— 447 —
الخطبة الشامية
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 448 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
— 449 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
بين يدي هذه الرسالة
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومَن والاه،
وبعد؛
فقد ألقى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، وهو في شرخ الشباب هذه الخطبة باللغة العربية في الجامع الأموي بدمشق، برجاءٍ من علماء الشام وإلحاحهم، وحضرها جمهور غفير من الناس يَربون على عشرة آلاف شخص، فاستمعوا إليها بلهفة وشوق، حتى إن الخطبة لما طُبعت لأول مرة نفدتْ نسخها في غضون أيام قليلة فأُعيد طبعها خلال أسبوع واحد.
كان ذلك في شتاء سنة ١٩١١م، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ثم توالت أيام الحرب الدامية، وانتهت بأُفول نجم الدولة العثمانية، وبدأت بعدها أيامُ محَنٍ توالت على الأستاذ النورسي بسلسلة اعتقالاته ونفيه ومحاكماته التي دامت حتى سنة ١٩٥٠م.
فطوال هذه السنين العجاف لم يتسنَّ له مراجعة هذه الخطبة، بل حتى إنه لم يرها، إلى أن أَرسل إليه في سنة ١٩٥١م أحد أصدقائه من مدينة "وان" نسخة مطبوعةً منها.
كان الأستاذ النورسي عند ذاك في منفاه في "أميرداغ" فأعاد النظر في خطبته التي ألقاها قبل أربعين سنة، وبدأ بترجمتها إلى التركية، أو بالأحرى بتنقيحها وصياغتها مجددًا، إذ ضمَّ إليها فقرات مهمة وهوامش قيّمة [٭]: ذُيلت هوامش المؤلف بی"المؤلف"، وحصرت العبارات العربية التي وردت في النص التركي بين قوسين مركنين. وحذف منها ما يحدد شموليتها، وأحال بعض مسائلها إلى أجزاء رسائل النور، ثم درّسها لقسمٍ من طلابه.
قام الملا عبد المجيد "شقيق الأستاذ النورسي" بترجمة هذا النص التركي إلى العربية -بتوصية من المؤلف نفسه- حسب أسلوبه، ونُشرتْ بالاستنساخ اليدوي في أوساط ضيقة، إذ كانت الطباعة محظورة بالحروف العربية آنذاك.
— 450 —
وفي بداية الستينات تناول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ترجمة الملا عبدالمجيد هذه، وصاغها بأسلوبه العذب. ونُشرتْ منها طبعات كثيرة في حينه. [٭]: طبعت الطبعة الأولى منها في مطبعة بركات بدمشق.
ولكن لما كانت الترجمة العربية هي في الأصل غير كاملة وغير مستوعبة للموضوع، فقد جاءت تلك الصياغة الجميلة -مع الأسف- ينقصها الكثير من الفقرات المهمة والمسائل الجليلة التي تمس الأحداث، فضلًا عن أن الصياغة اقتصرت على الخطبة وحدها دون ذيولها ولواحقها.
ثم تناول الأستاذ عاصم الحسيني (رحمه اللّٰه رحمة واسعة) النصَّ التركي بالترجمة إلى العربية، فأجاد أسلوبًا وأداءً للمعنى، وقام طلاب النور بطبعها في المطبعة البولسية ببيروت سنة ١٩٧٤م.
ما قمت به في هذه الرسالة:
قابلتُ ترجمة الأخ عاصم بالنص التركي فتوصلت إلى الآتي:
١- إنها ترجمة قيّمة لا ترقى إليها ترجمة أخرى، سواء في الأداء أو السبك الرصين للجمل، وهي تكاد تكون مطابقة لمتن الخطبة بالنص التركي، إلّا في بعض الجمل أو أجزاءٍ من فقرات.
٢- بيد أن الأخ الكريم لم تتح له الفرصة -كما يبدو- لإكمال ترجمته، فلم يترجِم ذيول الخطبة كاملة، إذ المقالات التي كتبها الأستاذ النورسي في الصحف المحلية في عهد الاتحاديين وألحقها بالنص التركي، ذاتُ أهمية في إعطاء الصورة الكاملة والواضحة للأحوال السياسية والاجتماعية وكذا التيارات الفكرية التي كان يموج بها المجتمع وقتئذٍ.
