— 439 —
فلقد كنا إذن في القبر، وبليت عظامنا، والآن دخلنا في رحم الأم باتحاد الأمة والمشروطية.
إن مائة ونيفًا من السنين التي تأخرنا فيها عن مضمار الرقي والتقدم سنتجاوزها بإذن اللّٰه تعالى، بمعجزة نبوية، مستقلين -عملًا- قطار القانون الأساسي الشرعي وممتطين -فكرًا- بُراق الشورى الشرعية.
وسنكون في صف الأمم المتمدنة، بطيّنا هذا الزمان القاصر الشبيه بالصحراء الكبرى الموحشة. بل نتسابق معهم حيث إنهم درجوا على ركوب العربات التي تجرها الثيران، بينما نحن -بتكامل الوسائل التي يتوقف عليها العلم- سنَرْكَب مباشرةً القطارَ والمنطاد، فنسبقهم بفراسخ وفراسخ، وذلك بما تسهل لنا هضمَ تلك الوسائل حقيقةُ الإسلام الجامعة للأخلاق الإسلامية، والاستعدادُ الفطري الكامن فينا، وفيضُ الإيمان الذي نحمله، وشدةُ الجوع التي نشعر بها، فنسبقهم بإذنه تعالى كما كنا سابقين لهم في الماضي.
إنني أذكّركم بما يأتي بفضل ما أناطت بي مهمة الطالب من وظيفة، وبشهادة التخرج مِن سِلك الحرية:
يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيرًا سيئًا كي لا تفلت من أيديكم، ولا يخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر (٭): نعم، لقد سقونا عبودية مسمومة جدًّا باستبداد أرهب وأشد (المؤلف). ذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة.
والبرهان الباهر على هذا الادعاء هو ما كان يرفل به عهد الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين من الحرية والعدالة والمساواة على الرغم من الوحشية السائدة والتحكم المقيت.
وبخلافه فإن تفسير الحرية والعملَ بها على أنها التحرر من القيود والانغمارُ في السفاهات والملذات غير المشروعة والبذخِ والإسراف، وتجاوزُ الحدود في كل شيء اتباعًا لهوى النفس.. مماثلٌ لمن يتحرر من أسر سلطان واحد ويدخل في استبداد حقراء سافلين كثيرين. فضلًا عن أن هذا النمط من الحرية يُظهر أن الأمة غير راشدة ومازالت في عهد الصباوة وليست أهلًا للحرية. فهي سفيهة إذن تستحق الحجر عليها، بالرجوع إلى الاستبداد السابق البائد.
— 440 —
إن عدم الأهلية للحرية الشرعية الحديثة الباهرة الواسعة يؤدي إلى مرض وبيل يتعرض له اتحاد الأمة العظيم فتتعرض الأمة إلى حالات فاسدة متعفنة.
بينما تفسير أهل التقوى والوجدان ليس على هذا النمط، ومذهبهم يخالف هذا التفسير؛ فنحن الأمة العثمانية نتصف بالرجولة، فلا تليق بقامة استعداد أمتنا البطلة فساتينُ النساء المزركشةُ بالسفاهة والهوى والإسراف.
وبناء على ما سبق لا ينبغي أن ننخدع، بل علينا أن نجعل القاعدة الآتية دستور عمل لنا وهي: "خذ ما صفا دع ما كَدِر"، وفي ضوئها سنأخذ من الأجانب -مشكورين- كلَّ ما يُعينُ على الرقي المدني من علوم وصناعات. أما العادات والأخلاق السيئة، فهي ذنوب المدنية ومساوئها التي لا يتبين قبحها كثيرًا لكونها محاطة بمحاسن المدنية الكثيرة.
فنحن لیو أخذنا منهم المدنية -بسیوء حیظینیا وسوء اختيارنیا- بما يیوافیق الهوى والشهوات -كالأطفال- تاركين محاسینها التي تحتاج إلى بذل الجهد للحصول عليها، نكون موضع سخرية كالمخانيث أو كالمترجّلات، فإذا لبست المرأة ثياب الرجل ولبس الرجل ثياب المرأة يكون كل منهما موضع سخرية واستهزاء. ألا لا ينبغي أن نتجمل بمساحيق التجميل.
حاصل الكلام: سنمنع بسيف الشريعة مساوئ المدنية وذنوبها من الدخول إلى حدود حريتنا ومدنيتنا حفاظًا على فتوة مدنيتنا وشبابها بزُلالِ عين حياة الشريعة.
ينبغي لنا الاقتداء باليابانيين في المدنية، لأنهم حافظوا على تقاليدهم القومية التي هي قوام بقائهم وأخذوا بمحاسن المدنية من أوروبا. وحيث إن عاداتنا القومية ناشئة من الإسلام وتزدهر به فالضرورة تقتضي الاعتصام بالإسلام.
يا أبناء الوطن الغيارى!
إن منتسبي الجمعية الملية قد فتحوا لنا طريق السعادة بتضحية أرواحهم، فعلينا أن نعينهم بترك بعض لذائذنا، حيث إننا نجلس معًا على مائدة تلك النعمة.
إن أصحاب الأفكار الفاسدة، يريدون الاستبداد والمظالم تحت ستار الحرية، فلأجل ألّا نشاهد مرة أخرى تلك الاستبدادات التي دُفنت في حُفَر الماضي ولا تلك المظالمَ التي جرت
— 441 —
في سيل الزمان، أريد أن أقيم سدًا حديديًا بين الماضي والحاضر وذلك بإيضاح تاريخ حياة الحرية، وهو كالآتي:
إن هذا الانقلاب لو أعطى الحريةَ -التي أنجبها- أحضان الشیورى الشرعية لتربيها فستُبعث أمجاد الماضي لهذه الأمة قوية حاكمةً؛ بينما لو صادفت تلك الحريةُ الأغراضَ الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها.
لقد وُلِدت الحرية في الوقت المناسب، فتحتاج تنشئتها إلى ظروف وأحوال فطرية وليست إلى افتعالِ ظروف تحتاج إلى مشاق.
إن الحمية الإسلامية التي عانت سابقًا كثيرًا من الضوائق والبؤس، وهي ليست مستحقة لها، قد فارت فورانًا عظيمًا بحيث اكتملت الحرية في ذلك الرحم. فحالما يحين وقت الولادة وتظهر إلى الوجود ستعلن هيمنتها، فلا يتمكن أيّ شيء من التصدي لها وزلزلتِها، حيث إنها ستتأسس على أسس رصينة -كعرش بلقيس- على حقائق خمس تلك هي:
الحقيقة الأولى: أن في الكل من القوة ما ليس لكلٍ، كقوة الحبل المتين الناشئة من خيوط رفعية دقيقة، أو كحكومتنا الحديثة المتبنية لأفكار الرأي العام وحكومتنا السابقة.
أيتها الأمة! نحن الآن ذلك الحبل المتين، فمن أضعفها بالأغراض الشخصية والآراء الفردية فقد جنى جناية لا تغتفر، حيث جنى على حقوق الأمة جميعًا.
الحقيقة الثانية: أن السلطة المستندة إلى القوة والإكراه كانت هي الحاكمة في سالف الأزمان وهي محكومة بالتدني والانقراض، حيث إنها حصيلة الجهل والوحشية. فأية دولة جرت في عروقها دماءُ السلطة المستبدة فإن سطور صحائفِ تاريخِها تنعق نعيق البوم بالانقراض.
بينما في زمن المدنية فإن العلم والمعرفة هما السلطة الحاكمة على العالم، وحيث إن مولّدها هي المدنية ومن شأنها الزيادة وعمرها أبدي، لذا لو كانت مثل هذه السلطة الحاكمة مدبّرة
— 442 —
لشؤون أية دولة كانت فإنها تنجي تلك الحكومة من قيد العمر الطبيعي وأجل الانقراض، فتدوم حياتها بدوام الأرض. وكتابُ أوروبا وصحائفها تعلن هذا بجلاء.
وإذا قيل: لقد كان بالإمكان إدارة الحكومة الضعيفة السابقة من قبل أشخاص اعتياديين، فيا ترى هل تثمر الأناضول وروم إيلي رجالًا دهاة خارقين يحملون على أكتافهم هذه الحكومة التي نعقد عليها الآمال؟
نقول جوابًا على هذا السؤال: نعم، إن لم يحدث انقلاب آخر.
والآن أنعم النظر في:
الحقيقة الثالثة: كان الإنسان في السابق يتحرك في ميدان محدود وضيق جدًا، رغم استعداداته غير المتناهية، حتى إنه كان يعيش عيش حيوان مع كونه إنسانًا. لذا تدنت أفكاره وضاقت أخلاقه بنسبة محدودية تلك الدائرة.
فإذا ما عاشت الآن هذه الحرية الشرعية العادلة ولم تفسد، فستنكسر أغلال فكر الإنسان، وتتحطم الموانع الموضوعة أمام استعداده للرقي، فتتوسع ميدان حركته سعة الدنيا كلها. حتى إن قرويًا مثلي يستطيع أن ينظر إلى إدارة الدولة التي هي في أوج العلا كالثريا، ويربط نوى الأماني والاستعدادات هناك. وحيث إن كل فعل وطور يصدر يلقى صداه هناك، لذا ستتعالى همته كالثريا وتتكامل أخلاقه بالدرجة نفسها، وتتوسع أفكاره بقدر سعة الممالك العثمانية، وسيَسبق بإذن اللّٰه الأفذاذَ من أمثال أفلاطون وابن سينا وبسمارك وديكارت والتفتازاني.
نحن على أمل عظيم أن تثمر مزرعةُ الأناضول وروم إيلي شبانًا غيارى؛ فلا جرم أن الممالك العثمانية محلُّ ظهور الأنبياء، ومهد الدول الحضارية، ومشرق شمس الإسلام؛ فإذا ما نمت هذه الاستعدادات المغروزة في الإنسانية بغيث الحرية، فإنها تتحول إلى شجرة طوبى من الأفكار النيرة وتمتد أغصانها إلى كل جهة، وسيجعل الشرق مَشْرِقًا للغرب، إن لم تفسد وتنخر بالكسل والأغراض الشخصية.
— 443 —
الحقيقة الرابعة: إن الشريعة الغراء تمضي إلى الأبد لأنها آتية من الكلام الأزلي. والبرهانُ الباهر عليه هو أن الشريعة تتوسع وتنمو نموَّ الكائن الحي أي بنسبة نمو استعداد الإنسان وتَشَرُّبه من نتائج تلاحق الأفكار وتَغذِّيه عليها، ذلك الاستعداد الذي يمثل ميل الرقي الذي هو غصن من أغصان شجرة استكمال العلم.
فالحرية والعدالة والمساواة التي كانت يترفل بها خيرُ القرون والخلفاء الأربعة، ولاسيما في ذلك الوقت، دليل على أن الشريعة الغراء جامعة لجميع روابط المساواة والعدالة والحرية الحقة؛ فآثار سيدنا عمر وسيدنا علي رضي اللّٰه عنهما وصلاح الدين الأيوبي دليل وأي دليل على هذا الادعاء.
ومن هنا فإني أقرر:
أن سبب تأخرنا وتدنينا وسوء أحوالنا إلى الآن ناتج مما يأتي:
١- عدم مراعاة أحكام الشريعة الغراء.
٢- تصرفات بعض المداهنين تصرفًا عفويًا.
٣- التعصب المقيت في غير محله سواء لدى عالم جاهل، أو جاهل عالم!
٤- تقليد مساوئ المدنية الأوروبية تقليدًا ببغائيًا -بسوء حظنا أو سوء اختيارنا- مما ولّد تَرْكَنا لمحاسن المدنية التي تُستحصل بمشكلات ومصاعب.
فلو قام الموظفون خير قيام بوظائفهم وسعى الآخرون حسب الظروف المحيطة وما يتطلبه الزمان الحاضر، فلن يجد أحد متسعًا من الوقت للسفاهة. ولو انهمك أي منهما بها فلا يكون إلّا جرثومة خطرة في جسم المجتمع.
الحقيقة الخامسة: إن فكر أفراد قليلين كان كافيًا لإدارة الدولة حيث الروابط الاجتماعية والضرورات المعاشية والمستلزمات الحضارية لم تكن كثيرة ومتشعبة، ولكن في الوقت الحاضر فقد كثرت
— 444 —
الروابط الاجتماعية وتعددت الضروريات المعاشية وتزايدت الزخارف الحضارية إلى حدّ كبير، بما لا يمكن أن تَحمل تلك الدولةَ وتديرَها وتربيها إلّا مجلسُ نواب في حكم قلب الأمة ينبض بنبضها، والشورى الشرعيةُ التي هي في مقام فكر الأمة وعقلها، وحريةُ الأفكار التي هي بمنزلة سيف الدولة وقوتها. ومثال هذه الحقيقة هو الحكومة المستبدة السابقة وحكومة المشروطية الحاضرة.
وأذكّر أمورًا ثلاثة بناء على الوظيفة التي أناطتها إياي الحقيقةُ الثالثة وبشهادة تخرّج الحرية:
الأول: كما أن الجسم محالٌ أن تتحلل إلى ذرات دفعةً واحدة كذلك تشكُّلُه من ذرات دفعة واحدة وبصورة فجائية محال أيضًا. لذا فإن فصل الموظفين السابقين من جسم الدولة ووضعَ آخرين جدد في مواضعهم متعذر وإن لم يكن محالًا. علمًا أن الدولة ستنبذ الموظفين الذين ينطوون على خبث دفين لا يمكن إصلاحه، بينما باب التوبة مفتوح لمن يمكن إصلاحه ما لم تطلع الشمس من مغربها. فهؤلاء يجب الاستفادة من تجاربهم، إذ إشغالُ مواضعهم الوظيفية يحتاج إلى أربعين سنة أخرى. وإلّا فإن إطالة اللسان بالسوء إلى الجميع وإهانتَهم يجعل هذا الاتحاد، اتحادَ الأمة العظيم، معرّضًا لوباء وبيل من أفكار فاسدة وأخلاق سيئة.
الثاني: لقد نشأتُ في جبال الشرق فكنت أتخيل مركز الخلافة في هالة جميلة، ولكن ما إن أتيته قبل حوالي ثمانية أشهر حتى شاهدت أن إسطنبول شبيهة برجل متوحش لبس ملابس إنسان مدني، وذلك لما فيها من تنافر القلوب واستيحاش الأفراد بعضهم بعضًا. والآن يقدّم ذلك الشخص المدني نفسه لنا وهو بملابس نصف مدنية ونصف وحشية، وذلك بسبب اتحاد الأمة.
كنت سابقًا أحسب أن فساد الشرق نابع من تعرض عضوٍ منه للمرض، ولكن لما شاهدت إسطنبول المريضة وجسست نبضها، وشرّحتها، أدركت أن المرض هو في القلب، وسرى منه إلى جميع الجهات. فحاولت علاجه، ولكن أُكرمت بصفة الجنون!
— 445 —
وقد شاهدت أيضًا: أن الإسلام الذي يشكل المدنية الحقيقية قد تأخر عن المدنية الحاضرة ماديًا، فكأن الإسلام قد استاء من سوء أخلاقنا فمضى راجعًا إلى الماضي ليشكونا إلى خير القرون.
إن من أهم أسباب تأخرنا في مضمار المدنية بعد الاستبداد، هو تباين الأفكار واختلاف المشارب لدى منتسبي ثلاث شُعب كبيرة، يُعدّون مرشدين عموميين للجميع، وهم منتسبو المدارس الحديثة والمدارس الدينية والتكايا والذين يمثلون مصداق قول الشاعر:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
إن تباين الأفكار هذا قد هزّ أساس الأخلاق الإسلامية وفرّق اتحاد الأمة، وأخّرنا عن ركب الحضارة، لأن أحدهم يكفّر الآخر ويضلله، بينما الآخر يَعدّ الأول جاهلًا لا يوثق به. وهكذا ساد الإفراط والتفريط. وعلاج هذا الداء هو الصلح النابع من توحيد الأفكار، وربطُ العلاقات ووصلُها حتى يوصل إلى نقطة الاعتدال، فيتصافحَ الجميع، ويتفقوا جميعًا لئلا يُخلّوا بنظام الرقي.
الثالث: إنني استمعت إلى الوعاظ. فلم تؤثر فيّ نصائحهم ووعظهم. فتأملت في السبب، فرأيت أنه فضلًا عن قساوة قلبي هناك ثلاثة أسباب:
١- إنهم يتناسون الفرق بين الحاضر والماضي فيبالغون كثيرًا في تصوير دعاويهم محاولين تزويقها دون إيراد الأدلة الكافية التي لا بد منها للتأثير وإقناع الباحث عن الحقيقة، فالزمن الحاضر أكثر حاجة إلى إيراد الأدلة.
٢- إنهم عند ترغيبهم بأمرٍ ما وترهيبهم منه يُسقطون قيمة ما هو أهم منه، فيفقدون بذلك المحافظة على الموازنة الدقيقة الموجودة في الشريعة، أي لا يميزون بين المهم والأهم.
٣- إن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هي أرقى أنواع البلاغة، فلا بد أن يكون الكلام موافقًا لحاجات العصر. إلّا أنهم لا يتكلمون بما يناسب تشخيص علة هذا العصر، وكأنهم يسحبون الناس إلى الزمان الغابر، فيحدثونهم بلسان ذلك الزمان.
— 446 —
فعلى الوعاظ والمرشدين المحترمين أن يكونوا محقِّقين ليتمكنوا من الإثبات والإقناع، وأن يكونوا أيضًا مدققين لئلا يفسدوا توازن الشريعة، وأن يكونوا بلغاء مقنعين كي يوافق كلامهم حاجات العصر. وعليهم أيضًا أن يَزنوا الأمور بموازين الشريعة.
فلتحيا الشريعة الغراء، ولتحيا العدالة الإلهية، وليحيا اتحاد الأمة.
وسحقًا للاختلاف، وحبًا لمحبة الأمة،..
ولتمت الأغراض الشخصية وفكر الانتقام،..
وليعش الجنود الأشاوس الذين هم الشجاعة مجسمة،..
ولتعش الجيوش التي تمثل عظمة الدولة...
ولتدم جمعية الأحرار المتدينين وطلاب النور الذين هم العقل النير والتدبير الحكيم.
سعيد النورسي
— 447 —
الخطبة الشامية
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 448 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 449 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
بين يدي هذه الرسالة
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومَن والاه،
وبعد؛
فقد ألقى الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، وهو في شرخ الشباب هذه الخطبة باللغة العربية في الجامع الأموي بدمشق، برجاءٍ من علماء الشام وإلحاحهم، وحضرها جمهور غفير من الناس يَربون على عشرة آلاف شخص، فاستمعوا إليها بلهفة وشوق، حتى إن الخطبة لما طُبعت لأول مرة نفدتْ نسخها في غضون أيام قليلة فأُعيد طبعها خلال أسبوع واحد.
كان ذلك في شتاء سنة ١٩١١م، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ثم توالت أيام الحرب الدامية، وانتهت بأُفول نجم الدولة العثمانية، وبدأت بعدها أيامُ محَنٍ توالت على الأستاذ النورسي بسلسلة اعتقالاته ونفيه ومحاكماته التي دامت حتى سنة ١٩٥٠م.
فطوال هذه السنين العجاف لم يتسنَّ له مراجعة هذه الخطبة، بل حتى إنه لم يرها، إلى أن أَرسل إليه في سنة ١٩٥١م أحد أصدقائه من مدينة "وان" نسخة مطبوعةً منها.
كان الأستاذ النورسي عند ذاك في منفاه في "أميرداغ" فأعاد النظر في خطبته التي ألقاها قبل أربعين سنة، وبدأ بترجمتها إلى التركية، أو بالأحرى بتنقيحها وصياغتها مجددًا، إذ ضمَّ إليها فقرات مهمة وهوامش قيّمة [٭]: ذُيلت هوامش المؤلف بی"المؤلف"، وحصرت العبارات العربية التي وردت في النص التركي بين قوسين مركنين. وحذف منها ما يحدد شموليتها، وأحال بعض مسائلها إلى أجزاء رسائل النور، ثم درّسها لقسمٍ من طلابه.
قام الملا عبد المجيد "شقيق الأستاذ النورسي" بترجمة هذا النص التركي إلى العربية -بتوصية من المؤلف نفسه- حسب أسلوبه، ونُشرتْ بالاستنساخ اليدوي في أوساط ضيقة، إذ كانت الطباعة محظورة بالحروف العربية آنذاك.
— 450 —
وفي بداية الستينات تناول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ترجمة الملا عبدالمجيد هذه، وصاغها بأسلوبه العذب. ونُشرتْ منها طبعات كثيرة في حينه. [٭]: طبعت الطبعة الأولى منها في مطبعة بركات بدمشق.
ولكن لما كانت الترجمة العربية هي في الأصل غير كاملة وغير مستوعبة للموضوع، فقد جاءت تلك الصياغة الجميلة -مع الأسف- ينقصها الكثير من الفقرات المهمة والمسائل الجليلة التي تمس الأحداث، فضلًا عن أن الصياغة اقتصرت على الخطبة وحدها دون ذيولها ولواحقها.
ثم تناول الأستاذ عاصم الحسيني (رحمه اللّٰه رحمة واسعة) النصَّ التركي بالترجمة إلى العربية، فأجاد أسلوبًا وأداءً للمعنى، وقام طلاب النور بطبعها في المطبعة البولسية ببيروت سنة ١٩٧٤م.
ما قمت به في هذه الرسالة:
قابلتُ ترجمة الأخ عاصم بالنص التركي فتوصلت إلى الآتي:
١- إنها ترجمة قيّمة لا ترقى إليها ترجمة أخرى، سواء في الأداء أو السبك الرصين للجمل، وهي تكاد تكون مطابقة لمتن الخطبة بالنص التركي، إلّا في بعض الجمل أو أجزاءٍ من فقرات.
٢- بيد أن الأخ الكريم لم تتح له الفرصة -كما يبدو- لإكمال ترجمته، فلم يترجِم ذيول الخطبة كاملة، إذ المقالات التي كتبها الأستاذ النورسي في الصحف المحلية في عهد الاتحاديين وألحقها بالنص التركي، ذاتُ أهمية في إعطاء الصورة الكاملة والواضحة للأحوال السياسية والاجتماعية وكذا التيارات الفكرية التي كان يموج بها المجتمع وقتئذٍ.
٣- ولأجل هذا كله، رأيت لزامًا عليّ القيام بترجمة النص التركي للخطبة مجددًا، مع ذيولها ولواحقها كاملة، ليلمس القارئ الكريم بنفسه أبعاد المسائل التي يطرقها الأستاذ النورسي، ويطّلعَ عليها من جميع جوانبها.
ولقد انتهجت أثناء الترجمة والمقابلة على النص التركي والعربي، الخطوات الآتية:
— 451 —
١- اعتبار النص التركي الذي صاغه الأستاذ النورسي بنفسه هو الأساس، مع ذيوله ولواحقه. وهو النص نفسه الیذي وضیعیه الأستاذ ضمین مبیاحث كتاب أي "تاريخ الحياة" الذي قام بتأليفه طلابُه المقرّبون وأقرّه بنفسه وطُبع في حياته. والنسخة التي اعتمدتُ عليها من الخطبة هي من منشورات "دار سوزلر" في إسطنبول سنة ١٩٧٩م.
٢- مقابلة كل فقرة في النص التركي بالنسخة العربية لنص الخطبة المطبوعة في إسطنبول -لأول مرة- سنة ١٩٢٢م في مطبعة الأوقاف الإسلامية. علمًا أن هذا النص الأول العربي لم تبق له إلّا أهميته التاريخية حيث نقّحه المؤلف بنفسه كما ذكرنا.
٣- الاكتفاء بترجمة الأخ عاصم الموافِقة للنص التركي مع إجراء ما يلزم من تغييرات في الفقرات والجمل ليقرّبها أكثر إلى معنى النص التركي وليفي بمراد المؤلف، مع إكمال الجمل أو الفقرات الناقصة فيها.
