا لا يَشبَعُ.. أمّا في الأَنواعِ الأُخرَى فماهِيّةُ الفَردِ جُزئيّةٌ، وقِيمَتُه شَخصِيّةٌ، ونَظَرُه مَحدُودٌ، وكَمالُه مَحصُورٌ، وأَلَمُه آنِيٌّ، ولَذَّتُه وَقْتِيّةٌ، بَينَما البَشَرُ ماهِيَّتُه سامِيةٌ، ومِيزاتُه راقيةٌ وقِيمَتُه غاليةٌ، ونَظَرُه شامِلٌ عامٌّ، وكَمالُه لا يَحُدُّه شَيءٌ، وقِسمٌ مِن آلامِه ولَذّاتِه المَعنَوِيّةِ دائِمةٌ؛ ولِهذا فإنَّ ما يُشاهَدُ مِن تَكرارِ أَشكالِ القِيامةِ والحَشرِ في سائِرِ الأَنواعِ يُخبِرُ ويَرمُزُ إلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ إنسانِيٍّ يُعادُ بعَينِه ويُحشَرُ في القِيامةِ الكُبْرَى العامّةِ.
ولَمّا كُنّا قد أَثبَتْنا هذا في الحَقيقةِ التّاسِعةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" بشَكلٍ قَطْعِيٍّ كمَن يُثبِتُ حاصِلَ ضَربِ الِاثنَينِ في اثنَينِ يُساوِي أَرْبعًا، فقد أَوْجَزْناه هنا.
المَدارُ الخامِسُ: يَرَى العُلَماءُ المُحَقِّقُون أنَّ أَفكارَ البَشَرِ وتَصَوُّراتِه الإنسانيّةَ الَّتي لا تَتَناهَى المُتَولِّدةَ مِن آمالِه غيرِ المُتَناهِيةِ، الحاصِلةَ مِن مُيُولِه الَّتي لا تُحَدُّ، النّاشِئةَ مِن قابِلِيّاتِه غيرِ المَحصُورةِ، المُندَمِجةَ في استِعداداتِه الفِطْرِيّةِ غيرِ المَحدُودةِ، المُندَرِجةَ في جَوْهَرِ رُوحِه، كلٌّ مِنها تَمُدُّ أَصابِعَها فتُشِيرُ وتُحَدِّقُ ببَصرِها فتَتَوجَّهُ إلى عالَمِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ وَراءَ عالَمِ الشَّهادةِ هذا. فالفِطرةُ الَّتي لا تَكذِبُ أَبدًا والَّتي فيها ما فيها مِن مَيْلٍ شَدِيدٍ قَطْعِيٍّ لا يَتَزحْزَحُ إلى السَّعادةِ الأُخرَوِيّةِ الخالِدةِ تُعطِي للوِجدانِ حَدْسًا قَطْعِيًّا على تَحَقُّقِ الحَياةِ الأُخرَى والسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ.
نَیكتَفي هنا بهذا القَدْرِ حيثُ أَظهَرَتِ الحَقِيقةُ الحادِيةَ عَشْرةَ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" هذه الحَقِيقةَ واضِحةً كالنَّهارِ.
المَدارُ السّادس: إنَّ رَحْمةَ خالِقِ الكَونِ وهو الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ تَدُلُّ على السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، نعم، إنَّ الَّتي جَعَلَتِ النِّعمةَ نِعمةً فِعلًا وأَنقَذَتْها مِنَ النِّقْمةِ، ونَجَّتِ
— 669 —
المَوجُوداتِ مِن نَحِيبِ الفِراقِ الأَبدِيِّ.. هي السَّعادةُ الخالِدةُ ودارُ الخُلُودِ؛ فمِن شَأْنِ الرَّحمةِ ألّا تَحرِمَ البَشَرَ مِنها، إذ لو لم تُوهَبْ تلك السَّعادةُ ودارُ الخُلُودِ الَّتي هي رَأْسُ كلِّ نِعمةٍ وغايَتُها ونَتِيجَتُها الأَساسُ، أي: إن لم تُبعَثِ الدُّنيا بعدَ مَوْتِها بصُورةِ "آخِرةٍ"، لَتَحوَّلَت جَمِيعُ النِّعَمِ إلى نِقَمٍ.. وهذا يَستَلزِمُ إنكارَ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ المَشهُودةِ الظّاهِرةِ بَداهةً وبالضَّرُورةِ في الكَونِ، والثّابِتةِ بشَهادةِ جَمِيعِ الكائِناتِ والَّتي هي الحَقِيقةُ الثّابِتةُ الواضِحةُ وُضُوحًا أَسطَعَ مِنَ الشَّمسِ.
فإذا ما افْتَرَضْتَ أنَّ نِهايةَ الحَياةِ الإنسانيّةِ تَصِيرُ إلى الفِراقِ الأَبدِيِّ وإلى العَدَمِ، ثمَّ دَقَّقْتَ النَّظَرِ في بعضِ الآثارِ اللَّطِيفةِ لِتِلك "الرَّحمةِ" وأَنوارِها في نِعمةِ الحُبِّ والحَنانِ والعَقلِ.. فإنَّك تَرَى أنَّ تلك المَحَبّةَ تُصبِحُ مُصِيبةً كُبْرَى.. وذلك الحَنانَ اللَّذيذَ يكُونُ داءً وَبِيلًا.. وذلك العَقلَ النُّورانِيَّ يكُونُ بَلاءً عَظِيمًا..
فالرَّحمةُ إذًا یی لأنَّها رَحمةٌ یی لا يُمكِنُ أن تُقابِلَ المَحَبّةَ الحَقِيقيّةَ بذلك الفِراقِ الأَبدِيِّ والعَدَمِ، أي: لا بُدَّ مِن حَياةٍ أُخرَى..
لَخَّصْنا هذه الحَقِيقةَ هنا حيثُ إنَّ الحَقِيقةَ الثّانيةَ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" قد أَوْضَحَتْها بكلِّ جَمالٍ ووُضُوحٍ.
المَدارُ السّابع: إنَّ جَمِيعَ المَحاسِنِ وجَمِيعَ الكَمالاتِ وجَمِيعَ الأَشواقِ واللَّطائفِ وجَمِيعَ الِانجِذاباتِ والتَّرَحُّماتِ الَّتي نَعلَمُها ونَراها في هذه الكائِناتِ ما هي إلّا مَعانٍ، ومَضامِينُ، وكَلِماتٌ مَعنَويةٌ، تُبيِّنُ للقَلبِ بكُلِّ وُضُوحٍ وتُظهِرُ للعَقلِ بكُلِّ جَلاءٍ، أنَّها تَجَلِّياتُ كَرَمِ الخالِقِ الجَلِيلِ وإحسانِه، وأنَّها تَجَلِّياتُ رَحمَتِه الخالِدةِ ولُطفِه الدّائِمِ سُبحانَه. ولَمّا كانَت هُناك "حَقِيقةٌ" ثابِتةٌ في عالَمِنا، ورَحمةٌ حَقِيقيّةٌ واضِحةٌ بالبَداهةِ، فلا بُدَّ أنْ ستكُونُ السَّعادةَ الأَبدِيّةَ. وقد أَوْضَحَتِ الحَقِيقةُ الرّابِعةُ معَ الثّانيةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" هذه الحَقِيقةَ كالشَّمسِ.
المَدارُ الثّامن: إنَّ الوِجدانَ الشّاعِرَ للإنسانِ الَّذي هو فِطْرَتُه، يَدُلُّ على الحَياةِ الأُخرَى، ويَرنُو إلى السَّعادةِ الأَبدِيّةِ.
— 670 —
نعم، إنَّ الَّذي يُصغِي إلى وِجدانِه اليَقِظِ فإنَّه يَسمَعُ حَتْمًا صَوْتَ "الأَبدِ.. الأَبدِ" حتَّى إذا ما أُعطِيَ كلُّ ما في الكائِناتِ لذلك الوِجدانِ فإنَّه لا يَسُدُّ حاجَتَه إلى الأَبدِ، بمَعنَى أنَّ ذلك الوِجدانَ مَخلُوقٌ لذلك الأَبدِ، وأنَّ هذا الجَذْبَ والِانجِذابَ الوِجدانِيَّ لا يكُونُ إلّا بجَذْبٍ مِن غايةٍ حَقِيقيّةٍ وبجاذِبٍ حَقِيقيٍّ.
وقد أَظهَرَت خاتِمةُ الحَقِيقةِ الحادِيةَ عَشْرةَ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" هذه الحَقِيقةَ.
المَدارُ التاسعُ: إنَّ كلامَ النَّبيِّ الصّادِقِ المُصَدَّقِ المَصدُوقِ مُحمَّدٍ العَرَبيِّ الهاشِمِيِّ علَيه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ قد فَتَح أَبوابَ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، وإنَّ أَحادِيثَه الشَّرِيفةَ نَوافِذُ مُفَتَّحةٌ على تلك السَّعادةِ الخالِدةِ تُطِلُّ علَيها، وهو إذ يَملِكُ قُوّةَ إجماعِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام جَمِيعِهِم وتَواتُرَ الأَولياءِ الصّادِقين كلِّهِم، فقد رَكَّزَ بيَقينٍ راسِخٍ كلَّ دَعواه، بكُلِّ ما أُوتِيَ مِن قُوّةٍ، بَعدَ تَوحِيدِ الله، على هذه النُّقطةِ الأَساسِ، وهي الحَشْرُ والحَياةُ الآخِرةُ. فهل هُناك شَيءٌ يُمكِنُ أن يُزَحزِحَ هذه القُوّةَ الصّامِدةَ؟
وقد أَوضَحَتِ الحَقِيقةُ الثّانيةَ عَشْرةَ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" هذه الحَقِيقةَ بوُضُوحٍ تامٍّ.
المَدارُ العاشِرُ: وهو البَلاغُ المُبِينُ للقُرآنِ الكَرِيمِ الَّذي حافَظَ على إعجازِه یی بسَبعةِ أَوجُهٍ یی طَوالَ ثَلاثةَ عَشَرَ قَرْنًا وما زالَ، كما أَثبَتْنا أَربَعِين نَوْعًا مِن إعجازِه في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين".
نعم، إنَّ إخبارَ القُرآنِ نَفسِه عنِ الحَشرِ الجِسْمانِيِّ هو تَنوِيرٌ كافٍ وكَشْفٌ بَيِّنٌ له، فهو المِفتاحُ للحِكمةِ المُودَعةِ في الكائِناتِ وللسِّرِّ المُغلَقِ للعالَمِ؛ ولقد دَعا هذا القُرآنُ العَظِيمُ مِرارًا إلى التَّفَكُّرِ ولَفَتَ الأَنظارَ إلى آلافٍ مِنَ البَراهِينِ العَقلِيّةِ القَطْعِيّةِ، فالآياتُ الكَرِيمةُ مَثلًا: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، إنَّما هي نَماذِجُ للقِياسِ التَّمثيليِّ، وإنَّ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ نَمُوذَجٌ آخَرُ يُشِيرُ إلى دَليلِ العَدالةِ في الكَونِ، وآياتٌ كَثِيرةٌ أُخرَى قد وُضِعَت فيها نَظّاراتٌ "مَراصِدُ" ذاتُ عَدَساتٍ مُكَبِّرةٍ كَثِيرةٍ كي تَنظُرَ بإمعانٍ مِن خِلالِها إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ في الحَشْرِ الجِسمانِيِّ.
— 671 —
وقد أَوْضَحْنا في رِسالةِ "النُّقْطة" القِياسَ التَّمثِيليَّ المَوجُودَ في الآيتَينِ الأُولَيَيْنِ معَ سائِرِ الآياتِ الأُخرَى، وخُلاصَتُه: أنَّ الإنسانَ كُلَّما انتَقَلَ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ مَرَّ بانقِلاباتٍ مُنتَظِمةٍ عَجِيبةٍ، فمِنَ النُّطْفةِ إلى العَلَقةِ ومِنَ العَلَقةِ إلى المُضْغةِ ومِنَ المُضْغةِ إلى العَظْمِ ثمَّ اللَّحْمِ، ومِن ثُمَّ إلى خَلْقٍ جَدِيدٍ، أي: إنَّ انقِلابَه إلى صُورةِ إنسانٍ يَتْبَعُ دَساتِيرَ دَقيقةً؛ فكُلُّ طَوْرٍ مِنها له مِنَ القَوانِينِ الخاصّةِ والأَنظِمةِ المُعَيَّنةِ والحَرَكاتِ المُطَّرِدةِ، بحَيثُ يَشِفُّ عمّا تَحتَه مِن أَنوارِ القَصْدِ والإرادةِ والِاختِيارِ والحِكْمةِ.
وعلى الطَّرِيقةِ نَفسِها فإنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ يُبَدِّلُ هذا الجَسَدِ سَنَوِيًّا كتَبدِيلِ الثِّيابِ، فيَكُونُ هذا الجَسَدُ بحاجةٍ إلى تَركِيبٍ جَدِيدٍ كي يَتَبدَّلَ ويَبقَى حَيًّا، وبحاجةٍ إلى إحلالِ ذَرّاتٍ فَعّالةٍ جَدِيدةٍ مَحَلَّ ما انحَلَّ مِنَ الأَجزاءِ؛ لِذا فكما أنَّ الجَسَدَ تَنهَدِمُ حُجَيْراتُه بقانُونٍ إلٰهِيٍّ مُنتَظِمٍ، كذلك يَحتاجُ إلى مادّةٍ لَطِيفةٍ باسمِ "الرِّزقِ" كي يَعمُرَ مِن جَدِيدٍ بقانُونٍ إلٰهِيٍّ ربّانِيٍّ دَقِيقٍ.. فالرَّزّاقُ الحَقِيقيُّ يُوَزِّعُ ويُقَسِّمُ، بقانُونٍ خاصٍّ، لِكُلِّ عُضْوٍ مِن أَعضاءِ الجَسَدِ المُختَلِفةِ، وبنِسبةٍ مُعَيَّنةٍ، ما يَحتاجُه مِنَ المَوادِّ المُتَبايِنةِ.
