صيقل الإسلام
— 353 —

المناظرات

وصفة طبية
لقارة شاسعة عظيمة الجانب... رديئة الطالع
ولدولة مشهورة عريقة المجد... سيئة الحظ
ولأمة عزيزة جليلة القدر... بلا رائد
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 354 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
— 355 —
مقدمة المترجم
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه.
وبعد: فقد أعلن السلطان عبد الحميد الثاني "المشروطيةَ" [٭]: المشروطية: وهي إعلان النظام البرلماني في الدولة العثمانية، وقد أَعلن السلطانُ عبد الحميد المشروطية مرتين، مرة عند بداية حكمه وهي المشروطية الأولى في ١٩ مارت ١٨٧٧م. ثم جمدها بعد هزيمة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا، وبعد أن رأى أن أعداء الدولة العثمانية قد استغلوا البرلمان لتمزيقها وجرّها إلى الدمار. ثم عاد بعد أكثر من ثلاثين سنة إلى إعلانها مرة أخرى وهي المشروطية الثانية، واستمرت حتى معاهدة موندروس في ٣٠/١٠/١٩١٨م. في ٢٣/تموز/١٩٠٨م، وهي تعنى تأسيس النظام البرلماني في الدولة العثمانية التي أصبحت بموجبها الوزارة مسؤولة تجاه البرلمان وليس تجاه السلطان، كما أن صلاحية تشريع القوانين غدت من اختصاص البرلمان، وأطلقت على أثرها حرية العمل السياسي وحرية الصحافة وغيرها..
كانت وجهات نظر الناس عامة والمثقفين خاصة متباينة حول "المشروطية"، إذ بدأت الفئیات المختلفة تفسّر "الحرية" بالشكل الذي يروق لها، فبينما اندفعت فئة في تأييد المشروطية ومناصرتها بشدةٍ بغيةَ جرّها لأغراض سياسية واجتماعية وصیولًا إلى مآربهم في تقويض الدولة العثمانية، إذا بآخريین يتوجسون خيفةً من هذا الانقلاب الیذي حیدث في نیظیام الدولة، وفي الیوقیت نفسیه وقیف آخیرون مبهوتیيین لا يیتیقدمیون خطوة ولا يتیأخرون، بينما صفق لها غيرهم من المفتونين بحضارة أوروبا المبهورين ببريقها.. وهكذا اختلفت الآراء..
أما بديع الزمان سعيد النورسي فقد سلك مسلك الاعتدال، مسترشدًا بالنهج الإسلامي السالم من التعصب الذميم الذي يعيق كل تجدد، والمبرأِ عن اللهاث وراء الغرب وتقليده تقليدًا أعمى. فناصر مفهوم "الحرية" و"الشورى" ضمن ما هو واضح في الإسلام، ودافع عن "المشروطية" المحددة بحدود الشرع، فكتب مقالات عديدة في الصحف المحلية آنذاك، وألقى كثيرًا من الخطب في الاجتماعات التي عقدت في الميادين العامة والجوامع، مبيِّنًا مفهوم الحرية والشورى في ضوء الإسلام، ومحذِّرًا من التعصب المقيت والتقليد المشين، إذ شعر بمحاولات خبيثة تعمل في الخفاء لاستغلال "المشروطية" وتوجيهها لمصلحةِ مغرضين مناهضين
— 356 —
للإسلام. وحينما كان يبذل وسعه في هذا الميدان لم ينسَ السياسيين والمفكرين والصحفيين، فأجرى معهم لقاءات عديدة ناصحًا ومرشدًا وموضحًا المنهجَ الإسلامي الصحيح الذي فيه خير البلاد وصلاح العباد. ولما أدرك أنه أفرغ جهده في مركز الخلافة (إسطنبول) توجّه إلى شرقي الأناضول سنة ١٩١٠م وبدأ بجولة واسعة بين مختلف العشائر الكردية والتركية، وعقد معهم اجتماعات وندوات يُجري فيها مناقشات حول أمور اجتماعية وسياسية، وبين لهم صلاحية "المشروطية" بالمفهوم الإسلامي. واختار معهم أسلوب الحوار السهل المستساغ والقريب إلى الأذهان، على الرغم من أنه قد أَورد جملًا أشبه ما يكون بالشفرات، ولفّع قِسمًا من العبارات بالتشبيهات والمجازات، ووجّه الخطاب أحيانًا إلى الأجيال المقبلة.
كان جلّ اهتمامه منصبًا في تحطيم قيود اليأس وكسرِ أغلال القنوط التي كبّلت الناس، وكان يحاول جهده أن يُشعل بصيص الأمل وبريق الرجاء في نفوسهم. فضلًا عن وضعه لهم موازين شرعية ومنطقية لوزن الأحداث المستحدثة، بعقلية متوازنة إيمانية هادئة، بعيدة قدر الإمكان عن الانفعالات وردود الفعل.
