المثنوي العربي
— 53 —

الرسالة الأولى

لمعات
من شمس التوحيد
(النص العربي للكلمة "الثانية والعشرين")
[٭]: هذه الرسالة مع الرسالتين الموسومتين بی"رشحات، لاسيما" عبارة عن رسالة واحدة في الطبعة الثانية، إلّا أن كلا منها رسالة مستقلّة في المخطوط وفي الترجمة التركية، فآثرنا فصلها إلى رسائل مستقلّة.
هذا، وإن الرسائل الثلاث من تأليفات "سعيد الجديد" باللغة العربية ألّفها في "بارلا" بعد نفيه إليها سنة ١٩٢٧.
— 54 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
سبحانك يا من تُسبِّحُ بحمدك هذه الكائناتُ السيالة بتسبيحاتِ لِسان محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ إذ هو الذي تتموج أصديةُ تسبيحاته لك، على أمواج الأجيال، وأفواج الأعصار، بمَر الفصول والعصور والأدوار.
اَللّٰهمَّ فأبِّدْ على صفحات الكائنات وعلى أوراق الأوقات، أصديةَ تسبيحاته عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة والعرَصَات.
سبحانك يا مَن تُسبِّحُ بحمدك الأرضُ، ساجدةً تحت عرش عظمة قدرتك بلسان محمدِها عليه أفضلُ صلواتك وأجملُ تسليماتك؛ إذ هو الناطقُ والمترجِمُ لتسبيحات الأرض لك بألسنةِ أحوالها. وبرسالته استقرت الأرضُ في مستقرها في مدارها.
اَللّٰهمَّ فأنطِق الأرضَ بأقطارها إلى نهاية عمرها بتسبيحات لسانه عليه الصلاة والسلام.
سبحانك يا مَن يُسبِّحُ بحمدك جميعُ المؤمنين والمؤمنات، في جميع الأمكنة والأوقات، بلسان محمدِهِمْ عليه أكملُ الصلوات وأتم التسليمات؛ إذ هو الذي تتظاهر أنوارُ تسبيحاته لك من أفواه أهل الإيمان.
اَللّٰهمَّ فأنطق بني آدم إلى آخر عمر البشر بتسبيحات محمدِك لك، عليه صلاتك وسلامك كما يليق بحرمته وبرحمتك، وارحمنا وارحم أمته. آمين.
— 55 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
في بيان جواهرَ من خزائن هذه الآيات:
[٭]: الدرس الرابع عشر من كتاب "المدخل إلى النور" الذي يعدّ أول مؤلفات "سعيد الجديد" بالتركية.
اللّٰه خَالِقُ كُلِّ شيءٍ وهوَ على كُلِّ شَئٍ وَكِيلٌ ٭ لَهُ مَقاليدُ السَّمییواتِ والارضِ
(الزمر:٦٣،٦٢).
﴿ فَسُبحَانَ الَّذي بيدهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شيءٍ وإليه ترجعون ﴾
(يس:٨٣)
﴿ وإنْ من شيءٍ إلاّ عِندَنا خَزائِنهُ ﴾
(الحجر:٢١)
﴿ مَا من دآبةٍ إلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ﴾
(هود:٥٦).
يا أيها الغافل المنغمس في الأسباب! إنّ الأسبابَ حجابُ تصرّفِ القدرة؛ إذ العزةُ والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرّف الفعّال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان. إذ سلطان الأزل له مأمورون، لكن ليسوا وسائطَ الإجراء حتى يكونوا شركاءَ سلطنةِ الربوبية، بل هم من الدلّالين الذين يُعلنون إجراآت الربوبية، ومن النُّظَّار الذين يشاهِدون ويَشهَدون، ويكتسبون -في الانقياد للأوامر التكوينية- عباداتٍ تُناسبُ استعداداتهم. فهذه الوسائط لإظهار عزةِ القدرة وحشمة [٭]: الحشمة: عند المولَّدين بمعنى الأدب، المهابة، الجلال. (لسان العرب) الربوبية.
وأمّا السلطان الإنساني، فلعجزه واحتياجه يحتاج إلى وسائط ومأمورين يشتركون في سلطنته. فلا مناسبة [٭]: أي لا موازنة ولا مقايسة. بين المأمور الإلهي والإنساني.
نعم، إن نظر أكثر الغافلين لا يدرك حُسنَ الحادثات ولا يعرف حِكمَتَها، فيشتكي بلا حقِّ، ويعترض جهلا. فُوضِعَتِ الأسباب لتتوجه الشكاوى إليها. وإذا وُفِّقَ أحدٌ لدَرْك الحكمة والحقّ ارتَفعَت الأسباب عن نظره.
وقد قيل بتمثيل معنوي:
إنّ عزرائيل عليه السلام اشتكى إليه تعالى: بأن عبادك
— 56 —
يشتكون منّي في قبض الأرواح، فأُلقي إليه: إنّي أضع بينك وبينهم، وسائط المصيبات حتى يتوجّه شكواهم إليها لا إليكَ. [٭]: انظر: أبو الشيخ، العظمة ٣/٨٩٧؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٥/٥١؛ تفسير بحر العلوم للسمرقندي ٣/٣٨٢؛ الدر المنثور للسيوطي ٦/٥٤٣؛ الحكيم الترمذي، نوادر الأصول ١/١٧٧-١٧٨.
