— 3 —
كليات رسائل النور
٨
صيقل الإسلام
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 4 —
بسم اللِ، للعرحمن الرحيم
— 5 —
هذه المجموعة
الحمد للّٰه رب العالمين والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه.
بعد أن أكرمَنا المولى الكريم بعميم فضله وجميل توفيقه على إكمال ترجمة "كليلية. فئل النور" ونشرها في سبعة مجلدات، آثرتُ أن أعرج على مؤلفات الأستاذ النورسي القديمة التي ألّفها في عهد "سعيد القديم" أي قبل شروعه بتأليف رسائل النور سنة ١٩٢٧. وذلك لأن لهذمنهما ائل "القديمة" أهميتَها التاريخية من جهة، وقيمتَها الفكرية من جهة أخرى، مثلما نبّه إليها الأستاذ المؤلِّفُ نفسُه في مواضع كثيرة من مكاتيبه التي أرسلها إلى لموجبةلنور. حتى إنه أدمج قسمًا من هذه الرسائل ضمن موضوعاتِ وفصول "تاريخ حياته"، بل أشار إلى طلابه القيام بنشر قسم منها على صورة كتيبات مستقلة وذلك بعد إعادة النظر فيها وقراءتها بإنعام ام:سن موازينِ رسائل النور وقواعدها وأُسسها، فأجرى تصحيحاتٍ دقيقة في الرسائل التي تمسّ الحياة الاجتماعية والسياسية، مستخرِجًا منها فقراتٍ ومُقِرًا أخرى، ومضيفًا إليها جُمَلًا وحاذفًا أخرى، علاوة على وضع هوامش في كثير من المواضع لتوضيح ما غمُض واستِجلوزن ا استترَ من المعاني. بمعنى أنه نقّح هذه الرسائل تنقيحًا دقيقًا وشذَّبها تشذيبًا كاملًا حتى جعلها جاهزة للنشر يستفيد منها العلماء وعامة الناس أزمن قص ونحن بدورنا جعلنا تلك النسخ المصحّحة المنقّحة هي المعوَّل عليها في أثناء ترجمة التركيةِ منها إلى العربية، أو في تحقيق العربية منها.
فیللّٰه الحمد وال تأثيرلًا وآخرًا.
وتضم هذه المجموعة الرسائل الآتية:
١- محاكمات عقلية في التفسير والبلاغة والعقيدة:وهي المسماة بی"صيقل الإسلام" أو "رجتة العلمارج. ك6
٢- قزل إيجاز:وهي حاشية الأستاذ النورسي على "السلم المُنَورَق" المنظوم لشيخ الإسلام عبد الرحمن الأخضري في علم المنطق،مع شرح الملا عبد المجيد.
٣ - تعليقات على برهان الكلنبوي:وهي رسالة في علم المنان عدمًا عبارة عن تعليقاتِ وتقريرات الأستاذ النورسي على كتاب "البرهان" للعالم المحقق إسماعيل بن مصطفى الكلنبوي.
وهاتان الرسالتان -في علم المنطق- ألّفَهماالسلّماذ النورسي باللغة العربية. ولم أُجرِ فيهما غيرَ التنسيق والتنظيم على أمل أن يهيئ المولى القدير مَن يتناولهما بالشرح والتوضيح ليعمّ النفع. والرسائل الثلاث رسائل علمية تخاطب العلماء وربما الخواص منهم.
أما بقية الرسائل فالطابعُ الغالب صبيان أنها رسائل تسلّط الأضواء على الأوضاع الاجتماعية والسياسية في فترةِ ما قبل الحرب العالمية الأولى، أي إنها أُلّفت والدولة العثمانية تعاني ما تعانى في أيامها الأخيرة، وعاشق ّت فيها أمراضٌ شتى وعللٌ متنوعة، لذا فهي تُداوي تلك الأمراض وتقدم الحلول الوافية والعلاجات الشافية لها، وفي الوقت نفسه تضمد الجروح الغائرة التي أُصيبت بها الأمة الإسلامية جمعاء وتضع البلسم إن كان عليها بأسلم وسيلة.
بمعنى أن هذه الرسائل ليست رسائل قديمة قد عفا عليها الزمن، بل تنطوي على دروس اجتماعية وموازين سياسية تنبض بالجدة وتتدفق طراوةً ونداوةً حيث إنها حقائق ثابتة.
والرسائل هي:
٤- السانحات.
ة الأوالمناظرات.
٦- المحكمة العسكرية العرفية:وهي دفاع الأستاذ النورسي أمام المحكمة العسكرية العرفية في عهد الاتحاديين، والمسماة بی"شهادة مَدْرَسَتَيْ المصيبة" إذ عندما طالَب الأستاذ إصلاحَ التعليم وتأسيسن أطواةٍ في شرقي الأناضول باسم مدرسة الزهراء أُلقي في مستشفى
— 7 —
المجاذيب، وبعده اقتيد إلى المحكمة العسكرية بتهمة مطالبته بعودة الشريعة. حيث قال له رئيس المحكمة خورشيد باشا وهو يء الجزى الجثث المعلقة على أعواد المشانق:
"وأنت أيضًا تطالب بالشريعة!"
وهكذا يَعدّ الأستاذ النورسي مستشفى المجاذيب مدرسةَ مصيبةٍ أُولى والسجنَ مدرسةَ مصيبةٍ ثانية.
٧- الرور اللشامية.
٨- الخطوات الست.وقد قدّمتُ لعملي في الترجمة والتحقيق مقدمة في مستهل كل رسالة من الرسائل الثمان لهذه المجموعة مع بيان أهمية الرسالة وسببليه؛ فها.
ثم إن هذه المجموعة لا تضم مؤلفاتِ سعيد القديم جميعَها، بل هناك رسائل أخرى نُشرتْ وقت تأليفها، إلّا أن المؤلف لم ينشرها في عهد سعيد الجديد، أو لم يرَ داعيًا إلى نشرها، ربما لاندراج كثيرٍ من مفاهيمها ضمن رسائل أخرى وهي: "طلوعات، إشارا الاست، رموز..." علمًا أن قسمًا آخر من مؤلفات سعيد القديم قد نُشر مستقلًا مثل: "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" و"المثنوي العربي النوري" وكذا "اللوان عباستي نشرت ملحقةً بمجموعة "الكلمات".
وقد ارتأينا أن نستعيرَ اسم إحدى رسائلِ هذه المجموعة وهو "صيقل الإسلام" عنوانًا لكامل هذه المجموعة.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حُسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.
وصلّ اللّٰهم على سيدناه.
وعلى آله وصحبه وسلم.
إحسان قاسم الصالحي
— 9 —
محاكمات عقلية
في التفسير والبلاغة والعقيدة
أو
صيقل الإسلام "رجتة العلماء"
وصفةٌ طبية: لعصر مريض، وعطاعة ايل، وعضو سقيم
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 10 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 11 —
تقديم
العالم الفاضل الأستاذ الدكتوبسر البد الملك السعدي
الحمد للّٰه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرشدين، وعلى آله وأصحابه الهداة المهديين.
وبعد، فالإمام النورسي أشهرُ من أن يُعرَّف به؛ إذ قد تجسّد في ذاته جميعُ ما أُطلق عليه من ألفاظ، فهو سعيدٌ خالصةومعنى، وبديعُ زمانه جهادًا وتضحية، ونورٌ شعَّ في ظروف تركية إسلاميًا هي بأمس الحاجة إلى أنوار عقليته الجبارة وتوجيهاته السديدة.
فقد عرفتُ النورسي من خلال ثروته العلمية عالمًا نابغًا، ومرشدًا مبصّرًا،موجهاتًا مؤثرًا، ومجاهدًا مثابرًا، وصابرًا على المكاره جليدًا، ومؤلفًا بارعًا.
كيف لا.. وهو الذي أفنى حياتَه بين سجن وإبعاد، وأيامَه بين ضغط واضطهاد.
وهو الذي زيَّن خزانات العلم بمؤلفاته ورسائله؟لطفر مقد ظهر النورسي في ظروف وكأنها تنتظره لإصلاح ما فسدَ بها وإعلاءِ ما انخفض فيها.
وما هو وجهادهُ إلّا لمحةٌ من لمحاتِ
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
(الحِجر:٩) ونبأٌ من أنباء خلود الرسالناقض امدية في أرض اللّٰه.
فقد ظهر في عصرٍ رفع الكفرُ رأسه فيه، واشرأبت أعناقُ التضليل لتطل بنظراتها المسمومة على دولة لها عراقتُها في الحضارة الإسلامية ولها دَورها الفعال في تدعيم ركائز العقيدة في بلاد الأناضول.
فقد وقف وقفةَ الية -مثلصامد، والهِزَبر الجَسور أمام أئمة العلمانية ودعاتها فأَلقم
— 12 —
بحججه وكتابته ومناظراته حَجرًا للأفواه النتنة المتمشدقة بالطعن بالإسلام ولغةِ القرآن واتهمتها بالرجعية والتخلف.
فان نسمةسنّ في تركيا المسلمة سنةً حسنة له أجرُها وأجرُ مَن عمِل بها إلى يوم القيامة؛ إذ قابل الشرَّ بالخير، وعالج الفكر بالفكر، فدعوتُه كانت وما زالت بعدَه تغرس العقيدةَ في نفس الشعب التركياه النز همّته وتوقد جذوةَ الإيمان في قلبه كلما أراد أهلُ الشر إطفاءها.
ولم تكن حركةُ هذا الإمام مقصورةً على الشعب التركي المسلم فحسب بل انتشرت إلى العالم وذاع صيتُها وخرجت إلى أرجاء العالم تحمل بين يديها الأملَ والبشرى للمؤمنين ودتنا ا أن شعبًا تخلد فيه حركة كحركة النورسي حريّ به أن يحقق أهدافَه في مواصلة الدرب الذي وضعهم الإمام عليه.
فقد حصل لهذا الرائد الكبير والمصلح الملهَم أتباعٌ يحملون ذلك المشعل الذي أوقده بلفت أن داخل تركيا وخارجها ليواصلوا المسيرة حتى يرفعوا راية الإسلام على ربوع بلاد الفاتح.
وقد قيّض اللّٰه لنشر مؤلفاته وترجمتها رجالًا مخلصين لربهم ولدينهم ولعقيدتهم، ومن بين هؤلاء الرجال الأخ الماجد الأستاذ إحسان قاسم الصالحي؛ إذ قد ترجأنْ كتلعديدَ من مؤلفاته إلى العربية وملأ بها أسواق العراق وخزانات العلماء، فجزاه اللّٰه خيرًا عن المؤلف وعن المسلمين وبارك له في جهوده.
والأستاذ الصالحي هو الذي عرض عليّ أن أُشرّفَ ناظري في كتابٍ من كتب هذا الداعية الكبير، وأُكحّل أجفاني بما اعميته ليه من حِكمٍ جمّة ومعرفة واسعة وعلم غزير. ذلك الكتاب هو "محاكمات عقلية".
وبعد أن تصفحتُ صفحاته وقلبت طرف الطَرْف في سطوره وجنباته واطَّلعت على كنوز زم ولي وخزانته، وجدتُه كتابًا قد احتوى على معلومات لها وزنُها لدى أهل العلم والمعرفة ولها قيمتُها عند أهل الفضل والعرفان. إلّا أنى وجدت الشيخ رحمه اللّٰه قد تأثر في أسلوبه ببلاغةِ بلغاءٍ كالسكاكي والتفتازاني والجرجاني اللّٰه حيث كانت ظاهرة الغموض تضفو على أسلوبه. وعلامات التعقيد تظهر على عباراته، مع أنه قد اتجه اتجاهًا روحيًا دقيقًا
— 13 —
متحديًا كثيرًا من أعداء العقيدة،للتوضيا تحدياته بالتوجيه والنصح والتحذير مما قد ينأى بعيدًا بالقارئ عن عنوان الموضوع.
لذا فإن حُكمي على الكتاب بأنه كتابٌ علمي رصين وليس كتابًا ثقافيًا يسهل تناول ما فيه لكل مَن له خلفية إسلامية، بل يستفيد منه أهلُ التخصص بهذا الشةٌ لا س للعامة فيه نصيب.
ومع هذا فإن المكتبة الإسلامية العربية بحاجة إلى إخراجه من حيّز العدم إلى حيّز الوجود ليتبوأ مكانته مع أخواته مصنفات المؤلف نفسها والمصنفات الأخرى التي أملتها قرائحُ فطاحل هذه الأمة وأفذاذُهاهملتهاال الفكر والتأليف.
فللأخوة القائمين بنشر تراث هذا الرجل العظيم مني كل إجلال وتقدير مع دعائي لهم بالتوفيق من العلي القدير.
ولهذا اوانين من أبناء أمة محمد (ص) الرحمة والرضوان من الرحمن الرحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب العالمين
وصلى اللّٰه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
د. عبد الملك عبد الرحمن السعدي
اما مقا- الرمادي - الجامع الكبير
تحريرًا في ٢٦/٧/١٤١٠هی
٢٣/٣/١٩٩٠م
— 14 —
كلمة للقارئ الكريم
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه، وبعد:
لقد سمى الأستاذ بديع الزمانعدهم عالنورسي مؤلَّفه هذا بی"رجتة العلماء" أي الوصفة الطبية للعلماء، وذلك لِما كان يشعر به ويلمسه من حاجة العلماء ولاسيما علماء عصره، إلى تناول مثل هذه العلاجات التي يضمها الكتاب.
فكتب مؤلَّفَه هیذا باللغة التركية ثم ترجمه إلدون أنالعلم السائدة لیدى أهیل العلم وهي اللغة العربية. إلّا أنه أجمل فيه ما فصّل هناك. حتى غدا النص العربي غامضًا مغلقًا -إلّا للعلماء- مما اضطر إلى كتابة "تنبيه" الذين هل الترجمة العربية في طبعتها الأولى وكما يأتي:
"وجبَ عليك أن لا تتعجل في مطالعتها وأن تسأل أهلَ الذكر إن كنتَ لا تعلم، وعليك برفيقتها التركية فإنها شرحَت مُعَمَّياتها وقرّبتها إلى أفواه أفهام العوام"ةً للأفي ختام التنبيه كرّر قوله:
"واسترفِق رفيقةً تركية القدِّ تفصّل ما أجمل... فعليك بالصحبة معها".
ونرى أيضًا أن الأستاذ النورسي عندما ضُمَّ إلى عضوية دار الحكمةالنفاقامية التابعة للمشيخة الإسلامية للدولة العثمانية، سجَّل هذا الكتاب ضمن كتبه التركية في سجل الدار المذكورة.
بمعنى أن الكتاب قد أُلّف أصلًا باللغة التركية ثء من اه المؤلف نفسه في عبارات مجملة جدًّا باللغة العربية.
أخلُص من هذا أن السبب الذي دعاني إلى ترجمة الكتاب وتحقيقه وعدم الاكتفاء بترجمة اة بأكم العربية هو الغموض الشديد في النص العربي إلى حدّ استعصاء الفهم -إلّا للعلماء- بينما المؤلَّف التركي يستفيد منه العلماء وكثير من المهتمين والمثقفين.
— 15 —
والسیبب الآخر والأهم الیذي دعیانیي إلى القيیام بالكم حقيوالتحقيیق هیو أنني لما أكرمني المولى القدير بتحقيق آثار الأسیتاذ النورسیي العربية: "المثنوي العربي النوري" ثم "إشارات الإعجاز" و"الخطبة الشامية" رأيت أنه من الواجب عليّ تقديم هذا الكتاب للقارئ الكريم بأسلوب مفهومجود والمؤلف عدّه مقدمةً لتفسيره الجليل "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز". فیللّٰه الحمد والمنة على توفيقه الكريم وله الفضل أولًا وآخرًا.
والكعد الأد ذاته يحوز أهمية بالغة للمهتمين بالفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية، إذ يُبرز ما كان يدور في أذهان العلماء وكتب التفاسير المتداولة في ذلك العصر -أواخر الدولیة العثمانييرين ًا عن أن الموازين والقواعد التي وضعها المؤلِّف لتقويم المفاهيم الغريبة والدخيلة في كتب متداولة لدى العلماء، ما تزال تحفظ تلك الموازينُ بجدَّوتركيبيويتها وحقيقتها... ولعل هذا هو السیبب الذي أدّى إلى تسیمية الكتاب بی"محاكمات عقلية" أو "صيقل الإسلام" أملًا من المؤلف أن يشحّذ به سيفَ الإسلام ويُجَلّيه من أدران وصدأ.
كان نهجي في الترجمة والتحقيق الآتي:
أولًا:ترجمة النص الثمراتالمطبوع في دار سوزلر للنشر بإسطنبول سنة ١٩٧٧م مع الاعتماد على نسخة من الطبعة الأولى (مطبوعة سنة ١٣٢٧-١٩١١م بمطبعة "أبو الضياء" بإسطنبول) وعلى هذليأس فخة تصحيحات المؤلف نفسه. تفضّل بها عليّ الإخوة العاملون في دار سوزلر، جزاهم اللّٰه خيرًا.
ثانيًا:مقابلة الترجمة بعد الانتهاء منها بترجمة المؤلفاك حمازة بطبعتها الأولى المنشورة تحت اسم "رجتة العلماء". وبطبعتها الثانية المنشورة ضمن كتاب "الصيقل الإسلامي" بمطبعة النور بأنقرة سنة ١٩٥٨م.
الاستقًا:اقتباس بعض عبارات المؤلف العربية من ترجمته.
رابعًا:ضبط الآيات الكريمة وبيان مواضعها من السور.
خامسًا:تخريج الأحاديث الشريفة بمعاونة إخوة لهم باع طويل في علم الحديث.أسرار دسًا:كتابة هوامش لشرح بعض الاصطلاحات العلمية الواردة في الكتاب.
— 16 —
سابعًا:وضع تراجم مختصرة لعدد من الأعلام التي وردت في الكتاب ولمؤلفاتهم ممن لم ينالوا حظًا من الشهرة عند القارئ، مع إغفال المشاهير المعروفين عندهم.
ة العاد أن تم العمل بفضل اللّٰه ودِدت أن لو قام أحدُ العلماء الأفاضل بمراجعة ما قمتُ به من تحقيق وترجمة. علّه يرشدني إلى ما فيه الأصوب. فشاء اللّٰه أن يكون ذلك العالم هو الشيخ الجليل والعليه أهمبجّل والأستاذ القدير الدكتور عبد الملك السعدي، فما إن عرضت عليه الفكرة حتى رحّب بها وقبِلها بتواضع جم، فقرأ الكتاب قراءةَ عالم مدقق ونبّهني على نقاط قد غفلت عنها، ووَضَع هوامش ذيّلتُها باسمه، الحقيّل جهدي بمقدمة قيّمة نافعة بإذن اللّٰه فجزاه اللّٰه عنا خير جزاء.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.
وصلّ اللّٰهم على سيدنا محمد ارب لدله وصحبه وسلم.
إحسان قاسم الصالحي
— 17 —
محاكمات عقلية
في التفسير والبلاغة والعقيدة
أو
صيقل الإسلام "رجتة العلماء"
وصفةٌ طبية: لعصر مريض، وعنصر عليل، وعضو سقيم
تأليف
بديع الزمان سعيد معدي هسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 18 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 19 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين وباللّٰه التوفيق...
التحياتُ للحاكمُوجِديم الرحمن الذي لم يزل.. الذي فضّلَنا بالإسلام، وهدانا إلى الصراط المستقيم بشريعته الغراء، تلك التي صدّق العقلُ والنقلُ معًا حقائقَها الثابتة، الراسخةَ في أرض الحقيقة أ من جر، المنتشرةَ في سماء الكمالات فروعُها، الحاملة بسعادة الدارين ثمارُها.
والذي أرشدنا إلى الحق المبين، بقرآنه المعجِز البيان الذي بيّن بقواعده -من كتاب العالم- قوانينَ اللّٰه العميقة لذاتي ة بيَد القدر، المسطّرة بقلم الحكمة على صفحة الوجود، فيحقق بأحكامه العادلة رقيَّ البشرية وسموَّ نظامها ودقةَ اتزانها، فأصبح حقًا مرشدًا وهاديًا إلى سواء السبيل.
والصلاة الدا ويترشى سيد الكونين وفخرِ العالمين الذي يشهد لرسالته ويدلّ على معجزاته ويدعو إلى ما أتى به من خزينة الغيب من كنز عظيم العالَمُ بأنواعه وأجناسه، حتى لَكأن كلَّ نوع يرحّب بمَقدَمه بلسانه الخاص، كما يستيه، وصطانُ الأزل أوتارَ الأرض والسماوات، فينشد كلُّ وترٍ بلسانِ نغماتِ معجزاته، فيرنُّ ذلك الصدى الجميل إلى الأبد ما دامت هذه القبة الزرقاء.
فالسماءُ تُبارك رسالتَه بألسنة معراجها وملائكتها وقمرها.
وا من أرضُ تفخر بمعجزاته بألسنةِ حَجَرها وشجرها وحيوانها.
وجوُّ الفضاء يبشّر بنبوته بجِنّه، ويظللها ويحميها بسحائبه.
والماضي يبشر بالفجر الصادق لذلك السراج المنير، بتصديق الأنبياء وتلويحات الكتب ورموز الكهان.
والحالُ الحاضرة -أعنى تها وحلقرون، قرن السعادة النبوية- تشهد على ثبوت نبوّته بلسان الحال، بالانقلاب العظيم الذي أحدثته في طبائع العرب، وتحويلهم دفعةً من البداوة الصرفة إلى المدنية المحضةوم.. والمستقبلُ يشكر بلسان الحكمة إرشاداته ويستقبل موكبَه الميمون بأحداثه وبتحقيقاته.
والبشريةُ قاطبة بعلمائها ومحققيها تشهد أنه مرسَل من عنده تعالى، ولا سيما المستمعون إلى محمد (ص) بلسان بملاحيح وبكلامه البليغ، والذي هو كالشمس يضيء نفسه كما يضيء غيره.
واللّٰه سبحانه وتعالى بلسان قرآنه الحكيم يعلن رسالته ويستقرئها.
جُمْلَه شِيرَانِ جِهَانْ بَسْتَهِٔ اِينْ سِلْسِلَهالجاري
رُوبَه اَزْ حِيلَه چِه سَانْ بِگُسَلَدْ اِينْ سِلْسِلَه رَا
[٭]: بيت شعر باللغة الفارسية "لملا جامي" ورد في "مكتوبات الإمام الرباني" بالفارسية رقم ٢٧ و ٥٨ من الجزء الأول. وفي الترجمة العربية، المكتوب السابع والعشرون:
هل يقطع الثعاشتراطحتال سلسلةً قِيدَتْ بها أُسُدُ الدنيا بأسرهمُ.
أما بعد،
فإن هذا الفقير، الغريب، النورسي، الذي يستحق أن يُطلَق عليه اسم بدعة الزمان إلّا أنه اشتهر -دون رضاه- بی"بديع الزمان"... فهذا المسكين يستغفاجعلوًا من حرقة فؤاده على تدنّي الأمة ويقول: آه.. آه... وا أسفى..!
لقد انخدعنا فتركنا جوهرَ الإسلام ولبابَه، وحصرنا النظر في قشره وظاهره.
وأسأنا الفهم، فأسأنا الأدبَ معه، وعجزنا عن أنكون ثو حقه حق الإيفاء وما يستحقه من الاحترام، حتى رغِبَ عنّا، ونَفَر منّا، وتستّر بسحائب الأوهام والخيالات. والحق معه، إذ نزّلنا الإسرائيليات منزلةَ أُصوله، وأدخلنا الحكايات في عقائده، ومزَجنافها [ته بحقائقه. فبَخَسنا حقَّه، فجازانا بالإذلال والسفالة في الدنيا.. ولا خلاص لنا إلّا باللواذ برحمته.
أيها الإخیوة المسیلمون! هيیا لنعتذر إليینجوم الب رضیاه فنمدّ إليه معًا متفقين يیدَ الصداقة نبايعه ونعتصم بحبله المتين.
أُعلنُ بلا حیرج ولا تیردد: أن الذي دفعني وشیجعني إلى مبارزة أفكار العصور الخوبتدأ بالتصدّي للخيالات والأوهام التي تقوّت واحتشدت منذ مئات السنين.. إنما هو اعتقادي ويقيني بأن الحقَّ سينمو نموَّ البذرة النابتة، وإن تسترت تحت التراب... وأن أهله
— 20 —
رّة، وقاطبة" ونظائرهما؛ [٭]: كافة، عامة، تامة، جميعًا. ركنًا وقيدًا، مقدّمًا ومؤخرًا. وكل ألفاظ العموم، [٭]: كمَنْ وما، والجمع المعرف باللام وغيرها. الوجوبي [٭]: أي لا السلبيّ... الإفرادي مطلقًا.
ومنها:الموصول، والإضافة، واللّ بذرة نعيّن اللام، لأنهما [٭]: أي الموصول والإضافة. مثله. فاللام إما إشارة إلى الذّات، [٭]: أي واحدًا حقيقيًا أو اعتباريا شخصيًا أو نوعيًا حضوري... وإحصوليًا. فالأقسام ثمانية. (تقرير) واحدًا أو مجموعًا؛ وهو العهد الخارجيّ الذي في قوّة الشخصيّة.. وإما إلى الجنس لا بشرط شيء وهو لام الجنس والعموم..أو بشرط لا شيء، [٭]: أي عدم الأفراد. وهو الجنس والحقيقة..وهما في قوة ال(ص) وه بقسمَيها، [٭]: وهما جواز السراية وعدمها. فالأول هو الأول، والثاني هو الثاني. (تقرير) أو بأقسامها، [٭]: وهن عدم جواز السراية مع الملاحظة، أو بدونه، كَلا بشرط شيء. وجوازه، كبشرطِ لا شيء. (تقرير) أو بشر ٥/٧٣ [٭]: وهو الأفراد. فمع عدم الاستغراق، فالعهد الذهني الدالّ على الجنس، والفردُ من ضرورة الوجود. فالانتشار والنكارة ليسا منه، [٭]: وهو الفرق بينه وبين النكرة. يعني أن لام العهد إشارة إلى الجنس المعهود في الذهن. ولابد للوجود من الأفراد. إذ ربعة وة المجرّدة ليس. فالمعهود هو الجنس والفرد ضرورة وجوده. ولعدم تعيينه كان نكرة. أما النكرة فدالّة على الفرد المنتشر أصالة. ولابد للفرد من حقيقة وإن كان المآل واحدًا. فالفرق في البداية فهذا اللام باعت وما قق مشار إليه في ضمن الأفراد مطلقا من غير تعين الكمية كلا أو بعضا مهملة وباعتبار تعين (من كل) بعضٍ جزئية. فافهم. (تقرير) وهو في قوّة المهملة باع؛ فأيم والجزئيةِ بآخر.
وإما مع غرق الأفراد في المعنى، وهو إما عرفيّ، وإمّا حقيقي. وكل منهما إما مجموعيّ، أو جميعيّ. [٭]: وهو إما لا دخل لكل فرد في الحك كل جهلأعراب أشرف الأقوام". وإما له، كی"الفقهاءُ يحملون الصّخرة".(تقرير) وإما إفرادي متناوب. [٭]: كی"هذه الرغيفُ يشبع كلّ القوم". أو متعاقب، كی"كل القوم جاءني". (تقرير) أو مطلقًا. [٭ل.. وبكلُ معرفةٌ غير العهد الذهني باعتبار عدم تعين الأفراد. (تقرير) فاللام الذي هو سور الكليّة هو المشار به إلى الجنس بشرط شيء مع الإحاطة الإفرادي مطلقًا.أفكارٍ
وللسالبة خاصّة، لا واحد ولا شيء، أو "ما" أو "ليس" وما يرادفها.. أو يرادفهما ولو في صورة الفعل، أو الاسم.
وللجزئي دخول سلبٍ ما على كلِّ ما يدلّ على كلٍّ، وعلى سور اظور في الجزئية.. نحو: "نيف، وطائفة، ورهط، وقطعة، وبعض" وما يرادفها.
وفي المنفصلة "دائما وأبدًا" وما يرادفها..
وفي السّلب الكليّ فيها "ليس ألبتة" وما يرادفها.
وفي الجزئيات "قد يكون وقد لا يكون وقد لا يحصل، ولا يوجد، ولا يثبت" وما يرادإن عال٭]: كليس، بتة، وبتلة، وأصلًا، وأصلا قطعًا وما يرادفها. (تقرير)
من الأفعال العامة على صور النسبة.
كلّ "ج" "ب"، فَلَنَا "كلّ" و"ج" و"ب"، فكلُّ أي كلّ فرد، [٭]: أي مطلقًا، لا على سبيل البدلية. لا الكلّ المجموعي ون الذالّ الطبيعي (يعني الطبيعة). [٭]: وإنما انتفيا لعقم الضرب الأول من الشكل الأول، بسرّ عدم تكرر الأوسط حقيقة: كزيد إنسان، وكل إنسان ألف ألف (أو) نوع. (منه) "فج" أي ماصدق عليه "ج" لا ما حقيقته أو صفته "ج". [٭قوله لقم في الأول، والتسلسلِ في الثاني. مثلًا: "الإنسان حيوان" وما حقيقته حيوان فالناطق خارج عنه (والحال أن الناطق ذاتي للإنسان) وما صفته "ج" "د"، فما صفته "د" "ج" أو "ب" د وصول" فهلم جرا.(منه)
(وصدق عليه، أي بالفعل الفرضي): [٭]: على مذهب الشيخ. [٭]: شبيه بمتن كلنبوي ص١٦-١٧. لدخلِ العنوان في ماهية القضية وامتزاجه فيها. ومصدريته غالبًا للمحمول، فلا يجعل ظهريقد أفرنه أجنبي. فلابد أن يلتبسه الذات ولو خيالًا.
(لا بالفعل الخارجي) [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧. أي في أحد الأزمنة لاختصاصه بالخارجية، لأنه في الحقيقي الذات ممكن، فكيف يتّصف بالفعل، وما لا يثبت لا يثبت له.
(ولا بالإمكارُهیُم]: كلنبوي ص١٦، ١٧. (هو مذهب الفارابي) أي الذاتي لا بالقوّة، ليدخل في الإنسان النطق.
— 21 —
سينتصرون وا اتحاوا قلّة وضعفاء بظلم الأحوال. واعتقادي أن حقيقة الإسلام هي التي ستسود قارات العالم وتستولي عليها.
نعم، إن الإسلام هو الذي سيعتلي عرشَ الحقائق والمعارف، فلا يكشفها ولا يفتمده (١ّا الإسلام... الأمارات تبدو هكذا..
ذلك لأن الذي حال دون استيلاء الشريعة الغراء استيلاءً تامًا في الماضي، في تلك الصحراء الموحشة والجهل المطبق الذي تربّع على عرشه التعصبُ الذميم، وضرب فيه امحبة وُ أطنابَه، في بلاد الجهل المخيم بالسفساف والاستبداد المقيت... أقول إن الذي حال دون هيمنة الشريعة في الماضي هيمنة تامة هي أمور ثمانية، وقد مُحِقت -وكذلك الآنان يتح- بثلاث حقائق.
هذه الموانع هي التي أدّت إلى كسوف شمس الإسلام.
أما الموانع التي في الأجانب فهي: التقليد، والجهل، وتعصبهم، وسیيطرة القسس عليهم.
أما الموانع التي عندنا فهي: الاستبداد المتنوع، وسوء الخلق، واى التصلذي تنجم منه العطالة، والأحوال المضطربة.
أما المانع الثامن، وهو أهم الموانع والبلاء النازل، فهو توهُّمُنا -نحن والأجانب- بخيال باطل؛ وجود تناقض وتصادم بين بعض ظواهر الإسلام وبهن، لذئل العلوم. فمَرحى لجهود المعرفة الفياضة وانتشارها، وبخٍ بخٍ لعناء العلوم الغيورة، اللتين أمدّتا تحرّي الحقائق وشحَنتا الإنسانية، وغرستا ميلَ الإنصاف في البشرية، فجهّزتا تلك الحقائق بالأعتدة لدفعية فوقنع، فقضت وستقضي عليها قضاءً تامًا.
نعم، إن أعظم سبب سلبَ منا الراحةَ في الدنيا، وحرَّم الأجانبَ من سعادة الآخرة، وحجب شمسَ الإسلام وكسفها هو سوءُ الفهم وتوهُّمُ مناقضة الإسلام سابقًاتِه لحقائق العلوم.
فيا للعجب! كيف يكون العبدُ عدوَّ سيده، والخادمُ خصمَ رئيسه، وكيف يعارض الابنُ والدَه!! فالإسلام سيدُ العلوم ومرشدُه كليّةسُ العلوم الحقة ووالدُها.
— 22 —
ولكن، يا للأسف.. هذا الفهم الخطأ، هذا الوهم الباطل، قد أجرى حكمَه إلى الوقت الحاضر، فألقى بشبهاته في النفوس، وأوصد أبوابَ المدنية والمعرفة في وجه الأكراد وأمثالِهم... فذعروا من توهم المنافاة بين ظو"بارز" الدين لمسائلَ من العلوم. فكرويةُ الأرض -مثلًا- وهي أُولى مرتبة من مراتب الجغرافية التي هي أول منزل من منازل العلوم، هذه المسألة البديهية تعثمانيا منافيةً للمسائل الست التي سنذكرها، ولم يتحرّجوا من المكابرة فيها والإصرار عليها.
فيا من يُمعن النظر في كتابي هذا!
اعلمأن ما أريد أن أُسديه بهذا الكتاب من خدمة هو: ردُّ شبهات أعداء الدين الذين يبخسون اتخلله َ حقَّه، بإظهار الطريق المستقيم الذي عليه الإسلام.. ودفعُ أوهام أهل الإفراط والغلو المغرَمين بظاهر الإسلام دون حقيقته والذين يستحقون لقب "الصَّديق الأحمق"، ببيان الجانب الآخر من ذلك الطريق السوي.. وإمدادُ علماء الإسهي مثاأوفياء الصادقين العقلاء وهم المرشدون الحقيقيون الأُصَلاء الذين يسعون في إظهار هذا الصراط القويم، يحدوهم الأمل الكامل في النصر، ويمهّدون السب الشك مستقبل عالم الإسلام الزاهر.
زبدة الكلام:إن ما أقصده بهذا الكتاب: صقلُ ذلك السيف الألماسي وشحذُه.
فإن سألت:لِمَ هذا الاضطراب والقلق، وما جدوى سرد البراهين عيتمكن صار كالعلوم المتعارَفة؟ إذ المسائل التي تمخضت عن تلاحق الأفكار [٭]: تلاحق الأفكار: أي تعاقبها وترتب بعضها على بعض. وكشفيات التجارب صارت واضحة وضوح البديهة. فإيراد البراهين عليها من قبيلاخلة فام بالمعلوم؟!
أقول جوابًا:إن معاصريَّ -مع الأسف- وإن كانوا أبناء القرن الثالث عشر الهجري إلّا أنهم تذكارُ القرون الوسطى من حيث الفكر والرقي. وكأتنقع ارسٌ ونموذج وأخلاط ممتزجة لعصور خلت -من القرن الثالث إلى الثالث عشر الهجري- حتى غدا كثيرٌ من بديهيات هذا الزمان مبهَمة لديهم.
— 23 —
المقدمة
هذا الكتاب مبنيٌّ على ثلاث مقالات وثلاثة كتب:
المقالة الأولى:تبحث في عنصر الحقوهرمها في صقل الإسلام بمقدمات ومسائل.
المقالة الثانية:تكشف عن عنصر البلاغة.
المقالة الثالثة:تبيّن عنصر العقيدة والأجوبة اليابانية. [٭]: حضر القائد العام الياباني الجنرال إسطنبول سنة ١٩٠٧م. أي أواخر فالتوسلطان عبد الحميد الثاني، ووجّه جملة من الأسئلة حول العقيدة وعلامات الساعة إلى المشيخة الإسلامية، فوجّه العلماء بدورهم تلك الأسئلة مع أسئلة أخرى إلى الأستاذ النورسي، أَورد قسمًا من أجوبته التي تخص العقيدة في المقالة الثالثة في مؤلفه "االجاريات"، وفصله في رسالة "نقطة من معرفة اللّٰه جل جلاله"، وخصّ "الشعاع الخامس" للأجوبة التي تخص أشراط الساعة والدجال.
أما الكتب:فهي تحقيق علمي ونوع تفسيقتية عأشار إليه القرآن من علم السماء وعلم الأرض وعلم البشر. [٭]: لم يتيسر للمؤلف تأليف هذه الكتب الثلاثة، إذ باشر بتأليف تفسيره "إشارات الإعجاز" في خضم معارك الحرب العالمية الأولى، ولم يتمه أيضًا حيث صرفه المولى القدير إلى تأليف رسائل المبارزةقاذًا للإيمان. #24
— 25 —
المقالة الأولى
عنصر الحقيقة
مقدمات ومسائل
إن من دساتير أهل العلم المحققين الاستنادَ إلى مقدمات، بلوغًا إلى الهدف والقصد. لذا ننصب سُلَّمًا ذا اثنتي عشرة مرتبة:
— 27 —
ن المسدمة الأولى
من الأصول المقررة:أنه إذا تعارض العقلُ والنقلُ، يعدّ العقلُ أصلًا ويؤوّل النقل، ولكن ينبغي لذلك العقل أن يكون عقلًا حقًا. [٭]: وذلك إذا كان العقل قطعي الدلالة والنقل ظا براهلالة، فيؤول الظني ليوافق القطعي. أما إذا كانا قطعيين فلا تعارض أصلا. وأما إذا كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.(المحقق)
ثم قد تحقق أيضًا:أن مقاصدَ القرآن الأساسية وعناصرَه الأصليةهِم تجثة في كل جهاته أربعةٌ: إثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدل.
أي إن القرآن هو وحدَه الكفيلُ بالإجابة عن الأسئلة التي تسألها الحكمةُ من الكائنات: من أين؟ وبأمرِ مَن تأتوناد أفنسلطانُكم ودليلكم وخطيبكم؟ ما تصنعون؟ وإلى أين تصيرون؟
ولهذا فذِكرُ الكائنات في القرآن الكريم -مما سوى المقاصد- إنما هو ذكرٌ استطرادي لبيان طريق الاستدلال على الصانع الجليل بانتظام الصنعة.
لا تسالانتظام يشاهَد، بل يُظهر نفسَه بكل وضوح. فالصنعةُ المنتظمة تشهد على وجود الصانع وعلى قصده وإرادته شهادةً صادقة قاطعة، إذ تتراءى في كل جهة من جهات الكون وتتلألأ من كل جانب.. وتعرض جمال الخلق إلى أنظار الحكمة، حتى لكأن كلَّ مصنوع ل5
والحسبّح بحكمةِ صانعه، كلُّ نوع يشهد مشيرًا بإصبعه إلى حكمة الصانع.
فمادام المقصد هو هذا، وما دمنا نتعلم من كتاب الكائنات الرموزَ والإشارات الدالةلامتزالانتظام، وأن النتيجة الحاصلة واحدة، فكيفما كان تشكُّل الكائنات في ذاتها، فلا علينا، إذ لا تتعلق بنا.
ولكن كلّ فرد من أفراد الكائنات، الذي دخل ذلك المجلسَ القرآحيث إنفيع موظفٌ بأربع وظائف:
الأولى:إعلان عظمةِ الخالق الجليل بانتظامه واتفاقه مع غيره.
— 28 —
الثانية:إظهارُه أن الإسلامَ زبدةُ العلوم الحقيقية، حيث إن كلًا من الأفراد موضوعٌ وخلاصةٌ لعلم من العلوم الحقيقوالأزمالثالثة:إثبات تَطابُق الإسلام مع القوانين والنواميس الإلهية الجارية في العالم، وانطباقه عليها، لينمو الإسلام ويترعرع بإمدادِ تلك النواميس الفطرية، حيث إن كلَّ فرد من الكائنات نموذجٌ لنوع.
نعم، إن الإأول. والدينَ المبين، يتميّز بهذه الخاصية عن سائر الأديان المترددة بين الهوى والهوَسات، لفقدانها الجذور العريقة الممدة لها؛ فتارة تضيء وأخرى تنطفئ، وتتغير بسرعة.
الرابعة:توجيه الأفكار إلى حقائق الأشياء والحثُّ عليها والتنبيه إليها، من حيث إسلام برد منها نموذجٌ لحقيقة من الحقائق.
فمثلًا:إن القَسَم بالأجرام العلوية والسفلية في القرآن الكريم، إنما هو لتنبيه الغافلين دومًا وحثِّهم على التفكير. فالقَسلعها أرآني قرعُ العصا لمن غطّ في نوم الغفلة.
فالذي تَحقق الآن هو الآتي:
إن القرآن الكريم الذي هو معجز، وفي أسمى بلاغة وأرفعِها، يسلك بلا ريب أوضحَ طرق الاستدلال وأصوبها وأقصرها وأوفالأزليساليب اللغة العربية، أي إنه يراعي حسيّات العوام لأجل إفهامهم وإرشادهم، أي يذكر الدليلَ -وهو انتظام الكون- بوجه يكون معروفًا لديهم وتأنَس به عقوه تعال وبخلافه يكون الدليلُ أخفى من المدَّعَى مما ينافي طريق الإرشاد ومنهجَ البلاغة ومذهبَ الإعجاز.
فمثلًا:لو قال القرآن: أيها الناس! انهذه اللى الكرة الأرضية الطائرة في انجذاب ونَشوَة والسائرةِ في جو الفضاء، وتأملوا في الشمس المستقرة مع حركتها والأجرام العلوية المرتبط بعضُها ببعض بالجاذبةط أو كة، وتدبّروا في العناصر الكثيرة المرتبط بعضُها ببعض بأواصرَ كيماوية في شجرة الخلقة المنتشرة فروعُها في الفضاء غير المحدود.. لتتصوروا عظمةَ الصانع!! أو انظروا بمجهر عقولكم إلى قطرة ماء، التي تستوعب عالَمًا من الحيوانات، بأن اللّٰه على كل إلى تير.!!
— 29 —
فلو قال القرآن هذا، أمَا كان الدليلُ أخفى وأغمضَ من المدَّعَى وأحوجَ إلى التوضيح؟ أما كان ذلك تنويرًا للحقيقة بشيء مظلم بالنسبة لهم! أو تكليفَهم بأمرٍ غير معقول هو مغالطة أنفسهم تجاه بداهة حسّهم!
إن إعجازمة وأمن أجلّ وأطهر من أن يقع على ذيله الصافي اللامعِ غبارُ إخلال الأفهام. ولقد لوّح القرآنُ الكريم إلى المقصد الحقيقي في معاطف الآيات البينات وتلافيفها، كما جعل قسمًا من ظواهر الآيات منارًا ومرشدًا إلى المقصد، كالكناية علي قيدِ ومن الأصول المقررة أيضًا:أن الصدق والكذب، أو التصديق والتكذيب في الكنايات وأمثالها لا يرجعان إلى صورة المعنى، أي إلى "المعاني الأولى" كماعالى مر عنها فنُّ البيان، بل يتوجهان إلى المقصد والغرض، أي إلى "المعاني الثانوية". فكما إذا قيل: "طويلُ النّجاد" فالحكم صحيح والكلام صدق إن كان الشخصُ طويلَ القامة وإن لم يكن له وسالبوكما تكون الكلمة الواحدة في كلامٍ قرينةَ المجاز [٭]: أي الإشارة التي تخص المجاز، أي التي تجعل الكلمة مجازًا حتمًا وهي القيد الذي يحول الكلمة عن معناها الحقيقي. للاستعارة، فإن طائفة من الآيات الكريمة، كأنه الماض واحدة لكلام اللّٰه، تكون قرائن لحقائقِ وجواهر سائر أخواتها، وترجمان وأدلّاء على ما في ضمائر جاراتها من أسرار.
حاصل الكلام:من لم يضع هذه الحقيقة نصبَ العين، وعجزَ عن موازنة الآيات، ولم لي فهومن الحُكم بينها حكمًا عدلًا، يكون كالبكتاشي الذي قال لتسويغ تركه الصلاةَ: إن القرآن يقول:
لا تقربوا الصلاة
.. أما ما بعده فلستُ حافظًا للآية! ألاَ يكون هذا ليمهم زء في نظر الحقيقة؟!
المقدمة الثانية
قد يكون بديهيًا ما هو نظريٌ [٭]: البديهي ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، والنظري هو ما يحتاج إلى نظر واستدلال. في الماضي. هكذا تحقق... ففي العاأي نوعلٌ للاستكمال وبه يتبع العالمُ قانونَ التكامل. ولأن الإنسان من ثمرات العالَم وأجزائه ففيه كذلك ميلُ الترقي المستمد من الميل للاستكمال. وميلُ الترقي هذا ينمو ويترعرع مستمدًا من تلاحق لعقل لر الذي ينبسط بتكمّل المبادئ واكتمالِ الوسائل، وتكملُ المبادئ يلقي -من صلب
— 30 —
الخلقة- بذورَ علوم الأكوان ملقِّحًا رحمَ الزمان التي تُربّي تلك البذورنة".
#ها، فتستوي بالتجارب المتعاقبة التدريجية.
وبناءً على هذا، فإن مسائلَ كثيرة في هذا الزمان قد أصبحت في عِداد البديهيات والعلوم المعتادة، بينما كانت في السابق أمورًا نظرية، شديدةَ الخفاءسان وبوض، ومحتاجة إلى سرد البراهين؛ إذ نرى كثيرًا من مسائل الجغرافية والفلك والكيمياء والهندسة العملية؛ يَعرفها حتى صبيانُ هذا الزمان، بل يلعبون بها لَعِبَهم بالملاعيب، وذلك بتكمُّل المبادئ وبفي ضوءلوسائط وبكشفيات تلاحق الأفكار، علمًا أنها كانت نظريةً وخفية على "ابن سينا" وأمثالِه من الفلاسفة. مع أنه لو وزن "أبو الفلسفة" بمئات من فلاسفة هذا الزمان لرجَحهم في الذكاء وقوة الفكر وكمال الحكمة وسعة القرار للأالنقصُ إذن ليس في "ابن سينا"، فهو ابن الزمان، بل في أبيه الزمان.
أليس بديهيًا أنه لو لم تُكتشف الدنيا الجديدة (أمريكا) -واشتهر به كولومبس- لاقتدرَ على اكتشافها وإلحاقها بهذه الدنيا القديمة أبسطُ الملاحين؟ إذ بدلًا من تبحُّر فن الخاكتشف الأول واقتحامِه المهالك تكفي الآن سفينةٌ صغيرة وبوصلة.
ومع هذا يلزم أخذُ الحقيقة الآتية بنظر الاعتبار وهي أن المسائل قسمان:
قسم:يؤثر فيه تلاحذي يعطفكار، بل يتوقف عليه، كالتعاون في الماديات لرفع صخرة كبيرة.
والقسم الثاني:لا تأثير للتعاون وتلاحق الأفكار فيه من حيث الأساس؛ فالواحٌ [٭]لف سواء. كالقفز في الخارج من مرتفع إلى آخر، أو المرور من موضع ضيق. فكلُّ فرد والكلُّ سواء، ولا يجدي التعاون.
فبناءً على هذا القياس: فإن قسمًا من العلوم هو كرفع الصخر، بحاجة إلى التعمة.
لاحق الأفكار. وأغلب هذا القسم هو من العلوم المادية.
أما القسم الثاني، وهو الشبيه بالمثال الثاني، فتكمُّله دفعي، أو شبيه الدفعي. وأغلب هذا القسم هو من المعنويات ومن العلوم الإلهية.
— 31 —
ولكن على الرغم من لاضرورحق الأفكار لا يغير ماهية هذا القسم الثاني ولا يكمله ولا يزيده، إلّا أنه يفيض وضوحًا وظهورًا وقوة في مسالك براهينه.
ويجب ملاحظة ما يأتي:
"زمهري توغل كثيرًا في شيء، أدّى به في الغالب إلى التغابي في غيره.
فبناء على هذا: من توغل في الماديات تبلّد في المعنويات وظل سطحيًا فيها.
فنظرًا إلى هذه النقطة لا يكون حكمُ الحاذق في المديب واحجةً في المعنويات بل غالبًا لا يستحق سماعه.
نعم، إذا ما راجع مريض مهندسًا بدلًا من طبيب، ظنًا منه أن الطب كالهندسة، وأخذ بوصفة المهندس، فقد أخذ لنفسه تقريحصول مقله إلى مستشفى مقبرةِ الفناء، وعزَّى أقرباءه.
وكذلك مراجعة أحكام الماديين في المعنويات التي هي الحقائق المحضة والمجردات الصرفة، واستشارةُ آرائهم وأفكارهم، تعني الإعلان عن سكتة القلب الذي هو اللطيفة الربانية، وعن سكرات العقل الني الرالجوهر النوراني.
نعم، إن الذين يبحثون عن كل شيء في الماديات عقولُهم في عيونهم، والعينُ عاجزة عن رؤية المعنويات.
المقدمة الثالثة
إن دخول طائفة من الإسرائيليات وقسمٍ من الفلسفة اليونانية ضمن دائرة العن أفقوظهورَها بزي الدين الجميل، شوّشت الأفكار.
وذلك:أن أولئك القوم، العربَ النجباء، كانوا أمة أميّة في الجاهلية. ولكن لمّا تجلّى الحقُّ فيهم وتيقظ استعدادُ حسياتهم بمشاهلاستقرين المبين، وجّهوا رغباتِهم وميولَهم كلّها في معرفة الدين وحدَه. ولم يك نظرهم المتوجّه إلى الكون من نوع التفصيل الفلسفي بل نظرَ استطرادٍ للاستدلال ليس إلّا. وما كان يُلهِم ذوقَهم المرهف الطبيعي إلّا محيطُهم الواسع الرفييكن ولسجم مع فطرتهم... والقرآنُ الكريم هو وحدَه المربي لفِطَرهم الأصيلة النقية ومعلّمُها.
— 32 —
ولكن الأمة العربية -بعد ذلك- أخذت تحتضن الأقوامَ الأخرى، فدخلت معلومان السار الملل وعلومُها أيضًا حظيرة الإسلام، ثم وجدت الإسرائيلياتُ المحرَّفة مَنفذًا إلى خزائن خيال العرب، فأسالَت مجرًى إلى تلك الخزائن بإسلام عدد من علماء أهل الكتاب كی"وهب وكعب" فامتز التركسرائيلياتُ بالأفكار الصافية. فضلًا عن ذلك وجدت الاحترامَ والتقدير، لأن الذين اهتدوا من علماء أهل الكتاب قد تكامَلوا بشرف الإسلام ونالوا به مكانةً فائقة... لذا غدت معلوماتُهم الملفّقة كأنها مقبولةٌ ومسلّمٌ بها، فلم ت الآخربل وجدت آذانًا صاغية لها من دون تنقيد، وذلك لعدم مصادمتها بأُصول الإسلام ولأنها كانت تُروى كحكايات لا أهمية لها.. ولكن يا للأسف! قُبلت تلك الحكايات بعد فترة من الزمن كأنها حقائقُ وأصبحت سببًاما ما من الشبهات والشكوك.
إذ إن هذه الإسرائيليات قد تكون مرجعًا لبعض إيماءات الكتاب والسنة، ومصدرًا لبعض مفاهيمهما -بوجود علاقة- إلّا أنها لا تكون معنًى للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. بل لو صحّت ربما تكة بدهيادًا من معاني ما يصدُق عليه مفهوم الآية والحديث. ولكن المفتونين بالظاهر [٭]: ترد في ثنايا الكتاب اصطلاحات مشابهة لهذا، فتارة: الظاهريون، وأخرى: أهل الظاهرع وأكمى: المغرمون بالظاهر.. الخ. والمقصود: أولئك الذين يولون أهمية لظاهر الشيء دون حقيقته، ولا يمكنهم درك حقيقة الشيء، أو لا يعرفونها معرفة جيدة، أو يتوقفون في ظاهر الشيء أو النص دون تأويله وتسطع. ف الذين لم يجدوا -بسوء اختيارهم- مصدرًا غيرَه، ولم يتحرّوا عنه، فسّروا قسمًا من الآيات والأحاديث بتطبيق الإسرائيليات عليهما. والحال أن الذي يفسّر القرآن ليس إلّا القرآن والحديث الصحيح، وإلّا فلا يُفسَّر القرآن بالإنجيل والتوراة المنسوخةِ أحكاممدّ وظالمحرفةِ قصصُهما.
نعم، إن المعنى شيءٌ وما يصدُق عليه المعنى شيءٌ آخر. غير أنه أُقيم ما يمكن أن يكون مصداقًا لشيءٍ مقامَ المعنى، فاختلط كثيرٌ من الإمكانات والاحتمالات مع الوقائع.
ثم لمّا تُرجمت الفلسفة اليونانية في عصر المأمون، والتعا إلى الفكر الإسلامي، تلك الفلسفة الناشئة من منبع كثير من الأساطير والخرافات، حملَت معها شيئًا من العفونات، وتداخلت في أفكار العرب الصافية، فشوّشت الأفكار إلى حدٍّ ما، وفتحت طريقًا من التحقيق إلى التقليد، كما أنها صرفَتهم عن ل علمٍباط -بقرائحهم الفطرية من معدِن ماءِ حياةِ الإسلام- إلى الافتقار بالتتلمذ على تلك الفلسفة المانعة للكمال.
— 33 —
نعم، فكما أن العلماء المحققين دوّنوا قوسماء -لوم العربية، عندما فسدت -باختلاط الأعاجم- حفاظًا على سلامة مَلَكة الكلام المُضَرى؛ كذلك حاول قسمٌ من علماء الإسلام الناقدين فرزَ الفلسفة وتمييزَ الإي وغلطيات لمّا دخلتا دائرة الإسلام.
ولكن يا للأسف! لم يوفَّقوا كليًا، فلم يبق الأمرُ عند حدّه، إذ لما صُرفت الهمةُ إلى تفسير القرآن الكريم، طبّق عددٌ من الظاهريين منقولَه على بعض الإسرائيليات، ووَفيضًا مين قسم من معقولِه والفلسفةِ المذكورة، لِمَا رأوا من شموله على المنقول والمعقول. وكذا الحديث النبوي، فبدلًا من أن تُستخرج المقاصد من عية والشاب والسنة استنبط طائفةٌ مطابقةً وعلاقةً بين بعض نقلياتهما الصادقة وبعض الإسرائيليات المحرّفة، وبين عقلياتهما الحقيقية وهذه الفلسفةِ الموهومة المموَّهة، ظنًا منهم أن هذه المطابقةَ والمشابهة تفسيرٌ لمعاني الكتاب والسنة وبيانٌ لمقاصدهما!
لخارجةثم كلا! لأن مصداق الكتاب المبين إعجازهُ. والقرآن يفسّر بعضُه بعضًا، ومعناه فيه، وصَدَفُه دُرٌّ مثلُه لا قشر. وحتى لو فُرض أن القصدَ من إظهار هذه المطابقة هو تزكيةُ ذلك الشاهد الصادق، فهو عبث نبعٌ ا، إذ القرآن المبين أسمى وأغنى من أن يَفتقر إلى تزكية العقل والنقل اللذين ألقَيا إليه المقاليد، لأنه إن لم يزكّهما فشهادتُهما لا تُسمع.
شتراك ، يجب البحث عن الثريا في السماء لا في الأرض. فابحث عن معاني القرآن في أصدافه، لا في جيبك الحاوي على أخلاط، فإنك لن تجدَ شيئًا، وحتى لو وجدتَ فالقولكن مفضُه، إذ لا يحمل طغراءَ البلاغة.
ومن المقرر: أن المعنى هو ما صبّته الألفاظُ في الصماخ نافذًا في الذهن، منتشرًا منه إلى الوجدان، مفتّحًا منه أزاهيرُ الأفكار. وإلّا فليس هو ما تسرّب في خيالك من احتمالاتٍ لكثرة توغل من نفعخرى، أو ما سرَقتَه وملأتَ جيبك من أباطيل الفلسفة وأساطير الحكايات، ثم أخفيتَه في معاطف الآيات والأحاديث ثم أظهرتَه ممسكًا به في يدك تبرزه وتنادي: "هذا هو المعنى، هلموا لأخذه" فيأتيك الجواب: يا هذا! إن الم العلوذي استخرجتَه مزيّف، عليه علامةُ التقليد، يردُّه نقاّد الحقيقة، وسلطانُ الإعجاز يطرد من ضرَب سكّتَه، وحكيمُ البلاغة يسجن وهمَك في خيالك بشكوى الآية عليك، لِما تعرضتَ إلى نظامها ونظام الحديث. وطالبُ
— 34 —
الحقيقة لا يقبله منع تعريا، إذ يقول لك: إن معنى الآية درّ وهذا مَدَر ومفهومَ الحديث مُهَج [٭]: مهج: دم القلب، الروح. وهذا همَج.
مَثل للتنوير:من أمثال الأ رأسي لأدبية أن رجلًا اسمه "علَو" كان يسرق العسل، فأُشير عليه بأن ستظهر سرقتُك وينكشف أمرُك. فجمع الزنابير في كوارة، لأجل الخداع والتمويه، فكان يسرق العسل ويدّخره في الكوارة، وإذا ما سأله أحد يقول: هذا العسل صنعتْه نحلي، مهندمرات اعسل. ثم يحدّث الزنابير بلغة مشتركة بينهما "ڤِظْ ڤِظْ ژِوَه هِنْگِڤِينْ ژِمِنْ" أي عليكم الدوي والطنين ومني العسل!
فيا أيها المؤوِّل بالتشهي والهوى، لا تتسلّ بهذا التشبيه، فهذا ضربٌ للمثل. إذ المعنى الذي أوردتَه ليس لٌ من بل سمًّا، فإن تلك الألفاظ -القرآنية والنبوية- ليست نحلًا بل كالملائكة توحي أرواح الحقائق إلى القلب والوجدان لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.. إن الحد:(ولوبوي معدن الحياة، ومُلهم الحقائق.
نحصل مما سبق:أن الإفراط والتفريط كلاهما مضران، وربما التفريط أكثر ضررًا إلّا أن الإفراط أكثر ذنبًا، لأنه يسبب التفريط.
نعم، لقد فُتح بابُ السماح بالإفراط، فاختلطت الأشياءُ المزيفة بتلك الحقائق الرفيعة.واسعة)شاهد أهلُ التفريط والنقد غيرُ المنصفين هذه المزيّفات بين تلك الحقائق التي لا تقدَّر بثمن، ذعروا واشمأزوا، وظنوها كلّها مزيفة تافهة ملوثة، ظلمًا وإجحافًا.. كلا وحاش للّٰه...
تًُا من وجدت نقودٌ مزيّفة في كنز، أُدخلت إليه من الخارج، أو لو شوهد تفاحٌ فاسد سقط إلى بستان من غيره، أمِن الحق والإنصاف عدُّ الكنز كلِّه مزيّفًا، أو البستانِ كلّه فاسدًا، ومن ثم تركهما لأنهما ملوثان معيوبان مشوبان؟!
خاتمة:أقصد من هذه المقدماض عامالأفكار العامة تريد تفسيرًا للقرآن الكريم.
نعم، إن لكل زمان حكمَه، والزمانُ كذلك مفسِّر. أما الأحوال والأحداث فهي كشافة. وإن الذي يستطيع أن يكون أستاذًا على الأفكار العامة هو الأفكار العلمية العامة أيضًاا لم ي فبناءً على هذا واستنادًا إليه أُريد تشكيلَ مجلس شورى علمي، منتخَبٍ من العلماء المحققين، كل منهم متخصصٌ في علم، ليقوموا بتأليف تفسير للقرآن الكريم بالشورى بينهم، تحت رياسة الزمان الذي هو مفسّرٌ عظيم، ويجمعوا ال التعمالمتفرقة في التفاسير، ويهذّبوها ويذهّبوها.
وهذا الأمر مشروط بأن تكون الشورى مهيمنة في كل شيء، والأفكار العامة مراقبة، وحجيةُ الإجماع حجة عليه.
المقدمة الرابعة
الشهرة تملّك الإنسانَ ما لا يملك.
إن من سجايا البشر إسنادَ الشي على ايب أو الثمين إلى من اشتهر بجنسه، لإظهاره أصيلًا، أي لأجل أن يروِّجَ كلامَه ويزيّنه أو لئلا يكذَّب أو لأغراض أخرى يُحيل نتائج أفكار أمةٍ أو محاس تدلّ رها إلى شخص ما -ظلمًا وعدوانًا- ويشاهد صدورَها عنه! بينما ذلك الشخص نفسه من شأنه ردّ تلك الهدية المهداة له ظلمًا وتعسفًا؛ إذ لو عُرض على شهير -في صنعة جميلة أو خصلة راقية- أمرٌ، وقيل له -بغير حق-: "إن هذا من صنع ييش والثلًا- فإنه يردّه حتمًا ويتبرأ منه ويشمئز، قائلًا حاشَ للّٰه؛ ذلك لأن نظرَه النافذ في ما وراء الحُسن الظاهر يبصر إخلالَ ذلك الأمر بجمال تلك الصنعة الناشئ من تناسقها وانتظامها.
فبناءً على هذه السليونٍ استنادًا إلى القاعدة المشهورة: "إذا ثبت الشيءُ ثبت بلوازمه" يضطر الناس إلى إسناد قوة عظيمة وعظمة فائقة وذكاء خارق.. وأمثالِها من لوازم خوارق العادات إلى ذلك الشخص الشهير، ليوائمَ ملذي هويالهم، وليمكّن له أن يكون مرجعًا ومصدرًا لجميع ما ينسب إليه من أمور خارقة. فيتجسم ذلك الشخصُ في أذهانهم أعجوبةً من أعاجيب الخلق.
فإن شئت فانظلِ العصورة "رستم بن زال" المعنوية، الذي نما في خيال العجم، ترى العجب العجاب. فإنه لما اشتهر بالشجاعة اغتصبَ مفاخر الإيرانيين وأغار عليها بقوة الشهرة، وبحكم الاستبداد الذي لم يتخلص منه الإيرانيسلام أ وهكذا ضُخّمت تلك الشخصية واستُعظمت في الخيالات.
— 35 —
عاقبة المعصية التي تقع في الدنيا أمارةٌ حدسية على أن عاقبتَها تؤول إلى عقاب؛ لأن أي إنسان كان يرى -حدسًا وبتجربته الخاصة- أن المعصية تنجرّ إلى عاقبة سيئة وخيمة -رغم عدم وجود علاقة طبيععض مساهما- فهذه الكثرة الكاثرة من التجارب الشخصية، والتي تقع في ميدان واسع جدًا، لا تكون نتيجةَ مصادفةٍ قط. فلو أخذنا هذه التجارب الشخصية بنظر الاعتبار، ظهر لدينا أن نقطة الاشتراك بينها هي طبيعة المعصية المستلزمت أرجلاب. فالعقاب إذن لازم ذاتي للمعصية.
ولما كان هذا اللازم الضروري يترتب -على الأغلب- في الدنيا على طبيعة المعصية وحدها، فلاشك أن ما لم يترتب عليه في هذه يرينا سيترتب عليه في الدار الآخرة.
فيا ترى هل هناك أحدٌ لم يمر بتجربة في حياته قال فيها: إن فلانًا قد جوزي بما أساء!.
* * *
وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا
(الحجرات:١٣)
أي: لتعارفوا، فتعاونوا، فتحابّوا، لا لتناكروا فتعاندوا فتتعاى هذا إذ كما أن هناك روابط تربط الجندي بفصيله وفَوجه ولوائه وفرقته في الجيش، وله واجب ووظيفة في كلٍّ منها؛ كذلك كل إنسان في المجتمع له روابط متسلسلة ووظائف مترابطة. فلو اختلطت هذه الروابط والوظائف ولم تُعيَّن وتحدَّدْ لَمَا كان هناك تعاون ولا تعلسلب". فنمو الشعور القومي في الشخص إما أن يكون إيجابيًا أو سلبيًا:
فالإيجابي ينتعش بنمو الشفقة على بني الجنس التي تدفع إلى التعاون والتعارف.
أما السلبي فهو الذي ينشأ من الحرص على العِرق والجنس الذي يسبب التناكر الدينند. والإسلامُ يرفض هذا الأخير.
* * *
— 36 —
ولما كان الكذب يردفه كذبٌ ويسوق إليه، استلزمت هذه الشجاعةُ الخارقة للعادة، عمرًا خارقًا، وقامة خارقة، وما يكتنفهما من لوازمهما!.. حتى تجسم ذلك الخيال في الذهن وهو يصرخ: "أنا نوع منحصرلمشروطص"، لا من أبناء البشر بل ككائن خرافي يدور في حكايات الناس ويتقدم الخرافات فاتحًا الطريق إلى أمثاله.
يا من يريد رؤية الحقيقة مجرّدةً! أنعِم النظر في هذه المقدمة؛ لأن بابَ الخرافات ينفتح من هذا الموضع، وبابَ التحقيق "العلن قِبَسدّ به، زد على ذلك ففي هذه الأرض القاحلة الجرداء يضيع على الإنسان أخذُ العبرة من القصة، ويفوتُه البناء على أسس المتقدمين كما يمليه الترقي، ولا يتجرأ على التصرف في ميراث الأسلاف ولا الزيادة عليه.
فإن شئت فقل للخواجة نصر الدين الشهير بیبلباس لرومي": "أهذه الأقوال الغريبة كلّها لك؟ فسيكون جوابه: "هذه الأقوال تملأ المجلدات، وتحتاج إلى عمر مديد.، وأقوالي كلها ليست من نوادر الكَلِم، فأنا عالم من العلماء تسعني زكاةُ ما نسَبوا إليّ من أقوال. أما الباقي فأرفضه وأردّه لأنها تقلب ظرافتي إتغلال صنع".
فيا هذا! من هذا العِرق تنبت الخرافات والموضوعات، ومنه تتفرع، وهو الذي يزيل قوة الصدق.
خاتمةإن إحسانًا يزيد على الإحسان الإلهي ليس بإحسان.
إن حبة من حقيقة تَفضل بيدرًا من التصورات.
الاطمئنان والقناعة بالإحسان الإلهي في التوصيف فرض.
يجب ألّا يخل بنظام المجتمع مَن كان داخلًا فيه.
أصل الشيء تبيُّنه ثمرته. شرف الشيء في ذاته لا في نسله.
إذا اختلطت في بضاعة بضاعةٌ أخرى، فإنها تنقص ماف في الأولى وإن كانت الثانية قيّمة ونفيسة، بل تسبب حجزها.
— 37 —
والآن، بناءً على هذه النقاط، أقول:إن إسناد قسم من الأحاديث الموضوعة إلى "ابلقواعد" رضي اللّٰه عنه وأمثالِه من الصحابة الكرام، لأجل الترغيب أو الترهيب، إثارةً للعوام وحضًا لهم، إنما هو جهل عظيم.
نعم، إن الحق مستغنٍر. ع. ا، والحقيقة غنية عنه؛ فنورُهما كافيان لإنارة القلوب. تسعنا الأحاديث الصحيحة المفسِّرة الحقيقية للقرآن الكريم، ونثق بها ونطمئن إلى التواريخ الصحيحة الموزونة بميزان المنطق.% المقدمة الخامسة
إذا وقع المجاز من يد العلم إلى يد حاضر، ينقلب إلى حقيقة، ويفتح الباب للخرافات. [٭]: فصلت هذه المسألة في اللمعة الرابعة عشرة.
فالمجازات والتشبيهات إذا ما اقتطفتهما يسارُ الجهل المظلم من يمين العلم المنوّر، أو استمرتا وطال عمرُهما، انقلبتا إلى "حقيقة" مستفرغة من الطراوةلتحقيراوة، فتصير سرابًا خادعًا بعدما كانت شرابًا زلالًا، وتصبح عجوزًا شمطاء بعدما كانت فاتنة حسناء.
نعم، إن شعلة الحقيقة إنما تتلمع من المجاز بشفافيته. ولكن بتحوله إلى حقيقة يُصبح كثيفًا قاتمًا يحجب الحقيقة الأصُثُ فيهذا التحول قانون فطري، فإن أردت شاهدًا عليه فراجع أسرار تجدد اللغات وتغيراتها، والاشتراكَ والترادف في الأمور. أنصت إليها جيدًا تسمع حتمًا أن كثيرًمثلة كلكلمات أو الحكايات أو الخيالات أو المعاني التي كان السلف يتذوقونها، لم توافق الرغباتِ الشابة لدى الخَلَف، لأنها غدت عجوزًا لا زينة لها. لذا أصبحت سببًا لدفعهم إلى ميل التجدد والرغبة في الإيجاد، والجرأة على التغيير.
هذه القاعدة جارية في البغد مثلما هي جارية في الخيالات والمعاني والحكايات. ولهذا لا ينبغي الحكم على أي شيء بظاهره؛ إذ من شأن المحقق:
سبر غور الموضوع.. والتجرد من المؤثرات الزمانية والغمغوص في أعماق الماضي.. ووزن الأمور بموازين المنطق.. ووجدان منبع كل شيء ومصدره.
ومما أطلَعني على هذه الحقيقة ودلّني عليها هو حدوث خسوف القمر زمن صباي، إذ
— 38 —
سألتُ والدتي عنه، فأجابت: لقد ابتلع الثعبانُ القمرَ. فقلت:مشاعر َ يشاهَد القمر؟ قالت: إن ثعابين السماء شبه شفافة.
فانظر كيف تحول التشبيه إلى حقيقة! فحجبت حقيقةَ الحال، إذ شبّه أهلُ الفلك تقاطُع مائل القمر بمنطقة البروج في الرأس والذنب بثعبانَين أو تنّينين؛ حيث إن القمر أو الشمس إذا أتى أحدهما إلينان) س والآخر إلى الذنب وتوسطتهما الأرضُ، يخسف القمر.
يا من لا يسأم من كلامي المختلط هذا! أنعم النظر أيضًا في هذه المقدمة وانظر إليها بدقة متناهية، فكثيرٌ جدًّا من الخرافات والخلافات، إنما تنشأ من هذا الأصل. فيسانٌ يلاسترشاد بالمنطق والبلاغة.
خاتمة:يجب أن يكون للمعنى الحقيقي ختمٌ خاص وعلامة واضحة متميزة، والمشخِّص لتلك العلامة هو الحُسن المجرد الناشئ من موازنة مقاصد الشريعة.
أما جواز المجاز فيجب أن يكون على وفق شروط البلاغة وقواعدها، وإلّا فرؤية ايب فيمحقيقةً والحقيقةِ مجازًا، أو إراءتهما هكذا، إمدادٌ لسيطرة الجهل ليس إلّا.
إن ميل التفريط من شأنه حملُ كل شيء على الظاهر.. حتى لَينتهي الأمرُ تدريجيًا إلى نشو من ال الظاهرية مع الأسف. وإن حبَّ الإفراط من شأنه النظرُ إلى كل شيء بنظر المجاز، حتى لينتهي الأمر تدريجيًا إلى نشوء مذهب الباطنية الباطلِ. فكما أن الأول مضر فالثاني أكثر ضررًا منه بدرجات.
والذي يبين الحدّ الصة.
ويَحدّ من الإفراط والتفريط إنما هو فلسفة الشريعة مع البلاغة، والحكمةِ مع المنطق.
نعم، أقول: الحكمة (الفلسفة) لأنها خير كثير مع تضمنها الشر، إلّا أنه شرٌ جزئي. ومن الأصول المسلّمة أنه يلزم اختيار أهون الشرّين، إذ تركُ ما فيه خيرٌ كثير لأج وبين جزئي فيه يعني القيامَ بشر كثير.
نعم، إن الحكمة القديمة (الفلسفة القديمة) خيرُها قليل، خرافاتُها كثيرة، حتى نهى
— 39 —
السلف -إلى حدّ ما- عنها، حيث الأذهانُ كانت غير مستلمحال الأفكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستول على العوام. بينما الفلسفة الحاضرة فخيرُها كثير -من جهة المادة- بالنسبة للقديمة، وكذبها وباطلها قليل. والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع. وفي الحقيلشورى" بد أن يكون لكل زمان حكمُه.
المقدمة السادسة
إن كل ما يردُ في التفسير -مثلًا- لا يلزم أن يكون منه، فالعلم يمدّ بعضه بعضًا. فما ينبغي التحكّم (في الرأي)؛ إذ من المسلّمات: أن الماهر في مهنة الهندسة، ربما يكون عاميًا عن هذًا في مهنة أخرى كالطب، ودخيلًا فيها... ومن القواعد الأصولية: أنه لا يعدّ من الفقهاء مَن لم يكن فقيهًا، وإن كان مجتهدًا في أصول الفقه، لأنه عامي بالنسبة إليهم... وكذلك من الحقائق التاريخية: أن ادة واللواحد لا يستطيع أن يتخصص في علوم كثيرة؛ إلّا من كان فذًا، فيستطيع أن يتخصص في أربعة أو خمسة من العلوم، ويكون صاحب ملَكة فيها.
فمن ادّعى الكلَّ فاتَه الكل؛ لأن لكل علم صإسلاميقيقية، وبالتخصص تتمثل صورته الحقيقية؛ إذ المتخصص في علم إن لم يجعل سائر معلوماته متممة وممدةً له، تمثلت من معلوماته الهزيلة صورة عجيبة.
لطيفة افتراضية أنني أح:لو افترض مجيء مصوّر إلى هذه الأرض من عالم آخر لم يكن قد شاهد صورة كاملة للإنسان ولا غير إنسان من الأحياء، وربما رأى عضوًا من أعضاء كل منها... فإذا أراد هذا المصور تصوير إنسان، مما شاهد منه من يد ورجل وعين وأذن ونصف الوجه وأنف وعماع، كذلثالها، أو أراد تصوير حيوان مما صادف نظره من ذيل حصان وعنق جمل ورأس أسد، فالمشاهدون يتهمون المصور في عمله لأن عدم وجود تناسق وانسجام وامتزاج بي، فقالضاء يَحول دون وجود كائن حي كهذا وسيقولون: إن شروط الحياة لا تسمح لمثل هذه الأعاجيب.
فهذه القاعدة نفسها تجري في العلوم.. والعلاج هو اتخاذ المرء أحد العلوم أساسًا وأصلًا، وجَعْلالأجيامعلوماته حوضًا تخزن فيه.
— 40 —
ومن العادات المستمرة أن علومًا كثيرة تتزاحم في كتاب واحد، فبسبب تعانقها وتجاوبها بإمداد بعضها بعضًا وإنتاج بعضها بعضًا، يحصل تشابك إلى حدّ كبير، بحيث لا تكون نسبةُ مسائل العلم الذي أُلِّف الكتاب فيه إلّا زكاة شارُ ا. فالغفلةُ عن هذا السرّ تؤدي بالظاهري أو الغوغائي المغالِط إلى أن يقول محتجًا به: "الشريعة هي هذه، وهذا هو التفسير!" إذا ما يرى مسألة ذُكرت استطرادًا في تفسير أو كتاب فقه. وإن كان صديقًا يقول: "مَن
قلل بهذا فليس بمسلم!" وإن كان عدوًا يقول محتجًا به: "الشريعة أو التفسير خطأ" حاشَ للّٰه.
أيها المُفْرطون والمفرّطون! إن التفسير والشريعة شيءٌ وما أُلّف فيهما من كتب شيءٌ آخر، فالكتاب يسعُ الكثيرَ. ففي حانوت الكتاب أشياء تافهة غن الأرواهر النادرة.
فإن استطعت أن تفهم هذا، تنجُ من التردد. فانتبه! فكما لا تُشترَى لوازم البيت المتنوعة من صناع واحد فقط، بل يجب مراجعة المسل الن صنعة كل حاجة من الحاجات؛ كذلك لابد من توفيق الأعمال والحركات مع ذلك القانون الشامخ بالكمالات (قانون الفطرة). ألا يُشاهَد أنّ من انكسرت ساعتالحقيقا راجع خياطًا لخياطتها فلا يقابَل إلّا بالهزء والاستخفاف؟
إشارة:إن أساس هذه المقدمة هو: أن الامتثال والطاعة لقانون التكامل والرقي للصانع الجليل -الجاري في الكون علالديینتقسيم الأعمال- فرضٌ وواجب، إلّا أن الطاعة لإشارته ورضاه سبحانه الكامنين في ذلك القانون لم يوفَ حقَّهما. علمًا أن يد عناية الحكمة الإلهية -التي تقتضي قاعدة تقسيم الأعمال- قد أَودعت في ماهية البشر استعدادات وميولًا، لأداء الول، [الصناعات التي هي في حكم فرض الكفاية لشريعة الخِلقة (السنن الكونية).
فمع وجود هذا الأمر المعنوي لأدائهما، أضَعنا بسوء تصرفنا الشوق -الممِد للميل، المنبعث من ذلك الاستعداد- وأطفأنا جذوته بهذا الحرص الكاذب الطرفه الرغبة في التفوق التي هي رأسُ الرياء! فلا شك أنّ جزاء العاصي جهنم، فعُذِّبنا بجهنم الجهل، لأننا لم نتمثل أوامرَ الشريعة الفطرية التي هي قانونُ الخلقة.. وما ينجينا منتحد فيلعذاب إلّا العمل على وفق قانون "تقسيم الأعمال"؛ فقد دخل أسلافُنا جنان العلوم بالعمل على وفق تقسيم الأعمال.
— 41 —
خاتمة:كما لا يكفي مجرد دخول غير المسلم المسجدَ لاة. فقد الإسلام، كذلك دخول مسألة من مسائل الفلسفة أو الجغرافية أو التاريخ وأمثالِها في كتب التفسير أو الفقه، لا يجعل تلك المسألة من التفسير أو الشريعة قطعًا.
ثم إن حُكمَ مفسِّر أو فقيه -بشرط التخصص- يُعدّ حجة في التفسيرَ جامعو في الفقه فحسب. وإلّا فهو ليس بحجة في الأمور التي دخلت خِلسةً في كتب التفسير أو الفقه، لأنه يمكن أن يكون دخيلًا في تلك الأمور. ولا عتابَ على الناقل. ومن كان حجةً في علم وناقلًا في علوم أخرى، فاتخاذ قوله فيها حجة أو رها. ( بقوله فيها من قبيل الدعوى ما هو إلّا إعراضٌ عن القانون الإلهي المستند إلى تقسيم المحاسن وتوزيع المساعي.
ثم إنه مسلَّم منطقيًا:أن الحكم يقتضي تصور "الموضوع" و"المحمول خمسين: مثال: الإنسان ناطق. فالإنسان هنا موضوع والناطق محمول. فوصف الناطق قد حمل على الإنسان. بوجهٍ ما فقط، أما سائر التفاصيل والشروح فليس من ذلك ا شأن اوإنما من مسائل علم آخر.
ومن المقرر أنه:لا يدل "العام" على "الخاص" بأيٍّ من الدلالات الثلاث الخاصة. [٭]: وهي دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، لأن اللفظ الدال بالوضع يدل على تمام ما وضع له بالمطابقة، وعلى جزئه يث ألمن، وعلى ما يلزمه في الذهن بالالتزام؛ كالإنسان، فإنه يدل على تمام الحيوان الناطق بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمن، وعلى قابل العلم بالالتزام. (التعريفات).
فمثلًا:إن أعظم مجافاة للمنطق النظرُ إلى تأويل الآية الكريمة بين الصدسلسلة الكهف:٩٦) في تفسير البيضاوي، نظرةً جازمة أنه: بين جبال أرمينيا وأذربيجان. إذ هو -أساسًا- ناقل. فضلًا عن أن تعيينَه ليس مدلولَ القرآن، فلا يعدّ من التفسير. لأن ذلك التأويل تشريحٌ مستند إلى علم آخر لقيد واحد من قيظم أو ية الكريمة. وكذلك ظلمٌ وإجحاف بحق ذلك المفسر الجليل وبرسوخ قدمه في العلم في تفسيره المذكور اتخاذُ أمثال هذه النقاط الضعيفة فيه ذريعةً لبث الشبهات حوله. فحقائق التفسير الأصلية والشريعة واضحة ي الدنوهي تتلألأ كالنجوم. فما الذي يدفع عاجزًا مثلي على الجرأة غيرَ ما في تلك الحقائق من وضوح وقوة.
فادّعي وأقول: إذا دُقق النظر في كل حقيقة من الحقائق الاعة في في التفسير والفقه،
— 42 —
يشاهَد أنها نابعة من الحقيقة، موزونة بميزان الحكمة، وتمضى إلى الحق وهي حقٌّ. فالشبهات الواردة -مهما كانت- ناشئةٌ من أذهان مِهذاوطفيلياختلطت بتلك الحقائق. فمن كانت لديه شبهة حول حقائق التفسير الأصلية، فهذا ميدان التحدي، فليبرز إلى الميدان.
المقدمة السابعة
المبالغة تلعدم مالأمورَ وتبلبلها.
لأن من سجايا البشر مزجَ الخيال بالحقيقة بميل إلى الاستزادة في الكلام فيما التذّ به، والرغبةَ في إطلاق الكلام جزافًا فيما يصف، والانجذابَ إلى المبالغة فيما يحكى. وبهذه السجية السبينهماون الإحسانُ كالإفساد، ومن حيث لا يعلم يتولد النقصان من حيث يزيد، وينجم الفساد من حيث يُصلح، وينشأ الذم من حيث يمدح، ويتولد القبح من حيث يحسن.. وذلك لإخلاله
فهيث لا يشعر- بالحُسن الناشئ من الانسجام والموازنة (في المقاصد).
فكما أن الاستزادة من دواء شاف قلبٌ له إلى داء؛ كذلك المبالِغون في الترغيب والترهيب، المستغنِي عنهما الحقُ؛ كجعل الغيبةلاختيال، أو إظهار التبول وقوفًا بدرجة الزنا، أو التصدق بدرهم مكافئا لحَجَّة... وأمثالها من الكلمات غير الموزونة التي يُطلقها المبالِغون... إنما يستخفون بالزنا والقتل ويهوّنون شأن الحج.
فبناءً وعلى آا لا بد أن يكون الواعظُ حكيمًا، وذا دراية بالمحاكمات العقلية.
نعم، إن الوعاظ الذين لا يملكون موازين، ويطلقون كلامَهم جزافًا، قد سببوا حَجْبَ كثير من حقائق الدين النيّرة.
فمثلًا:الزيادة التي زيدت فعده معة انشقاق القمر الباهرة بالمبالغة في الكلام، وهي أن القمر قد نزل من السماء ودخل تحت إبط الرسول (ص) ثم رجع إلى السماء... هذه الزيادة، جعلت تلك المعجزة االمراد كالشمس، مَخفيةً كنجم السهى، وجعلت ذلك البرهان للنبوة الذي هو كالقمر مخسوفًا، وفَتحت أبواب حجج تافهة للمنكرين.
حاصل الكلام:يجب على كل محبٍّ للدين ر؛ لأنللحقيقة: الاطمئنانُ بقيمة كل شيء وعدمُ إطلاق الكلام جزافًا وعدمُ التجاوز؛ إذ المبالغةُ افتراء على القدرة الإلهية، وهي
— 43 —
فقدان الثقة بالكمال والحسن في العالم واستخفاف بهما واللذين ألخبرُه مامَ الغزالي إلى القول: "ليس في الإمكان أبدع مما كان". [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٢٥٨؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء ١٩/٣٣٧؛ الشعراني، الطبق -الذيبرى ٢/١٠٥؛ المناوي، فيض القدير ٢/٢٢٤، ٤/٤٩٥.
أيها السيد المخاطب! قد يؤدي التمثيلُ أيضًا ما يؤديه البرهانُ من عمل؛
فكما أن لكل من الألماس والذهب والفضة والرصاص والحديد قيمتَها الخاصة، وخان" المالخاصة بها، وهذه الخواص تختلف، والقيَم تتفاوت... كذلك مقاصد الدين تتفاوت من حيث القيمة والأدلة. فإن كان موضع أحدها الخيال، فموضع الآخر الوجدان والآخا يتكلر الأسرار. إنّ من يعطي جوهرة أو ليرة ذهبية في موضع فلس أو عشر بارات، يُحجَر عليه لسفَهه، ويُمنع من التصرف في أمواله. وإذا انعكست القضية فلا يُسمع إلّا كلماتُ الاستهزاء والاستخفاف؛ إذ بدلًا من أن يكون تاجرًا صار محتالًا يُسخَر منه. كذلك ا اَنْدي من لا يميز الحقائق الدينية ولا يعطي لكل منها ما يستحقه من حق واعتبار، ولا يعرف سكة الشريعة وعلامتَها في كل حكم. كلُّ حُكم شبيهٌ بجزء من ترس يدور على محوره لمعمل عظيم. فالذين لا يميزونلة الجون تلك الحركة، مثَلُهم في هذا كمثل جاهل شاهَد ترسًا صغيرًا لطيفًا في ماكنة جسيمة، وحاول الإصلاح وتغيير ذلك الوضع المتناسق. ولكن لعدم رؤيته الانسجام الحاصل بين حركة الترس الصغير والماكنة الكبيرة وجهلِه بعلم المكائن، فضلًا عن غرور النفس فحسنًاغريه ويخدعه بنظره السطحي؛ تراه يخلّ بنظام المعمل من حيث لا يشعر ويكون وبالًا على نفسه.
زبدة الكلام:إن الشارع سبحانه وتعالى قد وضع سكته وختمبع، أوعتمد على كل حكم من أحكام الشرع. ولابد من قراءة تلك السكة والختم. فذلك الحكم مستغن عن كل شيء سوى قيمته وسكته. فهو في غنًى عن تزيينِ وتصرف الذين يلهثون وراء المبالِي السحلمغالين والمنمقين للّفظ. وليعلَم هؤلاء الذين يطلقون الكلام جزافًا، كم يكونون ممقوتين في نظر الحقيقة في نصحهم الآخرين. فمثلًا: لم يكتف أحدهم بالزجر الشرعي لتنفير الناس عن المسكِرات فقال كلامًا أمام جمع غفير من الناس أخجلُ من كتابته، وقد.
( بعد كتابته.
فيا هذا! إنك بكلامك هذا تعادي الشريعة! وحتى إن كنتَ صَديقًا فلا تكون إلّا صديقًا أحمق، وأضرّ على الدين من عدوه.
— 44 —
خاتمة:أيها ا الّا ن الذين يحاولون جرحَ الإسلام ونقده من بعيد، من الخارج! زِنوا الأمور بالمحاكمة العقلية. ولا تنخدعوا ولا تكتفوا بالنظر السطحي؛ فهؤلاء الذين أصبحوا سببًا لأعذاركم الواهية -في نقد الإسلامريعة وَون بلسان الشريعة "علماء السوء". فانظروا إلى ما وراء الحجاب الذي ولّده عدم موازنتهم الأمور، وتعلقُهم الشديد بالظاهر، سترون أن كل حقيقة من حقائق الإدومًا.رهان نيّر كالنجم الساطع، يتلألأ عليه نقشُ الأزل والأبد.
نعم، إن الذي نزل من الكلام الأزلي يمضي إلى الأبد والخلود. ولكن -يا للأسف- يلقأما الهم ذنوبه على الآخرين ليبرئ نفسه، وما ذلك إلّا مِن حبه لها وانحيازه إليها ومن عجزه وأنانيته وغروره. وهكذا يُسنِد كلامَه الذي يحتمل الخطأ أو فعله القابل للخطأ إلى شخص معروف، أو إلى كتاب موثوق، بل حتى أحيانًا إلىلتعريف، وغالبًا إلى الحديث الشريف، وفي نهاية المطاف إلى القدر الإلهي، وما يريد بهذا إلّا تبرئة نفسه.
حاش للّٰه ثم حاشَ للّٰه! فلا يَرِدُ الظلامُ من النور. وحتى لو ستر النجومَ المشاهَدة في مرآته لا يستطيع ستر نجوم السماء، بل هو العاجز عن الرؤدمْ" مإبصار.
أيها السيد المعترض! إنه ظلم فاضح جعلُ الشبهات الناشئة من سوء فهم الإسلام، والأحوال المضطربة الناشئة من مخالفة الشريعة، ذريعةً لتلويث الإسلام... وما هذا إلّا كالعدو الذي يتذرع لأي سبب كان للانتقام والثأر، أو مثل الطفل الذي ساوي ولبكاء لأتفه سبب. إذ إن كل صفة من صفات المسلم لا يلزم أن تكون ناشئة من الإسلام.
المقدمة الثامنة
تمهيد:لا تَمَلَّ من هذه المقدمة الطويلة الآتية، لأن ختامرك دائ منتهى الأهمية، فضلًا عن أنها تزيل اليأس -المُبيد لكل كمال- وتبعث الحياة في الأمل -الذي هو جوهر كل سعادة وخميرتها- وتبشّر بأن المستقبل سيكون لنا والماضي لغيرنا.. رضينا بالقسمة، وها هو ذا موضوعها:
— 45 —
عقد موازنة بين أبناء الماضي والمستقبل، فيطردهاس العليا لا تُقرأ فيها الألفباء، ومهما ماهية العلم عينها فإن صورةَ تدريسها غيرُ مختلفة. [٭]: لعل المقصود أن طريقة تقديم العلم تختلف باختلاف الأزمان، فما يتعلمه المبتدئون غير ما يتعلمه الواصلون إلىالحاجةحل العليا، وما عرفه أبناء الماضي غير ما ينبغي أن يعرفه أبناء الحاضر والمستقبل.
نعم، إن الماضي مدرسةُ الأحاسيس والمشاعر المادية، بينما الأرجاء ُ هو مدرسة الأفكار... فهما ليسا على طراز واحد.
وأقصد من أبناء الماضي أولًا: القرون الأولى والوسطى لما قبل القرن العاشر لغير المسلمين. أما الأمة الإسلامية فهي خير أمة في القرون الثلاث الأولى، وأمةٌ فاضلة عامةً وبعد تقرن الخامس، وما بعده حتى القرن الثاني عشر أعبّر عنه بالماضي. أما المستقبل فأعدّه ما بعد القرن الثاني عشر.
وبعد هذا فمن المعلوم أن الغالب على تدبير شؤون الإنسان، إما العقل أو البصر، وبتعبير آخر: إما ال رآه وأو الأحاسيس المادية. أو إما الحق أو القوة. أو إما الحكمة أو الحكومة. أو إما الميول القلبية أو التمايلات العقلية. أو إما الهوى أو الهدى.
وعلى هذا نشاهد أن أخلاق أبناء الماضي الحاملة شيئًا من الصفاء، وأحاسيسفي أرجخالصة إلى درجة، قد استخدمت أفكارَهم غير المنورة وسيطرت عليها، فبرزت الشخصيات وسادت الاختلافات... بينما أفكارُ أبناء المستقبل المنوّرةُ -إلى حدّ- قد تغلبت على أحاسيسِهم المظلمة بالهوى والشهوة وسخّرتها لأمرها، فتحققت أفهوم اادة تكون للحقوق العامة، فتجلّت الإنسانية إلى حدّ ما. وهذا يبشر بأن الإسلام الذي هو الإنسانية الكبرى سيسطع كالشمس في رابعة النهار في سماء المستقبل وعلى جنان آسيا.
ولما كانت الأحاسيسُ المادية والميول والرغبات والقوة التي أنشأت الأغرا واحدةفسانية والخصوماتِ وميلَ التفوق على الآخرين مسيطرةً على أودية الماضي كان الإقناع الخطابي كافيًا لإرشاد أهل ذلك الزمان، لأن تصوير المدَّعَى وتزيينه وتهويله وتأنيسه إلى الخيالنما هي الأحاسيس ويؤثر في الميول والرغبات، فكان هذا يسدّ مسدّ البرهان. بيد أن قياس أنفسنا عليهم يعني التحرك إلى الخلف وإقحامًا لنا في زوايا ذلك الزمان؛ إذ لكل زمان حكمُه... نحن نطلب الفي ترتولا ننخدع بتصوير المدّعَى وتزيينه.
— 46 —
ولما كان مصدرُ تبخّر حقائق الحكمة في صحراء الوقت الحاضر والباعث بالسحاب الممطر إلى جبال المستقبل، هو الأفكار والعقل والحق والحكمة والتييا الع حديثًا ميلَ التحري عن الحقيقة، وعشقَ الحق، وترجيحَ المنفعة العامة على الخاصة، وظهورَ رغبات إنسانية؛ لذا لا يثبت المدّعَى بغير البراهين القاطعة... فنحن أبناء الحال الحاضرة والمرشضَ النلمستقبل لا يشبع أذهانَنا تصويرُ المدّعَى وتزيينه بل نطلب البرهان.
فلنذكر قليلًا من حسنات وسيئات الماضي والمستقبل اللذين هما في حكم سلطانين.
ففي ديار الماضي كان السائد في الأغلب هو: القوةي على وى، والطبائع، والميول، والأحاسيس... لذا فإن إحدى سيئاته أنه كان هناك في كل أمر من أموره -ولو بصورة عامة- تحكّمٌ واستبداد وظهورُ محبةِ شخص على حساب خصومةِ آخرَ.. وغلبة خصومة مسلك الآ عادة.لى محبة مسلكه.. ومداخلة الالتزام والتعصب.. والانحياز المانع عن كشف الحقيقة.
حاصل الكلام:لما كانت الميولُ متفاوتةً فإن تدخّل الشعور بالانحياز في كل استنادنشوء التبلبل بالاختلافات جَعَل الحقيقة تهرب وتختفي.
ثم إن من سيئات استبداد الأحاسيس، تأسسَ المسالك والمذاهب غالبًا على التعصب وتضليل الآخرين، أو على السفسطة.. بينما هذه الثلاثة مذمومة في نظر الشرع، مناف قالأخوَّة الإسلامية، مفرِّقة للانتساب الجنسي (الإنساني)، مخالِفةٌ للتعاون الفطري لدرجة أن أحد هؤلاء يضطر في النهاية إلى تبديل مذهبه ومسلكه دفعةً، مصدقًا إجماع يفما".وتواترهم تاركًا التعصب والسفسطة. بينما إذا ما عَمل ابتداءً بالحق بدلًا من التعصب، وبالبرهان بدلًا من السفسطة، وبالتوفيق والتطبيق بدلًا من تضليل الآخرينسة "الق الشورى، فلا يمكن أن يبدّل مذهبه ومسلكه الحق ولو بجزء منهما حتى لو اتفقت الدنيا عليه.
ولما كان المهيمنُ هو الحق والبرهان والعقل والشورى في خير القرون وعصور السلف الصالح، لم يكُ للشكوك والشبهات موضع. كذلك نرى أنهسيان. انتشار العلوم في الوقت الحاضر وهيمنتها بصورة عامة -وفي المستقبل هيمنةً تامة إن شاء اللّٰه- سيكون المهيمنُ هو الحق بدلًا من القوة، والبرهانُ بدلًا من التعصب والسفسطة، والحميةُ بدلًا من الأحاسيس المادية،نية.
لُ بدلًا من الطبع، والهدى بدلًا من الهوى، كما كان الحال في
— 47 —
القرون الأولى والثانية والثالثة وحتى إلى القرن الخامس عامة. أما بعد القرن الخامس إلى الآن فقد غلبت القوةُ الحقَّ.
ومن محاسن سلطان الأفكار أنْ تخلّصت شمسُ العلى أممما كان يحجبها من غيوم الأوهام والخيالات، بل أخذت كلُّ حقيقة منها بنشر نورها، حتى المتعفنون في مستنقع الإلحاد أخذوا يستفيدون من ذلك النور.
ومن محاسن مشاورة الأفكار تأسُّسُ المعتقدات والمسالك على البراهين القاطعة، وربطُ الحقائوجّه اق الثابت الممِد للكمالات كلها، مما يؤدي إلى عدم تمويه الأفكار وخداعها بإلباس الباطل لباس الحق!
أيها الإخوة المسلمون!
إن الوضع الحاضر يبشرنا بلسان عدمٌ أن مضمون: جاء الحق وزهق الباطل (الإسراء:٨١) قد أشرأب بعنقه ويشير بيده إلى المستقبل مناديًا بأعلى صوته:
إن الحاكم على الدهر وعلى طبائع البشر إلى يوم القيامة هو "حقيقة الإسلام" التي هي تجلّي العدالة الرسوخ في عالم الكون، والتي هي الإنسانية الكبرى. وما محاسنُ المدنية التي هي الإنسانية الصغرى إلّا مقدمتُها! ألاَ يشاهَد أنه قد خفف تلاحقُ الأفكار وتنوّرها عن كاهل حقائق الإسلام طبقاتِ تراب الأوهام والخيخرين عوهذا يبين أن ستنكشف تمامًا تلك الحقائقُ التي هي نجومُ سماء الهداية وستتلألأ وتسطع على رغم أنوف الأعداء.
وإذا شئت فاذهب إلى المستقبل وادخُل فيه وشاهِدْ كيف يهذر وينهزم في ميدان الحقائق -التي تحكمها وترعاها الحكمة- مَنب في ه التوحيد في التثليث فيما لو بارز المتمسكين بالعقيدة الحقة، المتقلدين سيف البرهان، تلك العقيدة التي يرضاها التوحيد الخالص، والاعتقاد الكامل، والعقل السليم.
أقسم بالقرآن العظيدة "االأسلوب الحكيم، أنه ما ألقى النصارى وأمثالهم في وديان الضلالة نافخًا فيهم الهوى إلّا عزلُ العقل وطردُ البرهان وتقليدُ الرهبان..
وما جعل الإسلام يتجلى دومًا، وتنكشف حقائقُه وتنبسط بنسبة انبساط أفكار البشر
— 48 —
وعِ غيأسُّسه على الحقيقة وتقلّدُه البرهان ومشاورتُه العقل واعتلاؤه عرشَ الحقيقة ومطابقتُه دساتير الحكمة المتسلسلة من الأزل إلى الأبد ومحاكاتُه لء، وتس ألاَ يشاهَد كيف يحيل القرآنُ الكريم في فواتح أكثر الآيات وخواتمها البشرَ إلى مراجعة الوجدان واستشارة العقل بقوله تعالى أفلا ينظرون و ة التصا و أفلا يتدبرون و أفلا تتذكرون و تتفكروا و ما يشعرون يعقلون و لا يعقلون و يعلمون و فاعتبروا يا اولي الابصار ( الحشر: ٢ ).
وأنا أقول أيضًا: فاعتبروا يا أولى الألباب.
خاتمة:فيا أولى الألباب! انفُذوا من الظاهوإسداءالحقيقة فهي تنتظركم، وإذا ما شاهدتموها فلا تؤذوها. هكذا ينبغي، وهذا هو الألزم.
المقدمة التاسعة
لقد تحققت لدى العقول السليمة:أن الخير هو الأصلُ في العالمس..
الشرّ فهو تبعي، فالخيرُ كلّي والشر جزئي.
إذ يشاهَد أنه قد تكوَّن -وما زال يتكون- علمٌ خاص لكل نوع من أنواع العالم؛ والعلم عبارة عن قواعدَ كلية. فإذا كانت الكليةُ قاعدةً، فهي إذن كشّافةٌ عن حسن ، حتى ام في ذلك النوع. أي إن كل علم من العلوم شاهد صادق على حسن الانتظام.
نعم، الكليةُ دليلٌ على الانتظام، لأن مالا انتظامَ فيه لا كليةَ لحُكمه، بل يكون هزيلًا لكثرة عكس الءاته. والذي يزكّي هذا الشهود الاستقراءُ التام [٭]: الاستقراء التام: الحكم على الكلي بما يوجد في جزئياته جميعها أو في بعض أجزائه. (التعريفات). بنظر الحكمة. إلّا أنه أحيانًا لا يُرى الانتظام، لسعة دائرته يكون النظر، فلا يمكن الإحاطة به ولا تصوُّره، وعندئذٍ يصعب أن يبين النظامُ نفسَه.
وبناءً على ما سبق: فقد ثبت بشهادة العلوم جميعها، وبتصديق الاستقراء التام الناشئ من نظر الحكمة: أن الحسنَ والخير والحقتها باال، هو المقصودُ بالذات والغالبُ المطلق في
— 49 —
خلق العالم. أما الشر والقبح والباطل، فهي أمور تبعية ومغلوبة ومغمورة، وحتى لو كانت لها الصولةُ فهي ضلالة،ؤقتة.
وقد ثبت أيضًا: أن أكرم الخلق بنو آدم؛ تشهد له استعداداتُه ومهاراته...
وأن أشرف بني آدم هم المسلمون الصادقون، وهم أهلُ الحق والحقيقة، تشهد لهم حقائق الإسلام، كما ستصدّقهم وقائعُ المستقبل.
وثبت أيضًا: وغيرهمل الكلّ هو محمد (ص)، تشهد له معجزاتُه وأخلاقه السامية، كما يصدّقه علماء البشر المحققون، بل يسلّم له أعداؤه، وعليهم أن يسلّموا.
فإذ هذه الثلاثة هكذا، أيقتدر نوع البشر بشقاوته على جَرح شها هذا ا العلوم، ونقض الاستقراء التام، والتمرّد على مشيئة ربه؟.. كلا.. لا يقتدر ولن يقتدر.
أُقسم باسم الرحمن الرحيم العادل الحكيم، أن البشرية لن تستطيع أن تهضم بسهولة وسلامةٍ، الشرَّ والقبح والباطل، ولن تسمح لها الحكمةُ الإلهية. لأن ال حقيدى على حقوق الكائنات العامة لا يُعفى عنه، ولا يُسمح بعدم إنزال العقاب عليه.
نعم، إن تغلُّب الشر طوال ألوف السنين، لا يؤدي إلّا إلى مغلوبية مطلقة لألف سنة في الأقل، محصورةٍ فمعقولايا... أما في الآخرة فسيحكم الخيرُ على الشر بالإعدام الأبدي! وإلّا -لو لم يكن الأمر هكذا- فإن سائر الأنواع والأجناس المنظمة المكملة المنقا لكونهوامر الإلهية المنتظمة، لا يَقبلون بين ظهرانيهم هذا الإنسان الشقي الكنود، بل يُسقطون حقَّ وجوده بينهم، وينفونه إلى مأوى العدم والظلمات، ويطردونه من ي ص١١ الخلق الفطرية. لأن غلبةَ الشر على الخير تستلزم عبثيةَ القابليات والميول المودعة في استعدادات البشر ليسود العالم وينال السعادة الأبدية في الآخرة، والحال أن العبثَ مناقضٌ للاستقراء التام، كما أإذعان فٍ لحكمة الصانع الحكيم، ومخالفٌ لحكم النبي الصادق الأمين (ص).
وسيصفِّي المستقبلُ قسمًا من هذه الدعاوى، أما تصفيتُها النهائية فستشاهَد في الآخرة، ذلك لأن المستقبل هو ميدان تغلُّب الحسنِ والحق النوعي والعمومي،اء مثللنظر عن الأشخاص. فإن مِتنا، فأُمّتنا باقية.. لا نرضى بالظهور والنصر لأربعين سنة بل نريد ألفًا من السنين في الأقل.
— 50 —
أما ميدانُ تغلب الحسن والحق والخير والكمال الشخصي والعام، والجزئي والكلي، ومحكمتُه الكبرى التي تجازَى فيها إذا أر-كسائر إخوانه من الكائنات المنقادة- ويُكافأ بما يوافق وينسجم مع استعداداته، فهو الدار الآخرة؛ إذ يتجلى فيها الحق والعدالة المحضة.
نعم، إن هذه الدنيا الضيقة لا تسع ولا تلائم نلكل رغتزاهُر ما أُودع في جوهر البشر من استعدادت غير محدودة وميول ورغبات مخلوقة للأبد. لذا يُبعَث إلى عالم آخر كي تُربّى وتكمّل تلك الميول والاستعدادات.
إن جوهرَ الإنسان جليل، وماهيتَه رفيعةٌ، وجنايتَه كذلك عظيمةٌ، أيقنواه وانقياده مهمة. فهو لا يشبه سائر الكائنات، لذا لا يمكن أن لا ينتظم مع الكائنات ولا ينقاد للأوامر.
نعم، إن المرشَّح للأبد عظيم، لن يُترك سدى، ولا يكون عبثًا، ولا يلأرض، ليه بالفناء المطلق، ولا يهرب إلى العدم الصرف.. بل جهنمُ فاغرةٌ فاها، والجنة قد فتحت ذراعيها اللطيفتين لاحتضانه.
خاتمة:إن مستقبل الإسلام وآسيا باهرٌ وفي غاية السطوع واللمعان، كما يتري "بعض بعيد. لأن هناك أربعًا أو خمسًا من القوى، تتفق -بما لا يمكن مقاومتَها- على سيادة الإسلام المهيمن أولًا وآخرًا على آسيا:
القوة الأولى:قوة الإسلام الحقيقية المُدعمة بالمعرفة والمدنية.
القوة الثانية:الحاجة المجهَّزة بتو.. فهذوسائل وتكمّل المبادئ والأسباب.
القوة الثالثة:المنافسة والغبطة والغيظ المضمر، هي أمور تهيئ الصحوةَ العامة الناشئة من رؤية آسيا في منتهى السفالة وغيرها في منتهى الرفاه.
القوة الرابعة:است، فبنالفطرة المجهَّزُ بتوحيد الكلمة، الذي هو دستور الموحّدين.. وبدماثة الخُلق والاعتدال، الذي هو خاصة الوضع الحاضر.. وبتنوير الأذهان، الذي هو ضياء الزمان.. وبتلاح.
وكار، الذي هو قانون المدنية.. وبسلامة الفطرة، التي هي لازمة البداوة.. وبالخفة والإقدام، وهما ثمرة الضرورة.
— 51 —
القوة الخامسة:الرغبة في التحضر والتمدن والنزوعُ إلنهم مودّد والتقدم المادي -الذي يتوقف عليه إعلاءُ كلمة اللّٰه في هذا الوقت- التي يأمر بها الإسلام، ويدفع إليها الزمانُ، ويلجئ إليها الفقرُ الشديد، والأملُ الباعث للحياة بموت اليأس القاتل ياتِهابة.
والذي يدعم هذه القوى ويُمدّها: تغلّب مساوي المدنية على محاسنها، تلك المساوي التي بثت الفوضى في الأجانب وأرهقت الحضارات وشيّبتها.. ثم عدمُ كفايل على ي للسفاهة (أي عدم سدّه لمتطلباته)، ولهذا سببان:
الأول:فسح المجال للسفاهة وتلبيةِ شهوات النفس، بعدم جعل الدين والفضيلة دستورًا للمدنية.
الثاني:التباين الاجتماعي الرهيب في ال (السنلمعاشية، الناشئُ من فقدان التراحم الناجم من حب الشهوات ومجافاة الدين.
نعم، إن هذا الإلحاد ومجافاة الدين قد سبب فوضًى في المدنية الأوروبية، وقَلَبَها رأسًا على عقب، بحيث ولّد كثيخيف في المنظمات الفوضوية وهيئاتِ الإفساد والإضلال. فلو لم يُلجأ إلى حقيقة الشريعة الغراء، ولم يتحصّن بذلك الحبل المتين ولم يوضع سدٌّ تجاه هذه المنظمات الفوض لكونهد ذي القرنين، فستُدمِّر تلك المنظماتُ عالمَ مدنيتهم وتقضي عليها، كما يهددونها حاليًا.
تُرى لو صارت الزكاةُ التي هي مسألة واحدة من ألف من مسائل حقيقة الإسلام، دستورَ المدنية وأساس التعاون فيها، ألاَ تكون دواءً ناجعًا وترياقًا أخصّ م للتباين الفظيع في الحياة المعاشية، الذي هو جُحر الحيات والسمّ الزعاف والبلاء المدمّر؟
بلى! سيكون الدواءَ الناجع الساري المفعول أبدًا.
وإذا قيل: لِمَ لا يكون الى التعذي أدّى إلى تغلب أوروبا إلى الآن سببًا لاستمراره؟
فالجواب:طالِعْ مقدمة هذا الكتاب، ثم أدِم النظر في هذا:
كان سبب رقيّها هو: التأني تلازم كل شيء أو تركِه.. والصلابةُ في الأمر، التي هي من شأن برودة بلادهم.. ونمو الفكر والمعرفة والتوجه إلى الصناعة لكثرة السكان وضيق
— 52 —
المكان والمساكن.. والتعاون والتتبع الحاصلان من وجود الوسائط المساعدة كالبحر والمعادن وأمثالها..
يد الثآن فقد تطورت وسائلُ النقل إلى درجة كبيرة بحيث أصبح العالم كالمدينة الواحدة، وغدا أهله في مداولتهم الأمور كأنهم في مجلس واحد، بحكم التقدم في وسائل المخابرات والمطبوعات.
نا كان من هذا:أننا سنلحق بهم، بل نسبقهم، إنْ حالَفَنا التوفيق الإلهي، لأن حملهم ثقيل وحملنا خفيف.
خاتمة الخاتمة:إن ما يفتح حظّ آسيا وسَعد الإسلام هو الشورى والحرية، المشروطتان بتربية الشريعةتُ سائء. [٭]: يا إخوة النور! إن حزب القرآن الذين خاطبهم الأستاذ الحبيب في ذلك الوقت هم الآن طلاب النور. فانتبهوا! إن ما في هذه الصفحات يخاطبنا نحن بالذات، يقة أوا وسائل العلم والمدنية في خدمة الإسلام، وأعلنوا حضارة الإسلام للعالم أجمع. (مصطفى صنغور)
تنبيه:إن الأمور التي تسمى بمحاسن المدنية ما هي إلّا مسائل شرعية حُوِّلَتْ إلى شكل آخر.
المقدمة العاشرة
لا يؤاخذ المتكلمُ فيم فيام من كلام، بكل ما يرد إلى ذهن السامع؛ لأن المفاهيم والمعاني -سوى ما سيق له الكلام- هي في عُهدة المتكلم بالإرادة، فإن لم يُرِدْها لا يعاتَب، إلّا أنه ضامن حتمًا بامتعارفالقصد.
وقد تقرر في علم البيان:أن الصدق والكذب يعقُبان قصد المتكلم وغرضه، فالتبعةُ والمؤاخذة في المقصود وفيما سيق له الكلام على المتكلم. أما الذنب والخلل في مستتبعات الكلام -أي في تلويحاته وتلميحاته- وفي وسائله وأسلوب" في ح-أي في صور المعاني وطرز الإفادة والمعاني الأولى- فليس على المتكلم، بل على العرف والعادة والقبول العام؛ إذ يُحتَرم العرفُ والقبول العام لأجل التفهيم. ثم إذا كان الكلام حكايةً، فالخلل والخطأ يعودان إ الحياحكي عنه.
— 53 —
نعم، لا يؤاخَذ المتكلم في الصور والمستتبعات؛ إذ تناولهما ليس لِجَني الثمرات وإنما للتسلق منهما إلى أغصانِ مقاصدَ أعلى. فإن شئت فتأمل في الكنايات؛ فمثلًا: عندما يقال: طويلُ النجاد نطق باالرماد، فالكلام صادق إن كان الشخص طويل القامة سخيّ الطبع ولو لم يكن له سيف ولا رماد.
وإن شئت فأدم النظر في المثال والأمثال الافتراضية ترى أن تلك الأمثال لها -بالشهرة في مداولة الأفكا للولاقول- قيمةٌ وقوة، حتى إنها تستعد للقيام بمهمة السفارة بينها. بل إن أصدقَ مؤلِّف وأعلمَ حكيم كصاحب المثنوي جلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي يَستخدمان ذلك المثل الافتراضي، ولم يريا مشاحةً وبأسًا في استعماله.
ه سوفسا تنوّر لك هذا السر، فاقتبس منه واذهب إلى زوايا القصص والحكايات، وقس فإن ما يجري في الجزء قد يجري في الكل أيضًا.
تنبيه:سترد قاعدة في "المقالة الثالثة" حول المشكلات القرآنية ومتشابهاته، ولكن لاقتضاء المقام نذكر هنا نبذة منها:
وعزته لمقصود الأهم من الكتاب الحكيم هو إرشاد الجمهور الذين يمثّلون أكثرية الناس، لأن خواص الناس يمكنهم أن يستفيدوا من مسلك العوام، بينما العوامُ لا يستطيعون فهمَ ما ٨- به الخواص حقَّ الفهم، علمًا أن معظم الجمهور هم عوام الناس، والعوامُ لا يقتدرون على مشاهدة الحقائق المحضة وإدراك المجردات الصرفة متجرّدَين عن مألوفاتهم ومتخيلاتهم. فالذي يضمن رؤيتَهم ويحقق إدراكهم، إلباس المجردات وإكساءآنيًّا مألوفاتهم، تأنيسًا لأذهانهم، كي يروا المجردات ويعرفوها بمشاهدتها خلف صور خيالية.
ولما كان الأمر هكذا، تلبس الحقيقةُ المحضة مألوفاتهم. ولكن يجب ألّا يقصر النظر في الصورة ولا ينحصر فيها. وبناءً على هذا:
فإن ما و خصلةليب اللغة العربية من مراعاة الأفهام ومماشاة الأذهان، قد جرت في القرآن الحكيم المعجز البيان، والتي تُعبّر عنها بی"التنزلات الإلهية إلى عقول البشر". فمثلًا: قوله تعالى ثم استوى على العرش (الأعراف:٥٤) و لتصورهّٰه فوق أيديهم (الفتح:١٠) و جاء ربك (الفجر:٢٢) وأمثالها من الآيات الكريمة.
— 54 —
وأيضًا وجدها تغرب في عين حمئة (الكهف:٨٦) و والشمس تجري لمستقر لها (يس:٣٨) ونظائرهما من الآيات... كلها روافد لهذا الأسلوب.. ذلك الكتاب لا ريب فيه (شرط.. :٢)
خاتمة:إن إغلاقَ الكلام المعقّد وإشكالَه ينشأ إما من ركّة اللفظ وضعفِ الأسلوب، فهذا لا يدنو من القرآن المبين.. أو من دقة المعنى، وعمقِه، وجودته، وعدم مألوفيته، وندرته، حتى لكأن المعنى يتدلل على الفهم ويُب
وحاهه، ليثيرَ الشوق، طالبًا للاهتمام والمكانة...فمشكلات القرآن من هذا القبيل.
تنبيه:إن لكل آية ظهرًا وبطنًا، ولكل منها حدّ ومطّلع، ولكل منهما شجون وغصون. كما ورد حديث شريف بهُ" الذعنى [٭]: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" رواه أحمد والترمذي عن أبي رضي اللّٰه عنه وأحمد عن حذيفة، وهو عند الطبراني من حديث ابن مسعود بزيادة.. وفي رواية أخرى عنده: لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ولكل حدّ مطلشوق واختصار عن كشف الخفاء للعجلوني ١/٢٠٩).
ولكل حدّ مطّلع، أي: لكل حدّ مصعد يصعد إليه من معرفة علمه. وفي المثل "الحديث ذو شجون" أي فنون وأغراض، وقيل: أي يدخل بعضه في بعض، أي: ذو شعبلمجاز اك بعضه ببعض.. وأصل الشجنة بالكسر والضم شعبة من غصن من غصون الشجرة. (لسان العرب باختصار). والشاهد الصادق عليه: العلوم الإسلامية.
فلكلِّ مرتبة من هذه المراتب درجتُها وقيمتُها ومقامُها، لا تتزاحميةُ عنلمراتب، وإنما تشتبك فينشأ الاشتباه، ولا بد من التمييز، إذ كما لو مُزجَت دائرة الأسباب بدائرة الاعتقاد تتولد البطالة والكسل تحت اسم التوكل، أو ينتج مذهب الاعت]: ومتسم مراعاة الأسباب، فإن المراتب والدوائر هذه إن لم تُفرَز تنتج مثل هذه النتائج.
المقدمة الحادية عشرة
قد يتضمن الكلام الواحد أحكامًا عدة، فربما يحوي الصدَفُ الواحد كثيرًلّيان لدرر.
والمقرَّر لدى أرباب العقول:أن القضية الواحدة تتضمن قضايا عدة؛ كل يثمر ثمرًا مباينًا للآخر، كما نبعَ ونشأ من أصل مختلف.. فالعاجز لم الإمييز يُجانب الحق ويغترب عنه.
— 55 —
مثال ذلك:ورد في الحديث الشريف: "بعثتُ أنا والساعة كهاتين". [٭]: البخاري، تفسير سورة النازعات ١، الطلاق ٢٥، الرقاق ٣٩؛ مسلم، الفة: الي؛ الترمذي، الفتن ٣٩. أي لا نبيَّ بعدي إلى قيام الساعة.. فأيًا كان المقصود من الحديث فهو حق.
فهذا الحديث الشريف يتضمن ثلاث قضايا:
أولاها:أن هذا الكلام هو كلام النبي (ص)..
هذه القضية هي نتيجة التواتر إن كان (أي إن كان صولُها متواترًا).
ثانيتها:أن المعنى المراد من هذا الكلام حقٌّ وصدق..
هذه القضية هي نتيجة للبرهان المستند إلى معجزاته (ص) فلا يصدر عنه غير الصدق. فينبغي الاتفاق في هاتين القضيتين، لأن مَن يقًا شاأولى فهو كاذب مكابر، أما الذي ينكر الثانية فهو ضال قد هوى في الظلمات.
القضية الثالثة:أن المراد من هذا الكلام هو هذا (أي الذي أسوقه).. فها هو الدرّ باعتباد في هذا الصدف.
هذه القضية هي نتيجة الاجتهاد، لا التشهي؛ إذ من المعلوم أن المجتهد ليس مكلّفًا بتقليد غيره من المجتهدين.
هذه القضية الثالثة هي منبع الاختلافات. وأصدق شاهد على ذلك هو ما نراه من الأقوال اله قوةبة (في مسألة واحدة).
فالذي ينكر هذه القضية لا يكون مكابرًا ولا ضالًا، ولا ينساق إلى الكفر، إن كان إنكاره نابعًا من الاجتهاد؛ إذ العام لا ينتفي بانتفاء الخاص، وكم من قطعي المتن ظنّي الدلالة.. فلاقتل نف الدخول إلى البيوت من أبوابها، فإنّ لكلٍّ بابًا، ولكل قفل مفتاحًا.
خاتمة:هذه القضايا الثلاث تجري في الآية جرَيانَها في الحديث الشريف، حيث إنها قضايا عامة. إلّا أن الأولى منها فيها فرق دقيق.
— 56 —
وهكذمر، وقن الكلام أحكامًا كثيرة، إلّا أنها أحكام خاصة، كل منها يختلف عن الآخر في الأصل مثلما يثمر ثمرة مباينة للآخر.
تنبيه:قد يجد من يريد أن يغالط في مثل هذه المقامات ذرائعَ تافهة وحججًا واهية ناجمة منفة والنفس:
كالتزام الطرف المخالف..
والتعصب الذميم..
وحب الظهور..
والشعور بالانحياز إلى جهة..
وتسويغ الأوهام والخيالات بإسنادها إلى أصل..
ورؤية الأمور الواهية ق المفرموافقتها رغباته الشخصية.
وإظهار كماله بتنقيص الآخرين والتهوين من شأنهم..
وإبراز كونه صادقًا بتكذيب الآخرين..
وبيان استقامته بإضلالهم..
وغيلتزم ( الأمور السافلة المنحطة!
وإلى اللّٰه المشتكى.
المقدمة الثانية عشرة
مَن لم يجد اللب ينهمك في القشر.. [٭]: "كل عمل لا إخلاص فيه فهو قشر لا لبّ فيه.." (الفتح الرباني للشيخ الكيلاني، المجلس٢٤). ومن لم يعرف الحقيقة، فقد إلى الخيالات، ومن لم يرَ الصراط المستقيم يقع في الإفراط والتفريط، ومن لا يملك ميزانًا ولا موازنةَ له يخدع وينخدع كثيرًا.
إن سببًا خادا للآدظاهريين هو: التباس علاقة القصة بالعبرة المرادة منها، واقتران المقدمة بالمقصود في الذهن، والاقتران الحاصل في الوجود الخارجي.
— 57 —
لاحظ هذه النقطة فإنك تحتاج إليها فيما بعد.
ثم إن أحد الأسبابناء جنّدة للفوضى والموقِعة في الاختلافات والموجدة للخرافات والمنتجة للمبالغات -بل أهم سبب لها- هو عدم القناعة والاطمئنان بما خُلق في العالم منمعنويةعظمة وسمو. والذي يعني الاستخفاف بالنظام بذوق فاسد. حاشَ للّٰه.
إن حسن الانتظام والعظمة والعلو المودَعة في حقائق العالم، التي كلٌّ منها أبهرُ معجز باتخاعجزات القدرة الإلهية في نظر العقل والحكمة، قد أبدعتها يدُ الحكمة الإلهية إبداعًا في غاية الروعة بحيث لو قورن بها ما يمرّ في خيال عشاق الخيال والمبالِغين من حسن وكمال خارقَين، لبقيت تلك الخيالات الخارقة اعتيادية جدًا، ولبدت تلك السننُ امن الأ خارقةً حقًا، في غاية الحسن ومنتهى الكمال والعظمة. إلّا أن الألفة -التي هي أخت الجهل المركب وأم النظر السطحي- هي التي عصبَت عيون المبالغين.
ولا يفتح تلك العيونَ المعصوبة إلّا أمرُ القرآن الكريم بالتدبّر والتأم الحميلآفاق والأنفس المألوفتين.
نعم، إن نجوم القرآن الثاقبة هي التي تفتح الأبصار وترفع ظلام الجهل وظلمات النظرة العابرة. إذ تمزق الآياتُ البيّنات بيدها البيضاء حجابَ الألفة والنظرَ السطحي وأستار التشبث بالظاهر المحسوس، فتُوجّه العقولَ و الشرط إلى حقائق الآفاق والأنفس.
ثم إن مما يولد الرغبة في المبالغة، حاجةَ الإنسان الفطرية إلى إخراج ميلِه من طور القوة إلى طور الفعل. [٭]: طور القوة أي الكامن المستتر في الشيوجيهه. طور الفعل فهو الوضع المشاهَد الظاهر. إذ من ميوله: رؤيةُ العجائب المحيّرة وإراءتها، والرغبة في التجدد والإيجاد.
بناءً على هذا: لما عجَز الإنسانُ بنظره السطحي أن يتذوق ما في جِفان الكائنات وصحونِها من غذاء روحي مغطى بغطاء الألف على قم من لَعق الجفان ولَحْس الغطاء، ولم يُفِده سوى عدم القناعة، والتلهّف إلى خوارق العادات والرغبة في الخيالات، مما ولّد لديه الرغبة في المبالغة للتجدد أو الترويج.. تلك المب شخص مبيهة بكرة الثلج المتدحرجة من أعلى قمة الجبل، كلما تدحرجت كبُرت... فالكلام المتدحرج أيضًا من ذروة الخيال إلى اللسان ومنه إلى لسان ولسان، تُشلحكم عقيقتُه الذاتية، إلّا أنه يَجمع حوله خيالات من كل لسان بميل المبالغة،
— 58 —
فيكبر ويكبر حتى لا يسعه القلبُ بل الصماخ بل حتى الخيال، ثم يجيء النظر بالحق فيجرّده من توابعه، ويُرجِعه عاريًا مجردًا إلى أصله، فيظهكن كفاوقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا
. (الإسراء:٨١)
حكاية جرت في هذه الأيام تكون مثالًا على هذا:
إن أساس مسلكي منذ أيام صباي -ولا فخر- إزالةُ الشبهات التي تلوّث لطرفينالإسلام سواء بالإفراط أم بالتفريط، وصقلُ تلك الحقائق الألماسية. والشاهد على هذا تاريخ حياتي في كثير من حوادثه.
ففي هذه الأيام ذكرتُ مسألة بديهية كی"كروية الأرض"، وطابقتُ عليها ما يوافقها ويتعلق بها من مسائل دينية، دفعلموضوعتراضات الأعداء وإزالةً لشبهات المحبين للدين. كما سيأتي مفصلًا في "المسائل".
ثم ظهر المغرَمون بالظاهر المعتادون على الخيالات المهولة، وكأن عقولهم لا تقبل هذه المسألة، إلّا أن السبب الأيد الشرُ هذا بلا شك، فتصرفوا تصرفات جنونية، كمن يريد أن يجعل النهارَ ليلًا بإغماض العين، أو يطفئ الشمسَ بالنفخ! وفي ظنهم كأن الذي يحكم بكروية الأرض يخالف كثيرًا مسائل الدين. فتذرعوا بهذا ومن ضعف فرية كبيرة، ولم يبق الأمر في هذا الحد بل تجاوز إلى تضخيم الفرية حيث وجدوا لها جوًا ملائمًا في الأذهان المرتابة، بل ضخموها إلى حدّ كبير كَوَوا بها كبد أهل الدين. وأيّسوا أهلَ الحمية في لم نرإسلام.
ولكن كان هذا درسًا عظيمًا لي، إذ أيقظني إلى أن الصَديق الجاهل يمكنه أن يضرّ الدين بمثل ما يضرّ به العدو، ولهذا فلقد كنتُ منذ بداية الكتاب أتوجّه إلى حيث يكون العدو، أقطعُ بالسيف الألماسي الذي بدون د بخْسَهم حقَّ الإسلام.. أما الآن فلأجل تربية أمثال هؤلاء الأصدقاء، أضطر إلى أن لا أمس -بذلك السيف- إلّا قليلًا من خيالاتهم المفرطة التي يتلهف لها العوام.
وعلى الرغم من أن أمورًا شخصية كهذه لا تستوجب ض "ما"ه المباحث، فإن الأمر لم يعد أمرًا شخصيًا، بل أصبحت مسألة عامة تتعلق بحياة المدارس الدينية.
— 59 —
ألاَ فليعلم أولئك الظاهريون أنهم عبثًا يحاولون.. فلقد تركونا حتى الآناث السابة الجهل بهذَرهم وسفسطَتهم هذه التي يغرم بها العوام ويريدون أن يدَعونا جاهلين، ليستغلوا جهلنا.
هيهات! لا.. ولن يكون هذا.. ستُبعث الحياةُ في الاهر منالدينية! والسلام.
ثم إنه مما يشوّش أفكار الظاهريين، ويخلّ بخيالاتهم، اعتقادُهم أن دلائل صدقِ الأنبياء عليهم السلام محصورةٌ ضمن خوارق العادات، واعنفسه، أن جميعَ أحوال رسولنا الكريم (ص) وحركاته -أو معظمها- لابد أن تكون خارقة. وهذا ما لا يسمح به الواقع، لذا لا يستقيم ولا يصلح لهم ما يتخيلون؛ إذ إن م في اًا كهذا غفلةٌ عظيمة عن سر الحكمة الإلهية في الوجود، وعن تسليم الأنبياء عليهم السلام مقاليد الانقياد إلى قوانين اللّٰه الجارية في العالم.
نعم، إن كلَّ حال من أحواله (ص) وكلَّ حركة من حركاته دلة حالا صدقه، وتشهد على تمسكه بالحق، مع أنه يتبع السنن الإلهية وينقاد إليها (سينبّه إلى هذا في المقالة الثالثة).
ثم إن إظهار الخوارق ما هو إلّا لتصديق النبوة، والتصديقُ يحصل على أكمل في وجمعجزاته الظاهرة، فإذا زادت عن الحاجة، فإما أن تكون عبثا، أو منافية لسر التكليف -الذي هو امتحان في الأمور النظرية دون البديهيات أو ما يقرب منها حيث يتساوى الأدنى مع اذا تصو أو تكون مخالفة للتسليم والانقياد لجريان الحكمة. بينما الأنبياء عليهم السلام مكلّفون بالعبودية والتسليم أكثر من أي أحد.
* * *
فيا طالبَ الحق، الناظر إلى كلماتي المشتتة!
إن محاسنل المزروعة في ماهيتك ستنمو وتفتَح الأزاهير بشمس الحقيقة التي تجري وهي ساكنة في المقدمات الاثنتي عشرة المذكورة.
خاتمة:مَن يدّعي أنه سيّد (من أهل البيت) وهو ليس منهم، ومَن ينكر انتسابه إليهم وهو سيد، كلاهما مُذنب. فالدخول في السات إلى خروج منهم كما أنه حرام، كذلك النقصان والزيادة في القرآن الكريم والحديث الشريف ممنوع، بل الزيادةُ أضرُّ لإفسادها النظامَ وفتحِها أبوابًا
— 60 —
لمرور الأوهام؛ لأن الجهل ربما يكون عذرًا للنقصان، بينما الزيادةُ لا تكون إلّا بالعلم، والعالالظلمةيُعذَر، فكما أن هذا هكذا، فالوصل والفصل في الدين لا يجوز أيضًا، بل إن إدخالَ زيفِ الحكايات وخبَثِ الإسرائيليات وأباطيل التشبيهات في ألماس العقيدة وجوهر الشريعة ودُرر الأحكام إنما هو حطٌّ لقيمتها وتنفيرٌ لطالبيها من متحرّي الحقيقة، ودفعهم للندالعاجزيخاتمة الخاتمة:إن ترك المستعِد لِما هو أهلٌ للقيام به، وتشبثَه بما ليس أهلًا له، عصيانٌ كبير وخرق فاضح لطاعة الشريعة الكونية (شريعة الخِلقة)؛ إذ من شأن هذه الشريعة انتالمتعاستعداد الإنسان ونفوذُ قابليته في الصنعة، واحترامُ مقاييس الصنعة ومحبتها، وامتثالُ نواميسها والتمثل بها. وخلاصة الكلام: إن شأن هذه الشريعة الفناءُ في الصنعة.
وإذ وظيفة الخلقة هذه، فإن الإنسان بمخالفته هذه الشريعة يغيّر الصورة اللوالدك الصنعة ويخل بنواميسها، ويشوّه صورةَ الصنعة غير الطبيعية -التي تشبث بالقيام بها- بميله الكامن للصنعة الأخرى لعدم الامتزاج بين الميل والصنعة، فيختلط الحابل بالنابل.
وبناءً على هذا، فإن كثيرًا جدًّا من هما يحيمضي بميل السيادة والآمرية والتفوّق على الآخرين، فيجعل العلمَ المشوّق المرشد الناصح اللطيف وسيلةَ قسرٍ وإكراه لاستبداده وتفوقه، فبدلًا من أن يخدم العلمَ يستخدمه. وعلى هذا فقد دخلت الوظائفُ بيد من ليسوا لها أهلًا، ولاسيما الوظائف في المداجزئية.ينية، فآلت إلى الاندراس نتيجة هذا الأمر.
والعلاج الوحيد لهذا:تنظيم المدرّسين الذين هم في حكم العاملين في دائرة واحدة، في دوائر كثيرة كما هو الحال في الجامعة، كلٌّ في مجال اختصاصه، ليذهب كلُّ واحدٍليها اِ إنسانيته، وبتوجهه نحو حقه، ينفِّذ قاعدةَ تقسيم الأعمال بميله الفطري امتثالًا للأمر المعنوي للحكمة الأزلية.
تنبيه:إن السبب المهم الذي أدّى إلى تدنّي علوم المدارس الدينية، وبذرة شا عن مجراها الطبيعي هو أن العلوم الآلية [٭]: العلوم الآلية: كالنحو والصرف والمنطق وأمثالها من العلوم التي تكون وسيلة لفهم العلوم العالية التي هي كالتفسير والحديث والفقه وأمثالها من العلوم. لما أُدرجت في عدادومية. م المقصودة، أصاب الإهمالُ العلومَ العالية، فسيطر على الأذهان حَلُّ العبارة العربية التي لباسُها (لفظُها) في حكم معناها، وظلَّ
— 61 —
العلمُ الذي هو أصل القصد تبعيًّقاذ ذلعلى ذلك، أن الكتب التي أصبحت في سلسلة التحصيل العلمي رسمية، وعباراتها متداولة إلى حدّ ما. هذه الكتب حصرت الأوقات والأفكار في نفسها ولم تُفسح المجال للخروج منها.
* * *
يا أخا الوجدان!
كأني بك قد اشتقت إلى رالرسالهية الكتب الثلاثة التي ستترتب على هذه المقدمات...
صبرًا! سأذكر لك موضوعًا يمثّل مُجمل ما فيه، أو بتعبير آخر يمثل صورتَها المصغرة أو خريطتها المختصرة. ولكني سأبادر بتقديم تسع مسائل مما في تلك الكتب، على أمل أیؤمنیي الموضوع تفصيلًا عقب المقالة الثالثة إن شاء اللّٰه ووَفَّق الربُّ الكريم. فها هو ذا الموضوع!
سأعرج إلى علوم السماوات بسير روحاني، بالوسائل التي يريها القرآن الكريم وبقوة الفلسفة الصائبة، لأنظر من هناك ونشكلمات أن الكرة الأرضية عبارة عن كرة ضخمة تديرها يدُ القدرة للصانع الحكيم، ونرى بعين الحكمة أنه يقذفها كحجر المقلاع، إلى أن يشتتها، ليبدّلها إلى أفضل منها. ثم نتدلى ونتدرج من جو السماء حتى ننزل إلى مهدنا، الأرضِ التي بسطها وهيأها الخلخوف.
لرحمن لراحتنا.. ثم ننظر بإنعام إلى الإنسان، كيف أنه يرمي بمهده بعد تجاوزه مرحلة الطفولة، فإنه يُرسَل إلى قصور السعادة الأبدية كذلك بتخريب الأرض.
وبعد أن نُديم التأمل في هذا، ندخل ميداناهد:
ي بالسير الروحاني الذي لا يقيده زمانٌ ولا مكان ونحاور أبناء جنسنا، أبناء الماضي بأمواج البرقيات التاريخية، ونتعلم العبر والأحداث التي وقعت في تلك الزوايا الآفلة، ونصنع منها قطارًا للأفكار. ثم نرجع عائدين ونزور أب. ولأجسنا ونتوجه إلى مشرق المستقبل لنرى -ونري الآخرين- فجرَ سعادته الصادق الذي يتراءى من بعيد. ثم نركب قطار "الرقي والتقدم" وسفينة "السعي" المسماة بالتوفيق، حاملين فن المدنا مصباح البرهان وندخل معه "الزمان" الذي يبدو مُظلم البداية، إلّا أن وراءه سطوعًا، لكي نصافح أبناء المستقبل ونهنئهم بسعادتهم التي يرفلون فيها.
— 62 —
وهكذا المصاذه الصورة الفوطوغرافية المصغرة تندرج صورةٌ جميلة، ستظهر لك محرَّرًا.
والآن.. في هذه الأرض تنبت أشجارُ الكتب المذكورة وتُسقى بجداول المقالات القدرة.
أيها الأخ! قبل أن آخذ بيدك وأُوصلك إلى خزينة الحقائق، أُبادر إلى سرد بضع مسائل وعدتُك إياها، لأدفع بها غشاوةَ الخيالات عن بصر بصيرتك، تلك الخيالات التي صارت كالغول تضع أيدفِي آلى عينك فتُغمضها، وتدفع صدرك وتخوّفك.. وإن أرتك شيئًا فالنور نارٌ والدرّ مَدَرٌ. فاحذرها.
واعلم أن أعظم منشأ يولد شبهاتك، مسائل تتعلق:
بكروية الأرض.. ه
#116ور والحوت.. وجبل قاف.. وسد ذي القرنين.. وأوتادية الجبال.. ووجود جهنم تحت الأرض.. والآيات الكريمة: دحيها و سطحت و والشمس تجري لمستقر لها و ينزي
#126السماء من جبال فيها من برد (النور:٤٣) وأمثالها من المسائل. سأبين لك حقيقتها كي تسدّ عيون الأعداء وتفتح أبصارَ الأصدقاء.
وها أنذا أستهل بی:
المسألصورة. لى
من المعلوم لذهنكم المنصف:أن علماء الإسلام متفقون على كروية الأرض، ولو اتفاقًا سكوتيًا. فإن كان لديك ريب فاذهب إلى "المقاصد" [٭]: انظر: التفتازاني، شرح المقاصد ٣/١٧٧-١٨٩. و"المواقف" [٭]: انظر: الجرجاني، شرح المواقف ٧/١٤٥-١٤٧. اء الكى المقصد وتطلع عليه، وترى أن "سعدًا" "وسيدًا" قد تناوَلا الكرة الأرضية، تناولَ الكرة الاعتيادية، ينظرون بمتعة إلى كل جانب منها. وإن استعصى لك ذلك الباب على الفتح، فادخل التفسير الواسع للإمام الرازي الموسوم بی"مفزاء وسلغيب" [٭]: انظر: الرازي، مفاتيح الغيب ٣١/٤٨. واجلس في حلقة تدريس ذلك الإمام الداهية وأنصت إلى درسه، فإن لم تطمئن بهذا ولم تتمكن من أن تستوعب كرويةَ الأرض
— 63 —
فاتبع "إبراهيم حقي" واذهب إلى حجة الإسلام الإمام الغزالي واستَفتِه ٭]: بح: هل في كروية الأرض مشاحة؟ فسيقول لك حتمًا: "المشاحة إن لم تقبل بها" إذ قد بعث فتواه منذ عصره أنه من أنكر أمرًا ثابتًا بالبرهان القطعي ككروية الأرض بحجة الحفاظ على الدين، فقد جَنى على الدين جنايةً عظمى؛ فهذا لوالُه ءً للإسلام بل خيانة له.
وإن كنت أميًّا لا تجيد قراءة الفتوى، فاستمع إلى مُعاصرنا وأخينا في الفكر، السيد حسين الجسر إنه يعنّف منكِر الكروية ويقول بقوة الحق ودون تردد: "من كان ينكِر كروية الأرض مستندًا إلى الدين في سبيل حمايته، فهوقون ال أحمقُ، أضرُّ على الدين من العدو الألد".
فإن لم يُفِق فكرُك الباحث عن الحقيقة من رقدته، بهذا الصوت القوي ولم تستطيع عينُك الانفتاح، فخذ بيد ابن همام وفخر الإسلام وأمثالهم واذهب إلمن التام الشافعي، واستفته في مسألة في الفقه: تؤدّى الفرائضُ الخمس في وقت واحد وهناك قوم لا وقت عشاء لهم أحيانًا، كيف يصلون العشاء؟ وهناك قوم لا تغرب عليهم الشمسُ أيامًا أو لا تطلع لياليَ، كيفِ (إن ن؟ واستفسره: كيف ينطبق تعريف الشرط الشرعي وهو ما يقارن كل ما سواه من الأركان، على شرطية استقبال القبلة في الصلاة؟ علمًا أن المقارنة هي في القيام وحدَه وفي نصف القعود؟ فاطمئن أنه -أي الإمام الشافعي- يجيبك عن المسألصيلية،لى بكروية الدائرة المارّة من الشرق والغرب، وعن المسألة الثانية والثالثة بتقوّس الدائرة الممتدة من الجنوب إلى الشمال. أي يفتيك بما أعطاك البرهان العقلي. ويقول عن مسألة القبلة: "ما القبلةُ إلّا عمودٌ نورانيحيدُ اّم السماوات إلى العرش وثَقَب طبقاتِ كرة الأرض إلى الفرش". [٭]: انظر: النووي، المجموع ٣/٤٩.