والآنَ انظُرْ إلى أَطوارِ تلك المادّةِ اللَّطِيفةِ المُرسَلةِ مِن قِبَلِ الرَّزّاقِ الحَكِيمِ، تَرَ أنَّ ذَرّاتِ تلك المادّةِ هي كقافِلةٍ مُنتَشِرةٍ في الغِلافِ الجَوِّيِّ.. في الأَرضِ.. في الماءِ.. فبَينَما هي مُبَعثَرةٌ هنا وهناك، إذا بها تُستَنفَرُ فتَتَجَمَّعُ بكَيفِيّةٍ خاصّةٍ، وكأنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنها هي مَسؤُولةٌ عن وَظِيفةٍ أُرسِلَت إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ بواجِبٍ رَسْمِيٍّ، فتَجتَمِعُ معَ بَعضِها في غايةِ الِانتِظامِ، مِمّا يُوحِي بأنَّها حَرَكةٌ مَقصُودةٌ، فسُلُوكُها هذا يُبَيِّنُ:
أنَّ فاعِلًا ذا إرادةٍ يَسُوقُ تلك الذَّرّاتِ، بقانُونِه الخاصِّ، مِن عالَمِ الجَماداتِ إلى عالَمِ الأَحياءِ، وهنا بعدَ أن دَخَلَتْ جِسْمًا مُعَيَّنًا، رِزقًا له، تَسِيرُ وَفْقَ نُظُمٍ مُعَيَّنةٍ وحَرَكاتٍ مُطَّرِدةٍ وحَسَبَ دَساتِيرَ خاصّةٍ، إذ بعدَ أن تُنضَجَ في أَربَعةِ مَطابِخَ وتُمَرَّرَ بأَربَعةِ انقِلاباتٍ عَجِيبةٍ وتُصَفَّى بأَربَعةِ مَصافٍ، تُهَيَّأُ للتَّوزِيعِ إلى أَقطارِ الجِسمِ وأَعضائِه المُختَلِفةِ حَسَبَ الحاجاتِ المُتَبايِنةِ لِكُلِّ عُضوٍ، وتحتَ رِعايةِ الرَّزّاقِ الحَقِيقيِّ وعِنايَتِه وبقَوانِينِه المُنتَظِمةِ. فإذا تَأَمَّلْتَ بعَينِ الحِكمةِ أَيّةَ ذَرّةٍ مِن تلك الذَّرّاتِ فإنَّك ستَرَى أنَّ الَّذي يَسُوقُ تلك الذَّرّةَ ويُسَيِّرُها إنَّما يَسُوقُها بكُلِّ بَصِيرةٍ، وبكُلِّ نِظامٍ، وبمِلْءِ السَّمْعِ والعِلمِ
— 672 —
المُحِيطِ.. فلا يُمكِنُ بحالٍ مِنَ الأَحوالِ أن يَتَدخَّلَ فيه "الِاتِّفاقُ الأَعمَى" و"الصُّدْفةُ العَشْواءُ" و"الطَّبِيعةُ الصَّمّاءُ" و"الأَسبابُ غيرُ الواعِيةِ"؛ لأنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ عِندَما دَخَلَت إلى أَيِّ طَوْرٍ مِنَ الأَطوارِ، ابتِداءً مِن كَوْنِها عُنصُرًا في المُحِيطِ الخارِجِيِّ وانتِهاءً إلى داخِلِ الخَلِيّةِ الصَّغِيرةِ مِنَ الجِسمِ، كأنَّما تَعمَلُ بإرادةٍ وباختِيارٍ حَسَبَ القَوانِينِ المُعَيَّنةِ في كلِّ طَوْرٍ مِن تلك الأَطوارِ، إذ هي حِينَما تَدخُلُ فإنَّها تَدخُلُ بنِظامٍ، وعِندَما تَسِيرُ في أَيّةِ مَرتَبةٍ مِنَ المَراتِبِ فإنَّها تَسِيرُ بخُطُواتٍ مُنتَظِمةٍ إلى دَرَجةٍ تُظهِرُ جَلِيًّا كأنَّ أَمرَ سائِقٍ حَكِيمٍ يَسُوقُها.
وهكذا، وبكلِّ انتِظامٍ، كُلَّما سارَتِ الذَّرّةُ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ ومِن مَرتَبةٍ إلى أُخرَى لا تَحِيدُ عنِ الهَدَفِ المَقصُودِ، حتَّى تَصِلَ إلى المَقامِ المُخَصَّصِ لها بأَمرٍ رَبّانِيٍّ في قَزَحِيّةِ عَينِ "تَوفِيق" مَثلًا.. وهُناك تَقِفُ لِتُنجِزَ وَظائِفَها الخاصّةَ وتُؤَدِّيَ ما أُنِيطَ بها مِن أَعمالٍ؛ وهكذا، فإنَّ تَجَلِّيَ الرُّبُوبيّةِ في الأَرزاقِ، يُبيِّنُ أنَّ تلك الذَّرّاتِ، مُنذُ البِدايةِ، كانَت مُعَيَّنةً ومَأْمُورةً، وكانَت مَسؤُولةً عن وَظِيفةٍ، وكانَت مُهَيَّأةً مُستَعِدّةً للوُصُولِ إلى تلك المَراتِبِ المُخَصَّصةِ لها، وكأنَّ كُلَّ ذَرّةٍ مَكتُوبٌ على جَبِينِها ما ستَؤُولُ إلَيها، أي: أنَّها ستكُونُ رِزقًا للخَلِيّةِ الفُلَانيّةِ.. مِمّا يُشِيرُ لنا هذا النِّظامُ الرّائِعُ إلى أنَّ اسمَ كلِّ إنسانٍ مَكتُوبٌ على رِزقِه، كما أنَّ رِزْقَه مَكتُوبٌ على جَبِينِه بقَلَمِ القَدَرِ؛ فهل مِنَ المُمكِنِ أنَّ الرَّبَّ الرَّحِيمَ ذا القُدْرةِ المُطلَقةِ والحِكمةِ المُحِيطةِ ألّا يُنشِئَ "النَّشْأةَ الأُخرَى"؟ أو يَعجِزَ عنها؟ وهو الَّذي له مُلْكُ السَّماواتِ والأَرضِ وهُنَّ مَطْوِيّاتٌ بيَمِينِه مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ ويُدِيرُها جَمِيعًا ضِمنَ نِظامٍ مُحكَمٍ ومِيزانٍ دَقيقٍ.. فسُبحانَ اللهِ عمّا يَصِفُونَ!
لذلك فإنَّ كَثِيرًا مِن آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ تَلفِتُ نَظَرَ الإنسانِ إلى "النَّشْأةِ الأُولَى" الحَكِيمةِ كمَثَلٍ قِياسِيٍّ لی"النَّشْأةِ الأُخرَى" في الحَشْرِ والقِيامةِ، وذلك كي تَستَبعِدَ إنكارَها مِن ذِهنِ الإنسانِ فتَقُولُ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ... أي: إنَّ الَّذي أَنشَأَكُم یی ولم تكُونُوا شَيْئًا يُذكَرُ یی على هذه الصُّورةِ الحَكِيمةِ هو الَّذي يُحيِيكُم في الآخِرةِ.
— 673 —
وتقُولُ: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أي: إنَّ إعادَتَكُم وإحياءَكُم في الآخِرةِ هي أَسهَلُ مِن خَلْقِكُم في الدُّنيا، إذ كما أنَّ الجُنُودَ إذا ما انتَشَرُوا وتَفَرَّقُوا للِاستِراحةِ، يُمكِنُ إرجاعُهم إلى أَماكِنِهم تحتَ رايةِ الفِرقةِ بنَفْخةٍ مِنَ البُوقِ العَسكَرِيِّ، فجَمْعُهم هكذا مِنَ الِاستِراحةِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ أَسهَلُ بكَثِيرٍ مِن تَكوِينِ فِرقةٍ جَدِيدةٍ مِنَ الجُنُودِ. كذلك فإنَّ الذَّرّاتِ الأَساسَ الَّتي استَأْنَسَتْ وارْتَبَطَ بَعضُها بالبَعضِ الآخَرِ بامتِزاجِها في جِسمٍ مُعَيَّنٍ عِندَما يَنفُخُ إسرافيلُ عَليهِ السَّلام في صُورِهِ نَفْخةً واحِدةً تَهُبُّ قائِلةً: لَبَّيْك لِأَمرِ الخالِقِ العَظِيمِ، وتَجتَمِعُ، فاجتِماعُها بَعضِها مع البَعضِ الآخَرِ مَرّةً أُخرَى لا رَيبَ أَسهَلُ وأَهوَنُ عَقْلًا، مِن إيجادِ تلك الذَّرّاتِ أَوَّلَ مَرّةٍ.
هذا وقد لا يكُونُ ضَرُورِيًّا اجتِماعُ جَمِيعِ الذَّرّاتِ، وإنَّما تَكفِي الذَّرّاتُ الأَساسُ الَّتي هي بمَثابةِ البُذُورِ والنُّوَى للأَجسامِ؛ كما عَبَّر عنها الحَدِيثُ الشَّرِيفُ "عَجْبُ الذَّنَبِ" الَّذي هو الجُزءُ الأَساسُ والذَّرّةُ الأَصِيلةُ الكافِيةُ وَحْدَها أن تكُونَ أَساسًا لإنشاءِ النَّشْأةِ الآخِرةِ علَيها، فالخالِقُ الحَكِيمُ يَبنِي مِن جَدِيدٍ جَسَدَ الإنسانِ على ذلك الأَساسِ.
وأمّا القِياسُ العَدْليُّ الَّذي تُشِيرُ إلَيه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فخُلاصَتُه: أنَّنا نَرَى كَثِيرًا في عالَمِنا أنَّ الظّالِمِينَ والفُجَّارَ يَقضُون حَياتَهم في رَفاهٍ وراحةٍ تامّةٍ، أمّا المَظلُومُون والمُتَديِّنُون فيَقضُونَها في شَظَفٍ مِنَ العَيشِ بكلِّ مَشَقّةٍ وإرهاقٍ.. ومِن ثَمَّ يَأْتي المَوتُ فيَحصُدُ الِاثنَينِ معًا دُونَ تَميِيزٍ، فلو لم تكُن هناك نِهايةٌ مَقصُودةٌ ومُعيَّنةٌ لَظَهَر الظُّلمُ إذًا في المَسأَلةِ؛ لِذا فلا بُدَّ مِنَ الِاجتِماعِ الأُخرَوِيِّ بَينَهما حتَّى يَنالَ الأَوَّلُ عِقابَه ويَنالَ الثّاني ثَوابَه، إذِ المُنَزَّهُ عنِ الظُّلمِ سُبحانَه وتَعالَى وهو العادِلُ الحَكِيمُ، بشَهادةِ الكائِناتِ قاطِبةً، لا يُمكِنُ بحالٍ مِنَ الأَحوالِ أن تَقبَلَ عَدالَتُه وحِكمَتُه هذا الظُّلمَ ولا يُمكِنُ أن تَرْضَيا به. فالنِّهايةُ المَقصُودةُ إذًا حَتْمِيّةٌ، لأنَّ رُؤيةَ هذا الإنسانِ الكادِحِ المَنهُوكِ جَزاءَه وثَوابَه یی حَسَبَ استِعدادِه یی يَجعَلُه رَمْزًا للعَدالةِ المَحْضةِ ومَدارًا لها، ومَظْهَرًا للحِكمةِ الرَّبّانيّةِ، ومُنسَجِمًا معَ المَوجُوداتِ الحَكِيمةِ في الكَونِ وأَخًا كَبِيرًا لها.
— 674 —
نِ عَظِيمٌ، لِذا فهو رَمزٌ للأَبَدِيّةِ ومُرَشَّحٌ لها، وإنَّ ماهِيَّتَه عالِيةٌ وراقِيةٌ، لِذا أَصبَحَت جِنايَتُه عَظِيمةٌ؛ فلا يُشبِهُ الكائِناتِ الأُخرَى، وإنَّ نِظامَه دَقِيقٌ ورائِعٌ، فلن تكُونَ نِهايتُه دُونَ نِظامٍ، ولن يُهمَلَ ويَذهَبَ عَبَثًا، ولن يُحكَمَ علَيه بالفَناءِ المُطلَقِ ويَهرُبَ إلى العَدَمِ.
وإنَّما تَفتَحُ جَهَنَّمُ أَفواهَها فاغِرةً.. تَنتَظِرُه..
والجَنّةُ تَبسُطُ ذِراعَيها لِاحتِضانِه..
أَوْجَزْنا هنا حيثُ إنَّ الحَقِيقةَ الثّالثةَ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" قد أَوضَحَت هذه الحَقيقةَ بجَلاءٍ.
وهكذا، أَوْرَدْنا هاتَينِ الآيتَينِ مِثالًا، وعلَيك أن تَقِيسَ وتَتَتَبَّعَ مِثلَها في سائِرِ الآياتِ الكَرِيمةِ الَّتي تَتَضمَّنُ بَراهِينَ عَقلِيّةً لِطِيفةً كَثِيرةً.
فتلك عَشَرةٌ كامِلةٌ مِنَ المَنابِعِ والمَداراتِ الَّتي تُنتِجُ حَدْسًا صادِقًا وبُرهانًا قاطِعًا على الحَشْرِ، وكما أنَّ هذا الحَدْسَ الثّابِتَ والبُرهانَ القَوِيَّ دَليلٌ قَطْعِيٌّ على حُدُوثِ القِيامةِ والحَشْرِ الجِسمانِيِّ ويَقتَضِيه، كذلك الأَسماءُ الإلٰهِيّةُ الحُسنَى: الحَكِيمُ، الرَّحِيمُ، الحَفِيظُ، العادِلُ، وأَغلَبُ الأَسماءِ الحُسنَى تَقتَضِي يومَ القِيامةِ والسَّعادةَ الخالِدةَ، وتَدُلّ على تَحَقُّقِها ووُقُوعِها قَطْعًا، كما أَثبَتْناها في "الكَلِمةِ العاشِرةِ".. لِذا فمُقتَضَياتُ الحَشْرِ والقِيامةِ أَصبَحَت لَدَينا قَوِيّةً ومَتِينةً إلى دَرَجةٍ لا يُمكِنُ أن تَنفُذَ إلَيها شُبْهةٌ ولا شَكٌّ مُطلَقًا.

