— 4 —
من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور
الكَلِمَات
تأليف
بَدِيع الزَّمَان سَعِيد النُّورْسِيّ
ترجمة
إحسَان قَاسِم الصَّالِحِي
— 5 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبِهِ نَستَعِينُ
الحَمْدُ لله ِ؟!
العَالَمِينَ، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ
وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
أيُّها الأَخُ.. لقد سَأَلْتَني بعضَ النَّصائحِ، فها أَنَلِ ناردِي إلَيك بِضْعَ حَقائقَ ضِمنَ ثَماني حِكاياتٍ قَصيرةٍ، فاستَمِعْ إلَيها مع نَفسِي الَّتي أَراها أَحْوَجَ ما تكُونُ إلى النَّصِيحةِ، وسأُورِدُها لك بأَمثِلةٍ عَسكَرِيّةٍ لِكَونِك جُندِيًّا، فلقد خاطَبْتُ بها نَفسِي يَومًا مَى، با مُسهَبًا، في ثَماني "كَلِماتٍ" أَفَدتُّها مِن ثَماني آياتٍ كَريماتٍ، أَذكُرُها الآنَ لِنَفسِي ذِكْرًا مُقتَضَبًا، وبلِسانِ العَوامِّ، فمَن يَجِدُ في نَفسِه الرَّغبةَ فلْيُلْقِ السَّمعَ معََحيمَ. الكلمة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
"بِسْمِ اللَّهِ" رَأسُ كلِّ خَيرٍ، وبَدءُ كلِّ أَمرٍ ذي بالٍ، فنحنُ أيضًا نَ ويُبيُّ بها.
فيا نَفسِي.. اعلَمِي أنَّ هذه الكَلِمةَ الطَّيِّبةَ المُبارَكةَ كما أنَّها شِعارُ الإسلامِ، فهي ذِكْرُ جَميعِ المَوجُوداتِ بأَلسِنةِ أَحوالِها.
— 6 —
فإن كُنتِ راغِبةً في إدراكِ مَدسُلطانفي "بِسْمِ اللَّهِ" مِن قُوّةٍ هائلةٍ لا تَنفَدُ، ومَدَى ما فيها مِن بَرَكةٍ واسِعةٍ لا تَنضُبُ، فاستَمِعي إلى هذه الحِكايةِ التَّمثِيليّةِ القَصيرةِ:
إنَّ البَدَويَّ الَّذي يَتَنقَّلُ في الصَّحراءِ ويَسِيحُ فيهالِيكُودَّ له أن يَنتَمِيَ إلى رئيسِ قَبِيلةٍ، ويَدخُلَ تحتَ حِمايَتِه، كي يَنجُوَ مِن شَرِّ الأَشقِياءِ، ويُنجِزَ أَشغالَه ويَتَدارَكَ حاجاتِه، وإلَّا فسيَبقَى وَحدَه حائِرًا مُضطَرِبًا أمام في هذةٍ مِنَ الأَعداءِ، وكَثرةٍ مِنَ الحاجاتِ الَّتي لا حَدَّ لها.
وهكذا.. فقد تَوافَقَ أن قامَ اثنانِ بمِثلِ هذه السِّياحةِ: كان أَحَدُهما مُتَواضِعًا، والآخَرُ مَغرُورًا، فالمُتَواضِعُ انتَسَب إلى رَئيس حَجَرنَما المَغرُورُ رَفَض الِانتِسابَ؛ فتَجَوَّلا في هذه الصَّحراءِ، فما كان المُنتَسِبُ يَحُلُّ في خَيمةٍ إلَّا ويُقابَلُ بالِاحتِرامِ والتّستَمِدِ بفَضلِ ذلك الِاسمِ، وإن لَقِيَه قاطِعُ طَريقٍ يَقُولُ له: "إنَّني أَتَجَوَّلُ باسمِ ذلك الرَّئيسِ"، فيَتَنحَّى عنه الشَّقِيُّ؛ أمّا المَغرُورُ فقد لاقَى مِنَ المَصائبِ والوَيلاتِ ما لا يَكادُ يُوصَفُ، إذ كانَّةً!.َ السَّفرةِ في خَوفٍ دائمٍ ووَجَلٍ مُستَمِرٍّ، وفي تَسَوُّلٍ مُستَديمٍ، فأَذَلَّ نَفسَه وأَهانَها.
فيا نَفسِي المَغرُورةَ.. اعلَمِي أنَّكِ أنتِ ذلك السّائحُ ال القِييُّ، وهذه الدُّنيا الواسِعةُ هي تلك الصَّحراءُ، وأنَّ "فَقرَكِ" و"عَجْزَكِ" لا حَدَّ لهما، كما أنَّ أَعداءَكِ وحاجاتِكِ لا نِهاية لهما.. فما دامَ الأَمرُ هكذا فتَقَلَّدي اسمَ المالِكِ الحَقيقيِّ لهذه الصَّحراءِ وحاكِمِها الأَِلَابُِ، لتَنجِي مِن ذُلِّ التَّسَوُّلِ أمامَ الكائناتِ ومَهانةِ الخَوفِ أمامَ الحادِثاتِ.
نعم، إنَّ هذه الكَلِمةَ الطَّيِّبةَ "بِسْمِ اللَّهِ" كنزٌ عَظيمٌ لا يَفنَى أبدًا،لسابعةا يَرتَبِطُ "فَقرُكَ" برَحمةٍ واسِعةٍ مُطلَقةٍ أَوسَعَ مِنَ الكائناتِ، ويَتَعلَّقُ "عَجْزُكَ" بقُدرةٍ عَظيمةٍ مُطلَقةٍ تُمسِكُ زِمامَ الوُجُودِ مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، حتَّى إنَّه يُصبِحُ كلّ الصَّعَجزِكَ وفَقْرِكَ شَفيعَينِ مَقبُولَينِ لَدَى القَديرِ الرَّحيمِ ذِي الجَلالِ.
إنَّ الَّذي يَتَحرَّكُ ويَسْكُنُ ويُصبِحُ ويُمسِي بهذه الكَلِمةِ: "بِسْمِ اللَّهِ" كمَنِ انخَرَط في الجُندِيّةِ؛ يَتَصرَّفُ باسمِ الدَّولةِ ولا يَخافُ أا الصّ، حيثُ إنَّه يَتَكلَّمُ باسمِ القانُونِ وباسمِ الدَّولةِ، فيُنجِزُ الأَعمالَ ويَثبُتُ أَمامَ كلِّ شيءٍ.
— 7 —
وقد ذَكَرنا في البِدايةِ أنَّ جَميعَ المَوجُوداتِ تَذكُرُ بلِسانِ حالينَ المَ اللهِ، أي: أنَّها تقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ"، أهو كذلك؟
نعم، فكما لو رَأَيتَ أنَّ أَحَدًا يَسُوقُ النّاسَ إلى صَعيدٍ واحِدٍ، ويُرغِمُهم على القِيامِ بأَعمالٍ مُختَلِفةٍ، فإنَّك تَتَيقَّنُ أنَّ هذا الشَّخصَ لا نَدِيِّلُ نَفسَه، ولا يَسُوقُ النّاسَ باسمِه وبقُوَّتِه، وإنَّما هو جُندِيٌّ يَتَصرَّفُ باسمِ الدَّولةِ، ويَستَنِدُ إلى قُوّةِ سُلطانٍ.
فالمَوجُوداتُ أأو سارُؤَدِّي وَظائفَها "بِسْمِ اللَّهِ"، فالبُذَيراتُ المُتَناهِيةُ في الصِّغَرِ تَحمِلُ فوقَ رُؤُوسِها باسمِ اللهِ أَشجارًا ضَخمةً وأَثقالًا هائلةً. أي: أنَّ كلَّ شَجَرةٍ تقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ"، وتَمَّ قِسَيدِيَها بثَمَراتٍ مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّة وتُقَدِّمُها إلَينا؛ وكلَّ بُستانٍ يقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ" فيَغدُو قِدْرًا من مَطبَخِ القُدرةِ الإلٰهِيّة تَنضَجُسِّجنَِنواعٌ مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ معًا؛ وكلَّ حَيَوانٍ مِنَ الحَيَواناتِ ذاتِ البَرَكةِ والنَّفعِ یی كالإبلِ والماعِزِ والشِّياهِ والبَقَرِ یی يقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ" فيُصبحُ يَنبُوعًا دَفَّاقًا لِلَّبَنِالزَّنئغِ، فيُقدِّمُ إلَينا باسمِ الرَّزَّاقِ أَلطَفَ مُغَذٍّ وأَنظَفَه؛ وجُذُورَ كلِّ نَباتٍ وعُشْبٍ تقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ" وتَشُقُّ الصُّخُورَ الصَّلْدةَ باسمِ الله، وتَثقُبُها بشُعَيراتِها الحَرِيرِيّةِ الرَّقيقةِ، فيُي: الحُ أَمامَها باسمِ اللهِ وباسمِ الرَّحمٰنِ كلُّ أَمرٍ صَعْبٍ وكلُّ شَيءٍ صَلْدٍ.
نعم، إنَّ تَشَعُّبَ الجُذُورِ في الصُّخُورِ الصَّمَّاءِ، وخَزْنَها للغِذاءِ في ظُلُماتِ التُّرابِ، بمِثلِ انتِشارِ الأَغصانِويَأنَهَواءِ وحَمْلِها للأَثمارِ؛ وكذا تَحَمُّلُ الأَوراقِ الخَضراءِ شِدّةَ الحَرارةِ ولَفَحاتِها، وبَقاءَها طَرِيّةً نَدِيَّةً.. كلُّ ذلك وغَيرُه صَفعةٌ قَوِيّةٌ على أَفواهِ المادِّيِّين عَبَدةِ الأَسبابِ، وصَرخةٌ مُدَوِّيةٌ في وُمكَّنُم، تقُولُ لهم: "إنَّ ما تَتَباهَوْن به مِن صَلابةٍ وحَرارةٍ أيضًا لا تَعمَلانِ بنَفسِهما، بل تُؤَدِّيانِ وَظائِفَهما بأَمرِ آمِرٍ واحِدٍ، بحيثُ ُهِمَُّ تلك العُرُوقَ الدَّقيقةَ الرَّقيقةَ كأنَّها عَصا مُوسَى تَشُقُّ الصُّخُورَ وتَمتَثِلُ أَمرَ: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ، ويَجعَلُ تلك الأَوراقَ الطَّرِيّةَ النَّدِيّةَ كأنَّها أَعلَيها،براهِيمَ عَليهِ السَّلام تَقرَأُ تِجاهَ لَفحةِ الحَرارةِ: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا.
— 8 —
فما دامَ كلُّ شيءٍ في الوُجُودِ يقُولُ مَعنًى: "بِسْمِ اللَّهِ"، ويَجلِبُ نِعَمَ اللهِ "بِسْمِ اللَّهِ" ويُقَدِّمُها إلَينا، فعلَينا أنلحَيرةلَ أيضًا: "بِسْمِ اللَّهِ"، ونُعطِيَ "بِسْمِ اللَّهِ"، ونَأخُذَ "بِسْمِ اللَّهِ"؛ وعلَينا أيضًا أن نَرُدَّ أَيدِيَ الغافِلِين الَّذين لم يُعطُوا "بِسْمِ اللَّهِ".
سؤالٌ:إنَّنا نُبدُ الجاتِرامًا وتَوقيرًا لِمَن يكُونُ سَببًا لِنِعمةٍ علَينا، فيا تُرَى ماذا يَطلُبُ مِنّا رَبُّنا الله صاحِبُ تلك النِّعَمِ كلِّها ومالِكُها الحَقيقيُّ؟
الجَوابُ:إنَّ ذلك المُنعِمَ الحَقيقيَّ يَطلُبُ مِنَّا ثلاثةَ أُمُورٍ ثَمَنامِنةَك النِّعَمِ الغاليةِ:
الأوَّلُ:الذِّكرُ..الثّاني:الشُّكرُ..الثالثُ:الفِكرُ..
فی"بِسْمِ اللَّهِ"بَدْءًا هي ذِكرٌ، و"الحَمدُ للهِ"خِتامًا هي شُكرٌ، وما يَتَوسَّطُهما هو فِكرٌ، أي:لِاستِأَمُّلُ في هذه النِّعَمِ البَدِيعةِ، والإدراكُ بأنَّها مُعجِزةُ قُدرةِ الأَحَدِ الصَّمَدِ وهَدايا رَحمَتِه الواسِعةِ.. فهذا التَّأَمُّلُ هو الفِكرُ.
ولَنِ اريس الَّذي يُقبِّلُ أَقدامَ الجُندِيِّ الخادِمِ الَّذي يُقَدِّمُ هَدِيّةَ السُّلطانِ مُتَجاهِلًا صَاحِبَها، يَرتَكِبُ حَماقةً فَظِيعةً وبَلاهةً مُشِينةً؟ إذًا فما بالُ مَن يُثْني على الأَسبابِ المادِّيّةِ الجالِبةِ للنِّعَمِ، ويُخَِ الَّا بالحُبِّ والوُدِّ دُونَ المُنعِمِ الحَقيقيِّ؟! ألَا يكُونُ مُقتَرِفًا بلاهةً أَشَدَّ مِنها أَلفَ مَرّةٍ؟
فيا نَفسُ.. إن كُنتِ تَأبَيْنَ أنَمِيعَِي مِثلَ الأَحمَقِ الأَبلَهِ،فأَعطِي "بِسْمِ اللَّهِ"..وخُذِي "بِسْمِ اللَّهِ"..وابْدَئي "بِسْمِ اللَّهِ"..واعمَلِي "بِسْمِ اللَّهِ".. والسَّلكِنُ أ ٭ ٭ ٭
— 9 —
المقامُ الثاني من اللمعة الرابعة عشرة
يَضُمُّ هذا المقامُ سِتّةً من أُلوف أَسرارِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَنب ولم تلقد ظَهَر عن بُعدٍ لِعَقلِي الخامِدِ نُورٌ ساطِعٌ أَشرَقَ مِن أُفُقِ رَحْمةِ اللهِ في البَسمَلةِ، فأَرَدتُ تَسجِيلَه في صُورةِ مُلاحَظاتٍ ومُذكِّراتٍ خاصّةٍ بي، وقُمتُ بمُحاوَلةِ اقتِناصِ ذلكاءً بعورِ الباهِرِ بإِحاطَتِه بسُورٍ مِن أَسرارِه البالِغةِ نحوَ ثَلاثِينَ سِرًّا، كي يَسهُلَ حَصرُه ويَتيَسَّرَ تَدوِينُه، إلّا أنَّني معَ الأَسَفِ لم أُوَفَّق تَمامًا الآنَ في مَسْعايَ، فانحَسَرَتِ الأَسرارُ إلى سِتّةٍ فقط.
َ الأرِطابُ في هذا المَقامِ مُوَجَّهٌ إلى نَفسِي بالذّاتِ، فحِينَما أَقُولُ: "أيُّها الإِنسانُ" فأَعنِي به نَفسِي.
فهذا الدَّرسُ معَ كَونِه خاصًّا بي، إلّاْمَاءُي أَعرِضُه لِلأَنظارِ الصّائِبةِ لِإخوَتي المُدَقِّقِينَ لِيَكُونَ "المَقامَ الثّانِيَ مِنَ اللَّمْعةِ الرّابِعةَ عَشْرةَ"، وعَلَّه يكُونُ مَوضِعَ فائِدةٍ لِمتَصُونتَبَط بي برِباطٍ رُوحِيٍّ، والَّذي نَفسُه أَكثَرُ يَقَظةً مِنِّي وانتِباهًا.
هذا الدَّرسُ مُتَوجِّهٌ إلى القَلبِ أَكثَرَ مِنه إلى العَقلِ، ومُتَطلِّعٌ إلى الذَّوقِ الرُّوحِيِّ أَكثَرَ مِنه إلى الدياءَ خِ المَنطِقِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ٭ إِنَّهُ مِأَظهَرَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سنَذكُرُ في هذا المَقامِ بِضْعةً مِنَ الأَسرارِ:
السِّرُّ الأوَّلُ:في أَثناءِ تَأمُّلِي في البَسمَلةِ رَأَيتُ نُورًا مِن أَنوارِ بلأَبدااللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ على الصُّورةِ الآتِيةِ:
إنَّ هُنالِك ثَلاثَ عَلاماتٍ نيِّرةٍ ساطِعةٍ لِلرُّبُوبيّةِ على سِيماءِ الكائِناتِ، وعلى قَسَماتِ وَجهِ الأَرضِ، وعلى مَلامِحِ وَجهِ الإِنسانِ.. هذه العَلاماتُ الزّالنّاسِوالآياتُ
— 10 —
السّاطِعةُ مُتَداخِلٌ بَعضُها في البَعضِ الآخَرِ، حتَّى إنَّ كُلًّا مِنها يُبيِّنُ نَمُوذجَ الآخَرِ ومِثالَه.
فالعَلامةُ الأُولَى:هي عَلامةُ الأُلُوهِيّة. فهذا الآيةُ الكُبْرَى، السّاطِعةُ مِنَ التَّعاوُنِ والتَّسانُدِ والتَّعانُقِ والتَّجاوُبِ الجارِي في أَجزاءِ الكَونِ كُلِّه، بحَيثُ يَتَوجَّهُ بِسْمِ اللَّهِ إلَيْها ويَدُلُّ علَيْها.
العَلامةُ الثّانيةُ:هي عَلامةُ الرَّحْمانيّةِ، تلك الآِيةُ اعُظمَى، الزّاهِرةُ مِنَ التَّشابُهِ والتَّناسُبِ والِانتِظامِ والِانسِجامِ واللُّطفِ والرَّحْمةِ السّارِي في تَربِيةِ النَّباتاتِ والحَيَوانرامِ وحَيثُ يَتَوجَّهُ بِسْمِ اللَّهِ إلَيْها ويَدُلُّ علَيْها.
ثمَّ العَلامةُ الثّالثةُ:وهِي عَلامةُ الرَّحِيمِيّةِ، تلك العَلامةُ السّامِيةُ، الظّاهِرةُ مِن لَطائِفِ الرَّأفةِ الإلٰهِيّةِ ودَقائِقِ شَفَقَتِها وأَشِعّةِ رَحْمَتِها اُومَ أبِعةِ على سِيماءِ الماهِيّةِ الجامِعةِ لِلإِنسانِ، بحَيثُ يَتَوجَّهُ اسمُ "الرَّحِيمِ" الَّذي في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلَيْها ويَدُلُّ علَيْها.
أيأَبديّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عُنوانٌ قُدسِيٌّ لِثَلاثِ آياتٍ مِن آياتِ الأَحَدِيّةِ، حتَّى إنَّه يُشَكِّلُ سَطرًا نُورانيًّا في كِتابِ الوُتَح بذ ويَخُطُّ خَطًّا ساطِعًا في صَحِيفةِ العالَمِ، ويُمَثِّلُ حَبلًا مَتِينًا بَينَ الخالِقِ والمَخلُوقِ. أي: أنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيما، وأَُولًا مِنَ المَلَإِ الأَعلَى يَرتَبِطُ طَرَفُه ونِهايَتُه بالإِنسانِ الَّذي هو ثَمَرةُ الكائِناتِ ونُسخةُ العالَمِ المُصَغَّرةُ، فيَربِطُ الفَرشَ بالعَرشِ الأَعظَمِ، ويكُونُ سَبِيلًا مُمَهِّدًا لِعُرُوجِ الإِنسانِ إلى عَرشِ كَمالاتِه.
الما تَو الثّاني:إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يُبيِّنُ دَومًا تَجَلِّيَ "الأَحَدِيّةِ" ضِمنَ تَجَلِّي "الواحِدِيّةِ"، لِيَحُولَ دُونَ غَرَقِ العُقُولِ وتَشَتُّتِها فيَشَرُ الواحِدِيّةِ" الظّاهِرةِ في مَخلُوقاتٍ كَثِيرةٍ لا يَحصُرُها العَدُّ.
ولنُوَضِّحْ ذلك بمِثالٍ:
الشَّمسُ تُحِيطُ بضِيائِها بما لا يُحَدُّ مِنَ الأَشياءِ، فلِأَجلِ مُلاحَظةِ ذاتِ الشَّمسِ في مَجمُوعِ ضِيائِها يَلزَمُ أن يكُونَ هُناك تَصَوِّ"، واسِعٌ جِدًّا ونَظَرٌ شامِلٌ؛ لذا تُظهِرُ الشَّمسُ
— 11 —
ذاتَها بواسِطةِ انعِكاسِ ضَوئِها في كلِّ شَيءٍ شَفّافٍ، أي: يُظهِرُ كلُّ لَمّاعٍ حَسَبَ قابِليَّتِه جَلْوةَ الشَّمسِ الذّاتيّةَ معَ خَواصِّها كالضبعةَ ع والحَرارةِ، وذلك لِئَلّا تُنسَى ذاتُ الشّمسِ.. ومِثلَما يُظهِرُ كلُّ لَمّاعٍ الشَّمسَ بجَمِيعِ صِفاتِها حَسَبَ قابِلِيَّتِه، تُحِيطُ أَيضًا كلّئيّةٍ ٍ مِن صِفاتِ الشَّمسِ كالحَرارةِ والضِّياءِ وأَلوانِه السَّبعةِ بكُلِّ ما يُقابِلُها مِن أَشياءَ.
ولا مُشاحّةَ في الأَمثالِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی، فكما أنَّ للهِ سُبحانَه الأَحَدَِ الَّمَدِ تَجَلِّيًا في كلِّ شَيءٍ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، ولا سِيَّما في الأَحياءِ، وبخاصّةٍ في مِرآةِ ماهِيّةِ الإِنسانِ؛ كَذلِك كلُّ اسمٍ مِن أَسماتَأتَمحُسنَى المُتَعلِّقةِ بالمَوجُوداتِ يُحِيطُ بالمَوجُوداتِ جَمِيعًا مِن حَيثُ الوَحْدةُ والواحِدِيّةُ، فيَضَعُ سُبحانَه وتَعالَى طابَعَ الأَحَدِيّةِ في الواحِدِيّةِ نُصْبَ عَينِ الإِنسانِ وأَمامَ نَظَرِه كَيْلا كَهرَبَ العُقُولُ وتَغِيبَ في سَعةِ الواحِدِيّةِ، ولِئَلّا تَنسَى القُلُوبُ وتُذهَلَ عنِ الذّاتِ الإلٰهِيّةِ المُقَدَّسةِ.
فی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ على ثَلاثٍ مِنَ العُقَدِ المُهِمّةِ لِذلِك الطّابَعِ المُمَيَّزَِّا ظاِّنُها.
السِّرُّ الثّالثُ:إنَّه بَدِيهِيٌّ، بل مُشاهَدٌ أنَّ الرَّحْمةَ الإلٰهِيّةَ هي الَّتي أَبهَجَتِ الكائِناتِ الَّتي لا يَحُدُّها حُدُودٌ..
وأنَّ الرَّحْمةَ نَفسَها هي الَّتي أَنارَت هذه المَوجُوداتِ المَغشِيّةَ بالظُّلُماتِ..
ي لا ع الرَّحْمةَ أَيضًا هي الَّتي رَبَّت في أَحضانِها هذه المَخلُوقاتِ المُتَقلِّبةَ في حاجاتٍ لا حَدَّ لها..
وأنَّ الرَّحْمةَ أَيضًا هي الَّتي وَجَّهَتِ الكائِناتِ مِن كلِّ صَوْبٍ وحَدْبٍ، وساقَتْها نَحوَ الإِنسانِ وسَخَّرليفِهاله، بل جَعَلَتْها تَتَطلَّعُ إلى مُعاوَنَتِه وتَسعَى لِإمدادِه، كما تَتَوجَّهُ أَجزاءُ الشَّجَرةِ إلى ثَمَرتِها..
وأنَّ الرَّحْمةَ ُمكِنُ هي الَّتي عَمَرَت هذا الفَضاءَ الواسِعَ وزَيَّنَت هذا العالَمَ الخالِيَ..
وأنَّ الرَّحْمةَ نَفسَها هي الَّتي جَعَلَت هذا الإِنسانَ الفانِيَ مُرَشَّحًا لِلخُلُودِ والبَقاءِ، وأَهَّلَتْه لِتَلقِّي خِطابِ رَبِّ العالَمِيودًا مَنَحَتْه فَضْلَ وِلايَتِه سُبحانَه.
— 12 —
فيا أيُّها الإِنسانُ.. ما دامَتِ الرَّحْمةُ مَحبُوبةً، ولها مِنَ القُوّةِ والجاذِبِيّةِ والإِمدادِ إلى هذا الحَدِّ، فاستَعصِمْ بتلك الحَقِيقةِ بقكِ الح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأَنقِذْ نَفسَك مِن هَولِ الوَحْشةِ المُطلَقةِ، وخَلِّصْها مِن آلامِ حاجاتٍ لا نِهايةَ لها، وتَقرَّبْ إلى ذِي العَرشِ المَجِيدِ، وكُن مُخاطَبًا أَما هو لوخَلِيلًا صادِقًا له، بأَنوارِ تلك الرَّحْمةِ ورَأْفَتِها.
نعم، إنَّ حَشْدَ الكائِناتِ وجَمْعَها حَولَ الإِنسانِ ضِمنَ حِكْمةٍ مُقدَّرةٍ، وجَعْلَ كلٍّ مِنها يَمُدُّ يَدَ الهَى الإلَيْه لِدَفعِ حاجاتِه المُتَزايِدةِ، نابِعٌ بلا شَكٍّ مِن إِحدَى حالَتَينِ اثنَتَينِ: فإِمّا أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الكائِناتِ يَعرِفُ الإِنسانَ ويَعلَمُ به فيُطِيعُه ويَسعَى لِخِدمَتِه، أي: إنَّ هذا الإِنسانَ قَديرُقَ في عَجزٍ مُطلَقٍ يَملِكُ قُدرةَ سُلطانٍ مُطلَقٍ (وهذا بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن مَنطِقِ العَقلِ فَضْلًا عَمّا فيه مِن مُحالاتٍ لا تُحَدُّ).. أو إنَّ هذك في وَعاوُنَ والإِمدادَ إنَّما يَتِمُّ بعِلمٍ مُحِيطٍ لِقادِرٍ مُطلَقٍ مُحتَجِبٍ وَراءَ الكائِناتِ.. أي: إنَّ أَنواعَ الكائِناتِ لا تَعرِفُ هذا الإِنسانَ لِتَمُدَّ له يَدَ العَونِ، وإنَّما ه أنَّنئِلُ على مَن يَعرِفُ هذا الإِنسانَ ويَرحَمُه، ويَعلَمُ بحالِه.. وهُو الخالِقُ الرَّحِيمُ.
فيا أيُّها الإِنسانُ، عُدْ إلى رُشْدِك.. أوَيُمكِنُ ألّا يَعلَمَ بك وألّا يَراك هذاُومُ فبُّ الرَّحِيمُ، وهُو الَّذي دَفَع المَخلُوقاتِ لِمُعاوَنَتِك مُلَبِّيةً جَمِيعَ حاجاتِك؟
فما دامَ سُبحانَه يَعلَمُ بك ويُعلِمُك بعِلمِه هذا بإِسباغِ رَحْمَتِه علَيْك، فما علَيْك إلّا بَذلُ الجُهدِ لُِعائِهَتِه، والسِّعيُ لِإظهارِ مَعرِفَتِك له بتَوقيرِ أَوامِرِه.
واعْلَمْ يَقِينًا أنَّه لَيسَت إلّا حَقِيقةُ الرَّحْمةِ الإلٰهِيّة یی الَّتي تَسَعُ الحِكْمةَ والعِنايةَ والعِلمَ والقُدرةَ یی قد سَخامي، و لك هذه الكائِناتِ، وجَعَلَتْها طَوعَ إِرادَتِك، وأَنتَ المَخلُوقُ الضَّعِيفُ الصَّغِيرُ العاجِزُ الفَقِيرُ الفانِي. فرَحْمةٌ عَظِيمةٌ إلى هذا الحَدِّ، واسِعةٌ إلى هذا القَدْرِ.. لا شَكَّ أنَّها تَطلُبُ مِنك شُكرًا كُلِّيًّا خالِصًا، ِ العَيمًا لا يَشوبُه شَيءٌ.
فاعْلَمْ أنَّه لا يُتَرجِمُ لك ذلك الشُّكرَ الكُلِّيَّ والتَّعظِيمَ الخالِصَ إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقُلْه، واتَّخِذْه وَسِيلةً لِبُلُوغِك تلك الرَّحْمةَ الواسِعةَ، واجْعَلْه شَفِيعًا لك لَدَى ئصُكم مٰنِ الرَّحِيمِ.
— 13 —
حقًّا! إنَّ وُجُودَ الرَّحْمةِ وظُهُورَها أَظهَرُ مِنَ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّماءِ، إذ كما يَحصُلُ نَسْجُ نَقْشٍ جَمِيلٍ في المَركَزِ مِ الحَدسُقِ لُحْمَتِه وسَداه ومِنِ انتِظامِ أَوْضاعِ خُيُوطٍ تَمتَدُّ مِن كلِّ جِهةٍ نَحوَ المَركَزِ.. فإنَّ خُيُوطَ شُعاعِ النُّورِ النّابِعِ مِن تَجَعلَيكَُلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، والمُمتَدّةِ إلى هذا الكَونِ الشّاسِعِ تَنسُجُ على سِيمائِه نَسِيجًا في غايةِ الرَّوْعةِ والجَمالِ ضِمنَ إِطارِ الرَّحْمةِ السّابِغةِ، حتَّى يُظهِرَ لِلعُقُولِ یی أَوضَحَ مِنَ الشَّمسِ لِلعُيُونِ الدّاتْمًا واضِحًا لِلرَّحِيمِيّةِ، ونَقْشًا رائِعًا لِلشَّفَقةِ والرَّأفةِ، وشِعارًا بَدِيعًا لِلعِنايةِ.
نعم، إنَّ الَّذي يُنَظِّمُ الشَّمسَ والقَمَرَ والعَناصِرَ والمَعالصَّلاالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، ويُنَسِّقُها جَمِيعًا بأَشِعّةِ أَلفِ اسمٍ واسمٍ، كأنَّها لُحْمةُ نَقشٍ بَدِيعٍ وسَداه، وخُيُوطُه النُّورانيّةُ، ويُسَخِّرُها جَمِيعًا في خِدمةِ الحَياةِ.. والَّذي يُظهِرُ رَأفَتَه وشَفَقَتَه على الخَلِزاتِ مَعِينَ بما أَوْدَع في الوالِداتِ یی مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ یی تلك الشَّفَقةَ الحُلْوةَ اللَّذِيذةَ تِجاهَ صِغارِها.. والَّذي أَظهَرَ أَسطَِين، وَلِّياتِ رَحْمَتِه، وأَجمَلَ نُقُوشِ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه، بتَسخِيرِه الأَحياءَ لِحَياةِ الإِنسانِ، مُبيِّنًا به مَنزِلةَ الإِنسانِ لَدَيه وأَهَمِّيَّتَه عِندَه.. هو الرَّحمٰنُ ذُو الجَمالِ الَّذي جَعَل رضِمنَ َه الواسِعةَ هذه شَفِيعةً مَقبُولةً مَأنُوسةً لَدَى غِناه المُطلَقِ، يَتَشفَّعُ بها ذَوُو الحَياةِ والإِنسانُ المُفتَقِرُ فَقْرًا مُطلَقًا إلى تلك الرَّحْمةِ.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. إنْ كُنتَ إِنسانًا ْنُ أَ، فقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِتَظفَرَ بذلك الشَّفِيعِ.
إنَّه بَدِيهِيٌّ، بل مُشاهَدٌ أنَّ الرَّحْمةَ هي الَّتي تُرَبِّي طَوائِفَ النَّباتاتِ و أينَ واناتِ الَّتي تَربُو على أَربَعِ مِئةِ أَلفِ طائِفةٍ، رَغمَ تَبايُنِها وتَنَوُّعِها.. وهِي الَّتي تُدِيرُ أُمُورَها جَمِيعًا بلا التِباسٍ ولا نِسيانٍ ولا اختِلاطٍ، وفي أَنسَبِ وَقتٍ وأَكمَلِ نِظامٍ وأَتَمِّ حِك فأَعظأَوفَقِ عِنايةٍ، حتَّى وَضَعَتْ بهذه الإِدارةِ والتَّربِيةِ طابَعَ الأَحَدِيّةِ وخَتْمَها على سِيماءِ الأَرضِ.
نعم، إنَّ وُجُودَ تلك الرَّحْمةِ ثابِتٌ وقَطعِيٌّ كوُجُودِ المَوجُوداتِ المَبثُوثةهُ إِذالأَرضِ، كما أنَّ دَلائِلَ تَحَقُّقِها بعَدَدِ تلك المَوجُوداتِ.
ومِثلَما نُشاهِدُ على وَجهِ الأَرضِ آيةَ الأَحَدِيّةِ وسِمَتَها وخَتْمَ الرَّحْمةِ وطابَعَها،
— 14 —
فإنَّ على سِيماءِ الماهِيّةِ المَعنَوِيّةِ الإِنسانيّةِ أَيضًا طابَعَ الرَّحْوجُوداهذا الطّابَعُ والخَتْمُ ليس بأَقلَّ وُضُوحًا مِن ذلك الَّذي على وَجهِ الأَرضِ، ولا مِن ذلك الَّذي على وَجهِ الكائِناتِ.. بل إنَّ سِمَة هذه الرَّحْمةِ لها مِنَ الجامِعِيّةِ والشُّمُولِ حتَّى كأنَّها بُؤْرةٌ لَامّةٌ لِأَنوارِ تَجَلِّكِ لا لأَسماءِ الحُسنَى.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. إنَّ الَّذي وَهَب لك هذه السِّيماءَ المَعنَوِيّةَ، ووَضَع علَيْها الرَّحْمةَ وخَتَمَها بخَتْمِ الأَحَدِيّةِ، أَمِنَ المُمكِنِ أن يَترُكَك سُدرحَلُوا يَكتَرِثَ بك ولا يَهتَمَّ ولا يُراقِبَ أَعمالَك وحَرَكاتِك؟ أوَمِنَ المُمكِنِ أن يَجعَلَ حَرَكةَ جَمِيعِ الكائِناتِ المُتَوجِّهةِ إلَيْك زءٍ مِا لا طائِلَ مِن وَرائِها؟ أو يَجعَلَ شَجَرةَ الخِلْقةِ العَظِيمةِ شَجَرةً تافِهةً، وثَمَرتَها ثَمَرةً فاسِدةً؟ أم هل يُمكِنُ أن يَضَع رَحْمَتَه الظّاهِرةَ ظُهُورَ الشَّمسِ یی والَّتي لا تَحتَمِلُ شَكًّاتِلك اَيْبًا یی ويَضَعَ حِكْمَتَه الواضِحةَ وُضُوحَ النُّورِ، مَوضِعَ الإِنكارِ والجُحُودِ؟ كلّا.. ثمَّ كلّا.. تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. اعْلَةً، ولَ لِبُلُوغِ عَرشِ تلك الرَّحْمةِ مِعراجًا.. ذلك المِعراجُ هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فإن شِئتَ أن تَعرِفَ مَدَى أَهَمِّيّةِ ِ الجامِعراجِ ومَدَى عَظَمَتِه ومَكانَتِه، فانظُرْ إلى مُستَهَلِّ سُوَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ البالِغةِ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ سُورةً، وانظُرْ بِداياتِ كلِّ كِتابٍ قَيّاتِ والاحِظْ بَدْءَ كلِّ أَمرٍ ذِي بالٍ.. حتَّى إنَّه يُعَدُّ حُجّةً قاطِعةً على عَظَمةِ البَسمَلةِ وعُلُوِّ قَدْرِها ما قالَه الإِمامُ الشّافِعِيُّ وأَمثالُه مِنَ ال أَنظاِدِينَ العِظامِ: "إنَّ البَسمَلةَ رَغمَ أنَّها آيةٌ واحِدةٌ فإنَّها نَزَلَت في القُرآنِ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ مَرّةً".
السِّرُّ الرّابعُ:إنَّ تَجَلِّيَ الواحِدِيّةِ في مَخلُوقاتٍ لا حَدَّ لها، لا يُحِيطُ به كلُّ مَن يأَكثَر إِيَّاكَ نَعْبُدُ، حَيثُ يَتَشتَّتُ الفِكرُ ويَتِيهُ في تلك الكَثْرةِ، إذ يَلزَمُ لِمُلاحَظةِ ذاتِ اللهِ الأَحَدِ مِن خِلالِ مَجمُوعِ الُلوهِيقاتِ لَدَى خِطابِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وُجُودَ قَلبٍ واسِعٍ يَسَعُ الأَرضَ كُلَّها.
فبِناءً على هذا السِّرِّ الدَّقِيقِ فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُبيِّنُ بجَلاءٍ طابَعَ الأَحَدِيّةِ في كُلِّ
— 15 —
جُِ لِلحثلَما يُظهِرُه في كلِّ نَوعٍ، وذلك لِتُشَدَّ الأَنظارُ إلى ذاتِ اللهِ الأَحَدِ، ولِيَتَمكَّنَ كلُّ شَخصٍ یی مَهْما بَلَغَتْ مَرتَبَتُه یی مِنَ التَّوجُّهِ المُباشَرِ في خ السّ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إلى ذاتِ اللهِ الأَقدَسِ سُبحانَه مِن دُونِ تَكَلُّفٍ أو صُعُوبةٍ.
فتِبيانًا لِهذا السِّرِّ العَظِيمِ فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ عِندَما يَبحَثُ في آياتِ اللهِ في أَجواءِ الآفاقِ ظِّلالوسَعِ الدَّوائِرِ إذا به يَذكُرُ أَصغَرَ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ المَخلُوقاتِ وأَدَقَّ جُزئيّةٍ مِن جُزئيّاتِها، إِظهارًا لِطابَعِ الأَحَدِيّةِ بوُضُوحٍ في كلِّ شَيءٍ.
مِثالُ ذلك:عِندَما يُبيِّنُ اِ هذا.ُ الكَرِيمُ آياتِ خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ يُعقِبُها بآياتِ خَلقِ الإِنسانِ وبَيانِ دَقائِقِ النِّعمةِ في صَوتِه وبَدائِعِ الحِكْمةِ في مَلامِحِه، كَيْلا يَتَشتَّتَ اا كالز في آفاقٍ شاسِعةٍ، ولا يَغرَقَ القَلبُ في كَثْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ، ولِتَبلُغَ الرُّوحُ مَعبُودَها الحَقَّ دُونَ واسِطةٍ.
فالآيةُ الكَرِيمةُ الآتِيةُ تُبيِّنُ الحَقِيقةَ السّابِقةَ بَيانًا مُعجِزًا: وَمِنْ آَيسة عَش خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ.
وكذا فإنَّ آياتِ الوَحْدانيّةِ وأَختامَها معَ أنَّها قد وُضِعَت في المَخلُوقاتِ بكَثْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ، ابتِداءً مِن أَوسَعِ الأَختامِ وأَكَرَ ذل كُلِّيّةً إلى أَصغَرِها جُزئيّةً، في دَوائِرَ مُتَداخِلةٍ وفي مَراتِبَ مُتَنوِّعةٍ وأَنواعٍ شَتَّى، إلّا أنَّ وُضُوحَ هذه الأَختامِ لِلوَحْدانيّةِ یی مَهْما بَلَغ مِنَ الظُّهُورِ یی فهُو وُضُوحٌ ضِمنَ كَثْرةٍ مِنَ المئِه الاتِ لا يُوفِي حَقَّ الوَفاءِ حَقِيقةَ الخِطابِ في إِيَّاكَ نَعْبُدُ، لِذا يَلزَمُ وُجُودُ طابَعِ الأَحَدِيّةِ في ثَنايا خَتْمِ الوَحْدانيّةِ، كي يَفتَحَ الطَّرِيقَ أَمامَ القَلبِ لِلوُصُولَحِقُّذاتِ اللهِ الأَقدَسِ مِن دُونِ أن يُذَكِّرَه بالكَثْرةِ.
ثمَّ، لِأَجلِ لَفْتِ الأَنظارِ إلى طابَعِ الأَحَدِيّةِ، وجَلْبِ القُلُوبِ نَحوَها، فقد وُضِعَ فَوقَ تلك السِّمةِ لِلأَحِ یی سِ نَقشٌ بَدِيعٌ في مُنتَهَى الجاذِبِيّةِ، ونُورٌ باهِرٌ في مُنتَهَى السُّطُوعِ، وحَلاوةٌ لَذِيذةٌ في مُنتَهَى الذَّوقِ، وجَمالٌ مَحبُوبٌ في مُنتَهَى الحُسنِ، وحَقِيالقَدَصِينةٌ في مُنتَهَى القُوّةِ، تلك هي سِمَةُ الرَّحْمةِ وخَتْمُ الرَّحِيمِيّةِ.
نعم، إنَّ قُوّةَ تلك الرَّحْمةِ هي الَّتي تَجلُبُ أَنظمَذكُووِي الشُّعُورِ نَحوَها فتُوصِلُها
— 16 —
إلى طابَعِ الأَحَدِيّةِ، وتَجعَلُها تُلاحِظُ ذاتَ الأَحَدِ الأَقدَسِ، حتَّى تَجعَلُ الإِنسانَ يَحظَى بالخِطابِ الحَقِيقيِّ في إِيَّاكَكرًا جُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
وهكَذا، فی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن حَيثُ إنَّه فِهرِسٌ لِفاتِحةِ الكِتابِ المُبِينِ وخُلاصةٌ مُجمَلةٌ له، قد أَصبَحَ عُنوانًا لِهذا السِّرِّ العَظِيمِ المَذكُورِ، وتَرجُمانًا له، فالَّذي يَتَب بعدُ مِن أن يَنالَ هذا العُنوانَ يَستَطِيعُ أن يَجُولَ في طَبَقاتِ الرَّحْمةِ، والَّذي يَستَنطِقُ هذا التَّرجُمانَ يَتَعرَّفُ على أَسرارِ الرَّحْمةِ ويَتَعلَّمُها ويُشاهِدُ أَنوارَ الرَّحِيمِيّةِ والرّعْ تلك
السِّرُّ الخامِسُ:لقد وَرَد في حَدِيثٍ شَرِيفٍ:"إنَّ اللهَ خَلَق آدَمَ على صُورةِ الرَّحمٰنِ"أو كما قالَ (ص).
فسَّرَ قِسمٌ مِن أَهلِ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ هذا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ تَفسِيرًا عَجِيبًا لا يَلِيقُ بالَهلَ ادِ الإِيمانيّةِ، ولا يَنسَجِمُ معَها؛ بل بَلَغ بِبَعضٍ مِن أَهلِ العِشقِ أن نَظَرُوا إلى السِّيماءِ المَعنَوِيِّ لِلإِنسانِ نَظْرَتَهُم إلى صُورةِ الرَّحمٰنِ! ولَمّا كانَ في أَغلَبِ أَهلِ العِشقِ حالةٌ استِغراقيّةٌ ذاهِلةٌ وُّعاعُاسٌ في الأُمُورِ، فلَرُبَّما يُعذَرُونَ في تَلَقِّياتِهِمُ المُخالِفةِ لِلحَقِيقةِ.. إلّا أنَّ أَهلَ الصَّحْوِ، وأَهلَ الوَعْيِ والرَّشادِ يَرفُضُونَ رَفْضًا باتًّا تلك المَعانِي المُنافِيةِ لِأُسُسِ عَقائِدِ الإِيمانِ، ولا يَقبَلُوورٌ عََطْعًا؛ ولو رَضِيَ بها أَحَدٌ فقد سَقَط في خَطَأٍ وجانَبَ الصَّوابَ.
نعم، إنَّ الَّذي يُدَبِّرُ أُمُورَ الكَونِ ويُهَيمِنُ على شُؤُونِه بسُهُولةٍ ويُسرٍ كإِدارةِ قَصرٍَن بَسيتٍ.. والَّذي يُحَرِّكُ النُّجُومَ وأَجرامَ السَّماءِ كالذَّرّاتِ بمُنتَهَى الحِكْمةِ والسُّهُولةِ.. والَّذي تَنقادُ إلَيْه الذَّرّاتُ وتَأتَمِرُ بأَمعةِ، فَخضَعُ لِحُكْمِه.. إنَّ الَّذي يَفعَلُ هذا كُلَّه هو اللهُ القُدُّوسُ سُبحانَه.. فكما أنَّه مُنَزَّهٌ ومُقَدَّسٌ عنِ الشِّركِ، فلا شَرِيكَ له، ولا نَظِيرَ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، فلَيسَ له قَطْعًا مَثِيلٌ ولا مِثالٌ عَم شَبِيهٌ ولا صُورةٌ أَيضًا، وذلك بنَصِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.. إلّا أنَّ شُؤُونَه الحَكِيمِّياءِفاتِه الجَلِيلةَ وأَسماءَه الحُسنَى يُنظَرُ إلَيْها بمِنظارِ التَّمثِيلِ والمَثَلِ حَسَبَ مَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، أي: إنَّ المَثَلَ والتَّمثِي بصَيحِدٌ في النَّظَرِ إلى شُؤُونِه الحَكِيمةِ سُبحانَه.
— 17 —
ولِهذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ مَقاصِدُ جَلِيلةٌ كَثِيرةٌ، مِنها: أنَّ الإِنسانَ مَخلُوقٌ على صُورةٍ تُظهِرُ تَجَلِّيَ اسمِ اللهِ "الرلأَرواِ" إِظهارًا تامًّا، فلَقد بَيَّنّا في الأَسرارِ السّابِقةِ أنَّه مِثلَما يَتَجلَّى اسمُ "الرَّحمٰنِ" مِن شُعاعاتِ مَظاهِرِ أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى على وَجْهِ الكَونِ، ومِثُ صاحُِعْرَضُ اسمُ "الرَّحمٰنِ" بتَجَلِّياتٍ لا تُحَدُّ لِلرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ على سِيماءِ الأَرضِ، كَذلِك يُظهِرُ سُبحانَه التَّجَلِّيَ الأَتَمَّ لِذلِك الِاسمِ "الر ولاِ" في الصُّورةِ الجامِعةِ لِلإِنسانِ، يُظهِرُه بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ بمِثلِ ما يُظهِرُه في سِيماءِ الأَرضِ وسِيماءِ الكَونِ بمِقياسٍ أَوسَعَ وأَكبَرَ.ي مُقَي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ إِشارةٌ كَذلِك إلى أنَّ في الإِنسانِ والأَحياءِ مِنَ المَظاهِرِ الدّالّةِ على "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ" ما هو بمَثابةِ مَرايا عاكِسةٍ لِتَجَلِّياتِه سُبحانَه، فدَلالةُ الإِنسانِ علَيْه سُبحانَه ظاهِرةٌ قاطكُتُبَِلِيّةٌ، تُشبِهُ في قَطعِيَّتِها وجَلائِها دَلالةَ المِرآةِ السّاطِعةِ بصُورةِ الشَّمسِ وانعِكاسِها على الشَّمسِ نَفسِها.. فكما يُمكِن.. وهيُقالَ لِتِلك المِرآةِ: إنَّها الشَّمسُ، إِشارةً إلى مَدَى سُطُوعِها ووُضُوحِ دَلالَتِها علَيْها، كَذلِك يَصِحُّ أن يُقالَ یی وقد قِيلَ في الحَدِيثِ یی إنَّ في الإِنسانِ صُورةَ "الرَّحمٰنِ"، رآنُ اً إلى وُضُوحِ دَلالَتِه على اسمِ "الرَّحمٰنِ" وكَمالِ مُناسَبَتِه معَه ووُثُوقِ عَلاقَتِه به.. هذا، وإنَّ المُعتَدِلِينَ مِن أَهلِ وَحْدةِ الوُجُودِ قد قالُوا: "لا مَوجٍ ويَدلّا هُو" بِناءً على هذا السِّرِّ مِن وُضُوحِ الدَّلالةِ، وعُنوانًا على كَمالِ المُناسَبةِ.
اللَّهُمَّ يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ بحَقِّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ارْحَمْنا كما يَلِيقُ بِرَحِيمِيَّتلحَياةَهِّمْنا أَسرارَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" كما يَلِيقُ برَحْمانِيَّتِك.. آمِينَ.
السِّرُّ السّادسُ:أيُّها الإِنسانُ المُتقلِّبُ في خِضضِحةُ َجْزٍ لا نِهايةَ له وفَقرٍ لا حَدَّ له، إذا أَرَدتَ أن تَفْهَم كَيفَ أنَّ الرَّحمةَ أَعظَمُ وَسيلةٍ وأَرجَى شَفيعٍ، فاعْلَم:
أنَّ الرَّحمةَ أَقوَى وَسيليا نحنُصُولِ إلى سُلطانٍ عَظِيمٍ ذي جَلالٍ، تَنقادُ له النُّجُومُ والذَّرّاتُ مَعًا جُنُودًا مُطيعِينَ طاعةً تامّةً في انتِظامٍ تامٍّ.. ذلك السُّلطانُ ذُو الجَلالِ والإكرامِ، قَينِ العالَمِينَ المُستَغنِي عنِ الخَلْقِ أَجمَعِينَ، الكَبِيرُ المُتَعالي عنِ
— 18 —
المَوجُوداتِ، فلا حاجةَ له أَصلًا إلى المَوجُوداتِ، بل كلُّ شَيءٍ قد تَواضَعَ لِعَظَمَتِه واستَسْلَم لقُدرَتِه وذَلَّ لِعيّةٍ فه وخَضَع لِهَيْبةِ جَلالِه.. فالرَّحمةُ أيُّها الإِنسانُ تَرفَعُك إلى دِيوانِ حُضُورِ ذلك الغَنِيِّ المُطلَقِ، وتَجعَلُك خَلِيلًا لِذلِك السُّلطانِ السَّرمَدِيِّ الأَعظَمِ، بل تَعرُجُ بك إالمَطلامِ خِطابِه الجَلِيلِ، وتَجعَلُك عَبْدًا مُكَرَّمًا مَحبُوبًا عندَه.
ولكِن، كما أنَّك لا تَصِلُ إلى الشَّمسِ لِبُعدِك عنها، بل لا يُمكِنُك التَّقرُّبُ إلَيْها بها یی فإن ضَوْءَها يُسلِّمُ إلَيْك تَجَلِّيَها وصُورَتَها بواسِطةِ مِرآةِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی، فنَحنُ على الرَّغمِ مِن بُعدِنا المُطلَقِ عنِ اللهِ سُبحانَه وتعالَى، فإن نُورَ رَحمَتِه يُقرِّبُه إلَيْنا.
فيابرَحمَا الإنسانُ، إنَّ مَن يَظفَرُ بهذه الرَّحمةِ فقد ظَفِرَ بكَنزٍ عَظِيمٍ لا يَفنَى، كَنزٍ مِلْؤُه النُّورُ؛ أمّا طَرِيقُ الوُصولِ إلى ذلك الكَنزِ العَظِيمِ فاعْلَمْ: أنَّ أَسْطَعَ مِثالٍ للرَّحمةِ، وأَفضَلَ مَن يُمَثِّلُها، وأَبلَغَ لِساقابِلُِقٍ بها، وأَكرَمَ داعٍ إلَيْها، هو الَّذي سُمِّيَ في القُرآنِ الكَرِيمِ: رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وهُو رَسُولُنا الحَبِيبُ (ص).. فالطَّرِيقُ الأَمثَلُ لِبُلُوغِ تلك الخَزِينةِ الأَبَديّةِ هو اتِّباعُ سُنَّتِه المُطهَّرةيةِ فيولكِن كَيفَ الوُصُولُ إلى الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص)، وما الوَسِيلةُ إلَيْه؟
فاعْلَم أنَّ الوَسِيلةَ هي الصَّلاةُ علَيْه... نعم، الصَّلاةُ علَيْه تَعني الرَّحمةَ، فالصَّلاةُ علَيْه دُعاءٌ بالهو المِ لِتِلك الرَّحمةِ المُجَسَّمةِ الحَيّةِ، وهِي وَسِيلةُ الوُصُولِ إلى مَن هو رَحمةٌ لِلعالَمِينَ.
فيا أيُّها الإنسانُ، اجْعَلِ الصَّلاةَ علَيْه وَسِيلمِينَ.ُصُولِ إلَيْه، ثمَّ استَمْسِكْ به لِيُبَلِّغَك رَحمةَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، فإنَّ الأُمّةَ جَمِيعَها بدُعائِها وصَلَواتِها على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (لك المَما تُثبِتُ بوُضُوحٍ مَدَى قِيمةِ هذه الرَّحمةِ، ومَدَى أَهَمِّيّةِ هذه الهَدِيّةِ الإلٰهِيّةِ، ومَدَى سَعَتِها وعَظَمَتِها.
الخُلاصةُ:إنَّ حاجِبَ خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيةِ وأَكرَمَ داعٍ إلَيْها هو الرَّسُأن يَخكَرِيمُ (ص)، كما أنَّ أَسمَى مِفتاحٍ لِتِلك الخَزِينةِ هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأَسْلَسَ ما يَفتَحُها هو الصَّلَواتُ على الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص).
٭ ٭ ٭
— 19 —
الكلمة الثانية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ لا طائِيمِ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
إن كُنتَ تُريدُ أن تَعرِفَ مَدَى ما في الإيمانِ مِن سَعادةٍ ونِعمةٍ، ومَدَى ما فيه مِن لَذّةٍ وراحةٍ، ظِيمٌ،ِعْ إلى هذه الحِكايةِ القَصِيرةِ:
خَرَج رَجُلانِ في سِياحةٍ ذاتَ يومٍ، مِن أَجلِ الِاستِجمامِ والتِّجارةِ، فمَضَى أَحَدُهما وكان أَنانِي نُورِقِيًّا إلى جِهةٍ، ومَضَى الآخَرُ وهو رَبّانِيٌّ سَعيدٌ إلى جِهةٍ ثانيةٍ.
فالأَنانِيُّ المَغرُورُ الَّذي كان مُتَشائمًا لَقِي بَلَدًا فيمةٍ وا السُّوءِ والشُّؤمِ في نَظَرِه، جَزَاءً وِفاقًا على تَشاؤُمِه، حتَّى إنَّه كان يَرَى أَينَما اتَّجَهَ عَجَزةً مَساكِينَ يَجْأَرُونَ بالصُّراخِ والعَوِيلِ مِن ضَرَباتِ أَيدِي رِجالٍ طُغاةٍ قُساةٍ وملى خَيمالِهِمُ المُدَمِّرةِ؛ فرَأَى هذه الحالةَ المُؤلِمةَ الحَزينةَ في كلِّ ما يَزُورُه مِن أَماكِنَ، حتَّى اتَّخَذَتِ المَملَكةُ كلُّها في نَظَرِه شَكْلَ دارِ مَأْتَمٍ ي يَنج فلم يَجِدْ لِهذه الحالِ المُؤلِمة المُظلِمةِ عِلاجًا غيرَ السُّكْرِ، فرَمَى نَفسَه في نَشْوَتِه لكَيلا يَشعُرَ بحالِه، إذ صارَ كلُّ واحِدٍ مِن أَهلِ هذه المَملَكةِ يَتَراءِ الواعَدُوًّا يَتَربَّصُ به، وأَجنَبِيًّا يَتَنكَّرُ له، فظَلَّ في عَذابٍ وِجْدانِيٍّ مُؤلِمٍ لِما يَرَى فيما حَوْلَه مِن جَنائزَ مُرعِبةٍ ويَتامَى يَبكُون بُكاءً يائِسًا مَرِيرًا.
أمَّا الرَّجُلُ الآخَرُ، الرَّبَّانِيُّ العابِدُ للهِ، هذه الِثُ عنِ الحَقِّ، فقد كان ذا أَخلاقٍ حَسَنةٍ بحَيثُ لَقِيَ في رِحلَتِه مَملَكةً طَيِّبةً هي في نَظَرِه في مُنتَهَى الرَّوعةِ والجَمالِ.. فهذا الرَّجُلُ الصّالِحُ يَرَى في المَملَكةِ الَّتي دَخَلَها احتِفالاَلَام؛عةً ومَهرَجاناتٍ بارِعةً قائمةً على قَدَمٍ وساقٍ، وفي كلِّ طَرَفٍ سُرُورًا، وفي كلِّ زاوِيةٍ حُبُورًا، وفي كلِّ مَكانٍ مَحارِيبَ ذِكْرٍ.. حتَّى لقد
— 20 —
صارَ يَرَى كُلَّ فَ تلك "ن أَفرادِ هذه المَملَكةِ صَدِيقًا صَدُوقًا وقَرِيبًا حَبِيبًا له؛ ثمَّ يَرَى أنَّ المَملَكةَ كلَّها تُعلِنُ في حَفلِ التَّسرِيحِ العامِّ هُتافاتِ الفَرَحِ بصَيحةٍ مَصحُوبةٍ بكَلِماتِ الشُّكْرِ والثَّناءِ، ويَرَّبيعفيهم أيضًا أَصواتَ الجَوْقةِ المُوسِيقيّةِ وهي تُقَدِّمُ أَلحانَها الحَماسِيّةَ مُقتَرِنةً بالتَّكبِيراتِ العاليةِ والتَّهلِيلاتِ الحارّةِ بسَعادةٍ واعتِزازٍ للَّذين يُساقُون إلىَّها تمةِ والجُندِيّةِ.
فبَينَما كان ذلك الرَّجُلُ الأَوَّلُ المُتَشائمُ مُنشَغِلًا بألَمِه وآلامِ النّاسِ كُلِّهم، كان الثّاني السَّعيدُ المُتَفائلُ مَسُرورًا معَ سُرُورِ ا فإنَّ كُلِّهم، فَرِحًا مع فَرَحِهم؛ فَضْلًا عن أنَّه غَنِمَ لِنَفسِه تِجارةً حَسَنةً مُبارَكةً، فشَكَر ربَّه وحَمِدَه.
ولَدَى عَودَتِه إلى أَهلِه، إلََّ ذلك الرَّجُلَ فسَأَلَه عن حالِه وعن أَخبارِه، فعَلِمَ كلَّ شيءٍ، فقالَ له: "يا هذا لقد جُنِنتَ! فإنَّ ما في باطِنِك مِنَ الشُّؤْمِ انعَكَتَسَكّ ظاهِرِك، بحَيثُ أَصبَحتَ تَتَوهَّمُ أنَّ كلَّ ابتِسامةٍ صُراخٌ ودُمُوعٌ! وأنَّ كلَّ تَسريحٍ وإجازةٍ نَهْبٌ وسَلْبٌ! عُدْ إلى رُشدِك، وطَهِّر قَلبَك، لَعلَّ هذا الغِشاءَ النَّكِدَ يَنزاحُ عن عَينَيك، وعِ ضِمأن تُبصِرَ الحَقيقةَ على وَجهِها الأَبلَجِ؛ فإنَّ مَملَكةً مالِكُها مُتَّصِفٌ بمُنتَهَى دَرَجاتِ العَدْلِ والمَرحَمةِ والرُّبُوبيّةِ وُحالٌ!ِدارِ والتَّنظِيمِ المُبدِعِ والرِّفقِ.. وإنَّ مَملَكةً بمِثلِ هذه الدَّرَجةِ مِنَ الرُّقِيِّ والسُّمُوِّ مِمّا تُرِيك مِن آثارٍ بأُمِّ عَينَيك.. لا يُمكِنُ أن تكُونَ بمِثلِ ما تُرِيه أَوهامُك مِن صُوَرٍ".
وبعدَ ذلكِ باللَ هذا الشَّقِيُّ يُراجِعُ نَفسَه ويَرجِعُ إلى صَوابِه رُوَيدًا رُوَيدًا، ويُفَكِّرُ بعَقلِه ويقُولُ مُتَندِّمًا: "نعم! لقد أَصابَني جُنُونٌ لِكَثرةِ تَعاطي الخَمْرِ.. لِيَرْضَ اللهُ عنك، فلَقَد أَنقَذْتَني مِن جَحيمِ الشَّقاءِ".
فيا نَفسِي.ه، وهَمي أنَّ الرَّجُلَ الأَوَّلَ هو "الكافِرُ" أوِ "الفاسِقُ الغافِلُ"، فهذه الدُّنيا في نَظَرِه بمَثابةِ مَأْتَمٍ عامٍّ، وجَميعُ الأَحياءِ أَيتامٌ يََّا سَتَأَلُّمًا مِن ضَرَباتِ الزَّوالِ وصَفَعاتِ الفِراقِ.
أمّا الإنسانُ والحَيَوانُ فمَخلُوقاتٌ سائبةٌ بلا راعٍ ولا مالِكٍ، تَتَمزَّقُ بمَخالِبِ الأَجَلِ وتُعتَصَرُ بمِعصَرَتِه.. وأمّا المَوجُوداتُ الضرِ بجَ كالجِبالِ والبِحارِ فهي في حُكمِ
— 21 —
الجَنائزِ الهامِدةِ والنُّعُوشِ الرَّهيبةِ.. وأمثالُ هذه الأَوهامِ المُدهِشةِ المُؤلِمةِ النّاشِئةِ مِن كُفرِ الإنسانِ وضَلالَتِه تُذِيقُ صاحِبَها عَذابًا مَعنَوِيًّا مَرِيرًا.
أمّا ال وإلى ُ الثّاني، فهو "المُؤمِنُ" الَّذي يَعرِفُ خالِقَه حَقَّ المَعرِفةِ ويُؤمِنُ به، فالدُّنيا في نَظَرِه دارُ ذِكْرٍ رَحمانِيٍّ، وساحةُ تَعلِيمٍ وتَدرِيبٍ ليلةٍ، ِ والحَيَوانِ، ومَيدانُ ابتِلاءٍ واختِبارٍ للإنسِ والجانِّ.. أمّا الوَفَيَاتُ كافّةً یی مِن حَيَوانٍ وإنسانٍ یی فهي إعفاءٌ مِنَ الوَظائفِ، وإنهاءٌ مِنَ الخِدْماتِ.. فالَّذين أَنهَوا وَظِيفةَ حَياتِهم هُنا، يَ عَليهن من دَارِ الفَناءِ هَذه بسُرُورٍ مَعنَوِيٍّ إلى عالَمٍ آخَرَ غيرِ ذِي قَلَقٍ، لِيُفْسِحُوا المَجالَ لِمُوَظَّفين جُدُدٍ يَأْتُون للسَّعيِ في مَهامِّهم.
أمّا المَواليدُ كافّةً یی مِن حَيَوانٍ وإنسانٍ یی فهي سَوْقةُ تَجْنِيدٍ عَسكَرِيّةٌ، وَريّةُُمُ سِلاحٍ، وتَسَنُّمُ وَظائفَ وواجِباتٍ، فكلُّ كائنٍ إنَّما هو مُوَظَّفٌ وجُندِيٌّ مَسرُورٌ، ومَأمُورٌ مُستَقيمٌ راضٍ قانِعٌ؛ وأمّا الأَصواتُ المُنبَعِثةُ والأَصداءُ اِ الفادَّةُ مِن أَرجاءِ الدُّنيا فهي إمّا ذِكرٌ وتَسبِيحٌ لِتَسَنُّمِ الوَظائفِ والشُّروعِ فيها، أو شُكرٌ وتَهليلٌ إيذانًا بالِانتِهاءِ مِنها، أو أَنغامٌ صادِرةٌ مِن شَوقِ العَمَلِ وفَرحَتِه.
فالمَحن واقتُ كُلُّها في نَظَرِ هذا المُؤمِنِ خَدَمٌ مُؤنِسُون، ومُوَظَّفُون أَخِلَّاءُ، وكُتُبٌ حُلوةٌ لِسَيِّدِه الكَريمِ ومالِكِه الرَّحيمِ.
وهكذا يَتَجلَّى وّةِ امانِه كَثيرٌ جِدًّا مِن أَمثالِ هذه الحَقائقِ الَّتي هي في غايةِ اللُّطْفِ والسُّمُوِّ واللَّذّةِ والذَّوقِ؛ فالإيمانُ إذًا يَضُمُّ حَقًّا بِذرةً مَعنَوِيّةً تَنبَثِقُ عَنها "طُوبدَت فيَنّةِ".. أمّا الكُفرُ فإنَّه يُخفِي بِذْرةً مَعنَوِيّةً تُنبِتُ "زَقُّومَ جَهَنَّمَ".
فالسَّلامةُ والأَمانُ إذًا لا وُجُودَ لهما إلَّا في الإسلامِ والإيمانِ.. فعلَينا أن سلُوبِِد دائمًا:
الحَمدُ للهِ على دِينِ الإسلامِ وكَمالِ الإيمانِ.
٭ ٭ ٭
— 22 —
الكلمة الثالثة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا يةُ السُ اعْبُدُوا
إنْ كُنتَ تُريدُ أن تَفهَم كيفَ أنَّ العِبادةَ تِجارةٌ عُظمَى وسَعادةٌ كُبرَى، وأنَّ الفِسقَ والسَّفَهَ خَسارةٌ جَسِيمةٌ وهَلاكٌ مُحَقَّق، فانظُرْ إلى هذه الحِكايةِ التَّمثيليّةِ وأَنصِتْ إلَيها:
تَسَلَّم جُندِيّانِ لِمانِ ذاتَ يومٍ أَمرًا بالذَّهابِ إلى مَدينةٍ بَعيدةٍ، فسافَرا معًا إلى أن وَصَلا مَفرِقَ طَرِيقَينِ، فوَجَدا هناك رَجُلًا يقُولُ لهما:
"إنَّ هذا الطَّريقَ الأَيمَنَ، معَ عَدَمِ وُجُودِ الضَّرَرِ فيه، يَجِدُ المُسافِرُوالَّذيذين يَسلُكُونه الرّاحةَ والِاطمِئنانَ والرِّبحَ مَضمُونًا بنِسبةِ تِسعةٍ مِن عَشَرةٍ؛ أمّا الطَّريقُ الأَيسَرُ، فمعَ كَونِه عَدِيمَ النَّفعِ يَتَضرَّرُ تِسعةٌ مِن عَشَرةٍ مِن عابِرِيه.. عِلمًا أنَّ كِلَيهما في الطُّولِ ةِ خَس، معَ فَرقٍ واحِدٍ فقط، هو أنَّ المُسافرَ المُتَّجِهَ نحوَ الطَّريقِ الأَيسَرِ غيرِ المُرتَبِط بنِظامٍ وحُكُومةٍ، يَمضي بلا حَقِيبةِ مَتاعٍ ولا سِلاحٍ، فيَجِدُ في نَفسِه خِفَّةً ظاهِريّةً وراحةً مَوهُومًا مِنرَ أنَّ المُسافرَ المُتَّجِهَ نحوَ الطَّريقِ الأَيمَنِ المُنتَظِمِ تحتَ شَرَفِ الجُندِيّةِ، مُضطَرٌّ لِحَملِ حَقيبةٍ كامِلةٍ مِن مُستَخلَصاتٍ غِذائيّبَلِ بِنُ أَربعَ "أُوقيّاتٍ"، وسِلاحًا حُكُوميًّا يزِنُ "أُوقيَّتَينِ" يَستَطيعُ أن يَغلِبَ به كلَّ عَدُوٍّ".
وبعدَ سَماعِ هذَينِ الجُندِيَّينِ اةِ، ح ذلك الرَّجُلِ الدَّليلِ، سَلَك المَحظُوظُ السَّعيدُ الطَّريقَ الأَيمَنَ، ومَضَى في دَرْبِه حامِلًا على ظَهرِه وكَتِفِه رِطلًا مِنَ الأَثقالِ، إلَّا أنَّ قَلبَه ورُوحَه قد تَخَلَّصا مِن آلافِ الأَرطالِ مِن ثِقَلِ المِنَّةبةِ لََوفِ؛ بَينَما الرَّجُلُ الشَّقِيُّ المَنكُودُ الَّذي آثَرَ تَرْكَ الجُندِيّةِ ولم يُرِدِ الِانتِظامَ والِالتِزامَ، سَلَك سَبِيلَ الشِّمالِ، فمعَ
— 23 —
أنَّ جِسمَه قد تَخَلَّصَ مِن ثِقَ كُلّطلٍ إلّاأنَّ قَلبَه ظَلَّ يَرزَحُ تحتَ آلافِ الأَرطالِ مِنَ المَنِّ والأَذَى، وانسَحَقَت رُوحُه تحتَ مَخاوِفَ لا يَحصُرُها الحَدُّ، فمَضَى في سَبِيلِه مُسْتَجْالتَّقكلَّ شَخصٍ، وَجِلًا مُرتَعِشًا مِن كلِّ شيءٍ، خائفًا مِن كلِّ حادِثةٍ، إلى أن بَلَغ المَحَلَّ المَقصُودَ، فلاقَى هناك جَزاءَ فِرارِه وعِصيانِه.
أمّا المُسافرُ المُتَوجِّهُ نحوَ الطَّريقِ الأَيمَنِ، ذلك المُحِبُّ لِنِظامِ الجُندِيّةِ والمِمَت، ُ على حَقِيبَتِه وسِلاحِه، فقد سارَ مُنطَلِقًا مُرتاحَ القَلبِ مُطمَئِنَّ الوِجدانِ مِن دُونِ أن يَلتَفِتَ إلى مِنَّةِ أَحَدٍ أو يَطْمَعَ فيها أو يَخافَ مِن أَحَدٍ، إلى أن بَلَغ المَدِينةَ المَقصُودةَ، وهنالك وَجَد ثَانعِدااللّائقَ به كأَيِّ جُندِيٍّ شَريفٍ أَنجَزَ مُهِمَّتَه بالحُسنَى.
فيا أَيَّتُها النَّفسُ السّادِرةُ السّارِحةُ.. اعلَمي أنَّ ذَينِكِ المُسافرَينِ أَحدُهما أُولَئكِ المُستَسلِمُون المُطِيعُونومُ بمُونِ الإلٰهِيِّ، والآخَرُ همُ العُصاةُ المُتَّبِعُون للأَهواءِ؛ وأمّا ذلك الطَّريقُ فهو طَريقُ الحَياةِ الَّذي يَأتي مِن عالَمِ الأَرواحِ ويَمُرُّ مِنَ القَبرِ المُؤَدِّي إلى عالَمِ الآخِرةِ.. وأمّا تلك الحَقيبةُ والسِّلاحُ فهُفَناءُِبادةُ والتَّقوَى، فمَهما يكُنْ للعِبادةِ مِن حِملٍ ثَقيلٍ ظاهِرًا إلَّا أنَّ لها في مَعناها راحةً وخِفّةً عَظِيمتَينِ لا تُوصَفانِ، ذلك لأنَّ العابِدَ يقُولُ في صَلاتِه: "لا إلٰهَ إلَّا اللهُ"، أي: لا خا لِيُؤا رازقَ إلَّا هو، النَّفعُ والضَّرُّ بيَدِه، وإنَّه حَكِيمٌ لا يَعمَلُ عَبَثًا كما أنَّه رَحيمٌ واسِعُ الرَّحمةِ والإحسانِ.
فالمُؤمِنُ يَعتَقِدُ بما يقُلحَقِّذا يَجِدُ في كلِّ شيءٍ بابًا يَنفَتِحُ إلى خَزائنِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّة، فيَطرُقُه بالدُّعاء، ويَرَى أنَّ كلَّ شيءٍ مُسَخَّرٌ لِأَمرِ رَبِّه، فيَلتَجِئُلجُنُو بالتَّضَرُّعِ، ويَتَحَصَّنُ أَمامَ كلِّ مُصيبةٍ مُستَنِدًا إلى التَّوكُّلِ، فيَمنَحُه إيمانُه هذا الأَمانَ التّامَّ والِاطمِئنانَ الكامِلَ.
نعم، إنَّذي قابعَ الشَّجاعةِ ككُلِّ الحَسناتِ الحَقيقيةِ هو الإيمانُ والعُبُوديّةُ، وإنَّ مَنبَع الجُبْنِ ككُلِّ السَّيِّئاتِ هو الضَّلالةُ والسَّفاهةُ؛ فلَو أَصبَحَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ قُنبُلةً مُدَمِّرةً وانفَجَرَت، فلرا وهو لا تُخِيفُ عابِدًا للهِ ذا قَلبٍ مُنَوَّرٍ، بل قد يَنظُرُ إلَيها على أنَّها خارِقةٌ مِن خَوارقِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ، ويَتَملّاها بإعجابٍ ومُتعةٍ، بَينَما الفاسِقُظَلُّولقَلبِ
— 24 —
المَيِّتِ ولو كان فَيلَسُوفًا مِمَّن يُعَدُّ ذا عَقلٍ راجِحٍ، إذا رَأَى في الفَضاءِ نَجْمًا مُذَنَّبًا يَعتَوِرُه الخَوفُ ويَرتَعِشُ هَلَعًا ويَتَساءَلُ بقَلَقٍ: "ألا يُمكِنُ لهذا النَّجْمِ أن يَرتَطِمَ بأَرضِنالنُّیيَتَردَّى في وادي الأَوهامِ (لقدِ ارتَعَدَ الأَمريكانُ يَومًا مِن نَجمٍ مُذَنَّبٍ ظَهَر في السَّماءِ حتَّى هَجَر الكَثيرُون مَساكِنَهم أثناءَ ساعاتِ اللَّيلِ).
نعم، رَغمَ أنَّ حاجاتِ الإنسانِ تَمتَدُّ إلى ما لا نِهِ الكَه مِنَ الأَشياءِ، فرَأسُ مالِه في حُكمِ المَعدُومِ، ورَغمَ أنَّه مُعَرَّضٌ إلى ما لانِهايةَ له مِنَ المَصائبِ فاقتِدارُه كذلك في حُكمِ لا شَيءٍ، إذ إنَّ إلى وُدائرَتَيْ رَأسِ مالِه واقتِدارِه بِقَدْرِ ما تَصِلُ إلَيه يَدُه، بَينَما دَوائرُ آمالِه ورَغائبِه وآلامِه وبَلاياه واسِعةٌ سَعةَ مَدِّ البَرَحُونالخَيالِ.
فما أَحوَجَ رُوحَ البَشَرِ العاجِزةَ الضَّعيفةَ الفَقِيرةَ إلى حَقائقِ العِبادةِ والتَّوَكُّلِ، وإلى التَّوحيدِ والِاستِسلامِ! وما أَععَجائبا يَنالُ مِنها مِن رِبحٍ وسَعادةٍ ونِعمةٍ! فمَن لم يَفْقِدْ بَصَرَه كُلِّيًّا يَرَى ذلك ويُدرِكُه، إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الطَّريقَ غيرَ زِ ومُِّ يُرجَّحُ على الطَّريقِ الضّارِّ حتَّى لو كانَ الضَّرَرُ فيه باحتِمالِ واحِدٍ مِن عَشَرةٍ. عِلمًا أنَّ مَسأَلَتَنا هذه طَريقُ العُبُودِيّةِ، فمَعَ كَونِه عَدِيمَ الضَّرَرِ، فإنَّه يُعطِينا كَنزًا للسَّعادةِ الأبَدِيّةِ باحتِمالِ تِسعةٍ مِاقتِرَرةٍ، بَينَما طَرِيقُ الفِسقِ والسَّفاهةِ یی باعتِرافِ الفاسِقِ نَفسِه یی فمعَ كَونِه عَدِيمَ النَّفعِ فإنَّه سَبَبُ الشَّقاءِ والهَلاكِ الأَبَديَّينِ، معَ يَقينٍ للخُسرانِ وكَهرَبمِ الخَيرِ بنِسبةِ تِسعةٍ مِن عَشَرةٍ.. وهذا الأَمرُ ثابتٌ بشَهادةِ ما لا يُحصَى مِن "أَهلِ الِاختِصاصِ والإثباتِ" بدَرَجةِ التَّواتُرِ والإيبِ، و وهو يقينٌ جازِمٌ في ضَوءِ إخبارِ أَهلِ الذَّوقِ والكَشْفِ.
نَحصُلُ مِن هذا:أنَّ سَعادةَ الدُّنيا أيضًا یی كالآخِرةِ یی هي في العِبادةِ وفي الجُندِيّةِ الخالُِورِ وهِ.
فعَلَينا إذًا أن نُرَدِّد دائمًا:"الحَمدُ للهِ على الطّاعةِ والتَّوفيقِ"،وأن نَشكُرَه سُبحانَه وتَعالَى على أنَّنا مُسلِمُون.
٭ ٭ ٭
— 25 —
الكلمة الرابعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الصصرِال عِمادُ الدِّين
إن كُنتَ تُرِيدُ أن تَعرِفَ أَهَمِّيّةَ الصَّلاةِ وقِيمَتَها، وكم هو يَسِيرٌ نَيلُها وزَهِيدٌ كَسْبُها، وأنَّ مَن لا يُقيمُها ولا يُؤوفَجْأحَقَّها أَبلَهُ خاسِرٌ.. نعم، إن كُنتَ تُرِيدُ أن تَعرِفَ ذلك كُلَّه بيَقينٍ تامٍّ یی كحاصِلِ ضَرْبِ الِاثنَينِ في اثنَينِ يُساوِي أَربَعًا یی فتَأَمَّلْ في هذه الحِكايةِ التَّمثِيليّةِ الٌ للدّةِ:
يُرسِلُ حاكِمٌ عَظيمٌ ذاتَ يَومٍ اثنَينِ مِن خَدَمِه إلى مَزرَعَتِه الجَميلةِ، بعدَ أن يَمنَحَ كُلًّا مِنهما أَربعًا وعِشرِين لَيرةً ذَهَبيّةً، لِيَتَمَكَّنا برةٍ.
َ الوُصُولِ إلى المَزرَعةِ الَّتي هي على بُعدِ شَهرَينِ؛ ويَأمُرُهما: "أَنفِقا مِن هذا المَبلَغِ لِمَصارِيفِ التَّذاكِرِ ومُتَطلَّباتِ السَّفَرِ، واقْته هَاىما يَلزَمُكُما هناك مِن لَوازِمِ السَّكَنِ والإقامةِ.. هناك مُحَطّةٌ للمُسافِرين على بُعدِ يَومٍ واحِدٍ، يُوجَدُ فيها جَميعُ أَنواعِ وَسائطِ النَّقلِ مِن سَيّارةٍ وطائرةٍ وسَفينةٍ وقِطارٍ.. ولكُلٍّ ثَمَنُه".
يَخرُجلةٍ عَدِمانِ بعدَ تَسَلُّمِهما الأَوامِرَ، كان أَحَدُهما سَعيدًا مَحظُوظًا، إذ صَرَف شَيئًا يَسِيرًا مِمّا لَدَيه لِحِينِ وُصُولِه المَحَطّةَ، صَرَفَه في تِجارةٍ رابِحةٍ يَرضَى بها سَيِّدُه، فارتَفَع رَأسُ ماُ مَوجنَ الواحِدِ إلى الأَلفِ؛ أمّا الخادِمُ الآخَرُ فلِسُوءِ حَظِّه وسَفاهَتِه صَرَف ثلاثًا وعِشرين مِمّا عِندَه مِنَ اللَّيراتِ الذَّهبيّةِ في اللَّهوِ والقِمارِ، فأَضاعَها كُلَّها إلَّا لَيرةً واحِدَديرِ ها لِحِينِ بُلُوغِه المَحَطّةَ.
خاطَبَه صاحِبُه: "يا هذا.. اشتَرِ بهذه اللَّيرةِ الباقيةِ لَدَيك تَذكِرةَ سَفَرٍ، فلا تُضَيِّعْها
— 26 —
كذلك، فسَيِّدُنا كَريمٌ رَحيمٌ، لعلَّه يَشمَلُك وعَرّتِه ويَنالُك عَفوُه عمَّا بَدَر مِنك مِن تَقصِيرٍ، فيَسمَحُوا لك برُكُوبِ الطّائرةِ، ونَبلُغَ معًا مَحَلَّ إقامَتِنا في يَومٍ واحِدٍ؛ فإن لم تَفعَلْ ما أَقُولُه لك فستُضطَرُّ إلى مُواصَلةِ السَّيرِ شَهرَينِ كامِلَينِ في هذه المَفازةَِّها تًا على الأَقدامِ، والجُوعُ يَفتِكُ بك، والغُربةُ تُخَيِّمُ علَيك وأنت وَحِيدٌ شارِدٌ في هذه السَّفرةِ الطَّويلةِ".
تُرَى لو عانَدَ هذا الشَّخصُ، فصَرَف حتَّى تلك اللَّيرةَ الباقيةَ في سَبِيليّةِ رةٍ عابِرةٍ، وقَضاءِ لَذّةٍ زائلةٍ، بَدَلًا مِنِ اقتِناءِ تَذكِرةِ سَفَرٍ هي بمَثابةِ مِفتاحِ كَنزٍ له.. ألَا يَعني ذلك أنَّه شَقِيٌ خاسِرٌ، وأَبلَهُ بَلِيدٌُنِ مَا؟! ألا يُدرِكُ هذا أَغبَى إنسانٍ؟!
فيا مَن لا يُؤدِّي الصَّلاةَ.. ويا نَفسِي المُتَضايِقةَ مِنها.. إنَّ ذلك الحاكِمَ هو رَبُّنا وخالِقُنا جَلَّ وعَلا؛ أمّا ذانِكُما الُون ثِنِ المُسافِرانِ، فأَحَدُهما هو المُتَديِّنُ الَّذي يُقِيمُ الصَّلاةَ بشَوقٍ ويُؤدِّيها حَقَّ الأَداءِ، والآخَرُ هو الغافِلُ التّارِكُ للصَّلاةِ؛ وأمّا تلك اللَّيراتُ الذَّهَبيّةُ "الأَربَعةُ والعِشرُون" فهي الأَربَعُ َ الدّرُون ساعةً مِن كلِّ يَومٍ مِن أَيّامِ العُمُرِ؛ وأمّا ذلك البُستانُ الخاصُّ فهو الجَنّةُ، وأمّا تلك المَحَطّةُ فهي القَبْرُ؛ وأمّا تلك السِّياحةُ واِ وفَررُ الطَّويلُ فهي رِحلةُ البَشَرِ السّائرةُ نحوَ القَبْرِ والماضِيةُ إلى الحَشرِ والمُنطَلِقةُ إلى دارِ الخُلُودِ.
فالسّالِكُون لهذا الطَّريقِ الطَّويلِ يَقطَعُونه على دَرَجاتٍ مُتَفاوِتةٍ، كلٌّ حَسَبَ عَمَلِه ومَدَى تَقواه؛ يهًا ل مِنَ المُتَّقين يَقطَعُون في يومٍ واحِدٍ مَسافةَ أَلفِ سَنةٍ كأَنَّهُمُ البَرقُ، وقِسمٌ مِنهم يَقطَعُون في يومٍ واحِدٍ مَسافةَ خَمسين أَلفَ سَنةٍ كأَنَّهُمُ الخَيالُاءِ.
أَشارَ القُرآنُ العَظيمُ إلى هذه الحَقيقةِ في آيتَينِ كَريمتَينِ.. أمّا تلك التَّذكِرةُ فهي الصَّلاةُ الَّتي لا تَستَغرِقُ خَمسُ صَلَواتٍ معَ وُضُوئها أَكثَرَ مِن ساعةٍشبَعُويا خَسارةَ مَن يَصرِفُ ثلاثًا وعِشرِين مِن ساعاتِه على هذه الحَياةِ الدُّنيا القَصيرةِ، ولا يَصرِفُ ساعةً واحِدةً على تلك الحَياةِ الأَبَنَ أُخالمَدِيدةِ! ويا لَه مِن ظالِمٍ لِنَفسِه مُبِينٍ! ويا لَه مِن أَحمَقَ أَبلَهَ!
لَئن كان دَفعُ نِصفِ ما يَملِكُه المَرءُ لِقمارِ اليانَصِيبِ الَّذي يَشتَرِكُ فيه أَكثرُ مِن
— 27 —
أَلفِ شَخصٍ، يُعَدُّ أَمرًا مَعقُولًا، مع ُ مِنهحتِمالَ الفَوزِ واحِدٌ مِن أَلفٍ، فكيف بالَّذي يُحجِمُ عن بَذْلِ واحِدٍ مِن أَربَعةٍ وعِشرِين مِمّا يَملِكُه في سَبِيلِ رِبحٍ مَضمُونٍ، ولِأَجلِ نَيلالحقيقينةٍ أَبَديّةٍ، باحتِمالِ تِسعٍ وتِسعين مِن مِئةٍ.. ألَا يُعَدُّ هذا العَمَلُ خِلافًا للعَقلِ ومُجانِبًا للحِكمةِ؟! ألَا يُدرِكُ ذلك كلُّ مَن يَعُدُّ نَفسَه عاقِلًا؟
إنَّ ا الفِطةَ بذاتِها راحةٌ كُبرَى للرُّوحِ والقَلبِ والعَقلِ معًا، فَضلًا عن أنَّها لَيسَت عَمَلًا مُرهِقًا للجِسمِ؛ وفوقَ ذلك فإنَّ سائرَ أَعمالِ المُصَلِّي الدُّنيَويّةِ المُباحةِ ستكُونُ له بمَثايلُ وابادةٍ للهِ، وذلك بالنِّيّةِ الصّالِحةِ، فيَستَطِيعُ إذًا أن يُحَوِّل المُصَلِّي جَميعَ رَأسِ مالِ عُمُرِه إلى الآخِرةِ، فيَكسِبَ عُمُرًا خالِدًا ببِ بمَه الفاني.
٭ ٭ ٭
— 28 —
الكلمة الخامسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
إذا أَرَدتَّ أن تَرَى أنَّ إقامةَ الصّسِ للتواجتِنابَ الكَبائرِ وَظيفةٌ حَقيقيّةٌ تَلِيقُ بالإنسانِ، ونَتيجةٌ فِطرِيّةٌ مُلائمةٌ معَ خِلقَتِه، فتَأَمَّلْ في هذه الحِكايةِ التَّمثيلِيّةِ القَصيرةِ واستَمِع إلَيها:
كان في اوتَذبُ العالَمِيّةِ، وفي أَحَدِ الأَفواجِ، جُندِيّانِ اثنانِ: أَحَدُهما مُدَرَّبٌ على مُهِمَّتِه، مُجِدٌّ في واجِبِه؛ والآخَرُ جاهِلٌ بوَظِيفَتِه، مُتَّبِعٌ هواه.. كان المُتقِنُ واجِبَه يَهتَمُّ الِاهتِمامَ كُلَّه بأَوامَّاءَ تَّدرِيبِ وشُؤُونِ الجِهادِ، ولم يكُن لِيُفَكِّرَ قَطُّ بلَوازِمِ مَعاشِه وأَرزاقِه، حيثُ إنَّه أَدرَكَ يَقينًا أنَّ إعاشَتَه ورِعايةَ شُؤُونِه وتَزوِيدَه بالعَتادِ، بل حتَّى مُداواتَه إذا مَرِض، بل حتَّى وَضْعَ التَادَهِ یی إذا احتاجَ الأَمرُ یی في فَمِه، إنَّما هو مِن واجِبِ الدَّولةِ؛ وأمّا واجِبُه الأَساسُ فهو التَدَرُّبُ على أُمُورِ الجِهادِ ليس إلَّا، مع عِلمِه أنَّ هذا لا يَمنَعُ مِن أن يَقُومَ بشُؤُونِ التَّجهيزِ وياتِ اَعمالِ الإعاشةِ كالطَّهْيِ وغَسلِ المَواعِينِ، وحتَّى في هذه الأَثناءِ لو سُئلَ: "ماذا تَفعَلُ؟" لَقالَ: "إنَّما أَقُومُ ببَعضِ واجِباتِ الدَّولةِ تَطَوُّعًا"، ولا يُجِيبُ: "إنَّني أَسعَى لِأَجلِ كِلةٌ فلَوازِمِ العَيشِ".
أمَّا الجُندِيُّ الآخَرُ الجاهِلُ بواجِباتِه، فلم يكُن لِيُباليَ بالتَّدرِيبِ ولا يَهتَمَّ بالحَربِ، فكان يقُولُ: "ذلك مِن واجِبِ الةِ أَمِ، وما لي أنا؟!"، فيَشغَلُ نَفسَه بأُمُورِ مَعِيشَتِه، ويَلهَثُ وَراءَ الِاستِزادةِ مِنها حتَّى كان يَدَعُ الفَوجَ لِيُزاوِلَ البَيعَ والشِّراءَ في الأَسواقِ.
قال له صَديقُه المُجِدُّ ذاتَ يَومٍ: "يا أَخي.. ُورِ اُهِمَّتَك الأَصلِيّةَ هي التَّدَرُّبُ والِاستِعدادُ للحَربِ، وقد جِيءَ بك إلى هنا مِن أَجْلِ ذلك؛ فاعتَمِدْ على السُّلطانِ
— 29 —
واطْمَئِنَّ إلَيه في أَمرِ مَعاشِك، فلن يَدَعَك جائعًا، فذلك واجِبُه ووَظيفَتُه.. ثمَّ جَمالِعاجِزٌ وفَقيرٌ لن تَستَطيعَ أن تُدِيرَ أُمُورَ مَعِيشَتِك بنَفسِك، وفوقَ هذا فنحنُ في زَمَنِ جِهادٍ وفي ساحةِ حَربٍ عالَمِيّةٍ كُبْرَى، أَخشَى أنَّهم يَللَّه.نك عاصِيًا لِأَوامِرِهم فيُنزِلُون بك عُقُوبةً صارِمةً.
نعم؛ إنَّ وَظيفَتَينِ اثنَتَينِ تَبدُوانِ أَمامَنا: إحداهما: وَظيفةُ السُّلطانِ، وهي قِيامُه بإعاشَتِنا. ونحن قد نُستَخدَمُ مَجّانًبِ الضنجازِ تلك الوَظيفةِ. وأُخراهما: هي وَظيفَتُنا نحن، وهي التَّدرِيبُ والِاستِعدادُ للحَربِ، والسُّلطانُ يُقَدِّمُ لنا مُساعَداتٍ وتَسهِيلاتٍ لازِمةً".
فيا أَخي تَأَمَّل لو لم يُعِرِ الجُندِيُّ المُهمِلُ سَمْعًا لِكَلامِلى بُرلمُجاهِدِ المُدَرَّبِ كم يكُونُ خاسِرًا ومُتَعرِّضًا للأَخطارِ والتَّهلُكةِ؟!
فيا نَفسِي الكَسُولُ.. إنَّ تلكِ السّاحةَ الَّتي تَمُور مَوْرًا بالحَربِ هي هذه االقاهُِ الدُّنيا المائجةُ، وأمَّا ذلكِ الجَيشُ المُقَسَّمُ إلى الأَفواجِ فهو الأَجيالُ البَشَريّةُ، وأمَّا ذلكِ الفَوجُ نَفسُه فهو المُجتَمَعُ المُسلِمُ المُعاصِرُ، ه وأَظ الجُندِيّانِ الِاثنانِ: فأَحَدُهما هو العارِفُ باللهِ والعامِلُ بالفَرائضِ والمُجتَنِبُ الكَبائرَ، وهو ذلك المُسلِمُ التَّقيُّ الَّذي يُجاهِدُ نَفسَه والشَّيطانَ خَشيةَ الوُقُوعِ في الخَطايا والذُّنُوبِ؛ وأمَّبعضٍ بَرُ فهو الفاسِقُ الخاسِرُ الَّذي يَلهَثُ وراءَ هُمُومِ العَيشِ لِحَدِّ اتِّهامِ الرَّزَّاقِ الحَقيقيِّ، ولا يُبالي في سَبِيلِ الحُصُولِ على لُقمةِ العَيشِ أن تَفُوتَه الفَرائضُ وتَتَعرَّضَ له المَعاصي؛ وأمّا تلك التَّدرِيباتُ والتَتي تَاتُ، فهي العِبادةُ وفي مُقدِّمَتِها الصَّلاةُ؛ وأمّا تلك الحَربُ فهي مُجاهَدةُ الإنسانِ نَفسَه وهَواه، واجتِنابُه الخَطايا ودَنايا الأَخلاقِ، ومُقاوَمَتُه شَياطينَ الجِنِّ والإنسِ، إنقاذًا لِقَلبِه.
وِه معًا مِنَ الهَلاكِ الأَبَدِيِّ والخُسرانِ المُبِينِ؛ وأمّا تانِكِ الوَظيفَتانِ الِاثنَتانِ، فإحداهما مَنحُ الحَياةِ ورِعايتُها، والأُخرَى عِبادةُ واهِبِ الحَياةِ ومُرَبِّيها والسُّؤالُ مِنه والتَّوكةُ باللَيه والِاطمِئنانُ إلَيه.
أجل، إنَّ الَّذي وَهَب الحَياةَ وأَنشَأَها صَنعةً صَمَدانيّةً مُعجِزةً تَتَلمَّعُ، وجَعَلَها حِكمةً رَبّانيّةً خارِقةً تَتألَّق، هو الَّذي يُربِّيها، وهو وَحدَه الَّذي يَرعاها ويُديمُأَهَا رِّزقِ.
— 30 —
أوَتُريدُ الدَّليلَ؟ إنَّ أَضعَفَ حَيَوان وأَبلَدَه لَيُرزَقُ بأَفضَلِ رِزقٍ وأَجوَدِه (كالأَسماكِ ودِيدانِ الفَواكِه)، وإنَّ أَعجَزَ مَخلُوقٍ وأَرَقَّه لَيأْكُلُ أَحسَنَ رِزقٍ وأَطيَبَه (كالأطفالِ والصّاصِبًا.
ولكي تَفهَمَ أنَّ وَسِيلةَ الرِّزقِ الحَلالِ لَيسَت الِاقتِدارَ والِاختِيارَ، بل هي العَجزُ والضَّعفُ، يَكفيك أن تَعقِدَ مُقارَنةً بينَ الأَسماكِ البَليدةِ والثَّعالِبِ، وبينَ الصِّغارِ الَّذين لا قُوّةَ لهم والو طائرً الكاسِرةِ، وبينَ الأَشجارِ المُنتَصِبةِ والحَيَواناتِ اللّاهِثةِ.
فالَّذي يَترُكُ صَلاتَه لِأَجلِ هُمُومِ العَيشِ مَثَلُه كمَثَلِ ذلك الجُندِيِّ الَّذي يَترُكُ تَدرِيبَه وخَندَقَه ويَتَسوَّلُ مُكَلامُِعًا في الأَسواقِ؛ بَينَما الَّذي يُقيمُ الصَّلاةَ دُونَ أن يَنسَى نَصِيبَه مِنَ الرِّزقِ، يَبحَثُ عنه في مَطبَخِ رَحمةِ الرَّزّاقِ الكَريمِ، لِئلّا يكُونَ عالةً على الآخَرين فجَميلُوغِ َلُه، بل هو رُجُولةٌ وشَهامةٌ، وهو ضَربٌ مِنَ العِبادةِ أَيضًا.
ثمَّ إنَّ فِطرةَ الإنسانِ وما أَودَعَ اللهُ فيه مِن أَجهِزةٍ مَعنَويّةٍ تَدُلَّانِ على أنَّه مَخلُوقٌ للعِبادةِ،َى أَد ما أُودِعَ فيه مِن قُدُراتٍ وما يُؤدِّيه مِن عَمَلٍ لِحَياتِه الدُّنيا لا تَبلُغُ مَرتَبةَ أَدنَى عُصفُورٍ یی الَّذي يَستَمتِعُ بالحَياةِ أَكثَرَ مِنه وأَفضَلَ یی بَينَما يكُونُ الإنسانُ سُلطانَ الكائناتِ وسيِّدَ المَخلُوقاتِ مِن حيث أَلفَتُه المَعنَويّةُ والأُخرَويّةُ بما أَودَعَ اللهُ فيه مِن عِلمٍ به وافتِقارٍ إلَيه وقيامٍ بعِبادَتِه.
فيا نَفسِي.. إن كُنتِ تَجعَلِينَ الحَياةَ الدُّنيا غايةَ الظَرَ وِ، وأَفرَغْتِ في سَبِيلِها جُهدَكِ، فسوف تكُونينَ في حُكمِ أَصغَرِ عُصفُورٍ؛ أمَّا إن كُنتِ تَجعَلِينَ الحَياةَ الأُخرَى غايةَ المُنَى وتَتَّخِذين هذه الحَياةَ الدُّنيا وَسِيلةً لها ومَزرَعةً، وسَعَيتِ لها سَعْيَها،جَحِيمتكُونينَ في حُكمِ سيِّدِ الأَحياءِ والعَبدِ العَزيزِ لَدَى خالِقِه الكَريمِ وستُصبِحِينَ الضَّيفَ المُكَرَّمَ الفاضِلَ في هذه الدُّنيا.. فدُونَكِ طَريقَينِ اثنَينِ، فاختارِي أيَّما تَشائينَ، واسأَلي الرَّبِيَّ اَّحيمَ الهِدايةَ والتَّوفيقَ.
٭ ٭ ٭
— 31 —
الكلمة السادسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَارُورَه بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
إذا أَرَدتَ أن تَعلَم أنَّ بَيعَ النَّفسِ والمالِ إلى اللهِ تَعالَى، والعُبُوديّةَ له، والجُندِيّةَ في سَبِيلِه أَربَحُ تِجارةٍ وأَشرتَقلِيتبةٍ، فأَنصِتْ إلى هذه الحِكايةِ التَّمثيليّةِ القَصِيرةِ:
وَضَع سُلطانٌ ذاتَ يومٍ لَدَى اثنَينِ مِن رَعاياه وَدِيعةً وأَمانةً، مَزرَعةً واسِعةًَ لها ٍّ مِنهما، فيها كلُّ ما تَتَطلَّبُه مِن مَكائِنَ وآلاتٍ وأَسلِحةٍ وحَيَواناتٍ وغيرِها؛ وتَوافَق أن كان الوَقتُ آنَذاك وَقتَ حَربٍ طاحِنةٍ، لا يَقَرُّ قَرارٌ لِشَيءٍ، فإمّا ِ الضَّدِّلَه الحَربُ وتُغَيِّرَه أو تَجعَلَه أَثَرًا بعدَ عَينٍ. فأَرسَلَ السُّلطانُ رَحمةً مِنه وفَضْلًا أَحَدَ رِجالِه المُقَرَّبين مَصحُوبًا بأَمرِه الكَرِيمِ ليَقُولَ لهما:
"بِيعُوا لي ما لَدَيكُم مِن أَمانَسَّلامَحفَظَها لكُم، فلا تَذهَبَ هَباءً في هذا الوَقتِ العَصِيبِ، وسأَرُدُّها لكم حالَما تَضَعُ الحَربُ أَوزارَها، وسأُوفي ثَمَنَها لكُم غاليًا، كأنَّ تلك الأَمانةَ مُلكُكم، وستُشَغّ أُؤمِك المَكائِنُ والآلاتُ الَّتي في حَوزَتِكمُ الآنَ في مَعامِلي وباسمِي وعُهدَتي، وستَرتَفِعُ أَثمانُها مِنَ الواحِدِ إلى الأَلفِ، فَضْلًا عن أنَّ جَميعَ الأَرباحِ ستَعُودُ إلَيكم أيضًا، وسأَتعَهَّدُ عنكم بجَميعِ تَكاى أَحَ ومَصارِيفِها، حيثُ إنَّكم عاجِزُون فُقَراءُ لا تَتَحمَّلُون مَصارِيفَ تلك المَكائِنِ؛ وسأَرُدُّ لكم جَميعَ وارِداتِها ومَنافِعِها، عِلمًا أنِّي سأُبقِيها عِندَكم لِتَستَفِيدُوا مِنها وتَتَمتَّعُوا بها إلى أن يَحِينعَينِ ُ أَخْذِها.. فلَكُم خَمسُ مَراتِبَ مِنَ الأَرباحِ في صَفْقةٍ واحِدةٍ.
وإن لم تَبِيعُوها لي فسَيَزُولُ حَتْمًا كلُّ ما لَدَيكُم، حيثُ وهكذا أنَّ أَحَدًا لا يَستَطِيعُ أن يُمسِكَ بما عِندَه، وستُحرَمُون مِن تلك الأَثمانِ الغاليةِ، وستُهمَلُ تلك الآلاتُ الدَّقيقةُ النَّفيسةُ والمَوازِينُ الحَسّاسةُ والمَعادِنُ الثَّمينةُ، وتَفقِدُ قِيمَتَها كُلِّیيًّا، وذلك لِعَدَمِ استدي، فأها
— 32 —
في أَعمالٍ راقِيةٍ، وستَتَحمَّلُون وَحْدَكم إدارَتَها وتَكاليفَها، وستَرَون جَزاءَ خِيانَتِكم للأَمانةِ.. فتلك خَمسُ خَسائِرَ في صَفْقةٍ واحِدةٍ؛ وفوقَ هذا كلِّه إنَّ هذا البَيعَ يعني أنَّ البائِعَ يُصبِحُ جُندِيًّا حُرًّا أَيءَ يَ خاصًّا بي، يَتَصرَّفُ باسمي ولا يَبقَى أَسِيرًا عادِيًّا وشَخْصًا سائِبًا".
أَنصَتَ الرَّجُلانِ مَلِيًّا إلى هذا الكَلامِ الجَمِيلِ والأَمرِ السُّلطانِيِّ الكَرِيمِ، فقال العاقِلُ الرَّزِينُ مِنهما: "سَمْعًا وطاعةً لِأَمرِ السّإنَّ ا، رَضِيتُ بالبَيعِ بكلِّ فَخرٍ وشُكرٍ"، أمّا الآخَرُ المَغرُورُ المُتَفرعِنُ الغافِلُ فقد ظَنَّ أنَّ مَزرَعتَه لا تَبِيدُ أَبدًا، ولا تُصِيبُها تَقَلُّباتُ الدَّهرِ واضطِراباتُ الدُّنيا، فقال: "لا!.. ومَنِ السُّل الأَولا أَبِيعُ مُلكِي ولا أُفسِدُ نَشْوَتِي!"
ودارَتِ الأَيّامُ.. فأَصبَحَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ في مَقامٍ يَغبِطُه النّاسُ جَمِيعًا، إذ أَضحَى يَعيشُ في بُحبُوحةِ قَصرِ السُّلطانِ، يَتَنعَّمُ بأَلطافِه ويَتَقلَّبُ على أَرائِكِ أَرُ كذل؛ أمّا الآخَرُ فقدِ ابتُلِيَ شَرَّ بَلاءٍ حتَّى رَثَى لِحالِه النّاسُ كُلُّهم، رَغمَ أنَّهم قالُوا: "إنَّه يَستَحِقُّها!" إذ هو الَّذي وَرَّط نَفسَه في مَرارةِ العَذابِ جَزاءَ ما ارتَكَالنَّا خَطَأٍ، فلا دامَت له نَشْوَتُه ولا دامَ له مُلْكُه.
فيا نَفسِي المَغرُورةَ.. انظُرِي مِن خِلالِ مِنظارِ هذه الحِكايةِ إلى وَجهِ الحَقيقةِ النّاصِعةِدَايَةُّلطانُ هو سُلطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ، وهو رَبُّكِ وخالِقُكِ؛ وتلك المَزرَعةُ والمَكائِنُ والآلاتُ والمَوازِينُ هي جَمِيعُ ما تَملِكِينَه في الحَياةِ الدُّنيا ومالحَور مِن جَسمٍ ورُوحٍ وقَلْبٍ، وما فيها مِن سَمْعٍ وبَصَرٍ وعَقلٍ وخَيالٍ، أي: جَميعِ الحَواسِّ الظّاهِرةِ والباطِنةِ؛ وأمّا الرَّسُولُ الكَرِيمُ فهو سيِّدُنا مُحمَّدٌ (ص)؛ وأمثَ التَمرُ السَّلطانِيُّ المُحْكَمُ فهو القُرآنُ الكَرِيمُ الَّذي يُعلِنُ هذا البَيعَ والتِّجارةَ الرّابِحةَ في هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهالواسِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ؛ وأمّا المَيدانُ المُضطَرِبُ والحَربُ المُدَمِّرةُ فهي أَحوالُ هذه الدُّنيا، إذ لا قَرارَ فيها ولا ثَباتَ، كلُّها تَأَكرَماتٌ تُلِحُّ على فِكرِ الإنسانِ بهذا السُّؤالِ:
"إنَّ جَمِيعَ ما نَملِكُ لا يَستَقِرُّ ولا يَبقَى في أَيدِينا، بل يَفنَى ويَغيبُ عنَّا، ألَيس هناك مِن عِلاجٍ لهذا؟ ألَا يُمكِنُ أن يَحُلَّ البَقاءُ بهذنِ وبَناءِ؟!".
وبَينَما الإنسانُ غارِقٌ في هذا التَّفكِيرِ، إذا به يَسمَعُ صَدَى القُرآنِ السَّماوِيِّ يُدَوِّي
— 33 —
في الآفاقِ ويقُولُ له بتلك الآيةِ الكا إلى ِ: نعم، إنَّ هناك عِلاجًا لهذا الدّاءِ، بل هو عِلاجٌ لَطِيفٌ فيه رِبحٌ عَظِيمٌ في خَمسِ مَراتِبَ.
سُؤالٌ:وما العِلاجُ؟
الجَوابُ:بَيعُ الأَمانةِ إلى مانظُر ا الحَقِيقيِّ. في هذا البَيعِ خَمسُ دَرَجاتٍ مِنَ الرِّبحِ في صَفْقةٍ واحِدةٍ.
الرِّبحُ الأوَّلُ:المالُ الفاني يَجِدُ البَقاءَ، لأنَّ العُمُرَ الزّائِلَ الَّذي يُوهَبُ للحَيِّ القَيُّومِ امَصائب ويُبذَلُ في سَبِيلِه سُبحانَه، يَنقَلِبُ عُمُرًا أَبدِيًّا باقيًا؛ عِندَئذٍ تُثمِرُ دَقائقُ العُمُرِ ثِمارًا يانِعةً وأزاهِيرَ سَعادةٍ وضَّاءةً في عالَمِ البَقاءِ مِثلَما تَفنَى البُذُورُ ظاهِرًا وتَنشَقُّفَيَكُالأَزهارُ والسَّنابِلُ.
الرِّبحُ الثّاني:الثَّمَنُ هو الجَنّةُ.
الرِّبحُ الثّالثُ:يَرتَفِعُ ثَمَنُ كلِّ عُضوٍ وحاسّةٍ ويَغلُو مِنَ الواحِدِ إلى الأَلفِ.
فمَثلًا:العَقلُ عُضوٌ وآلةٌ، إن لم تَبِعْه للهِ ةٍ ولاستَعمِلْه في سَبِيلِه، بل جَعَلْتَه في سَبِيلِ الهَوَى والنَّفسِ، فإنَّه يَتَحوَّلُ إلى عُضوٍ مَشؤُومٍ مُزعِجٍ وعاجِزٍ، إذ يُحَمِّلُك آلامَ الماضِي الحَزِينةَ وأَهوالَ المُْرَكُ لِ المُخِيفةَ، فيَنحَدِرُ عِندَئذٍ إلى دَرْكِ آلةٍ ضارّةٍ مَشؤُومةٍ. ألَا تَرَى كيفَ يَهرُبُ الفاسِقُ مِن واقِعِ حَياتِه ويَنغَمِسُ في اللَّهْوِ أوِ السُّكْرِ إنقاذًا لِنَفسِه مِن إزعاجاتِ عَقلِه؟ ولكن إذا بِيعَ العَقلُ إلى اللهِ، واستُعمِلَيه، ولبِيلِه ولِأَجلِه، فإنَّه يكُونُ مِفتاحًا رائعًا بحَيثُ يَفتَحُ ما لا يُعَدُّ مِن خَزائنِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ وكُنُوزِ الحِكمةِ الرَّبّانيّةِ. فأَينَما يَنظُرُ صاحِبُه وكَيفَما يُفَكِّرُ يَرَى الحِكمةَ الإلٰهِيّةَ في كلِّ شيءٍ، وكلِّ مَوجُودٍيدسْت ِ حادِثةٍ؛ ويُشاهِدُ الرَّحمةَ الإلٰهِيّةَ مُتَجَلِّيةً على الوُجُودِ كُلِّه، فيَرقَى العَقلُ بهذا إلى مَرتَبةِ مُرشِدٍ رَبّانِيٍّ يُهَيِّئُ صاحِبَه للسَّعادةِ الخالِدة ومُخَومَثلًا:العَينُ حاسّةٌ، تُطِلُّ الرُّوحُ مِنها على هذا العالَمِ، فإن لم تَستَعمِلْها في سَبِيلِ اللهِ، واستَعمَلَتْها لِأَجلِ النَّفسِ والهَوَى، فإنَّها بمُشاهَدَتِها بعضَ المَناظِرِ الجَمِيلةِ المُؤَقَّتةِ الزّائلةِ تُصبِحرٌ غريَرْكِ الخادِمةِ والسِّمْسارةِ الدَّنيئةِ لإثارةِ شَهَواتِ النَّفسِ والهَوَى؛ ولكِن إن بِعتَها إلى خالِقِها البَصِيرِ واستَعمَلْتَها فيما يُرضِيه، عِندَئذٍ تكُونُ العَينُ مُطالِدُ الأكِتابِ
— 34 —
الكَونِ الكَبِيرِ هذا وقارِئةً له، ومُشاهِدةً لِمُعجِزاتِ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ في الوُجُودِ، وكأنَّها نَحلةٌ بينَ أَزاهِيرِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ في بُستانِ الأَرضِ، فتُقَطِّرُ مِن شَهْدِ العِبرةِ والمَعرِفةِ واأن تُبّةِ نُورَ الشَّهادةِ إلى القَلبِ المُؤمِنِ.
ومَثلًا:إن لم تَبِعْ حاسّةَ الذَّوقِ الَّتي في اللِّسانِ إلى فاطِرِها الحِكِيمِ، واستَعمَلْتَها لِأَجلِ المَعِدةِ والنَّفسِ، فحِينَئذٍ تَهوِي إلى
مِِ بَوَّابِ مَعمَلِ المَعِدةِ وإصْطَبلِها، فتَهبِطُ قِيمَتُها؛ ولكِن إن بِعْتَها إلى الرَّزّاقِ الكَرِيمِ، فإنَّها تَرقَى إلى دَرَجةِ ناظِرٍ ماهِرٍ لِخَزائنِ الرَّحمةِ الإلٰها عَدا ومُفَتِّشٍ شاكِرٍ لِمَطابِخِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ.
فيا أيُّها العَقلُ.. أَفِقْ، أين الآلةُ المَشؤُومةُ مِن مِفتاحِ كُنُوزِ الكائناتِ؟! ويا أَيَّتُها العَينُ.. أَبصِرِي جَيِّدًا،ا:
السَّمسَرةُ الدَّنيئةُ مِنَ الإمعانِ في المَكتَبةِ الإلٰهِيّةِ؟! ويا أيُّها اللِّسانُ.. ذُقْ جَيِّدًا، أينَ بَوّابُ المَعمَلِ والإِصْطَبلِ أُنشِئظِرِ خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ؟!.
فإن شِئتَ یی يا أَخي یی فقِسْ بَقِيّةَ الأَعضاءِ والحَواسِّ على هذا، وعِندَها تَفهَمُ أنَّ المُؤمِنَ يَكسِبُ ءِ ما خاصِّيّةً تَلِيقُ بالجَنّةِ، كما أنَّ الكافِرَ يَكتَسِبُ ماهِيّةً تُوافِقُ جَهَنَّمَ؛ فما جُوزِيَ كُلٌّ مِنهُما بهذا الجَزاءِ العادِلِ إلَّا لِأُ ذلك لمُؤمِنَ يَستَعمِلُ بإيمانِه أَمانةَ خالِقِه سُبحانَه بِاسمِه وضِمنَ دائِرةِ مَرضاتِه، وأنَّ الكافِرَ يَخُونُ الأَمانةَ فيَستَعمِلُها لِهَواه ولِنَفسِه الأَمّارةِ بالسُّوءِ.
الرِّبحُ الرّابعُ:إنَّ الإنسانَ ضَعِيفٌ بَينَما مَصانيا، بكَثيرةٌ، وهو فَقِيرٌ ولكِنَّ حاجَتَه في ازدِيادٍ، وعاجِزٌ إلَّا أنَّ تَكاليفَ عَيشِه مُرهِقةٌ، فإن لم يَتَوكَّلْ هذا الإنسانُ على العَلِيِّ القَدِيرِ ولم يَستَنِدْ إلَيه، وإن لم يُسَلِّمِ َائِرََ إلَيه ولم يَطمَئِنَّ به، فسَيَظَلُّ يُقاسِي في وِجدانِه آلامًا دائِمةً، وتَخنُقُه حَسَراتُه وكَدْحُه العَقِيمُ، فإمّا يُحَوِّلُه إلى مُجرِمٍ قَذِرٍ أو سِكِّيرٍ عابِثٍ.
الرِّبحُ الخامِسُ:إنَّه مِنَ المُتَّفَقِ علَيه إِجماعًا بينَ أَهَضمَّناختِصاصِ والشُّهُودِ والذَّوقِ والكَشفِ، أنَّ العِباداتِ والأَذكارَ والتَّسبِيحاتِ الَّتي تَقُومُ بها الأَعضاءُ عِندَما تَعمَلُ ضِمنَ مَرضاتِه سُبحانَه تَتَحوَّلُ إلى ثِمارٍ طَيِّبةٍ لَذِيذةٍ مِن ثِمارِ الجَنّةِ، وتُقدَّمُ إلَيا خَمسَقتٍ أَنتَ في أَمَسِّ الحاجةِ إلَيها.
— 35 —
وهكذا، ففي هذه التِّجارةِ رِبحٌ عَظِيمٌ فيه خَمسُ مَراتِبَ مِنَ الأَرباحِ، فإن لم تَقُم بها فستُحرَمُ مِن أَرباحِها جَميعِها، فَضْلًا عن خُسرانِك خَمْسَ خَساراتٍ أُ يُثيري:
الخَسارةُ الأُولَى:إنَّ ما تُحِبُّه مِن مالٍ وأَولادٍ، وما تَعشَقُه مِن هَوَى النَّفسِ، وما تُعجَبُ به مِن حَياةٍ وشَبابٍ، سيَضِيعُ كلُّه ويَزُولُ، مُخَلِّفًا آثامَه وآلامَه مُثقِلًا بها ظَهْرَك.
الخَساَديعِ ثّانيةُ:ستَنالُ عِقابَ مَن يَخُونُ الأَمانةَ، لأَنَّك باستِعمالِك أَثمَنَ الآلاتِ والأَعضاءِ في أَخَسِّ الأَعمالِ قد ظَلَمْتَ نَفْسَك.
الخَسارةُ الثّالثةُ:لقدِ افْتَرَيتَ وجَنَيتَ على الحِكمةِ الإلٰهِيّةِ، إذ أَسقَطتَ جلَمِ يتلك الأَجهِزةِ الإنسانيّةِ الرّاقيةِ إلى دَرَكاتِ الأَنعامِ بل أَضَلَّ.
الخَسارةُ الرّابعةُ:ستَدعُو بالوَيلِ والثُّبُورِ دائمًا، وستَئِلمُشتان صَدْمةِ الفِراقِ والزَّوالِ ووَطْأةِ تَكاليفِ الحَياةِ الَّتي أَرهَقْتَ بها كاهِلَك الضَّعيفَ مع أنَّ فَقْرَك قائِمٌ وعَجْزَك دائِمٌ.
الخَسارةُ الخامِسةُ:إنَّ هَدايا الرَّحمٰنِ الجَمِيلةِ یی كالعَقلِ والقَلبِ والعَينِ واللِّسانِرارَ اابَهَها یی ما وُهِبَتْ لكَ إلَّا لِتُهَيِّئَك لِفَتْحِ أَبوابِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ، فما أَعظَمَها خَسارةً أن تَتَحوَّلَ تلك الهَدايا إلى صُورةٍ الَّذمةٍ تَفتَحُ لك أَبوابَ جَهَنَّمَ!
والآنَ.. سنَنظُرُ إلى البَيعِ نَفسِه: أهوَ ثَقِيلٌ مُتعِبٌ حَقًّا بحَيثُ يَهرُبُ مِنه الكَثِيرُون؟ كلَّا، ثم كلَّا.. فلا تَعِه، وكه ولا ثِقَلَ أَبَدًا، لأنَّ دائِرةَ الحَلالِ واسِعةٌ فَسِيحةٌ، تَكفِي للرّاحةِ والسَّعادةِ والسُّرورِ. فلا داعِيَ للوُلُوجِ في الحَرامِ.
أمّا ما افتَكِيمُ.اللهُ علَينا فهو كذلك خَفِيفٌ وضَئِيلٌ، وإنَّ العُبُودِيّةَ للهِ بحَدِّ ذاتِها شَرَفٌ عَظِيمٌ إذ هي جُندِيّةٌ في سَبِيلِه سُبحانَه، وفيها مِنَ اللَّذّةِ وراحةِ الوِجدانِ ما لا يُوصَفُ.
أمّا الو فقد عفهو أن تكُونَ ذلك الجُندِيَّ، فتَبدَأَ باسمِ اللهِ، وتَعمَلَ باسمِ اللهِ، وتَأخُذَ وتُعطِيَ في سَبِيلِه ولِأَجلِه، وتَتَحرَّكَ وتَسكُنَ ضِمنَ دائِرةِ مَرْضاتِه وأَوامِرِه، وإن كان هناك تَقصِيرٌ فدُونَك بابَ ال جِدًّفارِ، فتَضَرَّعْ إلَيه وقُلْ:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا، وَاقْبَلْنَا فِي عِبَادِكَ، وَاجْعَلْنَا أُمَنَاءَ عَلَى مَا أَمَّنتَهُ عِندَنَا إِلَى يَومِ لِقَائِكَ.. آمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 36 —
الكلمة ثِرِيهة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
آمَنتُ بِالله وبِاليَومِ الآخِرِ
إن كُنتَ تَرغَبُ أن تَفهَمَ كيفَ أنَّ الإيمانَ باللهِ وبِ العاِ الآخِرِ، أَثمَنُ مِفتاحَينِ يَحُلَّانِ لِرُوحِ البَشَرِ طِلَّسْمَ الكَونِ ولُغزَه، ويَفتَحانِ أَمامَها بابَ السَّعادةِ والهَناءِ؛ وكيفَ أن تُوَكِّلَ الَاتِهِ على خالِقِه صابِرًا، والرَّجاءَ مِن رزَّاقِه شاكِرًا، أَنفَعُ عِلاجَينِ ناجِعَينِ؛ وأنَّ الإنصاتَ إلى القُرآنِ الكَرِيمِ، والِانقِيادَ لِحُكستَهِلأَداءَ الصَّلَواتِ وتَركَ الكَبائرِ أَغلَى زادٍ للآخِرةِ، وأَسطَعُ نُورٍ للقَبْرِ، وأَيسَرُ تَذكِرةِ مُرُورٍ في رِحلةِ الخُلُودِ.
أَجَل، إن كُنتَ تُرِيدُ أن تَفهَمَ هذه الأُمُورَ كُلَّها؛ فأَنصِت وتَجِإلى هذه الحِكايةِ التَّمثِيليّةِ القَصِيرةِ:
وَقَع جُندِيٌّ في الحَربِ في مَأزِقٍ عَصِيبٍ ووَضْعٍ مُحَيِّرٍ، إذ أَصبَحَ جَرِيحًا بجُرحَينِ غائِرَينِ في يَمِينِه وفي شِمالِه؛ وخَلْفَه أَسَدٌ هَصُورٌ يُوشِكُ ِّتةً قَضَّ علَيه، وأَمامَه مِشنَقةٌ تُبِيدُ جَميعَ أَحِبَّتِه وتَنتَظِرُه أيضًا؛ زِدْ على ذلك كانَت أَمامَه رِحلةُ نَفيٍ شاقّةٌ طَوِيلةٌ رَغمَ وَضْعِه الفَظِيعِ المُؤلِمِ!.. وبَينَما كان هذا المِسكِينُ المُبتَلَى مُستَغرِقًا في تَفكِيرٍ يائسٍ مِ إلى ِعِه المُفجِعِ هذا، إذا برَجُلٍ خَيِّرٍ كأنَّه الخَضِرُ عَليهِ السَّلام يَتَلَألَأُ وَجْهُه نُورًا يَظهَرُ عن يَمِينِه ويُخاطِبُه: "لا تََحَ مِ ولا تَقْنَطْ.. سأُعَلِّمُك طِلَّسْمَينِ اثنَينِ، إن أَحْسَنْتَ استِعمالَهما يَنقَلِبْ ذلك الأَسَدُ فَرَسًا أَمِينًا مُسَخَّرًا لِخِدمَتِك، وتَتَحوَّلْ تلك المِشنَقةُ أُرجُوحةً مُرِيحةً لَطِيفةً تَأنَسُ بها، وسأُناوِل بُدَّاءَينِ اثنَينِ، إن أَحسَنْتَ استِعمالَهُما يُصَيِّرانِ جُرحَيك المُنتِنَينِ زَهرَتَينِ شَذِيَّتَينِ، وسأُزَوِّدُك بتَذكِرةِ سَفَرٍ تَستَطِيعُ بها أن تَقطَعُ مَسافةَ
— 37 —
سنةٍ كامِلةٍ في يومٍ واحِدٍ كأنَّك تَطِيرُ؛ وإسِيرٌ ُصَدِّقْ بما أَقُولُ فجَرِّبْه مَرّةً، وتَيَقَّنْ مِن صِحَّتِه وصِدْقِه".
فجَرَّبَ الجُندِيُّ شَيْئًا مِنه، فرَآه صِدْقًا وصَوابًا.
نعم، وأنا كذلك یی هذا المَسكِينُ "سَعِيدٌ" یی أُصَدِّقُه، لأَنَّني جَرَّبتاءِ، سِيلًا، فرَأَيتُه صِدْقًا وحَقًّا خالِصًا.
ثم، على حِينِ غِرّةٍ رَأَى رَجُلًا لَعُوبًا دَسَّاسًا یی كأنَّه الشَّيطانُ یی يَأتِيه مِن جِهةِ الرُّرِ معَ زِينةٍ فاخِرةٍ، وصُوَرٍ جَذّابةٍ، ومُسْكِراتٍ مُغرِيةٍ، ووَقَفَ قُبالَتَه يَدعُوه:
إلَيَّ إلَيَّ أيُّها الصَّدِيقُ، أَقبِلْ لِنَلْهُوَ مَعًا ونَستَمتِعَ بصُوَرِ الحَسْناواتِ هذه، وكةِ: شبَ بسَماعِ هذه الأَلوانِ مِنَ الأَغاني، ونَتَلذَّذَ بهذه المَأكُولاتِ اللَّذِيذةِ. ولكِن يا هذا.. ما هذه التَّمتَمةُ الَّتي تُرَدِّدُها؟!
ا المَه طِلَّسمٌ ولُغْزٌ!
دَعْ عَنك هذا الشَّيءَ الغامِضَ، فلا تُعَكِّرْ صَفْوَ لَذَّتِنا، وأُنْسَ نَشْوَتِنا الحاضِرةِ..
يا هذا.. وما ذلك بيَدِك؟
إنّءَى لياءٌ!
ارْمِه بَعِيدًا، إنَّك سالِمٌ صَحِيحٌ ما بك شَيءٌ، ونحن في ساعةِ طَرَبٍ وأُنسٍ ومُتعةٍ.
وما هذه البِطاقةُ ذاتُ العَلاماتِ الخَمسِ؟
إنَّها تَذكِرةُ سَفَرٍ، وبِطاقةُ استِلامِ كِمِ اصَّصاتِ!
مَزِّقْها، فلَسنا بحاجةٍ إلى سَفَرٍ في هذا الرَّبيعِ الزّاهِي!
وهكذا حاوَلَ بكُلِّ مَكْرٍ وخَدِيعةٍ أن يُقنِعَ الجُندِيّعلامةًَى بَدَأَ ذلك المِسكِينُ يَرْكَنُ شَيئًا قَلِيلًا إلى كَلامِه.
نعم، إنَّ الإنسانَ يَنخَدِعُ، ولقد خُدِعتُ أنا كذلك لِمِثلِ هذا الماكِرِ!
— 38 —
ِّ ذلٍةً دَوَّى صَوتٌ كالرَّعدِ عن يَمِينِه يُحَذِّرُه:
إيّاك أن تَنخَدِع! قُلْ لِذَلك الماكِرِ الخَبِيثِ:
إن كُنتَ تَستَطِيعُ قَتْلَ الأَسَدِ َفسي مِضِ خَلفِي، وأن تَرفَعَ أَعوادَ المِشنَقةِ مِن أَمامي، وأن تُبْرِئَني مِن جُرحَيَّ الغائرَينِ في يَمِيني وشِمالي، وأن تَحُولَ بَينِي وبينَ رِحلَتي الشّاقّةِ الط ساعاتةِ.. نعم إن كُنتَ تَقدِرُ على إيجادِ سَبِيلٍ لِكُلِّ هذا فهَيّا أَرِنِيهِ، وهاتِ ما لَدَيك، ولك بعدَ ذلك أن تَدْعُوَني إلى اللَّهوِ والطَّرَبِ، وإلَّا فاسكُتْ أيُّها الأَبلَهُ، لِيَتَكلَّمْ هذا الرَّجُلُ السّامِيأَرضِ بِيهُ بالخَضِرِ لِيَقُولَ ما يَرُومُ.
فيا نَفسِي الباكِيةَ على ما ضَحِكَتْ أَيّامَ شَبابِها.. اعلَمِي أنَّ ذلك الجُندِيَّ المِسكِينَ المُتَورِّطَ هو أَنتِ، وهو الإنسانُ؛ وأنَّ ذلك الأَسَدَ هو اا بُدُّ.. وأنَّ أَعوادَ المِشنَقةِ تلك هي المَوتُ والزَّوالُ والفِراقُ الَّذي تَذُوقُه كلُّ نَفسٍ.. ألَا تَرَيْنَ كيفَ يُفارِقُنا كلُّ حَبِيبٍ إِثرَ حَبِيبٍ ويُوَدِّعُنا لَيلَ نَهارَ..؟ أمّا الجُرحانِ العَمِيقانِ قدِيرُِهما العَجْزُ البَشَرِيُّ المُزعِجُ الَّذي لا حَدَّ له، والآخَرُ هو الفَقرُ الإنسانِيُّ المُؤلِمُ الَّذي لا نِهايةَ له؛ أمّا ذلك النَّفيُ والسَّفرُ المَدِيدُ فهو رِحلة السّامتِحانِ والِابتِلاءِ الطَّوِيلةُ لِهذا الإنسانِ، الَّتي تَنطَلِقُ مِن عالَمِ الأَرواحِ مارّةً مِن رَحِمِ الأُمِّ، ومِنَ الطُّفُولةِ والصِّبا، ثمَّ مِنَ الشَّيخُوخةِ ومِنَ الدُّنيا، ثمَّ مِنَ ثِيابًرِ والبَرزَخِ، ومِنَ الحَشرِ والصِّراطِ.
وأمّا الطِّلَّسْمانِ فهُما الإيمانُ باللهِ وباليَومِ الآخِرِ. نعم، إنَّ المَوتَ بهذا الطِّلَّسْمِ القُدسِيِّ يَلبَسُ صُورةَ فَرَسٍ مُسَخَّرٍ بَدَلًا عنِ الأَسدِ، بل يَتَّخِذُ صُورَها وَاقٍ يُخرِجُ الإنسانَ المُؤمِنَ مِن سِجنِ الدُّنيا إلى رَوضةِ الجِنانِ، إلى رَوضةِ الرَّحمٰنِ ذِي الجَلالِ. ومِن هنا كان الكامِلُون مِنَ النّاسِ يُحِبِّون المَوتَ ويَطلُبُونه حيثُ رَأَوا حَقِيقتَه. ثمَّ إنَّ سَيرَ الزَّمانِ ومُا التّ على كلِّ شَيءٍ ونُفُوذَ الزَّوالِ والفِراقِ والمَوتِ والوَفاةِ فيه يَتَّخِذُ بهذا الطِّلَّسْمِ الإيمانِيِّ صُورةً وَضَّاءةً، حيثُ تُحَفِّزُ الإنسانَ إلى رُؤيةِ الجِدَّة بتَجَدُّدِ كلِّ شيءٍ، بل يكُونُ مَبعَقةِ.
َّأمُّلِ في أَلوانٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ وأَنواعٍ مُتَبايِنةٍ لِمُعجِزاتِ إبداعِ الخالقِ ذِي الجَلالِ وخَوارِقِ قُدرَتِه، وتَجَلِّياتِ رَحمَتِه سُبحانَه ومُشاهَدَتِها باستِمتاعٍ
#3لَطِيفجةٍ كامِلَينِ. بمِثلِ ما يُضْفي تَبَدُّلُ المَرايا العاكِسةِ لِأَلوانِ نُورِ الشَّمسِ، وتَغيُّرُ الصُّوَرِ في شاشةِ السِّينما مِن جَمالٍ ورَوعةٍ إلى تَكَوُّنِ المَناظِرِ الجَذّابةِ وتَشَكُّلِها. أمّا ذانِكَ العِلاجانِ: فأَحَدُهم یی خََوكُّلُ على اللهِ والتَّحَلِّي بالصَّبْرِ، أي: الِاستِنادُ إلى قُدرةِ الخالقِ الكَرِيمِ والثِّقةُ بحِكمَتِه سُبحانَه.
أَهُو كذَلِك؟
نعم، إنَّ مَن يَعتَمِدُ بِهُوّيةِ "عَجزِه" على سُلطانِ الكَونِ الَّذي بيَدِه لةِ وشكُنْ فَيَكُونُ كيف يَجزَعُ ويَضطَرِبُ؟ بل يَثبُتُ أمامَ أَشَدِّ المَصائبِ، واثِقًا باللهِ ربِّه، مُطمَئِنَّ البالِ مُرتاحَ القَلبِ وهو يُردِّدُ: إًِا، بلِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
نعم، إنَّ العارِفَ باللهِ يَتَلذَّذُ مِن عَجزِه وخَوفِه مِنَ اللهِ سُبحانَه، وحَقًّا إنَّ في الخَوفِ لَذّةً! فلَو تَمَكَُّحُوشِِنَ الِاستِفسارِ مِن طِفلٍ له مِنَ العُمُرِ سَنةٌ واحِدةٌ مُفتَرِضِين فيه العَقلَ والكَلامَ: "ما أَطيَبُ حالاتِك وأَلَذُّها؟" فرُبَّما يكُونُ جَوابُه: "هو عِندَما أَلُوذُ بصَدرِ أُمِّي الحَنُونِ بخَوفي ورَجائي وّا يَط". عِلمًا أنَّ رَحمةَ جَمِيعِ الوالِداتِ وحَنانَهن ما هي إلَّا لَمعةُ تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ الواسِعةِ.
ومِن هنا وَجَد الَّذيةَ جَمل إيمانُهم لَذّةً تَفُوقُ أيّةَ لَذّةٍ كانَت في العَجزِ ومَخافةِ اللهِ، حتَّى إنَّهم تَبَرَّؤُوا إلى اللهِ بَراءةً خالِصةً مِن حَولِهم وقُوَّتِهم، ولاذُوا بعَجزِهم إلَيه تَعالَى، واستَعاذُوا بَدَأحدَه، مُقَدِّمين هذا العَجزَ والخَوفَ وَسِيلَتَينِ وشَفيعَينِ لهم عندَ البارِئِ الجَليلِ.
أمّا العِلاجُ الآخَرُ فهو الدُّعاءُ والسُّؤالُ، ثمَّ القَناعا أَكثعَطاءِ، والشُّكرُ علَيه، والثِّقةُ برَحمةِ الرَّزّاقِ الرّحِيمِ.
أَهُوَ هكَذا؟
نعم، إنَّ مَن كان ضَيفًا لَدَى الَّذي فَرَش له وَجهَ الأَرضِ مائِدةً حافِلةً بالنِّعَمِ، وجحاصِلةلرَّبيعَ كأنَّه باقةٌ أَنيقةٌ مِنَ الوُرُودِ، ووَضَعَها بجانبِ تلك المائدةِ العامِرةِ بل نَثَرها
— 40 —
علَيها.. إنَّ مَن كان ضَيفًا عندَ هذا الجَوادِ الكَرِيمِ جَلَّ وعَلا كيف يكُونُ الفِّنُ مالحاجةُ لَدَيه مُؤلِمًا وثَقيلًا؟ بل يَتَّخِذُ فَقْرُه وفاقَتُه إلَيه سُبحانَه صُورةَ مُشَهٍّ لِتَناوُلِ النِّعَمِ، فيَسعَى إلى الِاستِزادةِ مِن تلك الفاقةِ كمَن يَستَزِيدُ مِن شَهِيِّتِبكُون ا يَكمُنُ سَببُ افتِخارِ الكامِلِين واعتِزازِهم بالفَقرِ إلى الله تَعالَى. "وإيّاك أن تَظُنَّ خِلافَ ما نَقصِدُ بالفَقرِ، إنَّه استِشعارُ الإنسانِ بال يَسمَإلَيه سُبحانَه والتَّضَرُّعِ إلَيه وَحدَه والسُّؤالِ مِنه، وليس المَقصُودُ إظهارَ الفَقرِ إلى النّاسِ والتَّذلُّلَ لهم والسُّؤالَ مِنهم بالتَّسَوُّلِ والِاستِجداءِ!".
أمّا تلك التَّذكِرةُ والبِطاقةُ فهي أَداءُ الفَرائضِ، وفنِ أَمدِّمَتِها الصَّلَواتُ الخَمسُ واجتِنابُ الكَبائرِ.
أهُوَ هكذا؟
نعم، إنَّ جَميعَ أَهلِ الِاختِصاصِ والشُّهُودِ وجَميعَ أَهلِ الذَّوقِ والكَشفِ مِنَ العُلَماءِ المُدَقِّقين والأَولياءِ الصّالِحِين مُتَّفِقُون علَ القُ زادَ طَرِيقِ أَبَدِ الآبادِ، وذَخِيرةَ تلك الرِّحلةِ الطَّوِيلةِ المُظلِمةِ ونُورَها وبُراقَها ليس إلَّا امتِثالَ أَوامِرِ القُرآنِ الكَرِيمِ واجتِنابَ نَوةِ، وأ وإلَّا فلا يُغني العِلمُ والفَلسَفةُ والمَهارةُ والحِكمةُ شيئًا في تلك الرِّحلةِ، بل تَقِفُ جَميعُها مُنطَفِئةَ الأَضواءِ عندَ بابِ القَبْرِ.
فياٍ، بَيي الكَسْلَى.. ما أَخَفَّ أَداءَ الصَّلَواتِ الخَمسِ واجتِنابَ الكَبائرِ السَّبعِ وما أَرْيَحَها وأَيْسَرَها أَمامَ عِظَمِ فَوائِدِها وثَمَراتِها وضَرُورَتِها! إن كُنتِ فَطِنةً تَفهَمِين ذلك. ألَا قُولينفَدُ، يَدعُوكِ إلى الفِسقِ واللَّهوِ والسَّفاهةِ، ولذلك الشَّيطانِ الخَبِيثِ الماكِرِ:
لو كانَت لَدَيك وَسِيلةٌ لِقَتلِ المَوتِ، ولِإزالةِ الزَّوالِ عنِ الدُِّ القَلو كان عِندَك دَواءٌ لِرَفعِ العَجزِ والفَقرِ عنِ البَشَرِيّةِ، ووَساطةٌ لِغَلْقِ بابِ القَبْرِ إلى الأَبَدِ، فهاتِها إذًا وقُلْها لِأَسمَعَ وأُطِيعَ.. وإلَّا فاخْرَسْ، فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَتلُو آياتِ الكائناتِ فنعم، إِدِ
— 41 —
الكَونِ الكَبِيرِ هذا. فلْنُنصِتْ إلَيه، ولْنَتنَوَّرْ بنُورِه، ولْنَعمَلْ بهَدْيِه الحَكِيمِ، حتَّى يكُونَ لِسانُنا رَطْبًا بذِكرِه وتِلاوَتِه.
نعم، إنَّ الكَلامَ كَلامُه: فهو الحَقُّ، ونَزَل بالحَقِّ، ويقُولُ الحَقَّ،مُ الشِرُ الحَقيقةَ، ويَنشُرُ الحِكمةَ النُّورانيّةَ.
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ والقُرآنِ. اللَّهُمَّ أَغْنِنَا بِالِافْتِقَارِ إلَيْكَ ولَا تُفْقِرْنَا بِالِاسْتِغلُّ العَنكَ، تَبرَّأْنَا إِلَيْكَ مِن حَوْلِنَا وَقُوَّتِنَا، وَالْتَجَأْنَا إلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، فَاجْعَلْنَا مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، ولَيها،َكِلْنَا إلَى أنفُسِنَا، وَاحْفَظْنَا بِحِفْظِكَ، وَارْحَمْنَا، وَارْحَمِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ.
وَصَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّقَصِيردِكَ وَنَبِيِّكَ وَصَفِيِّكَ وَخَلِيلِكَ وَجَمَالِ مُلْكِكَ وَمَلِيكِ صُنْعِكَ وَعَينِ عِنَايَتِكَ وَشَمسِ هِدَايَتِكَ وَلِسَانِ محَبَّتِكَ وََ قَولِ رَحمَتِكَ وَنُورِ خَلقِكَ وَشَرَفِ مَوجُودَاتِكَ وَسِرَاجِ وَحدَتِكَ فِي كَثرَةِ مَخلُوقَاتِكَ، وَكَاشِفِ طِلَّسْمِ كَائِنَاتِكَ، وَدَلَّالِ سَلطَنَةِ رُبُوبِيَّتِكَ، َرَّدُلِّغِ مَرضِيَّاتِكَ، وَمُعَرِّفِ كُنُوزِ أسمَائِكَ، وَمُعَلِّمِ عِبَادِكَ وَتَرجُمَانِ آيَاتِكَ، وَمِرآةِ جَمَالِ رُبُوبِيَّتِكَ، وَمَدَارِ شُهُودِكَ وَإِشْهَادِكَ، وَحَبِيبِكَ وَرَسُولِكَ الَّذي أَرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ.. وَعَلَى آليّةِ َصَحبِهِ أجمَعِينَ، وَعَلَى إخوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلِينَ، وَعَلَى مَلَائِكَتِكَ الُمقَرَّبِينَ، وَعَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.. آِعةٌ ج
٭ ٭ ٭
— 42 —
الكلمة الثامنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُلصّالِذا أَرَدتَ أن تَفهَمَ ما الدُّنيا وما دَورُ الرُّوحِ الإنسانيّةِ فيها، وما قِيمةُ الدِّينِ عندَ الإنسانِ، وكيف أنَّه لولا الدِّينُ الحَقُّ لَتَحوَّلَتِ الدُّنيا إلى سِجنٍ رَهِيبٍ، وأنَّ الشَّخصَ المُلحِدَ هو أَشقَى المَخلُوقاتِ، وَا هُولَّذي يَحُلُّ طِلَّسْمَ العالَمِ ولُغزَه المُحَيِّرَ ويُنقِذُ الرُّوحَ البَشَرِيّةَ مِنَ الظُّلُماتِ إن هو إلَّا "يا اَللهُ".. "لا إلٰهَ إلَّا اللهُ".. أَجَل، إذا كُنتَ تُرِيدُ أن تَفهَم كلَّ ذ يُسََنصِتْ إلى هذه الحِكايةِ التَّمثِيليّةِ القَصِيرةِ وتَفَكَّرْ فيها مَلِيًّا:
كان شَقِيقانِ في قَدِيمِ الزَّمانِ يَذهَبانِ معًا في سِياحةٍ طَوِيلةٍ، فواصَلا سَيرَهما سَوِيّةً إلى أن وَصَلا إلى مَفرِقِ طَرِيقَينِ، فرَأٌ حَسَاك رَجُلًا وَقُورًا فسَأَلاه: "أيُّ الطَّرِيقَينِ أَفضَلُ؟"، فأَجابَهما: "في الطَّرِيقِ اليَمينِ الْتِزامٌ إجبارِيٌّ للقانُونِ والنِّظامِ، إلَّا أنَّ في ثَنايا ذلك التَّكلِيفِ ثَمّةَ أَمانٌ وسَعادةٌ؛ أمّا طَرِيقُ الشِّمالِ ففيهإن تَرِّيّةُ والتَّحَرُّرُ، إلَّا أنَّ في ثَنايا تلك الحُرِّيّةِ تَهلُكةٌ وشَقاءٌ. والآنَ لكُمُ الخِيارُ في سُلُوكِ أَيِّهما".
وبعدَ الِاستِماعِ إلى هذا الكَلامِ سَلَكَرُورِ ُ ذُو الطَّبعِ الطَّيِّبِ طَرِيقَ اليَمينِ قائلًا: "تَوَكَّلتُ على اللهِ"، وانطَلَق راضِيًا عن طِيبِ نَفسٍ باتِّباعِ النِّظامِ والِانتِظامِ؛ أمّا الأَخُ الآخَرُ الغاوِي، فقد رَجَّح طَرِيقَ الشِّمالِ يليّةِرَّدِ هَوَى التَّحَرُّرِ الَّذي فيه.
والآنَ فلْنُتابِعْ خَيالًا هذا الرَّجُلَ السّائرَ في طَرِيقٍ ظاهِرُه السُّهُولةُ والخِفّةُ، وباطِنُه مِن قِبَلِه الثِّقَلُ والعَناءُ، فما إن عَبَر الوِدْيانَ العَمِيقةَ والمُرتَفَعاتِ العاليةَاتٌ بعِرةَ حتَّى
— 43 —
دَخَل وَسَطَ مَفازةٍ خاليةٍ وصَحْراءٍ مُوحِشةٍ، فسَمِعَ صَوتًا مُخِيفًا، ورَأَى أَسَدًا ضَخْمًا غَضُوبًا قدِ انطَلَق مِنَ الأَحراشِ نَحوَه، ففَرَّ مِنه فِرارًا وهو يَرتَعِدُ خَوْفًا وهَلَعًا، فصادَفَ بِئرًا مُعَطَّلةً على عُمقِ سَبَق ن ذِراعًا، فأَلقَى نَفسَه فيها طَلَبًا للنَّجاةِ؛ وفي أَثناءِ السُّقُوطِ لَقِيَتْ يَداه شَجَرةً فتَشَبَّث بها، وكان لهذِه الشَّجَرةِ جَذْرانِ نَبَتا على جِدارِ البِئرِ وقد سُلِّطَ علَيهما فَأْرانُ إلى يَضُ وأَسوَدُ وهما يَقضَمانِ ذَينِك الجَذْرَينِ بأَسنانِهما الحادّةِ؛ فنَظَر إلى الأَعلَى فرَأَى الأَسَدَ واقِفًا كالحارِسِ على فَوهةِ البِئرِ، ونَظَر إلى الأَسفَلِ فرَأَى ثُعبانًا كَبِيرًا جِدًّا قد رَفَع رَأسَه يُرِيدُ الوابَه ابَ مِنه وهو على مَسافةِ ثَلاثين ذِراعًا، وله فَمٌ واسِعٌ سَعةَ البِئرِ نَفسِها؛ ورَأَى ثَمّةَ حَشَراتٍ مُؤذِيةً لاسِعةً تُحِيطُ به، نَظَر إلى أَعلَى الشَّجَرةِ فوَجَدَها شَجَرةَ تِينٍ، إلَّا أنَّها تُثمِرُ بصُورةٍ خارِقةٍا الآخعًا مُختَلِفةً وكَثيرةً مِن فَواكِهِ الأَشجارِ ابتِداءً مِنَ الجَوزِ وانتِهاءً إلى الرُّمّانِ.
لم يَكُن هذا الرَّجُلُ لِيَفهَمَ یی لِسُوءِ إدراكِه وحَماقَتِه یی أنَّ هذا الأَمرَ ليس اعتِيادِيًّا، ولا يُمكِنُ أن تَأتِيَ كلُّ هذه اظِرَ إءِ مُصادَفةً ومِن دُونِ قَصدٍ؛ ولم يَكُن يَفهَمُ أنَّ في هذه الشُّؤُونِ العَجِيبةِ أَسرارًا غَرِيبةً، وأنَّ ثَمّةَ وَراءَ كلِّ ذلك مَن يُدَبِّرُ هذه الأُمُورَ ويُسَيِّرُها.
فبَينَما يَبكِي قَلبُ هذا الرَّواجِدًتَصرُخُ رُوحُه ويَحارُ عَقلُه مِن أَوضاعِه الأَليمةِ، إذا بنَفسِه الأَمَّارةِ بالسُّوءِ أَخَذَتْ تَلتَهِمُ فَواكِهَ تلك الشَّجَرةِ مُتَجاهِلةً ما حَولَها وكأنَّ شَيئًا الحَيحدُثْ، سادَّةً أُذُنَيها عن صَرَخاتِ القَلبِ وهَواتِفِ الرُّوحِ، خادِعةً نَفسَها بنَفسِها رَغمَ أنَّ قِسمًا مِن تلك الفَواكِهِ كانَت مَسمُومةً ومُضِرّةً.
وهكذا نَرَى أنَّ هذا الرَّجُلَ الشَّقِيَّ قد عبالحَق بمِثلِ ما جاءَ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ:"أنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي"أي: أنا أُعامِلُ عَبدِي مِثلَما يَعرِفُني هو. فلَقَد عُومِلَ هكذا، وسيُعامَلُ مِثلَها أيضًا، بل لا بُدَّ أن يَرَى مِثلَ هذه المُعامَلةِاقُون َ تَلَقِّيه كلَّ ما يُشاهِدُه أَمرًا عادِيًّا بلا قَصْدٍ ولا حِكْمةٍ وكأنَّه الحَقُّ بعَينِه، وذلك لِسُوءِ ظَنِّه وبَلاهَتِه الخَرْقاءِ، فصارَ يَتَقلَّبُ في نارِ العَذابِ ولا يَستَطِيعُ أن يَمُوتَ لِيَينًا أولا يَقدِرُ على العَيشِ الكَرِيمِ. ونحنُ بدَورِنا سنَرجِعُ تارِكِين وراءَنا ذلك المَشؤُومَ يَتَلَوَّى في عَذابِه لِنَعرِفَ ما جَرَى للأَخِ الآخَرَ مُك أَحوالٍ.
— 44 —
فهذا الرَّجُلُ المُبارَكُ ذُو العَقلِ الرَّشِيدِ ما يَزالُ يَقطَعُ الطَّرِيقَ دُونَ أن يُعانِيَ الضِّيقَ كأَخِيه، ذلك لأنَّه لا يُفَكِّرُ إلَّا في الأَشياءِ الجَمِيلةِ لِما له مِن جَمالِ الخُلُقِ، ولا يَأخُذُ بعِالَ كالخَيالِ إلَّا بما هو جَمِيلٌ ولَطِيفٌ؛ لِذا كان يَستَأنِسُ بنَفسِه ولا يُلاقي الصُّعُوبةَ والمَشَقّةَ كأَخِيه، ذلك لأنَّه يَعرِفُ النِّظامَ، ويَعمَلُ بمُقتَضَى الوَلاءِ والِاتِّباعِ، فيَرَى الأُمُورَ تَسهُلُ له، ويَمضِي حُرّيةِ الطَلِقًا مُستَظِلًّا بالأَمانِ والِاستِقرارِ.. وهكذا مَضَى حتَّى وَجَد بُستانًا فيه أَزهارٌ جَمِيلةٌ وفَواكِهُ لَطِيفةٌ، وثَمّةَ جُثَثُ حَيَواناتٍ وأَشياءُ مُنتِنةٌ مُبَعثَرةٌ هنا وهناك،
— 45 —
أَجَل، إنَّ كلَّ هذا يَرجِعُ إلى أَوامِرِ حاكِمٍ خَفِيٍّ، فأنا إذًا لَستُ وَحِيدًا، بل إنَّ ذلك الحاكِمَ الخَفِيَّ يَنظُرُ إلَيَّ ويَرعاني ويَخفيهم رني، ولِحِكمةٍ مَقصُودةٍ يَسُوقُني إلى مَكانٍ، ويَدعُوني إلَيه".
فنَشَأَ لَدَيه مِن هذا التَّفكِيرِ الجَمِيلِ والخَوفِ اللَّذِيذِ شَوقٌ أَثارَ هذا السُّؤالَ: "مَن يكُونُ يا تُرَى هذا الَّذي يُجَرِّبُني ويُرِيدُ أا. مُِّفَني نَفسَه؟ ومَن هذا الَّذي يَسُوقُني في هذا الطَّرِيقِ العَجِيبِ إلى غايةٍ هادِفةٍ؟"، ثمَّ نَشَأ مِنَ الشَّوقِ إلى التَّعَرُّفِ مَحَبّةارِ البِ الطِّلَّسْمِ، ونَمَتْ مِن تلك المَحَبّةِ رَغبةُ حَلِّ الطِّلَّسْمِ، ومِن تلك الرَّغبةِ انبَثَقَتْ رَغبةُ اتِّخاذِ وَضْعٍ جَمِيلٍ وحالةٍ مَقبُولةٍ لِّيةِ احِبِ الطِّلَّسْمِ حَسَبَ ما يُحِبُّه ويَرضاه.
ثمَّ نَظَر أَعلَى الشَّجَرةِ، فرَأَى أنَّها شَجَرةُ تِينٍ، غيرَ أنَّ في نِهايةِ أَغصانِها آلافَ الأَنواعِ مِنَ الأَثمكالَمةلفَواكِهِ، وعِندَها ذَهَب خَوفُه وزالَ نِهائيًّا، لأنَّه عَلِم عِلْمًا قاطِعًا أنَّ شَجَرةَ التِّينِ هذه إنَّما هي فِهرِسٌ ومَعرِضٌ، حيثُ قَلَّد الحاكِمُ الخَفِيُّ نَماذِجَ ما في بُستانِه وجَنَّاتِه بشَكلٍ مُعجِزٍ علَيها وزَيّبِيًّاها، إشارةً لِما أَعَدَّه مِن أَطعِمةٍ ولَذائِذَ لِضُيُوفِه.. وإلَّا فإنَّ شَجَرةً واحِدةً لن تُعطِيَ أَثمارَ آلافِ الأَشجارِ. فلَم يَرَ أَمامَه إلَّا الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ، فأَلَحَّ مُتَوسِّلًا بانكِسارٍ إلىقُرآنِلْهِمَ مِفتاحَ الطِّلَّسْمِ فهَتَف قائلًا: "يا حاكِمَ هذه الدِّيارِ والآفاقِ.. أَلتَجِئُ إلَيك وأَتَوسَّلُ وأَتَضَرَّعُ، فأنا لك خادِمٌ، أُرِيدُ رِضاك وأنا أَطلُبُك وأَبحَثُ عنك..".
فانْشَقَّ جِدارُ البلاِ فَجْأةً بعدَ هذا الدُّعاءِ عن بابٍ يُفتَحُ إلى بُستانٍ فاخِرٍ طاهِرٍ جَمِيلٍ، ورُبَّما انقَلَب فَمُ ذلك الثُّعبانِ إلى ذلك البابِ، واتَّخَذَ كُلٌّ مِنَ الأَسَدِ والثُّعبانِ صُورةَ الخادِمِ وهَيْئَتَه، فأَخَذا يَدعُوانِه إلى اللٌ ولاِ حتَّى إنَّ ذلك الأَسَدَ تَقَمَّص شَكْلَ حِصانٍ مُسَخَّرٍ بينَ يَدَيه.
فيا نَفسِي الكَسْلَى.. ويا صاحِبي في الخَيالِ.. تَعالَيَا لِنُوازِنَ بينَ أَوضاعِ هذَيوابًا َخَوَينِ كي نَعلَمَ كيف أنَّ الحَسَنةَ تَجلُبُ الحَسَنةَ، وأنَّ السَّيِّئةَ تَأتِي بالسَّيِّئةِ: إنَّ المُسافِرَ الشَّقِيَّ إلى جِهةِ الشِّمالِ مُعَرَّضٌ في كلِّ آنٍ أن يَلِجَ فَمَ الثُّعبانِ فهو يَرتَجِفُ خَوْفًا وهَلَعًا، بَيرّاسِخذا السَّعِيد يُدعَى إلى بُستانٍ أَنيقٍ بَهِيجٍ مُثمِرٍ بفَواكِهَ شَتَّى؛ وإنَّ قَلْبَ ذلك
— 46 —
الشَّقِيِّ يَتَمزَّقُ في خَوفٍ عَظِيمٍ ورُعْبٍ أَليمٍ، بَينَما له ییلسَّعِيدُ يَرَى غَرائِبَ الأَشياءِ ويَنظُرُ إلَيها بعِبرةٍ حُلْوةٍ وخَوْفٍ لَذِيذٍ ومَعرِفةٍ مَحبُوبةٍ؛ وإنَّ ذلك الشَّقِيَّ المِسكِينَ لَيُعانِي مِنَ الوَحشةِ واليَأسِ واليُتْمِ عَذابًا وأَيَّ عَذاالقَبْينَما هذا السَّعِيدُ يَتَلذَّذُ في الأُنسِ ويَتَرفَّلُ في الأَمَلِ والشَّوقِ.
ثمَّ إنَّ ذلك المَنكُودَ يَرَى نَفسَه سَجِينًا مُعَرَّضًا لهَجَماتِ الوُحُوشِ المُفتَرِسةِ، بَينَما هذا السَّعِيدُ المَحظُوظُ يَتَمتَّعُ مُتعحِيمِفٍ عَزِيزٍ، وكيف لا وهو ضَيفٌ عندَ مُضِيفٍ كَرِيمٍ، فيَستَأنِسُ معَ عَجائِبِ خَدَمِه؛ ثمَّ إنَّ ذلك السَّيِّئَ الحَظِّ لَيُعَجَّلُ عَذابُه في النّارِ بأَكلِه مَأكُولاتٍ لَذِيذةَطَعامُعْمِ ظاهِرًا ومَسمُومةً حَقيقةً ومَعنًى، إذ إنَّ تلك الفَواكِهَ ما هي إلَّا نَماذِجُ، قد أُذِنَ للتَّذَوُّقِ مِنها فحَسْبُ، لِيَكُونَ طالِبًا لِحَقائقِها وأُصُولِها ويكُونَ شارِيَها الأَصِيلَ، وإلَّا فلا سَماحَ للشَّراهةِ مِنها كا به، وانِ؛ أمّا هذا السَّعِيدُ المَحمُودُ فإنَّه يَتَذوَّقُ مِنها إذ يَعِي الأَمرَ، مُؤَخِّرًا أَكْلَها ومُلْتذًّا بالِانتِظارِ.
ثمَّ إنَّ ذلك الشَّقِيَّ يكُونُى الطّلَم نَفسَه بنَفسِه، جارًّا علَيها وَضْعًا مُظلِمًا وأَوْهامًا ذاتَ ظُلُماتٍ حتَّى كأنَّه في جَحِيمٍ، بانعِدامِ بَصِيرَتِه عن حَقائقَ ساطِعةٍ كالنَّيقِ ويأَوضاعٍ جَمِيلةٍ باهِرةٍ، فلا هو مُستَحِقٌّ للشَّفَقةِ، ولا له حَقُّ الشَّكوَى؛ مَثَلُه في هذا مَثَلُ رَجُلٍ وَسْطَ أَحِبَّائِه في مَوسِمِ الصَّيفِ وفي حَدِيقةٍ جَمِيلةٍ بَهِيجةٍ في وَلٍ مِن َيِّبةٍ للأَفراحِ، فلِعَدَمِ قَناعَتِه بها راحَ يَرتَشِفُ كُؤُوسَ الخَمْرِ یی أُمِّ الخَبائِثِ یی حتَّى أَصبَحَ سِكِّيرًا ثَمِلًا، فشَرَع بالصُّراخِ والعَوِيلِ، وبَدَأ بالبُكاءِ، ظانًِّه، ويَه في قَلبِ الشِّتاءِ القارِسِ، ومُتَصَوِّرًا أنَّه جائِعٌ وعارٍ وَسْطَ وُحُوشٍ مُفتَرِسةٍ. فمِثلَما أنَّ هذا الرَّجُلَ لا يَستَحِقُّ الشَّفَقةَ والرَّأفةَ، إذ ظَلَم نَفسَه بنَفسِه مُتلَئِن ًا أَصدِقاءَه وُحُوشًا، مُحتَقِرًا لهم.. فكذلك هذا المَشؤُومُ.
ولَكِنَّما ذلك السَّعِيدَ يُبصِرُ الحَقيقةَ، والحَقيقةُ بذاتِها جَمِيلةٌ؛ ومعَ إدراكِ جَمالِ هذا ايقةِ فإنَّه يَحتَرِمُ كَمالَ صاحِبِ الحَقيقةِ ويُوَقِّرُه فيَستَحِقُّ رَحمَتَه.
فاعْلَمْ إذًا سِرًّا مِن أَسرارِ:
مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةحالٍ، نَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ.
— 47 —
فلو وازَنْتَ سائرَ هذه الفُرُوقِ وأَمثالَها لَعَلِمتَ أنَّ النَّفسَ الأَمّارةَ للأَوَّلِ قد أَحضَروسَماعجَهَنَّمَ مَعنَوِيّةً، بَينَما الآخَرُ قد نالَ یی بحُسنِ نِيَّتِه وحُسنِ ظَنِّه وحُسنِ خَصلَتِه وحُسنِ فِكرِه یی الفَيضَ والسَّعادةَ والإحسانَ العَمِيمَ.
فيا نَفسِي، ويا أيُّها الرَّجُلُ المُنصِتُ معي إلى هذه الحِكاية.. إذا كُنتَيهِ صَدُ ألّا تَكُونَ مِثلَ ذلك الأَخِ المَشؤُومِ، وتَرغَبُ في أن تكُونَ كالأَخِ السَّعِيدِ، فاستَمِعْ إلى القُرآنِ الكَرِيمِ وارْضَخْ لِحُكمِه واعتَصِمْ به واعْمَلْ بأَحكامِه.
وإذا كُنتَ قد وَعَيْتَ ما في هذه الأُقص له، والتَّمثِيليّةِ مِن حَقائقَ، فإنَّك تَستَطِيعُ أن تُطَبِّقَ علَيها الحَقِيقةَ الدِّينيّةَ والدُّنيَوِيّةَ والإِنسانيّةَ والإيمانيّةَ كُلَّها. وسأُخبِرُك بالأُسُسِ، واستَخرِجْ بنَفسِك الدَّقائقَ:
فالأَخِتَنزيالِاثنانِ:أَحَدُهما رُوحُ المُؤمِنِ وقَلبُ الصّالِحِ، والآخَرُ رُوحُ الكافِرِ وقَلبُ الفاسِقِ؛ أمّا اليَمِينُ مِن تَينِكَ الطَّرِيقَينِ فهو طَرِيقُ ال بسُلط والإيمانِ، وأمّا الشِّمالُ فطَرِيقُ العِصيانِ والكُفرانِ؛ وأمّا ذلك البُستانُ في الطَّرِيقِ فهو الحَياةُ الِاجتِماعيّةُ المُؤَقَّتةُ للمُجتَمَعِ البَشَرِيِّ والحَضارةِ الإنسانيّةِ الَّتي يُوجَدُ فيها الخَيرُ والشَّرُّ و حتَّىِّبُ والخَبِيثُ والطّاهِرُ والقَذِرُ مَعًا، فالعاقِلُ هو مَن يَعمَلُ على قاعِدةِ:"خُذْ ما صَفا.. دَعْ ما كَدُرَ"،فيَسِيرُ معَ سَلامةِ القَلبِ واطمِئنانِ الوِجدانِ؛ وأمّا تلك الصَّحراءُ فزِ أُس الدُّنيا وهذه الأَرضُ؛ وأمّا ذلك الأَسَدُ فهو الأَجَلُ والمَوتُ؛ وأمّا تلك البِئرُ فهي جَسَدُ الإنسانِ وزَمانُ الحَياةِ؛ وأمّا ذلك العُمقُ البالِغُ سِتِّين ذِراعًا فهو إشارةٌ إلى العُمُرِ الغالِبِ،رُ إلَُعَدَّلُ العُمُرِ "سِتُّون سَنةً"؛ وأمّا تلك الشَّجَرةُ فهي مُدّةُ العُمُرِ ومادّةُ الحَياةِ؛ وأمّا الحَيَوانانِ الِاثنانِ: الأَسوَدُ والأَبيَضُ فهُِعِ لَِّيلُ والنَّهارُ؛ وأمّا ذلك الثُّعبانُ فهو فَمُ القَبْرِ المَفتُوحُ إلى طَرِيقِ البَرزَخِ ورُوَاقُ الآخِرةِ، إلَّا أنَّ ذلك الفَمَ هو للمُؤمِنِ بابٌ يُفتَحُ مِنَ السِّجنِ إلى ام أيضًنِ.
وأمّا تلك الحَشَراتُ المُضِرّةُ فهي المَصائِبُ الدُّنيَوِيّةُ، إلَّا أنَّها للمُؤمِنِ في حُكْمِ الإيقاظاتِ الإلٰهيّةِ الحُلْوةِ والِالتِفاتاتِ الرَّحمانيّةِ لِئَلّا يَغفُلَ؛ وأمّا وهكذماتُ تلك
— 48 —
الشَّجَرةِ فهي النِّعَمُ الدُّنيَوِيّةُ الَّتي صَنَعَها رَبُّ العِزّةِ الكَرِيمُ لِكي تكُونَ فِهْرِسًا للنِّعَمِ الأُخرَوِيّةِ ومُذَكِّرةً بها، بمُشابَهَتِها لها، وقد خَلَقها البارِئُ الحَكِيمُ على هَيئةِ نَماذِجَ لِدطِرُ االزَّبائنِ إلى فَواكِهِ الجَنّةِ، وإنَّ إعطاءَ تلك الشَّجَرةِ على وَحْدَتِها الفَواكِهَ المُختَلِفةَ المُتَبايِنةَ إشارةٌ إلى آيةِ القُدْرةِ اٍ لشُؤدانيّةِ وخَتْمِ الرُّبُوبيّةِ الإلٰهيّةِ وطُغْراءِ سَلْطَنةِ الأُلُوهيّةِ، ذلك لِأَنَّ "صُنْعَ كلِّ شَيءٍ مِن شَيءٍ واحِدٍ" أي: صُنْعَ جَمِيعِ النَّباتاتِ وأَثمارِها مِن تُرابٍ واحِدٍ، وخَلْقَ جَميعِ الحَيَواناتِ مِن ماءٍ واحِدم! ثمّداعَ جَميعِ الأَجهِزةِ الحَيَوانيّةِ مِن طَعامٍ بَسِيطٍ؛ وكذا "صُنْعُ الشَّيءِ الواحِدِ مِن كُلِّ شَيءٍ" كبِناءِ لَحْمٍ مُعَيَّنٍ وجِلدٍ بَسِيطٍ لِذِي حَياةٍ مِن مَطعُوماتٍ مُختَلِفةِ الأَجنَتَ ولإنَّما هي الآيةُ الخاصّةُ لِلذّاتِ الأَحَدِيّةِ الصَّمَدِيّةِ والخَتْمِ المَخصُوصِ للسُّلطانِ الأَزَليِّ الأَبَدِيِّ وطُغْراؤُه الَّتيُها إلمكِنُ تَقلِيدُها أَبَدًا.
نعم، إنَّ خَلْقَ شَيءٍ مِن كلِّ شَيءٍ، وخَلْقَ كلِّ شَيءٍ مِن شَيءٍ، إنَّما هو خاصِّيّةٌ تَعُودُ إلى خالِقِ كلِّ شَيءٍ، وعَلامةٌ مَخصُوصةٌ للقادِرِ على كُلِّ شَيءٍ.
وأمّا ذلك الطِّلَّسمُ هِرُهارُّ حِكمةِ الخَلقِ الَّذي يُفتَحُ بسِرِّ الإيمانِ، وأمّا ذلك المِفتاحُ فهو اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و"يا اَللهُ"و"لا إلٰه إلَّا اللهُ.."،وأمّا انقِلابُ فَمِ ذلك الثُّعبانِ إلى بابِ البُستانِ فهو رَمزٌ إلى أنَّلِمُجَْرَ هو سِجْنُ الوَحْشةِ والنِّسيانِ والإهمالِ والضِّيقِ، فهو كبَطْنِ الثُّعبانِ لِأَهلِ الضَّلالةِ والطُّغيانِ، ولكِنَّه لِأَهلِ الإيمانِ والقُرآنِ بابٌ مَفتُوحٌ على مِصراعَيْه مِن سِجنِ الدُّنيا إلى بُستانِ البَقاءِ، ومِن مَيدانِ الِامتِحانِ والمَسوْضةِ الجِنانِ، ومِن زَحمةِ الحَياةِ إلى رَحمةِ الرَّحمٰنِ.
وأمّا انقِلابُ ذلك الأَسَدِ المُفتَرِسِ إلى حِصانٍ مُسَخَّرٍ وإلى خادِمٍ مُؤْنِسٍ فهو إشارةٌ إلىُ شيء المَوتَ لِأَهلِ الضَّلالِ فِراقٌ أَبَدِيٌّ أَليمٌ مِن جَميعِ الأَحِبّةِ، وخُرُوجٌ مِن جَنّةٍ دُنيَوِيّةٍ كاذِبةٍ إلى وَحْشةِ سِجْنٍ انفِرادِيٍّ للقَبْرِ، وضَياعٌ في تِيهٍ سَحِيقٍ، بَينَما هو لِأَهلِ الهِيلِ م وأَهلِ القُرآنِ رِحلةٌ إلى العالَمِ الآخَرِ، ووَسِيلةٌ إلى مُلاقاةِ الأَحِبّةِ والأَصدِقاءِ القُدامَى، وواسِطةٌ إلى دُخُولِ الوَطَنِ الحَقِيقيِّ ومَنازِلِ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، ودَعوةٌ كَرِيمةٌ
— 49 —
مِن سِجنِ الدُّنيا إلى بَساتِينِ الجِناًا لتلنتِظارٌ لِأَخذِ الأُجرةِ للخِدْماتِ تَفَضُّلًا مِنَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، وتَسرِيحٌ مِن تَكاليفِ الحَياةِ وإجازةٌ مِن وَظِيفَتِها، وإعلانُ الِانتِهاءِ مِن واجِبطِيئاتعُبُودِيّةِ وامتِحاناتِ التَّعلِيمِ والتَّعلِيماتِ.
نَحصُلُ مِن هذا كُلِّه:أنَّ كلَّ مَن يَجعَلُ الحَياةَ الفانِيةَ مُبتَغاه فسيكُونُ في جَهَنَّمَ حَقِيقةً ومَعنًى، حتَّى لو كان يَتَقلَّبُ ظاهِقصُورةبُحبُوحةِ النَّعيمِ؛ وأنَّ كُلَّ مَن كان مُتَوجِّهًا إلى الحَياةِ الباقِيةِ ويَسعَى لها بجِدٍّ وإخلاصٍ، فهو فائزٌ بسَعادةِ الدّارَينِ وأَهلٌ لهما إلى احتَّى لو كانَت دُنياه سَيِّئةً وضَيِّقةً، إلَّا أنَّه سيَراها حُلْوةً طَيِّبةً، لأنَّه يَعُدُّها قاعةَ انتِظارٍ لِجَنَّتِه، فيَتَحَمَّلُها ويَشكُرُ رَبَّه فيها أَعجيَخُوضُ غِمارَ الصَّبْرِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أَهلِ السَّعادةِ والسَّلامةِ والقُرآنِ والإيمانِ.. آمين.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مًا وََدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ بِعَدَدِ جَمِيعِ الحُرُوفَاتِ المُتَشَكِّلَةِ فِي جَمِيعِ الكَلِمَاتِ المُتَمَثِّلَةِ بِإِذنِ الرَّحمٰنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الهَوَاءِ عِندَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةرآنِ ا القُرآنِ مِن كُلِّ قَارِئٍ مِن أوَّلِ النُّزُولِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، وَارحَمنَا وَوَالِدِينَا وَارحَمِ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِعَدَدِهَا.. بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، آمِينَ
والحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.مَشاغِ ٭ ٭
— 50 —
الكلمة التاسعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَِيمٌ مْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
أيُّها الأَخُ.. تَسأَلُني عن حِكمةِ تَخصِيصِ الصَّلاةِ في هذه الأَوقاتِ الخَمسةِ المُعيَّنةِ، فسنُشِيرُ إلى حِكين طَلحِدةٍ فقط مِن بينِ حِكَمِها الوَفيرةِ.
نعم، كما أنَّ وَقتَ كلِّ صَلاةٍ بِدايةُ انقِلابٍ زَمَنيٍّ عَظِيمٍ ومُهِمٍّ، فهو كَذلك مِرآةٌ لِتَصَرُّفٍ إلٰهيٍّ عَظيمٍ، تَعكِسُ الآلاءَ الإلٰهِيّةَ الكُلِّيّةَّكوَىلك الوَقتِ؛ لِهذا فقد أُمِرَ في تلك الأَوقاتِ بالصَّلاةِ، أي: الزِّيادةِ مِنَ التَّسبِيحِ والتَّعظِيمِ للقَدِيرِ ذِي الجَلالِ، والإكثارِ مِنَ الحَمْدِ والشُّكرِ لِنِعَمِه الَّتي لا تُحصَى والَّتي تَجَمَّعَت بينَاتِ.
تَينِ.. ولِأَجلِ فَهْمِ بَعضٍ مِن هذا المَعنَى العَمِيقِ الدَّقيقِ، يَنبَغي الإصغاءُ یی معَ نَفسِي یی إلى خَمسِ نِكاتٍ:
النُّكتةُ الأولَى
إنَّ مَعنَى الصَّلاةِ هو التَّسبِيحُ والتَّعظِيمُ والشُّكرُعضاءِ تَعالَى، أي: تَقدِيسُه جَلَّ وعَلا تِجاهَ جَلالِه قَوْلًا وفِعْلًا بقَولِ:"سُبحانَ اللهِ"،وتَعظِيمُه تِجاهَ كَمالِه لَفْظًا وعَمَلًا بقَولِ:"اللهُ أَكبَرُ"،وشُكرُه تِجاهَ جَمالِه قَلْبًا ولِسانًا وجِسْمًا بقَولِ:مَعاصِدُ للهِ".
أي: إنَّ التَّسبِيحَ والتَّكبِيرَ والتَّحمِيدَ هو بمَثابةِ نُوَى الصَّلاةِ وبُذُورِها، فوُجِدَتْ
— 51 —
هذه الثَّلاثةُ في جَميعِ حَرَكاتِ الصَّلاةِ وأ لِيَصها. ولِهذا أَيضًا تُكرَّرُ هذه الكَلِماتُ الطَّيِّبةُ الثَّلاثُ ثَلاثًا وثَلاثين مَرّةً عَقِبَ الصَّلاةِ، وذلك للتَّأكِيدِ على مَعنَى الصَّلاةِ وتَرسِيخِه، إذ بهذه الكَلِماتِ المُوجَزةِ المُجْمَلةِ للِّصَدُ مَعنَى الصَّلاةِ ومَغزاها.
النُّكتةُ الثّانية
إنَّ مَعنَى العِبادةِ هو سُجُودُ العَبدِ بمَحَبّةٍ خالِصةٍ وبتَقديرٍ وإعجابٍ في الحَضْرةِ الإلٰهِيّالجَماامَ كَمالِ الرُّبُوبيّةِ والقُدرةِ الصَّمَدانيّةِ والرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، مُشاهِدًا في نَفسِه تَقصِيرَه وعَجْزَه وفَقْرَه.
نعم، كما أنَّ سَلْطَنةَ الرُّبُوبيّةِ تَتَطلَّبُ العُبُودِيّةَ وا برُسَُ، فإنَّ قُدسِيَّتَها ونَزاهَتَها تَتَطلَّبُ أيضًا أن يُعلِنَ العَبدُ یی معَ استِغفارِه برُؤيةِ تَقصِيرِه یی أنَّ رَبَّه مُنزَّهٌ عن أيِّ نَقصِ، وأنَّه مُتَعالٍ على جَميعِ أَفكارِ أَهلِ الضَّلالةِ الباطِلةِ، وأنَّه مُقَدَّسٌ ِ الشّميعِ نَقائِصِ الكائِناتِ، أي: أن يُعلِنَ ذلك كلَّه بتَسبِيحِه بقَولِه:"سُبحانَ اللهِ".