الحاصل: إنّ العزةَ والعظمة تقتضيان وضعَ الأسباب الظاهرية لردّ الشكايات الباطلة، ولئلا يرى العقلُ الظاهريُّ مباشرةَ يد القدرة بالأمور الخسيسة الجزئية. ولكن التوحيد والجلال يَردّان أيدي الأسباب عن التأثير الحقيقي.
تنبيه
إنّ التوحيد توحيدان:
الأول: توحيد عامي يقول: "لا شريك له، ليس هذه الكائنات لغيره" فيمكن تداخل الغفلات بل الضلالات في أفكار صاحبه.
والثاني: توحيد حقيقي يقول: "هو اللّٰه وحدَه، له الملك، وله الكون، له كل شيء" فيرى سِكّته [٭]: السكة: شارة الدولة الموضوعة على مسكوكاتها. على كل شيء ويقرأ خاتمه على كل شيء، فيثبته له إثباتا حضوريا. لا يمكن تداخل الضلالة والأوهام في هذا التوحيد.
فنحن نُسمِعُكَ لمعاتٍ من هذا التوحيد التي استفدناها من القرآن الحكيم:
اللمعة الأولى إنَّ للصانع جل جلاله على كل مصنوع من مصنوعاته سكّةً خاصةً بمن هو خالق كل شيء.. وعلى كل مخلوق من مخلوقاته خاتمٌ خاص بمن هو صانع كل شيء.. وعلى كل منشور من مكتوبات قدرته طغراءُ [٭]: الطرة أو الطغراء: علامة ترسم على المناشير السلطانية. غَرّاءُ لا تُقلَّد، خاص بسلطان الأزل والأبد.
مثلا: انظر مما لا يُعدّ من سكاته، إلى هذه السكة التي وضعها على "الحياة". انظر إلى الحياة كيف يصير فيها شيءٌ كلَّ شيءٍ. وكذا يصير كلُّ شيءٍ شيئا.
نعم، يصير الماءُ المشروب -بإذن اللّٰه- ما لا يُعد من أعضاءٍ وجهازاتٍ حيوانية، فصار شيءٌ بأمر اللّٰه كلَّ شيء. وكذا يصيرُ جميعُ الأطعمة المختلفة الأجناس -بإذن اللّٰه- جسما
— 57 —
خاصا وجلدا مخصوصا وجهازا بسيطا، فيصير كلُّ شيءٍ شيئا لأمر اللّٰه. فمَن كان له عقل وشعور قلب يفهم: أنّ جعْلَ شيءٍ كلَّ شيء وجعلَ كلِّ شيء شيئا سكةٌ خاصة بصانع كلِّ شيء وخالقِ كلّ شيء جلّ جلاله.
اللمعة الثانية
انظر إلى خاتمٍ واحد من الخواتم الغير المعدودة الموضوعة على "ذوي الحياة" وهو:
أنَّ الحيّ بجامعيته كأنه مثال مصغّر للكائنات، وثَمرٌ مُزْهر لشجرة العالم، ونَواةٌ منوّرةٌ لمجموع الكون، أدرج الفاطر فيه أنموذجَ أكثرِ أنواع العالم، فكأنَّ الحيَّ قطرةٌ محلوبة من مجموع الكون بنظامات حكيمة معينة، وكأنهُ نقطة جامعة مأخوذة من المجموع بموازينَ حساسة علمية، فلا يمكن أن يَخلق أدنى ذي حياةٍ إلّا مَن يأخذ في قبضةِ تصرُّفِه مجموعَ الكائنات. فمَن كان له عقل لم يفسد، يفهم: أن مَن جعل النحل -مثلا- نوعَ فهرستةٍ [٭]: فهرس أو فهرست: كلمة معربة، وفهرستة هنا للإفراد. لأكثر الأشياء، ومن كتب في ماهية الإنسان أكثرَ مسائل كتاب الكائنات، ومَن أدرج في نواة التينة هندسةَ شجرةِ التين، ومَن جعل قلب البشر أنموذجا ومرصادا لآلاف عوالم، ومَن كتب في حافظة البشر مفصَّلَ تاريخ حياته وما يتعلق به.. ليس إلّا خالقَ كل شيء، وأن هذا التصرف خاتمٌ مخصوص برب العالمين.
اللمعة الثالثة
انظر إلى نقش طغرائه المضروب على "الإحياء، وإعطاء الحياة"..