الأساسُ الثالث

نعم، كما أنَّه لا شَكَّ مُطلَقًا في مُقتَضَياتِ الحَشرِ، كذلك لا رَيبَ أَبدًا في القُدرةِ المُطلَقةِ للَّذي يُحدِثُ الحَشْرَ، فلا نَقْصَ في قُدرَتِه، إذ يَستَوِي عِندَه كلُّ عَظِيمٍ وصَغِيرٍ، وسَواءٌ عِندَه خَلْقُ رَبيعٍ كامِلٍ وخَلْقُ زَهرةٍ واحِدةٍ.
نعم، إنَّ قديرًا يَشهَدُ بعَظَمَتِه وقُدرَتِه هذا الكَونُ بأَلْسِنةِ شُمُوسِه ونُجُومِه وعَوالِمِه
— 675 —
حتَّى بأَلْسِنةِ ذَرّاتِه وما فيها، هل يَحِقُّ لأَيِّ وَهْمٍ أو وَسْوَسةٍ أن يَستَبعِدَ عن تلك القُدرةِ المُطلَقةِ الحَشْرَ الجِسمانِيَّ؟!
إنَّ قَدِيرًا ذا جَلالٍ يَخلُقُ أَكوانًا جَدِيدةً مُنتَظِمةً في كلِّ عَصرٍ ضِمنَ هذا الكَونِ الهائِلِ، بل يَخلُقُ في كُلِّ سَنةٍ دُنًى سَيّارةً جَدِيدةً مُنتَظِمةً، بل يَخلُقُ في كلِّ يومٍ عَوالِمَ جَدِيدةً مُنتَظِمةً، فيَخلُقُ باستِمرارٍ عوالِمَ ودُنًى وأَكوانًا زائِلةً مُتَعاقِبةً، ويُبَدِّلُها بكُلِّ حِكمةٍ على وَجهِ الأَرضِ والسَّماواتِ، ناشِرًا ومُعَلِّقًا على مَسارِ الزَّمَنِ عَوالِمَ مُنتَظِمةً بعَدَدِ العُصُورِ والسَّنِينَ بل بعَدَدِ الأَيّامِ؛ فيُرِي بها عَظَمةَ قُدرَتِه جَلَّ وعَلا، وهو الَّذي زَيَّن زَهْرةَ الرَّبيعِ بمِئاتِ الآلافِ مِن نُقُوشِ الحَشرِ يُتَوِّجُ بها هامةَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ كأنَّها زَهرةٌ واحِدةٌ، فيُظهِرُ لنا جَمالَ صَنْعَتِه وكَمالَ حِكمَتِه، فهل يُمكِنُ أن يَجْرُؤَ أَحَدٌ لِيَقُولَ لهذا القَدِيرِ ذِي الجَلالِ: كيفَ يُحدِثُ القِيامةَ؟ أو كيفَ يُبَدِّلُ هذه الدُّنيا بآخِرةٍ؟ فالآيةُ الكَرِيمةُ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ تُعلِنُ أنَّ هذا القَدِيرَ جَلَّ وعَلا لا يَصعُبُ علَيه شَيءٌ، فكُلُّ شَيءٍ أَعظَمُهُ وأَصغَرُه يَسِيرٌ عِندَه، والجُمُوعُ الهائِلةُ بأَعدادِها غيرِ المُتَناهِيةِ كفَرْدٍ واحِدٍ عِندَه..
وقد أَوْضَحْنا حَقِيقةَ هذه الآيةِ في خاتِمةِ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" مُجمَلةً، وفي رِسالةِ "نُقطةٌ مِن نُورِ مَعرِفةِ اللهِ جَلَّ جَلالُه" و"المَكتُوبِ العِشرِين" مُفَصَّلةً، أمّا هُنا فسنُوضِحُها بإيجازٍ في ثَلاثِ مَسائِلَ:
إنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ ذاتيّةٌ؛ فلا يُمكِنُ أن يَتَخلَّلَها العَجْزُ..
وإنَّها تَتَعلَّقُ بمَلَكُوتيّةِ الأَشياءِ، فلا تَتَداخَلُ المَوانِعُ فيها مُطلَقًا..
وإنَّ نِسْبَتَها قانُونيّةٌ؛ فالجُزءُ يَتَساوَى معَ الكُلِّ، والجُزئيُّ يُصبِحُ بحُكمِ الكُلِّيِّ..
وسنُثبِتُ ونُوضِحُ هذه المَسائِلَ الثَّلاثَ:

المَسأَلةُ الأُولَى: إنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ الأَزَليّةَ ضَرُورِيّةٌ لِلذّاتِ الجَلِيلةِ المُقَدَّسةِ:

أي: إنَّها بالضَّرُورةِ لازِمةٌ للذّاتِ المُقَدَّسةِ، فلا يُمكِنُ أن يكُونَ للقُدرةِ مِنها فَكاكٌ مُطلَقًا، لِذا فمِنَ البَدِيهيِّ أنَّ العَجْزَ الَّذي هو ضِدُّ القُدرةِ لا يُمكِنُ أن يَعرِضَ للذّاتِ الجَلِيلةِ الَّتي استَلْزَمَتِ القُدرةَ، لأنَّه عِندَئذٍ سيَجتَمِعُ الضِّدّانِ، وهذا مُحالٌ.
— 676 —
فما دامَ العَجْزُ لا يُمكِنُ أن يكُونَ عارِضًا للذّاتِ، فمِنَ البَدِيهيِّ أنَّه لا يُمكِنُ أن يَتَخلَّلَ القُدرةَ اللّازِمةَ للذّاتِ أيضًا، وما دامَ العَجْزُ لا يُمكِنُه أن يَدخُلَ في القُدرةِ قَطعًا، فبَدِيهيٌّ إذًا أنَّ القُدرةَ الذّاتيّةَ لَيسَ فيها مَراتِبُ، لأنَّ وُجُودَ المَراتِبِ في كلِّ شَيءٍ يكُونُ بتَداخُلِ أَضدادِه معَه، كما هو في مَراتِبِ الحَرارةِ الَّتي تكُونُ بتَخَلُّلِ البُرُودةِ، ودَرَجاتِ الحُسنِ الَّتي تكُونُ بتَداخُلِ القُبْحِ.. وهكذا فقِسْ.
أمّا في المُمكِناتِ فلِأَنَّه ليس هناك لُزُومٌ ذاتِيٌّ حَقِيقيٌّ وطَبِيعِيٌّ، أَصبَحَتِ الأَضدادُ مُتَداخِلةً بعضُها معَ البَعضِ الآخَرِ، فتَوَلَّدَتِ المَراتِبُ ونَتَجَت عنها الِاختِلافاتُ، فنَشَأَت مِنها تَغيُّراتُ العالَمِ. وحيثُ إنَّه لَيسَت هناك مَراتِبُ قَطُّ في القُدرةِ الإلٰهِيّةِ الأَزَليّةِ، لِذا فالمَقْدُوراتُ هي حَتْمًا واحِدةٌ بالنِّسبةِ إلى تلك القُدرةِ، فيَتَساوَى العَظِيمُ جِدًّا معَ المُتَناهِي في الصِّغَرِ، وتَتَماثَلُ النُّجُومُ معَ الذَّرّاتِ، وحَشْرُ جَمِيعِ البَشَرِ كبَعْثِ نَفسٍ واحِدةٍ.. وكذا خَلْقُ الرَّبيعِ كخَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ سَهْلٌ هَيِّنٌ أمامَ تلك القُدرةِ.. ولو أُسنِدُ الخَلْقُ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ دُونَ القُدرةِ المُطلَقةِ عِندَ ذاك يكُونُ إحياءُ زَهرةٍ واحِدةٍ عَسِيرًا وصَعْبًا مِثلَ إحياءِ الرَّبيعِ.
وقد أَثبَتْنا بالبَراهِينِ الدّامِغةِ في حاشِيةِ الفِقْرةِ الأَخِيرةِ مِنَ المَرتَبةِ الرّابِعةِ لِمَراتِبِ «اللهُ أَكبَرُ» مِنَ المَقامِ الثّاني لِهَذه الكَلِمةِ، وفي "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" و"المَكتُوبِ العِشرِين وذَيلِه"، أنَّه عِندَ إسنادِ خَلْقِ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ يَسهُلُ خَلْقُ الجَمِيعِ كخَلْقِ شَيءٍ واحِدٍ، وإذا أُسنِدَ خَلْقُ شَيءٍ واحِدٍ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ فيكُونُ صَعْبًا جِدًّا ومُعضِلًا كخَلْقِ الجَمِيعِ.