٣- ولأجل هذا كله، رأيت لزامًا عليّ القيام بترجمة النص التركي للخطبة مجددًا، مع ذيولها ولواحقها كاملة، ليلمس القارئ الكريم بنفسه أبعاد المسائل التي يطرقها الأستاذ النورسي، ويطّلعَ عليها من جميع جوانبها.
ولقد انتهجت أثناء الترجمة والمقابلة على النص التركي والعربي، الخطوات الآتية:
— 451 —
١- اعتبار النص التركي الذي صاغه الأستاذ النورسي بنفسه هو الأساس، مع ذيوله ولواحقه. وهو النص نفسه الیذي وضیعیه الأستاذ ضمین مبیاحث كتاب أي "تاريخ الحياة" الذي قام بتأليفه طلابُه المقرّبون وأقرّه بنفسه وطُبع في حياته. والنسخة التي اعتمدتُ عليها من الخطبة هي من منشورات "دار سوزلر" في إسطنبول سنة ١٩٧٩م.
٢- مقابلة كل فقرة في النص التركي بالنسخة العربية لنص الخطبة المطبوعة في إسطنبول -لأول مرة- سنة ١٩٢٢م في مطبعة الأوقاف الإسلامية. علمًا أن هذا النص الأول العربي لم تبق له إلّا أهميته التاريخية حيث نقّحه المؤلف بنفسه كما ذكرنا.
٣- الاكتفاء بترجمة الأخ عاصم الموافِقة للنص التركي مع إجراء ما يلزم من تغييرات في الفقرات والجمل ليقرّبها أكثر إلى معنى النص التركي وليفي بمراد المؤلف، مع إكمال الجمل أو الفقرات الناقصة فيها.
٤- ترجمة الذيول بكاملها والمقالات الملحقة بها.
٥- وضع هوامش ضرورية للقارئ الكريم لإيضاح ما يستغلق عليه من مصطلحات سياسية وتاريخية كانت معروفة ومتداولة في حينها.
٦- استخراج الآيات الكريمة من القرآن الكريم ووضع اسم السورة ورقم الآية.
٧- تخريج الأحاديث الشريفة اعتمادًا على الكتب الموثوقة.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا لحسن القصد، وصحة الفهم، وصواب القول وسداد العمل...
وصلّ اللّٰهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إحسان قاسم الصالحي
المحرم الحرام ١٤٠٩
— 453 —
مقدّمة الخطبة الشامية للمؤلف
باسمه سبحانه
﴿ وإن من شئٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا.
إخواني الأعزاء الأوفياء!
هذه الرسالة العربية قد أُلقيتْ درسًا في الجامع الأموي بدمشق قبل أربعين عامًا، وذلك بناءً على إصرار العلماء هناك، واستمَعَ إليها ما يَقرب من عشرة آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن مائة من كبار علماء الشام.
إن الحقائق الواردة فيها، قد أحسَّ بها "سعيد القديم" بإحساس مسبَق، فزفّها بشائر عظيمة بيقين جازم، ظنًا منه أن تلك الحقائق وشيكة التحقق، بيد أن الحربين العُظميين، والاستبدادَ المطلق الذي استمر ربع قرن من الزمان، [٭]: أي منذ انتهاء الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٣م إلى سنة ١٩٥٠ م. قد أدّيا إلى تأخر تحقق تلك الحقائق أربعين أو خمسين عامًا.
والآن قد بدأت تباشير تحقق ما أخبر عنه تلوحُ في أفق العالم الإسلامي، بمعنى أن هذا الدرس المهم ليس مجرد خطبة قديمة، قد عفا عليها الزمن، بل هو درس اجتماعي إسلامي، يحتفظ بكامل جدّته وطراوته وحقيقته طوال هذه الفترة... وكلُّ الذي حدث هو أن عام ١٣٢٧هی قد أصبح عام ١٣٧١هی وأن الجامع الأموي قد حل محلّه جامع العالم الإسلامي الذي يضم ثلاث مائة وسبعين مليون نسمة. [٭]: تعداد المسلمين آنذاك.
إن درسًا كهذا جدير الآن بالترجمة على ما أعتقد.
