— 74 —
المسألة الخامسة
إن ما اشتهر من أن "جهنم تحت الأرض"، [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠، ٤/٢٨٧؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٣/٥٥؛ البيهقي، شعب الإيمان ١/٣٣١، ١/٣٥٧، ٤/٣٣٤؛ الحاكم، المستدرك ٤/٦١٢. فنحن معاشر أهل السنة والجماعة لا نعيّن موضعَها على القطع واليقين، ولكن "التحتية" هي الظاهرة. [٭]: هذه المسألة فَصّلها السؤال الثالث من المكتوب الأول.
وبناءً على هذا أقول وباللّٰه التوفيق:
أولًا: إن كرتنا الأرضية ثمرةٌ من ثمرات شجرة العالم العظيمة، عظمةَ شجرة طوبى، كما أثمرت سائر نجومها. فما تحت الثمرة يشمل تحت جميع أغصان تلك الشجرة. وبناء على هذا فی"جهنم" تحت الأرض بين تلك الأغصان، فمُلك اللّٰه تعالى واسع، وشجرة الخليقة منتشرة، أينما كانت جهنم فلها موضع بينها ولا تقتضي مسافة التحتية طولًا ولا اتصالًا بالأرض.
وفي نظر الحكمة الجديدة، أن النار مستوليةٌ على أكثر ما في الكون، وهذا يشفّ عن أن أصلَ هذه النار وأساسَها جهنم، ترافق الإنسان إلى الخلود وفي طريقه إلى الأبد، وستمزَّق يومًا ما الستارُ، وتبرز إلى الميدان قائلة: تهيأوا!
وأودّ أن ألفت نظركم إلى هذه النقطة:
ثانيًا: إن تحت الكرة وأسفَلها هو مركزها وجوفها، فعلى هذا فإن الأرض حبلى ببذرة شجرة زقوم جهنم، ستلدها يومًا ما. بل الأرض الطائرة في الفضاء ستبيض شيئًا كهذا، حتى إن لم تكن جهنم بتمامها في تلك البيضة فإن رأسها أو أيّ عضو منها مطويةٌ فيها بحيث تتحد مع الدركات وسائر الأعضاء منها يوم القيامة وتبرز على أهل العصيان جهنمُ مهولةً عجيبةً.
فيا هذا! الحسابُ والهندسة يمكنهما أن يأخذاك إلى موضع جهنم وإن لم تذهب أنت إليها؛ وذلك أن درجة الحرارة تتزايد درجة واحدة تقريبًا في الأرض بكل ثلاثة وثلاثين مترًا في باطن الأرض، بمعنى أن درجة الحرارة تكون في المركز ما يقرب من مئتي ألف درجة -في الأغلب- فنسبة هذه النار المركزية إلى درجة حرارتنا البالغة ألف درجة هي مئتا مرة.
— 75 —
وهذه تُثبت نفس ما ورد في الحديث المشهور -ما معناه- من أن نار جهنم أشد من نارنا بمئتي مرة. [٭]: انظر: البخاري، بدء الخلق ١٠؛ مسلم، المساجد ١٨٠-١٨٧؛ الترمذي، الصلاة ٥؛ أبو داود، الصلاة ٥.
ثم إن قسمًا من جهنم "زمهرير"، [٭]: انظر: البخاري، المواقيت ٩، بدء الخلق ١٠؛ مسلم ١٨٥؛ الترمذي، جهنم ٩؛ ابن ماجه، الزهد ٣٨؛ الدارمي، الرقاق ١١٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٧٦، ٣٩٤، ٥٠٣. والزمهرير يحرق ببرودته؛ إذ قد ثبت في العلم الطبيعي أن الحرارة تصل إلى درجة تجعل الماء ثلجًا، وتحرق بالبرودة، حيث تمص الحرارة مصًا. أي إن النار التي تشمل جميع المراتب قسم منها "زمهرير".
تنبيه: إن العالم الأخروي الأبدي لا يُقاس بمقياس هذه الدنيا الفانية، ولا بسعتها، فاستعد سيتجلى لك شيء من الآخرة في ختام "المقالة الثالثة".
إشارة: من السعادة الأخروية، من تلك الجنة الوارفة الظلال، تنفتح أمام نظر العقل ثمانية أبواب ونافذتان وذلك:
بشهادة الانتظام في جميع العلوم..
وبإرشاد الاستقراء التام للحكمة..
وبرمز جوهر الإنسانية..
وبإيماء عدم تناهي ميول البشر..
وبتلميح القيامة النوعية المكررة في كثير من الأنواع، كالليل والنهار..
وبدلالة عدم العبثية..
وبتلويح الحكمة الأزلية..
وبإرشاد الرحمة الإلهية المطلقة..
وبلسان النبي الصادق الفصيح..
وبهداية القرآن المعجز البيان..