المَسأَلةُ الثّانيةُ: إنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ تَتَعلَّقُ بمَلَكُوتيّةِ الأَشياء:

نعم، إنَّ لِكُلِّ شَيءٍ في الكَونِ وَجْهَينِ كالمِرآةِ: أَحَدُهما: جِهةُ المُلكِ وهي كالوَجهِ المَطْلِيِّ المُلَوَّنِ مِنَ المِرآةِ. والآخَرُ هي جِهةُ المَلَكُوتِ وهي كالوَجهِ الصَّقِيلِ للمِرآةِ.
فجِهةُ المُلكِ، هي مَجالُ ومَيدانُ تَجَوُّلِ الأَضدادِ ومَحَلُّ وُرُودِ أُمُورِ الحُسْنِ والقُبْحِ والخَيرِ والشَّرِّ والصَّغيرِ والكَبِيرِ والصَّعْبِ والسَّهْلِ وأَمثالِها.. لِذا وَضَعَ الخالِقُ الحَكِيمُ الأَسبابَ الظّاهِرةَ سِتارًا لِتَصَرُّفاتِ قُدرَتِه، لِئَلّا تَظهَرُ مُباشَرةُ يَدِ القُدرةِ
— 677 —
الحَكِيمةِ بالذّاتِ على الأُمُورِ الجُزئيّةِ الَّتي تَظهَرُ للعُقُولِ القاصِرةِ الَّتي تَرَى الظّاهِرَ، كأنَّها خَسِيسةٌ غيرُ لائِقةٍ، إذِ العَظَمةُ والعِزّةُ تَتَطلَّبُ هكذا.. إلّا أنَّه سُبحانَه لم يُعْطِ التَّأثيرَ الحَقِيقيَّ لتلك الأَسبابِ والوَسائِطِ؛ إذ وَحْدةُ الأَحَدِيّةِ تَقتَضِي هكذا أَيضًا.
أمّا جِهةُ المَلَكُوتِ، فهي شَفّافةٌ، صافِيةٌ، نَزِيهةٌ، في كُلِّ شَيءٍ، فلا تَختَلِطُ معَها أَلوانُ ومُزَخْرَفاتُ التَّشَخُّصاتِ.. هذه الجِهةُ مُتَوجِّهةٌ إلى بارِئِها دُونَ واسِطةٍ، فلَيس فيها تَرَتُّبُ الأَسبابِ والمُسَبَّباتِ ولا تَسَلسُلُ العِلَلِ، ولا تَدْخُلُ فيها العِلِّيّةُ والمَعلُوليّةُ، ولا تَتَداخَلُ المَوانِعُ. فالذَّرّةُ فيها تكُونُ شَقِيقةَ الشَّمسِ.
نَخلُصُ مِمّا سَبَق: أنَّ تلك القُدرةَ هي مُجَرَّدةٌ، أي: لَيسَت مُؤَلَّفةً ومُرَكَّبةً، وهي مُطلَقةٌ غيرُ مَحدُودةٍ، وهي ذاتيّةٌ أَيضًا. أمّا مَحَلُّ تَعَلُّقِها بالأَشياءِ فهي دُونَ وَساطةٍ، صِافيةٌ دُونَ تَعَكُّرٍ، ودُونَ سِتارٍ ودُونَ تَأْخِيرٍ، لِذا لا يَستَكبِرُ أَمامَها الكَبِيرُ على الصَّغِيرِ، ولا تُرَجَّحُ الجَماعةُ على الفَرْدِ، ولا يَتَبَجَّحُ الكُلُّ أَمامَ الجُزءِ ضِمنَ تلك القُدرةِ.
المَسأَلةُ الثالثةُ: نِسبةُ القُدرةِ قانُونيّةٌ:
أي: إنَّها تَنظُرُ إلى القَلِيلِ والكَثِيرِ والصَّغِيرِ والكَبِيرِ نَظرةً واحِدةً مُتَساوِيةً. فهذه المَسأَلةُ الغامِضةُ سنُقرِّبُها إلى الذِّهنِ ببَعضِ الأَمثِلةِ. فالشَّفّافيّةُ، والمُقابَلةُ، والمُوازَنةُ، والِانتِظامُ، والتَّجَرُّدُ، والطّاعةُ.. كُلٌّ مِنها أَمرٌ في هذا الكَونِ يَجعَلُ الكَثِيرَ مُساوِيًا للقَلِيلِ، والكَبِيرَ مُساوِيًا للصَّغِيرِ.
المِثالُ الأوَّلُ: الشَّفّافيّةُ.. إنَّ تَجَلِّيَ ضَوءِ الشَّمسِ يُظهِرُ الهُوِيّةَ نَفسَها على سَطْحِ البَحرِ أو على كلِّ قَطْرةٍ مِنَ البَحرِ؛ فلو كانَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ مُرَكَّبةً مِن قِطَعٍ زُجاجِيّةٍ صَغِيرةٍ شَفّافةٍ مُختَلِفةٍ تُقابِلُ الشَّمسَ دُونَ حاجِزٍ يَحجُزُها، فضَوءُ الشَّمسِ المُتَجَلِّي على كلِّ قِطعةٍ وعلى سَطْحِ الأَرضِ كُلِّها يَتَشابَهُ ويكُونُ مُساوِيًا دُونَ مُزاحَمةٍ ودُونَ تَجَزُّؤٍ ودُونَ تَناقُصٍ.. فإذا افتَرَضْنا أنَّ الشَّمسَ فاعِلٌ ذُو إرادةٍ وأَعطَتْ فَيضَ نُورِها وإشعاعَ صُورَتِها بإرادَتِها على الأَرضِ، فلا يكُونُ عِندَئذٍ نَشْرُ فَيضِ نُورِها على جَمِيعِ الأَرضِ أَكثَرَ صُعُوبةً مِن إعطائِها على ذَرّةٍ واحِدةٍ.
— 678 —
المِثالُ الثّاني: المُقابَلةُ.. هَبْ أنَّه كانَت هناك حَلْقةٌ واسِعةٌ مِنَ البَشَرِ يَحمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِرآةً بِيَدِه، وفي مَركَزِ الدّائِرةِ رَجُلٌ يَحمِلُ شَمْعةً مُشتَعِلةً، فإنَّ الضَّوءَ الَّذي يُرسِلُه المَركَزُ إلى المَرايا في المُحِيطِ واحِدٌ، ويكُونُ بنِسبةٍ واحِدةٍ، دُونَ تَناقُصٍ ودُونَ مُزاحَمةٍ ودُونَ تَشَتُّتٍ.
المِثالُ الثّالثُ: المُوازَنةُ.. إن كان لَدَيْنا مِيزانٌ حَقِيقيٌّ عَظِيمٌ وحَسّاسٌ جِدًّا وفي كِفَّتَيه شَمْسانِ أو نَجْمانِ، أو جَبَلانِ، أو بَيضَتانِ، أو ذَرَّتانِ.. فالجُهْدُ المَبذُولُ هو نَفسُه الَّذي يُمكِنُ أن يَرفَعَ إِحدَى كِفَّتَيهِ إلى السَّماءِ ويَخفِضُ الأُخرَى إلى الأَرضِ.
المِثالُ الرّابعُ: الِانتِظامُ.. يُمكِنُ إدارةُ أَعظَمِ سَفِينةٍ لأنَّها مُنتَظِمةٌ جِدًّا، كأَصغَرِ دُميةٍ للأَطفالِ.
المِثالُ الخامسُ: التَّجَرُّدُ.. إنَّ المَيْكرُوبَ مَثلًا كالكَرْكَدَنِّ يَحمِلُ الماهِيّةَ الحَيَوانيّةَ ومِيزاتِها، والسَّمَكُ الصَّغِيرُ جِدًّا يَملِكُ تلك المِيزةَ والماهِيّةَ المُجَرَّدةَ كالحُوتِ الضَّخمِ، لأنَّ الماهِيّةَ المُجَرَّدةَ مِنَ الشَّكلِ والتَّجَسُّمِ تَدْخُلُ في جَمِيعِ جُزئيّاتِ الجِسمِ مِن أَصغَرِ الصَّغِيرِ إلى أَكبَرِ الكَبِيرِ، وتَتَوجَّهُ إلَيها دُونَ تَناقُصٍ ودُونَ تَجَزُّؤٍ؛ فخَواصُّ التَّشَخُّصاتِ والصِّفاتِ الظّاهِرِيّةِ للجِسمِ لا تُشَوِّشُ ولا تَتَداخَلُ معَ الماهِيّةِ والخاصّةِ المُجَرَّدةِ، ولا تُغَيِّیرُ نَظْرةَ تلك الخاصّةِ المُجَرَّدةَ.
المِثالُ السّادِسُ: الطّاعةُ.. إنَّ قائِدَ الجَيشِ بأَمرِه "تَقَدَّمْ " مِثلَما يُحَرِّكُ الجُندِيَّ الواحِدَ فإنَّه يُحَرِّكُ الجَيشَ بأَكمَلِه كذلك بالأَمرِ نَفسِه؛ فحَقِيقةُ سِرِّ الطّاعةِ هي أنَّ لِكُلِّ شَيءٍ في الكَونِ یی كما يُشاهَدُ بالتَّجرِبةِ یی نُقطةَ كَمالٍ، وله مَيلٌ إلَيها، فتَضاعُفُ المَيلِ يُوَلِّدُ الحاجةَ، وتَضاعُفُ الحاجةِ يَتَحوَّلُ إلى شَوْقٍ، وتَضاعُفُ الشَّوقِ يُكوِّنُ الِانجِذابَ، فالِانجِذابُ والشَّوقُ والحاجةُ والمَيلُ.. كُلُّها نُوًى وبُذُورٌ لِامتِثالِ الأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ الرَّبّانيّةِ مِن قِبَلِ ماهِيّةِ الأَشياءِ.
فالكَمالُ المُطلَقُ لِماهِيّاتِ المُمكِناتِ هو الوُجُودُ المُطلَقُ، ولكنَّ الكَمالَ الخاصَّ بها هو وُجُودٌ خاصٌّ لها، يُخرِجُ كَوامِنَ استِعداداتِها الفِطْرِيّةِ مِن طَوْرِ القُوّةِ إلى
— 679 —
طَوْرِ الفِعلِ. فإطاعةُ الكائِناتِ لِأَمرِ "كُنْ" كإطاعةِ ذَرّةٍ واحِدةٍ الَّتي هي بحُكْمِ جُندِيٍّ مُطِيعٍ. وعِندَ امتِثالِ المُمكِناتِ وطاعَتِها للأَمرِ الأَزَليِّ "كُنْ" الصّادِرِ عن الإرادةِ الإلٰهِيّةِ تَندَمِجُ كُلِّيًّا المُيُولُ والأَشواقُ والِانجِذاباتُ والحاجاتُ جَمِيعُها، وكُلٌّ مِنها هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ تلك الإرادةِ أيضًا، حتَّى إنَّ الماءَ الرَّقْراقَ عِندَما يَأْخُذُ یی بمَيلٍ لَطِيفٍ مِنه یی أَمْرًا بالِانجِمادِ، يُظهِرُ سِرَّ قُوّةِ الطّاعةِ بتَحطِيمِها الحَدِيدَ.
فإن كانَت هذه الأَمثِلةُ السِّتّةُ تَظهَرُ لنا في قُوّةِ المُمكِناتِ المَخلُوقاتِ وفي فِعلِها، وهي ناقِصةٌ ومُتَناهِيةٌ وضَعِيفةٌ ولَيسَت ذاتَ تأثيرٍ حَقِيقيٍّ، فيَنبَغي إذًا أن تَتَساوَى جَمِيعُ الأَشياءِ أَمامَ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُتَجَلِّيةِ بآثارِ عَظَمَتِها.. وهي غيرُ مُتَناهِيةٍ وأَزَليّةٌ، وهي الَّتي أَوجَدَتْ جَمِيعَ الكائِناتِ مِنَ العَدَمِ البَحْتِ وحَيَّرَتِ العُقُولَ جَمِيعَها، فلا يَصعُبُ علَيها شَيءٌ إذًا.
ولا نَنسَى أنَّ القُدرةَ الإلٰهِيّةَ العُظمَى لا تُوزَنُ بمَوازِينِنا الضَّعِيفةِ الهَزِيلةِ هذه، ولا تَتَناسَبُ معَها، ولكِنَّها تُذكَرُ تَقرِيبًا للأَذهانِ وإزالةً للِاستِبعادِ ليس إلَّا.
نَتِيجةُ الأَساسِ الثّالثِ وخُلاصَتُه: ما دامَتِ القُدرةُ الإلٰهِيّةُ مُطلَقةً غيرَ مُتَناهِيةٍ، وهي لازِمةٌ ضَرُورِيّةٌ لِلذّاتِ الجَلِيلةِ المُقَدَّسةِ، وأنَّ جِهةَ المَلَكُوتِ لكُلِّ شَيءٍ تُقابِلُها ومُتَوَجِّهةٌ إلَيها دُونَ سِتارٍ ودُونَ شائِبةٍ، وأنَّها مُتَوازِنةٌ مِن حَيثُ الإمكانُ الَّذي هو تَساوِي الطَّرَفَينِ، وأنَّ كلَّ شَيءٍ مُطِيعٌ لِنِظامَ الفِطْرةِ ونَوامِيسِ عادةِ اللهِ الَّتي هي الشَّرِيعةُ الفِطْرِيّةُ الكُبْرَى، وأنَّ جِهةَ المَلَكُوتِ مُجَرَّدةٌ وصافيةٌ مِنَ المَوانِعِ والخَواصِّ المُختَلِفةِ؛ لذا فإنَّ أَكبَرَ شَيءٍ كأَصغَرِه أمامَ تلك القُدرةِ، فلا يُمكِنُ أن يَعظُمَ شَيءٌ أيًّا كان أو يَتَمَرَّدَ علَيْها؛ فإحياءُ جَمِيعِ الأَحياءِ يَومَ الحَشْرِ هَيِّنٌ علَيه كإحياءِ ذُبابةٍ في الرَّبيعِ. ولِهذا فالآيةُ الكَرِيمةُ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أَمرٌ حَقٌّ وصِدقٌ جَلِيٌّ لا مُبالَغةَ فيه أبدًا.
وهكذا تَحقَّقَت قَضِيَّتُنا الَّتي نَحنُ بصَدَدِها: أنَّ مُقتَدِرٌ ولا يَمنَعُه شَيءٌ.
— 680 —

الأساسُ الرابع

كما أنَّ هناك مُقتَضًى ومُبَرِّرًا للقِيامةِ والحَشرِ، وأنَّ الفاعِلَ الَّذي يُحْدِثُ الحَشرَ قادِرٌ مُقتَدِرٌ، كذلك فإنَّ هذه الدُّنيا لها القابِليّةُ على القِيامةِ والحَشرِ أَيضًا، فدَعْوانا "قابِليّةَ الدُّنيا" هذه فيها أَربَعُ مَسائِلَ:
الأولى: أنَّ مَوْتَ هذا العالَمِ مُمكِنٌ وليس ذلك مُحالًا.
الثانية: وُقُوعُ ذلك المَوتِ فِعلًا.
الثالثة: مِنَ المُمكِنِ بَعْثُ الدُّنيا المُندَثِرةِ وعِمارَتُها بصُورةِ "آخِرةٍ".
الرّابعة: وُقُوعُ هذا البَعثِ وهذه العِمارةِ فِعلًا.
المسألةُ الأولى: مِنَ المُمكِنِ أن يَمُوتَ هذا العالَمُ وتَندَثِرَ هذه الكائِناتُ، وذلك أنَّ الشَّيءِ إن كان داخِلًا في قانُونِ التَّكامُلِ، ففي كلِّ حالةٍ إذًا له نُشُوءٌ ونَماءٌ، وإنَّ النُّشُوءَ والنَّماءَ هذا يعني أنَّ له عُمُرًا فِطْرِيًّا في كلِّ حالةٍ، وأنَّ العُمُرَ الفِطْرِيَّ يعني أنَّ له على كلِّ حالةٍ أَجَلًا فِطْرِيًّا، وهذا يعني أنَّ هذه الأَشياءَ لا يُمكِنُ أن تَنجُوَ مِنَ المَوتِ، وهذا ثابِتٌ بالِاستِقراءِ العامِّ والتَّتبُّعِ الواسِعِ.
نعم، فكما أنَّ الإنسانَ هو عالَمٌ مُصَغَّرٌ لا خَلاصَ له مِنَ الِانهِيارِ، كذلك العالَمُ فإنَّه إنسانٌ كَبِيرٌ لا فَكاكَ له مِن قَبْضةِ المَوتِ، فلا بُدَّ أنَّه سيَمُوتُ، ثمَّ يُبعَثُ، أو يَنامُ ويَفتَحُ عَينَيه فَجْرَ الحَشْرِ.
وكما أنَّ الشَّجَرةَ وهي نُسخةٌ مُصَغَّرةٌ للكائِناتِ لا يُمكِنُها النَّجاةُ مِنَ التَّلاشِي والتَّهَدُّمِ، كذلك سِلسِلةُ الكائِناتِ المُتَشعِّبةُ مِن شَجَرةِ الخَلِيقةِ لا يُمكِنُها أن تَنجُوَ مِنَ التَّمَزُّقِ والِاندِثارِ لِأَجلِ التَّعمِيرِ والتَّجدِيدِ.
ولَئِن لم تَحدُثْ للدُّنيا یی قَبلَ أَجَلِها الفِطْرِيِّ، وبإذنٍ إلٰهِيٍّ یی حادِثةٌ مُدَمِّرةٌ أو مَرَضٌ خارِجِيٌّ، أو لم يُخِلَّ بنِظامِها خالِقُها الحَكِيمُ، فلا شَكَّ یی بحِسابٍ عِلمِيٍّ یی أنَّه سيَأْتي يَومٌ يَتَردَّدُ فيه صَدَى:
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ٭ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ٭ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ٭ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ٭ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ.
— 681 —
عِندَئذٍ تَظهَرُ مَعاني هذه الآياتِ وأَسرارُها بإذنِ القَدِيرِ الأَزَليِّ، وإنَّ هذه الدُّنيا الَّتي هي كإنسانٍ ضَخْمٍ، ستَبْدَأُ بالسَّكَراتِ وتَتَمَلمَلُ وتَشْخُرُ بصَوتٍ غَرِيبٍ وتُحَشْرِجُ ثمَّ تَصِيحُ بصَوتٍ مُدَوٍّ هائلٍ يَملَأُ الفَضاءَ.. ثمَّ تَمُوتُ ثمَّ تُبعَثُ بأَمرٍ إلٰهِيٍّ..

