صيقل الإسلام
— 42 —

المقدمة السابعة

المبالغة تشوِّش الأمورَ وتبلبلها.
لأن من سجايا البشر مزجَ الخيال بالحقيقة بميل إلى الاستزادة في الكلام فيما التذّ به، والرغبةَ في إطلاق الكلام جزافًا فيما يصف، والانجذابَ إلى المبالغة فيما يحكى. وبهذه السجية السيئة يكون الإحسانُ كالإفساد، ومن حيث لا يعلم يتولد النقصان من حيث يزيد، وينجم الفساد من حيث يُصلح، وينشأ الذم من حيث يمدح، ويتولد القبح من حيث يحسن.. وذلك لإخلاله -من حيث لا يشعر- بالحُسن الناشئ من الانسجام والموازنة (في المقاصد).
فكما أن الاستزادة من دواء شاف قلبٌ له إلى داء؛ كذلك المبالِغون في الترغيب والترهيب، المستغنِي عنهما الحقُ؛ كجعل الغيبة كالقتل، أو إظهار التبول وقوفًا بدرجة الزنا، أو التصدق بدرهم مكافئا لحَجَّة... وأمثالها من الكلمات غير الموزونة التي يُطلقها المبالِغون... إنما يستخفون بالزنا والقتل ويهوّنون شأن الحج.
فبناءً على هذا لا بد أن يكون الواعظُ حكيمًا، وذا دراية بالمحاكمات العقلية.
نعم، إن الوعاظ الذين لا يملكون موازين، ويطلقون كلامَهم جزافًا، قد سببوا حَجْبَ كثير من حقائق الدين النيّرة.
فمثلًا: الزيادة التي زيدت في معجزة انشقاق القمر الباهرة بالمبالغة في الكلام، وهي أن القمر قد نزل من السماء ودخل تحت إبط الرسول (ص) ثم رجع إلى السماء... هذه الزيادة، جعلت تلك المعجزة الباهرة كالشمس، مَخفيةً كنجم السهى، وجعلت ذلك البرهان للنبوة الذي هو كالقمر مخسوفًا، وفَتحت أبواب حجج تافهة للمنكرين.
حاصل الكلام: يجب على كل محبٍّ للدين وعاشق للحقيقة: الاطمئنانُ بقيمة كل شيء وعدمُ إطلاق الكلام جزافًا وعدمُ التجاوز؛ إذ المبالغةُ افتراء على القدرة الإلهية، وهي
— 43 —
فقدان الثقة بالكمال والحسن في العالم واستخفاف بهما واللذين ألجأ الإمامَ الغزالي إلى القول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان". [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٢٥٨؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء ١٩/٣٣٧؛ الشعراني، الطبقات الكبرى ٢/١٠٥؛ المناوي، فيض القدير ٢/٢٢٤، ٤/٤٩٥.
أيها السيد المخاطب! قد يؤدي التمثيلُ أيضًا ما يؤديه البرهانُ من عمل؛
فكما أن لكل من الألماس والذهب والفضة والرصاص والحديد قيمتَها الخاصة، وخاصيتها الخاصة بها، وهذه الخواص تختلف، والقيَم تتفاوت... كذلك مقاصد الدين تتفاوت من حيث القيمة والأدلة. فإن كان موضع أحدها الخيال، فموضع الآخر الوجدان والآخر في سر الأسرار. إنّ من يعطي جوهرة أو ليرة ذهبية في موضع فلس أو عشر بارات، يُحجَر عليه لسفَهه، ويُمنع من التصرف في أمواله. وإذا انعكست القضية فلا يُسمع إلّا كلماتُ الاستهزاء والاستخفاف؛ إذ بدلًا من أن يكون تاجرًا صار محتالًا يُسخَر منه. كذلك الأمر في من لا يميز الحقائق الدينية ولا يعطي لكل منها ما يستحقه من حق واعتبار، ولا يعرف سكة الشريعة وعلامتَها في كل حكم. كلُّ حُكم شبيهٌ بجزء من ترس يدور على محوره لمعمل عظيم. فالذين لا يميزون يعرقلون تلك الحركة، مثَلُهم في هذا كمثل جاهل شاهَد ترسًا صغيرًا لطيفًا في ماكنة جسيمة، وحاول الإصلاح وتغيير ذلك الوضع المتناسق. ولكن لعدم رؤيته الانسجام الحاصل بين حركة الترس الصغير والماكنة الكبيرة وجهلِه بعلم المكائن، فضلًا عن غرور النفس الذي يغريه ويخدعه بنظره السطحي؛ تراه يخلّ بنظام المعمل من حيث لا يشعر ويكون وبالًا على نفسه.