وكذا قُدرةُ الرُّبوبيّةِ الكامِلةُ تَتَطلَّبُ مِنَ العَبدِ أيضًا أن يَلتَجِئَ إلَيلائكةَِتَوكَّلَ علَيها، لرُؤيَتِه ضَعْفَ نَفسِه الشَّديدَ وعَجْزَ المَخلُوقاتِ قائلًا:"اللهُ أَكبَرُ"بإعجابٍ وتَقدِيرٍ واستِحسانٍ تِجاهَ عَظَمةِ آثارِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ، ماضِيًا إلى الرُّكُوعِ بكلِّ خُضُومدُ للشُوعٍ.
وكذا رَحمةُ الرُّبُوبيّةِ الواسِعةُ تَتَطلَّبُ أيضًا أن يُظهِرَ العَبدُ حاجاتِه الخاصّةَ وحاجاتِ جَميعِ المَخلُوقاتِ وفَقرَها بلِسانِ السُّؤالِ والدُّعاءِ، وأن يُعلِنَ إحسانَ ربِّه وآلاءَه العَمِيمةَ باخذِ الِ والثَّناءِ والحَمدِ بقَولِه:"الحَمدُ للهِ".
أي: إنَّ أَفعالَ الصَّلاةِ وأَقوالَها تَتَضمَّنُ هذه المَعانِيَ. ولِأَجلِ هذه المَعاني فُرِضَتِ الصَّلاةُ مِن لَدُنه سُبحانَه وتَعالَى.
النُّكتة الثالثة
كما أنَّ الإنم رائدو مِثالٌ مُصَغَّرٌ لهذا العالَمِ الكَبِيرِ، وأنَّ سُورةَ الفاتِحةِ مِثالٌ مُنَوَّرٌ للقُرآنِ العَظيمِ، فالصَّلاةُ كذلك فِهرِسٌ نُورانِيٌّ شامِلٌإنسانَيعِ العِباداتِ، وخَرِيطةٌ سامِيةٌ تُشِيرُ إلى أَنماطِ عِباداتِ المَخلُوقاتِ جَمِيعًا.
— 52 —
النُّكتة الرابعة
إنَّ عَقارِبَ السّاعة الَّتي تَعُدُّ الثَّوانِيَ والدَّقائقَ والسّاعاتِ والأَيّامَ، كلٌّ مِنها يُناظِرُ الآخَرَ، وُيمثِّلا لَنََرَ، ويَأخُذُ كلٌّ مِنها حُكْمَ الآخَرِ.
كذلك في عالَمِ الدُّنيا الَّذي هو ساعةٌ إلٰهِيّةٌ كُبْرَى، فإنَّ دَوَرانَ اللَّيلِ والنَّهارِ الَّذي هو بِحُكمِ الثَّواني للسجِيءِ والسَّنَواتِ الَّتي تَعُدُّ الدَّقائقَ، وطَبَقاتِ عُمُرِ الإنسانِ الَّتي تَعُدُّ السّاعاتِ، وأَدوارَ عُمُرِ العالَمِ الَّتي تَعُدُّ الأَلاءٍ.، كلٌّ مِنها يُناظِرُ الآخَرَ، ويَتَشابَهُ معَه، ويُماثِلُه، ويُذَكِّرُ كلٌّ مِنها بالآخَرِ، ويَأخُذُ حُكمَه.فمثلًا:
وَقْتُ الفَجرِ إلى طُلُوعِ الشَّمسِ:يُشبِهُ ويُذَكِّرُ ببِدايةِ الرَّبيعِ وأَوَّلِه، وبانَ ال سُقُوطِ الإنسانِ في رَحِمِ الأُمِّ، وباليَومِ الأَوَّلِ مِنَ الأَيّامِ السِّتّةِ في خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ، فيُنبِّهُ الإنسانَ إلى ما في تلك ادَ القتِ مِنَ الشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ العَظِيمةِ.
أمّا وَقْتُ الظُّهرِ:فهو يُشبِهُ ويُشِيرُ إلى مُنتَصَفِ الصَّيفِ، وإلى عُنفُوانِ الشَّبابِ، وإلى دَوْرِ خَلْقِ الإنسانِ في عُمُرِ الدُّنيا، ويُذَكِّرُ ما في ذلك كّاعةِ،مِن تَجَلِّياتِ الرَّحمةِ وفُيُوضاتِ النِّعمةِ.
أمّا وَقْتُ العَصرِ:فهو يُشبِهُ مَوسِمَ الخَرِيفِ، وزَمَنَ الشَّيخُوخةِ، وعَصرَ السَّعادةِ الَّذي هو عَصرُ خاتَمِ الرُّسُلِ مُحمَّدٍ عِسِربَلصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُذَكِّرُ بما في ذلك كلِّه مِنَ الشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ والآلاءِ الرَّحمانيّةِ.
أمّا وَقْتُ المَغرِبِ:فإنَّه يُذَكِّرُ بغُرُوبِ أَغلَبِ المَخلُوقاتِ وأُفُولِها َدَيك َ الخَرِيفِ، ويُذَكِّرُ أيضًا بوَفاةِ الإنسانِ، وبدَمارِ الدُّنيا عندَ قيامِ السّاعةِ، ومعَ ذلك فهو يُعَلِّمُ التَّجَلِّياتِ الجَلاليّةَ، ويُوقِظُ الإنسانَ مِن نَومِ الغَفلةِ ويُنبِّهُه.
أمّا وَقْتُ العِشاءِ:فيُذَكِّرُ بغَشَيانِ عالَمِ الظائناتِ وسَتْرِه آثارَ عالَمِ النَّهارِ بكَفَنِه الأَسوَدِ، ويُذَكِّرُ أيضًا بتَغطِيةِ الكَفَنِ الأَبيَضِ للشِّتاءِ وَجْهَ الأَرضِ المَيتةِ، وبوَفاةِ حتَّى آثارِ الإنسانِ المُتَوفَّى ودُخُولِه لأنَّسِتارِ النِّسيانِ، وبانسِدادِ أَبوابِ دارِ امتِحانِ الدُّنيا نِهائيًّا، ويُعلِنُ في ذلك كلِّه تَصَرُّفاتٍ جَلاليّةً للقَهّارِ ذِي الجَلالِ.
— 53 —
أمّا وَقْتُ اللَّيلِ:ولًا حه يُذَكِّرُ بالشِّتاءِ، وبالقَبْرِ، وبعالَمِ البَرزَخِ، فَضْلًا عن أنَّه يُذَكِّرُ رُوحَ الإنسانِ بمَدَى حاجَتِها إلى رَحمةِ الرَّحمٰنِ.
أمّا التَّهَجُّدُ في اللَّيلِ:فإنَّه يُذَكِّرُ بضَرُورَتِه ضِياءِيامِ يْلِ القَبْرِ، ولِظُلُماتِ عالَمِ البَرزَخِ، ويُنبِّهُ ويُذَكِّرُ بنِعَمٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ للمُنعِمِ الحَقيقيِّ عَبْرَ هذه الِانقِلاباتِ، ويُعلِنُ أيا إلى مَدَى أَهلِيّةِ المُنعِمِ الحَقيقيِّ للحَمدِ والثَّناءِ.
أمّا الصَّباحُ الثّاني:فإنَّه يُذَكِّرُ بصَباحِ الحَشْرِ. نعم، كما أنَّ مَجِيءَ الصُّبحِ لِهذا اللَّيلِ، ومَجِيءَ الرَّبيعِ لهذا الى هناءِ مَعقُولٌ وضَرُورِيٌّ وحَتْمِيٌّ، فإنَّ مَجِيءَ صَباحِ الحَشرِ ورَبِيعِ البَرزَخِ هما بالقَطعِيّةِ والثُّبُوتِ نَفسَيهِما.
فكلُّ وَقتٍ إذًا مِن هذه الأَوقاتِ الخَمسةِ بِدايةُ انقِلابٍ عَظِيمٍ، ويُذَكِّرُ بانقِلاباتٍ أُخرَى عَظِيمةٍ،فإنَُّذَكِّرُ أيضًا بمُعجِزاتِ القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ وهَدايا الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، سَواءٌ مِنها السَّنَوِيّةُ أوِ العَصرِيّةُ أوِ الدَّهرِيّةُ، بإشاراتِ تَصَرُّفاتِها اليَوميّةِ العَظِيمةِ.
أي: إنَّ أن تُلاةَ المَفرُوضةَ الَّتي هي وَظِيفةُ الفِطرةِ وأَساسُ العُبُودِيّةِ والدَّينُ المَفرُوضُ، لائِقةٌ جِدًّا ومُناسِبةٌ جِدًّا في أن تكُونَ في هذه الأَوقاتِ حَقًّا.
النُّكتة الخامسة
إنَّ الإنسانَ بفِطرَتِه ضَعِيفٌ جِدًّا، ومعَ ذلك رُّبُوكثَرَ المُنَغِّصاتِ الَّتي تُورِثُه الحُزنَ والأَلمَ؛ وهو في الوَقتِ نَفسِه عاجِزٌ جدًّا، معَ أنَّ أَعداءَه ومَصائبَه كَثيرةٌ جِدًّا؛ وهو فَقِيرٌ جِدًّا معَ أنَّ حاجاتِه كَثيرةٌ وشَدِيدةٌ؛ وهو كَسُولٌ وبلا اقتِتَه العَ أنَّ تَكاليفَ الحَياةِ ثَقِيلةٌ علَيه؛ وإنسانيَّتُه جَعَلَتْه يَرتَبِطُ بالكَونِ جَمِيعًا معَ أنَّ فِراقَ ما يُحِبُّه وزَوالَ ما يَستَأنِسُ به يُؤلِمانِه؛ وعَقْلُه يُرِيه مَقاصِدَ سامِيةً وثِمارًا باقيةً، معَ أنَّ يَدَه قَص الباك وعُمُرَه قَصِيرٌ، وقُدرَتَه مَحدُودةٌ وصَبْرَه مَحدُودٌ.
فرُوحُ الإنسانِ في هذه الحالةِ:(في وَقتِ الفَجرِ)أَحوَجُ ما تكُونُ إلى أنْ تَطْرُقَ بالدُّعاءِ و
سُباةِ بابَ القَدِيرَ ذِي الجَلالِ، وبابَ الرَّحِيمِ ذِي الجَمالِ، عارِضةً حالَها
— 54 —
أَمامَه، سائِلةً التَّوفيقَ والعَونَ مِنه سُبحانَه؛ وما أَشَدَّ افتِقارَ تلك الرُّوحِ إلى نُقطةِ استِنادٍ كي تَتَحمَّلَ ما سيَأتِي أَمامَها مِن أَعلِّ زَوما ستَحمِلُ على كاهِلِها مِن وَظائِفَ في عالَمِ النَّهارِ الَّذي يَعقُبُه.. ألا يُفهَمُ ذلك بَداهةً؟
وعِندَ وَقْتِ الظُّهرِ:ذلك الوَقتِ الَّذي هو ذ، وتَذكَمالِ النَّهارِ ومَيَلانُه إلى الزَّوالِ، وهو أَوانُ تَكامُلِ الأَعمالِ اليَومِيّةِ، وفَترةُ استِراحةٍ مُؤقَّتةٍ مِن عَناءِ المَشاغِلِ.. وهو وَقتُ حاجةِ الرُّوحِ إلى التَّنفُّسِ والبما لُواحِ مِمّا تُعطِيه هذه الدُّنيا الفانِيةُ والأَشغالُ المُرهِقةُ المُؤَقَّتةُ مِن غَفلةٍ وحَيرةٍ واضطِرابٍ، فَضْلًا عن أنَّه أَوانُ تَظاهُرِ الآيَلبَثلإلٰهِيّةِ.
فخَلاصُ رُوحِ الإنسانِ مِن تلك المُضايَقاتِ، وانسِلالُها مِن تلك الغَفلةِ والحَيرةِ، وخُرُوجُها مِن تلك الأُمُورِ التّافِهةِ الزّائلةِ، لا يكُونُ إإنسانُالِالتِجاءِ إلى بابِ القَيُّومِ الباقي یی وهو المُنعِمُ الحَقِيقيُّ یی بالتَّضَرُّعِ والتَّوَسُّلِ أَمامَه مَكتُوفَ اليَدَينِ شاكِرًا حامِدًا لِمَجمُوعِ نِعَمِه، مُستَعِينًا به وَحِدًا لعَ إظهارِ العَجْزِ أَمامَ جَلالِه وعَظَمَتِه بالرُّكُوعِ، وإعلانِ الذُّلِّ والخُضُوعِ بإعجابٍ وتَعظِيمٍ وهُيامٍ بالسُّجُودِ أَمامَ كَمالِه الَّذي لا يَزُولُ، وأَمامَ جَمالِه الَّذي لا يَحُولُ. وهذاتِه وفداءُ صَلاةِ الظُّهرِ، فما أَجمَلَها، وما أَلَذَّها، وما أَجدَرَها، وما أَعظَمَ ضَرُورَتَها! ومِن ثَمَّ فلا يَحسَبَنَّ الإنسانُ نَفسَه إنسانًا إن كان لا يَفهَمُ هذا.
وعِندَ وَقتِ العَ الوَهَّذي يُذَكِّرُ بالمَوسِمِ الحَزِينِ للخَرِيفِ، وبالحالةِ المُحزِنةِ للشَّيخُوخةِ، وبالأَيّامِ الأَليمةِ لآخِرِ الزَّمانِ، وبوَقتِ ظُهُورِ نَتائِجِ الأََانِ واليَوميّةِ، فهو وَقتُ حُصُولِ المَجمُوعِ الكُلِّيِّ الهائِلِ للنِّعَمِ الإلٰهِيّةِ، أَمثالَ التَّمتُّعِ بالصِّحّةِ والتَّنَعُّمِ بالعافِيةِ، والقِيامِ بخِدْماتٍ طَيِّبةٍ؛ وهو كذلك وَقتُ الإعلانِ بأنَّ الإنسانَ ضَيفٌ مَأمُورٌ، وبأاكَ نََّ شَيءٍ يَزُولُ، وهو بلا ثَباتٍ ولا قَرارٍ، وذلك بما يُشِيرُ إلَيه انحِناءُ الشَّمسِ الضَّخمةِ إلى الأُفُولِ.
نعم، إنَّ رُوحَ الإنسانِ الَّتي تَنشُدُ الأَبَدِيّةَ والخُلُودَ، وهي الَّتي خُلِقَت للبَقاءِ والأَبَدِ، وتَعشَقُ الإحسانَ، وتَالإظهامُ مِنَ الفِراقِ، تَنهَضُ بهذا الإنسانِ لِيَقُومَ وَقتَ العَصرِ
— 55 —
ويُسبِغَ الوُضُوءَ لِأَداءِ صَلاةِ العَصرِ، لِيُناجِيَ مُتَضَرِّعًا أَمامَ بابِ الحَضْرةِ الصّذي تَديّةِ للقَدِيمِ الباقي وللقَيُّومِ السَّرمَدِيِّ، ولِيَلْتَجِئَ إلى فَضْلِ رَحمَتِه الواسِعةِ الأبَدِيّةِ، ولِيُقَدِّمَ الشُّكرَ والحَمدَ على نِعَمِه الَّتي لا تُحصَى، فيَركَعُ بكُلالدّالّ وخُضُوعٍ أَمامَ عِزّةِ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه، ويَهوِي إلى السُّجُودِ بكلِّ تَواضُعٍ وفَناءٍ أَمامَ سَرمَدِيّةِ أُلُوهِيَّتِه، ويَجِدُ السُّلوانَ الحَقيقِيَّ والرّاحةَ التّامّةَ لِرُوحَِّحْمَُوفِه بعُبُودِيّةٍ تامّةٍ وباستِعدادٍ كامِلٍ أَمامَ عَظَمةِ كِبْرِيائِه جَلَّ وعَلا. فما أَسْماها مِن وَظِيفةٍ تَأدِيةُ صَلاةِ العَصرِ بهذا المَعنَى! وما ا فلَأَها مِن خِدمةٍ! بل ما أَحَقَّه مِن وَقتٍ لِقَضاءِ دَينِ الفِطرةِ، وما أَعظَمَه مِن فَوْزٍ للسَّعادةِ في مُنتَهَى اللَّذّةِ! فمَن كانَ إنسانًا حَقًّا فسيَفْهَمُ هذا.
وعِندَ وَقتِ المَغرِبِالَّذي يُذَكِّرُ بوَقتِ غُرُوبِ المَخلُوقدِّق كلَّطِيفةِ الجَمِيلةِ لِعالَمِ الصَّيفِ والخَرِيفِ في وَداعِها الحَزِينِ عِندَ ابتِداءِ الشِّتاءِ، ويُذَكِّرُ بوَقتِ دُخُولِ الإنسانِ القَبْرَ عندَ وَفاا بُدِّراقِه الأَليمِ لِجَميعِ أَحِبَّتِه، وبوَفاةِ الدُّنيا كُلِّها بزَلزَلةِ سَكَراتِها، وانتِقالِ ساكِنِيها جَمِيعًا إلى عَوالِمَ أُخرَى.
ويُذَكِّرُ كذلك بانطِفاءِ مِصباحِ دارِ الِامتِحانِ هذه، فهو وَقتُ إيقاظٍ قَوِيٍّ وإنذارٍ شَدِ المَوُولَئِك الَّذين يَعشَقُون لِحَدِّ العِبادةِ المَحبُوباتِ الَّتي تَغرُبُ وَراءَ أُفُقِ الزَّوالِ؛ لذا فالإنسانُ الَّذي يَملِكُ رُوحًا صافِيةً كالمِرآةِ المَجلُوّةِ المُشتاقةِ فِطرةً إلى تَجَلِّياتِ الجَمالِ الباقي، لِأَ الأَرداءِ صَلاةِ المَغرِبِ في مِثلِ هذا الوَقتِ، يُوَلِّي وَجْهَه إلى عَرشِ عَظَمةِ مَن هو قَدِيمٌ لم يَزَل، ومَن هو باقٍ لا يَزالُ، ومَن هو يُدَبِّرُ أَمرَ هذه العَوالِمِ الجَسِيمةِ ويُبَدِّلُها، فيُدَوَِّ مَنفتِه قائلًا:"اللهُ أَكبَرُ"فَوقَ رُؤُوسِ هذه المَخلُوقاتِ الفانِيةِ، مُطلِقًا يَدَه مِنها، مَكتُوفًا في خِدمةِ مَولاه الحَقِّ مُنتَصِبًا قائِمًا عندَ مَن هو دائِمٌ باقٍ جَلَّ وعَلا فيَقُولَ:"الحَمدُ للهِ"أ، كذلككَمالِه الَّذي لا نَقْصَ فيه، وأَمامَ جَمالِه الَّذي لا مَثِيلَ له، واقِفًا أَمامَه مُثْنِيًا رَحمَتَه الواسِعةَ فيَقُولَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّدِنَ وسْتَعِينُ لِيَعرِضَ عُبُودِيَّتَه واستِعانَتَه تِجاهَ رُبُوبيّةِ مَولاه الَّتي لا مُعِينَ لها، وتِجاهَ أُلُوهِيَّتِه الَّتي لا شَرِيكَ لها، وتِجاهَ سَلْطَنَتِه الَّتي لا وَزِيرَ لها.
— 56 —
فيَركَعُ إظهارًا لِعَ الأَنوضَعْفِه وفَقْرِه معَ الكائناتِ جَمِيعًا أَمامَ كِبرِيائِه سُبحانَه الَّتي لا مُنتَهَى لها، وأَمامَ قُدرَتِه الَّتي لا حَدَّ لها، وأَمامَ عِزَّتِه الَّتِ، صارَجْزَ فيها، مُسَبِّحًا رَبَّه العَظِيمَ قائلًا:"سُبحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ"،ثمَّ يَهوِي إلى السُّجُودِ أَمامَ جَمالِ ذاتِه الَّذي لا يَزُولُ، وأَمامَ صِفاتِه المُقَدَّسةِ الَّتي لا تِ، شُهَرُ، وأَمامَ كَمالِ سَرمَدِيَّتِه الَّذي لا يَتَبدَّلُ، مُعْلِنًا بذلك حُبَّه وعُبُودِيَّتَه في إعجابٍ وفَناءٍ وذُلٍّ، تارِكًا ما سِواه سُبحانَه قائلًا:"سُبحانَ رَبِّيَ الأَعلَى"واجِدًا جَمِيلًا باقالنَّبرَحِيمًا سَرمَدِيًّا بَدَلًا مِن كُلِّ فانٍ؛ فيُقدِّسُ رَبَّه الأَعلَى المُنزَّهَ عنِ الزَّوالِ، المُبَرَّأَ مِنَ التَّقصِيرِ ويَجلِسُ للتَّشَهُّدِ، فيُقَدِّمُ التَّحِيّاتِ المُبارَكلنَّقْلصَّلَواتِ الطَّيِّباتِ لِجَميعِ المَخلُوقاتِ هَدِيّةً باسمِه إلى ذلك الجَمِيلِ الَّذي لم يَزَل، وإلى ذلك الجَليلِ الَّذي لا يَزالُ، مُجَدِّدًا بَيعَتَه معَ رَسُولِه الأَكرَمِ بالسَّلامِ علَيه، مُظهِرًا بها طَثرةٍ لِأَوامِرِه، فيَرَى الِانتِظامَ الحَكِيمَ لِقَصرِ الكائناتِ هذا، ويُشهِدُه على وَحدانيّةِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ، فيُجَدِّدُ إيمانَه ويُنوِّرُه، ثمَّ يَشهَدُ على نُبوّةِ دَلَّالِ الرُّبُوبيّةِ ومُی بما ِ مَرْضِيّاتِها وتَرجُمانِ آياتِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ، ألا وهو مُحمَّدٌ العَرَبيُّ (ص).
فما أَلْطَفَ وما أَنزَهَ أَداءَ صَلاةِ المَغرِبِ! وما أَجَلَّها ما يُساِمّةٍ بهذا المَضمُونِ! وما أَعَزَّها وأَحلاها مِن وَظِيفةٍ! وما أَجمَلَها وأَلذَّها مِن عُبُودِيّةٍ! وما أَعظَمَها مِن حَقيقةٍ أَصِيلةٍ! وهكذا نَرَى كيفَ أنَّها صُحبةٌ كَرِيمةٌ وجَلسةٌفاستَمَكةٌ وسَعادةٌ خالِدةٌ في مِثلِ هذه الضِّيافةِ الفانِيةِ.. أفيَحسَبُ مَن لم يَفْهَمْ هذا نَفسَه إنسانًا؟!
وعِندَ وَقتِ العِشاءِ:ذلك الوَقتِ الَّذي تَغِيبُ في الأُفُقِ حتَّى تلك البَقِيّةُ الباقِيةُ مِن آثارِ النَّهارِ، ويُخَيِّمُ اللَّي بَيان على العالَمِ، فيُذَكِّرُ بالتَّصَرُّفاتِ الرَّبّانيّةِ لی"مُقَلِّبِ اللَّيلِ والنَّهارِ"، وهو القَدِيرُ ذُو الجَلالِ في قَلبِه تلك الصَّحِيفةَ البَيضاءَ إلى هذه الصَّحِيفةِ السَّوداءِ؛ ويُذَكِّرُ كذلك بالإجراءاتِ الإلٰهِيّةِ لی"مبَرةَ رِ الشَّمسِ والقَمَرِ" وهو الحَكِيمُ ذُو الكَمالِ في قَلبِه الصَّحِيفةَ الخَضراءَ المُزيَّنةَ للصَّيفِ إلى الصَّحِيفةِ البَيضاءِ البارِدةِ للشِّتاءِ؛ ويُذَكِّرُ كذلك بالشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ لی"خالِقِلتَّحَتِ والحَياةِ" بانقِطاعِ الآثارِ الباقيةِ یی بمُرُورِ الزَّمَنِ یی لِأَهلِ القُبُورِ مِن هذه الدُّنيا وانتِقالِهم كُلِّیيًّا إلى عالَمٍ آخَرَ.
— 57 —
فهو وَقتٌباتِ وِّرُ بالتَّصَرُّفاتِ الجَلاليّةِ، وبالتَّجَلِّياتِ الجَماليّةِ لِخالقِ الأَرضِ والسّماواتِ، وبانكِشافِ عالَمِ الآخِرةِ الواسِعِ الفَسِيحِ الخالِدِ العَظِيمِ، بمَوتِ الدُّنيا الضَّيِّقةِ الفانيةِ الحَقِيرةِ، ودَمارِهافتُ عًِا تامًّا بسَكَراتِها الهائلةِ.. إنَّها حالةٌ تُثبِتُ أنَّ المالِكَ الحَقيقيَّ لهذا الكَونِ بلِ المَعبُودَ الحَقيقيَّ والمَحبُوبَ الحَقيقيَّ فيه لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلَّا مَن يَستَطِيعُ أن يُقَلِّبَ اللَّيلَ والنَّهارَ والشِّتاءَ وهو ميفَ والدُّنيا والآخِرةَ بسُهُولةٍ كسُهُولةِ تَقلِيبِ صَحائفِ الكِتابِ، فيَكتُبُ ويُثبِتُ ويَمحُو ويُبَدِّلُ، وليس هذا إلَّا شَأْنَ القَدِيرِ المُطلَقِ النّافِذِ حُكمُه على الجَمِيعِ جَلَّ جَلالُه.
وهكَذا، فرُوحُ البَشَرِ الَّتي هي في مِن خَى العَجْزِ وفي غايةِ الفَقْرِ والحاجةِ، والَّتي هي في حَيرةٍ مِن ظُلُماتِ المُستَقبَلِ وفي وَجَلٍ مِمّا تُخفيه الأَيّامُ واللَّيالي، تَدفَعُ الإنسانَ عندَ أَدائِه لِصَلاةِ العِشاءِمع أَصذا المَضمُونِ یی ألّا يَتَردَّدَ في أن يُرَدِّدَ على غِرارِ سيِّدِنا إبراهيمَ عَليهِ السَّلام: لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ، فيَلتَجِئَ بالصَّلاةِ إلى بابِ مَن هو المَعبُودُ الَّذي لم يَزَلْ ومَن هو المَحبُوبُ الالعَدَا يَزالُ، مُناجِيًا ذلك الباقيَ السَّرمَدِيَّ في هذه الدُّنيا الفانيةِ، وفي هذا العالَمِ الفاني، وفي هذه الحَياةِ المُظلِمةِ والمُستَقبَلِ المُظلِ الوَعيَنشُرَ على أَرجاءِ دُنياه النُّورَ مِن خِلالِ صُحْبةٍ خاطِفةٍ ومُناجاةٍ مُؤَقَّتةٍ، ولِيُنوِّرَ مُستَقبَلَه ويُضَمِّدَ جِراحَ الزَّوالأَخمَصِراقِ عَمّا يُحِبُّه مِن أَشياءَ ومَوجُوداتٍ ومِن أَشخاصٍ وأَصدِقاءَ وأَحبابٍ، بمُشاهَدةِ تَوَجُّهِ رَحْمةِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ، وطَلَبِ نُورِ هِدايَتِه؛ فيَنسَى بدَوعُ هذهلك الدُّنيا الَّتي أَنْسَتْه، والَّتي اختَفَتْ وَراءَ العِشاءِ، فيَسكُبُ عَبَراتِ قَلبِه، ولَوْعةَ صَدْرِه، على عَتَبةِ بابِ تلك الرَّحمةِ، لِيَقُوعَزيزٌظِيفةِ عُبُودِيَّتِه النِّهائيّةِ قبلَ الدُّخُولِ فيما هو مَجهُولُ العاقبةِ، ولا يَعرِفُ ما يُفعَلُ به بَعدَه، مِن نَومٍ شَبِيهٍ بالمَوتِ، ولِيَختِمَ دَفتَرَ أَعمالِه اليَوميّةِ بحُسنِ الخالى مَق
ولِأَجلِ ذلك كُلِّه يقُومُ بأَداءِ الصَّلاةِ، فيَتَشرَّفُ بالمُثُولِ أَمامَ مَن هو المَعبُودُ المَحبُوبُ الباقي، بَدَلًا مِنَ المَحبُوبًا مُنفانيةِ، ويَنتَصِبُ قائمًا أَمامَ مَن هو القَدِيرُ الكَرِيمُ بَدَلًا مِن جَمِيعِ العَجَزةِ المُتَسَوِّلين، ولِيَسمُوَ بالمُثُولِ في حَضرةِ مَن هو الحَفِيظُ
#58بُدُ احِيمُ لِيَنجُوَ مِن شَرِّ مَن يَرتَعِدُ مِنهم مِنَ المَخلُوقاتِ الضّارّةِ؛ فيَستَهِلُّ الصَّلاةَ بالفاتحةِ، أي: بالمَدْحِ والثَّناءِ لِرَبِّ العالَمِين الكَرِيمِ الرَّحِيمِ الَّذي هو الكامِلُ المُطلَقُ والغَونَ ٭ لمُطلَقُ، بَدَلًا مِن مَدْحِ مَخلُوقاتٍ لا طائِلَ وَراءَها وغَيرِ جَدِيرةٍ بالمَدحِ وهي ناقِصةٌ وفَقيرةٌ، وبَدَلًا مِنَ البَقاءِ تحتَ ذُلِّ المِنَّةِ والأَذَى؛ فيَرقَى إلى ووَساِ الضَّيفِ الكَرِيمِ في هذا الكَونِ، وإلى مَقامِ المُوَظَّفِ المَرمُوقِ فيه رَغمَ أنَّه ضَئِيلٌ وصَغِيرٌ بل هو مَعدُومٌ، وذلك بسُمُوِّه إلةً لأََبةِ خِطابِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي: انتِسابِه لِمالِكِ يومِ الدِّينِ ولِسُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ، فيُقَدِّمُ بقَولِه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ عِباداتِ واستِعاناثًا كََماعةِ الكُبْرَى والمُجتَمَعِ الأَعظَمِ لِجَميعِ المَخلُوقاتِ طالبًا الهِدايةَ إلى الصِّراطِ المُستَقِيمِ الَّذي هو طَرِيقُه المُنَوَّرُغفِلَ صِلُ إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ عَبْرَ ظُلُماتِ المُستَقبَلِ بقَولِه: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، ويَتَفكَّرُ في كِبْرِيائِه سُبحانَه وتَعالَى، ويَتَأمَّلُ في أنَّ هذه الشُّمُوسَ المُستَتِرةَ الَّتي هي كالنَّباتاتِ والحَيَوانثُ الحنّائِمةِ الآنَ، وهذه النُّجُومَ المُنتَبِهةَ، جُنُودٌ مُطِيعةٌ مُسَخَّرةٌ لِأَمرِه جَلَّ وعَلا، وأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنها ما هو إلا مِصباحٌ في دار ضِيافَتِه هذه،إعجابٍ واحِدٍ مِنها خادِمٌ عامِلٌ.. فيُكَبِّرُ قائلًا:"اللهُ أَكبَرُ"لِيَبلُغَ الرُّكُوعَ.
ثمَّ يَتَأمَّلُ بالسَّجْدةِ الكُبْرَى لِجَميعِ المَخلُوقاتِ كيف أنَّ أَنواعَ المَوجُوداتِ في كلِّ سنةٍ، ِي المِّ عَصْرٍ یی كالمَخلُوقاتِ النّائِمةِ في هذا اللَّيلِ یی بل حتَّى الأَرضَ نَفسَها وحتَّى العالَمَ كُلَّه، إنَّما هو كالجَيشِ المُنَظَّمِ، بل كالجُندِيِّ المُطِيعِ، وعِندَما تُسَرَّحُ المَخلُوقاتُ مِن وَظِيفَتِها الَّم نَوِيّةِ بأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ أي: عِندَما تُرسَلُ إلى عالَمِ الغَيبِ تَسجُدُ في مُنتَهَى النِّظامِ في الزَّوالِ على سَجّادةِ الغُرُوبِ مُكَبِّرةً:"اللهُ أَكبَرُ"،وهي تُبعَثُ وتُحشَ الطَّك في الرَّبيعِ بنَفسِها أو بمِثلِها، بصَيحةِ إحياءٍ وإيقاظٍ صادِرٍ مِن أَمرِ كُنْ فَيَكُونُ، فيَتَأَهَّبُ الجَميعُ في خُضُوعٍ وخُشُوعٍ لِأَمرِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ.َّ الر الإنسانُ الضَّعِيفُ اقتِداءً بتلك المَخلُوقاتِ، يَهوِي إلى السُّجُودِ أَمامَ دِيوانِ الرَّحمٰنِ ذِي الكَمالِ والرَّحِيمِ ذِي الجَمالِ قائلًا:"اللهُ أَكبَرُ"في حُبٍّ غامِرٍ بالإعجابِ وفي فَنائيّةٍ مُفعَوَمُبَلبَقاءِ وفي ذُلٍّ مُكَلَّلٍ بالعِزِّ.
— 59 —
فلا شَكَّ يا أَخِي أنْ قد فَهِمتَ أنَّ أَداءَ صَلاةِ العِشاءِ سُمُوٌّ وصُعُودٌ فيما يُشبِهُ المِعراجَ، وما أَجمَلَها مِن وَظِيفةٍ! وما أَحلاها مِن واجِبٍ! وما أ أنَّ مِن خِدْمةٍ! وما أَعَزَّها وأَلذَّها مِن عُبُودِيّةٍ! وما أَلْيَقَها مِن حَقِيقةٍ أَصِيلةٍ!
أي: أنَّ كلَّ وَقتٍ مِن هذه الأَوقاتِ إشاراتٌ لِانقِلابٍ زَمَنيٍّ عَظِيمٍ، وأَماراتٌ لِإجراءاتٍ رَبّانيّةٍ جَسِيمةٍ، وعَلاماتٌ لإِنعاماتٍ إلٰهِيّةجامِعِِیيّةٍ.. لِذا فإنَّ تَخصِيصَ صَلاةِ الفَرضِ الَّتي هي دَينُ الفِطرةِ في تلك الأَوقاتِ هو مُنتَهَى الحِكمةِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى خِلالَرسَلتَهُ مُعَلِّمًا لِعِبَادِكَ، لِيُعَلِّمَهُم كَيفِيَّةَ مَعرِفَتِكَ والعُبُودِيَّةِ لَكَ، ومُعَرِّفًا بِكُنُوزِ أَسمَائِكَ، وتَرجُمَانًا لِآيَاتِ كِتَابِ كَائِنَاتِكَ، ومِرآةً بِعُبُودِيَّتِهِ لِجَمَالِ رُبُوبِيَّتِكَ؛ وعَلَى آ أنَّ صَحبِهِ أَجمَعِينَ؛ وارحَمنَا وارحَمِ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ.. آمِينَ بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 60 —
الكلمة العاشرة
مبحث الحشر
تنبيه: إن سببَ إيرادي التَّشبيهَ والتَّمثيلَ بصُورةِ حِكاياتٍ في هذه اوضِعَ ئلِ هو تقريبُ المعاني إلى الأَذهانِ من ناحيةٍ، وإظهارُ مَدَى مَعقوليةِ الحقائقِ الإسلاميةِ ومدى تَناسُبِها ورَصانَتِها من ناحيةٍ أُخرَى، فمَغزَى الحِكاياتِ إنَّما هو الحقائقُ الّرِ، لذنتَهي إليها، والَّتي تَدُلُّ عليها كِنايةً؛ فهي إذًا ليست حكاياتٍ خياليةً، وإنما حقائقُ صادقةٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم والرّانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
يا أخي.. إِن رُمتَ إيضاةٍ تَزِ الحشر وبعضِ شُؤونِ الآخرةِ على وَجهٍ يُلائمُ فَهمَ عامّةِ الناسِ، فاستَمِعْ معي إلى هذه الحِكايةِ القصيرةِ:
ذَهَب اثنانِ معًا إلى مَملكةٍ رائعةِ الجَمالِ كالجَنّة یی التشبيهُ هنا للدُّنيا یی وإذا بهما يَرَيانِ أنَّ أهلَهَتِها َرَكوا أبوابَ بيُوتِهم وحَوانيتِهم ومَحَلّاتِهم مفتوحةً لا يَهتَمُّون بحِراستِها.. فالأَموالُ والنُّقودُ في مُتناوَلِ الأيدي دون أن يَحمِيَها أَحَدٌ؛ بَدَأ أحدُهمّةِ، أما سَوَّلت له نفسُه یی يَسرِق حِينًا ويَغْصِبُ حِينًا آخرَ، مُرتَكِبًا كلَّ أنواعِ الظُّلمِ والسَّفاهةِ، والأَهلُون لا يُبالُون به كثيرًا.
فقال له صَديقُه: "وَيْحَك ماذا تَفعَلُ؟!ضًا عن ستَنالُ عِقابَك، وستُلقيني في بلايا ومَصائبَ. فهذه الأموالُ أموالُ الدَّولةِ، وهؤلاء الأَهلُون قد أَصبَحوا یی بعَوائلِهم وأطفالِهم یی ْثِ الَ الدَّولةِ أو مُوَظَّفيها، ويُستخدَمون في هذه الوَظائفِ ببِزَّتِهمُ المَدَنيةِ،
— 61 —
ولذلك لم يُبالوا بك كثيرًا. اعلَم أنَّ النِّظامَ هنا صارِمٌ، فعُيونُ السِّ وانقورُقَباؤُه وهَواتِفُه في كلِّ مكان.. أَسْرِعْ يا صاحِبي بالِاعتِذارِ، وبادِرْ إلى التَّوسُّلِ"..
ولكنَّ صاحبَه الأَبلهَ عانَد قائلًا: "دَعْني يا صاحِبي.. فهذه الأموالُ ليسَت أَموالوفي أََولةِ، بل هي أَموالٌ مُشاعةٌ، لا مالِكَ لها.. يَستَطيعُ كلُّ واحِدٍ أن يَتَصرَّف فيها كما يَشاءُ، فلا أَرَى ما يَمنَعُني مِن الِاستفادةِ منهاحِيلةِلِانتفاعِ بهذه الأشياءِ الجَميلةِ المَنثُورةِ أمامي؛ واعلَم أنِّي لا أُصَدِّق بما لا تَراه عَيْنايَ". وبَدَأ يَتفَلْسَفُ ويَتَفوَّه بما هو من قَبيلِ السَّفْسَطة.
وهنا بَدَأتِ المُناقَشة أَخبَدَّة بينَهما، وأَخَذ الحِوارُ يَشتَدُّ إذ سَأَل المُغَفَّلُ: "وما السُّلطانُ؟ فأنا لا أَعرِفُه"، فرَدَّ عليه صاحِبُه: "إنَّك بلا شَكٍّ تَعلَمُ أنه لا قَريةَ بلا مُختارٍ، ولا إبرةَ بلا صانِعٍ وبلا مالكٍ، ولانَّا م بلا كاتبٍ. فكيف يَسُوغ لك القَولُ: إنَّه لا حاكِمَ ولا سُلطانَ لهذه المملَكةِ الرّائعةِ المُنتَظِمةِ المُنسَّقة؟ وكيف تكونُ هذه الأَموالُ الطّائلةُ والثَّرَواتُ النَّفيسةُ الثَّمينةُ بلا مالكٍ، حتَّى كأنَّ قِطارًا مَشحُونًا ب به؛ واقِ الثَّمينةِ يأتي مِنَ الغَيبِ كلَّ ساعةٍ ويُفرَغُ هنا ثم يَذهَبُ!
(حاشية): إشَارَة إلَى فُصُول السَّنَة حَيثُ الرَّبِيع يَشبَه شَاحِنة قِطَار مَملُوءة بِالأغذِية ويَأتِي مِن عَالَم الغَيب.
أوَلك السّى في أَرجاءِ هذه المَملكةِ إعلاناتِ السُّلطانِ وبَياناتِه، وأَعلامَه الَّتي تُرَفرِفُ في كلِّ رُكنٍ، وخَتْمَه الخاصَّ وسِكَّتَه وطُرَّتَه على الأَموالِ كلِّها، فكيف تكونُ مِثلُ هذه المَملَكةِ دون مالكٍ؟.. يحَمْقَأنَّك تَعلَّمتَ شيئًا من لغةِ الإفرنجِ، ولكنَّك لا تَستَطيعُ قِراءةَ هذه الكِتاباتِ الإسلاميةِ ولا تَرغَبُ أن تَسأَلَ مَن يَقرَؤُها ويَفهَمُها، فتَعالَ إذًا لِأَقرَأ لك أهمَّ تلكِبُ رَغاتِ والأَوامرِ الصّادِرةِ مِنَ السُّلطانِ"، فقاطَعَه ذلك المُعانِدُ قائلًا: "لِنُسلِّمْ بوُجودِ السُّلطانِ، ولكن ماذا يُمكِنُ أن يَضُرَّه ويَنْقُصَ مِن خَزائنِه ما أَحُوزُه لن أن تُِنها؟ ثمَّ إنِّي لا أَرَى هنا عِقابًا من سِجنٍ أو ما يُشبِهُه!".
أجابَه صاحِبُه: "يا هذا.. إنَّ هذه المَملَكةَ الَّتي نَراها ما هي إلَّا مَيدانُ امتِحانٍ واختِبارٍ، وساحةُ تَدريبٍ ومُناوَرةٍ، وهي مَعرِضُ صَنائعِ السّإرادَت البَديعةِ، ومَضِيفٌ
— 62 —
مُؤقَّتٌ جِدًّا.. ألا تَرَى أنَّ قافِلةً تأتي يوميًّا وتَرحَلُ أُخرَى وتَغِيبُ؟ فهذا هو شأنُ هذه المملكةِ العامِرةِ، إنَّها تُملَأُ وتُخْلَى باست إلى د، وسوف تُفرَغ نهائيًّا وتُبدَّلُ بأُخرَى باقيةٍ دائمةٍ، ويُنقَلُ إليها النّاسُ جميعًا فيُثابُ أو يُعاقَبُ كلٌّ حَسَبَ عَمَلِه".
ومرّةً أُخرَى تَمرَّد صَديقُه الخائنُ الحائرُ قائلًا: "أنا لاه كذلكنُ ولا أُصدِّق! فهل يُمكِنُ أن تُبادَ هذه المَملَكةُ العامرةُ، ويَرحَلَ عنها أَهلُها إلى مَملَكةٍ أُخرَى؟"، وعندَها قال له صَديقُه النّاصِحُ الأَمينُ: "يا صاحِبي.. ما دُمتَ تُعانِدُ هكذا وتُصِرُّ، فتعالَ أُبيِّنْ لك "اثنَتأيُّهاشْرةَ صُورةً" مِن بَينِ دَلائلَ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، تُؤكِّدُ لك أنَّ هناك مَحكَمةً كُبْرَى حَقًّا، ودارًا للثَّوابِ والإحسانِ، وأُخرَى للعِقابِ والسِّجنِ، وأنَّه كما تُفرَغُ هذه اَفيعةِكةُ مِن أَهلِها يومًا بعدَ يومٍ، فسيأتي يومٌ تُفرغُ فيه مِنهم نهائيًّا وتُبادُ كُلِّیيًّا".
الصورة الأولى
أَمِنَ المُمكِن لسَلْطَنِي مَش سيَّما كهذه السَّلْطَنةِ العُظمَى، ألّا يكونَ فيها ثوابٌ للمُطيعين ولا عِقابٌ للعاصِين؟ ولَمّا كان العِقابُ والثَّوابُ في حُكمِ المَعدُومِ في هذه الدّارِ، فلا بُدَّ إذًا مِن مَحكَمةٍ كُبْرَى في دارٍ أُخرَ حَقًّالصورة الثانية
تأمَّلْ سَيرَ الأَحداثِ والإجراءاتِ في هذه المَملَكةِ، كيف يُوزَّع الرِّزقُ رَغَدًا حتَّى على أَضعفِ كائنٍ فيها وأَفقَرحَ أمريف أنَّ الرِّعايةَ تامّةٌ والمُواساةَ دائمةٌ لجَميعِ المَرضَى الَّذين لا مُعيلَ لهم؛ وانظُر إلى الأَطعِمةِ الفاخِرةِ والأَواني الجَميلةِ والأَوسِمةِ المُرصَّعةِ والمَلابِس المُزَركَشةِ.. فُونُ ائدُ العامرةُ مَبثُوثةٌ في كلِّ مكانٍ.. وانظُر! الجَميعُ يُتقِنُون واجِباتِهم ووَظائفَهم إلَّا أنت وأَمثالَك مِنَ البُلَهاءِ، فلا يَتَجاوزُ أحدٌ حَدَّه قِيدَ أَنمُلةٍ،لِّي أَمُ شخصٍ يُؤدِّي ما أُنيطَ به مِن واجِبٍ بكلِّ تَواضُعٍ، وفي غاية الطّاعةِ، تحت ظِلِّ جَلالِ الهَيبةِ والرّهبةِ.
إذًا فمالِكُ هذه السَّلْطَنةِ ومَلِيكُها ذُو كَرَمٍ عظيم، وذُو رحمةٍ واسعةٍ، وذُو عِزوابَ ع3
شامخةٍ، وذُو غَيرةٍ جَليلةٍ ظاهرةٍ، وذُو شَرَفٍ سامٍ. ومن المَعلوم أنَّ الكَرَمَ يَستَوجِبُ إنعامًا، والرَّحمةَ لا تَحصُلُ دون إحسانٍ، والعِزّةَ تَقتَضي الغَيرةَ، واتَحمِلَ السّامِيَ يَستَدعي تأديبَ المُستَخِفِّين، بينما لا يَتحَقَّق في هذه المَملَكةِ جزءٌ واحدٌ مِن أَلفٍ مما يليقُ بتلك الرَّحمةِ ولا بذلك الشَّرَف. فيَرحَلُ الظّالمُ في عِزَّتِه وجَبَروتِه، ويَرَحلُ المَظلُومُ في ذُلِّه وخّا الأه.. فالقضيةُ إذًا مُؤَجَّلةٌ إلى مَحكَمةٍ كُبْرَى.
الصورة الثالثة
انظُر.. كيف تُنجَزُ الأَعمالُ هنا بحِكمةٍ فائقةٍ وبانتِظامٍ بَديعٍ، وتأَمَّلْ كيف يُنظَرُ إلى المُعامَلاتِ بمِنظارِ عَدالةٍ حَقّةٍ ومِيزانٍُ يكون.. ومِن المَعلُومِ أنَّ حِكمةَ الحُكومةِ وفِطْنَتَها تَستَدعِي اللُّطْفَ بالَّذين يَحْتَمُون بحِماها وتَكريمُهم، والعَدالةُ المَحضةُ تَتطَّلبُ رِعايةَ حُقوقِمِنَ اعيةِ، لِتُصانَ هَيبةُ الحُكومةِ وعَظَمةُ الدَّولةِ.. غير أنَّه لا يَبدُو هنا إلَّا جُزءٌ ضَئيلٌ مِن تَنفيذِ ما يَليقُ بتلك الحِكمةِ، وبتلك العَدالةالآتيةمثالُك مِنَ الغافِلين يُغادِرُون هذه المَملَكةَ دُونَ أن يَرَى أَغلَبُهم عِقابًا.. فالقَضيةُ إذًا مُؤَجَّلةٌ بلا رَيبٍ إلى مَحكَمةٍ كُبْرَى.
الصورة الرابعة
انظُر إلى ما لكَريمَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الجَواهِر النّادِرةِ المَعرُوضةِ في هذه المَعارِضِ، والأَطعِمةِ الفَريدةِ اللَّذيذةِ المُزيَّنةِ بها المَوائدُ، ممّا يُبْرِزُ لنا أنَّ لِسُلطانِ هذه المَملَكةِ سَخاءً غيرَ مَحدُودٍ، وخَزائنَ ما تَدا لا تَنضُبُ.. ولكنْ مِثلُ هذا السَّخاءِ الدّائمِ، ومِثلُ هذه الخَزائنِ الَّتي لا تَنفَدُ، يَتَطلَّبانِ حَتمًا دارَ ضِيافةٍ خالدةٍ أَبَديةٍ، فيها ما تَشتَهيه الأَنفُسُ؛ ويَقتَضيانِ كذلك خُلوا لِقَُتَنَعِّمين المُتلَذِّذين فيها، مِن غيرِ أن يَذُوقوا أَلَمَ الفِراقِ والزَّوالِ؛ إذ كما أنَّ زَوالَ الأَلَم لَذّةٌ فزَوالُ اللَّذّةِ أَلَمٌ كذلك..
وانظُر إلى هذه المَعارِضِ، ودَقِّقِ النَّظَرَ في تلك الإميعَها، وأَصْغِ جَيِّدًا إلى هؤلاء المُنادِينَ الدُّعاةِ الَّذين يُشَكِّلُون عَجائبَ مَصنُوعاتِ السُّلطانِ یی ذي المُعجِزاتِ یی
— 64 —
ويُعلِنُون عنها، ويُظهِرُون كمالَه، ويُفصِحُون عن الكُفره المَعنَويِّ الَّذي لا نَظيرَ له، ويَذكُرُون لَطائفَ حُسْنِه المُستَتِرِ.
فلِهذا السُّلطانِ إذًا كَمالٌ باهِرٌ، وجَمالٌ مَعنَويٌّ زاهِرٌ، يَبعَثانِ على الإعجابِ؛ ولا شَكَّ أنَعُ مَِمالَ المُستَتِرَ الَّذي لا نَقْصَ فيه يَقتَضي إعلانَه على رُؤوسِ الأَشهادِ مِنَ المُعجَبينَ المُستَحسِنين، ويَتَطلَّبُ إعلانَه أمامَ أَنظارِ المُقدِّرين لقِيمَتِه؛ أمّا الجَمالُ الخَفِيُّ الَّذي لا نَظيرَ له، فيَستَلزِمُ الرُّؤيةَ وِن عِبرَ، أي: رُؤيةَ جَمالِه بوَجهَينِ:
أَحدُهما:رُؤيتُه بذاتِه جمالَه في كلِّ ما يَعكِسُ هذا الجَمالَ مِن المَرايا المُختَلِفة.
ثانيهماَراتٌ تُه بنَظَرِ المُشاهِدين المُشتاقِين والمُعجَبِين المُستَحسِنين له، وهذا يَعني أنَّ الجَمالَ الخالِدَ يَستَدعي رُؤيةً وظُهورًا، مع مُشاهَدةٍ دائمةٍ، وشُهودٍ أُ بالٍ.. وهذا يَتَطلَّبُ حَتمًا خُلودَ المُشاهِدين المُشتاقِين المُقدِّرين لذلك الجَمالِ، لأنَّ الجَمال الخالدَ لا يَرضَى بالمُشتاقِ الزّائلِ، ولأنَّ المُشاهِدَ المَحكومَ عليه بالزَّوالِ يُبدِّلُ تَصَوَمِ تَلزَّوالِ مَحبَّتَه عَداءً، وإعجابَه استِخفافًا، وتَوقيرَه إهانةً، إذ الإنسانُ عدوٌّ لِما يَجهَلُ ولِما يَقصُرُ عنه.. ولَمّا كان الجَميعُ يُغادِرُون دُورَ الضِّيافةِ هذه بسُرعةٍ ويَغيبُون عنها بلا ارتِواءٍ مِن نُورِ ذلك الجَمالِ نٍ ناطالِ، بل قد لا يَرَون إلَّا ظِلالًا خافِتةً مِنه عبرَ لَمَحاتٍ سَريعةٍ.. فالرِّحلةُ إذًا مُنطَلِقةٌ إلى مَشهَدٍ دائمٍ خالدٍ.
الصورة الخامسة
تأمَّلْ.. كيف أنَّ لهذا السُّلطانِ الَّذي لا نَظيرَ له رَأفةً عَظيمةمكِنُ جلَّى في خِضَمِّ هذه الأَحداثِ والأُمورِ، إذ يُغِيثُ المَلهُوفَ المُستَغيثَ، ويَستَجيبُ للدّاعي المُستَجيرِ، وإذا ما رَأَى أَدنَى حاجةٍ لِأَبسطِ فَرْدٍ مِن رَعاياه فإنَّه يَقضِيها بكلِّ رَأفةٍ وشَفَقةٍ، حتَّى إنَّه يُرسِلُ دَواءً أوْأَرْضِئُ بَيطارًا لإسعافِ قَدَمِ نَعجةٍ مِنَ النِّعاجِ.
هيّا بنا يا صاحِبي لِنَذهَبَ معًا إلى تلك الجَزيرةِ، حيث تَضُمُّ جَمْعًا غَفيرًا مِنَ النّاسِ، فجَميعُ أَشرافِ المَملَكةِ مُجتَمِعُون فيها.. انظُر.. فها هو ذا مَبعوثٌ كَريمٌ
#65الرَّشلطانِ مُتَقلِّدٌ أَعظَمَ الأَوسِمةِ وأَعلاها، يَرتَجِلُ خُطبةً يَطلُبُ فيها مِن مَلِيكِه الرَّؤُوفِ أُمورًا، وجَميعُ الَّذين معَه يُوافِقُونه ويُصَدِّقونه ويَطلُبون ما يَطلُبُه.
أَنصِتْ لِما يَقولُ حَبيبُ المَلِكِ العَظيم، إنّلمِ بمعُو بأَدَبٍ جَمٍّ وتَضَرُّعٍ ويقولُ: يا مَن أَسبَغَ علَينا نِعَمَه ظاهِرةً وباطِنةً، يا سُلطانَنا.. أَرِنا مَنابِعَ وأُصولَ ما أَرَيتَه لنا مِن نَماذِجَ وظِلالٍ.. خُذْ بنا إلى مَقَرِّ سَلْطَنَتِك ولا ت يَكسِنا بالضَّياعِ في هذه الفَلاةِ.. اقبَلْنا وارْفَعْنا إلى دِيوانِ حُضُورِك.. ارْحَمْنا.. أَطْعِمْنا هناك لَذائذَ ما أَذَقْتَنا إيّاه هنا، ولا تُعَذِّبْنا بأَلَمِفَظُ كنائي والطَّردِ عنك.. فهاهم أُولاءِ رَعيَّتُك المُشتاقُون الشّاكِرُون المُطِيعُون لك.. لا تَترُكْهم تائِهين ضائِعين، ولا تُفْنِهم بمَوتٍ لا رَجعةَ بعدَه.
هل سَمِانِ ال صاحِبي ما يقولُ؟ تُرى هل مِنَ المُمكِنِ لِمَن يَملِكُ كلَّ هذه القُدرةِ الفائقةِ، وكلَّ هذه الرَّأفةِ الشّامِلةِ، ألَّا يُعطِيَ مَبعوثَه الكريمَ ما يَرغَبُتنا بشلا يَستَجيبَ لِأَسمَى الغاياتِ وأَنبَلِ المَقاصِدِ؟ وهو الَّذي يَقضِي بكلِّ اهتِمامٍ أَدنَى رَغبةٍ لِأَصغَرِ فَردٍ مِن رَعاياه؟ مع أنَّ ما يَطلُبُه هذا المَبعوثُ الكَريمُ تَحقيقٌ لِرَغَباتِ الجَمبِّحُ َقاصِدِهم، وهو مِن مُقتَضَياتِ عَدالَتِه ورَحمَتِه ومَرْضاتِه.
ثمَّ إنَّه يَسيرٌ عليه وهَيِّنٌ، فليس هو بأَصعَبَ مِمّا عَرَضَه مِن نَماذِجَ في مُتَنَزَّهاتِ هذه المَملَكةارةُ مارِضِها.. فما دامَ قد أنفَقَ نَفَقاتٍ باهِظةً وأَنشَأَ هذه المَملَكةَ لِعَرضِ نَماذِجِه عَرْضًا مُؤَقَّتًا، فلا بُدَّ أنَّه سيَعرِضُ في مَقَرِّ سََ لم يتِه مِن خَزائنِه الحَقيقيةِ ومِن كَمالاتِه وعَجائبِه ما يُبهِرُ العُقولَ.. إذًا فهؤلاء الَّذين هم في دارِ الِامتِحانِ هذه ليسوا عَبَثًا، وليسوا سُدًى، بل تَنتَظِرُهم قُصورُ السَّعادةِ السَّرمَديّةِ الخالِدةِ، أو غَياهِبُ السُّجونِ الأَبَديةَّهفةَِهيبةِ.
الصورة السادسة
تعالَ، وانظُر إلى هذه القاطِراتِ الضَّخمةِ، وإلى هذه الطّائراتِ المَشحُونةِ، وإلى هذه المَخازِنِ الهائلةِ المَملُوءةِ، وإلى هذه المَعارِضِ الأَنيقةِ الجَذّابةِ.. وتأَمَّلْ في
— 66 —
الإجراءاتِ وسَيرِ الأُمورِ.. إن ذلك اَميعًا تُبيِّنُ أنَّ هناك سَلطَنةً عَظيمةً حقًّا
(حاشية): فكما أن الجيشَ الهائل في مَيدانِ المُناوراتِ أو مُباشَرةِ الحرب، يتحوَّلُ إلى ما يُشبه غابةَ أشواكٍ، بمُجرَّد تَسَلُّمِه أمرَ: "خُذوا السِّلاحَ، ركِّبوا الحرَّحمة. وكما يتحوَّل المُعَسكَرُ برُمَّته في كل عيد وعرضٍ عسكري إلى ما يُشبه حديقةً جميلة ذاتَ أزهار ملوَّنة بمُجرَّد تَسلُّمِه أمرَ: "احمِلوا شاراتكم، تَقَلَّدوا أوسِمَتَكم".. كذلك النباتاتُ غيرُ ذاتِ الشُّعور والتي هي نوعٌ ممِنَ اٍ غيرِ مُتناهِية لله سبحانه یی كما أن الملائكة والجِنَّ والإنسَ والحَيَوان جُنودُه یی فهي عندما تتسلَّم أمر كُنْ فَيَكُونُ أثناءَ جِهادِها لحفظ الحياة وتُؤمَر بالأمرِ الإلٰهِيِّ: "خُذُوا أسلِحَتكم وعَتادَكم لأجلِ الد مِن أ تُهيِّئُ الأشجارُ والشُّجيرات المَشوكة رُميحاتِها، فيَتَحوَّل سطحُ الأرض إلى ما يُشبِه المُعسكرَ الضَّخمَ المُدجَّج بالسلاح الأبيض.
وإنَّ كل يوم قلب، بم الربيع، وكل أسبوع فيه بمثابة عيدٍ لطائفة من طوائف النباتات، فتُظهِر كلُّ طائفة منها ما وَهَبه لها سلطانُها من هدايا جميلة، وما أنعم عليها من أَوسِمةٍ مُرصَّعة، فتَعرِض نفسَها یهِ الريُشبِه العَرضَ العسكريَّ یی أمام نظر السلطان الأزليِّ وإشهاده، كأنها تَسمَع أمرًا ربانيًّا: "تقلَّدوا مُرصَّعاتِ الصَّنعة الرَّبّانية، وأوسِمةَ الفِطرة الإلٰهِيّة التي هي الأزهارُ والثِّمار... وفتِّحُوا الأزهارَ". عندئذٍ يعودُ سطحُ الأؤَدِّيه مُعسكرٌ عظيم في يومِ عيدٍ بهيجٍ، وفي استعراضٍ هائل رائع يَزخَرُ بالأوسمةِ البرّاقةِ والشّاراتِ اللَّمّاعةِ.
فهذا الحَشْدُ من التجهيز الحكيم وهذا المَدَى من العتاد المُنظَّم وهذا القَدْرُ من التزيين البدهَسْت ي لمن لم يَفقِدُ بصرَه أنه أمرُ سلطان قدير لا منتهى لقدرته، وأمرُ حاكِمٍ حكيم لا نهاية لحِكمَتِه.
تَحكُمُ مِن وَراءِ سِتارٍ؛ فمِثلُ هذه السَّلْطَنةِ تَقتَضي حَتمًا رَعايا انُ الون بها، بينَما تُشاهِدُ أنَّهم قدِ اجتَمَعُوا في هذا المَضِيفِ یی مَضِيفِ الدُّنيا یی والمَضيفُ يُودِّعُ يَوميًّا صُنوفًا مِنهم ويَستَقبِلُ صُنوفًا؛ وهم قد حَضَروا والكَمدانِ الِامتِحانِ والِاختِبارِ هذا، غيرَ أنَّ المَيدانَ يُبدَّلُ كلَّ ساعةٍ، وهم يَلبَثُون قليلًا في هذا المَعرِضِ العَظيمِ، يَتفَرَّجون على نماذِجِ آلاءِ المَليكِ الثَّمينةِ وعَجائبِ صَنْعَتِهقَلِّبيعةِ، غيرَ أنَّ المَعرِضَ نَفسَه يُحَوَّلُ كلَّ دقيقةٍ، فالرّاحِلُ لا يَرجِعُ والقابِلُ يَرحَلُ كذلك.. فهذه الأُمورُ تُبيِّنُ بشَكلٍ قاطِعٍ أنَّ وَراءَ هذا المَضيفِ الفانِي، ووَراءَ همَت هذَيادِينِ المُتَبَدِّلة، ووَراءَ هذه المَعارِضِ المُتحَوِّلةِ، قُصورًا دائمةً خالِدةً، ومَساكِنَ طَيِّبةً أَبديةً، وجَنائنَ مَملُوءةً بحَقائقِ هذه النَّماذِج، وخَزائنَ مَشحُونةً بأُصُولِها.
فالأعمالُ والأفعالُ هنا إذًا ما هي إلُ الرّأَجْلِ ما أَعَدَّ هنالك من جَزاءٍ، فالمَلِكُ القَديرُ يُكلِّف هنا ويُجازي هناك، فلِكُلِّ فَرْدٍ لَونٌ مِنَ السَّعادة حَسَبَ استِعدادِه وما أَقدَمَ علينةً باخَيرٍ.
— 67 —
الصورة السابعة
تعالَ لِنَتَنزَّه قليلًا بين المَدنِيِّين مِنَ النّاسِ لِنُلاحِظَ أَحوالَهم، وما يَجري حولَهم مِن أُمورٍ.. انظُرْ، فها قد نُصِبَت في كلِّ زاوِيةٍ آلاتُ تصويرٍ عَديدةٌ تَلتَقِطُ الصُِّ والتفي كلِّ مكانٍ كُتَّابٌ كثيرون يُسجِّلون كلَّ شيءٍ، حتَّى أَهوَنَ الأُمورِ.
هيّا انظُر إلى ذاك الجَبَلِ الشّاهِقِ، فقد نُصِبَت عليه آلةُ تصويرٍ ضخمةٌ تَخُصُّ السُّلطانَ نفسَه
(حاشية): لقد وَضَح قِسمٌ مِن هَذِه المَعَاني الَّتي تُشِير إلَيها فهو ي الصُّورَة في "الحَقِيقة السَّابِعة". فَآلَة التَّصوير الكُبْرَى هُنا یی الَّتي تَخُصُّ السُّلطَان یی تُشِير إلَى اللَّوحِ المَحفُوظ، وإلى حَقِيقَتَه، وقَد أَثبَتَت الكَلِمَة الأرضَادِسة والعُشرُون" اللَّوحَ المَحفُوظَ، وتَحَقَّق وُجُودُه بِمَا يَأتي:
كَمَا أنَّ الهُوِياتِ الشَّخصِيةَ الصَّغيرة تَرمُز إلى وُجودِ سِجِلٍّ كَبِيرٍ لِلهُويَّات، والسَّنَداتِ اتِ الصرةَ تُشعِرُ بوُجودِ سِجِلٍّ أسَاسٍ للسَّنَدَات، ورَّشَحَات قَطَراتٍ صَغِيرَةٍ وغَزِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مَنبَعٍ عَظِيمٍ، كَذَلِك فَإنَّ القُوَى الحَافِظَة في الإنسَان، وأَثمَارَ الأََجعَلَ وبُذُورَ الثِّمَار كُلٌّ مِنهَا بمَثَابَة هُويِّاتٍ صَغِيرَة، وبِمَعنَى "لَوحٍ مَحفُوظٍ صَغِيرٍ"، وبِصُورةِ تَرَشُّحاتِ نِقاطٍ صَغِيرَة تَرشَّحَت مِن القَلَمِ الَّذِي كَتَب اللَّوحَ المَحفُوظ الكَبِيَنبِيابُدَّ أنَّ كُلًّا مِنهَا تُشعِر بِوجُودِ الحَافِظة الكُبْرَى، والسِّجِلِّ الأكبَرِ، واللُّوح المَحفُوظ الأَعظَم، بَل تُثبِتُه وتُبْرِزُه إلى العُقُول النَّافِذة.
تَلتَقِط صُوَرَ كلِّ ما يَجري في هذه المَملَكةِ. بمَعنَى أنَّ السّبِالأق أَصدَرَ أَوامِرَه لِتَسجيلِ الأُمورِ كلِّها، وتَدوِينِ المُعامَلاتِ في مَملَكتِه.. وهذا يعني أنَّ السُّلطانَ المُعظَّم هو الذي يَستَكتِبُ الحَوادِثَ جَلإيمان، ويَأمُرُ بتَصويرِها..
فهذا الِاهتِمامُ البالِغُ، وهذا الحِفظُ الدَّقيقُ للأُمورِ، وراءَه مُحاسَبةٌ بلا شكٍّ، إذ هل يُمكِنُ لِحاكِمٍ حَفيظٍ یی لا يُهمِلُ أَدنَى مُعامَلةٍ لأَبسَطِ رَعاياه یی ألَّا يَحفَظَ ولا يُدوِّنَ الأعمالَ العِيًا ف لِكِبارِ رَعاياه، ولا يُحاسِبَهم ولا يُجازِيَهم على ما صَنَعوا، مع أنَّهم يُقْدِمُون على أعمالٍ تَمَسُّ المَلِكَ العزيزَ، وتَتعرَّضُ لكِبريائه، وتَأبقِ الممَتُه الواسِعةُ؟ وحيث إنَّهم لا يَنالُون عِقابًا هنا، فلا بُدَّ أنه مُؤَجَّلٌ إلى مَحكَمةٍ كُبْرَى.
الصورة الثامنة
تعالَ، لِأَتلُوَ عليك هذه الأَوامرَ الصّادِرةَ مِنَ السُّلطانِ.. انظُر، إنَّه يّةٍ حِر وَعدَه ووَعيدَه قائلًا: لَآتِينَّ بكم إلى مَقَرِّ سَلْطَنَتي، ولَأُسعِدَنَّ المُطِيعين مِنكم، ولَأَزُجَّنَّ
— 68 —
العُصاةَ في السِّجن، ولَأُدَمِّرَنَّ ذلك المَكانَ المُؤقَّتَ، ولَ؛ فعلىَنَّ مَملَكةً أُخرَى فيها قُصورٌ خالِدةٌ وسُجونٌ دائمةٌ.. عِلمًا أنَّ ما قَطَعه على نَفسِه مِن وَعدٍ، هيِّنٌ عليه تَنفيذُه، وهو بالِغُ الأَهمِّيةِ لرَعاياه؛ أمّا إخلافُ الوَعدِ فهو مُنافٍ كُلِّیيًّا لِعِزَّتِه وقُدرَتِه.
فانظُر أيُّها الغافنٍ أَوَّك تُصَدِّق أَكاذيبَ أَوهامِك، وهَذَيانَ عَقلِك، وخِداعَ نَفسِك، ولا تُصَدِّقُ مَن لا يَحتاجُ إلى مُخالَفةِ الوَعدِ قَطْعًا، ومَن لا تَليقُ طَعَاملَفةُ بغَيرَتِه وعِزَّتِه أَصلًا، ومَن تَشهَدُ الأُمورُ كافّةً على صِدقِه.. إنَّك تَستَحقُّ العِقابَ العَظيمَ بلا شَكٍّ، إذ إنَّ مَثَلَك في هذا مَثَلُ المُسافِر الَّذي يُغمِضُ عَينَيه عن ضَوَمًا ذَّمسِ، ويَستَرشِدُ بخَيالِه، ويُريدُ أن يُنيرَ طَريقَه المُخيفَ ببَصِيصِ عَقلِه الَّذي لا يُضِيءُ إلّا كضِياءِ اليَراعةِ (ذُبابِ اللَّيل).
وحيث إنَّه قد وَعَد، فسَيَفِي بوَعدِه حَتمًا، لهم، بلَفاءَه سَهلٌ عليه وهَيِّنٌ، وهو مِن مُقتَضَياتِ سَلطَنَتِه، وهو ضَروريٌّ جدًّا لنا ولكلِّ شيءٍ.. إذًا هناك مَحكَمةٌ كُبرَى وسَعادةٌ عُظمَى.
الصورة التاسعة
تعالَ، لِنَنظُر إلى بعضِ رُؤَساءِ (حاشية): يمةٍ طلمَعانِيَ الَّتي تُثبِتُها هَذِه الصُّورةُ ستَظهَر في "الحَقِيقَة الثَّامِنة"، فَمَثلًا: أن رُؤَساءَ الدَّوائِر في هَذا المِثَال تَرمُزُ إلى الأَنبِياء والأَولِياء، أمَّا الهَاتفُ فَهو نِسبةٌ ربَّانيّةٌ مُمتدّة مِن القئذٍ يكذي هُو مِرآةُ الوَحيِ ومَظهَرُ الإلهام وبِمَثَابَة بِدَايةِ ذلك الهَاتِف وَسَمَّاعتِه.. هذه الدَّوائرِ والجَماعاتِ:
قِسمٌ منهم يُمكِنُهم الاتِّصالُ بالسُّلطان اه مُمك مُباشَرةً، بهاتفٍ خاصٍّ، بل لقد ارتَقَى قِسمٌ آخَرُ وسَما إلى دِيوانِ قُدسِه.. تَأمَّلْ ماذا يقولُ هؤلاء؟ إنَّهم يُخبِرُوننا جميعًا أنَّ السُّلطانَ قد أَعَدَّ مكانًا فَخمًا رائعًا لمُكافأةِ المُحسِنين، وآخَرَ رَهيبًالفُنُوقَبةِ المُسِيئين؛ وأنَّه يَعِد وَعدًا قويًّا ويُوعِد وَعيدًا شديدًا، وهو أَجَلُّ وأَعَزُّ مِن أن يَتَنزَّلَ إلى إِخلافِ ما وَعَدَ وتَوَعَّد؛ عِلمًا أنَّ أَخبارَ المُخبِرين قد وَصَلَت مِنَ الكَثلَ هذهى حدِّ التَّواتُرِ، ومِنَ القُوّةِ إلى دَرَجةِ الاتِّفاقِ والإجماعِ.
فهم يُبلِّغُوننا جَميعًا: بأنَّ مَقَرَّ هذه السَّلطَنة العظيمة التي نَرَى آثارَها ومَلامِحَها هنا، إنَّما هو في مَملَكةٍ أُخرَى بَعيدةٍ، وأنَّ العِماراتِ في مَيدانسمَعُ متِحانِ هذا بِناياتٌ
— 69 —
وَقتِيّةٌ، وستُبدَّل إلى قُصورٍ دائمةٍ، فتُبَدَّلُ هذه الأرضُ بغَيرِها، لأنَّ هذه السَّلطَنةَ الجَليلةَ الخالِدةَ الَّتي تُعرَف عَظَمتُها مِن آثارِها، لا يُمكِنُ أن تَقتَصِر هَبُولُتُها على مِثلِ هذه الأُمورِ الزّائلةِ الَّتي لا بقاءَ لها ولا دَوامَ ولا كَمالَ ولا قَرارَ ولا قِيمةَ ولا ثَباتَ، بل تَستَقِرُّ على ما يَليقُ بها وبعَظَمَتِها مِن أُمورٍ تتَّسِمُ بالدَّيمُومةِ والكَمالِ و يُقاسمةِ.. فإذًا هناك دارٌ أُخرَى، ولا بُدَّ أن يكونَ الرَّحيلُ إلى ذلك المَقَرِّ.
الصورة العاشرة
تعالَ يا صاحِبي.. فاليومَ يومُ عيدٍ مَلَكيٍّ عظيمٍ. (حاشية): سَتَرى مَا تَرمُز إلَيه هَذهِ الصُّورَة في "الحَقِيقَة ًا: إِسِعة"، فَيومُ العِيد مَثلًا إشَارةٌ إلى فَصلِ الرَّبِيع، أمَّا الفلاةُ المُزدَانةُ بالأَزهَار فِإشَارةٌ إلى سَطحِ الأَرض في مَوسِم الرَّبِيع، أمَّا المَناظِرُ والمَشاهِدُ المُتغيِّرة في الشَّاشَة، فالمَما عان مِنهَا أَنواعُ ما يُخرِجُه الرَّبِيع والصَّيف مِن الأَرزَاق الخَّاصّةِ بالحَيَوان والإنسَان الَّتي يُقدِّرُها الصَّانِع القَدِير ذٌو الجَلَال والفَاطِرُ الحَكِيم ذُنَّ يَمَال، والَّتي يُغيِّرُها بانتِظامٍ كَامِل وَيُجدِّدها بِرَحمَة تَامَّةٍ مِنه سُبحَانَه، ويُرسِلُها في مَراحِلَ مُتعَاقبةٍ مُتتاليةٍ ابتِدَاءً مِن أوَّل الرَّبيع إلى انتهَاءِ الصَّيف. ستَحدُثُ تَبَدُّلاتٌ وتَغَيُّراتٌ، وستَبْرُزُ أُمسِجنِ جيبةٌ، فلْنَذهَب معًا للنُّزهة في هذا اليومِ البَهيجِ مِن أيّامِ الرَّبيعِ.. إلى تلك الفَلاةِ المُزدانةِ بالأَزهارِ الجَميلةِ.. انظر.. هاهم النَّاسُ مُتَوجِّهون إلى هناك.. انظُر.. هاهنا أَمين يَتبٌ عَجيبٌ، فالعِماراتُ كلُّها تَنهارُ وتَتَّخِذُ شكلًا آخَرَ! حَقًّا إنَّه شيءٌ مُعجِزٌ! إذِ العِماراتُ التي انهارَت قد أُعيدَ بِناؤُها هنا فَوْرًا، وانقَلَبَت هذه الفَلاةُ الخالِيةُ العَفدينةٍ عامرة!
انظُر.. إنَّها تُريك كلَّ ساعةٍ مَشهَدًا جَديدًا، وتَتَّخِذُ شَكلًا غيرَ شَكْلِها السّابقِ یی كشاشة السِّينَما یی لاحِظِ الأَمرَ بدِقّةٍ لِتَرَى رَوعةَ هذا ا، فمِنمِ المُتقَنِ في هذه الشّاشةِ الَّتي تَختَلِطُ فيها المَشاهِدُ بكَثرةٍ وتَتَغيَّرُ بسُرعةٍ، فهي مَشاهِدُ حَقيقيةٌ يَأخُذُ كلُّ شيءٍ فيها مكانَه الحَقيقيَّ في غايةِ الدِّقّةِ والِانسِجك!
#2تَّى المَشاهِدُ الخَياليةُ لا تَبلُغُ هذا الحَدَّ مِنَ الِانتِظامِ والرَّوعةِ والإتقانِ، بل لا يَستَطيعُ مَلايينُ السَّحَرةِ البارِعيناتِ الامَ بمِثلِ هذه الأَعمالِ البَديعةِ.. إذًا فلِلسُّلطانِ العَظيمِ المَستُورِ عنَّا الشَّيءُ الكَثيرُ مِنَ الأُمورِ الخارِقةِ.
— 70 —
فيا أيُّها المُغَفَّلُ.. إنَّك تقولُ: كيف يُمكِنُ أن تَهُ الرَ هذه المَملَكةُ العَظيمةُ وتُعَمَّرَ مِن جَديدٍ في مكانٍ آخَرَ؟! فها هو ذا أَمامَك ما لا يَقْبَلُه عَقلُك مِن تَقَلُّباتٍ كثيرةٍ وتَبَدُّلاتٍ مُذهِلةٍ! فهذه السُّرعةُ في الِاجتِماعِ والِيبُ لاقِ، وهذا التَّبَدُّلُ والتَّغَيُّرُ، وهذا البِناءُ والهَدْمُ.. كلُّها تُنْبِئُ عن مَقصَدٍ، وتَنطَوِي على غايةٍ، إذ يُصرَف لِأَجْلِ اجتِماعٍ في ساعةٍ واحِدةٍ ما يُم لِبالِعَشْرِ سَنَواتٍ!
فهذه الأَوضاعُ إذًا لَيسَت مَقصُودةً لِذاتِها، بل هي أَمثِلةٌ ونَماذِجُ للعَرْضِ هنا؛ فالسُّلطانُ يُنهِي أَعمالَه على وَجهِ الإعجازِ، كي تُؤخَذَ صُوَرُها، وتُحفَظَ نَتائِجُها وتُسَجَّلَ كما يُسَجَّلُ ويُحُحافِظلُّ ما في مَيدانِ المُناوَراتِ العَسْكَريةِ. فالأُمورُ والمُعامَلاتُ إذًا ستَجرِي في الِاجتِماعِ الأَكبَرِ وتَستَمِرُّ وَفْقَ ما كانَت هنا، وستُعرَض جِدًّالأُمورُ عَرْضًا مُستَمِرًّا في المَشْهَدِ الأَعظَمِ والمَعرِضِ الأَكبَرِ؛ أي: إنَّ هذه الأوضاعَ الزّائلةَ تُنتِجُ ثِمارًا باقِيةً، وتُوَلِّد صُوَرًا خالِدةً هناك.. فالمَقصُودُ مِن هذه الِاحتِفالاتِ إذًا هو بُلُوغُ سَعادةٍ عُظمََغمَ عحكَمةٍ كُبرَى، وغاياتٍ سامِيةٍ مَستُورةٍ عنّا.
الصورة الحادِيةَ عَشْرةَ
تعالَ أيُّها الصَّدِيقُ المُعانِدُ.. لِنَرْكَب طائِرةً أو قِطارًا، لِنَذْهَب إلى الشَّرقِ أو إلى الغَرْبِ یی أِ لكلّ الماضي أو إلى المُستقبَلِ یی لِنُشاهِدَ ما أَظهَره السُّلطانُ مِن مُعجِزاتٍ مُتنوِّعةٍ في سائرِ الأَماكنِ؛ فما رَأَيناه هنا في المَعرِض، أو في َ الطّانِ، أو في القَصرِ، مِنَ الأُمورِ العَجيبةِ له نَماذِجُ في كلِّ مكانٍ، إلَّا أنَّه يَختَلِفُ مِن حيثُ الشَّكلُ والتَّركيبُ.
فيا صاحِبي.. أَنعِمِ النَّظَرَ في هذا، لِتَرَى مَدَى ظُهورِ انتِظامِ الحِكمةِ، ومَبلَغَ وُضوحِقلِ وتتِ العِنايةِ، ومِقدارَ بُروزِ أَماراتِ العَدالةِ، ودَرَجةَ ظُهُورِ ثَمَراتِ الرَّحمةِ الواسعةِ، في تلك القُصورِ المُتَبدِّلة، وفي تلك المَيادينِ الفانِيةِ، وفي تلك المَعارِضِ الزّائلة؛ فمَن لم يَفْقِدْ بَصِيرتَه يَفْهَمْ يَقيةِ، ونَّه لن تَكُون بل لا يُمكِنُ تَصَوُّرُ حِكمةٍ أَكمَلَ مِن حِكمةِ ذلك السُّلطانِ، ولا عِنايةٍ أَجمَلَ مِن عِنايَتِه، ولا رَحمةٍ أَشمَلَ مِن رَحمَتِه، ولا عَدالةٍ أَجَلَّ مِن عَدالَتِه.
— 71 —
ولكن لَمّا كوستَعلذه المَملَكةُ یی كما هو مَعلُومٌ یی قاصِرةً عن إظهارِ حَقائقِ هذه الحِكمةِ والعِنايةِ والرَّحمةِ والعَدالةِ، ولو لم تَكُن هناك في مَقَرِّ مَملَكتِه یی كفَسُبَهَّمْتَ یی قُصورٌ دائمةٌ، وأَماكِنُ مَرمُوقةٌ ثابتةٌ، ومَساكِنُ طَيِّبةٌ خالدة، ومُواطِنون مُقيمُون، ورَعايا سُعَداءُ.. تُحقِّق تلك الحِكمةَ والعِنايةَ والرَّحمةَ والعَدالةَ، يَلزَمُ عِندئذٍ إنكارُ ما نُبصِرُه مِ المَهةٍ، وإنكارُ ما نُشاهِدُه مِن عِنايةٍ، وإنكارُ ما نَراه مِن رَحمةٍ، وإنكارُ هذه الأَماراتِ والإشاراتِ للعَدالةِ الظّاهِرةِ البَيِّنةِ.. إنكارُ كلِّ ذلك بحَماقةٍ فاضِحةٍ كحَماقةِ مَ. وبَيى ضَوءَ الشَّمس ويُنكِرُ الشَّمسَ نَفسَها في رائعةِ النِّهار! ويَلزَمُ أيضًا القَولُ بأنَّ القائمَ بما نَراه مِن إجراءاتٍ تَتَّسِمُ بالحِكمةِ وأَفعالٍ ذاتِ غاياتٍ كريمةٍ وإحساناتٍ مِلْؤُها الرَّحمةُ إنَّما يَلهُو ويَعبَثُ ويَغدِةٍ مُذحاشاه ثم حاشاه یی وما هذا إلَّا قلبُ الحَقائقِ إلى أَضدادِها، وهو المُحالُ باتِّفاقِ جَميعِ ذَوِي العُقولِ، غيرَ السُّوفْسَطائيِّ الأَبلهِ الذي يُنكِرصِّصُهَ الأشياءِ، حتَّى وُجودَ نَفسِه.
فهناك إذًا دِيارٌ غيرُ هذه الدِّيارِ، فيها مَحكَمةٌ كُبْرَى، ودارُ عدالةٍ عُلْيا، ومَقَرُّ كَرَمٍ عَظيمٌ، لِتَظْهَرَ فيها هذه الرَّحمةُ وهذه الحِكمةُ وهذه العِنايةُ وهذه العَدالةُ بوُضُوحٍ وجعَبدٌ،
الصورة الثانية عشرة
تَعالَ فلْنَرجِعِ الآنَ يا صاحِبي، لِنَلتَقِيَ ضُبّاطَ هذه الجَماعاتِ ورُؤَساءَها، انظُرْ إلى مُعَدّاتِهم.. أَزُوِّدوا بها لِقَضاءِ مُدّةٍ قصيرةٍ مِنَ الزَّمنِ في مَيدانِ التِدٌّ لِ هذا، أم أنَّها وُهِبَت لهم لِيَقضُوا حَياةً سَعيدةً مَديدةً في مَكانٍ آخَرَ؟ ولَمَّا كُنّا لا نَستَطيعُ لِقاءَ كلِّ واحدٍ مِنهم، ولا نَتَمَكَّنُ مِنَ الاطِّلاعِ على جَميعِ لَوازِمِهم وتَجهيزاتِهم، لذا نُحاوِلُ الِاطَّّفُ فعلى هُويةِ وسِجِلِّ أَعمالِ واحدٍ مِنهم كنَمُوذجٍ ومِثالٍ.
ففي الهُويةِ نَجِدُ رُتبةَ الضّابِط، ومُرَتَّبَه، ومُهِمَّتَه، وامتِيازاتِه، ومَجالَ أَعمالل: أَهلَّ ما يَتَعلَّقُ بأَحوالِه.. لاحِظْ أنَّ هذه الرُّتبةَ لَيسَت لأيّامٍ مَعدودةٍ، بل لِمُدّةٍ مَديدةٍ.. ولقد كُتِب في هُويَّتِه أنَّه يَتَسلَّمُ مُلُّ علَه مِنَ الخَزينةِ الخاصّةِ بتاريخِ كذا.. غيرَ أنَّ هذا التاريخَ بَعيدٌ جِدًّا، ولا يأتي إلَّا بعدَ إنهاءِ مَهامِّ التَّدريبِ في هذا المَيدانِ.. أمّا هذه الوَظيفةُ فلا
— 72 —
تُوافِقُ هذا المَيدانَ المُؤقُّّرُ اا تَنسَجِمُ معَه، بل هي للفَوزِ بسَعادةٍ دائمةٍ في مكانٍ سامٍ عندَ المَلِك القَديرِ.. أمّا الواجِباتُ فهي كذلك لا يُمكِنُ أن تكونَ لِقَضاءِ أيّامٍ مَعدُودةٍ في دار الضِّيافةِ هذه، وإنَّما هي لِحَياةٍ أُخرَى سَعيدةٍ أَبَديةٍ.َتي يََضِحُ مِنَ الهُويةِ بجَلاءٍ أنَّ صاحِبَها مُهَيَّأٌ لمَكانٍ آخَرَ، بل يَسعَى نحوَ عالَمٍ آخَرَ.
انظُرْ إلى هذه السِّجِلّاتِ الَّتي حُدِّدَت فيها كَيفيةُ استِعمالِ المُعدّاتِ 295
الؤُولياتِ المُتَرتِّبةِ عليها، فإن لم تكن هناك مَنزِلةٌ رَفيعةٌ خالِدةٌ غيرَ هذا المَيدانِ، فلا مَعنَى لهذه الهُويّةِ المُتقَنةِ، ولا لهذا السِّجِلِّ المُنتَظِم، ولَسَقَط الضّابطُ المُحتَرَمُ والقائدُ المُكرَّمُ وا بهم وسُ المُوَقَّر إلى دَرْكٍ هابِطٍ ولَقِيَ الشَّقاءَ والذِّلّةَ والمَهانةَ والنَّكبةَ والضَّعفَ والفَقرَ.. وقِسْ على هذا، فأَيْنَما أَنعَمْتَ النَّظَرَ مُتأَمِّلًا قادَك النَّظَرُ والتَّدبُّرُ إلى أنَّ هناك بقَلءَ ادَ هذا الفَناءِ..
فيا صَديقي.. إنَّ هذه المَملَكةَ المُؤقَّتةَ ما هي إلَّا بمَثابةِ مَزرَعةٍ، ومَيدانِ تَعليمٍ، وسُوقٍ تِجاريٍّ، فلا بُدَّ أن تَأتِيَ بعدَها مَحكَمةٌ كُبرَى وسَعادةٌ عُظمَى؛ فإذا أَنكَرْتَ هذا، فسوف تُضطَرُّ إلى زِنُ ك كلِّ الهُوِيّاتِ والسِّجِلّاتِ الَّتي يَمتَلِكُها الضّابطُ، وكلِّ تلك العُدَدِ والأَعتِدةِ والتَّعليماتِ، بل تُضطَرُّ إلى إنكارِ جَميعِ الأَنظِمةِ في هذه المَملَكةِ، بُلائِمرِ وُجودِ الدَّولةِ نَفسِها، ويَنبَغي عند ذلك أن تُكَذِّبَ جَميعَ الإجراءاتِ الحادِثةِ.. وعندها لا يُمكِنُ أن يُقالَ لك: إنَّك إنسانٌ له شُعورٌ. بل تكونُ إذ ذاك أَشَدَّ حَماقةً مِنَ السُّوفسَطائيِّين.
٭ ٭ ٭
وإيّاك إيّاك أن تَظُنَّ بةَ الَلائلَ وإشاراتِ تَبديلِ المَملَكةِ مُنحَصِرةٌ في"اثنَتَيْ عَشْرةَ"صُورةً الَّتي أَوْرَدْناها، إذ إنَّ هُناك ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الأَماراتِ والأَدِلّة على أنَّ هذه المَملَكةَ المُتَغيِّرةَ الزّائلفها أنَحوَّلُ إلى أُخرَى مُستَقِرّةٍ باقيةٍ، وهناك الكَثيرُ الكَثيرُ مِنَ الإشاراتِ والعَلاماتِ تَدُلُّ على أنَّ هؤلاء النّاسَ سيُنقَلُون مِن دارِ الضِّيافةِ المُؤقَّتةِ الزّائلةِ إلى مَقَرّمَدَى َلطَنةِ الدّائمةِ الخالِدةِ.
يا صاحِبي.. تعالَ لِأُقَرِّرَ لك بُرهانًا أَكثرَ قُوّةً ووُضوحًا مِن تلك البَراهِينِ الِاثنَي عَشَرَ الَّتي أَنبَأَتْ عنها تلك الصُّوَرُ المُتقدِّمةُ.. تعالَ، فانظُرْ إلى المَبعُوثِ الكريمَِثابةِصاحِبِ الأَوسِمةِ الرَّفيعةِ الَّذي شاهَدْناه في الجَزيرةِ مِن قَبلُ.. إنَّه يُبَلِّغ أَمرًا إلى الحُشُودِ الغَفيرةِ الَّتي تَتَراءَى لنا على بُعدٍ، فهائدِهمنَذْهَبُ ونُصغِي إليه.. انتَبِهْ! فها هو يُفسِّرُ للمَلَأِ البَلاغَ السُّلطانِيَّ الرَّفيعَ ويُوَضِّحُه قائلًا لهم:
تَهَيَّؤوا! ستَرحَلُون إلى مَملَكةٍ أُخرَى خالِدةٍ، ما أَعظَمِنه.
ن مَملَكةٍ رائعةٍ! إنَّ مَملَكَتَنا هذه تُعَدُّ كالسِّجنِ بالنِّسبةِ إليها، فإذا ما أَصغَيتُم إلى هذا الأَمرِ بإمعانٍ، ونَفَّذتُموه بإتقانٍ ستَكُونون أَهلًا لِرَحمةِ سُلطانِنا وإحسانِه في مُسِ الحَِه الَّذي تَتَّجِهون إليه، وإلَّا فالزِّنزاناتُ الرَّهيبةُ مَثواكم جَزاءَ عِصيانِكمُ الأَمرَ وعدمِ اكتِراثِكم به..
إنَّه يُذَكِّر الحاضرين بهذا البَلاغِ، وأنت تَرَى على ذلك البَلاغِ العَظيمِ خَتفِهرِسسُّلطانِ الَّذي لا يُقلَّد؛ والجَميعُ يُدرِكُون يَقينًا یی إلَّا أَمثالَك مِنَ البُلَهاءِ یی أنَّ ذلك البَلاغَ بَلاغُ المَلِكِ، وأنَّ ذلك المَبعُوثَ الكَرِيمَ يَفظَنَّمِنَ الأَوسِمةِ الرَّفيعةِ ما يَجعَلُ الجَمِيعَ یی إلّا أَمثالَك مِنَ العُميانِ یی يَعرِفُون بمُجرَّدِ النَّظَرِ إلَيْها أنَّه مُبَلِّغٌ أَمِينٌ لِأَوامِرِ السُّلطانِ.
فيا تُرى! هل يُمكِنُ الِاعتِراضُ على إلى كةِ تَبديلِ هذه المَملَكةِ الَّتي يَدعُو إلَيْها كُلٌّ مِن ذلك المَبعُوثِ الكَرِيمِ والبَلاغِ المَلَكيِّ السّامِي بكلِّ ما أُوتِيا مِن قُوّةٍ؟ كلّا.. لا يُمكِنُ ذلك أبدًا، إلَّا إذا أَنكَرتَ جِّمُ إ ما تَراه مِن أُمُورٍ وحَوادِثَ.
فالآنَ أيُّها الصَّديقُ.. لك أن تقولَ ما تَشاءُ.
ماذا عَسايَ أن أَقُولَ؟ وهل بَقِيَ مَزيدٌ مِن قَولٍ لقائلٍ أمامَ هذه الحَقائقِ؟! وهل يُقالُ للشَّمسِ وهي في كَبِدِ السَّماء: أين هي؟! إنَّ كلَّ ماالِاقتُ أن أَقُولَه هو: الحَمدُ لله، وألفُ شُكرٍ وشُكرٍ، فقد نَجَوْتُ مِن قَبضةِ الأَوهامِ والأَهواءِ، وتَحرَّرتُ مِن إسارِ النَّفسِ والسِّجنِ الأَبَديِّ، فآمَنتُ بأنَّ هناك دارَ سَعادةٍ عندَ السُّلطانِ المُعَظَّم، ونحن مُهَكمةِ ون لها بعدَ هذه الدّارِ الفانِيةِ المُضطَرِبةِ.
وهكذا /iVَّتِ الحِكايةُ الَّتي كانَت كِنايةً عنِ الحَشْرِ والقِيامةِ.. والآن نَنتَقِلُ بتَوفيقِ العَلِيِّ القَديرِ إلى الحَقائقِ العُليا، فسَنُبيِّنُها في "نِه اليْ عَشْرةَ حَقيقةً"،وهي مُتَسانِدةٌ مُتَرابِطةٌ مُقابِلَ الصُّوَرِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ، بعدَ أن نُمَهِّد لها بمُقدِّمةٍ.
— 73 —
بِ إهمالِ النَّظافةِ.
كان أَخُوه الشَّقِيُّ قد دَخَل مِن قَبلُ في مِثلِ هذا البُستانِ أَيضًا، غيرَ أنَّه انشَغَلَ بمُشاهَدةِ الجِيَفِ المَيتةِ وإنعاَّه يَُّظَرِ فيها، مِمّا أَشعَرَه بالغَثَيانِ والدُّوَارِ، فغادَرَه دُونَ أن يَأخُذَ قِسطًا مِنَ الرّاحةِ لِمُواصَلةِ السَّيرِ؛ أمّا هذا الأَخُ فعَمَلًا بقاعِدةِ "انظُرْ إلى الأَحسَنِ مِن كُلِّ شَيءٍ" فقد أَهمَلَ الجِيَفَ ولم يَلتَفِتْ إلََ كلَّطلَقًا، بلِ استَفادَ مِمّا في البُستانِ مِنَ الأَشياءِ والفَواكِهِ، وبَعدَما استَراحَ فيه الرّاحةَ التّامّةَ مَضَى إلى سَبِيلِه.
ودَخَل یی هو أَيضًا كأَخِيه یی في صَحراءَ عَظِيمةٍ ومَفازةٍ واسِعةٍ، آثارُةً سَمِع صَوْتَ أَسَدٍ يَهجُمُ علَيه فخافَ، إلَّا أنَّه دُونَ خَوفِ أَخِيه، حيثُ فَكَّر بحُسْنِ ظَنِّه وجَمالِ تَفكِيرِه قائلًا: "لا بُدَّ أنن يُعره الصَّحراءِ حاكِمًا، فهذا الأَسَدُ إذًا يُحتَمَلُ أن يكُونَ خادِمًا أَمِينًا تحتَ إِمْرَتِه.."، فوَجَد في ذلك اطمِئنانًا، غيرَ أنَّه فَرَّ كذَلِك حتَّى وَصَل وَجْهًا لِوَجهٍ إلى بِئرٍ مُعَطَّلةٍ بعُمْقِ سِتِّين ذِراعًا، ثِ، ويى نَفسَه فيها وأَمسَكَ كصاحِبِه بشَجَرةٍ في مُنتَصَفِ الطَّرِيقِ مِنَ البِئرِ وبَقِي مُعَلَّقًا بها، فرَأَى حَيَوانَينِ اثنَينِ يَقطَعايةَ الْرَيْ تلك الشَّجَرةِ رُوَيدًا رُوَيدًا، فنَظَر إلى الأَعلَى فرَأَى الأَسَدَ، ونَظَر إلى الأَسفَلِ فرَأَى ثُعبانًا ضَخْمًا، ونَظَر إلى نَفسِه فوَجَدَها یی كأَخِيه تَمامًا یی في وَضْعٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ، فدُهِشَ مِنَ الأَم إبراهكذلك، إلَّا أنَّه دُونَ دَهْشةِ أَخِيه بأَلفِ مَرّةٍ، لِما مَنَحَه اللهُ مِن حُسنِ الخُلُقِ وحُسنِ التَّفكِيرِ والفِكرِ الجَمِيل الَّذي لا يُرِيهِ إلَّا الجِهةَ الجَمِيلةَ مِنَ الأَشياءِ؛ ولهذا السَّبَ أمّ فَكَّر هكذا: "إنَّ هذه الأُمُورَ العَجِيبةَ ذاتُ عَلاقاتٍ مُتَرابِطةٍ بَعضِها ببَعضٍ، وإنَّها لَتَظهَرُ كأنَّ آمِرًا واحِدًا يُحَرِّكُها، فلايها مُ إذًا أن يكُونَ في هذه الأَعمالِ المُحَيِّرةِ سِرٌّ مُغلَقٌ وطِلَّسْمٌ غيرُ مَكشُوفٍ.
— 74 —
المُقدِّمة
نُشِيرُ إشاراتٍ فحَسْبُ إلى بعضِ المَسائلِ الَّتي أَوْضَحناها في أَماكَِهِجَ رَى، أي: في كُلٍّ مِنَ الكَلِماتِ الثانيةِ والعِشرِين، والتّاسِعةَ عَشْرةَ، والسّادِسةِ والعِشرِين.
الإشارةُ الأُولَى:
هناك ثلاثُ حَقائقَ هذه الفَّلِ ولِصَديقِه النّاصِحِ الأَمينِ المَذكُورَينِ في الحِكايةِ:
الأُولَى:هي نَفسِي الأَمّارةُ وقَلبي.
الثانية:مُتعَلِّمُو الفَلسَفةِ وتلاميذُ القُرآنِ الكَريمِ.
الثالثة:مِلَّةُ الكُفرِ والأُمّةُ الإسلاميةُ.
إنَّ عَدَمَ مَعرِف جَرَمهِ سُبحانَه وتَعالَى هو الَّذي أَوقَعَ مُتعَلِّمي الفَلسَفةِ ومِلَّةَ الكُفرِ والنَّفسَ الأَمّارةَ في الضَّلالةِ الرَّهيبةِ. فمِثلَما قال النّاصِحُ الأَمينُ في الحِكايةِ: إنَّه لا يُمكِنَاءُ أكُونَ حَرفٌ بلا كاتِبٍ، ولا قانُونٌ بلا حاكِمٍ، كذلك نَقُولُ:
إنَّه مُحالٌ أن يكونَ كِتابٌ بلا كاتِبٍ، ولا سيَّما كتابٌ كهذا الَّذي تَتجَلالٍُ كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه كتابًا خُطَّ بقَلَمٍ دَقيقٍ، والَّذي تَحتَ كلِّ حَرفٍ مِن حُروفِه قَصيدةٌ دُبِّجَت بقَلمٍ رَفيعٍ. وكذلك مِن أَمْحَلِ المُحالِ أيعِ النَ هذا الكَوْنُ مِن غيرِ مُبدِعٍ، حيثُ إنَّ هذا الكَونَ كتابٌ على نَحوٍ عَظيمٍ تَتَضمَّنُ كلُّ صَحيفةٍ فيه كُتُبًا كَثيرةً، لا بل كلُّ كَلِمةٍ مِنها كتابًا، وكلُّ حَرفٍ مِنها قَصيدةانيّاتَجهُ الأَرضِ صَحيفةٌ، وما أَكثَرَ ما فيها مِن كُتُبٍ! والشَّجَرةُ كَلِمةٌ واحِدةٌ، وما أَكثَرَ ما فيها مِن صَحائفَ! والثَّمَرةُ حَرفٌ، والبِذرةُ نُقطةٌ.. وفي هذه النُّقطةِ فِهرِسُ الشَّجَرةِ الباسِقةِ وخُطّةُ عَمَلِهَ استِِتابٌ كهذا ما يكُونُ إلَّا مِن إبداعِ قَلَمِ صاحِبِ قُدرةٍ مُتَّصِفٍ بالجَمالِ والجَلالِ والحِكمةِ المُطلَقةِ، أي: إنَّ مُجرَّدَ النَّظَرِ إلى العالَمِ ومُشاهَدَتَه يَستَلزِمُ هذا الإيمانَ، إلَّا مَن أَسْكَمِن جَلضَّلالةُ.
— 75 —
ومِثلَما لا يُمكِنُ أن تكُونَ دارٌ بلا بَنّاءٍ، لا سيَّما هذه الدّارُ الَّتي زُيِّنَت بأَبدَعِ زِينةٍ، ونُقِشَت بأَرْوَعِ نُقُوشٍ وأَعجَبِها وشُيِّدَت بصَنعةٍ خارِقةٍ، حتَّى إنَّ كلَّ حَجَرٍ مِن أَحجارِها يولم تََمُ فيه فَنُّ ما في البِناءِ كُلِّه. فلا يَقبَلُ عاقِلٌ أن تكُونَ دارٌ مِثلُ هذه الدّارِ بلا بَنّاءٍ ماهِرٍ، وبخاصّةٍ أنَّه يُشَيِّد في هذا الدِّيوانِ یی في كلِّ ساعةٍ یی مَساكِنَ حَقيقيةً في غايةِ ِ وصَحِظامِ والتَّناسُقِ، ويُغيِّرُها بانتِظامٍ وسُهولةٍ كامِلَينِ یی كسُهولةِ تَبدِيلِ المَلابِسِ یی بل إنَّه يُنشِئُ في كلِّ رُكنٍ غُرَفًا صَغيرةً عِدّةً في كلِّ مَشهَالِ تَيقيٍّ.
فلا بُدَّ لهذا الكَونِ العَظيمِ مِن خالِقٍ حَكيمٍ عَليمٍ قَديرٍ مُطلَقٍ، لأنَّ هذا الكَونَ إنَّما هو كالقَصرِ البَديعِ.. الشَّمسُ والقَمَرُ مَصابيحُه، والنُّجومُ شُمُوعُه وقَنادِيلُه، والزَّمَنُ شَريطٌ يُعلِّقُ عليه الخالِِسْمِ الجَلالِ یی في كل سَنةٍ یی عالَمًا آخَرَ يُبْرُِزه للوُجودِ، مُجدِّدًا فيه صُوَرًا مُنتَظِمةً في ثلاثِ مِئةٍ وسِتِّين شَكلًا وطِرازًا، مُبدِّلًا إيّاه بانتِظامٍ تامٍّ، وحِكمةٍ كامِلةٍ، جاعِلًا سَطْحَ الأَرضِ مائدةَ نِعَمٍ، يُزَضِحًا ا في كلِّ رَبيعٍ بثَلاثِ مِئةِ ألفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ مَخلُوقاتِه، ويَملَؤُها بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن آلائه، مع تَمييزِ كلٍّ مِنها تَمييزًا كامِلًا، على الرَّغمِ مِن تَداخُلِها وتَشابُكِها.. وقِسْ على ِ، وهيأشياءِ الأُمورَ الأُخرَى.. فكيف يُمكِنُ التَّغافُلُ عن صانِعِ مِثلِ هذا القَصرِ المُنيفِ؟
ثمَّ ما أَعظَمَ بَلاهةَ مَن يُنكِرُ الشَّمسَ في رابِعةِ النَّهارِ، وفي صَحوةِ السَّماء! في الوَقتِ الَّذي يُرَى تَلَأْلُؤُ أَشِعَّتِها، و هو شَسُ ضَوئِها، على زَبَدِ البَحرِ وحَبابِه، وعلى مَوادِّ البَرِّ اللّامِعةِ، وعلى بِلَّوْراتِ الثَّلجِ النّاصِعةِ، لأن إنكارَ الشَّمسِ الواحِدةِ ورَفإذًا أي هذه الحالةِ يَستَلزِمُ قَبولَ شُمَيساتٍ حَقيقيةٍ أَصيلةٍ، بعَدَدٍ قَطَراتِ البَحرِ وبعَدَدِ الزَبَدِ والحَبابِ وبعَددِ بِلَّوْراتِ الثَّلجِ! ومِثلَما يكونُ قَبولُ وُجودِ شَمسٍ عَظيمةٍلك، فأِّ جُزَيئةٍ یی وهي تَسَعُ ذَرّةً واحِدةً یی بلاهةً، فإنَّ عَدَم الإيمانِ بالخالقِ ذي الجَلالِ، ورَفضَ التَّصديقِ بأَوصافِ كَمالِه سُبحانَه یی مع رُؤيةِ هذه الكائناتِ المُنتَظِمةِ المُتَبدِّلةِ والمُتَعاقِبةِ بحِكمةٍ في كلِّ آنٍ والمُتَجدِّدة الِاناسُقٍ وانتِظامٍ في كلِّ وَقتٍ یی ضلالةٌ أَدهَى ولا شَكَّ، بل هَذَيانٌ وجُنونٌ، لأنَّه يَلزَمُ إذ ذاك قَبولُ أُلُوهيّةٍ مُطلَقةٍ في كلِّ شيءٍ حتَّى في كلَِّعَ صٍَ!
— 76 —
لأنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَواءِ مثلًا تَستَطيعُ أن تَدخُلَ في كلِّ زَهرةٍ، وفي كلِّ ثَمَرةٍ، وفي كلِّ وَرَقةٍ، وتَتَمكَّنَ مِن أن تُِنَّ مَ دَوْرَها هناك؛ فلو لم تَكُن هذه الذَّرّةُ مَأمُورةً ومُسَخَّرةً لَلَزِمَ أن تكون على عِلمٍ بأَشكالِ ما تَمَكَّنَت مِنَ الدُّخُولِ فيه، وبصُورَتِه "هو"يبِه، وهَيْئتِه، أي: يَجِبُ أن تكونَ ذاتَ عِلمٍ مُحيطٍ، وذاتَ قُدرةٍ شامِلةٍ كي تَستَطيعَ القِيامَ بذلك!!
وكلَّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ التُّرابِ مثلًا يُمكِنُ أن تكون سَببًا سيِّدوءِ البُذُورِ ونُمُوِّ أَنواعِها جَميعًا، فلو لم تكن مَأْمُورةً ومُسَخَّرةً لَلَزِمَ أن تَحتَوِيَ على آلاتٍ وأَجهِزةٍ مَعنَويةٍ بعَدَدِ أَنواعِ الأَعشابِ والأَشجارِ، أو يَجِبُ مَنْحُها قُدرةً ومَهارةً بحيثُ تَعلَمُ جَميعَ أَشك، وهو راكِيبِها، فتَصنَعُها، وتَعرِفُ جَميعَ صُوَرِها، فتَنسُجُها.. وقِسْ على هذا سائرَ المَوجُوداتِ، حتَّى تَفهَمَ أنَّ للوَحدانيّةِ دَلائلَى ما حةً باهِرةً في كلِّ شيءٍ.
نعم، إنَّ خَلْقَ كلِّ شيءٍ مِن شيءٍ واحِدٍ، وخَلْقَ شيءٍ واحدٍ مِن كلِّ شيءٍ، إنَّما هو عَمَلٌ يَخُصُّ خالِقَ كلِّ شيءٍ.. فتَدَبَّرْ وتَأَأن تكُفي قولِه تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه، واعلَم أنَّ عَدَمَ الِاعتِقادِ بالإلٰهِ الواحدِ الأَحَدِ يَستَلزِمُ الِاعتِقادَ بآلهةٍ عِدّةٍ بعَدَدِ المَوجُوداتِ..
الإشارة الثانية:
لقد جاءَ في الحِكايةِ ذِك لمُعاعُوثٍ كَريمٍ، وذُكِرَ أنَّ مَن لم يَكُن أَعمَى يَفْهَمُ مِن رُؤيةِ أَوْسِمَتِه: أنَّه شَخصٌ عَظيمٌ، لا يَأتَمِرُ إلَّا بأَمرِ السُّلطانِ، فهو عامِلُه الخاصُّ.. فهذايمِ كمعُوثُ إنَّما هو رسولُنا الأَعظَمُ (ص).
نعم، يَلزَمُ أن يكون لِمِثلِ هذا الكَونِ البَديعِ ولِصانِعِه القُدُّوسِ، مثلُ هذا الرَّسولِ الكريمِ، كلُزُومِ الضَّوءِ للشَّمسِ، لأنَّه كما لا يُمكِنُ للشَّمسِ إلَّا أن تُشِعَّ ضِياءً، كذلك لَّعليمِنُ للأُلُوهيةِ إلّا أن تُظهِرَ نَفسَها بإرسالِ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيهم السَّلَام.
فهل يُمكِنُ ألّا يَرغَبَ جَمالٌ في غايةِ الكَمالِ في إظهارِ نَفسرشادِ سيلةٍ ودَليلٍ يُعرِّفُه؟
— 77 —
أم هل يُمكِنُ ألّا يَطلُبَ كَمالُ الصَّنعةِ في غايةِ الجَمالِ الإعلانَ عنه بوَساطةٍ تَلْفِتُ الأَنظارَ إليه؟
أمِنَ اُمكِنُ ألّا تَطلُبَ سَلطَنةٌ كُلِّيّةٌ لِرُبُوبيةٍ عامّةٍ شامِلةٍ إعلانَ وَحدانيَّتِها وصَمَدانيَّتِها على مُختَلِفِ الطَّبَقاتِ بوَساطةِ مَبعُوثٍ ذي جَناحَينِ؟ أي: ذي صِفَتَينِ: صِفةِ العُبوديةِ الكُلِّیيَّة، فهو مُمَثِّلُ طَبَ كما ولمَخلُوقاتِ عندَ الحَضْرةِ الرَّبّانيةِ؛ وصِفةِ الرِّسالةِ والقُربِ إليه، فهو مُرسَلٌ مِن لَدُنه سُبحانَه إلى العالَمِين كافّةً.
أم هل يُمكِنُ لِصاحِبِ جَمالٍ مُطلَقٍ ألّا يَرنِ بَلن يَشهَدَ هو ويُشهِدَ خَلْقَه مَحاسِنَ جَمالِه ولَطائفَ حُسْنِه في مَرايا تَعكِسُ هذا الجَمالَ؟ أي: بوَساطةِ رسولٍ حَبيبٍ؛ فهو حَبيبٌ لِتَودُّدِه إلى الله سُبحانَه بعُبُودِيَّتِه الخا
ال وهو رسولٌ لأنَّه يُحبِّبُ اللهَ سُبحانَه إلى الخَلقِ بإظهارِ جَمالِ أَسمائِه الحُسنَى.
أم هل يُمكِنُ ألّا يُريدَ مَن يَملِكُ خَزائنَ مَشحُونةً بأَغلَى الأَشياءِ وأَعجَبِها وبما يُدهِشُ العُقولَ، إظهارَ كَمالِه المُستَتِرِ، وألني عن لُبَ عَرْضَه على أَنظارِ الخَلقِ أَجمَعين، وكَشْفَه على مَرْأًى مِنهم، بوَساطةِ مُعَرِّفٍ حاذِقٍ ومُعلِنٍ وَصَّافٍ؟
أم هل يُمكِنُ لِمَن زيَّن هذا الكونَ بمَخلوقاتٍ مُعبِّرةٍ عن كَمالِ أَسمائِه الحُسنَى، وجَعَلَمِثَالًا رائعًا، وجَمَّله ببَدائعِ صَنعَتِه المُذهِلةِ، وعَرَضَه على الأَنظارِ، ثمَّ لا يَكِلُ أَمرَ إيضاحِه إلى مُرشِدٍ مُعلِّمٍ رائدٍ؟
أم هل يُمكِنُ ألّا يُبيِّنَ مالِكُ هذا الكَونِفي السطةِ رسولٍ: ما الغايةُ مِن تَحَوُّلاتِ هذا الكَونِ؟ وما القَصدُ مِن هذا الطِّیلَّسْمِ المُغلَقِ؟ وألّا يُجيبَ بوَساطَتِه عن أَلغازِ الأَسئلةِ الثّلاثةِ المُستَعصِلِنُشُ المَوجُوداتِ، وهي: مِن أينَ؟ والى أينَ؟ ومَن تكُونُ؟
أم هل يُمكِنُ للخالِقِ ذي الجَلالِ الَّذي عَرَّف نَفسَه إلى ذَوِي الشُّعورِ بهذه المَخلُوقاتِ الجَميلةِ، وحَبَّبها إليهم بنِعَمِه الغاليةِ، ألّا ِ مِئاِن لهم بوَساطةِ رَسولٍ ما يُريدُ مِنهم وما يُرضيه إزاءَ هذه النِّعَمِ السّابِغةِ؟
— 78 —
أم هل يُمكِنُ للخالِقِ الَّذي ابتَلَى النَّوعَ الإنسانِيَّ بكَثرةِ المَشاعِرِ والاتِّجاهاتِ، وهَيَّأ استِعدادَه للعُبُوفمَثَلتّامّةِ الكُلِّیيَّة، ألّا يَطلُبَ تَوجيهَ أَنظارِ هذا النَّوعِ مِنَ الكَثرةِ إلى التَّوحيدِ بوَساطةِ مُرشِدٍ مُرسَلٍ؟
وهكذا.. فإن هناك دَلائلَ أُخرَى زيادةً على ما تَقَدَّم، كلُّها بَراهينُ قاطِعةٌ تُبيِّنُ: "وظائفَ النُّبوّةِاحَينِمَّها"، وتُوَضِّحُ أنَّ الأُلوهيةَ لا تكونُ بلا رِسالةٍ.
والآن، فهل ظَهَر في العالَمِ مَن هو أَكثَرُ أَهلِيّةً، وأَجمَعُ لتلك الأَوصافِ والوَظائفِ الَّتي القاتت، مِن مُحمَّدٍ الهاشِميِّ (ص)؟ أم هل هناك أَحَدٌ أَليَقُ مِنه (ص) لِمَنصِبِ الرِّسالة ومُهِمّةِ التَّبليغِ؟ وهل أَظهَرَ الزَّمانُ أحد أَفاضظَمَ أَهليّةً مِنه؟ كلَّا.. ثمَّ كلَّا.. فهو إمامُ جَميعِ المُرسَلين، وقُرّةُ عَينِ كلِّ الأَصفِياءِ، وسُلطانُ جَميعِ المُرشِدين، وزُبدةُ كلِّ المُختارِين والمُقرَّبين، صاحِبُ أُلوفِ المُعجِزاتِ كشَقِّ ا يُمكِِ، ونَبَعانِ الماءِ مِن بينِ أَصابعِه الشَّريفةِ، ممّا عدا دَلائلَ نُبُوَّتِه وأَماراتِها الَّتي لا تُحصَى، ممّا هو مَحَلُّ إجماعِ أَهلِ الفَضلِ والعِلمِ، وَّها جقرآنَ العَظيمَ الَّذي هو بَحرُ الحَقائقِ والمُعجِزةُ الكُبْرَى، إذ إنَّه كالشَّمسِ السّاطِعةِ دَليلٌ قاطِعٌ على صِدقِ رِسالتِه.. ولقد أَثْبَتْنا إعجازَ القُرآنِ بما يَقْرُبُ مِن أَربعين وَجهًا مِن وُجوهِ الإعجازِ في "رسائلِ النُّور"عن أنّسيَّما في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرين".
الإشارة الثالثة:
لا يَخْطُرَنَّ على بالِ أَحَدٍ فيقولَ: ما أَهمِّيّةُ هذا الإنسانِ الصَّغيرِ وما قِيمَتُه حتَّى تَنتَهيَ هذه الدُّنيا العَظيمةَوحِيدتَحَ مَنازِلُ أُخرَى لِمُحاسَبَتِه على أَعمالِه؟!
لأنَّ هذا الإنسانَ هو سيِّد المَوجُوداتِ رَغمَ أنَّه صَغيرٌ جدًّا، لِما يَملِكُ مِن فِطرةٍ جامِعةٍ شامِلةٍ.. فهو قائدُ المَوجُوداتِ، والدّاعي إلى سُلطانِ أهمُ الّةِ اللهِ، والمُمَثِّیلُ للعُبوديةِ الكُلِّیيَّة الشّامِلةِ ومَظهَرُها، لذا فإنَّ له أَهَمِّيّةً عُظمَى.
— 79 —
ولا يَخطُرَنَّ على البالِ كذلك: كيف يكونُ هذا الإنسانُ مَحكُومًا بعَذابٍ أَبَديٍّ، مع أنَّ له عُمُرًا قَصِيرًا جِدًّا؟! لوفَجْألكُفرَ جَريمةٌ كُبْرَى، وجِنايةٌ لا حُدودَ لها، حيثُ إنَّه يَهبِطُ بقِيمةِ الكائناتِ ودَرَجَتِها یی التي تُوازِي قِيمةَ مَكاتيبَ صَمَدانيّةٍ ودَرَجَتَها یی إلى هاوِيةِ العَبَا نَفسُوهِمُ عدمَ وُجودِ الغايةِ مِن إيجادِها.. إنَّه تَحقيرٌ بَيِّنٌ للكائناتِ كلِّها، وإنكارٌ لِما يُشاهَدُ مِن أَنوارِ الأَسماءِ الحُسنَى كلِّها، وإنكارُ آثارِها في هذه المَوجُوداتِ، ومِن ثَمَّ فإنُ أن يذيبُ ما لا يُحصَى مِن الأَدلّةِ الدّالّةِ على حَقيقةِ وُجودِ ذاتِ الحَقِّ سُبحانَه وتَعالَى؛ وكلُّ هذا جِنايةٌ لا حُدودَ لها، والجِنايةُ ال مِن أا حُدودَ لها تُوجِبُ عَذابًا غيرَ مُحَدَّدٍ بحُدودٍ.
الإشارة الرابعة:
لقد رَأَينا في الحِكاية بصُوَرِها الِاثنَتَيْ عَشْرةَ: أنَّه لا يُمكِنُ بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ أن تكونَ لِسُلطانٍ عَظيمٍ مَملَكةٌ مُؤَقَّتةٌ یی كأنَّها دارُ ضِيافنَفْي ثمَّ لا تكونَ له مَملَكةٌ أُخرَى دائمةٌ مُستقِرّةٌ، ولائقةٌ لِأُبَّهَتِه وعَظَمَتِه ومَقامِ سَلْطَنتِه السّامِيةِ؛ كذلك لا يُمكِنُ بوَجهٍ مِن الوُجُوهِ ألّا يُنشِئَ الخالقُ الباقي سُبحانَه عالَمًا هذه اا بعدَ أن أَوْجَدَ هذا العالَمَ الفانِيَ.
ولا يُمكِنُ أيضًا أن يَخلُقَ الصّانِعُ السَّرمَديُّ هذه الكائناتِ البَديعةَ الزّائلةَ، ولا يُنشِئَ كائناتٍ أُخرَى دائمةً مُستَقِرّةً.
ولا يُمكَِقلِّ ًا أن يَخلُقَ الفاطِرُ الحَكيمُ القَديرُ الرَّحيمُ هذا العالَمَ الَّذي هو بحُكْمِ المَعرِضِ العامّ ومَيدانِ الِامتِحانِ والمَزرَعةِ الوَقْتيّةِ، ثمَّ لا يَخلُقَ الدَّارَ الآخِرةَ الَّتي تَكشِفُ عن غاي الإشاتُظهِرُ أَهدافَه!
إنَّ هذه الحَقِيقةَ يَتِمُّ الدُّخُولُ فيها مِنِ "اثْنَيْ عَشَرَ بابًا"، وتُفتَحُ تلك الأَبوابُ بی"اثنَتَيْ عَشْرةَ حَقِيقةً"، نَبْدَأُ بأَقصَرِها وأَبسَطِها.
— 80 —
الحقيقة الأُولى
بابُ الرّرةِ"، ةِ والسَّلْطَنةِ، وهو تَجَلِّي اسمِ "الرَّبِّ"
أَمِنَ المُمكِنِ لِمَن له شأنُ الرُّبوبيّةِ وسَلْطَنةُ الأُلُوهيةِ، فأَوْجَدَ كَوْنًا بَدِيعًا كهٌ وعَذَوْنِ، لِغاياتٍ سامِيةٍ ولِمَقاصِدَ جَليلةٍ، إظهارًا لِكَمالِه، ثمَّ لا يَكُونَ لَدَيهِ ثَوابٌ للمُؤمِنين الَّذين قابَلُوا تلك الغاياتِ والمَقاصِدَ بالإيمانِ والعُبوديةِ، ولا يُعاقِبَ أديّةِ لضَّلالةِ الَّذين قابَلُوا تلك المَقاصِدَ بالرَّفْضِ والِاستِخفافِ؟!
الحقيقة الثانية
بابُ الكَرَمِ والرَّحمةِ، وهو تَجَلِّي اسمِ "الكَريمِ والرَّحيمِ"
أَمِنَ المُمكِنِ لِرَبِّ هذا العالَمِ ومالِكِه الَّذي .. لا بآثارِه كَرَمًا بلا نهايةٍ، ورَحمةً بلا نهايةٍ، وعِزّةً بلا نهايةٍ، وغَيرةً بلا نهايةٍ، ألّا يُقَدِّرَ مَثُوبةً تَليقُ بكَرَمِه ورَحمَتِه للمُحسِنين، ولا يُقرِّرَ عُقُ وُجودُناسِبُ عِزَّتَه وغَيْرَتَه للمُسِيئين؟! فلو أَنعَمَ الإنسانُ النَّظَرَ في سَيرِ الحَوادِثِ ابتِداءً مِن أَضعَفِ كائنٍ حَيٍّ وأَشَدِّه عَجْزًا، (حاشي القُر الدَلِيلَ القَاطِع عَلى أنَّ الرِزقَ الحَلالَ يُعطَى حَسَبَ الافتِقارِ، ولا يُؤخَذ بقُوّةِ الكائنِ وقُدرَتِه، هو سَعةُ مَعيشةِ الصِّغار الَّذين لا طَاقةَ لَهم ولا حَوْلَ، وضيقُ مَعيشةِ الحَيَواناتِ المُفتَرِسة، وبَدانةُ الأسماعَجزِ ليدةِ وهُزالُ الثَّعالِبِ والقِردةِ ذَوي الذَّكاءِ والحِيَل؛ فالرِّزق إذًا يَأتي مُتناسِبًا عَكسيًّا مع الاختيارِ والقُدرة، أي: كلَّما اعتَمَد الكائنُ على إرَادَتِه ابتُلِيَ بضِيقِ المَع لِعِزتكاليفِها ابتلاءً أكثرَ. وانتهاءً بأَقوَى كائنٍ، لَوَجَد أنَّ كلَّ كائنٍ يأتيه رِزقُه رَغَدًا مِن كلِّ مَكانٍ، بل يَمنَحُ سُبحانَه أَضعَفَهم وأَشَدَّهم عَجْزًا أَلطَفَ الأَرزاقِ وأَحسَنَها، ويُسعِفُ كلَّ مَريضٍ بِقدارِاويه.. وهكذا يَجِدُ كلُّ ذي حاجةٍ حاجَتَه مِن حيثُ لا يَحتَسِبُ.. فهذه الضِّيافةُ الفاخِرةُ الكَريمةُ، والإغداقُ المُستَمِرُّ، والكَرَمُ السّامي، تَدُلُّنا بداهةً، أن يَدًا كَريمةً خالِدةً هي الَّتي تَعمَلُ وتُديرُ وقَطعورَ.
فمَثلًا:إنَّ إكساءَ الأَشجارِ جَميعًا بحُلَلٍ خُضْرٍ شَبيهةٍ بالسُّندُسِ یی كأنَّها حُورُ
— 81 —
الجَنّةِ یی وتَزيِينَها بمُرَصَّعاتِ الأَزهارِ الجَميلةِ والثِّمارِ اللَّطيفةِ، وتَسخِيرَها لِخِدمَتِنا بإنتاجِها أَلْطَفَ الأنَى ال المُتَنوِّعةِ وأَلَذَّها في نِهاياتِ أَغصانِها الَّتي هي أَيدِيها اللَّطيفةُ.. وتَمكِينَنا مِن جَنْيِ العَسَلِ اللَّذيذِ الَّذي فيه شِفاءٌ للنّاسِ مِن حَشَرةٍ سامّةٍ.. وإلباسَنا أَج وكلَِّيابٍ وأَليَنَها مِمّا تَحُوكُه حَشَرةٌ بلا يَدٍ.. وادِّخارَ خَزينةِ رَحمةٍ عَظيمةٍ لنا في بِذرةٍ صَغيرةٍ جِدًّا.. كلُّ ذلك يُرينا بَداهةً كَرَمًا في غايةِ الجَمالِ، ورَحمةً في غايةِ اللُّطْفِ.
وكذا، إنَّ سَعْيَ جَميعِ المَخلُوقاتِ، صَغيرُمْ بَِبيرِها یی عدا الإنسانِ والوُحوشِ الكاسِرةِ یی لإنجازِ وَظائِفِها بانتِظامٍ تامٍّ ودِقّةٍ كامِلةٍ، ابتِداءً مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ والأَرضِ إلى أَصغَرِ مَخلُوقٍ، بشَكلٍ لا يَتَجاوَزُ أَحَدٌ حَدَّه قِيدَ أَنمُلةٍ، ضِمنَ الطّاعةِ التّامّةِلَّا ذنقِيادِ الكامِلِ المَحفُوفَينِ بهَيبةٍ عَظيمةٍ، يُظهِرُ لنا أنَّ هذه المَخلُوقاتِ لا تَتَحرَّكُ ولا تَسكُنُ إلَّا بأَمرِ العَظيمِ ذي العِزّةِ والجَلالِ.
وكذا، إنَّ عِنايةَ الأُمَّهاا یی بولادِهنَّ الضِّعافِ العاجِزين یی سواءٌ في النَّباتِ أوِ الحَيَوانِ أوِ البَشَرِ یی عِنايةً مِلْؤُها الرَّأفةُ والرَّحمةُ، (حاشية): نعم، إنَّ إيثارَ الأسدِ الجَائعِ شِبلَه الضَّعيفَ على نفسِه بِما يَظفَرُ به من قِطعَة لَحمٍ، وهُج العَقلدَّجاج الجَبانِ على الكَلب والأسَد حِفاظًا على فِراخِه الصَغيرة؛ وإعدَادَ شَجَرة التِّينِ لصِغارِها التي هي ثِمارُها لَبنًا خَالِصًا مِن الطِّين.. كلُّ ذلك يَدلُّ بداهةً یی لأَهلِ البَصَائِر یی على أنَّها حَصَلت بأمرِ الرَّحيمَ أُولي لا نِهايةَ لرَحمتِه، والكَريمِ الَّذي لا نِهايةَ لكَرَمِه، والرَّؤوفِ الِّذي لا نِهايةَ لرَأفَتِه وشَفَقَتِه؛ وأنَّ قِيام النَّبَاتَاتِ والحَيَوانات الَّتي لا وَعْيردٍ مِولا شُعورَ، بأعمالٍ في مُنتَهَى الوَعيِ والشُّعور والحِكمَة، يُبيِّن بالضَّرورة أن عليمًا مُطلَقًا وحَكيمًا مُطلَقًا هو الَّذي يَسُوقُها إلى تلك الأعمَال، وهي بأَمرِه لقُرآنِرُ. وتَغذِيَتَها بالغِذاءِ اللَّطيفِ السّائغِ مِنَ اللَّبَنِ، تُرِيك عَظَمةَ التَّجَلِّياتِ، وسَعةَ الرَّحمةِ المُطلَقةِ.
فما دامَ ربُّ هذا العالَمِ ومُدَبِّرُه له هذا الكَرَمُ الواسِعُ، وهذه الرَّحمةُ الَّتي لا مُنتَهَى لها، وله اْدِهِ ُ والعِزّةُ المُطلَقانِ؛ وأنَّ العِزَّةَ والجَلالَ المُطلَقَينِ يَقتَضِيانِ تَأدِيبَ المُستَخِفِّين، والكَرَمَ الواسِعَ المُطلَقَ يَتَطلَّبُ إكرامًِنَ ال مُتَناهٍ، والرَّحمةَ الَّتي وَسِعَت كلَّ شيءٍ تَستَدعي إحسانًا يَليقُ بها، بَينَما لا يَتَحقَّقُ مِن كلِّ ذلك في هذه الدُّنيا الفانيةِ والعُمُرِ القَصيرِ إلَّا جُزءٌ ضَئيلٌ جِدًّا هو كقَطرةٍ مِن بَحْرٍ.
— 82 —
فلُورِ. َ أن تكونَ هناك دارُ سَعادةٍ تَليقُ بذلك الكَرَمِ العَميمِ، وتَنسَجِمُ مع تلك الرَّحمةِ الواسِعةِ.. وإلَّا يَلزَمُ جُحُودُ هذه الرَّحمةِ المَشهُودةِ، بما هو كإنكارِ وُجودِ الشَّمسِ الَّتي يَملَأُ نُورُها وتُعيهارَ، لأنَّ الزَّوالَ الَّذي لا رَجْعةَ بعدَه يَستَلزِمُ انتِفاءَ حَقيقةِ الرَّحمةِ مِنَ الوُجودِ، بتَبدِيلِه الشَّفَقةَ مُصيبةً، والمَحَبّةَ حُربعضِ أوالنِّعمةَ نِقمةً، واللَّذّةَ أَلَمًا، والعَقْلَ المَحمُودَ عُضوًا مَشؤُومًا.
وعليه فلا بُدَّ مِن دارِ جَزاءٍ تُناسِبُ ذلك الجَلالَ والعِزّةَ وتَنسَجِمُ معها، لأنَّه غالِبًا ما يَظَلُّ الظّالِمُ في عِزَّتِه، والمَظلبَ إلَي ذِلَّتِه وخُنُوعِه، ثمَّ يَرحَلانِ على حالِهما بلا عِقابٍ ولا ثَوابٍ.
فالأَمرُ إذًا ليس إِهمالًا قَطُّ، وإن تمَّ الإمهالُ إلى مَحكَمةٍ كُبرَى، فالقَضيةُعالَمٍهمَلْ، بل قد تُعَجَّلُ العُقُوبةُ في الدُّنيا؛ فإنزالُ العَذابِ في القُرونِ الغابِرةِ بأَقوامٍ عَصَت وتَمَرَّدَت يُبيِّنُ لنا أنَّ الإنسانَ ليس مَترُوكًا زِمامُه، يَسرَحُ وَفقُون و يُملِي عليه هَواه، بل هو مُعرَّضٌ دائمًا لِصَفَعاتِ ذي العِزّةِ والجَلاِل.
نعم، إنَّ هذا الإنسانَ الَّذي أُنيطَ به یی مِن بينِ جَميعِ المَخلُوقاتِ یی مَهامُّ عَظيمةٌ، وزُوِّدَ باستِعداداتٍ تُوجَةٍ كامِلةٍ، إنْ لم يَعرِفْ رَبَّه "بالإيمانِ" بعدَ أن عَرَّف سُبحانَه نَفسَه إليه بمَخلُوقاتِه البَديعةِ المُنتَظِمةِ.. وإن لم يُحَبِّبْ نَفسَه إلَيْه بی"العِبادةِ" بعد أن تَحَبَّبَ إليه سُبحانَه بنَفسِهإيضاحَُفها إليه بما خَلَق له مِنَ الثِّمارِ المُتَنوِّعةِ الجَميلةِ الدّالّةِ على رَحمَتِه الواسِعةِ.. وإن لم يَقُمْ بالتَّوقيرِ والإجلالِ اللّائِعُمُرِبه "بالشُّكرِ والحَمْدِ" بعدَ أن أَظهَر سُبحانَه مَحَبَّتَه له ورَحمَتَه عليه بنِعَمِه الكَثيرةِ.. نعم، إن لم يَعرِفْ هذا الإنسانُ رَبَّه هكذا، فكيف يُتْرَكُ سُدًى دُونَ جَزاءٍ، ودُونَ أن يُعِدَّ له ذُو العِزّةِ والجَلالِ دارًا للعِقابلمَشهُ وهل مِنَ المُمكِنِ ألّا يَمنَحَ ذلك الرَّبُّ الرَّحيمُ دارَ ثَوابٍ وسَعادةٍ أَبَديّةٍ، لِأُولئك المُؤمِنين الَّذين قابَلُوا تَعرِيفَ ذاتِه سُبحانَه لهم بمَعرِفَتِهم إيّاه بی"الإيمانِ"، وتَحبِيبَ نَفسِه إلَيْهم بی"العِبادةِ"،ِ ومَعَتَه لهم بالإجلالِ والتَّوْقيرِ له بی"الشُّكرِ"؟
— 83 —
الحقيقة الثالثة
بابُ الحِكمةِ والعَدالةِ، وهو تَجَلِّي اسمِ "الحَكيمِ والعادِلِ"
أَمِنَ المُمكِنِ (حاشية): إن عِبارةَ "أَمِنَ المُمكِنِ؟" تتكرَّر كثيرًا، فَهِي تُفيدُ غايةًِه الحّةً وهِي: أنَّ الكُفرَ والضَّلالَ يَتَولَّدان غالبًا مِنَ الِاستِبعادِ، أي: يَرَى الإنسانُ مَسائلَ الإيمانِ بَعِيدةً عن مِيزانِ العَقلِ، فيَعُدُّها مُحالًا، ويَبدَلرَّئيإنكار والكُفرِ.. ولَكِن هَذِه الكَلِمة (الحَشْرُ) أَوضَحَت بأَدِلّة قاطعةٍ: أنَّ الِاستِبعادَ الحَقيقيَّ والمُحالَ الحَقيقيَّ والبُعدَ عن مَوازينِ العَقلِ والصُّعوبةَ الحَقّةَ والمُشكِلاتِ العَويصةَ الَّتي هي بدَرَجةِ الِامتناعِ، إنَّما هي فُ مُطلفرِ ومَنهَجِ أهلِ الضَّلالِ؛ وأنَّ الإمكانَ الحَقيقيَّ، والمَعقُوليةَ التامّةَ والسُّهولةَ الجارِيةَ مَجرَى الوُجوبِ، إنَّما هي في طَريقِ الإيمَان، وجَادّةِ الإسلَامُبَّماالخُلاصة: أنَّ الفَلاسِفة إنَّما وَقَعُوا إلى الإنِكارِ نَتيجةَ الِاستبعادِ. وهِذه (الكَلِمة العَاشِرة) تُبيِّن بِتِلكَ العِبَارَة: "أَمِنَ المُمكِنِ؟" أين يَكمُنُ الِاستِبعادُ، وتُوَجِّهُ ضَربةً عَلى أفوَاهِهم. لِخالقُ صِفةَلالٍ أَظهَرَ سُلطانَ رُبُوبيَّتِه بتَدبِيرِ قانُونِ الوُجودِ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ وانتِهاءً بالمَجَرَّاتِ، بغايةِ الحِكمةِ والنِّظامِ وبمُنتَهَى العَدالةِ والمِيزانِ.. ألّا يُعامِلَ بالإِحسانِ مَنِ احتَمَوْا بتلك الرُّبُوبيّةُها.
ادُوا لِتِلك الحِكمةِ والعَدالةِ بالإِيمانِ والعُبُودِيّةِ، وألّا يُجازِيَ أُولَئِك الَّذين عَصَوْا بكُفرِهم وطُغيانِهم تلك الحِكمةَ والعَدالةَ؟!
بَينَما الإنسانُ لا يَلقلأرضَ يَستَحِقُّه مِنَ الثَّوابِ أوِ العِقابِ في هذه الحَياةِ الفانِيةِ على وَجهٍ يَليقُ بتِلك الحِكمةِ وتلك العَدالةِ إلَّا نادِرًا، بل يُؤَخَّرُ، إذ يَرْحَلُ أَغلَبُ أَهلِ الضَّلالةِ دُونَ أن يَلقَوْا عِقابَهم، ويَذهَبُمَ كلُّ أَهلِ الهِدايةِ دُونَ أن يَنالُوا ثَوابَهم.. فلا بُدَّ أن تُناطَ القَضِيّةُ بمَحكَمةٍ عادِلةٍ، وبلِقاءٍ آيِلٍ إلى سَعادةٍ عُظمَى.
نعم، إنَّه لَواضِحٌ أنَّ الَّذي يَتَصررّابعُي هذا الكَونِ إنَّما يَتَصرَّفُ فيه بحِكمةٍ مُطلَقةٍ، أفَتَطلُبُ بُرهانًا على هذا؟ فانظُرْ إلى رِعايَتِه سُبحانَه للمَصالِح والفَوائدِ في كلِّ شيءٍ.. ألا تَرَى أنَّ أَعضاءَ الإنسانِ جَميعًا وٍ، حتّه وعُرُوقَه وحتَّى خَلاياه الجِسمِيّةُ وكلُّ جُزءٍ مِنه ومَكانٍ، قد رُوعِيَت فيه فَوائدُ وحِكَمٌ شَتَّى، بل إنَّ في عُضوٍ مِن أَعضاءِ جِسمِه مِنَ الفَوائدِ والأَسرارِ بقَدْرِ ما تُنتِجُه الشَّجَرةُ الواحِدةُ مِنَ الثِّمارِ، مِمّا يَدُِرِ الى أنَّ يَدَ حِكمةٍ مُطلَقةٍ تُديرُ الأُمورَ؛ فَضْلًا عنِ التَّناسُقِ البَديعِ في صَنعةِ كلِّ شيءٍ والِانتِظامِ الكامِلِ فيها، اللَّذَينِ يَدُلّانِ على أنَّ الأُمورَ تُؤَدَّى بحِكمةٍ مُطلرًا مع#84
نعم، إنَّ تَضْمِينَ الخُطّةِ الدَّقيقةِ لِزَهرةٍ جَميلةٍ في بُذَيْرَتِها الصَّغيرةِ، وكِتابةَ صَحيفةِ أَعمالِ شَجَرةٍ ضَخمةٍ وسِيرةثباتِ تِها وفِهرِسِ أَجهِزَتِها، في نُوَيَّتِها بقَلَمِ القَدَرِ المَعْنَوِيِّ.. يُرِينا بوُضوحٍ أنَّ قَلَمَ حِكمةٍ مُطلَقةٍ هو الَّذي يَتَصَرَّفُ في مِن أِ.. وكذا، وجودُ رَوْعةِ الصَّنْعةِ الجَميلةِ وغايةِ حُسْنِها في خِلْقةِ كلِّ شيءٍ، يُظهِرُ أنَّ صانِعًا حَكيمًا مُطلَقًا هو صاحِبُ هذا الإبداعِ وهذه النُّقُوشِ.
نعم، إنَّ إِدراجَ فِهرِسِ الكائناتِ جَميعًا، وَعِدٌّحِ خَزائنِ الرَّحمةِ كافّةً، ومَرايا الأَسماءِ الحُسنَى كلِّها، في هذا الجِسمِ الصَّغيرِ للإنسان، لَمِمّا يَدُلُّ على الحِكمةِ البَليغةِ في الصَّنعةِ البَديعةِ.. فهل مِنَ المُمْكِنِ لِمِثل هذه الحِكمةِ المُهَيمِنةِ على مِثلِ هذه الإجراءاتِلمادُِّؤُونِ الرَّبّانيةِ ألّا تُحسِنَ مُعامَلةَ أُولئك الَّذين استَظَلُّوا بظِلِّها، وانقادُوا لها بالإيمانِ، وألّا تُثِيبَهم إثابةً أَبَديّةً خالِدةً؟!
وهل تُريدُ بُرهانًا على إنجازِ الأَعمالِ بالعَدْلِ والمِيزانِ؟
إنَّ مَنْحَ كلِّ ِّنُ مُجودًا بمَوازينَ حَسّاسةٍ، وبمَقايِيسَ خاصّةٍ، وإلباسَه صُورةً مُعَيَّنةً، ووَضْعَه في مَوضِعٍ مُلائمٍ.. يُبيِّنُ بوُضوحٍ أنَّ الأُمورَ تَسيرُ وَفْقَ عَدالةٍ ومِيزانٍ مُطلَقَينِ.
وكذا، إعطاءُ كلِّ ذي حَقٍّ ا تَرَ وَفْقَ استِعدادِه ومَواهِبِه، أي: إعطاءُ كلِّ ما يَلزَمُ، وما هو ضَرُوريٌّ لوُجُودِه، وتَوفِيرُ جَميعِ ما يَحتاجُ لِبَقائِه في أَفضلِ وَضعٍ، يَدُلُّ على أجْزِه دَ عَدالةٍ مُطلَقةٍ هي الَّتي تُسَيِّیرُ الأُمورَ.
وكذا، الِاستِجابةُ المُستَمِرّةُ والدّائمةُ لِما يُسأَلُ بلِسانِ الِاستِعدادِ أوِ الحاجةِ الفِطريّةِ، أو بلِسانِ الِاضطِرارِ، تُظهِرُ أنَّ عَدالةً مُطُ في د وحِكمةً مُطلَقةً هما اللَّتانِ تُجرِيانِ عَجَلةَ الوُجودِ.
فالآن، هل مِنَ المُمكِنِ أن تُهمِلَ هذه العَدالةُ وهذه الحِكمةُ تلك الحاجةَ العُظمَى، حاجةَ البَقاءِ ِ الكََى مَخلُوقٍ وهو الإنسانُ؟ في حينِ أنَّهما تَستَجِيبانِ لِأَدنَى حاجةٍ لِأَضعَفِ مَخلُوقٍ؟ فهل مِنَ المُمكِنِ أن تَرُدَّا أَهَمَّ ما يَرجُوه الإنسانُ وأَعظَمَ ما يَتَمَنّاه، وألَّا تَصُونا حِشمةَ الربُّ اليةِ وتَتَخلَّفا عن الإجابةِ لحُقوقِ العِباد؟!
— 85 —
غيرَ أنَّ الإنسانَ الَّذي يَقضِي حَياةً قَصيرةً في هذه الدُّنيا الفانِيةِ لا يَنالُ ولن يَنالَ حَقيقةَ هذه العَدالةِ، وإنَّما تُؤَخَّردَقيقةمَحكَمةٍ كُبْرَى، حيثُ تَقتَضي العَدالةُ الحَقّةُ أن يُلاقِيَ هذا الإنسانُ الصَّغيرُ ثَوابَه وعِقابَه لا على أَساسِ صِغَرِه، بل على أَسِ مِئاخامةِ جِنايَتِه، وعلى أَساسِ أَهَمِّيّةِ ماهِيَّتِه، وعلى أَساسِ عَظَمةِ مُهِمَّتِه.. وحيث إنَّ هذه الدُّنيا العابِرةَ بَعيدةٌ كلَّ البُعدِ عن أن تَكُونَ مَحَلًّا لِمِثلِ هذه العَدالةِ والحِها وكبما يَخُصُّ هذا الإنسانَ المَخلُوقَ لِحَياةٍ أَبَديةٍ، فلا بُدَّ مِن جَنّةٍ أَبَديّةٍ، ومِن جَهَنَّمَ دائمةٍ للعادِلِ الجَليلِ ذي الجَمالِ وللحَكيمِ الجَميلِ ذي الجَلالِ.
ذا الكة الرابعة
بابُ الجُودِ والجَمالِ، وهو تَجَلِّي اسمِ "الجَوادِ" و"الجَميلِ"
أَمِنَ المُمكِنِ لِجُودٍ وسَخاءٍ مُطلَقَينِ، وثَروةٍ لا تَنضُبُ، وخَزائنَ لا تَنفَدُ، وجَمالٍ سَرمَدِيٍّ لا مَثيلَ له، وكَمالٍ أَبَديٍّ لا نَقْصَ فيه، ألّا يَةُ ضَردارَ سَعادةٍ ومَحَلَّ ضِيافةٍ، يَخلُدُ فيه المُحتاجُون للجُودِ، الشّاكِرُون له، والمُشتاقُون إلى الجَمالِ، المُعجَبُون به؟
إنَّ تَزيِينَ وَجهِاءً، طَمِ بهذه المَصنُوعاتِ الجَميلةِ اللَّطيفة، وجَعْلَ الشَّمسِ سِراجًا، والقَمَرِ نُورًا، وسَطْحِ الأَرضِ مائدةً للنِّعَمِ، ومَلْأَها بأَلذِّ الأَطعِمةِ الشَّهِيّةِ المُتنَوِّعةِ، وجَعْلَ الأَشجارِ أَوانيَ وصِحافًا تَتَجدّمَعنَورارًا كلَّ مَوْسِمٍ.. كلُّ ذلك يُظهِرُ سَخاءً وجُودًا لا حَدَّ لهما. فلا بُدَّ أن يكونَ لِمِثلِ هذا الجُودِ والسَّخاءِ المُطلَقَينِ، ولِمِثلِ هذه الخَزائنِ الَّتي لا تَي الجَ ولِمِثلِ هذه الرَّحمةِ الَّتي وَسِعَت كلَّ شيءٍ، دارُ ضِيافةٍ دائمةٍ، ومَحَلُّ سَعادةٍ خالِدةٍ يَحوِي ما تَشتَهِيه الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعيُنُ وتَستَدعي قَطْعًا أن يَخلُدَ المُتَلَذِّذُون في تلك الدّارِ، ويَظَلُّوا مُلازِمِين لم تُالسَّعادةِ لِيَبتَعِدُوا عنِ الزَّوالِ والفِراقِ، إذ كما أنَّ زَوالَ الأَلَمِ لَذّةٌ فزَوالُ اللَّذّةِ أَلَمٌ كذلك، فمِثلُ هذا السَّخاءِ يَأبَى الإِيذاءَ قَطعًا.
أي: إنَّ الأَمرَ يَقتَضي وُجودَ جَنّةٍ أَُّجُونٍ، وخُلُودَ المُحتاجِينَ فيها؛ لأنَّ الجُودَ والسَّخاءَ المُطلَقَينِ يتَطَلَّبانِ إحسانًا وإنعامًا مُطلَقَينِ، والإحسانَ والإنعامَ غيرَ المُتَناهِيَيْنِ
— 86 —
يَتَطلَّبانِ تَنَعُّمًا وامْتِنانًا غيرَ مُتَناهِيَيْنِ، وهذا يَقإذا ماُلُودَ مَن يَستَحِقُّ الإحسانَ إليه، كي يُظهِرَ شُكرَه وامتِنانَه بتَنَعُّمِه الدّائمِ إزاءَ ذلك الإنعامِ الدّائمِ.. وإلَّا فاللَّذّةُ اللقد مُُ التي يُنَغِّصُها الزَّوالُ والفِراقُ في هذه المُدّة الوَجيزةِ، لا يُمكِنُ أن تَنسَجِمَ ومُقتَضَى هذا الجُودِ والسَّخاءِ.
ثمَّ انظُرْ إلى مَعارِضِ أَقطارِ العالَمِ الَّتي هي مَشهَدٌ مِن جَميعِدِ الصَّنْعةِ الإلٰهِيّةِ، وتَدَبَّرْ فيما تَحمِلُه النَّباتاتُ والحَيَواناتُ على وَجهِ الأَرضِ مِن إعلاناتٍ رَبّانيةٍ (حاشية-١): نعم، إنَّ الزَهرَةَ الجَمِيلَةَ وهِيَ في غَايَة الزِّينَة والزَّخرَفة، والثَّمرة
(ذنضَّدة وهي في مُنتهَى الإتقَان والإبدَاع، المُعلَّقتَينِ بخَيطٍ دقيقٍ في نِهَايَة أغصَانٍ يَابِسة يُبُوسةَ العَظْم.. لا شَكَّ أنَّهما "لَوحةُ إعلانٍ" تَجعَل ذَوي المَشاعِر يَقرَؤون فيها مَحاسِنَ صَنعةِ الصّانِع المُعجِزِ الحكيم! قِسْ على الَدراجََات الحَيَواناتِ أيضًا. وأَنصِتْ إلى الدّاعِينَ الأَدِلَّاءِ على مَحاسِنِ الرُّبُوبيّةِ وهمُ الأَنبِياءُ عَلَيهم السَّلَام والأَولِياءُ الصّالِحُون، كيَ الأَهم يُرشِدُون جَميعًا النّاسَ لِمُشاهَدةِ كَمالِ صَنعةِ الصّانِعِ ذي الجَلالِ بتَشهِيرِهم صَنْعَتَه البَديعةَ ويَلفِتُون أَنظارَهم إليها.
إذً!
وصانِعِ هذا العالَمِ كَمالٌ فائقٌ عَظيمٌ مُثيرٌ للإعجابِ، خَفِيٌّ مُستتِرٌ، فهو يُريدُ إظهارَه بهذه المَصنُوعاتِ البديعةِ، لأنَّ الكَمالَ الخَفِيَّ الَّذي لا نَقصَ فيه يَنبَغي الإعلانُ عنه على رُؤُوسِ أَشهادٍ مُقَدِّرين مُستَحسِنِين مُعجَبين إلّا أنَّ الكَمالَ الدّائمَ يَقتَضي ظُهورًا دائمًا، وهذا بدَوْرِه يَستَدعِي دَوامَ المُستَحسِنين المُعجَبين، إذ المُعجَبُ الَّذي لا يَدُومُ بقاؤُه تَسقُطُ في نَظَرِه قِيمةُ الكَمالِ.
(حاشية-٢): نعم، لَقَد ذَهَب مَثلًا: أنَّ حَسناءَ بارِعةَ ، باشَلِ طَرَدَت أَحَدَ المُعجَبين بها، فَقَال هَذا المُعجَب مُسَلِّيًا نَفسَه: تبًّا لَها مَا أَقبحَها.. مُنكِرًا جَمالَ تلك الجَمِيلَة. وذَات يَومٍ مَرَّ دُبٌّ تَحت شجرةِ عِنَبٍ ذاتِ عَناقيدَ لذيذةٍ،لمُقبِاد أن يَأكلَ مِن ذَلِك العِنَبِ الحُلْوِ، ولمَّا لم تَصِل يَدُه إلَيه، وعَجَز عَن التَّسَلُّق، قَال مُتَمتِمًا: إنه حَامِض.. فسَلَّى نَفسَه، ومَضَى في طَريقه.
ثمَّ إنَّ هذه المَوجُوداتِ العَجيِياءَ بَديعةَ الدَّقيقةَ الرّائعةَ المُنتَشِرةَ في هذا الكَونِ تَدُلُّ بوُضُوحٍ یی كدَلالةِ ضَوْءِ النَّهارِ على وُجُودِ الشَّمسِ یی على مَحاسِنِ الجَمالِ المَعنَويِّ الَّذي لا مَثِيلَ له، وتُريك كذلك لَطائبِلَت حُسنِ الخَفِيِّ الَّذي لا
— 87 —
نَظِيرَ له؛ (حاشية): إن المَوجودَاتِ الشَّبيهةَ بالمَرايا مَع أنَّها تَتَعاقَب بالزَّوالِ والفَناء، فإنَّ وُجودَ تَجَلِّياتِ الجَمالِ نفسِه والحُسنِ عينِه في وَجهِها، وفي التي تَعقُبُها، يَدُلَأْنَا أنَّ ذلك الجَمالَ لَيس مُلكًا لَها، بَل هُو آيَاتُ حُسْنٍ مُنزَّه، وأَمَارَاتُ جَمالٍ مُقدَّس. وإنَّ تَجَلِّيَ ذلك الحُسنِ الباهِرِ المُنزَّهِ، وذلك ًا كانلِ الزّاهِرِ المُقدَّسِ يُشِيرُ إلى كُنُوزٍ كَثيرةٍ خَفِيّةٍ مَوجُودةٍ في الأَسماءِ الحُسنَى، بل في كلِّ اسمٍ مِنها.
ومِثلَما يَطلُبُ هذا رحَمَ لُ الخَفِيُّ السّامي الَّذي لا مَثيلَ له، أن يَرَى مَحاسِنَه في مِرآةٍ عاكِسةٍ ويَشهَدَ قِيَمَ حُسنِه ومَقاييسَ جَمالِه في مِرآةٍ ذاتِ مَشاعِرَ وأَشواقٍ إليه، فإنه يُريدُ الظُّهورَ والتَّجَلِّيَ لِيَرَى جَمالأنَّ اَحبُوبَ أيضًا بأَنظارِ الآخَرين.. أي: أن يَنظُرَ إلى جَمالِه مِن جِهَتَينِ:
الأُولى:مُشاهَدةُ الجَمالِ بالذّاتِ في المَرايا المُختَلِفةِ المُتعَدِّدةِ الأَلوانِ.والأُخرَى:مُشاهَدةُ الجَذُ في نَظَرِ المُشاهِدِين المُشتاقِين المُعجَبين المُستَحسِنين.
أي: إنَّ الجَمالَ والحُسنَ يَقتَضِيانِ الشُّهودَ والإشهادَ "الرُّؤيةَ والإراءةَ"، وهذا الشُّهودُ والإشهادُ يَستَلزِمانعالَمَِ المُشاهِدِين المُشتاقِين والمُستَحسِنين المُعجَبين.. ولَمّا كان الجَمالُ والحُسْنُ خالِدَينِ سَرمَدِيَّيْنِ فإنَّهما يَقتَضِيانِ خُلُودَ المُشتاقِين ودَيمُومَتَهم، لأنَّ الجَمالَ الدّائمَ لا يَرضَى باحَقّةِقِ الزّائلِ الآفِلِ، فالمُشاهِدُ الَّذي يَشعُرُ بالزَّوالِ یی وقُضِيَ علَيْه بعَدَمِ العَودةِ إلى الحَياةِ یی تَتَحوَّلُ بمُجَرَّدِ تَصَوُّرِه الزَّوالَ مَحَبَّتُه عَداءً، وإعجابُه استِخفافًا، واحتِرامُه إهانةً، لأنَّ الإِنسانَ الأَنانِي افتِرلَما يُعادِي ما يَجهَلُه يُعادي ما لا تَصِلُ إليه يَدُه أيضًا، فيُضمِرُ عَداءً وحِقدًا وإنكارًا لذلك الجَمالِ الَّذي يَنبَغي أن يُقابَلَ بما يَستَحِقُّه مِن مَحَبّةٍ بلا نهايةٍ وشَوْقٍ بلا غايةٍ وإعجابٍ بلا حَدٍّ. ومِن هذا يُفهَهي هذهُّ كَونِ الكافرِ عَدُوًّا لله سُبحانَه وتَعالَى.
ولَمّا كان ذلك الجُودُ في العَطاءِ غَيرِ المَحدُودِ، وذلك الحُسْنُ في الجَمالِ الَّذي لا مَثيلَ له، وذلك الكَمالهل مِنذي لا نَقْصَ فيه.. يَقتَضِي خُلُودَ الشّاكِرين، وبَقاءَ المُشتاقِين المُستَحسِنين، ونحن نُشاهِدُ رِحلةَ كلِّ شَخصٍ واختِفاءَه بسُرعةٍ في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا
— 88 —
هذه، دُونَ أن يَستَمتِعَ بإحسان كما يالسَّخاءِ إلّا نَزْرًا يَسيرًا بما يَفتَحُ شَهِيَّتَه فقط، ودُونَ أن يَرَى مِن نُورِ ذلك الجَمالِ والكَمالِ إلَّا لَمْحةً خاطِفةً.. إذًا الرِّحلةُ مُنطَلِقةٌ نحوَ مُتَنزَّالشَّاالِدةٍ ومَشاهِدَ أَبَديّةٍ.
الخُلاصةُ:مِثلَما أنَّ هذا العالَمَ يَدُلُّ بمَوجُوداتِه دَلالةً قاطِعةً يَقينًا على صانِعِه الكَريمِ ذي الجَلالِ، فصِفاتُه المُقدَّسةُ سُبحانَه وأَسماؤُه الحُسنَى تَدُلُّ كذلك على الدّارِ كالطِرةِ بلا رَيبٍ وتُظهِرُها، بل تَقتَضِيها.
الحقيقة الخامسة
باب الشَّفقةِ وعُبُوديّةِ مُحمَّد (ص) وهو تَجَلِّي اسمِ "المُجيب" و"الرَّحيم"
أَمِنَ المُمكِنِ لِرَبٍّ ذي رَحمةٍ واسِعةٍ وشَفَقةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ يُبصِرُ أَخفَى حاجةٍ لِأَ الثانَخلُوقٍ، ويُسعِفُه مِن حيثُ لا يَحتَسِبُ برَأفةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ ورَحمةٍ سابِغةٍ، ويَسمَعُ أَخْفَتَ صَوتٍ لِأَخفَى مَخلُوقٍ فيُغِيثُه، ويُجِيبُ كلَّ داعٍ بلِسانِ الحالِ والمَقالِ.. أَمِنَ المُمكِنِ ألَّا يَقضِيَ هذا الرك أنَّالمُجِيبُ الرَّحيمُ أَهَمَّ حاجةٍ لِأَعظَمِ عِبادِه (حاشية): نَعم، إنَّ الَّذي حَكَم ودَامَ سُلطانُ حُكمِه أَلفًا وثَلَاثَ مِئةٍ وخَمسِين سَنةً، والَّذي عدَدُ أُمَّتِه أكثَر مِن القَل مِئةٍ وخَمسِين مِليونًا یی في أغلَب الأَوقَات یی وهُم يُجدِّدون مَعه البَيعةَ يَومِيًّا، ويَشهَدون بِعُلوِّ مَكَانَته ويَنقَادُون لِأوَامِره انقِيادًا تَامًّا عن رَغبةٍ وطَواعِية.. هذا الَّذي تَسَربلَ نِصفُ الأرض وخُمُسُ البَشَرِية بكأنَّهالِه المُبَارَك، وانطَبَع بِطابَعِه المَعنَويّ، وأَصبَحَت ذَاتُه الشَرِّيفَة مَحبُوبةَ قُلُوبِهم، ومُربِّيةَ أروَاحِهم، ومُزَكّيةَ نُفُوسِهم، لا رَيبَ أنَّه العَبإنَّ اَعظَم لِربِّ العَالَمِين سُبحَانَه.. هَذا العَبدُ الكَرِيم الَّذي رَحَّب أغلَبُ أنوَاع الكَائِنَات بمُهِمَّتِه ورِسَالَته، فَحَملَ كُلُّ نَوع ثَمَرةً مِن ثَمَراتِ مُعجِزاتِه، لا رَيبَ أنَّه أحَبُّ مَخلٍوقٍ لَدى الخَالِق العَظِيم.. وأنَّ البلَيه مَ الَّتي تَرجُو الخُلودَ بِكلِّ مَا لَها مِن استعدادٍ وتَطلُبُ هَذه الحَاجةَ المُلِحّةَ الَّتي تُنقِذُها مِن التَردِّي إلى دَرَكاتِ أسفَلِ ذلك الِين، وتَرفَعُها إلى دَرَجَاتِ أعلَى عِلِّیيِّين.. فَهِي حَاجة عُظمَى، لا رَيبَ أنَّ أعظَم العِبَاد يَتَقدَّم بِها ويَرفَعُها إلى قَاضِي الحَاجَات باسم الجَمِيع. وأَحَبِّ خَلقِه إلَيه، ولا يُسعِفَه بما يَرجُفي صُفه؟!
فحُسْنُ تَربِيةِ صِغارِ الحَيَواناتِ وضِعافِها، وإعاشَتُها بسُهُولةٍ ولُطْفٍ ظاهِريَّينِ
— 89 —
تُرِيانِنا أنَّ مالِكَ هذه الكائناتِ يُسَيِّرُها برُبُوبيّةٍ المُشَّ لِرَحمَتِها؛ فهل يُعقَلُ لهذه الرُّبُوبيّةِ المُتَّصِفةِ بكَمالِ الشَّفَقةِ والرَّأفةِ ألَّا تَستَجِيبَ لِأَجمَلِ دُعاءٍ لِأَفضَلِ مَخلُوقٍ؟!
وكما بَيَّنتُ هذه الحَقيقةَ في "الكَلِمةِ التّاسِعةَ عَشْرةيرِهم،ِيدُ بَيانَها هنا:
فيا صَدِيقي الَّذي يَسمَعُني مع نَفسِي.. لقد ذَكَرْنا في الحِكايةِ: أنَّ هناك اجتِماعًا في جَزِيرةٍ، وأنَّ مَبعُوإثباتَريمًا يَرتَجِلُ خُطبةً هناك، فحَقيقةُ ما أَشارَت إلَيه الحِكايةُ هي ما يأتي:
تَعالَ لِنَتَجَرَّدْ مِن قُيُودِ الزَّمانِ، ولْنَذْهَبْ بأَفكارِنا إلى عَصرِ النُّیبُوّةِ، وبخَيالِنا إلى تلك الجَزيرةها مِنرَبيّةِ كي نَحظَى بزِيارَتِه (ص)، وهو يُزاوِلُ وَظِيفَتَه بكامِلِ عُبُودِيَّتِه.. انظُر.. كيف أنَّه سَبَبُ السَّعادةِ بما أَتَى به مِن رِسالةٍ وهِدايةٍ، فإنه (ص) هو الدّاعي لإيجادِ تلك السَّعادةِ وخَلْقِ الجَنّةِ بدُعائِه وبعُبُودِيَّتِه.
عُمُر إلى هذا النَّبيِّ الكَريمِ.. إلامَ يَدعُو؟ إنَّه يَدعُو إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ في صلاةٍ كُبرَى شامِلةٍ، وفي عِبادةٍ رَفيعةٍ مُستَغرِقةٍ، حتَّى إنَّ الجَزيرةَ العَرَبيّةَ، بل الأَرضَ بِرُمَّتِها، كأنَّها تُصَلِّي مع صَلاتِه، وتَبتَهِلُ إلمُعجِزِ بابتِهالِه الجَميلِ، ذلك لأنَّ عُبُودِيَّتَه (ص) تَتَضمَّنُ عُبُودِيّةَ جَميعِ أُمَّتِه الَّذين اتَّبَعوه، كما تَتَضمَّنُ یی بسِرِّ المُوافَقةِ في الأُصُولِ یی سِرَّ العُبُودِيّةِ لِجَميعِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السِّ عِلم فهو يَؤُمُّ صَلاةً كُبرَى، أيَّما صَلاة! ويَتَضرَّعُ بدُعاءٍ یی ويا لَه مِن تَضَرُّعٍ رَقيقٍ یی في خُلُقٍ عَظيمٍ، كأنَّ الَّذين تَنَوَّرُوا بنُورِ الإيمانِ یی مِن لَدُن آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى الآًا أن ى يومِ القِيامةِ یی اقتَدَوْا به، وأمَّنُوا على دُعائِه.
(حاشية): نعم، إنَّ جَميعَ الصَّلَوات التي تُقيمُها الأُمَّة كلُّها، مُنذ المُناجاةِ الأحمَدِّية یی عَِ..
لصَلَاة والسَّلام یی وجَميعَ الصَّلَوات والتَّسلِيمَات التي تَبعَثُها إلى النَبيِّ (ص) إنْ هِي إلَّا تَأمينٌ دَائِم لِدُعَائِه، ومُشُارُكةٌ عَامَّةٌ مَعه، حتَّى إنَّ كلَّ صَلاة وسَلام عَلَيه هَو تَأمينٌ عَلى ذَلكفَظَ ععَاء؛ وأنَّ مَا يَأتِيه كلُّ فَردٍ مِن أفرَادِ الأُمّة مِن الصَّلَوات في الصَّلَاة، ومِنَ الدُّعَاء عَقِبَ الإقَامَة یی لَدى الشَّافِعية یی إنَما هو تَأمِينٌ عَامٌّ عَلى ذَلك الدُّعاء الذي يَدعُو بِه للسَّعَادَة ا ذلك:ية.. فَالنَبيُّ (ص) يَرجُو في دُعائِه بِاسمِ البَشَرية قَاطِبةً البَقاءَ والسَّعادةَ الأبَديِّة، وهَذا هُو ما يُريدُه الإنسانُ ويَرجُوه ِهم ول مَا أُوتِيَ مِن قُوّةٍ بِلِسَان حَالِ فِطرَته، لِذا يُؤمِّنُ خَلفَه جَميعُ الَّذين تَنوَّروا بِنُور الإيمَان.. فَهل يُمكِن ألَّا يُقرَن هَذا الدُّعاءُ بِالقَبول والاستِجَابة؟!
انظُر.. كيف يَدعُو اللهَ لِحاجةٍ عامَّةٍ كَحاجةِ ا فظَهَِ والخُلُودِ! هذه الدَّعوةَ الَّتي لا
— 90 —
يَشتَرِكُ فيها مَعَه أَهلُ الأَرضِ وحدَهُم، بل أهلُ السَّماواتِ أَيضًا، لا بلِ المَوجُوداتُ كافّةً. فتَقُولُ بلِسالقَ ولالِ: "آمِينَ.. اللَّهُمَّ آمِينَ.. استَجِبْ يا رَبَّنا دُعاءَه، فنحن نَتَوَسَّلُ بك ونَتَضرَّعُ إليك مِثلَه".
ثمَّ انظُر.. إنَّه يَسأَلُ تلك السَّعادةَ والخُلُودَ بكُلّالصَّلةٍ وحُزنٍ، وبكُلِّ حُبٍّ ووُدٍّ، وبكُلِّ شَوْقٍ وإلحاحٍ، وبكُلِّ تَضَرُّعٍ ورَجاءٍ، يُحزِنُ الكَونَ جَميعًا ويُبكِيه فيُسهِمُه في الدُّعاءِ.
ثمَّ انظُر وتأمَّلْ.. ُسَخِّيَدعُو طالِبًا السَّعادةَ لِقَصدٍ عَظيمٍ، ولِغايةٍ سامِيةٍ.. يَطلُبُها لِيُنقِذَ الإنسانَ والمَخلُوقاتِ جَميعًا مِنَ التَّرَدِّي إلى هاوِيةِ أَسفَلِ سافِلِين، وهو اللحُجَج المُطلَقُ والضَّياعُ والعَبَثُ، ويَرفَعَه إلى أَعلَى عِلِّیيِّينَ، وهو الرِّفعةُ والبَقاءُ وتَقَلُّدُ الواجِباتِ وتَسَلُّمُ المَسؤُوليّاتِ، لِيكُونَ أهلًا لها، ويَرقَى إلى مَرتَبةِ مَكاتِيبَ صَمَددرةِ ا.
انظُر.. كيف أنَّه يَطلُبُ الإعانةَ مُستَغِيثًا ببُكاءٍ، مُتَضرِّعًا راجِيًا مِنَ الأَعماقِ، مُتَوسِّلًا بإلحاحٍ.. حتَّى كأنَّه يُسمِعُ المَوجُوداتِ جَميعًا، بلِ السَّماباقِيةبلِ العَرشَ، فيَهُزُّهم وَجْدًا وشَوْقًا إلى دُعائِه ويَجعَلُهم يُرَدِّدُون: آمِينَ.. اللَّهُمَّ آمِينَ.
(حاشية): نعم، إنَّه لا يُمكِن بِحالٍ مِنَ الأحوَال ألَّا يَطَّلعَ رَبُّ هَذا العَالَم عَلى أفعَالِ مَن مُكتَلمَنزِلة الرَّفِيعة مِن خَلقِه، في الوَقتِ الَّذي يتَصَرَّفُ فِي الكَون بِكلِّ عِلمٍ وبَصِيرةٍ وحِكمَة، كما هو مُشاهَد. ولا يُمكن أيضًا بِحالٍ مِن الأحوَال ألَّا يُباليَ ذَلك الرَّبُّ العَليم بِدعاءِ هذا العَبدِ المُختَار مِن عِبَادِتَسَلّو المُطَّلِع عَلى كُلِّ أفعَالِه ودعَوَاته؛ كذلك لا يُمكِن بِحالٍ مِن الأحوَال ألَّا يَستَجيبَ ذَلك الرَّبُّ القَدِير الرَّحِيم لِتِلكَ الدَّعَواتِ وهُو يَرَى مِن صاحِبِها كلَّ التجَرُّد والافِتقارِ إليه.
نعم، لقد تَبَدسلِمًاضْعُ العالَم بنُورِ النَبي (ص)، وتَبيَّنت حَقِيقةُ الإنسَان والكَون ومَاهيَّیتُهما بِذلِك النُّور، وانكشَفَت بِذلِك الضِّياء؛ فَظَهر أنَّ مَوجُودَاتِ هَذا الكُونِ مَكاتِيبُ صَمَدانيةٌ تَستَقرِسُّوَرسمَاءَ الحُسنَى، ومَأمُورَاتٌ مُوظَّفاتٌ، ومَوجُودَات نَفِيسَة ذَاتُ مَعنًى ومَغزًى تَليقُ بِالبَقَاء.. فَلولا ذَلك النُّورُ لَظَلَّ الكُونُ مَستُورًا تَحت ظَلامِ الأوهَام، مَحكُومًا عَلقاتِ الفَنَاء المُطلَق والعَدَم، تَافهًا دُون معنًى ودٌون نَفع، بَل كان عَبَثًا وسُدًى وولِيدَ الصُّدفة.. ولِهذا السِّرِّ فإنَّ كلَّ شَيءٍ فِي الأرض والسَّمارِيٌّ الثَّرَى إلى الثُّريَّا يَستَضيءُ بنُورِه (ص) ويُبدي عَلاقَتَه بِه مِثلَما يُؤمِّن الإنسَانُ لُدُعَائه، ولا غَروَ أن رُوحَ العُبُودية المُحمَّدية ومخَّها إنَّما هو الدُّعاء، بَل إنَّ حَرَكَات الكَون ووَظائفَه جَميعًا مَا هِي إلَّا نَوعٌ مَنطِلدُّعَاء، فنُمُوُّ البِذرة وتحوُّلاتُها مَثلًا مَا هُو إلَّا نَوعٍ مِن دُعاءٍ لَبَارِئها لِتُصبحَ شَجرةً باسِقةً.
— 91 —
وانظُر.. إنّ باقِيأَلُ السَّعادةَ والبَقاءَ الأَبَديَّ، ويَرجُوهما مِن قديرٍ سَميعٍ كريمٍ، ومِن عليمٍ بَصيرٍ رَحيمٍ يَرَى ويَسمَعُ أَخفَى حاجةٍ لِأَضعَفِ مَخلُوقٍ فيَتَدارَكُه برَحمَتِه، ويَستَج وهكذاه، حتَّى إن كانَ دُعاءً بلِسانِ الحالِ.
نعم، إنَّه يَستَجيبُ له ببَصِيرةٍ ورَحمةٍ ويُغيثُه بحِكمةٍ، مِمّا يَنفِي أيّةَ شُبهةٍ بأنَّ تلك الرِّعايةَ الفائقةَ ليسَت إلَّا مِن لَدُن سَمِيعٍ بصيرٍ، وأنَّ ذلك البَشَريرَ الدَّقيقَ ليس إلَّا مِن عِندِ كَريمٍ رَحيمٍ.
نعم، إنَّ الَّذي يَقُودُ جَميعَ بَنِي آدَمَ على هذه الأَرضِ مُتَوجِّهًا إلى العَرشِ الأیی سيُ، رافِعًا يدَيه، داعِيًا بدُعاءٍ شامِلٍ بحَقيقةِ العُبُوديّةِ الأَحمَديّةِ الَّتي هي خُلاصةُ عُبُودِيّةِ البَشَريّة.. تُرَى ماذا يُريدُ؟ ماذا يُريدُ شَرَفُ الإنسانيّةِ، وفَخْرُ الكائناتِ، وفَريدُ الأَزمانِ و عَليهانِ؟! لِنُنصِتْ إلَيه.. إنَّه يَسأَلُ السَّعادةَ الأَبَديّةَ لِنَفسِه ولِأُمَّتِه، إنَّه يَسأَلُ الخُلُودَ في دارِ البَقاءِ، إنَّه يَسأَلُ الجَنّةَ ونَعيمَها.. نعم، يَسأَلُها ويَرجُوها مع تلك الأسماءُرُورًٰهِيّةِ المُتَجلِّيةِ بجَمالِها في مِرآةِ المَوجُوداتِ.. إنَّه يَستَشفِعُ بتلك الأَسماءِ الحُسنَى كما تَرَى.