مسألةٌ رَمزِيّةٌ دقيقةٌ

كما أنَّ اللَّفظَ يَغْلُظُ مُضِرًّا بالمَعنَى، واللُّبَّ على حِسابِ القِشْرِ يَقْوَى، والرُّوحَ تَضْعُفُ لِأَجلِ الجَسَدِ، والجَسَدَ يَضعُفُ ويَهْزُلُ لِأَجلِ قُوّةِ الرُّوحِ.. كذلك عالَمُنا الكَثِيفُ هذا كُلَّما عَمِلَتْ فيه دَوالِيبُ الحَياةِ شَفَّ ورَقَّ في سَبِيلِ العالَمِ اللَّطيفِ.. وهو الآخِرةُ..
فالقُدرةُ الفاطِرةُ بفَعّاليَّتِها المُحَيِّرةِ تَنشُرُ نُورَ الحَياةِ على الأَجزاءِ المَيتةِ الجامِدةِ الكَثِيفةِ المُنطَفِئةِ، فتُذَوِّبُ وتُلَيِّنُ وتُضِيءُ وتُنيرُ تلك الأَجزاءَ بنُورِ تلك الحَياةِ لِتَتَقوَّى حَقِيقتُها وتكُونَ جاهِزةً للعالَمِ اللَّطِيفِ الرّائِعِ.. أَعني الآخِرةَ.
نعم، فالحَقِيقةُ مَهما كانَت ضَعِيفةً فإنَّها لا تَمُوتُ أَبدًا ولا يُمكِنُ أن تُمحَى كالصُّورةِ، بل تَسِيرُ وتَجُولُ في الصُّوَرِ والتَّشَخُّصاتِ والأَشكالِ المُختَلِفةِ، إذ تَكْبُرُ وتَظْهَرُ كُلَّما تَقَدَّمَت، بعكسِ القِشْرِ والصُّورةِ، فإنَّها تَتَهرَّأُ وتَهزُلُ وتَتَمزَّقُ وتَتَجدَّدُ لِتَظهَرَ بحُلّةٍ جَمِيلةٍ جَدِيدةٍ تُلائِمُ قِوامَ الحَقيقةِ الثّابِتةِ النّامِيةِ الكَبِيرةِ.
فالحَقِيقةُ والصُّورةُ تَتَناسَبانِ إذًا عَكْسِيًّا زِيادةً ونُقصانًا، أي: كُلَّما اخشَوْشَنَتِ الصُّورةُ رَقَّتِ الحَقِيقةُ، وكُلَّما ضَعُفَتِ الصُّورةِ تَقَوَّتِ الحَقِيقةُ بالنِّسبةِ نَفسِها؛ وهذا قانُونٌ شامِلٌ لِجَميعِ الأَشياءِ الدّاخِلةِ في قانُونِ التَّیكامُلِ. فلَيَأْتِينَّ ذلك الزَّمَنُ الَّذي يَتَمزَّقُ فيه یی بإذنِ الفاطِرِ الجَليلِ یی عالَمُ الشَّهادةِ الَّذي هو صُورةٌ لِحَقيقةِ الكائِناتِ العُظمَى وقِشرٌ لها، ومِن ثَمَّ يَتَجدَّدُ بصُورةٍ أَجمَلَ، وعِندَئذٍ تَتَحَقَّقُ حِكمةُ الآيةِ الكَرِيمةِ: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ...
نَخلُصُ مِمّا سَبَق: أنَّ مَوتَ الدُّنيا وخَرابَها مُمكِنٌ، ولا شَكَّ فيه مُطلَقًا.
المسألةُ الثانية: وُقُوعُ مَوتِ الدُّنيا فِعلًا. والدَّليلُ على هذه المَسأَلةِ: إجماعُ
— 682 —
جَمِيعِ الأَديانِ السَّماوِيّةِ، وشَهادةُ كُلِّ فِطْرةٍ سَلِيمةٍ، وما تُشِيرُ إلَيه تَبَدُّلاتُ هذه الكائِناتِ وتَحَوُّلاتُها وتَغَيُّراتُها، ومَوتُ دُنًى حَيّةٍ وعَوالِمَ سَيّارةٍ، وهي بعَدَدِ العُصُورِ والسِّنِينَ، في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا هذه.. كلُّ ذلك إشاراتٌ ودَلالاتٌ على مَوتِ دُنيانا نَفسِها.
وإن شِئتَ أن تَتَصوَّرَ سَكَراتِ الدُّنيا، كما تُشِيرُ إلَيها الآياتُ الكَرِيمةُ، فتَأَمَّلْ في أَجزاءِ هذا الكَونِ الَّتي هي مُرتَبِطٌ بَعضُها بالبعضِ الآخَرِ بنِظامٍ عُلْوِيٍّ دَقيقٍ، ومُتَماسِكةٍ برابِطةٍ لَطِيفةٍ خَفِيّةٍ رَقيقةٍ، فهي مُحكَمةُ النِّظامِ بحَيثُ إنَّ جِرْمًا واحِدًا إن تَسَلَّمَ أَمْرَ "كُنْ" أوِ "اخْرُجْ مِن مِحْوَرِك" فالعالَمُ كُلُّه يُعاني السَّكَراتِ، فتَتَصادَمُ النُّجُومُ وتَتَلاطَمُ الأَجرامُ وتُدَوِّي وتُرعَدُ بأَصداءِ مَلايِينِ المَدافِعِ، وتَرمِي بِشَرَرٍ كأَرضِنا هذه یی بل أَكبَرَ مِنها یی في الفَضاءِ الواسِعِ وتَتَطايَرُ الجِبالُ وتُسَجَّرُ البِحارُ؛ فتَستَوِي الأَرضُ. وهكذا يَرُجُّ القادِرُ الأَزَليُّ ويُحَرِّكُ الكَوْنَ بهذا المَواتِ، ويَمزُجُه بهذه السَّكَراتِ فتَتَمَخَّضُ الخِلْقةُ كلُّها وتَتَميَّیزُ الكائِناتُ بَعضُها عن بعضٍ.. فتَمتازُ جَهَنَّمُ وتُسَعَّرُ بعَشِيرَتِها ومادَّتِها، وتَتَجلَّى الجَنّةُ وتُزلَفُ جامِعةً لَطائِفَها مُستَمِدّةً مِن عَناصِرِها المُلائِمةِ لها.. ويَبرُزُ عالَمُ الآخِرةِ للوُجُودِ الأَبدِيِّ.
المسألةُ الثالثة: إمكانُ بَعْثِ العالَمِ الَّذي سيَمُوتُ. فكما أَثْبَتْنا آنِفًا في الأَساسِ الثَّاني أنَّه لا نَقْصَ مُطلَقًا في القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وأنَّ المُبَیرِّرَ قَوِيٌّ جِدًّا للآخِرةِ، وأنَّ المَسأَلةَ بِحَدِّ ذاتِها مِنَ المُمكِناتِ؛ فإذا كان للمَسأَلةِ المُمكِنةِ مُبَیرِّرٌ قَوِيٌّ، وأنَّ الفاعِلَ قادِرٌ مُقتَدِرٌ مُطلَقُ القُدرةِ، فلا يُنظَرُ إلَيها بأنَّها في حُدُودِ الإمكانِ، وإنَّما هي أَمرٌ واقِعٌ.

نُكتةٌ رَمزِيّةٌ

إذا نَظَرْنا بتَدَبُّرٍ وإمعانٍ إلى هذا الكَونِ، نُلاحِظُ أنَّ فيه عُنصُرَينِ مُمتَدَّينِ إلى جَمِيعِ الجِهاتِ، بجُذُورٍ مُتَشَعِّبةٍ، كالخَيرِ والشَّرِّ، والحُسْنِ والقُبْحِ، والنَّفْعِ والضَّرِّ، والكَمالِ والنَّقْصِ، والضِّياءِ والظُّلمةِ، والهِدايةِ والضَّلالِ، والنُّورِ والنّارِ، والإيمانِ والكُفرِ، والطّاعةِ والعِصيانِ، والخَوْفِ والمَحَبّة.. فتَصطَدِمُ هذه الأَضدادُ بعضُها بالبعضِ الآخَرِ، بنَتائِجِها وآثارِها مُظهِرةً التَّغَيُّراتِ والتَّیبَدُّلاتِ باستِمرارٍ وكأنَّما تَستَعِدُّ
— 683 —
وتَتَهيَّأُ لِعالَمٍ آخَرَ؛ فلا بُدَّ أنَّ نَتائِجَ ونِهاياتِ هذَينِ العُنصُرَينِ المُتَضادَّينِ سوف تَصِلُ إلى الأَبدِ وتَتَميَّیزُ فيَفتَرِقُ بعضُها عن بعضٍ هناك؛ وعِندَئذٍ تَظهَرُ على شَكلِ جَنّةٍ ونارٍ.. ولَمَّا كان عالَمُ البَقاءِ سيُبنَى مِن عالَمِ الفَناءِ هذا، فالعَناصِرُ الأَساسِيّةُ لِعالَمِنا إذًا ستُساقُ وتُرسَلُ حَتْمًا إلى البَقاءِ والأَبدِ.
نعم، إنَّ النَّارَ والجَنّةَ هما ثَمَرتا الغُصنِ المُتَدلِّي المُمتَدِّ إلى الأَبدِ مِن شَجَرةِ الخَلِيقةِ، وهما نَتِيجَتا سِلسِلةِ الكائِناتِ هذه، وهما مَخْزَنا سَيْلِ الشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ، وهما حَوْضا أَمواجِ المَوجُوداتِ المُتَلاطِمةِ الجارِيةِ إلى الأَبدِ، وهما تَجَلِّيانِ مِن تَجَلِّياتِ اللُّطْفِ والقَهْرِ.
فعِندَما تَرُجُّ يَدُ القُدرةِ وتَمْخَضُ بحَرَكةٍ عَنِيفةٍ هذا الكَوْنَ، يَمتَلِئُ الحَوضانِ بما يُناسِبُ كلًّا مِنهما مِن مَوادَّ وعَناصِرَ..
إيضاحُ هذه النُّكتةِ الرَّمزِيّة:
إنَّ الحَكِيمَ الأَزَليَّ بمُقتَضَى حِكمَتِه الأَزَليّةِ وعِنايَتِه السَّرمَدِيّةِ، خَلَقَ هذا العالَمَ لِيَكُونَ مَحَلًّا للِاختِبارِ ومَيدانًا للِامتِحانِ، ومِرآةً لِأَسمائِه الحُسنَى وصَحِيفةً لِقَلَمِ قُدرَتِه وقَدَرِه.
فالِابتِلاءُ والِامتِحانُ سَبَبُ النُّشُوءِ والنَّماءِ، والنُّشُوءُ والنَّماءُ سَبَبٌ لِانكِشافِ الِاستِعداداتِ الفِطْرِيّةِ، وتَكَشُّفُ الِاستِعداداتِ سَبَبٌ لِظُهُورِ القابِلِيّاتِ، وظُهُورُ القابِليّاتِ سَبَبٌ لِظُهُورِ الحَقائِقِ النِّسبِيّةِ، وهذه الحَقائِقُ النِّسبِيّةُ سَبَبٌ لإظهارِ تَجَلِّياتِ نُقُوشِ الأَسماءِ الحُسنَى للخالِقِ الجَلِيلِ وتَحوِيلِ الكائِناتِ إلى صُورةِ كِتاباتٍ صَمَدانيّةٍ رَبّانيّةٍ.
وهكذا، فإنَّ سِرَّ التَّیكلِيفِ هذا وحِكْمةَ الِامتِحانِ يُؤَدِّي إلى تَصْفِيةِ جَواهِرِ الأَرواحِ العاليةِ الَّتي هي كالماسِ، مِن مَوادِّ الأَرواحِ السَّافِلةِ الَّتي هي كالفَحْمِ، وتَميِيزِها بعضِها عن بعضٍ.
فبِمِثلِ هذه الأَسرارِ السَّابِقةِ، ومِمّا لا نَعلَمُ مِنَ الحِكَمِ الدَّقيقةِ الرّائِعةِ، أَوْجَدَ الحَكِيمُ القَدِيرُ العالَمَ بصُورَتِه هذه، وأَرادَ تَغَيُّیرَه وتَحَوُّلَه، لِتلك الحِكَمِ والأَسبابِ؛ ولِأَجلِ التَّحَوُّلِ والتَّغَيُّرِ مَزَجَ بحِكمةٍ الأَضدادَ بعضَها معَ البعضِ الآخَرِ، وجَعَلَها
— 684 —
تَتَقابَلُ ببَعضِها، فالمَضارُّ مَمزُوجةٌ بالمَنافِعِ والشُّرُورُ مُتَداخِلةٌ بالخَيراتِ، والقَبائِحُ مُجتَمِعةٌ معَ المَحاسِنِ.. وهكذا عَجَنَتْ يَدُ القُدرةِ الأَضدادَ، وصَيَّیرَتِ الكائِناتِ تابِعةً لِقانُونِ التَّیبَدُّلِ والتَّغيُّرِ ودُستُورِ التَّحَوُّلِ والتَّیكامُلِ.
ثمَّ لَمّا انقَضَى مَجلِسُ الِامتِحانِ، وانتَهَى وَقْتُ الِاختِبارِ، وأَظهَرَتِ الأَسماءُ الحُسنَى حُكْمَها، وأَتَمَّ قَلَمُ القَدَرِ كِتابَتَه، وأَكمَلَتِ القُدرةُ نُقُوشَ إبداعِها، ووَفَّتِ المَوجُوداتُ وَظائِفَها، وأَنْهَتِ المَخلُوقاتُ مَهامَّها، وعَبَّیرَ كلُّ شيءٍ عن مَعناه ومَغزاه، وأَنبَتَتِ الدُّنيا غِراسَ الآخِرةِ، وكَشَفَتِ الأَرضُ جَمِيعَ مُعجِزاتِ القُدرةِ وخَوارِقِ الصَّنْعةِ للخالقِ القَدِيرِ، وثَبَّتَ هذا العالَمُ الفاني لَوْحاتِ المَناظِرِ الخالِدةِ على شَرِيطِ الزَّمانِ.. عِندَئذٍ تَقتَضِي الحِكْمةُ السَّرمَدِيّةُ والعِنايةُ الأَزَليّةُ لِذِي الجَلالِ والإكرامِ أن تُظْهِرُ حَقائِقَ نَتائِجِ ذلك الِامتِحانِ ونَتائِجَ ذلك الِاختِبارِ، وحَقائقَ تَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ الحُسنَى، وحَقائقَ كِتاباتِ قَلَمِ القَدَرِ تلك، وأُصُولَ تلك النَّماذِجِ لإبداعاتِ صَنْعَتِه سُبحانَه، وفَوائِدَ وغاياتِ تلك الوَظائِفِ للمَوجُوداتِ، وجَزاءَ تلك الخِدْماتِ والمَهامِّ للمَخلُوقاتِ، وحَقائقَ مَعاني تلك الكَلِماتِ الَّتي أَفادَها كِتابُ الكَوْنِ، وظُهُورُ سَنابِلِ بُذُورِ الِاستِعداداتِ الفِطْرِيّةِ، وفَتْحُ أَبوابِ مَحكَمةٍ كُبْرَى، وإظهارُ المَناظِرِ المِثاليّةِ الَّتي الْتُقِطَت في الدُّنيا، وتَمزِيقُ سِتارِ الأَسبابِ الظّاهِرةِ، واستِسلامُ كلِّ شَيءٍ إلى أَمرِ خالِقِه ذِي الجَلالِ مُباشَرةً..
ويومَ تَتَوجَّهُ إرادتُه لإظهارِ تلك الحَقائِقِ المَذكُورةِ لِتُنَجِّيَ الكائِناتِ مِن تَقَلُّباتِ التَّغَيُّرِ والتَّحَوُّلِ والفَناءِ، وتَهَبَ لها الخُلُودَ، ولِتُمَيِّیزَ بين تلك الأَضدادِ وتُفرِّقَ بينَ أَسبابِ التَّغَيُّرِ ومَوادِّ الِاختِلافِ، سيُقِيمُ سُبحانَه القِيامةَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، وسيُصَفِّي الأُمُورَ لإظهارِ تلك النَّتائِجِ، وستَأْخُذُ جَهَنَّمُ في خِتامِها صُورةً أَبدِيّةً بَشِعةً مُرِيعةً، وسيُهَدَّدُ رُوّادُها بی: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ.
وتَتَجلَّى الجَنّةُ برَوعَتِها وأُبَّهَتِها الجَماليّةِ الخالِدةِ، ويَقُولُ خَزَنَتُها لأَهلِها وأَصحابِها: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وسيَمْنَحُ القَدِيرُ الحَكِيمُ
— 685 —
بقُدرَتِه الكامِلةِ أَهلَ هذَينِ الدّارَينِ الخالِدَينِ وُجُودًا ثابِتًا أَبدِيًّا خالِدًا لا يَعتَرِيه تَغَيُّیرٌ ولا انحِلالٌ ولا شَيْبٌ ولا انقِراضٌ؛ فليس هُناك أَسبابٌ ومُبَیرِّراتٌ للتَّغَيُّرِ المُؤَدِّي إلى الِانقِراضِ، كما بُرهِنَ ذلك في "الكَلِمةِ الثّامِنةِ والعِشرِين، المَقامِ الأَوَّلِ، السُّؤالِ الثّاني".
المسألةُ الرابعة: إنَّ البَعْثَ سيَقَعُ حَتْمًا. نعم، إنَّ الدُّنيا بعدَ دَمارِها ومَوتِها ستُبعَثُ "آخِرةً"، وإنَّ الخالِقَ القَدِيرَ الَّذي بَناها لِأَوَّلِ مَرّةٍ سيَعْمُرُها تَعمِيرًا أَجمَلَ مِن عِمارَتِها الأُولَى بعدَ هَدْمِها، وسيَجْعَلُها مَنزِلًا مِن مَنازِلِ الآخِرةِ؛ وأَدَلُّ دَليلٍ على هذا هو القُرآنُ الكَرِيمُ أَوَّلًا، بجَمِيعِ آياتِه الَّتي تَضُمُّ آلافًا مِنَ البَراهِينِ العَقلِيّةِ، وجَمِيعُ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ المُتَّفِقةِ معَ القُرآنِ الكَرِيمِ في هذه المَسأَلةِ، وكذا أَوصافُ الجَلالِ والجَمالِ الإلٰهِيّةِ وجَمِيعُ الأَسماءِ الحُسنَى للذَّاتِ الجَلِيلةِ، تَدُلُّ كلُّها دَلالةً قاطِعةً على وُقُوعِ البَعْثِ هذا، وكذا جَمِيعُ أَوامِرِه سُبحانَه المُوحَى بها إلى جَمِيعِ الأَنبِياءِ والمُرسَلِين عَلَيهم السَّلَام والَّتي وَعَدَ بها وُقُوعَ البَعْثِ والقِيامةِ؛ فلِأنَّه وَعَدَ فسيَفِي بالوَعدِ حَتْمًا. (راجِعِ الحَقِيقةَ الثّامِنةَ مِنَ الكَلِمةِ العاشِرةِ)، وكذا جَمِيعُ ما أَخبَرَ به النَّبِيُّ الأُمِّيُّ مُحمَّدٌ (ص) ومعَه آلافُ المُعجِزاتِ، عن حُدُوثِ البَعْثِ ويَتَّفِقُ معَه جَمِيعُ الأَنبِياءِ والمُرسَلِين والأَصفِياءِ والأَولياءِ والصِّدِّيقين في وُقُوعِ هذا البَعْثِ. هذا فَضْلًا عَمّا تُخبِرُنا به جَمِيعُ الآياتِ التَّكوِينيّةِ في هذا الكَوْنِ العَظِيمِ عن وُقُوعِ البَعْثِ هذا.
الحاصِلُ: إنَّ جَمِيعَ حَقائِقِ "الكَلِمةِ العاشِرةِ"، وجَمِيعَ بَراهِينِ "لا سِيَّما" في "المَقامِ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ الثّامِنةِ والعِشرِين" الَّذي كُتِبَ باللُّغةِ العَرَبيّةِ في "المَثنَوِيِّ العَرَبيِّ النُّورِيِّ" أَظهَرَتا بكُلِّ ثُبُوتٍ وقَطْعِيّةٍ، كبُزُوغِ الشَّمسِ بعدَ غُرُوبِها، أن ستُشرِقُ شَمسُ الحَقِيقةِ بصُورةِ حَياةٍ أُخرَوِيّةٍ بعدَ غُرُوبِ الحَياةِ الدُّنيَوِيّةِ.
وهكذا، فإنَّ كلَّ ما بَيَّنّاه مُنذُ البِدايةِ في الأُسُسِ الأَربَعةِ، إنَّما كان استِمدادًا مِنِ اسمِ "الحَكِيمِ" واستِفادةً مِن فَيضِ القُرآنِ الكَرِيمِ، كي تُعِدَّ القَلْبَ للقَبُولِ وتُهَيِّئَ النَّفْسَ للتَّسلِيمِ وتُحضِرَ العَقلَ للإقناعِ.
— 686 —
ومَن نكُونُ نحنُ حتَّى نَتَیكلَّمَ في أَمرٍ كَهذا، فالقَولُ الفَصْلُ هو ما يَقُولُه مالِكُ هذه الدُّنيا، وخالِقُ هذا الكَونِ، ورَبُّ هذه المَوجُوداتِ؟! أمّا نحنُ فلا يَسَعُنا إلّا الخُضُوعُ والإنصاتُ والإذعانُ.. فحِينَما يَتَیكلَّمُ رَبُّ السَّماواتِ والأَرضِ، فمَن ذا أَحَقُّ مِنه بالكَلامِ سُبحانَه وتَعالَى؟! فهذا الخالِقُ الكَرِيمُ يُوَجِّهُ خِطابًا أَزَلِيًّا إلى جَمِيعِ صُفُوفِ طَوائِفِ الكائِناتِ في مَسجِدِ الدُّنيا ومَدرَسةِ الأَرضِ القابِعِين وَراءَ العُصُورِ خِطابًا يُزَلزِلُ الكَونَ بأَجمَعِه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ٭ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ٭ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ٭ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ٭ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ٭ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ٭ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
وخِطابًا أَبهَجَ جَمِيعَ المَخلُوقاتِ وأَثارَ فيهِمُ الشَّوقَ:
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
فعلَينا السَّمعُ والإنصاتُ إلى ذلك الخِطابِ الصَّادِرِ مِن مالِكِ المُلكِ ورَبِّ الدُّنيا والآخِرةِ ونقُولَ: آمَنّا وصَدَّقْنا.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إبرَاهِيمَ وعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إبرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
٭ ٭ ٭
— 687 —

