صيقل الإسلام
— 35 —

المقدمة الرابعة

الشهرة تملّك الإنسانَ ما لا يملك.
إن من سجايا البشر إسنادَ الشيء الغريب أو الثمين إلى من اشتهر بجنسه، لإظهاره أصيلًا، أي لأجل أن يروِّجَ كلامَه ويزيّنه أو لئلا يكذَّب أو لأغراض أخرى يُحيل نتائج أفكار أمةٍ أو محاسن أطوارها إلى شخص ما -ظلمًا وعدوانًا- ويشاهد صدورَها عنه! بينما ذلك الشخص نفسه من شأنه ردّ تلك الهدية المهداة له ظلمًا وتعسفًا؛ إذ لو عُرض على شهير -في صنعة جميلة أو خصلة راقية- أمرٌ، وقيل له -بغير حق-: "إن هذا من صنع يدك" -مثلًا- فإنه يردّه حتمًا ويتبرأ منه ويشمئز، قائلًا حاشَ للّٰه؛ ذلك لأن نظرَه النافذ في ما وراء الحُسن الظاهر يبصر إخلالَ ذلك الأمر بجمال تلك الصنعة الناشئ من تناسقها وانتظامها.
فبناءً على هذه السجية، واستنادًا إلى القاعدة المشهورة: "إذا ثبت الشيءُ ثبت بلوازمه" يضطر الناس إلى إسناد قوة عظيمة وعظمة فائقة وذكاء خارق.. وأمثالِها من لوازم خوارق العادات إلى ذلك الشخص الشهير، ليوائمَ ما في خيالهم، وليمكّن له أن يكون مرجعًا ومصدرًا لجميع ما ينسب إليه من أمور خارقة. فيتجسم ذلك الشخصُ في أذهانهم أعجوبةً من أعاجيب الخلق.
فإن شئت فانظر إلى صورة "رستم بن زال" المعنوية، الذي نما في خيال العجم، ترى العجب العجاب. فإنه لما اشتهر بالشجاعة اغتصبَ مفاخر الإيرانيين وأغار عليها بقوة الشهرة، وبحكم الاستبداد الذي لم يتخلص منه الإيرانيون قط. وهكذا ضُخّمت تلك الشخصية واستُعظمت في الخيالات.
— 36 —
ولما كان الكذب يردفه كذبٌ ويسوق إليه، استلزمت هذه الشجاعةُ الخارقة للعادة، عمرًا خارقًا، وقامة خارقة، وما يكتنفهما من لوازمهما!.. حتى تجسم ذلك الخيال في الذهن وهو يصرخ: "أنا نوع منحصر في شخص"، لا من أبناء البشر بل ككائن خرافي يدور في حكايات الناس ويتقدم الخرافات فاتحًا الطريق إلى أمثاله.
يا من يريد رؤية الحقيقة مجرّدةً! أنعِم النظر في هذه المقدمة؛ لأن بابَ الخرافات ينفتح من هذا الموضع، وبابَ التحقيق "العلمي" ينسدّ به، زد على ذلك ففي هذه الأرض القاحلة الجرداء يضيع على الإنسان أخذُ العبرة من القصة، ويفوتُه البناء على أسس المتقدمين كما يمليه الترقي، ولا يتجرأ على التصرف في ميراث الأسلاف ولا الزيادة عليه.
فإن شئت فقل للخواجة نصر الدين الشهير بی"جحا الرومي": "أهذه الأقوال الغريبة كلّها لك؟ فسيكون جوابه: "هذه الأقوال تملأ المجلدات، وتحتاج إلى عمر مديد.، وأقوالي كلها ليست من نوادر الكَلِم، فأنا عالم من العلماء تسعني زكاةُ ما نسَبوا إليّ من أقوال. أما الباقي فأرفضه وأردّه لأنها تقلب ظرافتي إلى التصنع".
فيا هذا! من هذا العِرق تنبت الخرافات والموضوعات، ومنه تتفرع، وهو الذي يزيل قوة الصدق.
خاتمة إن إحسانًا يزيد على الإحسان الإلهي ليس بإحسان.
إن حبة من حقيقة تَفضل بيدرًا من الخيالات.
الاطمئنان والقناعة بالإحسان الإلهي في التوصيف فرض.
يجب ألّا يخل بنظام المجتمع مَن كان داخلًا فيه.
أصل الشيء تبيُّنه ثمرته. شرف الشيء في ذاته لا في نسله.
إذا اختلطت في بضاعة بضاعةٌ أخرى، فإنها تنقص من قيمة الأولى وإن كانت الثانية قيّمة ونفيسة، بل تسبب حجزها.
— 37 —
والآن، بناءً على هذه النقاط، أقول: إن إسناد قسم من الأحاديث الموضوعة إلى "ابن عباس" رضي اللّٰه عنه وأمثالِه من الصحابة الكرام، لأجل الترغيب أو الترهيب، إثارةً للعوام وحضًا لهم، إنما هو جهل عظيم.