نذكر مما لا يُعد واحدا وهو أنه: كما أن للشمس على كل شفاف -أو كشفاف- من السيارات، إلى القطرات، إلى الذرات الزجاجية، والزجيجات الثلجية [٭]: البلورات الثلجية. سكةً مثالية من جلواتها، وطغراءَ غرّاء خاصة بها.. كذلك إنّ للشمس الأحدية السرمدية [٭]: الشمس السرمدية تعبير مألوف في الأدب التركي والفارسي بحق اللّٰه جلّ جلاله المنوِّر لكل شيء بخلاف الأدب العربي. على كل ذي حياة -من جهة الإحياء وإفاضة الحياة-، طرةً وسكةً من تجلي الأحدية تظهر بخصوصية، لو اجتمع الأسباب -بفرض الاقتدار والاختيار لها- على أن يقلدوا ويأتوا بمثلها لم يفعلوا
﴿ ولَوْ كَانَ بَعضُهُمْ لِبعضٍ ظَهيراً ﴾
(الإسراء:٨٨).
— 58 —
فكما أنه لو لم تُسنِد تماثيلَ الشمس [٭]: أي صورتها المرتسمة في القطرة حيث إنها صورة مثالية. المتلألئة في القطرات، إلى تَجلي الشمس، يلزم عليك أن تقبل شُمَيْسة حقيقيةً وبالأصالة في كلّ قطرة قابلَتْها الشمسُ وفي كل زجاجة أضاءتها الشمسُ، بل في كل ذرةٍ شفّافةٍ تشمّسَتْ. وما هذا الفرض إلّا بلاهة من أعجب البلاهات.
كذلك إنك لو لم تُسنِد كلَّ حي وحياة وإحياء بواسطة تجلي الأحدية الجامعة، وبواسطة كون الحياة نقطةً مركزية لتجلي الأسماء -التي هي أشعةُ شمس الأزل والأبد- لَزِمَ عليك أن تَقبَل في كل ذي حياة -ولو ذبابةٍ أو زهرة- قدرةً فاطرةً بلا نهاية وعلما محيطا وإرادةً مطلقة، وكذا صفاتٍ لا يمكن وجودها إلّا في الواجب الوجود. حتى تضطر أن تعطي لكل ذرةٍ الُوهيةً مطلقة، إنْ أسنَدتَ الشيء إلى نفسه، أو تَقبَلَ لكل سبب من الأسباب الغير المحدودة ألوهية مطلقة إن أسندت الشيء إلى الأسباب، وتَقْبَلَ شركاء غير متناهية في الألوهية التي شأنها الاستقلالية التي لا تَقبَلُ الشركة أصلا.
إذ إنَّ كل ذرة -لاسيما إذا كانت من البذرة والنواة- لها وضعية منتظمة عجيبة، ولها مناسبة مع أجزاء الحي الذي هي جزء منه، بل لها مناسبات مع نوعه، بل مع الموجودات، ولها وظائف في نِسَبِها كالنَّیفَر [٭]: الجندي الفرد. في الدوائر العسكرية. فلو قطعتَ نسبةَ الذرة عن القدير المطلق، لزِمكَ أن تقبل في الذرة عينا ترى كل شيء وشعورا يحيط بكل شيء.
الحاصل:
كما أنه لو لم تُسنِد الشُّمَيسَاتِ المشهودةَ في القطرات إلى جلوة الشمس في ضيائها، لزمك قبول شموس غير محصورة في أشياء صغيرة تضيق عن نُجيمة الذُّبَيْبَة التي تطير في الليل... [٭]: المقصود اليَراع أو الحُباحِب وهي حشرة تطير ليلا كأنها نار. كذلك لو لم تُسنِد كلَّ شيء إلى القدير المطلق الذي تتساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والشموس، والجزء والكل، والجزئي والكلي، [٭]: من الاصطلاحات المستعملة في علم المنطق والكلام، وللتوضيح نقول: إن اليد والعين كلا منهما "جزء" من الجسم الذي هو "كل". أما الإنسان الذي هو اسم للنوع أو للجنس الشامل لأفراد كثيرة فهو "كلي"، وكل فرد من الناس "جزئي". وكذا "الكائن الحي" الذي يندرج تحته كل ذي حياة هو "كلي" بينما نملة أو نحلة مثلا "جزئي". والصغير والكبير. لزمك قبول آلِهاتٍ [٭]: جمع آلهة التي هي جمع قلة. غير متناهية وسقطتَ في بلاهةٍ مِن أشنع البلاهات.
— 59 —
اللمعة الرابعة
فكما أن الكتاب لو كان مكتوبا يكفي له قلمٌ واحدٌ لواحدٍ، ولو كان مطبوعا يلزم لطبعه أقلام بعدد حروفه -على شكل حروفه- واشتراكُ كثيرين لتصنيع تلك الأقلام، أي الحروف الحديدية. ولو كتب بخط دقيق أكثر الكتاب في بعض الكلمات -كما قد تُكتب سورة "يس" في كلمة "يس"- [٭]: كما كتب خطاطون بارعون لوحات فنية فيها سورة "يس" كاملة في كلمة "يس". فحينئذ لابد لطبع تلك الكلمة الواحدة أقلامٌ حديدية بعدد حروف أكثر الكتاب.