فلو كُشف الغطاءُ لَصافح شعاعُ عينك القبلةَ نفسَها في كل حركة من حركات س نفس .
أيها الأخ..! لا قيمة لأوهامك العجيبة كي تَدخل في القلب، لأنك لم تجد لها موضعًا سوى عالَم الخيال، فضلًا عن أنك لا تصدّقه، بل لا تتمكازل هذمن إقناع نفسك بها.. بيد أنك زغت.. فإن كان قلبُك المفتوح للخيالات والمقفل تجاه الحقيقة، لا يسع الكرة الأرضية التي هي أصغر بكثير مما تتخيلها، فوسِّع أُفقَ نظرك ليتوسع ذهنُك، ثم شاهِد سكاء: أن ض كمجلس واحد واسألهم، فإن صاحب البيت أدرى بما فيه. فإنهم يجيبونك بالمشاهدة والتواتر بلسان واحد:
— 64 —
"يا هذا إن كرتنا الأرضية التي هي مهدُنا وقطارنا في فضاء العالم، ليست مجنونة فتشذَّ عن القاعدة الجارية والقانون الإلهي في الأجران الصاوية". ويُبرزون لك الخرائط دلائلَ مجسمة مفروشة أمامك.
إن شريعة الفطرة الإلهية المسماة بنظام خلق العالم، فَرضتْ على الأرض التي تسير سيالشرط ريد المولوي العاشق [٭]: تشبيه لطيف بالمريد المنتسب إلى المولوية، الطريقة الصوفية المعروفة في تركيا، الذي يدور حول نفسه وفي حلقة الذكر بنشوة الذكر وجذبيما لاكر انسجامًا مع حركة الموجودات. أن لا تشذّ عن صف النجوم المقتدية بالشمس. إذ قالت الأرض مع قرينتها السماءِ أتينا طائعين (فصلت:١١)، والطبةٍ أو الجماعة أفضل وأحسن.
نحصل مما سبق:أن اللّٰه سبحانه وتعالى خلق الأرضَ كما يشاء واقتضتها حكمته، ولم يخلقها كما تشتهي خيالاتُكم يا أهل الخيال، ولم يجعل عقولَكم مهندسة الكائنات.
تنبلبة ال الأمور المشيرة إلى ضعف العقيدة أو إلى الميل إلى مذهب السوفسطائي أو إلى طالب الإسلام حديثًا ولمّا يتملكه.. هو الكلمة الحمقاء: "هذه الحقيقة منافية للدين!"لتقليدلذي يجد احتمالًا لمنافاة ما هو ثابت بالبرهان القاطع مع الدين -الذي هو الحق والحقيقة- ويخاف من هذه المنافاة لا يخلو من، إما أنه قد اختفى في دماغف السنطائي يشوش له الأمور، أو استتر في قلبه موسوس يثير الشغب والفوضى، أو أصبح طالبًا للدين مجددًا يريد أن يتملكه بالتنقيد.
المسألة الثانية
لا يخفى أن "مسألة الثور والحوت" المشهورة دخيلةٌ في الإسلام وطفيلية عليه، أسلم تعاكسراويها. فإن شئتَ فراجع "المقدمة الثالثة" لترى من أي باب دخلت.
أما نسبتُها إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنهما، فانظر إلى مرآة "المقدمة الرابعة" ترى سرّ إلحاقها بي سائروبعد هذا فإن كونَ "الأرض على الثور والحوت" يروى فيه حديث: [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/١٥٣، ١٩٤، ٢١/٧٢؛ الحاكم، المستدرك ٤/٦٣٦؛ ابن عبد البر، التمهيد ٤/٩؛ الهيثمي مجمع الزوائد ٨/١٣١ (نقلا عن البزار). وقد فَصلت "اللمعةُ الرابع فإذ" هذه المسألة.
أولًا:لا نسلّم أنه حديث، لأن عليه علامة الإسرائيليات.
— 65 —
ثانيًا:ولو سلّمنا أنه حديث، فإنه آحادي، يفيد الظن لضعف الاتصال، فلا يدخل في العقيدة، إذ اليقين شرطٌ فيها.
ثالثًا:حتى لو كان متواترًا وقطعيّ المتن، فليسالحقيقّ الدلالة. فراجع المقدمة الحادية عشرة، وتأمل في المقدمة الخامسة لترى كيف استهوت الظاهريين الخيالاتُ حتى حرفوا هذا الحديث عن محامله الصحيحة ووجوهه الصائبة.
فالوجوه الصحيحة له ثلاثة:
الوجه الأول:فكيم ذي حَمَلة العرش المسماة بی: "الثور، النسر، الإنسان" وغيرهم ملائكة، [٭]: انظر: الطبري، التفسير ١/٣٤٣؛ السيوطي، الدر المنثور ٥/٤٨٦؛ تفسير الخازن، ٦/١٥٣. كذلك هذا الٌ أيضًلحوت ملَكان اثنان حاملان للأرض. وإلّا فإن تحميل العرش العظيم على الملائكة، بينما الأرض على ثور عاجز -كالأرض- مناف لنظام العالم! ويرِد في لسان الشريعة: أن لكل نوع ملَكًا موكلًا خاصًا به يلائمه، وقد سمي ذلك. والقك باسم ذلك النوع، بناءً على هذه العلاقة، وربما يتمثل بصورته في عالم الملائكة. وقد روي حديث بهذا المعنى، أن الشمس تغرب في كل مساء تحت العرش وتسجد عنده ثم تستأذن وتعود. [٭]: انظرهذا الاري، بدء الخلق ٤؛ مسلم، الإيمان ٢٥٠؛ الترمذي، الفتن ٢٢.
نعم، إن الملك الموكّل على الشمس اسمه الشمس ومثاله الشمس، وهو الذي يذهب ويؤوب.
ولدى الفلاسفة الإلهيين: أن ل، كی"ط ماهيةً مجرّدةً حية ناطقة تمد الأفراد. ويعبّر عنهم الشرع: مَلَك الجبال ومَلَك البحار وملك الأمطار، إلّا أنه لا تأثير لهم تأثيرًا حقيقيًا إذ لا مؤثر في الكون الموتللّٰه.
أما الحكمة في وضع الأسباب الظاهرية، فهي في إظهار العزة والعظمة لئلا يرى النظرُ المتوجه إلى "دائرة الأسباب" مباشَرةَ يدِ القدرة لأمور خسيسةٍ ظاه هذه ادون حجاب. أما في الملكوتية وفي حقيقة الأمر وهي "دائرة العقيدة"، فإن مباشرةَ يدِ القدرة بدون حجاب لكل شيء، يلائم العزةَ؛ إذ كل شيء في هذه الجعت البٍ وعالٍ... ذلك تقدير العزيز العليم.
— 66 —
الوجه الثاني:إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتِها. أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس.
فإذا سأل أحد:بِمَ تقوم الدوكباتِ فالجواب:على السيف والقلم.
أو إذا سأل:بِمَ تقوم المدنية؟
فالجواب:على المعرفة والصناعة والتجارة.
أو إذا سأل:بِمَ تدوم البشرية وتبقى؟
فالجواب:بالعلم والعمل.
كذلك أجاب سيدُ الكونين وفخرُ العالمين (ص)ه.
ّٰه أعلم- بناء على ما سبق ذلك السائلَ الذي لم يستعد ذهنُه لدرك الحقائق -بدلالة المقدمة الثانية- وسأل عن شيء خارج نطاق وظيفته: الأرض على أي شيء؟ فأجابه رسولنا الكريم (ص) بما يلزمه أصلًا: الأرضُ على الثور. أي إن عمارة الأرض لن من طوشر ومنبع الحياة لأهل القرى منهم، على الزراعة، والزراعة محمولةٌ على كاهل الثور. وإن معظم معيشة القسم الآخر من البشر، ومعظم مصادر تجارة أهل المدنية، في جوف السمك وعلى الحوت. حتىمدات ع عليهم المثل السائر: كلُّ الصيد في جوف الفرا! [٭]: من أمثال العرب، ضربه النبي (ص) مثلًا لأبي سفيان حين قال له: أنت يا أبا سفيان! كما قيل: كل الصيد في جوبقائد ا. والمثل يضرب في الواحد الذي يقوم مقام الكثير لعظمه (المستقصى من أمثال العرب، للزمخشري ٢/٢٢٤).
وفي النهاية لابن الأثير ٣/٤٢٢ الفرأ مهموز مقصور: حمار الوحش، وجمعه فراء. قال له ذلك بتأليفه على الإسلام، يعني: أنت في ا اعلحمار الوحش، كل الصيد دونه.
فهذا جواب لطيف حقّ، حتى لو كان مزاحًا فإنه (ص) لا يقول إلّا حقًا. ولو سُلّم أن السائل سأل عن كيفية الخِلقة. فقد (تلقّى السامع بغير اع الضب) [٭]: هذه العبارة وأمثالها من الجمل والفقرات المحصورة بين قوسين مركنين )...( جاءت في النص التركي باللغة العربية. كما هو القاعدة في علم البيان، إذ تُلقى الإجابة عن الضروري والمطلوب بأسلوب حكيم. ولم يجاوبه على ية وتوية
— 67 —
السائل المريض الكاذبة. والآية الكريمة:
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس
(البقرة:١٨٩) براعةُ الاستهلال لهذه الحقيقة.
الوجه الثالث:إن الثور والحوت برجان مقدّران في مدار الأرض السنوي. فتلك البروج وإن كانت افتراضية موهومة، إلّ كرمه لسنن الإلهية الجارية في العالم والتي تنظِّم وتربط الأجرام السماوية والمسماة لفظًا واصطلاحًا بالجاذبية العامة، قد تمركزت في تلك البروج، لذا فالتعبير الفلكي: "منطق شعلى البروج" جائز.
هذا الوجه هو في نظر علم الفلك الحديث، لأن القديم قد افترض البروجَ في السماء، بينما الحديث افترضها في مدار الأرض، لذا يحوز هذا التأويل أهميةً في نظر الفَلك الحديث.
ثم إ الانتروي أن السؤال تَعَدَّد، فمرة أجاب: "على الحوت" وأخرى -بعد شهر- أجاب: "على الثور". بمعنى أن خيوط القانون المذكور وأشعتَها المنتشرة في كل جهة من جهاهو أم اء الواسع غيرِ المحدود، قد تجمعتْ وتمركزت في برج الحوت، لذا انطلقت الكرة الأرضية من برج الدلو ومسكت بالقانون المتدلي من برج الحوت، وتعلقت ثمرةً يانعة على غصن من شجرة الخلقة... أود.عبد -أي الأرض- كالطير جثمت على برج الثور وبنت عشها فيه.
وبعد ما عرفتَ هذا دقِّق النظر منصفًا:
إنه حسب مضمون "المقدمة الخامسة" ترى كيف تؤوّل تلك المسألة العجيبة المشهورة التي تدور بين أهل الخيال المولعين شاء أوع الغرائب بغير إسناد العبثية إلى الحكمة الأزلية، وبغير إحالة الإسراف إلى الصنعة الربانية، وبغير إخلال النظام البديع الذي هو برهان الصانع الجليل؟
ألا تبًّا وسُحقًا وبُعدًا للجهنه منا8
المسألة الثالثة
جبل قاف
اعلمأن العلمَ بوجود شيء غيرُ العلم بنوعيته وماهيته. فلا بد من التمييز بين هاتين النقطتين. فكم من يقين الأصل تصرّف فيه الوهمُ حتى أخرجه من الإمكان إلى الامتناع... فش المركيه "المقدمة السابعة" تُجبْك بلسان فصيح.
نعم، وكم من قطعي المتن تزاحمت الظنونُ في دلالته، بل تحيرت الأفهامُ بالإجابة عن السؤال: ما المراد؟. فشقق صَدَف "المقدمة الحادية عشرة" تجد هذه الجوهرة.
تنبيه:ولما كانوم الدلأمر هكذا.. فلا يشير من قطعي المتن إلى "قاف" إلّا ق والقرآن المجيد . بينما يجوز أن يكون ق كی ص، فليس هو في شرق الدنيا بل في غرب الفم. فاستبدالدليل من اليقين بهذا الاحتمال.
ثم إن دليلًا آخر بعدم وجود قطعي الدلالة غير هذا، قولُ أحد مجتهدي الشريعة وهو القرافي: "لا أصل له". [٭]: انظر: ابن حجراالم ال، تحفة المحتاج ١/٤٢٧؛ الآلوسي، روح البيان ٢٦/١٧١، ١٧٢.
أما نسبة كيفيته المشهورة إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنه، [٭]: انظر: ابن كثير، تفسير القرآن ٤/٢٢٢؛ السيوطي، الدرر المنتثرة ٧/٥٨٩؛ الشوكاني، فتح القديوضوع ب. فانظر في مرآة "المقدمة الرابعة" ليتمثل لك وجه نسبتها. علمًا أن كلَّ ما قاله ابن عباس كما لا يلزم أن يكون حديثًا، كذلك لا يلزم قبوله لكل ما نقله، لأن اب قطعًا قد التفتَ قليلًا أيام شبابه إلى الإسرائيليات عن طريیق الحكايیات إظیهیارًا لبیعیض الیحیقیائیق.
وإذا قلت: إن لعلماء الصوفية تصويرات كثيرة حول "قتضايفا[٭]: انظر: ابن عربي، الفتوحات المكية، ٥/١٠٩.
أقول جوابًا:إن عالَم المثال المشهور هو ميدان جولانهم، فكما نتجرد من ملابسنا، فهم يتجردون من أجسادهم ويشاهدون ذلك المعرض الحاوأليف
ائب والغرائب بالسير الروحاني، فی"قاف" متمثل في ذلك العالم كما يعرّفونه. إذ كما تتمثل السموات والنجوم في مرآة صغيرة، يتمثل أصغر الأشياء من عالم الشهادة -كالبذرة- شجرةً ضخمة في عالم المثال بتأثير
— 69 —
من تجسم المعاني. ولا يُخلَط أحكامُ هذين او فرضنن قط. والمطّلع على لبّ كلام محي الدين بن عربي يصدّق هذا.
أما ما اشتهر بين العوام ومَن هم مثلهم أن "قیاف" جیبل محيیط بیالأرض متعدد، ما بينْنُكَ نين منه مسافة خمسمائة سنة، ذروتُه تمس السماء.. إلى آخر خيالاتهم، فاقتبِسْ من "المقدمة الثالثة" لتقويم هیذه الخيالات، ثم ادخل في هیذه الظلمات لعلك تیجید زلال بلاغتها.
وإن أردت أن تعرف عقيدتي في هذه المسألة، فاعلم أنن.. فال بوجود "قاف" ولكن أحيل كيفيته إلى ثبوت حديث صحيح متواتر؛ فإن ثبت الحديث في بيان كيفيته أؤمن به على ما أراد النبي (ص) الذي هو صدق وصحيح وحق، لا على ما تخيّله ي الاس لأنه قد يكون المفهوم غيرَ المراد. وأما ما فهمناه من هذه المسألة فنعطيكه:
أولًا:إن جبل "قاف" هو سلسلة هيمالايا التي هي أم أعظم جبال "جامولار" التي هي سلسلة أحاطت بمعظم الشرق، واض والسنت حاجزة بين البدويين والمدنيين سابقًا، ويقال: إنه قد تشعب من عرق هذه السلسلة أكثر جبال الدنيا، ومن هذا الأصل نشأ الفكرُ المشهور بإحاطة "قاف" للدنيا.
ثانيًا:إذا صدم المثال برزخ بين عالَمي الشهادة وعالَم الغيب، فهو يشبه الأول صورةً والآخر معنًى، هذا المفهوم يحل ذلك المُعَمَّى واللغز.
فمن شاء أن يطّالاستنلًا على هذا العالَم (عالَم المثال) فله أن ينظر إليه بنافذة الكشف الصیادق، أو بمنفذ الرؤيیا الصیادقة، أو بمنظار المواد الشفافة، أو على الأقل بشیاشة الخوم..
خلفية؛ فهناك دلائل كثيرة جدًّا على وجود هذا العالم، عالمِ المثال وتجسُّمِ المعاني فيه.
وبناء على هذا يمكن أن يكون "قاف" الموجود في هذه الكرة الأرضية بذرة "قاف" ذي عجائبَ موجودٍ في عالم ال وأيضً ثالثًا:إن مُلك اللّٰه واسع لا ينحصر في هذه الكرة الفقيرة. وفضاء اللّٰه أوسع ودنيا اللّٰه أعظم من أن يضيق بی"قاف" ذي عجائب. وليس خارجًا من الإمكان العقلي. إنه يناطح
— 70 —
برأسه كتف الل على التي هي موج مكفوف- [٭]: الترمذي، تفسير سورة الحديد ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٥. رغم بُعده خمسمائة سنة من أيام اللّٰه عن كرتناالبقرةية، إذ يجوز أن يكون "قاف" شفافًا وغير مرئي كالسماء.
رابعًا:لِمَ لا يجوز أن يكون "قاف" سلسلة عظيمة تجلت في دائرة الأفق، مثلما أن اسم الأفق يكون مصدرًا لی"قاف" لأنه أينوجنس ا المرء تتراءى له دائرة من سلاسلَ جبلية كالدوائر المتداخلة، وهكذا بالتدريج والتعاقب يَثْبت النظرُ ويبقى، مسلِّمًا أمرَه إلى الخيال، حتى يتخيل الخيالُ دائرةً من سلاسل جبلية محيطة بالأرض تمس أطراف السماء. فتشاهَد الأموبها بدلالة الكروية حتى لو كان البُعد خمسمائة سنة.
المسألة الرابعة
سد ذي القرنين
كما علمتَ أن العلمَ بوجود شيء غيرُ العلم بماهيته وبة أن .
وأن القضية الواحدة تتضمن أحكامًا كثيرة، منها ضرورية، ومنها نظرية مختلَفٌ فيها.
وأن المقلّد المعاند إذا سأل أحدًا عما رآه في كتاب -وإن كان محرفًا- على وجه الامتحان والتجربة وأجابه حتى عن معلومه الالحيوانه. فالجواب صحيح من جهتين:
إما أنه صحيح مباشرة، يطابق الواقع. أو بما يطابق معلومَ السائل المعانِدِ بالذات، أو بالتأويل. فكلا الوجهين صحيح.
فالجواب الواحد إذن يُرضي الواقع، لأنه حق، ويُقنع السائلَ لأنه يقدِر على تطبيقه على معلومِه، وإن لجلس مومرادًا. وفي الوقت نفسه لا يجرح شأنَ المقام، لأن فيه -أي في الجواب- عقدةَ الحياة التي تستمد منها مقاصدُ الكلام بواعثَ حياتها.
وهكذا جواب القرآن.
سنميّز بعد ان الكلضروريَ من غير الضروري؛
ومن الأحكام الیضروريیة المیفهومة في الجواب القرآني والتي لا تیقبیل الإنكار:
— 71 —
"ذو القرنين" [٭]: فَصلت اللمعةُ السادسة عشرة هصية "كسألةَ. وهو شخص مؤيَّد من عند اللّٰه، بنى سدًا بين جبلين بإرشاده وتدبيره، دفعًا لفساد الظالمين والبدويين.. ويأجوج ومأجوج قبيلتان مفسدتان، وإن السد سيُدمّر حالما يأتي أمرُ اللّٰه.. الخ. محلّهلى هذا القياس؛ فما دلّ عليه القرآنُ من أحكام، هو من ضروريات القرآن، أي إنه قطعيُّ الدلالة، ولا يمكن إنكارُ حرف منه، ولكن تفصيلاتِ تلك المواضيع وكيفى القب ووجوهَها وحدودَ ماهياتها ليست قطعيةَ الدلالة في القرآن، بل ثبت أنه لا يدل عليها حسب قاعدةِ: "لا يدل العام على الخاص بأيٍّ من الدلالات الثلاث"، وحسب دستور علم المنطق: "يكفي للحُكم تصوُّر وجهٍ منشر الالموضوع والمحمول"، ولكن يمكن أن يقبلها القرآنُ. أي إن تلك التفصيلات هي من الأحكام النظرية محوَّلةٌ إلى دلائل أخرى، فهي مظنّة الاجتهاد، وفيها مجال للتأويل. والدليل على نظريتها (ظنيتها) اختلاف العلماء.
ولكن ياد" إلى، فإنه بتخيل لزوم مطابقة الجواب لتمام السؤال، ومن دون اهتمامٍ بخلل السؤال، أخذوا الأحكامَ الضرورية والنظرية للجواب بأجمعها من مصدر السائل ومنبَت السؤال وأصبحوا مفسِّرين له، لا بل مؤوِّلين لما يجوز أن يدلّ عليه الجواب،أوّلان أظهروا أفراد المعنى معنًى له، لا بل أوّلوا ما يجوز أن يصدُق عليه مع شيء من الإمكان مدلولًا مفهومًا له... فتلقّاه الظاهريون بالقبول، والعلماءُ بالإصغاء دون تنقيد لعدم أهميته كالحكايات كما وضح فمن خِلقدمة الثالثة". ولكن لو قبل بتلك التفصيلات كما ورد في التوراة والإنجيل المحرّفَين فإنها تخالف عصمة الأنبياء التي يعتقد بها أهلُ السنة والجماعة... الشاهد على هذا قصةُ لوط وداود عليهما السلام.
ولكن لما كان في الكيفية مجالٌ للاجتهاد والتأويل، بعد مضقول وباللّٰه التوفيق:
الاعتقاد الجازم بما أراد اللّٰه تعالى ورسولُه (ص) واجبٌ قطعًا، لأنه من ضروريات الدين، أما المراد ما هو؟ فاختُلف في تعيينه:
فذو القرنين -لا أقول إسكندر، لأن الاسم لا يسمح بذلك- قال بعض المفسرين في حقكل الم مَلَك، وقيل: ملِك، وقيل: نبي، وقيل: ولي.. إلى آخر ما قيل.
— 72 —
وعلى كلٍّ فهو مؤيَّدٌ من عند اللّٰه ومرشد لبناء سد الصين.
أما السدُّخر فلا بعضهم: إنه سد الصين، وقيل: غيرُه تحوَّل جبلًا، وقيل: سد مخفي لا يطلَع عليه، سترتْه انقلاباتُ أحوال العالم.. وقيل.. وقيل..
وعلى كل فهو ردم عظيم وجدار جسيم بُني لدفع شر المفسدين.
أما يأجوج ومأجوج، فقيل: قبقف زحفمن ولد يافث، وقيل: المغول والمانجور، وقيل: أقوام شرقية شمالية، وقيل: طائفة من جماعة عظيمة من بني آدم يشيعون الفتنة والفوضى في الدنيا والمدنية. وقيل: مخلوقات للّٰيين منى آدميون أو غيرهم في ظهر الأرض أو في بطنها، يسببون فساد العالم عند قيام الساعة. أما جهة الاتفاق والأمر القاطع: فهما طائفتان من مخلوقات اللع فيه نتا أهل غارة وفساد على الحضارة والمدنية كأجَل القضاء عليها.
أما خرابُ السد؛ فقيل: عند القيامة، وقيل: قريب منها، وقيل: يخرب بحيث يعدّ أمارتها وإن كان بعيدًا، وقيل: وقع الخراب ولكن لم يدكّ. ولملوك قيل...
وعلى كلٍّ؛ فانهدامُه علامة على كهولة الأرض وشيب البشر.
فإن وازنتَ بين ما ذُكر آنفًا وقارنته يمكنك أن تجوّز أن السدّ المذكور في القرآن هو سدّ الصين، الطويل بفراسخ، ومن عجائب الدنيا السبعة المشهورة، قد بُني بإرشاد مؤيّ ولما عند اللّٰه لصدّ شرور أهل البداوة عن أهل المدنية في ذلك الزمان.
نعم، فمِن أولئك الهمج قبيلة "الهون" الذين دمّروا أوروبا، و"المغول" الذين خربوا آسيا.
ثم إن خرابَ السد من علامات الساعة، ولاسيما نوفيهغير خرابه. وإذا ما قال النبي (ص) إنه من أشراط الساعة: "أنا والساعة كهاتين" [٭]: البخاري، تفسير سورة النازعات ١، الطلاق ٢٥، الرقاق ٣٩؛ مسلم، الفتن ١٣٢؛ الترمذي، الفتن ٣٩. كيفى التجرب كون خراب السد من علامات القيامة بعد خير القرون؟ ثم إن انهدام السد بالنسبة لعمر الأرض هو انقباض وجه الأرض لشيبها، بل كنسبة وقت الاصفرار إلى تمام النهار، حتى لو كانت القيامة بعيدةٌ بألوف من السنين.
— 73 —
كذلك فإن الفوضى والاضط.
وذي يولّده يأجوج وماجوج هو في حكم حمًى تصيب البشرية لهرمها.
وبعد هذا ينفتح لك بابٌ لتأويل آخر من فاتحة "المقدمة الثانية عشرة" وهو: أن القرآن يقص القصص لأخذ العِبَر من المبهنتقي منها النقاط التي هي كالعقد الحياتية التي تناسب مقصدًا من مقاصد القرآن ويربطها به.. فهما -أي القصة والعبرة- تتعانقان في الذهن والأسلوب وإن لم تتراء ناراهما أو نوراهما معًا ولمست كذل في الخارج سوية. ولما كانت القصة للعبرة فلا يلزمك تفصيلاتها ولا عليك كيف كانت. خذ حظك منها وامض إلى شأنك.. واستظهر من "المقدمة العاشرة" ترى أن المجاز يفتح بابًا للمجاز فی
تغرب في عين حمئة
(الكسلام و تنعي على الظاهريين وتطردهم.
واعلم أن مفتاح حجة اللّٰه المتجلية في أساليب العرب هو البلاغةُ التي هي أصل الإعجاز والمؤسَّسة على الاستعارة والمجاز، لا ما يُلتَقط من خرزٍ -بالحدس الكاذب- من المشهورات وتختبئ في أصداف الآيات د
واها. فاستنشِق خاتمةَ "المقدمة العاشرة" فإنها مسكٌ وذُقها ففيها عسل.
ويجوز أن يكون السد وهو مجهول الكيفية في موضع آخر مجهول مستور عنا كسائر علامات الساعة، ويبقى إلى القيامة مجهولًا ببع والملاباته، وسينهدم في القيامة.
إشارة:معلوم أن المسكن يدوم أزيدَ من ساكنيه، وعمر القلعة أطول من عمر المتحصنين بها. فالسكنى والتحصن علّة وجودها لا علة بقائها ودوامها. وحتى إن كانا كذلك فلا يقتضيان استمرارها ولا عدم خلوها. فليس من ضرورياه- علم الشيء دوام الغرض المترتب عليه.. فكم من بناء يبنى للسكنى أو للتحصن وهو خاوٍ وخالٍ.
ومِن عدمِ فهم هذا السر فُتح الطريق للأوهام.
تنبيه:لام. وصد من هذا التفصيل فتحُ طريقٍ لتمييز وفرزِ التفسيرِ عن التأويل.. والقطعي عن الظني.. والوجودِ عن الكيفية.. والحكم عن التفصيلات الجانبية.. ففي انى عن أفراد المعنى.. والوقوع عن الإمكان.
— 74 —
المسألة الخامسة
إن ما اشتهر من أن "جهنم تحت الأرض"، [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠، ٤/٢٨٧؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٣/٥٥؛ البيهقي، شعب الإيمان ١/٣٣١،ا تضجر، ٤/٣٣٤؛ الحاكم، المستدرك ٤/٦١٢. فنحن معاشر أهل السنة والجماعة لا نعيّن موضعَها على القطع واليقين، ولكن "التحتية" هي الظاهرة. [٭]: هذه المسألة فَصّلها هذه ال الثالث من المكتوب الأول.
وبناءً على هذا أقول وباللّٰه التوفيق:
أولًا:إن كرتنا الأرضية ثمرةٌ من ثمرات شجرة العالم العظيمة، عظمةَ شجرة طوبى، كما أثمرت سائر نجومنُ".. ا تحت الثمرة يشمل تحت جميع أغصان تلك الشجرة. وبناء على هذا فی"جهنم" تحت الأرض بين تلك الأغصان، فمُلك اللّٰه تعالى واسع، وشجرة الخليقة منتشرة، أينما كانت جهنم فلها موضع بينها ولا تقتضي مسافة التحتية طولًا ولا اتصلذا فاالأرض.
وفي نظر الحكمة الجديدة، أن النار مستوليةٌ على أكثر ما في الكون، وهذا يشفّ عن أن أصلَ هذه النار وأساسَها جهنم، ترافق الإنسان إلى الخلود وفي طريقه إلى الأبد، وستمزَّق يومًا ما الستارُ، وادة اللى الميدان قائلة: تهيأوا!
وأودّ أن ألفت نظركم إلى هذه النقطة:
ثانيًا:إن تحت الكرة وأسفَلها هو مركزها وجوفها، فعلى هذا فإن الأرض حبلى ب كبيرةجرة زقوم جهنم، ستلدها يومًا ما. بل الأرض الطائرة في الفضاء ستبيض شيئًا كهذا، حتى إن لم تكن جهنم بتمامها في تلك البيضة فإن رأسها أو أيّ عضو منهاحّم وإٌ فيها بحيث تتحد مع الدركات وسائر الأعضاء منها يوم القيامة وتبرز على أهل العصيان جهنمُ مهولةً عجيبةً.
فيا هذا! الحسابُ والهندسة يمكنهما أن يأخذاك إلى موضع جهنم وإن لم تذهب أنت إليها؛ وذلك أن درجة الحرارة تتزايد درجة واحدة تقريبًا في. مع م بكل ثلاثة وثلاثين مترًا في باطن الأرض، بمعنى أن درجة الحرارة تكون في المركز ما يقرب من مئتي ألف درجة -في الأغلب- فنسبة هذه النار المركزية إلى درجة حرارتنا البالغة ألف درجة هي مئتا مل تبسط5
وهذه تُثبت نفس ما ورد في الحديث المشهور -ما معناه- من أن نار جهنم أشد من نارنا بمئتي مرة. [٭]: انظر: البخاري، بدء الخلق ١٠؛ مسلم، المساجد ١٨٠-١٨٧؛ الترمذي، الصلاة ٥؛ أبو داود، الصلاة ٥.
ثم إن قسمًا من جهنم للغير ر"، [٭]: انظر: البخاري، المواقيت ٩، بدء الخلق ١٠؛ مسلم ١٨٥؛ الترمذي، جهنم ٩؛ ابن ماجه، الزهد ٣٨؛ الدارمي، الرقاق ١١٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٧٦، ٣٩٤، ٥٠٣. والزمهرير يحرق ببرودته؛ إذ قد ثبت في العلم الطبيعي أن الحرارة تصل إلى درجة تجعل المارون أدا، وتحرق بالبرودة، حيث تمص الحرارة مصًا. أي إن النار التي تشمل جميع المراتب قسم منها "زمهرير".
تنبيه:إن العالم الأخروي الأبدي لا يُقاس بمقياس هذه الدنيا الفانية، ولا بسعتها، فاستعد سيتجلى لك شيء من الآخرة في ختام "المقالةالًا وثة".
إشارة:من السعادة الأخروية، من تلك الجنة الوارفة الظلال، تنفتح أمام نظر العقل ثمانية أبواب ونافذتان وذلك:
بشهادة الانتظام في جميع العلوم..
وبإرشاد ام ليس اء التام للحكمة..
وبرمز جوهر الإنسانية..
وبإيماء عدم تناهي ميول البشر..
وبتلميح القيامة النوعية المكررة في كثير من الأنواع، كالليل والنهار..
وبدلالة عدم ا) أي ج..
وبتلويح الحكمة الأزلية..
وبإرشاد الرحمة الإلهية المطلقة..
وبلسان النبي الصادق الفصيح..
وبهداية القرآن المعجز البيان..
— 76 —
المسألة السادسة
مقدم..خاصيةَ المميزة للتنزيل الإعجازُ، والإعجاز يتولد من ذروة البلاغة، والبلاغة مؤسسة على مزايا وخصائص، لاسيما الاستعارة والمجاز. فمن لم ينظر بمنظارهما لا يفُزْ بمزاد، ومخ. فكم في التنزيل من "تنزّلات إلهية إلى عقول البشیر" تُسیيل ينابيعَ العلوم في أسیاليب العرب تأنيسیًا للأذهیان، والتي تعبِّر عن مراعاة الأفهام واحترامِ الحسیيات ومماشیاةِ الأذهان.
ولما كان الأمر هك السعاا بد لأهل التفسير ألّا يبخسوا حقَّ القرآن بتأويله بما لم تشهد به البلاغة.
ولقد تحقق أجْلى من أية حقيقة كانت أن معاني القرآن الكريم حق، كما أن صور إفادته للمسلمة،بليغة ورفيعة. فمن لا يُرجع الجزئياتِ إلى ذلك المعدن ولا يُلحقْها بذلك النبع يكن من المبخِسين حقَّه. وسنبين مثالًا يلفت النظر: والجبال أوتادًا (النبأ:٧) يلوّح بمجاز بديع -لى الس أعلم بمراده- إذ يجوز أن يكون المجاز المشار إليه يومئ إلى تصوّر كهذا:
أولًا:إن الكرة الأرضية الشبيهة بالسفينة والغواصةِ العائمة في بحر الفضاء الواسع قد حافظت على توازنها، وأرسيت أثناء اشتباكها بالهواء في جوف المحيط الهوائي، بجبال [٭]:بيهة بالأعمدة والأوتاد. بمعنى أن الجبال في حكم الأعمدة والسارية لتلك السفينة.
ثانيًا:إن الاهتزازات الناجمة من انقلابات الأرض الداخلية تهدأ وتسكن بالجبال؛ إذ هي كالمسامات للأرض. فمتى أول: ف فورانٌ وغضب في الجوف تتنفس الأرضُ بمنافذِ جبالها، فيسكن غضبها وتهدأ حدّتها، أي إن استقرار الأرض وهدوءها بجبالها.
ثالثًا:إن عمودَ عمارة الأرض الإنسانُ، وحياة الإنسان متوقفة على محافظة منابعها من ماء وتراب وهواء، مع ضمان الاستفادة منات الولجبالُ هي التي تحقق ذلك بتضمنها لمخازن الماء وتصفيتِها الهواء وتلطيفها الحرارة والبرودة، وهي سبب في تنقية الهواء، ومنبعُ تراكم الغازات المضرة الداخلة فيه. وفي الوقت نفسه تترح أي بمالتراب فتحفظه من التوحل والتعفن وتقيه من استيلاء البحر.
— 77 —
رابعًا:إن وجه المشابهة والمناسبة من حيث البلاغة هو:
لو فرضنا شخصًا ركب منطاد الخيال، فصعد إلى السماء بعيدًا عن الأرض؛ فإذا نظر إلى سلسلة الجبال من هنالي اليلَ الطبقة الترابية خيام البدو المفروشة على الأوتاد، والجبالَ المنفردة خيمة منصوبة على عماد.. أتراه قد خالف طبيعة الخيال؟ ولو تصورتَ وصوّرتَ لبدويّ تلك السلاسل الجبلية -ى حسابستقلة بذاتها- خيامَ قبائل الأعراب ضُربتْ في صحراء الأرض مع تخللها خيامًا مفردة، لم تبعد عن أساليب العرب الخيالية.. أو لو تصورتَ أنك قد تجردت من هذا العالم عل عقد، وبدأت تتأمل في الأرض التي هي مهد البشرية بمنظار الحكمة وفي السماء التي هي السقف المرفوع، وتخيلتَ بعد ذلك أن السماء المحددة بدائرة الأفق المماسة معها، كالفسطاط المضروبزئية الأرض، المرتبط بأوتاد الجبال، فإنك لا تُتهم في خيالك هذا.
سيرد مثال أو مثالان لهذا الأمر في ختام المسألة الثامنة.
المسألة السابعة
إن دحيها و سطحت و فرشناها و تغرب في عين حمئة وما شون رضامن الآيات المذكورة في القرآن الكريم، يتشبث بها أهلُ الظاهر إرباكًا للأذهان، ونحن لسنا بحاجة إلى الدفاع، لأن المفسرين العظام قد كشفوا سرائرَ ما في ضمائر هذه الآيات، ما فيه الكفاية، فلم تبق لنا حاجة. وقد أعطوا درسف، وعدبرة، وسطروا السطر الأساس لنحذو حذوهم.
ولكن بكوا قبلي فهيّجوا لي البكاء وهيهات ذو رحم يرق لبكائي
إن إعلام المعلوم، لاسيما إن كان مشاهَدًا عبثٌ، كما هو معلوم. أي لابد من وأخذ شكطة غرابة تُخرجه من العبثية.
فلو قيل: انظروا إلى الأرض كيف جعلناها مسطحة ومهدًا مع كرويتها، وقد نجت من تسلط البحار.. أو إذا قيل: انظروا كيف تجري الشمس لتنظيم معيشتكم مع استقرارها... أو مثل: انظروا كيف تغرب الشمس في عين حمئة وهي بعيدة عنا ألوالشجر،ين.. عند ذلك تخرج معاني الآيات من الكناية إلى الصراحة.
نعم، إن نقاط الغرابة هذه هي نكات بلاغية.
— 78 —
المسألة الثامنة
إن مما ورّط الظاهريين، بل السببالشكل الذي دفعهم إلى القلق والتردد، هو: التباس الإمكانات بالوقوعات، [٭]: الوقوعات: حصول الشيء ووجوده بعد أن كان معدومًا، ولا يلزم من إمكان وجود الشيء وجوده فعلًا، فشمس ثانية يمكن وجودها ولكن بعثها موجودة. والخلط بينهما.
فيقولون مثلًا:إذا كان الشيء هكذا، فهو ممكن في القدرة الإلهية، وهو أدلّ على عظمته تعالى في عقولنا، فهو إذن واقع!...
هيهات! أيها المساكين! أين عقولكم من أن تكون مهندسة الكون؟ فأنتي أحدُون عن أن تحيطوا بالحسن الكلي بعقلكم الجزئي هذا! لو كان أنف بطول ذراع من ذهب ربما يستحسنه من حصر فيه النظر!
ثم إن الذي حيّرهم، هو توهمهم منافاة طاهر، ن الذاتي لليقين العلمي، فيتقربون إلى مذهب "اللاأدرية" [٭]: هو فرقة من السوفسطائيين يقولون: إن حقائق الأشياء لا تدرى هل أنها موجودة أو معدومة، ونحن لا ندري هل ندري أو لا ندريواع الددهم وتشككهم في العلوم العادية اليقينية، بل لا يخجلون، إذ يلزم مسلكهم هذا أن يتشكك الإنسان في أمور بديهية كوجود بُحيرة "وَانْ" وجبل "سبحان"، لأن هذا ممكن في مسلكهم، أي أن تنقلب بحيرة "وان" إلى دبس، وينقلب جب إلى اان" إلى عسل مغطى بالسكر! أو أنهما يذهبان إلى بحر العدم -كقسم من أصدقائنا الذين لم يرضوا بكروية الأرض فسافروا فزلّت أقدامهم- بمعنى: يلزم عدم التصديق ية" ال السابقة للبحيرة والجبل!
أيها المحرومون من المنطق! أين أنتم؟ تأملوا! فقد تقرر في علم المنطق: أن الوهميات التي في المحسوسات، من البديهيات. [٭]: يعني بهذا أن من البديهي أن لا يحصل الوه الدعالمحسوسات لأن ما يُدرك بها يسمى علمًا لا وهمًا، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، أما السوفسطائيون فإنهم يجوّزون الوهم في المحسوسات ويقولون: إن حبة العنب إذا وضعت في ماءٍ داخل قارورة زجاجية فإنها تُرى كب.
ابر منها إذا كانت خارجها، فهذا وهمٌ حصل بالمبصرات. فيجابون بأن الحبة لم تتغير إنما عرض عليها الماء داخل القارورة فأصبحت تُرى هكذا، وإلّا فهي لم تتغير. ( هم ألالملك). فإن أنكرتم هذه البداهة، فليس لي إلّا أن أقدم لكم التعازي بدل النصائح بموت العلوم العادية، بينما السفسطة قد بعثت لديكم.
البلاء الرابع:ارى للشّش أهل الظاهر هو: التباس الإمكان الوهمي بالإمكان العقلي. [٭]: الفرق بينهما هو أن الإمكان الوهمي قد يوجد وقد لا يوجد، بينما الإمكان العقلي لا يباخترا(د.عبدالملك). #79
علمًا أن الإمكان الوهمي متولد من عِیرق التقليد، لا من أساس. وهیو الیذي يولد السفسطة، وحيث لا دليل له، يفتح في البديهيات طريقًا إلىلإمام والاحتمال والظن، هذا الإمكان الوهمي غالبًا ما ينتج من عدم المحاكمة العقلية، ومن ضعفٍ عصبي قلبي، ومن مرض عصبي عقلي، ومن عدم تصور الموضوع والمحمول. بينما الإمكان العقلي هو تردد في أمر لا يظفر بدليل قطع "المحوجوده وعدمه ما لم يكن واجبًا ولا ممتنعًا. فإن كان الإمكان ناشئًا عن دليل فهو مقبول وإلّا فلا اعتبار له.
ومن أحكام الإمكان الوهمي هذا أن قسمًا من المتشككين يقولون: ربما لا يكون الأمر على ما أن.
لبرهان، لأن العقل لا يستطيع أن يدرك كل شيء. وعقلنا يعطي لنا هذا الاحتمال. نعم... لا.. بل الذي يعطيكم هذا الاحتمال هو شككم ووهمكم. لأن العقل من شأنه المضي على برهان.
صحيح أن العقل لا يتمكن أن يدرك وقواعدهكل شيء، ولكن مثل هذه الماديات ولاسيما ما لا يفلت من البصر مهما كان صغيرًا فإنه يزنه ويدركه. ولو لم نتمكن من دركه نكون في تلك المسألة غي أشد اين، كالأطفال..
تنبيه:إن مخاطبي الفكري الذي أخاطبه بالظاهري وذي النظر السطحي والذي أفضحه وأعنفه وأوبّخه هو في غالب الأحوال عدو الدين ممن يبخس حقَّه ولعن الرجمال الإسلام وينظر إليه من بعيد بنظر سطحي عابر.. ولكن أحيانًا هو من أهل الإفراط والغلو ممن يفسد الدين من حيث يريد الإصلاح، وهم أصدقاء الدين الجاهلون.
البلاء الخامس:ه الناش الحقيقة في كل موضع من كل مجاز، مما أخذ بيد أهل التفريط والإفراط إلى الظلمات.. نعم، لابد من وجود حبة من حقيقة لينمو وينشأ منها المجاز ويتسنبل، أو إن الحقيقة هي التحققة التي تعطي الضوء، أما المجاز فهو زجاجها الذي يزيد ضياءه. نعم، المحبة في القلب، والعقل في الدماغ، وطلبهما في اليد والرِّجل عبث.
البلاء السادس:هو قَصر النظر عار ونماهر، مما طمس على النظر، وسَتَرَ البلاغةَ، فلا يتجاوزون إلى المجاز، مادامت الحقيقة ممكنة في العقل. وحتى لو صاروا إلى المجاز يمسكون عن معناه.
— 80 —
وبناء على هذا فإن تفسير أو ترجمة الآيات والأحاديثن، مستينان حسن بلاغتهما. وكأن لديهم أن قرينة المجاز امتناع الحقيقة عقلًا.. بينما القرينة المانعة كما يمكن أن تكون عقلًا يمكن أن تكون حسًا وعادةً ومقامًا وبأشأمور ارى.
فإن شئت فادخل من الباب الواحد والعشرين بعد المئتين من "دلائل الإعجاز" تلك الجنة الفردوس، ترَ أن ذلك الداهية عبد القاهر الجرجاني قد أخذ إلى جانبه أمثال هؤلاء المتعسفين يوبّخهم ويعنفهم.
الحريةء السابع:هو حصرهم العَرَضَ [٭]: العرض: هو الذي لا يبقى زمانين أو ما له تحيّز تابع لمحل، كالحركة والسكون والحمرة والصفرة في وجه الإنسان مثلا. كالحركة على الذاتي، [٭]: الذاتي: يراد به هنا ما له تحيّز مستقل بنفسه قلتأخذ قدرًا من الفراغ بنفسه. والأينية [٭]: الأينية: يراد بها المكان والمحل، لأنه يُسأل عنه بی"أين". مما نكّر المعرَّف ولزم إنكار الوصف الجاري على غير مَن هو له. وبهذا حادت شمس الحقيقة عن جريانها. أمَا نظر هؤلاء إلى أسالي بدستوب، كيف يقولون: صادفتنا الجبال، ثم فارقتنا.. تراءت لنا وبعُدَت عنا.. والبحر أيضًا ابتلع الشمس... الخ. وكم يقلبون الخيال لأسرار بيانية كما في المفتاح للسكاكي، وهذا لطافة بيانية مؤسسة على مغالطة وهميى ذلك ّ الدوران. [٭]: لعله الدوران عند علماء الأصول، وهو: توقف المعلول على علته وجودًا وعدمًا، أي كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انعدمت انعدم، واللّٰه أعلم. (د. عبد الملك).
ودق الذهنا مثالين مهمين لينسج على منوالهما:
وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد
(النور:٤٣)
والشمس تجري لمستقر لها
(يس:٣٨).
هاتان الآيتان الكريمتان جديرتان بالملاحظة والتدبه -بعد الجمود على الظاهر جحود بحق البلاغة، إذ الاستعارة البديعة في الآية الأولى تتوقد بحيث تذيب الجمود المتجمد، وتشق كالبرق ستار سحب الظاهر. أما البلاغة في الآية الثانية فهي مستقرة وقوية ولامعة بحيث تقف الشمس لمشاهدتها.
وفكره الأولى نظيرتها: قوارير من فضة (الإنسان:١٦) التي تضمنت استعارةً بديعة مثلها، وذلك: كما أن أواني الجنة ليست زجاجًا فهي ليست فضة كذلك، بل مباينة الزجاج للفضة قرينة الاستعارة البديعة. أي إن ا حيث ابشفافيته والفضة ببياضها ولمعانها كأنهما
— 81 —
نموذجان لتصوير أقداح الجنة، أرسلهما الرحمن إلى هذا العالم ليهيّجا الرغبةَ لدى المشتاقين إلى الجنة ممن يبذلون أنفسحيث إيوالهم في طلبها.
ومثل هذا تمامًا، تتقطر استعارةٌ بديعة من الآية الكريمة:
من جبال فيها من برد
أن موضع هذه الاستعارة مبنيٌّ على تصوّر القع دونوالمحاكاة بين الأرض والسماء بحكم الخيال وهي كآلاتي:
كما أن الأرض تتزين بجبالها المتزمّلة بحلل الثلج والبرد أو تتعمم بها، وتتبرج ببساتينها، فالسماء كذلك تقابلها وتحاكيها فتتجمل متبرقعةً بالسحاب المتقطع جبالًا وأطد في طوأودية وتتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض.
فلا خطأ إذن في التشبيه إن قيل أن تلك السُحب المتقطعة شبيهة بالجبال أو بالسفن أو بقافلة الإبل أو بالبساتين والوديان، إذ يخيل -في نظر البلاغة- أن قطعات السحاب سيارة وسبّیاني ل الجو كأن الرعدَ راعيها وحاديها، كلما هزّ عصا برقِه على رؤوسهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعاتُ وارتجّت وتراءت جبالًا كالعهن المنفوش، وكأن السماء تدعو ذرات بخار الظري. دلرعد لتسلم السلاح والجندية ثم بأمر الاستراحة يذهب كلٌّ إلى مكانه ويختفي.
وكثيرًا ما لبس السحابُ زيَّ الجبال ويتشكل بهيكله ويتلون ببياض البرد والثلج ويتكيف بالرطوبة والبرودة. ولهذا فبين الجبال ونيرة فمجاورة وصداقة، فاستحق -في نظر البلاغة- أن يتبادلا ويستعيرا لوازمهما، فيعبّر عن السحاب بالجبل مع تناسي التشبيه.
وفي مواضع من القرآن تظهر هذه الأخوة والتوطاعتَإذ قد يظهر هذا في زيّ ذاك وذاك في زي ذلك وفي بريقه.. ومن منازل التنزيل مصافحةُ الجبال والسحب، مثلما هناك معانقةٌ ومصافحةٌ مشهودة على صحيفة كتاب العالم، إذ نرى السحابَ موضوعًا على جبل وكأن الجبلَ مَرسًى لسفن السحاب.
الآية الثاإلى ثلوالشمس تجرى لمستقر لها
نعم، إن كلمة تجري تشير إلى أسلوب بيانيٍّ كما أن كلمة لمستقر تلوّح إلى حقيقة. بمعنى أنه يجوز أن يكون الأسلوبُ البياني المشار إليه بی تجرى هو الآتي:
— 82 —
إن الشمس ي
#15 مدرَّعة مصنوعة من ذَوب الذهب تجري وتسبَح في بحر السماء الأثيري -المعبّر عنه بموج مكفوف- [٭]: انظر: الترمذي، تفسير سورة الحديد ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط سأسجل وهي وإن أُرسيَت في مستقرها إلّا أن ذلك الذهب الذائب يجري في ذلك البحر العظيم، بحرِ السماء. ولكن ذلك الجريان إنما هو بالنظر الحسي الذي يُراعى لأجل التفهيم، فهو جريان تبَعي وعرضي. إلّا أن للشمس جريانين حقيقيين؛ ولابدفي خزيون لها جريانٌ، لأن المقصد -من الآية- بيانُ الانتظام... وحسب أساليب العرب وفي نظر النظام إن كان الجريان ذاتيًّا أو تبعيًّا فالأمر سواء.
ثانيًا:إن الشمس في مستقرّها وعلى محورها متحركةٌ، لذا فإن أجزاءها التي هي م ولا فالذهب تجري أيضًا، هذه الحركة الحقيقية هي حبّةٌ من تلك الحركة المجازية المذكورة بل هي محرّكها.
ثالثًا:إنه من مقتضى الحكمة أن جريان الشمس وجنودِها التي هي سياراتُها في فضاء العالم في جريیان مشیاهَد، لأن القیدرة الضراركم قید جعلت كل شیيء حيیًا ومتحركًا ولم تجعل شيئًا محكومًا عليه بالسكون المطلق، ولم تسمح الرحمة الإلهية أن يتقيد أي شيء كان بالعطالة المطلقة التي هي أخت الموت وابنة عم العدم. التصولشمس أيضًا طليقةٌ بشرط إطاعتها للقانون الإلهي، فلها الحرية في الجريان، ولكن بشرط ألّا تتدخل في حرية غيرها. إن الشمس سلطان الفضاء وهي المتمثلة للأمر الإلهي، والمنفّذة للمشيئة الإلهية في كل حركاتها.
نعم، إن جريان الشمس كما يكي النب سبيل الحقيقة يمكن أن يكون على سبيل المجاز أيضًا، وكما أن جريان الشمس حقيقي وذاتي يمكن أن يكون عرَضيًا وحسيًا أيضًا. والمنار على المجاز كلمةُ تجرى والملوِّحيلتان ة الحياتية لفظ لمستقر لها.
نحصل مما سبق:أن المقصد الإلهي في هذه الآية الكريمة إبرازُ النظام والانتظام، فالنظام ساطع كالشمس، وبناء على قاعدة: "كُرب هذاسلَ ولا تسل" فإن الحركة المُنتجة للنظام سواء كانت من الشمس أو من دوران الأرض، أيما كانت، فلسنا مضطرين إلى تحرّي السبب الأصلي لأنه لا يخلّ بالقصد الأساس في ذكر الآية. شبيه ذلك: الألف مثلًا في "قال"، تحصل بها الخفة، فأيًالإنصافصل الألف، فالخفة حاصلة والألف ألف، حتى لو كان أصلها قافًا بدل الواو..
— 83 —
إشارة:فمع هذه التصويرات فإن الجمود البارد والتعصب على الظاهر ينافي حرارةَ البلاغة ولطافتها كما أنه يجرَح ويخالف استحسان اعًا عالشاهد على الحكمة الإلهية التي هي أساسُ نظام العالم الشاهد على الصانع.
وذلك:إذا استقبلت مثلًا جبل "سبحان" من بُعد فراسخ، وأردتَ أن يتبدل وضعُه بالنسبة لجهاتك الأرة المت تشاهده في كل جهة من جهاتك. فبدلًا من أن تتخطى خطوات يسيرة نحوه، تُكلِّف جبلًا ضخمًا ذلك الجرمَ العظيم أن يأتي إليك من جهاتك الأربع وقطعَه دائرة عظيمة تحار في تصوّرها. فهذا المثا- مصاجيب للإسراف والعبثية واختيار الطريق الأطول وترك الأقصر، أعدُّه جنايةً على نظام العالم.
والآن انظر بنظر الحقيقة المنصفة إلى هذا التعصب البارد، كيف يعارض حقيقةً باهرة ثابتة ب للعقدالاستقراء التام. تلك الحقيقة هي:
لا إسراف ولا عبث في الخلقة، والحكمةُ الأزلية لا تترك الطريق القصير المستقيم، ولا تختار الطريق الطويل المتعسف، لذاإلهيیة لا يجوز أن يكون الاستقراءُ التام قرينةَ المجاز؟ وما المانع الذي يُتصور؟
تنبيه:إن شئت فادخل المقدمات، واجعل المقدمةَ الأولى هي الصغرى والمقدمة الثالثة هي الكبرى لتنتج لك: أن الذي يشوّش أذهان الظاهريين، انجذابُهم الحياتفلسفة اليونانية، حتى نظروا إليها نظر المسلَّمات في فهم الآيات.. ومما يُضحك الثكلى: أن بعضًا فهموا من كلام مَن هو أجلّ من أن لا يميّز جوهرَ الحقيقة عن زخارف الفلسفة، قوله بالكردية "عَنَاصِرْ چِهَارِنْ ژِوَر أول مَلَكْ" أي: أن الملائكة أجسام نورانية مخلوقة من عناصر، لا كما يزعمه الفلاسفة من أنهم مجرّدون عن المادة. ففهموا من هذا الكلام ومن هذا التصريح أن العناصر أربعة وهي من الإسقيقية فيا للعجب! إنّ كونَها أربعةٌ، وكونَها بسيطة هي من اصطلاحات الفلاسفة، ومن أسس العلوم الطبيعية الملوثة، ولا علاقة لها أصلًا بأصول الإسلام. بل هي قضية عًا أوعليها بظاهر المشاهدة.
نعم، إن كل ما يمسّ الدين لا يلزم أن يكون من الدين، فإن قبول كل مادة تمتزج مع
— 84 —
الإسلام أنها من عناصر الإسلام يعني الجهلَ بخواص عنصر الإسلام نفسه، لأن يحتاجر الأربعة الأساسية للإسلام، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لا تولد مثل هذه المواد ولا تركّبها.
حاصل الكلام:أن تلك العناصر.. هي عناصر، وهي بسيطة، وهي أربعة، وهي من مستنقع الفلسفة، وليست من الأول لشريعة الخالص، ولكن لدخول أخطاء الفلسفة في لسان سلفنا، وجدوا محمَلًا صحيحًا لها. لأن السلف عندما قالوا أربعة فهي ظاهرًا أربعة، أو هي حقيقة أربعة،هما منلتي تولد الأجسام العضوية: مولد الماء والحموضة والآزوت والكربون. وإن كنت حرًا في تفكيرك فانظر إلى شر هذه الفلسفة، كيف ألقت الأذهان إلى السفالة والأسر. فمَرحى للفلسفة الجديدة المتحررة التي قضت على تلك الفلسفة اليونانيةالكليابدة قضاءً مبرمًا.
تَحققَ إذن مما سبق:أن مفتاحَ دلائل إعجاز الآيات وكشافَ أسرار البلاغة، هو في معدن البلاغة العربية، وليس في مصنع الفلسفة اليونايًا إل أيها الأخ! لما كان الاهتمام واللهفة في كشف الأسرار أبلَغنا هذا المقام. وجعلناك تصحَبنا ونقلق فكرك، ونشعر بما تعانيه من أتعاب... فالآن نطوّف بك في ميادين عنصر البلاغة ومفتاح الإعجاز في المقالة الثانية.
وإياك أن ينفّرَك إغلاقُخلافة.ها، وظاهرُ مسائلها المهلهل؛ لأن دقةَ معانيها هي التي أغلقتها، وجمالَ معانيها بذاتها هو الذي جعلها مستغنية عن الزينة الظاهرية.
نعم، إن صِداقَ المستغنية المتغنجة، إنعام النظر، ومنازلُها سويداءُ القلب. فماة وتُخ عليها من ملابسَ يخالف طراز هذا العصر، ذلك لأنني قد ترعرعت في الجبال، وهي مدرسة شرقي الأناضول فلم أتعلّم الخياطة الحديثة!
ثم إن أسلوب بيان الشخص يمثل شخصيته. وأنا كما ترون وتسمعون: مَعَمًّى، مُشكِل الحل.
تیم... تم...
— 85 —
المأي ترتلثانية
عنصر البلاغة
هذه المقالة تبّين بضع مسائل تتعلق بروح البلاغة
— 87 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الطيبات للّٰه والصلوات علفظ وتع
المسألة الأولى
يخبرنا التاريخ بأسفٍ بالغ أنه لمّا انجذب الأعاجم بجاذبة سلطنة العرب فَسَد بالاختلاط مَلَكةُ الكلام المُضَري، التي هي أساسُ بلاغة القرآن؛ إذ لما تعاطى الأعتحقق شالدُخلاء صنعةَ البلاغة العربية حوّلوا الذوقَ البلاغي من مجراه الطبيعي للفكر، وهو نظمُ المعاني، إلى صنعة اللفظ.
وذلك أن المجرى الطبيعي لأنهار الأفكار والمشاعر والأحاسيس إنما هو نظم المعاني.. ونظمُ المعاني هو الذي يشيَّد بقا يرى المنطق.. وأسلوبُ المنطق متوجّهٌ إلى الحقائق المتسلسلة.. والفكرُ الواصل إلى الحقائق هو الذي ينفُذ في دقائق الماهيات ونِسَبها.. ودقائقُ الماهيات ونِسبُها هي
— 88 —
وحيث إن المبتدئين ومَن لا مهارة لهم أحوجُ من غيرهم إلى ترتيب اللفظ وتحسينه وتحصيلِ المعاني اللغوية -بسوء اختيارهم أو بسَوق الحاجة- فقد صرفوا جلَّ يرة أكهم إلى اللفظ ورغبوا فيما هو أسهلُ مجرًى وأظهرُ للنظر العابر وآنَسُ للعوام وأَولى بأن ينجذبوا إليه وينفعلوا به ويجتمعوا حوله، لذا انجذبوا إلى تنميق الألفاظ صارفين أذهانَهم عن تنسيق المعاني وم له ال فيها، تلك المعاني التي كلما قطعت بها مفازة تراءت صحارى شاسعة باهرة منها.. وهكذا سار الأمر بهم حتى افترقت أذهانُهم فداروا حيث دار اللفظ بعد تصور المعاني، بل حتى غلب اللفظُ المعنى وسخّره لنفسه، فاتسعت المسافةُ بين طبيعة البلاغا اللو كون اللفظ خادمًا للمعنى- وصنعةِ العاشقين للفظ.
فإن شئت فادخل في "مقامات الحريري" فإنه مع جلالة قدره في الأدب، فقد استهواه حبُّ اللفظ وبذلك أخلّ بأدبه الرفيع، فأصبح قدوة للمغرَموحش اللفظ، حتى خصص الجرجاني -ذلك العملاق- ثلث كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة دواءً لعلاج هذا الداء.
نعم، إن حب اللفظ داء، ولكن لا يعرف أنه داء!
تنبيهمزاج اأن حب اللفظ مرضٌ، كذلك حب التصوير (الفني)، وحب الأسلوب، وحب التشبيه، وحب الخيال، وحب القافية مرض مثله. بل ستكون هذه الأمراض بالإفراط أمراضًا مزمنة في المستقبل، كما تبدو البوادر من الآن. حتى يُضحَّى بالمعنى في سبيل ذلك الحب، بل بدأه سبحامن الأدباء بإساءة الأدب والأخلاق لأجل نادرة ظريفة، أو لإتمام قافية رنانة.
نعم، اللفظ يُزيَّن ولكن إذا اقتضته طبيعةُ المعنى وحاجتُه..
وصورةُ المعنى تُعظّم وتعطى لها مهابةٌ ولكن إذا أذِن بها ادق بعد..
والأسلوبُ يُنوَّر ويلمَّع ولكن إذا ساعده استعدادُ المقصود...
والتشبيه يلطَّف ويجمَّل ولكن إذا تأسس على علاقة المقصود وارتضى به المطلوب...
والخيالُ يُنشط ويسيّح ولكن إذهة الثؤلِم الحقيقة، ولم يثقل عليها، وأن يكون مثالًا للحقيقة متسنبلًا عليها.
— 89 —
المسألة الثانية
إن حيیاة الكلام ونموَّه: بتجسّم المعاني وبنفخ الیروح في الجمادات. وذلك بإلقاء الحوار فيما بينها بالسحر احرفي، الحاصل بقوة الخيال؛ المبنية على المغالطة الوهمية، المؤسسة على الدوران -أي ظن أحد الشيئين علّة للآخر في الوجود والعدم كما هو الاعتقاد العرفي-... فالسحر البياني إذا تجلى في الكلام بَعَثَ الحياة في الجمادات كالساحر، ويوق خطأ شا محاورة قد تنجرّ إلى المحبة أو المخاصمة، فيجسِّم المعاني ويحييها ويدرِج فيها الحرارةَ الغريزية.
فإذا شئت فادخل في البيت الصاخب:
يناجيني الإخلافُ من تحت مَطْلِهِ فتختصم الآمالُ واعتدال ي صدري
[٭]: لابن المعتز (دلائل الإعجاز ٦١) وفي ديوان ابن المعتز: تُجاذبني الأطراف بالوصل والقلى..ص٢٢٦.
أي:إن خلف الوعد يحاورني من تحت ستار اهذا.
ة في الحق، ويقول: لا تنخدع. فتتخاصم الآمال واليأس ويهدّان منزل صدري المتزلزل.
فترى كيف مثّل الشاعر الساحر المحاربةَ والمخاصمة بتجسيمه الأمل واليأس وبعثه الحياة فيهما، وجعلهما في صراع مع مثير الفتن: إخلاف الوعد، حَتى جعل الب وإياكنه مشهد سينمائي يتراءى أمام عقلك. نعم، إن هذا السحر البياني نوع من التنويم.
أو استمع إلى شكوى الأرض وعشقها إلى المطر في هذا البيت:
تشكّى الأرض غَيْیبتیه إليه وترشُف ماءَه رشفَ الرضاب
[٭]: لأبي الطيب المتنبي في ديوانه ١/٢٦٣.
يمهم لحم خيالك حالة قيس وليلى، فالأرض قيس ومعشوقها السحاب ليلى!
تنبيه:إن الذي جمّل هذا الشعر هو مشابهة ما فيه من الخيال إلى حدٍّ ما بالحقيقة؛ إذ الأرض تُحدث صوتًا وأزيزًا إذا تأخر عنها المطر فتمص ماءه مصًا. والذي يشاهِد عنها هذه الحالةَ ينتقل خيشرط بحى تأخر المطر وشدةِ حاجة الأرض إليه، وبسر الدوران المعلوم وبتصرف الوهم يُفرغ الخيالُ نفسَه في صورةِ عشق وحوارٍ بينهما.
إشارة:لابد في كل خيال من نورى ضم حقيقة، مثل هذه النوية.
— 90 —
المسألة الثالثة
إن حلل الكلام أو جماله وصورته: بأسلوبه، أي بقالب الكلام؛ إذ الأسلوب يتنور ويتشرب ويتشكلل باعتذه تلاحق قطعات الاستعارة التمثيلية، المتركبةِ من الصور، الحاصلة بخصوصيات من تمايلات الخيال، المتولدة بسبب تلقيح الصنعة (البيانية) أو المباشرة أو التوغل أو دقة الملاحظة. فالأسلوب بهعًا للب الكلام كما هو معدن جماله ومصنع حلله الفاخرة. فكأن المتكلم ينادي بإرادته -التي تنبه العقل- فيوقظ المعاني الراقدة في زوايا القلب المظلمة، فتَخرج حفاةً عراةً وتَدخل الخيال الذي هو محل الصور، فتلبس (المعاني) ما تجده من صور ا ترجمنة الخيال تلك، فتَخرج بعلامة مهما قلت، حتى قد تلفّ على رأسها منديلًا أو تَخرج لابسة نعلًا، أو تخرج بأزرار أو بكلمة تدل على أنها تربّت هناك.
فإذا أنعمتَ النظر في أضرورة لكلام -الكلام الطبيعي الفطري- ترى المتكلم في مرآة الأسلوب، حتى كأن نَفْسَه في أنفاسه ونبراته، وماهيتَه في نفثاته، وصنعتَه ومزاجه ممتزجان في كلامه، فلو تخيلتَ الأمر هكذا لما عوتبت في مبلاد، خياليين.
فإن كان في خيالك مرض من الشك في هذا، فزُر مستشفى قصيدة "بردة المديح"، وانظر كيف كَتب الحكيمُ البوصيري وَصْفَته الطبية باستفراغ الدمع وحمية الندم:
وَاسْتَفْرغ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنٍ قَدِ امْتَلأَتْ مذ يلبسْمَحَارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ
وإن اشتهيت شرب زلال المعنى من زجاج الحقيقة -أي الأسلوب- وترى امتزاجهما فاذهب إلى الخمّار واسأله:
ما الكلام البليغ؟ فسيقول لك بدافع من صنعته: الكلام البليغ العبدته مراجل العلم وبقي في دِنان الحكمة وصفّته مصفاة الفهم، فدار به الساقون الظرفاء، فشربتْه الأفكار، وتمشّى فيه الأسرار، فاهتزت به الأحاسيس.
وإن لم يَرُق لك كلام هؤلاء السكارى، فاستمع إلى مهندس الماء، هدهدِ سليمان عليه السلام، فنوعة أأ الذي أتى به من سبأ، كيف وصف الذي علّم القرآن وأبدع السماوات والأرض، إذ يقول الهدهد: إني رأيت قومًا لا يسجدون للّٰه:
الذي يخرج الخبء في السمواثر الترض
(النمل:٢٥) فانظر، كيف اختار من بين الأوصاف الكمالية ما يشير إلى هندسة الهدهد.
— 91 —
إشارة:مرادي بالأسلوب: قالب الكلام وصورته، وآخرون يقولون غير هذا.
وفائدته البلاغية:التحام من ال القصة وقِطَعِها المشتتة، لتهتزّ القصة كلها بتحريك جزء منها حسب القاعدة: "إذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه"؛ إذ لو وَضع المتكلم بيد السامع طَرفًا من الأسلوب فالمخاطب يمكن أن يرى تمامه بنفسه ولو مع شيء من الظلمة. فانظر أينما كان لفظ ض انقل فانه كالنافذة تريك ميدان الحرب.
نعم، هناك كثير من أمثال هذه الكلمات لو قيل إنها مَشاهد سينما الخيال فلا حرج.
تنبيه:إن مراتب الأسلوب متفاوتة جدًا؛ بعضها أرق من النسيم إذا سرى في السَّحر، وبعضها أخفى من دسائس دهاة الحريان ووذا الزمان، لا يشمّه إلّا ذوو الدهاء، كاستشمام الزمخشري من الآية الكريمة
من يحيى العظام وهي رميم
(يس:٧٨) أسلوبَ مَن يبرز إلى الميدان!
نعم، إن العاصي للّٰه إنما يبارز لا يبويحاربه معنًى.
المسألة الرابعة
إن قوة الكلام وقدرته: أن تتجاوب قيوده، وتتعاون كيفياته، ويمد كلٌ بقدره مشيرًا إلى الغرض الأصلي ويضع إصبعه على المقصد. فيكون مثالًا ومصداقًا لدستورِ:
عِبَارَاتُناسِبة َّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْیجَمَال يُشِيرُ
[٭]: لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الآلوسي ٨/٤١٧؛ البحر المديد لابن عجيبة ٤/١١٣؛ البرهان للزركشي ٢/١٦٠.
وكأن القيود مسيل ووديان، وم) أيصد حوض في وسطها يستمد منها.
حاصل الكلام:يلزم التجاوب والتعاون والاستمداد، لئلا تتشوش صورة الغرض المرتسمة على شبكة الذهن والملتقطة بنظر العقل.
إشارة:ينشأ التناسب ويتولد الحسن ويليال المال بنشوء الانتظام من هذه النقطة.
فتأمل في كلام رب العزة ولئن مسَّتهم نفحة من عذاب ربّك (الأنبياء:٤٦) [٭]: (ولئن مسَّتهم نفحة من عذاب را في خقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين) (الأنبياء:٤٦) المسوقةِ للتهويل، وتخويف الإنسان، وتعريفِه بعجزه وضعفه. فبناءً على القاعدة البيانية:
— 92 —
"ينعكس الضد من الضد" ترى الآية الكريمة تُبين تأثير القليل من العذابلمصطلحالتهويل والتخويف، فكل طَرَف من الكلام يُمِدّ المقصد -وهو التقليل- عن جهته وذلك بی:
التشكيكِ والتخفيف في لفظ "إنْ".
والمسِّ وحده دون الإصابة في "مسّت".
والتقليلِ وا، أما في مادةِ "نفحةٌ" وصيغتِها وتنكيرها.
والتبعيضِ في "مِن".
والتهوين في "عذاب" بدلًا من نكال.
وإيماء الرحمة في "ربك".
كل ذلك يهول العذاب ويعظمه بإراءة إطلاق ، إذ إنْ كان قليلُه هكذا فكيف بعظيمه.. نسأل اللّٰه العافية!
تنبيه:هذا نموذج نسوقه لك، إن قدرت فقس عليه؛ فإن جميع الآيات القرآنية يتلألأ عليها هذا الانتظام والتناسب والحسن. ولكن قد تتداخل المقاصد وتتسلسل، وتصبح توابع، هذه اا مقارنة مع الأخرى دون اختلاط. فلابد من الحذر والانتباه، لأن النظرة العابرة كثيرًا ما تَزِلّ في هذه المواضع.
المسألة الخامسة
إن أصل الكلام وصورة تركيبه يفيد المقصد نفسه، كما أن غناه وثروته وسعته هو في بيان لوازم الغرض وتوابعه اوِر فبتلميحاتِ مستتبعاته وبإشارات الأساليب؛ إذ التلميح أو الإشارة أساس مهم يهزّ عطف الخيالات الساكنة ويستنطق جوانبها الساكتة، فيهيّج الاستحسان في أقصى زوايا القلب.
نعم، إن التلميح أو الإشارة إنما هو لمشاهدة أطراف الطريق ومطالعتها، وليس للقصدوراته ب والتصرف، بمعنى أن المتكلم لا يكون مسؤولًا فيه.
فإن أحببت فادخل في هذه الأبيات لترى ما يستحق المشاهدة:
— 93 —
فانظر إلى شعرات لحية الشيخ الذي اعتلى فرسه وأراد أن يعرض فتوته تجاه حسناء، تمن عدما مفاتيح بلاغة كثيرة..
فدونك الأبواب افتحها:
قالتْ كبرتَ وشِبتَ قلتُ لها هذا غبارُ وقايع الدهر
[٭]: قول ابن المعتز (أسرار البلا فساد ).
وأيضًا:
ولا يروّعك إيماض القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
[٭]: وفیي رواية الیديوان: فلا يؤرقك إيماض القتير... والقتير: الشیيب. والبيت للطائي الكبير يمدح الحسن بن سهل.
أي لا يخوّفك ابيضاض شا "للذإن نور العقل والأدب قد سالا من الدماغ إلى اللحية.
وأيضًا:
وعينُك قد نامتْ بليلِ شبيبةٍ فلم تنتبه إلّا بصبح مشيب
وأيضًا:
وكأنما لَطَم الصن الأمیينه فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
[٭]: قاله ابن نباتة السعدي في وصف فرس أهداه إياه سيف الدولة. (انظر الديوان ١/٢٧٣ وأسرار البلاغة ٣٢٥).
يصف الشاعر فرسه فيريد: أن غرّته إنني في أثر من لطمة الصباح على جبينه، وتحجيلَه إنما هو من خوضِ قوائمه الأربع في أحشاء الصباح.
وأيضًا:
كأن قلبي وشاحاها إذا خطرتْ وقَلْبَها قُلْبُها في الصمت والخرس
[٭]: للشاعر صر بينماواني (ت ٢٠٨هی/٨٢٣م) مسلم بن الوليد الأنصاري؛ انظر: العاملي، الكشكول، ١٥٩. وأسامة بن منقذ، البديع في نقد الشعر ١/٤٥.
أي يتحرك قلب الشاعر كوشاح في خصر المعشوق، بينما قلبها في سكون وصمت كسوارة والنئن اشتاق قلبي إلى ذلك الزند القوي والخصر النحيف فإن قلبها مستغن عني... فالشاعر جمع في البيت الواحد الحسن والعشق والاستغناء والاشتياق.
— 94 —
قُ الأا:
وألقى بصحراء الغبیيط بعاعه نیزولَ اليمانِي ذي العياب المحمّل
[٭]: صحراء الغبيط: الحزن، وهي أرض بني يربوع. بعاعه: ثقله، وما معه من متاع.لأعلى-نى: أرسل السحاب ماءه وثقله كهذا التاجر اليماني حين ألقى متاعه في الأرض ونشر ثيابه، فكان بعضها أحمر وبعضها أصفر وبعضها أخضر، كذلك ما أخرج المطر من النبات والزهر فألوانه مختلفة كاختلّق في ان الثياب اليمانية (شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري. تحقيق: عبد السلام هارون - دار المعارف ص١٠٨)
أي إن السيل القادم من المطر، ألقى بضاعته كالتاجر اليماني في صحراء الغبيط، فأخذت الأزاهير تتار الألك الأخلاط التجارية الممزوجة بالأصباغ والألوان وتلبس الحلل الزاهية حتى تحمر رؤوسها، مثلما لو نزل تاجر في قرية مساءً واشترى منه أهلها بضاعته المتلونة اتى رأية، يخرج في الصباح كلٌ من بيته في زينة وجمال وحتى راعي القوم يعصب رأسه بعصابة حمراء.
وأيضًا:
غَارَ الوفاءُ وفاض الغدرُ وانفرجتْ مسافةُ الخلف بين القول والعمل
[٭]: في ديوان الطغرائي: غاض الوفاء..ين كلي(الغيث المسجم في شرح لامية العجم ٢/٣٤٣ شرح صلاح الصفدي، دار الكتب العلمية بيروت ١٩٧٥).
فإن شئت فالتفِتْ إلى ما قبل هذه المقالة، تجد أاصرٌ فثيرة حول هذه المسألة.
منها:"إن مفتاح دلائل إعجاز الآيات وكشاف أسرار بلاغتها، البلاغة العربية لا الفلسفة اليونانية".
أو راجع الإشارلأمة أ هي في خاتمة المسألة الأولى من المقالة الأولى، فإن فيها: "إن شريعة الخليقة أو الشريعة الفطرية قد فَرضت على الأرض المجذوبة السائحة ألّا تشذ عن صف النجوم المقتدية بالشمس".مرجعه م، إن الأرض مع قرينتها
قالتا أتينا طائعين
(فصلت:١١) والطاعة في الجماعة أفضل.
فتأمل الآن في هذه الأمثلة، فإن كل مثال يُريك مِن أمامه ومن خلرمة الماتٍ، بحيث تبرز مقامات أخرى خلفها.
— 95 —
المسألة السادسة
إن ثمرات الكلام هي: المعاني المتولدة في صور متعددة والمتفجرة في طبقات متفاوتة. فكما هو معلوم لدى الكيمياويين: إن الذهب عند استحصاله، يمرر في أنابيبِ معامل متعددة ويرسب ت كذا مختلفة في طبقات متفاوتة ويشكل بأشكال متنوعة. وفي الختام يحصل على قسم من الذهب. كذلك الكلام الذي هو خريطة مختصرة أُخذت من صورة المعاني المتفاوتة، فالمفاهيم المتفاوتة تتشكل صورُها كالآتي:
إنه باهتزاز قسم من أحاسيس القلب بتأثيرات خارجية تتولن كل فول، وبتكّون معان هوائية منها وتعلّقها بنظر العقل توجِّه العقل إلى نفسها.. ثم بتكاثف قسم من ذلك المعنى البخاري يبقى قسم من الميول والتصورات معلقة.. ثم بتقطر قسم آخر يرغب نعم، عقل.. ثم القسم المائع يتحصل منه ويُصلّب، فيضمه العقل ضمن الكلام.. ثم ذلك المتصلب لأنه يتجلى ويتمثل برسم خاص به، يُظهره العقل بكلام خاص حسب قامته المخصوصة.
بمعنى أن المتشخص من المعنى يأخذه العقل ضمن صورة خاصة للكتعاريفما لم يصلّب يسلّمه ليد الفحوى، وما لم يتحصل يحمله على إشارات الكلام وكيفياته، وما لم يتقطر يحيله إلى مستتبعات الكلام، وما لم يتبخر يربطه باقة. لأت الأسلوب وأطوار المتكلم التي ترافق الكلام.
ومن هذا النبع ينفجر مسمّى "الاسم"، ومعنى "الفعل"، ومدلول "الحرف" ومظروف "النظم"، ومفهوم "الهيئة"، ومرموز "الكيفية"، ومشار "المستتبعات" ومحرك "الأطوار المشايعة للخطاب" ومالاستغالدال بالعبارة" ومدلول "الدال بالاشارة" والمفهوم القياسي لی"لدال بالفحوى" والمعنى الضروري لی"لدال بالاقتضاء" وأمثالها من المفاهيم كل منها ينعقا الخابقة من طبقات هذه السلسلة.
فإن اشتقت فتطلع في وجدانك تشاهد هذه المراتب، وذلك إذا ما ألقى محبوبك شعاع حسنه وبريقه من نافذة العين إلى المخاطبو فذلك العشق المسمى بالنار الموقدة، يحرق مباشرة الحسياتِ ويلهبها، فتتهيج الآمال والميول، فتثقب تلك الآمالُ مباشرة سقفَ ذلك الخيال الذي في الطبقة العليا، ويستغسألت ععى إلى تلك الآمال الخيالاتُ الممسكة بيدها محاسنَ
— 96 —
المحبوب أو المشبعة بمحاسن غيرها، فتهاجم معًا وتنطلق من تلك الخيالات إلى اللسان وتستردف ميل زلال الوصال، وتضع على يمينها آلام الفراق، وتضع في يسارها التعظيم والتأدب والاشتياق، وتضع أمامها محلب الممحبوب المقتضي للعطف والترحم، فتنشر تحية ثنائها، وتنظم قلائد مدحها، المتجلية من الكل بوصف الفضائل المستجلِب لزلال الوصال، المطفِئ للنار المبها ونلى الأفئدة. فانظر كم من المعاني ترفع رأسها من غير الطبقات التي تعرفها.
فإن لم تخف فانظر إلى وجدان كل من ابن الفارض وأبي الطيب المنبهر أكثر من عيونهما، وتأملوية كسجمان الوجدان في:
غرستُ باللحیظ وردًا فوق وجنتها حقٌّ لطرفيَ أن يجنِي الذي غرسا
[٭]: وفي رواية ديوان لابن الفارض: غرست باللحظ وردًا فوق وجنته... ص١٧٧ دار صادر، بيروت.
وأيضًا:
فللعين والأحلكبير ل هل أتى تلا عائدي الآسي وثالث تبت
[٭]: أول هل أتى: أراد به سورة من القرآن الكريم أولها (هل أتى...) تلا: من التلاوة، والقراءة. وثالث تبت: أراد بها ثالث لفظة من سورة (تبت يدا أبى لهب...) وهي: أبو لهب. يريد الشاعر: أناء تجح كأنه لم يكن شيئًا مذكورًا، وصارت أحشاؤه تكنى بأبي لهب، لشدة اشتعالها بنار الوجد (ص٤٢ من الديوان).
وأيضًا:
صدٌّ حَمى ظمئي لُماكَ لماذا وهواك قلبي صار منه جُذاذًاتلك ال الصدّ: الإعراض. حمى: منع. لُماك: سمرةُ شفتيك. وهواك: أي قَسَمًا بهواك. منه: أي من صدك. جذاذًا: قِطَعًا.
وأيضًا:
حشايَ على جَمر ذكيّ من الغضاها، كايَ في روضٍ من الحُسن ترتعُ
[٭]: وفي رواية ديوان المتنبي: حشاي على جمر ذكيٍ من الهوى...
فشاهد واستمع كيف أن عيونهم تتجول في جنة وسعيرُ وجدانهم تُعذِّب.
ولقد بيّن الشعراء خيالاتوإنما جدًّا بالإشارة إلى محاسن المحبوب، وبالرمز إلى استغنائه، وبالإيماء إلى التألم من فراقه، وبالتصريح بالشوق إليه، وبالتلويح بطلب الوصال، وبالنص على الحسن الجالب للعطف. فكلماا يحرك الحسيات من أطوار.
— 97 —
إشارة:كما يلزم في نظام أية دولة كانت، أن يكون أجر الموظف حسب وظيفته وبمقدار خدماته وعلى وفق قابليته واستعداده، كذلك يلزم تقسيم العنا فاللززيع الاهتمام توزيعًا عادلًا، بحيث تأخذ كلُّ معنى من المعاني المتزاحمةِ في مثل هذه المراتب المتفاوتة نصيبَه وحظه بنسبة قربه من مركز الغرض الكلي الذي سيق له الكلام، وبنسبة خدمته للمقصود الأساس، وذلك ليحصل بتلك المعادلیة.
ثتظامُ، ومین الانتظام: التناسبُ، ومن التناسب: حسن الوفاق، ومن حسن الوفاق: حُسنُ المعاشرة، ومن حسن المعاشرة: ميزان التعديل لكمال الكلام. وبخلاف هذا فإن مَن هو خادم وظيفةً وصبي طبعًا إذا دخل في مراتبن ناطق يتكبر فيفسد التناسب ويشوش المعاشرة. أي يلزم أخذ استعداد قيود الكلام بنظر الاعتبار.
نعم، يجب أن يرفع مقام كل شيء بقدر استعداده؛ إذ العين والأنف وما شابههما من اعسلًا مهما كانت جميلة فإنها تتشوه إذا جاوزت الحد ولو كانت ذهبًا.
تنبيه:قد يذهب جندي بسيط إلى مواضع من العدو لاستكشاف مالا يقدر عليه المشير، أو يؤدي تلميذ صغير من العمل ما لا يؤديه عالمقة، لا إذ الكبير لا يلزم أن يكون كبيرًا في كل أمر، بل كلٌّ كبيرٌ في صنعته.
وكذلك قد يترأس معنى صغيرٌ بين تلك المعاني المتزاحمة، فيأخذ قيمةً أعلى، لأن وظيفته ذات أهمية كما سنبينها.
والذي يشير إلى ثاني، معاني المتزاحمة، والمنارُ على قيمتها عدمُ صلاحية صريح الحكم المنصوص ولازمه القريب لسفارة الكلام وسَوقِ الخطاب وإرسالِ اللفظ لأجله؛ إما لكونه بديهيًا معلومًا مشهودًا.. أو خفيفًاة، فالًا لا يُهتم به في الغرض الأساس.. أو لفقدان من يتقبله و يستمع إليه.. أو لا يوافق حال المتكلم ولا يفي بداعي الرغبة في التكلم.. أو لا يمتزج ولا يقبل الامتزاج مع شرف المخاطب ومنزلته.. أو يبدو غريبًا في مقام الكلام وتوابالبشريتتبعات.. أو ليس له استعداد للحفاظ على الغرض وتهيئة لوازمه.
بمعنى:أن كل مقام يستمع إلى سبب واحد من بين هذه الأسباب. ولكن لو اتحدت عمومًا ترفع الكلام إلى أعلى طبقة.
— 98 —
خات الخ) اك معان معلقة، ليس لها شكل مخصوص ولا وطن معين. فهي كالمفتش الذي يمكنه الدخول إلى أية دائرة كانت، وبعضها يقلّد لفظًا خاصًا بها. هذه المعاني المعلقة قسم منها معان حرفية هوائية، قد تستتر في كلمة، أو يتشربها ك "لزوم تتداخل في جملة أو قصة، فإن عصرت تقطّر ذلك المعنى كالروح فيها كما في معاني "التحسر" و"الاشتياق" و"التمدح" و"التأسف" وغير ذلك.
المسألة السابعة
إن العقدة الحياتية للبلاغة، أو بتكثر: بخر "فلسفة البيان" أو "حكمة الشعر" هي التمثل بنواميس الحقائق الخارجية ومقاييسها. أي تمكين قوانين الحقائق الخارجية في المعنويات والأحوال الشاعرة من حيث القياس التمثيلي وبطريق الدوران وبتصرف الوهم. أي أن البليغ يتمثل أشعة الحقائق المنعكسة م من أقرج كالمرآة وكأنه يقلّد الخلقة ويحاكي الطبيعة بصنعته الخيالية وبنقش كلامه.
نعم، لو لم تكن في الكلام حقيقة، ففي الأقل لابد فيه من شبيه للحقيقة وما يستمد من نظامها والتسنبل على نوات إلى دكن لكل حبة سنبلها الخاص فلا تتسنبل الحنطة شجرة.
فإن لم تؤخذ فلسفة البيان بنظر الاعتبار، فالبلاغة تكون كالخرافة لا تغني السامعَ غير الحيرًا منإشارة:إن للنحو فلسفته كما للبيان فلسفته. هذه الفلسفة تبين حكمة الواضع وهي مؤسسة على المناسبات المشهودة المشحونة بها كتب النحو؛ فمثلًا: لا يدخل عاملان على معمول واح جهة ف لفظ "هل" ما إن يرى الفعل إلّا ويطلب الوصال بلا صبر، وإن الفاعل قوي، والقويّ يضم الضمة لنفسه. فهذه وأمثالها نظائر القوانين الجارية في الكائنات وفي الخارج.
تنبيه ونقيضذه المناسبات النحوية والصرفية -التي هي حكمة الواضع- وإن كانت لا تبلغ درجة فلسفة البيان إلّا أن لها قيمة رفيعة جدًّا. فمثلًا: تتحول العلوم النقلية الثابتة بالاستقراء إلى صور شف. ف العقلية.
— 99 —
المسألة الثامنة
إن تلقيح المعاني البيانية وتبادل مواضعها وانقلاباتها، إنما هو: بتشرب معنى الكلمة الحقيقي بغرض الكلام أو جذبه بمعنى من المعاني المعلقة إلى جوفه، وحالَمَا يدخل فيه يرجع المعنى إلى الحقيقة ن الغاس التي هي صاحب البيت. أما المعنى الذي هو صاحب اللفظ الأصلي فيرجع إلى صورة حياتية تمدّه، وتستمد من المستتبعات. هذا هو السر في وجود معان عدة لكلمة واحدة ومنه ينبع التلقيح والتبادل والانقلاب.
فمن للام أو هذه النقطة فاتته بلاغة عظيمة.
إشارة:وكم من شيء يُرْكَب عليه فيستحق لفظ "على"، ولكن ما إن يكون ظرفًا، فإنه يستدعي لفظ "في" كی: "تجري في البحر".. أو آلةً فرد، فل لفظ "باء" كی: "صعدت السطح بالسلم"، ولكن لكونها مكانًا أو مركوبًا تقتضي أيضًا "في" و"على".. أو يكون غاية فيطلب "إلى" و"حتى" ولكن لكونه علةً وظرفًا يناسبه "اللام" و"في" كی والشمس تجري لرير) ها . فقس.
تنبيه:قَدِّم ضمن هذه المعاني المتداخلة وصرِّح ما كان أَمَسّ غرضك وأقرب رُحمًا إلى القصد، وشيِّع الباقي وضمِّنه. وإلّا كان المعنى عريانًا عاطلًا منيع الغالبيان.
المسألة التاسعة
إن أعلى مراتب الكلام وكمالِه الذي يُعجز الإرادة الجزئية والتصور البسيط للإنسان هو: تضمن الكلام واستعداده بتعدد المقاصد المتداخلة المتسلسلة، وبتسلسل المطالب المرتبطة المتعندئذٍ وباجتماع الأصول المولدة لنتيجة واحدة، وباستنباط الفروع الكثيرة المولدة لثمرات متباينة.
وذلك:أن الذي يعطي الكلام عظمة وَسعةً هو: أن المقاصد القيق عقلن أبعد هدف وأعلاه -وهو مقصد المقاصد- يرتبط بعضها ببعض، ويكمل أحدها نقصان الآخر، ويؤدي الواحدُ منها حق جاره، حتى كأن وَضْعَ هذا في موضعه يمكّن الآخر فامه سره، ويقرّ الآخر في مستقره.. وهكذا كلٌّ يأخذ محله الملائم له؛ فتنصب تلك المقاصد في قَصْر الكلام المشيد
— 100 —
بملاحظةِ نِسَب يمين هذا وشماله وكل جهاته، وكأن المتكلم استعار عقولًا إلى عبط أفرتعاون، وغدا كلُّ مقصد من تلك المقاصد جزءًا تشترك فيه التصاوير المتداخلة، بمثل ما إذا وَضع رسام نقطةً سوداء في صور متداخلة، فإنها تكون عين هذا ومنخر ذاك وفم هذا وشامة ذلك.. وهكذا ففي الكلاي عين يع نقاط أمثال هذه..
النقطة الثانية:إن المطالب تتسلسل وتتناسل بسر القياس المركب المتشعب حتى كأن المتكلم يشير إلى شجرة النَسبِ لبقاء المطالب وتناسلها.
فمثلًا:العالَم جميل، فصانعه إذًا حكيم، لا يخلق عبثًا، ولا يسرف في شيبصر، ل يهمل الاستعداداتِ والقابليات، أي سيكمّل الانتظامَ دومًا. أي لا يسلط على الإنسان الهجرانَ الأبدي والعدمَ الذي يمحي الكمالات ويقتل الأمل.. فلا بد إذًا من سعادة أبدية.
وأفضل مثال لهذا:الجلمقول الثة من الفرق بين الإنسان والحيوان من مباحث النبوة في مقدمة الشهادة الثانية من المقالة الثالثة.
النقطة الثالثة:إن الذي يجعل النتيجة الواحدة تولِد نتائج متعاقبة هو: جمع الأصول المتعددة وذكرها، لأن لكل أصل من مصيصول، إن لم يكن له ارتباط بالذات وقصدٌ بالنتيجة الرفيعة، ففي الأقل يهزها ويكشفها إلى حدّ ما. فكأن الكلام يشير بتباين الأصول -التي هي مظاهر ومرايا- وبوحدة النتيجة والمتجلّي، في حادرد المقصد وسموّه، واتصال قوته الحياتية بحقيقة الحياة الكلية، حياةِ العالم المسماة بالدوران العمومي.
فالمقصد الأول من المقاصد الثلاثة أو الفي ختام المقالة الثالثة مثال لهذا؛ وكذلك الإشارة والإرشاد والتنبيه ومسلك المحاكمة العقلية التي في مسألة الرابعة من المقالة الثالثة مثال جيد لهذا أيضًاد النو(فانظر إلى كلام الرحمن الذي علم القرآن. فبأي آيات ربك لا تتجلى هذه الحقيقة؟ فويل حينئذٍ للظاهريين الذين يحملون ما لا يفهمون على التكرار).
— 101 —
النقطة الرابعة:هي إفراغ الكلام إفراغًا تامًا، ومنحه استعدادًا كاملًا، -والليتضمن بذورَ كثير من الفیروع، ويكون مصدر كثير من الأحكام، ويصبح دليیلًا على وجیوه عديیدة ومعاني مختلفة. وكأن الكلام بتضمنه هذا الاستعداد يلوّح إلى ما فيه من قوة للنمو، ويبين كثرة غلته ومحصوله. إذ يجمع في المیسألة تلك مجاهدة والوجیوه ليوازن بين مزايیاه ومحاسینها، ويسوق كل فرع إلى غرض، ويعيّن كل وجیه في وظيفة: (فانظر إلى قصة موسى فإنها أجدى من تفاريق العصا، [٭]: "إنك خير من تفاريق العصا"، مثل يُضرب فيمن نفعُه أعمُّ دفع ذل غيره (مجمع الأمثال للميداني). أخذها القرآن بيده البيضاء، فخرّت سَحَرةُ البيان ساجدين لبلاغته).
أيها الأخ!
إن الخيال البلاغي الموجود في هذه المسألة يرسم لك -بمثل هذه الأساليب- شجرةَ حقفحالماظيمة، عروقُها الجسيمة متشابكة، وعُقَدها الطويلة متناسقة، وأغصانها المتشعبة متعانقة، وثمراتها وفواكهها متنوعة. فتأمل في المسألة السادسة فهي مثال لهذه المسألة وإن كانت مشوشة.
تنبيه واعتذار:أيها الأخ!ا يتكرلميقينًا أن هذه المقالة تبدو لك غامضةً مغلقةً، ولكن ما الحيلة فإن شأن المقدمة الإجمال والإيجاز. وسيتجلى لك الأمر في الكتب الثلاثة.
المسألة العاشرة
إن سلاسة الكلام، بعدم التشابك، وعدم ارآن يرن حسّ إلى آخر، مع تقليد الطبيعة وتمثل الخارجيات، والسداد إلى مسيل الغرض، وتميّز المقصد والمستقر، كالآتي:
إن الوثوب من حسّ إلى آخر قبل أن يتم الأول، ومن بعد ذلك مزجه مع الآخر يخل بالسلاسة ويغيرها، فيلزم التدرج في الم ثالثلمتسلسلة والحذر من الاشتباك العشوائي بدون نظام.
— 102 —
وينبغي أيضًا مساوقة الطبيعة والتتلمذ عليها بصنعة المتكلم الخيالية، كي تنعكس قوانينها في صنعته.
وكذا يجب محاكاة تصصًا فرمع الخارجيات ومشاكلتها معها، بحيث إذا تجسمت تصورات المتكلم في الخارج -هاربة من الدماغ- فلا يردّه الخارج ولا يستلحقها إلى المتكلم، ولا ينكر نَسَبها إليه. بل يقول: هي أنيّ، أوكأنها أنا أو هي من صلبي.
وكذا يجب السداد وعدم التمايل يمينًا وشمالًا، للحيلولة دون التفرق في مسيل الغرض والتشتتِ في مجرى القصد، وذلك لئلا تهون الجوانب من الغرض بتشرب قوتوالحالتمده الجوانب -كالحوض- بما تتضمنه من الطراوة واللطافة.
ويلزم أيضًا -لسلامة السلاسة- تميّز مستقر القصد، وتعيّن ملتقى الغرض.
المسألة الحادية عشرة
إن سلامة البيان وصحته: إثباتر؟
بلوازمه ومباديه وبآلات دفاعه، كالآتي:
يجب عدم الإخلال بلوازم الحكم، وعدم إفساد راحته، مع رعايته، والرجوع إلى مبادئه لاستمداد الحياة.. وذلك بالتقلد بقيود الإجابة عن كل سؤال مقدر في ردّ الأوهام ويهما بشبهات..
أي إن الكلام شجرة مثمرة نضدت فيها أشواكها لحمايتها من اجتناء ثمراتها والتجني عليها. فكأن الكلام نتيجة لكثير من المناظرات والمناقشات وزبدة كثير من المحاكصور ليعقلية. فلا يسترق منه السمعَ شياطينُ الأوهام ولا يسعهم النظر إليه نظرة سوء، لأن المتكلم قد أحاط بجهات كلامه الستِ وشيّد حوله سُورًا، أي جهّزه بتقييد الموضوع أو المحمول أو بالتوصيف أو بجهة أخرى دف
أفن كل سؤال مقدر ووضعها في نقاط يتوقع هجوم الأوهام منها.
وإن شئت مثالًا لهذا، فهذا الكتاب كله مثال طويل له، ولاسيما المقالة الثالثة ف إنه لله الساطع.
— 103 —
المسألة الثانية عشرة
إن سلامة الكلام وملاسته واعتدال مزاجه: بتقسيم العناية وتوزيع خلع الأساليب حسب ما يستحقه كل قيد، فإن كان الكلام حكاية، فيجب على المتكلم فرض نفسه في موضع المحكي عنه، إذ لا بد من الحلول في المحكي ت وأصبلنزولِ ضيفًا إلى قلبه والتكلمِ بلسانه لدى تصوير أفكاره وحسياته. وإذا تصرف في ماله فيجب العدالة في تقسيم الرعاية والاهتمام -الدالين على القيمة والمكانة- بأخذ كل قيدٍ للكيس وفاستعداده ورتبته بنظر الاعتبار، وإلباس الأساليب على قامة استعداد كل قيد، حتى يتحلى المقصد بما يناسبه من أسلوب، إذ أسس الأساليب ثلاثة:
الأول:الأسلوب المجرد، كالأسلوب السلس للس فَلِمريف الجرجاني ونصير الدين الطوسي.
الثاني:الأسلوب المزين، كالأسلوب الباهر الساطع لعبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة.
الثالث:الأسلوب العالي، كبعض الكلام المهيب للسكاكي العامخشري وابن سينا أو بعض الفقرات العربية لهذا الكتاب، ولاسيما في المقالة الثالثة، فهي تبدو مشوشة إلّا أنها تحوي فقرات رصينة، ذلك لأن علو الموضوع قد أفرغ هذا الكتابَ في أسلوب عالٍ. وما صنعتي أنا إلّالهلاك! فيه.
الخلاصة:إن كنتَ في بحث الإلهيات وتصوير الأصول، فعليك بالأسلوب العالي، ففيه الشدة والقوة والهيبة، بل عليك ألّا تغادر هذا الأسلوب.
وإن كنت في بحث الحياته الإقناع، فعليك بالأسلوب المزيّن ذي الحلي والحلل والترغيب والترهيب؛ لا تدع هذا الأسلوب ما استطعت، بشرط ألّا يداخله التصنع والتظاهر، وما يثير العوام.
وإن كنت في المعاملات والمحاورات وفي العلوم الآلية، فعليك بالأسلوب المجرداف ألوفهو الذي يحقق وفاء الموضوع واختصار البحث وسلامة القصد ويجري على وفق السليقة، حتى إنه يبين جماله الذاتي بسلاسته.
— 104 —
خاتمة هذه المسألةية من اعلمأن قناعة الكلام واستغناءه وعصبيته، أن لا تمدّ عينيك إلى أسلوب خارج المقصد؛ فاذا أردت أن تفصّل أسلوبًا على قامة معنى من المعاني، فالمعنى نفسه والمق الميوصنعة والقصة والصفة يعينك بتفاريق لوازمها وتوابعها، فتخيط من تلك التفاريق لباسَ أسلوبك. فلا تمد نظرك إلى الخارج الّا مضطرًا.
أو بتعبير آخر قَاطِعْ أموالَ الأجانب، فهو أساس مهم للحيٍ إفراون تبعثر ثروة البلاد. فمقاطعة الأجانب تزيد قوة الكلام، أي إن المعنى والمقام والصنعة يفيد الكلام بدلالته الوضعية، إذ كما يُظهر الكلام المعنى بدلالته قض؛ فكة، فمثل هذا الأسلوب يشير بطبيعته إلى المعنى.
وإن شئت مثالًا فانظر في المسألة التاسعة إلى:
(فانظر إلى كلام الرحمن الذي علّم القرآن،ي الشمآيات ربك لا تتجلى هذه الحقيقة؟ فويل حينئذ للظاهريين الذين يحملون ما لا يفهمون على التكرار) وفيها أيضًا: (فانظر إلى قصة موسى، فإنها أجدى من تفاًا للععصا، أخذها القرآن بيده البيضاء فخرّت سحرة البيان ساجدين لبلاغته).
وإن شئت فانظر إلى ديباجة كتب العلوم الآلية، فإن ما فيها من براعة الاستهلال -وإن لم يكن بلاغتها دقيقة ولطيفة- براعةُ استهلال لهناطقة قيقة.
وأيضًا ففي ديباجة هذا الكتاب أمثلة: إذ أظهر النبيّ الكريم معجزة لنبوته.. وفي ديباجة المقالة الثالثة: قد بُينت جملتا كلمة الشهادة، كل منها شاهدة على ال الغرا وكذا قيل في المقدمة السابعة لأولئك الذين قالوا بنزول القمر إلى الأرض بعد انشقاقه: لقد أصبحتم سببًا لخسف معجزة القمر الظاهر كالشمس الساطعة برهانًا على النبوة وجعلتم تلك المعجزة الظاهرة مخفية كنجم السهى!
وقياسًان حتى ذا تجد أمثلة كثيرة لهذه الحقيقة، لأن مسلك هذا الكتاب مقاطعة أموال الخارج، وعدمُ الأخذ منها إلّا للضرورة كما هو حالي أنا. بل مقاطعتها في المسائل والأمثلة
— 105 —
والأسالي/٧٧
ربما يرد توافق في الخواطر. إذ الحقيقة واحدة، فمن أي باب دخلتَ عليها تجدها تجاهك.
خاتمة:لقد قيل: انظر إلى القول دون القائل! ولكني أقول: انظر إلى مَن قال؟ ولمن قال؟ وفيمَ قال؟ ودول، رال؟ إذ يلزم مراعاة هذه الأمور كمراعاة القول نفسه في نظر البلاغة بل هذا هو الألزم.
إشارة:اعلم أن شرطًا مهمًا لمزايا علم المعاني وفن البيان -من حيث البلاغة- هو: القصد والعمد، بنصب الأمارات والإشارات الدالة على جهة الغرضطويل اتقام للعفوية وزنٌ.
أما شرط علم البديع والمحسنات اللفظية فهو عدم القصد، والعفويةُ، أو القرب من طبيعة المعنى الشبيهة بالعفوية.
تلويح:لا يخفى أن شأن الآلات التي تثقب السطح نافذة إلى الحقيقة، وتدل على الطبية المححقيقة الخارجية، وتربط الحكم الذهني بالقانون الخارجي، بل أنفذ تلك الآلات هي "إنّ" التحقيقية. نعم، إن "إنّ" بناءً على خاصيته هذه استُعملت كثيرًا في القرآن الكريم.
أمحبة، أخ!
إن القوانين اللطيفة التي تضمها هذه المقالة لا تورطك في مغالطة، لتبرُئِها ونفورها عن هذه الأساليب الخشنة الواهية! فلا يذهبْ بك الظن إلى القول: لو كانت هذه القوانين صالحة وصائبة لكانت تلقِّن واضعَها درسًا قويًعرعتِ لبلاغة فكانت تلبس أساليب جميلة، بينما الذي وضعها أميّ وأساليبه متهرئة..
دع عنك هذا الظن، لأنه لا يلزم لكل علم أن يكون كلُ عالم ماهرًا فيه. فضلًا عن أن القوة المركزية الجاذبة أقوى من القوة الدافعة، ولأن للأذن قرابةلنور أدماغ وصلةَ رحمٍ مع العقل، بينما القلب الذي هو منبع الكلام ومعدنه بعيد عن اللسان وغريب عنه. وكثيرًا ما لا يفهم اللسانُ فهمًا تامًا لغةَ القلب، وبخاصة إن كان القلب يئن في غور المسائل وفي أعماق بعيدة كغيابة الجب فلا يسما يؤاخسان، وكيف يترجمه؟
— 106 —
وحاصل الكلام:الفهم أسهل من الإفهام.... والیسلام
اعتذار:أيها الأخ الصابر الجلد! ويا من يرافقني في هذه المسالك الضيقة المظلمة! لا أحسبك لمحمولتفرجًا حائرًا في هذه المقالة الثانية، ولم تك مستمعًا لأنك لم تفهمها، ولك الحق في ذلك؛ إذ المسائل عميقة جدًا، وجداولها طويلة جدًّا. بينما العبارات غامضة مختصرة. ولغتي التركية مشوشة وقاصرة ووقتي ضيق، وأنا أكتب باستعجال، وصحتييحدَّد؛ فأنا مصاب بالزكام. ففي مثل هذه الأحوال لا يصدر إلّا مثل هذه الوُريقات..
(والعذر عند كرام الناس مقبول).
أيها الأخ!
امزجْ عنصرَ الحقيقة (القوة الكبرى) وعنصر البلاغة (القوة الصغرى) وأمرر في المزيج الحدسَ الصادق الذي هو كشعالخلو هرباء، لينتجَ لك عنصرَ العقيدة المضيئة، وليمنحَ ذهنَك استعدادًا لفهمها.
سنبحث عن عنصر العقيدة في المقالة الثالثة.
فأشرع وأقول: نخو [٭]: كلمة كرد معتلةلهجة الكرمانجية الشمالية، تعني: إذن.
* * *
— 107 —
المقالة الثالثة
عنصر العقيدة
— 109 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وأشهد أن محمدًا رسول اللّٰه
هذه الكلمة السامية أساسُ الإسلام.. وأنوَرُ راياتهكذا، اها التي ترفرف على الكائنات طرًا.
نعم، إن الإيمان الذي هو عهدنا بالميثاق الأزلي قد اندرج في هذا الكلام المقدس.
وإن الإسلام الذي هو الماء الباعث علىاب تمزة، قد نبع من عين حياة هذه الكلمة.
فهذه الكلمة ميثاق أزلي، سُیلِّمَ بيد المبشَّرين بالفوز بالسعادة الأبدية والمعيَّنين بها، من بين البشرية المرشَّحة للخلود.
نعم، إن هذه الكلمة منهاجٌ ربانيثلاث.
جمانٌ بليغ لأوامره تعالى، تتنور به اللطيفةُ الربانية الموضوعة على نافذة قلب الإنسان المطلِّ على عوالم الغيوب.
هذه الكلمة منهاج أزلي، ينطق به اللسان، المبلّغ الأمين عن الإيمان باللّٰه الحكيم.. وخطاب فصيح ينشده الوجدان المليء بالذا مقاتجاه الكائنات.
إن كلمتي الشهادة كل منها شاهد صادق على الأخرى؛ فالألوهية برهان "لِمِّيٌّ" للنبوة ومحمد (ص) بذاته وبلسانه برهان "إِنِّيٌّ" للألوهية. [٭]: البرهان الإنّيّ واللِّمِّيّ: فالإنّي -بتشديد النون- مصدر صناعي مأخوذ من "إمطلقًاشبهة بالفعل التي تدل على الثبوت والوجود. أما اللمّي، فهو مصدر صناعي مأخوذ من كلمة "لِمَ" للعلية. وفي (التعريفات للجرجاني): الاستدلال من العلة إلى المعلول برهان لمّيّ، ومن المعلول إلى الع:إن ههان إنّيّ.
إن حقائق العقائد الإسلامية بجميع تفرعاتها صريحة ومبرهَنة في مظانها من الكتب، وهي في متناول اليد. ولكن لما كان إيضاح الظاهر يومئ إلى تجهيل المخاطب أو خفاء الظاهر، فلا أبيّن من عناصر العقيدة سوى ثلاثة أو أربعة منها، وأخطاب وقيتَها إلى كتب فحول العلماء، فقد أوفَوها حقَّها.
— 110 —
مقدمة المقصد الأول
من المعلوم لدى المدققين أن مقاصد القرآن أربعة: إثبات الصانع الواحد، النبوة، مجهّزةالجسماني، العدل.
فالمقصد الأول يخص الدلائل على الصانع الجليل، ومحمد (ص) أحدُ براهينه.
هذا، وإن وجود الصانع ووحدانيته أجلّ وأظهر وأغنى من أن يَحتاج إلى إثبات، وتنا مع لدى مخاطبة المسلمين، لذا وجّهتُ كلامي هذا إلى الأجانب، وبخاصة اليابانيين؛ إذ قد سألوا في السابق مجموعة من الأسئلة، فأجبتُهم عنها في حينه، وأُدرِجُ هنا قسمًا من تلك الأجوبة.
منها:(ما الدليل الواضح على وجود الإله، الذي تدعن وهم ليه؟ والخلقُ من أي شيء؟ أمن العدم أو المادة أو ذاته؟ إلى آخر أسئلتهم المردَّدة).
أرجو المعذرة عن الغموض الذي يكتنف كلامي، إذ لا يمكن حصر معرفة اللّٰه التي لا حدود لها في مثل هذا الكقطعة سمحدّد.
إن القصد من الكلام الآتي: انجلاءُ الحقيقة في المجموع، بإظهار طريق المحاكمة العقلية وعقدِ الموازنات، لأن تحرّي النتيجة بتمامها في كل جزءٍ من أجزاء المجموع سَترٌ للحقيقة بالأوهام والشكوك، بسببٍ من جزئية الذهن وسيطرة قوة الوهم.، حتى الذي يَحجب ظهورَ الحقيقة الرغبةُ في المعارضة.. والتزامُ جانب المعارِض.. وإعذارُ المرء نفسَه بإرجاع أوهامه إلى أصل موثوق بالتزامه لها.. وتتبعُ الهفوات والعيوب.. والتحججُ بحجج واهية صبيانية.. وأمثالُها من الأمور.
فإن استطعت أن تجرد نفسمن الما، فقد وفيتَ بشرطِي، فاستمعْ إذن بقلب شهيد:
— 111 —
المقصد الأول
إن كل ذرة من ذرات الكائنات، بينما هي مترددة في إمكانات واحتمالات غير محدودة، بذاتها وصفاتها وسائر وجوهها، إذا بها تسلك مسلكًا معينًا، وتتجه وِجهما ذكرّصة، فتُنتج مصالحَ وفوائد تتحير منها الألبابُ، مما تدل على وجوب وجوده سبحانه، وتشهد شهادة صادقة عليه، وفي الوقت نفسه تزيد سطوعَ الإيمان المودَع في اللطيفة الربانية للإنسان الممثِ هو الوذج عوالم الغيب.
نعم، كما أن كل ذرة من ذرات الكون تدل على الخالق الكريم بذاتها وبوجودها المنفرد، وبصفاتها، وخواصها؛ فإنها تدل عليه دلالات أ الإمكمحافظتها على موازنة القوانين العامة الجارية في الكون، إذ تنتج في كل نسبةٍ مَصالحَ متباينة، وفي كل مقام منه فوائدَ جليلة، لكونها جزءًا من مركبات متداخلة متصاعدةٍ في أجزاء الكون الواسع؛ وذمنه، أحيث الإمكانات والاحتمالات التي تسلكها في كل مرتبة، حتى إنها تستقرئ دلائلَ الوجود فيها.. لذا غدت الدلائل على وجوده سبحانه أكثر بكثير من الذرات نفسها.
فإذا قلت: لِمَ إذن لا يراه كل فرد بعقال؟
الجواب:لكمال ظهوره جلّ وعلا.
نعم، إن هناك أجرامًا مادية لا تُرى من شدة ظهورها -كالشمس- فكيف بالصانع الجليل المنزّه عن المادة!
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلَإِ الأَعلَى إلَيكَ رَسَالبشر
[٭]: لرجل نحوي مشهور يُعرف بركن الدين بن القَوْبَع (ت ٧٣٨ هی) - (قول على قول ١١/١٥٧ للكرمي).
تأمل في صحائف العالم بعين الحكمة، فانظر كيف سطّر البارئ المصوّر في تلك الأبعاد الشاسعة سلسلةَ الحوادث، وأنعِم النظر في تلليل ويائل الآتية من الملأ الأعلى كي ترفعك إلى أعلى عليي اليقين.
إن وجدان الإنسان لا ينسى اللّٰه قط، لِمَا غُرز فيه من "نقطتَي الاستمداد والاستناعل الح2
بل حتى لو عَطَّل الدماغُ أعماله، فالوجدانُ لا يَنسى؛ لأنه منهمكٌ بتلك الوظيفتين المهمتين؛ كالآتي:
إن قلب الإنسان مثلما يَنشر الحياةَ إلى أرجاء الجسد، فالعقدة الحياتية في الوجدان -وهي معرفة اللّٰه- تنور الحياة إلى آمال الإنسان وميوله المتشعبة في مواهبه واستعداداته غير المحدودة، كلٌّ بما يلائمه، فتقطّر فيها اللذةَ والنشوة، وتزيدها قيمةً وترفعها شأنًا، ب٦/١٥.ها وتصقلها. هذه هي نقطة الاستمداد.
ثم إن معرفة اللّٰه نقطة استناد وحيدة للإنسان، تجاه تقلبات الحياة ودوّاماتها، وتَزاحُم المصايب وتَوالى النكبات؛ إإثر طام يعتقد الإنسان بالخالق الحكيم الذي أَمرُهُ كلُّه حكمةٌ ونظام، وأسند الأمورَ والحوادث إلى المصادفات العمياء، وركَن إليها وإلى ما يملكه من قوة هزيلة لا تقاوِم شيئًا، فسينتابه الفزعُ والرإلى تجهار مِن هَول ما يحيط به من بلايا، وسيشعر بحالات أليمة تُذكّر بعذاب جهنم.. وهذا ما لا يتفق وكمالَ روح الإنسان المكرّم، إذ يستلزم سقوطَه إلى هاوية الذلّ والمهانة، مما ينافي روحَ النظام المتقَن القائم في الكون كله... وهذه هي نقطة الروطية ..
نعم، لا ملجأ إلّا بمعرفة اللّٰه!
إذن فالوجدان يطلّ على الحقائق بذاتها من هاتين النافذتين، فيرى هيمنةَ النظام على العالم كله، والخالقُ الكريم ينشر نور معرفته ويبثها في وجدان كل إنسان من هاتين النافذتين.. فبعيد مطبق العقلُ جفنه، ومهما أغمض عينَه، فالفطرة تراه وعيونُ الوجدان مفتحة دائمًا، والقلب نافذة مفتوحة.
تنبيه:إن أصول العروج إلى عرش الكمالات -وهو معرفة اللّٰه، في آلاله- أربعة:
أولها:منهاج علماء الصوفية، المؤسَّس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي.
ثانيها:طريق علماء الكلام المبني على الحدوث والإمكان.
هذان الأصلان وإن تشعبا من القرآن الكريم، إلّا أن لهم فيلبشر قد أفرغهما في صور أخرى فأصبحتا طويلة وذات مشاكل.
— 113 —
ثالثها:مسلك الفلاسفة.
هذه الثلاثة ليست مصونةً من الشبهات والأوهام.
رابعها:المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، فلا يوازيه طريق ا. فيستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه وأقربه إلى اللّٰه وأشمله لبنى الإنسان.
ونحن قد اخترنا هذا الطريق. وهو نوعان:
الأول: دليل العنايةإن جميع الآيات الكر قد نظتي تعدد منافع الأشياء، تومئ إلى هذا الدليل وتنظّم هذا البرهان.
وزبدة هذا الدليل:رعايةُ المصالح والحكم في نظام العالم الأكمل، مما يُثبت قصْد الصانع وحكمتَه ويَنفي وهْمَ المصادفة.
مقدمةعلى الرغم من أن كل إنسان ن -أماطيع أن يستقرئ استقراءً تامًا رعايةَ المصالح والانتظام في العالم ولا يمكنه أن يحيط بها، فقد تشكل -بتلاحق الأفكار في البشرية عامة- علمٌ يخص كل نوع من أنواع الكائنات، ذلك العلموَّ و من القواعد الكلية المطردة في الكون، وما زالت العقول تكشف عن علوم أخرى.. وحيث إن الحكم لا يجري بكليته في ما لا نظام فيه، فكلية القاعدة إذن دليل على حسن انتظام النوع.. فبناء على كلية القاعدة هذه غدا كلُّ علها زيّلوم الأكوان برهانًا على النظام الأكمل في العالم بالاستقراء التام.
نعم، إن إظهار المصالح المتعلقة بسلسلة الموجودات بوساطة العلوم، وبيانَ فوائد الثالعناصلمتدلية منها، وإبراز الحِكم والفوائد المنتشرة ضمن تلافيف انقلابات الأحوال.. يشهد شهادةً صادقة على قصد الصانع الحكيم، ويشير إليه، ويطرد شياطين الأوهام كالنجم الثاقب.
إشارة:إذا جردت نفسَك من حجاب الألفة التي هي سببُ الجهل المركب، والتي تنشه بقيدالإنسان النظرَ السطحي العابر.. وأفرغتَ نفسك من محاولة إلزام الخصم، بعدم
— 114 —
الانصياع إلى الحق ليس إلّا، تلك المحاولة التي تلقّح الأوهام والشكوك وتسد الطريق إلى العقل.. ونظرتَ إلى حيوان صغير لا يُرى إلّا بالمجهر، ورأيت ما تشف تلك المل شرٍّلصغيرة الدقيقة، الماكنة الإلهية البديعة، عن وجودٍ منتظم متناسق فيه، فلا تستطيع أن تُقنع نفسَك وتطمئنها، بأن هذه الآلات الدقيقة ناشئة من مَصنع الأسباب الطبيعية الج.
ولتي لا شعور لها ولا حدّ لمجالها ولا أولوية لإمكاناتها، إلّا إذا استطعت رفع المحالات الناشئة من اجتماع الضدّين، أي وجود القوة الجاذبة والدافعة في تلك اة اتحالتي لا تتجزأ.
فإن كانت نفسُك تجد احتمالًا في هذه المحالات، فسيُرفع اسمك من سجل الإنسانية!.
ولكن يجوز أن يكون الجذب والدفع والحركة التي هي أساس كل شيء -كما يظنون- أسماءَ وعناوينَ قوانينِ اللّٰه نبوي صة في الكون. ولكن بشرط ألّا تتحول القوانين إلى طبيعة فاعلة، وألّا تخرجَ من كونها أمرًا ذهنيًا إلى أمر خارجي مُشاهَد، وألّا تتحول من كونها شيئًا اعتباريًا إلى حقيقة ملموسة، ولا من كونها آلة تتأثر إلى مؤثر حقيقيه وعلىجع البصر هل ترى من فطور
(الملك:٣) كلا! فالمُبصِر لا يرى نقصًا، إلّا إن كان أعمى البصرِ والبصيرةِ، أو مصابًا بقصر النظر!
فإن شئت فراجع ابطة ب الكريم، تجدْ دليل العناية بأكملِ وجهٍ من الوجوه الممكنة، لأن القرآن الكريم الذي يأمر بالتفكر في الكون، يعدّد أيضًا الفوائدَ ويذكّر بالنِعم الإلهية.. فتلك الآيات الجليلةُ مَظاهرُ لهذ والهانِ، برهانِ العناية.
استمسِكْ بما ذكرناه، فإنه إجمالٌ، أما التفصيل فنفسّره في الكتب الثلاثة التي عقدنا العزم على كتابتها لبحث علم السماء والأرض والإنسان، كمنهجِ تفسير في الآفاق والوقد مرإن شاء اللّٰه ووفق. وعندها تجد هذا البرهان بوضوح تام.
الدليل القرآني الثاني: دليل الاختراع
وخلاصته:أن اللّٰه تعالى قد أعطى كلَّ فرد، وكل نوع، وجودًا خاصًا، هو منشأ آثاره المخصوصة، ومنبع كمالاته اللائقة. فلا نوعَ يتسلسلُ إلى الأزل، لهذا ال الممكنات. فضلًا عن أن حدوث قسم منها مشاهَد، وقسم آخر يراه العقلُ بنظر الحكمة.
— 115 —
إن انقلاب الحقائق محالٌ، وسلسلة النوع المتوسط لا تدوم، أما تحوّل الأصناف فهو غيرُ انقلاب الحقائق.
ولما كان لكلِّ نوع آدمُ وجدٌّ أكبر، فالوهم ومن الناشئ من التناسل في سلسلة كل نوع لا يسري إلى أولئك الآدميين والأجداد الأوائل؛ إذ إن الفلسفة وعلم الجيولوجيا وعلم الحيوان والنبات، تشهد أن الأنواع التي يزيد عددها على مئتي ألف نوع، كلٌّ منها له مبدأ وأصل معين، وجدّصان
، بمثابة آدم لذلك النوع، وكل مبدأ منها قد حدث حدوثًا مستقلًا عن غيره. وكل فرد من هذه الأنواع الوفيرة كأنه ماكنة بديعة عجيبة تبهر الأفهام، فلا يمكن أن تكون القوانينُ الموهومة الاعتبارية والأسبابُ ايقترن ة العمياء الجاهلة، موجِدةً لهذه السلاسل العجيبة من الأفراد والأنواع، بل هي عاجزةٌ عجزًا تامًا عن إيجادها.. أي إن كل فرد، وكل نوع، يُعلن بذاته أنه صادر صدورًا مستقلًا عن يمستفادرة الإلهية الحكيمة.
نعم، إن الصانع الجليل قد ختم في جبهة كل شيء ختمَ الحدوث والإمكان.
إن قبول احتمال تَشكُّل الأنواع من أزلية المادة وحركة الذرات العشوائية وغيرها من الأمور الباطلة، إنما هو لمجرد إقناعن أن ي بشيء آخر غيرِ الإيمان باللّٰه، ولا ينشأ هذا الاحتمال إلّا من عدم الإدراك، ومن فساد الفكر، بالنظر السطحي العابر. ولكن ما إن قصدَ الإنسانُ وتَوجَّه بالذات إلى إقناععه الل فإنه سيقف على محالية الفكرة وبُعدها عن المنطق والعقل. ولو اعتقدها فلا يعتقدها إلّا اضطرارًا بالتغافل عن الخالق سبحانه.
إن الإنسان -المكرّم من حيث جوهر إنسانيته- يبحث دومًا عن الحق، ويتحرّى الحقيقة دائمًا، وينشد السعاة للعق الدوام. ولكن أثناء بحثه عن الحق يعثر على الباطل والضلال دون أن يشعر، وأثناء تنقيبه عن الحقيقة يقع الباطل على رأسه بلا اختيار منه، أو كلما خاب في جدنا ق على الحق ويئس من وجدان الحقيقة قَبِل -مضطرًا- أمرًا محالًا وغير معقول، يَقبله بالنظر السطحي والتبعي، مع أنه يعرف يقينًا بفطرته الأصلية ووجدانه قة من أنه محال.
خذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار وضعها نصب العين:إن ما يتوهمونه من أزلية المادة والحركة، من جراء تغافلهم عن نظام العالم.. وما يتخيلون مطلقه
من مصادفةٍ عشواءَ في الصنعة البديعة التي تبهر العقول.. وما يعتقدونه من تأثير حقيقي للأسباب الجامدة، رغم شهادة جميع الحِكَم على عدم تأثيرها.. وما يغالطون به أنفسهم وجع صّون به من إسناد كل شيء إلى الطبيعة الموهومة المتخيلة المتجسمة، بسبب اسیتمرار إغواء الوهم.. تردّه فطرتهم وترفض هذه المحالات والأوهیام.
التصورتى ما توجه الإنسانُ إلى الحق يقصده، تعرض له على جانبي الطريق هذه الأوهامُ، من دون دعوة منه ولا طلب. فمن سدّد النظر إلى غرضه ونَصَبَ هدفه أمام عينه، نظر إلى الأوهام الباطلة نظرَ كم علي السطحي، من دون أن ينفذ إلى باطنها المليء باللوثات؛ وإذا ما توجّه إليها شاريًا لها يراها لا تستحق حتى الالتفات إليها فكيف بالشراء! بل يشمئز وجدانُه منها ويستحيلها عقلُه ويمجّها قلعراق إلّا أن يشاغب، وتستفزّه السفسطة؛ فيقبل في كل ذرةٍ عقلَ الحكماء وسياسة الحكام! كي تتشاور كلُّ ذرة وتتحاور مع أخواتها على الاتفاق والانتالأنواهذا المسلك -وهذا شأنه- لا يقبله حتى الحيوان! ولكن ما الحيلة فإن لازم البينة من المسلك نفسه، وهذا المسلك لا يصوّر إلّا بهذه الصورة.
نعم، إن شأن الباطل هو أنه إذا نظر إليه الإنسان نظرَ التبعيِّ العابر يُعطَى له صحة ايها منل، بينما إذا أنعم النظر فيه يُرفع ذلك الاحتمالُ ويُدفع.
إن ما يسمونه بالمادة لا تتجرد عن الصورة المتغيرة ولا عن الحركة الحادثة الزائلة، أي إن حدوثها محقق. فيا ترى إن من يضيق عقلُه عن إدراك أزلية اللّٰه سبوحاصلوهي صفة لازمة ضرورية للذات الجليلة- كيف يتسع عقلُه لأزلية المادة التي تنافي الأزليةَ منافاة مطلقة.. حقًا إن هذا شيء عُجاب. حتى يندم الإنسان على إنسانيته كلما فكر في هؤلاء الذين يحيلون هذه المصنوعات البد أو بعى المصادفة العمياء وحركةِ الذرات ويستغربون صدورَها عن الصانع الجليل المتصف بجميع الصفات الكمالية.
إن القوى والصور الحاصلة من حركة الذرات -كما يدّعون- لا تشكّل المباينةَ الجوهرية للأنواع، بسبب عَرَضيتها، للموضَض لا يكون جوهرًا قط. بمعنى أن فصول هذه الأنواع والخواص المميزة لعموم الأعراض إنما هي مخترَعةٌ من العدم الصِّرف. والتناسلُ في التسلسل إنما هو الشرائط الاعتيادية.
— 117 —
فهذا إجمالُ دليل الاختراع وإن وجهٍ بصيلَه بوضوح فادخل جنان القرآن الكريم، فإنه مامن رطب ولا يابسٍ إلّا وتفتح في كتاب مبين زهرةً زاهية أو برعمًا لطيفًا.
فإن شاء اللّٰه تعالى، ووفقني، وسمح الأجَل، سأعرض اللآلئ التي تزيِّن هذا البرهان مستخرِجًا إيت إيضا أصداف ألفاظ القرآن.
إذا قلت: ما هذه الطبيعة والقوانين والقوى التي يُسَلُّون بها أنفسهم؟
فالجواب:أن الطبيعة هي شريعةٌ إلهية فطرية، أوقعتْ نظامًا دقيقًا بين أفعالِ وعناصرِ وأعضاءِ جسد الخلير الجمسمى بعالم الشهادة، هذه الشريعة الفطرية هي التي تُسمى بالطبيعة والمطبعة الإلهية.
نعم، إن الطبيعة هي محصّلةُ وخلاصةُ مجموعِ القوانين الاعتبارية الجارية في الكون. أولد كميسمونه بی"القوى" فكلٌّ منها حُكم من أحكام هذه الشريعة. أما القوانين فكل منها عبارة عن مسألة من مسائلها، ولكن لاستمرار أحكام هذه الشريعة واطّراد مسائلها، وتهيؤ النفوس التي ترى الخيالَ حقيقةً وتُريها 306
تَسلّطَ الخيالُ وضيقُ الفهم، فتجسمت الطبيعةُ حتى أصبحت موجودًا خارجيًا وتنزّلت من الخيال إلى المثال. وكم للوهم من حِيل تروجُ.
لا يَقنع العقل ولا ينجذب الفكر ولا يأنس نظرُ الحقيقال اليكون آثار القدرة -التي تتحير منها العقول- صادرةً من صنعة هذه الطبيعة الشبيهة بالمطبعة، أو من أمور يسمونها قوى عامة. علمًا أنها تفتقر إلى قابليةٍ لتكون مصدقص هنا علّةً لوجود هذه الكائنات. فليس إذن إلّا التغافلُ عن اللّٰه الحكيم وإلّا الاضطرارُ المتولد من إلجاءات الانتظام الجاري في الكون فيتخيلون الطبيعة مصدرًا، وهي لي الكلما مِسطرًا، وما محاولة إنتاج الملزوم الأخص من اللازم الأعم إلّا قياسٌ >,Sم. وهذا القياس العقيم فَتَح الطرقَ الكثيرة إلى أودية الضلالة والحيرة.
إن الشريعة -والقانون- هي نظ وفي افعال الاختيارية، فمع كثرة المخالفات والخروقات، يتصور كثير من الجهلة كأن الشريعة حاكم روحاني، ويتصورون النظام كأنه سلطان معنوي، فيتخيلون أن لهما محدوداا.
فالبدوي الذي لم يرَ الحضارة، إذا ما شاهد حركاتِ الجنود في طابور، حركةً مطردة
— 118 —
وأطوارًا منسقة وأحوالًا مرتبطة، ظن أن هؤلاء الأفراد العديئلا يق الهيئة العسكرية مرتبط بعضُهم ببعض بحبل معنوي!
أو أن شخصًا عاميًا أو ذا طبع شاعري، تراه يتصور النظام الذي يربط الناس بعضهم ببعض موجودًية بل يًا، أو يتصور أن الشريعة خليفة روحانية، وهكذا يُغالي مَن يتصور الشريعة الفطرية الإلهية المتعلقة بأحوال الكائنات، أنها الطبيعة، تلك الشريعة التي لم تخرق إلّ نفسه،قًا للأنبياء وتكريمًا للأولياء إذ هي مستمرة دائمة. فكيف لا تتجسم الأوهامُ على هذا النمط من التصورات؟
كما أن استماع الإنسان وتكلّمَه وملاحظته وتفكره جزئيةٌ تتعلق بشيء فشيءٍ على سبيل التعاقب، كذلك همتُه جزئي، ومنحتشتغل بالأشياء إلّا على سبيل التناوب؛ فبوساطة التعاقب يتعلق بشيء فحسب وينشغل به.
ثم إن قيمةَ الإنسان بنسبة ماهيته، وماهيتُه بدرجة همّته، وهمتُه بمقدار المرا المقصد الذي يشتغل به.
ثم إن الإنسان إلى أي شيء تَوجَّهَ يفنى فيه، وينحبس عليه، وكأنه يكون مصداقَ: "الفناء في المقصد" فبناء على هذه النقطة ترى الناس -في عُرفهم- لا يُسندون شيئًا خسيسًا وأمرًا جزئسلوب اى شخص عظيم، بل إلى الوسائل، ظنًا منهم أن الاشتغال بالأمر الخسيس لا يناسب وَقاره، وهو يربأ بنفسه عنه، ولا يسع الأمرُ الحقير همتَه العظيمة، ولا يوازَن أفصلر الخفيف مع همته العظيمة.
ثم إن من شأن الإنسان إذا تفكر في شيء، أن يتحرى مقاييسه وأسسه في نفسه، وإن لم يجدها ففيما حوله وفي أبناء جنسه، حتى إنه إذا يقظة في واجب الوجود المنزّه عن الشبه بالممكنات، تُلجئه قوتُه الواهمة إلى أن يجعل هذا الوهمَ السيئ المذكور دستورًا، والقياسَ الخادع منظارًا، مع أن الصانع جلّ جلالُه لا يُنظر إليه من هذه النقطة، إذ لا انحصار لقدرته، لأن قدرتَه وعلمَه وإراف هوائلّ جلالُه كضياء الشمس - وللّٰه المثل الاعلى - شاملةٌ لكل شيء، وعامةٌ لكل أمر؛ فكما تتعلق بأعظم شيء تتعلق بأصغَره وأخسّه. فمقياسُ عظمته تعالى وميزانُ كماله سبحانه مجموعُ آثاره، لا كل جزء منه، إذ لا يصلح أن يكون مقياسًا.
— 119 —
وهكم المتاس واجب الوجود بالممكنات قياسٌ مع الفارق، ومن الخطأ المحض المحاكمةُ العقلية بالوهم الباطل المذكور.
فبناء على هذا الخطأ المشين للأدب، وتسلُّط الوهم الباطل، اعتقدَ الطبيعيون أيها َ الأسباب تأثيرًا حقيقيًا، وادّعى المعتزلة أن الحيوان خالقُ لأفعاله الاختيارية، ونفى الفلاسفةُ علمَ اللّٰه بالجزئيات، وقال المجوس: إن للشر خالقًا غيرَه تعالى؛ إذ ظنوا وتوهموا أن اللّٰل "سبحى بعظمته وكبريائه وتنزُّهه، كيف يتنزل إلى الاشتغال بمثل هذه الأمور الجزئية الخسيسة. فتبًّا لعقولهم التي حبست نفسَها أسيرة في هذا الوهم الباطل.
أيها الأخ! إن هذا الوهم إن لم يَرد من جهة الاعتقاد، فقد يلولد مذ على المؤمنين من حيث الوسوسة.
فإن قلت: إن دليل الاختراع هو إعطاء الوجود، وإعطاءُ الوجود يصاحب إعدامَ الموجود، بينما عقولُنا لا تستوعب ظهور الوجود من العدم الملات، وانقلابَ الوجود المحض إلى العدم المحض.
فالجواب:يا هذا ! إن ما تستصعبونه وتستغربونه في تصوركم هیذه المسألةَ، هو النتيجة الوخيمة لقياس خادع مضلّ، إذ تقيسون الإيجادَ والإبداع الإلهي بكسب العبد واقها م، والعبدُ عاجز عن إماتة ذرة وإحيائها، وليس له إلّا الصنعة والكسب في الأمور الاعتبارية والتركيبية.
نعم، إن هذا القياس خَدَّاع لا ينجو الإنسان منه.
وحاصل الكلام:لمّا لم يرَ الإنسانُ في الكائنات قدرةً وقوةً تتملكها الممكنات إي في اة تتمكن بها الإيجادَ من العدم المحض، وبَنَى حُكمَه على مشاهداته وأنشأه منها، إذ نظر إلى الآثار الإلهية من جهة الممكنات، بينما عليه أن ينظر إليها من جهة القدرة الإلهية الثابتة بآثارها المحيرة للألباب... فتراه يفرض الصانعَ الجليل في قوةِ وق فقط، لعباد الذين لا تأثير لهم إلّا في الأمور الاعتبارية. أي في قوة موهومة. فينظر إلى المسألة من هذه الزاوية، مع أنه يجب عليه أن ينظر إليها من جانب القدرة التامة للواجب الوجود.
— 120 —
إشارة:إذاخذ دلا آثارُ أحد من الناس بنظر الاعتبار في محاكمة عقلية، يجب أخذ خاصته أيضًا. ولكن لأنه لم تؤخذ هذه القاعدة في هذه المسألة، فقد نُظر إليها من خلال عجز العبد تحت ستار القياس التمثيلي لقدرة الممكنات. بينما نرى في تكوين العالَم أن اللّٰي في منه وتعالى يخلق قسمًا من الممكنات بالإبداع -أي بدون مادة- وقسمًا آخر بالإنشاء - أي ينشئُه من المادة - وهكذا بث في الوجود هذه الآثارَ المعجزة الباهرة، العدمرَ قدرتَه المطلقة بجلاء.
فالإنسان إذا صرف نظرَه عن هذا، ورأى الغائب بصورة الشاهد بقياس خادع أو وَضَع أبناء جنسه في المحاكمة العقلية، أي لو نظر إلى واجب الوجود من هذه الزاوية المحددة، تَوَهم أن كثيرًا من الأمور المعقولة التتى يقاوبها العقل السليم غير معقولة.
فلو صرفنا النظر عن المخترعات، فإن القوانين العجيبة للضوء -وهو نور عين العالم وأنور المصنوعات- ونواميسل وحامديعة المصغرة في بصر الإنسان في ترسيماتها على شبكيته التي أعيَا العقولَ حلُّها.. أقول: إذا قيست هذه التي تُعدّ بعيدة عن العقل بكمال القدرة الإلهية لرآها الإنسان مأنوسة مألوفة وبين أعّم معين العقل وبصره.
وكما أن النظريات تُستنتج من الضروريات، كذلك ضروريات آثار اللّٰه وصنعته دليل -وأيّ دليل- على مخفيات صنعته. وكلاهما معًا يثبت هذه المسألة.
فهل يمكن أن يَتصور العقلُ أدقَّ وأعجبَ وأغربَ من صنعة اللّٰهعداد اام العالم، وأبعدَ من جنس الممكنات وقدرتها؟ لاشك لا يَتصور، لأن الحِكَم والفوائد التي بينتها العلومُ تشهد بالضرورة على قصدِ الصانع وصنعتِه وحكمته، حتى اضطرت العقولُ إلى قبولها. وإلّا فالعقل بمفرده لا يقبل أصغر حقيقة من هذه البديه، لو ذ نعم، إن الذي حمل الأرضَ ورفعَ السماوات بغير عمَد وسخّر الأجرام وأدخلَ الموجودات تحت نظام فلا يعصونه في أمره. كيف يُستغرب منه أن يحمل ما هو أخف وأسهل بدرجات لا تق، غريب نعم، إن الشك في قدرة من يرفع الجبل عن أن يرفع صخرة ليس إلّا سفسطة.
الحاصل:كما أن القرآن يفسر بعضُه بعضًا، كذلك سطورُ كتاب العالم يفسّر ما وراءه من إتقان وحكمة.
#12ي وغيرذا قلت: يظهر من كلام قسم من المتصوفة معنى الاتصال والاتحاد والحلول؛ فيُتوهم من كلامهم وجودُ علاقة مع مذهب وحدة الوجود الذي يتبناه قسمٌ من الماديين.
الجواب:إن شطحات محققي الصوفية، عرف اي من قبيل المتشابهات، لم يفهمها هؤلاء، إذ إن مسلكَهم المبني على الاستغراق وحصرِ النظر في الذات الإلهية والتجرّدِ من الممكنات قد ساقهم إلى أن يكونَ مطمحُ نظرهم رؤيةَ النتيجة ضمن الدليل، أي سلكوا مسلك رؤيةِ الصانع الجليل من خلال العالم!. فعبّر فليشهجريان التجليات الإلهية في جداول الأكوان، وسَرَيانِ الفيوضات الإلهية في ملكوتية الأشياء، ورؤيةِ تجلي أسمائه وصفاته سبحانه في مرايا الموجودات... عبّروا عن هذه الحقائق -لضيق الألفاظ- بالألوهية السارية والحياة السارية. هذه الحقائق لم يفهموضوعًائك، إذ طبقوا شطحات المحققين الصوفيين على أوهام واهية ناشئة من سوء الفهم وفقر الاستعداد.. فسُحقًا وبُعدًا لعقولهم.
إن الأفكار المجردة للعلماء المحققين التي هي بسمو الثريا أبعدُ بكثير من ي الطي سافلةٍ للمقلدين الماديين التي هي في دركات الثرى.
نعم، إن محاولة تطبيق هذين الفكرين، في هذا العصر، عصرِ الرقي، دليلٌ على إصابة العقل البه ما يكتة دماغية. وتنظرُ الإنسانية إلى هذا الأمر نظرَ الأسف والأسى وتضطرُ إلى أن تقول بلسان مواهبها وقابلياتها للرقي والتحقيق العلمي: (كلا.. واللّٰه.. أين الثرى من الثريا، وأين الضياء من مًا!
# الدامسة).
إشارة:إن هؤلاء هم أصحاب "وحدة الشهود"، ولكن قد يعبَّر عنهم مجازًا بأهل "وحدة الوجود"؛ حيث إن وحدة الوجود -على حقيقته- مسلالأول ل لقسم من الفلاسفة القدماء.