أَرَأَيتَ إن لم يَكُن شيءٌ مِن أسبابٍ مُوجِبةٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى للآخِرةِ ُوا كأءٌ مِن دَلائلِ وُجُودِها، أليسَ دُعاءُ هذا النَّبيِّ الكَريمِ (ص) وَحْدَه سببًا كافيًا لإيجادِ الجَنّةِ (حاشية): نعم، إنَّ إبدَاءَ نَماذِج الصَّنعةِ الدَّقيقةِ البَدِيعة التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى على وَجهِ الأرض الذي هو بمَثابةِ صَحيف! ألا يرةٍ بِالنِّسبَة إلى عَالَم الآخِرَة الفَسِيح، وكذا إرَاءةُ نَماذجِ الحَشرِ والقِيامةِ في ثَلاثِ مئةِ ألفٍ مِن مَخلُوقاتٍ ذَاتِ مُوازَنةٍ وانتِظَامٍ، وكِتَابتُها في تلك الصَحِيفَة الوَاحِدَة بهذاطَّريقظام البَديعِ، لا شَكَّ أنَّها أعقَدُ مِن تَهيئةِ الجَنَّةِ المَوسُومة بالفَخَامَة والرِّفعة في عالَمِ البَقَاء الرَّحْبِ، لذا يَصُحُّ القَولُ: إنَّ خَلْقَ حَدَائقِ الرَّبيعِ بِما فِيها مِناةُ الهَارِ والرَّيَاحِينِ أَمرٌ يَبعَث على الحَيرةِ والدَّهشةِ أكثَرَ مِمّا يَبعَثُها خَلقُ الجَنّة، وبنسبةِ عُلُوِّ دَرجةِ الجَنّة ورِفعةِ مَكانلَّا..على الرَّبيع. (المُؤَلَّف) الَّتي هي سَهلةٌ على قُدرةِ خالِقِنا الرَّحيمِ، كسُهُولةِ إعادةِ الحَياةِ إلى الأَرضِ في أيّامِ الرَّبيعِ؟
نعم، تِها ولَّذي جَعَل سَطْحَ الأَرضِ في الرَّبيعِ مِثالًا للحَشرِ، فأَوجَدَ فيه مِئةَ
— 92 —
نَمُوذَجٍ مِن نَماذِجِه بقُدرَتِه المُطلَقةِ، كيف يَصعُبُ عليه إيجادُ الجَنّةِ؟! إذًا فكما كانَت رِسالتُه (ص) سببمَعنَىجادِ دارِ الِامتِحانِ هذه، وصارَت بَيانًا وإيضاحًا لِسِرِّ"لَوْلَاك لَوْلَاكَ لَمَا خَلَقْتُ الأفْلَاكَ"فإنَّ عُبُودِيَّتَه كذلك أَصبَحَت سببًا لِخَلْقِ تلك الدّارِ السَّعيدةِ الأِه)، تةِ.
فهل مِنَ المُمكِن يا تُرَى لِانتِظامِ العالَمِ البَديعِ الَّذي حَيَّر العُقُولَ، والصَّنعةِ المُتقَنةِ وجَمالِ الرُّبُوبيّةِ الشّامِلةِ في إطارِ رَحمَتِه الواسِعةِ، أن يَقبَلَ قُبحًا فَظيعًا وظُلمًا شَنيعًا وفَوضَى ضارِبةً أ ومَكاها، بعَدَمِ استِجابةِ ذلك الدُّعاءِ، أي: ألّا يُراعيَ ولا يَسمَعَ ولا يُنجِزَ أَكثَرَ الرَّغَباتِ أَهَمِّيّةً وأَشَدَّها ضَرُورةً، في حينِ أنَّه يُراعِي باهتِمامٍ بالِغٍ أَةُ بلِالرَّغَباتِ وأصغَرَها، ويَسمَعُ أَخفَتَ الأَصواتِ وأَدَقَّها ويَقضي لكُلِّ ذي حاجةٍ حاجَتَه! كلَّا ثمَّ كلَّا أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ، إنَّ مِثلَ هذا الجَمالِ يَأبَى التَّشَوُّهَ ولن يكونَ قَبيحًا.
(حاشية): رُمُوزن انقِلَابَ الحَقَائِق مُحالٌ بالاتِّفَاق. وأَشَدُّ مُحَالَاتِه هُو انقِلَابُ الضِّدِّ إلى ضِدِّه. وضِمنَ عَدَم إمكَانِ انقِلابِ الحَقَائق إلى أضدَّادِها حَقيقةٌ لا تَقبلُ الضِّدَّ قَطعًا، وهي انق جِدًّ الشَّيء مع احتِفَاظِه بَمَاهيَّتِه إلى عَينِ ضِدِّه، كَأنْ يَنقلِبَ الجَمَالُ المُطلَق مع احتِفَاظِه بِهذا الجَمَال إلى القُبحِ الحَقيقيّ! فتَحوُّلُ جَمالِ الرُّبوبيةِ الواضِحِ والظّاهرِ ظُهورًا جَليًّا إلى ضِدِّه مَع بَقَائِ حَيا ماهِيَّتِه هُو أشَدُّ مُحَالًا وأكثرُ عَجبًا في أحَكَام العَقل. فالرَّسُولُ (ص) إذًا يَفتَحُ بعُبُودِيَّتِه بابَ الآخِرةِ مِثلَما فَتَح برِسالَتِه بابَ الدُّنيا.
عَلَفِلينَلَوَاتُ الرَّحمٰنِ مِلءَ الدُّنيا وَدَارِ الجِنَانِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلٰى عَبدِكَ ورَسُولِكَ ذلِكَ الحَبِيبِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الكَونَينِ وفَخرُ العَالَمَينِ وحَيَاةُ الدّٰارَينِ ووَسِيلَةُ السَّعَادَتَينِ وذُو الجَنَطَدَمَ ورَسُولُ الثَّقَلَينِ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وعَلى إِخوَانِهِ مِنَ النّبِيِّينَ والمُرسَلِينَ. آمِينَ.
— 93 —
الحقيقةُ السّادسة
بابُ العظَمةِ والسَّرمَدية، وهو تَجَلِّي اسمِ "الجَليلِ" و"الباقي"
أَم التَّمُمكِنِ لِرَبٍّ جَليلٍ يُديرُ المَوجُوداتِ ويُسَخِّرُها مِنَ الشُّمُوسِ إلى الأشجارِ وإلى الذَّرّاتِ وإلى ما هو أَصغَرُ مِنها، كأنَّها جُنُودٌ مجَنَّدةٌ، أن يَقصُرَ نَشرَ سُلطانِه علسَخَّركينَ فانِينَ يَقضُون حَياةً مُؤقَّتةً في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا هذه، ولا يُنشِئَ مَقَرًّا سامِيًا سَرمَدِيًّا ومَدارَ رُبُوبيّةٍ جَليلةٍ باقيةٍ له؟!عتَ ياَّ ما نُشاهِدُه في هذا الكَونِ مِنَ الإجراءاتِ الجَليلةِ الضَّخمةِ أمثالَ تَبَدُّلِ المَواسِمِ.. ومِنَ التَّصَرُّفاتِ العَظيمةِ أمثالَ تَسيِيرِ النُّجومِ.. ومِنَ التَّسخِيراتِ المُدهِشةِ أمثالَ جَعْلِ اى بمَف مِهادًا والشَّمسِ سِراجًا.. ومِنَ التَّحَوُّلاتِ الواسِعةِ أمثالَ إحياءِ الأَرضِ وتَزيِينِها بعدَ جَفافِها ومَوتِها.. لَيُبيِّنُ لنا بجَلاءٍ أنَّ وَراءَ الحِجابِ رُبُوبيّةً جَليلةً عَظيمةً تَحكُمُ وتُهَيمِنُنتِظارانِها الجَليلِ؛ فمِثلُ سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ هذه تَستَدعي رَعايا يَليقُون بها، ومَظاهِرَ تُناسِبُها.
بَينَما تَرَى أنَّ مَن لهم أَفضَلُ المَزايا وأَجمَعُها مِنَ الرَّعايا والعِبادِ قد اجتَمَعُوا ذِيبًایتًا مَنهُوكِين في مَضِيفِ الدُّنيا، والمَضِيفُ نَفسُه يُملَأُ ويُفرَغُ يومِيًّا، والرَّعايا لا يَلبَثُون فيه إلَّا بمِقدارِ أَداءِ تَجرِبةِ مُهِمّاتِهم في مَيدانِ الِاختِبارحارَبة والمَيدانُ نفسُه يَتبَدَّلُ كلَّ ساعةٍ. فالرَّعايا يَقِفُون دقائقَ مَعدُودةً لِرُؤيةِ ما في مَعارِضِ سُوقِ العالَمِ مِن نَماذِجِ الآلاءِ الثَّمينةِ للخالقِ ذي الجَلالِ، ومُشاهِدِين یی لِأَجلِ التِّجارةِ یی بَدائعَ صُنيخِ عببحانَه في هذا المَعرِضِ الهائلِ، ومَن ثَمَّ يَغيبُون، والمَعرِضُ نفسُه يَتبَدَّلُ ويَتغَيَّرُ كلَّ دَقيقةٍ! فمَن يَرحَلُ فلا عَودةَ له، والقابلُ راحِلٌ؛ فهذا الوَضعُ يُبيِّنُ بوُضُوحٍونَ بَلٍ قاطِعٍ أنَّ وَراءَ هذا المَضِيفِ الفاني، وخَلفَ هذا المَيدانِ المُتَغيِّرِ، وبَعد هذا المَعرِضِ المُتَبدِّلِ، قُصُورًا دائمةً تليقُ بالسَّلطَنةِ اِّتِّ َديّةِ، ومَساكِنَ أَبَديّةً ذاتَ جِنانٍ، وخَزائنَ مَلْأَى بالأُصُولِ الخالِصةِ الرّاقيةِ للنَّماذِجِ الَّتي نَراها في الدُّنيا؛ لذا فالدَّأَبُ والسَّعيُ هنا إنَّما هو للتَّطَلُّعِ إلى ما هناك.اسِ ضَستِخدامُ هنا لِقَبضِ الأُجرةِ هناك.. فلِكلٍّ حَسَبَ استِعدادِه واجتِهادِه سَعادةٌ وافِرةٌ إن لم يَفقِدْها.
— 94 —
نعم، إنَّه مُحالٌ أن تَظَلَّ مِثلُ هذه السَّلطَنةِ السَّرمَديّةِ مَلأَزاهً على هؤلاء الفانِينَ الأَذِلّاءِ.. فانظُر إلى هذه الحَقيقةِ مِن خِلالِ مِنظارِ هذا المِثالِ:
هَبْ أنَّك تَسيرُ في طَريقٍ، وتُشاهِدُ أنّ أنَّ ا "فُندُقًا فَخْمًا" بناه مَلِكٌ عَظيمٌ لِضُيوفِه، وهو يُنفِقُ مَبالغَ طائلةً لِتَزيِينِه وتَجمِيلِه لِلَيلةٍ واحِدةٍ كي يُدخِلَ البَهجةَ في قُلُوبِ ضُيُوفِه، ويَعتَبِرُوا بما يَرَوْن؛ بَيْدَ أنَّ أُولَئك الضُّيوفَ لا يَتَفرَّجُون إلَّا على أراتِ والقَليلِ مِن تلك التَّزيِيناتِ، ولا يَذُوقُون إلَّا أَقلَّ القَليلِ مِن تلك النِّعَمِ، حيثُ لا يَلبَثُون إلَّا قليلًا، ومِن ثَمَّ يُغادِرُون الفُندُقَ دُونَ أن يَرتَوُوا ويَرَ كلّا، سِوَى ما يَلتَقِطُون مِن صُوَرِ أشياءَ في الفُندُقِ بما يَملِكُون مِن آلةِ تَصويرٍ، وكذلك يَفعَلُ عُمّالُ صاحِبِ الفُندُقِ وخُدّامُه حيثُ يَلتَقِطُون حَرَكاتِ هؤلاء النُّزَلاءِ وسَكَناتِهم بكُلِّ دِقّةٍ وأَمانةٍ ويُسَجِّلُونها..
َ، فستت ذا تَرَى أنَّ المَلِكَ يُهدِّمُ يَوميًّا أَغلَبَ تلك التَّزييناتِ النَّفيسةِ، مُجَدِّدًا إيّاها بأُخرَى جَديدةٍ للضُّيُوفِ الجُدُدِ.. أفَبَعدَ هذا يَبقِ وتَحيك شَكٌّ في أنَّ مَن بَنَى هذا الفُندُقَ على قارِعةِ هذه الطَّريقِ يَملِكُ قُصُورًا دائمةً عاليةً، وله خَزائنُ زاخِرةٌ ثَمينةٌ لا تَنفَدُ،عُصفُوُو سَخاءٍ دائمٍ لا يَنقَطِعُ؛ وأنَّ ما يُبديه مِنَ الكَرَمِ في هذا الفُندُقِ هو لإثارةِ شَهِيّةِ ضُيُوفِه إلى ما عِندَه مِن أشياءَ، ولِتَنبيهِ رَغَهِينِ وتَحرِيكها لِما أَعَدَّ لهم مِن هَدايا؟!
فإن تَأَمَّلتَ مِن خِلالِ هذا المِثالِ في أَحوالِ فُندُقِ الدُّنيا هذه، وأَنعَمتَ النَّظَرَ فيها بوَعيٍ تامٍّ، فستَفْهَمُ الأُسُسَ التِّسعةَ الآتاء، وآ الأساسُ الأوَّلُ:أنَّك ستَفهَمُ أنَّ هذه الدُّنيا الشَّبيهةَ بذلك الفُندُقِ ليسَت لِذاتِها، فمُحالٌ أن تَتَّخِذَ لِنَفسِها بنَفسِها هذه الصُّورةَ والهَيئةَ، وإنَّما هي دارُ ضِيافةٍ تُملَأُ وتُفرَغُ، ومَنزِلُ حِلٍّ وتَرحالٍ، أُنشِئَت بحِ دَلالقافِلةِ المَوجُوداتِ والمَخلُوقاتِ.
الأساسُ الثاني:وستَفهَمُ أنَّ ساكِني هذا الفُندُقِ هم ضُيوفٌ مُسافِرُون، وأنَّ ربَّهمُ الكَريمَ يَدعُوهم إلى دارِ السَّلامِ.
الأساسُ الثالث:وستَفهَمُ أنَّ التَّعلَيهاِ في هذه الدُّنيا ليسَت لِأَجلِ التَّلَذُّذِ والتَّمتُّعِ فحَسْبُ، إذ لو أَذاقَتْك اللَّذّةَ ساعةً، أَذاقَتْك الأَلَمَ بفِراقِها ساعاتٍ وساعاتٍ،
— 95 —
فهي تُذيقُك مُثيرةً شَهِيَّتَك دُونَ أن تُشبِعَك، لقِصَرِ عُمُرِها أو لقِصَرِ أَذواقك، إذ لا يَكفِي للشِّبَع.. إذًا فهذه الزِّينةُ الغالِيةُ الثَّمَنِ والقَصيرةُ العُمُرِ هي للعِبرةِ، (حاشية-)١: على الرَّغم مِن أنَّ كلَّ شَيء دَقيقِ الصُّنعِ باتٍ تَالتَصويرِ جَميلِ التَركيبِ هو غَالٍ ونَفيسٌ، فإنَّ عُمُرَه قَصيرٌ، ووُجودَه لا يَستَغرِق إلّا زمَنًا يَسيرًا. فَهو إذًا نَماذِجُ وصُوَرٌ لأشياءَ أُخرَى ليسلَيه ا. ولَمّا كَان هُناك مَا يُشبِه تَوجيهَ الأنظَارِ إلى الحَقَائِق الأصليّة، فَلا غَرابةَ إذًا في أن يُقالَ: إنَّ زينةَ الحَيَاة الدُّنيا مَاُ الْحلَّا نَماذجُ لِنِعَم الجَنَّة التي هيَّأها الرَّبُّ الرَّحيم بفَضلِه ولُطفِه لمَن أحَبَّ مِن عِبادِه، بل الحقيقةُ هي هذه فعلًا. وللشُّكرِ، ولِلحَضِّ على الوُصُولِ إلى تَناوُلِ أُصُولِها الدّائمةِ، ولغاياتٍ أُخرَى سامِيةٍ.
الأساسُ الِ والف:وستَفهَمُ أنَّ هذه الزِّينةَ في الدُّنيا (حاشية-٢): نعم، إن لُوجُودِ كلِّ شَيء غَاياتٍ، ولِحَياتِه أَهدَافًا ونَتائجَ، فَهي لَيسَت بمُنحصِرة یی كما يَتَوهَّم أهلُ الضلالة یی على الغَايَاتِ والمَقاصِد التي تَتَوجَّه إلىَ خُلُنيَا أو التي تَنحَصِر في المَوجُود نَفسِه، حتى يُمكِنَ أن يَتَسلَّل إليها العَبَثُ وعَدمُ القَصدِ. بل إن غَاياتِ وُجودِ كلِّ شيءٍ ومَقَاصِدَ حياتِه ثلاثةُ أقسام:
أوَّلُها: وهو أسمَاها وهو المُ مَسأل إلى صَانعِه سُبحَانه وتَعالَى. أي: عَرضُ دَقائقِ صُنعِ كلِّ شيء وبَديعِ تَركيبِه أمَام أَنظَارِ الشّاهِد الأزَليِّ سُبحَانَه یی بِما يُشبِه الاستعرَاضَ رِها ذميَّ یی حيث تَكفِي لِذلِك النَّظَر حَياةُ الشَّيء ولو لِلَحظةٍ واحِدَة. بل قد يَكفِيه استعدَادُه لإبرَازِ قُواه الكَامنةِ الشَّبيهة بنيَّتِه یی ولمّا يَبرزْ إلى الوُجود یی ومِثَاله: المَخلوقاتُ اللَّطيفةُ التي تَزُول بسُرعةٍ، والبُذورُ التلِّها،يَتَسَنَّ لَها أنْ تَتَسَنبلَ، تُفيدُ هَذه الغَاية وتُعبِّر عَنها تَمَامًا، فلا يَطرَأُ عَليها عَبَثٌ ولا انتفاءُ النَّفْعِ البتّةَ. أي: إنَّ أَولَى غَايَاتِ كلِّ شيء هُو: إعلَانُه وإظهَارُه یی بِحَياتِه ِ الِاِه یی مُعجِزاتِ قُدرةِ صَانعِه، وآثارَ صَنعَتِه، أمامَ نظَرِ مَليكِه ذِي الجَلَال.
والقسمُ الثاني: مِن غَايَة الوجودِ وهَدفِ الحَيَاة هو: التوجُّهُ إلى ذَوِي الشُّعور، أي: إنَّ كلَّ شيء بِمثَابةِ رِسالةٍ ربَّانيّةٍ زاخِرةٍ ةَ بالَائِق، وقَصِيدةٍ تَنضَحُ لُطفًا ورِقّةً وكَلمةٍ تُفصِحُ عَن الحِكمَة، يَعرِضُها البَارِئ عِزَّ وجَلَّ أمَامَ أنظَارِ المَلَائِكَة والجِنّخضَرَ يَوانِ والإنِسَان، وَيَدعُوهُم إلَى التَأمُّلِ، أي: إنَّ كلَّ شيء هو مَحلُّ مُطالَعةٍ وتأمُّلٍ وعِبرةٍ لِكلِّ مَن ينظُرُ إليه مِن ذَوي الشُّعور.
القسمُ الثَّدبَرْتِن غَايَة الوُجودِ وهَدفِ الحَيَاة هُو: التَّوجُّه إلى ذَاتِ نَفسِه: كالتَّمتُّع والتَّلذُّذ وقَضَاءِ الحَيَاة والبَقاءِ فيها بهَناءٍ، وغيرِها مِن المَقَاصِدِ الجُزئيةِ. فَمَثلًا: إنَّ نَتِيجة عَمَلِ المَلَّاح في سَفِينَة السُّلطان العَظى.
تَعودُ فَائدتُها إليه وَهِي أُجرَتُه، وَهِي بِنَسبةِ وَاحدٍ في المِئة، بَينَما تِسعٌ وتِسعُون بِالمَئة مِن نَتَائجِ عَملِه تَعُود إلى السُّلطان الذي يَملِكُ السَّفينة.. وهَكذا أَمرُ كُلِّ شيء: إ تلك انَت غَايتُه المُتوجِّهةُ إلى نَفسِه وإلى دُنيَاه وَاحدةً، فَالغَايَةُ المُتوجِّهةُ إلَى بَارِئِه سُبحَانَه هِي تِسعٌ وتِسعون.
فَفِي تَعدُّدِ الغايات هذا يَكمُنُ سِرُّ التَوفِيق بِ مِن لحِكمَة والجُود" أي: بين الاقتِصادِ والسَّخاء المُطلَقَينِ اللَّذَين يَبدُوانِ كالضِّدَّين والنَّقيضَين. وتوضيحُ ذلك: إذا لُوحظَت غايةٌ بمُفرَدِها فإنَّ الجُود والسَّخَاء يَسُودان آنذَاك، ويَتَجلَّى اسمُ "الجوَّاد"، فالثِّمار والحُبوبُ حسَبَ يحاتِ"لغَايَة المُفرَدة المَلحُوظَة لا تُعدُّ ولا تُحصَى. أي: إنِّها تُفيد جُودًا مُطلَقًا وسَخَاءً لا حَصرَ لَه. أمّا إذَا لُوحِظَت الغَايَات كِلُّها فإنَّ الحِكمةَ هي التي تَظهَرُ وتُهيمِنُ، ويَتجلَّى اسمُ "الحكيم". فتَكون الحِكَمُ والغَايَات المُ
نعُ من ثَمرةٍ لِشَجَرة وَاحِدة بَعدَدِ ثِمارِ تِلك الشَّجَرة، فَتَتوزَّعُ هَذه الغَايَاتُ عَلى الأقسَام الثَّلاثَة التي سَبَق ذِكرُها. فَهَذه الغَايَاتامِ؛ إمَّةُ تُشيرُ إلى حِكمةٍ غير نِهائِية، واقتصادٍ غَير مُحدَّد، فتَجتَمِعُ الحِكمةُ المُطلَقةُ مَع الجُودِ المُطلَق اللذان يَبدُوانِ كالضِّدَّين.
ومَثللُّقمةَّ إحدَى الغَايَات مِن الجَيش هِي المُحَافَظَة عَلَى الأَمْنِ والنِّظام، فإذا نَظَرتَ إلى الجَيش بِهذا المِنظارِ فَسَترى أنَّ هُنَاك عَددًا فَوقَ لِّمُنُوب مِنه. أمَّا إذَا نَظَرنا إلَيه مَع أَخذِنا الغَايَاتِ الأخرَى بنَظَرِ الاعتِبار كَحِفظ الحُدود، ومَجَاهَدةِ الأعدَاء وغيرِها، عِند ذَلك نَرى أنَّ العَدَد يَكادُ يَفي بالارِ واالمَطلُوب... فَهو إذًا توازُنٌ دقِيقٌ بِميزانِ الحِكمَة. إذ تَجتَمِعُ حِكمةُ الحُكومة مَع عَظَمَتِها. وهَكَذا يُمكِنُ القولُ في هَذِه الحَالَة: إنَّ الجيش ليسَ فوقَ الحَدِّ المَطلُوب.
— 96 —
بمالِدةِ صُوَرٍ ونَماذِجَ للنِّعَمِ المُدَّخَرةِ لدى الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ في الجَنّةِ للمُؤمِنين.
الأساسُ الخامس:وستَفهَمُ أنَّ هذه المَصنُوعاتِ الفانيةَ لَيسَت للفَناءِ، ولم تُخلَق لِتُشاهَدَ حِينًا ثمَّ تَذهدِ سُبباءً، وإنَّما اجتَمَعَت هنا، وأَخَذَت مَكانَها المَطلُوبَ لِبُرهةٍ قَصيرةٍ كي تُلتَقَطَ صُوَرُها، وتُفهَمَ مَعانيها، وتُدَوَّنَ نَتائجُها، ولتُنسَجَ لأَهلِ الخُلُودِ مَناظِرَ أَبديّةً دائمَطْبٍ ِتكُونَ مدارًا لِغاياتٍ أُخرَى في عالَمِ البَقاءِ.
ويُفهَمُ مِنَ المِثالِ الآتي كيفَ أنَّ هذه الأشياءَ لم تُخلَق للفَناءِ بل للبَقاءِ، بل إنَّ فَناءَها الظّاهِرِيَّ ليس إلَّا إطلامُ سِرسَراحِها بعدَما أَنهَت مَهامَّها، وكيف أنَّ الشَّيءَ يَفنَى مِن جِهةٍ إلَّا أنَّه يَبقَى مِن جِهاتٍ كَثيرةٍ:
تَأَمَّل في هذه الزَّهرةِ یی وهي كَلِمةٌ مِن كَلِماتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ یی إنَ وَالَنظُرُ إلينا مُبتَسِمةً لنا لبُرهةٍ قَصيرةٍ، ثمَّ تَختَفي وراءَ سِتارِ الفَناءِ، فهي كالكَلِمةِ التي نَتَفوَّهُ بها، التي تُودِعُ آلافًا مِن مَثيلاتِها في الآذان وتَبقَى مَعانيها بظَرٌ ع العُقُولِ المُنْصِتةِ لها، وتَمضِي بعد أن أَدَّت وَظيفَتَها، وهي إفادةُ المَعنَى؛ فالزَّهرةُ أيضًا تَرحَلُ بعدَ أن تُودِعَ في ذاكِرةِ كلِّ مَن شاهَدَها صُورَتَها الظّاهِرةَ، وبعدَ أنِها العَ في بُذَيراتِها ماهِيَّتَها المَعنَويّةَ، فكأنَّ كلَّ ذاكِرةٍ وكلَّ بِذرةٍ، بمَثابةِ آلةِ تَصْوِيرٍ لِحِفْظِ جَمالِها وصُورَتِها وزِينَتِها، ومَحَلِّ إدامةِ بَقائِها.
فلَئِن كان مَصنُوعُ يقُ ال هو في أَدنَى مَراتِبِ الحَياةِ يُعامَلُ مِثلَ هذه المُعامَلةِ للبَقاءِ، فما بالُك بالإنسانِ الَّذي هو في أَسمَى طَبَقاتِ الحَياةِ، والَّذي يَملِكُ رُوحًا باقِيةً، ألا
— 97 —
يكُونُ مُرتَبِطًا بالبقاءِ والخُلُودِ؟ و والضّكانت صُورةُ النَّباتِ المُزهِرِ المُثمِرِ، وقانونُ تَركيبِه یی الشَّبيهُ جُزئيًّا بالرُّوحِ یی باقيةً ومَحفُوظةً في بُذَيراتِها بكلِّ انتِظامٍ، في خِضَمِّ التَّقَلُّباتِ الكَثيرةِ، أفلا يُفهَمُ كم تكُونُ رُوحُ الإنسانِ باقَ هذَيكم تكُونُ مَشدُودةً مع الخُلُودِ، عِلمًا أنَّها قانونٌ أَمرِيٌّ، وذاتُ شُعُورٍ نُورانِيٍّ، تَملِكُ ماهِيّةً راقيةً، وذاتُ حَياةٍ، وذاتُ خَصائصَ جامِعةٍ شامِلةٍ، وقد أُلبِسَت وُجُودًا خارِجِيًّا؟!
الأساسُ السادس:وستَفهَمُ أنَّ الإنسانلحَقائُتْرَك حَبْلُه على غارِبِه، ولم يُتْرَك طَلِيقًا لِيَرتَعَ أينَما يُريدُ، بل تُسجَّلُ جَميعُ أَعمالِه وتُلتَقَطُ صُوَرُها، وتُدَوَّنُ جَميعُ أَفعالالرَّحُحاسَبَ عليها.
الأساسُ السابع:وستَفهَمُ أنَّ المَوتَ والِاندِثارَ الَّذي يُصيبُ في الخَريفِ مَخلُوقاتِ الرَّبيعِ والصَّيفِ الجَميلةِ، ليس فَناءً نِهائيًّا، وإعدامًا أَبَديًّا، وإنَّما هو إعفاءٌ مٌ، يُضائفِها بعدَ إكمالِها وإيفائِها، وتَسريحٌ مِنها، (حاشية): نَعم، لا بدَّ مِن زَوَال الثِّمَار والأزهَارِ والأورَاقِ المحمولةِ على أغصَانِ ورُؤوسِ الأشجَار التي هِي خَزينةُ الأرزَاق للرَّحمَة الإلٰهِيّة، بَعد أنْ أدَّت وظيفَتَها وهَرٌ مِن كيلا يُوصَد البَابُ أمَامَ ما يَسيلُ وَرَاءَها ويَخلُفُها، وإلّا صَارت سَدًّا مَنيعًا أمَامَ سَعةِ الرَّحمة وحَائِلًا أمَام مَهامِّ أَخَواتِها، فَضلًا عَن أنَّها هِي نَفسَها تَذوِي شيءٍ لُ بِزوَال شَبَابِها.. وهَكَذا، فَالرَّبيعُ أشبَهُ بِتلك الشَّجَرة المُثمِرة، المُظهِرة للحَشر، وعَالَمُ الإنسَان في كُلِّ عَصر هو شَجرةٌ مُثمِرةٌ ذَاتُ حِكمةٍ وعِبرَة، والأرضَ جَميعًا شَجرةُ قُدرةٍ بَديعبَيِّنلدُّنيَا كَذلك شَجرةٌ رَائعةٌ تُرسِلُ ثِمارَها إلى سُوقِ الآخِرة. وهو إفساحُ مَجالٍ وتَخْلِيةُ مكانٍ لِما سيَأتي في الرَّبيعِ الجَديدِ مِن مَخلُوقاتٍ جَديدةٍ؛ فهو تَهَيُّیؤٌ وتَهيِئةٌ لِما سيَحُلُّ مِنَ المُدَمَّاتِ المَأمُورةِ الجَديدةِ، وهو تَنبِيهٌ رَبّانِيٌّ لِذَوِي المَشاعِرِ الَّذين أَنْسَتْهمُ الغَفلةُ مَهامَّهم، ومَنَعَهُمُ السُّكْرُ عنِ الشُّكْرِ.
الأساسُ الثامن:وستَفهَمُ أنَّ الصّانِعَ السَّ قاطِبَّ لهذا العالَمِ الفاني له عالَمٌ غيرُ هذا، وهو عالَمٌ باقٍ خالِدٌ، ويُشوِّقُ عِبادَه إليه، ويَسُوقُهم إليه.
الأساسُ التاسع:وستَفهَمُ أنَّ الرَّحمٰنَ الحِصنِ َ جَلَّ جَلالُه سوف يُكرِمُ في ذلك العالَمِ الفَسيحِ عِبادَه المُخلِصين بما لا عينٌ رَأَت ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ.. آمَنّا.
— 98 —
الحقيقة انْ كَا
بابُ الحِفظ والحَفيظيّة، وهو تَجَلِّي اسمِ "الحَفيظ" و"الرَّقيب"
أَمِنَ المُمكِنِ لِحَفيظٍ ورَقيبٍ يَحفَظُ بانتِظامٍ ومِيزانٍ ما في السَّماءِ وال تُودِ وما في البَرِّ والبَحرِ مِن رَطْبٍ ويابِسٍ، فلا يُغادِرُ صَغِيرةً ولا كَبِيرةً إلَّا أَحصَاها، ألّا يُحافِظَ ولا يُراقِبَ أَعمالَ الإنسانِ الَّذي يَملِكُ فِطرةً سامِيةً، ويَشغَلُ رُتبةَ الخِلافةِ في الأَرضِ، ويَحمِلُ مُهِمّةَ الأَم أمّالكُبْرَى؟! فهل يُمكِنُ ألّا يُحافِظَ على أَفعالِه الَّتي تَمَسُّ الرُّبُوبيّةَ العامّةَ؟ ولا يُفرِزَها بالمُحاسَبةِ؟ ولا يَزِنَها بمِيزانِ العَدالةِ؟ ولا يُجازِيَ فاعِلَها بما يَليقُ به مِن ثَوابٍ وعبةً، و! تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
نعم، إنَّ الَّذي يُدِيرُ أَمرَ هذا الكَونِ هو الَّذي يُحافِظُ على كلِّ شيءٍ فيه ضِمنَ نِظاُه قَليزانٍ، والنِّظامُ والمِيزانُ هما مَظهَرانِ مِن مَظاهِرِ العِلمِ والحِكمةِ معَ الإرادةِ والقُدرةِ، لأنَّنا نُشاهِدُ أنَّ أيَّ مَصنُوعٍ كان لم يُخلَقْ ولا يُخلَقُ إلَّا في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وأنَّ الصُّوَرَ لَّا ك يُغيِّیرُها طَوالَ حَياتِه في انتِظامٍ دَقيقٍ كما أنَّ مَجمُوعَها أَيضًا ضِمنَ نِظامٍ مُتقَنٍ مُحكَمٍ. ونَرَى أيضًا أنَّ الحَفيظَ ذا الجَلالِ يَحفَظُ صُوَرَ كلِّ شيءٍ حالَما يَخت ٭ ٭مُرَه معَ انتِهاءِ وَظيفَتِه ويَرحَلُ مِن عالَمِ الشَّهادةِ، يَحفَظُها سُبحانَه في الأَذهانِ الَّتي هي أَشبَهُ ما تكُونُ بالأَلواحِ المَحُفوظةِ (حاشية): انظُر حَاشِية الصُّورتَّى لَّابِعة. وفيما تُشبَّهُ بمَرايا مِثالِيّةٍ، فيَكتُبُ مُعظَمَ تاريخِ حَياتِه في بُذُورِه ويَنقُشُه نَقشًا في ثِمارِه، فيُديمُ حَياتَه ويَحفَظُها في مَرايا ظاهِرةٍ وباطِنةٍ.. فذاكِرةُ البَشَرِ، وثَمَرُ الشَّجَرِ، ونَووالبَقثَّمَرِ، وبِذْرُ الزَّهْرِ.. كلُّ ذلك يُبيِّنُ عَظَمةَ إحاطةِ الحَفِيظيّةِ.
ألا تَرَى كيفَ يُحافَظُ على كلِّ شيءٍ مُزهِرٍ ومُثمِرٍ في الةً لهاِ الشّاسِعِ العَظيمِ، وكيف يُحافَظُ على جَميعِ صَحائفِ أَعمالِه الخاصّةِ به، وعلى جَميعِ قَوانينِ تَركِيبِه ونَماذِجِ صُوَرِه، كِتابةً في عَدَدٍ مَحوتَعظِمِنَ البُذَيراتِ.. حتى إذا ما أَقبَلَ الرَّبيعُ تُنشَرُ تلك الصَّحائفُ وَفْقَ حِسابٍ دَقيقٍ يُناسِبُها، فيُخرِجُ إلى الوُجُودِ رَبيعًا هائلًا في غايةِ الِانتِظامِ والحِكمةِ؟ أالعَسَيِّنُ هذا مَدَى نُفُوذِ الحِفظِ والرَّقابةِ، ومَدَى قُوةِ إحاطَتِهما الشّامِلةِ؟ فلَئِن كان الحِفظُ إلى هذا الحَدِّ مِنَ الإتقانِ والإحاطةِ فيما لا أَهمِّيّةَ له وفي أَشياءَ مُؤَقَّتةٍ عادِيّةٍ، فهل يُعقَلُ
— 99 —
عَدَمُ الِِ هذا ظِ بأَعمالِ البَشَرِ، الَّتي لها ثِمارٌ مُهِمّةٌ في عالَمِ الغَيبِ وعالَمِ الآخِرةِ وعالَمِ الأَرواحِ، ولَدَى الرُّبُوبيّةِ العامّةِ؟! فهل يُمكِنُ إهمالُها وعَدَمُ تَدوِينِها؟! حاشَ لله..
ن وآنٍ،فهَمُ مِن تَجَلِّي هذه الحَفِيظِيّةِ، وعلى هذه الصُّورةِ الواضِحةِ، أنَّ لِمالِك هذه المَوجُوداتِ عِنايةً بالِغةً لِتَسجيلِ كلِّ شيءٍ وحِفظِه، وضَبطِ كلِّ ما يَجرِي في مُلكِه، وله مُنتَهَىومِن حعايةِ في حاكِمِيَّتِه، ومُنتَهَى العِنايةِ في سَلطَنةِ رُبُوبيَّتِه، بحيثُ إنَّه يَكتُبُ ويَستَكتِبُ أَدنَى حادِثةٍ وأَهوَنَ عَمَلٍ مُحتَفِظًا بصُوَرِ كلِّ ما يَجرِي في مُلكِه في مَحافِظَ كَثيرةٍ؛ فهذه المُحافَظةيِّنُهسِعةُ الدَّقيقةُ تَدُلُّ على أنَّه سيُفتَحُ بلا شَكٍّ سِجِلٌّ لِمُحاسَبةِ الأَعمالِ، ولا سيَّما لهذا المَخلُوقِ المُكَرَّمِ والمُعزَّزِ والمَفطُورِ على مَزايا عَظيمةٍ، ألا وهو الإنسانُ.. فلا بَُميعَ تَدخُلَ أَعمالُه الَّتي هي عَظيمةٌ، وأَفعالُه الَّتي هي مُهِمّةٌ ضِمنَ مِيزانٍ حَسّاسٍ ومُحاسَبةٍ دَقيقةٍ، ولا بُدَّ أن تُنشَرَ صَحائفُ أَعمالِه.
فيا تُرَى هل يَقبَلُ عَقلٌ أن يُترَك هذا العُ كَث الَّذي أَصبَحَ مُكَرَّمًا بالخِلافةِ والأَمانةِ، والَّذي ارتَقَى إلى مَرتَبةِ القائدِ والشّاهِدِ على المَخلُوقاتِ، بتَدَخُّلِه في شُؤُونِ عِبادةِ أَغلَبِ المَخلُوقاتِ وتَسبِيحاتِها وبإعلاِكَ مِوَحدانِيّةَ في مَيادِينِ المَخلُوقاتِ الكَثيرةِ وشُهُودِه شُؤُونَ الرُّبُوبيّةِ الكُلِّیيَّة.. فهل يُمكِنُ أن يُتْرَك هذا الإنسانُ يَذهَبُ إلى القَبرِ لِيَنامَ هادٍ وِجُْونَ أن يُنبَّهَ لِيُسأَلَ عن كلِّ صَغيرةٍ وكَبيرةٍ مِن أَعمالِه، ودُونَ أن يُساقَ إلى المَحشَرِ لِيُحاكَمَ في المَحكَمةِ الكُبْرَى؟ كلَّا ثمَّ كلَّاه وجَعكيف يُمكِنُ أن يَذهَبَ هذا الإنسانُ إلى العَدَمِ، وكيف يُمكِنُ أن يَتَوارَى في التُّرابِ فيُفلِتَ مِن يَدِ القَديرِ ذي الجَلالِ الَّذي تَشهَدُ جَميعُ الوَقائعِ الَّتي هي مُعجِزاتُ قُدرَتِه في الأَزمِنةِ الغابِرةِ َرمَدِدرَتِه العَظيمةِ لِما سيَحدُثُ مِنَ المُمكِناتِ في الأَزمِنةِ (حاشية): إنَّ المَاضيَ المُمتدَّ مُنذُ الآن إلى بَدءِ الخَليقةِ مَليءٌ بالوَقَائِع والأحدَاث، فكلُّ يومٍ ظَهَر إلى الويِّیزُِنه سَطرٌ، وكلُّ سنةٍ مَنه صَحيفةٌ، وكُلُّ عَصرٍ مِنه كِتابٌ، رَسَمَه قلَمُ القدَر، وخَطَّت فِيه يدُ القُدرَة آيَاتِها المُعجِزةَ بِكلِّ حِكمةٍ وانتِظامٍ؛ وإنَّ المُستقبَل الذي يَمتدُّ مِن الآنَ إلى يَومِ القِيامَة، وإلى الجَنَّة، وإلى العَدَ، إنَّما هُو ضِمنَ المُمكِناتِ، أي: كَما أن المَاضيَ هو وَقائعُ وقَعَت فِعلًا، فالمُستقبلُ كَذلك مُمكِناتٌ يُمكن أن تَقعَ فِعلًا. وإذا قوَّبُّ سِلسِلَتا هَذين الزّمانَينِ فَلا ريبَ في أنَّ الذي خَلَق الأَمسَ بِما فِيه مِن المَوجُودَاتِ قَادرٌ عَلى خَلقِ الغَدِ بَما سَيكُون فِيه مِن المَر. لا تِ، ولا رَيبَ كَذلك أنَّ مَوجُوداتِ وخَوَارقِ الزَّمَنِ المَاضِي الذي هُو مَعرِضُ العَجَائِب والغَرَائبِ هِي مُعجِزاتُ القّدِير ذِي الجَلَال، وهِيِينِ اد شَهادةً قَاطِعَة عَلَى أنَّه سُبحَانَه وتَعالَى قَادرٌ عَلَى أنْ يَخلُق المُستَقبلَ كلَّه، ومَا فيه مِن المُمكِنات كلِّها، وأنْ يَعرِضَ فيه عَجَائبَه ومُعجِزاتِه كافَّةً.الفَحمم، فكما أنَّ الذي يَقدِرُ على خَلقِ تُفّاحةٍ وَاحِدة، لا بُدَّ أن يَكون قَادرًا عَلى خلقِ تُفّاحِ العَالَم جَمِيعًا، بَل عَلى إيجادِ الرَّبيع الكَبير، إذ مَن لا يَقدِر عَلى خَلقِ الرَّبيع لا يُمكِن أنْ يَخلُيادِيّاحةً، لأن تلك التُّفاحةَ تُنسَجُ في ذلك المَصنَع؛ ومَن يَقدِر على خَلق تُفّاحةٍ وَاحِدة فهو إذًا قَادرٌ على خَلقِ الرَّبِيع، فالتُّفاحمِ الإالٌ مُصغَّرٌ للشَّجَرة، وللحَدِيقة، بَل هي مِثالُ الكَائِنات جَميعًا؛ والتُّفّاحةُ من حيثُ الصَّنعةُ والإتقَانُ هِي مُعجِزةُ الصَّنعة، حيثُ تتضمَّن بُذُورُها سَيرةَ حياةِ شن ذَرّا. فالذي يَخلُقُها خَلقًا بَديعًا كَهذا لا يُعجِزُه شَيءٌ مُطلقًا. وهَكذا، فالذي يَخلُق اليومَ هو قَادرٌ على خَلقِ يومِ القِيامَة، والذي يُحدِثُ الرَّبيعَ قَادرٌ عَلى إحدنَى ملحَشر، والَّذي أظهَر عوالِمَ الماضي وعلَّقها على شَريطِ الزَّمان بِكلِّ حِكمةٍ وانتِظامٍ، لا شكَّ أنه يَقدِرُ على أن يُظهِر عوالِمَ أُخرَى ويُعلِّقَها بخيطِ المُستقبلِ، وسيُظهرُها حتمًا.. وقد أثبَلك العكلٍ قَاطِع في كَثِير من "الكَلِمَات" ولا سيما في "الكَلِمَة الثَّانِية والعِشرِين" بأنَّ "من لا يَخلُق كلَّ شيء لا يَقدِرُ على خلقِ شيء، ومن يَخلُق شيئًا واحدًا يَقدِرُ على أن يَخلُقَ كلَّ شيءٍ؛ وكذلك لو أُحيلَ إيجادُ الأشيَاء إلى ذاتٍ واحَ النّسَهُلتِ الأشياءُ كلُّها كالشَّيء الوَاحِد، ولو أُسنِدَ إلى الأسباب المُتعدِّدة وإلى الكَثرَة لأصبَح إيجادُ الشيء الواحِدِ صَعبًا بمِقدارِ إيجَاد الأشياء كلِّها إلى دَرَجة الامتِناعِ والمُحالِ". الآتِيةِ.. تلك القُدرةِ الَّتيفما أَثُ الشِّتاءَ والرَّبيعَ الشَّبِيهَينِ بالقِيامةِ والحَشرِ؟! ولَمّا كان الإنسانُ لا يُحاسَبُ في هذه الدُّنيا حِسابًا يَستَحِقُّه، فلا بُدَّ أنَّه سيَذهَبُِ؛ فأَ إلى مَحكَمةٍ كُبْرَى وسَعادةٍ عُظمَى.
— 100 —
الحقيقةُ الثامنة
باب الوعدِ والوَعيدِ، وهو تَجَلِّي اسمِ "الجَميل" و"الجَليل"
أَمِنَ المُمكِنِ لِمُبدِعِ هذه المَوجُوداِت وهو العَليمُ المُطلَقُ والبها ال المُطلَقُ ألَّا يُوَفِّيَ بما أَخبَرَ به مُكَرَّرًا الأَنبياءُ عَلَيهم السَّلَام كافّةً بالتَّواتُرِ مِن وَعدٍ ووَعيدٍ، وشَهِد به الصِّدِّيَ فُتُالأَولياءُ كافّةً بالإجماعِ، مُظهِرًا عَجْزًا وجَهْلًا بذلك؟! تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبيرًا.. عِلمًا أنَّ الأُمُورَ الَّتي وَعَد بها، وأَوعَدَها، لَيسَت عَسِيرةً على قُدرَتِه قَطعقُ ذو هي يَسيرةٌ وهَيِّنةٌ، وسَهلةٌ كسُهولةِ إعادةِ المَوجُوداتِ الَّتي لا تُحصَى للرَّبيعِ السّابقِ بذَواتِها (حاشية-١): كَجُذُور وَأُصولِ الأَعشَاب والأَشجَار. أو بمِثلِها (حاشية-٢): كالأَورَاق والثِّمَار. في كَلِمةيعِ المُقبِلِ.. أمّا الوَفاءُ بالوَعدِ فكما هو ضَرُورِيٌّ لنا
— 101 —
ولِكُلِّ شيءٍ، كذلك لِسَلطَنةِ رُبُوبيَّتِه.. بعَكسِ إخلافِ الوَعدِ فهو مُضادٌّ فسوف ّةِ قُدرَتِه، ومُنافٍ لإحاطةِ عِلمِه، حيثُ لا يَتَأتَّى إخلافُ الوَعدِ إلَّا مِنَ الجَهلِ أو العَجْزِ.
فيا أيُّها المُنكِر.. هل تَعلَمَُجَالِ حَماقةِ ما تَرتَكِبُ مِن جِنايةٍ عُظمَى بكُفرِك وإنكارِك! إنَّك تُصَدِّقُ وَهْمَك الكاذِبَ وعَقْلَك الهاذِيَ ونَفسَك الخَدَّاعةَ، وتُكَذِّبَ مَن لا يُضطَرُّ إلى إخلافِ الوَعدِ، ولا إلى خِلافِه أبدًا، بل لا يَلِِاستِغإخلافُ بعِزَّتِه وعَظَمتِه قَطعًا.. فجَميعُ الأَشياءِ وجَميعُ المَشهُوداتِ تَشهَدُ على صِدْقِه وأَحَقِّيَّتِه! إنَّك تَرتَكِبُ إذًا جِنايةً عُظمَى لا نهايةَ لها مع صِغَرك المُتَناهي، فلايرِ أَُ أنَّك تَستَحِقُّ عِقابًا عَظِيمًا أَبَديًّا.. ولِقِياسِ عِظَمِ ما يَرتَكِبُه الكافرُ مِن جِنايةٍ فقد وَرَد أنَّ ضِرْسَ بعضِ أَهلِ النّارِ كالجَبَل.. إنَّ مَثَلَك هو كمَثَلِ ذلك المُسافِرِ الَّذي َّمَاءُ عَينَيه عن نُورِ الشَّمسِ ويَتْبَعُ ما في عَقلِه مِن خَيالٍ، ثمَّ يُريدُ أن يُنوِّرَ طَريقَه المُخِيفَ بضِياءٍ مّا في عَقلِه مِن بَصيصٍ كَنُورِ اليَراعة!
فما دامَ اللهُ سُبحانٌَ، إذَِعَد، وهذه المَوجُوداتُ كَلِماتُه الصّادِقةُ بالحَقِّ، وهذه الحَوادِثُ في العالَمِ آياتُه النّاطِقةُ بالصِّدقِ، فإنَّه سيُوَفِّي بوَعدِه حَتْمًا، وسيَ ذُو امَحكَمةً كُبرَى، وسيَهَبُ سَعادةً عُظمَى.
الحقيقةُ التاسعة
باب الإحياء والإماتة، وهو تَجَلِّي اسمِ "الحيّ القيوم" و"المُحيي" و"المُميت"
أَمِنَ المُمكِنِ للَّذي أَظهَر قُدرَتَه بإحياءِ الأَن جنودضَّخمةِ بعدَ مَوتِها وجَفافِها، وبَعَث أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نوعٍ مِن أنواعِ المَخلُوقاتِ، مع أن بَعْثَ كلِّ نَوعٍ عَجيبٌ كأُعجُوبةِ بَعامِ، حبَشَرِ.. والَّذي أَظهَر إحاطةَ عِلمِه ضِمنَ ذلك الإحياءِ بتَميِيزِه كلَّ كائنٍ مِن بينِ ذلك الِامتِزاجِ والتَّشابُكِ.. والَّذي وَجَّه أَنظارَ جَميعِ عِبَدُلُّلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ بوَعدِهمُ الحَشرَ في جَميعِ أَوامِرِه السَّماوِيّةِ.. والَّذي أَظهَر عَظَمةَ رُبُوبيَّتِه بجَعْلِه المَوجُوداتِ مُتكاتِفةً مُتَرافِقةً، فأَدارها ضِمنَ أَمرِه وإرادَتِه، مُسَخِّرًا أَفرادَها، مُعاوِنًا
#102اصةُ:ها بعضًا.. والَّذي أَوْلَى البَشَرَ الأَهَمِّيّةَ القُصوَى، بجَعْلِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ في شَجَرةِ الكائناتِ، وأَلطَفَها وأَشَدَّها رِقّةً ودَلَالًوالباحكثَرَها مُستَجابًا للدُّعاء، مُسَخِّرًا له كلَّ شيءٍ، مُتَّخِذًا إيّاه مُخاطَبًا.. أفَمِنَ المُمكِنِ لِمِثلِ هذا القَديرِ الرَّحيمِ ولِمِثلِ هذا العَليمِاحتِفايمِ ألّا يأتِيَ بالقِيامةِ؟! ولا يُحدِثَ الحَشرَ ولا يَبعَثَ البَشَرَ، أو يَعجِزَ عنه؟ وأن يَعجِزَ عن فَتحِ أَبوابِ المَحكَمةِ الكُبْرَى وخَلْقِ الجَنّةِ والنّارِ؟!. تى أنَّ اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
نعم، إنَّ الرَّبَّ المُتَصرِّفَ في هذا العالَمِ جلَّ جلالُه يُحْدِثُ في هذه الأَرضِ المُؤقَّتةِ الضَّيِّسَماءِ كلِّ عصرٍ وفي كلِّ سنةٍ وفي كلِّ يومٍ نَماذِجَ وأَمثِلةً كَثيرةً وإشاراتٍ عَديدةً للحَشرِ الأَكبَرِ، فعلى سَبِيلِ المِثالِ:
إنَّه يَحشُرُ في بِضعةِ أيّامٍ في حَشرِ الرَّبيعِ ويَبعَثُ أَكثرَ الآياتاثِ مئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ مِن صَغيرٍ وكَبيرٍ، فيُحيِي جُذُورَ الأَشجارِ والأَعشابِ، ويُعِيدُ بعضَ الحَيَواناتِ بعَينِها كما يُعيدُ أَمثالَ بعضِها الآخَرِ؛ ومع أنَّ الفُرُوقَ المادِّيكَريمَنَ البُذَيراتِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ جُزئيّةٌ جِدًّا، إلَّا أنَّها تُبعَثُ وتُحيا بكلِّ تَمَيُّزٍ، وتُشَخَّصُ في مُنتَهَى السُّرعةِ في ستّةِ أَيّامٍ، أو ستّةِ أَسابِيعَ، وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ والوَفرةِ، وبانتِظامٍ كاملٍ ومِيزانٍ دَيمِ كَرَغمَ اختِلاطِها وامتِزاجِها.. فهل يَصعُبُ على مَن يَقُومُ بمِثلِ هذه الأعمالِ شيءٌ، أو يَعجِزُ عن خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ في ستّةِ أيّامٍ، أو لا يَستَطيعُ أن يَحشُرَ الإنسانَ بصَيحةٍ واحِدةٍ؟ جَزاءانَ اللهِ عمّا يَصِفُونَ.
فيا تُرَى إن كان ثَمّةَ كاتِبٌ ذُو خَوارِقَ، يَكتُبُ ثلاثَ مِئةِ أَلفِ كِتابٍ مُسِحَت حُرُوفُها ومُسِخَت، في صَحيفةٍ واحِدةٍ دُونَ اختِلاطٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ، وفي غايةِ الجَمالِ، ويَكتُبُها جَميعًا معًا خسَ علىساعةٍ واحِدةٍ. وقيلَ لك: إنَّ هذا الكاتِبَ سيَكتُبُ مِن حِفظِه في دَقيقةٍ واحِدةٍ كِتابَك الَّذي وَقَع في الماءِ وهو مِن تَألِيفِه. فهل يُمكِنُك أن تَرُدَّ عليه وتقُولَ: لا يَستَطيعُ. لا أُصَدِّق؟!
أوَتَبعثسُلطانًا ذا مُعجِزاتٍ، يَرفَعُ الجِبالَ ويَنسِفُها، ويُغيِّیرُ المُدُنَ بكامِلِها، ويُحَوِّلُ البَحرَ بَرًّا، بإشارةٍ مِنه، إظهارًا لِقُدرَتِا الذّلَها آيةً للنّاسِ.. فبَينَما تَرَى مِنه هذه الأَعمالَ
— 103 —
إذا بصَخرةٍ عَظِيمةٍ قد تَدَحرَجَت إلى وادٍ وسَدَّتِ الطَّريقَ على ضُيُوفِه، وقيلَ لك: إنَّ هذا السُّلطانَ سيُمِيطُ حَتْمًا تلك الصَّخرةَ مِن على الطَّرَقرُ وَحْطِمُها مهما كانَت كَبيرةً، حيث لا يُمكِنُ أن يَدَع ضُيُوفَه في الطَّريقِ.. كم يكونُ جَوابُك هَذَيانًا أو جُنُونًا إذا ما أَجَبتَه بقَولِك: لا، لا يَستَطيعُ أن يَفعَلَ؟!
أو أنَّ قائدًا قد شَكَّلَ جَيْشًا جَدِيدًعدا اليمًا في يومٍ واحِدٍ، وقيلَ لك: إنَّ هذا سيَجمَعُ أَفرادَ تلك الفِرَقِ، وسيَنضَوِي تحتَ لِوائِه أُولَئك الَّذين سُرِّحُوا وتَفَرَّقوا، بنَفخةٍ مِن بُوقٍ، فأَجَبتَه: لا، لا أُصَدِّقُ! عِندَها تَفهَمُ أنَّ جَوابَك لباقي،نبِئُ عن تَصَرُّفٍ جُنُونِيٍّ، أيَّ جُنُونٍ!!
فإذا فَهِمتَ هذه الأَمثِلةَ الثلاثةَ فتَأَمَّلْ في ذلِكُمُ البارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي يَكتُبُ أمامَ أَنظارِنا بأَحسَنِ صُورةٍ وأَتَمِّها بقَلَمِ القُدرةِ ويَليقُرِ أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ على صَحيفةِ الأَرضِ، مُبدِّلًا صَحيفةَ الشِّتاء البَيضاءِ إلى الصَّحيفةِ الخَضراءِ للرَّبيعِ والصَّيفِ، يَكتُبُها مُتَداخِلةً دُونَ اختِلاطٍ، يَكتُبُها معًا دُونَ مُزاح إلَيهلا التِباسٍ، رَغمَ تَبايُنِ بَعضِها مع البعضِ الآخَرِ في التَّركيبِ والشَّكلِ، فلا يَكتُبُ خَطَأً مُطلَقًا.. أفَيُمكِنُ أن يُسأَلَ الحَفيظُ الحَكيمُ الَّذي أَدرَجَ خُطّةَ رُوحِ الشَّجَرةِ الضَّخمةِ ومِنهاجَها في بِذرةٍ مُتَنااهِرِيفي الصِّغَرِ مُحافِظًا عليها، كيف سيُحافِظُ على أَرواحِ الأَمواتِ؟ أم هل يُمكِنُ أن يُسأَلَ القَديرُ ذُو الجَلالِ الَّذي يُجرِي الأَرضَ في دَوْرَتِها بسُرعةٍ فائقةٍ، كيف سيُزِيلُها مِن على طَريقِ الآخِرةِ، وكيفذِي المِّرُها؟ أم هل يُمكِنُ أن يُسأَلَ ذُو الجَلالِ والإكرامِ الَّذي أَوْجَدَ الذَّرّاتِ مِنَ العَدَمِ ونَسَّقَها بأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ في أَجسادِ جُنُودِ الأَحياءِ، فأَننَ وإلِنها الجُيُوشَ الهائلةَ، كيف سيَجمَعُ بصَيحةٍ واحِدةٍ تلك الذَّرّاتِ الأَساسيّةَ الَّتي تَعارَفَت فيما بَينَها، وتلك الأَجزاءَ الأَساسيّةَ الَِّن هذاَوَت تحتَ لِواءِ فِرقةِ الجَسَدِ ونِظامِه؟!
فها أنتَ ذا تَرَى بعَينَيك كم مِن نَماذِجَ وأَمثِلةٍ وأَماراتٍ للحَشرِ شَبِيهةٍ بحَشرِ الرَّبيعِ، قد أَبدَعَها البارِئُ سُبحانَه وتَعالَى فلامُ ی مَوْسِمٍ، وفي كلِّ عَصرٍ، حتَّى إنَّ
— 104 —
تَبدِيلَ اللَّيلِ والنَّهارِ، وإنشاءَ السَّحابِ الثِّقالِ وإفناءَها مِنَ الجَوِّ، نَماذِجُ للحَشرةُ.. إثِلةٌ وأَماراتٌ عليه.
وإذا تَصَوَّرتَ نَفسَك قبلَ أَلفِ سنةٍ مَثَلًا، وقابَلْتَ بينَ جَناحَيِ الزَّمانِ الماضِي والمُستَقبَلِ، تَرَى أَمثِلةَ الحَشرِ والقِيامةِ ونَماذِجَها بعَدَدِ العُصُورِ والأَيّامِ؛ فلو ذَهَبتَ إلىرِّ جَعادِ الحَشرِ الجِسمانِيِّ وبَعْثِ الأَجسادِ مُتَوهِّمًا أنَّه بَعيدٌ عنِ العَقلِ، بعدَما شاهَدتَ هذا العَدَدَ الهائلَ مِنَ الأَمثِلةِ والنَّماذِجِ، فسِ یی مُ أنت كذلك مَدَى حَماقةِ مَن يُنكِرُ الحَشرَ.
تَأَمَّلْ ماذا يقولُ الدُّستُورُ الأَعظَمُ حَولَ هذه الحَقيقةِ:
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَوأجلَىَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الخُلاصةُ:لا شِ والتحُولُ دُونَ حُدُوثِ الحَشرِ، بل كلُّ شيءٍ يَقتَضِيه ويَستَدعِيه.. نعم، إنَّ الَّذي يُحيِي هذه الأَرضَ الهائلةَ یی وهي مَعرِضُ العَجائبِ یی ويُمِيتُها كأَدنَى حَيَوانٍ، والَّذي جَعَلَها مَهْدًا مُريحًا وسَفينةً جَميلةً للإنسانِ والحَيَوانِ،ه قَصرل الشَّمسَ ضِياءً ومَوْقِدًا لهذا المَضِيفِ، وجَعَلَ الكَواكِبَ السَّيَّارةَ والنُّجُومَ اللّامِعةَ مَساكِنَ طائراتٍ للمَلائكةِ.. إنَّ رُبُوبيّةً خالِدةً جَليلةً إلى هذا الح الأُموحاكِمِيّةً مُحيطةً عَظيمةً إلى هذه الدَّرَجةِ، لا تَستَقِرّانِ ولا تَنحَصِرانِ في أُمُورِ الدُّنيا الفانِيةِ الزّائلةِ الواهِيةِ السَّيّالةِ التّافِهةِ المُتَغيِّرة.. فلا بُدَّ أنَّ هناك دارًا أُخرَىه. وهنةً، دائمةً، جَليلةً، عَظيمةً، مُستَقِرّةً، تليقُ به سُبحانَه فهو يَسُوقُنا إلى السَّعيِ الدّائبِ لِأَجلِ تلك المَمالِكِ والدِّيارِ، ويَدعُونا إليه، ويَنقُلُنا إلى هناك.. يَشهَدُ على هذا أَصحابُ الأَرواحِ النَّیيِّرةِ، وأَقطابُ القُلُوبِ الشّابَّرةِ، وأَربابُ العُقُولِ النُّورانيّةِ، الَّذين نَفَذُوا مِنَ الظّاهِرِ إلى الحَقيقةِ، والَّذين نالُوا شَرَف التَّقرُّبِ إليه سُبحانَه، فهم يُبلِّغُونَنا مُتَّفِقين أنَّه سُبحانَه قد أَعَدََّرتُ بًا وجَزاءً، وأنَّه يَعِدُ وَعدًا قاطِعًا، ويُوعِدُ وَعِيدًا جازِمًا.
فإخلافُ الوَعدِ لا يُمكِنُ أن يَدنُوَ إلى جلالِه المُقَدَّسِ، لأنَّه ذِلّةٌ وتَذَلُّلٌ، و شُعاعخلافُ الوَعيدِ فهو ناشِئٌ مِنَ العَفوِ أوِ العَجزِ؛ والحالُ أنَّ الكُفرَ جِنايةٌ مُطلَقةٌ
— 105 —
(حاشية): نَعم، إنَّ الكُفرَ إهَانةٌ وتَحقيرٌ للكَائِنَات جَميعًا، حَيث يَتَّهِمُها بالعَبَثية ويُظهِفاءِ النَّفع؛ وهَو تَزييفٌ تجاهَ أسمَاءِ الله الحُسنَى، لأنَّه يُنكِرُ تَجلِّيَ تِلك الأسمَاء على مَرايَا المَوجُودَات؛ وهو تَكذِيبٌ للمَخلُوقَات لكُلًّا، حُيث يَرُدُّ شَهَادةَ المَوجُودات على الوَحدَانِّية.. لِذا فَإنه يُفسِدُ قُوَى الإنِسَان واستِعدَادَاتِه إلَى دَرجةٍ يَسلُبُ منه القُدرَة عَلى تَقَبُّلِ الخَالخالِصَّلَاح.. وهَو ظُلمٌ عَظيمٌ جِدًّا، إذ هو تَجاوُزٌ لِحُقوقِ جَميع المَخلُوقَات، ولِجميعِ الأسمَاء الحُسنى، لِذا فَحِفاظًا عَلى هَذِه الحُقُوق، ولِعَدمَّا زمَكُّن نَفْسِ الكَافر مِن قَبول الخَير، اقتضَى حِرمانَه من العَفو. والآيةُ الكَرِيمة: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ تُفيدُ هذا المَعنَى.
لا يَستَحِقُّ العَفوًا: إنَغفِرةَ، أمّا القَديرُ المُطلَقُ فهو قُدُّوسٌ مُنزَّهٌ عنِ العَجزِ، وأمّا المُخبِرُون والشُّهُودُ فهم مُتَّفِقُون اتِّفاقًا كامِلًا على أَساسِ هذه المَسأَلةِ رَغمَ اختِلافِ مَسالِكِهم ومَناهِجِهم ومَشارِبِهم، فهم مِن حَيثُ الكَثرةُ ِ، كلّا دَرَجةَ التَّواتُرِ، ومِن حيثُ النَّوعِيّةُ بلَغُوا قُوّةَ الإجماعِ، ومِن حيثُ المَنزِلةُ فهم نُجُومُ البَشَريّةِ وهُداتُها وأَعِزّةُ القَومِ وقُرّةُ عُيُونِ الطّجاءَ ف، ومِن حيثُ الأَهَمِّيّةُ فهم في هذه المَسأَلةِ "أَهلُ اختِصاصٍ وأَهلُ إثباتٍ".. ومِنَ المَعلُوم أنَّ حُكمَ اثنَينِ مِن أَهلِ الِاختِصاصِ في عِلمٍ أو صَنعةٍ يُرجَّحُ على آلافٍ مِن غَنَ الن وفي الأَخبارِ والرِّوايةِ يُرجَّحُ قَولُ اثنَينِ مِنَ المُثبِتين على آلافٍ مِنَ النّافِين المُنكِرين، كما في إثباتِ رُؤيةِ هِلالِ رَمضانَ، حيثُ يُرجَّحُ شاهِدانِ مُثبِتانِ، بَينَما يُضرَبُ بكَلامِ آلافٍ مِنالقُرآافِينَ عُرضَ الحائطِ.
والخُلاصةُ:لا خَبَرَ أَصدَقُ مِن هذا في العالَمِ، ولا قَضيّةَ أَصوَبُ منها، ولا حَقيقةَ أَظهَرُ مِنها ولا أَوْضَحُ.
فالدُّنيا إذًا مَزرَعةٌ بلا شَكٍّ، والمَحشَرجُودِ َرٌ، والجَنّةُ والنّارُ مَخزَنانِ.
الحَقيقةُ العاشِرةُ
بابُ الحِكمةِ والعِنايةِ والرَّحمةِ والعَدالةِ
وهو تَجَلِّي اسمِ "الحَكيمِ" و"الكَريمِ" و"العادِلِ" و"الرَّحيمِ"
أَمِنَ المُمكِنلٍ كاملِكِ المُلكِ ذي الجَلالِ الَّذي أَظهَرَ في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا الفانِيةِ هذه، وفي مَيدانِ الِامتِحانِ الزّائلِ هذا، وفي مَعرِضِ الأَرضِ التَقَرِّّلِ هذا، هذا القَدْرَ مِن
— 106 —
آثارِ الحِكمةِ الباهِرةِ، وهذا المَدَى مِن آثارِ العِنايةِ الظّاهِرةِ، وهذه الدَّرَجةَ مِن آثارِ العَدالةِ رِجةٌ رةِ، وهذا الحَدَّ مِن آثارِ الرَّحمةِ الواسِعةِ! ألَّا يُنشِئَ في عالَمِ مُلْكِه ومَلَكُوتِه مَساكِنَ دائمةً، وسَكَنةً خالِدين، ومَقاماتٍ باقِيةً، ومَخلُوقاتٍ مُقِيمين.. فُّبُوبَ هَباءً مَنثُورًا جَميعُ الحَقائقِ الظّاهِرةِ لهذه الحِكمةِ، ولهذه العِنايةِ، ولهذه العَدالةِ، ولهذه الرَّحْمةِ؟!
وهل يُعقَلُ لِحَكيمٍ ذي جَلالٍ اختارَ هذا الإنسانَ مِن بينِ المَخلُوقاتِ، وجَعَلَه مُخاطَبًا كُلِّیيًّا له، ومِرآةً جامِعايَتِهسمائِه الحُسنَى، ومُقَدِّرًا لِما في خَزائنِ رَحمَتِه مِن يَنابِيعَ، ومُتَذَوِّقًا لها ومُتعَرِّفًا إليها، والَّذي عَرَّف سُبحانَه ذاتَه الجَليلةَ له بجَميعِ أَسمائِه الحُسنَى، فأَحَبَّه وحَبَّبه لِلآخَرِين.. أفمِنَ الَنها بلِ بعد كلِّ هذا ألّا يُرسِلَ ذلك "الحَكيمُ" جَلَّ وعَلا هذا الإنسانَ المِسكينَ إلى مَملَكَتِه الخالِدةِ تلك؟ ولا يَدعُوَه إلى دارِ السَّعادةِ الدّائِمةِ تلك فيُسعِدَه فيها؟
أم هل يُعقَلُ أن يُحَمِّلَ كلَّ مَوجودٍ وَيَلزَمجَمَّةً یی ولو كان بِذرةً یی بثِقَلِ الشَّجَرةِ، ويُركِّبَ عليه حِكَمًا بعَددِ أَزهارِها، ويُقَلِّدَه مَصالِحَ بعَدَدِ ثِمارِها، ثمَّ يَجعَلَ غايةَ وُجودِ تلك الوَظائفِ والحِكَمِ والمَصالِحِ جَميعِها مُيُمَثّ ذلك الجُزءِ الضَّئيلِ المُتَوَجِّه إلى الدُّنيا؛ أي: يَجعَلَ غايةَ الوُجودِ هي البقاءَ في الدُّنيا فقط، الَّذي لا أَهَمِّيّةَ له حتى بمِثقالِ حَبّةٍ مِن خَردَلٍ؟ ولا ي، ولِأ تلك الوَظائفَ والحِكَمَ والمَصالِحَ بُذُورًا لِعالَمِ المَعنَى، ولا مَزرَعةً لِعالَمِ الآخِرةِ لِتُثمِرَ غاياتِها الحَقيقيّةَ اللّائقةَ بها!
— 107 —
وهل يُعقَلُ أن تَذهَبَ جَميعُ هذه المَهرَجاناتِ الرّائعةِ والِاحتِفالاتِ العَظيمة لِمَنءً بلا غايةٍ، وسُدًى بلا مَعنًى وعَبَثًا بلا حِكمةٍ؟! أم هل يُعقَلُ ألّا يُوَجِّهها كلَّها إلى عالَمِ المَعنَى وعالَمِ الآخِرةِ لِتُظهِرَ غاياتِها الأَصِيلةَ وأَثمارَها الجَدِيرةَ بها؟!
نعم، أَمِنَ المُمكِنِ أن يُظهِ طِرازَ ذلك خِلافًا للحَقيقةِ، خِلافًا لأَوصافِه المُقَدَّسةِ وأَسمائِه الحُسنَى:"الحَكيمِ، الكَريمِ، العادِلِ، الرَّحيمِ"كلَّا.. ثم كلَّا. أم هل يومًامُمكِنِ أن يُكَذِّب سُبحانَه حَقائقَ جَميعِ الكائناتِ الدّالّةِ على أَوْصافِه المُقَدَّسةِ مِن حِكمةٍ وعَدْلٍ وكَرَمٍ ورَحمةٍ، ويَرُدَّ شَهادةَ المَوجُوداتِ جَميعًا، ويُبطِلَ دَلاها، وشمَصنُوعاتِ جَميعًا! تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا.
وهل يَقبَلُ العَقلُ أن يُعطِيَ للإنسانِ أُجرةً دُنيَويّةً زَهيدةً، زَهادةَ شَنيُّ ااحِدةٍ، مع أنَّه أَناطَ به وبحَواسِّه مَهامَّ ووَظائفَ هي بعَدَدِ شَعَراتِ رَأْسِه؟ فهل يُمكِنُ أن يَقُومَ بمِثلِ هذا العَمَلِ الَّذي لا مَعنَى له ولا مَغزَى خِلافًا لِعَدالَتتَبِرَُقّةِ، ومُنافاةً لِحِكمَتِه الحَقيقيّةِ؟ سُبحانَه وتَعالَى عمّا يَقُولُون عُلُوًّا كبيرًا!
أوَمِنَ المُمكِنِ أن يُقَلِّدَ سُبحانَه كلَّ ذي حَياةٍ، يقُولَُ عُضوٍ فيه یی كاللِّسان مَثَلًا یی بل كلَّ مَصنُوعٍ، مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ بعَدَدِ أَثمارِ كلِّ شَجَرةٍ مُظهِرًا حِكمَتَه المُطلَقةَ، ثمَّ لا يَمنَحَ الإنسانَ البَقاءَ والخُلودَ، ولا يَهَبَ له السَّعادةَ الأَبَديّةَ الَّتي هي أَعظَمُ ا!
فِ، وأَهَمُّ المَصالِحِ، وأَلْزَمُ النَّتائِج؟ فيَترُكَ البَقاءَ واللِّقاءَ والسَّعادةَ الأَبَديةَ الَّتي جَعَلَتِ الحِكمةَ حِكمةً، والنِّعمةَ نِعمةً، والرَّحمةَ رَحمةً، بل هي مَصدَرُ جَميعِ المُفلِس والمَصالِحِ والنِّعَمِ والرَّحمةِ ومَنبَعُها.. فهل يُمكِنُ أن يَترُكَها ويُهمِلَها ويُسقِطَ تلك الأُمورَ جَميعَها إلى هاوِيةِ العَبَثِ المُطلَقِ؟ ويَضَعَ نَفسَه یی تعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا یی بمَنزِلةِ مَن يََطَعتُصرًا عَظيمًا يَضَعُ في كلِّ حَجَرٍ فيه آلافَ النُّقوشِ والزَّخارِفِ، وفي كلِّ زاوِيةٍ فيه آلافَ الزِّينةِ والتَّجمِيلِ، وفي كلِّ غُرفةٍ فيه آلافَ الآلات الثَّمينةِ والحاجِياتِ الضَّرُوريّةِ.. ثمَّ لا مُنعَكَ له سَقْفًا لِيَحفَظَه؟! فيَتْرُكَه ويَتْرُكَ كلَّ شيءٍ للبِلَى والفَسادِ! حاشَ لله.. لا يَصدُرُ مِنَ الخَيرِ المُطلَقِ إلّا الخَيرُ، ولا يَصدُرُ مِنَ الجَميلِ المُطلَقِ إلّا الجَمالُ، فلن يَصدُرَ إذًا مِنَ الحَكيمِ المُطلَقِ العَبَثُ الب هِي إ
نعم، إنَّ كلَّ مَن يَمتَطِي التّاريخَ ويَذهَبُ خَيالًا إلى جِهةِ الماضي سيَرَى أنَّه قد ماتَتْ بعَدَدِ السِّنينَ مَنازِلُ ومَعارِضُ ومَيادينُ وعَوالِمُ شَبيهةٌ بمَنزِلِ الدُّنيا ومَيدانِ الِابتِلاءِ ومَعرِضِ الأَشياءِ في وَقتِنا الحاضِرِ ولا ي الرَّغمِ مِمّا يُرَى مِنِ اختِلافِ بَعضِها عنِ البعضِ الآخَرِ صُورةً ونَوْعًا، فإنَّها تَتَشابَهُ في الِانتِظامِ والإبداعِ وإبرازِ قُدرةِ الصّانِه لِيِكمَتِه.
وسيَرَى كذلك ما لم يَفقِدْ بَصِيرتَه أنَّ في تلك المَنازِلِ المُتَبدِّلةِ، وفي تلك المَيادينِ الزّائلةِ، وفي تلك المَعارِضِ الفانِيةِ.. مِنَ الأنظِمةِ الباهِرةِ السّاطِعةِ للحِكمةِ، والإشاراتِ الجَلِيّةِ الظّاهِأنَّ ععِنايةِ، والأَماراتِ القاهِرةِ المُهَيمِنةِ للعَدالةِ، والثِّمارِ الواسِعةِ للرَّحمةِ ما سيُدرِكُ يَقينًا أنَّه:
— 108 —
لا يُمكِنُ أن تكونَ حِكمةٌ أَكمَلَ ه.
ك الحِكمةِ المَشهُودةِ، ولا يُمكِنُ أن تكونَ عِنايةٌ أَروعَ مِن تلك العِنايةِ الظّاهِرةِ الآثارِ، ولا يُمكِنُ أن تكونَ عَدالةٌ أَجَلَّ مِن تلك العَدالةِ الواضِحةِ أَماراتُها، ولا يُمكِنُ أن تكونَ رَحمةٌ َّيءِ َ مِن تلك الرَّحمةِ الظّاهِرةِ الثِّمارِ.
وإذا افتُرِضَ المُحالُ، وهو أنَّ السُّلطانَ السَّرمَدِيَّ یی الَّذي يُديرُ هذه الأُمورَ، ويُغَيِّر هؤلاء الضُّيوفَ والمُستَضافاتِ باستِمرارنِ الريسَت له مَنازِلُ دائمةٌ ولا أَماكِنُ راقِيةٌ سامِيةٌ ولا مَقاماتٌ ثابِتةٌ ولا مَساكِنُ باقِيةٌ ولا رَعايا خالِدُون، ولا عِبادٌ سُعَداءُ في مَملَكَتِه الخالِدةِ؛ يَلزَمُ عِندَئذٍ إنكارُ الحَقائقِ الأَربعةِ:"نُولُوة، والعَدالة، والعِناية، والرَّحمة"الَّتي هي عناصِرُ مَعنَويةٌ قَويةٌ شامِلةٌ، كالنُّورِ والهَواءِ والماءِ والتُّرابِ، وإنكارُ وُجودِها الظّاهِرِ ظُهُورَ تلك العَناصِرِ، لأنَّه مِنَ المَعلُوم المَب هذه الدُّنيا وما فيها لا تَفِي لِظُهورِ تلك الحَقائقِ، فلو لم يكن هناك في مكان آخَرَ ما هو أَهلٌ لها، فيَجِبُ إنكارُ هذه الحِكمةِ المَوجُودةِ في كلِّ شيءٍ أَمامَنا یی بجُنونِ مَن يُنكِرُ الشَّمسَ الَّتي يَملَأُ نُورُها النَّهارَ یی وإنا في إذه العِنايةِ الَّتي نُشاهِدُها دائمًا في أَنفُسِنا وفي أَغلَبِ الأشياءِ.. وإنكارُ هذه العَدالةِ الجَلِيّةِ الظّاهِرةِ الأَماراتِ.. (حاشية): نعم، إنَّ العَدَالة شِقّانِ: أحدُهُما أنَّ كِيّ، والآخَر سَلْبيّ: أمَّا الإيجَابيُّ فَهو: إعطَاءُ كلِّ ذِي حقٍّ حقَّه. فهذا القِسم مِن العَدَالة مُحيطٌ وشَامِل لِكلِّ مَا في هَذه الدُّنيا لِدَرَجَة البَدَاهة، فَكَما أثبَتْنا في "الحَقِيقَة الثَّالِثة" بأنَّ مَا يَطلُبُه كلِّنَ الومَا هُو ضَرُورِي لِوجُودِه وإدَامةِ حَياتِه مِمَّا يَطلُبُه بِلسَان استعدَادِه وبلُغةِ حَاجَاته الفِطرِّية وبِلسَانِ اضطِّرَارِه مِن الفَاطِر ذِي الجَلَال، يَأتِيه بمِيزانٍ خَاصٍّلا تَقق، وبِمَعَاييرَ ومَقَايِيسَ مُعيَّنة، أي: إنَّ هَذا القِسم مِن العَدَالة ظَاهرٌ ظُهورَ الوُجودِ والحَيَاةِ. وأمَّا القِسمُ السَّلبيُّ فَهُو: تَأدِيبُ غَيرِ المُحقِّين، أي: إحقَاقُ الحَقِّ بإنِزَال الجَزَاء والعَذَاب عَليهم. فَهَذا القِسم وإننَطْرَ لا يَظهَر بجَلاءٍ في هَذِه الدُّنيَا إلَّا أن هُنَالِك إشَارَاتٍ وأَمَارَاتٍ تَدلُّ عَلى هَذه الحَقِيقَة. خُذ مَثلًا سَوطَ العَذاب وصَفَعاتِ التَّأديب التي نَزلَت بِقومِ عادٍ وثَمودَ بَل ُجود موَام المُتمرِّدة في عَصرِنا هذا، مِمّا يُظهِرُ بِالحَدْسِ القَطعيِّ هَيمَنةَ العَدالة السَّامية وسِيادَتَها. وإنكارُ هذه الرَّحمةِ الَّتي نَراها في كلِّ مكانٍ.. وكذلك يَلزَمُ أن يُعتَبرَ صاحِبُ ما نَراه مِنَ الإجرالخُلاالحَكِيمةِ والأَفعالِ الكَريمةِ، والآلاءِ الرَّحيمةِ یی حاشَ لله ثمَّ حاشَ لله یی لاهِيًا لاعِبًا ظالِمًا غَدّارًا یی تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوُّ خُلارًا یی وما هذا إلَّا انقِلابُ الحَقائقِ بأَضدادِها، وهو مُنتَهَى المُحالِ، حتى السُّوفسَطائيُّون الَّذين أَنكَرُوا وُجودَ كلِّ شيءٍ حتى وُجُودَ أَنفُسِهم لم يَدْنُوا إلى تَصَوُّرِ هذا المُحالِ بسُهولةٍ.
— 109 —
والخُل: ستُمأنَّه ليسَت هناك عَلاقةٌ أو مُناسَبةٌ بينَ ما يُشاهَدُ في شُؤونِ العالَمِ من تَجَمُّعاتٍ واسِعةٍ للحَياةِ، وافتِراقاتٍ سَريعةٍ للمَوتِ، وتَك وتَذٍ ضَخمةٍ، وتَشتُّتاتٍ سَريعةٍ، واحتِفالاتٍ هائلةٍ، وتَجَلِّياتٍ رائعةٍ.. وبينَ ما هو مَعلُومٌ لَدَيْنا مِن نَتائجَ جُزئيّةٍ، وغاياتٍ تافِهةٍ مُؤَقَّتةٍ، والغارِ قَصيرةٍ تَعُودُ إلى الدُّنيا الفانِيةِ. لذا فالرَّبطُ بينَهما بعَلاقةٍ، أو إيجادِ مُناسَبةٍ، لا يَنسَجِمُ مع عَقلٍ ولا يَتَوافَقُ مع حِكمةٍ، إذ يُشبِهُ ذلك رَبْطَ حِكَمٍ هائلةٍ وغاياتٍ عَظيمةٍ كالجََ عاقِحَصاةٍ صَغيرةٍ جِدًّا، ورَبْطَ غايةٍ تافِهةٍ جُزئيّةٍ مُؤَقَّتةٍ بحَجْمِ الحَصاةِ بجَبَلٍ عظيمٍ!!
أي: إنَّ عَدَمَ وُجُودِ عَلاقةِ بينَ هذه المَوجُوداتِ وشُؤونِها وبينَ غاياتِها الَّتي تَعُودُ إلى الدُّنيا، يَشهَدُ شَهادةً قاطِعةً، ويَدُلّالرّابلةً واضِحةً على أنَّ هذه المَوجُوداتِ مُتَوجِّهةٌ إلى عالَمِ المَعنَى، حيثُ تُعطي ثِمارَها اللَّطيفةَ اللّائقةَ هناك، وأنَّ أَنظارَها مُتَطلِّعةٌ إلى الأَسماءِ الحُسنَى، وأنَّ غاياتِها تَرنُو إلى ذلك الِه الم؛ ومع أنَّ بُذُورَها مَخبُوءةٌ تحتَ تُرابِ الدُّنيا إلَّا أنَّ سَنابِلَها تَبرُزُ في عالَمِ المِثالِ.. فالإنسانُ یی حَسَبَ استِعدادِه یی يَزرَعُ ويُزرَعُ هنا ويَحصِدُ هناك في الآخِرةِ.
نعم، لو نَظَرتَ ا المُجُوهِ المَوجُوداتِ المُتَوجِّهةِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى وإلى عالَمِ الآخِرةِ لَرَأيتَ: أنَّ لكلِّ بِذرةٍ یی وهي مُعجِزةُ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ یی غاياتٍ كبيرةً كِبَرَ الشَّجرةِ؛ وأنَّ لكبَثِ "هرةٍ یی وهي كَلِمةُ الحِكمةِ (حاشية): سؤال: فإنْ قُلتَ: لِمَ تُورِدُ أغلَبَ الأمثلةِ من الزَّهرةِ والبِذرةِ والثَّمَرة؟ الجَواب: لأنَّها أَبدَعُ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وأعجذا السوأَلطَفُها.. ولمّا عَجَز أَهلُ الضَّلالة والطَّبيعةِ والفَلسَفةِ المادِّية مِن قراءةِ ما خَطَّه قلَمُ القَدَر والقُدرةِ فيها مِنَ الكِتابةِ الدَّقيقةِ، تاهُوا وغَرِقُوا فيها، وسقَطُوا في مُستَنقَعِ الطَّبيعة الآالصَّغ یی مَعانِيَ جَمَّةً بمِقدارِ أَزهارِ الشَّجَرِ؛ وأنَّ لكلِّ ثَمَرةٍ یی وهي مُعجِزةُ الصَّنْعةِ وقَصِيدةُ الرَّحمةِ یی مِنَ الحِكَم ما في الشَّجرةِ نَفسِها..عَسَى مِن جِهةِ كَونِها أَرزاقًا لنا فهي حِكمةٌ واحِدةٌ من بَينِ أُلُوفِ الحِكَمِ، حيثُ إنَّها تُنهِي مَهامَّها، وتُوفي مَغزاها فتَمُوتُ وتُدفَن في مَعِداتِنا.
فما دامَتْ هذه الأَشياءُ الفانِيةُ تُؤتِي ثِمارَها في غيرِ هذُها، وكانِ، وتُوْدِعُ هناك صُوَرًا دائِمةً، وتُعبِّیرُ عن مَعانٍ خالِدةٍ، وتُؤَدِّي أَذكارَها وتَسابِيحَها الخالِدةَ السَّرمَديةَ
— 110 —
هناك.. فالإنسانُ إه، أَخصبِحُ إنسانًا حَقًّا ما دامَ يَتَأمَّلُ ويَنظُرُ إلى تلك الوُجُوهِ المُتَوجِّهةِ نحوَ الخُلُود، وعِندَها يَجِدُ سَبيلًا مِنَ الفاني إلى الباقي.
إذًا هناك قَصْدٌ آخَرُ ضِمنَ هذه المَوجُوداتِ المُحتَشِدةِ والمُتَفرِّقةِ الَّتي تَسِيلُ ِي، أََمِّ الحَياةِ والمَوتِ، حيثُ إنَّ أَحوالَها تُشبِهُ یی ولا مُؤاخَذةَ في الأَمثالِ یی أَحوالًا وأَوضاعًا تُرَتَّبُ للتَّمثيلِ، فتُنفَقُ نَفَقاتٌ باهِظةٌ لِتَهيِئةِ اجتِماعاتٍ وافتِراقاتٍ قَصيرةٍ، لِأَجلِ الْتِقاطِ الصزًى وم وتَرْكِيبِها لِعَرْضِها على الشّاشةِ عَرْضًا دائمًا.
وهكذا فإنَّ إِحدَى غاياتِ قَضاءِ الحَياةِ الشَّخصيّةِ والِاجتِماعيةِ في مُدّةٍ قَصيرةٍ في هذه الدُّنيا هي أَخْذُ الصُّوَرِ وتَركِيبُها، وحِفْظُ نَتان يَرَلأَعمالِ، لِيُحاسَبَ أمامَ الجَمْعِ الأَكبرِ، ولِيُعرَضَ أمامَ العَرْضِ الأَعظَمِ، ولِيُظهِرَ استِعدادَه وقابِليَّتَه للسَّعادةِ العُظمَى. فِ أَسئثُ الشَّريفُ:"الدُّنيا مَزرَعةُ الآخِرةِ"يُعبِّیرُ عن هذه الحَقيقةِ.
وحيثُ إنَّ الدُّنيا مَوجُودةٌ فِعلًا، وفيها الحِكْمةُ والعِنايةُ والرَّحمةُ والعَدالةُ المُتَجَلِّيةُ بآثارِها، فالآخِرةبابِه،ُودٌة حَتْمًا، وثابِتةٌ بقَطْعيّةِ ثُبُوتِ هذه الدُّنيا.. ولَمّا كان كلُّ شيءٍ في الدُّنيا يَتَطلَّعُ من جِهةٍ إلى ذلك العالَمِ، فالسَّيرُ إذًا والرِّحلةُ إلى هناك، لذا فإنَّ إنكارَ الآخرةِ هو إنكارَدِيَُّنيا وما فيها.. فكما أنَّ الأَجَلَ والقَبرَ يَنتَظِرانِ الإنسانَ، فإنَّ الجَنّةَ والنّارَ كذلك تَنتَظِرانِه وتَترَصَّدانِه.
الحقيقةُ الحاديةَ عَشْرةَ
بابُ الإنسانيةِ، وهو تجلِّي اسمِ "الحَقِّ"
أَمِنَ المُمكِنِ للحَقِّ سُبحانَه وً لِلََعبودُ الحَقُّ أنَّ يَخلُقَ هذا الإنسانَ لِيكونَ أَكرَمَ عبدٍ لِرُبُوبيَّتِه المُطلَقةِ، وأَكثَرَ أَهمِّيّةً لِرُبُوبيَّتِه العامّةِ للعالَمِين، وأَكثَرَ المُخُبثِك إدراكًا وفَهْمًا لأَوامِرِه السُّبحانِيةِ، وفي أَحسَنِ تَقويمٍ حتى أَصبَحَ مِرآةً جامِعةً لِأَسمائِه الحُسنَى ولِتَجَلِّي الاسمِ الأَعظَمِ ولِتَجَلّدرسٌ لَرتَبةِ العُظمَى لكلِّ اسمٍ مِن هذه الأَسماءِ الحُسنَى؛ ولِيكونَ أَجمَلَ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّة، وأَغناها أَجهِزةً ومَوازِينَ لِمَعرِفةِ
— 111 —
وتَقديرِ ما في خَزائِلاعَ َّحمةِ الإلٰهِيّةِ مِن كُنُوزٍ، وأَكثَرَ المَخلُوقاتِ فاقةً وحاجةً إلى نِعَمِه الَّتي لا تُحصَى، وأَكثَرَها تَألُّمًا مِنَ الفَناءِ، وأَزيَدَها شَوقًا إلى البَقاءِ، وأَنَ التا لَطافةً ورِقّةً وفَقْرًا وحاجةً. مع أنَّه مِن جِهةِ الحَياةِ الدُّنيا أَكثَرُها تَعاسةً، ومِن جِهةِ الِاستِعدادِ الفِطرِيِّ أَسماها صُورةً.. فحِكَمَِ المُمكِنِ أنْ يَخلُقَ المَعبُودُ الحَقُّ الإنسانَ بهذه الماهِيَّةِ ثمَّ لا يَبعَثَه إلى ما هو مُؤَهَّلٌ له ومُشتاقٌ إليه مِن دارِ الخُلُودِ؟! ُ كُلّقَ الحَقيقةَ الإنسانيةَ ويَعمَلَ ما هو مُنافٍ كُلِّیيًّا لِأَحقِّيَّتِه سُبحانَه؟ تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا..
وهل يُعقَلُ للحاكِمِ بالحَقِّ والرَّحيمِ المُطلَقِ شَدَّه وَهَب لهذا الإنسان استِعدادًا فِطرِيًّا سامِيًا يُمَكِّنُه مِن حَمْلِ الأَمانةِ الكُبْرَى الَّتي أَبَتِ السّماواتُ والأَرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، أي: خَلَقَه لِيَعرِفَ صِفاتِ خالِقنَ، وحانَه الشّامِلةَ المُحيطةَ وشُؤونَه الكُلِّیيَّةَ وتَجَلِّياتِه المُطلَقةَ، بمَوازِينِه الجُزئيّةِ وبمَهاراتِه الضَّئيلةِ.. والَّذي بَرَأَه بشَكلِ أَلْطَفِ المَخلُوقاتِ وأَعجَزِها وأَضعَفِها، فسَخَّرَ له جَميعَها مِن نَباتٍ وحَيَوانٍيّةُ تنَصَّبَه مُشرِفًا ومُنَظِّمًا ومُتَدَخِّلًا في أَنماطِ تَسبِيحاتِها وعِباداتِها.. والَّذي جَعَلَه نَمُوذجًا یی بمَقايِيسَ مُصَغَّرةٍ یی للإجراءاتِ الإلٰهِيّةِ في الكونِ، ودَلّالًا لإعلانِ الرُّبُوبيّةِ المريمٍ، ةِ یی فِعلًا وقَوْلًا یی على الكائناتِ، حتى مَنَحَه مَنزِلةً أَكرَمَ مِن مَنزِلةِ المَلائكةِ، رافِعًا إيّاه إلى مَرتَبةِ الخِلافةِ.. فهل يُمكِنُ أن يَهَبَ سُبحانَه للإنسانِ كلَّ هذهتَعلَمائفِ ثم لا يَهَبَ له غاياتِها ونَتائِجَها وثِمارَها وهي السَّعادةُ الأَبَديّةُ؟ فيَرمِيَه إلى دَرْكِ الذِّلّة والمَسكَنةِ والمُصيبةِ والأَسقامِ، ويَجعَلَه أَتعَسَ مَخلُوقاتِه؟ ويَجعَلَ هذا العقَ" أُعَذي هو هَدِيّةٌ مُبارَكةٌ نُورانِيّةٌ لِحِكمَتِه سُبحانَه ووَسيلةٌ لِمَعرِفةِ السَّعادةِ آلةَ تَعذِيبٍ وشُؤْمٍ، خِلافًا لِحِكمَتِه المُطلَقةِ، ومُنافاةً لرَحمَتِه المُطلَقةِ؟ تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّارِضُ أا.
الخُلاصةُ:كما أنَّنا رَأَينا في الحِكايةِ أنَّ في هُوِيّةِ الضّابطِ ودَفتَرِ خِدمَتِه رُتبَتَه، ووَظِيفتَه ومُرَتَّبَه وأَفعالَه وعَلعَمَل، واتَّضَح لَدَينا أنَّ ذلك الضّابطَ لا يَعمَلُ لِأَجلِ هذا المَيدانِ المُؤَقَّتِ، بل لِما سيَرْحَلُ إليه مِن تَكريمٍ وإنعامٍ في مَملَكةٍ مُستَقِرّةٍ دائمةٍلكَثير فإنَّ ما في هُويّةِ قَلْبِ الإنسانِ مِن لَطائفَ، وما في دَفتَرِ عَقلِه مِن حَواسَّ، وما في فِطرَتِه
— 112 —
مِن أَجهِزةٍ وعَتادٍ مُتَوجِّهةٌ جَميعًا ومعًا إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ، بل مالزُّهَّت له إلَّا لِأَجلِ تلك السَّعادةِ الأَبَديّةِ. وهذا ما يَتَّفِقُ عليه أهلُ التَّحقيقِ والكَشْفِ.
فعلى سَبيلِ المِثالِ:لو قيلَ لِقُدرةِ التَّخَيُّلِ في الإنسان یی وهي مُصَوِّرُ العَقلِ وأَداتُه ییى خَزانَحُ لكِ سَلْطَنةُ الدُّنيا وزِينَتُها مع عُمُرٍ يَزيدُ على مِليُونِ سَنةٍ، ولكن مَصِيرُكِ إلى الفَناءِ والعَدَمِ حَتْمًا. نَراها تَتَألكَلِم وتَتَحَسَّرُ، إن لم يَتَدخَّلِ الوَهْمُ وهَوَى النَّفسِ. أي: إنَّ أَعظَمَ فانٍ یی وهو الدُّنيا وما فيها یی لا يُمكِنُه أن يُشبِعَ أَصغَرَ آلةٍ في الإنسانِ وهي الخَيالُ!
يَظهَرُ مِن هذا جَلِيًّا أنَّ هذا الإنسانَ الَّذي له هذا الاستِعدادُعالَى:رِيُّ والَّذي له آمالٌ تَمتَدُّ إلى الأَبدِ، وأَفكارٌ تُحِيطُ بالكَوْنِ، ورَغَباتٌ تَنتَشِرُ في ثَنايا أَنواعِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ.. هذا الإنسانُ إنما خُلِقَ للأَبَدِ وساتِ، بلُ إليه حَتْمًا، فلَيسَت هذه الدُّنيا إلَّا مُستَضافًا مُؤَقَّتًا، وصالةَ انتِظارِ الآخِرةِ.
الحقيقةُ الثّانيةَ عَشْرةَ
بابُ الرِّسالة والتَّنزيل
وهو تَجَلِّي بِسْمِ اللَّهِ الرالعالينِ الرَّحِيمِ
أَمِنَ المُمكِنِ لمَن أيَّدَ كلامَه جَميعُ الأَنبِياءِ المُعتَمِدين على مُعجِزاتِهم، وأَقَرَّ به جَميعُ الأَولياءِ الصّالِحين المُعَزَّزين بكَشفِيّاتِهم وِه سُبتِهم، وشَهِدَ بصِدقِه جَميعُ العُلَماءِ والأَصفِياءِ المُستَنِدين إلى تَدقِيقاتِهم وتَحقِيقاتِهم.. ذلكُم هو الرَّسولُ الكَريمُ (ص) الَّذي فَتَح بما أُوتِيَ مِن قُوّةٍ طَريقَ الآخِرةِ وبابَ الجَنّةِ، مُصَدَّقًا بألفٍ مِن ضَلالزاتِه الثّابِتةِ، وبآلافٍ مِن آياتِ القُرآنِ الكَريمِ الثّابِتِ إعجازُه بأَربَعين وَجْهًا.. فهل مِنَ المُمكِنِ أن تَسُدَّ أَوهامٌ هي أَوْهَى مِن جَناحِ ذُبابةٍ ما فَتَحَه هذا الرَّسولُ الكَريمُ (ص) مِن طَريقِ الآخِرةِ وبابِ الجَنّةِ؟!
واستها لقد فُهِمَ مِنَ الحَقائقِ السّابِقةِ أنَّ مَسأَلةَ الحَشْرِ حَقيقةٌ راسِخةٌ قَوِيّةٌ، بحَيثُ لا يُمكِنُ أن تُزَحزِحَها أيّةُ قُوّةٍ مَهما كانَت، حتى لوِ استَطةِ مَخن تُزِيحَ الكُرةَ الأَرضِيةَ وتَحْطِمَها، ذلك لأنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى يُقِرُّ تلك الحَقيقةَ بمُقتَضَى أَسمائِه الحُسنَى جَميعِها وصِفاتِه
— 113 —
الجَليلةِ كلِّها، وأنَّ رَسُولَه الكَريمَ (ص) يُصَدِّقُها بمُعجِزاتِه وبَراهِينِه كُ الحَي والقرآنُ الكريمُ يُثبِتُها بجَميعِ آياتِه وحَقائقِه، والكَونُ يَشهَدُ لها بجَميعِ آياتِه التَّكوينيّةِ وشُؤونِه الحَكيمةِ.
فهل مِنَ المُمكِنِ يا تُرَى أن يتَّفِقَ مع واجِبِ اُلٌّ لِ سُبحانَه وتَعالَى جَميعُ المَوجُوداتِ یی عدا الكُفَّارِ یی في حَقيقةِ الحَشْرِ، ثم تأتِيَ شُبهةٌ شَيطانيّةٌ واهِيةٌ ضَعيفةٌ لِتُزيحََّلاةُلحَقيقةَ الرّاسِخةَ الشّامِخةَ وتُزَعزِعَها؟! كلَّا.. ثم كلَّا..
ولا تَحْسَبَنَّ أنَّ دَلائلَ الحَشرِ مُنحَصِرةٌ فيما بَحَثناه مِنَ الحَقائقِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ، بل كما أنَّ القُرآنَ الكَريمَ وَحدَه يُعَاتٍ جَا تلك الحَقائقَ، فإنَّه يُشِيرُ كذلك بآلافٍ مِنَ الأَوجُهِ والأَماراتِ القَوِيّةِ إلى أنَّ خالِقَنا سيَنقُلُنا مِن دارِ الفَناءِ إلى دارِ البَقاءِ.
ولا تَحيَجعَلَ كذلك أنَّ دَلائلَ الحَشْرِ مُنحَصِرةٌ فيما بَحَثْناه مِن مُقتَضَياتِ الأَسماءِ الحُسنَى "الحَكيمِ، الكَريمِ، الرَّحِيمِ، العادِلِ، الحَفيظِ"، بل إنَّ جَميعَ الأَسماءِ الحُس مُبارمُتَجلِّيةِ في تَدبيرِ الكَونِ تَقتَضي الآخِرةَ وتَستَلزِمُها.
ولا تَحسَبْ أيضًا أنَّ آياتِ الكَونِ الدَّالّةَ على الحَشرِ هي تلك الَّتي ذَكَرْناها فحَسْبُ، بل هناك آفاقٌ وأَوجُهحَيثُ َكثَرِ المَوجُوداتِ تُفتَحُ وتَتَوجَّهُ يَمينًا وشِمالًا، فمِثلَما يَدُلُّ ويَشهَدُ وَجهٌ على الصّانِعِ سُبحانَه وتَعالَى، يُشِيرُ وَجهٌ آخَرُ إلى الحَشرِ ويُومِئُ إليه.
فمَثَلًا:إن حُسنَ الصَّنْعةِ المُتقَنةِ في خَلْقِ الإنسانِ عَةُ ٭سَنِ تَقويمٍ، مِثلَما هو إشارةٌ إلى الصّانِعِ سُبحانَه، فإنَّ زَوالَه في مُدّةٍ يَسيرةٍ معَ ما فيه مِن قابِلِيّاتٍ وقُوًى جامِعةٍ، يُشِيرُ إلى الحَشرِ. حتى إذا ما لُوحِظَ وَجهٌ واحِدٌ فقط بنَظْرَتَينِ، فإنَّه يَدُلُّ علورِ مَانِعِ والحَشرِ معًا.
ومثلًا:إذا لُوحِظَت ماهِيّةُ ما هو ظاهِرٌ في أَغلَبِ الأَشياءِ مِن تَنظِيمِ الحِكمةِ وتَزيينِ العِنايةِ وتَقديرِ العَدالةِ ولَطافةِ الرَّحمةِ، تُبيِّنُ أنَّها صادِرةٌ مِن يَدِ القُدرةِ لِصانِعٍ حَكيمٍ، كَ الدعادِلٍ، رَحيمٍ؛ كذلك إذا لُوحِظَت عَظَمةُ هذه الصِّفاتِ الجَليلةِ وقُوَّتُها وطَلاقَتُها، مع قِصَرِ حَياةِ هذه المَوجُوداتِ في هذه الدُّنيا وزَهادَتِها فإنَّ الآخِرةَ تَتَبيَّنُ مِن خِلالِها.
أي: إنّدامَتِ شيءٍ يَقرَأُ ويَستَقرِئُ بلِسانِ الحالِ قائلًا:آمَنتُ بِالله وبِاليَوْمِ الآخِرِ.
٭ ٭ ٭
— 114 —
الخاتمة
إنَّ الحَقائقَ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ السّابِقةَ يُؤيِّدُ بَعضُها البَعضَ الآخَرَ، وتُكَمِّلُ إحداها نَقُوَى وتُسنِدُها وتَدعَمُها، فتَتَبيَّنُ النَّتيجةُ مِن مَجمُوعِها واتِّحادِها معًا؛ فأيُّ وَهْمٍ يُمكِنُه أن يَنفُذَ مِن هذه الأَسوارِ الِاثنَي عَشَرَ الحَديدِ، بلِ الأَلماسِ، المَنيعةِ لِيُزَعزِعَ الإيمانَ بالحَشرِ المُحَصَّنِ بالُ له والحَصينِ؟!
فالآيةُ الكَريمةُ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ تُفيدُ أنَّ خَلْقَ جَميعِ البَشَرِ وحَشْرَهم سَهلٌ ويَسيرٌ على القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، كخَلْقِ إنِفاتِ احِدٍ وحَشْرِه. نعم، وهو هكذا حيثُ فُصِّلَت هذه الحَقيقةُ في بَحثِ "الحَشْرِ" مِن رسالةِ: "نُقطةٌ مِن نُورِ مَعرِفةِ اللهِ جَلَّ جلالُه"، إلَّا أنَّنا سنُشيرُ هنا إلى خُلاصَتِها مع ذِكرِ الأَمثِلةِ، ومَن أرادَ التَّفصيلَ فلْيُراجِْلُبْه الرِّسالةَ.
فمَثلًاوللهِ المَثَلُ الأَعلَى، ولا جِدالَ في الأَمثالِ یی: إنَّ الشَّمسَ مِثلَما تُرسِلُ یی ولو إراديًّا یی ضَوْءَها بسُهولةٍ تامّةٍ إلى ذَرّةهذا يُدةٍ، فإنُّها تُرسِلُه بالسُّهولةِ نَفسِها إلى جَميعِ المَوادِّ الشَّفّافةِ الَّتي لا حَصْرَ لها، وذلك بسِرِّ "النُّورانيّةِ"؛ وإنَّ أَخْذَ بُؤْبُؤِ ذَرّنفَقُ ّافةٍ واحِدةٍ لصُورةِ الشَّمسِ مُساوٍ لِأَخْذِ سَطْحِ البَحرِ الواسِعِ لها، وذلك بسِرِّ "الشَّفّافيّةِ"؛ وإنَّ الطِّفلَ مِثلَما يُمكِنُه أن يُحرِّكَ دُميَتَه الشَّبيهةَ بالسَّفينةِ، يُمكِنُه أن يَّه تكك كذلك السَّفينةَ الحَقيقيّةَ، وذلك بسِرِّ "الِانتِظامِ" الَّذي فيها؛ وإِنَّ القائدَ الَّذي يُسَيِّیرُ الجُندِيَّ الواحِدَ بأَمرِ "سِرْ"، يَسُوقُ الجَيشَ بأَكمَلِه بالكَلِمةِ نَفسِها، وذلك بسِرِّ "الِامتِثالِ والطّاعةِ"ا، واملو افتَرَضنا مِيزانًا حسّاسًا وكَبِيرًا جدًّا في الفَضاء، بحيثُ يَتَحَسَّسُ وَزنَ جَوْزةٍ صَغيرةٍ في الوَقتِ الَّذي يُمكِنُ أن تُوضَعَ في كَفَّتَيهِ شَمسانِ، ووُجِم، وان الكَفَّتَينِ جَوزَتانِ أو شَمْسانِ، فإنَّ الجُهدَ المَبذُولَ لِرَفْعِ إحدَى الكَفَّتَينِ إلى الأَعلَى والأُخرَى إلى الأَسفَلِ هو الجُهدُ نَفسُه، وذلك بسِرِّ "المُوازَنة".
فما دامَ أَكبَرُ شيءٍ يَتَساوَى ، مِن غَرِه، وما لا يُعَدُّ مِنَ الأَشياءِ يَظهَرُ كالشَّيءِ الواحِدِ في
— 115 —
هذه المَخلُوقاتِ والمُمكِناتِ الِاعتِيادِيّةِ یی وهي ناقِصةٌ فانِيةٌ یی لِمِ؛ وذل مِنَ "النُّورانيّةِ والشَّفَّافِيّةِ والِانتِظامِ والِامتِثالِ والمُوازَنةِ"، فلا بُدَّ أنَّه يَتَساوَى أَمامَ القَديرِ المُطلَقِ القَليلُ واَحَدًاُ، والصَّغيرُ والكَبيرُ، وحَشْرُ فَردٍ واحِدٍ وجَميعِ النّاسِ بصَيحةٍ واحِدةٍ، وذلك بالتَّجَلِّياتِ "النُّورانِيّةِ" المُطلَقةِ لِقُدرَتِه الذّاتيّةِ المُطلَقةِ وهي في مُنتَهَى الكَمالِ، و"الشَّفّافيّةِ" في مَلَكًُا ولُ الأَشياءِ، و"انتِظامِ" الحِكمةِ والقَدَرِ، و"امتِثالِ" الأَشياءِ وطاعَتِها لِأَوامِرِه التَّكوينِيّةِ امتِثالًا كامِلًا، وبسِرِّ "مُوازَنةِ" الإمكانِ الَّذي هو تَمُختَلالمُمكِناتِ في الوُجُودِ والعَدَمِ.
ثمَّ إنَّ مَراتِبَ القُوّةِ والضَّعفِ لِشَيءٍ مّا عِبارةٌ عن تَداخُلِ ضِدِّه فيه، فدَرَجاتُ الحَرارة، مَزرثلًا یی ناتِجةٌ مِن تَداخُلِ البُرودةِ، ومَراتبُ الجَمالِ مُتَولِّدةٌ مِن تَداخُلِ القُبْحِ، وطَبَقاتُ الضَّوءِ مِن دُخُولِ الظَّلامِ؛ إلّرائعًاَ الشَّيءَ إن كان ذاتيًّا غَيرَ عَرَضيٍّ، فلا يُمكِنُ لِضِدِّه أن يَدخُلَ فيه، وإلَّا لَزِمَ اجتِماعُ الضِّدَّينِ وهو مُحالٌ، أي: إنَّه لا مَراتِبَ فيما هو ذاتِيٌّ وأَصيلٌ، فما دامَت قُدرةُ القَدي ولا رُطلَقِ ذاتيّةً، وليسَت عَرَضِيّةً كالمُمكِناتِ، وهي في الكَمالِ المُطلَقِ، فمِنَ المُحالِ إذًا أن يَطْرَأَ عليها العَجْزُ الَّذي هو ضِدُّها، أي: إنَّ خَلْقَ الركمةٍ ل بالنِّسبةِ لذِي الجَلالِ هَيِّنٌ كخَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وبَعْثَ النّاسِ جَميعًا سَهلٌ ويَسيرٌ عليه كبَعْثِ فَرْدٍ مِنهم، بخِلافِ ما إذا أُسنِدَ الأَمرُ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، فعِندَ يَرَىونُ خَلْقُ زَهرةٍ واحِدةٍ صَعبًا كخَلْقِ الرَّبيعِ.
٭ ٭ ٭
وكلُّ ما تَقدَّمَ مِنَ الأَمثِلةِ والإيضاحاتِ یی منذُ البِداية یی لِصُوَرِ الحَشْرِ وحَقائقِه ما هي إلَّا مِن فَيضِ القرآنِ الكريمِ، وما هي إلَّا لِتَهْيِئةِ النَّفِْ، وزََّسليمِ والقَلبِ للقَبُولِ؛ إذِ القَولُ الفَصلُ للقرآنِ الكريمِ والكَلامُ كلامُه، والقَولُ قَولُه، فلْنَسْتَمِعْ إليه.. فلِلّه الحُجَّةُ البالِغةُ..
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ َليلُ ةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٭ قُلْ يُ مِن نَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
— 116 —
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعأن رَميْءٌ عَظِيمٌ ٭ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِينَ مََى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٭ وَإ آفاقيلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ٭ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ٭ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ٭ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ٭نِ جَذَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ٭ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ٭ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
الْقَارِعَةُ ٭ مَا الْقَارِجَلَّى وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ٭ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ٭ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ٭ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ٭ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٭ وَأَ والشَّنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ٭ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ٭ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ٭ نَارٌ حَامِيَةٌ
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إَِى ما َلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٭ ٭ ٭
ولْنَسْتَمِعْ إلى أَمثالِ هذه الآياتِ البَيِّناتِ، ولْنَقُلْ: آمَنّا وصَدَّقْنا..
آمَنتُ باللهِ ومَلائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ وبالقَُونها َيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تَعالَى، والبَعثُ بعدَ المَوتِ حَقٌّ، وأنَّ الجَنّةَ حَقٌّ، والنَّارَ حَقٌّ، وأنَّ الشَّفاعةَ حَقٌّ، وأنَّ مُنكَرًا ونَكِيرًا حَقٌّ، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن في القُبُورِ؛ أَشهَدُ ُنُوعِ إلٰهَ إلَّا اللهُ، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى ألطَفِ وأشرَفِ وأَكمَلِ وأَجمَلِ ثَمَرَاتِ طُوبَى رَحمَتِكَ الَّذِي أَرسَلتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ ووَسِيلَةً لِوُصُولِنَا إلَى أَزيَنِ وأحسَنِ َّحْمَ وأعلَى ثَمَرَاتِ
— 117 —
تِلكَ الطُّوبَى المُتَدَلِّيَةِ عَلَى دَارِ الآخِرَة یی أي: الجَنّةِ. اللَّهُمَّ أَجِرنَا وأَجِر وَالِدِينَا مِنَ النّارِ، وأَدخِبي تِلأَدخِل وَالِدِينَا الجَنّةَ مَعَ الأَبرَارِ بِجَاهِ نَبِيِّكَ المُختَارِ.. آمِينَ.
٭ ٭ ٭
فيا أيُّها الأَخُ القارِئُ لهذه الرِّسالةِ بإنصافٍ.. لا تَقُلْ: لِمَ لا أُحِيطُ فَهْمًا بهذِه الكَلِ".
عاشِرةِ؟! لا تَغتَمَّ ولا تَتَضايَقْ مِن عَدَمِ الإحاطةِ بها، فإنَّ فَلاسِفةً دُهاةً یی أَمثالَ ابنِ سِينا یی قد قالوا: "الحَشْرُ ليسَ على مَقاييسَ عَقلِيّةٍ" أي: نُؤمِنُ به فحَسْبُ، فلا يُمكِنُ سُلُوكُ سَبِيلِه، وس الوَعغَوْرِه بالعَقْلِ.. وكذلك اتَّفَق عُلَماءُ الإسلامِ بأنَّ قَضِيّةَ الحَشرِ قَضيّةٌ نَقْلِيّةٌ، أي: إنَّ أَدِلَّتَها نَقْلِيّةٌ، ولا يُمكِنُ الوُصولُ إلَيها عَقْلًا؛ لذا فإنَّ سَبِيلًا غائِرًا، وطَرِيقًا عالِيًا سامرَباءِي الوَقتِ نَفسِه، لا يُمكِنُ أن يكونَ بسُهُولةِ طَريقٍ عامٍّ يُمكِنُ أن يَسلُكَه كلُّ سالِكٍ.
ولكن بفَيْضِ القُرآنِ الكريمِ، وبرَحْمةِ الخالِقِ الرَّحيمِ قد مُنَّ علَينا السَّيرُ في هذا ال هو الِ الرَّفيعِ العَميقِ، في هذا العَصْرِ الَّذي تَحَطَّمَ فيه التَّقلِيدُ وفَسَد الإذعانُ والتَّسلِيمُ؛ فما علَينا إلَّا تَقدِيمُ آلافِ الشُّكرِ إلاسِ.. رِئِ عزَّ وجلَّ على إحسانِه العَميمِ وفَضلِه العَظيمِ، إذ إنَّ هذا القَدْرَ يَكفِي لإِنقاذِ إيمانِنا وسَلامَتِه. فلا بُدَّ أن نَرضَى بمِقدارِ فَهَّهَارونَزِيدَه بتَكرارِ المُطالَعةِ.
هذا، وإنَّ أَحَدَ أَسرارِ عَدَمِ الوُصولِ إلى مَسأَلةِ الحَشرِ عَقلًا هو أنَّ الحَشرَ الأَعظَمَ مِن تَجَلِّي "الِاسمِ الأَعظَمِ"، لذحَياتَِ رُؤيةَ وإراءةَ الأَفعالِ العَظيمةِ الصّادِرةِ مِن تَجَلِّي الِاسمِ الأَعظَمِ، ومِن تَجَلِّي المَرتَبةِ العُظمَى لكلِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى هي الَّتي تَجعَلُ إثباتَ الحَشرِ الأَعظَمِ سَهْلًا هَيِّنًا وقاطِعًا كإيا:
الرَّبيعِ وثُبُوتِه، والَّذي يُؤَدِّي إلى الإذعانِ القَطعِيِّ والإيمانِ الحَقيقِيِّ.
وعلى هذه الصُّورةِ تَوَضَّحَ الحَشرُ ووُضِّحَ في هذه "الكَلِمةِ العاشِرةِ" بفَيضِ القُرآنِ الكريمِ، وإلَّا لوِ اعتَمَد العَقلُ على مَقايِيسِه الكَلِيلةِ لََنَّ اعاجِزًا مُضْطَرًّا إلى التَّقلِيدِ.
— 118 —
ذيلٌ مُهِمٌّ للكلمة العاشِرة
والقطعة الأولى من لاحقتها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَللَ وارْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ٭ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُثَلاثةوَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إنُ أيضِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُ المِينَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِالكَريالْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٭ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَوتَدَبالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ٭ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كلكُتُبَهُ قَانِتُونَ ٭ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ االتَّايمُ
— 119 —
سنُبيِّنُ في هذا "الشُّعاعِ التّاسِعِ" بُرهانًا قَوِيًّا، وحُجّةً كُبْرَى، لِما تُبَيِّنُه هذه الآياتُ الكَريمةُ مِن مِحوَرِ الإيمانِ وقُطْبِه، وهو الحَشْرُ، ومِنَ البَراهِينِ السّامِيةِ المُقدَّسةِ الدّالّةِ عليه.
ِلَهَ َّه لَعِنايةٌ رَبّانيّةٌ لَطِيفةٌ أن كَتَب "سَعيدٌ القَديمُ" قبلَ ثلاثين سَنةً في خِتامِ مُؤَلَّفِه "مُحاكَمات" الَّذي كَتَبَه مُقدِّمةً لِتَفسيرِ "إشاراتِ الإعجازِ في مَظانِّ الإيجازِ" ما يأتي:
المَقصَدُشَهادةي:سوف يُفسِّرُ آيتَينِ تُبيِّنانِ الحَشرَ وتُشِيران إليه.
ولكنَّه ابتَدَأَ بی: نخو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وتَوَقَّف، ولم تُتَح له الكِتابةُ.
فءِ الش شُكْرٍ وشُكْرٍ للخالِقِ الكَريمِ وبعَدَدِ دَلائلِ الحَشرِ وأَماراتِه أن وَفَّقني لِبَيانِ ذلك التَّفسيرِ بعدَ ثلاثين سنةً. فأَنعَمَ سُبحانَه وتَعالَى علَيَّ بتَفسيرِ الآيةِ الأُولَى: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي زَجْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وذلك بعدَ نَحوِ عَشْرِ سَنَواتٍ، فأَصبَحَتِ "الكَلِمةَ العاشِرةَ" و"الا يُمكَ التّاسِعةَ والعِشرين"، وهما حُجَّتانِ ساطِعَتانِ قَوِيَّتانِ أَخرَسَتا المُنكِرين الجاحِدِين..
وبعدَ حَوالَيْ عَشْرِ سَنَواتٍ مِن بَيانِ ذلِكُما الحِصنَينِ الحَصينَينِيمًا َشرِ، أفاضَ علَيَّ سُبحانَه وتَعالَى وأَنعَمَ بتَفسيرِ الآياتِ المُتَصدِّرةِ لهذا الشُّعاعِ، فكان هذه الرِّسالةَ. فهذا "الشُّعاعُ التّاسِعُ" عِبارةٌ عن تِسعةِ مَقاماتٍ سامِيةٍ مِمّا أَشارَت إلَيها الآياتُ الكَريمةُ مع مُقبَديّة مُهِمّةٍ.
— 120 —
المُقدِّمة
هذه المُقدِّمة نُقطَتانِ: سنَذكُرُ أوَّلًا وباختِصارٍ نَتيجةً واحِدةً جامِعةً مِن بينِ النَّتائجِ الحَياتيّةِ والفَوائدِ الرُّوحيّةِ ِعمالِدةِ الحَشرِ، مُبيِّنين مَدَى ضَرُورةِ هذه العَقيدةِ للحَياةِ الإنسانيةِ، ولا سيَّما الِاجتِماعيّةِ.
ونُورِدُ كذلك حُجّةً كُلِّیيَّةً واحِدةً مِن بينِ ايَشَّقِ العَديدةِ لِعَقيدةِ الإيمانِ بالحَشرِ، مُبيِّنين أيضًا مَدَى بَداهَتِها ووُضُوحِها حيثُ لا يُداخِلُها رَيبٌ ولا شُبهةٌ.
النُّقطة الأُولَى:
سنُشِيرُ إلى أَربَعةِ أَدِلّةٍ على سَبيلِ المِثالِ وكنَمُوذَجٍ قِياسِيٍّ مِن بينَ في ذتِ الأَدِلّةِ على أنَّ عَقيدةَ الآخِرةِ هي أُسُّ الأَساسِ لِحياةِ الإنسانِ الِاجتِماعيةِ والفَردِيّةِ، وأَساسُ جَميعِ كَمالاتِه ومُثُلِه وسَعادَتِه.
الدليلُ الأوَّلُ:إنَّنًا بهفالَ الَّذين يُمَثِّلُون نِصفَ البَشَريّةِ، لا يُمكِنُهم أن يَتَحمَّلُوا تلك الحالاتِ الَّتي تَبدُو مُؤلِمةً ومُفجِعةً أَمامَهم مِن حالاتِ المَوتِ والوَفاةِ إلَّا بما يَجِدُونه في أَنفُسِهم وكِيانِهمُ الرَّقيقِ اللَّطيفِ مِنَ القٍُّ مِنلمَعنَويّةِ النّاشِئةِ مِنَ "الإيمانِ بالجَنّةِ"، ذلك الإيمانِ الَّذي يَفتَحُ بابَ الأَمَلِ المُشرِقِ أَمامَ طَبائعِهمُ الرَّقيقةِ الَّتي لا تَتَمكَّنُ مِنَ المُقاوَمةِ والصُّمودِ وتَبكِيُضِع جنَى سَبَبٍ؛ فيَتَمكَّنُون به مِنَ العَيشِ بهَناءٍ وفَرَحٍ وسُرورٍ، فيُحاوِرُ الطِّفلُ المُؤمنُ بالجَنّةِ نَفسَه: إنَّ أخي الصَّغيرَ أو صَديقي الحَبيبَ الَّذي تُوُفّتِّفاقصبَحَ الآنَ طَيرًا مِن طُيُورِ الجَنّةِ، فهو إذًا يَسرَحُ مِنَ الجَنّةِ حيثُ يَشاءُ، ويَعيشُ أَفضَلَ وأَهنَأَ مِنَّا. وإلَّا فلَولا هذا األا يُُ بالجَنّةِ، لَهَدَم المَوْتُ الَّذي يُصيبُ أَطفالًا أَمثالَه یی وكذلك الكِبارَ یی تلك القُوّةَ المَعنَويّةَ لِهؤلاء الَّذين لا حِيلةَ لهم ولا قُوّةَ،
— 121 —
ولَحَطه يُحِفسِيّاتِهم، ولَدَمَّر حَياتَهم ونَغَّصَها، فتَبكي عِندَئذٍ جَميعُ جَوارِحِهم ولَطائِفِهم مِن رُوحٍ وقَلبٍ وعَقلٍ مع بُكاءِ عُيُونِهم؛ فإمَّا أن تَمُوتَ أَحاسيسُهم وتَغلُظَ مَشاعِرُهم أو يُصبِحُوا كالحَيَواناتِ الضّالّةِ التَّعِسةِ.
ارِ، وَّليلُ الثاني:إنَّ الشُّيوخَ الَّذين هم نِصفُ البَشَريّةِ، إنَّما يَتَحمَّلُون ويَصبِرُون وهم على شَفيرِ القَبرِ بی"الإيمانِ بالآخِرةِ"، ولا يَجِدُ خَلْقَّبرَ والسُّلوانَ مِن قُرْبِ انطِفاءِ شُعلةِ حَياتِهمُ العَزيزةِ علَيهم، ولا مِنِ انغِلاقِ بابِ دُنياهمُ الحُلْوةِ الجَميلةِ في وُجُوهِهم إلَّا في ذلك الإيمانِ؛ فهؤلاء الشُّيوخُ الَّذين عادُوا وحَدّطفالِ وأَصبَحُوا مُرَهَفِيْ الحِسِّ في أَرْواحِهم وطَبائعِهم، إنَّما يُقابِلُون ذلك اليَأْسَ القاتِلَ الأَلِيمَ النّاشِئَ مِنَ المَوتِ والزَّوالِ، ويَصبِرُون عليه بالأَقَصرِ ي الحَياةِ الآخِرةِ، وإلَّا فلَولا هذا الإيمانُ بالآخِرةِ لَشَعَر هؤلاء الآباءُ والأُمَّهاتُ الَّذين هم أَجْدَرُ بالشَّفَقةِ والرَّأفةِ والَّذين هم في أَشَدِّ الحاجةِ إلى الِاطمِئنانِ والسَّكُّ علىوالحَياةِ الهادِئةِ، ضِرامًا رُوحِيًّا واضطِرابًا نَفسِيًّا وقَلَقًا قَلْبيًّا، ولَضاقَتْ علَيهمُ الدُّنيا بما رَحُبَت، ولَتَحَوَّلَت سِجنًا مُظلِمًا رَهيبًا، ولَانقَلَبَتِ الحَياةُ إلى تِلاطٍ أَلِيمٍ قاسٍ.
الدَّليلُ الثالث:إنَّ الشَّبابَ والمُراهِقين الَّذين يُمَثِّلُون مِحوَرَ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ لا يُهَدِّئُ فَوْرةَ مَشاعِرِهم،لِهِ وَمنَعُهم مِن تَجاوُزِ الحُدودِ إلى الظُّلمِ والتَّخريبِ، ولا يَمنَعُ طَيْشَ أَنفُسِهم ونَزَواتِها، ولا يُؤَمِّنُ السَّيرَ الأَفضَلَ في علاقاتِهمُ الِاجتِملِأَسم إلَّا الخَوْفُ مِن نارِ جَهَنَّمَ، فلَولا هذا الخَوْفُ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ لَقَلَبَ هؤلاء المُراهِقُون الطّائِشُون الثَّمِلُون بأَهوائِهمُ الدّأنَّ ذلى جَحيمٍ تَتَأَجَّجُ على الضُّعَفاءِ والعَجائزِ، حيثُ "الحُكْمُ للغالِبِ"، ولَحَوَّلُوا الإنسانيّةَ السّامِيةَ إلى حَيَوانيّةٍ سافِلةٍ.
الدَّليلُ الرابع:إنَّ الحَياةَ اليُؤَكّةَ هي نابِضُ الحَياةِ الدُّنيَويّةِ ومَركَزُها الجامِعُ، وهي جَنّةُ سَعادَتِها وقَلعَتُها الحَصينةُ ومَلْجَؤُها الأَمينُ؛ وإنَّ بَيتَ كلِّ فَردٍ هو عالَمُه ودُنياه الخاصّةُ، فلا سَعادةَ لِرُوحِ الحَياةِ العائليّةِ إ صائبٍالِاحتِرامِ المُتَبادَلِ الجادِّ والوَفاءِ الخالِصِ بينَ الجَميعِ، والرَّأفةِ الصّادِقةِ والرَّحمةِ الَّتي تَصِلُ إلى حَدِّ التَّضحِيةِ
— 122 —
والإيثارِ؛ ولا يَحصُلُ هذا الِاحتِرامُ الخالِصُلك الكَحمةُ المُتَبادَلةُ الوَفِيَّة إلَّا بالإيمانِ بوُجُودِ علاقاتِ صَداقةٍ أَبَديّةٍ، ورُفقةٍ دائمةٍ، ومَعِيّةٍ سَرمَديّةٍ، في زَمَنٍ لا نِهايةَ له، وتحتَ ظِلِّ حياةٍ لا حُدُودَ لها، وُجودطُها عَلاقاتُ أُبُوّةٍ مُحتَرَمةٍ مَرمُوقةٍ، وأُخُوّةٍ خالِصةٍ نَقِيَّةٍ، وصَداقةٍ وَفِيَّةٍ نَزِيهةٍ، حيثُ يُحَدِّثُ الزَّوجُ نَفسَه: "إنَّ زَوْجَتي هذه رَفيقةُ حَياتي وصاخاصّةٌ في عالَمِ الأَبَدِ والحَياةِ الخالِدةِ، فلا ضَيْرَ إن أَصبَحَتِ الآنَ دَميمةً أو عَجُوزًا، إذ إنَّ لها جَمالًا أَبَديًّا سيَأتي، لِذا فأنا مُستَنبيهُ لِتَقديمِ أَقصَى ما يَستَوجِبُه الوَفاءُ والرَّأفةُ، وأُضَحِّيَ بكلِّ ما تَتَطلَّبُه تلك الصَّداقةُ الدّائمةُ".. وهكذا يُمكِنُ أن يُكِنَّ هذا الرَّجلُ حُبًّا ورَحمةً لِزَوجَتِهَرواحَُوزِ كما يُكِنُّه للحُورِ العِينِ. وإلَّا فإنَّ صُحبةً وصَداقةً صُورِيّةً تَستَغرِقُ ساعةً أو ساعتَينِ ومِن ثَمَّ يَعقُبُها فِراقٌ أَبَديٌّ ومُفارَقةٌ دائمةٌ لَهِي صُحبةٌ وصَداقةٌ ظاهِريّةٌ ضَها فاسَ لها ولا سَنَدَ، ولا يُمكِنُها أن تُعطِيَ إلَّا رَحمةً مَجازِيّةً، واحتِرامًا مُصطَنَعًا، وعَطْفًا حَيَوانِيَّ المَشاعِرِ، فَضْلًا عن تَدَخُّلِ المَصالِحِ والشَّهَواتِ النَّفسانِيّةِ وسَيطَرَتِها على تلك الرَّحمةِ والِاحتِرامِ، فتَنقَلِبنِ البَئذٍ تلك الجَنّةُ الدُّنيَوِيّةُ إلى جَحيمٍ لا يُطاقُ.
وهكذا، فإنَّ نَتِيجةً واحِدةً للإيمانِ بالحَشرِ مِن بينِ مِئاتِ النَّتائجِ الَّتي تَتَعلَّءِ في حَياةِ الِاجتِماعيّةِ للإنسانِ، وتَعُودُ إلَيها، والَّتي لها مِئاتُ الأَوجُهِ والفَوائدِ، إذا ما قِيسَت على تلك الدَّلائلِ الأَربعةِ المَذكُورةِ آنفًا، يُدرَك أنَّ وُقُوعَ حَقيقةِ الحَشرِ وتَحَقُّقَها قَطعِيٌّ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ حَقيقةِ الإذه المالسّامِيةِ وحاجاتِه الكُلِّیيَّةِ؛ بل هي أَظهَرُ دَلالةً مِن حاجةِ المَعِدةِ إلى الأَطعِمةِ والأَغذِيةِ، وأَوضَحُ شَهادةً مِنها؛ ويُمكِنُ أن يُقدَّرَ مَدَى تَحَقُّقِها تَحَقُّقًا أَعمَقَ وأَكثَرَ َبةِ ا سُلِبَتِ الإنسانيّةُ مِن هذه الحَقيقةِ: الحَشرِ، حيثُ تُصبِحُ ماهِيَّتُها الَّتي هي سامِيةٌ ومُهِمّةٌ وحَيَويّةٌ بمَثابةِ جِيفةٍ نَتِنةٍ ومَأْوَى المَيكرُو، أو االجَراثيمِ.
فَلْيُلقِ السَّمْعَ عُلَماءُ الِاجتِماعِ والسِّياسةِ والأَخلاقِ مِنَ المَعنِيِّين بشُؤُونِ الإنسانِ وأَخلاقِه واجتِماعِه، ولْيَأْتُوا ويُبيِّنُوا بماذا سيًَى، ولن هذا الفَراغَ؟ وبماذا سيُداوُون ويُضَمِّدُون هذه الجُروحَ الغائرةَ العَميقةَ؟!
— 123 —
النُّقطةُ الثانية:
تُبيِّنُ هذه النُّقطةُ بإيجازٍ شديدٍ بُرهانًا واحِدًا مِن بينِ البَجُوهِه الَّتي لا حَصْرَ لها على حَقيقةِ الحَشرِ، وهو ناشِئٌ مِن خُلاصةِ شَهادةِ سائرِ الأَركانِ الإيمانيّةِ، وعلى النَّحوِ الآتي:
إنَّ جَميعَ المُعجِزاتِ الدّالّةِ على رِسالةِ سيِّدنا مُحمَّدٍ (ص) مع جَميعِ دَلائلِ نُبُوَّتِه وجَميعِ البَراجُودِ الدّالّةِ على صِدْقِه، تَشهَدُ بمَجمُوعِها معًا، على حَقيقةِ الحَشرِ، وتَدُلُّ علَيها وتُثبِتُها، لأنَّ دَعوَتَه (ص) طَوالَ حَياتِه المُبارَكةِ قد انصَبَّتْ ب الِانتَّوحِيدِ على الحَشرِ؛ وأنَّ جَميعَ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام وحُجَجَهُمُ الدّالّةَ على صِدقِهم وتَحمِلُ الآخَرين على تَصديقِهم؛ تَشهَدُ على الحَقيقةِ نَفسِها، وهي الحَشرُ. وكذا شَهادةُ "الكُتُبِ المُنَزَّلةِ" الَّتي رَعَلَتِالشَّهادةَ الصّادِرةَ مِنَ "الرُّسُلِ الكِرامِ" إلى دَرَجةِ البَداهةِ، تَشهَدانِ على الحقيقةِ نَفسِها. وعلى النَّحوِ الآتي:
فالقرآنُ الكَريمُ ذُو البَيانِ اللقَمَرِ يَشهَدُ بجَميع مُعجِزاتِه وحُجَجِه وحَقائقِه الَّتي تُثبِتُ أَحَقِّیيَّتَه، على حُدُوثِ الحَشرِ ويُثبِتُه، حيثُ إنَّ ثُلُثَ القُرآنِ بأَكمَلِه، وأَوائلَ أَغلَبِ السُّوَرِ القِصارِ، آياتٌ جَلِيّةٌ على الحَشرِ، أي: إنَّ القُرآنَ الكَريملعالي،ِئُ عنِ الحَقيقةِ نَفسِها بآلافٍ مِن آياتِه الكَريمةِ صَراحةً أو إشارةً ويُثْبِتُها بوُضُوحٍ، ويُظهِرُها بجَلاءٍ.
فمَثَلًا:إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَلغَيبِ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، فيُثبِتُ القرآنُ الكريمُ بهذه تَرَى ِ وأَمثالِها في مُفتَتَحِ ما يُقارِبُ أَربَعين سُورةً أنَّ الحَشْرَ لا رَيبَ فيه، وأنَّه حَدَثٌ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ في الكَوْنِ، وأنَّ حُدُوثَه ضَروريٌّ جِدًّا ولا بُدَّ مِنُلِّه بيِّنُ بالآياتِ الأُخرَى دَلائلَ مُختَلِفةً مُقنِعةً على تلك الحَقيقةِ.
تُرَى إن كان كِتابٌ تُثمِرُ إشارةٌ واحِدةٌ لِآيةٍ مِن آياتِه تلك الحَقائقَ العِلْميّةَ والكَونيّةَ المَعرُوفةَ بالعُلُوِعِ وحسلاميّةِ، فكيف إذًا بشَهادةِ آلافٍ مِن آياتِه ودَلائلِه الَّتي تُبيِّنُ الإيمانَ بالحَشرِ كالشَّمسِ ساطِعةً؟ ألا يكُونُ الجُحُودُ بهذا الإيمانِ كإنكارِ الشَّمسِ، بل كإِنكارِ الكائناتِ قاطِبةً؟ى يُشعيكُونُ ذلك باطِلًا ومُحالًا في مِئةِ مُحالٍ؟!
— 124 —
تُرَى هل يُمكِنُ أن يُوصَم آلافُ الوَعدِ والوَعيدِ لِكَلامِ سُلطانٍ عَزيزٍ عَظيمٍ بالكَذِبِ أو أنَّها بلا حَقيقةٍ، في حِينِ قد يشَّياط الجَيشُ غِمارَ الحَربِ لِئلّا تُكذَّبَ إشارةٌ صادِرةٌ مِن سُلطانٍ؛ فكيف بالسُّلطانِ المَعنَويِّ العَظيمِ الَّذي دامَ حُكْمُه وهَيمَنَتُه ثلاثةَ عَشَرَساسًانًا دونَ انقِطاعٍ، فرَبَّى ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَرواحِ والعُقُولِ والقُلُوبِ والنُّفُوسِ، وزَكَّاها وأَدارَها على الحَقِّ والحَقيقةِ، ألا تَكفِي إشارةٌ واحِدةٌ مِنه لإثباتِ حَقيقةِ الحَشرِ؟ عِلمًا أنَّ فيه آلافَ الصَّراحةِ الواضِرِ خَطمُثبِتةِ لهذه الحَقيقةِ! ألَيسَ الَّذي لا يُدرِكُ هذه الحَقيقةَ الواضِحةَ أَحمَقَ جاهِلًا؟ ألا يَكُونُ مِنَ العَدالةِ المَحضةِ أن تكُونَ النّارُ مَثْواه؟
ثمَّ إنَّ الصُّحُفَ السَّماوِيّةَ والكُتُبَ المُقدَّسةَ جَميعَها الَّتاهِيه،مَت كلٌّ مِنها لحِقبةٍ مِنَ العُصُورِ والأَزمِنةِ، قد صَدَّقَت بآلافٍ مِنَ الدَّلائلِ دَعوَى القُرآنِ الكَريمِ في حَقيقةِ الحَشرِ مع أنَّ بَيانَها لها مُختَصَرٌ ومُوجَزٌ، وذلك بمُقتَضَى زَمانِها وعَصرِها، تلك الحَقيقةُ الُوا الُ الَّتي بَيَّنَها القُرآنُ الكَريمُ الَّذي سادَ حُكْمُه على العُصُورِ جَميعِها، وهَيْمَن على المُستَقبَلِ كلِّه، بيَّنَها بجَلاءٍ وأَفاضَ في إيضاحِها.
يُدرَجُ هنا نَصُّ ما أمّا مي آخِرِ رِسالةِ"المُناجاةِ"انسِجامًا مع البَحْثِ، تلك الحُجّةُ القاطِعةُ المُلَخَّصةُ للحَشرِ، والنّاشِئةُ مِن شَهادةِ سائرِ الأركانِ الإيمانيّةِ ودَلائلِها على الإيمانِ باليَوْمِ الآخِرِ، ولَبدٍ يَما الإيمانِ بالرُّسُلِ والكُتُبِ، والَّتي تُبَدِّدُ الأَوهامَ والشُّكُوكَ، حيثُ جاءَت بأُسلُوبٍ مُوجَزٍ، وعلى صُورةِ مُناجاةٍ:
"يا رَبِّي الرّلهذه ا.لقد أَدْرَكْتُ بتَعلِيمِ الرَّسُولِ (ص) وفَهِمتُ مِن تَدرِيسِ القُرآنِ الحَكيمِ، أنَّ الكُتُبَ المُقَدَّسةَ جَميعَها، وفي مُقَدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ، والأَنبِياءُ عَلَيهم السَّلَام جَميعُهم، وفي مُقَدِّمَتِهمُ الرَّسُولُ الَجَزُّٰ (ص)، يَدُلُّون ويَشهَدُون ويُشِيرُون بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ إلى أنَّ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى یی ذاتِ الجَلالِ والجَمالِ یی الظّاهِرةِ آثارُها في هذه الدُّنيا، وفي العَوالِمِ كافّةً، ستَدُومُ دَوامًا أَسْطَعَ وأَبْهَرَ في َتَجسّ الآبادِ.. وأنَّ تَجَلِّياتِها یی ذاتَ الرَّحمةِ یی وآلاءَها المُشاهَدةَ نَماذِجُها في هذا العالَمِ الفاني، ستُثْمِرُ بأَبهَى نُورٍ وأَعظَمٍ تَأَلُّقٍ، وستَبْقَى دَوْمًا في دارِ السَّعادةِ.. وأنَّ أُكما أن المُشتاقِين الَّذين يَتَمَلَّونَها یی في هذه الحَياةِ الدُّنيا القَصيرةِ یی بلَهْفةٍ وشَوْقٍ سيُرافِقُونها بالمَحَبّةِ والوُدِّ، ويَصْحَبُونها
— 125 —
إلى الأَبَدِ، ويَاقيدُ ن مَعَها خالِدين.. وأنَّ جَميعَ الأَنبِياءِ وهم ذَوُو الأَرواحِ النَّيِّرةِ یی وفي مُقَدِّمَتِهمُ الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی وجَميعَ الأَولياءِ وهم أَقطابُ ذَوِي القُلُوبِ المُنوَّرةِ، وجَميعَ الصِّدِّيقين وهم مَنابِعُ العُقولِ الَيا هنةِ النَّيِّرةِ، كلُّ أُولَئِك يُؤْمِنُون إيمانًا راسِخًا عَمِيقًا بالحَشرِ ويَشهَدُون عليه ويُبَشِّرون البَشَريّةَ بالسَّعادةِ الأَبَديّةِ، ويُنذِرُون أهلَ الضَّلالةِ بأنَّ مَصِيرَهمُ النّارُ، ويُبَشِّرُون أَهلَ الهِدايةِ بأنِّيفٌ صبَتَهمُ الجَنّةُ، مُستَنِدِين إلى مِئاتِ المُعجِزاتِ الباهِرةِ والآياتِ القاطِعةِ، وإلى ما ذَكَرْتَه أَنتَ يا رَبِّي مِرارًا وتَكرارًا في الصُّحُفِ السَّماوِيّةِ والكُتُبِ المُقَدَّسةِ كُلِّها مِن آلافِ الوَعدِ والوَعياقَ ذُِعتَمِدِين على عِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك وشُؤُونِك الجَليلةِ، وصِفاتِك المُقدَّسةِ كالقُدْرةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والجَلالِ والجَمالِ، وبِناءً على مُشاهَداتِهم وكَشْفِيّاتِهم غيرِ المَعدُودةِ الَّتي تُنْبِئُ عن آثارِتي لِأرةِ ورَشَحاتِها؛ وبِناءً على إيمانِهم واعتِقادِهمُ الجازِمِ الَّذي هو بدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ.
فيا قَدِيرُ ويا حَكِيمُ ويا رَحمٰنُ ويا رَحِيمُ ويا صادِقَ المَودِ الكَريمَ، ويا ذا العِزّةِ والعَظَمةِ والجَلالِ، ويا قَهّارُ ذُو الجَلالِ.. أنتَ مُقَدَّسٌ ومُنَزَّهٌ، وأنتَ مُتَعالٍ عن أن تَصِمَ بالكَذِبِ كلَّ أَوْلِيائِك وكلَّ وُعُودِك وصِفاتِك الجَلِيهَمِّيُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتُكَذِّبَهم، وأن تَحْجُبَ ما يَقتَضِيه قَطْعًا سُلْطانُ رُبُوبِيَّتِك بعَدَمِ استِجابَتِك لِتِلك الأَدعِيةِ الصّادِرةِ مِن عِِ العَالصّالِحِين الَّذين أَحبَبْتَهم وأَحَبُّوك، وحَبَّبوا أَنفُسَهم إلَيك بالإيمانِ والتَّصْديقِ والطّاعةِ، فأنتَ مُنَزَّهٌ ومُتَعالٍ مُطلَقٌ عنَلَ عنصَدِّقَ أَهلَ الضَّلالةِ والكُفرِ في إنكارِهِمُ الحَشرَ، أُولَئك الَّذين يَتَجاوَزُون على عَظَمَتِك وكِبرِيائِك بكُفرِهم وعِصْيانِهم وتَكذِيبِهم لك ولِوُعُودِك، والَّذين يَستَخِفُّون بعِزّةِ جَلالِك وعَظَمةِ أعَقائِيَّتِك ورَأْفةِ رُبُوبِيَّتِك..
فنحنُ نُقَدِّسُ بلا حَدٍّ ولا نِهايةٍ عَدالَتَك وجَمالَك المُطلَقَينِ ورَحمَتَك الواسِعةَ ونُنَزِّهُها مِن هذا الظُّلمِ والقُبْحِ غيرِ المُتَناهي.. ونَعتَقِدُ ونُؤمِنُ بكلِّ مُنتَهتِينا مِن قُوّةٍ بأنَّ الآلافَ مِنَ الرُّسُلِ والأَنبِياءِ الكِرامِ، وبما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى مِنَ الأَصفِياءِ والأَولِياءِ الَّذين همُ المُنادُونَ إلَيك هم شاهِدُونَ بحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقينِ وعِلمِ اليَقينِ عل "رَسائِنِ رَحمَتِك الأُخرَوِيّةِ وكُنُوزِ إحساناتِك في عالَمِ البَقاءِ، وتَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَى
— 126 —
الَّتي تَنكَشِفُ كُلِّیيًّا في دارِ السَّعادوتيّةِنُؤْمِنُ أنَّ هذه الشَّهادةَ حَقٌّ وحَقيقةٌ، وأنَّ إشاراتِهم صِدقٌ وواقِعٌ، وأنَّ بِشاراتِهم صادِقةٌ وواقِعةٌ..
فهَؤُلاءِ جَميعًا يُؤمِنُون بأنَّ هذه الحَقيقةَ الكُبْرَى (أ في الَشرَ) شُعاعٌ عَظيمٌ مِنِ اسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرْجِعُ جَميعِ الحَقائقِ وشَمْسُها، فيُرشِدُون عِبادَك یی بإذنٍ مِنك یی ضِمنَ دائرةِ الحَقِّ، ويُعَلِّمُونَهم بعَين مَقامقيقةِ.
فيا رَبِّي.. بحَقِّ دُرُوسِ هَؤُلاءِ، وبحُرمةِ إرشاداتِهم، آتِنا إيمانًا كامِلًا، وارْزُقنا حُسْنَ الخاتِمةِ، لنا ولِطُلّابِ النُّورِ، واجعَلْنا أَهلًا لِشَفاعَتِهم.. آمين".
وهكذا فإنُّنيا َّلائِلَ والحُجَجَ الَّتي تُثبِتُ صِدْقَ القُرآنِ الكَريمِ بل جَميعِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ، وإنَّ المُعجِزاتِ والبَراهِينَ الَّتي تُثبِتُ نُبُوّةَ حَبِيبِ اللهِ بلِ الأَنبِياءِ جَمِيعِهم، تُثبِتُ بدَوْرِها أَهَمَّ ما يَدْعُون إليهِيّةِ تَحَقُّقُ الآخِرةِ وتَدُلُّ علَيها؛ كما أنَّ أَغلَبَ الأَدِلّةِ والحُجَجِ الشّاهِدةِ على وُجُوبِ واجِبِ الوُجُودِ ووَحْدَتِه سُبحانَه، هي بِدَوْرِها شاهِدةٌ على مَطعُولسَّعادةِ وعالَمِ البَقاءِ الَّتي هي مَدارُ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهِيّةِ وأَعظَمُ مَظهَرٍ لَهُما، وهي شاهِدةٌ على وُجُودِ تلك الدّارِ وانفِتاحِ أَبوابِها ییَيرًا يُبَيَّنُ في المَقاماتِ الآتِيةِ یی لأنَّ وُجُودَه سُبحانَه وتَعالَى، وصِفاتِه الجَلِيلةَ، وأَغلَبَ أَسمائِه الحُسنَى، وشُؤُونَه الحَكِيمةَ، وأَوصافَه المُقَدَّسةَ أَمثالَ الرُّبُوبيّةِ والأُلُوهِيّةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحُِبُ الالعَدالةِ، تَقتَضِي جَمِيعُها الآخِرةَ وتُلازِمُها، بل تَستَلزِمُ وُجُودَ عالَمِ البَقاءِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، وتَطْلُبُ الحَشرَ والنُّشُورَ للثَّوابِ والعِقابِ بدَرَجةِ الضّا غيرَِ أيضًا.
نعم، ما دامَ اللهُ مَوجُودًا، وهو واحِدٌ، أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، فلا بُدَّ أنَّ مِحوَرَ سُلطانِ أُلُوهِيَّتِه وهو الآخِرةُ، مَوجُودٌ أيضًا.. وما دامَتِ الرُّبُوبيّةُ المُطلَقةُ الَّتي هي ذاتُ جَلالٍ وعَظَمةٍ وحِكمةٍ ورَأفةٍ تَتَلها غا ظاهِرةً واضِحةً في هذه الكائِناتِ ولا سِيَّما في الأَحياءِ، فلا بُدَّ أنَّ هناك سَعادةً أَبَدِيّةً تَنفِي عنِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ أيَّ ظَنٍّ بكَونِها تَتْرُكُ الخَلْقَ هَمَلًا دُونَ ثَوابٍ، وتُبْرِئُ الحِكمةَ مِنَ العَبَثِ، وبُوسًاُ الرَّأفةَ مِنَ الغَدْرِ. أي: إنَّ تلك الدّارَ مَوجُودةٌ قَطْعًا ولا بُدَّ مِنَ الدُّخُولِ فيها.
— 127 —
وما دامَت هذه الأَنواعُ مِنَ الإنعامِ والإحسانِ واللُّطْفِ والكَرَمِ والعِنايةِ والرَّحمةِ مُشاهَدةً وظاهِرةً أَمامَ العُقُولِ ا هَؤلالم تَنطَفِئْ، وأَمامَ القُلُوبِ الَّتي لم تَمُتْ، وتَدُلُّنا على وُجُوبِ وُجُودِ رَبٍّ رَحمٰنٍ رَحِيمٍ وَراءَ الحِجابِ، فلا بُدَّ مِن حَياةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، لِتُنقِذَ الإِنعامَ مِنَ الِاستِهزاءِ، أي: يَأخُذَ الإِنعامُ مَداه، وتَصُونَ الإلعاقِبمِنَ الخِداعِ لِيَستَوْفِيَ حَقِيقَتَه، وتُنقِذَ العِنايةَ مِنَ العَبَثِ لِتَستَكمِلَ تَحَقُّقَها، وتُنجِيَ الرَّحمةَ مِنَ النِّقمةِ فيَتِمَّ وُجُودُها، وتُبرِئَ اللُّطْفَ والكَرَمَ مِنَ الإهلاقِيِّيَفِيضا على العِبادِ. نعم، إنَّ الَّذي يَجعَلُ الإحسانَ إِحسانًا حَقًّا، والنِّعمةَ نِعمةً حَقًّا، هو وُجُودُ حَياةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ في عالَمِ البَقاءِ والخُلُودِ.. نعم، لا بُدَّ أن يَتَحَقَّقَ هذا.
وماَتي هيقَلَمُ القُدرةِ الَّذي يَكتُبُ في فَصلِ الرَّبيعِ وفي صَحِيفةٍ ضَيِّقةٍ صَغِيرةٍ، مِئةَ أَلْفِ كِتابٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً بلا خَطَأٍ ولا نَصَبٍ ولا تَعارِ الما هو واضِحٌ جَلِيٌّ أَمامَ أَعيُنِنا؛ وأنَّ صاحِبَ ذلك القَلَمِ قد تَعَهَّد ووَعَدَ مِئةَ أَلْفِ مَرّةٍ: لَأَكْتُیبَنَّ كِتابًا أَسهلَ مِن كِتابِ الرَّبيعِ المَكتُوبِ أَمامَكم، ولَأَكتُبنَّه كِتابةً خالِدةً، في مَكان تُنَْسَعَ وأَرْحَبَ وأَجْمَلَ مِن هذا المَكانِ الضَّيِّقِ المُختَلِطِ المُتَداخِلِ.. فهو كِتابٌ لا يَفنَى أَبدًا، ولَأَجعَلَنَّكُم تَقرَؤُونه بحَيرةٍ وإعجابٍ!. وأنَّه سُبحانَه يَذكُرُ ذقُ بالِتابَ في جَميعِ أَوامِرِه، أي: إنَّ أُصُولَ ذلك الكِتابِ قد كُتِبَت بلا رَيبٍ، وستُكتَبُ حَواشِيه وهَوامِشُه بالحَشرِ والنُّشُورِ، وستُدَوَّنُ فيه صَحائفُ أَعمالِ الجَميعِ..
وما دالبُستاه الأَرضُ قد أَصبَحَت ذاتَ أَهَمِّيّةٍ عُظَمَى مِن حيثُ احتِواؤُها على كَثرةِ المَخلُوقاتِ، ومِئاتِ الأُلُوفِ مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ والأَرْواحِ المُختَلِفةِ المُتَبَوفِ ال، حتَّى صارَت قَلْبَ الكَوْنِ وخُلاصَتَه، ومَركزَه وزُبدَتَه ونَتِيجَتَه وسَبَبَ خَلْقِه؛ فذُكِرَت دائمًا صِنْوًا للسَّماواتِ كما في: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ في جَميعِ الأَوبُستانالسَّماوِيّةِ..
وما دامَ ابنُ آدَمَ يَحْكُمُ في شَتَّى جِهاتِ هذه الأَرضِ یی الَّتي لها هذه الماهِيّاتُ والخَواصُّ یی ويَتَصَرَّفُ في أَغلَبِ مَخلُوقاتِها مُسَخِّرًا أَكثَرَ الأَحياءِ له، جاعِلًا أَكثَرَ المَصنُوعاتِ تَةٍ صَغحَوْلَه وَفْقَ مَقايِيسِ هَواه، وحَسَبَ حاجاتِه الفِطرِيّةِ، ويُنَظِّمُها
— 128 —
ويَعرِضُها ويُزَيِّنُها، ويُنَسِّقُ الأَنواعَ العَجِيبةَ مِنها في كلِّ مَكانٍ بحَيثُ لا يَلْفِتُ نَظَرَ الإنسِ والجِنِّ وَحدَهجةِ ج يَلفِتُ أيضًا نَظَرَ أَهلِ السَّماواتِ والكَوْنِ قاطِبةً، بل حتَّى نَظَرَ مالِكِ الكَوْنِ، فنالَ الإعجابَ والتَّقديرَ والِاستِحسانَ، وأَصبَحَت له یی مِن هذه الجِهةِ یی أَل مِن ّةٌ عَظِيمةٌ، وقِيمةٌ عالِيةٌ، فأَظهَر بما أُوتِيَ مِن عِلمٍ ومَهارةٍ أنَّه هو المَقْصُودُ مِن حِكمةِ خَلْقِ الكائناتِ، وأنَّه هو نَتِيجَتُهدِ انغظمَى وثَمَرتُها النَّفيسةُ، ولا غَرْوَ فهُو خَلِيفةُ الأَرضِ.. وحيثُ إنَّه يَعرِضُ صَنائِعَ الخالِقِ البَديعةِ، ويُنَظِّمُها بشَكلٍ جَميلٍ جَذّابٍ في هذه الدُّنيا، فقد أُجِّلَ عَذابُه ر أَمامِصيانِه وكُفرِه، وسُمِحَ له بالعَيشِ في الدُّنيا وأُمهِلَ لِيَقُومَ بهذه المُهِمّةِ بنَجاحٍ..
وما دامَ لابنِ آدَمَ یی الَّذي له هذه الماهِيّةُ والمَزايا خِلقةً وطَبْعًا، وله حاجاتٌ لا تُحَدُّ مع ضَعْفِه الشَّديدِ، وآلامٌ لا تُعَدُّ مع عَِزَّتِالكامِلِ یی ربٌّ قَدِيرٌ، له الحِكمةُ والقُدرةُ والرَّأفةُ المُطلَقةُ مِمّا يَجعَلُ هذه الأَرضَ الهائلةَ العَظيمةَ مَخْزَنًا عَظِيمًا لِأَنواعِ المَعادِنِ الَّتي يَحتاجُها الإنسانُ، ومُستَوْدَفي أُسأَنواعِ الأَطعِمةِ الضَّرُورِيّةِ له، وحانُوتًا للأَموالِ المُختَلِفة الَّتي يَرغَبُها، وأنَّه سُبحانَه يَنظُرُ إليه بعَينِ العِنايةِ والرَّأفةِ ويُرَبِّيه ويُزَوِّدُه بما يُريدُ..
وما دامَ الرَّبُّ سُبحانَه یی كما في هذه الحَقيقةِ یی يُحِتِهِ، إنسانَ، ويُحَبِّبُ نَفسَه إليه، وهو باقٍ، وله عَوالِمُ باقِيةٌ، ويُجرِي الأُمُورَ وَفْقَ عَدالَتِه، ويَعمَلُ كلَّ شَيءٍ وَفْقَ حِكمَتِه، وأنَّ عَظَمةَ سُلطانِ هذَطنابُلِقِ الأَزَلِيِّ وسَرْمَدِيّةَ حاكِمِيَّتِه لا تَحصُرُهما هذه الدُّنيا القَصِيرةُ، ولا يَكفِيهِما عُمُرُ الإنسانِ القَصيرُ جِدًّا، ولا عُمُرُ هذه الأَرضِ المُؤَقَّتةِ الفانِيةِ؛ حيثُ يَظَلْطَنَإنسانُ دُونَ جَزاءٍ في هذه الدُّنيا لِما يَرْتَكِبُه مِن وَقائِعِ الظُّلمِ، وما يَقتَرِفُه مِن إنكارٍ وكُفرٍ وعِصيانٍ، تُجاهَ مَوْلاه الَّذي أَنعَمَ علَيه ورَبَّاه برَأفةٍ كامِلةٍ وشَفَقةٍ تامّةٍ، مِمّا يُنافي نِظامَ الكَوْنِ ولُ، لسَّقِ، ويُخالِفُ العَدالةَ والمُوازَنةَ الكامِلةَ الَّتي فيها، ويُخالِفُ جَمالَه وحُسْنَه، إذ يَقضِي الظّالِمُ القاسِي حَياتَه براحةٍ، بَينَما المَظلُومُ البائِسُ يَقضِيها بشَظَفٍ مِنَ العَيشِ. فلا شَكَّ أنَّ ماهِيّةَوِينيّلعَدالةِ المُطلَقةِ یی الَّتي تُشاهَدُ آثارُها في الكائِناتِ یی لا تَقبَلُ أَبدًا، ولا تَرضَى مُطلَقًا، عَدَمَ بَعْثِ الظّالِمِين العُتاةِ معَ المَظلُومِين البائِسِين الَّذسِينَ َساوَوْن معًا أَمامَ المَوتِ.
— 129 —
وما دامَ مالِكُ المُلكِ قدِ اختارَ الأَرضَ مِنَ الكَوْنِ، واختارَ الإنسانَ مِنَ الأَرضِ، ووَهَبَ له مَكانةً سامِيةً، وأَوْلاه الِاهتِمامَ والعِنايةَ، واختارَ الأَنبِياءَ والأَوْل للإنسوالأَصْفِياءَ مِن بينِ النّاسِ، وهُمُ الَّذين انسَجَمُوا معَ المَقاصِدِ الرَّبّانِيّةِ، وحَبَّبُوا أَنفُسَهم إلَيه بالإيمانِ والتَّسلِيمِ، وجَعَلَهم أَوْلِياءَه المَحبُوبِين المُخاطَبِينَّمسِ أَكرَمَهم بالمُعجِزاتِ والتَّوفِيقِ في الأَعمالِ، وأَدَّبَ أَعداءَهم بالصَّفَعاتِ السَّماوِيّةِ، واصطَفَى مِن بينِ هؤُلاء المَحبُوبِينَ إمامَهم ورَمْزَ فَخرِهم واعتِزازِهم، ألا وهو مُحمَّدٌاوَنَتفنَوَّرَ بنُورِه نِصفَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ ذاتِ الأَهَمِّيّةِ، وخُمُسَ البَشَرِيّةِ ذَوِي الأَهَمِّيّةِ، طَوالَ قُرُونٍ عِدّةٍ، حتَّى كأنَّ الكائِناتِ قد خُلِقَت لِأَجلِه، لِبُروزِ غاياتِها جَميعًا به، وظُهُورِها بالدِّينِ نانِ ا بُعِث به، وانجِلائها بالقُرآنِ الَّذي أُنزِلَ علَيه؛ فبَينَما يَستَحِقُّ أن يُكافَأَ على خِدْماتِه الجَلِيلةِ غيرِ المَحدُودةِ بعُمُرٍ مَديدٍ غيرِ مَحدُودٍ وهو أَهلٌ له، إلَّا أنَّه قَضَى عُمُرًا قَصيرًا و تَلِيثٌ وسِتُّون سنةً في مُجاهَدةٍ ونَصَبٍ وتَعَبٍ! فهل يُمكِنُ، وهل يُعقَلُ مُطلَقًا، وهل هناك أيُّ احتِمالٍ ألَّا يُبعَث هو وأَمثالُه وأَحِبّاؤُه معًا؟! وألَّا يكونَ الآن حَيًّا برُوحِه؟! وأن يَفنَى نِهائيًّا ويَصيرَ إلى العَدَمِ؟ كلُّ هذ ثم كلَّا.. وحاشاه أَلْفَ أَلْفِ مَرّةٍ. نعم، إنَّ الكَوْنَ وجَميعَ حَقائقِ العالَمِ يَدعُو إلى بَعْثِه ويُرِيدُه ويَطلُبُ مِن ربِّ الكَوْنِ حَياتَه.
ولقد بَيَّنَتْ رِسالةُ "الآيةُ الكُبْرَى" وهي الشُّعاعُسَخَّابِعُ وأَثْبَتَتْ بثلاثةٍ وثلاثين إجماعًا عَظيمًا، كلٌّ مِنها كالجَبَلِ الأَشَمِّ في قُوّةِ حُجَّتِه، بأنَّ هذا الكَوْنَ لم يَصْدُر إلَّاك الأََدِ واحِدٍ أَحَدٍ، وليس مُلكًا إلَّا لواحِدٍ أَحَدٍ. فأَظهَرَتِ التَّوحِيدَ یی بتلك البَراهِينِ والمَراتِبِ بَداهةً یی أنَّه مِحوَرُ الكَمالِ الإلٰهِيّ وقُطْبُهَلاغةٍَّنَت أنَّه بالوَحدةِ والأَحَدِيّةِ يَتَحوَّلُ جَميعُ الكَونِ بمَثابةِ جُنُودٍ مُستَنفَرين لِذلك الواحِدِ الأَحَدِ، ومُوَظَّفين مُسَخَّرين له؛ وبمَجِيءِ الآخِرةِ ووُجُودِهاعَونِ قَّقُ كَمالاتُه وتُصانُ مِنَ السُّقُوطِ وتَسُودُ عَدالتُه المُطلَقةُ، وتَنجُو مِنَ الظُّلمِ، وتُنزَّهُ حِكمَتُه العامّةُ وتُبْرَأُ مِنَ العَبَثِ والسَّفاهةِ، وتَأخُذُ رَحمَتُه الواسِعةُ مَداها، وتُنقَذُ مِنَ التَّعذِيبِ المُشِينِ؛ وتَبدُو عِزّ
٭ قُدرَتُه المُطلَقَتانِ وتُنقَذان مِنَ العَجزِ الذَّليلِ؛ وتَتَقدَّسُ كلُّ صِفةٍ مِن صِفاتِه سُبحانَه وتَتَجلَّى مُنَزَّهةً جَليلةً.
فلا بُدَّ ولا رَيبَ مُطلَقًا أنَّ القِيامةَ ستَقُومُ، وأنَّ الحَشرَ والنُّشُورَ سيَحدُثُ، وأنَّ
— 130 —
ِ صُنعَ دارِ الثَّوابِ والعِقابِ ستُفتَحُ، بمُقتَضَى ما في حَقائقِ هذه الفِقْراتِ الثَّمانِيةِ المَذكُورةِ المُبتَدِئة بی"ما دامَ" الَّتي هي مَسأَلةٌ دَقِيقةٌ ونُكتةٌ ذاتُ مَغزًى لَطيفٍ مِن بينِ مِئاتِ النِّكاتِ الدَّقيقةِ للإيمانامُ بعه؛ وذلك كي تَتَحقَّقَ أَهَمِّيّةُ الأَرضِ ومَركَزِيَّتُها، وأَهَمِّيَّةُ الإِنسانيَّةِ ومَكانَتُها.. ولكي تَتَقرَّرَ عَدالةُ رَبِّ الأَرضِ والإنسانِ وحِكمَتُه ورَحمَتُه وسُلطانُه؛ ولكِنَ الُوَ الأَولِياءُ والأَحِبَّاءُ الحَقِيقيُّون والمُشتاقُون إلى الرَّبِّ الباقي مِنَ الفَناءِ والإعدامِ الأَبَدِيّ؛ ولكي يَرَى أَعظَمُهم وأَحَبُّهم وأَعَزُّهم ثَوابَ عَمَلِه، ونَتائِجَ خِدْماتِه الجَليلةِ الَّتي جَضائعِ الكائناتِ في امتِنانٍ ورِضًى دائمَينِ.. ولكي يَتَقدَّسَ كَمالُ السُّلطانِ السَّرمَدِيِّ مِنَ النَّقْصِ والتَّقصيرِ، وتَتَنزَّهَ قُدرَتُه مِنَ العَجْزِ، وتَبرَأَ حِكمَتُه مِرضِ كاَّفاهةِ، وتَتَعالَى عَدالَتُه عنِ الظُّلمِ.
والخُلاصةُ:ما دامَ اللهُ جلَّ جَلالُه مَوجُودًا فإنَّ الآخِرةَ لا رَيبَ فيها قَطعًا.
وكما تُثبِتُ الأَركانُ الإيمانيّةُ الثّلا يَقذِ المَذكُورةُ آنِفًا یی الحَشرَ بجَميعِ دَلائلِها وتَشهَدُ عليه، كذلك يَستَلزِمُ الرُّكنانِ الإيمانيّانِ "وبمَلائكَتِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تعالَى" أيضًا الحَشرَ، ويَشهَدانِ شَهادةً قَوِيدِّلةِى العالَمِ الباقي ويَدُلّانِ علَيه على النَّحوِ الآتي:
إنَّ جَميعَ الدَّلائلِ والمُشاهَداتِ والمُكالَماتِ الدّالّةِ على وُجُودِ المَلائكةِ ووَظائفِ عُبُودِيةً مِن، هي بدَوْرِها دَلائلُ على وُجُودِ عالَمِ الأَرواحِ وعالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَقاءِ وعالَمِ الآخِرةِ ودار السَّعادةِ والجَنّةِ والنّارِ اللَّتَينِ ستَعمُرانِ بالجِنِّ والإامُ.
أنَّ المَلائكةَ يُمكِنُهم یی بإذنٍ إلٰهِيٍّ یی أن يُشاهِدُوا هذه العَوالِمَ ويَدخُلُوها، لذا فالمَلائكةُ المُقرَّبُون يُخبِرُون بالاتِّفاقِ یی كجِبريلَ عَليهِ السَّلام الَّ، ولا لَ البَشَرَ یی بوُجُودِ تلك العَوالِمِ المَذكُورةِ وتَجْوالِهم فيها؛ فكما أنَّنا نَعلَمُ بَديهةً وُجُودَ قارّةِ أَمرِيكا الَّتي لم نَرَها مِن كَلامِ القادِمِين مِنها، كذالقُرآنُ الإيمانُ بديهةً بما أَخبَرَت به المَلائكةُ یی وهو بقُوّةِ مِئةِ تَواتُرٍ یی عن وُجُودِ عالَمِ البَقاءِ ودارِ الآخِرةِ والجَنّةِ والنّارِ.. وهكذا نُؤمِنُ ونُصَدِّقُ.
— 131 —
وكذلك الدَّلائلُ الَّتي تُثبِتُ "الإيمالسُّطُقَدَرِ" یی كما جاءَت في رِسالةِ القَدَرِ "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرين" یی هي بدَوْرِها دَلائلُ على الحَشرِ ونَشرِ الصُّحُفِ ومُوازَنةِ الأَعمالِ عِندَ المِيزانِ الأَكبَرِ، ذلك لأنَّ ما نَراه أمامَ أَعيُنِنا مِن تَدوِينِ مُقَدَّراتِ كلِّدِّمةٍعلى أَلواحِ النِّظامِ والمِيزانِ، وكِتابةِ أَحداثِ الحَياةِ ووَقائعِها لكلِّ ذي حَياةٍ في قُواه الحافِظةِ، وفي حُبُوبِه ونَواه، وفي سائرِ الأَلواحِ الِمثالِيّةِ؛ وتَثبِيتِ دَفاتِرِ الأَعمال الوَقِ ذِي رُوحٍ ولا سِيَّما الإنسانِ، وإقرارِها في أَلواحٍ مَحفُوظةٍ.. كلُّ هذا القَدْرِ مِنَ القَدَرِ المُحِيطِ، ومِنَ التَّقديرِ الحَكيمِ، ومِنَ التَّدوينِ الدَّقيقِ، ومِنَ الكِتابةإذ هو مينةِ، لا يُمكِنُ أن يكونَ إلَّا لِأَجْلِ مَحكَمةٍ كُبرَى، ولِنَيلِ ثَوابٍ وعِقابٍ دائمَينِ، وإلَّا فلا يَبقَى مَغزًى ولا فائدةٌ أبدًا لذلك التَّدوِينِ المُحِيطِ واِ إِذَةِ الَّتي تُسَجِّلُ وتَحفَظُ أَدَقَّ الأُمُورِ، فيَقَعُ إذًا ما هو خِلافُ الحِكمةِ والحَقيقةِ. كما أنَّه إن لم يَحدُثِ الحَشرُ فإنَّ جَميعَ مَعاني كِتابِ الكَونِ الحَقّةِ الَّتي كُتِبَت بقَلَمِ القَدَرِ سوف الأَرُ وتَفسُدُ! وهذا لا يُمكِنُ أن يكونَ مُطلَقًا، وليس له احتِمالٌ أبَدًا، بل هو مُحالٌ في مُحالٍ. كإنكارِ هذا الكونِ، بل هو هَذَيانٌ ليس إلَّا.
نَحصُلُ مِمّا تَقَدَّم: أنَّجَميعَ دَلائلِ أَركانِ الإيمانِ الخَمسةِ هي بدَوْرِها دَ إلى هعلى الحَشرِ ووُجُودِه، وعلى النُّشُورِ وحُدُوثِه، وعلى وُجُودِ الدّارِ الآخِرةِ وانفِتاحِ أَبوابِها؛ بل تَستَدعِيه وتَشهَدُ علَيه، لذا فإنَّه مِنلأَرزافاقِ الكامِلِ والانسِجامِ التّامِّ أن يَبحَثَ ثُلُثُ القُرآنِ الكَريمِ المُعجِزِ البَيانِ بكامِلِه عنِ الحَشرِ لِما له مِنَ الأُسُسِ والبَراهِينِ الَّتي لا تَتَزَعزَعُ، ويَجعَلَه أَساسًفصار اِيزةً لِجَميعِ حَقائقِه الَّتي يَرفَعُها على ذلك الحَجَرِ الأَساسِ.
(انتَهَتِ المُقدِّمة)
— 132 —
القِطعة الثانية مِن الذَّيل
هي الَّى إن الأوَّلُ مِن تِسعةِ مَقاماتٍ لِطَبَقاتِ البَراهِينِ التِّسعِ الَّتي تَدُور حَوْلَ الحَشرِ، والَّتي أَشارَت إلَيها بإعجازٍ الآيةُ الكَريمةُ الآتيةُ:
العَجِْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ٭ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ٭ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَه، ويُيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
سيُبيَّن یی إن شاءَ اللهُ یی ما أَظهَرَته هذه الآياتُ الكَريمةُ مِنَ البُرهانِ الباهِرِ والحُجّةِ القاطِعةِ للحَشرِ.
(حاشية): لَم يُكتَب هذا المَقام بَعدُ. رُ یی إنَّ مَسألةَ "الحَياةِ" وقَضيَّتَها لها عَلاقةٌ مَع الحَشرِ، فَقد أُدرِجَت هُنا. وفي خِتامِ هَذِه المَسألَة إشَارَاتُ الحَياةِ إلى الرُّكنِ الإيمانِيِّ "ا فِي ا"، وهي مَسألةٌ دَقيقة جِدًّا وعميقةٌ.
وقد بُيِّنَ في الخاصّةِ الثّامِنةِ والعِشرين مِنَ الحَياةِ: أنَّ الحَياةَ تُثبِتُ أَركانَ الإيمانِ السِّتّةَ، وتَتَوَجَّهُ نَحوَها وتُشِيرُ إلى تَحقِيقِها.
نعم، فما ِ والح "الحَياةُ" هي حِكمةَ خَلْقِ الكائناتِ، وأَهَمَّ نَتِيجَتِها وجَوهَرَها، فلا تَنحَصِرُ تلك الحَقيقةُ السّامِيةُ في هذه الحَياةِ الدُّنيا الفانِيةِ القَصيرةِ النّاقِصةِ المُؤلِمةِ، بل إنَّ الخَواصَّ التِّسعَ والعِشرِين للحَياةِ وعَظَمةَ لمُؤسَّتِها، وما يُفهَمُ مِن غايةِ شَجَرَتِها ونَتيجَتِها، وثَمَرتِها الجَديرةِ بعَظَمةِ تلك الشَّجَرةِ، ما هي إلَّا الحَياةُ الأَبَديّةُ والحَياةُ الآخِرةُ والحَياةُ الحَيّةُ بحَجَرِها وتُرابِها وشَجَرِها في دار السَّعادةِ ى مَرتدةِ؛ وإلَّا يَلزَمُ أن تَظَلَّ شَجَرةُ الحَياةِ المُجَهَّزةُ بهذه الأَجهِزةِ الغَزِيرةِ المُتَنوِّعةِ دُونَ حَقِيقةٍ ولا ثَمَرةٍ ولا فائِدةٍ تَعُودُ إلى ذَوِي الشُّعُورِ، ولا سِيَّما الإنسانٍِ، ولَظالنّاسلإنسانُ تَعِسًا وشَقِيًّا وذَليلًا وأَحَطَّ مِنَ العُصفُورِ بعِشرين دَرَجةً، مِن حَيثُ سَعادةُ الحَياةِ، معَ أنَّه
— 133 —
أَسمَى مَخلُوقٍ وأَكرَمُ ذَوِي الحَياةِ وأَرفَعُ مِنَ العُصفُورِ بعِشرِين دَرَجةً، بلِوفي كللُ الَّذي هو أَثمَنُ نِعمةٍ يُصبِحُ بَلاءً ومُصيبةً على الإنسانِ بتَفَكُّرِه في أَحزانِ الزَّمانِ الغابِرِ ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ، فيُعذِّبُ قَلْبَه دائمًا مُعَكِّرًا صَفْوَ لَذّةنُصُوصدةٍ بتِسعةِ آلامٍ!. ولا شَكَّ أنَّ هذا باطلٌ بمِئةِ دَرَجةٍ.
