— 92 —
المسألة الخامسة
إن أصل الكلام وصورة تركيبه يفيد المقصد نفسه، كما أن غناه وثروته وسعته هو في بيان لوازم الغرض وتوابعه وهزّه بتلميحاتِ مستتبعاته وبإشارات الأساليب؛ إذ التلميح أو الإشارة أساس مهم يهزّ عطف الخيالات الساكنة ويستنطق جوانبها الساكتة، فيهيّج الاستحسان في أقصى زوايا القلب.
نعم، إن التلميح أو الإشارة إنما هو لمشاهدة أطراف الطريق ومطالعتها، وليس للقصد والطلب والتصرف، بمعنى أن المتكلم لا يكون مسؤولًا فيه.
فإن أحببت فادخل في هذه الأبيات لترى ما يستحق المشاهدة:
— 93 —
فانظر إلى شعرات لحية الشيخ الذي اعتلى فرسه وأراد أن يعرض فتوته تجاه حسناء، تجد فيها مفاتيح بلاغة كثيرة..
فدونك الأبواب افتحها:
قالتْ كبرتَ وشِبتَ قلتُ لها هذا غبارُ وقايع الدهر
[٭]: قول ابن المعتز (أسرار البلاغة ٣٢٢).
وأيضًا:
ولا يروّعك إيماض القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
[٭]: وفیي رواية الیديوان: فلا يؤرقك إيماض القتير... والقتير: الشیيب. والبيت للطائي الكبير يمدح الحسن بن سهل.
أي لا يخوّفك ابيضاض شعرات فإن نور العقل والأدب قد سالا من الدماغ إلى اللحية.
وأيضًا:
وعينُك قد نامتْ بليلِ شبيبةٍ فلم تنتبه إلّا بصبح مشيب
وأيضًا:
وكأنما لَطَم الصباح جبیينه فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
[٭]: قاله ابن نباتة السعدي في وصف فرس أهداه إياه سيف الدولة. (انظر الديوان ١/٢٧٣ وأسرار البلاغة ٣٢٥).
يصف الشاعر فرسه فيريد: أن غرّته إنما هي أثر من لطمة الصباح على جبينه، وتحجيلَه إنما هو من خوضِ قوائمه الأربع في أحشاء الصباح.
وأيضًا:
كأن قلبي وشاحاها إذا خطرتْ وقَلْبَها قُلْبُها في الصمت والخرس
[٭]: للشاعر صريع الغواني (ت ٢٠٨هی/٨٢٣م) مسلم بن الوليد الأنصاري؛ انظر: العاملي، الكشكول، ١٥٩. وأسامة بن منقذ، البديع في نقد الشعر ١/٤٥.
أي يتحرك قلب الشاعر كوشاح في خصر المعشوق، بينما قلبها في سكون وصمت كسوارها. فلئن اشتاق قلبي إلى ذلك الزند القوي والخصر النحيف فإن قلبها مستغن عني... فالشاعر جمع في البيت الواحد الحسن والعشق والاستغناء والاشتياق.
— 94 —
وأيضًا:
وألقى بصحراء الغبیيط بعاعه نیزولَ اليمانِي ذي العياب المحمّل
[٭]: صحراء الغبيط: الحزن، وهي أرض بني يربوع. بعاعه: ثقله، وما معه من متاع. والمعنى: أرسل السحاب ماءه وثقله كهذا التاجر اليماني حين ألقى متاعه في الأرض ونشر ثيابه، فكان بعضها أحمر وبعضها أصفر وبعضها أخضر، كذلك ما أخرج المطر من النبات والزهر فألوانه مختلفة كاختلاف ألوان الثياب اليمانية (شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري. تحقيق: عبد السلام هارون - دار المعارف ص١٠٨)
أي إن السيل القادم من المطر، ألقى بضاعته كالتاجر اليماني في صحراء الغبيط، فأخذت الأزاهير تتلون بتلك الأخلاط التجارية الممزوجة بالأصباغ والألوان وتلبس الحلل الزاهية حتى تحمر رؤوسها، مثلما لو نزل تاجر في قرية مساءً واشترى منه أهلها بضاعته المتلونة المتنوعة، يخرج في الصباح كلٌ من بيته في زينة وجمال وحتى راعي القوم يعصب رأسه بعصابة حمراء.
وأيضًا:
غَارَ الوفاءُ وفاض الغدرُ وانفرجتْ مسافةُ الخلف بين القول والعمل
[٭]: في ديوان الطغرائي: غاض الوفاء... الخ (الغيث المسجم في شرح لامية العجم ٢/٣٤٣ شرح صلاح الصفدي، دار الكتب العلمية بيروت ١٩٧٥).
فإن شئت فالتفِتْ إلى ما قبل هذه المقالة، تجد أمثلة كثيرة حول هذه المسألة.
منها: "إن مفتاح دلائل إعجاز الآيات وكشاف أسرار بلاغتها، البلاغة العربية لا الفلسفة اليونانية".
أو راجع الإشارة التي هي في خاتمة المسألة الأولى من المقالة الأولى، فإن فيها: "إن شريعة الخليقة أو الشريعة الفطرية قد فَرضت على الأرض المجذوبة السائحة ألّا تشذ عن صف النجوم المقتدية بالشمس".
نعم، إن الأرض مع قرينتها
﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾
(فصلت:١١) والطاعة في الجماعة أفضل.
فتأمل الآن في هذه الأمثلة، فإن كل مثال يُريك مِن أمامه ومن خلفه مقاماتٍ، بحيث تبرز مقامات أخرى خلفها.