تنبيه:لقد قال رئيسُ هؤلاء المتصوفة وكبيرُهم: "من ادّعى الاتصال أو الاتحاد أو الحلول، لم يشمّ من معرفة اللّٰه شيئًا"... كيف يتصل أو يتحد الممكن بالواجب؟ بل أيّ قيمة للممكن حتى يحل فيه الواجب، تعالى اللّٰه وتقدّسأما الوهم المتوهمون.
نعم، يتجلى فيضٌ من فيوضات اللّٰه في الممكن. فمسلك هؤلاء لا علاقة له ولا مناسبة فيه مع أولئك، ولا تماس بينهما قطعًا، لأن مسقبحها ماديين حصرُ النظر في المادة والاستغراقُ
— 122 —
فيها، حتى تجردت أفكارُهم وتعرّت أذهانُهم عن فهم الألوهية وابتعدوا عنه، بل أعطوا المادة قيمةً وأهم بالضرمة حتى رأوا فيها كل شيء، بل ولَج قسمٌ منهم في مسلك دنيء حيث مزجوا الألوهية بالمادة.
أما أهل "وحدة الشهود" -وهم المحققون الصوفيون- فقد حصروا نظرهم في واجب الوجود حتى لم يرن قيمةمكنات قيمة، فقالوا: "هو الموجود".
الإنصاف الإنصاف أيها الناس! فالبُعد بين المذهبين بُعدُ الثرى عن الثريا. أُقسم باللّٰه الذي خلق المادة بأنواعها وأشكالها، شك، وى في الدنيا أبشع وأخسّ وأنعى على صاحبه بانحراف مزاج عقله من الرأى الأحمق الذي ينتج التماسّ بين هذين المسلكين.
تنوير:لیو افتُرض -مثلًا- أن الكرة الأرضية قد تشكلت مین قِطَع زجاجية صغيرة جدًّا ومختلفة الألوان، فلا شك أن كل فين (تستفيض من نور الشمس حسب تركيبها وجرمها ولونها وشكلها.
فهذا الفيض الخيالي ليس الشمسَ بذاتها ولا ضياءَها بعينه.
فلو نطقت ألوانُ الأزهار الزاهية المتجددة والتي هي تجليات ضياء الشمس وانعكاسات ألوانه السبعة، لقال كل لون منها: إنَّالعلوم مثلي، أو إن الشمس تخصّني أنا.
آنْ خَيَالاَتِى كِه دَامِ اَوْلِيَاسْت عَكْسِ مَهْرُويَانِ بُوسْتَانِ خُیدَا اَسْتْ
[٭]: أي "إن الخيالات التي هي شِراكُ الأولياء إنما هي مرآة عاكسة تعكس الوجوه الوصياغتي حديقة اللّٰه". والبيت لجلال الدين الرومي في مثنويه ج١/٣.
ولكن مشرب أهل وحدة الشهود هو: الصحو والتمييز والانتباه، بينما مشرب أهل وحدة الوجود هو: الفناء والسُكر. والمشرب الصافي هو مشرب الصحو والتمييز.
"تَفَكَّرُوا يد التاَءِ اللّٰه وَلاَ تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِهِ فَإنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا" [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٦٤٥٦؛ اللالكائي، السنة ١/١١٩/١-٢؛ البيهقي، شعب الإيمان ١/٧٥.
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فضع أماَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ ذِي الْقِدَمِ
هُوَ الَّذِي أبْدَعَ اْلأشْيَا وَأنْشَأَهَا فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ مُسْتَحْدَثُ النَّسَمِ
[٭]: ينسب إلى الإمام علي كرّم النظر الجهه، ديوان الإمام علي ص١٨٥، بيروت. #123
تنبيه:هذه هي الدلائل الإجمالية لوجود الصانع، سَتَرِد تفاصيلها في الكتب الثلاثة.
إذا قلت: أريد بيان دلامس عقيوحيد ولو إجمالًا.
أقول: إن دلائل التوحيد أكثر بكثير من أن يضمها هذا الكتاب. وما تضمنته الآية الكريمة:
لو كان فيهما الهة الا اللّٰه لفسدتاثم إن بياء:٢٢) من برهان التمانع دليلٌ كافٍ، ومنار ساطع على هذا المنهاج.
نعم، الاستقلال خاصةٌ ذاتية ولازم ضروري للألوهية.
إن تشابهَ آثار العالم، وتعانقَ أطرافه، وأخذَ ب"جحا ايد بعض، وتكميلَ بعضه انتظام البعض الآخر، وتجاوبَ الجوانب، وتلبيةَ بعض لسؤال بعض، ونظرَ الكل إلى نقطة واحدة، وحركةَ الكل بالانتظام على محور نظام واحد، تلوّحُ بوحدانية الصانع بل تصرح بأن صانع هذه الماكنة الواحدة واحنها إذلو على الكل:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ
[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.
إن الأبعاد الشاسعة غير المتناهيةصيتها ق صحائفُ كتاب العالم
والآثار التي لا تعد سطورُ كائنات الدهر
لقد طُبعت في لوح الحقيقة المحفوظ:
إن كل موجود لفظٌ مجسّم حكيم.
لا شك أن الشاعر الفاضل "تحسين" لا يقصد بغير المتناهي العد المعدود معناه الحقيقي وإنما الأمر النسبي.
إشارة:إن الصانع الجليل متصف بجميع الأوصاف الكمالية، لأنه من المقرر أن ما في المصنوع من فيض الكمال، مقتبسٌ من ظلِّ تجلِي كمال صانعه، فبالضرورة يوجد في الصانع جلّلأعم أُه من الجمال والكمال والحسن ما هو أعلى بدرجات غير متناهية حتمًا من عموم ما في الكائنات من الحسن والكمال والجلال؛ إذ الإحسان فرعٌ لثروة المُحسن ودليل عليها، والإيجاد، لوجود اللام -ب، والإيجابُ لوجوب الموجب، والتحسين لحُسن المحسّن
المناسب له.
— 124 —
وكذلك إن الصانع منزّه عن جميع النقائص، لأنها تنشأ من عدم استعداد ماهيات الماديات، وهو ت.. ومرجرّدٌ عن الماديات، ومقدّس عن لوازمَ وأوصافٍ نشأت من إمكان ماهيات الكائنات، وهو سبحانه واجب الوجود ليس كمثله شيء جلّ جلالُه.
مقدمة:
إن قلت: لقد ذُكر في الديبيعة ان الكلمة الثانية من كلمتي الشهادة شاهدةٌ على الأولى ومشهود عليها.
الجواب:نعم، إن أقوى منهج من بين المناهج المؤدية إلى معرفة اللّٰه، كعبةِ الكمبصرات وأكثرَها استقامة، هو المحجةُ البيضاء التي سلكها صاحبُ المدينة المنورة (ص). ذلك المنهج الذي ترجمَه لسانُه الصادق المبارك العاكس كالمرآة لما في قلبه الشريف، الذي هو كمشكاة مطلّة على عوالم الغيب. فهو (ص) يفرطوالهداية، وأصدقُ شاهدٍ حيّ وأفصح برهان ناطق وأقطع حجة على الصانع الجليل؛ إذ من حيث الخليقة، ذاتُه برهان باهر، ومن حيث الحقيقة لسانُه شاهد صادق.
نعم، إن محمدًا (ص) حجةٌ قاطعة عل أن انه تعالى وعلى النبوة وعلى الحشر وعلى الحق وعلى الحقيقة. كما سيأتي تفصيله.
تنبيه:لا يلزم الدور؛ لأن صدقَه ثابتٌ بأدلة لا تتوقف على أدلة الصانع.
تمهيد:إن رسولنا الكريم (ص) برهان على وجوده تعالى، لهذا يجب إثبات صدق هذا ص).
ن، ونتاجه وصحته صورةً ومادةً، نَخُو:
— 125 —
المقصد الثاني
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اللّٰهم صل على سيدنا محمد الذي دل على وجوب وجودك...
أما بعد:
فيا عاشق الحقيقة! إن كنت تتحرى الحقائق بمطالعة وجداني أنا، فطهِّر قلبَك -تلك اباح جبَ الربانية- من الصدأ، أي الرغبةِ في المعارضة والخلاف.. والتزامِ طرف المخالف والمعارض.. وإعذارِ النفس بإرجاع أوهامك إلى أصل لتحقيقها.. وطلبِ رؤية نتيجة المجموع في الإيمٍ، الذي يضعف بانفراده عن حمل النتيجة، فيجلب لك استعدادًا سيئًا لردّ النتيجة.. والتطلعِ بطبيعة الصبيان، وسجية الأعداء، أي التشبث بحجج واهية.. وتقمصِ طبيعة المشتري الذي يتحرى العيوب والنقائص.. وأمثالِها من الأسيطة و فاصقُل تلك المرآة وطهِّرها منها، ثم أبدأ بالموازنة والمقابلة واجعل الشعلة الجوّالة الناتجة من امتزاج أكثر الأمارات قرينةً منوِّرة على أقلها، كي تتنور هقامة، ليلُ من أوهامك المظلمة ويندفعَ.
ثم استمع بقلب شهيد وبإنصاف ورويّة، ولا تعترض حتى يبلغ الكلام أجلَه، فإنه إلى الختام جملة واحدة، حكمٌ واحد، ومن بعد ذلك إن بقي لك ما تقول فاذكره.
استمع إلى ما أقول فإني أبدأ بالأصغر: برهانِ النبوة مطلقًا الصفحلأكبر: نبوة محمد (ص).
اعلمأن حكمة الصانع الجليل.. وعدمَ العبثية في أفعاله.. ومراعاتَه النظام في أقل ما في العالم.. وعدمَ إهماله أخسّ ما فيه.. وضرورةَ حاجة البشرية إلى مرشد..يث فتسذلك يستلزم قطعًا النبوةَ في نوع البشر.
إن قلت: لمْ أفهم هذا الإجمال، يرجى التفصيل:
أقول: اسمع، فإنك تشاهد أن النبوة المطلقة التي هي بمثابة معدنِ نظام البشرية المادجلية،
والمعنوي، ومركز انتظام أحوالِ كثير من الأنواع التي ضمّتها تحت تصرفها قوةُ العقل.. هذه النبوة المطلقة برهانُها رُقِيُّ الإنسان على الحيولتصويري ثلاث نقط:
النقطة الأولى:إدراكُ الإنسان وكشفه عن الترتيب في الأشياء، الناشئ من العلل المترتبة المتسلسلة في الخلقة.. وقابليتُه العلمية والتركيبية، ومعرفتُه الحاصلة من تحليله مركباتِ بذور كمالات الإيه في إلى بسيطات، وإرجاعِها إلى أصلها.. وقدرتُه على محاكاة الطبيعة، ومساوقةِ نواميس اللّٰه الجارية في الكون بصنعته ومهارته، بالسر الكامن في القاعدة: "بدايةُ الفكر نهايةعهم أسل، نهاية الفكر بداية العمل".
فالإنسان الذي هذه قابلياتُه، يدرك قصورَ نظره في صنعته، وزحمةَ الأوهام عليه، وافتقارَه في جبلته الإنسانية.. ممّا يدلّه على حاجته الماسة إلى نبي مرشد، يحافظ عل بشرط نة النظام المتقن في العالم.
النقطة الثانية:هي استعدادُ الإنسان غير المتناهي، وآمالُه ورغباته غير المحصورة، وأفكارُه وتصوراته غير المحدودة، وقوتُه الشهوية والغضبية غير المحدّدة.
فنرى الإنسان يتأسفُ ويتأفف ويقول: ليالذي هوكذا، حتى لو مُنح ملايينَ السنين من العمر وتَمَتَّعَ بلذائذ الدنيا وحَكَم حكمًا نافذًا في كل شيء.. وذلك بحكم اللاتناهية المغروزة في استعداده، فكأن عدمَ الرضا هذا يرمز ويشير إلى أن الإنسان مرشّح للأب في اللوق للسعادة الأبدية. كي يتمكن من تحويل استعداده غير المحصور من طور القوة إلى طور الفعل في عالم غير متناهٍ وغير محدود بحدود، وأوسعَ بكثير من عالمه هذا.
إن عدم العبثارح يتبوتَ حقائق الأشياء تومئان إلى أن هذه الدنيا الدنيةَ الضيقةَ المحصورة، وتَزَاحُمَ كثير من الأعراض فيها والتي لا تخلو من التحاسد والاضطراب،ت غير عُ كمالاتِ الإنسانية، بل تحتاج تلك الكمالاتُ إلى عالَم أرحب لا تَزَاحُمَ فيه، كي يتسنبل استعدادُ البشر وينمو نموًا كاملًا، فيكونَ منسجمًا مع نظام العالم بانتظام أ الكل مالاته.
— 127 —
ولقد أُومئ إلى الحشر استطرادًا، وسيُبرهَن بالبرهان القاطع في موضعه. ولكن الذي أريدُ قوله هو:
أن استعداد الإنسان مسدّدٌ نحو الأبد. فإن شئت ف أي الي جوهر الإنسانية، وقيمة ناطقيته، ومقتضى استعداده، ثم انظر إلى الخيال الذي هو أصغر خادم لجوهر الإنسانية، واذهب إليه وقل: أيها الخيال السيد، أبشر فسيوهَب لك عمئات، ود على ملايين السنين مع سلطنة الدنيا وما فيها.. ولكن عاقبتك الفناء والعدم وعدم العودة إلى الحياة، ثم انظر كيف يقابلك الخيالُ؟ أبالبشارة والسرور أم بالحسرة والندامة؟
بل إن جوهر الإنسانية سيئنّ في أعماق الوجدالكَ ال.. واحسرتاه.. على فقدان السعادة الأبدية". وسيعنّف الخيال ويزجره: "يا هذا لا ترضَ بهذه الدنيا الفانية".
فيا أيها الأخ!
إن كانت سلطنةُ الدنيا الفانية لا تُشبع خادمَ سلطان الإنسانية أو شلمؤلّفأو صَناعَه أو مصوّره -وهو الخيال- ولا تُرضيه، فكيف تشبعه وهو السيد الذي يعمل بين يديه الكثيرون من أمثال ذلك الخادم؟
نعم، إنها لا تشبعه، ولن تشبعَه إلّا السعادة الأبدية المكنونة في صَدَف الحشر الجسماني.
النيئاتهاثالثة:هي اعتدالُ مزاج الإنسان، ولطافةُ طبعه، وميلُه إلى الزينة، أي ميله الفطري إلى العيش اللائق بالإنسانية.
نعم، إن الإنسان لا يعيش عيشَ الحيوانات، ولاسيّاح ذلك؛ فهو محتاجٌ لتحصيل حاجاته في مأكله وملبسه ومسكنه إلى تلطيفها وإتقانها بصنائع جمّة لا يقتدر هو بانفراده عليها كلها، ولهذا احتاج إلى ارس الدج مع أبناء جنسه، ليتشاركوا فيتعاونوا، ثم يتبادلوا ثمرات سعيهم. ولكن لتجاوز قوى الإنسانية على الآخرين -بسر عدم التحديد- تحتاج الجماعةُ إلى العدالة في تبادل ثمرات السعي.. ثم لأن عقل كل واحد لا يكفي في درك العدالة، احتعاني اوعُ إلى وضع قوانين كلية.. ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها، لابد من مقنن
— 128 —
يجريها.. ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى امتياز وتفوق -مادة ومعنًن هذه تاج أيضًا إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين مالك الملك صاحب العالم.. ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج إلى إدامةِ تصوّرِ عظمةِ الصانع وصاحبِ الملك في الأذهان.. ثم كل شية التصور ورسوخ العقائد يحتاج إلى مذكِّر مكرِّر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكرِّر إلّا العبادة... وهذه العبادة تُوجِّه الأفكارَ إلى الصانع الحكيم، وهذا التوجه يؤسس الانقياد، والانقيادُ هو للإيصال إلى النظام الأكمل والارتباط بهمعتم ا النظامُ الأكمل يتولد من سر الحكمة، وسر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية.
فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات أنتج لك بالضرورة: أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطبٌ بل مر رأيت حور تدور عليه أحوال البشر وذلك كالآتي:
دقق النظر في الجهة الأولى:إنه لما لم يكفِ ميلُ الإنسان الطبيعي وسَوقُ إنسانيته، وقَصرُ نظره، واختلاطُ الأوهام في طرتها، وه.. احتاج البشر أشد الحاجة إلى مرشد ومعلم.. فذلك المرشد هو النبي (ص).
ثم تدبر في الجهة الثانية:إن اللاتناهية المغروزةَ في الإنسان، وميلَه إلى التجاوز في طبيعته، وعدمَ تحدد قواه، وعدمَ انضباط آماله... هذه اللاتناهكام الالميول والآمال لا يسعها قانونُ البشر الذي لا ينطبق على قامة استعداده النامية كثمرة لميله إلى الترقي الذي هو غصنٌ من شجرة ميلِ الاستكمال في العالم.
فعدمُ كفاية هذا القانون البشرى الحاصل نتيجة تلاحق الأفكار والتجارب التدريجية، لإنيضيهماور ثمرة استعدادات الإنسان، جعل الإنسان يحتاج إلى شريعة إلهية حية خالدة تحقّق له سعادة الدارين معًا مادةً ومعنًى، وتتوسع حسب قامة استعداداته ونموها...فالذي أتي بالشريعة هو النبي (ص).
(والق إذا قلت:إننا نشاهد أن أحوال الملحدين أو ذوي الأديان المنحرفة تجري على وفق العدالة والانتظام.
الجواب:إن تلك العدالة والانتظام إنما نشآ بتذكير أهل الدين وإرشاداتهم؛ فأُسس العدالة والفضيلة شيّدها الأنبياءد والتم السلام، أي إن الأنبياء هم الذين أرسوا تلك القواعد والأسس، ثم أَخَذَ هؤلاء بالفضيلة وعملوا بها ما عملوا، زد على ذلك فإن نظامهم -وكذا سعادتهم- ليس دائمًا بل مؤقتًا، فهو إن كان قائمًا ويستقيم منهتزازاهو منحرفٌ ومائلٌ من جهات كثيرة، أي مهما يبدُ منتظمًا في صورته ومادته ولفظه ومعاشه فإنه في سيرتِه ومعناه وروحِه فاسدٌ ومختل.
أيها الأخ! الآن بدأ دورُ الجهة الثالثة..عالمَ جيدًا في الآتي:
إن الإفراط والتفريط في الأخلاق يفسدان الاستعدادات والمواهب، وهذا الإفسادُ ينتج العبثية، وهذه العبثية مناقضٌ للحكمة الإلهية المهيمنة برعاية المصالح والحِكَم حتى على أصغر شيء فيحوى الم.
إن ما يقال من: "مَلَكة معرِفة الحقوق" أي الإحساس إحساسًا ماديًا بضرر كل ما هو فاسد، وكذا ما يقال من: "ملَكة رعاية الحقوق" الحاصلة من تنبيه الأفكار العام المتصالوعي فيها. هذان الأمران يجعلهما الملحدون بديلًا عن الشريعة الإلهية. إن تصوّرَهم هذا واستغناءهم عن الشريعة توهمٌ باطل ليس إلّا؛ لأنه لم يظهر لحدّ الآن شيء من هذا الأمر في الدنيا وقلى العت، بل حتى مقدماته! وإنما صحَّ العكسُ، إذ كلما رقت المحاسنُ رقت المساوئ أيضًا وتزينت بأرغب زيٍّ وأخدعه.
نعم، إن نواميس الحكمة لا تستغني عن دساتير الحكومة، كما تحتاج البشرية أشد الحاجة إلى قوانين الشريعة والفضيلة الحاكمة علتضمّنتدان.
وهكذا فملَكة تعديل الأخلاق الموهومة لا تكفي للمحافظة على القوى الثلاث في الحكمة والعفة والشجاعة... لذا فالإنسان بالضرورة محتاج إلى نبي يمسك بميزان العدالة الإلهيةيلقحه ذة والمؤثرة في الوجدان والطبائع.
— 130 —
إشارة:لقد ظهر أُلوف الأنبياء عليهم السلام وأعلنوا النبوة وأثبتوا نبوتهم بمعجزاتهم التي تربو على الألوف. فجميعُ أولئك الأنبياء الكرام يعلنون بمعجزاتهم بلسان واحد وجودَ النبوة المطلقة في نوع البشر...ا ورئيي برهان قاطع على النبوة المطلقة، صغرى البراهين. وهذا ما يسمى بالتواتر بالمعنى أو سمُّوه ما شئتم من الأسماء، فهو دليل قوى.
تنبيه:إن جهة الوحدة لها واجتحاكمات العقلية هي:
أنه إذا أُخذت العلومُ جميعها ونُظر إلى ما كشفته بقواعدها الكلية من اتّساق وانتظام.. ودُقق النظرُ في أفعالٍ واهية وأمور ضعيفة تترابط وتتصل بخميرة تجمع مصالحَها الجمهما ألمتفرقة، تلك هي اللذة أو المحبة أو أمر آخر أودَعته العناية الإلهية في تلك الأفعال والأمور كما في المأكل والمنكح.. وإذا عُلِم عدمُ العبثية، وذاتتُ بشهادة الحكمة، وعدمُ الإهمال... فإن النتيجة الحاصلة بالاستقراء التام هي:
أن النبوةَ التي هي قطب المصالح الكلية ومحورُها ومعدنُ حياتها ضروريةٌ لنوع البشلواجب، لم تكن النبوة لهلك النوع البشري. إذ كأنه أُلقي من عالم مختل إلى عالم منظَّم، فيخل بالقوانين الجارية العامة.. فلو قبِل هذا الفرضُ فكيف تُجابِه الإنسانيةُ سائرَ المخلوقات في العالم؟..
تنبيه:أيها الأخ! إذا انتقش في ذهنك صغرى براهين الك من فتهيأْ لندخل إلى مبحثِ كبرى براهينِه وهو نبوةُ محمد (ص).
إشارة وإرشاد:البرهان الأكبر صادقٌ. فإذا ما طالعتَ آثار الأنبياء المنقوشة في صحيفة العِبَر في العالم، واستمعت إلى أحوالهم الجارية بلسان التاريخ واستطعتَ أن تجرّد الحقيقة ن أعماة الوحدة- من تأثير صور الزمان والمكان.. ترى أن أمورًا دفعت البشريةَ إلى تسميتهم بالأنبياء هي:
أن حقوقَ اللّٰه وحقوقَ العباد التي هي ضياء العناية الإلهية وشعلة المحاسن المجر الأفر اتخذها الأنبياءُ عليهم السلام دستورَ حركتهم..
— 131 —
ومعاملةَ الأنبياء مع أممهم..
وتلقي الأمم لهم..
وتركَهم منافعهم الشخصية لأجل دعوتهم..
وأمورًا أخرى غيرها دفلّٰه وشرية إلى إطلاق النبوة عليهم.
أما الأسس التي هي مدار النبوة فهي تظهر بأكمل وجهٍ وأظهره فيه (ص)، إذ هو أستاذُ أبناء البشر في سن كمال البشر، ومنبعُ العلوم العالية في مدرسة جزيرة العرب ومعلمُها.
بمعنى أنه بالاستقراء التام ولاسيما في النمن الماحد، ولاسيما بتأييد القياس الأولوي، وبإعانة القياس الخفي المبني على الانتظام المطرد تنتج نبوة محمد (ص).
وبتجريد الخصوصيات المسماة بتنقيفي كوناط، فإن جميع الأنبياء عليهم السلام، يشهدون بلسان معجزاتهم على صدق محمد (ص) البرهانِ الباهر على وجود الصانع الجليل.
اعتذار:إني لا أورد كلامي في جمل قصيرة، فتكونُ غامضة مع شيء من الإغلاق، إذ لما كانت هذه الحقائق قد مَدت جذورَها فيحمل الة فإن المسألة تطول، لذا لا أريد تجزئة صورة المسألة والإخلالَ بها وإيلام الحقيقة. وإنما أريد إحاطةَ الحقيقة بسُور دائري حولها، كي تنحصر الحقيقة ولا تفلت، فإن لم أستطع مسكَها فليمسكها غيري. وإن أعذرتموني فبها ونعمَت، وإلّا فكلٌّ حرّ فيما من ينظولا سبيل إلى الإكراه.
— 132 —
براهين نبوة محمد (ص)
مقدمة
إنّ كلَّ حال من أحواله (ص)، وكل حركة من حركاته دليلٌ على صدقه.
نعم، إن عدمَ التردد في كل حركة من حركاته، وعدمَ مبالاته بالمعترضين، وعدمَ تخوفه من المخالفين.. شاهدٌ علعارف. وجديته.
وإن إصابته روحَ الحقيقة في أوامره كلها تدل على أنه على الحق المبين.
نحصل من هذا:أنه في الوقت الذي هو مبرأ من التخوف والتردد والاضاعاتيًأمثالها من الأمور التي تومئ إلى الحيلة وعدم الثقة وفقدان الاطمئنان، تراه يلفت نظر أهلِ الدقة إلى كل فعل من أفعاله وإلى كل طور من أطواره... يلفتهم بالمبدأ على صدقه وفي المنتهى على إصابته الحق؛ إذ يعمل في أخطر المواحوّل ا تحرج وبقوة اطمئنان بالغ، ومن بعد ذلك بلوغُه الهدف في الختام بتأسيسه القواعد الحية المثمرة لسعادة الدارين، ولاسيما إذا لوحظ مجموع حركاته وامتزاجُها، فالجدية وإ" [٭]الحق تشعان كالشعلة الجوالة، ويتجلى لعينك برهان نبوته من انعكاساتها وموازناتها.
إشارة:إن الزمان الماضي والزمان الحاضر -أي عصر السعادة النبويّ- والمستقبل يتضمنان براهين نيّرة على النبوة، ويرددان بلسان واحد برهانَ ذاته (ص) بأنه معدن اشير إل العالية وداعي الصدق ودَلَّال النبوة. فهذه الأزمنة تدل وتعلن عن نبوته وتبينها حتى لمن فقدَ بصره، ولهذا سنطالع هذه الصحف الثلاث والمسألة العظمى من ذلك الكتاب.. وهي ذاتُه المباركة (ص)، فنزوره ونبيّن مدَّعانا الذي هو البرهان الأكبر.
وبنالتي ت هذه النقاط فمسالك النبوة أربعة. والخامسة منها مشهورة مستورة.
— 133 —
المسلك الأول للنبوةيعني لا بد من معرفة أربع نكت لنرَ ذاته الشريفة:
إحداها:أنه "ليس الكَحَلُ كالتكَحِّل" [٭]: لأنَّ حاعدَ ع حِلمٌ لا تَكَلَّفُهُ لَيسَ التَكَحُّلُ في العَينَينِ كَالكَحَلِ (للمتنبي) أي لا يصل الصنعيُّ والتصنعيُّ -ولو كانا على أكملِ الوجوه- مرتبةَ الطبيعيّ والفطريّ ولا يقوم مقامَه، بل تومئ فلتاتُ هيئتِ جزئيةمةِ إلى التصنع والتكلف.
ثانيتها:أن الأخلاق العالية إنما تتصل بأرض الحقيقة بی"الجدية"، وأن إدامة حياتها وانتظام مجموعها إنما هي بی"الصدق"، ومتى ما انقطعت عرى الصدق والجدية منها صارت كهشيم تذروه الرياح. الروالثتها:من القواعد وجودُ الميل والجذب في الأمور المتناسبة، ووجودُ التدافع والتنافر في الأمور المتضادة، فكما أن هذه القاعدة جاريةٌ في الماديات، جارية أيضًا في الأخلاق والمعنويات.
رابعتها:"للكل حكمٌ ليس لكلٍّ".. إن آثار -من حص) وسيرته المباركة وتاريخ حياته تشهد -مع تسليم أعدائه- بأنه لعلى خلق عظيم، وأنه قد اجتمعت فيه الخصال العالية كافة. ومن شأن امتزاج كثرة من تلك الأخلاق وتجمّعها وإحاطتها، توليد عزة النفس، التي تولّد شرفًا ووقارًا يترفعان عن سفساف ا. #39 كترفع الملائكة وتنزههم عن الاختلاط بالشياطين... فالأخلاق السامية كذلك لا تسمح أصلًا بتداخل الحيلة والكذب بينها، بل تتنزه وتتبرأ وتترفع عنها، بحكمة التضاد فيما بينها.
ثم إن ية بينهذه الأخلاق الرفيعة وروحَها هي: الصدقُ وإصابةُ الحق... فهما يضيئان كالشعلة المنورة ويعلنان عنها.
أيها الأخ! ألا ترى أن الشخص المشتهر بالشجكان الدَها يترفع عن الكذب، لئلا يخل بالمقام الذي تعطيه تلك الصنعة، فكيف إذا اجتمعت جميعُ الخصال الرفيعة؟ نعم، للكلِّ حكمٌ ليس لكلٍّ.
— 134 —
نشاهد في الُ الإسحاضر: أن المسافة بين الصدق والكذب لا تتجاوز الإصبع، فكلاهما يباعان في سوقٍ واحدة، ولكن لكل زمان حكمُه، إذ لم يحدث قط في أي وقت مضى أن اتسعنصر علةُ بين الصدق والكذب اتساعه الذي حدث في عصر السعادة النبوية. فقد انجلى الصدقُ ببهائه الحقيقي وبكمال الاحتشام والهيبة، واعتلى محمد (ص) الصادق الأمين أعلى عليي الصادقين، وأوقعَ انقلابًا عظيمًا في العالم، فأظهر بُعدَ الصدق عن الكذب بُعد ما بين الًا في المغرب. فراجَ سُوقُ الصدق ومتاعُه في ذلك القرن.
أما الكذب الشبيه بأشلاء الأموات والجثث، فقد ظهر قبحُه وسماجتُه، وتردّى بمن تمسك به من أمثال مسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلي الإنسانية. فكسلفطرة ه ولم ترج بضاعته في ذلك القرن.
وهكذا فمِن طبائع العرب الاعتزاز والتفاخر، والرغبة في الرائج من المتاع... لذا تسارعوا وتسابقوا للتجمل باللمؤثرالبعد عن الكذب، ونشروا راية العدل على العالمين. ومِن هنا نشأت عدالةُ الصحابة عقلًا. إذا أنعم الإنسان النظر في السيرة والتاريخ والآثار، ودقق حاله (ص) من الرابعة من عمره إلى الأربعين، مع أن شأن الشبابية وتَوقُّد الحرارةِ الغجأ الإأن تظهر ما يخفى، وتلقى إلى الظاهر ما استتر في الطبيعة من الحيل والخداع، تراه (ص) قد تدرج في سنيه وعاشر باستقامةٍ كاملة، ومتانةٍ بالغة، وعفّة تامة، مع اطراد وانتظام، وما أومأ حا خطأ يأحواله إلى خديعة، لاسيما في مقابلة المعاندين الأذكياء.
وبينما تراه (ص) كذلك إذ تنظر إليه وهو على رأس أربعين سنة الذي من شأنه جعل الحالات مَلَكة والعاداتِ طبيعةً ثابتة لاُ عليهف، قد أوقع انقلابًا عظيمًا في العالم.. فما هو إلّا من اللّٰه.
فمن لم يصدّق أنه من الحق وعلى الحقيقة المحضة، فقد اختفى إذن في ذهنه سوفسطائي. ألاَ ترى أنه (ص) كيف كان حالُه في أمثال واقعة الغاتصور ب انقطع بحسب العادة أملُ الخلاص، إذ يتصرف بكمال الوثوق وغاية الاطمئنان والجدية.
كل ذلك شاهد كاف على نبوته وجديته ودليل قاطع على تمسكه بالحق.
— 135 —
المسلك الثانيإن صحيفة الماضي برهان على نبوته،تّصلتيظة أربع نكت:
إحداها:أن من يأخذ أساسات علم وفن -أو في القصص- ويعرف روحَه والعقدَ الحياتية فيه ويحسن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدّعاه عليها، فإن ذلك يدل على مهارته وحذاقته في ذلك العلم.
ثانيتها:أيها الأخ!
أع عارفًا بطبيعة البشر، لا تر أحدًا يتجاسر بسهولة على مخالفةٍ وكذبٍ ولو حقيرًا، في قوم ولو قليلين، في دعوًى ولو حقيرة، بحيثية ولو ضعيفة. فكيف بمن له حيثية في غاية العظمة، وله دعوًى في غاية الجلالة، ويعيش بين قوم في غاية الكثرة، ويقابله عناد في غوأحيانشدة، ومع أنه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، إلّا أنه يبحث في أمور لا يستقل فيها العقلُ وحده، ويظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد.. أفلا يدل هذا على صدقه؟
ثالثتها:إن كثيرًا من العلوم الشافيًاة عند المدنيين -بتعليم العادات والأحوال وتلقين الوقوعات والأفعال- مجهولةٌ نظريةٌ عند البدويين. فلابد لمن يحاكم محاكمة عقلية، ويتحرى حال البدويين أن يفرض نفسه في تلك البن مقول فإن شئت فراجع المقدمة الثانية، فقد أوضحتْ هذه النكتةَ.
رابعتها:لو ناظر أميّ علماءَ علم، ثم بيّن رأيه في مسائله مصدّقًا في مظان الاتفاق، ومصححًا في مطارح الاختلاف، يدلك ذلك على تفوقه، وأن رف...وهبيٌ لا كَسبي.
فبناء على هذه النكتة نقول:
إن الرسول الكريم (ص) مع أميّته، كأنه بالروح الجوالة الطليقة طوى الزمانَ والمكان، فدخل في أعماق الماضي، وبيّن كالمشاهِد لأحوال الأنبياء قبل. فالسلام، وشرح أسرارَهم على رؤوس العالم، في دعوى عظيمة تجلب إليها أنظار الأذكياء. وقد قص قصصهم بلا مبالاة ولا تردد وفي غاية الثقة والاطمئنان، وأَخَذَ العقدَ الحياتية فيها وأسإن الخ، مقدمةً لمدّعاه مصدِّقًا فيما اتفقت عليه الكتب السالفة ومصححًا فيما اختلفت فيه. فثبت أن حاله هذه دليلٌ على نبوته.
— 136 —
إن مجموع دلائل نبوة الأنبياء عليهم السلاميبة من على صدقه (ص)، وجميع معجزاتهم معجزة معنوية له.
أيها الأخ!
قد يَحلّ القَسَم محل البرهان، لأنه يتضمن البرهان لذا: (والذي قصّ عليه القصص للحصص، وسيّر روحه في أعماق الماضي وفي شواهق المستقبل، فكَشَفَ له الأسرا اخرىزوايا الواقعات، إن نظره النقاد أدق من أن يُدلَّس عليه، ومسلكه الحق أغنى من أن يُدلِسَ على الناس).
نعم، إن الخيال لا يستطيع أن يظهر نفسه حقيقة لنور نظره (ص)، ومسلكه الحق أغنى من أن يدلس أو يغالط الناس.
المسلك الثالثفي بيان صحيفة الحال اشيء، و -أعني عصر السعادة النبوية-
فها هنا أيضًا أربع نكت؛ ونقطة لا بد من إنعام النظر فيها:
إحداها:أنك إذا تأملت في العالم ترى أنه قد يتعسر ويستشكل رفعُ عادةٍ ولو حقيرة، في قوم ولو قليلين، أقسمًا
ولو ضعيفة في طائفة ولو ذليلين، على ملِك ولو عظيمًا، بهمّة ولو شديدة، في زمان مديد بزحمة كثيرة، فكيف أنت بمن لم يكن حاكمًا، تشبث في زمان قليل بهمّة جزئية بالنسبة إلى المفعول، وقلَعَ عادات ورفعَ أخلاقًا قد استقرت بتمام اللإثباواستؤنس بها نهاية استئناس واستمرت غاية استمرار، فأرسى فجأةً بدلَهَا عاداتٍ وأخلاقًا تكمّلت دفعةً في قلوب قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب، أفلا تراه خارقًا للعادات؟ فإدر المصدِّق بهذا فسأورد اسمك في قائمة السوفسطائيين.
ثانيتها:هي أن الدولة شخصٌ معنوي، تشكُّلها تدريجي -كنمو الطفل- وغلبتُها للدول العتيقة -التي صارت أحكامها كالطبيعة الثابتة لملّتها- متمهلة تدريجية أيض، الجالا يكون حينئذ من الخارق لعادةِ تشكّلِ الدول تشكيلُ محمد (ص) لحكومةٍ عظيمة، في زمان قصير، وغلبتُها للدول العظمى دفعة، مع إبقاء حاكميته لا على الظاهر فقط بل ظاهرًا وباطنًال الأوً ومعنًى. فإن لم تستطع رؤية هذه الأمور الخارقة، فأنت في طائفة العميان!
— 137 —
ثالثتها:هي أنه يمكن بالقهر والجبر تحكّمٌ ظاهري، وتسلّط سطحي، لكن الغلبة على الأفكار واحين لنَ بإلقاء حلاوته في الأرواح والتسلّط على الطبائع مع محافظة حاكميته على الوجدان دائمًا لا يكون إلّا من خوارق العادات. وليس إلّا الخاصة الممتازة للنبوة. فإن لم تعرف هذه الحقيقة فأنت غريب عنهاحد). فابعتها:هي أن تدوير أفكار العموم وإرشادَها بحِيَل الترهيب والترغيب، إنما يكون تأثيرها جزئيًا سطحيًا مؤقّتًا يسدّ طريق المحاكمة العقلية في زمان. أما من نفذ في أعماق اطبيعيةبإرشاده، وهيّج دقائق الحسيات، وكَشَفَ أكمامَ الاستعدادات، وأيقظ السجايا الكامنة، وأظهر الخصال المستورة، وجعل جوهرَ إنسانيتهم فوّارة، وأبرز قيمة ناطقيتهم، فإنما هو مقتبِسٌ من شعاع الحقيقة ومن الخوارق للعادة.
نعم، إن (المؤل القلوب وتطهيرَها من أمثال القساوة المتجسمة في وأد البنات، وجَعْل تلك القلوب ترق وتترحم حتى على النمل الصغير، إنما هو انقلاب عظيم. لاسيما لدى أولئك البدويين. بحيث إن أربلإسلامصائر يصدقونه حتمًا، ويقولون إنه خارق للعادة لا يشملها قانون طبيعي.
فإن كنت ذا بصيرة تصدّقْ هذا بلا ريب.
والآن استمع إلى هذه "النقطة":
إن تاريخ العالم يشهد أن الداذات، وريد، هو الذي اقتدر على إنعاش استعداد عمومي، وإيقاظ خصلة عمومية، والتسبب لانكشاف حس عمومي، إذ مَن لم يوقظ هكذا حسًا نائمًا يكون سعيُه هباءً منثورًا ومؤقتًا لا يدوم.
وهكذا فإن أعظم الدهاة قد وُفّق لعية
واحد أو اثنين أو ثلاث من هذه الحسيات العمومية: كحس الحرية، وكحس الحمية الملية، وحس المحبة. أفلا يكون إذن من الخوارق إيقاظُ ألوف من الحسيات العالية المستورة النائمة، وجَعْلها دفعةً فوارة منكشفة في قوم بدوإلى التشرين في جزيرة العرب، تلك الصحراء الواسعة.
إن من لم يُدخل هذه النقطةَ في عقله، نتحداه بجزيرة العرب فهي ماثلة أمام عينه.. بعد
— 138 —
ثلاثة عشر عصرًا، على هرقي البشر في مدارج التمدن!. فلينتخب المعاندون مئةً من أكمل الفلاسفة، وليسعوا مائة سنة، فهل يفعلون جزءًا من مئة جزء مما فعله النبي (ص) بالنسبة إلى زمانه؟
إشارة:إن من أراد التوفيق يلزمه مصافاةٌ مع عادات اللّٰه، ومعارفةٌ معومجهولن الفطرة، ومناسبةٌ مع روابط الهيئة الاجتماعية. وإلّا أجابَته الفطرةُ بعدم الموفقية جوابَ إسكات! أما النواميس العامة الجارية فتقذف مَن يخالفها إلى صحراء العدم. تأمل في هذا، تر أن حقائق الشريعة التي هي قوانين دقيقة عميقة جارية فن نعدك العالم، كم حافظتْ على موازنة قوانين الفطرة وروابط الاجتماعيات التي بدقتها لا تتراءى لعقول أولئك القوم!!
نعم، إن المحافظةَ على حقائق الشريعة، في هذه الأعصار المديدة، مع تلك أيضًامات العظيمة بل انكشافَها أكثرَ، يدل على أن مسلك الرسول الكريم (ص) مؤسَّسٌ على الحق الذي لا يزول.
فإذا عرفت هذه النكت الأربع مع هذه النقطة، فاستمع بذهن متفتح واسع يملكُ قوة في المحاكمة العقلية ودقة في الملاحظة، إلى ما يأتي:
زال باحمدًا الهاشمي (ص) مع أنه أمّي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية، وعدم ميله إلى تحكم وسلطنة.. قد تشبث بقلبه -بوثوق واطمئنان في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم- بأمر عظيم، فغلَب على الأفكار، وتحبّب إلى الأرواح، وتسلط على الطبائع منها فن أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة. ثم غرس في موضعها في غاية الإحكام والقوة - كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم - أخلاقًا عالية وعبالحالسنة.. وقد بدّل قساوةَ قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقى بهم إلى أوج المدنية وصيّرهم معلمي عالَمهم، وأسس لهم دولة عظيمة في زم يستلز. فأصبحت كالشعلة الجوالة والنور النوار بل كعصا موسى تبتلع سائر الدول وتمحوها. فأظهر صدقَه ونبوتَه وتمسُّكه بالحق إلى كل مَن لم تعمَ بصيرته.
فإن لم تر صدقه ذاك فسوف يشطب اسمك من سجل الإنسان!
#139لقد أذمسلك الرابعفي مسألة صحيفة المستقبل، لاسيما مسألة الشريعة.
لابد من ملاحظة أربع نكت فيها:
إحداها:أن شخصًا لا يكون متخصصًا، وصاحب مَلَكة، في أربعة علوم أو خمسة منها، إه الفصا كان خارقًا.
ثانيتها:أن مسألة واحدة قد تتفاوت بصدورها عن متكلمَين، إذ أحدهما لما نظر إلى مَبدئها ومنتهاها، ولاحظ ملاءمتها مع السياق والسباق، واستحضر مناسبتها مع أخواتها، ورأى موضعًا مناسبعير.
سن استعمالها فيه، وتحرى أرضًا مُنبتةً فزرعها فيها.. مما دلّ كلامُه على ماهريته وحذاقته.. أما الآخر فلأنه أهمل هذه النقاط، دلّ كلامُه في المسألة على سطحيته وتقليده وجهله، علمًا أن الكلام هو الكلام نفسه. فإن لم يميّز عقلُك هذا فروحُك تحس به.
نسان أها:أن كثيرًا من الكشوف التي كانت تُعدّ من الخوارق قبل عصرين، لو كانت في هذا العصر لعدّت من الأمور الاعتيادية، وذلك بسبب تكمل المبادئ والوسائط، حتى يلعبُ بها ال إن الكما ذكر في المقدمة الثانية.
استحضرْ هذا واجعله نُصبَ عينك، ثم ارجع بخيالك إلى ما قبل ثلاثة عشر قرنًا وتجردْ من التأثيرات الزمانية والمكانية، وانظر إلى الأمور في جزيرة العرب ترلسياسينًا وحيدًا لا خبرةَ سابقة له في أمور الأنظمة والمجتمع، ولم تُعِنه أحوالُ زمانه وبيئته، إلّا أنه أسس نظامًا، وأرسى عدالة، تلك هي الشريعة، التي هي كخلاصة جميع قوانين العلوم وكأنها حصيلةُ تجاربَ كثيرة، بليراه، لغ إدراكَها الذكَاءُ مهما توسع، تلك الشريعة متوجهةٌ إلى الأزل، معلنةً أنها آتية من الكلام الأزلي، ومحققةٌ سعادة الدارين.
فإن أنصفت تجد أن هذا ليس في طوق بشر، في ذلك الزمان، بل خارجٌ عن طوق النوع البشري قاطبة. إلّا إذا أفسدت أوهامٌ سيئة بالذي لايفي الماديات طرفَ فطرتك المتوجهة نحو هذه الحقائق.
رابعتها:كما ذكر في المقدمة العاشرة وكما سيأتي في جواب نقطة الاعتراض كالآتي:
— 140 —
إن الإرشاد وية، لكون نافعًا إذا كان على درجة استعداد أفكار الجمهور الأكثر، والجمهور باعتبار الكثرة الكاثرة منه عوام والعوام لا يقتدرون على رؤية الحقيقة عريانة، ولا يستأنسون بها إلّا في الاخيالهم المألوف. فلهذا صورت الشريعةُ تلك الحقائق بمتشابهات وتشبيهات فأبهَمت وأطلَقت في مسائل العلوم الكونية، التي يعتقد الجمهور بالحس الظاهري خلاف الواقع ضروريًا. وذلك لعدم انعقاد المبادي والرها من. ولكن مع ذلك أومأتُ إلى الحقيقة بنَصب أمارات.
تنبيه:إن الصدق يلمع في كل فعل وكل حال من أفعاله وأحواله (ص). إلّا أن هذا لا يلزم أن تكون أفعالُه وأحه أمر خارقة، لأن إظهار الخوارق والمعجزات لتصديق المدّعَى. وإن لم تكن إليه حاجة يكون الانقيیاد لقوانين عادات اللّٰه بالانسیياق للنواميس الجاريیة العامة.
أيها الأخ! إن هذا التنبية منالجماع مقدمة المسلك الأول، إلّا أنه بسبب النسيان ضاع في الطريق فدخل هاهنا.
تفطن لهذه النكت، ونحن ندخل النتيجة:
إن الديانة والشريعة الإسلامية المؤسسة على البرهان ملخصةٌ من علوم وفنون تضمنت العقد الحكم ية في جميع العلوم الأساسية، منها: فن تهذيب الروح، وعلم رياضة القلب، وعلم تربية الوجدان، وفن تدبير الجسد، وعلم إدارة المنزل، وفن سياسة المدنية، وعلم أنظمة العالم، وفن الحقويدان "م المعاملات، وفن الآداب الاجتماعية، وكذا وكذا...
فالشريعة فسّرت وأوضحت في مواقع اللزوم ومظانّ الاحتياج. وفيما لا يلزم أو لم يستعد له الأذهان أو لم يساعد له الزمان، أجملتْ بخلاصة ووضعت أساسًا، وأحالتالحصولنباط منه وتفريعه ونشو نمائه على مشورة العقول. والحال أنه لا يوجد في شخصٍ كلُّ هذه العلوم، ولا ثلثها بعد ثلاثة عشر عصرًا، في المواقع المتمدنة، ولا في الأذكياء. فمن زيّن وجدانَه با. فالذ يصدّق بأن حقيقة هذه الشريعة خارجة عن طاقة البشر دائمًا ولاسيما في ذلك الزمان.
والفضل ما شهدت به الأعداء:
فهذا "كارلايل" فيلسوف العالم الجديد، هية فين أحد حكماء الألمان وسياسييه، أنه
— 141 —
قال بعد ما أنعم النظر في حقائق الإسلام: "إن كان الإسلام هكذا فيا ترى أيمكن للمدنية الحاضرة أن تعيش ضمن إطار الإسلام؟. فأجاب نفسه: نعم." بل المحققون الآن يعيشون ضمن تلك الدائرة.بل الن قال كارلايل: "ما كاد يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب وجدليات النصرانية وكل ما لم يكن بحق فإنها حطبٌ ميت أكلته نارُ الإسلام فذهب".
نعم، إنه منذ ثلاثة عشر ق دل) فافظ الإسلامُ على حقائقه رغم التحولات والانقلابات والمصادمات بل كانت تلك مخفِفةً كاهله عما تساقط من تیراب الأوهام والريوب.
نعم، إن الوجود والحويقوّياضرة للعالم شاهد على هذا.
ولا بد مِن أَخْذ مقدمات المقالة الأولى بنظر الاعتبار.
إن قلت: إن معرفة خلاصةٍ وفذلكةٍ من كل علم ممكن لشخص.
الجواب:نعم، لا.. لأن الخلاصة بحسن الإصابة في موقعها الاسم: واستعمالها في أرض منبتة، مع أمور ونقاط ذُكرت سابقًا، تشفّ كالزجاجة عن مَلَكة تامة في ذلك العلم واطلاع تام فيه. فتكون الخلاصةُ في حكم العلم، ولا يمكن لشخص أمثشك أن .
إن كلامًا واحدًا يصدر عن متكلمَين اثنين، يدل -لبعض الأمور المذكورة غير المسموعة- على جهل هذا، وحذاقة ذاك.
يا أخا الوجدان! يا من يرافقني بخياله من أول منلديار ا الكتاب! انظر بمنظار واسع ووازِن الأمورَ وكوّنْ في خيالك مجلسًا رفيعًا لإجراء محاكمات عقلية، واستحضِرْ ما تنتقيه من المقدمات الاثنتي عشرة، ثم شاور اقسما آ الآتية:
إن شخصًا لا يتخصص في علوم كثيرة... وإن كلامًا واحدًا يتفاوت من شخصين.. وإن العلوم نتيجةُ تلاحق الأفكار وتتكمل بمرور الزمن.. وإن البديهي في المستقبل قد يكون نظريساعات الماضي.. وإن معلوم المدني قد يكون مجهول البدوي.. وإن قياس حال الماضي على المستقبل قياس خادع مضل.. وإن بساطة أهل البادية والوبر لا تتحمل حِيَلَ ودسائسَ أهل المدينة والمدر. نعم،قة الأحيَل ربما تتستر تحت حجاب المدنية.. وإن كثيرًا من العلوم
— 142 —
إنما يتحصل بتلقين العادات والوقوعات.. وإن نور نظر البشر لا ينفذ في المستقبل ولا يرى الكيفيات المخصوصة به.. وإن لقانون البشر عمرلمنطق عيًا ينقطع وينتهي كما ينتهي عمره.. وإن للمحيط الزماني والمكاني تأثيرًا عظيمًا في أحوال النفوس.. وإن كثيرًا من الخوارق الماضية قد يكون اعتياديًا الآن بسبب تكمّل المبادئ.. وإن الذكاء ولو كان خارقًا لا يكفي في تكمية المؤ، فكيف في علوم عدة!
فيا أيها الأخ! شاور هذه القواعدَ، ثم جرد نفسك، وانزع عنك لباس الخيالات المحيطة والأوهام الزمانية، ثم غُصْ من ساحل هذا مفهومفي بحر الزمان، حتى تخرج إلى جزيرة عصر السعادة النبوية..
فأول ما يتجلى لعينك أنك ترى: إنسانًا وحيدًا لا ناصر له ولا سلطان، يبارز العالَم وحده، وقد حمل على كاهله حقيقةً أجلَّ من كرة الأرضن الما بيده شريعةً هي كافلةٌ لسعادة الناس كافة. وتلك الشريعة كأنها زبدة جميع العلوم الإلهية وخلاصة الفنون الحقيقية. وتلك الشريعة ذات حياة -لا كاللباس بل كالجلد- تتوسع بنمو استعداد العلموتثمر سعادةَ الدارين، وتنظّم أحوال نوع البشر كأنهم في مجلس واحد. فإن سألت قوانينَها: من أين إلى أين؟ لقالت بلسان إعجازها: نجيء من الكلام الأزلي، ونرافق فكر البشر لضمان سلامته ونتوجّه إكُ (٤)بد. وبعد ما نقطع هذه الدنيا الفانية، تبقى معنوياتُنا دليلًا وغذاءً روحيًا للبشرية، مع أننا نفارقهم صورة.
خاتمة:إن الشبهات والريوب منبعها ثلاثة أمور وهي:
أنك لو تجاهلت عن مقصد الشارا جزئي كون الإرشاد بنسبة استعداد الأفكار، واعترضت بمغالطة -هي وكر الأوهام السيئة- بأن القرآن الكريم الذي هو أساس الشريعة فيه ثلاث نقاط:
أولاها:وجود المتشابهات والمشكلات في القرآن، وهذا مناف لإعجازه المؤسس على البلاغة، المبنية على ظهور الب: لم يضوح الإفادة.
— 143 —
ثانيتها:الإطلاق والإبهام في العلوم الكونية، مع أنه منافٍ لمسلك التعليم والإرشاد الذي هو المقصود الحقيقي للشريعة.
ثالثتها:إن قسمًا من ظواهر القرآن أميَل إل السُو الدليل العقلي، فيحتمل خلاف الواقع، وهو مخالف لطريق القرآن الذي هو التحقيق والهداية.
أيها الأخ! أقول وباللّٰه التوفيق:
إن ما تتصورونه سببًا للنقص -في هذه النقاط الثلاث- ليس كذلك، بل هو أصدق شاهد على إعجاز القرآن.
أما الجواب قها لأيب الأول: وقد رأيتَ هذا الجواب -ضمنًا- مرتين:
اعلمأن الجمهور الأكثر هم عوام، والأقلُّ تابع للأكثر في نظر الشارع، لأن الخطاب المتوجه نحو العوام يستفيد منه الخواص ويأخذون حصتهم منه، ولو عُكس لبقي ن. والُ محرومين. وأن جمهور العوام لا يجرِّدون أذهانَهم عن المألوفات والتخيلات، فلا يقتدرون على درك الحقائق المجردة والمعقولات الصرفة إلّا بمنظار متخيها، إنوتصويرِها بصورة مألوفاتهم. لكن بشرط أن لا يبقى نظرُهم على الصورة نفسها حتى يلزم المحال، كالجسمية أو الجهة بل يمر نظرهم إلى الحقائق.
مثلًا:إن الجمهور إنما يتصورون حقيقة التصرف الإلهي في الكائنات بصورة تصرف السلطان الذي استوى على ثل قلبلسلطنة، كما في قوله سبحانه وتعالى: الرحیمن على العرش استیوى (طه:٥)، وإذ كانت حسيات الجمهور في هذا المركز، فالذي يقتضيه منهجُ البلاغة ويستلزمه طريق الإرشاد، رعاية أفهامهم واحترام حسياتهم ومماشاة عقولهم ومراعاة أفكارهم. فهذه المناز عرضه يُراعى فيها عقول البشر ويُحترم تسمى بی"التنزّلات الإلهية" فهذا التنزل لتأنيس أذهانهم. راجع المقدمة العاشرة.
فلهذا وضیعَ صیور المتشابهات التي تیراعیي الجمهور المقيد توزن حاسیيیسیهم ومتخيلاتهم منظارًا على نظرهم لرؤيیة الحقائق المجردة. ولهذا فقد أكثَرَ الناسُ في كلامهم من الاستعارات لتصوّر المعاني العميقة أو لتصوير المعاني المتفرقة، في صورة سهلة بسيطة، بمعنى
— 144 —
أن هذه المتشسأبين من أكثر أقسام الاستعارات غموضًا، إذ إنها صورٌ مثالية لأخفى الحقائق الغامضة، بمعنى أن الإشكال إنما هو من دقةِ المعنى وعمقِه لا من إغلاق الللهيتميقيده.
فيا أيها المرتاب! انظر بإنصاف! ألا يكون مِن عين البلاغة -التي هي مطابقة مقتضى الحال- تقريبُ مثل هذه الحقائق العميقة البعيدة عن أفكار الناس ولاسيما العوام، تقريبُها إلى أفهام العوام بطريق سهل واضح.. أهذا يطابق المعنىالجهل تام أم الوهم الذي في ذهنك؟ كن أنت الحاكم في هذا.
أما الجواب عن الريب الثاني وقد مرّ تفصيله في المقدمة الثانية،
فاعلم أن في شجرة العالم ميلَ الاستكمال، وتشعَّبَ منه في الإنسانبرة بإالترقي، وقد تشكلت العلوم -التي هي كدرجات سُلَّم الترقي- من ثمرات ميل الترقي بالتجارب الكثيرة وتلاحق الأفكار. هیذه العلوم مترتبةٌ ومتعاونةٌ ومتسلسلةٌ، بحيث لا ينعر في ستأخر إلّا بعد تشیكّل المتقدم، ولا يكون المتقدم متقدمةً للمؤخر إلّا بعد صيرورته كالعلوم المتعارَفة.
فبناء على هیذا السیر:فإن العلم الذي تَولَّد وظهر في هیذا الزمیان نتيجةَ تجارب كثيرة لیو كان قبل اب البعصیور وحیاول أحدٌ أن يفهّمه للنیاس لشوّش عليهم وأوقَعهم في السفسطة والمغلطة.
فمثلًا:لو قيل "انظروا إلى سكون الشمس وحركة الأرض واجتماعِ مليون حيوان في قطرة، لِتتصوروا عظمةَ الصانع!" ويصوله اور العوام بسبب الحس الظاهري أو غلط الحس خلاف ما قيل لهم من البديهيات، إذن لانساقوا إلى التكذيب أو مغالطة نفوسهم، أو المكابرة تجاه شيء مخصوص، والحال أن تشويش الوده. ولاسيما في مقدار عشرة أعصر مناف لمنهاج الإرشاد.
تنبيه:إن أمثال هذه المسائل لا تُقاس بالنظريات التي تظهر في المستقبل، لأن الحس الظاهري لا يتعلق بالأشياء التي تعود للمستقبل، لذا فاحتمال الجهتين وارد. لأنه ضمن دائرة الممكنات، فيمكن الاعتقاد وام والنان بها، فحقها الصريح التصريح بها، ولكن "ما نحن فيه" لمّا خرج من درجة الإمكان والاحتمال إلى درجة البداهة أي إلى الجهل المركّب، فحقُّه في نظر البلاغة الذي لا يمكن إنكاره هو: الإبهام والإطلاق، لئلا تتشوش الأذهان. خصام.
ع ذلك
— 145 —
لابد من الرمز والإيماء أو التلويح إلى الحقيقة، وفتحِ الأبواب للأفكار ودعوتِها للدخول كما عملت الشريعةُ الغراء. فيا هذا أمِن الإنصاف وتحرِّي اًا:حي أن تتوهّم ما هو إرشادٌ محض وعينُ البلاغة ولب الهداية أنه مناف للإرشاد ومباين له. وأن تتخيلَ ما هو عينُ الكمال في البلاغة نقصًا فيها؟!.
فيا هذا أهكذا البلاغةُ في ذهنك السقيم: تكليف بتغليط الأذهان وتشويش الأفكار، وبما لا تهضمه العقول، شيء قدلاءمة المحيط وإعدادِ الزمان.. كلا بل (كلِّم الناسَ على قدر عقولهم) [٭]: الحديث (أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٢٥؛ السيوطي، تدريب الراوي ٢/١٦٧؛ الزرصاص في مختصر المقاصد ١٦٢. دستور حكيم. فإن شئت فراجع المقدمات، ولاسيما المقدمة الأولى وتأمل فيها جيدًا.
أما الجواب عن الريب الثالث:
وه والة بعض ظواهر الآيات إلى ماينافي الدلائل العقلية:
فتدبّر في المقدمة الأولى، ثم استمع إلى أن المقصد الأصلي للشارع الحكيم من إرشاد الجمهور محصورٌ في ذه النالصانع الواحد والنبوةِ والحشرِ والعدالةِ. لذا فذكرُ الكائنات في القرآن إنما هو تبَعي واستطرادي للاستدلال، أي الاستدلال بالنِظَام البديع في الصنعة -الظاهرة لأفهام الجملأزليةلى النَّظَّام الحقيقي جل جلاله. والحال أن أثر الصنعة ونظامَها يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكل فلا علينا إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي.
تنبيه:من المقرر أن الدليل ينبغي أن يكون معلومًا قبل المدَّعى، لذا قد أُميل ظواهرُ بعض النثم الثتضاح الدليل واستئناس الأفكار بالمعتقدات الحسية للجمهور، لا ليدلّ عليها بل قد نصَب القرآنُ في تلافيفِ آياته أماراتٍ وقرائنَ ليشير إلى ما في تلك الأصداف من جواهر وإلى ما في تلك الظواهر من حقائق لأهل التحقيق.
نعم، إن الكتاب المبين ادية.
و كلام اللّٰه إنما يفسِّر بعضه بعضًا. أي إن بعض الآيات تُبين ما في ضمائر أخواتها. لذا قد تكون بعض الآيات قرينة لأخرى، فالمراد ليس المعنىنًا خاري.
فلو قيل في مقام الاستدلال: تفكروا في سكون الشمس مع حركتها الظاهرية، وحركةِ
— 146 —
الأرض اليومية والسنوية مع سكونها الظاهر، وتأملوا في غرائب اعزة. وة العمومية بين النجوم، وانظروا إلى عجائب الكهرباء، وإلى غرائب الامتزاجات الكيمياوية بين العناصر التي تزيد على السبعين لتعرفوا الصانع الجليل.. لكان الدليلُ -الذي هو بالتّخ- أخفى وأغمضَ من النتيجة التي هي الصانعُ. وما هذا إلّا مناف لقاعدة الاستدلال، لذا أُميلت بعضُ الظواهر وفق الأفكار، لأن هذا من قبيل مستتبع ظام. فيب ونوع من الكنايات، فلا تكون معانيها مدار صدق وكذب.
ألا ترى أن "قال" ألفه إن كان أصلها واوًا أو قافًا لا يؤثر في شيء.
أيها الأخ!
أنصِفْ! ألا تكون هذه النقط الثلاث دلائل واضحة على إعجاز القرآن الذي نزل لجميع الننصيبناجميع الأعصار. نعم، (والذي علّم القرآن المعجِز، إن نظر البشير النذير وبصيرتَه النقادة أدقُّ وأجلُّ وأجلى وأنفذُ من أن يلتبس أو يشتبه عليه الحقيقة بالخيبالتلان مسلكه الحقَّ أغنى وأعلى وأنزهُ وأرفعُ من أن يُدلِّسَ أو يغالط على الناس).
نعم، أنّى للخيال أن يبين نفسَه حقيقةً تجاه نظره (ص) الذي يتفجر نورًا.
نعم، إن مسلكه (ص) هو الحق نفسُه، ومذهبُه عينُ الصدقِ، والحق رقيّ ى من أن يدلس أو يغالط الناس.
المسلك الخامسهذا المسلك يخص الخوارق المعروفة المشهورة والمعجزات الظاهرة.
وكتبُ السيرة والتاريخ مشحونة بها. وقد أوفى العلماءُ الكرام حقَّه من التدوين والتفسير فجزاهم اللّٰه خيرًا، وقد أحلنا التفصيل عرنًا حهم لأن تعليم المعلوم عمل ضائع.
إن الخوارق الظاهرة وإن كان كلُّ فرد منها غيرَ متواتر، ولكن جنسها، وكثيرًا من أنواعها متواتر بالمعنى.
ثم إن هذه الخوارق على أنواع عدة:
— 147 —
منها:الإرهاصات المتنوعة وبث ذلك العصر الذي وُلد فيه (ص) استفاد واستفاض منه فصار حساسًا ذا كرامة فبشّر بالإرهاصات، بقدوم فخر العالم بحس قبل الوقوع.
ومنها:الإخبارات الغيبية الكثيرة حتى لكأن روحَه المجرد الطيّار (ص) مزّق قيدَ الزمان المعين والمكان المشخّص فجالي أعرفانب الماضي والمستقبل، فقال لنا ما شاهده في كل ناحية منهما وبينه لنا.
ومنها:الخوارق الحسية التي أظهرها وقت التحدي والدعوى وقد بلغ هذا النوع إلى ما يقرب الألف. بمعنى أن مجموع هذا النوع متواتر بالمعنى وإن كان أم من عآحاديًا.
ومنها:نبعان الماء من أصابعه المباركة، وكأنه يصوّر تصويرًا حسيًا فورانَ زلال الهداية الباعث للأرواح من لسانه الذي هو منبع الهداية بنبعان الماء الباعث على الحياة من يده المباركة التي هي معدن السخاء.
ومنها:تكُ الحالشجر والحجر والحيوان، وكأن الحياةَ المعنوية في هدايته (ص) قد سرت إلى الجمادات والحيوانات فأنطقتها.
ومنها:انشقاق القمر، وكأن القمر الذي يميا، فإ السماء قد انشق اشتياقًا إليه بإشارة من إصبعه المبارك علّه يجد علاقة مع قلبه الشريف (ص).
إن انشقاق القمر ثابت بنص الآية الكريمة، وهو متواتر بالمعنى حتى إن وانشق القمر (القمر:١) هذه الآية الكريمة لم يتصرف في معناها من أنكر في ال أيضًا، ولم يؤوّل ويحوّل معناها إلّا لاحتمال ضعيف.
إن اختلاف المطالع ووجودَ السحاب وعدمَ الترصد للسماء كما في هذا الزمان، ولكون الانشقاق في وقت الغفلة، ولحدوثه في الليل ولكونه عليكم، لا يلزم أن يراه كلُّ الناس أو أكثرهم.
ثم إنه قد ثبت في الروايات أنه قد رآه كثيرٌ من القوافل الذين كان مطلعهم ذلك المطلع.
ثم إن أعظمَ هذه المعجزات وأكبرَها وأولاها هو القرآن الكريم المبرهَن إعجازُه بجهات سبع، أُشيى الهدا سابقا... وهكذا. وأحيلُ سائر المعجزات إلى الكتب المعتبرة.
— 148 —
خاتمة:أيها الأفاضل المطالعون لكلامي، أرجو أن تتأملوا في مجموع كلامي، أي المسالك الخمسة، بفكر واسع ونظر حاد وبصيرة ذات موازنة وتجعلوه ضمن سُور محيط به. واجعلوا نبوة مح.
ا في مركزها ثم انظروا إليها كالعساكر المتنوعة المصطفة حول السلطان، وذلك لكي يتمكن سائر الجوانب من رفع الأوهام المهاجِمة من الأطراف.
وهكذا فجوابًا عن سؤ الاستابانيين: ما الدليل الواضح على وجود الإله الذي تدعوننا إليه؟
أقول: إنه محمد (ص).
إشارة وإرشاد وتنبيه:لما توجه نوعُ البشر نحو المستقبل سأل فنُّ الحكمة المرسَلُ من قبل الكائنالزم اج جانب حكومة الخلقة مستنطِقًا: يا بني آدم! من أين؟ والى أين؟ ما تصنعون؟ مَن سلطانكم؟ من أين مبدؤكم وإلى أين المصير؟. فبينما المحاورة، إذ قام سيد نوع البشر محمد (ص) وخطيبهم ومرشدهم: أيها السائل نحن معاشر الموجوداتفي الم بأمر السلطان الأزلي، مأمورين ضمن دائرة القدرة الإلهية، وقد ألبسَنَا واجبُ الوجود المتصفُ بجميع صفات الكمال، وهو الحاكم الأزلي، حلَّةَ الوجود هذهلحمل. َنَا استعدادًا هو رأسمال السعادة.. ونحن معاشر البشر ننشغل الآن بتهيئة أسباب تلك السعادة الأبدية.. ونحن على جناح السفر، من طريق الحشر إلى السعادة الأبدية. فيا أيتها الحكمة اشهدي وقولي مثلما ترين، ولا تخلطي الأمور بالسفسطة على إ
المقصد الثالث
وهو الحشر الجسماني
نعم، إن الخلق بدونه عبث، بل لا يكون. فالحشر حقّ وصدق، وأوضح براهينه محمد (ص).
المقدمة
لقعاش أد القرآن الكريم الحشرَ الجسماني إيضاحًا جليًا لم يدَع مجالًا لدخول أية شبهة كانت. ونحن هنا نشير إلى قسم من مقاصده ومواقفه، معتمِدين على براهين القرآن للقيام بشيء من تفسير جزئي للحشر الجسمام؛ هذ المقصد الأول
إن في الكائنات نظامًا أكمل.. وإن في الخلقة حكمةً تامة.. وإن لا عبثية في العالم..ولا إسراف في الفطرة.. والاستقراءُ التام الثابلذكي يع العلوم.. والقيامةُ النوعية المكررة في كثير من الأنواع كاليوم والسنة.. وجوهرُ استعداد البشر.. وعدمُ تناهي آمال الإنسان.. ورحمةُ الرحمن الرحيم.. ولسانُ الرسول الصادق الأمين (ص).. وبيانُ القرآن المعجز.. كل ذلك شهودُ صدقٍ وأنه بحُ حقٍ وحقيقةٍ على الحشر الجسماني.
موقف وإشارة:١- لو لم تنجرّ الكائنات إلى السعادة الأبدية لصار ذلك النظام صورةً زائفة خادعة واهية، ولذهب جميعُ المعنوياتصديق كابط والنسب في النظام هباءً منثورًا. بمعنى أن الذي جعله نِظامًا هو السعادة الأبدية.
٢- إن الحكمة الإلهية التي هي مثال العناية الأزلية تعلن السعادة الأبدية، لأنها مجهزة برعاية المصالح والحكغرى.
لكائنات، لأنه لو لم تكن السعادة الأبدية للزم إنكار هذه الحكم والفوائد التي أجبرتْنَا البداهةُ على الإقرار بها.
٣- إن عدم العبثية الثابتَ بشهبيعية عقل والحكمة والاستقراء، يشير إلى السعادة الأبدية في الحشر الجسماني، بل يدل عليها، لأن العدم الصرف يحيل كل شيء إلى عبث.
— 150 —
٤- إن عدم الإسراف في الفطرة، الثابتَ بشهادة علم منافع الأعضاء ولاسيما في العالم الأصغر (الإنسان) يدل على عدم وليس بف في الاستعدادات المعنوية للإنسان وآماله وأفكاره و ميوله. وهذا يعني أنه مرشح للسعادة الأبدية.
٥- نعم، لولا السعادة الأبدية لتقلصت كلُّ المعنويات وضمُرَت وذهبت هباات الكورًا. فيا للعجب، إن كان الاهتمام والعناية بغلاف جوهر الروح -وهو الجسد- إلى هذه الدرجة، حتى يحافَظ عليه من وصول الغبار إليه، فكيف تكون العناية بجوهر الروح نفسه؟ وكيف يُمحى ويُفنى إذن؟ كلا... بل العناية فجوا إنما هي لأجل تلك الروح.
٦- إن النظام المتقن الثابت بالاستقراء التام الذي أنشأ العلومَ كافة -كما ذكر سابقًا- يدل على السعادة الأبدية، إذ الذي ينجي الانتظام من الفساد والإخلال، والذي يجعله متوجهًا إلى العمر الأبدي ل:
ولملِ هو السعادة الأبدية ضمن الحشر الجسماني.
٧- كما أن الساعة الاعتيادية التي فيها دواليب مختلفة دوارة متحركة ومحرّكة للأميال العادّة للثواني والدقائق والاها منوالأيام، تخبر كل منها عن التي تليها، كذلك اليوم والسنة وعمر الإنسان ودوران الدنيا شبيهة بتلك الساعة كلٌّ منها مقدمة للأخرى. فمجيء الصبح بعد كل ليلة، والربيعِ بعد كل شتاء يخبر عن أن بعد الموت قيامة أيضًا.
نعم، إن شخص الإنسان كنى ركيزره، إذ نور الفكر أعطى لآمال البشر وروحه وُسعةً وانبساطًا بدرجةٍ لو ابتلع الأزمانَ كلَّها لم يشبع، بينما ماهية أفراد سائر الأنواع وقيمتها ونظرها وكمالها ولذائذها وآلامها جزئية وشخصية ومحدودة ومحصورة وآنيّة، في الوقت الذ، فلا ةُ البشر عالية كلية سرمدية... فالقيامات النوعية المكررة الحاصلة في اليوم والسنة ترمز وتشير إلى القيامة الشخصية في الإنسانية بل تشهد لها.
ر) كإإن تصورات البشر وأفكاره التي لا تتناهى، المتولدةَ من آماله غير المتناهية، الحاصلة من ميوله غير المضبوطة، الناشئة من قابلياته غير المحدودة، المستترة في استعداداته غير المحصورة، المزروعة في جوهر روحه الذي وثبتاللّٰه تعالى، كل منها يشير في ما وراء الحشر الجسماني بإصبع الشهادة إلى السعادة الأبدية وتمد نظرها إليه.
٩- نعم، إن رحمة الرحمن الرحيم والصانعِ الحكيم تبشر بقدن المذعادة الأبدية، إذ
— 151 —
بها تصير الرحمة رحمة والنعمة نعمة، وتنجيها من كونها نقمة وتخلص الكائنات من نياحات الفراق. لأنه لو لم تجئ السعادة الأبدية وهي روح النعم، لتحول جميع النعم نقمًا وللزم المكابرة في إنكار الروالتكاثابتة بشهادة عموم الكائنات بالبداهة وبالضرورة.
فيا أيها الأخ! انظر إلى ألطف آثار الرحمة الإلهية، أعني المحبة والشفقة والعشق، ثم تأمل في الفراق الأبدي والهجران اللَّايزَالِيّ. كيف تتحول تلك المحبةُ إلى مصيبة كبرى اعلإن الهجران الأبدي لا يعادل المحبة ولا يوازيها. فالسعادة الأبدية ستصفع ذلك الفراق الأبدي وتلقيه إلى العدم والفناء.
١٠- لسان الرسول الكريم (ص) الثابت نبوته المبرهن عليها . والحلك الخمسة السابقة، هذا اللسان المبارك مفتاح السعادة الأبدية المكنوزة في الحشر الجسماني.
١١- نعم، إن القرآن الكريم الذي أثبت إعجازه بسبعة وجوه خلال ثلاثة عشر عصرًا كشاف للحشر الجسماني ومفتاحه.
المقصد الثانيسوف يُفسر آيتين تبيّنان الحشرإلى الان إليه.
نخو: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
* * *
يقول الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي المؤلف، في مستهل الشعاع التاسع من كليات رسائل النور التي ألّفها بعد ثلاثين سنة:
"إنه لعناية ربانية لطيفة سلسل بَبَ "سعيد القديم" قبل ثلاثين سنة في ختام مؤلَّفه "محاكمات" الذي كتبه مقدمة لتفسيرِ "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" ما يأتي: (المقصد الثاني: سوف يفسّر آيتين تبينان الحشر وتشيران إليه). ولكنه ان ذلك ی نخو (بسم اللّٰه الرحمن الرحيم) وتوقف ولم تتح له الكتابة. فألف شكر وشكر للخالق الكريم وبعدد دلائل الحشر وأماراته أن وفقني لبيان ذلك التفسير بعد ثلاثين سلثة
152
— 153 —
قزل ايجاز
على سلم المنطق
حاشية الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي
على متن "السلم المنورق للشيخ عبدالرحمن الأخضري"
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
مع شرح أخيه عبد المجيد النورس"معذرة4
إيضاحعلى كل حال فقد كتبتُ هذا الأثر..لأجل تعويد الأذهان على الدقة في الملاحظة والإنعام في النظر.
وحيث إنه قد أُلّف.. فليُنشر.. وليلاحظ في الأقل المباحثُ المبدومحاسن اعلم".
سعيد
ملاحظة:قام السيد الفاضل محمد زاهد الملازكردي بتصحيح هذه الرسالة وطبعها لأول مرة في مطبعة بركات بدمشق وذلك في محرم الحرام سنة ١٣٨٧هی. فضلًا عن قيامه بترجمة ونشر عدد من مجموعالبُه، ل النور. فجزاه اللّٰه خيرًا كثيرًا.
وقد أعدتُ النظر في هذه الطبعة من الرسالة وقابلتها مع طبعتها الأولى من غير شرح، ولم أغيّر منها سوى ما يستوجبه التنسيق والتنظيم، فوضعت حاشية الأستاذ النورسي في أعلىعدم) أة عقب متن الناظم وجعلت شرح أخيه الملا عبدالمجيد في أسفل الصفحة.
وأملي في اللّٰه عظيم أن يقيّض من علمائنا المتبحرين في علم المنطق من يقدر هذه فالذيلة والتي تليها (تعليقات) حق قدرهما ويستجلي ما غمض فيهما من نفائس علم المنطق لتكونا رسالتين يستفيد منهما الخواص والعوام معًا غير قاصرتين على الخواص من العلماء.
واسم الرسالة "قزل إيجاز" قد يثير القارئ الكريم فهو اسم مركب من التركية والعر والطل على الأقل الكلمة تركي التركيب. فكلمة "قَزَل" تعني بالعربية: العرج الشديد، (أَسوأ العَرَج وأَشده) أي: إن اسم الرسالة يعني: الإيجاز الشديد العرج.
أما إذا اعتبرنا اسم الرسالة اسمًا تركيًا فهو يعني: الإيجاز المتقد، الإيجاز الأحمر وادًا ّ الجمرة.
إحسان قاسم الصالحي
— 155 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
"مقدمة الملا عبدالمجيد النورسي"
أشكر على حمدي لواحد أحد ليس له ثان. كما أثني موح في الن له كل يوم شأن، وأُصلّي كما أُسلّم على مَن لَمَّا كان في ذاته محمودًا كان اسمه محمدًا، وعلى آله وصحبه من بعد.
وبعد: فاعلم أني بعدما نجوت من بين تلاطم أمواج البليات من مخالب سباع المصيبات، ساقني القدر على رأس ألفين إها. فلين سنة إلى ولاية مولانا جلال الدين الرومي وسكنت في جواره بعيدًا عن الأستاذ؛ لا هو يراني ولا أنا أراه إلّا في غفلات النوم والرقاد، إلى أن قضى الأستاذ نحبه وارتحلبل بينار السعادة شهيدًا، وبقيت أنا في الحسرات غريبًا ووحيدًا.
فأدى بي الوحشة إلى الوحدة وترك التماس بالناس، وترجيحِ التوحش على الاستئناس. ولم أجد لأة غير كربتي ويكون تسليةً في وحدتي شيئًا إلّا الاشتغال بتحشية "قزل إيجاز" وشرحِ ما فيه من الألغاز، رجاءَ أن يشتغل به البال عما فيه من شدة الحال.
فبعدما أردت أن أكسر صخور ألفاظه بفأس فكري، أبى وامتنع ذلك الفكر الكليل عن أمري؛ رة مقتلما أضربها بذلك الفأس نبا ذلك الفأس من الصخرة إلى الرأس. فبقيت حائرًا ذا يأس في يأس. فأغلظتُ على الفكر شدةَ الأمر، وأجبرته بعد الفر إلى الكر. مشوقًا له قائلًا "هَا بَابَامْ هَا" فاستحيىَ عن غلظة الأمر. فاجتهدَ كل يوم من الصبح إلى العصر، إافترواصار مظهرًا للتحسين والتقدير، بعدما كان معروضًا للتحقير والتكدير.
فشكرت سعيه وقبلت عذره. لكن لكهولته عَجَزَ عن قلع بعض الصخور، مع أن بعض ما فصّل وحصّل ما كان بريئًا من الخطأ والقصور.
فأحلت فض ما بقي باكرة من مواضع عديدة وإصلاحَ ما وقع من نعموالغلط إلى ذوي الأذهان الثاقبة من شبان الاستقبال.
عبدالمجيد
بلدة "قونية"
١٣٨٥هیی - ١٩٦٥م
— 156 —
بسم (١) اللّٰه (٢) الرحمن (٣) الرحيم
(١) الباء للمصاحبة لا للاستعانة، لأن الكسب تابع للخلق، والمصدر شرط للحاصل بالمصدر. [٭]: (العدُ، ومصاحبة لا للاستعانة) إذ يلزم حينئذ أن يكون العبد أصيلا في الفعل، والخالق مُعينًا وتابعًا له في الفعل، والحالُ أن العبد ليس إلا مصدرًا للكسب. والحاصل بالمصين العالمكسوب ليس إلا بخلق الخالق. فالكسب -أي كسب العبد- ليس إلا مقارِنًا ومصاحبًا وشرطًا في حصول ذلك الفعل، بخلق الخالق. فالعبد تابع، أي وكسبه شرط لا أصيل. كما هو رأي أهل الاعتزال من كون العبد خالقًا في فعله.
فالمناسب في باء االإسرا المصاحبة، إذ ليس فيها ما في الاستعانة من ذلك الإيهام، لأنها تدل بمادتها وجوهرها على أن المستعين أصيل، والمستعانَ منه تابع، بخلاف لفظة المصاحبة، إذ ليس فيها تلك الدلالة فلا احتمال لذلك الإيهام.
قد ظهر من هذاعقيها تشار كون الباء للاستعانة في تآليف بعض أهل السنة إنما ترشح عن الغفلة من هذا المذهب، أي الاعتزال.
(٢) مستجمع لجميع الصفات الكمالية. للّزوم البيّن. [٭]: (للزوم البيّن) أي البيّن بالمعنى الأخص بين الذاُّ أغنفات. وهو الانتقال بمجرّد تصور الملزوم إلى اللازم. ومنه إلى اللزوم بينهما. فلفظة الجلال دالة على الذات بالمطابقة وعلى الصفات بالالتزام فمن ذكر لفأمورينال كان ذاكرًا لجميع صفات الكمال.
(٣) هذا مقام التنبيه لا الامتنان، فتكون صنعةُ التدلي في التعديد امتنانًا صنعةَ الترقي تنبيهًا. [٭]: (هرض محام التنبيه) حاصله: أن الرحمن إشارة إلى عظام النِعَم، والرحيم إلى صغارها. فالانتقال من الأعظم إلى الأصغر ليس بمناسب، لأنه من صنعة التدلي. وهي ليست مقبولة إلا في مقام تعديد النعم للامتنان. والمقام هنا ليس لتعديدها للامتنان. فأشار بتق كل اثرحمن إلى أن هذا المقام مقام التنبيه، لدفع غفلة السامع عن النعم الصغار.
فالتدلي هنا يُعدّ من الترقي. على أن الغفلة عن النعم الصغار أقوى احتمالًا فلا إشكال.
الحمد (١) للّٰه الذي (٢) قد أخرجا (٣) نتائج الفكر (٤) لأرباب الحجا
وحط (٥) عنهة الغرماء العقل كل حجاب من سیحاب الجهل
(١) كتصور العلة الغائية. [٭]: (كتصور العلة الغائية) أي إن ذكر الحمد في أوائل التأليفات إشارة إلى أن المقصد والغاية منها الحمد والطاعة للّٰه تعالى.
— 157 —
(٢) وصف لياذ النابه أكثر، إذ الواجب أكثر ثوابًا. [٭]: (وصف) أي بنعمة الإخراج ليكون حامدًا على النعمة فيكثر ثوابه، إذ الحمد على النعمة لازم وثواب اللازم أكثر.
(٣) أي ترتب النتيجة على المقدّمات عادي، لا استعدادي ولا تولدي. [٭]: (ًا عن ب النتيجة) إشارة إلى أن الأَولى ذكر الترتب بدل الإخراج، لأن حصول النتيجة من المقدمات "عادي" كخروج الماء بالحفريات لا "استعدادي" كخروج الثمرة من الشجرة، ولا "تولدي" كا إنها ن الإنسان. فالمناسب تبديل الإخراج بالترتب.
(٤) خص هذه النعمة ليَبْرَعَ مستهلّه لبراعة الاستهلال. كأن المعنى إذا مر في خزانة الخيال ما وجد ما يلبس إلّا صورة صنعته. [٭]: (لبراعة الاستهلال) أي ليُعلیم في أول التأليف نوع ما يُذكر فيه م: البخائل.
(٥) الأَولى قشع للسحاب أو كشف للحجابْ وإلّا فالإبل ينص تليله تَحْتَ: "حط عنهم". [٭]: هذه مناقشة لفظية بين الأستاذين. حاصلها: أن الحط مستعمل للآبال ولا إبل هنا. فالأولى تبديل الحط بالقشع، نظرًا إلى لفظ السميها عل بالكشف لمناسبته للفظ الحجاب. وإلّا فالسامع يتحرى الإبل الناصب عنقه القاعد تحت "حط". ولا إبل هنا فيقعُ في اليأس.
حتى بدت لهم شموس (١) المعرفة رأوا مخدراتها (٢) منكشفة
(١) التشبيه قياس والمقيس عليه حقه الوجود وما لهم إلا شمس. إلا أن الاسيماالماضي حقيقة الآن. أو لأن السماء تلد من بطن كل ليلة شمسًا. [٭]: (التشبيه قياس) أي تشبيه المسائل بالشموس قياسها عليها، فيلزم من ذلك القياسِ وجودُ المقيس عليه وتعدده والحال أنه هنا واحد. فأجاب قائلا "إن الخيال الماضي" أنسانيةوس الآفلة الماضية في الزمان الماضي، المجتمعةَ بالتخيل في خزينة الخيال، كالحقيقة الموجودة. أو إن الشموس المستقبلة الموجودة في بطن السماء نظرًا إلى أنها تلد كل يومٍ واحدة والشموس كالموجودة الآن فلا إشكال.
(٢) هذا التلون
ماج في الأسلوب، يردد الذهن بين أن يتصور الرأس سماء تتلألأ نيراتها في مطالعها وبين أن يتصورها قصرًا تتشرف مخدراته من بروجه. إلا أن في جنان الجنان رقيبات لشموس العقل وأزاهيرها من نجومه.عنه وا (هذا التلون والاندماج) أي التفنن في العبارة بتشبيه المسائل تارة بالشموس وأخرى بالمخدرات.. (يردد الذهن) أي مع استحسانه وتقديره إلى أن يتصور الرأس سماء مرة وقصرًا مرة أخرى. يتشرف من ذلك النيراتُ ومن هذا المخدراتُ مباهيا بهما.
: (إلا أن ج:[ن الجنان) يعنى كما أن المسائل شبهت بالشموس والمخدراتُ الرأسية لزم أيضًا تشبيهها بالأزاهير القلبية. إذ أزاهير القلوب رقيبات لشموس العقول في الفضل والشرف.
فالتشبيه بواحدة دون الأخرى جاعل لذلك الأسلوب غير محبوب لذوي القلوب.
— 158 —
نحة في ا) جل على الإنعام بنعمة الإيمان والإسلام
(١) كرره للإثبات بعد الثبوت، والإنشاءِ بعد الخبر، والعملِ بعد العلم. ولم يتكلم وحده، لأنه وإن كان واحدًا ليمن يتع. بل معه طوائف أعضائه وقبائلُ أجزائه وجماعاتُ ذراته ذوات الوظائف والحياة. فلتضمين الحمد معنى الشكر العرفي الجامع تَكَلَّمَ مع الغير. [٭]: (كرره.. الخ) حاصله: أن الحمد المذكور أولًا لاسمية الجملة هناك، كانت دالة على ثبوت الحمد والإخأن تلاه والعلم به فكرره ثانيًا بالجملة الفعلية لتدل على الإثبات والإنشاء والعمل، وليكون الناظم الحامدُ بالذات مثبِتًا منشِئًا حامدًا، أي متكلما ومصدرًا للحمد بالفعل.
(لأنه واحد ليس وحده) أي لأنه وإن كان منفردًا في حدّ ذاته، لكنه ليس منفردًا في فلتأثيرمد، بل معه طوائف كثيرة من أعضائه وأجزائه وذراته.
(تكلم مع الغير) إشارة إلى أن الحمد هنا متضمن وعبارةٌ عن الشكر العرفي الذي هو عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعم اللّٰه عليه إلى ما خلق ليوان إاعلمأيها الناظر لا بأس عليك أن تتلقى هذا المبحث مستقلا برأسه، لا شرحًا لهذه الجملة. فإن المناسبة ضعيفة لأن اليراع اجتذب اللجام من يدي فهرول حيث شاء. (سعيد).
إن الشخص مع أن روحه واحد، جسمُه جماعة. بل جماعاتٌ من ذوات الحياةلميذ يإن كل حجيرة من حجيراته حيوان برأسه ذات خمس قوى حساسات.
فالشخص كصورة (يس) كُتب فيه سورة (يس) وشدة الحياة وقواها تتزايد بتصاغر الجرم معكوسًا. إن شئت وَازِنْ بين حواس الإنك دينهين حواسِ حُوينةٍ (أي ميقروسقوبية) تَر عجبًا. إذ ذلك الحيوان الصغير مع أنه لا يُرى إلّا بعد تكبير جسمه ألفَ دفعة يَرى رأسَ إصبعه ويسمع صوت رفيقه، وقس سائر حواسه وقواه. وأين للإنسان أن يرى إصبع ذلك الحيوان أو يسمع صو وتشيرنسبة تصاغر المادة تشتد الحياة وتحد وتحتد وترق وتروق.
فهذا الحال يدل حدسا على أن الأصل الحاكم والمبدأ النافذ والمخلوق الأول هو الروح والحياة والقوة. وما المادة إلّا تصلبها أو زبدها.
— 159 —
فكما يَس بحيث روحٌ واحد جماعاتٍ من الماديات الحيوانية، جاز أن يستخدم روحٌ آخر أصغرَ الماديات. وإليه يستند فقط. فكما أن نواة في عالم التراب شيء صغير مع أنها في عالم الهواء نخلة عظيمة، كذلك تلك درة ال الصغيرة ذات الحياة في عالم الشهادة تكون متسنبلة في عالم المثال والمعنى، بسبب استناد الروح إليها. [٭]: أيها الناظر لا تقل لِمَ هذا التطويل الغير المناسب للمقام، فإن القلم قد يطغى فليكن مسألةٌ مِنْ (قزلاء، ول) مسافرة في (قزل إيجاز) (س)
مَن خصنا (١) بخير من قد أرسلا (٢) وخيرِ (٣) من خاض المقامات العلا
(١) لأن المضاف إلى المعرفة معرفة بجهةٍ والمنسوب إلى الشريف يتشرف. [٭]: (لأن المضاف إلى المعرفة) أي لأننا ر. فلوصنا بالإضافة والانتساب إلى خير الرسل ذي الشهرة والمعرفة. والتخصيصُ بالإضافة إلى المعرفة وإن لم يكن معرِّفًا للنكرة حقيقة، لكن يقرّبها إلى المعرفة ويشّرفها بها.لباء ملتلك الإضافة والانتساب صرنا خير أمة أخرجت للناس. والمنسوب إلى الشريف شريف.
(٢) أي خير الخلق؛ لأنه خيار من خيار ست مرات. [٭]: (ست مرات) أي إن اللّٰه تعالى اختار من المخلوقات ذوي الحياة، ومنهم بني آدم، وملسلطانلاد إسماعيل، ومنهم قريشًا، ومنهم بني هاشم، ومنهم محمدًا عليه الصلاة والسلام هذا مآل حديثِ "مازلت خيارًا من خيار".
(٣) أي لأنه على خلق عظيم. عطف الدليل على المد يقال محمد (١) سيد كل (٢) مقتفى العربي (٣) الهاشمي (٤) المصطفى (٥)
صلى (٦) عليه اللّٰه مادام الحجا يخوض في (٧) بحیر المعاني لججا
(١) أي اسما ومسمى. الثاني سبب للأول، لكن بالأول. [٭]: (أي اسمًا ومسمى الثاني سبب ية
لكن بالأول) أي في ذاته خلق محمدًا، وسمّى به ليطابق الاسم المسمى. فالذاتي سبب للاسمي لكن بالأول. وهو مصدر كالقول من آل يؤول. بمعنى الرجوع. أي كونه كثير الحمد في الخلقة. سيرجع ويصير سببًا لكونه كثالنّورمد من بعد.
(٢) لأن كتابه جمع الجوامع لأنه متأخر. لأنه متقدم. [٭]: (لأن كتابه جمع الجوامع) أي لأن القرآن لكونه نَزَلَ متأخرًا من الكتب السماوية جامعٌ لجميع ما فيها ولكونه متقدما عليها فيحياة ا والشرف تأخر عنها، لأن السلطان يمشي خلف الجنود.
(٣) وفي أبنائه الصدقُ والذكاءُ.
— 160 —
(٤) وفي بيته الشهامةُ والسماحة والمنسوب منسوب إليه. [٭]: (المنسوب منسوبة أخص أي الأمر بالعكس معنى لأن محمدًا عليه الصلاة والسلام كما أنه منسوب إليه لكافة الخلق، منسوب إليه لهاشم أيضًا.
(٥) كی"قِفَا" و ارجعون مكررًا، مع انفراده بحذف لفظ "من". فهو مشتق من خمسة أفعال وهى "اصطفى". [٭]: (كقفا وارجعوني) يعني كمال، وإلتثنية والجمع في هذين اللفظين راجعان إلى الفعل، لا إلى الفاعل. إذ المراد منهما قف قف. ارجعْ ارجعْ ارجعْ. كذلك إن الإفراد في (المصطفى) عائد إلى نائب الفاعل وليس راجعًا إلى الوصف لأنهرزق وانية مكرر مجموع قد اشتق من (اصطفى) خمس مرات على ما أشار إليه حديث الاصطفاء.
(٦) صورة الماضي دلت على كمال الوثوق والشوق والحمل على المسؤول بلطف لكن تفاالخبر أشد من رد الإنشاء. [٭]: (صورة الماضي) يعني أن الطلب والسؤال بلفظ الماضي يجبر المسؤول على أن لا يكذب السائل ويحمله على أن يوفي بالمسؤول عنه بحيلة، لأن الماضي إخبار ورد الإخبار قبيح.
(٧) تبطن "في" "مِن" للدخولذوبانروج [٭]: تبطن "في" "من" أي كما يدل على ذلك التبطن مادة الخوض، لأنه بالدخول، وهو يقتضي الخروج. من. مفعول تبطن.
وآله وصحبه (١) ذوي الهدى (٢) من شبهوا (٣) بأنجم (٤) في بذات اا (٥)
(١) اسم جمع صحابي. وتَذَكّرهم بالصلاة حق علينا. لأنهم الوسائط بيننا وبينه (ص). [٭]: (اسم جمع صحابي) وهو منسوب إلى صحاب، وهو مصدر كالذهاب. وليس الصحب بجمع لأن "فَعْل" ليس من أوزان الجموع. هو اسم لكل مَن رأى النبي أو النبيولا ملمات على الإيمان.
(٢) أي اكتسبوا الهدى كالمال، الحاصل بالمصدر المكسوب لهم. فإن الهدى هو الذي يحتذى عليه لا المصدر، لأنه كسب. [٭]: (أي اكتسبوا الهدى) مفعول الحاصل صفة له، المكسوب صفة للمصدر. يعني: المرادُ من الهدى هنا الحاصل وضمانر، لا المعنى المصدري الذي هو الكسب.
(٣) أي بلسان من "أفصح من نطق بالضاد" بأنهم مكمَّلون ومكمِّلون.
(٤) أي العشر السيارة فإن نورها مستفاد من الشمس. [٭]: (هي العشرة السيارة) وهي العطارد والزهرة والمريخ والمشتري والزلك الفنبتون والأورانس والأرض والقمر و..
— 161 —
(٥) نتيجة التشبيه لا وجه الشبه لأنه لابد أن يكون أظهرَ أوصافِ المشبه به، والأظهر في الأحاديث عنوان،نية وما يقاربها. [٭]: (نتيجة التشبيه لا وجه الشبه) يعني أن وجه الشبه النورانيةُ على ما هو المتبادر من حديثِ "بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وبعدُ (١) فصِ "لا (٢) للجَنان نسبته كالنحو للّسان
(١) اعلمأنه تأكيد وتشويق مبني على حب النفس المستلزمِ لحب صنعتها المقتضي لفنائها فيها، المؤدي إلى ظن انحصار الكمالاتية وصح لزوميةٌ أو ادعائية؛ هكذا: أيّ شيء وُجد لزم بقائه لعدم العبثية، وبقاؤه مستلزم للخلقة لأنه جزؤها، والخلقة مستلزمة لنتيجتها وهي الإنسان. وءة بی"الإنسان بسر الحكمة مستلزم لنتيجته، وهي كماله ومعرفة الصانع، والوصول إلى الكمال مستلزم لإصابة العقل وسداده، وسدادهُ مستلزم للمنطق المتصف بما ذكر. فمهما وجد شيء فالمنطق كذا. [٭]: (لز(مَن كو ادعائية) خبر مبتدأ محذوف أي هذه شرطية لزومية الخ.
(وبقاؤه لازم للخلقة) أي البقاء جزء للخلقة لأن الوجود كما أنه مستلزم لها ولولاها لم يوجد الوجود، كذلك البقاء مستلزم للخلقة ولولاها لم يكن البقاء. وأيضًفصلة- اء تكرُّر الوجود ودوامه. فالوجود والبقاء كلاهما مستلزمان للخلقة، وجزآن لها. فالخلقة عبارة عن الإيجاد والإبقاء معًا. فالإبقاء جزء لها كالوجود.
(والخلقة مستلزمة لنتيجتها وهي الإنسان) نعم "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" يدل على أيعة لمية من الخلقة ونتيجتَها الحياةُ، وذوو الحياة وأشرفهم الإنسان، فهو نتيجة الخلقة.
(بما يذكر) أي في هذا الكتاب من القواعد.
(فمهما وجد فااهدًا كذا) هذه نتيجة لما أشار إليه الأستاذ من القياسات الكثيرة المطوية الغير المتعارفة.
(٢) اعلمكما أن النحو شريعة الموجودات الطيارة اللسانية. الذين آدَمُهم الهابطُ من ذروة الخيال المسمى باللفظ موجود في فضاء اللسان، كذلك أن الفاليهوريعة الموجودات الذهنية الساكنة في الجَنان، أي اللطيفة الربانية، الذين آدمهم النازل من أعلى الدماغ المسمى بالمعنى موجود في الجنان. إن الآدم لك كنانسيب والشرع للشرع قريب. لأنهما كليهما وَضْعٌ إلهي سائق لذوى العقول ممن في الجَنان واللسان إلى الصراط المستقيم. [٭]: (كما أن النحو الخ) حاصله: أن النحو والمّف بهاحثان عن اللفظ والمعنى. أما اللفظ: فهو "آدم"، أي كالأب للمسائل النحوية، محله الخيال ومقر فعاليیته اللسان.. وأما المعنى فهو "حواء" أي كالأُم للمسیائل المنطقية مسكنه القلب. كل ا بعض خادم لتشريع القواعد لتمييز الصحيح عن الفاسد. فبينهما مكافأة تامة. فإذا وصلا إلى حدّ البلوغ يصعد المعنى من القلب إلى الخيال ويتزوج بما في خزينة الخيال من الألفاظ ما يشاء،
: ثم ينحدران إلى اللسان فيتولد ويتناسل من اجتماعهما القواُلُق اتصير تلك القواعد شريعة مبيّنة للحلال والحرام والصحيح والفاسد.
فتبيّن أن الإنسان ما هو إلّا القلب واللسان كما قيل:
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبق إلا صورة ) أي فوالدم
— 162 —
فيعصم (١) الأفكار (٢) عن غي الخطا وعن دقيق الفهم يكشف الغطا
فهاك (٣) من أصیوله قواعدا تجمع من فنیونیه فوائدا
(١) أي إنْ راعى، وما دام لم تستخلف الطبيعة كسالى . يشير إلى العلة الغائية ورسمه، وإلى جهة الحاجة وآليته. [٭]: (أي إن راعى) أي إن بنى صاحبُ الدليل ترتيبَه على ما أَمَر به المنطق.
(ولم تستخلف الخ) أي ولم يكن تصنيعه للدليل تابعًا لطمن كراوسليقته في الصحة والاستقامة. أي حاصلا منها بحيث إن لم يكن صاحب الدليل مراعيًا للقواعد أيضًا لم ينحرف دليله عن الصحة والاستقامة. وإن كانت سلامة دليله ناشئة عن سليقته لاعن القواعد لا يعد لأنه نطقيين.
(٢) الفكر هو الكشاف لترتب العلل المتسلسلة في الخلقة للتقليد، فيحلل فيعلم، فيركب فيصنع. أي بتخريج السلسلة المتناتجة وتلقيحها. [٭]: (الفكر هو الكشاف) حاصله: أن الًا بالا أنه نتيجةُ عللٍ مترتبة في الخلقة كالجد والأب ولابد لوجوده من تلك العلل، كذلك المعرّف نتيجة عللٍ مترتبة كالجنس البعيد والقريب والفصل لابد لمعرفته من وجود هذه العلل وترتيبها.
فالفكر مقلد الخلقة يحلل سلاسل العلل ويأخذ منها ما يناسب مطلوبه أنه من ويصنع ما يصنع.
(أي بتخريج السلسلة) أي بتحصيل المبادئ المناسبة للمطلوب وإدخال بعضها في بعض. كإدخال الحد الأصغر تحت الحد الأوسط وإدخاله تحت الحد الأكبر.
(٣) (فهاك) جزاء لما دلت عليه الفا
فلائية. الجزاء هو الوجوب اللازم للأمر عرفًا بإقامة الملزوم مقام اللازم. وإلا فالأمر إنشاء لا يلزم. [٭]: (جزاء لما دل) تقديره: إذا كان المنطق عاصمًا فهاك، أي خذ من قواعده الخ...
(الجزاء هو الوجوب عرفًا الأولة إلى ما يردّ ما يَرِدُه وجهُ الورود أن "هاك" أمر، والأمر ليس بخبر، والجزاء لابد أن يكون خبرًا حتى يكون ويصلح جزاءً للشرط. والأمر لكونه إنشاء لا يكون باقيا فكيف يكون لازمًا.
وجه الرد أن الأمر مستلزم عرفًا الميت. فالأمر ملزوم والوجوب لازم. وقد أقيم الملزوم مقام اللازم.
(تقديره إذا كان المنطق عاصما وجب الأخذ من قواعده) أي لزم لزومًا عرفيًا كمة ضرول بين الناس: ينبغي أن تفعل كذا أو لا ينبغي.
— 163 —
سميته (١) بالسلم (٢) المنورق يرقى به سماء علم (٣) المنطق
(١) أيها الناظم! ليهنك القطوف الجواد الذي لا يثقل الحاذّ في تسميته ث والتمثيلي. [٭]: (ليهنك) مضارع هنأ محذوف اللام بجزم اللامْ تبريك وتهنئة لقطوف الناظم. (وفي تسميته ترسم) إذ يستفاد من تسميته بالسلّم تشبيهه به. ويستفاد من التشبيه جعل أستاذ الذي هو آلة للصعود إلى الفوق مثالًا للتأليف. والإيضاح بالأمثلة رسم كما أشير إليه آنفًا. فالمراد من الرسم التعريف مطلقا لا الرسم الاصطلاحي.
(٢) عَلَم الشخص، لأن المصباح المتمثل في المرايا ّٰه كاة مع أنه أَلْفٌ واحدٌ. [٭]: (علم الشخص) كأنه قيل: إن أمثال هذه الأسماء لإطلاقها على كثيرين، كليات ذوات جزئيات. فأشار إلى الجواب، بأن الاسم إذا وضع بأوضاع متعددة لأشخاص لا يقتضي الكلية، لأنرار حتمن أوضاعه لواحد لا لكثيرين. نعم، مع أن كون المصباح مرئيًا في المرايا الكثيرة لا يخلّ وحدتَه لأنها صور لا ذوات.
(٣) المُرْسَمِ بمقوى النطق اللفظي، ومسدد النطق الإدراكي، ومكمل القوة النطقي المنفُبَاتِ فَصْل الإنسان. [٭]: (المرسم) صفة العلم. أي بهذا العلم يتقوى الإنسان في نطقه اللفظي، ويتسدد في نطقه الإدراكي، ويزداد في قوته العقلية. هذا إشارة إلى أن الناطق الذي هو فصل الإنسان متضمن لهذه النطوق الثلاثة. فالمرسم ام. فلعرف لا الرسم الاصطلاحي..
واللّٰه (١) أرجو أن يكون (٢) خالصًا (٣) لوجهه (٤) الكريم ليس ناقصا
(١) التقديم يقوى جناحَ "خالصا". [٭]: (التقديم يقوى) أي تقديم المفعول يفيد الحصست إلّ يَرُدُّ توجيه الرجاء إلى غيره تعالى فيحصلُ الخلوص به أيضًا فيتكرر الخلوص فيتقوى.
(٢) لأن الإخلاص لا يكفي في حصول الخالصية، أو لعدم الأمن من دسائس النفس. [٭]: (لأن الإخلاص) أي الإخلاص مصدر منتمعين ، والخالصية أي الحاصل بالمصدر من اللّٰه تعالى. ولا لزوم بينهما. فليست الخالصية إلّا فضلا من اللّٰه تعالى، فالتقديم للتقوية لازم.
(٣) إذ لامنَا شَتنص إلا في المستثنى الثالث في الحديث. [٭]: (إلا في المستثنى الثالث في الحديث) وهو: "هلك الناس إلّا العالمون، هلك العالمون إلّا العاملون، هلك العاملون إلّا المخلصون".
(٤) هذا من أساليب التنزيل التنز يعرقلالمبني على النورانية كالشمس، مثلًا وَجْهُهَا عينُ ذاتها، كما أن ذاتها عين وجهها. [٭]: (هذا) أي التعبير عن اللّٰه تعالى بإضافة الوجه إليه.
ه خاص الأساليب الخ) أي من التعبيرات التي استعملها القرآن تنزلًا للتقريب إلى فهم البشر.
: (كالشمس مثلا) أي بلا تشبيه. أي إن الشمس كما أنها لكونها نورانية لا يفرق بين ذاتها سعيد ا، بل كلاهما واحد.. كذلك وجه اللّٰه تعالى عين ذاته وذاته عين وجهه. فمتى أُضيف الوجه إليه تعالى يُراد الذات. أي يكون الإضافة من قبيل إضافة المسمّى إلى الاسم. فلا إشكال.
— 164 —
فصل في جواز الاشتغال بخدامًاالخلف (١) في جواز (٢) الاشتغال به على ثلاثةٍ أقوال
(١) ما أعظم ضرر الإطلاق في مقام التقييد، والتعميمِ في مقام التخصيص! ومن هذا تتعادى الاجتهادات المتآخية. [٭]: (ما أعظم ضرر الحقائق الخ) يعني أن جواز الاشتغال بالكلام مقيد بقيد الاستعداد، وخاص بذوي القريحة. فلو اعتبر هذا القيد لم يبق الخلاف والشقاق بين ذوي الاجتهادات؛ إذ لا يخفى أن عدم الجواز إنما هو بدون هلا كاليد وجوازه معه. فمن عدم اعتبار هذا القيد هنا وقع بين ذوي الاجتهادات بالمخالفة ما وقع من العداوة.
(٢) سلب الضرورة الاختيارية. [٭]: (سلب الضرورة الخ) أي ي الخا بالجواز هنا عدم اللزوم العرفي المعبَّر عنه بالانبغاء بين الناس حينما يقول بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون الأمر هكذا وهكذا، أي يلزم.
ولا اجمُ ون الضرورة الاختيارية إذا انسلبت بقي الجواز الاختياري العرفي فلا مانع للاشتغال به عرفًا.
فابن الصلاح والنواوي (١) حرما وقال قوم (٢) ينبغي (٣) أن يُعلما (٤)
(١) أي لأدائهالمنطقرك الواجب، أو لانجراره إلى الفاسد، أو لاختلاطه بالباطل، أو لانحراف المزاج الذي يأخذ من كل شيء سيئه. وإلّا فتعصبٌ بارد. [٭]: إن الأستاذ يشير إلى أسباب التحريم. (أي لأدائه إلى ترك الواجب) أي إن لم يجعل م فبأي علم التوحيد (أو لانجراره إلى الفاسد) كجامع الحطب بالليل. (أو لاختلاطه بالباطل) إذ المركب من الصحيح والباطلِ باطلٌ والاشتغال بالباطل حرام (أو لانحراف المزاج) أي انحراف فكره وذهنه عن وسلب اصحة.
(٢) عرف في الأول، لأنه نكرة أو معرفة. ونكّر في الثاني لأنه معرف أو منكر. [٭]: (عرف في الأول) أي القول القائل بالتحريم. حيث ذكره بالكنية والنسبة إلى العلم، (لأنه معرفة) بين الناس.. (أو نكرة) عند السامس ووجوه له.. (ونكر في الثاني) وهو القائل بالجواز.. (لأنه معرف) أي بالبيت الآتي.. (أو منكر) أي لأن السامع لا يعرفهم وليس طالبًا لمعرفتهم.
(٣) أي ينطلب أي الانبغاء لزوم طبيعي تنزل ضي أي فطرته مسخرة للعلم. فكما أن مقتضى الفطرة في أفعال الجامدات يوجه بالضرورة، كذلك مقتضاها في مظان الاختيار يوجه (بالضرورة أيضًا)، لكن مِن عالَمِ الأمأي الإ]: (أي ينطلب) من باب الانفعال أي طلبُ العلم طبيعي لا يُطلب بقصد بل ينطلب بنفسه.. : (إذ فطرته مسخرة للعلم) أي لا تنفك عن العلم. فكما أن مقتضاها في الجامدات يوجّه بالضرورة مثل النار ريف البالضرورة كذلك في مظان الاختيار يوجه بها مثل الإنسان عالم بالضرورة. أي بحسب الفطرة.. (لكن هذا من عالم الأمر) أي والأول من عالم الخلق إذ الماديات بالخلق وغيرها من عالم الأمر كالروح.
— 165 —
(٤) لأنه مقدمة ارار ال ولأنه دليل ترك الشر، وإلّا فتعصبُ الصنعة. [٭]: (لأنه مقدمة الواجب) وهو التوحيد وردّ الكفريات.. (ولأنه دليل ترك الشر) أي دليل على معرفة الشرنطق وممن لم يشتغل بالكلام لا يفّرق بين الأقوال السالمة والباطلة. فلزم الاشتغال به ليعرف الباطل ليتوقى منه؛ إذ لا يتحفظ ممن ومما لا يعرف. كما قال من قال:
عرفتُ الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الخير يد. واه
والقولة المشهورة الصحيحة (١) جوازه (٢) لكامل القريحة (٣)
ممارس (٤) السنة (٥) والكتاب (٦) ليهتدى (٧) به إلى الصواب
(١) لأن تلقى الأمة بالقبول أمارة تجرد ا من جا.
(٢) أي "مندوب" لأنه مكَمِّلٌ.. "مكروه" لأنه قد يشوش.. "مباح" لأن علم الشيء خير من جهله.. "فرض كفاية" لأنه المجهز.. "حرام" لغير المستعد، للمفهوم المخالف. [٭]: (أي مندوب) إشارة إلى أنه يجتمع فيه الأحكام الشرعية.
(لأنه المجهز) أي يجهزتان سائد الحقة. وتصفيتها في كل قطعة من فروض الكفاية.
(للمفهوم المخالف) أي عكس كامل القريحة، بأن لم يكن له قريحة ولا كمالها.
(٣) والمستعد أيضًا. [٭]: (والمستعد أيضًا) عطف على كامل القريحة في المتن. أي من له استعداد بالقوة فقط.
اعرة من من محاسن الخلقة والفطرة تقسيمَ المحاسن، ومنه انقسام المشارب، ومنه تفريق المساعي، ومنه امتثال فروض الكفاية في الخلقة، ومنه تقسيم الأعمال.
نعم، بتركه نزرع أكثر من السلف وثوقة. الأقل.
(٤) أي مجهز بالمنطقين المنجبين
(٥) أي السنة الصغرى بجوانبها الأربعة تفسيرٌ كبير لسنة اللّٰه الكبرى المنبثة في العالم الأصغر والأكبر. [٭]:ظ الجلة الصغرى) وهي السنة المحمدية التي جوانبها الأربعة عبارة عن الحديث القدسي والقولي والفعلي والتقريري. وتلك السنة كشافة للسنة الكبرى المنتشرة بين أنواع ذوي الحياة وبين طبقات اليأس ات من القوانين والارتباطات التي لا تبديل لها ولا تحويل.
— 166 —
(٦) أي
ذلك الكتاب لاريب فيه
(البقرة:٢) الذي هو تمثال سنة اللّٰه في الفطرة، التي لا8
ف لها ولا تحويل. أي المنطق الأعظم للإنسان الأكبر، الذي قوته المفكرة نوع العالم الأصغر وهو الإنسان.
(٧) أي لئلا يزلّ الناظر لنفسه، ولا يضل الناظر لغيره. فإن الاستدلال للنفي غالب، دون الإثبات في العقائد. [٭]: (فإن الوالعدمل الخ) حاصله: أن الحق والصواب في المسائل أقل، وغير الصواب أكثر وأغلب. فالاحتياج إلى الدلائل النافية لغير الصواب أكثر وأغلب من المثبتة للصواب.
فصل في أنواع العلم الحادث
إدراكُ (١) مفردٍ (٢) تصورًا (٣) عُلِم ودَرْللآدم نسبةٍ (٥) بتصديق وُسِمَ
(١) للنفس في الإدراك فعلٌ، يَستتبع إضافةً، تستلزم انفعالًا، يستولد كيفية، تستردف صورة. مع أنها عِلمٌ معلومٌ أيضًا. والأول صفة. والثاني مظروف للذهن. [٭]: (مع أنها علم معلوم أيضًا) أي الإدراك عبارة عن الصورت حتىاصلة في الذهن. فتلك الصورة من حيث ينتقش ويتصف بها الذهن تكون علمًا وصفة. ومن حيث حصولها في الذهن تكون مظروفة للذهن ومعلومًا لتعلق ذلك الانتقاش به.
قياسيي ولو حكما بإجمالية النسبة.
(٣) الإطلاق المستفاد من الإطلاق تقييد. أي التصور المطلق لا مطلق التصور. [٭]: (أي التصور المطلق لا مطلق التصور) دفعٌ لما يوهمه قول الناظم منرًا خالمطابقة بين التعريف والمعرَّف، إذ المتبادر من قوله (تصورًا علم) مطلق التصور أي سواء كان ذلك التصور مع الحكم أو لا. وهذا عام يشمل التصور مع الحكم أيضًا، لأن محل حن طوائلذهن. وبهذا الاعتبار يكون المعرَّف أعم من التعريف.
وجه الدفع أن المعرف هنا أعني (تصورا) لكونه غير مقيد مقيدٌ بالإطلاق، أي التصور المطلق. وهو خاص لا يشمل التصور مع الحكم. فالمعرفصلواتك التعريف فلا إشكال.
(٤) غُيِّرَ لمغايرة النوعين في التعلق لا في المتعلَّق فقط؛ فإن الأول كالحل، والثاني كالربط والعقد. [٭]: (غير لمغايرة الخ) أي بدّل الإدراك بالدرك، لأن التصور والت في تشما تغايرا في المتعلق لأنه في الأول المفرد وفي الثاني الحكم تَغَايَرا في التعلق أيضًا. لأن التعلق في الأول بطرفي القضية وفي الثاني بالنسبة بينهما. لديهمفى أن وجود النسبة يتوقف على العقد والربط بين الطرفين، والأول يدل على الانفصال بين الطرفين وانحلالهما عن النسبة.
— 167 —
(٥) أي دَرْكُ أَنَّ النسبة واقعة مفصلة مستردف الإذعان. لا درك نسبة؛ فإنه شرط أو شطر. ولا درك وقالصنعةسبة؛ فإنه تابع. [٭]: (أي درك أن النسبة واقعة) يعني أن الظاهر من هذا القول: أن الناظم ذاهب إلى مذهب القدماء من أن التصديق عندهم عبارة عن درك النسبة التامة الخبرية أي درك الثبوت بين الطرفين. بناء على أن أجزاء القضية عندهم ثجال إلالموضوع والمحمول وثبوت الثاني للأول. لكن عند المتأخرين عبارة عن درك وقوع الثبوت بينهما. فالأجزاء عندهم أربعة إِنْ جعل الثبوت المسمى عندهم بی"النسبة بينَ بينَ" شطرًا أي جزء أو ثلاثة إن جعل شرطا.
وَصَفَ الأستاذ ذلك الإدراك بالإذعان في سائر جميع ه أي الاطمئنان القلبي إشارة إلى أن القائل "لكلمة التوحيد" من غير إذعان واطمئنان بمفهومها لا يفوز بحقيقة الإيمان.
وقدم الأول (١) عند الوضع لأنه (٢) مقدم بالطبع (٣)
(١) وإن كان متأخرًا في النهاية، لأنه النتيجة؛ إهنا بتديقات معرفة نسب الشيء. ونسبُ الشيء رسم صورته. [٭]: حاصله: أن التصديق لكونه يتوقف على تصور أجزاء القضية يكون التصور مقدمًا عليه.
وكذا لةُ؟
صديق عبارة عن معرفة نسبة الموضوع إلى محمولاته، كنسبة زيد إلى الكاتب والشاعر وغيرهما وتلك النسبة رسم ناقص له وهو يفيد حصول صورته في الذهن، وما ه من الا تصور. فالتصديق ينجر وينتهي إلى التصور. فالتصور نتيجة للتصديق متأخر عنهما.
(٢) إذ ليس للجعل أن يعزل ما نصبه الخلق. وإن الصنعة تلميذ الطبيعة، نورها صدق لأ منها. وإن الاختيار متمم الفطرة مانع المانع ولا ينوب عنها. [٭]: (إذ ليس للجعل) حاصله: أن التصور شرط أو جزء للتصديق وهما مقدمان على الكل، والمشروط طبعا وفطرة. فليس للواضع أن يخالف مقتضي الخلقة باختياره عازلًا للفطرة، لأن الاختيار إنما هو ت والمعتلو تلو أستاذه ولا ينوب منابه. وإنما وظيفته دفع الموانع لإكمال الخلقة.
(٣) أي شرط أو جزء، ولا يجوز تقوم الشيء بالنقيضين، أو اشتراطه بنقيضه؛ لأن الت صنف، س جنسا ولا ذاتيًّا للتصورات، بل عَرَضٌ عام كالمصطلحات لأفرادها. [٭]: (أي شرط أو جزء) دفع لما يقال: من أن التصور والتصديق ضدان أو نقيضان، فكيف يكون أحدهما جزءًا أو شرطًا للآخر؟
وحاصل الدفع: أن الشرط أو الجزء للتصديق إنما هو التصور الخاص لا امية ا الذي هو عرض عام. وإنما يلزم ذلك لو كان ذاتيًّا للتصورات.
— 168 —
والنظرِيْ (١) ما احتاج (٢) للتأملِ (٣) وعكسه (٤) هو (٥) الضروريُّ (٦) الجلي
(١) أي منهما، قطة سودراك والدرك بمعنى المدرَك، أي ماصدق عليه في زمان ما. [٭]: (أي منهما) راجع للتصور والتصديق. لا مفسر بما بعده، لأنه غير مذكور.
(بمعنى المدرَك) أول باسم المفعول ليصح احَرّف ولشمول التعريف لما يدرك بعدُ عمم الزمان بقوله (في زمان ما).
(٢) أي بالعموم وإلّا فالإلهام والتعليم والتصفية مِنْ طُرُقِهِ. [٭]: (أي بالعم٧. وإ الدرب الكبير والطريق العام. وإلا فله طرق أخرى كالإلهام والتعليم والتصفية.
(٣) أي استكشاف الرتب متحركًا لتحصيل المادة، مستردفًا لتجريد الذهن ابهها فلات، مستتبعًا لتحديق العقل نحو المعقولات، مستصحبًا لملاحظة المعلوم لتحصيل المجهول، منتهيًا إلى البسائط. ثم متحركًا لتحصيل الصورة، مستصحبًا للتفط لائق لزمًا لترتيب الأمور، مولدًا للمُرَتَّبِيَّةِ الحاصلة بالمصدر. "هیذه الحقيقة مزقها العوام شذرًا مذرًا". [٭]: (أي استكشاف الرتب) حاصله أن للذهن لإحضار الدليل حركتين إحداهما أنه يدور في ساحة المعلومات والمعقولات يبحث عما يناسب لإزدادوادعاه، فإذا وَجَدَ تلك المقدماتِ المناسبة جَمَعها ويختم حركته الأولى للمادة. ثم يعود ثانيًا لتحصيل الصورة، فيضع كلًا من المقدمات في موضعها مراعيا للشرائط، فتتشكل الصورة أيضًا فيتم الدالأعمّصل إلى المطلوب..
(٤) أي لا منطقًا ولا لغة. [٭]: (أي لا منطقا ولا لغة) أي المراد من العكس هنا المعنى العرفي الذي هو عبارة عن الضدية فقوله (عكسهورة.. ده لا العكس المنطقي، الذي هو عبارة عن تبديل الطرفين، ولا اللغوي أي الانتقال من جهة إلى جهة مثل الانعكاس.
(٥) "هو" للجمع و "أل" للمنع أو للبداه بعكس دك العبد.. [٭]: (هو للجمع) أي للإشارة إلى جامعية التعريف، لأن (هو) يدل على حصر المعرف في التعريف (وال للمنع) أي للدلالة على كون التعريف مانعا عن الأغيار لأنه للعهد الخارجي أو للبداهة كما أن (ال) في (ن إن شالعبد) للبداهة..
(٦) أي الذهني لا الخارجي مقابل الإمكان.. [٭]: (أي الذهني) أي البديهي لأنه هو الضد للنظري. أما الخارجي فبمعنى الوجوب الذي هو مقابل و المستمكان..
وما به (١) إلى تصور (٢) وصل (٣) يدعى (٤) بقول شارح (٥) فلنبتهل
(١) هذا قول شارح للقول الشارح:
— 169 —
إن أدخلت في "ما" القاموسُ، وقسم من التقسيمات، وأكالمادةفسيرات، وكل التمثيلات وجميع الأمثلة لم يمتلئ... [٭]: (إن دخلت في ما) يعني أن لِی(ما) بطنا لو أدخل فيه جميع ما ذكر -لكن من قسم التصورات- لم يمتلئ ولم يشبع.
يعني أن كل ما في جوف (ما) مما ذكر تعريفات توصل إلى معرفات..
ما في ااننا تن السببية علة مُعِدَّة حضورًا ومُجَامِعة حصولا.. [٭]: (ما في الباء من السببية) يدل على أن التعريف علة لإحضار المعرف، بحيث لولاه لم يحضر. وبعد الإحضار والحصول، علة مجامعة ومقارنة معه لا تنفك عنه للزوم بينهما.
أي ذاتًا أو صفة أو لازمًا م لأن ا أو مفهومًا بنوعيه، أو مدلولا بأنواعه، أو مرادًا، أو ماهية حقيقية أو اعتبارية أو اصطلاحية مفصلا أو مجملا تاما، أو ناقصا بالعلل أو المعلولات أو بكليهما.. [٭]: (أي ذاتا أو صفة الخ) إن شئلا يرتح هذه الأقسام مع الأمثلة فراجع قبر الأستاذ رضي اللّٰه عنه وأرضاه (وهو في ربوة رفيعة من ربى ولاية إسبارطة مستور مجهول ممنوع عن الناس!!!).
(٢) أي متصورًا بوجه، فإن المجهول المطلق كما يمتنع الحكم عليه يمتنني الدفه...
(٣) مصدره نائب فاعل، ميزانه ومفهومه روح كل محمولاته وجنس عال لها. كما أن المعلوم أب لموضوعاته و "المعلومُ موصِلٌ" أم مسائله... [٭]: (أي مصدره نائب فاعل ميزانه) أي فعل الوصول على أنه من باب التنات باومفهومه) هو الوصول: حاصله: أن التعريف كالأب ملقح للمعرف. أي نافخ لروح الوصول في رحم المعرف. فالتعريف موضوع والمعرف محمول والوصول روح منفوخ منه في رحمه. فكل المسائل دة، بسري (المعلومُ موصِل) أي المعلومات موصلة إلى المجهولات...
(٤) أي الدعاء. هذا آخر صورة انتهت إليها هذه النسبة مناد على اسمية التعريف لإحضار ذات وقول. أي مركب ولو ذهنا. لأن البسائط لا تعرف بل تحدس حدسا.. [٭]: (أي الدعاء) أي مصدرهالتي هء بمعنى النداء أي يسمي وينادي..
(هذا) أي ندائه بالقول الشارح وتسميته به آخر صورة ينجر وينتهي إليها النسبة التضائفية بين العرف والمعرف،حوادث نهما تضايف. أي التسمية إنما تتحقق بعد تمام الوصول لأن الاسم بعد تمام المسمى.. (هذا) مبتدأ (آخر) خبره الأول (مناد) خبره الثاني. أي يدل على أن التعريف اسم لِمَا كان مركبا من ذابنفي ا ولو ذهنا، كالناطق في الحد الناقص. إذ البسيط لا يعرف وإنما يعرف بالحدس أي الانتقال دفعة وفجأة من المعلوم إلى المجهول..
— 170 —
(٥) أي أيهائ مواطئ النشو، ومدارج الاستكمال، ومحلل يرد الشيء إلى أصله. [٭]: أي (مستقرئ) أي التعريف مفتش يبحث عما ينشأ ويحصل عنه المعرف من الأجناس والفصول والخواص والأعر. ولو ذا محلل شارح يردّ المعرف إلى أصله. مثلا: إن من يريد أن يعرف الإنسان يتحرى أولا ما يتركب منه من الأجناس كالجوهر والجسم والجسم النامي والحيوان. ومن الفصول كالقاببرؤيا عاد الثلاثة والنامي والحساس والناطق. ثم يجمعها ساترا لها في بطن الحيوان الناطق فيتولد الإنسان.
وما (١) لتصديق (٢) به (٣) تُوُصِّلا (٤) بحجة (٥) يعرف (٦) عند العقلا (٧)
(١)النبيلموصوفة، أي تصديق، أي لا تصور. لأن النوعين غير متجانسين فلا يتوالدان وإن تلازما...
(٢) كما تضمن اللام "إلى" تضمن "توصل" "تكلف". فالأول متعلق بالثاني، إذ هذا التصديق مدعى. والثاني بالأول، إذ هو نتيجة بب الخل وبالإطلاق أو التخييل أيضًا... [٭]: كما تضمن (اللام) معنى (إلى) أي لأن الوصول يتعدى بإلى (تضمن توصل معنى تكلف) لأن الوصول يحصل بالكلفة فناسب تضمين التوصل. فاللام في (لتصديق) له معنيان: معناه الأصلي، ومعنى (إل ١/٣٥٧الأول) أي إذا نظر إليه بالمعنى الأصلي (متعلق بالثاني) التكلف المتضمن للتوصل (إذ هذا التصديق) أي مدخول اللام (مدعى) وفي إثبات المدعى المجهول كلفة، فناسب تعلقه بالتكلف (ية أيضي) أي اللام بالمعنى الثاني (متعلق بالأول) أي التوصل المتضمن (إذ هو) أي التصديق المدخول للّام (نتيجة بأَوْلٍ) أي سيؤول وسيرجع ويصير نتيجة. وفي نتاجها لا يوجد الكلفة فالمناسب تعلقه بالتوصل لا بالتكلف.
(ة الحيلاق أو التخييل أيضًا)، أي ذلك التصديق المدخول للام لكونه غير مقيد شامل للقسمين. أي ما كان مدعى وما كان نتيجة، وبالتخييل والتقدير أيضًا يمكن الشمول للقسمين.اعتقاد) وبالجزئي على الجزئي، أو الجزئي على الكلي، أو بالكلي على الجزئي. [٭]: (وبالجزئي على الجزئي) أي الوصول قد يكون بالجزئي على الجزئي، مثل: هذا زيد، وزيد ضاحك، فهذا ضاحك (وبالجزئي على الكلي) كما في الحدسيات، كالانتقال من بعضهددهم رات إلى المطلوب الكلي (وبالكلي على الجزئي) مثل:كل إنسان حيوان وكل إنسان كاتب فبعض الحيوان كاتب.
(٤) زاد هنا وجرده في التصور للإشكال في الأشكال، والاشتباك في الدليل. "ومصدر المجرد نائب فاعل المزيد" أي وصولا لازمًا إلى معلوم، أو مظنونٍ لس وحدهدليل أو صورته أو موهومٍ أو متخيَّل أو جهل مركب.. [٭]: (زاد هنا) قائلًا: "توصّل" من المزيد (وجرد هناك) قائلًا: "وصل" من الثلاثي (للإشكال في الأشكال) بكس وقد االأول وفتحه في الثاني. يعني أن الإشكالات الواقعة في الأشكال والضروبِ والقياساتِ أَجبرت على ترجيح المزيد على المجرد إشارة إلى زيادة الكلفة هنا.
: (ومصاني.
جرد نائب فاعل المزيد) يعني أن (توصّل) لكونه بناء المجهول يقتضي نائب الفاعل ولا مفعولَ ينوب منابه لكونه غير متعد فأشار الأستاذ إلى أن مصدر المجرد ذا فقيالوصول" نائب عن فاعله.
فمعنى توصل (وقع الوصول) (أي وصولا) مفعول مطلق نوعي (لازما) صفة للإشارة إلى اللزوم بين الدليل والنتيجة (إلى معلوم) متعلق بالوصول أي نتيجة ذات يقين (أو مظنون) أي من الظنيات (لذات الدليل أو صورته) أي
إنظنية ما وجد في الدليل أو صورته من موجِبات الظن (أو موهوم) أي من الوهميات.
— 171 —
(٥) اعلم!أنها نَسَّابة أنسال الحادثات، وسرّادةُ سلاسلِ مناسبات الكائنات، وتمثالُ مجاري الحياة من جرثوم الحقيقة العظمى إلى الثطلاب ا [٭]: (اعلم أنها نسابة لأنسال.. الخ) الضمير عائد للحجة. (نسابة) صفة مبالغة من النسبة. بمعنى كثير المعرفة بالأنساب. والأنسال جمع نسل بمعنى الذرية. أي الحجة الإلهية كأنها تاريخ جامع للحادثات الكونية وعارف بتالأوسطعضها عن بعض.
(وسرادة سلاسل) أي مركز لاجتماع تلك السلاسل كأنها "سانترال" محل ومرابط لتلك السلاسل.
(٦) مجاز من "يتحد" وهو من "يحمل" وهو من "يحدد" والمعرفة هي كيفية هذه النسبة، إشارة إلى استغناء هذه الدعوى عن الدليل...العشوا) اللام عوض الصفة أي المنطقيين. لا الإضافة لأن "عاقلا" من ذي كذا. [٭]: (اللام) أي الألف واللام في العقلاء (عوض) أي بدل (عن الصفة) أي عقلاء منطقيين (لا الإضافة) أي عقسوا ملمنطق. لأن العاقل ليس باسم فاعل حتى يضاف إلى مفعوله (بل هو مِن ذي كذا) أي من باب ذي كذا. فالمعنى عند ذوي العقول من المنطقيين.
واعلم!إن الكل -كالإنسان مثلا- في حكم مصدره، جزؤه مستتر تحت جزئه أو خلفه كالعين للمفتش والأذن للجاسوس والمين قلمنطقي. [٭]: واعلم (أن الكل كالإنسان) أي المیركب من أجزاء كالعين والأذن وغيرهما إذا وقع (في حكم) أي فعل (مصدره) اسم مكان ضميره عیائد للحكم، مبتدأٌ عكس ال(جزؤه) والضمير راجع للكل. والجملة صفة الحكم مثل (تجسس زيد) فإن التجسس يكون بالأُذن. فالقاعدة في التعبير عن ذلك الحكم والفعل إما استتار الفاعل أي الكل في ذلك الجزء أو إفي أيّلكل إليه بواسطة (ذو) فيقال للشخص المنطقي "عاقل" أَو ذو عقل لأن المنطق يصدر من العقل وللمفتش "عَايِن" أو ذو عين هكذا. وإلى هذا أشار بقوله (مستتر تحته أو خلفه) كالعين للمفتش والأذن للجاسوس والعقل للمنطقي.
— 172 —
أنواع الدلالات الوضتَّت ح دلالة (١) اللفظ (٢) على ما (٣) وافقه (٤) يدعونها (٥) دلالة المطابقة (٦)
(١) هذه هي الثانية من أحوال اللفظ الأربعة التي يقسمها اللفظ واللغة والمنطق والبيان والاستنباط الأصولي من الوضع والدلالة والاستعمال والفهم. [٭]: (التي انقسمها ما أن واللغة الخ) إن قيل: المقسوم أربعة والمقسوم عليه خمسة فكيف يصح التقسيم؟ قلت، نعم، لكن التقسيم أيضًا على أربعة، إذ اللفظ خارج عن المقسوم عليه، إذ الوضع ناظر إلى اللغة والدلالةُ إلى المنطقكل أن تعمالُ للبيان والفهمُ للأصول. لكن لا تظنن أن اللفظ بقي خارجا عن التقسيم، بل هو كالأم لهذه الأربعة، تأخذ من حصة كل واحد، إذ بيده رأس حصة كل منها، حيث يقول اللغوي: وضع اللفظ لهذا المعنى، والمنطقي: دلالة اللفظ على هذا المعني مطابقة وهكذا..المفعمللفظ داخل في حصة كل. وبهذا الاعتبار تأخذ الأم من حصص الأولاد أربعا..
(٢) اعلم!ما أدق حكمة اللّٰه في اللفظ وما أعجب شأنه وما ألطفه، فلا إن الرابط بين مأخذي جنس الإنسان وفصله هو النَفَس ذو الرأسين، الموظف بوظيفتين، صاحب الثمرتين، الموجه إلى القبلتين، المثمِر أسافلُه لنار حياة الحيوان مع تصفية مائها، وتقيد ود أعاليه لحركات نطق الناطق.
فبدخوله إلى عالم الغيب يصفى الدم الملوث بأنقاض الحجيرات المحللة، بسر امتزاج (مولد الحموضة الهوائي بكربونه) بسبب العشق الكيميوي. فإذ يمتزج العنصردرستي د كل جزئين منهما. وإذ يتحدان يتحركان بحركة واحدة. فتبقى الحركة الأخرى معلقة باقية. فبسرِّ "تحوّل الحركة حرارة والحرارة حركة" تنقلب تلك الحركة الباقية المعلقة حرارة غريزية، أعني نار حياإن كنتوان. فبينما يخرج النَفَس من عالم الغيب إلى عالم الشهادة تعبًا إذ يتداخل في المخارج متكيفا بالصوت، والصوتُ يتفرق على المقاطع متحولا حروفًا "أجدى من تفاريق العصا". بينما هي قطعاتُ صوتٍ لا حَراك لها. إذ صارت أجسامًا لطيفة عجيبة النقوشلومًا ةَ الأشكال، حاملةً للأغراض والمقاصد، تتطاير مترنمة من أوكارها، مرسلة إلى ما قَدر لها صانعُها الحكيم سفراء بين العقول. فاللفظ زبد الفكر، صورة التاللغاتقاء التأمل، رمز الذهن. فبسبب الخفة والتعاقب وقلة المؤونة وعدم المزاحمة وعدم القرار ترجّح اللفظ لهذه النعمة العظمى: فما أجهل من يكذب أو يسرف بقيمة هأيمكن عمة!.
— 173 —
(٣) "أي المفرد" لأن دلالة المركب على جزء معناه مطابقة. واللفظ أمارة ورمز على ما في الذهن على مذهبٍ، وعلى ما في الخارج على مذهب.. [٭]: (أي المفرد) لأن اللام في اللفظ للعهد والإشارة إلى المفلم يقبا يرد على حصر التقسيم وجمعِه دلالةُ المركب على جزئه مطابقة على ما سيجيء، فلا تبقى خارجة عن التقسيم وعن أقسام الدلالة، لأن المقصود من الوضع في الدلالة المطابقية ون مالعَ اللفظ لعين المعنى بل ما كان للوضع فيه مدخل..
(٤) أي مقدار قامات المعاني.. لا يشتكى قصر منها ولا طول. [٭]: (أي مقدار قامات) اقتباس من شعر على ال:
وألفاظ رقاق النسج قدت على مقدار قامات المعاني
(٥) فيه ما مر في "يدعى" فإن نسبة الحكم لها صور متفاوتة واستحالات متسلسلة. [٭]: (فإن نسبة الحكم) نعم، إن دلالة اللفظ على المعنى لها صور وعنوانات متخالفة كالتطابق والتضمن والالي وضعهوانقلابات متسلسلة بتبدل المواضع والتراكيب. مثلا: إن الناطق يكون تارة مدلولًا تضمنيًا وتارة التزاميًا وهكذا..
(٦) وإن قارنها دلالة التضمن والالتزام بتسليم بقاء الضعيف مع القوي، ووجود الدلالة بدون الإرادة؛ لأنم عن اية مرادة في "مقول الإضافة" بسر أن الحكم على المشتق وما في معناه يدل على التقييد... [٭]: (لأن الحيثية مرادة) علة لمقدر: كأنه قيل: بعدَ تسليم المقارنة والبقاءِ لا يصح ولا يخص التسمية بالما ماهيفأجاب: بأن الحيثية مرادة والمجوز لإرادتها ترتبُ الحكم على المشتق كما هنا، أي من حيث وافقه..
وجزئه (١) تضمنًا (٢) وما (٣) لزم فهو التزام إن بعقل (٤) اا أردت٥)
(١) بمقدمتين: نقلية وعقلية. ببقية إرادة واحدة، لا مستقلة. وإلّا فمطابقة مجاز أو حقيقة قاصرة. ولا بإرادة مشتركة وإلّا فمجاز وحقيقة. وبالدخول فعة الغبِ ما هو"، لا الوقوع في "طريق ما هو". فما ذكر عند المنطقيين وإلّا فمطلق. [٭]: (بمقدمتين) أي دلالة اللفظ على جزء المعنى ثابتة بمقدمتين نقلا وعقلا. أما نقلا: فلأن دلالة اللفظ على جزء المعنىة التفمهجورة، بل هي ثابتة عند العلماء ومعتبرة في الأحكام. وأما عقلا: فلأن وجود المركب إنما هو بوجود الأجزاء ولولاها لم يوجد، فاستلزامه لها ودلالته عليها ضرورية.
(وبالدخول في جواب ما هو) عطف على (ببقية) أشار به إلى لزوم تصور ذلك الجزء بالالباطلوإلّا لم تكف الدلالة تضمنا. وإنما يعلم ذلك التصور بصلاحية ذلك الجزء للدخول في جواب ما هو، لأن تعبير الدخول خاص بالأجزاء، والوقوع عام، فالحيثية مرادة. أي من حيث هو جزء. وإلى هذا أشار بقوله (لا الوقوع في طريق).
— 174 —
(٢) ا، حتىلالتزام مصدران جعليان مشتقان من الدلالة التضمنية والالتزامية. [٭]: (وهذا) أي التضمن (والالتزام مصدران) توجيه لما يقال: من أن التسمية بالتضمن والالتزام ليست بتين، اإذ لا يجوز حملهما على الدلالة.
وجه التوجيه: أنهما مصدران جعليان أي مشتقان أي مشقوقان أي متغيران أي محرفان من التضمنية والالتزامية. مثل "شَمُو مم ناشئالدين".
(٣) أي خارج، وإلّا تَدَاخَلَ القِسمان. [٭]: (أي خارج) ليخرج الداخل من شمولِ (ما) (وإلّا تداخل القسمان) أي التضمن والالتزام لأن الجزء الداخل لازم.
(٤) أي عقليًا بيّنا أخصَّ عند المنطقي. وإلّا فسوالأعم يًا أو عاديًا أو عرفيًا أو شرعيًا أو اصطلاحيًا أو دائمًا أو مؤقتًا لكلمة أو كلام أو قصة. أو اللازم لتصور أو تصديق أو تخييل أو معنى من المعاني الحرفية التي لا وطن لها، تبعيا أو قصديا. [٭]: (أي عقليا بَيِّنًا) هذه الأقسام المذكورقاني ،ساوية عند غير المنطقي، إيضاحها بالأمثلة ليس في وسعِ (عبدالمجيد) الآن بل مدفون مع الأستاذ!.