الكَلِمةُ التي كَشفَتْ عن لُغْزِ الكَونِ وطِلَّسْمِه

وحَلَّتْ سِرًّا عَظِيمًا مِن أَسرارِ القُرآنِ الحَكِيمِ
الكلمة الثلاثون
حرفٌ مِن كتابِ "أنا" الكبيرِ..
نُقطةٌ من بحرِ "الذَّرَّة" العظيمِ
هذه الكَلِمةُ عبارةٌ عن مَقصَدَين:
المَقصَدُ الأوَّلُ: يَبحَثُ في ماهِيّةِ "أنا" ونَتائِجِها.
المَقصَدُ الثّاني: يَبحَثُ في حَرَكةِ "الذَّرّةِ" ووَظائِفِها.

المَقصَدُ الأوَّلُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
مِنَ الخَزِينةِ العُظمَى لِهذه الآيةِ الجَلِيلةِ، سنُشِيرُ إلى جَوْهَرةٍ واحِدةٍ مِن جَواهِرِها، وهي: أنَّ الأَمانةَ الَّتي أَبَتِ السَّماواتُ والأَرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، لَها مَعانٍ عِدّةٌ، ولها وُجُوهٌ كَثِيرةٌ؛ فمَعنًى مِن تلك المَعاني، ووَجهٌ مِن تلك الوُجُوهِ، هو: "أنا".
نعم، إنَّ "أنا" بِذْرةٌ، نَشَأَت مِنها شَجَرةُ طُوبَى نُورانيّةٌ عَظِيمةٌ، وشَجَرةُ زَقُّومٍ رَهِيبةٌ، تَمُدَّانِ أَغصانَهما وتَنشُرانِ فُرُوعَهما في أَرجاءِ عالَمِ الإنسانِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى الوَقتِ الحاضِرِ.
وقبلَ أن نَخُوضَ في هذه الحَقِيقةِ الواسِعةِ نُبيِّنُ بينَ يَدَيها "مُقدِّمةً" تُيَسِّرُ فَهْمَها.
— 688 —
المُقدِّمة
إنَّ "أنا" مِفتاحٌ يَفتَحُ الكُنُوزَ المَخْفِيّةَ للأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى، كما يَفتَحُ مَغاليقَ الكَونِ؛ فهو بِحَدِّ ذاتِه طِلَّسْمٌ عَجِيبٌ، ومُعَمًّى غَرِيبٌ؛ ولكن بمَعرِفةِ ماهِيّةِ "أنا" يَنْحَلُّ ذلك الطِّلَّسْمُ العَجِيبُ ويَنكَشِفُ ذلك المُعَمَّى الغَرِيبُ، ويَنفَتِحُ بدَورِه لُغزُ الكَونِ، وكُنُوزُ عالَمِ الوُجُوبِ.
وقد ذَكَرْنا ما يَخُصُّ هذه المَسأَلةَ في رِسالةِ "شَمّةٌ مِن نَسِيمِ هِدايةِ القُرآنِ" كالآتي: "اِعلَمْ أنَّ مِفتاحَ العالَمِ بِيَدِ الإنسانِ، وفي نَفسِه، فالكائِناتُ معَ أنَّها مُفَتَّحةُ الأَبوابِ ظاهِرًا، إلّا أنَّها مُنغَلِقةٌ حَقِيقةً؛ فالحَقُّ سُبحانَه وتَعالَى أَوْدَع مِن جِهةِ الأَمانةِ في الإنسانِ مِفتاحًا يَفتَحُ كلَّ أَبوابِ العالَمِ، وطِلَّسْمًا يَفتَحُ به الكُنُوزَ المَخفِيّةَ لِخَلّاقِ الكَونِ، والمِفتاحُ هو: ما فيك مِن "أنا". إلّا أنَّ "أنا" أَيضًا مُعَمًّى مُغلَقٌ وطِلَّسْمٌ مُنغَلِقٌ، فإذا فَتَحْتَ "أنا" بمَعرِفةِ ماهِيَّتِه المَوهُومةِ وسِرِّ خِلْقَتِه، انفَتَح لك طِلَّسْمُ الكائِناتِ كالآتي":
إنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه وَضَعَ بِيَدِ الإنسانِ أَمانةً هي: "أنا" الَّذي يَنطَوِي على إشاراتٍ ونَماذِجَ يُستَدَلُّ بها على أَوصافِ رُبُوبيَّتِه وحَقائقِ شُؤُونِه المُقَدَّسةِ. أي: يكُونُ "أنا" وَحْدةً قِياسِيّةً تُعرَفُ بها أَوصافُ الرُّبُوبيّةِ وشُؤُونُ الأُلُوهِيّةِ.
ومِنَ المَعلُومِ أنَّه لا يَلزَمُ أن يكُونَ للوَحْدةِ القِياسِيّةِ وُجُودٌ حَقِيقيٌّ، بل يُمكِنُ أن تُرَكَّبَ وَحْدةٌ قِياسِيّةٌ بالفَرْضِ والخَيالِ، كالخُطُوطِ الِافتِراضِيّةِ في عِلمِ الهَندَسةِ. أي: لا يَلزَمُ لی"أنا" أن يكُونَ له وُجُودٌ حَقِيقيٌّ بالعِلمِ والتَّحقِيقِ.
سُؤالٌ: لِمَ ارْتَبَطَتْ مَعرِفةُ صِفاتِ اللهِ جَلَّ جَلالُه وأَسمائِه الحُسنَى "بأَنانيّةِ" الإنسانِ؟
الجَوابُ: إنَّ الشَّيءَ المُطلَقَ والمُحِيطَ، لا يكُونُ له حُدُودٌ ولا نِهايةٌ؛ فلا يُعطَى له شَكْلٌ ولا يُحْكَمُ علَيه بحُكْمٍ، وذلك لِعَدَمِ وُجُودِ وَجْهِ تَعَيُّنٍ وصُورةٍ له، لِذا لا تُفهَمُ حَقِيقةُ ماهِيَّتِه.
فمَثلًا: الضِّياءُ الدّائِمُ الَّذي لا يَتَخلَّلُه ظَلامٌ لا يُشعَرُ به ولا يُعرَفُ وُجُودُه إلّا إذا حُدِّدَ بظُلمةٍ حَقِيقيّةٍ أو مَوهُومةٍ.
— 689 —
وهكذا، فإنَّ صِفاتِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، كالعِلْمِ والقُدرةِ، وأَسماءَه الحُسنَى، كالحَكِيمِ والرَّحِيمِ، لأنَّها مُطلَقةٌ لا حُدُودَ لها ومُحِيطةٌ بكُلِّ شَيءٍ، لا شَرِيكَ لها ولا نِدَّ، لا يُمكِنُ الإحاطةُ بها أو تَقيِيدُها بشَيءٍ، فلا تُعرَفُ ماهِيَّتُها، ولا يُشعَرُ بها؛ لذا لا بُدَّ مِن وَضْعِ حَدٍّ فَرَضِيٍّ وخَياليٍّ لتلك الصِّفاتِ والأَسماءِ المُطلَقةِ، لِيَكُونَ وَسِيلةً لِفَهْمِها، حيثُ لا حُدُودَ ولا نِهايةَ حَقِيقيّةً لها؛ وهذا ما تَفعَلُه "الأَنانيّةُ" أي: ما يقُومُ به "أنا"؛ إذ يَتَصَوَّرُ في نَفسِه رُبُوبيّةً مَوهُومةً، ومالِكِيّةً مُفتَرَضةً وقُدرةً وعِلْمًا، فيَحُدُّ حُدُودًا مُعَيَّنةً، ويَضَعُ بها حَدًّا مَوهُومًا لِصِفاتٍ مُحِيطةٍ وأَسماءٍ مُطلَقةٍ، فيقُولُ مَثلًا: مِن هُنا إلى هُناك لي، ومِن بَعدِه يَعُودُ إلى تلك الصِّفاتِ. أي: يَضَعُ نَوْعًا مِن تَقسِيمِ الأُمُورِ، ويَستَعِدُّ بهذا إلى فَهْمِ ماهِيّةِ تلك الصِّفاتِ غيرِ المَحدُودةِ شَيْئًا فشَيْئًا، وذلك بما لَدَيه مِن مَوازِينَ صَغِيرةٍ ومَقايِيسَ بَسِيطةٍ.
فمَثلًا: يَفهَمُ برُبُوبيَّتِه المَوهُومةِ الَّتي يَتَصَوَّرُها في دائِرةِ مُلكِه، رُبُوبيّةَ خالِقِه المُطلَقةَ سُبحانَه وتَعالَى في دائِرةِ المُمكِناتِ؛ ويُدرِكُ بمالِكِيَّتِه الظّاهِرِيّةِ مالِكِيّةَ خالِقِه الحَقِيقيّةَ، فيقُولُ: كما أنَّني مالِكٌ لِهذا البَيتِ فالخالِقُ سُبحانَه كذلك مالِكٌ لهذا الكَونِ. ويَعلَمُ بعِلمِه الجُزئيِّ عِلمَ اللهِ المُطلَقَ، ويَعرِفُ بمَهارَتِه المُكتَسَبةِ الجُزئيّةِ بَدائِعَ الصّانِعِ الجَلِيلِ، فيقُولُ مَثلًا: كما أنَّني شَيَّدتُ هذه الدّارَ ونَظَّمتُها، كذلك لا بُدَّ مِن مُنشِئٍ لِدارِ الدُّنيا ومُنَظِّمٍ لها.
وهكذا.. فقدِ اندَرَجَت في "أنا" آلافُ الأَحوالِ والصِّفاتِ والمَشاعِرِ المُنطَوِيةِ على آلافِ الأَسرارِ المُغلَقةِ الَّتي تَستَطِيعُ أن تَدُلَّ وتُبَيِّنَ یی إلى حَدٍّ مّا یی الصِّفاتِ والشُؤُونَ الإلٰهِيّةَ كُلَّها. أي: إنَّ "أنا" لا يَحمِلُ في ذاتِه مَعنًى، بل يَدُلُّ على مَعنًى في غيرِه؛ كالمِرآةِ العاكِسةِ، والوَحْدةِ القِياسِيّةِ، وآلةِ الِانكِشافِ، والمَعنَى الحَرفِيِّ، فهو شَعرةٌ حَسَّاسةٌ مِن حَبْلِ وُجُودِ الإنسانِ الجَسِيمِ، وهو خَيطٌ رَفيعٌ مِن نَسِيجِ ثَوبِ ماهِيّةِ البَشَرِ، وهو حَرْفُ "أَلِفٍ" في كِتابِ شَخصِيّةِ بَني آدَمَ، بحَيثُ إنَّ ذلك الحَرْفَ له وَجْهانِ:
وَجْهٌ مُتَوجِّهٌ إلى الخَيرِ والوُجُودِ؛ فهو في هذا الوَجْهِ يَتَلقَّى الفَيْضَ ويَقبَلُه فحَسْبُ، أي: يَقبَلُ الإفاضةَ علَيه فقط؛ إذ هو عاجِزٌ عن إيجادِ شَيءٍ في هذا الوَجْهِ، أي: ليس فاعِلًا فيه، لأنَّ يَدَه قَصِيرةٌ لا تَملِكُ قُدرةَ الإيجادِ. والوَجْهُ الآخَرُ مُتَوجِّهٌ إلى الشَّرِّ، ويُفضِي إلى العَدَمِ؛ فهو في هذا الوَجْهِ فاعِلٌ، وصاحِبُ فِعلٍ.
— 690 —
ثمَّ إنَّ ماهِيّةَ "أنا" حَرفيّةٌ، أي: يَدُلُّ على مَعنًى في غَيرِه، فرُبُوبيَّتُه خَياليّةٌ، ووُجُودُه ضَعِيفٌ وهَزِيلٌ إلى حَدٍّ لا يُطِيقُ أن يَحمِلَ بذاتِه أيَّ شَيءٍ كان، ولا يُطِيقُ أن يُحمَلَ علَيه شَيءٌ، بل هو مِيزانٌ ليس إلّا؛ يُبَيِّنُ صِفاتِ اللهِ تَعالَى الَّتي هي مُطلَقةٌ ومُحِيطةٌ بكُلِّ شَيءٍ، بمِثلِ ما يُبَيِّنُ مِيزانُ الحَرارةِ ومِيزانُ الهَواءِ والمَوازِينُ الأُخرَى مَقادِيرَ الأَشياءِ ودَرَجاتِها.
فالَّذي يَعرِفُ ماهِيّةَ "أنا" على هذا الوَجْهِ، ويُذعِنُ له، ثمَّ يَعمَلُ وَفْقَ ذلك وبمُقتَضاه، يَدخُلُ ضِمنَ بِشارةِ قَولِه تَعالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، ويكُونُ قد أَدَّى الأَمانةَ حَقَّها، فيُدرِكُ بمِنظارِ "أنا" حَقِيقةَ الكائِناتِ والوَظائِفَ الَّتي تُؤَدِّيها؛ وعِندَما تَرِدُ المَعلُوماتُ مِنَ الآفاقِ الخارِجِيّةِ إلى النَّفسِ تَجِدُ في "أنا" ما يُصَدِّقُها، فتَستَقِرُّ تلك المَعلُوماتُ عُلُومًا نُورانيّةً وحِكْمةً صائِبةً في النَّفْسِ، ولا تَنقَلِبُ إلى ظُلُماتِ العَبَثِيّةِ.
وحِينَما يُؤَدِّي "أنا" وَظِيفَتَه على هذه الصُّورةِ، يَتْرُكُ رُبُوبيَّتَه المَوهُومةَ ومالِكِيَّتَه المُفتَرَضةَ الَّتي هي وَحْدةُ قِياسٍ ليس إلّا، ويُفَوِّضُ المُلكَ للهِ وَحْدَه قائلًا: "له المُلْكُ، وله الحَمْدُ، وله الحُكْمُ وإلَيه تُرجَعُون"، فيَلْبَسُ لِباسَ عُبُودِيَّتِه الحَقّةِ، ويَرتَقِي إلى مَقامِ "أَحسَنِ تَقوِيمٍ".
ولكن إذا نَسِيَ "أنا" حِكْمةَ خَلْقِه، ونَظَرَ إلى نَفسِه بالمَعنَى الِاسمِيِّ، تارِكًا وَظِيفتَه الفِطْرِيّةَ، مُعتَقِدًا بنَفسِه أنَّه المالِكُ، فقد خانَ الأَمانةَ، ودَخَل ضِمنَ النَّذِيرِ الإلٰهِيِّ: وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا.
وهكذا، فإنَّ إشفاقَ السَّماواتِ والأَرضِ والجِبالِ مِن حَمْلِ الأَمانةِ، ورَهْبَتَهنَّ مِن شِرْكٍ مَوْهُومٍ مُفتَرَضٍ، إنَّما هو مِن هذا الوَجْهِ مِنَ "الأَنانيّةِ" الَّتي تُولِّدُ جَمِيعَ أَنواعِ الشِّركِ والشُّرُورِ والضَّلالاتِ.
أَجَل، إنَّ "أنا" معَ أنَّه أَلِفٌ رَقيقٌ، خَيطٌ دَقيقٌ، خَطٌّ مُفتَرَضٌ، إلّا أنَّه إذا لم تُعرَفْ ماهِيَّتُه يَنمُو في الخَفاءِ، كنُمُوِّ البِذْرةِ تحتَ التُّرابِ، ويَكبُرُ شَيْئًا فشَيْئًا، حتَّى يَنتَشِرَ في جَمِيعِ أَنحاءِ وُجُودِ الإنسانِ، فيَبتَلِعَه ابتِلاعَ الثُّعبانِ الضَّخْمِ، فيكُونَ ذلك الإنسانُ بكامِلِه وبجَمِيعِ لَطائِفِه ومَشاعِرِه عِبارةً عن "أنا"؛ ثمَّ تُمِدُّه "أَنانيّةُ" النَّوعِ نافِخةً فيه رُوحَ
— 691 —
العَصَبِيّةِ النَّوعِيّةِ والقَوْمِيّةِ، فيَستَغلِظُ بالِاستِنادِ على هذه "الأَنانيّةِ" حتَّى يَصِيرَ كالشَّيطانِ الرَّجِيمِ يَتَحدَّى أَوامِرَ اللهِ ويُعارِضُها؛ ثمَّ يَبدَأُ بقِياسِ كلِّ النّاسِ، بل كلِّ الأَشياءِ على نَفسِه، فيُقَسِّمُ مُلكَ اللهِ سُبحانَه على تلك الأَشياءِ وعلى الأَسبابِ، فيَتَردَّى في شِرْكٍ عَظِيمٍ، يَتَبيَّنُ فيه مَعنَى الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، إذ كما أنَّ الَّذي يَسرِقُ أَربَعِين دِينارًا مِن أَموالِ الدَّولةِ لا بُدَّ أن يُرضِيَ أَصدِقاءَه الحاضِرِين معَه بِأَخْذِ كلٍّ مِنهم دِرهَمًا مِنه كي تُسَوَّغَ له السَّرِقةُ، كذلك الَّذي يقُولُ: إنَّني مالِكٌ لِنَفسِي. لا بُدَّ أن يقُولَ ويَعتَقِدَ أنَّ كل شَيءٍ مالِكٌ لِنَفسِه!
وهكذا، فی"أنا" في وَضْعِه هذا، المُتَلَبِّسِ بالخِيانةِ للأَمانةِ، إنَّما هو في جَهْلٍ مُطبِقٍ بل هو أَجهَلُ الجُهَلاءِ، يَتَخَبَّطُ في دَرَك جَهالةٍ مُرَكَّبةٍ حتَّى لو عَلِمَ آلافَ العُلُومِ والفُنُونِ، ذلك لأنَّ ما تَتَلقَّفُه حَواسُّه وأَفكارُه مِن أَنوارِ المَعرِفةِ المَبثُوثةِ في رِحابِ الكَوْنِ، لا يَجِدُ في نَفسِه مادّةً تُصَدِّقُه وتُنَوِّرُه وتُدِيمُه، لِذا تَنطَفِئُ كلُّ تلك المَعارِفِ، وتَغدُو ظَلامًا دامِسًا؛ إذ يَنصَبغُ كلُّ ما يَرِدُ إلَيه بصِبغةِ نَفسِه المُظلِمةِ القاتِمةِ، حتَّى لو وَرَدَتْ حِكْمةٌ مَحْضةٌ باهِرةٌ فإنَّها تَلْبَسُ في نَفسِه لَبُوسَ العَبَثِ المُطلَقِ، لأنَّ لَوْنَ "أنا" في هذه الحالةِ هو الشِّرْكُ وتَعطِيلُ الخالِقِ مِن صِفاتِه الجَلِيلةِ وإنكارُ وُجُودِه تَعالَى؛ بل لوِ امتَلَأَ الكَوْنُ كلُّه بآياتٍ ساطِعاتٍ ومَصابِيحِ هُدًى فإنَّ النُّقطةَ المُظلِمةَ المَوجُودةَ في "أنا" تَكْسِفُ جَمِيعَ تلك الأَنوارِ القادِمةِ، وتَحْجُبُها عنِ الظُّهُورِ.
ولقد فَصَّلْنا القَوْلَ في "الكَلِمةِ الحادِيةَ عَشْرةَ" عنِ الماهِيّةِ الإنسانيّةِ و"الأَنانيّةِ" الَّتي فيها مِن حَيثُ المَعنَى الحَرفِيُّ، وأَثْبَتْنا هناك إثباتًا قاطِعًا كيف أنَّها مِيزانٌ حَسّاسٌ للكَوْنِ، ومِقْياسٌ صائِبٌ دَقيقٌ، وفِهْرِسٌ شامِلٌ مُحِيطٌ، وخَرِيطةٌ كامِلةٌ، ومِرآةٌ جامِعةٌ، وتَقْوِيمٌ جامِعٌ.. فمَن شاءَ فلْيُراجِعْ تلك الرِّسالةَ.
إلى هنا نَخْتِمُ المُقدِّمةَ، مُكتَفِين بما في تلك الرِّسالةِ مِن تَفْصِيلٍ.
فيا أخي القارِئَ، إذا استَوْعَبْتَ هذه المُقدِّمةَ، فهَيّا لِنَدْخُلَ مَعًا إلى الحَقِيقةِ نَفسِها.
إنَّ في تارِيخِ البَشَرِيّةِ یی منذُ زَمَنِ سَيِّدِنا آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى الوَقْتِ الحاضِرِ یی تَيّارَينِ
— 692 —
عَظِيمَينِ وسِلسِلَتَينِ للأَفكارِ، يَجرِيانِ عَبْرَ الأَزمِنةِ والعُصُورِ، كأنَّهما شَجَرتانِ ضَخْمَتانِ أَرْسَلَتا أَغصانَهما وفُرُوعَهما في كلِّ صَوْبٍ، وفي كلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ الإنسانيّةِ.
إحداهُما: سِلسِلةُ النُّیبُوّةِ والدِّينِ.
والأُخرَى: سِلسِلةُ الفَلسَفةِ والحِكمةِ.