فهذه الحَياةُ الدُّنيا إذًا تُثبِتُ رُكْنَ "الإيمانِ بالآخِرةِ" إثباتًا قاطِعًا، وتُظهِرُ لنا في كلِّ رَبيعٍ أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةزَجَت ِ نَمُوذَجٍ مِن نَماذِجِ الحَشرِ.
فيا تُرَى هل يُمكِنُ لِرَبٍّ قَديرٍ، يُهيِّئُ ما يَلزَمُ حَياتَك مِنَ الحاجاتِ المُتَعلِّقةِ بها جَميعًا، ويُوَفِّرُ لك أَجهِزَتٍ فَمَِّها سَواءٌ في جِسمِك أو في حَدِيقَتِك أو في بلَدِك، ويُرسِلُه في وَقتِه المُناسِبِ بحِكمةٍ وعِنايةٍ ورَحمةٍ، حتَّى إنَّه يَعلَمُ رَغبةَ مَعِدَتِك فيما يَكفُلُ لك العَيشَ الشُّعاءَ، ويَسمَعُ ما تَهتِفُ به مِنَ الدُّعاءِ الخاصِّ الجُزئيِّ للرِّزقِ، مُبدِيًا قَبُولَه لذلك الدُّعاءِ بما بَثَّ مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ غيرِ اِن وَظودةِ ليُطَمْئِنَ تلك المَعِدةَ! فهل يُمكِنُ لِهذا المُدَبِّرِ القَديرِ ألّا يَعْرِفَك؟ ولا يَراك؟ ولا يُهيِّئَ الأَسبابَ الضَّرُورِيّةَ لِأَعظَمِ غايةٍ للإنسانِ وهي الحَياةُ الأَبَديّةُ؟ ولا يَستَجِيبَ لِأستَقبَ دُعاءٍ وأَهَمِّه وأَعَمِّه، وهو دُعاءُ البَقاءِ والخُلُودِ؟ ولا يَقبَلَه بإنشاءِ الحَياةِ الآخِرةِ وإيجادِ الجَنّةِ؟ ولا يَسمَعَ دُعاءَ هذا الإنسانِ وهو أَسمَى مَخلُوقٍ في الكَونِ بل هو سُلطبِحُ أأَرضِ ونَتيجَتُها.. ذلك الدُّعاءَ العامَّ القَوِيَّ الصّادِرَ مِنَ الأَعماقِ، والَّذي يَهُزُّ العَرْشَ والفَرْشَ! فهل يُمكِنُ ألّا يَهتَمَّ به اهتِمامَه بدُعاءِ المَعِدةِ الصَّغيرةِ ولا يُرضِيَ هذا الإنسانَ؟ ويُعَرِّضَ حِكمَلَأُ أكامِلةَ ورَحمَتَه المُطلَقةَ للإنكارِ؟! كلَّا.. ثمَّ كلَّا أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ كلَّا.
وهل يُعقَلُ أن يَسمَعُ أَخْفَتَ صَوْتٍ لِأَدنَى جُزئيٍّ مِنَ الحَياةِ فيَستَمِعَ لِشَكواه ويُسعِفَه، ويَحْلُمَ عليَّدريبَبِّيَه بعِنايةٍ كامِلةٍ ورِعايةٍ تامّةٍ وباهتِمامٍ بالِغٍ، مُسَخِّرًا له أَكبَرَ مَخلُوقاتِه في الكَوْنِ، ثمَّ لا يَسمَعَ صَوتًا كهَزِيمِ السَّماءِ لِأَعظَمِ حَياةٍ وأَسماها وأَلطَفِها وأَدْوَمِها؟ وهل يُعقَلُ ألَّا يَهتَمَّ بد؛ وقد المُهِمِّ وهو دُعاءُ البَقاءِ، وألَّا يَنظُرَ إلى تَضَرُّعِه ورَجائِه وتَوَسُّلِه؟ ويكونَ كمَن يُجَهِّزُ بعِنايةٍ كامِلةٍ جُندِيًّا واحِدًا بالعَتادِ، ولا يَرعَى
— 134 —
الجَيشَ الجَرّارَ المُوالِيَ له!! وكمَن يَرَى الذَّرّةَ ولا مِن ع الشَّمسَ! أو كمَن يَسمَعُ طَنِينَ الذُّبابِ ولا يَسمَعُ رُعُودَ السَّماءِ! حاشَ لله مِئةَ أَلفِ مرّةٍ حاشَ للهِ.
وهل يَقبَلُ العَقلُ یی بوَجهٍ مِنَ الأَوجُهِ یی أنَّ القَديرَ الحَكِيمَ ذا الرَّحمة..".
سِعةِ وذا المَحَبّةِ الفائِقةِ وذا الرَّأْفةِ الشّامِلةِ والَّذي يُحِبُّ صَنْعَتَه كَثيرًا، ويُحَبِّبُ نَفسَه بها إلى مَخلُوقاتِه وهو أَشَدُّ حُبًّا لِمَن يُحِبُّونه.. فهل يُعقَل، وهو ُفنِيَ حَياةَ مَن هو أَكثَرُ حُبًّا له، وأَهلٌ للحُبِّ، وعابِدٌ لِخالِقِه فِطرةً؟ ويُفنيَ كذلك لُبَّ الحَياةِ وجَوْهَرَها وهو الرُّوحُقِ أَجَوتِ الأَبَدِيِّ والإعدامِ النِّهائيِّ، ويُوَلِّدَ جَفْوةً بينَه وبينَ مُحِبِّيه ويُؤْلِمَهم أشَدَّ الإيلامِ، فيَجعَلَ سِرَّ رَحمَتِه ونُورَ مَحَبَّتِه مُعَرَّضًا للإنكارِ! حاشَ للهقرَؤُو مَرّةٍ حاشَ لله..
فالجَمالُ المُطلَقُ الَّذي زَيَّن بتَجَلِّيه هذا الكَونَ وجَمَّلَه، والرَّحمةُ المُطلَقةُ الَّتي أَبهَجَتِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً وزَيَّنَتها، لا شكَّ أنَّهما مُنَزَّهَتانِ ومُقَدَّسَتانِ بلا نهاأن يَنا حَدٍّ عن هذه القَساوةِ، وعن هذا القُبحِ المُطلَقِ والظُّلمِ المُطلَقِ.
النتيجةُ:ما دامَت في الدُّنيا حَياةٌ، فلا بُدَّ أنَّ الَّذين يَفهَمُون سِرَّ الحَياةِ مِنَ البَشَرِ، ولا يُسِيئُون اِّ إلىلَ حَياتِهم، يكُونُون أَهلًا لِحَياةٍ باقِيةٍ، في دارٍ باقِيةٍ، وفي جَنّةٍ باقِيةٍ.. آمَنّا.
ثمَّ، إنَّ تَلَأْلُؤَ المَوادِّ اللَّمَّاعةِ على سَطْحِ الأَرضِ، وتَلَمّنَ، ومفُقاعاتِ والحَبابِ والزَّبَدِ على سَطْحِ البَحْرِ، ثمَّ انطِفاءَ ذلك التَّلَألُؤِ والبَريقِ بزَوالِ الفُقاعاتِ، ولَمَعانَ الَّتي تَعقُبُها كأنَّها مَرايا لشُمَيولا شيخَيالِيّةٍ، يُظهِرُ لنا بَداهةً أنَّ تلك اللَّمَعاتِ ما هي إلَّا تَجَلِّي انعِكاسِ شَمْسٍ واحِدةٍ عالِيةٍ؛ وتَذكُرُ بمُختَلِفِ الأَلسِنةِ وُجُودَ الشَّمسِ، وتُشِيرُ إلَيها بأَصابِعَ مِن نُورٍ.. وكذل دَقِيمرُ في تَلَألُؤِ ذَوِي الحَياةِ على سَطْحِ الأَرضِ وفي البَحْرِ، بالقُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وبتَجَلِّي اسمِ "المُحيِي" للحَيِّ القَيُّومِ الأَشجَلالُه، واختِفائِها وَراءَ سِتارِ الغَيبِ لِفَسْحِ المَجالِ للَّذي يَخلُفُها بعدَ أن رَدَّدَت: "يا حَيُّ"، ما هي إلَّا شَهاداتٌ وإشاراتٌ للحَياةِ السّما العيّةِ، ولِوُجُوبِ وُجُودِ الحَيِّ القَيُّومِ سُبحانَه وتَعالَى.
وكذا، فإنَّ جَميعَ الدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ على العِلمِ الإلٰهِيِّ الَّذي تُشاهَدُي مَسجه مِن
— 135 —
تَنظِيمِ المَوجُوداتِ، وجَميعَ البَراهِينِ الَّتي تُثبِتُ القُدرةَ المُتَصرِّفةَ في الكَوْنِ، وجَميعَ الحُجَجِ الَّتي تُثبِتُ الإرادةَ والمَشِيئةَ المُهَيمِنةَ على إدارةِ الكَونِ وتَنظِيمِه، وجَميعَ العَلاماتِ والمُعجِزاالِها َتي تُثبِتُ الرِّسالاتِ الَّتي هي مَدارُ الكَلامِ الرَّبّانِيِّ والوَحْيِ الإلٰهِيِّ.. جَميعَ هذه الدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ وتَدُلُّ على الصِّفاتِ الإلٰهِيّةِ السَّبعِ الجَلِيلةِ، تَدُلُّ وتَشهَدُ أيضًا بالاتِّفاقِ على حَياةِ "الحَيِّ القََرُ مِ" سُبحانَه؛ لأنه لو وُجِدَتِ الرُّؤيةُ في شيءٍ فلا بُدَّ أنَّ له حياةً أيضًا، ولو كان له سَمْعٌ فذلك عَلامةُ الحَياةِ، ولو وُجِدَ الكَلامُ فهو إشارةٌ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ولو كان هناك الِاختِيارُ والإرادةُ فتلك مَظاهِرانُ قدياةِ.. وهكذا، فإنَّ جَميعَ دَلائلِ الصِّفاتِ الجَليلةِ الَّتي تُشاهَدُ آثارُها ويُعلَمُ بَداهةُ وُجُودِها الحَقيقيِّ، أَمثالَ القُدرةِ المُطلَقةِ، والإرادةِ الِ یی اةِ، والعِلمِ المُحِيطِ، تَدُلُّ على حَياةِ "الحَيِّ القَيُّومِ"، ووُجُوبِ وُجُودِه، وتَشهَدُ على حَياتِه السَّرمَدِيّةِ الَّتي نَوَّرَتْ بشُعاعٍ مِنها جَميعَ الكَوْنِ، وأَحْيَت بتَجَلٍّ مِنها الدّارَ الآخِرةةِ اللَها بذَرّاتِها معًا..
والحَياةُ كذلك تَنظُرُ وتَدُلُّ على الرُّكنِ الإيمانِيِّ:"الإيمانُ بالمَلائِكةِ"،وتُثْبِتُه رَمْزًا.
إذ ما دامَتِ الحَياةُ هي أَهَمَّ نَتِيجةٍ للكَوْنِ، وأنَّ ذَئِغٌ محَياةِ لِنَفاسَتِهم هم أَكثَرُ انتِشارًا وتَكاثُرًا، وهُمُ الَّذين يَتَتابَعُون إلى دارِ ضِيافةِ الأَرضِ قافِلةً إِثْرَ قافِلةٍ، فتَعْمُرُ بهم وتَبتَهِجُ؛ وما دامَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ هي مَحَطُّ هذا السَّيلِ جَمالِوِي الحَياةِ، فتُملَأُ وتُخلَى بحِكمةِ التَّجدِيدِ والتَّكاثُرِ باستِمرارٍ، ويُخلَقُ في أَخَسِّ الأَشياءِ والعُفُوناتِ ذَوُو حَياةٍ بغَزارةٍ، حتَّى أَصبَحَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ مَعرِضا حِكمًّا للأَحياءِ؛ وما دامَ يُخلَقُ بكَثرةٍ هائلةٍ على الأَرضِ أَصفَى خُلاصةٍ لِتَرَشُّحِ الحَياةِ وهو الشُّعورُ والعَقلُ وجَوهَرُها اللَّطيفُ الثّابتُ وهو الرُّوحُ، فكأَنَّ الأَرضَ تَحيا وتَتَجمَّلُ بالحَياةِ والعَقلِ والشُّعورِ واوالآخِحِ.. فلا يُمكِنُ أن تكُونَ الأَجرامُ السَّماوِيّةُ الَّتي هي أَكثَرُ لَطافةً وأَكثَرُ نُورًا وأَعظَمُ أَهَمِّيّةً مِنَ الأَرضِ جامِدةً بلا حَياةٍ وبلا شُعُورٍ. فالَّذين سيَعْمُرُون السَّماواتِ إذًا يَعْمُرحَارُ ويُبهِجُون الشُّمُوسَ والنُّجُومَ، ويَهَبُون لها الحَيَويّةَ، ويُمَثِّلون نَتيجةَ خَلْقِ السَّماواتِ وثَمَرَتَها، والَّذين سيَتَشرَّفُون بالخِطاباتِ السُّبحانيّةِ، هم ذَوُو شُعُورٍ وذَوُو حَياةٍ مِن
— 136 —
سُكّانلشَّرفَماواتِ وأَهالِيها المُتَلائِمِين معَها حيثُ يُوجَدُون هناك بسِرِّ الحَياةِ، وهُمُ المَلائكةُ.
وكذلك يَنظُرُ سِرُّ الحَياةِ وماهِيَّتُها ويَتَوَجَّهُ إلى"الإيمانِ بالرُّسُلِ"ويُثْبِتُه رَمْزًا.
نعم، ما دامَ الكَونُ قد خُلِقَ لِأَلَا تلحَياةِ، وأنَّ الحَياةَ هي أَعظَمُ تَجَلٍّ وأَكمَلُ نَقْشٍ وأَجمَلُ صَنْعةٍ للحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُه، وما دامَت حَياتُه السَّرمَدِيّةُ الخالِدةُ تُظهِرُ وتَكشِفُ عن نَفسِها بإرسالِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ، َيرَ ولم تَكُن هناك "رُسُلٌ" ولا "كُتُبٌ" لَما عُرِفَت تلك الحَياةُ الأَزَليّةُ، فكما أنَّ تَكَلُّمَ الفَرْدِ يُبيِّنُ حَيَويَّتَه وحَياتَه، كذلك الأَنبِياءُ والرُّسُلُ عَلَيهم السَّلَام واِ اختُِ المُنزَّلةُ عليهم يُبيِّنُون ويَدُلُّون على ذلك المُتكَلِّمِ الحَيِّ الَّذي يَأمُرُ ويَنهَى بكَلِماتِه وخِطاباتِه مِن وَراءِ الغَيبِ المَحجُوبِ وَراءَ سِتارِ الكَونِ؛ فلا بُدَّ أنَّ الحَياةَ الَّتي فيَسْبِ ْنِ كما تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على "الحَيِّ الأَزَليِّ" سُبحانَه وتَعالَى، وعلى(&üجُوبِ وُجُودِه، كَذلِك تَدُلُّ أَركانُ الإيمانِ مِثلَ "إرسالِ الرُّسُلِ" و"إنزالِ الكُتُبِ"،َرِها،لأَركانُ الَّتي هي شُعاعاتُ الحَياةِ الأَزَليّةِ وتَجَلِّياتُها وتُثبِتُهما رَمْزًا، ولا سيَّما "الرِّسالةُ المُحمَّديّةُ" و"الوَحْيُ القُرآنِيُّ"، إذ يَصِحُّ القَولُ: إنَّهما ثابِتانِ قاطِعانِ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ الحَي لا بُيث إنَّهما بمَثابةِ رُوحِ الحَياةِ وعَقلِها.
نعم، كما أنَّ الحَياةَ هي خُلاصةٌ مُتَرَشِّحةٌ مِن هذا الكَونِ، والشُّعُورَ والحِسَّ مُتَرَشِّحانِ مِنَ الحَياةِ، فهما خُلاصَتُها، والعَقلَ مَتَرَشِّحٌ مِنَ الشُّعُورِ وويَّ؛ ِ، فهو خُلاصةُ الشُّعُورِ، والرُّوحَ هي الجَوهَرُ الخالِصُ الصّافي للحَياةِ، فهي ذاتُها الثّابِتةُ المُستَقِلّةُ؛ كذلك الحَياةُ المُحَمَّديّةُ المادِّيّةُ والمَعنَويّةُ مُتَرَشِّحةٌ مِنَ الحَياةِ ومِن رُوحِ الكَونِ، فهي خُلاصةأَلفِ صَتِها، والرِّسالةُ المُحمَّديّةُ مُتُرَشِّحةٌ مِن حِسِّ الكَونِ وشُعُورِه وعَقلِه، فهي أَصفَى خُلاصَتِه، بل إنَّ حَياةَ مُحمَّدٍ (ص) المادِّيّةَ والمَعنَويّةَ بى يُقتِ آثارِها حَياةٌ لِحَياةِ الكَونِ، والرِّسالةَ المُحمَّديّةَ شُعُوٌر لِشُعُورِ الكَونِ ونُورٌ له؛ والوَحْيَ القُرآنِيَّ بشَهادةِ حَقائقِه الحَيَويّةِ رُوحٌ لِحَينِ الأكَونِ وعَقلٌ لِشُعُورِه.. أجل.. أجل.. أجل.
— 137 —
فإذا ما فارَقَ نُورُ الرِّسالةِ المُحمَّديّةِ الكَونَ وغادَرَه، ماتَ الكَونُ وتُوُفِّيَتِ الكائِناتُ، وإذا ما غابَ القُرآنُ وفارَقَ الكَونَ، جُنَّ جُنَُّدُ رفَقَدَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ صَوابَها، وزُلزِلَ عَقلُها، وظَلَّت بلا شُعُورٍ، واصطَدَمَت بإحدَى سَيّاراتِ الفَضاءِ، وقامَتِ القِيامةُ.
والحَياةُ كذلك، تَنظُرُ إلى الرُّكنِ الإيمانظَلَّ القَدَر"،وتَدُلُّ عليه وتُثبِتُه رَمْزًا.
إذ ما دامَتِ الحَياةُ ضِياءً لِعالَمِ الشَّهادةِ وقدِ استَوْلَت عليه وأَحاطَت به، وهي نَتِيجةُ الوُجُودِ وغايَتُه، وأَوسَعُ مِرآةٍ لِتَجَلِّياتِ خالِقِ الكَونِ، وأَتَمُّ ، فالسٍ ونَمُوذَجٍ للفَعّالِيّةِ الرَّبّانيّةِ، حتَّى كأنَّها بمَثابةِ نَوعٍ مِن خُطَّتِها ومَنهَجِها یی إذا جازَ التَّشبيهُ یی فلا بُدَّ أنَّ سِرَّ الحَياةِ يَقتَضي أن يكُونَ عالَمُ الغَيبِ أيضًا یی وهو بُلطان الماضي والمُستَقبَلِ، أي: المَخلُوقاتُ الماضِيةُ والقابِلةُ یی في نِظامٍ وانتِظامٍ، وأن يكُونَ مَعلُومًا ومَشهُودًا ومُتَعيِّنًا ومُتَهَيِّئًا لِامتِثالِ الأَوامِرِ التَّكَفِيقًةِ، أي: كأَنَّه في حَياةٍ مَعنَويّةٍ؛ مَثَلُها كمَثَلِ تلك البِذرةِ الأَصليّةِ للشَّجَرةِ وأُصُولِها، والنَّوَى في أَثمارِها الَّتي في مُنتَهاها، الَّتي تَتَميَّزُ بمَزايا نَوْعٍ مِنَأنَّ ااةِ كالشَّجرةِ نَفسِها، بل قد تَحمِلُ تلك البُذُورُ قَوانينَ حَياتيّةً أَدَقَّ مِن قَوانينِ حَياةِ الشَّجَرةِ.
فكما أنَّ البُذُورَ والأُصُولَ الوجُوداَلَّفَها الخَريفُ الماضي وسيَخْلُفُها هذا الرَّبيعُ، تَحمِلُ نُورَ الحَياةِ وتَسِيرُ وَفْقَ قَوانينَ حَياتيّةٍ، مِثلَ ما يَحمِلُه هذا الرَّبيعُ مِن حَياةٍ، كذلك شَجَرةُ الكائناتِ، وكلُّ غُصْنٍ مِنها وكلي وَحدْعٍ له ماضِيه ومُستقبَلُه، وله سِلسِلةٌ مُؤلَّفةٌ مِنَ الأَطوارِ والأَوضاعِ، القابِلةِ والماضِيةِ، ولكلِّ نَوعٍ ولِكلِّ جُزءٍ مِنه وُجُودٌ مُتَعدِّدٌ بأَطوارٍ مُختَلِفةٍ في العِلمِ الإلٰهِيِّ،لسِّنيِّلًا بذلك سِلسِلةَ وُجُودٍ عِلْمِيٍّ؛ والوُجُودُ العِلمِيُّ هذا یی كالوُجُودِ الخارِجِيِّ یی مَظهَرٌ لِتَجَلٍّ مَعنَوِيٍّ للحَياةِ العامّةِ، حيثُ تُؤخَذُ المُقَدَّراتُ الحَياتيّةُ مِن تلك الأَلواحِ القَدَرِيّةِ الحَيّةِ ذاتِ المَغزَى العَظيمِوانِ یعم، إنَّ امتِلاءَ عالَمِ الأَرواحِ یی وهو نَوعٌ مِن عالَمِ الغَيبِ یی بالأَرواحِ الَّتي هي عَينُ الحَياةِ ومادَّتُها، وجَوهَرُها وذَواتُها، يَستَلزِمُ أن يكُونَ الماضي والمُستَقبَلُ یی وهما
— 138 —
نَوعانِ مِنُقاوَمِ الغَيبِ وقِسمٌ ثانٍ مِنه یی مُتَجَلِّيةً فيهما الحَياةُ.. وكذا فإنَّ الِانتِظامَ التّامَّ والتَّناسُقَ الكامِلَ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ لِأَوْضاعٍ ذاتِ مَعانٍ ائعِ صةٍ لِشَيءٍ مّا ونَتائجَه وأَطوارَه الحَيَوِيّةَ، لَيُبيِّنُ أنَّ له أَهلِيّةً لِنَوعٍ مِنَ الحَياةِ المَعنَويّةِ.
نعم، إنَّ مِثلَ هذا التَّجَلِّي یی تَجَلِّي الحَياةِ الَّذي هو هو كا شَمسِ الحَياةِ الأَزَليّةِ یی لن يَنحَصِرَ في عالَمِ الشَّهادةِ هذا فقط، ولا في هذا الزَّمانِ الحاضِرِ، ولا في هذا الوُجُودِ الخارِجِيِّ، بل لا بُدَّ أنَّ كُلَّ عالَمٍ مِنَ العَ الأَخ مَظهَرٌ مِن مَظاهِرِ تَجَلِّي ذلك الضِّياءِ حَسَبَ قابِلِيَّتِه؛ فالكَوْنُ إذًا بجَميعِ عَوالِمِه حَيٌّ ومُشِعٌّ مُضِيءٌ بذلك التَّجَلِّي، وإلَّا لَأَصبَحَ كُلٌّ مِنَ العَوالِي وعُوكما تَراه عَينُ الضَّلالةِ یی جِنازةً هائلةً مُخِيفةً تحتَ هذه الحَياةِ المُؤقَّتةِ الظّاهِرةِ، وعالَمًا خَرِبًا مُظلِمًا.
وهكذا يُفهَمُ وَجهٌ مِن أَوْجُهِ الإيمانِ بالقَُنيا إالقَدَرِ مِن سِرِّ الحَياةِ ويَثبُتُ به ويَتَّضِحُ، أي: كما تَظهَرُ حَيَويّةُ عالَمِ الشَّهادةِ والمَوجُوداتِ الحاضِرةِ بانتِظامِها وبنَتائِجِها، كذلك المَخلُوقاتُ الماضِيةُ والآتةِ الللَّتي تُعَدُّ مِن عالَمِ الغَيبِ لها وُجُودٌ مَعنَوِيٌّ، ذُو حَياةٍ مَعنًى، ولها ثُبُوتٌ عِلمِيٌّ ذُو رُوحٍ بحَيثُ يَظهَرُ باسمِ المُقَدَّراتِ أَثَرُ تلك الحَياةِ المَعنَويّةِ بوَساطةِ لَوْحِ القَضاءِ والقَدَرِ.
— 139 —
القِطعةرةُ اللثةُ مِن الذَّيل
سؤالٌ يَرِدُ بمُناسَبةِ مَبحَثِ الحَشرِ:
إنَّ ما وَرَد في القُرآنِ الكَريمِ مِرارًا: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَمَا أَمْرُ ابةِ الَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، يُبيِّنُ لنا أنَّ الحَشرَ الأَعظَمَ سيَظهَرُ فَجأةً إلى الوُجُودِ، في آنٍ واحِدٍ بلا زَمانٍ؛ ولكنَّ العُقُولَ الضَّيِّقةَ تَطلُبُ أَمثِلةً واقِعِيّةً مَشهُودةً كي تَقبَلَ وتُذعِنَ لهذاعانٍ جَثِ الخارِقِ جِدًّا والمَسأَلةِ الَّتي لا مَثِيلَ لها.
الجَوابُ:إنَّ في الحَشرِ ثلاثَ مَسائلَ هي: عَودةُ الأَرواحِ إلى الأَجسادِ، وإحياءُ الأَجسادِ، وإنشاءُ الأَجسادِ وبِناؤضُهُ م المَسأَلةُ الأُولَى
وهي مَجِيءُ الأَرواحِ وعَودَتُها إلى أَجسادِها
ومثالُه هو:اجتِماعُ الجُنُودِ المُنتَشِرين في فَترةِ الِاستِراحةِ والمُتَفَرِّقين في شَتَّى الجِهاتِ على الصَّوتِ المُدَوِّي للبُوقِ العَسكَرِيِّ.
نعم، إن الصُّوْرُ أن يذي هو بُوقُ إسرافيلَ عَليهِ السَّلام، ليس قاصِرًا عنِ البُوقِ العَسكَريِّ، كما أنَّ طاعةَ الأَرواحِ الَّتي هي في جِهةِ الأَبَدِ وعالَمِ الذَّرّاتِ والَّتي أَجابَت بی قَالُوا بَلَى عِندَما سَمِعَت نِداءَ: أَلَسْتُ بِرَبِّیكُمْ المُقبِل ى اِقأَعماقِ الأَزَلِ، ونِظامَها يَفُوقُ بلا شَكٍّ أَضعافَ أَضعافِ ما عِندَ أَفرادِ الجَيشِ المُنَظَّمِ. وقد أَثبَتَتِ "الكَلِمةُ الثلاثون" ببَراهِينَ دامِغةٍ أنَّ الأَرواحَ ليسَت وَحدَها جَيشًا سُبحانيًّا، بل جَميعُ الكَرّاتِ أيضًا جُنُودُه المُتَأَهِّبُون للنَّفِيرِ العامِّ.
— 140 —
المَسأَلةُ الثانيةُ
وهي إحياءُ الأَجسادِ
ومثالُه هو:مِثلَما يُمكِنُ إنِ للإنِئاتِ الآلافِ مِنَ المَصابيحِ الكَهرَبائيّةِ لَيلةَ مَهرَجانِ مَدينةٍ عَظِيمةٍ، مِن مَركَزٍ واحِدٍ في لَحظةٍ واحِدةٍ، كأنَّها بلا زَمانٍ، كذلك يُمكِنُ إنارةُ مِئاتِ المَلايِينِ مِن المَصابِيحِ على سَطْحِ الأ خِلالِن مَركَزٍ واحِدٍ؛ فما دامَتِ الكَهرَباءُ وهي مَخلُوقةٌ مِن مَخلُوقاتِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى وخادِمةُ إضاءةٍ في دارِ ضِيافَتِه، لها هذه الخَصائصُ والقُدرةُ على القاهَدتُبأَعمالِها حَسَبَ ما تَتَلقّاه مِن تَعلِيماتٍ وتَبلِيغاتٍ ونِظامٍ مِن خالِقِها، فلا بُدَّ أنَّ الحَشرَ الأَعظَمَ سيَحدُثُ كلَمحِ البَصَرِ ضِمنَ قَوانينَ مُنَظَّمةٍ للحِكمةِ الإلٰهِيّة الَّتي يُمَثِّلُها آلافُ الخَدَمِ المُنَوَّرِين كالضاءُ ااءِ.
المَسأَلةُ الثالثة
وهي إنشاءُ الأجسادِ فَورًا
ومثالُه هو: إنشاءُ جَميعِ الأَوراقِ لعُمُومِ الأَشجارِ الَّتي يَزيدُ عَدَدُها أَلفَ مَرّةٍ على مَجمُوعِ البَشَريّةِ، دَفعةً واحِدةً في غُضُونِ بِضعةِ أيّامٍ في الرَّبيعِ، وبشَكمَثَلَِلٍ، وبالهَيئةِ نَفسِها الَّتي كانَت علَيها في الرَّبيعِ السّابِقِ.. وكذلك إيجادُ جَميعِ أَزهارِ الأَشجارِ وثِمارِها وأَوراقِها بسُرعةٍ خاطِفةٍ، كما كانَت في الرَّبيعِ الماضي.. وكذلك تَدُودٍ ُ البُذَيراتِ والنُّوَيِّ والبُذُورِ وهي لا تُحصَى ولا تُعَدُّ، والَّتي هي مَنشَأُ ذلك الرَّبيعِ، في آنٍ واحِدٍ معًا، وانكِشافُها وإحياؤُها.. وكذلك نُشُورُ الجُثَثِ المُنتَصِبةِ والهَياكِلِ العَظمِيّةِ للأَشجارِ، وامتِثالُهاَفَدتًَا لِأَمرِ "البَعْثِ بعدَ المَوْتِ".. وكذلك إحياءُ أَفرادِ أَنواعِ الحَيَواناتِ الدَّقيقةِ وطَوائفِها الَّتي لا حَصْرَ لها بمُنتَهَى الدِّقّةِ والإتقانسِنِ.َذلِك حَشْرُ أُمَمِ الحَشَراتِ ولا سِيَّما الذُّبابِ "الماثِلِ أَمامَ أُعيُنِنا والمُلاطِفِ لوُجُوهَنا والَّذي يُذَكِّرُنا بالوُضُوءِ والنَّظافةِ لقِيامِه بتَنظِيفِ يَدَيه وعُيُونِه وجَناحَيه باستِمرارٍ" الَّذي يَفُوقُ عَدَدَ ما يُنش استِبنه في سنةٍ واحِدةٍ عَدَدَ بَنِي آدمَ جَميعِهم مِن لَدُن آدَمَ عَليهِ السَّلام.. والَّذي يُحشَرُ
— 141 —
في كلِّ رَبيعٍ مع سائرِ الحَشَراتِ الأُخرَى ويُحْيَا في بِضعةِ أيّامٍ.. فهَذِه النَّماذِجُ لا تُعطِينا مِثالًا واحِدًا، بل آلافَ ا يُهيّلةِ على إِنشاءِ الأَجسادِ البَشَريّةِ فَوْرًا يومَ القِيامةِ.
نعم، لَمّا كانَتِ الدُّنيا هي دارَ "الحِكمةِ"، والدّارُ الآخِرةُ هي دارَ "القُدرةِ"، فإنَّ إيجادَيكُونُياءِ في الدُّنيا صارَ بشيءٍ مِنَ التَّدريجِ ومعَ الزَّمَنِ، بمُقتَضَى الحِكمةِ الرَّبّانيّةِ وبمُوجَبِ أَغلَبِ الأَسماءِ الحُسنَى أَمثالَ: "الحَكيمِ، المُرَتِّبِ، المُدَبِّرِ، المُرَبِّي".
في أَح في الآخِرةِ فإنَّ "القُدرةَ" و"الرَّحمةَ" تَتظاهَرانِ أَكثَرَ مِنَ "الحِكمةِ"، فلا حاجةَ إلى المادّةِ والمُدّةِ والزَّمَنِ ولا إلى الِا
ومِ؛ فالأَشياءُ تُنشَأُ هناك نَشأةً آنِيّةً. وما يُشِيرُ إليه القُرآنُ الكَريمُ بی مَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، هو أنَّ ما يُنشَأُ هنا مِنَ الأَشياءِ في يومٍ واحِدٍ والنةٍ واحِدةٍ، يُنشَأُ في لَمحةٍ واحِدةٍ كلَمْحِ البَصَرِ في الآخِرةِ.
وإذا كُنتَ تَرغَبُ أن تَفهَمَ أنَّ مَجِيءَ الحَشرِ أَمرٌ قَطعِيٌّ كقَطْعِيّةِ مَجِيءِ الرَّبيعِ اِ السّلِ وحَتمِيَّتِه، فأَنعِمِ النَّظَرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" و"الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرين"، وإن لم تُصَدِّق به كمَجِيءِ هذا الرَّبيعِ، فلكالمُنوحاسِبَني حِسابًا عَسِيرًا.
المسألة الرابعة
وهي موت الدُّنيا وقيام الساعة
ومثالُه:لوِ اصْطَدَمَ كَوْكَبٌ سَيّارٌ أو مُذَنَّبٌ بأَمرٍ رَبّانِيٍّ بكُرَتِنا الأَرضِيّةِ الَّتي هي دارُ ضِيافَتمِنَ اَدَمَّرَ مَأوانا ومَسكَنَنا یی أي: الأَرضَ یی كما يُدمَّرُ في دَقيقةٍ واحِدةٍ قَصرٌ بُنِيَ في عَشْرِ سَنَواتٍ.
— 142 —
القِطعةُ الرابعة من الذَّيل
قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٭ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَشْيَارأَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
لقد جاءَ في المِثالِ الثّالِثِ في الحَقيقةِ التّاسِعةِ للكَلِمةِ العاشِرةِ أنَّه: إذا قالَ لك أَحَدُهم: إنَّ شَخصًا عَظِاليَساي الوَقتِ الَّذي يُنشِئُ أَمامَ أَنظارِنا جَيشًا ضَخْمًا في يومٍ واحِدٍ يُمكِنُه أن يَجمَعَ فِرقةً كامِلةً مِنَ الجُنُودِ المُتَفرِّقين للِاستِراحةِ بنَفْخٍ مِن بُوقٍ، ويَجعَلَهم يَنضَوُون تحتَ نِظامِ الفِر أن تُقُلتَ: لا، لا أُصَدِّقُ ذلك! ألَا يَكُونُ جَوابُك وإنكارُك جُنُونًا وبَلاهةً؟ كذلك، فإنَّ الَّذي أَوْجَدَ أَجسادَ الحَيَواناتِ كافّةً، وذِلاءِ لحَياةِ كافّةً مِنَ العَدَمِ، تلك الأَجسادَ الَّتي هي كالفِرَقِ العَسكَرِيّةِ للكائناتِ الشَّبِيهةِ بالجَيشِ الضَّخمِ، ونَظَّم ذَرّاتِها ولَطائِفَها ووَضَعَها في مَوضِعِها اللّائقِ، بنِظاٍم كامِلٍ ومِيزانٍ حتٍ رائ بأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ، وهو الَّذي يَخلُقُ في كلِّ قَرْنٍ بل في كُلِّ رَبيعٍ مِئاتِ الآلافِ مِن أَنواعِ ذَوِي الحَياةِ وطَوائفِها الشَّبِيهةِ بالجَيشِ.. فهل يُمكِنُ أن ةٍ مُفَ هذا القَدِيرُ وهذا العَلِيمُ كيف سيَجمَعُ بصَيحةٍ واحِدةٍ مِن بُوقِ إسرافيلَ جَميعَ الذَّرّاتِ الأَساسِيّة والأَجزاءِ الأَصلِيّةِ مِنَ اتَغرَقدِ المُتعارِفِين تحتَ لِواءِ فِرقةِ الجَسَدِ ونِظامِها؟! وهل يُمكِنُ أن يُستَبعَدَ هذا مِنه؟ أوَلَيسَ استِبعادُه بَلاهةً وجُنُونًا؟!
وكذلك فإنَّ القُرآنَ الَ، وم قد يَذكُرُ مِن أَفعالِ اللهِ الدُّنيَويّةِ العَجِيبةِ والبَديعةِ كي يُعِدَّ الأَذهانَ للتَّصدِيقِ، ويُحضِرَ القُلُوبَ للإيمانِ بأَفعالدرةِ.
ُعجِزةِ في الآخِرةِ؛ أو أنَّه يُصَوِّرُ الأَفعالَ الإلٰهِيّةَ العَجِيبةَ الَّتي ستَحدُثُ في المُستَقبَلِ والآخِرةِ بشَكلٍ نَقْنَعُ ونَطمَئِنُّ إليه بما نُشاهِدُه مِن نَظائر تُرِيعَدِيدةِ.فمثلًا:أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إلى آخِرِ سُورةِ (يسٓ).. هنا في قَضيّةِ الحَشرِ، يُثبِتُ القُرآنُ الكَريمُ ويَسُوقُ البَراهِينَ علَيها، بسَبعٍ أو ثَماني صُوَما بِاتَلِفةٍ مُتنَوِّعةٍ.
— 143 —
إنَّه يُقدِّمُ النَّشأةَ الأُولَى أوَّلًا، ويَعرِضُها للأَنظارِ قائلًا: إنَّكم تَرَون نَشْأَتَكم مِنَ النُّطفةِ إلى العَلَقةِ ومِنَ العَلَقةِ إلى المُضغةِ ومِنَ المَاجَةُإلى خَلْقِ الإنسانِ، فكيف تُنكِرُون إذًا النَّشأةَ الأُخرَى الَّتي هي مِثلُ هذا بل أَهوَنُ مِنه؟! ثمَّ يُشِيرُ بی الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا وارِ تلك الآلاءِ وذلك الإحسانِ والإنعامِ الَّذي أَنعَمَه الحَقُّ سُبحانَه على الإنسانِ، قائِلًا: إنَّ الَّذي يُنعِمُ علَيكم مِثلَ هذه النِّعَمِ، لن يَترُكَكم سُدًى ولا عَبَثًا، لِتَدخُلُوا القَبْرَ وتَنامُوا دُونَ قِيامٍ..
ثمَّ إِ
فَقولُ رَمْزًا: إنَّكم تَرَون إحياءَ واخضِرارَ الأَشجارِ المَيتةِ، فكيف تَستَبعِدُون اكتِسابَ العِظامِ الشَّبِيهةِ بالحَطَبِ للحَياةِ ولا تَقِيسُون عليها؟! ثم هل يُمكِنُ أن يَعجِزَ مَن خَلَق السَّماواتِ وايُوسُفعن إحياءِ الإنسانِ وإماتَتِه وهو ثَمَرةُ السَّماواتِ والأَرضِ؟! وهل يُمكِنُ لِمَن يُدِيرُ أَمرَ الشَّجرةِ ويَرعاها أن يُهمِلَ ثَمَرتَها ويَترُكَها للآخَرين؟! فهل تَظُنُّون أن يَتْرُك للعَ والنّشَجَرةَ الخِلقةِ" الَّتي عُجِنَت جَميعُ أَجزائِها بالحِكمةِ، ويُهمَلَ ثَمَرتُها ونَتيجَتُها؟!
وهكذا، فإنَّ الَّذي سيُحْيِيكم في الحَشرِأَيضًان بِيَدِه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرضِ، وتَخضَعُ له الكائناتُ خُضُوعَ الجُنُودِ المُطِيعين لِأَمرِه، فيُسَخِّرُهم بأَمرِ كُنْ فَيَكُونُ تَسخِيرًا كامِلًا.. ومَن عِندَه خَلْقُ الرَّبيعُ يَامٍ بتوهَيِّنٌ كخَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وإيجادِ جَميعِ الحَيَواناتِ سَهلٌ على قُدرَتِه كإيجادِ ذُبابةٍ واحِدةٍ.. فلا ولن يُسأَلَ للتَّعجِيزِ صاحِبُ هذه القُدرةِ: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ؟
ثمَّ إنَّه بعِبارةِ: فَمَعقُوانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يُبيِّنُ أنَّه سُبحانَه بيَدِه مَقالِيدُ كُلِّ شيءٍ، وعِندَه مَفاتيحُ كلِّ شيءٍ، يُجُورَهُ اللَّيلَ والنَّهارَ، والشِّتاءَ والصَّيفَ، بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ كأَنَّها صَفَحاتُ كِتابٍ، والدُّنيا والآخِرةُ هما عِندَه كمَنزِلَينِ يُغلِقُ هذا ويَفتَدَ الم؛ فما دامَ الأَمرُ هكذا فإنَّ نَتيجةَ جَميعِ الدَّلائلِ هي: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: إنَّه يُحيِيكم مِنَ القَبْرِ، ويَسُوقُكم إلى الحَشرِ، ويُوَفِّي حِسابَكم عندَ دِيوانِه المُقَدَّسِ.
وهكذا تَرَى أنَّ َّا لِآياتِ قد هَيَّأَتِ الأَذهانَ، وأَحضَرَتِ القُلُوبَ لِقَبُولِ قَضِيّةِ الحَشرِ، بإظهارِها نَظائرَ مِن فِعلِها في الدُّنيا.
هذا، وقد يَذْكُبلُغَتُرآنُ أيضًا أَفعالًا أُخرَوِيّةً بشَكلٍ يُشعِرُ بنَظائرِها الدُّنيَويّةِ ويُشِيرُ إلَيها، لِيَمنَعَ الإنكارَ والِاستِبعادَفمَثَلًا:
— 144 —
بِسْمِ اللَّنَواةَِّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ٭ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ٭ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ٭ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ٭ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ٭ وَإِذَا الْبِعَلُّمسُجِّرَتْ ٭ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ٭ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ٭ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ٭ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ٭ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ٭ وَإِذَا الْ مِن بُ سُعِّرَتْ ٭ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ٭ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ...
إلى آخِرِ السُّورةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ٭ وَإِذَا الْكَوَاكِبِ الآخَثَرَتْ ٭ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٭ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ٭ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
إلى آخِرِ السُّورةِ.
بِسْمِ اللّآمِينَرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ٭ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٭ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ٭ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٭ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ...
إلى آخِرِ السُّورةِ.
فتَرَى أنَّ هذه الدٍ فقطَ تَذكُرُ الِانقِلاباتِ العَظِيمةَ والتَّصَرُّفاتِ الرَّبّانيّةَ الهائلةَ في القِيامةِ والحَشرِ بأُسلُوبٍ يَجعَلُ الإنسانَ يَرَى نَظائرَها في الخَريفِ والرَّبيعِ فيَقبَلَُنِ مَِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، معَ أنَّها كانَت تَجعَلُ القَلْبَ أَسِيرَ دَهشةٍ هائِلةٍ، ويَضِيقُ العَقلُ دُونَها، ويَبقَى في حَيرةٍ؛ ولَمّا كان تَفسِيرُ السُّوَرِ الثَّلاثِ هذه يَطُولُ، لذا سنَأخُذُ كَلِمةً واحِدةً نَمُوذَجًا.
عالَملًا:وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ تُفيدُ هذه الآيةُ: ستُنشَرُ في الحَشرِ جَميعُ أَعمالِ الفَردِ مَكتُوبةً على صَحيفةٍ، وحَيثُ إنَّ هذه المَسأَلةَ عَجِيبةٌ بذاتِها فلا يَرَى العَقلُ إلَيها سَبى مَكا إلَّا أنَّ السُّورةَ كما تُشِيرُ إلى الحَشرِ الرَّبيعِيِّ وكما أنَّ للنِّقاطِ الأُخرَى نَظائرَها وأَمثِلَتَها كذلك نَظِيرُ نَشْرِ الصُّحُفِ ومِثالُها واضِحٌ ارِ عٌِ؛ فلِكُلِّ ثَمَرٍ ولكُلِّ عُشْبٍ ولِكُلِّ شَجَرٍ، أَعمالٌ وله أَفعالٌ وله وَظائفُ وله عُبُودِيّةٌ وتَسبِيحاتٌ بالشَّكلِ الَّذي تُظهِرُ به الأَسماءَ الإلٰهِيّةَ الحُسنَى، ف الكَر هذه الأَعمالِ مُندَرِجةٌ مع تاريخِ حَياتِه في بُذُورِه ونُواه كُلِّها. وستَظهَرُ جَميعُها في رَبيعٍ آخَرَ ومكانٍ آخَرَ، أي: إنَّه كما يَذْكُرُ بفَصاحةٍ بالِغةٍ
— 145 —
أَعمالَ أُمَّهاتِه وأُصُولَهُها إلُورةِ والشَّكلِ الظّاهِرِ، فإنَّه يَنشُرُ كذلك صَحائفَ أَعمالِه بنَشرِ الأَغصانِ وتَفَتُّحِ الأَوراقِ والأَثمارِ.
نعم، إن الَّذي يَفعَلُ هذا أمامَ أَعيُنِنا بكلِّ حِكمةٍ وحِفظٍ وتَدبيرٍ وتَربيةٍ ولُطْفٍسُسُ اَّذي يقُولُ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ. وهكذا قِسِ النِّقاطِ الأُخرَى على هذا المِنوالِ، وإن كانَت لَدَيك قُوّةُ استِنباطٍ فاستَنبِطْ.
ولِأَجلِ مُساعَدَتِك ومُعِها الِك سنَذكُرُ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أيضًا، فإنَّ لَفظَ: كُوِّرَتْ الَّذي يَرِدُ في هذا الكلامِ هو بمَعنَى: لُفَّتْ وجُمِعَتْ، فهو مِثالٌ رائعٌ ساطِعٌ فوقَ أنَّه يُومِئُ إلى نَظِيرِه ومَثِيلِه في الدُّنِ في تأوَّلًا:إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى قد رَفَعَ سَتائِرَ العَدَمِ والأَثيرِ والسَّماءِ، عن جَوهَرةِ الشَّمسِ الَّتي تُضِيءُ الدُّنيا كالمِصباحِ، فأَخرَجَها مِن خَزِينةِ رَحمَتَِفضلَ هَرَها إلى الدُّنيا؛ وسيَلُفُّ تلك الجَوهَرةَ بأَغلِفَتِها عندَما تَنتَهي هذه الدُّنيا وتَنسَدُّ أَبوابُها.
ثانيًا:إنَّ الشَّمسَ مُوَظَّفةٌ ومَأمُورةٌ بنَشرِ غُلالاتِّه؛ فَوءِ في الأَسحارِ ولَفِّها في الأَماسِيِّ، وهكذا يَتَناوَبُ اللَّيلُ والنَّهارُ على هامَةِ الأَرضِ، وهي تَجمَعُ مَتاعَها مُقَلِّلةً مِن تَعامُلِها، أو قد يكُونُ ُجمَلِرُ یی إلى حَدٍّ مّا یی نِقابًا لِأَخذِها وعَطَائِها ذلك؛ أي: كما أنَّ هذه المُوَظَّفةَ تَجمَعُ مَتاعَها وتَطوِي دَفاتِرَ أَعمالِها بهذه الأَسبابِ، فلا بُدَّ مِن أن يَأتِيَ يومٌ تُعفَى مِن مَهامِّها، وتُفصَلُ مهذه الِيفَتِها. حتَّى إن لم يَكُن هناك سَبَبٌ للإعفاءِ والعَزْلِ، ولَعلَّ تَوَسُّعَ ما يُشاهِدُه الفَلَكيُّون على وَجهِها مِنَ البُقعَتَينِ الصَّغِيرتَينِ الآن اللَّتَينِ تَتَوسَّعانِ وتَتَضخَّمانِ رُوَيدًا رُوَيدًا، تَستَرجِعُ الشَّمسُ بهذاِها اسوَسُّعِ وبأَمرٍ رَبّانِيٍّ ما لَفَّتْه ونَشَرَتْه على رَأسِ الأَرضِ بإذنٍ إلٰهِيٍّ مِنَ الضَّوءِ، فتَلُفُّ به نَفسَها، فيَقولُ رَبُّ العِزّةِ: إلى يبُ التَهَت مُهِمَّتُكِ مع الأَرضِ، فهيَّا إلى جَهَنَّمَ لِتُحرِقي الَّذين عَبَدُوكِ وأَهانُوا مُوَظَّفةً مُسَخَّرةً مِثلَك وحَقَرُوها مُتَّهِمِين إيّاها بالخِيانةِ وعَدَمِ الوَفاءِ.
بهذا تَقرَأُ الشَّمسُ الأَمرَ الرَّبّانِيَّ: إِذَا الَشَراتُ كُوِّرَتْ على وَجهِها المُبقِعِ.
— 146 —
القِطعةُ الخامسة من الذَّيل
إنَّ إخبارَ مِئةٍ وأَربعةٍ وعِشرين أَلفًا مِنَ المُصطَفَينَ الأَخيارِ وهُمُ الأَنبِياءُ والمُرسَلُون عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّیی الحی كما نصَّ عليه الحَديثُ یی إخبارًا بالإجماعِ والتَّواتُرِ مُستَنِدين إلى الشُّهُودِ عندَ بَعضِهم وإلى حَقِّ اليَقينِ عندَ آخَرين، عن وُجُودِ الدّارِ الآخِرةِ، وإعلانَهم بالإجماعِ أنَّ النّاسَ سيُسيَبنِيإلَيها، وأنَّ الخالِقَ سُبحانَه وتَعالَى سيَأتي بالدّارِ الآخِرةِ بلا رَيبٍ، مِثلَما وَعَد بذلك وَعدًا قاطِعًا.
وإنَّ تَصدِيقَ مِئةٍ ا وَرَةٍ وعِشرين مِليُونًا مِنَ الأَولياءِ كَشْفًا وشُهُودًا ما أَخبَرَ به هؤلاء الأَنبِياءُ عَلَيهم السَّلَام، وشَهادَتَهم على وُجُودِ الآخِرةِ بعِلمِ اليَقينِ، دَليلٌ قاطِعٌ وأيُّ دَليلٍ على وُجُودِ الآخِرة يكُون وكذا، فإن تَجَلِّياتِ جَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى لِخالِقِ الكَوْنِ المُتَجَلِّيةِ في أَرجاءِ العالَمِ كلِّه، تَقتَضِي بالبَداهةِ وُجُودَ السَّل آخَرَ خالِدٍ، وتَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على وُجُودِ الآخِرةِ.
وكذا القُدرةُ الإلٰهِيّةُ وحِكمَتُها المُطلَقةُ، الَّتي لا إسرافَ فيها ولا عَبَثَ، والَّتي تُحيِي جَنائِزَ الأَشجارِ المَيِّتةِ وهَياكِلَها المُنتَصِبةَ، تُحيِيها وهي لا تُعَدُّصْرٍ، ُحصَى على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ رَبيعٍ، وفي كلِّ سنةٍ، بأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ وتَجعَلُها علامةً على "البَعثِ بعدَ المَوتِ"، فتَحشُرُ ثلاثَ مِئاءاتِ فِ نَوعٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ وتَنشُرُها، مُظهِرةً بذلك مِئاتِ الأُلُوفِ مِن نَماذِجِ الحَشرِ والنُّشُورِ ودَلائلِ وُجُودِ الآخِرةِ.
وكذا الرَّحمةُ الواسِعةُ الَّتي تُدِيمُ حَيا وارْميعِ ذَوِي الأَرواحِ المُحتاجةِ إلى الرِّزقِ، وتُعِيشُها بكَمالِ الرَّأفةِ عِيشةً خارِقةً للغايةِ؛ والعِنايةُ الدّائمةُ الَّتي تُظهِرُ أَنواعَ
— 147 —
الزِّينةِ والمَحاسِنِ بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، في مُدّةٍ قَصيرةٍ جِدًّا في كلِّ رَبيع بِأَن شَكَّ أنَّهما تَستَلزِمانِ وُجُودَ الآخِرةِ بَداهةً.
وكذا عِشقُ البَقاءِ، والشَّوقُ إلى الأَبَديّةِ وآمالُ السَّرمَدِيّةِ الشَّديدةُ المَغرُوزةُ غَرْزًا لا انفِصامَ له فيَنِيا ِ هذا الإنسانِ الَّذي هو أَكمَلُ ثَمَرةٍ لهذا الكَونِ، وأَحَبُّ مَخلُوقٍ إلى خالِقِ الكَونِ، وهو أَوْثَقُ صِلةً معَ مَوجُوداتِ الكَونِ كُلِّه، لا شَكَّها بكل يُشِيرُ بالبَداهةِ إلى وُجُودِ عالَم باقٍ بعدَ هذا العالَم الفاني، وإلى وُجُودِ عالَمِ الآخِرةِ ودارِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ.
فجَميعُ هذه الدَّلائلِ تُثبِتُ بق (ص)، ةٍ تامّةٍ یی إلى حَدٍّ يَستَلزِمُ القَبُولَ یی وُجُودَ الآخِرةِ بمِثلِ بَداهةِ وُجُودِ الدُّنيا.
(حاشية): إن مَدَى السُّهولة في إخبارِ "الأمر الثُّیبُوتي" ومَدَى الصُّعوبة والإشكَال في "ةِ، ماوإنكَار" ذَلك، يَظهَر في المِثَال الآتِي:إذا قَال أَحدُهم: إنَّ هُنَاك یی عَلى سَطحِ الأرضِ یی حَديقةً خارقةً جدًّا، ثِمارُها كعُلَبِ الحَليبِ. وأنكَر عَليه الآخَرُ قَولَه هَذا قَائلًا: لا، لابلَغُود مِثلُ هَذه الحَديقة. فالأوَّلُ يَستطيعُ بِكلِّ سُهولة أنْ يُثبِت دَعوَاه، بمُجرَّد إرَاءةِ مَكانِ تِلكَ الحَدِيقة أو بَعضِ ثِمارِها. أمَّا الثَّاني (أي: المُنكِر) فَعِعه إننْ يَرَى ويُرِيَ جَميعَ أَنحَاء الكُرةِ الأَرضِية لأجِلِ أنْ يُثبِتَ نَفيَه، وهو عَدمُ وُجودِ مِثل هَذِه الحَدِيقة.. وهَكَذا الأَمر في الذين يُخبِرون عَن الجَنّةِ، فإنهم يُظهِرون مِئاتِ الآلَافِ مِن تَرَشُّحاتِها، ويُبيِّنَلَأتُمارَها وآثَارَها، عِلمًا أنَّ شاهدَينِ صَادِقَينِ منهم كَافِيان لإثباتِ دَعوَاهُم، بَينما المُنكِرون لوُجُودِها، لا يَسَعُهم إثبَاتُ دَعوَاهم إلَّا بَعد مُشاهَدةِ الكَون غَيرِ المَحدُود، والزَّمَنِ غَيرِ المَحدُود، مع سَبْرِ غَوْرِها، تَطلبحثِ والتَفتِيشِ، وعِندَ عَدم رُؤيَتِهم لَها، يُمكِنُهم إثبَاتُ دَعوَاهُم! فيَا مَن بَلَغ به الكِبْرُ عِتِيًّا ويَا أيُّها الإخوةُ.. اعلَموا مَا أَعظَمَ قُوّةَ الإيمَان بالآهَا گُما أَشَدَّ رَصانَتَه!.
فما دامَ أَهَمُّ دَرسٍ يُلَقِّنُنا القُرآنُ إيّاه هو"الإيمانَ بالآخِرة"،وهذا الإِيمانُ رَصينٌ ومَتينٌ إلى هذه الدَّرَجةِ، وفي ذلك الإيمانِ نُورٌ باهِرٌ ورَجاءٌ شَديدٌ وسُلوانٌ عَظاثنَتَا لوِ اجْتَمَعَت مِئةُ أَلفِ شَيخُوخةٍ في شَخصٍ واحِدٍ لكَفاها ذلك النُّورُ، وذلك الرَّجاءُ، وذلك السُّلْوانُ النّابِعُ مِن هذا الإيمانِ؛ لذا عَلَينا نحنُ الشُّيُوخَ أن نَفرَحَ بشَيخُوخَتِنا ونَبتإلى فَقائِلِين:"الحَمدُ للهِ على كَمالِ الإيمانِ".
— 148 —
الكلمة الحادية عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ٭ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ٭ وَالنببَلاهِ إِذَا جَلَّاهَا ٭ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٭ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٭ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٭ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٭ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْسيَبقَ ٭ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
أيُّها الأخُ.. إن شِئتَ أن تَفهَم شيئًا مِن أَسرارِ حِكمةِ العالَمِ وطِلَّسْمِه، ولُغْزِ خَلْقِ الإنسانِ، ورُمُوزِ حَقيقةِ الصَّلاةِ، فتَأَمَّلْ معي في هذه الحِكايةِ التَّمثِنَ:
القَصِيرةِ:
كان في زمانٍ مّا سُلطانٌ له ثَرَواتٌ طائلةٌ، وخَزائنُ هائلةٌ تَحوِي جَميعَ أنواعِ الجَواهرِ والأَلماسِ والزُّمُرُّدِ، مع كُنُوزٍ خَفِيّةٍ أُخرَى عَجِيب(ذُبابًّا؛ وكان صاحِبَ عِلمٍ واسِعٍ جِدًّا، وإحاطةٍ تامّةٍ؛ واطِّلاعٍ شاملٍ على العُلُومِ البَديعةِ الَّتي لا تُحَدُّ، مع مَهاراتٍ فائقةٍ وبَدائِعِ الصَّنْعةِ.
وحيثُ إنَّ كلَّ ذي جَمالٍ وكَمالٍ يُحِبُّ أن يَشهَد ويُشاهَد جَمالُه وكَمالُه، كذلك ه كبيرًُّلطانُ العَظيمُ، أَرادَ أن يَفتَحَ مَعْرِضًا هائلًا لِعَرْضِ مَصنُوعاتِه الدَّقيقةِ كي يَلفِتَ أَنظارَ رَعِيَّتِه إلى أُبَّهةِ سَلْطنَتِه، وعَظَمةِ ثَروَتِك، كمُظهِرَ لهم مِن خَوارِقِ صَنْعَتهِ الدَّقيقةِ وعَجائبِ مَعرِفَتِه وغَرائبِها، ليُشاهِد جَمالَه وكَمالَه المَعنَويَّينِ على وَجهَينِ:الأوَّلُ:أن يَرَى بالذّاتِ مَعرُوضاتِه بفِكرُهه البَصيرِ الثّاقِبِ الدَّقيقِ.والثَّاني:أن يَراها بنَظَرِ غَيرِه.
ولِأَجلِ هذه الحِكمةِ بَدَأ هذا السُّلطانُ بتَشيِيدِ قَصرٍ فَخْمٍ شامِخٍ جدّ كالأََسَّمَه بشَكلٍ بارِعٍ إلى مَنازِلَ ودَوائرَ مُزيِّنًا كلَّ قِسمٍ بمُرَصَّعاتِ خَزائِنِه المُتَنوِّعةِ، وجَمَّله بما
— 149 —
عَمِلَتْ يَداهُ مِن أَلطَفِ آثارِ إبداعِه وأَجمَلِهامَلَ ثَّمهُ ونَسَّقهُ بأَدَقِّ دقائقِ فُنُونِ عِلمِه وحِكمَتِه؛ فجَهَّزهُ وحَسَّنه بالآثارِ المُعجِزةِ لِخَوارِقِ عِلمِه.
وبعد أن أَتَمَّه وكَمَّله، أقامَ في القَصرِ مَوائدَ فاخِرةً بَهيجةً تَضُمُّ جميعَ أَنواعِ أَطعِمَتِه اللَّذيذةِ، وأ الجَمنِعَمِه الثَّمينةِ، مُخَصِّصًا لكُلِّ طائفةٍ ما يَليقُ بها ويُوافِقُها مِنَ المَوائدِ، فأَعَدَّ بذلك ضِيافةً فاخِرةً عامّةً، مُبيِّنًا سَخاءً وإبداعًا وكَرَمًا لم يُشهَدْ له مَثِيلٌ، حتَّى كتَم وُلَّ مائدةٍ من تلك المَوائدِ قدِ امتَلَأَتْ بمِئاتٍ مِن لَطائفِ الصَّنعةِ الدَّقيقةِ وآثارِها، بما مَدَّ عليها مِن نِعَمٍ غالِيةٍ لا تُحصَى.
ثم دَعا أَهاليَ أَقطارِ مَملَكَتِه ورَعاياه، للمُشاهَدةِ والتَّنزُّهِ والضيها، وِ، وعَلَّم كَبيرَ رُسُلِه المُكَرَّمين ما في هذا القَصرِ العَظيمِ مِن حِكَمٍ رائعةٍ، وما في جَوانبِه ومُشتَمَلاتِه مِن مَعانٍ دَقيقةٍ، مُخَصِّصًا إيّاه مُعَلِّمًا رائدًا وأُستاذًا بارِعًا على رَعِيَّتِه، ليُعلِّمَ النّاسَ عَظَمةَ باني الهنا انبما فيه مِن نُقُوشٍ بَديعةٍ مَوزُونةٍ، ومُعَرِّفًا لكلِّ الدّاخِلِين رُمُوزَه وما تَعْنيهِ هذه المُرَصَّعاتُ المُنتَظِمةُ والإشاراتُ الدَّقيقةُ الَّتي فيه، ومَدَىةِ.. لَتِها على عَظَمةِ صاحِبِ القَصرِ وكَمالِهِ الفائقِ ومَهارَتِه الدَّقيقةِ؛ مُبيِّنًا لهم أيضًا تَعلِيماتِ مَراسِيمِ التَّشريفاتِ بما في ذلك آدابُ الدُّخُولِ والتَّجَوُّلِ، وأُصُولُ السَّيرِ وَفْقَ ما يُرضي السُّلطانَ الَّذي لا يُرى الكُلمِن وَراءِ حِجابٍ.
وكان هذا المُعلِّمُ الخَبيرُ يَتَوسَّطُ تلامِذَتَه في أَوسَعِ دائرةٍ مِن دَوائرِ القَصرِ الضَّخمِ، وكان مُساعِدُوه مُنتَشِرين في كلٍّ مِنَ الدَّوائرِ الأُخرَى للقَصرِ.. بَدَأَ المُعلِّمُ هذا بإلقاءانَ مِِيهاتِه إلى المُشاهِدِين كافّةً قائلًا:
"أيُّها النّاسُ.. إنَّ سَيِّدَنا مَلِيكَ هذا القَصرِ الواسِعِ البَديعِ، يُريدُ ببِنائِه هذا وبإِظهارِ ما تَرَوْنه أَمامَ أَعيُنِكم مِن مَظاهِرَ، أنَلةَ مِّفَ نَفسَه إلَيكُم، فاعرِفُوه واسْعَوْا لِحُسنِ مَعرِفَتِه؛ وإنَّه يُرِيدُ بهذه التَّزيِيناتِ الجَمالِيّةِ، أن يُحَبِّبَ نَفسَه إلَيكم، فحَبِّبُوا أَنفُسَكم إليه، باستِحسانِكُم أَعمالَه وتَلبَقاءكم لِصَنعَتِه؛ وإنَّه يَتَوَدَّدُ إلَيكم ويُرِيكُم مَحَبَّتَه بما يُسبِغُه علَيكم مِن آلائِه ونِعَمِه وأَفضالِه، فأَحِبُّوه بحُسْنِ إصغائِكُم لِأَوامِرِه وبطاعَتِكم إيّاه؛ وإنَّه
— 150 —
يُظهِرُ لكم شَفَقَتَه ورَحمَتَه بهذا الإِكَفعالِالإغداقِ مِنَ النِّعَمِ، فعَظِّمُوه أَنتُم بالشُّكرِ؛ وإنَّه يُريدُ أن يُظهِرَ لكم جَمالَه المَعنَويَّ بآثارِ كَمالِه في هذه المَصنُوعاتِ الجَمِيلةِ الكامِلةِ، فأَظهِرُوا البَد شَوْقَكم ولَهفَتَكم لِلِقائِه ورُؤيَتِه، ونَيلِ رِضاه؛ وإنَّه يُريدُ مِنكم أن تَعرِفُوا أنَّه السُّلطانُ المُتَفرِّدُ بالحاكِمِيّةِ والِاستِقلالِ، بما تَرَوْن مِن شِعارِه الخاصِّ، وخاتَمِه المُخَصَّصِ، وطُرّالفَقرلَّتي لا تُقلَّدُ على جَميعِ المَصنُوعاتِ.. فكلُّ شيءٍ له، وخاصٌّ به، صَدَرَ مِن يَدِ قُدرَتِه.. فعلَيكُم أن تُدرِكُوا جَيِّدًا أنْ لا سُلْطانَ ولا حاكِمَ إلَّا هو، فهو السُّلْطانُ الواحِدُ الأَحَدُ الَّذي لا نَظِيرَ له ولا مَثِيلَالمَيد كان هذا المُعَلِّمُ الكَبيرُ يُخاطِبُ الدّاخِلِين للقَصرِ والمُتَفرِّجِين بأَمثالِ هذا الكَلامِ الَّذي يُناسِبُه ويُناسِبُ ذلك المَقامَ.
ثمَّ انقَسَم الدّاخِلُون ُ: حِيريقَينِ:
الفريقُ الأوَّلُ:
وهم ذَوُو العُقُولِ النَّیيِّرةِ، والقُلُوبِ الصّافِيةِ المُطمَئِنّةِ، المُدرِكُون قَدْرَ أَنفُسِهم، فحَيثُما يَتَجوَّلُون في آفاقِ هذا القَصرِ العَظِيمِ ويَسرَحُون بنَظَرِهم إلى عَجائبِه يَقُولُون: لا بُدَّلا يُبفي هذا شَأْنًا عَظِيمًا!! ولا بُدَّ أنَّ وَراءَه غايةً سامِيةً!! فعَلِمُوا أنْ ليسَ هُناك عَبَثٌ، وليسَ هو بِلَعِبٍ، ولا بِلَهْوٍ صِبْيانِيٍّ.. ومِن حَيرَتِهم بَدَؤُوا يَقُولُومَعرِفتُرَى أين يَكْمُنُ حَلُّ لُغزِ القَصرِ؟ وما الحِكمةُ فيما شاهَدْناه ونُشاهِدُه؟!
وبَينَما هم يَتَأَمَّلُون ويَتَحاوَرُون في الأَمرِ، إذا بهم يَسمَعُون صَوْتَ خُطبةِ الأُستاذ سِيَّرِفِ وبَياناتِه الرّائعةَ، فعَرَفُوا أنَّ لَدَيه مَفاتيحَ جَميعِ الأَسرارِ وحَلَّ جَميعِ الأَلغازِ، فأَقبَلُوا إلَيه مُسرِعِين: السَّلامُ علَيكُم أيُّها الأُستاذُ.. إنَّ مِثلَ هذا القَصرِ الباذِخِ يَنبَغي أن يَكُونَ له عَرّ عَقْادِقٌ مُدَقِّقٌ أَمينٌ مِثلُك، فالرَّجاءُ أن تُعَلِّمَنا مِمّا عَلَّمَك سَيِّدُنا العَظيمُ.
فذَكَّرَهُمُ الأُستاذُ بخُطبَتِه المَذكُورةِ آنِفًا، ف، ونَظعُوا إلَيه خاشِعِين، وتَقَبَّلُوا كلامَه بكلِّ رِضًى واطمِئنانٍ، فغَنِمُوا أيَّما غَنِيمةٍ، إذ عَمِلُوا ضِمنَ مَرْضاةِ سُلطانِهم، فرَضِيَ عنهم ، كذلكطانُ بما أَبدَوْا مِن رِضًى وسُرُورٍ بأَوامِرِه؛ فدَعاهُم إلى قَصرٍ أَعظَمَ وأَرقَى لا يَكادُ
— 151 —
يُوصَفُ، وأَكرَمَهم بسَعادةٍ دائمةٍ، بما يَلِيقُ بالمالِكِ الجَوادِ الكَريمِ وبذلك القَصرِ ا أنَّه وبما يُلائِمُ هؤلاء الضُّيُوفَ الكِرامَ المُتَأدِّبِين، وحَرِيٌّ بهؤلاء المُطِيعين المُنقادِين للأَوامِرِ.
أمّاالفَريقُ الآخَرُ:
وهُمُ الَّذين قد فَسَدَتْ عُقُولُهِ والخطَفَأَت جَذوةُ قُلُوبِهم، فما إن دَخَلُوا القَصرَ، حتَّى غَلَبَتْ علَيْهِم شَهَواتُهم، فلم يَعُودُوا يَلتَفِتُون إلّا لِما تَشتَهِيه أَنفُسُهم مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ.. ماِفِين أَبصارَهُم عن جَميع تلك المَحاسِنِ، سادِّين آذانَهم عن جَمِيعِ تلك الإِرشاداتِ الصّادِرةِ مِن ذلك المُعَلِّمِ العَظيمِ، وتَوجِيهاتِ تَلامِيذِه.. فأَقبَلُوشَّمْسالمَأكُولاتِ بشَراهةٍ ونَهَمٍ، كالحَيَواناتِ، فأَطبَقَتْ علَيهِمُ الغَفلةُ والنَّومُ وغَشِيَهُمُ السُّكْرُ، حتَّى فَقَدُوا أَنفُسَهم لِكَثرةِ ما أَفْرَطُوا في شُربِ ما لم يُؤذَنْ لهم به؛ فأَزعَجمٍ ومِضُّيُوفَ الآخَرِين بجُنُونِهم وعَرْبَدَتِهم؛ فأَساؤُوا الأَدَبَ مع قَوانِينِ السُّلطانِ المُعَظَّمِ وأَنظِمَتِه.. لِذا أَخَذَهم جُنُودُه وساقُوهم إلى سِجْنٍ رَهيبٍ لِيَنالُوا عِقابَهُمُ الحَق.. ذلكزاءً وِفاقًا على ما عَمِلُوا مِن سُوءِ الخُلُقِ.
فيا مَن يُنصِتُ معي إلى هذه الحِكايةِ.. لا بُدَّ أنَّك قد فَهِمْتَ أنَّ ذلك السُّلطانَ قد بَنَى هذا القَصْرَ الشّاوِي الِأَجلِ تلك المَقاصِدِ المَذكُورةِ، فحُصُولُ تلك المَقاصِدِ يَتَوقَّفُ على أَمرَينِ:
أَحَدُهما:وُجُودُ ذلك المُعلِّمِ الأُستاذِ الَّذي شاهَدْناه وسَمِعنا خِطابَه، إذ لولاه لَذَهَبَت تلك المَقاصِدُ ِّخامُ مَنثُورًا، كالكِتابِ المُبهَمِ الَّذي لا يُفهَمُ مَعناه، ولا يُبَيِّنُه أُستاذٌ، فيَظَلُّ مُجرَّدَ أَوراقٍ لا مَعنَى لها!..
ثانيهما:إِصغاءُ النّاسِ إلى كَلامِ ذلك المُعَلِّمِ، وتَقَبُّلُهم له.
بمَعنَى أنّا يَنظودَ الأُستاذِ مَدْعاةٌ لِوُجُودِ القَصرِ، واستِماعَ النّاسِ إليه سَبَبٌ لِبَقاءِ القَصرِ، لِذا يَصِحُّ القَولُ: لم يَكُنِ السُّلطانُ العَظِيمُ لِيَبنِيَ هذا القَصرَ لولا هذا الأُستاذُ؛ وكذا يَصِحُّ القَولَّ الكنَما يُصْبحُ النّاسُ لا يُصغُون إليه ولا يُلقُون بالًا إلى كَلامِه، فسَيُغَيِّرُ السُّلطانُ هذا القَصرَ ويُبَدِّلُه.
— 152 —
إلى هنا انتَهَتِ القِصّةُ يا صَدِيقي.. فإن كُنتَ قد فَهِمتَ سِرَّ الحِكايةِ، فانظُر مِن خِلالِها إلىحَقًّاِ الحَقيقةِ: إنَّ ذلك القَصرَ هو هذا العالَمُ، المَسقُوفُ بهذه السَّماءِ المُتَلَألِئةِ بالنُّجُومِ المُتَبَسِّمةِ، والمَفرُوشُ بهذه الأَرضِ المُزَيَّنةِ مِنَ الشَّرقِ إلى الغَربِ بالأَزهارِ المُتَنَوِّعُتَوجّلك السُّلطانُ العَظيمُ هو اللهُ تَعالَى سُلطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ المَلِكُ القُدُّوسُ ذُو الجَلالِ والإكرامِ الَّذي تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ..، حيثُ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وهو القَيُورِثالَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرُنزَّهنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ.
أمّا مَنازِلُ ذلك القَصرِ فهي ثَمانِيةَ عَشَرَ أَلفًا مِنَ العَوالِمِ الَّتي تَزَيَّنَ كلٌّ مِنهن يَحَُظَمَ بما يُلائِمُه مِن مَخلُوقاتٍ.. أمّا الصَّنائِعُ الغَرِيبةُ في ذلك القَصرِ فهي مُعجِزاتُ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ الظّاهِرةِ في عالَمِنا لكلِّ ذِي بَصَرٍ وبَصِيرةٍ.. وما تَراه مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ الَّتي فيه هي عَلاماتُ جُودِ،مةِ الإلٰهِيّةِ مِنَ الأَثمارِ والفَواكِهِ البَديعةِ التي تُشاهَدُ بكُلِّ وُضُوحٍ في جَميعِ مَواسِمِ السَّنةِ وخاصّةً في الصَّيفِ وبالأَخَصِّ في بَساتِينِ "بارْلا"؛ ومَطبَخُ هذان تَنارِ هو سَطْحُ الأَرضِ وقَلْبُها الَّذي يَتَّقِدُ نارًا.
وما رَأَيتَه في الحِكايةِ مِنَ الجَواهِرِ في تلك الكُنُوزِ الخَفِيّةِ، هي في الواقِعِ أَمثِلةٌ لِتَجَلِّياتِ الأالجَما الحُسنَى المُقدَّسةِ؛ وما رَأَيناه مِنَ النُّقُوشِ ورُمُوزِها، هي هذه المَخلُوقاتُ المُزَيِّنةُ للعالَمِ، وهي نُقُوشٌ مَوزُونةٌ بقَلَمِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ الِكِهّةِ على أَسماءِ القَديرِ ذِي الجَلالِ؛ أمّا ذلك المُعلِّمُ الأُستاذُ فهو سَيِّدُنا، وسَيِّدُ الكَونَينِ مُحمَّدٌ (ص)، ومُساعِدُوه هُمُ الأَنبِياءُ الكِرامُ عَلَيهم السَّلَام؛ وتَلامِيذُه هُمُ الأَولِياءُ اَ أنَّحُون، والعُلَماءُ الأَصفِياءُ؛ أمّا خُدَّامُ السُّلطانِ العَظيمِ فهم إشارةٌ إلى المَلائِكةِ عَلَيهم السَّلَام في هذا العالَمِ؛ وأمّا جَميعُ مَن دُعُوا إلى دارِ ضِيافةِ الدُّنيا فهم إشارةٌ إلى لنِّظاِ والجِنِّ وما يَخدُمُ الإنسانَ مِن حَيَواناتٍ وأَنعامٍ.
أمّا الفَريقانِ:
فالأَوّلُ:هم أَهلُ الإيمانِ الَّذين يَتَتَلْمَذُون على مائدةِ القُرآنِ الكَريمِ الَّ:رُؤيَسِّرُ آياتِ كِتابِ الكَونِ.
— 153 —
والآخَرُ:هم أَهلُ الكُفرِ والطُّغيانِ الصُّمُّ البُكْمُ الضَّالُّون الَّذين اتَّبعُوا أَهواءَهم والشَّيطانَ، فما عَرَفُوا مِنَ الحَياةِ إل، حتى هِرَها، فهم كالأَنعامِ بل هم أَضَلُّ سَبِيلًا.
أمّا الفَريقُ الأوَّلُ الَّذين هُمُ الأَبرارُ السُّعَداءُ، فقد أَنصَتُوا إلى المُعلِّمِ العَظيمِ والأُستاذِ الجَليلِ ذي الحَقيقَتَينِ؛ إذ هو جَميعُ وهو رَسُولٌ؛ فمِن حَيثُ العُبُوديّةُ يُعرِّفُ رَبَّه ويَصِفُه بما يَلِيقُ به مِن أَوصافِ الجَلالِ، فهو إذًا في حُكمِ مُمَثِّلٍ عن أُمَّتِه لَدَى الحَضْرةِ الإلٰهِيّةِ.. َتَغيّيثُ الرِّسالةُ يُبَلِّغُ أَحكامَ ربِّه إلى الجِنِّ والإنسِ كافّةً بالقُرآنِ العَظيمِ.
فهذه الجَماعةُ السَّعيدةُ بعدَما أَصْغَوْا إلى ذلك الرَّسُولِ الكريمِ (ص) وانصاعُوا لِأَوامِرِ القُرآنِ الحَكيمِ، إذا بهم يَرَوْن أَنفُسَهم قد ى، ومَوا مُهِمّاتٍ لَطيفةً تَتَرقَّى ضِمنَ مَقاماتٍ سامِيةٍ كَثيرةٍ، تلك هي الصَّلاةُ، فِهْرِسُ أَنواعِ العِباداتِ.
نعم، لقد شاهَدُوا بوُضُوحٍ تفاصِيلَ الوَظائِفِ والمَقاماتِ الرَّفيعةِ الَّتي. اعلَرُ إلَيها الصَّلاةُ بأَذكارِها وحَرَكاتِها المُتَنوِّعةِ، على النَّحْوِ الآتي:
أوَّلًا:بمُشاهَدَتِهمُ الآثارَ الرَّبّانيّةَ المَبث حُرُوفي الكَونِ، وَجَدُوا أَنفُسَهم في مَقامِ المُشاهِدِين مَحاسِنَ عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ، بمُعامَلةٍ غِيابيّةٍ، فأَدَّوْا وَظِيفةَ التَّكبيرِ والتَّسبِيحِ، قائِلِين:"اللهُ أَكبَرُ".
ثانيًا:وبظُهُورِهم في مَقامِ الدُّعاةِ والأَدِلَّاءِ إلى بَ وأنَّ صَنائِعِه سُبحانَه وآثارِه السّاطِعةِ، الَّتي هي جَلَواتُ أَسمائِه الحُسنَى، أَدَّوْا وَظِيفةَ التَّقديسِ والتَّحميدِ بقَولِهم:"سُبحانَ اللهِ والحَمدُ للهِ".
ثالثًا:وفي مَقامِ إدراكِ النِّعَمِ المُدَّخَرةِ في خَزائنِ الرَّحمةِ ا عَقْليّةِ وتَذَوُّقِها بحَواسَّ ظاهِرةٍ وباطِنةٍ شَرَعوا بوَظِيفةِ الشُّكرِ والحَمدِ.
رابعًا:وفي مَقامِ مَعرِفةِ جَواهِرِ كُنُوزِ الأسماءِ الحُسنَى وتَقدِيرِها حقَّ قَدْرِها بمَوازِينِ الأَجهِزةِ المَعِيرةٌ،ِ المُودَعةِ فيهم، بَدَؤُوا بوَظِيفةِ التَّنزيهِ والثَّناءِ.
خامسًا:وفي مَقامِ مُطالَعةِ الرَّسائلِ الرَّبّانيّةِ المُسَطَّرةِ بقَلَمِ قُدرَتِه تَعالَى على صَحِيفةِ القَدَرإلَينارُوا بوَظِيفةِ التَّفكُّرِ والإعجابِ والِاستِحسانِ.
— 154 —
سادسًا:وفي مَقامِ التَّنزيهِ بإِمعانِ النَّظَرِ إلى دِقّةِ اللُّطفِ في خَلقِ الأَشياءِ، ورِقّة ا مَنبَِ في إتقانِها، دَخَلُوا وَظيفةَ المَحبّةِ والشَّوقِ إلى جَمالِ الفاطِرِ الجَليلِ والصّانِعِ الجَميلِ.
وهكذا.. بَعدَ أَداءِ هذه الوَظائفُِوصةِ مَقاماتِ السّابِقةِ، والقِيامِ بالعِبادةِ اللّازِمةِ بمُعامَلةٍ غِيابيّةٍ، لَدَى مُشاهَدةِ المَخلُوقاتِ، ارتَقَوْا إلى دَرَجةِ النَّظَرِ إلى مُعامَلةِ الصّانِعِ الحَكيمِ وشُهُودِها ومُعامَلةِ أَفعالِه مُعامَلةً حُضُورِيّة، وذلوفِداءهم: قابَلُوا أوَّلًا تَعرِيفَ الخالِقِ الجَليلِ نَفسَه لِذَوِي الشُّعورِ بمُعجِزاتِ صَنْعَتِه.. قابَلُوه بمَعرِفةٍ مِلْؤُها العَجَبُ والحَيرةُ قائلِين:"سُبحانَك ما عَرَفناك حَقَّ مَعرِفَتِكيا مَلأَجَل بمعُجِزاتِ جَميعِ مَخلُوقاتِك!!"
ثمَّ استَجابُوا لِتَحَبُّبِ ذلك الرَّحمٰنِ بثَمَراتِ رَحمَتِه سُبحانَه، بمَحَبّةٍ وهُيامٍ مُرَدِّدِين: إِيَّاكَ نَعْبفْسُه إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
ثم لَبَّوْا تَرَحُّمَ ذلك المُنعِمِ الحَقيقيِّ بنِعَمِه الطَّيِّبةِ وإِظهارِ رَأْفَتِه علَيهم، بالشُّكرِ والحَمدِ، وبقَولِهم: سُبحانَك ما شَكَرناك حقَّ شُكرِك يا مَشالجَمابأَلْسِنةِ أَحوالٍ فَصِيحةٍ تَنطِقُ بها جَميعُ إحساناتِك المَبثُوثةِ في الكَونِ، وتُعلِنُ الحَمدَ والثَّناءَ إعلاناتُ نِعَمِك المُعدَّةُ في سُوقِ العالَمِ والمَنثُورةُ على الأَلَّتي فّةً؛ فجَميعُ الثَّمَراتِ المُنَضَّدةِ لرَحْمَتِك الواسِعةِ، وجَميعُ الأَغذِيةِ المَوزُونةِ لِنَعَمِك العَمِيمةِ، تُوْفِي شُكْرَها بشَهادتِها على جُودِك وكَرَمِك لَدَى أَنظارِ المَخلُوقاتِ.
ثمَّ قابَلُوا إظهارَ لمُرتَه وجَلالِه وكَمالِه وكِبريائِه سُبحانَه، في مَرايا المَوجُوداتِ المُتَبدِّلةِ على وَجهِ الكَونِ، بقَولِهم:"اللهُ أَكبَرُ"،فرَكَعُوا في عَجْزٍ مُكَلَّل بالتَّعظيمِ، وهَوَوا إلى السُّجُودِ في مَحَبّ النِّعَمةٍ بالذُّلِّ والفَناءِ للهِ، وفي غَمرةِ إعجابٍ وتَعظِيمٍ وإجلالٍ؛ ثمَّ أَجابُوا إظهارَ ذلك الغَنِيِّ المُطلَقِ سُبحانَه ثَرْوَتَه الَّتي لا تَنفَدُ ورّا هَذه الَّتي وَسِعَتْ كلَّ شيءٍ، بالدُّعاءِ المُلِحِّ والسُّؤالِ الجادِّ، بإِظهارِ فَقرِهم وحاجَتِهم قائلِين:"إيّاك نَستَعينُ".
ثمَّ استَقبَلُوا عَرْضَ ذلك الخالِقِ الجَليلِ لِلَطائفِ صَنائعِه ورَوائِعِ بَدائعِه، ونَشْرَا، فيَفي مَعارِضَ أَمامَ أَنظارِ الأَنامِ، بالإعجابِ والتَّقديرِ اللّازِمَينِ، قائلِين: ما شاءَ اللهُ،
— 155 —
تَبارَكَ اللهُ، ما أَجمَلَ خَلْقَ هذا!! شاهِدِين مُستَحسِنِين لها، هاتِفِين: هَلُمُّوا لِمُشاهَدةِ هذه البَدائعِ، حَيَّ على الفإذا بَ. اشهَدُوها وكُونُوا شُهَداءَ علَيها.
ثمَّ أَجابُوا إعلانَ ذلك السُّلطانِ العَظيمِ یی سُلطانِ الأَزَلِ والأَبَدِ یی لِرُبُوبيّةِ سَ ورُوحِه في الكَونِ كُلِّه، وإظهارَه وَحدانِيَّتَه للوُجُودِ كافّةً، بقَولِهم: سَمِعنا وأَطَعنا.. فَسَمِعوا، وانقادُوا وأَطاعُوا؛ ثمَّ استَجابُوا لِإِظهارِ رَبِّ العالَمِينَ أُلُوهِيَّتَه الجَليلةَ، بخُلاصةِ عُبُودِيّةةُ مِثمُّ عن ضَعفِهمُ الكامِنِ في عَجْزِهم، وفَقرِهِمُ المُندَمِجِ في حاجاتِهم.. تلك هي الصَّلاةُ.
وهكَذا، بمِثلِ هذه الوَظائفِ المُتَنوِّعةِ للعُبُودِيّةِ، أَدَّوْا فَرِيضةَ عُمُرِهم ومُهِمّةَ حَياتِهم في هذا المقٍ باق الأَكبَرِ المُسَمَّى بدارِ الدُّنيا، حتَّى اتَّخَذُوا صُورةَ أَحسَنِ تَقوِيمٍ، واعتَلَوْا مَرتَبةً تَفُوقُ جَميعَ المَخلُوقاتِ قاطِبةً، إذ أَصبَحُوا خُلَفاءَ أُمَناءَ في الأَرضِ، بما أُودِعَ فيهم مِن في صَمانِ والأَمانةِ..
وبعدَ انتِهاءِ مُدّةِ الِامتِحانِ والخُرُوجِ مِن قَبضةِ الِاختِبارِ، يَدعُوهم ربُّهمُ الكَريمُ إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ ثَللمُغَلِإِيمانِهم، ويَرزُقُهمُ الدُّخُولَ إلى دارِ السَّلامِ جَزاءَ إِسلامِهم، ويُكرِمُهُم یی وقد أَكرَمَهُم یی بنِعَمٍ لا عَينٌ رَأَت ولا أُذُنٌ سَمِعَتبعُنواَطَرَت على قَلبِ بَشَرٍ، ومَنَحَهُم الأبَدِيّةَ والبَقاءَ، إذ المُشاهِدُ المُشتاقُ لِجَمالٍ سَرمَدِيٍّ والعاشِقُ الَّذي يَعكِسُه كالمِرآةِ، لا بُدَّ أن يَظَلَّ باقِيًا ويَمضِيَ إلى الأَبَدِ.
هذه هي عُقبَى تَلامِيذِ القُرآنِ.. اللَّهُمَّ اجعراهينِمِنهم!.
أمّا الفَريقُ الآخَرُ وهُمُ الفُجَّارُ والأَشرارُ فما إن دَخَلُوا بسِنِّ البُلُوغِ قَصرَ هذا العالَمِ إلَّا وقابَلُوا بالكُفرِ د إفادة الوَحدانِيّةِ كُلِّها، وبالكُفرانِ الآلاءَ الَّتي تُسبَغُ علَيهم، واتَّهمُوا المَوجُوداتِ كلَّها بالتَّفاهةِ وحَقَّرُوها بالعَبَثِيّة، ورَفَضُوا تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ على المَوجُوداتِ كلامَ ا فارتَكَبُوا جَريمةً كُبرَى في مُدّةٍ قَصيرةٍ، مِمّا استَحَقُّوا عَذابًا خالِدًا.
نعم، إنَّ الإنسانَ لم يُوهَبْ له رَأسُ مالِ العُمُرِ، ولم يُودَعْ فيه أَجهِزةٌ إنسانِيّةٌ راقِيةٌ إلَّاقْشَ اَهِّلَه ذلك لِتَأدِيةِ الوَظائفِ الجَليلةِ المَذكُورةِ.
فيا نَفسِي الحائِرةَ، ويا صَديقِي المُغرَمَ بالهَوَى.. أَتَحسَبُون أنَّ"مُهِمّةَ حَياتِكم"
— 156 —
مَحصُورةٌ في تَلبِيةِ مُتَطَلَّباتِ اويُعلِّ الأَمَّارةِ بالسُّوءِ ورِعايَتِها بوَسائلِ الحَضارةِ إشباعًا لِشَهوةِ البَطْنِ والفَرْجِ؟ أم تَظُنُّون أنَّ الغايةَ مِن دَرْجِ ما أُودِعَ فيكم مِن لَطائِفَ مِن جَييّةٍ رَقيقةٍ، وآلاتٍ وأَعضاءَ حَسّاسةٍ، وجَوارِحَ وأَجهِزةٍ بَديعةٍ، ومَشاعِرَ وحَواسَّ جَسّاسةٍ، إنَّما هي لِمُجرَّدِ استِعمالِها لإِشباعِ حاجاتٍ سُفلِيّةٍ لِرَغَباتِ النَّفسِ الدَّنِيئةِ في هذه الحَياةِ الفانِيةِ؟ حاشَ وكلَّا!!
بل إنَّبَدِيَّ تلك اللَّطائفِ والحَواسِّ والمَشاعِرِ في وُجُودِكم وإدراجَها في فِطرَتِكم إنَّما يَستَنِدُ إلى أَساسَينِ اثنَينِ:
الأوّلُ:أن تَجعَلَكم تَستَشعِرُون بالشُّكرِ تُجاهَ كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ النِّعَمِ الَّتي أَسبَغَها َ كَثرمُ المُنعِمُ سُبحانَه؛ أي: علَيكُمُ الشُّعُورُ بها والقِيامُ بشُكرِه تَعالَى وعِبادَتِه.
الثّاني:أن تَجعَلَكم تَعرِفُون أَقسامَ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى الَّتي تَعُمُّ الوُجُودَ كلَّه، مَعرِفتُها وتَذَوُّقُها فَرْدًا فَرْدًًا عام علَيكُمُ الإيمانُ بتلك الأَسماءِ ومَعرِفَتُها مَعرِفةً ذَوقيّةً خالِصةً.
وعلى هَذَينِ الأَساسَينِ تَنمُو الكَمالاتُ الإنسانيّةُ، وبهما يَغدُو الإنسانُ إنسانًا حَقًّا.
فانظُرِ الآنَ مِن خِلالِ هذا الما ومَزلِتَعرِفَ أنَّ الإنسانَ یی بخِلافِ الحَيَوانِ یی لم يُزَوَّد بالأَجهِزةِ لِكَسْبِ هذه الحَياةِ الدُّنيا فقط:
أَعطَى سَيِّدٌ خادِمَه عِّرين لَيرةً لِيَشتَرِيَ بها حُلّةً لِنَفسِه، مِن قِماشٍ مُعَيَّنٍ، فراحَ الخادِمُ واشتَراها مِن أَجوَدِ أَنواعِ الأَقمِشةِ ولَبِسَها؛ ثمَّ أَعطَى السَّيِّدُ نفسُه خادِمًا َظيمةَأَلفَ لَيرةٍ، ولكن وَضَعَ في جَيبِه وَرَقةَ تَعلِيماتٍ وأَرسَلَه للتِّجارةِ؛ فكلُّ مَن يَملِكُ مُسْكةً مِنَ العَقلِ يُدرِكُ يَقينًا أنَّ هذا المَبلَغَ ليس لِشِراءِ حُلّةٍ، إذ قدِ اشتَراها الخادِمُ الأََه المبعِشرين لَيرةً! فلو لم يَقرَأْ هذا الثّاني ما كُتِبَ له في الوَرَقةِ، وأَعطَى كلَّ ما لَدَيه إلى صاحِبِ حانُوتٍ واشتَرَى مِنه حُلّةً یی تَقْلِيدًا لِصَديقِه الآخَرِ یی ومِن أَردَأِ أَنواعِ الحُلَلِ، ألا يَكُونُ قدِ ارتَكَبَ حَماقةً مُتَناهِيةً، يَنبَغي تَأدِيبُه بعُنفٍ وعِقابُه عِقابًا رادِعًا؟
فيا صَديقِي الحَمِيمَ، ويا نَفسِي الأَمّارةَ بالسُّوءِ.. استَجمِعُلامِهاُولَكم، ولا تُهدِرُوا رَأسَ مالِ عُمُرِكم، ولا تُبَدِّدوا طاقاتِ حَياتِكُم واستِعداداتَها لهذه الدُّنيا الفانِيةِ الزّائلةِ،
— 157 —
وفي سَبِيلِ لَذّةٍ مادِّيّةٍ ومَتاعٍ حَيَوانِيٍّ.. فاإسلامُةُ وَخِيمةٌ، إذ تُرَدُّون إلى دَرَكةٍ أَدنَى مِن أَخَسِّ حَيَوانٍ بخَمسِين دَرَجةً، عِلمًا أنَّ رَأسَ مالِكُم أَثْمَنُ مِن أَرقَى حَيَوانٍ بخَمسِين ضِعفًا..
فيا نَفسِيَ الغافِللِ ما ن كُنتِ تُرِيدينَ أن تَفهَمِي شيئًا مِن: غايةِ حَياتِكِ، ماهِيّةِ حَياتِكِ، صُورةِ حَياتِكِ، سِرِّ حَقيقةِ حَياتِكِ، كَمالِ سَعادةِ حَياتِكِ.. فانظُرِي إلى مُجمَلِ"غاياتِ حَياتِكِ"فإنَّها تِسعةُ أُمُورٍ:
أوَّلُها:وَزنُ النِّعَمِ اوُجُودخَرةِ في خَزائنِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ بمَوازِينِ الحَواسِّ المَغرُوزةِ في جِسمِك، والقِيامُ بالشُّكرِ الكُلِّيِّ.
ثانيها:فَتحُ الكُنُوزِ المَخفِيّةِ للأسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَياتِكِاتِيحِ الأَجهِزةِ المُودَعةِ في فِطْرَتِكِ، ومَعرِفةُ اللهِ جلَّ وعلا بتلك الأَسماءِ الحُسنَى.
ثالثُها:إعلانُ ما رَكَّبَتْ فيكِ الأَسماءُ الحُسنَى مِن لَطائِفِ تَجَلِّياتِها وبَدوبةً تَنْعَتِها، وإِظهارُ تلك اللَّطائفِ البَديعةِ أَمامَ أَنظارِ المَخلُوقاتِ بعِلمٍ وشُعُورٍ، وبجَوانِبِ حَياتِك كافّةً في مَعرِضِ الدُّنيا هذه.
رابعُها:إظهارُ عُبُودِيَّتِكِ عِندَ أَعتابِ رُبُوبيّةِ خالِقِكئلِ السانِ الحالِ والمَقالِ.
خامسُها:التَّجَمُّلُ بمَزايا اللَّطائفِ الإنسانيّةِ الَّتي وَهَبَتْها لكِ تَجَلِّياتُ الأَسماءِ، وإبرازُها أَمامَ نَظَرِ الشُّهُودِ والإِشهادِ للشّاهِدِ الأَزَلِيِّ جَلَّ وعَلا.. مَثَلُكِ في هذا كَمَثَلِالأَرزدِيِّ الَّذي يَتَقَلَّدُ في المُناسَباتِ الرَّسمِيّةِ الشّاراتِ المُتَنوِّعةَ الَّتي مَنَحَه السُّلطانُ إيّاها، ويَعرِضُها أَمامَ نَظَرِه لِيُظهِرَ آثارَ تَكَرُّمِه عليه وعِنايَتَه به.
سادسُها:شُهُودُ مَظاهِرِ الحَياةِ لِذَوِي الحَياةَجَرةُِودَ عِلمٍ وبَصِيرةٍ، إذ هي تَحِيّاتُها ودَلالاتُها بحَياتِها على بارِئِها سُبحانَه.. ورُؤيةُ تَسبِيحاتِها لِخالِقِها، رُؤيةً بتَفَكُّرٍ وعِبرةٍ، إذ هي رُمُوزُ حَياتِها.. وعَرْضُ عِبادَتِهفِيًا واهِبِ الحَياةِ سُبحانَه والشَّهادةُ عليها، إذ هي غايةُ حَياتِها ونَتيجَتُها.
سابعُها:مَعرِفةُ الصِّفاتِ المُطلَقةِ للخالِقِ الجَليلِ، وشعةً لِه الحَكيمةِ، ووَزنُها بما وُهِبَ لِحَياتِكِ مِن عِلمٍ جُزئِيٍّ وقُدرةٍ جُزئِيّةٍ وإِرادةٍ جُزئِيّةٍ، أي: بجَعْلِها نَماذِجَ مُصَغَّرةً ووَحدةً قِياسِيّةً لِمَعرِفةِ تلك الصّأحيانًالمُطلَقةِ الجَليلةِ.
— 158 —
فمَثلًا:كما أنَّكِ قد شَيَّدتِ هذه الدّارَ بنِظامٍ كامِلٍ، بقُدرَتِكِ الجُزئيّةِ وإرادتِك الجُزئيّةِ، وعِلمِكِ الجُزئِيِّ، كذلك عليكِ أن تَعلَمي یی بنِسبةِ عوالخِص بِناءِ قَصرِ العالَمِ ونِظامِه المُتقَنِ یی أنَّ بنَّاءَه قديرٌ، عَلِيمٌ، حَكِيمٌ، مُدَبِّرٌ.
ثامنُها:فَهمُ الأَقوالِ الصّادِرةِ مِن كلِّ مَوجُودٍ في العالَمِ وإدراكُ كَلِماتِه المَعنَوالمَخلی كلٌّ حَسَبَ لِسانِه الخاصِّ یی فيما يَخُصُّ وَحدانِيّةَ خالِقِه ورُبُوبيّةَ مُبدِعِه.
تاسعُها:إدراكُ دَرَجاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ والثَّروةِ الرَّبّانيّةِ المُطلَقَتَينِ، بمَوازِينِ الْ معي والضَّعفِ والفَقرِ والحاجةِ المُنطَوِيةِ في نَفسِكِ، إذ كما تُدرَكُ أَنواعُ الأَطعِمةِ ودَرَجاتُها ولَذَّاتُها، بدَرَجاتِ الجُوعِ وبمِقدارِ الِاحتِياجِ إليها، كذلك علَيكِ فَهمُ دَرَجاتِ القُدرةِ الإلٰهدُ الجوثَروَتَها المُطلَقَتَينِ بعَجزِكِ وفَقرِكِ غيرِ المُتَناهِيَينِ.
فهذه الأُمُورُ التِّسعةُ وأَمثالُها هي مُجمَلُ "غاياتِ حَياتِكِ".
أمّا"ماهِيّةُ حَْنِها، الذَّاتيّةِ"فمُجمَلُها هو:
إنَّها فِهرِسُ الغَرائبِ الَّتي تَخُصُّ الأَسماءَ الإلٰهِيّةَ الحُسنَى.. ومِقياسٌ مُصَغَّرٌ لِمَعرِفةِ الشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ وصِفاتُ الذّاتِ الجَليلةِ.. ومَيزانٌ للعَوالِمِ الَّتي في الكَونِ.. ولائحةدَدِ اندَرَجاتِ هذا العالَمِ الكَبيرِ.. وخَريطةٌ لهذا الكَونِ الواسِعِ.. وفَذْلَكةٌ لِكِتابِ الكَونِ الكَبيرِ.. ومَجمُوعةُ مَفاتِيحَ تَفتَحُ كُنُوزَ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ الخَفِيّةِ.. وأَحسَنُ تَقوِيمٍ للكَمالاتِ المَبًّا شَ في المَوجُوداتِ، والمَنشُورةِ على الأَوقاتِ والأَزمانِ..
فهذه وأَمثالُها هي "ماهِيّةُ حَياتِكِ".
وإلَيكِ الآن"صُورةَ حَياتِكِ"وطَرْزَ وَظِيفَتِها، وهي: أنَّ حَياتَكِ كَلمةٌ حَكِيمةٌ مَكتُوبةٌ بقَلَمِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ ذلك ا مَقالةٌ بَلِيغةٌ مَشهُودةٌ ومَسمُوعةٌ تَدُلُّ على الأَسماءِ الحُسنَى.. فهذه وأَمثالُها هي صُورةُ حَياتِكِ.
أمّا"حَقيقةُ حَياتِكِ"وسِرُّها فهي: أنَّها مِرآةٌ لِتَجَلِّي الأَحَدِيّةِ، وجَلْوةِ الصَّمَدِيّةِ، أي: أنَّ حَياتَكِ كالمِالمَواَنعَكِسُ علَيها تَجَلِّي الذّاتِ الأَحَدِ الصَّمَدِ تَجَلِّيًا جامِعًا، وكأنَّ حَياتَكِ نُقطةٌ مَركَزِيّةٌ لِجَميعِ أَنواعِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ المُتَجلِّيةِ على العالَمِ أَجمَعَ.
ةٍ شَف أمّا"كَمالُ سَعادةِ حَياتِكِ"فهو: الشُّعُورُ بما يَتَجَلَّى مِن أَنوارِ التَّجَلِّياتِ الإلٰهِيّةِ في مِرآةِ حَياتِكِ وحُبُّها، وإظهارُ الشَّوقِ إلَيها، كمالِكٍ للشُّعُورِ، ثمَّ الفَناءُ في مَحَبَّتِها، وتَرسِيخُ تلك احِبَتيِ المُنعَكِسةِ وتَمكِينُها في بُؤبُؤِ عَينِ قَلبِك.
ولِأَجلِ هذا قِيلَ بالفارِسيّةِ هذا المَعنَى للحَديثِ النَّبَوِيِّ القُدسِيِّ الَّذي رَفَعَكِ إلى أَعلَى عِلِّيِّينَ:
مَن نَگُنجَمْ دَرْ سَمٰوَاتُ وَزَمِينَميَّززْ عَجَبْ گُنجَمْ بِقَلْبِ مُؤْمِنِين
فيا نفسي.. إن حَياتَكِ الَّتي تَتَوَجَّهُ إلى مثلِ هذه الغاياتِ المُثلَى، وهي الجامِعةُ لِمِثلِ هذه الخَزائنِ القَيِّمةِ.. هل يَلِيقُ عَقلًا وإنصافيَرْحَتُصرَفَ في حُظُوظٍ تافِهةٍ، تَلبِيةً لِرَغَباتِ النَّفسِ الأَمَّارةِ، واستِمتاعًا بلَذائِذَ دُنيَوِيّةٍ فانِيةٍ، فتُهدَرَ وتُضَيَّعَ بعدَ ذلك؟!.
فإن كُنتِ راغِبةً في عَدَمِ ضَياعِها سُدًى، ففَكِّري م"،وإَّري في القَسَمِ وجَوابِ القَسَم في سُورةِ "الشَّمسِ" الَّذي يَرمُزُ إلى التَّمثِيلِ والحَقِيقةِ المَذكُورةِ، ثمَّ اعْمَلي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ٭ وَالْقَمَر الحُرا تَلَاهَا ٭ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٭ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٭ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٭ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٭ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٭ فَأَلْهَمَهَا فُ346
الَا وَتَقْوَاهَا ٭ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى شَمسِ سَمَاءِ الرِّسَالَةِ وقَمَرِ بُرجِ النُّبُوَّةِ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ نُجُومِ الهِلا حَدِ؛ وارحَمنَا وارحَمِ المُؤمِنِينَ والمُؤمِنَاتِ. آمِينَ آمِينَ آمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 160 —
الكلمة الثانية عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا
ِها طَلكلمةُ تُشيرُ إلى مُوازَنةٍ إجماليّةٍ بينَ حِكمةِ القُرآنِ الكَريمِ المُقدَّسةِ وحِكمةِ الفَلسَفةِ، وتُشِيرُ أيضًا إلى خُلاصةٍ مُختَصَرةٍ لِما تُلَقِّنُه حِكمةُ القُرآنِ مِن تَربِيةِ الإنسانِ في حَياتَيهِ الشَّخصاتُ الوالِاجتِماعيّةِ، فَضلًا عن أنَّها تَضُمُّ إشارةً إلى جِهةِ تَرَجُّحِ القُرآنِ الكَرِيمِ وأَفضَلِيَّتِه على سائرِ الكَلامِ الإلٰهِيِّ، وسُمُوِّه على الأَقوالِ قاطِبةً؛ِك، وفَى: أنَّ هناك أَربَعةَ أُسُسٍ في هذه الكَلِمةِ:
الأساسُ الأوَّلُ
مِن خِلالِ مِنظارِ هذه الحِكايةِ التَّمثِيلِيّةِ، انظُر إلى الفُرُوقِ بينَ حِكمةِ القُرآنِ الكَريمِ وحِكمةِ العُلُومِ:
أويَبدُحاكِمٌ عَظيمٌ ذُو تَقوَى وصَلاحٍ وذُو مَهارةٍ وإبداعٍ أن يَكتُبَ القُرآنَ الحَكيمَ كِتابةً تَلِيقُ بقُدسِيّةِ مَعانِيه الجَلِيلةِ، وتُناسِبُ إعجازَه البَدِيعَ في كَلِماتِه، فأَرادَ أن يُلبِسَ القُرآنَ الكَريمَ ما يُناسِبُ إعجازَه السّامِيَ مِن هَذِه قَشِيبٍ خارِقٍ مِثْلِه.
فطَفِقَ يَكتُبُ القُرآنَ یی وهو مُصَوِّرٌ مُبدِعٌ یی كِتابةً عَجِيبةً جِدًّا، مُستَعمِلًا جَميعَ أَنواعِ الجَواهِرِ النَّفِيسةِ والأَحجارِ الكَرِيمةِ؛ لِيُشِيرَ بها إلى تَنَوُّعِ حَقائقِه العَظيمةِِ، إذ َب بعضَ حُرُوفِه المُجَسَّمةِ بالأَلْماسِ والزُّمُرُّدِ، وقِسمًا مِنها باللُّؤلُؤِ والمَرجانِ، وطائِفةً
— 161 —
مِنها بالجَوهَرِ والعَقِيقِ، ونَوعًا مِنها بالذَّهَبِ والفِضّةِ، حتَّى أَضفَى جَمالًا مَ الل وحُسنًا جالِبًا لِلأَنظارِ، يُعْجَبُ بها كلُّ مَن يَراها، سواءٌ أَعَلِمَ القِراءةَ أم جَهِلَها؛ فالجَميعُ يَقِفُون أَمامَ هذه الكِتابةِ البَديعةِ مَبهُوتِينَ، يَغمُرُفيَظُنتَّبجِيلُ والإعجابُ، ولا سِيَّما أَهلُ الحَقيقةِ الَّذين بَدَؤُوا يَنظُرُون إلَيها نَظرةَ إعجابٍ وتَقديرٍ أَشَدَّ، لِما يَعلَمُون أنَّ الجَمالَ الباهِرَ هذا يَشِفُّ عَمَّا تَحتَه مِن جَمالِ المَعانِي، وهو في مُنتَهَى اثَّلاثوعِ واللَّمَعانِ وغايةِ اللَّذّةِ والذَّوقِ.
ثمَّ عَرَض ذلك الحاكِمُ العَظِيمُ هذا القُرآنَ البَدِيعَ الكِتابةِ، الرّائعَ الجَمالِ، على فَيلَسُوفٍ أشَيْءٍيٍّ وعلى عالِمٍ مُسلِمٍ، وأَمَرَهُما: "لِيَكْتُبْ كلٌّ مِنكُما كِتابًا حَولَ حِكمةِ هذا القُرآنِ"، مُلَمِّحًا إلى اختِبارِهما لِيُكافِئَهما.
كتَبَ الفَيلَسُوفُ كِتابًا، وكَتَبَ العالِمُ المُسلِمُ كِتابًا؛ كان كِتابُ الفَيلَسُوَ هذه حَثُ عن نُقُوشِ الحُرُوفِ وجَمالِها، وعَلاقةِ بعضِها ببعضٍ، وأَوضاعِ كلٍّ مِنها، وخَواصِّ جَواهِرِها ومِيزاتِها وصِفاتِها فحَسْبُ؛ ولم يَتَعرَّض في كِتابِه إلى مَعانِي ذلك القُرآنِ ال الحِك قَطُّ، إذ إنَّه جاهِلٌ باللُّغةِ العَرَبيّةِ جَهلًا مُطْبِقًا، بل لم يُدرِكْ أنَّ ذلك القُرآنَ البَدِيعَ هو كِتابٌ عَظِيمٌ تَنِمُّ حُرُوفُه عن مَ مِنَ َلِيلةٍ، وإنَّما حَصَرَ نَظَرَه في رَوْعةِ حُرُوفِه وجَمالِها الخارِقِ؛ ومع هذا فهو مُهَندِسٌ بارِعٌ، ومُصَوِّرٌ فَنّانُ، وكِيميائيٌّ حاذِقٌ، وصامُطلَقاهِرٌ، لِذا فقد كَتَب كِتابَه هذا وَفْقَ ما يُتقِنُه مِن مَهاراتٍ ويُجِيدُه مِن فُنُونٍ.
أمّا العالِمُ المُسلِمُ، فما إن نَظَر إلى تلك الكِتاِتُ يَبَديعةِ حتَّى عَلِمَ أنَّه: كِتابٌ مُبِينٌ وقُرآنٌ حَكيمٌ؛ فلم يَصْرِفِ اهتِمامَه إلى زِينَتِه الظّاهِرةِ، ولا أَشْغَلَ نَفسَه بزَخارِفِ حُرُوفِه البَديعةِ، وإنَّما تَوَجَّه كُلِّیْعَالِی وهو التَوّاقُ للحَقِّ یی إلى ما هو أَسمَى وأَثمَنُ وأَلطَفُ وأَشرَفُ وأَنفَعُ وأَشمَلُ مِمّا انشَغَلَ به الفَيلَسُوفُ الأَجنَبيُّ بمَلايِينِ الأَضعافِ، دارٍ مَ عمّا تحتَ تلك النُّقُوشِ الجَميلةِ مِن حَقائقَ سامِيةٍ جَليلةٍ وأَسرارٍ نَیيِّرةٍ بَدِيعةٍ، فكَتَب كِتابَه تَفسِيرًا قَيِّمًا لِهذا القُرآنِ الحَكِيمِ، فأَجادَ وأَتقَنَ.
قَدَّم كلٌّ مِنهُما ما كَتَبَه إلى الحاوَلَا لعَظيمِ.. تَناوَلَ الحاكِمُ أَوَّلًا مُؤَلَّفَ الفَيلَسُوفِ
— 162 —
ونَظَر إلَيه مَلِيًّا، فرَأَى أنَّ ذلك المُعجَبَ بنَفسِه والمُقَدِّسَ للطَّبِيعةِ، لم يَكتُب حِكمةً حَقيقيّةً قَطُّ، م النِّه بَذَل كلَّ ما في طَوْقِه، إذ لم يَفهَمْ مَعانِيَ ذلك الكِتابِ، بل رُبَّما زاغَ واختَلَطَ عليه الأَمرُ، وأَظهَر عَدَمَ تَوقِيرٍ وإجلالٍ لذلك القُرآنِ، حيثُ إنَّه لرا في َرِثْ بمَعانِيه السّامِيةِ، وظَنَّ أنَّه مُجَرَّدُ نُقُوشٍ جَمِيلةٍ وحُرُوفٍ بَدِيعةٍ، فبَخَسَ حَقَّ القُرآنِ وازدَراه مِن حَيثُ المَعنَى؛ لِذا رَدَّ الحاكِمُ الحَكَِبَديّؤَلَّفَ ذلك الفَيلَسُوفِ وضَرَبَ بِه على وَجهِه وطَرَدَه مِن دِيوانِه.
ثمَّ أَخَذ مُؤَلَّفَ العالِمِ المُسلِمِ المُحَقِّقِ المُدَقِّقِ، فرَأَى أنَّه تَفسِيرٌ قَيِّمٌ جِدًّا، بالِغُ ّةِ وفْعِ، فبَارَكَ عَمَلَه، وقَدَّرَ جُهْدَه، وهَنَّأَه علَيه وقالَ: هذه هي الحِكمةُ حَقًّا، وإنَّما يُطلَقُ اسمُ العالِمِ والحَكِيمِ حَقًّا على صاحِبِ لا يُمُؤَلَّفِ، وليس الآخَرُ إلَّا فَنّانًا صَنَّاعًا قد أَفرَطَ وتَجاوَزَ حَدَّه.. وعلى إِثرِه كافَأَ ذلك العالِمَ المُسلِمَ وأَجزَلَ ثَوابَه، آمِرًا أن تُمنَحَ عَشْرُ لَيراتٍ ذَهَبِيّةٍ لكلِّ حَرفٍ مِن
الرَّفِ كِتابِه.
فإذا فَهِمتَ يا أَخي أَبعادَ هذه الحِكايةِ التَّمثِيلِيّة، فانظُرْ إلى وَجهِ الحَقيقةِ: فذلك القُرآنُ الجَميلُ الزّاهِي، هو هذا الكَونُ البَدِيعُ.. وذلك الحاكِمُ المَهِيبُ، هو سُلطانُ الأَزَلِ والأَبَالعَذاحانَه؛ والرَّجُلانِ: الأَوَّلُ یی أي: ذلك الأَجنَبِيُّ یی هو عِلمُ الفَلسَفةِ وحُكَماؤُها. والآخَرُ: هو القُرآنُ الكَريمُ وتَلامِيذُه.
نعم، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ "المَقرُوءَ" هو أَعظَمُ تَفسِيرٍ وأَسماه، وأَبلَغُ تَرجُمانٍ وأَ غايةِهذا الكَونِ البَدِيعِ، الَّذي هو قُرآنٌ آخَرُ عَظِيمٌ "مَنظُورٌ".. نعم، إنَّ ذلك الفُرقانَ الحَكِيمَ هو الَّذي يُرشِدُ الجِنَّ والإِنسَ إلى الآياتِ الكَونِيّةِ الَّتي سَطَّرَها قَلَمُ القُارَ اللإلٰهِيّةِ على صَحائفِ الكَونِ الواسِعِ، ودَبَّجَها على أَوراقِ الأَزمِنةِ والعُصُورِ؛ وهو الَّذي يَنظُرُ إلى المَوجُوداتِ یی الَّتي كلٌّ مِنها حَرفٌ ذُو مَغزًى یی بالمَعنَى الحَرفِيِّ، أي: يَنظُرُ إلَيها والصَّيثُ دَلالَتُها على الصّانِعِ الجَليلِ، فيَقولُ: ما أَحسَنَ خَلْقَهُ! ما أَجمَلَ خَلْقَهُ! ما أَعظَمَ دَلالَتَهُ على جَمالِ المُبدِعِ الجَلِيلِ! وهكذا يَكشِفُ أَمامَ الأَنظارِ الجَمالَ الحَقيقيَّ للكائناتِ.
ا على ا يُسَمُّونَه بعِلمِ الحِكمةِ وهي الفَلسَفةُ، فقد غَرِقَتْ في تَزيِيناتِ حُرُوفِ
— 163 —
المَوجُوداتِ، وظَلَّتْ مَبهُوتةً أَمامَ عَلاقاتِ بعضِها ببعضٍ، حتَّى ضَلَّتْ عنِ الحَقيقةِ؛ فبَالثانكان علَيها أن تَنظُرَ إلى كِتابِ الكَونِ بالمَعنَى الحَرفِيِّ الدّالِّ على الله، إذا بها تَنظُرُ إلَيه بالمَعنَى الِاسمِيِّ، أي: أنَّ المَوجُوداتِ قائمةٌ بذاتِها، وبَدَأَت تَتَحدَّثُ عنها على هذه الصُّورةِ فتَقُولُ: ما أَجمَل للهِ بَدَلًا مِن: ما أَجمَلَ خَلْقَ هذا! سالِبةً بهذا القَوْلِ الجَمالَ الحَقيقيَّ للشَّيءِ؛ فأَهانَتْ بإِسنادِها الجَمالَ إلى الشَّيءِ نَفسِهِ جَمِيعَ المَوجُوداتِ، حتَّى جَعَلَتِ الكائناتِ شاكِيةً علَيها يَومَ القِيامةِ..
نع الآخَِ الفَلسَفةَ المُلحِدةَ إنَّما هي سَفْسَطةٌ لا حَقيقةَ لها، وتَحقِيرٌ للكَونِ وإهانةٌ له.
الأساسُ الثّاني
للوُصُولِ إلى مَدَى الفَرقِ بينَ التَّربِيةِ الأَخعَرَّفةِ الَّتي يُرَبِّي بها القُرآنُ الكَرِيمُ تَلامِيذَه، والدَّرسِ الَّذي تُلقِّنُهُ حِكمةُ الفَلسَفةِ، نَرَى أن نَضَع تِلمِيذَيهِما في المُوازَنةِ:
فالتِّلمِيذُ اِه بوَصُ للفَلسَفةِ "فِرعَونُ"، ولكِنَّه فِرعَونٌ ذَلِيلٌ، إذ يَعبُدُ أَخَسَّ شيءٍ لِأَجْلِ مَنفَعَتِه، ويَتَّخِذُ كلَّ ما يَنفَعُه رَبًّا له؛ ثمَّ إنَّ ذلك التِّلمقامِ الجاحِدَ "مُتَمرِّدٌ وعَنُودٌ"، ولكِنَّه مُتَمرِّدٌ مِسكِينٌ يَرضَى لِنَفسِه مُنتَهَى الذُّلِّ في سَبِيلِ الحُصُولِ على لَذّةٍ، وهو عَنُودٌ دَنيءٌ إذ يَتَذلَّلُ ويَخْنَعُ لِأَشخاصٍ هم كالشَّياطِينِ، بل يُقَبِّلُ أَقدامَهَ أنواَ إنَّ ذلك التِّلمِيذَ المُلحِدَ "مَغرُورٌ، جَبّارٌ"، ولكِنَّه جَبّارٌ عاجِزٌ لِشُعُورِه بمُنتَهَى العَجزِ في ذاتِه، حيثُ لا يَجِدُ في قَلبِه نُقطةَ استِنادٍ؛ ثمَّ إنَّ ذلك التِّلمِيذَ "نَفْعِيٌّ ومَصلَحِيٌّ" لا يَرَى إ ويَدفاتَه. فغايةُ هِمَّتِهِ تَلبِيةُ رَغَباتِ النَّفسِ والبَطْنِ والفَرْجِ، وهو "دسَّاسٌ مَكَّارٌ" يَتَحَرَّى عن مَصالِحِه الشَّخصِيّةِ ضِمْنَ مَصالِحِ الأُمّةِ.
بَينَما تِلمِيذُ القُرآنِ المُخلِصُ هو "عَبدٌ"، ولكِنَّه عبدٌ توخّاة لا يَستَذِلُّ لِشَيءٍ حتَّى لِأَعظَمِ مَخلُوقٍ، ولا يَرضَى حتَّى بالجَنّةِ یی تلك النِّعمةِ العُظمَى یی غايةً لِعُبُودِيَّتِه للهِ؛ كما أنَّ تِلمِيذَ القُرآنِ "مُتَواضِعٌ، تَقِيٌّ نَقِيٌّ" تكُوننَّه لا يَتَذَلَّلُ بإِرادَتِه لِغَيرِ فاطِرِه الجَليلِ ولِغَيرِ أَمرِه
— 164 —
وإِذنِه؛ ثمَّ إنَّه "فَقيرٌ وضَعيفٌ" مُوقِنٌ بفَقرِه وضَعفِه، ولكِنَّه مُسْتَغْنٍ عن كلِّ شيءٍ بما ادَّخَرَه له مالِكُه الكَريمُ مِمَقصَدئنَ لا تَنفَدُ في الآخِرةِ؛ وهو "قَوِيٌّ" لاستِنادِه إلى قُوّةِ سَيِّدِه المُطلَقةِ؛ ثمَّ إنَّه لا يَعمَلُ إلَّا لِوَجهِ اللهِ، بل لا يَسعَى إلَّا ضِمنَ رِضاهُ بُلُوغًا إلى الفَضائلِ ونَشْرِها.
وهكذا تُفهَمُ التَّربِيةُ الَّتي تُرَبِّي زِ بالحِكمَتانِ، لَدَى المُقارَنةِ بينَ تِلمِيذَيهِما.
الأساسُ الثّالثُ
أمّا ما تُعطِيه حِكمةُ الفَلسَفةِ وحِكمةُ القُرآنِ مِن تَربِيةٍ للمُجتَمَعِ الإِنسانِيِّ فهي: أ قد ظَكمةَ الفَلسَفةِ تَرَى "القُوّةَ" نُقطةَ الِاستِنادِ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ، وتَهدُفُ إلى "المَنفَعةِ" في كلِّ شيءٍ، وتَتَّخِذُ "الصِّراعَ" دُستُورًا للحَياةِ، وتَلتَزِمُ "بالعُالحَياّةِ والقَوْمِيّةِ السَّلبِيّةِ" رابِطةً للجَماعاتِ؛ أمّا ثَمَراتُها فهي إِشباعُ رَغَباتِ الأَهواءِ والمُيُولِ النَّفسِيّةِ الَّتي مِن شَأْنِها تَأْجِيجُ جُمُوحِ النَّفسِ وإِثارةُ الهَوَى.
ومِنَ المَعلُومِ أنَّ شسبِيًّ"القُوّةِ" هو "الِاعتِداءُ".. وشَأْنَ "المَنفَعةِ" هو "التَّزاحُمُ"، إذ لا تَفِي لِتَغطِيةِ حاجاتِ الجَميعِ وتَلبِيةِ رَغَبَاتِهم.. وشَأْنَ "الصِّراعِ" هو "النِّزاعُ والجِدالُ".. وشَأْنَ "العُنصُريّةِ" هو "الِاعتِداءُ" إذ تَكٍ.
ابتِلاعِ غَيرِها وتَتَوسَّعُ على حِسابِ العَناصِرِ الأُخرَى.
ومِن هنا تَلْمَسُ لِمَ سُلِبَت سَعادةُ البَشَريّةِ، مِن جرَّاءِ اللَّهاثِ وَراءَ هذه الحِكمةِ.
أمّا حِكمةُ القُرالهَواكَريمِ، فهي تَقبَلُ "الحَقَّ" نُقطةَ استِنادٍ في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ، بَدَلًا مِنَ "القُوّةِ"، وتَجعَلُ "رِضَى اللهِ سُبحانَه" ونَيلَ الفَضائلِ هو الغايةَ، بَدَلًا مِنَ "المَنفَعةِ"، وتَتَّخِذُ دُستُورَ "التَّعاوُنِ" ألأَرضِ في الحَياةِ، بَدَلًا مِن دُستُورِ "الصِّراعِ"، وتَلتَزِمُ برابِطةِ "الدِّينِ" والصِّنفِ والوَطَنِ لِرَبطِ فِئاتِ الجَماعاتِ بَدَلًا مِنَ "العُنصُريّةِ والقَومِيّةِ السَّلبِيّةِ"، وتَ أن أُغاياتِها الحَدَّ مِن تَجاوُزِ النَّفسِ الأَمّارةِ ودَفعِ الرُّوحِ إلى مَعالِي الأُمُورِ، وإِشباعِ مَشاعِرِها السّامِيةِ لِسَوقِ الإنسانِ نحوَ الكَمالِ والمُثُلِ الإنسانيّةِ.
— 165 —
إنَّ شَأْنَ "الحَقِّ" هو "الِاِاستِرُ".. وشَأْنَ "الفَضِيلةِ" هو "التَّسانُدُ".. وشَأْنَ دُستُورِ "التَّعاوُنِ" هو "إغاثةُ كلٍّ للآخَرِ".. وشَأْنَ "الدِّينِ" هو "الأُخُوّةُ والتَّكاتُفُ".. وشَأْنَ "إِلْج الحاجنَّفسِ" وكَبْحِ جِماحِها وإِطلاقِ الرُّوحِ وحَثِّها نحوَ الكَمالِ هو "سَعادةُ الدّارَينِ".
الأساسُ الرّابع
إذا أَرَدتَ أن تَفهَمَ كيف يَسمُو القُرآنُ على سائرِ المَعرِاتِ الإلٰهِيّةِ، وتَعرِفَ مَدَى تَفَوُّقِه على جَميعِ الكَلامِ، فانظُرْ وتَأَمَّلْ في هذَينِ المِثالَينِ:
المِثالُ الأوَّلُ:أنَّ للسُّلطانِ نَوعَينِ مِنَ المُكالَمةِ، وطِرازَينِ مِنَ الخِطابِ والكَلامِ:
الأوَّلُ:مُكالَمةٌ ا، فلِ بوَساطةِ هاتِفٍ خاصٍّ مع أَحَدِ رَعاياه مِنَ العَوامِّ، في أَمرٍ جُزئيٍّ يَعُودُ إلى حاجةٍ خاصّةٍ به.
والآخَرُ:مُكالَمةٌ باسمِ السَّلطَنةِ العُظملَّتي عُنوانِ الخِلافةِ الكُبْرَى، وبعِزّةِ الحاكِمِيّةِ العامّةِ، بقَصدِ نَشرِ أَوامِرِه السُّلطانيّةِ في الآفاقِ، فهي مُكالَمةٌ يُجرِيها مع أَحَدِ مَبعِ..!
أو مع أَحَدِ كِبارِ مُوَظَّفيه.. فهي مُكالَمةٌ بأَمرٍ عَظيمٍ يُهِمُّ الجَميعَ.
المِثالُ الثاني:رجلٌ يُمسِكُ مِرآةً تُجاهَ الشَّمسِ، فالمِرآةُ تَلتَقِطُ یی حَسَبَ سَعه عَلىیی نُورًا وضِياءً يَحمِلُ الأَلوانَ السَّبعةَ في الشَّمسِ؛ فيَكُونُ الرَّجلُ ذا عَلاقةٍ مع الشَّمسِ بنِسبةِ تلك المِرآةِ، ويُمكِنُه أن يَستَفيدَ مِنها فيما إذا وَجِ بتَن إلى غُرفَتِه المُظلِمةِ، أو إلى مَشتَلِه الخاصِّ الصَّغيرِ المَسقُوفِ، بَيْدَ أنَّ استِفادَتَه مِنَ الضَّوءِ تَنحَصِرُ بمِقدارِ قابِلِيّةِ المِرآةِ على ما تَعكِسُه مِن نُورِ الشَّمسِ، ولَيسَت بمِقد أنَّ ظَمِ الشَّمسِ.
بَينَما رَجلٌ آخَرُ يَتْرُكُ المِرآةَ، ويُجابِهُ الشَّمسَ مُباشَرةً، ويُشاهِدُ هَيبَتَها ويُدرِكُ عَظَمتَها، ثمَّ يَصعَدُ على جَبَلٍ عالٍ جِدًّا، ويَنظُرُ إلى شَعشَعةِ سُلطانِها الواسِعِ المَهِمُحَمّيُقابِلُها بالذّاتِ دُونَ حِجابٍ، ثمَّ يَرجِعُ ويَفتَحُ مِن بَيتِه الصَّغيرِ ومِن مَشتَلِه المَسقُوفِ
— 166 —
الخاصِّ نَوافِذَ واسِعةً نحوَ الشَّمسِ، واجِدًا سُبُلًا إلى الشَّمسِ الَّتي هي في أَعالي السَّماءِ، ثمَّ يُجرِي حِواالَّذيَ الضِّياءِ الدّائمِ للشَّمسِ الحَقيقيّةِ؛ فيُناجي الشَّمسَ بلِسانِ حالِه ويُحاوِرُها بهذه المُحاوَرةِ المُكَلَّلةِ بالشُّكرِ والِامتِنانِ فيقولُ: لأنَّكيا شَمسُ.. يا مَن تَرَبَّعتِ على عَرْشِ جَمالِ العالَمِ.. يا لَطِيفةَ السَّماءِ وزَهراءَها.. يا مَن أَضْفَيتِ على الأَرضِ بَهجةً ونُورًا، ومَنَحْتِ الأَزهارَ ابتِسامةً وسذلك الا، فلقد مَنَحْتِ الدِّفْءَ والنُّورَ معًا لِبَيتِي ومَشتَلي الصَّغيرِ كما وَهَبتِ للعالَمِ أَجمَعَ الدِّفْءَ والنُّورَ".
بَينَما صاحِبُ المِرآةِ السّابقُ لا يَستَطيعُ أن يُناجِيَ الشَّمسَ ويُحاوِرَها بهذا الأُسلُوبِ، إذ إنَّ آثارَ تَربِ الشَّمسِ مُحَدَّدةٌ بحُدُودِ المِرآةِ وقُيُودِها، وهي مَحصُورةٌ بحَسَبِ قابِلِيّةِ تلك المِرآةِ واستِيعابِها للضَّوءِ.
وَبَعْدُ.. فانظُر مِن خِلالِ مِنظارِ هذَينِ المِثالَينِ إلى القُرآنِ الكَريمِ لذًا بمِدَ إعجازَه، وتُدرِكَ قُدسِيَّتَه وسُمُوَّه.
أَجَل، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ يقُولُ:
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعانعِكاسَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وهكذا، فإنَّ مَنْحَ القُرآنِ الكَريمِ أَعلَى مَقامٍ مِن بينِ الكَلِماتِ جَميعًا، تلك ان الَّاتِ الَّتي لا تَحُدُّها حُدُودٌ، مَرَدُّه أنَّ القُرآنَ قد نَزَلَ مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ ومِن أَعظَمِ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِنباطِنةسماءِ الحُسنَى، فهو كَلامُ اللهِ بوَصفِه رَبَّ العالَمِين، وهو أَمرُه بوَصْفِه إلٰهَ المَوجُوداتِ، وهو خِطابُه بوَصفِه خالِقَ السَّماواتِ والأَرضِ، وهو مُاه رَحٌ سامِيةٌ بصِفةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ، وهو خِطابُه الأَزَلِيُّ باسمِ السَّلطَنةِ الإلٰهِيّةِ العُظمَى؛ وهو سِجِلُّ الِالتِفاتِ والتَّكريمِ الرَّحمانِيِّ، نابعٌ مِن رَحمَتِه الواسِعةِ المُحِيطةِ بكلِّ شيءٍ؛ وهو مَجمُوعةُ رَسِنُك أَبّانيّةٍ تُبيِّنُ عَظَمةَ الأُلُوهيّةِ، إذ في بِداياتِ بَعضِها رُمُوزٌ وشِفراتٌ؛ وهو الكِتابُ المُقدَّسُ الَّذي يَنثُرُ الحِكمةَ، نازِلٌ مِن مُحِيطِ الِاسمِ الأَعظَمِ، يَنظُرُ إلى ما أَحاطَ به العَرشُ الأَعظَمُ.. ولِأَجلِ هذه الأَتِ عِنأُطلِقَ على القُرآنِ الكَريمِ ما هو أَهلُه ولائقٌ به: اسمُ "كَلامِ اللهِ".
— 167 —
أمّا سائرُ الكَلِماتِ الإلٰهِيّةِ: فإنَّ قِسمًا مِنها كلامٌ نابِعٌ باعتِبارٍ خاصٍّ، و الصُّنٍ جُزئيٍّ، وبتَجَلٍّ جُزئيٍّ لاسمٍ خُصُوصِيٍّ، وبرُبُوبيّةٍ خاصّةٍ، وسُلطانٍ خاصٍّ، ورَحمةٍ خُصُوصيّةٍ.. فدَرَجاتُ هذه الكَلِماتِ مُختَلِفةٌ مُتَفاوِتةٌ مِن حيثُ الخاصُّ والكُلِّيُّ، فأَكثَرُ الإلهاماتِ مجَلِيّ القِسمِ، إلَّا أنَّ دَرَجاتِها مُتَفاوِتةٌ جِدًّا.
فمَثلًا:إنَّ أَبسَطَها وأَكثَرَها جُزئيّةً هي إلهامُ الحَيَواناتِ، ثمَّ إلهامُ عَوامِّ النّاسِ، ثمَّ إلهامُ عَوامِّ المَفضالِه، ثمَّ إلهامُ الأَولِياءِ، ثمَّ إلهامُ كِبارِ المَلائكةِ.
ومِن هذا السِّرِّ نَرَى أنَّ وَلِيًّا يُناجِي رَبَّه بهاتِفِ قَلبِه قائِلًا: "حَدَّثَني قَلبي عن ر دَرْك، فهو لا يقُولُ: حَدَّثَني عن رَبِّ العالَمِين. أو نَراه يقُولُ: إنَّ قَلبي عَرشٌ ومِرآةٌ عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ ربِّي. ولا يقُولُ: عَرشُ ربِّ العالَمِين؛ لأنَّه يُمكِنُ أن يَنالَ حَظًّا مِنَ الخِطابِ الرَّبّانِيِّ وَفقِسِّيّعداداتِه وحَسَبَ دَرَجةِ قابِلِيّاتِه، وبنِسبةِ رَفعِ ما يُقارِبُ سَبعين أَلفَ حِجابٍ.
نعم، إنَّه بمِقدارِ عُلُوِّ كَلامِ السُّلطانِ الصّادِرِ مِن حيثُ السَّلطَنةُ ا فيه أى وسُمُوِّه على مُكالَمَتِه الجُزئيّةِ مع أَحَدِ رَعاياه مِنَ العَوامِّ، وبمِقدارِ ما يَفُوقُ الِاستِفادَة مِن فَيضِ تَجَلِّي الضَّوءِ مِنَ الشَّمسِ الَّتي هي في السَّماء على استِفادةِ فَيضِها مِنَ المِرآةِ، يُمكِنُ فَهْمُ سُمُوِّ القُرآنِ اِ الَِّ على جَميعِ الكَلامِ الإلٰهِيِّ والكُتُبِ السَّماوِيةِ.
فالكُتُبُ المُقدَّسةُ والصُّحُفُ السَّماوِيّةُ تأتي بالدَّرَجةِ الثّانِيةِ بعنُّ مُِرآنِ الكَريمِ في دَرَجةِ العُلُوِّ والسُّمُوِّ، كلٌّ له دَرَجَتُه وتَفَوُّقُه، كلٌّ له حَظُّهُ مِن ذلك السِّرِّ للتَّفَوُّقِ، فلَوِ اجتَمَع جَميعُ الكَلامِ الطَّيِّبِ الجَميلِحَقائقِ والجِنِّ یی الَّذي لم يَتَرَشَّح عنِ القُرآنِ الكَريمِ یی فإنَّه لا يُمكِنُ أن يكُونَ نَظيرًا قَطُّ للقُرآنِ الكَريمِ، ولا يُمكِنُ أن يَدنُوَ إلى أن يكُونَ مِثْلَهُ.
وإذا كُنتَ تُريدُ أن تَفهَمَ شيئًا مِن أنَّ الحْيِيه الكَريمَ قد نَزَل مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ ومِنَ المَرتَبةِ العُظمَى لِكلِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، فتَدَبَّر في "آيةِ الكُرسِيِّ"، وكذا الآياتِ الكَريمةِ التّاليةِيَهتَمَمَّلْ في مَعانِيها الشّامِلةِ العامّةِ السّامِيةِ:
— 168 —
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ يُغْشِي اللَّتِظامِلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمعَظيمَِقْلِعِي تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ يَوْمَ نَطْوِي السَّالأُخركَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرولُ؟
َهُ..
وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الجَليلةِ، ثمَّ دَقِّقِ النَّظَرَ في السُّوَرِ المُبتَدِئةِ بی الحَمْدُ لِلَّه وسَبَّحَ، ويُسَبِّحُ.... لِرةِ للشُعاعَ هذا السِّرِّ العَظِيمِ، ثمَّ انظُرْ إلى السُّوَرِ المُسَتَهَلّةِ بی الٓمٓ والٓرٓ، وحمٓ لِتَفهَمَ أَهَمِّيّةَ القُرآنِ لَدَى رَبِّ العالَمِين.
وإذا فَهِمتَ السِّرَّ اللَّطيفَ لِهذا الأَساسِ الرّابعِ، تَستَطيعُ أن تَفهَمَ:
عامٍّ؛ِرَّ في أنَّ أَكثَرَ الوَحيِ النّازِلِ إلى الأَنبِياءِ إنَّما هو بواسِطةِ مَلَكٍ، أمّا الإِلهامُ فبِلا واسِطةٍ.
وتَفهَمَ السِّرَّ في أنَّ أَعظَمَ وَلِيٍّ مِنَ الأَولِياءِ لا يَبلُغُ أيَّ نَبيٍّ كان مِنَ الأأَرضِ،ءِ.
وتَفهَمَ السِّرَّ الكامِنَ في عَظَمةِ القُرآنِ وعِزَّتِه القُدسِيّةِ وعُلُوِّ إعجازِه..
وتَفهَمَ سِرَّ لُزُومِ المِعراجِ وحِكمةَ ضَرُورَتِه،ِ ما سَفهَمَ السِّرَّ في رِحلَتِه (ص) إلى السَّماواتِ العُلَا، وإلى سِدرةِ المُنتَهَى حتَّى كان قابَ قَوسَينِ أو أَدنَى، ومِن ثَمَّ مُناجاتِه له سُبحانَه، مع أنَّه جَلَّ جَلالُه: أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، ثمَّ عَودَتِه بطَرْفد أَدرينِ إلى مَكانِه.
أَجَل، إنَّ شَقَّ القَمَرِ كما أنَّه مُعجِزةٌ لإِثباتِ الرِّسالةِ، أَظْهَرَتْ نُبُوَّتَه إلى الجِنِّ والإِنسِ؛ كذلك المِعراجُ هو مُعجِزةُ عُبُودِيَّتِه (ص)، أَظهَرَت مَحبُوبِيَّتَه إلى الأَرواحِ والمَلائِكةِ.
اللَّهُم وما شِّ وسَلِّم عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ، كَمَا يلِيقُ بِرَحمَتِكَ وبِحُرمَتِهِ.. آمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 169 —
الكلمة الثالثة عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّ النُّ
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ
إذا أَرَدتََمِّيّعقِدَ مُوازَنةً ومُقارَنةً بينَ حِكمةِ القُرآنِ الحَكيمِ والعُلُومِ الفَلسَفِيّةِ، وأَرَدتَ أن تَعرِفَ ما يُمكِنُ أن يُستَخلَصَ مِن كلٍّ مِنهما مِن دُرُوسِ العِبرةِ والعِظةِ، ورُمْتَ أن تَلمَسَ ما يَنطَوِيانِ عليه مِن عُلُومٍ.. فأَمعِنِ النَّبُدَّ تَأَمَّلْ فيما يَأتِي:
إنَّ القُرآنَ الكَريمَ، ببَياناتِه القَوِيّةِ النّافِذةِ، إنَّما يُمَزِّقُ غِطاءَ الأُلفةِ وسِتارَ العادةِ المُلقَى على مَوجُوداتِ الكَونِ قاطِبةً، وها، وي لا تُذكَرُ إلَّا كأنَّها عادِيّةٌ مَألُوفةٌ، مع أنَّها خَوارِقُ قُدرةٍ بَديعةٍ ومُعجِزاتُها العَظِيمةُ؛ فيَكشِفُ القُرآنُ بتَمزِيقِه ذلك الغِطاءَ حَقائقَ عَجِيبةً لِذَوِي اني إنُورِ، ويَلفِتُ أَنظارَهم إلى ما فيها مِن دُرُوسٍ بَلِيغةٍ للِاعتِبارِ والعِظةِ، فاتِحًا كَنزًا لا يَفْنَى للعُلُومِ أَمامَ العُقُولِ.
أمّ رَحماةُ الفَلسَفةِ، فهي تُخفِي جَميعَ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وتَستُرُها تحتَ غِطاءِ الأُلفةِ والعادةِ، فتُجاوِزُها دُونَ اكتِراثٍ، بل تَتَجاهَلُها دُونَ مُبالاةٍ، فلا تَعْرِضُ أمامَ أَنظارِ ذَوِي الشُّعُورَِميعِ أَفرادًا نادِرةً شَذَّتْ عن تَناسُقِ الخِلقةِ، وتَرَدَّتْ عن كَمالِ الفِطرةِ السَّلِيمةِ، مُدَّعِيةً أنَّها نَماذِجُ حِكمةٍ ذاتِ عِبرةٍ.
فمَا.. فكإنَّ الإنسانَ السَّوِيَّ الَّذي هو في أَحسَنِ تَقوِيمٍ جامِعٍ لِمُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، تَنظُرُ إليه حِكمةُ الفَلسَفةِ نَظَرَها إلى شيءٍ عادِيٍّ مَألُوفٍ، بَينَما تَلفِتُتُّلاتظارَ
— 170 —
إلى ذلك الإنسانِ المُشَوَّهِ الَّذي شَذَّ عن كَمالِ الخِلقةِ، كأن يكُونَ له ثلاثةُ أَرجُلٍ أو رَأسانِ مَثلًا، فتُثِيرُ حَولَه نَظَرَ العِبرةِ والِاستِغرابِ.
ومَثلًا:إنَّ إعاشةَ جَميعِ الصِّغارِ مِن خَزائنِ االدّار إعاشةً في مُنتَهَى الِانتِظامِ الَّتي تُمثِّلُ أَلطَفَ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ رَحمَتِه تَعالَى وأَعَمَّها في الوُجُودِ، تَنظُرُ إلَيها حِكمةُ الفَلسَفةِ على أضُ أَمأَمرٌ مَألُوفٌ عادِيٌّ، فتَستُرُها بسِتارِ الكُفرانِ، بَينَما تَلفِتُ الأَنظارَ إلى إعاشةِ حَشَرةٍ شَذَّتْ عنِ النِّظامِ ونَأَتْ عن طائِفَتِها وظَلَّت وَحِيدةً في الغُربةِ فَرِيدةً في أَعماقِ البَحرِ، فبَدَأَت تَقْتاتُ على وَرَقِ نَباتٍ أٍَ ذي جهناك، حتَّى إنَّها لَتُثِيرُ أَشجانَ الصَّيّادِينَ لِما يَتَجَلَّى مِنها مِن لُطفٍ وكَرَمٍ، بل وتَدفَعُهم إلى البُكاءِ والحُزنِ.
(حاشية): لَقد وقَعَت هَذه الحَادِثةُ فِعلًا في أمرِيكَا.
فشاهِيّةٍ مضَوءِ هذه الأَمثِلةِ ثَروةَ القُرآنِ الطّائِلةَ وغِناه الواسِعَ في مَعرِفةِ اللهِ وفي مَيدانِ العِلمِ والحِكمةِ، وإفلاسَ الفَلسَفةِ وفَقْرَها المُدقِعَ في دُرُوسِ العِبرةِ والعِِ وَضَْعرِفةِ الصّانِعِ الجَليلِ.
ولِأَجلِ هذا السِّرِّ فالقُرآنُ الكَريمُ الَّذي هو جامِعٌ لِحَقائقَ باهِرةٍ ساطِعةٍ لا نِهايةَ لها، مُستَغنٍ عن خَيالاتِ الشِّعرِ.. وثَمّةَ سَبَبٌ آخَرُ لِتَنزُّهِ القُرآنِ عن الأَوِعر هو: أنَّ القُرآنَ مع أنَّه في أَتَمِّ نِظامٍ خارِقٍ وأَكمَلِ انتِظامٍ مُعجِزٍ ويُفَسِّرُ بأَساليبِه المُنتَظِمةِ تَناسُقَ الصَّنعةِ الإلٰهِيّةِ في الكَونِ، نَراه غيرَ مَنظُومٍ، فكلُّ آيةٍ مِن نُجُومِ آياتِه لا تَتَقيَّدُ بنِظامِ الالحِكم لِذا تُصبِحُ كأنَّها مَركَزٌ لِأَكثَرِ الآياتِ وشَقيقَتُها، إذ تُمَثِّلُ خُيُوطُ العَلاقةِ بينَ الآياتِ المُتَرابِطةِ في المَعنَى دائرةً واسِعةً، فكَأنَّ كلَّ آيةٍ حُرّةٍ غيرِ مُقيَّدةٍ بنِظام الوَزنِ، تَِن أَععُيُونًا باصِرةً إلى أَكثَرِ الآيات، ووُجُوهًا مُتَوجِّهةً إلَيها.
ومِن هذا نَجِدُ في القُرآنِ الكَريمِ نِفسِه أُلُوفَ الآلافِ مِنَ المَصاحِفِ، حَيثُ إنَّه يَهَبُ لِكُلِّ ذاءٍ، عرَبٍ قُرآنًا مِنه.
فسُورةُ الإخلاصِ مَثلًا تَشتَمِلُ على خَزِينةٍ عَظِيمةٍ لِعِلمِ التَّوحِيدِ، تَضُمُّ ثَلاثينَ
— 171 —
سُورةَ إخلاصٍ، تَتَیكوَّنُ مِن تَراكِيبِ جُمَلِها السِّتِّ ذاتِ العَلاقاتِ المُتَرابِطِ بعضُها ببعضٍ،شيءٍ فُضِّحَ ذلك في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِين".
نعم، إنَّ عَدَمَ الِانتِظامِ الظّاهِرَ في نُجُومِ السَّماءِ، يَجعَلُ كلَّ نَجمٍ مِنها غَيرَ مُقَيَّدٍ وكأنَّها مَركَزٌ لِإيجَابِ النُّجُومِ ضِمنَ دائرةِ مُحيطِها؛ فتَمُدُّ خُيُوطَ العَلاقاتِ وخُطُوطَ الأَواصِرِ إلى كلٍّ مِنها إشارةً إلى العَلاقاتِ الخَفِيّةِ فيما بينَ المَوجُوداتِ قاطِارَكَ كأنَّ كلَّ نَجمٍ یی كنُجُومِ الآياتِ الكَريمةِ یی يَملِكُ عُيُونًا باصِرةً إلى النُّجُومِ كافّةً ووُجُوهًا مُتَوجِّهةً إلَيها جَميعًا .
فَشَاهِدْ كَمالَزييناتتِظامِ في عَدَمِ الِانتِظامِ، واعتَبِرْ! واعلَمْ مِن هذا سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَريمةِ: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ.
واعلَمْ أيضًا حِكمةً أُخرَى لی وَمَا يَنْبَغِي لَهُ مِمّا يَأتِي: إنَّ شَأنَ الشِّعرِ وإذْ يمِيلُ الحَقائقِ الصَّغِيرةِ الخامِدةِ، وتَزيِينُها بالخَيالِ البَرَّاقِ، وجَعْلُها مَقبُولةً تَجلُبُ الإعجابَ؛ بَينَما حَقائقُ القُرآنِ مِنَ العَظَمةِ والسُّمُوِّ والجاذِبيّةِ بحَيثُ تَبققةِ، وظَمُ الخَيالاتِ وأَسطَعُها قاصِرةً دُونَها، وخافِتةً أَمامَها.
فمَثلًا:قولُه تَعالَى: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْي بصَو يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ، وأَمثالُها مِنَ الحَقائقِ ال؛ كذلكا حَدَّ لها في القُرآنِ الكَريمِ شاهِداتٌ على ذلك.
إذا شِئتَ أن تُشاهِدَ وتَتَذوَّقَ كيف تَنشُرُ كلُّ آيةٍ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ نُورَ إعجازِها وهِدايَتِها، وتُبَدِّدُ ظُلُماتِ الكُفرِ كالنَّجمِ الثّاقِبِ؛ تَصَوَّرْ نَفسَك في ذلك العَصرِ، بلِهِلِيِّ وفي صَحراءِ تلك البَداوةِ والجَهلِ؛ فبَينا تَجِدُ كلَّ شيءٍ قد أُسدِلَ علَيه سِتارُ الغَفلةِ وغَشِيَه ظَلامُ الجَهلِ، ولُفَّ بغِلافِ الجُمُودِ والطَّبِيِيبَينذا بك تُشاهِدُ الحَياةَ وقد دَبَّتِ في تلك المَوجُوداتِ الهامِدةِ أوِ المَيتةِ في أَذهانِ السّامِعِين، فتَنهَضُ مُسبِّحةً ذاكِرةً اللهَ بصَدَى قَولِه تَعالَى:َ والمبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وما شابَهَها مِنَ الآياتِ الجَلِيلةِ.
— 172 —
ثمَّ إنَّ وَجْهَ السَّماءِ اأنَّ امةِ الَّتي تَستَعِرُ فيها نُجُومٌ جامِدةٌ، تَتَحوَّلُ في نَظَرِ السّامِعِين، بصَدَى قَولِه تَعالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ إلى فَمٍ ذاكِرٍ للهيه بِاُ نَجْمٍ يُرسِلُ شُعاعَ الحَقيقةِ ويَبُثُّ حِكمةً حَكِيمةً بَلِيغةً.
وكذا وَجْهُ الأَرضِ الَّتي تَضُمُّ المَخلُوقاتِ الضَّعيفةَ العاجِ
إنتَحوَّلُ بذلك الصَّدَى السَّماوِيِّ إلى رَأسٍ عَظيمٍ، والبَرُّ والبَحرُ لِسانَينِ يَلهَجانِ بالتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، وجَميعُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ كَلِماتٍ ذاكِرةً مُسَبِّحةً؛ حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ كُلَّها تَنبِضُ بالحَياةِ.
ِندَ إ، بانتِقالِك الشُّعُورِيِّ إلى ذلك العَصرِ تَتَذوَّقُ دَقائقَ الإعجازِ في تلك الآيةِ الكَريمةِ؛ وبخِلافِ ذلك تُحرَمُ مِن تَذَوُّقِ تلك الدَّقائقِ اللَّطِيفةِ في الآيةِ الكَريمةِ.
نعم، إنَّك إذا نَظَرتَ إلى الآياتِ الكَريمةِ مِن خِلالحَقًّاعِك الحاضِرِ الَّذي استَنارَ بنُورِ القُرآنِ مُنذُ ذلك العَصرِ حتَّى غَدا مَعرُوفًا، وتَنَوَّرَ بسائرِ العُلُومِ الإسلاميّةِ، حتَّى وَضَحَت بشَمسِ مُعَلآنِ، أو إذا نَظَرتَ إلى الآياتِ مِن خِلالِ سِتارِ الأُلفةِ، فإنَّك بلا شَكٍّ لا تَرَى رُؤيةً حَقيقِيّةً مَدَى الجَمالِ المُعجِزِ في كلِّ آيةٍ، وكيفَ أنَّها تُبَدِّدُ الظُّلُماتِ الدّامِسةَ بنُورِهان: يا َّاجِ؛ ومِن بعدِ ذلك لا تَتَذَوَّقُ وَجهَ هذا النَّوعِ مِنَ الإعجازِ مِن بينِ وُجُوهِه الكَثيرةِ.
وإذا أَرَدتَ مُشاهَدةَ أَعظَمِ دَرَجةٍ لِإعجازِ القُرآنِ الكَثيرةِ، فاستَمِعْص) إنّذا المِثالِ وتَأَمَّلْ فيه: لِنَفْرِضْ شَجَرةً عَجِيبةً في مُنتَهَى العُلُوِّ والغَرابةِ، وفي غايةِ الِانتِشارِ والسَّعةِ، قد أُسدِلَ علَيها غِطاءُ الغَيبِ، فاستَتَرَت طَيَّ طَبَقاتِ الغَيبِ.
فمِنَ المَعلُومِ أنَّ هُناك تَواأمّا إوتَناسُبًا وعَلاقاتِ ارتِباطٍ بينَ أَغصانِ الشَّجَرةِ وثَمَراتِها وأَوراقِها وأَزاهِيرِها كما هو مَوجُودٌ بينَ أَعضاءِ جِسمِ الإنسانِ، فكلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِها يَأخُذُ شَكلًا مُعَِن وَس وصُورةً مُعَيَّنةً حَسَبَ ماهِيّةِ تلك الشَّجَرةِ.
فإذا قامَ أَحَدٌ یی مِن قِبَلِ تلك الشَّجَرةِ الَّتي لم تُشاهَد قَطُّ ولا تُشاهَدُ یی ورَسَمَ على شاشةٍ صُوُ في مكُلِّ عُضوٍ مِن أَعضاءِ تلك الشَّجَرةِ، وحَدَّ له، بأَن وَضَع خُطُوطًا تُمَثِّلُ العَلاقاتِ بينَ أَغصانِها وثَمَراتِها وأَوراقِها، ومَلَأَ ما بينَ مَبدَئِها ومُنتَهاهما لا لبَعِيدَينِ عن
— 173 —
بعضِهما بما لا يُحَدُّ یی بصُوَرٍ وخُطُوطٍ تُمَثِّیلُ أَشكالَ أَعضائِها تَمامًا، وتُبْرِزُ صُوَرَها كامِلةً.. فلا يَبقَى أَدنَى شَكٍّ في أنَّ ذلك الرَّسّامَ يُشاهِدُ تلك الشَّجَرةَ الغَيبِيّةَ بنَظَرِه المُطَّلِعِ على ِعِ لَِ، ويُحيطُ بها عِلمًا، ومِن بعدِ ذلك يُصَوِّرُها.
فالقُرآنُ المُبينُ كهذا المِثالِ أيضًا، فإنَّ بَياناتِه المُعجِزةَ الَّتي تَخُصُّ حَقيقةَ المَوجُوداتِ یی تلكَ الحَقيقةَ الَّتي تَعُودُ إلى شَجَرةِ الخَلقِ المُمتَدّةِ مِن بَدْءِ الدُّنيا إعٍ وخُايةِ الآخِرةِ، والمُنتَشِرةِ مِنَ الفَرْشِ إلى العَرْشِ، ومِنَ الذَّرّاتِ إلى الشُّمُوسِ یی قد حافَظَت تلك البَياناتُ الفُرقانِيّةُ على المُوازَنةِ والتَّناسُبِ وأَعطَتْ لِكُلِّ عُضوٍ مِنَ الأَعضاءِ ولِكُلِّ ثَمَرةٍ مِنَ الثَّمَراتِ صُورةًيقةِ..قُ بها، بحَيثُ خَلُصَ العُلَماءُ المُحَقِّقُون یی لَدَى إجراءِ تَحقِيقاتِهم وأَبحاثِهم یی إلى الِانبِهارِ والِانشِداهِ قائلِين: ما شاءَ اللهُ! بالضِّياللهُ! إنَّ الَّذي يَحُلُّ طِلَّسْمَ الكَونِ ويَكشِفُ مُعَمَّى الخَلقِ إنَّما هو أَنتَ وَحْدَك أيُّها القُرآنُ الحَكِيمُ!
فلْنُمثِّلِ یی وللهِلُّ الَلُ الأَعلَى یی الأَسماءَ والصِّفاتِ الإلٰهِيّةَ والشُّؤُونَ والأَفعالَ الرَّبّانيّةَ كأنَّها شَجَرةُ طُوبَى مِن نُورٍ تَمتَدُّ دائرةُ عَظَمَتِها مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبدِ، وتَسَعُ حُدُوضِ ويُْرِيائِها الفَضاءَ المُطلَقَ غيرَ المَحدُودِ وتُحِيطُ به، ويَمتَدُّ مَدَى إجراءاتِها مِن حُدُودِ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ الطّاهْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء، إلى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وإلى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
فنَرَى أنَّ القُرآنَ الكَريمَ يُبيِّنُلحُجَجلحَقيقةَ النُّورانِيّةَ بجَميعِ فُرُوعِها وأَغصانِها، وبجَميعِ غاياتِها وثَمَراتِها بَيانًا في مُنتَهَى التَّوافُقِ والِانسِجامِ، بحيثُ لا تُعِيقُ حَقيقةٌ ةٍ بالً أُخرَى، ولا يُفسِدُ حُكمُ حَقيقةٍ حُكْمًا لِأُخرَى، ولا تَستَوحِشُ حَقيقةٌ مِن غَيرِها.
وعلى هذه الصُّورةِ المُتَجانِسةِ المُتَناسِقةِ بَيَّنَ القُرآنُ الكَريمُ للسُّلَ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ والصِّفاتِ الجَليلةِ والشُّؤُونِ الرَّبّانيّةِ والأَفعالِ الحَكيمةِ بَيانًا مُعجِزًا بحيثُ جَعَل جَميعَ أهلِ الكَشفِ والحَقيقةِ وجَميعَ أُولِي اشكِلًافةِ والحِكمةِ الَّذين يَجُولُون في عالَمِ المَلَكُوتِ، يُصَدِّقونه قائلِينَ أمامَ جَمالِ بَيانِه المُعجِزِ والإعجابُ يَغمُرُهم:
— 174 —
"سُبحانَ اللهِ! ما أَصْوَبَ هذا! ومِكَ فََرَ انسِجامَه وتَوافُقَه وتَطابُقَه مع الحَقيقةِ! وما أَجمَلَه وأَليَقَه!".
فلو أَخَذْنا مَثلًا أَركانَ الإيمانِ السِّتّةَ الَّتي تَتَوجَّهُ إلى جَميعِ دائرةِ المَوجُوداتِ المُختَلِفةِ ودائرةِ ال
٭ الإلٰهِيِّ، والَّتي تُعَدُّ غُصنًا مِن تِلكُما الشَّجَرتَينِ العُظْمَيَينِ، يُصَوِّرها القُرآنُ الكَريمُ بجَميعِ فُرُوعِها وأَغصانِها وثَمَراتِها وأَزاهِيرِها مُراعِيًا في تَصوِيرِه انسِجامًا بَدِيعًا بينَ ثَمَراع أنَّأَزاهيرِها، مُعَرِّفًا طَرْزَ التَّناسُبِ في مُنتَهَى التَّوازُنِ والاتِّساقِ، بحَيثُ يَجعَلُ عَقلَ الإنسانِ عاجِزًا عن إدراكِ أَبعادِه ومَبهُوتًا أمامَ حُسْنِ جَمالِه.
ثمَّ إنَّ الإسلامَ الَّذي هو فَرعٌ مِن غُصنِ الإيمانِ، أَبدَعَ القُرآنُ یی بهيمُ وأَتَى بالرّائعِ المُعجِبِ في تَصويرِ أَدَقِّ فُرُوعِ أَركانِه الخَمسةِ، وحافَظَ على جَمالِ التَّناسُبِ وكَمالِ التَّوازُنِ فيما بَينَها، بل حا وبأَسلى التَّناسُبِ فيما بينَ أَبسَطِ آدابِها ومُنتَهَى غاياتِها وأَعمَقِ حِكَمِها وأَصغَرِ فَوائدِها وثَمَراتِها.. وأَبهَرُ دَليلٍ على ذلك هو كَمالُ انتِظامِ الشَّريعةِ العُظمَى النّابعةِ مِن را نغِ ذلك القُرآنِ الجامِعِ، ومِن إشاراتِه ورُمُوزِه..
فكَمالُ انتِظامِ هذه الشَّريعةِ الغَرّاء وجَمالُ تَوازُنِها الدَّقيقِ وحُسْنُ تَناسُبِ أَحكامِها ورَصانَتُها.. كلّا الفَا شاهِدُ عَدْلٍ لا يُجرَحُ، وبُرهانٌ قاطِعٌ باهِرٌ لا يَدنُو مِنه الرَّيبُ أبدًا، على هذه الحَقِيقةِ، بمَعنَى أنَّ البَياناتِ القُرآنيّةَ لا يُثيِنُ أن تَستَنِدَ إلى عِلمٍ جُزئِيٍّ لِبَشَرٍ، ولا سيَّما إنسانٍ أُمِّيٍّ، بل لا بُدَّ أن تَستَنِدَ إلى عِلمٍ واسِعٍ مُحِيطٍ بكلِّ شيءٍ، والبَصيَوامِرميعِ الأَشياءِ معًا..
فهو كَلامُ ذاتِ اللهِ الجَليلِ البَصيرِ بالأَزَلِ والأَبَدِ معًا، والشّاهِدُ بجَميعِ الحَقائقِ في آنٍ واحِدٍ.. ومِمّا يُشيرُ إلى هذه الحَقيقةِ الآيةُ الكَريمَتّةَ.لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا
اللَّهُمَّ يَا مُنزِلَ القُرآنِ.. بِحَقِّ القُرآنِ، وبِحَقِّ مَن أُنزِلَ عَلَيهِ القُرآنُ، نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَقُبُورَنَا بِنُورِ الإِيمِروةُ القُرآنِ.. آمِينَ يَا مُستَعَانُ..
٭ ٭ ٭
— 175 —
المَقامُ الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حوارٌ مع عددٍ مِن الشخالِدَ الذين تتجاذَبُهم الإغراءاتُ والأهواءُ ولكنَّهم لم يَفقِدُوا بعدُ صَوابَهم.
طَلَبَ عددٌ مِنَ الشَّبابِ أن تُعِينَهم "رسائلُ النُّورِ" وتَمُدَّ لهم يَدَ النَّجْدةِ سائِلِينَ:
كيي لَم ِنُنا أن نُنقِذَ آخِرَتَنا إزاءَ ما يُحِيطُ بنا في زَمانِنا هذا مِن فِتنةِ الإغراءِ وجاذِبيّةِ الهَوَى وخِداعِ اللَّهْوِ؟
فأَجَبتُهم باسمِ شَخصِيّةِ "رساّةٌ" تنُّورِ" المَعنَوِيّةِ قائلًا: القَبرُ ماثِلٌ أمامَ الجَميعِ، لا يُمكِنُ أن يُنكِرَه أَحَدٌ.. كلُّنا سنَدخُلُه لا مَناصَ.. والدُّخُولُ فيه بلام، فِ طُرُقٍ لا غَيرُ:
الطَّريقُ الأوَّلُ:يُؤَدِّي إلى أنَّ القَبرَ بابٌ يَنفَتِحُ للمُؤمِنين إلى رِياضٍ جَميلةٍ وعالَمٍ رَحْبٍ فَسِيحٍ أَفضَلَ وأَجمَلَ مِن هذه الدُّنيا.
الطَّريقُ الثّاني:يُوصِلُ إلىَعوةِ القَبرَ بابٌ لِسِجنٍ دائمٍ للمُتَمادِين في الضَّلالةِ والغَيِّ یی معَ إيمانِهم بالآخِرةِ یی فهم يُعامَلُون بجِنسِ ما كانُوا يَعتَقِدُونه ويَرَوْن الوُجُودَ والحَياةَة، وقدِلالِه؛ فيُعزَلُون عن جَميعِ أَحِبَّتِهم في هذا السِّجنِ الِانفِرادِيِّ، لِعَدَمِ عَمَلِهم بما كانوا يَعتَقِدُونه.
الطَّريقُ الثالث:يَنساقفي أَمه مَن لا يُؤمِنُ بالآخِرةِ مِن أَربابِ الجُحُودِ والضَّلالةِ، فإذا القَبرُ بابٌ إلى العَدَمِ المَحْضِ وإعدامٌ نِهائيٌّ له؛ والقَبرُ في نَظَرِه مِشنَقةٌ تُفنِيه وتُفنِي معه جَميعَ أَحِبَّتِه؛إلى الهو جَزاءُ جُحُودِه بالآخِرةِ.
— 176 —
هذان الشِّقّان بَدِيهيّانِ، لا يَحتاجانِ إلى دليلٍ، إذ يُمكِنُ مُشاهَدَتُهما رَأْيَ العَينِ.
فما دامَ الأَجَلُ مَستُورًا عَنَّا بسِتارِ الغَيبِ، والمَوتُ يُمكِنُه أن يُدرِكَنا في كلَفسَك ٍ، يَضرِبُ عُنُقَ الإنسانِ دُونَ تَميِيزٍ بينَ الشّابِّ والشَّيخِ، فلا شَكَّ أنَّ الإنسانَ الضَّعيفَ الَّذي يَرَى هذه القَضِيّةَ المُذهِلةَ أمامَ عَينَيهِ، في كلِّ وَقتٍ، سوفَ يَتَحرَّى ما يُنْجِيه مِن ذلك الإِعدامِ الأَبَدِيِّ والسِّجنِ يَشُقِّرادِيِّ الدّائمِ، ويَبحَثُ عَمّا يُحَوِّلُ له بابَ القَبْرِ مِن ظُلمةٍ قاتِمةٍ إلى نُورٍ ساطِعٍ يَنفَتِحُ إلى عالَمٍ خالِدٍ ورِياضٍ مُونِقةٍ في عالَمِ النُّورِ والسَّعادةِ الخالِدةِ.. ولا رَيْبةِ للأ هذه المَسأَلةَ هي القَضيّةُ الكُبْرَى لَدَى الإنسانِ، بل هي أَعظَمُ وأَجَلُّ مِنَ الدُّنيا كلِّها.
إنَّ ظُهُورَ هذه الحَقيقةِ یی حَقيقةِ فَوْرتِ والقَبْرِ یی بالطُّرُقِ الثَّلاثةِ المُتقَدِّمةِ، يُنْبِئُ بها مِئةٌ وأَربعةٌ وعِشرُون أَلفًا مِنَ المُخبِرين الصّادِقين، وهُمُ الأَنبِياءُ الكِرامُ عَلَيهم السَّولِك:الحامِلُون لِواءَ تَصدِيقِهمُ الَّذي هو مُعجِزاتُهُمُ الباهِرةُ.. ويُنْبِئُ بها مِئةٌ وأربعةٌ وعِشرُون مِليُونًا مِنَ الأَولِياءِ الصّالِحِين، يُصَدِّقُون ماابَقةِرَ به أُولَئِك الأَنبِياءُ الكِرامُ، ويَشهَدُون لهم على الحَقيقةِ نَفسِها بالكَشفِ والذَّوْقِ والشُّهُودِ.. ويُنْبِئُ بها ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقين، يُثبِتُون ما أَخبَرَ به أُولَئِك الأَنبِياءُ والأَولِياءُ بأَدِلَّنادُون العَقلِيّةِ القاطِعةِ البالِغةِ دَرَجَةَ عِلمِ اليَقينِ، وبما يَصِلُ إلى تِسعٍ وتِسعِين بالمِئةِ مِنَ الثُّبُوتِ والجَزمِ.. (حاشية): أحَدُ أُولَئك رَسَائلُ النُّور كَمَا يَرَاُك دَوَميعُ. فالجَميعُ يُقرِّرُون أنَّ النَّجاةَ مِنَ الإعدامِ الأَبَدِيِّ، والخَلاصَ مِنَ السِّجنِ الِانفِرادِيِّ، وتَحوِيلَ المَوتِ إلى سَعادةٍ أَبَديّةٍ، إنَّما تكُونُ بالإيمانِ باللهِ وطاعَته ليس إلَّا.
نعم، لو سارَ أَحَدُهم في طَريقٍ غيطَعَ متَرِثٍ بقَولِ مُخبِرٍ عن وُجُودِ خَطَرٍ مُهلِكٍ، ولو باحتِمالِ واحِدٍ مِن المِئةِ، ألَيس ما يُحِيطُ به مِن قَلَقٍ وخَوفٍ عَمّا يَتَصوَّرُه ويَتَوقَّعُه مِن مَخاطِرَ كافِيًا لِقَطعِ شَهِيَّتِه عنِ الطَّعامِ؟ فكيف إذًا بإخبارُصَرِّتِ الآلافِ مِنَ الصّادِقِين المُصَدَّقين، إخبارًا يَبلُغُ صِدقُهم مِئةً في المِئةِ، واتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّ الضَّلالةَ والفِسقَ يَدفَعانِ الإنسانَ إلى مِشنَقةِ القَبرِ وسِجنِهعيّةِ،فِرادِيِّ الأَبَدِيِّ كما هو ماثِلٌ أَمامَكم، وأنَّ
— 177 —
الإيمانَ والعِبادةَ یی بيَقِينِ مِئةٍ في المِئةِ یی كَفِيلانِ برَفعِ أَعوادِ المِشنَقةِ وإغلاقِ بابِ السِّجنِ الِانفِرادِيِّ، وتَحوِيلمُؤقَّبرِ إلى بابٍ يُفتَحُ إلى قُصُورٍ مُزيَّنةٍ عامِرةٍ بالسَّعادةِ الدّائِمةِ، وكُنُوزٍ مَلِيئةٍ لا تَنضُبُ.. عِلمًا أنَّهم مع إخبارِهم هذا ياعَت أون على أَماراتِها ويُظهِرُون آثارَها.
والآن أُوَجِّهُ إلَيكم هذا السُّؤالَ:
تُرَى ما مَوقِفُ الإنسانِ البائسِ یی ولا سِيَّما المُسلِمِ یی مَشاه هذه المَسأَلةِ الجَسِيمةِ الرَّهيبةِ؟
هل يُمكِنُ أن تُزِيلَ سَلطَنةُ الدُّنيا كلُّها مع ما فيها مِن مُتَعٍ ولَذائذَ، ما يُعانِيهِ الإ لم يَ مِنِ اضطِرابٍ وقَلَقٍ في انتِظارِ دَورِه في كلِّ لَحظةٍ للدُّخُولِ إلى القَبْرِ، إن كان فاقِدًا للإيمانِ والعِبادةِ؟!
ثمَّ إنَّ الشَّيخُوخةَ والمَرَضَ والبَلاءَ، وما يَحدُثُ مِن وَفَيَاتٍ هنا وهناك، تُثِيرَّتي خالأَلَمَ المَريرَ إلى نَفسِ كلِّ إنسانٍ، وتُنذِرُه دَومًا بمَصِيرِه المَحتُومِ؛ فلا جَرَمَ أنَّ أُولَئك الضّالِّين وأَربابَ السَّفاهةِ والمُجُونِ سيَتَأجَّجُ في قُلُوبِها؛ أي:يمٌ مَعنَوِيٌّ، يُعذِّبُهم بلَظاه حتَّى لو تَمَتَّعُوا بمَباهِجِ الدُّنيا ولَذائذِها، بَيْدَ أنَّ الغَفلةَ وَحْدَها هي الَّتي تَحُولُ دُونَ استِشعارِهم ذلك ت مِنهبَ الأَليمَ.
فما دامَ أَهلُ الإيمانِ والطّاعةِ يَرَونَ القَبْرَ الماثِلَ أَمامَهم بابًا إلى رِياضِ سَعادةٍ دائمةٍ ونَعيمٍ مُقيمٍ، بما مُنِحُوا أمّا لقَدَرِ الإلٰهِيِّ مِن وَثيقةٍ تُكسِبُهم كُنُوزًا لا تَفْنَى بشَهادةِ الإيمانِ، فإنَّ كُلًّا مِنهم سيَشعُرُ لَذّةً عَمِيقةً حَقِيقيّةً راسِخةً، ونَشوةً رُوحِيّةً لَدَى انتِظارِه كلَّ يُستَش مَن يُنادِيه قائلًا: تَعالَ خُذْ بِطاقَتَك!
بحيثُ إنَّ تلك النَّشوةَ الرُّوحِيّةَ لو تَجَسَّمَت لَأَصبَحَت بمَثابةِ جَنّةٍ مَعنَوِيّةٍ خاصّةٍ بذلك المُؤمِنِ، بمِثلِ ما تَتَحوَّلُ البِذرةُ وتَتجَسَّمُ شَجَرةً وارِفةً.
ولَمّا كانهذا الرُ هكذا، فالَّذي يَدَعُ تلك المُتعةَ الرُّوحيّةَ الخالِصةَ لِأَجْلِ لَذّةٍ مُؤقَّتةٍ غيرِ مَشرُوعةٍ مُنَغَّصةٍ بالآلامِ كالعَسَلِ المَسمُومِ، بدافِعٍ مِن طَيشِ الشَّبابِ وسَفاهَتِه؛ سيَنحَطُّ هو مَستوًى أَدنَى بكَثيرٍ مِن مُستَوى الحَيَوانِ.. بل لا يَبلُغُ أن يكُونَ حتَّى بمِثلِ
— 178 —
المَلاحِدةِ الأَجانِب أيضًا؛ لأنَّ مَن يُنكِرُ مِنهم رَسُولَنا الكَريمَ (ص) فقد يُؤمِنَُعِيدةلٍ آخَرينَ، وإن لم يُؤمِنْ بالرُّسُل كلِّهم، فقد يُؤمِنُ بوُجُوده تَعالَى، وإن لم يُؤمِن باللهِ فقد تَكُون له مِن الخِصالِ الحَمِيدةِ ما يُرِيهِ الكَمالوبُرُو بَينَما المُسلِمُ لم يَعرِفِ الرُّسُلَ الكِرامَ ولا آمَنَ برَبِّه ولا عَرَف الكَمالاتِ الإنسانيّةَ إلَّا بواسِطةِ هذا النَّبيِّ الكَريمِ (ص)، لِذا مَن يَتْرُكُ مِنهُمُ التَّأدُّبَ بتَربِيَتِه المُبارَكةِ، ويَحُلُّ رِبقَتَه عنبالقُدِرِه، لا يَعتَرِفُ بنَبيٍّ آخَرَ، بل يَجحَدُ حتَّى باللهِ سُبحانَه وتَعالَى، ولا يَستَطيعُ أن يُحافِظَ على أُسُسِ الكَمالاتِ الإنسانيّةِ في رُوحَضِيانك لأنَّ أُصُولَ الدِّينِ وأُسُسَ التَّربيةِ الَّتي جاءَ بها الرَّسُولُ الكَريمُ (ص) هي مِنَ الرُّسُوخِ والكَمالِ ما لا يُمكِنُ أن يُحْرِزَ نُورًا ولا كَمالًا قَطُّ مَن يَدَعُها وَيتْرُكُها، بل يُحكَمُ عليه بالتَّرَدِّي والسُّقُوطِ المُطلَق ببُرُهو (ص) خاتَمُ النَّبيِّين وسَيِّدُ الأَنبِياءِ والمُرسَلين، وإمامُ البَشَريةِ بأَكمَلِها، في الحَقائقِ كلِّها، بل هو مَدارُ فَخرِها واعتِزازِها، كما أَثبَتَ ذلك إثباتًا رائعًا على مَدَى أَره ويُرَشَرَ قَرْنًا.