زبدة الكلام: إن الشارع سبحانه وتعالى قد وضع سكته وختمَه المعتمد على كل حكم من أحكام الشرع. ولابد من قراءة تلك السكة والختم. فذلك الحكم مستغن عن كل شيء سوى قيمته وسكته. فهو في غنًى عن تزيينِ وتصرف الذين يلهثون وراء المبالِغين والمغالين والمنمقين للّفظ. وليعلَم هؤلاء الذين يطلقون الكلام جزافًا، كم يكونون ممقوتين في نظر الحقيقة في نصحهم الآخرين. فمثلًا: لم يكتف أحدهم بالزجر الشرعي لتنفير الناس عن المسكِرات فقال كلامًا أمام جمع غفير من الناس أخجلُ من كتابته، وقد شطبته بعد كتابته.
فيا هذا! إنك بكلامك هذا تعادي الشريعة! وحتى إن كنتَ صَديقًا فلا تكون إلّا صديقًا أحمق، وأضرّ على الدين من عدوه.
— 44 —
خاتمة: أيها الظالمون الذين يحاولون جرحَ الإسلام ونقده من بعيد، من الخارج! زِنوا الأمور بالمحاكمة العقلية. ولا تنخدعوا ولا تكتفوا بالنظر السطحي؛ فهؤلاء الذين أصبحوا سببًا لأعذاركم الواهية -في نقد الإسلام- يسمَّون بلسان الشريعة "علماء السوء". فانظروا إلى ما وراء الحجاب الذي ولّده عدم موازنتهم الأمور، وتعلقُهم الشديد بالظاهر، سترون أن كل حقيقة من حقائق الإسلام برهان نيّر كالنجم الساطع، يتلألأ عليه نقشُ الأزل والأبد.
نعم، إن الذي نزل من الكلام الأزلي يمضي إلى الأبد والخلود. ولكن -يا للأسف- يلقي أحدُهم ذنوبه على الآخرين ليبرئ نفسه، وما ذلك إلّا مِن حبه لها وانحيازه إليها ومن عجزه وأنانيته وغروره. وهكذا يُسنِد كلامَه الذي يحتمل الخطأ أو فعله القابل للخطأ إلى شخص معروف، أو إلى كتاب موثوق، بل حتى أحيانًا إلى الدين، وغالبًا إلى الحديث الشريف، وفي نهاية المطاف إلى القدر الإلهي، وما يريد بهذا إلّا تبرئة نفسه.
حاش للّٰه ثم حاشَ للّٰه! فلا يَرِدُ الظلامُ من النور. وحتى لو ستر النجومَ المشاهَدة في مرآته لا يستطيع ستر نجوم السماء، بل هو العاجز عن الرؤية والإبصار.
أيها السيد المعترض! إنه ظلم فاضح جعلُ الشبهات الناشئة من سوء فهم الإسلام، والأحوال المضطربة الناشئة من مخالفة الشريعة، ذريعةً لتلويث الإسلام... وما هذا إلّا كالعدو الذي يتذرع لأي سبب كان للانتقام والثأر، أو مثل الطفل الذي يروم البكاء لأتفه سبب. إذ إن كل صفة من صفات المسلم لا يلزم أن تكون ناشئة من الإسلام.