٤- ترجمة الذيول بكاملها والمقالات الملحقة بها.
٥- وضع هوامش ضرورية للقارئ الكريم لإيضاح ما يستغلق عليه من مصطلحات سياسية وتاريخية كانت معروفة ومتداولة في حينها.
٦- استخراج الآيات الكريمة من القرآن الكريم ووضع اسم السورة ورقم الآية.
٧- تخريج الأحاديث الشريفة اعتمادًا على الكتب الموثوقة.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا لحسن القصد، وصحة الفهم، وصواب القول وسداد العمل...
وصلّ اللّٰهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إحسان قاسم الصالحي
المحرم الحرام ١٤٠٩
— 453 —
مقدّمة الخطبة الشامية للمؤلف
باسمه سبحانه
وإن من شئٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا.
إخواني الأعزاء الأوفياء!
هذه الرسالة العربية قد أُلقيتْ درسًا في الجامع الأموي بدمشق قبل أربعين عامًا، وذلك بناءً على إصرار العلماء هناك، واستمَعَ إليها ما يَقرب من عشرة آلاف شخص، بينهم ما لا يقل عن مائة من كبار علماء الشام.
إن الحقائق الواردة فيها، قد أحسَّ بها "سعيد القديم" بإحساس مسبَق، فزفّها بشائر عظيمة بيقين جازم، ظنًا منه أن تلك الحقائق وشيكة التحقق، بيد أن الحربين العُظميين، والاستبدادَ المطلق الذي استمر ربع قرن من الزمان، [٭]: أي منذ انتهاء الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٣م إلى سنة ١٩٥٠ م. قد أدّيا إلى تأخر تحقق تلك الحقائق أربعين أو خمسين عامًا.
والآن قد بدأت تباشير تحقق ما أخبر عنه تلوحُ في أفق العالم الإسلامي، بمعنى أن هذا الدرس المهم ليس مجرد خطبة قديمة، قد عفا عليها الزمن، بل هو درس اجتماعي إسلامي، يحتفظ بكامل جدّته وطراوته وحقيقته طوال هذه الفترة... وكلُّ الذي حدث هو أن عام ١٣٢٧هی قد أصبح عام ١٣٧١هی وأن الجامع الأموي قد حل محلّه جامع العالم الإسلامي الذي يضم ثلاث مائة وسبعين مليون نسمة. [٭]: تعداد المسلمين آنذاك.
إن درسًا كهذا جدير الآن بالترجمة على ما أعتقد.
سعيد النورسي
— 454 —
نهج رسائل النور
في التبليغ
"يسجَّل هنا جوابٌ مهمٌ عن سؤال في غاية الأهمية، إذ يذكر "سعيد القديم" بإحساسٍ مسبّق، في درسه ذاك الذي ألقاه قبل أربعين سنة دروسَ رسائل النور الخارقة وتأثيراتها، وكأنه يراها".
لقد سألني الكثيرون وسألوا بعض إخواني النوريين، ومازالوا يسألون:
لماذا لا تُهزم "رسائل النور" أمام هذا الحشد الغفير من المعارضين والفلاسفة المُتعنّتين وأرباب الضلال؟ فعلى الرغم من إقامتهم سدًا منيعًا -إلى حدٍّ ما- ليحول دون انتشار ملايين الكتب الإيمانية والإسلامية القيمة.. وعلى الرغم من حرمانهم الكثيرَ من الناس، ولا سيما الشباب الأبرياء من حقائق الإيمان بتسهيل سُبُل السفاهة لهم وإغرائهم بملذّات الحياة الدنيا.. وعلى الرغم من محاولتهم كسر شوكة رسائل النور بشتى وسائل الغدر وأساليب الهجوم العنيف واختلاق الأكاذيب وإشاعة الدعايات الزائفة وتخويف الناس منها وحملهم على التخلي عنها.. وعلى الرغم من ذلك فقد انتشرت رسائل النور. فما الحكمة من انتشارها انتشارًا لم يَسبِق له مثيل، حتى بلغ ما نُسخ من معظمها باليد فقط ستمائة ألف نسخة، وهي تحظى بانتشار واسع ويتلقاها الناس بشوق بالغ، في الخفاء، وتستقرئ نفسها في داخل البلاد وخارجها بكمال المسرّة والمحبة؟.
فجوابًا عن أسئلة كثيرة تَرِدُ بهذا المعنى نقول:
الجواب: إن رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم، ببيان إعجاز معانيه الجليلة، تُبَيِّنُ أن في الضلالة جحيمًا معنويًا في هذه الدنيا، كما تُثْبِتُ أن في الإيمان نعيمًا معنويًا في الدنيا أيضًا. وهي تبرهن أن في المعاصي والفساد والمُتع المحرّمة آلامًا معنوية مبرّحة، كما
— 455 —
أن في الحسنات والخصال الحميدة والعمل بالحقائق الشرعية لذائذَ معنوية أشبه ما تكون بملذات الجنة.
فهي بهذا الأسلوب تنقذ مَن كان له مسكة من عقل من أهل السفاهة وأرباب الضلال من التمادي في غيّهم، ذلك لأن في عصرنا هذا حالتين رهيبتين:
أولاها: أن نوازع الإنسان وأحاسيسه المادية لا ترى العقبى، فَتُفَضِّلُ درهمًا من لذّةٍ عاجلة على قنطار من لذات آجلة، هذه الأحاسيس قد طغت -في هذا العصر- على عقل الإنسان وسيطرت على فكره؛ لذا فالسبيل الوحيد لإنقاذ السفيه من سفهه، هو الكشف عن ألَمه في لذته نفسها، ومساعدتُه على التغلب على أحاسيسه تلك؛ إذ المرء في زماننا هذا، مع علمه بلذائذ الآخرة ونعيمها الثمين كالألماس يفضّل عليها مُتعًا دنيوية تافهة أشبه ما تكون بقطع زجاجية قابلة للكسر! كما تشير إليها الآية الكريمة:
يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة
(إبراهيم:٣). وبناء على هذا ولشدة حبّه للدنيا تراه ينساق وراء أرباب الضلالة ويَتبعهم بعد أن كان من أهل الإيمان.
والسبيل الوحيد لإنقاذه من خطر الانسياق هذا، هو إظهارُ آلام جهنم وعذابها في الدنيا أيضًا.
وهذا هو النهج الذي تسير عليه رسائل النور.
إن ما في عصرنا الحاضر من تعنّت الإلحاد، وصدود الضلالات الناجمة من طغيان العلوم الحديثة وغرورها والإعراض الناشئ من اعتياد السفه والغي، قد جَعلت نسبةَ مَن يتّعظ واحدًا من مجموع عشرة أشخاص، أو ربما واحدًا من عشرين شخصًا، بعد أن يُعرَّف له الخالقُ جلّ جلالُه ويُثْبَتَ له وجود جهنم ويخوَّف من عذابها ليتجنب الشرور والسيئات، ثم تراه يقول: "إن اللّٰه غفور رحيم.. إن جهنم بعيدة جدًّا!." ثم قد يستمر في لَهوه وعبثه، فينهزم قلبُه وتنهار روحُه أمام طغيان شهواته.
وهكذا فإن "رسائل النور" تبين العواقب الوخيمة الأليمة التي تترتب على الكفر
— 456 —
والضلال في هذه الدنيا، في معظم الموازنات التي تعقدها، فتنفِّر أشدَّ الناس اتباعًا لهواهم وأكثرهم تعنّتًا وعنادًا، من الخوض في متعهم المحرّمة وسفاهتهم المشؤومة، وتدفع بالعقلاء منهم إلى طَرقِ باب التوبة والاستغفار.
وعلى سبيل المثال: الموازناتُ المبسطة التي تتضمنها الكلمات: السادسة، والسابعة، والثامنة من "الكلمات الصغيرة"، والموازنة المطوّلة التي يتضمنها الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين... هذه الموازنات تَحْمِل أشد الناس سفاهة وضلالة على الرهبة والرعب، وعلى قبول إرشادها والاتعاظ بها.
ومثلًا: نشير هنا باختصار إلى ما رآه (أي سعيد القديم) من حقائق في إثناء تجوالٍ خيالي من خلال التدبر في آية "النور". وتفصيله في "القسم الخامس من المكتوب التاسع والعشرين من مجموعة المكتوبات" فمن شاء فليراجعه. والخلاصة هي:
أنني في أثناء سياحتي الخيالية تلك، رأيت عالمَ الحيیوان، ذلك العالم المحتاج إلى الیرزق والتقوّت. وعندما تأملته من وجهة نظر الفلسیفیة المادية، أَظْهَرَ لي -ذلك العالَمَ من الأحياء- عالمًا رهيبًا مؤلمًا؛ بما فيه من ضعف وعجز فضلًا عن مسيس احتياجه وشدة جوعه!
ولما كنت أنظر إليه بعين أهل الضلال والغفلة أطلقتُ صرخةً ملؤها الألم والحزن، وإذا بي أرى ذلك العالم بمنظار الإيمان وحكمة القرآن، فإذا باسم "الرحمن" يشرق من برج "الرزاق" كشمسٍ ساطعة، فأنار ذلك العالمَ الجائع البائس من الأحياء وأسبغ عليه نور رحمته.
ثم رأيت عالَمًا آخر في عالم الحيوان هذا، ذلك هو عالَم الأفراخ الصغار التي تنتفض ضعفًا وعجزًا وعَوزًا، وقد تغشاه ظلام محزن أليم، يدعو كل إنسان إلى الإشفاق عليه. ولما كنت أنظر بعين أهل الضلالة، صِحْتُ قائلًا: واحسرتاه! وإذا بالإيمان يمنحني نظّارة، شاهدتُ من خلالها: طلوعَ اسم "الرحيم" من برج "الشفقة"، ينشر أضواءه الزاهية الجميلة، حتى حَوَّلَ ذلك العالمَ المحزن إلى عالم بهيج، وقَلَبَ عبرات الشكوى والألم والحزن المنهمرة من عينيّ إلى دموع الفرح والشكر والامتنان.
— 457 —
ثم تراءى لي عالم الإنسان كشاشة سينمائية، فأنعمتُ النظر فيه بمنظار أهل الضلالة، وإذا به عالم مظلم مرعب.. لم أتمالك معه نفسي فأطلقتُ صرخةَ ألمٍ من أعماق قلبي قائلًا: وا أسفاه! ذلك لأن آمال الناس وأمانيهم الممتدة إلى الأبد، وتصوراتهم وأفكارهم المحيطة بالكون، وتطلعاتهم الجادة واستعداداتهم الفطرية التواقة إلى الخلود والجنة والسعادة الأبدية، وقواهم الطليقةَ غير المحددة فطريًا، واحتياجاتِهم المتوجهة إلى غاياتٍ ومقاصدَ لا منتهى لها، وتعرضَهم -مع ضعفهم وعجزهم- لهجماتِ ما لا يحصى من المصائب والأعداء.. مع كل هذا، لهم عمرٌ جدّ قصير، ويحيون حياةً ملؤها الصخب والقلق، يذوقون مرارة الموت كل يوم بل كل ساعة، يقاسون ضنك المعيشة في حياتهم، ويتجرعون آلام الفراق والزوال التي هي أوجع للقلب وأثقل على الوجدان، فضلًا عن أنهم ينظرون إلى القبر والمقبرة نظرَ أهلِ الغفلة وكأنه باب إلى ظلام سرمدي، يُرمَون في غياهبه فردًا فردًا وطائفة إثر طائفة!
وهكذا.. ففي الوقت الذي رأيت عالم الإنسان هذا غارقًا في مثل هذه الظلمات وإذ أنا على وشك الصراخ من أعماق قلبي وروحي وعقلي، بل بجميع مشاعري بل بجميع ذرات وجودي، إذا بالنور المنبعث من القرآن والإيمان الراسخ الناشئ منه، يحطّم ذلك المنظار المضلّ، ويهب لعقلي بصرًا نافذًا أرى به الأسماء الإلهية الحسنى وقد أشرقتْ كالشمس الساطعة من بروجها؛ فاسم اللّٰه "العادل" رأيته بازغًا من برج "الحكيم"، واسم "الرحمن" من برج "الكريم"، واسم "الرحيم" من برج "الغفور" (أي بمعناه)، واسم "الباعث" من برج "الوارث"، واسم "المحيي" من برج "المحسن"، واسم "الرب" من برج "المالك"... فأضاءت هذه الأسماءُ بنورها الباهر عوالمَ كثيرة داخل عالم الإنسان المظلم، وحوّلَتها إلى عوالم مشرقة بهيجة، كما بددتْ تلك الحالاتِ الجهنّميةَ بما فَتحتْ من نوافذ إلى عالم الآخرة، حتى نثرت الأنوارَ إلى جميع جوانب ذلك العالم البائس للإنسان. فقلتُ: "الحمد للّٰه.. الشكر للّٰه.. بعدد ذرات العالم"، ورأيت بعين اليقين وعلمتُ علم اليقين: "أن في الإيمان حقًّا جنةً معنوية، وأن في الضلال جحيمًا معنويًا في هذه الدنيا ذاتها أيضًا".
ثم ظهر في تلك الجولة عالمُ كرة الأرض، فعكستْ القوانينُ العلميةُ المظلمة للفلسفة غيرُ المنقادة للدين، إلى خيالي عالمًا في منتهى الغرابة والدهشة؛ إذ تأملتُ هذه الأرض التي
— 458 —
تزيد سرعةُ حركتها على سرعةِ طلقةِ المدفع بسبعين مرة، وتقطع مسافةَ خمسةٍ وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، وهي مع شيخوختها وهرمها معرضةٌ للتشتت والتحطّم في كل لحظة، وتحمل في باطنها زلازلَ مخيفةً، وعلى ظهرها هذا الإنسانَ البائس الذي تجوب به أجواء الفضاء غير المحدود.. فأشفقتُ على وضع هذا الإنسانَ وسط هذا الظلام الدامس الموحش المخيم عليه، ودار رأسي من هولِ ما رأيتُ وأظلمتِ الدنيا أمام عيني، فطرحتُ نظارةَ الفلسفة أرضًا وحطمتها كليًا، ونظرتُ إلى الأمر ببصيرة وضّاءة بحكمة القرآن، وإذا بأسماء خالق الأرض والسموات: القدير، العليم، الرب، اللّٰه، ربّ السموات والأرض ومسخر الشمس والقمر، قد أشرقت من بروج الرحمة والعظمة والربوبية شروقَ الشمس، فغمرتْ ذلك العالمَ الحالك الموحش المذهل بنور زاهٍ باهر جعلني أُبصِر بعينيّ المؤمنتين هاتين: أن الكرة الأرضية في غاية الانتظام والكمال والتسخير للإنسان، وهي في أمان وسلام، فيها رزق كل مَن يدبّ عليها، كأنها سفينة سياحية مهيأة للتنزّه والراحة والاستجمام والتجارة. تتجول بما عليها من مخلوقات، حول الشمس في مملكة ربانية واسعة، وهي مشحونة بالرزق كأنها قطار أو سفينة أو طائرة مشحونة في الربيع والصيف والخريف... فقلت وقتئذٍ: "الحمد للّٰه على نعمة الإيمان بعدد ما في الأرض من ذرات".
وفي ضوء هذا المثال تستطيع أن تقيس كثيرًا من الموازنات الأخرى التي تتضمنها "رسائل النور" والتي تُثبِت: أن أرباب السفاهة والضلال يذوقون في الدنيا نفسِها عذابًا جهنميًا معنويًا، كما أن أهل الصلاح والإيمان يعيشون في جنة معنوية في هذه الدنيا، وبإمكانهم أن يتذوقوا طعوم لذائذ تلك الجنة المعنوية بحواسهم ولطائفهم الإسلامية والإنسانية وبتجليات الإيمان وجلواته، بل يمكنهم الاستفادة من تلك اللذات حسب تفاوت درجاتهم الإيمانية.
بيد أن طبيعة هذا العصر العاصف الذي تَسُود فيه التيارات المعطِّلة للمشاعر، والصارفة لأنظار البشرية إلى الآفاق الخاوية والغرق فيها، قد أوجدتْ صعقةً من النوع الذي يعطّل الإحساس، لذا فإن أرباب الضلال لا يَشعرون -مؤقتًا- بعذابهم المعنوي، وأن أهل الهداية بدورهم قد داهمتهم الغفلة فلا يستطيعون أن يقیدّروا لیذّة الإيمان الحقيقية حق قدرها.
— 459 —
الحالة الرهيبة الثانية لعصرنا الحالي: إن الإلحاد وأنواع الضلالة الناشئة من العلوم الطبيعية، والتمرد المتولد من الكفر العنادي في الماضي، لَيُعتَبران من الضآلة بحيث لا يُذكَران إذا ما قيسا بما عليه الوضع في وقتنا الراهن، لذا فقد كانت أدلّة علماء الإسلام ودراساتهم كافية لسدّ حاجات عصرهم، إذ كان كفر عصرهم مبنيًّا على الشك، فكانوا يزيلونه بسرعة؛ حيث كان الإيمان باللّٰه يَسُود أوساطَ الناس، وكان من اليسير إرشادُ الكثيرين إلى طريق الهداية والصراط السوي، وإنقاذُهم من السفاهة والضلال، وذلك بالتذكير باللّٰه سبحانه والتخويفِ من عذابه فكان الكثيرون يتخلَّون عن غيهم.
أما اليوم فقد تغير الحال، إذ بينما كان يوجد -في الماضي- ملحد واحد في بلد، يمكن العثور الآن على مائة كافر في قصبة واحدة. وقد زاد عدد الذين يضلون بسبب افتتانهم بالعلوم والفنون الحديثة ويقفون بعناد وتمرّد في وجه حقائق الإيمان أضعافَ أضعافِ الماضي بمائة مرة. ولما كان هؤلاء المعاندون يعارضون الحقائق الإيمانية بغرور فرعوني وبتضليلات رهيبة، فلا مناص من أن يجابَهوا بحقائق قدسية في قوة القنبلة الذرية، لِتحطّم مبادئهم وأسسَهم في هذه الدنيا وتوقف زحفهم وتجاوزهم، بل تحملَ قسمًا منهم على التسليم والإيمان.
فنحن نحمد اللّٰه أجزل الحمد ونشكره شكرًا لا منتهى له على أن "رسائل النور" قد أصبحت ترياقًا شافيًا لجروح عصرنا الدامية ومعجزة معنوية من معجزات القرآن الحكيم، ولمعة من لمعاته، فلقد استطاعت بموازناتها العديدة أن تحارب أشد المعاندين المتعنتين بسيف القرآن الألماسي، وتنصب الحجج وتقيم الأدلّة على الوحدانية الإلهية وحقائقِ الإيمان بعدد ذرات الكون.
ولعل هذا السرّ هو الذي جعلها لا تُغلَب ولا تنهزم منذ خمسة وعشرين عامًا، في وجه أشد الحملات شراسة، بل كانت هي الغالبة على الدوام.
نعم، إن موازنات الكفر والإيمان، ومقايسات الهداية والضلال التي تشتمل عليها "رسائل النور"، تُثبت بالمشاهدة هذه الحقيقةَ المذكورة. فالذي يطالع براهينَ ولمعاتِ "الكلمة الثانية والعشرين" -بمقامَيْها- مثلًا، أو يجيل النظر في الموقف الأول من "الكلمة
— 460 —
الثانية والثلاثين"، أو يقرأ نوافذ "المكتوب الثالث والثلاثين"، أو يتصفّح الحجج الإحدى عشرة من مجموعة "عصا موسى"، وإذا ما قاس سائر الموازنات والمقايسات الأخرى على ما ذكرناه، يدرك جيدًا: أن حقائق القرآن المتجلية في "رسائل النور" هي التي تستطيع قطع دابر الإلحاد وعناد أهل الضلال المتمرد في زماننا هذا واستئصالَ شأفتهما.
وكما قد تجمعت الشذرات التي تميط اللثام عن وجه مُعَمَّيَات حقائق خلق العالم وأهم دقائق أسرار الدين في مجموعة "أسرار قرآنية (الطلاسم)" فأملي باللّٰه عظيم أن تتجمّع كذلك تلك الأجزاءُ المتناثرة التي تُثبت -بالأدلة والبراهين- أن أهل الضلالة يعيشون في جهنم في هذه الدنيا وأن أهل الهداية يذوقون لذائذ الجنة في هذه الدنيا أيضًا.. وأن الإيمان بذرة معنوية من بذور الجنة، والكفر نواة من نوى زقّوم جهنم. وآمُلُ أن تجتمع تلك الأجزاء من "رسائل النور" في مجموعة موجزة وتنشر بعون اللّٰه وتوفيقه.
سعيد النورسي
— 461 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
نقدم أولًا ما يقدمه كلُّ ذي روح بلسان حال حياته من هدايا معنوية إلى خالقه، وما يقدمه كلٌّ منهم من الحمد والشكر بلسان حاله إلى ذلك الواجب الوجود الذي قال:
لا تقنطوا من رحمة اللّٰه
(الزمر:٥٣)، ونصلي ونسلّم صلاةً وسلامًا لا منتهى لهما على نبيّنا محمد المصطفى عليه الصلاة والسلام، الذي قال: "إنما بعثتُ لأتمم مكارمَ الأخلاق" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٨١؛ البيهقي، السنن الكبرى ١٠/١٩١؛ القضاعي، الشهاب ٢/١٩٢. أي: إنما بعثني اللّٰه إلى الناس لتتميم الخصال الحميدة وإنقاذ البشرية من الطباع الذميمة.
أما بعد!
فيا إخواني العرب الذين يستمعون إلى هذا الدرس في هذا الجامع الأموي؛ إنني ما صعدت هذا المنبر وإلى هذا المقام الذي هو فوق حدي لأرشدكم؛ فهذا أمرٌ فوق طوقي، إذ ربما فيكم ما يقارب المئة من العلماء الأفاضل، فمَثلي معكم كمثل صبي يذهب إلى المدرسة صباحًا ثم يعود في المساء ليعرض ما تَعلّمه على أبيه، ابتغاء تصحيح أخطائه والتلطّف في تصويبه وإرشاده.
فشأننا معكم شأن الصبيان مع الكبار، فنحن تلامذة بالنسبة إليكم وأنتم أساتذة لنا ولسائر أمة الإسلام. وها أنذا أعرض بعض ما تعلمتُه على أساتذتي:
لقد تعلمت الدروس في مدرسة الحياة الاجتماعية البشرية، وعلمتُ في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض جعلتنا نقیف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب -وخاصة الأوربيين- نحو المستقبل.
وتلك الأمراض هي:
أولًا: حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.
ثانيًا: موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
ثالثًا: حبّ العداوة.
— 462 —
رابعًا: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
خامسًا: سريان الاستبداد سريانَ الأمراض المُعدية المتنوعة.
سادسًا: حصر الهمة في المنفعة الشخصية.
ولمعالجة هذه الأمراض الستة الفتّاكة، أبيّن ما اقتبستُه من فيض صيدلية القرآن الحكيم -الذي هو بمثابة كلية الطب في حياتنا الاجتماعية- أبيّنها بست كلمات، إذ لا أعرف أسلوبًا للمعالجة سواها.
الكلمة الأولى: "الأمل"
أي: شدة الاعتماد على الرحمة الإلهية والثقة بها.