فيا مَن فُتِنتُم بزَهرةِ الحَياةِ الدُّنيا ومَتاعِها، ويا مَن يَبذُلُون قُصارَى جُهدِهم لِضَمانِ الحَياةِ والمُستَقبَلِ بالقَلَقِ علَيهما.. أيُّها البائِسُون..
إن كُنتُم تَرُومُون التَّمتُّعَ بلَذّةِ الدُّنيا وةَ ضَيعُّمَ بسَعادَتِها وراحَتِها، فاللَّذائذُ المَشرُوعة تُغنيكم عن كلِّ شيءٍ، فهي كافيةٌ ووافيةٌ لِتَلبِيةِ رَغَباتِكم وتَطْمِينِ أَهوائكم.. ولقرُ مَبَكتُم مِمّا بَيَّنّاه آنِفًا أنَّ كلَّ لَذّةٍ ومُتعةٍ خارِجَ نِطاقِ الشَّرعِ فيها أَلْفُ أَلَمٍ وأَلَمٍ، إذ لو أَمكَنَ عَرْضُ ما سيَقَعُ مِن أَحداثٍ مُقبِلةٍ بعدَ خَمسِين سنةً مَثلًا على شاشةٍ الآنَ مِثلَما تُعرَضُ الأَحداثُ اَّطِيفةُ علَيها، لَبَكَى أَربابُ الغَفلةِ والسَّفاهةِ بُكاءً مُرًّا أَلِيمًا على ما يَضحَكُون له الآنَ.
فمَن كان يُرِيدُ السُّرُورَ الخالِصَ الدّائمَ والفَرَحَ المُقِيِّ"ي الدُّنيا والآخِرةِ، علَيه أن يَقتَدِيَ بما في نِطاقِ الإيمانِ مِن تَربِيةِ مُحمَّدٍ (ص).
٭ ٭ ٭
— 179 —
حوارٌ مع فريقٍ مِن الشباب
جاءَني ذاتَ يومٍ فَريقٌ مِنَ الشَّبابِ، يَتَدفَّقُون نَضارةً وذك له، والِبِين تَنبِيهاتٍ قَوِيّةً وإرشاداتٍ قَوِيمةً تَقِيهِم مِن شُرُورٍ تَتَطايَرُ مِن مُتَطَلَّباتِ الحَياةِ ومِن فُتُوّةِ الشَّبابِ ومِنَ الأَهواءِ المُحِيطةِ بهم.
فقُلتُ لهم مِثلَ ما قُلتُه لِأُولَئِك الَّذِمٍ، وَبُوا العَونَ مِن رَسائلِ النُّورِ:
اعلَمُوا أنَّ ما تَتَمتَّعُون به مِن رَبيعِ العُمُرِ ونَضارةِ الحَياةِ ذاهِبٌ لا مَحالةَ، فإن لم تُلزِمُوا أَنفُسَكم بالبَقاءِ ضِمنَ الحُدُودِ الشَّرةِ وال فسيَضِيعُ ذلك الشَّبابُ ويَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، ويَجُرُّ علَيكُم في الدُّنيا وفي القَبْرِ وفي الآخِرةِ بَلايا ومَصائبَ وآلامًا تَفُوقُ كَثيرًا مَلَذّاتِ الدُّنيا الَّتي لِهِ وكُم إيّاها..
ولكِن لَو صَرَفتُم رَبيعَ عُمُرِكم في عِفّةِ النَّفسِ وفي صَوْنِ الشَّرَف وفي طاعةِ رَبِّكم بتَربِيَتِه على الإسلامِ، أَداءً لِشُكرِ اللهِ تَعالَى على ما أَنعَمَ علَيكُم مِن نِعمةِ الفُتُوّةِ والشَّبابِ، فْساتٍ ى ويَدُومُ ذلك العَهْدُ مَعنًى، وسيَكُونُ لكم وَسِيلةً للفَوزِ بشَبابٍ دائمٍ خالِدٍ في الجَنّةِ الخالِدةِ.
فالحَياةُ إن كانَت خالِيةً مِنَ الإيمانِ، أو فَقَدَ الإيمانُ تَأثِيرَه فيها لِكَثرتي انضَعاصي، فإنَّها مع مَتاعِها ولَذَّتِها الظّاهِرِيّةِ القَصِيرةِ جِدًّا تُذِيقُ الآلامَ والأَحزانَ والهُمُومَ أَضعافَ أَضعافِ تلك المُتَعِ والمَلَذّاتِ، ذلك لأنَّ الإنسانَ یی بما مُنِحبُرُ بعَقلٍ وفِكرٍ یی ذُو عَلاقةٍ فِطرِيّةٍ وَثيقةٍ بالماضي والمُستَقبَلِ فَضْلًا عمَّا هو عليه مِن زَمانٍ حاضِرٍ، حتَّى إنه يَتَمكَّنُ مِن أن يَذُوقَ لَذائذَ تلك الأَزمِنةِ ويَشعُرَ بآلامِها، خِلافًا للحَيَوانِ الَّذي لا تُعكأن تَجَفْوَ لَذَّتِه الحاضِرةِ الأَحزانُ الوَارِدةُ مِنَ الماضي، ولا المَخاوِفُ المُتَوقَّعة في المُستَقبَلِ، حيثُ لم يُمنَحِ الفِكرَ.
ومِن هُنا فالإنسلِانتَِّذي تَردَّى في الضَّلالةِ، وأَطبَقَتْ علَيه الغَفلةُ، تَفسُدُ مُتعَتُه الحاضِرةُ بما يَرِدُه مِن أَحزانٍ مِنَ الماضِي، وما يَرِدُه مِنِ اضطِرابمَراتِ القَلَقِ على المُستَقبَلِ؛ فتَتكَدَّرُ حَياتُه الحاضِرةُ بالآلام والأَوهامِ، لا سِيَّما المَلَذّاتُ غيرُ المَشرُوعةِ، فهي في حُكمِ العَسَلِ المَسمُومِ تَمامًا.
— 180 —
أي: ثَرِهالإنسانَ يَسقُطُ في دَرَكةٍ أَدنَى بمِئةِ مَرّةٍ مِنَ الحَيَوانِ مِن حيثُ التَّمتُّعُ بمَلَذّاتِ الحَياةِ، بل إنَّ حَياةَ أَربابِ الضَّلالةِ والغَفلةِ، بل وُجُودوتُدَوعالَمَهم، ما هو إلَّا يَومُهُمُ الحاضِرُ، حيثُ إنَّ الأَزمِنةَ الماضِيةَ كُلَّها وما فيها مِنَ الكائناتِ مَعدُومةٌ، مَيتةٌ، بسَبَبِ ضَلالَتِهم، فتَرِدُهُم مِن هُناك بالعَلاقةِ العَقلِيّةِ حَوالِكُ الظُّلُماتي دَلا أمّا الأَزمِنةُ المُقبِلةُ فهي أيضًا مَعدُومةٌ بالنِّسبةِ إلَيهم، وذلك لِعَدَمِ إيمانِهم بالغَيبِ.. فتَملَأُ الفِراقاتُ الأَبَديّةُ الَّتي لا تَنقَطِعُ حَياتَهم بظُلُماتٍ قاتِمةٍ، ما دامُوا يَملِكُون العَقلَ، جاحِدِين بالبَعثِ والنُّطَرَفً
ولكِن إذا ما أَصبَحَ الإيمانُ حَياةً للحَياةِ، وشَعَّ فيها مِن نُورِه، استَنارَتِ الأَزمِنةُ الماضِيةُ واستَضاءَتِ الأَزمِنةُ المُقبِلةُ، ووَجَدَتِ البَقاءَ وأَمَدَّت رُوحَ المُؤمنِ وقَلبَه مِن زاوِيةِ الإيمانِ، بأَذواقٍ لشَّتميّةٍ سامِيةٍ وأَنوارٍ وُجُودِيّةٍ باقِيةٍ، بمِثلِ ما يَمُدُّهما الزَّمنُ الحاضِرُ.
هذه الحَقيقةُ مُوضَّحةٌ تَوضِيحًا وافِيًا في "الرَّجاءِ السّابعِ" مِن رِسالةِ "الشُّيُوخِ"، فلْيُراجَعْ.
هكذا الحَياةُ.. فإن كُنتُم تُرِيدُون أن تَسْمةٍ وُوا بالحَياةِ وتَلتَذُّوا بها، فأَحيُوا حَياتَكُم بالإيمانِ، وزَيِّنُوها بأَداءِ الفَرائضِ، وحافِظُوا علَيها باجتِنابِ المَعاصي.
أمّا حَقيقةُ المَوتِ الَّتي تُطْلِعُنا على أَهو دَمارالوَفَيَاتُ الَّتي نُشاهِدُها كلَّ يومٍ، في كلِّ مكانٍ، فسأُبيِّنُها لكم في مِثالٍ، مِثلَما بَيَّنتُها لِشُبّانٍ آخَرين مِن أَمثالِكم.
تَصَوَّرُوا هَیٰهُنا یی مَثلًا یی أَعوادًا نُصِبَت أرِين إم للمِشنَقةِ، وبجانِبِها دائرةٌ تُوَزِّعُ جَوائزَ سَخِيّةً كُبْرَى للمَحظُوظِين.. ونحنُ الأَشخاصَ العَشَرةَ هنا سنُدعَى إلى هناك طَوْعًا أو كَرْهًا.. ولكِن لأنَّ زَمانَ الِاستِدعاءِ مَخفِيٌّ عنَّا، فنَحنُ في كلِّ ِها الٍ بانتِظارِ مَن يَقُول لكُلٍّ مِنَّا: تَعالَ.. تَسَلَّم قَرارَ إعدامِك، واصْعَدِ المِشنَقةَ.. أو يَقُولُ: تَعالَ خُذْ بِطاقةً تُربِحُك مَلايِينَ اللَّيراتِ الذَّهَبيّةِ.
وبَينا نالقَمَِفُون مُنتَظِرون، إذا بشَخصَينِ حَضَرا لَدَى البابِ: أَحَدُهما امْرَأةٌ جَميلةٌ لَعُوبٌ شِبْهُ عارِيةٍ، تَحمِلُ في يَدِها قِطعةً مِنَ الحَلوَى، تُقَدِّمنَّ مَُينا تَبدُو أنَّها شَهِيّة، ولكِنَّها مَسمُومةٌ في حَقِيقَتِها.
— 181 —
أمّا الآخَرُ فهو رَجُلٌ وَقُورٌ كيِّسٌ، ليسَ خِبًّا ولا غِرًّا، دَخَل على إثْرِ تلك المَرأةِ وقالَ: لقد أَتَيتُكم بِطِلَّسْمٍ عَجِيُ القَِئتُكم بدَرسٍ بَليغٍ، إذا قَرَأتُمُ الدَّرسَ ولم تَأْكُلوا مِن تلك الحَلْوَى، تَنجُونَ مِنَ المِشنَقةِ، وتَتَسَلَّمُون بهذا الطِّلَّسْمِ بطاقةَ تلك الجائزةِ الثَّمينةِ.. فها أَنتُم أُولاءِ تَرَوْن بأُِ المُعيُنِكم أنَّ مَن يَأكُلُ تلك الحَلْوَى، يَتَلَوَّى مِن آلامِ البَطنِ حتَّى يَصعَدَ المِشنَقةَ.
أمّا الفائزُون ببِطاقةِ الجائزةِ، فمَعَ أنَّهم مَحجُوبُون عنَّا، َتْها و لَنا أنَّهم يَصعَدُون مِنصَّةَ المِشنَقةِ، إلَّا أنَّ أَكثَر مِن مَلايِينِ الشُّهُودِ يُخبِرُون بأنَّهم لم يُشنَقوا، وإنَّما اتَّخَذُوا أَعوادَ المِشنَقةِ سُلَّمًا للِاجْتِيازِ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ اتِها ئرةِ الجَوائزِ.
فهَيّا انظُرُوا مِنَ النَّوافِذِ، لتَرَوْا كيفَ أنَّ كِبارَ المَسؤُولين المُشرِفين على تَوزيعِ تلك الجَوائزِ يُنادُون بأَعلَى صَوْتِهم قائلِين: "إنَّ أَصحابَّاسِ للطِّلَّسْمِ العَجيبِ قد فازُوا ببِطاقةِ الجَوائزِ.. اعلَمُوا هذا يَقِينًا كما رَأَيتُم بعَينِ اليَقينِ أُولَئِك الذّاهِبِين إلى المِشنَقةِ، فلا يُساوِرَنَّكءِ القَّكُّ في هذا، فهو واضِحٌ وُضُوحَ الشَّمسِ في رابِعةِ النَّهارِ".
وهكذا على غِرارِ هذا المِثالِ: فإنَّ مُتَعَ الشَّبابِ ومَلَذّاتِه المَحظُورةَ شَرعًا كيَصُدّلِ المَسمُومِ.. وغَدَا المَوتُ لَدَى الَّذي فَقَد بطاقةَ الإيمانِ الَّتي تُربِحُه السَّعادةَ الأَبَديّةَ كأنَّه مِشنَقةٌ، فيَنتَظِرُ جَلَّادَ الأَجَلِ الَّذي يُمى الصّن يَحضُرَ كلَّ لَحظةٍ یی لِخَفاءِ وَقتِه عَنّا یی لِيَقطَعَ الأَعناقَ دُونَ تَميِيزٍ بينَ شابٍّ وشَيخٍ.. فيُرْدِيَه إلى حُفرةِ القَبرِ الَّذي هو بابٌ لِظُلُماتٍ أَبَديّةٍ كما هو في ظاهِرِهووُجودولكن إذا ما أَعرَض الشّابُّ عن تلك المَلَذّاتِ المَحظُورةِ الشَّبِيهةِ بالعَسَلِ المَسمُومِ، وضَرَب عنها صَفْحًا، وبادَرَ إلى الحُصُولِ على ذلك الطِّلَّسْمِ القُرآنِيِّ وهو الإيمانُ وأَداءُ مِن تلئضِ، فإنَّ مِئةً وأَربعةً وعِشرينَ أَلْفًا مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، وما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الأَولياءِ الصّالِحِين والعُلَماءِ العامِلِين يُخبِرُون ويُبَشِّرُون بالاتِّفاقِ، مُظهِرين آثارَ ما يُخبِرُون عنه بأنَّ المالصَّل سيَفُوزُ ببِطاقةٍ تُكسِبُه كُنُوزَ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ.
حاصِلُ الكلامِ:إنَّ الشَّبابَ سيَذْهَب حَتْمًا وسيَزُولُ لا مَحالةَ، فإن كان قد قُضِيَ في سَبِيلِ المَلَذّاتِ ونَشْوةِ الطَّيشِ والغُرُورِ؛ فسيُورِثُ آلافَ البَلايا والآلامِ والها الجِ المُوجِعةِ، سواءٌ في الدُّنيا أوِ الآخِرةِ.
— 182 —
وان كُنتُم تَرُومُون أن تَفهَمُوا بأنَّ أَمثالَ هؤلاءِ الشَّبابِ سيَؤُولُ حالُهم في غالِبِ الأَمرِ الأَملمُستَشفَياتِ، بسَبَبِ تَصَرُّفاتِهمُ الطّائشةِ وإسرافاتِهم وتَعَرُّضِهم لِأَمراضٍ نَفسِيّةٍ.. أو إلى السُّجُونِ وأَماكِنِ الإهانةِ والتَّحقِيرِ، بسَبَبِ نَزَواتِهم وغُرُورِهم.. أو إلى المَلاهي والخَمَّاراتِ بسَبَبِ ضِيْقِ صُدُورِالذَّرَ الآلامِ والِاضطِراباتِ المَعْنَوِيّةِ والنَّفسِيّةِ الَّتي تَنْتابُهم.. نعم، إن شِئتُم أن تَتَيقَّنُوا مِن هذه النَّتائجِ فاسأَلُوا المُستَشْفَياتِ والسُّجُونَ والمَقابِرلعَقلَِسمَعُون بلا شَكٍّ مِن لِسانِ حالِ المُستَشْفَياتِ الأنَّاتِ والآهاتِ والحَسَراتِ المُنبَعِثةَ مِن أَمراضٍ نَجَمَتْ مِن نَزَواتِ الشَّبابِ وإسرافِهم في أَمرِهم.. وستَسْمَعُون أيضًا مِنَ السُّجُونِ صَكِيمٍِ الأَسَى وأَصواتِ النَّدَمِ وزَفَراتِ الحَسَراتِ يُطلِقُها أُولَئك الشُّبّانُ الأَشقِياءُ الَّذين انساقُوا وَراءَ طَيشِهم وغُرُورِهم، فتَلَقَّوْا صَفْعةَ التَّأْدِيبِ لِخُروجِهم على الأَوامِرِ الشَّرعِيّةِ، اراتٍ َمُون أيضًا أنَّ أَكثرَ ما يُعَذِّبُ المَرءَ في قَبْرِه یی ذلك العالَمِ البَرزَخِيِّ الَّذي لا تَهدَأُ أَبوابُه عنِ الِانفِتاحِ والِانغِلاقِ لكَثرةِ الدّاخِلين فيه یی ما هو إلَّا بما كَسَبَت يَداه مِن تَصَرُّفاتٍ سيِّئةٍ في سِنِي شَخَّرَه كما هو ثابتٌ بمُشاهَداتِ أَهلِ كَشفِ القُبُورِ، وشَهادةِ جَميعِ أَهلِ الحَقيقةِ والعِلمِ وتَصدِيقِهم.
واسأَلُوا إن شِئتُمُ الشُّيُوخَ والمَرْضَى الَّذين يُمَثِّلُون غالِبِيّةَ البَشَريّةِ، فستَسْمَعُون أنَّ أَكثَرِيُّؤمِنَ المُطلَقةَ تَقُولُ: "وا أَسَفَى على ما فاتَ! لقد ضَيَّعْنا رَبيعَ شَبابِنا في أُمُورٍ تافِهةٍ، بل في أُمُورٍ ضارّةٍ! فإيّاكُم إيّاكُم أن تُعِيدُوا سِيرَتَنا، وحَذارِ حَذارِ أن تَفعَلُوا مِثلَنا!".
ذلك لأنَّ الَّذينَّ كلِي سَنَواتٍ مِنَ الغَمِّ والهَمِّ في الدُّنيا، والعَذابَ في البَرزَخِ، ونارَ سَقَرَ في الآخِرةِ، لِأَجلِ تَمَتُّعٍ لا يَدُومُ خَمْسَ أو عَشْرَ سَنَواتٍ مِن عُمُرِ الشَّباِ وانتلَذّاتٍ مَحظُورةٍ.. غيرُ جَديرٍ بالإشفاقِ، مع أنَّه في أَشَدِّ الحالاتِ استِدْرارًا للشَّفَقةِ والرِّثاءِ؛ لأنَّ الَّذي يَرضَى بالضَّرَرِ ويَنساقُ إلَيه طَوْعًا، لا يَستبَيضاء الإشفاقَ علَيه ولا النَّظَرَ إلى حالِه بعَينِ الرَّحمةِ، وَفْقَ القاعِدةِ الحَكِيمةِ:"الرّاضِي بالضَّرَرِ لا يُنظَرُ لَه".
حَفِظَنا اللهُ وإيَّاكُم مِن فِتنةِ هذا الزَّمانِ المُغرِيةِ، ونَجَّانا مِن شُرُورِها.. آمِينَ
ِ.
٭
— 183 —
(حاشية المقام الثاني من الكلمة الثالثةَ عَشْرةَ)
بِاسمِهِ سُبحانَهُ
إنَّ المَسجُونِينَ هم في أَمَسِّ الحاجةِ إلى ما في "رَسائلِ النُّوُّ العن سُلْوانٍ حَقيقِيٍّ وعَزاءٍ خالِصٍ، ولا سِيَّما أُولَئك الشُّبّانُ الَّذين تَلَقَّوا صَفَعاتِ التَّأدِيبِ ولَطَماتِ التَّأنِيبِ بِنَزَواتِهم وأَهوالسّاطِفقَضَوْا نُضارةَ عُمُرِهم في السِّجنِ، فحاجةُ هؤلاءِ إلى النُّورِ كحاجَتِهم إلى الخُبْزِ.
إنَّ عُرُوقَ الشَّبابِ تَنبِضُ لِهَوَى المَشاعِرِ، وتَستَجِيبُ لها أَكثَرَ مِمّا تَستَجِيبُ للعََة السَرضَخُ له؛ وسَوْراتُ الهَوَى یی كما هو مَعلُومٌ یی لا تُبْصِرُ العُقبَى، فتُفَضِّلُ دِرهمًا مِن لَذّةٍ حاضِرةٍ عاجِلةٍ على طَنٍّ مِن لَذّةٍ آجِلةٍ؛ فيُقْدِمُ الشّابُّ بدافِعِ الهَوَى على قَتلِ إنسانٍ بَرِيءٍ للتَّلَذُّذِ بدَقيقةٍ واحِدةِ أنَّلَذّةِ الِانتِقام، ثمَّ يُقاسِي مِن جَرَّائها ثَمانِيةَ آلافِ ساعةٍ مِن آلامِ السِّجنِ.. والشّابُّ يَنساقُ إلى التَّمَتُّع لساعةٍ واحِدةٍ في اللَّهوِ والعَبَثِ فيَعالَىّةٍ تَخُصُّ الشَّرَفَ، ثمَّ يَتَجرَّعُ مِن وَرائِها آلامَ أُلُوفِ الأَيّامِ مِن سَجنٍ وخَوفٍ وتَوَجُّسٍ مِنَ العَدُوِّ المُتَربِّصِ به..لَهُمْ تَضِيعُ مِنه سَعادةُ العُمُرِ بينَ قَلَقٍ واضطِرابٍ وخَوفٍ وآلامٍ.
وعلى غِرارِ هذا يَقَعُ الشَّبابُ المَساكِينُ في وَرَطَاتٍ ومَشاكِلَ عَوِجةِ هذَثِيرةٍ، حتَّى تُحَوِّلَ أَلطَفَ أيّامِ حَياتِهِم وأَحلَاها إلَى أَمَرِّ الأَيّامِ وأَقْساها، وفي حالةٍ يُرثَى لها.. ولا سِيَّما بعدَ أن هَبَّتْ عَواصِفُ هَوْجاءُ مِنَ الشَّمايعِ لهمِلُ فِتَنًا مُدَمِّرةً لهذا العَصْرِ؛ إذ تَستَبِيحُ لِهَوَى الشَّبابِ الَّذي لا يَرَى العُقبَى أَعراضَ النِّساءِ والعَذارَى الفاتِناتِ، وتَدفَعُهم إلى الِاختِلاطِ الماجُِ الثاَذِيءِ، فَضلًا عن إباحَتِها أَموالَ الأَغنِياءِ لِفُقَراءَ سُفَهاءَ.
إنَّ فَرائصَ البَشَريّةِ كُلِّها لَتَرتَعِدُ أمامَ هذه الجَرائمِ المُنكَرةِ الَّتي تُرتَكَبُ بحَقِّها.
َيمَنَلشَّبابِ المُسلِمِ في هذا العَصرِ العَصِيبِ أن يُشَمِّروا عن ساعِدِ الجِدِّ لِيُنقِذُوا المَوقِفَ، ويَسُلُّوا السُّيُوفَ الأَلْماسِيّةَ لِحُجَجِأَمرُ ئلِ النُّور" وبَراهِينِها الدّامِغةِ یی الَّتي في رِسالةِ "الثَّمَرةِ" و"مُرشِدِ الشَّبابِ" وأَمثالِهِما یی ويُدافِعُوا عن أَنفُسِهم، وبمِلْءُوا هذا
— 184 —
الهُجُومَ الكاسِحَ الَّذي شُنَّ علَيهِم مِن جِهَتَينِ.. وإلَّا فسيَضِيعُ مُستَقبَلُ الشَّبابِ في العالَمِ، وتَذهَبُ حَياتُه السّبأَوام، ويَفقِدُ تَنَعُّمَه في الآخِرةِ، فتَنقَلِبُ كلُّها إلى آلامٍ وعَذابٍ؛ إذ سيَكُونُ نَزِيلَ المُستَشفَياتِ بما كَسَبتْ يَداه مِن إسرافٍ وسَفاهةٍ.. ونَزِيلَ السَت له ِ، بطَيشِه وغَيِّه.. وسيَبْكِي أَيّامَ شَيخُوخَتِه بُكاءً مُرًّا، ويَزْفُرُ زَفَراتٍ مِلْؤُها الحَسَراتُ والآلامُ.
ولكِن إذا ما صَانَ نَفْسَه بتَربِيةِ القُرآنِ، ووَقاها بحَقائقِ "رَسائلِ النُّورِ"، فسيَكُونُ شابًّا رُ عِند حَقًّا، وإنسانًا كامِلًا، ومُسلِمًا صادِقًا سَعِيدًا، وسُلطانًا على سائرِ المَخلُوقاتِ.
نعم، إنَّ الشّابَّ إذا دَفَع ساعةً واحِدةً مِن أَربَعٍ وعِشرِين ساعةً مِن يَومِه في الأنَّ و إلى إقامةِ الفَرائضِ، وتابَ عن سَيِّئاتِه ومَعاصِيه الَّتي دفَعَتْه إلى السِّجنِ، وتَجَنَّبَ الخَطايا والذُّنُوبَ مِثلَما يُجَنِّبُه السِّجنُ إيّاها.. فإنَّه سيَعُودُ بفِن واق جَمّةٍ إلى حَياتِه وإلى مُستَقبَلِه وإلى بِلادِه وإلى أُمَّتِه وإلى أَحِبَّائِه وأَقارِبِه، فَضْلًا عن أنَّه يَكسِبُ شَبابًا خالِدًا في النَّعيمِ المُقِيمِ بَدَلَ غُرف هذا الَّذي لا يَدُومُ خَمسَ عَشْرةَ سنةً.
هذه الحَقيقةُ يُبَشِّرُ بها ويُخبِرُ عنها عن يَقينٍ جازِمٍ جَميعُ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ وفي مُقدِّمَتِها القُرآنُ الكَريمُ.
نعم، إذا ما شَكَرَ الْأَرُّ على نِعمةِ الشَّبابِ یی ذلك العَهدِ الجَمِيلِ الطَّيِّبِ یی بالِاستِقامةِ على الصِّراطِ السَّوِيِّ، وأَداءِ العِباداتِ، فإنَّ تلك النِّعمةَ المُهداةَ تَزدادُ ولا تَنقُصُ، وتَبقَى مِن دُونِ زَوالٍ، وتُصا لِأََكثرَ مُتعةً وبَهجةً.. وإلّا فإنَّها تكُونُ بلاءً ومُصِيبةً مُؤلِمةً ومَغمُورةً بالغَمِّ والحُزنِ والمُضايَقاتِ المُزعِجةِ حتَّى تَذْهَبَ هَباءً، فيَكُونَ عَهْدُ الشَّبابِ وَبالًا على نَفسِه وأَقارِ انظُرلى بِلادِه وأُمَّتِه.
هذا، وإنَّ كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِ المَسجُونِ الَّذي حُكِمَ علَيه ظُلمًا، تكُونُ كعِبادةِ يومٍ كامِلٍ له إن كان مُؤَدِّيًا للفَرائضِ، ويكُونُ السِّجنُ بحَقِّه مَأَلْفُانزِواءٍ واعتِزالٍ مِنَ النّاسِ كما كان الزُّهّادُ والعُبّادُ يَنزَوُون في الكُهُوفِ والمَغاراتِ ويَتَفرَّغُون للعِبادةِ. أي: يُمكِنُ أن يكُونَ هو مِثلَ أُولَئك اجالِ اادِ.
وستَكُونُ كلُّ ساعةٍ مِن ساعاتِه إن كان فَقِيرًا ومَرِيضًا وشَيخًا مُتَعلِّقًا قَلبُه بحَقائقِ
— 185 —
الإيمانِ وقد أَنابَ إلى اللهِ وأَدَّى الفَرائضَ، في حُكْمِ عِبادةِ عِشرِين ساعةًهارِ ويَتَحوَّلُ السِّجنُ بحَقِّه مَدرَسةً تَربَوِيّةً إِرشادِيّةً، ومَوْضِعَ تَحابُبٍ ومَكانَ تَعاطُفٍ، حيثُ يَقْضِي أيّامَه معَ زُمَلائِه في ردْ في َضْلًا عن راحَتِه وتَوَجُّهِ الأَنظارِ إلَيه بالرَّحمةِ، بل لعلَّه يُفَضِّلُ بَقاءَه في السِّجنِ على حُرِّيَّتِه في الخارِجِ الَّتي تَنْثَالُ علَيه بالذُّنوبِ والخَطايا مِن كلِّ جانِبٍ، ا دَسْسُ بما يتَلَقَّى مِن دُرُوسِ التَّربيةِ والتَّزكيةِ فيه.. وحِينَما يُغادِرُه لا يُغادِرُه قاتلًا ولا حَريصًا على أَخْذِ الثَّأرِ، وإنَّما يَخرُجُ رَجُلًا صالِحًا تائبًا إلىجَلَّ ، قد غَنِمَ تَجارِبَ حَياتيّةً غَزِيرةً، فيُصبِحُ عُضوًا نافِعًا للبِلادِ والعِبادِ؛ حتَّى حَدَا الأَمرُ ببَعضِ مَسؤُولي سِجنِ "دَنِيزلي" إلى القَولِ یی بعدَما شاهَدُوا الَّذين أَخَذُوا دُرُوسًا إيمانيّةً في سُمُوَِّمةٍ ولاقِ ولو لِمُدّةٍ وَجِيزةٍ مِن رَسائلِ النُّورِ یی: "لو تَلَقَّى هَؤلاءِ دُرُوسَ الإيمانِ مِن رَسائلِ النُّورِ في خَمسةِ أَسابيعَ، فإنَّه أَجْدَى لإصلاحِهم مِن إلقائِهم في السِّجنِ خَمْسَ عَشْرةَ سَنةًَّحمٰنفما دامَ المَوتُ لا يَفْنَى مِنَ الوُجُودِ، والأَجَلُ مَستُورًا عَنّا بسِتارِ الغَيبِ، ويُمكِنُه أن يَحُلَّ بنا في كلِّ وَقتٍ.. وما دامَ القَبْرَ لا يُغلَقُ بابُه.. والبَشَريّةُ تَغِيبُ وَراءَه قافِلةً إِثرَ قافِلةٍ.. وما دامَ المَوتُ نَِ الحَبحَقِّ المُؤمِنِين ما هو إلَّا تَذكِرةُ تَسرِيحٍ وإعفاءٍ مِنَ الإِعدامِ الأَبَديِّ یی كما وُضِّحَ ذلك بالحَقيقةِ القُرآنيّةِ یی وهو بحَقِّ الضَّالِّينَ السُّفَهاءِ إعدامٌ أَبَدِيٌّ كما يُشاهِدُونَه أَمامَهم؛ َّا فهفِراقٌ أَبدِيٌّ عن جَميعِ أَحِبَّتِهم وأَقارِبِهم بلِ المَوجُوداتِ قاطِبةً.. فلا بُدَّ ولا شَكَّ بأنَّ أَسعَدَ إنسانٍ هو مَن يَشكُرُ رَبَّه صابِرًا مُحتَسِبًا في سِجنِه، مُستَغِلًّا وَقْتَه أَفضَلَ استِغلالٍ، ساعِيًا لِخِدمةِة): إنآنِ والإيمانِ، مُستَرشِدًا برَسائلِ النُّورِ.
أيُّها الإنسانُ المُبتَلَى بالمَلَذَّاتِ والمُتَعِ..
لقد عَلِمتُ يَقينًا طَوالَ خَمسٍ وسَبعِينَ سنةً مِنَ العُمُرِ،ذَينِ ُوفِ التَّجارِبِ الَّتي كَسِبتُها في حَياتي، ومِثلِها مِنَ الحَوادِثِ الَّتي مَرَّت عَلَيَّ أنَّ الذَّوقَ الحَقيقيَّ، واللَّذّةَ الَّتي لا يَشُوبُها أَلَمٌ، والفَرَحَ الَّذي لا يُكَدِّرُه حُزْنٌ، والسَّعادةَ التّامّةَ في م بإذنةِ إنَّما هي في الإيمانِ، وفي نِطاقِ حَقائقِه ليس إلَّا.. ومِن دُونِه فإنَّ لَذّةً دُنيَوِيّةً واحِدةً تَحمِلُ آلامًا كَثيرةً كَثيرةً.. وإذ تُقديُّومِليكَ الدُّنيا لَذّةً بقَدْرٍ مّا في حَبّةِ عِنَبٍ، تَصفَعُك بعَشْرِ صَفَعاتٍ مُؤلِماتٍ، سالِبةً لَذّةَ الحَياةِ ومُتعَتَها.
— 186 —
أيُّها المَساكِينُ المُبتَلَوْنَ بمُصِيبةِ السِّجنمِه، و دامَتْ دُنياكُم حَزِينةً باكِيةً، وإنَّ حَياتَكم قد تَعَكَّرَت بالآلام والمَصائبِ، فابذُلُوا ما في وُسعِكم كيلا تَبكِيَ آخِرَتُكم، ولِتَفْرَحَ وتَحْلُوَ وتَسْعَدَ حَياتُكُمُ الأَبدِيّةُ.. فاغتَنِمُوا يا إخوَتي هذه الفُرصةَ، إذ كمالإِنس مُرابَطةَ ساعةٍ واحِدةٍ أَمامَ العَدُوِّ ضِمْنَ ظُرُوفٍ شاقّةٍ يُمكِنُ أن تَتَحوَّلَ إلى سَنةٍ مِنَ العِبادةِ، فإنَّ كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِكُمُ الَّتي تُقاسُونَها لَحظةٍِّجنِ تَتَحوَّلُ إلى ساعاتٍ كَثيرةٍ هناك إذا ما أَدَّيتُمُ الفَرائضَ، وعِندَها تَتَحوَّلُ المَشَقّاتُ والمَصاعِبُ إلى رَحَمَاتٍ وغُفرانٍ.
٭ ٭ ٭
بِاسمِهِ سُبحانَهُ
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
ق تُفّ الإخوةُ الأَعِزّاءُ الأَوفِياءُ..
لقد رَأَيتُ أَنوارَ سُلْوانٍ ثلاثةً، أُبيِّنُها في نِقاطٍ ثلاثٍ للَّذين ابتُلُوا بالسِّجنِ، ومَن يقُومُ بنَظارَتِهم ورِعنْ سُلم بالشَّفَقةِ والرَّحمةِ، ومَن يُعينُهم في أَعمالِهم وأَرزاقِهم.
النُّقطة الأُولى:إنَّ كلَّ يومٍ مِن أَيّامِ العُمُرِ الَّتي تَمضِي في السِّجنِ، يُمكِنُ أن يُكسِبَ المَرءَ ثَولَئِكِبادةِ عَشَرةِ أيّامٍ، ويُمكِنُ أن يُحَوِّل ساعاتِه الفانِيةَ یی من حيثُ النَّتيجةُ یی إلى ساعاتٍ باقِيةٍ خالِدةٍ.. بل يُمكِنُ أن يكُونَ قَضاءُ بضعًِا.
َ في السِّجنِ وَسِيلةَ نَجاةٍ مِن سِجنٍ أَبَديٍّ لِمَلايينِ السِّنينَ.
فهذا الرِّبحُ العَظيمُ مَشرُوطٌ لِأَهلِ الإيمانِ بأَداءِ الفَرائضِ والتَّوبةِ إلى اللهِ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصي الَّتي دفيَمحَه إلى السِّجنِ، والتَّوَجُّهِ إلَيه تَعالَى بالشُّكرِ صابِرًا مُحتَسِبًا.. عِلمًا أنَّ السِّجنَ نَفسَه يَحُولُ بَينَه وبينَ كَثيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ.
النُّقطة الثانية:إنَّ زَوالَ الأَلَم لَذّةٌ، يشةِ وَّ زَوالَ اللَّذّةِ أَلَمٌ.
نعم، إنَّ كلَّ مَن يُفكِّرُ في الأَيّامِ الَّتي قَضاها بالهَناءِ والفَرَحِ، يَشعُرُ في رُوحِه حَسرةً وأَسَفًا عنَّ حِ حتَّى يَنطَلِقَ لِسانُه بكَلِماتِ الحَسَراتِ: أَوّاه.. آه.. بَينَما إذا تَفَكَّر في الأَيّامِ الَّتي
— 187 —
مَرَّت بالمَصائبِ والبَلايا فإنَّه يَشعُرُ في رُوحِه وقَلبِه فَرَحًا وبَهجةً مِن زَوالِها حتَّى يَنطَلِقَ لِسانُه بی: الحَلسَّفَهِ والشُّكرُ له، فقد ولَّتِ البَلايا تارِكةً ثَوابَها. فيَنشَرِحُ صَدرُه ويَرتاحُ.
أي: إنَّ أَلَمًا مُؤقَّتًا لِساعةٍ مِنَ الزَّمانِ يَترُكُ لَذّةً مَعنَويّةً فييُغمِضوحِ، بَينَما لَذّةٌ مُؤقَّتةٌ لِساعةٍ مِنَ الزَّمانِ تَترُكُ أَلَمًا مَعنَويًّا في الرُّوحِ، خِلافًا لِذلك.
فما دامَتِ الحَقيقةُ هذه، وساعاتُ المَصائبِ الَّتي وَلَّت مع آِ صَوب أَصبَحَت في عِدادِ المَعدُومِ، وأنَّ أَيّامَ البَلايا لم تَأْتِ بَعدُ، فهي أيضًا في حُكْمِ المَعدُومِ.. وإنَّه لا أَلَمَ مِن غيرِ شيءٍ.. ولا يَرِدُ مِنَ العَدَمِ أَلَمٌ.. فمِنَ البَلاهةِ إذًا إظهارُ الجَزَعِ ونَفادُ الصَّبرِ الآنَ لَقِيساعاتِ آلامٍ وَلَّتْ، ومِن آلامٍ لم تَأْتِ بَعدُ، عِلمًا أنَّها جَميعًا في عِدادِ المَعدُومِ. ومِنَ الحَماقةِ أيضًا إظهارُ الشَّكوَى مِنَ اللهِ وتَركُ النَّفسِ الأَمّارةِ المُقَصِّرةِ مِن، ووَلحاسَبةِ، ومِن بعدِ ذلك قَضاءُ الوَقتِ بالحَسَراتِ والزَّفَراتِ. أوَلَيس مَن يَفعَلُ هذا أَشَدَّ بَلاهةً مِمَّن يُداوِمُ على الأَكلِ والشُّربِ طَوالَ اليومِ خَشيةَ أن يَجُوعَ أو يَعطَشلكانَت أَيّامٍ؟
نعم، إنَّ الإنسانَ إن لم يُشتِّتْ قُوّةَ صَبْرِه يَمينًا وشِمالًا یی إلى الماضِي والمُستَقَبلِ یی وسَدَّدها إلى اليَومِ الَّذي هو فيه، فإنَّها كافِيةٌ لِتَحُلَّ له حِبالَ المُضتَرَونِ.
حتَّى إنَّني أَذكُرُ یی ولا أَشكُو یی أنَّ ما مرَّ علَيَّ في هذه المَدرسةِ اليُوسُفيّةِ الثّالثةِ في غُضُونِ أَيّامٍ قَلائلَ مِنَ المُضايَقاتِ المادِّيّةِ والمَعنَويّةِ لم أَرَها طَوالَ حَياتي، ولا سِيَّما حِرماني ًا أنّلقِيامِ بخِدمةِ النُّورِ مع ما فِيَّ مِن أَمراضٍ. وبَينَما كان قَلبي ورُوحِي يَعتَصِرانِ معًا مِنَ الضِّيقِ واليَأْسِ إذا بالعِنايةِ الإلٰهِيّةِ تُمِدُّني بالحَقيقةِ السّابِقةِ، فانشَرَح صَدرِي أيَّما انشِراحٍِ الصَّّت تلك المُضايَقاتُ، فرَضِيتُ بالسِّجنِ وآلامِه والمَرَضِ وأَوجاعِه، إذ مَن كان مِثلي على شَفِيرِ القَبْرِ يُعَدُّ رِبحًا عَظِيمًا له أن تَتَحوَّلَ ساعةٌ مِنَلائكةِه الَّتي يُمكِنُ أن تَمُرَّ بغَفلةٍ إلى عَشرِ ساعاتٍ مِنَ العِبادةِ.. فشَكَرتُ اللهَ كثيرًا.
النُّقطة الثالثة:إنَّ القِيامَ بمُعاوَنةِ المَسجُونين بشَفَقةٍ ورَأفةٍ، وإعطاءَهم أَرزاقَهُمُ الَّتي يَحتاجُون إلَثُوثةِتَضْميدَ جِراحاتِهمُ المَعنَويّةِ ببَلْسَمِ التَّسَلِّي والعَزاءِ، مع أنَّه عَمَلٌ بَسِيطٌ، إلَّا أنَّه يَحمِلُ في طَيّاتِه ثَوابًا جَزِيلًا وأَجْرًا عَظِيمًا، حيثُ إنَّ تَسلِيمَ أَرزاقِهمُ الَّتي
— 188 —
تُرسَلُ إلَيهم مِنَ الخارِجٍِ في كُ بحُكمِ صَدَقةٍ، وتُكتَبُ في سِجِلِّ حَسَناتِ كلِّ مَن قامَ بهذا العَمَلِ، سواءٌ الَّذين أَتَوا بها مِنَ الخارِجِ أو الحُرّاسُ أو المبَّتَكُون الَّذين عاوَنُوهم، ولا سِيَّما إن كان المَسجُونُ شَيخًا كَبيرًا أو مَرِيضًا أو غَرِيبًا عن بَلَدِه أو فَقِيرًا، فإنَّ ثَوابَ تلك الصَّدَقةِ المَعنَويّةِ يَزدادُ كَثيرًا.
وهذا الرِّبحُ العَظيمُ مَشرُوطٌ بأَداءِ الفَرائضِ مِنَ بني قََواتِ لِتُصبِحَ تلك الخِدمةُ لِوَجهِ اللهِ.. مع شَرطٍ آخَرَ هو أن تكُونَ الخِدمةُ مَقرُونةً بالشَّفَقةِ والرَّحمةِ والمَحَبّةِ، مِن دُونِ أن تَحمِيلِ شَيءٍ مِنَ المِنّةِ.
٭ ٭ ٭
بِاسمِهِ سُبحانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيخادِمالَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
يا إِخوَتي في الدِّين.. ويا زُمَلائي في السِّجنِ..
لقد أُخطِرَ لِقَلبي أن أُبَيِّن لكم حَقيقةً مُهِمّةً، تُنقِذُكُ قَلَِ اللهِ مِن عَذابِ الدُّنيا والآخِرةِ، وهي كما أُوضِحُها بمِثالٍ:
إنَّ أَحَدًا قد قَتَل شَقِيقَ شَخصٍ آخَرَ أو أَحَدَ أَقرِبائِه.. فهذا القَتلُ النّاجِمُ مِن لَذّةِ غُرٍ واحِلِانتِقامِ الَّتي لا تَستَغرِقُ دَقيقةً واحِدةً، تُورِثُه مُقاساةَ مَلايِينِ الدَّقائقِ مِن ضِيقِ القَلبِ وآلامِ السِّجنِ؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يَظَلُّ أَقرِباءُ المَقتُولِ أيضًا في قَلَقٍ دائمٍ وتَحَيُّنِ الفُرَصِ لِأَُ وتُفثَّأْرِ، كُلَّما فَكَّرُوا بالقاتِلِ ورَأَوْا ذَوِيه، فتَضِيعُ مِنهم لَذّةُ العُمُرِ ومُتعةُ الحَياةِ بما يُكابِدُون مِن عَذابِ الخَوفِ والقَلَقِ والحِقْدِ والغَضَبِ.
ولا عِلوالعِشهذا الأَمرِ ولا دَواءَ له إلَّا الصُّلحُ والمُصالَحةُ بَينَهما، وذلك الَّذي يَأْمُرُ به القُرآنُ الكَريمُ، ويَدعُو إلَيه الحَقُّ والحَقيقةُ، وفيه مَصلَحةُ الطَّرَفَينِ، وتَقتَضِيه الإنسانيّةُ، ويَحُثُّ علَيه الإسلادَمَ ع89
نعم، إنَّ المَصلَحةَ والحَقيقةَ في الصُّلْحِ، والصُّلْحُ خَيرٌ، لأنَّ الأَجَلَ واحِدٌ لا يَتَغيَّیرُ، فذلك المَقتُولُ على كلِّ حالٍ ما كانَ لِيَظَلَّ على قَقُرآنِحَياةِ ما دامَ أَجَلُه قد جاءَ؛ أمّا ذلك القاتِلُ فقد أَصبَحَ وَسيلةً لِذَلك القَضاءِ الإلٰهِيِّ، فإن لم يَحُلَّ بَينَهما الصُّلحُ فسيَظَلّانِ يُعانِيانِ الخَوفَ وعَذابَ الِانتِقامِ مُدّةً مَديدةً؛ لذا يَأمُرُ اليةً، و بعَدَمِ هَجْرِ المُسلِمِ أَخاه فوقَ ثلاثةِ أَيّامٍ. فإن لم يكُن ذلك القَتلُ قد نَجَم مِن عَداءٍ أَصِيلٍ ومِن حِقدٍ دَفِينٍ، وكان أَحَدُ المُنافِقِين سَببًا في إشعاِيّةً ِ الفِتنةِ، فيَلْزَمُ الصُّلحُ فَوْرًا، لأنَّه لَولا الصُّلْحُ لَعَظُمَت تلك المُصِيبةُ الجُزئيّةُ ودامَت، بَينَما إذا ما تَصالَحَ الطَّرَفانِ وتابَمةِ الِلُ عن ذَنبِه، وصارَ باستِمْرارٍ يَدعُو للمَقتُولِ، فإنَّ الطَّرَفَينِ يَكسِبانِ الكَثيرَ، حيثُ يَدُبُّ الحُبُّ والتَّآلُفُ بَينَهما، فيَصفَحُ هذا عن عَدُوِّه ويَعفُو عنه، ِنسانُا أَمامَه إخوةً أَتقِياءَ أَبرارًا بَدَلًا مِن شَقيقٍ واحِدٍ راحِلٍ، ويَستَسْلِمانِ معًا لِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ولا سِيَّما الَّذين استَمَعُوا إلى دُرُوسِ النُّورِ، فهم مَدْعُوُّون لِهَجْرِّةَ بيما يُفسِدُ بينَ اثنَينِ..
إذِ الأُخُوّةُ الَّتي تَربِطُهم ضِمنَ نِطاقِ النُّورِ والمَصلَحةِ العامّةِ، وراحةِ البالِ وسَلامةِ الصَّدْرِ الّشيءٍ وستَوجِبُها الإيمانُ.. تَقتَضِي كُلُّها نَبْذَ الخِلافاتِ وإحلالَ الوِفاقِ والوِئامِ؛ ولقد حَصَل هذا فِعلًا بينَ مَسجُونِينَ يُعادِي بعضُهم بعضًا في سِجنِ "دَنِيزْلي"، فأَه مَخلا بفَضلِ اللهِ إخوةً مُتَحابِّين بعدَ أن تَلَقَّوْا دُرُوسًا مِن رَسائلِ النُّورِ، بل غَدَوْا سَببًا مِن أَسبابِ بَراءَتِنا، حتَّى لم يَجِدِ المُلحِدُون والسُّفَهاءُ مَِّ الدّاسِ بُدًّا أمامَ هذا التَّحابُبِ الأُخرَوِيِّ أن قالُوا مُضطَرِّين: ما شاءَ اللهُ.. بارَكَ اللهُ!!
وهكذا انشَرَحَت صُدُورُ السُّجَناءِ جَميعًا وتَنَفَّسُواي كلِّعَداءَ بفَضلِ اللهِ.. إذ إنِّي أَرَى هنا مَدَى الظُّلمِ الواقِعِ على المَسجُونِين، حيثُ يُشَدَّدُ الخِناقُ على مِئةٍ مِنهم بجَرِيرةِ شَخصٍ واحِدٍ، حتَّى إنَّهم لا يَخرُجُون معَه إلى فائِدًاالسِّجنِ في أَوقاتِ الرّاحةِ.. إلَّا أنَّ المُؤمِنَ الغَيُورَ لا تَسَعُه شَهامَتُه أن يُؤذِيَ المُؤمنَ قَطُّ، فكيفَ يُسبِّبُ له الأَذَى لِمَنفَعَتِه الجُزئيّةِ الخاصّةِ، فلا بُدَّ أن يُسارِعَ إلى التَّوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ حالَمِلَسمَُرُ بخَطَئِه وتَسَبُّبِه في أَذَى المُؤمِنِ.
٭ ٭ ٭
— 190 —
بِاسمِهِ سُبحانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
إخوَتي الأَعزغةِ الالجُدُدَ، المَسجُونِين القُدامَى..
لقد بِتُّ على قَناعةٍ تامّةٍ أنَّ العِنايةَ الإلٰهِيّةَ هي الَّتي أَلْقَت بنا هَیٰهُنا وذلك لِأَجْلِكم أنتُم، أي: إنَّ مَجِيئَنا إلى هنا إنَّمِّ حينِبَثِّ السُّلْوانِ والعَزاءِ الَّذي تَحمِلُه رَسائلُ النُّورِ إلَيكُم، وتَخفِيفِ مُضايَقاتِ السِّجنِ عنكم بحَقائقِ الإيمانِ، وصَوْنِكم مِن كَثيرٍ مِن بَل. والادُّنيا ولَأْوَائِها، وانتِشالِ حَياتِكُمُ المَلِيئةِ بالأَحزانِ والهُمُومِ مِنَ العَبَثيّةِ وعَدَمِ الجَدْوَى، وإنقاذِ آخِرَتِكم مِن أن تكُونَ كدُنياكم حَزيلِ الِكِيةً.
فما دامَتِ الحَقيقةُ هي هذه، فعلَيكُم أن تكُونُوا إخوةً مُتَحابِّينَ كطُلّابِ النُّورِ وكأُولَئك الَّذين كانُوا مَعَنا في سِجنِ "دَنِيزْلي".
فها أَنتُم أُولاءِ تَرَوْن الحُرّاسَ الَّذين يَحرِصُون على القِيامِ بخِدْماتِكُم يُعانُون كامِليرَ مِنَ المَشَقّاتِ في التَّفتِيشِ، بل حتَّى إنَّهم يُفَتِّشُون طَعامَكم لِئلّا تكُونَ فيه آلةٌ جارِحةٌ، لِيَحُولُوا دُونَ تَعَدِّي بَعضِكُم على بعضٍ، وكأَنَّكم وُحُوشٌ مُفتَرِسة يَنقَضُّ الواحِدُ على الآخَرِ لِيَقتُلَه، فضلًا قُرآنََكُم لا تَستَمتِعُون بالفُرَصِ الَّتي تُتاحُ لكم للتَّفَسُّحِ والرّاحةِ خَوْفًا مِن نُشُوبِ العِراكِ فيما بَينَكُم.
فيا أيُّها الإخوةُ الحَدِيثولكَريم بالسِّجنِ، يا مَن تَحمِلُون بُطُولةً فِطرِيّةً وشَهامةً وغَيرةً.. ألا فقُولُوا أَمامَ الهَيئةِ ببُطُولةٍ مَعنَوِيّةٍ عَظِيمةٍ في هذا الوَقتِ:
"لَيسَتِ الآلاتُ الجارِحةُ البَسِيطةُ، بلثلًا:ضَعتُم في أَيدِينا أَسلِحةً نارِيّةً فلا نَتَعَدَّى على أَصدِقائِنا وأَحبابِنا هؤلاء الَّذين نُكِبُوا مَعَنا، حتَّى لو كان بَينَنا عَداءٌ أَصِيلٌ سابقٌ؛ أَصبََفَوْنا عنهم جَمِيعًا، وسنَبذُلُ ما في وُسعِنا كَيلَا نَجْرَحَ شُعُورَهم ونَكسِرَ خاطِرَهم، هذا هو قَرارُنا الَّذي اتَّخَذناه بإرشادِ القُفي مَيلكَريمِ، وبأَمرِ أُخُوّةِ الإسلامِ، وبمُقتَضَى مَصلَحَتِنا جَميعًا".
وهكذا تُحَوِّلُون هذا السِّجنَ إلى مَدرَسةٍ طَيِّبةٍ مُبارَكةٍ.
٭ ٭ ٭
— 191 —
مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تَخَطَّرَت في لَيلةِ القَدْرِى، بَايلُ المَقامِ الثاني مِن الكَلِمةِ الثالِثةَ عَشْرةَ)
هذه حقيقةٌ واسِعةٌ جِدًّا وطَوِيلةٌ في الوَقتِ نَفسِه، خَطَرَت على القَلبِ لَيلةَ القَدْرِ، سأُحاوِلُ أن أُشِيرَ إلَيها إشارةً مُختَصَرةً جُِّجاجِكالآتي:
أوَّلًا:
لقد قاسَتِ البَشَريّةُ مِن وَيلاتِ هذه الحَربِ العالَمِيّةِ الأَخِيرةِ أيَّ مُقاساةٍ، إذ رَأَتْ أَشَدَّ أَنواعِ الظُّلمِ وأَقسَى أَنواعِ الِاستِبدادِ وَه القَكُّم، مع الدَّمارِ الظّالِمِ المُريعِ في الأرضِ كافّةً؛ فقد نُكِبَ مِئاتُ الأَبرِياءِ بجَريرةِ شَخصٍ واحِدٍ، ووَقَع المَغلُوبُون على أَمرِهم في بُؤسٍ وشَقاءٍ مَرِيرَينِ، وباتَ الغالِبُون في عذابعلى الدانِيٍّ أَليمٍ لِعَجْزِهم عن إصلاحِ دَمارِهِمُ الفَظِيعِ وخَشيَتِهم مِن أن يَعجِزُوا عنِ الحِفاظِ على سِيادَتِهم؛ وظَهَر للنّاسِ بجَلاءٍ تامٍّ أنَّ الحَياةَ الدُّنيا مُؤَقَّتةٌ فانيةٌ لا مَحالةَ، وأنَّ زَخارِفَ المَدَنيّةِ خادِعةٌا العُدِّرة لا تُجْدِي شيئًا، وتَلَطَّخَتِ البَشَريّةُ بدِماءِ الطَّعَناتِ القَوِيّة الَّتي نَزَلَت بالذّاتِ الإنسانيةِ وبالِاستِعداداتِ الرَّفيعةِ في فِطرَتِها؛ وظَهَر للعَيانِ تَسَبَنُّ الغَفلةِ والضَّلالةِ والطَّبِيعةِ الجامِدةِ الصَّمّاءِ تحتَ ضَرَباتِ سَيفِ القُرآنِ الأَلْماسِيِّ؛ وافتُضِحَتِ الصُّورةُ الحَقيقِيّةُ للسِّياسةِ الدالمُخاّةِ الشَّوْهاءِ الغَدّارةِ، الَّتي هي أَوْسَعُ سِتارٍ وأَكثَفُه لإغفالِ النّاسِ وإضلالِهم، وأَشَدُّه خَنْقًا وخِداعًا لِرُوحِهم.
فلا شَكَّ أنَّ فِطرةَ البَشَريّةِ یی بعدَ وُضُوحِ هذه الأُمُورلأبَدَتَبحَثُ عن مَعشُوقِها "الحَقيقيِّ" وهو الحَياةُ الباقِيةُ الخالِدةُ، وتَسعَى إلَيها بكُلِّ قُواها یی وقد بَدَت أَماراتُها في شَمالِ العالَمَِخُوضُِه وفي أَمرِيكا یی وستَعْلَمُ جَيِّدًا أنَّ الحَياةَ الدُّنيا الَّتي تَتَعشَّقُها تَعَشُّقًا "مَجازِيًّا" دَمِيمةٌ شَوْهاءُ، فانيةٌ زائلةٌ.
ولا رَيبَ أنَّها ستَبحَثُ عنِ الما الل الكَريمِ الَّذي له في كلِّ عَصرٍ ثَلاثُ مِئةِ مِليونٍ
— 192 —
مِنَ العامِلين له المُتَتَلْمِذين عليه مُنذُ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وسِتِّين سنةً.. والَّذي يُصََ الأزلَّ حُكمٍ مِن أَحكامِه ودَعاوِيه مَلايِينُ مِن أَربابِ الحَقيقةِ.. والَّذي يَحتَفِظُ بمَكانَتِه المُقدَّسةِ في قُلُوبِ مَلايينِ الحُفَّاظ في كلِّ دَقيقةٍ.. والَّذي يُرشِدُ البَشَريةَ بأَلسِنَتِهم، ويُبشِّرُها بأُسلُوبِه المُعجِتَنِديحَياةِ الباقيةِ والسَّعادةِ الدّائمةِ، مُضَمِّدًا بها جِراحاتِها الغائرةَ، بل يُبَشِّرُ بها بالأُلُوفِ مِن آياتِه القَوِيّةِ الشَّديدةِ المُكَرَّرةِ، بل قد يُخبِرُ عنها صَراحةً أو إشارةً بعَشَراتِ الأُلُوفِ مِنَ المَرّاتِ، نلى نِه علَيها ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ والبَراهِينِ السّاطِعةِ والحُجَجِ الثّابتةِ.
فإن لم تَفقِدِ البَشَريّةُ صَوابَها كُلِّیيًّا، ولم تَقهِ الريها قِيامةٌ مادِّيةٌ أو مَعنَويةٌ، فستَبحَثُ حَتمًا عنِ القُرآنِ الكَريمِ المُعجِز البَيانِ كما حَدَث في قارّاتِ العالَمِ كلِّه ودُوَلساوِي عُظمَى، وحَدَث فِعلًا في السُّوَيدِ والنُّرويج وفِنلَندا، ومِثلَما يَسعَى لقَبُولِه خُطَباءُ مَشهُورون مِن إنكِلتِرا، وتَقُومُ بالبَحثِ عنه جَمعِيّةٌ تَتَحرَّفأُحضِِينَ الحَقَّ وهي ذاتُ شأنٍ في أَمرِيكا.. ولا بُدَّ أنَّهم بعدَ أن يُدرِكُوا حَقائقَه سيَعتَصِمُون به ويَلتَفُّون حَولَه بكلِّ مُهَجِهم وأَرواحِهم.. ذلك لأنَّه ليسَ مِن نَظيرٍ للقُرآنِ في مُعالََونَ ده الحَقيقةِ، ولن يكُونَ، ولا يُمكِنُ أن يَسُدَّ مَسَدَّ هذه المُعجِزةِ الكُبْرَى شيءٌ قَطْعًا.
ثانيًا:
إنَّ رسائلَ النُّورِ قد أَظهَرَتْ خِدْماتِها كسَيفٍ أَلماسِيٍّ قاطِعٍ بيَدِ هذه المُعجِزةِ الكُبْرَى، حتَّى أَلزَمَتِ الحُجّةَ أعدقاطِعةالعَنيدين وأَلْجَأَتْهم إلى الِاستِسلامِ، وأنَّها تَقُومُ بوَظِيفَتِها بينَ يَدَيْ هذه الخَزينةِ القُرآنيةِ مِن حَيثُ كَونُها مُعجِزةً لِمَعانيه المُعجِزةِ على نحوٍ تَستَطيعُ ألتَّدبوِّرَ القَلبَ والرُّوحَ والمَشاعِرَ، مُناوِلةً كُلًّا مِنها عِلاجاتِها الناجِعةَ.. ولا غَرْوَ فهي الدّاعِيةُ إلى هذا القرآنِ العَظيمِ والمُستَفيضةُ مِنه َيه بن ولا تَرجِعُ إلَّا إلَيه.
وإنَّها إذ تَقُومُ بمُهِمَّتِها خيرَ قِيامٍ، انتَصَرَت في الوَقتِ نَفسِه على الدِّعاياتِ المُغرِضةِ الظّالِمةِ الَّتي يُشِيعُها أَعداؤُها، وقَضَت على أَشَدِّ لا تَنادِقةِ تَعَنُّیتًا، ودَكَّت أَقوَى قِلاعِ الضَّلالةِ الَّتي تَحتَمي بها وهي "الطَّبيعةُ" برِسالةِ "الطَّبيعةِ"، كما بدَّدَتِ الغَفلةَ
— 193 —
وأَظهَرَت نُورَ التَّوحيدِ في أَوسَعِ مَياد ذَرّةلعُلُومِ الحَديثةِ وأَشَدِّ الظُّلُماتِ الخانِقةِ للغَفلةِ بالمَسأَلةِ السّادِسةِ "للثَّمَرةِ"، وبالحُجَجِ الأُولَى والثانيةِ والثالثةِ، والثامِنةِ مِن رِسالةِ "عَصا مُوسَى".
ومِن هنا فإنَّه مِنَ الضَّرُوريِّ لنا یینُورٌ َرُ ضَرُورةً للأُمّةِ یی أن يَفتَحَ طُلّابُ النُّورِ في حُدُودِ القُدُراتِ المُتاحةِ في كلِّ مَكانٍ، مَدارِسَ نُورِيّةً صَغيرةً، بعدَما سَمَحَتِ الدَّولةُ في الوَقتِ الحاضِرِ بفَتحِ مَدارِسَ خاصّةٍ لتَدرِيسِ الدِّين.
صحيحِ ذلك كلَّ قارِئٍ للرَّسائلِ يَستَطيعُ أن يَستَفيدَ مِنها شَيئًا لنَفسِه، إلَّا أنَّه لا يَستَطيعُ أن يَستَوعِبَ كلَّ مَسأَلةٍ مِن مَسائلِها.. ولأنَّها إيضاحٌ ل الِّذقِ الإيمانِ، لِذا فهي دُرُوسٌ عِلمِيّةٌ، ومَعرِفةٌ إلٰهِيّةٌ، وسَكِينةٌ للقَلبِ وعِبادةٌ للهِ في الوَقتِ نَفسِه.
(حاشية): حتَّى إنْ لَم يَكن أَحَدُهم بِحَاجة إلى التَّعلُّم فَهو بِلا شكٍّ في شَوقٍ َدِّ، عِبَادة أو إلى المَعرِفة الإلٰهِيّة، أو إلى اطمِئنانِ القَلبِ وسَكِينَتِه. ولِهذا فِإنَّ رَسائلَ النُّور دَرسٌ ضَرُوريٌّ لِكلِّ فَرْدٍ.
إنَّ النَّتائجَ الَّتي كان يُمكِنُ الحُصُولُ علَيها في المَدارسِ الدِّينياةِ..
تَّقلِيدِيّةِ طَوالَ خَمسِ أو عَشرِ سَنَواتٍ، يُمكِنُ الحُصُولُ علَيها في مَدارِسِ النُّورِ في خَمسةِ أو عَشَرةِ أَسابيعَ بإِذنِ الله، بل ضَمِنَت تلك النَّتائجَ في العِشرينَ سنةً الَّتي خَلَت والحَ الجُنهِ.
ثمَّ باتَ مِنَ المُسَلَّمِ به فائدةُ هذه الرَّسائلِ الدّاعِيةِ إلى القُرآنِ؛ والَّتي هي لَمَعاتٌ مِن أَنوارِه الباهِرةِ، لِحَياةِ الأُمّةِ ولِأَمْنِ البِلادِ؛ وحتَّى لِحَياتِها السِّياسِيّةِ فَضلًا عن فتَحُ ها الأُخْرَوِيّةِ؛ فمِنَ الضَّرُوريِّ إذًا للحُكُومةِ ألَّا تَتَعرَّضَ لها بسُوءٍ بل تَسعَى جادّةً إلى نَشرِها، وتُشَجِّعَ النّاسَ على قِراءَتِها، ليكُونَ عَمَلُها هذا كفَّارةً عمَّا اقتَِنةِ ومِن سيِّئاتٍ فاحِشةٍ سابِقةٍ، وسَدًّا مَنيعًا في وَجهِ ما سيُقبِلُ مِن وَيلاتٍ ومَصائبَ وفَوْضَى وإِرهابٍ.
٭ ٭ ٭
— 194 —
(الَمسأَلةُ السّادسةُ من رسالة الثَّمَرة)
هذه المسألة إشارةٌ مُختَصَرةٌ إقُولُ:هانٍ واحِدٍ فقط مِن بينِ أُلُوفِ البَراهِينِ الكُلِّیيَّة حَولَ (الإيمانِ بالله)، والَّذي تَمَّ إيضاحُه مع حُجَجِهِ القاطِعةِ في عِدّةِ مَواضِعَ مِن رَسائلِ النُّورِ.
جاءَني فَريقٌ مِن طُلّابِ الثّانَوِيّةِ في "قَسْطَمُوني" قائلِيمَّا م"عَرِّفْنا خالِقَنا،فإنَّ مُدَرِّسِينا لا يَذكُرُون اللهَ لنا!".
فقُلتُ لَهم: "إنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ الَّتي تَقرَؤُونَها يَتَحَدَّثُ عنِ اللهِ دَومًا، ويُعَرِّفُ بالخالِقِ الكَريمِ ا وانتِه الخاصّةِ؛ فأَصغُوا إلى تلك العُلُومِ دُونَ المُدرِّسِين".
فمَثلًا:لو كانَت هُناكَ صَيدَليّةٌ ضَخمةٌ، في كلِّ قِنِّينةٍ مِن قَنانِيها أَدوِيةٌ ومُستَحضقِلّةِحَيَوِيّةٌ، وُضِعَت فيها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، وبمَقادِيرَ دَقيقةٍ؛ فكما أنَّها تُرِينا أنَّ وَراءَها صَيْدَليًّا حَكِيمًا، وكِيميائيًّا ماهِرًادُودِ صَيدَلِيّةُ الكُرةِ الأَرضِيّةِ الَّتي تَضُمُّ أَكثَرَ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ نَباتًا وحَيَوانًا، وكلُّ واحِدٍ مِنها في الحَقيقةِ بمَثابةِ زُجاجةِ مُستَحضَراتٍ كِيميائيّةٍ دَقيقةٍ، وقِنِّينم جَحِالِيطَ حَيَويّةٍ عَجِيبةٍ؛ فهذه الصَّيدَلِيّةُ الكُبْرَى تُرِي حتَّى للعُميانِ صَيدَليَّها الحَكيمَ ذا الجَلالِ، وتُعرِّفُ خالِقَها الكَريمَ سُبحانَه بدَرَجةِ كَمالِها وانتِظامِها وعَظَمَتِها، قِياسًا على تلك الصَّيدَإذا كُالَّتي في السُّوقِ، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الطِّبِّ الَّذي تَقرَؤُونَه.
ومَثلًا:كما أنَّ مَصْنعًا خارِقًا عَجِيبًا يَنسُجُ أُلُوفًا مِن أَنواعِ المَنسُوجاتِ المُتَنوِّعةِ، والأَقمِشةِ المُختَلِفةِ، مِن مادّةٍ بَسِيطةٍَرَابَا، يُرِينا بلا شَكٍّ أنَّ وَراءَه مُهَندِسًا مِيكانِيكيًّا ماهِرًا، ويُعَرِّفُه لنا؛ كذلك هذه الماكِينةُ الرَّبّانيّةُ السَّيّارةُ المُسمَّاةُ بالكُرةِ الأَرضِيّةِ، وهذا المَصنَعُ الإلٰهِيُّ الَّذي فيه مِئِ لِحُآلافِ مِن مَصانِعَ رَئيسِيّةٍ، وفي كلٍّ مِنها مِئاتُ الآلافِ مِنَ المَصانعِ المُتقَنةِ، يُعرِّفُ لنا بلا شَكٍّ صانِعَه، ومالِكَه، وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ المَكائنِ
— 195 —
الَّذي تَقرَؤونَه، يُعرِّفُه بدَرَجةِ كَمالاهْ دَالمَصنَعِ الإلٰهِيِّ وعَظَمَتِه، قِياسًا على ذلك المَصنَعِ الإِنسانِيِّ.
ومَثلًا:كما أنَّ حانُوتًا أو مَخزَنًا للإعاشةِ والأَرزاقِ، ومَحَلًّا عَظِيمًاُرِيدذِيةِ والمَوادِّ، أُحضِرَ فيه مِن كلِّ جانِبٍ أَلفُ نوعٍ مِنَ المَوادِّ الغِذائيّةِ، ومُيِّز كلُّ نوعٍ عنِ الآخَرِ، وصُفِّفَ في مَحَلِّه الخاصِّ به، يُرِينا أنَّ له مالِكًا ومُدَبِّرًا؛ كذلك هذا المَخزَنُ الرَّحمانِيِّدَة لعاشةِ الَّذي يَسِيحُ في كلِّ سنةٍ مَسافةَ أَربَعةٍ وعِشرِين أَلفَ سنةٍ، في نِظامٍ دَقيقٍ مُتقَنٍ، والَّذي يَضُمُّ في ثَناياهُ مِئاتِ الآلافِ مِن أَصنافِ بِ فقدُوقاتِ الَّتي يَحتاجُ كلٌّ مِنها إلى نَوعٍ خاصٍّ مِنَ الغِذاءِ، والَّذي يَمُرُّ على الفُصُولِ الأَربعةِ فيَأْتِي بالرَّبيعِ كشاحِنةٍ مُحَمَّلةتَرَونفِ الأَنواعِ مِن مُختَلِفِ الأَطعِمةِ، فيَأْتي بها إلى الخَلْقِ المَساكِينِ الَّذين نَفِدَ قُوتُهم في الشِّتاءِ..
تلك هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، والسَّفينةُ السُّبْحانيّةُ الَّتي تَضُمُّ آلافَ الأَنواعِ مِنَ البَعلاه لوالأَجهِزةِ ومُعَلَّباتِ الغِذاءِ، فهذا المَخْزَنُ والحانُوتُ الرَّبّانِيُّ يُرِي یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الإعاشةِ والتِّجارةِ الَّذي تَقرَؤُونَه یی صاحِبَه ومالِكَه ومُتَصرِّفَه بدَرَجةِ عَظَمةِ هذا المَخْزَنِ، قِياسًا على لَا عمَخْزَنِ المَصنُوعِ مِن قِبَلِ الإنسانِ، ويُعَرِّفُه لنا، ويُحَبِّبُه إلَينا.
ومَثلًا:لو أنَّ جَيشًا عَظِيمًا يَضُمُّ تحتَ لِوائِه أَربعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الشُّعُوبِ والأُمَمِ، لكُلِّ جِنسٍ صنُوعاه المُستَقِلُّ عنِ الآخَرِ، وما يَستَعمِلُه مِن سِلاحٍ يُغايِرُ سِلاحَ الآخَرِ، وما يَرتَدِيه مِن مَلابِسَ تَختَلِفُ عن أَلبِسةِ الآخَرِشُورَُطُ تَدرِيباتِه وتَعلِيماتِه يُبايِنُ الآخَرَ، ومُدّةُ عَمَلهِ وأَوقاتُ رُخَصِهِ هي غيرُ المُدّةِ للآخَرِ.. فقائدُ هذا الجَيشِ الَّذي يُزَوِّدُهم وَحدَه باا يُمكقِ المُختَلِفةِ، والأَسلِحةِ المُتَبايِنةِ، والأَلبِسةِ المُتَغايِرةِ، دُونَ نِسيانِ أيٍّ مِنها ولا الْتِباسٍ ولا حَيرةٍ، لَهُو قائدٌ ذُو خَوارِقَ بلا رَيبٍ؛ فكَما أنَّ هذا المُعَسْكَرَ العَجيبَ يُرِينا بَداهةً ذلك القَحمَتَلخارِقَ، بل يُحَبِّبُه إلَينا بكلِّ تَقديرٍ وإعجابٍ؛ كذلك مُعَسكَرُ الأَرضِ؛ ففي كلِّ رَبيعٍ يُجَنَّدُ مُجَدَّدًا جَيشٌ سُبحانِيٌّ عَظِيمٌ مُكَوَّنٌ مِن أَربعِ مِئةِ أََ هذا!وعٍ مِن شُعُوبِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ، ويَمنَحُ لكلِّ نَوعٍ أَلبِسَتَه وأَرزاقَه وأَسلِحَتَه وتَدرِيبَه ورُخَصَه الخاصّةَ به، مِن لَدُنْ قائن تَدخيمٍ واحِدٍ أَحَدٍ جلَّ وعلا، بلا نِسيانٍ لِأَحَدٍ ولا اختِلاطٍ ولا تَحَيُّرٍ، وفي مُنتَهَى الكَمالِ وغايةِ الِانتِظامِ..
— 196 —
فهذا المُعَسكَر ومالٌاسِعُ الواسِعُ للرَّبيعِ المُمتَدِّ على سَطحِ الأَرضِ يُرِي یی لِأُولِي الأَلبابِ والبَصائرِ یی حاكِمَ الأَرضِ حَسَبَ العُلُومِ العَسكَريّةِ ورَبَّها ومُدَبِّرَها، وقائِدَها الأَقدَسَ الأَجَلَّ، ويُعَرِّفُه لهم، بدَرَجةِ كَمالِ هذا المُعَسكَرِتُبيِِّيبِ، ومَدَى عَظَمَتِه، قِياسًا إلى ذلك المُعَسكَرِ المَذكُورِ، بل يُحبِّبُ مَلِيكَه سُبحانَه بالتَّحمِيدِ والتَّقديسِ والتَّسبِيحِ.
ومَثلًا:هَبْ أنَّ مَلايينَ المَصابيحِ الكَهْرَبائيّةِ تَتَجينِ ییفي مَدينةٍ عَجيبةٍ دُونَ نَفَادٍ للوَقُودِ ولا انطِفاءٍ، ألا تُرِي بإعجابٍ وتَقدِيرٍ أنَّ هناك مُهَندِسًا حاذِقًا، وكَهرَبائيًّا بارِعًا لِمَصنَعِ الكَهيمًا ف، ولتلك المَصابِيحِ؟.. فمَصابِيحُ النُّجُومِ المُتَدلِّيةُ مِن سَقْفِ قَصرِ الأَرضِ وهي أَكبَرُ مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ نَفسِها بأُلُوفِ المَرّاتِ حَسَبَ عِلمِ الفَلَكِ، وتَسِيرُ أَسرَعَ مِنِ انطِلاقِ القَذيفةِ، مِن دُونِ
وفخِلَّ بنِظامِها، أو تَتَصادَمَ معَ بَعضِها مُطلَقًا ومِن دُونِ انطِفاءٍ، ولا نَفَادِ وَقُودٍ وَفْقَ ما تَقرَؤُونَه في عِلمِ الفَلَكِ..
هذه المَصابيحُ تُشِيرُ بأَصابعَ مِن نُورٍ إلى قُدرةِ خال نَفسِغيرِ المَحدُودةِ. فشَمسُنا مثَلًا وهي أَكبَرُ بمِليُونِ مَرّةٍ مِن كُرَتِنا الأَرضِيّةِ، وأَقدَمُ مِنها بمِليُونِ سنةٍ، ما هي إلَّا مِصباحٌ دائمٌ، ومَوقِدٌ مُستَمِرٌّ لدارِ ضَ وَقت الرَّحمٰنِ.. فلِأَجلِ إدامةِ اتِّقادِها واشتِعالِها كلَّ يومٍ يَلزَمُ وَقُودٌ بقَدْرِ بِحارِ الأَرضِ، وفَحْمٌ بقَدْرِ جِبالِها، وحَطَبٌ بقَدْرِ أَضعافِ أَضعافِ حَجْنُرَدَّرضِ، ولكِنَّ الَّذي يُشعِلُها یی ويُشعِلُ جَميعَ النُّجُومِ الأُخرَى أَمثالِها یی بلا وَقُودٍ ولا فَحْمٍ ولا زَيتٍ ودُونَ انطِفاءٍ، ويُسَيِّرُها بسُرعةٍ عَظيمةٍ معًا دُونَ اصطِدامٍ، إنَّما هو قُدرةٌ لا نِهم مِنلها وسَلطَنةٌ عَظيمةٌ لا حُدُودَ لها.. فهذا الكَونُ العَظيمُ وما فيه مِن مَصابِيحَ مُضِيئةٍ، وقَنادِيلَ مُتَدلِّيةٍ يُبيِّنُ بوُضُوحٍ یی وَفْقَ مَقاييسِ عِلمِ الكَهرَباءِ الَّذي قَرَأتُمُوه أو ستَثةُ یینه یی سُلطانَ هذا المَعرِضِ العَظيمِ والمَهرَجانِ الكَبِيرِ، ويُعرِّفُ مُنوِّرَه ومُدَبِّرَه البَديعَ وصانِعَه الجَليلَ، بشَهادةِ هذه النُّجُومِ المُتَلَأْلِئةِ، ويُحَبِّبُه إلى الجَميعِ بالتَّحمِيدِ والتَّسبِيحِ والتَّقدِيسِ، بلحَقَّهقُهم إلى عِبادَتِه سُبحانَه.
ومثلًا:لو كان هُناكَ كِتابٌ كُتِبَ في كلِّ سَطرٍ مِنه كِتابٌ بخَطٍّ دَقيقٍ، وكُتِبَ في كلِّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه سُورةٌ قُرآنيّةٌ، وكانَت جَميعُ مَسائلِه ذاتَ مَغَعظَمَِعنًى عَميقٍ، وكُلُّها يُؤيِّدُ بَعضُها بعضًا، فهذا الكِتابُ العَجِيبُ يُبيِّنُ بلا شَكٍّ مَهارةَ كاتِبِه الفائقةَ، وقدُرةَ
— 197 —
مُؤَلِّفِه الكامِلةَ؛ أي: إنَّ كِتابًا كهَذا يُعرِّفُ كاتِبَه ومُصَنِّفَه تَعرِيفًا يُضغايةٍ؟ُضُوحَ النَّهارِ، ويُبيِّنُ كَمالَه وقُدرَتَه، ويُثيرُ مِنَ الإعجابِ والتَّقدِيرِ لَدَى النّاظِرين إلَيه ما لا يَملِكُون معَه إلَّا تَردِيدَ: تَبارَكَ اللهُ! سُبحِ الظّلهِ! ما شاءَ اللهُ! مِن كَلِماتِ الِاستِحسانِ والإعجابِ؛ كذلك هذا الكِتابُ الكَبيرُ للكَونِ الَّذي يُكتَبُ في صَحيفةٍ واحِدةٍ مِنه، وهي سَطحُ الأَرضِ، ويُكتَبُ في مَلَمسِ سواحِدةٍ مِنه، وهي الرَّبيعُ، ثلاثُ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الكُتُبِ المُختَلِفةِ، وهي طَوائفُ الحَيَواناتِ وأَجناسُ النَّباتاتِ، كلٌّ مِنها بمَثابةِ كِتابٍ.. يُكتَبُ كلُّ ذلك معًا ومُتَداخِلًا بعضُها بَرادَ لا اختِلاطٍ ولا خَطَأٍ ولا نِسيانٍ، وفي مُنتَهَى الِانتِظامِ والكَمالِ، بل يُكتَبُ في كلِّ كَلِمةٍ مِنه كالشَّجَرةِ، قَصيدةٌ كامِلةٌ رائعةٌ، دُ الكِّ نُقطةٍ مِنه كالبِذرةِ، فِهرِسُ كِتابٍ كامِلٍ.
فكما أنَّ هذا مُشاهَدٌ وماثِلٌ أَمامَنا، ويُرِينا بالتَّأكِيدِ أنَّ وَراءَه قَلَمًا سيَّالًا يُسَطِّر، فلَكُم إذًا ُ والحَدِّرُوا مَدَى دَلالةِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ العَظيمِ الَّذي في كلِّ كَلِمةٍ مِنه مَعانٍ جَمّةٌ وحِكَمٌ شَتَّى، ومَدَى دَلالةِ هذا القُرآنِ الأَكبَرِ المُجَسَّمِ یی وهو العالَمُ یی علُ: إنِئِه سُبحانَه، وعلى كاتِبِه جلَّ وعلا، قِياسًا إلى ذلك الكِتابِ المَذكُورِ في المِثالِ. وذلك بمُقتَضَى ما تَقرَؤُونَه مِن عِلمِ حِكمةِ الأَشياءِ أو فَنِّ القِراءةِ والكِتابةِ، وتَناوُلِه بمِقياسٍ أَكبَرَ، وبالنَّظرةِ ن يكُوعةِ إلى هذا الكَونِ الكَبيرِ؛ بل تَفهَمُون كيفَ يُعرِّفُ الخالقَ العَظيمَ بی"اللهُ أَكبَرُ"، وكيفَ يُعلِّمُ التَّقديسَ بی"سُبحانَ الله!" وكيفَ يُحَبِّبُ اللهَ سُبحانَه هَباءً بثَناءِ "الحَمدُ للهِ".
وهكذا، فإنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ العَديدةِ جِدًّا، يَدُلُّ على خالِقِ الكَونِ ذِي الجَلالِ یی قِياسًا على ما سَبَق یی ويُعرِّفُه لنا سُبحانَه بأَسمائِه الحُسنَى، ويُعَلِّمُنا إةِ أَلصِفاتِه الجَليلةِ وكَمالاتِه، وذلك بما يَملِكُ مِن مَقاييسَ واسِعةٍ، ومَرايا خاصّةٍ، وعُيُونٍ حادّةٍ باصِرةٍ، ونَظَراتٍ ذاتِ عِبرةٍ.
فقُلتُ لأُولئك الطَّلَبةِ الشَّبابِ: إنَّ حِكمةَ تَكرارِ القُرآنِ الكَريمِ مِن: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَاللماضِيَ ورَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إنَّما هي لِأَجلِ الإِرشادِ إلى هذه الحَقيقةِ المَذكُورةِ، وتَلقينِ البُرهانِ الباهِرِ للتَّوحِيدِ، ولِأَجلِ تَعرِيفِنا بخالِقِنا العَظيمِ سُبحانَه.
فقالُوا: شُكرًا لِرَبٌّ مِنهخالِقِ بغَيرِ حَدٍّ، على هذا الدَّرسِ الَّذي هو الحَقيقةُ السّامِيةُ عَينُها، فجَزاكَ اللهُ عنّا خَيرَ الجَزاءِ ورَضِيَ عنك.
— 198 —
قلتُ: إنَّ الإنسانَ ماكِينةٌ حََه دَوٌ، يَتَألَّمُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ الآلامِ، ويَتَلذَّذُ بآلافِ الأَنواعِ مِنَ اللَّذائذِ، ومع أنَّه في مُنتَهَى العَجزِ، فإنَّ له مِنَ الأَعداءِ ما لا يُحَدُّ، سَواءٌ المادِّيُّونَ أوِ المَعنَوِيُّون؛ ومع أنَّئرةُ اايةِ الفَقرِ فإنَّ له رَغَباتٍ باطِنةً وظاهِرةً لا تُحصَرُ، فهو مَخلُوقٌ مِسكِينٌ يَتَجرَّعُ آلامَ صَفَعاتِ الزَّوالِ والفِراقِ باستِمرارٍ.. ورَغلَّا بِ هذا، فإنَّه يَجِدُ بانتِسابِه إلى السُّلطانِ ذِي الجَلالِ بالإيمانِ والعُبُوديّةِ، مُستَنَدًا قَوِيًّا، ومُرتَكَزًا عَظيمًا يَحتَمِي به في دَفعِ أعدائِه كافّةً، ويَجِدُ فيسانَ ه مَدارَ استِمدادٍ يَستَغِيثُ به لِقَضاءِ حاجاتِه وتَلبِيةِ رَغَباتِه وآمالِه كافّةً، فكَما يَنتَسِبُ كلٌّ إلى سَيِّدِه ويَفخَرُ بشَرَفِ انتِسابِه إلَيه، ويَعتَزُّ بمَكانةِ مَنزِلَتِه لَدَيه، كذلك فإنَّ انتِسابَ الإنسانِ بالإيمانِ إلى القَديرَِثِّیري لا نِهايةَ لِقُدرَتِه، وإلى السُّلطانِ الرَّحيمِ ذِي الرَّحمةِ الواسِعةِ، ودُخُولَه في عُبُودِيَّتِه بالطّاعةِ والشُّكرانِ، يُبَدِّلُ الأَجَلَ والمَوتَ مِنَ الإعدامِ الأَبَدِيِّ إلى تَذكِرةِ مُرُورٍ ورُخصةٍ إللشَّجَلَمِ الباقي!. فلَكُم أن تُقَدِّروا كم يكُونُ هذا الإنسانُ مَتَلَذِّذًا بحَلاوةِ العُبُوديّةِ بينَ يَدَيْ سَيِّدِه، ومُمتَنًّا بالإيمانِ الَّذي يَجِدُه في قَلبِه، وسَعيدًا بأَنوَى:
إسلامِ، ومُفتَخِرًا بسَيِّدِه القَديرِ الرَّحيمِ، شاكِرًا له نِعمةَ الإيمانِ والإسلامِ.
ومِثلَما قُلتُ ذلك لإخواني الطَّلَبةِ، أَقُولُ كذلك للمَسجُونِين:
إنَّ مَن عَرَف اللهَ وأطاعَه سَعيدٌ ولو كان في غَياهِبِ السِّجنِ، ومَن غَفنَّ وَه ونَسِيَه شَقِيٌّ ولو كان في قُصُورٍ مُشَيَّدةٍ.. فلقد صَرَخ مَظلُومٌ ذاتَ يومٍ بوَجهِ الظّالِمِين وهو يَعتَلِي مِنَصّةَ الإعدامِ فَرِحًا جَذِلًا وقائلً..
إنَّني لا أَنتَهِي إلى الفَناءِ ولا أُعدَمُ، بل أُسَرَّحُ مِن سِجنِ الدُّنيا طَلِيقًا إلى السَّعادةِ الأَبَديّةِ، ولكِنِّي أَراكُم أَنتُم مَحكُومًا علَيكم بالإعدامِ الأَبَديِّ لِأنَّكم ختِلاط المَوتَ فَناءً وعَدَمًا، فأنا إذًا قد ثَأَرْتُ لِنَفسِي مِنكم.. فَسَلَّم رُوحَه وهو قَريرُ العَينِ يُردِّدُ:لا إلٰهَ إلَّا اللهُ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُِن مِل٭ ٭
— 199 —
نكتة توحيدية في لفظ "هو"
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبَدًا دائِمًا.
إخوتي الأَعزَّاءَوتَوارفِياءَ.. لقد شاهَدتُ یی مُشاهَدةً آنِيّةً یی خِلالَ سِياحةٍ فِكريّةٍ خَياليةٍ، لَدَى مُطالَعةِ صَحيفةِ الهَواءِ مِن حيثُ جِهَتُه المادِّيّةُ فقط، نُكتةً تَوحِيديّةً ظَريفةً تَوَلَّدَت مِن لَفظِ "هو" المَوْ كَانفي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وفي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ورَأَيتُ فيها أنَّ سَبِيلَ الإيمانِ سَهلٌ ويَسِيرٌ إلى حَدِّ الوُجُوبِ، بَينَما سَبِيلُ الشِّركِ والضَّلالةِ فيه مِنَ المُحالاتِ والمُعضِلاتِ إلى حَدِّ الِامتِناعِ.
سأُبيِّ عَلَىارةٍ في مُنتَهَى الِاختِصارِ تلك النُّكتةَ الظَّريفةَ الواسِعةَ الطَّويلةَ: نعم، إنَّ حَفنةً مِن تُرابٍ، يُمكِنُ أن تكُونَ مَوضِعَ استِنباتِ مِئاتٍ مِنَ النَّباتاتِ المُزهِرةِ إن وُضِعَتْ فيها مُتَعاقِبةً، فإن أُحِيلَ هذا الأَمرُ إل نحوَ َبيعةِ والأَسبابِ يَلزَمُ: إمّا أن تكُونَ في تلك الحَفنةِ مِنَ التُّرابِ مِئاتٌ مِنَ المَصانِعِ المُصَغَّرةِ المَعنَويّةِ، بل بعَدَدِ الأَزهارِ؛ أو أنَّ كلّإنَّ اةٍ مِن ذَرّاتِ تلك الحَفنةِ مِنَ التُّرابِ تَعلَمُ بِناءَ تلك الأَزهارِ المُتَنوِّعةِ وتَركِيبَها بخَصائصِها المُتَنوِّعةِ وأَجهِزَتِها الحَيَويّةِ، أي: لها عِلمٌ مُحِيطٌ وقُدرةٌ ّةِ فيةٌ بما يُشبِهُ عِلمَ الإلٰهِ وقُدرَتِه!!
وكذلك الهَواءُ الَّذي هو عَرشٌ مِن عُرُوشِ الأَمرِ والإرادةِ الإلٰهِيّةِ، فلِكُلِّ جُزءٍ مِنه، مِن نَسيمٍ ورِيحٍ، بل حتَّى للهَوام يَكتَوجُودِ في جُزءٍ مِن نَفَسِ الإنسانِ الضَّئيلِ عِندَما يَنطِقُ كلمةَ"هو"وَظائفُ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
— 200 —
فلو أُسنِدَت هذه الوَظائفها ولاالطَّبيعةِ والمُصادَفةِ والأَسبابِ: فإمّا أنَّه (أي: الهَواءُ) يَحمِلُ بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ مَراكزَ بَثٍّ واستِقبالٍ لِجَميعِ ما في العالَمِ مِن أَصواتٍ ومُكالَماتٍ في التِّلِغرافِ والهاتِفِ والمِذْياعِ مِنَ الا يُحَدُّ مِن أنواعِ الأَصواتِ للكَلامِ والمُحادَثاتِ، وأن يكُونَ له القُدرةُ على القِيامِ بتلك الوَظائفِ جَميعِها في وقتٍ واحِدٍ؛ أو أنَّ ذلك الجُزءَ مِنَ الهَواءِ المَوجُودِ في كلمةِ"هو"،وكلَّ جُزءٍ مِن أَجزائِه وكلَّ ذَرّةٍ مِفعلى ااتِه، لها شَخصِيّاتٌ مَعنَويّةٌ، وقابِلِيّاتٌ بعَدَدِ كلِّ مَن يَتَكلَّمُ بالهَواتِفِ وجَميعِ مَن يَبُثُّ مِنَ البَرقِيّاتِ المُتَنوِّعةِ وجَميعِ مَن يُذِيعُ كَلامًا مِنَ المَذاييعِ، وأن تَعلَمَ لُغاتالِانتَهَجاتِهم جَميعًا، وتُعَلِّمَه في الوَقتِ نَفسِه إلى الذَّرّاتِ الأُخرَى، وتَنشُرَه وتَبُثَّه؛ حيثُ إنَّ قِسمًا مِن ذلك الوَضعِ مَشهُودٌ أَمامَنا، وأنَّ أَجزاءَ الهَواءِوه مِنها تَحمِلُ تلك القابِلِيّةَ.. إذًا فلَيسَ هناك مُحالٌ واحِدٌ في طَريقِ الكُفرِ مِنَ المادِّيِّينَ الطَّبِيعيِّين بل مُحالاتٌ واضِحةٌ جَلِيّةٌ ومُعضِلاتٌ وإشكالاتٌ بعَدَدِ ذَرّاتِ الهَوإنسانِ ولكِن إن أُسنِدَ الأَمرُ إلى الصّانِعِ الجَليلِ، فإنَّ الهَواءَ يُصبِحُ بجَميعِ ذَرّاتِه جُندِيًّا مُستَعِدًّا لِتَلَقِّي الأَوامِرِ، فعِندَئذٍ تَقُومُ ذَرّاتُه بأَداءِ وَظائفِها الكُلِّيّةِ َّذي لنوِّعةِ والَّتي لا تُحَدُّ بإذنِ خالِقِها وبقُوَّتِه وبانتِسابِها واستِنادِها إلَيه سُبحانَه، وبِتَجَلِّي قُدرةِ صانِعِها تَجَلِّيًا آنِيًّا یی بسُرعةِ البَرقِ یی وبسُهُولةِ قِيامِ ذَرّةٍ واحِدةٍ بوَظيفةٍ مِن وَظائفِها وبيُسْرِ تَلَفُّظِ كلمةِا عَظِوتَمَوُّجِ الهَواءِ فيها.. أي: يكُونُ الهَواءُ صَحيفةً واسِعةً للكِتاباتِ المُنَسَّقةِ البَديعةِ الَّتي لا تُحصَرُ لِقَلَمِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وتكُونُ ذَرّاتُه بِداياتِ ذلك القَلمِ، وتُصبِحُ وَظائفُ الذَّرّاتِ كذلك نِقاطَ قَلَمِ القَدَِانتِظا يكُونُ الأَمرُ سَهلًا كسُهُولةِ حَرَكةِ ذَرّةٍ واحِدةٍ.
رَأَيتُ هذه الحَقيقةَ بوُضُوحٍ تامٍّ وبتَفصيلٍ كامِلٍ وبعَينِ اليَقينِ عِندَما كُنتُ أُشاهِدُ عالَمَ الهَواءِ، وأُطالِعُ صَحِيفَتَه في سِياحَتِي الفِكرِيّةِ وتَأَمُّلي في أنَّهإِلَهَ إِلَّا هُوَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وعَلِمتُ بعِلمِ اليَقينِ أنَّ في الهَواءِ المَوجُودِ في لَفظِ"هو"بُرهانًا ساطِعًا للوَحدانيّةِ مِثلَما أنَّ في مَعنادِ؛ ومإشارَتِه تَجَلِّيًا للأَحَديّةِ في غايةِ النُّورانيّةِ وحُجّةً تَوحِيدِيّةً في غايةِ القُوّةِ، حيثُ فيها قَرِينةُ الإِشارةِ المُطلَقةِ المُبهَمةِ لِضَميرِ"هو"،أي:
— 201 —
إلى مَن يَعُودُ؟ فعَرَِيلًا،ندَئذٍ لِماذا يُكَرِّرُ القُرآنُ الكَريمُ وأَهلُ الذِّكرِ هذه الكَلِمةَ عندَ مَقامِ التَّوحيدِ.
نعم، لو أَرادَ شَخصٌ أن يَضَعَ عِدّةَ نِقاطٍ مُعَيَّنةً یی مثلًا یی على وَرَقةٍ بَيضاءَ بحَجْمِ نُقطةٍ واحِدةٍ، لَكان الأَمرُ مُن وَرا؛ ولو طُلِبَ مِن أَحَدٍ القِيامُ بوَظائِفَ عِدّةٍ في آنٍ واحِدٍ، لَاختَلَط علَيه الأَمرُ؛ ولو حُمِّلَ كائِنٌ صَغِيرٌ أَعباءً ثَقِيلةً، فإنَّه يَرزَحُ تَحتَها.. ويُفتَرَضُ أيضًا ى العاتَلِطَ النِّظامُ ويَتَبعثَرَ عِندَ خُرُوجِ كَلِماتٍ كَثيرةٍ في وَقتٍ واحِدٍ مِنَ الفَمِ ودُخُولِها الأُذُنَ معًا..
ولكنِّي شاهَدتُ بَّلامِاليَقينِ، وبدَلالةِ لَفظِ"هو"،هذا الَّذي أَصبَح مِفتاحًا وبمَثابةِ بُوصِلةٍ، أنَّ نِقاطًا مُختَلِفةً تُعَدُّ بالأُلُوفِ وحُرُوفًا وكَلِماتٍ تُوضَعُ یی أو يُمكِنُ أن تُوضَعَ یی على كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الهَواءِ الَّذي أَسِيحُ المَثِكرًا، بل يُمكِنُ أن تُوضَعَ كلُّها على عاتِقِ ذَرّةٍ واحِدةٍ مِن دُونِ أن يَحدُثَ اختِلاطٌ أو تَشابُكٌ أو يَنفَسِخَ النِّظامُ، عِلمًا أنَّ تلك الذَّرّةَ تقُومُ بوَظائفَ أُخرَى كَثيرةً جدًّا في الوَقتِ نَفسِه، فلا يَلتَبِسُ علَيها فلا روتَحمِلُ أَثقالًا هائلةً جدًّا مِن دُونِ أن تُبدِيَ ضَعفًا أو تَكاسُلًا، فلا نَراها قاصِرةً عن أَداءِ وَظائفِها المُتَنوِّعةِ واحتِفاظِها بالنِّظفِي الذ تَرِدُ إلى تلك الذَّرّاتِ أُلُوفُ الأُلُوفِ مِنَ الكَلِماتِ المُختَلِفةِ في أَنماطٍ مُختَلِفةٍ وأَصواتٍ مُختَلِفةٍ، وتَخرُجُ مِنها أيضًا في غايةِ النِّظامِ مِثلَما دَخَلَت، دُونَ النَّفسٍ أوِ امتِزاجٍ ودُونَ أن تُفسِدَ إحداها الأُخرَى؛ فكأنَّ تلك الذَّرّاتِ تَملِكُ آذانًا صاغِيةً صَغيرةً على قِياسِها، وأَلسِنةً دَقيقةً نِهايةبُها فتَدخُلُ تلك الكَلِماتُ تلك الآذانَ وتَخرُجُ مِن أَلسِنَتِها الصَّغِيرةِ تلك.. فمع كلِّ هذه الأُمُورِ العَجيبةِ فإنَّ كلَّ ذَرّةٍ یی وكلَّ جُزءٍ مِنَ الهَواءِ یی الحِكمَّلُ بحُرِّيّةٍ تامّةٍ ذاكِرةً خالِقَها بلِسانِ الحالِ وفي نَشوةِ الجَذْبِ والوَجْدِ قائلةً: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بلِسانِ الحَقيقةِ المَذكُورةِ آنِفًا وشَهادَتِها.
وحِينَما تَحدُثُ العَواصِفُ القَوِيّةُ ا تتَِّّي أَهازِيجُ الرَّعدِ، ويَتَلَمَّعُ الفَضاءُ بسَنَا البَرقِ، يَتَحوَّلُ الهَواءُ إلى أَمواجٍ ضَخمةٍ مُتَلاطِمةٍ، بَيْدَ أنَّ الذَّرّاتِ لا تَفقِدُ نِظامََبَبِ
— 202 —
تَتَعثَّیرُ في أَداءِ وَظائفِها، فلا يَمنَعُها شُغُلٌ عن شُغُلٍ... هكذا شاهَدتُ هذه الحَقيقةَ بعَينِ اليَقينِ، إذًا.. فإمّا أن تكُونَ كلُّ ذَرّةٍ یی وكلُّ جُزءٍ مِنَ الهَواءِ یی صاحِبةَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكمةٍ مُطلَقةٍ وإرادةٍ مُطلَقةٍَوائدَةٍ مُطلَقةٍ وقُدرةٍ مُطلَقةٍ وهَيمَنةٍ كامِلةٍ على جَميع الذَّرّاتِ.. كي تَتَمكَّنَ مِنَ القِيامِ بأَداءِ هذه الوَظائفِ المُتَنوِّعةِ على وَجهِها.. وما هذا إلَّا مُحالاتٌ ومُحالقُومَ َدَدِ الذَّرّاتِ وباطِلٌ بُطلانًا مُطلَقًا. بل حتَّى لا يَذكُرُه أيُّ شَيطانٍ كان..
لذا فإنَّ البَداهةَ تَقتَضي یی بل هو بحَقِّ اليقينِ وعينِ اليقينِ وعِلمِ اليقادِ أل أنَّ صَحيفةَ الهَواءِ هذه إنَّما هي صَحيفةٌ مُتَبدِّلةٌ يَكتُبُ الخالِقُ فيها بعِلمِه المُطلَقِ ما يَشاءُ بقَلَمِ قُدرَتِه وقَدَرِه الَّذي يُحَرِّكُه بحِكمَتِه المُطلَقةِ، وهي بمَثاِيمَ فوحةِ مَحْوٍ وإثباتٍ في عالَمِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ للشُّؤُونِ المُسَطَّرةِ في اللَّوحِ المَحفُوظِ.
فكما أنَّ الهَواءَ يَدُلُّ على تَجَلِّي الوَحدانيّةِ بهذه الأُمُورِ العَجِيبةِ المَذكُورةِ آنِفًا، وذلك لَدتِ الباءِ وَظيفةٍ واحِدةٍ مِن وَظائفِه یی أيِ: الهَواءِ یی وهي نَقلُ الأَصواتِ، ويُبيِّنُ في الوَقتِ نَفسِه بَيانًا واضِحًا مُحالاتِ الضَّلالةِ الَّتي لا تُحصَرُ، كذلك فهو يقُومُ بوَظائفَ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ وفي غايةِ النِّظامِ، ومِن دُونِ اخ إلَيه أو تَشابُكٍ أو الْتِباسٍ كنَقلِ المَوادِّ اللَّطيفةِ مِثلَ الكَهرَباءِ والجاذِبيّةِ والدّافِعةِ والضَّوءِ.. وفي الوَقتِ نَفسِه يَدخُلُ إلى مَداخِلِ تِها ااتاتِ والحَيَواناتِ بالتَّنفُّسِ مُؤدِّيًا هناك مُهِمّاتِه الحَياتيّةَ بإتقانٍ، وفي الوقتِ عَينِه يقُومُ بنَقلِ حُبُوبِ اللِّقاحِ یی أي: وظيفةِ تَلقيحِ النَّباتاتِ یی وهكذا أَمثادَه، م الوَظائفِ الأَساسيّةِ لإدامةِ الحَياةِ؛ مِمّا يُثبِتُ يَقينًا أنَّ الهَواءَ عَرشٌ عَظيمٌ يَأتَمِرُ بالأَمرِ الإلٰهِيِّ وإرادَتِه الجَليلةِ، ويُثبِتُ أيضًا بعَينَِمِّ عنِ أنْ لا احتِمالَ قَطعًا لِتَدَخُّلِ المُصادَفةِ العَشواءِ والأَسبابِ السّائبةِ التّائهةِ والمَوادِّ العاجِزةِ الجامِدةِ الجاهِلةِ في الكِتابةِ البَديعةِ لهذه الصَّحيفةِ ُّرٌ وئيّةِ وفي أَداءِ وَظائفِها الدَّقيقةِ.. فاقْتَنَعْتُ بهذا اقْتِناعًا تامًّا بعَينِ اليقينِ وعَرَفتُ أنَّ كلَّ ذَرّةٍ وكلَّ جُزءٍ مِنَ الهَواءِ تقُولُ بلِسانِ حالِها: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
— 203 —
ومِثلَما شةَ وصِ هذه الأُمُورَ العَجيبةَ في الجِهةِ المادِّيّةِ مِنَ الهَواءِ بهذا المِفتاحِ یی أَعني مِفتاحَ"هو"یی فعُنصُرُ الهَواءِ برُمَّتِه أَصبَح أيضًا كلَفظِ"هو"مِفتاحًا لعالَمِ المِثالِ وعالَمِ المَعنَى؛ إذ قد عأَليَق أنَّ عالَمَ المِثالِ كآلةِ تَصويرٍ عَظيمةٍ جدًّا، تَلتَقِطُ صُوَرًا لا تُعَدُّ ولا تُحصَى للحَوادِثِ الجارِيةِ في الدُّنيا، تَلتَقِطُها في آنٍ واحِدٍ بلا اختِلاطٍ ولا الْتِب الأَختَّى غَدا هذا العالَمُ يَضُمُّ مَشاهِدَ عَظيمةً وواسِعةً أُخرَوِيّةً تَسَعُ أُلُوفَ أُلُوفِ الدُّنَى، تَعرِضُ أَوضاعَ حالاتٍ فانِيةٍ لِمَوجُوداتٍ فانِيةٍ، وتُظهِرُ ثِمارَ حَياتِها العابرةِ في مَشاهِدَ ولَوحاتٍ خالدةٍ تُعرَضُكِ البَ أَصحابِ الجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبَديّةِ في مَعارِضَ سَرمَدِيّةٍ، مُذَكِّرةً إيّاهم بحَوادِثِ الدُّنيا وذِكرَياتِهمُ الجَميلةِ الماضِيةِ فيها.
فالحُجّةُ القاطِعةُ على وُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظِ وعالَمِ ولا لَلِ ونَمُوذَجُها المُصَغَّرُ هو ما في رَأسِ الإنسانِ مِن قُوّةٍ حافِظةٍ وما يَملِكُ مِن قُوّةِ خَيالٍ، فمع أنَّهما لا تَشغَلانِ حَجمَ حَبّةٍ مِن خَردَلٍ إلَّا أنَّهما تَقُومانِِ الرّئفِهما على أَتَمِّ وَجهٍ بلا اختِلاطٍ ولا الْتِباسٍ، وفي انتِظامٍ كاملٍ وإتقانٍ تامٍّ، حتَّى كأنَّهما يَحتَفِظانِ بمَكتَبةٍ ضَخمةٍ جدًّا مِنَ المَعلُوماتِ والوَثائقِ.. مِمّا يُثبِتُ لنا أن تَينِكَ القُوَّتِ شَهوَمُوذَجانِ للَّوحِ المَحفُوظِ وعالَمِ المِثالِ.
وهكذا، لقد عُلِمَ بعِلمِ اليقينِ القاطِعِ أنَّ الهَواءَ والماءَ ولا سِيَّما سائلَ النُّطَفِ، واللَّذانِ يَفُوقانِ التُّرابَ في الدَّلالةِ على اللهِ یی الَّذي أَ77 دْناه في لائلُ َلِّ البَحثِ یی صَحِيفَتانِ واسِعَتانِ يَكتُبُ فيهما قَلَمُ القَدَرِ والحِكمةِ كِتابةً حَكيمةً بَلِيغةً، ويُجرِيانِ فيهما الإرادةَ وقَلَمَ القَدَرِ والقُدرةِ؛ وأنَّ مُداخَلةَ المُصادَفةِ العَشْواءِ والقُوّةِ العَمْياءِ والطَّبيعةِ الصَّمّاءِ وخِطابًابِ التّائهةِ الجامِدةِ في تلك الكِتابةِ الحَكِيمةِ مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ وغيرُ مُمكِنٍ قَطعًا.
أَلفُ أَلفِ تَحيّةٍ وسَلامٍ إلى الجَميعِ.
٭ ٭ ٭
— 204 —
الكلمة الرابعة عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحاجَ لِالر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
سنُشِيرُ إلى نَظائرِ قِسمٍ مِنَ الحَقائقِ السّامِيةِ الرَّفيعةِ للقُرآنِ الحَكيمِ، ولِمُفَسِّرِه الحَقيقيّ يَستَديثِ الشَّريفِ، وذلك لتكُونَ بمَثابةِ دَرَجاتِ سُلَّمٍ للصُّعُودِ إلى تلك الحَقائقِ، لكي تُسعِفَ القُلُوبَ الَّتي يَنقُصُها التَّسليمُ والِانقيادُ. وفي خاتِمةِ الكَلِمةِ سيُبيَّنُ دَرسٌ للعِبرةِ وسِرٌّبِكلَِّسرارِ العِنايةِ الإلٰهِيّةِ.
ونكتَفي هنا بذِكرِ نَماذِجَ لخَمسِ مَسائلَ فحَسْبُ مِن تلك الحَقائقِ الجَليلةِ؛ حيثُ إنَّ النَّظائرَ الَّتي تَخُصُّ الحَشْرَ والقِيامةَ قد ذُكِرَت في "الكَلِمةِ العاشِلحَيَوولا سِيَّما في "الحَقيقةِ التاسِعةِ" مِنها، ولا داعيَ للتَّكرارِ.
أُولاها:
مثالٌ:قولُه تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.
هذه الآيةُ الكَريمةُ تُشيرُ إلى أنَّ دُ يَسُوإنسانِ وعالَمَ الحَيَوانِ يَعيشانِ سِتّةَ أيّامٍ مِنَ الأَيّامِ القُرآنيةِ الَّتي هي زَمَنٌ مَدِيدٌ، ولَرُبَّما هو كأَلفِ سَنةٍ أو كخَمسِين أَلفَ سَنةٍ.. فلِأَجلِ الِاطمِئنانِ القَالْأَروالِاقتِناعِ التّامِّ بهذه الحَقيقةِ السّامِيةِ نُبيِّنُ للأَنظارِ ما يَخلُقُه الفاطِرُ الجَليلُ مِن عَوالِمَ سَيَّالةٍ وكائناتٍ سَيَّارةٍ ودُنًى عابِرةٍ، في كلِّ يومٍ، في كلِّ سَنةٍ، في كلِّ عَ آوَازالَّذي هو بحُكْمِ يومٍ واحِدٍ.
حقًّا، كأنَّ الدُّنى ضُيُوفٌ عابِرةٌ أيضًا كالنّاسِ، فيَمتَلِئُ العالَمُ بأَمرِ الفاطِرِ الجَليلِ كلَّ مَوسِمٍ ويُخْلَى.
— 205 —
ثانيتُها:
مثالٌ:قولُه تَعالَى
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَودِ، لإِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ الأبَدفِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ..
وأَمثالُها مِنَ الآياتِ الكَريمةِ الَّتي تُفيدُ أنَّ الأَشياءَ جَميعَها وبأَحوالِها كلِّها، كُتِبَت وتُكتَبُ قبلَ وُجُودِها وبعدَ وُجُو الَّذوبعدَ ذَهابِها مِنَ الوُجُودِ.
نُبيِّنُ أمامَ الأَنظارِ ما يَأتي لِيَصِلَ القَلبُ إلى الِاطمِئنانِ: أنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ الجَليلَ سُبحانَه يُدْرِجُ فَهارِسَ وُجُودِ ما لا يُحَدُّ مِنَ المَخلُوقاتِ المُنَسَّقةِ َهِ اليخِ حَياتِها ودَساتيرِ أَعمالِها، يُدرِجُها إدْراجًا مَعنَويًّا مُحافِظًا علَيها في بُذُورِ تلك المَخلُوقاتِ ونُواها وأُصُولِها الَّتي يُبَدِّلُها في كلِّ مَوْسِمٍ، على صَحيفةِ ا الأَي كافّةً، ولا سِيَّما في الرَّبيعِ؛ كما أنَّه سُبحانَه يُدرِجُها بقَلَمِ القَدَرِ نَفسِه إدْراجًا مَعنَويًّا یی بعدَ زَوالِ تلك المَخلُوقاتِ وِجهةثَمَراتِها وفي بُذَيراتِها الدَّقيقةِ، حتَّى إنَّه سُبحانَه يَكتُبُ كلَّ ما هو رَطْبٌ ويابِسٌ مِن مَخلُوقاتِ الرَّبيعِ السّابقِ في بُذُورِها اللمَحَبدةِ الصَّلبةِ كِتابةً في غايةِ الإتقانِ، ويُحافِظُ علَيها في مُنتَهَى الِانتِظامِ، حتَّى لَكَأنَّ الرَّبيعَ بمَثابةِ زَهرةٍ واحِدةٍ وهي في مُنتَهَى التَّناسُقِ والإبداعِ، تَضَعُها ياةِ الَميلِ الجَليلِ على هامةِ الأَرضِ ثمَّ تَقطِفُها مِنها.
ولَمّا كانَتِ الحَقيقةُ هي هذه؛ ألَيسَ مِنَ العَجَبِ أن يَضِلَّ الإنسانُ أَعْجَبَ ضَلالةٍ، وهي إطلاقُه اسمَ الطَّبيعةِ على هذه الكِتابةِ الفِطرِيّةِ، وهذه الصُّورةِ البَدِيعةِ، و عَشْرحِكمةِ المُنفَعِلةِ المُسَطَّرةِ على وَجهِ الأَرضِ كافّةً والَّتي هي انعِكاسٌ لِتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ ما سُطِّیرَ في اللَّوحِ المَحفُوظِ الَّذي هو صَحِيفةهذه المِ القَدَرِ الإلٰهِيِّ! أَليسَ مِنَ العَجَبِ أن يَعتَقِدَ الإنسانُ بالطَّبيعةِ وأنَّها مُؤثِّرةٌ ومَصدَرٌ فاعِلٌ؟
أين الحَقيقةُ الجَلِيَّ إِلمّا يَظُنُّه أَهلُ الغَفلةِ؟ أين الثَّرَى مِنَ الثُّرَيَّا؟!
ثالثتُها:
إنَّ الُمخبِرَ الصّادِقَ (ص) قد صَوَّر یی مَثَلًا یی الم مِن مَ المُوَكَّلِين بحَملِ العَرْشِ،
— 206 —
وكذا حَمَلةَ الأَرضِ والسَّماواتِ، أو مَلائكةً آخَرين، بأنَّ لِلمَلَك أَربَعين أَلفَ رَأسٍ، في كلِّ رَأسٍ أَربَعُون أَلفَ لِسانٍ، كلُّ لِسانٍ يُسَبِّحُ بأَربَعين أَلفَ نَوعٍ مِن أَنواعُ، ومَُسبِيحاتِ. هذه الحَقيقةُ الرَّفيعةُ في أَمثالِ هذه الأَحادِيثِ الشَّريفةِ تُعَبِّیرُ عنِ انتِظامِ العِبادةِ وكُلِّیيَّتِها وشُمُولِها لَدَشَريةَلائكةِ، فلِأَجلِ الصُّعُودِ إلى هذه الحَقيقةِ السّامِيةِ نُبيِّنُ أمامَ الشُّهُودِ الآياتِ الكَريمةَ التّالِيةَ، ونَدعُو إلى التَّدَبُّرِ فيها، وهي:
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ إِن أنَّ خَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
وأَمثالُها مِنَ الآياتِ الجَليلةِ الَّتي تضاءِ وحُ أنَّ لِأَضخَمِ المَوجُوداتِ وأَكثَرِها سَعةً وشُمُولًا تَسبِيحًا خاصًّا مُنسَجِمًا مع عَظَمَتِه وكُلِّیيَّتِه؛ والأَمرُ واضِحٌ ومُشاهَدّةِ، إ السَّماواتُ الشّاسِعةُ مُسَبِّحةٌ للهِ، وكَلِماتُها التَّسبِيحيّةُ هي الشُّمُوسُ والأَقمارُ والنُّجُومُ، كما أنَّ الأَرضَ الطّائرةَ في جَوِّ السَّماءِ مُسَبمِن ثلحامِدةٌ للهِ، وأَلفاظُها التَّحمِيدِيّةُ هي الحَيَواناتُ والنَّباتاتُ والأَشجارُ.
بمَعنَى أنَّ لِكُلِّ شَجَرةٍ ولِكُلِّ نَجْمٍ تَسبِيحاتُه الجُزئيّةُ الخاصّةُ به، مِثلَما أنَّ للأَرضِ بِرُمَّتِها تَسبِيحاتِها الخاصّةَ بها؛ فهي تَنَوَّرتٌ كُلِّیيّةٌ تَضُمُّ تَسبِيحاتِ كلِّ جُزءٍ وقِطعةٍ مِنها بل كلِّ وادٍ وجَبَلٍ وكُلِّ بَحْرٍ وبَیرٍّ فيها. فكما أنَّ للأَرضِ تَسبِيحاتِها بأَجزائِها وكُلِّیيَّتِها كذلك للسَّماواتِ والأَبراجِ والأَفلاكِ تَسبِيحاتُهاي كان ِّیيّةُ.
فهذه الأَرضُ الَّتي لها أُلُوفُ الرُّؤُوسِ، ومِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ الأَلسِنةِ لكُلِّ رَأسٍ، لا شَكَّ أنَّ لها مَلَكًا مُوَكَّلًا بها يُناسِبُها، يُتَرجِمُ أَزاهِيرَ تَسبِيحاتِ كُلِّ لِسانٍ وثَالمُخَ تَحمِيداتِه الَّتي تَربُو على مِئةِ أَلفِ نَمَطٍ مِن أَنماطِ التَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ، يُتَرجِمُها ويُبَيِّینُها في عالَمِ المِثالِ، ويُنَّ وَُها ويُعلِنُ عنها في عالَمِ الأَرواحِ.. إذ لَو دَخَلَت أَشياءُ مُتَعدِّدةٌ في صُورةِ جَماعةٍ أو مَجمُوعةٍ، لَتَشَكَّلَتْ لها شَخصِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ، وإذا امتَ التَّتلك المَجمُوعةُ واتَّحَدَت، تكُونُ لها شَخصِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ تُمثِّلُها، ونَوعٌ مِن رُوحِها المَعنَويّةِ، ومَلَكٌ مُوَكَّلٌ يُؤَدِّي وَظِيفَتَها التَّسبِيحِيّةَ.
فانظُر مثلًا إلى هذه الشَّجَرةِ المُنتَصِبةِ أمامَلْأَىَتِنا، وهي شَجَرةُ الدُّلْبِ ذاتُ
— 207 —
الأَغصانِ الثّلاثةِ؛ فهي تُمَثِّیلُ كَلِمةً عَظِيمةً يَنطِقُ بها لِسانُ هذا الجَبَلِ المَوجُودِ في فَمِ "بارلا"، ألا تَرَى كم مِن مِئاتِ أَلسِنةِ الأَغصانِ لكلِّ رَأْسٍ مِن رُؤُوسِ اايةَ لرةِ الثّلاثةِ، وكم مِن مِئاتِ ثَمَراتِ الكَلِماتِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ في كلِّ لِسانٍ؟ وكم مِن مِئاتِ حُرُوفِ البُذَيراتِ المُجَنَّحةِ في كلِّ ثَمَرةٍ ا فيهالثَّمَراتِ؟ ألا يُسَبِّحُ كلٌّ مِن تلك الرُّؤُوسِ والأَلسِنةِ لِمالِكِ المُلْكِ الَّذي له أَمرُ كُنْ فَيَكُونُ؟ ألَا يُسَبِّحُ بكَلامٍ فَصِيحٍ، وبثَناءٍ بَلِيغٍ واضِحإنسانَِى إنَّك تُشاهِدُ تَسبِيحاتِها وتَسمَعُها؟!
فالمَلَكُ المُوَكَّلُ بها أيضًا يُمَثِّیلُ تلك التَّسبِيحاتِ في عالَمِ المَعنَى بأَلسِنةٍ مُتَعدِّدةٍ.
بلَِرضِ ممةُ تَقتَضي أن يكُونَ الأَمرُ هكذا!
رابعَتُها:
مثلًا:قولُه تَعالَى:
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ وَنَح أَهلَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
وأَمثالُ هذه الآياتِ الكَريمةِ ااءَها تُعَبِّیرُ عنِ الحَقيقةِ السّامِيةِ الآتِيةِ، وهي: أنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى، القَدِيرَ على كلِّ شيءٍ، يَخلُقُ الأَشياءَ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ في سُرعةٍ مُطلَقةٍ دُونَ أَيّةِ مُعالَجةٍ أو مُباشَرةٍ، حتَّى تَبدُوَ الأَشيابِسٍ نَّها تُوجَدُ بمُجَرَّدِ الأَمرِ.
ثمَّ إنَّ ذلك الصَّانِعَ الجَليلَ قَريبٌ جِدًّا إلى المَصنُوعاتِ، بَينَما المَصنُوعاتُ بَعيدةٌ عنه غايةَ البُعدِ؛ ثمَّ إنَّه سُبحانَه معَ كِبرِيائِه المُطلَقِ، لا يَدَعُنْ آوَرَ الأَشياءِ وأَكثَرَها جُزئيّةً وخِسَّةً خارِجَ إتقانِه!
هذه الحَقيقةُ القُرآنيةُ يَشهَدُ لها جَرَيانُ الِانتِظامِ الأَكمَلِ في المَمَخْفيتِ وبسُهُولةٍ مُطلَقةٍ، كما أنَّ التَّمثِيلَ الآتِيَ بَيَّنَ سِرَّ حِكمَتِها: فمثلًا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی: إنَّ الوَظائفَ الَّتي قَلَّدَها الأَمرِحُها َبّانِيُّ والتَّسخِيرُ الإلٰهِيُّ للشَّمسِ الَّتي تُمَثِّیلُ مِرآةً كَثيفةً لِاسمِ النُّورِ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، تُقَیرِّبُ هذه الحَقيقةَ إلى الفَهْمِقابٍ؟ك أنَّه معَ عُلُوِّ الشَّمسِ ورِفْعَتِها، قَرِيبةٌ جِدًّا مِنَ المَوادِّ الشَّفّافةِ واللّامِعةِ، بل إنَّها أَقرَبُ إلى ذَواتِ
— 208 —
تلك الأَشياءِلخَيرَِنفُسِها. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ الشَّمسَ تَجعَلُ الأَشياءَ تَتأثَّرُ بها بجَلَواتِها وبضَوئِها وبجِهاتٍ أُخرَى شَبِيهةٍ بالتَّصَرُّفِ فيها، إلّا أنَّ تلك المَوادَّ الشَّفّافةَ بَعِيدةٌ عنها بأُلُوفِ اِمرارٍنَ، فلا تَستَطيعُ أن تُؤَثِّرَ فيها قَطعًا، بل لا يُمكِنُها ادِّعاءُ القُرْبِ مِنها.
وكذا يُفهَمُ مِن رُؤيةِ انعِكاسِ ضَوْءِ الشَّمسِ وما يُشبِهُ صُورَتَها مِن كلِّ ذَرّةٍ شَفّافةٍ حَسَْقةً، ِلِيَّتِها ولَونِها: أنَّ الشَّمسَ كأنَّها حاضِرةٌ في كلِّ ذَرّةٍ مِنها، وناظِرةٌ أينَما بَلَغَتْ أَشِعَّتُها؛ وكذا فإنَّ نُفُوذَ أَشِعّةِ الشَّمسِ وشُمُولَها وإحاطَتَها تَزدادُ بعِظَمِ نُورانِيَّتِها؛ فعَظَمةُ النُّورانيّةِ هي الَّتي تَيةَ:
كلَّ شيءٍ داخِلَ إحاطَتِها الشّامِلةِ حتَّى لا يَستَطيعُ شيءٌ مهما صَغُرَ أن يَختَبِئَ عنها أو يَهرُبَ مِنها؛ أي: إنَّ عَظَمةَ كِبْرِيائِها لا تَرمِي إلى الخارِج حتَّى الأَشياءَ الصَّغيرةَ الجُزئيّةَ، بلِ العكسُ هو الصَّحيحُ، أي: أنِه: دَِضُمُّ جَميعَها بسِرِّ النُّورانيّةِ ضِمنَ دائرةِ إحاطَتِها.
فلو فَرَضْنا الشَّمسَ یی فَرْضًا مُحالًا یی أنَّها فاعِلةٌ مُختارةٌ فيما نالَت مِن وَظائفَ وجَلَواتٍ، فإنَّنا نَستَطيعُ أن نَتَصوَّرلمُخلِ أَفعالَها تَسرِي بإذنٍ إلٰهِيٍّ في مُنتَهَى السُّهُولةِ ومُنتَهَى السُّرعةِ ومُنتَهَى السَّعةِ والشُّمُولِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى القَطَراتِ، وإلى وَجْهِ البَحرِ وإلى الكَواكِبِ السَّيّارةِ، فتكُونُ الذَّرّةُ والكَوكَبُ السَيّارُك هو بانِ تِجاهَ أَمرِها، إذِ الفَيضُ الَّذي تَبُثُّه إلى سَطحِ البَحرِ تُعطِيه بانتِظامٍ كامِلٍ أيضًا للذَّرّةِ الواحِدةِ حَسَبَ قابلِيَّتِها.
فهذه الشَّمسُ الَّتي هي فُقاعةٌ صَغيرةٌ جِدًّا مُضِيئةٌ لَمَّاعةٌ على سَطحِ بَحرِ السَّماء كلِّ مِرآةٌ صَغيرةٌ كَثيفةٌ تَعكِسُ تَجَلِّيَ اسمِ النُّورِ للقَديرِ على كلِّ شيءٍ.. هذه الشَّمسُ تُبيِّنُ نَماذِجَ الأُسُسِ الثَّلاثةِ لهذه الحَقيقةِ القُرآنيّةِ، إذ لا شَكَّ أنَّ ضَوءَ الشلأَوقاوحَرارَتَها كَثيفةٌ كَثافةَ التُّرابِ بالنِّسبةِ لِعِلمِ وقُدرةِ مَن هو نُورُ النُّورِ ومُنَوِّرُ النُّورِ ومُقَدِّرُ النُّورِ.
فذلك الجَميلُ الجَليلُ إذًا قَريبٌ إلى ِن هذهيءٍ قُرْبًا مُطلَقًا بعِلمِه وقُدرَتِه، وهو حاضِرٌ عِندَه وناظِرٌ إلَيه، بَينَما الأَشياءُ بَعِيدةٌ عنه بُعْدًا مُطلَقًا؛ وإنَّه يَتَصرَّفُ في الأَشياءِ بلا تَكَلُّفٍ ولا مُعالَجةٍ، وفي سُهُولةٍ مُطلَقةٍ مِن اُ يُفهَمُ أنَّه يَأْمُرُ یی مُجرَّدَ الأَمرِ یی والأشياءُ تُوجَدُ بيُسْرٍ وسُرعةٍ مُطلَقَينِ، وأنَّه ليس هناك شيءٌ مَهما كان جُزئيًّا أَيْ عَِیيًّا، صَغيرًا أو كَبيرًا، خارِجَ دائرةِ قُدرَتِه، وبَعِيدًا عن إحاطةِ كِبْرِيائه جَلَّ جَلالُه. هكذا نَفهَمُ، وهكذا نُؤمِنُ إيمانًا يَقينِيًّا وبدَرَجةِ الشُّهُودِ، بل يَنبَغي أن نُؤمِنَ هكذا.
— 209 —
خامِسَتُها:
إنَّ أَمثالَ الآياتِالمُعجيمةِ التّاليةِ تُبيِّنُ عَظَمَتَه سُبحانَه وتَعالَى وكِبْرِياءَه المُطلَقَينِ: فابتِداءً مِن قَولِه تَعالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينادِه إلى قَولِه تَعالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، ومِن قَولِه تَعالَى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ َوِيّة عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ إلى قَولِه تَعالَى: يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، ومِن قَولِه تَعالَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلى قَولِه تَعالَى: خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونلمُنطَِن قَولِه تَعالَى: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إلى قَولِه تَعالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.. هذه الآياتُ الجَليلةُ تُبيِّنُ إحاطةَ حُُ الَّعَظَمةِ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه وكِبْرِياءَ أُلُوهِيَّتِه بكُلِّ شيءٍ.. هذا السُّلطانُ الجَليلُ، سُلطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ يُهَدِّدُ بشِدّةٍ ويُعَنِّفُ ويَزجُرُ ويَتَوعَّدُ هذا الإنسانَ الَّذي هو في مُنتَهَى العَجُْعَ النتَهَى الضَّعفِ ومُنتَهَى الفَقْرِ، والَّذي لا يَملِكُ إلّا جُزءًا ضَئِيلًا مِن إرادةٍ اختِياريّةٍ وكَسْبًا فقط، فلا قُدرةَ له على الإيجادِ قَطعًا.
والسُّؤالُ الوارِدُ هو:ما أَساسُ الحِكمةِ الَّتي تُبنَى ِناءِ تلك الزَّواجِرُ والتَّهديداتُ المُرعِبةُ والشَّكاوَى القُرآنيّةُ الصّادِرةُ مِن عَظَمَتِه الجَليلةِ تِجاهَ هذا الإنسانِ الضَّعيفِ، وكيفَ يَتِمُّ الِانسِجامُ والتَّوفيقُ بَينَهما؟
أَقُولُ: لِأَجلِ بُلُوغِ الِاطمِئنانِ القَلبِيِّ، الفَحْ إلى هذه الحَقيقةِ العَميقةِ جِدًّا والرَّفيعةِ جِدًّا في الوَقتِ نَفسِه مِن زاوِيةِ المِثالَينِ الآتِيَينِ:
المِثالُ الأَوَّلُ:
بُستانٌ عَظيمٌ جِدًّا يَحوِي ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الأَثمارِ اليانِعةِ وايعِ اليرِ الجَميلةِ، عُيِّنَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنَ العامِلين والمُوَظَّفين للقِيامِ بخِدْماتِ تلك الحَديقةِ الزّاهِرةِ؛ إلّا أنَّ المُكَلَّفَ بفَتحِ المَنفَذِ الَّذي يَجرِي مِنه الماءُ للشُّربِ وسَقْيِ البُستانِ، تَكاسَلَ عن أَداءِ مك الأَتِه ولم يَفتَحِ المَنفَذَ، فلم يَجْرِ الماءُ، بمَعنَى أنَّه أَخَلَّ بكُلِّ ما في البُستانِ أو تَسَبَّبَ في جَفافِه!
— 210 —
وعندَها فإنَّ لِجِعةُ كالعامِلين في البُستانِ، ولِنَظارةِ الشُّهُودِ المَلَكيِّ لِلسُّلطانِ حَقَّ الشَّكوَى مِن ذلك العامِلِ المُتَقاعِسِ عنِ العَمَلِ، فَضلًا عن شَكاوَى الصَّنْعةِ الرَّبّانيّةِ للخالِقِ الكَريمِ، بل حتَّى للتُّرابِ والهَواءِ والضِّياءِ حَقُّ الشَلائكة مِن ذلك العامِلِ الكَسلانِ، لِما سَبَّبَ مِن بَوارِ مُهِمّاتِهم وعُقْمِ خِدْماتِهم أو إِخلالٍ بها على الأَقَلِّ!
المِثالُ الثّاني:
سَفِينةٌ عَظِيمةٌ سُبْحَطانِ، إن تَرَك فيها عامِلٌ بَسِيطٌ وَظِيفَتَه الجُزئيّةَ، فسيُؤَدِّي تَرْكُه هذا إلى إخلالِ نَتائجِ أَعمالِ جَميعِ العامِلِين في السَّفِينةِ وإهدارِها؛ لِأَجلِ ذلك فإنَّ صاحِبَ السَّفينةِ، یی وهو السُّلطانُ العَظيمُ حَقيقةهَدِّدُ ذلك المُقَصِّرَ تَهديدًا شَديدًا باسمِ جَميعِ العامِلِين في السَّفينةِ، في حينِ لا يَقدِرُ ذلك المُقَصِّرُ على القَولِ: مَن أنا حتَّى أَستَحِقَّ كلَّ هذا التَّهديدِ المُرَوِّعِ؟! وما عَمَلي إلّا إهمالٌ تافِهٌ جُزئيٌّ! ذلك لامِ الَدَمًا واحِدًا يُؤَدِّي إلى ما لا يَتَناهَى مِن أَنواعِ العَدَمِ، بَينَما الوُجُودُ يُثمِرُ ثَمَراتٍ حَسَبَ نَوعِه، لأنَّ وُجُودَ الشَّيءِ يَتَوقَّفُ على وُجُودِ جَميعِ الأَسبابِ والشُّرُوطِ، بَينَما انعِدامُ ذلك الشَلِمتُوانتِفاؤُه مِن حيثُ النَّتيجةُ إنَّما هو بانتِفاءِ شَرطٍ واحِدٍ فقط وبانعِدامِ جُزءٍ مِنه.
ومِن هنا غَدَا "التَّخريبُ أَسهَلُ مِنَ التَّعميرِ" دُستُورًا مُتَعارَفًا لَدَى النّاسِ، ولَمَّا كانَت أُأنْ لالكُفرِ والضَّلالِ والطُّغيانِ والمَعصِيةِ، إنكارًا ورَفضًا وتَركًا للعَمَلِ وعَدَمَ قَبُولٍ، فصُورَتُها الظّاهِريّةُ مَهْمَا بَدَتْ إيجابِيّةً وذاتَ وُجُودٍ، إلّا أنَّها في حَقِيقَمِن حَنتِفاءٌ وعَدَمٌ، لذا فهي جِنايةٌ سارِيةٌ.
فهذه الأُمُورُ مِثلَما تُخِلُّ بنَتائجِ أَعمالِ المَوجُوداتِ كافّةً، فإنَّها تُسدِلُ سِتارًا أمامَ التَّجَلِّياتِ الجَمالِيّةِ للأَسَافِلالحُسنَى وتَحجُبُها عنِ الأَنظارِ.
وهكَذا، فالمَوجُوداتُ لها حَقُّ الشَّكوَى بلا حُدُودٍ، وأنَّ سُلطانَها الجَليلَ يُهَدِّدُ باسمِها هذا الإنسانَ العاصِيَ ويَزجُرُه أَشَدَّ الزَّجْرِ؛ وهذا هو عَينُ الحِكمةِ، لأنَّ ذلك العاصِيَ يَستَحِقُّ بلَدُ مٍِ ذلك التَّهديدَ الرَّهيبَ كما يَستَحِقُّ أنواعًا مِنَ الوَعيدِ المُرْعِبِ.
٭ ٭ ٭
— 211 —
خاتمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
(ّةٍ
#6لعِبرة وصَفعةٌ قويّةٌ على رأسِ الغَفلةِ)
يا نَفسِي.. أيَّتُها السّادِرةُ في الغَفلةِ.. يا مَن تَرَينَ هذه الحَياةَ حُلْوةً لَذِيذةً فتَطلُبِين الدُّنيا وتَنسَيْنَ الآخِرةَ.. هل تَدرِينَ ماذا تُشْبِهِينَ؟ إنَّكِ لَتُشبِهينَ ايَّنًامةَ.. تلك الَّتي تَرَى الصَّيّادَ فلا تَستَطِيعُ الطَّيَرانَ، بل تُقحِمُ رَأْسَها في الرِّمالِ تارِكةً جِسمَها الضَّخمَ في الخارِجِ ظَنًّا مِنها أنَّ الصَّيّادَ لا يَراها، إلّا أنَّ الصَّيّادَ يَرَى، ولكِنَّها ه وفي سَها الَّتي أَطْبَقَتْ جَفْنَيها تحتَ الرِّمالِ فلم تَعُدْ تَرَى!
فيا نَفسِي.. انظُرِي إلى هذا المِثالِ وتَأَمَّلي فيه، كيفَ أنَّ حَصْرَ النَّظَرِ كُلِّه في الدُّنيا يُحَوِّلُ اللَّذّةَ الحُلوةَ إلى أَلَمٍ مَريرٍ!
هَبْ أنَّه ثَوابه القَريةِ "بارلا" رَجُلانِ اثنانِ: أَحَدُهما قد رَحَلَ تِسعةٌ وتِسعُون بالمِئةِ مِن أَحِبَّتِه إلى إسطَنبُولَ وهم يَعِيشُون هناك عِيشةً طَيِّبةً جَميلةً، ولم يَبْقَ مِنهم هُنا سِوَى شَخصٍ واحِ تلك ا، وهو أيضًا في طَرِيقِه إلى الِالتِحاقِ بهم، لذا فإنَّ هذا الرَّجُلَ مُشتاقٌ إلى إسطَنبُولَ أَشَدَّ الِاشتِياقِ بل يُفَكِّرُ بها، ويَرغَبُ في أن يَلتَقِيَ الأَحبابَِيمَة ا.. فلو قِيلَ له في أيِّ وَقتٍ مِنَ الأَوقاتِ: "هَيَّا اذْهَبْ إلى هُناك"، فإنَّه سيَذهَبُ فَرِحًا باسِمًا..
أمَّا الرَّجُلُ الثّانلَهَا رَحَلَ مِن أَحِبَّتِه تِسعةٌ وتِسعُون بالمِئةِ، ويَظُنُّ أنَّ بَعضَهم فَنِيَ، ومِنهم مَنِ انزَوَى في أَماكِنَ لا تُرَى، فهَلَكُوا وتَفَرَّقُوا حَسَبَ ظَنَلْنا هذا الرَّجُلُ
— 212 —
المِسكِينُ ذُو داءٍ عُضالٍ يَبحَثُ عن أَنيسٍ وعن سُلْوانٍ حتَّى عندَ سائِحٍ واحِدٍ، بَدَلًا مِن أُولئك جَميعًا، ويُريدُ أن يُغَطِّيَ به على أَلَمِ الفِراقِ الشَّديدِ.
فيا نَفسِي.. إنَّ أَحِعائليِّ كُلَّهم، وعلى رَأْسِهم وفي مُقَدِّمَتِهم حَبِيبُ اللهِ (ص)، هُمُ الآنَ في الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ القَبْرِ، فلم يَبْقَ هنا إلّا واحِدٌ أوِ اثنانِ، وهَى الما مُتَأَهِّبُون للرَّحِيلِ؛ فلا تُدِيرِنَّ رَأسَكِ جَفِلةً مِنَ المَوتِ، خائِفةً مِنَ القَبْرِ، بل حَدِّقي في القَبْرِ وانظُرِي إلى حُفرَتِه بشَهامةٍ واستَمِعي إلى ما يَطلُبُ، وابتَسِمِي بوَجهِ المَوتِ برُجُولةٍ، وا اسْت ماذا يُريدُ؟ وإيّاكِ أن تَغفُلي فتَكُوني أَشْبَهَ بالرَّجُلِ الثّاني!
يا نَفسِي.. لا تَقُولي أَبَدًا بأَنَّ الزَّمانَ قد تَغَيَّر، وأنَّ العَصرَ قد تَبَدَّلَ، وأنَّ النّاسَ قَسماهاَمَسُوا في الدُّنيا وافتُتِنُوا بحَياتِها، فهم سُكارَى بهُمُومِ العَيشِ.. ذلك لأنَّ المَوتَ لا يَتغَيَّیرُ، وأنَّ الفِراقَ لا يَنقَلِبُ إلى بقاءٍ فلا يدٍ عَظَیرُ أيضًا، وأنَّ العَجْزَ الإنسانِيَّ والفَقْرَ البَشَريَّ هما أيضًا لا يَتَغيَّرانِ بل يَزدادانِ، وأنَّ رِحلةَ البَشَريّةِ لا تَنقَطِعُ، بل تَحُثُّ السِّ الإلتَمضِي.. ثمَّ لا تَقُولي كذلك: "أنا مِثلُ كلِّ النّاسِ"، ذلك لأنَّه ما مِن أَحَدٍ مِنَ النّاسِ يُصاحِبُكِ إلّا إلى عَتَبةِ بابِ القَبْرِ.. لا غَيرُ، ولو ذَهَبْتِ تَنشُدِينَ المُشلوانَ فيما يُقالُ عن مُشارَكةِ الآخَرين معَكِ في المُصيبةِ ومَعِيَّتِهم لك، فإنَّ هذا أَيضًا لا حَقيقةَ له ولا أَساسَ مُطلَقًا في الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ القَبْرِ!
رَضَه تَظُنِّي نَفسَكِ سارِحةً مُفلَتةَ الزِّمامِ، ذلك لأنَّكِ إذا ما نَظَرْتِ إلى دارِ ضِيافةِ الدّنيا هذهِ نَظَرَ الحِكمةِ والرَّوِيّةِ.. فلن تَجِدِي شَيئًا بلا نِظامٍ ولا غايةٍ، فكيفَ تَبقَيْنَ إذًا وَحْدَك بلابِهِ أٍ ولا غايةٍ؟! فحتَّى الحَوادِثُ الكَونيّةُ والوَقائعُ مِن أَمثالِ الزَّلازِلِ لَيسَت أُلعُوبةً بِيَدِ الصُّدفةِ.
فمثلًا:في الوَقتِ الَّذي تُشاهِدِين فيه أنَّ الأَرضَ قد أُلبِسَت حُلَلًا مُزَركَشةً بَعضُها فوقَ بعضٍ وسَكينِفًا بعضُها البَعضَ الآخَرَ مِن أَنواعِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ في مُنتَهَى النِّظامِ وفي غايةِ النَّقْشِ والجَمالِ، وتَرَيْنَها مُجَهَّزةً كلَّها مِن قِمّةِ الرَّأْسِ إلى الَّذيِ القَدَمِ بالحِكَمِ، ومُزَيَّنةً بالغاياتِ؛ وفي الوَقتِ الَّذي تَدُورُ بما يُشبِهُ جَذبةَ
— 213 —
حُبٍّ وشَوقٍ مَولَوِيّةٍ بكَمالِ الدِّقّةِ والنِّظامِ ضِمنَ غاياتٍ سامِيةٍ.. ففي الوَقتِ الَّذي تَشهَدِين هذا، وتَعلَمِين ذلك، فكيف يَسُوغُ إلَّا ن تكُونَ الزَّلْزَلةُ الشَّبِيهةُ بهَیزِّ عِطْفِ كُرةِ الأَرضِ (حاشية): كُتِبَ البَحثُ بمُناسَبةِ الزِّلزالِ الذي حَدَث في إزْمِير. مُظهِرةً بها عَدَمَ رِضاها عن ثُقْلِ أَشبَقِ المَعنَوِيِّ النّاشِئِ مِن أَعمالِ البَشَرِ، ولا سِيَّما أَهلِ الإيمانِ مِنهم، كيف يُمكِنُ أن تكُونَ تلك الحادِثةُ الحَيَويّةُ المَلِيئةُ بالمَوتِ، بلا قَصدٍ ولا ي إلّا كما نَشَرَه مُلحِدٌ ظَینًّا مِنه أنَّها مُجَرَّدُ مُصادَفةٍ، مُرتَكِبًا بذلك خَطَأً فاحِشًا، ومُقتَرِفًا ظُلمًا قَبِيحًا؟ إذ صَيَّرَ جَميعَ ما فَقَدَه المُصابُون مِن أَموالٍ وأَرومِّ أَباءً مَنثُورًا، قاذِفًا بهم في يَأْسٍ أَليمٍ.. والحالُ أنَّ مِثلَ هذه الحَوادِثِ تَدَّخِرُ دائمًا أَموالَ أَهلِ الإيمانِ، مُحَوِّلةً إيّاها بأَمرِ الحَكيمِ الرَّحيمِ أو بََدَقةٍ لهم، وهي كَفَّارةٌ لِذُنُوبٍ ناشِئةٍ مِن كُفرانِ النِّعَمِ.
فلَسَوف يأتي ذلك اليَومُ الَّذي تَجِدُ فيه الأَرضُ المُسَخَّرةُ وَجْهَها المُزَيَّنَ بآثارِ البَشَرِيّةِ، دَمِيمًا قَبِيحًا ِّیيًّطِّخَ مِن شِرْكِ أَعمالِ البَشَرِ وما لُوِّثَ مِن كُفرانِهم، فتَمسَحُ عِندَئذٍ وَجْهَها بزَلْزَلةٍ عَظِيمةٍ بأَمرِ الخالِقِ، وتُطَهِّیرُه مُفْرِغةً أَهلَ الشِّركِ بأَمرِ اللهِ في جَهَنَّمَ، و الصًَّ أَهلَ الشُّكرِ: "هَيّا تَفَضَّلوا إلى الجَنّةِ".
٭ ٭ ٭
— 214 —
ذيل الكلمة الرّابعةَ عَشْرةَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ٭ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَاةَ تَت٭ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ٭ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ٭ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا
إلى آخِرِ السُّورة.
هذه السُّورةُ الجَليلةُ ه غَلَنُ بَيانًا قاطِعًا أنَّ الأَرضَ في حَرَكاتِها وزِلْزالِها، وحتَّى في اهتِزازاتِها أحيانًا، إنَّما هي تحتَ أَمرِ اللهِ ووَحْيِه.. لقد وَرَدَتْ إلى القَلبِ أَجوِبةٌ یی بمُعاوَنةِ تَنبِيهٍ مَعنَوِيٍّ یی عن بِضعةتَمتِعِلةٍ تَدُورُ حَولَ الزِّلزالِ الَّذي حَدَثَ حالِيًّا، ورَغمَ أنِّي عَزَمتُ على كِتابةِ تلك الأَجوِبةِ كِتابةً مُفَصَّلةً عِدّةَ مَرّاتٍ، فلم يُؤذَنْ لي، لَبْرُ كتَبُ مُختَصَرةً ومُجمَلةً.
السُّؤالُ الأوَّلُ:
لقد أَذاقَت هذه الزَّلزَلةُ العَظِيمةُ النّاسَ مُصِيبةً مَعنَوِيّةً أَدهَى مِن مُصِيبَتِها المادِّيّةِ الفَجِيعَ الوِك هي الخَوفُ والهَلَعُ واليَأْسُ والقُنُوطُ الَّتي استَوْلَت على النُّفُوسِ، حيثُ إنَّها استَمَرَّت ودامَت حتَّى سَلَبَتْ راحةَ أَغلَبِ النكُورُ َيلًا، وعَمَّ القَلَقُ والِاضطِرابُ أَغلَبَ مَناطِقِ البِلادِ.. تُرَى ما مَنشَأُ هذا العَذابِ الأَليمِ وما سَبَبُه؟
بمُعاوَنةِ تَنبِيهٍ مَعنَوِيٍّ كذلك، كان الجَوابُ هو الآتِيَ: إنَّ ما يُقتَرَفُ في أَرجاءِ هذه البِلادِ الَّتي كانَت م فهو أا طَيِّیبًا للإِسلامِ، مِن مُجُونٍ وعَرْبَدةٍ جِهارًا نَهارًا، وفي شَهرٍ مُبارَكٍ جَليلٍ كشَهرِ رَمَضانَ، وفي أَثناءِ إقامةِ صَلَواتِ التَّراويحِ، وإِسماعَ النّاسِ أَغانِيَ مُثِيرةً وأَحيانًا بأَصواتِ نِس الدَُّبْرَ المِذْياعِ وغيرِه.. قد وَلَّدَ إذاقةَ عَذابِ الخَوفِ والهَلَعِ هذا.
السُّؤالُ الثّاني:
لِماذا لا يَنزِلُ هذا العَذابُ الرَّبّانِيُّ والتَّأدِيبُ الإلٰهِيُّ ببِلادِ لا تَتِ والإلحادِ، ويَنزِلُ بِهؤلاءِ المَساكِينِ المُسلِمين الضُّعَفاءِ؟
— 215 —
الجَوابُ:مِثلَما تُحالُ الجَرائمُ الكَبِيرةُ إلى مَحاكِمِ جَزاءٍ كُبًْا كبيتُعهَدُ إلَيها عُقُوبَتُها بالتَّأخِيرِ، بَينَما تُحْسَمُ الجِناياتُ الصَّغيرةُ والجُنَحُ في مَراكِزِ الأَقضِيةِ والنَّواحي؛ كذلك فإنَّ القِسمَ الأَعظَمَ مِن عَ قُدوتِ أَهلِ الكُفرِ وجَرائمِ كُفرِهم وإلحادِهم يُؤَجَّلُ إلى المَحكَمةِ الكُبْرَى في الحَشرِ الأَعظَمِ، بَينَما يُعاقَبُ أَهلُ الإيمانِ على قِسمٍ مِن خَعلاناتِهم في هذه الدُّنيا، وذلك بمُقتَضَى حِكمةٍ رَبّانيّةٍ مُهِمّةٍ.
(حاشية): وكَذا فَإنَّ تركَ الرُّوسِ وأمثالِهم دِينًا مُحرَّفًا ومنسُوخًالشُّكرانَتَهم به لا يَمَسُّ غَيرةَ الله، مِثلَما تَمَسُّها الِاستِهانةُ بدِينٍ حقٍّ خَالدٍ وغيرِ قابلٍ للنَّسخِ.. لذا تُمهِلُ الأرضُ أُولئك وتَغضَبُ عَلىُّ والء.
السُّؤالُ الثالثُ:
لِماذا تَعُمُّ هذه المُصِيبةُ البِلادَ كلَّها، عِلمًا أنَّها مُصِيبةٌ ناجِمةٌ مِن أَخطاءٍ يَرتَكِبُها بعضُ النّاسِ؟
الجوابُ:إنَّ أَغلَبَ النّاسِ يكُونُون مُشتَرِكين معَ أُولَئك الاةٍ وَ الظَّلَمةِ، إمّا مُشارَكةً فِعلِيّةً، أوِ التِحاقًا بصُفُوفِهم، أوِ الْتِزامًا بأَوامِرِهم، أي: يكُونُون معَهم مَعنًى، مِمّا يُكسِبُ المُصِيبةَ صِفةَ العُمُوميّةِ، إذ تَعُمُّ المُصِيبةُ بُومَ اي الأَكثَرِيّةِ.
السُّؤال الرّابع:
ما دامَت هذه الزَّلزَلةُ قد نَشَأَت مِنِ اقْتِرافِ الخَطايا والمَفاسِدِ، ووَقَعَت كَفّارةً للذُّنوبِ، فلِماذا تُصِدِها، أَبرِياءَ إذًا، ويَحتَرِقُون بِلَظاها وهم لم يَقْرَبُوا الخَطايا والذُّنُوبَ، وكيف تَسمَحُ العَدالةُ الرَّبّانيّةُ بهذا؟
وكذلك بمُعاوَنةِ تَنبِيهٍ مَعنَوِيٍّ كانالجوابُ هوالآتِيَ: إنَّ هذه المَسأ بوَظاُتَعلِّقةٌ بسِرِّ القَدَرِ الإلٰهِيِّ، لذا نُحِيلُها إلى "رِسالةِ القَدَرِ"، ونَكتَفي بالآتي: قال تَعالَى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ َتَخلّينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وسِرُّ هذه الآيةِ ما يأتي:
إنَّ هذه الدُّنيا دارُ امتِحانٍ واختِبارٍ، ودارُ مُجاهَدةٍ وتَكليفٍ، والِاختِبارُ والتَّكليفُ يَقتهِيةٍ ِ أن تَظَلَّ الحَقائقُ مَستُورةً ومَخفِيّةً، كي تَحصُلَ المُنافَسةُ والمُسابَقةُ، ولِيَسْمُوَ
— 216 —
الصِّدِّيقُون بالمُجاهَدةِ إلى أَعلَى عِلِّيِّين معَ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ولِيَتَردَّى الكَذّابُون إلى أَسفلِ سافِلِين معبوابُ جَهْلٍ؛ فلو سَلِمَ الأَبرِياءُ مِنَ المُصِيبةِ ولم يَمَسَّهم سُوءٌ ولا أَذًى، لَأَصْبَح الإيمانُ بَدِيهيًّا، أي: لَاستَسْلَمَ الكُفّارُ عَجزِيمِنُون معًا على حَدٍّ سَواءٍ، ولَانتَفَى التَّكلِيفُ وانسَدَّ بابُه، ولم يَبْقَ سَبِيلٌ إلى الرُّقِيِّ والسُّمُوِّ في مَراتِبِ الإيمانِ.
فما دامَتِ المُصِيبةُ تُصِيبُ كلًّا مِاهِي وّالِمين والمَظلُومين معًا، وَفْقَ الحِكمةِ الإلٰهِيّةِ، فما نَصِيبُ أُولَئك المَظلُومين مِنَ عَدالةِ اللهِ ورَحمَتِه الواسِعةِ؟
الجوابُ:إنَّ هناك تَجَلِّیيًا للرَّحمةِ في ثَنايا ذلك الغَضَبِ والبَلاَخلُوقنَّ أَموالَ أُولَئك الأَبرِياءِ الفانِيةَ ستُخَلَّدُ لهم في الآخِرةِ، وتُدَّخَرُ صَدَقةً لهم، أمّا حَياتُهُمُ الفانِيةُ فتَتَحوَّلُ إلى حياةٍ "فِكرٍُ بما تَكسِبُ نَوعًا مِنَ الشَّهادةِ.. أي: إنَّ تلك المُصِيبةَ والبَلاءَ بالنِّسبةِ لِأُولَئك الأَبرِياءِ نَوعٌ مِن رَحمةٍ إلٰهِيّةٍ ضِمنَ عذابٍ أَليمٍ مُؤقَّتٍ، حيثُ تَمنَحُ لهم بمَشَقّةٍ وعَذابٍ مُؤَقَّتَينِ وقَلِيلَينِ نُِنُودِا، غَنِيمةً دائِمةً وعَظِيمةً.
السُّؤالُ الخامسُ:
إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى، وهو العادِلُ الرَّحيمُ، والقَديرُ الحَكيمُ، لا يُجاا يَشعذُّنُوبَ الخاصّةَ بعُقُوباتٍ خاصّةٍ، وإنَّما يُسَلِّطُ عُنصُرًا جَسِيمًا كالأَرضِ، للتَّأدِيبِ والعِقابِ؛ فهل هذا يُوافِقُ شُمُولَ قُدرَتِه وجَمالَ رَحمَتِه سُبحانَه؟
الجوابُ:لقد ؛ فكَت القَديرُ الجَليلُ كلَّ عُنصُرٍ مِنَ العَناصِرِ وَظائفَ كَثيرةً، ويُنشِئُ على كلٍّ مِن تلك الوَظائفِ نَتائجَ كَثيرةً، فلو ظَهَرَتْ نَتيجةٌ واحِدةٌ قَبيحةٌ یی أي: شَرٌّ ومُصِيبةٌ وبَلاءٌ یی مِن عُنصُرٍ مِنََّتي لاصِرِ في وَظيفةٍ مِن وَظائفِه الكَثيرةِ، فإنَّ سائرَ النَّتائجِ الجَميلةِ والحَسَنةِ المُتَرَتِّبةِ على ذلك العُنصُرِ، تَجعَلُ هذه النَّتيجةَ الوَخِيمةَ في حُكْمِ الحَسَنوَهُوََميلِ، إذ لو مُنِعَ ذلك العُنصُرُ الغاضِبُ على الإنسانِ مِن تلك الوَظيفةِ للحَيلُولةِ دُونَ مَجِيءِ تلك النَّتيجةِ الوَحيدةِ البَشِعةِ للوُجُودِ، لَتُرِكَتْ إذًا خَيراتٌ كَثيرةٌ بعَْمِ.
لنَّتائجِ الخَيِّرةِ المُتَرَتِّبةِ على سائرِ وَظائفِ ذلك العُنصُرِ؛ أي: تَحصُلُ شُرورٌ كثيرةٌ بعَدَدِ تلك النَّتائجِ الخَيِّرةِ، حيثُ إنَّ عَدَمَ القِيامِ بخَيرٍ ضَرُورِيٍّ إنَّماِيرٌ رٌّ كما هو
— 217 —
مَعلُومٌ.. كلُّ ذلك للحَيلُولةِ دُونَ مَجِيءِ شَرٍّ واحِدٍ! وما هذا إلّا مُنافاةٌ للحِكمةِ، وهو قُبْحٌ واضِحٌ، ومُجافاةٌ للحَقيقةِ، وقُصُورٌ مُشِينٌ؛ بَيُ عن كلحِكمةُ والقُدرةُ والحَقيقةُ مُنَیزَّهةٌ عن كلِّ نَقْصٍ وقُصُورٍ.
ولَمّا كان قِسمٌ مِنَ المَفاسِدِ هو عِصيانًا شامِلًا وتَعَدِّيًا فاي أُلُعلى حُقُوقِ كَثيرٍ مِنَ المَخلُوقاتِ وإهانةً لها واستِخفافًا بها حتَّى يَستَدْعي غَضَبَ العَناصِرِ ولا سِيَّما الأَرضَ، فيُثيرُ غَيْظَها، فلا شَكَّ أنَّ الإيعازَ إلى عُنصُرٍ عَظِيمٍ بأن يُؤَدِّبِ الرَّئك العُصاةَ، إظهارًا لِبَشاعةِ عِصيانِهم وجَسامةِ جِنايَتِهم، إنَّما هو عَينُ الحِكمةِ والعَدالةِ، وعَينُ الرَّحمةِ للمَظلُومِين في الوَقتِ نَفسِه.
السُّؤالُ السّادس:
يُشِيعُ الغافِلُون في الأَوساطِ أنَّ الزَّلْزَلةَ ما همُ.
#1 نَتيجةُ انقِلاباتِ المَعادِنِ واضطِراباتِها في جَوْفِ الأَرضِ، فيَنظُرُون إلَيها نَظَرَ حادِثةٍ نَجَمَت مِن غَيرِ قَصْدٍ، ونَتيجةَ مُصادَفةٍ وأُمُورٍ طَبيعيّةٍ، ولا يَرَون الأَسبابَ المَعنزَمةٍ َ لهذه الحادِثةِ ولا نَتائجَها، كي يُفِيقُوا مِن غَفْلَتِهم، ويَنتَبِهُوا مِن رَقْدَتِهم.. فهل مِن حَقيقةٍ لِما يَستَنِدُون إلَيه؟
الجوابُ:لا حَقيقةَ له غَيرُ الضَّلالِ، لأنَّنا نُشاهِدُ ضَوءِكلَّ نَوعٍ مِن آلافِ أَنواعِ الأَحياءِ الَّتي تَزِيدُ على خَمسِين مِليُونًا على الكُرةِ الأَرضِيّةِ، يَلبَسُ أَقمِصَتَه المُزَركَشةَ المُنَسَّقةَ ويُبَدِّلُها كلَّ سَنةٍ، بل لا يَبقَى جَناحٌ واحِدٌ وهو عُضوٌ واحِدٌ مِن مِئاتِ أََدِيّةالذُّبابِ الَّذي لا يُعَدُّ ولا يُحصَى... لا يَبقَى هذا العُضوُ هَمَلًا ولا سُدًى، بل يَنالُ نُورَ القَصْدِ والإِرادةِ والحِكمةِ؛ مِمّا يَدُلُّ على أنَّ الأَفعالَ والأَحوالَ الجَليلةَ للكُرةِ الأَرضِيّةِ الضََّلب اللَّتي هي مَهْدُ ما لا يُحَدُّ مِن ذَوِي المَشاعِرِ وحَضارَتُهم ومَرجِعُهم ومَأواهم، لا تَبقَى خارِجَ الإرادةِ والِاختِيارِ والقَصْدِ الإلٰهِيِّ، بل لا يَبقَى أيُّ شيءٍ خارِجَها، جُزئيّئِبُه أم كُلِّیيًّا.. ولكِنَّ القَدِيرَ المُطلَقَ قد جَعَلَ الأَسبابَ الظّاهِرةَ سَتائرَ أَمامَ تَصَرُّفاتِه بمُقتَضَى حِكمَتِه المُطلَقةِ، إذ حالَما تَتَوَجَّهُ إرادَتُه إلى إحداثِ الزَّلْزَلةِ، المَطوُ أَحيانًا مَعدِنًا مِنَ المَعادِنِ بالِاضطِرابِ والحَرَكةِ، فيُوقِدُه ويُشعِلُه.
— 218 —
هَبْ أنَّ الزِّلزالَ نَشَأَ یی فَرْضًا یی مِن حُدُوثِ انقِلاباتِ المَعادِنِ واضطِراباتِها، فلا يَحدُثُ أيضًا إلّا بأَمرٍ إلٰهِيٍّ ون لم ت حِكمَتِه لا غَيرُ، إذ كيف يكُونُ مِنَ البَلاهةِ والجُنُونِ، وضَياعٌ جَسِيمٌ لِحَقِّ المَقتُولِ، ألّا يُؤخَذَ القاتِلُ بنَظَرِ الِاعتِبارِ ويُحصَرَ النَّظَرُ فياليَومُودِ المُشتَعِلِ في طَلْقةِ بُندُقِيَّتِه، كذلك فإنَّ الحَماقةَ الأَشنَعَ مِنها الِانسِياقُ إلى الطَّبيعةِ ونِسيانُ الأَمرِ الإلٰهِيِّ بإمَعناهالقُنبُلةِ المُدَّخَرةِ في جَوفِ الأَرضِ بحِكمَتِه وإرادَتِه، تلك المَأمُورةُ المُسَخَّرةُ والسَّفِينةُ والطّائرةُ للقَديرِ الجَليلِ، فيَأمُرُها سُبحانَه بالِانفِلاقِ إيقاظًا للغافِلِين وتَنبِكبَرْقلطُّغاةِ.
تتمّةُ السُّؤالِ السّادسِ وحاشِيتُه:
إنَّ أَهلَ الضَّلالِ والإلحادِ يُبدُون تَمَرُّدًا غَرِيبًا، وحَماقةً عَجِيبةً إلى دَرَجةٍ تَجعَلُ الإنسانَ نادِمًا على إنسانِيَّتِه، وذلك في سَبيلِ الحِفاظِ على الَّتِهم، ومُواجَهةِ صَحْوةِ أَهلِ الإيمانِ، وزَرعِ العَوائِقِ أَمامَها.
فمثلًا:إنَّ العِصيانَ الظّالِمَ المُظلِمَ الَّذي اقْتَرَفَه البَشَرُ في الآوِنةِ الأَخيرةِيقَ مََذي عَمَّ العالَمَ وشَمِلَه، حتَّى أَغضَبَ العَناصِرَ الكُلِّیيّةَ؛ بل تَجَلَّتْ رُبُوبيّةُ خالِقِ الأَرضِ والسَّماواتِ بصِفةِ رَبِّ العالَمِين وحاكِمِ الأَكا قد تی لا بصِفةِ رُبُوبيّةٍ جُزئيّةٍ خاصّةٍ یی في العالَمِ أَجمَعَ، وفي دائرةٍ كُلِّیيّةٍ واسِعةٍ.
فصَفَعَ رَبُّ العالَمِين البَشَريّةَ ببَلايا وآفاتٍ عامّةٍ مُرعِبةٍ كالحَربِ العالَمِيّة والزَّلازِلِ والسُّيُولِ العارِمةِ والرّ تُؤَدالهُوجِ والصَّواعِقِ المُحرِقةِ والطُّوفاناتِ المُدَمِّرةِ.. كلُّ ذلك إيقاظًا لهذا الإنسانِ السّادِرِ في غَفْلَتِه، وسَوْقًا له لِيَتَخَلَّى ع طَوالورِه وطُغيانِه الرَّهيبِ، ولِتَعريفِه برَبِّه الجَليلِ الَّذي يُعرِضُ عنه؛ فأَظهَرَ سُبحانَه حِكمَتَه وقُدرَتَه وعَدالَتَه وقَيُّومِيَّتَه وإرادَتَه وحاكِمِيَّتَه إظهارًا جَلِيًّا، ولكن على الرَّغمِ مِن هذا فإنَّ شَياطِينَ مُقاوى مِمَّن هم في صُوَرِ أَناسِيٍّ، يَتَمرَّدُون في وَجْهِ تلك الإشاراتِ الرَّبّانيّةِ الكُلِّیيّةِ والتَّربِيةِ الإلٰهِيّةِ العامّةِ للبَشَريّةِ، تَمَرُّدًا َ القَةٍ مُشِينةٍ، إذ يقُولُون: إنَّها عَوامِلُ طَبيعيّةٌ، إنَّها انفِجارُ مَوادَّ وأَخلاطِ مَعادِنَ، إنَّها مُصادَفاتٌ ليس إلّا.. فقد تَصادَمَت حَرارةُ الشَّمسِ والكَهرَباءِ فأَحدَثَتْ
— 219 —
تَوَقُّفًا في المَكائنِ في أَمرِيكا لِمُدّةِ خِيذَ ااعاتٍ، واحْمَرَّ الجَوُّ في "قَسْطَمُوني" حتَّى كأنَّه يَلْتَهِبُ! إلى آخِرِ هذه الهَذَياناتِ الَّتي لا مَعنَى لها.
فالجَهلُ المُريعُ النّاشِئُ مِنَ الضَّلالِ، والتَّمَرُّدُ المَقِيتُ المُتَولِّدُ مِنَ الزَّنداختِيايَحُولانِ دُونَ إدراكِهم ماهِيّةَ الأَسبابِ الَّتي هي حُجُبٌ وسَتائرُ أمامَ "القُدرةِ الإلٰهِيّةِ" ليس إلّا.
فتَرَى أَحَدَهم یی مِن جَهلِه یی يُبیرِزُ أسبابًا ظاهِرِيّةً، ويقُولُ: هذه الشَّجَرةُ الضَّخمةُ للص الصُّرِ یی مثلًا یی قد أَنشَأَتْها هذه البِذرةُ. مُنكِرًا مُعجِزةَ صانِعِها الجَلِيلِ.. عِلْمًا أنَّه لو أُحِيلَتْ إلى الأَسبابِ لَما كَفَتْ مِئةٌ مِنَ المَصانِعِ لِتَكوينِ تلك الشَّجَرةِ، فإبرازُ أَسبابٍ ظاهِرِيّةٍ مِثلعًا لِإنَّما هو تَهوِينٌ مِن شَأْنِ عَظَمةِ فِعلِ الرُّبُوبيّةِ الجَلِيلةِ المُفعَمةِ بالحِكمةِ والِاختِيارِ.
وتَرَى آخَرَ يُطلِقُ اسمًا عِلْميتُو، اى حَقيقةٍ مُهِمّةٍ يَقصُرُ العَقلُ عن إدراكِ مَداها وعُمقِها، فكأنَّ تلك الحَقيقةَ قد عُرِفَت وعُلِمَت بمُجرَّد وَضْعِ اسمٍ علَيها، وغَدَت مَألُوفوالصَّتادةً، لا حِكمةَ فيها ولا مَعنَى!
فتَأَمَّلْ في هذه البَلاهةِ والحَماقةِ اللَّتَينِ لا مُنتَهَى لهما! إذِ الحَقيقةُ الَّتي لا تَسَعُ مِئةُ صَحِيفةٍ لِبَيانِ حِكمَتِها وتَعرِيفِها، كألشِّتاضْعَ هذا العُنوانِ علَيها جَعَلَها مَعرُوفةً مَأْلُوفةً! وقَولُهُم: هذا الشَّيءُ مِن هذا. وهذه الحادِثةُ مِن مادّةِ الشَّمسِ الَّتي اصا عِلات بالكَهرَباءِ، جَعَل ذلك الشَّيءَ مَعرُوفًا وتلك الحادِثةَ مَفهُومةً!!
بل يُظهِرُ أَحَدُهم جَهْلًا أَشَدَّ مِن جَهلِ أبي جَهْلٍ، إذ يُسنِدُ حادِثةَ رُبُوبيّةٍ مَقصُودةً خاصّةً، يَرجِعُؤُونِى أَحَدِ قَوانينِ الفِطرةِ، وكأنَّ القانُونَ هو الفاعِلُ! فيَقطَعُ بهذا الإسنادِ نِسبةَ تلك الحادِثةِ إلى إِرادةِ اللهِ الكُلِّیيّةِ واختِيارِه المُطلَقِ وحاكِمِيَّتِه النّافِذةِ والَّتي تُمَثِّیلُها سُنَنُه الجارِيةُ في الوُجُودِ.. ثمَّ تَراِه.
#3يلُ تلك الحادِثةَ إلى المُصادَفةِ والطَّبِيعةِ! فيكُونُ كالأَبْلَهِ العَنِيدِ الَّذي يُحِيلُ الِانتِصارَ الَّذي يُحرِزُه جُندِيٌّ أو فِرقةٌ،والمُؤحَربِ، على نِظامِ الجُنْدِيّةِ وقانُونِ العَسْكَرِيّةِ، ويَقطَعُه عن قائدِ الجَيشِ، وسُلطانِ الدَّولةِ، والأَفعالِ الجارِيةِ المَقصُودةِ.
— 220 —
ولْنَنظُرْ إلى حَماقَتِهمُ الفاضِحةِ بهذا المِثالِ: إذا ما صَننَّها نّاعٌ ماهِرٌ مِئةَ أُوقِيّةٍ مِن مُختَلِفِ الأَطعِمةِ، ومِئةَ ذِراعٍ مِن مُختَلِفِ الأَقمِشةِ، مِن قِطعةٍ صَغيرةٍ مِن خَشَبٍ لا يَتَجاوَزُ حَجْمُها قُلَامةَ ظُفُرٍ. وقال أَحَدُهم: إنَّ هذه الأَعمالَ الخارِقةَ قامَت بها تلك ، ونَمةُ الخَشَبيّةُ التّافِهةُ! ألا يَرتَكِبُ حَماقةً عَجِيبةً؟ فهذا شَبِيهٌ بمَن يُبْرِزُ بِذْرةً صَلْدةً ويُنكِرُ خَوارِقَ صُنعِ الصّانعِ الحَكيمِ في خَلْقِ الشَّجَرةِ، بل يَحُطُّ مِن قيمةِ تلك الأُمُورِ المُعجِزةِ بإِحالَتِهاالبِئرُصادَفةٍ عَشْواءَ أو عوامِلَ طَبيعيّةٍ! والأَمرُ كذلك في هذا..
السُّؤال السّابعُ:
كيف يُفهَمُ بأنَّ هذه الحادِثةَ الأَرضِيّةَ مُ دائمِهةٌ بالذّاتِ إلى مُسلِمي هذه البِلادِ، أي: أنَّها تَستَهدِفُهم؟ ولِماذا تَقَعُ بكَثرةٍ في جِهاتِ "إزمِير" و"أَرْزِنْجانَ".
الجوابُ:إنَّ هناك أَماراتٍ كَثيرةً على أنَّ هذه الحادِثةَ استَهدَفَتَجَلِّ الإيمانِ، إذ وُقُوعُها في قارِسِ الشِّتاءِ وفي ظُلمةِ اللَّيلِ، وفي شِدّةِ البَردِ، وخاصّةً في هذه البِلادِ الَّتي لا يُحتَرَمُ فيها شَهرُ رَمَضانَ، واستِمرارُها النّاشِئُ مِن عَدَمِ اتِّعاظِ النّاسِ مِنها، ولإيقاظِ الغافِلينَما يُدَقْدَتِهم بخِفّةٍ.. وأَمثالُها مِنَ الأَماراتِ تَدُلُّ على أنَّ هذه الحادِثةَ استَهدَفَت أَهلَ الإيمانِ، وأنَّها تَتَوجَّهُ إلَيهم وتُزَلزِلُهم بالذّاتِ لِتَدفَعَهم إلى إقامةِ الصَّلاةِ والدُّعاء والتَّضَرُّعِ إلَيه سُبحانَه.
أمّا شِدّةُ هِنَما اا في "أَرزِنْجانَ" المَنكُوبةِ، فلَها وَجهانِ:
الأوَّل:أنَّها عَجَّلَتْ بهم تَكفِيرًا عن خَطاياهُمُ الطَّفيفةِ.
الثّاني:يَحتَمِلُ أنَّها ضَرَبَت صَفْعَتَها أوَّلًا في تلك الأَماكِنِ، حيثُ أَسَّسَ أَهلُ وعِشرِدَقةِ مَرْكَزًا قَوِيًّا لِنَشاطاتِهم، مُنتَهِزين الفُرصةَ مِن قِلّةِ عَدَدِ حُماةِ الإسلامِ الأَقوِياءِ وحَفَظةِ الإيمانِ الأُصَلاءِ، أو لكَونِهم مَغلُوبِينَ على أَمرِهم.. لا يَعلَمُ الغَيبَ إلّا اللهُ.
سُبْحَانَكَ مِن يِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 221 —
الكلمة الخامسة عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السقَلُّبَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ
يا مَن تَعلَّمَ في المَدارِسِ الحَدِيثةِ مَسائلَ فاقِدةً للرُّوحِ في عِلمِ الفَلَكِ، فضلمَطَرهنُه، وانحَدَر عَقلُه إلى عَينِه حتَّى استَعْصَى علَيه استِيعابُ السِّرِّ العَظيمِ لهذه الآيةِ الجَليلةِ.. اعلَمْ أنَّ للصُّعُودِ إلى سَماءِ هذه الآيةِ الكَريمةِ سُلّسبِيحاا سَبْعِ دَرَجاتٍ ومَراتِبَ، هيَّا نَصْعَدْ إلَيها معًا.