نعم، إن الحق مستغنٍ عن هذا، والحقيقة غنية عنه؛ فنورُهما كافيان لإنارة القلوب. تسعنا الأحاديث الصحيحة المفسِّرة الحقيقية للقرآن الكريم، ونثق بها ونطمئن إلى التواريخ الصحيحة الموزونة بميزان المنطق. % المقدمة الخامسة
إذا وقع المجاز من يد العلم إلى يد الجهل ينقلب إلى حقيقة، ويفتح الباب للخرافات. [٭]: فصلت هذه المسألة في اللمعة الرابعة عشرة.
فالمجازات والتشبيهات إذا ما اقتطفتهما يسارُ الجهل المظلم من يمين العلم المنوّر، أو استمرتا وطال عمرُهما، انقلبتا إلى "حقيقة" مستفرغة من الطراوة والنداوة، فتصير سرابًا خادعًا بعدما كانت شرابًا زلالًا، وتصبح عجوزًا شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء.
نعم، إن شعلة الحقيقة إنما تتلمع من المجاز بشفافيته. ولكن بتحوله إلى حقيقة يُصبح كثيفًا قاتمًا يحجب الحقيقة الأصلية. فهذا التحول قانون فطري، فإن أردت شاهدًا عليه فراجع أسرار تجدد اللغات وتغيراتها، والاشتراكَ والترادف في الأمور. أنصت إليها جيدًا تسمع حتمًا أن كثيرًا من الكلمات أو الحكايات أو الخيالات أو المعاني التي كان السلف يتذوقونها، لم توافق الرغباتِ الشابة لدى الخَلَف، لأنها غدت عجوزًا لا زينة لها. لذا أصبحت سببًا لدفعهم إلى ميل التجدد والرغبة في الإيجاد، والجرأة على التغيير.
هذه القاعدة جارية في اللغات مثلما هي جارية في الخيالات والمعاني والحكايات. ولهذا لا ينبغي الحكم على أي شيء بظاهره؛ إذ من شأن المحقق:
سبر غور الموضوع.. والتجرد من المؤثرات الزمانية.. والغوص في أعماق الماضي.. ووزن الأمور بموازين المنطق.. ووجدان منبع كل شيء ومصدره.
ومما أطلَعني على هذه الحقيقة ودلّني عليها هو حدوث خسوف القمر زمن صباي، إذ
— 38 —
سألتُ والدتي عنه، فأجابت: لقد ابتلع الثعبانُ القمرَ. فقلت: فَلِمَ يشاهَد القمر؟ قالت: إن ثعابين السماء شبه شفافة.
فانظر كيف تحول التشبيه إلى حقيقة! فحجبت حقيقةَ الحال، إذ شبّه أهلُ الفلك تقاطُع مائل القمر بمنطقة البروج في الرأس والذنب بثعبانَين أو تنّينين؛ حيث إن القمر أو الشمس إذا أتى أحدهما إلى الرأس والآخر إلى الذنب وتوسطتهما الأرضُ، يخسف القمر.
يا من لا يسأم من كلامي المختلط هذا! أنعم النظر أيضًا في هذه المقدمة وانظر إليها بدقة متناهية، فكثيرٌ جدًّا من الخرافات والخلافات، إنما تنشأ من هذا الأصل. فينبغي الاسترشاد بالمنطق والبلاغة.
خاتمة: يجب أن يكون للمعنى الحقيقي ختمٌ خاص وعلامة واضحة متميزة، والمشخِّص لتلك العلامة هو الحُسن المجرد الناشئ من موازنة مقاصد الشريعة.
أما جواز المجاز فيجب أن يكون على وفق شروط البلاغة وقواعدها، وإلّا فرؤية المجاز حقيقةً والحقيقةِ مجازًا، أو إراءتهما هكذا، إمدادٌ لسيطرة الجهل ليس إلّا.
إن ميل التفريط من شأنه حملُ كل شيء على الظاهر.. حتى لَينتهي الأمرُ تدريجيًا إلى نشوء مذهب الظاهرية مع الأسف. وإن حبَّ الإفراط من شأنه النظرُ إلى كل شيء بنظر المجاز، حتى لينتهي الأمر تدريجيًا إلى نشوء مذهب الباطنية الباطلِ. فكما أن الأول مضر فالثاني أكثر ضررًا منه بدرجات.
والذي يبين الحدّ الأوسط ويَحدّ من الإفراط والتفريط إنما هو فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمةِ مع المنطق.
نعم، أقول: الحكمة (الفلسفة) لأنها خير كثير مع تضمنها الشر، إلّا أنه شرٌ جزئي. ومن الأصول المسلّمة أنه يلزم اختيار أهون الشرّين، إذ تركُ ما فيه خيرٌ كثير لأجل شرٍّ جزئي فيه يعني القيامَ بشر كثير.
نعم، إن الحكمة القديمة (الفلسفة القديمة) خيرُها قليل، خرافاتُها كثيرة، حتى نهى
— 39 —
السلف -إلى حدّ ما- عنها، حيث الأذهانُ كانت غير مستعدة، والأفكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستول على العوام. بينما الفلسفة الحاضرة فخيرُها كثير -من جهة المادة- بالنسبة للقديمة، وكذبها وباطلها قليل. والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع. وفي الحقيقة، لا بد أن يكون لكل زمان حكمُه.