— 9 —
محاكمات عقلية
في التفسير والبلاغة والعقيدة
أو
صيقل الإسلام "رجتة العلماء"
وصفةٌ طبية: لعصر مريض، وعنصر عليل، وعضو سقيم
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 10 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
— 11 —
تقديم
العالم الفاضل الأستاذ الدكتور
عبد الملك السعدي
الحمد للّٰه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرشدين، وعلى آله وأصحابه الهداة المهديين.
وبعد، فالإمام النورسي أشهرُ من أن يُعرَّف به؛ إذ قد تجسّد في ذاته جميعُ ما أُطلق عليه من ألفاظ، فهو سعيدٌ اسمًا ومعنى، وبديعُ زمانه جهادًا وتضحية، ونورٌ شعَّ في ظروف تركية إسلاميًا هي بأمس الحاجة إلى أنوار عقليته الجبارة وتوجيهاته السديدة.
فقد عرفتُ النورسي من خلال ثروته العلمية عالمًا نابغًا، ومرشدًا مبصّرًا، وواعظًا مؤثرًا، ومجاهدًا مثابرًا، وصابرًا على المكاره جليدًا، ومؤلفًا بارعًا.
كيف لا.. وهو الذي أفنى حياتَه بين سجن وإبعاد، وأيامَه بين ضغط واضطهاد.
وهو الذي زيَّن خزانات العلم بمؤلفاته ورسائله؟!
لقد ظهر النورسي في ظروف وكأنها تنتظره لإصلاح ما فسدَ بها وإعلاءِ ما انخفض فيها.
وما هو وجهادهُ إلّا لمحةٌ من لمحاتِ
﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾
(الحِجر:٩) ونبأٌ من أنباء خلود الرسالة المحمدية في أرض اللّٰه.
فقد ظهر في عصرٍ رفع الكفرُ رأسه فيه، واشرأبت أعناقُ التضليل لتطل بنظراتها المسمومة على دولة لها عراقتُها في الحضارة الإسلامية ولها دَورها الفعال في تدعيم ركائز العقيدة في بلاد الأناضول.
فقد وقف وقفةَ الشجاع الصامد، والهِزَبر الجَسور أمام أئمة العلمانية ودعاتها فأَلقم
— 12 —
بحججه وكتابته ومناظراته حَجرًا للأفواه النتنة المتمشدقة بالطعن بالإسلام ولغةِ القرآن واتهمتها بالرجعية والتخلف.
فالإمام سنّ في تركيا المسلمة سنةً حسنة له أجرُها وأجرُ مَن عمِل بها إلى يوم القيامة؛ إذ قابل الشرَّ بالخير، وعالج الفكر بالفكر، فدعوتُه كانت وما زالت بعدَه تغرس العقيدةَ في نفس الشعب التركي وتحفّز همّته وتوقد جذوةَ الإيمان في قلبه كلما أراد أهلُ الشر إطفاءها.
ولم تكن حركةُ هذا الإمام مقصورةً على الشعب التركي المسلم فحسب بل انتشرت إلى العالم وذاع صيتُها وخرجت إلى أرجاء العالم تحمل بين يديها الأملَ والبشرى للمؤمنين وأيقنوا أن شعبًا تخلد فيه حركة كحركة النورسي حريّ به أن يحقق أهدافَه في مواصلة الدرب الذي وضعهم الإمام عليه.
فقد حصل لهذا الرائد الكبير والمصلح الملهَم أتباعٌ يحملون ذلك المشعل الذي أوقده بأيديهم داخل تركيا وخارجها ليواصلوا المسيرة حتى يرفعوا راية الإسلام على ربوع بلاد الفاتح.
وقد قيّض اللّٰه لنشر مؤلفاته وترجمتها رجالًا مخلصين لربهم ولدينهم ولعقيدتهم، ومن بين هؤلاء الرجال الأخ الماجد الأستاذ إحسان قاسم الصالحي؛ إذ قد ترجم له العديدَ من مؤلفاته إلى العربية وملأ بها أسواق العراق وخزانات العلماء، فجزاه اللّٰه خيرًا عن المؤلف وعن المسلمين وبارك له في جهوده.
والأستاذ الصالحي هو الذي عرض عليّ أن أُشرّفَ ناظري في كتابٍ من كتب هذا الداعية الكبير، وأُكحّل أجفاني بما انطوى عليه من حِكمٍ جمّة ومعرفة واسعة وعلم غزير. ذلك الكتاب هو "محاكمات عقلية".
وبعد أن تصفحتُ صفحاته وقلبت طرف الطَرْف في سطوره وجنباته واطَّلعت على كنوز ذخائره وخزانته، وجدتُه كتابًا قد احتوى على معلومات لها وزنُها لدى أهل العلم والمعرفة ولها قيمتُها عند أهل الفضل والعرفان. إلّا أنى وجدت الشيخ رحمه اللّٰه قد تأثر في أسلوبه ببلاغةِ بلغاءٍ كالسكاكي والتفتازاني والجرجاني وغيرهم حيث كانت ظاهرة الغموض تضفو على أسلوبه. وعلامات التعقيد تظهر على عباراته، مع أنه قد اتجه اتجاهًا روحيًا دقيقًا
— 13 —
متحديًا كثيرًا من أعداء العقيدة، مقرنًا تحدياته بالتوجيه والنصح والتحذير مما قد ينأى بعيدًا بالقارئ عن عنوان الموضوع.
لذا فإن حُكمي على الكتاب بأنه كتابٌ علمي رصين وليس كتابًا ثقافيًا يسهل تناول ما فيه لكل مَن له خلفية إسلامية، بل يستفيد منه أهلُ التخصص بهذا الشأن وليس للعامة فيه نصيب.
ومع هذا فإن المكتبة الإسلامية العربية بحاجة إلى إخراجه من حيّز العدم إلى حيّز الوجود ليتبوأ مكانته مع أخواته مصنفات المؤلف نفسها والمصنفات الأخرى التي أملتها قرائحُ فطاحل هذه الأمة وأفذاذُها من رجال الفكر والتأليف.
فللأخوة القائمين بنشر تراث هذا الرجل العظيم مني كل إجلال وتقدير مع دعائي لهم بالتوفيق من العلي القدير.
ولهذا الحَبر من أبناء أمة محمد (ص) الرحمة والرضوان من الرحمن الرحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب العالمين
وصلى اللّٰه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
د. عبد الملك عبد الرحمن السعدي
العراق - الرمادي - الجامع الكبير
تحريرًا في ٢٦/٧/١٤١٠هی
٢٣/٣/١٩٩٠م
— 14 —
كلمة للقارئ الكريم
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه، وبعد:
لقد سمى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي مؤلَّفه هذا بی"رجتة العلماء" أي الوصفة الطبية للعلماء، وذلك لِما كان يشعر به ويلمسه من حاجة العلماء ولاسيما علماء عصره، إلى تناول مثل هذه العلاجات التي يضمها الكتاب.
فكتب مؤلَّفَه هیذا باللغة التركية ثم ترجمه إلى لغة العلم السائدة لیدى أهیل العلم وهي اللغة العربية. إلّا أنه أجمل فيه ما فصّل هناك. حتى غدا النص العربي غامضًا مغلقًا -إلّا للعلماء- مما اضطر إلى كتابة "تنبيه" في مستهل الترجمة العربية في طبعتها الأولى وكما يأتي:
"وجبَ عليك أن لا تتعجل في مطالعتها وأن تسأل أهلَ الذكر إن كنتَ لا تعلم، وعليك برفيقتها التركية فإنها شرحَت مُعَمَّياتها وقرّبتها إلى أفواه أفهام العوام".
وفي ختام التنبيه كرّر قوله:
"واسترفِق رفيقةً تركية القدِّ تفصّل ما أجمل... فعليك بالصحبة معها".
ونرى أيضًا أن الأستاذ النورسي عندما ضُمَّ إلى عضوية دار الحكمة الإسلامية التابعة للمشيخة الإسلامية للدولة العثمانية، سجَّل هذا الكتاب ضمن كتبه التركية في سجل الدار المذكورة.
بمعنى أن الكتاب قد أُلّف أصلًا باللغة التركية ثم لخّصه المؤلف نفسه في عبارات مجملة جدًّا باللغة العربية.
أخلُص من هذا أن السبب الذي دعاني إلى ترجمة الكتاب وتحقيقه وعدم الاكتفاء بترجمة المؤلّف العربية هو الغموض الشديد في النص العربي إلى حدّ استعصاء الفهم -إلّا للعلماء- بينما المؤلَّف التركي يستفيد منه العلماء وكثير من المهتمين والمثقفين.
— 15 —
والسیبب الآخر والأهم الیذي دعیانیي إلى القيیام بالترجمة والتحقيیق هیو أنني لما أكرمني المولى القدير بتحقيق آثار الأسیتاذ النورسیي العربية: "المثنوي العربي النوري" ثم "إشارات الإعجاز" و"الخطبة الشامية" رأيت أنه من الواجب عليّ تقديم هذا الكتاب للقارئ الكريم بأسلوب مفهوم حيث المؤلف عدّه مقدمةً لتفسيره الجليل "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز". فیللّٰه الحمد والمنة على توفيقه الكريم وله الفضل أولًا وآخرًا.
والكتاب بحد ذاته يحوز أهمية بالغة للمهتمين بالفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية، إذ يُبرز ما كان يدور في أذهان العلماء وكتب التفاسير المتداولة في ذلك العصر -أواخر الدولیة العثمانية- فضلًا عن أن الموازين والقواعد التي وضعها المؤلِّف لتقويم المفاهيم الغريبة والدخيلة في كتب متداولة لدى العلماء، ما تزال تحفظ تلك الموازينُ بجدَّتها وحيويتها وحقيقتها... ولعل هذا هو السیبب الذي أدّى إلى تسیمية الكتاب بی"محاكمات عقلية" أو "صيقل الإسلام" أملًا من المؤلف أن يشحّذ به سيفَ الإسلام ويُجَلّيه من أدران وصدأ.
كان نهجي في الترجمة والتحقيق الآتي:
أولًا: ترجمة النص التركي المطبوع في دار سوزلر للنشر بإسطنبول سنة ١٩٧٧م مع الاعتماد على نسخة من الطبعة الأولى (مطبوعة سنة ١٣٢٧-١٩١١م بمطبعة "أبو الضياء" بإسطنبول) وعلى هذه النسخة تصحيحات المؤلف نفسه. تفضّل بها عليّ الإخوة العاملون في دار سوزلر، جزاهم اللّٰه خيرًا.
ثانيًا: مقابلة الترجمة بعد الانتهاء منها بترجمة المؤلف الموجزة بطبعتها الأولى المنشورة تحت اسم "رجتة العلماء". وبطبعتها الثانية المنشورة ضمن كتاب "الصيقل الإسلامي" بمطبعة النور بأنقرة سنة ١٩٥٨م.
ثالثًا: اقتباس بعض عبارات المؤلف العربية من ترجمته.
رابعًا: ضبط الآيات الكريمة وبيان مواضعها من السور.
خامسًا: تخريج الأحاديث الشريفة بمعاونة إخوة لهم باع طويل في علم الحديث.
سادسًا: كتابة هوامش لشرح بعض الاصطلاحات العلمية الواردة في الكتاب.
— 16 —
سابعًا: وضع تراجم مختصرة لعدد من الأعلام التي وردت في الكتاب ولمؤلفاتهم ممن لم ينالوا حظًا من الشهرة عند القارئ، مع إغفال المشاهير المعروفين عندهم.
وبعد أن تم العمل بفضل اللّٰه ودِدت أن لو قام أحدُ العلماء الأفاضل بمراجعة ما قمتُ به من تحقيق وترجمة. علّه يرشدني إلى ما فيه الأصوب. فشاء اللّٰه أن يكون ذلك العالم هو الشيخ الجليل والعالم المبجّل والأستاذ القدير الدكتور عبد الملك السعدي، فما إن عرضت عليه الفكرة حتى رحّب بها وقبِلها بتواضع جم، فقرأ الكتاب قراءةَ عالم مدقق ونبّهني على نقاط قد غفلت عنها، ووَضَع هوامش ذيّلتُها باسمه، ثم كلّل جهدي بمقدمة قيّمة نافعة بإذن اللّٰه فجزاه اللّٰه عنا خير جزاء.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.
وصلّ اللّٰهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إحسان قاسم الصالحي
— 17 —
محاكمات عقلية
في التفسير والبلاغة والعقيدة
أو
صيقل الإسلام "رجتة العلماء"
وصفةٌ طبية: لعصر مريض، وعنصر عليل، وعضو سقيم
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 18 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
— 19 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
وبه نستعين وباللّٰه التوفيق...
التحياتُ للحاكم الحكيم الرحمن الذي لم يزل.. الذي فضّلَنا بالإسلام، وهدانا إلى الصراط المستقيم بشريعته الغراء، تلك التي صدّق العقلُ والنقلُ معًا حقائقَها الثابتة، الراسخةَ في أرض الحقيقة أصولُها، المنتشرةَ في سماء الكمالات فروعُها، الحاملة بسعادة الدارين ثمارُها.
والذي أرشدنا إلى الحق المبين، بقرآنه المعجِز البيان الذي بيّن بقواعده -من كتاب العالم- قوانينَ اللّٰه العميقة الجارية بيَد القدر، المسطّرة بقلم الحكمة على صفحة الوجود، فيحقق بأحكامه العادلة رقيَّ البشرية وسموَّ نظامها ودقةَ اتزانها، فأصبح حقًا مرشدًا وهاديًا إلى سواء السبيل.
والصلاة الدائمة على سيد الكونين وفخرِ العالمين الذي يشهد لرسالته ويدلّ على معجزاته ويدعو إلى ما أتى به من خزينة الغيب من كنز عظيم العالَمُ بأنواعه وأجناسه، حتى لَكأن كلَّ نوع يرحّب بمَقدَمه بلسانه الخاص، كما يستنطق سلطانُ الأزل أوتارَ الأرض والسماوات، فينشد كلُّ وترٍ بلسانِ نغماتِ معجزاته، فيرنُّ ذلك الصدى الجميل إلى الأبد ما دامت هذه القبة الزرقاء.
فالسماءُ تُبارك رسالتَه بألسنة معراجها وملائكتها وقمرها.
والأرضُ تفخر بمعجزاته بألسنةِ حَجَرها وشجرها وحيوانها.
وجوُّ الفضاء يبشّر بنبوته بجِنّه، ويظللها ويحميها بسحائبه.
والماضي يبشر بالفجر الصادق لذلك السراج المنير، بتصديق الأنبياء وتلويحات الكتب ورموز الكهان.
والحالُ الحاضرة -أعنى خيرَ القرون، قرن السعادة النبوية- تشهد على ثبوت نبوّته بلسان الحال، بالانقلاب العظيم الذي أحدثته في طبائع العرب، وتحويلهم دفعةً من البداوة الصرفة إلى المدنية المحضة.
— 20 —
والمستقبلُ يشكر بلسان الحكمة إرشاداته ويستقبل موكبَه الميمون بأحداثه وبتحقيقاته.
والبشريةُ قاطبة بعلمائها ومحققيها تشهد أنه مرسَل من عنده تعالى، ولا سيما المستمعون إلى محمد (ص) بلسانه الفصيح وبكلامه البليغ، والذي هو كالشمس يضيء نفسه كما يضيء غيره.
واللّٰه سبحانه وتعالى بلسان قرآنه الحكيم يعلن رسالته ويستقرئها.
جُمْلَه شِيرَانِ جِهَانْ بَسْتَهِٔ اِينْ سِلْسِلَه اَنْد
رُوبَه اَزْ حِيلَه چِه سَانْ بِگُسَلَدْ اِينْ سِلْسِلَه رَا
[٭]: بيت شعر باللغة الفارسية "لملا جامي" ورد في "مكتوبات الإمام الرباني" بالفارسية رقم ٢٧ و ٥٨ من الجزء الأول. وفي الترجمة العربية، المكتوب السابع والعشرون:
هل يقطع الثعلب المحتال سلسلةً قِيدَتْ بها أُسُدُ الدنيا بأسرهمُ.
أما بعد،
فإن هذا الفقير، الغريب، النورسي، الذي يستحق أن يُطلَق عليه اسم بدعة الزمان إلّا أنه اشتهر -دون رضاه- بی"بديع الزمان"... فهذا المسكين يستغيث ألمًا من حرقة فؤاده على تدنّي الأمة ويقول: آه.. آه... وا أسفى..!
لقد انخدعنا فتركنا جوهرَ الإسلام ولبابَه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره.
وأسأنا الفهم، فأسأنا الأدبَ معه، وعجزنا عن أن نوفيه حقه حق الإيفاء وما يستحقه من الاحترام، حتى رغِبَ عنّا، ونَفَر منّا، وتستّر بسحائب الأوهام والخيالات. والحق معه، إذ نزّلنا الإسرائيليات منزلةَ أُصوله، وأدخلنا الحكايات في عقائده، ومزَجنا مجازاته بحقائقه. فبَخَسنا حقَّه، فجازانا بالإذلال والسفالة في الدنيا.. ولا خلاص لنا إلّا باللواذ برحمته.
أيها الإخیوة المسیلمون! هيیا لنعتذر إليیه، ونطلب رضیاه فنمدّ إليه معًا متفقين يیدَ الصداقة نبايعه ونعتصم بحبله المتين.
أُعلنُ بلا حیرج ولا تیردد: أن الذي دفعني وشیجعني إلى مبارزة أفكار العصور الخوالي، والتصدّي للخيالات والأوهام التي تقوّت واحتشدت منذ مئات السنين.. إنما هو اعتقادي ويقيني بأن الحقَّ سينمو نموَّ البذرة النابتة، وإن تسترت تحت التراب... وأن أهله
— 21 —
سينتصرون وإن كانوا قلّة وضعفاء بظلم الأحوال. واعتقادي أن حقيقة الإسلام هي التي ستسود قارات العالم وتستولي عليها.
نعم، إن الإسلام هو الذي سيعتلي عرشَ الحقائق والمعارف، فلا يكشفها ولا يفتحها إلّا الإسلام... الأمارات تبدو هكذا..
ذلك لأن الذي حال دون استيلاء الشريعة الغراء استيلاءً تامًا في الماضي، في تلك الصحراء الموحشة والجهل المطبق الذي تربّع على عرشه التعصبُ الذميم، وضرب فيه التقليدُ أطنابَه، في بلاد الجهل المخيم بالسفساف والاستبداد المقيت... أقول إن الذي حال دون هيمنة الشريعة في الماضي هيمنة تامة هي أمور ثمانية، وقد مُحِقت -وكذلك الآن تُمحق- بثلاث حقائق.
هذه الموانع هي التي أدّت إلى كسوف شمس الإسلام.
أما الموانع التي في الأجانب فهي: التقليد، والجهل، وتعصبهم، وسیيطرة القسس عليهم.
أما الموانع التي عندنا فهي: الاستبداد المتنوع، وسوء الخلق، واليأس الذي تنجم منه العطالة، والأحوال المضطربة.
أما المانع الثامن، وهو أهم الموانع والبلاء النازل، فهو توهُّمُنا -نحن والأجانب- بخيال باطل؛ وجود تناقض وتصادم بين بعض ظواهر الإسلام وبعض مسائل العلوم. فمَرحى لجهود المعرفة الفياضة وانتشارها، وبخٍ بخٍ لعناء العلوم الغيورة، اللتين أمدّتا تحرّي الحقائق وشحَنتا الإنسانية، وغرستا ميلَ الإنصاف في البشرية، فجهّزتا تلك الحقائق بالأعتدة لدفع الموانع، فقضت وستقضي عليها قضاءً تامًا.
نعم، إن أعظم سبب سلبَ منا الراحةَ في الدنيا، وحرَّم الأجانبَ من سعادة الآخرة، وحجب شمسَ الإسلام وكسفها هو سوءُ الفهم وتوهُّمُ مناقضة الإسلام ومخالفتِه لحقائق العلوم.
فيا للعجب! كيف يكون العبدُ عدوَّ سيده، والخادمُ خصمَ رئيسه، وكيف يعارض الابنُ والدَه!! فالإسلام سيدُ العلوم ومرشدُها ورئيسُ العلوم الحقة ووالدُها.
— 22 —
ولكن، يا للأسف.. هذا الفهم الخطأ، هذا الوهم الباطل، قد أجرى حكمَه إلى الوقت الحاضر، فألقى بشبهاته في النفوس، وأوصد أبوابَ المدنية والمعرفة في وجه الأكراد وأمثالِهم... فذعروا من توهم المنافاة بين ظواهر من الدين لمسائلَ من العلوم. فكرويةُ الأرض -مثلًا- وهي أُولى مرتبة من مراتب الجغرافية التي هي أول منزل من منازل العلوم، هذه المسألة البديهية تَوهموها منافيةً للمسائل الست التي سنذكرها، ولم يتحرّجوا من المكابرة فيها والإصرار عليها.
فيا من يُمعن النظر في كتابي هذا!
اعلم أن ما أريد أن أُسديه بهذا الكتاب من خدمة هو: ردُّ شبهات أعداء الدين الذين يبخسون الإسلامَ حقَّه، بإظهار الطريق المستقيم الذي عليه الإسلام.. ودفعُ أوهام أهل الإفراط والغلو المغرَمين بظاهر الإسلام دون حقيقته والذين يستحقون لقب "الصَّديق الأحمق"، ببيان الجانب الآخر من ذلك الطريق السوي.. وإمدادُ علماء الإسلام الأوفياء الصادقين العقلاء وهم المرشدون الحقيقيون الأُصَلاء الذين يسعون في إظهار هذا الصراط القويم، يحدوهم الأمل الكامل في النصر، ويمهّدون السبيل إلى مستقبل عالم الإسلام الزاهر.
زبدة الكلام: إن ما أقصده بهذا الكتاب: صقلُ ذلك السيف الألماسي وشحذُه.
فإن سألت: لِمَ هذا الاضطراب والقلق، وما جدوى سرد البراهين على ما صار كالعلوم المتعارَفة؟ إذ المسائل التي تمخضت عن تلاحق الأفكار [٭]: تلاحق الأفكار: أي تعاقبها وترتب بعضها على بعض. وكشفيات التجارب صارت واضحة وضوح البديهة. فإيراد البراهين عليها من قبيل الإعلام بالمعلوم؟!
أقول جوابًا: إن معاصريَّ -مع الأسف- وإن كانوا أبناء القرن الثالث عشر الهجري إلّا أنهم تذكارُ القرون الوسطى من حيث الفكر والرقي. وكأنهم فهرسٌ ونموذج وأخلاط ممتزجة لعصور خلت -من القرن الثالث إلى الثالث عشر الهجري- حتى غدا كثيرٌ من بديهيات هذا الزمان مبهَمة لديهم.
— 23 —
المقدمة
هذا الكتاب مبنيٌّ على ثلاث مقالات وثلاثة كتب:
المقالة الأولى: تبحث في عنصر الحقيقة أو في صقل الإسلام بمقدمات ومسائل.
المقالة الثانية: تكشف عن عنصر البلاغة.
المقالة الثالثة: تبيّن عنصر العقيدة والأجوبة اليابانية. [٭]: حضر القائد العام الياباني الجنرال إسطنبول سنة ١٩٠٧م. أي أواخر حكم السلطان عبد الحميد الثاني، ووجّه جملة من الأسئلة حول العقيدة وعلامات الساعة إلى المشيخة الإسلامية، فوجّه العلماء بدورهم تلك الأسئلة مع أسئلة أخرى إلى الأستاذ النورسي، أَورد قسمًا من أجوبته التي تخص العقيدة في المقالة الثالثة في مؤلفه "المحاكمات"، وفصله في رسالة "نقطة من معرفة اللّٰه جل جلاله"، وخصّ "الشعاع الخامس" للأجوبة التي تخص أشراط الساعة والدجال.
أما الكتب: فهي تحقيق علمي ونوع تفسير لما أشار إليه القرآن من علم السماء وعلم الأرض وعلم البشر. [٭]: لم يتيسر للمؤلف تأليف هذه الكتب الثلاثة، إذ باشر بتأليف تفسيره "إشارات الإعجاز" في خضم معارك الحرب العالمية الأولى، ولم يتمه أيضًا حيث صرفه المولى القدير إلى تأليف رسائل النور إنقاذًا للإيمان.