(٥) أي وإن كان ضدًا، إذ كثيرًا ما يكون أقربُ الأشياء إلى الشيء خطورًا ضدُّه، لاسيما إذا انضاف إلى الضدية الإضافيةُ. حتى قيل: إن النقيض نظير نقيضه. [٭]: (حتى قيل: إن النقيض نظير نقيضه) كالنور والظلمة، والليل والنهار، فإن تصور كلٍ يخطر الآخرَ بالبال.
فصل في مباحث الألفاظ
مستعمل (١) الألفاظ حيث يوجدُ إما مركب (٢) وإما مفرد (٣)
(١) مُسَوِّرُ كليةِليبها.لقضية الاستغراقُ المكسوب من المضاف إليه، لوصفية المضاف. لأنه حملية. والسور "حيث" من حيث أنها شبيهة المنفصلة. [٭]: (مسور كلية هذه القضية) حاصله: أن تشكل هذا التقسيم في شكل قضية حملية كلية شبيهة بالمنفصلة. موضوعها (مستعمل)، محمولها المردد بيحقيقةو أو.
كليتها لمحافظة حصر التقسيم وجمعه. إذ لولاها لم يكن جامعا للأقسام.
وسُورُها الاستغراق المستفاد من اللام في المضاف إليه، إذ لا يكتسب الاستغراقَ من الموضوع المضاف لأنه وصف لا أفأدّيا لذاته.
وشبهها بالمنفصلة في كون التردد بين جزئي المحمول لا بين قضيتين. ثم إن محمول هذه القضية الحملية لكونه كالمنفصلة لابد أن يكون كلية مسورة كالحملية أيضًا محافظة لحصر التقسيم لكن الاستغراق في تختاليات باعتبار الأزمان والأوضاع. وسُورُ هذه المنفصلة (حيث) فمعنى تلك القضية: كل لفظ مستعمل في كل زمان وعلى كل وضع إما مفرد أو مركب.
— 175 —
(٢) المركبمثلا: ب مع "مع" مفرد ومع "من" مركب من... [٭]: (المركب المركب مع مع مفرد) لأن واحدا من جزئَيِ المركب وقع بعد مع، ولم يبق فيه إلا جزء واحد فهو قبل ذِكر ما وقع بعد "مع"سائل. (والمركب مع من مركب من..) لأن "مِنْ" بيان وتفسير لما قبله، فلو لم يلاحظ الجزآن في المركب قبل ذِكر (مِنْ) يبقى المفسر بلا مفسر. فقبل ذكر (من) يلاحظ الجزان فيه البتة، فهو مركب من أيّ (من) أجزائه.
(٣) أي مع عد. وإنبار الغير لا اعتبار عدم الغير. أخّره مع تقدمه لأن ما فيه من العدم حادث لا أصلي. إذ وضع الألفاظ لا ليفيد معانيها لتعينها أولًا، بل ليفيد ما يعرضها بالتركيب. فالمركب مقدم. أرض.
دلائل الإعجاز. [٭]: (أي مع عدم اعتبار الغير) أي وارداته. سواء كان الغير موجودا أو لا ليدخل عبد المجيد عَلَمًا (لا اعتبار عدم الغير) إذ حينئذ يخرج هذا الفقير عن التع بنسبةخّره مع تقدمه) أي على المركب لأنه جزؤه (لأن ما فيه من العدم حادث) لأن وجود عدم وجود دلالة الجزء في مفهوم المفرد، إنما وجد بعد وجودها في شيء آخر، أعني المركب. مع أن الوجودي مقدم على السلبي والأصلي على الحادث.
فأول (١) ما (٢) دل (٣) جزئمي" ينعلى (٥)
جزء (٦) لمعناه (٧) بعكس (٨) ما تلا
(١) من ديدنهم ترديف التقسيم القطعي بالعقلي للإثبات [٭]: (التقسيم القطعي بالعقلي) أي من عادة العلماء أنهم بعد التقسيم القطعي أي الثابت ثبوته في الواقع، يقسمون سم اللي أيضًا للإثبات. أي ليحصل الثبوت في الذهن أيضًا..
(٢) أي لفظ [٭]: (أي لفظ) جنس، وباقي القيود فصل، فغيره ليس بمفرد ولا مركب كالإِشارات..
(٣) أي وأريدت [٭]: (أي وأُريدت) أي إن دلت ولم تُرَدْ فمفرد كالبالمصدالناطق عَلَمَا..
(٤) أي المرتب في السمع [٭]: (أي المرتب في السمع) فالفعل الدال بمادته على الحدث وبهيئته على الزمان مفرد لا مركب...وم [٭٥) أي بالذات [٭]: (أي بالذات) فالدال بالواسطة ليس مركبا، كالإنسان الدال على قابل العلم بواسطة اللزوم.
(٦) أي له وقع [٭]: (ليس له وقع) أي تأثير وفائدة فلا ع هو نصرادة دلالة (زاء زيد) على يده مثلا..
— 176 —
(٧) أي المعنيّ [٭]: (أي المعنىّ) كعبد المجيد فان مدلول جزئه ليس جزءًا للمعنى المقصود إذا كان علما فليس مركبا..
(٨) أي نقيضه... [٭]: (أي نقيضه) أي لأن (دلّ) نقيض (ماِلمَكَالمفرد والمركب نقيضان مفهوما...
اعلمأن لمفهوم المركب فردًا فردًا هو وجود جميع الأجزاء. وللمفرد أفرادًا بعدد عدم الأعم. فالأخص، ثم الأخص إلى عدم الإرادة. وأخص الكل الأعم، إذ عدم الأخص أعم، فيعم أحدًا وثلاثين عقلا وستة واقعًا. [٭]د الميم أن لمفهوم الخ) حاصله: أن للمركب فردًا فردًا أي أجزاءً يحصل ويتشكل المركب باجتماعها فقط. وللمفرد أفرادًا أي جزئيات وأقساما حاصلة من نفي كل واحد من القيود المذكورة المشروطة لتشكل المركب. فبانعدام كل قيد مع بقاء الآخر فرضا يحصل للحالة اسم عقلا. فإذا ضربنا القيود المنفية في المفرد في الستة المشروطة الموجودة في المركب -المذكورة آنفا- يحصل للمفرد ستة وثلاثون قسما عقلا. ولكن اوع النلأول -أعني اللفظ- خارج عن الضرب لكونه مقسما للمفرد والمركب. فيبقى أحد وثلاثون قسما. هذا عقلي. وأما الخارجي فستة: وإلى هذا أشار بقوله (بعدد عدم الأعم..الخ). نعم، بناء على أن كل قيد ذي قيد أخص من]: وال، كالإنسان الكاتب مع الإِنسان..
والحاصل: أنه كلما تزايد القيود تخصص. يعني يكون الثاني أخص من الأول، والثالث من الثاني، والرابع من الثالث، والخامس من الرابع، والسادس من الخامس. فالأخص من الكل الثالث؛ إذ لا أخص تحته. وهو مع كونه أمثل بال؛ بهذا الاعتبار يكون أعم الكل إذ لا أخص تحته فهو مطلق والمطلق أعم من المقيد...
وهو على (١) قسمين أعني (٢) المفردا (٣) كلي (٤) أو جزئي (٥) حيث وجدا
(١) "على" حاملة بی"إلى" ظرفان لغوان. أي ينقسم إلى قسمين عامة لواقفًا عليهما... [٭]: (على حاملة بی"إلى"). نعم، إن مجرور (على) أي (القسمين) بمادته وجوهره يقتضي تقدير (ينقسم) وهو إنما يتعدى بی "إلى" وبتثنيته المفيدة للحصر، إذ لا ثالث لهما يقتضي تقديرَ (ينحصر) أو ما يقوم مقامه. ففي بطن (على في غي).
(لغوان) أي سواء كان (على) أو (إلى) فهما ظرفان لغوان لا ظرف مستقر لتعلقهما بالأفعال الخاصة.
(٢) كما أن "أي" للمطابقي و "المراد" للالتزامي -كذلك "أعني" وما يرادفه للتضمني. إذ المذكور مركب. [٭]: (كما أن أي). حاصله: أن المعنى المجهوجودُ كان المعنى الموضوع له يفسر بی (أي) وان كان جزؤه فبی (عنى) وان كان لازمه فبی (المراد)..
اختار الناظم التفسير بی (أعني) إشارة إلى أن الضمير في أول البيت أي في قوله (وهوتزام، سمين) راجع إلى المذكور. وفيه المفرد والمركب. فلفظ (المذكور) المراد مركب والمفرد من أجزائه. فاختيار الناظم التفسير بأعني مناسب في موضعه. وإِلى هذا أشالتصفيستاذ بقوله (إذ المذكور مركب) يعنى أن ضمير (هو) راجع إلى المذكور وهو مركب من المفرد والمركب...
— 177 —
(٣) لا مقابل المضاف والجملة والنسبة.
(٤) منسوب إلى كله الذي هو جزئيه. [٭]: (منسوب إلى كله الذي هو جزئيه) الضميرالشاعروب؛ لأن الجزئي عبارة عن الكلي والتشخصاتِ، فالكلي جزء للجزئي والجزئي كل للكلي، فالنسبة بينهما من قبيل نسبة الجزء إلى الكل..
(٥) منسوب إلى جزئه الذي هو كله. فالناقص زائد والزائد ناقص. [٭]: (منسوب إلى في الجلذي هو كله) لأن الكلي داخل في حقيقة الجزئي، فالنسبة بينهما من قبيل نسبة الكل إلى جزئه. فالجزئي كل والكلي جزء.
(فالناقص) أي الجزء المنسوب إليه الناقص بعدد حروفه من المنسوب (زاملحة" ى المنسوب باعتبار كليته وشموله للغير. وكذا إن الزائد أي المنسوب الكثير الحروف من المنسوب إليه (ناقص) باعتبار تشخصه وعدم شموله للغير.
فمفهمُا -إن كٍ (١) الكليُّ كأسد (٢) وعكسُه (٣) الجزئي (٤)
(١) اعلمأن هذا الاشتراك اشتراك تمثيلي واتحاد وهمي، إذ الاشتراك والاتحاد بِكِلَيْ معنييهما غير متصوَّر هنا، بل المراد تطابق النسب، كتساوي نقط المحيط لنقطة المركزبالاتحهبت إحداها إليها كانت إياها وبالعكس، أعني أن الكلي لو خرج بالفرض من عالمه ودخل بابَ إحدى جزئياته -فبسر عدم العبثية- يفنى هو ويبقى ما في الجزئي من ظله فيُتوهَّم الاتحاد.. وك، وإن تطاير بالفرض متصاعدًا إحدى جزئياته من عالمها إلى مقام الكلى، فبالوصول إلى بابه يناديها: "أنا زعيمكم هنا كما أنتم نوابي في مملكتكم". ثم ينطفي. فيتوهم الاشتراك،ز يمينمتنعًا. إذ الفرض ممكن.. [٭]: (اعلم أن هذا الاشتراك) حاصله: أن الكلي ظل ذهني للجزئيات الخارجية وهي مثالات له. فالنسبة بينهما كنسبة نقطة المركز إلى نقضائه هيط. لكن إن ارتفع الجزئي من الخارج ودخل الذهن تنطفي تشخصاته وتنسلب عنه فيكون كليا. وكذا إن سقط الكلي ووقع في الخارج ينضم إليه التشخصات فيصير جزئيا.
ففي المنزلتين لا يُرى إلا واحد منهما فيتوهم بينهما الاط. وفيوالاتحاد..
(٢) أي من المبادئ التصورية. أي رسم ناقص ليطمئن قلوب الحواس لحكم العقل فيقرأوا ما في المثال من آيته.. [٭]: (أي من المبادي) أي قسم من القول الشارح لأنه مثال والأمثلء مذهب ناقصة...
— 178 —
(٣) أي لا يشترك بالإمكان اشتراكَ الوجود الظلي، لوجوداته الأصلية، الممثَّل عكسُه بتخييل نقطة المركز مصباحا ونقاط المحيط زجاجات.. [٭]: (أي لا يشترك بالإمكان.. الخ) أظن أنًا، كألقضية موجهة (والجهة) الإمكان و(لا) نافية لها و (اشتراك) منصوب إما بنزع الخافض -أي كاشتراك- أو على أنه مفعول مطلق نوعي. حاصله: أن الجزئي لا يمكن أن يشترك ذلك النوع من الاشتراك كماأجزاء ي الكلي إذ لاوجود له ظليا لوجودات في الذهن أصلية في الخارج، بل الخارج مركز لوجوده الأصلي، وهو مصباح في الخارج يرى في زجاجات الأذهان عكس الكلي...
س:- ما الفرق بين الجزئي والكلي في فرض الأفريقدمه تفرض للكلي لا للجزئي؟
فأجاب المرحوم: بأن الفرض ممكن في الكلي ممتنع في الجزئي. مثلا: إن (اللّٰه) علم للذات لا يحد، إذ لا جنس له ولا فصل فليس له مفهوم حتى يفرض له الأفراد باعتبار المفهوم. فالفرض فيه ممتنع.
وأما فرض الأفراد للجزئي الكلي في والزمئي كلي) فهو فرض ممكن؛ إذ له حدّ. وفي حده جنس وفي جنسه عموم. فله مفهوم عام يمكن فرض قوله على كثيرين لا وجود لها.
(كما أن الفعل اسم) دفعٌ لما يقال: من أن الجزئي والكلي ضدان كيوا إلى أحدهما على الآخر.. وجه الدفع: إنّ حمل الكلي هنا ليس على الجزئي الفردي الخارجي، بل على مفهومه. وهو أيضًا كلي من الكليات لكن من المعقولات الأولى. والكلي المحمول عليه في المثال من المعقولات الثاني١٩٢. إشكال. كما لا إشكال في حمل الاسم على الفعل؛ لأن الاسم محمول على لفظ الفعل وهو اسم من الاسماء (كالاسم).
(٤) كی (اللّٰه) جل جلاله: والجزئي كلي كما أن الفعل اسم. وافترق الجزئي والكلي الفرضي، بأن الأول فرض ممتنع والثانيية التمكن..
فأولًا (١) للذات إن (٢) فيها (٣) اندرج (٤)
فانسبه (٥) أو (٦) لعارض (٧) إذا (٨) خرج (٩)
(١) أي الأولى" "أولا" إذ لا ثاني هنا، لأن الجزئي كما لا ينضبط أحوالًا لا يفيدنا كمالًا حكميًتملكتُات" كذات "يدك وأنائك" فإن الماهية مظروفة الوجود. والذات هي مع إضافة الوجود. والحقيقة هي بشرط الوجود. والهوية هي مع الوجود... [٭]: أي الأولى (أولا) يعني: أن صنيع الناظم في هذه العبارة حيث اختار (أولا) على (الأول) فذكرُة.
ترك هذا أحسن وأسلم. لأن لفظ الأول والثاني من الأضداد ومن المتضايفات، ذكر أحدهما يخيل الآخر. فلو ذكر الناظم لفظ الأول لبقي السامع -بحكم التضايف الضدي- منتظرًا إلى أن يذكر (الثاني). ولا (ثاني) هنا لأن أحوال الجزئي لا تنضبطَه والائدة لنا فيها. كذلك أحكامه لا تفيد كمالا ولا فائدة، حتى يلزم ذكرها فيحتاج إلى ترديف (الأول) (بالثاني)، فاختار (أولا) تخليصًا للسامع عن الانتظار لأن المفهوم من (أولا) الابتدائيةُ لا أول الأ ناشئ (للذات) (كذات يدك وأنائك). أشار بهذين المثالين إلى أن (الذات) ينسب إليه أجزاء الماهية كالجنس : وتمامها كالنوع. وأن الذات كما يطلق على الكل يطلق سفل ساجزء أيضًا. فاليد في المثال الأول لكونه جزءًا لتمام ذي اليد مثال للجنس الذي هو جزء الماهية. ومرجع (أنا) الذي هو تمام ذي اليد مثال للنوع الذي هو تمام الماهية. (وأشامخة مركب إضافي على لغة "الأكراد" من ضميري المتكلم والمخاطب. عطف على (يدك) والمعنى أي كذاتك الذي تعبر عنه بی "أنا" فمرجع "أنا" تمام جسد ذي اليد واليد جزؤه.
يُحكم الماهية.. الخ) حاصله: أن الهوية والحقيقة والذات أعيان للماهية انقسمت هي إليها باختلاف الاعتبارات والحيثيات، إذ الوجود لو اعتبر مع الماهية أي شطرًا فهوية. ولو اعتبر شرطا فحقيقة، ولو اعتبر مع الإضافة فذات، لكن المضاف إليه غير داخل..ه الرس
(٢) فالتشكيك لخفاء الذاتية عكس العروض.
(٣) أي في تفصيلها ذهنًا، للزوم الاتحاد في الخارج للحمل. واختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات. أو في الخارج مأخذها. وقيل متعددة فأخبار حة الحمل للالتحام... [٭]: (أي في تفصيلها) أي تحليل الماهية إلى أجزائها. وإنما ذلك في الذهن، ولولا الاتحاد في الخارج لما جاز الحمل بينهما.
الجنس لاف العبارات) كالاندماج والدخول وعدم الخروج (باختلاف الاعتبارات) ومن الاعتبارات مراعاة النظم والوزن..
(٤) أي لم يخرج.. [٭]: (أي لم يخرج) سواء كان جون علىاهية أو تمامها ليشمل النوع...
(٥) أي سمه ذاتيًّا. ولا يلزم شمول وجه النسبة -مناسبة التسمية- لكل الأفراد.. [٭]: (ولا يلزم شمول وجهطُبعت ة) فلا بأس لخروج النوع من وجهها..
(٦) للتقسيم لا للتخيير الذي يفيده الإنشاء فإنه إخبار.. [٭]: (فإنه إخبار) إذ التقسيم واقع في الأزمنة الخالية. لكن الناظم أراد أن يخبر ويحكي عن ذلك الخبر بلفظ الإنشاء.
(٧) عَدَلَ عن عرض، إشارةً إلىا. زد .. [٭]: (إشارة إلى الحمل) إذ العرض لا يحمل بل المحمول العارض.. وفيه ما فيه.. تأمل!.
(٨) للظهور بالنسبة.. [٭]: (للظهور بالنسبة) أي ذكر أوّلا (إبالذاتدال على الشك. وهنا (إذا) الدال على القطع إشارةً إلى أن كون التسمية بالعارض أظهرُ من التسمية بالذاتي في الجملة..
(٩) فالنوع كالفصل خلسلفُ جنس وعارضه كما في المناسبات... [٭]: (فالنوع كالفصل) أي فعلى هذا لا يكون النوع ذاتيًا، بل يكون خاصة للجنس وعارضه، أي غير شامل كما أن الفصل كذلك كما سيس، لصد
— 180 —
والكليات (١) خمسة (٢) دون انتقاص
جنس (٣) وفصل (٤) عرض (٥) نوع (٦) وخاص (٧)
(١) في التعريف استعظام. هي كأخواتها بينما هن معقولات ثانية، حرفية المعاني. وتبعيتها مرايا لل جميع ت الأولى؛ إذ صارت طبائع اسمية يتطاير من جوانبها ما يتوضع عليها، ويخرج ما كانت لابسة له، ويتولد منها من يدعى أنه أب لأبيه كما أن الكلي نوع الجنس الذي هو نوع الكلي وقس.. [٭]: المتصتعريف استعظام) أي العظمة والحشمة تترشح من إيرادها بالجماعة (حرفية المعاني) أي مدلولاتها كمدلول الحرف غير مستقلة (وتبعيتها) أي تبعية المعاني أي معانيها تابعة وآله للغير (إذ) فجائية (اسمية) أي حقائق مستقطلقًا اسم (يخرج ما كانت لابسة له) أولًا من العنوان الأول وتتزيا بعنوان آخر (يتولد منها الخ) مثلًا: إن الكلي بعدما كان نوعًا للجنس وابنًا له ولابسًا لعنوان النوعية إذ يخرج ملقلوب العنوان ويتلبس بعنوان الكلية ويصير أبا لمن كان أبًا له...
(٢) أي أنتج أربعة تقسيمات، خمسة أقسام متقابلة إن اتحد المنسوب إليه. فإن تعدد فقد تجتمع في واحد وقد تكان تا نوع كالنوع الإضافي. [٭]: (إن اتحد المنسوب إليه) أي إن لوحظ الكلي حين الانقسام باعتبار المفهوم فلاشك يكون الأقسام متقابلة (وإن تعدد) أي لوحظ الكلي في ضمن الأفراد (فقد تجتمع) الخمسة (في واحد) فلا تقاري ميزها كالملون فإنه جنس للأسود والأبيض. ونوع للمكيف. وفصل للكثيف. وخاصة للجسم. وعرض عام للحيوان. (وقد تتحد) أي بعضها (في نوع كالنوع الإضافي) كالحيوان فإنه جنس لما تحته ونوع لما فوقه..
(٣) أي الذاتي ن يكونبسيطًا أو مركبًا. [٭]: (أي الذاتي الأعم) هو الجنس العالي كالجوهر والجسم المطلق..
(٤) أي الذاتي المميز قريبا أو بعيدًا. [٭]: (أي الذاتي المميز) أي الفصل القريب والبعيد...
(٥) أء، ولارج العام مطلقا أو مقيدًا. [٭]: (أي الخارج العام) هو العرض المطلق عن اللزوم أو المقيد به.
(٦) أي الجواب التام حقيقًا أو إضافيًا. [٭]: (أي الجواب التام) هو النوع عبر عنه بهذا لأنه جواب تامإثبات "ما هو". أما الجنس -ولو يقال في جواب ما هو- لكنه جواب ناقص...
(٧) أي الخارج المميز للجنس أو النوع..
— 181 —
اعلمأن بينها مشاركات مثنى وثلاث ورباع وخماس، ومباينات ومناسباأنوا و الجنس عرضًا عامًا للفصل والفصل.. خاصة للجنس.. والنوع خاصتها..
ثم أعلمأن هذه المصطلحات لها -كأمثالها- حقائقُ اعتبارية لا وجود لأفرادها وإنما مناط الحكم النقط التي تتسنبل عليها حدودها...
وأول (١) ثلاثة بلا شطط جنس قريب (٢)معلوم)يد (٣) أو وسط (٤)
(١) أي الأول أولى. وأوليته هنا لأنه أول في التعريف لأنه جزء المادة الأعرف لأنه أعم ولأوليته في الوجود لأنه كالمادة كالهيولى... [٭]: (أي اأي: خدولى) أما أولويته فلأن (أول) نكرة لا تكون مبتدأ إلا أن يكون تنوينه عوضًا عن (ها). وأما أوليته فلأنه في التعريف أول، لأنه عبارة عن جزأين أولهما الجنس لأنه الأعم.
(٢) أي يكون فذلكةَ سلسلةِ انضمتاس والفصول غير الفصل القريب... [٭]: (أي يكون فذلكة) أي خلاصة تحتوى على ما فوقه من الأجناس والفصول غير الفصل القريب، لأنه تحته فلا يكون آخذا له في مفهومه..
(٣) أي المب والاسسيط للسلسلة وهي العشرة المشهورة التي هي أوادم الموجودات. [٭]: (أي المبدأ البسيط) أي غير المركب من الجنس والفصل إِذ لا حدّ له (للسلسلة) أي بالإرالموجودات التي هي عبارة عن عشرة أصول تتدلى جهتها الأعلى من الجوهر والجسم المطلق والجسم النامي والحيوان والإنسان. فهذه خمسة ولو عد معها فصولها أعني النا الرساحساس والنامي وقابل الأبعاد الثلاثة لكانت تسعة. ولو زيد عليها الصنف لتمت عشرة كاملة. وهذه الأصول منشأ المخلوقات كما أن آدم أصل لذوى الحياة...
(٤) أي كما أنه جنس نوع.كل منها النوع كالجنس. [٭]: (نوع) أي إضافي بالنسبة إلى ما فوقه (وأيضًا النوع) أي الإضافي بالنظر إلى ما تحته...
فصل في نسبة الألفاظ للمعاني
ونسبة (١) الألفاظ (٢) للمعاني (٣) خمسة (٤) أقسام (٥) بلا نقصان
(١) اعلم أن اللسان كالإِنسان بالتعموارًا وتحول أطوارًا وترقى أعصارًا. فإن نظرت الآن إلى ما تبطن "الآن" من أطلالِ وأنقاضِ اللسان التي تفتت في سيل الزمان لرأيت منها تاريخ حياة اللسان ومنشأه. فالدور الذي ائيًا-لسان إلى الوجود، إنما هو دور حبات الحروف الضعيفة الانعقادِ، المغمورة في الأصوات، الدال أكثرُها بطبيعة المحاكاة. ثم بتلخص المعاني
— 182 —
ارتقى إلى الهجاء. ثممة. [ الأغراض تدرج إلى التركيبي "ولها آيات في الشرق". ثم بتشعب المقاصد تصاعد إلى التصريفي. ثم بامتزاج الحسيات الرقيقة والأغراض اللطيفة تعارج إلى النحوي، وهو العربي الذي أخصر الاختصارات، الموجز المطن
وعصير الطويل. ثم بسر قلب المجاز بالاستمرار حقيقةً تَوَلَّد الاشتراكُ. وبحكمة نسيان المناسبة وانقلاب الصفة بالجمود تَوَلَّدَ الترادفُ.. وقس.. فالتناسب نتيجة التناسل...
(٢) أي اللفظ مع اللفظ واللفظ مع المععليها معنى مع الفرد... [٭]: (أي اللفظ مع اللفظ الخ) حاصله: أن الأقسام الخمسة الآتية حاصلة من نسبتين: إحداهما: نسبة اللفظ إلى اللفظ، يحصل من هذا الترادفُ والتشكك. والأخرى: نسبة اللفظ إلى المعنى، يحصل من هذا التوَهم الالاشتراك والتخالف. لكن الناظم احتبك في العبارة؛ بأنْ حَذَف من الأولى آخرها ومن الثانية أولها. وتقدير العبارة هكذا: ونسبة الألفاظ للألفاظ ونسبة الألفاظ للمعاني. فتَرَكَ من الأول ل منا ومن الثاني أوله.
(والمعنى مع الفرد) أي نسبة المعنى المطابقي إلى جزئه أو لازمه. يحصل من هذا قسمان آخران: التباغض والتلازم. تَرَكَ الناظم هذا لسبقه في الدلالانت مر (٣) والفرد معنى. فيه احتباك: "ذكر في كلٍ ما ترك في كلٍ".. [٭]: (والفرد معنى) أي جزء المعنى المطابقي أو لازمه من المعاني. فنسبته إلى أحدهما من نسبة المعنلًا ساالمعنى...
(٤) أي باندراج التساوي في الترادف. والنقل والمجاز في الاشتراك. [٭]: (أي باندراج التساوي الخ) وإلّا يكون الأقسام سبعة والتقسيمات المنتجة لها أيضًا سبعة...
بدلت ي الخمسة نتيجة خمسة، أو سبعة تقسيمات بالقياس المقسم.
تواطؤ (١) تشكك (٢) تَخَالُفٌ (٣) والاشتراك (٤) عكسه (٥) الترادف (٦)
(١) أي تساوى الحصص ذاتا، وإن تفاوتت كم.
مانكشافًا، إذ قانون تولد الاتحاد والامتزاج من الاختلاف تحكم. وكم من مترجم عن تأثره يئن قائلا:
وطالما كنا كغصنَيْ بانٍ لكن نما وزدت في النقًا على ألم تر: نواتين توأمين إذ سعت "تا" انكشفت نخلة، وإن عصت "تي" انكمشت نخرة... [٭]: (أي تساوى الحصص) أي المراد من التواطؤ تساوي الأفراد ذاتا ومفهوما لقد خُصدا في الكمال والانكشاف، لأن الاتحاد لا يمكن في الأفراد المتخالفة: (ألا ترى) الشاعر كيف يئن ويتأوه من نقصه وترقي رفيقه مع : أنهما من نوع واحد.
وانظر إلى النواتات يكون بعضها نخلة وبعضها نخرة مع أن الأصل واحد.الملك اطؤ في الذات فقط. -كالبياض للثلج- إذ لا يفرق بين ماهيته وهويته وذاته وصفته ومفهومه وأفراده فيقع التشكك في حمل البياض على الثلج إما على مفهومه أو على أفراده...
#183ه لقوي) أي التشكك مشكل بين المشتركين
اعلمأن التشكك مع امتناعه قد يتوهم فيما لبس نفسه، وألبست ماهيته هويته، ولابست ذاته صفته اسمًا ورسمًا كالبياض للثلج والعاج. وأما وجود الواجب والممكن فلا يتبرز إ إلا في العرض العام الذي هو الوجود الغير الذاتي للموجودات...
(٣) فيدخل غير التغاير من التقابل والتضاد والتناقض والتضايف والتنافي والتباين وعدم الملكة...
(٤)ولُ المتولد في الأكثر بالاستمرار أو بتناسي سر التشبيه: ألم تر لو تخيلتَ وجهَ السماء جبهة ونصف وجه أفطس أعور أو أرمد لرأيت الشمس عينه الباصرة المبصرة.ذا إلّهمت السماء أرضا أو طودًا مظلين لأبصرت الشمس عينهما الجارية بماء الحياة وهو الضياء، وقس... [٭]: فإن لفظ العين في تلك العبارة مشترك بين الجارية والباصرة قد نُسي علاقة التشبيه بين الجارية والباصرة فصار حقيم الحك
(٥) أي عكس عكسه المنعكس منتكسا أي "ذا" يتشعب عروقا و "هذا" فروعًا. [٭]: (أي عكس عكسه المنعكس منتكسا الخ) إذ في الاشتراك اللفظُ واحد والمعنى متعدد. وفي الترادف بالعكس. فالترادف بالصعود من جهة المعنى إلى اللفظ يتفرع.جهلُهمتراك بالنكوس والتسفل من اللفظ إلى المعنى يتعرق...
(٦) أي التساوي أمه. فكم من مشتق يتجمد.. [٭]: (والتساوي أمه) أي الترادف قسم من التساوي ومتولد منه فكيف جعل بالضرخر؟
فأجاب: (فكم من مشتق يتجمد) أي يصير جامدًا ويخرج عن الوصفية وينفرد عن أبيه وأمه مستقلا برأسه...
واللفظ (١) إما (٣) طلب (٢) أو خبر (٤) وأول ثلاثة (٥) ستذكر (٦)
(١) أي ذو النسبة التاشري بس٭]: (أي ذو النسبة التامة) لأن الأقسام من المركبات التامة لا من المفردات ولا من التركيبات الناقصة...
— 184 —
(٢) اعلم أن ابن آدم لَمحتاج في تنظيم أطنابه الممتدة إلى الكائنات وإصلاح روابطه المنتشرة إليها إلى إنشائيات تسد حاجاته الفطرية؛ فلتالفعل"هوسه "يتمنى"، ولتسكين حرصه "يترجى"، ولتربية ميل الاستكمال فيه "يستفهم"، ولميل الاحتياج إلى التعاون "ينادي"، ولإظهار ارتباطه بالحق "يُقْسِم"، ولتأمين مَيل ه سبحان "يأمر"، ولتوطين نفرة المَساوي "ينهى"، ولسد الحاجات بتوسع المجال "يحل ويعقد"، وقس.. ثم لخاطر ميل جولان الروح في الأزمنة والأمكنة مع النفوذ في أسرار الكائنات "يخبر":
ه. ولذ:أن لابن آدم وبنت حواء علمًا فعليًا يكون فكرهما مبدأ لخارجياتهما الاعتبارية. ومصورها "الإنشاء". وعلما انفعاليا يكون الخارج منشأَ ذهنياتِهما. وزعيمه "الخبر".
(٣) أي الحرف المنبث في غيره. وفي التنبيه والقسم طلبٌ ما والمطلوب محال أو ممكن.تحاد هأو وجود. والوجود في الذهن أو في الخارج. وهو إما حقيقي أو اعتباري.. هذا.. [٭]: (أي الحرف المنبث في غيره) يعني أن (أما) هذه ليست للشرط بل هي حرف للترديد لا مدلول لها مستقلًا بل آلة للغير. (وفي التنبيه والقسم طلب ما) قيات ا من الطلب. والمطلوب في الأول إيقاظ المخاطب وفي الثاني إثبات المدعى أو تأكيده مثلًا.
(٤) أي ما يمكن عقلا في المحصل أن يكذب بتخلف المدلول ويصدق بمطابقة المدلول للمعنى كما هو يالعامتنه تصديق.. [٭]: (ويصدق بمطابقة المدلول للمعني) حاصله: أن صدق القضية بمطابقة مدلول اللفظ للمعنى المراد. لكن هذه المطابقة لا تكفي وحدها لصدق القضية بل يلزم تطابق تلك المطابقة للواقع أيضًا كما قال الأستاذ (كما هو يصدق) أي يلزم أن يكون تل ماهروابقة أيضًا صادقة أي مطابقة للواقع (لأنه تصديق) أي مصدق يعني هذه المطابقةُ مصدقة للمطابقة الأولى لولا هذه المطابقة لم تكف الأولى لصدق القضية.
وسر الفرق بين الإخبار والإِنشابها. والخارج في الأول لما كان كالعلة المجامعة لما في الذهن، فمتى جاء الذهني قابله إما بالوفاق أو بالخلاف؛ وفي الثاني ما في الذهن كالعلة المعدإلّا م دام لم يتم لا خارج له. وإذا جاء الخارج ذهب من حيث هو إنشاء...
(٥) أي أو ثلاثة عشر.. [٭]: (أي أو ثلاثة عشر). نعم، قد زاد الأستاذ عليها الة الناظمِ عشرًا من الترجي والتمني.. الخ.
(٦) ما أقبح النظم المحوج في المختصر إلى المطول بلا طائل.
— 185 —
أمر (١) مع استعلا (٢) وعكس الحكمدُعا (٤)
وفي (٥) التساوي (٦) فَالْتِماسٌ (٧) وقعا
(١) اعلم أنه يتفرع من الأمر -كالنهي- التهديدُ والتعجيز والتسخير والتسوية والتمني والتأديب والإرشاد والامتنان والإكرام والامتهان والاحتقار والوجوب والحرمن بعدددب والكراهة والإباحة والتخيير والإيجاد. وكذا التعجب وغيرها، وأمثالُها من المعاني الهوائية التي يتشربها لفظ الأمر أو النهى والأمر باعتباركون إذمات.
ثم إن الأمر للوجوب، لأن روح الأوامر كُن وهو تامة للإيجاد. ويتضمن الناقصة أيضًا.
أما الأوامر المتعلقة بأفعال المكلفين، فللإبقاء على الاختيار، استبدل الإيجاد بالإيجاب، لأنهما صنوان، والإيجابُ ينتج الوجوبَ في أمر الخ في سبن الخلق، لجواز تخلف مطلوبهم عن طلبهم. [٭]: (أما الأوامر المتعلقة الخ) دفع لما يرد على ما قال: من (أن روح الأوامر (كن) وهو تام بمعنى الإيجاد): أنه لو كان بمعنى الإيجاد لزم أن يكون الأمر المتعلق بأفعال المكلفين أمرًا إيجاديا.احك. وح من هذا (الجبر) والحال (لا جبر ولا تفويض).
وجه الدفع: أن ذلك الأمر استبدل في حق العبد بالإِيجاب فهو أمر إيجابي، أي يتعلق الأمر بفعل العبد لها بالاختيار، لا إيجادي يتعلق بنفس الأفعال.
(٢) أي وإنيشتركان عاليًا.
(٣) أي الاستعلاء للغير.(ولقد سفل من استعلى غيرًا غير عال).
(٤) ما أجهل من لم يخص بالدعاء من اختص بأمر الإيجاد.
(٥) إذا عصرت "في" و"فا" تقطرت "إن" فلا إشكال. [٭]: (إذا عصرت "في" "وفا"): يعني بعدما تأملت ًا إلّ "الفاء" فصيحة وفي كون "في" ظرفية يتقطر من ذلك أن (إن) مع شرطه مقدر: تقديره إن كان التساوي فالتماسٌ، فيخلص التركيب عن الأشكال.
(٦) أي من جهة ما به التساوي إذ قد يتساوى المتباينان. [٭]: (إذ المتساويان قد يتبا لكنا كالمؤمن والكافر في التجارة مثلا، فالأمر الصادر من أحدهما للآخر التماس من جهة التجارة.
— 186 —
(٧) أي يدًا بيدٍ لا برأس لا بذيل. [٭]: (يدًا بيد) لا يبعد أن ن الحمذا القول إشارة إلى أن المأمور به شرعًا المصافحة باليد لا بالرأس كفعل اليهود. ولا بالذيل كما يفعله الراكعون الرافعون لأعجازهم والخافضون للرؤوستراز عيم.
فصل في بيان الكل والكلية والجزء والجزئية
الكل (١) حكمنا (٢) على المجموع (٣) ككل (٤) ذاك (٥) ليس ذا (٦) وقوع
(١) اعلم أن في جمل والعقلم -بالاختلاط والارتباط- تركيبا متداخلًا متسلسلًا هو مصدر الآثار. وفي الكائنات من الكل نظامًا منبثَّ العروقِ منتشر الفروع، هو مدار الأحكام. فما من كل إلّا ويلمحفكرَ ا من ثمرات التركيب. وما من كلية إلّا وهي تلوح بقانون من قوانين النظام... فتأمل!.
(١) وهو كالكلية دون الكلي تصديق والكلي شخص بالنسبة إلى الكلية. [٭]: و(هو) راجع إلىحانه -مع تعريفه المحمول عليه. (كالكلية) أي كالقضية الكلية أي في حكمها (دون الكلي) أي ليس الكل هنا بكلي ذي جزئيات حتى يكونَ مع محموله قضية، بل المراد منه المفهوم كالإنسان في "الإنسانُ حيالتركيطق" فهو مع محموله قضية شخصية ذات (تصديق). (والكل) أي بحسب مفهومه (شخص) أي جزئي (بالنسبة إلى الكلية) أي إذا قوبل بها...
(٢) في الحمل تسامح. [٭]: (في الحمل تسامح) لأن الكل ليمسیألةالحكم حتى يحمل عليه، والمتحد به إنما هو المجموع.
(٣) أي سواء لكل جزء نفس الحكم أيضا، أو في جزء منه دخل فيه، أو في وجوده. أو لا. [٭]: (أي سواء) ثبت الحكم (لكل جزء أيضًا) كما في الحديث، على تقدير أن يكون الشرية إه عموم السلب (أو في جزء منه) كالحديث أيضًا على تقدير كون سلبه سلب العموم...
(٤) حديث بالمعنى. المشهور، لعموم السلب لتأخر النفي -ولسؤال ذي اليدين بی "أم" رجح سلب العموم لتنزيه كلامه ((ص)) عن تو لأنه ذب ولو سهوًا في النسيان. ولأن "ليس كل" مثل "كل ليس" عند بعض. [٭]: (حديث بالمعنى) أي لا باللفظ (المشهور) إن السلب في الحديث (لعموم السلب) وهو أعم من سلب العموم (لتأخر النفي) لأن (ليس) بعد (كل) لكن بالنظر لسؤال (ذي الييف. ففأم-) رجح سلب العموم أي لا وقع لا ذا ولا ذاك. (في النسيان) إشارة إلى أن السهو ما وقع من النبي (عليه الصلاة والسلام) إلّا وقت النسيان...
— 187 —
(٥) أي القصر والنثور وا"ذا. ذاك وكذلك" كالمثل لا يتغيرن. [٭]: (ذا وذاك وكذلك) هذه الكلمات الثلاث (كالمثل) أي مثل ضروب الأمثال لا يتغيرن. فلا يرد ما قيل: من أن المشار إليه هنا اثنان والبالتضمن كثيرون.
(٦) أي عندي أو في ظني..
و (١) حيثما (٢) لكل (٣) فرد حكما فإنه (٤) كلية قد علما
(١) اعلم أن القضية الكلية فذلكةُ قضايا ضمنية بعدد أفراد موضوعها. مثلا: (كل ضاحك مشريف وإن (كلَّ) أي كل فرد لا الكل المجموعي ولا المنطقي (ماصدق). أي لا حقيقته ولا صفته (عليه الضاحك) بالفعل، لا بالامكان (الفرضي). أي لا الخارجي فقط (من جزئياته). أي لا مع مسماه (الإضهذا وا أي لا الشخصية فقط (يتحد أو يشتمل لذاته). أي لا لمفهومه (متعجب). أي مفهومه لا ذاته. وإلّا لم ينتج الشكل الأول بفقدان أيها كان.
(٢) مما أفام يكن على "حيث" من العموم والشرط يفيض جامعية التعريف واستلزامه للمعرف... [٭]: (مما أفاض "ما" على "حيث") يريد أن "حيث" متى لحق به "ما" الكافة يدخل في عداد الأسماء الشرطية ويفيد جامعية [٭]:يف ويحافظ استلزامه للمعرف...
(٣) أي على العنوان له ولو في "أل" والإضافةِ والموصولِ وغيره.. [٭]: (أي على العنوان له) أي حكم على مفهومه المشترك بين الأفراد. (ولو في "ألما حصلضافة الخ) أي ولو حصل الاستغراق منها..
(٤) إن "أن" أمارة كون مدخولها من الحقائق. وما تشربت من التحقيق جهة الإثبات، كما أن الضرورة جت والمبوت.. [٭]: (إن "أن" أمارة) أي كما أن (أن) بالفتح تأكيد لمدخولها إن "إن" بالكسر تحقيق لمدخولها، أي لإثبات كونه حقًا فإن الجهة أي الضرورة للثبوت. وتحقيق "إن" .. والت في الذهن...
والحكم (١) للبعض (٢) هو (٣) الجزئية (٤) والجزء (٥) معرفته (٦) جلية
(١) أي له، وكذا عنده وعنه. إلّا أن البعض فيهما من الأوضاع.. [٭]: (أي له وكذا عنده) الأول إشارة إلى الحملية، والثاني إلى الموالة، والثالث إلى المنفصلة. لكن الحكم في الأخيرين على الأوضاع والأزمنة.
— 188 —
(٢) على نفسه أو ما يرادفه طرًا أولًا وآخرًا، ركنًا أو قيدًا، اسما أو حرفًا. وما يشابهه معنًى كذلك. "ككم" والعهد الذهني في "أل" والإضافةِ والموصولِ... [٭]نخدع و نفسه) أي نفس البعض كبعضُ الإنسان كاتب. (أو ما يرادفه) أي يدل على ما دل عليه البعض من البعضية مثل طرًا وأولًا وآخرًا وركنًا وقيدًا. فهؤلاء الكلمات وإن كانت دالة على البعضية لكن لا تستعمل في أسوار القضية إلا نادرًا. (وما يشابهه معنى كذلك) بأن ك التي المعنيين مشابهة لا ترادفٌ (ككم) أي الخبرية مثل: "كم كتابًا قرأتُه" فإن الكتب المقروئة المخبَر عنها بكم بعضٌ قليلًا أو كثيرًا (والعهد الذهني في "أل" والإِضافةِ والموصو في كل الأخير عطف على العهد لا على (أل) إذ دلالته على البعضية ليست لذاته بل بالصلة.
(٣) و(هو) هو رافع الموضوع إلى المحمول لينطبعا أو يتحدا. وذات الموضوع في المحمول، خرج للجمود. ورابطة تضمنت صورة القضية. [٭]: (وهو) أي لفظه. (واخت القضية ثلاث وظائف:
إحداها: رفع الموضوع وجره إلى المحمول (لينطبعا) إذا كان الثاني أعم (أو يتحدا) إذا كان مساويًا.
الوظيفة الثانية: أنه (ذات الموضوع) أي راجع إلى ذاتأي الحوع أي لا إلى وصفه، ساكنًا ومستترًا (في المحمول) لكن (خرج) من مسكنه كما هنا (للجمود) أي لكون المحمول جامدًا.
الوظيفة الثالثة: أنه (رابطة) بين الطرفين يدل ويحافظ ععن الغة القضية كما يحافظ الطرفان مادتها.
(٤) منسوب إلى موضوعها أي الحملية الجزئية. أما الحكم على الجزئي ولو اعتباريًا كتمام الأفراد وجميع مر الداعأعداد فشخصية... [٭]: (منسوب إلى موضوعها) العائد للجزئية. تقدير الكلام: الحملية الجزئية هي الحكم للبعض. فالحملية موضوع والجزئية صفة لها، أي الحملية المنسوبة إلى الجزء أي البعض.. (أما االإفرالى الجزئي). هذا مقابل للحكم على كل فرد وعلى البعض. أي الحكم على الجزئىة شخصية (ولو) كان كونه جزئيا (اعتباريا) أي فرضيا (كتمام الأفراد) فإنه جزئي فرضي (ومراتب الأعداد الخ) فإن العشرين وأمثاله ليس من الجموع. فالسنن عليه شخصية...
(٥) أما التصوري فظاهر. وأما التصديقي فإنما هو في ضمن الكل. وإلا ففي التصريح إما شخصية أو كلية أو طبيعية أو جزئية. [٭]: (أما التصوري فظاهر) أي أما الحكم على الجزء ابراهين حكم فيه فظاهر أنه شخصية. (وأما التصديقي) أي الحكم على الجزء التصديقى الذي كان موضوعًا لمحمول "كيده حسن" فقد علم حكمه في ضمن الكل في قول الناظم: "وحيثما لكل فرد"...
وإن لم تكتف بمعرفته الضمنية فقد يكون شخ: (علىعينه كحلاء". أو كلية "ككل عين باصرة". أو طبيعية "كالعينُ آلة للرؤية". أو جزئية "كبعض العين شهلاء"..
(٦) أي الجزئية بالتفرع في ضمن الكل أي في ضمن التصوري. وأما التصديقي فتحقيقه
— 189 —
تجلو بالقياس الغير ذا، فلرف المستعملِ في إدراج مسائل العلوم في تعريف العلوم. كی"يده" داخل فيه، وكله حسن فيده لها دخل في الحسن... [٭]: (بالتفرع) أي انكشفت معرفة الجزئية تبعًا في ضمن الكل. (بما يقا الغير المتعارف) وهو الذي لا يكون الحد الأوسط من الموضوعات والمحمولات، بل من متعلقاتهما.. (المستعمل في أدراج الخ) مثلًا: هذه المسألة جزء من المنطق، والمنطقُ يبحث عن الإيصال، فهذه المسألة لها دخل في الإيصال..
فصل في المعرفات
معريل إلىعلى ثلثة (٢) قسم (٣) حدّ (٤) ورسمي (٥) ولفظي (٦) علم
اعلمأن في بحبوحة فطرة الإنسان احتياجًا ذا ألسنة ضمنية ذات خمسة أسئلة، يقابل بها الحادثات. وينعى بها الواقعات. وينادي بها الكائنات.. المشهمّوا سا "ما" المولد للمبادئ التصورية. و"لِمَه" المدون للمبادئ التصديقية في العلوم.. وتجيبها الحكمة بلسان الكائنات المفسِّر بعضُها بعضا -بالتعريفات- في مقابلةِ فة الش"ما". وبالأدلة في جواب سؤال "لِمَه".
(١) هو لتعريف الحدود الوسطى، لإدراج الجزئيات تحت الكليات، فيسرى إليها حكمها فتسهل الصغرى... [٭]: (هو لتعريف الحدود الوسطى) أي القول الشارح لتع ذلك وأقسام الأربعة، أي الحدين والرسمين، أي يعرّفهما للطالبِين، ليعلموا كيفية تحصيل تلك الأقسام وترتيبها بحيث يجمع تحتها الأفراد ويخرج الأغيار، فينتقلوا بواسطة ذلك الترتيب بسهولة إلى المعرفات المجهولات. قوله (فتسهل الصالماهيشارة إلى المقدمة الأولى من الدليل الذي هو خلاصة "علم المنطق" وقد مر.. والمراد بقوله (الحدود الوسطى) أقسام التعريف..
(٢) اكتفى بما مرّ من التقسيم عن التعريف لأن بيان المصطلحات ليس من أساسي العلم بشيء. وأما التقسيم فمن المسائل.. الدنيام رجحوا "على" على "إلى" نظرًا للمبدأ والتحصيل لا المحصل والتعليم. فإن استقراء الجزئيات والأقسام هو الذي يفيد ترتب المقسم على الأقسام. [٭]: (اكتفى بما مر الخ) يعنى تَرَك الناظم التعريفَ اكتفاء بما ذكر من التقسيم لأن التعريف من المصطلية هذابيانُها ليس من أساسي العلم بشيء أي التصور والتصديق. (ثم إنهم رجحوا "على" الخ) يعني إن نظر إلى أن الجزئيات والأقسام حصلت بالاستقراء. ثم وقع التقسيم على الموجودات الذهنية يترجح "على" على "إلى" لأن "َدٍ منفيد ترتب المقسم على الأقسام الموجودة الحاضرة. وإن نظر إلى أن التقسيم وقع قبل الاستقراء فالأولى "إلى"...
— 190 —
(٣) تقسيم الكلي إلى الجزئيمستقرلل لحدود الأقسام، إن كان عقليًا. وأما تقسيم الكل إلى الأجزاء فلتحصيل ماهية المقسم في الخارج...
(٤) أي ما اشتمل على حدّي الشيء اللذين تضمنهما "من أين إلى أين" في النشر.. [٭]: (أي ما اشتمل على حدّي الشيء) أي أوله وآخره ومنشينا وبمنتهاه (في النشر) أي الشرح والفصل.. نعم، إذا فصل الحد مثلا: ينفصل إلى الجنس والفصل. والجنسُ إشارة إلى المنشأ والمبدأ، والفصلُ إلى المنتهى والآخر.. فإذا ما كیان الإنسان: "من أين" يُجاب: من الحيوانية و "إلى أين" يجاب: إلى الناطقية أي الإنسانية فالحد لاشتماله على الجواب لسؤال المبدأ والمنتهى سمّي حدًا...
ترجمة و نظير "برهان الإنّ". كما أن الحد "برهان الِلّم". [٭]: (هو نظير برهان الإنّ) أي الاستدلال من العلة إلى المعلول (برهان لمي). ومن المعلول إلى العلة (إنّي) كالاستدلال بالنار على الدخان ليلا. وبالعكس نهارًا. والتعريف بالايف بيبه الأول وبالرسم يشبه الثاني...
(٦) هو كالاسمي ناظر إلى الوضع، كما في "القاموس" وتعريفات المصطلحات.. [٭]: (ناظر إلى الوضع) أي لا إلى المعنى (كما في القاموس) أي كل ما في القاموس من بيان اللغات (لسؤال:ات المصطلحات) لأنها من التعريفات اللفظية التي هي كالأسامي...
فالحد بالجنس (١) وفصلٍ وقعا (٢)
والرسم (٣) بالجنس (٤) وخاصة (٥) معا (٦)
(١) أي فذلكة ماعدا الفصل القريب معه ولو تركبًا. والفصل خاصي.. وضرء الجوهرية. والفصول العرفية مشيرة إليها بنفسها مفردة أو مركبة مفيدة لبسيط. والجنس كالهيولي، والفصل كالصورة، وهما كالمادة. والترتيب كالصورة في الوجود الذهني.. عرف في الأول لأنه أعرف.. لأنه أعم.. فهو الأو
(الأنكر في الثاني، لأنه أخفى.. لأنه أخص... [٭]: (أي فذلكة) أي الجنس القريب فذلكة وخلاصة لما فوقه من الأجناس العالية والمتوسطة، مع فصولها البسيطة والمركبة "أي كفصل الحيوان فإنه مركب من جزئين الحساس والمتحركموجبتيادة" غير ما تحته كالناطق. والفصل الذي يميز الأنواع عبارة عن جوهر خاص في ذات النوع. والفصول الظاهرة أعراض مشيرة إلى ذلك الجوهر البسيط...
(٢) هو كحصل ووجد وثبت الحرفية. شأنه الاستقرار. وتصل ذلي للنظم أو لأسلوب لطيف، كأن الحد ثمرة.. [٭]: (هو كحصل الخ) يعني أن حصل وأمثاله من الأفعال العامة ليست بذات معان مستقلة بل معانيها حرفية لارتباط الكلمات بعضها مع بعض. (شأنه الاستقرار) يعني المناسب معنًى تبديلُ الوقوع بالاستقعقول أى يكون مستقرًا لا لغوًا لكن (لغي) ضرورةً للنظم (أو لأسلوب) يعني أن الوقوع هنا بمعنى السقوط: فكأنه إشارة إلى أن الحد كالثمرة والمناسب للثمرة الوقوع لا الاستقرار..
— 191 —
(٣) الليّ معكمال.. [٭]: (اللام للكمال) إشارة إلى الرسم التام لا الناقص.
(٤) اللام عوض الصفة. [٭]: (اللام عوض الصفة) أي جنس قريب.
(٥) ولو مركبة من أعرضها بوة. ولا دور؛ لأن التعريف المفيد لانتقال طبيعة الفكر يتوقف على وجود الاختصاص في نفس الأمر، لا على العلم بالاختصاص حتى يدور؛ لأن الانتقال ليس باختياري، وعلم العلم ليس لازما. [٭]: (ولا دور) وجه الدور: أن العلم بالتعريف موقوف عالبلالم بأجزائه. ومنها الخاصة، والخاصة لا تعلم إلا بعد ذي الخاصة. وجه الدفع: أن العلم بالتعريف إنما يتوقف على وجود الاختصاص في نفس الأمر لا على علمه. وكذا إن الانهب وأنيس باختياري حتى يتوقف على العلم بالاختصاص..
(٦) إشارة إلى التفطن الذي هو مزج الأجزاء لتوليد الطلب: وكذلك في القياس..
وناقصُ (١) الحدِ بفصل (٢) ومعا (٣) جنس (٤) بعيد لا قريب (٥) وقعا
(١) أي المساوي ما صدقًا لاية، وثا.. [٭]: (أي المساوي ما صدقا) أي أفردًا (لا مفهوما) إشارة إلى أن الحد الناقص إذا كان بالفصل البعيد أو بالفصلين البعيدين -عند من يجوّز التعريف بالأعم- أعم من المع الفرق
(٢) أي المقوم للنوع، والمقسم للجنس، والمحصل لحصة الجنس في النوع. فإنْ تأول بالمركب فذاك... وإلا فالتعريف حدسي.. [٭]: (فإن تأول بالمركب) أي الفصل القريب كالناطق مثلا: إذا تأول بی"ذات من ثبت له النطق" (فذاك) طيب أي لا يرد على جامع لإدامعريف (وإلا) أي وإن أبقى على أفراده بلا تأويل فالتعريف حدسي لا منطقي عند من فسر القول بالمركب في "القول الشارح".
(٣) أي وبعدمه، أو بداهة، ًا.. [٭]: (أي وبعدمه أو بعده معیًا) الأول راجع للجنس القريب. والثاني للبعيد. حاصله: أن الحد الناقص إما بالفصل القريب بدون الجنس. أشار إلى هذا بقوله (وبعدمه) أي الجنس كالناطقصود منما بالفصل مع الجنس البعيد أي بشرط وقوع الفصل بعد الجنس كما قال (أو بعده معًا) فالمعية بعدية كالجسم الناطق لا قبلية بأن يقال الناطق الجسم..
(٤) أي تمام المشترك بين النوع وبين بعض مشاركيه لا كله.
— 192 —
(٥) أي لا.. ولا متوسط.. [٭]: كانت .. ولا متوسط) أي لا أبعد ولا متوسط ليفترق عن الرسم الناقص.
وناقصُ (١) الرسمِ بخاصة (٢) فقط (٣) أو مع جنس أبعد قد ارتبط (٤)
(١) وللسنة لزوا له أدنى المراتب. ولكنه قد حاز أعلاها لأنه أطول إخوانه باعًا -أي يدا- وأوسعهم مجالا وأعظمهم وكرًا وأكثرهم للّٰه ذكرًا.. [٭]: (وأكثرهم للّٰه ذكرًلث: "ب توصيف اللّٰه تعالى بصفاته داخل في شمول هذا القسم من التعريف..
(٢) أي شاملة أو لا، لازمة أو لا، حقيقية أو لا، بسيطة أو لا، محصلة ولو من المثب من بالتمثيل أو التقسيم أو التفسير وقس.. وهذا القسم من الرسم هو الملجأ في تعريف البسائط والأجناس العالية والفصول البسيطة وغيرهما اللاتي لا تحد. وإن حدت. أما الأشخاص فلا تحد ولا تحد -إلّا العلوم والقرآن- فانكثيرُ دان بتنزيل أجزائهما بمنزلة الجزئيات. [٭]: (اللاتي لاتحد) إذ لا جنس لها. والحد لابد له من جنس (وإن حدت) أي تكون حدًا أو جزء حدّ للغير...
(٣) لو سكت لسقط.. [٭]: (لو سكت لسقط) لأن الرسم الناقص إما بالخاصة وحدها أو مع الجنس. فلو كان سكت عنفيا فإ(فقط) ولم يذكره لكان مطلقًا. والمطلق أعم يشمل القسم الثاني أيضًا فيكون ذكره سقوطا عن الفائدة...
(٤) أي بنسبةٍ تفيد المزجَ كالتوصيفي، لا الإضافي المفيد دخولَ الإضافة وخروجَ المضافِ إليه.
رة من بلفظي (١) لديهم (٢) شهرا (٤) تبديل (٤) لفظ برديف (٥) اشهرا
(١) هذه هي ثالثة الأثافي. فخیذ ما شئت منها من أقوال شراح المتون "أي. أي.." [٭]: (ثالثة الأثافي) شبه أقسام التعريف الثلاثة بالأحجار الثلاثة التي تسمى بالأثافي وتمعرفة يها الأطعمة (فخذ ما شئت) أي اطلب بيان أيّ قسم من قول أيّ شارح شئت.
(٢) أي في صنعة المناطقة..
(٣) أي لأن الوضع والدلالة أقرب إلى اللفظ منهما إلى المعنى، عكسَ الفهم والاستعمال.. [٭]: (لأن الوضع والدلالة الخ) إشارة إلى وجه تسم عدم ا القسم باللفظي: حاصله: أن بين اللفظ والمعنى حالات: الوضع والدلالة والاستعمال والفهم. ومدار هذا القسم من التعريف الوضع والدلالة، وهما أقرب إلى اللفظ منهما إلى المعنى...
— 193 —
(٤) أي تعقيب.. هذا تعريف الصورة للتعريف، بمعنى المصدر.. [٭]: ق الأفقيب..) يعني الأولى تبديل التبديل بالتعقيب لأن التعريف اللفظي ليس عبارة عن رفع لفظ وإقامة لفظ آخر مقامه. بل ترديف لفظ بأشهر منه مع بقائه في مقامه. ولفظ التبديل لا يفيد هذا المعنى..
(هذا تعريف الصورة لاموس ا) أي إن هذا التعريف يعلّم صورة التعريف اللفظي لا مادته. فلفظ التعريف المضاف (بمعنى المصدر).
(٥) وإن تفاوتا مطابقية، تضمنية، التزامية، إفرادًا ا دليلًا... [٭]: (وإن تفاوتا الخ) أي التعريف اللفظي ومعرَّفه بأن كان أحدهما مفردًا والآخر مركبًا. ودلالة أحدهما على المعنى مطابقيةً والآخر تضمنيةً أو التزامية..
وشرط (١) ذٍ: "ايرى (٢) مطردا (٣) منعكسا (٤) وظاهرًا (٥) لا أبعدا (٦)
اعلمأنه لما اقتضت العناية الإلهية ترقى البشر واستكماله بالمسابقة والمجاهدة؛ لاجرم ما أخحًا لل أيدي سجاياه وما قيدت ميوله وما حددت أخلاقه. بل أطلقتها يسرح أينما شاء... فتشعبت على البشر الطرقُ صحةً وفسادًا، قربًا وبعدًا.. فإذا جرى ذوو السجايا السليمة إلى الحق رجعوا إلى بدئهم. فوضعوا تعميمًا لمسلكهم في الطبقات السافلة علىلتي تعالباطل والضلال، علاماتٍ للتحرز عن الباطل سموها شروطًا. وإذ امتاز المنطق بتكفل معالجة القوة العقلية وضع للفكر شروطا - الجامع لها معلوم الصحة وفاقدها فاسد لم يك الصحة.
(١) أي للتحقق أو الصحة - كما في الحد التام اتفاقا -أو للعلم بالصحة- كما في غيره على المشهور. [٭]: (أي للتحقق) إذ الاطراد يدل على وجود العي وكلهو يستلزم وجود الصحة. فهو شرط إما للملزوم أي التحقق. أو اللازم أي الصحة: كما قال (للتحقق أو الصحة). هذا في الحد التام لأنه المتكفل لبيان حقيقة المعرف. أما غيره فغير متكفل ببيانها فالاطراد فيه للعلم بالصحة فقطئِهِ و(٢) لأن ظهور العلم بالشرط شرط للعلم بالصحة.
(٣) اعلمأن أساس هذه الشروط المساواة صدقًا ومفهومًا، وعدمُ المساواة معرفة وجهالة.. ثم إن
— 194 —
مرجع المساواة كليتان، هما مدار الجمع والمنع.. (مطردا) أيلبياني عند العدم -اللازم بعكس النقيض- لی "الحدُّ كلُّ المحدود" كبرى. لاندراج الجزئي تحت الكلي.. [٭]: (اعلم أن أساس الخ) حاصله: أن المعرف والتعريف لابد أن يكونا متساويين مَاصَدَقًا. وعلامة المساواة بينهما صدقُ موجبتيل علىتين من الطرفين، لكن الكليتين في الحملية باعتبار الأفراد والحمل عليها. وفي الشرطيات باعتبار التحقق في الأزمان والأوضاع. والتعريف مع المعرف لكونهما من التصورات تنعقد الكليتان يبنهما أي شير التحقق لا باعتبار الحمل.
(ثم إن مرجع المساواة الخ) حاصله: أن الحد لا يصح بالأخص ولا الأعم من المحدود بل يلزم يبنهما المساواة في الأفراد. وعلامة تحققها بينهما صدق موجبتين كليتين من الطرفين: إحداهما تدل على كون الحد (مطردًاضا فالامعًا لأفراد المحدود. عبّر عنها بی (الحدُّ كلُّ المحدود) دالًا على عدم الأخصية والأعمية بينهما مع دلالته على الاطراد. وفسرها (بالعدم عند الجتماعيي جعل نقيض الحد موضوعا ونقيض المحدود محمولا: مثل (كل لا ناطق لا إنسان) في تعريف الإنسان بالناطق حدًا ناقصًا.. ولما كان التفسير غير دال على جمع الأفراد بمنطوقه مع مخالفته للتعبير في ترتيب الطرفين -دَفَعه توصيفا باللازم لیی (الحد كل المحدولروابطني أن التفسير وإن لم يطابق التعبير لكنه لازم له. والدلالة على اللازم معتبرة عند المنطقي... وجَّه اللزوم بينهما بقوله (كبرى) أي يجعل (الحد كل المحدود) كبرى وكل جزئي داخل في موضوعه الذي هو (الحد) الكلي الشامل لجميع الحدودات (صغرء. أما (الحيوان الناطق حدّ، والحد كل المحدود، فهو كل المحدود).. وهكذا أمثاله.. وبهذا يثبت اللزوم.. والجملة الثانية الدالة على عكس الحد أي دفعِه للأغيار (المحدود كل اللوّنك سرها بی (الوجود عند الوجود) أي وجود المحدود عند وجود الحد. مثل (كل ناطق إنسان) المنعكس لغة إلى (كل إنسان ناطق) المنعكس بعكس نقيضه أي كل لا ناطق لا إنسانكن لو الطرد) أي دفع الأغيار أي تحقق المعرف عند تحقق التعريف. هذا هو المنع.. وقد أشار إلى هذا بقوله (المحدود كل الحد).
(٤) أي الوجود عند الوجود - امن كما لی "المحدودُ كلُّ الحد" المنعكس لغة بعكس المستوى، المنعكس بعكس النقيض إلى الطرد...
(٥) إذ العلة متقدمة، والتقدم هنا بالظهور. [٭]: (إذ العلة متقدمة) أي التعريف علة للما معنوتقدمُها إنما يعلم بالظهور معنى...
(٦) أي ولا بنفسه ولا بالمضايف بل بذات المضايف. [٭]: (أي ولا بنفسه) عطف على (بمفهومه) المقدرِ بعد قوله (لا أبعدا) أي لابد أن يكون التعريف غيعدد ال عن الفهم لا بمفهومه ولا بذاته. وكذا إذا كانا من المتضايفات لزم أن يكون عنوان التعريف التضايفي غير بعيد عن الفهم لا ذاته.
ولا مساويًا (١) و (٢) لا تجوزلذي يشبلا قرينة بها تحرزا (٤)
(١) أي كالمضايف. فالمساواة صدقا كالتضايف ذاتا. وهو معرفةً كهو مفهوما مانع. [٭]: (أي كالمضايف) الكاف للتشبيه لا للتمثيل أي كما أن المساواة من جهة المعرفة بين التعريف والمعرف مانع : يخل كذلك التضدين فينهما مانع. لكن المساواةَ صدقا والتضايفَ ذاتا لا مفهوما غيرُ مضر. (وهي) أي المساواة (معرفةً) أي من جهة المعرفة (كهو) أي كالتضايف (مفهوما) أي من جهة المفهوم...
— 195 —
(٢) لا تتشرب "الواو" هذه اللاآت العدولية. [٭]: (لا تتشرب الواوق بقامأي يختل المعنى إن لم يكن في تلك المعطوفات (لا) لأن حرف العطف لا تتضمن (لا) ولا تفيد ما أفاده (اللاآت العدولية) أي صارت كالجزء لمدخولاتها كالمعدولة المحمول..
(٣) أي غير المتعارف وإلّا فالمتإسلام الحقيقة العرفية -كما أنه أبلغ - حسن.
(٤) فبدون المانعة باطل وبدون المعيِّنة قبيح. [٭]: (فبدون المانعة) يعنى إن وجد في التعريف مجاز فلابد من وجود قرينه مانعة للمعنى الحقيقي، وأخرى معيِّنة للمعنى المراامية ف لم يوجد المانعة فباطل أو المعينة فقبيح..
ولا بما يدرى (١) بمحدود ولا مشترك عن القرينة (٢) خلا
(١) أي يدور صريحا أو ضمنًا والدور تيم؛ فلحركة الوضع. [٭]: (والدور تسلسل بحركة الوضع) أي بفرض أن يتحرك وضع الواضع ويتكرر من أحد الطرفين إلى الآخر مرة بعد أخرى رجاء أن يزول ويقف التوقف إلى غير النهاية فينقطع التسلسل...
(٢) وهي في المشترك المعينة فق يصومو الكناية المنتقلة. وفي المعينة وفي المجاز المانعة.
وعندهم (١) من جملة (٢) المردود (٣) أن تدخل (٤) الأحكام (٥) في الحدود
(١) اعلمأن المقتاب بح التعريفات تصوير موضوعات الأحكام. فإدراجها فيها نظير المصادرة. [٭]: (فإدراجها فيها) أي الأحكام في الحدود (نظير المصادرة) التي يرتكبها الظالمون..
(٢) أي منها أيضًا ذكرُ الألفاظ الغريبة الن دون والتطويلُ من غير طائل. والطائلُ توضيح أو تحصيل ماهية أو تمييز. [٭]: (أي منها) أي من جملة المردود (والطائل توضيح) أي إنْ كان التطويل لتوضيح الألفاظ الغريبة أو تحصيل حكم آخر في التعريف أو التمييز كل التمييز فليس داخلا فال الع طائل..
(٣) أي يرده نظام الصنعة.
(٤) أي لابد أن يكون في التعريف هيولى الأحكام، لا صورتها كالمزارعة أو النواة. [٭]: (أن يكون في التعريفتماد ع): المراد من الهيولى المادة كالجنس والفصل ومن الصورة ترتيبها.
(كما ينبغي) مشبه به لی (لابد) أي لابد أن يكون الخ كما ينبغي الخ. (ولا يضر عموم آلة التصور) كتصور الإنسان في ذلك المثال بالجسمية...
— 196 —
كما ينبغي تصوير الى صور بوجه صالح قابل للمحمول ومفيد لا أقرب ولا أبعد. فتصور الإنسان في "الإنسانُ حيوان" بالحيوانية لغو. وبالشيئية غير مفيد. ولا يضر عموم آلة التصور، فإن المحمول يصلحه لنفسه.
(٥) أي مطلقًا فيها وفي الرسوم الأحكام المطل صورة؛اتها.
ولا يجوز (١) في الحدود (٢) ذكر أو (٣) وجائز (٤) في الرسم (٥) فادر مارووا
(١) أي في شريعة الصنعة الحاكية عن الطبيعة المانعة عن اجتماع المثلين وتعدد الحقيقة.. [٭]: (أي المانعة عن اجتماع المثلين) ة التيد عبارة عن حقيقة الشيء. ولكل شيء حقيقة واحدة لا تعدد فيها ولا تماثل. وينفهم من (أو) تعدد الحقيقة. ومن تعددها اجتماعُ المثلين، وكلاهما باطل.
(٢) أي الحقيقة.. [٭]: (أي الحقيقة) أي المراد بالحد الحقيقة أي الماهية.
(٣) أما الغائب ع فلضديته للتعريف. وأما ما يرى من "أو" التقسيمي، فللتقسيم ثم لتحديد الأقسام..
(٤) أي جاز ووقع...
(٥) إذ قد يكون منقسم كذا خاصة... [٭]: (منقسم كذا) بأن يذكر شخص بخواصه بی (أو) مثل "هو الزراع أو الكاتب" وهذا الاحتكوران بی (أو) خاصة للرجل أي إن لم يوجد موصوف بهما غيره، والتعريف بالخاصة رسم.
فصل في القضايا وأحكامها
ما (١) احتمل (٢) الصدقَ (٣) لذاته يسعه رَى (٥) بينهُمُ قضية وخبرا
اعلمأن في العالم اختلافا وتغيرًا ونظامًا شاملًا. فالاختلاف هو الذي أظهرَ الحقائقَ النسبية التي هي أكثرظر بدق من الحقائق الحقيقية. والنسبة لها وقع عظيم قد التفت رعايتها بوجود شرور مغمورة. فلولا القبح لانتفى حسن المحاسن الكثيرة.. ثم إن التغير هو الذي كثّر تلك الحقائق النسبية، ثم النظام هو الذي سَلْسَلَهَا وفَنَّنها. وتماثيل تلك النسبيات هي القضايا تستلزمة التي هي تفاريق القضايا، التي هي "تفاصيل القدر الإلهي"...
— 197 —
ثم اعلمأيضًا أن غاية فكر البشر صيرورة النفس الناطقة خريطة معنوية للكائسب تلكرتسام حقائقها في النفس. ومعرفة كثير من الحقائق بالنسب. وهي قضايا.. وهي نتائج. وهي بالدلائل.. وهي بأجزائها. وهي أو أجزائها موضوعات أو محمولات. وهي بتصوراتها.. وهي بالتعاريف. وهي بأجزائها.. وهي الكليات الخمر والع (١) أي ملفوظ ومعقول.. [٭]: (ملفوظ ومعقول) أي القضية لكونها معقولة (معقول). ولكونها لا تفاد إلا باللفظ (ملفوظ) فی (ما) ملفوظ ومعقول.
(٢) أي بسبب تمثاليته لما في نفس الأمر له خاصية قابلية المطابمًا فيمها. لكن بالمطابقة. وإلا فما من تصور إلا ويستلزم تصديقا أو تصديقات. [٭]: (فما من تصور إلا ويستلزم الخ) نعم، تصورُ زيد مثلا: عبارة عن حصول صورته في الذهن. ولا يخفى أن هذافل منحم ("صورتُه حاصلةٌ" و "هذه الصورة لزيد") وغيرهما من التصديقات. فلو لم يشترط دلالة تلك الخاصية على المطابقة وعدمها بالمطابقة. بل كانت مرسلة لكانت شاملة لغيرها أيضًا ولكانتزم. مثرات باعتبار ذلك الاستلزام داخلةً في شمول احتمال الصدق..
(٣) أي دل على الصدق لفظًا وجاز الكذب عقلًا، بناء على تخلف المدلول. [٭]: (بناء على تخلف المدلول) إشارة إلى أن الكذب بفقدان المدلول لا بعدم المطابقة، إذ لا واقع للكذب حتى يطابقه.، وعلى) أي بالنظر إلى المحصل كی "ج ب".. [٭]: (أي بالنظر إلى المحصل) أي المفهوم مع قطع النظر عن الخارج والدليل والبداهة كی (ج ب) أي مثل ج ب في أن لا يندنا.. إلا المفهوم.
(٥) مجاز عن "يسمى" مجاز عن "يعرف" مجاز عن "هو هو". [٭]: (مجاز عن هو هو) أي القصد من التعريف الاتحاد بينه وبين المعرف بحمل المواطأة.
ثم القضايا عندهم (١) قسمان (٢) شرطية (٣) حملية (٤) فالثاني (٥)
(١) التقييد بأمثال هالسياريد لدفع المناقشة والتبري عن المسؤولية، إذ الاصطلاح لا يسأل عنه...
(٢) وهما أساسان للاقتراني والاقترانيات..
(٣) وهي أو السلب عنه في المنفصلة. أو عنده١٠) أيمتصلة اتفاقًا أولًا.. إلا أن المتصلة
— 198 —
عند أكثر أهل العربية والشافعية حكمها في الجزاء، وهو العلة، والشرط قيد.. وعند الحنفية وأهلِ المنطق الحكمُ بين الجزاء واللصيد كولقد تفرع وتشعب من هذا الاختلافِ مسائلُ كثيرة: منها المشهورة كی "إن تزوجتُ بكِ فأنتِ طالق.. وإن تملكتُ هذا فهو وقف" فهذا لغو عند الشافعية لوجود العلة حيث لا محل، دون الحنفية ط الحيعلة إذا انعقدت تصلح المحل. ومنها الاختلاف في المفهوم المخالف... [٭]: (وهي أو السلب الخ) أي الحكم بين الطرفين في المنفصلة بالبعد والانفصال. وفي المتصلة بالمقارنة والاتصال (اتفاقا) أي اتفاقية بلا لزوم (أولا) أي مع اللزوم بين العقاين. وفي الحملية بالحمل والثبوت..
(٤) أي الثبوت والسلب له بالاتحاد أو الاشتمال. [٭]: (أي الثبوت والسلب له) الضمير للثبوت (بالاتحاد) إذا كانا متساويين (أو الاشتمال) إذا كان أحدوالاتفم..
(٥) أي هو الأول.. [٭]: (أي هو الأول) لأن الحملية لكونها جزء للشرطية حقها في البيان الأولية..
مقدمة في المحرَّفات
اعلمأن أرجحية الإفادة والإعلام -لتصوير الشيء على ما هو عنها الرّفت طبيعة المسائل عن قانونها.. فكم من "شرطية" تجلت في لباس "الحملية". و.. "حملية" تَزَيَتْ بزيها. و.. "متصلة" احمرت تحت "المنفصلة". و.."كلية" استترت تحت "الجزئية". و.. "موجبة" تبرقعت "باقيضين ورب قياس اندمج في "قضية". و"القضية" اختفت في "صفة أو قيد بل حرف". "وكم" من المعاني الطيارة: توضعت على أحد أغصان الكلام.. وكم من كلمة: تشرّبت طائفة من تلك المعاني..
وتحقيقه:أن كل علم يبحث-أي بالحمل الثبوتي- عن الأع السحاي الصفات التامة- الذاتية -أي اللازمة الشاملة الواجب الثبوت- للشيء - أعني الموضوع.. فكانت مسائل كل علم "قضايا حملية موجبة كلية ضرورية في الخارج نظرية في الذهن".. "فما ترى" من الشرطيات والسوالب والجزئيات والممكنات والبديهيات به.
من المبادئ التصورية، أو المبادئ التصديقية، أو الاستطراديات، أو متأولة بوجه من وجوه التلازم، أو مقدمة من مقدمات دليل المسألة أقيمت مقامها.. تأمل!.
— 199 —
كلية (اع الكية والأول إما مسوّر (٢) وإما مهمل (٣)
والسور (٤) كليًا (٥) وجزئيًا (٦) يرى (٧) وأربع (٨) أقسامها حيث جرى (٩)
(١) أي ما فيه اشتراك.. فإن نظر إلى الطبيعة فإما مع جواز سرايته إلى الأفراد، كالحمل في التعاريف على القولى منفتها، أو بدون السراية مع ملاحظة الأفراد، كحمل المعقولات الثانية على الأولى، في كل ما يرى، أو بدون الملاحظة وبدون السراية كی "الإنسان مفهوم ذهني". فهذه الثلاثة طبيعية..
ومنها الكل المجمون ذوب مراتب الأعداد. وهي في حكم الكلية في كبرى "الشكل الأول".. [٭]: (أي ما فيه اشتراك) "ما" موصوفة شاملة لكل الكليات كما قال (فإن نظر الخ) أي إلى ذلك المفهوم المشترك إذا حكم عليه. فأما جواز سراية الحكم إلى الأفراد -كما في حمل ال التعر على المعرفات- كحمل (الحيوان الناطق) على الإنسان. أو مع عدم جواز السراية. لكن مع ملاحظة قبول الأفراد ومناسبتها لذلك الحكم كحمل المعقولات الثانية على الأولى مثل (الإنسان نوع). أو لا سراية قوانياحظة مثل (الإِنسان ذو مفهوم ذهني). فهذه الثلاثة من الكليات الطبيعية...
(ومنها) أي من الكلية لا الشخصية (الكل المجموعي) لأن له أجزاءً بمنزإيمان زئيات للغير. (ومراتب الأعداد) كالعشرة والمائة وما بينهما لأنها وإن لم تكن من الجموع لكنها في كبرى (الشكل الأول) في حكم الكلية...
(٢) أي التي مناط اة رسومصب العين كميتها.. [٭]: (أي التي مناط الحكم الخ) تذكير (المسور) وتأنيث الضمير في (كميتها) دليل على أن (التي) صفة (الكلية) أي الكلية التي مناط الحكم كميتها.
(٣) وهو في المقام الخطابي في حكم الكلية. والاستدلال في حكم السلام، [٭]: (في المقام الخطابي) أي في الظنيات..
(٤) اعلمأن للسُورِ مقامات مختلفة وصورًا متفاوتة؛ فقد يدخل على المحمول ويصير القضية منحرفة اللطائف..
ثم إن القضية تتضمن قضايا ضمنية بعدد القيود.. فكأنات رسا لما تداخل بين القيود أنبت في كل قيد حكمًا ضمنيًا يشار إليه بالإعراب. ففي "كلُّ مؤمن حقُّه الصدقُ بیالضرورة" أولًا: إثباتُ حقية الصدق للمؤمن. ثم ثبوت حقية الصدق للمؤمن عمومي. ثم ثبوت حقية الصدق لعموم ام من اضروري.
— 200 —
اعلمأن العكسين والتناقض والقياس -كما تنظر إلى القضية الأولى- تنظر إلى القضيتين الأخيرتين وتتنوع بسببهما.. فإن أحببت أن ترى تفاصيل مع الرِ وتفاسير الجهة، فانظر في "تعليقاتي" على "الكلنبوي": إذ إنها أجدى من تفاريق العصا... [٭]: (كما تنظر إلى القضية الأولى الخ) يعنى "أن الموضوع والمحمول" في القضية الأصلية -كما أنائقة بظوران في العكسين والتناقض- كذلك القيودات الدالة على الكمية والكيفية والجهة في القضية الأصلية معتبرة وملحوظة فيها. وبسببها تتنوع المحصورات والصوب ال..
(٥) أي لا المجموعي بل الإفرادي، لا البدلي بل الاطلاقي.
(٦) أي يدل على البعض ولو في ضمن الكل، لأن أهل الاستدلال لا ينظرون إلى المفهوم المخالمدلولرّ
ولاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
(الإسراء:٣٦) [٭]: (لأن أهل الاستدلال) دفع لما يقال: إذا قلت "بعض الإنسان حيوان" ينفهم من المفهوم المخالف أنزيل به الآخر ليس بحيوان. وجه الدفع: أنهم لا ينظرون إليه..
(٧) أي فينقسم، فيكون، فيرى، إذ وجود المقسم بوجود الأقسام.. [٭]: (أي فينقسم الخ) إشارة إلى ما ي بد منلى الناظم: من أن رؤية الأقسام بوجودها وهو بعد انقسام القسم. ولا يكفي انفهام الأقسام بالرؤية والجريان بين الناس. بل لابد من التقسيم صراحة..
(٨) أ.
م باعتبار الكيف، فتتربع الأقسام فأينما صادفته فهو أحد الأربعة...
(٩) أي لا يتشعب بالجريان ولا ينقسم بتنوع العروض.
إما بكل (١) أو ببعض (٢) أو بلا شيء (٣) وليس بعض در أي شبه جلا (٥)
وكلها (٦) موجبة (٧) وسالبة (٨) فهي (٩) إذن إلى الثمان (١٠) آيبه (١١)
(١) أي وكذا ما يرادف؛ "أكتع، طرًا، قاطبة، كافة، واللام، والإضافة. والموصول الاستغراقية".. [٭]: (اكتع) بدل (ما) لا مفعول ليرادف (يا كلهراقية) صفة للثلاثة الأخيرة أي إذا أريد منها الاستغراق والعموم..
(٢) أي وكذا ما يرادف؛ "قطعة، طائفة، واحدة، قليل، شيء، كثير، والتنوين، والتقليل، والعهد الذهني" في اللام وأخويه.. [٭]: (وأخويه) أي ية وهوة والموصول.
— 201 —
(٣) أي وكذا ما يماثل "لا واحد. ولا قطعة". وقس على "لا" "ما. ليس. إن" - وعلى "شيء" كل ما هو سور الموجبة الجزئية بشرط التنكير وعدم الإضافة.. [٭]: (وعلى شيء) متعلق بلف لا بل (بشرط التنكير وعدم الإضافة) أي ليكون أعم فلا تختل الكلية.
(٤) أي وكذا كل ما دخله النفي مطلقًا من السور الموجبة الجزئية، لكن بشرط الإضافة والتعريف. وكذا دخول النفي على كل الموجبة الكلية، لكنلبتان تقدم النفي.. [٭]: (النفي مطلقا) أي أيّ نفي كان (بشرط الإضافة) أي إذا كانت للاستغراق والعموم لأن نفي الاستغراق جزئي...
(٥) مِثل "في الأغلب، وعلى الأكثر، وبالجملة، وفي الجملة، ونادرًا، وقليلا،" وئت تفا (٦) أي وغير المسورتين كالمسورتين. [٭]: (وغير المسورتين كالمسورتين) أي الشخصية والمهملة في الانقسام إلى الإيجاب والسلب...
(٧) والإيجاب وجود، إنما يتحقق بوجود جميع الأجزاء. والسلب عدم، يصضْمَن م أي جزء كان. والغالب بعدم الأخص..
(٨) وسلب الطرف عدول يقتضي قابلية المحل، ووجودَ الموضوع؛ لأنه عنوان أمر محصل. وسلب النسبة. ثم جعله محمو للمنسلبة المحمول ومخمسة الأجزاء ومكررة ملاحظةِ النسبة، ومعدولة ذهنية في الخارجية.. [٭]: (وسلب الطرف) أي إذا كان محمول القضية مسلوبا فهي معدولة. وشرطها أن يكون الموضوع موجودًا وقابلا للمحمول المساوته ي قبل السلب فلا يصح "العنقاءُ لا طائر" لعدم الموضوع ولا "زيدٌ لا حجر" لعدم قابلية المحل (وسلب النسبة) إشارة إلى القضية السالبة المحمول، وهي أن يسلب النسبة بين الطرفين. ثم يجعل المحمول المسلوب النسبة محمولا فيصيّر أجزاءها خمسبطل ملرفان. والثبوت بينهما. وسلب ذلك الثبوت. وثبوت ذلك المسلوب للموضوع (ومكررة ملاحظة الثبوت) بإضافة المكررة. أي يلاحظ الثبوت مرتين قبل السلب وبعده.. ويفرق لرحمن)نك القضيتين على الأكثر في الثنائية بی(لا) في المعدولة وبی (ليس) في السالبة. وفي الثلاثية بتقديم الرابطة على النفي في المعدولة وتأخيرِها عنه في السالبة (ومعدولة ذهنية في الخارجية) مثلا: "الماء ليس بجامد" قضية خارجية لكن محمولها ذهني..
(٩
وتالأربعة قبل الثمانية. إذا "كالنائمُ مستيقظ". [٭]: (فالأربعة قبل الثمانية) إشارة إلى أن في كلام الناظم سقطة.. إذ الأقسام تكون أربعة ثم تنتهي إلى الثمانية فهي مثل "النائمُ مستيقظ" إذ اليقظة قبل النوم...
(حةً أو السوالب محصلة، لأنها تصديقات الأَعْدام لا تكذيبات الوجودات. فإنّ تصديقَ العدم المحصل، غير تكذيب الوجود الغير المحصل وإن استلزمه.
— 202 —
(١١) أيها الناظم! أظنك تظننا صبحياةَ البين لمبادئ الحسابات.
والأول (١) الموضوع (٢) في الحملية والأخر (٣) المحمول بالسوية (٤)
(١) أي حقه الأول لأن المراد منه الذات..
(٢) وموضوعية الموضوع غير مركبايته وغير موضوعية المحمول؛ لاختلاف الجهة. كما في حمل الواجب الأعم على الخاصة المفارقة في "كلُّ ضاحك إنسان". وجزء القضية موضوعية الموضوع؛ لأن الجهة تنظر إليها.
(٣) أي ما شأنه "الآخر" كما في أصل الحمل؛ لأن المراد منه المفهوم وإن كاصمودهم مثل "زيدٌ حجر".
(٤) "السوية" سيئة الضرورة..
وإن (١) على التعليق (٢) فيها قد حكم فإنها (٣) شرطية وتنقسم
(١) اعلمأن الشرطية -التي ميحة. فشارة إليها- تنقسم باعتبار "النسبةِ": اتصالا وانفصالا... "والجهةِ": لزوما واتفاقا. عنادا وتصادفا.. "والمطابقةِ": صدقا مع صدق الطرفين وكذبهما وكذب الأول أي المقدم أي لامع كذب التالي أيضًالا كاتا محل الحكم.. لو كانت كاذبة كانت القضية بتمامها كاذبة. وكذبا مع كذب الطرفين وصدقهما والاختلاف.. "والكيفيةِ": إيجابا مع سلب الطرفين وإيجابهما والاختلاف. وسلبا مع إيجاب ااف بها وسلبهما والاختلاف. "والتركيبِ" إلى المركبة من حمليتين ومتصلتين أو منفصلتين أو مختلفتين.. "والصورةِ" إلى: الأصلية والمنحرفة، والمشبهة بالحملية بتقديم الموضوع على أدوات الشرط.. "وإضافةِ النسبةلتركيبمتخالف الطرفين نظير الولادة في المتصلة فيها الترتيب الطبيعي -أي بأن يكون الأول منشأ وعلة للآخر كطلوع الشمس ووجود النهار- وإلى متشابه الطرفين نظير الأخلع قليالمنفصلة.. "والكميةِ" إلى: الكلية باعتبار الأوضاع الشاملة للأحوال والأزمنة والأمكنة. وسورُها في المتصلة الموجبة "كلما، مهما، متى، حيثما، كيفما، أبدًا، دائمًا". وقس عليها ما يناظرها وما يتضمنها. ودك" -منفصلة الموجبة "البتة، بتة، بتلة، مستمرا، دائمًا، أبدًا". وكذا الجهاتُ الدائمة في الحملية سورُ الكلية في المنفصلة وقس عليها ما يشابهها وما يتضمنها حرفا وفعلا واسما. وفي السالبة الكلية فيهما "ليس البتنية إلأبدًا، لا دائما." وقس على النفي ما
— 203 —
يشابهه وعلى مدخوله ما يماثله. وإلى الموجبة الجزئية. وسورها فيهما "قد يكون". وإلى السالبة الجزئية. وسورها "قد لا يكون" وقس على "قد" ما يتضمنه :
ققليل والتكثير ما يماثله وعلى "يكون" ما يشابهه من الأفعال العامة والناقصة التامة، وقس على الحرف الفعل والاسم. وإلى الشخصية بالتقييد بوقت معين كالآن واليوم وغدا وهكذا... وإلى المهملة: ففي المتصلملأ صدلو، وإن، وإذا". وفي المنفصلة بی "إما وأو!"... [٭]: (فيها الترتيب الطبيعي الخ) حاصله: أن المتصلة يراعى فيها الترتيب الطبيعي لأن أحد جزئيها على الأكثر منشأ وعلة للآخر كالأب والولد فيقدم الأب ويؤخر الولد (كطلوع الشمل: مكتد النهار).. وفي المنفصلة الطرفان متشابهان في العناد والانفصال: كما أن هذا معاند لذاك هو أيضًا معاند لهذا.. حتى ليس العناد في أحدهما زائدًا أو ناقصًا كأنهما أخوان انقسم الاء".
#ينهما على السوية، فليس فرق يرجح تقديم أحدهما على الآخر. بل الترتيب في أجزائها على إرادة القائل.
(وإلى متشابه الطرفين) أي في العناد والانفصال كأنهما أخوان لا يزيد أحدهما على الآخر في العناد. وفي الانفصال متشابهان لا يجتمعان كالزوج والفرد. (ئمة علنة) عطف على الأوضاع لا على الأحوال. (وكذا الجهات الدائمة) كالضرورة والدوام (سور الكلية) خبر للجهات (ما يماثله) فاعل ليتضمنه (من الأفعال العامة) كحصل، ثبت، وقع، وجد، كان، لاَبَسَ. استقر (والناقصة الضمين (ككان بمعنى وجد. لكن توصيفها بالناقصة حكاية عن حالها الماضي..
(٢) أي حكم بالتعليق فبنى الكلام على التعليق. وبسر التلازم وتضمنِ المنفصلة للمتصلة هور- ع التعليق. [٭]: (أي حكم بالتعليق) أي الارتباط بين الجزئين أي فكان حق العبارة تعديته بالباء أي كما كان الحكم في الحملية بالثبوت لا على الثبوت كذلك طق أيضهنا بالتعليق لا على التعليق. وإلّا لزم أن يكون التعليق محكوما عليه وليس كذلك..
(فبنى الكلام على التعليق) أي التأخير والتردد الدال عليهما (إن)..
(وبسر اإلى ال الخ) دفع لما يرد: من أن التعريف غير جامع لخروج المنفصلة عنه إذ الحكم فيها بالانفصال لا بالارتباط. وجه الدفع: أن كل جزء من المنفصلة يستلزم نقيض الآخر. فبهذا الاعتبار يكون المنفصلة مستلزمة للمتصلة ومتضمنة ل الكفرم: "العدد إما زوج أو فرد" يستلزم "كلما كان زوجا فهو لا فرد". فبهذا الاعتبار يشملها التعليق فلا تبقي خارجة عن التعريف.
(٣) "الفاء" للّزوم، و"إنّ" لليقين، و"الهاء وقام ط بين الجزئين والاتحاد بين الحد والمحدود..
أيضًا إلى شرطية متصلة (١) ومثلها (٢) شرطية منفصلة (٣)
(١) إما "لزومية" ادعائية أو حقيقية، كما بين كل المصوص لات وكل المتساويات، وبين
— 204 —
الأصل مقدمًا وبين العكسين، وبين التعريف والمعرف، وبين الدليل مقدمًا والنتيجة، وبين الأخص مقدمًا والأعم، وبين العلة والسبب والعلامة مقدمًا وبين المعلول وغيره وقس..
"أو اتفاقية" أي اللمذكوربين الجزئين مستترة ليست بارزة لظاهر النظر، إذ الصدفة عقيدة فاسدة. والسلب سلب الاتصال لا اتصال السلبِ. إذ حكمة التسمية لا يلزم أن تطرد... [٭]: (كما بين : والوتضايفات) كالأب والابن. وجه التسمية: أن كلا يضاف في المعرفة إلى الآخر إذ يقال: الأب من له ابن وبالعكس. (وبين الأصل مقدما) إذ لو كان العكس مقدما والأصل تاليا لا يطرد اللزوملام!
إن كان النتيجة أو الأعم أو المعلول مقدما والدليل أو الأخص أو العلة تاليا لم يطرد اللزوم والاستلزام بين الطرفين مثلا: لا يقال كلما تحقق الحيوان تحقق الإنسان (أي العلاقة بين الجزئين مستترة) شذ الأستاذ هنا عما عكل وقتل المنطق من عدم العلاقة بين جزئي الاتفاقية مشيرًا إلى أن لا اتفاقية إلّا وفيها علاقة مستترة لا تظهر لظاهر النظر. مستدلا بأن التصادف كما لم يكن ولم يمكن فيب
#468ت الكائنات لزم أن لا يوجد في المسائل العلمية أيضًا..
غاية ما في الباب أن بعض العلائق مستورة عن بعض الأبصار والبصائر (والسلب سلب الاتصال) إشارة إلى ما يرد: من أنه إذا كان السلب في السالبة مضافًا إلى الاتصال لا يجوز عدها من المتصلات وإن لعالميافًا إليه للاتصال لا يكون سالبة بل هي إذًا موجبة معدولة.. وجه الدفع: أن وجه التسمية لا يلزم وجوده في كل الأقسام..
(٢) أي في التعليق، لاستلزامها لها أو لتأولها بها أو لانكشافها عنها.. [٭]: (أي في التعليق لاستلزامهامة ال وجّه وجه المثلية: بأن في المنفصلة أيضًا تعليقا بين الجزئين لاستلزام المنفصلة للمتصلة كما مر.. أو لتأولها بها يجعل كل جزء منها مقدما لنقيض الآخر..
(٣) إما عنادية كما في العناديات أي المتناقضات والمتضادات والمتقابلات، وكل ما ذكر من مظان اللغرض ومع تبديل أحد الطرفين بنقيضه وقس!.. وإما اتفاقية بأن لم تظهر العلاقة وإن كانت...
جزآهما (١) مقدم (٢) والتالي (٣) أما بيان (٤) ذات (٥) الاتصال
ما (٦) أوجبت نوب وش(٧) الجزئين وذات الانیفیصیال دون مين
(١) اندمجت أربع قضايا في واحدة، إذ التثنيتان في حكم التكرير. [٭]: (أربع قضايا) هي المتصلة الشاهدت والسالبة والمنفصلة كذلك (في واحدة) أي قضية واحدة. بل في كلمة واحدة أعني (جزآهما) إذ فيها تثنيتان إذا ضرب أحدهما في الآخر يحصل أربعا.
— 205 —
(٢) أي طبعًا في المتصلة، لتخالف طرفي اللزوم. ووضعًا في أختها، لتشابه طرفي المعاندة.دّية و: (أي طبعا) أي تقدُّمُ المقدم على التالي أمر طبيعي يقتضيه الطبيعة (في المتصلة) لأن طرفي اللزوم فيها متخالفان: أحدهما لازم، والآخر ملزوم. واللازم بعد الملزوم (ووضعا) أي على كيف الواضع في المنفصلة إذ الطرفان فيها متساويان في العناد لا فرق ض الشخ يكون سببًا للترجيح في التقديم والتأخير..
(٣) كالمقدم.. [٭]: (كالمقدم) أي تأخر التالي طبيعي كالمقدم لما ذكر.. اعلم أن السالبة الشرطية إذا تعدد المقدم يتحصل بتعددلاته و مقدار عدده قضايا نظرًا إلى جواز سلب التالي الواحد عن مقدمات كثيرة. وفي الموجبة يحصل التعدد بحسب تعدد التالي لجواز لوازم كثيرة لشيء واحد ولا اطراد في العكس.
اعلمأن الشرطية تتعدد في السالبة بتعدد المقدم. وفي الموجبة بتعدد الق لأقسريحًا أو ضمنًا. وفي الحملية بتعدد كلا الطرفين صريحًا أو ضمنًا. قيل: أو معنى..
(٤) أي التعريف باعتبار الجزء الصوري الذي هو مأخذ الفصل... [٭]: (أي التعريف باعتبار الخ) يعني: أن للتعريف مادالقياسلجزآن. وصورة هي تلازم الجزئين. الأُولى كالجنس. والأخرى كالفصل.
(٥) أشار إلى أن لفظ المتصلة من "ذي كذا" إذ المتصلة من المصطلحات، وامين الُ ليس من المشتقات ولو في صورة المشتق بل جامد ينسب إليه. [٭]: (المتصلة من ذي كذا) أي من باب ذي كذا. يعني: أن تلك الكلمة ليست بمشتقة على ما يتبادر إلى النظر لأنها من مصطلحات المنطقيين. والمصطلحات بمنزلة الجامتزج اقيمة لا تتولد من شيء ولا منها شيء بل ينسب إليها أو يؤول بما يدل على النسبة. كأمثال (ذي) أو (ذات). فالمتصلة بمعنى ذات اتصال..
(٦) أي فهو ما أوجبت باعتبار الدلالة ظاهرًا، إذ الاتفاقية لزومية بعد الاتفاق. [٭]: (أي فهو ما أوجة كوالارة إلى تقدير جواب (أما) والى دفع ما يرد من أن الاتفاقية مع أنها شرطية لا لزوم فيها فتبقى خارجة.. وجه الدفع: أن الاتفاقية بعد الاتفاق لزومية كما سيجيء...
(٧) أي تشارك في اللزوم مصدر للمعلوم والمجهول.
زمانك مأن اللزوم عقلي، أو حسي، أو عادي، أو عرفي، أو اصطلاحي، أو شرعي "جزئيا أو كليا".
فإن قيل: إن كان اللزوم "لا" فلا لزوم. وإن كان تسلسل ولزم الموجب بالذات..
قلت: اللزوم وكذا كل ما نوعُه فرده، وذاتُه صفته كالوجود ونحوه نوعه منحصر في
— 206 —
هذه الوجود، بسر عدم العبثية، ولا اعتبار بتسلسل الاعتباريات، إذ لا يلزمك أن تلاحظ اللزوم اسميًا. وفرقٌ بين "وجودُه لا" وبين "لاوجودَ له" كالفرق بين الحرف والاسم. والوجوبُ واللزوم بالاختيار لا ينافي الاختيار.. [٭]: (مصدر للسل.. إ أي اللازم (والمجهول) أي الملزوم يعني: أن التلازم يقع بين شيئين كل منهما لازم وملزوم للآخر. فالمعلوم إشارة إلى اللازم والمجهول إلى الملزوم.. (فإن قيل الخ)ّٰه الما قيل: إن اللزوم إن كان معدوما فلا لزوم، فكيف يبحث عن اللزوم. وإن كان موجودًا يجب أن يكون له مأخذ. وله أيضًا من مأخذ وهكذا.. يتسلسل إلى أن ينتهي إلى لزُها منب بالذات أي غير محتاج إلى لزوم آخر. هذا محال.. (قلت الخ) حاصل المقول: أن اللزوم -كالوجود والنور وغيرهما مما لا فرق بين الفرد والنوع- من الكليات المنحصرة في شخص موجود إذ لا محل للعبثية إذ لو لم يكن لتلك الكليات فرد موجود لكانت من العبثيات،دفع الوم كلي منحصر وجوده في فرد فلا إشكال.. ولو سلم التسلسل: أي لزومه على تقدير عدم وجوده فلا اعتبار لتسلسل الأمور الاعتبارية. ولا يلزم علينا أن ننظر إلى اللزوم اسميا أي غير اعتباري فلا إشكال. (وفرق بين وجوده لا الخ) هذا طريق آخر لْجِم شك الإيراد. حاصله: أن الوجود قسمان: أحدهما ضعيف تابع للغير كوجود معنى الحرف. والآخر قوي مستقل لا حاجة له للغير كمعنى الاسم. فقوله (وجوده لا) أي له وجود ضعيف تابع مساعدتلولا الغير لم يوجد. و(لا وجود له) نفي للجنس أي لاوجود له لا ضعيفا ولا قويا. فاللزوم ناظر إلى الأول لا إلى الثاني أي له وجود تابع للطرفين لولاهما لم يوجد.
(والوجوب واللزوم بالاختيار لا ينافي الرقي ور) بل يستلزمه أو لولا الاختيار لم يوجد الوجوب لأن الموجب مختار في أفعاله فالوجوب من أفعاله الصادرة عنه باختياره..
میا أوجبت تنافرا (١) بينهما (٢) أقسییامه (٣) ثیلاثیة فليعلما
مانع قنعين ) أو خلوّ (٥) أو هما (٦) وهو الحقيقي (٧) الأخص (٨) فاعلما (٩)
(١) أي سواء كان تضادًا أو تعاندًا أو تباينًا أو تنافيًا أو عدم ملكة أو تناقضا.. والمنفصلة والمتصلة سالبة كل كلأمر فالأخرى في أكثر الأحكام، إذ العناد بين الشيئين كما يستلزم سلب اللزوم بينهما يستلزم اللزوم بين أحدهما ونقيضِ الآخر. ولأن الممكن لابد لذاته وأحواله من علة تامة، وبعد الوجود يجب، كانت الاتفاقية عنادية. [٭]: (ولأن ال قوة اابد الخ) متعلق بكانت الآتية. وعلة لكون الاتفاقية عنادية (بعد الوجود يجب) يعنى: إذا تم العلة لوجود شيء من الممكنات يجب وجوده إذ لا يختلف المعلول عن العلة التامة (كانت الاتفاقية عنادية) لان الاتفاق بين شيئين شيء ممكن فإذا فرض له علة تامة يبعنف و الاتفاق وإذا وجب لزم وإذا لزم الاتفاق بين الشيئين يخرج الاتفاقية من الاتفاقية إلى العنادية..
(٢) أي "فقط" إذ كثيرة الأجزاء منفصلات كثيرة امتزجت.. [٭]: (أي فقط) ناظرلايل تثنية (هما) يعني: إن بدل التثنية بالجمع لم يصح الحمل بين التعريف والمعرف..
— 207 —
(٣) هذا التقسيم ككل تقسيمٍ كثيرُ الأجزاء، بين كل جزئين منع الجمع. وباعتبار المجموع منع الخلوّ رؤوس أو ادعاء أو استقراء..
(٤) أي فقط أو مطلقًا. وهو مستلزم لمتصلتين من عين أحد الجزئين مقدمًا، مع نقيض الآخر تاليًا. وسالبة كل من المتلازمتين مستلزمة ن، وتط الأخرى من منع الجمع وما يستلزمه من المتصلتين.. [٭]: (أي فقط أو مطلقًا) أي إذا أطلق ولم يقيد بقيد فقط كان شاملا للحقيقة أيضًا وإذا قيد به لايشملها..
(٥) كالجمع في التقييد والإطلاق واستلزا.. أي صلتين، إلا أن المقدم نقيض والتالي عين فيهما. [٭]: (والإطلاق) أي بدون فقط أو به (واستلزام المتصلتين) أي ومثل مانعة الجمع في استلزام المتصلتين إلا أن المقدم نقيض والتالي عين هنا عكس منع الجمع مثل (كلما كان حجرًا فمحرقة شجر وكلما كان شجرًا فهو لا حجر) هذا المثال يصلح لكلا القسمين..
(٦) أي فيستلزم تلك المتصلات الأربع.. [٭]: (أي فيستلزم تلك المتیصلات الأربع) ثنتان من جهة منع الجمع والأخريان من جهة منع الخلو..
(٧) أي حقيقة عن الال بديهية إذ الأولان نتيجتا اقترانيين من حقيقية صغرى ومتصلة كبرى. مثلا: إما حجر أو شجر. نتيجة لی: إما حجر وإما لا حجر، وكلما كان حجرًا فهو لا شجر. إذ ما لا يجامع اللازم لا يجامع الملزوم وقس منع الخلوّ.. [٭]: (والأولان نما زالاقترانيين) أي كلٌ مِن منع الجمع ومنع الخلو نتيجةٌ لقياس اقترانيّ صغراه منفصلة حقيقية وكبراه متصله مثل "إما لا حجر أو حجر وكلما كان حجرا فهو لا شجر"مْري ق"إما لا حجر أو لا شجر" هذا لمنع الخلو. والمثال لمنع الجمع "أما حجر أو لا حجر وكلما كان حجرا فهو لا شجر" ينتج "إما حجر أو شجر" (لأن ما لا يجامع اللازم لا يجامع الملزوم.) كما هنا إذ الشجر لكونه نقيضاالسحب جر الذي يجامع الحجر لا يجامع هو الحجر إذ يلزم حينئذ جمع النقيضين فهو معاند له فثبت المطلوب. وقس منع الخلو..
(٨) أي على رأي. إذ الكل أخص من الجزء، أي أو المباين. كما هو شأن العقل م من أنه يوقع المباينة بين الأقسام. [٭]: (أي أو المباين) عطف على الأخص (كما هو شأن التقسيم) من كونه متباين الأقسام إذ كل قسم قسيم للآخر...
(٩) أي تتبع ما لم أصرح به من تقاسيمها وتفاصيلها..
#20 وضعيفصل في التناقض
تناقضٌ (١) خُلفُ القضيتين (٢) في كيفٍ (٣) وصدقُ (٤) واحدٍ أمرٌ قفى
(١) اعلمأن الاثنينية إن كان فيهما الاتحاد؛ ففي الماهية وأخصِ الصفات "التماثل".. وفي ن ذاتا"التجانسُ".. وفي الكيف "التشابهُ".. وفي الكم المتصل "التوازي".. وفي المنفصل "التساوي".. وفي الوضع "التشاكلُ".. وفي الملك "التلابسُ".. وفي الأينِ "التجاورُ".. وفي الإضافة "التناسبُ"ر، وهو متى "التعاصرُ".
وإن كان فيهما الاختلاف فمطلقا "التغاير" ثم "التخالف".. ومع امتناع الاجتماع "التقابلُ".. ومع وجود الطرفين مع الدور المعي "التضايفُ".. وبدونه "التضادّ".. وفي الوجود "التعاند"، وفي الصدق "التبايلذهني.ومع عدم أحد الطرفين بشرط قابلية المحل "عدمُ وملكة".. وبدون الشرط في المفرد "التنافي".. وفي الجملة "التناقض" وقد يعمم..
ثم اعلمأن نقيض كل شيء رفعُه، والرفع لا يحتاج إلى بيان، إلا أن الرفع لما لم يتحصل دائمًا -وقد احتى خلافقياس الخلفي إلى نقائض محصلة، أي معينة مضبوطة- وضعوا شرائط وقيودًا لتحصيل النقائض...
(٢) أي هنا إذ المراد ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، وفيوقت الدات قد يترفعان "كالحجر والشجر عن الإنسان". [٭]: (أي هنا) دفع بعلاوة هذا القيد ما يَرِد: من أن التعريف أعم إذ (الخلف) يشمل الحجر والشجر. ولا تناقض إليه). فأشار إلى أن المقصد بيان التناقض في القضايا لا مطلقا فلا إشكال...
(٣) أي بشرط الاختلاف والاتحاد في واحد أو ثلاثة، أو ثمانية، أو ثلاثة ع (٢) ألاختلاف في الكيف، والكم، والجهة، ثم النتيجة في الصدق، والاتحاد في النسبة، أو المحكوم عليه وبه، والزمان، والمكان، والشرط، والإضافة، والجزئية أو الكل، وطبّلقوة أو الفعل في الطرفين. [٭]: (في واحد) أي النسبة الحكمية (أو في ثلاثة) أي الموضوع والمحمول والزمان (هذا عند الفارابي).. (أو ثمانية) هي وحدة الموضوع والمحمول والزمان والمكان والشرط كان آفة والجزء أو الكل والقوة أو الفعل (أو ثلاثة عشر) هي الدائمتان والعرفيتان والمشروطتان والوقتيتان والوجوديتان والممكنتان والمطلقة العامة (في الصدق) متعلق بالاختلاف المقدر بعد (ت [٭]مضاف إلى (النتيجة)..
— 209 —
(٤) أي المستلزم بالذات لكذب الأخرى.. [٭]: (أي المستلزم بالذات) احتراز عن قولنا (هذا إنسان هذا ليس بناطق)م الذاواسطة هنا مساواة المحمولين لا لذاته..
فإن (١) تكن شخصية (٢) أو مهملة (٣) فنقضها (٤) في الكيف أن تبدله (٥)
وإن (٦) تكن محصورة (٧) بالسور (٨) فانیقیض بضید سور68Nاالحياة
(١) اعلمأنك قد علمت أن القضية باعتبار منطوقها كما تفيدنا حكمًا كذلك باعتبار الكمية تتضمن قضية أخص. وباعتبار الجهة قضية أخرى أخص منهما. فمناط العكسين والتناقض في المسورة الموجام الأمنية.. فإن تجردت عن الجهة والسور ولم يقصدا فالنظر إلى أصل القضية.
اعلمأن الأفعال الناقصة صور النسبة الفعلية. وأن أفعال المقاربة تصاوير النسبة الإمكانية. وأن أفعال القلوب كيفيات الثبوت وجهافينا، بات.. فكأن صورة النسبة ظهرت للتوصل لجعل الاسمية فعل شرط. [٭]: (واعلم أن الأفعال الناقصة الخ) حاصله: أن تلك الأفعال ليست من أجزاء القضإن القدالة على وضعية النسبة بين طرفي القضية. مثلا: إنّ "كان" في "كان زيد قائمًا" إنما يفيد زمان وقوع نسبة القيام إلى زيد. وإن المنسوب والمسند إلى زيد القيام لا "كان". لكن لكان فائدة إليه إذ إنها مجوزة لجعل الجملة الاسمية فعل شرط في "إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود" إذ لو لم يكن "كان" لم تكن تلك الجملة شرطا.. وأن أفعال المقاربة أيضًا ليست أجزاء حقيقية، وإنما هي مصورة ومقربة للنسبة الكائنة بين الطرفين من الإمكانحكم اللوقوع.. وأن أفعال القلوب كيفيات تتعلق بالثبوت الواقع بين الطرفين في الخارج وجهة مؤكدة لإثبات ذلك الثبوت في الذهن.
(٢) أي موضوعها شخص حقيقة أو اعتبارًا كالكل المجموعي..
(٣) أي فإن لم ينظر إلى كونها في قوة المسورة فذاك.. وإلا فالبعضبادل؛ م في حيز النفي يعم.. [٭]: (وإلّا فالبعض المبهم الخ) حاصله: أن المهملة في الإيجاب من الجزئيات أي في حكم الموجبة الجزئية وفي السلب من الكليات أي في حكم السالبة الكلية، لأن موضوعهتفكر فمبهم والبعض في حيز النفي يعم أي يفيد معنى كليا: هذا إذا قصد من المهملة المسورة.. فهي حينئذ من المحصورات إيجابها من الجزئيات وسلبها من الكليات. (يعم) أي فيكون المهملةإلّا ا من المهملات داخلة في عداد المحصورات..
(٤) أي فهو قليل المؤونة. فاستغن بما أعطاك التعريف.. [٭]: (أي فهو قليل المؤونة) لا يحتاج معرفته إلى زيادة كلفة واشتغالٍ بل يكفي لمعرفته ما أفاده التعريف الذيهف:٨٦)ارة عن تبديل الطرفين بالإيجاب والسلب..
— 210 —
(٥) أي لابد من الاتحاد ثلاثية والاختلاف في الكيف.. [٭]: (أي لابد من الاتحاد ثلاثية) أي لزم اتحاد النقيضين في الموضوع والمحمول والزمان والاختلهم الكالإيجاب والسلب فقط (هذا عند الفارابي)..
(٦) اعلمأن التناقض إنما ينظر إلى الجهة والسور، إذا نظرا إلى النسبة. وأما إذا دخل "ذا" المحمول فَلكريم أو الموضوع قبل الحكم فشخّص الكلية. أو دخلت "تاك" عقد الوضع أو صارت جزء المحمول فلا..
اعلمأن نقيض الضرورة -ذاتًا أو صفة أو وقتًا- الإمكان كذلك. والدوام -ذاتًا أو صفة- الإطلاق كذلك. فإن شهذه الصيل الجهات فعليك بتعليقاتي في المنطق. [٭]: (اعلم أن التناقض إنما ينظر الخ) أي التناقض بين القضيتين من الموجهات والمحصورات ناظر إلى السور والجهة. فإن لم يكونا في موضعهما الطبيعي: بأن دخل (ذا) أيكراد ا (المحمول فحرف) أي جعل القضية منحرفة. وإن دخل الموضوع (فشخص) أي جعل القضية شخصية قبل مجيء الحكم وملاحظته. وإن دخلت (تاك) أي الجهة عقد الموضوع أي قيدًاافر الوع مثل (كل إنسان بالضرورة فهو حيوان) أو كانت جزء المحمول: مثل زيد ضاحك على الدوام (فلا) أي يختل التناقض بذلك التبدل..
(٧) أي منصوصة الكلية المقصودة.. [٭]: (أي منصوص تشرف المقصود من المحصورية جعل الكلية مثلا مقصودة معينة بالنص بحيث لا يبقى في ذلك خفاء..
(٨) أي كالسوار الصحيح أو المنكسر.. [٭]: (أي كالسوار الصحيح) إشارة إلى سور الكلية (والمنكسر) إلى سور الجزئية..
فإن (١) تكن موجبة (٢نني به (٣) فنقضها (٤) سالبة جزئية
(١) أطنب بالشرطية بدل الحملية، إذ المقصود تعليم العلم العملي، لا العلم فقط. ولجعل الثابت واجبًا. [٭]: (أطنب بالشرطية) أي أطال. حاصلة تال-الحملية دالة على الثبوت بين الطرفين وهو محل تعلق العلم لا عمل ولا تعليم فيه. والشرطية كالتهجي تعليم وتفصيل لذلك الثبوت وتعلقاته. والمقصود هنا التعليم لا العلم وحده.. وأيضا أن الشرطية تدل على أن تحقق الجزاء مشروط وموقوف على تحقق الن، وبعيث متى تحقق الشرط تحقق الجزاء. فبهذا الاعتبار يكون الثبوت الثابت في الحملية لازما وواجبا في الشرطية. وتركُ الواجبِ للعمل بالسنة، ليس من دأب أهل السنة، فلذا اختار الشرطية على الحملية..
(٢) أي ولو معدولة أو سالبًا. أفمول.
(٣) أي ولو مهملة خطابية.. [٭]: (ولو كانت مهملة خطابية) أي لأن المهملة في الظنيات والخطابيات في حكم الكلية والكلية نقيضها جزئية.
#2لمعنوي(٤) أي اللازم المحصل، لا الحقيقي الغير المحصل. وهو سالب الكل. وعدم الفاء دليل وجود "فاعلم أن" في [٭]: (اللازم المحصل) حاصله: أن نقيض الشيء رفعُه فنقيض الموجبة الكلية رفعها وهو سالب الكل. وهذا ولو كانوال في حقيقا لكنه غير محصل فأقيم لازمه مقامه أعني السالبة الجزئية.. النية..
وإن تكن سالبة كلية فنقضها موجبة جزئية
اعلمأن العلم غداء لابد له من هضم، فالًا: أنعجول الرَّحْوَانُ يتذلق عن الحقائق "أي يمر بها ولا يأخذها أو يفوز بها ويأخذها" لكن تتقطع الحقيقة في يده "أي في يد ذهنه" ولا تنمو ولا تتوسع فيه بل تخرج هاربة من الذهن ثم يَجمع كسراتِ حقائقَ انسلبت خاصيةُ النمو عنها في حافظته ف (٥) هضم ولا تنبت بل قد يتقيؤ هو أو تنفسخ هي. "وسطحية الذهن أشد مرض ألمّ بنا" فلتشويق الأذهان إلى الدقة، أعجزتُكم أيها الناظرون بما أوجزت في هذه الرسالة.
ما تیمیت
— 212 —
اعتذار
لئن أدركتَ في شرحي فتورًا ووهنًا في بيهي الخلمعیاني
فلا تسند لنقصي إن رقصي على مقدار تسعيد الزمان
لأني زمانا ما حشرت ما رشح من فكرى شرحا على حاشية الأستاذ، كنت فاقدًا للراحة والشباب مفلوجَ الذهن غائود وال الأمثال والأقرآن، شريدًا عن الوطن وقد صرت كالهائم، بل كالبهائم، بل كالبوم، دائرًا عائشًا في الأقفار، هاربا عن شرور الأشرار، تخطرت حينما تصجزئية قاله ابن الفارض:
وأبعدني عن أربُعي بعد أربَع شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي
فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا وبالوحش أُنسى إذ من الأِنس وحشتي
نعم، من كان راكبًا إن ااهل الغربة، وكان أنيسا بالوحشة، وجليسه الوحدة، وسميره الكربة، وموطنه الخربة، هل في الإمكان أن تخلو كتبته عن الخطأ والسقطة، لاسيما إذا كان المشرحة كأمثال "قزل إيجاز" بالغة من الإغلاقط المحجاز، إلى حيث دون حلها خرط القتاد، وخرق الإعجاز. فالمرجو من النظار، ذوي دقة الأفكار، وَحدّةِ الأبصار، أن يصلحوا خطيئاتي، ويصححوا غلطاتي، ويبينوا ما عجز عن حله فكري، وضاق عنه صدري، ن الائ عن بيان متنه متني، وعمي عن رؤيته طرفى وعيني... على أنى ما كنت من رجال هذا الرهان، ولا بذي شأن في هذا البيان، أوان شبابي وأنا ابن ثلاثين، فكيف بي هذا الامتحان وألسلطة ثمانين، ولهذا قد بقى مواضع باكرة غير مفضوضة بفكري أحلتها لذوى الأفكار الثاقبة، من دهاة أذكياء الاستقبال بعد خمسمائة سنة.
عبدالمجيد
— 213 —
ومما يدل على درجة دله؟
ستاذ سمكا وعمقا في أوائل شبابته:
أنْ سُئِل -وهو ابن عشرين- عن ثنتي عشرة كلمة على هذا الشكل "فيل" بلا نقطة ولا حركة. وقيل له -والقائل الشيخ أمين البتليسي- إن أصبت في تنقيطها وتحريكها وتفسيرها نح عما ت من الأذكياء وإلّا فلا يبقى لك بين الأذكياء "لا رفع، ولا نصب، ولا جر". وكان الأستاذ حينئذ حافظا لما في القاموس من اللغات إلى باب السين.. فبالاستمداد بما حفظ أجاب بعد ثعاريف يام: ولقد أصاب فيما أجاب - هكذا: كتب أولا الأشكال (فبل. فبل. فبل. فبل. فبل. فبل.فبل. فبل. فبل. فبل. فبل. فبل. ثم وضع على الحرف الأول من كلها نقطت الأمات الحرف الأوسط أيضا نقطتين من كل تلك الأشكال إلّا الخامس وضع تحته نقطة واحدة ثم حركها هكذا:
قِيلَ (١) قَيّلْ (٢) قَيْلَ (٣) قَيْلٍ (٤) قَبْلَ (٥) قَيْلٍ (٦) قِيْلَ (٧) قَيْلٍ (٨) قِيلَ (٩) قَيْلُ (١٠) قَيْلٍ (١١راد الّل (١٢)
ثم فسَرها هكذا:
(١) (قِيلَ) ماضي مجهول من القول.
(٢) (قَيّلْ) أمر من باب التفعيل بمعنى الإعطاء.
(٣) (قَيْلَ) اسم ليس ه (٤) (قَيْلٍ) اسم رجل والتركيب إضافي.
(٥) (قَبْلَ) ظرف.
(٦) (قَيْلٍ) أي العصر. والتركيب إضافي.
(٧) (قِيْلَ) أي اللبن.
(٨) (قَيْلٍ) اسم من أسماء الإبل.
(٩) (قِيْلَ) ماض مجهول.
(١٠) (قَيْلُ) البكلا.. (١١) (قَيْلٍ) أي ذلك الرجل.
(١٢) (قُيّلْ) أعطى له اللبن.
— 215 —
تعليقات
على برهان الكلنبوي
في المنطق
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
— 216 —
بسم اللّالحقائحمن الرحيم
— 217 —
مقدمة
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه؛ وبعد؛
فهذه الرسالة هي المخطوطة الوحيدة، وكانت تُظن أنها مفقودة، لذا فما إن أُعلن عن العثور عليها حتى بادر العالم الفاضل زين العابدين الآمدي إلى تبيييضًا.
ضوح على النمط القديم. أما الأخ الكريم عبدالقادر بَادِللِى فله قصب السبق في تبييض الرسالة وتنسيقها وتنظيمها ووضعِ أرقام لهوامشها؛ فقد بذل جهودًا مضنية وصَالمدارن وقته أياما بل شهورًا وسنين عدة في فرز الجمل المتداخلة والهوامش المتراكبة، وتَرْجَمَ بعض فقراتها إلى التركية، فهيأ نسخة منسقة محققة، وأهدى لي نسختها المصين، مقفجزاهما اللّٰه عنّا خير الجزاء وأجزل ثوابهما؛ لذا اقتصر عملي في الرسالة على الآتي:
١ - عرض النسخ بعضها على بعض وهي:
أ- النسخة الخطية الأصليعني: أالملا حبيب.
بی- نسخة خطية مبيّضة للعالم زين العابدين الآمدي.
جی- نسخة خطية مبيضة منسقة للأستاذ عبدالقادر بادللى.
د- نسخة خطية تبدأ من ص٤٤-٥٩ أهداها لي الأخ الكبير سعيد أوزدمير.
٢- تنسيق الرسالة مجددًا بوضع متنها في أعلى الصفحة تاعدا عمتون "الكلنبوي" ووضع الهوامش المذيّلة في النسخة الأصلية بی"تقرير" والهوامش الجزئية الموجودة بين الأسطر في أسفل الصفحة.
٣- اكتفيت بمقابلة الأخ بادللي لمتن الی"كلنبوي" فكل هامش يشير إلى صفحاته منقول مباشرة من نسخة الأخ الفاضلصدق واأن كل هامش مذيل بی"ع. ب" فهو منه أيضًا.
وحيث إن باعي قصير في علم المنطق، لم أقم بعمل علمي يُذكر خلا ما ذكرت، إلا أن المولى القدير منّ عليّ بمن له إلمام بهذا العلم، فكمّل و إمالت عنه من تنسيق وتهميش فقابل الرسالة والمخطوط وراجعهما وضبط كثيرا من كلماتها، وهو الأخ الفاضل "أجير أشيوق المحترم" فجزاه اللّٰه عنا خير الجزاء وأجزل ثوابه..القرآنمد للّٰه أولًا وآخرًا.
إحسان قاسم الصالحي
— 218 —
في الصفحة الأولى من المخطوط ما ترجمته:
"إلى حضرة الأخ الكبير! أقدم لحضرتكم تقريراتكم في أثناء تدريسكم لَوهموهان" والمسماة بی"تعليقات" بخط المرحوم الشهيد الملا حبيب راجيًا دعواتكم مقبّلًا أياديكم الكريمة"... وفي صفحة تالية:
"أيها الناظر إلى هذه الأوراق التي تتقطر عبرًا.. هذه صفحاتُ مسوّداتِ رسالةٍ في المنطق ألّفها الأستاذ بديع الزمان سعينواع ارسي في مدينة "وان"، في أثناء تدريسه لطلابه، ولا سيما لأخيه وطالبه الملا حبيب ولَمّا أتمّها حيث اندلعت الحرب العالمية الأولى..وفي خضم سيل الزمان الجارف، فارق الأَخَوان أحدهما الآخر. وكانت نهاية المطاف أن صار الأخ الصغير ال دكّه بدالمجيد مفتيًا في "أُورْكُوبْ" سنة ١٩٤٠ فاستقر فيها.. وكان يحتفظ بهذه المسودات ذكرى تلك الأيام التي خلت. ولكن هيهات.. هيهات.. مضى ذاك وذهب.. ومضى الآخر وذهب. ومرّناسلة،ن ومضى! فيا ترى هل سيظهر من يتصفح هذه المسودات ويقرؤها؟ وهل سيأتي ذلك الزمان؟ هيهات.. هيهات.
سأجول مع همومي وأحزاني حتى المحشر
فهذه أقدارنا نتحملها.. أيها الحبيب!
عبدالمجيد"
— 219 —
وفي نهاية المخطوط ما ترجمته:
"إأتي..الرسالة الموسومة بی"تعليقات" هي ما كتبه بديع الزمان سعيد الكردي من حواشٍ على كتاب "برهان كلنبوي" ودوّنها أحبُّ طلابه إليه والملازمُ له في الدرس الملا حبيب، فسجل هذه التقريرات من بديع الزمان على صووالاستشٍ وهوامش.. كان ذلك في سنة ١٣٢٩هی ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى وذهب بديع الزمان والملا حبيب كواعظين مع فرقة "وان" إلى جبهة القتال في "أرضروم"، وعادا معًا بعد عام وقد احتُلت "وان" من قبل الأرمن، فانسحبن إلى نقضاء "كواش" واستشهد الملا حبيب هناك، فحملتُ الرسالة التي خطها طوال سني الهجرات من مدينة إلى أخرى ومن قصبة إلى أخرى حتى حللنا في مدينة "ملاطية" سنة ١٩٤٠ ومن هناك مفتيًا في قضاء "أُوركُوب".
كانت الرسالة أوراقًا متفرقة فجمّعتها وجلّدتها، َن من ل أن يأتي زمان ويُبعث العلم والدين من جديد، ويظهر في الميدان أناس يقرؤون أمثال هذه الرسائل. وعندئذٍ يقدَّر قدرُها ويُعلم ما فيها من فكر عميق وذكاء نافذ. ولكن هيهات.. فلا ذاك الزمان يأتي، ولا أولئك القراء يظهروقتضي اسلام..
عبدالمجيد١٩٥١"
— 220 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه.. والصلاة على رسول اللّٰه
اعلمأن المنطق آلة قانونية، تعصم مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ فياسة.
.
لابد لمن يبتدئ بشيء من العلوم:
من معرفة الرؤوس الثمانية استحسانًا: وهي الفهرستة، [٭]: كما صار عادة على ظهر الكتب المطبوعة وبعض المكتوبة، فيقال مثلًا: باب، أو فصل، أو بيان النسب، أو الحدّ، أو القياس. وق6
أ مثلًا: بيان الحدّ يفيد المحدود. أو القياس ينتج، فهو بيان المسائل إجمالًا. (تقرير) وبيان المسائل إجمالًا، واسم الفن، وموضوعه، وغايته، وتعريفه، وشرفه باعتبارٍ مّاوسطيّةباعتبار الموضوع أو الغاية، أو الدليل والرتبة. هل هو من موجود النقش، أو اللفظ، أو الذهني، أو الخارجي؟ ليكون تحصيل المحصّل على ما فرضه الشرف والرتبة.
.
وثلاث عرفًا:وهي الموضوع، والغاية، والتعريف.
ومن اثنين عقلًا:وهما التصوّر بوجهٍ مّا. والتصديق بفائدةٍ مّا.
فاللازم أن نبتدئ أولًا بالتعريف، [٭]: لأن كل فعل اختياري لابد من مباد أربعة: التصور بوجه ما، لأن طلب المجهوله النسق محال. فالتصديق بفائدة ما، لأنها الباعث للإرادة الناشئة من الميل، الناشيء من الشهوات، المتوقف عليها. فالإرادة، وهو القصد للتخصيص، فالشروع للإخراج... (تقرير) وهو نوعان: إما بحسب الموضوع [٭]: وهو كالحدّ. أو الغايلاتهم ]: وهو كالرسم.
والتعريف بحسب الغاية أولى؛ إذ العلم بالغاية يزيد شوق المحصِّل. فهذا، أي المنطق علم آليّ. وتعريفه بحسب الغاية موقوف على معرفة وجه آليّته. ومعرفة وجه الآليّة موقوفة على جهة احتياج ما يحتاج إليه. وهو كل العلوم [٭]: حتى نفسهري في ة الاحتياج عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر. وتصوير سلسلة الاحتياج هكذا: الفكر ليس بصحيح بالدوام للاختلاف الكثير، ولا يكفي للتمييز عقلُ كلّ، بل مراعاة الكلّ، أي العقل العمومي الذي
— 221 —
هو المنطق، [٭]: لأن المنطق من حيث هو آلة للعلوم لَّ شئكالمعقول الثاني للأول. ومن حيث هو علم جوهريّ اسمي، يحتاج لآلةٍ. فآلته بعضه البدهي للبعض النظري. (تقرير) المفسر بعضه بعضًا؛ إذ طريق الاكتساب العمومي الفكر. إذ البعض بدهي والف الفرري، يكتسب التصور من التصور، والتصديق من التصديق؛ إذ شرط الولادة المجانسة. [٭]: والتصور والتصديق مغايران في المتعلق والمتعقل كليهما، إذ الأول كالعقد، والثاني كالك الكم إن العلم إما تصور وإما تصديق. فاصعد من هنا في هذه السلسلة السلميّة.
ثم تعريف (العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل) [٭]: غير من حصول الصورة الحاصلة، لأن العلم من مفعول الكيف، واليخاطَبن مقول الانفعال، ويأتي قريبًا: إن الذي حصل في الذهن فهو باعتبار تكيف الذهن واتصافه به يسمى علمًا. وباعتبار ظرفية الذهن له يسمى معلومًا، فالعلم كيفيته. وأمالأخلاقير بالهيول فمجاز. (تقرير) [٭]: كلنبوي ص٣ س٢٢. وهي إما تصور [٭]: وهو الأصح. إذ التصور متوقف على إما الوجود وهو الخارجيات الوجود. أو الثبوت وهو الاعتباريات، وتسمى الأحوال. والمحال ل، ولكنة له، لا ذاك ولا ذاك. فلا يتصوره الذهن ذاته إلّا بنوع تمثيل بمماثلة في بعض وقت الإثبات، أي الحكم. وأما تحليل الاجتماع فتذكرْ ما مرّ في المجهول المطلق. بأن العنوان من الطرفين كآلة النمائية والمعقول الثاني. فيأخذه ويفرض وراءه أفرادًا غير مرئية في الخارج، فيحكم عليه في الذهن. فثبت لأفراده فيه بالامتناع. والاتصاف به في الخارج، فالإثبات له في الذهن. والثبوت فها.
ن لمصداقه في الخارج، والاتصاف به في الخارج.(تقرير) أو تصديق. فلا يرد بلزوم اعتبار وحدة المقسم.
أن التصديق مركب من الموضوع والمحمول والنسبة سوّل.
. [٭]: قلت: لأن الحكم ربطها [٭]: ووحّدها. وكل منهما إما بدهي، أو نظري مكتسب بالنظر. لأن التقسيم لا يخلو من أن يكون الكل من كلٍ بدهيًا [٭]: هذا قياس اقتراني مقسم. أو الكل نظريًا، أو مبعّضًا، لأن [٭]: دليل الصغرى. نظريّ كلٍ لا يكتس بوضوحدهي الآخر. فالأولان [٭]: كبرى. باطلان، لأنه لو كان الكل بدهيًا [٭]: هذا قياس استثنائي دليل الكبرى. لما جهلنا شيئًا، [٭]: أي جهلًا محوجًا إلى النظر، لا مطلقًا. لأنا جاهلون ببعض البدهيات. ولیو كان الكل نظريًا، لیدار أو تسلسل. فاللازم فه بوسااطل، والملزوم كذا.. فبقي [٭]: نتيجته. بعض التصور بدهيًا، وبعضه نظريًا. والتصديق
— 222 —
كذا.. فالمبعضية ثابتةٌ؛ لأن الشيء يثبت ببطلان نقيضه. فببطلانِ "كلُّ التصور بدهي"، يثبت نقيضه. وهو "ليس كل
#179 بدهيًا" ولازمه، وهو "ليس بعض التصور بدهيًا" ولازمه، وهو "بعض التصور ليس بدهيًا" ولازمه؛ إذا كان [٭]: يعني: أن السالبة مستلزم للمعدولة المحمول، إذا كان الموضوع موجودًا في أحدهما، وإلّا فالسالبة أعم. الموضوع موجودًا. وهو "بعض التكی"الإ بدهي" ونظيره. وهو "بعض التصور نظري". وقس البواقي.
(وقد يقع الخطأ في الاكتساب، والعقل غير كاف. فلابد من قانون وهو المنطق) [٭]: مأخوذ من كلنبوي ص٤. وأصل العبارة: "فاحتيج إلى قانون... من ته. فبصال عاصم عن الخطأ وهو المنطق". فعرّف المصنف رحمه اللّٰه بحسب الغاية والموضوع.
إن قلت: قد أخطأ المنطقيون ما أخطأوا، فكيف يكون عاصمًا؟
قلت: أقاموا الصنعالحريةهّلة مقام الطبيعة، الصّنّاعة. والصنعة ولو كان على أكمل ما يمكن، لا تساوي الطبيعة.
ثم مراتب العلم هيولاني، وبالملكة، وبالفعل، ومستفاد، وحدسي، وقدسي.
ثم النظر، كَشَفَ ترتب العلل المتسلسلة في الخلقة، فيحلّل ويركب، [٭]: باعتبار خَلقِ اللّٰمنة أوميلَ المحاكاة والتقليد. (تقرير) فيكون قابل العلم والصنعة.
وقيل باعتبار الشرط: تجريد الذهن عن الغفلات.. وقيل باعتبار التحليل: تحديق العقل نحو المعقولات، كتحديق البصر نحو اليوجد ف.. وقيل باعتبار التركيب: ملاحظة [٭]: مع التفطن وتذكر هدف. المعقول لتحصيل المجهول.. وقيل باعتبار الصورة: ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجي. الذ ثم طريق حصول المطلوب؛ إما بالإلهام، [٭]: يعم الوحي. كعلم الأنبياء والأولياء، أو التعليم للأوائل عند الملاحدة، أو التصفية عند الإشراقيين، أو النظر عند الحكماء. فالثلاث الأُول لا يمكن لكل أحد، فبقي النظر [٭]: اعلم أن النظَمَا جخلقه اللّٰه في البشر، يكشف به ترتب العلل المتسلسلة في الخلقة.. فی"الترتيب" إشارة إلى الفاعلية والصورية، و"أمور" إلى المادية، و"للتأدي" إلى الغائية. والسر والحكمة في حسنالنورايف المشتمل على العلل الأربعة جميعها فيه. لكن يحمل صفات مأخوذة من العلل على المحدود. إذ لا يجوز ذلك، فلا : يقال: الكرسي جلوس السلطان، بل مجلسه. مع أن الحدود والمحدود أو المكنى به إليه مطلقًا ما يجب الهمل اللّٰه متحدان. (تقرير) وحصول المطلوب به توليدي عند المعتزلة، وعقلي عند الرازي، وإعدادي
— 223 —
عند الحكماء، وعادي عند جمهور أهل السنة. فللفكر حركتان: تحليلي ان، يلي. فلكلٍ مبدأ ووسط ومنتهى. فمبدأ التحليليةِ المادية، [٭]: العلمي. المطلوبُ بوجه ما. ووسطها المبادي الغير المرتّبة. ومنتهاها الأجناس العالية والفصول [٭]: للتعريف. البسيطة والأإذ الم [٭]: للدليل.
ومبدأ الحركة التركيبية الصورية [٭]: الصنعية. منتهى الأول. ووسطها المبادي المرتبة. ومنتهاها المطلوب على وجه الكمال. [٭]: أي المطلوب.
ثم العلم واحد اعتباري، لابد له من ضابط، ليتحد كالخيعتناقهالسّور. والحال أن الضبط بالتعريف، وشرطه المساواة. ومرجعها القضيّتان الكليتان.. [٭]: والأشهر، بدل الأول عكس نقيض الثاني لإخراج الأغيار. (تقرير) وهما "كل ما صدق عليه تعريف المنطق صدق عليه المنطق. وكل ما صدق عليه المنطق صدق عليه تعريفه"ابع منأول "المانعية" وبالثاني "الجامعية". لئلا يطلب ما لا يعني، على عدم المانعية، ولا يترك ما يعني، على عدم الجامعية.
فان قلت: الغرض من الحد تحصيل الأوسط، لإدراج الجزئي تحت الكصَّلَةلحال أن العلم كلّ لا كليّ، له أجزاء لا جزئياتٌ. مع أن اسم العلم عَلَم [٭]: لأن الأعلام غالبًا منقولة، فبقاعدة: إن المعاني اللغوية أسیاس وحبّ للاصیطیلاحيات، وتوَضّعُ الاصطلاحيیات رت خلا ويكمّلها باعتبیار الشرائط إيّاها، يعلم بالتفكّر فيها أن المقصد الأقصى من المسیمى بهذا، أيّ.. (تقرير) الشخص، والشخص لا يُعرف إلّا بالإشارة الحسية؟
قلنا: إن أجزاء العلم لعدم امتزاجها محمد اء المأة- صارت كالجزئيات. فلما صار الجزء كالجزئي، صار الكل كالكليّ، [٭]: أي يصحّ حملُ ما كالجزئي على ما كالكليّ.. (تقرير) فيثبت الإدراج بقياس أوسطه حده) بزيادة له دخلاكتراالصغرى، ومن على الكبرى.
— 224 —
ثم الموضوع:المعلومات التصورية والتصديقية، فعِرق كل علم موضوعه.. وما سواه تفرعات تنبت عليه. لأن النصب بالفتحة مثلًا وصفُ المعرب، وهو وصف الاسم، وهو وصفمائل إة. فوصف وصف الشيء وصفه. والصفة إن كانت مجهولة كانت جزءًا، وبعد الجزئية كانت صفة، وإذا استمرت صارت عنوانًا. [٭]: فلذا يتشعب الموضوع، وبكثرة أوصافه يتكثر الم".. وك(تقرير) ومقدمة الشروع [٭]: والكتاب دكان البزاز فيه هذه الأشياء. التصديق [٭]: هذا هو في كل موضع. بموضوعية الموضوع، لا تعريف عنوان الموضوع فإنه النسباعة [٭]: هي تطبيق العلوم الآلي. البرهان [٭]: وهي تطبيق المنطق في طرق اكتساب العلوم. ولا تعريف مَا صَدَقِهِ، فإنه من المبادي التصورية. [٭]: أي تعريفات المصطلحات وموضوعات المسائل، التاليلات والتشبيهات وغيرها.. ولا التصديق بوجوده، فإنه من المبادي التصديقية، وهي الأدلة. وما يتوقف عليه الإثبات، [٭]: أي إثبات الأوصاف للموضوع. يعني الثبوت في لازمه [٭]: وهو وجود الموضوع. وتعريف بعض لعنوان الموضوع.. وهو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. فلتحصيل الحد الأوسط [٭]: ما يتوقف بهذا حاصل الخ. لهذا التصديق، [٭]:لاك" لوضوعية. والغاية يلزم أن تكون معتدة [٭]: لئلا يكون سعيه عبثًا.. ومعتبرة، [٭]: لئلا يكون عبثًا عنده وعند غيره. ومقصودة، [٭]: لئلا يقع في ذهنه فتور.. ومهمةً، [٭]: ليزيد شوقه. ومخصوصة. [٭]: أي ت النفسائدة مخصوصة به، ولو بالنسبة لئلا يتردد بينها، فيلزم الترجيح بلا مرجح.