فمَتَى كانَت هاتانِ السِّلسِلَتانِ مُتَّحِدَتَينِ ومُمتَزِجَتَينِ، أي: في أيِّ وَقتٍ أو عَصرٍ استَجارَتِ الفَلْسَفةُ بالدِّين وانقادَت إلَيه وأَصبَحَت في طاعَتِه، انتَعَشَتِ الإنسانيّةُ بالسَّعادةِ، وعاشَت حَياةً اجتِماعِيّةً هَنِيئةً؛ ومَتَى ما انفَرَجَتِ الشُّقةُ بَينَهما وافْتَرَقَتا، احتَشَدَ النُّورُ والخَيرُ كُلُّه حَولَ سِلسِلةِ النُّبوّةِ والدِّينِ، وتَجَمَّعَتِ الشُّرُورُ والضَّلالاتُ كُلُّها حَولَ سِلسِلةِ الفَلْسَفةِ.
والآنَ لِنَجِدْ مَنْشَأَ كلٍّ مِن تِلكُما السِّلسِلَتَينِ وأَساسَهما:
فإنَّ سِلسِلةَ الفَلْسَفةِ الَّتي عَصَتِ الدِّينَ، اتَّخَذَت صُورةَ شَجَرةِ زَقُّومٍ خَبِيثةٍ تَنشُرُ ظُلُماتِ الشِّركِ وتَنثُرُ الضَّلالةَ حَوْلَها؛ حتَّى إنَّها سَلَّمَت إلى يَدِ عُقُولِ البَشَرِ یی في غُصنِ القُوّةِ العَقْلِيّةِ یی ثَمَراتِ الدَّهرِيِّين والمادِّيِّين والطَّبِيعيِّين؛ وأَلْقَت على رَأْسِ البَشَرِيّةِ یی في غُصنِ القُوّةِ الغَضَبِيّةِ یی ثَمَراتِ النَّمارِيدِ والفَراعِنةِ والشَّدّادِين..
(حاشية): نعم، إن الفَلسَفةَ القَديمةَ لمِصرَ وبابِلَ، التي بلَغَت مَبلَغَ السِّحرِ، أو تُوُهِّمَت سِحرًا یی لاقتِصارِها على فئةٍ مُعيَّنةٍ یی هي التي أَرضَعَتِ الفَراعِنةَ والنَّمارِيدَ ورَبَّتْهم في أَحضانِها، كما أنَّ حَمْأَةَ الفَلسَفةِ الطَّبيعيةِ ومُستَنقَعَها مَكَّنَتِ الآلِهةَ في عُقُولِ فلاسِفةِ اليُونانِ القُدَماءِ، ووَلدَتِ الأصنامَ والأوثانَ. حقًّا إن المَحجُوبَ عن نُورِ الله بسِتارِ "الطَّبيعة" يَمنَح كلَّ شيء أُلُوهيّةً، ثم يُسَلِّطُه على نفسِه.
ورَبَّت یی في غُصنِ القُوّةِ الشَّهَوِيّةِ البَهِيمِيّة یی ثَمَراتِ الآلِهةِ والأَصنامِ ومُدَّعِي الأُلُوهِيّةِ.
وبجانِبِ هذه الشَّجَرةِ الخَبِيثةِ یی شَجَرةِ الزَّقُّومِ یی نَشَأَت شَجَرةُ طُوبَى العُبُوديّةِ للهِ، تلك هي سِلسِلةُ النُّبوّةِ، فأَثمَرَت ثَمَراتٍ يانِعةً طَيِّبةً في بُستانِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ، ومَدَّتْها إلى البَشَرِيّةِ، فتَدَلَّت قُطُوفًا دانِيةً مِن غُصنِ القُوّةِ العَقْلِيّةِ: أَنبِياءُ ومُرسَلُون وصِدِّيقُون وأَولياءُ صالِحُون.. كما أَثمَرَت في غُصنِ القُوّةِ الدّافِعةِ: حُكّامًا عادِلِين ومُلُوكًا طاهِرِين طُهْرَ المَلائِكةِ.. وأَثمَرَت في غُصنِ القُوّةِ الجاذِبةِ: كُرَماءَ وأَسخِياءَ ذَوِي مُرُوءةٍ وشَهامةٍ
— 693 —
في حُسْنِ سِيرةٍ وجَمالِ صُورةٍ ذاتِ عِفّةٍ وبَراءةٍ.. حتى أَظهَرَت تلك الشَّجَرةُ المُبارَكةُ، أنَّ الإنسانَ هو حَقًّا أَكرَمُ ثَمَرةٍ لِشَجَرةِ الكَونِ.
وهكذا، فمَنشَأُ هذه الشَّجَرةِ المُبارَكةِ، ومَنشَأُ تلك الشَّجَرةِ الخَبِيثةِ، هما جِهَتا "أنا" ووَجْهاه، أي: إنَّ "أنا" الَّذي أَصبَح بِذْرةً أَصلِيّةً لِتِلكُما الشَّجَرتَينِ، صارَ وَجْهاه مَنشَأَ كلٍّ مِنهما.
وسنُبيِّنُ ذلك بالآتي: إنَّ النُّبوّةَ تَمضِي آخِذةً وَجْهًا لی"أنا"، والفَلسَفةَ تُقبِلُ آخِذةً الوَجهَ الآخَرَ لی"أنا"؛ فالوَجهُ الأوَّلُ الَّذي يَتَطلَّعُ إلى حَقائِقِ النُّبوّةِ، هذا الوَجهُ مَنشَأُ العُبُودِيّةِ الخالِصةِ لله، أي: إنَّ "أنا" يَعرِفُ أنَّه عَبدٌ للهِ، ومُطِيعٌ لِمَعبُودِه.. ويَفهَمُ أنَّ ماهِيَّتَه حَرفيّةٌ، أي: دالٌّ على مَعنًى في غَيرِه.. ويَعتَقِدُ أنَّ وُجُودَه تَبَعِيٌّ، أي: قائِمٌ بوُجُودِ غَيرِه وثابِتٌ بإيجادِه.. ويَعلَمُ أنَّ مالِكِيَّتَه للأَشياءِ وَهْمِيّةٌ، أي: أنَّ له مالِكِيّةً مُؤَقَّتةً ظاهِرِيّةً بإذنِ مالِكِه الحَقِيقيِّ.. وحَقِيقَتَه ظِلِّيّةٌ یی لَيسَت أَصِيلةً یی أي: أنَّه مُمكِنٌ مَخلُوقٌ هَزِيلٌ، وظِلٌّ ضَعِيفٌ يَعكِسُ تَجَلِّيًا لِحَقِيقةٍ واجِبةٍ حَقّةٍ.. أمّا وَظِيفَتُه فهي القِيامُ بطاعةِ مَوْلاه، طَاعةً شُعُورِيّةً كامِلةً، لِكَونِه مِيزانًا لِمَعرِفةِ صِفاتِ خالِقِه، ومِقياسًا للتَّعَرُّفِ على شُؤُونِه سُبحانَه.
هكذا نَظَرَ الأَنبِياءُ والمُرسَلُون عَلَيهم السَّلَام ومَن تَبِعَهم مِنَ الأَصفِياءِ والأَولياءِ إلى "أنا" بهذا الوَجهِ، وشاهَدُوه على حَقِيقَتِه هكذا، فأَدرَكُوا الحَقِيقةَ الصّائبةَ، وفَوَّضُوا المُلكَ كلَّه إلى مالِكِ المُلكِ ذِي الجَلالِ، وأَقَرُّوا جَمِيعًا أنَّ ذلك المالِكَ جَلَّ وعلا لا شَرِيكَ له ولا نَظِيرَ، لا في مُلكِه ولا في رُبُوبيَّتِه ولا في أُلُوهيَّتِه، وهو المُتَعالِ الَّذي لا يَحتاجُ إلى شَيءٍ، فلا مُعِينَ له ولا وَزِيرَ، بِيَدِه مَقالِيدُ كلِّ شَيءٍ وهو على كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ وما "الأَسبابُ" إلّا أَستارٌ وحُجُبٌ ظاهِرِيّةٌ تَدُلُّ على قُدرَتِه وعظَمَتِه؛ وما "الطَّبِيعةُ" إلّا شَرِيعَتُه الفِطْرِيّةُ، ومَجمُوعةُ قَوانِينِه الجارِيةِ في الكَونِ، نَمُوذَجًا لِقُدرَتِه جَلَّ جَلالُه.
فهذا الوَجهُ الوَضِيءُ المُنَوَّرُ الجَمِيلُ، قد أَخَذ حُكمَ بِذرةٍ حَيّةِ ذاتِ مَغزًى وحِكمةٍ؛ خَلَق اللهُ جَلَّ وعَلا مِنها شَجَرةَ طُوبَى العُبُودِيّةِ، امتَدَّت أَغصانُها المُبارَكةُ إلى أَنحاءِ عالَمِ البَشَرِيّةِ كافّةً وزَيَّنَتْه بثَمَراتٍ طَيِّبةٍ ساطِعةٍ، بَدَّدَت ظُلُماتِ الماضِي كُلَّها، وأَثبَتَت بحَقٍّ أنَّ ذلك الزَّمَنَ الغابِرَ المَدِيدَ ليس كما تَراه الفَلسَفةُ مَقبَرةً شاسِعةً
— 694 —
مُوحِشةً، ومَيدانَ إعداماتٍ مُخِيفةٍ، بل هو رَوضةٌ مِن رِياضِ النُّورِ، لِلأرواحِ الَّتي أَلْقَت عِبْئَها الثَّقِيلَ لِتُغادِرَ الدُّنيا طَلِيقةً، وهو مَدارُ أَنوارٍ ومِعراجُ مُنَوَّرٍ مُتَفاوِتةِ الدَّرجاتِ لتلك الأَرواحِ الآفِلةِ لِتَتَنقَّلَ إلى الآخِرةِ وإلى المُستَقبَلِ الزّاهِرِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ.
أمّا الوَجهُ الثَّاني: فقدِ اتَّخَذَتْه الفَلسَفةُ، وقد نَظَرَت إلى "أنا" بالمَعنَى الِاسمِيِّ، أي تقُولُ: إنَّ "أنا" يَدُلُّ على نَفسِه بنَفسِه.. وتَقضِي أنَّ مَعناه في ذاتِه، ويَعمَلُ لِأَجلِ نَفسِه.. وتَرَى أنَّ وُجُودَه أَصِيلٌ ذاتِيٌّ یی وليس ظِلًّا یی أي: له ذاتيّةٌ خاصّةٌ به.. وتَزعُمُ أنَّ له حَقًّا في الحَياةِ، وأنَّه مالِكٌ حَقِيقيٌّ في دائِرةِ تَصَرُّفِه، وتَزْعُمُه حَقِيقةً ثابِتةً.. وتَعلَمُ أنَّ وَظِيفَتَه هي الرُّقيُّ والتَّكامُلُ الذّاتِيُّ النّاشِئُ مِن حُبِّ ذاتِه. وهكذا أَسنَدُوا مَسلَكَهم إلى أُسُسٍ فاسِدةٍ كَثِيرةٍ وبَنَوها على تلك الأُسُسِ المُنهارةِ الواهِيةِ. وقد أَثْبَتْنا بقَطْعِيّةٍ تامّةٍ مَدَى تَفاهةِ تلك الأُسُسِ ومَدَى فَسادِها في رَسائِلَ كَثِيرةٍ ولا سِيَّما في "الكَلِماتِ" وبالأَخَصِّ في "الكَلِمةِ الثّانيةَ عَشْرةَ" و"الخامِسةِ والعِشرِين" الخاصّةِ بالمُعجِزاتِ القُرآنيّةِ.
ولقدِ اعتَقَد عُظَماءُ الفَلسَفةِ ورُوّادُها ودُهاتُها، أمثالَ: أَفلاطُون وأَرِسطُو وابنِ سِينا والفارابي یی بِناءً على تلك الأُسُسِ الفاسِدةِ یی بأنَّ الغايةَ القُصوَى لِكَمالِ الإنسانيّةِ هي "التَّشَبُّهُ بالواجِبِ"! أي: بالخالِقِ جَلَّ وعَلا، فأَطلَقُوه حُكْمًا فِرعَوْنيًّا طاغِيًا، ومَهَّدُوا الطَّرِيقَ لِكَثيرٍ مِنَ الطَّوائفِ المُتَلبِّسةِ بأَنواعٍ مِنَ الشِّركِ، أَمثالَ: عَبَدةِ الأَسبابِ وعَبَدةِ الأَصنامِ وعَبَدةِ الطَّبِيعةِ وعَبَدةِ النُّجُومِ، وذلك بتَهيِيجِهمُ "الأَنانيّةَ" لِتَجرِيَ طَلِيقةً في أَوْدِيةِ الشِّركِ والضَّلالةِ.. فسَدُّوا سَبِيلَ العُبُودِيّةِ إلى اللهِ، وغَلَّقُوا أبوابَ العَجْزِ والضَّعْفِ والفَقْرِ والحاجةِ والقُصُورِ والنَّقصِ المُندَرِجةَ في فِطْرةِ الإنسانِ، فَضَلُّوا في أَوحالِ الطَّبِيعةِ ولم يَنجُوْا مِن حَمْأةِ الشِّركِ كُلِّيًّا ولا اهتَدَوا إلى بابِ الشُّكرِ الواسِعِ.
بَينمَا الَّذين هم في مَسارِ النُّبوّةِ، فقد حَكَمُوا حُكْمًا مِلْؤُه العُبُودِيّةُ الخالِصةُ للهِ وَحدَه، وقَضَوا أنَّ الغايةَ القُصوَى للإنسانيّةِ والوَظِيفةَ الأَساسِيّةَ للبَشَرِيّةِ هي التَّخَلُّقُ بالأَخلاقِ الإلٰهِيّةِ، أي: التَّحَلِّي بالسَّجايا السّامِيةِ والخِصالِ الحَمِيدةِ الَّتي يَأْمُرُ بها اللهُ سُبحانَه، وأن يَعلَمَ الإنسانُ عَجْزَه فيَلْتَجِئَ إلى قُدرَتِه تَعالَى، ويَرَى ضَعْفَه فيَحتَمِيَ
— 695 —
بقُوَّتِه تَعالَى، ويُشاهِدَ فَقْرَه فيَلُوذَ برَحمَتِه تَعالَى، ويَنظُرَ إلى حاجَتِه فيَستَمِدَّ مِن غِناه تَعالَى، ويَعرِفَ قُصُورَه فيَستَغفِرَ رَبَّه تَعالَى، ويَلْمَسَ نَقْصَه فيُسَبِّحَ ويُقَدِّسَ كَمالَه تَعالَى.
وهكذا، فلِأنَّ الفَلسَفةَ العاصِيةَ للدِّينِ قد ضَلَّتْ ضَلالًا بَعِيدًا، صارَ "أنا" ماسِكًا بزِمامِ نَفسِه، مُسارِعًا إلى كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الضَّلالةِ.
وهكذا نَبَتَت شَجَرةُ زَقُّومٍ على قِمّةِ هذا الوَجهِ مِن "أنا" غَطَّت بضَلالِها نِصفَ البَشَرِيّةِ، وحادَت بهم عن سَواءِ السَّبِيلِ؛ أمّا الثَّمَراتُ الَّتي قَدَّمَتْها تلك الشَّجَرةُ الخَبِيثةُ یی شَجَرةُ زَقُّومٍ یی إلى أَنظارِ البَشَرِ فهي الأَصنامُ والآلِهةُ في غُصْنِ القُوّةِ البَهِيميّةِ الشَّهَوِيّةِ؛ إذِ الفَلسَفةُ تُحَبِّذُ أَصلًا القُوّةَ، وتَتَّخِذُها أَساسًا وقاعِدةً مُقَرَّرةً لِنَهْجِها، حتَّى إنَّ مَبدَأَ "الحُكْمُ للغالِبِ" دُستُورٌ مِن دَساتيرِها، وتَأْخُذُ بمَبدَأِ "الحَقُّ في القُوّةِ" (حاشية-١): أمّا النُّبوّةُ فهي تُقرِّرُ أنَّ القُوّةَ في الحَقِّ وليس الحَقُّ في القُوّةِ، فتَقطَعُ بهذا دابِرَ الظُّلمِ وتُحَقِّقُ العَدْلَ. فأُعجِبَتْ ضِمْنًا بالظُّلمِ والعُدْوانِ، وحَثَّتِ الطُّغاةَ والظَّلَمةَ والجَبابِرةَ العُتاةَ حتَّى ساقَتْهم إلى دَعوَى الأُلُوهِيّةِ.
ثمَّ إنَّها مَلَّكَتِ الجَمالَ في المَخلُوقاتِ والحُسْنَ في صُوَرِها، إلى المَخلُوقِ نَفسِه، وإلى الصُّورةِ نَفسِها، مُتَناسِيةً نِسبةَ ذلك الجَمالِ إلى تَجَلِّي الجَمالِ المُقَدَّسِ للخالِقِ الجَمِيلِ والحُسْنِ المُنَیزَّهِ للمُصَوِّرِ البَدِيعِ، فتَقُولُ: "ما أَجمَلَ هذا!" بَدَلًا مِن أن تقُولَ: "ما أَجمَلَ خَلْقَ هذا!" أي: جَعَلَتْ ذلك الجَمالَ في حُكْمِ صَنَمٍ جَدِيرٍ بالعِبادةِ!
ثمَّ إنَّها استَحْسَنَت مَظاهِرَ الشُّهرةِ، والحُسْنِ الظَّاهرِ للرِّياءِ والسُّمعةِ.. لذا حَبَّذَتِ المُرائِين، ودَفَعَتْهم إلى التَّمادِي في غَيِّهم جاعِلةً مِن أَمثالِ الأَصنامِ عابِدةً لِعُبّادِها. (حاشية-٢): أي: إنَّ أولئك الشَّبِيهين بالأَصنامِ، يُظهِرُون أَوضاعًا شَبِيهةً بالعِبادةِ أمامَ المُعجَبِين بهم، كَسْبًا لإقبالِهم وتَوَجُّهِهم إليهم، وتلبيةً لرَغَباتِ هَواهُم، فيكونون عابِدِين مِن جِهةٍ ومَعبُودِين مِن جِهةٍ أُخرَى. ورَبَّت في غُصنِ القُوّةِ الغَضَبِيّةِ على رُؤُوسِ البَشَرِ المَساكِينِ الفَراعِنةَ والنَّمارِيدَ والطُّغاةَ صِغارًا وكِبارًا؛ أمّا في غُصنِ القُوّةِ العَقْلِيّةِ، فقد وَضَعَتِ الدَّهرِيِّين والمادِّيِّين والطَّبيعيِّين، وأَمثالَهم مِنَ الثَّمَراتِ الخَبِيثةِ في عَقلِ الإنسانيّةِ، فشَتَّتَت عَقْلَ الإنسانِ أَيَّ تَشتِيتٍ.
— 696 —
وبعدُ.. فلِأَجلِ تَوضِيحِ هذه الحَقِيقةِ، نَعقِدُ مُقارَنةً بينَ نَتائِجَ نَشَأَت مِنَ الأُسُسِ الفاسِدةِ لِمَسْلَكِ الفَلسَفةِ، ونَتائِجَ تَوَلَّدَت مِنَ الأُسُسِ الصّائبةِ لِمَسارِ النُّبوّةِ.. وسنَقصُرُ الكَلامَ في بِضعةِ أَمثِلةٍ فقط مِن بينِ آلافِ المُقارَناتِ بَينَهما.
المِثالُ الأوَّلُ: مِنَ القَواعِدِ المُقَرَّرةِ للنُّبوّةِ في حَياةِ الإنسانِ الشَّخصِيّةِ: التَّخَلُّقُ بأَخلاقِ اللهِ. أي: كُونُوا عِبادَ اللهِ المُخلِصِين، مُتَحَلِّين بأَخلاقِ اللهِ مُحتَمِين بحِماه مُعتَرِفين في قَرارةِ أَنفُسِكُم بعَجْزِكم وفَقْرِكم وقُصُورِكم.
فأينَ هذه القاعِدةُ الجَلِيلةُ مِن قَولِ الفَلسَفةِ: "تَشَبَّهُوا بالواجِبِ" الَّتي تُقَرِّرُها غايةً قُصْوَى للإنسانيّةِ!
أينَ ماهِيّةُ الإنسانِ الَّتي عُجِنَت بالعَجْزِ والضَّعْفِ والفَقْرِ والحاجةِ غيرِ المَحدُودةِ مِن ماهِيّةِ واجِبِ الوُجُودِ، وهو اللهُ القَدِيرُ القَوِيُّ الغَنِيُّ المُتَعالِ!!
المِثالُ الثَّاني: مِنَ القَواعِدِ الثَّابِتةِ للنُّبوّةِ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ: أنَّ "التَّعاوُنَ" دُستُورٌ مُهَيمِنٌ على الكَونِ، ابتِداءً مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ إلى النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، فتَرَى النَّباتاتِ تُمِدُّ الحَيَواناتِ، والحَيَواناتِ تُمِدُّ الإنسانَ، بل ذَرّاتِ الطَّعامِ تُمِدُّ خَلايا الجِسمِ وتُعاوِنُها.