سعيد النورسي
— 454 —
نهج رسائل النور
في التبليغ
"يسجَّل هنا جوابٌ مهمٌ عن سؤال في غاية الأهمية، إذ يذكر "سعيد القديم" بإحساسٍ مسبّق، في درسه ذاك الذي ألقاه قبل أربعين سنة دروسَ رسائل النور الخارقة وتأثيراتها، وكأنه يراها".
لقد سألني الكثيرون وسألوا بعض إخواني النوريين، ومازالوا يسألون:
لماذا لا تُهزم "رسائل النور" أمام هذا الحشد الغفير من المعارضين والفلاسفة المُتعنّتين وأرباب الضلال؟ فعلى الرغم من إقامتهم سدًا منيعًا -إلى حدٍّ ما- ليحول دون انتشار ملايين الكتب الإيمانية والإسلامية القيمة.. وعلى الرغم من حرمانهم الكثيرَ من الناس، ولا سيما الشباب الأبرياء من حقائق الإيمان بتسهيل سُبُل السفاهة لهم وإغرائهم بملذّات الحياة الدنيا.. وعلى الرغم من محاولتهم كسر شوكة رسائل النور بشتى وسائل الغدر وأساليب الهجوم العنيف واختلاق الأكاذيب وإشاعة الدعايات الزائفة وتخويف الناس منها وحملهم على التخلي عنها.. وعلى الرغم من ذلك فقد انتشرت رسائل النور. فما الحكمة من انتشارها انتشارًا لم يَسبِق له مثيل، حتى بلغ ما نُسخ من معظمها باليد فقط ستمائة ألف نسخة، وهي تحظى بانتشار واسع ويتلقاها الناس بشوق بالغ، في الخفاء، وتستقرئ نفسها في داخل البلاد وخارجها بكمال المسرّة والمحبة؟.
فجوابًا عن أسئلة كثيرة تَرِدُ بهذا المعنى نقول:
الجواب: إن رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم، ببيان إعجاز معانيه الجليلة، تُبَيِّنُ أن في الضلالة جحيمًا معنويًا في هذه الدنيا، كما تُثْبِتُ أن في الإيمان نعيمًا معنويًا في الدنيا أيضًا. وهي تبرهن أن في المعاصي والفساد والمُتع المحرّمة آلامًا معنوية مبرّحة، كما
— 455 —
أن في الحسنات والخصال الحميدة والعمل بالحقائق الشرعية لذائذَ معنوية أشبه ما تكون بملذات الجنة.
فهي بهذا الأسلوب تنقذ مَن كان له مسكة من عقل من أهل السفاهة وأرباب الضلال من التمادي في غيّهم، ذلك لأن في عصرنا هذا حالتين رهيبتين:
أولاها: أن نوازع الإنسان وأحاسيسه المادية لا ترى العقبى، فَتُفَضِّلُ درهمًا من لذّةٍ عاجلة على قنطار من لذات آجلة، هذه الأحاسيس قد طغت -في هذا العصر- على عقل الإنسان وسيطرت على فكره؛ لذا فالسبيل الوحيد لإنقاذ السفيه من سفهه، هو الكشف عن ألَمه في لذته نفسها، ومساعدتُه على التغلب على أحاسيسه تلك؛ إذ المرء في زماننا هذا، مع علمه بلذائذ الآخرة ونعيمها الثمين كالألماس يفضّل عليها مُتعًا دنيوية تافهة أشبه ما تكون بقطع زجاجية قابلة للكسر! كما تشير إليها الآية الكريمة:
يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة
(إبراهيم:٣). وبناء على هذا ولشدة حبّه للدنيا تراه ينساق وراء أرباب الضلالة ويَتبعهم بعد أن كان من أهل الإيمان.
والسبيل الوحيد لإنقاذه من خطر الانسياق هذا، هو إظهارُ آلام جهنم وعذابها في الدنيا أيضًا.
وهذا هو النهج الذي تسير عليه رسائل النور.
إن ما في عصرنا الحاضر من تعنّت الإلحاد، وصدود الضلالات الناجمة من طغيان العلوم الحديثة وغرورها والإعراض الناشئ من اعتياد السفه والغي، قد جَعلت نسبةَ مَن يتّعظ واحدًا من مجموع عشرة أشخاص، أو ربما واحدًا من عشرين شخصًا، بعد أن يُعرَّف له الخالقُ جلّ جلالُه ويُثْبَتَ له وجود جهنم ويخوَّف من عذابها ليتجنب الشرور والسيئات، ثم تراه يقول: "إن اللّٰه غفور رحيم.. إن جهنم بعيدة جدًّا!." ثم قد يستمر في لَهوه وعبثه، فينهزم قلبُه وتنهار روحُه أمام طغيان شهواته.
وهكذا فإن "رسائل النور" تبين العواقب الوخيمة الأليمة التي تترتب على الكفر
— 456 —
والضلال في هذه الدنيا، في معظم الموازنات التي تعقدها، فتنفِّر أشدَّ الناس اتباعًا لهواهم وأكثرهم تعنّتًا وعنادًا، من الخوض في متعهم المحرّمة وسفاهتهم المشؤومة، وتدفع بالعقلاء منهم إلى طَرقِ باب التوبة والاستغفار.
وعلى سبيل المثال: الموازناتُ المبسطة التي تتضمنها الكلمات: السادسة، والسابعة، والثامنة من "الكلمات الصغيرة"، والموازنة المطوّلة التي يتضمنها الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين... هذه الموازنات تَحْمِل أشد الناس سفاهة وضلالة على الرهبة والرعب، وعلى قبول إرشادها والاتعاظ بها.
ومثلًا: نشير هنا باختصار إلى ما رآه (أي سعيد القديم) من حقائق في إثناء تجوالٍ خيالي من خلال التدبر في آية "النور". وتفصيله في "القسم الخامس من المكتوب التاسع والعشرين من مجموعة المكتوبات" فمن شاء فليراجعه. والخلاصة هي:
أنني في أثناء سياحتي الخيالية تلك، رأيت عالمَ الحيیوان، ذلك العالم المحتاج إلى الیرزق والتقوّت. وعندما تأملته من وجهة نظر الفلسیفیة المادية، أَظْهَرَ لي -ذلك العالَمَ من الأحياء- عالمًا رهيبًا مؤلمًا؛ بما فيه من ضعف وعجز فضلًا عن مسيس احتياجه وشدة جوعه!
ولما كنت أنظر إليه بعين أهل الضلال والغفلة أطلقتُ صرخةً ملؤها الألم والحزن، وإذا بي أرى ذلك العالم بمنظار الإيمان وحكمة القرآن، فإذا باسم "الرحمن" يشرق من برج "الرزاق" كشمسٍ ساطعة، فأنار ذلك العالمَ الجائع البائس من الأحياء وأسبغ عليه نور رحمته.
ثم رأيت عالَمًا آخر في عالم الحيوان هذا، ذلك هو عالَم الأفراخ الصغار التي تنتفض ضعفًا وعجزًا وعَوزًا، وقد تغشاه ظلام محزن أليم، يدعو كل إنسان إلى الإشفاق عليه. ولما كنت أنظر بعين أهل الضلالة، صِحْتُ قائلًا: واحسرتاه! وإذا بالإيمان يمنحني نظّارة، شاهدتُ من خلالها: طلوعَ اسم "الرحيم" من برج "الشفقة"، ينشر أضواءه الزاهية الجميلة، حتى حَوَّلَ ذلك العالمَ المحزن إلى عالم بهيج، وقَلَبَ عبرات الشكوى والألم والحزن المنهمرة من عينيّ إلى دموع الفرح والشكر والامتنان.
— 457 —
ثم تراءى لي عالم الإنسان كشاشة سينمائية، فأنعمتُ النظر فيه بمنظار أهل الضلالة، وإذا به عالم مظلم مرعب.. لم أتمالك معه نفسي فأطلقتُ صرخةَ ألمٍ من أعماق قلبي قائلًا: وا أسفاه! ذلك لأن آمال الناس وأمانيهم الممتدة إلى الأبد، وتصوراتهم وأفكارهم المحيطة بالكون، وتطلعاتهم الجادة واستعداداتهم الفطرية التواقة إلى الخلود والجنة والسعادة الأبدية، وقواهم الطليقةَ غير المحددة فطريًا، واحتياجاتِهم المتوجهة إلى غاياتٍ ومقاصدَ لا منتهى لها، وتعرضَهم -مع ضعفهم وعجزهم- لهجماتِ ما لا يحصى من المصائب والأعداء.. مع كل هذا، لهم عمرٌ جدّ قصير، ويحيون حياةً ملؤها الصخب والقلق، يذوقون مرارة الموت كل يوم بل كل ساعة، يقاسون ضنك المعيشة في حياتهم، ويتجرعون آلام الفراق والزوال التي هي أوجع للقلب وأثقل على الوجدان، فضلًا عن أنهم ينظرون إلى القبر والمقبرة نظرَ أهلِ الغفلة وكأنه باب إلى ظلام سرمدي، يُرمَون في غياهبه فردًا فردًا وطائفة إثر طائفة!
وهكذا.. ففي الوقت الذي رأيت عالم الإنسان هذا غارقًا في مثل هذه الظلمات وإذ أنا على وشك الصراخ من أعماق قلبي وروحي وعقلي، بل بجميع مشاعري بل بجميع ذرات وجودي، إذا بالنور المنبعث من القرآن والإيمان الراسخ الناشئ منه، يحطّم ذلك المنظار المضلّ، ويهب لعقلي بصرًا نافذًا أرى به الأسماء الإلهية الحسنى وقد أشرقتْ كالشمس الساطعة من بروجها؛ فاسم اللّٰه "العادل" رأيته بازغًا من برج "الحكيم"، واسم "الرحمن" من برج "الكريم"، واسم "الرحيم" من برج "الغفور" (أي بمعناه)، واسم "الباعث" من برج "الوارث"، واسم "المحيي" من برج "المحسن"، واسم "الرب" من برج "المالك"... فأضاءت هذه الأسماءُ بنورها الباهر عوالمَ كثيرة داخل عالم الإنسان المظلم، وحوّلَتها إلى عوالم مشرقة بهيجة، كما بددتْ تلك الحالاتِ الجهنّميةَ بما فَتحتْ من نوافذ إلى عالم الآخرة، حتى نثرت الأنوارَ إلى جميع جوانب ذلك العالم البائس للإنسان. فقلتُ: "الحمد للّٰه.. الشكر للّٰه.. بعدد ذرات العالم"، ورأيت بعين اليقين وعلمتُ علم اليقين: "أن في الإيمان حقًّا جنةً معنوية، وأن في الضلال جحيمًا معنويًا في هذه الدنيا ذاتها أيضًا".
ثم ظهر في تلك الجولة عالمُ كرة الأرض، فعكستْ القوانينُ العلميةُ المظلمة للفلسفة غيرُ المنقادة للدين، إلى خيالي عالمًا في منتهى الغرابة والدهشة؛ إذ تأملتُ هذه الأرض التي
— 458 —
تزيد سرعةُ حركتها على سرعةِ طلقةِ المدفع بسبعين مرة، وتقطع مسافةَ خمسةٍ وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، وهي مع شيخوختها وهرمها معرضةٌ للتشتت والتحطّم في كل لحظة، وتحمل في باطنها زلازلَ مخيفةً، وعلى ظهرها هذا الإنسانَ البائس الذي تجوب به أجواء الفضاء غير المحدود.. فأشفقتُ على وضع هذا الإنسانَ وسط هذا الظلام الدامس الموحش المخيم عليه، ودار رأسي من هولِ ما رأيتُ وأظلمتِ الدنيا أمام عيني، فطرحتُ نظارةَ الفلسفة أرضًا وحطمتها كليًا، ونظرتُ إلى الأمر ببصيرة وضّاءة بحكمة القرآن، وإذا بأسماء خالق الأرض والسموات: القدير، العليم، الرب، اللّٰه، ربّ السموات والأرض ومسخر الشمس والقمر، قد أشرقت من بروج الرحمة والعظمة والربوبية شروقَ الشمس، فغمرتْ ذلك العالمَ الحالك الموحش المذهل بنور زاهٍ باهر جعلني أُبصِر بعينيّ المؤمنتين هاتين: أن الكرة الأرضية في غاية الانتظام والكمال والتسخير للإنسان، وهي في أمان وسلام، فيها رزق كل مَن يدبّ عليها، كأنها سفينة سياحية مهيأة للتنزّه والراحة والاستجمام والتجارة. تتجول بما عليها من مخلوقات، حول الشمس في مملكة ربانية واسعة، وهي مشحونة بالرزق كأنها قطار أو سفينة أو طائرة مشحونة في الربيع والصيف والخريف... فقلت وقتئذٍ: "الحمد للّٰه على نعمة الإيمان بعدد ما في الأرض من ذرات".