نعم، إنه بناءً على ما تعلمته من دروس الحياة، يسرّني أن أزفّ إليكم البشرى يا معشر المسلمين، بأنه قد أَزِفَ بزوغُ أمارات الفجر الصادق ودنا شروقُ شمس سعادة عالم الإسلام الدنيوية وبخاصة سعادة العثمانيين، ولاسيما سعادة العرب الذين يتوقّف تقدمُ العالم الإسلامي ورقيُّه على تيقظهم وانتباههم، فإنني أعلن بقوة وجزم، بحيث أُسمِعُ الدنيا كلها وأنفُ اليأس والقنوط راغم: (٭): لقد أخبر "سعيد القديم" بإحساس مسبق منذ خمسة وأربعين عامًا بأن العالم الإسلامي -وفي مقدمته الدول العربية- سينجو من سيطرة الأجانب وتحكّمهم، وسيشكلون دولًا إسلامية سنة١٣٧١. ولم يفكر آنذاك في الحربين العالميتين ولا في الاستبداد المطلق الذي دام ما يقارب أربعين عامًا، فبشّر بما كان سنة ١٣٧١ وكأنه ١٣٢٧ دون أن يأخذ سبب التأخير بنظر الاعتبار. (المؤلف).
أن المستقبل سيكون للإسلام، وللإسلام وحده، وأن الحكم لن يكون إلّا لحقائق القرآن والإيمان. لذا فعلينا الرضا بالقدر الإلهي وبما قسّمه اللّٰه لنا؛ إذ لنا مستقبل زاهر، وللأجانب ماضٍ مشوش مختلط.
فهذه دعواي، لي عليها براهين عدة، سأذكر واحدًا ونصفًا فقط منها، بعد أن أمهّد لها ببعض المقدمات.
أما المقدمات فهي:
أن حقائق الإسلام تمتاز باستعدادها استعدادًا كاملًا لدفع أهلها إلى مراقي التقدم المادي والمعنوي معًا.
— 463 —
أما أنه مستعد للرقي المعنوي: فاعلموا أن التاريخ الذي يسجل الوقائع الحقيقية، أَصدقُ شاهد على حقيقة الأحداث؛ فها هو التاريخ يرينا والقائد الياباني الذي هزم الروس أيضًا يدلي بالشهادة الآتية في صدد عظمة الإسلام وحقانيته: "إنه بنسبة قوة الحقائق الإسلامية وبنسبة التزام المسلمين تلك الحقائق، يزدادون رقيًا وتقدمًا، هكذا يرينا التاريخ. ويرينا أيضًا أنه بقدر ضعف تمسكهم بتلك الحقائق يصابون بالتوحش والتخلف والاضمحلال والوقوع في ألوان من الهرج والمرج والاضطرابات، ويُغلَبون على أمرهم". أما سائر الأديان الأخرى فالأمر فيها على عكس الإسلام، أي: بقدر ضعف تمسّك أتباعها وضعف تعصبهم وصلابتهم في دينهم يزدادون رقيًا وتقدمًا، وعلى قدر تعصبهم وتمسكهم بدينهم يتعرّضون للانحطاط والاضطرابات.
هذا هو حكم التاريخ.. وهكذا مَرَّ الزمانُ إلى الآن.
وما أرانا التاريخ قط منذ خير القرون والعصر السعيد إلى الآن أن مسلمًا قد ترك دينه مرجِّحًا عليه -بالمحاكمة العقلية والدليل اليقيني- دينًا آخر، على حين أن كثيرًا من أتباع الأديان الأخرى -حتى المتعصبين منهم، كالروس القدامى والإنكليز- قد رجّحوا بالمحاكمة والدليل العقلي دين الإسلام على أديانهم فدخلوا في الإسلام. ولا عبرة هنا بتقليد العوام الذي لا يستند إلى دليل، كما لا عبرة بالمروق عن الدين والخروج على حقائقه، فهذه مسألة أخرى. علمًا أن التاريخ يفيدنا بأن عدد من يدينون بالإسلام -بالمحاكمة العقلية- جماعاتٍ وأفواجًا يزداد يومًا بعد يوم. (٭): والدليل على هذه الدعوى هو أنه مع قيام حربين عالميتين رهيبتين، وظهورِ استبداد مطلق قاسٍ نجد أنه بعد خمس وأربعين سنة:
١. قبول بعض الدول الصغيرة كالسويد والنرويج وفنلندا تدريس القرآن في مدارسها، ليكون سدًا منيعًا أمام الشيوعية والإلحاد.
٢. قبول عدد من الخطباء الإنكليز المشهورين بإقناع الإنكليز وحملهم على قبول القرآن.
٣. موالاة أكبر دول المعمورة في الوقت الحاضر-وهي أمريكا- لحقائق الدين بكل قواها، واعترافها بأن آسيا وإفريقيا ستجدان السعادة والأمن والسلام في ظل الإسلام. فضلًا عن تعاطفها مع دول إسلامية حديثة الولادة ومحاولتها الاتفاق معها.. كل ذلك يُثبت صدق هذه الدعوى التي قيلت قبل خمس وأربعين سنة، وشاهد قوي عليها.(المؤلف). #464
ولو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخیلاق الإسلام وكمال حقائیق الإيمان، لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعاتٍ وأفواجًا، بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام.
إن البشرية التي أخذت تصحو وتتيقّظ بنتائج العلوم والفنون الحديثة أدركت كنه الإنسانية وماهيتها، وتيقّنت أنه لا يمكنها أن تعيش هملًا بغير دين، بل حتى أشد الناس إلحادًا وتنكرًا للدين مضطر إلى أن يلجأ إلى الدين في آخر المطاف؛ لأن: "نقطة استناد" البشر عند مهاجمة المصائب والأعداء من الخارج والداخل، مع عجزه وقلّة حيلته، وكذا "نقطة استمداده" لآماله غير المحدودة الممتدة إلى الأبد مع فقره وفاقته، ليس إلّا "معرفةَ الصانع" والإيمان به والتصديق بالآخرة... فلا سبيل للبشرية المتيقّظة إلى الخلاص سوى الإقرار بكل ذلك.
وما لم يوجد في صَدَفة القلب جوهر الدين الحق، فسوف تقوم قيامات مادية ومعنوية على رأس البشر، وسيكون أشقى الحيوانات وأذلّها.
خلاصة الكلام: لقد تيقّظ الإنسان في عصرنا هذا، بفضل العلوم والفنون ونُذُرِ الحروب والأحداث المذهلة، وَشَعَر بقيمة جوهر الإنسانية واستعدادها الجامع، وأدرك أن الإنسان باستعداده الاجتماعي العجيب لم يُخلق لقضاء هذه الحياة المتقلّبة القصيرة، بل خُلق للأبد والخلود، بدليل آماله الممتدة إلى الأبد، وأن كل إنسان بدأ يشعر -حسب استعداده- أن هذه الدنيا الفانية الضيقة لا تسع لتلك الآمال والرغبات غير المحدودة، حتى إذا قيل لقوّة الخيال التي تخدم الإنسانية: "لك أن تعمَّري مليون سنة مع سلطنة الدنيا، نظيرَ قبولك موتًا أبديًا لا حياة بعده إطلاقًا"، فلابد أن خيال ذلك الإنسان المتيقّظ الذي لم يفقد إنسانيته سيتأوه كَمَدًا وحزنًا -بدلًا من أن يفرح ويستبشر- لفقده السعادة الأبدية.
وهذا هو السر في ظهور ميل شديد إلى التحري عن الدين الحق في أعماق كل إنسان، فهو يبحث قبل كل شيء عن حقيقة الدين الحق لتنقذه من الموت الأبدي. ووضعُ العالم الحاضر خير شاهد على هذه الحقيقة.
لقد بدأت قارات العالم ودوله -بعد مرور خمسة وأربعين عامًا وبظهور الإلحاد- تدرك إدراكَ كل فردٍ هذه الحاجة البشرية الشديدة.
— 465 —
ثم إن أوائل أكثر الآيات القرآنية وخواتمها، تحيل الإنسان إلى العقل قائلة: راجعْ عقلَك وفكرك أيها الإنسان وشاورهما، حتى يتبينَ لك صدق هذه الحقيقة؛ فانظروا مثلًا إلى قوله تعالى: فاعلموا .. فاعلم .. أفلا يعقلون .. أفلم ينظروا .. أفلا تتذكرون .. أفلا يتدبرون .. فاعتبروا يا اولى الأبصار .وأمثالِها من الآيات التي تخاطب العقل البشري، فهي تسأل: لِمَ تتركون العلم وتختارون طريق الجهل؟ لِمَ تعصُبون عيونَكم وتتعامَوْن عن رؤية الحق؟ ما الذي حملكم على الجنون وأنتم عقلاء؟ أي شيء منعكم من التفكر والتدبّر في أحداث الحياة، فلا تعتبرون ولا تهتدون إلى الطريق المستقيم؟ لماذا لا تتأملون ولا تحكّمون عقولكم لئلا تضلوا؟.
ثم تقول: أيها الناس انتبهوا واعتبروا! أنقذوا أنفسكم من بلايا معنوية تنزل بكم، باتعاظكم من القرون الخوالي.
يا إخواني الذين يضمّهم هذا الجامع الأموي، ويا إخواني في جامع العالم الإسلامي! اعتبروا أنتم أيضًا! وقيّموا الأمور في ضوء الأحداث الجسام التي مرت خلال السنوات الخمس والأربعين الماضية، كونوا راشدين، يا من يعدّون أنفسهم من أولي الفكر والعلم.
نحصل مما سبق: نحن معاشر المسلمين خدام القرآن نتّبع البرهان، ونقبل بعقلنا وفكرنا وقلبنا حقائقَ الإيمان، لسنا كمن ترك التقلد بالبرهان تقليدًا للرهبان كما هو دأب أتباع سائر الأديان!
وعلى هذا فإن المستقبل الذي لا حكمَ فيه إلّا للعقل والعلم، سوف يسوده حكم القرآن الذي تستند أحكامُه إلى العقل والمنطق والبرهان.
وها قد أَخَذَت الحجبُ التي كانت تكسف شمس الإسلام تنزاح وتنقشع، وأخذت تلك الموانع بالانكماش والانسحاب، ولقد بدأت تباشير ذلك الفجر منذ خمس وأربعين سنة، وها قد بزغ فجرها الصادق سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف أو هو على وشك البزوغ، وحتى إن كان هذا الفجر فجرًا كاذبًا فسيطلع الفجر الصادق بعد ثلاثين أو أربعين عامًا إن شاء اللّٰه.
— 466 —
نعم، فلقد حالت ثمانية موانع دون استيلاء حقائق الإسلام على الزمان الماضي استيلاءً تامًا وهي:
المانع الأول والثاني والثالث: جهل الأجانب،
وتأخرهم عن عصرهم (أي بُعدهم عن الحضارة)،
وتعصبهم لدينهم...
فهذه الموانع الثلاثة بدأت تزول بفضل التقدم العلمي ومحاسن المدنية.
المانع الرابع والخامس: تحكّم القسيسين وسيطرةُ الزعماء الروحانيين على أفكار الناس وأذهانهم،
وتقليد الأجانب لأولئك القسيسين تقليدًا أعمى.
فهذان المانعان أيضًا يأخذان بالزوال بعد انتشار حرية الفكر وميل النوع البشري إلى البحث عن الحقائق.
المانع السادس والسابع: تفشي روح الاستبداد فينا،
وانتشار الأخلاق الذميمة النابعة من مجافاة الشريعة ومخالفتها.
فإن زوال قوة استبداد الفرد الآن يشير إلى زوال استبداد الجماعة والمنظمات الرهيبة بعد ثلاثين أو أربعين سنة. ثم إن فوران الحمية الإسلامية والوقوف على النتائج الوخيمة للأخلاق الذميمة كفيلان برفع هذين المانعين بل هما على وشك أن يُرفعا، وسيزولان زوالًا تامًا إن شاء اللّٰه.
المانع الثامن: توهم وجود نوع من التناقض بين مسائل من العلم الحديث والمعنى الظاهري لحقائق الإسلام؛ هذا التوهم سبّبَ إلى حدٍّ ما وَقْفَ استيلاء الحقائق الإسلامية في الماضي. فمثلًا: إن
— 467 —
"الثور والحوت" اللذين هما عبارة عن مَلَكين روحانيين مأمورين بالإشراف على الأرض بأمر اللّٰه تَخَيَّلَهما البعضُ أنهما حيوانان حقيقيان مجسّمان، أي: ثور ضخم وحوت جسيم، فوقف أهل العلوم الحديثة موقف المعارض للإسلام لعیدم اطیلاعهم على حقيقیة التشبيه والمجاز.
وهناك مئات من الأمثلة كهذا، إذ بعد الاطلاع على الحقيقة لا يجد أعتى الفلاسفة مفرًا من الاستسلام والانصياع. حتى إن رسالة "المعجزات القرآنية" قد أشارت إلى كل آية من الآيات التي تَعَرَّضَ لها أهلُ العلم الحديث، وأَظْهَرَتْ أن في كلٍ منها لمعة رائعة من لمعات إعجاز القرآن، وبَيَّنت ما ظَنَّه أهل العلم مدارَ نقدٍ في جُمَل القرآن وكلماته: أن في كل منها من الحقائق السامية الرفيعة ما لا تطاوله يد العلم، والجأت الفلاسفَة العنيدين إلى الاستسلام والرضوخ. وهذه الرسائل في متناول الجميع، وفي إمكان كل واحد الاطلاع عليها بسهولة، وعليه أن يطلع عليها، ليرى كيف انهار هذا المانع فعلًا، بعدما قيل منذ خمس وأربعين سنةً.
نعم، إن هناك مؤلفاتٍ قيمة لعلماء الإسلام في هذا المجال، وكلُّ الأمارات تدل على أن هذا المانع الثامن سيضمحل تمامًا.
وإذا لم يحدث ذلك الآن، فإنه بعد ثلاثين أو أربعين عامًا سوف يتجهّز العلم، والمعرفة الحقيقية، ومحاسن المدنية، بوسائل وأعتدة كاملة فتتغلب -هذه القوى الثلاث- على الموانع الثمانية المذكورة وتقضي عليها، وذلك ببعثها روحَ التحري عن الحقائق، والإنصافِ والمحبة الإنسانية، وإرسالها إلى جبهاتِ محاربةِ تلك الأعیداء الثمانیية.
وقد بدأت تهزمها فعلًا، وسوف تقضي عليها قضاءً تامًا بعد نصف قرن إن شاء اللّٰه.
نعم، "الفضل ما شهدت به الأعداء".
وإليكم مثالين فقط من بين مئات الأمثلة:
المثال الأول: أن مستر كارلايل أحد مشاهير فلاسفة القرن التاسع عشر وأشهر فيلسوف من القارة الأمريكية يلفت أنظار الفلاسفة وعلماء النصرانیيیة بقیولیه:
"لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة والنحل الباطلة فابتلعها، وحق له أن يبتلعها، لأنه حقيقة خارجة من قلب الطبيعة، وما كاد يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب
— 468 —
وجدليات النصرانية وكل ما لم يكن بحق فإنها حطب ميت أكلته نارُ الإسلام فذهب، والنار لم تذهب". [٭]: من ترجمة الأستاذ محمد السباعي لكتاب "الأبطال".
ويزيد مستر كارلايل فيقول بحق الرسول (ص):
"هو الرجل العظيم الذي علّمه اللّٰه العلم والحكمة، فوجب علينا أن نصغي إليه قبل كل شيء". [٭]: من ترجمة الأستاذ محمد السباعي لكتاب "الأبطال".
ويقول أيضًا:
"إن كنت في ريب من حقائق الإسلام فالأولى بك أن ترتاب في البديهيات والضروريات القطعية، لأن الإسلام مِن أَبْدَهِ الحقائق وأشدها ضرورة".
وهكذا فقد سجّل هذا الفيلسوفُ الشهير شهادته هذه حول الإسلام في أماكن متفرقة من مؤلَّفه.
المثال الثاني: هو الأمير بسمارك الذي يُعتبر من أشهر رجال الفكر في تاريخ أوروبا الحديث. يقول هذا الفيلسوف:
"لقد درستُ الكتب السماوية بإمعان، فلم أجد فيها الحكمة الحقيقية التي تكفل سعادة البشرية، وذلك للتحريف الذي حصل فيها. ولكني وجدت قرآن محمد (ص) يعلو على سائر الكتب. وقد وجدت في كل كلمة منه حكمة. وليس هناك كتاب يحقق سعادة البشرية مثله. ولا يمكن أن يكون كتابٌ كهذا من كلام البشر. فالذين يدّعون أن هذه الأقوال أقوال محمد (ص) يكابرون الحق وينكرون الضرورات العلمية، أي أن كون القرآن كلام اللّٰه أمرٌ بديهي".
وهكذا تنتج حقول الذكاء في أمريكا وأوروبا محاصيل رائعة من أمثال مستر كارلايل وبسمارك من جهابذة المحققين.
وفي ضوء هذه الحقيقة أقول وبكل اطمئنان واقتناع:
إن أوروبا وأمريكا حبَالى بالإسلام، وستلدان يومًا ما دولة إسلامية، كما حَبِلت الدولة العثمانية بأوروبا وولدت دولة أوروبية.
— 469 —
أيها الإخوة في الجامع الأموي، ويا إخواني في الجامع الإسلامي بعد نصف قرن! أفلا تنتج المقدمات التي أسلفنا ذكرها حتى الآن: أن الإسلام وحده سيكون حاكمًا على قارات المستقبل حكمًا حقيقيًا ومعنويًا، وأن الذي سيقود البشرية إلى السعادتين الدنيوية والأخروية ليس إلّا الإسلام والنصرانية الحقّة المنقلبة إلى الإسلام والمتفقة معه والتابعة للقرآن بعد تحررها من التحريفات والخرافات!
الجهة الثانية: أن الإسلام مستعد للرقي المادي:
إن الأسباب القوية التي تدفع الإسلام إلى الرقي تبين أن الإسلام سيسود المستقبل ماديًا أيضًا.
فكما أثبتنا في الجهة الأولى استعداد الإسلام معنويًا للرقي؛ تُظهر هذه الجهة إظهارًا واضحًا استعداد الإسلام للرقي المادي وسيادته في المستقبل. لأنه في قلب الشخصية المعنوية للعالم الإسلامي خمسُ قوًى لا تُقهَر، وهي في منتهى الرسوخ والمتانة: (٭): نعم، نفهم من أستاذية القرآن وإشارات درسه: أن القرآن بذكره معجزاتِ الأنبياء، إنما يدل البشرية على أن نظائر تلك المعجزات سوف تتحقق في المستقبل بالترقي، ويحث الإنسان على ذلك وكأنه يقول له: هيا اعمل واسعَ لتنجز أمثال هذه المعجزات؛ فاقطع مثلًا مسافة شهرين في يوم واحد كما قطعها سليمان عليه السلام.. واعمل على مداواة أشد الأمراض المستعصية كما داواها عيسى عليه السلام..واستخرج الماء الباعث على الحياة من الصخر وأنقذ البشرية من العطش كما فعله موسى عليه السلام بعصاه.. وابحث عن المواد التي تقيك شر الحرق بالنار، وألبسها كما لبسها إبراهيم عليه السلام.. والتقط أبعد الأصوات واسمعها وشاهِد الصور من أقصى المشرق والمغرب كما فعل ذلك بعض الأنبياء.. وألِن الحديد كالعجين كما فعله داود عليه السلام، واجعل الحديد كالشمع في يدك ليكون مدارًا لجميع الصناعات البشرية.. كما تستفيدون فوائد جمة من الساعة والسفينة اللتين هما من معجزات سيدنا يوسف وسيدنا نوح عليهما السلام.. فاعملوا على محاكاتهما وتقليدهما. وهكذا قياسًا على هذا نجد أن القرآن الكريم يسوق البشرية إلى الرقي المادي والمعنوي، ويلقي علينا الدروس ويثبت أنه أستاذ الجميع. (المؤلف).
القوة الأولى: "الحقيقة الإسلامية" التي هي أستاذ جميع الكمالات والمُثُلِ، الجاعلةُ من ثلاثمائة وخمسين مليونَ مسلمٍ كنفسٍ واحدة، والمجهّزة بالمدنية الحقيقية والعلوم الصحيحة، ولها من القوة ما لا يمكن أن تهزمها قوة مهما كانت.
القوة الثانية: "الحاجة الملحة" التي هي الأستاذ الحقيقي للمدنية والصناعات والمجهَّزة بالوسائل
— 470 —
والمبادئ الكاملة.. وكذا "الفقر" الیذي قصم ظهرنا. فالحاجة والفقر قوتیان لا تسكتان ولا تُقهران.
القوة الثالثة: "الحرية الشرعية" التي ترشد البشرية إلى سبل التسابق والمنافسة الحقّة نحو المعالي والمقاصد السامية، والتي تمزق أنواع الاستبداد وتشتتها، والتي تهيّج المشاعر الرفيعة لدى الإنسان، تلك المشاعر المجهّزة بأنماط من الأحاسيس كالمنافسة والغبطة والتيقظ التام والميل إلى التجدد والنزوع إلى التحضر. فهذه القوة الثالثة: (الحرية الشرعية) تعني التحلي بأسمى ما يليق بالإنسانية من درجات الكمال والتشوق والتطلع إليها.
القوة الرابعة: "الشهامة الإيمانية" المجهّزة بالشفقة والرأفة. أي: أن لا يرضى الذلّ لنفسه أمام الظالمين، ولا يُلحقه بالمظلومين. وبعبارة أخرى عدم مداهنة المستبدّين وعدم التحكم بالمساكين أو التكبّر عليهم، وهذا أساس مهم من أسس الحرية الشرعية.
القوة الخامسة: "العزة الإسلامية" التي تعلن إعلاء كلمة اللّٰه. وفي زماننا هذا يتوقف إعلاء كلمة اللّٰه على التقدم المادي والدخولِ في مضمار المدنية الحقيقية. ولا ريب أن شخصية العالم الإسلامي المعنويةَ سوف تدرك وتحقق في المستقبل تحقيقًا تامًا ما يتطلبه الإيمان من الحفاظ على عزة الإسلام..
وكما أن رقي الإسلام وتقدمه والقضاء على تعصب العدو وتمزيق عناده ودفع اعتداءاته قید تیم في الماضي بقوة السیلاح والسيف، سوف تُغلب الأعداء ويُشَتَّتَ شملُهم في المستقبل بالسيوف المعنوية -بدلًا من المادية- للمدنية الحقيقية والرقي المادي والحق والحقيقة.
اعلموا أيها الإخوان!
إن قصدنا من المدنية هو محاسنها وجوانبها النافعة للبشرية، وليس ذنوبها وسيئاتها، كما ظن الحمقى من الناس أن تلك السيئات محاسن فقلّدوها وخرّبوا الديار، فقدموا الدين رشوة للحصول على الدنيا فما حصلوا عليها ولا حصلوا على شيء.
— 471 —
إنه بطغيان ذنوب المدنية على محاسنها، ورجحان كفة سيئاتها على حسناتها، تلقت البشرية صفعتين قويتين بحربين عالميتين، فأتتا على تلك المدنية الآثمة، وقاءت دماءً لطخت وجه الأرض برمتها. وسوف تتغلب بإذن اللّٰه محاسنُ المدنية بفضل قوة الإسلام التي ستسود في المستقبل، وتطهّر وجه الأرض من الأدناس وتُحقِّق أيضًا سلامًا عامًا للبشرية قاطبة.
نعم، لما كانت مدنية أوروبا لیم تتأسیس على الفضيلة والهدى بیل على الهَوَس والهوى، وعلى الحسد والتحكم، تغلّبت سيئاتُ هذه المدنیيیة على حسناتها إلى الآن، وأصبحت كشجرة منخورة بديدان المنظمات الثورية الإرهابية. وهذا دليل قوي ومؤشر على قرب انهيارها وسبب مهم لحاجة العالم إلى مدنية آسيا "الإسلامية" التي ستكون لها الغلبة عن قريب.