كذلك هذه الكائنات إذا قلتَ إنها مكتوبة بقلم الواحد الأحد، سلكتَ طريقا سهلا معقولا في نهاية السهولة بدرجة الوجوب، وإذا أسنَدتَها إلى الطبيعة وإلى الأسباب، سلكتَ طريقا في نهاية الصعوبة بدرجة الامتناع وفي نهاية عدم المعقولية بدرجة المُحالية؛ لأنه يلزم على الطبيعة إن تُحضِر لطبع كل حيٍ كلَّ ما يلزم لأكثر الكائنات. فهذه من الخرافات التي تمجّها الأوهام. بل لابد أن تُوجِد في كل جزء من التراب والماء والهواء؛ إمّا ملايينَ مطبعاتٍ معنوية وماكينات مستترةٍ فيه حتى بعدد الأزهار والأثمار، لِيُمكن تَشكُّلُ هاتيك الأزاهير والثمرات المتخالفةِ الجهازاتِ والماهيات.. وإمّا فَرضُ وجودِ قدرةٍ قادرةٍ على تصنيع جميع النباتات، ووجودِ علمٍ بلا نهاية محيطٍ بتفاصيل جميع خواصّ جميع الأشجار والمتزهرات وجهازاتها وموازينها، في كل جزء من التراب والماء والهواء؛ إذ كل جزء من هذه الثلاثة يَصلُح أنْ يصير مَنشأً لتَشكُّل كل النباتات أو أكثرها.
فافرضْ قصعةَ تراب، ثم افرض دخولَ كل بذر ونواة فيها على التعاقب، ثم أفرغ القصعة واملأها من صُبْرَةِ [٭]: صُبْرة: ما جمع من الطعام بلا كيلٍ و لا وزن. التراب حتى تكيل كل التراب، ترى النتيجة واحدة. على أن المشهود يكفيك؛ إذ تُشاهِد في سيرك في الأرض مَنشَئِيَّةَ أكثرِ أجزاء التراب لأكثر النباتات، مع أن تشكُّل كل واحدٍ واحدٍ من النباتات المزهرة والمثمرة مخالفٌ لكل واحدٍ واحدٍ منها؛ وكلُّ واحد منها له من الانتظام والاتزان والامتياز طرز خاص وخصوصية تستلزم جهازاتٍ مخصوصةً، وماكينة خاصة، ومطبعة تخصه، بل تستلزم وجودَ كل جهازاتِ تشكيلِ تمامِ الشجرة والنبات في كل واحد من نواته وبذره، مع بساطة البذور والنواتات [٭]: تجمع النواة: نوى، ونويات، وأنواء، ونوى. أما هنا فقد جمعت جمعا مؤنثا سالما. وتشابهها. فيلزم
— 60 —
على الطبيعة أن تُحضر -معنًى- جهازاتِ تَشَكُّلِ كلِّ الأشياء وماكيناتها المعنوية وأسبابها في كل شيء شيءٍ. فهذه سفسطة يتنفّر منها السوفسطائي أيضا، وخرافةٌ يخجل منها من يُضحِكُ الناس بنقل الخرافات.
اللمعة الخامسة
انظر! كما أن كل حرف من كتاب يدل على نفسه بمقدار حرف وبوجه واحد، لكن يَدُلّ على كاتبه بوجوه ويعرِّفُ نَقّاشَه بمقدار سطر..؛ [٭]: أي كأن يقول: إن كاتبي يتقن اللغة ويحسن الكتابة ويملك القلم.. وهكذا. كذلك كلُّ حرف مجسمٍ من كتاب الكائنات يدل على نفسه بمقدار جِرمه ويُظهر ذاتَه بمقدار صورته، لكن يدل على صانعه بوجوه كثيرة، إفرادا وتركيبا بدخوله في المركبات، ويُظهر أسماءَ صانعه ويُنشد في بيانها بمقدار قصيدة طويلة.
فعلى هذا لو تحَمَّقَ أحدٌ كی"هبنّقة" [٭]: أحمقَ من هبنّقة مثل يضرب لشدة الحماقة. حيث "هبنقة" ما كان يعرف إلّا نفسه، ولا يعرف نفسه إلّا بقلنسوته، وإذا ما رآها على رأس أحد ظنّ أنه نفسه! (مجمع الأمثال للميداني) فأنكر نفسه وأنكر الكائنات، ينبغي أن لا يتجاسر بإظهار نهاية البلاهة على إنكار الصانع.
اللمعة السادسة
انظر! كما أن الصانع سبحانه وضع على كل جزئيٍّ جزئيٍّ خاتمَه الخاص، وضرَب على كل جزءٍ جزءٍ سكّته المخصوصة -كما مرّ-؛ كذلك وَضَع على كلّ نوعٍ نوعٍ وعلى كلِّ كُلٍّ كُلٍّ خاتمه الخاص، وخَتم أقطار السماوات والأرض بخاتم الواحدية، وضرب على مجموع العالم سكةَ الأحدية بصورة جلية واضحة.