دوّن الأستاذ النورسي هذه المحاورات بالتركية في رسالة طبعها في مطبعة "أبو الضياء" بإسطنبول سنة ١٩١٣م، ونَشَرها تحت اسم "بديع الزمانك مناظراتي" (مناظرات بديع الزمان) ثم ترجمها إلى العربية بنفسه ونشرها تحت عنوان "رجتة العوام" أي الوصفة الطبية للعوام. وجاءت هذه الترجمة مبهمة مغلقة العبارات، فاضطر الأستاذ أن يكتب في مقدمتها "معذرة طويلة الأذيال" جاء فيها قوله:
"إن هذه الرسالة العربية ترجمتُها من التركية، التي ترجمتها من الكردية، التي ارتجلتها لأسئلة الأكراد القرويين. فالمترجَم من المترجَم من المرتجل، من أمي (يقصد نفسه) لقرويين، لا يتملّس ولا يخلص من خشونة في المعنى واللفظ".
ولم تتح للأستاذ النورسي أن يعيد النظر في رسالته هذه إلّا بعد خمس وأربعين سنة من تأليفه لها، إذ عصَفتْ أعاصير مدمرة بالأمة الإسلامية عامة والتركية خاصة بعد دخول الدولة العثمانية الحربَ العالمية الأولى ودخولِ الأجانب في البلاد ثم الحروبِ الدامية في طردهم منها، حتى انتهى الأمر إلى إعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة، وأعقب ذلك عداءٌ سافرٌ للدين،
— 357 —
دام طوال ربع قرن من الزمان بل أكثر. وعانى الأستاذ النورسي في تلك الأيام الحالكة أشد الظلم والعنت، إذ ما كان يَحِل في منفى الّا ويُنفى إلى غيره، ولا يبرَّأ من محكمة إلّا ويدخل أخرى، وهكذا إلى ما بعد سنة ١٩٥٠م حيث تمكن من إعادة النظر في الرسالة، فشذبها وعلّق عليها بهوامش وحذف ما يقرب من ثلثها من بداية الرسالة وما كان قاصرًا على فترة معينة، أو ما يمكن أن يُساء فهمه. وعندما أُريد نشرُها في سنة ١٩٥٩ أعاد المؤلف فيها النظر بدقة وأجرى بعض التنقيحات والتعديلات من حذف وإضافة، ونحن بدورنا قمنا بترجمة هذه الطبعة المنقحة.
هذا وقد كتب الأستاذ النورسي إلى طلابه رسالة خاصة بعثها لهم من منفاه "قسطموني" يبين فيها رأيه في مؤلفاتِ "سعيد القديم" عامة وفي هذه الرسالة خاصة، ثم أعقبها برسالة أخرى بعثها لهم من منفاه "أميرداغ". كلتا الرسالتين ذات أهمية في فهم مضامينِ مؤلفات سعيد القديم، وقد ألحقنا رسالة قسطموني بهذه المقدمة ونحيل القارئ الكريم إلى "الملاحق" للاطلاع على الرسالة الأخرى قبل مطالعته مؤلفاتِ سعيد القديم الاجتماعية.
أما عملي في الترجمة والتحقيق، فقد اقتصر على الخطوات الآتية:
١- اعتبار النص التركي الموسوم بی المطبوع بدار سوزلر بإسطنبول طبعات عديدة جدًّا والذي أقره المؤلف نفسه هو الأساس.
٢- مقابلة هذا النص بالطبعة الأولى من الرسالة المطبوعة في سنة ١٩١٣م في مطبعة "أبو الضياء" بإسطنبول.
٣- مقابلته أيضًا بالترجمة العربية التي قام بها المؤلف نفسه، وهي المنشورة ضمن كتاب "الصيقل الإسلامي" المطبوع بمطبعة النور بأنقرة سنة ١٩٥٨م.
٤- مقابلته أيضًا بنسخة الترجمة العربية المحفوظة في المكتبة الوطنية بإزمير تحت رقم ٢٢٦٢/٢٨٨/٢٠ دون ذكر اسم المطبعة وسنة الطبع.
٥- الاحتفاظ بالعبارات والفقرات العربية الواردة في النص التركي كما هي ووضعها بين قوسين مركنين ( ). فكل ما بين هذين القوسين هو من عبارات المؤلف نفسه.
— 358 —
٦- كتابة هوامشَ لشرحِ ما كان معروفًا آنذاك ويحتاج إليه القارئ اليوم، سواء من الأحداث التاريخية أو مواقع جغرافية أو تعابير سياسية.
٧- ثم عزوت الآيات الكريمة التي فيها إلى مواضعها من السور، وكذا خرّجت الأحاديث الشريفة من مظانها من أمهات كتب الحديث الموثوقة.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل. وصلّ اللّٰهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إحسان قاسم الصالحي