فإذا كان أمام أهل الإيمان والإسلام أمثالُ هذه الأسباب القوية والوسائلِ القويمة للرقي المادي والمعنوي، وطريقٌ سويٌ ممهد كسكة الحديد للوصول إلى السعادة في المستقبل، فكيف تيأسون، وتثبطون روح العالم الإسلامي المعنوية وتظنون ظن السوء وفي يأس وقنوط، أن الدنيا دار ترقٍ وتقدم للأجانب وللجميع بينما أصبحت دار تدنٍ وتأخّر للمسلمیين المساكیين وحدهم. إنكم بهیذا ترتكبون خطأ شنيعیًا؛ إذ ما دام الميل نحو الكمال قانونًا فطريًا في الكون وقد أُدرج في فطرة البشرية، فإن الحق والحقيقة سيُظهران في المستقبل على يد العالم الإسلامي إن شاء اللّٰه سعادةً دنيوية أيضًا كفّارة لما اقترفته البشرية من آثام، ما لم تقم قيامة مفاجئة بما ارتكبت من مفاسد ومظالم.
فانظروا إلى الزمن، إنه لا يسير على خط مستقيم حتى يتباعد المبدأ والمنتهى، بل يدور ضمن دائرة كدوران كرتنا الأرضية؛ فتارة يرينا الصيف والربيع في حال الترقي، وتارة يرينا الشتاء والخريف في حال التدني. وكما أن الشتاء يعقبه الربيع، والليلَ يخلفه النهار، فسيكون للبشرية ربيع ونهار إن شاء اللّٰه، ولكم أن تنتظروا من الرحمة الإلهية شروقَ شمس حقيقة الإسلام، فتروا المدنية الحقيقية في ظلِ سلامٍ عام شامل.
لقد قلنا في بداية هذا الدرس أننا سنقيم برهانًا ونصف برهان على دعوانا. وقد انتهى الآن البرهان مجملًا.
وجاء دور نصف البرهان وهو الآتي:
— 472 —
لقد ثبت بالبحث والتحري الدقيق والاستقراء والتجارب العديدة للعلوم أن الخير والحسن والجمال والإتقان والكمال هو السائد المطلق في نظام الكون وهو المقصود لذاته وهو المقاصد الحقيقية للصانع الجليل. بدليل أن كل علمٍ من العلوم المتعلّقة بالكون يُطْلِعنا بقواعده الكلية على أن في كل نوع وفي كل طائفة انتظامًا وإبداعًا بحيث لا يمكن للعقل أن يتصور أبدع وأكملَ منه.
فمثلًا: علم التشريح الذي يخص الطب، وعلم المنظومة الشمسية الذي يخص الفلك والعلوم التي تخص النباتات والحيوانات وبقية العلوم كلٌّ منها تفيدنا بقواعدها الكلية وبحوثها المتعددة النظامَ المتقنَ للصانع الجليل في ذلك النوع، وقدرتَه المبدعة وحكمتَه التامة فتبيِّن جميعُها حقيقةَ الآية الكريمة:
أحسَن كلَّ شئٍ خَلقَه
(السجدة:٧).
كما أن الاستقراء التام والتجارب الشاملة تثبت أن الشر والقبح والباطل والسيئات كلها جزئية وتَبَعية وثانوية في خِلْقَةِ الكون.
فالقبح مثلًا في الكون والمخلوقاتِ ليس هدفًا لذاته وإنما هو وحدة قياسية، لتنقلب حقيقةٌ واحدة للجمال إلى حقائق كثيرة. والشر كذلك، بل حتى الشيطان نفسه إنما خُلق وسُلّط على البشرية ليكون وسيلةً لترقيات البشر غير المحدودة نحو الكمال التي لا تُینال إلّا بالتسابق والمجاهدة.
وأمثالُ هذه الشرور والقبائح الجزئية خُلقت في الكون لتكون وسيلة لإظهار أنواع الخير والجمال الكليين. وهكذا يَثبت بالاستقراء التام أن المقصد الحقيقي في الكون والغاية الأساسية في الخلق إنما هو الخير والحسن والكمال، لذا فالإنسان الذي لوّث وجه الأرض بكفره الظالم وعصيانه اللّٰه لا يمكن أن يفلت من العقاب، ويذهب إلى العدم من دون أن يحق عليه المقصود الحقيقي في الكون، بل سيدخل سجن جهنم!
كما ثبت بالاستقراء التام وتحريات العلوم وأبحاثها أن الإنسان هو أكرم المخلوقات وأشرفها، لأنه يستطيع أن يكشف بعقله عن مراتب الأسباب الظاهرية في خلق الكائنات ونتائجها، ويعرفَ العلاقاتِ بين العلل والأسباب المتسلسلة، ويستطيعُ أن يقلّد بمهارته الجزئية الصنائعَ الإلهية والإيجادَ الرباني المنتظَمَ الحكيم، ويستطيعُ أن يدرك بعلمه الجزئي
— 473 —
وبمهارته الجزئية إتقانَ الأفعال الإلهية، وذلك بجعل ما لديه من جزء اختياري ميزانًا جزئيًا ومقياسًا مصغَّرًا لدرك تلك الأفعال الإلهية الكلية والصفات الجليلة المطلقة.
كل ذلك يُثبت أن الإنسان أشرفُ مخلوق وأكرمُه.
وثبت أيضًا بشهادة الحقائق التي قدّمها الإسلام للبشرية والتي تخص البشر والكائنات أن المسلمين هم أفضلُ البشر وأشرفُهم وهم أهل الحق والحقيقة، كما ثبت بشهادة التاريخ والوقائع والاستقراء التام؛ أن أشرفَ أهل الحق المشرَّفين من بين البشر المكرَّمين وأفضلَهم هو محمد (ص) الذي يَشهد له ألفٌ من معجزاته وسموُّ أخلاقه ومكارمُه وحقائقُ الإسلام والقرآن.
ولما كان نصف البرهان هذا قد بين هذه الحقائقَ الثلاث أفيمكن أن يَقْدح نوعُ البشر بشقاوته شهادةَ هذه العلوم جميعها، وينقض هذا الاستقراء التام، ويتمرّد في وجه المشيئة الإلهية والحكمة الأزلية؛ فيستمر في قساوته الظالمة وكفره المتمرد ودماره الرهيب؟ أفيمكن أن تستمر هذه الحالة في عداء الإسلام هكذا؟
إنني أقسم بما آتاني اللّٰه من قوة بل لو كان لي ما لا يعد ولا يحصى من الألسنة لأقسمت بها جميعًا، بالذي خلق العالم بهذا النظام الأكمل، وخلق الكون في منتهى الحكمة والانتظام من الذرات إلى السيارات السابحات في أجواء الفضاء، ومن جناح البعوضة إلى قناديل النجوم المتلألئة في السموات، ذلكم الحكيم ذو الجلال والصانع ذو الجمال، أُقسم به سبحانه بألسنةٍ لا تحد أنه لا يمكن أن يخرج البشر على سنة اللّٰه الجارية في الكون ويخالفَ بقية إخوانه من طوائف المخلوقات بشروره الكلية ويقضيَ بغلبة الشر على الخير فيهضمَ تلك المظالم الزقومية على مدى ألوف السنين! فهذا لا يمكن قطعًا!
نعم، إنه لا يمكن ذلك إلّا بافتراضٍ محالٍ هو أن الإنسان خليفة اللّٰه في الأرض، الحاملَ للأمانة الكبرى والأخَ الأكبر الأكرم لسائر أنواع المخلوقات، إنما هو أدنى مخلوق وأردَؤه وأرذله وأضرّه وأحقره، دخل الكون متلصصًا ليفسده! فهذا الفرض المحال باطل من أساسه لا يمكن قبوله بأية جهة كانت.
فلأجل هذه الحقيقة يمكن أن نستنتج من نصف برهاننا هذا:
— 474 —
أنه كما أن وجود الجنة والنار ضروري في الآخرة فإن الغلبة المطلقة ستكون للخير وللدين الحق في المستقبل، حتى يكون الخير والفضيلة غالبَين في البشرية كما هو الأمر في سائر الأنواع الأخرى، وحتى يتساوى الإنسان مع سائر إخوانه من الكائنات، وحتى يحق أن يقال: إنه قد تحقق وتقرر سرّ الحكمة الأزلية في النوع البشري أيضًا.
وحاصل الكلام: ما دام البشر -طبقًا للحقائق المذكورة القاطعة- أفضل نتيجة منتَخبة من الكائنات، وأنه أكرم مخلوق لدى الخالق الكريم، وأن الحياة الباقية تقتضي وجود الجنة وجهنم بالبداهة، فتستلزم المظالم التي ارتكبتها البشرية حتى الآن وجودَ جهنم، كما تستلزم ما في استعداداته الكمالية المغروزة في فطرته، وحقائقَه الإيمانية التي تهم الكائنات بأسرها وجودَ الجنة بالبداهة. فلابد، ولا محالة أن البشر لن يَهضموا ولن يغفروا الجرائمَ التي ارتُكبت خلال الحربين العظيمتين والتي جرّت الويلاتِ والمصائب على العالم بأجمعه واستقاءت زقوم شرورها التي استعصت على الهضم فلطّخت وجه الأرض، وتركت البشريةَ تعاني البؤس والشقاء وهدمت صرح المدنية الذي بنَته البشرية طوال ألف عام. فما لم تقم قيامةٌ مفاجئة على البشرية فإننا نرجو من رحمة الرحمن الرحيم، أن تكون الحقائق القرآنية وسيلة لإنقاذ البشرية من السقوط إلى أسفل سافلين، وتطهّرَ وجه الأرض من الأدناس والأدران، وتقيم سلامًا عامًا شاملًا.
الكلمة الثانية: "اليأس داء قاتل"
إن مما أملت عليّ تجاربي في الحياة وتمخض فكري عنه هو: أن اليأس داء قاتل، وقد دبّ في صميم قلب العالم الإسلامي. فهذا اليأس هو الذي أوقعنا صرعى -كالأموات- حتى تمكنتْ دولة غربية لا يبلغ تعدادها مليوني نسمة من التحكم في دولة شرقية مسلمة ذات العشرين مليون نسمة فتستعمرها وتسخرها في خدمتها.. وهذا اليأس هو الذي قتل فينا الخصال الحميدة وصَرَفَ أنظارَنا عن النفع العام وحَصَرَها في المنافع الشخصية.. وهذا اليأس هو الذي أمات فينا الروح المعنوية التي بها استطاع المسلمون أن يَبْسطوا سلطانهم على مشارق الأرض ومغاربها بقوة ضئيلة، ولكن ما إن ماتت تلك القوة المعنوية الخارقة باليأس حتى تمكّن الأجانب الظَلَمة -منذ أربعة قرون- أن يتحكموا في ثلاثمائة مليون مسلم ويكبّلوهم بالأغلال.
— 475 —
بل قد أصبح الواحد بسبب هذا اليأس يتخذ من فتور الآخرين وعدم مبالاتهم ذريعة للتملص من المسؤولية، ويخلد إلى الكسل قائلًا: "مالي وللناس، فكل الناس خائرون مثلي"، فيتخلى عن الشهامة الإيمانية ويترك العمل الجاد للإسلام.
فما دام هذا الداء قد فتك فينا إلى هذا الحد، ويقتلنا على مرآى منا، فنحن عازمون على أن نقتصّ مِنْ قاتلنا، فنضربَ رأس ذلك اليأس بسيف الآية الكريمة:
لا تقنطوا من رحمة اللّٰه
(الزمر:٥٣). ونقصم ظهره بحقيقة الحديث الشريف: "ما لا يدرك كله لا يترك جلّه". [٭]: "ما لا يدرك كله لا يترك جلّه" هو معنى الآية (فاتقوا اللّٰه ما استطعتم) (التغابن: ١٦) والحديث "اتق اللّٰه ما استطعت" ولفظ الترجمة قاعدة وليس بحديث (كشف الخفاء للعجلوني ٢/١٩٦).
إن اليأس داء عضال للأمم والشعوب، أشبه ما يكون بالسرطان... وهو المانع عن بلوغ الكمالات، والمخالف لروح الحديث القدسي الشريف: "أنا عند ظن عبدي بي".. [٭]: البخاري، التوحيد ١٥،٣٥؛ مسلم، الذكر ٢، ١٩، التوبة ١؛ الترمذي، الزهد ٥١، الدعوات ١٣١؛ ابن ماجه، الأدب ٥٨. وهو شأن الجبناء والسفلة والعاجزين وذريعتهم، وليس هو من شأن الشهامة الإسلامية قط.. وليس هو من شأن العرب الممتازين بسجايا حميدة هي مفخرة البشرية. فلقد تعلّم العالم الإسلامي من ثبات العرب وصمودهم الدروس والعبر. وأملنا باللّٰه عظيم أن يتخلى العرب عن اليأس ويَمدّوا يدَ العون والوفاق الصادق إلى الترك الذين هم جيش الإسلام الباسل فيرفعوا معًا راية القرآن عالية خفّاقة في أرجاء العالم، إن شاء اللّٰه.
الكلمة الثالثة: "الصدق أساس الإسلام"
لقد علمتني زبدةُ تتبعاتي وتحقيقاتي في الحياة بتمخض الحياة الاجتماعية أن "الصدق" هو أس أساس الإسلام، وواسطة العِقد في سجاياه الرفيعة ومزاج مشاعره العلوية. فعلينا إذن أن نحيي الصدق الذي هو حجر الزاوية في حياتنا الاجتماعية في نفوسنا ونداوي به أمراضنا المعنوية.
أجل، إن الصدق هو عقدة الحياة في حياة الإسلام الاجتماعية. أما الرياء فهو نوع من الكذب الفعلي، وأما المداهنة والتصنع فهو كذب دنيء مرذول. وأما النفاق فهو كذب ضار جدًّا. والكذب نفسه إنما هو افتراء على قدرة الصانع الجليل.
— 476 —
إن الكفر بجميع أنواعه كذب. والإيمان إنما هو صدق وحقيقة. وعلى هذا فالبون شاسع بين الصدق والكذب بُعدَ ما بين المشرق والمغرب. ولا ينبغي أن يختلط الصدق والكذب اختلاطَ النور والنار، ولكن السياسة الغادرة والدعاية الظالمة قد خلطتا أحدهما بالآخر. فاختلطت كمالات البشرية ومُثُلها بسفسافها ونقائصها. (٭): إخواني! يُفهم من هذا الدرس الذي ألقاه "سعيد القديم" قبل خمس وأربعين سنة: أن سعيدًا ذاك كان وثيق الصلة بالسياسة وبشؤون الإسلام الاجتماعية. ولكن حذار أن يذهب بكم الظن إلى أنه قد نهج اتخاذ الدين أداة للسياسة ووسيلة لها. كلا! بل كان يعمل بكل ما لديه من قوة على جعل السياسة أداةً للدين، وكان يقول: "إني أفضّل حقيقة واحدة من حقائق الدين على ألف قضية سياسية من سياسات الدنيا".
نعم، لقد أحسّ آنذاك -قبل ما يقارب الخمسين عامًا- أن بعض الزنادقة المنافقين يحاولون جعل السياسة آلة للإلحاد، فعمل هو أيضًا -بكل قوة- في مواجهة نواياهم ومحاولاتهم الفكرية تلك على جعل السياسة وسيلة من وسائل تحقيق حقائق الإسلام وخادمة لها.
بيد أنه رأى بعد ذلك بعشرين سنة أن بعض الساسة المتدينين يبذلون الجهد لجعل الدين أداة للسياسة الإسلامية، تجاه جعل أولئك الزنادقة المنافقين المتسترين الذين يجعلون السياسة آلة للإلحاد بحجة التغرّب. ألاَ إن شمس الإسلام لن تكون تابعة لأضواء الأرض ولا أداة لها. وإن محاولة جعلها آلة لها تعني الحط من كرامة الإسلام، وهي جناية كبرى بحقه، حتى إن "سعيدًا القديم" قد رأى من ذلك النمط من التحيز إلى السياسة أن عالِمًا صالحًا قد أثنى بحرارة على منافق يحمل فكرًا يوافق فكره السياسي، وانتقد عالمًا صالحًا آخر يحمل أفكارًا تخالف أفكاره السياسية حتى وَصَمَه بالفسق، فقال له " سعيد القديم": لو أن شيطانًا أيّد فكرك السياسي لأمطرتَ عليه الرحمات، أما إذا خالف أحدٌ فكرك السياسي لَلَعنته حتى لو كان مَلَكًا!". لأجل هذا قال "سعيد القديم" منذ خمس وثلاثين سنة: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة" وَترَك السياسةَ. (المؤلف).
ولما كان سعيد الجديد قد ترك السياسة كليًا ولا يَنظر إليها قطعًا، فقد تُرجمت هذه الخطبة الشامية لسعيد القديم التي تمس السياسة.
ثم إنه لم يثبت أنه استغل الدين كأداة للسياسة طوال حياته التي استغرقت أكثر من ربع قرن، وفي مؤلفاته ورسائله التي تربو على مئة وثلاثين رسالة والتي دُققت بإمعان من قبل خبراءِ مئاتِ المحاكم بل حتیى في أحلك الظروف التي تلجئه إلى السياسة لشدة مضايقات الظَلَمة المرتدين والمنافقين، بل حتى عندمیا أُصدِر أمر إعدامه سرًا، لم يجد أحدٌ منهم أية أمارة كانت عليه حول استغلاله الدين لأجل السياسة.
فنحن طلاب النور نرقب حياته عن كثب ونعرفها بدقائقها لا نملك أنفسنا من الحيرة والإعجاب إزاء هذه الحالة، ونعدّها دليلًا على الإخلاص الحقيقي ضمن دائرة رسائل النور. (طلاب النور).
إن الصدق والكذب بعيدٌ أحدُهما عن الآخر بُعدَ الكفر عن الإيمان؛ فإن عروج محمد (ص) في خير القرون إلى أعلى عليين بوساطة الصدق وما فتحه من كنوزِ حقائقِ الإيمان وأسرار الكون.. جَعَل الصدقَ أَروَجَ بضاعةٍ وأثمنَ متاع في سُوق الحياة الاجتماعية؛ بينما تردّى مسيلمة الكذاب وأمثاله إلى أسفل سافلين بالكذب؛ إذ لما حدث ذلك الانقلاب العظيم في المجتمع تبيّن أن الكذبَ هو مفتاح الكفر والخرافات، وأفسدُ بضاعة وأقذرها. فالبضاعة التي تثير التقزز والاشمئزاز لدى جميع الناس إلى هذا الحد لا يمكن أن تمتد
— 477 —
إليها يدُ أولئك الذين كانوا في الصف الأول من ذلك الانقلاب العظيم، أولئك الصحابة الكرام الذين فُطروا على تناول أجود المتاع وأثمنه وأفخره، وحاشاهم أن يلوثوا أيديهم المباركة بالكذب ويمدوها عمدًا إلى الكذب ويتشبّهوا بمسيلمة الكذاب، بل كانوا بميولهم الفطرية السليمة وبكل ما أوتوا من قوة في طليعة المبتاعين للصدق الذي هیو أروج مال وأقیوم متاع بل هو مفتاح جميع الحقائق ومرقیاة عروج محمد (ص) إلى أعلى عليين. ولأن الصحابة الكرام قد لازموا الصدق ولم يحيدوا عنه ما أمكنهم ذلك فقد تقرر لیدى علماء الحديث والفقه "أن الصحابة عدول، رواياتهم لا تحتاج إلى تزكية، كل ما رووه من الأحاديث عن النبي (ص) صحيح". فهذه الحقيقة المذكورة حجیة قاطعة على اتفاق هیؤلاء العلماء.
وهكذا فإن الانقلاب العظيم الذي حدث في خير القرون أدّى إلى أن يكون البون شاسعًا بين الصدق والكذب كما هو بين الكفر والإيمان. إلّا أنه بمرور الزمن قد تقاربت المسافةُ بين الصدق والكذب، بل أعطت الدعاياتُ السياسية أحيانًا رواجًا أكثرَ للكذب، فبرز الكذب والفساد في الميدان وأصبح لهما المجال إلى حدٍّ ما.
وبناءً على هذه الحقيقة فإن أحدًا من الناس لا يمكن أن يبلغ مرتبة الصحابة الكرام.
نكتفي هنا بهذا القدر ونحيل القارئ الكريم إلى رسالة الصحابة التي هي ذيل الكلمة السابعة والعشرين رسالة "الاجتهاد".
أيها الإخوة في هذا الجامع الأموي ويا إخوتي الأربعمائة مليون من المؤمنين بعد أربعين عامًا في جامع الإسلام الكبير.
لا نجاة إلّا بالصدق، فالصدق هو العروة الوثقى، أما الكذب للمصلحة فقد نَسخَه الزمانُ، ولقد أفتى به بعض العلماء -مؤقتًا- للضرورة والمصلحة، إلّا أن في هذا الزمان لا يُعمل بتلك الفتوى؛ إذ أُسيء استعماله إلى حدّ لم يعد فيه نفعٌ واحد إلّا بين مئةٍ من المفاسد. ولهذا لا تُبنى الأحكام على المصلحة.
مثال ذلك: إن سبب قصر الصلاة في السفر هو المشقة، ولكن لا تكون المشقة علة القصر. إذ ليس لها حدّ معين، فقد يُساء استعمالُها، لذا لا تكون العلة إلّا السفر. فكذلك
— 478 —
المصلحة لا يمكن أن تكون علّة للكذب لأنها ليست للمصلحة حدّ معين، فإنها مستنقع ملائم لسوء الاستعمال، فلا يناط بها الحكم. وعلى هذا فالطريق اثنان لا ثالث له: "إما الصدق وإما السكوت" وليس -قطعًا- الصدق أو الكذب أو السكوت.
ثم إن انعدام الأمن والاستقرار في الوقت الحاضر بالكذب الرهيب الذي تقترفه البشرية وبتزييفها وافتراءاتها، ما هو إلّا نتيجة كذبها وسوء استعمالها للمصلحة، فلا مناص للبشرية إلّا سدّ ذلك الطريق الثالث، وإلّا فإن ما حدث خلال نصف هذا القرن من حروب عالمية وانقلابات رهيبة ودمار فظيع قد يؤدي إلى أن تقوم قيامة على البشرية.
أجل، عليك أن تصدق في كل ما تتكلمه ولكن ليس صوابًا أن تقول كل صدق، فإذا ما أدّى الصدق أحيانًا إلى ضرر فينبغي السكوت. أما الكذب فلا يسمح له قطعًا.
عليك أن تقول الحق في كل ما تقول ولكن لا يحق لك أن تقول كل حق، لأنه إن لم يكن الكلام خالصًا فقد يؤثر تأثيرًا سيئًا، فتضع الحق في غير محله.
الكلمة الرابعة: "المحبة"
إن مما تعلمته من الحياة الاجتماعية البشرية طوال حياتي، وما أملَته عليّ التتبعات والتحقيقات هو:
أن أجدر شيء بالمحبة هو المحبة نفسها. وأجدر صفة بالخصومة هي الخصومة نفسها. أي إن صفة المحبة التي هي ضمان الحياة الاجتماعية البشرية والتي تدفع إلى تحقق السعادة هي أليق للمحبة، وأن صفة العدواة والبغضاء التي هي عامل تدمير الحياة الاجتماعية وهدمِها هي أقبح صفة وأضرها وأجدر أن تُتجنب وتُنفَر منها. ولما كنا قد أوضحنا هذه الحقيقة في المكتوب الثاني والعشرين (رسالة الأخوة) نشير إليها هنا إشارة مقتضبة:
لقد انتهى عهد العداوة والخصام. ولقد أظهرت الحربان العالميتان مدى ما في روح العداوة من ظلم فظيع ودمار مريع. وتبين أن لا فائدة منها البتة. وعليه فلا ينبغي أن تَجلب سيئاتُ أعدائنا -بشرط عدم التجاوز- عداوتَنا، فحَسْبُهم العذاب الإلهي ونار جهنّم.
— 479 —
إن غرور الإنسان وحبّه لنفسه قد يقودانه أحيانًا إلى عداء إخوانه المؤمنين ظلمًا ومن دون شعور منه فيظن المرء نفسه محقًا. مع أن مثل هذه العداوة تُعدّ استخفافًا بالوشائج والأسباب التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض -كالإيمان والإسلام والإنسانية- وحطًا من شأنها. وهي أشبه ما يكون بحماقةِ من يرجّح أسبابًا تافهة للعداوة كالحصيات على أسباب بجسامة الجبال الراسيات للودّ والمحبة.