فانظر إلى خاتمه الذي أشارت إليه آيةُ
﴿ فَانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللّٰه كيفَ يُحيي الارضَ بَعدَ مَوتِها انَّ ذلِكَ لَمُحيي المَوتى وهوَ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ ﴾
(الروم:٥٠)، إذ في كيفية إحياء الأرض حشرٌ عجيب، ونشر غريب، يُحشَرُ في إحيائها أزيدُ من ثلاثمائة ألف نوع، تُساوي أفرادُ نوعٍ واحد -من كثير من تلك الأنواع- في السنة مجموعَ أفراد الإنسان في الدنيا؛ لكن لحكمة خفية لا تعادُ في الأكثر بأعيانها، بل بأمثالها بمثليةٍ كالعينية! وكيفما كان فلا بأس في دلالتها على سهولة حشر البشر، وفي كونها أمثلةَ النشر وإشاراتِ الحشر.
— 61 —
فإحياء تلك الأنواع الكثيرة المختلطة المشتبكة في نهاية الاختلاط والاشتباك بنهاية الامتياز، وإعادتُها في كمال التمييز، بلا خطأ ولا خلط، بلا غلط ولا سقط، خاتمٌ خاص بمَن له قدرة بلانهاية وعلم محيط.
وكذا كتابةُ ثلاثمائة ألف كتاب مختلفة بل أزيدَ في صحيفة سطح الأرض؛ مختلطةً لكن في نهاية الانتظام بلا سهو ولا مزج، ومشتبكةً لكن في نهاية الانتظام بلا نقص ولا بخس، وممتزجةً لكن في نهاية التمييز والتشخيص بلا قصور ولا فطور.. سكةٌ خاصة بمن بيده ملكوت كل شيءٍ، وبيده مقاليد كل شيء، ولا يُشغله شيءٌ عن شيءٍ.
فيا مَن يَستبعد الحشرَ مستنكرا له! انظر كيف ترى في كيفية إحياء الأرض مائة ألف أمثلته وإشاراته في ستة أسابيع! فمَثَلُك في استبعادك الإنكاري، كمَثَل: مَن يرى ذاتا ذا معجزات يكتب في آن واحد في صحيفة واحدة كتبا كثيرة مندرِسةً بقيت [٭]: في الأصل: بقت. وهي صحيحة على لغة طيء لأنهم يرجعون ماضي الأفعال الثلاثية المعتلة إلى وزن "فَعَل" بفتح العين. إلّا أننا جعلناها "بقيت" المستعملة كما وردت في "إشارات الإعجاز". في حافظته، أو يؤلفها جديدةً أمثال المندرسة، فقيل له: سيَكتب هذا الكاتبُ كتابك الذي هو ألّفه فمَحاه الماءُ، في صحيفة في طرفة عين. فقال: كلّا، كيف يمكن كتابة كل ما اندرس من حروفاته في آن واحد؟! فقاس الكاتبَ الحفيظَ القديرَ ذا الإعجاز على نفسه الجاهلة العاجزة.
ومَنْ يقول لمن يرفع الجبال -بالإشارة- لإظهار عظمته أو سلطنته: هو لا يرفع هذه الصخرة العظيمة التي سَدّت الطريق على المسافرين الذين دعاهم إلى بستان نِعَمِهِ.. ما هو إلّا مجنون أبله.
نعم، للربوبية في هذا التصرف العظيم الربيعيّ خاتمٌ عالٍ عظيم دقيق النقش، هو الإتقان المطلق في الانتظام المطلق، في الجود المطلق في الوُسعة [٭]: الوسعة والسعة والتوسعة بمعنى: الاتساع. المطلقة، في السرعة المطلقة في السهولة المطلقة، في الامتياز المطلق مع الاشتباك المطلق. فهذا الخاتم يختص بمن لا يمنعه فعلٌ عن فعل، ولا يغيب عنه شيءٌ، ولا يثقل عليه شيء.
نعم، نشاهد في الربيع في وجه الأرض فعالية حكيمة بصيرة كريمة، وصنعة خارقة في آن واحد، في كل مكان، بطرزٍ واحد، في كل فرد، وبإتقان ممتاز، في جُود مطلق، بانتظام مكمّل،
— 62 —
في سرعة مطلقة، بإبرازِ خوارقَ منتظمةٍ، في سهولة مطلقة، في وُسعة مطلقة، فما هذه الفعالية إلّا خاتمُ مَن "كما أنه ليس في مكانٍ، هو في كل مكان، حاضرٌ ناظر بقدرته وعلمه لا يؤوده شيء ولا يستعين بشيء".
اللمعة السابعة
انظر! كما يُشَاهَدُ على صحيفة الأرض، ويُتراءى على أقطار السماوات والأرض خاتمُ الأحد الصمد، كذلك يشاهَدُ على "مجموع العالم" خاتم التوحيد واضح النقش بدرجة كِبره؛ إذ هذا العالم كالقصر المحتشم، كی"الفَابْرِيقَة" [٭]: المعمل أو المصنع. المنتظمة، كالبلد المكمّل، فيما بين أجزائه -كأجزائها وأفرادها- معاوَنةٌ حكيمة ومجاوبة كريمة؛ إذ يُسرع بعض الأجزاء لمعاونة بعض، في الطرق الطويلة المعوَجّة بلا انحراف وبانتظام، وفي وقت الحاجة، ومن حيث لا يحتسب. فانظر تَرها قد مدَّ بعضٌ يَدَ المعاونة لحاجة بعض، وفي هذا التعاون تجاوبٌ بی: "لبيك، لبيك!" بألسنة الأحوال لأسئلة الأغيار والأمثال.. قد أخذ بعضٌ يَدَ بعضٍ، فيسعَون ويعملون بالانتظام يدا في يد، ويَخدمون ذوي الحياة رأسا مع رأس، ويتوجهون إلى غاية، ويطيعون مدبّرا واحدا كتفا بكتف.