ثم لما كان الإفادة والاستفادة باللفظ، احتجنا إلى البحث عن اللفظ الدّال.
ثم بين الموجود الذهني واللفظي روابط أربع، هي مناطشر، فاأوصاف: الوضع، [٭]: فمنها العموم والخصوص يرد الاشتراك والتأويل.. الدلالة، [٭]: الظاهر والنص والمفسر والمحكم والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. الاستعمال، [٭]: الحقيقة والمجاز والصريح والكناية. الفهم. [٭]: العبارة والإشارة ومه: أن قتضاء الصدق أو الصحة.
— 225 —
مسائل كل علم قضايا حملية موجبة كلية ضرورية نظرية. وماعداها مؤول بها، لأن الموضوع ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية؛ إما بذاتها أو مع المقابل المحصل المبحوث في ذلك العلم. [٭]: إلّا أنه لما انقسم الموضوع تشعب المات كی"توزيع الأقسام على الأقسام. يعني يحمل العوارض الذاتية له، أو لأنواعه، أو لأصناف أنواعه كليًا. لأن الذاتية شاملة بالإيجاب، لأنها له، عليه أو على أنواعه أو عوارضه بالضرورية. لأنها ذاتية بالدليل للبحث.
سلسلة المنطق:الاظ بالتتوقف على الدليل.
والدليل باعتبار الإفادة؛ إما يقيني، وهو القياس، [٭]: هو استدلال الكلي على الجزئي. وإما ظني، وهو التمثيل [٭]: استدلال الجزئي على الجزئي. أما استدلال الكلي على الكفرّق ا داخل في الأول. تأمل! والاستقراء. [٭]: استدلال الجزئي على الكلي.
والقياس باعتبار المادة:الصناعات الخمس؛ أعني: البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والمغالطة.. وباعتبار الصورة: هي الد): يعالأربع. فإن كان من الحمليات فاقتراني.. ومن الشرطيات فاقترانيات. وباعتبار الأجزاء: صغرى وكبرى. والأجزاء قضيةٌ، ولها أحكام: هي العكس والتناقض.. وباعتبار الحالشافيطية وحملية. [٭]: أما الثبوت له "حملية"، أو عنه "منفصلة"، أو عنده "متصّلة".. وباعتبار الكيف: موجبة وسالبة.. وباعتبار الكم: مسوّر وغير مسوّر. وتتوقف على تصور المحمول والموضوع، وهما من المفردات. وتصورها بتعريفها، وتعريفها هو القول الش وتطهّركب من الكليات الخمس. والكليات أقسام الكلي (وهو) قسم المفهوم [٭]: المفهوم والمعلوم والمدلول والمعنى والمسمى والمقصود واحد. والمفهوم هو المعلوم، [٭]: بين هذين عموم من وجه هو موضوع المنطق.
ثم الدلمثلًا،[٭]: اعلم أن الثلاثة عقلية. إذ الأشياء تدرك بالعقل على الأصح. لكن لما كان دخل الوضع فيه، نسب إليه. ولما كان دخل الطبع فيه أيضًا نسب إليه. ثم الأقترسم ت هذا الأخير ثلاثة. أما المعتبر فيه طبع اللفظ، أو المخاطب، أو المتكلم. أي إن المتكلم يراجع نفسه حين سماعه..أُحْ.. مثلًا، بأني إنما قلت ذلك حين البعضدري. ويقيس المخاطب على نفسه. تأمل! (تقرير) طبيعية وعقلية ووضعية.
— 226 —
والوضعية:مطابقية وتضمنية [٭]: وإن كان المقسم فيها الوضع. لكن الأخيرين عقليان، أمور أما بالعقل. فلا دخل للوضع فيهما، إلّا في الأول وباعتبار أنه القسم الأعظم وفيه دخل الوضع، اعتبر الوضع في المقسم. (تقرير) والتزامية.
وكل العلوضمن والالتزام يتصور بوجوه ثلاثة، بإرادة [٭]: وهو المطابقة المجازية. مستقلة أو مشتركة [٭]: وهو الجمع بين الحقيقة والمجاز، لكنه جائز على مذهب. أو بالتبع. والثالث هو المراد في المنطق، والثلاثة في البيان. والمطاب!!.
]: أي أعم منها مطلقًا. لا تستلزمهما كما في البسائط، [٭]: للافتراق عن التضمن. وما لا يعلم له لازم [٭]: للافتراق من الالتزام. بيّن بالمعنى الأخص. وعند الإمام الرّازي الالتزام لازم للمطابقة. لأن الماهية الخارجية لها تشخص [٭]: كه (٤) يحصل من إحاطة المقولات به. وهَیذِيَّیةٌ. وفي الذهن [٭]: لأن كثيرًا من الأشياء حاصل في الذهن لكن ليس حاضرًا عند تصور وذكر بعض لغفلة الإنسان عى لغة و منها. تأمل! (تقرير) لها تعين وهوية. وهما هو هو [٭]: أي وجوده عين ذاته. ليس غير. وسلب الغير لازم لتلك الماهية البتة. ورُدّ بان الحصول لا يستلزم الحضور.. واللزوم البيّن وهو بالمعنى الأخص اللازم للالتزام حضوري. وهما يستلزمانها، لأنهما تابعاعداد.
تابع من حيث [٭]: إنه تابع. لا يوجد بدون المتبوع. [٭]: يعني أن متبوع التابع المقيّد بالحيثية، بأن يقال: "المتبوع من حيث هو متبوعُ ذلك التابع لا يوجد بدونه" والحال: إن المطابقة أا. وبعلقًا منهما؟
أجيب... الخ.. يعني أن الحيثيات ثلاثة للتقييد كما في الموضوعات في التعاريف. وللتعليل: كزيد من حيث إنه عالم مكرّم. وللإطلاق: كالإنسان من حيث إنه إنسان حيوان نامية، الذي للتعليل باعتبار الصفة، أي إثبات صفة يكون علة للحكم. والذي للإطلاق كما هنا. يعني أن التابع من حيث إنه تابع أي ذاته محتاج للمتبوع وموصوف بالتابعية.. وأما حيثية المتبوع باعتبار الصفة الإضافية فقط، يعني أن ذاته لا معنى إلى المتبوع، فيوجد بدونه. بل باعتبار اتصافه بهذا الوصف وهو المتبوعية. تأمل! (تقرير) واعترض [٭]: إنما كان الأول داخلًا والثاني خارجًا. لأن السلب نسبي لا يكون داخلًا في الماهيات. تأمل! (تقرير) بأن الكبرى ممنوع بالتابع الأعم، [٭]: كالضيترسباتًا. وإن قُيّد بالحيثية. فالمتبوع مثلها أيضًا؟
أجيب:بأن الحيثية للإطلاق تتضمن علّية الاحتياج باعتبار الذات لا الصفة الإضافية فقط.
— 227 —
ثم الدال مفرد، إن لم يقصد بجزئه دلالةٌ على جزء معناه الا تنه، وإلّا فمركب.
ولأن المفرد عدمي يوجد بعدم جزء من الأجزاء. فعدم الأخص [٭]: فلزم أن يكون له تعاريف، وهو غير حسن. بل لابد من تعريف واحد، وهو لا يحصل إلّا بعدم الأخص. وهو القصد يعمّ. [٭]: أي يعم نقتعاريفر القيود لأن نقيض الأخصّ أعم من نقيض الأعم والأخصّ كالأخوين يقتسمان الأشياء بينهما فما نقص من حصّة واحد زاد بقدره من حصّة الآخر وما ضاق من واحد اتّسع الآخر مثلا الإنسان أخصّ من الحيوان. (تقرير)
والمركب وجودي يتوقف على وجوداستدلاالأجزاء. فلهذا كان للمركب فرد، وللمفرد أفراد [٭]: ستة واقعًا.. وواحدًا وثلاثين عقلًا. ومن هنا [٭]: هذه النكتة. يقال: "التخريب أسهل منينقل عير". [٭]: يعني أن فطرة كل إنسان وخلقته مائلة إلى الرياء وإراءة نفسه الخلقَ، وحريص عليه يطلبه من ما أمكن. ولشدة حرص بعض إياه. وأن التخريب اسهل لكثرة طرقه، إذ يوجد بعدم كل جزء يُرى نفسه بذلك، وإن لم يكن وصفًا حسنًا. والبعض صاحب الثروة يُرى وجوديتير. فاسمع واعمل به فإنه درس الأخلاق. (تقرير)
ثم إن المفرد اسم، وكلمة، وأداة. إذ منبع الوجود [٭]: وفي لسان الحكمة؛ صلب ومايع وهوائيمن لا وحركة [٭]: أي صفة. ونسبة. فالذي يحكى عن الذات اسم، والذي يخبر عن الحركة فعل، والذي ينبئ عن النسبة حرف. وقد تتولد الحركة من الذات والنسبة. كما منهما الذات. وما يقع في الجواب [٭]: أي الاستفهام. منها م) قُيِما لا غيره.
ثم إن حقائق الثلاثة متخالفة بالذات، متشابهة في التعبير. فالاستعانة تحت "الباء" وفي "أستعين". ومن الاستعانة كالهواء والماء والجمد. أو كالماء والتراب والحجر. وإن من المعاني الحرفية ما لا وطن لها، بل كالاد قد السَّرْسَرِيّ الطفيلي [٭]: هو الذي يتبع المدعوين بدون دعاء الداعي. كأننا ندعو ألفاظًا مخصوصين بمعانيها. وتلك المعاني الحرفية تتبعها بغير دعائنا. (تقرير) يتداخل في طيارات أخويه، وقد يتشربانه. [٭]: أي الفعل والاسم تلك المعانيأخرى و عصرتهما تقطّر [٭]: أي معنى كأن تضمن قصيدة واحدة تحسّرًا أوتمدّحًا مثلًا. (تقرير) بل تقطرت. [٭]: أي معانٍ.
— 228 —
فإن قيل: إن الحرف جسم لطي الأمري، لا يقدر أن يأخذ معناه. [٭]: مع أنه من الدوال اللفظي الوضعي. إذا أدلى دَلوَهُ [٭]: في قليب القلب. رجع يابسًا [٭]: أي بدون معنًى. فيكون عاجزًا عن الإدلاء والدلالة؟
أجيب:[٭]: أي لا يلزم عجز الحرف وسينتش أخذه معناه. إذ المعنى ليس قابلًا لصفة الحرف وحده إياها. إذ كونه هوائيًا أكثر وأشد من الحرف تأمل! وأجيب بهذا عما يقال في حق الواجب: من أنه لا يقدر على جمع النقيضين الناس تأمل! (تقرير) بأن العجز من عدم قابلية المحل، لا يدل على نقصان قدرة الفاعل.
ثم المركب إما ناقص [٭]: وهو نسبي أو توصيفي. والأول أضافي ومزجي وهو تضمني وصولي.. الخ. أو تام، يصح سكوت المتكلم عليه [ وكما يث لا ينتسب إلى القصور. بالنسیبة لأصل المراد [٭]: لا باعتبار مطلوب السامعين. والتام إما خبر أو إنشاء، وهما كالعلم الفعلي والانفعالي. ففي الأول الذهن مبدأ معدّي، [٭]: العلة الاحدة.
و أن يكون المعلول متوقفًا على وجود العلة وعدمه، كحركات الإنسان مثلًا. والعلة المقارني هو أن يكون المعلول متوقفًا على وجودها فقط كالشمس مثلًا. (تقرير) (أي علة) للخارج. أي يتوقف وجود الخارج ع هذا اه، وهیو المعلول، كما يتوقف على وجوده. وفي الثاني بالعكس، أعني [٭]: أي علة. الخارج مبدأ، [٭]: أي علة. مقارني [٭]: للذهني. فالإنشاء كالأوقلع م٭]: لا نفسه. فلا يتقابلان حتى يقع الارتباط بينهما بالصدق والكذب. وما يتصور بعد الخارج [٭]: أي الوجود. شبيه [٭]: لما عدم، ومخترع ما وج
كالخبر كالثاني فيحتمل الصدق، أي يدل عليه، لأنه تصديق. ويحتمل الكذب عقلًا، بناء على جواز تخلّف المدلول عن الدال الوضعي [٭]: أما الطبيعي والعقلي فلا يجوز التخلف منهما. والمراد أن محصل القضية [٭]: أي روحه وهو: ج ب مثلًا. أو الموضى للصغول. أي مع قطع النظر عن لبسه البدهي وصورته التشخصية والدلائل الخارجية. يحتمل الصدق لفظًا، والكذب عقلًا.
— 229 —
ثم الكل: إما حقيقة أو مجاز [٭]: اعلم الحينعنى الحقيقي في المجاز والكناية وأقسامهما لا يذهب بالكلية أصلًا. بل إما متوضع عليها، أو جلّ أو جلد. وهو إما محال، أو ممكن موجود.. أو لا. أما في الكناية فهو مطلوب وجلد، فلابد من الإمكان. إذ المحال لا يكون مطلوبًا، لكنه تابع للمكنى به، أي كحراك مناف يتصورها، فينقل إلى المكنى إليه فلا يلزم وجوده. إذ الممكن يتصور، وان لم يكن موجودًا. مثلًا: قلتَ: زيد كثير الرماد وطويل النجاد... فإنهما كنايتان عن السخاوة وطول القدّ. والحال أنه لا رمادت عديديف له في الواقع. لكنهما ممكنان.
وأما في المجاز فلابد أن يتصوّر.. ليتصور سلسلة الخارجي، ويمرّ فيه إلى إيصال المعنى المتجاوز إليه، كأمطرت السمور.
اتًا مثلًا، وقس عليه. فيجوز أن يكون محالًا، إذ يتصور. لأنه غير مطلوب من حيث هو معنى. بل لفائدة البلاغة فقط، فهو صورة. وفي الاستعارة ليس. فهو متخيل لفائدتها أيضًا.
واعلم أيضًا أن المعنى الغير الحقيقي للّفظ لابد أن يكون مطم أُخذتنظر، ومقصودًا من الكلام باعتبار قصد المقام. مثلًا كالسخاوة لكثرة الرماد، والشجاعة للأسد، والعين للرقيب، والأذن للجاسوس وقس. فتنتقل من المعنى الحقيقي للّفظ إليه. سواء حق -لحبعًا له حقيقة كَمِنْ كثرة الرماد (بأن قلت: "زيد كثير الرماد" وانتقلت منه إلى السخاوة).. أو اعتبارًا كَمِنَ السخاوة. (أي بأن كان المقصود من المقام الثابت كثرة َرِد ع لزيد مثلا.. وإعلام المخاطب إيّاه بالكناية فتقول: "زيد سخي") باعتبار المقام. فتكون كناية. أو كان متبوعًا حقيقة؛ كمن الأسد مثلًا. أو اعتبارًا كمن العين والأذن مثلا. فيكون مجازًا. لكن المطل في الاستعارة أي الانتقال من المتبوع الاعتباري إلى التابع الاعتباري، قليل. والغالب من الحقيقي.
أما المشهور فهو: أن في المجاز قرينة مانعة من الحقيقي دون الكناية. وان المجاز استعمال في اللازم دون الساد؛ إبل هو في كاللازم فاحفظها أي غلام (أَوهَ فَرُقَا سَيْدَايَه) )جملة كردية من الملا حبيب تعني: هذه هي ميزة الأستاذ(. (تقرير) ومن فوائده: التعظيم، والتحقير، والترغيب، والتنفير، والتزيين، والتشويه، واالحاصل، والضبط، والإثبات، والإقناع، ومطابقة تمام المرام.
(ومنه: المجاز المرسل. إن كانت العلاقة غير المشابهة مثل الحلول [٭]: كهم في رحمة اللّٰه أو فيُهما و. والكون، والأَوْلِ، والسببية، [٭]: كأسنام الإبل في السحاب. والجوار، [٭]: كالراوية. والمظهرية وغيرها [٭]: هذه منابع فادخل المثل. تأمل. ) [٭تفشي. ن الكلنبوي ص٤ س٢٠ هو: "والمجاز إن كان بغير علاقة المشابهةِ مثل الحلول والسببية والجوار أو العموم...".
ومنه (الاستعارة التمثيلية: [٭]- يسمّتعرض للمجاز العقلي تقليدًا بالمتعلق. كاستعمال الأمثال المضروبة في أشباه معانيها) [٭]: مع فرق طفيف مع متن كلنبوي ص٤ س٢٢. ومن
— 230 —
التمثيلية صور الكلام وأساليبه المحتشمة.أو كناية، وهي إما في الصفة [٭]: ككثير الرماد وعريض القفا.الجنس موصوف [٭]: كعريض الأظفار. أو النسبة. [٭]: كإن السماحة...الخ.
والانتقالُ [٭]: بيان الفرق بين المجاز والكناية باعتبار غير المشهور. من التابع [٭]: حقيقة أو اعتبارًا. إلى المتبوع كذ الزمايةٌ. ومن المتبوع -حقيقة أو اعتبارًا- إلى التابع كذلك مجازٌ [٭]: كرأيت أسدًا. فالانتقال من الأسد وهو المتبوع الحقيقي إلى الشجاع وهو التابع الحقيقي. (تقرير) وكلاهما أبلغ، إذ هما كإثبات المدعى بالدليل...
يیاها.المعنى الحقيقي لكونه مطلوبًا في الكناية لابد له من الإمكان. ولكونه تبعيًّا كالحرف لا يلزم أن يوجد...
وفي المجاز [٭]: اعلم أن المعنى.. وفيزي لابد أن يكون مقصودًا من الكلام ومطمحیًا للنظر، أما كان الحقيقة يقال، باعتبار أنه مدار الحكم؛ كالأذن للجاسوس والعين للرقيب.
والفرق هو: أن الانتقال من الحقيقة تابلى الل متبوعًا إلى مثله - كذلك ظاهر كالانتقال من الأسد إلى الشجاع في الاستعارة، ومن الأصابع إلى الأنامل في المرسل، ومن كثير الرماد إلى السخاوة وقس!..
وأمال.. ونقال من التابع أو المتبوع اعتبارًا إلى مقابلتها.. كذلك فباعتبار المقام، بأن كان التابع الحقيقي مقصودًا من الكلام ومدارًا للحكم؛ كالشجاع في الاستعارة، والأنامل في المرسل، والسخاوة في الكناية. فتقول: "رأيت شجاعًا وأنا مع:من آذانهم، وزيد سخي.. وتريد منها الأسد والأصابع وكثرة الرماد لتكون الأمثلة على تمامها. وإلا فيتداخل أمثلة الأقسام. ولكن الغالب في الاستعارة والكناية من الحقيقي إلى مثله. أما في المجاز فكثير. ت الشق) لكونه متصورًا لفائدةِ [٭]: في المرسل.. ومتخيل في الاستعارة. البلاغة فقط، غير مطلوب من حيث هو معنى. فلابد فيه من قرينة مانعة [٭]: وهو يكون منتقلة. للمعنى الحقيقي عقلًا أو حسًا أو. ولتك. ومن قرينة معيِّنة للمراد، وقد تتحدان. [٭]: بل تتحد. وفي الكناية من قرينة منتقلة ومعينة، وفي المشترك المعينة فقط.
— 231 —
(فصل في الكليّ والجزئي)[٭]: المفرد والمركب قسمان. للفظ أولًا وبال المشتللمعنى ثانيًا وبالعرض. والكلي الجزئي بالعكس. (تقرير)
(إذا علمت شيئا يحصل في ذهنك منه صورة، [٭]: اعلم أن الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل باعتبار تفصرت كذهن واتصافه بها (أي بالصورة) علم. (يعني كما أن المرآة بَنْجَرَةُ (أي نافذته) عالمِ المثال بِمُلْكِهِ قطعة زجاج كالقرطاس؛ فيزين ويتكيف نفسه وصورته بأي لون من أي شيء قابلته. وبملكوته واسع وعميق ترتسم الأشياء الغير المتناا أظهره، فيكون ظرفًا لها.. كذلك الذهن بَنْجَرَةُ عالم الغيب بملكه موجود الخارج. لأنه قطعة لحم من البدن، إما في الرأس أو الصدر، يزين ويتصف ويريف: "لونه المأخوذ من الأشياء.. وبملكوته واسع الخ). وباعتبار مظروفيته لها معلوم (أي بالصورة) ومفهوم ومدلول ومعنى ومسمى ومعقول ومقصود لترادفها. وهو (أي المعلوم) موضوع هذا العلم، فلزم الن- حتىه، فهو قسمان: جزئي وكلي... وذكر الجزئي في المنطق استطرادي، لأنه يبحث عن المضبوطات. والجزئي لكونه غير متناهي ومتغيرًا أحوالُهُ، غيرُ ثابت. فلا يفيد الكمال (يعني النقطة والدرجة المقدرة للإنسان هو الكمال الحكمي، وهو التشبّه بالواجب. والح الفكرعبّرون عنه بالتّشبه بالمبادي العالي.. الخ. ونحن "باللوح المحفوظ" أي إن الإنسان ككاغد بيض قابل للارتسام). الحكمي، المعبر بالتشبه بالمبادي العالي والعقول العشرة (وهم الملئكة العظام) الفي الاليه (أي الكمال) إليهم كل النفوس التي تكون خريطة للعالم. وإنما ذكر (أي الجزئي) لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها. لأن الأمور النسبية كالحسن والشجاعة مثلا لا توجد ولا تتصورًا، ولتصور القبح والجبانة. وهي من حيث قيامها بخصوصية ذهنك علمٌ. ومع قطع النظر عن هذه الحيثية معلوم ومفهوم.
فذلك المفهوم بمجرد النظر إلى ذاته - إن لم يجوّز العقلُ اتحادَه مع كثان لاح[٭]: (قوله: اتحاده مع كثيرين.. الخ) أي اشتراكه - كما عبّر به كثيرون..
إن قيل: إن كان المراد بالاشتراك التجزّيّ يلزم أن لا يوجد الكليّ ي تُحضي جزئياته. وإن كان الاشتراك بكله مع كل جزئيٍ، يلزم ثبوت الشيء الواحد في أمكنة متعددة في آن واحد. وإن كان الاتحاد مع كل جزئيٍ، يلزم اتحاد الجزئيين في الخارج بالواسطة..؟ (لأن متحد المتحد متحد)
قلنا: المراد اشتراك الجزئيات فيه (أي في الكلي أهل الا واتحاده معهن. وهما كمطابقة روابط المركز إلى نقطات الخطّ المحيط له (أي المركز). أو كتساوي نسب موزونات الحقّة. أي (تفصيل للاشتراك) كأن -فرضًا- أن تلبس نقطةُ المركز أو الحقةُ لبسَ نقطة من نقطات اى إلى أو الموزونات، أو (تفصيل للاتحاد) انتقل المركز من موضعه وسار في رابطة نقطة يصير عند الوصول نفسه وعينه. وبقاعدةِ: الحقائقُ لا تتحد (ولا العبث في الأشياء) فإن قليليّات متقررة في أذهاننا، وكلاء فيها للجزئيات. كما أنهنّ نوّاب لها في الخارج، وهما متغايران ذاتًا، فلا تتحدان. فإذا قربّنا الجزئيات بالملاحظة منهنّ يفنين، فنظن أنهما اتحدا، وليس كذلك. فاشتراك الجزئيات فيه خيالي. واتحاد الكًا.
هنّ وهميّ، والتجزي مردود.
والكليّ قسمان:
: ممتنع أفراده، كشريك الباري. بل كلّ المحالات ونقائض الأمور العامة لإجماع النقيضين (على فرض الأفراد) بوصول الشيئية للثاني (لا للأوّل وهون لم يالباري)
وممكن أفراده، لا يقال: إن الواجب داخل فيه، فكيف يقابل الممتنع. مع أن سَلْبَ الضرورة من جانب فيهما. لأن (علة للنفي) للممكن بالإمكان العام ثلاث صور: سلبها من جانب الوجود، ومن جانبموجبة ، ومطلقًا. فالممتنع من الأوّل، والواجب من الثاني، والثالث غير معتبر، وهو (أي الممكن) قسمان أيضًا:
معدوم أفراده في الخارج كالعنقاء. بل كلّ شيء مخالف للعادة الجاري (بين الكائنات) ولقانون العالم. لأن (علة العدم) شرائلطبيعياة لا تساعده.
وموجود. وهو قسمان:
إما الموجود واحد مع امتناع الغير -كواجب الوجود-، أو إمكانهِ -كالشمس- لأن لكلّ ماهية في الذهن تعيّن وهويّة.. وفي الخارج تشخّص وهَذِيَّة. فإذا فرضنا الأفراد متحركًفي الخارج تعلّق بها تشخّصه، وهو لازم الماهية فيه، فتتعلق به أيضا، فيصير المفروض نفس الموجود. فلم يحصل المراد. وإذا فرضنا للثاني تعلق بها تشخصه، وهو كاللازم فيكون ممكنًا، ولكن بموافقة انتظام عادة اللّٰه وعدم العبث في خلق الألباهرةا توجد، لاستغناء نظيره عنه.
أو متعدد محصور، كالكواكب السيّارة. وليس المثال للكليّ بل مِصداقه. والكليّ يونانيّ ليس في العربية مرادفه. وكل ما نسب للعالم العلويّ كذلك. بل بعض مصنوعات النفوس الينهم..لقلة الأسباب المشخصة لها.
أو متعدد غير محصور عندنا، وغير متناهي عند الحكماء. وذلك لتعدد الأسباب المشخصة لها. (تقرير) في
— 232 —
الخارج [٭]: (قوله: في الخارج.....) احتراز عن زيد إي نفس ّره جماعة. لأن المراد اشتراك الذهنيّ الظلّيّ في الخارجيّ الأصليّ، لا العكس، (وهو اشتراك الخارجي في الذهنيّ، أو الذهني في الذهنيّ، تأمّل)!...
أسلوبفرق بين الجزئيّ الحقيقي والكلي الفرضي: أن الثاني فرض ممتنع بالإضافة، أي الفرض ممكن والمفروض ممتنع. كباب مفتوح في موضع غير ممكن الوصول إليه والأول بالتوصيف، أي الفرض ممتنع كالأفراد من حيث له. كباب مغلق فعلوم و ممكن الوصول إليه لا الدخول. وإنما ذلك، لأن على تقدير الإمكان يجتمع الضدّان لأن الفرض مستلزم وجود المفروض في الذهن. ويستلزم عدم التشخّص في الخارج للجزئيّ. وهو جزء الجزئي الموجود في الخارج. وعدم الجزء مستلزم لعدم كما في فاستلزم الفرض وجود الشيء (وهو الجزئي في الذهن) وعدمه بالواسطة وهو محال. (تقرير) فهو جزئي حقيقي كی"زيد المرئي".. وإلّا فكلي. سواء امتنع فردرهم.
لخارج كشريك الباري تعالى واللاشيء، ويسمى كليًا فرضيًا، أو أمكن ولم يوجد كالعنقاء أو وجد الواحد فقط مع امتناع غيره كواجب الوجود، أو مع إمكانه كالشمس.. أو وجد متعدد محصور كالكواكب السيارة. أو غير محصور كالإنسان... وذلك الا ومع ذو معنَى حملِ
— 233 —
الكليّ على جزئياته مواطأة وصدقه عليها. إما في الواقع، إن كانت الجزئيات موجودة فيه.. أو في الفرض؛ إن لم توجد إلّا في مجرد الفرض) [٭]: كلنبوي ص٥ س١٥.
ومعنى الحمل: هذان المفهومان المتغايران في الذهن،جود مسن في الخارج.
والكليّ [٭]: (قوله: والكليّ بحمل المواطأة... الخ) اعلم أن الحمل قسمان: اشتقاق، وهو أن يحتاج المحمول في صحة الحمل إلى قيد زائد، بل مشتقه يحمل صحة كحمل المصادر على موصوفاتها كی
هدًى للمتقين
مثلا. أي ذلك ذو هدى، يعني نفس تكم فيهداية المجسّمة.. ومواطأة، وهي اتحادي. أي هو هو حقيقة، أو ادّعاءً كحمل الحدود على المحدودات. وبالعكس، لكنه قليل. والموصوفات على صفاتها كالناطق زيد. واشتمالي، أي هو تحته لعمومه، كن عباسمشتقات على موصوفاتها كی"زيد ناطق أو عالم" مثلا. لكن الرازي لم يجعل الاشتمال قسم المواطأة بل قسيمه. فالأقسام عنده ثلاثة، بجعل المواطأة اتحاديًا.. وسَيْدَا (أي حدّ يشذ) على مذهبه. قرر تعليقه هذه فاحفظ.(تقرير). (المقصود بی"سيدا" بديع الزمان). أجير المحمول [٭]: على جزئياته. بحمل المواطأة يعطي موضوعه أي أفراده، حدّه واسمه. ويتحد به عند الرازي. والكلّ بخلافه. فحمل الجامد [٭]: كسائر الحدود على الهو الذت. والموصوف [٭]: على صفاتها، نحو القائمُ زيد. مواطأة وغيرهما إما اشتقاق [٭]: أي هو "ذو"، كسائر المصادر. أو اشتمال. [٭]: كحمل المشتقات.
ثم المحال فرضيّ لا ينطوي عذاته، بل بنوع تمثيل. [٭]: أي لا يكون معلومًا إلّا بنوع محاكاة. وليس بوجود [٭]: أي بموجود.. ذهنيّ.
(ثم الكليّ إن ثبت لأفراده في الخارج ولو على تقدير وجودها فيه، فهو مي "جواوّل. سواء ثبت لها في الخارج فقط، كالحارّ للنار) [٭]: كلنبوي ص٤٠ س٢٤.
إن قيل: يتصوّر مع النار وصف الحرارة، فتكون ثابتًا لها في الذهن أيضًا؟
أجيب:بأن الحرارة إنما تكون تابعًا وناعتًا إذا كانت عرضًا. والت والمتلذهن صورتُها،
— 234 —
وهي جوهرية اسميّة تجاور النار. [٭]: الذهنيّ. أي هو مأخوذ من النار الخارجيّ، مستقلًا لا عارض للنار الذهنيّ. والزوجية هويتها الأصلية بعينها تعرض للأربعة [٭]:ون أفرخارج. وصورتها [٭]: في الذهن. كهوية الضياء للشمس [٭]: في الخارج. ومثالِها. [٭]: في المرآة.
(أو) ثبت (في كلّ من الخارج والذهن، كذاتيات الأعيان المحققة) [٭]: كلن الحكم س٢٧. والمقدّرة ولوازمها.
اعلمأن كون ماهيات الأعيان المحققة من المعقول الأوّل، بناءً على قول من يقول إنها بعينها في الذهن. وأن الوجود الذهنيّ ثابت [٭]: أي ليست رنكر الين العالم والمعلوم. وأن ما في الذهن مثال لا شبح. وأن تصرف الذهن في الوجود، [٭]: والتشخّص لا في الماهية، فذاتياتها ولوازمها بعينها في الذهن. (وإن ثبت لها في الذهن فقط، فهو معقول ثان) [٭]: كلنبوي ص٦ س١.
اعلم[٭]: تفريلبلاغةام المعقول الثاني. أن ما يعرض في الذهن إما لا دخلَ له في الإيصال [٭]: إلى المجهولات. كالأمور العامة، [٭]: المبحوث في الكلام [٭]: والحكمة. وهي الوجود، والوجوب، والإمكان وغيرها. وإما له دخل في الإيصال. لكن ليس عنوانًا للغير، ك. وال الأمور العامة. [٭]: وكتعارف الاسميّة لمصطلحات المنطق التي تعرضها ويتوضّع عليها المنطق الحرفي. (تقرير) وإما موصل وعنوان فهو المعقول الثاني المنطقي، كمفهوم القضية والقن ذلك يرهما. وكمفهوم الكليّ المنقسم إلى الكليات الخمس المنطقية، العارض للماهيّة المنقسمة إلى الخمسة الطبيعية.. ومجموع العارض والمعروض إلى الخمسة العقلية.
— 235 —
(ولا شيء من هذه الكليات بموجود في الخارج لاستحالة الوجود (الخارجيّ) بدون التشخّص) [٭]ترشدهاوي ص٥ س١٠. وهو ضدّ الكليّ المشترك. وما قيل: [٭]: أي اختلف فيه. فقيل: إن الكليّ المنطقي موجود فيه لأنه موجود في الذهن، والذهن موجود في الخارج. فينتج أنه موجود في الختالي صما أنّ الدرّة في الحقة الخ.. وليس كذلك، لعدم تكرر الأوسط في قياسه. لأن لكل شيء ملكًا وملكوتًا، وللذهن أيضًا كذلك. فالشيء في ملكه علم، وفي ملكوتيته معلوم. فيصف العلأوسط في الأول دون الثاني. مثلا تصور ذرّة زجاجة رقيقة، فالسماء بمسافتها الطويلة مرتسمة في ملكوته، والذرة بملكه داخلة في حبة خردل. فتأمل!..
في يستصبرت الكليّ المنطقي من قبيل الأوّل، فموجود في الخارج.. وإلا فليس بموجود فيه. وهو الأصحّ. ثم ذهب المشائيون والمتأخرون -كما يأتي- إلى وجود الطبيعي. وتفصيله) كليةلأفكار في أنواع الأشياء ثلاثة. أحدها لأهل السنة: وهو أن لكلّ نوع ملكًا مسلّطًا عليه بأمر اللّٰه يتصرف فيه، ليس له طبيعة مؤثرة.. والثاني للإشراقيين: وهو أن لكلّ نوع ربًّا يتصرف في مشخصاتتشكيكيلنوع، وتستمد الأفراد منه. وهو موافق لذلك النوع بل متّحد معه. لو تلبّس لبسَ مسلّطه لكان عينه. والثالث للمشائيين: وهو أن لكلّ نوع ماهية مجرّدة موجودة في الخارج، منشأ ومرجع للمشخّصات، وهي طبيعة مؤثرة فيها. وأما اللف ولان فقاموا وذهبوا إلى وجود الطبيعي في الخارج. ولكن لا بما قالوا، بل أثبتوا بدليل نظري. وهو أنه جزء الموجود، وجزء الموجود موجود. والجواب مذكور. (تقرير)
إن جزء الموجود [٭]: الخارجيّ. موجود؛ [٭]: في الخارج. فالعالم حيث كان جزءًا، أي في الذهن. فإن الذهن [٭]: لا يقال: يلزم التغاير بين الخارجي والذهني، لأن الذهن يفصّل. الخ.. أي تصرفه فيه بالتفصيل لا يكون كذبًا. (تقرير) شئت تفي يفصّل ويشرّح ويكثّر ما اتّحد وامتزج في الخارج.
— 236 —
اعلمأن المصطلحات [٭]: اعلم أن مصطلحات المنطق عنوان للأفراد كالزجاج والمرآة، وموصل، كما مرّ. إما بالذات باعتبار نفس تلك الآلة، لأنها لمحاكمك بواسطة قراءتها. أو بالواسطة، باعتبار أنها تكون بمرتبة، أو بمراتب جزء الموصول. وأن المنطق من حيث هو آلة تبعيّ حرفيّ هوائيّ واسع، وقد تكون اسميًّا طبيعة. فإذ يخرج منه كالطيور ويتوضّع عليه.
فلوع محمأنّ الكليّ في تعريف الكليات الخمسة جنس ذاتيّ لها، وهو مقيد. فيكون أخص من المعرف المطلق، فيلزم وجود الأعم وهو المعرّف بدون الأخص وهو كونه جنسًا وهو محال. لأن ما يقوم به هو الأجزاء. فبعدم جزء منه يكون معِم لا
إذ الاعتبار مختلف؛ فباعتبار أنه توضع وعمّ جزئيات المعرف وغيرها جنس وجزء أعمّ، فلا إشكال؛ وباعتبار أنه خرج من الطبيعي الاسميّ الحرفيّ وتوضع مقيدًا خصّ وليس بجزء، فإنه بهذا الاعتبار مدعيّ. كونه ابن ابن ابن ابن ابنه. أو أب... الخ. لأنه قياس غه الجنس وتوضّع عليه وهو جنس الجنس، وهو نوع جنس الكليات، وهو نوع الجنس المطلق، وهو نوع الذاتي، وهو نوع الكليّ ففصّل!..
واعلم أن تفسير الكليّ في تعريف الكليات بمقول على كثيرين، لئلا يتوهم أن الجنس ينحصر في النوع، كالنوع في الشخص، يعني أن امر فرضأخص، وكرر في الكلّ للطرد.
ثمّ اعلم أنّ النوع متى ضاق حتى تجسّم وثبت، ازداد كمال النوعية وتكون حقيقيًا. ومتى اتّسع وانتشر، تخرج من طبيعت يفلت ا يكون إضافيًا. وأن الجسم متى اتسع وانتشر حتى يكون هواء وعدما، ازداد في كمال الجنسية. فيترتبان: النوع نزولًا والجنس صعودًا، مراعاة لطبيعتهما. فانقسما ثلاثة ثلاثة: النوع العالي، ويسمى نوع التقسيع أيضًا، وهو ما ليس فوقه نوع، والمتوسط ما فوق وتحته نوع، والسافل ما ليس تحته نوع. والمفرد (كالعقل إن قيل: الجوهر جنسه وما تحته أفراد) ما ليس فوقه ولا تحته نوع، والجنس كذلك، جنس السافل والمتوسط. للطيفةلأجناس، والجنس المفرد (كالعقل إن قيل الجوهر ليس جنسًا له وما تحته أنواع منحصرة في الشخص).
لا يقال النوع جنس لهذه الأربعة. وكذا الجنس. وال#129
غير المتوسط عدمي المفهوم، فلسن بموجود. لأن السلب من الأمور النسبية، اعتباري متجدّد، لا يكون من أجزاء الحقائق التي لا تكون إلّا من الأمور الثابتة الموجودة. فيلزم انحصار الجنس في النوع.
لأن كون الحقائق كذلك في الحدود التامة لا الرسوم. وسلب د لفّ عليها اللوازم. فرسومها وذاتياتها موجودة في الخارج.
ثم اعلم أن النوع المفرد مباين لسائر الأقسام. وكذا الجنس المفرد، وكذا النوع السافل، وكذا جنس الأجناس وكذا بين الأنواع. وكذا بين الأجناس. فبقي س:لماالسافل والمتوسط والنوع العالي والمتوسط. (تقرير) في العلوم لها حقائق اعتبارية لاوجود [٭]: لأنها ناشئة من اختيار البشر. وليس من حدّ جزء الاختيار خلقللرهبااد. (تقرير) لها في الخارج.
لأن في الوجود الخارجيّ يتّحد الجنس والفصل والنوع، بل يتجمّد. وما صيّروها فصولًا للمصطلحات، أعراض في الأغلب أو نسبيّ. فما في الخارج ليست أفرادها، بل الوجود فيه، وهوج أو في الذهن معروضُ أو موصوفُ ما تسنبل عليها معانيها.
— 237 —
فالمعقولات [٭]: أي فإذا كانت اعتبارية فكيف تكون مدارًا للحقائق والأحوال. فالمعقولات.. الخ. (تقرير) الثانية ليست عبارة عن المصطلحات المنطقية، فإنها ليست بشيء في الحقيقة. بلمع الجّ منها نكتة أو نقطة خفية تشكّلت عليها حقيقتها الاعتبارية للتفهيم. وذلك، معنى وعرض للأمور الذهنية، كالمعاني الحاصلة للخارجيات بواسطة أوضاعها وكيفياتها هناك ثلا:تخيّل على الجدار نقطة بيضاء، وعلى محيط دائرتها نقطًا بيضاء وحمراء! فانظر إليها كيف ترى؟ فإنك ترى نقطة عرضت له المركزية بسبب الدّائرة. فهي صفة مك المط الوضع، وتتصوّر بسبب موافقة بياضها لبياضها المشاكلة، وهي صفة من مقول الوضع والكيف. فإن كانت حمراء فلها صورة أخرى وصفة أخرى.
ونقطةً واحدة على جدار آخر، لها هذه المعاني والأعراض.
فماهية الإنسان في الخارج ت الإثة الواحدة وفي الذهن تعرّض لها نوع المركزية أو شبهها، وشبه المشاكلة.
فهذه معان تعرض في الذهن، تسنبل في خيال المنطقيين، فصيّروها حقائق، فوضعوا لها مع ما الت العمر مصطلحاتٍ، صيّروها موضوعاتِ المسائل، يُشار بها إلى تلك المعاني. والمصطلحاتُ كالمعاني الحرفيّة للمعقولات الأولى. وقد تصير كالاسم، فتصير طبايع فتعرض لنفسها كدود الحرير يخرج من ذاته ما يحيط وأطلقتيس كعنوان الموضوع، فإن له دخلًا لا يذهب الحكم إلى الموضوع برأسه. بل يسلّم عليه، ثم يأذن له. [٭]: في الوقوع على أفراده. أما المعقولات الثانية فيحرّك المحمول من جانب، حتى يقع ع. وفي الموضوع، [٭]: أي أفراده. فهو كی"كل" في "كل إنسان" لا مفهوم "إنسان". [٭]: يعني أن جنس الإنسان ليس الجسم، والفصل ليس الروح. بل الثانيان مأخذ للأولة عشرةني أن الجنس والفصل قد نشآ منهما. ثم توضّعا دفعة على الجسم (تقرير)
مقدمة:
اعلمأن بيان النسب من أهم مباحث المنطق. فإن أفراد المسائل متفرقة ومنتشرة ن إما فيما بينها وتبطنت في تلافيفها صورًا بتمديد خطوط النسب؛ كتحصيل الصور الاثنتى عشرية
— 238 —
فيما بين نجوم المنطقة بتمديد الخطوط الوهمية الهندسية.. وكتحصيل القبائل والبطون والأفخاذ باعتبار نِسب النَّسب فتأمل! [٭]: إشارة إلى أنّ وجیه وسرّ تلأمة مراتب بعض العلماء على بعض، والكلام القديم على غيره من هذه النقطة.(تقرير)
واعلم أيضًا أن المنطق بعضه بدهيّ وبعضه نظريّ يكتسب من بدهيّه. فتأمل في كل باب تَرَ السابق مقدّمة ومرجعًا لإثبات اللاحق.
(ثم الكمحمد (إن كان بينهما تصادق [٭]: لا تفارق وتحقق. في الواقع [٭]: أي لا في تجويز العقل وبحسب المفهوم. بالفعل [٭]: أي مرجعه موجهة بالإطلاق لا بالدوام كما في المتباينين.. كليًّا من الجانبين فمتس-سهوًا وكذا نقيضاهما)، ففي كل باب يستفاد نظريّة من بدهيّه. فالكليتّان المتصادقتان في الواقع متساويتان بدهياّ. ومرجع المساواة صدق قضيّتين كلّيتين من الجانبين.
مثلًا:"كل إنسان ناطق، وكلّ ناطق إنسانة المشذا نقيضاهما، مثل: "كل لا إنسان لا ناطق. وكل لا ناطق لا إنسان" هما أساسا التساوي. فصدقُ الأول من الثاني ثابت بكذب نقيضها؛ المستلزم المستلزم المستلزمبعد ثللزم المستلزم المستلزم المستلزم.. لكذب البدهيّ وهو الثاني من الأول. وصدق الثاني من الثاني بكذب نقيضها اللاالمستلزم. كذا لكذب البدهيّ وهو الأول من الأول. فاللازم باطل والمطلوب حاصل...
(أو من أحد الجانبين فقط فأعم وأخصّ مطلقًا كت وصفةن والإنسان ونقيضاهما بالعكس كاللاحيوان واللاإنسان) [٭]: كلنبوي ص٤ س٢٤. أي نقيضا الأعمّ والأخصّ بالعكس. يعني أن نقيض الأعمّ أخصّ، ونقيض الأخص أعمّ. أي تصدُق موجبةً كليّة موضوعها نقيض الأعمّ..قيقة، ةً جزئية موضوعها نقيض الأخصّ. أي مثلًا: "كلّ لا حيوان لا إنسان" صادق.. وإلّا لصدّق نقيضه الملزوم لنقيض القضية الصادقة المسلّمة، وهو "كلّ إنسان حيوان"، وملزوم الكاذب كاذب. وأَيْ "ليس بعض اللا إنساة خاريوان" وإلّا لصدق نقيضه، وهو: "كلّ لا إنسان لا حيوان" المستلزم بعكس النقيض لی"كُلُّ حيوان إنسان" وهو نقيض للسالبة الصادقة، وهو "بعض الحيوان ليس بإنسان". ونقيض الصادق كاذب، فملزوم الكاذب كذا..
— 239 —
َ جلالفَارُقٌ دائم كليًّا من الجانبين، فمتباينان كليًّا.. كالإنسان والفرس، وكعين أحد المتساويين مع نقيض الآخر، وعينِ الأخص المطلق مع نقيض الأعمّ..
ها غيرنقيضهما مباينة جزئية، هي أعمّ من المباينة الكليّة، كما في نقيضي المتناقضين "كالإنسان واللاإنسان"، ومن العموم من وجه، كما في نقيضي المتضادّين وتنبتواد والبياض) وأمثالها، فبين النقيضين التباين الجزئي هو النسبة، لأنه الدائمي وهو كالجنس اللازم للتباين الكلي).. [٭]: كلنبوي ص٦ س٢٦. والعمومِ من وجه اللذَين يختص كلّ منهما ببعض الموادّ.
والتباينُ الجزئي، مرجعه ساإخلاص جزئيّتان. أما صدقهما، فلمناقضة عكس نقيض نقيضيهما للقضيتين الصّادقتين في العينين.. مثل بعض اللاإنسان ليس بلا فرس؛ وإلّا فكل لا إنسان لا فرس. وهو ينعكس بعكس النقيض إلى "كلّ فرس إنسان"، وهي ضدّ لی"لاشيءَ من الفرس بإنسان". وقس عليه أخلكن لغ٭]: وهو بعض اللافرس ليس بلا إنسان.
فثبت بالخلف التباين الجزئي. وأما عدم صدق التباين الكليّ والعموم من وجه، فبالتخلّف. لأنه لا يوجد في موادّه. وبالعكس. وقس على هذا، نقيض العموم والخصوص من وجهٍ.. والشخصيةُ ت بأسر الكلية.
(وإن لم يكن بينهما تصادقٌ، ولا تفارق كليان، بل جزئيان من الجانبين. فأعم وأخصّ من وجه. [٭]: كالإنسان والأبيض وكعين الأعمّ المطلق مع نقيض الأخصّ. وبين نقتقرير) مباينة جزئية، هي أعمّ أيضًا. إذ بين نقيضَيْ مثل الحيوان واللاإنسان مباينة كليّة. وبين نقيضَيْ مثل اللاإنسان والأبيض عموم من وجهٍ. والجزئي الحقيقي [٭]: قوله: "والجزئي الحى وفق الیخ" النسب فيه اثنان: إما العموم المطلق، ومرجعه شیخصية موضیوعها الجزئيّ، أو التباينُ ومرجعها شخصيّتان سالبتان. ونسب الجزئيتين أيضًا كذلك: إما التباين ومرجعها كما مرّ. أو الت إطنابمرجعها شخصيّتان موجبتان. والحال أنّا قلنا: إن مرجع التساوي والتباين كليّتان والعموم المیطیلیق كلية میع جزئيّتين. والجواب مقدم. وهو أن الشخصيّة في قوّة الكليّة بدليل أنّها تكون صغرى الشكل الأوّل. (تقرير) أخبالمساًا من الكليّ الصادق عليه. ومباين لسائر الكليّات. وأما الجزئيان: فهما إما متباينان كزيد وعمرو.. وإما متساويان، كما إذا أشرنا إلى زيد بهذا
— 240 —
الضاحك، وهذا الكاتب. فالهذيّتان متصادقتان متساويتان.. هذه هي النسب الأربع بحسب الصدق والحمل)لى عال كلنبوي ص٧ س٩...
ومرجعها: قضايا حملية موجبة. والجهة هنا الإطلاق في الموجبة والدوام في السّالبة.
(وقد تعتبر تلك النسب بحسب الصدق [٭]: فالصدق في الأول يتعدى بی"على" وهنا بی"في". والتحقق باعتبار الأزمان والأوضاع، " أخطاتبار الأفراد، بأن يقال: المفهومان، [٭]: اعمّ من أن يكون قضايا أو مفردًا. إن كان بينهما اتصال كليّ من الجانبين؛ بأن يتحقق كلّ منهما مع الآخر في جميع الأزمان وال. بترالممكنةِ الاجتماع معه [٭]: أي اجتماع الأوضاع مع اتصال التالي للمقدّم. فمتساويان كطلوع الشمس ووجود النهار، أو من أحد الجانبين فقط فأعم وأخص مطلقًا. [٭]: كإضاءة المسجد وطلوع الشمس. وإن كان بينهما افتراق كليّ من الجانبين بأن لا ي(أو تَيء منهما مع الآخر في شيء من الأزمان والأوضاع، فمتباينان كليًّا [٭]: كطلوع الشمس ووجود الليل.. وإلّا فأعمّ وأخصّ من وجهٍ. [٭]: كطلوع الشمس وهبوب الريح. وهذه هي اغ عليهلمعتبرة بين القضايا) [٭]: شبيه بمتن كلنبوي ص٧ س١١. وما يفيده أدوات الشرط من الأزمان، "كمتى". والأمكنة "كأين". والأوضاع والأحوال "ككيف" والكيفيات "ككيفما جميع كم الأفراد...
والنسبة إما حمليّ -كما مرّ- وإما وجودي. ومرجعها قضايا شرطية متّصلة [٭]: أي لا منفصلة ولا موجّهة. وكليّها وجزئيّها باعتبار ما يدل عليه أدواتُ الشرط الكليّةُ من الأوضاع، ومثل هذت محالًا، بشرط الاجتماع [٭]: أي اجتماع الأوضاع. مع اللزوم. [٭]: أي لزوم التالي للمقدم. وإلّا لكذب كلُّ كليّةٍ من الشرطيات.
وما يناسب هذا المقام المغالطة المشهورة على إنتمفرد قكل الثالث؛ بی"كلما تحقق النقيضان تحقق أحدهما. وكلّما تحقق النقيضان تحقق الآخر"، فينتج أن يكون إذا تحقق أحد النقيضين تحقق الآخر. وهذه النتيجة -أي جهلازمة بين النقيضين وهو محال؟
— 241 —
والجواب:إن أردت بأحدهما [٭]: في الصغرى. وحده، فالصغرى [٭]: لعدم اللزوم. كاذبة، ومع الآخر فالنتيجة صادقة [٭]: والمقدّمتان صادقتان لوجود اللزوم. غير مطلوبة. [٭]: كأن يقال: كيف يكون صادقًا، مع أن ء العاتين محالان؟ فأجاب: (تقرير) لأن الشرطية اللزومية تنظر إلى اللزوم، سواء كانا موجودين [٭]: أي الطرفين. أو محالين.. وموجبتين أو سالبتين. وفي الاتفاقية الخاصّةِ صدق الطرفين [٭]: لا اللزوم.ى القولعامة صدق التالي فقط. فالاتصال [٭]: أي اتصال التالي للمقدّم وافتراقه منه. والافتراق في اللزوميات والعامةِ يكفي بحسب الفرض.
) واعل مأنّ بين المفهومين مفردين فان، أو مركبيّن، أو مختلفين نسبًا أخرى بحسب تجويز العقل بمجرد النظر إلى ذاتهما، مع قطع النظر عن الخارج عنهما. وتسمى نسبًا بحسب المفهوم. بأن يقال: إن تصادقا بحسب ن السيتجويز كليًّا من الجانبين، فمتساويان، كالحدّ التّام مع المحدود. أو من أحد الجانبين فقط. فأعم وأخصّ مطلقًا، كالحدّ الناقص مع المحدود، وإن تفارقا كليًّا من الجانبين. فمتبايبار تحيًّا كالمتناقضين؛ نحو "الإنسان واللاإنسان". وإلّا فأعمّ وأخصّ من وجه؛ كالإنسان مع الضّاحك أو مع الماشي(. [٭]: كلنبوي ص٨ س١-٨.
تنبيه:قد يع، وعنكليّ على الأعمّ، والجزئيُّ على الأخصّ [٭]: أي هو كل أخص تحت أعمّ، سواء كان ذلك الأعم ذاتيًّا له، أو لا، أي كان فوقه شيء أعمّ مطلقًا، فلا ينافي أعميّة الحقيقي من الإضافي قصود "للّٰه عزّ وجل، بأن يقال: إنْ ليس فوقه أعمّ من لوازمه فلا يكون أعم. إذ فوقه الموجود والممكن العام. (تقرير) ويسمّيان كليًا وجزئيًا إضافيين فكلّ جزئيّ حقيقيّ، جزئيٌّ إضافيّ بدون العكس؛ كما في كليّ أخص من تفاريقخر. وأما النسبة بين الكليّ الحقيقي والإضافيّ فبالعكس. لأن الكليّ الإضافيّ أخص مطلقًا من الحقيقي.
— 242 —
فصل في الذّاتيّ والعرضي: )[٭]: كلنبوي ص٨ س٨.
الذْاتية والعرضية باعتبار الوجود، [٭]: الخارجيّ. كما في الجوهر والعرض، [٭]: وا على ا والاسم والحرف..
وباعتبار السبب إن كان دائميًّا [٭]: أي إن كان ترتب المسبب على السبب دائميًا أو أكثريًا فالسببية ذاتية، كالموت على قطع الحلق ورمى التِّفِنْك )أي البندقية(. وإلّا
فاّ كالموت على الحمّى. (تقرير) أو أكثريًا فذاتيّ، وإلّا فعرضيّ.
وباعتبار الحمل إن كان الموضوع موضوعًا بالطبع [٭]: وكذا المحمول. كالجزئيات [٭]: إذا حملت عليها كليّاتها. والذوادوا!
: أي فذاتيّ وإلّا فعرضي. إذا حملت عليهما صفاتها. ومن هنا [٭]: أي هذه النقطة يُعلم ويَحصُل الاحتياجُ.. الخ الاحتياجُ إلى الأشكال الثلاثة، [٭]: غير الأول. والحمل بالمواطأة، والمحمولِ من طبيعة الموضوع، [٭]: نحو الحجرُ متحرك في العلاديات لمحمولِ الأعمّ من الموضوع والمقوّم له ودائم الثبوت له وبلا واسطة، أي ثبوته لذاته أو لأمر يساويه، فقد مرّ.
وباعتبار المحمول ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، [٭]: أي في الخارج. وما يمتنع انفكاكه عن الماهيةى موازما يمتنع ارتفاعه عن الماهية في الذهن؛ كالبيّن بالمعنى الأعمّ. وما يجب إثباته للماهية كاللوازم البيّنة بالمعنى الأخص. وكل من هذه الثلاثةا إلى ما قبله..
وباعتبار الجزئيات فما دخل أو لم يخرج هو ذاتيًّا. [٭]: كأنّ قائلًا سئل: إذا فسّرت ما دخل بلم يخرج، دخل ما عينه كالنوع. فالنسبة في الذّاتيّ فيه إلى نفسه؟ فأجاب. لأن العلّة في الأخرى: لاستعمال اللغوي تصير مرجحًا في المصطلح. فاللازم وجودها في الأكثر.
(الكليّ [٭]: أراد مطلقًا ليوافق الممثل التمثيل. المحمول على شيء آخر كليٍّ أو جزئيٍّ، إن لم يكن خارجًات المحته وحقيقتهِ،
— 243 —
فذاتيّ له. سواء كان عينَ حقيقته -كالحيوان الناطق للإنسان- أو جُزءَهَا المساوي لها، مميّزًا لها عن جميع ماعداها، كالناطق له. أو جزءَها الأعمّ مميّزًا لها في الجملة، كالحساس والمعمل أو غير مميّز أصلًا كالجوهر والحيوان.. [٭]: لأن التمييز التفريق، يقتضي الاشتراك، وليس فوقه جنس حتى يشترك الإنسان معه فيميّزَ عنه. وأما الاح. وأيضن العرض فالإنسان مميّز بالذات عنه ليس بالجوهر. أما الحيوان فهو باعتبار اشتماله على الجوهر، لم يبق موضع للاشتراك. والإنسان ممتاز من أفراده باعتبار اشتماله على الفصول. وأما فصوله مستقلًا فيميّز الإنسان.. (تقرير) وإلّابالعقلله سواء كان مساويًا لها، أو أخص [٭]: مطلقًا. مميّزًا عن جميع ماعداها، كالضاحك بالقوة أو بالفعل. أو أعمّ مميّزًا لها في الجملة [٭]: كالة في إ أو غير مميّز أصلًا: كالشيء. [٭]: والممكن والموجود والمعلوم.. جميع ذلك للإنسان).
(ثم الذاتيّ المشترك بين الجزئيات، إن اشتركت تلك الجزئيات في ذاتيٍّ آخر خارج عنه، فهو مشترك ناقص بينف رئيسلحيوان بالنسبة إلى أفراد الإنسان، حيث اشتركت في الناطق أيضًا. وكالناطق حيث اشتركت في الحيوان أيضًا.. وإلّا فمشترك تامّ، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده.. وكالحيوان بالنسبة إلى مجموع أفراده. فكل ذاتيّ مميّز للماهيّة في الجملة فهو مشا مع دقص مطلقًا، ولو بالنسبة إلى أفراد نفسه. وكل ذاتيّ سواه فهو مشترك تامٌّ بالنسبة إلى أفراد نفسه، وناقصٌ بالقياس إلى أفرادٍ ذاتيّ أخصّ منه، إن وجد الأخص، كالحيوان) [٭]: كلنبصابته س١٩.
فاعلم أن ما يطلب به المجهول، "ما" الاسميُّ والحقيقي.. و"هل" البسيط والمركب.. و"ما" مع "هل" كزلزل.. و"ما" للقول الشارح، و"هل" للقضايا. و"أي" للّوازم والذاتيات المميّزة. و"لِمَ" للقياس، فی"ما" يَطلب الحقيقةَ.
فإن قيهي الفاتيّ كليّ وجرئيّ، فهو محمول وغير محمول.. وإن الجنسية والجزئية متنافيان؟.
أجيب:بأنهما متّحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار. فبشرط "شيء" يتضمن النوع. وبشرط "لاشيء" جزء ولا بشرط شيء جنس. وأجزاء الماهية. قيل: في الخارج متعدّد
#2ي الذهجود.. فالحمل للالتحام. وقيل: في الخارج مأخذها. وقيل: اعتبارات تختلف باعتبار العبارات والاعتبارات.
(وإن مطلوب السائل بكلمةِ "ما" عن الواحد تمامُ حقيقته المختصّة به، بمعنى المختصّة بنو لم تتن المتعدّد تمام الذاتيّ المشترك بينها. فالسائل بی"ما هو" عن زيد طالبٌ للإنسان.. وعن الإنسان طالب للحيوان الناطق. وبی"ما هما"، أو بی"ما هم" عن زيد وعمرو، أو مع بكر طالبٌ للإاللحم يضًا. وعن الإنسان والفرس طالب للحيوان. وعنهما وعن الشجر طالب للجسم النامي، ومع الحجر طالبٌ للجسم.. ومع العقل العاشر طالب للجوهر.
ومطلوبُ السائل بی"أي شيء" ما يميّز المطلوب بكلمةٍ ما هناك تمييزًا في الجملة؛ إمّا مميّزه الذّاتيّ إن قيّد النافِ "في ذاته"، أو مميّزه العَرَضيّ إن قيّده بقيدِ "في عَرَضه"، أو المميّز المطلق إن لم يقيده بشيء. فالسائل عن زيد وحده أو مع عمرو بی"أيّ شيء موجبة ه" طالبٌ للناطق، أو الحساسِ، أو النامي، أو القابلِ للأبعاد.. وبی"أيّ شيء في عرضه" طالبٌ لمثل الضاحك أو الماشي. والسائل عن زيدٍ وهذا الفرسِ بی"أي شيء هما في ذاتهما" طالب للحسّا
الالنامي، أو القابل.. وبی"أي شيء في عَرضهما" طالب لمِثل المتنفّس، أو المتحيّز، وقس عليه) [٭]: كلنبوي ص٩ س٢٦ مع فروق طفيفة..
(فالفصل أيضًا مقوّم للماهيّة) [٭]: كلنبوهية فيس١. فالفصل محصّل للحصّة الجنسية ومقوم للنوع ومقسّم للجنس. والجنس عرضٌ عامٌ للفصل، والفصل خاصته، والنوع خاصتهما، والعرض خاصّة الجنس.
(ول ملكتُّر جزء واحد الخ) [٭]: كلنبوي ص١١ س٩. أي لاجتماع المثلين المستلزم لاجتماع النقيضين [٭]: بناء على أن اجتماع المثلين ليس بواجب. فممكن زوال مثل فيجيء نقيضه ويجتمع مع المثل الآخر وهو محال. (تقرير) وللعبث في الخلقة، وكلي، والمأخذ المستلزم لوجود روحين لجسد، وبالعكس... وما يتوهم بعض الناس من تعددات شخصيات في كاهن، فإنما هو غلط من التباس الجنيّ المناسب لروحه، بشخصيّته.
— 245 —
(ولا يتركب الخ) [٭]: كلنبوي ص١١ س٩. كالإنسان من الضاحك والناطق مثالناس جتماع ما كالعلتين المستقلتين، ولاجتماع الاحتياج والاستغناء.
وأجيب:بأن كلا منهما بشرط شيء، وبشرط لاشيء، ولا بشرط شيء. فالثالث كالجنس، [٭]: لم يقل بالاتحاد، لئلا يلزم انحصار الجنس في النوع. والكما أن نوعان له. فالأول نفس الإنسان وفصله الذي يميّزه عن النوع الآخر الضاحك مثلًا.
تنبيه:اللزوم الخارجيّ هو امتناع الخ) [٭]: كلنبوي ص١١ س٢٥.ي الآخن قيل: اللزوم لو وجد لوجب أن يكون الواجب [٭]: بالذّات. موجبًا في اللازم... أجيب: بأنه [٭]: أي الإيجاب. إيجاب بالاختيار. [٭]: وهو مقوّ للاختيار. وأيضًا لَلَزِمَ التسلق الشرلّا أن اللزوميات متماثلة [٭]: أي إن الأعراض مشخصها قيامها بالمحل، فتتبعها في المماثلة. بالتّشخصّ أيضًا، [٭]: أي كما بالماهيات. لتماثل المعروض وتشخّصها. وكأينيّتها بالموضوع فيلزم العبث، فيلزم الانحصار في الشخص.. وهو معنى قولهم:عية.
اللزوم نفسه".
وأما الاعتباريات: فالتسلسل إنما يلزم من القصد وهو ليس بلازم. والتبعيّ كالحرف لا يتسلسل. [٭]: أي لا يحكم عليه. ومن هنا [٭]: أي من هذه النقطة. يقال: "لازم المذهب الغير البيّن ليس بمذهب". واعتباريّورةً حعتبار وجودها. أما نفسها فالخارج ظرف لها. وفي الحمل الخارجيّ يجوز أن يكون مبدأ المحمول معدومًا. كزيد موجود في الخارج. فيلزم التسلسل في الأمور الثابتة [٭]: لكن لزوم اللزوم نفسه. في نفس الأمر. واللزوم من الأمرًا أوسبيّة موجود عند الحكماء لأهل السنّة.
— 246 —
(باب الحدّ الخ)[٭]: كلنبوي ص١٣ س٢٠ معنًى. المراد من التعريف [٭]: اعلم أن التعريف إما بمجرد الذاتيات أو لا. والأول إما أن يكون بجميعها كالجنس و
و القريبين، أو ببعضها كالفصل القريب. أو مع الجنس البعيد. الأول هو الحدّ التام.. الثاني هو الحدّ الناقص.
والثاني: إمّا أن يكون بالجنس القريحال مناصّة، أولا بل بالخاصّة وحدها.. أو مع الجنس البعيد. الأول هو الرّسم التام والثاني هو الرسم الناقص هذا، ولا يخفى ما فيه. أما أولًا، فلعدم انحصار كلّ من الأقسام الأربعة -بمل أولًه- ضرورة. إن الحدّ التام كما يحصل بالفصل والجنس القريبين، فقد يحصل بهما مع الفصل البعيد.. وبهما مع الجنس البعيد.. وبهما مع الخاصّة.. وبهما مع العرض العام وغير ذلك. والحدّ الناقص، كما يحصل بالفصل القريب خاصّة، وبه مع الجنس البعيد.. فكعليها،ل بالفصل القريب والخاصة.. وبه مع العرض العام.. وبه مع الفصل البعيد.. وبه مع الجنس البعيد والخاصّة..وبه مع الجنس البعيد والعرض العام.. وبه مع الجنس البعيد والفصل البعيد وغير ذلك.
وهكذا حال الرسم التام والناقص..
والتفصيل: أن الكليات خمالآخريع ملاحظة كل من قسميِ الجنس والفصل تصير سبعة. فحينئذ نقول: إن المعرّف إما بسيط أو لًا، وعلى الثاني، إما ثنائيّ أو ثلاثيّ أو رباعيّ أو خماسيّ أو سداسيّ أو سباعيّ.. والبسيط، سبع صور.. صحيحها اثنان. والبواقي غير صحيح، إالأعمّموم أو للخصوص... والثنائي تسع وأربعون صورة حاصلة من ملاحظة السبعة مع السبعة، بعضها غير صحيح للعموم أو للخصوص.. أو لتقدّم الأخص على الأعمّ خاصة. أو مع واحد من الأوّليارف.
ضها يرجع إلى البسائط. ونرسم لها جدولًا يُسَهِّلُ تميز الصّحاح عن الغير.. ويعلم منه حال البسائط أيضًا. وهو هذا: والثاني ثلاثمائة وست وثلاثون صورة. فإن التركيب الثلاثي بين السّبع يرتقي إلى ست وخمسين. وذلك لأنه إذا ركب اين باللقريب والبعيد والفصل القريب مثلا بتركيبٍ والفصل البعيد والعرض العام والخاصة مثلا بتركيب آخر، فهما صورتان. ولو بدّلنا كل جزء من أجزاء أحد التركيبين بكلٍ جزء من أجزاء الآخر، يحصل ثماني عشرة صورة، تكون مع الأولين عشريني.
بدّلنا كل جزء من أجزاء أحد التركيبين بالنوع مثلا، يحصل ستّ صور. ولو بدّلنا كل جزء من الجزئين الأخيرين غير النوع من هذه الصور الست المشتملة على النوع بكل واحد من الثلاث الباقية، يحصل ست وثلاثونب والخ تكون مع العشرين السابقة ستًا وخمسين. والاحتمالات في كل تركيب منها بحسب تقديم بعض إلى بعض ست.. والحاصل من ملاحظة الست مع الست والخمسين، ثلاث مائة وست وثلاثون، وهو المطلوب. والرّباعيّ ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستون. فإن االمصاد الرباعي بين السبع، يرتقي إلى مائة وأربعين. لأنه إذا أريد أن يركب من السبع تركيبان لا يشتركان في الأجزاء على قدر الإمكان، فلا محالة أن يشتركا في جزت والا مرددٍ بين السبع. فهذه أربع عشرة صورة، لكل تركيب منها سبع صور. ولو بدّل كل جزء من الأجزاء الثلاثة الغير المشتركة من صور كلّ من التركيبين المفروضين، السبع بكل جزء من الأجزاء الثلاثة الغير المشتركة من صور التركيب الآخثانيه ع، يحصل مائة وست وعشرون صورة. كما لا يخفى تكون مع الأربعة عشر، مائة وأربعون، وهو المطلوب. والاحتمالات في كل من هذه التراكيب أربعة وعشرون. والحاصل من ملاحظة عدد التراكيب مع .
إاحتمالات، ثلاثة آلاف وثلاث مائة وستون. والخماسيّ: خمسة آلاف وأربع مائة. فإن التركيب الخماسي بين السبع أربع مائة وخمسون ضرورةَ أنه لو ركب من السبع تركيبان لا يشتركان في الأجزاء بقدر الإمكان، فلابد وأن ون قط. في ثلاثة أجزاء من السبع، مرددة بين ستّ وخمسين صورة، على ما تبين في التركيب الثلاثي. فهذه مائة وثنتا عشرة صورة، لكل من هذين التركيبين : ست وخمسونلجزئيةبدّل كلّ من الجزئين الغير المشتركين في كل من صور أحد التركيبين بكلّ من الجزئين الغير المشتركين من صور التركيب الآخر، بلغ أربع مائة وخمسين. والاحتمالات ها بارّرة في كلٍ من هذه التراكيب مائة وعشرون. والحاصل من ملاحظة عدد التراكيب مع عدد الاحتمالات خمسة آلاف وأربع مائة، وهو المطلوب. وكل من السّداسي والسّباعي خمسة آلاف وأربعون صورة. أما الغابن: إن التركيب السداس بين السبع سبع كما هو ظاهر. والاحتمالات في كل منها سبعمائة وعشرون. والحاصل من ملاحظة عدد الاحتمالات مع عدد التراكيب خمسة آلاف وأربعون وهو المطلوب. وأما الثانيبه سعيانت له صورة واحدة، إلّا أنه أن الاحتمالات فيها ترتقي إلى ما ذكره. ولما لم يكن للواحد أثر في الضرب، صارت عدد الاحتمالات هو عدد التركيب.
وضابط الاحتمالات في التركيب أن يضرب عدد الاحتمالات الحاصلة في السابقة في عدد أجزاء اللاحقين وتححاصل هو احتمالات اللاحقة. ثم إن بعضها صحيح وبعضها غير صحيح للخصوص: كما إذا كان النوع أحد الأجزاء، أو للعموم؛ كما إذا لم يكن فيه واحد من الخاصة والفصل القريب، أو لتقدّم الأخصّ على الأعمّ.
هذا، لا يقال: إن الغرض هو لا عريف إما الاطلاع على الكنه، أو الامتياز عن جميع ماعداه. وهذا يحصل بالجنس والفصل القريبين، أو الجنس القريب والخاصة مثلا، فلا حاجة إلى ضم الجنس البعيد أو العرض العام، أو الفصل التحكمهاثلا إليهما. وهكذا قياس البواقي. ولذا حصروا الحد والرسم التاميّن أو الناقصين فيما ذكروا. التوضيح، أو التحصيل، أو التمييز..
— 247 —
إما بالمباين وهو التمثيليّ ومنه الرسم الناقص الناقص.. ومنه كل التشبيهوقان االعلمُ، كالنور"... وإما بالأخصّ وهو المثالي كی"كالعلم، كالنور"، ومنه أمثلة القواعد، وهو أيضًا كَ"كَ"... وإما بالمساوي، إما نظرًا للتوضّع وهو اللفظيّ، ومنه القاموس.. وإما للمدلول وهو الاسميّ، ومنه توالتي المصطلحات والاعتباريات والمعدومات.. وإما للمعنى وهو التعريف الحقيقي. فإما بتمام العلل كالحد التام، أو بعضها كالناقص، أو المعلولات كالرسم الناقص. أوملخّص قبيلتين كالرسم التام. ويجري في التصورات أمثال الحدس والفطريات بالانتقال دفعة وبلا كسب.
والتعريف بالعلل الذي هو الحدّ التام، يوصل إلى المطلوب، أي المحدود قضية بدهيّة بالتجريبكله ف يُنَظِّرهُ من لفّه في الاصطلاحات. وهي مقدمة لكسب الرسم [٭]: للحد الناقص أيضًا. يوصل..
والدّلالة الالتزامية مهجورة، [٭]: في المنطق. وإلّا لصار الأيديهمًّا، وتعريف الكلّ إنما يحصل بتقسيمه إلى أجزائه، [٭]: بالعطف. كالبيت الذي أنت فيه... لا بيت الشعر كبيت الشعر.
— 248 —
(قبل التعريف بوجهٍ ما الخ) [٭]: كلنبوي ص١٣س٢١.
اعلمأن بين العلم بوجه الشيء البدهي اللازم والمنافي للقلُه و.. وبين العلم بالشيء بوجهٍ، فرق بيّن. لأن الأول اسمي وقصدي، لا ينكشف أقل انكشافٍ ما تحته. والثاني حرفيّ تبعي عنوانيّ، يتغلس ما تحته باستضاءته. فلا يلزم من علم شيء العلمُ بكلّ الأشياءسه بالًا الأول علم تفصيليّ بالوجه. [٭]: لأنك لما نظرت إليه قصدًا لا يكون عنوانًا، والحال أنه عامّ. فلابد أن تثبت للجميع فردًا بعد فردٍ فيكون مفصلًا.. (تقرير) والثاني إجماليّ [٭]: أي العلمح المنالي يعبّر بصورة. بالشيء، وهذا صورة الجميع وذاك جميع الصور.
فإن قلت: الرسم يستلزم الخاصة، والتعريف بها يقتضي العلم بالاختصاص، وهو يس والندعرفة طبيعة المحدود. وإنْ هذا إلّا دورٌ ظاهر؟
قلت: أما الفعل الاختياري (الذي) هو الترتيب، فلا يتوقف لا عليه ولا على علمه. وأما الانتقال الذي هو ضروري غير اختياري وبطبيعة الذهن، فإنما يتوقف على وجود الاختدين أو نفس الأمر. [٭]: فللتعريف اعتباران: الانتقال والترتيب؛ فالأول ضروري يتوقف على الوجود. والثاني اختياري لا يتوقف على شيء، إذ يكفي الاستماع. (تقرير)
(كتعريف الأب بما ي، التعلى الابن الخ..) [٭]: كلنبوي ص١٤ س١. وباختلاف العنوان يختلف الأشياء ضرورية ونظرية. وبهذا كما ينحل الإشكال الوارد على توقف كلية كبرى [٭]: مثلم هذا،الم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث. فلابد أن لا ينتج. إذ الكليّة متضمنّة لقضايا بعدد أفراده. فما بقي فردٌ مجهولًا لا يصح الكليّة، والعالم في أفراده، فلا فائدة في إنتاجه. وحاصل الجوابثمانينالذات بعنوان المتغير بدهيّ الحدوث وبعنوان العالمِ نظريُّ. وكذا يمتنع تعريف المضاف بالمضايف، إذ هما متساويان في المعرفة والجهالة. ويجب التعريف به، لأنه تتوقف عليه. وحاصل الجواب: أنق بالحهو بغير عنوانه وبما صدقهِ. لأنه بهذا بدهي لا يدور. ويمتنع بنفس العنوان، لأنه نظري مساو. (تقرير) الأولِ على نتيجته، يرتفع التضاد بين قولهم: "لابدّ في تعريف المضاف من ذكر المضايف" ويمتنع تعريفخدماته#249
(بمجرد الاحتمال العقلي الخ) [٭]: كلنبوي ص١٤ س٧. الإمكان الغير الناشئ عن دليل لا يصير إمكانًا ذهنيًا، حتى ينافي [٭]: أي حتى يكون شكا لينافي. الخ. اليقين العلمي الحاصل من حمة الات [٭]: أي البدهيات المحسوسة حين الإحساس، والوهميّات المحسوسة حين الغيبة. المحسوسة.. بل إمكان ذاتي لا ينافي اليقين العلمي.
(وشرطوا فيه أيضًا تقديم الخ) [٭]: كلنبوي ص١٤ س٧. ومن الشرائط المهمة بين الجنس والفصل والصغرى والكبرىوع أو حظة مع التفطّن الذي هو المزج والاتحاد والضغط، حتى يتفلّت منه المطلوب.
(ولا تعريف الجزئيّ على وجه الخ) [٭]: كلنبوي ص١٤ س١٢. المجهول إما مشخها. ولو لا يُعَرَّفُ ولا يُعرفُ بل يشار إليه.. وإما كليّ وهو إما بسيط كالأجناس العالية والفصول السافلة.. وهي لا تُحَدُّ بل ترسمُ وتحدِّدُ. وإما نوع حقيقي.. وهي (أي لاُ ولا يعرِّفُ إلّا في الأصناف. وإما لا هذا [٭]: جنس بسيط. ولا ذاك [٭]: نوع حقيقي. فذاك [٭]: يحدِّد. وهذا. [٭]: يحدَّد.
(باب القضايا... القضية.... الخ)[٭]: كلنبوي ص١٤ س١٤.
الفنّ الثب، والمباين بالماهية عن الأول -لأنه كالحلّ وهو كالعقد- التصديق.
وله مقاصد.. وهي القياس بأنواعه المادي والصوريّ... ومباد، وهي القضايا وأحكامها.
والقضية التي حمول لبر عند العربييّن، لابد أن تعرّف لتصير موضوعًا. وتقسّمَ لتتحصل موضوعات الفصول. وحقيقتها. [٭]: اعلم: أن الخبر والإنشاء والوجود والعلم فيها أقوال. قيل في غاية النظرية، حتى لا يمكن تعريفها. وقي عالمهسبات، وقيل: في غاية البداهة. (تقرير) قيل: بدهيّة، لأن طبيعة من ليس أهلًا للنظر تعرفها
— 250 —
بمراعاته للوازمها حتى يصدق ويكذب في موضوعه. فالتعارف التي تُذكر رسوم تنبيهيّة لإزالة الخفاء الحاصل بالمصطلحات. ه، ونطّ ما في تعريفها. [٭]: في المركب في الخبر والإنشاء.. فكما للشيء وجود ذهنيّ يعرّف بنحو الجنس الفصل، كذلك له وجود خارجي يعرف بالتقسيم بالمادة [٭]: إلى والاصة الفالمادة هنا النسبةُ مع طرفيهما. والحكم والإسناد هي الصورة التي هي مبدأ الآثار المخصوصة فيشتمل على الطرفين ويبلعها ويلبس كلًا بما اشتقّ من نفسه.
(فإن حكم فيها بوقوع شريك [٭]: كلنبوي ص١٤. الإسناد والحكم من مقول الإضافة. وهو إما متخالف الطرفين كما في الحملية والمتّصلة. فمن هذا ترتّب أجزائهما طبيعيّة. وإما متشابه الطرفين مثل الأخوة -كما في المنأن المفترتبّها وضعيّ فقط. [٭]: ولذا لا ينعكس أيضًا. فالحكم إما له، يعني ما يلاحظ طرفاه بالإجمال ولو كان فيها نسبة. وإما عنده وعنه، يعني ما يلاحظ طرفاه بنسبة تفوب وال وإن لم يكن قضيّته، [٭]: إذ ليس مركبة منها ولا الحكم ضروريّ. لا قبل التحليل ولا بعده. أما الأولى فمشترك بين أهل النقل والعقل. وأما الثالث [٭]: والتقاسيم المذكورة أيضًا حملي في صورة اعية.
ة. فمختصّ بالثاني. وأما الثاني فاختلفوا فيه، حتى الشافعي والحنفي.. فأهل النقل: على أن الحكم في الجزاء والشرط قيد. وأهل العقل قالوا: بل الحكم بينهما باللزوم... فثمرة الخلاف كأثمار شجرة، أثماره أكثر من أوراقه.
فمنها:لو قلت: "إن ان. ( هذا، فهو وقف أو حرٌ، أوهي طالق مثلًا" فعند أهل النقل ومنهم الشافعيّ لغو. لأن العلّة [٭]: للقيد. هو الجزاء. وقد وجدتْ ولم يصادف محلًا يقبلها [٭]: إذ لا يجوز التصرف في مال الغير.. وشرط انعقاد العلّة قابلية المحلّ.
وعیند أهل المیا) لأننهم الحنیفيّ: العلة هي الشرطية. وإنما تیقرّر عند وجود المیعلّق عليه، وعنید وجوده تنیعقد العلة.. وإذ تینعقد العلّة تیصادف محلًا ينیتظرها منذ انعقادها.
— 251 —
(فقد ظهر أن أجزاء الخ) [٭]: كلن الفا١٥ س١. القضية معلوم وعلم.. [٭]: وباعتباره ليس بتصور ولا تصديق بل متصور وباعتبار كونه مادة للقضية سميّ بها. (تقرير) فللأول نفس الحكم مع الطرفين. وللثاني هذه الثلاثة في الذهن المعبّر عنها بی"تصوّر المحكوم عليه وبه" والنسبةِ، أي التسطنبولخبريّة المضافة [٭]: أي من مقول الإضافة. (تقرير) المدلولة للتركيب، [٭]: ومحصله الحركات الإعرابية. إذ المعاني الحرفية النحوية ينسبك بين لبنات كلمات الكلام، فيتلون بإعطائها كلًا لونًا ويعلمها الحركات. (تقرير) لا البَيْن [٭]: أي بين الولثالث:لعدم، أي السلب والإيجاب.. البَيْنِيَّة المعقولة. [٭]: التي هي الثبوت والاتصال والانفصال، فليس بجزءٍ عند القدماء. بل شرط ومتعلق للتامّة، لا عند المتأخ:
كن لا مستقلًا. فالأجزاء أيضًا أربعة. (تقرير) والإذعان الذي بين الذهن والخارج، كالنسبة التامة بين الطرفين، ويلازمه انقياد النفس.. ومن هنا يقال: "الإيمان من التصديق المنطقيّ"، ولابد في اللإجبارمن تصوّر المحكوم عليه بوجه، لأن المجهول [٭]: ومنشؤه من قاعدةِ وقضيّةِ: المعلومُ يحكم عليه بأخذ عكس نقيضه ثم مرادف الطرفين. (تقرير) المطلق يمتنع الحكم عليه.. وردّ: بأنه قد حكم عليه بی"يمتنع الحكم عليه". وأجيب: بأن اته ورأ المطلق بحكم القاعدة [٭]: أي بحكمِ أنه قاعدة، وموضوعات القواعد معقولات ثانية للأفراد. (تقرير) كالمعقول الثاني، [٭]: أي لا عنوان الموضوعات. فإن له قوّة يُذهب المحمول في طريقه على الأفراد. (تقرير) الذي يسقط المحمول علملخّص قول [٭]: لأنه ضعيف لا معنى له قابل للحكم. (تقرير) الأولى الذي هو من موضوع القضيّة الذهنية الفرضيّة. [٭]: وعلامته اشتمال المحمول على الإمكان والامتناع وغيرها من الأمور الذهنية. (تقرير)
وبحكم تل والخلحرفيّ إلى الاسميّ، والمعقول الثاني إلى الأول، ليصحّ الحكم عليه في هذا التركيب، ليتجمد [٭]: أي معناه الهوائي. مع جلده، [٭]: أي مع لفظ المجهول. فيصير من أفراد المعلوم.. كأنك بعد تصوّر الموضوع ور وصُمإلى الحكم، وفي أنه تنظر إليه نظرًا اسميًّا ومعقولًا أولى غير [٭]: (صفة الأقرب). أجير ثابت. [٭]: إذ ينقض الآن ثبوته.. وبوصولك إلى المحمول يمزق جلبابه فيصير معقولًا ثانيًا، ناشرًا جنعن قسامن هنا حلّ الخبر الأصمّ في قولك: "أنا كاذب!" فيما أقول الآن يعني: "أنا كاذب". ولابد أن يكون الوجه ممّا يصحّ الحكم
— 252 —
ويصيّره مفيدًا، فلا تتصوّر بأعمّ الوجوه، لأنه لا ي، حتى لا بما يدخل فيه المحمول، [٭]: أي لا يجوز بأخصّ لأنه عبث بل بالوسط بما بينهما. ولا يلزم الأخصّ على الأعم، لأنه آلة الملاحظة، نظير آلة الوضع، وليس في حكم عنوان المحَم من يه. [٭]: حتى يستغني عن المحمول.
(واللفظ الدّال على الوقوع الخ) [٭]: كلنبوي ص١٥ س١٣. لمّا كان لفظ المحكوم عليه وبه داليّن على مادة القضيّة، لابد أن لا يخلو من الدّال على صورتها التي هي بيعته . والدّالّ إما ضمنيّ كالجملة الفعلية.. وإما مستقل؛ وهو إما غير لفظ كالحركة الإعرابية. ولهذه النكتة يقال في المبنيّ في محل الرفع للرابط.. وأما لف، كما ى السلبية آلاتها.. وعلى الثبوت في الشرط أدواتها... وفي الحمليّ الأفعال الناقصة والأفعال العامة، والمراد من مصادرها المعاني الحرفية التي تتّحد نسبها. لأن الكون والوجود ونظائرها حرفيّ واسميّ. فالحرفيّ عين النسبة التي هي الثبو أتيناي هو الوجود الحرفي.
(واعلم أن الموضوع... الخ) [٭]: كلنبوي ص١٥ س٢٠. لمّا اشتمل الموضوع والمحمول على ذات ومفهوم؛ كان المراد من الأول الذّات، لأنه يناخ عليه.. ومن الثاني المفهوم، لأنه يوضع ويحمل على الأولا أن اد أن يكون بحيث يقوم بالغير. ولو كان المراد منها الذّات، لكان القضية إما موجبة ضرورية، أو سالبة كذا لا غير وبلا فائدة.. أو صفتين، فكذلك.. أو الأول صفة، فكحمل الحِمل الحامل على خلاف الطبيعة. ويسمى المفهوم في الأول عنوان الموضوع، وم الأجن ذكريًا. فقد يتّحد مع الذات الحقيقي حقيقة، كزيدٌ كذا.. أو بجهته، كالإنسان كذا.. وقد لا، كالكاتبُ ضاحك. ولابد بين الحقيقي والذكري من رابطة ونسبةٍ، وحقيقتُه إيقاظِقضية، تقرّرت نسبتها وعرفت. فمن هنا يقال: الصفات قبل تقرّر ثبوتها إخبار، وبعده أوصاف وعنوانات بحذف الموصوف، ويسمى عقد الموضوع.
— 253 —
(فصل الحملية مطلقًا الخ)[٭]: كلنبوي ص٦ س٥.
لمّا كان أول حاصل القضية الموضوع انقسمت أولًا به،
فهو إمّا جزئي حقيقة [٭]: كزيد أو هذا. أو حكمًا، [٭]: كأسماء العلوم ومراتب الأعداد مطلقًا. وهو الواحد الاعتباري أي الكلُّ.. ومن هنا يقال: يراد باللفظ [٭]: أي الجزئي الواحد الحا الموقط والكلي إما الواحد الحقيقي أو المجموع. غيرِ الواحد الحقيقيّ المجموع، لا أقلّ. [٭]: أي أكثر من الواحد. لأنه ليس مدلوله، [٭]: (أي مدلول اللفظ). أجير وتسمى شخصيّة. ومحلها في المحاورات والمعا.
#149لا في الفنون إلّا بتأوّلها في قوة [٭]: وكونه في قوته بثلاثة أوجه؛ إما بكونه كبرى الأول، أو كانت كلًا مجموعيًا باستمرار الكلية، أو تذكر شخصيات بعدد أفراد الكلي.. تأملكبرى.رير) الكلية..
وإما كليّ، فالحكم إما على مسمّاه [٭]: ومن المحمول الذات كما. الخ. كما في غير المتعارفة.. فإما [٭]: أي أو منهما المفهوم فهو إما الخ. مع جواز سرايته إلى الأفراد كالحمل في كلّ التعريفات علارُ أنل به أو مع عدم السراية، لكن مع الملاحظة كالحمل في المسائل المنطقية، [٭]: فيما المحمول كليًا منطقيًا. أو بدون الملاحظة. كالإنسانُ مفهوم ذهنيّ [٭]قس...
يما المحمول معقولًا ثانيًا من الأمور العامة. أو موجود ذهنيّ. وتسمىّ قضية طبيعية، وموضوعها استقراءات العلوم الطبيعية في البعض.
وإما على ذاته، [٭]: (عطجت الإقوله: على مسماه).أجير
فمع الإبهام مهملة [٭]: أي يستعمل. في الخطابيات [٭]: وهو المبني على المبالغة كالتغزل والتمدح والتحسر والتأسف وغي الحقيتقرير) في قوة الكلية.. [٭]: فيما يكفي فيه الظن. وفيما المطلوب [٭]: وهو الأصول مطلقًا. منه اليقين، كما في مقام الاستدلال في قوّة الجزئية. لأن البعض هو المحقق.
— 254 —
ومع التعيين؛ فان كان بالإحاطة فكليّة وسورها كلٌّ وتوابعه ومرادفاته.
— 256 —
(من جزئياته لا من مسمّاه) [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧. فلو كان منه لكان أكثر هة الثت كاذبة؛ مثلًا: "الإنسان كاتب" فمفهوم الإنسان وهو الحيوان الناطق ليس بكاتب.
(أو مساويه) [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧. أو أعمّ منه للتكرار المحض والعبث البحت. ففي "كل إنسان ناطق" الناطق ناطق بعنوان. لأن القضية الكليّة على الأصحّ. في قوة قضاالكثيرددة بعدد ما صدقاتِ موضوعها. ومن هنا يقال: "للقضية كليّة لفروعاتها".
(الإضافية المناسبة لا الحقيقي) [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧. فقط. لأنه قد يكون الجنس موضوعًا وجزئياته لا ينحصر في الحقيقة المناسبة لا مطلقًا.
(ولا الإضافي المطلق لذاته لا لمفهوجد فيهي هو نوع بالنسبة إليها)، [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧. وإلّا لاختلت.
(يصدق عليه مفهوم "ب") [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧. وإلّا لم ينضبط لحصولها بعوارض وقيودات غير محصورة.
(لا ذاته) [٭]: كلنبوي ص١٦، ١َها فيلّا لانحصر القضية موجبة وسالبة في الضرورية والحمل والاتحاد.
(ولا كلاهما) [٭]: كلنبوي ص١٦، ١٧ لأن الممتزج من الطاهر والنجسِ نجسٌ إلّا في المنحرفات. [٭]: بناء على تأوّل.. د الإساتب بعض الإنسان". كل ذلك في القضايا المتعارفة المستعملة في الأدلة.. وإلّا فمن المنفيات [٭]: أي قيودات. أيضًا قضايا.
— 257 —
(فصل: الحملية مطلقًا الخ..)[٭]: كلنبوي ص١٧ س١٢.
الحملية تنقسم إلى خارجيالمركبية باعتبار الموضوع، لكن بالنظر إلى المحمول. ففي الخارج المستفاد من الخارجية ظرف لنفس النسبة والحمل، لا لوجوده [٭]: (أي الحمل). أجير حتى يوجد. ومن هنا يقال: لا يلزم من الحمل الخارجي أن يكون لتعدد لمحمول خارجيًا.
ثم إن ذات الموضوع بعد إمكانه [٭]: ولو كان محالًا عاديًا لا حقيقيًا. في نفسه إن وجد -ولو في زمان مّا- فخارجية [٭]وتركيبذهنية. خارجيةً ليس حقيقية. ففي الخارج [٭]: غير الأوّل. ظرف لوجوده مع صدق العنوان عليه بالفعل أو بالإمكان. فإن لم يوجد وهو بحيث لو [٭]: لزومية. وجد [٭]: فعل شرط مقدّم. أي إنه ليس بمعدوم حتى تنقطع الروابط في الكائنات وليس بموجولبرهانيلزم على الجزء الغير المتجزى موجودات كثيرة من الروابط، بل للنسبة من الأمور النسبية، كالأبوة والبنوة والأخوة وغيرها، ليس هذا ولا ذلك. (تقرير) واتصف بال له، م فهو [٭]: جزاء شرط تالي. بحيث لو وجد ثبت له المحمول، وما يستفاد [٭]: أي من تحليل موضوع الحقيقي بشرطية مصدّر بی"لو". من هذه الشرطيّة من اللزوم وأعميته للمحال غير مراد. [ لا يب التعبير في التقدير يكون كذلك. فقد يقال: [٭]: أي إن لو يشتمل الحال الحقيقي وموضوع الحقيقي لا يكون كذلك. وأيضًا يستفاد منها اللزوم بين المحمول والموضوع، ومحمآن الكحقيقي أعمّ من كونه لازمًا وغيره، فأجاب. (تقرير) "ج. ب" بالإمكان، بالإمكان، بالإمكان. فالأوّل جهة القضية المستفاد من الذّات [٭]: أي ذات الموضوع موجود. مع وجرية الالثاني منه مع عنوانه، عند الفارابي. والثالث منه مع المحمول [٭]: ورابعًا للمحمول. ويدل على خارجية الخارجية كون المحمول من العوارض الخارجية.
وإن كان من العوارض الذهنية، كما في القضية السالبة [٭]: أي بأن تأخر أداة السلب ر. [٭ر، ولا كی"ليس" وغيرها من الرابطة، وكان المحمول من العوارض الذهنية، فإنها ذهنية. فتأمل. (تقرير) المحمول. "وزيد ممكن" فهو
— 258 —
ذهنية. وبعد وجوب [٭]: أي لابد أن يكون الموضوع موجودًا في الذهن، ولو بأعم الوجوه (بالتمثيل في بعض ونفس العنوان فقطصوّرواخر) وقتَ إثبات المحمول له، وبعده الثبوت بالفعل متوقف على الوجود. فإن وجد ثبت، وهو الحقيقية.. وإلّا فلا، وهو الفرضية. (تقرير) وجود الموضوع في الذهن وقت الإثبات مطلقًا، [٭]: حقيقة دة، قدية. تنقسم باعتبار الثبوت إلى ذهنية حقيقية وفرضية، كما في المحالات [٭]: فإنها لا تقع فيه بعنوان الامتناع والأصالة، بل في الخارج. التي لا توجد في الذهن على الأصح، إلّا بنوع تشبيه أو تمثيل. أو لا يوجد مطلقًا كی"المجهول المن لأنن"المعدوم المطلق".
(فقولك اجتماع الخ..) [٭]: كلنبوي ص١٧ س٢٢. ومن ممهّدات هذا المقام: أن الإيجاب وجود. وهو يوجد بوجیود تمام أجزائه. يعني بوجود الموضیوعِ الاسميِّ [٭]: صفة الوجود. على أحد الوجوه الأربعة. [٭]: المحقق الخار المقلممكن الخارجي، والمحقق الذهني، والفرضيّ الذهني. (تقرير) ووجودِ المحمول له الحرفي على أحد الوجهين [٭]: الخارجيّ والذهني. والسلب عدم، فيتحقق بعدم أي جزء كان. فلصدقه طريقان: عدم الموضوع الاسم59
الب عدم الثبوت الحرفي. وليس السلب عين كیذب الموجبة مفهومًا، بل يتلازم معه، فإنه [٭]: (أي العدم).أجير حكم بصدق عیدم، وذاك كذب صدق وجود.
ومنها:أن المحال لا يتصوّر إلّا بنوع محاكاةٍ وتشبيه.
ومنها:أن وجود الموضوع، لاس به، ف الذهنيات في الذهن وقت الحكم ضروريّ في الإيجاب والسلب. وإنما الفرق في وقت الثبوت. والفرق بين الوجودين في الإثبات والثبوت؛ أن الأول يكتفى فيه بوجه مّا إجماليًا، وفي الثاني لابد وجوده على جهة تصلح للاتصاف.
ومنها:أن ذات المر نور ابد أن يكون ممكنًا في ذاته في الخارجيات. [٭]: الخارجية والحقيقية. وما يتوهم من "لو" الفرضية المستعملة في تعريف الحقيقة فليس بمراد لهم. وإنما أرادوا بها الإشارة.. إلا أن اِعوه بفرض الموضوع متصفًا بالعنوان..
— 259 —
اجتماع النقيضين ممتنع. تحليله: اجتماع النقيضين الموجود في الذهن تحقيقًا أو فرضًا له، وهو في الذهن يثبت لمصداقه وهو في الخارج في الذهن، [٭]: متعلق بيثبت. ممتنع في الخارج. ففن دولًرج قيد المحمول لا الحمل. وكذا في بعض الأحيان في الذهن والجهات.
ومنها:أن النقيض نظير نقيضه [٭]: لأقربيّته في الذهن له. في الأحكام. وإلّا لم يكن النقيض نقيضًا.
(فصل في العموجودةلتّحصيل... الخ)[٭]: كلنبوي ص١٩ س١٢.
اعلمأن بسبب العدول في تحصيل العدول والتحصيل عن الموجبة السالبة المحمول بظنّها سالبة أو معدولة، اختل كثير من قوانينهم، حتى الإيجاب في صغرى [٭]: الشكل. الأول، وحتى وجود الموضوع في الإيجاب.
فنقوذهب الا: لمّا كان المعتبر في القضية الموجبة ذاتَ الموضیوع، ومفهومَ المحمول كان لعدول المحمول تأثيرٌ مهمٌ في صیورة القضية، فلهذا اعتبروا العدول. والسالبةُ المحمولِ؛ باعتبار المحمول أو وعيناالذات. وفيها إثبات: والشيء ما لم يثبت في نفسه، فالأصل أن لا يثبت لشيء. وما لا يثبت لا يثبت له شيء. والأصل ثبوت ما يظهره. فثبت أن الأصل تحصل عنوان الموضوع والمحمول. فلنا ثلاثة ملتبسة:
الساوجه -ابسيطة. والموجبة السالبةُ المحمولِ. والموجبة المعدولة. فالأخيرة تفارقهما معنى، بقابلية الموضوع لمدخول النفي صريحًا أو ضمنًا، كالصريح بشخصه في زمان الحكم. وقيل مطلقًا.. وقيل بنوعه.. وقيل بجنسه..إن لهاا، لأن الثبوت الحرفيّ فرع الثبوت الاسميّ. والعدميّ لا ثابت، فيشف عن أمر ثبوتيّ. وهذا [٭]: أي العدمي. لازمه البيّن ليتّسعه في الثبوت، ولفظًا بعين وغيره. وتفارقهمالعدو جبةُ السالبةُ المحمولِ بأنها مخمّسة الأجزاء، مكررة النسبة السلبية في الملاحظة. وقضية ذهنية باعتبار أن المحمول هو السلب الذي هو ذهني. ولا يلزم في موجبها
— 260 —
إلّا وجود الموضوع في الذهن، ولو كان المحمول الظاهريّ خارجيًا. ومن ، ثم اراهم يقولون: "هي كالسالبة البسيطة، لا تقتضي وجود الموضوع".
(تنبيه: قد يحكم بثبوت الخ) [٭]: كلنبوي ص٢٠ س١٧. إن الموجبة المحصّلة تتلازم تعلاستفا عند وجود الموضوع.. وملزومًا فقط بدونه، مع السالبة السالبةِ المحمولِ، والسالبة المعدولة. وإنّه تكرر النفيّ، فهما مع عدمه فيها. والسالبة المحصّلة تضادهما.. وتتلازميوازن يًا، إلّا في الذهن مع الأول. وبالتفصيل مع الثاني.
("فصل" الحملية مطلقًا الخ..)[٭]: كلنبوي ص٢٠ س٢٥.
اعلمأن طبيعة القضية أن يقّدم الموضوع ويقدم عليه سوره، لأنه كميّته. ثم النسبة... وتقدّم عليها جهتها، لأنها ك فقط أا. ثم المحمول، وقد تعدل عن طبيعتها.
وصدق الموجبة تقتضي صدق ثلاث قضيات ضمنيات:
الأولى:ثبوت المحمول للموضوع.
الثانية:ثبوت المحمول للموضوع بهذا السور.
والثالثة:ثبوته له بهذا السور ضروري مثلًا. وصدق السلب بعدم أحدها، والظاهر تئل، وتلسلب إلى أخص القيود. فالكذب والصدق في المسوّرات باعتبار السّور، وفي الموجهات باعتبار الجهة.
تنبيه:وممّا يلزم للمحصِّل أن يراعيه أن لا يصيّر القاعدة منحصرة في المثال، كما تخبّط فيه كثير. فإن المنطق يبحث عن الضرورة واللاضرورةر الاعوام، كذلك والإمكان. مع أن مرادهم من الضرورة، هي وما يرادفها من الوجوب واللزوم والقطعية حتى البداهة واليقينيّة.. ومن الإمكان، هو وما يرادفه من الصحة والجواز والاحت"الموتى الشك.. ومن الدّوام، هو وما يماثله: كی "أبدًا"، و"في كلّ وقت"، و"مستمرّ"، و"على كل حال" ونظائرها.. ومن "لا دائمًا"، و"لا بالضرورة" ليس لخصوو لتعط" و"ضرورة" تأثير. بل قد يكون معنى
— 261 —
"لا" في قالب الفعل صريحًا، [٭]: كی"ليس". أو ضمنًا. [٭]: كی"امتنع" ومعنى "الضرورة" و"الدوام" قد يكون في ضمن الفعل والحرف. كی"ينبغي، واستتبارهمط، وعوض، وإنّ".
وأيضًا قید تكون هذه الجهات جهاتیًا لعقد الوضع.. وقید تكون قيیودًا وأجزاءً للمحمول.. فتنبّه وإلّا تقع في حيص بيص.
ومما وجب التَّنَبُّهُ له: أن سلب الضرورة نقيض ضرورة السلبّ،أن يكوالدوام نقيض دوام السلب، وسلب الإمكان معاند إمكان السلب. ففي القضية السالبة -إن قدرت السلب بعد الجهة- كان سالبة لموجبة موجهة، لا سالبة موجهة.. وإلّا فهي موجهة بتلك الجهة.
ثم إن
(٣كيفية النسبة باعتبار، ومادّة للقضية بأخرى. ولابد في نفس الأمر منها. فإن كانت في اللفظ أيضًا، فموجهة. ومن الموجهة المقيدةُ بالإطلاق.. وإلّا فمطلقة.
تنبيه:للنسبلاء وإت. فمن الإمكان الاستعدادي إلى الإطلاق سلسلة أفعال المقاربة.
ثم للثبوت صور وكيفيات؛ فمن صوره الأفعال الناقصة، ومن كيفيات إثباته أفعال القلوب وما يشير إليه الحروف المشبهة ونظائرها. وأساسها يرجع إلى الطبشياء لثلاثة المشهورة. فإنّ النسبة ثبوت وهو وجود حرفيّ. والوجود بالنسبة إلى الشيء إما واجب، أو ممتنع، أو ممكن. وللوجوب والإمكان مراتب متفاوتة النتائجطلق" وجهات التي بيّنها المنطقيّون، التي كثر استعمالها قليلة العدد.
اعلمأن أساس الموجهات [٭]: كلنبوي ص٢٢ س١٩ مضمونًا، وعلى الرغم من تضمن الكتاب مضامين كهذه فالموضوع مستقل إلى الأخيجدتْ رب. إما اثنان، كالوجوب -وجودًا وعدمًا- والإمكان.. أو أربعة، كالضرورة، واللاضرورة، والدوام، واللا دوام.. ومنها السلاسل: أو ثلاثة عشر، أو بين خمسمائة وألف.
ثیم القضية مركبّة وبسیيطة. والمركبة قيیدها قضية ضمنية. وفيية.
ة كل ضرورة إمكانٌ. وأصول الضرورة ست: الضرورية الأزلية، والذاتية الناشئة، والذاتية المطلقة،
— 262 —
والوصفية، والوقتية، وبشرط المحمول. لأن ضرورة ثبوت المحمول إما غير مقيّد قطعًا وهي الأزلية، أو مقيّدة بقيد داخل: كمادامَ الذات ذاتًا وهي الني فطرةومادام الذات موجودًا، وهي الذات المطلقة. أو بشرط المحمول، أو بقيد خارج ناعت، وهي الوصفية بأنواعه الثلاث، بل عشرين، أو لا، وهي الوقتية بأنواعه الاثنين، بل أئج العأربعين.
إن الضرورية الأزليیة مصداقها في الأوصاف الإلهية: الثبوتية والسیلبية [٭]: والسبع. وفي كثير السوالب. [٭]: فيما علم عدم الثبوت في مدة الوجود. تأمل! فإنه إذا عنى ال وقت [٭]: كقولك: فلان ليس بعالم. وجود الموضوع، استلزم عند عدمه بالطريق الأولى، وهو يستلزم أزلًا.
والضرورة الناشئة، وهي أن تنشأ من الذات. أعني مادام الحقيقة حقيقة، أي لادة تلك إلى حقيقة أخرى الذي هو محال، لابد من المحمول. ومصداقها في الموجبات الأوصافُ الإلهية [٭]: التي هي عين الذاتي والسبع القديم لا الغير. تأمل! ليس إلّا. فإن بعدم العلم مثلا، ينقلب الواجب ممكنً المقبدم الناطق للإنسان يصير معدومًا، وهو ليس بمحال.
وأما سلب الأنواع أو لوازمها من أنواع أخر، فتصدق فيها الناشئة. فإن "الإنسان ليس بفرس"، [٭]: أو ليس بباقر. إن لم يصدق انقلبت حقيقة الإنسان إلى الفرس وهو محال.
والضرورية الذّاتية، أي المطلسرة ومن القيدَ الوجودُ على أحد الأنحاء، والوجود [٭]: فكأنه غير مقيد. نفس الذّات. فإن كان القيد خارجًا؛ فإن كان وصفًا فهو مشروطة ظرفية.. إن كان منشأُ الضرورة [٭]: كالكاتب حيوان. الذاتَ ومشروطة شرطية إن كان للوصف دخلٌ، كی"الدهنى هذا رّ ذائب". ومشروطة أجلية إن كان المنشأ الوصف، كالكاتب متحرك الأصابع... وكلّ من هذه الثلاثة قد يكون عنوانها ضروريًا [٭]: كالإنسان حيوان. للذات، وقد لا. [٭]: كالأمثلة.
— 263 —
وإن كان القيد وقتیًا، فوقتيتّه إما معيّن، لكثيرت منیتیشر. وكل منهما إما من أوقات الذات، أو من أوقات الوصف. فإن كان بشرط المحمول فالضرورية بشرطه. وأساسه: أن كلّ ممكن موجود محاط بوجوبين بالغير: [٭]: أي لا ممكن ثابت، كالاعتباريات. فإنه لا يحاط بوجوب أصلًا. لأنه ي ولّدتلعلة التامة. ومن هنا ينكشف الجزء الاعتباري. فتأمل! (تقرير) وجوب سابق بوجود العلة التامّة، [٭]: أي إن الوجوب حاصل وملزوم للعلة التامة، وهو إرادة اللّٰه جل وعلا. إذ الممكن لا يوجد حتى يوجب. ووجوبه هیو تعلق الإرادة الكليّة، وهو العلة وضوعًاة. إذ بالتعلق يمتنع التخلّف، فيصير واجبًا. فتیأمل حیق التأمل! (تقرير) التي يمتنع تخلّف المعلول عنها.. ووجوب لاحق وهیو وقت الوجود، [٭]: أي في آن الوجود. وأما وقت البقاء فهو باعتبار العلة التامة. تأمل! (تقرير) يمتنع عدمه للزوم جمع الن محمول [٭]: إذ لو لم يكن واجبًا، يكون ممتنعًا فيجمع مع مقتضى العلة. فالضرورية بشرط المحمول ناظرة إلى الوجوب اللاحق صريحًا والسابق ضمنًا.
الأزلية أخصّ الكلّ، وفردٍ عن الناشئة باعتبار، والناشئة أخص الكلّ.
ثم الذاتية أخص ممّا بعده، إلّا أن في أخصيته بالنسبة إلى المشروطة الأجلية والشرطية نظرًا هو. [٭]: في الأصل المخطوط كذا. والوصفية أخص من الوقتية.. والمعينوالغايمن المنتشرة.. والدوام الأزلي والذاتيّ أعم مطلقًا ممّا يقابلها من الضرورة. ومن وجهٍ مما عداه. والذي يركب به القضيّة ما يدل على معنى لا دائمًا ولا بالضرورة، بأي لفظ وبأي صيغة كانت. والقضية لا تُقيّد وم موجلمساوي والأعمّ، بل يقيد ويركّب بنفي كل ما كان أخص منه، أو أعمّ من وجه.
والدوام أزلية وذاتية ووصفية كالضرورة. إلا أن الانفكاك ممكن غير واقع.
الضرورة الأزلية، تتركب بنفي الضرورة الناشئة. والناشئة بسيطة أبدًا. والذاتيّة لها ثلاث مركبات بنفي يعبِّرة الأزلية والناشئة والدوام الأزلي.
والمشروطة: بأقسامها الثلاثة أو الستة تتركب بنفي سوابقها مع الدّوامين. [٭]: الذاتي والأزلي. فلها خمسة عشر أو ة -وهي.
— 264 —
والوقتيّة: بأقسامها الأربعة تتركب بنفي سوابقها، والدوامين، فلها إما أربعة [٭]: بعد الوصفية واحدة. وعشرون أو أربعة وأربعون. [٭]: بعد الوصفية ستة.
وبشرط المحمول: تتركب بنفي كلّ ما كان أخص منها. فلها [٭]: بعد الوصفية ستة، والوقتبها العة مع الدوامين. خمسة عشر...
والضابط في نسبها: أن المقيد بنفي الأخصّ أعمّ، وبنفي الأعمّ أخصّ. ومن وجه، فمن وجه.
فإذا فرغنیا من الضرورة، فلنشرع في اللاضرورة بسیرّ الترتيب.. واللاضرورة هي الإمكان [٭]: وأيضًا الثلاثينعقلي وشرعي وصنعي. والأول هو هنا. (تقرير) إلّا أن الإمكان. في أيّ جهة كان فاللاضرورة التي هي معناه تتصرف في الجانب الآخر.. وبالعكس، فهما مترادت عنوا[٭]: مآلًا. متخالفان. [٭]: باعتبار المكان. ومن هنا يقال: كان الإمكان نقيض الضرورة [٭]: باعتبار أن معناه اللاضرورة. وأعمّ منها. [٭]: فزيد اني الالضرورة بالإمكان.. الحاصل: إن ذكرتهما وجعلتهما جهة فالإمكان أعمّ، إذ يقع على نفسه. واللاضرورة فيه يقع على جانب الآخر المخالف. فإن بدلت الإمكان بد أوضحورة، يجتمع النقيضان. (تقرير) وإن كان بالإمكان متعلقًا بالمحمول فالقضية ضرورية.. [٭]: إما في نفس الأمر فقط أو فيهما. فزيد قائم بالإمكان [٭]: أي القيام الممكن ضروري. وكذا إن جعلت الي مكانة قيد المحمول فتكون المعنى: أن القيام الواجب ممكن. أي عدم القيام الواجب ليس بضروري. (تقرير) بالضرورة. لمّا كان الإمكان لاضرورة، والضرورة تتصوّر بصور كثيرة؛ كما في التحرير [٭]: والإمكان المقابل له هو الاتفاق. باللزوم، والذهنية بالبداهة.. والقضية البسيطة بالوجوب. [٭]: إذ الوجوب إذا كان المحمول وجودًا ضرورة. كذلك الإمكان يتلون. [٭]: كالإمكان والاتفاق والشك. والوجوب ذاتي في مادة الضرورة [٭]: أي موجباتهما فليس سوالبهما فالعدم ذاتيّ. الأزلية والناشئة، وبالغير في غيرهما.
— 265 —
وقد يكون الإمكان مقابلًا للمطلق. [٭]: أي للضرورة بشرط المحمول وهو المطلقة. أي الإمكان بالقوّة المسمّى بالاستعدادي، وليس من الموجّهات. والإمكا بقصد تي المقابل للضرورة الذاتية الخارجية لا يستلزم الإمكان الذهني المسمىّ بالشك، والاحتمال المقابل للضرورة الذهنية المسمّاة باليقين والبداهة والعلم. ومن هنا يقال في بداهة الوهميااتب السوسة في العلوم العادية: [٭]: أي علم هو العادة. "أن الإمكان الذاتي لا ينافي اليقين العلميّ"، [٭]: لأن اليقين العلمي الحاصل من الوهميات لا يزول ما لم يجئ عن دليل وأمارة. إذ الأيفيّتهقاء على حاله.(تقرير) فبحر الی"وان" ليس بی"دوشاب" [٭]: أي الآن باليقين العلمي، وإن كان بالإمكان الذاتيّ. (تقرير) وجبل "سيبان" ليس بی"بشكر" في الشتاء، وعسل في الصيف.لتركي الأَولى: "ليس بمِعْلَقٍ (بِكَفْجِكْ)، أو "ليس بخبز "بنان" ليناسب في الأكل أيضًا. - (لكاتبه).
والإمكان بسيط أي عام، ومركب أي خاصّ. والبسيط: إ، أما بل المطلقة، [٭]: اللادوام والإطلاق وبالفعل وبشرط المحمول مترادف. إلّا أن الإمكان المقابل للأخير غير ما يقابل ما تقدم. (تقرير) أي لا دائمًا، أي بالفعل، فهو الإمكان الاستعدادي. [٭]: وهیو غيرن) [٭ان الوقوعي الآتي. لأن في هذا لا يجوز الحمل، فلا يقال: "النطفة إنیسیان" بالإمكان الاستعدادي بخلاف الوقوعي. (تقرير) وما يقابل البداهة فالإمكان الذهني.
ثى المعقابل الأزلية والناشئة، فالإمكان الذاتي، نظير الوجوب الذاتي. [٭]: إذ الناشئة والأزلية نظير الوجوب الذاتي وان لم يكن المحمول وجودًا. وما يقابل الضرورة الذاتية، [٭]ش) (٭جوب بالغير. فالإمكان العاميّ. وما يقابل الوصفيّة بأقسامها، فالإمكان الحينيّ [٭]: كالكاتبَ ضاحك بالإمكان أي إن البكاء ليس بضرورة له مادام كاتبًا. (تقرير) أي في حينٍ : بين أحيان [٭]: إذ ما يقابل جميع أوقات الوصف الحين. الوصف التي ثبت الشرطية في كلها. وما يقابل الوقتية المعينة فإمكان وقتي، وما يقابل المنتشرة أي وقت ما كالنكرة فالذي يقابلها ويضادها الإمكان الدائمي المحيط الذي لا تخفف من يده الفرد مّا المختفى. وما يقابل الضرورة بشرط المحمول المستلزم
— 266 —
للمقابلة لكل الضرورات، إمكانٌ وقوعي. [٭]: وَيسمى إمكانًا -بحسب نفسإلّا أ-. إن كان بسيطا [٭]: وهو الصرف الخالي في الكل، لمقابلته المطلق. (تقرير) وإمكان استقبالي [٭]: فالاستقبال معتبر في المحمول. لأنه سلب مطلق الضرورة من الجا هو عبوهو لا يمكن إلّا في الاستقبال. لأنك إن قلت: "زيد قائم" مثلا بالإمكان الخاص، وأردت سلب الضرورة بأقسامه من الجانبين، كان المعنى: "أن الضرورة القيام مطلقًا، مة الشي في العدم والوجود وهو محال.. إلّا أن تعتبر في الاستقبال، بأن تقول فيها: "غدا"... مثلا. أي إن قيامه وعدمه الآني ليس بضروريّ الآن، لأنه عدم ولا يحكم عليه في مستأيضًا الإمكان الخاص يقابل كلّ واحد منها، كالعامّ. وقد يقابل الرابع والخامس والسادس والسابع معًا. وهو ليس بصرف. (تقرير) ليس إلّا إن كان مركبّ أي خاصًّا.
إن للإمكان العام البسيط المتضمن للاضرورة مّا، الذاهب إلى جانالسور.اف مركباتٍ بسبب كونه أعمّ بنفي كل ما كان أخصّ من الضرورات الإحدى عشر، والدوام الثلاث والمطلقات الخمسة، [٭]: الأربعة الوقتية والمطلقة. ومن أشهرها الإمكان المتضمن لللاضرورة الذاتي، والمقيد بها أيضًا المسمى بالإمكان الخاصّ والجولأول أي الذهنية باعتبار الوقوع، وفي غيرها باعتبار الإيقاع، المسمى بالشك والتردد والاحتمال.
فإذْ فرغنا من الضرورة واللاضرورة فلنتمسك بأذيال الدوام واللادوام.
اعلمها.
وام شمول الأزمان، ككل للأفراد. ويتضمن الموجهة لثلاث قضيات، وقد يكون المقصود أحدها. فينص عليها. وفي ما كان المراد القضية المستفادة من الجهة، يقال في موضع هذا ذاك دائمًا. "ما برح، ما انفكّ، ور منه، ما فتئ" ونظائرها وأمثالها في الدوام الذاتي... و"مادام" وما يرادفه في الدوام الوصفيّ.
ثم إن للدوام أقساما ثلاثة: الدوام الأزليّ.. ويدلمثال.
"أزلًا وأبدًا وسرمدًا، وفي القدم"، سواء كانت قصدًا أو قيدًا. وهذا الدوام لمّا كان أعمّ مطلقًا من أوّليتي الضروريات، ومن وجه من الباقيات: حب التركب بنفي كل منها.
والدوام الذاتي: لما كان أعمّ مطلقًا من الثلاثة الأول من الضروريات والدوامِ الازلي، ومن وجه من بواقي الضروريات، يركّب مع نفي كلّ منها.
— 267 —
والدوام الوصفي: سواءً كان الوصف أيضًا دائمًا للذات، أو لا، أعمّ مما سبق" للربكب مع نفي كلٍ منها سواء كان هو المصرّح أو قيده.
أما اللادوام، المتضمن للمطلقة العامة التي "الإطلاق" قيدها المرادف لی"بالفعل"، إما غير مندم مراها إلى الوقت، وهي المطلقة العامة العامة. وإما منظور فيها للوقت، وهو إما معين أو مبهم؛ وكل منهما إما وصفيّ أو ذاتيّ. فالفرق بين وقت الضرورة ووقت المطلقة في التعبير؛ أن تقديم المطلقة على الوكاتب سلامة المطلقة. وتقديم الوقتية عليها علامة الضرورة. والفرق بين مركب الضرورة وبسيطها؛ أن اسم البسيط مركب مع المطلقة، والمركبة بسيط.
ثم إن للمطلقة "بأقسامها الخمسة" الأعمّ من كل ما سبق غير، بشرط المحمول والإمكان العام تحصل لهاليس" وت بعدد نفيها. ومن أشهرها: المقيدة باللادوام الذاتي المسماة بالوجودية اللادائمة.. وباللاضرورة الذاتية المسمّاة بالوجودية اللاضرورية.
فاعلم أن النسب في المنطق كبيت العنكبوت.. وبواسطتها تصطاد الصَّن فيعالية التي لها تعلّق مهم لمقاصد المنطق، والتي كالأجناس للمتناسبات.
ومما يجب التنبيه له؛ أن الإمكان العام أعمّ من الضرورة، وهو [٭]: الواو للحال. نفي الضرورة. فأبدمشق،باعتبار الجانب الموافق، وإلّا فنقيضه. وله [٭]: أي الإمكان. بحسب الاستعمال نوعان: ناظر إلى الوجود، هو أعم من الواجب.. وناظر إلى العدم، هو أعمّ من الممتنع.
وأيض.. يتر القيود في تعاريف هذه الموجّهات؛ لا بشرط شيء، لا بشرط لاشيء أو بشرط شيء.. وإلّا لكان المنتشرة مباينة للوقتية. فالإبهام غير متعيّن للقيدية.
وأيضًا:كما أن القضية تنحرف عن طبيعتها باعتبار السور؛ كی"الحيوانُ كلّ الإنسان". وقد تكون م(أي تع في قوّة الجزئية أو الكلية؛ كذلك، الموجهة تنحرف عن طبيعتها والمهملة عن الجهة، قد تكون في قوة المشروطة أو العرفية؛ بحكمةِ: أن الحكم علىي للعجق أو ما في حكمه يدل على علّية مأخذ الاشتقاق، أو ظرفية للحكم.
وقد تلتبس مهملتها على الأذهان، التي بحسب الصورة من الضرورات الناشئة..
— 268 —
وبحسب الحقيقة من العرفية والمهل الإ وهي فيما تنقلب صورته النوعية حقيقة، أو حكمًا إلى غيره؛ كی"الماءُ أثقل من الهواء". أو "الألف لا تتحرك". ومن هنا يقال: العرفية والمشروطة مع كون العنوان عين الذات، توجد بدون الدوام الذاتي والضرورة الذاتية.
والفكرمأن الكلام الواحد قد يتضمن قضايا متعددّة، بالنظر إلى قيوداته؛ ففي أي قيد تمركز القيد، تأصل واستتبع أخواته.. فيتلوّن بأشكال متنوعه، حتى قد يستخدم ما كان مخدومه.
وللضبط وعدم الانتشار . أما لنا القضايا والأشكال اختصارًا؛ ففي شكل من الموجهات المركبّة الكلية قد تشتبك أربعة أشكال في شكل، والنتيجة الواحدة تمتزج فيها أربعة نتائج، المستخرجة من ضمّ القضايا الضمنية من الصغرى إلى الكبرى أو توابعها. فمن هنا، قسمّوا الموجهة إلى الم أن يكيضًا.
ثم إن الجهة والسور معينان، ليس بينهما ترتّب طبيعي كما في معاني علم المعاني، فكما يقدّم الجهة على السور؛ يتقدم هو عليها معنى، فتكون الجهة كيفيّة للقضية المستفادة من حمد (ص فيكون الإطلاق بالنسبة إلى الزمان الماضي والحاضر.. والإمكانُ بالنسبة إلى زمان الاستقبال، وقس.. وقد يتوهم أن تقدم السور على الجهة، يستلزم الكل الإفرادي. وتأخره يفيد الكل الاجتماعي. وإمكان الشيء بحسب الأفراد.
فارعيته قد يتطرق الشك إليه بحسب الاجتماع. لأن كثيرًا ما يتولدّ المحال من اجتماع الممكنين.
ومما يدل على المشروطة الخاصة، والعرفية الخاصة، والوقتية والمنأمر وربل المركبات مطلقًا المفهوم من المفهوم المخالف بأنواعه المعبّر في المقام الخطابي المكتفي بالظنّ، فيكون القضية بسيطة لفظًا، مركبة معنى. ولما لم يكتف أهل الاستدلال بالظن، اضطرّوا للتقييد والتركيب لفظنفس التنبيه: الضرورة تطلق عندهم... الخ [٭]: كلنبوي ص٢٣.. اعلم أن موضوعية الموضوع غير محموليته.. وغير محمولية المحمول والجهة كيفية للأول. فإن محمولية الواجب الأعمّ ليس بضرورية مع ضرورية القضية؛ ن اللسنسانُ حيوان" وفي الخاصّة الفارقة موضوعيّتها ضرورية، دون محموليّتها.. كی"الكاتبُ إنسان بالضرورة".
— 269 —
ثم فاعلم أن القضية كما تتركب باعتبار القيود المشهورة، كذلك تتركب وتتعدد باعتبار تعدد الموضوع أو المحمليس باًا [٭]: كالقائمُ القاعد حيوان. أو في حكمه [٭]: كالزيدان قائمان. وقيل أو معنى.. فإن كان الجزء جزئيًا، أو جزءًا محمولًا؛ كان قياسيًا. بسر أن المحمول المتعِشجاعةا ذكر- يستلزم حلّ جزئه عليه بالضرورة الوصفية، باعتبار كونه كلّا، وهو [٭]: أي المحمول. محمول على موضوع قضيّتنا. فأنتج بالشكل الأول التابع نتيجته إن كان الكبرى وصفيّة للصغرى في الجهة.. وهي [٭]: أي الصغرى. أصل قض وامتس فالقضايا المستخرجة باعتبار تعدد المحمول توافق أصل القضية في الكم والكيف والجهة. وأما باعتبار تعدد الموضوع فتستخرج بصيرورة الموضوع الكلِ موضوعًا لجزئه [٭]: كالقائمُ القاعد قاعد، والقائمُ القاعد حيوان. كوم علهة.. وهو [٭]: أي الموضوع. موضوع لمحمول القضية. فثبت بالشكل الثالث ثبوت المحمول للجزء بعضًا، وهو المطلوب.. إلا أن هذه توافق الأصل في الكيف فقط، دون الكم لأنه ولد الثالث.. ودون الجهة، لأن نتيجته تابعه للعكس. والعكس لا يحفظ الجهة بعين ووجههاعلمأن الوجوب والإمكان والامتناعَ المضافة إلى الوجود، والعدم، ونقائضها كثيرا مّا تتبادل في المواضع.. بسر التلازم التعاكسىّ في بعضها. كنظير "زلزل".. من وجب وجوده وامتنع عدمه. ويمكن لا يجب ولا يمتنع. وغير تعاكسىّ، كما في بعض المنفيف المس"لا يجب وجوده ولا يمتنع عدمه".
(فصل الشرطيّة إلى الخ)[٭]: كلنبوي ص٢٤ س١٢.
اعلمأن الشرطية عند أهل النقل، وكذا الشافعيّة، حكمها في أجزائها. وعند أهل العقل، وكذا الحنفية، حكمها فيما بيالى:
من هنا يتولد بينهم اختلاف مهمّ، حتى قال الأوّلون: بمفهوم المخالف للشرط دون الآخرين.. بسرّ أن القول الأول: "على أن تصرف الشرط في الوقوع،
— 270 —
والقول الثاني "على أنّ تصرّفه في الإيقاع". ومن هنا تتولّد مسألة الملك. أعني: "إن يستلز هذا فهو حرّ". فعند الشافعي لغوٌ.. لأن الجزاء هو العلة، ولم يصادف محلّا قابلًا بسبب عدم تقييد الإيقاع. وعند الثاني تنعقد العليّة بعد وقوع الشرط، بسرّ تقييد الإيقاع.. وكذا اختلافهم في المستثنى.. فعند الأول: نقيض الحكم الوقوعي للمستثنى، بسراحه. فحيد بكلمته. وعند الآخر: نقيض الحكم [٭]: وهو السكوت. الإيقاعي، [٭]: أي ثابت. أي المستثنى مسكوت عنه.
ثم الشرطيّة تنقسم باعتبار الحكم وكيفيّته، والمقدّم والتالي، وباعتبار السور.. فالنسبة إمّا عنده، أو عنه.. فالأول: إما فيبر به تأمله الذهن، لينتقل إلى التالي بيّنًا، أو غير بيّن، فلزوميّة، ومظانّها: [٭]: (أي اللزومية) أجير. إن اتحد طرفا كل منهما، أي من المقدم والتالي على الترتيب نسب المسوّرات والموجهات؛ فجعل الأخصّ والمساوي في كلّ مادة منها مقدّمًا، والأعمّ والمساوي العظي تاليًا، أو لا على الترتيب، فمظانها العكوس. فاجعل الأصل مقدمًا والعكس تاليًا، للزوم العكس لأصله. وإن اتحدا في طرف، [٭]: بأن كان موضوع المقدم والتالي واحدًا وابينهما. (تقرير) فلابد أن يكون الطرفان الآخران متساويين. أو أعمّ أو أخص. وسرّ اللزوم استلزام حمل الشيء على المساوي. أو وصفه [٭]: (أي الشيء) أجير. له [٭]: (أي المساوي) أجير. حملَه. أو وصفه للمساوي الآخر. [٭]: ككلما كان كلّ إنسادتَه جًا، كان كل إنسان ضاحكًا. أو ككلّما كان كلّ ناطق حيوانًا، كان كلّ ضاحك حيوانا. وكلما كان كل حيوان جسما، كان كل إنسان جسما. وكلما كان كل إنسان ناطقا، كان كل إنسان حيوانا. (تقرير)
ومن مظان اللزوم أيضأ ولو ل الدليل مقدّمًا والنتيجة تاليًا، للزومها أيضًا.. وإن لم يتحدّ الأطراف في المقدم والتالي فمظانها في كل ما يكون من مقول الإضافة والنسبة؛ كالأفعال المتعدية: إن كان هذا فاعله، فذاك ية أرب. أو فوق وتحت.. أو معاندًا فمعاند.. أو أبًا فابن.
— 271 —
ومن مظانها أيضًا ما فيه علّية عقلًا [٭]: كإذا طلع الشمس وجد النهار. أو شرعًا [٭]: كإذا بلغ الصبي العأي الملصلاة واجبة. أو عادة أو سببيّة [٭]: كإن جئتني أكرمتك.. وعلاقتيته [٭]: كإذا ارتفع الدخان، فالنار. (تقرير) سواء كانت الأولى [٭]: أي الت أكثر أي في الخارج. لأن في الذهن ملزومية المقدم ولازمية التالي معلوم من طور الكلام دائمًا. معلولًا [٭]: العلة ما كان موجبًا ومؤثرًا، أو السبب ما كان موصلًا ومهيّئًا. (تقرير) أو الثانية، [٭]: أي التالي. أو كض كان.لشيء آخر.
وإذا اتّحد المقدم والتالي في المنفصلة، فمظانها التناقض. وبسرّ [٭]: متعلق بتعرّف. أن المنفصلة تتركب من عين مقدم كل متصّلة، ونقيض تاليها مانعة الجمع.. ونقيض مقدّم كلّ متصلة وعين تاليها مانعة الخلو.. تعرف بالمقايسة أيات.
لمنفصلات مما ذكرنا، بدخول النفي على التالي أو على المقدم في المتصلة. ومما يجب التنبيه له أن الشرطية كثيرًا ما تتلبس بغير لباسها.. وكثيرًا ما تعصر فيتقطر منها روحها، فيدخل في لفظ مفردٍ كلزومه له.
أنت تذأن الترتيب بين جزئي المتصلة ترتّب طبيعي دون المنفصلة. ولذا لا عكس لها، [٭]: (أي المنفصلة) أجير. فلا عليك كيف رتبت.. بسرّ أن الحكم المتصلةِ وهو اللزوم مثلًا من مقول الإضافة التي تختلف نوعاها، كالولادة المتنوعة إلّ التووة والبنوة، والضربِ إلى الضاربية والمضروبية، وعنادَ المنفصلةِ من المتماثلة الأنواعِ، كالأخوّة والمساواة، وقس!..
ثم المنفصلة حقيقيّة.. إن ذكر الشيء مع نقيضه أو مساويه، واستَلزم عينُ كلٍّ [٭]: (أي كل جزء) أجير. نقيضَ الآخرالفصل ناد في الصدق، وبالعكس، للعناد في الكذب..وهي بدهيّة [٭]: إذ أبده البدهيات عند العقل عناد النقيضين. التصور؛ وإن تعدّد أجزاؤها في الظاهر، فبالحقيقة متعدّدة... وإلّونٍ مناستلزام عين كلّ أو نقيضه [٭]: (متعلق باستلزام) أجير. لعين أحد الأجزاء أو نقيضه. إلّا أن ينظر إلى المجموع وهو غير متعارفة.
— 272 —
ثم مانعة الجمع؛ ما ذكر الشيء مع الا (٣) ن نقيضه، [٭]: كالفرس، فإنه أخص من اللاإنسان. واستلزام عينُ كلٍّ نقيضَ الآخرِ، [٭]: إذ فيه عناد الصدق فقط. لا بالعكس، أو مطلقة على المعنى الأعمّ، وهي [٭]: (أي أن وليالجمع) أجير. نظرية التصوّر مستفادة من منفصلة حقيقية صغرى، ومتصلة لزوميّة كبرى. هكذا: في "إما إنسان [٭]: مانعة الجمع. وإمّا فرس"، إما [٭]: منفصلة صغرى. إنسان أو لا إنسان. وكلما كان فرسًا، فهو [٭]: ملخص الدليل. (قوله: فمعاند الخ) أجير. لاني...نٌ. فمعاند [٭]: وهو الإنسان في الصغرى. اللازم، [٭]: وهو اللاإنسان في الكبرى. معاند الملزوم [٭]: وهو الفرس في الكبرى. فإما إنسان وإما الأفرا ومانعة الخلو؛ ما ذكر الشيء مع الأعم من نقيضه، واستلزم نقيض كلٍّ عينَ الآخر، لا بالعكس.. أو مطلقًا على المعنى الأعمّ. وأيضًا نظرية مستفادة من منفصلة حقيقية صغرى، ومتصلة لزومية كبرى.. من نظير الشكينتج "ل هكذا: في "إما لا إنسان وإما لا فرس إما لا إنسان وإمّا إنسان بالبداهة". وكلما كان إنسانًا فهو لا فرس بسرّ الأخصيّة. فأنتج: إما لا إنسان، إما لا فرس.
واعلم أن الالظالموبأقسامها لا يختص بالقضايا، بل قد يكون في المفردات، سواء كان محمولًا أو قيدًا من قيوده. والمنار عليها تأخّر أداة الانفصال عن الموضوع أو المحمول.. وكذا المتصلة قد تتأخر أداتها، إلّا أنه لا فرق بين التقدم والتأخر فيها. وفي المنف القرآ المرددة المحمولِ إن تقدّم أداة الانفصال، فمانعة الجمع.. وإن تأخرت صارت حقيقية؛ كی "إما كل عدد زوج وإما كل عدد فرد"، مانعة الجمع فقط. وكل عدد إما زوج وإما فرد، في المرددّة حقيقية. وسترى لهذاوجدان؛ وقعًا.
ثم المتصلة الموجبة تتعدد مع محافظة الكم والكيف واللزومِ بتعدّد التالي. بسرّ أن ملزوم الكل ملزوم الجزء اللازم للكل بالبداهة. وفي السلب لا إلا جزئيًا، وفي تعدّد
— 273 —
المقدّم [٭]: أي السالبة هذه ا إلى المقدم، فتتعدد بتعدده، دون التالي والموجبة. (تقرير) بالعكس، كزلزل.. بسر استلزام عدمِ استلزام الكل للشيء عدمَ استلزام الجزء له.
والمنفصلة: فتذكر الميزان، [ر لما ن كلا يوزن مع كل من الآخرين. تتعدد بتعدد الأجزاء. حتى إن المانعة الجمع، أو الخلوّ المركبة من خمسة أجزاء عشرة قضايا ممتزجة، وقس.
اعلمأن سلب المتصلّة مساو لموجبة المنفصلة، أو أعم. وسلب المنفصلة إما مساو لموجبة اتأثيرً، أو أعم. لأن سلب اللزوم إما عناد، أو انفصال. وسلب العناد إما لزوم، أو اتّصال اتفاقي. وسلب منع الجمع جوازُ الجمع، أي الاتصال، وسلب منع الخلو جوازُ الكذب. وما ثبت للمساوي أو الأعمّ يثبت للمساوي والأخص.
ثم إن الشرطية، سورها البرقيلحمليات تنظر إلى الأوضاع الحاصلة من الأزمنة؛ كما في "متى" ونظائرها. أو الأمكنة؛ كما في "أين" ومرادفاتها. أو الأحوال؛ كما في "كيفما" وما يتضمنها. أو الحيثيات؛ كما في "حيثما" [٭]: حيث كی"أين" للمكان. لكنه أعمّ من "حيث"، إذ هو لدية مع"أينما كان، وحيث له، لكن باعتبار قيود مميّزة؛ كی"اجلسْ حيث زيد جالس" أي مجلس علم أو تجارة أو الوزراء أو غيرها. وأشباهه.
وأما "من" [٭]: أي إن من "ما" أيضا من كلمات ي ينقسفلِمَ لا تكون سورًا؟. ج: لأنهما لاستغراق الأفراد، لا الأوضاع، فيكون سورًا للحملية التي صارت مقدمًا وعلامة للمهملة كی"من تضرب أضرب". و"ما" مع استغراقهما، [٭]: في ع، فنقيصول. سور المقدم الحملية معنى، لا الشرطية. فشخصيتها باعتبار الوقت المعين بلفظ مستقل؛ كما في "الآن" و"اليوم" وأمثالها. أو بالتضمن، وهي قوة الكلية في كدّر.
الشكل الأول.
وجهات الوقتية [٭]: وهي الضرورة معينًا ذاتيًّا أو وصفيًا. المطلقة والمطلقة الوقتيیة في الحملية، سور الشخصية [٭]: وكذا "من" و"ما" الماران. هنا. فان لم يدل على بيان كمية الأوضاع؛ كما ميلُ نْ" و"إذا" و"لو" و"أو" و"إما" [٭]: في المنفصلة. بلا تقييد، ونظائرها
— 274 —
وما يفيدها فمهملة في قیوة الجزئية في مقام الاستدلال. [٭]: المراد منه اليقين. وقد تكون في السورلكلية في مقام الخطاب. فإن دلّ [٭]: إذ اللفظ الدال على الأوضاع لا يكون مرادًا منه البعض المعين، لتساوي الأبعاض.. فلزم الترجيح بلا مرجح. فإما أن يدل على المجموع وهو الواحد الاعتباري، والدلالة عليه مجاز، وأهل الاستدلال د والأكبه.. وإما أن يدل على الواحد الحقيقي، وهو البعض المبهم والدلالة عليه حقيقة. إذ بالإبهام يدور على الكل فيشتمله.. فلم الترجيح؟. (تقرير) على استغراق جميع الأوضاع -ولو محالوليات.ن أمكن الاجتماع مع المقدم. أي لم تنافي [٭]: (الأظهر: تناف) أجير. الاستلزام أو سلبه، أو العناد أو سلبه؛ فكليّة، وإلّا فجزئية.
فللموجبة المتصلة: "كلما" و"مهما" و"متى" و"حيثما" و"كوا ... وكذا: "أينما" وكل ما يرادفها، أو يفيدها، أو يتضمنها [٭]: أي سواء كان قيدًا، أو جزءًا، أو مركبًا. من الجهات الدائمية أو الضرورية. [٭]: أي إن الحملية متى انعزلت إلى الشرطية - فإن كانت موجهة فجهاتها تكون سورًا لها. فالضرورة والدواعلى علتيان للموجبة الكلية منهما، وللضرورة الوصفية والدوام كذلك. وكذا الضرورة الوقتية المنتشرة، واللادوام المبهم للموجبة الجزئية فيهما أيضًا. والضرورة الوقتية المعينة واللادوام كذلك للشخصية.. واللاضرورة للاتفاق فيهما.. وكذا إنأهداب الشرطية بالحملية تجعل سورها جهة لها على هذا المنوال. تأمل! (تقرير) فإن سر هذه كجهات الحمليات تنظر إلى الأزمنة ونحوها.
وفي المنفصلة الموجبة جهات الدوام والضرورة.. [٭]: ففيهما المنفصلة
ساصلة مشتركتان. وكذا: "لامحالة، ولامناص، ولامندوحة، ولاخلاص، ولابدّ، والبتة، وبتّة، وبتلة" وكل ما يرادفها أو يتضمنها. وسور الموجبة الجزئيةلتوحيد "قد يكون".. يعنى دخول "قد" أو ما يدل على التقليل على كل الأفعال العامة؛ كی"يحصل ويثبت". والأفعال الناقصة؛ كی"قد يصير"، حتى، "قلما"، و"كَثُرَا من اما يرادفه وما يتضمنها.
وكذا الجهات غير الدوام والضرورة الذاتينين.. وللسالبة الجزئية فيهما دخول حرف السلب على كل السور الكلية. وكذا قد لا يكون بالمعنى الذي مرّ. وللسالبة الكلية فيهما "ليس البتّة".. وكذا تح الكفف السلب عن سور الكلية: كی"دائما ليس"، و"أبدًا ليس"، و"واجبًا ليس" وقس!
— 275 —
اعلمأن منشأ اللزوم [٭]: أي إن اللزوم لابد أن تكون من جاذبة من طرف، فهي البتة لا يكون مننه قد ي. فإما ما في المقدم فقط، أو مع الوضع.. أو الوضع وحده نظير للمشروطية في الحملية. (تقرير) لابد أن يكون هو المقدم وحده، أو مع الوضع أو الوضع بشرط علاقته، وتركيب بينه وبين المقدم.. وإلّا فالوضع يكون أجنبيًا. فمع استقلاله بالمَنْشَئِية كيف يكون و شيء لمع أنه قد يكون عين التالي، [٭]: أي إذا كان الوضع أجنبيًا، وكان عين التالي وجعلته منشأ لزم. فلزم استلزام الشيء لنفسه وهذيانه.
اعلمأن لفظ اللزوم أينما صادفته فهو وأيضًقضيّة متصلة.. والعنادَ أينما صادفته فهو زبدة منفصلة.
واعلمأيضًا أن المنطق أساسه كشف اللزوم بين التعريف والمعرف، [٭]: إذ هما المقاصد. والدليل والنتيجة. فمن اللزوم ماهو متفاوت الأنواع بسبب التصرفات [٭]: أي دخل الجزء الاختياري فيهما وهو ال نشرته (تقرير) في الملزوم، كالدليل والتعريف. ومنه ماليس له كثير تصرف وهو لوازم القضايا [٭]: كالجزئية لازم الكلية مثلا، بسر الأخصيّة والضرورة الذاتية.. وكذا الدوام لازم الوصفية. (تقرير) منفردة. فمن اللزوم [٭]: الثاني. ماهولم به،، أي تحت الضبط، أي قانوني، كلزوم العكسين. وكذا العناد كعناد المتناقضين.
ومنها:ماهو غير مضبوط، بل يعد عدًّا؛ كشرطية الشرطيات، إما بالانفصال بين الشرطيتين، أو بالاتصال وهو الذي يسمى بتلازم الشرطيات.
والتلازمُ إما بين متاتصال جنس، وهي المتصلة بالنسبة إلى المتصلة.. والحقيقية بالنسبة إلى الحقيقية.. ومانعة الجمع بالنسبة إلى مانعة الجمع.. ومانعة الخلو بالنسبة إلى مانعة الخلو..
أو مختلفة الجنس، كالمتصلة بالنسبة إلى الحقيقية، أو مانعة الجمع، أو مانعة الخلو. والحًا لاعبالنسبة إلى الأخيرين وبين الأخيرين. فتلك عشرة كاملة.
— 276 —
مقدمة:إن التخلف [٭]: أي إن المخالفة بين الفقهاء -ولو في واحد- يخرب بيت الاجتماع. (تقرير) ولو في مادة يیخرب بيیت اللزالمؤمن[٭]: بأن يجعله هدفًا للطوب الماوزرية. وإن أحكیام المتساوية متساوية.. [٭]: أي كل حكم ثبت للمساوي، ثبت للمساوي الآخر. وإن لازم اللازم لازم.. [٭]: فنفيه يستلزم نفيه. وإن ملزق النت]: ونفيه لا يستلزم نفيه لجواز أعميّته الأعمية. الملزوم ملزوم..
وإن ما ثبت [٭]: الأول بقياس من الشكل الأول: مثلا: اتحدا قضيتان في المقدم، واختلفا عموما وخصوصا في التالي؛ ككل ناطق إنسان، وكل ناطق حيوان. فأردنا اللزوم بينهما، فالأوللا يست فاجعلها صغرى للأول والثاني كبرى له.. فينتج الثاني صريحًا وإما الثاني. (تقرير) للأعمّ كليّات ثابت [٭]: لدخوله تحته. للأخصّ.. [٭]: كليا. وإن الأعمّ لازم له.. [٭]: فكلما صدّق الأخص صدق الأعم. وإن سلب اللزوم كالعناد، [٭]:ُ صغرَ صدق العناد صدق سلبه. وسلب العناد كاللزوم.
وإنّ قولنا فيما بعدُ: لازم اللّازم أو ملزوم الملزوم، إشارةٌ إلى قياسين تضمنهما القضيةُ. [٭]: الحملية. وإن السالبة تُشترط بعكس ما يشترط في الموجبة في الأكثر.
فالقسم الأول أعني المتحدة الجنس لى رأستصلة الموجبة، الكليّة اللزومية إن تلازم طرفاهما.. فإن تعاكس تلازما، فكل منهما لازمة للأخرى بسر أن أحكام المتساوية متساوية، فأيتهما عرفتها تعرف الأخرى أيضًا، بقياسين [٭]: في الأول مفصولًا أوقائق أًا. مآلهما: [٭]: كلما ناطق فهو إنسان، كلما ضاحك فهو متعجب.
إن ملزومَ [٭]: ضاحك.. بسر المساواة. ملزومِ [٭]: ناطق.. بسر البداهة. ملزومِ [سلب فيسان.. بسر المساواة. الشيء، [٭]: متعجب. ملزومٌ ضاحك للشيء. وإن كانت
— 277 —
سالبة فبقياسين الأول من الأول والثاني من الثاني مآلهما: [٭]: ليس البتة، إذا ناطق.. فرس. ليس ن الأسضاحك صاهل. أن ملزوم [٭]: ضاحك.. بسر التلازم التعددي. معاند [٭]: ناطق. اللازم [٭]: فرس كذلك. معاند للشيء [٭]: صاهل. معاند. [٭]: نتيجة. وقس الجزئيتين. [٭]: الموجبة على اد وحیوالسالبة على الثاني. وإن كانت إحداهما لازمة الطرفين، والأخرى ملزومة الطرفين؛ فإن كانت موجبة كليّة فلا تلازمَ، لصيرورة القياس الثاني من الشكل الثاني من الموجبتين وهو عقيم.. وأيضًا بالتخلف... وأيضًا اللزوم بين اللازمين الأعمين في الأغلب لاسة ليسم اللزوم بين الملزومين [٭]: أي إن اللزوم بين هذين اللازمين الأعمين لا يستلزم اللزوم بينهما إذ الأعم. (تقرير) كالحيوان للجسم، دون الإنسان للفرس.ائِلُعكس أيضًا.. فإن لازم المقدم قد يكون أعمّ من لازم التالي فلا يستلزمه كليًا. ولأن أحد قياسه الضمنيّ من الشكل الثالث وهو لا ينتج إلّا جزئيًا ونحن نطلب الكلية. وإن كانتا سالبتين كليّتين، فملزومة الطرفين لازمة لِلاَزمة الطرفأنفس، إن تخالفا في التلازم، بأن تكون إحداهما لازمة المقدّم ملزومة التالي، [٭]: والآخر ملزومة المقدّم لازمة التالي. (تقرير) فملزومة المقدّم لازمة. [٭]: لِلاَزمة المقدم، وهي البدهية وتكسب بها الأولى. (ًا- لك وان كان [٭]: التلازم. في أحد الطرفين واتّحدا في الطرف الآخر، فلازمة التالي وملزومة المقدم، لازمة في الموجبة [٭]: أي كل منهما لازمة الأولى، لملزومة التالي. والثانية لِلاَزمة المقدم. (تقرير) ملزومة في السالبة.
فالمتصلة بالنسبة إلىتأمل فقية - إن اتفقتا في الكم والكيف، واتفقتا أو تلازما تعاكسيّا في جزء وتناقضا بالذات أو بالتلازم في جزء آخر؛ ففي الموجبة في الحقيقية تندمج أربع متّصلات، مقدمُ اثنين [٭]: من المتصلات. عينُ أحد الجزئين... [٭]: من المنفصلةعمالكمتالي [٭]: من المتصلة أيضًا. نقيض الآخر [٭]: أي الجزء الآخر من المنفصلة.
— 278 —
بسر تضمنه لمنع الجمع. [٭]: وهو العناد في الصدق.. فإذا أثبتت عين أحد استلزم بالضرورة نقيض الآخر وهو رفعه. (تقوالبدوومقدم الاثنين الأخريين نقيض أحد الجزئين. والتالي عين الآخر بسرّ تضمنه لمنع الخلو، [٭]: وهو العناد في الكذب.. فإذا رفعت أحدهما استلزمت بالضرورة إثبات الآخر. (تقريت بجميما فرد وإما زوج.
أما المتصلة فلا تستلزم المنفصلة، بسر جواز أعمية اللازم؛ كالإنسان والحيوان. ولا عناد خلوًّا بين الإنسان واللاحيوان، وجمعًا بين اللاإنسان والحيوانيغ
"يالسالبة المتصلة مستلزمة. لأن سلب اللزوم يفيد جواز الانفكاك. وانفكاكُ التالي يفيد اتصال نقيضه ولو بالاتفاق، وهو سلب العناد، دون العكس؛ لأن سلب العناد حاصل بالنظر إلى الجزء الخلويّ بين الإنسان واللاحيوان، مع عدم صدق سلب اللزوم بين الإنسان والنت "ال وإن اختلفتا في الكيف مع الاتفاق في الجزئين بالذات أو بالتلازم، فالموجبة [٭]: لكونه أخص. كما مرّ. مستلزمة للسالبة دون العكس.
وكذا في مانعة الجمع ومانعة الخلوّ، لأن اللزوم أو العناد بين ا في ثن يستلزم سلب العناد في الأول، وسلب اللزوم في الثاني بالبداهة، دون العكس، لجواز عدم اللزوم مع عدم العناد بين الشيئين، كما في الاتفاقيات.
ثم المتصلة مع مانعة الجمع -موجبة أو سالبة- متفقة في الكيف، وفي أحد الجزئين بالذات أو معاني زم، وهو في المتصلة مقدم مع التناقض بالذات، أو بالتلازم في الجزء الآخر، وهو في المتصلة تال، تلازمتا وتعاكستا. فإن عين كل جزء من مانعة الجمع يستلزم نقيض [٭]: إذ فيه عناد الصدق. لمقصود الذي هو الأعم من العين. [٭]: المأخوذ مقدمًا. ولأن عين الملزوم يمتنع اجتماعه مع نقيض اللازم، وفي السالبة. [٭]: أيضًا تلازمتا تعاكسيًا. لأن سلب منع الجمع جواز الجمع، وهو نوع اتصال، [٭]ا إن طالعينين. وسلب اللزوم نوع انفصال.
وأما المتصلة مع مانعة الخلوّ، فكذا تستلزم مانعة الخلوّ لمتصلتين يركب من نقيض كلّ
— 279 —
من الجزئين مقدمًا، وعينِ الآخر تاليًا. وكذا كلّ متصلة تستلزم مانعةَستحوِ من نقيض المقدم مع عين التالي.. وإلّا لزم تخلّف اللازم عن الملزوم. فإذا اتفقتا في الكم والكيف، واتفقتا أو تلازمتا في جزء -وهو في المتصللحزن، وتناقضتا بالذات، أو بالتلازم في الجزء الآخر -وهو في المتصلة مقدم- تلازمتا وتعاكستا بعين الدليل السابق؛ كإما لا إنسان وإما لا فرس، فكلّما كان إنسانًا....
اعلمأن المنفصلتين المتّحدتين الح. ولك[٭]: الأظهر (المتحدي الجنس. بسقوط النون للإضافة).أجير إن تلازما تعاكسيًا في الجزئين، أو مع جزء مع الاتحاد في الآخر، فمتلازمتان متعاكستان.. بسر "أحكام المتساوية متساوية"، المستند إلى قياس اقتراني مركب مند القدلة والمنفصلة، المنتج للمنفصلة المطلوبة. هكذا: كلما صدق هذا المساوي، صدق ذاك. وإما ذاك، وإما ذاك، وإما هذا.. فأنتج: إما هذا المساوي، وإما ذاك. فقس!..
وكذا، في الحقيقي، إن تناقضا في الجزئين ذا اخت أو بالتلازم.
وأما مانعة الجمع بالنسبة إلى مانعة الجمع -إن كان طرفا أحدِهما، أو أحد طرفهما لازمًا، والآخر -أحدها- ملزوما مع اتحاد الآخر- فالملزومة الطرفِ، لازمة اللّازمة الطرف في الموجبة بعب وينخلف دون العكس.. بسر التخلّف؛ كمنع الجمع بين الإنسان والفرس، دون بين الحيوان والجسم اللازمين.
وفي السالبة اللازمة الطرفِ، لازمة ملزومة الطرف بالخلف، لأن جواز الجمع ِهم؟
ملزومين يستلزم جواز الجمع بين اللازمين، وإلّا لزم المحال دون العكس بالتخلف؛ كجواز الجمع بين الحيوان والجسم، مع عدم جواز الجمع بين الإنسان والفرس، الملزومين لهما. و..مفعولهنعتا الخلوان [٭]: (الأصوب:المانعتا الخلو). أجير -إن كان طرفا أحدهما، أو أحد طرفهما مع الاتحاد في الآخر لازمًا، وطرفًا الأخرى أو أحدها ملزومًا، ففي الموجبة اللازمة الطرفِ لازمة فقط، وفي السالبة الملزومة الطرف لازمة فقط.. اللزوم بسر الخلّرة لدم العكس بسرّ التخلف.. والجمع والخلف إيجابًا وسلبًا، كزلزل.
— 280 —
وأما المختلفة الجنس، فالحقيقية مع مانعة الجمع، إن اتحدتا في طرف واحالي، و الحقيقة لازم لطرف مانعة الجمع، وملزوم لطرف مانعة الخلو فهما لازمتان في الإيجاب بسرّ أن منع الجمع الذي في ضمن الحقيقية بين الشيء ولازم شيء يستلزم منع الجمع بين شيئين. وما في ضمن الحقيقة من منع الخلو بين الشيء وملزومِ شيء يستلزم منع رض تليبين شيئين، دون العكس فيهما للتخلف. وفي السالبة الحقيقية لازمة، بسر أن سلب الأعم أخصّ، وسلب الأخص أعمّ.
اعلمأن تعاند الشرطيات بعد معرفة تلازمها سهل المأخذ. ففي كلّ متلازم متعاكس -كما مرّ- بين عين كل مع نقيض الآخر عناد حقيقيّ. وفخطبة االمتعاكس بين عين الملزوم ونقيض اللازم عناد الجمع.. وبين نقيض الملزومة وعين اللازمة عناد الخلف.
خاتمة الخاتمة:كما تنحرف الحملية عن طبيعتها وتختفي تحت قيد، حتى تحت حرف واحد؛ كذلك الشرطية تنحرف عن صورتها وتندمج تحت كلمة، أو حمليةن البیعليها بإحدى الروابط العطفية أو غيرها.. وكذلك القياس الاستثنائي كثيرًا ما يندمج ويستتر تحت "لما" وأمثاله. وغير المستقيم تحت "لو" وأمثالها. مثلا عطف جملة موجبة عّل من ية بواو الجمع يتضمن مانعة الجمع. لأن النفي المتوجه إلى الواو نفي الجمع. وقس عليه ما يفيد هذا المعنى، وعطف المثبت على المنفي بی"أو"، يتحرك تحته منع الخلوّ. و"إلى" و"حتى" وما يفيدهما أو يرادفهما، تحمر تحتهما المتصلة اللزراره عو"لما جئتني أكرمتك" يدل على المقدمة الشرطيةِ والاستثنائيةِ والنتيجة لدلالة "لما" على تحقق المقدم، وكذا ما يرادفها. و"لو جئتني لأكرمتك" يدل على الشرطيةِ، واستثناءِ نقيض ين عدم، والنتيجة عند المنطقيّين، وبالعكس عند أهل العربية. مثلا: "لو خدمتني لأكرمتك" يقال مرة في مقام لَومِ المخاطب له، ومرّة في مقام منة المخاطب عليه. ففي الأول عند ال. وبال[٭]: هو أهل العربية. وفي الثاني عند الأول. وكذا يقال "لَو" لامتناع لامتناع [٭]: أطنب بالإيجاز كالتنزيل، أي لامتناع الأول بدليل امتناع الثاني عند الأول.. و كالقتع الثاني بدليل امتناع الأول عند الثاني. (تقرير) وإنما عَبَّروا بالامتناع دون العدم، لأن كلّ [٭]: أي الامتناع يستعمل في محال. والحال أن الحقيقة ليمن التك؟. فأجاب: بأن المحال عام... والتفصيل: : أن الطبقات ثلاثة. الوجوب، والامتناع، والإمكان، والحال بمشخصاته مثال الوجوب بتعلق العلة العامة، وهو إرادة اللّٰه بوجودها. والماضي للثاني. إذ ما وجد بثمرةالعلة فعدمه محال. وما لا وجود له محال. والاستقبال للثاني. (تقرير) الماضي إن كان عدمًا فوجودها محال، وإن كان وجودا فعدمه محال. أما "لولا عليٌّ لهلك
— 281 —
عمر" [٭]: ذخائر العقبى، للحافظ محب الدين أحمد بن عبداللّٰه الطبري ص٨٢ (ء الغر فنقيض التالي هو التالي، فيصير كی"لَمَّا". [٭]: أي "لولا" كی"لما" في كون تاليه استثنائيًا مستقيما كاستثناء عين المقدم المنتج لعين التالي. (تقرير) وأصل "لولا"، "لا لو". أي دخض الصغ على أحد جزئي منع الجمع فاستلزمه. [٭]: أي إن بين طرفي ما بعد "لولا"، وكذا "لوما" بمعناها منع الجمع في الأصل -كما في المثال المذكور-، و"لولاك لولاك لما خلقت الأفلاء واولاك لصدق منع الجمع.. كإما وجد عليّ وإما هلك عمر.. وأما أنت توجد وأما لا أَخلُق. فلما أريد اللزوم بين الطرفين، جيء بی"لا" على التالي. إذ الشرطية المتصلة اللزومية تتركب من مانعة الجمع، بجعلا أن احد الجزئين مقدما ونقيض الآخر تاليًا. وجيء بی"لو" للدلالة على اللزوم، فكان بمعنى "لما". فالقياس بعده مستقيم. والحال أن "لولا" يدل على تحقق وجود المقدم كی"لمّا" فرفع "لا" صورة على التالي، واجتمع مع "لو". هو عارض السات خف والبسيط إما ليس بمادة كالمجرّدات؛ كالواجب والنفوس مطلقا. وأما مادة: وهو أيضًا إما غير متجزئ؛ كالجوهر الفرد ومفروض النقطة.. وإما ليس من الطبائع المختلفة، كالسماء.. وإما مشترك الجزئي والكليّ في الا. لاكالماء.. فاحفظ. (تقرير) أي النفي عين الآخر فاستجلب "لو" للزوم، وبتركيبه "مع" لا للدلالة على وجود العين، وإنتاجه لتالينا، التي فارقته لا صورة.
مقدمة:ومن المعقولات الثانية ما يسمى بالء ثلجًلعامة، ومنها الوحدة والكثرة. فالوحدة إما حقيقي أو اعتباري. فالاعتباري: فالاتحاد في الجنس المجانسة، وفي الفصل، أو أخصّ الصفات المماثلة. وفي للإسلالمنفصلة؛ المساواة. وفي المتصلة؛ الموازاة أو المحاذاة أو الموافقة أو المطابقة. وفي الوضع المشاكلة وفي الملك المشاركة. وفي مقول الإضافة والفعل والانفعال، المناسبة. وفي "متى" المعاصرة. وفي مقول "أين" المجاورة.
ووحذف مكثرة، والاثنينية. إن لم يكن فيها التماثل، فالتخالف.. فإن لم يعبّر فيها التماثل فالتخالف، فإن لم تعبر [٭]: (لعل الصواب: يعتبر، كما يفهم من السياق) أجير. فيها منع الاجتماع، فالتغاير.. وان اعتبر منع الاجتماع من جهة واحدة في زلةِ واحد وفي محل واحد، فالتقابل. فإن توقف تعقل أحدهما على الأخرى فالتضايف.. وإلّا فإن كان طرفاها وجوديين، فباعتبار الصدق التباين. وباعتبار الوجود، التضادّ.. وإن كان أحد الطرف إذ اليًا، فإن اشترط قابلية المحلّ؛ فعدم ملكة، وإلّا فالتنافي في المفردات، والتناقض في الجمل أو فيهما. والإيجاب والسلب في الجمل.
— 282 —
ثم التناقض من أححدة القضايا التي لها دخل في الاستدلال، لأنا كثيرًا ما نثبت لزوم النتيجة للدليل وغيرها بالخلف، وهو إثبات الشيء بإبطال النقيض.. فلابد من معرفة فعذابًاتناقض..
اعلمأن التناقض من الأحكام التي يتوقف عليها بيان الأشكال النظرية. فإن غير الأول نظري، يثبت إنتاجه بقياس الخلف المؤسس على أخذ النقيضين، وبقياس الاستقامة المتوقف على معرفة العكوس.
ثم التناقض لا يحتاج إلى كثير مؤونة بحسبع عليهقة، فبعد معرفة الشيء يكون نقيضه بدهيًا. لأن نقيض كل شيء رفعه، والرفع نفي، والنفي عدم، والعدم كالوجود أعرف الأشياء، لأنهما أعمّ. والشيء معلوم بالفرض.. إلّا أن العدم الغير المحصل لاه (٣) مصدرًا للآثار المقصودة لنا. فأرادوا ضبط قضايا محصّلة، هي لوازم النقائض الحقيقية أو عينها.. مثلًا: إن نقيض "زيد ليس بقائم"، "ليس زيد بقائم". وهو كما ترى.. ولذا عرّفوه بی(اختلاف قضيتين). أي لا مفردين. لأنه لا مدخل له في الخلف.المحاسرد وقضيته (بالإيجاب والسلب). أي لا بالأفراد والتركيب وغيرهما.. (بحيث يقتضي لذاته). أي لا بواسطة مقدمة أجنبية، هي "معاندُ مساوِ الشيء معاند للشيء"، (امتناع صدقهما وكذبهما)، أي بينهما انفصى- ويحقي.
ثم يستفاد من التعريف اشتراطه بثلاث اختلافات واتحاد واحد، أو اثنين أو ثلاثة أو ثمانية أو أربعة عشر. أما الاختلاف ففي الكيف بصريح التعريف، وبالتخلف. في "ابنك أيها العزب قائم، ولا قائم" والاختلاف في الكم للتخلّف أيضًا في الموضو الفضلقدم الأعمّ بالكذب في الكليّة، والصدق في الجزئية، والاختلاف في الجهة، وسيجيء..
ثم الاتحاد الواحد: ففي النسبة.. لأنه إذا اختلف أحد طرفيها أو قيد من قيودها، اختلفت النسبة. فبعكس النقيضين إذ اتّحدت، ا للأسففي قيودها.. أو الاتحاد في الموضوع يقيّد به، والمحمول بقيوده الأربعة، أو فيها وفي الزمان، لأن الزمان لا يتأتى أن يصير جزء المحمول في الجملة أو في الموضوع.. وفي الجزء والكلّ، لا الجزئية والكلية. وفي الشرط. كی"الجسمُ مفرق للجود نقيس بمفرق" بشرط البياض والسواد. وفي المحمول، والزمان
— 283 —
والمكان والإضافة والقوة والفعل.. أو في هذه الثمانية مع التبادل في قيود الموضوع والمحمول على كتخلف في الكل...
اعلمأن القضية باعتبار كل قيد من قيودها تتضمن قضية قد تصير مناط الحكم.
واعلم أيضًا أن نقيض الشيء عدمه.. وأن القضية ذات القيود الثلاثة لها ست عدمات. فلابد في أخذ نقيضها من عدم يعمها.. و إن الإلّا عدم الأخص من قيودها، فإن عدم الأخص أعمّ، وعدم الأعمّ أخصّ، يجوز خلوّهما. وفي الموجهة القيد الأخصّ هو الجهة. ففي "الإنسان حيوان بالضرورة" مدار التنلّة بروانية الإنسان ضرورية. وسلب الضرورة إمكان، فنقيض الضرورية الذاتيةِ الممكنةُ العامة في جانبها المخالف.. وهو يستلزم سلب الضرورة في جانبها المخالف، وهو الموافق للضرورة.
ولما كان بين الثبوت لكل الأفراد والسلب عن البعض تناة من مذلك بين الثبوت في جميع الأزمان والسلب في البعض أو بالعكس ذاتًا أو صفة تناقضٌ.. فنقيض الدائمة المطلقة المستلزمة لوقت، والعرفيةِ الحينية الوقتية، أو بالعكس.
وأما الوقتية، فكالشخصية باتحاد الوقت.. فنقيضها ال من رجالوقتية. وأما المنتشرة، فلما انتشرت الوقت كان كالنكرة في الإثبات.. فإنما يناقضه الإمكان، إذا نفاه على سبيل العموم كالنكرة في سياق النفي حكما البراعلمأن نقيض المركبات ليست من جنسها، وإنما أخذوا منفصلة محصلة، هي لازمة نقيضها؛ بسبب أن أصل القضية كالوجود له فرد واحد، وهو وجود جميع أجزائها. ونقيضها الذي كعدمها متعدد الأفراد، حتى في مركب ذي خمسة أجزاء، للعدم أحد وثلاثون فردًامثال م جزئين ثلاثة أفراد. فلهذا لا يعين عدم جزء الأخصية، بل ينشر ويردد فيما لا تداخل بين أجزائه، ومن الإبهام والترديد بتولد إما حملية شبيهة المنفصلة، أو منفصلة شبيهة الحملتركة و ثم إن المتشابهتين في المتصلة متساويتان، وفي المنفصلة متلازمتان. إن كانتا جزئيتيّن، ومتخالفتان. يعنى أن المنفصلة أخصّ، إن كانتا كليّتين. مثلًا: كل عدد إما زوج وإما فرد.. وكل إنسان إما كاتبالغة شأمي. ولا يصدق إما كلّ عدد زوج، إما كل عدد فرد.. وإما كل
— 284 —
إنسان كاتب، إما كل إنسان أميّ. بل مبعض بسبب أن كليّة الحملية، كل فرد، إذا لم يتم الحكم. وتقديم "إما" على "كلّ" يصيّره مجموعيًا، إذ دخوله بعد تمام الحكم.. وبعد تمام الحكم كُلُّ كلّوكل إيديٍ يكون كلّا مجموعيًا.
واعلم أيضًا أن المركب متحدّ موضوع جزئيّها حقيقة بالضرورة لأجل التركيب والمحلل لا ضرورة في حقيقة موضوعي الجزئيين. ونحن نأخذ نقيض جزئين [٭]: (لعل الصواب: جزئَي، بحذف النون للإضافة). أجير.لتي أوللّ. فلابد أن يكون المحلل عين المركب في الموضوع، ليكون نقيض نقيضه. ففي القضايا المركبة، الكليّة المحلل عين المركب.. بسرّ "كلّ"، فإنه محيط.. فلا إشكال في أخذ نقيضها.
لام ال المركبات الجزئية: فلما كان مفهوم الجزئية المركب أخصّ، بسرّ الاتحاد من مفهوم الجزئيتين المحللتين لعدم ضرورة أن يكون البعضان مشيرين إلى ذات واحد، فيكون نقيض المحللّ الأعمّ أخصّ من نقيض المركب. فلهذا كذب: بعض الحذا لو نسان لا دائمًا، وجودية لا دائمة.. مع كذب "لا شيء من الحيوان بإنسان دائمًا، وكل حيوان إنسان دائمًا". والنقيضان لا يرتفعان.
فلأخذ نقيض المركبة الجزئية ثلاث مسالك: أحدها: تثليث التقسيم. أي إما لا شيء.. وإما كل.. وإما مبعض. والثاني: تتبارٍ،لموضوع بنقيض المحمول في النقيض السالبة.. وتقييد الموضوع بعين المحمول في النقيض الموجبة. والثالث: بالترديد بين نقيض جزئي المحلل ليتحد الموضوع، فيكون حملية مرددّة المحمولِ.
ثم إن من الشرائط الاتحادية في التبالبدالاتحاد في النوع. أي الذهنية بنوعيها. والخارجية بقسميها للتخلف بالاختلاف، وفي الشرطيات الاتحاد في الجنس اتصالًا وانفصالًا، والنوعِ لزومًا وعنادًا وا والإي للتخلف أيضًا.
ثم إن تناقض الجملتين يستلزم عدم الجمع والرفع في الوجود.. وفي المفردين في الوجود بوجوهه.
— 285 —
(فصل في العكس)[٭]: كلنبوي ص٢٨.
الحكم الثاني من الأحكام التي يتوقف عليها إثبات لزوم النتائج للأشإيمان عكس. ويطلق لغةً على غير اللازم، وعلى النقيض ومطلق التبديل. وأما هنا فبالمعنى المصدريّ: تبديل طرفَي القضية حملية، أو متصلة لزومية مع بق الرؤويف والصدق لا الكذب، لجواز صدق اللازم مع كذب الملزوم. وبالمعنى المتعارف أخص القضايا اللازمة الحاصلة بالتبديل. ثم للزوم المغايرة بين اللازم والملزوم لا عكس معتبرًا لما نسبته من الإضافة المتشابهة الطرفين كالعناد، والاتفاق نظير الأخوة.
ًا.
لزوم العكس نظريّ، يحتاج إلى البرهان، وهو ثلاثة.
أحدها:الخلف.. أساسه إثبات العكس بإبطال النقيض. وتصويره: لو لم يصدّق العكس لزومًا، لأمكن انفكاكه. فيمكن صدق نقيضه مع كل صادق ومنه الأصل. ولو أمكن صدقهما لأنتج بالشكل الأول سلب الشيء عن نفسأَوْلٍ محال لوجود الموضوع للإيجاب في أحدهما. وإمكان المحال باطل. وبطلان اللزوم يستلزم بطلان الملزوم.. إما بصورته وهو بدهي الإنتاج. وإما بأصل القضلضمّها مفروض الصدق.. فلم يبق إلّا نقيض العكس، وهو منشأ المحال. فلا يمكن صدقه، فيلزم العكس.
الثاني:طريق العكس.. وهو عكس نقيض العكس، ليضاد أو يناقض الأصل.. والعكس صادوالعامرض. فعكس النقيض باطل، فملزومه وهو النقيض أيضًا باطل، ونقيض النقيض وهو العكس صادق ألبتة.
وحاصله:أنه لو لم يصدّق العكس لزومًا، لأمكن صدقُ النقيض ولو صَدَقَ صَدَقَ لازمه وهو عكسه. ولو صدق اللازم ا لزم تماع الضدّين أو اجتماع النقيضين. والأصل مفروض الصدق فعكس النقيض هو ملزوم المحال فلا يمكن، فيلزم العكس.
اعلمأن عكوس الموجّهات الموجبة ثلاثة فقط:عليهم ية المطلقة للدّوام الأربع.. والحينية اللادائمة للخاصّتين.. والمطلقة العامة لخمسة.
— 286 —
واعلم أن بسرّ "لازمُ اللازمِ لازمٌ" كلّ ما هو أعمّ من العكس عكس، لا اصطلاحًا.. وبسرّ أن ملزوم الملزوم ملزوم. فكل ما هو لا يمكن الأصل يستلزم عكسه.
واعلم أيضًا أنّ لنا مقامين: إثبات ونفي.. فلإثبات اللزوم لنا ثلاث طرائق: الخلف كما مرّ. وأما الافتراض والعكس، فكالتنبيه والتنوير للزوم الدّور في البعض. [٭]: وهو الموجبات.
فاعلم أن الدائمتين وصرَفَهين عكسها الحينية المطلقة بالخلف.. أي وإلّا لصدق نقيضها، وهي العرفية العامة السالبة الكلية، فهو كبرى للأصل.. فينتج سلب الشيء الموجود عن نفسه بإحدى الجهات الأربعة، لأن نتيجة الشكل الأول تتبع الصغرى إذا كانت الكبرى وصفيّة -كما هنا- ي أيديلشيء عن نفسه محال، فليس من صورة الشكل ولا من الصغرى، بل من الكبرى. وهو نقيض العكس، فلا يمكن أيضًا. فيصدّق ويلزم العكس. وبالافتراض وهو جل. ولي الحمل صغرى وعقد الوضع كبرى. فينتج بالثالث العكس، ولا يلزم الدّور.. أو الإثبات بغير الثالث لأن المراد تنبيه وتصوير.. وبالعكس أيضًا. مثلًا: "كل إنسان حيوان" بإحدى الجهات.. فبعض الحيوان إنسان، حين هو حيوان.. وإلّا لزم جمع النج عن ثأو الضدّين. إذ نقيض العكس يستلزم ما يضادّ الأصل الصادق. وضدّ الصادق كاذب، فملزومه وهو النقيض أكذب. فنقيض النقيض وهو العكس صادق. ولازم أيضًا لامتناع إمكان المحال.
وأما مقام النفي، فبالتخلف.. واعلم أن الأعمّ للأخصّ.. كما أن الأخص ملزوم . ولو .. وأن لازم الأعمّ، لازم الأخص.. وأن ملزوم الأخص، ملزوم الأعمّ.. وأنّ ما لايلزم الخاصّ لايلزم العامّ.. وإلّا لزم الخلف.. وأن ما لايستلزم الاعمّ، لايستلزم الأخصّ.. وإلّا ثبت الخلف.
واعلم أيضًا أنّا نحتاج في نفي عكسيته، ماعداوضع واية المطلقة لهذه الأربعة، إلى اثنى وثلاثون [٭]: (لعله: اثنين وثلاثين).أجير. موادَّ تخلف. فالأقصر في طريقه: أن نأخذ من جانب الأصل الأربعة، الأخصَّ الأقوى الملزومَ لأخواته، ونموانع جانب العكس اللازم الأعمّ الأخف اللازم لأخواته. فالأخصّ في الأصل الضرورية الذاتيّة، وفي جانب العكس الأعمّ، ولو من وجه الوقتيّة،
— 287 —
مع التخلّف في صدق "كل كاتب إنسان" بالضرورة، مع كذب "بعض الإنسان كاتب"ب الجزورة في وقت.
والخاصّتان إلى حينيّة لادائمة، مثل "كل كاتب متحرك مادام كاتبًا، لا دائما". أي لاشيء من الكاتب بمتحرك بالفعل.. عكس "بعض المتحرك كاتب، حين هو متحرك". و"بعض اير الب ليس بكاتب بالفعل".. وإلّا لصدق "كل ذاتٍ متحرك كاتب دائمًا". أي الكتابة دائمي للذات. ومقتضى الجزء الأول من الأصل: أن التّحرك دائم بدوام الكتابة الدائمة بهذا الفرض.. فيكون التّح التي مًا للذات.. فيكون ضدّ قيد الأصل المفروض الصدق..
فعكس القيد "بعض المتحرك ليس بكاتب بالفعل"، لا يبين بالخلف، لأن نقيضه وهو "كل متحرك كاتب دائمًا".. مع ة، ما قيد ينتج سلب الشيء عن نفسه بالفعل، وهو جائز. لأن عنوان الموضوع منفكّ، ولا بطريق العكس.. لأن عكس "كل متحرك كاتب دائمًا"، "بعض الكاتب متحرك في حين". وهو لا يضاديّدون .. ولا بالافتراض، لأنه جعل عقد الحمل صغرى وعقد الوضع كبرى، فخرج من عقد الوضع، بسبب إيجاب الجزء الأول؛ "كل إنسان كاتب بالفعل". ومن عقد الحمل: "لاشيء من الإنسان بمتحرك بالفعل"، فلا يكون صغما للعكل الثالث لاشتراط الإيجاب.
اعلمأن عكس الوقتيتين والوجوديتين والمطلقة العامة المطلقةُ العامة، فنحن على وظيفتين:
الأولى:إثبات لزوم هذه لتلك، بتلك الطرائق. فالأقصر: أن نأخذ الأعمّ من الخمسة. لأن لازم الأعم لازم الأخص، واله إل المطلقة. لأن المطلق أعمّ من المقيد. فإذا صدّق: "كل كاتب ضاحك بالفعل"، صدق لزومًا "بعض الضاحك، كاتب بالفعل" بالخلف. أي وإلّا فلا شيء من الضاحك بكاتب دائمًا -كبرى للأصل- فينتج لاشيء من الكاتب بكاتب دائمًا، والحريةل لوجود الموضوع. لأنه كان عقد وضع الموجبة. والدليل الذي يستلزم المحال باطل، لفساد أحد أركانه. والصورة بدهيّة، والأصل الصغرى مفروضة الصدّق، فيبطل نقيض عكسنا.. فثبت "بعض الضاحك كاتب بالفعل". فإن شئت فاستدل على سمحتواهتنبيه والتنوير دون الإثبات، للزوم الدّور بالعكس والافتراض. هكذا: لو لم يصدّق العكس، لصدق
— 288 —
النقيض. والنقيض يستلزم عكسه، وهو يضاد الأصل الصادق، فيكذب فيزة لهذزومه. فثبت نقيض النقيض، وهو العكس.
والافتراض:جعل عقد الحمل صغرى، وعقد الوضع كبرى بالثالث الذي نتيجته تابعة لعكس صغراه، وهو المطلوب. وخلاصته: أن الأصل يخبرنا بأن عنوان الموضوع وعنوان المحمول : "أن بالفعل لذات واحد. فأيتّهما ثبت للذات، -بناء على سلّميته- يثبت له الآخر بالفعل كما ترى.
أما الوظيفة الثانية:فنفي لزوم الأخص من المطلقة لا الأعمّ، فإنه (أي الأعم) لازم أيضًا. والطريق الأخصر للتخلف: أن نأخذ الأخص م عين أسة؛ لأن ما لايلزم الأخص لايلزم الأعمّ ألبتة، والأخص الوقتية المعينة. ونأخذ من الأحد عشر الأعمَّ، لأن عدم لزوم الأعم يستلزم عدم لزوم الأخص بالضرورهم يكفلأعمُّ من الكل الأخصُّ من المطلقة؛ الوجوديةُ اللاضرورية. مثلا: يصدّق "كل قمر منخسف في وقت الحيلولة بالضرورة، لادائمًا".. مع كذب "بعض المصادق؟.قمر لا بالضرورة"، باعتبار القيد. لأن الانخساف خاصة القمر. فذات المنخسف قمر دائما بالضرورة.
اعلمأن مما يجب التنبه له في هذا المقام: أن إمكان الملزوم لا يستلزم إمكان اللازم كإمكن شمس المعلول الأول، اللازم عند الحكماء للواجب، مع عدم إمكان عدمه لللازم. فإمكان الأصل مطلقةً لايستلزم إمكان الإطلاق [٭]: في عكسه. وأيضًا قد يتولد الم..
ممكنين بالإجماع، كالقيام والقعود. ففرض الممكن فعليًا [٭]: في صغرى الأول في بطلان عكس الضرورة ضرورة بالتخلف. (تقرير) مع الأصل الصادق [٭]: وكان كبرى للأول. وهو اا يمكن، لتوسع أفراد موضوع الأصل.
وأيضًا، إن إمكان الدوام غير دوام الإمكان. فإن الأول ينافي الوجوب بالغير، دون الثاني.. فالكاتب دائما ليس بممكن، ليس بممكن للإنسان. ا النا أنه يمكن دائمًا.
وأيضًا، إن "صدق الضرورة" غير "ضرورة الصدق" على المشهور.. كما أن "صدق
— 289 —
الإمكان" عير "إمكان الصدق". فإن صدق الإمكان ق الظاهمكن فرضه بالفعل، مع بقاء صدقيته الأصل. إذ قد يلزم الإمكان شيئًا، ففرض فعله يمتنع معه.. كالقيام وإمكان القعود. فاندفع ما شككوا في هذا المقام.
ثم اعلم أن لا عكس للممكنتين على ظاهر مذهب-بمقدا في عقد الوضع، أي الفعل الخارجي للتخلف وعدم قيام الخلف، إذ الإمكان لا يصح في صغرى الشكل الأول. ومن هذا لا تنعكس الضرورة ضرورية.
ثم السّوالب؛ فعكس الدّائمتين الكليّتين دائمة كلية بالخلف، بجعل نقيض العكس، لأنه موجبة جزئية [٭]: مطلقة. صغركزٌ ومل السالبة الكلية.. فينتج سلب الشيء عن نفسه الموجود على فرض صدق النقيض. فإن شئت، فبعكس نقيض العكس يناقض الأصل.. فبلزوم الدوام يلزم [٭]: أي يكون عكسًا لا اصطلاحًا. الأعمّ منه (أي من الدوام).
اعلمأن وتعريفعامتين عرفية عامة سالبة كليّة.. وإلّا فحينية مطلقة؛ موجبة جزئية مع الأصل، ينتج سلب الشيء عن نفسه -حين هو نفسه- وعكس الخّاصتين الكليّتين عكس جُزئيهما.. وهي العرفية العامة، [٭]: السالبة. الكلية.. والمطلقة، [٭]: العمحددة الموجبة الجزئية، المعبرة باللادوام الذاتيّ في البعض لمخالفة [٭]: اعتبر هنا العكس لعدم صدق الكليّة لموضوع الجزئية "وفيما مرّ اعتبر المركبة لجوازه.تأمل! (تقرير) موضوعه [٭]: لكونه عكس الموجبة. لموضوع الجزء الأول. [٭]: في الكمور الن عكس سالبة الكلية. واصطلح على هذه بالستة المنعكسة السوالب، ولا عكس للبواقي، لأن الأخص منها وهي الوقتية، لا ينعكس إلى أعمّ الجهات، وهي الممكنة قلية، لف في "لاشيء من القمر بمنخسف وقت التربيع"، وهو صادق مع كذبِ "بعض المنخسف ليس بقمر" بالإمكان العام. وإن لم ينعكس الأخص لم ينعكس الأعمّ.. وإ في اللزم الأعم لم يلزم الأخص.
والسالبة الجزئية، لا عكس لها إلّا في الخاصّتين. أما عدم الانعكاس في غيرهما،
— 290 —
فلأن أخصّ البسائطِ الضروريةُ، والمر له معالوقتيةُ.. وهما تصدقان بلا عكس، ولو ممكنة عامة؛ في "بعض الحيوان ليس بانسان بالضرورة".. مع كذب "بعض الإنسان ليس بحيوان بالإمكان".. و"بعض القمر ليس بمنخسف بالضرورة"، مع كذب بعضُ المنخسف ليس بقمر ولو بالإمكان، لأن خاصية الانخساف للقمر والمقا تستر قمر تحت بعض.
وسر عدم جريان الخلف في السوالب الجزئية؛ أن الخلف ضمّ نقيض العكس إلى الأصل صغرى أو كبرى ليلزم المحال، والحال أن أصلنا هنا لسلبه لا يصاثنين:ى.. ولجزئيته لا يصير كبرى. وأما ثبوت الانعكاس في الخاصتين؛ فلأن الأصل يقول: إن ذات الموضوع موجود بحكم القيد الموجب.. وإن الذات متّصف بعنوان الموضوع وهو ظاهر.. وبعنوان المحمول بحكم القيد، وبنفي المحمول بحكم عقد الحمل.. وبنفي الماللاضرحكم المنافاة بين الوصفين. فالوصفان متنافيان ومتعاقبان على ذات واحد.. "هَرْوَكِي بِرَاجُوتِكْ". [٭]: إن هذا التركيب باللغة الكردية - الكرمانجية. ومعناها: "التوأم" بالعربية. ع.ب. فالذات ديم الهما استتر، يبعد عنه الآخر.. إلى أن يزول ما أخذه.
اعلمأن العكس تحصيل أخص القضايا اللازمة.. فنثبت اللزوم بالخلف وعدم الانعكاس.. أو إلى الأخص لزومًا، فبالتخلف.. والخلف إبطال الشيء بإثبات نقيضه.والتمثلاشكال يُضمُ نقيض النتيجة صغرى أو كبرى، [٭]: أي بالصغرى.. فينتج ما ينافي الكبرى. أو بالكبرى، فينتج.. الخ. لينتج ما ينافي الآخر. وفي العكس ضمّ نقيضنجم ال كبرى للأصل في الموجبات.. وصغرى له في السوالب، لينتج سلب الشيء عن نفسه في المستوي. وحملَ الشيء على نقيضه في عكس النقيض..
وصورته، من المعقول الثاني هكذا: لو لم يصدّق العك.
ق نقيضه بالضرورة. ولو صدق النقيض، لصدّق مع كل صادق.. بسر أن الصدق أبدي. وإذا صدق مع كل صادق صدق مع الأصل. لأنه مفروض الصدق، فمن الكل.. وإذا صدقا معًا، حصل الشكل الأول. وإذا تركب الشكل الأول، أنتج بالبداهة المودها.
هو سلب الشيء عن نفسه هنا، وهو باطل: لوجود الموضوع بالإيجاب في الأصل، أو نقيض العكس.. وملزوم المحال غير ممكن، فنقيض غير الممكن واجب ولازم، وهو المطلوب..
— 291 —
أما صورة التّيقة ال: أنّه لو انعكس، للزِمَ، ولو لزم، لدام.. ولو دام، لم يتخلف.. لكن إذا تخلّف فلم يدم، فلم يلزم، فلم ينعكس..
(فصل في عكس النقيض)[٭]: كلنبوي ص٣٠.
الحكم الثالث للقضايا العكس، النقيض..
رقيقةم أن الآلة كثيرًا ما تتحول عن صورتها الحقيقية، فتظهر لأغراض بلوازم مقدمتيها، أو إحداهما فلهذا كثيرًا ما نحتاج لرد غير المتعارف إلى المتعارف لعكس النقيض.
ثم إن عكس النقيض إما موافق الكيفت ككونذ نقيض الجزئين سلبًا أو عدولًا.. أو معًا مع النظر والدّقة لأخذ نقيض الجزء. فإن نقيض "كاتب بالفعل" ليس بی"لا كاتب بالفعل" لعدم تمام الخلف هنا.. أو أخذ نقيض المحمول فقط، سلبًا أو عدولًا مع المخالفة في الكيف.
ثم، قد ذكرنا: أن العكس يومنا، تحصيل أخصّ القضايا اللازمة، وإثبات اللزوم محتاج إلى البرهان. والبراهين الجارية في سوالب العكس المستوى، جارية في موجبات عكس النقيض مع تفاوت قليل، لأنها نظيرتها. وكذد"
#11ين موجباتها في سوالب ذا، كی"زلزل".
أما الموجبات الكلية، فعكسه على الأول نفسها، لأنه المحمول فيها، إما مساو أو أعم.. ونقيض المتساويين متساويان. ونقيض ارط العخصّ من نقيض الأخص فيحمل عليه كليًا ألبتة. مثلًا "كل إنسان حيوان" ينعكس إلى "كل لا حيوان لا إنسان" بالخلف. أي وإلّا لصدق نقيضه.. وهو "ليس كل لا حيوان بلا إنسان" وابطة إن جعله صغرى للأصل لسلبه. ومن هذا اضطر المتأخرون إلى العدول واستلزام هذا للموجبة عند وجود الموضوع ثابت، إذ لابد أن يكون موجود ومعدوم خارجًا عن الموضوع والمحمول، أو لأعيان ولبة يستلزم الموجبة السالبة الطرف، فسلبُ السلب إيجاب. فإذا صدق النقيض، استلزم "بعض ما ليس بحيوان إنسان" صغرًى للأصل، وهو "كل إنسان حيوان" فينتج "بعض اللاحيوان بالفعل حيوان دائما". وحمل النقيض على النقيض بهذا الوجه محال. ومستلزم ا أهميةغير ممكن، فنقيض النقيض لازم. تأمل!
اعلمأن الدائمتين تنعكسان إلى دائمة. مثلًا: "كل إنسان حيوان بالضرورة، أو دائمًا".
— 292 —
و"كل لاحيوان لا إنسان".. وإلّا فی"بعض اللاحيوان ليس بلا إنسان"، "فبعض اللاحيوان إنسان بُ العم كما مرّ، مع "كل إنسان حيوان"، ينتج "بعض اللاحيوان بالفعل حيوان دائمًا". وهو كما ترى.
والعامتان، إلى عرفيّة عامة.. مثلا: "كل كاتب متحرك مادام كاتبًا". فی"كل لا متحرك لا كاتب مادام لامتحركًا".. وإلّا فی"بعض اللامتحرك ليس ب منها ب حين هو لا متحرك". "فبعض اللامتحرك كاتب في حينه" لما مرّ أيضًا.. وهو مع الأصل ينتج "بعض اللامتحرك متحرك. حين هو لا متحرك" لأن الكبرى وصلمنفصلفالنتيجة تابعة للصغرى. فتأمل في طبيعة الأصل لتستخرج النقط الثلاث في العكس.
والخاصّتان إلى عرفية عامة لا دائمة في البعض، لأن الأصل يخبرنا بأن ذاتًا واحدة له وصف الموضوع، فوصف المحمول معه. ولها نقيض المحمول بتكثرض الموضوع معه بحكم القيد ومادام.. إلّا أن قيد العكس جزئى كما في عكس المستوي...
أما الجزئيات، فلا عكس لها بالتخلف، إلّا للخاصّتين بالافتراض. فإن أخصّ البسائط الضرورية، و في الات غيرهما الوقتية. ولا تنعكسان إلى الإمكان العام. وما لم يستلزم الأعم، لم يستلزم الأخص.. وما لم يلزم الأعم، لم يلزم الأخص. مثلا: "بعض الحيوان لا إنسان بالضرورة".. و"بعض القمر لا منخسف بالضرورة وقت التربيع لا دائمًا"شَ لشرذب "بعض اللاإنسان لاحيوان" و"بعض المنخسف لاقمر" بالامكان العام.
أما الخاصّتان، فعكسهما عرفية عامة جزئية لا دائمة. إذ لا يصدق في عكس "بعض المتحرك كاتب لا دائمًا" القيد. أي "بعض اللاكاتب ليس بلا متحرك بالفعل". إذ تنص الأوصولك لهُ تحت "لاكاتب".. وتقول: "إني لا أتحرك على رغم المتقدمين، على رغم أنفكم أيها الجديديون!" ومن هذا، يكون قيد عكس الخاصتين الكليّتين جزئيةً.
اعلم أن سوالبهما كموجبات عكس المستوي. فالدائمتان /٢٥٢؛ ّتان إلى حينيّة مطلقة، جزئية سالبة. مثلا: الأعم من الأربعة: "لاشيء من الكاتب بساكن مادام كاتبًا". فی"بعض اللاساكن ليس بلا كاتب حين هو لاساكن".. وإلّا فی"كلّ لاساكن لا كاتب مادام لاساكنًا".. وهو بعكس النقيض. فإنه قد برهن عليه: "كل لف شخصاكن مادام كاتبًا".. وهو ضد الأصل؛
— 293 —
فهو باطل. فملزوم هذا العكس النقيض. أعني نقيض العكس محال أيضًا، غير ممكن.. والعكس لازم.
وأما الخاصتان: فحينية لا دائمة.. أما الحينية؛التالي لازم للأعم منها، ولازم الأعم لازم الأخصّ. وأما اللادوام؛ فبالافتراض.. نفرض في المثال السابق مع اللادوام؛ "كل روميّ لاساكن مادام كاتبًا" بحكم الجزء الأول.. و"كل رومي لاكاتب حين هلة لنم" بحكم القيد مع العناد بينهما. فبضمها، يعني "كل رومي لاساكن مادام كاتبًا" و"كل رومي لاكاتب. مادام ساكنًا". فينتج من الشكل الثالث "بعض الأستاكن لاكاتب حين هو لاساكن" لأن النتيجة في الثالث تابعة لعكس الصغرى. وتستلزم الحينية المطلقةُ، المطلقةَ العامة. فی"بعض اللاساكن لاكاتب بالفعل"، وهو مآل قيد الحينية اللادائمة في عكس النقيض. ولا يثبت بالخشريعة، بطريق العكس..
وأما الوقتيتان والوجوديتان والمطلقة العامة: فعكس نقيضها المطلقةُ العامة، إذا عمّها وهو المطلقة العامة الجزئية السّالبة. مثلا: "بعض الإنسان ليس بضاحك بالفعل"، تستلزم "بعض اللاضم، وللس بلا إنسان بالفعل".. وإلّا فی"كل لاضاحك لا إنسان دائما". وهو يستلزم عكس نقيضها، المبرهن عليه. وهو "كل إنسان ضاحك دائما"، وهو مناقض للأصل دائمفي أساادق. فبطل عكس نقيض نقيض عكس النقيض، فيثبت عكسنا، ولا يثبت بالخلف، لأن الأصل سالبة جزئية، لا تصير صغرى ولا كبرى. وإذا لزمت المطلقة المطلقة، لزمت الأخص منهايمان. م إن عند المتأخرين جعل نقيض المحمول موضوعًا، وعين الموضوع محمولًا مع مخالفة الكيف. فالدّائمتان الموجبتان إلى سالبة دائمة.. فی"كل إنسان حيوان دائما"، إلى "لاشيء من اللاحيوان بإنالمولِئما".. وإلّا فی"بعض اللاحيوان إنسان بالفعل". وهو مع الأصل ينتج: "بعض اللاحيوان حيوان دائمًا، أو بالضرورة". وهو كما ترى..
والعامتان الموجبتان إلى عرفية عامة كلية؛ فی"كل كاتب متحرك مادام كاتبا"، إلى "لاشيء من اللامتحرك بكاتب مادام لا نعم، ا".. وإلّا فی"بعض اللامتحرك كاتب حين
— 294 —
هو لامتحرك". وهو صغرى للأصل الوصفي، ينتج: "بعض اللامتحرك متحرك حين هو لا متحرك"، لأن النتيجة هنا تابعة للصغرى، وهو مِنَ المحال كما يُرى.
وأم متوجهصتان إلى عرفية عامة لادائمة في البعض؛ أما العرفية العامة: فلِمَا مرّ.. وأما القيد: أعني: "بعض اللامتحرك كاتب بالفعل".. فبالافتراض لجزئية العكس.. فكل رومي لامتحرك بحكم القيد. و"كل رومي كاتب" بحكم عقد الوضع الموجب. فينتج من الثاطبخ علعض اللامتحرك كاتب بالفعل".
اعلمأن السوالب هنا، على مذهب المتأخرين ليست كموجبات عكس المستوي [٭]: (تذكر مامرّ) اعلم أن عكس المستوى ناظرة إلى عقد الوضع وغيره. (أي سواء كان متناقضين، أو متقاربين، أو متخالفين، أوشهرة اين، أو غيرها). وأما عكس النقيض فينظر إلى -نسبة الطرفين؛ كالحيوان واللاإنسان... فتذكر مامرّ من أن مصداق الموجبة الكلية؛ كونُ الطرفين متساويين، أو المحمول أعمّ مطلقًا. والجزئية؛ غير المتباينين.. والسالبة الكلية، كونهما متباينين مطلقًا.. والجزئية سيف. المتساويين.. والمحمول الأعم.
وأن نقيض المتساويين متساويان.. والأعم والأخص مطلقًا أيضًا، كذلك بالعكس.. وبين نقيضي المتباينين والأعمِ والأخصِ من وجه تباين جزئي وهو الأعم.. وأن نقيض المساوي نقيض للمساوالظن، ر. ونقيض الأعمّ مطلقًا مباين لعين الأخص كذلك (لعدم الجزئية فيهما. أي لا الأصل ولا العكس. تأمل!). ونقيض الأخص مطلقًا (كالحيوان واللاإنسان)، أعم من وجه من عين الأعم كذلك.. ونقيض الأعم من وجه إحدى النسب، غير التساوي مع لحَبر أخص من وجه. ونقيض المباين أعم من وجه من عين المباين الآخر.
إذا أحطت بهذا علمًا.. فإذا أخذت نقيض الطرفين -كما عند القدماء- لابد من الاتفاق في الكيف. ولابد لكلية القاعدة مللّٰه اس السوالب مطلقًا، إلى الجزئية.. للتخلف في الكلية، فيما كان النقيضان أعم وأخص من وجه. وإذا أخذت نقيض واحد من الطرفين وهو المحمول -كما عند الخالانفصبد من المخالفة. فتأمل!
واعلم أيضًا أن من الممكنتين لا تنعكسان مطلقًا جزئية كلية، موجبة سالبة. والخاصتين تنعكسان مطلقًا كذلك. والبواقي إيجابًا وسلبًا هنا، كزلزل؛ فموجبة هذا سالبةُ ذاك في انعكاس الكل الخارة. وعدم انعكاس الجزئية، إلا. وانعكاس ستة فقط، باعتبار الجهة. وسالبة هذا موجبةُ ذاك في انعكاس كليتهما جزئية.. ولإحدى عشر، باعتبار الجهة عند القدماء. والمركبات فقط عند الخلف. وكون عكوسها ثلاثة فقط. وبرهان الخاصتين م موصولالافتراض فقط، بسرّ العنوان. إذ الحكم فيهما ناظر إليه ومرتبط به، دون سائر المركبات. بل بالذات وإليه فيها. والتفاوت بين إثبات ذاك ببراهينه، وهذا أيضًا بها. هو أن عند السلف بقاء الككر ولمي الموجبات الأصول مكوّن كبرى. والعكوس ثلاثة: الدائمة، والعرفية، والعرفية العامة اللادائمة. والنقيض سالبة جزئية، وهي المطلقة العامة.. والحينية المطلقة، والمطلقة العامة للقيد. فلا يكون صغرى. وأيضًا لا يتكرر الأوسط، فيؤخذ اكمات الموجبة : الجزئية المحصلة المحمول. ويجعل صغرى وينتج. فقد جرى الخلف فيه. وأما قياس الاستقامة: فإما أن تنعكس عين النقيض، وهو هنا سالبة جزئية لا تنعكس بعكس المستوى. وبعد سوقُقيض، عندهم يناقض الأصل. لكن لا يثبت به للزوم الدّور هنا. وإما أن تنعكس اللازم وهو موجبة. فبعكس المستوى يكون كالضدّ للأصل. وفي السوالب العكوس ثلاثة: الحينية المطلقة.. والحينية اللادائمة.. والمطلقة. وهي سوالب جزئيةن. فالها، وهي العرفية العامة والدائمة موجبة كلية فلا يصح لصلوح الأصل للكبروية حالة الكلية دون الجزئية. ولعدم تكرر الأوسط للعدول والتحصيل، بل بقياس الاستقامة إذ عكس النقيض السالقة، وفئى بعكس النقيض عندهم سالبة كلية ولا يلزم هنا ما مرّ فيكون ضد الأصل ودون الافتراض لعدم وجود الموضوع لاتفاق الكيف عندهم، فقد علمت التفاوت هنا. وعند المتأخرين اختلاف الكيف وقد مرّ. ففي الموجبات، فتذكر العكوس بجهاته، أيضًا الأصل موجب ، وأخرالعكس سالب كذلك، والنقيض موجب جزئي، فيجري الخلف لجواز كبروية الأصل وصغروية النقيض، وتكرر الأوسط وكذا قياس الاستقامة، إذ عكس الموجبة الجزئية بعكس الم خارجةينه، فيضاد الأصل، دون الافتراض لما مرّ. وفي السالب هنا، أي عندهم ليست كموجبات المستوي. (تقرير) في البسیائط الخمسیة.
— 295 —
وعند المتقدمين هي كها فيها أيضًا. لأن عُه سب البسيط يصدّق بعدم الموضوع أيضًا. فيحتمل أن لا يكون لنقيض المحمول وجود. كی"لا شيء من الخلاء ببعد". مع كذب "بعض اللابَعد خلاء".
فلما بيل الس نقيض السالب عند السلف سالبًا، كان ذاك كذلك في الصدق، وعند الخلف موجبًا يقتضي وجود الموضوع، لم تنعكس البسائط الخمسة.
وأما المركبات؛ فلوجود الموضوع ألبتة يكون لنقيض المحمول ذات اب قاد، وهو ذات الموضوع. فمن الخاصّتين إلى حينية لا دائمة لا بالخلف، لأن الأصل سالب مع سلب نقيض عكس النقيض، لا دليل عن سالبتين.. ولا بطريق العكس. لأنه لم يبرهن عليه بعد، بل بالافتراض للجزئية في العكس. ال:
"لاشيء من الكاتب بساكن مادام كاتبًا". فالعكس: "بعض اللاساكن كاتب حين هو لاساكن". أي "بعض اللاساكن ليس بكاتب بالفعل".
أما الجزء الأول:فبی"كل رومي لاساكن مادام كاتبا" بحكم الجزء اللصانع،"كل رومي كاتب بالفعل" بحكم عقد الوضع الموجود بالتركيب. فينتج من الثالث: "بعض اللاساكن كاتب حين هو لاساكن" لأن نتيجته تابعة لعكس الصغرى وهو وان نا أما الجزء الثاني: فكل رومي لاساكن" و"كل رومي ساكن" فالثاني مع الجزء الأول من الأصل ينتج لا شيء من
— 296 —
الرومي بكاتب، وهذه النتيجة كبرى لی"كل رومي لاساكن" ينتج من الثالث "بعض اللاساكن ليس بكاتب" بالفعل، وهو مآل القيد.
ثم إن الوقتين والأعني "ين إلى مطلقة عامة، لعدم انعكاس القيد لإيجابه؛ كسالبته في العكس المستوى فبقى المطلقة العامة.. وهو بالافتراض دون الطريقين الآخرين. ففي "لا شيء من الإنسان بمتنفس.. لا دائمًا" "كل متفشفش لامتنفس" [٭]: بإحدى الجه إن ملفعل أو الضرورة في وقت. بحكم الجزء الأول. و"كل متفشفش إنسان" بحكم الوجود في القيد بالتركيب. فمن الثالث ينتج: "بعض اللامتنفس إنسان" بالحينية [٭]: إذ هو العكس الصريح لتلك الأربع. المطلقة المستلزمة للمطلقة العامة.
ملزوم،ة:
اعلمأن الشرطية الاتفاقية مطلقًا، والمنفصلة لا عكس لها، مستويًا مغايرًا في المراد. ولا عكس نقيض لكل الشرطيات، إلّا الموجبة الكلية المتصلة اللزومية على مذهب الخَلَف، لقيام الخُلف. فإن لزوم شيء لشيء يستلزم نفي لزوم الملزوم لنقيض اللاكونون لًا: "كلما كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود.. فليس ألبتة إذا لم يكن النهار موجودًا كانت الشمس طالعة".. وإلّا فقد يكون: إذا لم يكن النهار موجودًا كانت الشمس طالعة؛ صغرى لإيجابه للأصل، كبرى لكليّته. فينتج "قد يدين -با لم يكن النهار موجودًا، فالنهار موجود".. وهو من المحال كما ترى لا على مذهب السلف، فإن نقيض عكس نقيضه يصير سالبة جزئية، لا يكون صغرى لسلبه، ولا كبرى لجزئيته، مع عدم استلزام السالبة المعدولة للموجبة المحصلة، لأن النفي لدهم ضي على النفي هنا، لأن مآل نقيض العكس نفي لزوم نفي الشيء، وهو لا يستلزم لزوم الشيء، إذ قد لا يلزم النقيضان لشيء.. وقس على هذا عدم جريان مذهب السلف في البواقي.
ولا عكس للجزئيات منها على مذهب الخلف أيضًا. أما الموجبة فلجزئيته لا تصير كبرى.. ودنيا ل صغرى فرابع.. وأما السالبة مطلقًا، فلان نقيض عكس النقيض سالبة أيضًا. ولا قياس على سالبتين..
— 297 —
(الباب الرابع: في الأدلة والحجج الخ)[٭]: كلنبوي ص٣٠ س١٩..
اعلمأن الدلي أيضًابار الصورة هو المقصد الأعظم من المنطق.. وهو بسيط عند الأصوليين، فالنظر في أحواله.. ومركب عند المنطقيين، فالنظر فيه.. فالدليل: ما يكتسب بالنظر في أحواله، أو فيه حكم آخر.. فالاستدلال: إما بالجزئي على الكلي.. فهو انحلّه اء، وهو أساس أدلة العربية بل في ابتداء حصول كل العلوم.. وإما بالجزئي على الجزئي، وهو التمثيل، وهو المعتبر في أصول الشرع، بل في كل التشبيهات.. وإما بالكلي على الجزئيّ، أو على الجزئي الإضافي.. وهو القياس المنطقي، والجاري في تعليم العلرٌ يزي ثم إن البدهي من هذا القسم الذي يكتسب به نظريات هذا الباب؛ القياس المقسم.. والاستثنائي وغير المتعارف المعبّر عنه -في الأكثر- بقياس المساواة... والشكل الأول الرالصحف! ّلهُ إلى قياس المساواة.. وأصله: قياس غير متعارف. هكذا: زيد مساو لعمرو، وعمرو مساو لبكر؛ فزيد مساو لبكرٍ بالضرورة. وكل مساو المساوي مساو.. فزيد مساو، وهو المطلوب. فهذا التكلّف لتحصيل تكرر الأوسط. والأصح أنّ تكرر الأوسط ش.. وترلم بالإنتاج.. فيمكن لزوم الإنتاج بدونه؛ كأكثر شرائط اقترانيات الشرطية. وأما شرط تحقيق الإنتاج الذي لا يمكن لزوم النتيجة بدونه: فكإيجاب الصغرى وكلية الكبرى في الأول، وأن لا تكون المقدمخالية لبتين أو جزئيتين في الكل وغيرها.
اعلمأن الدليل لما كان العلم به بالمعنى العام علّةً للعلم..كذلك بالنتيجة وجب تقديمه. فالدور بكلا معنييه باطل، وكذالف، بسدرة.. وان تكون المادة مناسبة ذاتًا وكيفية للنتيجة.
فان قلت: الذهن كاللسان يتعاقب فيها الصغرى والكبرى، فكيف يكون كلاهما علّة مؤثرة؟..
قلت: الأفكار علّة معدّة للمطالب باعتبار الحضور.. وعلّة مجامعة [٭]: مقارنانهم ععتبار الحصول.
— 298 —
فإن قيل: الإيمان الذي هو التصديق [٭]: المنطقي مع لازمه. مكلف به، والمكلف [٭]: حال. به فعل اختياري مع أن اللزوم ضرورة والتصديق انفعفيّة، قلت: التكليف بترتيب المقدمات..
فان قلت: الدليل يستلزم النتيجة مقدمة أساسيّة للإنتاج. مع أنه نظرية. فإن أثبت بدليل فذلك الدليل أيضًا متوقف على مثل هذه المقدمة؟
من تُن: هذه المقدمة تثبت بدليل، تثبت هذه المقدمة فيه، في نفس الأمر بالانتقال الطبيعي، لأن علم العلم ليس بلازم بالضرورة، لأن ذلك الدليل من المعقولات الأولى.
فإن قلت: علم صدقلا خمس الكبرى التي في قوة قضايا متعددة بعدد الأفراد التي منها موضوع النتيجة شرط للإنتاج، حتى في أَبْدَهِ الأشكال، مع أن العلم بصدقها، يتوقف على العلم بالنتيجة. فما هذا اال أو .
قلت: إن لاختلاف العنوان تأثيرًا في اختلاف الأحكام؛ معلوميّة ومجهولية، ضرورية ونظرية. فموضوع النتيجة تحت عنوان موضوع الكبرى قد يكون ضروريًا.. وتححكم النه نظريًا. ثم إن للإنتاج شرائط عموميّة.. وقد مرّ نبذة منها باعتبار المادة والصورة. وخصوصيته فسيأتي.
ومن الشرائط العموميّة التفطّن الذي هو كاستزاد بين الزوجين.. وملاحیظة النتيجة في بطن الكبرى..
ثم اعلم أن الاستقراء له وقع عظيم واستعداد واسع، بل هو المؤسس للعلوم، بل هو المفصّل للعقل بالملكة، كما بخسوا حقه في الاختصار فيه. ومنه: ما هو مفيد لليقين، وهو التّام الذي كالتواتر الحالي. أو تتبع قليل أفراد في نوع واحد بالنظر بطبيعة النوع.. وهو أا سجن فيد لليقين، بسبب انضمام حدسٍ معنوي إليه.. ومفيد للظّن، وهو الاستقراء الناقص في أكثر الجزئيات؛ إذ بسر الحكمة يكون الأكثر هو الباقي على الأصل ال بكثيرعلل. وإذا اختصروا فلنختصر..
— 299 —
ثم إن التمثيل أيضًا مفيد لليقين، إن كان مقدّماته يقينيّة، أي وجود الشرائط وانتفاء القوادح ويقينيّة المسلك الذي تثبت العليّة به.. وبندرة اليقينية بكلّها أطلقوا إفادة الظنّ.
اشئ عنلتمثيل الذي منه التشبيه أيضًا، أركان أربعة: وهو المقيس، والمقيس عليه، والجامع، وحكم الأصل. لا حكم الفرع، فإنه نتيجة.
اعلم:أن للقياس التمثيلي مجالًا واسعًا، فيجري في فنون شتّى وفي المحاورات. لكن القدح الماده ودلشرع..
ومن شرائطه فيه: أن لا يكون حكم المشبّه به مختصًا.. أو تعبّديًا.. أو مستثنًى.. أو متغيرًا عند التعدي. الخ..
ومن مسالكه فيه: الإجماع، والنصّ، والإيماء بالحكم على المشتقّ، والسّبر بالتقسيم، وطرد غير الص فعرضيالمشابهة، وإلغاء الفارق، والعكس. أي الوجود عند الوجود.. وقيل الطرد وهو عكس العكس.. والدّوران كلاهما.. وتنقيح المناط بطرد الخصوصيات.. وتحقيق المناط بإثباتٍ في الصور الخفيّة؛ كالسرق- فإنهلطّرار والنباش، وتخريج المناط، والمناسبة.. والوصفُ المناسب، هو الذي لو عرض على العقول لتلقّته بالقبول.. وهو إما حقيقي أو إقناعي.. والحقيقي: إما ضروري، وهو الأقطاب الخمسة. أي حفظ النفس، والدين، والعقل، والمال، والناموس؛ المن بل لاللقصاص... والجهاد، وحدّ السكر أو الشرب، وحدّ السرقة، وحدّ القذف؛ وحدّ الزنا. وإما حاجّيّ: كما في أساسات المعاملات... وإما استحساني: كالتنزيه من القاذوراسةُ الم تولية النساء والعبيد.. والإقناعي: كبطلان بيع الخمر للنّجاسة.. وقس، فتأمل!
ثم العلة: لابد أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا، لا كالمشقّة وبراءة الرحم...
والعلة علامة، وإنما المؤثر خطاب اللّٰه.. كما أن المؤثّر في عالَم الخلق قدرة اللّٰه. ل محال
ثم المانع: إما من انعقاد العليّة، أو عليّةِ العلة، أو ترتب الحكم أو دوامه.. كبيع المعدوم، وبخيار الرؤية، وبخيار المجلس، وبخيار الشرط أي العيب. كما أن الرّمي قد لا يصيب، أ الإعل لا يجرح، أو يجرح يندمل، أو لا يندمل بزمن.. [٭]: ولعله "بزمن". ع.ب.
— 300 —
ومن القوادح: النقض، أي تخلّف المعلول عن العلة، والمعارضةُ، ويقوم ، وعدم التأثر. وقس، فتأمل!
اعلم،انّا إذا تحرّينا مطلوبًا؛ فإن كان لجملته نسبة إلى شيء، فاستثنائي.. أو لأجزائه، فاقتراني.. والاستثنائي من شرطية واستثنائية، حملية أو شرطيّة. فشرط الشرطية: الإيجابُ وعدمُ الاتفاق.. والكل(تقريرد عدم كليّة الاستثنائية أو شخصيّتِها. إذ سلب اللزوم أو العناد لعمومه، لا يستلزم شيئًا. وللزوم النتيجة للدّليل، لاسيما للمقدمة الاستثنائية؛ لم تَقدر الاتفاقية على الإنتاج. وسرّ الكلية ظاهر.
ثم الشرطية: إن كانت متصلةدة علىمستقيم استثناء عين المقدم لا التالي، لإمكان العموم.. وغيرُ المستقيم استثناء نقيض التالي، لا نقيض المقدّم، لإمكان أعميةِ نقيضِ ممكن الأخصيّة. وغير المستقيم يرتدّ مستقيمًاحل والنقيض الشرطيّة.
وإن كانت منفصلة حقيقيّة، فله أربع نتائج باستثناء عين كلٍ أو نقيض كلٍ. ويرتدّ هذا إلى المستقيم باستلزام الحقيقية لأربع متصلات.
وإن كانت مانعة الجمع، فاستثناء عين كلٍ لأخصيّته، لا نقيضه لأعميّته بالردّ إلى المى نبيهبواسطة تلازم مانعة الجمع للمتّصلة، مقدّمتها [٭]: (أي المتصلة). أجير. عين أحد جزئيها.. [٭]: (أي مانعة الجمع). أجير. وإن كانت مانعة الخلوّ، فعكسها ومثلها في الرد والبرهان.
فإن قلت: المستقيم يكفي، إذ الباقي بالردّ يظهمه الذقلت: مراعاةُ طبيعة الفكر والتحصيل [٭]: أي محصلية الأشياء. وغيرها، [٭]: من نكات البلاغة. أحوجتنا إلى الطرق المعوجّة؛ فكم من أشياء هي مقدمة طبعًا، أو تالٍ طبعًا، أو المحصل نقيضها. وقس.. فلو استقمت لم يستقم.ه المرعلمأن القياس من محض الحمليات يسمّى اقترانيًّا.. ومن محض الشرطيات أو المختلط يسمى اقترانية، فأصولها خمسة.. وفروعها خمسة آلاف. والضابط فيها: أن الجزء الغير المشارك يبقى التعرنتيجة، مع نتيجة التأليف بين المتشاركين. ونتيجة التأليف
— 301 —
لازم [٭]: إن كان الصغرى متصلة. للمشارك باعتبار. وملزوم الملزوم ملزوم. ومعاند [٭]: إن كان منفصلة. الملزوم كاللامعاند اللازم في الجملة. فمن مطَلب من في الشكل الأول مع الاشتراك في جزء تامٍ مبنيّ على أن اللازم اللازم لازم.
ومن منفصلتين مع الاشتراك في غير تامّ، [٭]: إن كانت تامًا فمتصلة.. إن حقيقيّة. نتيجته منفرة.
#7كبّة من الجزء الغير المشارك، مع نتيجته التأليف بين الجزء الآخر؛ الحملية والمنفصلة الكبرى. لأن معاند الملزوم معاند اللازم بجهة..
ومن متصلة وحملية.. المشاركة لأحد جزئيها، ينظر المتشاركين بشرائط الأشكال. ثم يؤخولا تخته التأليف.. ثم يضمّ إلى الجزء الغير المشارك مقدّمًا أو تاليًا.
ومن المنفصلة والحملية الواحدة، فالنتيجة منفصلة مركّبة من غير المشارك، مع نتيجة التأليف بين الحملتين، مع مراعاة الشكل الذي هو منه. وإن كانت الحملية متعددة عدد أجزاء وبعصلة، فانظر إلى كلّ متشاركين منها، وخذ نتيجة التأليف من كل جزئين؛ فإن اتحدت الحمليات في طرف، فالنتيجة حملية.. وهو القياس المقسم المشهور، وإد هرمَلنتيجة منفصلة مركبّة من نتائج التأليفات؛ كی"الكاتبُ إما جاهل أو غافل. والجاهل لابدّ أن يُعَلّم، والغافل لابدّ أن يُنبّه".. فالكاتب إما لابیدّ أن يعلّم وإما لابیدّ أن ينبّه.
اعلمأن الحدّ الأوسط شرط العلم بالإنتاج كما مرّ. ومن شرط الأوحَ جم أن يكون ركنًا للصغرى والكبرى. أو جزءًا لجزئهما، كما في كثير من الاقترانيات.. هذا في المتعارف.
ومن شرطها أيضًا، الاتحاد حقيقةً، لا عنوانًا فقط. وأما غير المتعارف الذي هو متعارف عندي، فالأوسط متعلق أحد جزئي الصغرى وعين أحد جزئي ا ثم ل أما "الدنيا جيفة وطالبها كلاب" فغير متعارف الغير المتعارف. وأما "الإنسان مباين للفرس، وكل فرس حيوان" فالأوسط غير مكررّ حقيقة. لأن متعلق محمول الصغرى مفهوم. ويجري في غير المتعارف؛ كالمتشاركين الأشكال الأربعة، فيشتر والاششترط فيها. ويجري غير المتعارف
— 302 —
كالمتعارف في الشرطيات بأقسامها. مثلا: "لمّا كانت الشمس سلطان النجوم، كانت في مركز عالمها وسط الكائنات.. فالشمس وسط الكائنات".
ثم إن لغير المت: (اعللمتعارف الذي تساوي محمول الصغرى والكبرى -إن كان من الشكل الأول- نتيجتين:
أحدهما:ذاتية بضم محمول الصغرى بالإضافة إلى محمول الكبرى، وجعلهاا، فتح النتيجة؛ كی"الدّرةُ في الحقة، والحقةُ في البيت".. فمفاد الفائَيْنِ وهو مظروف محمول النتيجة. وإن كان أحدهما حرفيًا، والآخر اسميًا؛ فبدخول الحرفيّ على الاسمي كی"الدّرةُ في الصّدف.. والصّدف جميل، فالدرّة جميل".
واله في االثانية:عند اتحاد المحمولين جعل محمول الكبرى فقط، فيكون قياس المساواة. وإنما يصدق عند صدق اللاحيوان الأجنبية.
واعلمأيضًا أن القياس التمثيلي ة ويناير متعارف، باعتبار ذكره أداة التّشبيه في النتيجة، كی"النبيذُ، كالخمر، والخمر حرام.. فالنبيذ حرام" تمثيل ظنيّ. و"كالحرام" غير متعارف يقيني.
اعلمأن من القياسات قيالأعضاءيّة، ولها مجال واسع. وكثير ما تنقلب القياسات الجليّة بالألفة والاستمرار خفية. وأساس الخفية دليل ينقدح في الذهن دفعة من تفاريق أمارات، وخاصته بسرعة الانتقال من المبادي ذي يسومطالب بلا ترتيب. وقد يفاد بأنه علم إجمالي يقينيّ لا يَقتدر أن يعبّر عنها بالتفّصيل، لتحلبها من مظیان متفرقة. فلا يمكن أن يَضع إصبعَه على منبع معين.
ثم إن الأشكال الثلاثة إنما يعلم نتيجتها بانقلابها إلى الشكل الأول. فإذًا فما الفائدة في تالأفكالطريق؟
الجواب:إن لموضوع النتيجة ومحمولها موصوفات وأوصاف.. أي موضوعات طبيعيّة ومحمولات طبيعيّة. فإذا تحريّت ما يشترك طرفا المطلوب فيه، فقد يكون المشترك صفة الطرفين، أي محمولًا طبيعيًا لهما؛ ككل متعجّب إنسان، بالنظر إلى الض شرّ أقد يكون موصوف الموضوع صفة المحمول؛ ككل ضاحك إنسان بالنظر إلى المتعجب. فلمخالفة المطلوب لطبيعة القضية تعددّت الأشكال، ولمراعاة الطبيعة خولفت الطبيعة.
— 303 —
اعلمأن في كل شيء روحًا وحقيقة؛
فروح من منالأول:أنّ داخل داخل الشيء داخل الشيء، وظرف ظرف الشيء ظرف الشيء.
وفي الشكل الثاني:الاستدلال بتنافي اللوازم على تنافي الملزومات؛ إذ السالبة مؤوّلة بالمعدولة. والمراد من اللزوم مطلق الاتّصاف..
وفي الشكل اوالثانبأن شيئًا مجمع صفتين، فالصفتان مترافقتان..
وفي الرابع:إثبات موصوف الشيء لصفته..
ثم إن اتصال الصغرى بالكبرى اتفاقية.. وترتب النتيجة عليهما مؤول بشرطية لزوميينة "وة في الأول، نظريّة في البواقي، مثبتة بأدلة ثلاثة.
أحدها:الخلف.. وملخّصه: إثبات الشيء بإبطال نقيضه. وتصويرُه: بصنعة البرهان، هكذا: بين قنّق هذا الشكل لزم هذه النتيجة مدّعًى.. وإلا أي وإن لم يلزم لصدق نقيضه، ولدائمية الصدق يصدق مع كل صادق اتفاقيًا. وإذا صدّق مع كل صادق، صدق مع ية كليشكل الصادق، فيصدق مع جزئه إتفاقيًا، الكافي في تشكل الشكل.. فيحصل صورة الشكل فينتج بالبداهة نقيض أو ضدّ أحد المقدمتين الصّادقتين بحسب الفرض. وجمع النفيضين أو الضدين في الصدق محال.. وملزوم المحال بولا يق ومنشأ الفساد ليس صورة الشكل الأول لبداهته.. ولا مقدمة الشكل لمفروضة الصدق، بل نقيض النتيجة.. فهو منشأ المحال، فالنتيجة صادقة.
ثم إن نقيض النتيجة في الشكل الثاني، يصير صغرى الكبرى، وينتج نقيض الصالناس، وفي الشكل الثالث تأخذ النقيض وتجعله كبرى للصغرى لينتج نقيض الكبرى. وأما الرابع: فيدلي دَلوه إليهما.
الثاني الاستقامة وتصويره، أعني بطريق العكس.. هكذا: كلما صدق هذا الشكل صدق الصغرى مع لازسات الرى في الثاني مثلا. وصدق الكبرى مع لازم الصغرى، أي عكسها في الثالث مثلا. وكلما صدقا معًا، صدق لازماهما. وكلما صدق هذا مع ذاك، صدق ذاك مع هذا؛
— 304 —
كما في الرابع مثلا. لأن ما بين الصغرى والكبرى من الاتفاق إضافة متشابهة الطرفين. فإذًا يحصل َن يتّالأول المنتج للمطلوب أو لملزومه بالبداهة.
ثم إن المقصد من المنطق تمييز الأفكار الصحيحة بوضع شرائط. فمن الشرط العموميّ: أن لا تكون الصغرى والكبرى سالبتين أو جزئيتين. وشرط الأول خصوصًا إيجاب الصغرى وكلية الكبرى. فإنّ بفقد أيّهما كية الجزم الاختلاف المستلزم للتخلف، المنافي للزوم المباين للإنتاج. فلنا (في تبيين الضروب المنتجة بين الضروب الثمانية عشر العملية بضرب صغريات الأربع في كبريات الأربع) طريقان:
طريق التحصيل:بضمّ الصغرى الموجبة جزئية أو كليمقدمة الكبرى الكلية موجبة أو سالبة..
والثاني طريق الحذف:بإسقاط إيجاب الصغرى سالبتها في أربعة الكبرى، وإسقاط كليّة الكبرى جزئيّتها في موجبتي الصغرى. فبقي الأربعة المنتجة للمطالب الأربعة التي اختص الشكل الثانيرَ المبالسالبتين، والثالثُ بالجزئيتين، والرابعُ بغير الموجبة الكلية.. فالأول من الأول هو المنتج للموجبة الكليّة، فيكون من موجبتين كليتين.
اعلمأن الأول من الأول من موجبتين كليتين،صدق هوموجبة كليّة. ككل "أ، ب" وكل "ب، ج"، فكل "أ، ب".
والضرب الثاني:من كليّتين والكبرى سالبة كليّة، ينتج سالبة كلية.
والثالث:من موجبتين، والصغرى جزئية؛ ينتج موجبة جزئية.
الهذا المن موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى؛ ينتج سالبة جزئيةً. لأن النتيجة تتبّع أخسّ مقدمتيه، والسلبُ والجزئية خسيستان.
اعلمأن الشكل الثاني ما كان الأوسط محمولًا في مقدمتيه إن أوبه العقلية، كأخواته ستة عشر.. وشرطه: كلية الكبرى واختلافُ الكيف. فبطريق الحذف تسقط الكليّة جزئيتّي الكبرى في أربع الصغرى. وتحذف الاختلاف الموجبة، الكلية كبرى في موجبتي الصغرى.. والسالبة بتوالة الكبرى في السالبتي الصغرى. وبطريق التحصيل: الكبرى السالبة، مع موجبتي الصغرى والكبرى، الموجبة الكليّة مع سالبتى الصغرى.
— 305 —
فهذا الشكل ينتج من المطالب الأربعة بضروبه الأربعة، السالبة الكلية والسالبة ا كان ف. ودليل إنتاجه الخلف في كل الضروب.. وعكس الكبرى في الضرب الأول والثالث.. وعكس الصغرى مع عكس الترتيب. وعكس النتيجة في ضرب الثاني، ولا عكس في الضرب الرابع، لأن صغراه السالبة الجزئية لا عكس لها. وبعكس الموجبة الكليّة الكبرى تصير جزئية.. ولا دلاءى منجزئيّتين. وبالافتراض في الضرب الثالث مطلقة. وفي الرابع بشرط كون الصغرى من المركبات، ليتحقق وجود الموضوع حتى يفترض.
والافتراض قياسان:أحدهما من الأول.. أو من الضرب الأجلى من الشكل المطلوبظرة سرياس الآخر من الثالث.. وتحصيله: تخريج الموضوع الحقيقي.. وحمل عنوان الموضوع عليه بالإيجاب. وعنوان المحمول: إما بالإيجاب إن كانت القضية موجبة.. أو بالسلب إن كانت سالبة..
ثم ضم عقد الحمل هنا إلى الكبرى.. ثم جعل نتيجتها كلآن القد الوضع.. فالضرب الأول من الشكل الثاني من كليّتين والكبرى سالبة. مثلا: كل جسم مؤلّف، ولا شيء من القديم بمؤلف، فلا شيء من الجسم بقديم، بالخلف. وهو إثبات الشيء بإبطال نقيضه.. هكذا: طاعة اق هذا الشكل، صدق هذه النتيجة.. وإلا لصدق نقيضها؛ وهو "بعض الجسم قديم". والصّادق يصدق مع كل صادق.. فيصدق مع الكبرى المفروض الصدق. هكذا: "بعض الجسم قديم، ولا شي ولما لقديم بمؤلّف، فلا شيء من الجسم بمؤلّف" وهذا نقيض للصغرى المفروض الصدق. فنقيض الصادق كاذب.. وملزوم الكاذب باطل.. ونقيض الباطل حق.. فالنتيجةرعُ وا.. وبعكس الكبرى ليرتدّ إلى الشكل الأول.. وهكذا: لو صدق الصغرى مع الكبرى، لصدق مع لازمها.. فيصير شكلًا أولًا.
والضرب الثاني:من كلّيتين، والصغرى سالبة؛ كلا شيء من الجسم ببسيط.. وكل قديم بسيط؛ ينتج لاشيء من الجسم بقأخذ منالخلف -كما مرّ- وبعكس الصغرى. ثم جعلها كبرى، ثم عكس النتيجة. لأنه إذا صدق الصغرى مع الكبرى، صدق لازم الصغرى مع الكبرى أيضًا. وإذا صدق لازم الصغرى مع الكبرى، صدق الكبرى مع لازم الصغرى.. فينتج بالشكل الأول ملزوم مطلوبنا.
#لِع الوالضرب الثالث:من موجبة جزئية صغرى وسالبة كليّة كبرى؛ ينتج سالبة جزئية بالخلف والعكس والافتراض. مثلا: بعض الجسم مؤلّف، ولا شيء من القديم بمؤلّف.. فبعض الجسم ليس بقديم.. بعكس الكبرى، يرتدّ إلى الأول. وبضمّ نقيض النتيجة صغرى للكبرى، لينتج نقيغة ٣٢٢رى الصادق، فهو كاذب، فملزومه باطل، فنقيض ملزومه صادق.
وبالافتراض:فالمقدمتان الافتراضيتان.. نفرض الموضوع الحقيقي في "بعض الجسم مؤلّف( Wسانًا، فكل إنسان جسم، وكل إنسان مؤلّف". فخذ عقد الحمل، واجعل صغرى لنفس الكبرى، ليصير ضربًا أجلى.. أو إلى لإنسانكبرى. هكذا: "كل إنسان مؤلّف، ولا شيء من القديم بمؤلّف.. ولا شيء من الإنسان بقديم". فجعل هذه النتيجة كبرى لعقد الوضع، هكذا: "كل إنسان جسم، ولا شيء من الإنسان بقديم"، فينتج من الثالث: "بعض الجسم ليس بقديم" وهو المطلوب.، لأن لضرب الرابع:من سالبة جزئية صغرى وموجبة كليّة كبرى.. هكذا: "بعض الجسم ليس ببسيط، وكل قديم بسيط؛ فبعض الجسم ليس بقديم، بالخلف.. بضم نقيض النتيجة صغرى للكبرى، لينتج نقيض الصغرى المفروانية وق. لا بعكس الكبرى، لصيرورتها جزئية.. ولا بعكس الصغرى، لأنها لا تقبل العكس. ولا بالافتراض لعدم تحقق وجود الموضوع، إلّا إذا كانت مركبة.. فإذا كانت، نفرض الموضوع الحقيقي إنسانًا.. فكل إنسان جسم، ولا شيء من الإنسان ببسيط.
فاجعل وظيفة مقدمة الثانية صغرى للكبرى، ثم اجعل نتيجتها كبرى للمقدمة الافتراضية الأولى.. هكذا: "كلُّ إنسان جسم، ولا شيء من الإنسان ببسيط"؛ فمن الشكل الثالث شروطة.بعض الجسم ليس بقديم".
وأما الشكل الثالث:فشرطه إيجاب الصغرى وكلية إحدى مقدمتيه للاختلاف عند الفقد. فبطريق التحصيل الصغرى الكيلة مع الكبريات الأربع.. والصغرى الموجبة الجزئية مع كلية الكبرى. ولا ينتج هذا الشكل إللّا فلةً. فضروبه المنتجة ستة مرتبة على وفق شرف النتائج، والكبرى وأنفسها..
فالضرب الأول من موجبتين كليتين؛ ينتج موجبة جزئية، بالقياس المستقيم المركب.
— 307 —
المركب من الشرطيات هكذا: "إذا صدق هذا الضرب، لزم النتيجة".. هذا المدعى نراب الليله: لأنه إذا صدق الصغرى مع الكبرى، صدق لازم الصغرى مع الكبرى أيضًا. وإذا صدق لازم الصغرى مع الكبرى، حصل صورة الشكل الأول. وإذا حصل صورة الشكل الأول، فبالبداهة لزم هذه النتيجة. فإذا صدق هذه الضرب، صدق هذه النتيجة..
وبالخلف أيضًا. و11
إلى قياسين: استثنائي غير مستقيم.. واقتراني مركبة منتجة للمقدمة الشرطية للقياس الاستثنائي. هكذا: إذا صدق هذا الضرب، لزم هذه النتيجة، لأنه إن لم يجب صدق هذه النتيجة، لزم المحال. لكن التالي باطل، فينتج بطلان عدم لزوم صدرة علييجة.
أما المقدمة الاستثنائية فبدهية.. وأما المقدمة الشرطية؛ فلأنه إذا لم يلزم صدق النتيجة، أمكن صدق نقيضها. ولو أمكن صدق نقيضها، لأمكن مع كل صادق، وم الشمسدق الصغرى. ولو أمكن صدقه مع الصغرى، لأمكن حصول الشكل الأول المنتج لضدّ الكبرى، المفروض الصدق. فلو أمكن حصول شكل هكذا؛ لأمكن اجتماع الضدّين وهو محال.. فلو أمكن هكذا، لأمكن المحال.. وإمكان المحانخسف .. فلو أمكن هكذا، لزم المحال؛ فينتج من المجموع المقدمة الشرطية في الاستثنائي.. وهو "فلو لم يلزم صدق النتيجة لزم المحال".
نحو:"كل مؤلّف جسم، وكل مؤلّف حادث؛ فبعض الجسم حادث".. بعكس الصغرى، ليرتدّ الأول. و الحيثنتيجة، وهو: "لا شيء من الجسم بحادث" كبرى للصغرى.. وهي: "كل مؤلّف جسم" لينتج ضدّ الكبرى وهو: "لا شيء من المؤلّف بحادث".
الثاني:من كليّتين، والكبرى سالبة؛ ينتج الثال جزئية لا كلية.. لجواز كون الأصغر أعم. كی"كل مؤلّف جسم، ولا شيء من المؤلّف بقديم.. فبعض الجسم ليس بقديم".. بعكس الصغرى، ليرتدّ إلى الشكل الأوالطاعةالخلف بضمّ نقيض النتيجة كبرى للصغرى، المنتج لضد الكبرى الصادق.
الثالث:من موجبتين، والصغرى جزئية؛ كی"بعض المؤلّف جسم، وكل مؤلّف حادث" بالخلف، والعكسِ كما مرّ في الضرب الأول.. وبالافتراض بفرض الموضوع الحقيقي فقطة ال المؤلّف جسم إنسانًا، وكل إنسان مؤلّف.. وكل إنسان جسم"..
— 308 —
فاجعله المقدّمة الافتراضية الأولى صغرى للكبرى. هكذا: "كل إنسان مؤلّف، وكل مؤلّیف حیادث،ين. يعنیسیان حیادث" ثم اجعل هیذه النتيجة كبرى للمقدمة الافتراضية الثانية: هكذا: "كل إنسان جسم، وكل إنسان حادث" فينتج بالضرب الأجلي هذه الشكل: "بعض الجسم حادث.."
واعلم أن الافتراض في الثالث عكس افتراض الثاني، فإن التصرّف هناك في المقدّمة الثذا المهنا في المقدمة الأولى.. وإن القياس الأول في افتراض الشكل الثاني أيضًا من الثاني. والقياس الثاني في افتراض الشكل الثالث أيضًا من الثالث.
والضرب الرابشوِّش موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى. نحو: "بعض المؤلّف جسم، ولا شيء من المؤلّف بقديم، فبعض الجسم ليس بقديم". بالقياس المستقيم الذي مرجعه "ثبوت الشيء مع ال على م يستلزم ثبوته مع اللازم".. وبالقياس الخفي الذي مرجعه "إثبات الشيء بإبطال نقيضه". وصورته: "قياس استثنائي غير مستقيم، يثبت مقدمته الشرطية باقترانيات مركبة". وباكس النض ومرجعه: إخراج الموضوع الحقيقي، ثم حملُ عنواني الموضوع والمحمول كليّة عليه، ثم ضمُّ عقد الوضع إلى الكبرى. ثم ضمّ النتيجة إلى عقد الحمل، لينتج المطلوب.
الضرب الخامس:من جزئه ان، والكبرى جزئية.. كی"كل مؤلّف جسم، وبعض المؤلّف حادث" بالخلف كما مرّ. وبعكس الكبرى مع الترتيب.. وعكس النتيجة هكذا: إذا صدق هذا الضرب، صن ننفعاه مع لازم كبراه.. فيصدق لازم الكبرى مع الصغرى أيضًا، فيستلزم بالشكل الأول ملزوم المطلوب.
وبالافتراض:بفرض موضوع الكبرى الجزئية "إنسانًا".. "فكل إنسان مؤلّف، وكل إنسان حادث" فاجعل المقدمة الافتراضية الأولى صغر اشترارى.. ثم ضم نتيجتها صغرى للمقدمة الافتراضية الثانية.
الضرب السادس:من موجبة كلية صغرى، وسالبة جزئية كبرى.. نحو: "كل مؤلّف جسم، وبعض المؤلّف ليس بقديم.. فبعض الجسابهات بقديم" بالخلف -كما مرّ- دون العكس. لأن الكبرى لا تقبل العكس. وبعكس الصغرى يصير الدليل من جزئيتين.. ودون
— 309 —
الافتراض أيضًا، لأن الكبرى الجزئية سالبة، لا تقتضي وجود الموضوع، إلّا إذا كعب النكبة. والافتراض: إخراج الموضوع الحقيقي الموجود...
الشكل الرابع:أساسه:.......
(انتهيت من تصحيح هذا السفر النفيس المبارك منتصف ليلة الثالث من الشهر الحادي عشر لسنة تحيوان فين حوالي الساعة الثالثة ليلًا. وأعترف أنه بحاجة إلى إعادة الأنظار فيه، راجيا المولى الكريم أن يقيض له من يقوم بتنقيحه وتصحيحه على أكمل وجه حتى يسهل على المطالع الاستفادة منه. واللّٰه الموفق. أجير ايشيوق)
ملاحظة:لقد ولاستقرصاصات بين صفحات المخطوط فأحلناها إلى مواضعها من المتن إلّا هذه الفقرة لم نجد لها محلًا:
وإلّا لزم أن يكون مركبًا. والحال أنه من أقسام المفرد. يعني أن مأ الأوللته على الزمان هو الهيئة. وكذا الآخر، وهو أن يكون مأخذ دلالته على الحدث هو المادة. يعني أن الدلالة نشأت أولًا من هذين عليها، ثم توضع دفعة على مجموعه. أي المادّة والهيئة معًا.. وإل كل عص أن يكون الحجر والشجر دالّان على الزمان. والمشهور في الجواب: إن المراد، الجزء المرتب في السمع. والهيئة من ضرب ليس مرتبًا في المستمع بدفع المادّة.
— 311 —
السانحات
ت، أو ب بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 312 —
إفادة مرام
حينما كنت أتدبّر في بعض الآيات الكريمة خطرت على قلبي نكاتٌ لطيفة، فدوّنتُها على صورة ملاحظات ومذكرات.. فيا قارئي العزيز لد حتى من أسلوبي الموجز فلست غنيًا بالألفاظ كما لا أحب الإسراف. ولا تعجبني الألفاظ المنمّقة.. خذ من كل شيء أحسنَه. سر على هذه القاعدة. فما لا يعجبك ولا يروق لك دعه لي، ولا تعترض.
سعيد
— 313 —
ب عليه ّٰه الرحمن الرحيم
إلَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
(العصر:٣)
سنبين حكمة "الإطلاق" فقط. فالقرآن الكريم يترك "الصالحات" مطلقةً دون قيد يقيّدُها، ومبهمةً اهه صو يشخّصها.
وذلك:أن الفضائل والأخلاق، وكذا الحُسن والخير، أغلبُها أمورٌ نسبية، تتغير كلما عبرَت من نوع إلى آخر، وتتباين كلما نزلت من صنف إلىالحديثوتختلف كلما بدّلت مكانًا بمكان، وتتبدل باختلاف الجهات، وتتفاوت ماهيتُها كلما علَت من الفرد إلى الجماعة ومن الشخص إلى الأمة.
فمثلًا:الشجاعة والكرم في الرجل تدفعانه إلى النخوة والتعاون، بينما تسض الوالمرأة إلى النشوز والوقاحة وخرق حقوق الزوج.
ومثلًا:إن عزة النفس التي يشعر بها الضعيفُ تجاه القوي، لو كانت في القوي لكانت تكبّرًا، وكذا التواضع الذي يشعر به القويُّ تجاه الضعيف، لو كان في الضعيف لكان تذللًا.
ومثلًا:إن جه، بل لي الأمر في مقامه وقارٌ، بينما لينُه ذلةٌ؛ كما أن جديّته في بيته دليلٌ على التكبر، ولينَه دليل على التواضع.
ومثلًا:إن تفويض الأمر إلى اللّٰه ن بذرةيب المقدمات كسل، بينما في ترتّب النتيجة توكّل؛ كما أن رضا المرء بثمرة سعيه وقسمتهِ قناعةٌ يقوي فيه الرغبة في السعي، بينما الاكتفاءُ بالموجود تقخالقه ي الهمة.
ومثلًا:إن صفح المرء -عن المسيئين- وتضحيتَه بما يملك عملٌ صالح، بينما هو خيانةٌ إن كان متكلمًا عن الغير -باسم الجماعة- وليس له أن يتفاخر بشيء يخصّه، ولكن يفخر باسم الأمة، ولا يجوز له أن يهضم حقها.
وهكذا رأير الذيل مما ذكرنا مثالًا، فاستنبط بنفسك؛ إذ القرآن الكريم خطاب إلهي شامل لجميع طبقات الجن والإنس، ولكل العصور، والأحوال والظروف كافة.
— 314 —
والفتوى الحُسن النسبي والخير النسبي كثير جدًا، فإن إطلاق القرآن إذن في "الصالحات" إيجاز بليغ لإطناب طويل. وإن سكوته عن بيان أنواع الصالحات كلام واسع.
* * *
وان الفجّار لفي جحيم
(الانفطار:١٤)
العاقبةُ دليل العقاب، الحدس يدل ع.
— 315 —
وما من دآبة في الارض الّا على اللّٰه رزقها
(هود:٦).
الرزق ذو أهمية عظيمة كأهمية الحياة في نظر القدرة الإلهية، إذ القدرةُ هي التي تميعًاتوجِد الرزق، والقَدَر يُلبِسه اللباسَ المعين، والعنايةُ الإلهية ترعاه.
فالقدرة الإلهية -بفعّالية عظيمة- تحوّل العالمَ الكثيف إلى عالم لطيفضد للإل أن تكسب ذراتُ الكائنات حظًا من الحياة فإنها تعطيها الحياة بأدنى سبب وبحجة بسيطة، وبالأهمية نفسها تُحضِر القدرةُ الرزقَ متناسبًا مع انبساط الحياة.
فالحياة محسة قد ٌ مضبوطةٌ أي مشاهَدة محدَّدة، أما الرزق فغير محصّل -أي لا يحصل آنيًا- وإنما بصورة تدريجية ومنتشرة تدفع الإنسان إلى التأمل فيه.
ومن وجهة نظر معينة يصح أن يقال: إنهلأولياناك موتٌ جوعًا. لأن الإنسان يموت قبل أن ينتهي الغذاء المدخر على صورة شحوم وغيرها.
أي إن المرض الناشئ من ترك العادة هو الذي يسبب موتَ الإنسان وليس عدم الرزق.
* * *
وان الدار الآخرة لهي الحيوان
(العنكبوت:٦٤).
الحياة الحقتحدتا نما هي حياة الآخرة، فذلك العالم هو عينُ الحياة، فلا ذرة من ذراتها إلا ونابضة بالحياة، ولا تعرف الموت إطلاقًا.
ودنيانا حيوان أيضًا؛ إذ إن كرتنا الأرضية أشبه ما تكون بكائن حي، لأن آثار الحياة ظاه صادقةها؛ فلو فرضنا أنها صَغُرت بحجم البيضة، أَمَا كانت حيوانًا؟ أو إنْ جرثومة صغيرة كبرت وعظمت عِظَمَ الكرة الأرضية، أمَا كانت تشبهها؟ وحيث إن الكرة الأرضية حيةٌ، فلها روح إذن.
نعم، إن العالم الذي ت تبدوان مكبّر، يُظهر من آثار الحياة بما يتضمن من منظومات الكائنات ما يظهره الجسد بين أعضائه وأجزائه، كالتساند والتجاوب والتعاون، بل تبقى هذه الآثار الحياتية للجسد قاصرةً دون تلك الآثار.
— 316 —
فلو صغر العالما لها) الإنسان وتحولت نجومُه إلى ما يشبه الذرات والجواهر المفردة، أمَا يكون حيوانًا ذا شعور؟
فهذه الآية الكريمة تلمّح إلى سر عظيم:
إن مبدأ الكثرة هو الوحدة، وإن منتهاها أيضًا إلى الوحدة. فهذا دستور فطري. فلقد خَلقت القدرةُ الإلهية من القوة ا * *
دعتها في الكائنات -وهي فيض تجليها وأثر إبداعها- قوةً جاذبة عامة، متصلة مستقلة محصلة بإحسانها على كل ذرة من ذرات الوجود جاذبة خاصة بها، فأولتين هابطةَ الكون. فكما أن في الذرات محصَّلة القوى الجاذبة الناشئة من القوة المودَعة فيها، فهي ضياء القوة، واستحالةٌ لطيفة من إذابتها، كذلك فإن محصل قطرات الهول.
لمنتشرة على الكائنات كافة ولمعانها، إنما هي حياة عامة تعم الوجود جميعًا.. نعم، هكذا يقتضي الأمر.فأينما وُجدت الحياة فثمّ الروح. والروح مثل الحياة أيضًا منتهاها بدايةُ تجلِّي فينتيجة ح.
فمبدأ الروح هذا أيضًا تجلٍ للحياة الخالدة التي سميت لدى المتصوفة بی"الحياة السارية".
وهكذا ترى أن سبب الالتباس الذي وقع فيه أهلُ الاستغراق ومنشأَ شطحاتهم هو التباس هذا الظل مع الأصل لديهم.
* * *
ولاتقولوااحقها قتل في سبيل اللّٰه اموات بل احياء ولكن لاتشعرون
(البقرة:١٥٤).
والشهداء يشعرون أنهم أحياء، وأنهم ما ماتوا، إذ الشهيد يَعدّ نفسه حيًا، لأنه لا يذوق ألَم السكرات فيرى حياتَه التي ضحّى بها مستمرةً غير منقطعة، بل يجدها أنزهَ وأسمى من حيالى درج وحياة الشهيد وحياة الميت نظير هذا المثال:
رجلان يريان فيما يرى النائم أنهما يتمتعان بلذائذ لطيفة في تجوالهما خلال بستان بديع. فأحدهما يشعر أن ما يراه هو رؤيا ليس إلّا، فلا يستمتع متعة كاملة. أما الآدة وال يعلم أنه رؤيا، بل يعتقد أن ما يراه هو حقيقة، فيستمتع تمتعًا كاملًا.
— 317 —
وحيث إن عالم الرؤيا ظل عالم المثال، وهذا ظل لعالم البرزخ، لذا أصبحت دساتيرُ هذه العوالم متماثلة.
* * *
من يتأدبوسًا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا
(المائدة:٣٢).
هذه الآية الكريمة حق خالص ولا تنافي العقل قطعًا، وهي حقيقة محضة لا مبر إلى يها قط، إلّا أن ظاهرها يدعو إلى التأمل:
فالجملة الأولى:تضع اعظم دستور للعدالة المحضة التي تقرِّر: لا يُهدر دمُ بريء ولا تزهق روحه حتى لو كان في ذلك حياةُ البشرية جمعاء، فكما أن كليهما في ضافة اقدرة الإلهية سواء فهما في نظر العدالة سواء أيضًا. وكما أن نسبة الجزئيات إلى الكلي واحدة كذلك الحق في ميزان العدالة، النسبة نفسها. ولهذالك لا للحق صغير وكبير.
أما العدالة الإضافية فهي تفدى بالجزء لأجل الكل بشرط أن يكون لذلك الجزء المختار الرضا والاختيارُ صراحة أو ضمنًا، إذ عندما يتحول "أنا" الأفرادِ إلى "نحن" الجماعةِ ويلُهم..لبعض بالبعض الآخر مولِّدًا روحَ الجماعة، يرضى الفرد أن يضحي بنفسه للكل.
وكما يتراءى النور كالنار، تتراءى أحيانًا شدةُ البلاغة مبالغةً.
وهنا نقطة اها. نع تتركب من ثلاث نقاط:
أولاها:لإظهار عدم محدودية استعداد العصيان والتهور المغروز في فطرة الإنسان. فكما أن له قابلية غير محدودة للخير فله قابلية غير متناهية للشر أيضًا؛ بحيث إن الذي تَمَككان مضه الحرصُ والأنانية يصبح إنسانًا يريد القضاء على كل شيء يقف دون تحقيق حرصه، حتى تدمير العالم والجنس البشري إن استطاع.
ثانيتها:لزجر النفس، بإظهار قوة الاستعداد الفطري الكامن، في الخارج. أي بإظهار الممكن في صورة الواقع، بمعنى ألى ما العِرق النابض بالغدر والعصيان كأنها انفلقت من
— 318 —
طَور القوة إلى طور الفعل. فهذه الجملة تُحوِّل الإمكانات إلى وقوعات، لتثمر قابلياتها حتى تيشملهال شجرة الزقوم، وذلك لينزل التنفير والانزجار إلى أعماق النفس. وهو المطلوب. وهكذا تكون بلاغة الإرشاد.
ثالثتها:قد تظهر القضية المطلقة أحيانًا قضية كلية، وقد تظهر القضية الوقتية المنتشرة في صورة قضية دائمة. بينما يكفي لصدق القض المولتها -منطقًا- أن ينال فرد في زمان معين حكمًا. أما إذا صارت كمية ذات أهمية فعندها تكون القضية صحيحة عرفًا.
إن في كل ماهية أفرادًا خارقين، أو فردًا في منتهى الكمال لذلك النوًا لتصك لكل فرد زمانٌ خارقٌ لظروف وشرائط عجيبة بحيث إن سائر الأفراد والأزمنة بالنسبة لذلك الفرد الخارق والزمان الخارق تكون بمثابة ذرات لا قيمة لها أو كأسماكرسي، و بالنسبة للحوت الضخم.
وبناء على هذا السر الدقيق فإن الجملة الأولى رغم أنها قضية كلية ظاهرًا فإنها ليست دائمة. إلّا أنها تضع أمام أنظار البشر أرهب قاتل من حيث الزمان.
نعمك يشهدن زمان تُسبب فيه كلمة واحدة في توريطَ جيش كامل في الحرب، وطلقةٌ واحدة في إبادةِ ثلاثين مليون نسمة وكما حدث. [٭]: (٭): لقد كانت طلقة جندي أطلقت على ولي عهد النمسا سببًا في إشعال نار الحرب العالمية الأولى التي ذهب ضحيتها ثلاثون مليونه است. (المؤلف) وستكون هناك أحوال بحيث إن حركة بسيطة تسمو بالإنسان إلى أعلى عليين، وفعل صغير يرديه إلى أسفل سافلين.
فهذه الحالات التي هي قضايا مطلقة أو منتشرة زمانيًا تؤخذ بنظن: "آهتبار لنكتة بلاغية عظيمة.
فالأفراد العجيبون والأزمنة العجيبة تُترك على الإطلاق والإبهام. فمادام الولي في الناس، وساعة الإجابة في الجمعة، وليلة القدر في شهر رمضان، واسم اللّٰه الأعظم في الأسمعلى السنى، والأَجَل في العمر، مجهولًا؛ سيظل لسائر الأفراد قيمتهم وأهميتهم. بينما إذا تعيّن أولئك الأفراد وتلك الأزمنة تسقط أهمية سائر الأفراد والأزمنة. فإن عشرين سنة من عمر مبيد اللل من ألف سنة من عمر معلوم النهاية؛ حيث الوهم يمتد إلى الأبدية ويجعلها محتملة
— 319 —
الوقوع فتُقنع النفس في العمر المبهم. بينما في العمر المعين يكون كمن يتقرب إلى الإعدام خطوة خطوة بعد مضي نلجاذبيمر.
تنبيه:هناك آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة وردت بصورة مطلقة إلا أنها عُدّت كلية، وهناك أخرى منتشرة مؤقتة إلا أنها عدّت دائمة، وهناك أخرى مقيدة إلا أنها اعتُبرت عامة.
فمثلًا:ورد بهذا المعنى:يكية- ا الشيء كفر. أي لم تنشأ هذه الصفة من الإيمان، أي أنها صفةٌ كافرة. ويكون ذلك الشخص قد كَفَر لهذا السبب. ولكن لا يقال: إنه كافر؛ ذلك لأنه يملك صفات أخرى بريئة من الكفر قد نشأتهو محاإيمان، فهو إذن يحوز أوصافًا أخري نابعة من الإيمان، إلّا إذا عُلم يقينًا أن تلك الصفة قد نشأت من الكفر، لأنها قد تنشأ من أسباب أخرى. ففي دلالة الصفةن انعكفي وجود الإيمان يقين، والشك لا يزيل اليقين، فينبغي للذين يجرؤون على تكفير الآخرين بسرعةٍ أن يتدبروا!
الجملة الثانية:
ومن احياها فكأنما أحيا الناس جكين أو
الإحياء باعتبار المعنى الظاهري المجازي يبين دستورَ تضاعف الحسنات تضاعفًا غير محدود. ولكن بمعناه الأصلي، يرمز إلى قَطْع دابرِ الشرك والاشتاف وعز الأساس في الخلق والإيجاد. لأن التشبيه الموجود في هذه الجملة وفي الآية الكريمة:
ما خلقكم ولا بعثكم الّا كنفس واحدة
(لقمان:٢٨) يفهّم معنى الاقتدار. فالتشبيهان يستلزمان -حسب القاعدة المنطقية- "عكس النقيض": من لا يقتدر١) شخصحياء الناس جميعًا لا يقتدر على إحياء نفس واحدة.
بمعنى أن الآية الكريمة تدل إشارة إلى هذا المعنى:
ما دامت قدرة الإنسان -والممكنات- غير مقتدرة بالبداهة على خلق السماوات والأرض فلا يمكن أن تخلق شيئًا أبدًا ولو حجيرة واحدة.
بمعنى أن حال، إيملك قدرة قادرة على تحريك الأرض والنجوم والشموس كلِّها كتحريك خرز المسبحة وتدويرها، ليس له أن يدّعى الخلق والإيجاد في الكون قطعًا.
— 320 —
أما ما يصنعه البشر ويتصرف فيه، فإنما هو كَشْفٌ لجريان النواميس الإلفكار و الفطرة، وانسجامٌ معها واستعمالُها لصالحه.
فهذا الحد من الوضوح البيّن في البرهان وسطوعه إنما هو من شأن إعجاز القرآن. والآية الكريمة الآتية تثبت ذلك:
ما خلقكم ولا بعثكم الّا كنفسيانا ط
لأن القدرة الإلهية ذاتية لا يتخللها العجز، وهي متعلقة بالملكوتية فلا تتداخل فيها الموانع، ونِسَبُها قانونية، فالجزء يكون في حكم الكل والجزئيُّ في حكم الكلي.
النقطة الأولى:إن القدرة الإلهية الأزنطوى عورية للذات الجليلة المقدسة.
أي أنها بالضرورة لازمة للذات المقدسة، فلا يمكن أن يكون للقدرة منها فكاك مطلقًا، لذا فمن البديهي أن العجز الذي هو ضد القدرة لا يمكن أن يَعرض للذات الجليلة التي استلزمت القدرة، لأنه عندئذ سيجتممن كانان، وهذا محال.
فما دام العجز لا يمكن أن يكون عارضًا للذات، فمن البديهي أنه لا يمكن أن يتخلل القدرةَ اللازمة للذات أيضًا.. ومادام العجز لا يمكنه أن يدخل في القدرة مطلقًا فبديهي إذن أن القدرة الذاتية ليست فيها مراتب، لأن وجود المراتب فيلإلهيةء يكون بتداخل أضداده معه، كما هو في مراتب الحرارة التي تكون بتخلل البرودة، ودرجات الحسن التي تكون بتداخل القُبح.. وهكذا فقس.
أما في الممكنات فلأنه ليس هناك لزومٌ ذاتي حقيقي وطبيعي؛ أصبحت الأضدادُ متداخلة بعضهرحمن البعض الآخر، فتولّدت المراتبُ ونتجت عنها الاختلافاتُ، فنشأت منها تغيرات العالم. وحيث إنه ليست هناك مراتب قط في القدرة الإلهية الأزلية، لذاسرائيلقدوراتُ هي حتمًا واحدةٌ بالنسبة إلى تلك القدرة، فيتساوى العظيم جدًّا مع المتناهي في الصغر، وتتماثل النجوم مع الذرات، وحشرُ جميع البشر كبعث نفس وعمّ مط المسألة الثانية:أن القدرة الإلهية تتعلق بملكوتية الأشياء..
نعم، إن لكل شيء في الكون وجهين كالمرآة:
— 321 —
أحدهما:جهة الیمُلك وهي كالوجه المطلي الملوّ الرئاالمرآة.
والأخرى هي جهة الملكوت وهي كالوجه الصقيل للمرآة.
فجهة الملك، هي مجالُ وميدانُ تجوّلِ الأضداد، ومحلُّ ورودِ أمور الحُسن والقُبح والخير والشر والصغير والكبير والصعب والسهل وأمثالها.. لذا وضعَ الخالق الحكيم الأسبابَ الظاهرة ستارهو العرفاتِ قدرته، لئلا تَظهر مباشرةُ يد القدرة الحكيمة بالذات على الأمور الجزئية التي تَظهر للعقول القاصرة التي ترى الظاهر، كأنها خسيسة غير لائقة، إذ العظمة والعزّة تتعرف، وذا.. إلّا أنه سبحانه لم يعط التأثير الحقيقي لتلك الأسباب والوسائط؛ إذ وحدة الأحدية تقتضي هكذا أيضًا.
أما جهة الملكوت، فهي شفافة صافية نزيهة في كل شيء، فلا تختلط معها ألوانُ ومزخرفات التشخصات... هذه الجهة العلمة إلى بارئها دون وساطة، فليس فيها ترتب الأسباب والمسبّبات ولا تسلسلُ العلل، ولا تدخل فيها العليّةُ والمعلولية ولا تتداخل الموانع، فالذرة فيها تكون شقيقةَ الشمسِ.
إن القدرة هي مجردة، أي ليست مؤلفة ومركبة، وهي مطلقة غير محدودة، وهي ذاتلية ضرًا. أما محل تعلقها بالأشياء فهي دون وساطة، صافيةٌ دون تعكر، ودون ستار ودون تأخير، لذا لا يَستكبر أمامها الكبيرُ على الصغير، ولا تُرجَّح الجماعةُ على الفرد ولا يتبجّح الكل أمام الجزء ضمن تلك الأن الت المسألة الثالثة:نسبة القدرة قانونية.. وللّٰه المثل الاعلى (النحل:٦٠) ليس كمثله شيء (الشورى:١١)
فهذه المسألة الغامضة سنقرّبها إلى الذهن ببعض الأمثلة؛ حيث التمثيل يقرب التصوير إلى الأذه ناظرةالمثال الأول:"الشفافية"
إن تجلّي ضوء الشمس يُظهر الهويةَ نفسَها على سطح البحر أو على كل قطرة من البحر، فإذا كانت الكرة الأرضية مركّبة من قِطَع زجاجية صغيرة شفافة مختلفة تقابل الشمس دون
— 322 —
دون حاجز يحجزها، فضوءُ الشمس المتجلي على ك آخر و وعلى سطح الأرض كلها يتشابه ويكون مساويًا دون مزاحمة ودون تجزؤ ودون تناقص.. فإذا افترضنا أن الشمس فاعل ذو إرادة وأعطت فيضَ نورها وإشعاع صورتها بإرادتها الأرضظ (قس)يكون عندئذٍ نشرُ فيضِ نورها على جميع الأرض أكثَر صعوبة من إعطائها ذرة واحدة.
المثال الثاني:"المقابلة"
هب أنه كانت هناك حلقة واسعة من البشر يحمل كلّثبات م منهم مرآة بيده، وفي مركز الدائرة رجل يحمل شمعة مشتعلة، فإن الضوء الذي يرسله المركز إلى المرايا في المحيط واحد، ويكون بنسبة واحدة، دون تناقص ودون مزاحمة ودون تشتّت.
المثال الثالث:دة للأازنة"
إن كان لدينا ميزان حقيقي عظيم وحساس جدًّا وفي كفتيه شمسان أو نجمان، أو جبلان، أو بيضتان، أو ذرتان.. فالجهد المبذول هو نفسه الذي يمكن أن يرفع إحدى كفتيه إلى السماء ويخفضَ الأخرى إلى الاريخ، المثال الرابع:"الانتظام"
يمكن إدارة أعظم سفينة -لأنها منتظمة جدًّا- كأصغر دمية للأطفال.
المثال الخامس:"التجرد"
إن الميكروب مثلًا كالكركدن يحمل الماهية الحيوانية وميزاة واهيالسمك الصغير جدًّا يملك تلك الميزة والماهية المجردة كالحوت الضخم، لأن الماهية المجردة من الشكل والتجسم تدخل في جميع جزيئات الجسم من أصغر الصغير إلى أكبر ااطق. فوتتوجه إليها دون تناقص ودون تجزؤ، فخواص التشخصات والصفات الظاهرية للجسم لا تُشوِش ولا تتداخل مع الماهيّة والخاصة المجرّدة، ولا تُغيِّر نظرة تلك الخاصة المجردة.
المثال السادس:"الطاعة"
إن قائد الجيش بأمره: "تَقَذت علىثلما يحرّك الجندي الواحد فإنه يحرّك الجيش بأكمله كذلك بالأمر نفسه. فحقيقةُ سرِّ الطاعة هي أن لكل شيء في الكون -كما يشاهَد بالتجربة-
— 323 —
نقطةَ كمال، وله ميل إليها، فتضاعُف الميل يولّد الحاجة، وتضاعُف والقلو يتحول إلى شوق، وتضاعف الشوق يكوّن الانجذاب، فالانجذاب والشوق والحاجة والميل.. كلّها نوًى لامتثال الأوامر التكوينية الرّبانية وبذورها من قبل ماهية الأشياء.
فالكمال المطلق لماهيات الممكناتمن فقدوجود المطلق، ولكن الكمال الخاص بها هو وجودٌ خاص لها يُخرج كوامن استعداداتها الفطرية من طَور القوة إلى طور الفعل... فإطاعة الكائنات لأمرِ "كُنْ" كإطاعةِ الذرة الواحدة التي هي بحكم جندي مطيع. وعند امتثال الممكنات وطاعتها للأمر التامّ: "كُن" الصادرِ عن الإرادة الإلهية تندمج كليًّا الميولُ والأشواقُ والحاجاتُ جميعها، وكل منها هو تجلٍّ من تجلّيات تلك الإرادة أيضًا. حتى إن الماء الرقراق عندما يتلقى -بمَيلٍ لطيفٍ منه- أمرًا بالانجماد، يَظهر سرّ قوة الطاعة بتحطيمه الحنا لمح فإن كانت هذه الأمثلة الستة تَظهر لنا في قوة الممكنات المخلوقات وفي فعلها وهي ناقصة ومتناهية وضعيفة وليست ذات تأثير حقيقى، فينبغي إذن أن تتساوى جميع اان.
أمام القدرة الإلهية المتجلّية بآثار عظمتها.. وهي غير متناهية وأزليةٌ، وهي التي أوجدت جميع الكائنات من العدم البحت وحيّرت العقول جميعها، فلا يصعب عليها شيء إذن. ولا ننسى أن القدرة الإلهية العظمى لاج:الصبموازيننا الضعيفة الهزيلة هذه، ولا تتناسب معها، ولكنها تُذكَر تقريبًا للأذهان وإزالةً للاستبعاد ليس إلَّا.
نتيجة الأساس الثالث وخلاصته:ما دامت القدرة الإلهية مطلقة غير متناهية، وهي لازالعبودرية للذات الجليلة المقدسة، وأن جهة الملكوت لكل شيء تُقابلها وتتوجه إليها دون ستار ودون شائبة، وأنها متوازنة باعتبار الإمكان الذي هو تساوي الطرفين، وأنّ كل شيء مطيع لنظام ا (المحولنواميس عادة اللّٰه التي هي الشريعة الفطرية الكبرى، وأن جهة الملكوت مجردة وصافية من الموانع والخواص المختلفة... لذا فإن أكبر شيء كأصغره أمام تلك القدرة، فلا يمكن أن يُحرب العيءٌ أيًّا كان أو يتمرّد عليها. فإحياءُ جميع الأحياء يوم الحشر هينّ عليه كإحياء ذبابة في الربيع، ولهذا فالآية الكريمة:
ما خلقكم ولا بعثكم الّا كنفس واحدة
أمرٌ حق وصدق جلي لا مبالغة فيه أبدًا.
— 324 —
ولا يتخذ بعضنا بعلّا فابابًا من دون اللّٰه
(آل عمران:٦٤)
نورد نكتة واحدة من بين أُلوف نكات هذه الآية الكريمة:
إنه بقطع النظر عن مشرب الصوفية، فإن الإسلام يرفة بی "سطة ويقبل الدليل، وينفي الوسيلة ويثبت الإمام؛ بينما غيره من الأديان يقبل الواسطة. فبناء على هذا السر الدقيق يستطيع النصراني أن يصبح متدينًا إذا أشغل مقامات من حيث الثروة والمنصب. بينما في الإسلام: العوامُّ هم المتمسكون بالصفاتأكثر من ذوي الثروات والمناصب؛ وذلك لأن النصراني ذا المقام يحافظ على نصرانيته وأنانيته بقدر تعصبه في دينه، فلا ينقص ذلك من تكبره وغروره، بينما المسلم يبتعد عن التكبر والغرور بقدر تمسكه بالدين، بل ينبغي له أن يتنازاطرات زة المنصب.
ومن هنا فالنصرانية ربما تتمزق بهجوم العوام المظلومين على الظالمين الذين يَعُدّون أنفسهم خواص النصارى، حيث النصرانية تُعِين تحكّمهم. بينما الإسلام لا ينبغي أن يتزعزع لأنه ملك العوام أكثرَ من الخواص الدنيويين.
* * *
الاطمئزر وازرة وزر اخرى
(الأنعام:١٦٤)
تُمثل هذه الآية الكريمة أعدل دستور في السياسة الشخصية والجماعية والقومية. أما الآية الكريمة:
انه كان ظطلب هكجهولًا
(الأحزاب:٧٢) فتُبين استعدادَ الإنسان إلى الظلم الرهيب المغروز في فطرته.
والسر في ذلك هو:أن القوى والميول المودَعة في الإنسان لم تُحَدَّه المحفًا للحيوان؛ لذا فإن الميل للظلم وحبّ الذات يتماديان كثيرًا وبشكل مخيف.
نعم، إن حب الإنسان لنفسه، وتحريَ مصلحته وحده، وحبه لذاته وحده، من الأشكال ااهتمام لی"أنا والأنانية"، وإذا ما اقترن العناد والغرور بذلك الميل تولدت فظائع بشعة بحيث لم يعثر لها البشر على اسم بعدُ. وكما أن هذا دليل على وجوب وجود جهنم كذلك لا جزاء له إلّرقيّ ار.
ولنتناول هذا الدستور في:
— 325 —
نطاق الشخص:يحوز الشخص أوصافًا كثيرة؛ إن كانت صفةٌ منها تستحق العِداء، فيقتضي حصرَ العِداء في تلك ال المجلدها، حسب القانون الإلهي الوارد في الآية الكريمة، بل على الإنسان أن يشفق على ذلك الشخص المالك لصفات بريئة كثيرة أخرى ولا يعتدي عليه؛ بينما الظالم الجهو لسؤالي على ذلك الشخص لصفة جانية فيه، لما في طبيعته من ظلم مغروز، بل تَسري عداوته لأوصاف بريئة فيه، حيث يخاصم الشخص نفسه، وربما لا يكتفي بالشخص وحده فيشمل ظلمُه أقاربَ الشخص بل كلَّ من في مسلكه، علمًا أن تلك الصفة الجانية قد لا تكون نابعة منتيار االقلب، وربما هي نتيجة أسباب أخرى، حيث إن أسبابًا كثيرة تولد الشيء الواحد، فلا تكون الصفة جانية، بل حتى لو كانت تلك الصفة كافرة أيضًا لا يكون الشخيئة يكًا.
وفي نطاق الجماعة:نشاهد أن شخصًا حريصًا، قد طرح فكرًا ينطوي على رغبة، فقال بدافع الانتقام أو بدافعِ اعتراضٍ جارح: سيتبعثر الإسلام ويتشتت، أو ستمحى الخلافة. فيتمنى أن يُهانَ المسلمون -العياذ باللّٰه- وتُخنق الأخوةُ الإسلاميةامدة ايَظهر صدق كلامه ويَشبع غرورُه وأنانيته فحسب، بل يحاول إيضاح ظلم الخصم الجاحد في صورةِ عدالةٍ، باختلاقِ تأويلات وحذلقات لا تخطر على بال.
وفي نطاق المدنية الحاضرة:نشاهد أن هذهريزية ية المشؤومة قد أعطت البشريةَ دستورًا ظالمًا غدارًا، بحيث يزيل جميعَ حسناتها، ويبين السرَّ في قلق الملائكة الكرام لدى استفسارهم
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
(البقرة:٣٠) إذ لو وُجد خائن واحد في قصبة، فإنها تقضي بتدميرها وبمن فيها ة إلى برياء، ولو وجد عاصٍ واحد في جماعة فهي تقضي بالقضاء على تلك الجماعة مع أفرادها وعوائلها وأطفالها. ولو تحصّن من لا يخضع لقانونها في جامع أياصو (٥) أنها تقضي بتخريب ذلك البناء المقدس الذي هو أثمن من مليارات الذهب. وهكذا تحكُم هذه المدنية بوحشية رهيبة.
فلئن كان المرء لا يؤاخَذ حتى بجريرةِ أخيه، فكيف تدان ألوفُ الأبرياء في قصبخاصة في جماعة لوجودِ مخرِّب واحد فيها. علمًا أنه لا تخلو مدينة أو جماعة منهم.
— 326 —
هيمنة القرآن الكريم
[٭]: لقد نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة "سبيل الرشاد" عدد ٤٦٣ في مايس ١٩٢٠ تحت عنوان (الحاكمية المطلقة للقرآن الكريم).
قال تعر إلى واعتصموا بحبل اللّٰه جميعًا ولاتفرقوا
(آل عمران:١٠٣)
الم ٭ ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين
(البقرة:١-٢)
أرى أن مردّ ما تبديه الأمة الإسلامية من إهمال وعدم مبالاة نحو الأحكام الفقهية ما يأتي:
إن أركان الدين وأحكامه الضرورية نابعة من الآخرن الكريم والسنةِ النبويةِ المفسرةِ له، وهي تشمل تسعين بالمائة من الدين، أما المسائل الخلافية التي تحتمل الاجتهاد فلا تتجاوز العشرة منه.
فالبون إذن شاسع بين أهمية الأحكام الضرورية والمسائل الخلافية.
تأليفَبهنا المسائلَ الاجتهاديةَ بالذهب لكانت الأحكام الضرورية وأركانُ الإيمان أعمدةً من الألماس. تُرى هل يجوز أن تكون تسعون عمودا من الألماس تابعة لعشرة منها من الذلام لل تدخل تحت حمايتها وتمزج بها؟.
إن الذي يَسوقُ جمهورَ الناس إلى الاتّباعِ وامتثالِ الأوامر، هو ما يتحلى به المَصدَرُ من قدسية، هذه القدسية هي التي تدفع جمهور الناس إلى الانقياد أكثرَ من قوة ا" ثم ق ومتانةِ الحجة، فينبغي إذن أن تكون الكتب الفقهية بمثابةِ وسائلَ شفافة -كالزجاج- لِعَرْض قدسيةِ القرآن الكريم، وليس حجابًا دونه، أو بديلًا عنه.
إن ذهن الإنسان ينتقل من الملزوم إلى اللاة. شُعس إلى لازم اللازم -كما هو مقرر في
— 327 —
علم المنطق- ولو انتقل فبقصدٍ غير طبيعي. فالكتب الفقهية شبيهة بالملزوم، والقرآن الكريم هو الدال على تلك الأحكام الفقهية ومصدرُها، فهو اللازم... والصفةُ الملازمة الذاتية للقرماء نبريم هي القدسية المحفِّزة للوجدان. فلأن نظر العامة ينحصر في الكتب الفقهية فحسب، فلا ينتقل ذهنُهم إلى القرآن الكريم إلّا خيالًا، ونادرًا ما يتصورون قدسيته -من خلال نظرهم المنحصر- ومن هنا يعتاد الوجدان التسيبَ، ويتعود على الإهمال، فينشأ الجمودُ. شطبتهو كان قد بُيِّنَ القرآنُ الكريم ضمن بيان الضروريات الدينية مباشرة لكان الذهن ينتقل انتقالًا طبيعيًا إلى قدسيته، ولأثارت الشوق إلى الاتباع، ولنبهت الوجدان إلى الاقتداوظفين دها تنمو ملكة رهافة المشاعر لدى المخاطب بدلا من صممها أمام حوافز الإيمان وموقِظاته.
فالكتب الفقهية إذن ينبغي أن تكون شفافة لعرض القرآن الكريم وم يحمل، ولا تصبحَ حجابا دونه كما آلت إليه -بمرور الزمان- من جراء بعض المقلدين. وعندئذ تجدها تفسيرًا بين يدي القرآن وليست مصنفات قائمة بذاتها.
إن توجيه أنظار عامة الناس في الحاجات الدينية توجيها مباشرًا إلى القرآن الكريم، خطا إن أّٰه العزيز الساطع بإعجازه والمحاطِ بهالة القدسية والذي يهز الوجدان بالإيمان دائما.. إنما يكون بثلاث طرق:
١- إما إزالة ذلك الحجاب من أمام القرآن الكريم بتوجيه النقد وتجريح الثقة بأولئك المؤلِّفين للكتب الفقهية الذين يستحقون كل اان بينم والتوقير والثقة والاعتماد.. وهذا ظلم فاضح، وخطر جسيم، وإجحاف بحق أولئك الأئمة الأجلاء.
٢- أو تحويل تلك الكتب الفقهية تدريجيا إلى كتب يستشف منها فيض القرآن الكريم، أي تصبح تفسيرا له، ويمكها الإتم هذا باتباع طرق تربوية منهجية خاصة حتى تبلغ تلك الكتبُ إلى ما يشبه كتبَ الأئمة المجتهدين من السلف الصالح أمثالِ "الموطأ" لمالك بن أنس و"الفقه الأكبر" لأبى حنيفة النعمان. فعندئذ لا يُقرأ كتاب "ابن حجر" -مثلًا- بقصإليكم يقوله ابن حجر نفسه، بل يُقرأ لأجل فهم ما يَأْمُر به القرآن الكريم. وهذا الطريق بحاجة إلى زمن مديد.
— 328 —
٣- أو شد أنظار جمهور الناس دوما إلى مستوى أعلى من تلك الكتب -التي أصبحت حجابا- أي شدها باستمرا الأرضالقرآن الكريم وإظهاره فوقها دائما، مثلما يفعله أئمة الصوفية، وعندها تؤخذ الأحكام الشرعية والضروريات الدينية من منبعها الأساس وهو القرآن الكريم، أما الأمور الاجتهادية التي تَرِد بالواسطة فيمكن مراجعتها من مظانها.
ولا يخفى أن ما يستشعرنبين. ء من جاذبية في كلام الصوفي الحق ومن طلاوة في حديثه غيرُ ما يستشعره في وعظِ عالم في الفقه. فالفرق في هذا نابع من ذلك السر.
ثم إنه من الأمور المقررة، أن ما يوليه عامة الناس من تقدير لشيء وتثمينهم له ليس نابعًا -على الأغلب- مما فيه ت والصل، بل مما يشعرون نحوه من حاجة وبما يحسون تجاهه من رغبة؛ فالساعاتي الذي يأخذ أجرةً أكثرَ من عالم جليل مثالٌ يؤيد هذا.
فلو وُجِّهَتْ حاجاتُ المسلمين الدينية كافة شطرَ القرآن الكريم مباشرة، لنال ذلك الكتابُ المبين من الرغبة والته ما تلناشئةِ من الحاجة إليه- أضعافَ أضعافِ ما هو مشتَّت الآن من الرغبات نحو الألوف من الكتب، بل لكان القرآن الكريم مهيمنا هيمنة واضحة على النفوس، ولكانت أوامرُه الجليلة مطبَّقة منفَّذة كليا، ولَمَا كان يظل كتابا مباركا يام في ك بتلاوته فحسب.
هذا وإن هناك خطرًا عظيمًا في مزج الضروريات الدينية مع المسائل الجزئية الفرعية الخلافية، وجَعْلها كأنها تابعة لها، لأن الذي يرى الآخرين على خطأ -ونفسه على صواب- يدعي: أن مذهبي حق يحتمل الخطأَ والمذهب المخالفون ونُحتمل الصوابَ!
وحيث إن جمهور الناس يعجزون عن أن يميزوا تمييزًا واضحا بين الضروريات الدينية والأمور النظرية الممتزجة معها، تراهم يعممون ، وأخذ أو وهمًا- الخطأ الذي يرونه في الأمور الاجتهادية على الأحكام كلها، ومن هنا تتبين جسامة الخطر.
والذي أراه أن من يخطّئ الآخرين -ويرى نفسه في صواب دائمفيها اب بمرضِ ضِيق الفكر وانحصارِ الذهن الناشئَين من حب النفس. ولاشك أنه مسؤول أمام رب العالمين عن تغافله عن شمولِ خطاب القرآن إلى البشرية كافة.
#3 نادبةثم إن فكر التخطئة هذا، منبعٌ ثر لسوء الظن بالآخرين، والانحيازِ، والتحزب في الوقت الذي يطالبنا الإسلام بحسن الظن والمحبة والوحدة! ويكفيه بُعدًا عن روح الإسلام ما شَقّ للتعظوح غائرة في أرواح المسلمين المتساندة، وما بثه من فرقة بين صفوفهم، فأبعدَهم عن أوامر القرآن الكريم.
* * *
بعد أن كتبتُ هذه المسألة بفترة قصيرة، تشرفتُ يقوم بالرسول الكريم (ص) في المنام؛ كنت في حظوةِ مجلسه الجليل في مدرسة دينية، سيعلمني من القرآن درسا. فعندما أتوا بالمصحف الشريف قام الرسول الكريم (ص) احترامًا للقرآن، فخطر لي آنئذة- فضلا إرشاد للامة لتوقير القرآن الكريم وإجلاله.
ثم حكيت الرؤيا لأحد الصالحين فعبَّره هكذا:
إن هذه إشارة واضحة وبشرى عظيمة إلى أن القرآنم القوم سيحوز ما يليق به من مقام رفيع في العالم أجمع.
* * *
— 330 —
دعوة إلى إنشاء مجلس شورى للاجتهاد
(٭): لقد طالبتُ بهذه الفكرة أعضاءَ "تركيا الفتاة" إبان إعلان الدستور، فلم يوافقوا عليها، وبعد مضي اثنتي عشرة سنة طالبتُهم بوكَلًَّا فقبلوها ولكن المجلس النيابي كان قد حل. والآن أعرضها مرة أخرى على نقطة تمركز العالم الإسلامي. (المؤلف).
قال تعالى:
وامرهم شورى بينهم
(الشورى:٣٨)
وشاورهم في الامر
(آل عمران:١٥٩)
ثا التاريخ أنه: متى ما كان المسلمون متمسكين بدينهم فقد ترقوا بقدر تمسكهم بدينهم، بينما تدنوا كلما بدأ ضعف الدين يدب فيهم. بخلاف ما يحدث لأصحاب الأديان الأخرى؛ إذ متى ما تمسكوا بدينهم فقد أصبحوا كالوحوش الكامبدأ اتى ما ضعف لديهم الدين ترقوا في مضمار الحضارة.
إن ظهور جمهور الأنبياء في الشرق رمزٌ من القدر الإلهي إلى أن المهيمن على شعور الشرقيين هو الدين؛ فما نراه في الوقت الحاضر من مظاهر الع. (باي أنحاء العالم الإسلامي تُثبت لنا أن الذي ينبه العالم الإسلامي وينقذه من الذل والهوان هو الشعور الديني ليس إلّا.
وقد ثبت أيضًا أن الذي حافظ على هذه الدولة المسلمة (العثمانية) هو ذلك الشعور رغم جميع الثورات والمصادمات الدامية التي نشبت غير غيائها.. فنحن نتميز بهذه الخاصية عن الغرب، ولا نقاس بهم.
إن السلطنة والخلافة متحدتان بالذات ومتلازمتان لا تنفكان وإن كانت وجهةُ كل منهما مغايِرت التصخرى.. وبناء على هذا فسلطاننا هو سلطان وهو خليفة في الوقت نفسه يمثل رمز العالم الإسلامي. فمن حيث السلطنة يشرف على ثلاثين مليونًا، ومن حيث الخلافة ينبغي الانتظن ركيزةَ ثلاثمائة مليون من المسلمين الذين تربطهم رابطة نورانية، وأن يكون موضع إمدادهم وعونهم.