فما دامت المحبة مضادة للعداوة ومنافية لها فلا تجتمعان قطعًا كما لا تجتمع الظُّلمة والنور. فالذي تتغلب أسبابُه على الآخر هو الذي يجد موضعه في القلب بحقيقته، أما ضده فلا يكون بحقيقته.
فمثلًا: إذا وُجدت المحبةُ بحقيقتها في القلب فإن العداوة تنقلب حينئذ إلى الرأفة والشفقة، فهذا هو الوضع تجاه أهل الإيمان. أما إذا وجدت العداوة بحقيقتها في القلب، فإن المحبة تنقلب عندها إلى المداراة والمماشاة والصداقة الظاهرية. فهذا إنما يكون مع أرباب الضلال غير المتجاوزين.
أجل، إن أسباب المحبة هي الإيمان والإسلام والإنسانية وأمثالها من السلاسل النورانية المتينة والحصون المعنوية المنيعة؛ أما أسباب العداوة والبغضاء تجاه المؤمن فإنما هي أمور خاصة تافهة تفاهة الحصيات. لذا فإن إضمار العداء لمسلم إضمارًا حقيقيًا، إنما هو خطأ جسيم لأنه استخفاف بأسباب المحبة التي هي أشبه بالجبال.
نحصل مما سبق: أن الود والمحبة والأخوة هي من طباع الإسلام وروابطه. والذي يحمل في قلبه العداء فهو أشبه ما يكون بطفل فاسد المزاج يروم البكاء بأدنى مبرر للبكاء، وقد يكون ما هو أصغرُ من جناح ذبابة كافيًا لدفعه إلى البكاء، أو هو أشبه ما يكون برجل متشائم لا يحسن الظن بشيء ما دام سوء الظن ممكنًا، فيحجب عشر حسناتٍ للمرء بسيئة واحدة. ومن المعلوم أن هذا منافٍ كليًا للخُلُق الإسلامي القاضي بالإنصاف وحسن الظن.
— 480 —
الكلمة الخامسة: "تضاعف السيئات والحسنات"
إن الدرس الذي تعلمته من الشورى الشرعية هو: أن سيئة امرئٍ واحدٍ في هذا الزمان، لا تبقى على حالها سيئة واحدة، وإنما قد تكبر وتسري حتى تصبح مئة سيئة. كما أن حسنة واحدة أيضًا لا تبقى على حالها حسنة واحدة بل قد تتضاعف إلى الآلاف. وحكمة هذا وسره هو: أن الحرية الشرعية والشورى المشروعة قد أظهرتا سيادة أمتنا الحقيقية؛ إذ إن حجر الأساس في بناء أمتنا وقوامَ روحها إنما هو الإسلام، وإن الخلافة العثمانية والجيش التركي من حيث كونهما حاملين لراية تلك الأمة الإسلامية فهما بمثابة الصَدَفة والقلعة للأمة، وأن العرب والترك هما الأخوان الحقيقيّان وسيظلان حارسين أمينين لتلك القلعة المنيعة، والصَدَفة المتينة.
وهكذا فبفضل هذه الرابطة المقدسة التي تشد الأمة الإسلامية بعضها ببعض يصبح المسلمون كافةً كعشيرة واحدة. فترتبط طوائفُ الإسلام برباط الأخوّة الإسلامية كما يرتبط أفراد العشيرة الواحدة ويُمد بعضهم بعضًا معنويًّا، وإذا اقتضى الأمر فماديًا، وكأن الطوائف الإسلامية تنتظم جميعها كحلقاتِ سلسلةٍ نورانية. فكما إذا ارتكب فرد في عشيرة ما جريمةً فإن عشيرته بأسرها تكون مسؤولة ومتّهَمة في نظر العشيرة الأخرى وكأن كل فرد من تلك العشيرة هو الذي قد ارتكب الجريمة، فتلك الجريمة قد أصبحت بمثابة الألوف منها، كذلك إذا قام أحد أفراد تلك العشيرة بحسنةٍ واحدة، افتخر بها سائر أفراد العشيرة وكأن كل فرد منها هو الذي كسب تلك الحسنة.
فلأجل هذه الحقيقة فإن في زماننا هذا ولاسيما بعد أربعين أو خمسين سنة ليس المسيء هو وحده الذي يتضرر من سيئته، بل تتضرر الأمة الإسلامية بملايينها بتلك السيئة. وستظهر أمثلة هذه الحقيقة بكثرة بعد أربعين أو خمسين سنة.
يا إخواني المستمعين إلى أقوالي في هذا الجامع الأموي، ويا أيها الإخوان المسلمون في جامع العالم الإسلامي بعد أربعين أو خمسين عامًا!
لا يعتذرنّ أحدكم بالقول: "إننا لا نضرّ أحدًا ولكننا لا نستطيع أن ننفع أحدًا أيضًا. فنحن معذورون إذن". فعذركم هذا مرفوض، إذ إن تكاسلكم وعدم مبالاتكم وتقاعسكم
— 481 —
عن العمل لتحقيق الاتحاد الإسلامي والوحدة الحقيقية للأمة الإسلامية، إنما هو ضرر بالغ وظلم فاضح.
وهكذا فكما أن سيئة واحدة تتضاعف إلى الألوف فإن حسنة واحدة في زماننا هذا -وأعني بالحسنة هنا ما يتعلق بقدسية الإسلام- لا تقتصر فائدتها على فاعلها وحده بل يمكن أن تتعداه ليعم نفعها -معنويًا- ملايينَ المسلمين ويشدُّ من حياتهم المادية والمعنوية.
وعليه فإن هذا الزمان ليس زمان الانطراح على فراش الكسل والخلود إلى الراحة وعدم المبالاة بالمسلمين بترديد: "أنا مالي".
يا إخوتي في هذا الجامع، ويا إخواني في مسجد العالم الإسلامي الكبير بعد أربعين أو خمسين عامًا!
لا يذهب بكم الظن أنني صعدت هذا المنبر لأرشدكم وأنصحكم، بل ما صعدته إلّا لأذكر حقنا عليكم وأطالبكم به، إذ إن مصالح الطوائف الصغيرة وسعادتها الدنيوية والأخروية ترتبط بأمثالكم من الطوائف الكبيرة العظيمة، والحكام والأساتذة من العرب والترك؛ فإنّ تكاسلكم وتخاذلكم يضران بإخوانكم من الطوائف الصغيرة من أمثالنا أيّما ضرر. وإنني أوجه كلامي هذا بوجه خاص إليكم يا معشر العرب العظماء الأماجد، ويا من أخذتم من التيقظ حظًا أو ستتيقظون تيقظًا تامًا في المستقبل؛ لأنكم أساتذتنا وأساتذة جميع الطوائف الإسلامية وأئمتها، فأنتم مجاهدو الإسلام الأوائل، ثم جاءت الأمة التركية العظيمة لِتُمدّ وظيفتكم المقدسة تلك أيّما إمداد. لذا فإن ذنبكم عظيم بالتكاسل والتقاعس، كما أن حسناتكم جليلة وسامية أيضًا. ولا سيما نحن على أمل عظيم برحمة اللّٰه أنه بعد مرور أربعين أو خمسين عامًا تتحدون فيما بينكم -كما اتحدت الجماهير الأمريكية- وتَتَبَوَّءون مكانتكم السامية وتوفَّقون بإذن اللّٰه إلى إنقاذ السيادة الإسلامية المأسورة وتقيمونها كالسابق في نصف الكرة الأرضية بل في معظمها. فإن لم تقم القيامة فجأة فسيرى الجيل المقبل هذا الأمل.
فيا إخوتي الكرام!
أرجو أن لا يذهب بكم الظن بأنني بكلامي هذا أستنهض هممكم للاشتغال بالسياسة -حاش للّٰه-، فإن حقيقة الإسلام أسمى من كل سياسة، بل جميعُ أصناف السياسة وأشكالها
— 482 —
يمكن أن تسير في ركاب الإسلام وتخدمه وتعمل له، وليس لأية سياسة كانت أن تَستغل الإسلامَ لتحقيق أغراضها.
فأنا بفهمي القاصر أتصور المجتمع الإسلامي ككل -في زماننا هذا- أشبهَ ما يكون بمصنع ذي تروس وآلات عديدة؛ فإذا ما تعطل تُرس من ذلك المصنع أو تجاوز على رفيقه الترسِ الآخرِ فسيختل حتمًا نظامُ المصنع الميكانيكي. لذا فقد آن أوان الاتحاد الإسلامي وهو على وشك التحقق. فينبغي أن تصرفوا النظر عن تقصيراتكم الشخصية، وليتجاوزْ كلٌّ عن الآخر.
وهنا أنبّه ببالغ الأسى والأسف إلى أن قسمًا من الأجانب كما سلبوا أموالنا الثمينة وأوطاننا، بثمن بخس دراهم معدودة مزوّرة، كذلك فقد سلبوا منا قسمًا من أخلاقنا الرفيعة وسجايانا الحميدة والتي بها يترابط مجتمعنا، وجعلوا تلك الخصال الحميدة محورًا لرقيهم وتقدمهم، ودفعوا إلينا نظير ذلك رذائل طباعهم وسفاهة أخلاقهم.
فمثلًا: إن السجية الملّية التي أخذوها منا هي قول واحدٍ منهم:
"إن متّ أنا فلتحيَ أمتي، فإن لي فيها حياة باقية" هذه السجية أقوى أساسٍ وأمتنُه لرقيهم وتقدمهم، قد سرقوها منا؛ إذ هذه الكلمة إنما تنبع من الدين الحق ومن حقائق الإيمان، فهي لنا وللمؤمنين جميعًا، بينما دخلت فينا أخلاق رذيلة وسجايا فاسدة، فترى ذلك الأناني الذي فينا يقول: "إذا متّ ظمآن فلا نزل القطر" و"إن لم أرَ السعادة فعلى الدنيا العفاء!" فهذه الكلمة الحمقاء إنما تنبع من عدم وجود الدين ومن عدم معرفة الآخرة، فهي دخيلة علينا تسمّمنا. ثم إن تلك السجية الملية عندما سرت إلى الأجانب يكتسب كلُّ فرد منهم قیيمة عظيمیة حتى كأنه أمیة وحیده؛ لأن قيمیة الشخص بهمّته، فمن كانت همتُه أمتَه فهیو بحد ذاته أمة صغيرة قائمة.
وبسبب عدم تيقظ أناس منا، وبحكم أَخْذِنا الأخلاقَ الفاسدة من الأجانب فإن هناك مَن يقول: "نفسي نفسي" مع ما في أمتنا الإسلامية من سموٍّ وقدسيةٍ. فألف رجل مثل هذا الشخص الذي لا يفكر إلّا بمصلحته الشخصية ولا يبالي بمصلحة الأمة، إنما ينزل بمنزلة شخص واحد.
— 483 —
(مَن كانت همتُه نفسَه فليس من الإنسان لأنه مدني بالطبع) فهو مضطر لأن يراعي أبناءَ جنسه، فإن حياته الشخصية يمكن أن تستمر بحياته الاجتماعية. فمثلًا:
إن الذي يأكل رغيفًا عليه أن يفكّر كم يحتاج إلى الأيدي التي تُحضِر له ذلك الرغيفَ. فهو يقبّل تلك الأيدي معنى. وكذا الثوب الذي يَلبسه، كم من الأيدي والآلات والأجهزة تضافرت لتهيئته وتجهيزه. وقِيسُوا على منوال هذين المثالين لتعلموا أن الإنسان مفطور على الارتباط بأبناء جنسه من الناس لعدم تمكنه من العيش بمفرده، وهو مضطر إلى أن يعطي لهم ثمنًا معنويًا لدفع احتياجاته، لذا فهو مدني فطرةً. فالذي يحصر نظره في منافعه الشخصية وحدها إنما ينسلخ من الإنسانية ويصبح حيوانًا مفترسًا، اللّٰهم إلّا من لا حيلة له، وله معذرة حقيقية.
الكلمة السادسة: "الشورى"
إن مفتاح سعادة المسلمين في حياتهم الاجتماعية إنما هو "الشورى". فالآية الكريمیة تأمرنا باتخاذ الشورى في جميع أمورنا، إذ يقول سبحانه:
وأمرُهیُم شورى بينهم
(الشورى:٣٨).
أجل، فكما أن تَلاحُقَ الأفكار بين أبناء الجنس البشري إنما هو شورى على مر العصور بوساطة التاريخ، حتى غدا مدارَ رقيّ البشرية وأساسَ علومها، فإن سبب تخلف القارة الكبرى التي هي آسيا عن ركب الحضارة إنما هو لعدم قيامها بتلك الشورى الحقيقية.
إن مفتاح قارة آسيا وكشافَ مستقبلها إنما هو الشورى، أي كما أن الأفراد يتشاورون فيما بينهم، كذلك ينبغي أن تسلك الطوائف والأقاليم المسلكَ نفسه فتتشاور فيما بينها. إن فك أنواع القيود التي كَبّلت ثلاثمائة بل أربعمائة مليون مسلم، ورَفَعَ أنواعَ الاستبداد عنهم إنما يكون بالشورى والحرية الشرعية النابعة من الشهامة الإسلامية والشفقة الإيمانية، تلك الحرية الشرعية التي تتزين بالآداب الشرعية وتنبذ سيئات المدنية الغربية.
إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان إنما تأمر بأساسين:
١- ( أن لا يُذَلِّل "المسلمُ" ولا يَتَذلَّل.. من كان عبدًا للّٰه لا يكون عبدًا للعباد ).
— 484 —
٢- (أن لا يجعل بعضكُم بعضًا أربابًا من دون اللّٰه). إذ من لا يعرف اللّٰه حق معرفته يتوهم نوعًا من الربوبية لكل شيء، في كلٍّ حَسَبَ نسبته، فيسلّطه على نفسه.
(نعم إن الحرية الشرعية عطية الرحمن) وتجلٍ من تجليات الخالق الرحمن الرحيم، وهي خاصّة من خصائص الإيمان.
فليحيا الصدقُ، ولا عاش اليأسُ، فلتدُم المحبة ولتقْوَ الشورى، والملامُ على من اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى..آمين.
وإذا قيل:
لِمَ تهتم بالشورى إلى هذا الحد، وكيف يمكن أن تتقدم البشريةُ عامة وآسيا والإسلامُ بوجه خاص بتلك الشورى؟
الجواب: فكما أوضحتْ لمعةُ "الإخلاص" وهي اللمعة الحادية والعشرون: أن الشورى الحق تُوَلِّد الإخلاص والتساند، إذ إن ثلاث ألفات هكذا (١١١) تصبح مئة وإحدى عشرة، فإنه بالإخلاص والتساند الحقيقي يستطيع ثلاثة أشخاص أن يفيدوا أمتهم فائدةَ مئةِ شخص. ويخبرنا التاريخ بحوادث كثيرة أن عشرة رجال يمكنهم أن يقوموا بما يقوم به ألف شخص بالإخلاص والتساند الحقيقي والشورى فيما بينهم.
فما دامت احتياجات البشر لا حدّ لها وأعداؤه دون حصر، وقوته ورأس ماله جزئيان محدودان جدًا، ولاسيما بعد ازدياد المخرِّبين والمتوحشِين نتيجةَ تفشّي الإلحاد.. فلابد أن يكون أمام أولئك الأعداء غير المحدودين والحاجاتِ التي لا تحصر نقطةُ استناد تنبع من الإيمان، فكما تستند حياته الشخصية إلى تلك النقطة فإن حياته الاجتماعية أيضًا إنما تستطيع أن تدوم وتقاوم بالشورى الشرعية النابعة من حقائق الإيمان، فتوقف أولئك الأعداء الشرسين عند حدّهم وتلبي تلك الاحتياجات.
— 485 —
الذيل الأول
تشخيص العلّة
هذا الذيل يبين بطولةً معنوية لا تُثلم نابعة من الإيمان، ضمن تمثيل لطيف جدًّا نذكر خلاصته لمناسبة ما ذكرناه من مسائل.
لقد رافقتُ أيضًا السلطان رشاد في سياحته إلى "روم إيلي" ممثِّلًا عن الولايات الشرقية، وذلك في بداية عهد الحرية. [٭]: الاصطلاح الذي أطلقه الاتحاديون على عهدهم.
كان في قطارنا معلمان اثنان، قد تلقيا العلوم في المدارس الحديثة، فجرت بيننا مباحثة، إذ سألاني:
- أيُّهما أقوى وأولى بالالتزام: الحمية الدينية أم الملية؟ قلت لهم وقتئذٍ:
نحن معاشر المسلمين، الدين والملية عندنا متحدان بالذات، والاختلاف اعتباري، أي ظاهري، عرضي، بل الدين هو حياة الملية وروحها؛ فإذا ما نُظر إليهما بأنهما مختلفان ومتباينان، فإن الحمية الدينية تشمل العوام والخواص بينما الحمية الملية تنحصر في واحد بالمئة من الناس، ممن يضحي بمنفعته الشخصية لأجل الأمة.
وعليه فلابد أن تكون الحمية الدينية أساسًا في الحقوق العامة، وتكون الملية خادمة منقادة لها وساندة حصينة لها.
فنحن الشرقيين لا نشبه الغربيين، إذ المهيمن على قلوبنا الشعور الديني؛ فإنّ بعث الأنبياء في الشرق يشير به القدرُ الإلهي إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق ويسوقه إلى التقدم والرقي، والعصر السعيد -وهو خير القرون والذي يليه- خير برهان على هذا.
— 486 —
فيا زملائي في هذه المدرسة السيارة، أعني القطار، ويا من تسألون عن التفاضل بين الحمية الدينية والملية، ويا أيها الدارسون في المدارس الحديثة! إني أقول لكم جميعًا:
إن الحمية الدينية والملية الإسلامية قد امتزجتا في التُّرك والعرب مزجًا لا يمكن فصلهما، وإن الحمية الإسلامية هي أقوى وأمتن حبل نوارني نازل من العرش الأعظم، فهي العروة الوثقى لا انفصام لها، وهي القلعة الحصينة التي لا تهدم.
قال ذلك المعلمان:
ما دليلك؟ يلزم لمثل هذه الدعوى الكبيرة حجة عظيمة ودليل قوي. فما الدليل؟
وفي هذه الأثناء خرج قطارُنا من النفق، فأخرجْنا رؤوسنا من النوافذ نتطلع إلى الخارج، رأينا صبيًا لا يتجاوز السادسة من العمر واقفًا بجانب سكة الحديد.
قلت لصاحبيّ:
إن هذا الصبي يجيبنا عن سؤالنا بلسان حاله، فليكن أستاذَنا بدلًا مني في مدرستنا السيارة هذه.
إذ لسان حاله يقول هذه الحقيقة:
انظروا إلى دابة الأرض هذه، وإلى ضجيجها وصيحتها، وانطلاقها من النفق، وتأملوا في ذلك الطفل الوديع الواقف على مقربة منها، فعلى الرغم من تهديد هذه الدابة وهجومها وانقضاضها على كل من يقترب منها حتى كأنها تقول: يا ويل من يصادفني ويقف أمامي.. على الرغم من هذا فإن ذلك الصبي البريء واقف لا يحرك ساكنًا بالقرب منها، وهو في كمال الاطمئنان والحرية، ولا يكترث لتهديدها، مبديًا بطولةً فائقة وجرأة خارقة، وكأنه يستخف بهجومها، فهو يقول بلسان ثباته وبطولته في سن الصبا هذا:
أيها القطار إنك لا تخيفني بصوتك الصاخب الذي يشق عنان السماء.. أيها القطار إنك أسيرُ نظام، فخطامك في يد قائدك، لا طاقة لك أن تتجاوز حدَّك ولا يمكنك أن تتحكّم فيّ، فهيا انطلق في طريقك وامضِ في سيرك بإذن قائدك.
فيا صاحبيّ في القطار، ويا إخوتي الباحثين في العلوم بعد خمسين عامًا!
— 487 —
افرضوا خيالًا أن رستم الفارسي وهرقل اليوناني، واقفان موقف الصبي هذا، وإذ هما لا علم لهما بالقطار، فلا يعتقدان بأنه يسير وفق نظام معين، فإذا ما خرج عليهما من النفق المظلم وفي رأسه النار ذات الوقود وفي أنفاسه هدير السماء، وفي عيونه بروق المصابيح، وهو يهدد ويزمجر وكأنه يريد أن ينقضّ عليهما.. تصوروا هذه الحالة ثم قَدِّرُوا مدى الخوف والهلع الذي يعتريهما، وكيف أنهما يفرّان من القطار مع ما يملكانه من جرأة وشجاعة نادرة. وتصوّروا كيف أن حريتهما وجسارتهما تضمحلان أمام تهديد دابة الأرض هذه حتى لا يجدان بدًا منها إلّا الفرار.. كل ذلك لأنهما لا يعتقدان بوجود قائد يقود ذلك القطار، ولا يؤمنان بوجود نظام يسير على وفقه، بل لا يظنان أنها دابّة مطيعة منقادة ليس إلّا، وإنما يتخيلانها أسدًا هصورًا ووحشًا كاسرًا جسيمًا تنتظم وراءه أُسود كثيرة ووحوش عديدة.
يا إخوتي! ويا زملائي الذين يسمعون هذا الكلام بعد خمسين عامًا!
إن الذي منح هذا الصبي تلك الجسارة والحرية أكثر من ذينك البطلين ووهب له اطمئنانًا وسكينة يفوقهما بكثير هو: أن في قلب ذلك الصبي نواة حقيقة، وهي: إيمانه واطمئنانه بأن ذلك القطار يسير على وفق نظام، واعتقادُه بأن زمامه بيدِ قائدٍ يقوده بأمره ولأجله.
وأما الذي أرهبَ ذينك البطلين المشهورين وأسر وجدانهما، فهو عدم معرفتهما بقائد ذلك القطار وعدم اعتقادهما بنظامه، أي جهلهما بالعقيدة وخلوهما منها.
فمثل هذه البطولة النابعة من إيمان ذلك الصبي الوديع قد ترسّخت طوال ألف سنة في قلوب عشائرَ من طوائف الإسلام (وهم الترك ومن تشبّهوا بهم) عقيدةً وإيمانًا، فوهبهم ذلك الإيمانُ بطولة فائقة استطاعوا بها أن يغزوا دولًا تفوقهم مئة ضعف وأن يَثْبُتوا أمامها، فنشروا كمالاتِ الإسلام في أرجاء العالم.. في آسيا وإفريقيا ونصف أوروبا، واستقبلوا الموت بسرور بالغ قائلين: "إن قُتِلتُ فأنا شهيد، وإن قَتَلتُ عدوًا فأنا مجاهد". بل ثَبَتوا -بالإيمان- أمام كل ما اتخذ موقفَ عداءٍ تجاه استعدادات الإنسان وقواه ابتداءً من الميكروبات إلى المذنبات التي في السماء، وكأن كلًا منها قطار رهيب، فلم يكترثوا بتهديداتها. وإنما حازت جميع قبائل الإسلام وفي مقدمتها طوائف الترك والعرب نوعًا من السعادة الدنيوية بتسليمهم الأمر إلى اللّٰه والرضى بقَضائه وقدره ورؤية الحكمة وتلقي دروس العبرة من الحوادث بدلًا من الرهبة والهلع منها.
— 488 —
فإظهارُ هؤلاء المسلمين بطولةً معنوية فوق المعتاد -كما يُظهره ذلك الصبيُّ- يدلّنا: أن أمة الإسلام مثلما تفوز في الآخرة فلهم في الدنيا أيضًا السيادة مستقبلًا.
إن الذي أدّى إلى أن يدخل في رُوع ذينك البطلين الخوفُ والفرار والقلق إنما هو حرمانهما من الإيمان والعقيدة وجهلُهما وضلالهما.