فانظر إلى دستور "التعاون" كيف يجري من الشمس والقمر ومن الليل والنهار ومن الصيف والشتاء، إلى سعى النباتات لإمداد الحيوانات بحمل أرزاقها وأخذِها من خزينة الرحمة.. ثم إمداد الحيوانات للبشر للخدمة، حتى النحلُ والدود يأخذان العسلَ والحرير من خزينة الرحمن، ويوصلانهما إلى الإنسان.. ثم إمداد الذّرات الغذائية للثمرات، مع تخالف أغذيتها، وإمداد المواد الطعامية لتغذيةِ حُجَيْرات البدن بكمال الانتظام والعناية والحكمة!
فمظهرية هذه الأشياء لاسيّما الجامدة لهذا التعاون الحكيم المنتظَم الكريم المكمَّل دليلٌ واضح وبرهان ساطع على أنها خدّامُ مربٍّ حكيم وعَمَلة مدبرٍ كريمٍ يتحركون بأمره وإذنه وقوته وحكمته.
— 63 —
اللمعة الثامنة
انظر! إن ما يشاهَد من "الرزق" المُوزَّع على المرتزقين على قدر حاجاتهم، بطرزٍ يناسب كل واحدٍ واحدٍ منهم.. وهذا الرزق العامُّ في هذه الرحمة الواسعة المشهودة المتضمنة للتودد والتعرّف.. وهذه الرحمة الواسعة في هذه العناية التامة المتضمِّنة للتلطيف والإكرام.. وهذه العناية المشهودة في هذه الحكمة العامة المتضمنة للقصد والشعور.. وهذه الحكمة المشهودة في هذا الانتظام المشهود.. وهذا الانتظام في ضمن هذه المسخّرية المشهودة.. وهذه المسخرية في ضمن هذا التعانق مع التجاوب.. وفي ضمن هذا التساند مع التعاون فيما بين أجزاء الكائنات.. خاتمٌ خاص بمَن هو ربّ كل شيء ومربّى كل شيء ومدبّر كل شيء.. وسكة مخصوصة بمَن الشمسُ والقمر والنجوم مسخّراتٌ بأمره:
﴿ الّذي أحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقهُ ﴾
(السجدة:٧).
﴿ اذا أرادَ شيئاً انْ يقُولَ لَهُ كُنْ فيكونُ ﴾
(يس:٨٢).
اللمعة التاسعة
فكما رأيتَ خاتم الأحدية على الجزئيات، وعلى الأرض، وعلى العالم؛ فانظر ترَ ذلك على الأنواع المنشورة، وعلى العناصر المحيطة.
فكما أن زرعَ بذرٍ في مزرعة يدل على أن المزرعة في تصرّف صاحب البذر، وأن البذر لمتصرف المزرعة؛ يشهد هذا لذاك، وذاك لهذا.. كذلك، إن هذه العناصر التي هي مزرعة المصنوعات، بلسان واحديّتها وبساطتها في كليتها وإحاطتها بطرز متعيِّنٍ بعلمٍ، وبصورة مُحكمة بحكمة.. وإن هذه المخلوقات التي هي ثمرات الرحمة ومعجزات القدرة وكلمات الحكمة، بلسان انتشارها الحكيم، مع المماثلة في الأشخاص، وبلسان توطنها في الأطراف المتباعدة، بتوزيعٍ عجيب حكيم مع المشابهة في الأفراد.. تشهدان على أن المحيط والمحاط والمزارع والبذور، في قبضةِ تصرفِ صانعٍ واحد. فكل نوع وكل عنصر يشهد لكلٍّ وللكل؛ بأنكم مالُ مَنْ أنا مالُهُ! فيصير كل زهرة وكل ثمرة وكل حيوان وحُوينة سِكةً ناطقة وخاتما متكلما وطرةً متلفظة بلسان انتظام الحال وحكمة المآل؛ بأن هذا المكان: مُلك مَنْ أنا مُلكه! وصُنعُ مَنْ أنا صنعُه! ومكتوبُ مَنْ أنا حرفه! ونسجُ مَن أنا نقشه!
فعلى هذا، فكما أن التصرف الحقيقي في أدنى مخلوق، والربوبيةَ على أضعف موجود
— 64 —
يختصان بمَن دَخَل في قبضة تصرفه جميعُ العناصر.. كذلك إن تدبير أي عنصر كان وتدويرَه، يختص بمَن يربّي جميع الحيوانات والنباتات ويدبّرها ويأخذها في قبضة ربوبيته سبحانه! فهذا خاتم توحيدٍ يُبصره مَن لم يكن في عينه غين [٭]: المقصود: غشاوة. وعلى قلبه رَين.