وفي ضوء هذا المثال تستطيع أن تقيس كثيرًا من الموازنات الأخرى التي تتضمنها "رسائل النور" والتي تُثبِت: أن أرباب السفاهة والضلال يذوقون في الدنيا نفسِها عذابًا جهنميًا معنويًا، كما أن أهل الصلاح والإيمان يعيشون في جنة معنوية في هذه الدنيا، وبإمكانهم أن يتذوقوا طعوم لذائذ تلك الجنة المعنوية بحواسهم ولطائفهم الإسلامية والإنسانية وبتجليات الإيمان وجلواته، بل يمكنهم الاستفادة من تلك اللذات حسب تفاوت درجاتهم الإيمانية.
بيد أن طبيعة هذا العصر العاصف الذي تَسُود فيه التيارات المعطِّلة للمشاعر، والصارفة لأنظار البشرية إلى الآفاق الخاوية والغرق فيها، قد أوجدتْ صعقةً من النوع الذي يعطّل الإحساس، لذا فإن أرباب الضلال لا يَشعرون -مؤقتًا- بعذابهم المعنوي، وأن أهل الهداية بدورهم قد داهمتهم الغفلة فلا يستطيعون أن يقیدّروا لیذّة الإيمان الحقيقية حق قدرها.
— 459 —
الحالة الرهيبة الثانية لعصرنا الحالي: إن الإلحاد وأنواع الضلالة الناشئة من العلوم الطبيعية، والتمرد المتولد من الكفر العنادي في الماضي، لَيُعتَبران من الضآلة بحيث لا يُذكَران إذا ما قيسا بما عليه الوضع في وقتنا الراهن، لذا فقد كانت أدلّة علماء الإسلام ودراساتهم كافية لسدّ حاجات عصرهم، إذ كان كفر عصرهم مبنيًّا على الشك، فكانوا يزيلونه بسرعة؛ حيث كان الإيمان باللّٰه يَسُود أوساطَ الناس، وكان من اليسير إرشادُ الكثيرين إلى طريق الهداية والصراط السوي، وإنقاذُهم من السفاهة والضلال، وذلك بالتذكير باللّٰه سبحانه والتخويفِ من عذابه فكان الكثيرون يتخلَّون عن غيهم.
أما اليوم فقد تغير الحال، إذ بينما كان يوجد -في الماضي- ملحد واحد في بلد، يمكن العثور الآن على مائة كافر في قصبة واحدة. وقد زاد عدد الذين يضلون بسبب افتتانهم بالعلوم والفنون الحديثة ويقفون بعناد وتمرّد في وجه حقائق الإيمان أضعافَ أضعافِ الماضي بمائة مرة. ولما كان هؤلاء المعاندون يعارضون الحقائق الإيمانية بغرور فرعوني وبتضليلات رهيبة، فلا مناص من أن يجابَهوا بحقائق قدسية في قوة القنبلة الذرية، لِتحطّم مبادئهم وأسسَهم في هذه الدنيا وتوقف زحفهم وتجاوزهم، بل تحملَ قسمًا منهم على التسليم والإيمان.
فنحن نحمد اللّٰه أجزل الحمد ونشكره شكرًا لا منتهى له على أن "رسائل النور" قد أصبحت ترياقًا شافيًا لجروح عصرنا الدامية ومعجزة معنوية من معجزات القرآن الحكيم، ولمعة من لمعاته، فلقد استطاعت بموازناتها العديدة أن تحارب أشد المعاندين المتعنتين بسيف القرآن الألماسي، وتنصب الحجج وتقيم الأدلّة على الوحدانية الإلهية وحقائقِ الإيمان بعدد ذرات الكون.
ولعل هذا السرّ هو الذي جعلها لا تُغلَب ولا تنهزم منذ خمسة وعشرين عامًا، في وجه أشد الحملات شراسة، بل كانت هي الغالبة على الدوام.