فلقد أثبتت "رسائل النور" بمئات الحجج القاطعة تلك الحقيقةَ التي ذكرتُ بضعةَ أمثلة منها في مقدمة هذه الرسالة أيضًا، تلك هي: أن الكفر والضلال يُرِيَان الكونَ لأهلهما أنّه مليء بآلاف الأعداء المُخيفين، بل هو سلسلة من طوائفَ تعادي الإنسان، ابتداءً من المنظومة الشمسية وانتهاء إلى ميكروبات التدرن الرئوي، كلها تعادي هذا الإنسان المسكين بأيدي القوى العمياء والمصادفة العشواء والطبيعة الصماء، حتى تجعله في رعب دائم وألم مقيم وهلع ملازم واضطراب مستمر، مع ما يَحمل هذا الإنسانُ من ماهية جامعة واستعداد كلي وحاجات لا نهاية لها ورغبات لا منتهى لها. بل يجعله الكفرُ والضلال في حالة من عذاب جهنم في الدنيا وكأنه يتجرع الزقوم ولا يكاد يسيغه، فلا تجديه آلاف الفنون والعلوم -الخارجة عن الدين والإيمان- ولا التقدمُ البشري -مثلما لم تجدِ بطولة ذينك البطلين المشهورين- بل تُجري في دمه السفاهةَ واللهو لتعطِّل حواسه لئلا يشعر بالألم مؤقتًا.
فكما أن المقايسة بين الإيمان والكفر تُفضي في الآخرة إلى الجنة والنار، فإن الإيمان في الدنيا أيضًا يحقق نوعًا من الجنة المعنوية ويجعل المرء يرى الموت نوعًا من التسريح من الوظيفة، بينما الكفر يجعله في الدنيا أيضًا في جحيم معنوي سالبًا منه السعادة إذ يريه الموت إعدامًا أبديًا. كما أثبتنا ذلك في "رسائل النور" إثباتًا بدرجة الشهود والقطعية التامة. فنحيل القارئ الكريم إلى تلك الرسائل.
فإن شئتم أيها الإخوان أن تروا حقيقة هذا المثال، فارفعوا رؤوسكم وانظروا إلى هذا الكون! كم ترون للّٰه في الفضاء من كرات النجوم وأجرام العوالم وسلاسل الحادثات والوقائع المتسلسلة أمثال القطار والمنطاد والسيارات الإلهية فكأنها سفائن برية وفُلك بحرية وطائرات هوائية خلقتْها يدُ القدرة الإلهية بنظام وحكمة.
فكما أن للقدرة الإلهية في عالم الشهادة وفي عالمنا المادي أمثالَ هذه، فإن لها في عالم
— 489 —
الأرواح والمعنويات نظائرَ متسلسلة أعجب، يصدِّق بها كلُّ مَن يملك عقلًا، بل يرى أغلبَها كلُّ مَن يملك بصيرة.
فهذه الأمور المتسلسلة المترابطة في الكون سواءٌ منها المادية أو المعنوية تهاجم أهلَ الضلال الذين حُرموا من الإيمان وتهددهم وتُرهبهم وتحطّم قواهم المعنوية، بينما لا تخيف أهلَ الإيمان ولا تهددهم بشيء بل تبعث فيهم السرور والسعادة والأُنس والأمل والقوة، وذلك لأنهم يرون الوجود بنور الإيمان، وتلك الحوادث المتسلسلة، وتلك القاطرات المادية والمعنوية والعوالم السيارة، إنما تساق إلى وظيفة معينة محددة من قِبَل صانع حكيم لتؤديها ضمن نظام وحكمة من دون اختلاط ولا تجاوز قط.
فيُري الإيمانُ المؤمنَ أن كل شيء ينال قبسًا من تجليات جمال اللّٰه وإتقان صنعته سبحانه، ويمنحه قوة معنوية عظيمة بما يفتح له من نماذج للسعادة الأبدية.
وهكذا فإن ما يعانيه أهل الضلال من الآلام الرهيبة الناشئة من فقدان الإيمان، وما يلازمهم من خوف ورعب شديدين، تقف إزاءه جميعُ أنواع الرقي البشري عاجزةً لا تمنح له سلوانًا ولا عزاءً، بل لا يمكنها أن تضمن له قوة معنوية، فتتحطم الجرأة والإقدام.. إلّا ما تخدعه الغفلة من إسدال ستار النسيان عليها.
أما أهل الإيمان فلا تُرهبهم تلك الحادثات ولا تأخذ من معنوياتهم؛ وذلك بفضل الإيمان (مثل ذلك الصبي) بل تزيد معنوياتهم صلابة، إذ ينظرون إليها -أي إلى الحوادث- من خلال حقيقةِ إيمانهم فيشاهدون إرادة الصانع الحكيم وإدارته وتدبيره إياها ضمن حكمته الواسعة، فيتحررون من المخاوف والأوهام، إذ يعلمون أنه: لولا أمرُ الصانع الحكيم وإذنه لما استطاعت هذه العوالم السيارة الحركةَ قط، فينالون بهذا اطمئنانًا يسعدهم في الدنيا كذلك، كل حسب درجته.
ومن لم يكن في قلبه ووجدانه بذرة هذه الحقيقة النابعة من الإيمان والدين الحق، ولم يستند إلى ركيزة، فمثله كمثل ذينك البطلين المشهورين، إذ تنهار قواه المعنوية بمثل تحطّم جسارتهما وبطولتهما، ويكون أسيرَ حادثات الكائنات فيتفسّخ وجدانیه ويصبح كالمتسول الذليیل بإزاء كل حادثة.
— 490 —
نكتفي بهذا القدر لبيان هذه الحقيقة الواسعة حيث بَينّت "رسائلُ النور" بحججها الدامغة أن هذا السر كامنٌ في الإيمان بينما الضلالة تحمل شقاءً وتعاسة في الدنيا أيضًا.
إن الإنسان الذي أحسّ في هذا العصر بحاجته الماسة إلى قوة معنوية وصلابة وثبات وإلى عزاء وسلوان، قد ترك حقائق الإيمان التي هي أعظم ركيزةِ استنادٍ له والتي تَضْمن له القوةَ المعنوية والسلوان والسعادة، واستهواه التغرب فاستَند إلى الضلالة والسفه، فبدلًا من أن يستفيد من الملية الإسلامية أخذ يحطم القوة المعنوية تحطيمًا كاملًا، فأزال عنه السلوان وأوهن صلابته بانسياقه وراء الضلال والسفه والسياسة الكاذبة. ألا ترى أن هذا بعدٌ شاسع عن مصالح الإنسان ومنافعه؟ ألاَ إن الإنسانية ستدرك يومًا -إن بقي لها من العمر بقية- حقيقةَ القرآن، وستعتصم به، وفي مقدمتها المسلمون.
لقد سأل قسم من النواب المتدينين سعيدًا القديم أوائل عهد الحرية:
إنك تجعل السياسة تابعة للدين في كل شيء، بل تجعلها وسيلة منقادة للشريعة، ولا تقبل الحرية إلّا على أساس الوجه المشروع، بمعنى أنك لا تعترف بالحرية والمشروطية بدون الشريعة، ولأجل هذا جعلوك في صفوف المطالِبين بتطبيق الشريعة في حادثة (٣١) مارت.
فأجابهم سعيد القديم بالآتي:
أجل، إنه لا سعادة لأمة الإسلام إلّا بتحقيق حقائق الإسلام، وإلّا فلا، ولا يمكن أن تذوق الأمةُ السعادةَ في الدنيا أو تعيشَ حياة اجتماعية فاضلة إلّا بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإلّا فلا عدالة قطعًا، ولا أمان مطلقًا؛ إذ تتغلب عندئذٍ الأخلاقُ الفاسدة والصفات الذميمة، ويبقى الأمر معلقًا بيد الكذابين والمرائين.
سأعرض لكم ما يثبت هذه الحقيقة في حكاية أُورِدُها نموذجًا مصغرًا من بين آلاف الحجج.
سافر شخص إلى قوم من البدو في صحراء، فنزل ضيفًا عند رجل فاضل.. لاَحَظَ أنهم لا يهتمون بحرز أموالهم. وقد ألقى صاحبُ المنزل نقودَه في زوايا البيت مكشوفةً دون تحفّظ. قال الضيف لصاحب المنزل:
— 491 —
ألا تخافون من السرقة؟ تلقون أموالكم هكذا في الزوايا دون تحرز؟
أجابه: لا تقع السرقة فينا!
- إننا نضع نقودنا في صناديق حديد مقفلة، ومع ذلك كثيرًا ما تقع فينا السرقة.
- إننا نقطع يد السارق كما أمر به اللّٰه تعالى وعلى وفق ما تتطلبه عدالة الشريعة.
- فإذن كثيرون منكم قد حرموا من إحدى أيديهم!
- ما رأيت إلّا قطع يد واحدة، وقد بلغتُ الخمسين من العمر.
- إن في بلادنا يسجن يوميًا ما يقارب الخمسين من الناس بسبب السرقة، ومع ذلك لا يردعهم ذلك إلّا بواحد من ألف مما تردعه عدالتكم!
- لقد أهملتم حقيقة عظيمة وغفلتم عن سرّ عجيب عريق، لذا تُحرمون من حقيقة العدالة؛ إذ بدلًا من المصلحة الإنسانية تتدخل فيكم الأغراض الشخصية والمحسوبيات والتحيز وما إلى ذلك من الأمور التي تغيّر طبيعة الأحكام وتحرّفها.
وحكمة تلك الحقيقة هي: أن السارق فينا في اللحظة التي يمد يده للسرقة يتذكر إجراء الحدّ الشرعي عليه، ويخطر بباله أنه أمر إلهي نازل من العرش الأعظم، فكأنه يسمع بخاصية الإيمان بأُذن قلبه ويشعر حقيقةً بالكلام الأزلي الذي يقول:
والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما
(المائدة:٣٨) فيهيج عنده ما يحمله من إيمان وعقيدة، وتثار مشاعره النبيلة، فتحصل له حالة روحية أشبه ما يكون بهجوم يُشن من أطراف الوجدان وأعماقه على ميل السرقة، فيتشتت ذلك الميل الناشئ من النفس الأمارة بالسوء والهوى، وينسحب وينكمش، وهكذا بتوالي التذكير هذا يزول ذلك الميل إلى السرقة، إذ الذي يهاجم ذلك الميل ليس الوهم والفكر وحدهما وإنما هو قوى معنوية من عقل وقلب ووجدان، كلها تهاجم دفعة واحدة ذلك الميل والهوى فبتذكر الحد الشرعي يقف تجاه ذلك الميل زجرٌ سماوي ورادع وجداني فيسكتانه.
أجل، إن الإيمان يقيم دائمًا في القلب والعقل حارسًا معنويًا أمينًا، لذا كلما صدرت
— 492 —
ميول فاسدة عن تطلعات النفس والنوازع والأحاسيس المادية قال لها ذلك الحارس الرادع: "محظور.. ممنوع.." فيطردها ويهزمها.
إن أفعال الإنسان إنما تصدر عن تمايلات القلب والمشاعر وهي تنبعث من شدة تحسس الروح وحاجتها، والروحُ إنما تهتز بنور الإيمان، فإن كان خيرًا يفعله الإنسان، وإلّا يحاول الانسحاب، وعندئذٍ لا تغلبه النوازع والأحاسيس المادية التي لا ترى العقبى!
الحاصل: إن "الحد" أو "العقاب" عندما يقام امتثالًا للأمر الإلهي والعدل الرباني فإن الروح والعقل والوجدان واللطائف المندرجة في ماهية الإنسان تتأثر به وترتبط به، فلأجل هذا المعنى أفادتنا إقامةُ حدّ واحد طوال خمسين سنة أكثر من سجنكم في كل يوم! ذلك لأن عقوباتكم التي تُجْرونها باسم العدالة لا يبلغ تأثيرها إلّا في وهمكم وخيالكم، إذ عندما يقوم أحدكم بالسرقة يَرِد إلى خياله العقابُ الذي ما وضع إلّا لأجل مصلحة الأمة والبلاد ويقول: إن الناس لو عَرفوا بأني سارق فسينظرون إليّ نظرةَ ازدراءٍ وعتاب، وإذا تبين الأمر ضدّي ربما تزجّني الحكومة في السجن.. وعند ذلك لا تتأثرُ إلّا قوته الواهمة تأثرًا جزئيًا، بينما يتغلب عليه الميل الشديد إلى السرقة والنابعُ من النفس الأمارة والأحاسيس المادية -لاسيما إن كان محتاجًا- فلا ينفعه عقابكم لإنقاذه من ذلك العمل السيء. ثم لأنه ليس امتثالًا للأمر الإلهي فليس هو بعدالة، بل باطل وفاسد بطلانَ الصّلاة بلا وضوء وبلا توجّه إلى القبلة، أي إن العدالة الحقة والعقاب الرادع إنما يكون إذا أُجريت امتثالًا للأمر الإلهي وإلّا فإن تأثير العقاب يكون ضيئلًا جدًّا.
فإذا قستَ على هذه المسألة الجزئية في السرقة سائرَ الأحكام الإلهية تدرك أن السیعادة البشرية في الدنيیا مرتهینیة بإجراء العدالة، ولا تنفذ العیدالیة إلّا كما بيّنها القرآن الكريم.
(انتهت خلاصة الحكاية).
ولقد أُخطر على القلب أنه إذا لم يفق الإنسان من غفلته بسرعة، ولم يسترشد بعقله، ويفتح أبواب المحاكم لتنفيذ عدالة اللّٰه ضمن حقائق الإسلام، فستنفلق على رأسه
— 493 —
قيامات مادية ومعنوية ويسلّم السلاح إلى الفوضويين والإرهابيين ومَن هم أمثال يأجوج ومأجوج!
وهكذا فلقد حكى "سعيد القديم" هذه الحكايةَ لقسم من النواب المتدينين، وأُدرجت قبل خمسة وأربعين عامًا في ذيل الخطبة الشامية العربية التي طبعت طبعتين في أسبوع واحد.
والآن فهذه الحكاية والتمثيل الأول، إنما هما درسان يستفيد منهما النواب المتدينون الأفاضل في الوقت الحاضر أكثر من سابقيهم، فنبيّنهما لهم درسًا من دروس العبرة. [٭]: لقد رجونا من أستاذنا أن يدرّسنا في غضون يومين الخطبةَ الشامية المطبوعة بالعربية، لعدم إتقاننا العربية، فتفضلَ علينا بشرحها، ونحن بدورنا دوّنّا ما قرره علينا، وكان الأستاذ يكرر بعض الجمل ويعيدها كي يرسخها في أذهاننا، ولما كنا قد وجدنا المثال والحكاية الأخيرة واضحة، فقد أبرزناها مقدمًا إلى الطلاب الجامعيين والنواب المتدينين، ذلك لأن الأستاذ عندما استهل الدرس قال:
"إنني أضعكم أمامي بدلًا من المعلمين في ذلك القطار، وأضع النواب المتدينين حقًا بدلًا من النواب المتدينين الذين سألوني عن الشريعة قبل خمسة وأربعين عامًا، هكذا أتصور الأمر وأتكلم في ضوئه.
فنحن نبين ما في هذه الرسالة من معانٍ أولًا لأهل المعرفة والتربية والنواب المتدينين، وإذا شاؤوا نبين لهم الدروس التي أخذناها من الأستاذ لدى شرحه الخطبة لنا. وإذا ارتأوا نطبعها وننشرها.
كنا نودّ أن نأخذ درسًا حول السياسة الإسلامية الدائرة في العالم الإسلامي، ولكن لأن الأستاذ قد ترك السياسة منذ خمس وثلاثين سنة، فإن هذه الخطبة -التي تمس السياسة- إنما هي درس من دروس "سعيد القديم".
طلاب النور
طاهرى، زبير، بايرام، جيلان، صونغور،
عبداللّٰه، ضياء، صادق، صالح، حسني، حمزة.
سعيد النورسي
— 494 —
ذيل الذيل
لتحيا الشريعة الغراء
٢٦شباط ١٣٢٤رومي
الجريدة الدينية/٧٠
٧ مارت ١٩٠٩م
أيها النواب!
سأقول جملة واحدة موجزة مع أنها طويلة. فأرجو أن تلاحظوها باهتمام بالغ، إذ في إطنابها إيجاز وهي:
إن المشروطية والقانون الأساس هما العدالة والشورى وحصر القوة في القانون...
مع هذا العنوان أقول:
إن الإسلام وشريعته الغراء -هو: المالك الحقيقي وصاحب العنوان المعظم.. والمؤثر الحق والمتضمن للعدالة المحضة.. ويحقق نقطة استنادنا.. ويرسي المشروطية على أساس متين.. وينقذ ذوي الأوهام والشكوك من ورطة الحيرة.. ويتكفل بمستقبلنا وآخرتنا.. وينقذكم من التصرف في حقوق اللّٰه بدون إذن منه، تلك الحقوق التي تَضْمَنُ مصالحَ الناس كافة.. ويحافظ على حياة أمتنا.. ويظهر ثباتنا وكمالنا ويحقق وجودنا أمام الأجانب، وسحرِ العقول والأذهان.. وينقذكم من تبعات الدنيا والآخرة.. ويؤسس الاتحاد العام الشامل نهاية المطاف.. ويولد الأفكار العامة (الرأي العام) التي هي روح ذلك الاتحاد.. ويَحُول دون دخول مفاسد المدنية إلى حدود حريتنا ومدنيتنا.. وينجينا من ذل التسول من أوروبا.. ويطوي لنا المسافة الشاسعة التي تَخَلَّفنا فيها عن الرقي في زمان قصير بناءً على سرّ الإعجاز.. ويرفع من شأننا في زمن قصير بتوحيد العرب والطوران وإيران والساميين.. ويظهر الشخصية المعنوية للدولة بمظهر الإسلام..
— 495 —
ويخلصكم من حنث الأيمان بالمحافظة على المادة الحادية عشرة من القانون الأساس.. ويبطل الظنون الفاسدة التي تحملها أوروبا سابقًا.. ويحملهم على التصديق بأن النبي محمدًا (ص) خاتم الأنبياء، وأن الشريعة خالدة.. ويقيم سدًا أمام الإلحاد الذي يدمّر المدنية.. ويزيل بصفحته النورانية ظلمة تباين الأفكار وتشتت الآراء.. ويجعل جميع العلماء والوعاظ متحدين في سبيل سعادة الأمة وتنقية إجراءات الدولة وخدامًا للمشروطية المشروعة.. ولكون عدالته المحضة رحيمة، يؤلّف قلوب غير المسلمين ويربطهم به أكثر.. ويجعل أجبن شخص وأكثرهم ضعة أشجعَ وأرفعَ إنسانٍ ويعاملهم هكذا.. وينفخ فيهم الشعور بالرقي والتضحية ويحسسهم بحب الوطن.. ويخلصنا من السفاهة التي تهدم المدنية ومن الحاجيات غير الضرورية.. ويبعث فينا النشاط في العمل للدنيا مع تذكر الآخرة والمحافظة عليها.. ويعلمنا الأخلاق المحمودة التي هي حياة المدنية.. ويفهمنا قواعد المشاعر النبيلة.. ويبرئ ساحتكم أيها المبعوثون من مطالبة حقوق خمسين ألف شخص.. ويظهركم مثالًا مصغرًا مشروعًا لإجماع الأمة.. ويجعل أعمالكم كأنها عبادة حسب نياتكم الخالصة.. وينجيكم من الجناية التي ترتكب بحق الحياة المعنوية لثلاثمائة مليون من المسلمين..
فإذا ما أظهرتم الإسلام وشريعته الغراء واتخذتموها أساسًا لأحكامكم، وطبقتم دساتيرها، فمع اغتنام فوائدَ إلى هذا الحد هل تفقدون من شيء؟ والسلام.
فلتحيا الشريعة الغراء.
سعيد النورسي
— 496 —
حقيقة
٢٦ شباط ١٣٢٤رومي
الجريدة الدينية/٧٠
٧ مارت ١٩٠٩م
نحن منذ الأزل داخلون في الجمعية المحمدية، فالتوحيد هو جهة الوحدة والاتحاد فيما بيننا، وقَسَمُنا وعهدنا هو الإيمان.
فما دمنا موحدين فنحن متحدين، فكل مؤمن مكلفٌ بإعلاء كلمة اللّٰه... وأعظمُ وسيلة لإعلاء كلمة اللّٰه في زماننا هذا هو الرقي المادي.
إذ الأجانب يسحقوننا تحت تحكمهم المعنوي بسلاح العلوم والصنائع، ونحن سنجاهد بسلاح العلم والتقنية الجهلَ والفقرَ والخلاف الذي هو ألد أعداء إعلاء كلمة اللّٰه.
أما الجهاد الخارجي فنحيله إلى السيوف الألماسية للبراهين القاطعة للشريعة الغراء. لأن الغلبة على المدنيين إنما هي بالإقناع وليس بالإكراه كما هو شأن الجهلاء الذين لا يفقهون شيئًا.
نحن فدائيو المحبة لا مكان بيننا للخصومة.
فالجمهورية (٭): وضعت هذه الكلمة حديثًا بدلًا من المشروطية الموجودة سابقًا... (المؤلف). عبارة عن العدالة والشورى وحصر القوة في القانون... أليس من الجناية على الإسلام أن تستجدى الأحكام من أوروبا ولنا شريعة غراء تأسست قبل ثلاثة عشر قرنًا؟ إن هذا الاستجداء شبيه بالتوجه إلى غير القبلة في الصلاة.
إن القوة لابد أن تكون في القانون وإلّا فسيتفشى الاستبداد في الكثيرين.
ولابد أن يكون المهيمن والآمر الوجداني؛ قوله تعالى:
إن اللّٰه لقوي عزيز
(الحج:٧٤). وهذا يكون بالمعرفة التامة والمدنية الكاملة أو بتعبير آخر بالإسلام. وإلّا فسيكون الاستبداد هو المستولي دائمًا.
— 497 —
إن الاتفاق في الهدى وليس في الهوى والهوس.
نعم، إن اللّٰه خلق الناس أحرارًا وهم عبيد للّٰه، فقد تحرر كل شيء، فنحن بامتثالنا الشريعة أحرار، وبتمسكنا بالمشروطية أحرار أيضًا، ولن نتنازل عن المسائل الشرعية ولن نعطيها أتاوة. إن قصور فردٍ عن شيء لا يكون عذرًا لقصور آخر.
اعلموا أن اليأس مانع كل كمال.
إن هدية الاستبداد وتذكاره هو: "ما لي أنا.. فليفكّر غيري".
أحيل الربط بين هذه الجمل إلى فِكر المُطالِع الكريم لعدم إتقاني اللغة التركية!!
سعيد النورسي
— 498 —
صدى الحقيقة
٢٧ مارت ١٩٠٩م
إن السبيل المحمدي مستغنٍ عن كل ما يومئ إلى الحيلة والشك لأنه منزّه عن الخداع والشبهة.
ثم إن حقيقة واسعة عظيمة محيطة إلى هذا الحد -ولا سيما تجاه أهل هذا الزمان- لا يمكن أن تخفى مطلقًا.
وهل يخفى البحر العظيم في كأس؟!
أقول مكررًا إن التوحيد الإلهي هو جهة الوحدة في الاتحاد المحمدي الذي هو حقيقةُ اتحاد الإسلام (الوحدة الإسلامية).
أما يمينه وبيعته فهو الإيمان.
ومقرّاته وأماكن تجمعاته: المساجد والمدارس الدينية والزوايا.
ومنتسبوه: جميع المؤمنين.
ونظامه الداخلي: السنن الأحمدية، والقوانين الشرعية بأوامرها ونواهيها. فهذا الاتحاد ليس نابعًا من العادة وإنما هو عبادة.
فالإخفاء والخوف من الرياء، والفرائض لا رياء فيها، وأوجبُ الفرائض في هذا الوقت هو اتحاد الإسلام (الوحدة الإسلامية).