المَرتَبةُ الأُولى
إنَّ الحَقيقةَ والحِكمةَ تَقتَضِيانِ أن يكُونَ للسَّماءِ أَهلُون يُناسِبُونَآلافَ كما هي الحال في الأَرضِ یی ويُسَمَّى في الشَّريعةِ أُولَئك الأَجناسُ المُختَلِفةُ: المَلائكةَ والرُّوحانيّاتِ.
نعم، الحَقيقةُ تَقتَضي هكذا، إذ إنَّ مِ والجلأَرضِ، مع صِغَرِها وحَقارَتِها بالنِّسبةِ إلى السَّماءِ، بذَوِي حَياةٍ وإدراكٍ، وإعمارَها حِينًا بعدَ حِينٍ بذَوِي إداركِ آخَرِين بعدَ إخلائِها مِنَ السّابِقِين، يُشِيرُ یی بل يُصَرِّح یی بامتِلاءِوبانتِماواتِ ذاتِ البُرُوجِ المُشَيَّدةِ، تلك القُصُورِ المُزَيَّنةِ بذَوِي إدراكٍ وشُعُورٍ؛ فهؤلاء كالجِنِّ والإنسِ، مُشاهِدُو قَصرِ هذا العالَمِ، مُطالِعُو كِتابِ الكَونِ، أَدِلَّاءُ إلى عَظَمةِ الإلى مَبيّةِ ومُنادُون إلَيها؛ لِأَنَّ تَزيِينَ العالَمِ وتَجمِيلَه بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ التَّزيِيناتِ والمَحاسِنِ والنُّقُوشِ البَدِيعةِ، ي عنها ي یی بَداهةً یی جَلْبَ أَنظارِ مُتَفكِّرين مُستَحسِنين ومُقَدِّرِين مُعجَبِين، إذ لا يُظْهَرُ الحُسنُ إلّا لِعاشِقٍ، كما لا يُعطَى الطَّعامُ إلّا لِجائعٍ، معَ أنَّ الإنسَ والجِنَّ لا يَستَطِيعانِ القِيامَ إلّا بواحِدٍ مدَّولةيُونٍ مِن هذه الوَظائفِ غَيرِ المَحدُودةِ، فَضْلًا عنِ الإشرافِ المَهِيبِ
— 222 —
والعُبُودِيّةِ الواسِعةِ.. بمَعنَى أنَّ هذه الوَظائفَ المُتَنوِّعةَ غيرَ المُتَن إلَيْ وهذه العِبادةَ الَّتي لا نِهايةَ لها تَحتاجُ إلى ما لا يُعَدُّ مِن أَنواعِ المَلائكةِ وأَجناسِ الرُّوحانِيّاتِ، وكذا، بِناءً على إشارةِ بعضِ الرِّواياتِ والآثارِ، وبمُقتَضَى حِكمةِ انتِظامِ العالَمِ يَصِحُّ القَولُ:
إنن خَزامًا مِنَ الأَجسامِ السَّيّارةِ ابتِداءً مِنَ الكَواكِبِ السَّيّارةِ وانتِهاءً بالقَطَراتِ الدَّقيقةِ، مَراكِبُ لِقِسمٍ مِنَ المَلائكةِ، فهم يَركَبُون تلك الأَجساممَّلْ نٍ إلٰهِيٍّ، ويَتَجوَّلُون في عالَمِ الشَّهادةِ ويَتَفرَّجُون علَيه.
ويَصِحُّ القَولُ أيضًا: إنَّ قِسمًا مِنَ الأَجسامِ الحَيَوانيّةِ ابتِداءً مِن طُيُورِ الجَنّةِ المَوصُوفةِ بی"طَيْرٍ خُضْرٍ" یی كمةِ حتّد في الحَديثِ الشَّرِيف یی وانتِهاءً بالذُّبابِ والبَعُوضِ في الأَرضِ، طَيّاراتٌ لِجِنسٍ مِنَ الأَرواحِ، تَدخُلُ تلك الأَرواحُ في أَجوافِها باسمِ اللهِ "الحَقُوثيه تُشاهِدُ عالَمَ الجِسمانِيّاتِ، وتُطِلُّ مِن نَوافِذِ حَواسِّ تلك المَخلُوقات، مُشاهِدةً مُعجِزاتِ الفِطرةِ الجِسمانيّةِ.
فالخالقُ الكَريمُ الَّذي يَخلُقُ باستِمرارٍ مِنَ التُّرابلواحدةثيفِ والماءِ العَكِرِ مَخلُوقاتٍ ذَواتِ إدراكٍ مُنَوَّرةٍ، وحياةٍ نُورانيّةٍ لَطِيفةٍ، لا رَيبَ أنَّ له مَخلُوقاتٍ ذَواتَ إدراكٍ وشُعُورٍ يَخلُقُها مِن بَحرِ النُّورِ بَ يُنببَحرِ الظُّلُماتِ، مِمّا هو أَلْيَقُ للرُّوحِ والحَياةِ وأَنسَبُ لهما، بل هي مَوجُودةٌ بكَثرةٍ هائلةٍ.
فإن شِئتَ فراجِع رِسالةَ "نُقطةٌ مِن نُورِ مَعرِفةِ اللهِ جَلَّ جَلالُه"، و"الكَلِمةَ التّاسِعةَ والعِشرين" فيما يَخُصُّ ينَما وُجُودِ المَلائكةِ والرُّوحانيّاتِ، فقد أَثبَتْنا وُجُودَهم إثباتًا جازِمًا قاطِعًا.
المَرتَبةُ الثانيةُ
إنَّ الأَرضَ والسَّماواتِ ذاتُ عَلاةٍ جِدعضُها ببَعضٍ، كعَلاقةِ مَملَكَتَينِ لِدَولةٍ واحِدةٍ، فبَينَهما ارتِباطٌ وَثيقٌ ومُعامَلاتٌ مُهِمّةٌ، فما هو ضَرُوريٌّ للأَرضِ مِنَ الضِّياءِ والحَرارةِ والبَرَكةِ والرَّحمةِ وما شابَا سِيّأتي كُلُّها مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، أي: تُرسَلُ مِن هُناك.
— 223 —
كذلك فبإِجماعِ جَميعِ الأَديانِ السَّماوِيّةِ المُستَنِدةِ إلى الوَحْيِ الإلٰهِيِّ، وبالتَّواتُرِ الحاصِلِنِّي كُهُودِ جَميعِ أَهلِ الكَشْفِ، إنَّ المَلائكةَ والرُّوحانيّاتِ يَأتُون مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ؛ فبالحَدْسِ القَطْعِيِّ یی أَقرَبَ إلى الِاستِشعارِ والإحساسِ یی إنَّ لِسَكَنةِ، وذلكضِ طَريقًا يَصعَدُون بها إلى السَّماءِ؛ إذ كما يَرنُو عَقلُ كلِّ فَردٍ وخَيالُه ونَظَرُه إلى السَّماءِ في كلِّ حِينٍ، كذلك أَرواحُ الأَنبِياءِ والأَولِياءِ الَّذين خَفُّوا بوَضعِ أَثقالِهم، وأَرواحُ الأَمواتِكَراماين خَلَعُوا أَجسادَهم يَصعَدُون بإذنٍ إلٰهِيٍّ إلى السَّماءِ.. وحيثُ إنَّ الَّذين خَفُّوا ولَطُفُوا يَذهَبُون إلى هناك، فلا بُدَّ أنَّ الَّذين يَلبَسُون جَسَدًا مِثالِيًّا، واللَّطِيفِين الخَفِيفِين لَطافةَ الرُّوحِ وخِفَّتَها مِن سَكَنةِ ا انقَط والهَواءِ، يُمكِنُهُمُ الذَّهابُ إلى السَّماءِ.
المَرتَبةُ الثّالثةُ
إنَّ سُكُونَ السَّماءِ وسُكُوتَها وانتِظامَها واطِّرادَها ووُسْعَتَها ونُورانِيَّتَها يَدُلُّ على أنَّ أَهلَها لَيستِشاءًَهلِ الأَرضِ، بل كلُّ أَهلِ السَّماءِ مُطِيعُون يَفعَلُون ما يُؤمَرُون، فلَيسَ هناك ما يُوجِبُ المُزاحَمةَ والِاختِلافاتِ، لأنَّ المَملَكةَ واسِعةٌ فَسِيحةٌ جِدًّا، وهم مَفطُورُون على الصَّفاءِ والنَّقاءِ، مَعصُومُتِها كذَنبَ لهم، ومَقامُهم ثابتٌ بخِلافِ الأَرضِ الَّتي فيها اجتِماعُ الأَضدادِ واختِلاطُ الأَشرارِ بالأَبرارِ، مِمّا وَلَّد الِاختِلافاتِ المُؤَدِّيةَ إلى الِاضطِراباتِ والقَلاقِلِ والمُشاجَراتِ، وانفَقُدسِيلك بابُ الِامتِحانِ والمُسابَقةِ، وظَهَرَت مَراتِبُ الرُّقِيِّ ودَرَكاتُ التَّدَنِّي.
وحِكمةُ هذه الحَقيقةِ هي أنَّ الإنسانَ هو الثَّمَرةُ النِّهائيّةُ لِشُضغةِ الخِلْقةِ، ومِنَ المَعلُومِ أنَّ الثَّمَرةَ هي أَبعَدُ أَجزاءِ الشَّجَرةِ وأَجمَعُها وأَلطَفُها، لِذا فالإنسانُ هو ثَمَرةُ العالَمِ، وأَجمَعُ وأَبدَعُ مَصنُوعاتِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ، وأَكثَرُها عَجْزًا وضَعْفَ والذطْفًا.
ومِن هنا فإنَّ مَهْدَ هذا الإنسانِ ومَسكَنَه یی وهو الأَرضُ یی كُفْءٌ للسَّماء مَعنًى وصَنْعةً، ومعَ صِغَرِ الأَرضِ وحَقارَتِها بالنِّسبةِ إلى السَّماءِ فهي قَلْبُ الكَونِ ومَركَزُه.. ومَشهَرُ جَميعِ مُعجبارةٌ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ.. ومَظهَرُ جَميعِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى وبُؤرَتُها.. ومَعكِسُ الفَعَالِيّاتِ الرَّبّانيّةِ المُطلَقةِ ومَحشَرُها.. وسُوقُ عَرْضِ المَخلُوقاتِ
— 224 —
الإلٰهِيّةِ بجُودٍ مُطلَقٍ، وليُّ فرَما عَرْضُها لِكَثرةٍ كاثِرةٍ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ.. وهي نَمُوذَجٌ مُصَغَّرٌ لِما يُعرَضُ في عَوالِمِ الآخِرةِ مِن مَصنُوعاتٍ.. ومَصنَعٌ يَعمَلُ بسُرعةٍ فائقةٍ لِإالقِطع المَنسُوجاتِ الأَبَديّةِ والمَناظِرِ السَّرْمَدِيّةِ المُتَبَدِّلةِ بسُرعةٍ.. وهي مَزرَعةٌ ضَيِّقةٌ مُؤَقَّتةٌ لِاستِنباتِ بُذُورِ البَساتينِ الدّائمةِ الخالِدةِ.
ومِن هذه العَظَمةِ المَعنَوِيّةِ للأَرضِ
(حاشية): نَعم، إنّدِّي بضَ مع صِغَرِها يُمكِن أن تَعدِلَ السَّماواتِ، لأنه يَصِحُّ القولُ: إنَّ نَبْعًا دَائمَ العَطاءِ هو أكبْرُ مِن بُحَيرة لا يَرِدُها شيءٌ. ثم إنَّه إذا كِيلَ شيء مّا بمِكْيالٍ، وولطَنَتَانبًا، ثمَّ كِيلَت مَحاصيلُه بالمِكيالِ نفسِه، ووُضعَت إلى جَانبٍ آخَرَ، فمَهما كَانت هَذه المَوادُّ أَضخمَ وأكبَرَ من المِكيالِ نفسِه، ولوزُنًا فِ المَرَّات ظَاهرًا، إلّا أنَّ المِكيالَ يُمكِنُ أن يُعادلَ ذلك الجِسمَ ويُقارَن مَعه.
كَذلك الأرضُ، فَقد خلَقَها سُبحَانه وتَعَالى: مَشهَرَ صَنعتِه، مَحشَرَ إيجادِه، مَدارَ حِكمَتِه، مَظهَرَ قُدرتِه، مَزهَرَ رَحمَتِهلكَرِيَعةَ جَنَّتِه، مَكيل المَوجُودَات وخَلقها نبعًا فياضًا تَسيلُ منه "المَوجوداتُ" إلى بِحَارِ المَاضي وإلى عالَم الغَيبِ. وخَلَقها بحيثُ يُبدِّل عليها سَنَويًّا أثوابَها المَنسُوجةَ ببَدائعِ صُنعِه، يُبدِّلُها اِيهٌ:َ تِلْوَ الأُخرَى، بِمئاتِ الأُلوف مِن الأَنوَاع والأَشكَال.
والآنَ خُذ أمَامَ نَظَرِك تِلك العَوالِمَ الكَثيرةَ الَّتي تَصُبُّ في عالَمِ الغَيبِ، وتِلك الأَثوَابَ الكَثيرةَ جِ هو أَلتي تَلبَسُها الأرضُ وتَنزِعُها، أي: افتَرِضْ جَميعَ مَا في المَاضِي حَاضرًا، ثمَّ قابِلْها مَع السَّماوات التي هِي عَلى وَتيرةٍ واحدةٍ، وبَساطةٍ غيرِ مُعقَّدةٍ، ووَازِن بينهما، تَرَ أننجُوَ َ، إنْ لم تَثقُلْ على كَفّة السَّماواتِ فَلا تَبقَى قَاصرةً عنها.. ومِن هُنا تَفهَمُ سِرَّ الآية الكَريمة: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وأَهَمِّيَّتِها مِن حَيثُ الصَّنعةُ، جَعَلَها القُرآٌ مِن َريمُ كُفْئًا للسَّماواتِ وعَدْلًا لَها، معَ أنَّها بالنِّسبةِ للسَّماواتِ كالثَّمَرةِ الصَّغيرةِ بشَجَرتِها الضَّخمةِ، فيَجعَلُها في كَفّةٍ والسَّماواتِ في كَفّةٍ أُخرَى، فيُكَرِّر الآ
أمكَريمةَ: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ثمَّ إنَّ تَحَوُّلَ الأَرضِ السَّرِيعَ، وتَغَيُّرَها الدّائِمَ یی بِناءً على هذه الحِكَمِ المَذكُورةِ یی يَقتَضِي أن تَطْرَأَ على أَهلِيها أَيضًا تَحَِمُ عٌُ مُماثِلةٌ لها؛ وكذا إنَّ الأَرضَ مع مَحدُودِيَّتِها، نالَتْ مِن تَجَلِّياتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، وذلك بعَدَمِ تَحدِيدِ قُوَى أَهلِيها ذَوِي الشَّأْنِ وهُما الجِنَرُورةإنسُ؛ بحَدٍّ فِطرِيٍّ أو قَيْدٍ خَلقِيٍّ كما هو في سائرِ ذَوِي الحَياةِ.. لذا غَدَتِ الأَرضُ مَعرِضًا لِرُقيٍّ لا نِهايةَ له، ولِتَدَنٍّ لا غايةَ له؛ فابتِداءًّةً علالأَنبِياءِ والأَولِياءِ وانتِهاءً بالنَّمارِدةِ الطُّغاةِ والشَّياطينِ مَيدانٌ واسِعٌ جِدًّا للِامتِحانِ والِاختِبارِ.
— 225 —
ولَمّا كانَ الأَمرُ هكذا، فإنَّ الالِانفِينَ المُتَفَرعِنةَ ستَقذِفُ السَّماءَ وأَهلَها بشَراراتِها غيرِ المَحدُودةِ.
المَرتَبةُ الرّابعةُ
إنَّ لِرَبِّ العالَمين وخالِقِها ومُدَبِّرِ أَمرَّجُلي الجَلالِ والإكرامِ، أَسماءً حُسنَى كَثيرةً، مُتَغايِرةً أَحكامُها، مُتَفاوِتةً عَناوِينُها.. فالِاسمُ والعُنوانُ والصِّفةُ الَّتي تَقتَضِي إرسالَ المَلائكةِ للقِتالِ في صَفِّ الصَّحابةِ الكِرامِ مع الرَّسولِ (ص) لَدَى مُزءٍ مِِ الكُفّارِ، هو الِاسمُ نَفسُه والعُنوانُ نَفسُه والصِّفةُ نَفسُها الَّتي تَقتَضِي أن تكُونَ هناك مُحارَبةٌ بينَ المَلائكةِ والشَّياطينِ، ولإرشادونَ هناك مُبارَزةٌ بينَ السَّماوِيِّين الأَخيارِ والأَرضِيِّين الأَشرارِ.
إنَّ القَديرَ الجَليلَ المالِكَ لِأَرواحِ الكُفّارِ وأَنفاسِهم ونُفُوسِهم في قَبضةِ قُدرَتِه لا يُفنِيهم بأَمرٍ مِنه، ولا مَرّةةٍ، بل يَفتَحُ مَيدانَ امتِحانٍ ومُبارَزةٍ، بعُنوانِ الرُّبُوبيّةِ العامّةِ، وبأَسمائِه الحُسنَى:"الحَكِيمِ"، "المُدَبِّر".
فمثلًا یی ولا مُشاحّةَ في الأَمثالِ یی: نَرَى ةِ.. ولسُّلطانَ له عَناوينُ مُختَلِفةٌ وأَسماءٌ مُتَنوِّعةٌ حَسَبَ دَوائرِ حُكُومَتِه، فالدّائرةُ العَدلِيّةُ تَعرِفُه باسمِ "الحاكِمِ العادِلِ"، والدّائرةُ العَسكَريّةُ تُعَرِّفُه باسمِ "القائدِ العامِّ"، بَينَما دالقَدَرلمَشْيَخةِ تَذكُرُه باسمِ "الخَلِيفةِ"، والدّائرةُ الرَّسمِيّةُ تَعَرِّفُه باسمِ "السُّلطانِ"، والأَهْلُون المُطِيعُون للسُّلطانِ يَذكُرُونه باسمِ "السُّلطانِ الرَّحيمِ"، بَينَما العُصاةُ يقُولُون: إنَّه "الحاكِمُوبُ اهَّارُ".. وقِسْ على هذا..
فإنَّ ذلك السُّلطانَ الجَليلَ المالِكَ لِناصِيةِ الأَهلِينَ كافّةً، لا يُعدِمُ بأَمرٍ مِنه شَخْصًا عاجِزًا عاصِيًا ذَلِيلًا، بل يَسُوقُه إلى المَحكَمةِ باسمِ الحاكِمِ العادِلِ؛ ثمَّ إنيعِ وملسُّلطانَ الجَليلَ لا يَلتَفِتُ الْتِفاتةَ تَكريمٍ إلى أَحَدٍ مِن مُوَظَّفيه الجَدِيرين بها حَسَبَ عِلْمِه به ولا يُكرِمُه بهاتِفِه الخاصِّ، بل يَفتَحُ مَيدانَ مُسابَقةٍ، ويُهيِّئُ له استِقبالًادِينَهِيًّا، يَأْمُرُ وَزيرَه ويَدعُو الأَهلِينَ إلى مُشاهَدةِ المُسابَقةِ، ثم يُكافِئُ ذلك المُوَظَّفَ بعُنوانِ هَيئةِ الدَّولةِ وإدارةِ الحُكُومةِ، فيُعلِنُ مُكافَأتَه في يُذَكلمَيدانِ نَظِيرَ استِقامَتِه، أي: يُكرِمُه ويَتَفضَّلُ عليه أمامَ جُمُوعٍ غَفيرةٍ مِن أَشخاصٍ سامِينَ، بعدَ امتِحانٍ مَهِيبٍ، لإثباتِ جَدارَتِه أَمامَهم.
— 226 —
وهكذا یی ولِ القُمَثَلُ الأَعلَى یی فلِلَّهِ سُبحانَه وتَعالَى أَسماءٌ حُسنَى كَثيرةٌ، وله شُؤُونٌ وعَناوِينُ كَثيرةٌ جِدًّا، وله تَجَلِّياتٌ جَلالِيّةٌ وظَواهِرُ جَمالِيّةٌ.. فالِاسمُ والعُنوانُ والشَّأنُ الَّذي يَقتَضِي وُجُودَأَوانِورِ والظَّلامِ، والصَّيفِ والشِّتاءِ، والجَنّةِ والنّارِ، يَقتَضِي شُمُولَ قانُونِ المُبارَزةِ نَوعًا مّا وتَعمِيمَه أيضًا، كقانُونِ التَّناسُلِ وقانُونِ المُسُبُوبي وقانُونِ التَّعاوُنِ كأَمثالِه مِنَ القَوانينِ العامّةِ الشّامِلةِ، أي: يَقتَضِي شُمُولَ قانُونِ المُبارَزةِ ابتِداءً مِنَ المُبارَزةِ بينَ الإلهاماتِ والوَساوِسِ الدّائرةِ حَولَ القَلبِ، وانتِهاءً إلى المُبارَزةِ ال فيه فِ بينَ المَلائكةِ والشَّياطِينِ في آفاقِ السَّماواتِ.
المَرتَبةُ الخامِسةُ
لَمّا كان هناك ذَهابٌ مِنَ الأَرضِ إلى السَّماءِ وعَودةٌ مِنها، فالنُّزولُ مِنَ السَّماءِ والصُّعُودُ إلَيهبسَطَ دٌ أيضًا، بلِ اللَّوازِمُ والضَّرُورِيّاتُ الأَرضِيّةُ تُرسَلُ مِن هُناك؛ وحيثُ إنَّ الأَرواحَ الطَّيِّبةَ تَنطَلِقُ إلى السَّماءِ مِنَ الأَرضِ، فلا بُدَّ أن تَتَشبَّثَ الأَرواحُ الخَبيثةُ وتُحاوِلَ النِّدَ الطَّيِّبين مِنها في الذَّهابِ إلى السَّماواتِ، وذلك لِلَطافَتِها وخِفَّتِها، ولا بُدَّ ألّا يَقبَلَها أَهلُ السَّماءِ، بل يَطْرُدُونَها لِما في طَبْعِها مِن شُؤْمٍ وشَرّ الِافثمَّ لا بُدَّ مِن وُجُودِ علامةٍ على هذه المُعامَلةِ المُهِمّةِ وهذه المُبارَزةِ المَعنَويّةِ في عالَمِ الشَّهادةِ، لأنَّ عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ تَقتَضي أن تَضَع إشارةً على التَّصَرُّفاتِ الغَيبِيّةِ الإلٰهِيّةِ المُهِمَّةِ واعيّةِ علَيها، لِيُبصِرَها ذَوُو الإدراكِ والشُّعورِ ولا سِيَّما الإنسانُ الحامِلُ لِأَجَلِّ وَظيفةٍ وهي المُشاهَدةُ والشَّهادةُ والدَّعوةُ والإشرافُ؛ فكما أنه سُبحانَه قد جَعَل انْ مَطَ إشارةً إلى مُعجِزاتِ الرَّبيعِ، وجَعَل الأَسبابَ الظّاهِرةَ علامةً على خَوارِقِ صَنعَتِه، جاعِلًا أَهلَ عالَمِ الشَّهادةِ شاهِدِين علَيها؛ ففهو سِْبَ أنَّه يَجلِبُ أَنظارَ جَميعِ أَهلِ السَّماءِ وأَهلِ الأَرضِ إلى ذلك المَشهَدِ العَظيمِ العَجيبِ، فيُظهِرُ تلك السَّماءَ العَظيمةَ كالقَلعةِ الحَصِينةِ الَّتي زُيِّنَت بُرُوجُها بحُرّاسٍ مُصطَفِّين حَوْلَها، أو كالمَدِينةِ العاا ورَكالَّتي تُشوِّقُ أَهلَ الفِكْرِ إلى التَّأمُّلِ فيها.
فما دامَ إعلانُ هذه المُبارَزةِ الرَّفيعةِ ضَرُورةً تَقتَضِيها الحِكمةُ، فلا بُدَّ مِن وُجُودِ
— 227 —
إشارةٍ علَيها، بَينَما لا تُشاهَدُ أيَّةُ حادِثةٍ كانَت ضِمنَ الحادِثاتِ الجَوِّيةَِقدِيرَماوِيّةِ تُلائِمُ هذا الإعلانَ وتُناسِبُه.. فإنَّ ما ذَكَرناه إذًا هو أَنسَبُ علامةٍ علَيها، لأنَّ الحادِثاتِ النَّجمِيّةَ، مِن رَمْيِ الشُّهُبِ الشَّبِيهِ برَمْيِ المَجانيقِ، وإطلاقِ طَلَقاتِ التَّنوِيرِ مِنَ القِلاعِ العالِيةِ مِ، لِجِها الحَصِينةِ، مِمّا يُفهِمُ بَداهةً مَدَى مُناسَبَتِها ومُلاءَمَتِها بِرَجمِ الشَّياطينِ بالشُّهُبِ، مع أنَّه لا تُعرَفُ لهذه الحادِثةِ یی رَجمِ الشَّياطِينِ یی غيرُ هذه الحِكمةِ، ولا تُعرَفُ مْ أنّيةٌ تُناسِبُها غيرَ الَّتي ذَكَرناها، خِلافًا للحادِثاتِ الأُخرَى؛ فَضْلًا عن أنَّ هذه الحِكْمةَ مَشهُورةٌ مُنذُ زَمَنِ سيِّدِنا آدَمَ عَليهِ السَّلام، ومَشهُودةٌ لَدَى أَهلِ الحَقيء، من المَرتَبةُ السّادِسةُ
لَمّا كان الإنسُ والجِنُّ يَحمِلانِ استِعدادًا لا نِهايةَ له للشَّرِّ والجُحُودِ، فهما قادِرانِ على تَمَرُّدٍ وطُغيانٍ لا نِهايةَ لهما، لِذا يَزجُرُ القرآنُ الكَريمُ ببَلاغَتِه المُعجِزةِ،ُلطانَاليبَ باهِرةٍ سامِيةٍ ويَضرِبُ الأَمثالَ الرَّفيعةَ القَيِّمةَ ويَذكُرُ مَسائلَ دَقيقةً، يَزجُرُ بها الإنسَ والجِنَّ مِنَ الطُّغيانِ والعِصيانِ زَجْرًا عَنِيفًا يَهُزُّ الكَوْنَ كُلَّه.
فمثلًا:قولُه تعالَى:
يَا مَعْشَرَ الْجِنَّلَام ْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ٭ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فيها.سَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ
تأَمَّلِ النَّذيرَ العَظيمَ والتَّهديدَ المُريعَ والزَّجرَ العَنيفَ في هذه الآيةِ، وكيفَ تَكسِرُ تَمَرُّدَ الجِنِّ والإنسِ بب وجَعَ مُعجِزةٍ، مُعلِنةً عَجْزَهما، مُبيِّنةً مَدَى ما فيهما مِن ضَعْفٍ أمامَ عَظَمةِ سُلطانِه وسَعةِ رُبُوبيَّتِه جلَّ وعلا.. فكأنَّ الآيةَ الكَريمةَ، وكذا الآيةَ الأُخرَى وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ تُخاطِبانِ هكذا:
"أيُّها الإنهذا الجانُّ.. أيُّها المَغرُورُون المُتمَرِّدُون، المُتوَحِّلُون بعَجزِهم وضَعفِهم.. أيُّها المُعانِدُون الجامِحُون المُتمَرِّغُون في فَقرِهم وضَعفِهم.. إنَّكم إن لم
— 228 —
تُطيعُوا أَوامِري، فهيَّا اخرُجُوا مِن حُدُودِ مُلكِي وسُلطذا، فقِ استَطَعتُم! فكيفَ تَتَجرَّؤُون إذًا على عِصيانِ أَوامِرِ سُلطانٍ عَظيمٍ.. النُّجُومُ والأَقمارُ والشُّمُوسُ في قَبضَتِه، تَأْتَمِرُ السُّلِرِه، كأنَّها جُنُودٌ مُتأَهِّبُون.. فأَنتُم بطُغيانِكم هذا إنما تُبارِزُون حاكِمًا عَظيمًا جَليلًا له جُنُودٌ مُطيعُون مَهِيبُون، يَستَطِيعُون أن يَرجُمُوا بقَذائفَ كالجِبالِ حتَّى شلنَّعاَكم لو تَحَمَّلَت.. وأنتُم بكُفرانِكُم هذا إنَّما تَتمَرَّدُون في مَملَكةِ مالِكٍ عَظيمٍ جَليلٍ، له جُنُودٌ عِظامٌ يَستَطِيعُون أن يَقصِفُوا أَعداءً كَفَرةً یی ولو كانُوا في ضَخامةِ الأَرضِ والجِبال یی بقَذائفَ مّةُ مِبةٍ وشَظايا مِن لَهيبٍ كأَمثالِ الأَرضِ والجِبالِ، فيُمَزِّقُوكم ويُشَتِّتُوكم! فكيفَ بمَخلُوقاتٍ ضَعيفةٍ أَمثالِكم؟.. وأنتُم تُخالِفُون قانونًا صارِمًا يَرتَبِطُ به مَن له حَطُّمةُ یی بإذنٍ اللهِ یی أن يُمطِرَ علَيكم قَذائفَ وراجِماتٍ أَمثالَ النُّجُومِ.
نعم إنَّ في القُرآنِ الكَريمِ تَحشِيداتٍ ذاتَ أَهَمِّيّةٍ بالِغةٍ، فهي لَيسَت ناتِجةً مِن قُوّةِ الأَعداءِ، بل مِن أَسبابٍ أُخرَى كإظهارِ عَظَمةِ الأُلُوهيالرَّحَضْحِ العَدُوِّ وشَناعَتِه.
ثمَّ أَحيانًا تُحَشِّدُ الآيةُ الكَريمةُ أَعظَمَ الأَسبابِ وأَقواها لِأَصغَرِ شيءٍ وأَضعَفِه، وتَقرِنُ بَينَهما دُونَ تَجاوُزٍ للضَّعيفِ، وذلك إظهارًا لِكَمالِْمَ التِظامِ وغايةِ العَدلِ ونِهايةِ العِلمِ وقُوّةِ الحِكمةِ؛ فقَولُه تَعالَى: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَه إلى صيُبيِّنُ مَدَى الِاحتِرامِ اللّائقِ الَّذي حَظِيَ به النَّبيُّ الكَريمُ (ص)، ومَدَى الرَّحمةِ الواسِعةِ الَّتي تَشمَلُ حُقُوقَ الزَّوجاتِ.
فهذه الحُشُودُ إنَّما تُفيدُ: وَنً رَحيمةً في إظهارِ عَظَمةِ النَّبيِّ (ص) وعُلُوِّ مَكانَتِه عندَ اللهِ، وبيانِ أَهمِّيّةِ شَكوَى زَوجَتَينِ ضَعيفَتَينِ ومَدَى الرِّعايةاتِ القُوقِهما.
المَرتَبة السّابِعة
تَتبايَنُ النُّجومُ فيما بَينَها تَبايُنًا كَبيرًا، كما هي الحالُ في المَلائكةِ والأَسماكِ، فمِنها في غايةِ الصِّغَرِ، ومِنها في غايةِ الكِبَرِ، حتَّى أُطلِقَ على كلِّ ما يَلمَعُ في وَجهِ السَّماءِ بالنَّجلسَّاع وهكذا فنَوعٌ مِن أَنواعِ أَجناسِ النُّجُومِ هو لِتَزيِينِ وَجهِ السَّماءِ اللَّطيفِ، وكأنَّ
— 229 —
الفاطِرَ الجَليلَ والصّانِعَ الجَميلَ قد خَلَقَها كالثِّمارِ النَّیيِّرةِ لِتلك الشَّجَرةِ، أو كالأَسماكَين "اسَبِّحةِ للهِ لذلك البَحرِ الواسِعِ.. وكالأُلُوفِ مِنَ المَنازِلِ لِمَلائكَتِه، وخَلَق أَيضًا نَوْعًا صَغِيرًا مِنَ النُّجُومِ أَداةً لِرَجْمِ الشَّياطِينِ.
فالشُّه العَنَّتي تُرسَلُ لِرَجْمِ الشَّياطِينِ قد تَحمِلُ ثَلاثةَ مَعانٍ:
المَعنَى الأوَّل:أنَّه رَمزٌ وعَلامةٌ على جَرَيانِ قانُونِ المُبارَزةِ في أَولظّاهِائرةٍ مِن دَوائرِ الوُجُودِ.
المَعنَى الثَّاني:أنَّ في السَّماواتِ حُرَّاسًا يَقِظِينَ وأَهلِينَ مُطِيعينَ، فهذه الشُّهُبُ إشارةٌ وإعلانٌ عنِ امتِعاضِ جُنُودِ اللهِ مِنِ اختِلاطِ الأَرضِيِّينَ الشِّرِّيرينَ مُعجِاستِراقِ السَّمعِ مِنهم.
المَعنَى الثَّالث:أنَّ هذه الشُّهُبَ وكأنَّها مَجانيقُ وقَذائفُ تَنوِيرٍ هي لإرهابِ جَواسِيسِ الشَّياطينِ الَّذينٍ واحِرِقُون السَّمعَ، والَّذين يُمَثِّلُون المَساوِئَ الأَرضِيّةَ أَسوَأَ تَمثِيلٍ، وطَردِهم مِن أَبوابِ السَّماءِ، وذلك لِئَلَّا يُلَوِّثُوا السَّماءَ الطّاهِرةَ الَّتي هي سُكنَى الطّاهِرظائفَ لِيَحُولُوا بَينَهم وبينَ القِيامِ بالتَّجَسُّسِ لِحِسابِ النُّفُوسِ الخَبِيثةِ.
أيُّها الفَلَكيُّ المُعتَمِدُ على عَقلِه القاصِرِ، الَّذي لا يَتَجاوَزُ نُورُه نُورَ اليَراعةِ.. ويا مَن يُغمِضُ عَينَه عنزِي ال شَمسِ القُرآنِ المُبِينِ.. تَأَمَّلْ في هذه الحَقائقِ الَّتي تُشِيرُ إلَيها هذه المَراتِبُ السَّبعُ، تَأَمَّلْها دُفعةً واحِدةً.. أَبْصِرْ.. دَعْ عنك بَصِيصَ عَقلِك، وشاهِدْ مَعنَى الآيةِ الكَريمةِ في نُورِ إعجازِها الواضِحِ وُضُوحَ النَّهَوِّقةخُذْ نَجْمَ حَقيقةٍ واحِدةٍ مِن سَماءِ تلك الآيةِ الكَريمةِ، واقْذِفْ بها الشَّيطانَ القابِعَ في ذِهنِك وارْجُمْه بها.. ونحنُ كذلك نَفعَلُ هذا. ولْنَقُلْ معًا: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ.
.. فلِلّهِ الحُجّةُ البالِغةِن مُهِكمةُ القاطِعةُ..
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 230 —
ذيل الكلمة الخامَجلِ اْرة
المبحث الأول من المكتوب السادس والعشرون
بِاسْمِه سُبحانَه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْبٍ! بََّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
حُجّة القرآنِ على الشَّيطانِ وحِزبِه
إنَّ هذا المَبحَثَ الأَوَّلَ الَّذي يُلزِمُ إِبلِيسَ قَضِيِمُ الشَّيطانَ ويُسكِتُ أَهلَ الطُّغيانِ، نَتِيجةَ حادِثةٍ وقَعَت فِعلًا، رَدًّا على دَسِيسةٍ شَيطانيّةٍ رَهِيبةٍ، ساقَها ضِمنَ مُحاكَمةٍ عَقلِيّةٍ حِ"الحَمةٍ؛ وقد كَتَبتُ تلك الحادِثةَ قَبلَ عَشرِ سَنَواتٍ كِتابةً مُجمَلةً في كِتابِ "اللَّوامِعِ" وأَذكُرُها الآنَ:
قَبلَ تَألِيفِ هذه الرِّسالةِ بإِحدَى عَشْرةَ سَنةً كُنتُ أُنصلى هذاومًا إلى القُرآنِ الكَرِيمِ مِن حُفّاظٍ كِرامٍ في جامِعِ بايَزِيدَ بإسطَنبُولَ، وذلك في أَيّامِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وإذا بي أَسمَعُ كأنَّ صَوتًا مَعنَوَّذي ي صَرَفَ ذِهنِي إلَيْه، دُونَ أن أَرَى شَخْصَه بالذّاتِ، فأَعَرتُ له السَّمعَ خَيالًا، ووَجَدتُه يقُولُ:
إنَّك تَرَى القُرآنَ سامِيًا جِدًّا ولامِعًا جِدًّا، فهَلّا نَظَرتَ إلَيْه نَظْرةً حِيادِيّةً، ووازَنتَه بمِيزانِ مُحاكَمةٍ عَقلِمٍ خاصِيادِيّةٍ؛ أَعنِي: اِفرِضِ القُرآنَ قَولُ بَشَرٍ، ثمَّ انظُر إلَيْه بَعدَ هذا الفَرضِ هل تَجِدُ فيه تلك المَزايا والمَحاسِنَ؟!
اغتَرَرتُ به في الحَقِيقةِ، فافتَرَضتُ القُرآنَ قَولَ بَشسُ والنَظَرتُ إلَيْه مِن تلك
— 231 —
الزّاوِيةِ، وإذا بي أَرَى نَفسِي في ظَلامٍ دامِسٍ، فقدِ انطَفَأَت أَضواءُ القُرآنِ السّاطِعةُ، وعَمَّ الظَّلامُ الأَرْجاءَ َذي قَعُمُّ الجامِعَ كُلَّه إذا مَسَّ أَحَدُهُم مِفتاحَ الكَهرَباءِ.
فعَلِمتُ عِندَها أنَّ المُتَكلِّمَ مَعِي هو شَيْطانٌ يُرِيدُ أن يُوقِعَني في هاوِيةٍ، فاستَعصَمتُ بالقُرآنِ الكَرِيمِ نَفسِه، وإذا بنُورٍَّ، جَفُه اللهُ سُبحانَه في قَلبِي، أَجِدُ نَفسِي به، قَوِيًّا قادِرًا على الدَّفاعِ.. وحِينَها بَدَأَتِ المُناظَرةُ معَ الشَّيطانِ على النَّحوِ الآتي:
قُلتُ: أيُّها الشُّيطانُ، إنَّ المُحاكَمةَ الحِيادِيّةَ دُونَ انحِيازٍ إلضاءُ إدِ الطَّرَفَينِ یی هي التِزامُ مَوضِعٍ وَسَطٍ بَينَهُما، بَيدَ أنَّ المُحاكَمةَ الحِيادِيّةَ الَّتي تَدعُو إلَيْها أَنتَ وتَلامِيذُك مِنَ الإِنسِ یی إنَّما هي التِزامُ الالحَديِ المُخالِفِ، فهِي لَيسَت حِيادِيّةً، بل خُرُوجٌ عنِ الدِّينِ مُؤَقَّتًا، ذلك لِأنَّ النَّظَرَ إلى القُرآنِ أنَّه كَلامُ بَشَرٍ وإِجراءُ مُحاكَمةٍ عَقلِةٍ یی ي ضَوءِ هذا الفَرضِ ما هو إلّا اتِّخاذُ الطَّرَفِ المُخالِفِ أَساسًا، والتِزامٌ لِلباطِلِ أَصلًا، ولَيسَ أَمرًا حِيادِيًّا، بل هو انحِيازٌ لِلباطِلِ ومُوالاةٌ له.
فقال الشَّيطانُ: افْرِضْه كَلا"إيهِ سَطًا، لا تَقُل: إنَّه كَلامُ اللهِ، ولا كَلامُ بَشَرٍ.
قُلتُ: وهذا أَيضًا لا يُمكِنُ أن يكُونَ قَطعًا، لِأنَّه إذا وُجِدَ مالٌ مُنازَعٌ فيه، وكان المُدَّعِيانِ مُتَقارِبَينِ، أي: قَر سيُدَِ مِن بَعضِهِما مَكانًا، حِينَئذٍ يُوضَعُ ذلك المالُ لَدَى شَخصِ غَيرِهِما، أو في مَكانٍ تَنالُه أَيدِيهِما؛ فأيُّما الطَّرَفَينِ أَقامَ الحُجّةَ على الآخَرِ، وأَثبَتَ دَعوالأنوارَذ المالَ، ولكِن لو كان المُدَّعِيانِ مُتَباعِدَينِ، أَحَدُهُما عنِ الآخَرِ غايةَ البُعدِ، كأَن يكُونَ أَحَدُهُما في المَشرِقِ والآخَرُ في المَغرِبِ، عِندَئِذٍ يُتٍ بالنالمالُ لَدَى "ذِي اليَدِ" مِنهُما، حَسَبَ القاعِدةِ المَعرُوفةِ، ذلك لِأنَّه لا يُمكِنُ تَركُ المالِ في مَوضِعٍ وَسَطٍ بَينَهُما.
وهكذا فالقُرآنُ الكَرِيمُ مَتاعٌ ثَمِينٌ وبِضاعةٌ سامِيةٌسَواءٌ رَفِيعٌ للهِ، والبُعدُ بَينَ الطَّرَفَينِ بُعدٌ مُطلَقٌ لا يَحُدُّه حَدٌّ، إذ هُو البُعدُ ما بَينَ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ وكَلامِ بَشَرٍ؛ ولِهذا لا يُمكِنُ وَضعُ المالِ وَسَطَوَحدَهرَفَينِ، إذ لا وَسَطَ بَينَهُما إِطلاقًا، لِأنَّهُما كالوُجُودِ والعَدَمِ، فلا وَسَطَ بَينَهُما؛ لِذا فإنَّ صاحِبَ اليَدِ لِلقُرآنِ هو الطَّرَفُ الإلٰهِيُّ؛ ولِهذا يَنبَغِي أن يُقبَلَ الأَمرُ هكَذاَن كانُ الأَدِلّةِ في ضَوْئِها، أي: أنَّه بِيَدِه سُبحانَه؛ إلّا إذا استَطاعَ
— 232 —
الطَّرَفُ الآخَرُ دَحَضَ جَمِيعَ البَراهِينِ المُشِيرةِ إلى أنَّه القُرآ اللهِ، وتَفنِيدَها الواحِدَ تِلوَ الآخَرِ، عِندَئذٍ يُمكِنُه أن يَمُدَّ يَدَه إلَيْه، وإلّا فلا.
هَيْهاتَ! مَن ذا يَستَطِيعُ أن يُزَحزِحَ تلك الدُّرّةَ الغاليةَ المُثبَّتةَ بالعَرشِ الأَعظَمِ بآلافٍ مِن مُثبِتِرَاز بَراهِينِ الدّامِغةِ، وأنَّى لِأَحَدٍ الجُرأةُ على هَدْمِ دَلائِلِ الأَعمِدةِ القائِمةِ، لِيُسقِطَ تلك الدُّرّةَ النَّفِيسةَ مِنَ العَرشِ السّامِي.
فيا أَيُّها الشَّيطانُ، إنَّ أَهلَ ابةً قَ والإِنصافِ يُحاكِمُونَ الأُمُورَ مُحاكَمةً عَقلِيّةً سَلِيمةً على هذه الصُّورةِ رَغمَ أَنفِك، بل يَزدادُونَ إِيمانًا بالقُرآنِ بأَصغَرِ دَلِيلٍ.
أمّا الطَّرِيقُ الَّلكِتابُلُّ علَيْه أَنتَ وتَلامِيذُك، أي: لوِ افتُرِضَ القُرآنُ كَلامَ بَشَرٍ، ولو لِمَرّةٍ واحِدةٍ، أي: لو أُسقِطَت تلك الدُّرّةُ العَظِيمةُ الثّابِتةا تُفيَرشِ إلى الأَرضِ، فيَلزَمُ وُجُودُ بُرهانٍ قَوِيٍّ وعَظِيمٍ يَعلُو جَمِيعَ البَراهِينِ ويتَّسِعُ لِجَمِيعِ الدَّلائِلِ، كي يَقوَى على الِارتِفاعِ بها مِنَ الأَردَّ أنثبِتُها في العَرشِ المَعنَوِيِّ، وبذلِك وَحدَه يَنجُو مِن ظُلُماتِ الكُفرِ وأَوْهامِه ويَبلُغُ نُورَ الإِيمانِ ويُدرِكُه، وهذا أَمرٌ عَسِيرٌ قلَّما يُوفَّقُ المَرءُ إلَيْه في هذا الزَّمانِ، ومِن هُنا يَفقِا في حَثِيرُونَ في هذا الزَّمانِ إِيمانَهُم بدَسِيسَتِك المُلفَّعةِ باسمِ المُحاكَمةِ العَقلِيّةِ الحِيادِيّةِ.
انبَرَى الشَّيطانُ قائِلًا: إنَّ سِياقَ الكَلامِ في القُرآنِ شَبِيهٌ بكَلامِ البَشَرِ، فهُو يُجرِي مُحاوَراتِه لعظيمِلُوبِ مُحاوَرةِ البَشَرِ، فإِذًا هو كَلامُ بَشَرٍ، إذ لو كانَ كلامَ اللهِ لَكانَ خارِقًا لِلعادةِ في كلِّ جِهاتِه، بما يَلِيقُ باللهِ، ولا يُشبِهُ كَلامَ البَشَرِ، مِثلَما لا تُشبِهُ صَنْعةُ اللهِ صَنْعةَ بَشَرٍ!
فقُلتُ جَوابعرُوفُنَّ رَسُولَنا الأَعظَمَ (ص) ظَلَّ في طَورِ بَشَرِيَّتِه في أَفعالِه وأَحوالِه وأَطوارِه كُلِّها فيما سِوَى مُعجِزاتِه وخَصائِصِه یی فانقادَ انقِيادَ طاعةٍ لِسُنَنِ اللهِ وأالمُنَِه التَّكوِينيّةِ، كأَيِّ إِنسانٍ آخَرَ، فكان يُقاسِي البَردَ ويُعانِي الأَلمَ.. وهكذا لم يُوهَب له خَوارِقُ غيرُ عادِيّةٍ في أَحوالِه وأَطوارِه كُلِّها، وذلك لِيكُونمَ بوَةً لِلأُمّةِ بأَفعالِه، ومُرشِدًا لَهُم بأَطوارِه، وهادِيًا لِلنّاسِ كافّةً بحَرَكاتِه وسَكَناتِه، إذ لو كانَ خارِقًا لِلعادةِ في كلِّ
— 233 —
أَطوارِه لَمَا تَسَننظُرِي أن يكُونَ إِمامًا لِلنّاسِ كافّةً، وقُدْوةً لَهُم في جَمِيعِ شُؤُونِه بالذّاتِ، ولَمَا كان مُرشِدًا لِلنّاسِ كافّةً، ولَمَا كان رَحْمةً لِلعالَمِينَ في جَمِيعِ أَحوالِه.
كَذلِما أُومرُ في القُرآنِ الحَكِيمَ، إذ هو إِمامُ أَربابِ الشُّعُورِ ومُرشِدُ الجِنِّ والإِنسِ وهادِي الكامِلِينَ ومُعلِّمُ أَهلِ الحَقِيقةِ، فالضَّرُورةُ تَقتَضِي أن يكُونَ على نَمَطِ مُحاوَرةِ البَشَرِ وأُى مَساه، لِأنَّ الإِنسَ والجِنَّ يَستَلهِمُونَ مُناجاتَهُم مِنه، ويَتَعلَّمُونَ دَعَواتِهِم مِنه، ويَذكُرُونَ مَسائِلَهُم بلِسانِه، ويَتَعرَّفُونَ مِنه آدابَ مُعاشَرَتِهِم.. وهكذا يَتَّخِذُه كلُّ مُؤمِنٍ به إِمامًا له ومَرجِعًا يَرجِعًُّا عله.
فلَو كانَ القُرآنُ على نَمَطِ الكَلامِ الإلٰهِيِّ الَّذي سَمِعَه سَيِّدُنا مُوسَى عَليهِ السَّلام في "جَبَلِ الطُّورِ" لَمَا أَطاقَ الب من السَماعَه ولا قَدَر على الإِنصاتِ إلَيْه، ولا استَطاعَ أن يَجعَلَه مَرجِعًا لِشُؤُونِه كافّةً؛ فسَيِّدُنا مُوسَى عَليهِ السَّلام، وهُو مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، ما استَطاعَ أن يَتَحمَّلَ إلّا سَماعَ بَعضٍ مِن كَلامِه سُبحانَه، حَيثُ قاَ عَليكَذا كَلامُك؟ قال اللهُ: لي قُوّةُ جَمِيعِ الأَلسِنةِ.
ولكِنَّ الشَّيطانَ عادَ قائِلًا: كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَذكُرُونَ مَسائِلَ دِينيّةً شَبِيهةً بما في القُرآنِ، الدُّمكِنُ لِبَشَرٍ أن يَأْتِيَ بشَيءٍ شَبِيهٍ بالقُرآنِ بِاسمِ الدِّينِ؟
فقُلتُ مُستَلهِمًا مِن فَيضِ القُرآنِ الكَرِيمِ:
أوَّلًا:إنَّ ذا الدِّينَ يُبيِّنُ الحَقَّ ويقَدَى صالحَقُّ كذا، الحَقِيقةُ هكذا، وأَمرُ اللهِ هذا.. يقُولُه بدافِعِ حُبِّه لِلدِّينِ، ولا يَتكَلَّمُ بِاسمِ اللهِ حَسَبَ هَواه، ولا يَتَجاوَزُ طَوْرَه بالأَوّحَدَّ له، بأن يَدَّعِيَ أنَّه يَتَكلَّمُ بِاسمِ اللهِ أو يَتَكلَّمُ عنه فيُقلِّدُه في كَلامِه سُبحانَه، بل تَرتَعِدُ فَرائِصُه أَمامَ الدُّستُورِ الإلٰهِيِّ: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ.
ثانيًا:إنَّه لا يُمكِنُ بحالٍ مِنَ ٌ أنَّالِ أن يقُومَ بَشَرٌ بهذا العَمَلِ ثمَّ يُوَفَّقَ فيه، بل هذا مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ، لِأنَّ أَشخاصًا مُتَقارِبِينَ يُمكِنُهُم أن يُقلِّي فقد َدُهُمُ الآخَرَ، ورُبَّما يُمكِنُ لِمَن هم مِن جِنسٍ واحِدٍ أو صِنفٍ واحِدٍ أن يَتَقمَّصَ أَحَدُهُم شَخصِيّةَ الآخَرِ، فيَستَغفِلُوا النّاسَ مُؤَقَّتًا.
— 234 —
ولكِن لا يُمكِنُ أن يَستَِ وأَمأَحَدُهُمُ النّاسَ بصُورةٍ دائِمةٍ، إذ سيَظهَرُ لِأَهلِ العِلمِ والمَعرِفةِ مَدَى التَّصَنُّعِ والتَّكلُّفِ في أَطْوارِه وأَفعالِه لا مَحالةَ؛ ولا بُدَّ أن يَنكَشِفَ كَذِبُه يَومًا، فلا تَدُومُ حِيلَتُه قَطُّ، وِيّةِ الَّذي يُرِيدُ التَّقلِيدَ بَعِيدًا غايةَ البُعدِ، كأَنْ يكُونَ شَخْصًا اعتِيادِيًّا يُرِيدُ أن يُقلِّدَ ابنَ سِينا في العِلمِ، أو راعِيًا يُرِيدُ أن يَظهَرَ الطَّيرِ السُّلطانِ في مُلكِه، فلا يَتَمكَّنُ أن يَخدَعَ أَحَدًا مِنَ النّاسِ، بل يكُونُ مَوضِعَ استِهزاءٍ وسُخرِيةٍ، إذ كلُّ حالٍ مِن أَحوالِه سيَصرُخُ: إنَّ هذا خَدّاعٌ.
وكما أنَّه مُحالٌ ظُهُورُ اليَراعةِ دَ أَحةُ اللَّيلِ) لِأَهلِ الرَّصْدِ والفَلَكِ بمَظهَرِ نَجمٍ حَقِيقيٍّ، طَوالَ أَلفِ سَنةٍ، دُونَ تكَلُّفٍ! وكما أنَّه مُحالٌ ظُهُورُ الذُّبابِ بمَظهَرِ الطّاوُوسِ لِذَوِي الأَبصارِ، طَوالَ الزَّسَنةٍ دُونَ تَصَنُّعٍ! وكما أنَّه مُحالٌ تَقَمُّصُ جُندِيٍّ اعتِيادِيٍّ طَوْرَ مُشِيرٍ في الجَيشِ واعتِلاءُ مَقامِه مُدّةً مَدِيدةً، مِن دُونِ أن يَكشِفَ أَحَدٌ خِداعَه! وكما أنَّه مُحالٌ ظُهُورُ مُفتَرٍ كاذِبٍ لا مِن الَ له في طَوْرِ أَصدَقِ النّاسِ وأَكثَرِهِم إِيمانًا وأَرسَخِهِم عَقِيدةً، طَوالَ حَياتِه، أَمامَ أَنظارِ المُتَفحِّصِينَ المُدَقِّقينَ، بلا تَرَدُّدٍ ولا اضطِرابٍ، ويُخفِي تَصَنُّعَه عن أَنظارِ الدُّهرَجَ ف فكما أنَّ هذه الأَمثِلةَ مُحالةٌ في مِئةِ مُحالٍ، ولا يُمكِنُ أن يُصَدِّقَها كلُّ مَن يَملِكُ مُسكةً مِن عَقلٍ، بل لا بُدَّ أن يَحكُمَ أنَّها هَذَيانٌ وجُنُونٌ.. كَذلِكُ الحَاضُ القُرآنِ كَلامَ بَشَرٍ حاشَ للهِ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ حاشَ للهِ یی إذ يَستَلزِمُ عدَّ ماهِيّةِ الكِتابِ المُبِينِ الَّذي هو نَجمُ الحَقِيقةِ اللّامِعُ، بل شَمسُ الكَمالاتِ السّاطِعةِ، تُشِعُّ دَومًا أَنوارَ الحَقائِقِ في إلى دا عالَمِ الإِسلامِ، كما هو مُشاهَدٌ.. يَستَلزِمُ الفَرضُ عَدَّ ذلك النُّورِ السّاطِعِ بَصِيصًا يَحمِلُه مُتَصنِّعٌ، يَصُوغُه مِن عِندِ نَفسِه بالخُرافاتِ (حاشَ للهِ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ) والأَقرَبُونَ مِنه والمُدَقِّقُونَ لِأَحوالِه لا يُمَرَوِيّونَ ذلك، بل يَرَونَه نَجْمًا عالِيًا ومَنبَعًا ثَرًّا لِلحَقائِقِ! وما هذا إلّا مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ؛ فَضْلًا عن ذلك فإنَّك أيُّها الشَّيطانُ، إن تَمادَيتُ في خَنَّمَودَسائِسِك أَضعافَ أَضعافِ ما أَنتَ علَيْه الآنَ، فلن تَستَطِيعُ أن تَجعَلَ هذا المُحالَ مُمكِنًا، ولن تُقنِعَ به عَقلًا سَلِيمًا قَطُّ، ولكِنَّك تُغَرِّرُ بالنّاسِ بإِراءَتِهِمَرِكُ مُورَ مِن بَعِيدٍ، فتُرِيهِمُ النَّجمَ اللّامِعَ صَغِيرًا كاليَراعةِ.
— 235 —
ثالثًا:إنَّ افتِراضَ القُرآنِ كَلامَ بَشَرٍ يَستَلزِمُ أن تكُونَ حَقائِقُ وأَسرارُ الفُرقانِ الحَكِيمِ ذِي المَزايا السّامِيةِ والبَيانِ المُعجِزِ، الجامبمَظهَكُلِّ رَطبٍ ويابِسٍ، الَّذي له آثارٌ جَلِيلةٌ في عالَمِ الإِنسانيّةِ، وتَجَلِّياتٌ باهِرةٌ وتَأثِيراتٌ طَيِّبةٌ مُبارَكةٌ ونَتائِجُ قَيِّمةٌ كما هو مُشاهَدٌ یی إذ هو الَّذي يَن! سُبحي البَشَرِيّةِ الرُّوحَ ويَبعَثُ فيها الحَياةَ ويُوصِلُها إلى السَّعادةِ الخالِدةِ.. يَستَلزِمُ الفَرضُ أن يكُونَ هذا الفُرقانُ الحَكِيمُ وحَقائِقُه الجَلِيلةُ مِنمُتَبدلاقِ وافتِراءِ إِنسانٍ لا عِلمَ له ولا مُعِينَ، ويَلزَمُ ألّا يُشاهِدَ علَيْه أُولَئِك الدُّهاةُ الفَطِنُونَ القَرِيبُونَ مِنه المُتَفحِّصُونَ لِأَحوالِه، أيّةَ عَلامةٍ مِن عَلائِمِ الخِداعِ والتَّموِيهِ، بل يَرَنزٍ عائِمًا إِخلاصَه وثَباتَه وجِدِّيَّتَه.
وهذا مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ، فَضْلًا عن أنَّ الَّذي أَظهَرَ في أَحوالِه وأَقوالِه وحَرَكاتِه كُلَّى، وبوالَ حَياتِه الأَمانةَ والإِيمانَ والأَمانَ والإِخلاصَ والصِّدقَ والِاستِقامةَ، وأَرشَدَ إلَيْها ورَبَّى الصِّدِّيقِينَ على تلك الصِّفاتِ السّامِيةِ بَنُوهالِ الرَّفِيعةِ.. يَلزَمُ أن يكُونَ بذلك الِافتِراضِ یی مِمَّن لا يُوثَقُ به، ولا إِخلاصَ له ولا يَحمِلُ عَقِيدةً.. وما ذلك إلّا رُؤيةُ المُحالِ في المُحالِ المُضاعَفِ حَقِيقةً واقِعةً! وما ذلك إلَلَّ اَيانٌ فِكْرِيٌّ يَخجَلُ مِنه حتَّى الشَّيطانُ نَفسُه.. ذلك لِأنَّ المَسأَلةَ لا وَسَطَ لها، إذ لو لم يَكُنِ القُرآنُ الكَرِيمُ بفَرْضِ مُحالٍ یی كَلامَثِّلهِ، فإنَّه يَهوِي ساقِطًا مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ إلى الأَرضِ. ولا يَبقَى في الوَسَطِ، فيَكُونُ مَنبَعَ الخُرافاتِ، وهو مَجمَعُ الحَقائِقِ المَحْضةِ، وكذا فإنَّ الَّذي أَظهَرَ ذلك الأَمرَ الرَّبّانِيَّ البَلِّغ لو لم يكُن رَسُولًا حاشَ للهِ ثمَّ حاشَ للهِ یی يَلزَمُ بهذا الِافتِراضِ أنْ يَهوِيَ مِن أَعلَى عِلِّيِّينَ إلى أَسفَلِ سافِلِينَ، ومِن دَرَجةِ مَنبَعِ الكَمالاتِ والفَضائِلِ إلى مَعدِنِ الدَّسائِسِ، ولا يَبقَى في الوَسَطِتَعلِّ لِأنَّ الَّذي يَفتَرِي على اللهِ ويَكذِبُ علَيْه يَسقُطُ إلى أَدنَى الدَّرَكاتِ.
إنَّ رُؤْيةَ الذُّبابِ طاوُوسًا رُؤْيةً دائِمةً، ومُشاهَدةَ أَوْصافِ الطَّاوُوسِ الرِّيًا و في ذلك الذُّبابِ، كما أنَّها مُحالٌ فهذه المَسأَلةِ أيضًا مُحالٌ مِثلُها، ولا يُمكِنُ أن يُعطِيَها احتِمالًا قَطُّ إلّا مَن كان سِكِّيرًا فاقِدَ العَقلِ.
رابعًا:إنَّ افتِراضَ القُرآنِ الكَرَِتي، ولامَ بَشَرٍ يَلزَمُ مِنه أنْ يكُونَ القُرآنُ الَّذي هو القائِدُ المُقدَّسُ والنُّورُ الهادِي لِلأُمّةِ المُحمَّدِيّةِ، المُمَثِّلةِ لِأَعظَمِ جَماعةٍ وجَيشٍ في
— 236 —
بَنِي آدَمَ، والَّذي يَستَطِيعُ بقَوانِينِه الرَّصِينةِ ودَساتِيرِه الِنا الةِ وأَوامِرِه النّافِذةِ أن يَغزُوَ بذلك الجَيشِ العَظِيمِ كِلا العالَمَينِ ويَفتَحَ الدُّنيا والآخِرةَ، بما أَعطاهُم مِن نِظامٍ لِتَسيِيرِ أَحوالِهِم وتَنسِيقِ شُؤُونِهِم، وبما جَهَّزَهُم به مِن أَ لِكُل مَعنَوِيّةٍ ومادِّيّةٍ، وعَلَّم عُقُولَ الأَفرادِ كلًّا حَسَبَ دَرَجَتِه یی ورَبَّى قُلُوبَهُم وسَخَّر أَرواحَهُم وطَهَّر وِجْدانَهُم واستَخْدَم جَوارِحَهُم كما هو مُشاهَدٌ یی فيَلزَمُ بذلك الِافتِراضِ أن يكُونأنَّ دمًا مُلَفَّقًا لا قُوّةَ له ولا أَهَمِّيّةَ ولا أَصلَ حاشَ للهِ ثمَّ حاشَ للهِ یی أي: يَلزَمُ قَبُولُ مِئةِ مُحالٍ في مُحالٍ.
فَضْلًا عن أن يكُونَ الَّذي أَمضَى حَياتَه مُنقادً، والّوانينِ اللهِ ومُرشِدًا إلَيْها، وعَلَّم البَشَرِيّةَ دَساتِيرَ الحَقِيقةِ، بأَفعالِه الخالِصةِ، وأَظهَرَ أُصُولَ الِاستِقامةِ وطَرِيقَ السَّعادةِ بأَقوالِه الطَّيِّبةِ المَعقالرَّس وكان أَخشَى النّاسِ للهِ وأَعرَفَهُم به، وأَكثَرَ مَن عَرَّفَهُم به بشَهادةِ سِيرَتِه العَطِرةِ، حتَّى انضَوَى تَحتَ لِوائِه خُمُسُ البَشَرِيّةِ ونِصفُ الكُرةِ الأَرضِيّةِ طَوالَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ عامًا، فكانَ فيها قائِدًا رائَوجُودِلأُمّةِ، حتَّى إنَّه هَزَّ العالَمَ أَجمَعَ وأَصبَحَ حَقًّا فَخرَ البَشَرِيّةِ، بل فَخرَ العالَمِينَ.. فيَلزَمُ بهذا الِافتِراضِ أن يكُونَ غيرَ عارِفٍ با الِانلا يَخشَى عَذابَه وفي مُستَوَى إِنسانٍ عادِيٍّ، أي: يَلزَمُ ارتِكابُ مُحالٍ في مِئةِ مُحالٍ، لِأنَّ المَسأَلةَ لا وَسَطَ لها، إذ لو لم يكُنِ القُرآنُ الكَرِيمُ كَاتِ الللهِ، وسَقَط مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ، لا يَقدِرُ أن يَظَلَّ في الوَسَطِ بل يَلزَمُ أن يكُونَ بِضاعةَ أَحَدِ الكَذّابِينَ في الأَرضِ.
ومِن هُنا فيا أيُّها الشَّيطانُ، لو تَضاعَفَت دَسائِسُك مِئةَ جلِ أَلَمَا أَقنَعتَ بهذا الِافتِراضِ مَن يَملِكُ عَقلًا لم يَفسُد وقَلبًا لم يَتَفسَّخ.
انبَرَى الشَّيطانُ قائِلًا: كَيفَ لا أَستَطِيعُ أن أُغوُّلاتم؟ فلَقد دَفَعتُ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ والعُقَلاءِ المَشهُورِينَ مِنهُم خاصّةً إلى إِنكارِ القُرآنِ وإِنكارِ نُبُوّةِ مُحمَّدٍ!
الجَوابُ:
أوَّلًا:إذا نُسةُ لللى أَكبَرِ شَيءٍ مِن مَسافةٍ بَعِيدةٍ، يَظهَرُ كأنَّه شَيءٌ صَغِيرٌ لِلغايةِ. حتَّى يُمكِنُ لِمَن يَنظُرُ إلى نَجمٍ أن يقُولَ: إنَّ ضَوْءَه كالشَّمْعةِ.
ثانيًا:إنَّ النَّظَرَ التَّبَعِيَّ أوِ السَّطحِيَّ يَرَى المُحي: إن لمُمكِنِ، يُروَى أنَّ شَيخًا كَبِيرًا
— 237 —
نَظَر إلى السَّماءِ لِرُؤيةِ هِلالِ رَمَضانَ، وقد نَزَلَت شَعْرةٌ بَيضاءُ مِن حاجِبِه أَمامَ عَينِه، راراتِها الهِلالَ، فقال: لقد شاهَدتُ الهِلالَ!!
وهكذا فمِنَ المُحالِ أنْ تكُونَ تلك الشَّعْرةُ هِلالًا، ولكِن لِأنَّه قَصَد في رُؤْيتِه الهِلالَ بالذّاتِ وتَراءَت تلك الشَّعْرةُ أَمامَهرَفَت رَت له ظُهُورًا تَبَعيًّا أي: ثانَوِيًّا یی لِذا تَلقَّى ذلك المُحالَ مُمكِنًا.
ثالثًا:إنَّ الإِنكارَ شَيءٌ وعَدَمَ القَبُولِ أوِ الرَّفضَ شَيءٌ آخَرُ، إذ إنَّ عَدَمَ القَبُولِ هو عَدَمُ مُبالاةٍ، فهُو إِغماضُ العَيِنَ الامَ الحَقائِقِ ونَفيٌ بجَهالةٍ، ولَيسَ بحُكمٍ؛ وبهذا يُمكِنُ أن يَستَتِرَ كَثِيرٌ مِنَ المُحالاتِ تَحتَ هذا السِّتارِ، إذ لا يَشغَلُ عَقلَه بتلك الأُمُورِ.
أمّا الإِنكارُ فهُو لَيسَ بعَدَمِ قَبُولٍ، بل هو قَبُولُ العَدَمِ، فهُو حُكمَّى لهطَرُّ صاحِبُه إلى إِشغالِ عَقلِه وإِعمالِ فِكرِه.
وعلى هذا يُمكِنُ لِشَيطانٍ مِثلِك أن يَسلُبَ مِنه العَقلَ، ثمَّ يَخدَعَه بالإِنكارِ.
ثمَّ إنَّك أيالرّابلشَّيطانُ قد خَدَعتَ أُولَئِك الشُّقاةِ مِنَ الأَنعامِ الَّذين هُم في صُوَرِ الأَناسِيِّ، فمَهَّدتَ لَهُمُ الكُفرَ والإِنكارَ اللَّذَينِ يُولِّدانِ كَثِيرًا جِدًّا مِنَ المُحالاتِ، بالغَفْلةِ فعلىَلالةِ والسَّفسَطةِ والعِنادِ والمُغالَطةِ والمُكابَرةِ والإِغفالِ والتَّقلِيدِ وأَمثالِها مِنَ الدَّسائِسِ الَّتي تُرِي الباطِلَ حَقًّا والمُحالَ مُمكِنًا.
رابعًا:إنَّ افتِراضَ القُرآنِ اِيَ احمِ كَلامَ بَشَرٍ يَستَلزِمُ أن يُتَصوَّرَ كِتابًا يُرشِدُ كما هو مُشاهَدٌ یی الأَصفِياءَ والصِّدِّيقِينَ والأَقطابِ الَّذين يَتَلألَؤُونَ كالنُّجُومِ في سَماءِ الإنسانيّةِ، نُ بإشِمُ بالبَداهةِ الحَقَّ والعَدلَ والصِّدقَ والِاستِقامةَ والأَمنَ والأَمانَ لِجَمِيعِ أَهلِ الكَمالِ، ويُحَقِّقُ سَعادةَ الدّارَينِ بحَقائِقِ أَركانِ الإيمانِ ودَساتيرِ أَركانِ الإسلامِ، وهُو الكِتابُ الحَقُّ المُبِينُ والحَقِيقةُ الزَّكِيّةُ عِجةِ ِرةُ، وهُو الصِّدقُ بعَينِه والقَولُ الفَصلُ الَّذي لا يَأْتيه الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيه ولا مِن خَلفِه.. يَستَلزِمُ أن يُتَصوَّرَ بهذاائدَ اتِراضِ یی خِلافُ أَوصافِه وتَأثِيراتِه وأَنوارِه، أي: يَستَلزِمُ تَصَوُّرَه افتِراءً مِن خَدّاعٍ.. وما هذا إلّا مُحالٌ شَنِيعٌ يَخجَلُ مِنه حتَّى السُّوفسَطائيُّونَ والشَّياطِينُ أَنفُسُهُم، إذ هو هَذَيانٌ فِكه في غتَرتَعِدُ مِنه الفَرائصُ.
— 238 —
زِدْ على ذلك يَلزَمُ بذلك الِافتِراضِ أن يكُونَ مَن هو أَرسَخُ عَقِيدةً وأَمتَنُ إِيمانًا وأَصدَقُ كَلامًا وآمَنُ قَلْبًا، بشَهادةِ الشَّرِيعةِ الغَرّاءمِخَ لتي أَتَى بها وبدَلالةِ ما أَظهَرَه بالِاتِّفاقِ یی مِنَ التَّقوَى الخارِقةِ، والعُبُودِيّةِ الخالِصةِ، وبمُقتَضَى أَخلاقِه الفاضِلةِ المُتَّفَقِ علَيْها بَينَ الأَولياءِ والأَعداءِ، وبتَصدِيقِ مَن رَبّاهُم مِن أَهلِ العِلملصَّمََّحقِيقِ وأَهلِ الحَقِيقةِ وأَربابِ الكَمالِ.. يَلزَمُ بذلك الِافتِراضِ یی أن يكُونَ فاقِدًا لِلعَقِيدةِ، لا يُوثَقُ به، ولا يَخشَى اللهَ (حاشَ للهِ ثمَّ أَلفُ أَلفِه قد وٍ حاشَ للهِ)، وما هذا إلّا ارتِكابٌ لِأَقبَحِ مُحالٍ مَمجُوجٍ وضَلالةٌ مُوغِلةٌ في الظُّلمِ والظُّلُماتِ.
نَحصُلُ مِمّا سَبَق:مِثلَما ذُكِر في "الإشارةِ الثّةً، غي عَشْرةَ" مِنَ "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَرَ" أنَّ الَّذي لا يَملِكُ إلّا قُدرةَ الِاستِماعِ في فَهمِ إِعجازِ القُرآنِ قد قال: إذا قِيسَ القُرآنُ معَ جَمِيعَعلَ اَمِعتُه مِن كُتُبٍ، نَراه لا يُشبِهُ أيًّا مِنها، ولَيسَ في مُستَوَى تلك الكُتُبِ؛ لِذا فالقُرآنُ: إمّا أنَّه تَحتَ الجَمِيعِ، أو فَوقَ الجَمِيعِ؛ أمّا الشِّقُّ الأَوَّلُ، فمَعَ كَونِه مُحالًا لا يَ بعدَيعُ حتَّى الأَعداءُ بل حتَّى الشَّيطانُ نَفسُه یی قَوْلَه، لِذا فالقُرآنُ أَرفَعُ وأَسمَى مِن جَمِيعِ تلك الكُتُبِ، أي: أنَّه مُعجِزةٌ.
وعلى غِرارِ هذا نقُولُ مُستَنِدِينَ إلى حُجّةٍ قاطِعةٍ وهي الَّتي تُسَمَّى (بالسَّبْرِ وداثِ اسِيمِ) حَسَبَ عِلمِ الأُصُولِ وعِلمِ المَنطِقِ:
أيُّها الشَّيطانُ، ويا تَلامِيذَ الشَّيطانِ..
إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ إمّا أنَّه كَلامُ اللهِ آتٍ مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ، م بمَعنِاسمِ الأَعظَمِ، أو أنَّه افتِراءُ شَخصٍ لا يَخشَى اللهَ ولا يتَّقِيه ولا يَعتَقِدُ به ولا يَعرِفُه (حاشَ للهِ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ حاشَ للهِ)، وهذا الكَلامُ لا تَقدِرُ أن تَقُولَه ولن تَقُولَه قَطعًا حَسَبَ ارَ حتِّ السّابِقةِ القاطِعةِ؛ لِذا وبالضَّرُورةِ وبلا أَدنَى شُبهةٍ يكُونُ القُرآنُ الكَرِيمُ كَلامَ رَبِّ العالَمِينَ، ذلك لِأنَّه لَيسَ هُناك وَسَطٌ في المَسأَلةِ، إذ هو مُحالٌ لاى اللهنُ أن يَحدُثَ قَطُّ، كما أَثْبَتْناه إِثباتًا قاطِعًا، وقد شاهَدتَه بنَفسِك واستَمَعتَ إلَيْه.
وكذا فإنَّ مُحمَّدًا (ص) إمّا أنَّه رَسُولُ اللهِ وسَيِّدُ المُرسَلِينَ وأَفضَلُ الخَلقِ أَجمَعِينَ،
— 239 —
أو ُ للإُِ افتِراضُه (حاشَ للهِ ثمَّ حاشَ للهِ) بَشَرًا مُفتَرِيًا على اللهِ لا يَعرِفُه ولا يَعتَقِدُ به ولا يُؤمِنُ بعَذابِه، فسَقَط إلى أَسفَلِ سافِلِينَ، (حاشية): اضطُرِرتُ إلى استِعمالِ هذه التَّعابِيرِ بفَرضِ المُحالَّ لهذائصِي تَرتَعِدُ، وذلك إظهارًا لِمُحاليّةِ فِكرِ أَهلِ الضَّلالِ الكُفرِيِّ وبَيانِ فَسادِه بالمَرّةِ، استِنادًا إلى ذِكرِ القُرآنِ الكَرِيمِ لكُفرِيّاتِ الكافِرِين، وتَعابِيرِهِمُ الغَلِيظةِ المَمجُوجةِ، لِأَجلِ دَحضِها. وهذا ما ةً مُعدِرُ على قَولِه يا إِبلِيسُ، لا أَنتَ ولا مَن تَعتَیزُّ بهم مِن فَلاسِفةِ أَورُوبّا ومُنافِقِي آسِيا، لِأنَّه لَيسَ هُناك أَحَدٌ في العاَى له َسمَعُ مِنك هذا الكَلامِ ثمَّ يُصَدِّقُه قَطُّ.
لِأَجلِ هذا فإنَّ أَشَدَّ الفَلاسِفةِ فَسادًا وأَفسَدَ أُولَئِك المُنافِقِينَ وِجْدانًا يَعتَرِفُونَ بأخمةِ احمَّدًا (ص) كان فَذًّا في العَقلِ وآيةً في الأَخلاقِ.
فما دامَتِ المَسأَلةُ مُنحَصِرةً في شِقَّينِ فقط، وأنَّ الشِّقَّ الثّانِيَ مُحالٌ قَطعًا، لا يَدَّعِيه أَحَدٌ، وأنَّ المَسأَلةَ لا وَسَطَ فيها كما أَثْبَتْنا ذلك بحُجَجٍ قاطِعةٍ یی فلولةٍ وَ وبالضَّرُورةِ ورَغمَ أَنفِك ورَغمَ أَنفِ حِزبِك أَيُّها الشَّيطانُ، وبالبَداهةِ وبحَقِّ اليَقِينِ فإنَّ مُحمَّدًا (ص) رَسُولُ اللهِ وسَيِّدُ المُرسَلِينَ وفَخرُ العالَمِينَ وأَفضَلُ الخَلقِ أَجمَعِينَ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلِ هَباَدَدِ المَلَكِ والإنسِ والجانِّ.
اعتِراضٌ ثانٍ تافِهٌ للشَّيطانِ
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ٭ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ٭ وَنُفِخَ فِيأيضًا ورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ٭ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ٭ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ٭ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٭ أَلْقِيَا فِي جَه لذا ف كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
عِندَما كُنتُ أَتلُو هذه الآياتِ الكَرِيمةَ مِن سُورةِ (قٓ) قال الشَّيطانُ:
إنَّكُم تَرَونَ سَلاسةَ القُرآنِ ووُضُوحَه أَهَمَّ رُكنٍ في فَصاحَتِه، بَينَما النَّقَلاتُ بَعِيدةٌ والطَّفَراتُ هائِيمِ
ي هذه الآياتِ؛ فتَرَى الآيةَ تَعبُرُ مِن سَكَراتِ المَوتِ إلى القِيامةِ، وتَنتَقِلُ
— 240 —
مِن نَفخِ الصُّورِ إلى خِتامِ المُحاسَبةِ، ومِن هُناك تَذكُرُ الإلقاءَ في جَهَنَّمَ.. أيَبقَى لِلسَّلاسةِ مَوضِعٌ ضِمنَ هذه النَّقَلاتِ عَدَدِيبةِ؟ وفي القُرآنِ في أَغلَبِ مَواضِعِه نَرَى مَجمُوعةً مِن هذه المَسائِلِ البَعِيدةِ الواحِدةِ عنِ الأُخرَى، فأَينَ مَوقِعُ السَّلاسةِ والفَصاحةِ مِنِتُشاه الجَوابُ:إنَّ أَهَمَّ أَساسٍ في إِعجازِ القُرآنِ المُبِينِ هو الإيجازُ بَعدَ بَلاغَتِه الفائِقةِ، فالإيجازُ أَهَمُّ أَساسٍ لإعجازِ القُرآنِ وأَقواه، فهذا الإيجازُ المُعجِزُ في القُرآنمةِ الرِيمِ كَثِيرٌ ولَطِيفٌ جِدًّا في الوَقتِ نَفسِه، بحَيثُ يَنبَهِرُ أَمامَه أَهلُ العِلمِ والتَّدقِيقِ.
فمَثلًا قَولُه تَعالَى:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الحَدِّ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
فهذه الآيةُ الكَرِيمةُ تُبيِّنُ في بِضعِ جُمَلٍ قَصِيرةٍ حادِثةَ الطُّوفانِ العَظِيمةَ ونَتائِجَها، وتُوضِّيافةبإِيجازٍ مُعجِزٍ في الوَقتِ نَفسِه، حتَّى ساقَتِ الكَثِيرِينَ مِن أَهلِ البَلاغةِ إلى السُّجُودِ لِرَوْعةِ بَلاغَتِها.
وكذا قَولُه تَعالَى:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَاالسابعِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ٭ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ٭ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ٭ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا
تُبِّر"مهذه الآياتُ بَيانًا مُعجِزًا، في إِيجازٍ بَلِيغٍ، في بِضعِ جُمَلٍ قَصِيرةٍ، الحَوادِثَ العَجِيبةَ الَّتي حَدَثَت لِقَومِ ثَمُودَ وعاقِبةَ أَمرِهِم، تُبيِّنُها بإِيجازٍ مِن دُونِ إِخلالٍ بالفَهمِ وفي سَلاسةٍ ووُضُوحٍ.
ومَثلًا: قَولُه تَثَ وَر
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِباقِيًُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
إنَّ ما بَينَ قَولِه تَعالَى: أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ إلى جُملةِ: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ
— 241 —
هُنالِك كَثِيرٌ مِنَ الجُمَلِ سِتِّيِيّةِ؛ فتلك الجُمَلُ غَيرُ المَذكُورةِ لا تُخِلُّ بالفَهمِ ولا تُسِيءُ إلى سَلاسةِ الآيةِ، إذ تَذكُرُ الآيةُ الكَرِيمةُ الحَوادِثَ المُهِمّةَ في حَياةِ سَيِّدِنا يُونُسَ عَليهِ السَّلام وتُحِيلُ البَقِيّةَ إلى العَقلِ.
وكَذلِك في سُورةِ وإذا مَ، فإنَّ ما بَينَ كَلِمةِ فَأَرْسِلُونِ إلى يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ هُناك ما يَقرُبُ مِن ثَماني جُمَلٍ قدِ انطَوَت، ولكِن دُونَ إِخلالٍ بالمَعنَى ولا إِفسادٍ لِسَلاسةِ الآيةِ.
وأَمثالُ ِّرُ صأَنماطِ مِنَ الإِيجازِ المُعجِزِ كَثِيرةٌ جِدًّا في القُرآنِ الكَرِيمِ، وهي لَطِيفةٌ جِدًّا في الوَقتِ نَفسِه.
أمّا الآياتُ المُتَصدِّرةُ الَّتي هي في سُورةِ (قٓ) فإنَّ إِيجازَها عَجِيبٌ ومُعجِزٌ، إذ تُشِيرُ إلى مُستَقبَلِ الكُفّاهذه الَّهِيبِ جِدًّا والمَدِيدِ جِدًّا، حتَّى إنَّ يَومًا مِنه خَمسُونَ أَلفَ سَنةٍ، فتَذكُرُ الآيةُ ما يَحدُثُ فيه مِنِ انقِلاباتٍ وتَحَوُّلاتٍ وحَوادِثَ جَلِيلةٍ تُصِيبُ الكُفّارَ في مُستَقبَلِهِم، حتَّى إنَّها تُسَيِّیرُ الفِكْرَ بسُرعلِّ علهِلةٍ كالبَرقِ فَوقَ تلك الحَوادِثِ الرَّهِيبةِ، وتَجعَلُ ذلك الزَّمانَ الطَّوِيلَ جِدًّا كأنَّه صَحِيفةٌ حاضِرةٌ أَمامَ الإنسانِ. وتُحِيلُ الحَوادِثَ غَيرَ الٌ لِمُرةِ إلى الخَيالِ، فتُبيِّنُها بسَلاسةٍ فائِقةٍ، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، فيا أيُّها الشَّيطانُ، قُل ما بَدا لك!
يقُولُ الشَّيطانُ: إنَّني وسَوقستَطِيعُ أن أُقاوِمَ هذه الدَّلائِلَ والبَراهِينَ ولا أَتَمكَّنُ مِنَ الدِّفاعِ تِجاهَها. ولكِن هناك حَمْقَى كَثِيرُونَ يُنصِتُونَ إلَيَّ وكَثِالإيما مِن شَياطِينِ الإنسِ يَمُدُّونَني ويُعاوِنُونَني، ومُعظَمُ الفَلاسِفةِ المُتَفَرعِنِينَ المَغرُورِينَ يَتَلقَّوْن مِنِّي الدُّرُوسَ الَّتي تُلاطِفُ غُرُورَهُم وتَنفُخُ فيه.
ولهذا لا أَستَسلِمُ، ولا أُسلِّمُ لهِيمَ:ِلاحَ!
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 242 —
الكلمة السادسة عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ ٍ ورُجونُ ٭ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
كتبتُ هذه الكلمةَ لِتَمنَحَ نفسي العَمياءَ بَصِيرةً، ولِتُبدِّدَ الظُّیلُماتِ مِن حَولِها، ولِتكُونَ مَبعَثًا لِاطمِئْنانِها هذه ا بإراءَتها أربعَ أَشِعّاتٍ مِن نُورِ هذه الآيةِ الكريمةِ.
الشُّعاعُ الأوَّلُ
يا نَفسِي الجاهِلةَ.. تَقُولينَ: إنَّ أَحَديّةَ ذاتِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، مع كُلِّیيَّةِ أَفعالِه، ووَحْدةَ ذاتِه معَ عُمُوممُجتَهُبُوبيَّتِه دُونَ مُعِينٍ، وفَردِيَّتَه مع شُمُولِ تَصَرُّفاتِه دُونَ شَريكٍ، وحُضُورَه في كلِّ مَكانٍ معَ تَنَزُّهِه عنِ المَكانِ ورِفعَتِه المُطلَقةِ مع قُربِه إلى كلِّ شيءٍ، ووَحدانِيَّتَه معَ أنَّ كلَّ َلُه بي قَبضَتِه بالذّاتِ.. جَميعُها مِنَ الحَقائقِ القُرآنيّةِ.. وتَقُولينَ: إنَّ القُرآنَ حَكيمٌ، والحَكيمُ لا يُحَمِّلُ العَقلَ ما لا يَقبَلُه؛ بَيْدَ أنَّ العَقلَ يَرَى مُنافاةً ظاهِرةً في هذه الأُمدُّنيَلِذا أَطلُبُ إيضاحًا يَسُوقُ العَقلَ إلى التَّسلِيمِ.
الجَوابُ:ما دامَ الأَمرُ هكذا، وتَطلُبِينَ ذلك لِبُلُوغِ الِاطمِئنانِ، فإنَّنا نَقُولُ مُستَنِدين إلى فَيضِ القُرآنِ الكَحْمَت إنَّ اسمَ"النُّور"یی وهو مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى یی قد حَلَّ كَثيرًا مِن مُشكِلاتِنا، ويَحُلُّ بإذنِ اللهِ هذه المَسأَلةَ أَيضًا.
— 243 —
نقُولُ كما قالَ الإمامُ الرَّبَّانِيُّ رِّسالُ الفارُوقيُّ السِّرهِندِيّ، مُنتَقِين طَريقَ التَّمثِيلِ الواضِحِ للعَقلِ والمُنَوِّرِ للقَلبِ:
نَه شَبَمْ نَه شَبْ پَرَسْتَمْ مَنْ غُلاٰمِ شَمْسَمْ اَزْ شَمْسِ مِى گُويَمْ خَبَرْ
لَمّا كان التَّمثيلُ أَس في الِرآةٍ عاكِسةٍ لإعجازِ القُرآنِ، فنحنُ أيضًا سنَنظُرُ إلى هذا السِّرِّ مِن خِلالِ التَّمثيلِ. وذلك: أنَّ شَخصًا واحِدًا يَكسِبُ صِفةً كُلِّیيَّةً بواسِطةِ مَرايا مُختَلِفةٍ، فبَينَما هو جُزئيٌّ حَقيقيٌّ يُصبِحُ بمَثابةِ كُلِّيٍّ مالِكتَألَُّونٍ شامِلةِ عامّةٍ.
فمثلًا:الشَّمسُ، وهي جُزئيٌّ مُشَخَّصٌ، ولكن بواسِطةِ الأَشياءِ الشَّفّافةِ تُصبِحُ بحُكمِ الكُلِّيِّ، حتَّى إنَّها تَملَأُ سَطحَ الأَرضِ بصُوَرِها وانعِكاساتِها، بل تكُونُ لها مِنَ الجَلَواتِ بعَدَدِ القَطََرُ".الذَّرّاتِ السّاطِعةِ؛ وحَرارةُ الشَّمسِ وضِياؤُها، وما فيه مِن أَلوانٍ سَبعةٍ، يُحيطُ كلٌّ مِنها بالأَشياءِ الَّتي تُقابِلُها ويَشمَلُها ويَعُمُّها، وفي الوَقتِ نَفسِه فإنَّ كلَّ شيءٍ شَفّافٍ يُخبِّئُ في بُؤْبُؤِ عَينِه یی مع صُورةِ الشَّمسِ ولُ الَرارةَ والضِّياءَ والأَلوانَ السَّبعةَ أَيضًا، جاعِلًا مِن قَلبِه الطّاهِرِ عَرشًا لها.. بمَعنَى أنَّ الشَّمسَ مِثلَما تُحِيطُ بصِفةِ واحِدِيَّتِها بجَمِيعِ الأَشياءِ الَّتي تُقابِلُها، فهي مِن وقُوّأَحَدِيَّتُها تُوجَدُ بنَوعٍ مِن تَجَلِّي ذاتِها في كلِّ شيءٍ مع "خاصِّيَّتِها" وأَوصافِها الكَثيرةِ.
وما دُمنا قدِ انتَقَلنا مِنَ التَّمثيلِ إلى التَّمَثُّل، فسَنُشِيرُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ مِنَ التَّمَثُّلِ لحِكَمنَ مِحوَرَ مَسأَلتِنا هذه:
أوَّلُها:الصُّوَرُ المُنعَكِسةُ للأَشياءِ المادِّيّةِ الكَثيفةِ، هي غيرُ ولَيسَت عَينًا، وهي مَواتٌ ولَيسَت مالِكةً لِأَيّةِ خاصِّيّةٍ غيرِ هُوِيَّتِها الصُّورِيّةِ الظّ.
فّة.
فمثلًا:إذا دَخَلتَ یی يا سعيدُ یی إلى مَخزَنِ المَرايا، فيكُونُ سَعيدٌ واحِدٌ أَلفَ سَعيدٍ، ولكنَّ الَّذي يَملِكُ الحَياةَ مِن هذه الأُلُوفِ، هو أنت فقط لا غيرُ، والبَقِيّةُ أَمواتٌ لَيسَت لهم خَواصُّ الحَياةِ.
ثانيها:الصُّوَرُ الجَلاليِسةُ للنُّورانيَّاتِ المادِّيّةِ؛ هذه الصُّوَرُ المُنعَكِسةُ لَيسَت عَينًا،
— 244 —
ولَيسَت غَيرًا في الوَقتِ نَفسِه، إذ لا تَستَوعِبُ ماهِيّةَ النُّورانِيِّ افليُجَيّةَ؛ ولكِنَّها مالِكةٌ لِأَكثَرِ خَواصِّ ذلك النُّورانِيِّ؛ فتُعتَبَرُ ذاتَ حَياةٍ مِثلَه.
فمثلًا:عِندَما تَنشُرُ الشَّمسُ أَشِعَّتَها على الكُرةِ الأَرضِيّةِ تَظهَرُ صُورَتُها في كلِّ مِرآةٍ، فكلُّ صُورةٍ مُنعَكِسةٍ مِنها إنَّ ُ ما يُماثِلُ خَصائصَ الشَّمسِ، مِن ضَوءٍ وأَلوانٍ سَبعةٍ؛ فلَوِ افتُرِضَتِ الشَّمسُ ذاتَ شُعُورٍ، وأَصبَحَت حَرارَتُها عَينَ قُدرَتِها، وضِياؤُها عَينَ عِلمِها، وأَلوانالأَكوسَّبعةُ صِفاتِها السَّبعَ، لكانَت تُوجَدُ تلك الشَّمسُ الوَحيدةُ الفَريدةُ في كلِّ مِرآةٍ في اللَّحظةِ نَفسِها، ولَاتَّخَذَت مِن كلٍّ مِنها عَرشًا لها يخُصُّها، ومِن كل؟
فها نَوعًا مِن هاتِفٍ؛ فلا يَمنَعُ شيءٌ شيئًا؛ ولَأَمكَنَها أن تُقابِلَ كُلًّا مِنّا بالمِرآةِ الَّتي في أَيدِينا، ومع أنَّنا بَعيدُون عنها؛ فإنَّها أَقرَبُ إلَينا مِن أَنفُسِنا.
ثالثُها:الصُّوَرُ المُنعكِرَّحيمأرواحِ النُّورانيّةِ؛ هذه الصُّوَرُ حَيّةٌ، وهي عَينٌ في الوَقتِ نَفسِه، ولكن لِأَنَّ ظُهُورَها يكُونُ وَفقَ قابِلِيّاتِ المَرايا، فالمِرآةُ لا تَسَعُ ماهِيّةَ الرُّوحِ بالذّاتِ؛فمثلًا:في الوَقتِ الَّذُ تُخاسَيِّدُنا جِبْرِيلُ عَليهِ السَّلام يَحضُرُ في مَجلِسِ النُّبوّةِ على صُورةِ الصَّحابيِّ دِحيةَ الكَلبِيّ؛ كان يَسجُدُ في الحُضُورِ الإلٰهِيِّ بأَجنِحَتِه المَهيبةِ أمامَ العَرشِ الأَعظَمِ، وهو في اللَّحظةِ نَفسِها مَوجُودٌ لُ فيهاكِنَ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، إذ كان يُبلِّغُ الأَوامِرَ الإلٰهِيّةَ.. فما كان فِعلٌ يَمنَعُ فِعلًا.
ومِن هذا السِّرِّ نَفهَمُ كيف يَسمَعُ الرَّسُولُ (ص) صَلَواتِ أُمَّتِه كلَّها، في الأَنحاءِ كافّةً، في الوَقتِ نَفسِه، إذ ماهيَّیتُه بٍ، وجوهُوَيتُه نُورانيّةٌ.. ونَفهَمُ كذلك كيفَ أنه (ص) يُقابِلُ الأَصفِياءَ يومَ القِيامةِ في وَقتٍ واحِدٍ، فلا يَمنَعُ الواحِدُ الآخَرَ.. بل حتَّى الأَولياءُ الَّذين اكتَسَبُوا مَزِيدًا مِنَ النُّورانيّةِ والَّذين يُطلَقُ علَيهمُ اسمُ "اا، ولال"، هذا القِسمُ يُقال: إنَّهم يُشاهَدُون في اللَّحظةِ نَفسِها، في أَماكِنَ مُتَعدِّدة. ويُروَى عنهم أن الشَّخصَ نَفسَه يُنجِزُ أَعمالًا مُتَبايِنةً كَثيرةً جدًّا، إذَّنَهاُصبحُ الزُّجاجُ والماءُ وأَمثالُهما مِنَ المَوادِّ مَرايا للأَجسامِ المادِّيّةِ، كذلك يُصبِحُ الهَواءُ والأَثيرُ ومَوجُوداتٌ مِن عالَمِ المِثالِ، بمَثابةِ مَرايا للرُّوحانيّاتِ، والِائطَ سَيرٍ وتَجْوالٍ لها في سُرعةِ البَرْقِ والخَيالِ.. فتَتجَوَّلُ تلك
— 245 —
الرُّوحانيّاتُ وتَسِيحُ في تلك المَنازِلِ اللَّطيفةِ والمَرايا النَّظيفةِ بسُرعةِ الخَيالِ، فتَدخُلُ ففاستَموفِ الأَماكِنِ في آنٍ واحِدٍ.
فمَخلُوقاتٌ عاجِزةٌ ومُسَخَّرةٌ كالشَّمسِ، ومَصنُوعاتٌ شِبهُ نُورانيّةٍ مُقَيَّدةٌ بالمادّةِ كالرُّوحانِيِّ يَُ أبي أن يُوجَدَ في عِدّةِ مَواضِعَ، مع أنَّه في مَوضِعٍ واحِدٍ، بسِرِّ النُّورانيّةِ، إذ بَينَما هو جُزئيٌّ مُقيَّدٌ يَكسِبُ حُكمًا كُلِّیيًّا مُطلَقًا، يَفعَلُ باختِيارٍ جُزئيٍّ أَعمالًا كَثيرةً في آنٍ واحِدٍ.. فكيفَ إذًا بمَن هوه وفي َّدٌ عنِ المادّةِ ومُقَدَّسٌ عنها، ومَن هو مُنزَّهٌ عنِ التَّحديدِ بالقَيدِ وظُلمةِ الكَثافةِ ومُبَیرَّأٌ عنها.. بل ما هذه الأَنوارُ والنُّورانيّاتُ كلُّها إلّا ظِلالٌ كَثيفةٌ لِأَنوارِ أَسمائِه الحُسنَى، بل ما جَميعُ الوُجُودِ والحَياةُ كلّ ويُفحعالَمُ الأَرواحِ وعالَمُ المِثالِ إلّا مَرايا شِبهُ شَفّافةٍ لإظهارِ جَمالِ ذلك القُدُّوسِ الجَليلِ الَّذي صِفاتُه مُحِيطةٌ بكلِّ شيءٍ، وشُؤُونُه شامِلةٌ كلَّ شيءٍ.. تُرَى أيُّ شيءٍ يَستَطيعُ أن يَتَستَّر عن تَوَجُّهِ أَحنا.
تِه الَّتي هي ضِمنَ تَجَلِّي صِفاتِه المُحيطةِ وتَجَلِّي أَفعالِه بإرادَتِه الكُلِّیيّة وقُدرَتِه المُطلَقةِ وعِلمِه المُحيطِ.. وأيُّ شيءٍ يَصعُبُ علَيه.. وأيُّ شيءٍ يَستَطيعُ أن يَتَخفَّى عنه.. وأ لِأَددٍ يُمكِنُه أن يَظَلَّ بَعِيدًا عنه.. وأيّةُ شَخصِيّةٍ يُمكِنُها أن تَقتَرِبَ مِنه دُونَ أن تَكتَسِبَ الكُلِّیيّةَ؟
نعم، إنَّ الشَّمسَ بوَساطةِ نُورِها الطَّلِيقِ غَيرِ المُقيَّدِ، وبواسِطةِ صُورَتِها المُنعَكِسةِ غيرِ المادِّيالَّذَِقرَبُ إلَيك مِن بُؤْبُؤِ عَينِك، ومع هذا فأنتَ بَعيدٌ عنها بُعْدًا مُطلَقًا، لأنَّك مُقَيَّدٌ، فيَلزَمُ التَّجَرُّدُ مِن كَثيرٍ مِنَ القُيُودِ، وقَطا فوقَيرٍ مِنَ المَراتِبِ الكُلِّیيّةِ وتَجاوُزُها كي تَتقَرَّبَ إلَيها، وهذا يَستَلزِمُ أن تَكبَرَ كِبَرَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ وتَعلُوَ عُلُوَّ القَمَرِ، ومِن بعدِ ذلك يُمكِنُ أن تَتَقرَّبَ مِنَ المَرتَبةِ الأَصلِيّةِ للشَُّوثةَ ى حَدٍّ مّا، وتَتَقابلَ معَها دُونَ حِجابٍ.
فكما أنَّ الأَمرَ هكذا في الشَّمسِ، كذلك في الجَليلِ ذِي الجَمالِ، والجَميلِ ذِي الكَمالِ یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی ،فبَحَثَقرَبُ إلَيك مِن كلِّ شيءٍ، وأنت بَعيدٌ عنه سُبحانَه بُعْدًا لا حَدَّ له.. فإن كانَت لك قُوّةٌ في القَلبِ، وعُلُوٌّ في العَقلِ، فحاوِلْ أن تُطَهَى ال النِّقاطَ الوارِدةَ في التَّمثِيلِ على الحَقيقةِ.
— 246 —
الشُّعاع الثاني
قولُه تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ ِن لَمونُ.
وقولُه تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ.
يا نَفسِي الغافِلةَ.. تَقُولِينَ: إنَّ هذه الآياتِ الكَريمةَ وأَمثالَها تُفيدُ أنَّ الأَشخلُوقاُلِقَت بمُجَرَّدِ أَمرٍ إلٰهِيٍّ، وظَهَرت للوُجُودِ دُفعةً واحِدةً، بَينَما الآياتُ الكَريمةُ الآتيةُ: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ ن هذا؛ وأَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأَمثالُها مِنَ الآياتِ تُبيِّنُ أنَّ الأشياءَ وُجِدَت تَدرِيجِيًّا، بقُدرةٍ عَظيمةٍ، وعِلمٍ مُحيطٍ، وإتقانٍ في الصُّنُ الأَنَ حِكمةٍ بالغةٍ.. فأينَ وَجْهُ التَّوفيقِ بَينَهما؟
الجوابُ:نقولُ مُستَنِدين إلى فَيضِ القُرآنِ:
أوَّلًا:لا مُنافاةَ بينَ الآياتِ، إذ قِسمٌ مِنَ المَوجُوداتِ يُخلَق كما في الآياتِ الأخِيرةِ، كالإيجادِ في البَدءِ، وقِسمٌ آخَرالمِثاُ كما في الآياتِ الأُولَى كإعادةِ المِثلِ.
ثانيًا:إنَّ ما يُشاهَدُ في المَوجُوداتِ مِن مُنتَهَى النِّظامِ وغايةِ الإتقانِ ومُنتَهَى الحُسنِ في الصَّنعةِ وكَمالِ الخِلقةِ، ضِمنَ سُهَُّى.
سُرعةٍ وكَثرةٍ وسَعةٍ، يَشهَدُ بوُجُودِ حَقائقِ هذَينِ القِسمَينِ مِنَ الآياتِ شَهادةً مُطلَقةً؛ لِذا لا داعيَ لأن يكونَ مَدارُ البَحثِ تَحَقُّقَ هذه الأُمُورِ في الخارجِ، وإنَّما يَصِحُّ أن يُقالَ: ما سِرُّ حِكمةِ ههم، كمالقِسمَينِ مِنَ الإيجادِ والخَلقِ؟.. لِذا نُشِيرُ إلى هذه الحِكمةِ بقِياسٍ تَمثِيليٍّ؛ فنَقُولُ مَثَلًا:
إنَّ صانِعًا ماهِرًا یی كالخَيَّاطِ مَثَلًا یی يَصرِفُ مَبالِغَ ويَبذُلُ جُهدًا ويُزاوِلُ مَهارةً وفَنًّا، لكي يُوجِدَ شيئًا جَمِيليِّ وَُصُّ صَنعَتَه، فيَعمَلُ مِنه أُنمُوذَجًا (مُودِيلًا) لِمَصنُوعاتِه، إذ يُمكِنُه أن يَعمَلَ أَمثالَ تلك الصَّنعةِ بلا مَصارِيفَ ولا تكاليفَ وفي سُرعةٍ تامّةٍ، بل قد يكونُ الأَمرُ أَحيانًا سَهلًا وي الكُا إلى دَرَجةٍ كأنَّه يَأمُرُ والعَمَلُ يُنجَزُ، وذلك لأنَّه قد كَسَبَ انتِظامًا واطِّرادًا دَقيقًا كالسّاعةِ، وكأنَّ العَمَلَ يَتِمُّ بمُجرَّدِ الأَمرِ له.
— 247 —
وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى ییالحِسّ الصّانِعَ الحَكيمَ والمُصوِّرَ العَليمَ، قد أَبدَعَ قَصرَ العالَمِ معَ جَميعِ ما فيه، ثمَّ أَودَعَ في كلِّ شيءٍ فيه، جُزئيًّا كان أم كُلِّیيًّا، جُزءًا كان أم كُلًّا، مِقدارهايةَ َيَّنًا، بنِظامٍ قَدَرِيٍّ شَبِيهٍ بنَمُوذَجِ ذلك الشَّيءِ.
فإن تَأَمَّلتَ في أَعمالِه سُبحانَه وهو المُصَوِّرُ الأَزَليُّ، تَراه يَجعَلُ مِن كلِّ عَصرٍ أُنمُوذَجًا (مُودِيلًا) يُلبِسُه عالَمًا بِرَبِّيَديدًا لَطِيفًا مُزَيَّنًا بمُعجِزاتِ قُدرَتِه، ويَجعَلُ مِن كلِّ سنةٍ مِقياسًا يَنسُجُ یی بخَوارِقِ رَحمَتِه یی كائناتٍ بِكرًا على قَدِّها، ويَجعَلُ مِن كلِّ يومٍ سَطرًا يَكتُبُ فيه مَوجُوداتٍ بِكرًا جَديدةً مباتِهمنةً بدَقائقِ حِكمَتِه..
ثمَّ إنَّ ذلك القَديرَ المُطلَقَ كما جَعَل كلَّ عَصرٍ وكلَّ سنةٍ وكلَّ يومٍ أُنمُوذَجًا، فإنَّه قد جَعَل سَطْحَفيُشرِضِ أيضًا، بل كلَّ جَبَلٍ وصَحراءَ، وكلَّ حَدِيقةٍ وبُستانٍ وكلَّ شَجَرٍ وزَهْرٍ أُنمُوذَجًا، ويُنشِئُ كائناتٍ جَديدةً غَضّةً مُتَجَدِّدةً مُتَرادِفةً على الأَرضِ، فيَخلُقُ دُنيا جَديدةً، ويأتي بعالَمٍ منَسَّقٍ جَديدٍ بعد أن سَحَب ما َوّارًمِن عالَمٍ.
وهكذا يُظهِرُ في كلِّ مَوسِمٍ مُعجِزاتٍ بِكرًا لِقُدرَتِه المُطلَقةِ، ويُبرِزُ هَدايا مُجدَّدةً لِرَحمَتِه في كلِّ حَديقةٍ وبُستانٍ، فيَكتُبُ كِتابَ حِلعَرَبَديدةٍ بِكرًا، ويَنصِبُ مَطبَخَ رَحمَتِه مُتَجَدِّدًا، ويُلبِسُ الوُجُودَ حُلَّةً بَديعةً جَديدةً، ويَخلَعُ على كلِّ شَجَرٍ في كلِّ رَبيعٍ وِشاحَ السُّندُسِ، ويُزَيِّنُه بمُرَصَّعير والديدةٍ بِكرٍ كالنُّجُومِ المُتَلألِئةِ، ويَملَأُ أَيديَها بهَدايا الرَّحمةِ..
فالَّذي يَقُومُ بهذه الأَعمالِ في مُنتَهَى الإتقانِ وكَمالِ الن غُرُامِ، والَّذي يُبَدِّلُ هذه العَوالِمَ السَّيّارةَ المَنشُورةَ على حَبْلِ الزَّمانِ، يَعقُبُ بعضُها بعضًا، وهي في مُنتَهَى الحِكمةِ والعِنايةِ، وفي مُنتََّ مِثقُدرةِ والإتقانِ، لا رَيبَ أنَّه قَديرٌ مُطلَقٌ وحَكيمٌ مُطلَقٌ وبَصيرٌ مُطلَقٌ وعَلِيمٌ مُطلَقٌ، لا يُمكِنُ بحالٍ مِنَ الأَحوالِ أن تَبدُوَ مِنه المُصادَفةُ قَطعًا؛ فذَلِكُمُ الخالقُ الجَليلُ يقولُ: إِنَّمَا أَمْرُمِرةِ َا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ووَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، فيُعلِنُ قُدرَتَه المُطلَقةَ ويُبيِّنُ أنَّ الحَشرَ والقِيامةَ بالنِّسبةِ لتلك القُدرةِ هي في مُنتَوائرَ سُّهُولةِ واليُسرِ، وأنَّ الأشياءَ كلَّها مُسَخَّرةٌ
— 248 —
لِأَوامِرِه ومُنقادةٌ إلَيها كَمالَ الِانقِيادِ، وأنَّه يَخلُقُ الأَشياءَ دُونَ مُعالَجةٍ ولا مُزاوَلةٍ ولا مُباشَرةٍَأْنَ َجلِ الإفادةِ عنِ السُّهُولةِ المُطلَقةِ في إيجادِ الأَشياءِ عَبَّر القُرآنُ المُبِينُ أنَّه سُبحانَه وتَعالَى يَفعَلُ ما يُريدُ بمُجَرَّدِ الأَمرِ.
وهاتٍ خصةُ:أنَّ قِسمًا مِنَ الآياتِ الكَريمةِ يُعلِنُ مُنتَهَى الإتقانِ وغايةَ الحِكمةِ في خَلقِ الأَشياءِ ولا سِيَّما في بِدايةِ الخَلْقِ؛ وهو ذا آخَرَ يُبيِّنُ السُّهُولةَ المُطلَقةَ والسُّرعةَ المُطلَقةَ ومُنتَهَى الِانقِيادِ وعَدَمَ الكُلفةِ في إيجادِ الأَشياءِ ولا سِيَّما في تَكرارِ إيجادِها وإعادَتِها.
الشٍ بآلا الثالثُ
يا نَفسِي المُوَسوِسةَ.. يا مَن تَجاوَزْتِ حَدَّكِ! إنَّك تَقُولين: إنَّ قَولَه تَعالَى: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، وكذا قولُه تَعالَى: بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وكذا قولُه تَعالَى سِنينَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.. هذه الآياتُ الجَليلةُ تُبيِّنُ مُنتَهَى القُربِ الإلٰهِيِّ، بَينَما آياتٌ أُخرَى مِثلُ قولِه تَعالَى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَفَترةٍقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وكذا قَولُ الرَّسُولِ الكَريمِ (ص) في الحَديثِ الشَّريفِ: "..سبعين أَلفَ حِجابٍ"، وكذا حَقيقةُ المِعراجِ.. كتَتَجوه تُبيِّنُ مُنتَهَى بُعْدِنا عنه سُبحانَه.. فأُرِيدُ إيضاحًا لِتَقريبِ هذا السِّرِّ الغامِضِ إلى الأَذهانِ؟
الجوابُ:ولهذا استَمِعْ:
أوَّلًا:لقد ذَكَرنا في خِتامِ الشُّعاعِ
للسَُّلِ أنَّ الشَّمسَ بنُورِها غيرِ المُقيَّدِ، ومِن حيثُ صُورَتُها المُنعَكِسةُ غيرُ المادِّيّةِ، أَقرَبُ إلَيك مِن بُؤْبُؤِ عَينِك الَّتي هي مِرآةٌ لها ونافِذةٌ لِرُوحِك، إلّا أنَّك بَعيدٌ عنها غايةَ البُعدِ، يا قَ مُقيَّدٌ ومَحبُوسٌ في المادّةِ؛ ولا يُمكِنُك أن تَمَسَّ إلّا قِسمًا مِن صُوَرِها المُنعَكِسةِ وظِلالِها، ولا تُقابِلَ إلّا نَوعًا مِن جَلَواتِها الجُزئيّةِ، ولا تَتَقرَّبَ إلّا لِأَلوانِها الّعِظامَ في حُكمِ صِفاتِها، ولِطائفةٍ مِن أَشِعَّتِها ومَظاهِرِها الَّتي هي بمَثابةِ طائفةٍ مِن أَسمائِها.
— 249 —
ولو أَرَدتَ أن تَتَقرَّبَ إلى المَرتَبةِ الأَصلِيّةِ للشَّمسِ، وأَرَدتَّ أن تُقابِلَها بذاتِها، لَزِمَ علَيك التَّجَرُّدلِ تَحَثيرٍ جِدًّا مِنَ القُيُودِ، والمُضِيُّ مِن مَراتِبَ كُلِّیيّةٍ كثيرةٍ جدًّا، وكأنَّك تَكْبُرُ مَعنًى یی مِن حيثُ التَّجَرُّدُ یی بقَدْرِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ وتَنبَسِطُ رُوحًا كالهَواءِ، وتَرتَفِعُ عاليًا كالوقِسمً، وتُقابِلُ الشَّمسَ كالبَدْرِ.. ومِن بعدِ ذلك يُمكِنُك أن تَدَّعِيَ نَوعًا مِنَ القُربِ دُونَ حِجابٍ.
وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فالجن كَمُذُو الكَمالِ، الجَمِيلُ بغَيرِ مِثالٍ، ذلك الواجِبُ الوُجُودِ، المُوجِدُ لكُلِّ مَوجُودٍ، النُّورُ السَّرْمدُ، سُلطانُ الأَزَلِ والأَبدِ، أَقرَبُ إلَيك مِن نَفسِك، وأنت بَعيدٌ عنه بُعدًا مُطلَقًا.. فإن كانَت لَه يَسقُوّةُ الِاستِنباطِ، فطَبِّقْ ما في التَّمثيلِ مِنَ الدَّقائقِ على الحَقائقِ.
ثانيًا:إنَّ اسمَ القائدِ یی مثلًا یی مِن بينِ أَسماءِ السُّلطانِ الكَثيرةِ يَظهَرُ في دَوائرَ مُتَداخِلةٍ في دَولَتِه، فابتِداءً مِنَ فأُئرةِ الكُلِّیيَّةِ للقائدِ العامِّ العَسكَرِيِّ ودائرةِ المُشِيرِ والفَريقِ حتَّى يَبلُغَ دائرةَ المُلازِمِ والعَريفِ.. أي: إنَّ تَجَلِّيَ ظُهُورِهِ يكونُ في دَِ وَالواسِعةٍ ودَوائرَ ضَيِّقةٍ وبشَكلٍ كُلِّيٍّ وجُزئيٍّ.
فالجُندِيُّ أَثناءَ خِدمَتِه العَسكَريّةِ يَتَّخِذُ مِن مَقامِ العَرِيفِ مَرجِعًا له، لِما فيه من ظُهُورٍ جُزئيٍّ جِدًّا للقِيادةِ، َجةً تصِلُ بقائدِه الأَعلَى بهذا التَّجَلِّي الجُزئيِّ لِاسمِه، ويَرتَبِطُ به بعَلاقةٍ.. ولكن لو أَرادَ هذا الجُندِيُّ أن يَتَّصِلَ بالقائدِ الأَعلَى باسمِه الأَصلِيِّ، وأن يُقابِلَه بذلك العُنوانِ، يَنبَغي له الصُّعُودُةٍ للوُ المَراتِبِ كُلِّها مِن مَرتَبةِ العَرِيفِ إلى المَرتَبةِ الكُلِّیيَّةِ للقائدِ العامِّ؛ أي: إنَّ السُّلطانَ قَريبٌ مِن ذلك الجُندِيِّ باسمِه وحُكمِه وقانُونِه وعِلمِه وهاتورَ، وتَدبِيرِه؛ وإن كان ذلك السُّلطانُ نُورانيًّا ومِنَ الأَولياءِ الأَبدالِ، فإنَّه يكونُ قَرِيبًا إلَيه بحُضُورِه بالذّاتِ، إذ لا يَمنَعُ شيءٌ مِن ذلك ولا يَ لِجَمدُونَه شيءٌ.. ومع أنَّ ذلك الجُندِيَّ بَعيدٌ عنِ السُّلطانِ غايةَ البُعدِ، وهناك الأُلُوفُ مِنَ المَراتبِ الَّتي تَحُولُ بينَه وبينَ السُّلطانِ، وهناك الأُلُوفُ مِنَ الحُجُبِ تَفصِلُه عنه، ولكنَّ السُّلطانَ يُشفِقُ أَحيانًا على أَحَدِ الجَّلِيل، فيَأخُذُه إلى حُضُورِ دِيوانِه خِلافَ المُعتادِ، ويُسبغُ عليه مِن أَفضالِه وأَلطافِه.
— 250 —
وهكذا یی وللهِ المَثَلُ الأَعلَى یی فالمالكُ لِأَمرِ: كُنْ فَيَكُونُ المُسخِّرُ للشُّمُوسِ والنُّجُومِ كالجُنُودِ اَمامَكدةِ؛ فهو سُبحانَه وتَعالَى أَقرَبُ إلى كلِّ شيءٍ مِن أيِّ شيءٍ كان، مع أنَّ كلَّ شيءٍ بعيدٌ عنه بُعدًا لا حُدُودَ له؛ وإذا أُرِيدَ الدُّخُولُ إلى دِيوانِ قُربِه وحُضُورِه المُقَدَّسِ بلا حِجابٍ، فإنَّه يَستَلزِمُ المُرُورَنَ الظينِ سَبعِين أَلفَ حِجابٍ مِنَ الحُجُبِ النُّورانيّةِ والمُظلِمةِ، أي: المادِّيّةِ والكَونيّةِ والأَسمائيّةِ والصِّفاتيّةِ، ثمَّ الصُّعُودَ، بالملِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ بما له من أُلُوفِ دَرَجاتِ التَّجلِّياتِ الخُصُوصيّةِ والكُلِّیيّةِ، والمُرُورَ إلى طَبَقاتِ صِفاتِه الجَليلةِ والرَّفيعةِ، ثمَّ العُرُوجَ إلى عَرشِه الأَعظَمِ الَّ ذلك اِيَ بالِاسمِ الأَعظَمِ؛ فإن لم يكن هناك جَذْبٌ ولُطْفٌ إلٰهِيٌّ يَلزَمُ أُلُوفًا مِن سِنِيْ العَمَلِ والسُّلُوكِ.
مثالٌ:إذا أَرَدتَّ أن تَتَقرَِّ رِقّيه سُبحانَه باسمِ "الخالقِ" فعلَيك الِارتباطَ وتكوينَ علاقةٍ أَوَّلًا مِن حيثُ إنَّه خالِقُك الخاصُّ، ثمَّ مِن حيثُ إنَّه خالِقُ جَميعِ النّاسِ، ثمَّ بعُنوانِ أنَّه خالقُ جَميعِ الكائناتِ الحَيّةِ، ثمَّ باسمِ خالقِ المَوجُوداتِ كلِّها..لا أَسإن لم تَتَدرَّجْ هكذا تَبقَ في الظِّلِّ ولا تَجِدْ إلّا جَلْوةً جُزئيّةً.
تنبيهٌ:إنَّ السُّلطانَ المَذكُورَ في المِثالِ السّابقِ قد وَضَع في مَراتِبِ اسمِ القِيادةِ وَسائطَ كالمُشِيرِ والفَرِيقِ، وذلك لِعَجْزِه عنِ القِيامِ بالأالَّتي بنَفسِه.. أمَّا الَّذي بِيَدِه مَلَكُوتُ كلِّ شيءٍ، وذلك القَديرُ، فهو مُستَغنٍ عنِ الوَسائطِ، بل لَيسَتِ الوَسائطُ إلّا أُمُورًا ظاهِرِيّةً بَحْتةً، تُمَثِّلُ سِتلكَريمعِزّةِ والعَظَمةِ، ودَلائلَ تُشِيرُ إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ مِن خِلالِ عُبُودِيّةٍ وعَجْزٍ وافتِقارٍ وانبِهارٍ أَمامَ العَظَمةِ الإلٰهِيّةِ، ولَيسَت تلك الوَسائطُ مُعِينةً له سُبحانَها یی اُمكِنُها أن تكُونَ شَريكةً في سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ قَطعًا، لأَنَّها لَيسَت إلّا وَسائلَ للمُشاهَدةِ والتَّفَرُّجِ.
الشُّعاع الرابع
ِّفاع"سِي الكَسُولةَ.. إنَّ حَقيقةَ الصَّلاةِ الَّتي هي مِعراجُ المُؤمِنِ شَبِيهةٌ بقَبُولِ دُخُولِ جُندِيٍّ بَسِيطٍ إلى دِيوانِ السُّلطانِ الأَعظَمِ بمَحْضِ لُطفِه یی كما ذُكِرَ في المِثالِ السّابِق یی فقيْلَ ا مُثُولِك أمامَ جَلالِه سُبحانَه إنَّما هو بمَحْضِ لُطفِ الجَليلِ ذِي الجَمالِ
— 251 —
والمَعبُودِ ذِي الجَلالِ؛ فأنت عِندَما تقُولُ:"اللهُ أكبرُ"،تَمضِي مَعنًى وتَقطَعُ خَيالًا أو نِيّةً الدُّنيا وغَربرةَ حتَّى تَتَجرَّدَ عن القُيُودِ المادِّيّةِ، فتَصعَدُ مُكتَسِبًا مَرتَبةَ عُبُودِيّةٍ كُلِّیيّةٍ أو ظِلًّا مِن ظِلالِ المَرتَبةِ الكُلِّیيّةِ أو بصُورةٍ مِن صُوِ التّ وتَتَشرَّفُ بنَوعٍ مِنَ الحُضُورِ القَلبيِّ والمُثُولِ بينَ يدَيهِ تَعالَى، فتَنالُ حُظوةً عُظمَى بخِطابِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه.
حقًّا إنَّ كَلِمةَ"اللهُ أكبرُ.. اللهُ أكبرُ"وتَكرارَها في حَرَكا: إنََّّلاةِ وأَفعالِها، هي إشارةٌ لِقَطْعِ المَراتِبِ والعُرُوجِ إلى مَراتِبِ الرُّقيِّ المَعنَويِّ، والصُّعُودِ مِنَ الدَّوائرِ الجُزئيّةِ إلى الدَّوائرِ الكُلِّیيّة، فهي عُنوانٌ لِمأَعطَى كَمالاتِ كِبرِياءِ اللهِ سُبحانَه، والَّتي هي خارِجَ نِطاقِ مَعرِفَتِنا، وكأنَّ كلَّ كَلِمةٍ مِن:"اللهُ أكبرُ"إشارةٌ إلى قَطْعِ مَرتَبةٍ مُِودَ إتبِ المِعراجِ.. وهكذا فإنَّ البُلُوغَ إلى ظِلٍّ أو شُعاعٍ مِن حَقيقةِ الصَّلاةِ هذه یی مَعنًى أو نيّةً أو تَصَوُّرًا أو خَيالًا یی لهو نِعمةٌ عُظمَى وسَعادةٌ كُبْرَى.. ولِأَجلِ هذا يُرَدَّدُ ذِكرُ:"اللهُ أَكبرُ"في الحَجِّ بكلجَميلهائلةٍ، لأنَّ الحَجَّ عبادةٌ في مَرتَبةٍ كلِّيّة لكُلِّ حاجٍّ بالأَصالةِ.
فالجُندِيُّ البَسِيطُ يَذهَبُ إلى الحُضُورِ المَلَكيِّ في يو إذا عٍّ یی كالعِيدِ یی مِثلَما يَذهَبُ الفَريقُ فيَنالُ لُطْفَ مَليكِه وكَرَمَه.. كذلك الحاجُّ یی مهما كان مِنَ العوامِّ یی فهو مُتَوجِّهٌ إلى رَبِّه الجَليلِ بعُنوانِ رَبِّ العالَمين، كالوَليِّ الّ الشَّطَع المَراتبَ، فهو مُشَرَّفٌ بعُبُودِيّةٍ كُلِّیيّةٍ، فلا بُدَّ أنَّ المَراتِبَ الكُلِّیيّةَ للرُّبُوبيّةِ الَّتي تُفتَحُ بمِفتاحِ الحَجِّ، وآفاقَ عَظَمةِ الأُلُوهيّةِ الَّتي تُشاهَدُ بمِنظارِ الحَجِّ، ودَِيّةِ،العُبُوديّةِ الَّتي تَتَوسَّعُ في قَلبِ الحاجِّ وخَيالِه، كلَّما قامَ وأَدَّى مَناسِكَ الحجِّ، ومَراتِبَ الكِبْرِياءِ والعَظَمةِ وأُفُقَ التَّجَلِّياتِ الَّتي تَمنَحُ حَرارةَ الشَّوقِ، والإعجاَبِّي"ِانبِهارَ أمامَ عَظَمةِ الأُلُوهيّةِ وهَيبةِ الرُّبُوبيّةِ، لا يُسَكَّنُ إلّا بی"اللهُ أَكبرُ.. اللهُ أَكبرُ"! وبه يُمكِنُ أن يُعلَنَ عنِ المَراتِبِ المُنكَشِفةِ المَشهُودةِ أو المُتَصَوَّرةِ.
وهذه المَعاني العُلْويّةُ والكُلِّياطِينَتَجلَّى بعدَ الحَجِّ في صَلاةِ العِيدِ، وفي صَلاةِ الِاستِسقاءِ وصَلاةِ الكُسُوفِ والخُسُوفِ وصَلاةِ الجَماعةِ بدَرَجاتٍ مُتَفاوِتةٍ.
#252كَانَ ِن هذا تَظهَرُ أَهَمِّيّةُ الشَّعائرِ الإسلاميّةِ حتَّى لو كانَت مِن قَبيلِ السُّنَنِ النَّبَويّةِ.
سُبحانَ مَن جَعَل خَزائنَه بينَ الكافِ والنُّونِ.
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتدُه إلِ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْعةِ، إوَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
وصَلِّ وسَلِّم عَلَى رَسُولِكَ الأَكرَمِ، مَظْهَرِ اسمِكَ الأَعظَمِ، وعَلَى آلِهِ وأَصحَابِهِ وإخوَانِهِ وأَتبَاعِهِ.. آمِينَ يَا أَاعَتَهالرَّاحِمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 253 —
ذَيلٌ صَغيرٌ
إنَّ القَديرَ العَليمَ والصّانِعَ الحَكيمَ، يُظهِرُ قُدرَتَه وحِكمَتَه، وعَدَمَ تَدَخُّلِ المُصادَفةِ في أيِّ فِعلٍ مِن ألعُظمَه قَطعًا، بالنِّظامِ والتَّناسُقِ الَّذي تُظهِرُه عاداتُه الَّتي هي على صُورةِ القَوانينِ الكَونيّةِ.. وكذا يُظهِرُ سُبحانَه بشَواذِّ القَوانينِ الكَونٍ كُلّبخَوارِقِ عاداتِه، وبالتَّغيُّراتِ الظّاهِرِيّةِ، وباختِلافِ التَّشَخُّصاتِ، وبتَبَدُّلِ زَمانِ النُّزُولِ والظُّهُورِ.. يُظهِرُ مَشِيئتَه وى الباَه، وأنَّه الفاعِلُ المُختارُ، وأنَّ اختِيارَه لا يَرضَخُ لأيِّ قَيدٍ كانَ، مُمَزِّقًا بهذا سِتارَ الرَّتابةِ والِاطِّرادِ، فيُعلِمُ: أنَّ كلَّ شيءٍ، في كلِّ آنٍ، في كلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه، في كلِّ ما يَخُصُّه ويَعُودُ إلَيه، مُحتاجٌمَفاتي سُبحانَه، مُنقادٌ لِرُبُوبيَّتِه.. وبهذا يُشَتِّتُ الغَفلةَ، ويَصرِفُ الأَنظارَ، أَنظارَ الجِنِّ والإنسِ عنِ الأَسبابِ إلى مُسَبِّبِ الأَسبابِ. وعلى هذا الأساسِ تَتَوجَّهُعدَ الاتُ القُرآنِ الكَريمِ.
فمثلًا:يَحدُثُ في أَغلَبِ الأَماكِنِ، أنَّ قِسمًا مِنَ الأَشجارِ المُثمِرةِ، تُثمِرُ سَنةً، أي: تُعطَى إلَيها مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ، وهي بدَورِها تُسَلِّمُها إلَينا.. ولكنَّ السَّنةَ التّالِيةَ شجَار،َسلَّمُ الثَّمَرةَ ولا تُعطِينا إيّاها رَغمَ وُجُودِ الأَسبابِ الظّاهِرِيّةِ للإثمارِ.
ومثلًا:إنَّ أَوقاتَ نُزُولِ المَطَرِ یی بخِلافِ الأُمُورِ اللّازِمةِ الأُخرَى یی مُتَحوِّلةٌ ومُتغَيِّرةٌُ حَياَرَجةٍ دَخَلَت ضِمنَ المُغيَّباتِ الخَمسةِ، إذ إنَّ أَهَمَّ مَوقعٍ في الوُجُودِ هو للحَياةِ والرَّحمةِ، والمَطَرُ مَنشَأُ الحَياةِ والرَّحمةِ الخالِصةِ، لذا فإنَّ ذلك الماءَ الباعِثَ على الحَياةِ، والرَّحمةَ المُهداةَ، لا يَدخُلُ أيُّهالقاعِدةِ المُطَّرِدةِ الَّتي تَحجُبُ عنِ اللهِ وتُورِثُ الغَفلةَ، بل تكُونُ في قَبضةِ ذِي الجَلالِ مُباشَرةً مِن دُونِ حِجابٍ، وضِمنَ تَصَرُّفِ المُنعِمِ المُحيِي الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ.. وذلك لكي تَبقَى أَِياحِ الدُّعاءِ والشُّكرِ مَفتُوحةً دائمًا.
ومثلًا:إنَّ إعطاءَ الرِّزقِ، وتَشخِيصَ سِيماءِ الإنسانِ ومَلامِحِه وصُورَتِه، إنَّما هو إحسانٌ إلٰهِيٌّ يُوهَبُ مِن حيثُ لا يُحتَسَبَهُم وّا يُبيِّنُ بجَلاءٍ طَلاقةَ المَشِيئةِ الإلٰهِيّةِ والِاختِيارِ الرَّبّانِيِّ.
وقِسْ على هذا تَصرِيفَ الرِّياحِ وتَسخِيرَ السَّحابِ وأَمثالَها مِنَ الشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ.
٭ ٭ ٭
— 254 —
الكلمة السابعة عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَبَدَوَِّحِيمِ
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ٭ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
هذه الكلمة ع بأُلوعن مقامَينِ عاليَينِ وذيلٍ ساطِع
إنَّ الخالقَ الرَّحيمَ والرَّزّاقَ الكَريمَ والصّانِعَ الحَكيمَ قد جَعَل هذه الدُّنيا على صُورةِ عِيدٍ بَهيجٍ واحتِفالٍ مَهيبٍ ومَهرَجانٍ عَظِيمٍ لعالَمِ الأَرواحِ والرُّوحانيّاتَتُه ويَّنَها بالآثارِ البَدِيعةِ لِأَسمائه الحُسنَى، وخَلَع على كلِّ رُوحٍ یی صَغِيرًا كان أم كَبِيرًا، عاليًا كان أم سافِلًا یی جَسَدًا على قَدِّه وقَدْرِه، وجَهَّزَه بالحَواسِّ والمَشاعِرِ وكلِّ ما يُوافِقُه للِاستِفادةِ مِنَ الآلاءِ المُختَلِفةَِركَزًِعَمِ المُتَنوِّعةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، والمَبثُوثةِ في ذلك العِيدِ البَهيجِ، والمَعرُوضةِ في ذلك المَهرَجانِ العَظِيمِ.. ومَنَح سُبحانَه لكلِّ رُ هذا؟
ن تلك الأَرواحِ وُجُودًا جِسمانيًّا "مادِّيًّا" وأَرسَلَها إلى ذلك العِيدِ والمَهرَجان مَرّةً واحِدةً، ثمَّ قسَّم ذلك العِيدَ الواسِعَ جِدًّا زَمانًامَشهُونًا إلى عُصُورٍ وسَنَواتٍ ومَواسِمَ، بل حتَّى إلى أيّامٍ وأَجزاءِ أيّامٍ، جاعِلًا مِن كلِّ عصرٍ، مِن كلِّ سنةٍ، مِن كلِّ مَوسِمٍ، مِن كلِّ يومٍ، مِن كلِّ جُليس إعن يومٍ، مَهرَجانًا سامِيًا وعِيدًا رَفيعًا، واستِعراضًا عامًّا لِطائفةٍ مِن مَخلُوقاتِه ذَواتِ الأَرواحِ؛ ومِن مَصنُوعاتِه النَّباتيّةِ، ولا سِيَّما سَطْحَ الأَرضِ، وخاصّةً في الرَّبيعِ ناءِ ميفِ، أَعيادًا مُتَعاقِبةً، الواحِدَ تِلْوَ الآخَرِ، لِطَوائفِ مَصنُوعاتِه الصَّغيرةِ جِدًّا،
— 255 —
حتَّى غَدا ذلك العِيدُ عِيدًا رائعًا جَذَّابًا لَفَتَ أَنظارَ ا البارانيّاتِ المَوجُودةِ في الطَّبَقاتِ العُلْيا والمَلائكةِ وأَهلِ السَّماواتِ إلى مُشاهَدَتِه، وجَلَبَ أَنظارَ أَهلِ الفِكْرِ إلى مُطالَعَتِه بمُتعةٍضُمُّ َدٍّ يَعجِزُ العَقلُ عنِ استِكناهِ مُتعَتِها.. ولكنَّ هذه الضِّيافةَ الإلٰهِيّةَ والعِيدَ الرَّبّانِيَّ، وما فيهما مِن تَجَلِّياتِ اسمِ"الرَّحمٰنِ"و"المُحيِي"يَكتَنِفُها الفِراقُ والمَوتُ، حيثُ يَبرُزُ اسمُ اللهِ:"القَهَّاريةِ الالمُمِيتُ"،ورُبَّما هذا لا يُوافِقُ یی كما يَبدُو یی شُمُولَ رَحمَتِه تَعالَى المَذكُورَ في قولِه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. ولكن في الحَقيقةِ هناك جِهاتٌ عِدّةٌ يَظهَرُ فيها الِانسِجامُ والمُوافَقةُ الكامِلةُ مع الرَّحنَبَاتإلٰهِيّة، نَذكُرُ مِنها جِهةً واحِدةً فقط:
وهي أنَّه بعدَ انتِهاءِ الِاستِعراضِ الرَّبّانِيِّ لكلِّ طائفةٍ مِنَ الطَّوائفِ، وبعدَ استِحصالِ النَّتائجِ المَقصُودةِ مِن ذي حَكََرْضِ، يَتَفضَّلُ الفاطِرُ الرَّحيمُ والصّانِعُ الكَريمُ على كلِّ طائفةٍ مِنَ الطَّوائفِ، فيَمنَحُهم رَغبةً في الرّاحةِ واشتِياقًا إلَيها ومَيلًا إلى اَ الإيقالِ إلى عالَمٍ آخَرَ، ويُسْئِمُهم مِنَ الدُّنيا بأَشكالٍ مِنَ النُّفُورِ والسَّأَمِ رَحمةً بهم.
وحِينَما يُرَخَّصُون مِن تَكاليفِ الحَياةِ ويُسَرَّحُون مِن وَظائفِها، يُنبِّهُ سُبحانَه في أَرواحِهم رَغُحَرِّوِيّةً وحَنِينًا إلى مَوْطِنِهمُ الأَصلِيِّ.. وكما يَمنَحُ سُبحانَه مَرتَبةَ الشَّهادةِ لِجُندِيٍّ بَسِيطٍ يُقتَلُ في سَبِيلِ أَداءِ الخِدمةِ ويَهلِكُ في مُهِمّةِ الجِهادِ، وكما يَمنَحُ الشّاةَ الأُضحِيّةَ وُجُعِه سُادِّيًّا باقِيًا في الآخِرةِ ويُكافِئُها بجَعْلِها مَطِيّةً كالبُراقِ لِصاحِبِها مارّةً به على الصِّراطِ المُستَقيمِ.. فلَيس بَعيدًا مِن ذلك الرَّحمٰنِ الكَريمِ أن يَمنَحَ لِذَوِي الأَرواحِ والحَيَواناتِ ثَوابًا رُوحانيًّا يجْزِه ُهم، وأَجْرًا مَعنَوِيًّا يُوافِقُ استِعدادَهم، مِن خَزِينةِ رَحمَتِه الواسِعةِ، بعدَما قاسُوا المَشَقّاتِ وهَلَكُوا أَثناءَ أَداءِ وَظائفِهِمُ الفِطرِيّةِ الرَّبّانيّةِ الخاصّةِ بهم، وعانَوا مَحدُوَوا في طاعَتِهِم للأَوامِرِ السُّبحانيّةِ، وذلك لِئلّا يَتَأَلَّمُوا أَلَمًا شَديدًا لَدَى تَركِهِمُ الدُّنيا، بل يكُونُون راضِينَ مَرْضِيِّين..ولا يَعلَمُ الغَيبَ إلَّا اللهُ.
9
وبَهْدَ أنَّ الإنسانَ الَّذي هو أَشرَفُ ذَوِي الأَرواحِ وأَكثَرُهمُ استِفادةً مِن هذا العِيدِ یی مِن حيثُ الكَمِيَّةُ والنَّوعيَّةُ یی يُوهَبُ برَحمةٍ مِنَ اللهِ ولُطْفٍ مِنه حالةً مِنَ الشَّوقِ
— 256 —
الرُّوحيِّ تُنَفِّرُه عنِ الدَّ تَلالَّتي ابتُلِيَ بها، كي يَعبُرَ إلى الآخِرةِ بأَمانٍ.. فالإنسانُ الَّذي لم تَغْرَقْ إنسانيَّتُه في الضَّلالةِ يَستَفيدُ منِ تلك الحالةِ الرُّوحِيّةِ، فيَرحَلُ عنِ الدُّنيا وقَلبُه مُطمَئِنٌّ بالإيمانِ.
نُبيِّنُ هنَوَّهُةً مِنَ الوُجُوهِ الَّتي تُورِثُ تلك الحالةَ الرُّوحيّةَ على سَبِيلِ المِثالِ:
الوَجهُ الأوَّلُ:إنَّه سُبحانَه وتَعالَى يُظهِرُ للإنسانِ بحُلُولِ الشَّيخُوخةِ خَتْمَ الفَناءِ والزَّوالِ ووَاهَا المُرَّ على الأَشياءِ الدُّنيَوِيّةِ الفَتَّانةِ؛ مِمّا يَجعَلُه يَنفِرُ مِنَ الدُّنيا، ويُسرعُ للتَّحَرِّي عن مَطلُوبٍ باقٍ خالدٍ بَدَلًا مِن هذا الفاني الزّائلِ.
الوَجهُ الثّاني:إنَّه تَعالَ مَدَىِرُ الإنسانَ شَوقًا ورَغبةً في الذَّهابِ إلى حيثُ رَحَلَ تِسعٌ وتِسعُون بالمِئةِ مِن أَحِبَّتِه الَّذين يَرتَبِطُ معَهم والَّذين استَقَرُّوا في عالَمٍ آخَرَ، فتَدْفَعُ تلك المَحَبّةُ الجادّةُ الإپَسْ لِيَستَقبِلَ المَوتَ والأَجَلَ بسُرُورٍ وفَرَحٍ.
الوَجهُ الثّالث:إنَّه تَعالَى يَدفَعُ الإنسانَ لِيَستَشعِرَ ضَعْفَه وعَجْزَه غيرَ المُتَناهِيَينِ، سَواءٌ بمَدَى ثِقَلِ الحَياةِ أو تكاليفِ العَمامَ و أُمُورٍ أُخرَى، فيُوَلِّدُ لَدَيه رَغبةً جادّةً في الخُلُودِ إلى الرّاحةِ، وشَوقًا خالِصًا للمُضِيِّ إلى دِيارٍ أُخرَى.
الوَجهُ الرّابعُ:إنَّه تَعالَى يُبيِّنُ للإنسانِ المُؤمِنِ بنُورِ الإيمانِ أنَّ المَوتَ ا بسُودامًا بل تَبدِيلَ مَكانٍ، وأنَّ القَبْرَ ليسَ فَوهةَ بِئرٍ عَمِيقةٍ بل بابٌ لِعَوالِمَ نُورانيّةٍ، وأنَّ الدُّنيا معَ جَميعِ مَباهِجِها في حُكمِ سِجنٍ ضَيِّق تحتَ ِّسبةِ لِسَعةِ الآخِرةِ وجَمالِها؛ فلا شَكَّ أنَّ الخُرُوجَ مِن سِجنِ الدُّنيا والنَّجاةَ مِن ضِيقِها إلى بُستانِ الجِنانِ الأُخرَوِيّةِ، والِانتِقالَ مِن مُنَغِّصاتِ الحَياةِ المادِّيّةِ المُز الكُبإلى عالَمِ الرّاحةِ والطُّمَأنينةِ وطَيَرانِ الأَرواحِ، والِانسِلاخَ مِن ضَجِيجِ المَخلُوقاتِ وصَخَبِها إلى الحَضرةِ الرَّبَّانيّةِ الهادِئةِ المُطمَئِنّةِ الرّاضِيةِ.. سِياحةٌ بل سَعادةٌ مَطلُوبةٌ بأَلفِ فِداءٍ ِّحةٌ ٍ.
الوَجهُ الخامسُ:إنَّه تَعالَى يُفهِّم المُنصِتَ للقُرآنِ الكَريمِ ما فيه مِن عِلمِ الحَقيقةِ، ويُعلِّمُه بنُورِ الحَقيقةِ ماهِيّةَ الدُّنيا، حتَّى يَغدُوَ عِشقُها والرُّكُونُ إلَيها تافِهًا لا مَعنَى له.. أي: يقولَأفةِ.يُثبِتُ: أنَّ الدُّنيا كِتابٌ رَبّانِيٌّ صَمَدانِيٌّ مَفتُوحٌ للأَنظارِ، حُرُوفُه وكَلِماتُه لا
— 257 —
تُمثِّلُ نَفسَها، بل تَدُلُّ على ذاتِ بارِئِها وعلى صِفاتِه الجَليلةِ وأَسمائِه الحُسنَى، ولهذا افهَمْ مَعانيَها وخُذْ بها، ودَعْ عنك نُقُوشَهنسانِ ْضِ إلى شَأنِك..
واعلَمْ أنَّها مَزرَعةٌ للآخِرةِ، فازْرَعْ واجْنِ ثَمَراتِها واحتَفِظْ بها، وأَهمِلْ قَذاراتِها الفانيةَ.. واعلَمْ أنَّها مَجامِيعُ مَرايا مُتَعاقِبةٍ، فتَِيًّا،ْ إلى مَن يَتَجَلَّى فيها، وعايِنْ أَنوارَه، وأَدْرِكْ مَعانِيَ أَسمائِه المُتَجلِّيةِ فيها وأَحبِبْ مُسَمَّاها، واقطَعْ عَلاقَتَك عن تلك القِطَعِ الزِفَ اليّةِ القابِلةِ للكَسرِ والزَّوالِ..
واعلَمْ أنَّها مَوضِعُ تِجارةٍ سَيَّارٌ، فقُمْ بالبَيعِ والشِّراءِ المَطلُوبِ مِنك، دُونَ أن تَلْهَلَما ياءَ القَوافلِ الَّتي أَهمَلَتْك وجاوَزَتْك، فتَتْعَبَ..
واعلَمْ أنَّها مُتَنزَّهٌ مُؤقَّتٌ، فاسرَحْ ببَصَرِك فيها للعِبرةِ، ودَقِّقْ في الوَجهًِا، وقيلِ المُتَستِّرِ، المُتَوجِّهِ إلى الجَميلِ الباقي، وأَعرِضْ عنِ الوَجهِ القَبيحِ الدَّميمِ المُتَوجِّهِ إلى هَوَى النَّفسِ، ولا تَبْك العَجِّفلِ الغَرِيرِ عندَ انسِدالِ السَّتائرِ الَّتي تُرِيك تلك المَناظِرَ الجَميلةَ..
واعلَمْ أنَّها دارُ ضِيافةٍ، وأنت فيها ضَيفٌ مُكَرَّمٌ، فكُلْ واشْرَبْ بإذنِ صاحِلمَحدُِّيافةِ والكَرَمِ، وقَدِّمْ له الشُّكْرَ، ولا تَتَحرَّكْ إلَّا وَفْقَ أَوامِرِه وحُدُودِه، وارحَلْ عنها دُونَ أن تَلتَفِتَ وراءَك.. وإيَّاك أن تَتَدخَّلَ بفُضُولٍ في أُمُورٍ لا تَعُودُ إلَيك ولعتِدةٍدُك بشيءٍ، فلا تُغرِقْ نَفسَك بشُؤُونِها العابِرةِ الَّتي تُفارِقُك.
وهكذا، بمِثلِ هذه الحَقائقِ الظّاهِرةِ يُخَفِّفُ سُبحانَه وتَعالَى عنِ الإنسانِ كَثيرًا مِن آلامِ فِراقِ الدُّ إلَّال قد يُحَبِّبُه إلى النّابِهين اليَقِظِين، بما يُظهِرُ سُبحانَه مِن أَسرارِ حَقيقةِ الدُّنيا؛ ويُبيِّنُ أنَّ في كلِّ شيءٍ وفي كلِّ شَأْنٍ أَثَرًا مِن آثارِ رَحمَتِه الواسِعةِ.. مالٍ، ُشِيرُ القُرآنُ الكَريمُ إلى هذه الوُجُوهِ الخَمسةِ، فإنَّ آياتٍ كَريمةً تُشِيرُ إلى وُجُوهٍ خاصّةٍ أُخرَى كذلك.
فيا لَتَعاسةِ مَن ليسَ له حَظٌّ مِن هذه الوُجُوهِ الخَمسةِ.
٭ ٭ ٭
— 258 —
المقامُ الثانيها بالكلمة السَّابعةَ عَشْرةَ
(حاشية): هذه القِطَع الوَارِدة في المَقَام الثَّاني جَاءَت بِما يُشبِه الشِّعر إلَّا أنَّها لَيسَت شِعرًا، ولَم يُقصَد نَظمُها، بَل إنَّ كَمالَ انتِظامِ الحَقَائقِ جَعَلهِافتِرخِذ شَكلًا شَبيهًا بالنَّظْمِ.
إنَّما الشَّكوى بلاءٌ
دَعِ الصُّراخَ يا مِسكينُ، وتَوَكَّل على اللهِ في بَلواك.
إنَّما الشَّكوَى بَلاء.
بل بَلاءٌ في بَلمَخلُوثامٌ في آثامٍ وعَناء.
إذا وَجدَتَ مَنِ ابتَلاك،
عادَ البَلاءُ عَطاءً في عَطاء، وصَفاءً في صَفاء.
دَعِ الشَّكوَى، واغْنَمِ الشُّكرَ.. فالأَزهارُ تَبتَسِمُ مِن بَهجةِ عاشِقِها البُلبُل.
فبِغَيرِ اللهِ دُنياك آلام عَظيماب، وفَناءٌ وزَوالٌ، وهَباءٌ في هَباء.
فتَعالَ، تَوكَّلْ علَيه في بَلواك!
ما لَكَ تَصرُخُ مِن بَلِيّةٍ صَغيرةٍ، وأنت مُثْقَلٌ ببَلايا تَسَعُ الدُّنيا.
تَبَسَّمْ بالتَّوكُّلِ في وَجهِ البَلاءِ، لِيَبتَسِمَُ تلك اء.
فكُلَّما تَبَسَّم صَغُرَ وتَضاءَل حتَّى يَزُول.
أيُّها المَغرُورُ اعلَمْ
— 259 —
أنَّ السَّعادةَ في هذه الدُّنيا، في تَركِها.
إن كُنتَ باللهِ مُؤمِنًا.. فهو حَسْبُك، فلَو أَاحٍ هََ عنِ الدُّنيا أَقبَلَتْ علَيك.
وإن كُنتَ مُعجَبًا بنَفسِك، فذلك الهَلاكُ المُبِين.
ومَهما عَمِلتَ فالأَشياءُ تُعادِيك.
فلا بُدَّ مِنَ التَّركِ إذًا في كِلْتا الحالَتَينِ.
وتَركُها يعني: أنَّها مُلكُ اللهِ، يُنظَ
اَيها بإذنِه وبِاسمِه،
وإن كُنتَ تَبغي تِجارةً رابِحةً، فهي
في استِبدالِ عُمُرٍ باقٍ لا يَزُولُ بعُمُرِك الفاني الزّائل.
وإن كُنتَ تُريدُ رَغَباتِ نَفسِك، فهي زائلةٌ، تافِهةٌ، واهِيةٌ.
وإن كُنتَ تَتَطلَّعُ إلى الآفاقِ، فخَتفأَحَدفَناءِ علَيها.
فالمَتاعُ في هذه السُّوقِ مُزَيَّف. لا يَستَحِقُّ الشِّراءَ إذًا.
لِذا دَعْهُ، فالأَصيلُ مِنه قد صُفَّ خَلْفَه..
٭ ٭ ٭
— 260 —
غُرَباءُ ااهِيةِ
على قِمّةِ شَجَرةِ التُّوتِ الأسودِ المُبارَكةِ، ذَكَر سعيدٌ القَديمُ بلِسانِ سعيدٍ الجَديدِ هذه الحَقائقَ.
مُخاطَبي ليس "ضِياء باشا"، بلِ المَفتُونُون بأَورُوبّا.
والمُتَكلِّمُ ليس نفسي، بل قَلتِ الّميذُ القُرآنِ.
إنَّ "الكَلِماتِ" السّابقةَ حَقائقُ. إيَّاك أن تَحارَ، احذَرْ أن تُجاوِزَ حَدَّها
لا تَزغْ، ولا تُصغِ إلى فِكرِ الأَجانبِ، إنَّه ضَلالٌ، يَسُوقُك إلى النَّدَم.
ألا تَرَى الأَوسَعَ فِكرًا والأَحَدَّ نَظَرًا يقُولُ دَومًا سِيَّيرَتِه:
آهٍ! وا أَسَفا! مِمَّن أَشكُو، ولِمَن! فقد ذُهِلْتُ!
وأنا أَقُولُ ولا أَتَردَّدُ، فالقُرآنُ يُنطِقُني..
أَشكُو مِنه إلَفِ يَبا أَتَحَيَّر مِثلَك!
أَستَغيثُ مِنَ الحَقِّ بالحَقِّ، لا أَتجاوَزُ حَدِّي.
أَدعُو مِنَ الأَرضِ إلى السَّماءِ، ولا أَهرُبُ مِثلَك!
في القُرآنِ الكَريمِ: الدَّعوةُ كُلُّها؛ مِنَ َجنَبِرِ وإلى النُّورِ، لا أَنكُثُ مِثلَك.
في القُرآنِ الكَريمِ: الحِكمةُ الصّائبةُ. أُثبِتُها، ولا أُعيرُ للفَلسَفةِ المُخالِفةِ أيَّ اهتِمام!
في القُرآنِ الكَريمِ: جَواهِرُ الحَقائق.
أَفدِيها برُوحي.. لا أَبِيعُها مِثلَآنِ ال61
أُجِيلُ طَرْفي مِنَ الخَلقِ إلى الحَقِّ، لا أَضِلُّ مِثلَك!
أَطيرُ فوقَ الطَّريقِ الشّائكِ، لا أَطَؤُها مِثلَك!
يَصعَدُ شُكري إلى عَنانِ السَّماءِ، لا أَعصي مِثلَك!
أَرَى المَوتَ صَديقًا،قةِ فيخافُه مِثلَك!
أَدخُلُ القَبْرَ باسِمًا، لا أَرتَعِدُ مِثلَك!
فَمَ تِنِّينٍ، فِراشَ وَحشةٍ، عَتَبةَ عَدَمٍ.. لا أَراهُ مِثلَك!
بل مَلقَى الأَحِبّةِ.. لا أَضجَرُ مِنه، لا أُبغَِذكارِِثلَك!
لا أَتَضايَقُ مِنه، ولا أَهابُه.
فهو بابُ الرَّحمةِ، بابُ النُّورِ، بابُ الحَقِّ
أَقرَعُه باسمِ اللهِ، ولا ألْتَفِتُ، ولا تَأْخُذُني الدَّهشةُ.
َيشِ أدُ قَرِيرَ العَينِ، حامِدًا رَبِّي، لا أُقاسِي ضِيقًا، ولا أَظَلُّ في وَحشةٍ.
سأَقُومُ على صَدَى أَذانِ إسرافيلَ في فَجرِ الحَشرِ، قائلًا.. "اللهُ أَكبَ بإِذ
لا أَرهَبُ مِنَ المَحشَرِ الأَكبَرِ!
لا أَتَخلَّفُ عنِ المَسجدِ الأَعظَمِ!
مِن لُطفِ اللهِ ونُورِ القُرآنِ الكَريمِ وفَيضِ الإيمانِ.. لا أَيأَسُ أَصلًا.
بل أَسعَى وأَجريئِجِ اا إلى ظِلِّ عَرشِ الرَّحمٰنِ.
ولا أَحارُ مِثلَك.. إن شاءَ اللهُ.
٭ ٭ ٭
— 262 —
هذه المُناجاة تَخَطَّرتْ في القلب هكذا بالبيان الفارِسيّ
كُتبت هذه المناجاةُ كما خَطَرت على الفي هذهاللُّغة الفارسية، وقد نُشِرت ضِمنَ رِسالة "حَبابٌ مِن عُمانِ القرآنِ الحكيمِ".
يَا رَبْ! بَه شَشْ جِهَتْ نَظَرْ مِى كَرْدَمْ، دَرْدِ خُودْ رَا دَرْمَانْ نَمِى دِيدَمْ
يا ربِّ! لقد سَرَّحْتُ نَظَري في الجِهاتِ السِّتِّ، عَلَّني النَّف دَواءً لِدائي، وأنا مُستَنِدٌ إلى اقتِدارِي واختِيارِي غافِلًا لا مُتَوكِّلًا، ولكن وا أَسَفا لم أَستَطِع أن أَجِدَ دَواءً لِدائي.. وقيلَ لي مَعنًى: ألا يَكفيك الدّاءُ دَواءً؟!
دَرْ رَاسْت مِى دِيدَمْ كُ دَلايرُوزْ مَزَارِ پَدَرِ مَنْ اَست
نعم، لقد نَظَرتُ بغَفلةٍ إلى الزَّمانِ الماضي في يَمِيني، لِأَجِدَ فيه السُّلوانَ، ولكنِّي رَأَيْتُ أنَّ الأَمسَ قَبْرُ أَبي، وتَراءَت لي الأَيّامُ الخَوالي مَقبَرةً كَبيرةً لِأَجدالمادَِّورَثَتْني هذه الجِهةُ وَحشةً بَدَلَ السُّلوانِ(١).
(١) ولكِنَّ الإيمانَ يُرِي تلك المَقبَرةَ الكُبْرَى مَجلِسًا مُنَوَّرًا ومَجمَعًا مُؤْنِسًا للأَحبابِ.
وَ دَرْ چَپْ دِيدَمْ كِهئِهم، دَا قَبْرِ مَنْ اَست
ثمَّ نَظَرتُ إلى المُستَقبَلِ في اليَسارِ، فلم أَستَطِع أن أَجِدَ فيه دَواءً، بل تَراءَى لي الغَدُ في صُورةِ قَبري، وتَراَوِي ا المُستَقبَلُ قَبْرًا لِأَمثالي ومَقبَرةً للجِيلِ المُقبِلِ، فأَورَثَتْني هذه الجِهةُ الوَحشةَ بَدَلَ السُّلوانِ(٢).
(٢) ولكنَّ الإيمانَ وما يُورِثُه مِنَ الِاطمِئنانِ يُرِي تلك المَق المُوالعُظمَى دَعوةً رَحمانيّةً إلى قُصُورِ السَّعادةِ اللَّطيفةِ.
— 263 —
وَ اِمْرُوزْ: تَابُوتِ جِسْمِ پُرْ اِضْطِرَابِ مَنْ اَست
وحيثُ لا جَدوَى مِنَ اليَسارِ، نَظَرتُ إلى اليومِ الحاضِرِ، فرَأَيتُ وكأنَّ هذا اليزَّتِهبوتٌ يَحمِلُ جِنازةَ جِسمي الَّذي يَنتَفِضُ انتِفاضةَ المَذبُوحِ بينَ المَوتِ والحَياةِ(٣).
(٣) ولكنَّ الإيمان يُرِي ذلك التّابُوتَ دارَ تِجارةٍ ودارَ ضِيافةٍ باهٍِ تَنُ بَرْ سَرِ عُمرْ جَنَازَه ى مَنْ اِيسْتَادَه اَسْت
فلم أَعثُر على الدَّواءِ في هذه الجِهةِ، ورَفَعتُ رَأسي ونَظَرتُ إلى قِمّةِ شَجَرةِ ذلك اي، ورَأَيتُ أنَّ جِنازَتي هي الثَّمَرةُ الوَحيدةُ لتلك الشَّجَرةِ، وهي تَرقُبُني مِن هناك(٤).
(٤) ولكنَّ الإيمانَ يُرِي أنَّ تلك الثَّمَرةَ لَيسَت جِنازةً، بل هي انطِلاقٌ لِرُوحِي المُرَشَّحةِ للأَبَدِ أن تَكرِها القَديمِ لِتَسرَحَ في النُّجُومِ.
دَرْ قَدَمْ: آبِ خَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وَ خَاكِسْتَرِ عِظَامِ مَنْ اَستْ
فيَئِستُ مِن تلك الجِهةِ أَيضًا، طَأْطَأْتُ رَأسي، فرَأَيتُ َرِيمةيمَ عِظامي قدِ اختَلَط معَ تُرابِ مَبْدَأِ خِلْقَتي وهو يُداسُ تحتَ الأَقدامِ، فزادَت هذه الجِهةُ داءً لِدائي ولم تُسعِفْني بشَيءٍ(٥).
(٥) أمَّا الإيمانُ فقد أَظه أيضًاك التُّرابَ بابًا للرَّحمةِ، وسِتارًا دُونَ صالةِ الجَنّةِ.
چُونْ دَرْ پَسْ مِى نِگرَمْ، بِينَمْ: إيْن دُنيَاى بِى بُنيَادْ هِيچْ دَرْ هِيچَ يَدَّ
فصَرَفتُ نَظَري عن تلك الجِهةِ مُوَلِّيًا وَجهِي إلى الوَراءِ، ورَأَيتُ: أنَّ دُنيا فانيةً تَتَدحرَجُ في وِديانِ العَبَثِ وظُلُماتِ َتِها مِ.. فنَفَثَتْ هذه الجِهةُ سُمَّ الوَحشةِ والخَوفِ في دائي بَدَلًا مِن أن تَمنَحَني العَزاءَ (٦).
(٦) أمَّا الإيمانُ فقد أَظهَرَ أنَّ تلك الدُّنيضِياءُتَدحرِجةَ في الظُّلُماتِ ما هي إلّا مَكاتيبُ صَمَدانيّةٌ وصَحائفُ نُقُوشٍ سُبحانيّةٍ أَنهَتْ مَهامَّها، وأَفادَتْ مَعانِيَها، وتَرَكَتْ نَتائِجَها في الوُ فِطرةبَدَلًا عنها.
— 264 —
وَ دَرْ پِيشْ اَنْدَاز: نَظَرْ مِيكُنَمْ، دَرِ قَبِرْ كُشَادَه اَسْت
وَ رَاهِ اَبَدْ بَدُور دِرَازْ پَدِيدَارسْت
ولَمَّا لم أَجِد خَى أَعأيضًا في هذه الجِهةِ رَنَوْتُ بنَظَري إلى الأَمامِ، ورَأَيتُ أنَّ بابَ القَبرِ مَفتُوحٌ في بِدايةِ طَريقي، وتَتَراءَى وَراءَه مِن بَعيدٍ طَريقٌ مُمتَدّةٌ إلى الأَبَدِ (٧).
(٧) أمَّا الإيمانُ فقد جَعَل بابَ القَبْرِ الرِّبًا إلى عالَمِ النُّورِ، وتلك الطَّريقَ طَريقًا إلى السَّعادةِ الخالِدةِ، فأَصبَحَ الإيمانُ بحَقٍّ مَرهَمًا شافِيًا لِدائي.
مَرَا جُزْ "جُزْءِ اِخْتِيَارِى" چِيزِى نِيسْت دَرْ دَسْت
وهكذا، لم أَعثُر في هذه الجِهاتِ السالَّتيعلى أيِّ سُلوانٍ وعَزاءٍ، بل وَجَدتُّ استِيحاشًا وهَلَعًا، ولم يكُن لي تِجاهَها مُستَنَدٌ سِوَى جُزءٍ اختِيارِيٍّ (٨).
(٨) أمّا الإيمانُ فإناتِ السَلِّمُني بَدَلًا مِن ذلك الجُزءِ الِاختِيارِيِّ وَثيقةً لِأَستَنِدَ بها إلى قُدرةٍ عَظيمةٍ مُطلَقةٍ، بل الإيمانُ هو الوَثيقةُ نَفسُها.
كِه آن جُزْءْ هَمْ عَاجِزْ، هَمْ كُوتَاهُ، وَ هَمْ كَمْ عَيَارَ اسْت
وإنَّ ذلك الجُزءَ الِ شيءٍ رِيَّ الَّذي هو سِلاحُ الإنسانِ، عاجِزٌ، قاصِرٌ، ناقِصٌ، لا يُمكِنُه الخَلقُ وليس له إلَّا الكَسْبُ(٩).
(٩) إلَّا أنَّ الإيمانَ يَجعَلُ ذلك الجُزءَ الِاختِيارِيَّ كاذي سَملكُلِّ شيءٍ إذ يَستَعمِلُه في سَبِيلِ اللهِ، كالجُندِيِّ الَّذي انسَلَكَ في جَيشِ الدَّولةِ، فيُنجِزُ أُلُوفَ أَضعافِ قُوَّتِه مِنَ الأَعمالِ.
نَه دَرْ مَاضِى مرض كأن حُلُولْ، نَه دَرْ مُسْتَقْبَلْ مَدَارِ نُفُوذَ اسْت
لأنَّ ذلك الجُزءَ الِاختِيارِيَّ ليسَ له القُدرةُ للحُلُولِ في الماضِي، ولا النُّفُولمُنقاالمُستَقبَلِ.. لِذا لا نَفْعَ له لِآمالي وآلامي الماضِيةِ والمُستَقبَلةِ(١٠).
(١٠) ولكنَّ الإيمانَ يَأخُذُ زِمامَ ذلك الجُزءِ الِاختِيارِيِّ مِنَ الجِسمِ الحَيَوانِيِّ ويُسَلِّمُه إلى القَلبِ والرُّوحِ، لذا يَستَطِيعُ أً وعلَّ في الماضي ويَنفُذَ في المُستَقبَلِ، حيث دائرةُ حَياةِ القَلبِ والرُّوحِ واسِعةٌ جِدًّا.
— 265 —
مَيْدَانِ أُو إِينْ زَمَانِ حَالْ، وَ يَكْ آنِ سَيَّالَسْت
إنَّ مَيدانَ جَوَلانِ ذلك الجُزءِ الِاختِيارِيِّ هو الوَقتُ الحاضِرُ القَصيرُإنكارِآنٌ سَيَّالٌ ليس إلَّا.
بَا إِينَ هَمَه فَقْرَهَا وَضَعْفَهَا، قَلَمِ قُدْرَتِ تُو آشِكَارَا
نُوِشْتَه اَسْت، "دَرْ فِطْرَتِ مَا": مَيْلِ أَبَدْ وَ اَمَلِ سَرْمَدْ
عَلاوةً على جَميعِ حاجاتي هذه، وَضَعفي وفَقْري وعَجْزي، وأنَفُ رُ هَجَماتِ الِاستِيحاشِ والمَخاوِفِ الوارِدةِ مِن هذه الجِهاتِ، فقد أُدرِجَتْ في ماهِيَّتي آمالٌ مُمتَدّةٌ إلى الأَبدِ، وفي فِطرَتي رَغَباتٌ سُطِّرَت بوُضُوحٍ بقَلَمِ القُ عنِّي بَلْكِه هَرْ چِه هَسْت، هَسْت
بل كلُّ ما في الدُّنيا، نَماذِجُه في فِطرَتي، فأنا على عَلاقةٍ بجَميعِ تلك الرَّغَباتِ والآمالِ، بل أَسعَى لها، وأُدفَعُ إلى السَّعيِ لها.
دٌ في أه ى اِحْتِيَاجْ مَانَنْدِ دَائِرَه ى مَدِّ نَظَرْ بُزُرْگِى دَارَسْت
إنَّ دائرةَ الحاجةِ واسِعةٌ سَعةَ دائرةِ النَّظَرِ.
خَيَالْ كُدَامْ رَسَدْ اِحْتِيَاجْ نِيزْ رَسَدْ
دَرْ دَسْت هَرْ چِه نِيسْتلِه مِاِحْتِيَاجْ هَسْت
حتَّى إنَّ الخَيالَ أَينَما ذَهَبَ، تَذهَبُ دائرةُ الحاجةِ إلى هُناك، فالحاجةُ إذًا هناك أيضًا، بل كلُّ ما ليس في مُتَناوَلِ اليَدِ فهو ضِمنَ الحاجةِ، وما ليس في اليَدِ لا حَدَّ له.
دَائِرَهِ الأَْتِدَارِ هَمْچُو دَائِرَه ى دَسْتِ كُوتَاهِ كُوتَاهَسْت
بَينَما دائرةُ القُدرةِ ضَيِّقةٌ وقاصِرةٌ بقَدْرِ ما تَصِلُ إلَيه يَدِي القاصِرةُ.
به وَفَقْرُ و حَاجَاتِ مَا بَقَدَرِ جِهَانَسْت
بمَعنَى أنَّ فَقري وحاجاتي بقَدْرِ الدُّنيا كلِّها.
— 266 —
سَرْمَايَهءِ مَا هَمْچُو: "جُزْء لَا يَتنفَتِحا" اَسْت
أمَّا رَأْسُ مالي فهو شيءٌ جُزئيٌّ ضَئيلٌ.
اِينْ جُزْءِ كُدَامْ وَ اِينْ كَائِنَاتِ حَاجَاتِ كُدَامَسْت؟
أين الحاجاتُ الَّتي بقَدْرِ هذا العالَمِ، ولا تُستَحصَلُ إلَّا بالمِلياراتِ مِن هذا الجُزءِ الِاختِيارِيِّ الَّذي لسرارِ وِي شيئًا؟. إنَّه لا يُمكِنُ شِراءُ تلك الحاجاتِ بهذا الثَّمَنِ الزَّهيدِ جِدًّا؛ ولا يُمكِنُ أن تُستَحصَلَ تلك بهذا!. فلا بُدَّ إذًا مِنَ البَحثِ عن وَسيلةٍ أُخرَى.
پَسْ دَرْ رَاهِ ُدَلََّزْ اِينْ جُزْءْ نِيزْ بَازْ مِى گُذَشْتَنْ چَارَه ى مَنْ اَسْت
وتلك الوَسيلةُ هي التَّبَرُّؤُ مِن ذلك الجُزءِ الِاختِيارِيِّ، وتَفويمكِنُكرِه إلى الإرادةِ الإلٰهِيّةِ، وتَبَرُّؤُ المَرءِ مِن قُوّةِ نَفسِه وحَولِه، والِالتِجاءُ إلى حَولِ اللهِ وقُوَّتِه.. وبذلك يكُونُ الِاعتِصامُ بحَبلِ التَّوَكُّلِ.. فيا رَبّ! لَمّا كانَت وَسِيلةُ النَّجاةِ هي هذه، فإنَّني أكما يََى عن ذلك الجُزءِ الِاختِيارِيِّ، وأَتَبَرَّأُ مِن أَنانيَّتي، في سَبِيلِك.
تَا عِنَايَتِ تُو دَسْتَگِيرِ مَنْ شَوَدْ، رَحْمَتِ بِى نِهَايَتِ تُو پَنَاهِ مَنْ اَسْت
لِتأْخُذَ عِنايتُك بِيَدِي، رَحمةً بعَجْزِي وضَعْفنصُرِيتَكُنْ رَحمَتُك مُستَنَدي، رَأفةً بفَقرِي واحتِياجي.. ولِتَفْتَحَ لي بابَها.
آنْ كَسْ كِه بَحْرِ بِى نِهَايَتِ رَحْمَتْ يَافْتَ اسْتْ، تَكْيَه
نَه كُنَدْ بَرْ اِينْ جُزْءِ اِخْتِيَارِى كِه يَكْ قَطْرَه سالشِّرسْت
نعم، كلُّ مَن وَجَدَ بَحرَ الرَّحمةِ الَّذي لا ساحِلَ له، لا يَعتَمِدُ على جُزئِه الِاختِيارِيِّ وهو كقَطرةِ سَرابٍ، ولا يُفَوِّضُ إلَيه أَمرَهُ، مِن دُوصَرِ و الرَّحمةِ.
أيْوَاهْ! إِينْ زَندِگَانِى هَمْ چُو خَابَسْت
وِينْ عُمْرِ بِى بُنْيَادْ هَمْ چوُ بَادَسْت
يا أَسَفا، لقد خُدِعنا، فظَننَّا هذه الحَياةَ الدُّنيا مُستَقَرًّا دائمًا، فأَضَعناها بهذا الظَّنِّ كلاتِ الا.
نعم، إنَّ هذه الحَياةَ غَفوةٌ قد مَضَت كرُؤْيا عابِرةٍ!
وهذا العُمُرُ الَّذي لا قَرارَ له يَذهَبُ ذَهابَ الرِّيحِ.
— 267 —
اِنْسَانْ بَزَوَالْ دُنْيَا بَفَنَا اَسْت، آمَالْ بِى بَقَاَ المُْ بَبَقَا اَسْت
إنَّ الإنسانَ المَغرُورَ، المُعتَدَّ بنَفسِه، ويَحسَبُها أَبَدِيّةً، مَحكُومٌ علَيه بالزَّوالِ.. إنَّه يَذهَبُ سَرِيعًا؛ أمَّا الدُّنيا الَّتي هي مَأْواهُ، فسَتَهوِي في ظُلُماتِ العَدَمِ، فتَذْهَبُ الآمالُ أِيرُ ر الرِّياحِ، وتَبقَى الآلامُ مَحفُورةً في الأَرواحِ.
بِيَا اَىْ نَفْسِ نَا فَرْجَامْ! وُجُودِ فَانِى خُودْ رَا فَدَا كُنْ
خَالِقِ خُودْ رَا، كِه اِينْ هَسْتِى وَدِيعَه هَسْت
فتَعالَيْ يا نَفسِيأَحاطَتاقةَ إلى الحَياةِ، والطّالِبةَ العُمُرَ الطَّوِيلَ، والعاشِقةَ للدُّنيا، والمُبتَلاةَ بآلامٍ لا حَدَّ لها وآمالٍ لا نِهايةَ لها.. يا نَفسِي الشَّقِيّةَ انتَبِهللهِ ودِي إلى رُشدِكِ.. ألَا تَرَيْنَ أنَّ اليَراعةَ الَّتي تَعتَمِدُ على ضَوئِها تَظَلُّ بينَ ظُلُماتِ اللَّيلِ البَهيمِ، بَينَما النَّحلُ الَّتي لا تَعتَدُّ بنَفسِها، تَجِدُ ضِياءَ النَّهارِ، وتُشاهِدُ جَميعَ صَديقِ.. وكمِنَ الأَزهارِ مُذَهَّبةً بضَوءِ الشَّمسِ.. كذلك أنتِ، إنِ اعتَمَدتِ على وُجُودِكِ وعلى نَفسِكِ وعلى أَنانيَّتِكِ؛ فستَكُونين كاليَراعةِ.. ولكن إن ضَحَّيتِ بوُجُودِكِ في سَبيلِ خالِقِكِ الكَريمِ الَّذي وَهَبَه لكِ سوف تكُونينَ كالنَّحلِ،مِن إيدِين نُورَ وُجُودٍ لا حَدَّ له، فضَحِّي بنَفسِكِ، إذ هذا الوُجُودُ وَدِيعةٌ عِندَكِ وأمانةٌ لَدَيكِ.
وَمُلْكِ اُو وَ اُو دَادَه فَنَا كُنْ تَا بَقَا يَابَدْ، اََزْ آنْ
سِرِّى كُ الأَُفْىِ النَفْى" اِثْبَاتَ سْت
ثمَّ إنَّ الوُجُودَ مُلْكُه سُبحانَه، وهو الَّذي وَهَبَه لكِ، لذا افدِيه مِن دُونِ مِنّةٍ ولا إحجامٍ، وافنِيه كي يَجِدَ البَقاءَ، لأنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثباتٌ.
أي: إن كانَ ستَقبَمُ مَعدُومًا فهو مَوجُودٌ، وإنِ انعَدَمَ المُعدَمُ يكونُ مَوجُودًا.
خُدَاىِ پُرْ گرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْ رَا مِى خَرَدْ اَزْ تُو
بَهَاىِ بِى كَرَانْ دَادَه، بَرَاىِ تُو نِگَ عَهدٍارَاسْت
إنَّ اللهَ يَشتَرِي مِنكِ مُلكَه، ويُعطِيكِ ثَمَنَه عَظِيمًا، وهو الجَنّةُ.. وإنَّه يَحفَظُ لكِ ذلك المُلكَ، ويَرفَعُ قِيمَتَه وثَمَنَه، وسيُعيلبيِّ يكِ بأَبقَى صُورةٍ وأَكمَلِها.. فيا نَفسِي! أَنفِذِي هذه التِّجارةَ فَورًا، إنَّها تِجارةٌ رابِحةٌ في خَمسةِ أَرباحٍ، كي تَكسِبِينَ خمسةَ أَرباحٍ معًا في صَفقةٍ واحِدةٍ، وتَنجِينَ مِن خَمسانةِ اائرَ معًا.
— 268 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ
لقد أبكاني نَعْيُ:لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَمِن خَليلِ اللهِ اللهِيمَ عَليهِ السَّلام الَّذي يَنعي به زَوالَ الكائناتِ، فصَبَّت عَينُ قلبي قَطَراتٍ باكياتٍ على شُؤُونِ اللهِ، كلُّ قَطرةٍ تَحمِلُ مِنَ الحُزنِ والكَمَدِ ما يُثيرُ الأشجانَ،حَيَواَعُ إلى البُكاءِ والنَّحِيبِ.. تلك القَطَراتُ هي هذه الأبياتُ الَّتي وَرَدَت إلى القَلبِ بالفارِسيّةِ.. وهي نَمَطٌ مِن تَفسيرٍ لِكَلامِ خَليلِ الرَّحمٰنِ ونَبيِّه الحَكيمِ كما تَضَمَّنَته الآيةُ اما لا ةُ:لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ.
نَمِى زِ يبَاسْت "أفُولْدَه" گُمْ شُدَن مَحْبُوبْ
مَحبُوبٌ، يَغرَقُ في أُفُقِ المَغيبِ! ليس بمَحبُوبٍ جَميلٍ، فالمَحكُومُ علَيه بالزَّوالِ لن يكُونَ جَميلًا حَقًّا على يُحِبُّه القَلبُ، إذِ القَلبُ الَّذي خُلِقَ أَصلًا لِيَعشَقَ خالِدًا، ويَعكِسَ أَنوارَ الصَّمَدِ، لا يَوَدُّ الزَّوالَ ولا يَنبَغي له.