أيها المتَفَرْعِن! جرّب نفسك، هل تقدر أن تملك شيئا من الكون؟ فاذهب واستمع ما يقول كل فرد جزئيٍّ. إذ يقول بلسان المِثليةِ: مَن تَملَّك مجموع نوعي يمكن أن يَدّعي التملُّكَ عَليّ وإلّا فلا.. ثم اذهب إلى النوع تَر كُلَّ نوعٍ يقول بلسان الانتشار: مَن تملّك الأرض ظهرا وبطنا يمكن له أن يَدّعي التملك عليَّ وإلّا فلا.. ثم اذهب إلى الأرض تَرَها تقول بلسان التساند بينها وبين أختها السماءِ: مَن تملَّك مجموع الكائنات يمكن له أن يدّعي التملك عليَّ وإلّا فلا.
اللمعة العاشرة
فإذا رأيتَ ما أشرنا إليه من بعض خواتم التوحيد المضروبة على الجزء والجزئي والكل والكلي، وكل العالم، وعلى الحياة وذي الحياة والإحياء، فانظر إلى سكةٍ واحدة مما لا تعد من سِكات الوحدانية المضروبة على "الأنواع والكليات".
نعم، كما أن كميةَ كلفةِ تربيةِ الشجرةِ المثمرة تساوي كلفةَ ثمرة واحدة في السهولة؛ لوحدة التربية واتحاد التدبير، إذ لاتّحاد المركز ووحدةِ القانون ووحدانيةِ التربية تخففت الكلفةُ والمشقةُ والمصرف، وتسهّلت بدرجةٍ لا فرق بين الشجرة ذاتِ الثمراتِ الغير المعدودة وهي في يد الوحدة، وبين الثمرة الواحدة وهي في يد الكثرة. فالشركة والكثرة وتعدُّد المركز تحتاج -لتربيةِ ثمرة واحدة- إلى كل ما يحتاج إليه تمامُ الشجرة بأثمارها من جهة كمية الجهازات، ولا فرق إلّا في الكيفية. كما أن كل الفَابْرِيقَات والماكينات التي تَعمل لاستحصال الجهازات العسكرية للجيش العظيم تلزم بتمامها لتجهيزاتِ نفرٍ [٭]: جندي واحد. واحدٍ والفرقُ في الكيفية فقط. وكما أن أُجرَةَ طبعِ أُلوفِ نسخٍ في المطبعة التي طَبَعت كتابك تساوي-بل أقل من الأجرة التي أعطيتها- لطبعِ نسخةٍ واحدة، وإذا تركتَ المطبعة الواحدة وذهبتَ إلى الكثرة اضطُرِرتَ إلى إعطاءِ أُلوفِ أُجَرٍ.
— 65 —
الحاصل: إذا تركتَ إسناد الكثرة الغير المحدودة إلى الواحد -فمع أنك تضطر لإسناد شيء واحد إلى الكثرة الغير المحدودة- تتزايد الكلفةُ بعدد الأفراد. فما يشاهد في إنشاء كل نوعٍ منتشرٍ من السهولة الخارقة فإنما هي من يُسر الوحدة والتوحيد.
اللمعة الحادية عشر
كما أنّ توافُقَ كل أفراد النوع وتشابُهَ كل أنواع الجنس في الأعضاء الأساسية، يدلّان على اتحاد السكة ووحدة القلم، الشاهدَين على أن جميع المتوافقات والمتشابهات صُنْعُ واحدٍ.. كذلك هذه السهولة المطلقة المشهودةُ وخفّة الكلفة، تستلزمان بدرجة الوجوب أن يكون الجميع آثار صانعٍ واحد؛ وإلّا لَذَهَبَت الصعوبةُ الصّاعدة إلى درجة الامتناع بذلك الجنس وبذلك النوع إلى العدم. فكما يمتنع شريكُ ذاتهِ سبحانه، -وإلّا لفسد العَالمُ بالخروج عن الانتظام..- كذلك يمتنع شريكُه في فِعْله، وإلّا لانعَدَم العالمُ ولم يوجد.
اللمعة الثانية عشر
انظر! كما أن الحياة برهان الأحدية، ودليل وجوب الوجود، فالموت دليل السرمدية والبقاء. إذ كما أن ظهور قطرات النهر الجاري وحَبابات [٭]: الحَباب: الفقاقيع التي تعلو الماء. البحر المتمّوج وشفافات وجه الأرض المتجددة شاهداتٌ على الشمس بإراءة تماثيلها وضيائها، وأن زوال تلك القطرات والحبابات والشفافات وغروبَها وأفولَها وفَناءها وموتها مع استمرار تجلي الضياء على أمثالها الآتية عقيبها، ودوامِ جلوات التماثيل على كل قافلةٍ سيارةٍ خلفها، شاهداتٌ على بقاء الشمس في تجلياتها ودوامِ الضياء في جلواتها وعلى أن كل هذه التماثيل والأَشِعّاتِ آثارُ شمسٍ واحدة، فيظهرون وجودها بوجودهم وبقاءها ووحدتها بعدمهم، مع انعدام أسبابهم الظاهرية معهم.