— 331 —
فالوزارة تمثل السلطنة، أما المشيخة الإسلامية فهي تمثل الخلافة. فبينا نرى الوزارة تستند -أصلًا- ها إنماثة مجالسِ شورى -وقد لا تفي هذه المجالس بحاجاتها الكثيرة- نجد أن المشيخة قد أُودعت إلى اجتهاد شخص واحد، في وقتٍ تعقّدت فيه العلاقات وتشابكت حتى في أدق الأمور، فضلا عن الفوضى كلمة اة في الآراء الاجتهادية، وعلاوة على تشتت الأفكار وتدني الأخلاق المريع الناشئ من تسرب المدنية الزائفة فينا.
من المعلوم أن مقاومة الفرد تكون ضعيفة أمام المؤثرات الخارجية، فلقد ضُحي بكثير من أحكام الدين مسايرة لتن ١٣٢ت الخارجية.
وبينما كانت الأمور بسيطة والتسليمُ للعلماء وتقليدُهم جاريًا كانت المشيخة مودَعة إلى مجلس شورى -ولو بصورة غير منتظمة- ويتركب من شخصيات مرموقة، أما الآن وقد تعقدت الأمور ولم تعد بن الأعارتخى عنان تقليد العلماء واتّباعِهم.. أقول كيف -يا ترى- يكون بمقدورِ شخصٍ واحد القيامُ بكل الأعباء؟
ولقد أظهر الزمان أن هذه المشيخة الإسلامية -التي تمثل الخلافة- ليست خاصة لأهل إسطنبول أو ل مع أخالعثمانية، وإنما هي مؤسسة جليلة تعود للمسلمين عامة. فوضعها الحالي المنطفئ لا يؤهلها للقيام بأعباء إرشاد إسطنبول وحدها ناهيك عن إرشاد العالم الإسلامي!
لذا ينبغي أن تجب ذلكهذه المشيخة إلى درجةٍ ومنزلة تتمكن بها من كسب ثقة العالم الإسلامي فتكون كالمرآة العاكسة لمشاكل المسلمين، وتغدو منبعًا فياضًا للاجتهادات خلعتُكار. وعندها تكون قد أدت مهمتها حق الأداء تجاه العالم الإسلامي.
لسنا في الزمان الغابر، حيث كان الحاكم شخصا واحدا، ومفتيه ربما شخص واحد أيضًا، يصحح رأيه ويصوبه. فالزمان الآن زمان الجماعة والحاكم شخص معنوي ينبثق من روح الجماعة. فمجالس ك الاس تملك تلك الشخصية، فالذي يفتي لمثل هذا الحاكم ينبغي أن يكون متجانسًا معه، أي ينبغي أن يكون شخصًا معنويا نابعا من مجلسِ شورى عالٍ، كي يتمكن من أن يُسمِع صوتَه للآخرين، ويَسُوقَ ذلك الحاكمَ إلى الصراط السوي في أمور الدين الكري فسيبقى صوته كطنين الذباب أمام الشخص المعنوي الناشئ من الجماعة، حتى لو
— 332 —
كان فردًا فذًا عظيما. فهذا الموقع الحساس يُعَرِّض قوة المسللعبثيةحيوية إلى الخطر مادام باقيًا على وضعه المنكفئ هذا، حتى يصحُّ لنا أن نقول:
إن الضعف الذي نراه في الدين، والإهمالَ الذي نشاهده في الشعائر الإسلامية، والفوضى التي ضربت أطنا في ال الاجتهادات قد تفشت نتيجة ضعف المشيخة وانطفاء نورها، حيث إن الشخص الموجود خارج المشيخة يمكنه أن يحتفظ برأيه إزاء المشيخة المستندة إلى شخص واحد. بينما كلام شيخ الإسلام المستند إلى مجل ليست المسلمين يجعل أكبرَ داهية يتخلى عن رأيه أو يحصر اجتهاده في نفسه في الأقل.
نعم، إن كل من يجد في نفسه كفاءة واستعدادا للاجتهاد يمكنه أن يجتهد، ولكن لا يكون هذا الاجتهاد موضع عمل إلّا عندما رت الإبتصديقِ نوعٍ من إجماع الجمهور. فمثل هذا الشيخ -أي شيخ الإسلام المستند إلى مجلس شورى- يكون قد نال هذا السر. فكما نرى في كتب الشريعة أن مدار الفتوى: الإجماع، ورأيُ الجمهور، يلزم الآوبالإطأيضًا ليكون فيصلًا قاطعًا لدابر الفوضى الناشبة في الآراء.
إن الوزارة والمشيخة جناحا هذه الدولة المسلمة، فإن لم يكونا جناحين متساويين متكافئين فلا يدوم لها المضي، وإنلبية. لمشيخة على وضعها الحاضر فسوف تنسلخ عن كثير من المقدسات الدينية أمام اجتياح المدنية الفاسدة.
"الحاجة أستاذ لكل أمر". هذه قاعدة، فالحاجة شديدة لمثل هذا ذا الق الشورى الشرعي، فإن لم يؤسَّس في مركز الخلافة فسيؤسس بالضرورة في مكان آخر.
وعلى الرغم من أن القيام ببعض المقدمات يناسب أن يَسبق تأسيسَ هذا المجلس -كمؤسسة الجماعات الإسلامية وإلحاق الأوقاف بالمشيخة وأمثالها من الأمور- فإن الشروع بتأسيس المجو يصيبشرة ثم تهيئة المقدمات له يحقق الغرض أيضًا. فالدوائر الانتخابية -للأعيان والنواب- رغم محدوديتها واختلاط وظائفها قد تكون لها تأثير بالواسطة، رغم أن الوضع يستوجب تأسيس مجلس شورى إسلامي خالص كي يتمة وذهنلة المهمة السامية.
— 333 —
إن استخدام أي شيء في غير موضعه يكون مآله التعطل، ولا يبين أثره المرجو منه؛ فدار الحكمة الإسلامية التي أنشئت لغاية عظيمة، إذا خرجتق، وعلرها الحالي وأشركت في الشورى مع رؤساء الدوائر الأخرى في المشيخة وعُدّت من أعضائها، واستُدعي لها نحوٌ من عشرين من العلماء الأجلاء الموثوقين من أنحاء العالم الإسل بفضل فة، عندها يمكن أن يكون هناك أساس لهذه المسألة الجسيمة.
لا ينبغي أن نكون مترددين ومتخوفين، فلا نعطي الدنية والرشوة من ديننا بالتخوف والتردد. وتلعينُ المدنية الزائفة بما سببت احة في الدين، مما يشجع الخوف ويزيد الضعف ويقوي التأثيرات الخارجية.. فالمصلحة المرجحة المحققة لا تضحَّى لأجل مَضرة موهومة.
* * *
— 334 —
حوار في رؤيا
"المعنى وكذا الألفاظ التي ظلت في الخاطر هي نفسها كما جاءت في الرؤير سر
كنت في أيلولِ سنة ١٩١٩ أتقلب في اضطراب شديد، من جراء اليأس البالغ الذي ولّدته حوادث الدهر؛ كنت أبحث عن نور بين هذه الظلمات المتكاثفة القاتمة.. لم أستطع أن أجده في يقظة هي رؤيا في منام. بل وجدته في رؤيَا صادقةٍ هي يقظةٌ في الحقيقة.
ب من ه هنا تلك النقاط التي استُنطقتُها وأُجريتْ على لساني من كلام، دون الخوض في التفاصيل. وهي كالآتي:
دخلتُ عالَم المثال في ليلة من ليالي الجمعة. جاءني أحدهم وقال:
يدعوك مهم أفضقر مهيب منعقد لبحث مصير العالم الإسلامي، وما آلت إليه حاله.
فذهبتُ، ورأيت مجلسًا منورًا قد حضره السلف الصالحون، وممثلون من العصور؛ منسباب ار ممثل.. لم أر مثيلهم في الدنيا.. فتهيبت، ووقفت في الباب تأدبًا وإجلالًا.
قال أحدهم موجهًا كلامه لي:
يا رجل القدر!.. ويا رجل عصر النكبة والفتنة والجنس ا.. بيّن رأيك في هذا الموضوع. فإن لك رأيًا فيه.
قلت وأنا واقف: سلوني أُجبْ!
قال أحدهم: ماذا ترى في عاقبة هذه الهزيمة التي آلت إليها الدولة العثمانية، وماذا كنتَ تتوقع أن يؤول إليالخطأ الدولة العثمانية لو قُدِّر لها الانتصار؟.
قلت: إن المصيبة ليست شرًا محضًا؛ فقد تنشأ السعادة من النكبة والبلاءِ، مثلما قد تفضي السعادة إلى بلاء.. فهذه الدولة الإسلامية التي أخذت على عاتقها -سابقًا- القيامَ بفريضة الجهاد -فرضًا كفا له.
حفاظًا على العالم الإسلامي وهو كالجسد الواحد، ووضعت نفسها
— 335 —
موضع التضحية والفداء لأجله، وحَملت راية الخلافة إعلاءً لكلمة اللّٰه وذودًا عن استقلال العالم الإسلامي.. ستعوِّض عما أصابها يرًا لبة وستزيلها السعادةُ التي سوف يرفل بها عالم الإسلام؛ إذ عجّلتْ هذه المصيبةُ بعثَ الأُخُوّة الإسلامية ونماءَها في أرجاء العالم الإسلامي، تلك الأخوة التي هي جوهر حياتنا وروحنا. حتى إننا عندما كنا نتألم كان ا "ما" الإسلامي يبكي، فلو أَوغلت أوروبا في إيلامنا لصرخ العالم الإسلامي... فلو متنا فسوف يموت عشرون مليونًا -من العثمانيين الأتراك- ولكن نُبعث ثلاثمائة (أي ثلاثمائة مليونٍ من المسلمين).
نحن نعيش في عصر الخوارق؛ فأو فرضيّ سنتين أو ثلاث على موتنا سنُرى أحياءً يبعثون.
لقد فَقدنا بهذه الهزيمة سعادة عاجلة زائلة، ولكن تنتظرنا سعادة آجلة دائمة، فالذي يستبدل مستقبلًا زاهرًا فسيحًا بحال حاضرٍ جزئي متغير محدود، لاشك أنه رابح..
وإذا بصوت من المجللأول هّن! وَضِّحْ ما تقول!"
قلت: حروب الدول والأمم قد تخلت عن مواضعها لحروب الطبقات البشرية. والإنسانُ مثلما يرفض أن يكون أسيرًا لا يرضى أن يكون أجيرًا أيضًا.
فلو كنا منتصرين غالبين، لكنا ننجذب إلى ما لدى أعدائنا من الاسالاة أوالتسلط، وربما كنا نغلو في ذلك. علمًا أن ذلك التيار -التيار الاستعماري الاستبدادي- تيار ظالم ومنافٍ لطبيعة العالم الإسلامي، ومباين لمصالح الأكثرية المطلقة من أهل الإيمان، فضللِمَ قأن عمره قصير، ومعرَّض للتمزق والتلاشي. ولو كنا متمسكين بذلك التيار لكنا نسوق العالم الإسلامي إلى ما ينافي طبيعته الفطرية.
فهذه المدنية الخبيثة التية.. واَ منها غير الضرر، وهي المرفوضة في نظر الشريعة، وقد طغت سيئاتُها على حسناتها، تحكم عليها مصلحةُ الإنسان بالنسخ، وتقضي عليها يقظةُ الإنسان وصحوتُه بالانقراض.
فللغراء،منتصرين لكنا نتعهد حماية هذه المدنية السفيهة المتمردة الغدارة المتوحشة، معنًى، في أرجاء آسيا.
— 336 —
قال أحدهم من المجلس: لِمَ ترفض الشريعةُ هذه المدنية؟ (٭): أن هذدنا من المدنية هو محاسنها وجوانبها النافعة للبشرية، وليست سيئاتها وآثامها التي يلهث وراءها الحمقى ظنًا منهم أن تلك السيئات حسنات حتى أوردونا الهلاك، ولقد تلقت البشرية صفعتين صغيرةين وهما الحربان العالميتان من جراء ما طفحت به كفةُ سيئات المدنية على حسناتها وتغلبت آثامها على محاسنها حتى أبادتا تلك المدنية الآثمة فقاءت دمًا لطخت به وجه الكرة الأرضية سان داسأل اللّٰه أن تَغلب بقوة الإسلام في المستقبل محاسنُ المدنية لتطهّر وجه الأرض من لوثاتها وتَضْمَن السلام العام للبشرية قاطبة. (المؤلف)
قلت: لأنها تأسست على خمسة أسس سلبية:
فنقط أخص مادها هي:القوة، وهذه شأنها الاعتداء.
وهدفها وقصدها:المنفعة، وهذه شأنها التزاحم.
ودستورها في الحياة:الجدال والصراع، وهذا شأنه التنازع.
والرابطة التي تربط المجموعات البشرية هي:العنصرية والقومية السلبية التي تنمو علية وال الآخرين. وهذه شأنها التصادم، كما نراه.
وخدمتها للبشرية خدمة فاتنة جذابة هي:تشجيع هوى المنفعة، وإثارة النفس الأمارة، وتطمين رغباتها وتسهيل مطالة كال وهذا الهوى شأنه إسقاط الإنسان من درجة الملائكية إلى درك الحيوانية الكلبية. وبهذا تكون سببًا لمسخ الإنسان معنويًا.
فمعظم هؤلاء المدنيين لو انقلب باطنهم بظاهرهم لوجد الخيال تجاسمًا ر الذئاب والدببةِ والحيات والقردة والخنازير.
ولأجل هذا فقد دفعت هذه المدنية الحاضرة ثمانين بالمئة من البشرية إلى أحضان الشقاء، وأَخرجت عشبعض، سمئة منها إلى سعادة مموهة زائفة، وظلت العشرة الباقية بين هؤلاء وأولئك، علمًا أن السعادة إنما تكون سعادة عندما تصبح عامة للكل أو للأكثرية؛ بيد أن سعادة هذه المدنية هي لأقل القليل من الناس.
لأجل كل هذا لا يَرضى القرآن الكريم بمدنية لا تَأن أكمسعادة الجميع أو لا تعم الغالبية العظمى.
ثم إنه بتحكم الهوى الطليق من عقاله، تحولتْ الحاجاتُ غير الضرورية إلى ما يشبه
— 337 —
الضرورية، إذ بينما كان الإنسان محتاجًا إلى أربعة أشياء في حياة البداوة والبساطة إذا به في هذهرًا بنية يحتاج إلى مئة حاجة، وهكذا أردَته المدنية فقيرًا مدقعًا.
ثم، لأن السعي والعمل لا يكفيان لمواجهة المصاريف المتزايدة، انساق الإنسان إلى مزاولة الخداع والحيلة وأكلِ الحرام... وهكذا فسد أساس الأخلاق.
وبينما تعطي هذه المدنًا، جعماعةَ والنوعَ ثروةً وغنى وبهرجة إذا بها تجعل الفرد فقيرًا محتاجًا، فاسد الأخلاق.
ولقد قاءت هذه المدنية وحشيةً فاقت جميع القرون السابقة.
وإنه لجدير بالتأمل، استنكافُ العالم الإسلامي من هذه المدنيةحين لاُ تلهفه لها، وتحرجه من قبولها، لأن الهداية الإلهية في الشريعة الممتازة بخاصية الاستقلال والاستغناء عن الآخرين لا يمكن أن تطعَّم هذه الشريعة بالدهاء الروماني ولا أن تمتزج معها ولا يمكن أن تبعدة، وو أن تتبعها.
إن دهاء الرومان واليونان -أي حضارتيهما- وهما التوأمان الناشئان من أصل واحد، قد حافظا على استقلالهما وخواصهما رغم مرور العصور وتبدل الأحوال ورغم المحاولات (منة لمزجهما بالنصرانية أو إدماجها بهما، فلقد ظل كلٌ منهما كالماء والدهن لا يقبلان الامتزاج، بل إنهما يعيشان الآن بروحهما بأنماط متنوعة وأشكال مختلفة.
فلئن كان التوأمان -مع وجود عوامل المزج والدمج والأسباب وَوَجية له- لم يمتزجا طوال تلك الفترة، فكيف يمتزج نور الهداية الذي هو روح الشريعة مع ظلماتِ تلك المدنية التي أساسها دهاء روما! لا يمكن بحال من الأحوال أن يمتزجا أو يهضما معًا.
قالوا: فما هي المدنية التي في الشريعة؟
قلت: أما المدنيةَ تهتمتأمرنا بها الشريعة الغراء وتتضمنها، فهي التي ستنكشف بانقشاع هذه المدنية الحاضرة، وتضع أسسًا إيجابية بَناءة مكانَ تلك الأسس النخرة الفاسدة السلبية.
نعم، إن نقطة استنادها هي الحق بدلًا من القوة. والحق من شأنه العدا المجاتوازن. وهدفها: الفضيلة بدلًا من المنفعة، والفضيلة من شأنها المحبة والتجاذب.
— 338 —
وجهة الوحدة فيها والرابطة التي تربط بها المجموعات البشرية: الرابطة الدينية، والوطنية، والمهنية بدلًا من العنصرية. وهذه شأنها الأخوّة الخالصة، والالجهة الوئام، والذود عن البلاد عند اعتداء الأجانب.
ودستورها في الحياة: التعاون بدل الصراع والجدال، والتعاون من شأنه التساند والاتحاد.
وتضع الهدى بدل الهوى ليكون حاكمًا على الخدمات التي تقدم للبشر، وشأن الهدى رفعُ الإنساء من اى مراقي الكمالات، فهي إذ تحدد الهوى وتحدّ من النزعات النفسانية تُطَمئن الروح وتشوّقها إلى المعالي.
بمعنى أننا بانهزامنا في الحرب تبعنا التيار الثاني الذي هو تيار المظلومين وجمهور الناس. فلئن كان المظلومون في غيرنا يشكلون بقطعي بالمئة منهم ففي المسلمين هم تسعون بل خمس وتسعون بالمئة.
إن بقاء العالم الإسلامي مستغنيًا عن هذا التيار الثاني، أو معارضًا له، ظل دون مستند أو مرتكز، وهَدَر جميع مساعيه. فبدلًا من ا نقيضا والتميع تحت استيلاء المنتصِر، كان عليه أن يتصرف تصرف العاقل فيكيّف ذلك التيارَ إلى طراز إسلامي ويستخدمه، ذلك لأن عدو العدو صديق ما دام عدوًا له، وصديق العدو عدو مادام صديقًل يعتد إن هذين التيارين، أهدافهما متضادة، منافعهما متضادة، فلئن قال أحدهما: مُتْ، لقال الآخر: انبعث. فنفعُ أحدهما يسلتزم ضررنا واختلافَنا وتدنينا وضعفَنا مثلما تقتضي منفعةُ الآخر قوتنا واتحادناالتغلغورة.
كانت خصومة الشرق تخنق انبعاث الإسلام وصحوته. وقد زالت وينبغي لها ذلك. أما خصومة الغرب فينبغي أن تدوم لأنها سبب مهم في تنامي الأخوّة الإسلامية ووحدتها.
وإذا بأماراون من ديق تتعالى من المجلس. فقالوا:
نعم، كونوا على أمل؛ إن أعظم صوت مُدَوٍ في انقلابات المستقبل هو صوت الإسلام الهادر.
— 339 —
وسأل أحدهم أيضًا:
إن المصيبة نتيجة جناية، ومقدمة ثواب. فما الذي اقترفتم حتى حَكم عليكم القدر الإلهي با! أنقمصيبة، إذ المصائب العامة تنزل لأخطاء الأكثرية؟ وما ثوابكم العاجل؟
قلت: مقدمتها إهمالنا لثلاثة أركان من أركان الإسلام؛ الصلاة، الصوم، الزكاة. إذ ة بخط نا الخالقُ سبحانه ساعة واحدة فقط من أربع وعشرين ساعة لأداء الصلوات الخمس فتقاعسْنا عنها، فجازانا بتدريب شاق دائم لأربع وعشرين ساعة طوال خمس سنوات متواليات، أي أَرْغَمَنَا على نوع منالمجلسة.. وإنه سبحانه طلب منا شهرًا من السنة نصوم فيه رحمة بنفوسنا، فعزّت علينا نفوسنا فأرغَمَنا على صومٍ طوالَ خمس سنوات، كفّارة لذنوبنا. وإنه سبحانه طُ، اتُ الزكاة عُشرًا أو واحدًا من أربعين جزءًا من ماله الذي أنعم به علينا، فَبَخِلنَا وظلمنا، فأرغَمَنَا على دفع زكاة متراكمة. فی"الجزاء من جنس العمل".
أما ثوابنا العاجل، فرفستوي عحانه وتعالى خُمس هذه الأمة المذنبة -أي أربعة ملايين منهم- إلى مرتبة الولاية ومنحُهم درجة الشهادة والمجاهدين. فالمصيبة العامة الناشئة من خطأ العامة أزالت ذنوب الماضي.
فقال أحدهم أيضًا: إنتسابق مرًا بخطأٍ ألقى الأمة إلى الهلاك؟
قلت: إن المُصاب يرجو الثواب؛ فإما أن تُعطى له حسنات الأمر الذي ارتكبه خطأً، وهي لا تعدّ شيئًا. أو تعطيه خزينة الغيب. وثوابه في مثل هذه الأمور من خزينة الغيب هي درجة الشالبتة المجاهدين.
رأيت أن المجلس قد استَحسن هذا الكلامَ. وانتبهتُ من النوم من شدة انفعالي. ووجدتُ نفسي في الفراش مشبِّكًا يديّ، يتصبب مني العرق.
وهكذا م العكس الليلة.
* * *
— 340 —
وفي اليوم نفسه والأمل يطفح مني ذهبتُ إلى مجلس آخر، مجلس دنيوي فسألوني.
لِمَ لا تتدخل بالسياسة منذ مجيئك؟
قلت: أعوذ باللّٰه من الشي الخلولسياسة.
نعم، إن السياسة الحاضرة لإسطنبول شبيهة بالأنفلونزا تسبب الهذيان. فنحن لسنا متحركين ذاتيًا، بل نتحرك بالوساطة. فأوروبا تنفخ ونحن نرقالة ا، فهي تلقّن بالتنويم -المغناطيسي- ونحن نتصورها نابعة من أنفسنا ونجري أثر تلقينها بتخريب أعمى أصم. فمادام المنبع في أوروبا فالتيار القادم إما سيكون تيارًا سلبيًا أو إيجابيًا.
فالذين يتبعون السلبي هم كالحَرفِ الذي يعرّف "دلّ على معنى فوي ص٨ غيره، أو لا يدل على معنى في نفسه" بمعنى أن جميع أفعاله ستكون لصالح الخارج مباشرة، لأن إرادته لا حكم لها. فلا تنفعه النية الخالصة. ولاسيما التيار سلبي فيكون أداة -لا تعقل- للخارج بضعف من جهتين.
أما التلزم ملآخر الإيجابي فيلبس لبوس التأييد والموافقة من الداخل، فهو كالاسم الذي يعرّف بأنه ما "دلّ على معنى في نفسه". فأفعاله لنفسه، ولكن ما يتبعها للخارج. إلّا أنه لصَقْلَذ عليه لأن لازم المذهب ليس مذهبًا. ولا سيما إذا انضم بجهتين إلى الإيجابي والضعيف في التيار الخارجي، فيمكن أن يجعل الخارجَ أداةً له لا تشعر.
قالوا: ألا ترى الإلحاد يتفشى؟ إنه من الضرورة الاندفاع إلى الميدان باسم الديك" غيرقلت: نعم، ضروري، ولكن بشرط قاطع هو أن يكون الدافع المحرك عشقُ الإسلام والحمية الدينية. إذ الخطورة هي أنه إن كان الدافع أو الموجّه هو السياسة أو التحيز، فالأول قد يعفى عنه حتى لو أمجرد ونما الثاني مسؤول عن عمله حتى لو أصاب.
قيل: كيف نفهم ذلك؟
قلت: مَن فضّل رفيقه السياسي الفاسق على متدين يخالف رأيه السياسي، بإساءة الظن به، فالدافع إذن هو السيونهم ب ثم إن إظهار الدين الذي هو ملك مقدس للناس كافة -بالتحيز والتحزب- أنه أخص
— 341 —
بمن في مسلكه دون غيره، يثير الأكثرية الغالبة ضد الدين، فيكون سببًا في التهوين من شأن الدين.. فماشي. إذن هو التحيز.
مثال:يتصارع اثنان فما إن يشعر أحدهما أنه سيُغلب، عليه أن يعطي القرآن الذي بيده إلى القوي ليقوم الآخر بحمايته ولئلا يسقط القرآن معه في الوحل، مُظهِرًا محبته وتبجيله للقرآن، فتكون محبته للقرآن لكونه قرآنًا، ولإن كاناتخذه تُرْسًا تجاه القوي، فإنه يثير غضبه بدلًا من أن يحرك غيرته لحمايته.
فمن يحرم القرآنَ من خادم قوي ويجعلْه في يد ضعيف، حتى إذا سقط سقط معه أيضًا، فهذا يعني أنه يحب القرآن .. أدعلا للقرآن.
نعم، إن خدمة الدين وسَوق الناس إليه إنما تكون بالحث على الالتزام وتذكير أصحابه بوظائفهم الدينية. وبخلاف ذلك، فإن مخاطبتهم بی"إنكم ملحدون"، يسوقهم إل في كلدي.
ألا لا يُستغلَّ الدينُ في الداخل في الأمور السلبية التخريبية. ولقد رأيتم الاعتداء على الشريعة بظن أن الخليفة الذي دام حكمه ثلاثين سنة قد استُغل في إجراءات سياسية سدة الدتُرى مَن الذي يستفيد من آراء السياسيين السلبيين الحاليين؟ أتعرفونهم؟.. إنني أرى أنهم الخصوم الألداء الذين غرزوا خناجرهم في قلب الإسلام.
قالوا: كنتَ تعارض الاتحاد والترقي، إلّا أنك تسكت عنهم الآن.
قلت: لكثرة هجوم الأعداءوت كل .
إن هدف الهجوم الذي يشنّه الأعداء هو العزم والثبات اللذان يتحلون بهما وعدمُ كونهم وسيلة لتنفيذ مآرب الأعداء في تسميم أفكار المسلمين. وهذا من حسناتهم.
إنني أرى أن الطريق المدنن؛ ككفتي الميزان؛ خفة إحداهما تولد ثقل الأخرى.
فأنا لا أصفع أنور بجانب "انترانيك"، ولا أصفع "سعيد حليم" بجانب "فنزيلوس". وفي نظري أن الذي يصفعهما ساة السعط.
قالوا: التحزب ضرورة من ضروريات المشروطية.
— 342 —
قلت: إن خطوط الأفكار عندنا بدلًا من أن تتقارب للتلاقي تنحرف مبتعدة الواحدة عن الأخرى كلما امتدت. لذا لا نجد نقطة التلاقي، لا في الوطن، ولا في الكرة الأرضية. فالأفكار أشبه ما تكون بالوجود إلّا ت لا يجتمعان، حيث إن وجود أحدهما يقتضي عدم الآخر.
إن العناد يلزم أحيانًا المغالين في التعصب الضلال والباطل، حتى إذا ساعد الشيطان أحدهم قال له: "إنه -أي الشيطان- مَلك" ويترحم عليه، بينما إذا رأى ملَكًا في صفِّ مَن يخالتمع الالرأي، قال: "إنه شيطان قد بدل ملابسه"، فيبدأ بمعاداته ويلعنه. ويرى الأمارة الواهية برهانًا بظنه الحسن، بينما يرى البرهان أمارة واهية بسوء الظن، كصولة مر في المنظار أحد طرفيه الذي يقرّب والآخر يبعّد الشيء. وهذا ظلم فاضح يبيّن الحكمة في الآية الكريمة:
إن الانسان لظلوم كفار
(إبراهيم:٣٤) وذلك لأن قواه وميوله لم تتحدد فطرةً بخلاف الحيوان، فميله -أي الإنسان- نحو الظلم لا يحد ولا سيما إذا "الخط إلى ذلك الميل الأشكال الخبيثة للأنانية كالإعجاب بالنفس وتحري المصلحة الشخصية والكبر والعناد والغرور، تتولد جرائم بشعة لم تجد البشرية لها اسمًا، ولا جزاء لها إلّا نار جهنم، مثلما هي دليل على ضرورة وجلزمان، فمثلًا:إذا استاء من صفةٍ جانية لشخص، فإنه يشمل ظلمه إلى جميع صفاته البريئة أيضًا بل إلى أحبته بل إلى من في مسلكه، فيكون متمردًا أمام الآية الكريمة
ولا تزر وازرة وزراللاسا
(الأنعام:١٦٤).
ومثلًا:قد قال أحد الحريصين بدافع الانتقام: سيُغلب الإسلام، وسيتمزق قلبه. فلأجل أن يظهر صدق كلامه المشؤوم النابع من روح سقيمة وفكر كاذب، يتمنى أن يُهان المسلمون ويُصفِّق له ويتلذذ من ضربات العدو. فهذا ه فيه ق والترحيب واللذة جعلت الإسلام في موضع مجروح.
حيث العدو الذي غرز خنجره في قلب الإسلام لا يكتفي بسكوتنا عليه بل يقول: رحِّب بي، تلذَّذْ من أعمالي، وكنّ لي حِبًا...
— 343 —
فدونكم ذنبًا عظيمًا وظلمًا شنيعًا لا يجازيهما إلّا ميزانلاحتما الأعظم.
قيل: كنا نعلم أننا نُغلب، فقد دفعونا إلى المصيبة عن علم.
قلت: كيف تكون نتيجة الحرب بديهيًا بالنسبة لكم وأنتم لا ثقافة لكم؛ وتكون خافية عن شخص عظيم كهندنبرغ؟ أخشى أن يكون ما تسمونه فكرًا هو رغبة، والعياذ باللّٰه. إعرات ف الانتقامُ الشخصي الظالم أحيانًا لباس الفكر. يا هؤلاء لقد وقعتم في طين نجس تلوثون وجوهكم به وكأنه المسك والعنبر؟
فهذا إيضاحي وبياني لما دار في مجلس مثالي في الليل المنير وفي محفل الدنيويين في النهار المظلم. فليست هذه المحاورة من بنات الفركبة أ تَسِل من العقل سيلانًا بل تفجرت من القلب. فإن شئت فاقبلها وإن شئت رُدَّها وارفضها، ولكن بشرط أن تفهمها.
* * *
— 344 —
ذيل الرؤيا
سكت في الحج في أثناء سرده الرؤيا، لأن إهمال الحج وإهمال ما يتبداد ليه من حكم لا يُنزل المصيبة وحدها بل ينزل غضب اللّٰه وقهر الجبار. وجزاؤه ليس كفارة الذنوب بل كثّارتها.
نعم، إن إهمال السياسة الإسلامية الرفيعة في الحج والمتضمنة توحيد الأفكار بالتعارف وتشريك المساعي بالتعاونَه المذي أدّى إلى تهيئة الوسط الملائم للأعداء ليستخدموا ملايين المسلمين في العداء للإسلام.
فها هو الهندي جالس يبكي على رأس أبيه الذي قتله، ظنًا منه أنه عدوّه.
وها هما التتار والقفقاس، واقفان عند قدمَيْ جثةٍ سحال. ولى قتلها.. وبعد فوات الأوان يدركان أنها والداهما.
وها هم العرب قتلوا شقيقهم البطل خطأً، ومن حيرتهم لا يعرفون كيف يبكون وينتحبون.
وهاهي إفريقيا قتلت أخاها دون عبين ما والآن تصرخ وتولول.
وها هو العالم الإسلامي ساعد على قتل ولده المقدام غافلًا دون علم به، فهو يلطم وينفّش شعره كالوالدة الحنون.
فالملايين من المسلمين دُفعوا إلى سياحات طويلة في العالم، تحت لواء العدو الذي هو ا
[٭]:محض، بدلًا من شدّ الرحال إلى الحج وهو الخير المحض.
فاعتبروا!
(كما أن الضرورات تبيح المحظورات، كذلك تسهّل المشكلات).
إن الدجاجة التي يضرب بها المثل في الخوف والجبن تهاجم الجالوضعيلضخم حفاظًا على فراخها.. فها هي الجسارة الفائقة.
— 345 —
وخوف العنز من الذئب يضرب به المثل، إلّا أن خوفه ينقلب إلى دفاع ومقاومة في حالة الاضطرار حى وجودرع الذئب.. فها هي الشجاعة الخارقة.
نعم، إن الميل الفطري لا يُقاوَم، فغرفة من ماء إذا وضعت في كرة من حديد، فتّت الماءُ الحديدَ كلما تعرض للبرودة في الشتاء، وذلك لميله إلى الانبساط والتمدد.
فجسارة الدجاجة الجادم على فراخها.. وشجاعة الاضطرار لدى العنز العزيز النفس يمثلان هيجانًا فطريًا.. فمثل هذا الهيجان الفطري إذا تعرض له ظلم الكافر البارد، فتّت كل شيء أمامه كالماء في كرة الحديد.بفضل مرويون الروس أمثلة شهود على هذا).
ومع هذا فإن الشهامة الخارقة التي تنطوي عليها ماهية الإيمان، والشجاعة التي تتحدى العالم الكامنة في طبيعة العزة الإسلامية يمكن أن تُظهر المعجزات في ذا الق وآن بانبساط الأخوة الإسلامية وتَوَسُّعِها.
ستشرق شمس الحقيقة يومًا
أفيظل العالم في ظلام إلى الأبد؟
* * *
— 346 —
ذيل الذيل
لدواء اليأس
[٭]: رسالة "دواء اليأس" هيها أيضبة الشامية" وذيلها "تشخيص العلة" وهذا البحث ذيل لذيلها. إلّا أنه نشر مع هذه الرسالة فأبقيناه في موضعه. (المترجم).
الحمد للّٰه الذي قالى كتبا يغتب بعضكم بعضًا
(الحجرات:١٢).
والصلاة على محمد الذي قال: "من قال: هلك الناس هلك الناس فهو أهلكهم". [٭]: مسلم (٤/٢٠٢٤، رقم ٢٦٢٣)؛ أبو داود (٤/٢٩٦، رقم ٤٩٨٣)؛ أحمد (٢/٣٤٢، رقم ٨٤٩٥) عن أبي هريرة أن رسول كبير ب (ص) قال: "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم".
فإن محاكم التفتيش المدنية لهذا العصر، أنجبت لقطاءها -غير الشرعيين- باستعمالها وسائل رهيبة في تلقيح بعض الأذهان، وتجري بهم حقدها الدفين على الإسلام للثأر منه، محاوِلةً فتح الباب أمام ما يصرلو كانلمين عن الدين، أو جَعْلهم في الأقل مهملين له، أو بإمالتهم نحو النصرانية، أو التخلي عن الإسلام بإلقاء الشبهات والشكوك في العقول، وتشيع بهذا مكرًا سيئًا هو الآتي:
"أيها المسلم! تأمل،قله لل وجد مسلم فهو فقير، غافل، جاهل إلى حدٍّ ما، بينما النصراني أينما حلّ فهو متحضر، يقظ، صاحب ثروة... وهذا يعني.. الخ.."
وأنا أقول: أيها المسلم لا ترخِ يدك عن الإسلام الذي هو حامي وجودنا وكي الحميجاه الدمار الذي تولّده هذه النتيجة المُخيفة لتقدم أوروبا، بل عض عليه بالنواجذ واستعصم به بقوة، وإلّا فمصيرك الهلاك.
نعم، نحن نتدنى إلى أسفل وهم يرقون إلى أعلى، ولهذا سببان اثنان: أحدالتراكدي، والآخر معنوي.
السبب الأول:الوضع الفطري لأوروبا التي هي كنيسة النصرانية عامة، ومنبع حياتها، فهي ضيقة، جميلة، تملك الحديد، متعرجة السواحل، تلتف فيها الأنهار والبحار التفاف الأمعاء في الجسد، مناخ، غير د.
— 347 —
نعم، إن أوروبا على الرغم من كونها عُشر الخمس للكرة الأرضية، فإنها جذبت ربع البشرية نحوها بلطافة مناخها الفطري.
وإنه ثابت حكمةً: أن اجتماع الأفراد الكثيرين يولّد الحاجات، فلا يستوعب إنتاجُ الأرض تلك الحاجاتِ التي تتزايد بأسبابذلك ال -كالتقليد وغيره- ومن هنا تصبح الحاجةُ أمَّ الاختراع والصناعة، وحبُّ الاستطلاع معلّمَ العلم، والضيقُ الروحي مولدَ السفاهة.
نعم، إن التوجه نحو الصناعة والميل ت هي امعرفة ينشیأ من الكثرة؛ فبسبب ضيق المكان في أوروبا، وكثرة بحارها وأنهارها التي هي وسائط نقل طبيعية فيها، فإن التعارف ينتج التجارة، والتعاوالمقاصشتراك في الأعمال، مثلما يولد التّماس تَلاَحُقَ الأفكار والمنافسةَ والتسابق.
ولكثرة ما فيها من الحديد -الذي هو منبع جميع صناعات أوروباع بينه لمدنيتهم السلاحَ القوي حتى غصبت أنقاضَ مدنيات الدنيا كلها وأغارت عليها، إلى حدّ أثقلت كفتها وأخلّت بميزان الكرة الأرضية.
ثم إن البرودة المعتدلة التي من شأنها أن تأخذ كل شيء ببطء وتتركه ببطء، قد أعطت لسعيهم الثبا. فإنتانة، فأدامت مدنيتهم.
ثم إن تَشكُّل دولهم المستندة إلى العلم، وتصادُم قواهم المتكافئة، وإزعاجاتِ استبداداتهم الغدارة، ومضايقاتِ تعصبهم المقيت الظالم -كتعصب محاكمول لفظيش- والذي آل إلى خلاف المقصود، والتسابقَ الجاري بين عناصرها المتوازنة.. كل ذلك نمّى استعداداتِ الأوروبيين، وفجّر قابلياتِهم، فظهرت لديهم المزايا، عناد ب القومي.
السبب الثاني:هو نقطة الاستناد. نعم، إن أيّ نصراني كان إذا ما رفع رأسه ومدّ يده إلى أي مقصد من المقاصد المتسلسلة المتداخلة، إذا به يجد وراءه نقطة استناد قوية تعزز قوته المعنوية وتبعث لّا إذلحياة، حتى يجد في نفسه من القوة ما يمكّنه أن يقتحم كل صعب وعظيم من الأعمال.
فتلك النقطة، نقطة الاستناد، هي مدنيةُ أوروبا التي هي معسكر (كتلة مسلحة) وكنيستُها العظيمة، وهي مست ولو م كل آن أن تنفخ الحياة في عروق رفقاء دينها الذين يمدون
— 348 —
إليها أيديهم من كل صوب، ومتهيأة أيضًا لقطع الشريان النابض للمسلمين، فلقد عجنت بتعصب محاكم التفتيش المدنية الماكرة، والإلحاد النابع من الفكر المادي. فأوروباعت على غرورًا بانتصار مدنيتها على الآخرين.
ألا يُشاهد الإنكليز الذين تقنّعوا بقناع الحرية، يَمدّون أيدهم إلى كل جهة ويتحرون عن نصراني، فأينما وجدوه بعثوا فيه الحياة.. فها هي الحبشة والسودان... وها هالصنعةار والأرتوش وها هي لبنان وحوران.. وها هي ماسور وألبانيا.. وها هم الكرد والأرمن.. والترك والروم.. الخ.
حاصل الكلام:إن الذي ينفث فيهم الحياة هو الأمل.. والذي يقتلنا هو اليأس. وقد اشتهر أحدهم بقوله: "أستطيع أن أحرّك الكرة الأرضية من مكا الأرضا وجدتُ نقطة استناد"، ففي هذا القول المفترض نقطة عجيبة، هي: أن هذا الإنسان الصغير جدًّا إذا ما وَجد نقطة استناد يستطيع أن يدير أعظم الأشياء كالكرة الأرضية.
فيا أذا يحصسلام!
إن نقطة استنادنا تجاه المصائب والدواهي، التي ألقت بثقلها العظيم، عِظم الأرض، على العالم الإسلامي، هي الإسلام الذي يأمر بالاتحاد النمشروطي المحبة، وبامتزاج الأفكار الناشئ من المعرفة، وبالتعاون الذي تولده الأخوّة.
فانظر بدءًا من العالم الإسلامي، تلك الدائرة الواسعة، وانتهاء إلى طالب علم في المدرسة الشرعية كأصغر دائرة... تجد أن لكل منها عُقدًا حياتية، وياس وغعقد مرتبطة ببعضها متسلسلة ومستندة إلى تلك النقطة العظمى، كأفراد المجتمع وروابطه.. بمعنى أنه يمكن أن يصحو المسلمون ويبدأوا بالرقي متى ما نُبِّهوا وبُث فيهم روحُ رط شيء، فلا صحوة بخنق تلك العقد الحياتية.
وإلّا فإن قيام أحد بالموازنة والمقارنة بين محاسن أوروبا ومساوئنا، وثمرةِ تلاحق الأفكار لديهم مع ثمرة سعي شخص واحد ع عليكم. (٭): إن إسناد محاسن المدنية إلى النصرانية التي لا فضل لها فيها، وإلصاق التدني والتقهقر بالإسلام الذي هو عدوّ له، دليل على دوران المقدرات بخلاف دورتها، وعلى قلب الأوضاع.(المؤلف). فكما أنه يبين بهذه المقارنة الظ كل ال349
المجحفة الخادعة أنه لقيط أوروبا لإظهار افتتانه بها ونفوره من أمته، فإنه أيضًا بالهجاء النابع من الخِداع والفكر الثوري والميل إلى التخريب، والمشحون بالعصيان والافتراء والتعرض للشرف، يُظهر فرعونيت(٤) أوثناءَ على نفسه والتربيت على غروره ضمنًا، مبديًا دون علم منه عداءه للإسلام. علمًا أنه المكلف بالشعور بالشفقة على أمته شرعًا وعقلًا وحكمة، إلّا ن:٢٠٠)كم الفرعونية والأنانية والغرور يضع الشعور بالتحقير بدلًا من الشعور بالشفقة، والميلَ إلى النفور من الأمة بدلًا من ميل الانجذاب إليها، وإرادةَ الاستخفيا، أو بدلًا من محبتها، ويَصِمُها بالجهل بدلًا من احترامها، ويرغب في التكبر عليها بدلًا من الرحمة بها، ويقيم روح الانفرادية بدلًا من روح التضحية والفداء لها... فيثبت بهذا كله أنه لا يملك حَمِيَّة للأمة وأنه مبتوت الأصالة، فيكون جانيًا منفورًا منهاج النر الحقيقة بحيث يتصرف تصرف الأحمق الأبله، كمن يحاول إلباس عالم فاضل في المسجد ملابسَ أعجبته لراقصة ساقطة في باريس.
ذلك لأن الحمية هي نتيجة ضرورية للقامتهمالاحترام والرحمة، فلا حمية بدون هذه الأمور، وإلّا فهي حمية كاذبة وخادعة. والنفورُ من الأمة خلافُ الحمية أيضًا، مفتوني أوربا الذين يشنون هجومهم على المتعصبين عندنا، كل منهم أكثر تعصبًا وتزمتًا في مسلكهم السقلمحيط و مَدَح عالمٌ دينيٌ الشيخَ الكيلاني بإفراطٍ كمدحِ أولئك لشكسبير لكُفِّرَ.
هيهات، أين المحبة من هؤلاء؟
إن إحدى العقد الحياتية المحرِّكة للمجتمع والدافعةِ إلى الفعالية، هو الفكر الأدبج:لوي بدأ فينا وحده بالنمو -مع الأسف- ولا سيما أدب الهجاء ورغبة تحقير الآخرين. والذي ينطوي على الإعجاب بالنفس والغلو في الوصف في أسلوب شعري وبما لا يليق بالأدب. فهو أدب خارج عن الأدب الحقيقي الذي تُؤَدِّبنا به الآيةُ الكريمة
ولا يغتب بعضكم و تحري
(الحجرات:١٢) بحيث يهاجم كلٌّ الآخرَ. ومع ردّ تعرضات ضمنية للأمة وللإسلام بوجه أولئك المفتونين، نمر مرّ الكرام على هجائهم اللاديني وإهانة الآخرين، فنمضي قائلين: ربما يستحقون ذلك.
— 350 —
إنني أظن أن الباعث على ذل هذه امية الكثرَ من الجهل هو الذكاء الأبتر العقيم غيرُ المرافق لنور القلب. وفي نظري أن أخطر مرض هو الانحياز المتطرف، لأنه يدفع إلى خلاف المقصود، بإخراج كل شيء عن طوره.
أيها الأخ!
لقد بدأتْ عندنا تباشيرُ أسبابِ فتية، قوية، بدلًا من تلك الأسباب الهظ تام تي ولّدت تقدم النصرانية.
وقد فصّلت ذلك في كتاب آخر. [٭]: المقصود الخطبة الشامية.
حكاية:قبل عشر سنوات (المقصود سنة ١٩١٠م) ذهبتُ إلى "تفإلّا كصعدتُ تل الشيخ صنعان، كنت أتأمل تلك الأرجاء وأراقبها. فاقترب مني أحد رجال البوليس فقال:
بم تنعم النظر؟
قلت: أخطّط لمدرستي!
قال: من أين أنت؟الحكم ت: من بتليس
قال: وهنا تفليس!
قلت: بتليس وتفليس شقيقتان
قال: ماذا تعني؟
قلت: لقد بدأ ظهور ثلاثة أنوار متتابعة في آسيا، في العالم الإسلامي، وستنقشع عندكم ثلاث ظلمات بعضها فوق ه به.
يُمزَّق هذا الستار المستبد ويتقلص، وعندها آتي إلى هنا وأُنشئ مدرستي.
قال: هيهات! إنني أحار من فرطِ أَمَلِكَ؟
— 351 —
قلت: وأنا أحار من عقلك! فالمَأن تتوقع دوام هذا الشتاء؟ إن لكل شتاء ربيعًا ولكل ليل نهارًا.
قال: لقد تفرق المسلمون شذر مذر.
قلت: ذهبوا لكسب العلم، فها هو الهندي الذي هو ابن الإسلام الكفء يَدرس في إعدادية الإنكليز.
وها هو المصري الذي هو ابن الإسلام انا موحتلقى الدرس في المدرسة الإدارية السياسية للإنكليز..
وها هو القفقاس والتركستاني اللذان هما ابنا الإسلام الشجاعان يتدربان في المدرسة الحربية للروس.. الخ.
يتَ كأ هذا! إن هؤلاء الأبناء البررة النبلاء، بعد ما ينالون شهاداتهم، سيتولى كل منهم قارة من القارات، ويرفعون لواء أبيهم العادل، الإسلام العظيم، خفاقًا ليرفرف في آفاق الكمالات، معلنين سر الحكمة الأزلية المقدرة في بني البشر رغم كل شيء.
وهذاا). (ف حكايتي.
مثال:والآن سأمثل للحالة الروحية التي تدفع إلى القول: "نفسي نفسي.. ماذا عليّ". بالآتي:
يتقابل شخصان وتبدأ المناظرةُ والمفاخرة بينهما، أحدهما جسور ولكن عضت النوائبُ (٭): بمعنى أن "الدنيا. واالمؤمن وجنة الكافر" ليس مجازًا. (المؤلف). عشيرتَه الأصيلة. والآخر جبان، لكنه ينتمي إلى عشيرة أخرى تبسمت لها الأقدار. فالأول يرفع رأسه ويرى ذلّ عشيرته لا تستطيع عزة نفسه تحمّل الذل، فيخفض رأسه وينظر إلى نفسه، فيراها محملة إلى حدٍّ ما باليین بأعندها يبدأ غروره المجروح بالأنانية بالصراخ قائلًا: وماذا عليّ.. ها أنذا! وهاهي أفعالي أنا.. فينسحب من تلك العشيرة أو ينتسب إلى أخرى مُظهِرًا عدم أصالته.
أما الثاني فكلما رفع رأسه سطعت أمام ناظالقرآنمفاخرُ عشيرته فينتفخ غروره. ولكن
— 352 —
ما إن ينظر إلى نفسه يراها واهية، وعندها يتيقظ روح التضحية والفداء في الشعور القومي، فيقول: فداكِ نفسي يا عشيرتي!.
فإذا فهمتَ الرمز الكامن في هذا المثال، فإن في ميدان العالم هذا، ميدانُ الامتحان والكی"الك والسباق، إذا تظاهرت مشاعر كل مسلم ونصراني، وكردي ورومي، في أثناء المبارزة في الحَمِيَّة، تجد سر المثال. ولكن هذا التفاوت ليس كما يظنه الناس وربما هو ناتج من النظر الظاهري والسطح والأف الحس.
أيها المسلم!
إياك أن تنخدع. فلا تخفضْ رأسك! فإن قطعةَ ألماسٍ نادرة مهما كانت صَدِئَةً أفضلُ من قطعة زجاج لامعة دومًا. فضعفُ الإسلام الظاهريولا يخمن خدمة هذه المدنية الحاضرة في سبيل دين آخر.
آن الأوان إذن أن تبدل هذه المدنيةُ صورتَها، فإذا ما بَدَّلَتْها فالقضية تنعكس.
فكما قيل في البداية ألمؤمن ان المسلم فهو البدوي بالنسبة للنصراني، مستنكف عن المدنية لا يكترث بها ويتحرج في قبولها، فإذا ما بُدّلت الصورة فالوضع يتبدل.. وكل آت قريب.أهمله إن مع العسر يسرًا (الشرح: ٦)
سعيد النورسي
* * *
— 353 —
المناظرات
وصفة طبية
لقارة شاسعة عظيمة الجانب... رديئة الطالع
ولدولة مشهورة عريقة المجد... سيئة الحظ
و. واعزيزة جليلة القدر... بلا رائد
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة وتحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 354 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 355 —
محبتهالمترجم
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه.
وبعد: فقد أعلن السلطان عبد الحميد الثاني "المشروطيةَ" [٭]: المشروطية: وهي إعلان النظام البرلماني في الدولة اللحقيقةة، وقد أَعلن السلطانُ عبد الحميد المشروطية مرتين، مرة عند بداية حكمه وهي المشروطية الأولى في ١٩ مارت ١٨٧٧م. ثم جمدها بعد هزيمة الدولة العثمانية في حربهاجواب:سيا، وبعد أن رأى أن أعداء الدولة العثمانية قد استغلوا البرلمان لتمزيقها وجرّها إلى الدمار. ثم عاد بعد أكثر من ثلاثين سنة إلى إعلانها مرة أخرى وهي المشروطية الثانية، واستم٭]: بل معاهدة موندروس في ٣٠/١٠/١٩١٨م. في ٢٣/تموز/١٩٠٨م، وهي تعنى تأسيس النظام البرلماني في الدولة العثمانية التي أصبحت بموجبها الوزارة مسؤولة تجاه البرلمان وليس تجاه ا أو مف، كما أن صلاحية تشريع القوانين غدت من اختصاص البرلمان، وأطلقت على أثرها حرية العمل السياسي وحرية الصحافة وغيرها..
كانت وجهات نظر الناس عامة والمثقفين خاصة متباينة حول "المشروطية"، ات محصت الفئیات المختلفة تفسّر "الحرية" بالشكل الذي يروق لها، فبينما اندفعت فئة في تأييد المشروطية ومناصرتها بشدةٍ بغيةَ جرّها لأغراض سياسية واجتماعية وصیولًا إلى مآربهم في تقويض الدولة العثمانية، إذا بآخريین يتوجسون خيفةً من ع المسانقلاب الیذي حیدث في نیظیام الدولة، وفي الیوقیت نفسیه وقیف آخیرون مبهوتیيین لا يیتیقدمیون خطوة ولا يتیأخرون، بينما صفق لها غيرهم من المفتونين بحضارة أوروبا المبهورين ببريقها.. وهكذا اختلفت الآراء..
أما بديع الزمما قصرد النورسي فقد سلك مسلك الاعتدال، مسترشدًا بالنهج الإسلامي السالم من التعصب الذميم الذي يعيق كل تجدد، والمبرأِ عن اللهاث وراء الغرب وتقليده تقليدًا أعمى. فناصر مفهوم "الحرية" و"الشورى" ضمن ما هو واضح في الإسلام، ودافع عن "المشروطية" اللا الكبحدود الشرع، فكتب مقالات عديدة في الصحف المحلية آنذاك، وألقى كثيرًا من الخطب في الاجتماعات التي عقدت في الميادين العامة والجوامع، مبيِّنًا مفهوم الحرية والشورى في ضوء الإسلام، ودى ذلكًا من التعصب المقيت والتقليد المشين، إذ شعر بمحاولات خبيثة تعمل في الخفاء لاستغلال "المشروطية" وتوجيهها لمصلحةِ مغرضين مناهضين
— 356 —
للإسلام. وحينما كان يبذل وسعه في هذا الميدان لم ينسَ ا المقيين والمفكرين والصحفيين، فأجرى معهم لقاءات عديدة ناصحًا ومرشدًا وموضحًا المنهجَ الإسلامي الصحيح الذي فيه خير البلاد وصلاح العباد. ولما أدرك أنه أفرغ جهده في مركز الخلافة (إسطنبول) توجّه إلى شرقي الأناضول سنة ١٩١٠م وبدأ بجولة واسعة بين مختلف العينجم ملكردية والتركية، وعقد معهم اجتماعات وندوات يُجري فيها مناقشات حول أمور اجتماعية وسياسية، وبين لهم صلاحية "المشروطية" بالمفهوم الإسلامي. واختار مظ؛ فعللوب الحوار السهل المستساغ والقريب إلى الأذهان، على الرغم من أنه قد أَورد جملًا أشبه ما يكون بالشفرات، ولفّع قِسمًا من العبارات بالتشبيهات والمجازات، ووجّه الخطاب أحيانًا إلى ريقة، ل المقبلة.
كان جلّ اهتمامه منصبًا في تحطيم قيود اليأس وكسرِ أغلال القنوط التي كبّلت الناس، وكان يحاول جهده أن يُشعل بصيص الأمل وبريق الرجاء في نفوسهم. فضلًا عن وضعه لهم موازين شرعية ومنطقية ة، سئِلأحداث المستحدثة، بعقلية متوازنة إيمانية هادئة، بعيدة قدر الإمكان عن الانفعالات وردود الفعل.
دوّن الأستاذ النورسي هذه المحاورات بالتركية في رسالة طبعها في مطبعة "أبو الضياء" بإسطنبول سنة ١٩١٣م، ونَشَرها تحت اسم "بديع اللأشياءمناظراتي" (مناظرات بديع الزمان) ثم ترجمها إلى العربية بنفسه ونشرها تحت عنوان "رجتة العوام" أي الوصفة الطبية للعوام. وجاءت هذه الترجمة مبهمة مغلقة العبارات، فاضطر الأستاذ أن يكتب في مقدمتها طائفة طويلة الأذيال" جاء فيها قوله:
"إن هذه الرسالة العربية ترجمتُها من التركية، التي ترجمتها من الكردية، التي ارتجلتها لأسئلة الأكراد القرويين. فالمترجنطق سلالمترجَم من المرتجل، من أمي (يقصد نفسه) لقرويين، لا يتملّس ولا يخلص من خشونة في المعنى واللفظ".
ولم تتح للأستاذ النورسي أن يعيد النظر في رسالته هذه إلّا بعد خمس وأربعين سنة من تأليفه عظيمةذ عصَفتْ أعاصير مدمرة بالأمة الإسلامية عامة والتركية خاصة بعد دخول الدولة العثمانية الحربَ العالمية الأولى ودخولِ الأجانب في البلاد ثم الحروبِ الدامية في طردهم منهعلاقة انتهى الأمر إلى إعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة، وأعقب ذلك عداءٌ سافرٌ للدين،
— 357 —
دام طوال ربع قرن من الزمان بل أكثر. وعانى الأستاذ النورسي في تلك الأيام الحالكةيسقط الظلم والعنت، إذ ما كان يَحِل في منفى الّا ويُنفى إلى غيره، ولا يبرَّأ من محكمة إلّا ويدخل أخرى، وهكذا إلى ما بعد سنة ١٩٥٠م حيث تمكن من إعادة النظر في الرسالة، فشذبها وعلّق عليها بهوامش الأبارا يقرب من ثلثها من بداية الرسالة وما كان قاصرًا على فترة معينة، أو ما يمكن أن يُساء فهمه. وعندما أُريد نشرُها في سنة ١٩٥٩ أعاد المؤلف فيها الندي سببة وأجرى بعض التنقيحات والتعديلات من حذف وإضافة، ونحن بدورنا قمنا بترجمة هذه الطبعة المنقحة.
هذا وقد كتب الأستاذ النورسي إلى طلابه رسالة خاصةالتي ت لهم من منفاه "قسطموني" يبين فيها رأيه في مؤلفاتِ "سعيد القديم" عامة وفي هذه الرسالة خاصة، ثم أعقبها برسالة أخرى بعثها لهم من منفاه "أميرداغ". كلتا دأ البتين ذات أهمية في فهم مضامينِ مؤلفات سعيد القديم، وقد ألحقنا رسالة قسطموني بهذه المقدمة ونحيل القارئ الكريم إلى "الملاحق" للاطلاع على الرسالة الأخرى قبم من سعته مؤلفاتِ سعيد القديم الاجتماعية.
أما عملي في الترجمة والتحقيق، فقد اقتصر على الخطوات الآتية:
١- اعتبار النص التركي الموسوم بی المطبوع بدار سوزلر بإسطنبول طبعاس، أو ة جدًّا والذي أقره المؤلف نفسه هو الأساس.
٢- مقابلة هذا النص بالطبعة الأولى من الرسالة المطبوعة في سنة ١٩١٣م في مطبعة "أبو الضياء" بإسطنبول.
٣- مقابلته أيضًا بالترجمة العربية التي قام بها المؤلف نففالآيةي المنشورة ضمن كتاب "الصيقل الإسلامي" المطبوع بمطبعة النور بأنقرة سنة ١٩٥٨م.
٤- مقابلته أيضًا بنسخة الترجمة العربية المحفوظة في المكتبة الوطنية بإزمير تحت رقم ٢٢٦٢/٢٨٨/٢٠ دون ذكر اسم المطبعة وسنة الطبع.
٥- الاحتفيكون هعبارات والفقرات العربية الواردة في النص التركي كما هي ووضعها بين قوسين مركنين ( ). فكل ما بين هذين القوسين هو من عبارات المؤلف نفسه.
— 358 —
٦- كتابة هوام
ساحِ ما كان معروفًا آنذاك ويحتاج إليه القارئ اليوم، سواء من الأحداث التاريخية أو مواقع جغرافية أو تعابير سياسية.
٧- ثم عزوت الآيات الكريمة التي فيها إلى مواضعها من السور، وكذا خرّجت الأحاديث الشريفة من مظانها من أمهات كتب الحديث الماج الش
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل. وصلّ اللّٰهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إحسان قاسم الصالحي
* * *
رأي المؤلف في مؤلفاته القديمة
نص الرسالة التي بعثها الأستاذ النورسي لطلابوع البنفاه (قسطموني) يبيّن فيها رأيه في الأسباب الموجبة لتنقيحه "المناظرات" وعدوله عن شيء مما ذكره فيها من آراء:
لقد ألقيتُ نظرة إلى رسالة "المناظرات"، وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنة على تأليفها فرأيت فيها وفي أمثالها من مؤلفات "سعيد القديمالًا بءً وهفوات؛ إذ ألّف تلك الآثار في حالة روحية ولّدها الانقلاب السياسي [٭]: المقصود إعلان المشروطية. وأنشأتها مؤثرات خارجية وعوامل محيطة به.
إنني أستغفر اللّٰه بكل حولي وقوتي من تلك التقصيرات راجيًا من رحمته تعالى أنا نبتغتلك الخطايا التي ارتكبتها بنية حسنة وبقصد جميل، لدفع اليأس المخيِّم على المؤمنين.
إن أساسين مهمين يهيمنان على آثار "سعيد القديم" -كهذه الرسالة -، والأساسان ذوا حقيقة، ولكن كما تحتاج كشفيات ا أو وقء إلى تأويل، والرؤى الصادقة إلى تعبير، فإن ما أَحس به "سعيد القديم" بإحساس مسبق (أي قبل وقوع الأمر) بحاجة كذلك إلى تعبير، بل إلى تعبير دقيق، سلب فين إخباره عما تَوقع حدوثه وبيانه تَلكما الحقيقتين بلا تأويل ولا تعبير، أدّى إلى ظهور شيء من النقص والقصور وخلاف الواقع فيما أخبر عنه.
الأساس الأول:هو ما زفّه من بشرى سارة للمؤمنين بظهور نورٍ في المستقبل، زَفّ هذه
#3ر السبشرى ليزيل بها يأسهم ويرفع عنهم القنوط، فلقد أحسّ بإحساس مسبق أن "رسائل النور" ستنقذ إيمانَ كثير من المؤمنين، وستشد أزرهم في زمان عصيب عاصف. إلّا أنه نظر إلى هذا النور، من خلال الأحدت الفضياسية التي واكبت الانقلاب وحاول تطبيق ما رآه من نور على واقع الحال من دون تعبير ولا تأويل، فوقع في ظنه أن ذلك النور سيظهر في عالَم السياسة وفي مجال القوة وفي ميدان فسيح... فقد أحسّ إحساسًا صادقًا إلّا أنه لم يوفلی"برهالتعبير عن بُشراه توفيقًا كاملًا.
الأساس الثاني:لقد أحس "سعيد القديم" ما أحسّ به عدد من دهاة السياسة وفطاحل الأدباء؛ بأن استبدادًا مريعًا مقبلٌ على الأمة، فتصدوا له، ولكن هذا الإحساس المسبَق كان بحاجةتهم وعأويل وتعبير، إذ هاجموا ما رأوه من ظل ضعيف [٭]: المقصود: أن الاستبداد الذي كان يمارَس في عهد السلطان عبد الحميد يعدّ ظلًا ضعيفًا للاستبدادات التي حصلت بعد عهده وبعد سقوط التحقق و لاستبدادات تأتي بعد مدة مديدة وألقت في نفوسهم الرعب، فحسبوا ظل استبدادٍ -ليس له إلّا الاسم- استبدادًا أصيلًا، فهاجموه. فالغاية صحيحة إلّا أن الهدف خطأ.
وهكذا فلقد أحسّ "سعيد القديم" أيضًا بمثل هذا الاستبداد الم كثير ما مضى. وفي بعض آثاره توضيحات بالهجوم عليه، وكان يرى أن المشروطية الشرعية وسيلة نجاةٍ من تلك الاستبدادات المرعبة. لذا سعى في تأييدها بالحرية الشرعية والشلمعنوين نطاق أحكام القرآن، آملًا أن تَدفعا تلك المصيبة.
نعم، لقد أظهر الزمان أن دولة تسمى داعية الحرية، قد كبّلت بثلاثمائة من موظفيها المستبدين ثلاثمائة مليون من الهنود، منذ ثلاثمائة سنة،تْ مع ت عليهم كأنهم ثلاثمائة رجل لا غير، حتى لم تتركهم يحركون ساكنًا، ونفذت قانونها الجائر عليهم بأقسى صورة من صور الظلم، آخذةً آلاف الأبرياء بجريرةِ مجرم واحد. وأعطت لقانونها الجائر هذا اسم العدالة والانضباط. فخدعت اللام وحودفعته إلى نار الظلم. هذه الدولة غدت مقتدَى ذلك الاستبدادِ القادم في المستقبل.
وفي رسالة "المناظرات" هوامش قصيرة، وملاحظات وردت على صورةِ طُرف ولطائفَ، فهي من قبيل الملاطفة مع قسم من طلابه الظرفاء في تأليفه القديم ذاك، إذ قد وضّح لهمالفضائر بأسلوب الدرس والإرشاد.
— 360 —
ثم إن زبدة هذه الرسالة (المناظرات) وروحَها وأساسها، هي ما في خاتمتها من حقيقةِ إقامة "مدرسة الزهراء"، وما هي إلّا المهد الذي سيشهد ظهور "رسائل النور" في المست وإن ككان يُساق إلى تأسيسها دون إرادة منه، ويتحرى -بحس مسبق- عن تلك الحقيقة النورانية في صورة مادية حتى بدت جهتُها المادية أيضًا، إذ مَنح السلطان رشاد تسع عشرة ألف ليرة ذهبية لتأسيس تلك المدرسة، وأرسيت بوت- اا فعلًا، إلّا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون إكمال المشروع.
ثم بعد حوالي ست سنوات ذهبتُ إلى أنقرة، وسعيت في إنجاز تلك الحقيوحيث إعلًا وافق مائة وثلاثة وستون نائبًا في مجلس الأمة من بين مائتي عضو على تخصيص خمسة عشر ألف ليرة ورقية لبناء مدرستنا، ولكن يا للأسف -ألف ألف مرة- سُدَّتمشرق والمدارس الدينية، ولم أستطع أن أنسجم معهم فتأخر المشروع أيضًا.
بيد أن المولى القدير أسس برحمته الواسعة الخصائصَ المعنوية لتلك المدرسة وهويتها في "إسبارطة" فأظهر "رسائل النور" للوجود. وسيوفق -إن شاء اللّٰه- طلابُ النور إلى تأسيس اللس مبامادية لتلك الحقيقة أيضًا.
إن سعيدًا القديم على الرغم من معارضته الشديدة لمنظمة "الاتحاد والترقي" [٭]: جمعية الاتحاد والترقي: وهي جم تنقلبكلت سنة ١٨٨٨م، كان شعارها "الاتحاد، المساواة، والأخوة" نادت بعزل السلطان عبد الحميد وإقامة حياة برلمانية في البلاد. اتصل بعض أعضائها بالمحافل الماسونية وبالدول الأجنبية، ونجحت أخيرًا في عزل السلطان. وعندما وصلية عظيالحكم أسست حكمًا دكتاتوريًا قاسيًا، ثم ورطت الدولة العثمانية في أتون الحرب العالمية الأولى (بجانب ألمانيا) وبعد أن تمزقت أوصال الدولة العثمانية هرب زعماؤها إلى الخارج. فإنه مال إلى حكومتها ولاسيما إلى الجيش، حيث وقف مظهره اقفَ تقديرٍ وإعجاب والتزام وطاعة. وما ذاك إلّا بما كان يحس به من إحساس مسبق من أن تلك الجماعات العسكرية والجمعية الملية سيظهر منهم بعد سبع سنوات مليا، وحيالشهداء الذين هم بمرتبة الأولياء. فمال إليهم طوال أربع سنوات دون اختيار منه، وبما يخالف مشربه. ولكن بحلول الحرب العالمية وخضّها لهم أُفرز الدهن المبارك من اللبن، فتحول إلى مخيض لا قيمة له. فعاد "سعيد الجديية، وا الاستمرار في جهاده وخالف سعيدًا القديم.
* * *
— 361 —
(قسم من أجوبةِ "سعيد القديم" عن أسئلة طرحتها العشائر قبل خمس وأربعين سنة). [٭]: المقصود سنة ١٩١٠م حيث تجول اليما فيالنورسي بين العشائر التركية والكردية في شرقي الأناضول وطبع الكتاب لأول مرة في إسطنبول سنة ١٩١٣م. بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
س:إن لم يكن عليكم يين ضرر، فليكن ما يكون ولا نبالي.
ج:الإسلام كالشمس لا ينطفئ سناها بالنفخ، وكالنهار لا يحال ليلًا بإغماض العين. ومن يغمض عينه فلا يجعل الظُلمة إلّا من نصير بعيد تُرى لو فُوّضت حماية الدين إلى رئيسٍ مغلوب على أمره، أو إلى مسؤولين مداهنين، أو إلى فئة من ضباط لا منطق لهم، أيكون أولى، أم يُعتمد على العمود الن" مع ر ذلك السيف الألماسي، الحاصل من امتزاجِ شراراتِ حمية الإسلام النيرة، ولمعاتِ الأنوار الإلهية التي تشع من عاطفة الإيمان في قلب كل فرد، والتي هي معدن الستعمرهالإسلامية الممِدّة لأفكار الأمة العامة؟
فلكم أن تقدّروا أيهما أولى بالاعتماد عليه في حماية الدين؟
نعم، سيَرفع هذا العمود النوراني (٭): فلقد أحسمانعة ئل النور حتى أجاب عن السؤال بثلاث صفحات. ولكن حُجُب السياسة صبغَتْه بلون آخر. (المؤلف). حماية الدين على رأس شهامته، وعلى عين مراقبته وعلى كاهل حميته. فها أنتم أولاء تشاهدون أن اللمعات المتفرقة بدأت تتلألأ، وستمتزج رويدًا رويدًا بالانجذاب؛ثم) القد تقرر في "فن الحكمة" (أي الفلسفة) أَن الشعور الديني ولاسيما الدين الفطري الحق، أَنفذُ كلامًا، وأعلى حُكمًا، وأشد تأثيرًا من كل الأحاسيس والمشاعر.
وخلاصة القول:مَن لم يعتمد على غيره يحاول هو بنفسه. وسأضرب لكم ب، الق أنتم من البدو، رأس مالكم الغنمُ -وأنتم أعلم بأموركم- فقد عهد كلٌّ منكم قسمًا من أغنامه
— 362 —
إلى راعٍ، بينما الراعي كسلان ومُعاوِنه متهاون متكاسل وكلابه جبانة، فإن اعتمدتم عليه ونمتم براحإنما ييوتكم، ظلت أغنامكم الوادعة تحت سطوة الذئاب الضارية واللصوص والمصائب والبلايا.. أهذا الأمر أولى أم التفطن إلى عدم كفاءة الراعي لحمايتها، فينطلق كلٌ منكم من مسكنه كالبطل منتبهًا من نوم الغفلالإمكايًا إلى الحفاظ على الأغنام، فتكونوا ألفًا من الحماة المحافظين بدلًا من راعٍ واحد... فلا يجرؤ عندئذٍ ذئبٌ ولا سارق على الاقتراب من غنمكم؟... أالح إذَعَل هذا السرُّ أشقياءَ "مامه خوران" [٭]: عشيرة ساكنة شرقي الأناضول حوالي مدن "باتنوس، أرجش..". تائبين، بل مريدين صوفيين؟... نعم، إن أرواحهم قد تاقت إلى البكاء وصار شخصاز. وف: هو الشيخ أحمد، أحد الأولياء الصالحين المعروفين في تلك المنطقة، وسيأتي ذكره. بنصيحةٍ سببًا لاستجاشتها، فبكوا دمعًا سخينًا بكاء الندامة..
نعم... نعم... أجل.. أجل.! لو سكن طنينُ البعوض وهدأ دويّ النحل فلا تأسوا ولا تحزنوا خص الكمدْ أشواقُكم أبدًا، فالموسيقى الإلهية العظيمة التي تجعل بنغماتها الكونَ في رقصٍ وانتشاء، وتهز بأشجانها أسرارَ الحقائق، لم تسكن أبدًا ولم تهدأ... بل تستمر قوية عالية هادرة.
إن مَلِك القيد اوسلطانَ السلاطين ملك الأزل وسلطان الأبد ينادي بقرآنه الكريم الذي هو موسيقاه الإلهية، مالئًا الكونَ كله صوتًا صداحًا هادرًا في قبة السماء اه الأت النغمات المقدسة لذلك النداء السامي متموجة نحو أصداف رؤوس العلماء ومغارات قلوب الأولياء وكهوف أفواه الخطباء وانعكست أصديتها من ألسنتهم سيّالةما نظررة منوّعة، مختلفة... هزّت الدنيا بشدة موجاتها، فطَبعتْ بتجسّمها كتبَ الإسلام كلها وصيّرتها كأنها وَترٌ من طنبور، وشريط من آلةِ قانون فأَعلن كلُّ وترٍ نوعًا من ذلك الصدى السماوي الروحتخدِم فمن لم يسمع -أو لم يستمع- بأُذُن قلبه ذلك الصدى الذي ملأ العالم ضياءً، أنّى له أن يصغيَ إلى طنين أمير الدولة ورجاله!
الحاصل:أن مَن يتوجس خيفة على دينه من انقلاب سياسي فليس له نصيب من الدين إلّا "الجهل" -الواهي كبيت العنك الأستلذي يدفعه إلى الخوف، وليس له إلّا "التقليد" الذي يرميه في أحضان الاضطراب والارتباك... لأنه لما ظن -بالعجز وبفقدان الثقة بالنفس- أن
— 363 —
سعادته ليسَ إلّا في جيب الحكومة، تَصوَّر أن قلبه وعقله كذلك هما في كيس الحكومة. فلا جرم أن يملأه ال مطال س:لا يقول بعضهم مثلما تقول، بل يقولون: لابد أن يجيء "السيد المهدي" لان الدنيا قد اضطربت وتشوشت لاكتهالها وهرمها، والإسلام قد اهتزّ كيانه بانتعاش المنافع الشخصية وتنفس الأغراض الدنيوية.
دِ ما استعجل السيد المهدي، وأتى، فعلى العين والرأس، فليأتِ حالًا، فقد آن أوانُه، فلقد تهيأ وتمهّد له وضعٌ ملائم حسن، فليس فاسدًا كما تظنون، فالأزهار اليانعة تزدهر في الربيفيد. و شأن الرحمة الإلهية لهذه الأمة أن يجد ذلُّها نهايتَه... ومع هذا فمن قال: ساءَ الزمان كليًا وفسد علينا، مُبديًا ميلًا إلى العهد السابق، فإنه يُسند -من حيث لا يشعر- سيئاتِ العهد السابق الناشئةَ من مخالفة ن جاهلم إلى الإسلام نفسه، كما هو ظن قسم من الأجانب.
س:مَن هم أولاء المشوِّشون على الأفكار ولا يقدرون "الحرية" و"المشروطية" حق قدرهما؟
ج:جمعية تشكلت برئاسة "الجهل آغا" و"العنوب إثبدي"، و"الغرض بك"، و "الانتقام باشا" و"التقليد حضرتلرى" و"مسيو الثرثرة"، وهي جمعية من الناس تُشوِّه "الشورى" التي هي منبع سعادتنا وتُكدِّرها... فالمنتسبون إلِرَق وي البشرية- هم الذين لا يضحون بدرهم واحد من حسابهم أعظمَ مصلحة من مصالح الأمة ومنافعها... والذين يرون نفعَهم في إضرار الناس، وبدانتَهم في هزال الآخرين... والذين يفسّرون الأمور دون محاكمة عقلية عیادلة فيطلشروطيةمعاني جزافًا... فبينما تیرى أحدهم لا يكبح جماح نفسه للثأر ولا يضحي بغرضه الشخصي، إذا به يدّعي بغرورٍ استعدادَه لفِداء روحه للأمة... وهم أولاء الذين يحملون أفكارًا غير معقولة أمثالَ تكوين الإمارات (البكلك) أو الحكم االفتيل(المختارية) -التي هي مقدمة طوائف الملوك-، أو الجمهورية بمفهوم الاستبداد المطلق... وهیم أولاء الذين تعرضوا للظلم فامتلأت قلوبُهم غيظًا ورغبة في الثأر حتى لم يستطيعوا أن يهضموا العفو العام والأمن العام وبار عن أُولى حسنات "الحرية" و"المشروطية"، فيثيرون الآخرين للإخلال بالأمن ويهيّجونهم للقيام بالاضطرابات كي يتشَفَّوا بإنزال العقوبة بهم، وتأديبهم.
— 364 —
س:لِمَ تفنّد جميعهم وتعدّهم فاسدين، مع أنهم يَبدون ناصرية.
ا؟
ج:أروني مفسدًا يقول: أنا مفسد، وما هو إلّا مفسد إلا أنه يتراءى في صورة الحق، أو يرى الباطل حقًا. نعم، ما من أحد يقول: مخيضي حامض..فلا تأخذوا شيئًا إلّا بعد إمونستغللى المحك، لأن أقوالًا مغشوشة مزيّفة قد كثرت في تجارة الأفكار..حتى كلامي أنا لا تأخذوه على علّاته -بحسن ظنكم- لأنه صادر عني؛ فقد أكون مفسدًا، أو أُفسد من حيث لا أشعر، فعلى هذا تيقظوا! ولا تفتحوا الطريق إلى القلب لكل طارِق. فليظل ما أما هو كم في يد خيالكم، واعرِضوه على المحك، فإن ظهر أنه ذَهَبٌ فأرسلوه إلى القلب، واحتفِظوه هناك، وإن ظهر أنه نحاس، فاحملوا على عاتق ذلك الكلام المنحوس كثيرًا من الغيبة وشيّلمون ثسوء الدعاء عليّ ورُدُّوه خائبًا إليّ.
س:لِمَ تسئ الظن بحُسن ظننا؟ فالسلاطين والحكومات السابقة ما استطاعوا أن يصرفوك عن الحق ولم يستطع كذلك أعضاءُ "دلول.
رك" [٭]: مشتقة من العبارة الفرنسية أي تركيا الفتاة: يطلق هذا الاسم على الجماعات والأفراد المعارضين للحكم في الدولة العثمانية منذ عهد السلطان عبد العزيز وفيهم الشاعر نامق كمال وضياء باشا ممن يطالبون بالحر المدننت مطاليب هذه الجماعات والأفراد تتلخص في إعلان الدستور وتأسيس حياة برلمانية. وتعدّ جمعية الاتحاد والترقي أقوى هذه الجماعات تأثيرًا، إذ استطاعت -بالتعاون مع القوى الخارجية- إزاحة السلطان عبد الحميد من الحكم. أن يكسبوك إلى صفوفهم، في الخااهنهم، حتى ألقوك في السجن وكادوا يصلبوك، فما رضختَ لهم ولا خنعت أمامهم بل برزتَ بطلًا شهمًا برفضك ما وعدوك من مرتّب ضخم... فأنت إذن بجانب الحق ولا تميل إلّا إليه، ولا تقول ما تقول انحيازًا إليهم.
ج:نعم، إن الذيلاء اللحق، لا يستبدله بشيء، لأن شأن الحق رفيع وَسَامٍ، ما ينبغي أن يُضحّى به لأجل أي شيء كان، ولكني لا أقبل حسن ظنكم هذا، لأنكم قد تحسنون الظن بالمفسد أو المحتال. انظروا إلى دليل فكره ونتيجته.
س:كيف نعرف ذلك؟ ونحفانعطفون، نقلّد العلماء أمثالكم؟
ج:إن لم تكونوا من أهل العلم، فإنكم من أهل العقل. بدليل أنني لو تقاسمتُ الزبيبَ مع أحدكم فقد يغبنني بذكائه! فجهلُكم إذن ليس عذرًا فيهمالموا أن الأشجار المتشابهة تُميِزها ثمراتُها، لذا تَبَصَّروا في ثمرات أفكاري ونتاجِ أفكارهم، فقد تلألأت في أحدهما السلامة والطاعة، وتَسَتَّر في الآخر الاختلافُ والفساد. سأضرب لكم مثالًا آخر:
— 365 —
تم لخّص نارًا منيرة تتراءى في هذه الصحراء، فأنا أبشركم بأنها نورٌ وليست نارًا، وحتى إن كانت فيها نار فليس إلّا طبقة عليا منها ضعيفة موروثة... فتعالوا إذن لنحط بها ونتحلق حولها ونتفرج عليها ونستضئ اية القتبس منها حتى تتلاشى طبقة النار ولنستفد منها. فإن كانت نورًا -كما قلت- فبه، فقد استفدنا، وإن كانت نارًا -كما قالوا- ما ضرّتنا، إذ لم نقتحمها. أما هم فيقولوندد -كمالنار محرقة" فإن كان نورًا أعمى قلوبَهم وأبصارهم، لأن النور -الذي يظنونه نارًا- هو نور السعادة، (٭): وهنا أيضًا قد أحسّ برسائل النور، ولكنه نظر إليها من تحت ستار السياسة فتبدل شكل الحقيقة (المؤلف). فأينما أشرق لم يُطف يداعببصبّ أُلوف القِرَب من دماء ملايين الناس، بل حاول بعض من فينا إطفاءه بضع مرات منذ سنتين إلّا أنهم خابوا.
س:أنت قلت: إنه ليس بنار، ولكن كلامك يشير إلى ناريته..؟!
ج:نعم، النور نراد لهشرار.
س:ما تقول لأهل الفضيلة من تلك الزمرة وهم أخيار...؟
ج:هناك كثير من الأخيار يسيئون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
س:كيف يَرِد الشرُ من الخير؟.
ج:طلب المحال حماقة ووبال على صاحبه، لأن من كانت بغيته حكومة بريئة معصومة فطلبه اجم العتيادي، إذ لماّ لم يكن الشخص الواحد الآن معصومًا فكيف بالشخص المعنوي (الحكومة) الذي كلُّ ذرة من ذراته مذنبة؟ فمدار النظر إذن هو في ترجُّح حسنات الحكومة على ستقف عل كمًّا أو نوعًا. وأنا أنظر إلى هؤلاء وأعدّهم فوضويين، لأنه لو عاش أحدهم -لا سامح اللّٰه- ألف سنة، ورأى الصور الممكنة للحكومات، لما ارتضى كذلك بإحداها، لما في خياله وحلمه من تصّور للحكومة المعصومة، فيولد فيه هذا الحلمُ ميلَ التخرا هو أزق تلك الصور الممكنة.
لذا حتى الفاسدون -في نظرهم- من أعضاء "جون تورك" يعدّونهم زمرة ملعونة فوضوية مشاغبة، فمسلكهم ليس إلّا الإخلالَ بالأمن والإفسادَ.
محمولمَ لا يجوز أن تكون ضالّتهم العهدَ السابق؟.
— 366 —
ج:إني أبعث إلى سماعكم قانونًا قصير القامة طويل الهمّة، يمكنكم حفظه، فشاوِروه، وهو: "أن تلك الحال محال، فإما هذه الحال وإما الاضمحلال" فالحكومة مسلمة، والأمة التي أخرى.. مسلمة، وأس أساس سياستها أيضًا هو الدستور الآتي: أن دين الدولة الإسلام... فوظيفتنا إذن الحفاظ على هذا الأساس ووقايته، لأنه جوهر حياة أمتنا.
س:أتستمر الحكومة في خدمة الإسلام وتقوية الدين بعد الكلي.
ج:بخ بخٍ وبكل سرور، نعم، فإن هدف الحكومة وإن كان مستترًا وبعيدا -باستثناء بعض الملحدين الجهلة- هو حماية سلسلة الإسلام النورانية وتقوية رابطيعة إلي تجعل ثلاثمئة مليون مسلم -بسرّ الأخوّة الإيمانية- كيانًا واحدًا، إذ إنها هي وحدها "نقطة الاستناد" وهي وحدها "نقطة الاستمداد"... إن قطرات المطر ولمعات النور كلما بقيت متفرقة وظلّت متناثرة، جفّت بسرعة وانطفأت حالًا. فينادينا ختص فيزة سبحانه قائلًا: ولاتفرقوا (آل عمران:١٠٣) لاتقنطوا (الزمر:٥٣) ليحول بيننا وبين الانطفاء والزوال..
نعم، إن نغماتِ لاتقنطوا وأصداءها تتجاوب من ست جهات: الضرورة، والانجذاب، والتمايل، والتجارسه، وهتجاوب، والتواتر... تجمع تلك القطرات واللمعات في مصافحة وعناق، وتطوي ما بينها من المسافة مولِّدةً حوضًا من ماء يَبعث على الحياة وضياءً منورًا ينير العالم أجمع. ذلك لأن الدين جمال الكمال، وضياء السعادة، ونمو المشاعر، وسلامة الوجدة هي ا٭): مهلًا، لها إشارات أشبه ما تكون بالشفرات. (المؤلف).
س:الآن نستفسر عن الحرية، فما هذه الحرية التي تتجاذبها التأويلات وتتراءى فيها الرؤى العجيبة الغريبة؟!.
ج:إن من عاش مع طيفها منذ عشرين سنة حتى تعقبها في الرؤى وترك كللجهلَ حبّها يستطيع الإجابة عنها فهو الخبير بوصفها.
س:لقد فسّروا لنا "الحرية" تفسيرًا خاطئًا سيئًا، وكأن الإنسان مهما فعل -في كنف الحرية- من سفاهات ورذائل وفضائح لا يؤاخَذ عليها مادام لم يضرّ بها الناس.." والإ أفهمونا الحرية، أهي كذلك؟!.
— 367 —
ج:إن الذين فسّروها هكذا، ما أعلنوا إلّا عن سفاهاتهم ورذائلهم على رؤوس الأشهاد، فهم يهذرون متذرعين بحجج واهية كالصبيان، لأن الحرية الحسن وهي اهي إلّا تلك المتأدبة بآداب الشريعة والمتزينة بفضائلها، وليست تلك التي في السفاهة والرذائل. بل تلك حيوانية وبهيمية وتسلط شيطاني، ووقوع في أسر النفس الأمارة بالسوء.
إن الحرية العامة هي المحصّلة الناتجة من حريات انية فد، ومن شأن الحرية عدم الإضرار سواء بالنفس أو بالآخرين.
(على أن كمال الحرية، أن لا يَتَفَرْعَنَ، وأن لا يستهزئ بحرية غيره، إن المرادَ حقٌّ لكن المجاهدة ليست في سبيلها) (٭): لا تستعجل... الجملة تعني أن صاحب جرتفاقًالميزان" "مراد" هو محق ورئيس تحرير جريدة "طنين" "حسين جاهد" على خطأ. (المؤلف).
س:كم رأينا من لا يفسّر الحرية كما تفسّرها أنت، مع أن أفعال أعضاء من "جون تورك" تخالفك في التفسير ويناقض قولهم قولك، إذ إن بعضهم يفطرون في رمضان ويشربون الخمر ويعة والالصلاة...
فهيهات أن يصدُق مع الأمة من خانَ اللّٰه ولم يصدق في امتثال أمره تعالى؟
ج:أجل، نعم، لكم الحق... ولكن الحمية شيء والعمل شيء آخر، وعندي أن القلب أو الوجدان الذي لم يتزيّن بة فلا ل الإسلامية لا تُرجى منهُ الحمية الحقة والوفاء الصادق والعدالة الخالصة. ولكن لأن الصنعة غير الفضيلة، فقد يقوم الفاسق برعي الأغنام رعيًا جيدًا، وقد يصلّح شارب الخمر ساعةً بإتقان ذا قال يكون سكرانَ، ولكن وا أسفى على ندرة الذين جمعوا النورَين معًا: نور القلب ونور الفكر، أو بعبارة أخرى الفضيلة والصنعة، فهم نادرون لا يكفون لملء الوظائف، فإذن إما الصلاح وإما المهارة... وإذا تعارجل الممهارة مرجحة في الصنعة.
واعلموا كذلك أن السفهاء التاركين للصلاة، ليسوا بی"جون تورك" بل هم "شَين الترك" أي فاسدون، فهم روافض "جون تورك" مثلما أن لكل شيء روافضه، فروافض " ٣١ ما" هم السفهاء.
— 368 —
أيها الأتراك والأكراد! أنیصفوا... هل يُرفَض الحديث الشريف ويُنكَر إذا أوّلَه الرافضي تأويلًا فاسدًا أو عمل بخلافه، أم يُخَطَّأ الرافضي حفاظًا على منزلة الحديث الإذ ما كرامته؟.
ألاَ إن الحرية هي: أن يكون المرء مُطلقَ العنانِ في حركاته المشروعة، مصونًا من التعرض له، محفوظَ الحقوق، ولا يتحكم بعضٌ في بعض، ليتجلى فيه نهي الآية الكريمة:
ولايتخذ بعضنا بعضًا أربابًا م ذلك االلّٰه
(آل عمران:٦٤) ولا يتأمّر عليه غير قانون العدالة والتأدب، لئلا يُفسِد حرية إخوانه.
س:[٭]: (٭): هذا سؤال البدو الرحل الساكنين في الخيم السوداء. رة والف). فما لنا إذن نحن معاشر البدو، نحن أحرار منذ القدم، فقد ولدتْ حريتُنا توأمًا معنا، فليفرح بها الآخرون من غيرنا، فالأمر لا يهمّنا.
ج:نعم، إن حب تلك الحرية والشغف بها هي التي جعلتكم تتحملون مشقات البداوة التي لا تطاق، وإن سلوككم ت، نطق بالقناعة هو الذي أغناكم عن محاسن المدنيّة البرّاقة، فزهِدتم فيها. ولكن أيها البدو! إن ما لديكم من الحرية هو نصفها، والنصف الآخر هو عدم المساس بحرية الآخرين. ثم إن الحرية الممزوجة بالبداوة وبالعيش الكفاف، توجدفي ذاتأيضًا في حيوانات الجبال والبراري القريبة منكم. وفي الواقع لو كانت هناك لذة وسلوان لهذه الحيوانات فهي في حريتها تلك...
ولكن أين أنتم من تلك الحرية الإنسانية الساطعة كالشمس وهي معشوقةُ كلِّ روح، وصنو جوهر الإنسانية، وما هي إلّا التي تربّ مجازا قصرِ سعادةِ المدنية وتزيّنت بحلل المعرفة وحُليّ الفضيلة والتربية الإسلامية.
س:لقد قيل في حق هذه الحرية التي تثني عليها:
(حُرّيّةٌ حَرِيّةٌ بالنار، لأنها تختص بالكفار) فما تقول في هذا القول؟
ج:إن ذلك الماب اعتلشاعر قد ظن الحرية مسلك البلشفية ومذهب الإباحية. كلّا، بل الحرية بالنسبة للإنسان تولّد العبودية للّٰه سبحانه، وقد رأيت كثيرين يهاجمون على "السلطان عبد الحميد" أكثر من هجوملاء ما "الأحرار".. [٭]: الأحرار: هو حزب معارض لجمعية الاتحاد والترقي وذلك في الفترة القصيرة التي بدأت قبيل عزل السلطان عبد الحميد، حتى استئثار جمعية الاتحاد والترقي بالحكم. وكانوا يقولون: إنه على خطأ لقبوله "الحرية"
— 369 —
و"القانونالدينيس" [٭]: أي الدستور بالتعبير الشائع حاليًا والذي يعيّن صلاحية الحاكم والحكومة والبرلمان، ويحدد الخطوط الرئيسية لسياسة الدولة وقوانينها. قبل ثلاثين سنة" هكذا! فما ظنكم بقولِ قائل حَسِبَ الاستبداد الذي اضطر إليه السلطان عبد الحملى أن ةً، وارتعد من القانون الأساس الذي هو اسم دون مسمّى! فما قيمة قوله يا تُرى؟ هذا ولقد قال مجاهدٌ خدمَ الإسلام عشرين سنة: (حريةٌ عطيةُ الرحمن، إذ إنها خاصية الإيمان). (٭): في جناجميل. (المؤلف).
س:كيف تكون الحرية خاصية الإيمان؟
ج:لأن الذي ينتسب إلى سلطان الكون برابطة الإيمان ويكون عبدًا له تتنزّه شفقتُه الإيمانية عن التجاوز على حرية الآخرين وحقوقهم، مثلما تترفع شهامتُه الإيمانية . وجهعن التنازل بالتذلل للآخرين والانقياد لسيطرتهم وإكراههم.
نعم، إن خادمًا صادقًا مخلصًا للسلطان لا يتذلل لتحكّمِ راعٍ وسيطرته، كما يَرْبأ بنفسه أن يفرض سيطرته على مسكين ضعيف. فبمقدار قوة الإيمان إذن تتلألأ الحرية وتكانا، دونكم خير القرون، العصر السعيد، عصر النبوة والصحابة الكرام.
س:هيهات! نحن عوام كيف نصير أحرارًا تجاه الشخصيات الكبار أو الأولياء والصلحاء والعلماء العظام، أوَ ليس من حقهم أن يتحكموا فينا لمزاياهم، فكيف لا نكون أُسراءَ فضائِلن يأكل ج:إن شأن الولاية والمشيخة والعظمة: التواضع والتجرد، وهما من لوازم الفضيلة وخصائص الكمال ورفعة الشأن، لا التكبر والتحكم.. فمن تكبّر فهو صبي متشيّخ وطفل متكهّل، فلا تعظّموه..
س:لِمَ يكون التكبّر علاميمة الاغر؟
ج:لأن لكل شخص نافذة يشاهد فيها ويطل منها على المجتمع، تلك هي مرتبة الشهرة والكرامة. فإذا كانت تلك النافذة أرفع من قامة استعداده، يتطاول بالتكب ساكنً إذا كانت أخفض من قامة همته يتواضع بالتحدب ويتخفض كي يشهد في تلك المرتبة ويُشاهد.
— 370 —
س:حسنًا جدًا؛ لقد رضينا بأن الحرية حسنة جميلة، ولكن تبدو حرية الروم والأرمن شوهات الأخوقنا إلى التوجس وقلق البال، فما رأيك فيها؟
ج:
أولًا:إن حريتهم ألّا يُظلَموا، ولا يُخَلّ براحتهم، وهذا أمر شرعي؛ أما ما زاد على هذا فهو تعدّ منهم تجاه طيشكم وسوء تصرفكم، أو اساص باللجهلكم.
ثانيًا:لو كانت حريتهم -كما تظنونها- مضرة بكم، فلسنا معاشر المسلمين بخاسرين، لأن الأرمن الذين هم بين ظهرانينا لا يبلغون ثلاث بك أنين، وغير المسلمين فينا أيضًا لا يبلغون عشرة ملايين، بينما ملتنا الإسلامية وإخواننا الحقيقيون الأبديون يزيدون على ثلاثمائة مليون، إلّا أنهم مقفي أخذبثلاثة قيود رهيبة من قيود الاستبداد، فينسحقون تحت هذا الاستبداد المعنوي للأجانب.. وهكذا فحرية غير المسلمين -التي هي شعبة من حريتنا- إنما هي مقدمة وأتاوة لحرية أمتنا كافة.. وهي رافعةٌ ذلك الاسا البقالمعنوي المرعب. (٭): كان ينبغي أن يتحدث بهذا الكلام بعد (أربع وأربعين) سنة إلّا أنه ذكره في ذلك الوقت. (المؤلف). وهي مفتاح لفك تلك القيود.. وهي رافعة للاستبداد المعنوي الرهيب الذي ألقين.. وجانب على كاهلنا. نعم، حرية العثمانيين كشّافة لطالع آسيا العظيمة ومفتاح لحظ الإسلام وأساس لسور الاتحاد الإسلامي.
س:ما تلك القيود الثلاثة التي قيّد الاستبدادُ المعنوي وضوع لعالَمَ الإسلامي؟
ج:إن استبداد حكومة روسيا -مثلا- قيدٌ.. وتحكّم الشعب الروسي قيدٌ آخر، وتغلّب عاداتهم الكفرية الجائرة على العادات الإسلامية قيد ثالث.. والحكومة الإنكليزية، وإن كانطق وال غير مستبدة إلّا أن أمتها متحكمة مسيطرة، وعاداتها مهيمنة، فدونكم "الهند" برهانًا على ذلك و "مصر" نصف برهان عليه.
أفلم يثبت إذن أن أمتنا الإسلامية مقيدة بثلاثة قيودبيّنا قيد ونصف، وليس لنا إزاء ذلك إلّا قيد كاذب موهوم ضعيف وضعناه على أرجل غير المسلمين فينا. وقد تحملنا كثيرًا من دلالهم بديلًا عن ذلك. فلقد االشيئي نسلًا وثروة، أما نحن فقد تناقصنا نسلًا وثروة. وذلك بسبب انحصار الوظائف -التي هي ضربٌ من عمل الخادم- والعسكرية فينا.
— 371 —
إن الفكر الملّي [٭]: يعرّفه الأستاذ المؤلف بعد صفحات بأن "مليتنا وا يدخلتقل بذاته، روحها الإسلام وعقلها القرآن والإيمان". والدُ "الحرية" وما كان الأسرى إلّا الأكراد والأتراك.
وهكذا نفكّ ذلك القيد الكاذب ووغنا سعن أرجلِ ثلاثة ملايين أو عشرة ملايين لينفسح المجال ويتمهّد الطريق أمام حرية ثلاثمائة مليون مسلم مقيدين بثلاثة قيود. (٭): وقد بدأت الآن بالتحلل والانفتاح والحمد للّٰه. (المؤلف). ولا ريب أن مَن أعطى ثلاثة عاجلًا وربح ثلاثمائة آجلًا ليس بخاسر!.ي موضعوسيأخذ الإسلام بيمينه من الحجة سيفًا صارمًا جزارًا مهندًا... وبشماله من الحرية لجام فرس عربي مشرق اللون فالقًا بفأسه وقوسه رؤوس الاستبداد الذي به اندرس بساتيننق، لأن٭): ارجع النظر إليها، إنها فقرة ذات شفرات كأنها تخبر عن مجموعة رسائل النور أمثال: "ذو الفقار" "حجة اللّٰه البالغة".. مثلما تخبر عن الشعوب الإسلاميصور، بمن ومصر والجزائر والهند والفاس (المغرب) والقفقاس وفارس والعرب. (المؤلف).
س:هيهات! كيف تكون حريتُنا مقدمة لحرية العالم الإسلامي كافة وفجره الالحرية
ج:بجهتين: -
الأولى:إن الاستبداد الذي فينا أقام سدًا مظلمًا جائرًا إزاء حرية آسيا، فما كان لضياء الحرية أن ينفذ من ذلك الستار الكثيف المظلم ليفتّح الأبصار ويُري الكمالات، ولكن بخراب هذا السدّ انتشر -اك وتخر- فكر الحريّة ومفهومها حتى إلى الصين، بيد أن الصين أفرطت وأصبحت شيوعية. ولما ثقلت كفة الحرية في ميزان العالَم، فقد رفعت كليًّا الوحشية والاستبداد اللذين في الكفة الأخرى، وسيزولان بميفة اعزمن. فلو أنكم قرأتم صحيفة الأفكار وتأملتم في طريق السياسة واستمعتم إلى الخطباء العموميين، أعني الصحافة الصادقة في أخبارها، لعلمتم أنه قد حصل في العالم العربي والهند وجاوا ومصر والقفقاس وأفريقيا وأمثالها، تحّولٌ عظيم وانقلاب عجيب ورقي فكرى وتيقوتصيبننابعٌ من فوران فكر الحرية وغليانه في أفكار العالم الإسلامي، فلو كنا دافعين مئة سنة ثمنًا لها لكان رخيصًا، لأن الحرية كَشفت عن الملّيةِ وأظهرتها وبدأ يتجلى الجوهر النوراني للإسد عمّا صَدَفة الملّية، فآذنت -بتحرك الإسلام واهتزازه-: بأن المسلم ليس جزءًا فردًا سائبًا حبلُه على غاربه، بل هو جزء لمركبات متداخلة متصاعدة،ا تصدي سائر الأجزاء صلة رحم من حيث جاذبية الإسلام العامة. فهذا النبأ يمنح
— 372 —
أملًا قويًا بأن نقطة الاستناد ونقطة الاستمداد في غاية القوة والمتانة، وهذا الأمل أحيا قوتنا المعنوية بعد أن كانت صريعة اليأس. وستمزِّق هذه الحياةُ حُجُبَ الاستبداد البسملة العام المستولي على العالم الإسلامي كلّهِ مستمدةً من فكر الحرية ومفهومها الذي يفور فيه (٭): وقد بدأ تمزقها بعد خمس وأربعين سنة، وللّٰه الحمد والمنّة. (المؤلف). (على رغم أنف أبي اليأس).
مقابل الثانية:مازال الأجانب يُذلّون ملّتنا بالحِيَل، ويتذرعون بأسباب واهية وحجج تافهة لذلك. أما الآن فما ظل في أيديهم ما يحتجون به من حجة تؤثر في عروق إنسانيتهم، أو تهيّج أعصاب تعصبهم أو تحرك أوتارهم الخدّاعة الدساسة، بل لو لمجهولحجةً ما فلا يمكنهم أن يتذرعوا بها؛ إذ من شأن المدنية وخاصيتها: حب الإنسانية.
س:هيهات! أين هذا الأمل العظيم الذي تسلّينا به، من تلك الحيّات المرعبة المحيطة بنا الفاغرة أفواهها لتنفث السم في حياتنا وتمزق دولتنا إربًا إربً وسيطرول ذلك الأمل المشرق إلى يأس قاتم؟. (٭): سؤال محير ذو حقيقة. (المؤلف).
ج:لا تخافوا، إن المدنية والفضيلة والحرية قد بدأت تهيمن في العالم الإنساني مما أثقلت كفة الميزان، فبالضرورة تتخفف الكفة الأخرى شيئًا فشيئًا، فلورة، فا محالًا أنهم مزّقونا وقتلونا -لا سامح اللّٰه- اطمئِنوا بأننا نموت ونحن عشرون إلّا أننا نُبعَث ونحن ثلاثمائة، نافضين غبار الرذائل والاختلافات عن رؤوسنا متّحدين مقدِّرين حقيقةَ مسؤوليتنا، نتسلّم الراية لنَقُودَ قافلة البشرية. فنحن لا نهاب هذالى الد الذي يُنتج حياةً أشد وأقوى وأبقى. فحتى لو متنا نحن فسيبقى الإسلام حيیا سیالمًا، فلتعش أبدًا تلك الملّة المقدسة.
س:كيف نتساوى مع غير المسلمين؟.
ج:المساواة ليست في الفضيلة والشرف، بل هي في الحقوق. فالسلطان ى صدقهوالفقير المسكين كلاهما سيّان في الحقوق.. فيا للعجب إن الشريعة التي نهت عن تعذيب نملة وأمرت ألّا تداس عمدًا، أتهمل حقوقَ بني آدم؟ كلا!
ولكن نحن الذين لم نمتثل الشريعة. ألا تكفي لتصحيح خطئكى.
محاكمة أمير
— 373 —
المؤمنين الإمام عليّ رضي اللّٰه عنه، مع يهودي فقير، ومرافعة صلاح الدين الأيوبي -وهو مدار فخركم- مع نصراني مسكين. (٭): بينما كان سعينه أصبيم يجاهد بحماسة "للحرية" جاعلًا السياسةَ وسيلة للإسلام بناءً على ما تشعه خاصّية "النور" الساطعة من أمل قوي وسلوان تام أحسّ من قبيل الحسّ المسبق: أن استبدادًا مطلقًا رهيبًا لا دينيًا سيأتي، بناء على ما فهمه من معنى حديثٍ شريف، فأخلمعاشيقبل خمسين سنة. وقد أحس أن ما أخبر به من أنباء مسلية وآمال مشرقة سيكذبه ذلك الاستبداد المطلق فعليًا طوال خمس وعشرين سنة، لذا نبذ السياسة منذ ثلاثين سنة قائلًا: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسيس شورىأصبح سعيدًا الجديد (المؤلف).
س:إن منح الحرية للروم والأرمن يقلقنا، فتارةً يتجاوزون علينا وأخرى يفتخرون بأن الحرية والمشروطية هما نتيجة سعى حدٍّحرموننا فضائلها.
ج:أظن أن تجاوزهم الحدود الآن هو تشفٍّ لغيظ ما توهموا من تجاوزكم عليهم في الماضي... أو هو تصنّع وتظاهر وتهديد تجاه ما يتوقعون واهمين من تعدٍّ منكم عليهم في المستقبل، فإن اطم في وهاعتقدوا بعدم التعدي عليهم فسيرضخون -بلا شك- للعدالة ويقتنعون بها، وإن لم يقنعوا بالعدالة فالحق يُرغِم أُنوفَهم بقوته ويسوقهم مضطرين إلى الاقتناع.
أما قولهم "نحن الذين حصلنا على المشروطية" فهو كذب بيّن، علمي:
برزت الحرية والمشروطية إلى الوجود إلّا بحراب جنودنا وبأقلام مجتمعنا الحامل لروح الأمة، بل كان هدف هؤلاء وأمثالهم من الثرثارين المهاذير هو ت في كركزية السياسية" التي هي ابنة عم "الإمارة" و"الحكم الذاتي" إلّا أن تسعين بالمئة منهم قد اتّبعونا، وظلّت خمسة من العشرة الباقية يثرثرون، والبقية الباقية باتوا يعذرون ولايرغبون فلحقيقةول عن أوهامهم الماضية.
س:كيف تشير إلينا بمحبة اليهود والنصارى، مع أن القرآن الكريم ينهى عن ذلك بقوله تعالى:
لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء
(المائدة:٥١).
ج: أولًا:كما يلزم أ للآفا الدليل قطعي المتن، يلزم كذلك أن يكون قطعي الدلالة، مع أن للتأويل والاحتمال مجالًا، لأن النهي القرآني ليس بعام بل مطلق، والمطلق قد يُقيّد، والزمان مفسّر عظيم، فإذا ما أظهر قيدَه فلا اعتراض عليه.
وأيضًا، إن كان الحكم قائمن هذه المشتق، فإنه يفيد علّية مأخذ الاشتقاق للحكم. فإذَنْ المنهيُّ عنه في هذه الآية الكريمة هو محبتهم من حيث ديانتهم اليهودية والنصرانية.. وأيضًا،
— 374 —
لا يكون المرء محبوبًا لذاته، بل لصفته وصنعته، لذا فكما لا يلزم أن تكون كل صفةٍ من صفات المسلم يها -ف كذلك لا يلزم أن تكون جميع صفات الكافر وصنعته كافرة أيضًا.
فعلى هذا، لِمَ لا يجوز اقتباس ما استحسنّاه من صفةٍ مسلمة أو صنعة مسلمة فيه؟ فإن كانت لك زوجة كتابية، لوالأساك تحبها.
ثانيًا:لقد حدث انقلاب ديني عظيم في العصر النبوي السعيد، وجَّهَ كلَّ الأفكار والأذهان نحو الدين، فارتبطت بالدين جميعُ الحسّيات والمشاعر، فكانت العداوة والمحبة تدوران حول ذلك المحور (الدين)، لهذا كانت تُشمّ الصلا النفاق من محبة غير المسلم. ولكن الانقلاب الحاضر العجيب في العالم هو انقلاب مدني ودنيوي، فالمدنية والرقيّ الدنيوي يجذبان العقول كلها ويشغلانها ويشدّان بهما جميع الأذهان فضلًا عن أن معظم غير المسلمين ليترك ناتزمين التزامًا جادًّا بدينهم أساسًا... فعلى هذا فإن محبتنا لهم ما هي إلّا لاقتباس ما استحسناه من مدنيتهم وتقدمهم ولأجل المحافظة على نظام البلاد وأمنها الذي يُعدّ أساس سعادة الدنيا، فهذه الصداقة إذن لا تدخلته الت ضمن النهي القرآني.
س:إن قسمًا من أفراد "جون تورك" يقولون: لا تخاطبوا النصارى بیی: "يا كافر" استهانةً بهم، فهم أهل كتاب!.. لماذا لا نخاطب الكافر بی "أيها الكافر"؟!.
ج:مثلموالكسرقولون للأعور: أيها الأعور! لئلا يتأذى، فهناك نهيٌ عن أذاهم كما جاء في الحديث الشريف: (من آذى ذميًا... الخ). [٭]: تمام الحديث: "من آذى ذميًا فأنا خصمه"، انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٨/٣٦٧؛ الذهبي، ميزان الالتلازم٢/٣٨١؛ السخاوي، الأجوبة المرضية ١/١٧، ٢/٤٣٥؛ الشوكاني، الفوائد المجموعة ٢١٣.
وثانيًا للكافر معنيان:
فالأول:وهو المتبادر إلى الذهن عُرفًا وهو: المُنكِر للخالق سبحانهج:إنحد الذي لا دين له، فهذا المعنى ليس لنا الحق في إطلاقه على أهل الكتاب.
وثانيه:هو المنكِر لرسولنا الأعظم (ص) وللإسلام، فهذا المعنى، لنا الحق أن نطلقه عليهم، وهم راضون به كذلك. ولكن لمّا كان المعنى ايا متعو الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة، صارت تلك الكلمة، كلمة تحقير وإهانة وأذى، زد على ذلك أنه لا اضطرار
— 375 —
لخلط "دائرة الاعتقاد" بی"دائرة المعاملات" وربما هذا هو ما يقصده ذلك القسم من "جون ترك".
س:نسمع كثيرًا من الل! (تقالمؤسفة والحوادث السيئة، لاسيما من غير المسلمين.. كأن تزوج أحدهم بمسلمة.. وكذا وكذا في مكان، وكيت وكيت في مكان آخر، وحدث ما حدث في مكان... الخ...
ج:نعم، إنوهنا قهذه الأمور السيئة الفاسدة وأمثالها أمر هو أقرب ما يكون بالضرورة -مع الأسف- في دولة مستجدة وغير مستقرة، وفي أمة جاهلة متخلفة، علمًا أنه كانليه- حأسوأ من هذه السيئات في الماضي، ولكنها كانت خافية عنّا، إلّا أنها ظهرت الآن للعيان. فالداء إذا ما ظهر يسهل علاجه. وكذا فالذي لا يرى من الأمور العظيمة إلّا التقصيرات، يالكونييخدع الآخرين بالخب الخبيث، إذ من شأنه إنبات سيئة واحدة وإثمارها كي تطغى على الحسنات، هذا وإن الطور العجيب لهذا الخب، هو أنه يجمع الأمور المتفرقة في الزمان والمكان ويوحّدها معًا، وينظر من خلال ذلك الحجاب الأسود إلى الأشياء. حقًا تكيف بب بأنواعه المختلفة هو ماكنة الغرائب ومصنعها. ألا ترى أن عاشقًا خبًّا كيف يرى الكائنات تتراقص متضاحكة متحابة متجاذبة.. وأن والدة حزينة بوفاة طفلها كيف ترى الكائناتدِر"، متباكية حزينة؟ فكلٌّ يجني ما يشتهيه وما يلائمه. سأورد لكم مثلًا بهذه المناسبة:
تأملوا! إذا دخل أحدكم في بستان رائع جميل يشتمل على أنواع الأزاهير وا في شخ، لأجل أن يتنزه فيه ويستجمّ ساعة من الزمان، وكان في بعض جوانب البستان بعض العفونات والنجاسات -حيث إن وجود النقص مع الكمال من مقتضيات هذا العالم وليس المبّرأ من النقص إلّا الجنةصلة مع لا يبحث ولا يتحرّى إلّا تلك العفونات ولا يديم النظر إلّا إلى تلك النجاسات، لانحراف في مزاجه. وكأن ليس في ذلك البستان الباهر إلّا تلك، ثم يتوسع ويتسنبل ذلك الخيال الفاسد بحكم التوهم والتخيل حتى يحسب أن ذلك البستان الرائع مَسْلَخٌ قذرٌ أاعة وحة وسخة، ويأخذه الدوار والغثيان، ويبدأ بالتقيؤ وينكص على عقبيه.
فيا ترى هل ترضى الحكمة والمصلحة بوجههما الصبوح أمثالَ هذا الخيال المنغّص للذة حياة البشر.
#37منافعِلا تَرَون: أن مَن أحسَنَ رؤيتَه حَسُنَتْ رويّته وتفكيره، فتحسُنُ رؤياه، ويستمتع بحياته.
س:كيف يجوز تجنيد غير المسلم وانخراطه في سلك الجيش؟.
ج:بأربعة أوجه:إلى حد المذكور هنا ثلاثة أوجه، أما الوجه الرابع فهو انحصار العسكرية فينا، فقد أدمج في السؤال الذي يلي الجواب. الوجه الرابع أصبح السؤال التالي.
أولًا:ما الجندية إلّا للحرب.. فلقد قاتلتم بالأمس دُبًّا ضخمًا وعاونكم النسسة. ومغجر والصبيان والكلاب ونصروكم، فهل في ذلك من بأس عليكم أو من عارٍ عليكم؟
ثانيًا:كان للنبي (ص) معاهدون وحلفاء من مشركي العرب وكانوا يخرجون معًا إلى الحرب، بينما هؤلاء أهل كتاب.. ولأنهم ي يصدقُمتفرقين في الجيش، لا متجمعين، فإن كثرتنا الغالبة، وقوة مشاعرنا، ستحدّان من الضرر الموهوم.
ثالثًا:قد استُخدم في جيش الدول الإسلامية غيرُ المسلمين -ولو نادرًا- والجيش الانكشاري [٭]: وهو تنظيم عسكر متحدا الغازي أورخان ابن عثمان (مؤسس الدولة العثمانية)، خدم الدولة العثمانية كثيرًا في البداية، ثم دبّ فيه الفساد وأصبح مشكلة عويصة، إلى أن نجح السلطان محمود الثاني في إلغائه وتصفيته وإقامة "النظام الجديد" بدلًا منه، وهو نظام سعى إلى التجديد أهميتيش العثماني. شاهد على هذا.
س:كان المسلمون هم الأغنياء وكان أولئك هم الفقراء، إلّا أن القضية انعكست الآن، فما الحكمة؟.
ج:هناك سببان لهذا حسب الرهيب الأول:الفتور في السعي وعدم الرغبة خلافًا لما هو مستفاد من الأمر الربّاني:
وأن ليس للإنسان الّا ماسعى
(النجم:٣٩) وانطفاء جذوةِ شوقِ الكسب المستفاد البشرمر النبوي بأن ("الكاسب حبيب اللّٰه") [٭]: ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه البخاري (٢/٧٣٠، رقم ١٩٦٦) قال (ص): "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أو تعرض من عمل يده، وإن نبي اللّٰه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده". وانظر الطبراني، المعجم الأوسط (٨/٣٨٠؛ البيهقي، شعب الإيمان ٢/٨٨؛ القضاعي، الشهاب ٢/١٤٨. وذلك نتيجة إيحاءات بعض الرجال وتلقيناتِ قسم من الوعاظ الجاهلين، أولئك الذين لم يدركناية إعلاء كلمة اللّٰه في الوقت الحاضر يتوقف على الرقي المادي... ولم يتفهموا قيمة الدنيا (من حيث هي مزرعة الآخرة).. ولم يميّزوا بين متطلبات
— 377 —
القرون الوسطى والقرون الأخرى.. ولم يفرقوا رَ في اعتين بعيدتين عن بعضهما "القناعة في التحصيل والكسب" وهي المذمومة و"القناعة في المحصول والأجرة"، وهي الممدوحة.. ولم يتبينوا البون الشاسع بين "التواكل" الذي هو عنوان الكسل و"التوكل" الذي هو صَدَفَة الع، ومنالحقيقي.
فالأول:هو تكاسل في ترتيب المقدمات، وهو في حكم التمرد على النظام القائم بين الأسباب التي هي مقتضى مشيئة اللّٰه تعالى. والآخر: هو تها. واماني في ترتُّب النتائج، وهو من مقتضيات الإسلام، والذي يقود صاحبه إلى التوفيق حتى في النتائج شريطة عدم التدخل في التقديرات الإلهية.
فالتَبَسَ عليهم كلا الأمرين... ولم يتفرسوا سرّ "أمتي.. أمتي" [٭]: انظر: البخارالخ..)وحيد ٣٢؛ مسلم، الإيمان ٣٢٦. ولا يفهمون حكمة "خير الناس أنفعهم للناس" [٭]: العجلوني، كشف الخفاء ١/٤٧٢، وانظر: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٥٨؛ البيهقي، شعب اليخفى أ٦/١١٧. فهؤلاء هم الذين حطموا ذلك الميل وأطفأوا ذلك الشوق...
والسبب الثاني:هو سلوكنا في المعيشة مسلكًا غير طبيعي، مسلكًا يوافق الكسل ويلائمه، ويداعب الغرور ويربت عليه، وهو المعيشة على الوظيفة الحكوميالعظيما لقينا جزاء ما كسبت أيدينا.
س:كيف؟.
ج:إن الطريق المشروع للمعيشة والسبيل الطبيعي والحيوي إليها هو "الصناعة، والزراعة، والتجارة"في قوةالطريق غير الطبيعي فهو الوظيفة الحكومية والإمارة بأنواعها. وعندي أن الذين جعلوا مدار معيشتهم "الإمارة" -وإن تسمّت بأي اسم كان- فهم في زمرة الشحاذانِنْ اجزين المتسولين ومن زمرة المخادعين الحيالين.. وفي نظري أن الذي ينخرط في سلك الوظيفة أو الأمارة، فليدخل إليها لأجل الحمية والخدمة للأمة، وإلّا فلو دخلها للمعيشة والدافعة فحسب، فلا يقوم إلّا بضرب من التسوّل، (٭): لا تستاؤا ولا تسخطوا أيها الموظفون من كلام سعيد القديم هذا الذي قاله قبل خمس وأربعين سنة. (المؤلف). إذ ثبت أن حصر كل الوظائف عبير آأضاع علينا ثرواتنا بتسليمها ليد الإسراف، وأن حصر العسكرية فينا شتت ذرارينا في الآفاق. فلو كان الأمر يستمر على هذا المنوال لكنا ضائعين منقرضين. فعلى هذا، فإن هذه المسألة، أي
— 378 —
أخذهم إلى الجندية فيه "مصلحة مرسلة" قريبة من الضرهادة وضلًا عن أننا مضطرون إليه اضطرارًا، والمصالح المرسلة في مذهب الإمام مالك، تعدّ علّة شرعية.
س:كيف يمكن أن يصير الأرمني واليًا أو قائم مقامًا، كما يحدث الآن؟
ج:كما صار سول إن ا وميكانيكيًا وكناسًا... لأن المشروطية هي حاكمية الأمة، والحكومة ليست إلّا خادمة.
ولئن صَدَقت المشروطيةُ فالقائم مقام والوالي ليسوا رؤساء بل الآن؟ مأجورين، فغير المسلم لا يكون رئيسًا مطلقًا، بل يكون خادمًا. فلو فرضنا أن الوظيفة والأمارة ضرب من الرئاسة والسيادة، فإن إشراكنا ثلاثة آلاف غير مسلم في سيادة رئاستنا يفتح طريقًا إلىل: الذسة أمام ثلاثمائة ألف من إخواننا المسلمين في أقطار العالم، فالذي يخسر واحدًا ويربح الألف لا يتضرر..
س:ألا ترى أن بعض أحكام الشريعة لها علاقة بولاية الوالي مثلًا.
ج:إن م العلمثل الخلافة بعد الآن هو بالضرورة المشيخة الإسلامية ورئاسة الأمور الدينية وستكون ممتازة، ومقدسة سامية، منفصلة رقيبة ناظرة على الكل... فالمستولي الآن ليس شخصًا فردًا، بل الأفكار العامة، لذا هناك حاجة إلى شخصية معنوية مثلها، تكون أمينة على الفتو فلو شس:كنا نسمع سابقًا وإلى الآن أن أكثر أفراد "جون تورك" هم من الماسونيين، الذين يعادون الدين.
ج:لقد ألقى الاستبداد هذه التلقينات إبقاءً لنفسه، ومما يسند هذا الوهم ما تَه عدم مبالاة بعضهم بالدين..
ولكن اطمئِنوا، إنّ قصد من لم ينضم منهم إلى الماسونية، ليس إضرار الدين، بل نفع الأمة وتأمين سلامتها، ولكن البعض منهمذي هو ن في الهجوم على التعصب المقيت الذي لا يليق بالدين. ويبدو أنكم تطلقون على الذين سبق منهم خدمات للحرية والمشروطية أو الذين ارتضوا بهما اسمَ "جون تورك". فاعلموا أن قسمًا من أولئك هم مجاهدو الإسلام، و44
الو#379
منهم فدائيو سلامة الأمة، فالذين يشكلون القسم الأعظم منهم والعقدة الحياتية لهم هم من غير الماسونيين ويمثلون أكثرية الاتحاد والترقي. فهناك علماء ومشايخ في صفوف "جون تورك" بقدر عشائركم.. رغم وجود زمرة منها. وسونيين المفسدين السفهاء فيهم، وهم قلّة قليلة لا يتجاوزون عشرة بالمئة منهم، بينما التسعون بالمئة الباقية منهم مسلمون ذوو عقيدة أمثالكم، ومعلوم أن الحكم للأكثرية... فأحسنوا الظن بهم؛ إذ إن سوء الظن يضركم ويضرهم معًا حسب قاعدةبين تيزين عين الرضا، حسن النظر باللطف والشفقة، وإن نور الفؤاد بالرفق والرحمة، ولقد سما على الحق بأقدام التوفيق وسعد من اختار الاستضاءة بمصباحِ "أنا عند ظن عبدي بي"). [٭]: البخاري، اخيرَ ا ١٥،٣٥؛ مسلم، الذكر ٢، ١٩، التوبة ١؛ الترمذي، الزهد ٥١، الدعوات ١٣١؛ ابن ماجه، الأدب ٥٨. (٭): كرر النظر في هذه الفقرة العربية الأخيرة، ففيها شفرات ولها إشارات. ه من مف).
س:لِمَ يضرّهم سوء ظنّنا؟.
ج:لأن كثيرًا منهم -مثلكم- لم يمحّصوا الإسلام وما عرفوا إلّا ظواهره بالتقليد، والتقليدُ يتشتت ويتمزق بإلقاء الإسلات والشكوك فانظروا مثلًا: إذا خاطبتم بعضهم: بأنكم لا دين لكم -وبخاصة من كان منهم سطحيًا في الدين ومتوغلًا في الفلسفة المادية- فلربما يتردد ويشك في أمرفات الوس من أن مسلكه خارج عن الإسلام فيشرع بالقيام بأعمال وحركات منافية للإسلام، ناشئة من اليأس والعناد ولسانه يردد: ليكن ما يكون فلا أبالي..
فيا أيها البعيدونضًا ارإنصاف!.. أ رأيتم كيف تصبحون سببًا لضلالة بعض المنكوبين؟! علمًا أن كثيرًا ما يصلح الفاسد إذا كرّر عليه القول: "أنت صالح، أنت فاضل"، ويفسد الصيل من ا ما كرر عليه: "أنت فاسد، أنت طالح". وهذا أمر مجرّب وقد حَدَثَ كثيرًا.
س:لماذا؟.
ج:لأنه لو كان في ضمير البعض سوء، فلا ينبغي أن يُهاجَم، لأن هناك كثيرًا من السيئات كلما بقيت مستورةَا).
تار الحسنة ولم يمزق عنها حجابها وتغوفل عنها، انحصرت في نطاق ضيق وربما يسعى صاحبُها لإصلاحها تحت حجاب الحياء. ولكن ما إن يُمزَّق الحجابُ ويُرفع حتى يُرمى بالحياء فيُزال، وإذا ما أُظهر معه الهجوم، فالسيئة تتوسعبط الأتوسعًا هائلًا... ولقد رأيت في حادثةِ (٣١ مارت) [٭]: حادثة ٣١ مارت ١٣٢٥ (حسب التقويم الرومي)، وهي حادثة تمرد وعصيان عسكري بدأ في معسكر "طاش قشلة" في إسطنبول، ثم انتشر إلى معسكرات أخرى فيها، ثم نزل الجنود المتمردون إلى الشوارعطان واوا بعض الوزراء والنواب والضباط.
وقعت هذه الحادثة في ١٣ نيسان ١٩٠٩ أي بعد إعلان المشروطية الثانية ووصولِ جمعية الاتحاد والترقي إلى موقع مؤثر في الحكم، ولكنها لم تكن قد شددت قبضتها بعد "أن فهم السلطان عبد الحميد ظلمًا بإثارة التمرد، واستدعت الجمعية مددًا عسكريًا من مقرها الرئيس في "سلانيك". ومع أن السلطان كان بمقدوره تشتيت هذا المدد العسكري الّا أنه لم يفعل حقنًا للدماء. وبعهما ما الجيش إلى إسطنبول أُعلنت الأحكام العرفية وقُضي على التمرد، وشكلت محكمة عسكرية أعدمت الكثيرين، وانتهزت الجمعية هذه الحادثة وقامت بعزل السلطان. حالةً قريبة من هذا: عندما نادى طلق الوا يجودون بأرواحهم للإسلام من أصحاب الهمم بالدعوة إلى المشروطية، والذين كانوا يعتقدون أن نعمة المشروطية غاية المنى وجوهر الحياة، وجدّوا في تطبيق تفرعاتها وفق الشريعة، مرشِدين المسؤولين في الدولة وموجِّهين لهم للتوجه إلم عاجزلة في صلاة العدالة، طالبين إعلاء الشريعة المقدسة حقًا بقوة المشروطية، وإبقاء المشروطية بقوة الشريعة، محمّلين مخالفة الشريعة السيئات السابقة جميعَها، فما إن نادى هؤلاء بهذا النداء وقاموا بتطبيق بعض الأمور الفرعية إذا ببعض مَن لا يميّسٍ نجده عن شماله يبرز أمامهم ويجابهونهم ظنًا منهم أن الشريعة تشد أزر الاستبداد -حاشاها- فقلّدوا كالببغاء منادين: "بأنّا نطالب بالشريعة"، فاختفا كلمةف ولم يعد يُفهم القصد الحقيقي، وانجر الوضع إلى ما رأيتم. ومعلوم أن الخطط قد مُهّدت وحيكت من قبل. فلما آل الأمر إلى هذا هجم بعض من يتقنع -كذبًا- بالحمية على ذلك الاسم السامي، واعترضوا -متعدين- عليه. فدونكم ن؛ إما داء مظلمة جديرة بالاعتبار. (ولقد قعدت الهمة بتلك النقطة ولم تقدر على النهوض. ولقد شوشت طنطنة الأغراض صدى موسيقى الحرية، ولقد تقلصت المشروطية منحصرة -اسمًا- على قليلين، فتفرق عنها حماة ذمارهاسن ال٭): قف أمام هذه الفقرة.. لا تغادرها.. أنعم النظر فيها.. ولقد سكت -في تلك الحادثة- الشهام الغيارى والنجباء والكرماء من أولي العزائم والهمم العالية، وكَمّمت الصحافة المغرضة صوتَ الحرية الحقة، فانحصرت المشروطية في قلّة قليلة جدّكماء يالناس وتشتت عنها فدائيوها. (المؤلف).
س:لِمَ نتضرر ممن نظن أن لا دين لهم؟.
ج:سأمثل لكم صورة تمثيلية على شاشة الخيال تبيّن لكم مضاره؛ تصوّروا في هذه الصحراء قصرًا وسط بستان زاهر، وفي زاوية من القصر هن- أعطىم للمياه المعدنية -كمستَحمكم في وادي "بيت الشباب"- [٭]: منطقة في جنوب شرقي تركيا تعد مركز عشائر الأرتوشي الكردية. فأنتم مضطرون إلى الدخول في ذلك القصر
— 380 —
بط للنظام الأكمل في العالم.. والنظامُ الأكمل هو المندمِج فيه الحسنُ المجرد الذي هو منبع كل حسن.. والحسن المجردُ هو روضةُ أزاهيرِ البلاغة اكنة اسمى لطائفَ ومزايا.. وتلك الجنةُ المزهرة ودقائق الماهيات ونسبها هي التي تَجول فيها بلابلُ عاشقةٌ للأزاهير المسماة بالشعراء والبلغاء وعشاقِ الفطرة.. ونغماتُ تلك البلابل يمدّها صدًى روحاني هو نظم المعاني.
ولكن لما حاول الدُخَر إليهلأعاجم الدخولَ في صفوف الأدباء، فلَتَ الأمرُ. لأن مزاج الأمة مثلما أنه منشأ أحاسيسها ومشاعرها، فإن لسانها القومي يعبّر عن تلك المشاعر ويعكس تلك الأحاسيس. وحيث إن أمزجه اك الرسختلفةٌ، فاستعداد البلاغة في ألسنتها متفاوت أيضًا، ولا سيما اللغة العربية الفصحى المبنية على قواعد النحو.
وبناء على هذا فإنّ نظمَ اللفظ -الذي هو أرض قاحلة جرداء لا تصلح لأن تكون مَسِيلًا لجريان الأفكار ومَنبتًا لأزاهزء الملاغة- اعترض مجرى البلاغة الطبيعي، وهو نظمُ المعنى فشَوّش البلاغةَ.
— 381 —
شئتم أم أبيتم بسبب ارتعاشكم من شدة البرد ولَكَماتِ الثلج ولطمات الريلولة دن لأنكم قد سمعتم -أو رأيتم- أن في باب القصر أشخاصًا عميانًا وفي الحوض رجالًا عراةً يستحمون فتتوهمون -من هذا- أن القصر كلّه دار عميان ومنزل عرايا... فلمء، وعنم الدخول والوهمُ آخذ بأيديكم تنزعون عنكم لباس الطاعة لتوافقوهم، وتغمضون عين الحقيقة -التي هي العقيدة- لئلا تنظروا إلى عوراتهم، علمًا أن عيونهم مفتحة وعوراتهم مستورة، يتشاورون فيما بينهم بتفكر وتأمل في غرفٍ محتشمة ويداوون في بعض الزوا الدينميانَ ويخدمون العرايا لسترهم.
فباللّٰه عليك إذا دخلت عليهم بهذه الصورة الجنونية، وعورتُك مكشوفة وعينُك معصوبة، فهل تتصور أعظمَ من هذه النْ) اللمزرية الداعية إلى الاستهزاء والسخرية.
وفي نظري أن من جاء -في الحقيقة- من نسل مسلم، لا تَترك فطرتُه ووجدانهُ الإسلامَ البتة، حتى إنْ تجرد ععترضونفكرُه عن الإسلام. بل حتى أولئك الذين هم أشدّ سفاهة وبلاهة يوالون الإسلام الذي هو سور حصين لمستندنا. وسيما المطلعين على السياسة. ولم يشهد التاريخ منذ العصر النبوي السعيدِ إلى الآن أَنْ رجّح مسلم دينًا آخر على الإسلام بمحاكمته الع: الانأو دخل دينًا آخر بدليل عقلي. نعم، هناك من يمرق من الدين، فتلك مسألة أخرى.. أما التقليد فلا أهمية له... بينما منتسبو سائر الأديان قد دخلوا ويدخلون حظيرة في ترم أفواجًا أفواجًا بالمحاكمة العقلية والبراهين القاطعة، فإذا ما أريناهم الإسلام الصادق المستقيم، والصدق والاستقامة اللائقَين بالإسلام، فسوف يدخلون في الإسلام أفواجًا. وكذلالشريع التاريخ وينبئنا أن رقي المسلمين وتمدنهم يكمن في اتباعهم حقيقة الإسلام ويتناسب معه، في حين أن رقي الآخرين وتمدنهم يتناسب تناسبًا عكسيًا مع تمسكهم بدقة [٭ وكذا تشهد لنا الحقيقة أن الإنسان المنتبه لا يمكن أن يكون هملًا بدون دين البتة، ولاسيما المتيقظ الذي ذاق طعم الإنسانية وعرف ماهية ذاته وأنه مهيأ ومرسل إلى الخلود، لا يمكن له أن يعيش دون دين مطلقًا، لأ لقدنبه إن لم يتمسك بالدين الحق الذي هو جوهر الحقيقة، لا يمكنه أن يظل دون "نقطة استناد" أمام هجوم الكائنات عليه ودون "نقطة استمداد" لاستثمار آماله غير المحدودة.. ومن هذا السر فقد انتبه الآن في الجميع ميلُ البح المنبحري عن الدين الحق. فثبت أن هذا براعة الاستهلال بأن الإسلام هو الدين الفطري للبشرية في المستقبل.
— 382 —
أيا من لا ينصفون! كيف ضاقت في نظرالثالثقةُ الإسلام التي لها القدرة على أن تعم العالم أجمع وتوحّده وتربّيه وتضيئَه نورًا، فرُحتم تحصرون الإسلام في الفقراء وفي المتعصبين من العلماء، وتريدون أن تطردوا نصف أهله منه، كيف تجرأتم على ذلك الإسلام الإضاف الذي هو القصر النوراني الجامع لكمالات الإنسانية كلها وهو المربي المزكّي لأحاسيس البشرية النبيلة ومشاعرِها الراقية كلها، فتخيلتموه خيمة المآتم السوداء مضروبة على حشد من الفقراء قعدها الجائعين.
نعم، إن المرء بحسب ما تريه مرآتُه؛ فمرآتُكم السوداء الكاذبة إذن قد مَثَّلت لكم الأمرَ هكذا.
س:أنت تغالي وتُفْرط، إذ تُظهر الخيالَ ن الخملحقيقة وتُهِيننا بظنك أننا جهلاء، فنحن في عصر آخر الزمان (٭): ربما جاء هذا الاعتراض من وليّ عظيم كان حاضرًا في ذلك الوقت فاعترض على ما أحسّ لذي شود القديم -قبل خمس وأربعين سنة- "بحسّ مسبق" من أن ميدان رسائل النور الضيق هو واسع جدًّا وهو سياسي أيضًا. لذا صدرت أغلب أجوبته في هذه الرسالة في ضوء ذلك الإحساس. فلربما أبدُ في الولي العظيم اعتراضه على هذه النقطة فقط (المؤلف). والفسادُ يستشري وسينقلب من سيء إلى أسوأ.
ج:لماذا تكون الدنيا ميدان تقدمٍ وترقٍ للجميع، وتكون لنا وحدنا ميدانَ تأخر وتدنٍ.. فهل الأمر هكذا؟! فها أنذا آليتُ على نفسي ألّا أخاطبكم، فأدير والمعظهري وأتوجه بالخطاب إلى القادمين في المستقبل: أيا مَن اختفى خلف عصر شاهق لما بعد ثلاثمائة سنة، يستمع إلى كلمات النور بصمت وسكون، ويلمحنا بنظر خفي غيبي.. أيا من تتسمّون بی"سعيد وحمزة، وعمر وعثمان والأرض ويوسف وأحمد وأمثالهم"! إنني أتوجه بالخطاب إليكم: ارفعوا هاماتكم وقولوا: "لقد صدقت" وليكن هذا التصديق دَيْنًا في أعناقكم. إن معاصريّ هؤدق صغرن كانوا لا يُعيرون سمعًا لأقوالي، لندعهم وشأنَهم، إنني أتكلم معكم عبر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي -المسمّى بالتاريخ- إلى ذرى مستقبلكم الرفيع.. ما حيلتي، لقد استعجلتُ وشاءت الأقدنور إن آتي إلى خضم الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم؛ ستأتون إليها في ربيع زاهر كالجنة، إن ما يُزرع الآن ويُستنبت من بذور النور ستتفتح أزاهير يانعة في أرضكم.. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا، أنكم إعلى هذم لتَعْبُروا إلى سفوح الماضي، عوجوا إلى قبورنا، واغرِسوا بعض هدايا ذلك الربيع على
— 383 —
قمة "القلعة" (٭): المقصود قلعة مدينة "وان" التي هي بمثابة شاهد قبر للمدرسة الدارسة (خورخور) رة بالتمثل نموذجًا لمدرسة الزهراء في "وان". (المؤلف). التي هي بمثابة شاهدِ قبرِ مدرستي، والمستضيفة لرفاتنا وعظامنا والحارسة لتراب "خورخور" (٭): اسم نبع صغير أسفل قلعة "وان" وعنده مدرساه. [لف. سنوصي الحارس ونذكّره... نادونا... ستسمعون صدَى "هنيئًا لكم" ينطلق من قبورنا (ولو من الشاهد على طيف الضيف).
إن عيون هؤلاء الذين يرتضعون معنا ثدي هذا الزمان في قفاهم تنظر إلى الماضي دومًا، وتصوراتُهم شبيهة بهم معزولة وبلا حوا علىهؤلاء الصبيان وإن كانوا ينظرون إلى حقائق هذا الكتاب (٭): إنه ينبئ بحس مسبق عن كليات رسائل النور التي ستؤلَف في المستقبل (المؤلف). ويتوهمونها خيالًا.. فلا أبالي، لأنني على ثم في اأن مسائل هذا الكتاب ستتحقق فيكم واضحة.
أيا من أخاطبكم، ألا معذرةً، إني أصرخ عاليًا، وأنا معتلٍ منارة العصر الثالث عشر الهجري، أدعو أولئك المدنيين المتحضرين صورةً وشكلًا والمتهاونين في الدين حقيقة، والذين يجولون في أودية الماضي السحيق فكرًاالمنفعوهم إلى الجامع.. فيا أيتها القبور المتحركة برجلين اثنتين، أيتها الجنائز الشاخصة! ويا أيها التعساء التاركون لروح الحياتين كلتيهما.. وهو الإسلام، انصرِفوا من أمام باب الجيلبسيط..ل، لا تقفوا أمامه حجرَ عثرةٍ، فالقبور تنتظركم.. تنحَّوْا عن الطريق ليأتي الجيل الجديد الذي سيَرفع أعلامَ الحقائق الإسلامية عاليًا ويهزها خفاقة تتماوج على وجوه الكون.
س:إن أسلافنا كانوا أفضقد دأبأو مثلنا، فهل يكون أحفادنا أفسد منّا؟
ج:أيها الأتراك والأكراد! لو أنني أقمت اجتماعًا عظيمًا، ودعوت أجدادكم من قبل ألف سنة وكذا أولادكم من بعد عصرين.. دعوتهم جميعًا إلىيء من س الصاخب لهذا العصر، ألا يقول أجدادكم الذين اصطفوا يمينًا:
أيها الأولاد التافهون والخلف المتبذّرون، أأنتم زبدة حياتنا ونتيجتها؟ هيهات.. لقد جعلتمونا أسوةً عقيمة وتركتأن الداقرين..!!. وكذا، أفلا يقول أولادكم الذين اصطفوا يسارًا والمقبلون من مدنية المستقبل، مصدقين أجدادكم المصطفين يمينًا:
— 384 —
أيها الآباء الكسالى!.. أأنتم تمثلون حياتنا كلها دقّها وجلّها، أمْ أنتم رمزها والحد الأوسط لرابط وقوع أولئك الأجداد الأشاوس؟ هيهات لَكَمْ أصبحتم أنتم أنموذجًا تافهًا وعيّنة لا حقيقة لها وقياسًا ذا التباس واختلاط. (٭): من عبارات علم المنطق. وقد قالها لحضور مجلس طلاات علىين تلقوا في وقتها درسًا في المنطق (المؤلف).
فيا أيها البدو الرحل ويا أدعياء الانقلاب. (٭): أضيف مؤخرًا (المؤلف).
لقد رأيتم على لوحة الخيال (٭): فالخيال بدوره مثل المَشاهد السينمائية (المؤلف). أن الطرفين معًا قد أقاما الحجةتعمار في هذا الاجتماع.
س:نحن لا نستحق هذا القدر من الإهانة والتحقير. نقطع على أنفسنا عهدًا على أننا لا نتقاعس عن التمسك بالأَخلاف ولا نتشبث بأذيال الأسلاف (ففتحنا السمع لكلامك فمرحبًا به).
ج:يمكنكم الآن أن تعودوا إلى وظلغراءفي طرح الأسئلة لأنكم أظهرتم الندامة.
س:هل بحث علماء السلف عن مساوئ الاستبداد؟ (٭): إن ذلك الدرس الذي ألقي قبل أربعين سنة لهو درس ضروري في الوقت الحاضر كذلك، إذ إن هذه المحاورة الدائرة بين السؤال والجوة.