وهدف الاتحاد وقصده تحريك الرابطة النورانية التي تربط المعابد الإسلامية التي هي منتشرة ومتشعبة، وإيقاظ المرتبطين بها بهذا التحريك، ودفعهم إلى طريق الرقي بأمر وجداني.
مشرب هذا الاتحاد هو: المحبة. وعدوه: الجهل والفقر والنفاق.
وليطمئن غير المسلمين بأن اتحادنا هو الهجوم على هذه الصفات الثلاث ليس إلّا.
— 499 —
وبالنسبة إليهم فسبيلنا الإقناع؛ لأننا نعتقدهم مدنيين. وإننا مكلفون بأن نظهر الإسلام بمظهر الجمال والحسن المحبوب، لأننا نظن فيهم الإنصاف. ألاَ فليعلم المُهمِلون غير المكترثين أنهم لا يحببون أنفسهم بالانسلاخ من الدين لأي أجنبي كان. وإنما يظهرون أنهم على غير هدى ليس إلّا. ومن كان على غير هدى في طريق الفوضوية لا يُحَبّ قطعًا، والذين انضموا إلى هذا الاتحاد بعد التدقيق العلمي والبحث والتحري لا يتركونه تقليدًا لأولئك حتمًا.
نحن نَعرِض أفكار اتحاد الإسلام الذي هو الاتحاد المحمدي ومسلكَه وحقيقته للناس أجمعين. ونحن مستعدون لسماع أي اعتراض كان.
جُمْلَه شِيرَانِ جِهَانْ بَسْتَهِٔ اِينْ سِلْسِلَه اَنْد
رُوبَه اَزْ حِيلَه چِه سَانْ بِگُسَلَدْ اِينْ سِلْسِلَه رَا
أي:
هیل يقیطع الیثیعلب المیحتیال سلسلةً
قِیيدتْ بیهیا أسد الیدنیيیا بیأسیرهم
سعيد النورسي
«فقرة تركتُها من » فهرس المقاصد" المنشور" إن نهر العلوم الحديثة والثقافة الجديدة الجاريَ والآتي إلينا من الخارج كما هو الظاهر، ينبغي أن يكون أحدُ مجاريه قسمًا من أهل الشريعة كي يتصفى من شوائب الحيل ورواسب الغش والخداع، لأن الأفكار التي نمت في مستنقع العطالة، وتنفست سموم الاستبداد، وانسحقت تحت وطأة الظلم، يُحدِث فيها هذا الماءُ الآسن العفن خلافَ المقصود.
فلابد إذن من تصفيته بمصفاة الشريعة. وهذا الأمر تقع مسؤوليتُه على عاتق أهل المدرسة الشرعية.
والسلام على من اتبع الهد ى
سعيد النورسي
— 500 —
لتحيا الشريعة الأحمدية
"على صاحبها الصلاة والسلام"
٥ مارت ١٣٢٥ رومي
الجريدة الدينية/٧٧
١٨مارت ١٩٠٩م
إن الشريعة الغراء باقية إلى الأبد؛ لأنها آتية من الكلام الأزلي وأن النجاة والخلاص من تحكم النفس الأمارة بالسوء هي بالاعتماد على الإسلام والاستناد إليه والتمسك بحبل اللّٰه المتين.
وإن جَنْيَ فوائد الحرية الحقة والاستفادة منها استفادة كاملة منوط بالاستمداد من الإيمان؛ ذلك لأن من أراد العبودية الخالصة لرب العالمين لا ينبغي له أن يُذِلّ نفسه فيكونَ عبدًا للعبيد. وحيث إن كل إنسان راعٍ في مُلكه وعالَمه فهو مكلّف بالجهاد الأكبر في عالمه الأصغر ومأمور بالتخلق بأخیلاق النیبي (ص) وإحياء سنته الشريفة.
يا أولياء الأمور! إن أردتم التوفيق فاطلبوه في موافقة أعمالكم للسنن الإلهية في الكون -أي قوانين اللّٰه- وإلّا فلن تحصدوا إلّا الخذلان والإخفاق. لأن ظهور الأنبياء عامة في الممالك الإسلامية والعثمانية إنما هو رمز وإشارة من القدر الإلهي: أن الذي يدفع أبناء هذه الممالك إلى التقدم إنما هو الدين، وأن أزاهير مزرعة آسيا وإفريقيا وبساتين نصف أوروبا ستتفتح وتزدهر بنور الإسلام.
اعلموا أن الدين لا يضحَّى به لأجل الحصول على الدنيا؛ فقد كانت تعطَى فيما مضى مسائلُ الشريعة أتاوة للحفاظ على الاستبداد البائد. [٭]: المقصود عهد السلطان عبد الحميد الثاني، والأستاذ النورسي مع أنه كان يشنّع بالاستبداد إلّا أنه يحسن الظن بالسلطان نفسه، فهو إذ يفضح مساوئ الاستبداد الذي كان يمارس باسم السلطان يبرئ ساحة السلطان فيقول عنه: السلطان المظلوم.. إنه ولي من أولياء اللّٰه الصالحين. أروني ماذا حصدنا من ترك مسائل الدين والتضحية بها غيرَ الضرر والخيبة.
— 501 —
إن إصابة الأمة في قلبها إنما هو من ضعف الدين ولن تنعم بالصحة إلّا بتقوية الدين.
إن مشربنا: محبة المحبة، ومخاصمة الخصومة، أي إمداد جنود المحبة بين المسلمين، وتشتيت عساكر الخصومة فيما بينهم.
أما مسلكنا: فهو التخلق بالأخلاق المحمدية (ص) وإحياء السنة النبوية.
ومرشدنا في الحياة: الشريعة الغراء
وسيفنا: البراهين القاطعة.
وهدفنا: إعلاء كلمة اللّٰه..
إن كل مؤمن هو منتسب -معنًى- لجماعتنا، [٭]: هذه المقالة والتي تعقبها تعدّ دعوة واضحة إلى الاتحاد الإسلامي والرجوع إلى الشريعة والتمسك بأهداب الدين ونبذ الخلافات مهما كیانت صورها، وهي في الوقت نفسه تمهيد للأذهان لقبول "الاتحاد المحمدي" بمفهومه العام الشامل لجميع المسلمين، والذي أُعلن عنه رسميًا في ٥/نيسان/١٩٠٩ ضمن احتفال مهيب في جامع أياصوفيا. وصورة هذا الانتساب هو العزم القاطع على إحياء السنة النبوية في عالمه الخاص، فنحن ندعو باسم الشريعة أولئك المرشدين وهم العلماء والمشايخ من طلاب العلوم إلى الاتحاد قبل أي أحد سواهم.
سعيد النورسي
تنبيه خاص
إن الصحفيين الذين هم خطباء عامّون قد أوقعوا الأمة في مستنقع فاسد بقياسين فاسدين:
الأول: أنهم يقيسون الولايات الأخرى على إسطنبول علمًا أن الأطفال الذين لا يستطيعون قراءة الألفباء إذا لُقِّنوا الفلسفة فإنه يكون تلقينًا سطحيًا.
الثاني: أنهم يقيسون إسطنبول على أوروبا علمًا أن الرجل إذا ما لبس ثوب امرأة يكون محل هزء وسخرية ويتسفل.
سعيد النورسي
— 502 —
رد الأوهام
١٨ مارت ١٣٢٥ رومي
٣١ مارت ١٩٠٩ ميلادي
سأردّ هنا الأوهام الفاسدة التسعة التي أسندت إلى جماعة الاتحاد المحمدي:
الوهم الأول: إن طرح المسألة الدينية في الأوساط لا يلائم مثل هذا الظرف الدقيق.
الجواب: نحن نحب الديین ونحب الدنيا أيضًا لأجیل الدين.. و (لا خيیر في الدنيا بلا دين).
ثانيًا: ما دامت الحاكمية للشعب في المشروطية فلابد أن يُثبت الشعب وجوده. وشعبنا مسلم ومسلم فقط. فليست هناك رابطة حقيقية وقوية غير الإسلام بين العرب والترك والكرد والأروناؤوط والجركس واللاز.
إن إهمالًا طفيفًا في الدين أدّى إلى إرساء قواعد طوائف الملوك وظهور الجاهليات الميتة قبل ثلاثة عشر قرنًا وبالتالي إلى ظهور الیفتن والقیلاقیل. وقد ظهرت فعلًا وشاهیدناها.
الوهم الثاني: إن تخصيص هذا العنوان -أي الاتحاد المحمدي- يجعل غير المنتسبين إليه في شك من أمرهم.
الجواب: وقد قلت سابقًا: فإما أنه لم يُقرأ أو فُهم خطأً؛ لذا أضطر إلى التكرار وهو: عندما نقول "الاتحاد المحمدي" الذي هو اتحاد الإسلام، فالمراد هو الاتحاد الموجود الثابت بين جميع المؤمنين بالقوة أو بالفعل. وليس المراد جماعة في إسطنبول أو في الأناضول إذ إن قطرة من ماءٍ تحمل صفة الماء، فلا أحد خارج هذا الاتحاد، ولا يخصص هذا العنوان بأحد. وتعريفه الحقيقي هو:
— 503 —
أن أساس هذا الاتحاد يمتد من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.. ومركزه: الحَرمان الشريفان.. وجهة وحدته: التوحيد الإلهي.. عهده وقَسَمه: الإيمان.. نظامه الداخلي: السنة النبوية الشريفة.. قوانينه: الأوامر والنواهي الشرعية..مقر اجتماعاته: جميع المدارس والمساجد والزوايا.. ناشرُ أفكار تلك الجماعة نشرًا خالدًا إلى الأبد: جميعُ الكتب الإسلامية وفي المقدمة القرآن الكريم وتفاسيره (ورسائل النور أحد تلك التفاسير في زماننا هذا) وجميعُ الصحف الدينية والجرائدُ النزيهة التي تهدف إلى إعلاء كلمة اللّٰه.. ومنتسبوه: جميع المؤمنين.. رئيسه: فخر العالمين (ص).
والآن لنقف عند الصدد وهو: تيقظ المؤمنين وإقبالهم نحو الإسلام ولا ينكر ما للرأي العام من تأثير.. وهدف الاتحاد وقصده: إعلاء كلمة اللّٰه.. ومسلكه: الجهاد الأكبر للنفس وإرشادُ الآخرين.. وهمة هذه الهيئة المباركة مصروفة بنسبةِ تسعٍ وتسعين بالمئة إلى غير السياسة من تهذيب الأخلاق واستقامة السلوك وما شابهها من الفضائل والمقاصد المشروعة إذ إن الجمعيات المتوجهة إلى مثل هذه المقاصد نادرة، علمًا أن أهميتها جليلة. وهناك واحد بالمئة من المقاصد يتعلق بالسياسة وهو إرشاد السياسيين.. سيوفهم: البراهين القاطعة.. مشربهم: المحبة وإنماء المحبة المندمجة في بذرة الأخوّة الموجودة بين المیؤمنیين لتصبح شجرة طوبى مباركة.
الوهم الخامس: [٭]: لعل سبب انتقاله إلى الوهم الخامس هو أن الوهمين الثالث والرابع مندمجان ضمن الوهم الثاني، واللّٰه أعلم.
ربما ينفر الأجانب من هذا الاتحاد؟
الجواب: إن مَن يجد في نفسه هذا الاحتمال جاهل لا محالة إذ يردّ هذا الاحتمالَ ما يُلقَى من خطب ومحاضرات حول الإسلام وعظمته [٭]: يشير إلى خطبِ مستر كارلايل وبسمارك وأمثالهما. في مراكزهم وعواصمهم.
ثم إن أعداءنا ليسوا الأجانب. وإنما الذي أردانا إلى هذا الوضع وحال بيننا وبين إعلاء كلمة اللّٰه هو مخالفتنا للشريعة الغراء نتيجةَ "جهلنا" بها، و"الضرورةُ" التي أثمرت سوء الأخلاق وسوء المعاملات، و"الاختلافُ" الذي أنتج الأغراض الشخصية والنفاقَ، فاتحادنا هجوم على هذه الثلاثة من الأعداء الظَلَمَة.
— 504 —
أما وحشية الأجانب في القرون الوسطى، فالإسلام مع اضطراره إلى معاداة الجهل والهمجية إلّا أنه قد حافظ على العدالة والاستقامة معهم فلم يُرَ في التاريخ الإسلامي أمثال محاكم التفتيش. ولما قوي ساعد المدنيين في زمن التحضر هذا فقد زال عنهم ذلك التعصب الذميم.
إن الظهور على المدنيين من منظور الدين إنما هو بالإقناع وليس بالإكراه، وبإظهار الإسلام محبوبًا وساميًا لديهم، وذلك بالامتثال الجميل لأوامره وإظهار الأخلاق الفاضلة.
أما الإكراه والعداء، فهما تجاه وحشية الهمجيين.
الوهم السادس: إن البعض يقول: إن اتخاذَ اتحادِ الإسلام اتّباعَ السنة النبوية هدفًا له يحدد من الحرية وينافي الأخذ بمتطلبات المدنية.
الجواب: المؤمن حرّ في ذاته. فالذي هو عبد للّٰه رب العالمين لا ينبغي له أن يتذلل للناس، بمعنى أنه كلما رسخ الإيمان قويت الحرية.
أما الحرية المطلقة فما هي إلّا الوحشية المطلقة بل هي بهيمية، وتحديد الحرية ضروري من وجهة نظر الإنسانية.
ثالثًا: إن قسمًا من السفهاء والمُهمِلين يريدون أن يَظَلُّوا أذلاءَ أسارى النفس الأمارة بالسوء، فلا يروق لهم العيش الحر.
الحاصل: إن الحرية الخارجة عن دائرة الشرع، إنما هي استبداد أو أسرٌ بيد النفس الأمارة بالسوء، أو بهيمية أو وحشية. فليعلم جيدًا هؤلاء الزنادقة والمُهمِلون للدين أنهم لا يستطيعون أن يحببوا أنفسهم لأي أجنبي كان يملك وجدانًا، بالإلحاد والسفاهة، بل لا يمكنهم أن يتشبهوا بهم. لأن السفيه والذي لا يسير على هدى لا يكون محبوبًا، فالثياب الیلائقیة بامرأة إذا ما لبسها الرجل يكون موضع هیزء وسخرية.
— 505 —
الوهم السابع: إن جمعية اتحاد الإسلام إنما هي لشق الصف بين سائر الجمعيات الإسلامية وتولّدِ الحسد والنفرة بينها.
الجواب:
أولًا: إن الأمور الأخروية لا حسد فيها ولا تنافر وتزاحمَ؛ فأيما جمعية حسدت وزاحمت الاتحاد فكأنما تنافق في العبادة وترائي فيها.
ثانيًا: إننا نتحد مع الجماعات المتشكّلة بدافع محبة الدين وخدمته وذلك على وفق شرطين اثنين:
الشرط الأول: المحافظة على النظام العام للبلاد والحرية الشرعية.
الشرط الثاني: انتهاج نهج المحبة، وعدم محاولة إظهار مزايا لها بانتقاص الجمعيات الأخرى، بل الأَولى مراجعة مفتي الأمة وجماعة العلماء فيما إذا ظهر خطأ.
ثالثًا: إن الجماعة التي تهدف إلى إعلاء كلمة اللّٰه لن تكون وسيلة لأي غرض مهما كان، وإذا تشبثت بالأغراض فلا يحالفها التوفيق قطعًا لأنه نفاق، فشأن الحق عالٍ وسامٍ لا يضحى به من أجل أي شيء كان. كيف تكون نجوم الثريا مكانس، أو كيف تؤكل كعناقيدِ عنبٍ؟ إن الذي يريد أن يطفئ شمس الحقيقة بالنفخ إنما يدلّ على بلاهته وجنونه.
أيتها الصحف الدينية!
إن قصدنا وهدفنا هو اتحاد الجماعات الدينية في الهدف؛ إذ كما لا يمكن الاتحاد في المسالك والمشارب فلا يجوز أيضًا، لأنه يؤدي إلى التقليد وإلى القول: "مالي وما عليّ، فليفكر غيريغيري".
الوهم الثامن: إن المنتسبين إلى الاتحاد -معنًى وصورة- أكثرهم من العوام وقسم منهم غير معروفين وهذا مدعاة إلى حدوث فتن واختلافات.
— 506 —
الجواب: إنما ذلك لعدم السماح في هذا الاتحاد بالتمايز بين الناس سواء أكانوا من الخاصة أم من العامة، ثم لأن المرء في الاتحاد يدعو إلى إعلاء كلمة اللّٰه فكل ما يقوم به يثاب عليه ثوابَ عبادةٍ.. ففي جامع العبادة يتساوى الملك والمتسول فلا امتياز، بل المساواة الحقة دستور قائم. لأن الأكرمَ عند اللّٰه هو الأتقى، والأتقى هو المتواضع، فبناءً على هذا يتشرف الشخص بانتسابه إلى هذه الجماعة الخالصة لخدمة الدين والدعوةِ إلى الآخرة، وإلّا فلا يزيد الاتحاد شرفًا، إذ القطرة لا تزيد البحر شيئًا.. ثم إن الإنسان كما لا يخرج عن الإيمان بارتكاب كبيرة، فإن باب التوبة أيضًا مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها. إن غرفة ماء متنجسة لا تنجس البحر بل هي تتطهر فالمنتسب إلى هذا المثال المصغر للاتحاد الإسلامي يشترط عليه اتباعُ السنة النبوية وإحياؤها وامتثالُ أوامرها واجتنابُ نواهيها وعدمُ الإخلال بأمن البلاد ونظامها، فالمجهول الذي انتسب إلى هذا الاتحاد لا يلوِّث -قصدًا- هذه الحقيقة ما استطاع إليه سبيلًا، وحتى لو كان المرء نفسه مذنبًا فإيمانه نزيه مقدّس. والرابطة إنما هي بالإيمان ليس إلّا.
فتشويه هذا العنوان المقدس بحجج واهية أمثالِ هذه إنما ينجم عن الجهل بعظمة الإسلام فضلًا عن إظهار هذا المتحججِ نفسه أنه أحمق الناس.
نحن نردّ بكل ما أوتينا من قوة تشويه سمعة اتحادنا الذي يمثل "اتحاد المسلمين" أو التعريض به مما هو دأب الجمعيات الدنيوية الأخرى، ونحن على أتم استعداد للإجابة عن أي استفسار واعتراض كان.
إن الجماعة التي أنضمُّ إليها إنما هي هذا الاتحاد الإسلامي الذي فصّلنا القول فيه. وإلّا فليست هي تلك التي يتخيلها المعترضون بخيالهم الباطل.
إن أفراد هذه الهيئة الدينية هم معًا، سواءً أكانوا في الشرق أو الغرب أو الجنوب أو الشمال.
سؤال: أنت تذيّل مقالاتك وتمضيها باسم "بديع الزمان" وهذا يومئ إلى المدح؟
الجواب: كلا، ليس للمدح! وإنما أريد أن أُبين -بهذا الإمضاء- تقصيري. وتعليلي هو:
— 507 —
أن البديع يعني: "الغريب" فأخلاقي غريبة كمظهري، وأسلوبُ بياني غريب كملابسي، كلها مخالِفة للآخرين.
فأنا أرجو بلسان حالِ هذا العنوانِ عدمَ جعل المحاكمات العقلية والأساليبِ المتداولة والرائجة مقياسًا لمحاكماتي العقلية ومحكًا لأساليب بياني.
ثم إن قصدي من البديع هو "العجيب" فلقد أصبحتُ مصداقًا لما قيل:
(إِلَىَّ لَعَمْري قَصْدُ كُلِّ عَجيبَةٍ كَأني عَجيبٌ في عُيُون العَجَائب) [٭]: للمتنبي في ديوانه.
ومثاله الواضح هو: لقد جئت إلى إسطنبول منذ سنة ورأيت حوادثَ وانقلاباتٍ تَحدُثُ في مئة سنة.
والسلام على من اتبع الهدى.
نقول بلسان جميع المؤمنين وبعددهم: فلتحيا الشريعة الأحمدية
بديع الزمان
سعيد النورسي
أخي رئيس التحرير! [٭]: المقصود: السيد درويش وحدتي.
على الأدباء أن يتأدبوا، ويتحلوا بالآداب الإسلامية، فلينظم ما في وجدانهم من شعور ديني نظامَ المطبوعات، فلقد أظهر هذا الانقلابُ الإسلاميُّ: أن المهيمن في الوجدان إنما هو الحَمِيَّة الإسلامية. ولقد عُرِف أن الاتحاد الإسلامي شامل لأهل الإيمان والجيش كافة، فلا أحد خارج عنه.
سعيد النورسي
— 508 —
القطعة الأخيرة من ذيل الذيل
هذه القطعة عبارة عن درسين أُلقِيَا على الأفواج الثمانية من الذين قاموا بالعصيان في حادثة ٣١ مارت المشهورة، وعلى أثرهما اقتنعوا بالعودة إلى الولاء. فهانت المصيبة من المئة إلى الواحد.
نُشر هذان الدرسان في الجرائد الدينية سنة ١٣٢٥ رومي - ١٩٠٩م.
إلى جنودنا الأشاوس
٤ نيسان ١٣٢٥ رومي
الجريدة الدينية عدد/١٠٧
١٧نيسان ١٩٠٩م
أيها الجنود الموحِّدون الأبطال!
أيها الأبطال الذين أنقذوا هذه الأمة المظلومة والإسلامَ المقدس من الوقوع في ورطتين عظيمتين!
إن عزّكم وبهاءكم في الانتظام والانضباط. وقد أظهرتموهما في أحلك الظروف وأحرجها وأشدها اضطرابًا. فحياتكم وقوتكم إنما هي في الطاعة. أَظْهِروا هذه الفضيلة المقدسة لأصغر أمرائكم. فإن شرفَ ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثِمائةِ مليونٍ من المسلمين أصبح منوطًا بطیاعتكم أنتم.
إن راية الإسلام والتوحيد الإلهي في يد شجاعتكم وبطولتكم. وإن قوة أيديكم المباركة إنما هي في الطاعة. فضباطكم هم كآبائكم المشفقين، وقد ثبت بالقرآن والحديث والحكمة والتجربة: أن طاعة الأمر في الحق فرض. فكما تعلمون، أن ثلاثين مليونٍ لم يتمكنوا أن يقوموا بمثل هذين الانقلابين خلال مائة سنة.
— 509 —
ولقد جَعَلَتْ قوتُكم التي تنبعث من طاعتكم الأمةَ الإسلامية في شكران وتقدير، وإن إدامة هذا الشرف والحفاظَ عليه إنما هو في طاعتكم لضباطكم. وأنا أعلم أنكم لم تدخلوهم في الاضطرابات لئلا تجعلوا ضباطكم مسؤولين وهم كآبائكم الرحماء بكم.
أما الآن فلقد انتهى الأمر. فارتمُوا في أحضانِ شفقةِ ضباطكم ورحمتهم. إن الشريعة الغراء تأمرنا هكذا. إذ الضباط هم أولو الأمر. فمن جهةِ مصلحة الوطن والأمة -ولا سيما في النظام العسكري- إطاعةُ أولى الأمر فرض، والحفاظُ على الشريعة المحمدية إنما هو بالطاعة.
سعيد النورسي
خطاب إلى الجنود
٧ نيسان ١٣٢٥ رومي
الجريدة الدينية عدد ١١٠
٣٠ نيسان ١٩٠٩م
يا عساكر الموحدين! إني أبلغكم أوامر سيد العالمين (ص):
إن طاعة أولى الأمر ضمن الدائرة المشروعة فرض. فأولياء أموركم وأساتذتكم ضباطكم.
إن الثكنات العسكرية أشبه ما تكون بمعمل عظيم منتظم؛ إذا اختل دولاب من العمل، يؤثر في خراب المعمل بأكمله.
إن مصنعكم العسكري القوي المنظَّم نقطةُ استنادِ واعتمادِ ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين ونقطة استمدادهم.