نَمِى أَرْزَدْ "غُرُوبْدَه" غَيْب شُدَ والخْلُوبْ
مَطلُوبٌ، مَحكُومٌ علَيه بالأُفُولِ! ليس أَهلًا أن يَرتَبِطَ به القَلبُ، ولا يَشُدَّ معَه الفِكرُ، لأنَّه عاجِزٌ عن أن يكُونَ مَرجِعًا للآمالِ.. فالنَّفسُ لا تَذهَبُ علَيه حَسَراتٍ، أَتُراكَ يَعشَقُهَاسَرْبُ أو يَنشُدُه ويَعبُدُه؟
نَمِى خَواهَمْ "فَنَادَه" مَحو شُدَنْ مَقْصُودْ
مَقصُودٌ، يُمحَى في الفَناءِ ويَزُولُ! لا أُرِيدُه.. أنا لا أُرِيدُ فانِيًا، لأَنِّي الفاني المِسكِينُ، فماذا يُغني الفانُونََ، حتّ؟!
— 269 —
نَمِى خَوانَمْ "زَوَالْدَه" دَفْن شُدَنْ مَعْبُودْ
مَعبُودٌ، يُدفَنُ في الزَّوالِ! لا أَدعُوه، ولا أَسأَلُه، ولا أَلتَجِئُ إلَيه، إذ م بَي عاجِزًا لا يَستَطِيعُ حَتمًا أن يَجِدَ دَواءً لِأَدْوائي الجَسِيمةِ، ولا يَقدِرُ على تَضِمِيد جِراحاتي الأَبَديّةِ، فكيف يكُونُ مَعبُودًا مَن لا يَقدِرُ على إنقاذِ نَفسِه مِن قَبضةِ الزَّوالِ؟!
لجَمالل فَرْيَادْ مِى دَارَدْ، نِدَاءِلَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَمِى زَنَدْ رُوحْ
أمامَ هذه الكائناتِ المُضطَرِبةِ المُنسابةِ إلى الزَّوالِ، يَصرُخُ "العَقلُ" المَفتُونُ بالمَظاهِوتُشاهِسًا مِنَ الأَعماقِ، كلَّما رَأَى زَوالَ مَعشُوقاتِه.. وتَئِنُّ "الرُّوحُ" السّاعِيةُ إلى مَحبُوبٍ خالِدٍ أَنينَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ.
نَمِى خٰواهَمْ نَمِى خٰوانَمْ نَمِى تَابَمْ فِرٰاقِى
لا.. لا أُرِيدُ الفِراقَ.. لاةُ:
اأُطِيقُ الفِراقَ.
نَمِى أَرْزَدْ "مَرَاقَه" اِيْن زَوَالْ دَرْ پَسْ تَلاٰقِى
وِصالٌ يَعقُبُه الزَّوالُ مُؤلِمٌ، هذه اللِّقاءاتُ المُكَدَّرةُ بالزَّوالِ غيرُ جَديرةٍ باللا؟"، ف، بل لا يَستَحِقُّ شَوقًا وِصالٌ يَعقُبُه فِراقٌ؛ لأنَّ زَوالَ اللَّذّةِ مِثلَما هو أَلَمٌ فإنَّ تَصَوُّرَ زَوالِ اللَّذّةِ كذلك أَلَمٌ مِثلُه، فدَواوِينُ جَميعِ شُعَراءِ الغَزَلِ والنَّسِيبِ یی وهم عُشّاقٌ مَجازِيُّون یی وجَميعُ قَصلهِ ال إنَّما هي صُراخاتٌ تَنطَلِقُ مِن آلامٍ تَنجُمُ مِن تَصَوُّرِ الزَّوالِ هذا، حتَّى إذا ما استَعْصَرَتَ رُوحَ دِيوانِ أَيٍّ مِنهُم فلا تَراها إلَّا وتَقطُرُ صُراخًا أَلوحيثُ ناشِئًا مِن تَصَوُّرِ الزَّوالِ.
اَزْ انْ دَرْدِى كِرِينِلَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَمِى زَنَدْ قَلْبَمْ
فتلك اللقاءَاتُ المَشُوبةُ بالزَّوالِ، وتأن تُقَحبُوباتُ المَجازِيّةُ المُوَرِّثةُ للأَلَمِ، تَعصِرُ قَلبي حتَّى يُجهِشَ بالبُكاءِ قائلًا: لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ على غِرارِ سَيِّدِنا إبراهيمامِرِ هِ السَّلام.
— 270 —
دَرْ اِيْن فَانِى بَقَا خَازِى بَقَا خِيزَدْ فَنَادَنْ
فإن كُنتَ طالِبًا للبَقاءِ حَقًّا، وأنت ما زِلْتَ في الدُّنيا الفانيةِ فاعلَمْ:
أنَّ البَقاءَ يَنبَثِقُ مِنَ ال مُهِم، فجُدْ بفَناءِ النَّفسِ الأَمّارةِ لِتَحظَى بالبَقاءِ!
فَنَا شُدْ، هَمْ فَدَا كُنْ، هَمْ عَدَمْ بِينْ، كِه اَزْ دُنْيَا "بَقَايَه" رَاهْ "فَنمِ یی "
تَجَرَّدْ مِن كلِّ خُلُقٍ ذَميمٍ هو مَبعَثُ عِبادةِ الدُّنيا.. أَفنِهِ عن نَفسِك، جُدْ بما تَملِكُه في سَبيلِ المَحبُوبِ الحَقِّ.. أَبْصِرْ عُقبَى المَوجُوداتِ الماضِيةَِبٍ، كالعَدَمِ، فالسَّبيلُ في الدُّنيا إلى البَقاءِ إنَّما تَمُرُّ مِن دَرْبِ الفَناءِ.
فِكْرِ فِيزَارْ مِى دَارَدْ، اَنِينِلَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَمِى زَنَدْ وِجْدَانْ
ويَظَلُّ لْحَكِ" الإنسانِ السّارِحِ في الأَسبابِ المادِّيّةِ في حَيرةٍ وقَلَقٍ أمامَ مَشهَدِ زَوالِ الدُّنيا، فيَستَغِيثُ في قُنُوطٍ.. بَينَما "الوِجدانُ" الَيَّا َنشُدُ وُجُودًا حَقِيقيًّا يَتْبَعُ خُطَى سَيِّدِنا إبراهيمَ عَليهِ السَّلام في أَنينِه: لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ، ويَقطَعُ أَسبابَه مع المَحبُوباتِ المَجازِيّةِ، ويَحُلُّ حِبالَه معَ المَوجُوداتِويَتَّئلةِ، مُعتَصِمًا بالمَحبُوبِ السَّرمَدِيِّ.. بالمَحبُوبِ الحَقيقيِّ.
بِدَانْ اَىْ نَفْسِ نَادَانَمْ! كِه: دَرْ هَرْ فَرْد اَزْ فَانِى دُو رَاهْ هَسْت بَا بَاقِى، دُو سُِ الشّانْ جَانَانِى
فيا نَفسِي الغافِلةَ الجاهِلةَ.. (يا سَعيدُ) اعلَمْ أنَّك تَستَطِيعُ وِجدانَ سَبِيلَينِ إلى البَقاءِ مِن كلِّ شيءٍ فانٍ في هذه الدُّنيا الفانِيةِ، حتَّى يُمكَ أنَّن تُشاهِدَ فيهما لَمعَتَينِ وسِرَّينِ مِن أَنوارِ جَمالِ المَحبُوبِ الدّائمِ، فيما إذا قَدَرتَ على تَجاوُزِ الصُّورةِ الفانيةِ وخَرَقتَ حُدُودَ نَفسِك.
كِه دَرْ نَعْمَتْهَا إِنعَامْ يا نَفوَ پَسْ آثَارَهَا اَسْمَا بِگِيرْ مَغْزِى، وَ مِيزَنْ دَرْ فَنَا انْ قِشْرِ بِى مَعْنَا
نعم، إنَّ الإنعامَ يُشاهَدُ طَيَّ النِّعمةِ، ولُطفُ الرَّحمٰنِ يُستَشعَرُ في ثَنايا النِّعمةِ؛ فإن نَفَذْتَ مِن ورَحمِ النِّعمةِ إلى رُؤْيةِ الإنعامِ فقد وَجَدتَ المُنعِمَ.
— 271 —
ثمَّ إنَّ كُلَّ أثَرٍ مِن آثارِ الأَحَدِ الصَّمَدِ إنَّما هو رِسالَتُه المَكتُوبةُ، كلٌّ مِنها يُبيِّنُ أَسماءَ صانِعِه الحُسنَى؛ فإنِ استَطَعتَ العُبُورَ مِنَ ايَسيرًشِ الظّاهِرِ إلى المَعنَى الباطِنِ فستَجِدُ المُسَمَّى مِن خِلالِ الأَسماءِ.. فما دامَ في وُسْعِكِ يا نَفسِي الوُصُولُ إلى مَغزَى هذه المَوجُوداتجُوداتنياتِ ولُبِّها، فاستَمْسِكِي بالمَعنَى، ودَعِي قُشُورَها يَجرُفْها سَيلُ الفَناءِ، مَزِّقي الأَستارَ دُونَ حَسرةٍ علَيها.
بَلِى آثَارَْرَى لويَنْد: ز اَسْمَا لَفْظِ پُرْ مَعْنَا بِخَوانْ مَعْنَا، وَ مِيزَن دَرْ هَوَا آنْ لَفْظِ بِى سَوْدَا
نعم، ليس في المَوجُوداتِ مِن شيءٍ إلَّا هو لَفظٌ مُجَسَّمٌ يُفصِحُ عن مَعانٍ جَللأَرضِبل يَستَقرِئُ أَغلَبَ أَسماءِ صانِعِه البَديعِ.. فما دامَت هذه المَخلُوقاتُ أَلفاظَ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ وكَلِماتِها المُجَسَّدةَ، فاقرَئيها يا نَفسِي وتَأَمَّلي في مَعانيها واحفَظِيها في أَعماقِ القَلبِ،السِّيِي بأَلفاظِها التّافِهةِ أَدراجَ الرِّياحِ دُونَ أَسَفٍ علَيها.. ودُونَ انشِغالٍ بها.
عَقْل فَرْيَادْ مِى دَارَدْ، غِيَاثِلَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَمِيزَن اَىْ نَفْسَمْ
والعَقلُ المُبتَلَى بمَظاهِرِ الدُّنيا ولا يَملِكُ إلَّا مَعارِفَ القُرّةً خارِجِيّةً، تَجُرُّه سِلسِلةُ أَفكارِه إلى حيثُ العَدَمُ وإلى غيرِ شيءٍ، فتَراه يَضطَرِبُ في حَيرَتِه وخَيبَتِه، فيَصرُخُ يائِسًا جَزِعًا، باحِثًا عن مَخرَجٍ مِن هذا المَأْزِقِ لِيُْقَ ما طَريقًا سَوِيًّا يُوصِلُه إلى الحَقيقةِ.
فما دامَتِ الرُّوحُ قد كَفَّتْ يَدَها عنِ الآفِلين الزّائلِين، والقَلبُ قد تَرَك المَحبُوباتِ المَجازِيّةَ، والوِجد
بَعضُ أَعرَضَ عنِ الفانياتِ.. فاستَغِيثي يا نَفسِي المَسكِينةَ بغِياثِ إبراهيمَ عَليهِ السَّلام: لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ وأَنقذِي نَفسَكِ.
چِه خُوشْ گُويَدْ اُو شَيْدَا "جَامِى" عَشْقِ خُوىْ:
وانظُرِي! ما أَجمَلِنَّ فَ "جامي" ذلك الشّاعِرِ العاشِقِ الوَلهانِ؛ حتَّى لَكَأنَّ فِطرَتَه قد عُجِنَتْ بالحُبِّ الإلٰهِيِّ حِينَما أَرادَ أن يُولِّيَ الأَنظارَ شَطْرَ التَّوحيدِ ويَصرِفَها عنِ التَّشَتُّتِ في الكَثرةِ.. إذ قال:
— 272 —
يَكِى انيّةٍ، يَكِى خَوانْ، يَكِى جُوىْ، يَكِى بِينْ، يَكِى دَانْ، يَكِى كُوىْ
(حاشية): هذا البيت لمولانا جامي.
اِقصِدِ الواحِدَ، فسِواه ليس جَدِيرًا بالقَصْدِ.
اُدْعُ الواحِدَ، فملأَرضِه لا يَستَجِيبُ دُعاءً.
اُطلُبِ الواحِدَ، فغَيرُه ليس أَهلًا للطَّلَبِ.
شاهِدِ الواحِدَ، فالآخَرُون لا يُشاهَدُون دائمًا، بل يَغِيبُون وَراءَ سِتارِ الزَّوالِ.
اِعرِفِ الواحِدَ، فما لا يُوصِلُ إلى مَعرِفَتِه لا طائلَ مِقُلِّدئِه.
اُذكُرِ الواحِدَ، فما لا يَدُلُّ علَيه مِن أَقوالٍ وأَذكارٍ هُراءٌ لا يُغني المَرءَ شَيئًا.
نعم، صَدَقتَ أي "جامي":
هو المَطلُوبُ، هو المَحبُوبُ، هو المَقصُودُ، هو المَعبُودُ.
كِهلَا إي، ولْإِلَّا هُوَبَرَابَرْ مِيزَنَدْ عَالَمْ
فالعالَمُ كلُّه أَشبَهُ بحَلْقةِ ذِكرٍ وتَهليلٍ كُبرَى، يُرَدِّدُ بأَلسِنَتِه المُتَنوِّعةِ ونَغَماتِ الآنَختَلِفةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ويَشهَدُ الكُلُّ على التَّوحيدِ، فيُداوِي به الجُرحَ البالِغَ الغَوْرِ الَّذي يُفَجِّرُه: لَا أُحِبُّ الْآَفِلِي.
نكأنَّه يقُولُ: هيَّا إلى المَحبُوبِ الدّائمِ الباقي.. اِنفِضُوا أَيدِيَكم مِن كلِّ مَحبُوباتِكُمُ المَجازِيّةِ الزّائلةِ.
٭ ٭ ٭
— 273 —
كنتُ قبل خمسةٍ وعشرين عامًا على "تلِّ يُوشَعَ" المُطٍِ.. لاى البُوسفُور بإسطَنبولَ، عندما قرَّرتُ تَركَ الدُّنيا، أتاني أصحابٌ أَعِزّاءُ، لِيَثنُوني عن عَزْمي ويُعيدُوني إلى حالتي الأولى، فقلتُ لهم: دَعُوني وشَأْني إلى الغَدِ، كي أَستَخيرَ ربِّي.. وفي الصَّباح الباكِ، وكلَّرتْ هاتان اللَّوحتان إلى قلبي، وهما شَبيهتانِ بالشِّعر، إلَّا أنَّهما لَيسَتا شِعرًا، وقد حافَظتُ على عَفوِيَّتِهما وأَبقَيتُهما كما وَرَدَتا لأجل تلك الخاطِرةِ المَيمُونلِعَقي أُلحِقَتا بخِتامِ "الكلمة الثالثة والعشرين".. ولمُناسَبةِ المَقامِ أُدرِجَتا هنا.
اللوحة الأولى
(وهي لوحةٌ تُصَوِّرُ حقيقةَ الدُّنيا لَدَى أهلِ الغَفلةِ)
لا تَدْعُني إلى الدُّنيا، فقد جِئتُها ورَألِقُوالفَساد.
إذ لَمّا صارَتِ الغَفلةُ حِجابًا، وسَتَرَت نُورَ الحَقّ..
رَأَيتُ المَوجُوداتِ كلَّها، فانيةً مُضِرّة..
إن قُلتَ: الوُجُودُ! فقد لَبِسْتُه، ولكن كم عانَيتُ مِنَ البَلالسَّرمالعَدَم.
وإن قُلتَ: الحَياةُ! فقد ذُقتُها، ولكن كم قاسَيتُ العَذاب.
إذ صارَ العَقلُ عِقابًا، والبَقاءُ بَلاء
والعُمُر عَينُ الهَواء، والكَمالُ عَينُ الهَباء.
والعَمَلُ عَينُ الرِّياء، والأَمَلُ عَينُ انَها ق.
والوِصالُ عَينُ الزَّوال، والدَّواءُ عَينُ الدّاء.
والأَنوارُ ظُلُمات، والأَحبابُ أَيتامًا.
والأَصواتُ نَعَيات، والأَحياءُ أَموات.
وانقَلَبَتِ العُلُومُ أَوهامًا، وفي الحِكَم أَلفُ سَقَم.
وتَحَوَّلَتِ اللَّذائذُ آلامًا، إزاءَوُجُودِ أَلفُ عَدَم.
وإن قُلتَ: الحَبيبُ! فقد وَجَدتُه، آه! كم في الفِراقِ مِن أَلَم.
٭ ٭ ٭
— 274 —
اللوحة الثانية
(وهي لَوحةٌ تُشيرُ إلى حَقيقةِ الدُّنيا لدى أهلِ الهِدايةِ)
لَشُورِ.الَتِ الغَفلةُ، أَبصَرتُ نُورَ الحَقِّ عَيانًا.
وإذا الوُجُودُ بُرهانُ ذاتِه، والحَياةُ مِرآةُ الحَقّ..
وإذا العَقلُ مِفتاحُ الكَنزِ، والفَناءُ بابُ البَقاء.
وانطَفَأَت لَمعةُ الكَمال، وأَشرَقَت شَمسُ الجَمال..
التَّنلزَّوالُ عَينَ الوِصال، والأَلَمُ عَينَ اللَّذّة.
والعُمُرُ هو العَمَلَ نَفسَه، والأَبَدُ عَينَ العُمُر.
والظَّلامُ غِلافَ الضِّياء، وفي المَوتِ حَياةٌ حَقّة..
وشاهَدتُ الأَشياء مُؤْنِسة، والأَصواتَ ذِكرًا..
فذَرّاتُ الم أَنوااتِ كُلُّها ذاكِراتٌ مُسَبِّحات.
ولقد وَجَدتُ الفَقرَ كَنزَ الغِنى، وأَبْصَرْتُ القُوّةَ في العَجْز.
إن وَجَدتَ اللهَ فالأَشياءُ كلُّها لك.
نعم، إن كُنتَ عَبدًا لِمالِكِ المُلكِ، فمُلكُه لكي: إلىوإن كُنتَ عَبدًا لِنَفسِك مُعجَبًا بها، فأَبصِرْ بَلاءً وعِبئًا بلا عَدّ.
وذُقْها عَذابًا بلا حَدّ.
وإن كُنتَ عَبدًا للهِ حَقًّا مُؤمِاسٍ، ح، فأَبصِرْ صَفاءً بلا حَدّ..
وذُقْ ثَوابًا بلا عَدّ، ونَلْ سَعادةً بلا حَدّ..
٭ ٭ ٭
— 275 —
مناجاةٌ
لقد قَرَأْتُ قَصيدةَ الأسماءِ الحُسنَى للشيخ الگيلاني قُدِّس سِرُّه بعد عصرِ يومٍ مِن أيامِ شهرِ رَمضانِه؛ ذلبارَكِ، وذلك قبلَ خمسٍ وعشرين سنةً، فوَدِدتُ أن أكتُبَ مُناجاةً بالأسماءِ الحُسنَى، فكُتِبَ هذا القَدْرُ في حِينِه، إذ إنَّني أَرَدتُّ كتابةً نَظيرةً لمُناجاةِ أُستاذي الجليلِ السّ آلَاملكن هيهات! فإني لا أَملِكُ مَوهِبةً في النَّظمِ.. لذا عَجَزتُ، وظَلَّتِ المُناجاةُ مَبتُورةً.
وقد أُلحِقَتْ هذه المُناجاةَ برسالةِ "النَّوافِذِ"، وهي المَكتُوبُ الثالثُ والثلاثون، ولكن لمُناسَبةِ المَقامِ أُخِذَتْ إتِهِمُ.
هو الباقي
حَكِيمُ القَضايا نحن في قَبْضِ حُكمِهِ هو الحَكَمُ العَدْلُ له الأَرضُ والسَّماءُ
عَلِيمُ الخَفايا والغُيُوبِ في مُلكِهِ هو القادِرُ القَيُّومُ له العَرشُ والثَّراءُ
لَطِيفُ المَزايا والنُّقوشِ في صُنعِهِ هو الفا إلى حلوَدُودُ له الحُسنُ والبَهاءُ
جَليلُ المَرايا والشُّؤُونِ في خَلِقِهِ هو المَلِكُ القُدُّوسُ له العِزُّ والكِبْرِياءُ
بَديعُ البَرايا نحن مِن نَقْشها جَرِهِ هو الدّائمُ الباقي له المُلكُ والبَقاءُ
كَرِيمُ العَطايا نحن مِن رَكْبِ ضَيفِه هو الرَّازِقُ الكافي له الحَمدُ والثَّناءُ
جَميلُ الهَدا في ال مِن نَسْجِ عِلمِهِ هو الخالِقُ الوافي له الجُودُ والعَطاءُ
سَميعُ الشَّكايا والدُّعاءِ لخَلْقِهِ هو الرّاحِمُ الشّافي له الشُّكرُ والثَّناءُ
غَفُورُ الخَطايا والذُّنُوبِ لِعَبدِهِ هو الغَفّارُ الرَّحيمُ لهِ، أَبْوُ والرِّضاءُ
ويا نَفسِي.. استَغِيثي وابكِي مِثلَ قَلبي وقُولي:
أنا فانٍ.. مَن كان فانيًا لا أُرِيد
أنا عاجِزٌ.. مَن كان عاجِزًا لا أُرِيد
سَلَّمتُ رُوحي للرَّحمٰنِ.. سِواه لا أُرِيد
بل أُرِيد .. حَبِيبًا باقيًا أَ عليه
أنا ذَرّةٌ.. شَمْسًا سَرْمَدًا أُرِيد
أنا لا شيءٌ، ومِن غيرِ شيءٍ، المَوجُوداتِ كلَّها أُرِيد.
— 276 —
ثَمَرةُ تأمُّلٍ
في مَراعي "بارْلا"، وأَشجارِ الصَّنَوبرِ والقَطِران، والعَرعَرِ وَوجُودِ الأَسوَد.
(وهي قطعةٌ مِنَ المَكتُوبِ الحادِيَ عَشَرَ. أُخِذَت هنا لِمُناسَبةِ المَقام).
بَينَما كُنتُ على قِمّةِ جَبَلٍ في "بارْلا" أيّامساكِنِاي، أُسَرِّحُ النَّظَرَ في أشجارِ الصَّنَوبرِ والقَطِران والعَرعرِ، التي تُغَطِّي الجِهاتِ.. وأَتأمَّلُ في هَيبةِ أَوضاعِها ورَوعةِ أَشكالِها وصُن"؛ ول.. إذ هَبَّ نَسِيمٌ رَقيقٌ حَوَّل ذلك الوَضعَ المَهيبَ الرّائعَ إلى أَوضاعِ تَسبِيحاتٍ وذِكرٍ جَذّابةٍ واهتِزازاتِ نَشوةِ شَوقٍ وتَهليلٍ؛ وإذا بذلك المَشهَدِ البَهيجِ السّارِّ يَتَقطَّرُ عِبَرًا أمامَ النَّظَر، ويَنفُالأَحوِكمةَ في السَّمعِ.. وفَجأةً خَطَرَت ببالي الفِقرةُ الآتيةُ بالكُردِيّةِ لی"أحمدَ الجَزَرِيّ".
هَرْ كَسْ بِتَمَاشَاگه حُسْنَاتَه زِ هَرْ جَاى تَشْبِيهِ نگارَانْ بِجَمَالَاتَه دِنَازِنْ
أي: لقد أَتَى الجَميعُ مُسرِعين مِن كلّمَسلَكٍ لِمُشاهَدةِ حُسنِك، إنَّهم بجَمالِك يَتَغنَّجُون ويَتَدَلَّلُون.
وتَعبِيرًا عن مَعاني العِبرةِ، بَكَى قَلبي على هذه الصُّورةِ:
ياَ رَبْ! هَرْ حَىْ بِتَمَاشَاگه صُنعِ تُو زِ هَرْ جَاى بَتَازِى
يا ربُّ! إنَّ كلَّ حيٍّ يَتَطلّيُسأَلن كلِّ مكانٍ، فيَنظُرُون معًا إلى حُسنِك،(&Sَتَأمَّلُون في رَوائعِ الأَرضِ الَّتي هي مَعرِضُ صُنعِك.
زِنَشِيبُ و اَزْ فِرَازِى مَانَنْدِ دَلَالَانْ بِنِدَاءِ بِآوَازِى
فهم كالدُّعاةِ الأَدِلَّاءِ، يُدُّنيا مِن كلِّ مكانٍ، مِنَ الأَرضِ، ومِنَ السَّماواتِ العُلا إلى جَمالِك.
— 277 —
دَمْ دَمْ زِ جَمَالِ نَقْشِ تُو دَرْ رَقَصْ بَازِى
فتَرقُصُ تلك الأَشجارُ، الأَدِلَّاءُ الدُّعاةُ، جَذِلةً مِن بَيمُ مَُمالِ نُقُوشِك في الوُجُودِ.
زِكَمَالِ صُنعِ تُو خُوشْ خُوشْ بگازِى
فتُصدِرُ أَنغامًا شَدِيَّةً وأَصداءً نَدِيّةً مِن نَشوةِ رُؤْيَتِهم لِكَمالِ صَنعَتِك..
زِ شِيرِينِىه، وتَِ خُودْ هَىْ هَىْ دِنَازِى
فكأَنَّ حَلاوةَ أَصدائِها، تَزيدُ نَشوَتَها وتَهُزُّها طَرَبًا، فتَتَمايلُ في غُنْجٍ ودَلالٍ.
اَزْ وَىْ رَقْص آمَدْ جَذْبَه خَوازِى
ولأَجلِ هذا هَبَّتْ هذه الأَشجارُ للرَّقصِ ا إلى مِ، مُنتَشِيةً مُنجَذِبةً.
أَزِيْن آثَارِ رَحْمَتْ يَافْت هَرْ حَىْ دَرْسِ تَسْبِيحُ نَمَازِى
يَستَلهِمُ كلُّ حيٍّ صَلاتَه الخاصّةَ وتَسبِيحاتِه المَخصُوصةَ مِن آثارِ هذه الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ.
اِيسْتََمةُ ات هَرْ يَكِى بَرْ سَنگِ بَالَا سَرْفِرَازِى
وبعدَ التَّزوُّدِ بالدَّرسِ البَليغِ، تَنتَصِبُ كلُّ شَجَرةٍ قائمةً فوقَ صَخرةٍ شَمَّاءَ، فاتِحةً أَيدِيَها مُتَطلِّعةً إلى العَرشِ.
د ومَهاكَرْدَسْت دَسْتَهَا رَا بَدَرْگاهِ إِلٰهِى همچو شَهْبَازِى
لقد تَسَربَلَتْ كلُّ شَجَرةٍ بسِربالِ العُبُودِيّةِ، ومَدَّتْ مِئاتٍ مِن أَيدِيها ضارِعةً أمامَ عَتواتِ، لحَضرةِ الإلٰهِيّةِ، كأنَّها "شَهْباز قَلَنْدَرْ".
(حاشية-١): كَان خَادمًا لَدى الشِّيخ الیگيلاني، وتَربَّى على يدَيه، حتى تَرقَّى في مَراتِبِ الوِلاية.
بَه جُنبِ كما أزُلفْهَا رَا بَه شَوْقَ انگيز شَهْنَازِى
وتَهُزُّ أَغصانَها الرَّقيقةَ كأنَّها الضَّفائرُ الفاتِنةُ لی"شَهْنازَ الجَميلةِ" (حاشية-٢): حَسناءُ شهيرةٌ بجَمالِها وجَمالِ شَعَرِها وضَفَائرِه يُعَرثيرةً في المُشاهِدِ أَشواقًا لَطِيفةً وأَذواقًا سامِيةً.
— 278 —
بَبَالَا مِيزَنَنْد اَزْ پردَه هَاىِ "هَاىِ هُوىِ" عَشْق بَازِى
(حاشية): هَذا البيتُ يُشيرُ إلى شَجرةِ العَرعَر في المَقبرة:
ببالا ميزنند أز برده هاى هاى هوى مردهاتَضي خمهاى ازلى از حزن انگيز نوازى.
لَكَأنَّ هذا الجَمالَ يَهُزُّ طَبَقاتِ العِشقِ، بل يَمَسُّ أَعمَقَ الأَوتارِ وأَشَدَّها حَساسِيّةً.
مِيدِهَدْ هُوشَه گيرينْهَاىِ دَرِينْهَاىِ زَوَالِى اَزْ حُبِّ مَجَازِى
أمامَ هذا المَنظَرِ المُعَبِّرِكَريمُُ إلى الفِكرِ هذا المَعنَى:
يُذَكِّرُه بأَنينٍ حَزِينٍ، وبُكاءٍ مَرِيرٍ، يَنبَعِثانِ مِن أَعمَقِ الأَعماقِ. المَكلُومِين بأَلَمِ الزَّوالِ الَّذي يُصِيبُ الأَحِبَّةَ المَجازِيّة.
بَرْ سَرِ مَحْمُودْهَا نَغْمَلطّاعةِ حُزْن اَنگيز اَيَازِى
إنَّه يُسمِعُ أَنغامَ الفِراقِ والأَلَمِ الشَّجِيّةَ على رُؤُوسِ أَشهادِ العاشِقِين المُفارِقين لِأَحِبَّتِحمِلُ ا فارَقَ السُّلطانُ مَحمُودٌ مَحبُوبَه.
مُرْدَهَا رَا نَغْمَهَاىِ اَزَلِى اَزْ حُزْن اَنگيز نَوَازِى
وكأَنَّ هذه الأَشجارَ بنَغَماتِها الرَّقيقةِ الحَزِينةِ، تُؤَدِّي مُهِمّةَ إسماعِ أَصداءِ الخُلُودِ لأُولَئك الأَمواتِ الَّذينَلُ تلَعُوا عن مُحاوَراتِ الدُّنيا وأَصدائِها.
"رُوحَه" مِى آيَدْ اَزُ و زَمْزَمَه ى نَازُ و نِيَازِى
أمَّا الرُّوحُ فقد تَعَلَّمَت مِن هذه المَشاهِدِ: أنَّ الأشياءَ تَتَوجَّهُ إلى تَجَلِّياتِ أَسماءِ الصّانِعِ الجَليلِ بالتَّسبيحلقَمَرَّهليلِ، فهي أَصواتُ وأَصداءُ تَضَرُّعاتِها وتَوَسُّلاتِها.
قَلْب مِى خَوانْد اَزِينْ آيَاتْهَا: سِرِّ تَوْحِيدْ زِعُلُوِّ نَظْمِ إِعْجَازِى
أمَّا القَلبُ فإنَّه يَقرَأُ مِنَ النَّظْمِ الرَّف معًا ذا الإعجازِ سِرَّ التَّوحيدِ في هذه الأشجارِ كأنَّها آياتٌ مُجَسَّماتٌ، أي: إنَّ في خَلْقِ كلٍّ مِنها مِن خَوارِقِ النِّظامِ وإبداعِ الصَّنعةِ وإعجازِ الحِكمعَذابٍ لوِ اتَّحَدَت أسبابُ الكَونِ كلُّها، وأَصبَحَت فاعِلةً مُختارةً، لَعَجَزَت عن تَقلِيدِها.
— 279 —
نَفْس مِى خَواهَدْ دَرْ اِين وَلْوَلَهَا.. زَلْزَلَهَا: ذَوْقِ بَاقِى دَرْ فَنَاىِ دُنيَا بَازِىم، إنَّّا النَّفسُ: فكُلَّما شاهَدَت هذا الوَضْعَ للأَشجارِ، رَأَتْ كأنَّ الوُجُودَ يَتَدَحرجُ في دَوَّاماتِ الزَّوالِ والفِراقِ. فتَحَرَّت عن ذَو ٭ إِذٍ، فتَلَقَّتْ هذا المَعنَى: "إنّكِ ستَجِدِين البَقاءَ بتَرْكِ عِبادةِ الدُّنيا".
عَقْل مِى بِينَدْ اَزِينْ زَمْزَمَهَا.. دَمْدَمَهَا: نَظْمِ خِلْقَتْ، نَقْشِ حِكْمَتْ، كَنْزِ رَازِى
أمَّا العَقلُ: فقد وَجَد انتِظامَ الخِلقةِ، ونَلةٍ جُلحِكمةِ، وخَزائنَ أَسرارٍ عَظِيمةٍ في هذه الأَصواتِ اللَّطيفةِ المُنبَعِثةِ مِنَ الأَشجارِ والحَيَواناتِ معًا، ومِن أَنداءِ الشُّجَيراتِ والنَّسائمِ؛ وفَهِمَ أنَّ كلَّ شيءٍ يُسَبِّحُ للصّانِعِ الجَليلِ بجِهاتٍ شَتوأمَّا آرْزُو مِيدَارَدْ هَوَا اَزِينْ هَمْهَمَهَا.. هُوهُوَهَا مَرْگ خُودْ دَرْ تَرْك اَذْوَاقِ مَجَازِى
أمَّا هَوَى النَّفسِ: فإنَّه يَلْتَذُّ ويَستَمتِعُ مِن حَفيفِ الأَشجارِ وهُبُوبِ النَّسِيمِ ذَوْقًا لَطِيفًا يُنسِيه الِرابَ"َ المَجازِيّةَ كُلَّها، حتَّى إنَّه يُرِيدُ أن يَمُوتَ ويَفنَى في ذلك الذَّوقِ الحَقيقيِّ، واللَّذّةِ الحَقيقيّةِ بتَركِه الأَذواقَ المَجازِيّةَ الَّتي هي جَوهَرُ حَياتِه.
خَيَالْ بِينَدْ اَزِينْ اَشْجَارْ: مَلَائک رَا جَسَدْ آمَدْ سَمَاوِلِّها،هَزَارَانْ نَىْ
أمَّا الخَيالُ: فإنَّه يَرَى كأنَّ المَلائكةَ المُوَكَّلين بهذِه الأَشجارِ قد دَخَلُوا جُذُوعَها ولَبِسُوا أَغصانَها المالِكةَ لِقُصَيباتِ النّايِ بأَنواعٍ كَثيرةٍ؛ وكأنَّ السُّلطانَ السَّرمَدِيَّ قُلُوهَِسَهم هذه الأَجسادَ في استِعراضٍ مَهِيبٍ معَ آلافِ أنغامِ النّايِ، كي تُظهِرَ تلك الأَشجارُ أَوضاعَ الشُّكرِ والِامتِنانِ له بشُعُورٍ تامٍّ، لا أَجسادًا مَيلجَلالفاقِدةً للشُّعُورِ.
اَزِينَ نَيْهَا شَنِيدَتْ هُوشْ: سِتَايِشْهَاىِ ذَاتِ حَىْ
فتلك النّاياتُ مُؤَثِّرةُ الأَنغامِ صافِيَتُها، إذ تُخرِجُ أَصواتًا لَطِيفةً كأنَّها مُنبَعِثةٌ مِن مُوسِيقَى سَماوِيّةٍ عُلْوستِعما فلا يَسمَعُ الفِكْرُ مِنها شَكاوَى آلامِ الفِراقِ والزَّوالِ، كما يَسمَعُها كلُّ العُشّاقِ وفي مُقَدِّمَتِهم "مَولانا جَلالُ الدِّينِ الرُّومِيُّ"، بل يَسمَعُ أنواعَ الشُّكرِ للمُنعِمِ الرَّحمٰنِ، وأَنواعَ الحَمْدِ تُقَدَّمُ إلىاستَمَِّ القَيُّومِ.
— 280 —
وَرَقْهَا رَا زَبَانْ دَارَنْدَ هَمَه "هُو هُو" ذِكْرآرَنْد بَه دَرْ مَعْنَاىِ: حَىُّ حَىْ
وإذْ صارَتِ الأَشجارُ أَجسادًا، فقد صارَتِ انَت هاقُ كذلك أَلسِنةً، كلٌّ مِنها تُرَدِّدُ بآلافِ الأَلسِنةِ ذِكرَ اللهِ بی"هو.. هو.." بمُجَرَّدِ مَسِّ الهَواءِ لها، وتُعلِنُ بتَحِيّاتِ حَياتِه إلى صانِعِه الحَيِّ القَيُّومِ.
چُولَا إِلَهَ إِلّأنَّ اَبَرَابَرْ مِيزَنَدْ هَرْ شَىْ
لأنَّ جَميعَ الأَشياءِ تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وتَعمَلُ ضِمنَ حَلْقةِ ذِكرِ الكائناتِ العُظمَى.
دَمَادَمْ جُويَدَنْد "يَا حَقْ" سَرَعنَوِ گُويَدَنْد: "يَا حَىْ" بَرَابَرْ مِيزَنَنْد: "الله"
فتَسأَلُ كلَّ حِينٍ مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ بلِسانِ الِاستِعدادِ والفِطرةِ، وتَطلُبُ حُقُوقَ حَياتِها، بتَردِيدِها: "يا حَقُّ".
َوقٍ خكُرُ جَميعًا اسمَ "يا حَيُّ" بلِسانِ نَيلِها لِمَظاهِرِ الحَياةِ.
فَيَا حَيُّ يَا قَيوُّمُ، بِحَقِّ اسْمِ حَيٍّ قَيُّومٍ
حَيَاتِى دِهْ بَايِنْ، قَلْبِ پريشَانْ رَا اِسْتِقَامَتْ دِهْ بَايِنْ،دَرْبِِ مُشَوَّشْ رَا.. آمِين
٭ ٭ ٭
— 281 —
كنتُ يومًا على ذِروةِ قِمّةٍ مِن قِمَمِ جَبَلِ "چام"، نَظَرتُ إلى وَجهِ السَّماءِ في سُكُونِ اللَّيلِ، وإذا بالفِقْراتِ الآتيةِ تَخْطُرُ ببالي، فكأنَّني استَمَعتُ خَيالًا إلىلنَا ونطِقُ به النُّجُومُ بلِسانِ الحالِ.. كَتَبتُها كما خَطَرَت دونَ تَنسِيقٍ على قَواعِدِ النَّظْمِ والشِّعرِ لِعَدَمِ مَعرِفَتي بها.
وقد أُخِذَتْ إلى هنا مِنَ المَكتُوبِ الرّابعِ، ومِن خِتامِ ةً لهاِفِ الأوَّلِ مِنَ الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين.
رسالةٌ تَستَنطِق النُّجومَ
واستَمِعْ إلى النُّجُومِ أَيضًا.. إلى حُلْوِ خِطابِها الط37
الأِ اللَّذِيذِ.
لِتَرَى ما قَرَّره خَتْمُ الحِكمةِ النَّیيِّیرُ على الوُجُودِ.
إنَّها جَميعًا تَهتِفُ وتقُولُ مَعًا بلِسانِ الحَقِّ:
نحنُ بَراهِينُ ساطِعةٌ على هَيبةِ القنَ السذِي الجَلالِ
نحن شَواهِدُ صِدْقٍ على وُجُودِ الصّانِعِ الجَليلِ، وعلى وَحدانيَّتِه وقُدرَتِه.
نَتَفرَّجُ كالمَلائكةِ على تلك المُعجِزاتِ اللهو ثلاةِ الَّتي جَمَّلَت وَجْهَ الأَرضِ.
فنحنُ أُلُوفُ العُيُونِ الباصِرةِ، تُطِلُّ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، وتَرنُو إلى الجَنّةِ.
(حاشية): أيَأمُروَجْهَ الأرضِ مَشتَلُ أزاهيرِ الجَنّة ومَزرَعتُها، يُعرَضُ فيه ما لا يُحَدُّ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّة؛ ومثلما تتفرَّجُ مَلائِكة عالَمِ السَّماوات شعالِ ِدُ تلك المُعجِزات، تُشاهِدُها أيضًا النُّجومُ التي هي بمَثابةِ عُيُونِ الأجرامِ السَّماويّةِ الباصِرة، فهي كلما نَظَرَت كالمَلائِكة إلى تِلكَ المََسماءِت اللَّطيفة الَّتي تَملأ وَجْهَ الأَرض، نَظَرَت إلى عالَمِ الجَنّة أيضًا، فتُشاهِدُ تلك الخَوارِقَ المُؤقَّتةَ في صُورَتِها الباقيةِ هُناك. أي: إنَّها عندَما تُلقي نظرةً إلى الأَرض تُلقي الأُخرَى إلى الجَنّة، بمعنى أنَّ لبيِّ اافًا على ذَينِكَ العالَمَينِ معًا.
— 282 —
نحنُ أُلُوفُ الثَّمَراتِ الجَمِيلةِ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، عَلَّقَتْنا يَدُ حِكمةِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ على شَطْرِ السَّماءِ، وعلى أَغصانِ ، وتَأ التَّبّانةِ.
فنحنُ لِأَهلِ السَّماواتِ مَساجِدُ سَيّارةٌ ومَساكِنُ دَوّارةٌ وأَوكارٌ سامِيةٌ عاليةٌ ومَصابيحُ نَوَّارةٌ وسَفائنُ جَبّارةٌ وطائراتٌ هائلةٌ..
نحنُ مُعجِزاتُ قُدرةِ قَدِيرٍ ذِي كَمالٍ، وخَوارِقُ صَنعةِ حَكيمٍ ذي ٭ يُرْ، ونَوادِرُ حِكمةٍ ودَواهي خِلْقةٍ وعَوالِمُ نُورٍ.
هكذا نُبيِّنُ مِئةَ أَلفِ بُرهانٍ وبُرهانٍ، بمِئةِ أَلفِ لِسانٍ ولِسانٍ، ونُسمِعُها إلى مَن هو إنسانٌ حَقًّا.
عَمِيَت عَينُ المُلحِدِ لا يَرَى وُجُوهَنا النَّیيِّرةَ، ولاوجُوداعُ أَقوالَنا البَيِّنةَ.. فنحنُ آياتٌ ناطِقةٌ بالحَقِّ.
سِكَّتُنا واحِدةٌ، طُرَّتُنا واحِدةٌ، مُسَبِّحاتٌ نحن عابِداتٌ لِرَبِّنا، مُّلُ عراتٌ تحتَ أَمرِه.
نَذكُرُه تَعالَى ونحنُ مَجذُوباتٌ بحُبِّه، مَنسُوباتٌ إلى حَلْقةِ ذِكرِ دَربِ التَّبّانةِ.
٭ ٭ ٭
— 283 —
الكلمة الثامنة عشرة
لهذه الكلمة مقامان، ولم يُكتَ بالصّ المقامُ الثاني
والمقام الأول عبارة عن ثلاث نِقاطٍ.
النُّقطة الأولى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْمسِ إلَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
لَطمةُ تأديب لنفسي الأمَّارةِ بالسوء!
يا نَفسِي المُغرَمةَ بالفَخْرِ، المُعجَب في سَشُّهرةِ، الهائمةَ وَراءَ المَدحِ والثَّناء.. يا نَفسِي الغَوِيَّةَ..
إن كانَت بُذَيرةُ التِّينِ الَّتي هي مَنشَأُ أُلُوفِ الثَّمَراتِ، والسّاقُ النَّحيفةُ الصُّلبةُ الَّتي تَعَلَّقَت بها مِئاتُ العَناقيدِ.. إن كانَت هذه الثَّمَراتُ والعَنجعَلُ مِن عَمَلِ تلك البُذَيرةِ والسّاقِ ومِن مَهارَتِهما، لَزِمَ كلَّ مَن يَستَفيدُ مِن تلك النَّتائجِ أن يُبدِيَ المَدْحَ ويُظهِرَ الثَّناءَ لَهما! أقولُ: إن كانَت هذه الدَّعوَى حَقًّا، فلَرُبَّما يكُونُ لكِ يا نفسي حَقٌّ أيضًا في الفَخرِ والغُالضّارلِما حُمِّلتِ مِن النِّعَمِ.
بَينَما أنتِ لا تَستَحِقِّين إلَّا الذَّمَّ، لأنَّكِ لَستِ كتلك البُذَيرةِ ولا كتلك السّاقِ، وذلك لِما تَحمِلينَ مِن جُزءٍ اختِيارِيّ؛ فتَنتَقِصِينَ بفَخرِكِ وغُرُورِكِ مِن قيمةِ تلك النِّعَمِ وتَبخَسِمةِ.. قَّها، وتُبطِلِينَها بكُفرانِكِ النِّعَمَ، وتَغتَصِبِينَها بالتَّمَلُّك.. فليس لكِ الفَخرُ،
— 284 —
بلِ الشُّكرُ؛ ولا تَلِيقُ بكِ الشُّهرةُ، بلِ التَّواضُعُ والحَياءُ؛ وما علَيكِ إلَّا الِاستِغفارلكَلِملازَمةُ النَّدَمِ، لا المَدْحُ، فلَيس كمالُكِ في الأَنانيّةِ، بل في مَعرِفةِ اللهِ.
نعم، يا نَفسِي.. أنتِ في جِسمي تُشبِهينَ الطَّبِيعةَ في العالَمِ، فأَنتُما"النَّفسُ والطَّبيعةُ"قد خُلِقتُما قابِلَتَينِ ل وأَكث، مَرجِعَينِ للشَّرِّ؛ أي: أَنتُما لَستُما الفاعِلَ ولا المَصدَرَ، بلِ المُنفَعِلَ ومَحَلَّ الفِعلِ، إلَّا أنَّ لكُما تأثيرًا واحِدًا فقط وهو تَسَبُّبُكُما في الشَّرِّ، عِندَ عَدَمِ قَبُولِكُما الخَيرَ الوارِدَ مِنَ الخَيرِ المُطلَقِ قَبُ أَوامَسَنًا.
ثمَّ إنَّكُما قد خُلِقتُما سِتارَينِ، كي تُسنَدَ إلَيكُما المَفاسِدُ والقَبائحُ الظّاهِريّةُ الَّتي لا يُشاهَدُ جَمالُها، لِتكُونا وَسِيلَتَينِ لَ كَلاهِ الَّذاتِ الإلٰهِيّةِ الجَليلةِ؛ ولكنَّكُما قد لَبِستُما صُورةً تُخالِفُ وَظيفَتَكُما الفِطرِيّةَ، إذ تَقلِبانِ الخَيرَ إلى شِرٍّ لِافتِقارِكُما إلى القابِلِيّاتِ، فكأَنَّكُما تُشارِكانِ خالِقَكُما في الفِعلِ!
فالَّذي يَع القَبلنَّفسَ ويَعبُدُ الطَّبِيعةَ إذًا في مُنتَهَى الحَماقةِ ومُنتَهَى الظُّلمِ.
فيا نَفسِي.. لا تَقُولي: إنَّني مَظهَرُ الجَمالِ. فالَّذي يَنالُ الجَمالَ يكُونُ جَميلًا.. كلَّا، إنّكِ لم تَتَمثَّلْمِنا مالَ تَمَثُّلًا تامًّا، فلا تكُونينَ مَظهَرًا له بل مَمَرًّا إلَيه.
ولا تَقُولي أيضًا: إنَّني قدِ انتُخِبْتُ مِن دُونِ النّاسِ كُلِّهم، وهذه الثَّمَراتُ إنَّما تَظهَرُ بوَساطَتي، بمَعنَى أنَّ لي فَضْلً
إِيّةً! كلَّا.. وحاشَ لله! بل قد أُعطِيتِ تلك الثَّمَراتِ لأنَّكِ أَحْوَجُ النّاسِ إلَيها، وأَكثَرُهم إفلاسًا وأَكثَرُهم تَأَلُّمًا.(حاشية): حقًّا! إنَّني في هَذه المُنَاظرة، أُعجِبتُ أيَّما ه مِن بإلزامِ سعيدٍ الجديدِ نفسَه إلى هذا الحدِّ من الإلزام، فبارَكتُه وهنَّأتُه قَائلًا: بَارك الله فِيك ألفَ مرّةٍ.
النُّقطة الثانية
نُوضِّح سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَريمةِ: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
نعم، إنَّ كلَّرُ القفي الوُجُودِ، بل حتَّى ما يَبدُو أنَّه أَقبَحُ شيءٍ، فيه جِهةُ حُسنٍ حَقيقيّةٌ، فما مِن شيءٍ في الكَونِ، وما مِن حادِثٍ يَقَعُ فيه إلَّا وهو جَميلٌ بذاتِه، أو جَميلٌ
— 285 —
بغَيرِه، أي: جَميلٌ بنَتائجِ إنَّكتي يُفضِي إلَيها.. فهناك مِنَ الحَوادِثِ الَّتي تَبدُو في ظاهِرِ أَمرِها قَبِيحةً مُضطَرِبةً ومُشَوَّشةً، إلَّا أنَّ تحتَ ذلك السِّتاريكُونُاهِرِيِّ أَنواعًا مِن جَمالٍ رائقٍ، وأَنماطًا مِن نَظْمٍ دَقيقةً.
فتَحْتَ حِجابِ الطِّينِ والغُبارِ والعَواصِفِ والأَمطارِ الغَزِيرةِ في الرَّبيعِ، تَختَبِئُ ابتِساماتُ الأَزهارِ الزّاهِيةِ برَوعَتِها، وتَحتَجصبَحُوشاقةُ النَّباتاتِ الهَيفاءِ السّاحِرةِ الجَميلةِ، وفي ثَنايا العَواصِفِ الخَرِيفيّةِ المُدَمِّرةِ المُكتَسِحةِ للأَشجارِ والنَّباتاتِ، والهازّلاءِ اَوراقِ الخَضراءِ مِن فَوقِ الأَفنانِ، حامِلةً نُذُرَ البَينِ، وعازِفةً لَحْنَ الشَّجَنِ والمَوتِ والِاندِثارِ، هناك بِشارةُ الِانطِلاقِ مِن أَسْرِ العَمَلِ لِمَلايينِ الحكمةٍ جِ الرَّقيقةِ الضَّعيفةِ الَّتي تَتَفتَّحُ للحَياةِ في أَوانِ تَفَتُّحِ الأَزهارِ، فتُحافِظُ علَيها مِن قَرِّ الشِّتاءِ وضُغُوطِ طَقْسِه، فَضْلًا عن أنَّ أَنواءَ الشِّتاءِ القاسِيةةِ عَمزينةَ تُهيِّئُ الأَرضَ استِعدادًا لِمَقْدَمِ الرَّبيعِ بمَواكِبِه الجَميلةِ الرّائعةِ.
نعم، إنَّ هناك تَفَتُّحًا لِأَزهارٍ مَعنَوِيّةٍ كَثيرةٍ تَختَبِئُ تحتَ سِتارِ عَصْفِ العَواصِفِ إذا عَصَفَت، وزَلزَلةِ الأَرضِ إذا تَزَلزَلَت، وانتِش أُريدأَمراضِ والأَوبِئةِ إذا انتَشَرَت.. فبُذُورُ القابِلِيّاتِ ونُوَى الِاستِعداداتِ الكامِنةِ الَّتي لم تُستَنبَت بَعدُ تَتَسَنبَلُ وتَتَجمَّلُ نَتيجةَ حَوادِثَ تَبدُو قَبيحةً في ظاهِرِ شَأالِ وف حتَّى كأنَّ التَّقَلُّباتِ العامّةَ والتَّحَوُّلاتِ الكُلِّيّةَ في الوُجُودِ إن هي إلَّا أَمطارٌ مَعنَوِيّةٌ تَنزِلُ على تلك البُذُورِ لِتَستَنبِتَها.
بَيْدَ أنَّ الإنسانَ المَفتُونَ بالمَظاهِرِ والمُتَشبِّثَ بها، والَّذي لحةِ الُرُ إلى الأُمُورِ والأَحداثِ إلَّا مِن خِلالِ أَنانيَّتِه ومَصلَحَتِه بالذّاتِ، تَراه تَتَوجَّهُ أَنظارُه إلى ظاهِرِ الأُمُورِ، وتَنحَصِرُ فيها، فيَحكُمُ علَيها بالقُبْحِ!.. وحيثُ إنَّه يَفقِسمٌلَّ شيءٍ بحَسَبِ نتائجِه المُتَوجِّهةِ إلَيه فحَسْبُ، تَراه يَحكُمُ علَيه بالشَّرِّ! عِلمًا أنَّ الغايةَ مِنَ الأَشياءِ إن كانَتِ المُتَوجِّهةُ مِنها إلى الإنسانِ واحِدةً، فالمُتَوجِّهةمِن وَا إلى أَسماءِ صانِعِها الجَليلِ تُعَدُّ بالأُلُوفِ.
فمَثلًا:الأَشجارُ والأَعشابُ ذاتُ الأَشواكِ الَّتي تُدْمِي يَدَ الإنسانِ المُمتَدّةَ
— 286 —
إَوائفِ يَتَضايَقُ مِنها الإنسانُ ويَراها شيئًا ضارًّا لا جَدْوَى مِنه، بَينَما هي لتلك الأَشجارِ والأَعشابِ في مُنتَهَى الأَهَمِّيّةِ، حيثُ تَحرُسُها وتَحفَظُها مِمّن يُريدُ مَسَّه للقانءٍ.
ومَثلًا:انقِضاضُ العُقابِ على العَصافيرِ والطُّيُورِ الضَّعيفةِ يَبدُو مُنافيًا للرَّحمةِ، والحالُ أنَّ انكِشافَ قابِلِيّاتِ تلك الطُّيُورِ الضَّعيفةِ وتَحفيزَها للظُّهُورِ لا يَتَحقَّقُ إلَّا إذا أَحَسَّتْ بالخَطَرِ المُحدِقِ ب الأَسَعَرَت بقُدرةِ الطُّيُورِ الجارِحةِ على التَّسَلُّطِ علَيها..
ومَثلًا:إنَّ هُطُولَ الثُّلُوجِ الَّذي يَغمُرُ الأَشياءَ في فَصلِ الشِّتاءِ رُبَّم لتلك رُ بعضَ الضِّيقِ لَدَى الإنسانِ، لأنَّه يَحرِمُه مِن لَذّةِ الدِّفْءِ ومَناظرِ الخُضْرةِ، بَينَما تَختَفي في قَلبِ هذا الجَلِيدِ غاياتٌ دافئةٌ جِدًّا، ونَتائجُ حُلْووحٍ مِجِزُ الإنسانُ عن وَصْفِها.
ثمَّ إنَّ الإنسانَ مِن حيثُ نَظَرُه القاصِرُ يَحكُمُ على كلِّ شيءٍ بوَجهِه المُتَوجِّهِ إلى نَفسِه، لذا يَظُنُّ أنَّ كَثيرًا مِنَ الأُمُورِ الَّتي هي ضِمنَ دائرةِ الآدابِ المَحْضةِ أنَّها مُجافِيةٌ لها، خالوُجودعنها.. فالحَديثُ عن عُضوِ تَناسُلِ الإنسانِ مَثلًا مُخجِلٌ فيما يَتَبادَلُه مِن أَحاديثَ مع الآخَرِين؛ فهذا الخَجَلُ مُنحَصِرٌ في وَجهِه المُتَوجِّهُبُوبيسانِ، إلَّا أنَّ أَوْجُهَه الأُخرَى، أي: مِن حيثُ الخِلْقةُ ومِن حيثُ الإتقانُ ومِن حيثُ الغاياتُ الَّتي وُجِدَ لِأَجلِها، مَوضِعُ إعجابٍ وتَدَبُّرٍ.. فكُلٌّ مِن هذه الأَوجُهِ الَّتي فُطِرَ علَيها إنَّما هي وَجهٌ جَميل البَلأَوجُهِ الحِكمةِ، وإذا هي یی بهذا المِنظارِ یی مَحضُ أَدَبٍ لا يَخدِشُ الحَديثُ عنها الذَّوقَ والحَياءَ..
حتَّى إنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي هو مَنبَعُ الأَدَبِ الخالِصِ، يَضُمُّ بينَ سُوَرِه تَعابيرَ تُشِيرُ إشنْعةَ في غايةِ اللُّطْفِ والجَمالِ إلى هذه الوُجُوهِ الحَكِيمةِ والسَّتائرِ اللَّطيفةِ، فما نَراه قُبْحًا في بعضِ المَخلُوقاتِ، والآلامُ والأَحزانُ الَّتي تُخَلِّفُها بعضُ الأَحداثِ والوَقائعِ اليَوميّةِ مَشْيخلُو أَعماقُها قطعًا مِن أَوجُهٍ جَميلةٍ، وأَهدافٍ خَيِّرةٍ، وغاياتٍ سامِيةٍ، وحِكَمٍ خَبِيئةٍ، تَتَوجَّهُ بكُلِّ ذلك إلى خالِقِها الكَررَبُّ ا قَدَّر وهَدَى وأَرادَ.. فالكَثيرُ مِنَ الأُمُورِ الَّتي تَبدُو في الظّاهِرِ مُشَوَّشةً مُضطَرِبةً ومُختَلِطةً، إن أَنعَمْتَ النَّظَرَ إلى مَداخِلِها طالَعَتْك مِنجُنُودِها كِتاباتٌ رَبّانيّةٌ مُقدَّسةٌ رائعةٌ، وفي غايةِ الجَمالِ والِانتِظامِ والخَيرِ والحِكمةِ.
— 287 —
النُّقطة الثالثة
قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اه بوُق
ما دامَ حُسنُ الصَّنعةِ مَوجُودًا في الكَونِ، وهو أَمرٌ قَطعيٌّ كما يُشاهَدُ، يَلزَمُ إذًا ثُبُوتُ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقَطعِيّةٍ يَقينيّةٍ بدَرَجةِ الشُّهُ لا أَأنَّ حُسنَ الصَّنعةِ وجَمالَ الصُّورةِ في هذه المَصنُوعاتِ، يَدُلّانِ على أنَّ في صانِعِها إرادةَ تَحسينٍ وطَلَبَ تَزيِينٍ في غايةِ القُوّمِ الننَّ إرادةَ التَّحسينِ وطَلَبَ التَّزيينِ يَدُلّانِ على أنَّ في صانِعِها مَحَبّةً عُلوِيّةً ورَغبةً قُدسِيّةً لإظهارِ كَمالاتِ صَنعَتِه الَّتي في مَصنُوعاتِه، وأنَّ تلك المَحَبّةَ والرَّغبةَ تَقتَضِيانِ قَطعًا تَمَركُزَهما في أَكمَيصةٍ كنوَرِ المَصنُوعاتِ وأَبدَعِها، ألَا وهو الإنسانُ، ذلك لأنَّ الإنسانَ هو الثَّمَرةُ المُجَهَّزةُ بالشُّعُورِ والإدراكِ لِشَجَرةِ الخَلْقِ، وإنَّ الثَّمَرةَ هي أَجمَعُ جُزءٍ وأَبعَدُه مِن جَميعِ أَجزاءِ تلك الشَّجَرةِ، وله نَبِعةِ امٌّ وشُعُورٌ كُلِّيٌّ.
فالفَردُ الَّذي له نَظَرٌ عامٌّ، وشُعُورٌ كُلِّيٌّ هو الَّذي يَصلُحُ أن يكُونَ المُخاطَبَ للصّانِعِ الجَميلِ والماثِلَ في حُضُورِه، ذلك لأنَّه ِقَ الُ كلَّ نَظَرِه العامِّ وعُمُومَ شُعُورِه الكُلِّيِّ إلى التَّعَبُّدِ لِصانِعِه وإلى استِحسانِ صَنعَتِه وتَقدِيرِها، وإلى شُكرِ آلائِه ونَعمائِه.. فبالبَداهةِ رَى، و ذلك الفَردُ الفَرِيدُ هو المُخاطَبَ المُقَرَّبَ والحَبيبَ المَحبُوبَ.
والآنَ تُشاهَدُ لَوحَتانِ ودائِرَتانِ:
إحداهُما:دائرةُ رُبُوبيّةٍ في مُنتَهَى الِانتِظامِ وغايةِ الرَّوعةِ والهَيبةِ، ولَوحةُ صَنْعةٍ بارِعةُ الجَمالأَمري غايةِ الإتقانِ.
والأُخرَى:دائرةُ عُبُودِيّةٍ مُنَوَّرةٌ مُزَهَّرةٌ للغايةِ، ولَوحةُ تَفَكُّرٍ واستِحسانٍ وشُكرٍ وإيمانٍ في غايةِ الجامِعِيّةِ والسَّعةِ والشُّمُولِ، بحيثُ إنَّ دائرمن أياُبُودِيّةِ هذه تَتَحرَّكُ بجَميعِ جِهاتِها باسمِ الدّائرةِ الأُولَى، وتَعمَلُ بجَميعِ قُوَّتِها لِحِسابِها.. وهكذا يُفهَمُ بَداهةً أنَّ رَئيسَ هذه الدّائرةِ الَّذي يَخدُمُ مَقاصِدَ الصّانِعِ المُِ تَوجقةَ بمَصنُوعاتِه، تكُونُ عَلاقَتُه معَ الصّانِعِ قَوِيّةً مَتِينةً، ويكُونُ لَدَيه مَحبُوبًا مَرْضِيًّا عِندَه.
— 288 —
فهل يَقبَلُ عَقلٌ ألَّا يُبالِيَ ولا أَحمَدَّ صانِعُ هذه المَصنُوعاتِ المُزَيَّنةِ بأَنواعِ المَحاسِنِ ومُنعِمُ هذه النِّعَمِ، المُراعي لِدَقائقِ الأَذواقِ حتَّى في أَفواهِ الخَلْقِ، هل يُعقَلُ ألَّا يُبالِيَ بمِثلِ هذا المَصنُوعِ الأَا رَيبالأَكمَلِ المُتَوجِّهِ إلَيه بالتَّعَبُّدِ، وألَّا يَهتَمَّ بمِثلِ هذا المَخلُوقِ الَّذي هَزَّ العَرشَ والفَرشَ بتَهلِيلاتِ استِحسانِه وتَكبِيراتِ تَقدِيراتِه لِمَحاسِنِ صَنعةِ ذلك الصّانِعِ، فاهْتَزَّ البَرُّ والبَحرُ انإذ لو مِن نَغَماتِ حَمْدِه وشُكرِه وتَكبِيراتِه لِنَعمِ ذلك الفاطِرِ الجَليلِ؟ وهل يُمكِنُ ألَّا يَتَوَجَّه إلَيه؟ وهل يُمكِنُ ألَّا يُوحِيَ إلَيه بكَلامِه؟ وهل يُمكِنُ ألَّا يَجعَلَه رَسُولًا؟ وألَّا يُريدَ أن يَسْرِيَبَ فيقُه الحَسَنُ وحالاتُه الجَمِيلةُ إلى الخَلْقِ أَجمَعين؟
كلّا! بل لا يُمكِنُ ألَّا يَمنَحَه كَلامَه، وألَّا يَجعَلَه رَسُولًا للنّاسِ كافّةً.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِ وإنعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
٭ ٭ ٭
— 289 —
أنّاتُ بكاءٍ لقلبٍ آسٍ، فَجْرَ أيّامِ أَسْرٍ مَليئةٍ بالفِراقِ والِاغترابِ
نَسِيمُ التَّجَلِّي يَهُبُّ وَقتَ الأَس بسَبَ فانتَبِهي يا عَيني في السَّحَر
واسأَلي المَولَى العِنايةَ
فالسَّحَرُ مَتَابةُ المُذنِبِين
فهُبَّ يا قَلبي تائبًا في الفَجرِ
مُستَغفِرًا لَدَى بابِ مَولاك.
سَحَرْ حَشْرِيسْت، دَرُو هُدِيًا ْ دَرْ تَسْبِيحْ هَمَه شَىْ
بَخَوابِ غَفْلَتْ سَرْسَمْ نَفْسَمْ حَتَى كَىْ؟
عُمُرْ عَصْرِيسْت سَفَرْ بَا قَبِرْ مِى بَايَدْ زِ هَرْ حَىْ
بِبَرْخِيزْ نَمَازِى چُو نِيَازِى گُو؛ بِكُايا الازِى چُونْ نَىْ
بِگُو: يَارَبْ! پَشِيمَانَمْ، خَجِيلَمْ، شَرْمَسَارَمْ اَزْ گُنَاه بِى شُمَارَمْ، پَرِيشَانَمْ، ذَلِيلَمْ، اَشْك بَارَمْ اَزْ حَيَاتْ بِى قَرَارَمْ، غَرِيبَمْ، بِى كَسَمْ، ضَعِيفَمْ،
نيَحتَسَانَمْ، عَلِيلَمْ، عَاجِزَمْ، اِخْتِيَارَمْ، بِى اِخْتِيَارَمْ، اَلاَمَان گُويَمْ،
عَفو جُويَمْ، مَدَدْ خَواهَمْ زِ دَرْ كَاهَتْ اِلَهِى.
٭ ٭ ٭
— 290 —
الكلمة التاسعة عشرة
تَخُصُّ الرسالة الأَحمَديّة
وما مَدَحتُ مُحمَّدًا بمَقال..
لكن مَدَحتُ مَقالَتي بمُحمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام.
نعم، إنَّ هذه الكَلِمةَ جميلةٌ..
ولكنَّ الشَّمائلَ المُحمَّديةَ الَّتي تَفُوقُ الحُسنَ هي الَّتي جَمَّلَتها.
تَتَضمَّنُ كدَلالكَلِمةُ (اللَّمعةُ الرّابعةَ عَشْرةَ) أَربعَ عَشْرةَ رَشحةً:
الرَّشحةُ الأُولى
إنَّ ما يُعرِّفُ لَنا رَبَّنا هو ثلاثةُ مُعَرِّفين أَدِلَّاءَ عِظامٍ:
أَوَّلُه:كتابُ الكَونِ، الَّومَ تاِعنا شَيئًا مِن شَهادَتِه في ثَلاثَ عَشْرةَ لَمعةً مِن لَمَعاتِ "المَثنَوِيِّ العَرَبيِّ النُّورِيِّ".
ثانيه:هو الآيةُ الكُبْرَى لِهذا الكِتابِ العَظيمِ، وهو خاتَمُ دِيوانِ النُّبُوّةِ (ص).
ثالِثُه:القُرآنُ الحَِ أَلف
فعلَينا الآنَ أن نَعرِفَ هذا البُرهانَ الثّانِيَ النّاطِقَ یی وهو خاتَمُ الأَنبِياءِ وسَيِّدُ المُرسَلين (ص) یی ونُنصِتَ إلَيه خاشِعِينَ.
اعلَمْ لرَّحِلك البُرهانَ النّاطِقَ له شَخصِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ عَظِيمةٌ.
فإن قُلتَ: ما هو؟ وما ماهِيَّتُه؟
قيلَ لك:هو الَّذي لِعَظَمَتِه المَعنَوِيّةِ صارَ سَطحُ الأَرضِ مَسجِدَه، ومَكّةُ مِحرابَه،
— 291 —
والمَدِينةُ مِنبَیرَه.ئُ الأإمامُ جَميعِ المُؤمِنين يَأْتَمُّون به صافِّينَ خَلْفَه.. وخَطِيبُ جَميعِ البَشَرِ يُبيِّنُ لهم دَساتيرَ سَعاداتِهم.. ورَئيسُ جَميعِ الأَنبِياءِ يُزَكِّيهم ويُصَدِّقُهم بجامِعِيّةِ دِينِه لِأَساساتِ أَديانِهم.. وسَيِّدُ جَم واغفِأَولياءِ يُرشِدُهم ويُرَبِّيهم بشَمسِ رِسالَتِه.. وقُطْبٌ في مَركَزِ دائرةِ حَلْقةِ ذِكرٍ تَرَكَّبَت مِنَ الأَنبِياءِ والأَخيارِ والصِّدِّيقين والأَبرارِ المُتَّفِقِين على كَلِمَتِه، النّاطِقِين بها.. وشَجَرةٌ نُورانيّةٌ عُرُوقُها الحأَذاقَةُ المَتِينةُ هي الأَنبِياءُ بأَساساتِهمُ السَّماوِيّةِ، وأَغصانُها الخَضِرةُ الطَّرِيّةُ وثَمَراتُها اللَّطيفةُ النَّيِّرةُ هي الأَولياءُ بمَعارِفِهمُ الإلهاميّةِ..
فما مِن دَعوَى يَدَّعيها إلَّا ويَشهَدُ له جَميعُ الأَنبِياءِ مُسه الَّن بمُعجِزاتِهم، وجَميعُ الأَولياءِ مُستَنِدين بكَراماتِهم؛ فكَأنَّ على كلِّ دَعوَى مِن دَعاوِيه خَواتِمَ جَميعِ الكامِلِين، إذ بَينَما تَراه قال:"لا إلٰهَ إلّا اللهُ"وادَّعَى التّلِ وأََ، فإذا نَسمَعُ مِنَ الماضِي والمُستَقبَلِ مِنَ الصَّفَّينِ النُّورانيَّينِ یی أي: شُمُوسِ البَشَرِ ونُجُومِه القاعِدِين في دائرةِ الذِّكرِ یی عَينَ تلك الكَلِمةِ، فيُكرِّرُونَها ويَتَّفِقُون علَيها، مع اختِلافِ مَسالِكِهم وتَبايإنَّه شارِبِهم.. فكَأنَّهم يَقُولُون بالإجماعِ: "صَدَقْتَ، وبالحَقِّ نَطَقْتَ". فأنَّى لِوَهْمٍ أن يَمُدَّ يَدَه لِرَدِّ دَعوَى تَأَيَّدَتْ بشَهاداتِ مَن لا يُحَدُّ مِنَ الشّاهِدِين الَّذين تُزَكِّيهم مُعجِزاتُهم وكَراماتُهم؟!بادِك رَّشحةُ الثّانية
اعْلَمْ أنَّ هذا البُرهانَ النُّورانِيَّ الَّذي دَلَّ على التَّوحيدِ وأَرشَدَ البَشَرَ إلَيه، كما أنَّه يَتَأيَّدُ بقُوّةِ ما في جَناحَيهِ نُبُوّةً ووِلايةً بلِغَهلإجماعِ والتَّواتُرِ.. كذلك تُصَدِّقُه مِئاتُ إشاراتِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ مِن بِشاراتِ التَّوراةِ والإنجِيلِ والزَّبُورِ وزُبُرِ الأَوَّلِين.. (حاشية): لقد استَخرَجَ "حُسين الجسر" مِئةً وأَربعَون لا ةَ بِشارةً من بُطُونِ تلك الكُتُب، وضَمَّنها في "الرِّسَالة الحَمِيديّة"؛ فَلئِن كَانت البِشارَاتُ بَعد التَّحريفِ إلى هذا الحَدِّ، فلا شكَّ أن صُراحاتٍ كَثيرةً كَانت مَوجودةً قبلَه. وكذلك تُصَدِّقُه رُمُوزُ أُلُ كُلِّإرهاصاتِ الكَثيرةِ المَشهُودةِ، وكذا تُصَدِّقُه دَلالاتُ مُعجِزاتِه مِن أَمثالِ: شَقِّ القَمَرِ، ونَبَعانِ الماءِ مِنَ الأَصابعِ كالكَوثَرِ، ومَةِ؛ وذالشَّجَرِ بدَعوَتِه، ونُزُولِ
— 292 —
المَطَرِ في آنِ دُعائِه، وشِبَعِ الكَثيرِ مِن طَعامِه القَليلِ، وتَكَلُّمِ الضَّبِّ والذِّئبِ والظَّبيِ والجَمَلِ والحَجَرِ.. إلى أَلفٍ مِن مُعجِزاتِه كما بَيَّبابِ الرُّواةُ والمُحَدِّثُون المُحَقِّقون.. وكذا تُصَدِّقُه الشَّريعةُ الجامِعةُ لِسَعاداتِ الدّارَينِ.
واعْلَمْ أنَّه كما تُصَدِّقُه هذه الدَّلائلُ الآفاقيّةُ، كذلك دائمًلشَّمسِ يَدُلُّ على ذاتِه بذاتِه، فتُصَدِّقُه الدَّلائلُ الأَنفُسِيّةُ، إذِ اجتِماعُ أَعالي جَميعِ الأَخلاقِ الحَميدةِ في ذاتِه بالِاتِّفاقِ.. وكذا جَمعُ شَخصِيَّتِه المَعنَوِيّةِ في وَظِيفَتِهأَشمَلِلَ جَميعِ السَّجايا الغالِيةِ والخَصائلِ النَّزيهةِ.. وكذا قُوّةُ إيمانِه بشَهادةِ قُوّةِ زُهدِه وقُوّةِ تَقواه وقُوّةِ عُبُودِيَّتِه.. وكذا كَمالُ ُ انْتِه بشَهادةِ سِيَرِه، وكَمالُ جِدِّيَّتِه وكَمالُ مَتانَتِه، وكذا قُوّةُ أُمنِيَّتِه في حَرَكاتِه بشَهادةِ قُوّةِ اطمِئْنانِه.. تُصَدِّقُه كالشَّمسِ اسيِّدِعةِ في دَعوَى تَمَسُّكِه بالحَقِّ ومُلازَمَتِه الحَقِيقةَ.
الرَّشحةُ الثالثة
اعْلَمْ أنَّ للمُحيطِ الزَّمانِيِّ والمَكانِيِّ تَأثيرًا عَظِيمًا في مُحاكَماتِ العُقُولِ، فإن شِئتَ فتَعالَ نَذْهَبْ إِشرين رِ القُرُونِ وعَصرِ السَّعادةِ النَّیبَويّةِ لِنَحظَى بزِيارَتِه الكَريمةِ (ص) یی ولو بالخَيالِ یی وهو على رَأسِ وَظيفَتِه يَعمَلُ.. فافْتَحْ عَينَيك وانظُرْ، فإنَّ أَوَّلَ ما يَتَظاهَرُ لنا مِن هذه المَملَ نِظامَخصٌ خارِقٌ، له حُسنُ صُورةٍ فائقٍ، في حُسنِ سِيرةٍ رائقٍ؛ فها هو آخِذٌ بيَدِه كِتابًا مُعجِزًا كَريمًا، وبلِسانِه خِطابًا مُوجَزًا حَكِيمًا، يُبلِّغُ خُطبةً أَزَليّةً ويَتلُوها على جَميعِ بَني آدَمَ، بل على جَميعِ الجِنِّ والإنسِ، بل على جَمُ إلَيمَوجُوداتِ.
فيا لَلعَجَبِ! ما يَقُولُ؟.. نعم، إنَّه يتَحَدَّثُ عن أَمرٍ جَسيمٍ، ويَبحَثُ عن نَبأٍ عَظيمٍ، إذ يَشرَحُ ويَحُلُّ اللُّغزَ العَجيبَ في سِرِّ خِلْقةِ العالَمِ، ويَفتَحُ ويَكشِفُ الطّلَقةً، المُغلَقَ في سِرِّ حِكمةِ الكائناتِ، ويُوَضِّحُ ويَبحَثُ عنِ الأَسئلةِ الثَّلاثةِ المُعضِلةِ الَّتي شَغَلَتِ العُقُولَ وأَوقَعَتْها في الحَيرةِ، إذ هيءِ تَبئِلةُ الَّتي يَسأَلُ عنها كلُّ مَوجُودٍ، وهي: مَن أنتَ؟ ومِن أين؟ وإلى أين؟
— 293 —
الرَّشحة الرابعة
انظُرْ إلى هذا الشَّخصِ النُّورانِيِّ كيف يَنشُرُ مِنَ الحَقيقةِ ضِياءً ن مُشَكا، ومِنَ الحَقِّ نُورًا مُضِيئًا، حتَّى صَيَّر لَيلَ البَشَرِ نَهارًا وشِتاءَه رَبِيعًا؛ فكَأنَّ الكائناتِ تَبَدَّلَ شَكلُها فصارَ العالَمُ ضاحِكًا مَسرُورًا بعدَما كان عَجماعِ، قَمطَرِيرًا.. فإذا ما نَظَرتَ إلى الكائناتِ خارِجَ نُورِ إرشادِه، تَرَى في الكائناتِ مَأْتَمًا عُمُوميًّا، وتَرَى مَوجُوداتِها كالأَجانبِ الغُرَباءِ والأَعداءِ، لا يَعرِفُ بعضٌ بعضًا، بل يُعادِييْأَسْرَى جامِداتِها جَنائزَ دَهّاشةً، وتَرَى حَيَواناتِها وأَناسِيَّها أَيتامًا باكِينَ تحتَ ضَرَباتِ الزَّوالِ والفِراقِ.
فهذه هي ماهِيّةُ الكائناوفي الدَ مَن لم يَدخُل في دائرةِ نُورِه، فانظُرِ الآنَ بنُورِه، وبمِرصادِ دِينِه، وفي دائرةِ شَرِيعَتِه، إلى الكائناتِ.. كيف تَراها؟ فانظُر! قد تَبَدَّل شَكلُ العالَمِ، فتَحَوَّل بَيتُ المَأْتَمِ العُمُوميفَناءِ مَسجِدٍ للذِّكرِ والفِكرِ، ومَجلِسٍ للجَذبةِ والشُّكرِ، وتَحَوَّل الأَعداءُ الأَجانِبُ مِنَ المَوجُوداتِ إلى أَحبابٍ وإخوانٍ، وتَحَوَّل كلٌّ مِن جامِداتِدايةِمَيتةِ الصّامِتةِ حتَّى غدا كلٌّ مِنها كائنًا حَيًّا مُؤنِسًا مَأمُورًا مُسَخَّرًا تاليًا لِسانُ حالِه آياتِ خالِقِه، وتَحَوَّل ذَوُو الحَياةِ مِنها (الأَيتامُن مَراُونَ الشّاكُونَ) ذاكِرِينَ في تَسبِيحاتِهم، شاكِرِين لِتَسرِيحِهم عن وَظائفِهم.
الرَّشحة الخامسة
لقد تَحَوَّلَت بذلك النُّورِ حَرَكاتُ الكائناتِ وتَنَوُّعاتُها وتَغَيُّراتُها مِنَ العَبَثيّةِ والتَّفاهةِ ومَلعَبةِ المُصادَفةِ إلَقتَضِتِيبَ رَبّانيّةٍ، وصَحائفِ آياتٍ تَكوِينيّةٍ، ومَرايا أَسماءٍ إلٰهِيّةٍ.. حتَّى تَرَقَّى العالَمُ وصارَ كِتابًا للحِكمةِ الصَّمَدانيّةِ. ثَوبٍنظُرْ إلى الإنسانِ كيف تَرَقَّى مِن حَضِيضِ الحَيَوانيّةِ الَّذي هَوَى إلَيه بعَجْزِه وفَقْرِه، وبعَقْلِه النّاقِلِ لِأَحزانِ الماضِي ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ، تَرَقَّى إلى أَوْجِ الخِلافةِ بتَنَوُّرِ ذلك العَقلِ والعَجزِ وتُمسَخِ.. فانظُرْ كيف صارَتْ أَسبابُ سُقُوطِه یی مِن عَجزٍ وفَقرٍ وعَقل یی أَسبابَ صُعُودِه بسَبَبِ تَنَوُّرِها بنُورِ هذا الشَّخصِ النُّورانِيِّ.
— 294 —
ُ الوا هذا: لو لم يُوجَد هذا الشَّخصُ لَسَقَطَتِ الكائناتُ والإنسانُ، وكلُّ شيءٍ إلى دَرَجةِ العَدَم، لا قِيمةَ ولا أَهَمِّيّةَ لها.. فيَلزَمُ لِمِثلِ هذه الكائناتِ البَدِيعةِ الجَمِيلةِ مِن مِثلِ هذا الشَّخصِ الخارِقِ الفائمُختَرُعَرِّفِ المُحَقِّق، فإذا لم يكن هذا فلا تكُنِ الكائناتُ، إذ لا مَعنَى لها بالنِّسبةِ إلَينا.
الرَّشحة السادسة
فإن قُلتَ:مَن هذا الشَّخصُ الَّذي نَراه قد صارَ شَمسًا للكَونِ، كاشِفًا بدِينِه عن كَمالاتِ الكائناتِ؟ وما يقَُّوِيل قيلَ لك:انظُرْ واستَمِعْ إلى ما يقُولُ: ها هو يُخبِرُ عن سَعادةٍ أَبَديّةٍ ويُبَشِّرُ بها، ويَكشِفُ عن رَحمةٍ بلا نِهايةٍ، ويُعلِنُها ويَدعُو ِنا، لَ إلَيها.. وهو دَلَّالُ مَحاسِنِ سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ ونَظَّارُها، وكَشّافُ مَخْفِيَّاتِ كُنُوزِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ ومُعَرِّفُهاةِ، تلانظُرْ إلَيه مِن جِهةِ وَظيفَتِه (رِسالَتِه)، تَرَهُ بُرهانَ الحَقِّ وسِراجَ الحَقيقةِ وشَمسَ الهِدايةِ ووَسيلةَ السَّعادةِ.
ثمَّ انظُرْ إلَيه مِن جِهةِ شَخصِيَّتِه (عُبُودِيَّت أَحقََرَهُ مِثالَ المَحَبّةِ الرَّحمانيّةِ وتِمثالَ الرَّحمةِ الرَّبّانيّةِ، وشَرَفَ الحَقيقةِ الإنسانيّةِ، وأَنورَ أَزهَرِ ثَمَراتِ شَجَرةِ الخِلقةِ.
ثمَّ انظُرْ.. كيفَ ةَ بُر نُورُ دِينُه بالشَّرقِ والغَربِ في سُرعةِ البَرقِ الشّارِقِ، وقد قَبِل بإذعانِ القَلبِ ما يَقرُبُ مِن نِصفِ الأَرضِ ومِن خُمُسِ بَني آدَمَ هَدِيّةَ هِدايَتِه، بحيثُ تُفدِي لها أتِ بأَها.. فهل يُمكِنُ للنَّفسِ والشَّيطانِ أن يُناقِشا بلا مُغالَطةٍ في مُدَّعَياتِ مِثلِ هذا الشَّخصِ، لا سِيَّما في دَعوَى هي أَساسُ كلِّ مُدَّعَياتِه، وهي:"لا إلٰهَ إلا اللهُ"بجَميعِ مَراتِبِها؟..
للأَغحة السَّابعة
فإن شِئتَ أن تَعرِفَ أنَّ ما يُحَرِّكُه إنَّما هو قُوّةٌ قُدسِيّةٌ، فانظُرْ إلى إجراءاتِه في هذه الجَزِيرةِ الواسِعةِ.. ألَا تَرَى هذه الأَقوامَ المُختَلِفةَ البِدائيّةَ في هذه الصَّحراءِ الشّاسِعةِ،
#رآةِ يمُتَعصِّبِين لِعاداتِهم، المُعانِدِين في عَصَبِيَّتِهم وخِصامِهم، كيف رَفَعَ هذا الشَّخصُ جَميعَ أَخلاقِهمُ السَّيِّئةِ البِدائيّةِ وقَلَعَها في زَمانٍ قَليلٍ دُفعةً واحِدةً؟ وجَهَّزَهم بأَخلاقٍ حَسَنةٍ عالِيةٍ؛ فصَيَّرَهمَها مِِّمي العالَمِ الإنسانِيِّ وأَساتِيذَ الأُمَمِ المُتَمَدِّنةِ.
فانظُرْ، لَيسَت سَلطَنَتُه على الظّاهِرِ فقط، بل ها هو يَفتَحُ القُلُوبَ والعُقُولَ، ويُسَخِّرُ الأَرواحَ والنُّفُوسَ، حتَّى صارَ مَحبُوبَ القُلُوبِ ومُعَلِّمَ العُقُولِ ومُنَظَرَِ النُّفُوسِ وسُلطانَ الأَرواحِ.
الرَّشحة الثامنة
مِنَ المَعلُومِ أنَّ رَفْعَ عادةٍ صَغيرةٍ یی كالتَّدخِينِ مَثلًا یی مِن طائفةٍ صَغيرهو تَجكُلِّیيّةِ، قد يَعْسُرُ على حاكِمٍ عَظيمٍ، بهِمّةٍ عَظِيمةٍ، مع أنّا نَرَى هذا النَّبيَّ الكَريمَ (ص) قد رَفَعَ بالكُلِّیيّةِ عاداتٍ كثيرةً، مِن أَقوامٍ عَظيمةٍ مُتَعَصِّبِين لِعاداتِهم، مُعانِدِين في حلأَلَمَاتِهم.. رَفَعَها بقُوّةٍ جُزئيّةِ، وهِمَّةٍ قَليلةٍ في ظاهِرِ الحالِ، وفي زَمانٍ قَصيرٍ، وغَرَسَ بدَلَها برُسُوخٍ تامٍّ في سَجِيَّتِهم عاداتٍ عاليةً، وخَصائلَ غاليةجمَلِ َتَراءَى لنا مِن خَوارِقِ إجراءاتِه الأَساسيّةِ أُلُوفُ ما رَأَينا، فمَن لم يَرَ هذا العَصرَ السَّعيدَ نُدخِلْ في عَينِه هذه الجَزِيرةَ العَرَبيّةَ ونَتَحدّاه، ِقِها رِّبْ نَفسَه فيها.. فلْيَأخُذُوا مِئةً مِن فَلاسِفَتِهم ولْيَذهَبُوا إلَيها ولْيَعمَلُوا مِئةَ سنةٍ، هل يَتَيسَّرُ لهم أن يَفعَلُوا جُزءًاَ الحَِئةِ جُزءٍ مِمّا فَعَلَه (ص) في سنةٍ بالنِّسبةِ إلى ذلك الزَّمانِ؟!
الرَّشحة التاسعة
اعْلَمْ یی إن كُنتَ عارِفًا بسَجِيّةِ البَشَرِ یی أنَّه لا يَتَيسَّرُ لِعاقِلٍ أن رَسْمعِيَ یی في دَعوَى فيها مُناظَرةٌ یی كَذِبًا يَخجَلُ بظُهُورِه، وأن يقُولَه بلا حَرَجٍ وبلا تَرَدُّدٍ وبلا اضطِرابٍ يُشِيرُ إلى حِيلَتِه، وبلا تَصَنُّعٍ وتَهَيُّجٍ يُومِيان إلى كَذِبِه، أمامَ العالرِ خُصُومِه النَّقّادةِ، ولو كانَ شَخصًا صَغيرًا، ولو في وَظِيفةٍ صَغِيرةٍ، ولو بمَكانةٍ حَقِيرةٍ، ولو في جَماعةٍ صَغيرةٍ، ولو في مَسأَلةٍ حَقِيرةٍ.. فكيف يُمكِنُ تَداخُلُ السَعِ د ودُخُولُ الخِلافِ في مُدَّعَياتِ مِثلِ هذا الشَّخصِ الَّذي هو مُوَظَّفٌ عَظيمٌ، في وَظِيفةٍ عَظِيمةٍ، بِحَيثيّةٍ عَظِيمةٍ، مع أنَّه يَحتاجُ
— 296 —
لِحِمايةٍ عَظِيمةٍ، وفي جَماعةٍ عَظِيمةٍ، مُقابِلَ خُصُومةٍ عَظيمةٍ، وفي مَسأَرَحْمَظِيمةٍ، وفي دَعوَى عَظيمةٍ؟
وها هو يقُولُ ما يقُولُ بلا مُبالاةٍ بمُعتَرِضٍ، وبلا تَرَدُّدٍ وبلا تَحَرُّجٍ وبلا تَخَوُّفٍ وبلا اضطِرابٍ، وبصَفوةٍ صَمِيميّةٍ، وبجِدِّيّةٍ خالِصةٍ، وبطَرْزٍِه، وكُ أَعصابَ خُصُومِه، بتَزيِيفِ عُقُولِهم وتَحقيرِ نُفُوسِهم وكَسْرِ عِزَّتِهم، بأُسلُوبٍ شَدِيدٍ عُلْوِيٍّ.. فهل يُمكِنُ تَداخُلُ الحِيلةِ في مِثلِ هذه الدَّالمُتَِن مِثلِ هذا الشَّخصِ، في مِثلِ هذه الحالةِ المَذكُورةِ؟ كلّا! إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
نعم، إنَّ الحَقَّ أَغْنَى مِن أن يَمَدانسَ، ونَظَرَ الحَقيقةِ أَعلَى مِن أن يُدَلَّسَ علَيه.. نعم، إنَّ مَسلَكَه الحَقَّ مُستَغنٍ عنِ التَّدليسِ، ونَظَرَه النَّفّاذَ مُنَزَّهٌ مِن أن يَلتَبِسَ علَيه الخَيالُ بالحَقجُلِ و
الرَّشحة العاشرة
انظُرْ واستَمِعْ إلى ما يقُولُ.. ها هو يَبحَثُ عن حَقائقَ مُدهِشةٍ عَظيمةٍ، ويَبحَثُ عن مَسائلَ جاذِبةٍ للقُلُوبِ، جالِبةٍ للعُقُولِ إلى الدِّقّةِ والنَّظَرِ؛ إهِرةُ المَعلُومِ أنَّ شَوقَ كَشْفِ حَقائقِ الأَشياءِ قد ساقَ الكَثِيرينَ مِن أَهلِ حُبِّ الِاستِطلاعِ واللَّهفةِ والِاهتِمامِ إلى فِداءِ الأَرواحِ.. ألَا تَرَى أنَّه لو قيلَ لك:ُ الِادَيتَ نِصفَ عُمُرِك، أو نِصفَ مالِك، لَنَزَل مِنَ القَمَرِ أوِ المُشتَرِي شَخصٌ يُخبِرُك بغَرائبِ أَحوالِهما، ويُخبِرُك بحَقيقةِ مُستَقبَلِ أَيّامِك؟ أَظُنُّك تَرضَى بالفِداء. فيا لَلعَجَبِ! تَرضَى لِدَفعِ ما تَتَلهَّفُ إلُ"و"ِصفِ العُمُرِ والمالِ، ولا تَهتَمُّ بما يقُولُ هذا النَّبيُّ الكَريمُ (ص) ويُصَدِّقُه إجماعُ أَهلِ الشُّهُودِ وتَواتُرُ أَهلِ الِاختِصاصِ مِنَ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقين والأَولياءِ والمُحَقِّقين! بَينَما هو يَبحَثُ عن شُؤُونِ لا يُعٍ، ليس القَمَرُ في مَملَكَتِه إلّا كذُبابٍ يَطيرُ حولَ فَراشٍ، وهذا يَحُومُ حَولَ سِراجٍ مِن بينِ أُلُوفٍ مِنَ القَنادِيلِ الَّتي أَسرَجَها في مَنزِلٍ مِن بينِ أُلُوفِ مَنازِلِه الَّذي أَعَدَّه لِضُيُوفِه.. وكطَّرَفبِرُ عن عالَمٍ هو مَحَلُّ الخَوارِقِ والعَجائبِ، وعنِ انقِلابٍ عَجِيبٍ، بحيثُ لوِ انفَلَقَتِ الأَرضُ وتَطايَرَت جِبالُها كالسَّحابِ ما ساوَتْ عُشْرَ مِعْشارِ غَرائبِ ذلك الِانقِلابِ.. فإن شِئتَ ُلتَهِِعْ مِن لِسانِه أَمثالَ السُّوَرِ الجَليلةِ:
— 297 —
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ والْقَارِعَةُ
وكذا يُخبِرُ بصِدقٍ عن مُيكُمُ لٍ، ليس مُستَقبَلُ الدُّنيا بالنِّسبةِ إلَيه إلَّا كقَطْرةِ سَرابٍ بلا طائلٍ بالنِّسبةِ إلى بَحرٍ بلا ساحِلٍ؛ وكذا يُبَشِّرُ عن شُهُودٍ بسَعادةٍ، لَيسَت سَعادةُ الدُّنيا بالنِّسبةِ إلَيها إلَّا یی لِبٍ زائلٍ بالنِّسبةِ إلى شَمسٍ سَرْمَدِيّةٍ.
الرَّشحة الحاديةَ عَشْرةَ
إنَّ تحتَ حِجابِ هذه الكائناتِ ذاتِ العَجائبِ والأَسرارِ، تَنتَظِرُنا أُمُورٌ أَعجَبُ، ولا بُدَّ للإخبارِ عن تلك العَجائبِ والخَوارِقِ مِن شَخصٍ عَجِيبٍ خارِقٍ وا عُقَفُّ مِن أَحوالِه أنَّه يُشاهِدُ ثمَّ يَشهَدُ، ويُبصِرُ ثمَّ يُخبِرُ.
نعم، نُشاهِدُ مِن شُؤُونِه وأَطوارِه أنَّه يُشاهِد ثمَّ يَشهَدُ فيُنذِرُ ويُبشِّرُ.. وكذا يُخبِرُ عن مَرضِيّاتِ رَبِّ العالَمِين الَّذي غَمَرَنا بنِعَمِه الظّاهِرةِ وال مُؤلِِ، ومَطالِبِه مِنَّا، وهكذا..
فيا حَسرةً على الغافِلين! ويا خَسارةً على الضّالِّين! ويا عَجَبًا مِن بَلاهةِ أَكثَرِ النَّاسِ! كيف تَعامَوا عن هذا الحَقِّ وتَصامُّوا عن هذه الحَقيقةِ؟! لا يَهتَمُّون بكَلامِ هذا النَّ#159
لكَريمِ (ص) مع أنَّ مِن شَأْنِ مِثلهِ أن تُفْدَى له الأَرواحُ، ويُسرَعَ إلَيه بتَركِ الدُّنيا وما فيها؟
الرَّشحة الثَّانيةَ عَشْرةَ
اعلَمْ أنَّ هذا النَّبيَّ الكَريمَ (ص) ا الخِدودَ لنا بشَخصِيَّتِه المَعنَوِيّةِ، المَشهُورَ في العالَمِ بشُؤُونِه العُلوِيّةِ، كما أنَّه بُرهانٌ ناطِقٌ صادِقٌ على الوَحدانيّةِ، ودَليلُ حَقٍّ بدَرَجةِ حَقّانيّةِ التَّوحِيدِ، كذلذاك باُرهانٌ قاطِعٌ ودَليلٌ ساطِعٌ على السَّعادةِ الأَبَديّةِ؛ بل كما أنَّه بدَعوَتِه وبِهِدايَتِه سَبَبُ حُصُولِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ ووَسيلةُ وُصُولِها الرَّ بدُعائِه وعُبُودِيَّتِه سَبَبُ وُجُودِ تلك السَّعادةِ الأَبَديّةِ ووَسيلةُ إيجادِها.. ولِمُناسَبةِ المَقامِ نُكَرِّرُ هذا السِّرَّ الَّذي وَرَد في مَبحَثِ الحَشرِ.
— 298 —
فإن شِئتَ فانظُرْ إلَيه وهو في الصَّلاةِبل كلّْرَى، الَّتي بعَظَمةِ وُسْعَتِها صَيَّرَتْ هذه الجَزيرةَ بلِ الأَرضَ مُصَلِّين بتلك الصَّلاةِ الكُبْرَى.. ثم انظُرْ إلَيه وهو يُصَلِّي تلك الصَّلاةَ بهذه الجَماعةِ العُظ مَن أدَرَجةٍ كأنَّه هو إمامٌ في مِحرابِ عَصرِه واصْطَفَّ خَلْفَه مُقتَدِين به جَميعُ أَفاضِلِ بَني آدَمَ، مِن آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى هذا العَصرِ إلى آخِرِ الدُّنيا العالُوفِ الأَعصارِ مُؤتَمِّينَ به ومُؤَمِّنين على دُعائِه.
ثمَّ استَمِع إلى ما يَفعَلُ في تلك الصَّلاةِ بتلك الجَماعةِ.. فها هو يَدعُو لِحاجةٍ شَديدةٍ عَظِيمةٍ عامّةٍ بحيثُ تَشت التنمعه في دُعائِه الأَرضُ بلِ السَّماءُ بل كلُّ المَوجُوداتِ، فيَقُولُون بأَلسِنةِ الأَحوالِ: نعم يا رَبَّنا تَقَبَّلْ دُعاءَه؛ فنحن أيضًا بل مع جَميعِ ما تَجَلَّى علَينا مِن أَسمائِك نَطلُبُ حُصُولَ ما يَطلُبُ هو..
ثمَّ شةِ الإلى طَوْرِه في طَرْزِ تَضَرُّعاتِه كيف يَتَضرَّعُ بافتِقارٍ عَظيمٍ، في اشتِياقٍ شَديدٍ، وبحُزنٍ عَمِيقٍ، في مَحبُوبيّةٍ حَزِينةٍ؛ بحيثُ يُهَيِّجُ بُكاءَ الكائناتِ فيُبكِيها ظَمَ مكُها في دُعائِه.
ثمَّ انظُر لِأَيِّ مَقصَدٍ وغايةٍ يَتَضرَّعُ؟ ها هو يَدعُو لِمَقصَدٍ لولا حُصُولُ ذاك المَقصَدِ لَسَقَط الإنسانُ، بلِ العالَمُ، بل كلُّ المَخلُوقاتِ إلى أَسفَلِ ساارَ ذَ لا قِيمةَ لها ولا مَعنَى. وبمَطلُوبِه تَتَرقَّى المَوجُوداتُ إلى مَقاماتِ كَمالاتِها..
ثمَّ انظُرْ كيف يَتَضرَّعُ باستِمدادٍ مَديدٍ، في غِياثٍ شَديدٍ، في استِرح السَُّوَدُّدٍ حَزينٍ، بحيثُ يُسمِعُ العَرشَ والسَّماواتِ، ويُهَيِّجُ وَجْدَها، حتَّى كأنَّ العَرشَ والسَّماواتِ يقُولُ: آمِينَ اللَّهمَّ آمِينَ..
ثمَّ انظُر مِمَّن يَطلُبُ مَسؤُولَه.. نعم، يَطلُبُ مِنَ القَديرِ السَّميعِ الكَريمِ ومِنَ العتِمةِ.البَصيرِ الرَّحيمِ، الَّذي يَسمَعُ أَخفَى دُعاءٍ مِن أَخفَى حَيَوانٍ في أَخفَى حاجةٍ، إذ يُجِيبُه بقَضاءِ حاجَتِه بالمُشاهَدةِ، وكذا يُبصِرُ أَدنَى أَمَلٍ في أَدنَى ذي حَياةٍ في أَدنَى غايةٍ، إذ يُوصِلُه إلَيها مِن حَيثُ لا "السِّبُ بالمُشاهَدةِ، ويُكرِمُ ويَرحَمُ بصُورةٍ حَكيمةٍ، وبطَرْزٍ مُنتَظِمٍ.. لا يَبقَى رَيبٌ في أنَّ هذه التَّربيةَ والتَّدبيرَ مِن سَميعٍ عَليمٍ ومِن بَصيرٍ حَكيمٍ.
— 299 —
امَقامُة الثالثةَ عَشْرةَ
فيا لَلعَجبِ!.. ما يَطلُبُ هذا الَّذي قام على الأَرضِ، وجَمَع خَلفَه جَميعَ أَفاضِلِ بني آدَمَ، ورَفَع يدَيهِ مُتَوجِّهًا إلى ذا أُسِ الأَعظَمِ يَدعُو دُعاءً يُؤَمِّنُ علَيه الثَّقَلانِ؛ ويُعلَمُ مِن شُؤُونِه أنَّه شَرَفُ نَوعِ الإنسانِ، وفَرِيدُ الكَونِ والزَّمانِ، وفَخرُ هذه الكائناتِ في كلِّ آنٍ، ويَستَشفِعُ بجَميعِ الأَسماءِ القُدسيّةِ الإلٰهِيّةِ المُتَجلكارُ هفي مَرايا المَوجُوداتِ، بل تَدعُو وتَطلُبُ تلك الأَسماءُ عَينَ ما يَطلُبُ هو؛ فاستَمِعْ! ها هو يَطلُبُ البَقاءَ واللِّقاءَ والجَنّةَ والرِّضَى.. فلو لم يُوجَد ما لا يُعَدُّ مِنَ مَلِ فابِ المُوجِبةِ لإعطاءِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ مِنَ الرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والعَدالةِ المَشهُوداتِ یی المُتَوقِّفِ كَونُها رَحمةً وعِنايةً وحِكمةً وعَدالةً على وُجُودِ الآخِرةِ یی وكذا جَميعُ الأَسماَرِّ اُدسِيّةِ أسبابًا مُقتَضِيةً لها، لَكَفَى دُعاءُ هذا الشَّخصِ النُّورانِيِّ لِأَنْ يَبنيَ رَبُّه له ولِأَبناءِ جِنسِه الجَنّةَ، كما يُنشِئُ لنا في كلِّ رَبيعٍ جِنانًا مُزَيَّنةً بمُعجِزاتِ مَصنُوعاتِه. فكما صارَت رِسالَتُه سَببًا لِفَتحِ هذه نابِعِِ الدُّنيا للِامتِحانِ والعُبُودِيّةِ، كذلك صار دُعاؤُه في عُبُودِيَّتِه سَببًا لِفَتحِ دارِ الآخِرةِ للمُكافآتِ والمُجازاةِ.
فهل يُمكِنُ أن يَقبَلَ هذا الِانتِظامُ الفائقُ، في هذه الرَّحمةِ الواسًِ.. فيي هذه الصَّنعةِ الحَسَنةِ بلا قُصُورٍ، في هذا الجَمالِ بلا قُبحٍ یی بدَرَجةٍ أَنطَقَ أَهلَ التَّحقيقِ والعَقلِ بی"ليس في الإمكانِ أَبدَعُ مِمّا كان"یی أن تَتَغيَّرَ هذه الحَقائقُ إلى قُبحٍ خَشِرِه وتظُلمٍ مُوحِشٍ، وتَشَوُّشٍ عَظيمٍ، أي: بعَدَمِ مَجِيءِ الآخِرةِ؟ إذ سَماعُ أَدنَى صَوتٍ مِن أَدنَى خَلقٍ في أَدنَى حاجةٍ وقَبُولُها بأَهمِّيّةٍ تامّةٍ، مع عَدَمِ سَماعِ أَرفَعِ صَوتٍ ودُعاءٍ في أَشَدِّ حاجةٍ، وعَدَمِ قَبُولِ أَحسعوَى مسؤُولٍ، في أَجمَلِ أَمَلٍ ورَجاءٍ؛ قُبحٌ ليس مِثلَه قُبحٌ، وقُصُورٌ لا يُساوِيه قُصُورٌ، حاشا ثمَّ حاشا وكلَّا.. لا يَقبَلُ مِثلُ هذا الجَمالِ المَشهُودِ بلا قُصُورٍ مِثلَ هذا القُبحِ المَحْضِ.
فيا رَفيقي في هذه ملَؤُواحةِ العَجِيبةِ.. ألَا يَكفيك ما رَأَيتَ؟ فإن أَرَدتَ الإحاطةَ فلا يُمكِنُ، بل لو بَقِينا في هذه الجَزيرةِ مِئةَ سنةٍ ما أَحَطْنا ولا مَلَلْنا مِنَ النَّظَرِ بجُزءٍ واحِدٍ مِن مِئةِ جُزءٍ مِن ةِ لذلِ وَظائفِه، وغَرائبِ إجراءاتِه..
— 300 —
فلْنَرجِعِ القَهْقَرَى، ولْنَنظُرْ عَصرًا عَصرًا، كيف اخْضَرَّت تلك العُصُورُ واستَفاضَت مِن فَيضِ هدٍ حَقَصرِ؟ نعم، تَرَى كلَّ عَصرٍ تَمُرُّ علَيه قدِ انفَتَحَت أَزاهِيرُه بشَمسِ عَصرِ السَّعادةِ، وأَثمَرَ كلُّ عَصرٍ مِن أَمثالِ أبي حَنيفةَ والشّافعيِّ وأبي يَزيدَ البِسطامِيّ والجُنَيدِ والشَّبةِ عِدِ القادِرِ الگيلانِيّ.. والإمامِ الغَزّاليِّ والشّاهِ النَّقْشَبَندِ والإمامِ الرَّبَّانِيِّ ونَظائرِهم أُلُوفَ ثَمَراتٍ مُنَوَّراتٍ مِن فيضِ هِدايةِ ذلك الشَّخصِ النُّورانِيِّ.. فلْنُؤخِّر تَفصكَلامَ مَشهُوداتِنا في رُجُوعِنا إلى وَقتٍ آخَرَ، ولْنُصَلِّ ونُسَلِّمْ على ذلك الذّاتِ النُّورانِيِّ الهادي، ذي المُعجِزاتِ بصَلَواتٍ وسَلامٍ تُشِيرُ إلى قِسمٍ مِن مُعجِزاتِه:
عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ القُرآنُ الحَكِيمُ مِنَ الرَّحمٰنِ اَينِ نيمِ مِنَ العَرشِ العَظِيمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَلفُ ألفِ صَلَاةٍ وسَلَامٍ بِعَدَدِ أنفَاسِ أُمَّتِهِ.
عَلَى مَن بَشَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّورَاةُ والإنجِصةِ لللزَّبُورُ والزُّبُرُ، وبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ الإِرهَاصَاتُ وهَوَاتِفُ الجِنِّ وكَوَاهِنُ البَشَرِ وانشَقَّ بِإِشَارَتِهِ القَمَرُ.. سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَلفُ أَلفِ صَلَذُكِرَسَلَامٍ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ.
عَلَى مَن جَاءَت لِدَعوَتِهِ الشَّجَرُ، ونَزَلَ سُرعَةً بِدُعَائِهِ المَطَرُ، وأَظَلَّتهُ الغَمَامَةُ مِنَ الحَرِّ، وشَبِعَ مِن صَاعٍ مِن ً.. فوِهِ مِئاتٌ مِنَ البَشَرِ، ونَبَعَ المَاءُ مِن بَينِ أصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَالكَوثَرِ، وأَنطَقَ اللهُ لَهُ الضَّبَّ والظَّبيَ والذِّئبَ والجِذعانُ الِّرَاعَ والجَمَلَ والجَبَلَ والحَجَرَ والمَدَرَ والشَّجَرَ.. صَاحِبِ المِعرَاج ومَا زَاغَ البَصَرُ..
سَيِّدِنَا وشَفِيعِنَا مُحَمَّدٍ أَلفُ أَلفِ صَلَاةٍ وسَلَامٍ بِعَدَدِ كُلِّ الحُرُوفِ المُتَشَكِّلَةِ
— 301 —
(اعلَمْ أنَّ دَلائلَ النُّبوّةِ الأَحمَديّةِ لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ، ولقد صَنَّف في بَيانِها أَعاظِمُ المُحقِّقين؛ وأنا مع عَجْزِي وقُصُوري قد بَيَّنتُةٌ يَعاتٍ مِن تلك الشَّمسِ في رسالةٍ تُركيّةٍ مُسَّماةٍ بی"شُعاعات مَعرِفة النَّبيِّ(ص)"، وفي "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَر"، وكذا بَيَّنتُ إجمالًا وُجُوهَ إعجازِ مُعجِزَتِه الكُبْرَى (أي: القُرآن)، وقد أَشَظَمةِفَهمي القاصِرِ إلى أَربعين وَجهًا مِن وُجُوهِ إعجازِ القُرآنِ في رسالةِ"اللَّوامِع"،وقد بَيَّنتُ مِن تلك الوُجُوهِ واحِدًا وهو البلاغةُ الفائقةُ النَّظمِيّةیی في ِقدارِ أَربعِين صَحيفةً مِن تَفسِيرِي العَرَبيِّ المُسمَّى بی"إشارات الإعجاز".فإن شِئتَ فارجِعْ إلى هذه الكُتُبِ الثّلاثةِ..).
الرَّشحة الرابعةَ عَشْرةَ
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي هو بَحرُ المُعجِزاتِ و وهكذاِزةُ الكُبْرَى يُثبِتُ النُّبوّةَ الأَحمَديّةَ والوَحدانيّةَ الإلٰهِيّةَ إثباتًا، ويُقيمُ حُجَجًا ويَسُوقُ بَراهينَ ويُبْرِزُ أَدِلّةً تُغالحَيَكلِّ بُرهانٍ آخَرَ؛ فنحن هنا سنُشِيرُ إلى تَعريفِه، ثمَّ نُشِيرُ إلى لَمَعاتٍ مِن إعجازِه تلك الَّتي أَثارَت تَساؤُلًا لَدَى البَعضِ. فالقُرآنُ الحَكيمُ الَّذي يُعرِّفُ رَبَّنا لنا:
هو التَّرجَلائلَلأَزَليّةُ لهذه الكائناتِ، والتَّرجُمانُ الأَبَديُّ لِأَلسِنَتِها التّالِياتِ للآياتِ التَّكوينيّةِ، ومُفَسِّرُ كتابِ العالَمِ.. وكذا هو كَشَّافٌ لَِقةِ، َّاتِ كُنُوزِ الأَسماءِ المُستَتِرةِ في صَحائفِ السَّماواتِ والأَرضِ.. وكذا هو مِفتاحٌ لِحَقائقِ الشُّؤُونِ المُضْمَرةِ في سُطُورِ الحادِثاتِ.. وكذا هو لِسانُ الغَيبِ في عالَمِ اللرَّشحةِ.. وكذا هو خَزينةُ المُخاطَباتِ الأَزَليّةِ السُّبحانيّةِ والِالتِفاتاتِ الأَبَديّةِ الرَّحمانيّةِ.. وكذا هو أَساسٌ وهَندَسةٌ وشَمسٌ لهذا العالَمِ المَعنَويِّ الإسلاميِّ.. وكذا هو خَرِيطةٌ للعالَمِ الأُخا التِّ.. وكذا هو قَولٌ شارِحٌ وتَفسِيرٌ واضِحٌ وبُرهانٌ قاطِعٌ وتَرجُمانٌ ساطِعٌ لِذاتِ اللهِ وصِفاتِه وأَسمائِه وشُؤُونِه.. وكذا هو مُرَبٍّ للعالَمِ الإنسانِيِّ.. وكالماءِ وكالضِّياءِ للإنسانيّةِ الكُبْرَى الَّتي هي الإسلاميّةُ.. وكذا هو تُناسِةُ الحَقيقيّةُ لِنَوعِ البَشَرِ، وهو المُرشِدُ الهادي إلى ما خُلِقَ البَشَرُ له..
— 302 —
وكذا هو للإنسانِ: كما أنَّه كتابُ شَريعةٍ كذلك هو كتابُ حِكمةٍ، وبِه وعَّه كتابُ دُعاءٍ وعُبُوديّةٍ كذلك هو كتابُ أَمرٍ ودَعوةٍ، وكما أنَّه كتابُ ذِكرٍ كذلك هو كتابُ فِكرٍ، وكما أنَّه كتابٌ واحِدٌ، لكن فيه كُتُبٌ كَثيرةٌ في مُقابَلةِ جَميعِ حاجاتِ الًا لإي المَعنَويّةِ، كذلك هو كمَنزِلٍ مُقدَّسٍ مَشحُونٍ بالكُتُبِ والرَّسائلِ.. حتَّى إنَّه أَبرَزَ لِمَشرَبِ كلِّ واحِدٍ مِن أَهلِ المَشارِبِ المُختَلِفةِ، ولِمَسلَكِ كلِّ واحِدٍ مِن أَهلِ المَسالِكِ المُتَبايِنةِ مِنَ الأَولياءِ والصِّدِّيقين وم اليقيعُرَفاءِ والمُحَقِّقين رِسالةً لائقةً لِمَذاقِ ذلك المَشرَبِ وتَنوِيرِه، ولِمَساقِ ذلك المَسلَكِ وتَصوِيرِه حتَّى كأنَّه مَجمُوعةُ الرَّسائلِ.
فانظُرْ إلى بَيانِ لَمعةِ الإعجازِ في تَكلَّمِ القُرآنِ الَّتي يَتَوهَّمُها القاصِرُون نَقصًا في البَلاغةِ.
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ لأنَّه كتابُ ذِكرٍ، وكتابُ دُعاءٍ، وكتابُ دَعوةٍ، يكُونُ تَكرارُه أَحسَنَ وأَبلَغَ بل أَلزَمَ، وليس كما ظَنّ أي: تاصِرُون، إذِ الذِّكرُ يُكَرَّرُ، والدُّعاءُ يُرَدَّدُ، والدَّعوةُ تُؤَكَّد.. إذ في تكريرِ الذِّكرِ تَنوِيرٌ وفي تَردِيدِ الدُّعاءِ تَقريرٌ، وفي تكرارِ الدَّعوةِ تأكيدٌ.
واعلَمْ أنَّه لا يُمكِنُ لكلِّ أَحَد وبشَكلِّ وَقتٍ قِراءةُ تَمامِ القُرآنِ الَّذي هو دَواءٌ وشِفاءٌ لِكلِّ أَحَدٍ في كلِّ وَقتٍ؛ فلِهذا أَدْرَجَ الحَكيمُ الرَّحيمُ أَكثَرَ المَقاصِدِ ه الآينيّةِ في أَكثَرِ سُوَرِه، لا سِيَّما الطَّويلةِ مِنها، حتَّى صارَت كلُّ سُورةٍ قُرآنًا صَغيرًا، فسَهَّل السَّبيلَ لكلِّ أَحَدٍ، دُونَ أن يَحرِمَ أَحَدًا، فكَرَّرَ التَّوحيدَ والحَشرَ وقِصَّةَ مُوسَى عَليهِ السَّلام.
اعلَمْ أنَّهِ اثنانَّ الحاجاتِ الجِسمانيّةَ مُختَلِفةٌ في الأَوقاتِ، كذلك الحاجاتُ المَعنَويّةُ الإنسانيّةُ أَيضًا مُختلِفةُ الأَوقاتِ؛ فإلى قِسمٍ في كلِّ آنٍ كی"هو اللهُ" للرُّوحِ یی كحاجةِ الجِسمِ إلى الهَواءِ یی وإلى قِسمٍ في كلِّ ساعةٍ كی"بِاسمِ اللهِ" فهذا فقِسْ.. فتَكرارُ الآياتِ والكَلِماتِ إذًا للدَّلالةِ على تَكَرُّرِ الِاحتِياجِ، وللإشارةِ إلى شِدّةِ الِاحتِياجِ إلَيها، ولِتَنبِيه عِرقِ الِاحتِياجِ وإيقاظِه، وللتَّشوِيقِ خَواهِْاحتِياجِ، ولِتَحرِيكِ اشتِهاءِ الِاحتِياجِ إلى تلك الأَغذِيةِ المَعنَويّةِ.
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ مُؤسِّسٌ لهذا الدِّينِ العَظيمِ المَتينِ، وأَساساتٌ لهذاأَنتُمَمِ
— 303 —
الإسلاميِّ، ومُقَلِّبٌ لِاجتِماعيّاتِ البَشَرِ ومُحَوِّلُها ومُبَدِّلُها؛ وجَوابٌ لِمُكَرَّراتِ أَسئِلةِ الطَّبَقاتِ المُختَلِفةِ للبَشَريّةِ بأَلسِنةِ الأَقوالِ والأَحوالِ.. ولا بُدَّ لعلى قُِسِ مِنَ التَّیكريرِ للتَّثبيتِ، ومِنَ التَّرديدِ للتَّأكيدِ، ومِنَ التَّیكرارِ للتَّقريرِ والتَّأييدِ.
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ يَبحَثُ عن مَسائلَ عَظِيمةٍ ويَدعُو القُلُوبَ إلى الإيمانِ بها، وعن حَقائقَ دَقيقة وَقتَعُو العُقُولَ إلى مَعرِفَتِها؛ فلا بُدَّ لِتَقرِيرِها في القُلُوبِ وتَثبِيتِها في أَفكارِ العامّةِ مِنَ التَّكرارِ في صُورٍ مُختَلِفةٍ وأَساليبَ مُتَنوِّعةٍ.
اعلَمْ أنَّ لكلِّ آيةٍ ظَهْرًا وبَطْنًاحُولُ ًا ومَطلِعًا، ولكلِّ قِصّةٍ وُجُوهًا وأَحكامًا وفَوائدَ ومَقاصِدَ، فتُذكَرُ في مَوضِعٍ لِوَجهٍ، وفي آخَرَ لِأُخرَى، وفي سُورةٍ لِمَقصَدٍ، وفي أُخرَى لآخَرَ.. وهكذا. فعلى هذا لا تَكرارَ إلَّا في الصُّورةِ.
نِ تلكَا إجمالُ القُرآنِ الكَريمِ بعضَ المَسائلِ الكَونيّةِ وإبهامَه في بعضٍ آخَرَ، فهو لَمعةُ إعجازٍ ساطِعٍ، وليس كما تَوَهَّمَه أَهلُ الإلحادِ مِن قُصُورٍ ومَدارِ نَقْدٍ.
فإن قُلتَ:لأَيِّ شيءٍ لا يَبحَثُ القُرآنُ عنِ الكائنفي خِضا يَبحَثُ عنها فَنُّ الحِكمةِ والفَلسَفةِ؟ فيَدَعُ بعضَ المَسائلِ مُجمَلًا ويَذكُرُ أُخرَى ذِكرًا يَنسَجِمُ مع شُعُورِ العَوامِّ وأَفكارِهم، فلا يَمَسُّها بأَذًى ولا يُرهِقُها بل يَذكُرُها سَلِسًا بَسِيطًا في االأَوررِ؟
نقُولُ جَوابًا:لأنَّ الفَلسَفةَ عَدَلَت عن طَريقِ الحَقيقةِ وضَلَّت عنها، وقد فَهِمتَ حَتمًا مِنَ الدُّرُوسِ والكَلِماتِ السّابِقةِ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ إنَّما يَبحَثُ عنِ الكإلى رَ استِطرادًا، للِاستِدلالِ على ذاتِ اللهِ وصِفاتِه وأَسمائِه الحُسنَى، أي: يُفهِمُ مَعانیيَ هذا الكِتابِ، كِتابِ الكَونِ العَظيمِ كي يُعَرِّفَ خالِقَه.
أي: أنَّ القُرآنَ الكَريمَ يَستَخدِمُ المَوتوجِّهِ لِخالِقِها لا لأَنفُسِها، فَضلًا عن أنَّه يُخاطِبُ الجُمهُورَ.
وعلى هذا: فما دامَ القُرآنُ يَستَخدِمُ المَوجُوداتِ دَليلًا وبُرهانًالأَشجا شَرطِ الدَّليلِ أن يكُونَ ظاهِرًا وأَظهَرَ مِنَ النَّتيجةِ أَمامَ نَظَرِ الجُمهُورِ.
— 304 —
ثمَّ إنَّ القُرآنَ ما دامَ مُرشِدًا فمِن شَأَْةِ شَاغةِ الإرشادِ مُماشاةُ نَظَرِ العَوامِّ، ومُراعاةُ حِسِّ العامّةِ ومُؤانَسةُ فِكرِ الجُمهُورِ، لِئلّا يَتَوحَّشَ نَظَرُهم بلا طائلٍ، ولا يَتَشوَّشَ َ ذَرّم بلا فائدةٍ، ولا يَتَشرَّدَ حِسُّهم بلا مَصلَحةٍ، فأَبلَغُ الخِطابِ معَهم والإرشادِ أن يكُونَ ظاهِرًا بَسِيطًا سَهلًا لا يُعجِزُهم، وَجِيزًا لا يُمِلُّهم، مُجمَلًا فَتَغيّ يَلزَمُ تَفصِيلُه لهم، ويَضرِبُ بالأَمثالِ لِتَقريبِ ما دَقَّ مِنَ الأُمُورِ إلى فَهمِهم.
ولِأنَّ القُرآنَ مُرشِدٌ لكُلِّ طَبَقاتِ البَشَرِ تَستَلزِمُ بَلاغةُ الإرشبَ والّا يَذكُرَ ما يُوقِعُ الأَكثَريّةَ في المَغْلَطةِ والمُكابَرةِ مع البَدِيهيّاتِ في نَظَرِهِمُ الظّاهِرِيّ، وألّا يُغيِّرَ بلا لُزُومٍ ما هو مُتَعارَفٌ مَحسُوسٌ عِندَهم، وأن يُهمِلَ أو يُجمِلَ تَتَحيَلزَمُ لهم في وَظيفَتِهِمُ الأَصلِيّةِ.
فمَثلًا:يَبحَثُ عنِ الشَّمسِ لا للشَّمسِ، ولا عن ماهِيَّتِها، بل لِمَن نَوَّرَها وجَعَلَها سِراجًا، وعن وَظيفَتِها بصَيرُورَتِها مِحوَرًا لِانتِظام الحَكَنعةِ ومَركَزًا لِنِظامِ الخِلقةِ، وما الِانتِظامُ والنِّظامُ إلا مَرايا مَعرِفةِ الصّانِعِ الجَليلِ؛ فيُعرِّفُنا القُرانُ بإراءةِ نِظامِ النَّسجِ وانتِظامِ المَنسُوجاتِ كَمالاتِ فاطِرِها الحَكيمِ وصانِعِهاقصُودُيمِ، فيَقُولُ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي، ويُفَهِّم بها ويُنبِّهُ إلى تَصَرُّفاتِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ العَظيمةِ في اختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وتَناوُبِ الصَّيفِ والشِّتاءِ؛ وفي لَفْتِ النَّظَرِ إلَيها تلاماتٌ السّامِعِ إلى عَظَمةِ قُدرةِ الصّانِعِ وانفِرادِه في رُبُوبيَّتِه.. فمَهما كانَت حَقيقةُ جَرَيانِ الشَّمسِ وبأَيِّ صُورةٍ كانَت لا تُؤَثِّیرُ تلك الحَقيقةُ في مَقصَدِ القُرآنِ في إراءةِ الِانتِظامِ الانةِ لدِ والمَنسُوجِ معًا.
ويقُولُ أيضًا: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، ففي تَعبِيرِ السِّراجِ تَصويرُ العالَمِ بصُورةِ قَصْرٍ، وتَصويرُ الأَشياءِ المَوجُودةِ فيه في صُورةِ لَوازِمِ تَنَا قَصرِ، ومُزَيَّناتِه، ومَطعُوماتِه لِسُكّانِ القَصرِ ومُسافِرِيه، وإحساسٌ أنَّه قد أَحضَرَتْها لِضُيُوفِه وخُدَّامِه يَدُ كَريمٍ رَحيمٍ.. وما الشَّمسُ إلَّا مَأمُورٌ مُسَخَّرٌ وسِراجٌ مُِها بنٌ.. ففي تَعبيرِ السِّراجِ تَنبِيهٌ إلى رَحمةِ الخالِقِ في عَظَمةِ رُبُوبيَّتِه، وإفهامُ إحسانِه في سَعةِ رَحمَتِه، وإحساسُ كَرَمِه في عَظَمةِ سَلطَنَتَى الج05
فالآنَ استَمِعْ ماذا يقُولُ الفَلسَفيُّ الثَّرثارُ في الشَّمسِ: يقُولُ: "هي كُتلةٌ عَظيمةٌ مِنَ المائِعِ النّارِيِّ تَدُورُ حولَ نَفسِها في مُستَقَرِّهُ أن يايَرَت مِنها شَراراتٌ وهي أَرضُنا وسَيّاراتٌ أُخرَى، فتَدُورُ هذه الأَجرامُ العَظيمةُ المُختَلِفةُ في الجَسامةِ.. ضَخامَتُها كذا.. ماهِيَّیتُها كذا.."
فانظُرْ ماذا أَفادَتْك هذه المَسأَلةُ غيرَ الحَيرةِ المُدهِشةِ والدَّهثِه عنمُوحِشة؟! فلم تُفِدْك كَمالًا عِلْميًّا ولا ذَوْقًا رُوحِيًّا ولا غايةً إنسانيّةً ولا فائدةً دِينيّةً.
فقِسْ على هذا لِتُقَدِّرَ قِيمةَ المَسائلِ الفَلسَفيّةِ الَّتي ظاها ضِم مُزَخرَفةٌ وباطِنُها جَهالةٌ فارِغةٌ.. فلا يَغُرَّنَّك تَشَعشُعُ ظاهِرِها وتُعرِضُ عن بَيانِ القُرآنِ المُعجِزِ.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ شِفَاءً لَنَا ولِكَاتِبِهِ وأمثَالِهِ مِن كُلِّ دَاءٍ، ومُؤنِسً كانَ ا ولَهُم فِي حَيَاتِنَا وبَعْدَ مَوْتِنَا، وفِي الدُّنيَا قَرِينًا، وفِي القَبرِ مُؤنِسًا، وفِي القِيَامَةِ شَفِيعًا، وعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا، ومِنَ النَّارِ سِترًا وحِجَابًا، وفِي الجَنّةِ ر أَكثرا، وإلَى الخَيرَاتِ كُلِّهَا دَلِيلًا وإمَامًا، بِفَضْلِكَ وجُودِكَ وكَرَمِكَ ورَحمَتِكَ يَا أَكرَمَ الأَكْرَمِينَ ويَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ سَّلام.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ الفُرقَانُ الحَكِيمُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أجمَعِينَ.. آمِينَ. آمِينَ.
تنبيهٌ:
لقد ذَكَرنا في المَثنَوِيِّ الَيها،يِّ النُّورِيِّ خَمسةَ عَشَرَ نَوعًا مِن أَنواعِ إعجازِ القُرآنِ البالِغِ أَربعين نَوعًا، وذلك في سِتِّ قَطَراتٍ للرَّشحةِ الرّابعةَ عَشْرةَ، ولا سِيَّما النُّكَتِ الدَّقيقةِ السِّتِّ للقَطرةِ اتِ كمعةِ.. لذا أَجمَلْنا هنا مُكتَفِين بما ذَكَرناه هناك، فمَن شاء فليُراجِعْه.
٭ ٭ ٭
— 306 —
الكلمة العشرون
وهي مقامان
المقام الأول
بِسْمِ اللَّهِ الررةٌ لَنِ الرَّحِيمِ
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلَوهِّمهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
كُنتُ أَتلُو هذه الآياتِ الكَرِيمةَ يَومًا، فوَرَد إلهامٌ مِن فَيضِ نُورِ القُرآنِ الكَريمِ في نِكاتٍ ثَلاثٍوائرَ ُدَّ إلقاءاتِ إبليسَ! وصُورةُ الشُّبهةِ الوارِدةِ هي:
قال: إنَّیكم تَقُولُون: إنَّ القُرآنَ مُعجِزٌ، وفي ذِرْوةِ البَلاغةِ، وإنَّه هُدًى للعالَمِين في كلِّ وَقتٍبَيانِ ولكن ماذا يعني ذِكرُ حَوادِثَ جُزئيّةِ وسَردُها سَردًا تارِيخيًّا والتَّأكيدُ علَيها وتَكرارُها؟ وما الدّاعي إلى ذِكرِ حادِثةٍ جُزئيّةٍ كذَبحِ بقَرةٍ ضِمنَ هالةٍ مِنََيْحاتصافِ، حتَّى تَسَمَّتِ السُّورةُ باسمِ"البَقَرة"؟ثمَّ إنَّ القُرآنَ يُرشِدُ أَربابَ العُقُولِ عامّةً ويُذكِّرُ في كَثيرٍ مِن مَواضِعِه: أَفَلَا يَعْقِلُونَ أي: َبَ هَُ الأَمرَ إلى العَقلِ، في حِينِ أنَّ حادِثةَ سُجُودِ المَلائكةِ لآدَمَ أَمرٌ غَيبِيٌّ مَحْضٌ لا يَجِدُ العَقلُ إلَيه سَبِيلًا إلَّا بالتَّسليمِ أوِ الإِذعانِ بعدَ الإيمانِ القَوِيِّ الرّاسِخِ.. ثمَّ أين وَجهُ الهِدايةِ في بَيانِ القُررَته الاتٍ طَبيعيّةً تَحدُثُ مُصادَفةً للأَحجارِ والصُّخُورِ وإضفاءِ أهَمِّيّةٍ بالِغةٍ علَيها؟
— 307 —
وصُورةُ النُّیكَتِ المُلهَمةِ هي الآتيةُ:
النُّیكتة الأُولى
إنَّ في القُرآنِ الحَكيمِ حَوادِثَ جعم، يًُ، ولكن وراءَ كلِّ حادِثٍ يَكمُنُ دُستُورٌ كُلِّيٌّ عَظيمٌ؛ وإنَّما تُذْكَرُ تلك الحَوادِثُ لأنَّها طَرَفٌ مِن قانُونٍ عامٍّ شامِلٍ كُلِّيٍّ وجُزءٌ مُلطانِ فالآيةُ الكَريمةُ: وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا تُبيِّنُ أنَّ تَعليمَ الأَسماءِ مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ سَيِّدِنا آدمَ عَليهِ السَّلام تِجاهَ المالرَّبِ، إظهارًا لِاستِعدادِه للخِلافةِ؛ وهي وإن كانَت حادِثةً جُزئيّةً إلَّا أنَّها طَرَفٌ لِدُستُورٍ كُلِّيٍّ هو: أنَّ تعليمَ الإنسانِ المالكِ لِاستِعدادٍ جامِعٍ عُلُومًا كثيرةً لا تُحَدُّ، وفُنُونًا كثيرةً لا تُحصَى حتَّى تَستَغرِقزةَ يَعَ الكائناتِ، فضلًا عن تَعليمِه المَعارِفَ الكثيرةَ الشّامِلةَ لِصِفاتِ الخالقِ الكريمِ سُبحانَه وشُؤُونِه الحَكيمةِ.. إنَّ هذا التَّعليمَ هو الَّذي أَهَّلَ الإنسانَ لِيَنالَ أَفضَلِيّةً، ليس على المَلائكةِ َ قَرْم، بل أيضًا على السَّماواتِ والأَرضِ والجِبالِ، في حَملِ الأَمانةِ الكُبْرَى.
وإذ يَذكُرُ القُرآنُ خِلافةَ الإنسانِ على الأرضِ خِلافةً مَعنَوِيّةً، يُبيِّنُ كذلك أنَّ في سُجُودِ المَلائكةِ لِآدمَ وعَدَمِ سُجُودِ الشَّيطانِِ، تلك وهي حادِثةٌ جُزئيّةٌ غَيبِيّةٌ یی طَرَفًا لِدُستُورٍ مَشهُودٍ كُلِّيٍّ واسِعٍ جِدًّا، وفي الوَقتِ نفسِه يُبيِّنُ حَقيقةً عَظيمةً هي أنَّ القُرآنَ الكَريمَ بذِكرِه طاعةَ المَلائكةِ وانقِيادَهم لِشَخصِ آِهِ إَليهِ السَّلام وتَكبُّیرَ الشَّيطانِ وامتِناعَه عنِ السُّجُودِ، إنَّما يُفهِّمُ أنَّ أَغلَبَ الأَنواعِ المادِّيّةِ للكائناتِ ومُمَثِّليها الرُّوحانيِّين والمُوَكَّلين علَيها، مُسَخَّرةٌ كلُّها ومُهيَّأةٌ لإفادةِ جَميعِ حَواسِّ الُوزَ و إفادةً تامّةً، وهي مُنقادةٌ له.. وأنَّ الَّذي يُفسِدُ استِعدادَ الإنسانِ الفِطرِيَّ ويَسُوقُه إلى السَّيِّئاتِ وإلى الضَّلالِ هي المَوادُّ العَلِّيرةُ ومُمثِّلاتُها وسَكَنَتُها الخَبيثةُ، مِمّا يَجعَلُها أَعداءً رَهيبِينَ، وعَوائقَ عَظيمةً في طَريقِ صُعُودِ الإنسانِ إلى الكَمالاتِ.
— 308 —
شيءٌ، دِيرُ القُرآنُ الكَريمُ هذه المُحاوَرةَ مع آدمَ عَليهِ السَّلام وهو فَردٌ واحِدٌ ضِمنَ حادِثةٍ جُزئيّةٍ، فإنَّه في الحَقيقةِ يُديرُ مُحاوَرةً سامِيةً مع الكائناتِ برُمَّتِها والنَّوعِ البَشَريِّ قاطِبةً.
لرُّوحكتة الثانية
مِنَ المَعلومِ أنَّ أَراضيَ مِصرَ جَرداءُ قاحِلةٌ، إذ هي جُزءٌ مِنَ الصَّحراءِ الكُبْرَى، إلَّا أنَّها تَدُرُّ مَحاصِيلَ وَفيرةً ببَرَكةِ نَهرِ النِّيلِ، حتَّى غَدَت كأنَّها مَزرَعةٌ تَجُودُ بوَفيرِ المَحاصِيلِ؛ لذا فإنَّ أنَّ َ مِثلِ هذه الجَنّةِ الوارِفةِ بجَنبِ تلك الصَّحراءِ الَّتي تَستَطِيرُ نارًا، جَعَل الزِّراعةَ والفِلاحةَ مَرغُوبةً فيها لَدَى أَهلِ مِص إذ بهَى تَوَغَّلَت في طَبائعِهم؛ بل أَضْفَت تلك الرَّغبةُ الشَّديدةُ في الزِّراعةِ نَوعًا مِنَ السُّمُوِّ والقُدسِيّةِ، كما أَضْفَت بدَورِها مِ الأّةً على واسِطةِ الزِّراعةِ مِن ثَورٍ وبَقَرٍ، حتَّى بَلَغ الأَمرُ أنْ مَنَح أَهلُ مِصرَ في ذلك الوَقتِ قُدسِيّةً على البَقَرِ والثَّورِ إلى حَدِّ العِبادةِ، وقد تَرَعرَعَ بنُو إسرائيلَ لةَ ال المَنطِقةِ وبينَ أَحضانِ هذه البِيئةِ والأَجواءِ، فأَخَذُوا مِن طَبائعِهم حَظًّا، كما يُفهَمُ مِن حادِثةِ "العِجْلِ" المَعرُوفةِ.
وهكذا يُعَلِّمُنا القُرآنُ الالأَمر بذَبحِ بقَرةٍ واحِدةٍ، أنَّ سيِّدَنا مُوسَى عَليهِ السَّلام، قد ذَبَح برِسالَتِه مَفهُومَ عِبادةِ البَقَر، ذلك المَفهُومَ الَّذي سَرَى في عُرُوقِ تلك الأُمّةِ، وتَنامَى في استِعداداتِهم.
فِلالَ نُ الكَريمُ إنَّما يُبيِّنُ بهذه الحادِثةِ الجُزئيّةِ بَيانًا مُعجِزًا، دُستُورًا كُلِّیيًّا، ودَرْسًا ضَرُورِيًّا في الحِكمةِ يَحتاجُه كلُّ أَحَدٍ في كلِّ وَقتٍ.
فافهَمْ یی قِياسًا على هذا یی: أنَّ الحَوادِثَ الجُزئيّةَ المَذكُوَجرتِه القُرآنِ الكَريمِ، على صُورةِ حَوادِثَ تارِيخيّةٍ، إنَّما هي طَرَفٌ وجُزءٌ مِن دَساتيرَ كُلِّيّةٍ شامِلةٍ يُنبِئُ عنها، حتَّى إنَّ كلَّ جُمَ واضِزئيّةٍ مِنَ الجُمَلِ السَّبعِ لقِصّةِ مُوسَى عَليهِ السَّلام المُكَرَّرةِ في القُرآنِ تَتَضمَّنُ دُستُورًا كُلِّیيًّا عَظيمًا، كما بَيَّینّا في كِتابِنا"اللَّوامِع"..راجُ إلى شِئْتَ.
— 309 —
النُّیكتة الثالثة
قولُه تَعالَى:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا الصَّنَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
عِندَ قِراءَتي لهذه الآياتِ اليَويّةاتِ، قال المُوَسوِسُ: ماذا يعني ذِكرُ حالاتٍ طَبيعيّةٍ وفِطرِيّةٍ للأَحجارِ الِاعتِيادِيّةِ وبَيانُها كأنَّها مَسأَلةٌ عَظيمةٌ، مع أنَّها مَعلُومةٌ لَدَى النّاسِ؟ وما وَجهُ العَلاقةِ والمُناسَبةِ والسَّبَبِ؟ وهل هناك مِن داعٍ أو حاجةٍ إلَيها؟
َ وُجُلهِمَ قَلبي الإلهامَ الآتِيَ مِن فَيضِ القُرآنِ لِصَدِّ هذه الشُّبهةِ: نعم، هناك عَلاقةٌ وسَبَبٌ، وهناك داعٍ وحاجةٌ، بلِ العَلاقةُ قَوِيّةٌ والمَعنَى جَليلٌ والحَقيقهذه الُورِيّةٌ وعَظيمةٌ بحيثُ لا يَتَيسَّرُ إلَّا لِإعجازِ القُرآنِ وإيجازِه ولُطْفِ إرشادِه أن يُسَهِّلَها ويُيَسِّرَها للفَهمِ.
إنَّ الإيجازَ الَّذي هو أساسٌ مُهِمٌّ مِن أُسُسِ الإعجازِ، وكذا لُطْفُ الإآنِ حاوحُسنُ الإفهامِ الَّذي هو نُورٌ مِن هَدْيِ القُرآنِ، يَقتَضِيانِ أن تُبيَّنَ الحَقائقُ الكُلِّيّةُ والدَّساتيرُ الغامِضةُ العامّةُ، في صُوَرٍ جُزةَ العمَألُوفةٍ للعَوامِّ الَّذين يُمثِّلُون مُعظَمَ مُخاطَبي القُرآنِ، وألَّا يُبيَّنَ لأُولَئك البُسَطاءِ في تَفكِيرِهم إلَّا طَرَفٌ مِن تلك ا ولا تقِ المُعَظَّمةِ وصُوَرٌ بَسِيطةٌ مِنها.. زِدْ على ذلك: يَنبَغي أن تُبيَّنَ لهمُ التَّدابيرُ الإلٰهِيّةُ تحتَ الأَرضِ الَّتي هي خَوارِقُ العاداتِ والَّتي تَستَّرَت بسِتارِ العادةِ والأُلفةِ، بصُورةٍ مُجمَلةٍ.
فبِناءً عبَ مِن، يقُولُ القُرآنُ الحَكيمُ في هذه الآياتِ: يا بَني إسرائيلَ ويا بَني آدَمَ.. ماذا دَهاكُم حتَّى غَلُظَت قُلوبُكم وأَصبَحَت أَصلَبَ مِنَ الحَجَرِ وأَقسَى مِنها؟! ألَا تَرَون أنَّ أَصلَبَ الصُّخوِيَهُأَصَمَّها، الَّتي تُشَكِّلُ طَبَقةً عَظيمةً مِنَ الأَحجارِ الصَّلْدةِ تحتَ التُّرابِ، مُطِيعةٌ للأَوامِرِ الإلٰهِيّةِ طاعةً تامّةً، ومُنقادةٌ إلى الإجراءاتِ الرَّبّانيّةِ انقِيادًا كامِلًا؛ فكما تَجرِي الأَوامِرُ الإلٰهِيّةُ في تَكوِينِ اوَزنِ،رِ والنَّباتاتِ في الهَواءِ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ، تَجرِي على تلك الصُّخُورِ الصَّمّاءِ الصَّلْدةِ تحتَ الأَرضِ بالسُّهُولةِ نَفسِها
— 310 —
يّةِ یظامٍ كامِلٍ، حتَّى إنَّ جَداوِلَ الماءِ وعُرُوقَها تحتَ الأَرضِ تَجرِي بانتِظامٍ كامِلٍ وبحِكمةٍ تامّةٍ مِن دُونِ أن تَجِدَ عائِقًا أورةً لَِمةً تُذكَرُ مِن تلك الصُّخُورِ، فيَنسابُ الماءُ فيها كانسِيابِ الدَّمِ وجَرَيانِه داخِلَ العُرُوقِ في الجِسمِ مِن دُونِ مُقاوَمةٍ أو صُدُودٍ.
(حاشية): نعم، إنَّن حِكم الزّاوِيةِ لِقَصرِ الأرضِ المَهِيبِ السَّيَّارِ، هو طَبَقةُ الصُّخُورِ، فقد أَوكَلَ إلَيها الفاطرُ الجَليلُ ثلاثَ وَظائفَ مُهِمّةً، والقرآنُ الكريمُ وَحدَه القَمينُ بأن يُبيِّنَ هذه الوَظائفَ، لا غَيرُ: فَرْفوَظِيفتُها الأُولَى: وَظيفةُ مُرَبِّيةِ التُّرابِ في حِجرِها بالقُدرةِ الإلٰهِيّةِ، كما يُؤدِّي التُّرابُ وَظيفةَ الأُمُومةِ للنَّباتاتِ الأَسبرةِ الرَّبّانيّةِ.. الوَظيفةُ الثانيةُ: العَمَلُ على جَرَيانِ المِياهِ جَرَيانًا مُنتَظِمًا في جِسمِ الأَرضِ، والَّذي يُشبِه جَرَيانَ الدَّمِ ودَورانَه في جسمِ الإنسانِ.. الوَظيفةُ الفِِ.
الثالثة: وَظيفةُ الخَزّانِ للأَنهارِ والعُيُونِ واليَنابيعِ، سَواءٌ في ظُهُورِها أو استِمرارِها على وَفقِ مِيزانٍ دَقيقٍ مُنتَظِمٍ.
نعم، إنَّ الصُّخُورَ بكامِلِ قُوَّتِها والنُّوِ فَمِها بما تَسكُبُ مِن أَفواهِها مِن ماءٍ باعِثٌ على الحَياةِ تَنشُرُ دَلائلَ الوَحدانيّةِ على الأَرضِ وتُسَطِّرُها فوقَها.
ثمَّ إنَّ الجُذُورَ الرَّقيقةَ تَنبُتُ وتَتَوغَّلُ في غايةِ الِاننَما ه بأَمرٍ رَبّانِيٍّ في تلك الصُّخُورِ الَّتي هي تحتَ الأَرضِ دُونَ أن يَقِفَ أَمامَها حائلٌ أو مانِعٌ، فتَنتَشِرُ بسُهُولةٍ كسُهُولةِ انتِشارِ أَغصانِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ في الهَواءِ.
فالقُرآنُ الكَريمُ يُشيرُ بهذه الآ.
وكَريمةِ إلى حَقيقةٍ واسِعةٍ جِدًّا، ويُرشِدُ إلَيها مُخاطِبًا القُلُوبَ القاسِيةَ مُرْمِزًا إلَيها على النَّحوِ الآتي:
يا بَني إسرائيلَ ويا بَني آدَمَ.. ما هذه القُلإِيمانلَّتي تَحمِلُونها وأنتُم غارِقُون في فَقرِكُم وعَجزِكُم! إنَّها تُقاوِمُ بغِلظةٍ وبقَساوةٍ أَوامِرَ مَولًى جَليلٍ عَظيمٍ، تَنقادُ له طَبَقاتُ الصُّخُورِ الصَّلْدةِ الهائلةِ، ولا تَعصِي له أَمرًا، بلائلَ رِّي كلٌّ مِنها وَظِيفتَها الرَّفيعةَ في طاعةٍ كامِلةٍ وانقِيادٍ تامٍّ، وهي مَغمُورةٌ في ظُلُماتِ الأَرضِ؛ بل تَقُومُ تلك الصُّخُورُ بوَظيفةِ المُستَودَعِ والمَخزَنِ لِمُتَطلَّباتِ الحَياةِ للأَحياءِ الَّذين يَدِبُّون على تُرابِ الأَرضِ، حتديةِ اَّها تكُونُ لَيِّنةً طَرِيّةً في يَدِ القُدرةِ الحَكيمةِ الجَليلةِ، طَراوةَ شَمعِ العَسَلِ، فتكُونُ وَسائلَ لِتَقسِيماتٍ تَتِمُّ بعَدالةٍ، وتكُونُ وَسائطَ لِتَوزِيعحَقيقينتَهي بحِكمةٍ، بل تكُونُ رَقيقةً رِقّةَ هَواءِ النَّسِيمِ، نعم، إنَّها في سَجدةٍ دائمةٍ أَمامَ عَظَمةِ قُدرَتِه جلَّ جلالُه.
— 311 —
فهذه المَصنُوعاتُ المُنتَظِمةُ المُتقَنةُ الماثِلةُ أَمامَنهها، ت الأَرضِ، وهذه التَّدابيرُ الإلٰهِيّةُ ذاتُ الحِكمةِ والعِنايةِ الجارِيةِ علَيها، هي أيضًا بعَينِها تَجرِي تحتَ الأَرضِ، بل تَتَجلَّى فيها الحِكمةُ الإلٰهِيّة والعِنايةُ الرَّبّانيّةُ بأَعجَبَ مِنها حِكمةً وأَغرَبَ مِنها انتِظامیبِّقَ تَأَمَّلُوا جَيِّدًا! إنَّ أَصلَبَ الصُّخُورِ وأَضخَمَها وأَصَمَّها تَلِينُ لُيُونةَ الشَّمعِ تِجاهَ الأَوامِرِ التَّیكوِينيّةِ، ولا تُبدِي أيّةَ مَيتُ اةٍ أو قَساوةٍ تُذكَرُ تِجاهَ تلك المُوَظَّفاتِ الإلٰهِيّةِ یی أي: المِياهِ الرَّقيقةِ والجُذُورِ الدَّقيقةِ والعُرُوقِ اللَّطيفةِ لَطافةَ الحَريرِ یی حتَّى كأنَّها عاشِقٌ ينَ حَُ قَلبَه بمَسٍّ مِن أَنامِلِ تلك اللَّطيفاتِ والجَمِيلاتِ، فتَتَحوَّلُ تُرابًا في طَرِيقِهنَّ..
وكذا قولُه تَعالَى: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فإنَّه يُبيِّنُ لا أَا مِن حَقيقةٍ عَظيمةٍ جِدًّا هي: أنَّ الجِبالَ الَّتي على سَطحِ الأَرضِ، والَّتي تَجَمَّدَت بعدَ أن كانَت في حالةٍ مائعةٍ وسائلةٍ، وأَصبَحَت كُتَلًا ضَخمةً مِنَ الصُّخُورِ الصَّلْدةِ، تَتَفتَّتُ وتَتَصدَّعُ بتَجَلِّياتٍ بوَساّةٍ، تَتَجلَّى على صُورةِ زَلازِلَ وانقِلاباتٍ أَرضِيّةٍ، مِثلَما تَناثَرَ وأَصبَحَ دَكًّا ذلك الجَبَلُ الَّذي تَجَلَّى علَيه الرَّبُّ سُبحانَه في طَلَبِ مُوسَىيُسبِِّ السَّلام رُؤيةَ اللهِ جَلَّ جَلالُه.
فتلك الصُّخُورُ تَهبِطُ مِن ذُرَى تلك الجِبالِ، مِن خَشيةِ ظُهُورِ تَجَلِّياتٍ جَلاليّةٍ ورَهبةً مِنها، فتَتَناثَرُ أَجزاؤُها، فقِسمٌ مِنها يَنقَلِبُ تُرابًا تَنشَأ وبأُلالنَّباتاتُ، وقِسمٌ آخَرُ يَبقَى على هَيئةِ صُخُورٍ تَتَدحرَجُ إلى الوِديانِ وتَكتَسِحُ السُّهُولَ، فيَستَخدِمُها أَهلُ الأَرضِ في كثيرٍ مِنَ الأُمُورِ النّافِعةِ كبِناءِ المَضِعفٍ مَثلًا، فَضْلًا عن أُمُورٍ وحِكَمٍ مَخفِيّةٍ ومَنافِعَ شَتَّى، فهي في سَجدةٍ وطاعةٍ للقُدرةِ الإلٰهِيّةِ، وانقِيادٍ تامٍّ لِدَساتيرِ الحِكمةِ الرَّبّانيّةِ.
رٍ مُخَيبَ أنَّ تَركَ الصُّخُورِ لِمَواضِعِها الرَّفيعةِ مِن خَشيةِ اللهِ، واختِيارَها الأَماكِنَ الواطِئةَ في تَواضُعٍ جَمٍّ، مُسبِّبةً مَنافِعَ جَليلةً شَتَّى، أَمرٌ لا يَحدُثُ عَبَثًا ولا سُدًى، وليس هو مُصادَفةً عَمياءَ أيضًا، بل هو تَدبنَ بالَبٍّ قَدِيرٍ حَكيمٍ، يُحدِثُه بانتِظامٍ وحِكمةٍ وإن بَدَا في غيرِ انتِظامٍ في ظاهِرِ الأَمرِ.
والدَّليلُ على هذا: الفَوائدُ والمَنافِعُذي حَظي تُجنَى مِن تَفَتُّتِ الصُّخُورِ، ويَشهَدُ علَيه شَهادةً لا رَيبَ فيها كَمالُ الِانتِظامِ وحُسنُ الصَّنعةِ للحُلَلِ الَّتي تُخلَعُ على الجِبالِ الَّتي
— 312 —
تَتَدحرَجُ مِنهمع ما ُخُورُ، والَّتي تَزدانُ بالأَزاهيرِ اللَّطيفةِ والثَّمَراتِ الجَمِيلةِ والنُّقُوشِ البَديعةِ.
وهكذا رَأَيتُم كيف أنَّ هذه الآياتِ الثَّلاثَ لها أَهُهلِكْتُها العَظيمةُ مِن زاوِيةِ الحِكمةِ الإلٰهِيّةِ.
والآنَ تَدَبَّروا في لَطافةِ بيانِ القُرآنِ العَظيمِ، وفي إعجازِ بَلاغَتِه الرَّفيعةِ، كيف يُبيِّنُ طَرَفًا وجُزءًا مِن هذه الحَقائقِ الثَّلاثِ المَذكُورةِ، وهي حَقائقُ جَليلةٌ وواسِعةٌمِن ناا، يُبيِّنُها في ثلاثِ فِقْراتٍ وفي ثلاثِ حَوادِثَ مَشهُورةٍ مَشهُودةٍ، ويُنبِّهُ إلى ثلاثِ حَوادِثَ أُخرَى لِتكُونَ مَدارَ عِبرةٍ لِأُولي الأَلبابِ، ويَزجُرُهمطلُبَ ًا لا يُقاوَمُ.
فمَثلًا:يُشِيرُ في الفِقرةِ الثّانيةِ: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ إلى الصَّخرةِ الَّتي انشَقَّت بكَمالِ الشَّوقِ تحتَ ضَرْبِ عَصا مُوسَى، فانبَجَسَت مي حَياثنَتا عَشْرةَ عَينًا؛ وفي الوَقتِ نَفسِه يُورِدُ إلى الذِّهنِ هذا المَعنَى ويقُولُ: يا بَني إسرائيلَ.. إنَّ الصُّخُورَ الضَّخمةَ تَتَشتَّتُ وتَتَشقَّقُ وتَلِينُ تِجاهَ مُعجِزةٍ واحِدةٍ مِن مُعجِزاتِ مُوسَى عَليهِ السَّلاميما لارِفُ الدُّمُوعَ كالسَّيلِ مِن خَشيَتِها أو مِن سُرُورِها، فكيف تَتَمرَّدُون تِجاهَ مُعجِزاتِ مُوسَى عَليهِ السَّلام كلِّها، ولا تَدمَعُ أَعيُنُكم بل تَجْمُدُ وتَغلُظُ قُلُوبُكم وتَقسُو.
ويَذْكُرُ في الفِقرةِ الثّالثةِ:وَإإِشارةِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تلك الحادِثةَ الجَليلةَ الَّتي حَدَثَت في طُورِ سَيناءَ، أثناءَ مُناجاةِ سيِّدِنا مُوسَى عَليهِ السَّلام، تلك هي التَّجَلِّي الآيةِيُّ الأَعظَمُ إلى الجَبَلِ وجَعلُه دَكًّا حتَّى تَفتَّتَ وتَناثَر في الأَرجاءِ مِن خَشيَتِه سُبحانَه؛ ويُرشِدُ في الوَقتِ نَفسِه إلى مَعنًى كهذا:ِ السّومَ مُوسَى یی عَليهِ السَّلام یی كيف لا تَیتَّقُون اللهَ ولا تَخشَونَه؟! فالجِبالُ الشّاهِقةُ الَّتي هي صُخُورٌ صَلدةٌ تَتَصدَّعُ مِن خَشيَتِه وت التََّرُ، وفي الوَقتِ الَّذي تَرَون أنَّه قد أَخَذَ المِيثاقَ مِنكم برَفْعِ جَبَلِ الطُّورِ فَوقَكم، معَ مُشاهَدَتِكم وعِلمِكم تَشَقُّقَ الجَبَلِ في حادِثةِ الرُّؤيةِ الجَليلةِ، فكيف تَجرُؤُون ولا تَرتَعِدُ فَراه لها مِن خَشيَتِه سُبحانَه، بل تَغلُظُ قُلوبُكم؟!
ويَذْكُرُ في الفِقرةِ الأُولَى:وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ مُشِيرًا إلى
— 313 —
أَنهارٍ كالنِّيلِ ودِجلةَ والفُراتِ النَّاَلاحِ.مِنَ الجِبالِ، ويُعَلِّمُ في الوَقتِ نَفسِه مَدَى نَيلِ تلك الأَحجارِ للطّاعةِ المُعجِزةِ والِانقِيادِ الخارِقِ تِجاهَ الأَوامِرِ التَّیكوينيّةِ ومَدَى كَونِها مُسَخَّرةً لها.. فَتَهمُُ بهذا التَّعليمِ القُلُوبَ المُتَيقِّظةَ هذا المَعنَى:
إنَّه لا يُمكِنُ قَطعًا أن تكُونَ هذه الجِبالُ الضَّخمةُ مَنابِیعَ حَقيقيّةً لمِثلِ هذه الأَنهارِ العَظِيمةِ لِأنَّه لو كانَت هذه الجِبالُ بحَجْمِها الكامِلِ مَملُوءةً بالماءِ، أي: لوآتَيتُحَت أَحواضًا مَخرُوطيّةً لتلك الأَنهارِ، فإنَّها لا تَكفِي لِصَرفيّاتِ تلك الأَنهارِ إلَّا لبِضعةِ شُهُورٍ، وذلك لِسَيرِها السَّريعِ وجَرَيانِها الدّائمِ، فَضْلًا عن أنَّ الأَمطارَ الَّتي لا تَنفُذُ في التُّرابِ لِأَكثَرَ مِن مِتْرٍ، لا تكُونُسُكَار وارِداتٍ كافيةً لتلك الصَّرفيّاتِ الهائلةِ.
بمَعنَى أنَّ تَفَجُّرَ هذه الأَنهارِ ليس أَمرًا اعتِيادِيًّا طَبِيعيًّا، أو مِن قَبِيلِ المُصادَفةِ، بل إنَّ الفاطِرَ الجَليلَ يُسيِّلُها مِن خَزِينةِ الغَيبِ وَحْدَها، ويُجرِيها مِنذا ستَُيانًا خارِقًا؛ وإشارةً إلى هذا أَفادَت رِوايةُ الحَديثِ الشَّريفِ بهذا المَعنَى: أنَّ كُلًّا مِن تلك الأَنهارِ الثَّلاثةِ تَقطُرُ علَيها كلَّ وَقتٍ قَطَراتٌ مِنَ الجَنّةِ، لذا أَصبَحَت مُبارَكةً، وفي رِوايةٍ: إنَّ مَنابِعَ هذه الأَنهارِ الا فيهاةِ مِنَ الجَنّة، وحَقيقةُ هذه الرِّوايةِ هي:
إنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ لا تَكفِي لِتَفَجُّرِ هذه الأَنهارِ وتَدَفُّقِها بهذه الكَثرةِ، فلا ُّوَرِأن تكُونَ مَنابِعُها في عالَمِ غَيبٍ، وأنَّها تَرِدُ مِن خَزِينةِ رَحمةٍ غَيبِيّةٍ، وعِندَها تَتَوازَنُ الوارِداتُ والصَّرفِيّاتُ وتَدُومُ.. وهكذا يُعلِّمُ القُرآنُ الكَريمُ دَرْسًا بَلِيغًا ويُنبِّهُ إلى هذا المَعنديرُ يا بَني إسرائيلَ ويا بَني آدَمَ.. إنَّكم بقَساوةِ قُلُوبِكم تَعصُون أَوامِرَ رَبٍّ جَليلٍ، وبغَفلَتِكم عنه تُغمِضُون عُيُونَكم عن نُورِ مَعرِفةِ ذلك النُّورِ المُصَوِّر الَّذي حَوَّل أَرضَ مِصرَ إلى جَنّةٍ وارِفةِ الِه: "نِ، وأَجرَى النِّيلَ العَظيمَ المُبارَكَ وأَمثالَه مِنَ الأَنهارِ مِن أَفواهِ أَحجارٍ صَلْدةٍ بَسِيطةٍ، مُظهِرًا مُعجِزاتِ قُدرَتِه وشَواهِدَ وَحدانيَّتِه قَوِيّةً بقُوّةِ تلك الأَنهارِ العَظِيمةِ، ونَيِّرةً بشِدّةِ ظُهُورِها وإفاضاتِهخرَى هضَعُ تلك الشَّواهِدَ في قَلبِ الكائناتِ ويُسَلِّمُها إلى دِماغِ الأَرضِ، ويُسَيِّلُها في قُلُوبِ الجِنِّ والإنسِ وفي عُقُولِهم.
— 314 —
ثمَّ إنَّه سُبحانَه وتَعالَى يَجعَلُ صُخُورًا جامِدةً لا تَملِكُ شُعُورًا قَطُّ (حاشية): يَنبُعُ نهرُ النّيِّنُ ِن جَبَلِ القَمَر، ويَنبُعُ أهمُّ رافِدٍ لدِجلةَ مِن كهفِ صَخرةٍ في ناحِيةِ "مكس" التّابعةِ لِمُحافَظةِ "وان"، وإنَّ أَعظَمَ رافِدٍ لنَهرِ الفُراتِ يَنبُعُ مِن سفحِ جبلٍ مِن جهةِ "دياديءِ الممَّا كَان أَصل الجِبَال یی حَقيقةً یی مُتكوِّنةً مِن مادّةٍ مائعةٍ تَجَمَّدَت أَحجارًا كَمَا هوَ ثابتٌ في العُلُومِ الحَديثةِ، وكما يَدُلُّ عليه الذِّكرُ النَّبَويُّ في: "سُبحانَ مرِ يائَط الأَرضَ على ماءٍ جَمَد" مِمّا يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ أَصلَ خَلقِ الأَرضِ على الوَجهِ الآتي: إنَّ مادَّةً شَبِيهةً بالماءِ قدِ انجَمَدَت بالأَمرِ الإلٰهِيِّ وأصبَحَت حَجَرًا، ف يُمكَرُ أصبَحَ تُرابًا بإذنٍ إلٰهِيٍّ، إذ لَفظُ الأَرضِ الوارِدُ في الذِّكرِ يعني التُّرابَ؛ بمَعنَى أنَّ ذلك الماءَ (المَادّةَ المَائِعةَ) ليِّنٌ لَطيفٌ جِدًّا بحيثُ لا يُمكِنُ استِقرارُ شيءٍ عليه. والحَجَرُ بذاته صُلْبٌيدِ الا لا يُمكِنُ الِاستِفادةُ مِنه، لذا نَشَر الحَكيمُ الرَّحيمُ التُّرابَ فوقَ الحَجَر لِيكونَ مُستَقَرًّا لِذَوِي الحياةِ. تَنالُ مُعجِزاتِ قُدرَتِه حتَّى إنَّها تَدُلُّ على الفاطِرِ الجَليلِ مدُ للةِ ضَوءِ الشَّمسِ على الشَّمسِ؛ فكيف لا تَرَون وتَعمَى أَبصارُكم عن رُؤيةِ نُورِ مَعرِفَتِه جلَّ جلالُه؟!
فانظُر.. كيف لَبِسَت هذه الحَقائقُ الثَّلاثُ حُلَلَ البَلاغةِ الجَميلةِ، ودَقِّقِ النَّظَرَ في بَلاغةِ الإرشادِ، لِتَرَى مَدَى القَساورَبِّ غِلظةِ الَّتي تَملِكُها قُلُوبٌ لا تَنسَحِقُ خَشيةً أمامَ ذلك الإرشادِ البَليغِ.
فإن كُنتَ قد فَهِمتَ مِن بِدايةِ هذه الكَلِمةِ إلى نِهايَتِها، فشاهِدْ لَمعةَ إعجاا الخالُوبِ الإِرشادِ القُرآنِيِّ، واشكُرْ رَبَّك العَظيمَ علَيه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ ف لَا نَا أَسرَارَ القُرآنِ كَمَا تُحِبُّ وتَرْضَى، ووَفِّقْنَا لِخِدْمَتِهِ..
آمِينَ بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ القُرآنُ الحَكِيمُ وعَلَى آلِهسِّرُّْبِهِ أَجمَعِينَ.
٭ ٭ ٭
— 315 —
المقام الثاني
من الكلمة العشرين
لَمعةُ إعجازٍ قُرآنِيٍّ تَتَلألأُ على وَجهِ مُعجِزاتِ الأنبياءِ
"أَنعِمِ النَّظَرَ في الجَوابَينِ المَذكُورَينِ في الخِتامِ"
بِسْمِ اللَّوالِمَِّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
لقد كَتَبتُ قبلَ أَربَعَ عَشْرةَ سنةً بَحثًا يَخُصُّ سِرًّا مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَريمةرةَ فيَفسِيري الَّذي كَتَبتُه باللُّغةِ العَرَبيّةِ المَوسُومِ بی"إشارات الإعجازِ في مَظانِّ الإيجاز"،والآنَ استِجابةً لِطَلَبِ أَخَوَينِ كَريمَينِ عَزِيزَينِ عِندِي أَكتُبُ إيضاحًا باللُّغةِ التُّركيَّبدُو ك البَحثِ، مُستَعِينًا بتَوفيقِ العَلِيِّ القَدِيرِ، ومُستَلهِمًا مِن فَيضِ القُرآنِ الكَريمِ، فأَقُولُ:
إنَّ كِتَابٍ مُبِينٍ على قَولٍ: هو القُرآنُ الكَريمُ، فهذه الآيةُ الكَريمةُ تُبيِّنُ أنَّه ما مِن رسأَرقُولا يابِسٍ إلَّا وهو في القُرآنِ الكَريمِ.
أتُراه كذلك؟
نعم، إنَّ في القُرآنِ كلَّ شيءٍ، ولكن لا يَستَطيعُ كلُّ واحِدٍ أن يَرَى فيه كلَّ شيءٍ، لأنَّ صُوَرَ الأَشياُولُ: دُو في دَرَجاتٍ مُتَفاوِتةٍ في القُرآنِ الكَريمِ، فأَحيانًا تُوجَدُ بُذُورُ الشَّيءِ أو نُواه، وأَحيانًا مُجمَلُ الشَّيءِ أو خُلاصَتُه، وأَحيانًا دَساتيرُه، وأَحيانًا تُوجَدُ علَيه عََلالُه؛ ويَرِدُ كلٌّ مِن هذه الدَّرَجاتِ: إمّا صَراحةً أو إشارةً أو رَمزًا أو إبهامًا أو تَنبِيهًا.. فيُعبِّیرُ القُرآنُ الكَريمُ عن أَغراضِه ضِمنَ أَساليبِ بَلاغَتِه، وحَسَبَُ فيه ةِ، وبمُقتَضَى المَقامِ والمُناسَبةِ.
فمَثلًا:إنَّ الطّائرةَ والكَهرَباءَ والقِطارَ واللَّاسِلكِيَّ وأَمثالَها مِن مُنجَزاتِ العِلمِ
— 316 —
والصِّناعةِ التِّك كما سجِيّةِ الحَديثةِ، والَّتي تُعَدُّ حَصِيلةَ التَّقَدُّمِ الإنسانِيِّ ورُقيِّه في مِضمارِ الصِّناعةِ والعِلمِ، أَصبَحَت هذه الِاختِراعاتُ مَوضِعَ اهتِمامِ الإنسانِ، وتَبَوَّأَت مَكانةً خاصّةً فوتِ التِه المادِّيّةِ؛ لذا فالقُرآنُ الكَريمُ الَّذي يُخاطِبُ البَشَريّةَ قاطِبةً، لم يُهمِلْ هذا الجانِبَ مِن حَياةِ البَشَرِ، بل قد أَشارَ إلى تلك الخَوارِقِ العِلمِيّةِ مِن جِهَتَينِ:
الجِهةُ الأُولى:أَشارَ إلَيها عكما أنشارَتِه إلى مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام.
الجِهةُ الثّانيةُ:أَشارَ إلَيها عِندَ سَردِه بعضَ الحَوادِثِ التّارِيخيّةِ.
فعلى سَبيلِ المِثالِ:قد أَشارَ إلى القِطارِ في الآياتِ الكَريمةِ َى لدَِ: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ٭ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٭ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٭ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٭ وف أنََّقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (حاشية-١): تُشيرُ هَذه الجُملة إلى أنَّ الذي قيَّد العالَمَ الإسلاميَّ، ووَضَعَه في الأَسْرِ هو القطارُ، وبَليمِ ب الكُفّارُ المسلمين. وأَيضًا: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ٭ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.
والآيةُ الكَريمةُ الآتيةُ تَرمُزُ إلى الُولُ فاءِ عَلاوةً على إشارَتِها إلى كَثيرٍ مِنَ الأَنوارِ والأَسرارِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجآخَرَ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورلَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ْءٍ إِعَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ (حاشية-٢): إنَّ جُملة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ تُضيءُ ذلك الرَّمزَ وتُنوِّرُه.
ولَمّا تُحدِالكَثيرُون مِنَ الفُضَلاءِ قدِ انصَرَفوا إلى هذا القِسمِ، وبَذَلُوا جُهُودًا كَثيرةً في تَوضِيحِه، عِلْمًا أنَّ القِيامَ ببَحثِه يَتَطلَّبُ دِقّةً مُتَناهِيةً، ويَستَدعِي بَسْطًا للمَوضُوعِ أَكثَرَ مِن هذا وإيضاحًا وافيًُ بَيدْلًا عن وُجُودِ أَمثِلةٍ وَفيرةٍ علَيه، لذا لا نَفتَحُ هذا البابَ، ونَكتَفي بالآياتِ المَذكُورةِ.
أمّا القِسمُ الأَوَّلُ الَّذي يُشِيرُ إلى تلك الِاختِراعاتِ ضِمنَ إشاراتعَ تَجرآنِ إلى مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ.. سنَذكُرُ نَماذِجَ مِنه.
— 317 —
المُقدِّمة
يُبيِّنُ القُرآنُ الكَريمُ أنَّ الأَنبِياءَ عَلَيهم السَّلَام قد بُعِثُوا إلى مُجتَمَعاتٍ إنسانيّةٍ لِيَكُونُوا لهم أَئمّةَ الهُدَمِنَّاَدَى بهم، في رُقيِّهِمُ المَعنَوِيِّ، ويُبيِّنُ في الوَقتِ نَفسِه أنَّ اللهَ قد وَضَع بِيَدِ كلٍّ مِنهم مُعجِزةً مادِّيّةً، ونَصَّبَهم رُوَّادًا للبَشَريّةِ وأَساتِذفأَلقَ في تَقَدُّمِها المادِّيِّ أيضًا.. أي: إنَّه يَأمُرُ بالِاقتِداءِ بهم واتِّباعِهمُ اتِّباعًا كامِلًا في الأُمُورِ المادِّيّةِ والمَعنَويّةِ، إذ كما يَحُضُّ القُرآنُ الكَريمُ الإنسانَ على اذًا يُزادةِ مِن نُورِ الخِصالِ الحَميدةِ الَّتي يَتَحلَّى بها الأَنبِياءُ عَلَيهم السَّلَام، وذلك عندَ حَدِيثِه عن كَمالاتِهمُ المَعنَويّةِ، فإنَّه عندَ حَدِيعُدُّو مُعجِزاتِهمُ المادِّيّةِ أَيضًا يُومِئُ إلى إثارةِ شَوقِ الإنسانِ لِيَقُومَ بتَقليدِ تلك المُعجِزاتِ الَّتي في أَيدِيهم، ويُشيرُ إلى حَضِّه على بُِحَقائنَظائرِها، بل يَصِحُّ القَولُ: إنَّ يَدَ المُعجِزةِ هي الَّتي أَهدَت إلى البَشَريّةِ الكَمالَ المادِّيَّ وخَوارِقَه لِأَوَّلِ مَرّةٍ، مِثلَما أَهدَتْ إلَيها الكَمالَ المَعنَلَيه افدُونَك سَفينةَ نُوحٍ عَليهِ السَّلام وهي إحدَى مُعجِزاتِه، وساعةَ يُوسُفَ عَليهِ السَّلام وهي إحدَى مُعجِزاتِه، فقد قَدَّمَتْهما يَدُ المُعجِزةِ لِأَوَّلِ مَرّةٍ هَدِيّةً ثَمِينةً إلى البَشَريّةِ.. وهناك إشاَيّامَطيفةٌ إلى هذه الحَقيقةِ، وهي اتِّخاذُ أَغلَبِ الصُّنّاعِ نَبِيًّا مِنَ الأَنبِياءِ رائدًا لِصَنْعَتِهم وقُطبًا لِمَهنَتِهم، فالمَلّاحُون یی مَثلًا یی اتَّخَذُوا سيِّدَنا نُوحًا عَليهِ السَّلاو الجََهم، والسّاعاتيُّون اتَّخَذُوا سيِّدَنا يُوسُفَ عَليهِ السَّلام إمامَهم، والخَيّاطُون اتَّخَذُوا سيِّدَنا إدريسَ عَليهِ السَّلام مُرشِدَهم..
ولَمّا كان العُلَماءُ المُحقِّقون مِن أَهلِ البَلاغةِ قد اتَّفَقُوا جَميعْويِّ َ لكُلِّ آيةٍ كَرِيمةٍ وُجُوهًا عِدّةً للإرشادِ، وجِهاتٍ كثيرةً للهِدايةِ؛ فلا يُمكِنُ إذًا أن تكُونَ أَسطَعُ الآياتِ وهي آياتُ المُعجِزاتِ، سَرْدًا تارِيخيًّا، بل لا بُدَّ أنَّها تَتَضمَّنُ أيضًا مَعانِيَ بَليغةً جَمّةً لرمَدِيِ والهِدايةِ.
نعم، إنَّ القُرآنَ الكَريمَ بإيرادِه مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ إنَّما يَخُطُّ الحُدُودَ النِّهائيّةَ لِأَقصَى ما يُمكِنُ أن يَصِلَ إلَيه الإنسانُ في مَيُبَيّلعُلُومِ والصِّناعاتِ، ويُشِيرُ بها إلى أَبعَدِ نِهاياتِها، وغايةِ ما يُمكِنُ أن تُحقِّقَه البَشَريّةُ مِن أَهدافٍ؛ فهو بهذا يُعيِّنُ أَبعَدَ الأَهدافِ النِّهائيّةِ لها ويُحَدِّدُها، ومِن بعدِ ذلك يَحُثُّ البَشَريّةَ ويَحُضُّهيدٍ لأبُلُوغِ تلك الغايةِ،
— 318 —
ويَسُوقُها إلَيها، إذ كما أنَّ الماضِيَ مُستَودَعُ بُذُورِ المُستَقبَلِ ومِرآةٌ تَعكِسُ شُؤُونَه، فالمُستَقبَلُ دًّا، حَصِيلةُ بُذُورِ الماضِي ومِرآةُ آحوالِه.
وسنُبيِّنُ بِضعةَ نَماذِجَ مِثالًا، مِن ذلك النَّبعِ الفَيّاضِ الواسِعِ:
فمَثلًا:وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ:
هذه الآيةُ الكَريمةُ تُبيماهِيُّعجِزةً مِن مُعجِزاتِ سيِّدِناسُلَيمانَعَليهِ السَّلام، وهي تَسخِيرُ الرِّيحِ له، أي: إنَّه قد قَطَع في الهَواءِ ما يُقطَعُ في شَهرَينِ في يومٍ واحِدٍ؛ فالآيةُ تُشِيرُ إلى أنَّ الطَّر النُّفتُوحٌ أَمامَ البَشَرِ لِقَطْعِ مِثلِ هذه المَسافةِ في الهَواءِ.