نعم، إن موازنات الكفر والإيمان، ومقايسات الهداية والضلال التي تشتمل عليها "رسائل النور"، تُثبت بالمشاهدة هذه الحقيقةَ المذكورة. فالذي يطالع براهينَ ولمعاتِ "الكلمة الثانية والعشرين" -بمقامَيْها- مثلًا، أو يجيل النظر في الموقف الأول من "الكلمة
— 460 —
الثانية والثلاثين"، أو يقرأ نوافذ "المكتوب الثالث والثلاثين"، أو يتصفّح الحجج الإحدى عشرة من مجموعة "عصا موسى"، وإذا ما قاس سائر الموازنات والمقايسات الأخرى على ما ذكرناه، يدرك جيدًا: أن حقائق القرآن المتجلية في "رسائل النور" هي التي تستطيع قطع دابر الإلحاد وعناد أهل الضلال المتمرد في زماننا هذا واستئصالَ شأفتهما.
وكما قد تجمعت الشذرات التي تميط اللثام عن وجه مُعَمَّيَات حقائق خلق العالم وأهم دقائق أسرار الدين في مجموعة "أسرار قرآنية (الطلاسم)" فأملي باللّٰه عظيم أن تتجمّع كذلك تلك الأجزاءُ المتناثرة التي تُثبت -بالأدلة والبراهين- أن أهل الضلالة يعيشون في جهنم في هذه الدنيا وأن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة في هذه الدنيا أيضًا.. وأن الإيمان بذرة معنوية من بذور الجنة، والكفر نواة من نوى زقّوم جهنم. وآمُلُ أن تجتمع تلك الأجزاء من "رسائل النور" في مجموعة موجزة وتنشر بعون اللّٰه وتوفيقه.
سعيد النورسي
— 461 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
نقدم أولًا ما يقدمه كلُّ ذي روح بلسان حال حياته من هدايا معنوية إلى خالقه، وما يقدمه كلٌّ منهم من الحمد والشكر بلسان حاله إلى ذلك الواجب الوجود الذي قال:
﴿ لا تقنطوا من رحمة اللّٰه ﴾
(الزمر:٥٣)، ونصلي ونسلّم صلاةً وسلامًا لا منتهى لهما على نبيّنا محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام، الذي قال: "إنما بعثتُ لأتمم مكارمَ الأخلاق" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٨١؛ البيهقي، السنن الكبرى ١٠/١٩١؛ القضاعي، الشهاب ٢/١٩٢. أي: إنما بعثني اللّٰه إلى الناس لتتميم الخصال الحميدة وإنقاذ البشرية من الطباع الذميمة.
أما بعد!
فيا إخواني العرب الذين يستمعون إلى هذا الدرس في هذا الجامع الأموي؛ إنني ما صعدت هذا المنبر وإلى هذا المقام الذي هو فوق حدي لأرشدكم؛ فهذا أمرٌ فوق طوقي، إذ ربما فيكم ما يقارب المئة من العلماء الأفاضل، فمَثلي معكم كمثل صبي يذهب إلى المدرسة صباحًا ثم يعود في المساء ليعرض ما تَعلّمه على أبيه، ابتغاء تصحيح أخطائه والتلطّف في تصويبه وإرشاده.
فشأننا معكم شأن الصبيان مع الكبار، فنحن تلامذة بالنسبة إليكم وأنتم أساتذة لنا ولسائر أمة الإسلام. وها أنذا أعرض بعض ما تعلمتُه على أساتذتي:
لقد تعلمت الدروس في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية، وعلمتُ في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض جعلتنا نقیف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب -وخاصة الأوربيين- نحو المستقبل.
وتلك الأمراض هي:
أولًا: حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.
ثانيًا: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
ثالثًا: حبّ العداوة.
— 462 —
رابعًا: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
خامسًا: سريان الاستبداد سريانَ الأمراض المُعدية المتنوعة.
سادسًا: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.
ولمعالجة هذه الأمراض الستة الفتّاكة، أبيّن ما اقتبستُه من فيض صيدلية القرآن الحكيم -الذي هو بمثابة كلية الطب في حياتنا الاجتماعية- أبيّنها بست كلمات، إذ لا أعرف أسلوبًا للمعالجة سواها.