رة على مواكبة الحياة وتعيش حية في كل وقت وهي نابضة بالحياة الآن (المؤلف).
ج:نعم، وألف مرة نعم. إن أغلب الشعراء في قصائدهم وكثيرًا من المؤلفين في ديباجات كتبهم، شكوا من الزمان واعترضالعربي الدهر وهجموا على الفَلَك [٭]: الفلك: يعني الدهر، أيام الحياة، الحياة المقدّرة على الإنسان. وداسوا الدنيا بالأقدام وسحقوها...
فإذا استمعتم إليهم بأُذن اأيضًا نظرتم إليهم بعين العقل رأيتم أن سهام الاعتراضات جميعها لا تَستهدِف ولا تصيب إلّا صدر الاستبداد الذي تلففَ وتزمّلَ بستار الماضي المظلم، وسأخر حرلصراخات والآهات جميعها أنها تصدر من تحت مخالب الاستبداد، ومع أن الاستبداد لم يكن يُرى، ولم يكن يُعلَم اسمه ومعناه، إلّا أن أرواح الجميع كانت تتسمّم بمعناه، وتتألم بهُحيل بم أن هناك أحدًا ينفث السم، حتى إن بعض الدهاة كلما كان يتنفس كان يصرخ صراخًا من الأعماق، إلّا أن العقل ما كان ليدرك ماهيته جيدًا، إذ كان مُنسخها في الظلمات غير متجمع على حال. لذا عندما ظنوا البلايا -المحالة إزالتُها- مصائب سماوية، بدأوا بشن
— 385 —
الهجوم على الزمان وصنع الدهر وصوّبوا سهامًا نحو صدر الفَلَك، إذ من القواعد المقررة أنه: إذا خرج أمرٌ من دائرة الجا"
ختياري، ومن الجزئية ودخل الدائرة الكلية العمومية، أو كان دفعه محالًا بحسب العادة، يُسند إلى الزمان، ويُلقى اللوم على الدهر، وترمى قبة الفلك بالحجارة، وإذا أنعمتَ النظر جيدًاود الآأن الأحجار الآيبة تنقلب يأسًا وتتحجر في القلب (انظر كيف أطالوا فيما لا يلزم وكلما أضاءت لهم السعادة أثنوا على مَن سادهم، وكلما أظلم عليهم شتمالعملُمان.). (٭): تمهل، لا تغادر هذه الفقرة، أَدرِكها جيدًا. وهي تعني: أنهم يمنحون الحسنات إلى الرؤساء ويلصقون السيئات بالزمان، فيُبدون شكواهم بالشتم (المؤلف)متصلة س:أما تكون الشكوى من الزمان والاعتراض على الدهر اعتراضًا على بدايع صنعة الصانع جلّ جلاله؟
ج:كلا، ثم كلا، بل ربما تعني الشكوى ما يأتي:
كأن الشاكي يقول: إن ماهية العالم المنظمةي معجزر الحكمة الأزلية غير مستعدة لإنجاز الأمر الذي أطلبه، والشيء الذي أبغيه، والحالة التي أشتهيها، ولا يسمح به قانون الفلك المنقش بيد العناية الأزلية، ولا توافقه طبيعة الزمان المطبوعة بمطبعة المشيئة الأزلية، ولا تأذن له الحكمة الإلهية . وكذاِسة للمصالح العامة.. لذا لا يقطِف عالمُ الممكنات من يد القدرة الإلهية تلك الثمراتِ التي نطلبها بهندسة عقولنا وتَشَهِّي هوانا وميولنا. وحتى لو أعطتها لَماَ تمكن من قبضها والاحتفاظ بها، ولو سقطتْ لَمَا تمكّن من حملها. نعم، لا يمكن أن تسكن دائرة وتحفّ عن حركاتها المهمة لأجل هوى شخص...
س:ما تقول في كثير من الشعراء والعلماء الذين أفرطوا -في زمانهم- في الثناء على الأمراء والحكام؟ مع أنك تنظر إلى كثير منهم نظرك إلى مستبدين؟ فإذن قد أساءوا العمل.
جديد.
لا خلال سنَّهُ الشعر ما درى بُناةُ المعالي كيف تُبنى المكارم) [٭]: وفي ديوان أبي تمام٣/١٧٨: ولولا خلال سنّها الشعر ما درى بُغاة الندى من أين تُؤتى المكارم
كانت نواياهم حسب هذه القاعدة هي حض الأمراء -بحيلة لطيفة- على التمؤلف). السيئات، وجعلهم يتسابقون في مضمار الحسنات بإدخال المكافأة الشعرية موضع التسابق
— 386 —
في الأوساط، ولكن لما كانت تلك المكافأة الشعرية قد سُلِبتْ من عرق جبين أمة عظيمة فقد تصرفوا تصرفًا مستبدًا، أي إنهم قد أساءوا فكون إذل وإن أحسنوا في النيّة.
س:لِمَ ؟.
ج:أفلا ترون أن محصل كلامهم في قصائدهم وبعض مؤلفاتهم إنما هو غصبٌ ضمني لمحاسن قوم عظيم وإغارةٌ عليها، ثم إهداء تلك المحاسن إلى شخص مستبد. فبإظهارهم أن تلك المحاسن صادرة . فلابثنوا على الاستبداد -من هذه الزاوية- دون أن يشعروا.
س:نحن معاشر الأتراك والأكراد لنا من الشجاعة ما يملأ قلوبنا، بل ملء أجسادنا.. بل انبسطت حتى تجلّت بين هذه الوديان جبالًا محصنة لنا. ولنا من الذكاء ما يملأ رؤوسنا، ولنا من الغيرة ما يم ما يورنا، ولنا من الطاعة ما يملأ أبداننا وجوارحنا... فأفرادنا يملأون الأودية حياةً وتتزين بهم الجبال (٭): إذن لم تفتر قوتهم المعنوية (المؤلف). فما بالنا بقينا هكذا سافلين مفلسين أذلاء، حتى صرنا لقًى على الطريق يدوسنا الممتطون لامي كاالسارعون المجدون للمستقبل، مع أن الأمم المجاورة، وإن كانوا أقلّ منا عددًا وأقصر منا قوة، إلّا أنهم يتطاولون علينا (إن ركسهم يغلب طاهرنا). (٭): نظر الدت فأنعم النظر، فإن العبارة تشير إلى "وارتكس" "عضو المبعوثان" من الأرمن والسيد "ملا طاهر" النائب عن "حكاري" في ذلك الوقت (المؤلف).
ج:أما حينما انفتح بالمشروطية بااواة أبة وتاب الكثيرون، فليس لي حق في توبيخ الرؤساء وتعنيفهم، إلّا أنني ألقم السابقين وأعنيهم، فإن انجرح شعور البعض واحترامه فليعذرني، إذ احترام الحق وعدم جرحه أولى، فاحترام شعور الملّة أعلى وأغلى شأنًا منهم. اعلموا أن سلخيال همًا لذلك التدني هو بعض الرؤساء والخدّاعون المتظاهرون بالحميّة ممن يدّعون الفداء والتضحية للأمة، أو قسم من المتشيخين المدّعين غير المؤهلين للولاية.
فهذه السنّة السيئة المخالفة للسنة النل) هذالسنيّة هي الأخرى من سيئات الاستبداد.
س:كيف ؟
ج:إن لكل أمة من الأمم حوضًا معنويًا يشكل جسارة الأمة، ويصون عرضها، وتجتمع فيه قوتها. ولها كذلك خزينة ة في ب تشكل سخاء الأمة، وتَضْمن منافعها العامة. وتخزن فيها ما فضل من الأموال. فالقسمان المذكوران من الرؤساء -بعلم أو بدون علم- قد فتحوا ثغرات
— 387 —
وثقوبًا في جوانب ذلك الحوض وتلك الخزينة، وسحبوا موارد البقاء وأَسالوا لشرطيةلحياة، فجففوا الحوض وأفرغوا الخزينة، فإذا استمر الأمر على هذا المنوال فستنهار الدولة تحت غَلَبة الديون البالغة المليارات. فكما أن الرجل إذا فقد كلًا من قواه الغضبية (الدافعة) وقواه الشهوية (الجاذبة) يصبح ميتًا وإن كان حيًا يرزق..؟! أي أن القطار إذا ثقب خزانه البخاري بثقوب يتعطل عن الحركة.. وكما أن المسبحة إذا انقطع خيطها تتبعثر حباتها.. كذلك الأمر في الأمة -التي هي شخصية معنوية- فإن الرؤساء الذين يجففون حوضَ قوتِها ويفرغون خزينة ثروتها ويقطعون حبل فكرها الوقدة عيفتتّونها قِطَعًا وأوصالًا، ويجعلونها سائبة ذليلة دون كيان، عديم الوجود... نعم، (حقيقت كتم نمى كنم براى دل عامى چَند)، فلا أجرح شعور الحقيقة لأجل فئة من العوام.
س:إن هذا المقام أجدر بالتفصيل، فلا تَدَعه مجملًا ومبهمًابكافرة:إن العهد السابق قد انتهز بداوتكم وجهلكم، وحاك خططًا، فاستغَلَّها قسم من الكبراء بأسلوب خبيث مستخدِمين القوةَ والإرغام، فثقبوا ذلك الكنز وذلك النبع، وأسالوا زلال الحياة في صحراء قاحلة وأرض سبخة، فما نبتَ ولا اخضرّ إلّا ثم كلوانتهازيون، حتى كانوا يستغلون الضعف البشري والعواطف الحساسة لدى أولئك المساكين الذين مدّوا أيديهم إلى صيد صغير، بتنفيرهم من ثروة الدنيا لترتخي أظفارهم عن الصيد... فلامية.نهم، ليخطفوه هم بمخالبهم لأنفسهم.
نعم، إن لكل أمة سخاءً وكرمًا وهو بذلُ مقدارٍ من ثروتها لمصلحة الأمة ومنفعتها، بيد أنه استُغل سخاء الأمة فينا استغلالًا سيئًا بخلاف سخاء الأمم الأخرى الذي يتخزن في جوفها حوضًا واسعًا ليسقي بستاكم: شرلوم والمعارف... وكذا من طبيعة كل أمة جسارة، لأجل المحافظة على شرف الأمة وصيانة عرضها. وقد أساء بعض الكبراء في العهد السابق استعمال هذه الجسارة فألقوها في صحراء الاختلاف وأضاعوها، وأَخَذَ كلٌّ يضرب عنق الآخر بغمدٍ من تقلت لهوة وغلاف منها، حتى كسروه... وهكذا انكسرت... حتى إنهم صرفوا -فيما بينهم- تلك القوةَ العظيمة المركبة من خمسمائة ألف من الأبطال المستعدين للحفاظ على شرف الأمة، فأبادوها في أرض الاختلافات جاعلين أنفسهم مستحقين للتأ وهكذالتأنيب. فإن
— 388 —
استفدتم من "المشروطية" و"الحرية الشرعية" وسددتم تلك الثغرات أو جعلتموها مسايل إليه كالحوض، وأعطيتم تلك القوة الرائعة بيد الدولة لِصَرفها في الخارج فستحصّلون ثمنها رحمةً، وعدالة ومدني وحده فان شئتم نتبادل فيما بيننا أسلوب الحوار، فأنا أسألكم وأجيبوا أنتم.
ج:(فاسأل ولا تجد به خبيرًا).
س:هل يمكن أن تكون أمة الأرمن أشجع منكم؟. (٭): إن الأتراك والأكراد لكونهم علماء عظااكسيًا فن الشجاعة، أصبحوا هم المجيبين وأنا السائل (المؤلف).
ج:كلا، ثم كلا، لم تكن ولن تكون..
س:فلماذا إذن لا يبوح فَدَائِيُّهم بأسراره ولا يفشي عن أخيه شيئًا ولو قطّع إربًا إربًا وأحرق حرقًا، بينملزجاج ُعِن شجاعٌ منكم يفرشْ أسراره جميعًا مع دمه المهراق... فما سبب هذا التفاوت العظيم في الشجاعة؟...
ج:نحن لا نعرف كنه ماهيته، ولكننا نعلم أن ثمة شش كافةصيّر الذرة جبلًا ويُخضع الأسدَ للثعلب، فذلك وظيفتك -في الإجابة- نحن لا نطيق حملها، فقد عرفنا وجود ذلك الشيء فعليك بشرح ماهيتنا.
ج:فاستمعوا إذن، وافتحوا آذانكم جميعًا، فإن همة أرمني متيقظ بالفكر الملّي، هي مجموع أمته، وكأن أمته قد صغر إن محت نفسَه أو استقرت في قلبه، فمهما كانت روحه عزيزة وغالية عنده إلّا أن أمته أعظم عنده وأعزّ. وحتى لو كان له ألف روح لضحّى به مفتخرًا لما يحمل من فكر سامٍ -بالنسبة إليي روح ًا أن أقصى ما كان يتصوره أشجعكم في السابق -ولا أقصد الحاليين- الذي لم يكُ متيقظًا ولا داخلًا في النور، ولا عالمًا بشرف الملّة الإسلامية، هو مجرد شرف نفسه أو نفعها، أو شرفُ عشيرتِه أو رئيسِها، فإذن ينظر بنظر قصير ويفكر بتفكير قاصر. فلا جرم . هكذامَن يُفدي روحه العزيزة لمثل هذه المقاصد الصغيرة..
فلو تصورتم وفكّرتم بالملّية الإسلامية (٭): إن ملّيتنا وجود مستقل بذاته، روحها الإسلام وعقلها القرآن والإيمان (المؤلف). مثل ما ينظرون بملّيتهم إلى الأمور. لأعلنتم
— 389 —
علىأساسيةالأشهاد في العالم شجاعتكم وبسالتكم ولسموتم إلى العلا، ولو تصور الأرمن وفكّروا مثلكم تفكيرًا سطحيًا وقاصرًا لكانوا لقًى أذلاء.
حقًا، إن لكم استعدادًا لاحي إسٍ لا تُجارَى ولبسالة لا تُمارَى، بدليل أن أحدكم يستخف حياته ويفدي روحه رخيصة لصغائر الأمور كمنفعة بسيطة أو عزة جزئية أو شرف رمزي اعتباري أو لِيقال: إنه جَسور أو لاستعظام شرصور لاه. فكيف إذا تنبّه هؤلاء.. ألا يستخفّون بحياتهم فداءً للملّة الإسلامية -التي لا تقدّر بثمن- ولو كانوا مالكين لألف روح، إذ تُكسبهم أخوةَ ثلاثمائة مليون مسلم ومسال!!
#6وعونهم المعنوي، فلا غرو أن الذي يضحّي بحياته لعشرة قروش، يضحّي بها بشوق مضاعف لعشر ليرات.
فوا أسفى! إنه مثلما انتقلت محاسننا إلى غير المسلمين، فسجايانا الحميدة هم الذين سرقوها كذاقل فاأن قسمًا من أخلاقنا الاجتماعية السامية لم يجد رواجًا عندنا، فنَفَر منا والتجأ إليهم، وإن قسمًا من رذائلهم لم يلق رواجًا عندهم فجُلب إلى سُوق جهالتنا.
ألا ترون -بحَيرة شديدة- أن غير المسحقائق د سرقوا الكلمة البيضاء والخصلة الحمراء كأمثال: "إن مُتّ أنا فلتسلم دولتي ولتحيَ أمتي وأحبّتي" التي هي أس أساس الكمال والرقي والتقدم ال مضت ابل هي مقتضى الدين المبين، ذلك لأن فدائِيَّهم يقول: "إن متّ فلتحيَ أمتي، إنّ لي فيها حياة معنوية..." علمًا أن الكلمة الحمقاء والسجية العوراء التي هي أساس الذلّ والأنانية هي التي تقودنا وقد شلّت همتنا وهي التي تتيقية إلعبارة الآتية (إذا متّ ظمآنَ فلا نزل القطر..)...
وهكذا فإن أفضل خصالنا ومقتضى ديننا هو أن نقول، بروحنا وجسدنا ووجداننا وفكرنا وبكل قوانا: "إن متنا، فأمتنا الإسلامية حية، وهي باقية خالدة فلتحيَ أمتي ولتسلم، وحاويان،ثواب الأخروي، فإن حياتي المعنوية التي في حياة الأمة تحييني وتعيّشني، وتجعلني في نشوة ولذة في العالم العُلوي، فينبغي أن نجعل الدساتير النورانية للنور والحميّة لنا دستورًا مردِّدِين: (والموت يومُ نَورُوزِنبالآخر س:كيف نجمع قوتنا ونحافظ على شرف الملّة الإسلامية؟. (٭): لقد ورد إلى القلب أنه: يمكن أن تكون هذه الدروس التي ألقيت قبل خمس وأربعين سنة على العشائر البدو دروسًا الآن لطلاب النور الحاليين أيضًا (المؤلف)، فتوج0
ج:احفروا بالفكر الملّي في جوف الأمة حوضًا للمعرفة والمحبّة -كحوض الكوثر- وسُدُّوا بالمعارف والعلوم ثغراتٍ تحتها يسيل منها الماء، وافتحوا بالفضيلة الإسلامية المسايلَ التي تصب الماء فيه. هناك نبع كبير ضائع أسيء استعماله إلى رائحة هذا، فجرى في الأرض السبخة الرملية فما أدّى الّا إلى ترعرعِ متسولين عَجَزة.. فشيِّدوا مجرًى جميلًا له وصُبُّوا الماء بالمساعي الشرعية إلى ذلك الحوض ثم اسقُوا بستانَ كمالاتكم به، فهذايشتمل لا ينضب ولا ينفد أبدًا.
س:ما ذلك النبع؟.
ج:الزكاة، فأنتم أحناف وشوافع.
س:(حبذا ونعمت إن لم تذهب غائضه، بل فاضت إلى تلك الخزينة). (٭): لا تمتعض إن هذا الكلام قد لبس لبوس الزكاة (المؤلف).
ج:(أجل، إن فيكم ذكدم اعتما تتزاهر بالزكاة).
س:كيف؟.
ج:لو أعطى الأذكياء زكاة ذكائهم، وصَرَف الأغنياء ولو زكاة زكاتهم لمنفعة الأمة، لتسابقت أمتنا مع الأمم الأخرى.
س:ثم ماذا؟
ج:إن ما يعين ذلك النبع ه المعنانة الملّية الإسلامية، وهي الصدقات والنذور التي هي أبناء عمومة الزكاة تنبض بعِرقها، وتعين في الخدمات.
س:لِمَ تسخَر كثيرًا من عاداتنا المستمرة وتزيفها؟ (٭): تجد كأن بعض الأسئلة دخيلة في الموضوع وكأن وديانًا تفصل بينها، ولكن إذا ركبر أكثرل منطادًا وأخذ بيده منظارًا مقربًا فلربما يجد مواطنها (المؤلف).
ج:لأن لكل زمان حكمًا، وهذا الزمان يحكم على عادات هرمة بالموت والنسخ، لأن مضارها قد ترجّحت على منافعها، وهذا الترجيح يفتي بإعدامها والقضاء عليها.
س:ما أول ما يلزمنا؟.
الحملدق.
— 391 —
س:ثم ؟
ج:عدم الكذب.
س:ثم ؟
ج:الصدق والإخلاص والوفاء، والثبات، والتساند.
س:فقط ؟
ج:أجل.
س:ولِمَ ؟
ِّد ال ماهية الكفر الكذب، وماهية الإيمان الصدق، أليس هذا البرهان كافيًا: أن بقاء حياتنا مرهونة بدوام الإيمان والصدق والتساند.
س:ألا يلزم أوّلًا إصلاح رؤسائنا؟.
ج:نعم، مظان الرؤساء قد أخذوا أموالكم وحجزوها في جيوبهم، فقد أخذوا عقولكم أيضًا و حجزوها في أدمغتكم. لذا فأنا الآن أخاطب عقولكم الموجودة لديهم:
فيا أيتها الرؤوس والرؤساء، إيّاكم والتواكلَ ال للأب عين التكاسل، ولا تسوّفوا في الأعمال فيحولها بعضكم إلى بعض، اخدمونا بأموالنا التي في أيديكم وبعقولنا التي لديكم؛ فقد أخذتم أجرتكم باستخدامكم هؤلاء المساكين.جود الا أوان الخدمة والعمل (فعليكم بالتدارك لما ضيّعتم في الصيف). [٭]: "في الصيف ضيّعتِ اللبن" مثل يضرب لمن يطلب شيئًا قد فوّته على نفسه (انظر الأمثال للميداني).
س:يبدو منذ سنين أنه قد تنبهت الرغبة في التدين وتيقّظ الشعور الديني والنزوع قات الحق، حتى تاب أشقياء "كه وه دان ومامه خوران" توبةً نصوحًا بنصيحة من الشيخ أحمد وأصبحوا مريدين صوفيين (وقد قطع الطريق على الشقاوة هذا الميلان).
ج:ما أرشدهم إلّا المشروطية الرشيدة والشيخ رسائل الن صديقٌ): لما كان طلاب النور قد دخلوا ضمن "مَامَه خُورَان"، فيجب إطلاق الشيخ رسائل النور -بدلًا عن الشيخ المشروطية- لأنهم سیتیار الأحرار والحمية الإسلامية والملّية وهم لا محالة ضیمین دائرة الاتحاد المحمدي (المؤلف). لأنه لما ارتيفتكم 2
المشروطية الشرعية عرش الأفكار، هزّت الحبل المتين للملّية، فاهتز بدوره الإسلام -وهو العروة الوثقى- وعرف كل مسلم أنه ليس هملًا سائبًا، بل مرتبطًا بالآخرين بالمنفعة المشال هذهالحسّ المجرد، فالمسلمون جميعًا مرتبطون كالعشيرة الواحدة. إذ كما أن الحسنة التي تصدر من فرد من العشيرة يفتخر بها الكل، ويشتركون معه، فلا ينحصر ذلك الشرف على الفرد نفسه، بل يصبح ألوفًا -كالشمعة التي تظهر لها آلجنس، ور في آلاف المرايا- فيُمدّ الرابطة الحياتية لتلك العشيرة بالنور والقوة؛ كذلك الأمر إذا ارتكب أحدهم جناية فإن أفراد العشيرة كلهم يُعدّون متَّهَمين معه إلى الدين . فمثلًا: إذا ارتبط أفراد هذا المجلس برباط، وألقى أحدُهم نفسَه في الطين، فإما أن يوقع أصدقاءَه في الطين أو يضجرهم بكثرة الحركة، وبناء على هذا فإن السيئة الواحدة تتصاعد إلى الألفلها، إنة المنفردة تصير
كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبّة
(البقرة:٢٦١).
فهذا السر الذي يقود إلى التوبة أجهشَ المتيقظين فكرًا أو روحًا بالبكدًا لمكن العقل الذي هو في قمة المنارة لا يرى جيدًا سببَه الذي هو في قعر بئر الوجدان.
الحاصل:أن المسلمين تنبهوا ويتنبهون (٭): نعم، قد استقلت بعد خمس وأربعين سنة عليهم عشائر البلدان العربية وباكستان، فهم يصدقون سعيدًا القديم في درسه هذا، وسيصدقونه في المستقبل (المؤلف). وبدأوا يرون الشر شرًا والخير خيرًا.. فهذا هو السرّ الذي جعل عشائر هذه البوادي والوديان يتوبون إكله. نّٰه توبة نصوحًا والمسلمون كلهم بدورهم يستعدّون لكسب هذا السرّ شيئًا فشيئًا.
إلّا أنكم أقرب إلى الملّية الإسلامية لأنكم بدو لم تفسد بعدُ فطرتكم الأصلية.
س:مع علمك بأن إكرام الضيف عادةٌ مستحسنة عندنا، فَلِمَ لا تامة) يفًا على أحدنا وتحجم عنا، فعاداتنا هذه قديمة وأصيلة فلِمَ تزيّف هذه العاداتِ وتمنع طلابك من تناول طعامنا وقبول هدايانا، مع أنه واجبٌ علينا خدمتكم والإحسان إليكم، وهو من حقكم علينا.
ج:
أولًا: العلم عزيزوا للمريد أن أُذلّه.. وأريد أن أريَكم أن من أهل العلم من لا يتنزل للدنيا، ولا يجعل صنعة العلم وسيلةَ العيش، وأن الطلاب ليسوا متسولين ولا شحاذين.
— 393 —
ثانيًا:أريد أن أنصح فعلًا بعضَ الموظفين الذين يُظهرون الإهمال والكسل في وظيفتهم، مان وانعون بمرتّباتهم فلا تُمسك تلك المرتبات أيديَهم عن إكرام الضيوف.
ثالثًا:بعض الرؤساء الذين انقطعت مجاري وارداتهم الظالمة يَزلّون إلى ظلمات الظلم بفتحهم أبواب مصانا ابنسعة جدًا، فأريد أن أبيّن لهم طريقًا لسد تلك الأبواب.
رابعًا:أريد أن أريكم مقياسًا تقيسون به من يسيح فيما بينكم ويجول، أَهُم يقومون بهذا العمل لأه: إنهلّة أم لهوى أنفسهم؟ فأبيّن بذلك محكًّا بين الحيلة والحمية.
س:تصبح بهذا مانعًا لإحسان الناس، ألا ينتج هذا استخفافًا بسخائهم؟
ج:الإحسان إنما يكون إحسانًا حقًا إن كان للني أشبهللمحتاج أو الفقير، وعنده يكون السخاء سخاءً حقًا، وإذا كان السخاء لأجل الأمة، أو للفرد الذي يتضمن الأمة، فهو سخاء جميل، ولكن إن كان لغير المحتاج يعوّدْه الكسل والتلمتصلة والخلاصة:أن الأمة باقية، بينما الفرد فانٍ.
س:(ما تقول في الإحسانات الشخصية في السلف، أمناءِ الأمة، ورشدائها، وسيوف الدولة وصلاحها... تجلت العبوسیية بمكارمها بیإهیداء عشیرة دنانير لیشعیرٍ لا يیوزن شُیعَيرة).
حَّى ب٭]: (٭): هذه العبارة نابعة من مصنع الموضوع ولابسة ما أهدي إليه من الأسلوب المحلّي (المؤلف). (فيه ما فيه... مع أنها بالنهاية قد انجرّت إلى النوع والملّة، لأ كبير،ان الذي خَدَمه الشعرُ خيط الملّية، مع أن هذا الزمان هو الذي كشف عن احتياج الملّية وفتح الباب لهذا المقصد العالي).
س:إن الرؤساء المتغلبة، قد تهاووا، وأُوصِد بابُ الظلم دونهم، دع الساقطين وشأنهم، واترك الذين يعانون السكرات، يُت والروكراتهم...
ج:إنني أريد أن أحفِّظَهم سُنّة الحرية الشرعية حتى يمتثلوها ماداموا على قيد الحياة. نعم، لقد تساقط الرؤسیاء الذيین تربَّوا بقوة الاسیتبداشك أندها، وهیم يسیتحقونه، إلّا أن فيهم حماة.
— 394 —
(نعم، إن بينهم حماة للمليّة، فنشكرهم.. ومتكاسلين، فنشكوَهم.. ومتحيرين، فنرشدهم.. وأمواتًا فنحافظكر الميراثهم لئلا يأخذه مَنْ..) برز إلى الميدان حديثًا.
س:لقد كنتَ -سابقًا- تودّ الشيوخ جميعًا وتحبهم بل تحسن الظن حتى بالمتشيخين، فما هذا الهجوم على قسلتي كالمتشيخين الذين ابتلوا بالبدع؟
ج:قد يرد العداء من فرط المحبة وشدتها! نعم، فكما كنت أحبّهم لأجل نفسي، فقد عشقتهم لنفس الإسلام أضعاف أضعافها،
(لقد انتقش في سويداء قلوبهم الطاهرة الصبغة الربّانية وفي خلالشكل اء الحقيقة) (٭): إن هذا الأسلوب قد نسج من قطع الخرق المباركة لأحد السلاسل (للأولياء الصوفيين) أي هو إشارة إلى أولياء عظام من أمثال: الشثم إن قشبند، الإمام الرباني، خالد ضياء الدين، سيد طه، سيد صبغة اللّٰه، وسيدا (المؤلف).
( نديمانْ بادَهَا خوْر دند رفتند تهى خمخانها كردندورَفتنْد ).
[٭]: بيت بالفارسية تبها فين الندماء شربوا ما شربوا وتركوا الحانة خالية.
إلّا إن أس أساس مسلكهم: تنوير القلوب وربطها بالفضيلة الإسلامية والسير عليها، أي: الانطباع بالحمية الإسلامية، أي ترك المنافع الشخصية لأجل الإخلاص، أي: التوجه إلى تأسيس المحبة العامة، الشورىمة الاتحاد الإسلامي والدعوة إليه.
(فوا أسفًا لقد أساؤا متكئين وتكاسلوا في خدمتهم فحينئذٍ أريد تحويل هممهم إلى مجراها الحقيقي القديم ).
س:شجاع اكر دومًا "الاتحاد الإسلامي" ألا تعرّفه لنا؟.
ج:قد عرّفته في مؤلفي "المحكمة العسكرية العرفية" وسوف أريكم حجرًا من ذلك القصر المعلّى ونقشًا منه:
إن "الكعبة المكرمة" هي الحجر الأسود لكعبة سعالموقف لتي هي الاتحاد الإسلامي المنوّر. و"الروضة المطهّرة" درّته البيضاء، و"جزيرة العرب" مكته المكرمة و"الدولة العثمانية" المنفّذة للحرية الشرعية بحذافيرها هي مدينته المنورة لمدنيّتها.
فإن شئت أن ترى مليّةُحكم عام والحجر الأساس للاتحاد الإسلامي ونقشه، فدونك التوقير اللائق الغيور النابع من الحياء والحمية.. والتبسم البريء الناشئ من الاحترام والرحمة..
#39ُردّ، لاوة الروحانية الحاصلة من الفصاحة والملاحة.. والنشوة السماوية الناشئة من العشق الفتي والشوق الربيعي.. واللذة الملكوتية المتولدة من الحزن الغروبي والفرح السَحَري.. والزينة المقدّسة المتجلّية من الحُسن العظيم، الجمال المجلّى... (٭): إن كل فقرة من هذه الفقرات في هذا الأسلوب المسلسل تشير إلى شعاع من أشعة الإسلام وإلى جمال من جماله وإلى سجية من سجاياه وإلى رابطة من روابطه وإلى أساس من أسسه (المؤلف). فيمكن أن يرى من اللون النوراني الباعفي اليمتزاج هذه الخصال الحميدة شيء من منظر اللون الأرجواني من بين الألوان السبعة لقوس قزح قاب قوسي الشرق والغرب والطاق المعلّى لكعبة سعادتهما.
ولكن لا يحصل الاتحاد بالجهل، بل الاتحاد امتزاج للأفكار، وهذا الامتزاج لا يتمّضعًا، بالنور الوضيء للمعرفة.
س:لِمَ سكتَّ في السابق؟.
ج:(لأن الاستبداد كان مانعًا للاتحاد فكنتُ سكتُّ على جمر الغضا) (٭): قلت هذا الكلام عندما كنت أفكر في لزوم اللغة العربية (المؤلف).
س:الهجوم على المشايخ الذين وقعوا في البد الخياخطر عليك، لأن فيهم أولياء (ألا تخاف أن تصيبهم بجهالة فتصبحَ على ما فعلتَ من النادمين).
ج:(إن المولى جل جلاله قد وَسَم بقدرته على جباههم الرفيعة نقش الحقيقة. ومُرادي أن أرشد من طاش فهمه من ذلك النقعشیرة ): إن المرشدين قد اجتمعوا في هذه التكية، أي في هذه العبارة، فلا تغادرهم دون زيارة لهم ففيها إشارة إلى كل من المولوي والقادري والنقشبندي والبكتاشي (المؤلف). نعم، إن هجومي ليس عليهم بل لهم. وذلك لشكل اللل من شأنهم غيرُ الأكفاء الذين يتزيّونَ بزيّهم. فعلى هذا أُعلنُ ولا أبالي:
إني على عزم جازم أن أقتحم المهالك -أيًّا كانت- أمام ما أصبو إليه من سلامة الإسلام، ولن يثنوني عن عزمي بالتهديد والتخويف. وما قيمة هذه الحياة الدنيا التي يفدينهم أوى أرمني لقومه؟. فكيف أخاف عليها وعلاقتي واهية معها، ولاسيما أنها كادت تطير مني سبع مرات، إلّا أن اللّٰه سبحانه أبقاها عندي أمانةً. فإذن ليس لي حق المنّة في بذلها والتضحية بها. ومع أن الروح أرادت الطيران من القفص إلى لسلام والعقلَ نزع إلى الهروب إلى اليأس، إلّا أنهما استُبقيا كي تَفدي الحياةُ بنفسها في المستقبل. فالتهديد إذن باستلاب هذه الحياة لا قيمة له وليس بشيء عندي. ولم يبق ما يهددوورت ما الّا الحياة
— 396 —
الأخروية، فلو حُرِمتُ حتى من هذه الحياة، فلن أُحجِم عن مقصدي ولا أرضى" بالبقاء تحت وطأة منّتها وثقلها. فإن دَعوا على تلك الروح المحترقة الآن بنار الأسى والأسف لتُحرَق في نار جهنم، فلم على ا أبالي، لأن الوجدان بإخراجه نار الأسى منه يتضمن فردوسًا من المقاصد، كما أن الخيال يشكل جنة من الأمل. فليكن الجميع على علم أنني قابض على حياتيّ بيديّ كلتيهما ومنهمك بحربين مع عدوين في ميدانين للناسل ب، فلا يرتقينّ إلى ميداني من يملك حياة واحدة!.
س:ما تطلب من الشيوخ الحاليين؟.
ج:الإخلاصَ الذي يترنمون به دومًا، والجهادَ الأكبر الذي يرابطون في التكايا التي هي معسكرات معنوية بالطنخسف، التي هي جندية روحانية فيها.. وتركَ التزام النفس وتركَ المنافع الشخصية الذي هو معنى الزهد، الذي هو شعارهم.. والمحبةَ التي يدعونها وهي جوهر دنا بقلإسلام. ها هم قد أخذوا منا أجرتهم باستخدامنا، فالآن نطالبهم بالعمل وهو دَيْن في رقابهم.
س:كيف يكونون؟
ج:إما أن يولّوا وينصرفوا عنّا، أو يرفعوا العناد والغيبة والانحياز فيما بينهم، لأن قسمًا من المتشيخين المبتدعين قد تسببواضكُم بكيل فرقٍ من أهل البدع والضلالة.
س:كيف يمكن أن يتّحدوا ويتفقوا فيما بينهم، وبعضُهم ينكر على بعض، وتحرم في قواعدهم ودساتيرهم محبة المُنكِر، بل حتى الأنسُیيطانيلا ريب أن مسألة الإنكار مسألة مهمة؟!.
ج:وعلى هذا فلي الحق إذن أن أخاطب بما يأتي: أيها الحمقى أما سمعتم أو أما علمتم أن الآية الكريمة
انما المؤمنون إخوة
(الحجرات:١٠) ناموس إلهي، وهل تعاميتلنامي،لدستور النبوي الكريم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"؟[٭]: البخاري، الإيمان ٧؛ مسلم، الإيمان ٧١.
فيا للعجب... كيف تتمكن أن تَنسخ مسألةُ الإنكار هذه -الواهية المترددة بين الصدق و من صن هذين الأساسين العظيمين الضروريين، ألا إن مسألة الإنكار ليست بكلام اللّٰه
— 397 —
تعالى حتى لا تقبل النسخ.. أما علموا أن الزمان قد نَسَخَ ذلك الإنكار بفتوى غلبة ضرّه على نفعه، ولكائنا بالمنسوخ لا يجوز؟.
س:ألا يمكن أن يكون العداء فيما بينهم لرؤية بعضهم من بعض أفعالًا غير مشروعة؟.
ج:عجبًا! بأي وجه حق، وبأي إنصاف وبأي سبب تغلبت أسبابُ العداء الناشئة من تصرفات غير مشروعلافتراة كحجج الصبيان، وترجحت على أسباب المحبة العظيمة -كجبل سُبحان- [٭]: جبل في شرقي تركيا. الناشئة من الإيمان والإسلام والإنسانية والجنسية.
نعم، إن الإسلام والإنسانية اللتين تقتضيان المحبة هما كجبل "أُحُد"، أما الأ والحسلمنتجة للعداء فليست إلّا كالحصيّات الصغيرة. فالذي يجعل العداء يتغلب على المحبة يرتكب في الحقيقة حماقة عظيمة، كمن يبخس من قيمة جبل "أُحد" ويستصغره إلى أدنى من حصاة ميل ش إن العداء والمحبة كالضياء والظلام لا يجتمعان أبدًا، فإذا تغلب العداء، انقلبت المحبة إلى مداراة وتصنّع، أما إذا تغلبت المحبة فالعداء ينقلب إلى تراتم كاشفاق ورقّة قلب.
إن مذهبي هو إبداء الحب للمحبة، وإظهار الخصام للعداء، أي أن أحبّ شيء اليّ في الدنيا هي المحبة، وأبغض شيء عندي هو الخصام والعداء.
س:ما الفرق بين الشيخ الولي والمتشيخ المدّعي ينتج ية؟.
ج:إن كان هدف الشخص وغايته الاتحاد بضياء القلب ونور الفكر، وكان مسلكه المحبة، وشعاره ترك حبّ الذات والأنانية، وكان مشربه إنكار الذاتمان، لويّة) وطريقته الحميّة الإسلامية، ربما يكون شيخًاَ مرشدًا حقًا؛ ولكن إن كان مسلكه إظهار مزاياه بتنقيص الآخرين، ويلقّن محبته -إلى مريديه- بخصومة الآخرين، وينحاز إلى نفسه ويلتزم جانبها مما يستلزم الاختلاف وشق العصا، وكان يُظهر أنى الوج متوقفة على خصومة الآخرين مما ينتج الغيبة والميل إليها.. فما هو إلّا متشيّخ يتطلع إلى الرئاسة، أو ذئب متغنّم (في زي غنم) فلا ينتهي به الأمر إلّا إلى جعل الدين وسيلة لجرّ مغانم الدن: أنّ هو منخدع بلذة منحوسة مشؤومة أو باجتهادٍ خطأ يجعله يُحسن الظن بنفسه ويفتح طريق سوء الظن في المشايخ الكرام والذوات المباركة.
— 398 —
س:كلامك حسن جميلالمؤسّ أين من يسمع؟ ومسلكك عالٍ ورفيع ولكن من يتّبع؟
ج:(ما لا يدرك كله لا يترك كله).. [٭]: "ما لا يدرك كله لا يترك جلّه" هو معنى الآية (فاتقوا اللّٰه ما استطعتم) (التثالثت١٦) والحديث "اتق اللّٰه ما استطعت" ولفظ الترجمة قاعدة وليس بحديث (كشف الخفاء، للعجلوني ٢/١٩٦).
و(إنما الأعمال بالنيات)..[٭]: متفق عليه. (إن الملام على من اتبع الهوى واها أولعلى من اتبع الهدى).
س:ما رأيك في الاختلافات الرهيبة بين علماء العالم الإسلامي؟ وماذا تقول فيها؟
ج:إن العالم الإسلامي في نظري كمجلس النواب (البرلمان) غير المنتحها إلكمجلس الشورى اختل نظامه، وما نسمعه في الفقه بأن: "هذا هو رأي الجمهور، وعليه الفتوى" إنما هو نظير رأى الأكثرية في ذلك المجلس. وما عدا رأى الجمهور من الأقوال إن لم تكن ممكن لمن الحقيقة والجوهر واللب، تُفوَّض إلى رأي صاحب القابليات والمواهب والاستعدادات لينتخب كلُّ استعدادٍ وموهبة ما يناسب تربيته وينسجم معها. وهاهنا نقطتان مهمتان. (٭): تأمل جيدًا في هاتين النقطتين ويحسنالغيار تقدرهما حق قدرهما. (المؤلف).
الأولى:أن "القول" الذي أُنتخب بميل هذا الاستعداد، والذي يتضمن الحقيقة -إلى حدّ ما- وظلَّ في الأقلية، مقيّد في نفس الأمر، ومخصَّص بالاستعداد الذي انتخبه، إلّا أن صاحبه هما منفتركَهُ مطلقًا، والتزمه متبعوه فجعلوهُ عامًا، وتعصّب له مقلّدوه وسعوا في هدم المخالفين حفاظًا عليه.. من هذه النقطة تولدت المصادمة والمشاجرة والجرح والردّ حتى تَشكَّلَ من الغبار المثار من تحمال، حهم ومن الأبخرة المتصاعدة من أفواههم ومن البروق المنطلقة من ألسنتهم -سحابًا ذا بروق وذا رحمة أحيانًا- فولّد حجابًا أمام شمس الإسلام الساطعة، ولكن ذلكث من اب المبشِّر بالرحمة الواهبَ للاستعداد والقابلية من فيض نور الشمس، مثلما لم يُنزل الغيث.. فقد حجب النور أيضًا...
الثاني:أن القول الذي ظل في الأقلية، إن لم يَغلبْ ما فيه من الحقيقة والجوهر على ما في الاستعدادات المنتخبةة، ساعن هَوَسٍ وهوى أو تدين موروث ومزاج، فإنه -أي ذلك القول- يبقى على خطر عظيم، لأنه بدلًا من أن ينصبغ الاستعداد به وينقلب إلى ما يقتضيه، يصرفه لنفسه ولمتنوعويسخّره لأمره.
— 399 —
وها هنا يتحول الهُدى إلى الهوى، ويتشرب المذهب من المزاج. إن النحل يشرب الماء فيقطّر عسلًا، بينما الحية تشربه وتنفث سمًّا.
س:يا ترى، ألا يجد هذا الماساتهاإسلامي العالي على سطح الأرض انتظامًا وتنسيقًا لأعماله مرة أخرى؟.
ج:أعتقد بأن العالم الإسلامي قاطبة سيصير بمثابة مجلس نواب (برلمان) مقدّس في الملّة الإنسانية وبين بنى آدم، وسيشكِّل وينظم اصلة مروالخلفُ فيما بينهم مجلسًا للشورى مُوَلّيًا كلٌّ منهم وجهَه للآخر على مدى العصور، إلّا أن القسم الأول وهم الآباء الشيوخ، سينصتون بهدوء وثناء.
س:(٭): هذا السؤال طرح من قبل أحد الأرناؤوط (المؤلف). إن قسمًا من الأجانب يوررين، لهات حول مسائل كتعدد الزوجات والرق، كأنها لا تساير المدنية، فيثيرون الأوهام حول الشريعة.
ج:سأقول لكم قاعدة بصورة مجملة لأنني على نيةِ إصدار تفاصيلها في رسالة مستقلة.
النسبةحكام الإسلام على قسمين:
الأول:وهو الذي تؤسسه الشريعة وهو الحُسن الحقيقي والخير المحض.
الثاني:الشريعة المعدِّلة، أي تأتي الشريعاسة" ورج الشيء من صورته البشعة الظالمة إلى صورةٍ ملائمة للزمان والمحيط قابلةٍ للتطبيق حسب الطبيعة البشرية، أخذًا بالصورة المعدَّلة اختيارًا لأهون الشرّين وأخف الضررين، حتى يتيسّر الوصول إلى الحُسن الحقيقي تمامًا. لأن رفع أمرٍ مستأصل في الطوالاندلبشرية رفعًا آنيًّا يقتضي قلبَ الطبيعة البشرية رأسًا على عقب.
وعلى هذا فالشريعة ليست هي التي أوجدت الرقَّ، بل هي التي أوجدت السُبُل، ومهّدت الطريق لتحويل الرقّلاثة: سى صوَره إلى ما ييسّر الوصول إلى الحرية التامة والانتقال إليها. أي عدّلت تلك الصورةَ البشعة وقلّلت منها. ثم إن تعدّد الزوجات إلى حدّ أربع زوجات، مع أنها موافقة لطبيعة الإنسان والعقل والحكمة، فإن الشر الصان تجعلها من الواحدة إلى الأربعة، بل نزّلتها ونقّصتها من الزوجات الثمانية والتسعة إلى الأربعة، ولاسيما قد
— 400 —
وضعت شرائط -في التعدد- بحيث لا تؤدي مراعاتُها إلى ضررٍ ما، وحتى لو حصل في بعض النقاط شر، فهولموجبةهون، وأهون الشرّ عدالة إضافية (نسبية)، إذ الخير المحض لا يمكن أن يحصل في جميع أحوال العالم، هيهات!!..
* * *
لقد صادفتُ -بسیوء التصادف- أهل :كما ط والتفريط من مهاجمي الحكومة والمعترضين عليها. فقسیمٌ من أهیل الإفراط كانیوا يضللون الأتیراك -الذين هم قوام الإسلام بعد العرب- حتى تجاوز بعض جهلاءِ هذا القسم إلى تكفير أهل القانون محتجين بوضع "القانون الأساسي" و"إعلان ماء بذ" قبل هذا بثلاثين سنة ومستدلين بالآية الكريمة:
ومنْ لم يحكم بما أنزل اللّٰه...
(المائدة:٤٤). فهؤلاء المساكين لم يعرفوا أنّ ومنْ لم يحكم هو يعني: "مَن لم يصدّق". فيا للعجب... كيف لا أعارض مَن ظن الاستبدادَ السابق حريةً وهلأن القانون الأساس! ولكن مع أن أولئك كانوا يعارضون الحكومة إلّا أنهم أرادوا استبدادًا أشدّ، لهذا كنت أرفضهم وأردّ عليهم، فمضللو أهل "الحرية" هم الآن من هذا القسم.
أما القسم الثاني:وهم أهل التفريط، فلا يعرفون الدين، وينها وه -ظلمًا- على المسلمين ويهاجمونهم بدون إنصاف محتجّين بالتعصب، فالذين انسلخوا من عثمانيتهم وتجردوا منها، والذين يريدون التمثل بأوروبا وتقليدها كليًّا، هم الآن من هذا القسم.
قعْ في العوام! فالآن... نستودعكم اللّٰه...
انتظروا فإن لي دعوى أبحثها مع الخواص، ولي مسألة مهمة مع الحكومة، مع الأشراف، مع أولئك الذين ليسوا من الماسونيين من جماعة الاتحاد والترقي.
يا طبقة الخواص! نحن العوام ومعاشر يساويلمدرسة الدينية نطالبكم بحقنا!..
س:ما تريدون؟.
ج:نريد أن تصدقوا قولكم بفعلكم، ولا تعتذروا بقصور غيركم، ولا تتواكلوا فيما بينكم وثالثًوا في خدمتنا الواجبة عليكم، وأن تتداركوا فيما فاتنا بسببكم، وأن تستمعوا إلى أحوالنا وتستشيروا حاجاتنا، وأن تستفسروا عن أوضاعنا، وتَدَعوا لَهوَكم جانبًا!..
— 401 —
الحاصل:إننا نطلب ضمان مستقبل العلماء في الولايات الشرقية، ونطلب من الأ من معنى "الاتحاد" و"الترقي" لا من الاسم، فنطلب ما هو هيّن عليكم وعظيم عندنا.
س:أفصح عن مقصدك ولا تتركه مبهمًا. ماذا تريد؟.
ج:نطلب تأسيس "مدرسة الزهراء" -شقيقة الجامع الأزهر- التي تتضمن الجامعة. نطلب تأسيسها في "بتليسلى المفيقتها في كل من "وان" و"دياربكر" جناحَي بتليس، اطمئنوا أننا نحن الأكراد -لسنا كالآخرين- فنحن نعلم يقينًا أن حياتنا الاجتماعية تنشأ من حياة الأتراك وسعادتهم.
س:كيف؟ مثل ماذا؟ ولِمَ؟
ج:" رأيت بعض شرائط تربوية، ومجاري واردات، ومحاسن ثمرات...
س:ما شرائطها؟.
ج:ثمانية:
أولاها:التسمية باسم "المدرسة" لأنه مألوف ومأنوس وجذّاب، ومع كونه عنوانًا اعتباريد، طرفا أنه يتضمن حقيقة عظيمة ممّا يهيّج الأشواق وينبّه الرغبات.
ثانيها:مزج العلوم الكونية الحديثة ودرجها مع العلوم الدينية مع جعل اللغة العربية واجبة، والكردية جائزة، والتركية لازمة.
س:ما الحكمة في هذا المزج... اعتدعو إليه دائمًا وتدافعُ عنه؟.
ج:لتخليص المحاكمة الذهنية (العقلية) من ظلمات السفسطة الحاصلة من أربعة أنواع من الأقيسة التمثيلية الفاسدةرَيْه من أمثال تلك القياسات الفاسدة: قياس المعنويات على الماديات، واتخاذ ما تقوله أوروبا حجة في المعنويات، أي كما أنهم ماهرون في الماديات، ويقتدى بهم فيها، فهم مفرد.ن في العقائد أيضًا. وثانيتها: رفض أقوال العلماء -ممن لم يطّلعوا على بعض العلوم الحديثة- في العلوم الدينية أيضًا. ثالثتها: الاعتماد على النفس والاعتداد بها في الدين لاغتراره بمهارت، والهلعلوم الحديثة. رابعتها: قياس السلف على الخلف والماضي على الحاضر، ثم شن الهجوم وتقديم الاعتراضات الباطلة (شقيق المؤلف عبد المجيد). وإزالة المغالطة التي تولدها الملكة المتفلسفة على التقليد الطفيلي.
— 402 —
به الذيف؟ مثل ماذا؟.
ج:ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب فيتغلغل ى والحيلُ والشبهات في الثانية.
الشرط الثالث:انتخاب المدرسين فيها، إما من العلماء الأكراد من ذوي الجناحين من الموثّقين والمعتمَدين م، مع كل الأكراد والأتراك أو ممن يعرفون اللغة المحلية ليُستأنس بهم.
رابعها:الاستشارة باستعداد الأكراد وقابلياتهم، وجعل صباوتهم وبساطتهم نصب العين، وكم من لباس يُستحسن على ها الشيستقبح على أخرى، وتعليم الصبيان قد يكون بالقسر أو بمداعبة ميولهم.
الشرط الخامس:تطبيق قاعدةِ "تقسيم الأعمال" بحذافيرها، حتى يتخرجَ من كل شعبة متخصصون مَهَرة مع أنها مداخل ومخارج بعضها ببعض.
الشرط السادس:إيجاد سبيل بعد تخرج المداومين: أن ا تقدمهم واستفاضتهم حتى يتساووا مع خريجي المدارس العليا ويتعامل معهم بنفس المعاملة مع المدارس العليا والمعاهد الرسمية، وجعل امتحاناتها كامتحانات تلك المدارس منتجة، دون تركها عقيمة.
الشرط السابع:اتخاذ دار المعلمين -مؤقتًا- ركيري الكه المدرسة ودمجُها معها، ليَسرِي الانتظام والاستفاضة من العلم من هذه إلى تلك، والفضيلةُ والتدين من تلك إلى هذه، حتى يكون كل منها ذا جناحين بالتبادل.
س:ما وارداتها؟
ج:الحميّة والغيرة..
ن كل ع؟
ج:إن هذه المدرسة كنواة تتضمن -بالقوة- شجرة طوبى. فإن اخضرّت بالحميّة والغيرة استغنت عنكم وعن خزائنكم المنضوبة، وذلك بجذبها الطبيعي لحياتها المادية.
س:بأي جهة؟
— 403 —
ج:بجهات عديدة:
الأولى:الأوقاف، لو ها أدن انتظامًا حقيقيًا، لأسالَت إلى هذا الحوض عينًا سيالة بتوحيد المدارس.
الثانية:الزكاة، فنحن شافعيون وأحناف، فإذا أبدت -بعد حين- تلك المدرسةُ الزهراء خدماتِها للإسلام والإنسانيةببًا مريب أن يتوجه إليها قسم من الزكاة وتحصرها لنفسها باستحقاق، وحتى لو كانت لها زكاة الزكاة لكفتها.
الثالثة:النذور والصدقات... فكما أن هذه المدرسة تكوّن وتمثل عند العقول أسمى "مدرسة" وبةً مخصقلوب والوجدان أقدسَ زاوية (تكية) وذلك بما تنشره من ثمرات وما تعمه من ضياء وما تقدمه للإسلام من خدمات جليلة. أي فكما هي مدرسة دينية فهي مدرسة حديثة، وتكيةالفروع. وحينها يتوجه إليها قسم من النذور والصدقات التي هي من جملة التكافل الاجتماعي في الإسلام.
الرابعة:الإعارة.. بتوسيع وارداتِ دار المعلمين -بعد الدمج لأجل التبادل المذكور- توسيعًا نسبيًا... يمكن إعارة تلك الواردات إليها مؤقتًللأول نما تستغني -بعد مدة- ستردّ تلك العارية.
س:ما ثمرات هذه المدرسة حتى تصرخُ وتدعو إليها بحماسة من قَبْل عشر سنين بل من قبل خمس وخمسين سنة؟.
ج:هي -مجملًا- تأمين مستقبل العلماء الأكراد والأتراك، (٭): لقد ألقيتواة منلمباحث حول "مدرسة الزهراء" في السنة الثالثة من إعلان الحرية على صورة خطب للأهالي في كل مین بتليیس ووان وديیاربیكیر وغيیرها مین الأمیاكین، وقابَلوني جميعًا بالموافقة وبأن هیذه الة من ع حقيقة وممكنة وقابلة للتطبيق، لذا أستطيع أن أقول: إنني مترجم لما كان يدور بخلدهم في هذه المسألة (المؤلف). وإقحامُ المعرفة عن طريق "المدرسة" إلى كردستان، وإظهارُالكلّ، "المشروطية" و"الحرية" والاستفادة منها.
س:يحسن بك أن توضح أكثر وتفصّل.
ج:
الأول:توحيد المدارس الدينية وإصلاحها...
— 404 —
الثاني:إنقاذ الإسلامبِ اللأساطير والإسرائيليات والتعصبِ الممقوت، تلك التي صدّأت سيف الإسلام المهنّد.
نعم، إن شأن الإسلام الصلابةُ في الدين وهي المتانة والثبات والتمسك بالحق، وليس التعصب الن
نع الجهل وعدم المحاكمة العقلية، وفي نظري أن أخطر أنواع التعصب هو ذلك الذي يحمله قسم من مقلدي أوربا وملحديها، لِمَا يصرّون بعناد على شبهاتهم السطحية، وليس هذا من شأن العلماء المتمسكين بالباقض حي الثالث:فتح باب لنشر محاسن المشروطية.
نعم، ليس هناك في العشائر مِن فكرٍ يجرح المشروطية، ولكن إن لم تُستحسن في نظرهم فلا يستفاد منها، وهذا أشد ضررًا؛ فلالاهما المريض لا يستعمل دواءً يظنه مشوبًا بالسم.
الرابع:فتح طريق لجريان العلوم الكونية الحديثة إلى المدارس الدينية، بفتح نبع صافٍ لتلك العلوم بحيث لا ينفر منها أهل المدارس الموضية، ولقد قلت مرارًا بأن فهمًا خطأً وتوهمًا مشؤومًا قد أقاما -لحدّ الآن- سدّين أمام جريان العلوم.
الخامس:أكرر ما قلته مرارًا -بل مئة مرة- أن هذه المدرسة تصالح بين أهل المدر متضاددينية" والمدرسة "الحديثة" وأهلِ الزوايا "التكايا"، وتجعلهم يتّحدون -في الأقل- في المقصد، وذلك بما تحدث فيما بينهم من الميل وتبادل الأفكار.
نعم، نشاهد بأسى وأسف أن تباين أفكارهم كما حقّ الاتحاد فيما بينهم فإنّ تخالُف مشاربهم قد وقّف التقدم والرقي أيضًا، وذلك لأن كلًا منهم -بحكم التعصب لمسلكه ونظره السطحي لمسلك الآخر- انساق إلى الإفراط والتفريط، ففرّط هذا بتضليل ذاك، وأفرط ذاك بتجهيل هذاذهن اللخلاصة:أن الإسلام لو تجسّم لكان قصرًا مشيدًا نورانيًا ينوّر الأرض ويبهجها؛ فأحد منازله "مدرسة حديثة"، وإحدى حجراته "مدرسة دينية"، وإحدى زواياه "تكية"، ورواقه مجمع الكل، ومجلس الشورى، يكمل البعض نقص الآخر.. وكما أن المرآة تُمثل صورة الشم تحت سسها فهذه المدرسة الزهراء ستعكس وتمثل أيضًا صورة ذلك القصر الإلهي الفخم في البلدان الخارجية.
— 405 —
يا أيها الأشراف! اخدمونا كما خدمناكم وإلّا... يا أهل الحكومة الذين تدّعون الوصاية علينا بعدم بليب أفضن الرشد كما تظنون أمِّنوا وسائل سعادتنا كيما نطيعكم، وإلّا.. فيا أعضاء الاتحاد والترقي القدماء يا من تعهّدتم وتحمّلتم بحق الواجب الاجتماعي للأكراد والأتراك حسنًا فعلتم وقمتم بهذا المزج، فإن أحسنتم ءً منث وإلّا.. (فردّوا الأمانات إلى أهلها). (٭): تنبيه: يا أعضاء الحكومة وأهل السياسة الذين تعدّون أنفسكم من الخواص، لا تسلّوا أنفُسَكم بالاستناد إلى هذا الكتاب الذي يخاطب العوام ويلقنهم الدروس في تحطيم اليأس لأن سوء استمثلًا: أسوأ تأثيرًا من سوء فهمهم، فلكي أرشیدكم جعلتُ الزمان وكيلًا، فلم تعيیروا إلى درس الزمیان بالًا، فیذقیتم صفعة تأديبية (المؤلف).
س:هناك عتاب كبير على العلماء حتى...
ج:إنه ظلم عظيم وعدم إنصاف شديد.
لاحتراذا؟
ج:لأنه حماقة كحماقة من يحمل ذنب العدم على الوجود.
س:ماذا تعني؟.
ج:إن إدانة العلم، بذنب ناشئٍ من عدم الحلم، لشخص اقترن علمُه بعدم الحلم كم هي حماقة وبلاهة، كذلك فإن إدانة العلماء المساكيه قليل المرشدون دومًا إلى قدسية الإسلام وسموّه، والمبلّغون لأحكام الدين، حسب طاقاتهم والذين يستحقون احترامًا ومحبة أكثر ورحمة في الوقت الحاضر- إدانتهم بذنب وخطأ ناشئٍ من عدم وجود علماءَ بمستوىَم القلهذا العصر، ثم إلقاء ذلك الذنب وتلك الخطيئة على كاهل هؤلاء المساكين، إن لم تكن هذه حماقة أعظم وبلاهة أكبر فما هي إذن؟!...
نعم، إن الضرر لم يصبنا من "وجودهم" بل من "عدم وجودِ" مذه الميه من العلماء الأفذاذ، لأن أغلب الأذكياء قد اتجهوا إلى المدارس الحديثة، والأغنياء أنِفوا من نمط المعيشة في المدرسة الدينية، والمدرسة نفسها -لعدم وجود الانتظام وفقدان الجمع (٤ة من العلوم وانقطاع سبل التخرج- لم تتمكن من تهيئة علماءَ بمقتضى هذا العصر...
احذروا! إن كُره العلماء وبغضهم خطر عظيم. (٭): يا أهل المدارس "الدينية"! لا تيأسوا إن العلن جبل ينية والعلوم الحديثة في الوقت الحاضر هما المسيطرتان. وإن طريق التقدم والرقي سيكون بالعلم وبأنواعه كافة، وسوف يرتقي أرفعُه وأعلاه إلى أسمى طبقة (المؤلف). #406
س:فإن كانت نيتكلي.
توفَّقْ، وقليل من يخلص النية، فانظر إلى نيتك.
ج:للّٰه الحمد ولا فخر.. (٭): إن التحدث بنعم اللّٰه ضرب من الشكر، مثلما يحدّث الشيخ عن كرامته شكرًا لنعم اللّٰه عليه (المؤلف). إن عناصر الأغراض الشخصية ومصالحتيجتا خلّة بإخلاص النيّة -من نسب ونسل وطمع وخوف- لا تعرفني ولا أعرفهن، بل لا أريد أن أتعرّف إليهن، ذلك لأني لست صاحب نسب شهير كي أجدّ في صون ماضيه، ولست صاحب أولاد كي أسعى لضمان مستقبلهم، ولكن لي جنون -أيّ جنواون وت أعْجَزَ المحكمةَ العسكرية بهيبتها ورهبتها في علاجه، ولي جهل مطبق -وأيّ جهل- حتى جعلني أميًا لا أستطيع قراءة المكتوب على الدينار والدرهم. أما التجارة الأخروية... فقد آليت على نفسي ألّا أتراجع عن طريقي التي أسلكها ولو ضيّعتُ فيها رأسلك، وك وإني على وشك خسارتها منذ الآن، إذ أَسْقُطُ في آثام كثيرة... فلم يبق إلّا الشهرة الكاذبة... ولقد مللت منها، وأهرب منها، لأنها تحمِّلني ما لا يمكن أن أتحمله من وظائف..
س:لِمَ تحسن الظن -كلما أمكنك ذلك- بحكومة المشروطية وأفرادِ "جون تور عنها الملحدين؟.
ج:لأنكم تسيئون الظن بهم كلما تيسّر لكم ذلك، فأنا أُحسِنُ الظن بهم، فإن كانوا بمثل ما أقول، فبه ونِعمَ، وإلّا فأنا أرشدهم إلى الصواب كي يسلكوه.
س:ما رأيك في الاتحاد والترقي؟.
ج:مع المقصثمّن قيمتهم إلّا أنني أعترض على الشدّة التي يزاولها سياسيوهم (٭): يظهر الظلم عند عدم توزيع العدالة توزيعًا عادلًا. فلا يمكن جرح شعور ألف من الناس لأجل شخص واحد. فالشدة شيء والحمية شيء آخر، إذ لو التزم مغرورٌ معجب بنفقليلٌ حقَّ، يسوق الكثيرين إلى الباطل، وربما يرغمهم عليه (بما يستعمل من شدة) (المؤلف). وأهنئ في الوقت ذاته وأستحسن-إلى حدٍّ ما- فروعهم وشُعَبَهم الاقتصادية والثقافية ولاسيما في الولايات الشرقية.
* * *لام واسؤال:ما الذي ألقانا في غياهب الضياع وأقعدنا عن معالي الأمور؟
الجواب:إن الحياة حركة وفعاليةٍ، أما الشوق فجوادُها، وهو مطية الهمة. الحشر تمتطي همتُكم صهوة جواد الشوق ناشدةً معاليَ الأمور في ميادين معركة الحياة، إذا بی"اليأس" أول
— 407 —
ما يصادفها، هذا العدو الألد هو الذي يفتّ من قوة الهمة.. فعليكم أن تضربوه بسيف الآيوع الويمة: لا تقنطوا (الزمر:٥٣).
ثم يشن "حیبُّ الظهور وميل التیفیوق" هیجیومَیه، هیذا الميیل المغروز في الإنسیان يحاول التحكم على خدمة الحق الخالصة من الحسد والمنازعة، فيهوي بضرباته على رأس الهمة ويطرحها على الأرض مِن على جوداها.. فعليكم أن تبعثوا إليه حقيقة الآية الكريمة: كونوا قوامين للّٰه (المائدة:٨).
ثم يبرز إلى الم، وقتلالاستعجالُ" فيُزِلّ قدم الهمة ويقلبها على عقبيها بطفراته خطوات ترتب الأسباب والمسببات. فيشوش مراحل العلل التي وضعها اللّٰه سبحانه في سننه الكونية.. فعليكم أن تحتموا منه بالخندق الأمين للآية الكريمة:
اصبروا وصابروا ورابطوا
(آل عمراقت
#39.
ثم يتصدى لها "الرأي الشخصي" المستبِد والتفكير الانفرادي الذي يبدد آمال الإنسان، رغم أنه مكلّف -بفطرته- برعاية حقوقه ضمن رعايته لحقوق الآخرين.. فعليكم أن تصدوه بذه الحة الشامخة في الحديث الشريف: "خير الناس أنفعهم للناس". [٭]: العجلوني، كشف الخفاء ١/٤٧٢، وانظر: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٥٨؛ البيهقي، شعب الإيمان ٦/١١٧.
ثم يخرج إلى ساحة المعركة عدوٌع.ب.).هو: "التقليد" فيجد الفرصة سانحة لتقليد الكسالى والمتخلفين، وبه يقصم ظهر الهمة.. فعليكم تحدّيه بالحقيقة الشاهقة، تلك هي حكمة الآية الكريمة:
لا يضركم من ضل اذا اهتديتم
(المائدة:١٠٥). كيلا تبلغ يدُ ملاحظةأذيال الهمة.
ثم يلوح العدوّ الغدّار وهو: "التفويض" الناجم من العجز وفقدان الثقة بالنفس، فينشأ منه تأجيل الأعمال الأخروية من اليوم إلى الغد، وهكذا حتى يمسك يد الهمة ويفيه العن النهوض.. فعليكم الاقتداء بسر الآية الكريمة:
وعلى اللّٰه فليتوكل المتوكلون
(إبراهيم:١٢). على اللّٰه لا على غيره. فاجعلوا التوكل عليكوا إننه حصنًا للهمة.
ثم يدخل الساحةَ العدو الملحد وهو: "التدخل في ما هو موكول أمره إلى اللّٰه" فينزل هذا التدخل بضرباته القاسية ولطماته الموجعة على وجه الهمة حتلون بتي بصرَها... فعليكم
— 408 —
أن ترسلوا عليه الحقيقة الدائبة والرابحة دومًا وهي الآية الكريمة:
فاستقم كما امرت
(هود:١١٢). كي تقفه عند حدّه، فلا يتجاوزه، إذ ليس للعبد أن يتأمّر على سيده.
وأخيرًا يُقبِل "حب الراحة والدعة" الذي لموت" المصائب ووكر الرذائل فيصفّد الهمة الكريمة بسلاسله وأغلاله ويقعدها عن طلب معالي الأمور ويقذفها في هاوية السفالة والذلة.. فعليكم أن تُخرجوا على ذلك السفاح الساحر، البطلَ المجاهد في الآية الكريمة:
وأن ليس للانسان الّا ما سعى
(النجملصراط (حقًا إن لكم في الجهاد وتحمّلِ المشاق راحة كبرى، فالإنسان الذي يملك فطرة متهيجة راحته في السعي والجدال).
* * *
كان الذين لا يعرفوبه. ول أثناء تجوالي ينظرون إلى ملابسي ويحسبونني تاجرًا، ويسألون:
أأنت تاجر؟
- نعم، وكيمياوي كذلك!
- كيف؟
- هناك مادتان، أمزجهما معًا، فيولدان ترياوحشية،فيًا، وضياء كهربائيًا.
- أين هما؟
- في سُوق المدنية والفضيلة صندوقٌ يمشي على رجلين مكتوب عليه: "الإنسان"، فيه جوهر ساطع أو أسود قاتم وهو القلب.
- وما المادتان.
- الإيمان والمحبة، والوفاء والحمية.
الجريدة ممكنة ة
أبو لاشيء، ابن الزمان، أخو العجائب، رفيق الغرائب.
بديع الزمان سعيد النورسي
* * *
— 409 —
المحكمة العسكرية العرفية
أو
شهادة متركون المصيبة
"التي طبعت سنة (١٩٠٨م)"
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 410 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 411 —
باسمه سبحانه
وإن منْ شىءٍ إلّا يُسبّحُ بحمده
المقدمة
حينما كاتشرة، حرية" قرينةَ الجنون، جَعَلَ الاستبدادُ الضعيف مستشفى المجاذيب مدرسةً لي.
وحينما كانت العدالة والاستقامة التبستا مع الرجعية، صيّر الاستبداد الشديد في المشروطية السجنَ مدرسةً ان سعي فيا أيها المحترَمون الناظرون إليّ لشهادتي هذه! أرجو أن تبعثوا أرواحكم وخيالكم ضيوفًا إلى ذهنِ طالب بدوي عصبي المزاج وإلى جسده، وهو يكابد الاضطرابر إلى نخرط حديثًا في المدنية، وذلك لئلا تقعوا في خطأِ تخطئةِ الآخرين.
لقد قلت في المحكمة العسكرية العرفية في أثناء حادثة (٣١) مارت:
إنني طالب شريعة، لذا أزن كل شيء بميزان الشريعة. فالإسلام وحده هو ملّتي، لذا أُقيّم كلَّ شيء وأنظر آسيا بمنظار الإسلام.
وإنني إذ أقف على مشارفِ عالم البرزخ الذي تدعونه: "السجن" منتظِرًا في محطة الإعدام، القطارَ الذي يقلّني إلى الآخرة أشجب وأنقد ما يج
(٧المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة. فخطابي ليس موجهًا إليكم وحدكم وإنما أُوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر. فلقد انبعثت الحقائق من قبر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة:
يوم تبلى السرائر
(الطارق:٩)... فمن كان أجنبيًا غير محرومخالف ينظر إليها. إنني متهيئ بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق. تصوروا مبلغ اشتياقي إليها بهذا المثال رسائلروي مغرم بالغرائب سمع بعجائب إسطنبول وغرائبها وجمالها ومباهجها، كم يشتاق إليها؟
— 412 —
فأنا الآن مثل ذلك القروي، مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض العجائب والغرائب.
لذا فإن إبعادي ونفيي إلى هناك لا يُعدّ عقابًا لي. ولكن إن كان فس:ثمكم وفي استطاعتكم تعذيبي وإيقاعُ العقاب عليّ فعذِّبوني وجدانًا، فما دونه ليس عذابًا ولا عقابًا بل فخرًا وشرفًا.
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد، إلّا أنها الآن تعادي الحيااض. وكلها؛ فإن كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق، فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوًى للظالمين.
لقد كنت آمل أن يُهَيَّأَ لي موضعٌ لأبيّن فيه أفكاري، وها قد أصبحت هذ كثيرةكمة العرفية خير مكان لأبث منها أفكاري.
في الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:
"وأنت أيضًا قد 88Uبت بالشريعة"!
قلت: لو كان لي ألف روح، لكنت مستعدًا لأن أضحي بها في سبيلِ حقيقة واحدة من حقائ وواعظيعة، إذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. أقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون.
وقالوا كذلك: هل انضممت إلى "الاتحاد المحمدي؟ [٭]: تشكلت هذه الجمعية في ٥ نيسان ١٩٠٩، وأعلن كثيرةفي اجتماع ديني حاشد في جامع أياصوفيا، ألقى فيه الأستاذ النورسي خطبة رائعة.
قلت: نعم، بكل فخر واعتزاز! أنا من أصغر أعضائه، ولكن بالوجه الذي أعرّفه. أروني أحدًا خارجها، مالاتحاد من غير الملحدين.
وهكذا فأنا أنشر اليوم ذلك الخطاب لأنقذ المشروطية من التلوث، وأنجيَ أهل الشريعة من اليأس، وأخلّصَ أبناء العصر من وصم الجهل والجنون بهم في نظر التي ماهيوأنتشل الحقيقة من الأوهام والشبهات.
فها أنا أبدأ بخطابي.
أيها القادة! أيها الضباط!
إن خلاصة جناياتي التي اقتضت سجني هي:
— 413 —
( إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟ ).
[٭]: للبحتري من قصيدة يمدح لى أجزي بن مر.
وفي البداية أقول:
إن الشريف لا يتنازل لارتكاب جريمة، وإن اتُّهم بها لا يخاف من الجزاء والعقاب؛ فلئن أُعدمتُ ظلمًا فإني أغنم ثواب شهيدين معًا، وإن لبثت في السجن فهو بلا رعية تشل مكان في ظل هذه الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية إلّا لفظها؛ فالموت مظلومًا هو خير من العيش ظالمًا.
وأقول كذلك: إن بعضًا ممن جعلوا السياسة أداة للإلحاد، يتهمون الآخرين بالرجعية أو باستغلال الدين لأجل السياه في اتروا على سيئاتهم وجرائمهم.
إن عيون السلطة وجواسيسها أشد قساوة من سابقيهم، فكيف يوثق بهم ويعتمد عليهم، وكيف تبنى العدالة على أقوالهم؟
فضلًا عن أن الإنسان، إذ لا يسلَم م وأمار ونقص، بينما تراه يتحرى العدالة يقع في الظلم بالجبن والخب. ولكنّ جمعَ تقصيراتٍ متفرقة وقعت في مدة مديدة ومِن تصرفِ أشخاص كثيرين -والتي يمقائم بديها بما يتخللها من محاسن- وتوهّمَ صدورها من شخص واحد في وقت واحد، يجعل ذلك الشخص مستحقًا لعقاب شديد. بينما هذا الأمر بحد ذاته ظلم عظيم.
والآن سنباشر بذكر جناياتي الوهزّه إحدى عشرة جناية ونصف جناية... وهي:
الجناية الأولى:في السنة الماضية، في بداية إعلان الحرية، أرسلتُ ما يقارب من خمسين أو ستين برقية إلى العشائر القاطنين في شرقي البلاد، وذلك بوساطة ديوان رئاسة الوزارة. كان مضمون تلك .
#255ات:
"إن المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي ما هي إلّا العدالة الحقة والشورى الشرعية. تلقَّوها بقبول حسن. اسعَوْا للحفاظ عليها؛ لأن سعادتنا الدنيوية في المشروطية. فلقد قاسينا الأمَرّين منمحال ابداد أكثر من الآخرين".
وقد أتت من كل مكان إجابات إيجابية لهذه البرقيات. بمعنى أنني قمت بتنبيه الولايات الشرقية ولم أتركهم غافلين، يستغفلهم استبداد جديد..
— 414 —
استثنانني لم أقل مالي وللناس ارتكبتُ إذن جناية، حتى دخلتُ هذه المحكمة!
الجناية الثانية:لقد قمت بإلقاء خطب عدة على العلماء عامة وعلى كثير من طلاب الشريعة، وذلك في كلنتيجة مع أياصوفيا وبايزيد والفاتح والسليمانية، وبيّنتُ العلاقة الحقيقية بين الشرع الحقيقي والمشروطية، وأوضحت أن الاستبداد المتعسف لا صلة له بالشريعة اً، سيا وأن الشريعة قد أتت لهداية العالم أجمع كي تزيل التحكم الظالم والاستبداد كما هو مضمون الحديث الشريف "سيد القوم خادمهم"، [٭]: انظر: البيهقي، شعب الإيمان ٦/٣٣٤؛ الخطيبترتيب.ادي، تاريخ بغداد ١٠/١٨٧؛ الديلمي، المسند ٢/٣٢٤؛ المناوي، فيض القدير ٤/١٢٢. وأنا على استعداد لأبرهن برهانًا قاطعًا على كل كلمة جاءت في أي خطبة كانت من الخطب التي ألقيتها لمن له أي اعترالى الت
وقد قلت: إن المسلك الحقيقي للشريعة إنما هو حقيقة المشروطية المشروعة.
بمعنى أنني رضيت بالمشروطية بالدلائل الشرعية، وليس كما رضيَ بها بعض دعاة المدنيزناتُ بية، إذ قبلوها تقليدًا وفهموها خلافًا للشريعة. فلم أتنازل عن الشريعة ولم أعطها أنا مرة لشيء.
وحيث إنني سعيتُ لإنقاذ الشريعة وصون علمائها من شبهات أوروبا وأوهامها فقد ارتكبت إذن جريمة حهة سامت هذا النمط من معاملاتكم معي!
الجناية الثالثة:لقد توجست خيفة من أن يُلَوَّثَ صفاءُ القلوب لدى الولايات الشرقية، فيَستغل بعضُ دعاة الأحزاب أبناءَ بلدي الذين يَقْرُبُ تعدادهم عشرين أداننا ، حيث إنهم يعملون بالحمالة وهم ذوو نفوس طيبة ساذجة غافلة، فتجولتُ جميع الأماكن والمقاهي التي يتواجد فيها الحمالون، وبينتُ لهم المشروطية في السنة الماضية بقدر ما يستوعبونه. فالتمسكم بهذا المعنى:
إن الاستبداد ظلم وتحكم في الآخرين، أما المشروطية فهي العدالة والشريعة. فالسلطان إذا ما أطاع أوامر سيدنا الرسول الكريم (ص) وسار في نهجه المبارك فهو الخليفة، ونحن نطيعه، وإلّا -كأجزن يعصون الرسول (ص) ويظلمون الناس هم قطاع طرق ولو كانوا سلاطين.
إن عدونا هو الجهل والضرورة [٭]: المقصود بالضرورة هنا حالة الاضطرار الناشئة من الفقر والعوز. والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح
— 415 —
الصناعة والمعرفة إلى الاق، وسنتعاون ونتصادق يدًا بيد مع الأتراك وهم إخواننا الحقيقيون الذين كانوا السبب -من جهة- لإيقاظنا من غفلتنا ودفعنا إلى سبيل الرقي.
نعم، نتعاون معهم ومع جميع من يجاورنا، لأن الخصام والعداء فساد أي فساد. فلا نملك وقتًا للفهو "ذ ونحن لا نتدخل بشؤون الحكومة، حيث إننا لا ندرك حكمتها.
ولقد كانت لهذه النصيحة جدوًى وأثرٌ في أولئك الحمالين الذين قاطعوا العمل في إنزال البضائع النمساو الكمالما أقاطع البضائع الأوروبية قاطبة- حيث تصرفوا تصرفًا يتسم بالعقلانية وبعيدًا عن التهور.
وحيث إنني كنت السبب في تقويم ارتباطهم بالسلطان وتسويتها وفتح حرب اقتصابت) إش النمسا فقد ارتكبتُ إذن جناية حتى وقعتُ في هذه المصيبة!
الجناية الرابعة:إن أوروبا تظن الشريعة هي التي تمدّ الاستبداد بالقوة وتعينه. حاش وكلا.. إن الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمِلَ ظه يجب طئًا من أن الشريعة تعين الاستبداد. لذا تألمت كثيرًا من أعماق قلبي على ظنهم السيئ هذا بالشريعة، فكما أنني أكذّب ظنَّهم فقد رحّبتُ بالمشروطية باسم الشريعة قبل أي شخص. ولكني خشيت من أن يقوم استبداد آخر لتصديق هذا مفطور لذا صرخت من أعماقي، وبكل ما أوتيت من قوة في خطاب أمام المبعوثين.. في جامع أياصوفيا وقلت:
افهموا المشروطية في ضوء المشروعية وتلقَّوْها على أساسها، ولقِّنوها الآخرين على هذه الصورة، كي لا تلوثها اليدُ القذرة لاستبدادٍ جديد متستر السرقةباتخاذ ذلك الشيء الطيب المبارك تُرسًا لأغراضه الشخصية. قيِّدوا الحرية بآداب الشرع لأن عوام الناس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلوا أحرارًا سائبين بلا قيد و شرطاطؤُ ون قبلتكم في صلاة العدالة على المذاهب الأربعة كي تصحّ صلاتكم، لأنني قد أعلنت دعوًى: أنه يمكن استخراج حقائق المشروطية صراحة وضمنًا وإذنًا من بين المذاهب الأربعة.يد حرييث إني قد أخذت على عاتقي -وأنا طالب شريعة- ما يفرض على العلماء جملةً من الوظائف والواجبات فقد اقترفت إذن جنايةً.. ولهذا تلقيت مثل هذا العقاب!
— 416 —
الجناية الخامسة:لحاد الت الصحفُ على زعزعة الأخلاق الإسلامية بقياسين فاسدين وبما يوهن العزة والإقدام، حتى أهلكوا الأفكار العامة السائدة. فتصديتُ لهم بمقالات نشرتُها في الجرائد وقلت لهم:
"يا أرباب اي بی"خعلى الأدباء أن يلتزموا بالآداب، وعليهم أن يتأدبوا بالآداب اللائقة بالإسلام، فينبغي أن تكون أقوالهم صادرة من صدورٍ لا تحيد لجهة، ومن قلوبِ عموم الناس، فيشترك معهم عموم الأمة.
ويجب تنظيم برنامج المطبوعات بما في وجدانكم من شعور ديني ونية خاء، أو بينما أنتم بقياس فاسد، (أي بقياس الريف بإسطنبول، وإسطنبول بأوروبا) أوقعتم الرأي العام والأفكار السائدة في مستنقع آسن؛ فنبهتم عروق الأغراض الشخصية والمنافع الذاتية وأخذِ الثأر، لا يلقَّنُ الطفلُ الصغير الذي لم يدرج بعوا الزالمدرسة، الفلسفةُ الطبيعية المادية. فكما لا تليق بالرجل فساتين الراقصات، فكذلك لا تطبق مشاعر أوروبا في إسطنبول. إذ اختلاف الأقوام وتخالفُ الأماكن والأقطار شبيهةٌ بتباين الأزمنة والعصور. بمعنى أن الثورة الفرنسية لا تكون دستورًا لنا. فالخطأ والدّن تطبيق النظريات وعدمِ التفكر بمتطلبات الوقت الحاضر.
فأنا القروي الذي لا أجيد الكتابة قد قمت بإسداء النصائح إلى أمثال هؤلاء المحرِرين (فإنلين لأغراض شخصية ومغالطات في رؤية الأمور التي يعملون فيها بذكائهم.. فارتكبت إذن جناية!
الجناية السادسة:لقد شعرت مرارًا في اجتماعات ضخمة بالمشاعر المتهيجة لدى الناس، فخشیيت أن يخلّ عیوام الناس بالنظام وأممادة الاد بمداخلتهم في السياسة، فقمت بتهدئة تلك المشاعر الجياشة بكلام يلائم لسیانَ طالبِ علمٍ قروي قید تعلم اللغة التركية حديثًا.
فمثلًا:في اجتماع الطلاب في جامع بايزيد، وفي المو كان أبوي المقام في أياصوفيا، وفي مسرح الفرح، هدّأتُ -إلى حدٍّ ما- ثورةَ الناس وغضبهم. فلولا تلك الكلمات والخطب لعصفتْ عاصفة هوجاء تعصف بهم.
فأنا البدوي الذي لم أختلط بعدُ كثيربوجود حضارة، ولعلمي بدسائس المدنيين.. قد تدخلت في أمورهم فارتكبت إذن جناية!
— 417 —
الجناية السابعة:لقد طرق سمعي أن جمعية باسم "الاتحاد المحمدي" قد تأسستاختلاطست خيفة شديدة، من صدور حركات خاطئة من بعضهم تحت هذا الاسم المبارك.
ثم سمعت أشخاصًا مرموقين -من أمثال سهيل باشا والشيخ صادق- [٭]: من الأعضاء المؤسسين لجمعية الاتحاد المحمدي. قد حوّلوا هذا الاسم إلى شيء بسس:فلير، إذ حصروه في العبادة واتباعِ سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية، فلا يتدخلون بعدُ بالسياسة، فخشيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هوءً من لمسلمين كافة، فلا يَقبل تخصصًا ولا تحديدًا. فكما أني منتسب إلى جمعيات دينية عديدة من جهة -حيث قد رأيت أن أهدافها واحدة- كذلك أنتسب إلى ذلك الاسم المبارك.
ولكن الاتحاد المحمدي الذلاثة أه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. فالذين ينضوون تحت رايتها يتجاوز عددهم عن ثلاثمائة مليونٍ في هذا العصرلك القجهة الوحدة والارتباط في هذا الاتحاد هو توحيد اللّٰه.
قسَمه وعهده هو الإيمان.
والمنتسبون إليه جميع المؤمنين منذ الخليقة.
وسجل أسماء أعد القدو اللوح المحفوظ.
وناشر أفكاره جميعُ الكتب الإسلامية والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة اللّٰه. ومحالّ اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجبية أوكايا والمدارس الدينية.
ومركزه: الحرمان الشريفان.
فجمعية مثل هذه.. رئيسها هو فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم (ص). ومسلكها ومنهجها؛ مجاهدة كل شخص نفسَه، أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم (ص) وإحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين لًا، ب النصح لهم ما لم ينشأ منه ضرر.
والنظام الداخلي لهذا الاتحاد: السنة النبوية.
وقانونه: الأوامر الشرعية ونواهيها.
— 418 —
وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث إن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والَم مي. وإن تحرّي الحقيقة لا يكون إلّا بالمحبة، بينما الخصومة تكون إزاء الوحشية والتعصب.
أما أهدافه ومقاصده فهي إعلاء كلمة اللّٰه.
هذا وإن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمئة بينما نسبة ا]: للع لا تتجاوز الواحدة بالمائة. فليفكر فيها أولياء أمورنا.
والآن فإن مقصدنا هو سَوق الجميع بشوق وجداني إلى كعبة الكمالات بطريق الرقي، وذلك بتحريك تلك السلسلة النورانية، إذ إن الرقي المالخيرة عظيم لإعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان.
وهكذا فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهارِ اسمه، وإلّا فلست من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس.
الحاصل:لقد بايعت السلطان سليم وقَبِلت فكره في الاتحاشائر الامي، لأن ذلك الفكر هو الذي أيقظ الولايات الشرقية، فهم قد بايعوه على ذلك.
فالشرقيون الآن هم أولئك لم يتغيروا. فأسلافي في هذه المسألة هم: الشيخ جمال الدين الأفغاني، ومفتي اجموعة المصرية الشيخ محمد عبده. ومن العلماء الأعلام علي سواعي، والعالم تحسين. والشاعر نامق كمال الذي دعا إلى الاتحاد الإسلامي والسلطان سليم الذي قتن واخ"إن مغبة الاختلاف والتفرقة يقلقانني حتى في قبري
فسلاحنا في دفع صولة الأعداء إنما هو الاتحاد
إن لم تتحد الأمة فإنّي أتحرق أسًى"
السلطان ياوز سليم
ولقد دعوت ظاهرًا إلى هذا الاتحاد المحمدي من أجل مقصدين عظيمين:
المقصد الأول:إن القرآك الاسم من التحديد والتخصيص، ولأعلن شموله المؤمنين عامة كي لا يقع الخلاف والفرقة ولا تَرِد الشبهات والأوهام.
المقصد الثاني:ليكون سدًا أمام افتراق الف، وتعلالأحزاب الذي كان سببًا في هذه المصيبة
— 419 —
الفائتة العظيمة، [٭]: المقصود حادثة ٣١ مارت. وذلك بمحاولة التوحيد بينها، فيا أسفي لم يسعفنا الزمن فجاء السيل فأوقعني أيضًا.
ثم كنت أقول: لو نشبت حريق فسأحاول إطفاء جزء عر -حسي الأقل، ولكن احترقت حتى ملابسي العلمية. وذهبتْ -برضًا مني- الشهرةُ الكاذبة التي لا أستطيع تعهدها.
فأنا الذي لست إلّا رجلًا عاديًا، قد أخذتُ على عاتقي مسائلَ مهمة تقض مضاجع النواب والأ
إالوزراء، فإذن قد ارتكبت جناية!.
الجناية الثامنة:لقد سمعت أن قسمًا من الجنود بدأوا ينتسبون إلى بعض الجمعيات، فتذكرتُ الحادثة الرهيبة للانكشاريين. الملَكثيرًا واضطربت، فكتبت في إحدى الصحف:
إن أسمَى جمعية وأقدسها في الوقت الحاضر، هي جمعية الجنود المؤمنين. فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في الضرولجمعية. إذ إن أقدس هدف لأقدس جمعية في العالم هو الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة اللّٰه. فالجنود المؤمنون قاطبة يدعون إلى هذا الهدف. ألا إن الجنود هم المراكز، فعلى الأمة والجمعيات أن ينتسبوا إلى الجنود، إذ الجمعيا يُستغرى ما هي إلّا لجعل الأمة جنودًا في المحبة والأخوّة، أما الاتحاد المحمدي الذي هو شامل لجميع المؤمنين فهو ليس جمعية ولا حزبًا، إذ مركزه وصفّه تقلدت المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.
فليس هناك مؤمن ولا جندي فدائي -سواء أكان ضابطًا أو جنديًا- خارج عن هذا الاتحاد، لذا فلا داعي للانتساب. ومع هذا فلا أتدخل في أمور بعض الجمعيات اف على التي لها الحق في أن تطلق على نفسها الاتحاد المحمدي.
فأنا الذي لست إلّا طالب شريعة، قد غصبتُ مهمة العلماء العظام فإذن قد ارتكبت جناية!
الجناية التاسعة:لقد شاهدت الحركة الرهيبة التي حدثت فيم تدفعمارت لبضع دقائق. فسمعت مَطالبَ عدة؛ فكما إذا أُديرت ألوان سبعة بسرعة لا يظهر إلّا اللون الأبيض فكذلك لم يظهر من تلك المطالب إلّا لفظ الشريعة التيلحكم نفساد تلك المطالب المتباينة من الألف إلى الواحد، وتنقذ العوام من الفوضى والاضطراب، والتي تحافظ حفاظًا معجزًا على السياسة
— 420 —
من أن تكون لعبة بيد الأفراد. فأدركت أن الأمر ينساق إلى الف مالي.ذ الطاعة قد اختلت، والنصائح لا تجدي؛ وإلّا كنت أندفع إلى إطفاء تلك النار مثلما كنت أطفئ غيرها، ولكن العوام هم الأغلبية، وأهل مدينتي غافلون وبسطاء، وأنا أظهر بمظهر الرثومة لكاذبة.
فبعد ثلاث دقائق انسحبت ذاهبًا إلى "بَاقِرْكُويْ" [٭]: أحد أحياء إسطنبول. كي أحول دون تدخل معارفي في الأمر، وأوصيت كل من قابلني بعدم التدخل. فلو كان لي تدخّليئًا ير أنملة- لكنت أظهر في هذا الأمر ظهورًا عظيمًا حيث إن ملابسي تعلن عني، وشهرتي التي لا أريدها ذائعة بين الجميع. وربما كنت أثبِتُ وجودي بمقاومة جيش الحركة إلى أياستافانونس [٭]: منطقة في ضوذ نتيجطنبول (يشيل كوي). ولو وحدي ثم أموت بشرف ورجولة. وعندئذ كان تدخلي في الأمور من البديهيات، فلا تبقى حاجة إلى التحقيق.
وفي اليوم الثاني استفسرت عن موضع هلجنود التي هي عقدة الحياة لنا- فقالوا: إن الضباط قد لبسوا ملابس الجنود، فالطاعة ليست مختلة كثيرًا.
ثم كررتُ السؤال: كم من الضباط أُصيبوا؟ فخدعوني قائلين: أربعةالعصر وهؤلاء كانوا من المستبدين. وسوف تنفذ آداب الشريعة وحدودها.
ثم تصفحت الجرائد ورأيت: أنهم أيضًا يرون تلك الحركة حركة مشروعة ويصورونها على هذه الصورة، ففرحت من جهة، لأن أقدس غاية لديّ هي تطبيق الأحكام الشرعية تطبيقًا كامل والإسكن يئستُ أشد اليأس وتألمت كثيرًا باختلال الطاعة العسكرية، فخاطبتُ الجنود بلسان جميع الجرائد وقلت:
أيها الجنود! إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بإثم واحد فإنكم بعصيانكم تظلمون حقوق ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثمائة ملية) أي المسلمين، لأن شرف العثمانيين وعامةِ المسلمين وسعادتَهم ولواءَ وحدتهم قائمة -بجهة- في طاعتكم.
ثم إنكم تطالبون بالشريعة ولكنكم تخالفونها بعصيانكم فكل إ ولقد باركت حركتهم وشجاعتهم لأن الصحف التي هي لسان كاذب للرأي العام قد أظهرت لنا أن حركتهم مشروعة. فلقد تمكنت -بتقديرهم هذا- أن أُؤَثّرَ فيهم بنصيحتي. فهدّأتُ العصيان إلعلى" ي ما، وإلّا لما كان الأمر يكون سهلًا.
— 421 —
فأنا الذي قد زرت مستشفى المجاذيب فعلًا، ولم أقل: مالي وللناس، فليفكر في هذا الأمرِ العقلاءُ.. فقد ارتكبت إذن جناية!
الجناية العاشرة:لقد ذهبت بصحبة العلماء يوم ا حذار إلى الجنود الذين هم في الوزارة الحربية. وقد أخضعت ثمانيةَ طوابير إلى الطاعة بخطب مؤثرة جدًّا. ولقد أظهرتْ نصائحي فوائدَها بعد مدة. أذكر لكم صورة خطابي:
أيها العساكر الموحدون!
اختصر شرف ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين وكرامَتهم وسعادتَهم ورمزَ وحدتهم منوطة -من جهة- بطاعتكم. إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بخطيئة واحدة فإنكم بعصيانكم هذا تظور (٭لاثمائة مليونٍ من المسلمين. لأنكم بعصيانكم هذا تُلقون الأخوة الإسلامية إلى التهلكة.
اعلموا جيدًا! أن مركز الجندي عظيم جدًا، إذ هو أشبه ما يكون بالمعمل، فإذا اختل دولاب منه يختل العمل في االسالبكله. ألا إن الجنود الأفراد لا يتدخلون بالسياسة، والانكشاريون خير شاهد على هذا. إنكم تطالبون بالشريعة إلّا أنكم تخالفونها وتلوثونها.
إنه ثابت بالشيقةٍ عالقرآن والحديث والحكمة والتجربة: أن طاعة ولي الأمر المستقيم المتدين القائم بالحق فرض. فأولياء أموركم هم ضباطكم. فكما أن مهندسًا ماهرًا وطبيبًا حاذقًا إط ما يارتكب الآثام لا تتضرر مهنة الطب والهندسة كذلك ضباطكم الذين هم منورو الفكر ومثقفون ومطلعون على فنون الحرب وذوو غيرة وشهامة وهم مؤمنون. فلا تظلموا العثمانيين جميعًا والمسلمين بعصيانكم لأوامرهم جراء حركة جزئية غير مشروعة تصا بين م، ذلك لأن العصيان ليس ظلمًا واحدًا بل هو تجاوز على حقوق ملايين من الأفراد. أنتم تعلمون أن راية التوحيد الإلهي محمولة على يد شجاعتكم، وقوةُ تلك اليد في الطاعة والنظام، حيث إن ألفًا من المطيعين المنظَّمين يعدلون مائة ألف من السائبين. وغنرٍ ثم لبيان فإن ثلاثين مليونًا من العثمانيين لم يقوموا بمثل هذه الانقلابات الدموية طوال مائة سنة، فلقد قمتم بها بطاعتكم من دون إراقة دماء.
ولنفسه أيضًا، إن إضاعة ضابط ذي حمية وثقافة ودراية يعني إضاعة قوتكم المعنوية، لأن الغالب في الوقت الحاضر هو الشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية. قد المًا يعدل مثقف
— 422 —
واحد منهم مائة من غيرهم. فالأجانب يسعون أن يغلبوكم بهذه الشجاعة، إذ الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.
خلاصة الكلام:إني أبلغكم میا أمیر بیه الرسول الأعظم دليل، یو: أن الطاعة فرض، فلا تعصوا ضباطكم.
فليحيا الجنود، ولتعش المشروطية المشروعة.
فأنا.. لأنني قد تجشمت أعباء هذه المهمات الجسيمة -مع وجود علماء أكفاء- قد ارتكبت إذن جناية!
الجناية الحادية عشرة:كنت ألمس الوضع الرديء لما كان يعيشه أه خاتمولايات الشرقية فأدركت أن سعادتنا الدنيوية ستحصل -من جهة- بالعلوم الحديثة الحاضرة، وأن أحد الروافد غير الآسنة لتلك العلوم سيكون العلماء، والمنبع الآخر سيكون حتمًا المدارس اف". ة، كي يأنس علماء الدين بالعلوم الحديثة.
وحيث إن زمام الأمر في تلك البقاع التي أغلبيتها الساحقة أُميون بيد علماء الدين، فهذا الشعور هو الذي دفعني إلى المجيء إلى إسطنبول، ظنًا مني أن نلقى السعادة في "دار السعادة" في ذلك الوقت، مع أن الاستبدادسؤالِ أصبح الآن أضرابًا وتقوّى أكثر- كان يُسند إلى المرحوم السلطان المخلوع، فإنه قدّم لي مرتبًا بواسطة وزير الأمن العام وفضلًا منه وكرمًا، فرفضت. فقد أخطأت! ولكن خَطَئي ذلك أصبح خيرًا إذ أظهر خطأ الذين يبغالنماء الدنيا بالعلوم الدينية، فضحيت بعقلي، ولم أدع حريتي ولم أُحنِ رأسي لذلك السلطان الرؤوف، فتركت منافعي الشخصية؛ إذ هؤلاء يمكنهم أن يضموني إلى صفوفهم بالمحبة واء واللاضطرار والقوة، فأنا منذ سنة ونصف السنة أسعى هنا لتنال بلادي المعارف والعلوم. وأغلب الأصدقاء في إسطنبول على علم بهذا.
فأنا الذي ابن حمال فقير، لم أتجاوز طوري وكوني ابن فقير وحمال رغم تيسر الثابتاني، ولم أوطد علاقاتي مع الدنيا بل تركت أحب المناطق إلى قلبي وهي ذرى جبال الولايات الشرقية داعيًا إلى السعادة لأمتي، فدخلت مستشفى المجاذيب والمعتقلات والسجون وعانيت
— 423 —
التعذيب والإهانات في فتر إن قصروطية.. كل ذلك لأنني قد تطاولت إلى أمثال هذه الأمور حتى أوقعتني في مثل هذه المحاكم الرهيبة. فإذن قد جنيت!
نصف جناية:انطلاقًا مین مفهوم الحفاظ على مركز الخلافة -وهیو مركز المسیلمين وموضیع رابطتهم- والحيلولةِ دون ضياعإذا صدنًا من كون حضرة السیلطان عبد الحميد الثاني على استعداد لاستيضاح الأمر والندم على أخطائه الاجتماعية السابقة.. وأخذًا بالقاعدة الجليلة والصلح خير (النساء: ١٢٨) لتخفيف الأحداث الحالية التي سارت باليابذرت بذور الفتن والاضطرابات، وتحويلها إلى أفضل ما يمكن.. لأجل كل ذلك قلت بلسان الجريدة للسلطان السابق ما يأتي:
اجعل قصر يلدز، ذلك النجم الموفق شهجامعة للعلوم ليرتفع إلى الأعالي كالثريا.
وأسكن فيه أهل الحقيقة وملائكة الرحمة بدلًا من السواح وزبانية جهنم ليصبح بهيجة بهجة الجنة.
وأعد إلى الأمة ما ياة:الك من ثروات في القصر بصرفها في إنشاء جامعات دينية لتزيل الجهل الذي هو داء الأمة الوبيل.
ووطّن الثقة بمروءة الأمة ومحبتها، فهي المتكفلة بإدارتكم السلطانية. دع الدنيا قبل أن تدعك، واصرف زكاة العمرسلوب أيل العمر التالي. إنه ينبغي التفكر في الآخرة وحدها بعد هذا العمر.
والآن لنقارن؛ أيُّهما أفضل: أن يكون قصر يلدز موضع لهو أم جامعة علوم؟ وأن يجول فيه السواح أم يدرّس فيه محاولاء ؟ يُغصب أم يُهدى؟ فليقضِ أصحاب الإنصاف في هذا.
فأنا الفقير المعدم قمت بإسداء النصيحة إلى سلطان عظيم، قد جنيت إذن نصف جناية!
أما النصف الآخر من الجناية فلم يحُنْ وقت الإفصاح عنه. (٭): انظروا إلى البحث الموجود في ختام مي عالم"سراج النور" لتطلعوا على النصف الآخر من الجناية، والتي يعاقَب المؤلف من جرائها بثمان وعشرين سنة. (المؤلف) (المقصود: الشعاع الخامس).
وا أسفى لقد وضع المعجبون بالتطرف في هذه الحادثة سدًا أمام رغبات الأمة المشتاقة إلى ات، الذية المشروعة التي فيها سعادتنا ومنبعُ حياتنا الاجتماعية العطشى إلى المعارف والعلوم
— 424 —
الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وذلك بإلقائهم الأغراض الشخصية والفتن في المشروطية. زد على ذلك أعمال المثقفين المتسمةَ بالإلحاد وعدمِ ا، سيكوث بالدين.
فعلى الذين أقاموا هذا السد المنيع أن يرفعوه ويزيلوه، وهذا ما نرجوه منهم باسم الوطن.
أيها القواد والضباط!
إن الشهود على هذه الجنايات الإحدى عشرة ونصف الجناية بجلاءوف، بل يمكن أن يكون نصفُ أهالي إسطنبول شهودًا على بعض الجنايات.
ولكن أطلب الإجابة عن الأسئلة الأحد عشرة ونصف. فضلًا عن رضايَ بالعقاب النازل بي على تلك الجنايات. ومع هذا فلي حسنة واحدة عوضًا عن هذه السيالأستاسأقولها.
وهي: أنني عارضت شعبة الاتحاد والترقي المستبدة هنا، تلك التي أذهبت شوق الجميع وأطارت نشوتهم وأيقظت عروق النفاق والتحيّز وسببت التفرقة بين الناس وأوجدت الفِرَق والأحزاب القومية، وتسمّت بالمكٌ باط، بينما مثّلت الاستبداد في الحقيقة، بل حتى لطخت اسم الاتحاد والترقي.
إن لكلٍّ فكرَه، وأنا حرّ في إبداء الفكر. فالصلح العام والعفو العام ورفعُ الامتيازات ضروري، لئلا يتولد النفاق من استخفاف أصحاب الامتياز أذهان ن.
وأقول بلا فخر: نحن المسلمين الحقيقيين ننخدع ولكن لا نخدع، ونترفع عن الخداع لأجل حياة دنيوية. لأننا نعلم "إنما الحيلة في ترك الحيل". ولكلحفاظُي قد عاهدت المشروطية الحقيقية المشروعة سأصفع الاستبداد إن قابلتُه في أي لباس كان، حتى لو كان لابسًا ملابس المشروطية أو تقلّد اسمها. وفي اعتقادي أن أعداء المشروطكالنقطأولئك الذين يشوّهون صورتها بإظهارها مخالِفة للشريعة وأنها ظالمة، فيُكثرون بهذا أعداءَ الشورى أيضًا. علمًا أن القاعدة هي: "لا تتبدل الحقائق بتبدل الأسماء".
وحيث إن أعظم الخطأ هو ظن المرء أنه لا يخطأ، فإني أعترفه
وئِي وهو: أنني أردت نصح الناس قبل أن آخذ بنصيحتهم، وسعيت في إرشاد الآخرين قبل إرشاد نفسي، فهوّنت بهذا شأن الأمر بالمعروف حتى أصبح لا يجدي.
— 425 —
ثم إنه ثابت بالتجرالوهميالعقاب يأتي نتيجة ذنب، إلّا أنه أحيانًا ينزل العقاب ولمّا يُرتكب ذلك الذنب إلّا أنه أظهر نفسه في صورة ذنب آخر. فذلك الشخص رغم أنه بريء من هذا الذنب إلّا أنه يستحق العقاب لذنب آخر خفي. فاللّٰه سبحانه ينزل به المصيبة فيلقلًا وبالسجن لذنب خفي، فيعدل. بينما الحاكم يظلم لعدم ارتكاب الشخص ذلك الذنب، ولخفاء الذنب الخفي عنه.
فيا أولي الأمر!
كانت لي كرامة وعزة، وكنت أرغب أن أخدم بها الأمة الإسل القيدإلّا أنكم أهنتموها.
وكنت أملك شهرة كاذبة -دون رغبتي- وأُجري نصحي بها إلى العوام، فأفنيتموها مشكورين.
والآن ظلت لدي حياة ضعيفة مللت منها، فليهلكني اللّٰه إن صُنتها خوفًا من الإعدام، ولا أكون شريفًا إن لم أقدم على الموت ببشاشة.
إن الح، لكي ّ صورةً يورث الحكم عليكم وجدانًا، وهذا لا يضرني بل هو رفعة وشرف لي، ولكنكم تُلحقون الضرر بالأمة، لأنكم تزيلون تأثير نصائحي، فضلًا عن إدون شب بأنفسكم، حيث أكون حجة قاطعة بيد عدوّكم.
فلقد وضعتموني على المحك، تُرى لو وُضعت ما تسمونه بالفرق الخالصة (الأحزاب) على مثل هذا المحك كم سيسلم منهم؟
إن كانت المشروطية تعني مخالتفيد مريعة واستبداد جماعة معينة، (فليشهد الثقلان أني مرتجع). [٭]: هذا القول نظير قول الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه:
إن كان رفضًا حب آل محمدثلاثوند الثقلان أنى رافضي (ديوان الإمام الشافعى).
ذلك لأن الاتحاد القائم على الكذب كذب أيضًا، والمشروطية القائمة على أسس فاسدة ومفسدة مشروطية فاسدة، بِق لهشروطية الحقة التي لها الدوام والبقاء هي المشروطية القائمة على الحق وعلى الصدق وعلى المحبة وعلى أساس عدم الامتيازات.
إنني أنبّه إلى هذا وكلي أسف وقلق:
مثلًا:عالم جليل تحجزه صفة ة معنوعن الفساد، ولكن يُقرن ذكر الفساد الناشئ من
— 426 —
تهوره كلما ذكر علمه، ومن ثم تُمسّ صفة العلم بسوء. ألا يومئ هذا إلى العداء للعلم؟ كذلك حينما زَرعت الفرقاء بذور التفرقة والفتن -خلافًا للشريعة- صحيحة مليونًا من الطلقات عبثًا، وظلت السياسة والنظام العام بيد أفراد اعتياديين وعمّت الفوضى في الأوساط.. وما هدأ ذلك الطوفانَ العارمَ إلّا معجزةُ الشريعة حتى مرّ بسلام من دون إراقة دم. بمعنى أن الاسم السامي للشريعة المطهلشخص ااتحاد المحمدي أنزل تأثير ذلك الفساد الرهيب من الألف إلى الواحد.
فبينما الأمر هكذا فإن ذكر ذلك الاسم الطاهر (الشريعة)، مقرونًا بأصحاب الفتن وجَعْله تُرسًا لهم هو مسّ لنقطة خطرة جدًا، بل ه فعرض لعقدة الحياة، بحيث يرجف من هوله كل صاحب وجدان سليم وتذهب نفسه حسرات عليه.
إن الذي يستطيع أن يتصور أنه بالإمكان جعل الثريا مكنسة وإطفاؤه بالنفخ، لا يعلن إلّا عن بلاهته!
فلو أن مَلَكًا في جو السماء، في زحل مثلًا، أمسك بيده ميزانًا يزولأمة آرارات وجبل سبحان، وأضيف إلى جبل آرارات وزنٌ بقدر درهم، فالمشاهدون القاصرو النظر عندما يرون نزول كفة آرارات إلى الأرض وصعودَ كفة سبحان إلى السماء، يُسندون الأمر والثقل إلد لا يالوزن البسيط بقدر درهم!
وهكذا فالكرامة العسكرية والحمية الإسلامية والشريعة المحمدية شبيهة بتلك الجبال الشامخة، أما الأسباب الخارجية فهي بوزن درهم فحسب. فاتّخاذ هذه الأسباب التافهة أساسًا في الأمور دليل على الجهل بشأن الإنسانية مسكة لام، بل تهوين بهما.
سوف أقول الحقيقةَ فقط، ولن أجانب الحق أبدًا، ذلك لأن مقام الحق سامٍ ولن أُضحي به لأجل أحد، لذا لن تَصرفني عن ذكر الحق لومة لائم.
إن ما يسمى بحادثة ٣١ مارت، ذلك الطوفان الرهيب والصاعقة المحرقة، قد هيأت -تحت أسبدة الايادية- استعدادًا طبيعيًا بحيث ورد -من عند اللّٰه- على لسان القائمين بها اسم الشريعةِ المظهرةِ معجزتَها دومًا رغم أن نتائج تلك الحادثة كانت الهرج والمرج.
— 427 —
ولأن اسم الشريعة جعل ذلك الطوفان يمر بسلام فإنه يُدياء علىم اللّٰه- تلك الصحفَ التي أَطلقت لسانها بالسوء بعد منتصف نيسان.
فإذا ما أُخذ بنظر الاعتبار الأسبابُ السبعة والأحوال السبع التي أدت إلى تلك الحادثة تظهر الحقيقةيضًا. وهي الآتية:
١- لقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة موجهة ضد الاتحاد والترقي وضد استبدادهم ودكتاتوريتهم.
٢- كما كانت ترمي إلى تبديل الوزراء الذين كانوا محل نقاش وجدال بين الفرقاء والأحزاب.
٣- إنقاذ السلطان المظلوم من الخلع الذي قد تقرإسلام ّم عليه.
٤- منع التعليمات وإنهاء التلقينات التي لا تليق بالآداب العسكرية والدينية.
٥- الكشف عن قاتل السيد "حسن فهمي" بعد أن تم تضخيم موضوع اغتياله.
٦- تسوية موضوع الضباط "الآلايلي" [٭]: ضاهنا، تلآيلي: هم الضباط الذين ترقوا من الجندية، ولم يكونوا من خريجي الكلية الحربية. الذين أُخرجوا من الخدمة العسكرية وإنصافُهم.
٧- الوقوف تجاه تعميم مفهوم الحرية علنى والرفات السفيهة، أي تحديد معنى الحرية بالآداب الشرعية، ثم القيام بتطبيق الحدود الشرعية التي لا يَفهم العوام منها سوى القصاص وقطع اليد.
بيد أن الأرضية الآسنة كانت مهيأة، والخططَ والمنزلقات!
لجاهزة حتى ذهبت الطاعة العسكرية السامية جدًّا ضحية بها.
إن أس أساس الأسباب هو المناقشات العنيفة المتحيّزة للفرقاء وغلوُّ الصحف في المجادلات المبالغِ فيها بالكذب عوضًا عن بلاغة الكلام. وكما أن دوران القرص الملون لا يُظهر إلّالإسلان الأبيض فالشريعة الغراء هي التي تجلت من بين هذه المطالب السبعة المذكورة فسدّت طريق الفساد.
— 428 —
الحاصل:لقد عمت الفوضى والإرهاب في الأوساط بماب -هذه الصحف من مقالات محرضة، وشروعِ الفرقاء بتسجيل أسماء الفدائيين، وسيطرةِ الأشخاص الذين قادوا الانقلاب، وسريانِ الحرية المطلقة إلى الجنود بما ينافي الطاعة العسكرية، وتلقينِ بعض المهملين الجنود ما يظنونه مخالفًقيقي..اب الدينية. وبعد أن انفرط عقد الطاعة زرع المستبدون والمتعصبون الجهلاء -والذين تنقصهم المحاكمة العقلية في الدين- البذورَ في ذلك المستنقع الآسن -بظن الإحسان- وظلت السياسة الة.. لذلدولة بيد الجهلاء وأطلق ما يقارب المليون من الطلقات في الهواء وتدخلت الأيادي الداخلية والخارجية. فبينما الأمر الطبيعي أن تؤدي هذه الحادثة إلى الهرج والمرج وتدخُّل الأجانب في السكين اإلّا أن اسم الشريعة -بفضل اللّٰه- أرجع الأرواحَ الخبيثة الناتجة من تلك الأسباب المذكورة إلى أوكارها، فأظهرت ( الشريعة ) معجزة أخرى بعد ثلاثة عشر قرنًا.
ثم إن الصوت المدويّ للجلف- لاعلماء في ذلك الانقلاب العظيم الفائت والقائل بی: "أن المشروطية مستندة إلى الشريعة" سرى سريانَ التيار الكهربائي في وجدان المسلمين عامة، فخرق ذلك الانقلابُ القاعدةَ الطباء للللانقلابات وأظهر التأثير المعجز للشريعة الغراء، وسيظهره دومًا.
إنني أعترض على أساس فكر الصحف التي ظهرت بعد منتصف نيسان وذلك: أنهم أوجدوا منفذًا ومبررًا للتضحية بالعزة والكرامة واللشر اللعسكرية -التي هي أسمى من الحياة بل تُضحّى لأجلها الحياة- في سبيل آمال غير مشروعة، وأفعال خسيسة خادمة للحياة نفسها لدى أهل الوجدان.
ثم إنهم ظنوا أن شمس الشريعة التي تنجذب إ طريقالحقائق والأحوال وترتبط بها، تابعة للسلطة أو منقادة للخلافة أو أداة لأية سياسة أخرى، فأظهروا -ما اعتقدوه- أن الشمس المنيرة تابعة لنجم منخسف.
أقول بكل ما أملك من قوة:ة. باا رقي لنا إلّا برقي الإسلام الذي هو مليتنا، ولا رفعة لنا إلّا بتجلي حقائق الشريعة، وبخلافه نكون مصداقًا للمثل القائل: "أضاع المِشْيَتَيْنِ".
— 429 —
نعم، علينا أن نستشعر بشرف الأمة وعزتها وثواب الآخرة وبشأن المجمع" القيمته، والحمية الإسلامية، وحب الوطن وبحب الدين... ففي المضاعفات قوة أية قوة.
أيها القادة والضباط!
أطالبكم بإنزال العقاب على جناياتي، وبالإجابة حالًا عن أسئلتي الآتية، فإن الإسلام هو الإنسانية اللى الأإن الشريعة الغراء هي المدنية الفُضلى، لذا فالعالم الإسلامي أهلٌ ليكون المدينةَ الفاضلة التي تصورها أفلاطون.
السؤال الأول:ما جزاء المنخدعين بالصحافة والمنجرفين مع التيار العام المتولد حاليًا من العادات والتقالستقيم ي يرونها مشروعة؟
السؤال الثاني:ما جزاء من يتعرض لإنسان تشكّل في صورة ثعبان، ولوليّ صالح تقمص صفة شقيّ، وللمشروطية التي لبست لباس الاستبداد، وما هم في الحقيقة سوى ثعابين وشقاة واستبداد؟
السؤال الثالث:هل يكون المستبد شخُخرج ودًا واحدًا؟ أم يمكن أن يكون أشخاص عديدون مستبدين؟ وأرى أن القوة يجب أن تكون في القانون، وإلّا فسيتوزع الاستبداد ويشتد أكثر بالمنظمات.
السؤال الرابع:أيّهما أضرّ: إعدام بريء أم العفو عن عشرة جناة؟
السؤال الخامس:أفلا يزيد من س الدروفاق والتفرقة تشديدُ الخناق على أرباب المسالك والفكر، علمًا أنه لا يغلبهم؟
السؤال السادس:أيمكن بغير رفع المحسوبية والامتيازات حصولُ اتحاد الأمة الذي هو معدن حياتنا الاجتماعية؟
— 430 —
السؤال الما طبخإن الإخلال بالمساواة، وتخصيصها لبعض الأفراد فحسب، وتنفيذَ القانون بحقهم وإن كان يوحي ظاهرًا بالعدالة، إلا أنه يولد الظلم والنفاق في جهة أخرى، فضلًا عن أن براءة أغلب المسجونين قد توضحت بالإفراكلٌ منمانين بالمئة منهم، وهم بريئون.
إنني لا أوجه الكلام هنا إلى المحكمة العسكرية، بل على المخبرين أن يتدبروا في الأمر.
السؤال الثامن:إذا عَدّت فرقة معينة نفسها صاحبة امتياز1
إ الآخرين، وألجأت الناس إلى الظهور بمظهر المخالف للمشروطية، وذلك بكثرة تعرّض تلك الفرقة لهم وجرحها لمشاعرهم، فعلى من يقع الذنب لو تعرض الجميع للاستبداد العنيد المتستر تحت اسم المشروطية، التيلدولة ه تلك الفرقة؟
السؤال التاسع:على من تقع المسؤولية فيما لو ترك بستاني باب البستان مفتوحًا، ودخل فيه من دخل، ثم ظهر حدوث السرقات؟
السؤال العاشر:لو مُنِحَ الناسُ حريةَ الفكر والكلام، ثم حوسب شخص على كلامه أو فكره، أفلا يكون ذلك خطة مدب فالعرفع الأمة المنكوبة إلى النار؟
السؤال الحادي عشر:نرى الجميع يعاهدون المشروطية ويقسمون بها، بينما المعاهد هو نفسه مخالف لمسمّى المشروطية أو ساكت عن مخالفيها. ألا يحتاج ذلك إلى كفّارة اليمين؟ ألا تكون الأمة إذن كاذبا إنساا يعتبر إذن الرأيُ العام النزيه كاذبًا ومعتوهًا؟
حاصل الكلام:إن المهيمن على الوضع الحاضر استبداد شديد وتحكم صارم، وذلك من حيث الجهل المؤلف
وكأن الاستبداد والتجسس قد تناسخا روحًا. والذي يبدو أن الغاية
— 431 —
ما كانت استردادَ الحرية من السلطان عبد الحميد، بل تحويل استبداد ضعيف وضئيل إلى استبداد شديد وقوي.
نصف سؤال:شخص ضعيف رقيق يحاول جبينهمادفع أذى البعوض والزنابير عنه لعدم تحمله لها، أفيمكن أن يقنع أحدُهم أحمقَ بقوله: إن هذا يقصد بعمله هذا تسليط أسد هصور على نفسه وليس دفع البعوض والزنابير؟
النصف الآخر من ابًا عنلم يؤذن له.
أيها القواد والضباط! أقول بكل قوتي:
إنني مصرّ إصرارًا جادًا على جميع الحقائق التي نشرتها في الصحف في مقالاتي كلها. فإن دعيت من قِبَل الماضي، من قِبَل محكمة العصر النبوي السعيد، باسم الشريعة العادلة فسأبرز الالعلم التي نشرتها بعينها، لا أغيّر منها شيئًا، سوى ما يستوجبه ذلك الزمان من زيّ. وإن دعيت من قبل المستقبل، من قبل محكمة العقلاء الناقدين باسم التاريخ لِمَا بعد ثلاثمائة سنة. فسأبرز هذه الحقيل، ويضًا، إلّا ما تحتاج من ترميمِ بعض جوانبها المتشققة.
بمعنى أن الحقيقة لا تتحول إلى أمر آخر، فالحقيقة حق، و"الحق يعلو ولا يعلى عليه" [٭]: "الإسلام يعلو ولا يعلى": انظر: الدارقطني، السنن ٣
(٢البيهقي، السنن الكبرى ٦/٢٠٥، الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٢٨، المعجم الصغير ٢/١٥٥؛ وعلقه البخاري في الجنائز ٧٩. والمشهور على الألسنة زيادة (على) آخرًا، بل هي رواية أحمد. والمشهور أيضًا على الألسنة: "الحق يعلو ولا يها. فميه"، كشف الخفاء ١/١٢٧. والأمة صاحية، بل لو أُغفلت بالمغالطة والخداع، فلا يدوم ذلك.
أما الخيال الذي ظُن حقيقة فعمره قصير، وستَتَشتت تلك الأفكارُ المضللة أمام فوران الرأي العام وتَبرز الحقيقة ناصعة إلى الميدان، إن شاء اللّٰه.
للّاشكُنَمْ چُونْ ز۪يرَكَانْرَا ا۪ينْ بَس اسْت بَانْگِ دِهْ كَرْدَمْ اَگَرْ دَرْ دِهْ كَس اسْت
[٭]: بيت بالفارسية نظير قول بشار بن برد: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا ولكن لا حياةَ لى الرأادي.
على الرغم من أن الوضع في سجنكم معذِّب والزمانَ رهيب والمكانَ موحش والسجناء مستوحشون والصحفَ تنشر الأراجيف والأكاذيب، والأفكار مشوشة ب للتوب
— 432 —
كسيرة حزينة والوجدان متألم ويائس والموظفين متشائمون من الوضع والحراسَ مزعجون.. أقول: على الرغم من كل هذا، فإن الوضع كان لي موضعَ سرور، لأن ضميري لم يكن يعذبني، بل كلما تنوعت المصائبُ ترنمت بنغمات متل قطعةيضًا.
نعم، لقد أكملتُ هنا -في السجن- الدرسَ الذي تلقيتُه السنةَ الماضية في مستشفى المجاذيب حيث تلقيت دروسًا مطولة لطول زمن المصيبة، إذ كان الحزن البريء المظلوم الذي هو لذة روحانية للبعض نظلّمني الشفقة على الضعفاء وشدةَ النفور من الظلم والغدر.
إنني على أمل عظيم أن الآهات والزفرات الساخنة المتبخرة من قلوب الأبرياء الكسيرة ستشكل سحابةَ رحمةٍ، وقد بدأت فعلًا هذه السحبُ بتشكيل دول إسلامية حديثة في أرجاء العاجاب شفسلامي.
إن كانت المدنية الحاضرة هي التربة الخصبة لإنماء مثل هذه التصرفات التي تمس الكرامة الإنسانية وتعتدي عليها.. وهذه الافتراءات التي تؤدي إلى النفاق.. وهذه الأفكار التي تغذي الحقد والانتقام.. وهذه المغالطات الشيطانية والتحلل من الآداباجة أنية.. إذا كانت هذه هي المدنية، فليشهد الجميع بأنني أفضّل قمم الجبال الشاهقة في الشرق، وأفضّل حياة البداوة في تلك الجبال في بلدي حيث الحرية المطلقة على موطن و الإع الذي تسمّونه أنتم قصرَ المدنية.
إن حرية الفكر وحرية الكلام وحسن النية وسلامة القلب التي لم أشاهدها في هذه المدنية الدنية، مستولية على جبال شرقي الأناضول بكل معانيهاالغة فحسب علمي أن الأدباء يكونون متأدبين، إلّا أنني أجد بعض الصحف الخارجية خالية من الأدب وناشرة للنفاق. فإن كان هذا هو الأدب، والآراء العامة مختلطة إلى هذا الحد، فاشهدوا أني تخليت عن هذا الأدب، ولست داخلًا فيهم أرقي الوسأطالع الأجرام السماوية واللوحات السماوية النيرة على ذرى جبال موطني، قمة باشت، [٭]: قمة جبل في جنوب شرقي الأناضول. بدلًا من مطالعة هذه اة. [٭#433
"إن عالم فيضنا نزيه من عيوب الأماني الخادعة.
فقد كُتب علينا الترفع عن زينة الذهب والفضة منذ الأزل.
وجفونا نشوة الآمال وطولها.
عشقنا عشق مجنون لليلى، ولكن أغنانا حتى عن وصالها".
(ولولا إن هذُ العلا ومقاصد عوالٍ وأعقاب الأحاديث في غدٍ
لأعطيت نفسي في التخلي مرادها وذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي
[٭]: وللطغرائي (ت ٥١٣هی /١١٢٠):
ولیییولا تیكیالیيفُ العُیلى ومغییییارمٌ ثِقَالٌ ودينٌ آخذٌ بالمقلَّدِ
وإشفاقُ نفسي حوال كافِ أعِزَّتِي وخوفيَ أعقابَ الأحاديثِ في غَدِ
لأعطيتُ نفسي في التخلي مُرادَها وذاكَ مُرادي مذ نشأتُ ومقصِدِي
(ديوان الطغرائي ص ٥٩علّى لبعة الجوائب، قسطنطينية ١٣٠٠).
وأكتم أشياء ولو شئت قلتها ولو قلتها لم أُبق للصلح موضعا )
[٭]: يعزى إلى عتبة بن أبي سفيان (الحلة السيراء، ١/٤، لابن غرى) إ) وإلى علي بن بابويه (الكشكول ١/٣٤٨، البهاء العاملي):
ولو إني سمحت بماء وجهي لكنت إلى الغنى سهل الطريق
وعندي جواب لو أردت لقلته ولو قلته لم أبق للصلح موضعا
تنبيه
إن الاحك ليقكم إلى التأمل استقالتي على المدنية.
نعم، إنني أفضّل البداوة على هذه المدنية الممزوجة بالاستبداد والسفاهة والذل. إن هذه المدنية تجعل الأشخاص فقراء وسفهاء وسيئي الأخلاق، بينما تسعى المدنية الحقيقية لترقية النوع الإنساني الكذب- إلى التكامل، وتخرج ماهيته النوعية من القوة إلى الفعل، لذا فإن طلب المدنية والسعي لها انطلاقًا من هذه الزاوية يعدّ سعيًا نحو الإنسانية.
ثم إن سبب افتتاني بمحبة معنى الادمة مة هو أن المدخل الأول لتقدم آسيا والعالم الإسلامي في المستقبل هو المشروطية المشروعة والحرية التي هي ضمن نطاق الشريعة. وأن
— 434 —
مفتاح حظّ الإسلام وسعده ورقيه موجود في الشورى التي في المشروطية. حيث قد انسبوية ادّ الآن- ثلاثمائة مليون من المسلمين تحت أقدام الاستبداد المعنوي للأجانب.
وحيث إن الحاكمية الإسلامية مهيمنة الآن في العالم ولاسيما في آسن. والن كل مسلم يكون مالكًا لجزء حقيقي من الحاكمية. وإن الحرية هي العلاج الوحيد لإنقاذ ثلاثمائة مليون من المسلمين من الأسر. فحتى لو تضرر هنا -بف) تخييل- عشرون مليونًا من الناس في أثناء إرساء الحرية، فليكن ذلك فداءً، إذ نأخذ ثلاثمائة بدفع عشرين.
وا أسفى! إن العناصر والقوميات الموجودة عندنا مختلطة ادات ح أجزاء الهواء، ولم تمتزج امتزاج أجزاء الماء. وستمتزج تلك العناصر والقوميات بالإسلام الذي يفعل فعل التيار الكهربائي فيهم. وسيأتي بإذن اللّٰه مزاج العدالة المنصفة المتولدة من حرارة نور المعارف الإسلامية.
فلتعش المشجية، والمشروعة، ولتدم الحرية النيّرة المسترشدة بتربية حقيقة الشريعة.
غريب زمان الاستبداد
بديع زمان المشروطية
وبدعة هذا الزمان
سعيد النورسي
— 435 —
خاتمة
أعتقد أن البحث يظل ناقصًا إن لم أوجه بضع أفكار إلى مُواطنيّ وإخواني.
يا أبناء وطني وإخواني! يا أحفاد الجنود الأشاوس لجيوش آسيا البسلاء للقرون الماضية، كفاكم نومًا لخمسمائة سنة. تيقظوا فرفع عنن الصباح. وإلّا فستنهبكم الغفلة وأنتم تغطون في نوم عميق في صحراء الجهل القاحلة.
إن الحكمة الإلهية التي هي نظام العالم والمؤسِّسة للقانون الإلهي النوراني الساري في إن منالعالم كله قد رَفعت إصبع القدر منذ الأزل تأمركم: حافِظوا على الموازنة العامة، بتوحيدِ ومزجِ حميتكم وقوتكم الضائعتين بالتفرقة -ضياعَ قطرات الماء المتناثرة- بالفكر الملي، أي الملة الإسلامية، مكوِّنين بذلك جاذبةً وطنية ه.
من جاذبات الذرات الجزئية. فتنجذب هذه الكتلة العظيمة وتدور كالكوكب المنير في موكب الجماهير المتحدة الإسلامية الممثلة لشوكة شمس الإسلام العظيم.
ثیم إن الحرية الشرعية التي هي حقيقة اجتماعية قید انتصبت على ذرى المسیتقبل . [٭]شموخ جبل سیبحان و آرارات، هذه الحرية المسیتندة إلى الشیريعة تحذركم من الانصياع إلى النفس الأمارة بالسوء ومن التجاوز على الآخرين. وإنها لتهتف بكم وبأمثالكم من الغافلين المتفرقين في أودية الماض، وبهذيقة: أنْ اهجموا على الجهل والفقر بالعلم والصنعة.
ثم إن الحاجة التي هي أم المدنية وأم الاختراع والرقي قد رفعت يدها لتنزلها عليكم صفعة، فتأمركم: إما أن تعطوا حياة حريد؛ فإن صحراء الجهل هذه إلى الناهبين أو عليكم أن تهرعوا إلى كعبة الكمالات بركوبكم منطاد العلم وقطار الصنعة في ميدان المدنية لاستقبال المستقبل الزاهر مستردين أموال الاتفاق التي اغتصبها الأجنبي.
ديم، بالملية الإسلامية التي نَصبت خيمتها في وديان الماضي وصحارى الحاضر وشیواهق المستقبل واستظل بها أجدادكم من أمثال صلاح الدين الأيوبي وجلال الدين خوارزم شاه والسیلطان سليم وخير الدين بارباروس ورستم زال وما شابههم
— 436 —
من القواد الدهیاة الذيینّة إلىكلٌ بمنزلة الآخر فعاشیوا معًا كعائلة واحدة.. هذه الملية الإسلامية وهي مثال الحياة الرفيعة.. تأمركم أمرًا جازمًا:
بأنّ على كل واحد منكم أن يكون مرآة عاكسة للإسلام وحامي ذماره، ومثالًا مشخَّصًا للأمة الإسلامية، إذ الهمة تتعالى بعلوت، ومند، والأخلاقُ تتسامى وتتكامل بغليان الحمية الإسلامية.
ثم إن المشروطية المشروعة التي هي سبب من أسباب سعادة البشر الدنيوية نجّت الإرادة الجزئية التي هي القوة الدافعة لماكنة الحياة، من تسلط الاستبداة استننها سيادة الأمة. هذه المشروطية التي اختمرت بخميرة الشورى الشرعية تدعوكم إلى الاختبار والامتحان، وتريد أن تراكم أنكم قد بلغتم سن الرشد فلا تحتاجون إلى وصاية، فهيئوا أنفسكم للامتحان. وأثبتوا وجودكم لمْ تداد، وبينوا لها أن فكركم ووجدانكم الشخصيَيْنِ هما كقلب الأمة وعقلها المشترك بالحمية الدينية الملية. وبخلافه ستلغي أمركم ولا تمنحكم شهادة الحرية.
نعم، إن الاضطرابات التي حدثت فيما بينكم في صحارى الماضي من جراء ما يحمله كل منكم من حب السيا مريعتأنانية والفكر الشخصي ستنقلب -بإذن اللّٰه- إلى فكر الإيجاد والسعي الدؤوب ومفهوم الحرية. بل أستطيع أن أقول: يا مواطني في الولايات الشرقية: إن مدارسكم الصاخبة أشب. الخ كون بالبرلمان العلمي لكثرة ما فيها من مناقشات بالنسبة للمدارس الهادئة الأخرى.
ثم أنتم شافعيون، فقراءتكم خلف الأمام، وفطرتكم وأصول مدرستكُبرويةكم إلى السعي والمحاولة الشخصية، كما قال تعالى:
وان ليس للانسان الّا ما سعى
(النجم:٣٩).
ثم إن الجسارة وشرف الأمة الإسلامية وعزتها -وهي أساس كل كمالذرة ايه- تأمركم قائلة: مثلما ترقيتم في مضمار الشجاعة المادية بتعلمكم العلوم والمعرفة من كتابات سيوفكم وفتحتم مجرًى من الدماغ إلى القلب مزجًا العقل بالقوة، فافتحوا الآن منفذًا من القلب إلى الفكر، وابعثوا القوة مددًا للعقل، وأرسلوا العواطف ظهرة حوالفكر، لئلا تنهب شرف الأمة الإسلامية في ميدان المدنية. اجعلوا سيوفكم من جواهر العلم والصنعة والتساند الذي يأمركم به القرآن الكريم.
سعيد النورسي
— 437 —
خطاب إلى الحرية
أيتها الحرية الشرعية!
إنكِ تنادين بصوت هادر، ولكنه رخي يحصلا بشارة سارة، توقظين بها كرديًا بدويًا مثلي نائمًا تحت طبقات الغفلة، ولولاكِ لظللتُ أنا والأمة جميعًا في سجن الأسر والقيد. إنني أُبشرك بعمر خالد؛ فإذا ما اتّخذتِ الشريعةَ التي هي عين الحياة، منبعًا للحياة، وترات؛ كیفي تلك الجنة الوارفة البهيجة، فإنني أزف بشرى سارة أيضًا بأن هذه الأمة المظلومة ستترقى ألف درجة عما كانت عليه في سابق عهدها. وإذا ما اتخذتك الأمة مرشدة لها، ولم تر
عبالمآرب الشخصية وحب الثأر والانتقام، فقد أخرَجَنا إذن مَن له العظمة والمنة من قبر الوحشة والاستبداد، ودعانا إلى جنة الاتحاد والمحبة.
فيا رب ما أسعد هذه القيامة والنشور! وما أجمل هذا الحشر العظيم المصوّر لنا حقيقة "البعث بعد اراض -أفي هذا الزمان، يصورها تصويرًا مصغرًا، وذلك كالآتي:
لقد دبّت الحياة في المدنية القديمة المدفونة في زوايا آسيا وروم إيلي. [٭]: المناطق العثمانية الواقعة في قارة أوروبة. الطلذين يتحرون نفعهم في ضرر العامة، ويتمنون الاستبداد، بدأوا يقولون: يا ليتني كنت ترابا (النبأ:٤٠).
إن حكومتنا الجديدة، حكومة المشروطية، قد ولدت أشبه ما يكون بالمعجزة، لذا سننال في غضون سنة واحدة بإذن اللّٰه سر من يكلم الناس في
فاصبيًا.
إن ثلاثين سنة قضيناها صائمين عن الكلام متجملين بالصبر والتوكل على اللّٰه، سننال ثوابه بانفتاح أبواب جنة الرقي، أبواب المدنية التي لا عذاب ريف (أ إن القانون الشرعي الذي هو براعة الاستهلال لحاكمية الأمة، شبيه بخازن الجنة، يدعونا إلى الدخول فيها.. فهيا يا إخوة الوطن لنذهب معًا، وندخلْها معًا، فإن بابها الأول: اتحاد القلوب. والثاني: محبة الأمة. والثالث: الم شيء اوالرابع: السعي الإنساني. والخامس: ترك السفاهة. وأحيلُ إلى أذهانكم بقيةَ الأبواب. علمًا أن إجابة الدعوة واجب شرعي.
— 438 —
ولأن فاتحة هذا الانقلاب العظيم بدأت أشبه بالمعجزة، فإن ذلك فأل حسن بأن تكون خاتمته أيضًا حسنة. وكالآتي:
إن تعجب) انقلاب سيكسر أغلال الفكر البشري الثقيلة، وسيهدم السدود المانعة للرقي، وينجي الحكومة من ورطة الموت، ويظهر جوهر الإنسانية ويحررها مرسِلًا إياها إلى كعبةعارف كلات.
نعم، إن هذا الفأل الحسن يبشرنا بأن خاتمة هذا الانقلاب ستكون بانقشاع ذلك السحاب المتراكم القاتم، بالرغبة العامة لدى الناس، وبشعورهم بالضرر المادي لسيئات المدنية الملوّنة بألوان السفاهات وًا:إنفات والملذات غير المشروعة.. وغيرها من الأمور التي دفعت دولة المدنية إلى الانقراض كانقراض الحكومة المستبدة. وعندها ستشرق شمس الشريعة وقمر المدنية في جو السماء الصافي بأسطع ما يكون، فتُنَوران
ثموروم إيلي، وستنمو بذور الاستعدادات والقابليات بهطول أمطار الحرية، فتتزين عندئذ الأرض بأوهى حللها الملونة.
نعم، إنه معجزة نبوية وعناية إلهيةٌ للأمة المظلومة، وكرامة النية الخالصة للمجتمع كافة.
إن هذا الاتحاد، اتحادُ القلن المتمحبة الموجهة للأمة كافة،وهي معدن السعادة والحرية، قد أنعم بها المولى الكريم علينا مجانًا، بينما الأمم الأخرى قد ظفروا بها بعد دفع الملايين من جواهر النفوس الغالية.
إن صدى الحرية والع يزلّ نفخ نفخ إسرافيل فيبعث الحياة في مشاعرنا المدنية وآمالنا الخامدة ورغباتنا القومية الرفيعة وأخلاقنا الإسلامية الحميدة، حتى يرن صماخ الكرة الأرضية المجذوبة جذبة المولوي، ويهيج الأمة جميعًا ويهزها هزّ المجذوب.
الأسام يا إخوان الوطن أن تقضوا عليها بالموت مرة أخرى بالسفاهات والإهمال في الدين.
إن القانون الأساسیي المؤسس على هذه الشريعة الغراء قید أصیبیح ملك الموت لقبض أرواح جميع الأفكار الفاسدة والأخلاق الرذيلة والدسیائس الشلملية ة والتزلفات الدنيئة. فيا إخوة الوطن! لا تعيدوا الحياة لتلك الرذائل بالإسرافات ومخالفة الشريعة والملذات المحرمة.
— 439 —
فلقد كنا إذن في القبر، وبليت عظامنا، والآن دخلنا في رحم الأم باتحاد الأمة والمشروطية.
لخبيثةائة ونيفًا من السنين التي تأخرنا فيها عن مضمار الرقي والتقدم سنتجاوزها بإذن اللّٰه تعالى، بمعجزة نبوية، مستقلين -عملًا- قطار القانون الأساسي الشرعي وممتطين -فكرًا- بُراق الشورى الشر الثاب وسنكون في صف الأمم المتمدنة، بطيّنا هذا الزمان القاصر الشبيه بالصحراء الكبرى الموحشة. بل نتسابق معهم حيث إنهم درجوا على ركوب العربات التي تجرها الثيران، بينما نحن -بتكامل الوسائل التي يتوقف عليها نطبعه- سنَرْكَب مباشرةً القطارَ والمنطاد، فنسبقهم بفراسخ وفراسخ، وذلك بما تسهل لنا هضمَ تلك الوسائل حقيقةُ الإسلام الجامعة للأخلاق الإسلامية، والاستعدادُ الفطالون بامن فينا، وفيضُ الإيمان الذي نحمله، وشدةُ الجوع التي نشعر بها، فنسبقهم بإذنه تعالى كما كنا سابقين لهم في الماضي.
إنني أذكّركم بما يأتي نهم فها أناطت بي مهمة الطالب من وظيفة، وبشهادة التخرج مِن سِلك الحرية:
يا أبناء الوطن! لا تفسروا الحرية تفسيرًا سيئًا كي لا تفلت من أيديكم، ولا يخنقونا بسق بغض اتعباد السابق الفاسد في إناء آخر (٭): نعم، لقد سقونا عبودية مسمومة جدًّا باستبداد أرهب وأشد (المؤلف). ذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الأحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة.
والبرهان الباهر على الإجملادعاء هو ما كان يرفل به عهد الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين من الحرية والعدالة والمساواة على الرغم من الوحشية السائدة والتحكم في نظت.
وبخلافه فإن تفسير الحرية والعملَ بها على أنها التحرر من القيود والانغمارُ في السفاهات والملذات غير المشروعة والبذخِ والإسراف، وتجاوزُ الحدود في كلفرس.
تباعًا لهوى النفس.. مماثلٌ لمن يتحرر من أسر سلطان واحد ويدخل في استبداد حقراء سافلين كثيرين. فضلًا عن أن هذا النمط من الحرية يُظهر أن الأمة غير رالمترقمازالت في عهد الصباوة وليست أهلًا للحرية. فهي سفيهة إذن تستحق الحجر عليها، بالرجوع إلى الاستبداد السابق البائد.