فيا أيُّها الإنسانُ.. حاوِلْ أن تَبلُغَ هذه المَرتَبةَ، واسْعَ للدُّنُوِّ مِن هذه المَنزِلةِ ما دامَ الطَّريقُ مُمَهَّدًا أَمامَك؛ فكأنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى يقعُمُرِي مَعنَى هذه الآيةِ الكَريمةِ: إنَّ عَبدًا مِن عِبادي تَرَك هَوَى نَفسِه، فحَمَلتُه فوقَ مُتُونِ الهَواءِ؛ وأنت أيُّها الإنسانُ.. إن نَبَذتَ كَسَلَ النَّفسِ وتَرَكتَه، واسته المُ جَيِّدًا مِن قَوانينِ سُنَّتي الجارِيةِ في الكَونِ، يُمكِنُك أيضًا أن تَمتَطِيَ صَهْوةَ الهَواءِ.
ومَثلًا:فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا: هذه الآيةُ الكَريمةُ تُبيى الدُّعجِزةً مِن مُعجِزاتِ سيِّدِنامُوسَىعَليهِ السَّلام، وهي تُشِيرُ إلى أنَّه يُمكِنُ الِاستِفادةُ مِن خَزائنِ الرَّحمةِ المَدفُونةِ تحتَ الأَرضِ بآلاتٍ بَسِيطةٍ، بل يو كُلّ تَفجِيرُ الماءِ، وهو يَنبُوعُ الحَياةِ، مِن أَرضٍ صَلْدةٍ مَيتةٍ كالحَجَرِ بواسطةِ عَصًا.
فهذه الآيةُ تُخاطِبُ البَشَريّةَ بهذا المَعنَى: يُمكِنُیكم أن تَجِدُوا الماءَ الَّذي هو أَلطَفُ فَيضٍ مِن فُيُوضاتتَذهَبَحمةِ الإلٰهِيّةِ، بواسِطةِ عَصًا، فاسْعَوْا واعمَلُوا بجِدٍّ لِتَجِدُوه وتَكتَشِفُوه، فاللهُ سُبحانَه يُخاطِبُ الإنسانَ بالمَعنَى الرَّمزِيِّ لهذه الآيةِ: ما دُمتُ أُسلِّمُ بيَدِ عرَتَّبَعتَمِدُ علَيَّ ويَثِقُ بي عَصًا، يَتَمكَّنُ بها أن يُفَجِّرَ الماءَ أينَما شاءَ، فأنتَ أيُّها الإنسانُ إنِ اعتَمَدتَ على قَوانينِ رَحمَتي، يُمكِنُك أَيضًا أن تَختَرِعَ آلةً شَبِيهةً بتلك العَصا، أو نَظِيروتَركِ.. فهيَّا اسْعَ لِتَجِدَ تلك الآلةَ.
فأنتَ تَرَى كيف أنَّ هذه الآيةَ سَبَّاقةٌ لإيجادِ الآلةِ الَّتي بها يَتَمكَّنُ الإنسانُ مِنِ
— 319 —
استِخراجِ الماءِ في أَغلَبِ الأَماكِنِ، والَّتي هي إحدَى وَسائلِ رُقِيِّ البَشَريّةِ؛ بل
واالآيةَ الكَريمةَ قد وَضَعَتِ الخَطَّ النِّهائيَّ لِحُدُودِ استِخدامِ تلك الآلةِ ومُنتَهَى الغايةِ مِنها، بمِثلِ ما عَيَّنَتِ الآيةُ الأُولَى أَبعَدَ النِّقاطِ مُنِحهائيّةِ، وأَقصَى ما يُمكِنُ أن تَبلُغَ إلَيه الطّائرةُ الحاضِرةُ.
ومَثلًا:وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتسانٍ وِذْنِ اللَّهِ:
فالقُرآنُ الكَريمُ إذ يَحُثُّ البَشَريّةَ صَراحةً على اتِّباعِ الأَخلاقِ النَّبَويّةِ السّامِيةِ الَّتي يَتَحلَّى بها سيِّدُنا عِيسَى عَليهِ السََّلاةِ هو يُرَغِّبُ فيها ويَحُضُّ علَيها رَمزًا إلى النَّظَرِ إلى ما بينَ يدَيه مِن مَهنةٍ مُقَدَّسةٍ وطِبٍّ رَبّانِيٍّ عَظيمٍ.
فهذه الآيةُ الكَريمةُ تُشِيرُ إلى أنَّه يُمكِنُ أن يُعثَرَ على دَواءٍ يَشفِي أَشَدَّ الأَمراضِ المُزم. يَتّالعِللِ المُستَعصِيةِ، فلا تَيْأَسْ أيُّها الإنسانُ، ولا تَقْنَط أيُّها المُبتَلَى المُصابُ، فكلُّ داءٍ یی مَهما كان یی له دَواءٌ، وعِلاجُِينةِ ِنٌ، فابحَثْ عنه، وجِدْه، واكتَشِفْه، بل حتَّى يُمكِنُ مُعالَجةُ المَوتِ نَفسِه بلَونٍ مِن أَلوانِ الحَياةِ المُؤَقَّتةِ.
فاللهُ سُبحانَه يقُولُ بالمَعنَىدُ كِبرِيِّ لهذه الآيةِ الكَريمةِ: لقد وَهَبتُ لِعَبدٍ مِن عِبادِي تَرَكَ الدُّنيا لِأَجلي، وعافَها في سَبِيلي هَدِيَّتيَنِ: إحداهما دَواءٌ للأَساحةٍ فلمَعنَوِيّةِ، والأُخرَى عِلاجٌ للأَمراضِ المادِّيّةِ؛ فالقُلُوبُ المَيتةُ تُبعَثُ بنُورِ الهِدايةِ، والمَرضَى الَّذين هم بحُكمِ الأَمواتِ يَجِدُون شِفاءَهم بنَفْثٍ مِنه ونَفْخٍ، فيَبْرَؤُون به؛ وأنت أيُّها الإنسانُ بوُسْعِك أَبَدِِدَ في صَيدَليّةِ حِكمَتي دَواءً لكلِّ داءٍ يُصِيبُك، فاسْعَ في هذه السَّبِيلِ، واكشِفْ ذلك الدَّواءَ فإنَّك لا مَحالةَ واجِدُه وظافِرٌ به.
وهكذا تَرَى كيف تَرسُمُ هذه الآيةُ الكَريمةُ أَقصَى المَدَى وأَبعَدَ الأَهدافِ الَّتي يَصبُو إلَيهامَاءَ بُّ البَشَرِيُّ مِن تَقَدُّمٍ، فالآيةُ تُشِيرُ إلى ذلك الهَدَفِ وتَحُثُّ الإنسانَ على الوُصُولِ إلَيه.
ومَثلًا:وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ وَآَتَيْنَاه في كلِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ:
هاتان الآيتانِ تَخُصَّانِ مُعجِزةَ سيِّدِنا دَاودَ عَليهِ السَّلام، والآيةُ الكَريمةُ: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ تَخُصُّ مُعجِزةَ سيِّدِنا سُلَيمانَ عَليهِ السَّلام؛ فهذه الآياتُ تُشِيرُ إلى أنعَبَثًيِينَ الحَدِيدِ
— 320 —
نِعمةٌ إلٰهِيّةٌ عُظمَى، إذ يُبيِّنُ اللهُ به فَضْلَ نَبيٍّ عَظيمٍ، فتَليِينُ الحَديدِ وجَعلُه كالعَجِينِ، وإِذابةُ النُّحاسِ وإيجادُ المَعادِنِ وكَشفُها هو أَصلُ جَميعِ الصِّناعا إشاراَشَريّةِ، وأَساسُها، وهو أُمُّ التَّقَدُّمِ الحَضارِيِّ مِن هذا الجانِبِ ومَعدِنُه.
فهذه الآيةُ تُشِيرُ إلى النِّعمةِ الإلٰهِيّةِ العُظمَى في تَليِينِ الحَديدِ كالعَجِينَقيقةٌوِيلِه أَسلاكًا رَفيعةً، وإسالةِ النُّحاسِ، واللَّذانِ هما مِحوَرُ مُعظَمِ الصِّناعاتِ العامّةِ، حيثُ وَهَبَها الباري الجَليلُ على صُورةِ مُعجِزةٍ عُظمَى لِرَسُولٍذا يُخٍ وخَليفةٍ للأَرضِ عَظيمٍ؛ فما دامَ سُبحانَه قد كَرَّمَ مَن هو رسُولٌ وخَليفةٌ معًا، فوَهَب لِلِسانِه الحِكمةَ وفَصْلَ الخِطابِ، وسَلَّم إلى يَدِه الصََّليه أالبارِعةَ، وهو يَحُضُّ البَشَريّةَ على الِاقتِداءِ بما وَهَب لِلِسانِه حَضًّا صَرِيحًا، فلا بُدَّ أنَّ هناك إشارةً تُرَغِّبُ وتَحُضُّ على ما في يَدِه مِن صَنعةٍ ومَهارةٍ.
فسُبحانَه اءُ كأ بالمَعنَى الإشارِيِّ لهذه الآيةِ الكَريمةِ: يا بَني آدَمَ.. لقد آتَيتُ عَبدًا مِن عِبادِي أَطاعَ أَوامِرِي وخَضَع لِمَا كَلَّفتُه به، آتَيتُ لِسانَه فَصْلَ الخِطابِ، ومالقُدر قَلبَه حِكمةً لِيُفصِّلَ كلَّ شيءٍ على بَيِّنةٍ ووُضُوحٍ، ووَضَعتُ في يَدِه مِنَ الحَقيقةِ الرّائعةِ ما يكُونُ الحَديدُ كالشَّمعِ فيها، فيُغيِّیرُ شَكْلَه كيفما يَشاءُ، ويَستَمِدُّ مِنه قُوّةً عَظيمةً لإِيلاتِأَركانِ خِلافتِه وإدامةِ دَولَتِه وحُكمِه.. فما دامَ هذا الأَمرُ مُمكِنًا وواقِعًا فِعلًا، وذا أَهَمِّيّةٍ بالِغةٍ في حَياتِكُمُ الِاجتِماعيّةِ، فأنتُم يا بَني آدَمَ إنْ أَطَعتُم أَوامِرِي التَّكوِينيّةَ تُوهَبْ لكم أيضًا تلك الحِكمةُ ووحاكٍ،عةُ، فيُمكِنُكم بمُرُورِ الزَّمَنِ أن تَقتَرِبُوا مِنهما وتَبْلُغُوهما.
وهكذا، فإنَّ بُلُوغَ البَشَريّةِ أَقصَى أَمانيِّها في الصِّناعةِ، وكَسْبَها القُدرةَ الفائقةَ في مَجالِ القُوّةِ المادِّينُورُ نَّما هو بتَليِينِ الحَديدِ وبإِذابةِ النُّحاسِ (القِطْرِ)؛ فهذه الآياتُ الكَريمةُ تَستَقطِبُ أَنظارَ البَشَريّةِ عامّةً إلى هذه الحَقيقةِ، وتَلفِتُ نَظَرَ السّالِفين وكُسالَى الحاضِنَّه يلَيها، فتُنبِّهُ أُولَئك الَّذين لا يَقدُرُونها حَقَّ قَدرِها.
ومَثلًا:قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدونُه وَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ..:
— 321 —
فهذه الآيةُ تُشِيرُ إلى أنَّ إحضارَ الأَشياءِ مِن مَسافاتٍ بَعيدةٍ یی عَينًا أو صُورةً یی مُمكِنٌ، وذلك بدَلالَتِها على تلك الحادِثةِ الخارِقةِ الَّتي وَقَعَت في دِيوانَِّحمٰنِنا سُلَيمانَ عَليهِ السَّلام، عِندَما قال أَحَدُ وُزَرائِه الَّذي أُوتِيَ عِلمًا غَزِيرًا في "عِلْمِ التَّحضِيرِ": أنا آتِيك بعَرْشِ بِلْقِيسَ؛ ولقد آتَى اللهُ سُبحانَه سيِّدَنا سُلَيمانَ عَليهِ الُّها ا المُلْكَ والنُّبوّةَ معًا، وأَكرَمَه بمُعجِزةٍ يَتَمكَّنُ بها مِنَ الِاطِّلاعِ المُباشَرِ بنَفسِه وبلا تَكَلُّفٍ ولا صُعُوبةٍ على أَحوالِ رَعاياه، ومُشاهَدةِ أَوضاعِهم، َّولِيِ مَظالِمِهم.. فكانَت هذه المُعجِزةُ مَناطَ عِصمَتِه وصَوْنِه مِنَ الشَّطَطِ في أُمُورِ الرَّعِيَّةِ. وهي وَسِيلةٌ قَوِيّةٌ لِبَسطِ رايةِ العَدالةِ على أَرجاءِ المَملَكةِ.
فمَن يَعتَمِدُ على اللهِ سُبحانَه إذًا ويَطْمَئِنُّ إلَيه، ويَسأنُورٌ لِسانِ استِعداداتِه وقابِليّاتِه الَّتي فُطِرَ علَيها، وسارَ في حَياتِه على وَفقِ السُّنَنِ الإلٰهِيّةِ والعِنايةِ الرَّبّانيّةِ، يُمكِنُ أن تَتَحوَّل له الدُّنيا الواسيّاه بأنَّها مَدِينةٌ مُنتَظِمةٌ أَمامَه كما حَدَث لِسُلَيمانَ عَليهِ السَّلام، الَّذي طَلَب بلِسانِ النُّبوّةِ المَعصُومةِ إحضارَ عَرْشِ بِلْقِيسَ، ّةِ الرَ في طَرْفةِ عَيْنٍ، وصارَ ماثِلًا أَمامَه، بعَينِه أو بصُورَتِه، في بِلادِ الشّامِ بعدَ أن كان في اليَمَنِ؛ ولا شَكَّ أنَّ أَصواتَ رِجالِ الحاشِ إنََّّذين كانُوا حَولَ العَرشِ قد سُمِعَتْ معَ مُشاهَدةِ صُوَرِهم.
فهذه الآيةُ تُشِيرُ إشارةً رائعةً إلى إحضارِ الصُّوَرِ والأَصواتِ مِن مَسافاتٍ بَعيدةٍ، فالآيةجرَّدَطِبُ: أيُّها الحُكَّامُ.. ويا مَن تَسَلَّمتُم أَمرَ البِلادِ.. إن كُنتُم تُرِيدُون أن تَسُودَ العَدالةُ أَنحاءَ مَملَكَتِكم، فاقتَدُوا بسُلَيمانَوَرِهاِ السَّلام، واسْعَوا مِثلَه إلى مُشاهَدةِ ما يَجرِي في الأَرضِ كافّةً، ومَعرِفةِ ما يَحدُثُ في جَميعِ أَرجائِها؛ فالحاكِمُ العادِلُ الَّذي يَتَطلَّعُ إلى بَسْطِ رايةِ العَدالةِ في رُبُوعِ البِلادِ، والسُّلطانُ الَّذي يَرعَى شُؤُونَ أَبُلطانَِملَكَتِه، ويُشفِقُ علَيهم، لا يَصِلُ إلى مُبتَغاه إلَّا إذا استَطاعَ الِاطِّلاعَ یی متى شاءَ یی على أَقطارِ مَملَكَتِه.. وعِندَئذٍ تَعُم نَعْبَدالةُ حَقًّا، ويُنقِذُ نَفسَه مِنَ المُحاسَبةِ والتَبِعَاتِ المَعنَويّةِ.
فاللهُ سُبحانَه يُخاطِبُ بالمَعنَى الرَّمزِيِّ لهذه الآيةِ الكَريمةِ: يا بَني آدَمَ.. لقد آتَيتُ عَبدًا مأَجِدُادِي حُكْمَ مَملَكةٍ واسِعةٍ شاسِعةِ الأَرجاءِ، ومَنَحْتُه الِاطِّلاعَ المُباشَرَ على
— 322 —
أَحوالِ الأَرضِ وأَحداثِها، لِيَتَمكَّنَ مِن تَطبِيقِ العَدالةِ تَطبِيقًا العَاًا؛ ولَمّا كُنتُ قد وَهَبتُ لكلِّ إنسانٍ قابِليّةً فِطرِيّةً لِيكُونَ خَليفةً في الأَرضِ، فلا رَيبَ أنَّي قد زَوَّدتُه بمُقتَضَى حِكمَتي ما يُناسِبُ تلكَوجُودِليّةَ الفِطرِيّةَ، مِن مَواهِبَ واستِعداداتٍ يَتَمكَّنُ بها مِن أن يُشاهِدَ الأَرضَ بأَطرافِها ويُدرِكَ مِنها ما يُدرِكُ.. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ الإنسانَ قد لا يَبلُغُ هذه المَرتَبةَ بشَخصِه، إلّا أنَّه يَتَمكَّنُ مِن بُلُوغَطعِيَّوعِه، وإن لم يَستَطِع بُلُوغَها مادِّيًّا، فإنَّه يَبلُغُها مَعنَويًّا، كما يَحصُلُ للأَولياءِ الصّالِحين، فباستِطاعَتِكُم إذًا الِاستِفادةُ مِن هذه النِّعمةِ المَوهُوبةِ لكم، فسارِعُوا إلى افُثُ فِ الجادِّ، واسعَوْا سَعْيًا حَثِيثًا كي تُحَوِّلُوا الأَرضَ إلى ما يُشبِهُ حَدِيقةً صَغيرةً غَنّاءَ، تَجُولُون فيها وتَرَون جِهاتِها كلَّها، وتَسمَعُون أَحداثَها وأَخبارَها مِن كلِّ ناحِيةٍ مِنها، غيرَ ناعرةٍ ووَظيفةَ عُبُودِيَّتِكم.. تَدَبَّروا الآيةَ الكَريمةَ:
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النَُّّ صَل
وهكذا نَرَى كيف تُومِئُ الآيةُ الكَريمةُ المُتَصدِّرةُ لهذا المِثالِ إلى إثارةِ هِمّةِ الإنسانِ، وبَعْثِ اهتِماماتِه لِاكتِشافِ وَسيلةٍ يَستَطيعُ بها إحضارَ الصُّوَرِ والأَصواتِ مِن أَبعَدِ الأَماكِنِ وأَقصا مِن رنَ أَدَقِّ الصِّناعاتِ البَشَريّةِ.
ومَثلًا:وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ:
هذه الآياتُ الكَريمةُ تُفيدُ تَسخِيرَ سيِّدِناسُلَيمانَعَليهِ الالفَرا الجِنَّ والشَّياطِينَ والأَرواحَ الخَبِيثةَ، ومَنْعَه شُرُورَهم واستِخدامَهم في أُمُورٍ نافِعةٍ، فالآياتُ تقُولُ: إنَّ الجِنَّ الَّذين يَلُونَ الإنسانَ في الأَهَمِّيَّهَها سُكنَى الأَرضِ مِن ذَوِي الشُّعُورِ، يُمكِنُ أن يُصبِحُوا خُدَّامًا للإنسانِ، ويُمكِنُ إيجادُ عَلاقةٍ ولِقاءٍ معَهم، بل يُمكِنُ للشَّياطينِ أن يَدَعُوا عَداءَهم معَ الإنسانِ ويَخدُمُوه مُضطَرِّين كما سَمُستَهمُ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى لِعَبدٍ مِن عِبادِه المُنقادِين لأَوامِرِه.
بمَعنَى أنَّ اللهَ سُبحانَه يُخاطِبُ الإنسانَ بالمَعنَى الرَّمزِيِّ لهذِثالِ اتِ: أيُّها
— 323 —
الإنسانُ.. إنِّي أُسَخِّرُ الجِنَّ والشَّياطينَ وأَشرارَهم لِعَبدٍ قد أَطاعَني، وأَجعَلُهم مُنقادِين إلَيه مُسخَّرِين له، فأنتَ إن سَخَّرتَ ن تُشِيلِأَمرِي وأَطَعتَني، قد تُسَخَّر لك مَوجُوداتٌ كَثيرةٌ بل حتَّى الجِنُّ والشَّياطِينُ.
فالآيةُ الكَريمةُ تَخُطُّ أَقصَى الحُدُودِ النِّهائيّةِ،نِ الحِّنُ أَفضَلَ السُّبُلِ القَوِيمةِ للِانتِفاع، بل تَفتَحُ السَّبيلَ أَيضًا إلى تَحضِيرِ الأَرواحِ ومُحادَثةِ الجِنِّ، الَّذي تَرَشَّحَ مِنِ امتِزاجِ فُنُونِ الإنسانِ وعُلُومِه، وتَظاهَرَ مِمّا تَنطَوِي عَمَا نِن قُوًى ومَشاعِرَ فوقَ العادةِ، المادِّيّةِ مِنها والمَعنَويّةِ؛ ولكن ليس الأَمرُ كما هو علَيه في الوَقتِ الحاضِرِ حيثُ أَصبَحَ المُشتَغِلُون بهذه الأُمُلفِ نَوضِعَ استِهزاءٍ، بل أُلعُوبةً بِيَدِ الجِنِّ الَّذين يَنتَحِلُون أَحيانًا أَسماءَ الأَمواتِ، وغَدَوا مُسَخَّرِين للشَّياطِينِ والأَرواحِ الخَبِيثةِ، وإنَّما يكُونُ ذلك بتَسخِولا إكولَئك بأَسرارِ القُرآنِ الكَريمِ معَ النَّجاةِ مِن شُرُورِهم.
ثمَّ إنَّ الآيةَ الكَريمةَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا.
هذه الآيةُ وأَمثالُها الَّتي تُشِيرُ إلى تَمَثُّلِ الأَرواحِ، وكذا الآياتُُومِلَِيرةُ إلى جَلْبِ سيِّدِنا سُلَيمانَ عَليهِ السَّلام للعَفارِيتِ وتَسخِيرِهم له.. هذه الآياتُ الكَريمةُ معَ إشارَتِها إلى تَمَثُّلِ الرُّوحرضِ الِ، فهي تُشِيرُ إلى تَحضِيرِ الأَرواحِ أيضًا؛ غيرَ أنَّ تَحضِيرَ الأَرواحِ الطَّيِّبةِ المُشارَ إلَيه في الآياتِ ليس هو بالشَّكلِ الَّذي يقُومُ به المُعاصِرُون مِن إحضارِ الأَرواحِ إلى مَواضةِ المهْوِهم وأَماكِنِ مَلاعِبِهم، والَّذي هو هَزْلٌ رَخيصٌ واستِخفافٌ لا يَليقُ بتلك الأَرواحِ المُوَقَّرةِ الجادّةِ، الَّتي تَعمُرُ عالَمًا كلُّه جُ، مِما هَزْلَ فيه، بل يُمكِنُ تَحضِيرُ الأَرواحِ بمِثلِ ما قامَ به أَولياءُ صالِحُون لِأَمرٍ جادٍّ ولِقَصدٍ نَبِيلٍ هادِفٍ مِن أَمثالِ مُحيِي الدِّينِ ابنِ عَرَبيٍّ، الَّذين كانُوا يُُ الآخون تلك الأَرواحَ الطَّيِّبةَ متى شاؤُوا، فأَصبَحُوا هم مُنجَذِبين إلَيها ومُنجَلِبين لها ومُرتَبِطين معَها، ومِن ثمَّ الذَّهابُ إلى مَواضِعِها والتَّقَرُّبُ إلى عالَمِها والِاستِفادةُ مِن رُوحانيّاتِها.. فهذا هو الَّذي تُشِيرُ إلَيه الآياتُ لمَملَمةُ، وتُشعِرُ في إشارَتِها حَضًّا وتَشوِيقًا للإنسانِ، وتَخُطُّ أَقصَى الحُدُودِ النِّهائيّةِ لِمِثلِ هذه العُلُومِ والمَهاراتِ الخَفِيّةِ، وتَعها إشرَجمَلَ صُوَرِه وأَفضَلَها.
— 324 —
ومَثلًا:إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ، يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، عُلِّمْنَا مَنْطيضًا تطَّيْرِ...
هذه الآياتُ الكَريمةُ الَّتي تُذَكِّرُ مُعجِزاتِ سيِّدِناداودَعَليهِ السَّلام، تَدُلُّ على أنَّ اللهَ سُبحانَه قد مَنَح تَسبيحاتِه وأَذكارَه مِنَ القُوّةِ العَظيمةِ والصَّثَلاثِرَّخيمِ والأَداءِ الجَميلِ ما جَعَل الجِبالَ في وَجْدٍ وشَوْقٍ، وكأنَّها حاكٍ عَظيمٌ يُرَدِّدُ تَسبِيحاتٍ وأَذكارًا، أو كأنَّها إنسانٌ ضَخْمٌ لأَشياحُ في حَلْقةِ ذِكْرٍ حَولَ رَئيسِ الحَلْقةِ.
أتُراكَ هذه حَقيقةٌ؟ وهل يُمكِنُ أن يَحدُثَ هذا فِعلًا؟!.
نعم، إنَّها لَحَقيقةٌ قاطِعةٌ، ألَيس كلُّ جَبَلٍ ذي كُهُوفٍ يُمكِنُ أن يتكلَّمَ مع كلِّ إنسانٍ بلِسانِه، ويُرَدِّد كالببَّغا فَأرَيَذكُرُه؟ فإن قُلتَ: "الحَمدُ للهِ" أمامَ جَبَلٍ، فهو يقُولُ أيضًا: "الحَمدُ للهِ"، وذلك برَجْعِ الصَّدَى.. فما دامَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى قد وَهَب هذه القابِليّةَ للجِبالِ، فيُمكِنُ إذًا أن تَنكَشِفَ هذه القابِليّةُ وتَنبَسِطَ أَكثرَ مُِ بالع وحيثُ إنَّ اللهَ سُبحانَه قد خَصَّ سيِّدَنا داودَ عَليهِ السَّلام بخِلافةِ الأَرضِ فَضلًا عن رِسالَتِه، فقد كَشَف بِذرةَ تلك القابِليّةِ لَدَيه ونَمّاها وبَسَطَها بَسْطًا مُعجِزًا عِندَه، بما يُلائِمُ شُؤُونَ الفَيَكُةِ الواسِعةِ والحاكِمِيّةِ العَظِيمةِ، حتَّى غَدَتِ الجِبالُ الشُّمُّ الرَّواسِي مُنقادةً إلَيه كأَيِّ جُندِيٍّ مُطِيعٍ لِأَمرِه، وكأَيِّ تِلمِيذٍ لَدَيه، وكأَيِّ مُرِيدٍ خاشِعٍ لِذِكرِه. فأَصبَحَت تلك الجِبالُ تُسَيع يُربحَمدِ الخالقِ العَظِيمِ جلَّ جلالُه بلِسانِه عَليهِ السَّلام وبأَمرِه؛ فما كان سيِّدُنا داوُدُ يَذكُرُ ويُسَبِّحُ إلَّا والجِبالُ تُرَدِّدُ ما يَّبيعِه.
نعم، إنَّ القائدَ في الجَيشِ يَستَطِيعُ أن يَجعَلَ جُنُودَه المُنتَشِرِين على الجِبالِ يُرَدِّدُون: "اللهُ أَكبَرُ" بما لَدَيه مُم علَائلِ الِاتِّصالِ والمُخابَراتِ، حتَّى كأنَّ تلك الجِبالَ هي الَّتي تَتَیكلَّمُ وتُهلِّلُ وتُكبِّر! فلَئِن كان قائدٌ مِنَ الإنسِ يَستَطِيعُ أن يَستَنطِقَ "مَجازِيًّا" الجِبالَ بلِسانِ ساكِنِيها، فكَستَطِئدٍ مَهِيبٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى؟! ألا يَستَطِيعُ أن يَجعَلَ تلك الجِبالَ تَنطِقُ نُطقًا "حَقِيقيًّا" وتُسبِّحُ تَسبِيحًا حَقِيقيًّا؟! هذا فَضلًا عن أنَّنا قد بَيَّنّا في "الكَلِماتِ" السّابِقةِ أنَّ لِكُلِّ جَبَلٍ شَخصِيّةً مَعنَودارِ اخاصّةً به، وله تَسبِيحٌ خاصٌّ مُلائمٌ
— 325 —
له، وله عِبادةٌ مَخصُوصةٌ لائقةٌ به. فمِثلَما يُسَبَّحُ كلُّ جَبَلٍ بِرَجْعِ الصَّدَى بأَصواتِ البَشَرِ، فإنَّ له تَسبِيحاتٍ للخالِقِ الجَلِيلِ بأَلسِنَتِه الخاصّةِ.
وكذلك: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةرِ الرُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ..:
هذه الآياتُ تُبيِّنُ أنَّ اللهَ سُبحانَه قد عَلَّمَ سيِّدَناداوُدَ وسُلَيمانَعَلَيهمَا السَّلَام الكَثقَ أَنواعِ الطُّيُورِ، ولُغةَ قابِلِيّاتِها واستِعداداتِها، أي: أيَّ الأَعمالِ تُناسِبُها؟ وكيف يُمكِنُ الِاستِفادةُ مِنها؟
نعم، هذه الحَقيقةُ هي الحَقيقةُ الجَليلةُ، إذ ما دامَ سَطحُ الأَرضِ مائِدةًعَالَمنيّةً أُقيمَتْ تَكريمًا للإنسانِ، فيُمكِنُ إذًا أن تكُونَ مُعظَمُ الحَيَواناتِ والطُّيُورِ الَّتي تَنتَفِعُ مِن هذه المائدةِ مُسَخَّرةً للإنسانِ، ضِمنَ تَصَرُّفِه وتحتَ خِدمَتِه؛ فالإنسانُ الَّذي استَخْدَم النَّحلَ ودُودةرِ هو زِّ یی تلكُمُ الخَدَمةَ الصِّغارَ یی وانتَفَعَ مِمّا لَدَيهم مِن إلهامٍ إلٰهِيٍّ، والَّذي استَعْمَلَ الحَمامَ الزّاجِلَ في بعضِ شُؤُونِه وأَعمالِه، واستَنْطَقَ الببَّغاءَ وأَمثالَه مِنَ الطُّيُورِ، فضَمَّ إلى الحَضارةِ الإنسانيّةِ مَحاسِنَ جَدوَّلُ هذا الإنسانُ يُمكِنُه أن يَستَفيدَ إذًا كَثيرًا إذا ما عَلِم لِسانَ الِاستِعدادِ الفِطرِيِّ للطُّيُورِ، وقابِلِيّاتِ الحَيَواناتِ الأُخرَى، حيثُ هي أَنواعُ وطَوائفُ كَثيرةٌ جِدًّا، كما استَفادَ مِنَ الُولةِ،ناتِ الأَليفةِ؛فمَثلًا:إذا عَلِمَ الإنسانُ لِسانَ استِعدادِ العَصافيرِ "مِن نَوعِ الزَّرازِيرِ" الَّتي تَقضِي على الجَرادِ دُونَ أن تَأْكُلَه، وإذا ما نَسَّق أَعمالَها فإنَّه يُمكِنُ أن يُسَخِّرَها لِمُكافَحةِ آفةِ الجَرادِ؛ فوَفْقَ عِندَئذٍ قدِ انتَفَع مِنها واستَخدَمَها مَجّانًا في أُمُورٍ مُهِمّةٍ.
فمِثلُ هذه الأَنواع مِنِ استِغلالِ قابِلِيّاتِ الطُّيُورِ والِانتِفاعِ مِنها، واستِنطاقِ الجَماداتِ مِن هاتفٍ نَبُّه تَخُطُّ له الآيةُ الكَريمةُ المَذكُورةُ المَدَى الأَقصَى والغايةَ القُصوَى.
فيقُولُ اللهُ سُبحانَه بالمَعنَى الرَّمزِيِّ لهذه الآياتِ الكَريمةِ: يا بَني الإنسانِ.. لقد سَخَّرتُ لِعَبدٍ مِن بَني جِنسِكم، عبدٍ خالِصٍ مُخلِصٍ، سَخَّرتُ لد أَلبُوقاتٍ عَظيمةً في مُلكِي وأَنطَقتُها له، وجَعَلتُها خُدَّامًا أُمَناءَ وجُنُودًا مُطِيعين له، كي تُعصَمَ نُبُوَّتُه،
— 326 —
وتُصانَ عَدالَتُه في مُلكِه ودَولَتِه؛ وقد لإلٰهِ كُلًّا مِنكُمُ استِعدادًا ومَواهِبَ لِيُصبِحَ خَلِيفةَ الأَرضِ، وأَودَعتُ فيكم أَمانةً عُظمَى، أَبَتِ السَّماواتُ والأَرضُ والجِبالُ أن يَحمِلْنَها، فعَلَيكم إذًا أن تَنقادُوا وتَخضَعُولَّا بوامِرِ مَن بِيَدِه مَقالِيدُ هذه المَخلُوقاتِ وزِمامُها، لِتَنقادَ إلَيكم مَخلُوقاتُه المَبثُوثةُ في مُلكِه. فالطَّريقُ مُمَهَّدٌ أَمامَكم إنِ استذا العم أن تَقبِضُوا زِمامَ تلك المَخلُوقاتِ باسمِ الخالِقِ العَظيمِ، وإذا سَمَوتُم إلى مَرتَبةٍ تَلِيقُ باستِعداداتِكُم ومَواهِبِكُم.
فما دامَتِ الحَقيقةُ هكذا فاسْعَ أيُّها الإنسانُ ألّا تَنشَغِلَ بِلَهوٍ لا مَعنَى له، وبلَعِبٍ َخْلُصلَ مِن وَرائِه، كالِانشِغالِ بالحاكي والحَمَامِ والببَّغاءِ؛ بلِ اسْعَ في طَلَبِ لَهْوٍ مِن أَلطَفِ اللَّهْوِ وأَزكاه، وتَسَلَّ بتَسلِيةٍ هي مِن أَلَذِّ أَنواعِ التَّسلِيةِ.. فاجْعَلِ الجِبالَ كالحاكي لِأَذكاريًّا یا هي لِسَيِّدِنا داوُدَ عَليهِ السَّلام، وشَنِّفْ سَمْعَك بنَغَماتِ ذِكرِ وتَسبِيحِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ الَّتي تُخرِجُ أَصواتًا رَقيقةً عَذْبةً بمُجَرَّدِ مَسِّ النَّسِيمِ لها وكأنَّها أَوتارُ آلاتٍ صَوتيّةٍ.. فبهذا الذِّكرِ العُلالعَرشتَظهَرُ الجِبالُ لك أُلُوفًا مِنَ الأَلسِنةِ الذّاكِرةِ المُسَبِّحةِ، وتَبرُزُ أَمامَكَ في ماهِيّةٍ عَجِيبةٍ مِن أَعاجِيبِ المَخلُوقاتِ.. وعِندَئذٍ تَتَزيّا مُعظَمُ الطُّيُورُ وتَلبَسُ یی كأنَّها هُدْهُدُ سُلَيمانَ خِرة واسَ الصَّدِيقِ الحَميمِ والأَنيسِ الوَدُودِ، فتُصبِحُ خُدّامًا مُطِيعين لك، فتُسَلِّيك أيَّما تَسلِيةٍ، وتُلهِيك لَهْوًا بَرِيئًا لا شائبةَ فيه، فَضْلًا عن أنَّ هذوَحدَهِكرَ السَّامِيَ يَسُوقُك إلى انبِساطِ قابِلِيّاتٍ ومَواهِبَ كانَت مَغمُورةً في ماهيَّتِك، فتَحُولُ بَينَك وبينَ السُّقُوطِ مِن ماهِيّةِ الإنس تلك اسّامِيةِ ومَقامِه الرَّفيعِ، فلا تَجذِبُك بَعدُ أَضرابُ اللَّهْوِ الَّتي لا مَغزَى لها إلى حَضِيضِ الهاوِيةِ.
ومَثلًا:قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاحُومُ
هذه الآيةُ الكَريمةُ تُبيِّنُ مُعجِزةَ سيِّدِناإبراهيمَعَليهِ السَّلام، وفيها ثلاثُ إشاراتٍ لَطِيفةٌ:
أُولاها:النَّارُ یی كسائرِ الأَسبابِ یی ليس أَمرُها بِيَدِها، فلا تَعمَلُ كَيفَما تَشاءُ حَسَبَ هَواها وبلا بَصِيرةٍ، بل تَقُطانُ؟ ُهِمَّتِها وَفقَ أَمرٍ يُفرَضُ علَيها، فلم تُحرِقْ سيِّدَنا إبراهيمَ لأنَّها أُمِرَت بعَدَمِ الحَرْقِ.
— 327 —
ثانيَتُها:إنَّ للنّارِ دَرُزئيّةُحرِقُ بِبُرودَتِها، أي: تُؤثِّیرُ كالِاحتِراقِ، فاللهُ سُبحانَه يُخاطِبُ البُرُودةَ بلَفظةِ: "سَلامًا" (حاشية): يَذكُر أحدُ التَّفاسِير أنه: لو لم يَقُل: "سَلامًا" فِطريّ تُحرِقُ ببُرودَتِها. بأنْ: لا تُحرِقي أَنتِ كذلك إبراهيمَ، كما لم تُحرِقْه الحَرارةُ. أي: إنَّ النّارَ في تلك الدَّرَجةِ تُؤثِّیرُ ببُرُودَوَّلُ أنَّها تُحرِقُ، فهي نارٌ وهي بَرْدٌ.
نعم، إنَّ النّارَ یی كما في عِلْمِ الطَّبِيعيّاتِ یی لها دَرَجاتٌ مُتَفاوِتةٌ، مِنها دَرَجةٌ على صُورةِ نارٍ الأَسبَ لا تَنشُرُ حَرارَتَها، بل تَكسِبُ مِمّا حَولَها مِنَ الحَرارةِ، فتُجَمِّدُ بهذه البُرُودةِ ما حَولَها مِنَ السَّوائلِ، وكأنَّها تُحرِقُذلك الودَتِها؛ وهكذا الزَّمْهَرِيرُ لَونٌ مِن أَلوانِ النّارِ تُحرِقُ ببُرُودَتِها، فوُجُودُه إذًا ضَرُورِيٌّ في جَهَنَّمَ الَّتي تَضُمُّ جَميعَ دَرَجاتِ النّارِ وجَميعَ أَنواعِها.
ثالثتُها:مِثلَما َدِّي نُ الَّذي هو "مادّةٌ مَعنَوِيّةٌ" يَمنَعُ مَفعُولَ نارِ جَهَنَّمَ، ويُنجِي المُؤمِنين مِنها؛ وكما أنَّ الإسلامَ دِرْعٌ واقٍ وحِصنٌ حَصِينٌ مِنَ النّارِ، كذلك هناك "مادّةٌ مادِّيقةٌ رََمنَعُ تَأثيرَ نارِ الدُّنيا، وهي دِرْعٌ أَمامَها، لِأنَّ اللهَ سُبحانَه يُجرِي إجراءاتِه في هذه الدُّنيا الَّتي هي دارُ الحِكمةِ، تحتَ سِتارِ الأَسبابِ. وذلك بمُقتَضَى اسمِه"الحَكيم"،لِذا لم تُحرِقِ النّارُ جِسمَ َّرَتْنا إبراهيمَ عَليهِ السَّلام مِثلَما لم تُحرِقْ ثِيابَه ومَلابِسَه أيضًا.. فهذه الآيةُ تَرمُزُ إلى:
"يا مِلَّةَ إبراهيمَ.. اقتَدُوا بإبراهيمَ، كي يكُونَ لِباسُكُمالِ بسَ التَّقوَى وهو لِباسُ إبراهيمَ، ولِيكُونَ حِصنًا مانِعًا ودِرًعا واقِيًا في الدُّنيا والآخِرةِ تِجاهَ عدُوِّكُم الأَكبَرِ: النّار. فلقد خَبَّأَ سُبحانَه لكم مَوادَّ في الأَرضِ تَحفَظُكُم مِن شُها اللنّارِ، كما يَقِيكُم لِباسُ التَّقوَى والإيمانِ الَّذي أَلبَستُمُوه أَرواحَكم، شَرَّ نارِ جَهَنَّمَ.. فهَلُمُّوا واكتَشِفُوا هذه المَوادَّ المانِعةَ مِنَ الحَرارةِ واستَخرِجُوها مِن باطِنِ الم هل يوالبَسُوها". وهكذا وَجَد الإنسانُ حَصِيلةَ بُحُوثِه واكتِشافاتِه مادّةً لا تُحرِقُها النّارُ، بل تُقاوِمُها فيُمكِنُه أن يَصْنَعَ مِنها لِباسًا وبَ قابا.
— 328 —
فقارِنْ هذه الآيةَ الكَريمةَ، وقِسْ مَدَى سُمُوِّها وعُلُوِّها على اكتِشافِ الإنسانِ للمادّةِ المُضادّةِ للنّارِ، واعْلَمْ كيفَ أنَّها تَدُلُّ على حُلّةٍ قَشِيبةٍ نُسِجَت في مَصنَعِ "حَنِيفًا مَُ المُ" لا تَتَمزَّقُ ولا تَخلَقُ، وتَبقَى مُحتَفِظةً بجَمالِها وبَهائِها إلى الأَبدِ.
ومَثلًا:وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا:
تُبيِّنُ هذه الآيةُالمَوقالمُعجِزةَ الكُبْرَىلِآدَمَعَليهِ السَّلام في دَعوَى خِلافَتِه الكُبْرَى: هي تَعلِيمُ الأَسماءِ.
فمِثلَما تَرمُزُ مُعجِزاتُ سائرِ الأَنبِياءِ إلى خارِقةٍ بَشَرِيّةٍ خاصّةٍ لكُلٍّ مِنهم، فإنَّ مُعجِزةالتَّحالأَنبِياءِ وفاتِحِ دِيوانِ النُّیبُوّةِ آدَمَ عَليهِ السَّلام، تُشِيرُ إشارةً قَرِيبةً مِنَ الصَّراحةِ إلى مُنتَهَى الكَمالِ البَشَرِيّ، وذِروةِ رُقيِّه،ٍ مِنَأَقصَى أَهدافِه، فكأنَّ اللهَ سُبحانَه يقُولُ بالمَعنَى الإشارِيِّ لهذِه الآيةِ الكَريمةِ:
يا بَني آدَمَ.. إنَّ تَفَوُّقَ أَبِيكم آدَمَ في دَعوَى الخِلافةِ على المَلائكةِ كان بما علَّمْتُه الأسماءَ كلَّها، وأنتُم ِ على ووارِثُو استِعداداتِه ومَواهِبِه، فعلَيكُم أن تَتَعلَّمُوا الأَسماءَ كلَّها لِتُثبِتُوا جَدارَتَكم أَمامَ المَخلُوقاتِ لِتَسَنُّمِ الأَمانةِ العُظمَى، فَّنَوبهِّدَ الطَّريقُ أَمامَكم لِبُلُوغِ أَسمَى المَراتبِ العاليةِ في الكَونِ، وسُخِّرَت لكُمُ الأَرضُ، هذه المَخلُوقةُ الضَّخْمةُ.. فهيَّا انطَ القاب وتَقَدَّمُوا، فالطَّرِيقُ مَفتُوحٌ أَمامَكم.. واستَمسِكُوا بكُلِّ اسمٍ مِن أَسمائي الحُسنَى، واعتَصِمُوا به، لِتَسمُوا وتَرتَفِعُوا.. واحذَرُوا! فلقد أَغوَى الشَّيطانُ أَباكم مَرّةً واحِدةً، فهَبَط مِنَ الجَنّةِ یی تلك المَنزِلةِ َرٍ، وةِ یی إلى الأَرضِ مُؤَقَّتًا.. فإيّاكُم أن تَتْبَعُوا الشَّيطانَ في رُقيِّیكُم وتَقَدُّمِكم، فيكُونَ ذَرِيعةَ تَرَدِّيكُم مِن سَماواتِ الحِكمةِ الإلٰهِيّةِ إلىءِ، لأةِ المادِّيّةِ الطَّبِيعيّةِ.. ارفَعُوا رُؤُوسَكم عاليًا، وأَنعِمُوا النَّظَرَ والفِكرَ في أَسمائي الحُسنَى، واجْعَلُوا عُلُومَكم ورُقيَّیكم سُلَّمًا ومَراقيَ إلى تلك السَّماواتِ، لِتَبلُغُوا حَقائقَ عُلُومِكم وكَمالِكُم، وتَصِلُوا إلى مَا تحتَها الأَصليّةِ، تلك هي أَسمائي الحُسنَى؛ وانظُرُوا بمِنظارِ تلك الأَسماءِ ببَصِيرةِ قُلُوبِكم إلى رَبِّیكُم.
— 329 —
بيانُ نُكتةٍ مُهمّة و القَص سرٍّ أَهَمَّ
إنَّ كلَّ ما نالَه الإنسانُ یی مِن حيثُ جامِعِيّةُ ما أَودَعَ اللهُ فيه مِنِ استِعداداتٍ یی مِنَ الكَمالِ العِلميِّ والتَّقَدُّمِ الفَنِّيِّ، ووُصُولِه إلى خَوراقِ الصِّناعاتِ والِاكتِشافاتِ، تُعبِّیرُ عنهَى تَتُ الكَريمةُ بتَعلِيمِ الأَسماءِ: وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا؛ وهذا التَّعبِيرُ يَنطَوِي على رَمزٍ رَفيعٍ ودَقيقٍ، وهو: أنَّ لكُلِّ كَمالٍ، ولكُلّذي يُفٍ، ولكُلِّ تَقَدُّمٍ، ولكُلِّ فَنٍّ أيًّا كانَ، حَقيقةً ساميةً عاليةً؛ وتلك الحَقيقةُ تَستَنِدُ إلى اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وباستِنادِها إلى ذلك الِاسمِ الَّذي له حُجُبٌ ٍ یی لِفةٌ، وتَجَلِّياتٌ مُتَنوِّعةٌ، ودَوائرُ ظُهُورٍ مُتَبايِنةٌ، يَجِدُ ذلك العِلمُ وذلك الكَمالُ وتلك الصَّنعةُ، كلٌّ مِنها كَمالَه، ويُصبِحُ حَقيقةً فِعلًا، وإلَلِ رِو ظِلٌّ ناقِصٌ مَبتُورٌ باهِتٌ مُشَوَّشٌ.
فالهَندَسةُ مَثلًا: عِلمٌ مِنَ العُلُومِ، وحَقيقتُها وغايةُ مُنتَهاها هي الوُصُولُ إلى اسمِ"العَدْلِ"و"المُقَدون الصِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وبُلُوغُ مُشاهَدةِ التَّجَلِّياتِ الحَكِيمةِ لذلك الِاسمِ بكُلِّ عَظَمتِها وهَيبَتِها في مِرآةِ عِلمِ "الهَندَسةِ".
نيا الطِّبُّ مَثلًا: عِلمٌ ومَهارةٌ ومَهنةٌ في الوَقتِ نَفسِه، فمُنتَهاه وحَقيقَتُه يَستَنِدُ أيضًا إلى اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى وهو"الشَّافي"؛فيَصِلُ الطِّبُّ إلى كَمالِه ويُصبحُ حَقيقةً فِعلًا بمُشاهَدةِ التَّجَلِّياتِ الرَّحيمةِ لِاسمِ"َقةٍ.
في"في الأَدوِيةِ المَبثُوثةِ على سَطحِ الأَرضِ الَّذي يُمثِّیلُ صَيدَليّةً عُظمَى.
والعُلُومُ الَّتي تَبحَثُ في حَقيقةِ المَوجُوداتِ كالفِيزياءِ والكِيمياءِ والنَّباتِ والحَيَوانِ.. لفِكرُعُلُومُ الَّتي هي "حِكمةُ الأَشياءِ" يُمكِنُ أن تكُونَ حِكمةً حَقيقيّةً بمُشاهَدةِ التَّجَلِّياتِ الكُبْرَى لِاسمِ اللهِ"الحَكيم"جَلَّ جينٍ، و في الأَشياءِ، وهي تَجَلِّياتُ تَدبِيرٍ، وتَربيةٍ، ورِعايةٍ؛ وبرُؤيةِ هذه التَّجَلِّياتِ في مَنافِعِ الأَشياءِ ومَصالِحِها تُصبِحُ تلك الحِكمةُ حِكمةً حَقًّا، أي: باستِنادِها إلى ذلك الِاسمِ"الحَكيِغارِ)لى ذلك الظَّهيرِ تُصبِحُ حِكمةً فِعلًا، وإلّا فإمَّا أنَّها تَنقَلِبُ إلى خُرافاتٍ وتُصبِحُ عَبَثًا لا طائلَ مِن وَرائِها، أو تَفتَحُ سَبِيلًا إلى الضَّلالةِ، كما هي الحالُ في الفَلسَفةِ الطَّبِيعيّةِ انيا، ويّةِ.
— 330 —
فإلَيك الأَمثِلةَ الثَّلاثةَ كما مَرَّت.. قِسْ علَيها بَقِيّةَ العُلُومِ والفُنُونِ والكَمالاتِ..
وهكذا يَضرِبُ القُرآنُ الكَريمُ بهذه الآيةِ الكَريمةِ يَدَ التَّشوِيقِ على ظَهرِ البَشَريّةِ، مُشِيرًا إلى أَسمَىنَويّةقاطِ وأَبعَدِ الحُدُودِ وأَقصَى المَراتبِ الَّتي قَصُرَت كثيرًا عنِ الوُصُولِ إلَيها في تَقَدُّمِها الحاضِرِ، وكأنَّه يقُولُ لها: هيَّا تَقَدَّمي.
نَیكتَفي بهذا الجَوهَرِ النَّفيسِ مِنَ الخَزِينةِ العُظمَى نَّا للآيةِ الكَريمةِ، ونُغلِقُ هذا البابَ.
ومَثلًا:إنَّ خاتَمَ دِيوانِ النُّیبُوّةِ، وسيِّدَ المُرسَلين، الَّذي تُعَدُّ جَميعُ مُعجِزاتِ الرُّسُلِ مُعجِزةً واحِدةً لِتَصدِيقِ دَعوَى رِسالَتِه، والَّذي هو فَخرُ العالَمِين، وهو الآيةُ الواطريّةُالمُفَصِّلةُ لِجَميعِ مَراتبِ الأَسماءِ الحُسنَى كلِّها الَّتي عَلَّمَها اللهُ سُبحانَه آدَمَ عَليهِ السَّلام تَعلِيمًا مُجمَلًا.. ذلِكُمُ الرَّسولُ الحَبيبُ مُحمَّدٌ (ص) الَّذي رَفَع إصةَ الوعالِيًا بجَلالِ اللهِ فشَقَّ القَمَرَ، وخَفَضَ الإصبَعَ المُبارَكَ نَفسَه بجَمالِ اللهِ ففَجَّرَ ماءً كالكَوثَرِ.. وأمثالُها مِنَ المُعجِزاتِ الباهِراتِ الَّتي تَزِيدُ على الأَلفِ.. هذا الرَّسُولُ الكَريمُ (ص) أَظهَرَ يَصرِفنَ الكَريمَ مُعجِزةً كُبْرَى تَتَحدَّى الجِنَّ والإنسَ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ الرَّحبَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. فهذه الآيةُ الكَريمةُ وأَمثالُها مِنَ الآياتِ تَجلِبُ أَنظارَ الإنسِ والجِنِّ إلى أَبرَزِ وُجُوه الإعجازِ في هذه المُعجِزةِ الخالْتِب وأَسطَعِها، فتَلفِتُها إلى ما في بَيانِه یی الحَقَّ والحَقيقةَ یی مِن جَزالةٍ، وإلى ما في تَعابِيرِه مِن بَلاغةٍ فائقةٍ، وإلى ما في مَعانيه مِن يف بقايّةٍ وشُمُولٍ، وإلى ما في أَساليبِه المُتَنوِّعةِ مِن سُمُوٍّ ورِفعةٍ وعُذُوبةٍ.. فتَحَدَّى القُرآنُ المُعجِزُ یی ومازال كذلك يَتَحدَّى یی الإنسَ والجِنَُّ الخاةً، مُثِيرًا الشَّوقَ في أَوليائِه، مُحَرِّكًا ساكِنَ عِنادِ أَعدائِه، دافِعًا الجَميعَ إلى تَقلِيدِه، بشَوقٍ عَظِيمٍ وتَرغيبٍ شَديدٍ، للإتيانِ بنَظِيرِه، بل إنَّه سُبحانَه يَضََبُها المُعجِزةَ الكُبْرَى أَمامَ أَنظارِ الأَنامِ في مَوقِعٍ رَفيعٍ لَكَأنَّ الغايةَ الوَحِيدةَ مِن مَجِيءِ الإنسانِ إلى هذه الدُّنيا لَيسَت سِوَى اتِّخاذِه تلك المُعجِزةَ العُظمَى دُستُورَ حَياته، وغايةَ مُناه.
— 331 —
نَذكُرُُ مِمّا تَقَدَّم:أنَّ كلَّ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام تُشِيرُ إلى خارِقةٍ مِن خَوارِقِ الصِّناعاتِ البَشَريّةِ، أمّا مُعجِزةُ سيِّدِنا آدَمَ عَليهِ ٍ مِنَام فهي تُشِيرُ إلى فِهرِسِ خَوارِقِ العُلُومِ والفُنُونِ والكَمالاتِ، وتُشَوِّقُ إلَيها جَمِيعًا معَ إشارَتِها إلى أُسُسِ الصَّنعةِ إشارةً مُجمَلةً مُختَصَرةً.
أمّا المُعجِزُة الكُب النَّلرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) وهي القُرآنُ الكَريمُ ذُو البَيانِ المُعجِرِ، فلِأنَّ حَقيقةَ تَعلِيمِ الأَسماءِ تَتَجلَّى فيه بوُضُوحٍ تامٍّ، وبتَفصِيلٍ أَتَمَّ، فإنَّه يُبيِّنُ الأَهدافَ الصّائبةَ للعُلُومِ الِنها ا وللفُنُونِ الحَقيقيّةِ، ويُظهِرُ بوُضُوحٍ كَمالاتِ الدُّنيا والآخِرةِ وسَعادَتَهما، فيَسُوقُ البَشَر إلَيها ويُوَجِّهُهم نَحوَها، مُثيرًا ُراقِبغَبةً شَديدةً فيها، حتَّى إنَّه يُبيِّنُ بأُسلُوبِ التَّشوِيقِ أنْ: أيُّها الإنسانُ.. إنَّ المَقصَدَ الأَسمَى مِن خَلقِ هذا الكَونِ هو قِيامُك أنت بعُبُودِيّةٍ كُلِّيّةٍ تِجاهَ تَظاهُرِ الرُّبُوبيّةِ، وإنَّ الغاية بحَيثصوَى مِن خَلقِك أنت هي بُلُوغُ تلك العُبُودِيّةِ بالعُلُومِ والكَمالاتِ؛ فيُعبِّیرُ بتَعابيرَ مُتَنوِّعةٍ رائعةٍ مُعجِزةٍ، مُشِيرًا بها إلى أنَّ البَشَريّةَ في أواخِرِ أَيّامِها على الأَرضِ ستَنسابُ إلى العُلُومِ، وتَنصَبُّ إلى الفُنُونِ، وستَِفِه وُّ كلَّ قُواها مِنَ العُلُومِ والفُنُونِ، فيَتَسلَّمُ العِلمُ زِمامَ الحُكْمِ والقُوّةِ.
ولَمّا كان القُرآنُ الكَريمُ يَسُوقُ جَزالةَ البَياَريمِ:لاغةَ الكَلامِ مُقدَّمًا ويُكَرِّرُهما كَثيرًا، فكأنَّه يَرمُزُ إلى أنَّ البَلاغةَ والجَزالةَ في الكَلامِ، وهما مِن أَسطَعِ العُلُومِ وادائِعِنِ، سيَلْبَسانِ أَزهَى حُلَلِهما وأَروَعَ صُوَرِهما في آخِرِ الزَّمانِ، حتَّى يَغدُوَ النّاسُ يَستَلهِمُون أَمضَى سِلاحِهم مِن جَزالةِ البَيانِ وسِحرِه، ويَستَلِمُون أَرْهَبَ قُوَّتِهم مِن بَلا وَجْهأَداءِ؛ وذلك عندَ بَيانِ أَفكارِهم ومُعتَقَداتِهم لإقناعِ الآخَرين بها، أو عندَ تَنفِيذِ آرائِهم وقَراراتِهم..
نَحصُلُ مِمّا سَبَق:أنَّ أَكثَرَ الآياتِ الكَريمةِ إنَّما هي مِفتاحٌ لِخَزينةِ كَمالٍ فائقٍ، ولِكلك يكوِلمِيٍّ عَظِيمٍ؛ فإن شِئتَ أن تَبلُغَ سَماواتِ القُرآنِ الكَريمِ ونُجُومَ الآياتِ فاجعَلِ (الكَلِماتِ العِشرِينَ السّابقةَ) عِشرينَ دَرَجًا لِسُ مُجَرالوُصُول إلَيها، (حاشية): بَل إنَّ ثَلاثًا وثَلاثين كلمةً وثلاثةً وثَلاثين مَكتوبًا وإحدَى وثَلاثِين لَمعةً وثَلاثة عشَرَ شُعاعًا سُلَّمٌ ذُو مِئة وعِشرين مَرتبةًاتِه وُعود. وشاهِدْ بها
— 332 —
مَدَى سُطُوعِ شَمسِ القُرآنِ العَظيمِ، وتَأَمَّل كيف يَنشُرُ القُرآنُ نُورَه باهِرًا على حَقيقةِ الأُلُوهيّةِ وحَقائقِ المَوجُوداتِ، والمََادَنْتِ، وكيف يَنشُرُ الضِّياءَ السّاطِعَ على كلِّ المَوجُوداتِ.
النَّتيجةُ:ما دامَتِ الآياتُ الَّتي تَخُصُّ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام لها نَوعٌ مِنَ الإشارةِ إلى خَوارِقِ التَّقدُّمِ العِلميِّ والصِّناعيِّ الحاضِرِ، ولهايةٍ ولٌ مِنَ التَّعبِيرِ كأنَّه يَخُطُّ أَبعَدَ الحُدُودِ النِّهائيّةِ لها.. وحيثُ إنَّه ثابتٌ قَطعًا أنَّ لكُلّ آيةٍ دَلالاتٍ على مَعانٍ شَتَّى بل هذا مُتَّفَقٌ علَيه لَدَى العُلَماءِ.. ولَمّا كان هناك أَوامِررةِ إلَقةٌ لِاتِّباعِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام والِاقتِداءِ بهم، لذا يَصِحُّ القَولُ: إنَّه مع دَلالةِ الآياتِ المَذكُورةِ سابقًا على مَعانيها الصَّرِيحةِ هناك دَلالاتٌ مُشَأَيْتٌ بأُسلُوبِ الإشارةِ إلى أَهَمِّ العُلُومِ البَشَرِيّةِ وصِناعاتِها.
جَوابانِ مُهِمّانِ عن سُؤالَينِ مُهمَّينِ
أَحدُهما:إذا قُلتَ: لَمّا كان القُلى بارلكَريمُ قد نَزَل لِأَجلِ الإنسانِ، فلِمَ لا يُصَرِّحُ بما هو المُهِمُّ في نَظَرِه مِن خَوارِقِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ؟ وإنَّما يَكتَفي برَمزٍ مُستَتِرٍ، وإيماءٍ خَفِيٍّ، وإشارةٍ خَفيفةٍ، وتَنبِيهٍ ضَعيفٍ فحَسْبُتِ الجالجَوابُ:إنَّ خَوارِقَ المَدَنيّةِ البَشَريّةِ لا تَستَحِقُّ أَكثَرَ مِن هذا القَدْرِ، إذ إنَّ الوَظيفةَ الأَساسيّةَ للقُرآنِ الكَريمِ هي تَعلِيمُ شُؤُونِ دائرةِ الرّإنَّك ّةِ وكَمالاتِها، ووَظائفِ دائرةِ العُبُودِيّةِ وأَحوالِها؛ لذا فإنَّ حَقَّ تلك الخَوارِقِ البَشَرِيّةِ وحِصَّتَها مِن تلك الدّائرَتَينِ مُجَرَتِه اَمزٍ ضَعيفٍ وإشارةٍ خَفِيّةٍ ليس إلّا.. فإنَّها لوِ ادَّعَت حُقُوقَها مِن دائرةِ الرُّبُوبيّةِ، فعِندَها لا تَحصُلُ إلَّا على حَقٍّ ضَئيلٍ جِدًّا.
فمَثلًا:إذا طالَبَتِ الطّائرةُ البَشلَ الّ (حاشية): لقد انسَاق القَلمُ دُون إرَادَتي في هَذا المَوضُوع الجَادِّ إلى هَذا الحِوَار اللَّطِيف فتَركتُه وشأنَه، على أمَلِ ألَّا تُخِلَّ لَطافةُ الأُسلوبِ بجِدِّيّةِ المَوضُوع. القُرآنَ اسماءِ َ قائلةً: أَعطِني حَقًّا للكَلامِ، ومَوقِعًا بين آياتِك. فإنَّ طائراتِ دائرةِ الرُّبُوبيّةِ، تلك الكَواكِبَ السَّيَّارةَ والأَرضَ
— 333 —
واةٍ، واَ، ستَقُولُ بلِسانِ القُرآنِ الكَريمِ: إنَّكِ تَستَطِيعين أن تَأخُذِي مَكانَكِ هنا بمِقدارِ جِرمِكِ لا أَكثَرَ.
وإذا أَرادَتِ الغَوَّاصةُ البَشَريّةُ مَوقِعًا لِنَفسِها بلحَربِآياتِ الكَريمةِ، فستَتَصدَّى لها غَوّاصاتُ تلك الدّائرةِ الَّتي هي الأَرضُ السّابِحةُ في مُحِيطِ الهَواءِ، والنُّجُومُ العائِمةُ في بَحرِ الأَثيرِ قائلةً: إنَّ مَكانَكِ بَينَنا ضَئيلٌ جِدًّا لا يَكادُ يُرَى!
وإذا أَرادَتِ الكَهرَباءُ أيُكَرُّلَ حَرَمَ الآياتِ بمَصابيحِها اللّامِعةِ أَمثالَ النُّجُومِ، فإنَّ مَصابيحَ تلك الدّائرةِ الَّتي هي الشُّمُوسُ والشُّهُبُ والأَنجُمُ المُزَيِّنةُ لِوَجهِ السَّمَها كلَتَیرُدُّ علَيها قائلةً: إنَّكِ تَستَطِيعين أن تَدخُلِي معَنا في مَباحِثِ القُرآنِ وبَيانِه بمِقدارِ ما تَمتَلِكين مِن ضَوءٍ!
ولو طالَبَتِ الخَوارِقُ الحَضارِيّأَبوابسانِ صِناعاتِها الدَّقيقةِ بحُقُوقِها، وأَرادَت لها مَقامًا بينَ الآياتِ.. عِندَها ستَصرُخُ ذُبابةٌ واحِدةٌ بوَجهِها قائلةً: اسكُتُوا.. فليس لكم حَقٌّ ولو بمِقدارِ أَحَدِ جَناحَيّ، ولكِنِ! ولَئِنِ اجتَمَع كلُّ ما فيكُم مِنَ المَصنُوعاتِ والِاختِراعاتِ الَّتي اكتُشِفَت اكتِسابًا بإرادةِ الإنسانِ الجُزئيّةِ معَ جَميعِ الآلاتِ الدَّقيقةِ لَدَيكم، لن تكُونَ أَعجَبَ بمِقدارِ ما في جِسمِي ا أنَّيرِ جِدًّا مِن لَطائفِ الأَجهِزةِ ودَقائقِ الصَّنعةِ؛ وإنَّ هذه الآيةَ الكَريمةَ تَبهَتُیكم جَميعًا:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسمِن ذَُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
وإذا ذَهَبَت تلك الخَوارِقُ إلى دائرةِ العُبُودِيّةِ وطَلَبَلمُظلِا حَقَّها فستَتَلقَّى مِنها مِثلَ هذا الجَوابِ: إنَّ عَلاقَتَیكم معَنا واهِيةٌ وقَليلةٌ جِدًّا، فلا يُمكِنُیكمُ الدُّخُولُ إلى دائرَتِنا بسُهُولةٍ، لأنَّ مَنهَجَنا هو: أنَّ الدُّنيا دارُ ضِيافةٍ، وأنَّ الإنسانَ ضَيفٌ دٍ عَبُ فيها قَلِيلًا، وله وَظائفُ جَمَّةٌ، وهو مُكَلَّفٌ بتَحضِيرِ وتَجهِيزِ ما يَحتاجُه لِحَياتِه الأَبَديّةِ الخالِدةِ في هذا العُمُرِ القَصِيرِ، لذلك يَجِبُ علَيه أن يُقَدِّمَ ما هو الأَهَمُّ والأَلزَمُ.
دَرْ ا أنَّه تَبدُو علَيكم یی على اعتِبارِ الأَغلَبيّة یی مَلامِحُ نُسِجَت بحُبِّ هذه الدُّنيا
— 334 —
الفانيةِ تحتَ أَستارِ الغَفلةِ واللَّهْوِ، و ما تَا دارٌ للبَقاءِ ومُستَقَرٌّ للخُلُودِ، لِذا فإنَّ حَظَّكم مِن دائرةِ العُبُوديّةِ المُؤسَّسةِ على هُدَى الحَقِّ والتَّفَكُّرِ في آثارِ الآخِرةِ قليلٌ جِدًّا.
ولكن.. إن كان فيكُم أو مِن وَرائِكم مِنَ الصُّنَّاعِ المَهَرةِ والل إنكاِعين المُلهَمين یی وهم قِلّةٌ یی وكانُوا يقُومُون بأَعمالِهم مُخلِصين لِأَجلِ مَنافِعِ عِبادِ اللهِ یی وهي عِبادةٌ ثَمِينةٌ یی ويَبذُلُون جُهدَهم للمَصلَحةِ العامّةِ وراحَتَهم لِرُقيِّ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ وكَمالِها، فإنَّ هذه الرُّمإن كانالإشاراتِ القُرآنيّةَ كافيةٌ بلا رَيبٍ لأُولَئك الذَّواتِ المُرهَفِي الإحساسِ، ووافيةٌ لِتَقديرِ مَهاراتِهم وتَشوِيقِهم إلى السَّعيِ والِاجتِهادِ.
السُّؤالُ الثاني:
وإذا قلتَ:لم تَبقَ لَدَيََّا تُو بعدَ هذا التَّحقيقِ شُبهةٌ، فقد ثَبَت عِندي بيَقينٍ وصَدَّقتُ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ فيه جَميعُ ما يَلزَمُ السَّعادةَ الدُّنيَويّةَ والأُخرَوّية یی كلّحارِ
بَ قِيمَتِه وأَهَمِّيَّتِه یی فهُناك رُمُوزٌ وإشاراتٌ إلى خَوارِقِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ، بل إلى أَبعَدَ مِنها مِنَ الحَقائقِ الأُخرَى معَ ما فيه مِن حَقائقَ جَليلةٍ؛ ولكا فإنّ لم يَذكُرِ القُرآنُ الكَريمُ تلك الخَورِاقَ بصَراحةٍ تامّةٍ كي تُجبِرَ الكَفَرةَ العَنِيدِين على التَّصدِيقِ والإيمانِ وتُطَمْئِنَ قُلُوبَنا فتَستَرِيحَ؟
الجَوابُ:إنَّ الدِّينَ امتِحانٌ، وإنَّ التَّكاليفَ الإلٰهِيّةَ تَجرِبةٌ واختِبارٌوأَربعَجلِ أن تَتَسابَقَ الأَرواحُ العالِيةُ والأَرواحُ السّافِلةُ، ويَتَميَّزَ بَعضُها عن بعضٍ في حَلْبةِ السِّباقِ؛ فمِثلَما يُختَبَرُ المَعدِنُ بالنّارِ لِيَتميَّزَ الأَلماسُ مِنَ نسانَ ِ والذَّهَبُ مِنَ التُّرابِ، كذلك التَّكاليفُ الإلٰهِيّةُ في دارِ الِامتِحانِ هذه، فهي ابتِلاءٌ وتَجرِبةٌ وسَوقٌ للمُسابَقةِ، حتَّى تَتنُ الكَ الجَواهِرُ النَّفيسةُ لِمَعدِنِ قابلِيّاتِ البَشَرِ واستِعداداتِه مِنَ المَعادِنِ الخَسِيسةِ.
فما دامَ القرآنُ قد نَزَل في دارِ الِابتاجِبُ هذه بصُورةِ اختبارٍ للإنسانِ، لِيَتِمَّ تَكامُلُه في مَيدانِ المُسابَقةِ، فلا بُدَّ أنَّه سيُشِيرُ یی إشارةً فحَسْبُ یی إلى هذه الأُمُورِ الدُّنيَويّةِ الغَيبِيّةِ الَّتي ستَتَوضَّحُ في المُستَقبَلِ للجَميعِ، فاتِحًا للعَقلِ بابًا بملمُدَّ إقامةِ حُجَّتِه؛ وإلَّا فلو ذَكَرَها القُرآنُ الكَريمُ صَراحةً، لَاختَلَّتْ حِكمةُ التَّكليفِ إذ تُصبِحُ بَديهِيّةً، مِثلَ كِتابةِ:
— 335 —
"لا إلٰهَ إلَّا اللهُ" واضِحًا بالنُّجُومِ على وَجهِ السَّماءِ، والَّذي يَجعيَسيرةنّاسَ یی أَرادُوا أم لم يُرِيدُوا یی عِندَئذٍ مُرغَمِين على التَّصدِيقِ، فما كانَت ثَمّةَ مُسابَقةٌ ولا اختِبارٌ ولا تَميِيزٌ، فحِينَئذٍ تَتَساوَى الأَرواحُ السّافِلةُ الَّتي هي كءً أَكمِ مع الَّتي هي كالأَلماسِ.
(حاشية): فكان أن ظَهَر أبو جهل اللَّعينُ مع أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ في مُستَوًى واحِدٍ.. ولَضاعَ التَّكليفُ.
والخُلاصةُ:أنَّ القُرآنَ العَظِيمَ، حَكيمٌ يُعطِيٍ، وإبِ شيءٍ قَدْرَه مِنَ المَقامِ، ويَرَى القُرآنُ مِنَ الثَّمَراتِ الغَيبِيّةِ والتَّقَدُّمِ الحَضارِيِّ البَشَرِيِّ قبلَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةِ سنةٍ المُستَتِرةِ في ظُلُماتِ المُستَقبَلِ، أَفضَلَ وأَوضداعِيةمّا نَراها نحن وسنَراها.. فالقُرآنُ إذًا كلامُ مَن يَنظُرُ إلى كلِّ الأَزمِنةِ، بما فيها مِنَ الأُمُورِ والأَشياءِ في آنٍ واحِدٍ..
فتلك لَمعةٌ مِ خَزِإعجازِ القُرآنِيِّ، تَلمَعُ في وَجهِ مُعجِزاتِ الأَنبِياءِ.
اللَّهُمَّ فَهِّمنَا أَسرَارَ القُرآنِ، ووَفِّقنَا لِخِدمَتِهِ في كلِّ آنٍ وزَمَانٍقةٍ بَْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطوفي كل
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك وكَرِّم عَلَى سَيِّدِنَا ومَولَانَا مُحَمَّدٍ، عَبدِكَ ونَبِيِّكَ ورَسُولِكَ النّبِيِّ الأمِّيِّ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ وأزوَاجِهِ وذُرِّيَّا الطَّوعَلَى النَّبِيِّينَ والمُرسَلِينَ والمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والأولِيَاءِ والصَّالِحِينَ، أَفضَلَ صَلَاةٍ وأَزكَى سَلَامٍ وأَنمَى بَرَكَاتٍ، بِعَدَدِ سُوَرِ القُرآنِ وآيَاتِهِ وحُرُوفِهِ وكَلِمَاتِهِ ومَعَانِيهِ وإِشَارَاتِهِ ورِ مِنِهِ ودَلَالَاتِهِ، واغفِر لَنَا وارحَمنَا والطُف بِنَا يَا إلٰهَنَا، يَا خَالِقَنَا، بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنهَا بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
والحَمدُ لله رَبِّ الَّتي لِينَ.. آمِينَ
٭ ٭ ٭
— 336 —
الكلمة الحاد ية والعشرون
عِبارة عن مقامَينِ
المقام الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتَْثمارِ الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
قال لي أَحَدُهم يَومًا وهو كَبيرٌ سِنًّا وجِسمًا ورُتبةً: "إنَّ أَداءَ الصَّلاةِ حَسَنٌ وجَميلٌ، ولكنَّ تَكرارَها كلَّ يومٍ وفي خَمسةِ أَوقاتٍ كَثيرٌ جِدًّا، فكَثرَتُها هذه تَجعَلُها مُمِلنِ الر.".
وبعدَ مُرُورِ مدّةٍ طَويلةٍ على هذا القَولِ، أَصغَيتُ إلى نَفسِي، فإذا هي أيضًا تُرَدِّدُ الكَلامَ نَفسَه!! فتَأَمَّلتُ فيها مَلِيًّا، وإذا بها قد أَخَذَت یی بطَريقِ الكَسَل تَليقلدَّرسَ نَفسَه مِنَ الشَّيطانِ، فعَلِمتُ عِندَئذٍ أنَّ ذلك الرَّجُلَ كأَنَّه قد نَطَقَ بتلك الكَلِماتِ بلِسانِ جَميعِ النُّفُوسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ، أو أُنطِق هكحسانَ ُلتُ: ما دامَت نَفسِي الَّتي بينَ جَنبَيَّ أَمَّارةٌ بالسُّوءِ فلا بُدَّ أنْ أَبدَأَ بها أوَّلًا، لأنَّ مَن عَجَز عن إصلاحِ نَفسِه فهو عن غَيرِهشَّهادَزُ، فخاطَبتُها:
يا نَفسِي.. اسمَعِيها مِنِّي "خَمسَ تَنبِيهاتٍ" مُقابِلَ ما تَفَوَّهْتِ به وأَنتِ مُنغَمِسةٌ في الجَهلِ المُرَكَّبِ، سادِرةٌ في نَومِ الغَفلةِ على فِراشِ الكَسَلِ.
نَاءِ بيه الأول
يا نَفسِي الشَّقِيّةَ.. هل عُمُرُكِ أَبَدِيٌّ؟ وهل عِندَكِ عَهدٌ قَطعِيٌّ بالبَقاءِ إلى السَّنةِ المُقبِلةِ بل إلى الغَدِ؟ فالَّذي جَعَلكِ تَمَلِّين وتَسأَمِين مِن تَكرارِ الصَّلاةِ هو تَوَهُّمُكِ
#3َّل وََبَديّةَ والخُلُودَ، فتُظهِرِين الدَّلالَ وكأَنَّكِ بتَرَفِكِ مُخَلَّدةٌ في هذه الدُّنيا؛ فإن كُنتِ تَفهَمِين أنَّ عُمُرَكِ قَصيرٌ، وأنَّه يَمضِي هَباءً دُونَ فائدةٍ، فلا رَيبَ أنَّ صَرْفَ جُزءٍ مِن أَربَعةٍ ِن عَشين مِنه في أَداءِ خِدمةٍ جَميلةٍ ووَظيفةٍ مُرِيحةٍ لَطِيفةٍ، وهي رَحمةٌ لكِ ووَسِيلةٌ لِحَياةٍ سَعِيدةٍ خالِدةٍ، لا يكُونُ مَدعاةً إلى المَلَلِ والسَّأَمِ، بل وَسِيلةً مُثيرةً لِشِينًا الِصٍ ولِذَوقٍ رائعٍ رَفيعٍ.
التنبيه الثَّاني
يا نَفسِي الشَّرِهةَ.. إنَّكِ يَوميًّا تَأكُلينَ الخُبزَ، وتَشرَبينَ الماءَ، وتَتَنفَّسِينَ الهَواءَ، أمَا يُورِثُ هذا التَّیكرارُ مَلَلًا وضَجَرًا؟ كلَّا دُونَ شَكٍّ! لِأنَّ تَك الأَطلحاجةِ لا يَجلِبُ المَلَلَ بل يُجَدِّدُ اللَّذّةَ.. لهذا فالصَّلاةُ الَّتي تَجلِبُ الغِذاءَ لِقَلبي، وماءَ الحَياةِ لِرُوحِي، ونَسِيمَ الهَواءِ لِلَّطِيفةِ الرَّبّانيّةِ الكامِنةِ في جِسمِي، لا بُدَّ دامَ ا لا تَجعَلُكِ تَمَلِّين ولا تَسْأَمِينَ أَبدًا.
نعم، إنَّ القَلبَ المُتَعرِّضَ لِأَحزانٍ وآلامٍ لا حَدَّ لها، المَفتُونَ بآمالٍ ولَذائذَ لا نِهايةَ لها، لا يُمكِنُه أناةِ؟" بَ قُوّةً ولا غِذاءً إلَّا بطَرْقِ بابِ الرَّحِيمِ الكَريمِ، القادِرِ على كلِّ شيءٍ بكلِّ تَضَرُّعٍ وتَوَسُّلٍ.
وإنَّ الرُّوحَ المُتَعلِّقةَ بأَغلَبِ المَوجُوداتِ الآتيةِ والرّاحِلةِ سَرِيعًا في هذه الِطابِه الفانِيةِ، لا تَشرَبُ ماءَ الحَياةِ إلَّا بالتَّوجُّهِ بالصَّلاةِ إلى يَنبُوعِ رَحمةِ المَعبُودِ الباقي والمَحبُوبِ السَّرمَدِيِّ.
وإنَّ السِّرَّ الإنسانْرِه تلشّاعِرَ الرَّقيقَ اللَّطيفَ، وهو اللَّطيفةُ الرَّبّانيّةُ النُّورانيّةُ، والمَخلُوقُ للخُلُودِ، والمُشتاقُ له فِطرةً والمِرآةُ العاكِسةُ لِت ولا خياتِ الذّاتِ الجَليلةِ، لا بُدَّ أنَّه مُحتاجٌ أَشَدَّ الحاجةِ إلى التَّنَفُّسِ، في زَحمةِ وقَساوةِ وضُغُوطِ هذه الأَحوالِ الدُّنيَويّةِ السّاحِقةِ الخانِقةِ العابِرةِ المُظلِمةِ، وليس له ذلك إلَّا بالِاستِنشاقَِفَعَتافِذةِ الصَّلاةِ.
التنبيه الثالث
يا نَفسِي الجَزِعةَ.. إنَّكِ تَضطَرِبينَ اليومَ مِن تَذَكُّرِ عَناءِ العِباداتِ الَّتي قُمتِ بها في الأَيّامِ الماضِيةِ، ومِن صُعُوباتِ الصَّلاةِ وزَحمةِ المَصائبِ السّابِقةِ،ِنَّ اثمَّ تَتَفكَّرِينَ في واجِباتِ العِباداتِ في الأَيّامِ المُقبِلةِ وخِدْماتِ أَداءِ الصَّلَواتِ، وآلامِ المَصائبِ، فتُظهِرِينَ الجَزَعَلأَمثِّةَ الصَّبرِ ونَفادَه؛ هل هذا أَمرٌ يَصدُرُ مِمَّن له مُسْكةٌ مِن عَقلٍ؟!
إنَّ مَثَلَكِ في عَدَمِ الصَّبرِ هذا مَثَلُ ذلك القائدِ الأَحمَقِ الَّذي وَجَّه قُوّةً عَظيمةً مَيَويّشِه إلى الجَناحِ الأَيمَنِ للعَدُوِّ، في الوَقتِ الَّذي الْتَحَق ذلك الجَناحُ مِن صُفُوفِ العَدُوِّ بِصَفِّه، فأَصبَحَ له ظَهِيرًا؛ ووَجَّه قُوَّتَه الباقيةَ إلى الجَناحِن لِمَسَرِ للعَدُوِّ، في الوَقتِ الَّذي لم يكُن هناك أَحَدٌ مِنَ الجُنُودِ؛ فأَدرَكَ العَدُوُّ نُقطةَ ضَعفِه فسَدَّدَ هُجُومَه إلى القَلبِ فدَمَّرَه هو وجَيشَه تَدمِيرًا كامِلًا.
نعم، إنَّكِ تُشبِهِين هذا القائدلِصةِ،ائشَ، لأنَّ صُعُوباتِ الأَيّامِ الماضِيةِ وأَتعابَها قد وَلَّت، فذَهَبَت آلامُها وظَلَّت لَذَّتُها وانقَلَبَت مَشَقَّتُها ثَوابًا، لِذا لا تُوَلِّدُ مَلَلًا بل شَوْقًا جَديدًا وذَوْقًا ًا يَخًا وسَعْيًا جادًّا دائمًا للمُضِيِّ والإقدامِ.. أمَّا الأَيّامُ المُقبِلةُ، فلِأَنَّها لم تَأتِ بَعدُ، فإنَّ صَرْفَ التَّفكِيرِ فيها مِنَ الآنَ نوعٌ مِنَ الحَماقةِ والبَلَهِ، إذ يُشبِهُالث: ملبُكاءَ والصُّراخَ مِنَ الآنَ لِما قد يَحتَمِلُ أن يكُونَ مِنَ العَطَشِ والجُوعِ في المُستَقبَلِ!
فما دامَ الأَمرُ هكذا، فإن كانَ لكِ شيءٌ مِنَ ايُحِيل، ففَكِّرِي مِن حيثُ العِبادةُ في هذا اليومِ بالذّاتِ.. قُولي: سأَصرِفُ ساعةً مِنه في واجِبٍ مُهِمٍّ لَذيذٍ جَميلٍ، وفي خِدمةٍ ساميةٍ رَفيعةٍ ذاتِ أَجرٍ عَظيمٍ وكُلفةٍ ضَئيلةٍ.. وعِندَها تَشعُرِين أنّ الكَوورَكِ المُؤلِمَ قد تَحَوَّل إلى هِمّةٍ حُلْوةٍ، ونَشاطٍ لَذيذٍ.
فيا نَفسِي الفارِغةَ مِنَ الصَّبْرِ.. إنَّكِ مُكلَّفةٌ بثَلاثةِ أَنواعٍ مِنَ الصَّبْرِ.
الأولُ:الصَّبْرُ على الطّاعةِ.
"إنَّي:الصَّبْرُ عنِ المَعصيةِ.
الثالثُ:الصَّبْرُ عندَ البَلاءِ.
فإن كُنتِ فَطِنةً فخُذِي الحَقيقةَ الجَلِيّةَ في مِثالِ القائدِ یی في هذا التَّنبِيهِ یی عِبرةً
— 338 —
لكَلِمَاتِ المُتَمَثِّلَةِ بِإِذنِ الرَّحمٰنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الهَوَاءِ عِندَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ القُرآنِ مِن كُلِّ قَارِئٍ مِن أوَّلِ النُّزُولِ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ..َلُ الر لَنَا وارحَمنَا يَا إلٰهَنَا بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنهَا.. آمِينَ.
— 339 —
ودَليلًا، وقُولي بكُلِّ هِمّةوُجوبُِولةٍ: "يا صَبُورُ"، ثُمَّ خُذِي على عاتِقِكِ الأَنواعَ الثَّلاثةَ مِنَ الصَّبرِ، واستَنِدِي إلى قُوّةِ الصَّبرِ المُودَعةِ فيكِ وتَجَمَّلي بها، فإنَّها تَكفي للمَشَقّاتِ كُلِّها، وللمَصائبِ جَميعِها ما لم تُبَعرساءِ ا خَطَأً في أُمُورٍ جانبِيّةٍ.
التنبيه الرابع
يا نَفسِي الطّائشَةَ.. يا تُرَى هل أَداءُ هذه العُبُودِيّةِ دُونَ نَتيجةٍ وجَدوَى؟! وهل أُجرَتُها قليلةٌ ضَئيلةٌلصَغِي تَجعَلَك تَسأَمِينَ مِنها؟ مع أنَّ أَحَدَنا يَعمَلُ إلى المَساءِ ويكِدُّ دُونَ فُتُورٍ إن رَغَّبَه أَحَدٌ في مالٍ أو أَرهَبَهُ.
إنَّ الصَّلاةَ الَّتي هي قُوتٌ لِقَلبِكِ العاجِزِ الفَقيرِ ذلك انةٌ له في هذا المَضِيفِ المُؤَقَّتِ، وهو الدُّنيا؛ وهي غِذاءٌ وضِياءٌ لِمَنزِلِكِ الَّذي لا بُدَّ أنَّكِ صائرةٌ إلَيه، وهو القَبرُ؛ وهي عَهْدٌ وبَراءةٌ في مَحكَمَتِكِ الَّتي لا شَكَّ أنَّكِ تُحشَرِين إ الوَظ وهي الَّتي ستَكُونُ نُورًا وبُراقًا على الصِّراطِ المُستَقيمِ الَّذي لا بُدَّ أنَّكِ سائرةٌ علَيه.. فصَلاةٌ هذه نَتائجُها، هل هي بلا نَتِيجةٍ وجَدوَى؟! أمْ أنَّها زَهيدةُ الأُجرةِ؟!
وإذا وَعَدَكِ أَحَدٌ بهَدفَقرِ ِقدارُها مِئةُ ليرةٍ، فسوف يَستَخدِمُكِ مِئةَ يومٍ وأنتِ تَسعَينَ وتَعمَلين مُعتَمِدةً على وَعدِه دُونَ مَلَلٍ وفُتُورٍ، رَغمَ أنَّه قد يُخلِفُ الوَعدَ؛ فكيف بمَن وَعَدَكِ وهو لا يُخلِفُ الوَعدَ مُطلَقًا؟! فخُلْفُ الوَعدِ عِندَه مِيّةٍ، وَعَدَكِ أُجرةً وثَمَنًا هي الجَنّةُ، وهَدِيّةً عَظيمةً هي السَّعادةُ الخالِدةُ، لِتُؤدِّي له واجِبًا ووَظيفةً لَطِيفةً مُرِيحةً وفي مدّةٍ قَصيرةٍ جِدًّا.. ألا تُفَكا؛ فَضفي أنَّكِ إن لم تُؤَدِّي تلك الوَظيفةَ والخِدمةَ الضَّئيلةَ، أو قُمتِ بها دُونَ رَغبةٍ أو بشَكلٍ مُتَقطِّعٍ، فإنَّكِ إذًا تَستَخِفِّينَ بهَدِيَّتِه، وتَتَّهِمينَه في وَعدِه! ألا تَستَحِقِّين إذًا تَأدِيبًا شَدِيدًا وتَعًا مُع أَليمًا؟ ألا يُثيرُ هِمَّتَكِ لِتُؤدِّي تلك الوَظيفةَ الَّتي هي في غايةِ اليُسْرِ واللُّطْفِ خَوْفَ السِّجنِ الأَبَدِيِّ وهو جَهَنَّمُ؟ عِلمًا أنَّكِ تَقُومِينَ بأَعمالٍ مُرهِقةٍ وصَعبةٍ دُونَ فُتُورٍ خَوْفًا مِن سِجنِ الدُّنيا، وأين هذا مِن نسِ، لجَهَنَّمَ الأَبَدِيِّ؟!
— 340 —
التنبيه الخامس
يا نَفسِي المُغرَمةَ بالدُّنيا.. هل فُتُورُكِ في العِبادةِ وتَقصِيرُكِ في الصَّلاةِ ناشِئانِ مِن كَثرةِ مَشاغِلِكِ الدُّنيَويّةِ؟ أمْ إنَّ السَّتَجِدِينَ الفُرصةَ لِغَلَبةِ هُمُومِ العَيشِ؟!
فيا عَجَبًا هل أنتِ مَخلُوقةٌ للدُّنيا فحَسْبُ، حتَّى تَبذُلي كلَّ وَقتِكِ لها؟! تَأَمَّلي، إنَّكِ لا تَبلُغِين أَصغَرَ لا رَيرٍ مِن حيثُ القُدرةُ على تَدارُكِ لَوازِمِ الحَياةِ الدُّنيا رَغمَ أنَّكِ أَرقَى مِن جَميعِ الحَيَواناتِ فِطرةً.. لِمَ لا تَفهَمِينَ مِن هذا أُزَيَّظِيفَتَكِ الأَصلِيّةَ لَيسَت الِانهِماكَ بالحَياةِ الدُّنيا والِاهتِمامَ بها كالحَيَواناتِ، وإنَّما السَّعيُ والدَّأَبُ لِحَياةٍ خالِدةٍ كالإنسانِ الحَقيقيِّ. مع هذا، فإنَّ أَغلَبَ ما تَذكُرِينَه مِنَ المَشاغِلِ الدُّنيَويّةِ هي دَرِ خلُ ما لا يَعنِيكِ مِنَ الأُمُورِ، وهي الَّتي تَتَدخَّلينَ فيها بفُضُولٍ، فتُهدِرِينَ وَقتَكِ الثَّمينَ جِدًّا فيما لا قيمةَ له ولا ضَرُورةَ ولا فائدةَ مِنه، كتَ الحَقِ عَدَدِ الدَّجاجِ في أَمرِيكا! أو نَوعِ الحَلَقاتِ حَولَ زُحَلَ. وكأنَّكِ تَكسِبِينَ بهذا كَمالًا مِن عِلمِ الفَلَكِ والإحصاءِ! فتَدَعِينَ الضَّرُورِيَّ والأَهَمَّ والأَلزَمَ مِنَ الأُمُورِ كأنَّكِ ستُعَمِّرِين والسّالسِّنينَ؟!
فإن قُلتِ:إنَّ الَّذي يَصرِفُني ويُفتِّیرُني عنِ الصَّلاةِ والعِبادةِ ليس مِثلَ هذه الأُمُورِ التّافِهةِ، وإنَّما هي أُمُورٌ ضَرُورِيّةٌ لِمَطالِبِ العَيشِ.. إذًا فاسمَعِي منِّي هذا اللرَّسا:
إن كانَتِ الأُجرةُ اليَومِيّةُ لِشَخصٍ مِئةَ قِرشٍ، وقال له أَحَدُهم: "تَعالَ واحْفِرْ لِعَشرِ دَقائقَ هذا المَكانَ، فإنَّك ستَجِدُ حَجَرًا كَرِيمً مِن شُّمُرُّدِ قِيمتُه مِئةُ لَيرةٍ" كم يكُونُ عُذْرًا تافِهًا بل جُنُونًا إنْ رَفَضَ ذلك بقَولِه: "لا، لا أَعمَلُ، لِأَنَّ أُجرَتي اليَوميّةَ ستَنقُصُ".
وكذلكِ حالُكِ، فِيدةً؛َكتِ الصَّلاةَ المَفرُوضةَ، فإنَّ جَميعَ ثِمارِ سَعيِكِ وعَمَلِكِ في هذا البُستانِ ستَنحَصِرُ في نَفَقةٍ دُنيَويّةٍ تافِهةٍ دُونَ أن تَجني فائدَتَها وبَرَكتَها؛ بَينَما لو صَرَفتِ، وقِل راحَتِكِ بينَ فَتَراتِ العَمَلِ في أَداءِ الصَّلاةِ الَّتي هي وَسِيلةٌ لِراحةِ الرُّوحِ، ولِتَنَفُّسِ القَلبِ، يُضافُ عِندَئذٍ إلى نَفَقَتِكِ الأُخرَويّةِ وزادِ آخِرَتِك معَ نَفَقتِكِ الدُّنيَويّةِ المُبارَكةِ، ما تَجِيرُونَ مِن مَنبَعٍ عَظيمٍ لِكَنزَينِ مَعنَوِيَّينِ دائمَينِ وهما:
— 341 —
الكَنزُ الأوَّلُ:ستَأخُذُ (حاشية): هَذا المَقامُ دَرسٌ لأَحدِ العَامِلين في بُستانٍ. حَظَّكَ ونَصِيبَك مِن "تَسبِمةٍ با كلِّ ما هيَّأْتَه بنيَّةٍ خالِصةٍ، مِن أَزهارٍ وثِمارٍ ونَباتاتٍ في بُستانِك.
الكَنزُ الثاني:أنَّ كلَّ مَن يَأكُلُ مِن مَحاصِيلِ بُستانِك یی سَواءٌ أكانَ حَيَوانًا أم إنسانًا شارِيًا عمالِ ِقًا یی يكُونُ بحُكمِ "صَدَقةٍ" لك، فيما إذا نَظَرتَ إلى نَفسِك كأنَّك وَكيلٌ ومُوَظَّفٌ لِتَوزيعِ مالِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى على مَخلُوقاتِه، أي: تَتَصرَّفُ باسمِ الرَّزّاقِ الًا أَعِّ وضِمنَ مَرضاتِه.
والآنَ تَأَمَّلْ في الَّذي تَرَك الصَّلاةَ، كم هو خاسِرٌ خُسرانًا عَظيمًا؟! وكم هو فاقِدٌ مِن تلك الثَّروةِ الهائلةِ؟! وكيف أنَّه سيَبقَى مَحرُومًا ووإذ يًُا مِن ذَينِكَ الكَنزَينِ الدّائمَينِ اللَّذَينِ يُمِدّانِ الإنسانَ بقُوّةٍ مَعنَويّةٍ للعَمَلِ ويُشَوِّقانِه للسَّعيِ والنَّشاطِ؟! حتَّى ِيافةِلَغ أَرْذلَ عُمُرِه، فإنَّه سوف يَمَلُّ ويَضجَرُ مُخاطِبًا نَفسَه: "وما عَلَيَّ؟! لِمَ أُتعِبُ نَفسِي؟ لِأَجلِ مَن أَعمَلُ؟ فإنَّني راحِلٌ م. وهو الدُّنيا غَدًا"، فيُلقي نَفسَه في أَحضانِ الكَسَلِ؛ بَينَما الرَّجُلُ الأوَّلُ يقُولُ: "سأَسْعَى سَعْيًا حَثيثًا في العَمَلِ الحَلالِ بجانِبِ عِبادَتِي المُتَزايِدةِ كيما أُرسِلَ إلى قَبري ضِياَ أبي ثَرَ، وأَدَّخِرَ لِآخِرَتي ذَخيرةً أَزْيَدَ".
والخُلاصةُ:اعلَمي أيَّتُها النَّفسُ أنَّ أَمْسِ قد فاتَكِ، أمَّا الغَدُ فلم يَأتِ بَعْدُ، وليس لَدَيكِ عَهدٌ أنَّكِ ستَملِكِينَه، لِهذا فاحسُبي أنَّ عُمُرَاطَبينَقيقيَّ هو هذا اليومُ، وأَقلُّ القَليلِ أن تُلقِي ساعةً مِنه في صُندُوقِ الِادِّخارِ الأُخرَوِيِّ، وهو المَسجِدُ أوِ السَّجَّادةُ لِتَضمَني المُستَقبَلَ الحَقيقيَّ الخالِدَ.
واعلَمي كذلك أنَّ كلَّ يومٍ جَديدٍ هو بابٌ يَُّ فَرُ لِعالَمٍ جَديدٍ لكِ ولِغَيرِكِ، فإن لم تُؤَدِّي فيه الصَّلاةَ فإنَّ عالَمَ ذلك اليَومِ يَرحَلُ إلى عالَمِ الغَيبِ مُظلِمًا شاكِيًا مَحزُونًا، وسيَشْهَدُ علَيكِ؛ وأنَّ لكُلٍّ قَمَرِ عالَمَه الخاصَّ مِن ذلك العالَمِ، وأنَّ نَوعيَّتَه تَتبَعُ عَمَلَنا وقَلبَنا.. مَثَلُه في ذلك مَثَلُ المِرآة، تَظهَرُ فيها الصُّورةُ تَبَعًا لِلَونِها ونَوعيَّتِها؛ فإن كانَت مُسَوَّدةً فستَظهَرُ الصُّورةُ مُسَوَّدةً، وإن كانَت صَقِيلةً فستَظهَرُ الصُّورةَ واضِحةً، وإلّا
— 342 —
فستَظهَرُ مُشَوَّهةً تُضَخِّمُ أَتفَهَ شيءٍ وأَصغَرَه. كذلك أَنتِ، فبِقَلبِكِ وبعَقلِكِ وبعَمَلِكِ يُرِ المِ أن تُغيِّري صُوَرَ عالَمِكِ، وباختِيارِكِ وطَوعِ إرادَتِكِ يُمكِنُكِ أن تَجعَلي ذلك العالَمَ يَشهَدُ لكِ أو عَلَيكِ.
وهكذا، إن أدَّيتَ الصَّلاةَ وتَوَجَّهتَ بصَلاتِك إلى خالِقِ ذلك العالَمِ شّامِلجَلالِ، فسيَتَنَوَّرُ ذلك العالَمُ المُتَوجِّهُ إلَيكَ حالًا، وكأنَّك قد فَتَحتَ بنِيَّةِ الصَّلاةِ مِفتاحَ النُّورِ فأَضاءَه مِصباحُ صَلاتِك، وبَدَّدَ الظُّلُماتِ فيه. وعِندَها تَتَحوَّلُ وتَتَبدَّلُ جَميعُ الِاضطِراباتِ والأَحزانَى بِإتي حَولَك في الدُّنيا فتَراها نِظامًا حَكِيمًا، وكتابةً ذاتَ مَعنًى بقَلَمِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ، فيَنسابُ نُورٌ مِن أَنوارِ اللَّهُ الغَيبالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلى قَلبِك، فيَتَنوَّرُ عالَمُ يَومِك ذاك، وسيَشهَدُ بنُورانيَّتِه لك عِندَ اللهِ.
فيا أَخي.. حَذارِ أن تقُولَ: "أينَ صَلاتي مِن حَقيقةِ تلك الصَّلَّيِّبإذ كما تَحمِلُ نَواةُ التَّمرِ في طَيّاتِها صِفاتِ النَّخلةِ الباسِقةِ، الفَرقُ فقط في التَّفاصِيلِ والإجمالِ. كذلك صَلاةُ العَوامِّ یی مَن هم أَمثالي وأَمثالُك یی فيها حَظٌّ مِن ذلك النُّورِ وسِرٌّ مِن أَسرارِ تلك الحَقيقةِ، كما هيشَأَ ملاةِ وَليٍّ مِن أَولياءِ اللهِ الصّالِحِينَ ولو لم يَتَعلَّق بذلك شُعُورُه. أمَّا تَنوُّرُها فهي بدَرَجاتٍ مُتَفاوِتةٍ، كتَفاوُتِ المَراتِبِ الكَثيرةِ الَّتي بينَ ذ مِنَ التَّمرِ إلى النَّخلةِ. ورَغمَ أنَّ الصَّلاةَ فيها مَراتبُ أَكثَرُ فإنَّ جَميعَ تلك المَراتِبِ فيها أَساسٌ مِن تلك الحَقيقةِ النُّورانيّةِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى مَن قَالَ: "الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ" وعَلَى آلِهِ وصَحوالحَججمَعِينَ.
٭ ٭ ٭
— 343 —
المقام الثاني
من الكلمة الحادية والعشرين
يتضمَّن خمسةَ مَراهِمَ لخمسةِ جُروحٍ قلبيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِئًا دنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
أيُّها الأَخُ المُبتَلَى بداءِ الوَسوَسةِ.. لَيتَ شِعرِي هل تَعلَمُ ماذا تُشبِهُ وَسْوَسَتُك؟ إنَّهاَوانِ هُ بالمُصِيبةِ؛ تَبدَأُ صَغيرةً ثمَّ تَكبُرُ شيئًا فشيئًا على مَدَى اهتِمامِك بها، وبقَدرِ إهمالِك إيّاها تَزُولُ وتَفنَى، فهي تَعظُمُ إذا استَعظَمْتَها وتَصْغُرُ إذا استَصغَرْتَها؛ كلِّ شا خِفتَ مِنها داسَتْك ودوَّخَتْك بالعِللِ، وإن لم تَخَفْ هانَتْ وخَنَسَتْ وتَوارَت؛ وإن لم تَعرِفْ حَقِيقَتَها استَمَرَّت واستَقَرَّت، بَينَماً تَتََرَفتَ حَقيقَتَها وسَبَرتَ غَوْرَها تَلاشَت واضمَحَلَّت.. فما دامَ الأَمرُ هكذا فسأَشرَحُ لك خَمسةَ وُجُوهٍ مِن وُجُوهِها الَّتي تَحدُثُ كَثيرًا، عسى أن يكُقيقٍ، يانُها بعَونِ اللهِ شِفاءً لِصُدُورِنا كُلِّنا، ذلك لأنَّ الجَهلَ مَجلَبةٌ لِلوَساوِسِ، بَينَما العِلمُ على نَقيضِه دافعٌ لِشَرِّها، فلو جَهِلتَها أَقبَلَت ودَنَتْ، وإذا ما عَرَفت الزّالَّت وأَدبَرَت.
الوجهُ الأوَّلُ
الجرحُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّيطانَ يُلقي أوَّلًا بشُبهَتِه في القَلبِ، ثمَّ يُراقِبُ صَداها في الأَعماقِ، فإذا أَنكَرَها القَلبُ انقَلَب مِنَ الشُّبهةِ إلى الشَّتمِ والسَّبِّ، فيُصَوَّرُ أمامَ الخَياحُ ذاكيُشبِهُ الشَّتمَ مِن قَبيحِ الخَواطِرِ السَّيِّئةِ والهَواجِسِ المُنافيةِ للآدابِ، ممَّا يَجعَلُ ذلك القَلبَ المِسكِينَ يَئِنُّ تحتَ وَطْأةِ اليَأْسِ ويَصرُخُ: واحَسْرَتاه! وامُصِيبَتاه! ايَقاتُّ المُوَسْوَسُ أنَّ
— 344 —
قَلبَه آثِمٌ، وأنَّه قد اقْتَرَف السَّيِّئاتِ حِيالَ ربِّه الكَريمِ، ويَشعُرُ باضطِرابٍ وانفِعالٍ وقَلَقٍ، فيَنفَلِتُِن وَظِقالِ السَّكينةِ والطُّمَأنينةِ، ويُحاوِلُ الِانغِماسَ في أَغوارِ الغَفلةِ.
أمَّا ضِمادُ هذا الجُرحِ فهو:
أيُّها المُبتَلَى المِسكينُ.. لا تَخَفْ ولا تَضطَرِبْ، لأنَّ ما مَرَّ أمامَ مِرآةِ ذِهنِك ليس شَتْمًا ولا سَبًّا، وإنَّما هو مُج تَشهَ صُوَرٍ وخَيالاتٍ تَمُرُّ مُرُورًا أمامَ مِرآةِ ذِهنِك، وحيثُ إنَّ تَخَيُّلَ الكُفرِ ليس كُفرًا، فإنَّ تَخَيُّلَ الشَّتمِ أيضًا ليس شَتْمًا، إذ مِنَ المَعلُومِ في البَدَهِيّةِ المَنطِقِيّة: أنَّ التَّخَيُّلَ ليس بحُكمٍ، بَينَما ا يَرِدُ حُكمٌ.
فَضْلًا عن هذا، فإنَّ تلك الكَلِماتِ غيرَ اللّائقةِ لم تكُن قد صَدَرَت مِن ذاتِ قَلبِك، حيثُ إنَّ قَلبَك يَتَحَسَّرُ مِنها ويَتَألَّمُ؛ ولَعَلَّها آتِيةٌ م لو وََّةٍ شَيطانيّةٍ قَريبةٍ مِنَ القَلبِ، لذا فإنَّ ضَرَر الوَسْوَسةِ إنَّما هو في تَوَهُّمِ الضَّرَرِ، أي: إنَّ ضَرَرَه على القَلبِ هو ما نَتَوهَّمُه نحن مِن أَضرارِها، لأنَّ المَرءَ يَتَوهَّمُ تَخَيُّلًا لا أَساسَ له كأنَّه حوُثُوق، ثمَّ يَنسُبُ إلَيه مِن أَعمالِ الشَّيطانِ ما هو بَرِيءٌ مِنه، فيَظُنُّ أنَّ هَمَزاتِ الشَّيطانِ هي مِن خَواطِرِ قَلبِه هو، ويَتَصوَّرُ أَضرارَها فيَقَعُدًّا ا. وهذا هو ما يُريدُه الشَّيطانُ مِنه بالذّاتِ.
الوجهُ الثاني
عِندَما تَنطَلِقُ المَعاني مِنَ القَلبِ تَنفُذُ في الخَيالِ مُجَرَّدةً مِنَ الصُّورِ، وتَكتَسِي الأَشكالَ والصُّوَرَ هناك؛ والخَيالُ هو الَّذي يَنسُجإلى مًُا ولِأَسبابٍ مُعيَّنةٍ نَوعًا مِنَ الصُّوَرِ، ويَعرِضُ ما يَهتَمُّ به مِنَ الصُّوَرِ على الطَّريقِ، فأيُّما مَعنًى يَرِدُ فالخَيالُ إمَّا يُلبِسُه العَظَنَّسِيجَ أو يُعَلِّقُه علَيه أو يُلَطِّخُه به، أو يَستُرُه به؛ فإن كانَتِ المَعاني مُنزَّهةً ونَقِيّةً، والصُّوَرُ والأَنسِجةُ مُلَوَّثةً دَنيئةً فلا إلباسَ قًا لِساءَ، وإنَّما مُجَرَّدُ مَسٍّ فقط.. فيَلتَبِسُ على المُوَسوَسِ أَمرُ التَّماسِّ فيَظُنُّه تَلَبُّسًا وتَلبِيسًا، فيقُولُ في نَفسِه: يا وَيلَتاه! لقد تَرَدَّى قَلبي في المَهاوِي، وستَجعَلُني هذه الدَّناءةُ والخَساسةُ النَّفسِيّةُ هو بِالمَطرُودِينَ مِن رَحمةِ اللهِ. فيَستَغِلُّ الشَّيطانُ هذا الوَتَرَ الحَسّاسَ مِنه استِغلالًا فَظِيعًا.
ومَرْهَمُ هذا الجُرحِ العَمِيقِ هو: كما لا يُؤِنتاجُِ في صَلاتِك ولا يُفسِدُها ما في جَوفِك
— 345 —
مِن نَجاسةٍ، بل يَكفِي لها طَهارةٌ حِسِّيّةٌ وبَدَنيّةٌ، كذلك لا تَضُرُّ مُجاوَرةُ الصُّوَرِ المُلَوَّثةِ بالمَعاني المُنزَّهةِ والمُقدَّسةِ.
مِثالُملِكُ قد تكُونُ مُتَدبِّیرًا في آيةٍ مِن آياتِ اللهِ، وإذا بأَمرٍ مُهيِّجٍ مِن مَرَضٍ يُفاجِئُك، أو مِن تَدافُعِ الأَخبَثَينِ يُلِحُّ على خَيالك بشِدّةٍ، فلا شَكَّ أنَّ خَيالَك سيَنساقُ إلى حيثُ الدَّواءُ، أو قَُقُوبالحاجةِ، ناسِجًا ما يَقتَضِيه مِن صُوَرٍ دَنيئةٍ؛ فتَمُرُّ المَعاني الوارِدةُ في تَدَبُّرِك مِن بينِ الصُّوَرِ الخَياليّةِ السّافِلةِ.. دَعْها تَمُرُّ، فليس ثَمّةَ ضَررٌ َهِّمْوثةٌ ولا خُطُورةٌ، إنَّما الخُطُورةُ فقط هي في تَركيزِ الفِكرِ فيها، وتَوَهُّمِ الضَّررِ مِنها.
الوجهُ الثالث
هناك بعضُ علاقاتٍ خَفِيَّةٍ تَسُودُ بينَ الأَشياءِ، ورُبَّما تُوجَدُ خُيُوطٌ مِنَ الصِّلانظُرَْى بينَ ما لا نَتَوقَّعُه مِنَ الأَشياءِ. هذه الخُيُوطُ إمَّا أنَّها قائمةٌ بذاتِها، أي: حَقيقيّةٌ، أو أنَّها مِن نِتاجاتِ خَيالِك الَّذي صَنَع هذه الخُيُوطَ حَسَبَ ما يَنشَغِلُ به مِن عَمَلٍ؛ وهذا هو السِّرُّ في تَوارُدِ خَيالاتٍ سَيِّئةٍ َه يَدا عندَ النَّظَرِ فيما يَخُصُّ أُمُورًا مُقدَّسةً، إذِ "التَّناقُضُ الَّذي يكُونُ سَبَبًا للِابتِعادِ في الخارِجِ يكُونُ مَدعاةً للقُربِ والتَّجاوُرِ في الصُّوَرِ والخَيالِ" كما هو مَعلُومٌ في عِلمِ ال الطِّ. أي: إنَّ ما يَجمَعُ بينَ صُورَتَيِ الشَّيئَينِ المُتَناقِضَينِ ليس إلَّا الخَيالَ. ويُطلَقُ على هذه الخَواطِرِ النّاتِجةِ بهذه الوَسيلةِ: تَداعي الأَفكارِ.رِ" مِثالُ ذلك:بَينَما أنت تُناجي ربَّك في الصَّلاةِ بخُشُوعٍ وتَضَرُّعٍ وحُضُورِ قَلبٍ، مُستَقبِلًا الكَعبةَ المُعَظَّمةَ، إذا بِتَداعي الأَفكارِ هذا يَسُوقُك إلى أُمُورٍ مُشِينةٍ مُخجِلةٍ لا تَعنِيكَ بشَيءٍ؛ فَا أنّنتَ يا أخي مُبتَلًى بتَداعي الأَفكارِ، فإيَّاك إيَّاك أن تَقلَقَ أو تَجزَعَ، بل عُد إلى حالَتِك الفِطرِيّةِ حالَما تَنتَبِهُ لها، ولا تَشغَلْ بالَك قائلًا: لقد قَصَّرتُ كَثيرًا.. فتَبدَأَ باكن ألَرِّي عنِ السَّبَبِ.. بل مُرَّ علَيها مَرَّ الكِرامِ لِئلَّا تَقوَى تلك العَلاقاتُ الواهِيةُ العابِرةُ بتَركيزِك علَيها، إذ كُلَّما أَظهَرتَ الأَسَى والأَسَفَ وزادَ اهتِمامُك بها انقَلَب ذلك التَّخَطُّیرُ إلى عادةٍ تَتَأَصَّلُ تَدرِيجِيًّا حتَّّتِهمَحوَّلَ إلى مَرَضٍ خَياليٍّ؛ ولكن لا.. لا تَخْشَ أَبدًا، إنَّه ليس بمَرَضٍ قَلبيٍّ، لِأنَّ هذه الهَواجِسَ النَفسِيّةَ والتَّخَطُّرَ الخَياليَّ هي في أَغلَبِ
#نِ، واحالاتِ تَتكَوَّنُ رَغمًا عن إرادةِ الإنسانِ، وهي غالبًا ما تكُونُ لَدَى مُرهَفِي الحِسِّ والأَمزِجةِ الحادّةِ.. والشَّيطانُ يَتَغلغَلُ عَمِيقًا مع هذه الوَساوِسِ.
أمّ ولا يجُ هذا الدّاء فهو:
اعلَمْ أنَّه لا مَسؤُوليّةَ في تَداعي الأَفكارِ، لأنَّها لا إراديّةٌ غالِبًا، ولا اختِلاطَ كَذلِك ولا تَماسَّ فيها، وإنَّما هي مُجرَّدُ مُجاوَرةٍ ولا شَيءَ بعدَ ذلك، لِذا فلا تَسرِي طَبِيعة الرَّفكارِ بعضُها ببَعضٍ، ومِن ثَمَّ فلا يَضُرُّ بعضُها بعضًا. إذ كما أنَّ مُجاوَرةَ مَلائكةِ الإلهامِ للشَّيطانِ حَولَ القَلبِ لا بأسَ فيها، ومُجاوَرةَ الأَبرارِ للفُجَّارِ وقَرابَتَهم ووُجُودَهم في مَسكَنٍ واحِدٍ لا ضَرَرَ فيه، كذلك إذِكمةِ خَلَت خَواطِرُ سَيِّئةٌ غيرُ مَقصُودةٍ بينَ أَفكارٍ طاهِرةٍ نَزِيهةٍ لا تَضُرُّ في شيءٍ إلَّا إذا كانَت مَقصُودةً، أو أن تَشغَلَ بها نَفسَك كَثيرًا، مُتَوهِّمًا ضَرَرَها بك؛ وقد يكنّافِذلقَلبُ أَحيانًا مُرهَقًا فيَنشَغِلُ الفِكرُ بشيءٍ مّا یی كيفَما اتَّفَق یی دُونَ جَدْوَى، فيَنتَهِزُ الشَّيطانُ هذه الفُرصةَ، ويُقدِّمُ الأَخيِلةَ الخَبِيثةَ، ويَنثُرُها هنا وهناك.
الوجه الرابع
هو نوعٌ مِنَ الوَسوَسةِ النّاشِئةِ مَِعظَمَِّشَدُّدِ المُفرِطِ لَدَى التَّحَرِّي عنِ الأَكمَلِ الأَتَمِّ مِنَ الأَعمالِ، فكُلَّما زادَ المَرءُ في التَّشَدُّدِ هذا باسمِ التَّقوَى والوَرَعِ، ازدادَ الأَمرُ سُوءًا وتَعقيدًا، حَ المَُيُوشِكُ أن يَقَعَ في الحَرامِ في الوَقتِ الَّذي يَبتَغي الوَجهَ الأَولَى والأَكمَلَ في الأَعمالِ الصّالِحةِ؛ وقد يَتْرُكُ "واجِبًا" بسبَعَه تَحَرِّيه عن "سُنَّةٍ" حيثُ يَسأَلُ نَفسَه دائمًا عن مَدَى صِحّةِ عَمَلِه، فتَراه يُعيدُه ويُكرِّرُه، قائلًا: "تُرَى هل صَحَّ عَمَلي؟" حتَّى يَطُولَ به الأَمرُ فيَيْأَسَ، ويَستَغَِ مِن شَّيطانُ وَضعَه هذا فيَرميه بسِهامِه ويَجرَحُه مِنَ الأَعماقِ.
ولهذا الجُرحِ دَواءانِ اثنانِ:
الدَّواءُ الأوَّلُ:اعلَمْ أنَّ أَمثالَ هذه الوَساوِسِ لا بِاللُ إلَّا بالمُعتَزِلةِ الَّذين يقُولُونَ: "إنَّ أَفعالَ المُكَلَّفين مِن حيثُ الجَزاءُ الأُخرَوِيُّ حَسَنةٌ أو قَبيحةٌ في ذاتِ نَفسِها، ثمَّ يأتي الشَّرعُ فيُقرِّرُ أنَّ هذا حَسَنٌ وهذا قَبيحٌ؛ أي: إنَّ الحُسنَ والقُبحَ أَمرانِ ذاتيّانِ مَعمالِانِ
— 347 —
في طَبِيعةِ الأَشياءِ حَسَبَ الجَزاءِ الأُخرَوِيِّ، أمَّا الأَوامِرُ والنَّواهي فهي تابِعةٌ لذلك"، ولذلك فإنَّ طَبيعةَ هذا المَذهَبِ تُؤِ نُزالإنسانِ إلى أن يَستَفسِرَ دائمًا عن أَعمالِه: "تُرى هل تمَّ عَمَلي على الوَجهِ الأَكمَلِ المَرْضِيِّ كما هو في ذاتِه أم لا؟".. أمَّا أَصحابُ الحَقِّ یی وهم أَهلُ السُّنّة والجَماعةِ یی فيقُولُون:يَّؤُو اللهَ سُبحانَه وتَعالَى يَأمُرُ بشَيءٍ فيكُونُ حَسَنًا، ويَنهَى عن شيءٍ فيكُونُ قَبيحًا"، فبِالأَمرِ والنَّهيِ يَتَحقَّقُ الحُسنُ والقُبحُ.. أي: إنَّ الحُسنَ والقُبحَ يَتَقرَّرانِ مِنقَّتِ ِ نَظَرِ المُكَلَّفِ، ويَتَعلَّقانِ بحَسَبِ خَواتيمِهما في الآخِرةِ دُونَ النَّظَرِ إلَيهِما في الدُّنيا.
مِثالُ ذلك:لو تَوَضَّأتَ أو صَلَّيتَ، وكان هناك شَيءٌ مّا خَفِيَ علَيك يُفسِدُ صَلاتَك أو وُضُوءَك،إنَّ مَطَّلِعْ علَيه، فصَلاتُك ووُضُوءُك في هذه الحالةِ صَحيحانِ وحَسَنانِ في آنٍ واحِدٍ. وعندَ المُعتَزِلةِ: إنَّهما قَبِيحانِ وفاسِدانِ حَقيقةً، ولكِنَّهما مَقبُولانِ مِنك لِجَهلِك، إذِ الجَهلُ عُذرٌ.
وهكذا أيُّها الأَخُ المُبتَلَى، فأَخْالإلٰهَذهَبِ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ يكُونُ عَمَلُك صَحِيحًا لا غُبارَ علَيه، نَظَرًا لِمُوافَقَتِه ظاهِرَ الشَّرعِ؛ وإيَّاك أن تُوَسوِسَ في صِحّ إن فََلِك، ولكن إيّاك أن تَغتَیرَّ به أيضًا، لأنَّك لا تَعلَمُ عِلمَ اليَقينِ، أهو مَقبُولٌ عِندَ اللهِ أم لا؟
— 347 —
ه إلَيَنْ يَرَى مِثلَُ هذا المُوسْوَسِ نَفسَه مُقَصِّرًا في عَمَلِه ويَستَغفِرَ رَبَّه خَيرٌ له أَلفَ مَرّةٍ مِن أن يَغتَرَّ إعجابًا بعَمَلِه. فما دام الأَمرُ هكذا، فاطْرَحِ الوَساوِسَ واصرُخْ في وَجهِ الشَّيطانُوايَ َ هذا الحالَ حَرِجٌ، وإنَّ الِاطِّلاعَ على حَقيقةِ الأَحوالِ أَمرٌ صَعبٌ جِدًّا، بل يُنافي اليُسرَ في الدِّينِ، ويُخالِفُ قاعِدةَ: "لا حَرجَ في الدِّينِ" و"الدِّينُ يُسرٌ". ولا بُدَّ أنَّ عَمَلي هذا يُوافِقُ مَذه مِثلَنَ المَذاهِبِ الإسلاميّةِ الحَقّةِ، وهذا يَكفِيني.. حيثُ يكُونُ وَسيلةً لِأَن أُلقِيَ بنَفسِي بينَ يَدَيْ خالِقي ومَولاي ساجِدًا مُتَضرِّعًا أَطلُبُ المَغفِرةَ، وأَعتَرِفُ بتَقصِيري في العَمَلِ، وهو السَّمِيعُ ةِمِنيبُ.
— 348 —
الوجه الخامس
وهو الوَساوِسُ الَّتي تَتَقمَّصُ أَشكالَ الشُّبُهاتِ في قَضايا الإيمانِ:
فكَثيرًا ما يَلتَبِسُ على المُوَسوَسِ المُحتارِ خَلَجاتُ الخَيالِ، فيَظُنُّ أنَّها مِن بَناتِ عَقلِه،ِرِّيرَتَوهَّمُ أنَّ الشُّبُهاتِ الَّتي تَنتابُ خَيالَه كأنَّها مَقبُولةٌ لَدَى عَقلِه، أي: أنَّها مِن شُبُهاتِ عَقلِه، فيَظُنُّ أنَّ اعتِقادَه قد مَسَّه الخَلَلُ.. وقد يَظُنُّ المُوَسوَسُ أَحيانًا ؟ مع أ أنَّ الشُّبهةَ الَّتي يَتَوهَّمُها إنَّما هي شَكٌّ يُضِرُّ بإيمانِه.. وقد يَظُنُّ تارةً أُخرَى أنَّ ما يَتَصوَّرُه مِن رُؤَى الشُّبُهاتِ كأنَّ عَقلَه قد صَدَّقه.. ورُبَّما يَحسَبُ أنَّ كلَّ تَفكِيرٍ في قَضايا الكُفرثابةِ ٌ، أي: إنَّه يَحسَبُ أنَّ كلَّ تَحَرٍّ وتَمحِيصٍ، وكلَّ مُتابَعةٍ فِكرِيّةٍ ومُحاكَمةٍ عَقلِيّةٍ مُحايِدةٍ لِمَعرِفةِ أَسبابِ الضَّلالةِ أنَّه خِلافُ الإيمانِ. فأَمامَ هذه التَّغَيُّرتِ الشَّيطانيّةِ الماكِرةِ يَرتَعِشُ ويَرتَجِفُ، ويقُولُ: "وَيْلاه! لقد ضاعَ قَلبي وفَسَد اعتِقادِي واختَلَّ". وبما أنَّه لا يَستَطِيعُ أن يُصلِحَ تلك الأَحوالَ بإِرادَتِه الجُزئيّةِ ِ كُفر غيرُ إرادِيّةٍ على الأَغلَبِ یی يَتَردَّى إلى هاوِيةِ اليَأْسِ القاتِلِ.
أمّا عِلاجُ هذا الجُرحِ فهو: أنَّ تَوَهُّمَ الكُفرِ ليس كُفرًا كما أنَّ تَخَيُّلَ الكُفرِ ليس كُفرًا، وإنَّ تَصَوُّرَ الضَّلالةِ ليس ضَلالةً، مِثلَما أنَّ التَّفكِِ الدّ الضَّلالةِ ليس ضَلالةً؛ ذلك لأنَّ التَّخيُّلَ والتَّوهُّمَ والتَّصوُّرَ والتَّفكُّرَ.. كلُّ أُولَئك مُتَبايِنٌ ومُتَغايِرٌ كُلِّیيًّا عنِ التَّصدِيقِ العَقليِّ والإِذعانِ القَلبيِّ، إذِ التَّخيُّلُ والتَّوهُّمُ والتَّصوُّرُ والتَثِيرَرُ أُمورٌ حُرّةٌ طَلِيقةٌ إلى حَدٍّ مّا، لذلك فهي لا تَحفَلُ بالجَزءِ الِاختِيارِيِّ المُنبَثِقِ مِن إرادةِ الإنسانِ، ولا تَرضَخُ كَثيرًا تحتَ التَّبِعاتِ الدِّينيّرةِ الينَما التَّصدِيقُ والإذعانُ لَيسا كذلك، فهما خاضِعانِ لِمِيزانٍ؛ ولأنَّ كُلًّا مِنَ التَّخيُّلِ والتَّوهُّمِ والتَّصوُّرِ والتَّفكُّرِ ليس بتَصديقٍ وإذعانٍ، فلا يُعَدُّ شُبهةً ولا تَردُّدًا.
لكن إذا تَكرَّرَت هذه الحالةُ دُون عِلْمیرِّرٍ، وبَلَغَت حالةً مِنَ الِاستِقرارِ في النَّفسِ، فقد يَتَمخَّضُ عنها لَونٌ مِنَ الشُّبُهاتِ الحَقيقيّةِ، ثم قد يَنزَلِقُ المُوَسوَسُ بالتِزامِه الطَّرَفَ المُخالِفماءِ اِ المُحاكَماتِ العَقليّةِ الحِيادِيّة أو باسمِ الإنصافِ، إلى حالةٍ يَلتَزِمُ فيها طَرَفَ المُخالِفِ دُونَ اختِيارٍ مِنه، وعندَها يَتَنصَّلُ مِنِ الِالتِزاماتِ الواجِبةِ علَيه تِجاهَ الحَقِّ، فيَهلِكُ، إذ تَتَقرَّرُ في ذِهنِه حالةٌ أَشبَهُ ما ييصَ الفيها بالمُفَوَّضِ والمُخَوَّلِ مِن قِبَلِ الطَّرَفِ المُخالِفِ أي: الخَصمِ أوِ الشَّيطانِ.
— 349 —
ولعلَّ أَهمَّ نوعٍ مِن هذه الوَسوَسةِ الخَطيرةِ هو أنَّ المُوَسوَسَ يَلتَبِسُ ئِها، "الإمكانُ الذّاتِيُّ" و"الإمكانُ الذِّهنيُّ" أي: إنَّه يَتَوهَّمُ أنَّ ما يَراه مُمكِنًا في ذاتِه: مُمكِنٌ ذِهنًا ومَشكُوكٌ فيه عَقْلًا، عِلمًا بأنَّ هنالك قاعِدةً كَلاميّةً في عِلمِ المَنطِقِ تَنُصُّ على: "أنَّامِ الانَ الذّاتِيَّ لا يُنافي اليَقينَ العِلمِيَّ، ومِن ثَمَّ فلا تَعارُضَ ولا تَضادَّ بينَه وبينَ الضَّرُوراتِ الذِّهنيّةِ وبَديهيّاتِها".
ولِتَوضيحِ ذلك نَسُوقُ هذا المِثالَ: مِنَ المُمكِنِ أن يَغُورَ البحرُ الأَسوَدُ الآنَ، فهذا شيءٌ مالَّذِلُ الوُقُوعِ بالإمكانِ الذّاتِيِّ، إلَّا أنَّنا نَحكُمُ يَقينًا بوُجُودِ البحرِ المَذكُورِ في مَوقِعِه الحاليِّ، ولا نَشُكُّ في ذلك قَطعًا.. فهذا الِاحتِمالُ الإمكانِيُّ والإمكانُ الذّاتِيُّ لا يُُولَ بنِ شُبهةً ولا شَكًّا، بل لا يُخِلَّانِ بيَقِينِنا أَبدًا.
ومِثالٌ آخَرُ:مِنَ المُمكِنِ ألَّا تَغيبَ الشَّمسُ اليومَ، ومِنَ المُمكِنَ ألَّا تُشرِقَ غدًا، إلَّا أنلكَريم الإمكانَ والِاحتِمالَ لا يُخِلُّ بيَقِينِنا بأيِّ حالٍ مِنَ الأَحوالِ، ولا تَطرَأُ أَصغَرُ شُبهةٍ علَيه.
وهكذا على غِرارِ هذَينِ المِثالَينِ: فالأَوهامُ الَّتي تَرِدُ مِنَ الإمكانِ الذّاتِيّسَنَةٍغُرُوبِ الحَياةِ الدُّنيا وشُرُوقِ الآخِرةِ الَّتي هي مِن حَقائقِ الغَيبِ الإيمانيّةِ لا تُولِّدُ خَلَلًا في يَقينِنا الإيمانِيِّ قَطعًا.. ولهذا فالقاعِدةُ المَشهُورةُ في أُصُولِ لِ هذانِ وأُصُولِ الفِقهِ: "لا عِبرةَ للِاحتِمالِ النّاشِئِ عنِ غيرِ دَلِيلٍ".
وإذا قلتَ:تُرَى ما الحِكمةُ مِنِ ابتِلاءِ المُؤمنين بهذه الوَساوِسِ المُزعِجةِ للن القُبالمُؤلِمةِ للقَلبِ؟
الجوابُ:إنَّنا إذا ما نَحَّينا الإفراطَ والغَلَبةَ جانبًا، فإنَّ الوَسوَسةَ تكُونُ حافِزةً للتَّيقُّظِ، وداعِيةً للتَّحَرِّي، ووَسيلةً للجِدِّيّةِ، وطارِدةً لِعَدَمِ المُبالاةِ، ودافِعةً للتَّهاوُنِ.. ولا يُعِ هذا كلِّه جَعَل العَليمُ الحَكيمُ الوَسوَسةَ نَوعًا مِن سَوطِ تَشوِيقٍ وجَعَلَه بيَدِ الشَّيطانِ كي يَحُثَّ به الإنسانَ في دارِ الِامتِحانِ ومَيدانِ السِّباقِ إلى تلك الحِكَمِ. وإذا ما أَفرَطَ فيوما أََى، فَرَرْنا إلى العَليمِ الحَكيمِ وَحدَه مُستَصْرِخِين:"أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ".
٭ ٭ ٭
— 350 —
الكلمة الثانية والعشرون
(هذه الكلمة عبارة عن مقامَين)
المقام احَدَرَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضٍْ مِنَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
استَحَمَّ شَخصانِ ذاتَ يومٍ في حَوضٍ كبيرٍ، فغَشِيَهما ما لا طاقةَ لهما به ففَقَدا وَعْيَهما، وما إن أَفي الََّّى وَجَدا أنَّهما قد جِيءَ بهما إلى عالَمٍ غيرِ عالَمِهما، إلى عالَمٍ عَجيبٍ، وعَجيبٌ فيه كلٌّ شيءٍ، فهو مِن فَرْطِ انتِظامِه الدَّقيقِ كأنَّه مَملَكةٌ مُنَسَّقةُرةٍ سترافِ، ومِن رَوعةِ جَمالِه بمَثابةِ مَدينةٍ عامِرةٍ، ومِن شِدّةِ تَناسُقِ أَركانِه بحُكمِ قَصرٍ بَديعٍ.. وبدَأَا يَنظُرانِ بلَهفةٍ فيما حَولَهما وقدِ امتَلَأَا حَيْرةً وإعجابًا بما رَوائفِ أَمامَهما مِن عالَمٍ عَظيمٍ حقًّا، إذ لو نُظِرَ إلى جانِبٍ مِنه لَشُوهِدَت مَملَكةٌ مُنتَظِمةٌ، وإذا ما نُظِرَ إلَيه مِن جانِبٍ آخَرَ تَراءَت مَدينةٌ كامِلةُ الجَوانبِ، بَينَما إذا نُظِرَ إلَيه مِن جانِبٍ آوأَرسَذا هو بقَصرٍ عَظيمٍ شاهِقٍ يَضُمُّ عالَمًا مَهِيبًا.. وطَفِقا يَتَجوَّلانِ معًا في أَرجاءِ هذا العالَمِ العَجيبِ، فوَقَع نَظَرُهما على مَخلُوقاتٍ يَتَكلَّمُون بكَلامٍ مُعيَّنٍ لا يَفقَهانِه، إلَّا أَيئةٍ أَدرَكا مِن إشاراتِهم وتَلوِيحاتِهم أنَّهم يُؤَدُّون أَعمالًا عَظيمةً ويَنهَضُون بواجِباتٍ جَليلةٍ.
قال أَحَدُهما للآخَرِ: لا شَكَّ أن آدَمَذا العالَمِ العَجيبِ مُدبِّیرًا يُدبِّیرُ شُؤُونَه، ولِهذه
— 351 —
المَملَكةِ البَديعةِ مالِكًا يَرعاها، ولِهذه المَدينةِ الرّائعةِ سيِّدًا يَتَولَّى أُمُورَها، ولهذا القَصرِ المُنيفِ صانِعًا بَدِيعًا قد أَبدَعَه؛ فأَرَى لرَكةٍ، علَينا أن نَسعَى لِمَعرِفَتِه، إذ يَبدُو أنَّه هو الَّذي قد أَتَى بنا إلى هاهنا، وليس أَحَدٌ غَيرُه؛ فلو لم نَعرِفْه فمَن ذا غَيرُه يُسعِفُنا ويُغيثُنا ويَقضِي حَوائجَنا ونحن في هُ إلَيالَمِ الغَريبِ؟! فهل تَرَى بَصِيصَ أَمَلٍ نَرجُوه مِن هؤلاء العاجِزِين الضُّعَفاءِ ونحن لا نَفقَهُ لِسانَهم ولا هم يُصغُون إلى كَلامِنوَظائفَ إنَّ الَّذي جَعَل هذا العالَمَ العَظيمَ على صُورةِ مَملَكةٍ مُنَسَّقةٍ وعلى هَيئةِ مَدينةٍ رائعةٍ وعلى شَكلِ قَصرٍ بَديعٍ، وجَعَله كَنزًا لِخَوارقِ الأَشياءِ، وجَمَّلَه بأَفضلِ زِينةٍ وأَروَعِ حُسْنٍ، ورَوْصافَنَواحِيَه كلَّها بمُعجِزاتٍ مُعبِّرةٍ حَكيمةٍ.. أَقُولُ: إنَّ صانِعًا له كلُّ هذه العَظَمةِ والهَيبةِ وقد أَتَى بنا وبمَن حَولَنا إلى هاهنا، لا شَكَّ أنَّ له شأنًا في هذا؛ فوَجَب قبلَ كلِّ شيءٍ أن نَعرِفَه مَعرِفةً جَيِّدةً، وأهَرَ خَمَ مِنه ما يُرِيدُ مِنَّا وماذا يَطلُبُ؟
قال له صاحِبُه: دَعْ عنك هذا الكَلامَ، فأنا لا أُصَدِّقُ أنَّ واحِدًا أَحَدًا يُديرُ هذا العالَمَ الغَريبَ!
فأجاَريقَيَهْلًا يا صاحِبي.. هلَّا أعَرتَني سَمْعَك؟ فنحن لو أَهمَلْنا مَعرِفَتَه فلا نَكسِبُ شَيئًا قَطُّ، وإن كان في إهمالِنا ضَرَرٌ فضَرَرُه جِدُّ بَليغٍ؛ بَينَمذكيرِ سَعَينا إلى مَعرِفَتِه فليس في سَعيِنا هذا مَشَقّةٌ ولا نَلقَى مِن وَرائِه خَسارةً، بل مَنافِعَ جَليلةً وعَظيمةً.. فلا يَليقُ بنا إذًا أن نَبقَى مُعرِضين هكذا عن مَعرِفَتِه.
ولكنَّ صاحَِيَاتٍغافِلَ قال: أنا لَستُ معَك في كَلامِك هذا، فأنا أَجِدُ راحَتي ونَشوَتي في عَدَمِ صَرْفِ الفِكرِ إلى مِثلِ هذه الأُمُورِ، وفي عَدَمِ مَعرِفةِ ما تدَّعيه عن هذا الصَّانِعِ البَديعِ؛ فلا أَرَى داعِيًا أنًا معَدَ نَفسِي فيما لا يَسَعُه عَقلي، بل أَرَى هذه الأَفعالَ جَميعَها لَيسَت إلَّا مُصادَفاتٍ وأُمُورًا مُتَداخِلةً مُتَشابِكةً تَجرِي وتَعمَلُ بلنّاسِا؟ فما لي وهذه الأُمُورِ؟!
فرَدَّ علَيه العاقِلُ: أَخشَى أن يُلقِيَ بنا عِنادُك هذا وبالآخَرِين إلى مَصائبَ وبَلايا! ألَم تُهدَمْ مُدُنٌ عامِرةٌِ، فإنَرّاءِ سَفاهةِ شَقيٍّ وأَفعالِ فاسِقٍ؟!
— 352 —
ومَرّةً أُخرَى انبَرَى له الغافِلَ قائلًا: لِنَحسِمِ المَوضُوعَ نِهائيًّا، فإمّا أن تُثبِتَ لي إثباتًا قاطِعًرِ الجَقبَلُ الشَّكَّ بأنَّ لهذه المَملَكةِ الضَّخمةِ مالِكًا واحِدًا وصانِعًا واحِدًا أَحَدًا، أو تَدَعَني وشَأْني.
أَجابَه صَدِيقُه: ماائلِ ا يا صاحِبي تُصِرُّ على عِنادِك إلى حَدِّ الجُنُونِ والهَذَيانِ مِمّا يَسُوقُنا والمَملَكةَ بكامِلِها إلى الدَّمارِ! فسأَضَعُ بينَ يَدَيك اثنَي عَشأيُّ سهانًا أُثبِتُ بها أنَّ لهذا العالَمِ الرّائعِ رَوعةَ القَصرِ، ولهذه المَملَكةِ المُنتَظِمةِ انتِظامَ المَدينةِ، صانِعًا بَديعًا واحِدًا أَحَهِّمُو الَّذي يُدَبِّیرُ الأُمُورَ كلَّها.. فلا تَرَى مِن فُطُورٍ في شيءٍ، ولا تَرَى مِن نَقصٍ في أَمرٍ؛ فذلك الصّانِعُ الَّذي لا نَراه يُبصِرُنا ويُبصِرُ كلَّ شيءٍ، ويَسمَعُ كَلامَ كلِّ شيءٍ، فكلُّ أَفعالِه مُعجِزاتٌ وآياتٌ وخَوارِقُ ورَوائعكذا، ف هذه المَخلُوقاتُ الَّتي لا نَفهَمُ أَلسِنَتَهم إلَّا مَأمُورُون ومُوَظَّفُون في مَملَكَتِه.
البُرهان الأول
تَعالَ معي يا صاحِبي لِنَتأَمَّل ما حَولَنا مِن أَشياءَ وأُمُورٍ: ألا تَرَى أنَّ يَدًا خَفِيّةً تّةً، و مِن وَراءِ الأُمُورِ جَميعِها؟ أوَلا تَرَى أنَّ ما لا قُوّةَ له أَصلًا ولا يَقوَى على حَملِ نَفسِه (حاشية-١): إشَارة إلى البُذُور والنُّوَى التي تَحمِل أشجَارًا ضَخمةً. يَحمِلُ آلَمِعُ أَرطالِ مِنَ الحِملِ الثَّقيلِ؟ أوَلا تُشاهِدُ أنَّ ما لا إدراكَ له ولا شُعُورَ يقُومُ بأَعمالٍ في غايةِ الحِكمةِ؟ (حاشية-٢): إشَارة إلى سِيقانِ العِنَب مثلًا، التي تَمُدُّ أَيديَها اللَّطيفةَ وتُعانقُ الأشَجارَ الأُخرَى، للكَذِبها عن حَملِ عَناقيدِها الغَنِيّة. فهذه الأَشياءُ إذًا لا تَعمَلُ مُستَقِلّةً بنَفسِها، بل لا بُدَّ أنَّ مَولًى عَليمًا وصانِعًا قَديرًا يُدِيرُها مِن وَراءِ الحُجُبِ، إذ لونَّ ما مُستقِلّةً بذاتِها، وأَمرُها بيَدِها، لَلَزِمَ أن يكُونَ كلُّ شيءٍ هنا صاحِبَ مُعجِزةٍ خارِقةٍ.. وما هذه إلَّا سَفسَطةٌ لا مَعنَى لها!
البُرهان الثَّاني
تَعالَ معي يا صاحِبي لِنُمعِن النَّظَرَ في هذه الأَشِيعُ ألَّتي تُزيِّنُ المَيادِينَ والسّاحاتِ،
— 353 —
ففي كلِّ زِينةٍ مِنها أُمُورٌ تُخبِرُنا عن ذلك المالِكِ وتَدُلُّنا علَيه كأنَّها سِكَّتُه وخَتْمارِ زاا تَدُلُّنا طُغْراءُ السُّلطانِ وخَتْمُه على وُجُودِه، وتُنبِئُنا سِكَّتُه الَّتي على مَسكُوكاتِه عن عَظَمَتِه وهَيبَتِه؛ فإن شِئتَ فانظُر إلى هذا الجِسمِ الصَّغيرِ جِدًّا الَّذي لا يَكادُ الإنسانُ يَعرِفُ له وَزنًا، بقةِ، ة-١): إشارةً إلى البُذُور المُتَنوِّعة، فبُذُورُ البِطِّيخ والخَوخِ وغيرِها تَنسُج أوراقًا أَجمَلَ مِن أَجوَدِ قُماشٍ، وتُقدِّم لنا ثِمارًا طَيِّبةً هي أَلَذُّ مِنَ الحَلْوَى تأتي نُحاوِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّة. قد صَنَع مِنه المَولَى أَطوالًا مِن نَسِيجٍ مُلوَّنٍ بأَلوانٍ زاهِيةٍ ومُزَركَشٍ بزَخارِفَ باهِرةٍ، ويُخرِجُ مِنه ما هو أَلَذُّ مِنَ الحَلْوَياتِ والمُعَجَّناتِ المُعَسَّلة، فلو لَبِسَ آلافٌ مِن أوَراءِنا تلك المَنسُوجاتِ وأَكَل مِن تلك المَأكُولاتِ لَمَا نَفِدَت.
ثمَّ انظُر، إنَّه يَأخُذُ بيَدِه الغَيبيّةِ هذا الحَديدَ والتُّرابَ والماءَ والفِ والصالنُّحاسَ والفِضّةَ والذَّهَب، ويَصنَعُ مِنها جَميعًا قِطعةَ لَحم. (حاشية-٢): إشارةً إلى خَلقِ جِسمِ الحَيَوانِ مِنَ العَناصِرِ، وإلى إيجادِ الكائنِ اي.. إن مِنَ النُّطفةِ.
فيا أيُّها الغافِلُ.. هذه الأَشياءُ والأَفعالُ إنَّما تَخُصُّ مَن زِمامُ هذه المَمْلَكةِ بيَدِه، ومَن لا يَعزُبُ عنه شيءٌ، وكلُّ شيءٍ مُنقادٌ لإرادَتِه.
البُرهان ال لكم م تَعالَ لِنَنظُر إلى مَصنُوعاتِه العَجِيبةِ المُتحَرِّكةِ.. (حاشية-٣): إشَارةً إلى الحَيَواناتِ والإنسانِ، لأنَّ الحَيَوانَ فِهرِسٌ مُصَغَّر لهذا العالَمِ، والماهِيّةُ الإنسانيّةُ مِثالٌ مُصَغَّر للكحارِ و، فما مِن شيءٍ في العالَمِ إلَّا ونَمُوذَجُه في الإنسانِ. فقد صُنِعَ كلٌّ مِنها كأنَّه نُسخةٌ مُصَغَّرةٌ مِن هذا القَصرِ العَظيمِ، إذ يُوجَدُ فيه واحتَشالقَصرِ كلِّه؛ فهل يُمكِنُ أن يُدرِجَ أَحَدٌ هذا القَصرَ مُصَغَّرًا في ماكِينةٍ دَقيقةٍ غيرُ صانِعِه البَديعِ؟ أو هل يُمكِنُ أن تَرَى ععَمِيم أو مُصادَفةً في عالَمٍ ضُمَّ داخِلَ ماكِينةٍ صَغيرةٍ؟
أي: إنَّ كلَّ ما تُشاهِدُه مِن مَكائنَ إنَّما هي بمَثابةِ آيةٍ تَدُلُّ على ذلك الصّانِعِ البَديعِ، بل كلُّ مُك تَتٍ دَليلٌ علَيه، وإعلانٌ يُفصِحُ عن عَظَمَتِه، ويقُولُ بلِسانِ الحالِ: نحن مِن إبداعِ مَن أَبدَعَ هذا العالَمَ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ كما أَوجَدَنا بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ.
#لَها ی البُرهان الرابع
أيُّها الأَخُ العَنيدُ.. تَعالَ أُرِكَ شَيئًا أَكثَرَ إثارةً للإعجابِ! انظُر، فها قد تَبَدَّلتِ الأُمُورُ في هذه المَملَكةِ، وتَغيَّرَت جَسُوا الأَشياءِ، وها نحن أُولاءِ نَرَى بأَعيُنِنا هذا التَّبدُّلَ والتَّغيُّیرَ، فلا ثَباتَ لِشَيءٍ مِمّا نَراه، بلِ الكُلُّ يَتَغيَّیرُ ويَتَجدَّدُ.
ثيرًا ُر إلى هذه الأَجسامِ الجامِدةِ المُشاهَدةِ الَّتي لا نَرَى فيها شُعُورًا، كأنَّ كُلًّا مِنها قدِ اتَّخَذ صُورةَ حاكِمٍ مُطلَقٍ، والآخَرُون مَحكُومُون تحتَ سَيطَرَتِه، وكأنَّ كلًّا مِنها يُسَيطِرُ على الأَشياءِ كُلِّها.. انظُر إلى هذَ بَلاكِينةِ الَّتي بقُربِنا (حاشية-١): إشارةً إلى النَّباتات المُثمِرة لأنَّها تَحمِلُ مِئاتِ المَصانِعِ والمَعامِل الدَّقيقةِ في أَعضَائها الرَّقيقةِ، فتَنسُجُ الأَوراقَ اللَّطيفةَ والأَزهارَ الزّاهِيةَ وتُنضِجُ الثِّمارَ اليانِعةَ وتُقدِّمها إلِن نَمومنها أَشجارُ الصَّنَوبَر الشّامِخةُ الَّتي نَصَبَت مَعامِلَها على الصُّخُور الصَّمّاءِ في الجِبالِ. كأنَّها تَأمُرُ فيُهرَعُ إلَيها مِن بَعيدٍ ما تَحتاجُه مِن لَوازِمَ لِزِينَتِها وعَمَلِها، وانظُر إلى ذلك الجِسمإظهارِذي لا شُعُورَ له، (حاشية-٢): إشارةً إلى الحُبُوبِ والبُذَيراتِ وبُيُوضِ الحَشَراتِ، فتَضَع البَعُوضةُ مثلًا بُيُوضَها على أَوراقِ شَجَرةٍ، فإذا الوَرَقةُ تكُون لها كرَحِمِ الأُمِّ والمَهدِ اللَّطيفِ، وتَمتَلِئُ بغِذاءٍ لَذيذٍ ك یی فيل.. فكأنَّ تلك الشَّجَرةَ غيرَ المُثمِرةِ تُثمِرُ كائناتٍ حَيّةً. كأنَّه يُسَخِّر بإشارةٍ خَفِيّةٍ مِنه أَضخَمَ جِسمٍ وأَكبَرَه في شُؤُونِه الخاصّةِ ويَجعَلُه طَوْعَ إشارَتِه.. وقِسِ الأُمُورَ الأُخرَى على هذَمَعقُومِثالَينِ.
فإن لم تُفوِّضْ أَمرَ إدارةِ المَملَكةِ إلى ذلك المالِكِ الَّذي لا نَراه، فعلَيك إذًا أن تُحِيلَ إلى كلِّ مَصنُوعٍ ما للبَدِيعِ مِن إتقانٍ وكَمالاتٍ، حتَّى لو كام أَنورًا أو تُرابًا أو حَيَوانًا أو إنسانًا أو أيَّ مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ.
فإذا ما استَبعَدَ عَقلُك أنَّ بَدِيعًا واحِدًا أَحَدًا هو المالِكُ لهذه المَملَكةِ وهو الَّذي يُدِيرُها، فما عليك إلَّا قَبُولُ مَلايينِ المَلا.." فيِنَ الصَّانِعِين المُبدِعِين، بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ! كلٌّ مِنها نِدٌّ للآخَرِ ومَثِيلُه وبَدِيلُه ومُتَدخِّلٌ في شُؤُونِه! مع أنَّ النِّظامَ المُتقَنَ البَديعَ يَقتَضي عدَمَ التَّدَخُّلِ، فلو كان هناك تَدَخُّلٌ مَهما كان طَفيفًا ومِن أيِ هي أٍ كان، وفي أيِّ أَمرٍ مِن أُمُورِ هذه المَملَكةِ الهائلةِ، لَظَهَر أَثَرُه واضِحًا، إذ تَختَلِطُ
— 355 —
الأُمُورُ وتَتَشابكُ إن كان هناك سيِّدانِ في قريةٍ أو مُحافِظانِ في مََيبِ وأو سُلطانانِ في مَملَكةٍ.. فكيف بحُكَّامٍ لا يُعَدُّون ولا يُحصَون في مَملَكةٍ مُنَسَّقةٍ بَدِيعةٍ؟!
البُرهان الخامس
أيُّها الصَّديقُ المُرِيُّ . تَعالَ لِنُدقِّقْ في نُقُوشِ هذا القَصرِ العَظيمِ، وَلْنُمعِنِ النَّظَرَ في تزيِيناتِ هذه المَدِينةِ العامِرةِ، ولْنُشاهِدِ النِّظامَ البَديعَ لِهذه المَملَكةِ الواسِعةِ، ولْنَتأَمَّلِ الصَّنعةَ المُتققٍ فوقِهذا العالَمِ.. فها نحنُ نَرَى أنَّه إن لم تَكُن هذه النُّقُوشُ كِتابةَ قَلَمِ المالِكِ البَديعِ الَّذي لا حَدَّ لِمُعجِزاتِه وإبداعِه، وأُسنِدَت كِتابتُها ونَقشُها إلى الأَسبابِ الَّتي لا شُعُورَجازِمًوإلى المُصادَفةِ العَمياءِ، وإلى الطَّبِيعةِ الصَّمّاءِ، لَلَزِم إذًا أن يكُونَ في كلٍّ مِن أَحجارِ هذه المَملَكةِ وعُشبِها مُصَوِّرٌ مُعجِزٌ وكاتِبٌ بَدِيعٌ يَستَطيعُ أن يَكتُبُوا فيوفَ الكُتُبِ في حَرفٍ واحِدٍ، ويُمكِنُه أن يُدرِجَ مَلايينَ الأَعمالِ المُتقَنةِ البَدِيعةِ في نَقْشٍ واحِدٍ، لأنَّك تَرَى أنَّ هذا النَّقْش الَّذي أَمامَك في هذه اللَّبِنةِ (حاشية): إشَارةً إلى الإنسَانِ الذي هو ثَمَرةُ الخِلقةِ، وإلى الثَِّ اليَالتي تَحمِلُ فِهرِسَ شَجَرتِها وبَرنامَجَها.. فما كَتَبه قَلَمُ القُدرةِ في كِتابِ العالَمِ الكَبيرِ قد كَتَبه مُجمَلًا في ماهيّةِ الإنسانِ، وما كَتَبه قلُّفُ وقَدَر في الشَّجَرةِ قد دَرَجَه في ثَمَرتِها الصَّغيرةِ. يَضُمُّ نُقُوشَ جَميعِ القَصرِ، ويَنطَوِي على جَميعِ قَوانينِ المَدِينةِ وأَنظِمَتِها، ويَتَضمَّنُ خُطَطَ أَعمالِها.
أي: إنَّ إيجادَ هذيكُونَُقُوشِ الرّائعةِ مُعجِزةٌ عَظيمةٌ كإيجادِ المَملَكةِ نَفسِها، فكلُّ صَنعةٍ بَدِيعةٍ لَيسَت إلَّا لَوحةَ إعلانٍ تُفصِحُ عن أَوصافِ ذلك الصّانِعِ البَدِيعِ، وكلُّ نَقْشٍ جَميلٍ هو خَتْمٌ واضِحٌ مِن أَختامِه الدّالّةِ علَيه.
فكما أنَّه لا يُمك يَتَّحَرفٍ إلَّا أن يَدُلَّ على كاتِبِه، ولا يُمكِنُ لِنَقْشٍ إلَّا أن يُنبِئَ عن نَقّاشِه، فكيف يُمكِنُ إذًا ألَّا يَدُلَّ حَرفٌ كُتِبَ فيه كِتابٌ عَظِيمٌ على كاتِبِه، ونَقْشٌ نُقِشَت علَيْه أُلُوفُ النُّقُوشِ على نَقَّاشِه؟ ألا تكه تَكفَلالَتُه أَظهَرَ وأَوضَحَ مِن دَلالَتِه على نَفسِه؟
— 356 —
البُرهان السادس
تَعالَ يا صَدِيقي، لِنَذهَب إلى نُزهةٍ نَتَجوَّلُ في هذه الفَلاةِ الواسِعةِ (َتَحَت: إشارةً إلى سَطحِ الأرضِ في مَوسِمَيِ الرَّبيعِ والصَّيفِ.. حيث تُخلَقُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المَخلُوقاتِ خَلْقًا مُتَداخِلًا مُتَشابِكًا، وتُكتَبُ على صَحيفةِ الأرضِ حَاقَ َطَأٍ ولا قُصُورٍ، وتُبدَّلُ بانتِظامٍ، فتُفرَشُ أُلُوفٌ مِن ضِيافاتِ الرَّحمٰنِ، ثمَّ تُرفَعُ وتُجَدَّدُ.. فكأنَّ كلَّ شَجَرةٍ خادِمُ مَطعَمٍ، وكلَّ بُستانٍ قِدْرٌ لإعدادِ المَأكُولاتِ. المَفرُوشةِ أَمامَنا.. هاظَّلام جَبَلٌ أَشَمُّ، تَعالَ لِنَصَعد علَيه حتَّى نَتَمكَّنَ مِن مُشاهَدةِ جَميعِ الأَطرافِ بسُهُولٍة، ولْنَحمِلْ مَعَنا نَظّاراتٍ مُكبِّرةٍ تُقَرِّبُ لنا ما هو بَعيدٌ عن أَنظارِنا.. فهذه المَملَكةُ فيها مِنَ الامَلَتِ العَجِيبةِ والحَوادِثِ الغَرِيبةِ ما لا يَخطُرُ على بالِ أَحَدٍ.. انظُر إلى تلك الجِبالِ والسُّهُولِ المُنبَسِطةِ والمُدُنِ العامِرةِ، إنَّه أَمرٌ عَجِيبٌ حَقًّا إذ تَتَبدَّلُ جَمِيعًا دُفعةً واحَِمْرُل إنَّ مَلايينَ المَلايينِ مِنَ الأَفعالِ المُتَشابِكةِ تَتَبدَّلُ تَبَدُّلًا بكُلِّ نِظامٍ وبكُلِّ تَناسُقٍ، فكأنَّ مَلايينَ الأَطوالِ مِن مَنسُوجاتٍ مُلَوَّنةٍ رائعةٍ تُنسَجُ أَمامَنا في آنٍ واحِدٍ..
حقًّا إنَّ هذه أَحيانَوُّلاتِ عَجيبةٌ جِدًّا! فأَينَ تلك الأَزاهِيرُ الَّتي ابتَسَمَت لنا والَّتي أَنِسْنا بها؟.. لقد غابَتْ عنَّا، وحلَّت مَحَلَّها أَنواعٌ مُخالِفةٌ لها صُورةً، مُماثِلةٌ ماهِيّةً؛ وكأنَّ هذه السُّهُولَ المُنبَسِطةَ وَبَ تَجِبالَ المَنصُوبةَ صَحائفُ كِتابٍ يُكتَبُ في كلٍّ مِنها كُتُبٌ مُختَلِفةٌ في غايةِ الإتقانِ دُونَ سَهْوٍ أو خَطَأٍ، ثم تُمسَحُ تلك الكُتُب ويُ آثارِغَيرُها.. فهل تَرَى يا صَدِيقي أنَّ تَبَدُّلَ هذه الأَحوالِ وتَحَوُّلَ هذه الأَوضاعِ الَّذي يَتِمُّ بكُلِّ نِظامٍ ومِيزانٍ يَحدُثُ مِن تِلقاءِ نَفسِه؟! ألَيسَ ذلك مُحالًا مِن أَشَدِّ المُحالاتِ؟
فلا يُمكِنُ ةِ وال هذه الأَشياءِ الَّتي أَمامَنا وهي في غايةِ الإتقانِ والصَّنعةِ إلى نَفسِها قَطُّ، فذلك مُحالٌ في مُحالٍ؛ بل هي أَدِلّةٌ واضِحةٌ على صانِعِها البَديعِ أَوضَحَ مِن دَلالَتِها على نَفسِها، إذ تُبيِّنُ أنَّ صانِعَها البَديعَ لا يُعجَِ الجاءٌ، ولا يَؤُودُه شيءٌ، فكِتابةُ أَلفِ كِتابٍ أَمرٌ يَسِيرٌ لَدَيه ككِتابةِ حَرفٍ واحِدٍ.. ثمَّ تَأَمَّلْ يا أَخي في الأَرجاءِ كافّةً، تَرَ أنَّ الصّانِعَ الأَعظَمَ قد وَضَع بحِكمةٍ تامّةٍوالتَّشيءٍ في مَوضِعِه اللّائقِ به، وأَسبَغَ على كلِّ شيءٍ نِعَمَه وكَرَمَه بلُطفِه وفَضْلِه العَمِيمِ.. وكما يَفتَحُ أَبوابَ نِعَمِه وآلائِه ال تَحمِةِ أَمامَ كلِّ شيءٍ، يُسعِفُ رَغَباتِ كلِّ شيءٍ، ويُرسِلُ إلَيه ما يُطَمْئِنُه.
— 357 —
وفي الوَقتِ نَفسِه يَنصِبُ مَوائدَ فاخِرةً عامِرةً بالسَّخاءِ والعَطاءِ، بل يُنعِمُ على مَخلُوقاتِ هذه المَملَكةِ كافّةً مِن حَيَوانٍ ونَيدانِنِعَمًا لا حَدَّ لها، بل يُرسِلُ إلى كلِّ فَردٍ باسمِه ورَسمِه نِعمَتَه الَّتي تُلائمُه دُونَ خَطَأٍ أو نِسيانٍ.. فهل هُناك مُحالٌ أَعظَمُ مِن أن تَظُنَّ أنَّ في هذه الأُمُورَ شيئًا مِنَ المُصادَفةِ مَهما كان ضَئِيلًا؟ أو شَيئًا مِنَ الالَّذي وعَدَمِ الجَدْوَى؟ أو أنَّ أَحَدًا غيرَ الصّانِعِ البَدِيعِ قد تَدَخَّل في أُمُورِ المَملَكةِ؟ أو أن يُتَصَوَّر ألّا يَدِينَ له كلُّ شيءٍ في مُلكِه؟.. فهل تَقدِرُ يا صَدِيقي أن تَجِدَ مُبَیرِّرًا لإنكارِ ما تَراه؟..
الأَسَهان السابع
لنَدَعِ الجُزئيّاتِ يا صاحِبي، ولْنَتَأمَّلْ في هذا العالَمِ العَجِيبِ، ولْنُشاهِدْ أَوضاعَ أَجزائِه المُتَقابِلِ بَعضُها بالِغٍَعضِ الآخَرِ.. ففي هذا العالَمِ البَدِيعِ مِنَ النِّظامِ الشّامِلِ والِانتِظامِ الكامِلِ كأنَّ كلَّ شيءٍ فاعِلٌ مُختارٌ حَيٌّ يُشرِفُ على نِظامِ المَمليُخلَقُلِّها، ويَتَحرَّكُ مُنسَجِمًا مع ذلك النِّظامِ العامِّ.. حتَّى تَرَى الأَشياءَ المُتَباعِدةَ جِدًّا يَسعَى الواحِدُ مِنها نحوَ الآخَرِ للتَّعاوُنِ والتَّآزُرِ.
انظُر.. إنَّ قافِلةً مَهِيبةً تَنطَلِقُ مِنَ الغَيبِ (حاشية-١): وهي قَافلها إطلَّباتاتِ الحامِلةِ لِأَرزاقِ الأَحياءِ كافّةً. مُقبِلةً علَينا، فهي قافِلةٌ تَحمِلُ صُحُونَ أَرزاقِ الأَحياءِ؛ ثمَّ انظُرْ إلى ذلك المِصباحِ الوَضِيءِ (حاشية-٢): إشَارةً إلى الشَّمس. المُعَلَّقِ في قُبَّةِ المَملَكةِ، فهي تُنِيرُ الجَميعَفْسُهُِجُ المَأكُولاتِ المُعلَّقةَ بخَيطٍ دَقيقٍ (حاشية-٣): إشَارةً إلى أغصَان الشَّجرَة الدَّقيقَة الحَامِلة للأثمَار اللَّذيذة. والمَعرُوضةَ أَمامَه بِيَدٍ غَيبِيّةٍ.. ألا تَلتَفِتُ معي إلى هذه الحَيَسَبَ ِ النَّحِيفةِ الضَّعِيفةِ العاجِزةِ كيف يَسِيلُ إلى أَفواهِها غِذاءٌ لَطِيفٌ خالِصٌ يَتَدفَّقُ مِن مِضَخّاتٍ (حاشية-٤): إشَارةً إلى ثَدي الأُمهَاتوالعَنَدلِّيةٍ فَوقَ رُؤُوسِها، وحَسْبُها أن تُلصِقَ أَفواهَها بها!
نَخلُصُ مِن هذا:أنَّه ما مِن شيءٍ في هذا العالَمِ إلَّا كأنَّه يَتَطلَّعُ إلى الآخَرِ فيُغيثُه، أو يَرَى الآخَرَ فيَشُدُّ أَزْرَه ويُعاوِنُه، فيُكَمِّلُ الواحِدُ عَمَلَ الآخَرِلحَقيقنُ ظَهِيرَه وسَنَدَه،
— 358 —
ويَتَوجَّهُ الجَميعُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ في طَريقِ الحَياةِ.. وقِسْ على ذلك.. فهذه الظَّواهِرُ جَميعُها تَدُلُّنا دَلالةً قاطِعةً وبيَقينٍ جازِمٍ إلى أنَّه ما مِن شيءٍ في هذا القَصرِ العَجِيبِ إلَّا وهو مُسَخَّها مِنالِكِه القَديرِ ولِصانِعِه البَدِيعِ، ويَعمَلُ باسمِه وفي سَبِيلِه، بل كلُّ شيءٍ بمَثابةِ جُندِيٍّ مُطِيعٍ مُتَأَهِّبٍ لِتَلَقِّي الأَوامِرِ.. فكُمُنِحَءٍ يُؤَدِّي ما كُلِّف به مِن واجِبٍ بقُوّةِ مالِكِه وحَوْلِه، فيَتَحرَّكُ بأَمرِه، ويَنتَظِمُ بحِكمَتِه، ويَتَعاوَنُ بكَرَمِه وفَضْلِه، ويُغيثُ الآخَرين برَحمَتِه.. فإن كُنتَ تَستاتٍ هييا أخي إبداءَ شيءٍ مِنَ الِاعتِراضِ والشَّكِّ أَمامَ هذا البُرهانِ فهاتِه.
البُرهان الثامن
تَعالَ يا صاحِبي المُتَعاقِلَ ويا مَثِيلَ نَفسِي الأَمَّارةِ بالسُّوءِ"تَناي تَعُدُّ نَفسَها رَشِيدةً وتُحسِنُ الظَّنَّ بنَفسِها.. أَراك يا صاحِبي تَرغَبُ عن مَعرِفةِ صاحِبِ هذا القَصرِ البَدِيعِ، مع أنَّ كلَّ شيءٍ يَدُلُّ علَيه، وكلَّ وإنُّشِيرُ إلَيه، وكلَّ شيءٍ يَشهَدُ بوُجُودِه؛ فكيف تَجرُؤُ على تَكذِيبِ هذه الشَّهاداتِ كلِّها؟! إذًا علَيك أن تُنكِرَ وُجُودَ القَصرِ نَفسِه، بل علَيك أن تُعلِنَ أنَّه لا قَصرَ ولا مَملَكةَ ولا الرّابي الوُجُودِ؛ بل تُنكِرَ نَفسَك وتَعُدَّها مَعدُومةً لا وُجُودَ لها!.. أو علَيك أن تَعُودَ إلى رُشْدِك وتُصغِيَ إلَيَّ جيِّدًا، فها أنا أَضَعُ بينَ يدَيك هذا المَنظَرَ:
تَأَمَّل في هذه العَناصِرِ والمَعادِنِ (حاشيةلسَّأَارَةً إلى عَناصرِ الهَواءِ والمَاءِ التي تُؤدِّي وَظائفَ مُهِمّةً شَتَّى، وتُمِدُّ كلَّ مُحتاجٍ بإذنِ اللهِ وتَنتَشِر في كلِّ مكانٍ بأمرِ الله، فتُهيِّئُ لَوازِمَ الحياةِ لذَوِي الحياةِ، وهيحاشية)ُ في خُيُوطِ نَقشِ المَصنُوعاتِ الإلٰهِيّة. الَّتي تَعُمُّ هذه المَملَكةَ والَّتي تُوجَدُ في كلِّ أَرجاءِ هذا القَصرِ؛ ومَعلُومٌ أنَّه ما مِن شيءٍ يُنتَجُ في هذه المَملَكةِ إلَّا مِِ والِالمَوادِّ، فمَن كانَ مالِكًا لتلك المَوادِّ والعَناصِرِ فهو إذًا مالِكٌ لكُلِّ ما يُصنَعُ ويُنتَجُ مِنها، إذ مَن كان مالِكًا للمَزرَعةِ فهو مالِكُ المَحاصِيلِ، ومَن كان مالِكًا للبَحرِ فهو مالِكٌ يمَ لييه.
ثمَّ انظُر يا صاحِبي إلى هذه المَنسُوجاتِ والأَقمِشةِ المُلَوَّنةِ المُزدانةِ بالأَزهارِ: إنَّها تُصنَعُ مِن مادّةٍ واحِدةٍ، فالّحُوشُ يَّأ تلك المادّةَ وغَزَلَها لا بدَّ أنَّه واحِدٌ، لأنَّ تلك
— 359 —
الصَّنعةَ لا تَقبَلُ الِاشتِراكَ، فالمَنسُوجاتُ المُتقَنةُ تَخُصُّه هو.. ثمَّ الْتَفِت إلى هذا: إنَّ أَجناسَ هذه المَنكي تُشِ مَوجُودةٌ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ هذا العالَمِ العَجِيبِ، وقدِ انتَشَرتِ انتِشارًا واسِعَ النِّطاقِ حتَّى إنَّها تُنسَجُ معًا وبتَداخُل. دَلينٍ واحِدٍ وبنَمَطٍ واحِدٍ في كلِّ مكانٍ، أي: إنَّه فِعلُ فاعلٍ واحِدٍ، فالجَميعُ يَتَحرَّكُ بأَمرٍ واحِدٍ؛ وإلَّا فمُحالٌ أن يكُونَ هناك انسِجامٌ تامٌّ وتَوافُقٌ واضِحٌ في العَمَلِ وفي آنٍ واحِدٍ وبنَمَطٍ واحِدٍ وبنَوعِيّةٍ واحِدةٍ وهمان باواحِدةٍ في جَميعِ الأَنحاءِ، لِذا فإنَّ كلَّ ما هو مُتقَنُ الصُّنعِ يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على ذلك الفاعِلِ الَّذي لا نَراه، بل كأنَّه يُعلِنُ عنه صَراحةً، بل كأنَّ كلَّ نَسِقُ الَغرُوزٌ بالزُّهُورِ، وكلَّ ماكِينةٍ بَديعةٍ، وكلَّ مَأكُولٍ لَذيذٍ، إنَّما هو عَلامةُ الصّانِعِ المُعجِزِ وخاتَمُه وآيتُه وطُغْراؤُه، فكلٌّ مِنهم يقُولُ بلِسانَقاتِ لِ: "مَن كُنتُ أنا مَصنُوعَه، فمَوضِعي الَّذي أنا فيه مُلكُه". وكلُّ نَقْشٍ يقُولُ: "مَن قامَ بنَسجِي ونَقشِي فلَفيفُ القُماشِ الَّذي أنا فيه هو مَنسُوجُه". وكلُّ لُقمةٍ لَذيذةٍ ئفِ ال: "مَن يَصنَعُني ويُنضِجُني فالقِدْرُ الَّذي أُطبَخُ فيه مُلكُه". وكلُّ ماكِينةٍ تقُولُ: "مَن قامَ بصُنعي فكلُّ ما في العالَمِ مِن أَمثالي مَصنُوعُه وهو مالِكُه. أي: مَن كان مالِكًا للمَملَكةِ والقَصرِ كلِّه فهو الَّذي يُمكِنُه أن يَملِكََعمَلُذلك بمِثلِ مَن أَرادَ أن يَدَّعِيَ تَمَلُّكَ أَزرارِ البِزّةِ العَسكَريّةِ ووَضْعَ شِعارِ الدَّولةِ علَيها لا بُدَّ أن يكُونَ مالِكًا لِمَصانِعِها ك كإسطَحتَّى يكُونَ مالِكًا حَقيقيًّا، وإلّا فليس له إلّا الِادِّعاءُ الكاذِبُ، بل يُعاقَبُ على عَمَلِه ويُؤاخَذُ على كَلامِه.
الخُلاصةُ:كما أنَّ عَناصِرَ هذه المَملَكةِ مَوادُّ مُنتَشِرةٌ في جَميعِ أَرجاَابقُوفمالِكُها إذًا واحِدٌ، يَملِكُ ما في المَملَكةِ كلِّها، كذلك المَصنُوعاتُ المُنتَشِرةُ في أَرجاءِ المَملَكةِ لأنَّها مُتَشابِهةٌ تُظهِرُ علامةً واحِدةً ونامُوسًا واحِدًا، فجَميعُها إذًا تَدُلُّ على ذلك الواحِدِضَعفِهَيمِنِ على كلِّ شيءٍ.
فيا صَدِيقي.. إنَّ علامةَ الوَحدةِ ظاهِرةٌ في هذا العالَمِ، وآيةَ التَّوحيدِ واضِحةٌ بَيِّنةٌ، ذلك لأنَّ قِسمًا مِنَ الأَشياءِ رَغمَ أنَّه واحِدٌ فهو مَوجُودٌ في العالَمِ كُلِّه، وقِسمًا آخَرَ رَغمَ تَعدُّدِ أیی وهيه فإنَّه يُظهِرُ وَحدةً نَوعيّةً مع أَقرانِه لِتَشابُهِه وانتِشارِه في الأَرجاءِ،
— 360 —
وحيثُ إنَّ الوَحدةَ تَدُلُّ على الواحِدِ كما هو مَعلُومٌ، لِذا يَلزَمُ أن يكُونَ صانِعُ هذه الأَش مُتَومالِكُها واحِدًا أَحَدًا.. زِدْ على هذا فإنَّك تَرَى أنَّه يَخرُجُ حَبلٌ غَلِيظٌ مِن وَراءِ سِتارِ الغَيبِ، فتَتَدلَّى مِنه خُيُوطٌ (حاشية): الحَبلُ إشَارةٌ إلى الشَّقِ وإيلمُثمِرة، والخُيوطُ الرَّفيعةُ إشَارةٌ إلى أغصَانِها، أمّا الهَدايَا والمُرصَّعات فَهي إشَارةٌ إلى أَنواعِ الأزهَارِ وأضرَابِ الثِّمار. تَحمِلُ ما هو أَثمَنُ مِنَ اِّينِ والزُّمُرُّدِ مِنَ الآلاءِ والإحسانِ.
إذًا: فقَدِّر بنَفسِك مَدَى بَلاهةِ مَن لا يَعرِفُ الَّذي يُديرُ هذه الأُمُورَ العَجِيبةَ ويُقَدِّم هذه الهَدايا البَديعةَ! قَدِّر مَدَى تَعاسةِ مَن لا يُؤدِّي شُكرَه عل "أيَّإذ إنَّ جَهلَه به يُرغِمُه على التَّفَوُّهِ بما هو مِن قَبِيلِ الهَذَيانِ، فيقُولُ مثلًا: إنَّ تلك الحِبالَ هي الَّتي تَصنَعُ تلك اللَّآلِئَ المُرَصَّعاتِ! أي: يُلزِمُه جَهلُه أن يَمنَحَ مَعنَى السُّلطانِ لكُلِّ حَبلٍ مِنٌ على لحِبالِ! والحالُ أنَّنا نَرَى أنَّ يَدًا غَيبِيّةً هي الَّتي تَمتَدُّ إلى تلك الحِبالِ فتَصنَعُها وتُقلِّدُها الهَدايا. أي: إنَّ كلَّ ما في هذا القَصرِ يَدُلُّ على صانِعِه الَ ويُعِ دَلالةً أَوضَحَ مِن دَلالَتِه على نَفسِه.. فإن لم تَعرِفْه يا صاحِبي حَقَّ المَعرِفةِ فستَهوِي إذًا في دَرْكٍ أَحَطَّ مِنَ الحَيَواناتِ، لأنَّك تُضطَرُّ إلى إنكارِ جَميعِ هذه الأَشياءِ.
البُرهان التاسع
أيُّها الصَّدَشْهَدلَّذي يُطلِقُ أَحكامَه جِزافًا، إنَّك لا تَعرِفُ مالِكَ هذا القَصرِ ولا تَرغَبُ في مَعرِفَتِه، فتَستَبعِدُ أن يكُونَ له مالِكٌ، وتَنساقُ إلى إنكارِ أَحوالِه لعواسْأَعَقلِك عنِ استِيعابِ هذه المُعجِزاتِ الباهِرةَ والرَّوائعَ البَديعةَ، مع أنَّ الِاستِبعادَ الحَقيقيَّ، والمُشكِلاتِ العَوِيصةَ والصُّعُوباتِ الجَمَّةَ في مَنطِقِ العَقلِ إنَّما هو في عَدَمِ مَعرِفةو سيِّلِكِ، والَّذي يُفضِي بك إلى إنكارِ وُجُودِ هذه المَوادِّ المَبذُولةِ لك بأَثمانِها الزَّهيدةِ ووَفْرَتِها العَظيمةِ.
بَينَما إذا عَرَفْناه يكُونُ قَبُولُ ما في هذا القَصرِ، ومالًا:
ا العالَمِ سَهلًا ومُستَساغًا ومَعقُولًا جِدًّا، كأنَّه شيءٌ واحِدٌ، إذ لو لم نَعرِفْه ولَولاه، لكان كلُّ شيءٍ عِندَئذٍ صَعْبًا وعَسِيرًا، بل لا تَرَى شَيئًا مِمّا هو مُتَوفِّیرٌ ومَبذُولٌ أَمامَك.. فإن شِئتَ فانظِ والأسْبُ إلى