كذلك هذه الموجودات تشهد بوجودها على وجوب وجود الواجب الوجود، وتشهد بزوالها مع أسبابها ومجيء أمثالها عقيبها على أزليته وسرمديته وواحديته؛ إذ إن تجدّد المصنوعات الجميلة وتبدلَ الموجودات اللطيفة وغروبَها في طلوع أمثالها وأفولَها في ظهور أشباهها عند اختلاف الليل والنهار وعند تحول الفصول وتبدل العصور، تَشهَدُ شهادةً قاطعةً على وجود ذي جمالٍ مجردٍ سرمدي عالٍ دائم التجلي، وعلى بقائه ووحدته.. وإن زوال
— 66 —
الأسباب السفلية مع المسبَّبات في الانقلابات السنوية والعصرية، ثم إعادة أمثال المسبَّبات مع الأسباب، يشهد قطعا على أن الأسباب كالمسبّبات عاجزة مصنوعة قورنَت بينها وبينها لِحكَمٍ دقيقة، بل تدل على أن كل هذه المصنوعات اللطيفة السيّالة وهاتيك الموجودات الجميلة الجوّالة إنما هي صَنْعَةٌ متجددةٌ للذات الأحدية ذي الجلال والجمال -الذي جميعُ أسمائه قدسية جميلة- ونقوشُه المتحولة ومراياه المتحركة وسكاتُه المتعاقبة وخواتمه المتبدلة.
اللمعة الثالثة عشر
انظر! إن كل شيء، من الذرات إلى السيارات، ومن النفوس إلى الشموس؛ بلسان عجزه في ذاته، يدل على وجوب وجود خالقه، ويشهد بلسان حَمله -مع عجزه- وظائف عجيبة في النظام العمومي على وحدة خالقه.
ففي كل شيء له شاهدان على أنه واجب واحد.. وفي كل حي له آيتان على أنه أحد صمد.
ولقد فهمتُ من فيض القرآن الحكيم أن كل جزءٍ من أجزاء الكائنات يشهد للواجب الوجود الواحد الأحد الصمد بقريب من خمسة وخمسين لسانا فذكرتُها إجمالا في رسالة عربية تسمى "قطرة". فإن شئتَ فراجعها.
اللمعة الرابعة عشر
اعلم أن هذه الموجودات كما تشهد على وجوبه ووحدته سبحانه.. كذلك تشهد على جميع أوصافه الجلالية والجمالية والكمالية.. وكذلك تشهد على كمال ذاته، وعلى أنه لا نقص ولا قصور لا في ذاته ولا في شؤونه ولا في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله؛ إذ إن كمال الأثر يدل على كمال الفعل بالمشاهدة، وكمال الفعل يدل على كمال الاسم بالبداهة، وكمال الاسم يدل على كمال الصفة بالضرورة، وكمال الصفة يدل على كمال الشأن الذاتي بالحدس اليقيني، وكمال الشأن يدل على كمال الذات بحق اليقين.
فكما أن مُكمَّليةَ نقوشِ تزييناتِ قصرٍ بلا قصورٍ، تُظهر لك مكمليةَ أفعال الصانع المهندِسِ المستترةِ تلك الأفعالُ تحت النقوش، والمتحركة تحت التزيينات.. ومكمليةَ
— 67 —
تلك الأفعال تصرّح لك بمكمليةِ أسماء ذلك الفاعل، أي هو صانع ماهر، ومهندسٌ عليم، ونَقّاش حكيم، وهكذا.. ومكملية أسمائه تُفصح لك عن مكمّلية صفات المسمّى، أي له علم وحكمة وصنعة وهندسة.. ومكملية صفاته تشهد على مكملية شؤون ذاته، أي له قابلية فائقة واستعداد جيد.. ومكملية الشؤون تكشف عن وجهِ مكملية ذاتِ ذلك النقاش بوجه يليق به ويناسب مقامه.. كذلك إن مكملية هذه الآثار المشهودة في هذه الكائنات بلا قصور ولا فطور، تشهد بالمشاهدة الحدسية على مكملية أفعالٍ مستترة خلفها.. ومكملية هذه الأفعال التي هي كالمشهودة، تشهد بالبداهة على كمال أسماء ذلك الفاعل.. وكمالُ تلك الأسماء، يشهد بالضرورة على كمال الصفات؛ إذ الأسماء ناشئة من نسب الصفات.. وكمالُ الصفات يكشف باليقين عن كمال الشؤون الذاتية التي هي مبادئ الصفات القدسية.. وكمال الشؤون يشهد بحق اليقين على كمال الذات بما يليق بجنابه سبحانه. بل مجموع ما في الكائنات من الكمال والجمال إنما هو ظل ضعيف مفاض بالنسبة إلى كماله عزّ كمالُه، وإلى جمالِه جلّ جمالُه.