— 29 —
المقدمة الثانية
قد يكون بديهيًا ما هو نظريٌ [٭]: البديهي ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، والنظري هو ما يحتاج إلى نظر واستدلال. في الماضي. هكذا تحقق... ففي العالَم ميلٌ للاستكمال وبه يتبع العالمُ قانونَ التكامل. ولأن الإنسان من ثمرات العالَم وأجزائه ففيه كذلك ميلُ الترقي المستمد من الميل للاستكمال. وميلُ الترقي هذا ينمو ويترعرع مستمدًا من تلاحق الأفكار الذي ينبسط بتكمّل المبادئ واكتمالِ الوسائل، وتكملُ المبادئ يلقي -من صلب
— 30 —
الخلقة- بذورَ علوم الأكوان ملقِّحًا رحمَ الزمان التي تُربّي تلك البذور وتنبتها، فتستوي بالتجارب المتعاقبة التدريجية.
وبناءً على هذا، فإن مسائلَ كثيرة في هذا الزمان قد أصبحت في عِداد البديهيات والعلوم المعتادة، بينما كانت في السابق أمورًا نظرية، شديدةَ الخفاء والغموض، ومحتاجة إلى سرد البراهين؛ إذ نرى كثيرًا من مسائل الجغرافية والفلك والكيمياء والهندسة العملية؛ يَعرفها حتى صبيانُ هذا الزمان، بل يلعبون بها لَعِبَهم بالملاعيب، وذلك بتكمُّل المبادئ وبرقيّ الوسائط وبكشفيات تلاحق الأفكار، علمًا أنها كانت نظريةً وخفية على "ابن سينا" وأمثالِه من الفلاسفة. مع أنه لو وزن "أبو الفلسفة" بمئات من فلاسفة هذا الزمان لرجَحهم في الذكاء وقوة الفكر وكمال الحكمة وسعة القريحة. فالنقصُ إذن ليس في "ابن سينا"، فهو ابن الزمان، بل في أبيه الزمان.
أليس بديهيًا أنه لو لم تُكتشف الدنيا الجديدة (أمريكا) -واشتهر به كولومبس- لاقتدرَ على اكتشافها وإلحاقها بهذه الدنيا القديمة أبسطُ الملاحين؟ إذ بدلًا من تبحُّر فكر المكتشف الأول واقتحامِه المهالك تكفي الآن سفينةٌ صغيرة وبوصلة.
ومع هذا يلزم أخذُ الحقيقة الآتية بنظر الاعتبار وهي أن المسائل قسمان:
قسم: يؤثر فيه تلاحقُ الأفكار، بل يتوقف عليه، كالتعاون في الماديات لرفع صخرة كبيرة.
والقسم الثاني: لا تأثير للتعاون وتلاحق الأفكار فيه من حيث الأساس؛ فالواحد والألف سواء. كالقفز في الخارج من مرتفع إلى آخر، أو المرور من موضع ضيق. فكلُّ فرد والكلُّ سواء، ولا يجدي التعاون.
فبناءً على هذا القياس: فإن قسمًا من العلوم هو كرفع الصخر، بحاجة إلى التعاون وتلاحق الأفكار. وأغلب هذا القسم هو من العلوم المادية.
أما القسم الثاني، وهو الشبيه بالمثال الثاني، فتكمُّله دفعي، أو شبيه الدفعي. وأغلب هذا القسم هو من المعنويات ومن العلوم الإلهية.
— 31 —
ولكن على الرغم من أن تلاحق الأفكار لا يغير ماهية هذا القسم الثاني ولا يكمله ولا يزيده، إلّا أنه يفيض وضوحًا وظهورًا وقوة في مسالك براهينه.
ويجب ملاحظة ما يأتي:
إن من توغل كثيرًا في شيء، أدّى به في الغالب إلى التغابي في غيره.
فبناء على هذا: من توغل في الماديات تبلّد في المعنويات وظل سطحيًا فيها.
فنظرًا إلى هذه النقطة لا يكون حكمُ الحاذق في الماديات حجةً في المعنويات بل غالبًا لا يستحق سماعه.
نعم، إذا ما راجع مريض مهندسًا بدلًا من طبيب، ظنًا منه أن الطب كالهندسة، وأخذ بوصفة المهندس، فقد أخذ لنفسه تقريرًا بنقله إلى مستشفى مقبرةِ الفناء، وعزَّى أقرباءه.
وكذلك مراجعة أحكام الماديين في المعنويات التي هي الحقائق المحضة والمجردات الصرفة، واستشارةُ آرائهم وأفكارهم، تعني الإعلان عن سكتة القلب الذي هو اللطيفة الربانية، وعن سكرات العقل الذي هو الجوهر النوراني.
نعم، إن الذين يبحثون عن كل شيء في الماديات عقولُهم في عيونهم، والعينُ عاجزة عن رؤية المعنويات.