إن قتلكم لاستبدادَين عظيمَين دون إراقةِ دم كان أمرًا خارقًا. ولأنكم قد أظهرتم معجزتين للشريعة الغراء. فقد أظهرتم لضعفاءِ العقيدة قوةَ الحمية الإسلامية وقدسيةَ الشريعة في برهانين اثنين.
— 510 —
ولو كنا نضحي بألوفٍ من الشهداء في سبيل هذين الانقلابين لكنا نعدها ضئيلة، ولكن لو ضُحيَ بجزء من ألفِ جزءٍ من طاعتكم فهو غال جدًّا. لأن تناقص طاعتكم يولد الموت، كتناقص الحرارة الغريزية والعقدة الحياتية.
إن تاريخ العالم يشهد أن تدخل الجنود في السياسة قد أدّى إلى أضرار جسيمة للدولة وللأمة معًا. فلابد أن حميتكم الإسلامية ستَصْرِفكم عن مثل هذه الأضرار التي تصيب حياة الإسلام التي تكفلتم بحفظها.
إن الذين يفكرون في السياسة هم بمثابة قوتكم المفكرة من أولياء الأمور والضباط. إن ما تظنونه -أحيانًا- من ضرر يصبح خيرًا، لأنه يدفع ضررًا أكبر في السياسة. فضباطكم حسب تجاربهم يرون هذا الأمر ويأمرونكم به. فعليكم الطاعة دون تردد، إذ لا يجوز التردد والتلكؤ.
إن الأفعال غير المشروعة الخاصةَ لا تنافي المهارة والحذاقة في الصنعة ولا تجعل الصنعة غير مرغوب فيها. فالطبيب الحاذق مثلًا أو المهندس الماهر إذا ما تَصرف تصرفًا غير مشروع فلا يؤدي ذلك إلى ترك الاستفادة مما لديه من طب أو هندسة، كذلك فن الحرب، فضباطكم المجربون والماهرون المنورون فكرًا بالحمية الإسلامية، إذا قام بعضٌ منهم بأمر غير مشروع لا يجوز أن يؤدي ذلك إلى عدم طاعتهم وعصيانهم لأن فن الحرب مهارة مهمة.
إن الشريعة الغراء التي هي قوام حياتكم قد ابتلعت الجمعياتِ التي تُشتت الأفكارَ وتفرّق الناس. فهي كاليد البيضاء لسيدنا موسى عليه السلام أَرغمت السَّحَرَةَ على السجود.
إن أعمالكم كانت علاجًا لهذه الحركات الانقلابية. فإذا ما زادت قليلًا انقلبت سمًا قاتلًا وأدّت بالحياة الإسلامية إلى أمراض جسام. ثم إن ما فينا من استبداد قد زال بهمتكم، ولكن نحن لا زلنا تحت الاستبداد المعنوي لأوربا في مضمار الرقي.
فلابد من الالتزام بأقصى درجات الحذر والسكينة والهدوء.
فلتحيا الشريعة الغراء، فليعش الجنود.
سعيد النورسي
— 511 —
الخطوات الست
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 512 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 513 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
نبذة تاريخية
بينما كانت رحى الحرب دائرة في معارك ضارية وتَسيل دماءُ الألوف من المسلمين رخيصة في سبيل الدفاع عن مركز الخلافة "إسطنبول"، بدأ الحلفاء ولا سيما الإنكليز بشن حرب نفسية وإشاعةِ أفكار مضللة تمس عقيدة الأمة، فانبثّ أعوانُهم وجواسيسُهم في أرجاء إسطنبول يُلقون بألسنتهم تلك الشبهاتِ المغرضة وينشرونها في أوساط العامة والخاصة، ضمن حرب هادفة تحطم الروح المعنوية للمسلمين.
ولما شاهد الأستاذ النورسي سَرَيان هذه الأفكار المسمومة في هذه الحرب الماكرة التي استطاعت استمالة قسم من العلماء إلى صف الإنكليز، قام بتأليف هذه الرسالة: "الخطوات الست" مبينًا فيها مكايد الغزاة المحتلين، داحضًا شبهاتِهم ووساوسَهم الشيطانية، مُبعدًا عن المسلمين مشاعرَ اليأس والقنوط.
وطُبعت الرسالة سرًا، ونُشرت وهي لا تَحْمِل اسم المطبعة ولا سَنَة الطبع، وقام محبو الأستاذ وتلاميذُه بنشرها في أوسع نطاق في خفاء تام.
ولنلق الآن نظرة سريعة على تلك الأحوال التي واكبت تأليفَ الرسالة ونَشْرَها ومدى تأثيرها:
في١٣ تشرين الثاني سنة ١٩١٩م دخلت خمس وخمسون سفينة حربية من أساطيل الحلفاء إسطنبول، حسب هدنة "موندروس". وصلت هذه السفن إلى البسفور أمام قصر "دولمه باغجه" وَوَجهت مدافعها نحو قصر الخليفة "السلطان وحيد الدين" الذي أصبح في حكم الأسير.
هكذا داست أقدامُ جنودِ أربع دول محتلة إسطنبولَ. وخرجت الأقلياتُ غير المسلمة ترحب بجنود الاحتلال وتصفق لهم، فاليهود والأرمن بدأوا يجوبون الشوارع ويلوّحون
— 514 —
بقبعاتهم لهؤلاء المحتلين وينثرون عليهم الورود. أما الروم فقد كانوا يحملون أعلام اليونان الصغيرة ويهتفون: زيتو. زيتو. أي يعيش. يعيش.
وبين مظاهر فرح اليهود والأرمن والروم وهتافاتهم وتصفيقاتهم اخترق القائدُ الفرنسي الجنرال "فرانس دوبر" شارع "بك أوغلو" متوجهًا إلى السفارة الفرنسية ممتطيًا جوادًا أبيض، وملوحًا بيديه لهؤلاء المستقبِلين، مقلدًا في ذلك الفاتحين العظماء في التاريخ. بل لم يتورع مِنْ وَطْءِ العَلَم العثماني بحوافر جواده.
أما المسلمون فقد كانوا يشاهدون هذه المناظر بقلوب جُرحت وعيون تجمدتْ في مآقيها الدموع، ويطوون هذه الآلام في أعماق قلوبهم.
ولم تكن إسطنبول هي المدينة الوحيدة التي احتلتها دول الحلفاء. بل تم احتلال مدن أخرى كثيرة، احتلها الأرمن والإيطاليون والإنكليز واليونان والروس حيث سُرِّح الجيش العثماني من الخدمة بموجب تلك المعاهدة المذكورة ولم يبق إلّا الأناضول (وسط تركيا) سالمًا من الاحتلال.
وهكذا امتلأت شوارع هذه المدن بجنودٍ سكارى يعربدون ويصخبون ويفسدون كيفما شاؤوا. ويخيم على الأحياء الإسلامية حزنٌ صامت.
في هذا الجو القاتم كان الأستاذ النورسي يشعر بألم عميق، وكان أصدقاؤه يحاولون التسرية عنه والتخفيف من شدة آلامه. وهو يقول لهم والأسى يعصر قلبه:
"لقد تحملتُ آلامي الشخصية كلها. ولكن آلام الأمة الإسلامية سحقتني، إنني أشعر بأن الطعنات التي وجهت إلى العالم الإسلامي، أنها توجه إلى قلبي أولًا. ولهذا ترونني مسحوق الفؤاد. ولكني أرى نورًا سَيُنْسينا هذه الآلام إن شاء اللّٰه".
ومع أن الجانب العسكري والمادي للدولة العثمانية قد انهدّ أمام الحلفاء، إلّا أن الحرب النفسية ما زالت دائرة، فالإنكليز ما فتئوا يزاولون بث الأفكار والشبهات كي يكون النصر ساحقًا وكاملًا ونهائيًا من دون أن يكون هناك احتمال للمقاومة، فيجب أن تُسلِّمَ الضحيةُ رقبتَها برضاها إلى جلاديها دون تذمر. [٭]: سعيد النورسي رجل القدر في حياة أمة -تأليف أورخان محمد علي- باختصار.
— 515 —
وما إن دخل القائد الإنكليزي إسطنبول حتى سُلّمت له رسالة "خطوات ستة" التي تهاجمهم بعنف وتفنّد أباطيلهم وتشد من عزائم المسلمين.. وعُرض عليه نشاط "بديع الزمان" الدائب في فضح سياسة المحتلين وتأليب الناس عليهم.
قرر القائد الإنكليزي إعدام الأستاذ النورسي، ولكن عندما أُعلم أن هذا القرار سيثير غضب الأمة كلها ويزيد سخطها، وسيدفعهم إلى القيام بأعمال عدائية مهما كلفهم ذلك، تخلّى عن قرار الإعدام، إلّا أن سلطات الاحتلال لم تَفْتُرْ عن ملاحقة الأستاذ.
ولما سمع قوادُ حركة التحرير في الأناضول بتأثير هذه الرسالة في أوساط العامة والخاصة، وعن أعمال "بديع الزمان" ضد المحتلين في إسطنبول دَعَوه إلى "أنقرة" مرتين تقديرًا لأعماله البطولية وخدماته الجليلة نحو الأمة والبلاد. إلّا أن الأستاذ النورسي آثر البقاء في إسطنبول يجابه الأعداء مباشرة ورفض الدعوة قائلًا:
"إنني أريد أن أجاهد في أكثر الأماكن خطرًا، وليس من وراء الخنادق، وأرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول".
كتب الأستاذ النورسي هذه الرسالة بالتركية، وطُبعت من دون الإشارة إلى اسم المطبعة وسنة الطبع كما ذكرنا، ثم عرّبها بنفسه وطبعها في مطبعةِ "أوقاف إسلامية" بإسطنبول سنة ١٣٣٦هی-١٣٣٨ رومي، في كتيب يضم "الخطبة الشامية" و"سنوحات". وقام طلاب النور بإعادة طبعها سنة ١٩٥٨ في مطبعة النور بأنقرة. والطبعتان مليئتان بأخطاء إملائية ومطبعية.
قابلتُ النصّين التركي والعربي، ووجدتُ أن عبارات النص التركي أوضح من النص العربي وفيه زيادات طفيفة، فاستخلصت منهما هذا النص الذي يستوعب النص التركي معنًى، ويكاد يطابق النص العربي مبنًى.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل،
وصلّ اللّٰهم وسلم على سيدنا محمّد وعلى آلهِ وصحبه أجمعين.
إحسان قاسم الصالحي
— 517 —
أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم
ولا تتبعوا خطوات الشيطان
(البقرة:١٦٨)
اعلم! أن لكل زمان شيطانًا إنسيًا، هو وكيل الشيطان وقد لبس صورةَ إنسانٍ فردٍ أو روحَ جماعة. وعزازيلُ [٭]: عزازيل: اسم للشيطان زمانِنا هو الروح الغدّار الذي نَشَر الفسادَ في جوانب العالم بسياسته الفتانة، فيفسد العالم الإسلامي بی"خطوات ست"؛ إذ يتحرى في الأناسي وفي الجماعات المنابعَ الخبيثة، فيستعملها لأغراضه، ويتوسم في الطبائع المعادنَ المضرة فيستخرجها ويستخدمها لمصالحه بوساوسه الفعلية أي بدعاياته وإشاعته. ويتفطن في النفوس إلى الأعصاب الضعيفة والعروق الواهية التي لا تقاوِم، فيحرّكها لمفاسده، فيستعمل مِنْ بعضٍ: حرصَ الانتقام.. ويحرك من بعضٍ حرصَ الجاه.. ويهيج من بعضٍ: حسّ الطمع.. ويستغل من بعضٍ: الحمق.. ومن بعضٍ الإلحاد.. وهكذا، ومن العجيب أنه يستغل من بعضٍ التعصب، فيتخذ كل ذلك وساطة لإنفاذ سياسته.
الخطوة الأولى
إنه يوسوس بالذات، أو بالوسيلة، فيقول صراحةً أو يجعل غيرَه يردد ما يقوله:
أنتم تعترفون أنكم مستحقون لهذه المصيبة، فالقدرُ الإلهي يَعدل ولا يظلم، إذن فارضَوْا بما أعاملكم به، لأني وسيلة لما استحققتم.
نردّ هذه الوسوسة والشبهة، فنقول:
إن القدر الإلهي يصيبنا بمصيبة بسبب عصياننا لأوامر اللّٰه. فالرضى بما قدّر اللّٰه هو عين التوبة عن سبب المصيبة، وهو الذنوب. ولكنك أيها الواسط الملعون تظلمنا لكوننا مسلمين، وتصيبنا بظلمك لإسلامنا، لا لذنوبنا ومعاصينا، فالرضى بما تعمل، وإطاعتُك طوعًا إنما هو ندامة عن الإسلام وإعراض عنه والعياذ باللّٰه.
— 518 —
نعم، إن الشيء الواحد يكون ذا جهتين؛ فهو مصيبة من جهة القدر، فتكون عدالةً، لترتبها على السبب الباطن من ذنوب وشرور فيُنزلها القدرُ الإلهي زجرًا عنهما. فالرضى بهذه المصيبة -من هذه الجهة- متضمن للندم من الذنوب.
والشيء نفسه يجيء من جهة البشر في الوقت نفسه، فيظلم البشرُ، لأن السبب عنده ليس كوننا مذنبين، بل كوننا مسلمين. فالرضى به من هذه الجهة أعظم الجنايات.
الخطوة الثانية
يوسوس بالذات أو بالوساطة، فيقول:
بأنكم قد اتفقتم مع من هو مثلي في الكفر، [٭]: المقصود: الألمان الذين كانوا حلفاء الدولة العثمانية. فَلِم تتجنبون من المصافاة معي وموالاتي؟
نقول ردًا على هذه الشبهة:
نحن نَقْبل يدَ المعاونة، ولا نقبِّل يد المعاداة فهما شيئان متغايران، لأن كل صفة من صفات الكافر ليست بكافرة أو ناشئة من كفره، لذا لا مشاحة في مصافحة يد الكافر الذي مدها لمعاونة الإسلام، وذلك لدفع عدو الإسلام المعتدى العريق. بل قبولُها إنما هو خدمة للإسلام. أما أنت أيها الكافر الملعون فتمدّ يد الخصومة التي لا تهدأ، وتريد منیا تقبيلهیا مع الاستسلام. ونحن نعلیم أن مسها -فضلا عن تقبيلها- جنايةٌ على الإسلام وعداء له.
الخطوة الثالثة
يوسوس بالذات أو بالوساطة فيقول:
إن من ساسوكم إلى الآن أفسدوا واستهانوا بحقكم وشوّشوا عليكم الإدارة وظلموكم، إذن فلستم أهلًا للإدارة، فاتخِذوني وصيًّا عليكم وارضَوْا بحكمي وإدارتي شؤونكم.
نرد هذه الشبهة فنقول:
أيها الموسوِس الخناس! إن السبب الأصلي للسيئات التي ارتكبها رؤساءُ أمورِنا ما هو
— 519 —
إلّا أنت، لأنك قد ضيقت عليهم الدنيا، وقطعتَ في كل فرصة مجاريَ حياتهم، وبثثت بينهم أولادك غير الشرعيين، وأجبرتَهم على ترك الدين للدنيا إذ تنكحهم مدنية لا تَأخذ مهرها إلّا من دينهم ولا تُعَيِّن حاكمًا إلّا وقد أخذتَ منه دينه رشوة لقاءَ منصبه.
ومع ذلك فلو حكّمناك فينا بدلًا منهم، نصير كمن تنجس ثوبُه بماء نجس فيغسله ببول الخنزير.
إنك لا تُبقي لنا إلا حياةً حيوانية مؤقتة، وتقتل فينا حياتنا الإنسانية والإسلامية.
أما نحن فنحيا -على رغمك- بحياة الإسلام وشرف الإنسانية.
الخطوة الرابعة
يوسوس بالذات أو بالوساطة، فيقول:
إن الذين يخاصمونني من أولياء أموركم في الأناضول، [٭]: المقصود: قواد حركة التحرير الذين بدؤوا بجمع الشعب وتنظيمهم لأجل دفع المستعمرين عن البلاد نيتُهم فاسدة ومقصدهم ليس مقاصدكم الإسلامية عينها.
نرد هذه الوسوسة فنقول:
إنهم وسائل، وتأثيرُ النيات في الوسائل قليل، إذ لا تغير حقيقةَ القصد. لأن المقصود يترتب على وجود الوسيلة وليس على ما فيها من نية.
فمثلًا: إني أحفر أرضًا لاستخراج الماء أو للعثور على كنز، وجاء أحدُهم وعاونني في الحفر بنية ستر نفسه في الحفرة أو بدفن شيء فيها، فنيتُه هذه لا تؤثر في وجدان الماء ولا الكنزِ، لأن خروج الماء يتوقف على فعل الحفر وليس على نية الحافر وقلبه.
نعم، إن قصد المخاصِمين لك وهدفَهم هو توجيه المسلمين شطرَ الكعبة لا إلى الغرب، والحفاظُ على مكانة القرآن الرفيعة ذلك الكتاب الآمر بإعلاء كلمة اللّٰه بالعزة الإسلامية. فهم يقيمون خصومةَ أوروبا مقام محبتها التي هي أساس كل مشاكلنا وسوء أخلاقنا. فكيفما تكن نيتُهم لا تغير حقيقةَ هذه المقاصد الثابتة.
— 520 —
الخطوة الخامسة
يقول بنفسه أو بوسائله:
إن الإمام -أي الخليفة- يؤيد سياستنا ويميل إلى الودّ معنا، وأمره مطاع!
فنرد هذه الشبهة:
إن ميلَ الشخص نفسه وأمرَه الخاص وفكره الذاتي، مغايرٌ تمامًا للميل الحاصل من الشخصية المعنوية لأمر أمين الأمة المتقلد أمانة الإمامة والخلافة؛ فهذه الإرادة تنبثق من عقل وتستند إلى قوة وتتوجه إلى مصلحة العالم الإسلامي.
أما عقلُه فهو شورى الأمة، وليس شبهتَك ووسوستَك! وقوتُه هو جيشه المسلح وأمته الحرة، وليس سلاحَك وحرابك. والمصلحة إنما تتوجه من المحيط الإسلامي إلى المركز، فتُرَجَّحُ الفائدة العظمى للإسلام والمسلمين على المصالح الشخصية. وإلّا لو انعكس الأمر ورجحت -عند التعارض- مصلحة القربى على المصلحة العظمى، كترجيح سرير السلطنة على إسطنبول وهي على الأناضول وهو على الدولة وضُحي بالعالم الإسلامي لأجل الدولة، فهذا الترجح لا يطاع. وهو أمر غير وارد أصلًا. فالسلطان المتدين، وحيدُ الدين لو أصبح أفجرَ إنسان، فلا يمكنه أن يقوم بهذا الأمر بإرادته لسبب واحد هو أنه يحمل اسم الخليفة، فإن قام به فلا يقوم إلّا مكرهًا. فطاعتُه عند ذاك بترك طاعته.
الخطوة السادسة
إنه يوسوس فيقول:
إن مقاومتكم لا فائدة فيها ولا جدوى منها، إنكم تُلقون أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، اذ كيف تقتدرون وحدكم على ما لم تقتدروا عليه مع حلفائكم؟
فنرد هذه الشبهة:
إن قوتك العظيمة المخاصِمة لنا، إنما تتماسك متخاذلةً على رجلَي الحيلةِ والإفساد، فلا نيأسُ لأسباب ثلاثة:
— 521 —
الأول: أن الحيلة والإفساد إنما تؤثران إذا استترتا تحت حجاب الخفاء والغفلة، فإذا ما تظاهرتا أفلستا، وانطفأت قوتهما.. وها قد تمزق الحجاب تمزقًا صيّر كذبَك وهذيانك وإفسادك أضحوكة وشيئًا عقيمًا لا يؤثر في شيء.
الثاني: أن قوتك المأفونة المنخورة المخاصِمة لنا ليست بلا أعداء إذ تُقابلها أعداء لا يقبلون الائتلاف معك أبدًا، مما يقضي عليها ويجعل تسعين بالمئة منها معطّلة لا نفع فيها. أما بقية قوتك فلا يمكنها أن تديم -كما أدامت في الماضي- استبداداتٍ قاتمة تجثم على عالم الإسلام وتسكته بكمّ الأفواه وتأسره حتى تتركه دون حراك، ذلك العالم اليقظ الذي تشترك أجزاؤه في الداء والدواء.
فهذا احتمال بعيد جدًا، إن اعتقدته فإنك إذن أحط من الدابة وأحمقُ من الحمار مع أنك شيطان خبيث.
الثالث: إن كان لابد من الهلاك بيدك فالموت بعزّةٍ حياةٌ لنا، والحياةُ بذلٍّ هي الموت بعينه. والموت على نوعين وصورتين:
أحدهما: التسليم والتذلل تحت أقدامك، فحينها نكون قاتلين لروحنا ووجداننا بأيدينا. ثم يقتل الخصمُ جسدنا كأنه قصاص لقتلنا الروحَ والوجدانَ.
والنوع الثاني: أن يحافظ المرء على وجدانه ويقاوم خصمه، ويبصق في وجهه ويُنزل صفعته على عينه، فيحيا الروح والوجدان، ويستشهد الجسد، وتتنزه الفضيلة عن الرذيلة والعقيدةُ عن الاستخفاف وعزةُ الإسلام عن الاستهزاء.
وحاصل الكلام:
إن محبة الإسلام توجب عداءكم وخصومتكم، إذ كيف يصالح جبرائيلُ (عليه السلام) عزازيلَ (الشيطان)!
إن أشد العقول بلاهةً عقلٌ يرى إمكان التوفيق والتلاؤم بين أطماع (الإنكليز) ومنافعِهم وبين عزة الإسلام ومصلحته.
وإن أكثر القلوب حماقةً قلبٌ يظن إمكان الحياة تحت حمايتهم إذ يعلقون حياتنا بشرطٍ
— 522 —
محال في محال، إذ يقولون: احيوا حياةً ولكن بشرط ألّا تُرى في فرد منكم خيانةٌ وإلّا ندمّرْ عليكم الديار ونمحُ المتهم والبريء معًا.
فلو تحدى ظلمَهم صادقٌ لوجهِ الحق، والتجأ إلى جامع أياصوفيا، فلا يتحرجون من هدم ذلك البناء الشامخ الذي لا يقدَّر بثمن. وإذا ما وُجد في قرية مَن يقاومهم فلا يرون بأسًا من إبادة القرية كاملة بشِيبها وشبابها إذ يرون أن لهم صلاحيةَ إفناءِ جماعةٍ برمتها إذا كان فيها من يضرهم. فتبًا لمدنيةٍ خوّلتهم هذه الصلاحية.
إذن أفيمكن أن يتفق قلبٌ مع قلبِ مَن يتلذذ بغرز خنجر الظلم فيه؟
أفيمكن أن لا يوجد مشاغبٌ في مدينة أو قرية أو جماعة؟ فكيف يمكن إذن إدامة حياةِ إنسانٍ مريض مقيد، سُلب منه عصاه، وسُلط عليه كلبان ذوا مخالب وأنياب.
إن (الإنكليز) كالشيطان الرجيم يثير أحاسيس الإنسان الخبيثة ويشجع الأخلاق الرذيلة في حين يطفئ جذوة المشاعر النبيلة.
وإن ما يظهره هذا العدو من حقد دفين لا يسكن ليس هو نتيجة الحرب الحالية لأن انهزامنا كان كافيًا لتسكينه كما سكن لدى الآخرين!..
فيا أيها المسلمون، أفَبعد كل هذه الأحوال تنخدعون؟ أَفَبعد ما رأيتم من قربٍ قبحَ الكفار وشناعتهم -بعد ما كان يُرى جميلًا من بعيد- تستحسنون ما استقبحه الشرعُ والعقل ومصلحة الإسلام.
استعيذوا باللّٰه من همزات الشيطان، والتجِئُوا إليه متضرعين نادمين وتوسلوا برحمة الرحمن الرحيم.