فأينَ هذا الدُّستُورُ القَوِيمُ یی دُستُورُ التَّعاوُنِ وقانُونُ الكَرَمِ ونامُوسُ الإكرامِ یی مِن دُستُورِ "الصِّراعِ" الَّذي تقُولُ به الفَلسَفةُ مِن أنَّه الحاكِمُ على الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ؟ عِلْمًا أنَّ "الصِّراعَ" ناشِئٌ فقط لَدَى بعضِ الظَّلَمةِ والوُحُوشِ الكاسِرةِ مِن جَرّاءِ سُوءِ استِعمالِ فِطْرَتِهم؛ بل أَوْغَلَتِ الفَلسَفةُ في ضَلالِها حتَّى اتَّخَذَت دُستُورَ "الصِّراعِ" هذا حاكِمًا مُهَيمِنًا على المَوجُوداتِ كافّةً، فقَرَّرَت ببَلاهةٍ مُتَناهِيةٍ: "إنَّ الحَياةَ جِدالٌ وصِراعٌ".
المِثالُ الثّالثُ: مِنَ النَّتائِجِ المُثْلَى للنُّبوّةِ ومِن قَواعِدِها السّامِيةِ في التَّوحِيدِ: أنَّ "الواحِدَ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ"، أي: أنَّ كلَّ ما لَه وَحْدةٌ لا يَصدُرُ إلَّا عنِ الواحِدِ؛ إذ ما دامَتْ في كلِّ شَيءٍ یی وفي الأَشياءِ كُلِّها یی وَحْدةٌ ظاهِرةٌ، فلا بُدَّ أنَّها مِن إيجادِ ذَاتٍ واحِدةٍ.. بَينَما دُستُورُ الفَلسَفةِ القَدِيمةِ وعَقِيدَتُها أنَّ: "الواحِدَ لا يَصدُرُ عنه إلّا الواحِدُ" أي: لا يَصدُرُ عن ذاتٍ واحِدةٍ إلّا شَيءٌ واحِدٌ، ثمَّ الأَشياءُ الأُخرَى تَصدُرُ بتَوَسُّطِ الوَسائِطِ.
— 697 —
هذه القاعِدةُ للفَلسَفةِ القَدِيمةِ تُعطِي لِلأسبابِ القائِمةِ والوَسائِطِ نَوْعًا مِنَ الشَّراكةِ في الرُّبُوبيّةِ، وتُظهِرُ أنَّ القَدِيرَ على كلِّ شَيءٍ والغَنِيَّ المُطلَقَ والمُستَغنِيَ عن كلِّ شَيءٍ بحاجةٍ إلى وَسائِطَ عاجِزةٍ! بل ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا فنَسَبُوا إلى الخالِقِ جَلَّ وعَلا مَخلُوقًا باسمِ "العَقلِ الأَوَّلِ"، وقَسَّمُوا سائِرَ مُلْكِه بينَ الوَسائِطِ، ففَتَحُوا الطَّرِيقَ إلى شِركٍ عَظِيمٍ.
فأَينَ ذلك الدُّستُورُ التَّوحِيدِيُّ للنُّبوّةِ مِن هذه القاعِدةِ یی للفَلسَفةِ القَدِيمةِ السَّقِيمةِ یی المُلَوَّثةِ بالشِّركِ والمُلَطَّخةِ بالضَّلالةِ؟ فإن كان الإشراقيُّون الَّذين هم أَرقَى الفَلاسِفةِ والحُكَماءِ فهُما يَتَفوَّهُون بهذا السُّخْفِ مِنَ الكَلامِ، فكيف يكُونُ یی يا تُرَى یی كَلامُ مَن هم دُونَهم في الفَلسَفةِ والحِكْمةِ مِن مادِّيِّينَ وطَبِيعيِّينَ؟
المِثالُ الرّابعُ: إنَّه مِنَ الدَّساتيرِ الحَكِيمةِ للنُّبوّةِ: أنَّ لِكُلِّ شَيءٍ حِكَمًا كَثِيرةً ومَنافِعَ شَتَّى، حتَّى إنَّ للثَّمَرةِ مِنَ الحِكَمِ ما يُعَدُّ بعَدَدِ ثَمَراتِ الشَّجَرةِ، كما يُفهَمُ مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه، فإن كانَت هُناك نَتِيجةٌ واحِدةٌ یی لِخَلْقِ ذِي حَياةٍ یی مُتَوجِّهةٌ إلى المَخلُوقِ نَفسِه، وحِكمةٌ واحِدةٌ مِن وُجُودِه تَعُودُ إلَيه، فإنَّ آلافًا مِنَ النَّتائِجِ تَعُودُ إلى خالِقِه الحَكِيمِ وآلافًا مِنَ الحِكَمِ تَتَوجَّهُ إلى فاطِرِه الجَلِيلِ.
أمّا دُستُورُ الفَلسَفةِ فهو: "أنَّ حِكْمةَ خَلْقِ كُلِّ كائِنٍ حَيٍّ وفائِدَتَه مُتَوجِّهةٌ إلى نَفسِه، أو تَعُودُ إلى مَنافِعِ الإنسانِ ومَصالِحِه"، هذه القاعِدةُ تَسلُبُ مِنَ المَوجُوداتِ حِكَمًا كَثِيرةً أُنيطَت بها، وتُعطِي ثَمَرةً جُزئيّةً كحَبّةٍ مِن خَرْدَلٍ إلى شَجَرةٍ ضَخْمةٍ هائِلةٍ، فتُحَوِّلُ المَوجُوداتِ إلى عَبَثٍ لا طائِلَ مِن وَرائِه.
فأَينَ تلك الحِكْمةُ الصّائِبةُ مِن هذه القَواعِدِ الفاسِدةِ للفَلسَفةِ الفارِغةِ مِنَ الحِكْمةِ، الَّتي تَصبُغُ الوُجُودَ كُلَّه بالعَبَث!
ولقد قَصَرْنا الكَلامَ هُنا على هذا القَدْرِ، حيثُ إنَّنا قد بَحَثْنا هذه الحَقِيقةَ في الحَقِيقةِ العاشِرةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" بشَيءٍ مِنَ التَّفصِيلِ.
وبعدُ.. فيُمكِنُك أن تَقِيسَ على مِنْوالِ هذه الأَمثِلةِ الأَربَعةِ آلافًا مِنَ النَّماذِجِ والأَمثِلةِ، وقد أَشَرْنا إلى قِسْمٍ مِنها في رِسالةِ "اللَّوامِع".
— 698 —
ونَظَرًا لِاستِنادِ الفَلسَفةِ إلى مِثلِ هذه الأُسُسِ السَّقِيمةِ ولِنَتائِجِها الوَخِيمةِ، فإنَّ فَلاسِفةَ الإسلامِ الدُّهاةَ الَّذين غَرَّهم مَظْهَرُ الفَلسَفةِ البَیرَّاقُ، فانساقُوا إلى طَرِيقِها كابنِ سِينا والفارابيِّ، لم يَنالُوا إلّا أَدنَى دَرَجاتِ الإيمانِ، دَرَجةَ المُؤمِنِ العادِيِّ، بل لم يَمنَحْهُم حُجّةُ الإسلامِ الإمامُ الغَزّاليُّ حتَّى تلك الدَّرَجةَ.
وكذا أَئِمّةُ المُعتَزِلةِ، وهم مِن عُلَماءِ الكَلامِ المُتَبحِّرِين، فلِأَنَّهم افتُتِنُوا بالفَلسَفةِ وزِينَتِها وأَوثَقُوا صِلَتَهم بها، وحَكَّمُوا العَقلَ، لم يَظفَرُوا سِوَى بِدَرَجةِ المُؤمِنِ المُبتَدِعِ الفاسِقِ.. وكذا أبو العَلاءِ المَعَرِّيُّ الَّذي هو مِن أَعلامِ أُدَباءِ المُسلِمين والمَعرُوفُ بتَشاؤُمِه؛ وعُمَرُ الخَيّامُ المَوصُوفُ بنَحِيبِه اليُتْمِيِّ، وأَمثالُهُما مِنَ الأُدَباءِ الأَعلامِ مِمَّنِ استَهْوَتْهُمُ الفَلسَفةُ، وانبَهَرَت نُفُوسُهُمُ الأَمّارةُ بها.. فهَؤُلاء قد تَلَقَّوْا صَفْعةَ تَأْدِيبٍ ولَطْمةَ تَحقِيرٍ وتَكفِيرٍ مِن قِبَلِ أَهلِ الحَقِيقةِ والكَمالِ، فزَجَرُوهم قائِلِين: "أيُّها السُّفَهاءُ، أنتُم تُمارِسُون السَّفَهَ وسُوءَ الأَدَبِ، وتَسلُكُون سَبِيلَ الزَّندَقةِ، وتُرَبُّون الزَّنادِقةَ في أَحضانِ أَدَبِكُم!".
ثمَّ إنَّ مِن نَتائِجِ الأُسُسِ الفاسِدةِ للفَلسَفةِ أنَّ "أنا" الَّذي ليس له في ذاتِه إلّا ماهِيّةٌ ضَعِيفةٌ كأنَّه هَواءٌ أو بُخارٌ، لكن بشُؤْمِ نَظَرِ الفَلسَفةِ، ورُؤيَتِها الأَشياءَ بالمَعنَى الِاسمِيِّ، يَتَميَّعُ.
ثمَّ بسَبَبِ الأُلفةِ والتَّوَغُّلِ في المادِّيّاتِ والشَّهَواتِ كأنَّه يَتَصلَّبُ، ثمَّ تَعتَرِيه الغَفْلةُ والإنكارُ فتَتَجمَّدُ تلك "الأَنانيّةُ". ثمَّ بالعِصْيانِ لِأَوامِرِ اللهِ يَتَكدَّرُ "أنا" ويَفقِدُ شَفَّافِيَّیتَه ويُصبِحُ قاتِمًا؛ ثمَّ يَستَغلِظُ شيئًا فشيئًا حتَّى يَبتَلِعَ صاحِبَه، بل لا يَقِفُ "أنا" عندَ هذا الحَدِّ وإنَّما يَنتَفِخُ ويَتَوسَّعُ بأَفكارِ الإنسانِ، ويَبدَأُ بقِياسِ النّاسِ یی وحتَّى الأَسبابِ یی على نَفسِه، فيَمنَحُها فِرعَوْنِيّةً طاغِيةً رَغمَ رَفْضِها واستِعاذَتِه مِنها، وعِندَ ذلك يَأْخُذُ طَوْرَ الخَصْمِ للأَوامِرِ الإلٰهِيّةِ فيقُولُ: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟! وكأنَّه يَتَحدَّى اللهَ عزَّ وجَلَّ، ويَتَّهِمُ القَدِيرَ على كلِّ شَيءٍ بالعَجْزِ، ثمَّ يَبلُغُ به الأَمرُ أن يَتَدخَّلَ في أَوْصافِ اللهِ الجَلِيلةِ، فيُنكِرُ أو يُحَرِّفُ أو يَرُدُّ كلَّ ما لا يُلائِمُ هَواه، أو لا يُعجِبُ فِرعَونيّةَ نَفسِه.
فمَثلًا: أَطلَقَت طائِفةٌ مِنَ الفَلاسِفةِ على اللهِ سُبحانَه وتَعالَى اسمَ "المُوجِبِ بالذّاتِ" فنَفَوُا الإرادةَ والِاختِيارَ مِنه تَعالَى، مُكَذِّبِين شَهادةَ جَمِيعِ الكَونِ على إرادَتِه الطَّلِيقةِ. فيا سُبحانَ اللهِ! ما أَعجَبَ هذا الإنسانَ! إنَّ المَوجُوداتِ قاطِبةً مِنَ الذَّرّاتِ
— 699 —
إلى الشُّمُوسِ لَتَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على إرادةِ الخالِقِ الحَكِيمِ، بتَعَيُّناتِها، وانتِظامِها، وحِكَمِها، ومَوازِينِها، كيف لا تَراها عَينُ الفَلسَفةِ؟ أَعمَى اللهُ أَبصارَهم!
وادَّعَت طائِفةٌ أُخرَى مِنَ الفَلاسِفةِ: "أنَّ العِلمَ الإلٰهِيَّ لا يَتَعلَّقُ بالجُزئيّاتِ" نافِينَ إحاطةَ عِلمِ اللهِ سُبحانَه بكُلِّ شَيءٍ، رافِضِين شَهادةَ المَوجُوداتِ الصّادِقةِ على عِلْمِه المُحِيطِ بكُلِّ شَيءٍ.
ثمَّ إنَّ الفَلسَفةَ تَمنَحُ الأَسبابَ التَّأْثيرَ، وتُعطِي الطَّبِيعةَ الإيجادَ والإبداعَ، فلا تَرَى الآياتِ المُتَلَألِئةَ على كلِّ مَوجُودٍ، الدّالّةَ على الخالِقِ العَظِيمِ یی كما أَثبَتْناه في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِين" یی فَضْلًا عن أنَّها تُسنِدُ خَلْقَ قِسمٍ مِنَ المَوجُوداتِ الَّتي هي مَكاتِيبُ إلٰهِيّةٌ صَمَدانيّةٌ إلى الطَّبِيعةِ العاجِزةِ الجامِدةِ الفاقِدةِ للشُّعُورِ، والَّتي لَيسَ في يَدَيها إلّا المُصادَفةُ العَشْواءُ والقُوّةُ العَمْياءُ، جاعِلةً لها یی أي: للطَّبِيعةِ یی مَصْدَرِيّةً في خَلْقِ الأَشياءِ، وفاعِلِيّةً في التَّأثيرِ! فحَجَبَت آلافَ الحِكَمِ المُندَرِجةِ في المَوجُوداتِ.
ثمَّ إنَّ الفَلسَفةَ لم تَهْتَدِ إلى بابِ الآخِرةِ الواسِعِ، فأَنكَرَتِ الحَشْرَ وادَّعَت أَزَليّةَ الأَرواحِ، عِلْمًا أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، والكَوْنَ بجَمِيعِ حَقائِقِه والأَنبِياءَ والرُّسُلَ الكِرامَ عَلَيهم السَّلَام بجَمِيعِ ما جاؤُوا به مِنَ الحَقائِقِ، والكُتُبَ السَّماوِيّةَ بجَمِيعِ آياتِها الكَرِيمةِ.. تُبَيِّنُ الحَشْرَ والآخِرةَ، كما أَثْبَتْناه في "الكَلِمةِ العاشِرةِ".
وهكَذا يُمكِنُك أن تَقِيسَ سائِرَ مَسائِلِ الفَلسَفةِ على هذه الخُرافاتِ السَّخِيفةِ.
أَجَل، لَكَأنَّ الشَّياطِينَ اختَطَفُوا عُقُولَ الفَلاسِفةِ المُلحِدين بمِنْقارِ "أنا" ومَخاليبِه، وأَلْقَوْها في أَوْدِيةِ الضَّلالةِ، ومَزَّقُوها شَرَّ مُمَزَّقٍ.
فی"أنا" في العالَمِ الصَّغِيرِ (الإنسانِ) كالطَّبِيعةِ في العالَمِ الكَبِيرِ، كِلاهُما مِنَ الطَّواغِيتِ:
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ولقد رَأَيتُ حادِثةً مِثاليّةً قبلَ الشُّرُوعِ بتَأْليفِ هذه الرِّسالةِ بثَماني سَنَواتٍ، عِندَما كُنتُ في إسطَنبُولَ في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وكان آنَئِذٍ سَعِيدٌ القَدِيمُ الَّذي انشَغَلَ
— 700 —
بالفَلسَفةِ على وَشْكِ أن يَنقَلِبَ إلى سَعِيدٍ الجَدِيدِ.. في هذه الحِقبةِ بالذّاتِ وحِينَما كُنتُ أَتأَمَّلُ في المَسالِكِ الثَّلاثةِ المَشارِ إلَيها في خِتامِ سُورةِ الفاتِحةِ بی صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ رَأَيتُ تلك الحادِثةَ الخَيالِيّةَ وهي حادِثةٌ أَشَبهُ ما تكُونُ بالرُّؤيا؛ سَجَّلتُها في حِينِها في كِتابي "اللَّوامِع" على صُورةِ سِياحةٍ خَياليّةٍ وبما يُشبِهُ النَّظْمَ؛ وقد حانَ الآنَ وَقْتُ ذِكرِ مَعناها وشَرحِها، حيثُ إنَّها تُسَلِّطُ الأَضواءَ على الحَقِيقةِ المَذكُورةِ.
كُنتُ أَرَى نَفسِي وَسَطَ صَحْراءَ شاسِعةٍ عَظِيمةٍ، وقد تَلَبَّدَتِ السَّماءُ بسُحُبٍ قاتِمةٍ مُظلِمةٍ، حتَّى لَتَكادُ الأَنفاسُ تَختَنِقُ على الأَرضِ كافّةً، فلا نَسِيمَ ولا ضِياءَ ولا ماءَ.. كلُّ ذلك مَفقُودٌ.
تَوَهَّمْتُ أنَّ الأَرضَ مَلْأَى بالوُحُوشِ والضَّوارِي والحَيَواناتِ الضّارّةِ، فخَطَر على قَلْبي أنَّ في الجِهةِ الأُخرَى مِنَ الأَرضِ يُوجَدُ نَسِيمٌ عَلِيلٌ وماءٌ عَذْبٌ وضِياءٌ جَمِيلٌ، فلا مَناصَ إذًا مِنَ العُبُورِ إلى هناك؛ ثمَّ وَجَدتُني وأنا أُساقُ إلى هناك دُونَ إرادتي.. دَخَلتُ كَهْفًا تحتَ الأَرضِ، أَشْبَهَ ما يكُونُ بأَنفاقِ الجِبالِ، سِرْتُ في جَوْفِ الأَرضِ خَطْوةً خَطْوةً وأنا أُشاهِدُ أنَّ كَثِيرِين قد سَبَقُوني في المُضِيِّ مِن هذا الطَّرِيقِ تحتَ الأَرضِ، دُونَ أن يُكمِلُوا السَّيرَ إذ ظَلُّوا في أَماكِنِهم مُختَنِقِين، فكُنتُ أَرَى آثارَ أَقدامِهم، وأَسمَعُ حِينًا أَصواتَ عَدَدٍ مِنهم، ثمَّ تَنقَطِعُ الأَصواتُ.
فيا صَدِيقي الَّذي يُرافِقُني بخَيالِه في سِياحَتِي الخَياليّةِ هذه.. إنَّ تلك الأَرضَ هي "الطَّبِيعةُ" و"الفَلسَفةُ الطَّبِيعيّةُ"، أمّا النَّفَقُ فهو المَسلَكُ الَّذي شَقَّه أَهلُ الفَلسَفةُ بأَفكارِهِم لِبُلُوغِ الحَقِيقةِ، أمّا آثارُ الأَقدامِ الَّتي رَأَيتَها فهي لِمَشاهِيرِ الفَلاسِفةِ كأَفلاطُون وأَرِسْطُو،
(حاشية): وإن قُلتَ: فما تَكونُ أنت حتَّى تُنازِلَ هؤلاء المَشاهِيرَ؟ فهل أَصبَحتَ نَظِيرَ ذُبابةٍ حتَّى تَتَدخَّلَ في طَيَرانِ الصُّقُورِ؟ فأنا أقُولُ: لَمّا كان لي أُستاذٌ أَزَليٌّ وهو القرآنُ العظيمُ، فلا أُراني مُضطَرًّا أن أُباليَ یی ولو بقَدْرِ جَناحِ ذُبابةٍ یی في طريقِ الحَقيقةِ والمَعرِفة، بأُولئِك الصُّقُورِ الَّذين هُم تَلاميذُ الفَلسفةِ المُلَوَّثة بالضَّلَالة والعَقلِ المُبتَلَى بالأوهامِ. فَمهمَا كُنتُ أَدنَى مِنهُم دَرجةً إلّا أنَّ أُستاذَهم أَدنَى بدَرَجاتٍ لا حَدَّ لها من أُستاذي، فبفَضْلِ أُستاذي وهِمَّتِه لم تَستطعِ المَادّةُ التي أَغرَقَتْهم أن تُبَلِّل قَدَميَّ. نَعم، إنَّ الجُنديَّ البَسِيط الحامِلَ لِأَوامرِ سُلطانٍ عَظيمٍ وقَوانينِه، يُمكِنُه أن يُنجِزَ من الأعمالِ مَالا يُنجِزُه مُشِيرٌ لدى مَلِكٍ صَغيرٍ.