صيقل الإسلام
— 107 —

المقالة الثالثة

عنصر العقيدة
— 109 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وأشهد أن محمدًا رسول اللّٰه
هذه الكلمة السامية أساسُ الإسلام.. وأنوَرُ راياته وأعلاها التي ترفرف على الكائنات طرًا.
نعم، إن الإيمان الذي هو عهدنا بالميثاق الأزلي قد اندرج في هذا الكلام المقدس.
وإن الإسلام الذي هو الماء الباعث على الحياة، قد نبع من عين حياة هذه الكلمة.
فهذه الكلمة ميثاق أزلي، سُیلِّمَ بيد المبشَّرين بالفوز بالسعادة الأبدية والمعيَّنين بها، من بين البشرية المرشَّحة للخلود.
نعم، إن هذه الكلمة منهاجٌ رباني.. وترجمانٌ بليغ لأوامره تعالى، تتنور به اللطيفةُ الربانية الموضوعة على نافذة قلب الإنسان المطلِّ على عوالم الغيوب.
هذه الكلمة منهاج أزلي، ينطق به اللسان، المبلّغ الأمين عن الإيمان باللّٰه الحكيم.. وخطاب فصيح ينشده الوجدان المليء بالأسرار تجاه الكائنات.
إن كلمتي الشهادة كل منها شاهد صادق على الأخرى؛ فالألوهية برهان "لِمِّيٌّ" للنبوة ومحمد (ص) بذاته وبلسانه برهان "إِنِّيٌّ" للألوهية. [٭]: البرهان الإنّيّ واللِّمِّيّ: فالإنّي -بتشديد النون- مصدر صناعي مأخوذ من "إن" المشبهة بالفعل التي تدل على الثبوت والوجود. أما اللمّي، فهو مصدر صناعي مأخوذ من كلمة "لِمَ" للعلية. وفي (التعريفات للجرجاني): الاستدلال من العلة إلى المعلول برهان لمّيّ، ومن المعلول إلى العلّة برهان إنّيّ.
إن حقائق العقائد الإسلامية بجميع تفرعاتها صريحة ومبرهَنة في مظانها من الكتب، وهي في متناول اليد. ولكن لما كان إيضاح الظاهر يومئ إلى تجهيل المخاطب أو خفاء الظاهر، فلا أبيّن من عناصر العقيدة سوى ثلاثة أو أربعة منها، وأُحيل بقيتَها إلى كتب فحول العلماء، فقد أوفَوها حقَّها.
— 110 —
مقدمة المقصد الأول
من المعلوم لدى المدققين أن مقاصد القرآن أربعة: إثبات الصانع الواحد، النبوة، الحشر الجسماني، العدل.
فالمقصد الأول يخص الدلائل على الصانع الجليل، ومحمد (ص) أحدُ براهينه.
هذا، وإن وجود الصانع ووحدانيته أجلّ وأظهر وأغنى من أن يَحتاج إلى إثبات، ولاسيما لدى مخاطبة المسلمين، لذا وجّهتُ كلامي هذا إلى الأجانب، وبخاصة اليابانيين؛ إذ قد سألوا في السابق مجموعة من الأسئلة، فأجبتُهم عنها في حينه، وأُدرِجُ هنا قسمًا من تلك الأجوبة.
منها: (ما الدليل الواضح على وجود الإله، الذي تدعوننا إليه؟ والخلقُ من أي شيء؟ أمن العدم أو المادة أو ذاته؟ إلى آخر أسئلتهم المردَّدة).
أرجو المعذرة عن الغموض الذي يكتنف كلامي، إذ لا يمكن حصر معرفة اللّٰه التي لا حدود لها في مثل هذا الكلام المحدّد.
إن القصد من الكلام الآتي: انجلاءُ الحقيقة في المجموع، بإظهار طريق المحاكمة العقلية وعقدِ الموازنات، لأن تحرّي النتيجة بتمامها في كل جزءٍ من أجزاء المجموع سَترٌ للحقيقة بالأوهام والشكوك، بسببٍ من جزئية الذهن وسيطرة قوة الوهم.
إن الذي يَحجب ظهورَ الحقيقة الرغبةُ في المعارضة.. والتزامُ جانب المعارِض.. وإعذارُ المرء نفسَه بإرجاع أوهامه إلى أصل موثوق بالتزامه لها.. وتتبعُ الهفوات والعيوب.. والتحججُ بحجج واهية صبيانية.. وأمثالُها من الأمور.
فإن استطعت أن تجرد نفسَك منها، فقد وفيتَ بشرطِي، فاستمعْ إذن بقلب شهيد: