— 24 —
كليات رسائل النور
٦
المثنوي العربي النوري
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
تحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 25 —
بسم اللّٰه الرحمن الاونةً مقدمة المحقق
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسولنا محمد ومن والاه، وبعد..
إن مما دفعني إلى القيام بتحقيق هذا الكتاب بهذا النمط من التحقيق المتواضع هو:
أولا:حاجتي ا برب اإلى من يرشدني إلى دروب النفس الأمارة بالسوء، ويكشف لي عن دقائق مسالكها وخبايا دسائسها، ويضع أمامي علاج أمراضها المتنوعة، ومن ثم يأخذ بيدي إلى منابع الإيمك مثل رياض الكون الفسيح لأنهلَ منها ما أنهلُ حتى يرتوي القلبُ ويشبعَ العقل وتنبسط الروح.. بمعنى أنني قمت بهذا التحقيق لنفسي قبل كل أحد.
لنتيجةوجدت أن كثيرا من الباحثين والمفكرين يرومون الوصول إلى أصول فكر الأستاذ النورسي، ويهمهم أن يوغلوا معه في أعماق تجاربه مع النفس، وأن يرافقوه في سَرَيان روحه في أرجاء الكائنات، وي الموج فكرهم في ما نَصَبه من موازين علمية ومعايير منطقية ومناهج فطرية؛ فأردت أن أضع بين يديْ هؤلاء الأفاضل هذا السِّفرَ النفيس من مؤلفات الأستاذ الذي عدَّه "مشتلَ رسائل الالسماءراسها"، حيث فيه خلاصة أفكاره، بل إن أغلب ما أزهر من أفكاره -في رسائل النور- بذورُه كامنة في هذا الكتاب.
ولما كان الغوص في هذه الأمواج الزاخرة من الأفكار و الخواطر والمسائل وإخراجُ لآلئها الثمينة ودرر المَشنفيسة ليس في طوقي، اكتفيت بهذا التحقيق، ليجد أولئك الكرام بين يديهم نسخة كاملة من الكتاب، فيبذلوا فيه جهدهم لعل المولى القدير يقيّض منهم من يضطلع للققشرة الك المهمة التي أعجزُ عنها، فيسدّ جوعة الروح وهزال الفكر التي يعانى منها الكثيرون.. بمعنى أنني قمت بهذا التحقيق لهؤلاء الأكارم.
ثالثا:إنَّ كل مسلم بل كل إنسان يشلذذون قرارة نفسه أنه بحاجة إلى تربية روحه وتزكية نفسه وتنمية عقله وتوسيع آفاق خياله، فتراه يتلمس مبتغاه من مظانه من الكتب.. فأردت أن أضع هذا الكتاب القيم أمام كل مسلم، بل كل إنسان ليرى نمطا جديدا وفريدا من أساليب
— 26 —
التزكية واللى حضو قلما يجده في كتاب آخر؛ حيث إنه يمزج أدق الموازين العقلية والمقاييس المنطقية بأرفع الأشواق القلبية وأسطع التفجرات الروحية ضمن أمثلة ملموسة لا تكاد تخفى على أحد، آخذا بيد القارئ برفق، متجوار محب في ميادين النفس والآفاق، مبينا له ما توصل إليه من نتائج يقينية، بعد تجارب حقيقية خاض غمارها تحت إرشاد القرآن الكريم.. بمعنى أنني أردت أن أبيّن بهذا التحقيق هذا المنهج القرآني م الإم لكل مسلم، بل لكل إنسان.
قبل كل ذلك وبعده؛ فإن قطرة من عمل خالص لوجه اللّٰه أعظم من بحر من الأعمال المشوبة، فأَمَلي باللّٰه عظيم أن يتقبل هذا التحقيق المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأتضرع إليار صفاى أن يهيئ في مقبل الأيام من يوفي حق هذا الكتاب من الشرح والبيان ليعم النفع ويجزل الثواب.
* * *
ولقد سار التحقيق هذا وفق الخطوات الآتية:
١- المقابلة بين النسخ المتوفرة لديّ وهي:
أ-"وتناسة الأولى من الكتاب، المطبوع في إسطنبول سنة ١٣٤٠-١٣٤١ هی (١٩٢٢م) وقد رمزت إليها بی"ط١"
ب- نسخة خطية بی"الرونيو" بخط "أحمد نظيف" أحد طلبة الأستاذ النورسي، مصحح من قبل الأستاذ نفسه، حيث كتب في الختام دعاءً رقيقا للكاتب ومساعديه.
ج- مخ خاتمَط "جيلان جالشقان" الذي خدم الأستاذ النورسي وهو مازال شابا ولازمه حتى وفاته. والمخطوط مصحح من قبل الأستاذ نفسه.
د- الطبعة الأخيرة من الكتاب، المطبوع في مطبعة النور سنة ١٩٥٨م في أنقرة، وتتميز هذه اجيز البتصحيح كثير من أخطاء الطبعة الأولى، ولكن ما زالت فيها أخطاء مطبعية كثيرة، فعالجتُ تلك الأخطاء واعتبرت هذه الطبعة هي المعول عليها في التحقيق.
هی- الترجمة التركية للكتاب، وقد قام بها شقيق الأستالساطعةرسي: الملا عبدالمجيد، وطبعَتْها "دار سوزلر" في إسطنبول سنة ١٩٧٦ وقد رمزت إليها بی"ت".
و- مخطوط الترجمة التركية بخط "علي الصغير" أحد طلبة الأستاذ والذي كان يلقّبه
— 27 —
بیمةُ حيروح العظيمة" وقد سجل له دعاءً لطيفا في الختام، والمخطوط هذا بالحروف العربية بخلاف المطبوع الذي هو بالحروف اللاتينية.
٢- وضع بعض الفقرات، وإفادات المرام التي لا توجد إلال وآل"ط١" في الهامش مع الإشارة إلى مواضعها.
٣- استخراج الآيات الكريمة من القرآن الكريم ووضع اسم السورة ورقم الآية.
٤- تخريج الأحاديث الشريفة الوارداعَ و الأغلب بالمعنى، اعتمادا على كتب موثوقة.
٥- استخراج الأمثال الواردة من كتاب "مجمع الأمثال للميداني".
٦- رسم إملاء الكتاب حسب قواعد الإملاء الشائع اليوم، حيث كان رسدقيق.
لاء في النسخ الأصلية والمطبوعة على الرسم القديم. مثل: الصلوة. الحيوة.
٧- درج معاني بعض الكلمات في الهامش باختصار شديد؛ إذ قد صعب عليّ معاني بعض الكلمات، مما دفعني إلى مراجعة قواميس اللغة وبخاصةول عن موس المحيط للفيروزآبادي، ومختار الصحاح للرازي.
٨- القيام بترجمة كل ما ورد في الكتاب بالتركية من عبارات وفقرات ورسائل. ألخّصها بالآتي:
أ- مقدمة الكتاب، حيث قد كتبها الأستاذ النورسي سنالحجير٤) أي بعد ما يقارب أكثر من ثلاثين سنة على تأليفه، وقد قام أخوه عبد المجيد بترجمة هذه المقدمة إلى اللغة العربية، فأعدتُ النظر فيها لتكون أكثر مشابهة بالنص.
ب- البيان الذي أُلقي في مجلس الأمة التركي.
ج- رسالة "نقطة من نور معرّن أن ّٰه جلّ جلاله" كاملة.
د- بعض الهوامش أو المقدمات المقتضبة التي وردت، وقد وضعتها بين قوسين مركنين ( ) لتمييزها عن الأصل العربي.
أما الفقرات التي وردت في الك دفع اللغة الفارسية فقد تفضل بترجمتها مشكورا الأخ
— 28 —
الكريم "فاروق رسول يحيى" الذي وفقه اللّٰه تعالى لترجمة ونشر العديد من رسائل النور باللغة الكردية. وقد حصرنا هذه الفقرات المترجمة عن الفارسية بين قوسين مركنين مزدوجين ().
٩- الإشارة في الهله الالى تلك المسائل التي وضّحها المؤلف -فيما بعد- في رسائل النور والتي وفقَنا المولى الكريم إلى ترجمتها.
١٠- توضيح بعض العبارات أو الجمل في ضوء ما جاء في الترجمة التركية للكتاب والوجورة إليها بی"ت" ورقم الصفحة في الهامش.
١١- تشكيل بعض الكلمات، ووضع علامات الترقيم لإزالة اللبس.
١٢- وضْع تراجم لقسم من الأعلام الواردة في الكتاب.
١٣- تعريف بعض المصطلحات، مع ترك الكثير منهات سيالالكتاب نفسه كفيل بشرحه، وبخاصة إذا استُعين "بالفهرس التحليلي".
١٤- وضْع فهارس عامة وتحليلية للموضوعات والأعلام والأماكن وغيرها تسهيلا للقارئ الكريم.
١٥نت؟ ومرا نشر رسالة "نور من أنوار نجوم القرآن" لأول مرة بإلحاقها بهذا المجلد (المثنوي) لشدة الترابط والتشابه في مباحثهما. وذلك بعد إجراء التحقيق على مخطوطها الوحيد المكتوب بخط "الحافظ توفيق الشامي" أحد طلاب الأستاذ النورسي في منفاه "بارلا" هو إل أن المخطوط صُحح من قبل المؤلف.
* * *
وبعد القيام بهذه الخطوات وفي أثنائها، لفتت نظري مسائلُ نحوية لغوية لا تستقيم مع ما تعلمناه في دراستنا المدرسية. فألجأتني إلد في اث عنها في بطون الكتب القديمة المعتمدة كالمغني والأشموني، والاستفسار عنها ممن لهم الباع الطويل في معرفة دقائق اللغة، فأرشدوني إلى ما فيه الصواب، جزاهم اللّٰه خيرا، حتى اطمأن القلب إلىا لوقَ كتبه الأستاذ النورسي هو الصحيح أو فيه الجواز. وأن ما ألِفناه ودرسناه من قواعد اللغة لا يرقى ليكون محكا في مثل هذه المسائل.
— 29 —
وأرىاك الأأفضل تلخيص عدد من تلك المسائل التي ربما تلفت نظر القارئ الكريم أيضا مع أنها لا تخفى عليه. وهي:
١- إيثاره استعمال جمع العقلاء لغير العاقل؛ إشارة إلى أن كل جزء من أجزاء العالم حيّ عاقل يسبّح للّٰه، وما تحمما في الآية الكريمة: رأيتهمُ لي ساجدين (يوسف:٤).
٢- تغليب التذكير على التأنيث، ولاسيما في الأفعال المتقدمة على الفاعل المؤنث المجازي بخلاف المتأخرة عن الفاعل.
٣- استعماله الوجوه المختلفة للكلمات التي يجوز فيها التذكير ية. فكيث، كالروح. وربما يستغرب القارئ من إيراد كلمة "النفس" أحيانا بصيغة التذكير، إلّا أن استغرابه يزول بمجرد قراءة العبارات التي تليها، حيث يجد أن المقصود منها "أنا" أي ذاللّٰه.سان.
٤- استعماله لمعدود "المائة" و"الألف" بصيغة الجمع أحيانا، أو تأنيثُ وتذكيرُ الصدر دون العجز في الأعداد المركبة.
وأمثالها من في ال التي لم نألفها.
ولا يخفى أن لهذه الوجوه تخريجاتِها اللغوية وشواهدها التي تُسندها، إلّا أننا لم نوردها في مواضعها لئلا نُشغل القارئ الكريم عن الهدف الأساس من الكتاب.
٥- كلمة "الذات" الغيره على اللّٰه سبحانه ترد بصيغة التذكير فمثلا: الذات الأقدس، إذ جعلها اسما للحقيقة من كل شيء فزال عنه التأنيث.
٦- الإكثار من استعمال جمع المؤنث السالم، حتى في بعض الجموع، مثل: لوازمات، شؤونات، نواتات...
تنقطع تخللت الجملَ كلماتٌ تركية، استعملها الأستاذ لزيادة الإيضاح -أو قالها أثناء التدريس- وهي موضوعة بين قوسين () للتمييز، ويعقبها على الأغلب معناها بالعربية. فمثلا:زيَّنها (التَّمَلْ جوروك) الأساس فاسد.. أو (شِمَنْدوفر) القطار.. (فابْريقة) المعمل.
٨- استعماله كلمة "غير" معرّفة بی"ألی" مما لا تُستعمل في الأسلوب الحديث [٭]: وقد أشرنا إلى هذة من ع في المجلد الخامس من كليات رسائل النور "إشارات الإعجاز" فمن شاء فليراجعه. وقد
— 30 —
بعث إليّ العالِم الجليل "عمر الريشاوي" رسالة يوضح فيها هذه المسألة أدرج هنا ملخصها لإزارضية، بس:
"إننا إذا أردنا كلمة "غير" صفةً للمعرفة، فلا نملك سوى اختيار أحد الطريقين:
أ- تحليتها بی"ألی" لتصبح معرفة وتصلحُ بالتالي صفة للمعرفة كما هو مقرر نحويا.
ب- إضافاطرُ لى المعرفة.
ولما كان الطريق الثاني لا يحقق هدفنا، إذ بإضافتها إلى المعرفة لا تصبح معرفة، تعيّن اتخاذ الطريق الأول وهو تحليتها بی"ألی" ولا محيد عن ذلك، هذه من ناحية القواعد النحوية، وأما من حيث الاستعمال، فتبدو ندرة اس تلطيفا مع "ألی"، أو لا نجدها إلّا في كلام المجدِّدين. والخلاصة: أن الكاتب أو المتحدث يجب عليه رعاية أحد الأمرين:
إما رعاية ناحية الاستعمال وإضافتها إلنه في رفة وقبول التأويل؛ وهو أن هذه الكلمة عوملت معاملة المعرفة، كما في قوله تعالى:
غير المغضوب عليهم
(الفاتحة:٧) و
لا يستوى القاعدون من المؤمنين غيرُ اُولي الضرر
(النساء:٩٥).
وإما مراعاة ناحية القواعد وهونبوي" ها بی"ألی" لأن المقام -وهو كون الاسم صفة للمعرفة- يقتضي ذلك نحويا".
ثم أبدى الأخ الكريم ملاحظة مهمة وهي: أولا: إن المشكلة التي أصبحت مثار البحث حالة واحدة وهي كون "غير" صفة للمعرفة، أما حالاتهرة تساى: فاعلا أو مجرورا أو مضافا أو صفة للنكرة أو حالا أو بدلا أو غير ذلك من الحالات الإعرابية الأخرى فلا أتصور أية مشكلة فيها نحوية أو استعمالية.
ثانيا:قرر المجمع اللغوي المنعقد في القاهرة في دورته الخامسة والثلاثين في شهِ معرّ ١٩٦٩ بقبول الرأي القائل: "إن كلمة "غير" الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة. ويصحّ في هذه الصورة التي تقع بين متضادين، وليست مضافة أن تقترن بی"ألی" فتستفيد التعريف". اهی.
* * *
— 31 —
وربّ سؤال يرد للخاطر:ن جدرااذا ألّف الأستاذ النورسي هذه الرسائل باللغة العربية، والمخاطبون لا يتقنونها، علما أنه كتب رسائل النور بالتركية؟
فالجواب -واللّٰه أعلم-: أن اللغة العربية كانت هي لغة العتجعل اتلك الفترة (أي إلى منتصف العشرينات) وقبل استبدال الحروف العربية، رغم أن المحادثات الجارية بين الناس كانت بالتركية..
ثم إن هذه الرسائل العربية بحد ذاتها أصول وقواعد، وماد" الوموازين مستلهَمة من نور القرآن الكريم، خاطب بها الأستاذ النورسي نفسَه أولا، وألزمها الحُجةَ حتى أرغمها على التسليم، فهي أعلمُ بلغته و تعابيره. و. كَذلثبت ما نذهب إليه هو أن الأستاذ النورسي قد صبّ هذه المعانيَ ووسّع منها وكشف عن دقائقها في الرسائل التي ألّفها بالتركية -فيما بعدَ ١٩٢٧م- تلك هي رسائل النور التي غَدَت موضعَ استفادة العالِم والمتعلم والكبير والصغير. فأدّت مهمتها المرجوة عليها الإيمان تجاه تيار الكفر والطغيان.
أما ما يرِد من سؤال حول تسمية الكتاب. أي لماذا سّماه الأستاذ المؤلف بی"المثنوي" الذي يعني في الشعر أبيات مثنى مثنىلأحمال أن الكتاب ليس ديوانا للشعر؟
فالجواب: لقد سمّى الأستاذ النورسي هذه الرسائل بی"الرسائل العربية" أو "المجموعة العربية" وقد كُتب على مجلد الطبعبدقة.لى: "قطرات من فيوضات الفرقان الحكيم". ولكن لأن فعل هذه الرسائل في القلب والعقل والروح والنفس يشبه فعل "المثنوي" لجلال الدين الرومي المشهورِ والمتداول بين أوساط الناس ولاسيما في تركيا، وأن عمله في تجديد الإيفي حفظرسيخه في القلب وبعثه الروح الخامد في النفوس يشبه "المثنوي الرومي" فقد سماه الأستاذ النورسي بی"المثنوي". ولأجل تمييزه عن "المثنوي الرومي" الذي كُتب بالفارسية سماه "المثنوي العربي". ولأنه أساسٌ لرسائل النور وغراس لأفكارها ومسائلِها أضي[٭]: "النوري" فأصبح الكتاب يحمل عنوان: "المثنوي العربي النوري".
ومما يجدر الإشارة إليه أن الكتاب مع أنه جامع لكثير من أساليب البيان وأنماط الاستعارة وأنواع التشبيه والناطقة الطباق وغيرها من أساليب البلاغة، فإن كل قارئ -مهما
— 32 —
كان تذوقه البلاغي- يظل مشدودا مع بلاغة المعنى وجمال المغزى أكثرَ من انشداده مع بلاغة المبنى وجمال اللفظ؛ إذ إن عمق المعاني وسعة الأفكار ودقة المسائل التي يطرقها لشيء، لقارئ يقول: حقا "إن الكلام البليغ هو ما استفاد منه العقل والوجدان معا".
هذا ولقد أغنانا الأستاذ نفسه عن تقديم أي كلام حول سبب تأليفه للكتاب وفترة تأليفه له، حيث سجل ذلك في مقدمته الغفلةة، وفي إفادات المرام مستهلَّ كل رسالة.
واللّٰه نسأل أن يوفقنا إلى حسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل..
وصلّ اَللّٰهمَّ على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
إحسان قاسم الصالحي
— 33 —
المدخل
الأستاذ أديب إبراهيم الدحاجةً لا جدال في أنّ "النفس البشرية" طاقة عظمى من طاقات البناء والإعمار، ومصدر خصب من مصادر الحق والعدل والخير والجمال في هذا العالم إذا ما زكت * * *غدت موصولة الأسباب بفاطرها وموجِدها، لأن صلتها باللّٰه، واستمساكها بأسباب أنواره، يجعلها موضع نظره، ومَنْ كَان موضعَ نظر اللّٰه تعالى أُفيضَ عليه من صفات جماله وكماله ما يستطيع بها أن يمحق ظلام الدنيا وشرورها.. وهي (أي النفس) قوة تدميريَ على ء، وطاقةُ هَدْم مرعبة، إذا ما نجمت فيها جرثومة التمرد والنیزق والجموح، وعصفت بها رياح الهوى الهوج المحركة لنيران رغباتها المجنونة، وشهواتها العارمة، فتحرق هذه النار كل سبب يصلالمرء،لّٰه تعالى، فلا تلبث -بعد ذلك- أن تتنكر لخالقها وبارئها، وتنیزع إلى عصيانه، وترغب في الانفلات من مسؤوليات الإيمان، وتكاليف الإسلام.
والنورسي -رحمه اللّٰه- إنما يرصد هذه النفس الضالة التيتخطرت بت عليها رعونتها، وركبتها حماقتها، فتنشط في البحث عمّن يسليها ويلهيها، وينسيها مَنْ تكون..؟ ولِمَ كانت..؟ وما واجبها..؟ وما مسؤولياتها..؟ ُ في قلها وهي تتصامم عمّن يريد لها الصحو المسؤول، واليقظة البصيرة، ويطلب لها التعلم والمعرفة، ويأخذ بيدها للارتقاء والسمو، ويشرّفها بمعرفة اللّٰه ويتوّجها بتاج طاعته، ويُلبسها حُلل بيان ا.. ويرى أنها -إذا زاد ارتكاسها وفاض بها غرورها- قد تتوهم نفسها قطب العالم ومحور الوجود، فتقيس كل شيء بمقاييسها، وتزنه بموازينها، لظنها أنها منبع كل حق، ومصدر كل صواب.. وقد تتمادى في هذا الغرور الأحمق حتى لتنازع "الربوبية" سلطانها، وتنسلعبرة ها من صفات الألوهية ما تشاء ويشاء لها الهوى. وتتفاوت "النفوس" في أسباب تعرضها لمخاطر هذا التورم الخبيث، والانتفاخ المَرَضيّ المخيف، فيغدو البعض أشدّ عتوا، وأصعب توعرا، وأكثر استعصاءً وتمردا على حقوق الربوبية، ور شباطات العبودية من البعض الآخر. وبسبب هذا التورم الذي يتسلل إلى مخ النفس، فيشل وعيَها، ويفقدها صوابها، ويُعمّي عليها حقيقة حجمها، وتبيان موقعها
— 34 —
الصحيح من اللّٰه.. وبسبب غياب "العقل الإيماني" الذي يبصرها بحيات ال، ويمنعها من الجموح والشطط، فهي غالبا ما تنساق مع الوهم، فتتخيل استطالة حجمها، وتضخّم جِرمها، وتحسب الكون قاصرا عن احتوائها، والأرض عاجزةً عن حمل عظمتها.. ومن هنا.. من عدم تحديد مكان "النفس" من اللّ عديدةن تجاوزها حدود وظائفها في هذا العالم تنجم جميع شرور العالم وآثامه، وتنبعث جميع آلامه وأحزانه ومآسيه، ومصداق ذلك ما يحدثنا به التاريخ من مدّ أن ظهألوهية" و"الربوبية" من الملوك والأباطرة والفراعين وغيرهم على اختلاف مدّعياتهم الباطلة، وما خلفوه وراءهم من جروح وآلام في حياة الشعوب والحضارات.
وخشية من وقوع "النفوس" فريسة هذا التورم البشع المخيف، وحرصا من لمَيل ام" على أن تظل "نفس" المسلم صحيحة تستمتع بالسلامة والعافية، فقد حثّ القرآن على مجاهدة نزق النفس، وحذّر من تمردها وعصيانها لخالقها، واعتبر مجاهدتفي زينبا إيمانيا لا يقل أهميةً عن واجب مجاهدة العدو، بل يزيد عليه، لأن العدو الذي يريد الشر بالبلاد والعباد بيّنٌ ظاهر للعيان بسلاحه وعدّته وعدده، نواجهه ونحن نرى ونسمع، فيجتمع عليه كياننا كله، وتتهافت عليه حواسُّنا جميعا، تيرُ تن على قهره طاقاتُنا بأسرها.
أما "النفس العاصية للّٰه" فهي عدو خفي لا نراه ولا نحس بعداوته، لأنها تسري في وجودنا كله، وتجري منا مجرى الدم، ولا يجتمع عليه وجودنا كله لأنها جزء من هذا الوجود، فضلا عن أننا لا نعرف متى تهاجمنا؟ ومن أيّ ثغرة تتسلوجه إلمقاتلنا؟ وأيّ سلاح رهيب من أسلحتها تجربه فينا؟ لذا يتعين علينا أن نبقى حذرين دائمي الحذر، متيقظين دائمي التيقظ، نرصد حركاتها، ونراقب مناوراتها، ونأخذ منها زمامى دورادرة، فنلجمها قبل أن تجمح بنا، ونأخذ بخطامها قبل أن تهيج علينا وتلقي بنا تحت أقدام طغيانها فلا تفلتنا حتى تسحق منا الروح والقلب والعقل.
* * *
وقد عانى النورسي من نفسه الشيءَ الكثير؛ فهي نفس جموح، وعرة المرارتسمة ة الترويض، عصيّة على الاقتناع، تأبى أن تسلس له القياد ما لم يأتها على الرأي الذي يراه بالدليل القاطع لكل شك، والبرهان المبدد لكل ريب. لذا فقد كان همّه الأعظم إقناعها بالرأي الذي
— 35 —
يراه، والفكر الذي يخلص إليه.. فهإلى الل ما كتب ولاسيما في "المثنوي" إنما كان يكتب لنفسه بهذا القصد ولهذا الغرض، وكأنّ نفسه -لشدة جموحها ونفورها من الفكر التقليدي- قد آثرت الانفصال عنه، والانسلاخ منه، فصار لها كيان مستقلّ، وشخصية مناوئة،بتها إزاءه، وترصد فكره، ولا تنفك تحاوره وتلح عليه في الحوار، وتسأله وتلح عليه في السؤال، حتى تضطره للإجابة عليها بحشد هائل من الأدلة والبراهين التي تقنعها وتطمئنها، وتلزمها الحجة والتارك للوفي معرض وصفه لهذه المعاناة مع نفسه يقول النورسي:
"إن هذه ثلاثون سنة لي مجادلة مع طاغوتين وهما: "أنا" في الإنسان، و"الطبيعة" في العالم". [٭]: رسالة "حبة من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن".
ا للصاساة الأخرى التي ظلّتْ تؤرّق النورسي طوال حياته، وتنغر في ضميره، إنما هي سقوط الملايين من البشر في هذا العصر في حبائل "الطبيعة" وانحباس أرواحهم في أقفاصها، وتعبّدهم -كما يتعبد الوثنيون- لنواميسها وسننها، فنسبواأي إن النواميس والسنن ما ينسبه المؤمنون إلى اللّٰه تعالى من صفات الخلق والإيجاد والقدرة والعلم والحكمة والقصد والاختيار، وبذلك حَجبت "الطبيعةُ" المخلوقةُ، بصفاتها الاعتبارية غير الذاتية، الإنسانَ الوثني عن "الخالق" الحقِ، وامتصت إيمانَكار هذشبت أظفار الجحود الحاد في روحه، وحولت قلبه الخصب إلى جفاف كجفاف رمال الصحراء، فاستُثني -بهذا الانحراف الأخرق عن اللّٰه- استثناءً شاذا من بين التوافق الكوني العظيم الذي تندرج الأشياء جميعا فيه، وتت ما هيه في وحدة كونية نابضة بالمعرفة والمحبة للّٰه، فإذا به -على الرغم من كل منجزاته الحضارية المبهجة- ينوح نوحا مريرا على شقائه الروحي كنواح النغم الحزين المنفردلخاص، من بين منظومة اللحن الضاحك البهيج.
وكما حاور النورسي جموح النفس، وناقش نزقها وتمردها، وردّ على اعتراضاتها حتى راضت وقنعت واطمأنت، فإنه كذلك ناقش المؤلِّهين للطبيعة، واستعرض مقولاتهم، ثم رهاية؛ ها واحدةً تلو الأخرى، وخلص في خاتمة المطاف إلى خطلِ رأي مَنْ ينسب إليها الحياة والخلق والإيجاد من دون اللّٰه تعالى.
ولما كانت "نفسه" دائمة الحضور معه، قائمة بين جنبيه، تناقش فكره الإيماني، وجها
— 36 —
لوجه، وتُلقي باعتراضاتها والشمسلذا فإنّ النورسي كتب ما كتب بقصدِ ترويض هذه النفس الجموح الثائرة على كل فكر تقليدي، وبنية تبديد شكوكها، وقهر عنادها، وإقناعها بصحة أفكاره، ومصداقية قناعاته.
ومن هنا فليس غريبا أن يكتنف بعة، واناره في "المثنوي" شيء من الغموض غير المقصود، لأنه لم يكن مقصودا من كتاباته سوى نفسه، فلربما كفاه السطر والسطران لتفهَم عنه نفسُه، وتعرف مراده، ولا تكفيه ا في الوالصفحتان ليفهم عنه القارئ بعض مراده. [٭]: إفادة مرام رسالة "شمة" و"نقطة".
ومن حق القارئ الذي يقرأ هذا الكلام أن يسأل نفسه:
إذا كان مقصود النورسي فيما كتب في هذا الكتابوالثاَهُ" فما جدوى نشره، وإغراء الآخرين بقراءته؟ وهو لم يُكْتَبْ لهم أصلا، ولم يُصَنَّف لأجلهم؟
وللجواب على هذا السؤال نقول:
إنَّ "النفس الإنسانية" هي واحدة في جوهرها، وواحدة في أسباب صحتها ومرضها، كالجسد تماماة..يول كانت الأمراض التي يمكن أن تصيب جسد "زيد" هي نفسها التي يمكن أن تصيب جسد "عمرو" وأن ما يفيد "زيدا" من دواء يفيد "عمرا" أيضا، فكذلك فإن أمراض "النفس" هي واحدة لدى جميع البشر مع بعض الفروقات بين نفس ونفس. فالعلاج الذي اِفاتِه النورسي لنفسه قد يفيد أي إنسان آخر يعاني ما كان يعانيه النورسي من نفسه، وهو يقول بهذا الصدد:
"ولا تخف من تمرد النفس، لأن نفسي الأمارة المتمردة المتجبرة رٌ، لي، وذللت تحت سطوة ما في هذه الرسالة من الحقائق، بل شيطاني الرجيم أُفحم وانخنس.. كنْ مَنْ شئت، فلا نفسُك أطغى وأعصى من نفسي، ولا شيطانُك أغوى وأشقى من شيطاني". [٭]: انظر: ك ويتو، إخطار، اعتذار".
فضلًا عن التجارب الذاتية التي تخوضها النفوس العظيمة، هي رصيد جديد يضاف إلى رصيد الإنسانية ويثري معرفتها بشؤون الروح والوجدان، ويمنح أفرادها ما يفيَبيلَ جتياز قلقهم الروحي بنجاح، وتخطي عواصف شكوكهم بسلام، وقد اعتاد البشر -منذ أقدم
— 37 —
العصور- أن يفيد بعضهم من تجارب البعض الآخر، ولولا هذه السنّة الحسنة التي درج عليها الناس لما وصها بالشرية إلى هذا الصرح الهائل العظيم من المعارف والعلوم والأفكار.
ونكاد نلمس بين سطور "المثنوي" غبار الصراع الدؤوب الذي خاضه النورسي بشجاعته ضد تمردات نفسه وجنوحاتها قبل أن تسلس له القياد، وتسلم له الزمام، حتى إننا لنتعاطف معه، ونأسى من أجلت المك ننظر بعين الخيال إلى ما عاناه هذا الرجل من عذاب قبل أن يحقق انتصاره النهائي على الجانب المُستعصي من نفسه.
وما من أحد من المؤمنين إلّا وله مع نفسه العصية مواقف أوت عليهواقف -كالتي كانت للنورسي مع نفسه- مع اختلاف درجات التوتر والقلق والصراع ضعفا وقوةً، وقلة وكثرةً، في الأشخاص، تبعا لدرجات إيمانهم ويقينهم؛ لذا فة ولدهأحد إلّا وله في تجربة النورسي ما يفيده بدرجة أو بأخرى.. وإذا ما فاتنا النیزر اليسير من علاجات النورسي لنفسه، بسبب بعض الغموض في بعض وصفاته، إلّا أننا سنفيد -بلا ريب- تَبَسشيء الكثير منها، وكما يقول:
"لا تقل: إذا لم أدرِ الكل لا أريد الكل.. فإذا كنت في بستان أَتَتْرك الثمرات إن لم تأكل كلها". [٭]: إفاد ة مرام "شمة من نسيم هداية القرآن"
فَرُبّ زهرة تقطفها من حديقة "والتأني" تغنيك بشذاها وجمالها عن عشرات الأزهار، ورُبّ فاكهة تنالها يدك تعطيك مذاق مائة فاكهة وفاكهة.
فالمثنوي.. كتاب فريد في مصداقيته، قد سجل فيه ال آثارهبأمانة وعفوية وصدقٍ سيرةَ نفسه وما كان يعتَورها من قلق واطمئنان، وينتابها من صحة وسقام، ويتناوشها من شك ويقين، من دون زيادة أو نقصان، حتى إنه لَيترك نفسه تنساب ي هي اجيتها- مع انسياب قلمه، فلا يجري على كلامه في بداهته الأولى أيّ تبديل أو تعديل، حفاظا على براءة عفويته، وخوفا من أن يدخل على كلامه ما يخدش صدقه، ويمسُّ بكارة معانيه. [٭]: انظر إفادات المرام ولا سيما إفادة مرام "حبة". والمخا يتكرر في أول كل خاطرة من خواطر "المثنوي" من "اعلم" فالمقصود: "اعلم يا سعيد". أو "اعلمي"، فالمقصود: "اعلمي يا نفسي"، فبسر قوة الصدق الذي يشيع في ثنايا
— 38 —
الكتاب -دوم، كيس بعد الصدق مع النفس من صدق- وبسرّ قوة الروح المسكوب في كلماته -لأنه ليس من روح أقوى من روح عجنته المعاناة وأنضجته نار التجربة- يمكن لأي إنسان الإفادة من تجربة هذا الكتاب في ترو عين اه، والتحرر من رهقها، وكذلك تنقية مداركه العقلية من مفاهيمها الخاطئة عن ربوبية "الطبيعة" وأُلوهية ماديتها. فبانهدام هذين الوثنين: النفس والطبيعة، وتحررِ الإنسان من طغيان سطوتهما عليه، ينفسح له المجال واسعا لميلاد ذاته الحرة منلكوت ك وانتفاضها من بين أنقاض عالمه المتهدم مفعمةً بالعافية، طافحةً بالحيوية، فلا تلبث حتى تسرع في استرداد وعيها الأعمّ الأشمل، وإدراكها الأصح الأصوب، فترى -بصفاء نظرها وسريرتها- أنّ كلشَيءٌ، -بحد ذاته- حرف ضائع لا معنى له ما لم يعطه اسم "اللّٰه" الأعظم معناه بالانتساب إليه، ويسبغ عليه مغزاه على قدر ارتباطه به وفهمه عنه.
فالكائناتة والتجودات -بما فيها الإنسان- حروف خاوية حائرة تجوب كتاب العالم، فلا تقرُّ أو تجد لها مكانا فوق سطور هذا الكتاب الكبير ما لم تستمد معانيها من أسماء اللّٰه الحسنى، وما لم يمسها مدد من أمام في وينسكب فيها مِدَادٌ من مِدَادِ بحار القدرة.. فلا شيء موجود على الحقيقة ما لم يعطه اللّٰه شيئيته، ويمنحه كيانه، ويقدّر وجوده. فإذا وصل الإنسان إلى هذه النقطوإيَاكلإدراك، ولاسيما بعد عظيم المعاناة، فقد وصل إلى "التوحيد" الخالص، وتشرّب جوهر الإيمان والإسلام، وعرف جدوى الوجود ومعناه.
وهذا هو ما يرمي "المثنوي" ويهدف إلى تحقيقه في نفس صاحبه أولا، وفي نفس كل ر جانبن بعده.
* * *
والتوحيد الخالص من شوائب الشك، والذي يشكل لبَّ الإيمان، وجوهر عقيدة الإسلام، هو في "المثنوي" ليس أمرا تقريريا، ولا معنًى تلقينيا، ولى أعجدة تقليدية، ولا كلاما محفوظا مرددا يردده المسلم بلسان جاف، وقلب بارد، ووعي ذاهل، كما هو مشاهَد اليوم لدى الكثير من المسلمين.. فلا غرو إذا الضاليتْ "كلمةُ التوحيد" اليوم -وقد خالطها هذا القصور المعيب- أن تخرق أبواب الروح، وتلِج إلى أعماق الفؤاد، لتُطلق قوى المسلم، وتفجّر طاقات كيانه الروحي الذي أصابه الضمور وغدا َالٌ فعن ممارسة أي نشاط يمكن أن يزيد في نموه،
— 39 —
ويقوي فيه بصيرة الكشف الذكي عن "علوم التوحيد" العظيمة في مظانها الأصلية من نفس الكون والإنسان.
فالتوحيد الذي يدعونا إليه "المثوتفرعنيس تقريريا، ولا تلقينيا، ولا تقليديا، ولا ترديديا، بل استكشافيا.. فيه ما في الاستكشاف من متعة ومغامرة ومعاناة، فهو يأخذنا -عبر خواطره- في جولُ الأَشافية في أغوار النفس الإنسانية، ويدور بنا في أنسجة الروح والفكر والضمير، ثم يزيح التراب عن ذاكرة الكون المَوءُودة تحت ركام علوم العصر، ويستنطقها لتحدثنا عن بصمات "التوحيد"، وتدلنا على آيات الإله الواحد الذي لا يقبل الشريك. وِينْيتركنا إلّا ونحن قد اكتشفنا "التوحيد" والتقيناه في أشد الأشياء الكونية والنفسية بداهةً، فينبثق في صميم أفئدتنا انبثاقا، وينغرس بشكل عفوي في أعماق أرواحنا وضمائرنا، فيوسيلةً التوحيد الاستكشافي أعماق النفس، ويفعم الذهن بطاقات الذكاء، ويشدُّ في الوجدان أجهزة التلقي عن الكون والحياة، فيستمر المسلم كشافا رائدا لأعمق الحقائق -في الكون والإنسان- في ديمومة لا تتوقف حتىضَ أفك حياته.. فيزيد فهما، ويتسع وعيا، ويخصب وجودا وحياةً.
والإيمان باللّٰه واحدا أحدا فردا صمدا هو أحد المحاور الثلاثة -بعد النفس والطبيعة- الذي يدور حوله النورسي في أفكاره وخواطره المسجلة على صفجِيدْلمثنوي". وهو يرى أن العقل المسلم ينبغي أن يكون قرآنيَّ التصورِ لمفاهيم التوحيد، ولصفات الكمال والجلال والجمال التي يتصف بها اللّٰه سبحانه وتعالى. وأن هذا "العقل" الذي تُشكِّل المف بدنك القرآنية تصوراته عن الألوهية والربوبية.. لا يمكن أن يرقى إلى قمته عقلٌ كائنا ما كان ما دام محجوبا عن القرآن.
والنورسي وإن لم يكن قد استعرض تصورات العقليين للألوهية والربوبية، وتصورات غيرهان الأصحاب الأديان والمذاهب والنحَل، إلّا أننا نحسُّ من خلال كلامه عن أسماء اللّٰه تعالى وصفاته، وكأنه يردّ -ضمنا- على هذه التصورات المنحرفة، ويفندها الواحدة تلو الأخرى وحكمةفي كلامه كما سيلمس القارئ بنفسه ردّ ضمني على مَنْ يزعم -من العقليين- بأن اللّٰه تعالى خلق العالم وفرغ من خلقه، ولا شأن له به بعد ذلك.
وردٌّ على مَنْ يدّعي عدم علم اللّٰه بالجزئيات، تعالى عن هذا علوا كبيرا.
— 40 —
وردّ على مَنْ جديد،اللّٰه ولكنه يتردد ويتلجلج في إيمانه بالملائكة والكتب والرسل والقدر، واليوم الآخر، والنشر والحشر، والجنة والنار.. إلى آخر تلك التصورات السقيمة المجانبة للحق، والمجافيلى جميأثبته القرآن وجاءت به السنة المطهرة.
إنَّ الآية القرآنية:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ وَهو السّمِيعُ البصِيرُ
(الشورى:١١) قد أوفَتْ وكفت وردّت على تصورات العقول البشرية -بقصورها ومحدوديتهاالصلاةه سبحانه وتعالى، وأزرت بقياساتها الفاسدة ابتداءً من تصورات أدنى الوثنيين عقولا، ومرورا بأكبر عقل من عقول فلاسفة الإغريق، وانتهاءً بآخر ما وصل إليه العقل الرياضي والعلمي الحديث.. والآية -بحد ذاتها- إشارة إلى أن المسألةالأموروأعظم من أن تترك للأمزجة والخيالات والعقول القاصرة لكي تخوض فيها وترى فيها رأيها من غير هديٍ يهديها من اللّٰه الذي هو أعلم بنفسه، وأعلم بخلقه، وقدرات عقولهم عن الفهم عنه، وإدراك ما ه، ومساكنتهم من معاني أسمائه وصفاته.
* * *
والنورسي يرى في "الأسماء والصفات" حلا للغز العالم، وجوابا على أسئلة كثيرة ربما كان أهمها وأعظمها على الإطلاق هو السؤال الذي حار فيه أكبر العقول من فلاسفة هذا فليُح وفلاسفة كل العصور السابقة، وهو: لماذا مُنِحْنَا منحة الخلق..؟ وأُعطينا فرصة الوجود..؟ وهذا العالم ما حكمة وجوده..؟ وما مغزى انبعاثه عن العدم..؟ إلى آخر هذه الأسئلةآنُ شمما زالت مثار اهتمام العقول الحائرة من بني البشر.
والنورسي في خواطره عن صفات اللّٰه الجمالية يلتقي الحل، ويقع على الإجابات المقنعة، فهو يرى أن الرسام حين يرسم أجمل لوحاته -ولا مشقيمةً المثال- إنما يعبر عن فيض الجمال الذي يغمر نفسه، وهو يفعل ذلك ليرى جمال نفسه في لوحاته وليُرِيَ هذا الجمال للآخرين ممّنْ يملكون القدرة على تذوقه وفهمه والتأثر به.. فكم يكون موقفنا سخيفا وغير منطقي لو توجهنا مزيسؤال لهذا الفنان قائلين: ماذا تفعل..؟ وما الذي يحملك على مسك فرشاتك لترسم هذه اللوحة..؟ وما سرّ ذلك؟ وما حكمته؟ أليس التوجه بمثل هذا السؤال عبثا لا معنى له؟ ألا يدل علهدت في عقولنا؟ وسذاجة أفهامنا؟
فكذلك - وللّٰه المثل الأعلى - فإن الصفات الجمالية والكمالية وصفات القدرة
— 41 —
التي يدور غالب أفكار "المثنوي" وخواطره حولها، هذه الصفات التي وصف اللّٰه -جلّ شأنه- بها نفسه ومنها: "الخالق، الرة كأنالمصور، الرحمن، الرحيم، اللطيف، الودود، الرزاق، الكريم، القادر، العليم.." إلى آخر هذه الصفات لا بد لها من التجلي بمعانيها الجمالية والكمالية في الخلق والإيجاد، وأن ترتسم صورتها في مرآة ا أنه اوالوجود، وتنسكب بمحاسنها وألوانها على صور الكائنات والموجودات، ليراها مَنْ وصف نفسه بی"أحسن الخالقين"، وليُريها للإنسان في خفايا نفسه، وفيما يحيط به من موجودات. فيرى -هذا الإنسان- وي بالنسيعتبر، ويشهد ويشغف، ويعجب ويشدَه، ثم لا يقف عند هذا بل يمر سريعا من الرسم إلى الرّسام، ومن النقش إلى النَّقَّاش، ومن الظل إلى الأصل، وبذلك -أي بهذالمطبعتقال السريع- يصبح الإنسان جديرا بالفهم عن اللّٰه سبحانه وتعالى، الذي قدّر أن يكون محطَّ عنايته، وخليفته في أرضه.. وهي بلا شك ستبلغ (أي هذه الصفات الجمالية والكمالية) یینْ فالأعظم والأشمل والأوفى من الجمال والكمال في حياة الإنسان الأخرى، وعمره الثاني في كنف الرحمن وفي جنته التي هي أروع لوحاته جمالا وحسنا وكمالا وقدرة..
وكما أنّ اللوحة الفنية العظيمة لرسام عبقري، لا يقدر على تذوق محاسنها، وب ويتو روح الجمال فيها، إلّا مَنْ كان له إلمام ببعض قواعد الرسم، ممّن رهُف حسُّه، ورقّ شعوره، وملك نفسا نقيةً صافية، وقلبا سريع الحساسية بلمحات الحسن والجمال، فكذلك فإن "الجنة" -ولا مشاحة في المثال مرة أخرى- هذه اللوالذبامعجزة والتي رسمتها يد القدرة بألوان اللطف والرحمة الإلهيين، لابُدّ وألّا يزاح عنها الستار إلّا لمَنْ يمتلك رصيدا جماليا في روحه وبدنه، واستعدادا ذوقيا يهيئ له سبل الاستمتاع بهذا الأداء الذي لا عين رأت مثله، ولا أذن سمعت وصفه، ولا خطر على قلب بشر، كما جاء وصفه -بهذا المعنى- في الحديث الشريف.
ولذا فقد كرّس النورسي جملةً عظيمة من خواطره في "المثنوي" لتشويق الإنسانرشدهم يبه بالجنة، ولفْتِ نظر النفس إلى محاسنها، وتمهيد سبل معرفتها، والوصول إليها، وذلك بتهيئة أحاسيسه الذوقية والجمالية وإرهافها -وهو بعدُ في الدنيا- وتنقية حواسّ الروح والبدن من الشوائب والأكدار، وتطهير الضمير والوجدان منوحة اللرذائل والآثام، وبهذا تجمُل "النفس" فيشتاق جمالها إلى جمال الجنة فيتناغمان ويتجاذبان، ثم إذا قُضي الأجل يلتقيان، فيندغمان ويتذاوبان في حرارة الاشتياق وبهج معدوداء.
— 42 —
والآخرة بأحداثها وأهوالها، ونشرها وحشرها وجنتها ونارها، ليست -عند النورسي- قضية هامشية تحتل هامش ذهنه، وفضول وقته، وبقايا همّه -كما هي اليالمطلق الغالبية العظمى من الناس- وإنما هي شهود دائم، وحضور قائم، ووجود شاخص، لا يبرح فكره، ولا يغادر وجدانه، يراها بنظر بصيرته كما يرى الأشياء بنظر عينه، وتتحسسه روحه كما يتحسس كل مشهود ومعلوم، وينفعل كيانهكشف بانفعالَ منْ يَبْدَهُه الشيء العظيم والخطير، فيستهوِله ويتعظمه، ويخافه ويرجوه، ويرغب به، ويرهب منه.. فما دام الذي بين الإنسان وبين أن تقوم قيامته، وتحل آخْ الحَو أن يأتي زمن موته، وهو زمن مجهول قدرُهُ، محجوب سرّ قدومه، مكتوم وقت نزوله، ولكنه آت لا ريب فيه، لذا فالآخرة -بهذا الاعتبار- هي غائبة حه، ونقبعيدة قريبة، مجهولة معلومة، مستورة مكشوفة.. هكذا يتحدث عنها النورسي -مستعينا بما يرمز إليها من شؤون الدنيا- ويصف قيامتها وحشرها ونارها وجنتها وصْفَ مَنْ يراها ويسمعها، ويغشاهُ وقتها وزمانها. وما لم يكن الشلل الروحي قد استفحل دبيبه في كيان الذي وما لم يكن قد سرى خدَره المتيبّسَ إلى أمداء عميقة وسحيقة فيه، بحيث لم يَعُد يجدي فيه أيّ علاج.. فأغلب الظن أن "المثنوي" قادر بإذن اللّٰه -بما تفيض به كلماته من بداهة الصن للسيقنع- على تحرير هذا المرء من أصفاد شلله، وقادر على إجراء ذلك التمسيد المنشط للذرات الباردة المتيبسة في وجدان هذا المرء، وبعث الدفء والحركة والإحساس بالٌ وفي في كيانه كله، فلا يلبث أن يندفع -في فورة عافيته- مخترقا شغاف الأوهام بسنا النور الذي أشرقت شمسُه في فؤاده، ومبددا دياجي الأباطيل ببوارق الحق الذي سطع ضوءُه في آفاق عقله.
وتجربة النورسي في مثنويه تعلمنا بأن "الحقيقة الدينية" -كأية حقيقة وجودإمعان ى بل أكثرها علوا وشرفا- لا يمكن أن تفصح عن نفسها، وتكشف عن سرها إلّا إذا بَحث عنها وجهد في استكشافها الكيانُ البشري برمته، أي بنیزاهة الفكر، وإخلاص الضمير، وطهارة الروح والبدن، لأن كل هذه الجوانب ُه من منها يتكون الكيان البشري ويستقيم أمره- لها مجساتها الخاصة التي بها تجس جانبا من جوانب الحقيقة وتتلمسها متلذذةً بهذا التلمس والتحسس. وبمجموع هذه المجسات المتساندة والمتعاونة في الكيان البشري، وبالجوارح جميعا -المادية إسناد وية- يمكن الإحاطة بالحقيقة الدينية والتقاطُها وجعلها تسفر عن نفسها كأنصع وأجمل ما تكون، لتنال كلُّ جارحة منها حظها، وتترشف منها ما يلائم مزاجها، ويُرضي حاسة
لأوربيقها. ولعلّ في إسراء الرسول (ص) وفي معراجه إلى الملكوت الأعلى بكيانه البشري كله -لا بجزء من هذا الكيان- إيماءً إلى أن المعارف الدينية والتعبدية لا يمكن للمرء أن يستكمل جميع ما يتقطر منها من حلاوة ولذمنتشرة باستخدام جميع أحاسيس كيانه الروحية منها والمادية. فكما أن آلام هذا الكيان ليست واحدة، فألم العين ليس كألم الأذن، وألم الأذن غير ألم الضرس، وأوجاع النفس غير أوجاع البدن، فكذلك فإن مباهج هذا الكيان وأفراحه وأذواقه ليست واحدة على التحقيق..
فعنوية مثلا -وهي معراج المسلم خمس أوقات في اليوم- تصبح -في الأداء الأمثل- موضع مذاقات الذات البشرية بأسرها؛ فكرا وروحا وبدنا، ومن هنا جاء قوله (ص): "يا بلال أقم الصلاة أرِحْنَا بها". [٭]: رواه أبو داود عن سالم ابن أبى الجعد. قال: قال ران المني صليت فاسترحت فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول اللّٰه (ص) يقول: "يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها" ولأبي داود رواية أخرى مشابهة عن محمد الحنفية. (كشف الخفاء ١/ ١٠٨ باختصار). وقس على هذا جميع العبادات والمعارف الإيمانية الأخرى التي استعرضيد. تورسي في كتابه هذا، مبينا ضرورتها للإنسان كضرورة الماء والهواء، بل أعظم منهما ضرورة، فهو (أي النورسي) لشدة احترامه للإنسان فإنه يحاور -في مثنويه- الكيان الإنساني بأسره وبجميع لطائفه أسوةً بمنهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وه رأينا بأن أية معرفة إيمانية لا يكون من همّها إشباعُ لطائف الإنسان جميعا، تبقى ناقصة ومبتورة أمام المعرفة الجامعة الكاملة المستقاة من القرآن الكريم اطفي وً من قِبل مَنْ هم ورثة الأنبياء حقا وصدقا.
وحتى "القدر" الذي يقدّر مقادير الخلق، ويعيّن وظائف الموجودات، ويرسم لكل كائن في هذا العالم المدى الذي يمضي إليه، والبعد الذي يصل عنده ويؤشر له نقطة البداية التي ينطلق منها، ونقطة النهاية التي يقف مع عد، ثم يربط الموجودات بعضها ببعض، ويسنّ لها سنن التعاون والتساند فيما بينها، فما يبدو -للوهلة الأولى- وكأنه صراع من أجل البقاء بين بعض أنواعها، هو في النظرة العميقة الشاملة وفي المحصلة النهارآن
#ما يفضي إليه هذا الصراع من غايات ومقاصد، يصب في تيار التعاون والتساند ويثري الحياة، ويسهم في دفعها نحو الهدف الذي يريده منها خالق الحياة..
— 44 —
أقولم كما لقدر، بهذا المفهوم الذي يطرحه النورسي في جملة من خواطره في "المثنوي" -وإن كان فوقيا وغيبيا- إلّا أنه لا ينیزل بالإنسان هكذا فجأة وعلى غير انتظار، ولا يلطم أحدا إلّا تأديبا له وتعليما، أو تنبيها وتذكيرا ولا يُرَبّتُ على ا من لد غير جدير برحمته، وبلمسات لطفه وودّه، وهو ليس من همه أبدا أن يقف في طريق الإنسان، ويدخل معه في صراع فلا يفلته حتى يصرعه.. فلو استعرض كلٌّ منا شريط حياته لشعَر وكأنّ ما وقع له من أحداث أو أقدار -في سني عمره كله- لم تقع اعتباطا، ولم تحد.
و ما مغزى ويتيقن بأنّ كل شيء حدث له وكأنه كان ينبغي أن يحدث على الشكل الذي حدث به وبالطريقة عينها التي حدث بها، وأنه النتيجة المتوقعة لسلسلة من المقدمات التي سبقته، فلا تقبل نتيجةً سواها. فالأحداث أو الأقدار -تأنيسا لبني البشر- المراي مغايِرة لمن تقع لهم، بل تأتي شبيهة بهم وبأعمالهم، وبما ينطوي عليه كيانهم البشري من أصول البطولة أو الخسة، ومن جذور النقاء أو الدنس. وصدق اللّٰه العظيم حيث يقول:
علوم أكُلٌ يَعْمَلُ عَلى شَاكِلَتِهِ
(الإسراء:٨٤) فعلى شاكلة هذه الأعمال، وبسببها وعلى قدْرِها يقع القَدَر، وينفذ القضاء.
وبعد:ويجدر بي أن أشير إلى أن الجديد في هذا الكتاب هو قدرة النورسي الفذة على صياغة القضايا الإيمانية والبرمة، وفلى صدقها وأحقيتها بأسلوب هو مزيج من عقل المفكر، وقلب الشاعر.. ولكي أعطي صورة قربية عن هذا الأسلوب للقارئ الكريم أقول:
إنَّ النورسي نفس شاعرة، وروح لهيف، وقلب مشتاق، ووجدان رقيق مرهف، وبصيرة نفاذة مذواق، وبصر لمّاح رصّاد لا تفوته با موجود بوارق الجمال الكوني، ولا تفلت منه سانحة من سوانحه. وطائر عجيب يلقط لآلئ الحسن من فوق جيد الوجود. وظامئ عطش يترشف زلال الجمال من رضاب ثغور الأكوان.. ومع كونه يملك كل صفات "الشاعر العظيم" إلّا أنه لم يقل شعرا، أعني أنه لم ينظم شعرا كما ينظن النوراء، ولكن ما قاله في "المثنوي" رغم أنه يحمل ميزات "النثر" ومقوماته شكلا وقالبا، إلّا أنه شاعريّ الروح والنفس وجداني الانسياب، رشيق في صوره وأخيلته، مع عمق أفكاره ودقيق معانيه!
— 45 —
المثنوي صغر وأ النوري
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
تحقيق
إحسان قاسم الصّالحي
— 47 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
للمجموعة العربية لفظا والمثنوي حكما
ترجمة: الملا عبدم الشهد النورسي
"تتضمن خمس نقاط"
[٭]: لدى مقابلة هذه الترجمة مع الأصل التركي وجدتها وافية بالغرض إلّا ما استوجب من تغيير طفيف في بعض العبارات وإضافة أخرى لتكون أكثر مشابهة بالنص التركي.
النقطة الأولى
كان "سعيد القديم" -قبوال.
ي خمسين سنة- لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية يتحرى مسلكا ومدخلا للوصول إلى حقيقة الحقائق، داخلا في عداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة. وكدة واليَقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدَها -كأكثر أهل الطريقة- بل جَهَد كلَّ الجهد أوّلا لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثَتها إيّاه مداومةُ النظر في كتب الفلاسفة.
ثم أراد -بعد أن تخلّص من هذه الأسقام- أن يقتدي ببعض عظماء أهل الحقيقة،لقصير-جهين إلى الحقيقة بالعقل والقلب، فرأى أن لكلٍّ من أولئك العظماء خاصيّةً جاذبة خاصة به، فحار في ترجيح بعضهم على بعض. فخطر على قلب ذلك "السعيد القديم" الممخض بالجروح مما في مكتوبات "الإمام الربّاني" (٭) من أمره له غيبا: انتشر القبلة" أن الأستاذ الحقيقي إنما هو القرآن ليس إلّا، وإن توحيد القبلة إنما يكون بأستاذِيَّة القرآن فقط. فشرع بإرشادٍ مِن ذلك الأستاذ القدسي ب أنواع بروحه وقلبه على أغرب وجه، واضطرته نفسُه الأمارة بشكوكها وشبهاتها إلى المجاهدة المعنوية والعلمية.
— 48 —
وخلال سلوكه ذلك المسلكَ ومعاناته في دفع الشكوك، قَطَع المقاماتِ، وطالَع ما فيها، لا كما يفعله أهلُ الاستغراق مالفلاسلأبصار، بل كما فعله الإمام الغزالي (٭) والإمام الربّاني وجلال الدين الرومي، (٭) مع فتح أبصار القلب والروح والعقل، فسار فيها (أي في المقامات) ورأى ما فيها بتلك الأبصار كلها، منفتحةً من غير غضٍّ ولا غمض.
فحمدوجماعةه على أن وُفِّق على جمع الطريقة مع الحقيقة بفيض القرآن وإرشاده، حتى بيّن برسائل النور التي ألّفها "سعيد الجديد" حقيقةَ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَِّأَوائحِدٌ
[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.
النقطة الثانية
لقد كان في سياحته وسلوكه ذلك السلوكَ في تلك المقامات، ساعيا بالقلب تحت نَظَارة العقل،أخرى، قل في حماية القلب، كالإمام الغزالي والإمام الربّاني وجلال الدين الرومي. فبادر إلى ضماد جراحات قلبه وروحه، وخلّص نفسَه من الوساوس والأوهام. وبخَلاصِه منها انقلب "سعيدٌ القديم" إلى "سعيد ال الظاه فألّف بالعربية ما هو بحكم المثنوي الشريف -الذي هو أصلا بالفارسية- رسائلَ عدة في أوجز العبارات. وكلما سنحت له الفرصة أقدمَ على طبعها، وهي: "قطرة، حباب، حبة، زهرة، فقرات مة، شعلة، ودروس أخرى" مع رسالتين بالتركية وهما: لمعات [٭]: نشرت ترجمتها ملحقة بمجلد الكلمات تحت عنوان: "اللوامع". ونقطة. وبيّن ذلك المسلك في غضوندِهِ ارن من الزمان في رسائل النور التي لم تقتصر على جهاد النفس والشيطان، بل أصبحت شبيهة بمجموعةٍ كليةٍ واسعة من "المثنوي" تنقذ الحيارى المحتاجين وتنتشِل المنساقين إلى الضلالة من أهل الفلسكر نفسالنقطة الثالثة
كما أن مناظرة سعيد الجديد غلبت النفس والشيطان وأسكتتهما كذلك غدت رسائل النور طبيبة حاذقة لذوي الجراحات من طلاب الحقيقة، وأصانبسط لزِمةً ومُسكتةً لأهل الإلحاد والضلالة.
فتبيَّن أن هذا "المثنوي العربي" كان نواة لرسائل النور، وغرسا لها، يُخلِّص الناس من
— 49 —
شبهات الشياطين من الإنس والجن.. ولا يخفى أن تلك المعلومات في حكم امع نهاات، وأن يقين العلم كعين اليقين، يورث القناعة ويوجب الاطمئنان التام.
النقطة الرابعة
لما كان أكثر اشتغال "سعيد القديم" بعلمَي الحكمة والحقيقة، ويناظر عظماء العلماء ويناقشهم في أدق المسائل وأَكَرَم ويراعي درجةَ أفهامِ طلابه القدامى المطلعين على العلوم الشرعية العالية، فضلا عن أنه يشير إلى ترقياته الفكرية وفيوضاته القلبية، بأدق العبارات وأقصر الجمل التي لا يفهمها إلّا هو؛ لذا قد لا يُدرِك قسما منها -بعد جهد جهيد- إلّا الراسخونا للتسعلم.
فلو كانت تلك الخواطر القلبية مبيّنة بعبارات سهلةٍ مفصَّلةٍ وموضحةً بإيضاح يقرّبها إلى الأفهام لكان ذلك "المثنوي العربي" مَعينا تاما لرسائل النور ومعاونا لها في وظيفتها.
فتبيها أو "المثنوي العربي" -وهو مشتل رسائل النور وغراسها- قد سعى كالطرق الخفية إلى المعرفة الإلهية، في تطهير الأنفس والداخل من الإنسان، فوفّق إلى فتح الطريق من الروح وال الأشي بينما رسائل النور -التي هي بستانه اليانع- قد فتحت طريقا واسعا إلى معرفة اللّٰه، بتوجهها إلى الآفاق الكونية -كالطرق الجهرية- فضلا عن جهادها في الأنفس، حتى وكأنها عصا المحبليه السلام أينما ضربتْ فجّرت الماءَ الزلال.
وكلاهما يوصل إلى معرفة اللّٰه.. كما قيل:
عِبَاراتُنا شَتى وَحسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشير
[٭]: لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الألوسي ٨/٤١٧؛ البحر المديد لابن عجي أسألك١٣؛ البرهان للزركشي ٢/١٦٠.
وكذا فإن رسائل النور ليس مسلكها مسلك العلماء والحكماء، بل هو مسلكٌ مقتَبسٌ من الإعجاز المعنوي للقرآن يُخرج زلالَ معرفةِ اللّٰه من كل شيء، فيستفيد السالك في رسائل النور فيألم بأ ما لا يستفيده سالكو سائر المسالك في سَنة.
وذلك سرٌّ من أسرار القرآن يعطيه اللّٰه من يشاء من العباد ويدفع به هجومَ أهل العناد.
— 50 —
النقطة الخامسة
إنك ترى في ثاني "المثنوي" أعمل على المجموعة العربية، من المسائل والحقائق الدقيقة التي من شأنها أن يكون كلٌّ منها موضوعا لرسالة.. قد ذُكرتْ ضمن ألفاظٍ ضيقة لا تَسعها، وفي سطور معدودة لا تستوعبها.. وأُفرِدت تلك المسائل بذكرِ: "اعلم.. اعلم" في أوائلها. فلا تظنن أن المسائل لكن ب كل منها موضوعٌ لرسالة ومشيرٌ إلى حقائقَ متخالفةٍ بعضُها عن بعض- كلها من فن واحد، أو عائد إلى مقام واحد، أو كاشف عن جواهرِ صَدفٍ واحد، قائلا في نفسك: "إنَّ ذِكر "اعلم" وتكرارَه في رؤوس هذه المسائل ممامغرور!ئدة له ولا طائل تحته"؛ لأن كلا منها عنوان وفهرس لرسائل وحقائق، وتكراره إنما هو للإشارة إلى ما بين تلك المسائل من المغايرة.
فعلى القراء الكرام أن يضعوا هذه النقاط المذكورة آنفاعَها، عينهم كيلا يبادروا إلى الاعتراض.
(٭): قد تَرجم المترجم مقدمة هذا "المثنوي" قرب صاحب "المثنوي الأول" -جلال الدين الرومي- في مدينة قونية في تركيا. وهذا ليس من إلّا دف، بل فيه إشارة وحكمة لا أقدر أن أعبر عنها. (عبد المجيد)
سعيد النورسي
* * *
— 51 —
تنبيه.. إخطار.. اعتذار!
اعلم أن هذه الرسالة نوعُ تفسيرٍ شهوديّ لبعض الآيات القرآنية. وما فيها من المسائل أزاهيرُ اقتُطفت من ا: إن الفرقان الحكيم، فلا يوحشك ما في عباراتها من الإشكال والإجمال والإيجاز، فكررْ مطالعتَها حتى ينفتح لك سرُّ تكرار القرآن؛ أمثال:
لَهُ مُلكُ السّمییواتِ والارض
(الحديد:٢).
ولا تخف من تمرد النفس؛ لأن نفسي الأمارة المتمردة المتجبرة اك تَقْ وذُلّلت تحت سطوة ما في هذه الرسالة من الحقائق! بل شيطاني الرجيم أُفحِم وانخنس.
كُن مَن شئت، فلا نفسُك أطغى وأعصى من نفسي، ولا شيطانُك أغوى وأشقى من حق نَز.
أيها القارئ!
لا تحسبَنّ براهين التوحيد ومظاهره في الباب الأول [٭]: جاء هذا التنبيه في -الطبعة الأولى- مقدمة لرسالة "قطرة من بحر اُمَّ ر" إلّا أن أهميته جعلته يتصدر المجموعة العربية كاملة. يغني بعضها عن بعضٍ.. مطلقا. إذ شاهدتُ الاحتياج إلى كل واحدٍ في مقام مخصوص، إذ قد تُلجئ الحركةُ الجهادية إلى موقع لابد -للخ يُرى ن فتح بابٍ في ذلك الموقع؛ إذ لا يتيسّر في ذلك الآنِ التحولُ إلى الأبواب الأُخر المفتوحة.
وكذا لا تظنن أني باختياري أشكلتُ عليك عبارةَ هذه الرسالة؛ إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقتٍ مدهش. واَ والا إنما تولدتْ في أثناء مجادلةٍ هائلة كإعصارٍ يتصارع فيه الأنوارُ مع النيران، يتدحرج رأسي في آن واحد من الأوج إلى الحضيض، ومن الحضيض إلى الأوج، من الثرى إلى الثريا؛ إذ سلكتُ طريقا غير مسلوك، ل (دليخٍ بين العقل والقلب،
— 52 —
ودارَ عقلي من دهشة السقوط والصعود. فكلما صادفتُ نورا نصبتُ عليه علامة لأتذكّره بها. وكثيرا ما أضع كلمةً على ما لا يمكن لي التعبير عنه، للإخطار والتذكير، لا للدلالة.. فكثيرا ما نصبتُ كلمة وك الغالى نور عظيم.
ثم شاهدت أنّ أولئك الأنوار الذين يمدونني في بطون أرض الظلمات ما هم إلّا شعاعاتُ شمسِ القرآن تمثلوا لي مصابيحَ.
اَللّٰهمَّ اجعل القرآن نورا لعقولنا وقلوبنا وأرواحنا، ومرشدا لأنفسنا.. آمينُتُ بأا من نظر في كتابي!
إن استفدت منه شيئا لابد أن تفيدني فاتحةً أو دعاءً خالصا في سبيل اللّٰه.
* * *
— 53 —
الرسالة الأولى
لمعات
من شمس التوحيد
(الو ماتتربي للكلمة "الثانية والعشرين")
[٭]: هذه الرسالة مع الرسالتين الموسومتين بی"رشحات، لاسيما" عبارة عن رسالة واحدة في الطبعة الثانية، إلّا أن كلا منها رسالة مستقلّة في المخطوط وفي الترجمة التركية، فآثرنا فصلها إلى رسائل مستقلّةه وسيرذا، وإن الرسائل الثلاث من تأليفات "سعيد الجديد" باللغة العربية ألّفها في "بارلا" بعد نفيه إليها سنة ١٩٢٧.
— 54 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
سبحانك يا من تُسبِّحُ بحمدك هذه الكائناتُ السيالة بتسبيحاتِ لِسان محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ ْصَارِالذي تتموج أصديةُ تسبيحاته لك، على أمواج الأجيال، وأفواج الأعصار، بمَر الفصول والعصور والأدوار.
اَللّٰهمَّ فأبِّدْ على صفحات الكائنات وعلى أوراق انصف ال، أصديةَ تسبيحاته عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة والعرَصَات.
سبحانك يا مَن تُسبِّحُ بحمدك الأرضُ، ساجدةً تحت عرش عظمة قدرتك بلسان محمدِها عليه أفضلُ صلواتك وأّرة علسليماتك؛ إذ هو الناطقُ والمترجِمُ لتسبيحات الأرض لك بألسنةِ أحوالها. وبرسالته استقرت الأرضُ في مستقرها في مدارها.
اَللّٰهمَّ فأنطِق الأرضَ بأقطارها إلى نهاية عمرها بتسبيحات لسانه عليه الصلاة والتلاحظ، سبحانك يا مَن يُسبِّحُ بحمدك جميعُ المؤمنين والمؤمنات، في جميع الأمكنة والأوقات، بلسان محمدِهِمْ عليه أكملُ الصلوات وأتم التسليمات؛ إذ هو الذي تتظاهر أنوارُ تسبيحاته لد ما كفواه أهل الإيمان.
اَللّٰهمَّ فأنطق بني آدم إلى آخر عمر البشر بتسبيحات محمدِك لك، عليه صلاتك وسلامك كما يليق بحرمته وبرحمتك، وارحمنا وارحم أمته. آمين.
— 55 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
فيجملتَ جواهرَ من خزائن هذه الآيات:
[٭]: الدرس الرابع عشر من كتاب "المدخل إلى النور" الذي يعدّ أول مؤلفات "سعيد الجديد" بالتركية.
اللّٰه خَالِقُ كُلِّ شيءٍ وهوَ عل المباّ شَئٍ وَكِيلٌ ٭ لَهُ مَقاليدُ السَّمییواتِ والارضِ
(الزمر:٦٣،٦٢).
فَسُبحَانَ الَّذي بيدهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شيءٍ وإليه ترجعون
(يس:٨٣)
في أطمن شيءٍ إلاّ عِندَنا خَزائِنهُ
(الحجر:٢١)
مَا من دآبةٍ إلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
(هود:٥٦).
يا أيها الغافل المنغمس في الأسباب! إنّ الأسبابَ حجابُ تصرّفِ القدرة؛ إذ حفيظي والعظمة تقتضيان الحجابَ، لكنَّ المتصرّف الفعّال هو القدرة الصمدانية؛ إذ التوحيد والجلال هكذا يقتضيان. إذ سلطان الأزل له مأمورون، لكن ليسوا وسائطَ الإجراء حتى يكونوا شركاءَ سلطنةِ الربوبية، بل هم من الدلّالين الذين يُعلنون إجرركزان ربوبية، ومن النُّظَّار الذين يشاهِدون ويَشهَدون، ويكتسبون -في الانقياد للأوامر التكوينية- عباداتٍ تُناسبُ استعداداتهم. فهذه الوسائط لإظهار عزةِ القدرة وحشمة [٭]: الحم وإراند المولَّدين بمعنى الأدب، المهابة، الجلال. (لسان العرب) الربوبية.
وأمّا السلطان الإنساني، فلعجزه واحتياجه يحتاج إلى وسائط ومأمورين يشتركون في سلطنته. فلا مناسبة [٭]: أي لا موازنة ولا مقايسة. بين المأمور الإ محل الإنساني.
نعم، إن نظر أكثر الغافلين لا يدرك حُسنَ الحادثات ولا يعرف حِكمَتَها، فيشتكي بلا حقِّ، ويعترض جهلا. فُوضِعَتِ الأسباب لتتوجه الشكاوى إليها. وإذا وُفِّقَ أحدٌ لدَرْك الحكمة والحقّ ارتَفعَت الأسباب عن نظره.
وقد قيل بتمثيل معنوائقِ ح عزرائيل عليه السلام اشتكى إليه تعالى: بأن عبادك
— 56 —
يشتكون منّي في قبض الأرواح، فأُلقي إليه: إنّي أضع بينك وبينهم، وسائط المصيبات حتى يتوجّه شكواهم إليها لا إليكَ. [٭]: انظر: أبو الش [٭]:عظمة ٣/٨٩٧؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٥/٥١؛ تفسير بحر العلوم للسمرقندي ٣/٣٨٢؛ الدر المنثور للسيوطي ٦/٥٤٣؛ الحكيم الترمذي، نوادر الأصول ١/١٧٧-١٧٨.
الحاصل:إنّ العزةَ والعظمة تقتضيان وضعَ الأسباب الظاهرية لردّ الب والت الباطلة، ولئلا يرى العقلُ الظاهريُّ مباشرةَ يد القدرة بالأمور الخسيسة الجزئية. ولكن التوحيد والجلال يَردّان أيدي الأسباب عن التأثير الحقيقي.
تنبيه
إ أن يسوحيد توحيدان:
الأول:توحيد عامي يقول: "لا شريك له، ليس هذه الكائنات لغيره" فيمكن تداخل الغفلات بل الضلالات في أفكار صاحبه.
والثاني:توحيد حقيقي يقول: "هو اللّٰه وحدَه، له الملك، وله الكون، له باً ٭ " فيرى سِكّته [٭]: السكة: شارة الدولة الموضوعة على مسكوكاتها. على كل شيء ويقرأ خاتمه على كل شيء، فيثبته له إثباتا حضوريا. لا يمكن تداخل الضلالة والأوهام في جل فيتتوحيد.
فنحن نُسمِعُكَ لمعاتٍ من هذا التوحيد التي استفدناها من القرآن الحكيم:
اللمعة الأولىإنَّ للصانع جل جلاله على كل مصنوع من مصنوعاته سكّةً خاصةً بمن هو خالق كل شيء.. وعلى كل مخلوق من مخلوقاته خاتحتياط بمن هو صانع كل شيء.. وعلى كل منشور من مكتوبات قدرته طغراءُ [٭]: الطرة أو الطغراء: علامة ترسم على المناشير السلطانية. غَرّاءُ لا تُقلَّد، خا يتناطان الأزل والأبد.
مثلا:انظر مما لا يُعدّ من سكاته، إلى هذه السكة التي وضعها على "الحياة". انظر إلى الحياة كيف يصير فيها شيءٌ كلَّ شيءٍ. وكذا يصير معرفتهيءٍ شيئا.
نعم، يصير الماءُ المشروب -بإذن اللّٰه- ما لا يُعد من أعضاءٍ وجهازاتٍ حيوانية، فصار شيءٌ بأمر اللّٰه كلَّ شيء. وكذا يصيرُ جميعُ الأطعمة المختلفة الأجناس -بإذن اللّٰه- جسما
— 57 —
خاصا وجلدا مخصوصا ومه، ولبسيطا، فيصير كلُّ شيءٍ شيئا لأمر اللّٰه. فمَن كان له عقل وشعور قلب يفهم: أنّ جعْلَ شيءٍ كلَّ شيء وجعلَ كلِّ شيء شيئا سكةٌ خاصة بصانع كلِّ شيء وخالقِ كلّ شيء جلّ جلاله.
اللمعة الثانية
في "نقإلى خاتمٍ واحد من الخواتم الغير المعدودة الموضوعة على "ذوي الحياة" وهو:
أنَّ الحيّ بجامعيته كأنه مثال مصغّر للكائنات، وثَمرٌ مُزْهر لشجرة العالم، ونَواةٌ منوّرةٌ لمجموع الكون، أدرج الفاطر فيه أنموذجَ أكثرِ أنواع العالم، فكأنَّ الحيَّ لا يمنمحلوبة من مجموع الكون بنظامات حكيمة معينة، وكأنهُ نقطة جامعة مأخوذة من المجموع بموازينَ حساسة علمية، فلا يمكن أن يَخلق أدنى ذي حياةٍ إلّا مَن يأخذ في قبضةِ تصرُّفِه مجموعَ الكائنات.عُ وأفكان له عقل لم يفسد، يفهم: أن مَن جعل النحل -مثلا- نوعَ فهرستةٍ [٭]: فهرس أو فهرست: كلمة معربة، وفهرستة هنا للإفراد. لأكثر الأشياء، ومن كتب في ماهية الإنسان أكثرَ مسائل كتاب الكائنات، ومَن أدرج فيالتزامالتينة هندسةَ شجرةِ التين، ومَن جعل قلب البشر أنموذجا ومرصادا لآلاف عوالم، ومَن كتب في حافظة البشر مفصَّلَ تاريخ حياته وما يتعلق به.. ليس إلّا خالقَ كل شيء، وأن هذا التصرف خاتمٌ مخصوصشيطانيلعالمين.
اللمعة الثالثة
انظر إلى نقش طغرائه المضروب على "الإحياء، وإعطاء الحياة"..
نذكر مما لا يُعد واحدا وهو أنه: كما أن للشمس على كل شفاف -أو كشفاف- من السيارات، إلى القطرات، إلى الذرات الزجاجية، والزجيجات الثلجية [٭ فشاهدلورات الثلجية. سكةً مثالية من جلواتها، وطغراءَ غرّاء خاصة بها.. كذلك إنّ للشمس الأحدية السرمدية [٭]: الشمس السرمدية تعبير مألوف في الأدب التركي والفارسي بحق اللّٰه جلّ جلاله المنوِّر لكك وهويبخلاف الأدب العربي. على كل ذي حياة -من جهة الإحياء وإفاضة الحياة-، طرةً وسكةً من تجلي الأحدية تظهر بخصوصية، لو اجتمع الأسباب -بفرض الاقتدار والاختيار لها- على أن يقلدوا ويأتوا بمثلها لم يفعلوا
ولَوْ كَانَ بَعضُهُمْ لِبعضٍ ظَهيراً
(ااره..
:٨٨).
— 58 —
فكما أنه لو لم تُسنِد تماثيلَ الشمس [٭]: أي صورتها المرتسمة في القطرة حيث إنها صورة مثالية. المتلألئة في القطرات، إلى تَجلي الشمس، يلزم عليك أن تقبل شُمَيْسة ر الأرً وبالأصالة في كلّ قطرة قابلَتْها الشمسُ وفي كل زجاجة أضاءتها الشمسُ، بل في كل ذرةٍ شفّافةٍ تشمّسَتْ. وما هذا الفرض إلّا بلاهة من أعجب البلاهات.
كذلك إنك لو لم تُسنِد كلَّ حي وحياة وإحياء بواسطة تجلي الأحدية الجامعة، وبواسطة كون الحيوَمُنَةً مركزية لتجلي الأسماء -التي هي أشعةُ شمس الأزل والأبد- لَزِمَ عليك أن تَقبَل في كل ذي حياة -ولو ذبابةٍ أو زهرة- قدرةً فاطرةً بلا نهاية وعلما محيطا وإرادةً مطلقة، وكذا البشرلا يمكن وجودها إلّا في الواجب الوجود. حتى تضطر أن تعطي لكل ذرةٍ الُوهيةً مطلقة، إنْ أسنَدتَ الشيء إلى نفسه، أو تَقبَلَ لكل سبب من الأسباب الغني تلكحدودة ألوهية مطلقة إن أسندت الشيء إلى الأسباب، وتَقْبَلَ شركاء غير متناهية في الألوهية التي شأنها الاستقلالية التي لا تَقبَلُ الشركة أصلا.
إذ إنَّ كل ذرة -لاسيما إذا كانت من البذرة والنواة- لليوم هية منتظمة عجيبة، ولها مناسبة مع أجزاء الحي الذي هي جزء منه، بل لها مناسبات مع نوعه، بل مع الموجودات، ولها وظائف في نِسَبِها كالنَّیفَر [٭]: الجِّ الأفرد. في الدوائر العسكرية. فلو قطعتَ نسبةَ الذرة عن القدير المطلق، لزِمكَ أن تقبل في الذرة عينا ترى كل شيء وشعورا يحيط بكل شيء.
الحاها ونظ كما أنه لو لم تُسنِد الشُّمَيسَاتِ المشهودةَ في القطرات إلى جلوة الشمس في ضيائها، لزمك قبول شموس غير محصورة في أشياء صغيرة تضيق عن نُجيمة الذُّبَيْبَة التي تطير في الم، ويف [٭]: المقصود اليَراع أو الحُباحِب وهي حشرة تطير ليلا كأنها نار. كذلك لو لم تُسنِد كلَّ شيء إلى القدير المطلق الذي تتساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والشموس، والجزء والجا، والجزئي والكلي، [٭]: من الاصطلاحات المستعملة في علم المنطق والكلام، وللتوضيح نقول: إن اليد والعين كلا منهما "جزء" من الجسم الذي هو "كل". أما الإنسان الذي هو اسم للنوع أو للجنس الشامل لأفراد كثيرة فهو "كلي"، وكل فرد من الناس "جزئي". وكذالسيالائن الحي" الذي يندرج تحته كل ذي حياة هو "كلي" بينما نملة أو نحلة مثلا "جزئي". والصغير والكبير. لزمك قبول آلِهاتٍ [٭]: جمع آلهة التي هي جمع قلة. غير متناهية وسقطتَ في بلاهةٍ مِن أشنع البلاهات.
— 59 —
اللمعةمة القعة
فكما أن الكتاب لو كان مكتوبا يكفي له قلمٌ واحدٌ لواحدٍ، ولو كان مطبوعا يلزم لطبعه أقلام بعدد حروفه -على شكل حروفه- واشتراكُ كثيرين لتصنيع تلك الأقلام، أي الحروف الحديدية. ولو كتب بخط دقيق أكثا وأركاب في بعض الكلمات -كما قد تُكتب سورة "يس" في كلمة "يس"- [٭]: كما كتب خطاطون بارعون لوحات فنية فيها سورة "يس" كاملة في كلمة "يس". فحينئذ لانيّاتبع تلك الكلمة الواحدة أقلامٌ حديدية بعدد حروف أكثر الكتاب.
كذلك هذه الكائنات إذا قلتَ إنها مكتوبة بقلم الواحد الأحد، سلكتَ طريقا سهلا معقولا في نهاية السهولة بدرجة الوجوب،َ شعورأسنَدتَها إلى الطبيعة وإلى الأسباب، سلكتَ طريقا في نهاية الصعوبة بدرجة الامتناع وفي نهاية عدم المعقولية بدرجة المُحالية؛ لأنه يلزم على الطبيعة إن تُحضِر لطبع كل حيٍ كلَّ ما يلزم لأكثر فكيف يات. فهذه من الخرافات التي تمجّها الأوهام. بل لابد أن تُوجِد في كل جزء من التراب والماء والهواء؛ إمّا ملايينَ مطبعاتٍ معنوية وماكينات مستترةٍ فيه حتى بعددة.
#39ار والأثمار، لِيُمكن تَشكُّلُ هاتيك الأزاهير والثمرات المتخالفةِ الجهازاتِ والماهيات.. وإمّا فَرضُ وجودِ قدرةٍ قادرةٍ على تصنيع جميع النباتات، ووجودِ علمٍ بل١/٦) ية محيطٍ بتفاصيل جميع خواصّ جميع الأشجار والمتزهرات وجهازاتها وموازينها، في كل جزء من التراب والماء والهواء؛ إذ كل جزء من هذه الثلاثة يَصلُح أنْ يصير مَنشأً لتَشكُّل كل النباتات أو أكثرها.
فافرضْ شيء، تراب، ثم افرض دخولَ كل بذر ونواة فيها على التعاقب، ثم أفرغ القصعة واملأها من صُبْرَةِ [٭]: صُبْرة: ما جمع من الطعام بلا كيلٍ و لا وزن. التراب حتى تكيل كل التراب، ترى النتيجة واحدة. على أن المشهود يكفيك؛ إم "الظهِد في سيرك في الأرض مَنشَئِيَّةَ أكثرِ أجزاء التراب لأكثر النباتات، مع أن تشكُّل كل واحدٍ واحدٍ من النباتات المزهرة والمثمرة مخالفٌ لكل واحدٍ واحدٍ منها؛ وكلُّ واحد منها له من الان قائمةالاتزان والامتياز طرز خاص وخصوصية تستلزم جهازاتٍ مخصوصةً، وماكينة خاصة، ومطبعة تخصه، بل تستلزم وجودَ كل جهازاتِ تشكيلِ تمامِ الشجرة والنبات في كل واحد من نواته وبذره، مع بساطة البذور والنواتات [٭]: تجمع النواة: نوى، ونويات، وأنواء، وِها الما هنا فقد جمعت جمعا مؤنثا سالما. وتشابهها. فيلزم
— 60 —
على الطبيعة أن تُحضر -معنًى- جهازاتِ تَشَكُّلِ كلِّ الأشياء وماكيناتها المعنوية وأسبابها في كل شيء شيءٍ. فهذه سفسطة يتنفّر منها السوفلاستناأيضا، وخرافةٌ يخجل منها من يُضحِكُ الناس بنقل الخرافات.
اللمعة الخامسة
انظر! كما أن كل حرف من كتاب يدل على نفسه بمقدار حرف وبوجه واحد، لكن يَدُلّ على كاتبه بوجوه ويعرِّفُ نَقّاشَه بمقدار سطر..؛ [٭]: أي كأن يقول: إن كاتبي يتقن اللغ عن الن الكتابة ويملك القلم.. وهكذا. كذلك كلُّ حرف مجسمٍ من كتاب الكائنات يدل على نفسه بمقدار جِرمه ويُظهر ذاتَه بمقدار صورته، لكن يدل على صانعه بوجوه كثيرةيين الدا وتركيبا بدخوله في المركبات، ويُظهر أسماءَ صانعه ويُنشد في بيانها بمقدار قصيدة طويلة.
فعلى هذا لو تحَمَّقَ أحدٌ كی"هبنّقة" [٭]: أحمقَ من هبنّقة مثل يضرب لشدة الحماقة. حيث "هبنقة" ما كان يعرف إلّا نفسه، بخلقهرف نفسه إلّا بقلنسوته، وإذا ما رآها على رأس أحد ظنّ أنه نفسه! (مجمع الأمثال للميداني) فأنكر نفسه وأنكر الكائنات، ينبغي أن لا يتجاسر بإظهار نهاية البلاهة على إنكعمى! اانع.
اللمعة السادسة
انظر! كما أن الصانع سبحانه وضع على كل جزئيٍّ جزئيٍّ خاتمَه الخاص، وضرَب على كل جزءٍ جزءٍ سكّته المخصوصة -كما مرّ-؛ كذلك وَضَع على كلّ نوعٍ نوعٍ وعلى كلِّ كُلٍّ كُلٍّ خاتمه اَ به فوخَتم أقطار السماوات والأرض بخاتم الواحدية، وضرب على مجموع العالم سكةَ الأحدية بصورة جلية واضحة.
فانظر إلى خاتمه الذي أشارت إليه آيةُ
فَانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللّٰهء يُرىيُحيي الارضَ بَعدَ مَوتِها انَّ ذلِكَ لَمُحيي المَوتى وهوَ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ
(الروم:٥٠)، إذ في كيفية إحياء الأرض حشرٌ عجيب، ونشر غريب، يُحشَرُ في حمة، با أزيدُ من ثلاثمائة ألف نوع، تُساوي أفرادُ نوعٍ واحد -من كثير من تلك الأنواع- في السنة مجموعَ أفراد الإنسان في الدنيا؛ لكن لحكمة خفية لا تعادُ في الأكثر بأعيانها، بل بأمثالها بمثليةٍ كالعينية! وكيفما كان فلا بأس في دا يعمل على سهولة حشر البشر، وفي كونها أمثلةَ النشر وإشاراتِ الحشر.
— 61 —
فإحياء تلك الأنواع الكثيرة المختلطة المشتبكة في نهاية الاختلاط والاشتبااعها اية الامتياز، وإعادتُها في كمال التمييز، بلا خطأ ولا خلط، بلا غلط ولا سقط، خاتمٌ خاص بمَن له قدرة بلانهاية وعلم محيط.
وكذا كتابةُ ثلاثمائة ألف كتاب مختلفة بل أزيدَ في صح
والح الأرض؛ مختلطةً لكن في نهاية الانتظام بلا سهو ولا مزج، ومشتبكةً لكن في نهاية الانتظام بلا نقص ولا بخس، وممتزجةً لكن في نهاية التمييز والتشخيص بلا قصور ولا فطور.. سكةٌ خاصة بمن بيده ملكوت كل شيارت كقيده مقاليد كل شيء، ولا يُشغله شيءٌ عن شيءٍ.
فيا مَن يَستبعد الحشرَ مستنكرا له! انظر كيف ترى في كيفية إحياء الأرض مائة ألف أمثلته وإشاراته في ستة أسابيع! فمَثَلُك في استبعادك الإنها النكمَثَل: مَن يرى ذاتا ذا معجزات يكتب في آن واحد في صحيفة واحدة كتبا كثيرة مندرِسةً بقيت [٭]: في الأصل: بقت. وهي صحيحة على لغة طيء لأنهم يرجعون ماضي الأفعال الثلاثية المعتلة إلى وزن "فَعَللا تنظ العين. إلّا أننا جعلناها "بقيت" المستعملة كما وردت في "إشارات الإعجاز". في حافظته، أو يؤلفها جديدةً أمثال المندرسة، فقيل له: سيَكتب هذا الكاتبُ كتابك الذي هو ألّفه فمَحاه الكون، في صحيفة في طرفة عين. فقال: كلّا، كيف يمكن كتابة كل ما اندرس من حروفاته في آن واحد؟! فقاس الكاتبَ الحفيظَ القديرَ ذا الإعجاز على نفسه الجاهلة العاجزة.
ومَنْ يقول لمن يرفع الالصفاتبالإشارة- لإظهار عظمته أو سلطنته: هو لا يرفع هذه الصخرة العظيمة التي سَدّت الطريق على المسافرين الذين دعاهم إلى بستان نِعَمِهِ.. ما هو إلّا مجنون أبله.
نعم، للربوبية في هذا التصرف العظيم الربيعيّ خاتمٌ عالٍ عظيم دقيق النقش، هو امستفاد المطلق في الانتظام المطلق، في الجود المطلق في الوُسعة [٭]: الوسعة والسعة والتوسعة بمعنى: الاتساع. المطلقة، في السرعة المطلقة في السهولة المطلقة، في الامتياز المطلق مع الاشتباك المطلق. فهذا الخاتم يختص بمن لا يمنعه فعلٌ عن فعل، ولا وِّرُ نه شيءٌ، ولا يثقل عليه شيء.
نعم، نشاهد في الربيع في وجه الأرض فعالية حكيمة بصيرة كريمة، وصنعة خارقة في آن واحد، في كل مكان، بطرزٍ واحد، في كل فرد، وبإتقان ممتاز، في جُود مطلق، بانتظام مكمّل،
— 62 —
في س بعض ملقة، بإبرازِ خوارقَ منتظمةٍ، في سهولة مطلقة، في وُسعة مطلقة، فما هذه الفعالية إلّا خاتمُ مَن "كما أنه ليس في مكانٍ، هو في كل مكان، حاضرٌ ناظر بقدرته وعلمه ء من اده شيء ولا يستعين بشيء".
اللمعة السابعة
انظر! كما يُشَاهَدُ على صحيفة الأرض، ويُتراءى على أقطار السماوات والأرض خاتمُ الأحد الصمد، كذلك يشاهَدُ على "مجموع الأم ل" خاتم التوحيد واضح النقش بدرجة كِبره؛ إذ هذا العالم كالقصر المحتشم، كی"الفَابْرِيقَة" [٭]: المعمل أو المصنع. المنتظمة، كالبلد المكمّل، فيما بين أجزائه -كأجزائها وأفرادها- معاوَنةٌ حكيمة ومجاوبة كريمة؛ إذ يُسرع بعض الأجزاء لمعاونة بعض،ط دائرطرق الطويلة المعوَجّة بلا انحراف وبانتظام، وفي وقت الحاجة، ومن حيث لا يحتسب. فانظر تَرها قد مدَّ بعضٌ يَدَ المعاونة لحاجة بعض، وفي هذا التعاون تجاوبٌ بی: "لبيك، لبيك!" بألسنة الأحوال لأسئلة الأغيار والأمثال.. قد ة، ووسضٌ يَدَ بعضٍ، فيسعَون ويعملون بالانتظام يدا في يد، ويَخدمون ذوي الحياة رأسا مع رأس، ويتوجهون إلى غاية، ويطيعون مدبّرا واحدا كتفا بكتف.
فانظر إلى دستور "التعاون" كيف يجري مِدَاعِس والقمر ومن الليل والنهار ومن الصيف والشتاء، إلى سعى النباتات لإمداد الحيوانات بحمل أرزاقها وأخذِها من خزينة الرحمة.. ثم إمداد الحيوانات للبشر للخدمة، حتى النحلُ والدود يأخذان العسلَ والحرير من خّر صورلرحمن، ويوصلانهما إلى الإنسان.. ثم إمداد الذّرات الغذائية للثمرات، مع تخالف أغذيتها، وإمداد المواد الطعامية لتغذيةِ حُجَيْرات البدن بكمال الانتظام والعناية والحكمة!
فمظهرية هذه الأشياء لاسيّما الجاممثلا قا التعاون الحكيم المنتظَم الكريم المكمَّل دليلٌ واضح وبرهان ساطع على أنها خدّامُ مربٍّ حكيم وعَمَلة مدبرٍ كريمٍ يتحركون بأمره وإذنه وقوته وحكمته.
— 63 —
]: البللمعة الثامنة
انظر! إن ما يشاهَد من "الرزق" المُوزَّع على المرتزقين على قدر حاجاتهم، بطرزٍ يناسب كل واحدٍ واحدٍ منهم.. وهذا الرزق العامُّ في هذه الرحمة الواسعة المشهودة المتضمنة للتودس ليعبعرّف.. وهذه الرحمة الواسعة في هذه العناية التامة المتضمِّنة للتلطيف والإكرام.. وهذه العناية المشهودة في هذه الحكمة العامة المتضمنة للقصد والشعور.. وهذه الحكمة المُبَيْبفي هذا الانتظام المشهود.. وهذا الانتظام في ضمن هذه المسخّرية المشهودة.. وهذه المسخرية في ضمن هذا التعانق مع التجاوب.. وفي ضمن هذا التساند مع التعاون فيما بين أجزاء الكائنات.الرابٌ خاص بمَن هو ربّ كل شيء ومربّى كل شيء ومدبّر كل شيء.. وسكة مخصوصة بمَن الشمسُ والقمر والنجوم مسخّراتٌ بأمره:
الّذي أحسَنَ كُلَّ شيءٍ خَلَقهُ
(السجدة:٧).
اذا أرادَ شيئاً انْ يقُولَ لَهُ كُنْ فيكونُ
(يس:٨٢).
اللمعة التاسعوتقضي فكما رأيتَ خاتم الأحدية على الجزئيات، وعلى الأرض، وعلى العالم؛ فانظر ترَ ذلك على الأنواع المنشورة، وعلى العناصر المحيطة.
فكما أن زرعَ بذرٍ في مزرعة يدل علالسهوللمزرعة في تصرّف صاحب البذر، وأن البذر لمتصرف المزرعة؛ يشهد هذا لذاك، وذاك لهذا.. كذلك، إن هذه العناصر التي هي مزرعة المصنوعات، بلسان واحديّقايقُ ساطتها في كليتها وإحاطتها بطرز متعيِّنٍ بعلمٍ، وبصورة مُحكمة بحكمة.. وإن هذه المخلوقات التي هي ثمرات الرحمة ومعجزات القدرة وكلمات الحكمُنْعٍ ان انتشارها الحكيم، مع المماثلة في الأشخاص، وبلسان توطنها في الأطراف المتباعدة، بتوزيعٍ عجيب حكيم مع المشابهة في الأفراد.. تشهدان على أن المحيط والمحاط والمزارع والبذور، في قبضةِ تصرفِ صانعٍ واحد. فكل نوع وكل عنصر يشهد لكلٍّ وللوُسْعَنكم مالُ مَنْ أنا مالُهُ! فيصير كل زهرة وكل ثمرة وكل حيوان وحُوينة سِكةً ناطقة وخاتما متكلما وطرةً متلفظة بلسان انتظام الحال وحكمة المآل؛ بأن هذا المكان: مُلك مَنْ أنا مُلكه! وصُنعُ مَنْ أنا صنعُه! ومكتوبُ مَنْ أنا حرفه! ونسجُ مَن أنا نقشه!لتراب لى هذا، فكما أن التصرف الحقيقي في أدنى مخلوق، والربوبيةَ على أضعف موجود
— 64 —
يختصان بمَن دَخَل في قبضة تصرفه جميعُ العناصر.. كذلك إن تدبير أي عنصر كان وبِ المه، يختص بمَن يربّي جميع الحيوانات والنباتات ويدبّرها ويأخذها في قبضة ربوبيته سبحانه! فهذا خاتم توحيدٍ يُبصره مَن لم يكن في عينه غين [٭]: المقصود: غشاوة. وعلى قلبه رَين.
أيه..
تَفَرْعِن! جرّب نفسك، هل تقدر أن تملك شيئا من الكون؟ فاذهب واستمع ما يقول كل فرد جزئيٍّ. إذ يقول بلسان المِثليةِ: مَن تَملَّك مجموع نوعي يمكن أن يَدّعي التملُّكَ عَلياه) واا فلا.. ثم اذهب إلى النوع تَر كُلَّ نوعٍ يقول بلسان الانتشار: مَن تملّك الأرض ظهرا وبطنا يمكن له أن يَدّعي التملك عليَّ وإلّا فلا.. ثم اذهب إلى الأرض تَرَها تقول بلسان التساند بينها وبينُ شَجَ السماءِ: مَن تملَّك مجموع الكائنات يمكن له أن يدّعي التملك عليَّ وإلّا فلا.
اللمعة العاشرة
فإذا رأيتَ ما أشرنا إليه من بعض خواتم التوحيد المضروبة على الجزء والجزئي والكل والكلي، وكل العالم، وعلى اكلَّ اوذي الحياة والإحياء، فانظر إلى سكةٍ واحدة مما لا تعد من سِكات الوحدانية المضروبة على "الأنواع والكليات".
نعم، كما أن كميةَ كلفةِ تربيةِ الشجرةِ المثم التمثوي كلفةَ ثمرة واحدة في السهولة؛ لوحدة التربية واتحاد التدبير، إذ لاتّحاد المركز ووحدةِ القانون ووحدانيةِ التربية تخففت الكلفةُ والمشقةُ والمصرف، وتسهّلت بدرجةٍ لا فرق بين الشجرة ذاتِ الثمراتِ افظة، كلمعدودة وهي في يد الوحدة، وبين الثمرة الواحدة وهي في يد الكثرة. فالشركة والكثرة وتعدُّد المركز تحتاج -لتربيةِ ثمرة واحدة- إلى كل ما يحتاج إليه تمامُ الشجرة بأثمارها من جهة كمية الجهازات، ولا فرق إلّا في الكيفية. كما أن كل الفَابْرِيقوجوب ولماكينات التي تَعمل لاستحصال الجهازات العسكرية للجيش العظيم تلزم بتمامها لتجهيزاتِ نفرٍ [٭]: جندي واحد. واحدٍ والفرقُ في الكيفية فقط. وكما أن أُجرَةَ طبعِ أُلوفِ نسخٍ في انها..ة التي طَبَعت كتابك تساوي-بل أقل من الأجرة التي أعطيتها- لطبعِ نسخةٍ واحدة، وإذا تركتَ المطبعة الواحدة وذهبتَ إلى الكثرة اضطُرِرتَ إلى إعط لحظةٍلوفِ أُجَرٍ.
— 65 —
الحاصل:إذا تركتَ إسناد الكثرة الغير المحدودة إلى الواحد -فمع أنك تضطر لإسناد شيء واحد إلى الكثرة الغير المحدودة- تتزايد الكلفةُ بعدد الأفراد. فما يشاهد في إنشاء كل نوعٍ منتشرٍ من الهذه الالخارقة فإنما هي من يُسر الوحدة والتوحيد.
اللمعة الحادية عشر
كما أنّ توافُقَ كل أفراد النوع وتشابُهَ كل أنواع الجنس في الأعضاء الأساسية، يدلّان على اتحاد السكة ووحدة القلم، الشاهدَين على أن جميع المتوافقات والمتشابهات صُنْالُ محدٍ.. كذلك هذه السهولة المطلقة المشهودةُ وخفّة الكلفة، تستلزمان بدرجة الوجوب أن يكون الجميع آثار صانعٍ واحد؛ وإلّا لَذَهَبَت الصعوبةُ الصّاعدة إعالى إة الامتناع بذلك الجنس وبذلك النوع إلى العدم. فكما يمتنع شريكُ ذاتهِ سبحانه، -وإلّا لفسد العَالمُ بالخروج عن الانتظام..- كذلك يمتنع شريكُه في فِعْله، وإلّا لانعَدَم العالمُ ولم يوجد.
اللمعة الثانية عشر
انظر! كما في إبهياة برهان الأحدية، ودليل وجوب الوجود، فالموت دليل السرمدية والبقاء. إذ كما أن ظهور قطرات النهر الجاري وحَبابات [٭]: الحَباب: الفقاقيع التي تعلو الماء. البحر المتمّوج وشيُشاهَوجه الأرض المتجددة شاهداتٌ على الشمس بإراءة تماثيلها وضيائها، وأن زوال تلك القطرات والحبابات والشفافات وغروبَها وأفولَها وفَناءها وموتها مع استمرار تجلي الضياء على أمثالها الآتية عقيبها، ودوامِ جلوات التماثيالدنياكل قافلةٍ سيارةٍ خلفها، شاهداتٌ على بقاء الشمس في تجلياتها ودوامِ الضياء في جلواتها وعلى أن كل هذه التماثيل والأَشِعّاتِ آثارُ شمسٍ واحدة، سَاتيرن وجودها بوجودهم وبقاءها ووحدتها بعدمهم، مع انعدام أسبابهم الظاهرية معهم.
كذلك هذه الموجودات تشهد بوجودها على وجوب وجود الواجب الوجود، وتشهد بزوالها مع أسباب ونورايء أمثالها عقيبها على أزليته وسرمديته وواحديته؛ إذ إن تجدّد المصنوعات الجميلة وتبدلَ الموجودات اللطيفة وغروبَها في طلوع أمثالها وأفولَها في ظهور أشباهها عند اختلاف الليل والنهار وعند تحول الفصول وتبدل العوألزمَُشهَدُ شهادةً قاطعةً على وجود ذي جمالٍ مجردٍ سرمدي عالٍ دائم التجلي، وعلى بقائه ووحدته.. وإن زوال
— 66 —
الأسباب السفلية مع المسبَّبات في الانقلابات السنوية والعصرية، ثم إعادة أمثال المسبَّبات مع الة الأل يشهد قطعا على أن الأسباب كالمسبّبات عاجزة مصنوعة قورنَت بينها وبينها لِحكَمٍ دقيقة، بل تدل على أن كل هذه المصنوعات اللطيفة السيّالة وهاتيك الموجودات الجميلة الجنظر وقإنما هي صَنْعَةٌ متجددةٌ للذات الأحدية ذي الجلال والجمال -الذي جميعُ أسمائه قدسية جميلة- ونقوشُه المتحولة ومراياه المتحركة وسكاتُه المتعاقبة وخواتمه المتبدلة.
اللمعة الثالثة عشر
انظر! إن كل شيء، من الذرات إلى السلاك ال ومن النفوس إلى الشموس؛ بلسان عجزه في ذاته، يدل على وجوب وجود خالقه، ويشهد بلسان حَمله -مع عجزه- وظائف عجيبة في النظام العمومي على وحدة خالقه.
النَّول شيء له شاهدان على أنه واجب واحد.. وفي كل حي له آيتان على أنه أحد صمد.
ولقد فهمتُ من فيض القرآن الحكيم أن كل جزءٍ من أجزاء الكائنات يشهد للواجب الوجود الواحد الأحد الصمد بقريب من خمسة وخمسين لسانا فذكارْضِ إجمالا في رسالة عربية تسمى "قطرة". فإن شئتَ فراجعها.
اللمعة الرابعة عشر
اعلم أن هذه الموجودات كما تشهد على وجوبه ووحدته سبحانه.. كذلك تشهد على جميع أوصافه الجلالية والجمالية واليها بة.. وكذلك تشهد على كمال ذاته، وعلى أنه لا نقص ولا قصور لا في ذاته ولا في شؤونه ولا في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله؛ إذ إن كمال الأثر يدل على كمال الفعل بالمشاهدة، وكمال الفعل يدل على كمال الاسم بالبداهة، وكمال الاسم يدل على ، أو الصفة بالضرورة، وكمال الصفة يدل على كمال الشأن الذاتي بالحدس اليقيني، وكمال الشأن يدل على كمال الذات بحق اليقين.
فكما أن مُكمَّليةَ نقوشِ تزييناتِ قصرٍ بلا قصورٍ، تُظهر لك مكمليةَ أفعال الصانع المهندِسِ المستترةِ تلك الأفعالُ تحتةَ والش، والمتحركة تحت التزيينات.. ومكمليةَ
— 67 —
تلك الأفعال تصرّح لك بمكمليةِ أسماء ذلك الفاعل، أي هو صانع ماهر، ومهندسٌ عليم، ونَقّاش حكيم، وهكذا.. ومكملية أسمائه تُفصح لك عن مكمّليراءُ، المسمّى، أي له علم وحكمة وصنعة وهندسة.. ومكملية صفاته تشهد على مكملية شؤون ذاته، أي له قابلية فائقة واستعداد جيد.. ومكملية الشؤون تكشف عن وجهِ مكملية ذاتيء أنتالنقاش بوجه يليق به ويناسب مقامه.. كذلك إن مكملية هذه الآثار المشهودة في هذه الكائنات بلا قصور ولا فطور، تشهد بالمشاهدة الحدسية على مكملية أفعالٍ مسناسِ ولفها.. ومكملية هذه الأفعال التي هي كالمشهودة، تشهد بالبداهة على كمال أسماء ذلك الفاعل.. وكمالُ تلك الأسماء، يشهد بالضرورة على كمال الصفات؛ إذ الأسماء ناشئة من نسب الصفات.. وكمالُ الصفات ي -كالدليقين عن كمال الشؤون الذاتية التي هي مبادئ الصفات القدسية.. وكمال الشؤون يشهد بحق اليقين على كمال الذات بما يليق بجنابه سبحانه. بل مجموع ما في الكائنات من الكمال والجمال إنما هو ظل ونظرهمفاض بالنسبة إلى كماله عزّ كمالُه، وإلى جمالِه جلّ جمالُه.
* * *
— 69 —
الرسالة الثانية
[٭]: ترجم الأستاذ النورسي هذه "الرشحات" إلى التركية وجعلها "الكلمة التاسعة عشرة" ونحن بدورنا نسّقناها في ضة استك
رشحات
من بحر معرفة النبي صلى اللّٰه عليه وسلم
— 71 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
تنبيه
إنَّ ما يُعرّف لنا ربَّنا لا يعد ولا يحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية".. وك:
إحداها:هذه الكائنات، وقد سمعتَ بعض آيات هذا الكتاب الكبير.
وثانيتها:الآية الكبرى من هذا الكتاب، وهي خاتم ديوان النبوة، ومفتاح الكنوز الخفية عليه الصلظهر أحسلام.
وثالثتها:مفسر كتاب العالم، وحجة اللّٰه على الأنام، أي القرآن الحكيم.
فلابد أن نعرف هذا البرهان الثاني الناطق ثم نستمع إليه.. فنذكر من بحر معرفته رشحات:
الرشحة الأولى
337
ن ذلك البرهان الناطق له شخصية معنوية عظيمة.
فإن قلت: ما هو؟ وما ماهيته؟
قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطحُ الأرض مسجدَه، ومكةُ محرابَه، والمدينةُ منبرَه.. وهو إمامُ جميع المؤمنين يأتمّون به سِراجن خلْفَهُ.. وخطيبُ جميع البشر يُبين لهم دساتير سعاداتهم.. ورئيسُ جميع الأنبياء، يزكّيهم ويصدّقهم بجامعية دينه لأساسات أديانهم.. وسيدُ جميع الأولياء، يِّ عَبويربّيهم بشمس رسالته.. وقطبٌ في مركز دائرةِ حلقةِ ذكرٍ تركّبَتْ من الأنبياء والأخيار والصديقين والأبرار المتفقين على كلمته الناطقين بها.. وشجرةٌ نورانية عروقُها الحيوية المتينة هي الأنبياء بأس الحية السماوية، وأغصانُها الخضرة الطرية وثمراتُها اللطيفة النيرة، هي الأولياء بمعارفهم الإلهامية. فما من دعوًى يدّعيها إلّا ويشهد لها جميعُ الأنبياء مفي عين بمعجزاتهم، وجميعُ الأولياء مستندين بكراماتهم. فكأن على كل دعوى من دعاويه خواتمَ جميع الكاملين؛
إذ بينما تراه قال: "لا إله إلّا اللّٰه" وادعى التوحيدَ، فإذا نسمع من
— 72 —
الماضي واالمبينل من الصفَّين النورانيين (أي شموسِ البشر ونجومِه القاعدين في دائرة الذكر) عينَ تلك الكلمة؛ فيكررونها، ويتفقون عليها، مع اختلاف مسالكهم وتباين مشاربهم. فكأنهم يقولون بالإجماع: "صَدَقْتَ وبالحَق نَطقتَ".
ولا حدّ للوَهم أن زينة ا يدَه لردّ دعوًى تأيدتْ بشهاداتِ مَن لا يُحدّ من الشاهدِين الذين تزكّيهم معجزاتُهم وكراماتُهم.
الرشحة الثانية
اعلم أن هذا البرببين انوراني الذي دلَّ على التوحيد وأرشد البشرَ إليه، كما أنه يتأيد بقوة ما في جناحَيه: نبوةً وولايةً من الإجماع والتواتر.. وكذا تُصدّقه إشاراتُ الكتب السماوية من بشارات التوراة والإنجيل والزبور وزترشُّفلأولين.. وكذلك تصدّقه رموزاتُ الإرهاصات الكثيرة المشهودة.. وكذا تصدّقه بشاراتُ الهواتف الشائعة المتعددة.. وكذا تصدّقه شهادات أهل الكهانة المنقولةُ بالتواتر.. وكذا تصدقه دلالات ألفِ معجزات من أمثال شق القمر، ونَبَعانِ الماء من الأصابع كالكوثر،ها التِ الشجر بدعوته، ونزولِ المطر في آن دعائه، وشِبَع الكثير من طعامه القليلِ، وتكلُّمِ الضب والذئب والظبي والجمل والحجر.. إلى ألفٍ مما بيّنَه الرواةُ الثقاة والمحدّثوننَظَیرقون.. وكذا تصدّقه شريعته الجامعةُ لسعادات الدارين.
وقد سمعتَ ورأيت في الدروس السابقة شعاعاتٍ من شمس شريعته المفيضة للسعادات. فيكفيك إنْ لم يكن على عينك غين وفي قلبك رَين، فلا كما ي هنا.
الرشحة الثالثة
اعلم أنه كما تصدّقه الدلائلُ الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدّقه الدلائل الأنفسية؛ إذ اجتماع أعالي جميع الأخلاق الحميدة في ذاته بالاتفاق.. واسّ ومعُ شخصيته المعنوية في وظيفته أفاضلَ جميع السجايا الغالية والخصائلِ النیزيهة.. وكذا قوة إيمانه بشهادة قوة زهده وقوة تقواه وقوة عبوديته.. رف القمال وثوقه بشهادة سِيَره وكمال جدّيته وكمال متانته..وكذا قوةُ أمنيته في حركاته بشهادة قوة اطمئنانه، تصدّقه في دعوى تمَسُّكِه بالحق وسلوكه على الحقيقة، كما ت عظمة لأوراقُ الخضرة والأزهار النضرة والأثمار الطرية حياةَ شجرتها.
— 73 —
الرشحة الرابعة
اعلم أنَّ للمحيط الزماني والمكاني تأثيرا عظيما في محاكمات العقو بك منن شئت فتعال، نخلع هذه الخيالات الزمانية والعصرية والمحيطية، ونتجرّد من هذا اللباس الملوّث؛ ثم نخوض في بحر الزمان السيال، ونَسبَح فيه إلى أن نخرج إلى عصر السعادات التي هي الجزيرة الخضراء فيما بين العصور والدهور، فلننظر إلى جإبرة تلعرب التي هي المدينة الشهباء في تلك الجزيرة الزمانية، ولنلبس ما نسَجَ لنا ذلك الزمانُ، وخاطه لنا ذلك المحيط، حتى نزور -ولو بالخيال- قطبَ مركزِ دائرةِ الرسالة، وهو على رأس وظي اعلم مل.
فافتح عينيك وانظر! فإن أول ما يتظاهر لنا من هذه المملكة: شخصٌ خارقٌ، له حسنُ صورةٍ فائقة، في حُسن سيرة رائقة؛ فها هو آخذ بيده كتابا مُعجزا كريما، وبلسانه خطاباحكيم ف حكيما يبلّغ خطبة أزلية ويتلوها على جميع بني آدم، بل على جميع الجن والإنس، بل على جميع الموجودات.
فيا للعجب! ما يقول؟ نعم، يقول عن أمرٍ جسيم، ويبحث عن نبأٍ عظيم؛ إذ يشرح ويحل المعمّى العجيبة في سرّ خِلقة العالأساليبتح ويكشف الطلسم المغلق في سر حكمة الكائنات، ويوضح ويبحث عن الأسئلة الثلاثة المعضلة التي أشغلت العقولَ وأوقعتها في الحيرة؛ إذ هي الأسئلة التي يَسأل عنها كلُّ موجود، وهي: مَن أوِّر فِن أين؟ وإلى أين؟
الرشحة الخامسة
انظر إلى هذا الشخص النوراني، كيف ينشر من الحقيقة ضياءً نَوّارا، ومن الحق نُورا مضيئا! حتى صيّر ليل البشر نهارا وشتاءَه ربي، للزمأن الكائنات تَبدَّل شكلُها فصار العالم ضاحكا مسرورا بعدما كان عبوسا قمطريرا.
إذ إذا لم نستضئ بنوره نرى في الكائنات مأتما عموميا، ونرى موجوداتها كالأجانب والأعداء، لا يعرف بعضٌ بعضا، بل يعاديه، ونرى جامدا في داائز دهّاشَة، ونرى حيواناتها وأناسيّها أيتاما باكين بضربات الزوال والفراق، ونرى الكائنات بحركاتها وتنوعاتها وتغيّراتها ونقوشها مَلعَبةَ والمأدف مُنجرّةً إلى العبثية مهملةً لا معنى لها، ونرى الإنسان قد صار -بعَجزه
— 74 —
المزعج وفقره المعجِز وعقله الناقل لأحزان الماضي ومخاوف المستقبل إلى رأس الإنسان- أدنى وأخسرَ من جميع الحيوانات. فهذه هي ماهية الكائنات عند مَن لت الإن في دائرة نوره.
فانظر الآن بنوره، وبمرصاد دينه، وفي دائرة شريعته، إلى الكائنات كيف تراها؟ انظر! قد تبدل شكلُ العالم، فتحول بيتُ المأتم العمومي مسجدَ الذكر والفكر المحقسَ الجذبة والشكر.. وتحوَّل الأعداء الأجانب من الموجودات أحبابا وإخوانا.. وتحوَّل كلٌّ مِن جامداتها الميتة الصامتة حيًّا مؤنسا مأمورا مسخرا، ناطقا بلسابر.. و آياتِ خالقه.. وتحوَّل ذوو الحياة منها -الأيتامُ الباكون المشتكون- ذاكرين في تسبيحاتهم، شاكرين لترخيصاتهم عن وظائفهم.. وتحوَّلت حركات الكائنات وتنوعاتها وتغيراتها من العبثية والمُهمَليّة وملعبةِ التصادف إلى صيرورتين الذوباتٍ ربّانية وصحائفَ آيات تكوينية ومرايا أسماءٍ إلهية،
حتى ترقّى العالمُ وصار كتابَ الحكمة الصمدانية.
وانظر إلى الإنسان كيف ترقّى من حضيض الحيوانية العاجزلَّس عيرة الذليلة إلى أوج الخلافة، بقوة ضعفه، وقدرة عجزه، وسَوق فقره، وشوق فاقته، وشوكة عبوديته، وشعلة قلبه، وحشمة إيمان عقله. ثم انظر كيف صارت أسبابُ سقوطه من العجز والفقر والعقل أسبابَ صعوده بسبب تنو انقلبور هذا الشخص النوراني!
ثم انظر إلى الماضي، ذلك المزارِ
[٭]: المقبرة.
الأكبر في ظلماته، كيف استضاء بشموس الأنبياء وبنجوم الأولياء! وإلى الاستقبال تلك ال تحت إالليلاء في ظلماته، كيف تنوّر بضياء القرآن وتكشّف عن بساتين الجنان!
فعلى هذا؛ لو لم يوجَد هذا الشخص لسقطت الكائناتُ والإنسانُ وكلُّ شيء إلى درجة العدم، لا قيمةفي خلفهمية لها، فيلزم لمثل هذه الكائنات البديعة الجميلة مِن مِثل هذا الشخص الخارق الفائق المعرِّف المحقق، فإذا لم يكن هذا فلا تكنِ الكائناتُ، إذ لا معنى لها بالنسبة إلينا. فما أصدقَ ما قالَ مَنْ
قوله الحق وله الملك(٤) وأنعام:٧٣) "لولاكَ لَولاكَ لَما خَلقتُ الأفلاكَ". [٭]: أي إنَّ هذا حديث قدسي. وقد تكلم علماء محققون حول هذا الحديث، فمنهم من أقره، ومنهم من ضعفه ومنهم من أنكره ولعلّ قول علي القاري في شرح الشفا (ه لمكتعدّ خلاصة جيدة، إذ يقول: "إنه صحيح معنًى ولو ضُعّف مبنى" وأيده ابن تيمية من حيث صحة معناه في مجموع الفتاوى (١١/٩٦-٩٨).
— 75 —
الرشحة السادسة
فإن قلت: مَن هذا الشخص الذي نراه قد صار شمسا للكون، كاشفا بدينه عن كمالات الكا فقدوما يقول؟
قيل لك: انظر واستمع ما يقول! ها هو يخبر عن سعادة أبدية ويبشّر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس إليها. وهو دلّما تمثاسنِ سلطنةِ الربوبية ونَظّارُها، وكشّافُ مخفيات كنوز الأسماء الإلهية ومعرِّفها.
فانظر إليه من جهة وظيفته؛ تَیرَه برهانَ الحق وسراجَ الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة.
ثم انظر إليه من جهة شخصيته تَیرَه مثالَ المحبةِ الرحمانيةه، إلىالَ الرحمة الربّانية، وشرفَ الحقيقة الإنسانية، وأنورَ أزهرِ ثمراتِ شجرة الخلقة.
ثم انظر! كيف أحاط نور دينه بالشرق والغرب في سرعة البرق الشارق، وقد قَبِل بإذعان القلب ما يقرُب من نصف الأرض ومن خُمس بني آدم هديُ العْيته، بحيث تُفدي لها أرواحَها.
فهل يمكن للنفس والشيطان أن يناقشا بلا مغالطة في مدّعيات مثل هذا الشخص، لاسيّما في دعوًى هي أساس كل مدّعياته، وهي: "لا إله إلا اللّٰه" بجميع مراتبها؟!
الرشللّٰه ابعة
فإن شئت أنْ تَعرف أن ما يحرّكه إنما هو قوّة قدسية، فانظر إلى إجراآته في هذه الجزيرة الواسعة! ألا ترى هذه الأقوام الوحشيةَ في هذه الصحراء العجفقهون لمتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، القاسيةَ قلوبُهم بدرجة يدفِن أحدُهم بنتَه حيةً بلا تأثّر! كيف رفع هذا الشخصُ جميع أخلاقهم السيئة والوحشية، وقلَعَها في زمان قليل! وجنجنيقابأخلاق حسنة عالية، فصيّرهم معلِّمِي العالمِ الإنساني وأساتيذَ [٭]: جمع أستاذ. الأمم المتمدنة. فانظر، ليست سلطنته على الظاهر فقط، بقوة الخوف كسائر الملوك، بل ها هو يفتح القلوب والعقول،
— 76 —
ويسخِّر الأرواح والنفوس حتى صياطته وبَ القلوب ومعلِّم العقول ومربي النفوس وسلطان الأرواح.
الرشحة الثامنة
من المعلوم أن رفعَ عادةٍ صغيرة كی"التتون" [٭]: التتون: التبغ والتدخين. مثلا، من طائفة صغيرة بالكلية قد يَعسُرُ على حا وكلمام بهمّة عظيمة، مع أنّا نرى هذا الذات ها هو قد رفع بالكلية عاداتٍ عظيمة كثيرة، من أقوام عظيمة متعصبين لعاداتهم، معاندين في حسياتهم، بقوة جزئية، وهمةٍ قليلة وفي زمان قصير، وغَرسَ بدلها برسوخ تام في سجيتهم عارْكَةِاليةً، وخصائل غالية. فانظر إلى "عمر" رضي اللّٰه عنه قبل الاهتداء وبعده، تَرَه نواةً قد صار شجرةً باسقة. وهكذا يتراءى لنا من خوارق إجراآته الأساسيةِ ألوفُ ماربين ٭، فمن لم يَرَ هذا العصر نُدخل في عينه هذه الجزيرة! فليجرّب نفسه فيها. فليأخذوا مائة من فلاسفتهم وليذهبوا إليها وليعملوا مائةَ سنة هل يتيسر لهم أن يفعلوا بالنسبة إلى هذا الزمان جزءا من ما وشدة ٍ مما فعل سيدُنا في سنةٍ بالنسبة إلى ذلك الزمان؟!
الرشحة التاسعة
اعلم -إنْ كنت عارفا بسجية البشر- أنه لا يتيسر للعاقل أن يدّعيَ في دعوى فيها مناظرة كذبا يخجل بظهوره، وأن رح هذابلا حجاب [٭]: أي بلا خجل. وبلا مبالاة وبلا تأثر يشير إلى حيلته، [٭]: أي إلى خداعه. وبلا تصنّع وتهيّج يُوميان إلى كذبه، في أنظار خصومه النقادة، ولو كان شخصا صغيرا، ولو فيالحشر صغيرة، ولو بحيثية حقيرة، ولو في جماعة صغيرة، ولو في مسألة حقيرة. فكيف يمكن تداخل الحيلة ودخول الخلاف [٭]: أي خلاف الواقع. في مدَّعَيات مثل هذا الشخص الذي هو موظف عظيم، في وظيفة عظيمة، بحيثية عظيمة، مع أنه يحتاج لأَمنية عظيمة، وفي جماعة عظيبة في ي مقابلة خصومة عظيمة، وفي مسألة عظيمة، وفي دعوى عظيمة؟ وها هو يقول ما يقول بلا مبالاة بمعترضٍ، وبلا تردّد وبلا حجاب وبلا تخوف وبلا تأثر، وبصفوةٍ صميمية، وبجدية خالصة،
— 77 —
وبطرزٍ يحرِّك أعصاب خصومه بتزييف عقولهم وتحقير نفوسهم وكسر عزّتِهم، ظر يحت شديد عُلوي. فهل يمكن تداخل الحيلة في مثل هذه الدعوى من مثل هذا الشخص في مثل هذه الحالة المذكورة؟ كلَّا
انْ هوَ إلاّ وَحيٌ يُوحى
(النجم:٤).
نعم، إنّ الحق أغْنى من أن يُدَلِّس، ونظر الحقيقة أعلى من أن يُدلأسماكليه! نعم، إن مسلكه الحق مستغنٍ عن التدليس، ونظرهُ النَّقَّاد منیزّه من أن يلتبس عليه الخيال بالحقيقة.
الرشحة العاشرة
انظر واستمع منيا قص! ها هو يبحث عن حقائقَ مدهشة عظيمة، ويُنذر البشر ويبحث عن مسائل جاذبة للقلوب، لازمةٍ جالبة للعقول إلى الدقة [٭]: أي الملاحظة والتدبر وإنعام النظر. فيبشّر البشر. ومن المالاهتمن شوقَ كشفِ حقائق الأشياء قد ساق الكثيرين من أهل "المَرَق" [٭]: أي الولع واللهفة والرغبة الملحة والاهتمام والفضول. ويستعملها الأستاذ في أماكن متفرقة ويعقبها بمعناها العربي. إلى فداء الأرواح. ألا ترى أنه لو قلّٰهمّ إن أفديتَ نصفَ عمركَ أو نصف مالك، لَنیزل من القمر أو المشتري شخصٌ يخبرك بغرائب أحوالهما ويخبرك بحقيقة استقبالك، أظنك ترضى بالفداء؟ فيا للعجب! ترضى لدفع "مَرَقِك" بترك نصف العمر والمال، ولا تهتم بما يقول هذا ويصدِّقه إجماعُ أهل َليهَا وتواترُ أهل الاختصاص من الأنبياء والصديقين والأولياء والمحققين؛ فيبحث عن شؤون سلطانٍ: ليس القمرُ في مملكته إلّا كذبابٍ يطير حول فَراشٍ، يطير ذلك الفراشُ حولر معبوٍ من القناديل التي أسرجَها في منیزلٍ أعدّه لضيوفه المسافرين من ألوفِ منازله! وكذا يخبر عن عالمٍ هو محل الخوارق والعجائب، وعن انقلاب عجيب، فرضا لو انفلقت الأرضُ وتطايرت جیبیالُها كالسحاب ما ساوتْ عُشر معشار عَشِير غرائبِ ذلك الانقلاب.
فت مرآة فاستمع من لسانه أمثالَ اذا الشَّمسُ كُوِّرَتْ و اذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ و اذا زُلْزِلَتِ الارضُ زِلْزالَهَا و القَارِعَةُ ..
وكذا يخبر بتح.. وبقن استقبالٍ ليس الاستقبالُ الدنيوي بالنسبة إليه إلّا كقطرةِ سرابٍ بلا طائلٍ بالنسبة إلى بحر بلا ساحل.. وكذا يبشّر عن شهودٍ بسعادةٍ ليست السعادةُ الدنيوية بالنسبة إليها إلا كبرقٍ زائل بالنسبة إلى شمسٍ سرمدية.
— 78 —
نعَك نجم حجاب هذه الكائنات -ذاتِ العجائب- عجائبُ، تنتظرنا وتنظر إلينا. ولابد لإخبار تلك العجائب والخوارق (من) شخصٍ عجيب خارق يشاهِد ثم يشهَد، ويُبصِر ثم يُخبر.
نعم، نشاهد من شؤونه وأطواره أنه يشاهِد ثم يشهَد، فينذر ويبشّر. وكذا يخّم في مرضيات رب العالمين ومَطالبه منّا وهكذا.. من عظائم مسائل لا مفرّ منها، وعجائبِ حقائقَ لا منجا منها، ولا سعادة بدونها.
فيا حسرةً على الغافلين! ويا خسارةً على الا نكات ويا عجبا من بلاهة أكثر الناس! كيف تَعامَوا عن الحق وتصامّوا عن هذه الحقيقة! لا يهتمون بمثل هذا الذات في عجائبه، مع أن من شأن مثله أن تُفدى له افي البُ ويُسرع إليه بترك الدنيا وما فيها.
الرشحة الحادية عشرة
اعلم أن هذا الشخص، المشهودَ لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية؛ كما أنه برهانٌ ناطقٌ صادقٌ على الوحدانية، ودليلٌ حقٌّ بدرجة حقانية التوتربية،كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛ بل كما أنه بدعوته وبهدايته سببُ حصولِ السعادة الأبدية ووسيلةُ وصولها.. كذلك هو بدعائه وعبوديته سببُ وجود تلك السعادة ووسيلةُ إيجادها.
فإن شئت فانظر إليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة ِّ، وتِها صيّرت هذه الجزيرة -بل الأرضَ- مصلين بتلك الصلاة الكبرى.. ثم انظر، إنه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجةٍ كأنه هو إمام في محرابِ عصره واصطفّ خلفَه مقتدين به جميعُ أفاضل بني آدم، من آدم إلى هذا العصر إلى آخر مَنا ا، في صفوف الأعصار مؤتمِّين به ومُؤَمِّنين على دعائه.. ثم استمع ما يَفعل في تلك الصلاة بتلك الجماعة؛ فها هو يدعو لحاجةٍ شديدةٍ عظيمةٍ عامك بنهاث يشترك معه في دعائه الأرضُ، بل السماء، بل كلُّ الموجودات، فيقولون بألسنة الأحوال: "نعم يا ربَّنا تقبل دعاءه، فنحن أيضا نطلبه، بل مع جميع ما تجلى علينا من أسمائك، نطلب حصول ما يطلب هو..".
ثم انظر إلى طوره في طرزمة العته كيف يتضرّع بافتقارٍ
— 79 —
عظيمٍ في اشتياق شديد وبحزن عميق في محبوبية حزينة، بحيث يهيّج بكاءَ الكائنات فيُبكيها فيُشركُها في دعائه.. ثم انظر، لأيّ مقصدٍ وغاية يتضرع؛ ها هو يدعو لمقصدٍ لولا حصول ذاك المقصد لسقط الإنسان بل العالم بل كل اَا تحيات إلى أسفل سافلين لا قيمة لها ولا معنى. وبمطلوبه تترقى الموجوداتُ إلى مقاماتِ كمالاتها.. ثم انظر، كيف يتضرع باستمدادٍ مديد، في غياث شديد، في استرحام بتودوتصيّر، بحيث يُسمع العرشَ والسماوات، ويهيّج وجدَها، حتى كأنه يقول العرشُ والسماوات: "آمين اَللّٰهمَّ آمين".. ثم انظر، ممّن يطلب مسؤولَه؟ نعم، يطلب من القديرالثانيع الكريم ومن العليم البصير الرحيم، الذي يَسمع أخفى دعاءٍ من أخفى حيوانٍ في أخفى حاجة، إذ يجيبه بقضاء حاجته بالمشاهدة، وكذا يبصر أدنى أملٍ في أدنى ذي حياة في أدنى غكفي فيذ يوصله إليها من حيث لا يحتسب بالمشاهدة، ويُكرم ويَرحم بصورة حكيمة، وبطرز منتظم؛ لا يبقى ريب في أن هذه التربية والتدبير مِن سميعٍ عليم ومن بصير حك
اع الرشحة الثانية عشرة
فيا للعجب! ما يطلب هذا الذي قام على الأرض وجمَعَ خلفَه جميعَ الأنبياء، أفاضلِ بني آدم، ورَفَع يديه متوجها إلى العرش الأعظم، ويدعو دعاءً يُؤمِّن عليه الثقلان، ويُعلَم من شؤونه أنه شرفُ نوعِ الإنسان، ذه الح الكون والزمان، وفخرُ هذه الكائنات في كل آن؛ ويَستشفع بجميع الأسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأسماءُ عينَ ما يأهلُ ا.
فاستمع! ها هو يطلب البقاءَ واللقاء والجنة والرضاء. فلو لم يوجَد ما لا يُعد من الأسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات نا في قفِ كونُها رحمة وعناية وحكمة وعدالة على وجود الآخرة، وكذا جميع الأسماء القدسية، أسبابٌ مقتضية لها- لكفى دعاءُ هذا الشخص النوراني لأن يبني ربُّهُ له ولأبناء جنسه الجنةَ، كما يُنشئ لنا في كل ربيع جِناةٌ بأننة بمعجزاتِ مصنوعاته.
فكما صارت رسالته سببا لفتح هذه الدار الدنيا للامتحان والعبودية، كذلك صار دعاؤه في عبوديته سببا لفتح دار الآخرة للمكافأة والمجازاة.
— 80 —
فهل يمكن أن يتداخل في هذا الانتظام الفائق، وفي سمعت رحمة الواسعة، وفي هذه الصنعة الحسنة بلا قصور، وفي هذا الجمال بلا قبح، بدرجةٍ أنطق أمثال الغزالي بی"ليس في الإمكان أبدع مما كان".. وأن تالنسبةذه الحقائق بقبحٍ خشين، وبظلم مُوحش، وبتشوش عظيم؛ إذ سماعُ أدنى صوت في أدنى خلق في أدنى حاجة وقبولُها بأهميةٍ تامة، مع عدم سماع أرفَع صوتٍ ودعاءٍ في أشد حاجة، وعدمُ قبولِ أحسنِ مسؤول، في أجمل أمل ورجاء؛ قبحٌ ليس مثله قبح، ولفة بملا يساويه قصور، حاشا ثم حاشا وكلّا.. لا يَقبل مثلُ هذا الجمال المشهود بلا قصور مثلَ هذا القبح المحض، وإلّا لانقلبت الحقائقُ بانقلاب الحُسن الذاتي قبحا ذاتيًّا.
الرطْلَقُثالثة عشرة
يا رفيقي في هذه السياحة العجيبة، ألا يكفيك ما رأيت؟ فإن أردتَ الإحاطة فلا يمكن، بل لو بقينا في هذه الجزيرة مائة سنة ما أحطنا ولا مَلِلْنا من النظر بجزءٍ واحد من مائة جزء من عجائب وظائفه، وغرائب إجراآته.. فلنرجع قه الرابولننظر عصرا عصرا، كيف اخضرّت تلك العصور واستفادت من فيض هذا العصر؟
نعم، نرى كلَّ عصرٍ نمرُّ عليه قد انفتحت أزاهيرُه بشمس عصر السعادة، وأثمَر كلُّ عصرٍ من أمثال أبي حنيفة،(٭) والشافعي،(٭) وأبي يزيد البسطامي،(٭) والجنيد لنباتادي،(٭) والشيخ عبد القادر الكيلاني(٭) والإمام الغزالي، ومحيي الدين بن عربي،(٭) وأبي الحسن الشاذلي،(٭) والشاه النقشبند،(٭) والإمام الرّبّاني ونظائرهم ألوفَ ثمراتٍ منورات من فيض هداية ذلك الشخص النوراني.
فلنؤخر تفصيا من أهوداتنا في رجوعنا إلى وقت آخر.
ونصلي ونسلم على هذا الذات النوراني، ذي المعجزات، أعني سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام:
— 81 —
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى هٰذَِنْ أظَاتِ النُّورَانِىِّ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْحَكِيمُ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أعْنِي سَيِّدَنَا مُحَمَّدا ألْفَ ألْفِ صَلَاةٍ وَألْفَ ألْفِ سَلَامٍ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أمَّتِهِ.
عَلٰى ملتراب شَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّوْرَاةُ وَاْلإنْجِيلُ وَالزَّبوُرُ وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ اْلإِرْهَاصَاتُ وَهَوَاتِفُ الْجِنِّ وَأوْلِيَاءُ اْلإنْسِ وَكَوَاهعجزي وْبَشَرِ، وَانْشَقَّ بِإشَارَتِهِ الْقَمَرُ.. سَيِّدِنَا وَمْوْلاٰنَا مُحَمَّدٍ ألْفُ ألْفِ صَلَاةٍ وَألْفُ ألْفِ سَلَامٍ بِعَدَدِ أنْفَاسِ أمَّتِهِ. عَلٰى مَنْ جَاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الشَّجَرُ، وَنَزَلَ سُرْعَةً بِدُعَائِهِ الْمَطَرُ، وقق أن َتْهُ الْغَمَامَةُ مِنَ الْحَرِّ، وَشَبِعَ مِنْ صَاعٍ مِنْ طَعَامِهِ مِئاٰتٌ مِنَ الْبَشَرِ، وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِهِ فس الأَ مَرَّاتٍ كَالْكَوْثَرِ، وَسَبَّحَ فِي كَفَّيْهِ اْلحَصَاةُ وَالْمَدَرُ، وَأنْطَقَ اللّٰه لَهُ الضَّبَّ وَالظَّبْي وَالذِّئْبَ وَالْجِذْعَ وَالذِّرَاعَ وَالْجَمَلَ وَالْجَبَلَ وَالْحَجَرَ وَالشَّجَرَ صَاحِبِ ا والصبرَاجِ وَمَا زَاغَ الْبَصَرُ... سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا وَشَفِيعِنَا مُحَمَّدٍ ألْفُ ألْفِ صَلَاةٍ وَألْفُ ألْفِ سَلَامٍ بِعَدَدِ كُلِّ الْحُرُوفِ الْمُتَشَكِّلَةِ فِي اْلكَلِمَاتِ الْمُتَمَثِّیلَةِ بِإذلأنه لرَّحْمٰنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الْهَوَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ مِنْ أوَّلِ النُّزُولِ إلٰى آخُ نباتزَّماَنِ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا يَا إلٰهَنَا بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا آمِينَ آمِينَ آمِينَ.
* * *
اعلم [٭]: هذا البحث القيم في دلالة الكائنات بحث مستقلّ عن "الرشحات" ترجمه الأستاذ النورسي إلى التركية وجعلوهو أنقطة الثالثة من الكلمة الثامنة عشرة". أن دلائل النبوة الأحمدية لا تعد ولا تحصى، وقد ذكرنا قسما منها في "الكلمة التاسعة عشرة" و"المكتوب التاسع عشر". فمع شهادة "معجزاته" البالغة إلى ألف، ومع شهادة "القرآن" البالغِ وجوهُ إعجازه إلى أربعين، اللقه إلتفصيلها في "الكلمة الخامسة والعشرين" على رسالة محمّد عليه الصلاة والسلام.. كذلك تشهد هذه "الكائناتُ" بآياتها على نبوته؛ إذ كما أن في هذه المصنوعات المبثوثة في الكائنات آياتٍ لا تُحد تشهد على وحدانية الذات الأحديهذا اللك فيها بيّنات لا تعد، تشهد على رسالة الذات الأحمدية عليه الصلاة والسلام؛
منها:كمال حسن الصنعة؛ إذ كمال حُسن الصنعة في هذه المصنوعات يدل على الرسالة الأحمدية دلالة قطعية؛ لأن جمال هذه المصنوعات المزيَّنات يُظهِر للناظر حُسنَ صنعة باستمةٍ
— 82 —
بالمشاهدة.. وأن حسن الصنعة وزينة الصورة يدلان بالبداهة على أن في صانعها إرادةَ تحسينٍ وطلبَ تزيينٍ في غاية القوة.. وأن إرادة التحسين وطلبَ التزيين يدلان بالضرورة علدي، وأي صانعها محبةً عُلويةً لصنعته، ورغبةً قدسية لإظهار كمالاتِ صنعته.. وأن تلك المحبة والرغبة تدلان بالقطع على أن الإنسان الذي هو أكمل المصنوعات وأبدعها وأجمل المخلوقات وأجمعها، هو المظهرُ الجامعُ والمدارُ البارعُ لتلك المحبة والرغبة، وهو الذي تتمهود:٤٤فيه.. وأن الإنسان لكونه أجمع وأبدع المصنوعات فهو الثمرة الشعورية لشجرة الخلقة، أي هو لها كثمرةٍ ذات شعور.. فلكونه كالثمرة، فهو ما بين أجزاء الكائنات جزء أجمعُ وأبعدُ من جميع الأجزاء.. فلكونه أجمعَ وأبع مستغن شعور، فله نظرٌ عام وشعور كلي.. فلكون نظره عاما يرى مجموع شجرة الخلقة.. ولكون شعوره كليا يعرف مقاصد الصانع، فهو المخاطَب الخاص للصانع.. فلكون عموم النظر وكلية الشعور سببا لخصوصية الخطاب، فالفرد الذي يَصرِف كلَّ نظرهِ العامِ وعموم أجمل ه الكلي إلى التعبد للصانع والتحببِ إليه والمحبة له، ويوجِّه تمامَ شعورِه ودقةِ نظره إلى استحسان صنعة الصانع وتقديرها وتشهيرها، ويَستعمِل جميعَ نظره وشعورها، فماعَ قوّته وهمّته إلى شكر نعمةِ ذلك الصانع الذي يطلب الشكر في مقابلة إنعامه، وإلى دعوة الناس كافةً إلى التعبد والاستحسان والشكر. فبالبداهة يكون ذلك الفردُ الفريد هو المخاطبَ المقرَّبَ والحبيبَ المحبَّب..
فيا أيها الناسر، بسرمكن عندكم أن لا يكون محمّد عليه الصلاة والسلام ذلك الفردَ الفريد؟ وهل يستطيع تاريخكم أن يُظهر فردا آخر أليقَ بهذا المقام من محمّد عليه الصلاة والسلام؟
فيا مَن له بصر بلا رَمَد، وبصيرة بلا فين لانظر إلى عالم الإنسان في هذه الكائنات، حتى تشاهد بالعيان دائرتين متقابلتين، ولوحين متناظرين:
فأما إحدى الدائرتين، فدائرةُ ربوبيةٍ محتشمة منتظمة في غايَ هي اتشام والانتظام. وأما أحد اللوحين فلوح صنعةِ مصنَّعٍ مرصّع في غاية الإتقان والاتزان.
وأما الدائرة الأخرى فهي دائرة عبوديةٍ منوّرة مزهرة في غاية الانقياد والاستقامة. وأما اللوح الآخر، فهو لوحُ تفكرٍ واستحسان في غاية الوُسعَةلك اللفةُ تشكُّرٍ وإيمان في غاية الجمع.
— 83 —
فإذ شاهدتَ هاتين الدائرتين وهذين اللوحين، فانظر إلى مناسبة الدائرتين واللوحين حتى تشاهِد بالعيان أن دائرة العبودية تتحرك جميعُ جهاتها باسم الدائرة الأولى، وتعمل بجميع قدَّائهحسابها، وحتى تشاهد بأدنى دقة أن لوح التفكر والتشكُّر والاستحسان والإيمان ينظر بجميع معانيه وإشاراته إلى لوح الصنعة والنعمة.
فإذ شاهدتْ عينُك هذه الحقيقةَ فهل يمكن لعقلك أن ينكر أعظَم المناسبة فيايس دائرة العبودية وصاحب دائرة الربوبية؟ وهل يجوز لقلبك أن لا يوقن بأن ذلك الرئيس الذي يَخدم بالإخلاص لمقاصد الصانع في تشهير صنعته وتقديرها، له مناسبة عظيمة م.. هذانع، وانتساب قوي إليه، وله معه مكالمة، ومنه إليه رسالة؟ نعم، فبالبداهة يُعْلَمُ أنه محبوبٌ مقبولٌ عند مالك الملك بل أحب الخلق إليه وأقربهم منه.
فيا أيهالة اللان! هل يمكن في عقلك أن لا يباليَ ولا يهتمَّ صانعُ هذه المصنوعات المزيّنات بأنواع المحاسن، ومُنعِمُ هذه النعم، المُراعي لدقائق الأذواق في أفواه الخلق، بمثل هذا المصنوع الأجمل الأكرقّ ومتوجه إليه بكمال الاشتياق والتعبد والتحبب، وبمثل هذا المخلوق الذي أطربَ الفرشَ والعرشَ بوَلْوَلة استحساناته، ودمدَمة تقديراته، لمحاسن صنعة ذلك الصانع، واهتز البرُّ و أن بي جذبةً من زَمْزَمَة تشكّراته لإحسانات ذلك الفاطر، ومن شَعْشَعَة تكبيراته لعظمة ذلك الخالق المنعم؟
فهل يمكن أن لا يبالي مثلُ ذلك الصانع المُحسن المقتدر بمثل هذا المصنوع المستحسِن المتشكِّرالقبر يمكن أن لا يتوجهَ إليه؟ وهل يمكن أن لا يتكلم معه؟ وهل يمكن أن لا يحبه؟ وهل يمكن أن لا يقرّبه إليه؟ وهل يمكن أن لا يريد سرايَة وَضْعِيَّته الحَسنة وحالته الجميلة إلى عموم الخلق؟ وهل يمكن أن لا يجعله قدوةً للناس حتى ينصبغوا بصبغته ووضعيته اعل؟ وهل يمكن أن لا يجعله رسولا إلى الناس كافة؟
أم هل يمكن أن لا يكون لصانع هذه المصنوعات المنتظمةِ الدالةِ نقوشُ صنعتها على علم بلا نهاية وعلى حكمة بلا غاية، شعورٌ واطلاولا خاالفرد الأكمل والأجمل من مصنوعاته..؟ أم هل يمكن أن يعلَم ويبصر ولا يتكلم معه..؟ أم هل يمكن أن يتودد ويتعرف بتزيينات مصنوعاته، ولا يودّ ولا يعرف مَن يودّه كما يَحِق، ويعرفه كما يليق، و الإنسإليه بالصدق، ويتعبّد له بالحق..؟
— 84 —
الرشحة الرابعة عشرة
المتضمنة لقطرات من بحر المعجزة الكبرى
القطرة الأولى
اعلم أن دلائل النبوة الأحمدية لا تعد ولا تحد؛ ولقد صَنَّف في بيانها أعاظمُ المحققين. وأنا مع عجزي وقصوري قد بينتُ شعا من مجن تلك الشمس في رسالة تركية مسماة بی"شعاعات". وكذا بينتُ -إجمالا- وجوهَ إعجاز معجزته الكبرى (أي القرآن)؛ وقد أشرتُ بفهمي القاصر إلى مقدار أربعين وجها من وجوهِ إعجاز القرآن في "لمعات"، ِ عصرٍترجمت إلى رسالة "اللوامع" المنشورة ملحقةً بمجلد الكلمات. وقد بينتُ من تلك الوجوه واحدا وهو البلاغة الفائقة النظمية في مقدار أربعين صحيفة من تفسيري العربي المسمّى بی"إشاراتت والخاز". فإن شئت فارجع إلى هذه الكتب الثلاثة.
القطرة الثانية
اعلم أنك قد تفهمتَ من الدروس السابقة أن القرآن الذي جاء من خالق هذه السماوات والأجرام العلوية وهذه الأرضِ والموجودات السفلية، ول.. فإلنا ربَّنا ربَّ العالمين، له مقامات ووظائف كثيرة.
فإن قلت: القرآن ما هو؟
قيل لك: هو الترجمة الأزلية لهذه الكائنات والترجمان الأبدي لألسنتِ ومكتاليات للآيات التكوينية، ومفسِّر كتاب العالَم.. وكذا هو كشافٌ لمخفياتِ كنوز الأسماء المستترة في صحائف السماوات والأرض.. وكذا هو مفتاح لحقائق الشؤون المُضْمَرة في سطور الحادثات.. وكذا هو لسان الغيب في عال نقوشُادة.. وكذا هو خزينة المخاطبات الأزلية السبحانية والالتفاتات الأبدية الرحمانية.. وكذا هو أساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الإسلامي.. وكذا هم الشهة للعالم الأخروي.. وكذا هو قولٌ شارحٌ وتفسير واضحٌ وبرهان قاطعٌ وترجمان ساطعٌ لذات اللّٰه وصفاته وأسمائه وشؤونه.. وكذا هو مربٍّ للعالم الإنساني. وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية.. وكذا هو الحجزء الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المُهدي إلى ما خُلِقَ البشر له.. وكذا هو للإنسان كما أنه كتابُ شريعة، كذلك كتابُ حكمة.
— 85 —
وكما أنه كتاب دعاء وعبودية، كذلك هو كتي عموم ودعوة. وكما أنه كتاب ذكر، كذلك هو كتاب فكر. وكما أنه كتابٌ واحد، لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمَنیزلٍ مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل، حتى إنه قد أبرز لمَشربِ كلم إلى دٍ من أهل المشارب المختلفة، ولمسلَكِ كل واحدٍ من أهل المسالك المتباينة من الأولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين، رسالةً لائقةً لمذاق ذلكأتمنى رب وتنويره، ولمَساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأنه مجموعة الرسائل.
القطرة الثالثة
في بيان لمعة الإعجاز في تكرارات القرآن. [٭]: المسألة العاشرة من "الشعاع الحادي عشر" توضح حكمة التكرار إيتودد وافيا. وفي هذه اللمعة ستة نقاط:
النقطة الأولى:
اعلم أن القرآن لأنه كتابُ ذكرٍ وكتابُ دعاء وكتابُ دعوةٍ يكون تكرارُه أحسن وأبلغ بل ألزم. إذ الذل كتب رَّر، والدعاء يُردَّد، والدعوة تُؤكَّد. إذ في تكرير الذكر تنوير، وفي ترديد الدعاء تقرير، وفي تكرار الدعوة تأكيد.
النقطة الثانية:
اعلم أن القرنّ التب ودواء لجميع طبقات البشر؛ من أذكى الأذكياء إلى أغبى الأغبياء؛ ومن أتقى الأتقياء إلى أشقى الأشقياء؛ ومن الموفقين المُجِدِّين الفارغين من الدنيا إلى المخذولين ال ووفرةين المشغولين بالدنيا. فإذن لا يمكن لكل أحد في كل وقتٍ قراءةُ تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحدٍ في كل وقتٍ. فلهذا أدرج الحكيمُ الرحيم أكثرَ المقاصد القرآنية في أكثر سُوَرٍ؛ لاسيما الطويلة، حتى صار كلُّ سورة قرآنا صغيرا، فسَهَّل السّحتى اللكل أحدٍ. وينادي مشوِّقا:
وَلَقَدْ يَسَّرنْا القرآنَ لِلذّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِر
(القمر:١٧).
النقطة الثالثة:
اعلم أنه كما أن الحاجات الجسمانية مختلفة في الأوقات؛ فإلى بعضٍ في كل آن كالهواءير الع قسم في كل وقتِ حرارةِ المعدة كالماء، وإلى صنفٍ في كل يوم كالغذاء، وإلى نوع في كل أسبوع كالضياء، وإلى طائفة في كل شهر، وإلى بعض في كل سنة كالدوابعةٌ ها في الأغلب، وقس عليها.. كذلك إن الحاجات المعنوية الإنسانية أيضا مختلفة الأوقات؛ فإلى قسم في كل آن كی "هو" و"اللّٰه"، وإلى قسم في كل وقت كی"بسم اللّضالين!إلى قسم في كل ساعة كی"لا إله إلا اللّٰه" وهكذا فقس.
— 86 —
فتكرار الآيات والكلمات للدلالة على تكرّر الاحتياج، وللإشارة إلى شدة الاحتياج إليها، ولتنبيه عِرق الاحتياج وإيقاظه، وللتشويق على الاحتياج، ولتحرلة الغهاء الاحتياج إلى تلك الأغذية المعنوية.
النقطة الرابعة:
اعلم أن القرآن مؤسِّس لهذا الدين العظيم المتين ولأساساته، وأساساتٍ لهذا العالم الإسلامي، ومقلِّب لاجتماعيات البشر ومحوِّلُها ومبدلن يدي لابد للمؤسس من التكرير للتثبيت، ومن الترديد للتأكيد، ومن التكرار للتقرير والتأييد.
وكذا إن القرآن فيه أجوبة لمكرَّراتِ أسئلةِ الطبقات المختلفة البشرية بألسنة الأقوال والأحى أن ا النقطة الخامسة:
اعلم أن القرآن يبحث عن مسائل عظيمة ويدعو القلوب إلى الإيمان بها، وعن حقائق دقيقة ويدعو العقول إلى معرفتها. فلابد لتقريرها في القلوب وتثبيتها في أفكار العامة من التكرار في صور مختلف
فعليب متنوعة.
النقطة السادسة:
اعلم أن لكل آيةٍ ظهرا وبطنا وحدّا ومطّلعا، ولكل قصد وجوها وأحكاما وفوائد ومقاصد، فتذكر في موضعٍ لوجهٍ، وفي آخر لأخرى، وفي سورةٍ لمقصدٍ وفي أخرى لآخر وهكذا، فعلى هذا لا تكرار إلا في الصورة..
القطر وأكمبعة
في بيان لمعة الإعجاز في إهمال القرآن في بعض المسائل الكونية الفلسفية، وإبهامِه في بعضٍ آخر منها، وإجمالِه في قسم منها، وفي هذه اللمعة ست نكت:
النكتة الأولى:
فإن قلت: لأي شيء لا يبحث لهذه عن الكائنات كما يبحث عنها فن الحكمة والفلسفة؟
قيل لك: لأن الفلسفة عدَلَت عن طريق الحقيقة فاستخدمَت الموجودات لأنفسها بی"المعنى الاسمي". وأما القرآن فبالحق أُنزل وبالحر -معَل، وإلى الحقيقة يذهب، فيستخدم الموجودات بالمعنى الحرفي لا لأنفسها بل لخالقها.
— 87 —
فإن قلت: لأي شيء أبهَم القرآنُ وأجملَ في أمثالِ ماهيةِ الأجرام العلوية والسفلية وشكلها وحركتها على ما بيّنها الفن؟. [٭]: أي العلوم الحديثة وتفصيل المسأهة.. م"الشعلة الثانية من الكلمة الخامسة والعشرين".
قيل لك: لأن الإبهامَ أهمُّ والإجمالَ أجملُ:
فأولا: لأن القرآن إنما يبحث عن الكائنات استطرادا للاستدلال على ذات اللّٰه وصفاته، ومن شرط الدليل أن يكون ظاهرا وأظْهَرفراد هنتيجة، والنتيجة معرفة ذات اللّٰه وصفاته وأسمائه. فلو قال على ما يشتهيه أهل الفن: "يا أيها الناس، انظروا إلى الشمس في سكونها، وإلى الأرض في حركتها لتعرفوا عظمةَ قدرة خالقها"، لصار الدليل أخفى وأغمض من مع المة، وأبعدَ بمراتبَ مِن فهم أكثر البشر في أكثر الأزمان والأعصار، مع أن حق الأكثر المطلق أهم في نظر الإرشاد والهداية. فمراعاة فهمهم لا تنافي استفادة المتفلسفين المتعمقين القليلين. ولى هذه مراعاة هذا الأقلِّ محروميةُ الأكثر في أكثر الأوقات.
وثانيا:
إن من شأن البلاغة الإرشادية مماشاةَ نظر العموم، ومراعاةَ حس العامة ومؤانسة فكر قصورٌ ر؛ لئلا يتوحش نظرهم بلا طائل ولا يتشوش فكرهم بلا فائدة، ولا يتشرد حسهم بلا مصلحة. فأَبلغُ الخطاب معهم والإرشاد أن يكون ظاهرا بسيطا سهلا لا يُعجزهم، وجيشحة اليملهم، مُجملا فيما لا يلزم تفصيله لهم.
وثالثا:
إنَّ القرآن لا يذكر أحوال الموجودات لها، بل لمُوجِدها.. فالأهم عنده أحوالها الناظرة إلى مُوجِدها. وأما فن الحكمة فتبحث عنها لهغاية اأهم عنده أحوالها الناظرة إلى نفسها.. فشتان ما بين الثريا والثرى.
وكذا إنَّ التنیزيل يخاطب كل الناس ويراعى فهم الأكثر ليعرفوا تحقيقا لا تقليدا.. والفن يتكلم بالأصالة مع أهل الفن، وأما مع الال: لاللتقليد. فما فصَّل فيه الفن -بشرط الصدق- لابد أن يُجمل فيه القرآن أو يُبهم أو يُهمل على درجات نفع العامة.
ورابعا:
لأن القرآن مرشد لكل طبقات البشر تستلزم بلاغةُ الإرشاد أن لا يذكر ما يوقع الأكثرَ في المغلطة واوقُ الة مع البدهيات في نظرهم الظاهري، وأن لا يغيّر بلا لزومٍ ما هو من المتعارَفات المحسوسة عندهم، وأن يُهمل أو يُجمل ما لا يلزم لهم في وظيفتهم الأصلية.
— 88 —
مثلا:يبحث عن الشمس، لا للشمسانِعِ ن ماهيتها، بل لمن نوّرها وجعلها سراجا، وعن وظيفتها بصيرورتها زنبركَ انتظامِ صنعةٍ، ومركزَ نظامِ خلقةٍ، ومكوكَ انسجامِ صنعةٍ في نسج النقاش الأزلي لهذه المنسوجات بخيوط الليل والنهار، في اختلاف الفصول، المفروشاتِ تلك المنسوجاتُ على وجه الأرض والاعتبارليعرّفنا القرآن بإراءة نظام النسج وانتظام المنسوجات كمالاتِ فاطرها الحكيم وصانعِها العليم. وحركةُ الشمس سواء كانت ظاهرية أو حقيقية، لا تؤثر في مقصد القرآن. إذ المقصد إراءة نسج النظّام الل ما يي ضمن إراءة جريان الشمس المشهود. فالنسج مشهود بكمال حشمته فلا يضره سكون الشمس في الحقيقة على ما يزعمه الفن..
النكتة الثانية:
إنَّ القرآن يقول:
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
(نوح:١٦) و
ى العلْسُ تَجْري لمُستَقَرٍ لها
(يس:٣٨).
فإن قلت: لأي شيءٍ عبّر عن الشمس بالسراج، مع أنها عند الفن أعظم من أن تكون تابعةً للأرض، بل هي مركز الأرض مع السَّیيَّاراتِ بحزنهيل لك: إن في التعبير بالسراج تصويرَ العالم بصورةِ قصر؛ وتصويرَ الأشياء الموجودة فيه في صورة لوازماتِ ذلك القصر ومزيِّناته ومطعوماته لسكان القصا أيضافريه، وإحساسَ أنه قد أحضرتْها لضيوفه وخدامِه يدُ كريمٍ رحيم. وما الشمس إلّا مأمورٌ مسخّر وسراج منوَّر. ففي تعبير السراج إخطارُ رحمةِ الخالق فيرته، هربوبيته، وإفهامُ إحسانه في وسعة رحمته، وإحساسُ كرمه في حشمة سلطنته، وإعلان وحدانيته بإراءة أعظمِ ما يتوهمه المشركُ معبودا؛ أنه ما هو إلا سراج مسخَّر. إذ أين السراجٰه بهذر الجامد وأين لياقة العبادة؟
وفي تعبير الجريان إخطارُ التصرفات المنتظَمة العجيبة في ما بين اختلاف الليل والنهار ودوران الصيف والشتاء.. وفي إخطارها إفهامُ عظمةِ قدرةِ الصانع في انفراده في ربوبيته.
جملُ تنقطتَي الشمس والقمر يوجه الذهن إلى صحائف الليل والنهار، والصيف والشتاء، ومنها إلى سطور الحادثات المكتوبة في أجوافها. فتعبير الجريان عنوان لهذه المعاني، فيكفي ظاهر العنوان ولا تعلُّقَ للمقصد بحقيقته.
فانظر إلى كلمات الح..
وع كونها سهلةً بسيطةً معروفةً؛ كيف صارت أبوابا ومفاتيحَ
— 89 —
لخزائنِ لطائفِ المعاني. ثم انظر إلى مُطَنْطَناتِ كلماتِ الحكمة الفلسفية كيف أنها مع شَعْشَعَته مثلي.فيدك كمالا علميا ولا ذوقا روحيا، ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية. بل إنما تفيدك حيرة مدهشة ودهشة موحشة. وتسقطك من سماء التوحيد المضيء في أودية الكثرة المظلمة. فاستمع بعض ما يقول ؤون واي في الشمس يقول:
"هي كتلة عظيمة من المائع الناري أعظم من أرضنا بمليون وثلاثمائة ألف مرة، تدور على نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أما ينفسيارات أخرى. فتدور هذه الأجرام العظيمة المختلفة في الجسامة، والقربِ من الشمس والبعدِ منها، بالجاذب العمومي حول الشمس في الفضاء الخالي. فإنْ خرج أحدها من مداره بالتصادف بحادثة سماوية كمرور النجم ذي الذنَب به لحصل هرْجٌ ومرْجٌ في المنظومة 273
تسة، وفي الدنيا بدرجة تتدهش منه السماوات والأرض".
فانظر إلى نفسك ما أفادتك هذه المسألة؟.. فيا سبحان اللّٰه! كيف تَقلِب الضلالةُ شكلَ الحقيقة، وما "الشمس مع سياراتها، إلَّا مصنوعةٌ موظقد يدعخلوقةٌ مسخرةٌ بأمر فاطرها الحكيم وبقوة خالقها القدير. وما هي -مع عظمتها- إلّا قطرة متلمعة في وجه بحر السماء يتجلى شعاع من اسم "النور" عليها".
والفلاسفة لو أدرجوا في مسائلهم قبسا من القرآن فقالوا: "يفعل اللّما يدله الأجرام المدهشة الجامدة وظائف في غاية الانتظام والحكمة، وهي في غاية الإطاعة لآمره"، لكان لِعِلْمِهِمْ معنًى، وإلّا بأن أسندوا إلى أنفسها وإلى الأسباب صاروا كما قال القرآن:
وَمَنودية عرك باللّٰه فكاَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطيرُ اَوْ تَهْوي بِهِ الرّيحُ في مكانٍ سَحِيقٍ
(الحج:٣١) وقس على هذه المسألة سائر المسائل.
النكتة الثالثة:
اعلم أن مقاصد القرآن الأساسيةَ وعناصرَه الأصلية أاتِ الالتوحيد، والرسالة، والحشر، والعدالة مع العبودية. فيصير سائر المسائل وسائل هذه المطالب. ومن القواعد: عدم التعمق في تفصيل الوسائل، لئلا ينتشر البحث بالاشتغال بما لا يعني فيفوتَ المقصد. فلهذا قد أَبهَم وقد أَهمَل وقم [٭] القرآنُ في بعض المسائل الكونية. وكذا إن الأكثر المطلق من مخاطبي القرآن عوامُّ، وهم لا يقتدرون على فهم الحقائق الغامضة الإلهية بدون
— 90 —
توسيط التمثيل والتقريب بالإجمال، ولا يستعدون في كل وقت لمعرفة مسائلَ لم يصل إليها بعدَ القرون الطرها، فلّا قليلٌ من الفلاسفة. فلهذا أكثرَ القرآنُ من التمثيل. ومن التمثيل بعضُ المتشابهات فإنها تمثيلات لحقائق غامضة إلهية. وأجملَ فيما كشفه الزمانُ بعد عصور وبعد حصولِ مقدماتٍ مرتَّبة.
النكتة الرابعة:
ُ عَلى أنه كما أن الساعة غير ثابتة بل متزلزلةٌ مضطربةُ الآلات، كذلك الدنيا التي هي ساعة كبرى أيضا متزلزلة. فبإدراج الزمان فيها صار "الليلُ والنهار" كمِيلَين يَعُدّان ثوانيها، و"السنةُ" إبرةً تَعدّ دقائقَها، و"العصر" كإبرة تعد ساعاتاعلم أإدراج المكان فيها صار "الجو" -بسرعةِ تغيّرِه وتحوّله وتزلزُله- كمِيل الثواني، و"الأرضُ" -بتبدل وجهها نباتا وحيوانا، موتا وحياة- كميل الدقائق، وبتزلزل بطنها وتولُّد "جبالِها" كميل الساً كلُّ"السماء" -بتغيراتها بحركات أجرامها وظهور ذوي الأذناب، والكسوفات والشهابات- كالميل الذي يعدُّ الأيام.
فالدنيا المبنية على هذه الأركان السبعة -مع أنها واصفة لشؤونات الأسماء ولكتابة قلم القدرةِ والقَدَر- فانية هالكة متزلزلة راحلة كالماء ا مسجد في الحقيقة، لكن تجمدت صورةً بالغفلة، وتكدرت بالطبيعة فصارت حجابا عن الآخرة. فالفلسفة السقيمة والمدنية السفيهة تزيدان جمودتها وكدورتها بالتدقيقات الفلسفية والمباحث الطبيعيّة. وأما القرآن فينفُش الدنيا كالعهن بآياته، وياللّٰه[٭]: أي يجعلها شفافة.
ببيناته، ويذيبها بنيراته، ويمزّق أبديتها الموهومة بنَعِيَّاته، ويفرّق الغفلة المولدة للطبيعة برعداته. فحقيقة الدنيا المتزلزلةِ تَقرأ بلسان حالها المذكورة آيةَ
وَاِذا قُرِىءَ القُرْآنُأنك لاتَمِعُوا لَهُ وَاَنْصِتُوا لَعَلكُمْ تُرْحَمُونَ
(الأعراف:٢٠٤).
فلهذا أجمل القرآن فيما فصّلتْ فيه الفلسفةُ من ماهيات الأشياء وخواصّها.. وفصّل فيما أجملتْ أو أهملت فيه من وختيارٌ في امتثال الأوامر التكوينيةِ، ودلالاتها على أسماء فاطرها وأفعاله وشؤونه.
الحاصل:أن القرآن يبحث عن معاني كتاب الكائنات ودلالاتها، أما الفلسفجرد منا تبحث عن نقوش الحروف ووضعياتها ومناسباتها. ولا تعرف أن الموجودات كلماتٌ تدل
— 91 —
على معانٍ. فإن شئت أن ترى فرق حكمة الفلسفة، وحكمة القرآن فراجع ما في بيان آيةِ
وَمَنْ يُؤتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ اوُتِيَ خَيْراً كَثيراً
(اليَّدَ ٦٩).
النكتة الخامسة:
(تحال إلى الأنوار الثلاثة من الشعلة الثانية للكلمة الخامسة والعشرين (المعجزات القرآنية) حيث تتضمن هذه النكتة آياتٍ كثيرةً جدا والمقام هنا ليس مقامَ إيضاح).مكروب هذه النكتة الخامسة موجودة بكاملها في الرسالة الأخيرة: " نور من أنوار نجوم القرآن".
النكتة السادسة:
اعلم أنه يفهم من هذه النكتة السابقة أن القرآن إنما يَنظر إلى وجوه دلالات الآثار على أفعاله تعالى، وإلى وجوه إظهار الأفعال لأ انفتاسبحانه، وإلى صور انصباب الأفعال إلى الأسماء أو جريانها من الأسماء، وإلى وجوه إحاطة الأسماء التي هي أشعة الصفات بالأشياء.
الحاصل:أنَّ القرآنقريا، ينظر من الموجودات إلى وجوهها الناظرة إلى فاطرها؛ وأما الفلسفة فإنما تنظر من الموجودات إلى وجوهها الناظرة إلى أنفسها وأسبابها، وغايتِها الناظرة إلى مصالحَ جزئيةٍ فلسفية أو صنعوية. فما أجهلَ مَن اغتر بالفن * *
لسفية، وصيَّرها مِحَكّا لمباحث القرآن القدسية. ولقد صدق من قال: "إن الفنون جنون كما أن الجنون فنون". [٭]: تَذَكَّرَ نَجْدا والحديثُ شُجونُ ٭ فَجُنَّ اشْتِيَاقا والجُنُونُ فُنُان. فامجمع الأمثال، ١/٣٠١ ).
القطرة الخامسة
اعلم أن مِن لمعات إعجاز القرآن كما ذكرتُ في "حبة" أنه جَمَع السلاسةَ الرائقة والسلامة الفائقة، والتساندَ المتين والتناسبَ الرصين، والتعاونَ بين الجمل وهيئاتها، والتجاوبَ بين اٍ دقيقومقاصدها، بشهادة علم البيان وعلم المعاني، مع أنه نزل في عشرين سنة نجما نجما لمواقع الحاجات، نزولا متفرقا متقاطعا مع كمال التلاؤم كأنه نزل دفعة، ولأسبابِ نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند كأن السبب واحد. وجاء جوابا لأسئلة مكررة متفاوتة بلسان ية الامتزاج والاتحاد كأن السؤال واحد. وجاء بيانا لحادثاتِ أحكام متعددة متغايرة مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة. ونزل متضمنا لتنیزلاتٍ إلهية في أظْهَرَ تُناسب أفهامَ المخاطَبين، لاسيما فهم المنیزل عليه عليه السلام بحالات في التلقي متنوعة متخالفة مع حسن التماثل والسلاسة؛ كأن الحالة واحدة. وجاء متكلما متوجها إلى أصنافِ مخاطبين متعددة
— 92 —
متباعدة اتها، لة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام، كأن المخاطبَ واحد، بحيث يظن كل صنف أنه المخاطب بالأصالة. ونزل مُهديا وموصلا لغايات إرشادية متدرجة متفاوتة مع كمال الاستقامة والموازنة والنظام كأن المقصد واحد. فمن كانت له عين سليمة في بصيرته، ي.
ب أنه يرى في القرآن عينا ترى كل الكائنات ظاهرا وباطنا كصحيفة مبصَرةٍ واضحةٍ يقلّبها كيف يشاء، فيعرِّف معانيها على ما يشاء.
القطرة السادسة
في بيان أنه لا يقاس القرآن على سائر الكلام، كما ن الرحي رسالة "قطرة".
اعلم أن منابع علوِّ طبقةِ الكلام وقوّته وحسنه وجماله أربعة: المتكلم، والمخاطب، والمقصد، والمقام، لا المقام فقط كما ضلَّ فيه الأدباء. فانظر إلى مَن قال؟ ولمن قال؟ ولمموجودٍوفيمَ قال؟ فالكلام إن كان أمرا ونهيا فقد يتضمن الإرادة والقدرة بحسب درجة المتكلم، فتتضاعف عُلويته وقوته.
نعم، أين صورةُ أمرِ فضوليٍّ ناشئٍ أمرالواحدأماني التمني وهو غير مسموع، وأين الأمر الحقيقي النافذ المتضمن للقدرة والإرادة؟ فانظر، أين
يَااَرْضُ ابْلَعي مَاءكِ وياسَماءُ اقْلِعي
(صنعة و).
فَقَالَ لَهَا ولِلارْضِ ائتيا طَوْعَاً اوْ كرهاً قَالتآ اتَيْنَا طآئِعينَ
(فصلت:١١)، وأين خطاب البشر للجمادات بصورة هذيانات المبرسَمين [٭]: مِ وَام: الذي أصيبت بالبرسام، والبِرسام ی بالكسر: علّة يُهذَى فيها. وعن علي رضي اللّٰه عنه: "لا يجوز طلاق مَعتوه ولا مُبَرْسَم ولا صاحب هذيان". في المرض: "اسكني يا أرض وانشقي يا سماء وفذلك أيتها القيامة"؟. وكذا، أين أمرُ أميرٍ مطاع لجيش عظيم مطيع بی"آرْش!" [٭]: آرش: إيعاز عسكري يعني تقدّم للهجوم. واهجُموا على أعداء اللّٰه، وأين هذا الأمر إذا صدر من حقير لا يُبالَى به وبأمره؟ أين
اذَا ارَادَ شيئاً انْ يَقُولَ لَهُ كتخف بهيَكُونُ
(يس:٨٢)، وأين كلام البشر؟ وكذا أين تصويرُ مالكٍ حقيقي، وآمِرٍ مؤثرٍ أمرُه، ونافذٍ حكمُه، وبيانُ صانعٍ وهو يصنع، ومنعمٍ وهو يحسن قد شرع في آن الصنعة والإحسان يصوّر أفاعيله؛ يقول: فعلتُ كذا وكذا، أفعل هذا وذاك. انظر إلى
اأنبياء يَنْظُروُا إلى السَّماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاها وزَيَّنَّاها ومَالَها مِنْ فُرُوجٍ ٭ والاَرْضَ مَدَدْنَاهَا واَلْقَيْنَا فيهَاَ رَوَاسِي وانْبَتْنَا فيها مَنْ كُلّ زَوْجٍ بَهيجٍ ٭ تبصِرةً وذكرى لِكُلِ عَبْدٍ منيب أيضا،
ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمآء مآءً مُبَارَكاً فَاَنْبَتْنَا بِه جَنَّاتٍ وحَبَّ الْحَصيد ٭ والنّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضيد ٭ رِزقاً لِلعبادِ وافصول وا بِهِ بَلدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الخُروجُ
(ق:٦-١١). ثم أين تصويرُ فضوليٍّ في بحثه عن أفاعيلَ لا تماسَّ له بها؟
نعم، أين أعيان النجوم؛ ثم أين تماثيلها الصغيرة السيالة -التي لا هي موجودة ولا معدومة- المرئيةُ في الى أن فات؟
نعم، أين ملائكةُ كلمات كلام خالق الشمس والقمر الملهمة لأنوار الهداية؛ ثم أين زنابير مزوّرات البشر النفاثات في عقد الهوسات؟
نعم، أين ألفاظ القرآن التي هي أصدافُ جواهر الهداية، ومنبع الحقائق الإيمانية، من جع الأساسات الإسلامية المنبثة من عرش الرحمن مع تضمن تلك الألفاظ للخطاب الأزلي وللعلم والقدرة والإرادة؛ ثم أين ألفاظ الإنسان الهوائية الواهية الهوسية؟
نعم، أين القرآن الذي هو له تعاتفرعت وأورقت وأزهرت وأثمرت هذا العالم الإسلامي بمعنوياته وشعائره وكمالاته ودساتيره وأصفيائه وأوليائه، حتى انقلب كثير من نواة تلك الشجرة الطوبائية دساتيرَ عملية وأشجارا مثمرة الذي قيل في حقه:
قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعصِلَةٌانْسُ والجِنُ عَلى انْ يَأتوا بِمِثْلِ هذا القُرآنِ لا يَأتونَ بِمثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لبَعْضٍ ظَهيراً
(الإسراء:٨٨) وقد أفحم بجزالة نظمه وبلاغة معناه، وبداعة أسلوبه، وبراعة بيانه، وفصاحة لفظهوَنَظّامعية اللفظ لوجوه كثيرة مقبولة، وحُسنِ دلالته في جامعيته لبحر هذه الشريعة المتضمنة للحقيقة والطرائق بمأخذ المجتهدين، وأذواق العارفين، ومشارب الواصلينفسير الك الكاملين، ومذاهب المحققين.. وبطراوة شبابيته في كل عصر، وبلياقته وموافقته في كل عصر لكل طبقة. وألزَم مصاقع الخطباء ونوابغ العلماء، بل أعجز جميعَ البشر أن يأتوا بسورة من مثله؛ ثم أين كلام البشر؟ أين اوبَةِ ن الثريا!
— 94 —
اَللّٰهمَّ بحق القرآن وبحق مَن أُنزل عليه القرآن نوّر قلوبنا بنور القرآن، واجعل القرآن شفاءً لنا من كل داءٍ، ومونسا لنا في حياتنا وبعد مماتنا، واجعله لنا في الدنيا قرينا، وفي القجة علمسا، وفي القيامة شفيعا، وعلى الصراط نورا، ومن النار سترا وحجابا، وإلى الجنة رفيقا، وإلى الخيرات دليلا وإماما، بفضلك وحمدك وكرمك وإحسانك ورحمتك، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
وصل وسلم علىه، إذ زلت عليه القرآن وأرسلته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه صلاةً تُرضيك وترضيه وتَرضى بها يا رب العالمين..
فيا منیزل القرآن، بحق القرآن اجعل هذا الكتاب نائبا عني ناطقا بهذا الدعاء بدلا عني إذا أسكتَ الموتُ لساني آمين. ألة مستن..
— 95 —
الرسالة الثالثة
لا سيما
(المقام الثاني العربي من الكلمة الثامنة والعشرين)
(وأساس "الكلمة العاشرة")
[٭]: هذه الرسالة عبارة عن خلاصة قيمة لرسالة "الحشر" وهي "الكلمة العاشرة" البِلا الت فيها مسائل هذه الرسالة بأمثلة كثيرة، وتنسيق جديد وفق تجليات الأسماء الحسنى بعد تمهيد للأذهان بحوار لطيف وبيان صور الحشر.
— 97 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه الذي شهدتْ على وجوب وجوده ووحدته ذراادة واائنات ومركباتُها بلسان عجْزها وفقرها. والصلاة والسلام على نبيّه الذي هو كشاف طلسمِ الكائنات ومفتاحُ آياتها، وعلى آله وصحبه وعلى إخوانه من النبيين والمرسَلين وعلى الملائكة المقربين، وعلى عباد اللّٰه الصالحين من أهل السماوات والأرضين.
اعلم أي ثلسَدَّت عليه الطبيعةُ والأسباب بابَ الشكر، وفتحتْ له باب الشرك! إنَّ الشرك والكفر والكُفرانَ تأسست على محالاتٍ غير محدودة، فانظر من تلك المحالات إلى هذا المحال الواحد:
وهو أن الكافرفافات رك سُكْر الجهالة ونظر إلى كفره بعين العلم، يَضطر -للإذعان بكفره- أن يحمل على ظهر ذرةٍ واحدةٍ ألفَ قنطار، وأن يقبل في كل ذرةٍ ذرّةٍ ملايينَ مطبعاتٍ للطب الإنساطلاعا -مع مهارة- على جميع دقائقِ الصنعة في جميع المصنوعات؛ إذ كلُّ ذرة من الهواء -مثلا- تصلُح أن تمرّ على كل نباتٍ وزهرة وشجرة وثمرة، وأن تعمل في بنيتها، فلابد لهذه الذرة والقوة البسيطة المستترة فيها -إن لم تكن مأمورةً، تعمل باسم م النفره ملكوت كل شيء- أن تعرف كيفيةَ جهازاتِ كلِّ ما دخلت الذرةُ في بنيتها وكيفيةَ صنعته وتشكيله،
مع أن الثمرة -مثلا- متضمنةٌ لمثال مصغر للشجر، وأن نلَ المكصحيفةِ أعمال الشجر، وفيها تاريخُ حياتِه. فالثمرة تنظر إلى كل الشجرة بل إلى نوعها بل إلى الأرض أيضا. ومن هذه الحيثية فالثمرة -بعظمة صنعتها ومعناها- في جسامة صنعة الأرض بوجه، فمَن بناها بهذه العظمة المعنوية الصنعوية، لابليتذكّا يعجزَ عن حمل الأرض وبنائها.
فيا عجبا للكافر المنكِر كيف يدّعي العقل والذكاوة مع أنه يتبطن -بكفره- في قلبه مثلَ هذا الحمق والبلاهة!
— 98 —
واعلم أن لكل شيء صورتين:
أما إحداهما:
فمادية محسوسة كقميصة قس المتعلى مقدار قامة الشيء بتقدير القَدَر بغاية الانتظام.
وأما الأُخرى:
فمعقولة مركبة من أشتاتِ صُوَر الشيء في حركته في بحر الزمان، أو مرور نهر الزمااح الس، كصورة الدائرة النورانية المخيَّلة الحاصلة من جولان الشعلة، فهذه الصورة المعنوية للشيء هي تاريخ حياة الشيء، وهي مدارُ القَدَر المشهور، وهي المسماة بی"مُقدَّرات الأشياء". فكما أن الشيء -كالش".
#46لا- في الصورة المادية، له نهايات منتظمة مثمرة، وله غايات موزونة متضمنة لمصالح حِكَمية، كذلك له في صورته المعنوية أيضا نهايات منتظمة متضمنة لمصالح، وله حدود معينة تعينت لحِكَم خفية. فكأن القُدرة فيَ القرة الأولى كالباني، والقَدَر كالهندسة، وفي الثانية كالمصدر، والقَدَر كالمِسطَر. [٭]: المِسطَر: ما يُسطِّر به الكُتّاب. فتَكتب القدرةُ كتابَ المعاني على رسوم مِسطَر القدر.
فيا أيها الكافر! تضطر في كفرانك وكفرك -عند المراجعة إلّ وإلّم والحقيقة- أن تقبل في كل ذرةٍ وقوّتِها الجزئية الصغيرة معرفةَ صنعةِ خياطةٍ بدرجةٍ تقتدر تلك الذرةُ -وطبيعة السببية- على أن تقُدّ وتخيط ألبسةً وأقمصة مختلفة متنوعة بعدد أشتات الأشياء التي يمكن أن تذهب إليها الذرة، مع اقتدارها على تجدي الدنير المتخرقة بأشواك الحادثات في مرور الزمان، مع أن الإنسان -الذي هو ثمرةُ شجرة الخلقة وأقدر الأسباب -بزعمه- وأوسعُها اختيارا- لو جَمع كلَّ قابليةِ صنعةِ خقرآن، ثم أراد أن يخيط قميصا لشجرة ذاتِ أشواك على مقدار أعضائها، ما اقتدر. مع أن صانعَها الحكيم يُلبسها في وقتِ نَمائها أقمصةً متجددة منتظمة طرية لا تشففها الشمس، وحُللا خَضِرة متزينة موزونر ظلمٌال السهولة والسرعة بلا كُلفة ولا معالجة. فسبحان مَن:
انَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئاً أنْ يقولَ لهُ كُنْ فيكونُ ٭ فَسُبحانَ الَّذي بيدِهِ مَلَكوتُ كُلِّ شَيءٍ واليهِ تُرجَعونَ
(يس:٨٢-٨٣).
بصير- أن للأحد الصمد على كل شيء سِكّةً وخاتما وآيةً، بل آياتٍ تشهد بأنه له وملكُه وصُنعه. فإن شئت فانظر -مما لا يحد ولا يعد من سكاتِ أحديتِه وخواتمِ صمديتِه- إلى هذه
— 99 —
السكة المضروبة على صحيفة الأرض في فصل الربيع بمرصاد هذه التلزمهمالآتية المتسلسلة المتعانقة المتداخلة، لترى السكةَ كالشمس في رابعة النهار.
وهي:أنا نشاهد في صحيفة الأرض إيجادا بديعا حكيما: في جُودٍ واسع عظيم في سخاوة مطلقة في إتقان رحمته في سهولةٍ مطلقة في انتظام مطلق،
في سرعة مطلقة في اتزان مطلق، في وُسعة مطلقة في حُسنِ صُنعٍ مطلق، في رخيصيةٍ مطلقة في قيمةٍ وغلو مطلق،
في خِلطة مطلقة في امتياز مطلق، في بُعدةٍ مطلقة في اتفاق مطفس خدم كثرة مطلقة في أحسن خلقة.
على أن كلا من هذه الفقرات بانفرادها تكفي لإظهار السكة؛
إذ نهاية السخاوة نوعا مع غاية الإتقان وحسنِ الصنعة في فردٍ فردٍ، تختص بمَن لا يُشغلهُ شيء عن شيء، وله قدرة بلا نهاية.
وكذا إن نهاية السهوللم أيهاية الانتظام، تختص بِمَن لا يُعجزه شيء، وله علم بلا نهاية.
وكذا إن نهاية السرعة مع غاية الاتزان والموزونية، تختص بمن استسلم كلُّ شيء لقدرته وأمره.
وكذا إن نهاية وُسْعة التصرف -بانتشار النوع- مع غاية حسنِ صنعِ كل فردٍ #424
#ختص بمن ليس عند شيء، وهو عند كل شيء بقدرته وعلمه.
وكذا إن نهاية الرخيصية والمبذولية مع غاية غلوّ قيمة الفرد باعتبار الصنعة، تختص بمَن له غَناء بلا غاية وخزائن بلا نهاية.
وكذا إن نهاية الاختلاط ، علماباك -في أفراد الأنواع المختلفة- مع غاية الامتياز والتشخيص بلا مَرْج [٭]: مَرَج الشيء بالشيء: خَلَطَه. ومزج وبلا خلط وغلط، تختص بمن هو بصير بكل شيء، وشهيد على كل شيء لا يمنعه فعل عن فعل، ولا يختلط عليه سؤال بسؤال.
وكذا إنّ الفعالية؛ معَةٍ.. التباعد بين الأفراد المنتشرة في أقطار الأرض، مع غاية التوافق في الصورة والتشكيل والإيجاد والوجود، حتى كأن أفراد كل نوعٍ نوعٍ منتظرٌ أمرا يخصّهكان الدبرٍ واحد، تختص بمن الأرضُ جميعا في قبضةِ تصرّفه وعلمه وحُكمه وحِكمته.
— 100 —
وكذا إن نهاية الكثرة في أفراد النوع مع غاية مُكَمَّليةِ خِلقةِ فردٍ فردٍ وحُسنِ إيجادِ جزءٍ جزءٍ، تختص بالقدير المطلق الذي تتساوى بالنسبة إم، وتدذراتُ والنجوم والقليل والكثير.
على أن في كل فقرة آيةً أخرى على صنع القدير المطلق وهي التضاد بين السخاوة والإتقان الاقتصادي، وبين السرعة والموزونية، وبين الرخيصية وغلو القيمة، وبين الاختلاط الا عقيالامتياز الأتم... وهكذا.
فإذا كان كل فقرة بانفرادها كافيةً لإظهار خاتم الأحدية، فكيف إذا اجتمعت متداخلة متآخذة في فعالية واحدة؟! ومن هذا ترى سرَّ
ولَئِن سَألتَهُمْ مَنْ خَابعة ولسَّمواتِ والارضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰه
(الزمر:٣٨) أي إنَّ المنكِر المتعنّد إذا سُئل منه -بتنبيه عقله- يضطر لأن يقول: "اللّٰه"..
اعلمنومُ جن الإيمان باللّٰه والإيمان بالنبي والإيمان بالحشر والتصديق بوجود الكائنات تلازما قطعيا، وارتباطا تاما؛ للتلازم في نفس الأمر بين وجوب الألوهية وثبوت الرسالة، ووجودع في خرة وشهود الكائنات بدون غفلة.
إذ كما لا يمكن وجود كتاب -لاسيما إذا تضمن كلُّ كلمة منه كتابا وكل حرف قصيدةً منتظمة- بلا كاتب.. كذلك لا يمكن شهود كتاب القَّ لك -بدون سُكر- بلا إيمان بوجوب وجودِ نقّاشه الأزلي.
وكما لا يمكن وجود بيت -لاسيما إذا اشتمل على خوارق الصنعة وعجائب النقوش وغرائب التزيينات حتى في كل حجر منه- بلا بانٍ وصانع، بلا يكن سوصاحب.. كذلك لا يمكن التصديق بوجود هذا العالم -بدون سُكر الضلالة- بلا تصديق بوجود صانعه.
وكما لا يمكن شهود تلمعات الحَبابات في وجه البحر، وتلألؤِ القطرات المائية وتشعشع الزُّجيجات الثلجية في وسطنسان. ر مع إنكار وجود الشمس، إذ يلزم حينئذ قبول وجود شُميسات بالأصالة بعدد الحبابات والقطرات والزجيجات الثلجية.. كذلك لا يمكن -لمن له عقل لم يفسد- شهودُ هذه الكائنات -المتحولة دائما في انتظام، المتجددة في انسجام- بلا تصديقٍ بوجوبة بصُنِ خالقها وبانيها، الذي أسس ذلك البيت المحتشم، والشجر المعظم،
— 101 —
بأصول مشيئته وحكمته، وفصّله بدساتير قضائه وقَدَره، ونظّمه بقوانين عادته وسنته، وزيّنه بنواميس عنايته وتُ الأ ونوّره بجلوات أسمائه وصفاته..
نعم، وبعدم قبول الخالق الواحد يُضطر إلى قبول آلهات غير متناهية بعدد ذرات الكائنات ومركباتها، بحيث يَقتدر إلهُ كلِّ واحدٍ على خلق الكل؛ بسرِّ أن كل جزئيٍّ ذي حياة كأنموذج للكل؛ فخالقهُ لابد أن ف نشرتعلى خلق الكل!
ثم إنه كما لا يمكن وجود الشمس بلا نشر ضياء.. كذلك لا يمكن الألوهية بلا تظاهر بإرسال الرسل..
ولا يمكن جمال في نهاية الكمال بلا تبارز وبلا تعرُّف بواسطة رسول معرِّف..
، وأينيمكن كمال صنعةٍ في غاية الجمال بلا تشهير بواسطة دلّال ينادي عليه..
ولا يمكن سلطنة ربوبية عامة، بلا عبودية كلية، بإعلان وحدانيته وصمديته في طبقات الكثرة بواسطة مبعوثٍ ذي الجناحين..
ولا يمكن حُسنٌ لانهزيرة ا، بلا طلب ذي الحسن، ومحبته لمشاهدة محاسن جماله ولطائف حسنه في مرآة، وبلا إرادته لإشهاد أنظار المستحسنين عليه وإراءته لهم بواسطة عبد حبيب يتحبب إليه، ورسول يحببه إلى الناس. أي هو بعبوديته مرآةٌ لشهود ذي الجمال جمالَ ربوبيته، وبرسناتُ ودارُ إشهاده..
ولا يمكن وجود كنوز مشحونةٍ بعجائب المعجزات وغرائبِ المرصعات، بلا إرادة صاحبِها ومحبته لعَرْضها على الأنظار وإظهارِها على رؤوس الأشهاد، لتبيِّى أن ذاتِه المستورة بواسطة معرِّفٍ صرّاف ومُشهِّر وصّاف.
فإذ هذا هكذا، فهل ظهر في العالم أجمعُ لهذه الأوصاف من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ كلا، بل هو أجمعُ وأكملُ وأرفهتم بهضلُ. فهو سلطان الرسل المظهرين المبلّغين المعرّفين المُشهّرين الدلّالين العابدين المعلنين المرشدين الشاهدين المشهدين المشهودين المحبوبين المحبين المحية أن لهادين المهديين المهتدين، عليه وعليهم وعلى آلهم أفضل الصلوات وأجمل التسليمات، مادامت الأرض والسماوات.
* * *
— 102 —
ثم انظر إلى قوة حقانية الحشر والآخوالشَمي أنه:
كما لا يمكن سلطان بلا مكافأة للمطيعين وبلا مجازاة للعاصين:
لاسيما:إذا كان له كرمٌ عظيم يقتضي الإحسان، وعزةٌ عظيمة تقتضي الغيرة..
ولاسيما:إذا كان له رحمة واسعة تقتضي فضلا يليق بوسعة رحمت مالِك جلالُ حيثيةٍ تقتضي تربيةَ مَن يستخف به، ولا يوقّره..
ولاسيما:إذا كان له حكمة عالية، تقتضي حمايةَ شأنِ سلطنته بتلطيف الملتجئين إلى جناحه، وله عدالة محضة تقتضي محافظةَ حشمةِ مالكيته بمحافظة حقوق رعيته: اعلمولاسيما:إذا كان له خزائن مشحونة مع سخاوة مطلقة، تقتضي وجود دارِ ضيافةٍ دائمة، وتقتضي دوامَ وجودِ محتاجين بأنواع الحاجات فيها. وكذا له كمالاتٌ مستورة تقَا بِهتشهير على رؤوس المشاهِدين المقدِّرين المستحسِنين. وكذا له محاسنُ جمال معنوي بلا مثل، وله لطائفُ حُسن مَخفيّ بلا نظير، تقتضي الشهودَ لحُسنه بنفسه في مرآة، والإشهادَ لغيره، والإراءةَ بوجود مستحسِنين متنیزِّهين ومشتاقين متحيريني كل وامِ وجودهم؛ إذ الجمال الدائم لا يرضى بالمشتاق الزائل!
ولاسيما:إذا كان له شفقة رحيمة في إغاثة الملهوف وإجابة الداعي، بدرجةٍ يُراعي أدنى حاجةٍ مِن أدنى رعية، تقتضي تلك الشفقة اقتضاغضة كليا يقينا أن تُسعِفَ أعظمَ الحاجة من مقبول السلطان، وبالخاصة إذا كانت الحاجة عامة مع أنها يسيرة سهلة عليه، ومع اشتراك العموم في تضرع مقبول السلطان.
ولاسيما:إذا شوهد مِن إجراآته آثارُ سلطنته (عبس:١ية الاحتشام، مع أن ما يُرى من رعيته إنما اجتمعوا في منیزلٍ مُعَدٍّ للمسافرين، يُملأ ويُفرغ في كل يومٍ، وحضروا في ميدانِ امتحانٍ يتبدل في كل وقت، وتوقفوا بعض مفي مَشهَر قد أُعدّ لإراءة أنموذجِ غرائبِ صنعةِ المَلِك، ونموناتِ [٭]: نماذج وعينات. إحساناته؛ وهذا المشهر يتحول في كل زمان. فهذه الحالة تقتضي بالضرورة أن يوجَد خلفَ هذا المنیزل والميدان والمشهر وبعدَها تساوى دائمة، ومساكن مستمرّة، وخزائن مفتحة الأبواب، مشحونة بجيّداتِ أصول الأنموذجات المغشوشات.
— 103 —
ولاسيما:إذا كان الملك في نهاية الدقة في وظيفة الحاكمية، بحيث يكتب ويستكتب أدنى حاجة وأهونَ عمل وأقل خدمة، ويأمر بأخذ صورةِ كنذ مدة يجري في ملكه، ويستحفظ كل فعل وعمل. فهذه الحفيظية تقتضي المحاسبة، وبالخاصة في أعظم الأعمال من أعاظم الرعية.
ولاسيما:إذا كان الملك قد وعد وأوعد مكررا، بمرحيم
دُهُ عليه هيّن يسير، ووجودُهُ للرعية في نهاية الأهمية، وخُلفُ الوعدِ في غاية الضدية لعزّة اقتداره.
ولاسيما:إذا أخبر كلُّ مَن ذهب إَحَقَّر ذلك الملك، أنه أعدّ للمطيعين والعاصين دار مكافأة ومجازاة، وأنه يَعِد وَعدا قويا ويُوعِد وعيدا شديدا، وهو أجلّ وأعز من أن يذِل ويتنیزل بخُلف الوعد، مع أن المخبِرين متواترون، قد أجمعوا على أن مدار سلطنته العظيمة إنما هو في تلك الممل ولا معيدة عنا. وما هذه المنازل في ميدان الامتحان إلّا مؤقتة، سيبدّلها -البتة- بقصور دائمة؛ إذ لا يقوم مثل هذه السلطنة المستقرة المحتشمة على هذه الأمور الزائلة الواهية المتبدلة السيالة.
ولاسيما:إذا أظهر ذلك المَلِكُ في كشمش، مفي هذا الميدان المؤقت، كثيرا من أمثال ذلك الميدان الأكبر ونموناته. فيُعلَم من هذه الكيفية، أن ما يُشاهَد من هذه الاجتماعات والافتراقات ليست مقصودةستعملها، بل إنما هي تمثيل وتقليد لتؤخذ صورُها، وتُركَّب وتُحفظ نتائجها، وتُكتب لتدوم، وتدور المعاملة في المجمع الأكبر والمشاهدة في ذلك المحضر الديّا فتثمر الفانيةُ صورا ثابتة وأثمارا باقية.
ولاسيما:إذا أظهر ذلك الملك في تلك المنازل الزائلة والميادين الهائلة والمشاهر الراحلة آثارَ حكمة باهرة، وعناية ظاهرة، وعدالة عاليها. واحمة واسعة، بدرجةٍ يَعرِف باليقين مَن له بصيرة أنه لا يمكن أن يوجَد أكملُ من حكمته، وأجملُ من عنايته، وأشملُ من مرحمته، وأجلُّ من عدالته. فلو لم يكن في دائرة مملكته أماكنُ دائمة وجود قومساكنُ قائمة غالية، وسواكنُ مقيمة خالدة لتكون مظاهرَ لحقيقة تلك الحكمة والعناية والمرحمة والعدالة، لَلَزم حينئذ إنكار هذه الحكمة المشهودة، وإنكار هذه العناية المبصَرة، وإنتجلي اه المرحمة المنظورة، وإنكار هذه العدالة المرئية؛ وللزم قبول كون صاحب هذه الأفاعيل الحكيمة الكريمة سفيها لعّابا وظالما غدارا. فيلزم انقلاب الحقائق بأضدادها، وهو محال باتفاق جميع أهل العقل غير السوفسطائي الذي ينكر ولجواهرأشياء حتى وجودَ نفسه.
— 104 —
وهكذا مما لا يعد ولا يحصى من دلائلَ، أنه سينقل رعيته من هذه المنازل المؤقتة إلى مقر سلطنته الدائمة، ومما لا يحد ولا يستقصى من أماراتٍ، تبديلُه هذه المملكةَ السيارة بتلك المملكة المستمرّة.ا [٭]لك [٭]: جواب: كما لا يمكن سلطان بلا مكافأة... لا يمكن -بوجه من الوجوه قطعا وأصلا- أن يوجِد هذا العالَمَ ولا يوجِد ذلك العالَمَ، وأن يبدع الفاطر هذه الكائناتِ ولا يُبدعَ تلك الكائنالباطن يخلق الصانعُ هذه الدنيا ولا يخلقَ تلك الآخرة؛ إذ شأن سلطنة الربوبية يقتضي المكافأة والمجازاة.
ولاسيما:يُعلَم بالآثار أن لصاحب هذه الدار كرما عظيما، ومثلُ هذا الكرم يقتضي كمال الإحسان وحسنَ المكافأة. وأن له عزة عظيمة تقتضي كمالَ الغيرةُ كمالالمجازاة؛ مع أن هذه الدار لا تفي بعُشر مِعشار عَشير ما يقتضيه ذلك الكرم وتلك العزة..
ولاسيما:أن لصاحب هذا العالم رحمةً وسعت كلَّ شيء، ومن لطلأصواتك الرحمة شفقةُ الوالدات مطلقا، حتى النباتاتِ على أولادها، وسهولةُ أرزاق أطفال الحيوانات وضعفائها، وهذه الرحمة تقتضي فضلا وإحسانا يليقان بها. انظر أين مقتضى هذه الرحمة، ثم أين هذه التنعمات الزائلة المنغّصة في هذه الدنيا الفانية -في هذا العمر ا"تنبيه التي لا تفي بقطرة من بحر تلك الرحمة؟ بل الزوال بلا إعادة يصيّر النعمةَ نقمةً، والشفقةَ مصيبةً، والمحبة حرقة، والعقل عقابا، واللذة ألما، فتوراقهاقيقةُ الرحمة. فتلزم المكابرة بإنكار الرحمة المشهودة، كإنكار الشمس مع شهود امتلاء النهار من ضيائها. وكذا يُعلم من تصرفات صاحب هذا العالم أن له جلالَ حيثيةٍ وعزةٍ، يقتضيان تأديب من لا يوقّره وقهرَ من يسللوامع، كما فعل بالقرون السالفة في هذه الدنيا، ما يدل على أنه لا يهمل وإن أمهل. وكذا يُفهم من إجراآته أن له غيرةً عظيمة على استخفاف أوامره ونواهيه.
نعم، ومن شأن من يتعرف إلى إذ سم بأمثال هذه المصنوعات المنظومات، ويتودد إليهم بأمثال هذه الأزاهير الموزونات، ويترحّم عليهم بأمثال هذه الثمرات المزينات، ثم لا يعرفونه بالإيمان، ولا يتحببون إليه بالعبادة، ولا يحترمونه بالشكر إلّا قليل.. أن يُعِدّ لهم في مقر ربوبيته الأبديةة لنفسمجازاة ومكافأة.
— 105 —
ولاسيما:أن لمتصرِّف هذا العالم حكمةً عامةً عالية، بشیهاداتِ رعاية المصالح والفوائد في كل شيء، وبدلالات الانتظامات والاهتمامات وحسن الصنعة في جميع المخلوقات. فهذه الحكمة الحاكمة في سلطنة الربوبية، تقتضي
(الزم المطيعين الملتجئين إلى جناحها.
وكذا يشاهد أن له عدالة محضة حقيقية بشهادات وضعه كل شيء في الموضع اللائق، وإعطاء كل ذي حق حقه الذي يستعد له؛ وإسعاف كل ذي حاجة حاجته التي يطلبها -لوجوده أو حفظ بقائه- وإجابة كل ذي سؤال سؤاله. وبالخاصة: إذسليماتل بلسان الاستعداد أو بلسان الاحتياج الفطري أو بلسان الاضطرار.. فهذه العدالة تقتضي محافظة حشمة مالكيته وربوبيته، بمحافظة حقوق عباده في محكمةٍ كبرى؛مَعوا هذه الدار الفانية أقل وأحقر وأضيق وأصغر من أن تكون مَظهرا لحقيقةِ تلك العدالة؛ فلابد حينئذ لهذا الملِك العادل والرب الحكيم ذي الجمال الجليل والجلال الجميل ممع بقلباقية وجهنم دائمة.
ولاسيما:أن لصاحب هذا العالم والمتصرِّف فيه بهذه الأفعال، سخاوةً وَجُودا عظيما، وخزائن مشحونة. ومن ظرائف ظروف تلك الخزائن هذه الشموسُ المملوءة من الأنوار، وهاتيك الأشجار المشحونة من الأثمار.. ُ، بَللسخاوة السرمدية مع هذه الثروة الأبدية تقتضيان وجود دارِ ضيافةٍ أبدية، ودوامَ وجودِ محتاجين بأنواع الحاجات فيها؛ إذ الكرم بلا نهاية يقتضي الامتنانَ والتنعيم بلا نهاية؛ وهما يقتضيان قبول المنة والتنعم بلا نذابة، وهما يقتضيان دوام وجود الشخص المكرم عليه، ليُقابِل بدوامه في التنعم شكرَ المنة الدائمة، وإلَّا لانحصر مقابلةُ كل واحد في دقائق عمره الزائل، ولصار بحيث لا يهتم بما لا يرافقه، بل يتنغص عليه ذلك التنعم الجزئي أيضا.
وكذا لفاعل هذه الأفعال اا كذوا الكريمة كمالات مستورة، يُفهم من تظاهره بهذه المعجزات المزينات أنه يحب أن يشهِّر تلك الكمالاتِ على رؤوس الأشهاد المستحسِنين المقدِّرين.
نعم، إن من شأن الكمال الدائم الصفات ف بالدوام، ووجودَ نظر المستحسِن الدائميّ.. فالناظر الذي لا يدوم يسقط مِن نظرِ محبته قيمةُ الكمالات.
وكذا لصانع هذه المصنوعات الجميلات المليحات المزينات المنورات، محاسنُ جمالٍ
— 106 —
مجرد معنوي بلا مثل، وله لطائف حُسن مخفي يليق به بلا لة علىبل في كل اسم من أسمائه كنوز مخفية من جلوات ذلك الحسن المنیزه والجمال المجرد.
نعم، أين عقولنا وأين فهم جمالِ مَن مِن بعض مراياه الكثيفةِ وجهُ الأرض المتجددة التي تُظهر وتصف لنا في كل عصر -بل في كل فصل، بل في كل وقت- ظلالَ جلوات ذلك الج مثلَ دائمِ التجلي، مع تفاني المرايا وسَيَّالية المظاهر.. ومِن بعض أزاهيره ونقشه: الربيعُ؟
ثم إنه من الحقائق المستمرّة الثابتة أن كل ذي جمال فائقٍ ي، وإلي يشاهِد جمالَه بنظره، وبنظر غيره؛ ويَنظر إلى محاسنه بالذات، وبالواسطة؛ ويشتاقُ إلى مرآةٍ فيها جلوة جماله المحبوب، وإلى مشتاقٍ فيه مقاييس درجاتِ حُسنه المرغوب. فالحُسن والجمال يقتضيان الشهود والإشهاد؛ وهما يقتضيان وجود مستحسِني أسّس زهين في مناظرهما، ووجودَ مشتاقين متحيرين في لطائفهما. ثم لأن الجمال سرمدي، يقتضي أبديةَ المستحسِن المتحيّر؛ إذ الجمال الدائم الكامل لا يرضى بالمشتاق الزائل الآفل؛ إذ بسرِّ أن الشخص المقيّد بنفسه، له نوع عداوة لما لا يصل إليه فجمال اأو يدُهُ، ولمن يردّه أو يطرده من دائرة حضوره. فيحتمل حينئذ أن يقابِل هذا الشخصُ ذلك الجمالَ -الذي يستحق أن يقابَل بمحبة بلا نهاية، بشوق بلا غاية واستحسانٍ بلا حدّ- بعداوة وحقد وإنكار.
الحاصل:أن هذاوقه الم كما يستلزم صانعَه بالقطع واليقين، كذلك يستلزم صانعُهُ الآخرةَ بلا شك ولا ريب..
ولاسيما:أن لمالك هذا العالم رحيميةً شفيقة في سرعةِ إغاثةِ الملهوف المستغيث، وفي إجابة الداعللمصنوتجير؛ إذ قد نرى أنه يراعي أدنى حاجةٍ مِن أدنى خلقه، بدليل قضائها وقتَ وجودها من حيث لا يحتسب، وأنه يسمع أخفى نداءٍ مِن أخفى خلقه، بدليل إسعاف مسؤوله ولو بلس إنَّ ه.
فانظر إلى حُسن تربيةِ أطفال ذوي الحياة وضعفائها، كي ترى هذه الشفقة كالشمس في ضيائها. فهذه الشفقة الرحيمة الكريمة تقتضي اقتضاءً ضروريا قطعيا أن تسعف أعظمَ حاجة وأشدَّها، مِن أعظم عباده وأحب خ تسكن
يه..
وبالخاصة إذا كانت الحاجة عامة بحيث يؤمِّن على دعاء ذلك الحبيبِ جميعُ الخلق
— 107 —
بألسنةِ الأقوال والأحوال..
وبالخاصة إذا كانت مُهمةً عند كل شيء، لكونها سببا لصعود قيمة الأشياء إلى أعلى عليين، وبدونها تسقط قيمة كل شيء إلى أسفل ساما يشافحينئذ يشترك في تضرعِ ذلك الحبيبِ جميعُ الموجودات بألسنة استعداداتها.. وبالخاصة إذا كانت مطلوبةً لكل الأسماء المتجلية في الكائنات.
نعم، تلك الحاجة كمخزن الغايات لتلك الأسماء ولكمالاتها في ظهوار قامجراء أحكامها، فحينئذ تَشْفَع جميعُ الأسماء عند مسمّاها لإسعاف حاجة ذلك الحبيب.. وبالخاصة إذا كانت تلك الحاجة كلمح البصر سهلة يسيرة على مالكها الكريم.. وبالخاصة إذا تضرع ذلك الحبيب بأنواع التضرعات الحزينة، متذللا برَةِ، الافتقارات المشفَّعة، متحببا بأنواع العبادات المقبولة. وقد اصطف خلفَه -مؤتمّين به مؤَمِّنين على دعائه- جميعُ أفاضلِ ثمراتِ شجرةِ الخلقة من الأنبياء والأولياء والأصفياء، وهو إنما يطلب ملتي هيالكريم الجنةَ والبقاءَ والسعادةَ الأبدية والرضاء.
فبالضرورة لا يمكن بوجه من الوجوه أن يقبل جمالُ هذه الشفقة الشاملة المشهودة بآثارها، قبحا غدَّارا بعدم قبول مثل ها فإذاطلوب المعقول، مِن مثل ذلك المحبوب المقبول!
نعم، كما أن ذلك الحبيب الذي هو مدار الشهود والإشهاد للشاهد الأزلي رسولٌ؛ وبرسالته كاشفُ طلسمِ الكائنات، ودلّال الوحدة في غمرات الكثرة، وسببكَّتِهل السعادة في الجنة.. كذلك عبدٌ؛ فبعبوديته كشافُ خزائن الرحمة، ومرآةٌ لجمال الربوبية، وسببٌ لحصول مدار السعادة، وسبب لوجود الجنة. فلو فُرض عدم جميع الأسباب الغير المحصورة المقتضية للجنة إلّا مثلُ هذا الطلب من مثل ذلك الحبيب، لكفى هي الح هذه الجنة ووجودها مِن جُودِ جَوادٍ يوجِد في كل ربيع جِنانا مزيَّنة كأنموذجات تلك الجنة. فما هذه بأسهل من تلك، وما هي بأصعب عليه من هذه. فكما يحقّ - وحقٌّ أن يُقال، وقد قيل-: "لولاك لولاك لما خلقت الأعاتٍ م يستحق أن يقال: لو لم يكن إلّا دعاؤك لخلقتُ الجنة لأجلك.
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى ذٰلِكَ الْحَبِيبِ الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَفَخْرُ الْعَالَمَيْنِ وَحَيَموازيندَّارَيْنِ وَوَسِيلَةُ السَّعَادَتَيْنِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ وَرَسُولُ الثَّقَلَيْنِ وَعَلٰى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ
وَعَلٰى إخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، آمِينَ.
— 108 —
ولاسيما:أنه يُشاهُها. وجريان هذا العالم آثارُ سلطنةٍ محتشَمة في تسخير الشموس والأقمار والأشجار والأنهار، فيُعلم أن لمتصرف هذه الموجودات سلطنةً محتشمة في ربوبيةٍ معظمة؛ مع أن هذه الدار -بسرعةِ تحوّلها أو زوالها- كمنیزلٍ في خانٍ أُعدفلين. افرين، يُملأ ويُفرغ في كل يوم، وكميدانِ امتحان يتبدل في كل وقت، وكمَشهر أُحضِرَ لإراءة أنموذجاتِ غرائبِ صنعةِ صاحبِ الموجودات، ونمونات إحساناته. وهذا المشهر يتحول في كل زمان، مع أن الخلق والعِتاب باذين هم كالرعية ومدار السلطنة اجتمعوا في ذلك المنیزل، وهم على جناح السفر في كل آن، وحضروا ذلك الميدانَ مستمعين ناظرين بمقدارِ سؤالٍ وجواب، وهم على نية الخومشاهد كل زمان، وتوقفوا قليلا في ذلك المشهر وهم على قصد التفرق في كل وقت وأوان.
فهذه الحالة تقتضي بالضرورة أن يوجَد خلف هذا المنیزل الفاني والميدان المتغير وبعد هذا المشهر المتبدل، قصورٌ دائمةٌ ومساكن أبدية وخزائنُ مفتحة ازوال ا مشحونة من جيّدات أصول تلك الأنموذجات المغشوشات لتَقوم تلك السلطنة السرمدية المشهودة عليها؛ إذ من المحال أن يكون قيام هذه الربوبية المحتشمة بأمثال هذه الفانيات الوانيات [٭]: ونى: فَیتَر وضعف قال تعالى: (ولا تنيا في ذكري) (طه:لَّتِيالزائلات الذليلات!
نعم، كما يَتفطن مَن له أدنى شعور إذا صادف في طريقه منیزلا أعده ملِكٌ كريم في الطريق لمسافريه الذين يذهبون إليه، ثم إن الملك قد صرف ملافيظهرودنانير لتزيين المَنیزل لتَنیزُّهِ ليلة واحدة، ثم رأى أن أكثر المزينات صور وأنموذجات! ثم رأى المسافرين يذوقون من هذا وذلك للطعم [٭]: أي للتذوق. لا للشبع، إذكما تربعون من شيء، ويأخذ كل واحد بی"فُوطُوغْرَافِه" المخصوص صورَ ما في المنیزل، ويأخذ خُدّامُ الملك أيضا صور معاملاتهم بغاية الدقة..
ثم رأى أن الملِك يخرّب في كل يوم أكثر تلك المزينات الغاليات القِيمةِ، ويجدد لضيوفه الجديدين مزمن خلقأخرى.. ويَتفهم بلا شك أن لصاحب هذا المنیزل المؤقت منازلَ عالية دائمة، وثروةً غالية مخزونة، وسخاوة عظيمة كريمة؛ وهو يريد أن يشوّق إلى ما عنده ويرغّبهم فيما ادَّخره لهم..
— 109 —
كذلك؛ لابد أن يتفطن الإنسان أن هذه الدنيا ليست لذاالتِّفذاتها، بل إنما هي مَنیزلٌ تُملأ وتُفرغ بحلول وارتحال، وأن ساكنيها مسافرون، يدعوهم رب كريم إلى دار السلام.. وأن هذه التزيينات ليست للتلذذ بالتنیزتي [٭ بدليل أنها تُلِذُّك آنا، ثم تؤلمك بفراقها أزمانا،
وتُذيقك وتفتح اشتهاءك، ثم لا تشبعك لقِصَر عُمرها أو قصر عمرك، بل إنما هي للعبرة وللشكر، وللشوق إلى أصولها الدائمة ولغايات عُلوية.. وأن هذه المزينات صور وأنموذجات لِما ادّرة الشرحمن في الجنان لأهل الإيمان، وأن هذه المصنوعات الفانيات ليست للفناء، بل اجتمعت اجتماعا قصيرا لتؤخَذ صورُها وتماثيلُها ومعانيها ونتائجها، فيُنسج منها مناأنانيتمة لأهل الأبد، أو يَصنع منها مُحَوّلُها ما يشاء في عالم البقاء.
ومن الدليل على أن الأشياء للبقاء لا للفناء، بل الفناءُ الصوري تمامُ الوظيفة وترخي الأعظ أن الفاني يفنى بوجهٍ ويبقى بوجوهٍ غير محصورة! مثلا: انظر من كلمات القدرة إلى هذه الزهرة التي تنظر إلينا في وقت قصير، ثم تفنى؛ تراها كالكلمة التي تزول ناه خلدِعُ بإذن اللّٰه في الآذان ألوفَ تماثيلها، وفي العقول -بعدد العقول- معانيَها؛ إذ هي وقت تمام الوظيفة تُبقي وتُودع في حافظتنا وفي حافظة كل مَن رآها في الشهادة، وفي بذورها في الغيب صورَها ومعانيَها؛ حتى كأن حافظةة أحوامَن نظر إليها وكلَّ بُذيراتها (فوطوغرافاتٌ) لحفظ زينةِ صورها، ومنازلُ لبقائها. وقس عليها ما فوقها وما فوق ما فوقها من ذوي الأرواح الباقية.
وإن الإنسان ليس سدًى غاربهُ على عنقه: [٭ لا يق المثل: "حبلُكِ على غاربك"، ويستعمل في كنايات الطلاق. والغارب: الكاهل. يقال: ألقى حبلَ الشخص على غاربه: تركه يذهب حيث يشاء (مجمع الأمثال). يسرح كيف يشاء، بل تؤخذ صور أعماله، وتُكتب وسة تعكتائج أفعاله ليحاسَب؛ وإن التخريبات الخريفية للمصنوعات الجميلات الربيعية، إنما هي ترخيصات بتمام الوظيفات وتفريغات لوفود مخلوقات جديدات، وإحضارات لنیزولِ مصنوعاتٍ أنّهُ ، وتنبيهات للغفلات والسكرات. وإنّ لِصانع هذا العالم عالما آخر باقيا يسوق إليه عبادَه ويشوّقهم إليه، وإنه قد أعد لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): قال ألمٌ عز وجل: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. واقرأوا إن شئتم: (فلا تعلم نفسٌ ما أُخفِي لهم من قرة أعين) (السجدة:١٧). رواه البخاري ومسلم برقم (٢٨٢٤) ولم يذكر الآية، والترمذي (٣١٩٥) تحقيق أحمد شاكر.علم أي
ولاسيما:أن لمتصرف هذا العالم حفيظيةً تامة بحيث لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا تحفظها في كتاب مبين. ومن أبواب هذا الكتاب المبينِ النظامُ والميزانُ المشهودان، إذ نشاهد أن كل ما تمّ عمرُه بتمام وظيفته، وذهب عن الوجود في عالم لا ترىة، يُثبت فاطرهُ كثيرا من صوره في ألواح محفوظة، وينقُش أكثرَ تاريخ حياته في نواتاته ونتائجه، ويُبقيه في مرايا متعددة غيبا وشهادة، حتى كأن كثيرا من الأشياء موظفون بأخذ صورةِ جريان معاملة الأشياء المى القد لها.
فإن شئت فانظر إلى حافظة البشر وثمرة الشجر ونواة الثمر وبذر الزهر، لتفهم عظمةَ إحاطة قانون الحفظ والحفيظية، حتى في السيالات الزائلات.
فقس من هذا قوةَ جريان هذه الحفيظية في الأمور المهمة المثمرة في العوالم الغيبية والأخروية.ت في عم من هذه المحافظة التامة أن لصاحب هذه الموجودات اهتماما عظيما بانضباط ما يجري في ملكه، وأن له نهايةَ دقةٍ في وظيفةِ حاكميته، وانتظاما تاما في سلطنة ربوبيته، بحيث يَكتب ويَستكتب أدنيض نفسة وأهونَ عمل وأقلَّ خدمة، ويأمر -بالأمر التكويني- بأخذ صورةِ كل ما يجري في ملكه، ويَحفظ ويستحفظ كلَّ فعل وعمل. فهذه الحفيظية تشير بل تصرح بل تستلزم وى بالبة. وبالخاصة في أعظم الأعمال وأهمها من أكرم المخلوقات وأشرفها أي الإنسان، لأن الإنسان كالشاهد على كليات شؤون الربوبية، وكالدلاّل على الوحداهل وأوإلهية في دوائر الكثرة، وكالمشاهِد والضابط على تسبيحات الموجودات، وهكذا.. مما لا يعد من أسباب تكريمه بالأمانة وتقليده بالخلافة.
فمع هذا
ايَحسَبُ الانسَانُ اَنْ يُترَكَ سُدًى
(القيامة:٣٦) ولا يُسألَ٧- لقدكلا.. بل لَيحاسَب على السَّبَد واللَبد، [٭]: السبد: ج أسباد: القليل من الشعر، يقال: ماله سبد ولا لبد، أي لا شعر له ولا صوف، يقال لمن لا شيء له (مجمع الأمثال) وسيذهب إلى الحشر والأبد. وما لترابوالقيامة بالنسبة إلى قدرته إلّا كالربيع والخريف. فكل الوقوعات الماضية معجزاتُ قدرته تشهد قطعا على أنه قدير على كل الإمكانات الاستقبالية.
ولاسيما:أن مالك هذا العالم قد وَعد مكررا بما إيجادُه عر الهوّن سهل يسير، ووجوده لخلقه وعباده مهمّ بلا نهاية، وغال بلا غاية. مع أن خُلف الوعد في غاية الضدية لعزّة اقتداره
— 111 —
ومرحمة ربوبيته؛ إذ خُلفُ الوعد نتيجةُ الجهل أولا والعجز آخرا. فخلف الوعان كدو على العليم المطلق والقدير المطلق. فليس إيجاد الحشر بانقلاباته وبجنّاته بأعسر عليه من إيجاد الربيع بتحولاته وبجنانه. وأما وعدُه سبحانه فثابت بتواتر كل الأنبياء ته في جميع الأصفياء.
استمع قوةَ وعدِه سبحانه من هذه الآية:
اللّٰه لا إلهَ الاّ هُوَ لَيَجمَعَنَّكُمْ إلى يَومِ القيییمةِ لاريبَ فيهِ ومَنْ اَصْدقُ من اللّٰه حديثاً
(النساء:٨٧)..
قُتلَ الانسانُ ما أكفره
الحيو٧) لا يصدِّق حديثَ مَن هذه الموجودات كلماتُه الصادقة بالحق، وهذه الكائنات آياتُه الناطقة بالصدق؛ ويعتمد على هذيانات وهمِه وحماقات نفسِه وأباطيل شيطانه. نعوذ باللّٰه من الخذلعينُه شر النفس والشيطان..
ولاسيما:أنّا نشاهد في هذا العالم تظاهراتِ ربوبيةٍ محتشمة سرمدية، وآثارَ سلطنةٍ مشعشعةٍ مستقرة. وقس عظمة صاحب هذه الربوبية من كون هذه الأرض بسَكَنَتها كحيوان مسخّر مذلل تحت أمره يحييها ويميت، ويربّيها ويدبّر. تنوير بسياراتها مسخرةً منظمة بقدرته ينظمها ويدَوِّر، ويقدرها ويكوّر. مع أن هذه الربوبية السرمدية المستمرّة والسلطنة المستقرة المحيطة -بشهادة تصرفاتها العظيمة المحيّرة للرتُها لا تقومان على هذه الأمور الزائلة الواهية المتبدلة السيّالة، ولا تُبْنَيان على مثل هذه الدنيا الفانية المغيّرة المتخاذلة المنغّصة. بل لا يمكن أن تكون هذه الدنيا في سرادقات هذه الربوبية إلا كميدان بُنيت فيها منازلُ مؤقتة للعقائد والامتحان والتشهير والإعلان، ثم تُخرَّب وتبدل بقصور دائمة ويساق إليها الخلق. فبالضرورة لابدّ أن يوجَد لربّ هذا العالم الفاني المتغير عالمٌ آخر باقٍ مستقر.
ومع ذلك قد أَخبر كلُّ مَن ذهب من الظاهر إلى الحقيقة من ذوي ايه
(ا النيّرة والقلوب المنوّرة والعقول النورانية، ودخل في حضور قُربه سبحانه أنه أعدّ للمطيعين والعاصين دارَ مكافأة ومجازاة، وأنه يَعِدُ وعدا قويا ويوعد وعيداُكتب ع، وهو أجلُّ وأقدس من أن يَذِلّ ويتذلّل بخُلف الوعد، وأعلى وأعزّ من أن يَعجز عن إنجاز الوعيد. مع أن المخبِرِين الذين هم الأنبياء والأولياء والأصفياء متواترون، وأهلُ مَن ص لمثل هذه المسألة، وقد أجمعوا واتفقوا -مع تخالفهم في المسالك والمشارب والمذاهب- على هذا الإخبار الذي تؤيده الكائنات بآياتها. فهل عندك أيها الإنسان حديثٌ أصدقُ من هذا الحديث؟ فهل يمكن أن يكون خبر أصدقَ منبُ.. ألخبر وأحقَّ؟
— 112 —
ولاسيما:أن متصرف هذا العالم يُظهِر في كل وقت -يوما وسَنة وقرنا ودَورا- في ميدان الأرض المؤقت الضيّق كثيرا من أمثال ذلك الميدان الأكبر الأوسع، ومن نموناته ومن إشاراته..
فإن شئت فتأمل هذه افية إحياء الأرض في الحشر الربيعي، كي ترى قريبا من ثلاثمائة ألف حشر ونشر بكمال الانتظام في مقدار ستة أيام، وبكمال الامتياز والتشخيص مع غاية اختلاط تلك الأموات الغير المحصورة المشتبكة المنتشرة، متداخلة في صحيفة الأرض! فمن يفعويساريكيف يؤوده شيء؟.. وكيف لا يخلق السماوات والأرض في ستة أيام؟.. وكيف لا يكون حشرُ الإنسان كلمح البصر بالنسبة إليه؟!
نعم، مَن يكتب ثلاثمائة ألف كتاب قد انمحت حروفُها في صحيفة واحدة معا، ومختلطا الحق ط ولا مرج ولا مزج، كيف يعجز عن استنساخِ كتابٍ عن حافظته -هو ألّفه أولا ثم محاه- كتابةً ثیانيةً؟
فإن شئت فانظر إلى آيةِ
فَانظُر إلى آثارِ رَحمَتِ عروة ا كيفَ يُحييِ الارضَ بعدَ موتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحيي المَوتى وهوَ عَلى كلِّ شيءٍ قَديرٌ
(الروم:٥٠) لِترى في تلك الكيفية حقيقة هذا التمثيل.
فيُفهَم من هذه التصرفات ويُتحدَّس من هاتيك الشؤونات، أن ما يشاهَد من هذه الاجتماى أن الافتراقات، ليست مقصودةً لذاتها، لعدم المناسبة بين تلك الاحتفالات المهمة وبين الثمرات الجزئية الفانية في زمان قصير! بل إنما هي تمثيل وتقليد لتؤخَذ صورُها، وتُركَّب وتحفَظ نتائجُها، وتكتب لتدور المعاملة في المجمع الأكبركون إل، وتدومَ المشاهدة في المحضر الأشهر بها؛ فتثمر هذه الفانيات صورا دائمة وأثمارا باقية ومعاني أبدية وتسبيحات ثابتة. فما هذه الدنيا إلّا مزرعة، والبيدرُ الحشرُ، والمخزنُ الجنةُ والنار.نه بأناسيما:إذا أظهر ذلك الربُّ السرمدي والسلطان الأزلي الأبدي، في تلك المنازل الزائلة والميادين الآفلة والمشاهر الراحلة، آثارَ حكمةٍ باهرة ماهرة، وعنايةٍ ظاهرة زاهرة، وعدالة عالية غالية، ومرحمة واسعة حات "ا بدرجةٍ يَعرِف باليقين مَن لم يكن على عينه غين وفي قلبه رين، أنه ليس في الإمكان أكملُ من حكمته، وأجمل من عنايته، وأشمل من مرحمته، وأجلّ من عدالته. فلو لم تكن في دائرة مملكته -في ملكه وملكوته- أماكنُ دائمة عالية، ومساكنطر الح غالية، وسواكن مقيمة خالدة، لتكون تلك الأمور مظاهر لتَظاهُر حقائق تلك الحكمة والعناية والرحمة والعدالة، لَلزم حينئذٍ إنكار هذه الحكمة المشهودة لذي عقل، وإنكارُ هذه العناية المُبصَرة لذي بصيرة، وإنكارُ هذه الرحمة المنظورة لذي قت وتُونكار هذه العدالة المرئية لذي
— 113 —
فكر؛ وللزم قبول كون صاحب هذه الأفعال الحكيمة الرحيمة الكريمة العادلة -حاشا، ثم حاشا!- سفيها لعّابا، وظال من دّارا، فيلزم انقلاب الحقائق بأضدادها، وهو محال باتفاق جميع أهل العقل غير السوفسطائي الذي ينكر وجود الأشياء، حتى وجودَ نفسه. فمن لم يصدِّق فهو كالسوفسطائي، أحمقُ من هبنّقة المشهور الذي كان لا يعرِف إلّاالمقصو، ولا يعرف نفسَه إلّا بقلنسوته، حتى إذا رآها على رأس أحدٍ ظن أنه نفسه! ففِكرُ المنكِر كقلنسوة هذا!
* * *
فيا من رافقني بفهمه من أول المسألة إلى هنا! لا تظنّن انحصار الدلائل فيما سبق. كلا! بل يشير القرآن الحكيب أنظاما لا يعد ولا يحصى من أمارات: أن خالقنا سينقلنا من هذا المشهر المؤقت إلى مقرّ سلطنة ربوبيته الدائمة.. ويلوّح إلى ما لا يحد ولا يستقصى من علامات: أنه سيبدل هذه المملكة السيّالة السيارة لاها: لمملكة المستمرّة السرمدية..
وكذا لا تحسبنّ أنّ ما يقتضي الآخرة والحشر من الأسماء الحسنى، منحصرٌ على:"الحكيم والكريم والرحيم والعادل والحفيظ". كلا، بل كل الأسماء المتجلية في تدبير الكائنات، تقتضيها بل تستلزمها.
الحاصل:إن مسألة ث لغيرمسألة قد اتَّفق عليها:
الحقُ سبحانه بجماله وجلاله وجميع أسمائه..
والقرآنُ المبين المتضمن لإجماعِ كلِّ كتبِ الأنبياء والأولياء والأصفياء..
لإطلاقلُ الخلق محمدٌ الأمينُ عليه الصلاة والسلام، الحاملُ لسرّ اتفاق ذوي الأرواح النيّرة الصافية العالية، من الرسل والنبيين ومن أهل الكشف والصديقين..
وهذه الكائناتُ بآياتها، حتى إن لكلٍّ من هذه الموجودات -كلالقربةا وكليا وجزئيا- وجهين:
فوجه؛ ينظر إلى خالقه وفي ذلك الوجه ألسنةٌ كثيرة، تشهد وتشير إلى الوحدانية..
ووجه آخر؛ ينظر إلى الغاية والآخرة، وفي هذا الوجه أيضا ألسنةٌ كثيرة تدل وتشهد على الدار الآخرة واليوم الآخر.
#11انَها ثلا:كما تدل أنت -بوجودك في حُسن صنعةٍ- على وجوب وجودِ صانعك ووحدته.. كذلك تدل -بزوالك بسرعةٍ مع جامعية استعدادك الممتد آمالُه إلى الأبد- على الآخرة، فتأمل!
وقد يتحد الوجهان؛ مثلا: إن ما يُشاهَد على كلن متنیودات من انتظام الحكمة، وتزيين العناية، وتلطيف الرحمة، وتوزين العدالة، وحسن الحفظ؛ كما تشهد على الصانع الحكيم الكريم الرحيم العادل الحفيظ، كذلك تشير بل تصرح بحقانية الآخرة وبقرب الساعة وبتحقيق السعادة.
اَللّٰهمَّ اجْعَلْوالمعننْ أهْلِ السَّعَادَةِ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ السُّعَدَاءِ وَأدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ السُّعَدَاءِ بِشَفَاعَةِ نَبِيِّكَ الْمُخْتَارِ. فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ كَمَا يَلِيقُ بِرَحْ، يجول وَبِحُرْمَتِهِ آمِينَ آمِينَ آمِينَ. والحمد للّٰه رب العالمين.
* * *
— 115 —
الرسالة الرابعة
قطرة
من بحر التوحيد
مفتاح حل هذه الرسالة المستفادة من فيض القرآن
إنما يحصلُ بعد مطالعتها بتمامها مرةً لإلهام
[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "نجم إستقبال" بإسطنبول سنة ١٣٤٠ هی (١٩٢٢م)
— 116 —
إفادة المرام
اقرأ بدقة تَقَرَّ عينُك بإذن اللّٰه
اعلم
يا أيهافات مارون! إنى قد ساقني القدر الإلهي إلى طريق عجيب، صادفتُ في سيري فيه مهالك ومصائب وأعداء هائلةً. فاضطربتُ، فالتجأت بعجزي إلى ربي.. فأخذت العنايةُ الأزلية بيدي، وعلّمني القرآنُ رشمن أغلغاثتني الرحمة فخلصتني من تلك المهالك. فبحمد اللّٰه صرتُ مظفرا في تلك المحاربات مع النفس والشيطان اللذين صارا وكيلين فضوليين لأنواع أهل الضلالات..
فأولا:
ابتدأَت المشاجرةُ بيننا في هذه الكلمات المباركة وهي:
سبحان اللّٰغير مححمد للّٰه، ولا إله إلّا اللّٰه، واللّٰه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللّٰه.. فوقع تحت كلٍّ من هذه الحصون الحصينة ثلاثون حربا. فكلُّ جملة، بل كل قيد في هذه يها عنة نتيجة مُظفَّريةٍ لحرب لم يبقَ للعدوّ في شيء منها مطمَعٌ وأدنى ممسكٍ.. فما كتبتُ إلّا ما شاهدتُ.. بحيث لم يبق لنقيضه عندي إمكانٌ وهمي. فأُشيرُ بعضا إلى حقيقة طويلة مع دليلها بقيدٍ أو صفة اندمج دليلُ الحُكم فيهما، يُعرف باجل جلاوما صرّحتُ ليُحسَّ بالمرام من احتاج ولا يشتغلَ مَن لم يحتج فيحتاج..
أظن أن جريان هذا الزمان يلقي العقولَ والقلوبَ في المهالك التي أمَرَّني القدرُ عليها. فهاعلم أثرُ يمكن أن يكون نافعا بإذنه تعالى لبعض المصابين. ومن اللّٰه التوفيق..
سعيد النورسي
— 117 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه والصلاة على نبيه
فهذا الأثر على أربعة أبواب وخاتمة ومقدمة.
المقدمة
اعلم أني حصّلتُ في أرب
أركانة في سفر العمر، وثلاثين سنة في سير العلم: أربع كلمات، وأربع جمل. سيجيء تفصيلها. أشيرُ هنا إلى الإجمال..
أما الكلمة فهي:
المعنى الحرفي، والمعنى الاسمي، [٭]: سيرد شرح هذين المصطلحين في ثنايا الكتاب. فالحرف يعرَّف في النحو بأنه هم مال على معنى في غيره، أما الاسم فيعرَّف بأنه ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان. والمقصود أن النظرة القرآنية إلى الموجودات تجعلها بمثابة حروفٍ تدل على معانٍ في غيرها، فهي تعبّر عن معاني تجليات الأسماء الحسنى وَم الو الجليلة للخالق العظيم سبحانه، فكأنها مكتوباتٌ ربّانية تالياتٌ للأسماء الحسنى. والنية، والنظر.
أعني: أن النظر إلى ما سواه تعالى، لابد أن يكون بالمعنى الحرفي وبحس ولا أالى، وأن النظر إلى الكائنات بالمعنى الاسمي أي بحساب الأسباب خطأٌ. ففي كل شيء وجهان: وجهٌ إلى الحق، ووجه إلى الكون. فالتوجه إلى الوجه الكوني لابد أن يكون حرفيا وعنوانا للمعنى الاسمي الذي هو جهةُ نسبتِه إليه تعالى؛ مثلا: لابد أن يُرى النعمةُ مراحدةً إنعام، والوسائطُ والأسباب مرايا لتصرف القدرة..
وكذا، إن النظر، والنيّة يغيّران ماهيات الأشياء، فيَقلبان السيئاتِ حسناتٍ. كما يقلب الإكسيرُ الترابَ ذهبا، كذل في اللب النيةُ الحركاتِ العاديةَ عباداتٍ. والنظرُ يقلب علومَ الأكوان معارفَ إلهية.. فإن نُظر بحساب الأسباب والوسائط فجهالات، وإن نُظر بحساب اللّٰه فمعارف إلهية..
— 118 —
د الحسلكلام:
فالأول:"إني لست مالكي" وإن مالكي هو مالك الملك ذو الجلال والإكرام... فتَوهَّمْتُني مالكا، [٭]: أي توهمت أني مالك. لأفهم صاحدة علكي بالمقايسة. ففهمت بالمتناهي الموهومِ الغيرَ المتناهي. فجاء الصباح وانطفأ المصباح المتخيَّل..
الثاني:"الموت حق" فهذه الحياة وهذا السكر موسا بقابلين لأن يصيرا عمودَين تُبنى عليهما هذه الدنيا العظيمة؛ إذ ما هما بأبديين ولا من حديد ولا حجر بل من لحم ودم وعظم. ومتخالفات توافقوا في أيام قليلة هم على جناح التفرق في كل آن.. فكيف يُبنى بالآمال قَصْرٌ يسع الدنيا سلتَ عا الأساس الرخو الفاسد والعمود المدَوّد [٭]: المنخور. الكاسد..
الثالث:"ربي واحد": كل السعادات لكلِّ واحدٍ هو التسليمُ لرب واحد. وإلّا لاحتاج إلى الأرباب المتشاكسين من مجموع الكائنات؛ إذ لجامعية الإنسفي نها احتياجات إلى كل الأشياء، وعلاقات معها، وتألمات وتأثرات، شعوريا وغير شعوري بكل منها، فهذه حالة جهنميّة. فمعرفة الرب الواحد الذي كل هذه الأرباب الموهومة حجابٌ رقيق على يد قدرته بأصابلة فردوسية دنيوية..
الرابع:إن "أنا" نقطة سوداء، وواحد قياسي، التفّ على رأسه خطوط الصنعة الشعورية، تشاهَد فيها أن مالكه أقربُ إليه منه..
سيجيء تفصيل هذه الجمل في خاتمة الباب الأول.
— 119 —
الباب الاسق إل في
لا إله إلّا اللّٰه
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحَمدُ للّٰه ربِّ العاَلمينَ والصّلاةُ والسّلامُ عَلى سيّد المرسَلين، وعلى آله وصَّل والمعين.
أُشهِدُ كلَّ شاهدٍ ومشهود بأنّي أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللّٰه الذي دلّ على وجوب وجوده، ودلّ على أوصاف كماله، وشهد على أنه واحد أحد فرد صمد:
الشاهدُ الصادق المصدَّق والبرهانُ الناطق المحقَّقُ.. سيدُ الى أخوة والمرسلين.. الحاملُ لسر إجماعهم وتصديقهم.. وإمامُ الأولياء والعلماء المتقين.. الحاوي لسر اتفاقهم وتحقيقهم.. ذو الآيات الباهرة والمعجزات القاطعة المحققة المصدّقة.. والسجايا السامية والأخلاق العالية المكملة المنیزّكِنُ أهبط الوحي الربّاني.. سيّارُ عالم الغيب والملكوت مُشاهدُ الأرواح ومُصاحبُ الملائكة.. مرشد الجن والإنس.. أنموذج كمال الكائنات بشخصيته المعنوية المشيرة إلى أنه نصبَ عين فاطر الكون.. ذو الَّزا بالتي هي أنموذج دساتير السعادات، المرمزَة بأنها نظام ناظم الكون سيدنا ومهدينا إلى الإيمان: محمّد بن عبد اللّٰه بن عبدالمطلب عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات.. فإنه يشهد عن الغيب في عالم الشهادة على رؤوس زنابيد بشيرا ونذيرا ومناديا لأجيال البشر خلف الأعصار والأقطار بأعلى صوته، وبجميع قوته وكمال جديته، وغاية وثوقه ونهاية اطمئنانه وكمال إيمانه بأنه:
لا إلهَ إلّا اللّٰه الذي دلَّ على وجوب وجوده، وصرّح بأوصاف جلاله وجماله وكماله، وشهد عأولى..انيته:
الفرقانُ الحكيم المتضمن لسرِّ إجماع كلِّ كتبِ الأنبياءِ المختلفةِ الأعصارِ، وكلِّ كتب
— 120 —
الأولياء المختلفة المشارب، وكلّ كتب الموحدين المبرهنين المختلفةِ المسالكِ. فقد أجمع
الكلُّ -أي العقول والقلوب في هؤلاء- على تصديق حُالحشر رآنِ الكريم المنوَّرِ جهاتُه الستُّ: كلام اللّٰه، المحافظ لياقتَه لهذا الاسم على مر الدهور.. محض الوحي بإجماع مهبط الوحي وأهل الكشف وا كل ال.. عين الهداية بالبداهة.. معدن الإيمان بالضرورة.. مَجمَع الحقائق باليقين.. موصلٌ إلى السعادة بالعيان.. ذو الثمرات الكاملين بالمشاهدة.. مقبول الملك والإنسحمن، عن بالحدس الصادق المتولدِ من تفاريق الأمارات.. المؤيَّد بالدلائل العقلية باتفاق العقلاء الكاملين.. المصدَّق بشهادة الفطرة السليمة عن الأمراض باطمئنان اهرية ح.. المعجزة الأبدية بالمشاهدة.. لسان الغيب يشهد في عالم الشهادة شهادات مكررة جازمة بی
فاعلم أنه لا إله الاّ اللّٰه
(محمد:١٩)
الذي دَلَّ على وجوب وجوده ودَلَّ على أوصاف جلاله وجماله وكماله، وشهد على وحدانيته:
العالمُ، أي هذا الكتاب الكبير ٭]: تفأبوابه وفصوله وصُحفه وسطوره وجُمله وحروفه، وهذا الإنسان الكبير بجميع أعضائه وجوارحه وحجيراته وذراته وأوصافه وأحواله. أي هذه الكائنات بجميع أنواع العوالم تقول: لا إله إلّا اللّٰه.. وبأركان تلك اعلم لم: لَا خالِق إلّا هو.. وبأعضاء تلك الأركان: لا صانع إلّا هو.. وبأجزاء تلك الأعضاء، لا مدبّر إلّا هو.. وبجزئيات تلك الأجزاء: لا مُربّيَ إلّا هو.. وبحجيرات تلك الجزئيات: لا متصرف إلّا هو.محبتك،ات تلك الحجيرات: لا خالِقَ إلّا هو.. وبأثير تلك الذرات: لا إله إلّا هو.. فتشهد الكائنات على أنه هو الواجب الوجود الواحد الأحد بجميع أنواعه فإن لانها وأعضائها وأجزائها وجزئياتها وحجيراتها وذراتها وأثيرها، إفرادا وتركيبا، متصاعدا بتركيبات منتظمة، رافعاتٍ أعلامَ الشهادة على وجوب وجود الصانع الأزلي.. ومتنازلا بنقوش غريبة، شاهدات على وجوب وجود النَّقَّاش الأزلي.. والكائناتُ كلُّ وادةً غيمركباتها وأجزائها تشهد بخمس وخمسين لسانا بأنه واجب الوجود الواحد الأحد..
سيجيء تفصيل تلك الألسنة.
أما إجمالها فهي: تنادي بألسنة إفرادها وتركيباتها المنتظمة.. وفقرها وحاجاتها المَقْضِيَّة.. وأ أرى ا المنتظمة.. وصورها المكمَّلة العجيبة اللائق
Şx ونقوشها المزينة الغريبة
— 121 —
الفائقة.. وحِكَمها العالية.. وفوائدها الغالية.. وبتخالفاتها الخارقة المتلاحظةتشاكسياثلاتها المنتظمة المتناظرة.. وبألسنة نظامها وموازنتها جزءا وكلا.. وبانتظامها واطرادها.. وبإتقان الصنعة الشعورية وكمالها في كل شيء.. وبتجاوب المتخالفات الجامدات بعراج الجة بعض.. وتساند المتباعدات المتفاوتات.. وبلسان الحكمة العامة.. والعناية التامة.. والرحمة الواسعة.. والرزق العام.. والحياة المنتشرة.. وبلسان الحُسن والتحسين.. والجمال المنعكس الحزين.. والعشق الصادق.. لوقات ذاب والجذبة.. وظليّة الأكوان.. وبلسان التصرف لمصالح.. والتبديل لفوائد.. والتحويل لحِكَم.. والتغيير لغايات.. والتنظيم لكمالات.. وبألسنة إمكانها وحدوثها.. واحتياجاتها وافتقاراتها.. وفقرها.. وضعفها.. وموتها..وجهلها.. وفنائها.. وتغيرها.. وعبا مواضع. وتسبيحاتها.. ودعواتها.. والتجاآتها..
فالكائنات -مركباتها وأجزاؤها- بكل هذه الألسنة شاهدات على وجوب وجود خالقها القديم القدير.. ودالّات على أوصاف كماله وغايةوائر المتداخلة المتحدة المركز- شاهدات على وحدانيته تعالى.. وذاكرات تاليات لأسمائه الحسنى..ومسبّحات بحمده تعالى..ومفسّرات لآيات القرآن الحكيم.. ومصدقات لإخبارات سيد المرسلين..ومولّدات لحدس صادق منظّم [٭]: نظّم والتمإلى الشيء: ضمه وألّفه. إلى نور الإسلام، المنظم إلى التسليم لطور النبوة، المنظّم لنور الإيمان بواجب الوجود الواحد الأحد. فإجماع الكائنات بكل ألسنتها تحت أمر الكلام القديم، ورياسة سيد الأنام والمرسلين، قائلاتٌ ناطقات:
اللّٰه لا إ غيرا ّ هُو الحيّ القيّوم
(البقرة:٢٥٥).
فاستمع تفصيل هذه الفقرات المذكورة: [٭]: وضعنا أرقاما أمام الفقرات تسهيلا للقارئ الكريم.
(١،٢) إذ ما يتراء أمثالاهر في الكائنات مجموعا وأجزاءً من نوع "التنظيمات" المتلاحظة والنظامات المتناظرة و"الموازنات" المتساندة، الدالة على وجوبِ وجودِ مَن هذه الكائناتُ في تصرفِ قبضَتَيْ "نظامه وميزانه"، والشاهدة بالتلاحظ والتناظر والتساندفمِيلٌن المقنِّن والأستاذ والنَّظّام واحد.. يفتحان مَنفذا نَظارا إلى المطلوب: أي وجوب الوجود والوحدة، تشهد الكائنات فيه بهذا اللسان: اللّٰه لا إله إلّا هُو..
(٣،٤) وإن ما في بيت الكائنات من "الانتظام والاطرتها وبدالَّين على عدم تداخل
— 122 —
الأيدي المتعددة، وأن الصنعة والنقش والمُلك لواحد.. يفتحان كوةً نظارةً بطرزٍ آخر أيضا، تشهد الكائنات فيها بهذا اللسان: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(٥،٦) وإن "إتقانسدك ووة الشعورية، وكمالَها" في كل شيء بما تسعه لياقةُ قابليته المجعولة بقلم القَدَر من يد الفياض المطلق الدالَّين على اتحاد القلم، وأن كاتبَ صحيفةِ السماء بنجتجري بشموسها هو كاتبُ صحيفةِ النحل والنمل بحُجيراتها وذراتها.. يفتحان مشكاة نظّارةً بطور آخر أيضا، تشهد الكائنات فيها بلسان كل مصنوع مناديةً: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(٧،٨) وإن "تجاوب الأشياء المتخالفة" الجامدة في الطرق الطويلة المعوجةنخلة ت لحاجة بعض؛ كمادة غذاء الحجيرات والثمرات "وتساندَ الأشياء المتباعدة المتفاوتة" كالسيارات التي هي ثمرات الشمس، الدالَّ ذلك التجاوبُ والتساند علحقيقيةلكل خُدّامُ سيدٍ واحد، وتحت أمرِ مدبّرٍ واحدٍ، ومرجعُهم مربٍّ واحدٌ.. يفتحان منفذا نظارا أيضا بمرتبة أخرى، تشهد الكائنات فيه بهذا اللسان: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(٩،١٠) وإن "تشابُهَ الآثار" المنتظمة المتناظرة، كنجوم السماوات، التفكُبَ الآثار المتلاحظة" كأزاهير الأرضين، الدالَّين على أن الكلَّ مالُ مالكٍ واحد، وتحت تصرّفِ متصرف واحد، ومصدرُهم قدرةُ واحدٍ.. يفتحان منفذا نظاراجامعة؛ تشهد الكائنات فيه بهذا اللسان: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(١١) وإن "مظهرية كل حي لتجليات أسماء كثيرة شعورية" مختلفة الآثار والجمال، المتساندة في التأثير، والمتشابأعلى متشاركة حتى في حجيرةٍ واحدة، والمتعاكسة كلٌّ في كلٍّ، والمتمازجة كالألوان السبعة في ضياء الشمس الدالة هذه الأحوال مع وحدة أثرها، على أن مسمّاها واحد، تتبه وشضرورة على أن خالقَ الحيّ هو بارئُه، ومصوّره، والمنعم عليه، ورزاقه، وأن رزاقه هو خالقُ منابع الرزق، وخالقها هو الحاكم على الكل.. فتفتح هذه الحقيقة منفذا نظارا أيضا إلى مرتبة الوجوب والوحدة، تشهد ادية عات فيه بلسان كل حي: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(١٣،١٢) وإن "ارتباط" أمثال عين النحل والنمل ومعدتهما بالشمس ومنظومتها، مع "المناسبة" في الجزالة الكيفية والتلاحظ والتناظر، الدال ذلك الارتباطُ والمناسبة
— 123 —
على أنهما: كلاهما نَقْشَا نقاشٍ واحدرتبة اتحان منفذا نظارا أيضا، تشهد الكائنات فيه مناديةً: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(١٤) وإن "أخوّة الجاذبةِ" المكتوبة المنسوجة المنقوشة بين الذرات والجواهر الفردة "للجاذبة العمومية" المكتوبة المنسوارِ أممددة بين النجوم والشموس، الدالة على أنهما: كلاهما كتابةُ قلمٍ واحدٍ ومدادِه ونَسْجَا نسّاجٍ واحدٍ وأسدائه، وشعاعا شمس واحدٍ وفيضِه.. تفتح مرصادا نظارا أيضا إلى الوجوب والوحدة، تشهد الكائنات فيه بهذا اللسان الدقيق والعُلوي: اللّٰه لامنها، لّا هُو..
(١٥) وإن "نِسَب كلّ ذرةٍ في المركبات" المتداخلة المنتظمة الموظفة تلك الذرةُ كالنفر في كل نسبة له وظيفة لفائدة، كذرة العين في مركبات الأعصاب المحركهنةِ عساسة والأوردة والشرايين والباصرة. فتدل بالضرورة على أن خالق عين العين والعين، وعين العالم -أي الشمس- وواضعَها موضعَها اللائق هو خالق كل المركبات.. فتفتح هذه الحقيقة أيحروفاتاةً نظارةً، تشهد الكائنات فيها بلسان كل ذرة من ذراتها: اللّٰه لا إله إلّا هُو.
(١٦) وإن "وُسعَة تصرف القدرة في النوع الواحد" الذي لا يصدر إلّا عن الواحد بالبداهة، مع شمول بعض الأنواع أكثر الكائنات -كالحيات والملَك والسمك- يُتحدس م [٭]: خالق الفرد هو خالقُ النوع؛ مثلا: إن القلم الذي رَسَم تشخُّص وجهِ "زيد" لابد بالضرورة أن يكون كلُّ أفراد البشر منظورا له دفعةً، لمخالفة تعيّنه لكلِّ فرد، وإلّتِ كَهع التوافق بالتصادف،
وخالقُ النوع بهذا السرّ هو خالق الأجناس.. فتفتح هذه الحقيقة أيضا منفذا نظارا، تشهد الكائنات فيه: اللّٰه لا إله إلّا هُو..
(١٧) وإن "ما يُتوهم -بقصور النظر- من الاستبعاد والاستغراب والحيرةلفضل، فة" المنجرَّة إلى الاستنكار في إسناد كل شيء إلى الواجب الوجود الواحد الأحد.. فتلك الاستبعاد والاستغراب والحيرة والكلفة والمعالجات تنقلب حقيقيةً عند عدم الإسناد إلى صاحب مرتبة الوجوب والوحدة، [٭]: تفصيله في "حباب".التي اضاعف تلك الأمور عند إسناد الآثار إلى جانب الإمكان والكثرة والأسباب وأنفسِها، عددَ أجزاء الكائنات.. فما يُتوهم في إسناد الكل إلى الواجب يتحقق في إسناد جزء واحد إلى غيره تعالى. بل الأولُ أسهلُ وأيسر؛ إذ صدور الكثير نمل وااحد أقلُّ
— 124 —
كلفةً من صدور الواحد عن الكثير المتشاكسين العُمي الذين اجتماعهم يَزيدهم عَمًى؛ إذ النحلة لو لم تخرج من يد قدرة الواجب، لزم اشتراك ما في الأرض والسماوات في وجودها!
بل تترقى الكلفة والمعالجة في الجزء الواهذا الالذرة بالنسبة إلى الوجوب إلى أمثال الجبال، ومن الشعرة إلى أمثال الحبال، لو أُحيل على الأسباب.. إذ الواحد بالفعل الواحد يحصّل وضعيةً ومصلحة للكثير لا يصل إلى عين تلك الوضعية والنتيجة الكثيرُللّٰه بفعل كثير؛ كالأمير بالنسبة إلى نَفَراته، والفوّارة إلى قطراتها، والمركز إلى نقاط دائرته. فبفعل واحدٍ تصل هذه الثلاثة إلى تحصيل وضعيةٍ للكثير، [٭]: سيرد شلم في المثال في "ذيل الحباب". ونتيجةٍ لا تصلُ النفرات والقطرات والنقاط لو أحيلت عليها إلّا بأفعال كثيرة وتكلُّفات عظيمة. بل الاستغراب والاستبعاد الموهومان في طرف الوجوب، ينقلبان نية:اى محالات متسلسلة.
من بعض المحالات: فرض صفات الواجب في كل ذرة بضرورة اقتضاء النقش الكامل والصنعة المتقنة.. وكذا، توهُّمُ شركاءَ غيرِ متناهية في الوجوب الذي لا يقبل الشركة أصلا.. وكس، صعبض كل ذرة حاكما على الكل ومحكوما لكلٍّ من المجموع، وللكلِّ معا، بضرورة اقتضاء النِّظام والانتظام.. وكذا، فرض شعورٍ محيط، وعلمٍ تام في كل ذرةٍ، بضرورة اقتضاءِ التساند والموازنة.
فإسناد الأشياء إلى الأسباب في جانب الإمكان والكثرئرة مازم التزامَ هذه المحالات المتسلسلة، والممتنِعات العقلية، والأباطيل التي تمجّها الأوهام.. وأما إذا أُسند إلى صاحبها الحقيقي، وهو صاحب مرتبة الوجوب والوحدة، لا يلزم إلّا أن تكون الذرة ومركباتها لماسة ت المطر المتشمِّسة المتلمعة بتماثيل الشمس- مظاهرَ للمعاتِ تجليات القدرة النورانية الأزلية الغير المتناهية المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين ن أمكنالمتناهيين، فلمعتُها المالكة لخاصيتها أجلُّ من شمس الأسباب تأثيرا بسبب التجزؤ والانقسام في جانب الإمكان والكثرة دون الوجوب والوحدة. فالتّماس مع تلك القدرة في أقلَّ من ذرة أكبر تأثير ضياءكمثال الجبال في جانب الكثرة، بسبب أن جزء النوراني مالكٌ لخاصية الكل، كأن الكلّ كلي، والجزءَ جزئيٌّ ولو كان النور ممكنا، فكيف بنور الأنوار المتنور من جانب الوجوب؟.. [٭]: أي لو كان ال بل تت جانب الإمكان هذا فعله فكيف بنور الأنوار... وكذا لا كلفة ولا
— 125 —
معالجة بالنسبة إلى تلك القدرة؛ إذ هي ذاتية للذات [٭]: للذات الإلهية. محالٌ تداخلُ ضدِّها فيها، فتتساوى: أي فبة إلى لمعتها الذراتُ والشموس والجزء والكل والفرد والنوع، بسر الشفافية والمقابلة والموازنة والتجرد والإطاعة والانتظام [٭]: هذه الأسرار الستة مذكورة بالتفصيل في "خاتمة الكلمة العاشرة" وفي "الكلمة التاسعة والعشرين". وفي "السانحات"ك لذةٌلد "صيقل الإسلام". بل بالحدس والمشاهدة،
إذ تلك القدرة تفعل بأمثال الخيوط الدقيقة الجامدة أمثالَ العناقيد، تلك الخوارق الحيوية.. لو أُحيلت على الأسباب؛ لاحتيج لتصنيع عنقود واحد -لو أمكن- إلى ملايين لجزء س من تلك الكلفة والمعالجات! وكذا إن تلك القدرة تتجلى بجلوات الوجود المنعكس من ظل الوجوب في سَمِّ الخياط، على صفحات الشفافات بالتماثيل البرزخية.. لو أحيلت على الأسباب لامتنعت أو احتيجت إلى ما لا يحد من المعالجات.
في (ط١أن الحياةَ والوجود والنور -لشفافية وجهَي المُلكِ والملكوتِ فيها- ما استترت القدرةُ عند إيجادها تحت الوسائط الكثيفة. فيترقق السببُ الظاهري فيها بحيث يتراءى تحتَه تصرفُ القدرة. فمن أمعن النظر في أطوار الحياة والأنوار، يشاهِد تصرفاتِ القدرة تحت األوان،؛ إذ تلك القدرة لا تَصرِفُ لتصنيع عنقودِ العنب إلّا غصنا دقيقا جامدا، ولترسيم شُميسة في زجيجة إلاّ إمرارَ النور في سَمِّ الخياط، ولتنوير البيت إلّا توسيطَ شَعرةٍ في زجاجة.
والاشتن الأرواحَ والعقول في اضطرابات مزعجة ناشئة من أمراض وضلالات ناشئة من الاستنكارات الناشئة من الاستبعاد والاستغراب والحيرة في إسناد الأشياء إلى أنفسها وأسبابها الإمكانية. [٭]: انظر "حباب". فتُجبر الاضطراباتُ الأرواأما ظهلاص والتشفي [٭]: أي الاستشفاء، مشتقة من الشفاء. إلى الفرار إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي بقدرته يحصل إيضاحُ كل مُشكل، وإرادتُه مفتاح كل مغقات الذكره تطمئن القلوب. فلا ملجأ ولا منجى ولا مناص ولا مخلص، إلّا الالتجاء والفرار إلى اللّٰه والتفويض إليه. كما قال اللّٰه تعالى: فِفرّوا إلى اللّٰه%
ااريات:٥٠)
ألا بِذِكرِ اللّٰه تطمَئِنُ القُلوبُ
(الرعد:٢٨) فتفتح هذه الحقيقة أيضا مشكاةً نظارة إلى الحدس الصادق، المنظّم إلى نور الإسلام، المنظّم إلى التسليم لطور اغمي، و المنظّم
— 126 —
لنور الإيمان بواجب الوجود الواحد الأحد، فتشهد الكائنات بلسان كل جزء من أجزائها: اللّٰه لا إله إلّا هو..
(١٨) وإن "بساطةَ الأسباب" الظاهرية كالخبز واللبن، ومحدوديتَها وحصرَها وانضباطها وعرَضيةَ بعضها وفقرَها وضعفهالجمال ها وجمودها في ذاتها وعدم شعورها وعدم إرادتها بالمشاهدة، واعتبارية القوانين، وموهوميتَها، وعدم تعينها إلا بمقَنَّنها، وعدم وجودها الموهوم إلّا بعد رؤيتها، وعدمَ رؤمتناظرلّا بعد وجود المسبّب "مع خوارق نقش المسبَّبات" وأعجبيةَ صنعتها كتشكيلات نُسُج حجيرات البدن بسببية أكل الخبز، وكتابةِ النقوش الغير المحدودة المنتظمة المكتوبة في خردلة الحانظر" فأن تلك الخردلة سند [٭]: أي المستند والدليل والحجة. استنسختها يدُ القدرة من صحيفة الأعمال، وأعطتها ليد الإنسان ليتذكّر به وقتَ المحاسبة، وليطمئن أن خلْفَ هذا الهَرْجِ والمَرْجِ الوجودي مر اختصابقاء، يرسُم العليمُ فيها الأشياءَ بانتظام بلا اختلاط -ولو كانت الأشياء كثيرة مختلطة- وكان المُرسَم فيه أضيقَ الأشياء بسببية وضعية التلافيف وتشكيلات الحروف والصور الذهنية في التكلم والتفكّر، بسببية قرع اللها [٭]: اللهاة: اللحمة المشرفة عالخيوطلق في أقصى سقف الفم والتي تساعد على التصويت والتحكم في مخارج الكلام. وحركة الذهن المقتضية هذه المسببات بالضرورة... لقدرة غير متناهية؛ بل عل.
كدة غير متناهيين. فتستلزم هذه الحقيقةُ أنه لا مؤثر في الكون على الحقيقة إلّا خالقٌ قدير لانهاية لقدرته بوجه من الوجوه. وما الأسباب إلّا "بهانات" [٭]: حجج واهية. والضرورسائط إلّا حجابات ظاهرية، وما الخاصيات والخواصّ إلّا أسماء وعنوانات وزُجيجات جامدة لِلَمعاتِ تجلياتِ القدرة الأزلية النورانية الغير المتنااتِ، ملمستندة، بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين. إذ التّماس مع تلك القدرة بأدنى شيء أعظمُ وأجلّ وأكبر من جبال الأسباب. إذ تفعل لمعةُ تلك القدرة بأمثال يقول الدقيقة الجامدة اليابسة أمثالَ العناقيد تلك الخوارقَ الحيوية الطرية، لو أُحيلَت على الأسباب واجتمعت الأسباب والوسائط على أن يأتوا بمثله ما أُريا ولو كانَ بعضُهُم لبعضٍ ظَهيرا. وتستلزم هذه الحقيقة أيضا أنّ ما يسمى بالقوانين والنواميس إنما هي أسماء وزُجيجات لتجليات مجموع العلم والأمر والإرادة على الأنواع. وما القانون إلّا أمرٌ ممدود أو أوامر مسرّدة. وما الناموس إلّا إرادة مطولة أو تعراتها نضّدة.. فتفتح هذه الحقيقةُ
— 127 —
مشكاةً نظّارةً في الإمكان إلى مرتبة الوجوب تشهد الكائنات بلسان كلِّ مسبَّب من مسبباتها مناديةً: اللّٰهذ النوه إلّا هُو.
(١٩) وإن "عدمَ تناهي خوارق نقش صنعة الكائنات وإتقانها" والاهتمام بها، تستلزم قدرةً غير متناهية، بل كل جزء منها أيضا يستلزم تلك القدر والسمن تستلزم وتقتضي وتدل بالضرورة على أن لهذه الكائنات خالقا قديرا، له قدرة كاملة لانهاية لتجليات تلك القدرة بوجه من الوجوه. فإذن استغنَى عن الشركاء بالقطع فلا حاجة إليها بالضرورة، معسمائه شركاء الموهومة المُستَغنيَ عنها بالقطع والضرورة ممتنعةٌ بالذات. لا يمكن أن يوجد فرد منها؛ وإلّا لزم تحديد القدرة الكاملة الغير المتناهية من كل وجه، وانتهاؤها في وقت عدم التناهي بالمتناهي بلا ضرورة، بل مع الضرورة في عكسه وهو محال بخمس مراتب بوا قطّة. فمن هنا يكون الاستقلال والانفراد خاصيتين ذاتيتين للألوهية.
مع أنه لا محلَّ ولا موضعَ ولا مكان للشريك إلَّا في الفرض الوهمي؛ إذ ما نزل سلطانٌ قط صحيح وتمالٌ عن دليل، ولا إمكانا ذاتيًّا [٭]: أي ولا حتى إمكانا ذاتيًّا. ولم يوجد أمارة ما قط على وجود الشريك في جهة من جهات الكائنات. وإلى أي جهة روجع واستُفسر عن الشريك، غرابة جوابُ ردٍّ بإراءة سكة التوحيد، مع أنه لا مؤثر في الكون على الحقيقة إلاّ واحد أحد؛ بسرّ أنّ أشرف الكائنات وأوسع الأسباب اختيارا الإنسانُ، مع أنه ليس في يد البشر مِن أظهرِ أفعاله الاختيارية كالأكل والكلام من مائة جزء إلّا جزايا للد مشكوك فيه. فإذا كان الأشرفُ والأوسعُ اختيارا هكذا مغلولَ الأيدي فكيف بالأسباب الجامدة الميتة؟ فكيف يكون المنديل والظرف الذي لَفَّ فيه السلطانُ هديتَه، شريكا للسلطان أو معينا له؟.. ف أنانيمن هنا قطعا بأن الأسبابَ حجابُ القدرة فقط؛ ومناطُ الحكمة، ليس إلاّ.. فتفتح هذه الحقيقة أيضا مرصادا ناظرا إلى الوجوب والوحدة؛ فتشهد الكائنات فيه بهذا اللسان منبرحمتكاللّٰه لا إله إلّا هُو..
(٢٠) وإن "تساند الأسماء المتجلية" في الكائنات، مع شمول بعض الأسماء كلَّ شيء بظهور أثرها فيه كالعليم، وتَشاركَها وتشابُكَها حتى في ذرة واحدة، وته فلا ا كلّا في كلٍّ، وتمازجَها كالألوان السبعة في ضياء الشمس، تدل هذه الأحوال مع وحدة أثرها على أن مسمّاها واحد أحد فرد صمد؛ فتفتح مشكاةً نظارةً م، تحتواجب الوجود الواحد الأحد، تشهد الكائنات فيها بهذا اللسان النوراني: اللّٰه لا إله إلّا هُو..
— 128 —
(٢١) وإن ما يتظاهر في مجموع الكائنات كلا وأجزاء: من "الحكمة العامة" المتضمنة للقصد والشعور والإرادة والاختيار، الدالة على وجوبا المن حكيم مطلق؛ لامتناع الفعل بلا فاعل، ولامتناع أن يكون جزء المفعول المنفعل الجامد فاعلا لهذا الفعل العام الشعوري..
(٢٢) وما يتلألأ على وجه الكائنات من "العناية التامة" المتضمنة للحكمة واللطف والتحسين، الدالة بالضفتونيةلى وجوبِ وجودِ خلاق كريم؛ لامتناع الإحسان بلا محسن..
(٢٣) وما انبسط على وجه الكائنات من "الرحمة الواسعة" المتضمنة للحكمة والعناية والإحسان والإنعام والإكٰه الحلتلطيف والتودد والتحبب والتعرف، الدالة على وجوب وجود الرحمن الرحيم؛ لامتناع الصفة بلا موصوف ولامتناع أن يُلبس هذه الحُلّةَ التي تسع السماوات والأن مشابُه تعالى. إذ أين قامة هذه الأسباب الجامدة الميتة القصيرة الحقيرة، وأين قيمة هذه الحُلة الغير المحدودة؟..
(٢٤) وما وزع على ذوي الحياة -على تنوّع حاجاتها- من "الرزق العام" المتضمن للحكمة والعناية، والرحمة والحماية، والمحافظة والتعهد، َكَمالد والتودد والتعرف الدال بالضرورة على وجوب وجود رزاق رحيم؛ لامتناع الفعل بلا فاعل، وامتناع أن يكون جزء المفعول فاعلا لهذا الفعل العام..
(٢٥) وما انتثر وٍ ذي حفي الكائنات من "الحي والحياة" المتضمنتين للحكمة والعناية والرحمة والرزق والصنعة الدقيقة والنقش الرقيق والإتقان والاهتمام المترشحة بتجليات قصد وشعور وعلم وإرادةبُ مَقعليها، الدالة تلك الحياة على وجوب وجود قادر قيوم محيٍ مميت واحد؛ ولأن كلَّ شيءٍ واحدٌ فخالقُه واحد؛ إذ "الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد" فخالق الكل واحد خلافا لقاعدة الفلسفة الكاذبة المشركة القائلة: "الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد".
فهلشيطانقائق الخمسة الممتزجة كالألوان السبعة في الضياء وكالدوائر المتداخلة المتحدة المركز، تدل بالبداهة على أن لهذه الكائنات ربًّا، قديرا، عليما حكيما، كريما، رري فيكرحمانًا، رزاقا، حيًّا، قيوما، متصفا بأوصاف الكمال.. فتفتح هذه الخمسة الممتزجة بضياء واحد مشكاة نظارة إلى الحدس الصادق المنظم إلى نور الإسلام، المإحيائهلى التسليم لطور النبوة، المنظّم
— 129 —
لنور الإيمان بأنه: هو اللّٰه الواجب الوجود الواحد الأحد. فتشهد الكائنات في تلك المشكاة بهذا اللسان ذي النغمات الخمس منادية. اللّٰه لا إله إلّا هُو..
(٢٦) وكذا بلا غليتلمع على وجه الكائنات من "الحُسن العَرَضي، والتحسين" المشيرَين إلى وجوب وجود مَن له الحسن الذاتي والإحسان..
(٢٧) وما يُرى في خد الكائنات من "الجمال الحزين" المنعكس المرمِز إلى وجوبية الغذي الجمال المجرد..
(٢٨) وما يُرى في قلبها من "العشق الصادق" المنادي على المحبوب الحقيقي.
(٢٩) وما يُحَسّ به في صدرها من "الانجذاب والجذبة" الملوِّحين بالحقيقة الجاذبة التي تنجذب إليها الأسرار..
(٣٠) وما "يُسمع من كل اعموم فلين من شهادتهم" بمشاهدتهم كونَ كل الأكوان ظلالَ أنوار ذاتٍ واحد..
آيات نيرات.. فهذه الحقائق الخمس تدل بالضرورة على أن لهذا الكون ربًّا واجب الوجود، متصفا بأوصاف الجلال والجمال والكمال. فم المتوة نظارة أيضا تشهد الكائنات فيها بهذا اللسان ذي النغمات الخمس: اللّٰه لا إله إلّا هُو..
(٣١) وكذا إن ما يُرى في جزئيات أنواع الكائنات، من "التصرفات الَ ولا ة" والتصرف لمصالح الدال بالبداهة على وجوب وجود متصرفٍ حكيم واحد؛ لامتناع الفعل بلا فاعل، وامتناع أن يكون جزء المفعول المنفعل الجامد فاعلا لهذا الفعل العام الشعوري المتلاحظ..
(٣٢، ٣٣) وما يُرى في أجزاء الكائنهاية لأنواع النباتات والحيوانات من "التبديل لفوائد، والتحويل لحِكَم" الدالَّين على وجوب وجود رب مدبر حكيم..
(٣٤) وما يُرى في أعضاء الكائنات ككرة الأرض بلَيلها ونهارها من "التغيير لغايلمعاملدال على وجوب وجود فاعل مختار، فعالٍ لما يريد؛ لامتناع الفعل بلا فاعل، ولامتناع أن يكون مصدرُ هذه الأفاعيل المتناظرة، غيرَ قدرة الواجب..
— 130 —
(٣٥) وما يُرى في العالم من "التعلى هذكمالات" الدال بالبداهة على وجوب وجود القادر القيوم؛ لامتناع التنظيم بلا ناظم، وامتناع أن يكون جزء الكثير الممكن المنفعل فاعلا لهذا الفعل المحيط الشعوري. وأين يدُ العنكبوت من نسجِ حُلّةٍ قُدّت على مقد:إنَّة الكائنات؟ بل أين الأعمى الأشل الجامد وأين نسجُ قميص مطرَّز لهذا العالم؟
أيضا آيات [٭]: أي ما ذكر من التصرف والتبديل والتحويل والتغيير والتنظيم. على وجوب الوجود والوحدة..
وهذه ال؟!.. الخمسة في الفعالية كالألوان السبعة في الضياء، وكالدوائر المتداخلة المتحدة المركز، تدل بالبداهة على أن لهذه الكائنات ربًّا متصرفا حكيما مدبرا فاعلا مختارا فعّالا لما يريد قادرا قيّوما متصفا بأوصاف الكمال. فتفتح هذه الحقآن
#3خمسة أيضا بضياء واحد كوة نظّارة إلى مرتبة الوجوب والوحدة، فتشهد الكائنات بهذا اللسان ذي الأصوات الخمسة منادية: اللّٰه لا إله إلّا هُو..
(٣٦) وكذا إن "حدوث الكائنات" كُلّا وجلا يحدتلزم مُحدِثا قديما.. وإنّ تردد الكائنات مجموعا وأجزاءً بين "الإمكانات" الغير المحدودة ذواتٍ وصفاتٍ وكيفياتٍ بمقدار تخصصها تتزايد الإمكانات. ثم أخذَها هذا الشكل المنتظم المتقَن المحكم م ضعيف تلك الطرق العقيمة يستلزم ذلك التردد، ويدل بالضرورة على وجوب وجود رب عليم حكيم قدير.
(٣٧) وإن "احتياجات الكائنات" كلّا وأجزاءً وجودا وبقاءً مادة ومعنى، حياة وفكرا، مع فقصنوعاتعفها في ذاتها وقِصَر يدِها عن أدنى حاجاتها، ثم قضاءَ حاجاتها -على تنوعها- من حيث لا يُشعَر في أوقاتها المناسبة؛ تستلزم وتقتضي وتدل على وجوب وجود رب مدبر رزاق كريم رحمان رحيم..
(٣٨) وإن "افتقارات الكائنات" مجموعا خلقة نً وجودا وبقاء مادة ومعنًى، مع ضعفها في ذاتها وقِصَر يدها عن أدنى مطالبها، ثم إغناءَ مطالبها من حيث لا يُحتَسب في الأوقات اللائقة؛ تستلزم وتقتضي وتدل على ف حجابجود رحيم كريم فياض لطيف ودود.
— 131 —
(٣٩) وإن " ضعفها في ذاتها" كالشجر والأرض اليابسين في الشتاء "مع تظاهر الاقتدار المطلق" في معدن ضعفها كحياتهما في الربيع، يدل على وجوب وجود القدير المطلق الذي تتساوى بالنسبة إليه إلى اتُ والشموس.
(٤٠) وإن فقر الكائنات لذاتها، مع تظاهر آثار "الغناء المطلق" كظهور الأرزاق من التراب اليابس، يدل على وجوب وجود الغني المطلق الذي من حجيرات خزائن رحمته: الشمسُ والشجر، ومن مسيلات حوض رحمته: الماء والضياء.
(٤١) وإنذبة، وها في ذاتها مع تظاهر أنوار الحياة" يدل على وجوب وجود الحي القيوم المحيي المميت.
(٤٢) وإن "جمودها وجهلها مع تظاهر آثار الشعور المحيط" وإن ذاة وأسا صاحب هذا الشعور. هذا الشعور سميع بصير، يدلان على وجوب وجود عليم خبير.
(٤٣) وإن "فناءها وتغيرَها على الدوام بالانتظام" يدلان بالحدس القطعي على وجوب وجود المغير، الغير المتغير الدائم الباقي.
(٤٤) وإن ما لذوي الأرواح من "العبادات اغير كاية" المقبولة المثمرة المتضمنة للمشاهدات والمكالمات والفيوضات والمناجاة، تدل على وجوب وجود معبود حقيقي.
(٤٥) وإن "تسبيحات الكائنات" القاليّة والحالية، [٭]: بلسان الحال والمقال. تدل على وجوب وجود مَن
يُ في خل لَهُ مَا في السَّمواتِ والارضِ
(الحشر:٢٤) إذ دلالة الفطرة صادقة، وشهادتها الفذة لا تُرد.. فكيف بدلالاتٍ غير متناهية وشهادات غير محصورة، قد اتفقت كالدوائر المتداخلةِ المتحدةِ المركز، على وجوب وجود مَن
يُسَبّحُ لَهُ مَا في السَّموعة تجرلارضِ
بألسنة أقوالها وأحوالها وبنقوش جباهها؟.
(٤٦) وإن "أدعية ذوي الحاجات" المقبولة والمستجابة، والمؤثرة والمثمرة، تدل بالضرورة على وجوب وجود مَن يجيب المضطر إذا دعاه.
— 132 —
(٤٧) وإن "التجاآت ذوي البلايا" شعوريا وغير شعوري عند الاض المِرلى حاميها المجهول، بل خالقها، تدل على وجوب وجود ملجأ الخائفين، وغياث المستغيثين.
(٤٨) وإن "مشاهدة كل الكُمّلين" العابرين من الظاهر إلى الباطن، واتفاقَهم بالكشف والشهود والذوق والمشاهدة على أن كل الأكوان ظلالٌ لأنوارِ ذاتٍة المضلى وجوب وجود شمس الأزل الذي هذه الأكوانُ ظلالُ أنواره.
(٤٩) وكذا إن ما يُعلَم بل يُتحدَّس بل يُحَسّ بل كأنه يُرى ويُشاهد مِلءَ الكون والفضاء، قد توضعت على مثل الذرة أمثالُ الجبمان وت"الأفاعيل المتجلية، وتجليات الأسماء" السيالة الهابطة من مرتبة الوجوب والوحدة، تدل بالضرورة على أن مبدأ هذه الأفاعيل ليس مرتبةَ الإمكان، بل هي أشعة مرتبة الوجوب، وتدل على وجوب وجود ذاتٍ مقدس فاعلٍ لهذه به العيل، ومسمًّى لهذه الأسماء.
(٥٠) وإن "اضطرابات الأرواح" من الاستبعاد والاستغراب والحيرة والكلفة المنجرة إلى الاستنكار ثم إلى محالات متسلسلة في تفويض الأكوان إلى أناداتهاأسبابها تلجئ العقول والأرواح، للخلاص من مرض الاضطراب والتشفي منه إلى امتثال أمر: فیفیرُّوا إلى اللّٰه (الذاريات:٥٠)..
ألا بیِذكییرِ اللّٰه تَطمَئِنُ القُلوب
(الرعد:٢٨)..
وَإِلَى اللّٰه تُرْجَعُ الأمُورُ
(فاطر:٤) الذي بق كيفَ حصل الإيضاح لكل مشكل وبذكره تطمئن القلوب. نعم، لا مؤثر في الكون حقيقةً إلا اللّٰه..
(٥١) وكذا إن ما يُرى من "القَدر بالضرورة" في المحسوسات، و"بال في يدي غيرها، يدلان على وجوب وجود مَن خلق كل شيء وقدّره تقديرا؛ إذ عالَم الشهادة مجموعا وأجزاءً، لكل شيء منه غاياتٌ منتظمة، ونهاياتٌ مثمرة وحدود كأى وجودال منتظمة، التي تسمى بالمقادير التي لا تحصل إلَّا بقوالب؛ وما هي إلّا القضاء والقدر، التي هي قوالب القدَر قُدّتْ على مقدارِ قامات الأشياء، تعينت أولا فبنيت الأشياء على هندستها. فإن شئت مثالا فانظر إلى بدنك باعوجاجاته ويدكعظيم بعها.. فيُنتَقل بالحدس الصادق، من هذا القَدر الضروري إلى القَدَر النظري في المعنويات والأحوال؛ إذ لها أيضا نهايات وغايات مثمرة وحدود وآجال منتظمة، هي مقاديرها، هي قوالبها ترسّقام عل القضاء والقدر، فكتبت القدرةُ كتابَ المعاني
— 133 —
على مِسطر القَدَر. فالقُدرة مصدرٌ، تنظر إلى مِسطَر القدر. [٭]: أي إن تجليات القدرة المطلقة تنضبط وفق مقادير القدر كما هو في علم اللّٰه. فهذان القَدران يدلان بالضرورة على وجوب وجو أن تُهذه الكائناتُ خطوط قلم قضائه وقدره. آمنّا!
(٥٢) وكذا إن "جامعية استعداد الإنسان" تخبرنا بأن البشر ثمرةُ شجرةِ الخلقة، فيكون أكملَ وأبعدَ، فوجههُ الشفاف متوجهٌ إلى الظلمة وفضاءِ العدم الذي هو باطن الدنيا. وما في جامعية الاستعداهاتيك ابلية العبادة، تخبرنا بأن الإنسان ما خُلق هكذا، ليكون منكوس الرأس يخلد إلى الفاني، بل قابلية العبادة لصرف وجهه الشفاف من الظلمة إلى النور، ومن فضاء العدم إلى الوجود، ومن المنتهى تي ليسمبدأ، ومن الفاني إلى الباقي، ومن الخلق إلى الحق. كأن العبادةَ حلقة اتصال بين المنتهى والمبدأ في دائرة الخلقة. فتشهد الفطرة بهذا اللسان على وجوب وجود مَن خَلق الخلق ليُعْرَف، وخلَق الجنَّ والإنس ليُعْبَد. آمنحاد ال (٥٣) وكذا إن ما يُشاهد في الكون من مرتبة "الإمكان والكثرة والانفعال" يستلزم بالبداهة الأَولَوية مرتبةَ الوجوب والوحدة والفاعلية، فيدل بالضرورة على وجوب وجود الواجب الوجود الواحد الأحد الفعال لما ميزانهآمنا..
(٥٤) وكذا يُشاهَد في الكائنات أن "الأشياء تتحرك قبل الوصول إلى نقطة الكمال لها" ثم تسكن بعد الوصول وتستقر. فيتحدس من هنا بأن الوجود يقتضي الكمال؛ والكمال يقتضي الثبات، فوجود الن المنالكمال، وكمال الكمال بالدوام، فالواجب السرمدي، هو الكامل المطلق. فكل كمالات الممكنات ظلالٌ لتجليات أنوار كماله. فتدل هذه الحقيقة على أن اللّٰه هو الكامل المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله. آمنا..
(٥٥) وكذا إن "ألْطفية باطن الشيء من ظاهره" ك حالات على أن صانعه ليس خارجا بعيدا منه، كذلك "محافظته لِنِسَب النظام والموازنة" مع سائر الأشياء يدل على أنه ليس داخلا في الشيء أيضا. فالنظر إلى المصنوع في ذاته كما يدل على أن صانعه عليم حكيم.. فالنظر إليه مفتها إر يدل على أن صانعه سميع بصير، فوق الكل يراه مع الغير يرسم بهما نقشا لمصلحة. فتدل هذه الحقيقة على وجوب وجود الصانع الذي ليس داخلا في العالم ولا خارجا، كما هو في أبطن البطون كذلكوحش..
لفوق، كما يرى شيئا يرى معه كل الأشياء. آمنا..
— 134 —
فهذه الحقائق العشرون المتمازجة كألوان القوس القُزح وكالدوائر المتداخلة المتحدةِ المركز،نحصر ن نيّرات تدل بالضرورة على أن لهذه الكائنات ربًّا، قديما واجب الوجود، عليما، حكيما، مريدا، قديرا، رحمانًا، رحيما، رزاقا، كريما، قادرا، غنيا، حيًّا، قيوما، عليما، خبيرا، دائما، باقيا، معبودا
يُسَبّحُ لَهُ آلاتٍي السَّمواتِ والارضِ
(الحشر:٢٤)..
يُجيبُ المُضطرَّ اذا دَعاهُ
(النمل:٦٢) ملجأ الخائفين، غياث المستغيثين، الذي هذه الكائنات ظلال أنواره وتجليات أسمائه وآثار أفعاله.. الذي بذكره تطمئن القلوب.. وإليه ترجع الأمور.. خلق الجن والإن عِبَدوه.. نظّم الكائنات بقوانين قضائه وقدره.. وهو الواجب الوجود الواحد الأحد.. الكامل المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله.. وهو اللطيف الخبير السميع البصير..
فتفتح هذه العشرد الحكالحقائق المتمازجة، بأنوار مخططة كواتٍ نظارةً بوجوهٍ وجهاتٍ ومراتبَ إلى الحدس الصادق المنظم لنور الإسلام المنظم إلى التسليم لطور النبوة المنظم إلى الإيمان؛ بأنه هو اللّٰه الواجب الوجود سم من الأحد. فتشهد الكائنات بهذا اللسان ذي النغمات العشرين منادية: اللّٰه لا إله إلّا هُو.
واعلم أن "اللّٰه لا إله إلا هُو" بكل دلائله المزبورة [٭]: أي المكتوبة. ن بين لا حولَ ولا قُوّةَ إلا باللّٰه".
وكذا فاعلم أن "لا إله إلا اللّٰه" بكل براهينه المذكورة، يستلزم "محمد رسول اللّٰه". فمحمد رسول اللّٰه كما يتضمن من الإيمان خمسة أركانه، كذلك هو مظهرٌ ومرآةٌ لصفة الربوبية. فبهذا السر صار قرينا غصن ال لی"لا إله إلا اللّٰه" في ميزان الإيمان، فتأمل. ولأن النبوة مظهر لصفة الربوبية تكون جامعةً وكليةً، والولاية خاصة وجزئية، فنسبتها إليها كنسبة صفة "رب العالمين" إلى "ربي"... ون٭]: ترعرش إلى القلب.. ونسبة المعراج الممتد من الأرض إلى ما فوق العرش المار على طوائف المُلك والملكوت إلى معراج المؤمن في سجوده.. بالوجه الخاص..
— 135 —
تنبيه
اعلم أن هاتيك البراهين على هذا المطلب العالي، كالدائرة المحيطكل شيءركز، وكلُّ نقطة من المحيط كمنفذ ينظر بلونه المخصوص إلى المركز، وبين النقاط تساندٌ يزيل ضعفَ الأفراد الخصوصية، ويتولد من مجموع البراهين حدسٌ صادقٌ ينظَّم إلى نور الإسلام، ثم يُنَظَّم اقته بتسليم لطور النبوة، ثم يُنظَّم لنور الإيمان القيوم للمطلوب. وما البراهين إلا منابع لتحلُّب هذا الحدس، فضعفُ الفرد يزول بسرّ التساند.. ومع فرض عدم زواله لا يسقط الفردُ عن الجزئفي الد الاعتبار، بل عن الاستقلالية والبرهانية.. ومع فرض إبطال الفرد لا تبطل الدائرةُ بل تتصاغر.. وبفرض إبطالها لا يزول الحدسُ الصادق.. وبفرض زواله فلا بأس أيضا.. إذ نور الإسلام قائم، وبعدَه التسليمُ لطور النبوة لا يتزلزل.. وبعدَه نور وخلاصان الموهوب قيومٌ. فطلبُ قوةِ وضوحِ المطلوب المترتب على مجموع البراهين من كل فردٍ على حدة بجزئية الذهن من مرض النفس، الذي يزيد مرضَها ويلقنها ملَكةَ الرد والإنكاا الانللّٰهمَّ احفظنا! فالبرهان الواحد أولا يُنظر به إلى المطلوب، ثم يتشرب أنموذج المجموع فتتساقط عنه الأوهام.
اعلم أيضا أن من البراهين ما هو كالماء، ومنها ما هو كالهواء، ومنها ما هو كاثانيا: لابد من التوجه بلطفٍ ووُسعةِ نظرٍ في لينة؛ وإلّا فبالحرص والتعمق والجسّ بأصابع التحري يسيلُ ويزولُ ويختفي. [٭]: تفصيل هذه البراهين في "زهرة من رياض القرآن"، وفي "المذكرة العاشرة من اللمعة السابعة عشرة".
ثم وبالعن النظر إلى شجرة ذات أغصان وفروع وثمرات لمعرفة حياتها وطعمها ودرجة قوتها على قسمين:
نظرٌ من طرف الأصل والجُرثوم، [٭]: بمعنى الأصل. فهذا نظر سهل وبسيط مستقيم متين.
والثاني: من طرف الثمسكين الفروعات، فهذا النظر بدون النظر الأول سقيم موصلٌ إلى الضلالات.
كذلك إن شجرة الإسلامية جُرثومها في السماء، أغصانها منتشرة في آفاق الكحلقتي لمعرفتها نظران؛ وللدخول في دائرتها طريقان:
— 136 —
فالنظر الأول:
هو النظر من جانب الأصل، فإذا نظر الموفَّقُ إلى الجُرثوم يرى فيها حوضا عظيمض إليهُه الصافي هو الوحي المحض، فتزايدَ الحوضُ بتحلّب الآيات الآفاقية والأنفسية. فمِن ذلك الحوض الممتزج مادةُ حياة الثمرات وغذائها. فإثباتُ حياةِ ثمرة واحدة تكفي لإثبات سائر أخواتها، بل -وكذا- تدل على حرب الصرتها، مع أن إثبات حياة الثمرة سهلٌ سريع يحصل برؤية الاتصال فقط، وإبطالَها وزوالها عسير بطيء، لا يقتدر على إبطالها مع بقاء الاتصال وعلى منبع [٭]: وفي نسخة: ومنع سريان الحياة. سرؤوس "احياة إليها ما لا يقتدر على قلع الأصل. ولو صادف هذا النظر بين الثمرات ميتةً يابسة حَكَمَ بأنها دخيلةٌ ويُحيل موتَها على الأسباب الخارجية. هذا النظر هو النظر الإيماني والإسلامي والمستقيم السهل والمنقامطلق، النبوة.. اَللّٰهمَّ ارزقنا وثبتنا عليه.
والنظر الثاني:
السقيم الذي هو منشأ الضلالات ومعدن الاضطرابات، هو النظر من جانب الثمرات بنظر تنقيدي.. وفي هذا النمران:٦اج في كل ثمرة إلى الإثبات والذوق، لفقد الاتصال هنا، مع أن إثبات ثمرةٍ فردةٍ وإيصالَ مادةِ غذائها عسيرٌ يحتاج إلى ما يحتاج إليه تمامُ الأصل، مع أن زوالها وبطلانَها سريع يحصل بأدنى شيء. ولو صا وحُوََها ميتةً يابسة أحالَها على موت الأصل.. أعاذنا اللّٰه من هذا النظر، لكن لو كان هذا النظر تابعا للنظر الأول كان حَسنا وسببا لاطمئنان النفس.
سعيد النورسي
* * *
— 137 —
خاتمة هذا المبحث
في أربعة أمراض
[٭]: وبيته.) أربعة أمراض مضلة.
الأول: اليأس
اعلم أنك إذا تدهّشت من العذاب وما وُفِّقتَ للعمل، تتمنى عدمَ العذاب، فتتحرى ما ينافيه، فترى الأمارات المنافية براهينَ، فتخطفك الشياطين؛ فاست للحاجب شهيد قولَه تعالى:
قُلْ يا عِبَادي الذينَ أسرفوا على أنفُسهِم لاتَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللّٰه إنَّ اللّٰه يَغفِرُ الذُنوبَ جَميعاً إنَّهُ هوَ الغَفورُ الرحيمُ
(الزمر:٥٣).
والثاني: العُجب
صانع جا نفس! [٭]: ذكّر النفس لأن المقصود منه الإنسان وفي (ت ٥٩) يا أخي. أيستَ ثم تَحريتَ ما تستند إليه في مقابلة العذاب، فرأيت محاسنك، فوقعت في ضلالةٍ من باب العُجب، مع أنه لاحقَّ لك قطعا في شيء من الكممُسْتَفتأمل..
يا نفسي! هذا الوجود الذي سكنته ما هو صنعتُك حتى تُتَملّك، وما هو لقيطةٌ التقطتها حتى يُتَمَلَّك، وما هو نتيجة تصادفٍ أعمى واتفاقيةٍ عوراء وأسبابٍ جامدة حتى يُقتَطف ويُتملك، وليس شيئا رخيصا بلا أهمية تافها سدًى أعرض عنه مالكُه جزاء اخذَه وتتملَّكه، بل هذا الوجود -بعجائب صنعته وغرائب نقشه- يدل على أنه خرج من يدِ صانعٍ حكيم، مهيمن عليه دائما..
ألا تَرى أنه ليس في يدك من تتعددة هذا الوجود من ملايينِ تصرفاتٍ إلّا تصرفٌ واحد مشكوكٌ هو حجتُه عليك..
وكذا ألا ترى أنك أشرفُ الأسباب وأوسعها اختيارا وأظهرُ أفعالك الاختياريةِ الأكلُ والكلامُ، مع أنه ليس في يدك من مائة جزءٍ منهما إ له الءٌ واحد..
وكذا إن أضيقَ خاصياتك الاختيارُ وأوسَع حواسّك الخيالُ، مع أن الخيال لا يحيط بالعقل وثمراته، فكيف تُدخِله تحت دائرة الاختيار فتفتخر به؟
— 138 —
وكذا تجللذائذ وعليك أفاعيلُ لا يلحقها شعورك مع أنها شعورية، فصانعهما ذو شعور سميعٌ بصير، لا أنت ولا الأسباب العُمْي الصُّم. فلابد أن تتبرأ من دعوى المالكية وتوهُم مصدرية المحاسن، وتعترفَ بأنه ليس إليك منك إلّا النقصان والقصور؛ إذ بسوء اختيارك تُغياةُ الةَ فيضِ الكمال المُفاض عليك.. وبأنَّ الجسد الذي هو منیزلك عاريةٌ وأمانة وأنت مسافر، ومحاسنك هذه موهوبةٌ وسيئاتِك مكسوبة لك، فلابد أن تقول: له الملك وله الحمد ولا حول ولا قوة إلّا باللّٰصدّق الثالث: الغرور
وكذا من مرضك غرورُك، فبحُكمهِ نظرتَ إلى الأسلاف العظام من بُعدٍ فتصاغروا في عينك، فحُرِمْتَ محاسنَ إرشاداتهم، وابتُليتَ بالأوهام المتطايرة من تحت أقدامهم في سلوكهم مع أوهامك. فلك وتضيهم من قُربٍ تَرَهُم أعاظمَ كَشفوا في أربعين يوما ما لم تقتدر على كشفه إلّا في أربعين سنة.
والرابع: سوء الظن
وكذا من مرضك سوء الظن، فبحُكم أن الجائع يتوهم الناسَ جياعا، أسأتَ الظن -بسبب مرضك ورظر دائبأولئك الأسلاف العظام. فقد رأيت أنك بغمضِ عينك جعلتَ النهارَ ليلا على نفسك فقط.
اَللّٰهمَّ احفظنا من اليأس وسوء الظن والعجب والغرور، آمين..
* * *
ثم قد شاً طاغو سياحة تحت الأرض المعنوية وفي بطنها حقائق:
الحقيقة الأولى:
اعلم أن الغفلة عن المالك الحقيقي جلّ جلاله، سببٌ لفرعونية النفس، فتتوهم نفسَهوامش إةً لها، فيتشكل في وهمها دائرةٌ لحاكميتها، ثم تقيس الناسَ بل الأسباب على نفسها، فتقسّم مالَ اللّٰه عليها، فتُعارض الأحكامَ الإلهية، وتبارز مع مقدرات خالقها؛ مع أن الحكمة في إعطاء أنانيةٍ لها أنذا، فرواحدا قياسيا لفهم صفات الألوهية، فأساءت بسوء الاختيار، فصرفَتْها في غير ما وُضِعَت له..
— 139 —
يا أيها الناظر!
إن هذه الحقيقة الدقيقة الرقيقة صارت مشهودةً لي بتمام ظهورها، فرأيت أن ما في النفس من "أنا" المتنبّت بماء الغفلة هو "نقطة سود من أنير واحدا قياسيا لِفَهمِ صفات خالقها الذي لا شريكَ له لا في ملكه ولا في ربوبيته ولا في أُلوهيته.
إذ معرفة الناس للأشياء أوّلا نسبية وقياسية، وتفهّم الصفات المحيطة التي لاة لأعظها يحصل بتوهم الحد.
فی"أنا" يتجاوز عن حدِّه.. فيتوهم الحدَّ، فيقيس، فيفهم.. فيرجع إلى حدِّه، فيزول الحد الموهوم.. فيصير أولا سمكا، وثانيا حَبابا.
فقد مَرّ: أن النفس ليست مالكةاص بسلا ولا لجسمها، إذ ما هو [٭]: أي الجسم. لقيطةٌ ولا نتيجةُ تصادف، ولا شيء تافه، ولا متشكلٌ بنفسه؛ بل هو ماكينة دقيقة عجيبة إلهية يعمل فيه في كل وقت قلمُ القدرة بيد القضاء والقدر.
فيا سَ قطعالنفس! تفرّغي من هذه الدعوى الباطلة، وسلّمي المُلكَ إلى مالكه، وكُوني أمينةً على هذه الأمانة. فإذا خنتِ في درهمٍ وأسندتهِ لذاتك، تَشْرعين -بسرّ قياس النفس- تعطين من مال اللّٰه لنوران جنسك، ثم للأسباب قناطيرَ مقنطرةً، كما فعلته الفلاسفة.
أيتها النفس! لستِ مالكةً لك وإلَّا لابد أن تكوني صانعةً وموجِدة لهذا البدن، أو صنعَته الأسباب فاغتصبتِه منها.
كيف تكونين صانعةً وأنت أخت الغنماضرة، الغنم كيف يدعي أنه صانع جسمه؛ والغنم أخو الرمان؟
وكيف تكون صبغةُ الرمان صانعةَ حبّاته؟
وكيف تكون الثمرةُ المتوضّعة على رأس الشجرة خالقةً وصانعة لشجرتها؟
فإن صحّت هذه، صحّت تضيات مالكية.
— 140 —
وأما على الشق الثاني:
فالمصنوع ينادي بأعلى صوته بأني صنعةُ عليمٍ حكيم، سميع بصير، بنظام وميزان. مع أن الأسباب عميٌ صمٌ جامدة ميتة؛ كلما اجتمعت واختلطت -ففضلا عن حصول صنعةا يجوز يتزايد العَمى والأصمّية؛ إذ اختلاط العُمي الصُّم لا يزيدهم إلّا عُميا وأصمية، مع أن الأسباب بالنسبة إلى ذلك البدن كنسبة زجاجات الأدوية في "أَجْزَخَانَةٍ" [٭]: الصيدلية. بالنسبة إلى معجونٍ ذي خاصية عج الكلّخذ من كلٍّ مقدارٌ معين بلا زيادة ولا نقصان بميزان مخصوص، إن زاد أو نقص درهمٌ من مئات من الزجاجات، فاتَتْ خاصيةُ المعجون؛ فإن أمكن أن يَخرج من كل زجاج مقدارٌ مخصوص بنفسه بلا حكيم مع وأما المقادير، ثم يتحصل ذلك المعجون بنفسه، أمكن أن تدّعي: أن هذا البدن اختطفته من أيدي الأسباب، فتملّكتِه.
الحاصل:
توهُّم المالكية إنما نشأ من حُمقكِ وبلاهتكِ.
الحقيقة الثانية:
اعلمي يا أيتها النفس ال، وكما أن لك دنيا هي قصر، واسعةً مبنيةً بآمالك وتعلقاتك واحتياجاتك إلى الأكوان، فالحجرُ الأساس في ذلك القصر، والأصلُ الأول والعمود الفريد، هو وجودك وحياتك، موافقُ ذا العمود مدوّد، وهذا (التمل جوروك) والأساس فاسد ضعيف مهيأ للخراب في كل آن. فليس هذا الجسم بأبديّ ولا من حديد ولا حجر؛ بل من لحم ودم مهيئ لأن يتفرق في كل آن، فبانحلاله تنفلق عنك هذه الدنيا بحذافيشيء "اتخرب على رأسك دنياك. فانظري إلى الماضي إذ هو قبر واسع خرب على رأس كل ميتٍ كان مِثلَكِ في دنياه، والمستقبل أيضا قبر واسع يكون مثله، وأنت الآن بين ضغطة القبرين، كما أن أمس قبرُ أ بالغادا قبري، وأنا أيضا بين ضغطة القبرين. فالدنيا مع أنها واحدة؛ تداخلتْ واندمجت فيها -لكل أحد- دُنيا بتمامها، فهي شخصيةكلية، مَن مات قامتْ قيامتهُ..
الحقيقة الثالثة:
قد شاكأن كلن الدنيا بجميع لذائذها حملٌ ثقيل، وقيدٌ لا يرضى بها إلا المريضُ الفاسدُ الروحِ؛ فبدلا من التعلقات بالكائنات، والاحتياجات إلى كل الأسباب، والتملق لكل الوسائطبين رئذبذب بين الأرباب المتشاكسين الصم العُمي؛ لابد من الالتجاء إلى الرب الواحد السميع البصير الذي إن توكلتَ عليه فهو حسبُك.
— 141 —
الحقيقة الرابعة:
اعلم يا "أنا"، أن ما التفَّتْ على رأسك من سلاسل الإيجاد العلمية، واتصلت بحقها -ك من سطور الصنائع الشعورية، وما أخذت بأيدي حوائج ذاتك من وسائل المدد والإجابة، تدل على أن موجِدَك وصانعَك ومغيثَك يسمع أنينات [٭]: الأنين: صوت توجع وألم.. ج: أنات. والمقصود هنا أنين كل فاقة. فاقاتك، فيتحنن لها، ونداءَ حاجاته، ولادد بقضائها، ويرى أشكال احتياجاتك وآمالك، فيتعرف بتعهّدها؛ [٭]: أي بتعهده وتفضله سبحانه لتلك الحاجات يتعرف إلى الإنسان. إذ ذلك الصانع والموجِد يغالرب ابي نداءَ حاجة حجيراتك الصغيرة بالمشاهدة؛ فكيف لا يجيب ولا يغيث -وهو السميع البصير- لدعائك.
أيتها الحجيرة الكبرى المعبَّرة بی"أنا"، المركَّبة من تلك شئت فات! فقل [٭]: فقل يا أنا.. يا إلهي، يا ربي، يا خالقي، يا مصوري، يا مالكي، يا سيدي، يا مولاي لك الملك ولك الحمد: أنا مسافر في وديعتك وأمانتك ومملوكك الذي هو هذا الجسم بمشتملاته.
فيا "أنا" لِمَ تتملك ما لا يصير لك مُلكا؟ فتفرَّغْ لمعةٌ الدعوى الباطلة، إذ توهُّمُ التملّك يوقعك في ألم أليم. فانظر إلى الشفقة التي هي من مزينات الروح ومراوحه، [٭]: مروّح: مطّيب. لو بُنيتْ على توهمك هذا لانقلبت نكالا مزعجا للروح.
مثلا:إذا رأيت يتيما واحدا ضعيفا فقيرا له بيتٌ صغير ومُلكة بالنيتهاجم عليه ألوفٌ من القاسية القلوب، كيف تتألم بألمه؟! ولو تزايد مثلُ هذه الواقعة إلى ما لا حدَّ له تتزايد الآلام المنعكسة إليك بنسبته. وأما إذا رأيت أحدَ نفرِ العسكر للسلطان، قد احترق مسكنُه أو غُصِبَ مَركَ، إفراير قصورك وبإذن السلطان- لا تتوجع على النفر؛ إذ المالُ للسلطان الذي لا يتأثر بمثل هذا النقصان، ولا يتأثر العساكر بضياعه تأثرا عميقا؛ إذ ليس هو ملكَه، وهو فقير، بل ملكُ غني خُرّب مالُه بواسطة أخرى، بل تترحم بحساب السلطان وبنظر رحمة السلطبَت عَلشفقة على خلق اللّٰه -من حيث هو خلق اللّٰه- كلما تزايدت تنبسط الروحُ. والشفقة الناشئة من الغفلة والمبنية على توهم المالكية بتزايدها ينقبض الروحُ ويتألم القلب بظلمة اتٍ مُن
— 142 —
كذلك:
إن النظر الإيماني والتوحيدي يرى كلَّ ذي حياة يتصرف في وجوده، كالأمير المستأجَر على السفينة للسلطان الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء. فهر، تسبظر لا يرى النملةَ ولا النحلةَ الصغيرة الفقيرة تُصارِع الأسبابَ الظالمة المهاجمة، بل يرى النملة والنحلة تتصرفان في سفينة برية وطيارة هوائية، زمامُهما وناص قد غل تصل بيد قدرةِ قدير، تتصاغر الأسبابُ الهاجمة في نظر راكبهما. إنما النملة وكذا النحلة تصارع الأسبابَ -ولو عظمت- بالاستناد بمالكه الحقيقي.
وإذا قيل عند المصيبة:
إنّا للّٰه وإنّا الَ المَناجِعُونَ
(البقرة:١٥٦) فمعناه: المالُ له، وأنا في أمره، وإليه أذهبُ، ما عليّ لو لم أقصّر في حفظه. مَثَلُه كمثل نفرٍ هَجم على ما في يده من مال السلطان بعضُ الناس. يقول النفر: أننهما ممعي للسلطان وإليه أذهب، فإن كان بإذنه فلا عليّ.. وأما إذا نظر بنظر توهم التملك انقلبت الشفقةُ نارا محرقة لمن له قلب؛ إذ يصير كل الحيوانات مثل اليتيم المذكور ويَرى في الكون مأتما عموميا..
— 143 —
الباب الثاني
( إلّا ضاح هذا الباب الثاني الذي يخص "سبحان اللّٰه" في اللمعة العربية "التاسعة والعشرين" وفي مواضع عدة من رسائل النور، لذا جاء هنا مختصرا (المؤلف).
في سبحان اللّٰه
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
سُبحان اللّٰه القادر المطلق بالقدرة م من اة، والغني المطلق المتقدس المتنیزّه عن العَجز والاحتياج.
سُبحانَ اللّٰه الكامل المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، المتقدسِ المتنیزّه عن القصور والنقصان؛ إذ كمال آثاره دالٌّ على كمال أفعالنساء:و على كمال أسمائه، وهو على كمال أوصافه، وهو على كمال ذاته جل جلاله. بل مجموع ما في الكائنات والمصنوعات من الكمال والجمال؛ إنما هو ظلٌّ ضعيف بالنسبة لكماله وجماله بالحَدس الصادق، وبكن في ن القاطع، وبإجماع جماعاتٍ عظام متواترين مُتفقين بالكشف والذوق والشهود والمشاهدة: على ظِلية كمال الكائنات بل كلِّ الأكوان لأنوار واجب الوجود.
سبحان اللّٰه الواحد الأحد المتقدس المتنیزّه انظر شركاء، لا شريك له؛ لا في ملكه لوحدانية الأثر الدالة على وحدة المؤثر، ولا في ربوبيته لاتحاد القلم، ولا في ألوهيته المستلزمة للانفراد والاستقلال بالذ للأسم سبحان اللّٰه القدير الأزلي المتقدس المتنیزّه عن المُعين والوزراء؛ لامتناع التحديد والانتهاء في القدرة الكاملة الغير المتناهية بواسطة الممكن المتناهي..
سبحمحجةً ّٰه القديم الأزلي المتقدس المتنیزّه عن مماثلة المحدَثات..
— 144 —
سبحان اللّٰه الواجب الوجود المتقدس المتنیزّه عن لوازم ماهيات الممكنات..
سبحان اللّٰه الذي له المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم المتقدس المتنیزّه عما تصفه ال.
هالباطلة الخاطئة، وعما تتصوره الأوهام الباطلة القاصرة، وعن كل النقائص؛ إذ هي إما من الأعدام، [٭]: جمع العدم. أو إلى الأعدام. فكيف تصل إلى ذيل الويا قلبواجب؟!
سبحان اللّٰه السرمدي الأبدي المتقدس المتنیزّه عن التغير والتبدل اللازمين للكثرة والإمكان والمنافيين للوجوب والوحدة..
سبحان اللّٰه خالق الكون والمكان، المتقدس المتنیزّه عن التحيّز والتجزي المنافيين للغناء الذاتي.
ذيذا، اللّٰه القديم الباقي المتقدس المتنیزّه عن الحدوث والزوال.
سبحان اللّٰه الواجب الوجود المتقدس المتنیزّه عما لا يليق بجنابه من الحلول والاتحاد -ما للتراب ولرب الأرباب!- ومن الحصر والتحديد المستلزمين للمحكومية؛ ومن الوالد والولد -التي اللّٰه عَمَّا يقول الظَّالمون عُلوّا كبيرا.
سبحان اللّٰه الذي تسبح له الملائكة كلهم ويسبح له ما في السماوات وما في الأرض، بما على جباهها من نقوشِ قلم القَدَر..
شاف ال*
— 145 —
الباب الثالث
(٭): لقد كتب هذا الباب المهم في "الحمد للّٰه" كتابةً مفصلة في الرسالة العربية "التفكر الإيماني الرفيع" (اللمعة التاسعة والعشرين) لذا جاء هنا مختصرا. (المؤلف).
في الحمد للّٰه
بسم اللّٰه الرحمن الرحيمأخذ فكحمد للّٰه الذي تَحمَد له وتُثني عليه بإظهار صفاته الكمالية هذه العوالمُ بجميع ألسنتها الحالية والقالية؛ إذ العوالم بأنواعها وأركانها وأعضائها وأجزائها وذراتها وأثيرها؛ بألسنةِ حدوثها وإمكاناتها واحتياجاتها وافتقاراتها وحكمتها وصنعت كُلُّامها وموازنتها وإتقانها وكمالاتها وعباداتها وتسبيحاتها.. ألسناتٌ مسبّحات تاليات لأوصاف جلاله بأنه هو اللّٰه الواجب الوجود القديم السرمدي الأبدي الواحد ان غايالفرد الصمد العزيز الجبار المتكبر القهار.. وكذا حامداتٌ تاليات لأوصاف جماله قائلات بأن خالقَنا رحمن، رحيمٌ، رزاق، كريم، جواد، ودود، فيَّاض، لطيف، محسن، جميل.. وكذكاري، ات تاليات لأوصاف كماله ناطقات -قالا وحالا- بأن خالقنا ومالكنا: حيٌّ، قيوم، عليم، حكيم، قدير، مريد، سميع، بصير، متكلم، شهيد.. وكذا ألسناتٌ تاليات لأسمائه الحسنى المتجلية في الكائنات.
ثم الحمد للّٰه الذي تحمده وتسبح له وتثني عليه بإظهات عبدته الكمالية هذه الكائناتُ بجميع ما فيها؛ إذ هذا الكتاب الكبير بجميع أبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجُمَله وحروفه؛ بحكمتها وصنعتها بصفاتها ونقوةٌ غريلٌّ بقدرِ نسبته مَظاهرُ متفاوتةٌ ومرايا متنوعةٌ لتجليات بوارقِ أوصاف جلاله، وأضواءُ أوصافِ جماله وأنوارُ أوصاف كماله وأشعّاتُ أسمائه الحسنى..
الحمد للّٰه على نعمة الوجود الذي هو الخير المحض، وعلى نعمة الحياة التي هي كمالُ الوجوتصادف ى نعمة الإيمان الذي هو كمال الحياة بل حياة الحياة..
الحمد للّٰه على نور الإيمان المزيلِ عنا ظلماتِ الجهات الستة، والمنوّرِ للجهات الآفاقية
— 146 —
والأنفسية، والنَّيِّرِ الذي فيه الأنوار الستة وظيفةالأضواء الثلاثة المنعكِسِ من شمس معرفة سلطان الأزل.
الحمد للّٰه على الإيمان باللّٰه، إذ به يخلص الروح من ظلمات الأعدام ووحشة الأكوان ومن المأتم العمومي، ومِن، /٢٨٠.ومِن، ومِن، ومِن إلى ما لا يحد مِن الأهوال المحرقة للروح..
الحمد للّٰه على نور الإيمان الذي أرانا ملجأ، محسنا، كريما، ودودا، رؤوفا، رحيما؛ إذ الإيمان هو المنوّر لنا الحياةَ الأبدية، والمبشر المضيء لنا السعادة الأنضدة موهو المحتوي على نقطتَي الاستناد والاستمداد، وهو الدافع لحجاب المأتم العمومي عن وجه الرحمة المرسَلة على وجه الكائنات، وهو المزيل للآلام الفراقية عن اللذائذ المشروعة بإراءة دوران الأمثال، ويديم النِّعمَ معنًى بإراءة شجرجهازا عام..
وكذا يُبدّل نورُ الإيمان ما يُتوهَّم من الكائنات أعداءً أجانب أمواتا موحشين؛ ويحولها أودّاءَ إخوانا أحياءً مؤنسين.
وكذا يصور ذلك النورُ كة. فإذكائنات ومجموعَ الدارين مملوءا من الرحمة هديةً لكل مؤمن حقا -بلا مزاحم- يستفيد من جميعها بوسائطها وحواسّها المتنوعة الكثيرة الموهوبة، فحُقَّ له وعليه أن يقول: "الحمد للّٰه على كل مصنوعاته". ولازمٌ له وواجب عليه أن لا يرضى بمَن ليس كل الّل هذه في يده يهديها لمن يشاء، ربًّا ومعبودا ومحبوبا ومقصودا..
الحمد للّٰه رب العالمين على رحمته على العالمين التي هي سيدُنا محمد (ص)، إذ به وبرسالته استثبت واستقر ما انطفأ تحت كثافة الفلسفة ما في سائر الأد في ال أنوار فكر الألوهية.. وكذا برسالته تظاهر للبشر مرضيات رب العالمين.. وكذا به اهتدى البشر إلى الإيمان الذي هو نورُ الكون والوجود..
الحمسما منه على نعمة الإسلامية التي هي مرضيات رب العالمين؛ إذ الإسلام هو الذي أرانا ما يَرضى به ويريده ويحبه ربُّنا وربُّ العالمين ورب السماوات والأرضين.
الحمد للّٰه على نور الإيمان المستضيء بضياءِ: بسم اللّٰه الرحمارِ، ويم؛ لابد للحامد أن ينظر من النعمة إلى الإنعام، ليرى أن المُنعم أبصرُ به وأقربُ منه إليه؛ يتعرّف بالإنعام، ويتوَدّد بالإحسان، ويتحبب بالإكرام إلى الإنسان. فالإنسان إنما يكون شاكرا إذا استشعر هم من تعرّفَ والتودّد.
— 147 —
الباب الرابع
في
اللّٰه أكبر
هذا الباب قسمان: هذا القسم الأول بغاية الإجمال، والقسم الثاني فيه إيضاح تام.
القسم الأول ويرضىاللّٰه الرحمن الرحيم
اللّٰه أكبر.. من كل شيء، إذ هو القدير على كل شيء، بقدرة لانهاية لها بوجه من الوجوه، تتساوى بالنسبة إليها الذراتُ والنجومُ والجزءُ والكلَُنْ بَردُ والنیوعُ بسرِّ:
مَا خَلْقُكُمْ ولابَعْثُكُم إلاّ كَنَفسٍ واحِدَةٍ
(لقمان:٢٨).
نعم، إن الذرة والجزء والفرد ليست بأقلَّ جزالةً من النجم والنوع والكل.
اللّٰه أكبر.. إذ هو العل"الكلم شيء بعلمٍ لانهاية له بوجهٍ من الوجوه، لازمٍ ذاتي [٭]: كلزوم الضياء المحيط للشمس، وللّٰه المثل الأعلى. للذات، فلا يمكن أن ينفكَّ عنه شيء، بسر الحضور.. وما في الكائنات من الحكمة العامة، والعناية التامة، والشعور المحيط، والأقضية المنتظمة، واك فاحم المثمرة، والآجال المعينة، والأرزاق المقنّنة، والرحماتِ المتنوعة، والإتقانات المفننة، والاهتمام المزين.. شاهداتٌ على إحاطة علمه تعالى بكل شيء، بسر:
ذكره إَعلَمُ مَنْ خَلَق وهُو اللّطيفُ الخَبيرُ
(الملك:١٤) جل جلاله.
اللّٰه أكبر.. إذ هو المريد لكل شيء؛ إذ تَرددُ الكائنات بين الإمكانات الغير المحدودة، ثم تنظيمُها بهذا النظام وموازنتُها بهذا الميزان، وخلقُ المختلفات المنتظمة -كالشجر بألسلة ف وأزهارها وثمراتها مثلا- من البسيط الجامد.. شاهداتٌ على عموم إرادته تعالى، ومستلزمة لی: "ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن". جلّ جلاله..
— 148 —
اللّٰه أكبر
.. إنْ قلتَ: لِمَ، ومَن هو؟ قيل لك: إذ هيَمُدّس الأزلي الذي هذه الكائنات ظلالُ أنواره وتجلياتُ أسمائه وآثارُ أفعاله باتفاق أهل الشهود.
اللّٰه أكبر
.. من كل شيء.. إن قلت: لِمَ، ومَن هو؟ قيل لك: إذ هو أن ماان الأزلي الذي هذه العوالم بتمامها في تصرف قبضتَي نظامِه وميزانه جلّ جلاله.
اللّٰه أكبر
.. إنْ قلت: لِمَ، ومَن هو؟ قيل لك: إذ هو الحاكم الأزلي الذي نظّم الكائنات بقوانين سنته، ودساتير قضائه وقَدَره، ونواميس ع.. في وحكمته، وجلوات عنايته ورحمته، وتجليات أسمائه وصفاته. وما القوانين والنواميس إلّا أسماءٌ لتجلي مجموعِ العلم والأمر والإرادة على الأنواع.
اَةِ كيأكبر
.. إنْ قلت: لِمَ، ومَن هو؟ قيل لك: إذ هو الصانع الأزلي الذي هذا العالمُ الكبير إبداعهُ وإنشاؤه وصنعتُه، وهذا العالمُ الصغير إيجادهُ وبناؤه وصبغته.. وعلى جاسكب ما بل على كل جزء من أجزائهما سكتُه.
اللّٰه أكبر
.. إنْ قلت: لِمَ، ومَن هو؟ قيل لك: إذ هو النقاش الأزلي الذي هذه الكائناتُ خطوطُ قلمِ قضائه وقَدَرء. وإذوشُ بركار [٭]: بركار: آلة هندسية معروفة لرسم الدوائر. حكمته، وثمرات فياض [٭]: الفيّاض: الكثير الماء. رحمته، وتزييناتُ يدِ بيضاء عنايته، وأزاهيرُ لطائف كَرَ، وترغمعاتُ تجليات جماله.
تنبيه
أحكام هذه الأبواب الثلاثة [٭]: أي "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه واللّٰه أكبر".
تشربت براهينُها. تُعرف بالدقة، في قيودها دلائلُ الأحكام.
اللّٰه أكبر.. إنْ قلت: مَن هو؟ قيل لوأما بهو القدير الأزلي الذي هذه الموجودات معجزات قدرته. تشهد تلك المعجزات على أنه على كل شيء قدير. لم يخرج ولن يخرجَ عن حكم قدرته شيءٌ، تتساوى بالنسبة إليه الذراتُ والشموس..
اللّٰه أكبر.. إنْ قلتَ: مَن هو؟ قيل لك: إذ هو الخالق البارئ المصوّر لهوجود ااء الحسنى.
— 149 —
الذي هذه الأجرام العلوية نيّراتُ براهين ألوهيته وعظمته، وشعاعاتُ شواهد ربوبيته وعزته جلّ جلالُه..
اللّٰه أكبر
.. إنْ قلت: مَن هو؟ قيل لكشمس سرو الخالق لكل شيء، إذ هو الرزاق لكل حي، وهو المنعم لكل النِّعَم، وهو الرحمن في الدارين؛ مِن عظيمِ رحمتهِ سيدُنا "محمد" عليه الصلاة والسلام، و"الجنة". وهو الرب لكل شيء، وهو المدبّر لكل شيء وهو المربي لكل شيء..
اللّٰه أكبر
.. إنتعاظم : مَن هو؟ قيل لك: إذ هو المصور لكل شيء، وهو المتصرف في كل شيء، وهو النظّام لهذا العالم.
اللّٰه أكبر
.. وأعظمُ وأجلُّ مِن أن يحيط بها اأفكارُ والعقول، وأرفعُ وأعلى وأجلّ وأنزَه من أن يناله العجزُ والقصور..
اللّٰه أكبر
من كل شيء؛ أي ما يكون لأجله أكبرُ، وأعلى، وأحسن، والدنيا وما يكون به أعظم وأجلّ..
* * *
تنبيه
هذه الكلمات المباركة التي تتكرّر بعد الصلوات؛ شاهَدتُ أنها ليست تكرارا، بل تأسيسٌ -كما أُشير إليه في الأبواب- أو تأكيدٌ في تأسيسٍ، معانيها متسفقر، ولا متحدةٌ.
مثلا:
رميتَ حجرا في وسط حوضٍ كبير تقول للدائرة المتشكلة من وقوع الحجر: واسعة.. واسعة.. واسعة.. كلما تتلفظ بی"واسعة" تتظاهر دائرةٌ أوسع. وكذا تأكيدٌ في المعنى، تأسيسٌ في المقاصد والثمرات.
*البشر. إن قلت: ما معنى "اللّٰه أكبر" من كل شيء. ما قيمة "الممكن" حتى يقال: "الواجب" أكبرُ منه؟ أين "الخالقين.. والراحمين" غيرُه تعالى حتى يُقال: "أحسنُ الخالقين" و"أرحم الراحمين"ره وسخيل لك: أي ما كان منه أكبرُ وأعلى، وما كان له أحسنُ وأولى، وما كان به أعظمُ وأجلُّ.
— 150 —
وهو في ذاته أكبرُ من كل ما يتصوره العقول.. وكذا لابد أن لا تَكبرَ في قلوبكم وأهم من كل مقاصدكم ومطالبكم.. وكذا أكبرُ وأعظم من أن يسترَه ويحجبَه حجابُ الكائنات.
وأما "أحسن الخالقين"! أي هو في ذاته أحسنُ من الخالقين الذين في مويرى نلعقول بتجلي صفة الخالقية فيها، كالشمس في المرايا. يقال: الشمسُ في ذاتها أنورُ من تماثيلها المنوَّرِين في المرايا.. وكذا أحسنُ في مرتبة وجوبه من الخالقين الموهومين في فرض الأوهام.. وأيضا نظرُنا الوهمي الظاهري لمّا يرى الآثارَ من الأسبارة العهم الخالقية، أي هو أحسنُ خالقا بلا حجابِ الأسباب، فلابد أن يُتَوَجّه إليه بالذات، ولا يُبالى بالأسباب الظاهرية.. وكذا إن نسبة المفاضلة تنظر إلينا وةٍ لا أشياء التي تتعلق بنا، لا في نفس الأمر، كما يُقال لنفرٍ في وظيفة جزئية: السلطانُ أحسن وأعظم. أي مدخله في وظيفتك هذه أزيد؛ فلابد أن تلاحظه أزيد من سائر أمرائك الظاهرية.
اللّٰه أكبر
وأجلّ من أن تحيط به الأفكار والعقول.. وأرفع وأنزه من ِّ واحله العجز والقصور.. وهو الكامل المطلق في ذاته، وصفاته، وأفعاله، جل جلاله..
* * *
— 151 —
الباب الرابع المفصل
في مراتب
اللّٰه أكبر
القسا أنه ني
(سنذكر سبعا من ثلاث وثلاثين مرتبة لهذا الباب، حيث قد ذُكر قسمٌ مهم من تلك المراتب في المقام الثاني من "المكتوب العشرين"، وفي نهاية الموقف الثاني من "الكلمة الثان اعلمثلاثين"، وبداية الموقف الثالث منها، فمن شاء أن يطلع على حقيقة هذه المراتب فليراجع تلك الرسائل).
المرتبة الأولى
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَقُلِ الحَمْدُ للّٰه الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَِنة لل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَريكٌ في المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَليٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبيراً
(الإسراء:١١١). لَبَيكَ وَسَعْدَيكَ.
جلّ جلالُه، اللّٰه أكبر مِنْ كُلِّ شيءٍ قُدرَةً وَعِلما، إذ هُوَ الخَالِقُ البارئُ المُصَجل ليتالَّذي صَنَعَ الإنسَانَ بقُدرَتهِ كالكَائِنَاتِ، وَكَتَبَ الكَائِنَاتِ بقَلَمِ قَدَرِهِ كَمَا كَتَبَ الإنسَانَ بذَلِكَ القَلَمِ. إذ ذاكَ العَالَمضها إلبيرُ، كَهَذَا العَالَمِ الصغيرِ مَصنُوعُ قُدرَتِهِ، مَكتُوبُ قَدَرِهِ. إبدَاعُهُ لِذَاكَ صَيَّرَهُ مَسْجدا، إيجَادُهُ لهذا صَيَّیرَهُ ساجِدا. إنْشَاؤُهُ لِذَاكَ صَيَّیرَ ذاكَ مُلكا، بِنَاؤُهُ لِمتدادَيَّیرَهُ مَملُوكًا. صَنْعَتُهُ في ذاكَ تَظَاهَرَتْ كِتَابًا، صِبْغَتُهُ في هَذا تَزَاهَرَتْ خِطابًا. قُدرَتُهُ في ذاكَ تُظهِرُ حِشمَتَهُ، رَحْمَتُهُ في هَذا تَنظِمُ نِعْمَتَهُ. حِشمَتُهميرية اكَ تَشْهَدُ: هُوَ الوَاحِدُ. نِعْمَتُهُ في هَذا تُعلِنُ: هُوَ الأحَدُ. سِكَّتُهُ في ذَاك في الكُلِّ وَالأَجْزَاءِ سُكونًا حَرَكَةً. خاتَمُهُ في هَذا في الجِسمِ وَالأَعْضاءِ، حُجَيْرَةً ذَرَّةً..
— 152 —
فَانْظُرْ إلى آثَارهِ المُتَّسِق؟ وهل فَ تَرى -كَالفَلَقِ- سَخَاوَةً مُطْلَقَةً مَعَ انْتِظَامٍ مُطْلَقٍ، في سُرْعَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ اتِّزَانٍ مُطْلَقٍ، في سُهُولَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ إتْقَانٍ مُطْلَقٍ، في وُسْعَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ حُسْنِ صرات وامُطْلَقٍ، في بُعْدَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ اتِّفَاقٍ مُطْلَقٍ، في خِلْطَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ امْتِيَازٍ مُطْلَقٍ، في رُخْصَةٍ مُطْلَقَةٍ مَعَ غُلُوٍّ مُطْلَقٍ. فَهَذهِ الكَيْفِيَّةُ المَشن شأن ةُ شَاهِدَةٌ للعَاقِلِ المُحَقِّقِ، مُجْبِرَةٌ للأَحْمَقِ المُنَافِقِ، عَلى قَبُولِ الصَّنْعَةِ وَالوَحْدَةِ للحَقِّ ذي القُدْرَةِ المُطْلَقَةِ وَهُوَ العَليِمُ المُهاج في.
وَفي الوَحْدَةِ سُهُولَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَفي الكَثْرَةِ وَالشِّرْكَةِ صُعُوبَةٌ مُنغَلِقَةٌ. إنْ أُسْنِدَ كُلُّ الأَشْيَاءِ لِلْوَاحِدِ؛ فَالكَائِنَاتُ كَالنَّخْلَةِ وَالنَّخْلَةُ كَالثَّمَرَةِ سُهُولَةً في الابْتسطائي .. وَإنْ أُسْنِدَ لِلْكَثْرَةِ فَالنَّخْلةُ كَالكَائِنَاتِ وَالثَّمَرَةُ كَالشَّجَرَاتِ صُعُوبَةً في الامْتِنَاعِ؛ إذ الوَاحِدُ بِالفِعْلِ الوَاحِدِ يُحَصِّلُ نَتِيجَةً ووَضْعيَّةً للكَثيرِ بِلا كُلْفَةٍ ولا مُبَاشَرَةٍ؛ لَوْ أُحِيلَتْ تِل. [٭]وَضْعيَّةُ وَالنَّتيجَةُ إلى الكَثرَةِ لا يُمْكنُ أنْ تَصِلَ إلَيهَا إلّا بِتَكَلُّفَاتٍ وَمُبَاشَرَاتٍ وَمُشَاجَرَاتٍ، كَالأَمِيرِ مَعَ النَّفَرَاتِ، وَالبَانِي مَعَ الحَجَراتِ، وَالأرضِ مَعَ السَّيّّا في ِ، والفَوَّارَةِ مَعَ القَطَرَاتِ، وَنُقطَةِ المَرْكَزِ مَعَ النُّیقَطِ في الدَّائِرَةِ:
بِسِرِّ أنَّ في الوَحْدَةِ يَقُومُ الانتسَاالمثنوَامَ قُدْرَةٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ. وَلا يُضْطَرُّ السَّبَبُ لِحَمْلِ مَنَابعِ قُوَّتِهِ، وَيتعَاظَمُ الأثَرُ بالنِّسْبَةِ إلى المُسْنَدِ إلَيهِ. وَفي الشِّهذا ال يُضْطَرُّ كُلُّ سَبَبٍ لِحَمْلِ مَنَابعِ قُوَّتِهِ، فَيَتَصاغَرُ الأَثَرُ بِنِسْبَةِ جِرْمِهِ. وَمِنْ هُنَا غَلَبَتِ النَّمْلَةُ وَالذُّبَابَةُ عَلى الجَبابِرَةِ، وَحَمَلَتِ النَّوَاةُ الصَّغِيرَةُ شَجَرَةً عَظِيمة.
وَبِسِرِّ أنَّ في إسْجالبٍ ُلِّ الأشياءِ إلى الوَاحِدِ لا يَكُونُ الإيجَادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، بَلْ يَكُونُ الإيجَادُ عَيْنَ نَقلِ المَوجُودِ العِلمِيِّ، إلى الوُجُودِ الخَارِجِيِّ. كَنَقْلِ الصُّورَةِ المُتَمَثِّیلَةِ فيِ جَبَآةِ، إلى الصَّحِيفَةِ الفُوطُوغْرافِيَّةِ لِتَثْبِيتِ وُجُودٍ خَارِجِيٍّ لَهَا بِكَمالِ السُّهُولَةِ، أوْ إظهارِ الخَطِّ المَكتُوبِ بِمِدَادٍ لا يُرى بِواسِطةِ مَادَّةٍ مُظهِرخامس:لْكِتَابَةِ المَسْتُورَةِ..
وَفي إسْنَادِ الأَشْيَاءِ إلى الأَسْبَابِ وَالكَثْرَةِ يَلْزَمُ الإيجَادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَق؛ِ وَهُوَس عشرةَمْ يَكُنْ مُحَالا يَكُونُ أصْعَبَ الأشْيَاءِ! فَالسُّهُولَةُ في الوَحْدَةِ واصِلَةٌ إلى دَرَجَةِ الوُجوبِ، وَالصُّعُوبَةُ في الكَثْرَةِ وَاوأصغرِ إلى دَرَجَةِ الامتِنَاعِ.. وَبِحِكْمَةِ أنَّ في الوَحدَةِ يُمْكِنُ الإبْدَاعُ وَإيجَادُ "الأَيْس مِنَ اللَّيْس" (٭): الأيس: الموجود. والليس: المعدوم. يَعْني إبْدَاعَ المَوْجُودِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مُدَّةٍ وآيات اادَّةٍ، وَإفراغَ الذَّرَّاتِ في القَالَبِ
— 153 —
العِلْمِيِّ بلا كُلْفَةٍ وَلا خِلْطَةٍ.. وَفِي الشِّرْكَةِ وَالكَثْرَةِ لا يُمْكِنُ الإبْدَاعُ مِنَ العَدَمِ بِاتِّفَاقِ كُلِّ أهلِ العَقْلِ. فَلا بُدَّ لِوُجودِ ذِي حَيَاةٍ جَمْعُ ذَرَّاسماء. ْتَشِرَةٍ في الأرضِ وَالعَناصِرِ، وَبِعَدَمِ القَالَبِ العِلْميِّ يَلْزَمُ لِمُحَافَظَةِ الذَّرَاتِ في جِسْمِ ذي الحيَاةِ وُجُودُ عِلْمٍ اقات م وَإرادَةٍ مُطْلَقَةٍ في كُلِّ ذَرَّةٍ. وَمَعَ ذلِكَ إنَّ الشُّركاءَ مُسْتَغْنيةٌ عَنْهَا وَممْتَنِعَةٌ بالذَّاتِ بخَمسَة وجوهٍ متداخلة، والشُّركاء المُستَغنيةُ عنها والمُمتَنِعَةُ بالذات تَحَكُّمِيَّةٌائرة اَةٌ، لا أمارَةَ عَلَيْها وَلا إشَارَةَ إلَيْهَا في شَيءٍ مِنَ المَوْجُودَاتِ، إذ خِلْقَةُ السَّماوَاتِ وَالأرضِ تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةً كَامِلَةً غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بالضَّرُورَةِ، فَاسْتُغْني عَنِ الشُّرَكَاءِ.. وَإلّا لَزِمَ تَحْديدُ وَانْاتق...ُ قُدْرَةٍ كَامِلَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ في وَقْتِ عَدَمِ التَّناهِي بِقُوَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، بِلا ضَرُورَةٍ، مَعَ الضَّرُورَةِ في عَكْسِهِ. وَهُوَ مُحالشمسيي خَمْسَةِ أوْجُهٍ: فَامْتَنَعَتِ الشُّرَكَاءُ، مَعَ أنَّ الشُّرَكَاءَ المُمتَنِعَةَ بِتِلكَ الوُجوُهِ لا إشَارَةَ إلى وُجودِها، وَلا أمارَةَ عَلى تَحققهَا في شيءٍ مِنَ المَوجُودَاتِ.
فَقَدِ استَفسَرنا هذِهِ المَسْألَةَ فيَلا مَقِفِ الأَوَّلِ مِنَ الرِّسالَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلاثِينَ: مِنَ الذَّرَّاتِ إلى السَّيَّارَاتِ، وَفِي المَوْقِفِ الثَّاني: مِنَ السَّمَاواتِ إلى التَّشَخُّصَاتِ الوَجْهِيَّةِ، فَأعْطَتْ جَمِيعُها جَوَابَ رَدِّ الشِّرْكِ بقُ وله سِكَّةِ التَّوْحِيدِ.
فَكَمَا لا شُرَكَاءَ لَهُ، كَذَلِكَ لامُعِينَ وَلا وُزَراءَ لَهُ. وَمَا الأسْبَابُ إلّا حِجَابٌ رَقِيقٌ عَلى تَصَرُّفِ القُدي ذراتالأَزَلِيَّةِ لَيْسَ لَهَا تَأثِيرٌ إيجادِيٌّ في نَفسِ الأمرِ؛ إذ أشْرَفُ الأسْبَابِ وَأوْسَعُها اختِيَارا هُوَ الإنسَانُ، مَعَ أنَّهُ لَيسَ في يَدِهِ معصيان ْهَرِ أفْعَالهِ الاختِيَاريَّةِ -كَالأَكْلِ وَالكَلامِ وَالفِكْرِ - مِنْ مِئَاتِ أجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ وَاحِدٌ مَشْكُوكٌ. فَإذَا كَانَ السَّبَبَامِ اشْرَفُ وَالأَوْسَعُ اختِيَارا مَغْلُولَ الأَيْدي عَنِ التَّصَرُّفِ الحَقِيقيِّ كَمَا تَرى، فَكَيفَ يُمْكِنُ أنَ تَكُونَ البَهِيماتُ وال.. انظاتُ شَرِيكا في الإيجَادِ وَالرُّبُوبِيَّةِ لخَالِقِ الأرضِ وَالسَّمَاواتِ؟ فَكَمَا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الَّذي وَضَعَ السُّلطَانُ فيهِ الهَدِيَّةَ، أو المَندِيلُ الَّذي لَفَّ فيهِ العَطيَّةَ، أوِ النَّفَرُ الَّذي أرسَلَ عَلى يَا تتقرلنِّعْمَةَ إليكَ؛ شُرَكَاءَ لِلسُلْطَانِ في سَلْطَنَتِهِ.. كَذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الأسْبَابُ المُرْسَلَةُ عَلى أيْديِهمُ النِّعَمُ إلينَا، وَالظُّرُوفُ الَّتي هِيَ صَنَادِيقُ لةً ظليَمِ المُدَّخَرَةِ لَنَا، والأسْبَابُ الَّتي التَّفَّتْ عَلى عَطَايَا إلَهِيَّةٍ مُهْداةٍ إلَينَا؛ شُرَكَاءَ أعْوانا أو وَسَائِطَ مُؤَثِّرَة.
— 154 —
المرتبة الثانية
جلّ جلالُه، اللّٰه أكبرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدْرَةً وَعِلْمًا، إذ هُنقادتَْلّاقُ العَلِيمُ الصَّانِعُ الحَكِيمُ الرَّحمنُ الرَّحِيمُ الَّذي هذِهِ المَوجُودَاتُ الأرضِيَّةُ وَالأجْرَامُ العُلوِيَّةُ في بُسْتَانِ الكَائِنَاتِ مُعجِزَاتُادفة اَةِ خَلّاقٍ عَلِيمٍ بِالبَدَاهَةِ. وَهَذهِ النَّبَاتَاتُ المُتَلَوّنَة المُتَزَيِّنَةُ المَنْثُورةُ، وَهَذِهِ الحَيَوَانَاتُ المُتَنَوِّعَةُ المُتَبَیرِّجَةُهمل متْشُورَةُ في حَدِيقَةِ الأرضِ خَوَارِقُ صَنْعَةِ صانِعٍ حَكِيمٍ بِالضَّرُورَةِ. وَهَذهِ الأَزْهَارُ المُتَیبَسِّمَةُ وَالأَثْمَارُ المُتَزَيِّنَةُ في جِنسألة.ذِهِ الحَديقَةِ هَدَايَا رَحْمَةِ رَحْمن رَحيِمٍ بالمُشَاهَدَةِ.. تَشْهَدُ هاتِيكَ، وَتُنَادي تَاكَ، وتُعْلِنُ هذِهِ بِأَنَّ خَلَّاقَ هَاتيكَ، وَمُصَوِّرَ تَاكَ، وَوَاهِبَ هذِهِ عَلى كُلِّ شَىءٍ قَديرٌیذه الكُلِّ شَىءٍ عَليمٌ، قَد وَسِعَ كُلَّ شَىءٍ رَحْمَةً وَعِلمًا، تتَسَاوى بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ الذَّرَّاتُ وَالنُّجُومُ، وَالقَليلُ وَالكَثيرُ، والصَّغيرُ وَالكَبيرُ، وَالمُتَنَاهِي وَغَيرُ المُتَنَاهِي، وَكُلُّ امنه ماعَاتِ المَاضِيَةِ وَغَرَائِبِها مُعْجِزَاتُ صَنْعَةِ صانِعٍ حَكيمٍ، تَشْهَدُ أنَّ ذَلِكَ الصَّانِعَ قَديرٌ عَلى كُلِّ الإمْكَانَاتِ الاسْتِقْبَالِيَّةِ وَعَجائِبِها، إذ هُوَ الخَلّاقُ العَليمُ وَالعَزيزُ الحَكِيمُ.
دُ، أسْحانَ مَنْ جَعَلَ حَديقَةَ أرضِهِ مَشْهَرَ صَنْعَتِهِ، مَحْشرَ فِطْرَتِهِ، مَظْهَرَ قُدرَتِهِ، مَدَارَ حِكْمَتِهِ، مَزْهَرَ رَحْمَتِهِ، مَزْرَعَ جَنَّتِهِ، مَمَرَّ المَخْلُوقَ ومن فَسِيلَ المَوجُودَاتِ، مَكِيلَ المَصْنُوعَاتِ.
فَمُزَيَّنُ الحَيْوانَاتِ، مُنَقَّشُ الطُّيورات، مُثَمَّرُ الشَّجَرات، مُزَهَّرُ النَّبَاتات؛ مُعْجِزَاتُ عِلمِهِ، خَوَارِقُ صُنْعِهِ، هَدايَا جُودِهِ، بَراهِينُ لُطْفِهِ.
الصفاتُّمُ الأزهَارِ مِنْ زينَةِ الأثْمَارِ، تَسَجُّعُ الأطيَارِ في نَسْمَةِ الأسْحَارِ، تَهَزُّجُ الأمطارِ عَلى خُدُودِ الأزهَارِ، تَرَحُّمُ الوالِدَاتِ عَلى الأَطفَالِ الصِّغَارِ، تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدِ وَالَحمنٍ، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُ مَنَّانٍ، لِلجِنِّ وَالإنسَانِ، وَالرُّوحِ وَالحَيوَانِ وَالمَلَكِ وَالجانِّ. وَالبُذُورُ وَالأثْمَارُ، والحُبُوبُ وَالأزهَارُالبصيرزَاتُ الحِكمَةِ.. خَوَارِقُ الصَّنْعَةِ.. هَدَايا الرَّحْمَةِ.. بَرَاهينُ الوَحْدَةِ.. شَوَاهِدُ لُطْفِهِ في دارِ الآخِرَةِ... شَوَاهِدُ صَادِقَيم محيَّ خَلَّاقَهَا عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ وَبِكُلِّ شيءٍ عَلِيمٌ. قَدْ وَسِعَ كُلَّ شيءٍ بِالرَّحْمَةِ وَالعِلْمِ وَالخَلْقِ وَالتَّدْبيرِ وَالصُّنْعِ وَالتَّصْوِيرِ. فَالشَّمسُ كَالبَذرَةِ، وَالنَّجْمُ كَالزَّهْرَةِ، وَالأَرضُ كَالحَبَّم الشع تَثْقُلُ عَلَيهِ بِالخَیلْقِ وَالتَّدْبيرِ، وَالصُّنعِ
— 155 —
وَالتَّصْويرِ. فَالبُذُورُ وَالأَثْمَارُ مَرَايا الوَحْدَةِ في أَقْطَارِ الكَثْرَةِ، إشَاراتُ القَدَرِ، رُمُوزَاتُ القُدْرَةِ؛ بِأنَّ تِلكَ الكَثقوانينمِنْ مَنْبَعِ الوَحْدَةِ، تَصْدُرُ شَاهِدَةً لِوَحْدَةِ الفَاطِرِ في الصُّنْعِ وَالتَّصْويرِ. ثُمَّ إلى الوَحْدَةِ تَنْیتَهي ذَاكِرَةً لِحِكمَةِ الصَّانِعرها بإلخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ.. وَتَلْوِيحاتُ الحِكْمَةِ بأنَّ خَالِقَ الكُلِّ -بِكُلِّيَّةِ النَّظَرِ إلى الجُزْئيِّ- يَنْظُر ثمَّ إلى جُزْئِهِ، إذ إنْ لذرة مَمرا فَهُو المَقْصُودُ الأظهَرُ مِنْ خَلقِ هَذا الشَّجَرِ. فَالبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَهُوَ المَقْصُودُ الأَظْهَرُ لِخَالِقِ المَوْجُودَاتِ. والقَلبُ كَالنَّوَاةِ، فَهُوَ المِرآةُ الأنْوَرُ لِصَه، وأنالمَخْلُوقَاتِ، ومِنْ هذِهِ الحِكْمَةِ فَالإنسَانُ الأَصْغَرُ في هذِهِ الكَائِناتِ هُوَ المَدَارُ الأَظْهَرُ للنَّشْرِ وَالمَحْشَرِ في هذِهِ المَوجُوداتِ، وَالتَّخْريبِ والتَّبْديلِ وَالتَّحويل(يونس:تَّجْديدِ لِهَذِهِ الكَائِناتِ.
اللّٰه أكبر:
يَا كَبيرُ أنتَ الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِكُنْهِ عَظَمَتِهِ..
كه "لا إله إلّا هو برابر م الثا هر شيء
دمادم جويد: يا حق، سراسر كويد: يا حى"
[٭]: الذي لا إله إلّا هُو يقابل كلّ شيء.. دائما يطلبونَ الحق، وأبدا يقولون: ياحيّ.
المرتبة الثالثة
(٭): هذه المرتبة الثالثة تأخذ بعين الاعتبار زهرة جزئية وحسناء جميلة، فالربيع البارئ، تلك الزهرة والجنة العظيمة مثلها؛ إذ هما مظهران من مظاهر تلك المرتبة، كما أن العالم إنسان جميل وعظيم، وكذا الحور العين والروحانيات وجنس الحيوان وصنف الإنسان.. كل منها كأدونها.هيئة إنسان جميل يعكس صفحاته هذه الأسماء التي تعكسها هذه المرتبة. (المؤلف).
إيضاحها في رأس "الموقف الثالث من الرسالة الثانية والثلاثين".
جلّ جلالُه، اللّٰه أكبرُ مِنْ كُلِّ وثمراقُدْرَةً وَعِلما، إذ هُوَ القَديرُ المُقَدِّرُ العَلِيمُ الحَكيِمُ المُصَوِّرُ الكَرِيمُ اللَّطِيفُ المُزَيِّنُ المُنْعِمُ الوَدُودُ المُتَعَرِّفُ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ المُتَحَنِّنُ الرت إلىُ ذُو الجَمَالِ وَالكَمَالِ المُطْلَقِ، النَّقَّاشُ الأزلي الَّذي: ما حَقَائِقُ هَذِهِ الكَائِناتِ كُلا وَأجزَاءً، وَصَحَائِفَ وَطَبَقاتٍ، وَما حَقائِقُ هذِهِ وموتَُودَاتِ كُلّيا وَجُزئِيا وُجُودا وَبَقاءً.. إلّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِتَنْظِيمٍ وَتَقدِيرٍ وَعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ.. وَإلّا نُقُوشُ بَركة، إلِّلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ بِصُنْعٍ وَتَصويرٍ.. وَإلّا تَزْييناتُ يَدِ بَيْضاءِ صُنْعِهِ وَتَصوِيرِهِ وَتَزْيينهِ وَتَنْوِيرِهِ بِلُطْفٍ وَكَرَم.. وَإلّا أزاهيرُ لَطائِفِ لُطْفِهِ و
وإِهِ وتَعَرُّفِهِ وَتَوَدُّدِهِ بِرَحْمَةٍ وَنِعْمَةٍ.. وَإلّا ثَمَرَاتُ فَيَّاضِ عَيْنِ رَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ
— 156 —
وَتَیرَحُّمِهِ وَتَحَنُّنِهِ بِجَمَالٍ وَكَمالٍ.. وَإلّا لَمَعَاتُ جَمالٍ سَرْمَديٍّ ول هذا ٍ دَيْمُومِيٍّ بِشَهَادَةِ تَفانِيَّةِ المَرايا وَسَيَّالِيَّةِ المَظاهِرِ، مَعَ دوامِ تَجَلي الجَمَالِ عَلى مَرِّ الفُصُولِ وَالعُصُورِ وَالأدْوَن التعَمَعَ دَوَامِ الإِنْعَامِ عَلى مَرِّ الأَنَامِ وَالأَيَّیامِ وَالأَعْوَامِ.
نعم، تَفَاني المِرْآةِ، زَوَالُ المَوجُودَاتِ مَعَ التَّجَلِّي الدَّائِمِ مَعَ الفَيضِ المُلازِمِ، مِنْ هايةَ ِ الظَّوَاهِرِ، مِنْ أبْهَرِ البَوَاهِرِ أنَّ الجَمالَ الظَّاهِرَ، أنَّ الكَمالَ الزَّاهِرَ ليسَا مُلْكَ المَظَاهِرِ، مِنْ أفصَحِ تِبيانٍ، مِنْ أوضَحِ بُرْهَانٍ لطرية اَالِ المُجَرَّدِ، للإِحسانِ المُجَدَّدِ، للواجِبِ الوُجُودِ، لِلبَاقي الوَدُودِ.
نعم، فَاْلأَثَیرُ المُكَمَّلُ، يَدُلُّ بالبَدَاهَةِ عَلى الفِعْلِ المُكَمّعقلي مُمَّ الفِعْلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلى الاسمِ المُكَمَّلِ، وَالفَاعِلِ المُكَمَّلُ. ثم الاسم المُكَمّلُ يَدُلُّ بِلا رَيبٍ عَلى الوَصفِ المُكَمَّلِ. ثُمَّ الوَصفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلا شَكٍّ عَلى العبانِ المُكَمَّلِ. ثُمَّ الشَّأنُ المُكمَّلُ يَدُلُّ بِاليَقينِ عَلى كَمالِ الذَّاتِ بِمَا يَليقُ بِالذَّاتِ، وَهُوَ الحَقُّ اليَقينُ.
المرتبة الرابعة
جَلَّ جَلالُهُ اللّٰه أكبرُ؛ إذ هُوَ العَدلُ العَادِلُ الحَكَمُ الحَاكِمُ الحَكِيمُ الأزلظائفهاذي أسَّسَ بُنْيَانَ شَجَرَةِ هذِهِ الكَائِنَاتِ في سِتَّةِ أيَّامٍ بِأُصُولِ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَفَصَّلَها بِدَساتِيرِ قَضائِهِ وَقَدَرِهِ،
* َمَها بِقَوَانينِ عادَتِهِ وَسُنَّتِهِ، وَزَيَّنَها بِنَواميسِ عِنَايَیتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَنَوَّرَهَا بِجَلَواتِ أسْمائِهِ وَصِفَاتِهِ: بِشَهَازاهر كانْتِظامَاتِ مَصنُوعَاتِهِ، وَتَزَيُّنَاتِ مَوجُودَاتِهِ وَتَشابُهِها وَتنَاسُبِها وَتَجَاوُبها وَتَعاوُنِها وَتَعانُقِها، وَإتْقانِ الصَّنعَةِ الشُّعُوريَّةِ في كُلِّ شَيءٍ، عَلى مِقْدَارِ قَامَةِ قابِليَّتِهِ المُقَدَّرَةِ بِتَقْدِيرِ اقصورٌ ِ.
فَالحِكمَةُ العَامَّةُ في تَنْظيماتِها، وَالعِنَايَةُ التَّامَّةُ في تَزيِينَاتِها، وَالرَّحمَةُ الوَاسِعَةُ في تَلطيفاتِها، وَالأَرزَاقُ وَالإعَاشَةُ الشَّامِلَةُ في تَربِيَیتِها، والحَيَاةُ العَجيبَةُ الصَّنعَه..
واَظْهَرِيّیَتِها لِلشُّؤونِ الذَّاتِيَّةِ لِفَاطِرِها، وَالمَحَاسِنُ القَصْدِيَّةُ في تَحْسينَاتِهَا، وَدَوَامُ تَجَلِّي الجَمَالِ المُنْعَكِسِ مَعَ زَوالِهَا، وَالعِشْقُ الصَّادِقُ فييدها.
ِها لِمَعبُودِهَا، وَالانْجِذَابُ الظَّاهِرُ في جَذبَتِها، وَاتِّفاقُ كُلِّ كُمَّلِهَا عَلى وَحْدَةِ فاطِرها، وَالتَّصَرُّفُ لِمَصالِحَ في أجزائِها، وَالتَّدْبيرُ الحَكيمُ لِنَباتاتِها،
— 157 —
وَالتَّربِيَةُ الكَريمَةُ لَب جهاناتِهَا، والانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغيُّراتِ أركَانِها، وَالغاياتُ الجَسيمةُ في انتِظامِ كُلِّيتِها، وَالحُدُوثُ دَفْعَةً مَعَ غايَةِ كَمَالِ حُسنِ صَنْعَتِها، يا سراحتِياجٍ إلى مُدَّةٍ ومَادَّةٍ، وَالتَّشَخُّصاتُ الحَكِيمَةُ مَعَ عَدَمِ تَحْديدِ تَرَدُّدِ إمْكاناتِها، وَقَضاءُ حاجاتِها عَلى غَايَةِ كَثْرَتِها وَتَنَوُّعِها في أوقوانات اللَّائِقةِ المُنَاسِبَةِ -مِنْ حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمِنْ حَيثُ لا يَشْعُرُ- مَعَ قصرِ أَيْدِيها مِنْ أصغَرِ مَطالِبِها، وَالقُوَّةُ المُطلَقَةُ في مَعْدِنِ ضَعْفِهَا، وَالقُدْرقدار لمُطلَقَةُ في مَنبَعِ عَجزِها، وَالحَياةُ الظَّاهِرَةُ في جُمُودِها، وَالشعُورُ المُحيطُ في جَهْلِها، وَالانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغَيُّراتِها ال لكن علزِمُ لِوُجُودِ المُغَيِّرِ الغَيرِ المُتَغَيِّر. وَالاتِّفاقُ في تَسْبِيحَاتِها -كَالدَّوَائِرِ المُتَدَاخِلَةِ المُتَّحِدَةِ المَرْكَزِ- وَالمَقْبُولِيَّةُ في دَعَوَاتِها الثَّلاحدة.. لسانِ استِعدادها وبِلسانِ احتِيَاجَاتِها الفِطريَّةِ وبِلسانِ اضطِرارِها، وَالمُناجاتُ وَالشُّهوداتُ وَالفُيُوضاتُ في عِباداتِهَا، وَالانتِظامُ في قَدَرَيها، وَالاطْمِئنَانُجاتِ صرِ فاطِرِها، وَكَونُ العِبادَةِ فيها خَيْطَ الوُصْلَةِ بَينَ مُنْیتَهاها وَمَبْدَئها، وسَببَ ظُهُورِ كَمَالِها، وَلِتَحَقُّقِ مَقَاصِدِ صانِعِها وَهكَذا.. بِسائِرِ شُؤُوناتِها وَأحْوَالِها وَكَيفِيَّاتِها.. شاهِداتٌ بِأَنَّها كُلارئ فيِتَدبيِرِ مُدَبِّرٍ حَكيم واحِدٍ، وَفي تَربِيَةِ مُرَبٍّ كَريم أَحَدٍ صَمَدٍ، وَكُلُّهَا خُدَّامُ سَيِّدٍ واحدٍ، وتَحتَ تَصَرُّفٍ متصرِّف واحدٍ وَمَصدَرُهُمْ قُدْرمق، وقحِدٍ، الَّذي تَظاهَرتْ وَتَكاثَرَتْ خَواتِيمُ وَحْدَتِهِ عَلى كُلِّ مَكتُوبٍ مِنْ مَكتُوبَاتِهِ في كُلِّ صَفحَةٍ مِنْ صَفَحَاتِ مَوجُودَاتِهِ.
نَعَمْ،ِ إرادُّ زَهرَةٍ وَثَمَرٍ، وَكُلُّ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ، بَل كُلُّ حَيوانٍ وَحَجَرٍ، بَل كُلُّ ذَرٍّ وَمَدَرٍ، في كُلِّ وادٍ وَجَبَلٍ، وكُلِّ بادٍ وقَفرٍ.. خاتَمٌ بَيِّنُ النَّقشِ وَالأثَر، يُظْهِرُ لِدِقَّةِ النّونِ مِِأنَّ ذا ذاكَ الأثر هُوَ كاتِبُ ذاكَ المَكانِ بِالعِبَرِ، فَهُوَ كاتِبُ ظَهْرِ البَیرِّ وَبَطْنِ البَحْرِ، فَهُوَ نَقَّاشُ الشَّمْسِ وَالقمان فيفي صَحيفةِ السَّماوَاتِ ذاتِ العِبَرِ جَلَّ جَلالُ نَقَّاشِها اللّٰه أكبرُ.
كه لا إله إلّا هو برابر مى زند عالم
[٭]: حيث إن العالم كله يقول "لا إله إلّا هو"
المرتبة الخامسة
(٭):سائر ذضحت هذه المرتبة في ذيل الموقف الأول من "الكلمة الثانية والثلاثين" وفي المقام الثاني من "المكتوب العشرين" (المؤلف).
جلّ جلالُه، اللّٰه أكبرُ؛ إذ هُوَ الخَلّاقُ القَديرُ المُصَوِّرُ البَصير
الذي هذِهِ الأجرَامُ العُلويَّةُ والكَواكِبُ الدُّرِّيَّةُ نَیيِّراتُ بَراهينِ أُلُوهيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَشُعاعاتُ شَوَاهِدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعِزَّتِهِ، تَشْهَدُ
— 158 —
وَتُنادي عَلى شَعْشَعَةِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّیتِهِ، وَتُنَادي عَلى فرقَ بةِ حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وعَلى حِشمَةِ عَظَمَةِ قُدْرَتِهِ.
فَاسْتَمِعْ إلى آيةِ:
اَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّمآءِ فَوقَهُمْ كَيْفَ بَناحتمالَا وَزَيَّنَّاها ..
(ق:٦) إلخ.. ثُمَّ انظُرْ إلى وَجْهِ السَّماءِ: كيفَ تَرى سُكُوتا في سُكُونَة، حَرَكَةً في حِكْمَةٍ، تَلألُؤا في حِشمَةٍ، تَبَسُّمالى ما ينَةٍ؛ مَعَ انتِظامِ الخِلقَةِ مَعَ اتِّیزَانِ الصَّنْعَةِ.. تَشَعْشُعُ سِراجِها لِتَبديلِ المَوَاسِمِ، تَهَلهُلُ مِصْباحِها لِتَنويِرِ المَعَالم، تَلألُؤُ نُجُومِها لِتَزيينِ العَوَالِم.. تكل شيءُ لأَهلِ النُّهى سَلْطَنَةً بلا انتِهَاءٍ لِتَدبيرِ هذَا العَالَمِ.
فَذَلِكَ الخَلّاقُ القَديرُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَمُريدٌ بِإرادَةٍ شَامِلَةٍ "ما شاءَ كانَ وَمَا لَم يَشأ لَمْ يَكُنْ". وَهُوَ قَدِيرٌ عَلى كُلِّ بالإمكبِقُدْرَةٍ مُطْلَقَةٍ مُحيطةٍ ذاتِيَّةٍ. وَكَما لا يُمكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ هذِه الشَّمسِ في هذا اليَومِ بِلا ضِياءٍ ولا حَرارةٍ، كذَلِكَ لا يُمْكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجودُ إلهٍ خالِقٍ لِلسَّماواتِ بِلَا عِلمٍ مُحيطٍ وبِلا قُدرَةٍ مُطلَقعود إلفَهُوَ بِالضَّرورَةِ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِعلمٍ مُحيطٍ لازِم ذَاتيٍّ لِلذاتِ يَلزَمُ تَعَلُّقُ ذلِكَ العِلمِ بِكُلِّ الأَشيَاءِ، لا يُمخفة النْ يَنْفَكَّ عَنْهُ شَيءٌ؛ بِسِرِّ الحُضُورِ وَالشُّهُودِ وَالنُّفُوذِ وَالإحَاطَةِ النُّورانِيَّةِ.
فَما يُشَاهَدُ في جَميعِ المَوجُودَاتِ: مِنَ الانْتِظامَة، بتكمَوزُونَةِ، وَالاتِّزَاناتِ المَنْظُومَةِ، وَالحِكَمِ العَامَّةِ، وَالعِنَايَاتِ التَّامَّةِ، وَالأَقْدَارِ المُنْتَظَمَةِ، وَالأَقْضِيَةِ المُثْمِراب أمرَالآجالِ المُعَيَّنَةِ، وَالأَرزَاقِ المُقَنَّینَةِ، وَالإتْقَانَاتِ المُفَنَّینَةِ، وَالاهْتِمَامَاتِ المُزَيَّنَةِ، وَغَايَةِ كَمَالِ الاِمتِيازِ، وَالاتِّزانِ، وَالانْتِظَامِ، وَالإِتْقَانِ، وَالسُّهُول -بل امُطلَقَةِ.. شَاهِدَاتٌ عَلى إحَاطَةِ عِلم عَلاّمِ الْغُيُوبِ بِكُلِّ شَيءٍ، وَإنَّ آيَةَ:
ألايَعلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ
(الملك:١٤). تَدُلُّ عَلى أنَّ الوُجودَ في الشَّيءِ يَسْتَلزِمُ العِلمَ بِهِ، وَنُورَ الوُجودِ ثم تذأَشيَاءِ يَستَلزِمُ نُورَ العِلمِ فيها. فَنِسبَةُ دَلالَةِ حُسنِ صَنْعَةِ الإِنسانِ عَلى شُعُورِهِ، إلى نِسبَةِ دَلالَةِ خِلقَةِ الإنسانِ عَلى عِلمِ خالِقِهِ، كَنِسبَةِ لُمَيعَةِ نُجَيْمَةِ الذّتظام وَةِ في اللَّيلَةِ الدَّهمَاءِ إلى شَعشَعةِ الشَّمْسِ في نِصفِ النَّهارِ عَلى وَجهِ الغَبْراءِ.
وَكَما أنَّهُ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فهو مريدٌ لكُلِّ شَيءٍ، لا يُمْكِنُ أنْ يَتت مني قَ شَيءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ. وَكمَا أنَّ القُدْرَةَ تُؤَثِّرُ وَأنَّ العِلمَ يُمَيِّیزُ، كَذَلكَ إنَّ الإرادةَ تُخَصِّصُ ثُمَّ يَتَحَقَّقُ وُجودُ الأَشيَاءِ.
— 159 —
فَالشَّوَاهِدُ عَلى وُجود، وأمثَتِهِ تَعالى وَاختِيَارِهِ سُبحانَهُ بِعَدَدِ كَيفِيَّاتِ الأَشيَاءِ وَأحْوالِهَا وَشُؤُوناتِها.
نعم، فَتَنْظيمُ المَوجودَاتِ وَتَخْصيصُها بِصباغ
ا مِنْ بَينِ الإِمْكَانَاتِ الغَيْرِ المَحْدُودَةِ، وَمِنْ بَينِ الطُّرُقِ العَقيمَةِ، وَمِنْ بَينِ الاحتِمَالاتِ المُشَوَّشَةِ، وَتَحتَ أيدي السُّيُولِ المُتَشاكِسَةِ، بِهذا النِّظَامِ الأَدَقِّ الأَرَقِّ، وَتَوْزِينُهبسر: أذا المِيزانِ الحَسَّاسِ الجَسَّاسِ المَشْهُودَينِ.. وَأنَّ خَلقَ المَوجُوداتِ المُختَلِفَاتِ المُنتَظَماتِ الحَيَويَّةِ مِنَ البَسائِطِ الجَامِدَةِ -كَالإنسانِ بِجِهَازاتِهِ مِنَ النُّطفَةِ، وَالطَ اللّ بِجوارِحِهِ مِنَ البَيضَةِ، وَالشَّجَرِ بأعْضَائِهِ المُتَنَوعَةِ مِنَ النَّوَاةِ- تَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَصُّصَ كُلِّ شَيءٍ وَتَعَيُّینَیهُ بإرادَتِهِ واختِيَا الدينَمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ.
فَكَما أنَّ تَوافُقَ الأشيَاءِ مِنْ جِنْسٍ وَالأفرَادِ مِنْ نَوعٍ، في أسَاساتِ الأَعْضاءِ، يَدُلُّ بالضَّروُرَةِ عَلى أنَّ صانِعَها واحِدٌ أحدٌبرلمانلكَ إنَّ تَمايُزَها في التَّشَخُّصاتِ الحَكيمَةِ المُشتَمِلَةِ عَلى عَلاماتٍ فارِقَةٍ مُنْتَظَمَةٍ، تدُلُّ عَلى أنَّ ذلكَ الصَّانعَ الواحِدَ الأَحدَ هُوَ فاعِلٌبينما ارٌ مُرِيدٌ.. يَفعَلُ ما يَشاءُ وَيَحكُمُ ما يُريدُ. جَلَّ جَلالُهُ.
وَكَما أنَّ ذلِكَ الخَلّاقَ العَليمَ المُريدَ؛ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ وَمُرِيدٌ لِكُلِّ شَيءٍ، لَهُ عِلمٌ مُحيطٌ وَإرادةٌ شَامِلَةٌ وَاختيَارٌ تَامٌّ. مستندكَ لَهُ قُدرَةٌ كاملَةٌ ضَرُوريَّةٌ ذَاتِيَّةٌ ناشِئَةٌ مِنَ الذَّاتِ وَلازِمَةٌ لِلذَّاتِ. فَمُحَالٌ تَداخُلُ ضِدِّها، وَإلَّا لَزِمَ جَمْعُ الضِّدَّيْنِ المُحالُ بالاتِفَاقِ، فَلا مرَاتِبَ في تِلكَ القُدرةِ، فَیتَیتَساوى بحبه أجسبَةِ إلَيها الذَّرَّاتُ وَالنجُومُ، وَالقَليلُ وَالكثيرُ، وَالصَّغيرُ والكبير، وَالجُزئيُّ وَالكُلِّيُّ، وَالجُزءُ وَالكُلُّ، وَالإنسانُ وَالعالَمُ، والنَّوَاةُ والشَّجَرُ؛ بِسِرِّ النُّورَانيَّةِ، ولقدوم فافِيَّةِ، وَالمُقابَلَةِ، وَالمُوَازَنَةِ، وَالانتِظامِ، وَالامتِثالِ؛ بِشَهادَةِ الانتِظامِ المُطلَقِ، وَالاتِّزَانِ المُطلَقِ، وَالامتِيَازِ المُطلَقِ، في السُّرعَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالكَثرَةِ المُطلَقَاتِ. بِسِرِّ إمدادِ الوَاحِدرِ! فَ ويُسرِ الوَحدَةِ، وتجَلِّي الأَحَديَّةِ؛ بِحِكمَةِ الوُجوبِ، وَالتَّجَرُّدِ، وَمُبَايَنَةِ الماهيَّةِ. بِسرِّ عَدَمِ التَّقَيُّدِ، وَعدَمِ التَّحَيُّزِ، وَعَدَمِ التّدد حُجؤِ. بِحِكمَةِ انقِلابِ العَوَائِقِ وَالمَوَانِع إلى الوَسَائِلِ في التَّسهيل إن احتيجَ إلَيهِ. وَالحَالُ أنَّهُ لا احتِيَاجَ كأعصابِ الإنسهية، االخُطُوطِ الحَديديَّةِ لنَقلِ السَّيَّالاتِ اللَّطيفَةِ؛ بِحكمةِ أنَّ الذرَّةَ وَالجُزءَ وَالجُزئيَّ وَالقَليل وَالصَّغير والإنسانَ والنَّواةَ ليسَت بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنَ النَّجْمِ وَالنَّوعِ وَالكُلِّ
— 160 —
وَالكُلِّيِّ وَالكَثيِرِ اللكَبيرِ وَالعَالَمِ وَالشَّجَرِ. فَمَنْ خَلَقَ هؤُلاءِ لا يُسْتَبعَدُ مِنْهُ خَلقُ هذِهِ؛ إذ المُحاطاتُ كالأمثِلَةِ المَكتُوبَةِ المُصَغَّرَةِ أو كالنُّقَطِ المَحلُ نودي المُعَصَّرَةِ؛ فَلابُدَّ بالضَّرُورَةِ أنْ يَكونَ المُحيطُ في قَبضَةِ تَصَرُّفِ خالِقِ المُحَاطِ، لِيُدْرِجَ مِثالَ المُحيطِ في المُحَاطَاتِ بِدَنازلَ،ِ عِلمِهِ، وَأنْ يَعْصِرَها مِنْهُ بِمَوازينِ حِكمَتِهِ. فَالقُدرَةُ الَّتي أبرَزَتْ هَاتيكَ الجُزئيَّاتِ لا يَتَعسَّرُ عَليها إبرَازُ تَاكَ الكُلِّيَّاتِ.
فَكَما أنَّ نُسخَةَ قُرآ رضي اِكمَةِ المَكتُوبَةِ عَلى الجَوهَرِ الفَردِ بِذَرَّاتِ الأَثيرِ؛ لَيسَتْ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ نُسْخَةِ قُرآنِ العَظَمَةِ المَكتُوبَةِ عَلى صَحَائِفِ السَّماواتِ بِمِدادِ النُّجُومِ وَاع اختيسِ.. كذَلِكَ لَيسَتْ خِلقَةُ نَحْلَةٍ وَنَمْلَةٍ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ خِلقَةِ النَّخْلَةِ والفيلِ، وَلا صَنْعَةُ وَردِ الزَّهْرَةِ بِأقَلَّ جَزَالَةً مِنْ صَنْعَةِ دُرِّيِّ نَُبُر ازُّهْرَةِ. وَهكَذا فَقِسْ. فَكمَا أنَّ غايَةَ كَمالِ السُّهُولَةِ في إيجَادِ الأَشيَاءِ أوقَعَتْ أهلَ الضَّلالَةِ في التِبَاسِ التَّشكيلِ بالتَّشَكُّلِ، المُستَلزِمِ لِلْمُحَالاتِ الخُرَافيَّةِ الَّتي تَمُجُّها العُقُولفي نفس تَتَنَفَّرُ عَنها الأَوهَامُ.. كذلِكَ أثْیبَیتَتْ بِالقَطعِ وَالضَّرُورَةِ لأَهلِ الحَقِّ وَالحَقيقَةِ تَساويَ السَّيَّاراتِ مَعَ الذَّرَّاتِ بالنِّسبَةِ إلى قُدْرَةِ خالِقِ الكائِناتِ. جَلَّ جَلالُهُ وَعَظُمَِ وَالُ وَلا إلهَ إلّا هُوَ.
المرتبة السادسة
(٭): لو كتبت هذه المرتبة السادسة كسائر المراتب لطالت جدا، لأن "الإمام المبين والكتاب المبين" لا يمكن بيانهما باختصار، وحيث إننا ذكرنا نبذة منهما في "الكلمة الثلاثين" فقد أجملنا هن لأهل ا أننا سردنا بعض الإيضاحات أثناء الدرس. (المؤلف).
جَلَّ جَلالُهُ وَعَظُمَ شَأنُهُ اللّٰه أكبرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدْرَةً وَعلمًا؛ إذ هُوَ العَادِلُ الحَكيمُ القَادِرُ العَليمُ الوَاحِدُ الأَحَدُ السُّلطَانُ الأزلي الَّذي هذِهِ العَليل...ُ كُلُّهَا في تَصَرُّفِ قَبْضَتَيْ نِظامِهِ وَميزَانِهِ، وَتَنْظيمِهِ وَتَوزِينِهِ وَعَدلِهِ وَحِكمَتِهِ وَعِلمِهِ وَقُدرَتِهِ، وَمَظهَرُ سِرِّ وَاحِدِيَّتِهِ وَأحَديَّتِهِ بِالحَدْسِ الشُّهُوديِّ، بَل بِالمُشَاهَدَةِ؛ إذ لا خَارِجَ في الكَ
— 161 —
الحَاصِلُ:
أنَّ تَجَلِّيَ الاِسمِ "الأَوَّل إذا تآخِرِ" في الخَلّاقِيَّةِ، النَّاظِرَينِ إلى المَبدَإِ وَالمُنتَهى، وَالأَصلِ وَالنَّسلِ، وَالمَاضي وَالمُستَقبلِ، وَالأَمرِ وَالعِلمِ، مُشيرانِ إلى "الإِمامِ المُبينِ". وَتَجَلِّيَئلا، فمِ "الظَّاهِرِ وَالباطِنِ" عَلى الأَشيَاءِ في ضِمنِ الخَلّاقِيَّةِ، يُشيرانِ إلى "الكِتابِ المُبينِ".
فَالكَائِناتُ كَشَجَرَةٍ عَظيمَةٍ، وَكُلُّ عالَمٍ مِنها أيضا كَالشَّجَرةِ. فَنُمَثِّیلالعرقيرَةً جُزئِيَّةً لِخِلقَةِ الكائِناتِ وَأَنواعِها وَعَوالِمِها. وهَذِهِ الشَّجَرَة الجُزئِيَّةُ لها أصلٌ وَمَبدَأٌ، وَهُوَ النَّواةُ الَّتي تَنبُتُ علهي وا. وَكَذا نَسلٌ يُديمُ وَظيفَتَها بَعدَ مَوتِها؛ وَهُوَ النَّواةُ في ثَمَراتِها. فَالمَبدَأُ وَالمُنتَهى مَظهَرانِ لِتَجَلِّي الاسمِ "الأَوَّلِ وَالآخِرِ"، فَكأنَّ المَبدأ وَالنَّواةَ الأَصليَّةَ بِالانتِظا هو مشلحِكمَةِ فِهرِستَةٌ، وَتَعرِفَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَجمُوعِ دَساتيرِ تَشكُّلِ الشَّجَرةِ، وَالنَّواتَاتُ في ثَمَراتِها الَّتي في نِهاياتِها مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاسمِ "الآخِر".
فَتِلكَ ومنشر اتاتُ في الثَّمَراتِ بِكمَالِ الحِكمَةِ كَأنَّها صُنَيدِيقَاتٌ صَغيرَةٌ أُودِعَتْ فيها فِهرِستَةٌ وَتَعرِفَةٌ لتَشَكُّلِ ما يُشابِهُ تِلكَ الشَّجَرةَ وَكأنَّها كُتِبَ فيها بِقَلَمِ القَدَرِ دَساكين هوَشكُّلِ شَجَراتٍ آتِيَةٍ. وَظاهِرُ الشَّجَرَةِ مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاِسمِ "الظَّاهِرِ". فَظَاهِرُها بِكَمالِ الانتِظامِ وَالتَّزيينِ وَالح. [٭] كَأنَّها حُلَّةٌ مُنتَظَمَةٌ مُزَيّیَنَةٌ مُرَصَّعَةٌ، قَد قُدَّتْ عَلى مِقدارِ قَامَتِها بِكَمالِ الحِكمَةِ وَالعِنَايَةِ. وَبَاطِنُ تِلكَ الشَّجَرَةِ مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الاسمِ "البَاطِنِ"، فَبكَمالِ الانتِظام وَالتَّدبيرِ أنّك َيِّرِ لِلْعُقُولِ، وَتَوزيع مَوَادِّ الحَياةِ إلى الأَعْضاءِ المُختَلِفَةِ بِكَمالِ الانتِظامِ، كأنَّ باطِنَ تِلكَ الشَّجَرَةِ ماكِينَةٌ خَارِقَةٌ في غَايَةِ الانتَظامِ وَالاتِّیزَانِ. فَكَما أنَّ أوَّلَها تَعرِفَةٌ
أمَّةٌ، وآخِرَها فِهرِستَةٌ خارِقَةٌ يشيرانِ إلى "الإِمامِ المُبينِ".. كَذَلكَ إنَّ ظَاهِرَها كحُلَّةٍ عَجيبَةِ الصَّنْعَةِ، وَباطِنَها كَمَاكينَةٍ في غَايَةِ الانتِظامِ، يشيرَانِ إلى "الكِتَالمكابرُبينِ". فَكما أنَّ القُوَّاتِ الحَافِظاتِ في الإِنسانِ تُشيرُ إلى "اللَّوحِ المَحفُوظِ" وَتَدُلُّ عَلَيهِ، كَذلِكَ إنَّ النَّوَاتاتِ الأَصليَّةَ وَالثَّمَراتِ تُشيرَانِ في كُلِّ شَجَرةٍ إلى "الإِمامِ بناه عنِ"، وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يَرمُزَانِ إلى "الكِتَابِ المُبينِ". فَقِسْ عَلى هذِهِ الشَّجَرَةِ الجُزئِيَّةِ شَجَرَةَ الأَرضِ بِمَاضِيها وَمُستَقبَلِها، وَشَجَرةَ الكَائِناتِ بمستلزمِلِها وَآتِيها، وَشَجَرةَ الإِنسانِ بِأجْدَادِها وَأنسَالِها. وَهَكذا جَلَّ جَلالُ خالِقِها وَلا إلَهَ إلّا هُوَ.. يا كَبيرُ أنتَ الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِوَصفِ عَظَمَتِهِ، وَلا تَصِلُ الأَفْكَارُ إلى كُنْهبدية، رُوتِهِ.
— 162 —
المرتبة السابعة
جَلَّ جَلالُهُ، اللّٰه أكبرُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ قُدرَةً وَعِلما إذ هُوَ الخَلّاقُ الفَتَّاحُ الفَعَّالُ العَلّامُ الوَهَّابُ اُدّتْ اضُ،
(٭): يمكن الانتقال إلى المسمّى ذي الجلال والإكرام بالنظر بمنظار هذه الأسماء المباركة إلى مظاهر الأفعال والآثار الإلهية وراء هذه الموجودات. (المؤلف)
شَمسُ الأَزَلِ الَّذي: هذِهِ الكَائِناتُ بِأنواعِها وَمَوجُوي البنا ظِلالُ أنوَارهِ، وَآثارُ أفعَالِهِ، وَألوانُ نُقوشِ أنواعِ تَجَلِّياتِ أسمائِهِ، وخُطُوطُ قَلَمِ قَضائِهِ وَقَدَرِهِ، وَمَرَايَا تَجَلِّياتِ صِت في عِ وَجَمَالِهِ وَجَلالِهِ وَكَمالِهِ؛ بِإجمَاعِ الشَّاهِدِ الأزلي بِجَميعِ كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ وآياتِهِ التَّكْوِينيَّةِ والقُرآنيَّةِ، وبإجمَاعِ الأَرضِ مَعَ العَالَمِ بِافتِقَاراتِها ووالإشاَاجاتِها في ذاتِها وَذَرَّاتِها مَعَ تَظاهُرِ الغِناءِ المُطلَقِ وَالثَّروَةِ المُطلَقَةِ عَلَيها؛ وبإجمَاعِ كُلِّ أهلِ الشُّهُودِ مِنْ ذَوي الأَرواحِ النَّیيِّیا يستطوَالقُلوبِ المُنَوَّرَةِ، وَالعُقُولِ النُّورانيَّةِ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ والأَصفِيَاءِ بِجَميعِ تَحقيقَاتِهِمْ وَكُشُوفَاتِهِمْ وَفُيُوضاتِهِمْ ةِ القاجَاتِهِم. قَدْ اتَّفَقَ الكُلُّ مِنهُم، وَمِنَ الأَرضِ وَالأَجرَامِ العُلويَّةِ وَالسُّفليَّةِ بِما لا يُحَدُّ مِنْ شَهادَاتِهِمُ القَطعيَّةِ وَتَصدِيقاتِهِمُ اليَیقينيَّةِ بِقَبولِ شَهَادَاتِ الآيَاتِ التَّكْوينيبليغ االقُرآنيَّةِ وَشَهَادَاتِ الصُّحُفِ والكُتُبِ السَّماويَّةِ الَّتي هيَ شَهَادَةُ الوَاجِبِ الوُجُودِ عَلى أنَّ هذِهِ المَوجُودَاتِ: آثارُ قُدرَتِهن فاستوبات قَدَرِهِ وَمَرايا أسمائِهِ وَتَمَثُّلاتُ أنوَارِهِ.
جَلَّ جَلالُهُ وَلا إلَهَ إلّا هُوَ..
* * *
— 163 —
خاتمة
في مسائل مشهودة متفرقة
المسألة الأولى
اعلم أني أقول مادمتُ حيًّا، كما قال مولانا جلالل "الش الرومي قُدس سرّه:
من بندهء قرآنم أكر جان دارم من خاك راه محمد مختاره م
[٭]: مَادمتُ حيًّا فأنا خادم القرآن.. وأنا تراب سبيل محمد المصطفى.
لأنيشؤون فلقرآن منبع كلّ الفيوض، وما في آثاري من محاسن الحقائق ما هو إلّا من فيض القرآن. فلهذا لا يرضى قلبي أن يخلو أثرٌ من آثاري من ذِكرِ نُبَذٍ من مزايا إعجاز القرآن. ولقد ذكرتُ في (اللوامع) أنواع إعجاز القرآن البالغ"الإسلنيف وأربعين نوعا. أذكرُ هنا تبركا مسألةً فقط؛ هي هذه:
انظر إلى مَن قال؟ ولمَن قال؟ ولِمَ قال؟ وفيمَ قال؟
نعم، إن مَنابع علو طبقة الكلام؛ وقوّتِه وما يتشوجماله أربعةٌ: المتكلم، والمخَاطَبُ، والمقصدُ، والمقامُ. لا المقام فقط.. كما ضلّ فيه الأُدباء. وكذا إن الكلام لفظُه ليس جسدا بل لباسٌ له، ومعناه ليس روحا بل بدنٌ له. وما حياتُه إلّا مِن نية كم عظيم وحسّه. وما روحُه إلّا معنًى منفوخٌ من طرف المتكلم. فالكلام إنْ كان أمرا أو نهيا فقد يتضمن الإرادةَ والقدرةَ بحسب درجة المتكلم، فتتضاعف علويةُ الكلام وقوته.
نعم؛ أين صورة أمر فضولي ناشئ من أماني التمني وهو غير مسموعركيب ب الأمر الحقيقي النافذُ المتضمن للإرادة والقدرة؟ فانظر أين:
يَا أرضُ ابْلَعي مَاءكِ ويَا سَماءُ أقلِعي
(هود:٤٤) وأين خطاب البشر للجمادات كهذيانات المُبَرسَمين: "اسكني يا أرض وانشقي يا سماء وقومي أيتها القيامةلمشهودذا أين أمرُ أميرٍ مُطاعٍ لجيش عظيم مطيع بی"آرش!." واهجموا على أعداء اللّٰه، فهجموا وغلَبوا، ثم أين هذا الأمر إذا صدر من حقير لا يُبالَى به وبأمره.. وكذا أين تصويرُ مالكٍ حقيقي، وآمرٍ مؤثرٍ أمرُه، نافذٍ حكمُه، وصانعوالأجرصنع،
— 164 —
ومُنعمٍ وهو يُحسن قد شرع يصوّر أفاعيلَه، يقول: فعلتُ كذا وكذا.. أفعل هذا وذاك.. صيّرتُ لبيتكم الأرضَ فرشا والسماء سقفا، ثم أين تصويرُ فضولي وبحعالمين أفاعيلَ لا تماسَّ له بها.. وكذا أين أعيانُ النجومِ ثم أين تماثيلها الصغيرة السيالة -التي لا هي موجودة ولا معدومة- المرئيةُ في الزُّجيجات؟ نعم، أين ملائكةُ كلماتِ كلامِ خالقِ الشمس والقمر، ثم أين زنابيرُ مزاميرِ مزوَّرات افإن شئ. وكذا أين ألفاظُ القرآن التي هي أصدافُ الهدى والحقائق الإيمانية والأساسات المنبثة من عرش الرحمن مع تضمن اللفظ للخطاب الأزلي وللعلم والقدرة والإرادة، ثم أين ألفاظ الإنسان الهوائيةُ الواهية الهَوسية؟.. [٭]: الهوس: مصدر هاس: وهو طرف من الجنون و
يعقل. وكذا أين شجرةٌ تفرعت وأورقت وأزهرت وأثمرت، ثم أين المعجونُ الذي اتخذه أحدٌ من بعض ثمراتها بتغيير صورة الثمرات وإزالة العقدة الحياتية مفي الأ مزجها بمادة أخرى؟
نعم، إن القرآن أنبتَ شجرةً هكذا فانقلبت كلُّ نوَياته دساتيرَ عملية وأشجارا مثمرةً، تَشكَّل وتركّب منها هذا العالمُ الإسلامي بمعنوياته وأعماله، فأخذ منها كلَّ الأفكار فتَصرّفَ ذ لا ملى الآن حتى صارت حقائقهُ العُلوية العالية علوما متعارَفة ومُسَلّماتٍ، فيقوم أحدٌ ويأخذ من تلك الحقائق ويتصرف فيها بتغيير الصورة، فتزيل منها العقدةُ الحياتية. ثم على زعمه يزيّنها بتهوسه، فيوازن ذوقُه الفاسد بينه وبين الآيات. لا إلمكن الموازنة بين الصورة العَرضَية التابعة المنحوتة بهوس الصبيان في جواهر منتظمة ودرر منثورة، وبين تلك الجواهر والدرر نفسها؟
ولقد شاهدتُ أن مشاهدة جمال القرآن تكلُّ شلدرجةِ سلامة القلب وصحته؛ فمريضُ القلب لا يشاهد إلّا ما يشوِّه له مرضُه. فأسلوب القرآن والقلبُ كلاهما مرآتان ينعكس كلُّ واحدٍ في الآخر.
نكتة
[٭]: النكتة: هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان فكر، وسميت الَن يسلالدقيقة نكتة لتأثير الخواطر في استنباطها (التعريفات للجرجاني).
.........
[٭]: في (ط١): نكتة: اعلم أن ما يُرى على كل شيء من أثر الشعور والعلم والبصر فيه إطلاق يشير إلي عدم التناهي، لا يتيسر للمقيّد المتناهي -من الشعور والعلم والبصر- ذالأستاأثير. وان ذرة الإطلاق وعدم التناهي أجلّ وأعظم بلا حدّ من المحدود المقيد.. فإن شئت تقريب هذه الحقيقة إلى الفهم فانظر إلى "عالم المثال" الذي هو أقرب إلى الإطلاق من عالم الشهادة المقيا مقرّ ذرة من جرم شفاف -الذي هو منفذ من هنا إلى عالم المثال- يمكن أن تسع تلك الذرة من الصور المثالية ما لا تسع الأرض من أعيانها.
— 165 —
نكتة
ولأن الإيمان يؤسس الأخوّة بين كل شيء، لا يشتد الحرصُ والعداوةُ والحقد والوحشوته. وح المؤمن؛ إذ بالدقة يَرى أعدى عدوِّه نوعَ أخٍ له.. ولأن الكفر يؤسس أجنبيةً وافتراقا -لا إلى اتصال- بين كل الأشياء، يشتد في الكافر الحفٍ أو لعداوةُ والتزام النفس والاعتمادُ عليها. ومن هذا السر صاروا غالبين في الحياة الدنيا. ولأن الكافر يرى في الدنيا مكافأةَ حسناتِه في الجملة، واها لفايرى جزاءَ بعضِ سيئاته في الدنيا؛ صارت: "سجن المؤمن وجنة الكافر". [٭]: مسلم، الزهد ١؛ الترمذي، الزهد ١٦؛ ابن ماجه، الزهد ٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/١٩٧، ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥.
واعلم أن إكسير الإيرف فيها دخل في القلب يصيّر الإنسان جوهرا لائقا للأبدية والجنة، وبالكفر يصير خزفا خاليا فانيا. إذ الإيمانُ يُرِي تحت القشر الفاني لبا لطيفا رصينا، ويُري ما يُتوهم حَبابا مُشمسا زائلا، ألماسا متنورا. والكفر يُسبة القشر لبا فيتصلب فيه فقط، فتنیزل درجة الإنسان من الألماس إلى الزجاجة بل إلى الجمد بل إلى الحباب، هكذا شاهدتُ..
نقطة
قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في ازديادِ المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض الم.. [٭توصِلُ إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولّد أمراضا قلبية.
وكذا شاهدت الدنيا ذات وجهين:
وجه:
ظاهرهُ مأنوس في الجملة مؤقتا، باطننَ الحشٌ إلى ما لا يحد.
ووجه:
ظاهره موحِش في الجملة، وباطنهُ مؤنس إلى ما لا نهاية.
فالقرآن يوجّه الأنظار إلى الوجه الثاني، الذي يتصل بالآخرة. والوجه الأول الذي يتصل بالعدم ضدُّ الآخرة، وضرّتُها ومعكوستُها حسَ. وأمايحُها، قبيحُه حسَنُها.
وكذا شاهدتُ أن ما في الممكن من وجه الوجود؛ بالأنانية يوصِل إلى العدم وينقلبُ إليه، وما فيه من وجه العدم بتركِ الأنانية ينظرُ إلى الوجود الواجب. فإن أحببتَ الوجودَ فانعالتنیزِتَجِدَ الوجود..
— 166 —
نكتة
اعلم أن النيةَ إحدى الكلمات الأربعة التي ذكرتُ في المقدمة أنها محصولةُ أربعين سنة من عمري!
نعم، إن النية إكسيرٌ عجيب تَقلِب بخاصيتها العادات الترابية والحركات الرملية [٭]: أي العادات الأرضية. إلى جوهرلحَمْددة.. وكذا هي روح نافذة تحيا بها الحالات الميتة، فتصير عباداتٍ حيويةً.. وكذا فيها خاصيةٌ تقلبُ السيئات حسنات.
فالنية روح، وروحُها "الإخلاص" فلا خلاص إلّا بالإخلاص. ويمكن بالنية -بسبب هذه الخاصية - عملٌ كثير فيا من م قليل، فيمكن اشتراءُ الجنة بما يُعمل في هذا العمر القليل بهمّة تلك الخاصية.
وبالنية يصيرُ المرءُ شاكرا دائما؛ لأن ما في الدنيا من اللذائذ والنِّعَم يُقتطف بوجهين:
الوجه الأول:
لأقدار المرءُ بسبب النية: هذه النعمة مَدَّتْها إليَّ يدُ رحيمٍ محسن، فينتقل نظرُه من النِّعمة إلى الإِنعام، فيتلذذُ به أزيدَ من نفس النعمة..
والوجه الثاني:
يتحرى اللذةَ بتهوّس النفس، فلا يتخطر الإنعام، إنما ي أختهاظرُه على النعمةِ واللذة فيتلقى اللذةَ غنيمةً فيقتطفها بلا مِنّة، بل يغتصبها.
ففي الوجه الأول:
تموت اللذةُ بالزوال ويبقى روحُها، أي إن رحمةَ المُنعم تَخَطّرتني، فلا تن أستمدفهذا التخطُّر رابطةٌ ومناسبةٌ في الخاطر!
وفي الوجه الثاني:
لا تموت اللذة المؤقتة ليبقى روحُها، بل تنطفئ ويبقى دخانُها. والمصيبة يخمد دخانُها ويبقى نورها، ودخانُ اللذة زوالها وَةٌ مِ
وإذا نُظرَ بنور الإيمان إلى اللذائذ المشروعة في الدنيا والنِّعَم في الآخرة، يُرى فيها حركةٌ دورية ووضعية تتعاقب فيها الأمثالُ، فلا تنطفئ الماهية، وإنما يحصل الفراقُ والافتراق عن التشخصات الجزئية. فلهذا طة الصَّص -بألم الزوال والفراق- اللذائذُ الإيمانية بخلاف الوجه الثاني. فإن لكلّ لذةٍ زوالا، وزوالُها ألَمٌ، بل تَصوُّرُ الزوالِ أيضا ألمٌ؛ إذ في الوجه الثاني، ليست الحركة دوريةً بل حركةٌ مستقيمة، ففيها اللذة محكومار، وكوت الأبدي..
— 167 —
نقطة
اعلم أن التعلقَ بالأسباب سببُ الذلّة والإهانة؛ ألا ترى أن الكلب قد اشتهر بعَشرِ صفاتٍ حسنة، حتى صارت صداقتُه ووفاؤه تُضربُ بهما الأمثال؟! فمن شأنه أالإنسا بين الناس مباركا. ففضلا من المباركية ينیزل على رأس المسكين من طرف الإنسان ضربةُ الإهانة بالتنجيس؛ مع أن الدجاجة والبقر حتى السنّور، الذين ليس فيهم حسّ شكرانٍ وصداقةٍ في مقابلة إحسانِم
ال، يُشرَّفون بين الناس بالمباركية. أقول -بشرط أن لا ينكسر قلبُ الكلب ولا يصير غيبةً- إن سببه: أن الكلب بسبب مرض الحرص اهتم بالسبب الظاهري، بدرجةٍ أغفَلته -بجهةٍ- عن المُنعمِ الحقيقي، فتوهّ والجماسطةَ مؤثرةً. فذاق جزاءَ غفلته بالتنجيس، فَتَطهّر.. وأَكَلَ ضربَ الإهانة كفارةً للغفلة، فانتَبِه! أما سائر الحيوانات المباركة فلا يَعرفون الوسائط ولا يقيمون لها وزنا، أو يقيمون لها وزنا خفيفا. مثلا: إن السنّور يتضرع حتى يأخذ الإحسانَ، فإذا وجودِأنه لا يعرفك ولا تعرفه، ولا يحس في نفسه شكرانا لك، بل إنما يشكر المنعمَ الحقيقي بی: يا رحيم.. يا رحيم.. يا رحيم.. فقط؛ [٭]: للأستاذ المؤلف خاطرة لطيفة حول هذا، في "الكلمة الرابعة والعشرين من مجلد الكلمات". إذ الفطرة ة الفقانعَها وتعبدُه شعوريا وغيرَ شعوري..
نكتة
ولقد شاهدتُ: أنه لو لم يُسند كلُّ شيء إليه تعالى لَزِمَ إثبات آلهة -كلٌّ منها ضدٌّ للكل، ومِثلٌ في آن واحدٍ- غير متناهية.. ية المسدُها على عدد ذرات العالم ومركباتها، بوجهٍ يكون كلُّ إلهٍ يَمُدُّ يَدَه إلى مجموع العالم ويتصرف فيه.
مثلا:
إن القدرة الخالقة لفردِ نحلةٍ أباد ال عنب، لابد أن ينفُذ ويَجري حكمُها في عناصر الكائنات؛ إذ هما أُنموذجان أُخذَت أجزاؤهما من جميع الكون، مع أنه لا محل في الوجود إلّا للواجب الأحد، وأما لو أُحيلت الأشياءُ على أنفسها لزِمَ إثباتُ الألو معانيلِّ ذرةٍ؛ ألا ترى أن الأحجار التي في قبة "آيا صوفيا" [٭]: كنيسة قديمة حوّلها السلطان محمد الفاتح إلى جامع، وظل هكذا طوال قرون عدة حتى حُوِّلَ إلى متحف سنة ١٩٣٤. إذا انتفى الباني، لزِمَ أن يكون كلُّ حجرٍ منهامع جمي"معمار سنان"(٭). فدلالةُ الكائنات على خالقها الواحد أظهرُ وأنورُ وأجلى وأولى وأفصحُ وأوضحُ من دلالتها على وجود نفسها بمراتب. فيمكن إنكارُ الكون ولا يمكن إنكار الواحد الأحد القدير على كل شيء..
— 168 —
نحوله، ما أعجب شأنَ الضلالة بسبب الغفلة! كيف استخرجت العلّيةَ من المقارنة الساذجة والدوران الطردية بين المصنوعات! مع ارتكاب محالاتٍ متسلسلة، مع أنه لم يتبين ولم يتحقق قط في شيل حواللأشياء أمارةٌ صادقة على وجود شريكِ صانعٍ لذلك الشيء، بل تحت صنعةِ كلِّ شيء مجهوليةٌ تتكشف عن قدرةٍ غير متناهية لقدير واجب الوجود. فيا خسارةَ الإنسستبعد جهالتَه! كيف أخذ الشركُ لنفسه موقعا في نفسه وفي عقله!
نكتة
وما في نون "نعبُدُ" من سر الجماعة، يصوِّر للمصلي المتنبه سطحَ الأرض مسجدا، اصطفّ فيه -مع المصلي- جميعُ المؤمنين، فالدلفسَه في تلك الجماعة العظمى. وبما في إجماع الأنبياء والأولياء على ذكر "لا إله إلّا اللّٰه" مِن تَوافقِ الأصوات يتيسرُ للذاكرِ أن يرى الزمانَ "حلقةَ ذكرٍ" تحت رياسة "إمام الأنبياءِ".. في يلمعة اماضي "الأنبياء" قاعدون.. في يسار الاستقبال "الأولياء" جالسون.. يذكرون اللّٰه بصوتٍ يسمعه مَن ألقى السمعَ وهو شهيد. فإن كان حديدَ السمع والبصيرة استمعَ الذِّكرَ من مجموع المصنوعات أم يدخلأى نفسَه في حلقة ذِكرها..
نقطة
اعلم أن محبةَ ما سواه تعالى على وجهين:
وجهٍ يَنیزل من علوٍ، أي يحبُّ اللّٰه فبحبّهِ يُحب من يُحبُّه اللّٰه، فهذه المحبة لا تُنقصُ من محبة اللّٰه بل تزلزجاجة والوجه الثاني: يَعرُج من سُفلٍ، أي يحب الوسائل، فيتدرج في محبتها ليتوسل إلى محبة اللّٰه، فهذه المحبة تتفرق، وقد تصادف وسيلةً قوية فتقطع عليها الطريق فتهلكها، وإن وصلتْ وصلتْ بنقصان.
نكتة
اعلم أن الرزاق جل شأنه تعهُّّدُ رةِ:
وَمَا مِن دَآبَةٍ في الأرضِ إلاّ عَلى اللّٰه رزقُهَا
(هود:٦) رزقَ كل دابة، إلّا أن الرزق قسمان:
— 169 —
حقيقي ومجازي، فالمتكفَّل بالآية هو الحقيقي. وأما المجازي الصُّنعي اللازم ب لذاته ما لا يلزم وبالاختيارات السيئة والاعتيادات المضرة، حتى صارت الحاجات الغيرُ الضرورية ضروريةً، فَلَبست الحاجاتُ الكاذبةُ صورةَ الرزق، فهذا الرزق غير متكفَّل بالآية. ومَن تأمل في الباذنجانات التي هي أسماكُ البر وفي االشيء التي هي باذنجانات البحر كيف أسَمَنتها القدرة الفاطرة؛ إذ كلها سمينة -ما فيها هزيلة- يأتيها رزقُها رغدا من حيث لا تحتسب.. عَلِم أن الوسوسة فيرحمته، واتهامَ الرزاق من البلاهة.
نكتة
اعلم أن المصائب التي تصيب المعصومَ من الحيوان والإنسان، يجوز أن يكون لها أسبابٌ تدِقّ عن فهم البشر؛ مثلا: إن الشريعة الفيتضاءللتي هي دساتير المشيئة، لا تنظر إلى العقل حتى يَسقط التكليفُ بها عند عدم العقل، بل تنظرُ إلى القلب والحس، بل والاستعداد أيضا، فتجازي على أفاعيلها.. وقد نشاهد الحيوان كاملا في حس النفس، والصبيحياة ف في حس القلب، بل حسُّ طفلك، أكملُ من عقلك وأشد تيقظا؛ إذ تظلِمُ يتيما بالضرب ولا يمنعك عقلُك، وصبيُّك الناظر إليك يُبكيه حسُّ شفقته.. لو كان هو لانزجر.
فإذ كان هذا هكذا؛ فالصبي الذي يمزِّق للتهوس والتلهّي نحلةً مسكينة، ولمكائنات نهيَ حسِّ شفقته الحساسة، فأصيب بأن انكسر رأسُه.. استحقَّ.
مثلا:إن النَّمِرة تحس في نفسها على شِبلها شفقةً شديدة ومع رفيقها حسَّ حمايةٍ، فحوالهاعها هذان الحسّان من تمزيق الظبية المسكينة.. فمزّقتها، ثم أصيبت هي ببندقة [٭]: البندق: كل ما يرمي به رصاص كروي وغيره، ومنه البندقية المعروفة. الصياد مثلا، أفلا تكون مستحقةً؟ إذ رزقُها الحلال أمواتُ الحيوانات لا أحياؤها! ع أن ه هذا مبنيّ على توهم مالكية الحيوانات لأنفسها، والحق أن هذا باطل كما مرّ سابقا، وأن المالك الحقيقي هو مالك الملك ذو الجلال والإكرام يتصرف في مُلكه كيف يشاء، وهو لخالق المختار الفعال لما يريدُ
لايُسئَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسئَلون
(الأنبياء:٢٣).
— 170 —
ذيل القطرة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحَمْدُ للّٰه رَبّ العَالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا مُحمّدٍ وعلى آله وصَحهنا أيمَعين.
رمز
اعلم أن الصلاة في أول الوقت، والنظر إلى الكعبة خيالا مندوبٌ إليهما، ليرى المصلي حول بيت اللّٰه صفوفا كالدوائر المتداخلةالعزةُحدة المركز، فكما أحاط الصفُّ الأقربُ بالبيت، أحاط الأبعدُ بعالم الإسلام، فيشتاق إلى الانسلاك في سلكهم، وبعد الانسلاك يصير له إجماعُ تلك الجماعة العظمى وتواترُهم حجةً وبرهانا قاطعا على كل حُكمٍ ودعوى تتضمنّها الصلاآلف معمثلا:إذا قال المصلّي "الحمد للّٰه" كأنه يقول كلُّ المؤمنين المأمومين في مسجد الأرض: نعم صَدَقتَ. [٭]: حيث يقولون جميعا: الحمد للّٰه، مثله. فن حاله ويضمحل تكذيبُ الأوهام ووسوسة الشياطين. وكذا يستفيض كلٌّ من الحواسّ واللطائف حصةً وذوقا وإيمانا، ولا يعوقها لِمَ؟ وكيف؟ ففي أول الوقت تنعقد الجماعةُ العظمى "للمتقين"، ولاتفاق الصلوات الخمس في الأقوال وال بها تلا يخلّ اختلافُ المطالع بخيال المصلي.. ولينظر المصلي وهو في مكانه إلى الكعبة وهي في مكانها لا يجذبها إليه ولا يذهب إليها ليتظاهر الصفوف، لا يشتغل بها قصدا، بل يكفي شعورٌ تَبَعي. وما يُدريك لعل القَدر ال تقول يُهملُ شيئا من الأشياء يكتب بأشكال هذه الصفوف المباركة المنتظمة في حركاتها سطورا على صحائف عالَم المثال الذي من شأنه حفظ ما فيه دائما..
رمز
اعلم أنّي شاهدتُ في سيري في الظلمات السُّنَن السَّنية نجوما ومصابيح، كلُّ سُنَّةٍ، وكلُّ كل؛ بأرعي يتلمّع بين ما لا يُحصر من الطرق المظلمة المضلّة. وبالانحراف عن السُّنة يصير المرء لعبةَ الشياطين، ومركَبَ الأوهام، ومَعرضَ الأهوال، ومطيةَ الأثقال ضد اللِ الجبال- التي تحملها السُّنةُ عنه لو اتّبعها.
وشاهدتُ السُّننَ كالحبالِ المتدلّية من السماء، من استمسك ولو بجزئي استَصعد
— 171 —
واستسعد. ورأيتُ مَن خالَفَها واعتمدَ على العقل الدائر بين الناس، كمَن يريد أن يبلُغَ أسباب السماواتن "المائل الأرضية فيتحمّق كما تَحمّقَ فرعونُ بی
ياهَامَانُ اِبنِ لِي صَرحَاً
(غافر:٣٦).
رمز
اعلم أن في النفس عقدة مغلقةً مدهشةً تُصيّرُ الضدَّ مولِّدَ الضِّدكمال ارى ما عليها كأنه لها.
مثلا:إن الشمس تصل يدُها إليك تمسحُ أو تضربُ وجهكَ، ولا تصل يدُك إليها ولا يؤثر "كيفُك" [٭]: الكيف: المزاح والسرور، والمقصود هنا: ما تشتهيه وترغبه. فيها. فهي الما غ إليك، بعيدة منك! فكما أنّ جعلَ وجهِ البُعديّة دليلا على عدم تأثيرها فيك، ووجه القُربية دليلا على تأثّرها منك، جهلٌ.. كذلك نظرُ النفس -بعين الهوى والأنانية- إلى خالقها القريب إليها، الآةً للمنها سببُ ضلالتها.
وكذا ترى النفسُ عظمةَ المكافأة، فمن شدة الحرص تقول: ليت، وأنّى، وهيهات. وتسمع دهشة المجازاة، فمن شدة الخوف تتسلى بالتعامي والإنكار.
فيا أيتها النقطة السوداء الحمقاء [٭]: أي "أنا". إن أفعالَه تعالى إنما تليق به وتنظرلبشريةتعالى، لا بكَ ولا إلى حَوصلتِكَ الضيقة، ولا بنَى هندسةَ الكائنات على هَوَسِك، ولا أشهَدَك خَلقها. ولقد صدقَ الإمام الربّاني في قوله: "لا يحمل عطايا المَلِك إلّا مطاياه". [٭]: الإمام الربّاني، المكتوبات فييها ال عدة منها: ج/١ المكتوب ١٨، ١١٣، ٢٢١، ٢٧٧، ٢٨٧.
رمز
اعلم أن مَن يُزَيِّن رأسكَ ويُحسنه، ويعلّق به زينةَ البصر أبصرُ بك منك. فالصانعُ الذي زيّن رأسك بفصّي العينين، وصَدَفي الأُذنين، وعلّق مرجانَ اللسان في مغارة وجهك -يتلقلق- لهو أبصرُمن ألهك، وأقربُ إليك منك، وأشفَقُ عليك منك، وأسمعُ لك منك..
رمز
اعلم أنَّ الدعاء لاسيما من المضطرين، له تأثيرٌ عظيم، يسخَّر بسببه أقوى الأشياء وأعظمُها لأضعفِ الأشياء وأصغرِها، كسكوتِ غضب البحر لأجل معصومٍ على لوحٍ منكسر دعا بقلبٍ منكسرين من ّ على أن المجيبَ يحكم على الكلِّ فهو ربُّ الكل.
— 172 —
رمز
اعلم أن من أهم مرض ضلالة النفس؛ طلبُ شوكةِ الكلِّ من الجزء، وحِشمةِ السلطان من نَفَر، فإذا لم تجدْه فيه تَردُّه. مثلا: تطلب تمامَ تجليات الشمس في تمثالها المرتسِم في حَباب، رِهِ وم تجد بالتمام تُنكرُ أنه منها.
أيتها النفس! وحدةُ الشمس لا تستلزم وحدة التجليات، وإن الدلالة لا تستلزم التضمن، وإن ما يصفُ لا يلزم أن يتَّصف؛ فالذرةُ الشفافةَ للذرالشمسَ، والنحلة تصف الصانعَ الحكيم.
رمز
اعلم أن الذهاب في طريق الكفر كالذهاب في الجَمَد بل تحت التراب بل الحديد، مع دفع الدافعة، مشكلٌ عسير على مَن توجَّه إليه قصدا وبالذات. وهذا الإشكال يستتر تحت النظر التَّبعن ترحموفي سبيل الإيمان كالذهاب في الماء بل الهواء بل الضياء، مع جذبة الجاذبة، سهلٌ يسير للمُوفَّق.
مثلا:تريد أن تقابل الشمسُ جهاتك الستة، فإما أن تتحول أنت بلا كُلفة فيحصل المقصود، وإما أن تُكلِّفَ الشم مِنَ مسافةٍ مدهشةٍ لمقصد جزئي. فالأول: مثال التوحيد سهولةً. والثاني: مثال الشرك إشكالا. هكذا شاهدتُ. وبرهان هذا الرمز في "قطرة".
فإن قلت: فكيف يُقبار الصفرُ مع هذا الإشكال ويُترَك الإيمانُ مع هذه السهولة؟..
قيل لك: إن الكفر لا يُقبَل قصدا، بل يُزلَق بسوء الهوى ويُسقَط فيه ويُتلوث به. وأما الإيمان فيُقصَد فيقبَل ويُوضع في القلب.
رمز مهمة لم أنه كما أن الكلمة الفردةَ مسموعةٌ لألوفٍ من المخاطَبين كواحدٍ لا فرقَ بين الواحد والملايين، كذلك نسبةُ الأشياء إلى القدرة الأزلية، لا فرق بين الفرد والنوع..
— 173 —
وجود
اعلم أن جامعيةَ القرآن ووسعته، ومراعاته لحسيات طبقات المخاطَبين، لاسيما: تَنزّلاته لتأنيس العوام-الذين هم الأكثر المطلق والمخاطَبون أولا وبالذات- مع أنها سببٌ لكماله. فالنفس المريضة تضلّ بها؛ إذ تتحرى في أدنى طرزِ تفهيمِه المناسبِ للمي ستائلى وأزينَ صور الإفادة، وتصيّر الأسلوبَ -الذي هو ميزانٌ ومَعكِسٌ لحسّ المخاطب وفهمهِ- ميزانا ومرصادا تنظُرُ منه إلى المتكلم، فتضل ضلالا بعيدا!
رمز
كيف السكون إلى الدنيا بالوجه الثالث والفرح بها؟.. إن الدنيا لها وجوه ثلاثة:
وذكر فيظر إلى أسماء اللّٰه.
ووجه:هو مزرعة الآخرة.. فهذان الوجهان حَسَنان.
والوجه الثالث:الدنيا في ذاتها بالمعنى الاسمي، مدار للهوسات الإنسانية ومطالب الحياة الفانية.
أنا رُكِّبتُ نقطةً ميتة، وتركَبُني جيفةٌ ميتة. ويومي تابوتي، بيالبعوض وغدٍ قبرَي أبي وابنه. فأنا بين تضييق ميتتين وضغطة القبرين. إلاّ أن الدنيا من جهة أنها مزرعة الآخرة والنظر إليها بنور الإيمان تصير كجنةٍ معنوية.
رمز
اعلم أن وجودك كالبندقة الميرية [٭]: أي التي تملكها الدولتها وب الفرس الميري في يد عسكر. كما أن العسكر مكلّف بتعهد بندقته وفرسِه السلطانيَّين، كذلك أنت مكلّف بحفظ أمانتك وتعهدها..
اعلم أن السائق لهذا القول، أنى رأيت نفسي مغرورةً بمحاسنها. فقلتُ: لا تملكين شيئعمقها،لت: فإذن لا أهتم بما ليس لي من البدن.. فقلت: لابد أن لا تكوني أقلَّ من الذباب.. فإن شئتِ شاهدا فانظري إلى هذا الذباب، كيفَ ينظِّفُ جناحَيهِ برجليهِ ويمسحُ عينيه ورأسَه بيديه! سبحان عليهاَمَه هذا، وصيّره أستاذا لي وأفحمَ به نفسي!
— 174 —
رمز
اعلم أن من المزالق للأقدام: خلطَ أحكام الاسم "الباطن" بأحكام الاسم "الظاهر" وسؤالَها منه.. ولوازمِ "القدرة" بلوازم "الحكمة" وطلبَ رؤيتها فيها..ومقتضياتِ دائرة "الأسباب" بمقوحل، ودائرة "الاعتقاد والتوحيد" وطلبَها منها.. وتعلّقاتِ "القدرة" بجلوات "الوجود" أو تجليات سائر الصفات، وملاحظةَ نواميسها وحِكمها فيها.. مثلا: وجودُك هنا تدريجي، ووجودك في المرايا البرزخية دفعيّ آني؛ لتمايز العوا الإلهية في التعلقات.. وللفرق بين الإيجاد والتجلي.
رمز
اعلم أن الإسلامية رحمةٌ عامة، حتى إن الكفار سعادةُ حياتهم الدنيوية وعدمُ انقلاب لذائذهم إلى الآلام الأليمة، سببُها االغير ية! إذ الإسلاميةُ قَلَبت الجحودَ والكفر المطلق، والإنكار المحض المتضمنين لليأس الأليم والألم الشديد إلى الشك والتردد. فالكافر بسبب تولُّد احتمال الحياة ل على ة في ذهنه بصيحةِ القرآن يستريحُ من الألم المنغِّص، وبعدم اليقين يستريح من الكلفة اللازمة للديانة. فهو كالنعامة (إبل الطير) إذا قيل له: طِرْ يقول: أنا إبل.. إذا قيل له: احمل الحمل. يقول: أنا طيرام واه الدسيسة الشيطانية هي التي صيَّرت الكافر والفاسقَ مسعودَين ظاهرا في الحياة الدنيوية بالنسبة إلى الكافر المطلق والمؤمن الخالص..
رمز
اعلم أن النفسَ لا تريد أن تعترفَ وتتصور صدور ما هو أصغر أو أقلُ الثمرامنها من يدِ قدرةِ الخالق، لتحافظ على دائرة ربوبية نفسها، فتعطي للخالق ما فوقَها، وتتغافل عما تحتها. فما دامت لم تر نفسَها أصغرَ الأشياء أو لادت العلا تخلص من ميل نوعِ تعطيلٍ [٭]: أي إنكار صفات الخالق. أو شرك خفي.
رمز
اعلم أن النفس بسبب تكاسلها في وظيفتها، تريد أن لا يكون عليها رقيب، فتحبُّ التستر. فتلاحظ عدمَ المالك مكررا، فتعتقد حريتَها؛ فأولا تتمنى، ثم تترجى، ثم تبدَّل ثم
— 175 —
تتصور، ثم تعتقد العدَم. ثم تمرُق من الدين! ولو استشعَرتْ بما تحت الحرية والراحة وعدم المسؤولية من الأهوال المدهشة المحرقة واليُتم الحزين الأليم؛ لما مالتْ أدنى ميلٍ، بل لفرّتْ وتبرأت وتابت أ أقمصة.
رمز
اعلم أن الأشياء تتفاوت بتفاوت مدار الاستناد؛ مثلا: إن النفر المستند بسلطانٍ عظيم يفعل ما لا يَقتدِر عليه "شاه" [٭]: رتبة عظيمة قريبة من السلطان. عظيم، فالنفر يزيد بسبعِ مراتب على من زاد عليه بسبعين مراتب؛ فالبعوضة المأمورة من طه!
درة الأزلية تغلب نمرودَ النماريد المتمرّدة. فالنواة المأذونة من طرف فالق الحَبّ والنوى، تتضمن وتَسَعُ كلَّ ما تحتاج إليه النخلةُ الباسقة، ولا تسعُهُ "فابريقات" تسَع قريةً..
اعلم أن الفرق بين طريقي في "قطرة" النُكَ وة من القرآن؛ وطريق أهل النظر والفلاسفة، هو أني أحفر أينما كنتُ، فيخرج الماءُ، وهم تشبثوا بوضعِ ميازيبَ وأنابيب لمجيء الماء من طرفِ العالَم ويُسلسِلونَ سلاسا يناسالمَ إلى ما فوق العَرش لجلب ماء الحياة، فيلزم عليهم بسبب قبول السبب وضعُ ملايين من حفظة البراهين في تلك الطريق الطويلة لحفظها من تخريب شياطين الأوهام.
وأما ما علََّ حَلِلقرآنُ فما هو إلّا أن أُعطينا مثلَ "عصا موسى" أينما كنتُ -ولو على الصخرة- أَضربُ عصاي فينفجر ماءُ الحياة، ولا أحتاج إلى السفر الطويل إلى خارج العالم، وتعهُّدِ الأنابيب الطويلة من الانثلام والانكسار..
ال خال
(أي واه) وا أسفا! إن وجودَ النفس عمًى في عينها، بل عينُ عَماها، ولو بقي من الوجود مقدارُ جناحِ الذباب يصيرُ حجابا يمنع رؤيتَها شمسَ الحقيقة. فقد شاهدتو في كلنفسَ بسبب الوجود تَرى على صخرةٍ صغيرةٍ في قلعة عظيمةٍ مرصوصةٍ من البراهين القاطعة ضعفا ورخاوةً، فتنكر وجودَ القلعة بتمامها. فقس من هنا درِ ما ألها الناشئ من رؤيتها لوجودها..
— 176 —
رمز
اعلم يا "أنا" قد علمتَ أنه ما في يدك منك من الأُلوف، إلّا جزءٌ مشكوك؛ فابنِ على ذلك الجزء الاختياري الضعيف ما يطيق حملَه، ولا تحدُ الق الشعرة الشعورية الصخورَ العظيمة، ولا تحمل على ما ليس إليك، إلّا بإذن مالِكهِ. فإذا تكلمتَ بحسابكَ -بالغفلة - فلا تتجاوز عن حدِّك، وميدان جولانك شعرة فقط.
وإذا تكلمتَ بحساب مالك المللإنسانل ما ترى كيفما أمر، وكيفما يشاء لا كيفما تشاء وإذنُ المالكِ ومشيئتُه تُعرَف من شريعته.
رمز
يا من يطلب الشهرة المسماة في العرف بی"شان وشر فرأيتمع مني. فقد شاهدتُ الشهرةَ عينَ الرياء وموتَ القلب، فلا تطلبها لئلا تصير عبدَ الناس، فإن أُعطيتَها فقل:
إنّا للّٰه وإنّا الَيهِ رَاجِعُونَ
(البلسفية.٦).
* * *
— 177 —
تقريظ
الشيخ صفوت أفندي(٭)
رئيس مجلس تدقيق المصاحف الشريفة والمؤلفات الشرعية
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
أحمد اللّٰه سبحانه وأُطرك منُسلم على نبيه الذي أَنزل عليه قرآنه وعلى آله وأصحابه الذين شيّدوا معالمَ الدين ومهّدوا بنيانه.. وبعد:
فقد تجلى لعيني هذه "القطرة من بحر التوحيد" فرأيت لا فرقَ بينها وبينه، لأنها أظهرت وأفاضت في د والكمسلام عينه، وفي الحقيقة منه بدت وإليه تعود، فشَكَر اللّٰه تعالى سعيَ أخينا في رضاعة ثدي الإسلام المغترف من بحار التوحيد "بديع الزمان العلّامة سعيد" والغريب في هذه الأيام.. فطوبى للغرباء.. [٭]: مسلم،ية أخران ٢٣٢؛ الترمذي، الإيمان ١٣؛ ابن ماجه، الفتن ١٥؛ الدارمي، الرقاق ٤٢؛ المسند ١/٣٩٨، ٢/١٧٧، ٢٢٢، ٣٨٩. كما قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد للّٰه رب الة ومظا.
الفقير إليه سبحانه
تراب أقدام العلماء
صفوت
* * *
— 179 —
الرسالة الخامسة
حباب
من عُمّان القُرآن الحكيم
[٭]: عمان: المقصود: البحر العظيم
بذاته اىِ پُرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْ رَا مِى خَرَدْ اَزْ تُو
بَرَاىِ تُو نِگَهْ دَارَدْ بَهَاىِ بِى گِرَانْ دَادَه
[٭]: إن اللّٰه ذا الكرم الوال سنة ري ملكه منك، ويحافظ عليه لأجلك، وقد أعطى قيمة غالية.. طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "علي شكري" بأنقرة سنة ١٣٤١هی (١٩٢٣م)
— 181 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحييضاحا حَمدُ للّٰه ربّ العالَمينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيّد المُرسلينَ. وعلى آلهِ وَصَحبهِ أجمَعين.
اعلم أيها المؤمن المصلي الذاكر، إذا قلت: "أشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللّٰه" أو "محمدٌ رسولُ اللّٰه" أو "الحمد للّٰه"..ه الثم حكمتَ بحكمٍ، ادّعيتَ دعوى، وأعلنت اعتقادا، يشهد لك في دعواك في آنِ تلفّظِك ملايينُ، وقبلَك ملايينُ ملايينَ من المؤمنين المتكلمين بما تكلمتَ به؛ كأنهم يصدّقونك.. وكذا يؤيدُك في دعواك ويُثبت حكمَك ويزكّي شهداءك كلُّ ما دهاؤك ى صدق الإسلامية، وكلُّ ما أثبت حُكما من أحكامها، وكلُّ ما استند عليه جزءٌ من أجزاء قَصر الإسلام من الشواهد والبراهين ومسامير الدلائل.. وكذا اندمج في ملفوظك آنفا.َعَ عليه أمرٌ عظيم، ويُمنٌ جسيمٌ من الفيوضات والبركات القدسية.. وكذا اتصل بملفوظك وأحاطَ به معنًى جاذب، وروحٌ جالب من شرارات جَذَبات توجهات جمهور المؤمنين، ومن رشاشات رشحات رشفات قلوب الموحّدين الشاربين ماءَ الحيالْمِعْيون تلك الكلمات المباركة..
اعلم أنه قد تقرر في الأصول: "أن المثبِت يرجَّح على النافي". وسرُّه: أن النفي ينحصر في موضعه، والإثبات يتعدى. ولو نفى ألفٌ، وأثبته ألفٌ كان كلٌّ من المثبتين كألفٍ. بسرّ: أنه إذا رأى واحدٌ الشمسَ من مشكاةٍ، لنفسهمن أخرى، وهكذا؛ فكلٌّ يؤيد كُلا، لاتحاد المَرئي والمشهودِ مع تعدد المناظر.. وإذا لم يره واحدٌ لعدم المشكاة، وآخر لضعف البصر، وآخر لعدم النظر، وهكذا.. فقوةُ كلٍّ في نفسهِ ضياء الانتفاءُ عنده، لا يدل على الانتفاء في نفس الأمر، فلا يؤيد أحدٌ أحدا لاختلاف الأسباب مع تعدد المدَّعى؛ لأن الانتفاء مقيّدٌ عند النافي بی"عندي" مثلا.
فإذا تفهّمت هذا السر؛ فاعلم أن اتفاق كلّ أهل الضلالة والكفر ععقول- مسألةٍ من المسائل الإيمانية، فاتفاقهم لا تأثير فيه، بل كحُكم واحدٍ. مع أنه حجةٌ قاصرة ينحصر على النافي فقط. وأما اتفاقُ أهل الهدى على المسائل الإيمانية فكلٌّ يتأيد بكلٍّ، كأن الكلَّ شواهد كلِّ واحدٍ.
— 182 —
اعلم أنه كما أن الأجزاء والأحجار فالحساناء المتساند يستند كلُّ واحدٍ بقوة الكل، ويزول ضعفُ كلٍّ بتساند الكلِّ، كأن الكلَّ عَوَنَةُ كلِّ واحدٍ ومساميره.. وأيضا كما أن الأغصان والأثمار في الشجرة تستند معرفةُ صفاتِ كل واحدٍ بالكلِّ، فكلٌّ للكلّ لك.
ِفٌ، كأن كلَّ واحدٍ لكلِّ واحدٍ منفذٌ نظّار، ولمعرفته معيار.. كذلك إنّ تفاصيلَ لمعات الإيمان والإسلام ومسائلَهما يستند كلُّ جزئي بقوة الكلِّ عمرا دياد التفاصيل والجزئيات يزداد وضوحُ فهم كلِّ جزء وقوةُ معرفة كلِّ جزئي، وإذعانُ كلِّ حكم، وإيقانُ كلِّ مسألة. ومع كلِّ ذلك، فالنفسُ الشيطانة تعكس فتنتكس. فتزعم ضعفِ اَن بيدببَ ضعفَ الكلِّ..
اعلم أن كلَّ جزء من كلِّ الكون واحد قياسيّ لإمكانات سائر الأجزاء. وبالعكس؛ فأجزاء الكائنات مقاييس للإمكانات بينها كلٌّ لكلٍّ..
اعلم أن أصغر جزءٍ؛ من أعظم كلٍّ،ميةً ه إلى ما يحتاج إليه كلُّ الكلِّ كَمّا، فالثمرةُ تحتاج إلى كلِّ ما يحتاج إليه كلُّ الشجرة. فخالقُ الثمرة بل حُجيرةٍ من حُجيراتها لابد أن يك: أي بقَ الشجرة، بل خالقَ الأرض، بل خالقَ شجرة الخلقة.
اعلم أن المسألة التي طرفاها في غاية التباعد، كل طرف كنواة تَسَنبلَت وأشجرت وتفرعت، لابد أن لا يتوضّع عليها الشكوك والأوهام؛ إذ التباسُ نواةٍ بنواة ممكن ما بقيت النواةُ نواةً مستورةّ والف إذا صارت شجرة وأثمرت، ثم شككتَ في جنس النواة شهدت الثمراتُ عليها، ولو توهمتَها غيرها، كذّبتْكَ تلك الثمرات.
مثلا:لا يتيسر لك فرضُ النواة أسماءنقلبت شجرةَ التفاح نواةَ حنظلةٍ، إلّا بتوهمها إياها، أو تبديل كلِّ ما أثمرت من التفاحات حنظلات وهو محال.
النبوة نواةٌ، أَنبتت شجرةَ الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها، والقر في قلسٌ أثمرت سياراتِ أركان الإسلامية الأحد عشر. [٭]: أي الأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان. أفتبقى شبهة في البذرة بعد مشاهدة ثمراتها اليانعة؟ حاش وكلا (ت: ٧٨).
ا الطر[٭]: هذه المسألة موضحة في الأساس السادس من الإشارة الرابعة للمكتوب التاسع عشر. أنه كما أن مَن يرى قشر بيضة انقشعت عن طير همائي [٭]: طيالشهاداية الجمال كالطاووس (ت: ٧٨) تكمَّل وطار في السماء،
— 183 —
ثم يتحرى ما يسمع من كمالاتِ ذلك الطير الطائر في فضاء العالَم [٭]: أي إن شهرته وكمالاته أطبقت الآفاق (ت: ٧٨) في تلك القشرلإسلامبسة، لابد أن يغالط نفسه، أو يكذّب. [٭]: حيث لا يرى ما يسمعه في القشرة (ت: ٧٨) وكذا لو نظر إلى فلقتَي نواةٍ انكشفت عن شجرةٍ تكمّلت وأثمرت، ومددت أغصانها في جو السماء، ثم تحرّى ما قرع سمعَه من عظمتها وثمراتها وأزهارها في تلك اللناس يلمطروحة في التراب، لابد أن يتبلّه أو ينكر..
كذلك إن مَن نظر إلى صورة ما نقله التواريخ من مبادي ظهور نبيّنا عليه الصلاة والسلام نَظرا ماديا وسطحيا وصوريا، لا يتيسر له دركُه وتقديرُ قيمته ومعرفة شخصيته المعنوية؛ بل لابد أن ينظر إنورسي نقله التواريخ والسِّير بنظر قشر رقيقٍ انشقَّ عن قمريٍّ [٭]: لعله القُمْرِيُّ: وهو طائر يُشْبه الحَمامَ القُمْرَ البيضَ. -كقمر- في جو الملكوت. بدن ليا يرى من لوازم البشرية، والأحوال الصورية كقشر نواة انكشفت منها شجرة طوبى المحمدية، التي تُسقى بماء الفيض الإلهي، وتنمو بإمداد الفضل الربّاني على مرّ الدهور. فكلما مرّ على سمعه شيءٌ من الأحوال الصورية والمبدئية، فلابد أن لا ينحبسَ علياك مُلُ، بل ليرفعْ رأسه بسرعة وفي كل مرة منه إلى ما ترقى وتصاعد إليه الآن مما لا يدرك منتهاه.
وكذا إن ممّا يشط النظر لاسيما نظر المتحرّي الشاكّ، أنه لا يفرق بين المصدرية والمظهرية، بين المنبعية وكمال اية، وبين المعنى الاسمي والحرفي، وبين الذاتي والتجلّي. فكونه عليه السلام عبدا محضا، وأعبدَ خلق اللّٰه للّٰه؛ يستلزم أن يُنظَر إليه بأنه مَظهرٌ ومَعكِسٌ لتجلياته تعالى. وكلُّ ما فيه منزيد عدلات من فيضه تعالى.
نعم، قد ذكرنا مرارا أن الذرة لاتسع مصدريةً ولو رأسَ ذبابة، ولكن تسع مظهريةً ولو نجوم سماوات. ونظرُ الغفلة ينظر أولا وبالذات إلى الذاتي الاسمي والمصدرية، فيتوهم الصنعةَ الإلهية طبيعةروا عاتية..
اعلم أن الدعاء أنموذج لأسرار التوحيد والعبادة؛ إذ الداعي في نفسه خُفيةً، لابد أن يعتقد سماعَ المدعو لهواجسِ نفسه وقدرتَه على تحصيل مطلبه، فيستلزم هذا الاعتقادُ، اعتقادَ أن المدعو! وكنی بكلِّ شيءٍ، وقديرٌ على كلِّ شيء.
اعلم أنه كما يمكن دخول هذه الشمس -سراج العالم- في عين الذباب بالتجلي فتتنور،
— 184 —
ولا يمكن دخول شرارة من كبريتَلة:
ينها بالأصالة، بل لو دخلتْ لانطفت العين.. كذلك يمكن بل يجب مظهرية كل ذرة لتجليات أسماء شمس الأزل، ولا يمكن -بل يمتنع- أن تكون ذرةٌ مصدرا وظرفا لمؤثر حقيقي، ولو كان ألسَّموقل من الذرة.
اعلم يا "أنا" المتمردُ المغرور المتكبر، انظر إلى درجة ضعفك وعجزك وفقرك ومسكنتك! إذ يبارِزك ويصارعك -فتخرّ صعقا- الحُوَينُ الحكيلا يُرى إلّا بتكبيره مرات ودرجات.
اعلم ومن صُغر الإنسان أنه يجول في خردلة حافظته، وتصير تلك الخردلة عليه كصحراءَ عظيمة يسري دائما ولا يقطعناهج، جانب. فقس درجةَ مَن يسري دائما ولا يتم دَورَ خردلةٍ،
[٭]: أي لا يتم دورانا حجم خردلة!
ومع أن الخردلة الحافظة تصير كصحراء عظيمة على عقل الإنسان، كذلك يصير ذلك العقلُ كبحر يبتلع الدنيا.. فسبحان مَن جعل الخردلة لعقل الإنسان كالدنيا، وجعل الي ذاتهه كخردلة!
اعلم أن من أشد ظلم البشر إعطاءَ ثمرات مساعي الجماعة لشخصٍ، وتوهُّمَ صدورها منه، فيتولد من هذا الظلم شركٌ خفيٌّ؛ إذ توهّمُ صدورِ محصّل كسبِ الجماعة، وأثَرِ جُزئهم الاخة والحمن شخصٍ، لا يمكن إلّا بتصور ذلك الشخص ذا قدرة خارقة ترقت إلى درجة الإيجاد، وما آلهة اليونانيين والوثنيين، إلّا تولدت من أمثال هذه التصورات الظالمة الشيطانية.
اعلم أن الإنس اعلائرَ متداخلة متحدة المركز. ففي دائرةٍ: لباسُه جسمُه، وفي أخرى: بلدُه، وفي أخرى: وجهُ الأرض، وفي أخرى: عالم الشهادة وهكذا.. ولكنه لا فِعلَ ولا تأثير له إلّا في الدائرة اللّا جزوفيما سواها من الدوائر عاجزٌ مسكين، منفعلٌ وقابلٌ لأخذ الفيض فقط. لو تَفَعَّل
[٭]: أي لو أظهر الفعل مع عجزه.
ما فعل إلا تغييرَ صورة الفيض بالاتِ أنالنقصان اللذين هما من ألوان العدم.
اعلم أن في الذاكر لطائفَ مختلفةً في الاستفاضة؛ بعضُها يتوقف على شعور العقل والقلب، واستفادةُ بعضٍ لا شعوري تحصل من حيث لا يُشعَر. فالذكر مع دة الو أيضا لا يخلو من الإفاضة.
— 185 —
اعلم أن اللّٰه خلق الإنسان في تركيب عجيب، ووحدةٍ في كثرة؛ بسيطٌ وهو مركب، فردٌ وهو جماعة، له أعضاء وحواسّ ولطائف، لكلٍّ في ذاته النهاولذة مع تألمه وتلذذه من انفعالاتِ الكل وتأثراتِ إخوانه؛ بدليل سرعة التعاون والإمداد بينها. فمن حكمة هذه الخلقة جَعَلَ الإنسانَ مَظهرا لأنواع اللذائذ ولأقسام النِّعَم ولأصناف الكمال -لاسيما في الآخرة- إن سلكَ في سبيل العبودما كرّكذا جعله محلا لأنواع الآلام ولأشكال العذاب ولأقسام النقم، إن ضلَّ في طريق الأنانية. فألمُ وَجَع السنِّ غيرُ ألَم وجع الأذن. ولذةُ العينِ غيرُ لذة اللسان، واللمس والخيال والعقل والقلب وهكذا..
اعلم أن كثرةَ فوائد عدمِ تعين الآجلامذتهيلٌ نيِّر على تعيُّنها في علم الباري، ولو تعينت لَتُوُهِّمَ عدمُ تعيُّنها من جهة العلم بتوهم تفويض تَعيّنها على القانون الفطري، وإذ لم تتعين فيما بين الحدين المعيّنين؛ لا حقّ للوَهم أن يدّعي عدمدم الريّن.
اعلم أن الذكر من شأنه أن يكون من الشعائر، والشعائر أرفع من أن تنالها أيدي الرياء.
اعلم أن تكرارَ كلمة التوحيد؛ لتجريد القلب من أنواع العلاقات، وطبقات المعبودات الباطلة، ولأن في الذاكر أنواعة البشطائف وطبقاتٍ من حواسّ؛ لكلٍّ توحيدٌ وتجريدٌ من الشرك المناسب له.
اعلم أن الفاتحة المقروءة، مثلا؛ لا تفاوتَ بين إهداء مثلِ ثوابها لواحدٍ، ولألوفٍ، أو لملايين، كمثل الكلمة الملفوظة؛ سواءٌ في استمة والتلفردُ والألوفُ، لسرٍّ لطيف في سرعة التناسل والاستنساخ في اللّطيف.. ولرمزٍ شريفٍ في التكثّر مع الوحدة في النوراني، كمصباح قابلَه مرآةُ فردٍ، أو ألوفٌ من المرايا.
اعلم أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كإجابة دعوة المُنعم الذي أفاضَ فستلزم بسَطَ مائدةَ إنعامه على مقام صاحب المعراج. وإذا وصف المصلّي النبيَّ بصفةٍ، لابد أن يتأمل في مناط تلك الصفة ليشتاق المصلّي لتصليةٍ جديدة. [٭] مُختَتكرار الصلوات عليه.
اعلم أيها العالم الديني! لا تحزن على عدم الرغبة في عملك وقلّة أُجرتك؛ إذ المكافأة الدنيوية تنظر إلى جهة الاحتياوكذا يإلى درجة القيمة الذاتية، إذ جهة المزية الذاتية ناظرة إلى المكافأة الأخروية، لا يجوز لك أن تشتريَ بها ثمنا قليلا من متاع الغرور.
— 186 —
اع
وما المحرّر والخطيب العمومي بلسان الجريدة! لك أن تتواضع وتهضم نفسك وتعلن قصورك تندّما. ولا حقّ لك أن تتمرد بالتجاهر بما يضاد شعائر الإسلام. فأين جاز لك، ومَن ووتزييد، وبأيّ حقّ تتجاسر على إعلان القصور الديني، [٭]: أي إشاعة شبهات باطلة حول الدين (ت: ٨٠). بل إشاعة الضلالة بحساب الملة وباسم الأمة، وتظن الملّة على قلبك الضال إلا ا[٭]: فتحسب الأمة جميعا ضالين مثلك (ت: ٨٠). فلا يجوز لأحدٍ -فضوليا- أن يهضم نفسَ غيره حتى نفسَ أخيه. فمن أين جاز لك أن تزيِّفَ عامة الملّة الإسلامية بإساءة الظن لشُّموعراضهم عن الشعائر الإسلامية.. ولا ريب أن نشر ما لا يقبله جمهور المؤمنين في الجرائد العمومية من المستحدثات دعوةٌ إلى الضلالة، فناشرُها داعٍ إلى الضلالة، فلا يُجاب بالضرب تقان اه فقط، بل يُعنّف بالأخذ على يده.
اعلم أن الكفار لاسيما الأوربائيون ولاسيما شياطين في إنكلترة وأباليس الفرنك، [٭]: أي الإفرنج الذي أطلق على الفرنسيين أولا ثم شمل ا أمور ين.وفي (ط١) أمريقا. أعداء ألدّاء، وخُصماء معاندون أبدا للمسلمين وأهل القرآن.. بسر أن القرآن حَكَم على مُنكري القرآن والإسلام وعلى آبائهم وأجدادهم بالإعدام الأبدي، فهم محكومون بالإعدام أبدا، والحبسِ في جهنم سرمدا بنصوص ذجتْ حيرآن الحكيم. فيا أهل القرآن كيف توالون مَن لا يمكن أن يوالوكم أو يحبوكم أبدا؟.. فقولوا:
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل
(آل عمران:١٧٣)
نِعمَ المَولى ونِعمَ النَّدَ وذاالأنفال:٤٠).
اعلم أن الفرق بين مدنية الكافرين ومدنية المؤمنين، أن الأولى: وحشةٌ مستحالة ظاهرُها مزيّن، باطنُها مشوّه، صورتها مأنوسة، سيرتها موحشة.. ومدنية المؤمنين باطنُها حات الن ظاهرها، معناها أتمّ من صورتها، في جوفها أُنسيةٌ وتحبّب وتعاون. والسر: أن المؤمن بسر الإيمان والتوحيد يرى أخوّةً بين كل الكائنات، وأُنسيةً وتحببا بين أجزائها، لاسيما بين الآدميين ولاسيما بين المؤمنين. ويركثير مً في الأصل والمبدأ والماضي، وتلاقيا في المنتهى، والنتيجة في المستقبل. وأما الكافر فبحكم الكفر له أجنبيةٌ [٭]: أي الإحساس بالغربة في هذا الكون. ومفارقة بل نوعُ عداوةٍ مع كل شيء لا نفع له فيه، حتى مع أخيه؛ إذ لا يرى الأخوة إلّا نَةُ واصال بين افتراق أزلي ممتد، وفراق أَبدي سرمد؛ إلّا أنه بنوع حَميّةٍ ملّية أو غيرة جنسية تشتد تلك الأخوة في زمان قليل، مع أن ذلك
— 187 —
الكافر لا يحب في محبة أخيه إلاّ نفسَ نفسه. وأما ما يُرى في مدنية الكفار من ايم.
الإنسانية والمعالي الروحية، فمن ترشحات مدنية الإسلام، وانعكاسات إرشادات القرآن وصيحاته، ومن بقايا لمعات الأديان السماوية.
فإن شئتَ فاذهب بخيالك إلى مجلس "سيدَا" ... [وهو مرادف لكلمة الأستاذ. والمقصود هنا وليّ مشهور من الصالحين في جنوب شرقي تركيا. قُدّس سره في قرية "نورشين".. وما أظهرتْ من المدنية الإسلامية بصحبته القدسية، تَرَ ا حيوالوكا في زي الفقراء وملائكة في زي الأناسي. ثم اذهب إلى "باريس" وادخل في لجنة الأعاظم تَرَ فيها عقاربَ، تلبسوا بلباس الأناسي، وعفاريتَ تصوَّروا بصور الآدميين. وقد بينتُ الفروق بين مدنية القرآن والمدنية الحاضرة في "لمعات" [٭]: ا قَرَأ -مجلس في عالم المثال- من مجلد "الكلمات". "وسنوحات" [٭]: السانحات، في مجلد "صيقل الإسلام". فراجعهما لترى فيهما أمرا عظيما تغافلَ عنه الناس.
اعلم يا من يطلب الاجتهاد في مسائل الدين في هذا الزمان!لقرآن ب الاجتهاد مفتوح، لكن لا يجوز لكم الدخول فيه لستة أمور:
فأولا:لأن عند هبوب العاصفات في الشتاء يُسَدّ المنافذ الضيقة، فكيف تُفتح الأبواب؟ وعند إحاطة سيل المنكَرات والبدعيات وتَهاجم المخرّبات لا يُشقّ الجدار بلت البافذ.
وثانيا:إن الضروريات الدينية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والتي هي في حكم الغذاء والقوت للمسلمين قد أُهملَت وتزلزلت، فلابد صرفُ كلِّ الهمّة لأقامتها وامتثالها وإحيائها، ثم بعد اللَّتيّا والّبد. وش]: اللتيا والتي: هي الداهية الكبيرة والصغيرة. (مجمع الأمثال للميداني). تَمَسّ الحاجة إلى الاجتهاد في النظريات التي توسعت باجتهادات السلف، بحيث لا يضيق عن حاجات كل الزمان.
وثالثا:إن لكل زمان متاعا مرغوبا، يشتهر في سوقه، تُجلَب إليه الرغبااية؛ إجَّه وتنجذب الأفكار إليه، كالسياسة وتأمين الحياة الدنيوية الآن.. وكاستنباط مرضيات خالق العالم من كلامه، وتأمين السعادة الأبدية في زمان السلف. فلأجل توجُّه الأذهان والقلومٌ خاصرواح في الجمهور إلى معرفة مرضيات ربّ السماوات والأرض في ذلك الزمان، صار كلُّ مَن له استعداد جيد يتدرّس قلبُه وفطرتُه -من حيث لا يشعر- من كوحدة وجري في ذلك الزمان
— 188 —
من الأحوال والوقوعات والمحاورات، كأن كلَّ شيء معلِّمٌ يلقن فطرتَه استعدادا إحضاريا للاجتهاد، حتى يكاد زيت ذهنه يضيء ولو لم تمسسه نارُ كَسْبٍ. فإذا توجه إلى الاجتهاد صار له نورٌ على نور صارت الآن فلتشتتِ الأفكار والقلوب، وانقسامِ العناية والهمة، وتحكّم السياسة والفلسفة في الأذهان، لا يمكن لمن كان في ذكاء "سفيان ابن عيينه"(٭) مثلا أن يحصِّل الاجتهادَ إلّا بعشرة أمثال وقت ما حصَّل سفيانلعاديّهادَ فيه. إذ إن سفيان يبتدئ تحصيلُه الفطري من حيث التمييز، فيتهيأ استعدادُه كالكبريت للنار. وأما نظيره الآن -فبسر ما مرّ آنفا- يتباعد استعدادُه بدرجة تبحّره في الفنون الحاضرة و يتقاسى عن قبول الاجتهاد بدرجة تغلغله في العلوم الأرضية.
ورابعاومدار ميلَ التوسيع والاجتهاد إن كان من الداخلين بحقٍّ في دائرة كمال الإسلام بمظهرية التقوى الكاملة وامتثال الضروريات، يكون ذلك الميل كمالا وتكملا. وأما إن كان ممن يهمل الضروريات ويرجّح الحياة الدنيوية على الآخرة يصير ذلك الميل ميلَ تخريبٍ، ون التو لحل ربقة التكليف عن عنقه.
وخامسا:إنَّ المصلحةَ حِكمةٌ مرجِّحة، وليست بعلّة للحُكم. ونظرُ هذا الزمان يصيِّر المصلحةَ علّةً للحُكم. ول، بزظرُ هذا الزمان يتوجه أولا وبالذات إلى السعادة الدنيوية، مع أن نظرَ الشريعة متوجه أولا وبالذات إلى السعادة الأخروية، وثانيا وبالعرض إلى الدنيا من حيث هي وسيلة اطته بك. وكذا إن كثيرا من الأمور التي ابتُلي الناسُ بها، وعمّت البليةُ بها حتى صارت من "الضروريات"؛ فلتولدها من سوء الاختيار، ومن الميول الغير المشروعة "لا تبيح المحظورات" ولا تصير مدارا لأحكام الرّخَصة فيماا أن مَن سَكر بشرب حرامٍ لا يُعذر في تصرفاته في حالة السُّكر.. وهكذا فالاجتهادات بهذا النظر في هذا الزمان تصيرُ أرضية، لا سماويّة. فالتصرف في أحكام خالق السماوات والأراعلم أعباده بلا إذنه مردود.
مثلا:يَستحسِن بعضُ الغافلين الخطبةَ بالتركية لتفهيم السياسة الحاضرة لعامة المسلمين، فهذا الغافل المسكين لا يعلم أن السياسةَ الحاضرةَ -بكثقبال سذب والحيلة والشيطنة فيها- صارت كأنها وسوسةُ الشياطين، فلا حقَّ لهذه الوسوسة السياسية أن ترتقيَ إلى مقام تبليغ الوحي.
وكذا لا يَفهم هذا الجاهل أن أكثر الأمة إنما يحتاجون لإخطار الضروريات وتذكيرمةُ مَّمات والتشويق على امتثال الحقائق المتعارَفة بين المؤمنين، من أركان الإيمان والإسلام
— 189 —
ومراتب الإخلاص والإحسان. فبكثرة التسامع يتساوى العوامُّ والعلماء في التذكر والتخطر بسماع القرآن. إذ العجمي يفهم المآل إجمالا وإن لم يعرف المعنى. ولظاهر يَعقلُ ذلك الغافلُ أن عربية الخطبة وَسْمٌ سماوي مسدّد ومُزيَّن في سماء وحدة الإسلام، وبالتغيير يصير وَشما مشتِتا مشينا. [٭]: أما الأمر السادس فمذكور ضمنا هنا، وهو موضح في "الكلمة الس رمزالعشرين" (رسالة الاجتهاد).
اعلم يا من أحاطَ به الغفلة وأظلمت عليه الطبيعة حتى صار "أعمى وأصم" يعبد الأسباب في ظلمات الطبيعة الموهومة! إني أُترجم لك لسانا واحدا من خمسة وخمسين أّحوا لتكلم بها كلُّ واحدٍ من مركبات الكائنات وذراتها شاهداتٍ على وجوب وجوده تعالى ووحدته في ألوهيته وربوبيته جل جلاله..
(٭): قد ذكرت تلك الألسنة إجمالا في "قطرة" وما هنا إيضاح لسانٍ واحدٍ فقط. (المؤلف).
، وبقد اضطرابات الأرواحِ والعقول الناشئةَ من ضلالاتها الناشئةِ من استنكاراتها الناشئةِ من الاستبعاد والاستغراب والحيرة في إسناد الأشياء إلى أنفسها، وإلى الأسباب الإمكانيةالصفاتئ الأرواحَ والعقولَ للفرار إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي بقدرته يحصل إيضاحُ كل مُشكل، وبإرادته يحصل فتحُ كلِّ مغلَق، وبذكره تطمئن القلوب.
فإن شئت تحقيقه فانظر إلى هذه الموازنة وهي: أن الموجودات إما فاعلُها جانبُ الإمكان واالغفلة وإما جانبُ الوجوب والوحدة؛ فما يُتوهم بقصور النظر من الكلفة والاستبعاد، والاستغراب في إسناد كل شيء إلى الواجب الوجود، تصير محققةً عند الْ يُشْإلى الكثرة، لقصور أي سبب كان، وضعفِه عن تحمل أي مسبَّب كان، في جانب الكثرة دون الوحدة. فما يُتوهمُ هناك متحقق هنا. ثم بعد هذا تتضاعف الكلفة والاستبعاد والاستغراب عدد أجزاء الكائنات مع أنها في الإسناد الأول كانت وا في كموهومة وصارت هنا حقيقةً متضاعفة عدد أجزاء الكائنات؛ إذ في الإسناد إليه تعالى نسبةُ كثيرٍ غيرِ محدود إلى واحدٍ مباين الماهية لها، وفي جانب الكثرة نسبةُ واحدٍ إلى كثير غير محدود متماثلة الماهية؛ إذ النحلة مثلا، لو لم تُسنا الا الواجب الواحد، لزِمَ اشتراكُ السماوات والأرض في إيجادها لعلاقتها بأركان العالم.
مع أن صدورَ الكثير عن الواحد أسهلُ بمراتبَ من صدور الواحد عن الكثيرين المعا:لان الصُّم العُميِ الذين لا يزيد اختلاطُهم إلّا أعميتَهم وأصمّيتَهم. ثم مع ذلك إن الكلفة لو كانت في الإسناد الأول مثلَ ذرة، تترقى في الإسناد الثاني إلى تامة الجبال؛ إذ الواحد بالفعل
— 190 —
الواحد يحصِّل وضعيةً ونتيجة للكثير، لا يتيسر للكثير -لو أُحيلت عليهم- أن يحصّلوا تلك الوضعيةَ، أو يصلوا إلى تلك النتيجة إلّا بأفعال كثيرة وتكلفاتٍ عظيمة؛ كالأمير مع نفَراته، والفوارةِ مع قطراتها، والمركزِ مع نقاشهودة ته. ثم مع ذلك إن الاستبعاد والاستغراب الموهومَين في الإسناد الأول، ينقلبان في الإسناد الثاني إلى محالات متسلسلة.
من بعض المحالات: فرضُ صفات الواجب في كل ذرة؛ إذ كمال الصنعة ونقوشها وإتقانها تقتضي علما محيط فَسُبرا مطلقا، وقدرة تامةً وإرادةً شاملةً.. ومنها فرضُ شركاء غير متناهية في الألوهية والوجوب اللذين لا يقبلان الشركة أصلا؛ إذ لو لم تُسند الأشياء إلى الواحد الواجبد الصو أن يكون لكل واحدٍ وفي ضمنه واحد من الآلهة.. ومنها فرض كل ذرة حاكما على الكل، ومحكوما للكلِّ ولكلٍّ، كالأحجار في البناء المعقد لو انتفى الباني، لزِمَ أن يكون كل حجر كالباني عالما مهندسا بانيا؛ إذ النظام والانتظام ومان نسن والحِكمُ هكذا تقتضي، لا محل للتصادف فيها.. ومنها فرض الشعور المحيط والعلمِ التام والبصرِ المطلق في كل ذرة وسبب؛ إذ الموازنة والتناظر والتساند والتعاون يقتضي شعورا محيطا وبصرا مطلقا وهكذا.. من الصفات المحيطة.
فلو أُسندت الأشياءُ إلى أنفل شيء.م تصوّر هذه الصفات في أنفسها، ولو أُسندت إلى الأسباب لزم تصور هذه الصفات في أسبابها، بل في كل ذرة من ذراتها.. وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية والأباطيل التي تمجّها الأوهام.. وأعينة، أُسندت إلى صاحبها الحقيقي وهو صاحب مرتبة الوجوب والوحدة، لا يلزم إلّا أن تصير الذراتُ ومركباتها -كقطرات المطر الحاملة لتماثيل الشمس بالصبَغ ا- مظاهرَ لتجلياتِ لمعات القدرة النورانية المطلقة المحيطة الأزلية الغير المتناهية، المستندة بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين. وهي القدرة التي شهدت عليها معجزات المخلوقاتُ، التي لمعتُها الفذة أجلّ من شمس الإمكان والكثرةإلى اللتجزؤ والتوزيع والانقسام في جانب الإمكان والكثرة، دون جانب الوجوب والوحدة. وإن ذرةَ تلك القدرة أعظم من جبال الأسباب، بسر أن جزء تجلي النوراني مالك لخاصية الكل، كأن الكلّ كلّيٌّ، ولو في جانب الإمكان، حتى ترى الشمس بتمامها في ذرة زجاجدثٌ معيف نور الأنوار المتظاهر من جانب الواجب الوجود الواحد الأحد؟!
— 191 —
فالفرق بين الإسناد الأول والإسناد الثاني، كالفرق بين تجلي الشمس بخاصيتها في قطرة بل في ذرة بالتجلي وبين دعوى وجود شمس بالأصالة في تلك القطرة؛ ومحاليةُ هذه الدعوى أظهر من أن ل لإرش. ومع كل ذلك لا كلفةَ ولا معالجةَ ولا تَعَمُّلَ في عمل تلك القدرة المجهولة الأزلية، بل تتساوى بالنسبة إليها الذراتُ والنجوم، والجزء والكل، والفرد والنوع، والقليل والكثير، والصغير والكبير، وأنت والعالم، والنواة والشجرة. والسرُّ في أنه لا كلفة بالموهو إليها أن تلك القدرة لازمةٌ ذاتية ضرورية ناشئة للذات الأزلي، فلذاتيتها، محالٌ تداخلُ ضدِّها في ما بينها. فإذ لا عجزَ فلا مراتب فيها، فإذ لا مراتب فيها، تتساوى بالنسبة إليها أصغرُ الأشياء وأعظمُها.
فإن شئت تقريبَ ولا تمحقيقة إلى الفهم بتمثيلات في دائرة الإمكان والكثرة، فاستمعمثلا:- وللّٰه المثل الأعلى - يتساوى في أخذ تجلي الشمس في تمثالها الذراتُ الزجاجية، والبحور الأرضية، والسيارات السماوية بسر "الشفافية"..
وإن المصباح المركزي للمرايا المحيطة يتساسَبّحُنسبة إلى المصباح زجاجةٌ من زجاجاتِ أصغرِ دائرة، ومجموع الزجاجات في أكبر الدائرة، بسر "المقابلة"..
وإن النور والنوراني تتساوى بالنسبة إلى الاستضاءة والاستفاضة الواحدُ والألمت بيدا تَزاحُمَ فيه بسر "النورانية". فلنوعِ نورانيةٍ في لطافة الكلمة يتساوى في الاستماع الواحدُ والألوف..
ومثلا:إن الميزان الحساس بدرجةٍ يتحسس بذرّة، لو كان في كفتيه شمسان أو جوزتان، ما تفاوت بين رفع كفةٍ عة والثريا وكفة إلى الثرى، بوضع جوزة أخرى في كفة بسر "الموازنة"..
ومثلا:إن أعظم السفن لا يتعسر سوقُها وتحريكها على صبي كما لا يتعسرُ عليه تحريك سفينته التي هي ملعب جميع كفه، أو تحريكُ ساعته بسر "الانتظام"..
ومثلا:إن "القماندان" [٭]: القماندان: القائد العسكري. لا فرق في أمره بی"آرش" بين نفر وفيلق، يتساوى في التحريك والتحرك النفرُ، ونُ. (العسكر بسر التزام "الامتثال"..
— 192 —
ومثلا:إن الماهية المجردة في الأنواع والكليات، يتساوى بالنسبة إليها فردٌ من أصغر الأفراد وأكبرُ الأفراد وكلُّ الأفراد الغير المحمبيّنةسر "التجرد"..
وهكذا من الأمثلة الدالة على أنه يمكن عدم التفاوت بين القليل والكثير والصغير والكبير بالنسبة إلى شيء. [٭]: في "الكلمة العاشرية واللكلمة التاسعة والعشرين" وفي السانحات (مجلد صيقل الإسلام) توضيح وافٍ لهذه الأسرار الستة.
فبسر "شفافية" الملكوتية في كل شيء، وبسر "مقابلة" وجه كل شيء للقدرة،سم من "نورانية" تلك القدرة، وبسر "الموازنة" الإمكانية، وبسرّ "الانتظام" بقوانين القضاء والقدر، وبسر "امتثال" كل ذرة من ذرات الكائنات بكمال الشوق واللذة للأوامر التكوينية المندمجة في أمر "كن"، وبسرّ "تجرد" الواجب الوجود عن الماديات.. فبهذه الأسراره ليس تتساوى بالنسبة إلى قدرته إحياءُ البعوضة وإحياء الأرض، وخلقُ النحلة وخلق السماوات والأرض، وإيجاد الذرة وإيجاد الشمس. بل إن التساويَ وعدمَ التفاوت "يا هوبالحدس القطعي والمشاهدة؛ إذ تلك القدرة المجهولة بماهيتها، والمعلومة بمعجزاتها تفعل بمثل غصن دقيق -كخيط رقيق- أمثالِ العناقيد التمرية والعنبية وغير نطوّللك الخوارقَ الحيوية التي لو أحيلَت صنعتُها على الأسباب لاحتاجت إلى ما لا يحد من التكلفات، وتتجلى تلك القدرة بجلوات الوجود في سَمّ الخياط على الشفافات والعيون الناظرة إلى الخيال بالتماثيل البرزخية، لو أحيلَت على الأسباب لامتنعت أو لاحتاجتية. كما لا يحد من المعالجات.
الحاصل:
أن ما يُرى من إيجاد القدرة للأشياء الحيوية والوجودية والنورية يدل على أمور ثلاثة:
الأول:أنَّ الوسائط والأسباب الظاعندك لُجُبٌ ضعيفة وضِعَت لمحافظة عزة القدرة في المباشرة الظاهرية في وجه المُلك الكثيف الخسيس فقط..
والثاني:أنَّ الحياةَ والوجود والنور -لشفافيةِ وجه مُلكها كملكوتيتها- ما وضعت الحُجُب الكثيفة على يد القدرة، بل ترقرقت الوسائط فيها.ةً مملالثالث:لا تكلّف ولا تَعمُّل ولا معالجة في تأثير تلك القدرة؛ إذ مَن يصنع بنواةِ تينةٍ شجرةَ تينة بعظمتها، وبخيطٍ دقيق عنقودا من حبات العنب -وكلُّ حَبة فيها ما فيها- لا
— 193 —
يتعسّر عليه شيء.. ولا ريب في الحقيقةا حياةور صاحب تلك القدرة الأزلية أشدُّ بمراتبَ من ظهور الكائنات. إذ كلُّ مصنوع دلالته على نفسه بوجوه قليلة مرئية، وعلى صانعه بوجوه كثيرة مشهودة وعقلية وغيرهما. وأي مصنوع كان لو أُحيل على الأسباب، واجتمعوالحوي الأسبابُ الأرضيةُ والسماوية لم يَأتُوا بمِثلِهِ وَلَو كانَ بعضُهمْ لبَعضٍ ظهيرا. إذ حبة نواة في حبة تينة ليست بأقلَّ جزالةً من شجرة تينة، وليس الإنسان أقلَّ جزالةً وأدنى صنعة من الأرض. فالقدرة التي أوجدت النواة ون كمالن لا يتعسّر عليها إبرازُ الشجر والعالم.
فيا مَن ضلّ بالاستبعاد والاستغراب والحيرة والاستنكاف في جانب الحق! فقد سمعت بهذه التحقيقات أن الاستبعادَ بلا نهاية، والاستغرابَ بلا غاية، والحيرة بلا حدّ، وتحقق الكا ومواا لا يُحصى مع محالات عجيبة، فقد سمعتَها موجودة في جانب باطلك الذي ابتُليتَ به من نسبة الأشياء بالأصالة إلى أنفُسها وأسبابها. فاضطرابات الأرواح والعقول الناشئةُ من هذه الضلالة؛ تُلجئ القلوبَ إلى الفرار بالتسليم إلى الواجب الوجود ا وإذا الأحد الذي لا يحصُل إيضاحُ شيء من الأشياء إلّا بإضافته إلى قدرته، ولا يحصل فتحُ شيء من المغلقات إلّا باتصاله بإرادته، ولا يطمئنُ قلبٌ ولا يستقر يقينٌ في مسأل نهايةلمسائل إلّا بربطها بذكره واسمِه جل جلاله..
اعلم أن ميدانَ اشتغال الإنسان، ومسايرَ جولان الهمة، أوسعُ من أن يُحاط به. فقد يجول في ذرة، ويسبَح في قطكته، ونحبس في نقطة، مع أنه قد يضع العالَم نصب عينيه، وقد يُدخل الكائنات في عقله حتى يتطاول إلى رؤية الواجب الوجود ومشاهدته. فقد يكون الإنسان أصغر من ذرة، وقد يصير أكبرَ من السماوات، فيدخُلُ في القطرة مع أنه يدخل فيه الفِطرةُ بأنواعها وأرك
— 194 —
بلا منّة وعلى الب. كلا! بل تُساق إليك بقصدِ مُنعمها فتُلتَقَم باختيارك ثم تنتشر على مظان حاجاتك بإرادة مُحسنها عمّ نوالُه..
اعلم أن أواخرَ الأشياء ونهاياتِها ليست بأقلَّ انتظاما وإتقانا من أوائلها؛ ولا ظواهرها ولا صورها بأحسن صنعةًمالِ رً من بواطنها. فلا تحسبنَّ أواخرَ الأشياء وبواطنَها سدًى مهملةً تلعب بها يدُ التصادف. ألا ترى الثمرة مع الزهرة، أظهرَ حكمةً من الجرثوم النابت من النواة. فالر من حل جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
اعلم أن إعجازَ القرآن، حَفظَ القرآن عن التحريف، فلا يتيسر لكلام مفسِّر أو مؤلّنتشار؟مترجم أو محرّف وغيرهم، أن يلتبس بالآيات أو يلبسَ زيّها كما التبست واختلطت سائر الكتب المنیزلة حتى صارت محرفة..
اعلم أن تكرار آيةِ
فبأيّ الآءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
في مقاطع الآيات التنیزيلية المشيرة إلى الآها شراتكوينية المتنوعة المختلفة في سورة "الرحمن" يدل على أن أكثر عصيان الجن والإنس وأشدَّ طغيانهما وأعظم كفرانهما يتولد من عدم رؤية الإنعام في النعمة.. والغفلةِ عن المنعم.. وإسنادِ النعم إلى الأسبالآفاق،صادفات.. حتى يصيرا مكذِّبَين بآلاء اللّٰه. فلابد للمؤمن من أن يبسمل بَدء كلّ نعمةٍ قاصدا بها أنها منه، أنا آخذها باسمه وبحسابه، لا بحساب الوسائط، فله الشكر والمنة.
اعلم أع من ممتوسوس المتخطر بإلقاآت الشيطان، وإخطار مرض القلب والخيال، وبإمرار خسّة النفس ولؤمِها مزخرفاتٍ [٭]: مزخرفات: المقصود بها المستقذرات. شتّى على عين عقلك عند توجهك إلى الحقائق مثبت "ة، حتى قد تمر على عينيك سحائبُ مظلمة ممطرة رذائلَ وفواحشَ وشتوما تقشعر منها عند نظرك إلى شمس الحقائق، كأنك تمدّ يد التنیزيه والتقديس، وترسل عينَك للتسبيح والتمجيد؛ والحال أن يدَك تَتنجّس بأرجاس كما أ، ويستقذر نظرُك ممّا يمر عليه من سفاسف خبثِ نفسك، ثم تنعكس تلك المستقذراتُ على المقدسات في نظرك، فتتألم فتتأمل في المستقذرات. لا تيأس ولا تتأثر ولا تلقِ نفسَك في الغفلة للفرار من هذه الحال، والنجاة من هذا اللوم الأليم؛ إذ لا ضررَ إلّا ضالثمرةهّمِ الضرر، فتتكرر فتتضرر. ألا ترى أنك إذا نظرت إلى الشمس وضيائها، والسماءِ ونجومِها، والجنةِ وأزاهيرها، في مسامات ثوبٍ مستقذَر بمزخرفات شتى، لا
— 195 —
يمكن أن تسري تلك إليها وتتكدر هي بها، بل تنفعل أنت منها. فلا تعليها ا لتذهبَ؛ إذ هذه الوهميات والهوائيات كالهوام والزنابير؛ إن دافعتَهم قاتلوك، وإن تركتَهم فارقوك..
اعلم أيها المتفلسف المرجِّح للعقل على النقل، فتُؤوِّل النقلَ بل تُحرِّف؛ إذ لم يسعهتوجّه المتفسخ بالغرور والتغلغلِ في الفلسفيات! إنني كنتُ في حينٍ كما كنتَ، ثم شاهدتُ قصرا شاهقا شارقا اتصل سطحُه بسقف السماء، قد أُرسِلت متدليةً من شبابيكها العاليةة الإنلُ
(٭): إن إيضاح هذه المسألة قد ذكر في بيان الطرق الثلاثة في آخر "الفاتحة" في رسالة "أنا" (الكلمة الثلاثون) وفي (اللوامع) في سياحة خيالية ختام "الكلمات". والزنابيل المتدلية إشارة إلى الحقائق القرآنية التبكلامكلصراط المستقيم.. (المؤلف).
متفاوتةٌ، حبالُها في المبدأ والمنتهى. فبعضُها قريبٌ من الأرض فيقذف الإنسانُ الموفَّق نفسَه في ذلك الزنبيل فيرتفع إلى أعلى المنازل، وبعضُها أخفض مبدأ وأرفعُ منتهى. وهكذا.. ثم رأزيناتَُ الناس الخاسرين المغرورين لا يبالون بتلك الزنابيل، فيتشبثون للصعود بجمع الأحجار والأشياء ويضعونها تحت أرجلهم، فيتصاعدون قليلا ثم يتساقطون، وأنّى لهم الصعود! وشاهدتُ بعض المعتمدين على أنفسهم المتفرعنة، يدقون مسامروح، وجدار القصر فيضعون أرجلهم عليها متصاعدين فيخرّون فتندقّ أعناقُهم وهكذا.. ورأيت أن ما جُهزوا به من مكاسبهم وآلاتهم إنما أُعطوها ليستعملوها على قدر الاستعداد والتوفيق في الصعود إلى افقرك" ، لا إلى المنازل. فعقلُكَ عقالُكَ، وبالنقل نقلتُك. مَن توكّل على اللّٰه فهو حسبه..
اعلم يا من تحيّیرَ في سبب غلبةِ الفجار على الأبرار، وتفوُّقِ الطالحين على الصالحين في الحياة الدنيوية. أني قد شاهدتُ في واقعةته وعظا، [٭]: الكلمة الثالثة والعشرون توضح هذه الحالة بالتفصيل. في كل قصر سرادقات متداخلة متصاعدة، سكان طبقاتها متفاوتون في اللطافة والعلوية والنورانية، فمن في المركز العالي كالسلطان، وتحته منازل فيها سكان متفاوتون في القيمة والنورانية، وهكذاانقادتلباب. ومن عند الباب خادم مظلم كثيف، وقدام الباب كلبٌ متملق. ثم رأيت بعض القصور تلألأت ساحةُ بابه، فتأملتُ فيها فرأيت ملك القصر يلعب مع الكلب قدّام الباب،من الاَدَّرات [٭]: أي النساء. يداعِبن مكشوفاتٍ رؤوسُهن مع الصبيان، وقد تعطلت الوظائف النیزيهة في الطبقات، وتشعشعت وظائف الكلب والصبيان وسَفَلة الخدام، فتفتق القصر عن مكنوناته متفسقا، مُشرقا مقتدرا قويا ظاهر الباب، مظلما معطَّلا ذليلا ِ دِرَاخل. وفسوقُه كفتوق فلقتي الرمان مثلا عن حباته. فعلمت
— 196 —
أن تلك القصور هي الأناسي، حتى رأيتُ كل إنسان قصرا، حتى رأيت نفسي العاصية أيضا قصرا.. وسقوطَ أهل القصور على مراتب مختلفة نزولا أدنى فأدنى.ِ صلاةت أن ما يزعم أهلُ المدنية ترقيا ما هو إلّا سقوطٌ، واقتدارا ما هو إلا ابتذال، وانتباها ما هو إلّا انغماس في نوم الغفلة، و"نزاكة" [٭]: نزاكة: اللطف والرأفة. ما هي إلكثرة،اءٌ نفاقي، و"ذكاوة" [٭]: ذكاوة: الذكاء والفطنة. ما هي إلّا دساسية شيطانية، وإنسانيةً ما هي إلّا قلبُ الإنسانية حيوانيةً. لكن يلوح على هذا الشخص الساقط العاصي لوائحُ اللطافة والجاذبية لاختلاطببا لمه النورانية بنفسه الظلمانية؛ خلافا للمتدين المطيع الذي عند الباب نفسُه المتكدرة فقط. إلّا أنه قد يتنازل لطائفُ الصالح أيضا، لا للهوسات السفلية، بَ من أاد الناس الخارجين من الحدود وإمدادِهم بإرجاعهم إلى ما هم خُلقوا لأجله، إن اللّٰه سبحانه إذا أحبّ عبدا لا يحبب إليه محاسن الدنيا بل يُكرّهها إليه بالمصائب.
أيواه! وا أسفا! قد أظهرت هذه المدنيةُ السفيهة خوارقَ جلابة وملاهيَ جاة ١٤٨يتساقط إليها سكان قصور الإنسان ومخدَّراتُها، كتساقط الفَراش على النور المشرق المنقلب إلى النار المحرقة..
اعلم أيها السعيد الشقي! ما هذا الغرور والغفلة والاستغناء؟ ألا ترى أن ليس لك اللّٰهختيار إلّا شعرة، وليس من الاقتدار إلّا ذرة، وليس من هذه الحياة إلّا شعلة تنطفئ، وليس من العمر إلاّ قليل مثل دقيقة تنقضي، وليس من الشعور إلّا لمعة تزول، وليس مهمُهُ ان إلا آنٌ يسيل، وليس من المكان إلا مقدار القبر! ولك من العجز ما لا يُحدّ، ومن الاحتياج ما لا يتناهى، ومن الفقر ما لا يُحصى، ومن الآمال ما لا غاية لها، وهكذا..نه.. وكان بهذه الحالة من العجز، وفي هذه الدرجة من الحاجة، هل يتوكل على ما في يده ويعتمد على نفسه.. أو يتوكلُ على اللّٰه الرحمن الرحيم الذي من ظروف خزائن نيا. فوصناديق نعمته: هذه الشموس وهؤلاء الأشجار المملوءة من الأنوار والأثمار، ومن موازيب حوض فيضه ومسيلاتِ رحمته: الماء والضياء.
اعلم يا من يستعظم النتيجةَ ويستضعف دليلَها! إنه ما من دليل يشهد على حقيقةٍ من الحقائق الإيمانيإلى أنا ويزكّيه ويؤيّده ويقوّيه ويمدّه كلُّ ما قام على صدق شيء ما من
— 197 —
الإسلامية. فكأن كلَّ ما لا يعد من الشواهد والشهداء والبراهين والأمارات، كل منها يضعُ إمضاءه على سند كلٍّ من أخواتها، فيختم كلٌّ منهاة في ر تصديقه على منشور كلِّ واحدٍ، بسرّ ما مرّ -في بداية هذه الرسالة-، خلافا للنافي؛ إذ للمنافاةِ بين النافي والمثبِتِ يُنفى منَ النَّافي ما يُثبَتُهز هذابِتِ. فألفُ نافٍ كفردٍ.
اعلم أنه قد تصير شدةُ محبة الشيء سببا لإنكاره، وكذا شدةُ الخوف، وكذا غايةُ العظمة، وكذا عدم إحاطةُ العقل..
اعلم أني قد تيقنتُ -كأني شاهدتُ بحدس قطعي- أن جهنم مندمجةٌ بالقوة [٭]: حاطته.د بالقوة: بالاستعداد والقابلية الكامنة في الشيء. أما بالفعل فيعني: بالمشاهدة والماثل أمام العين. في بذر الكفر كاندماج شجرة الحنظلة في نواتها.. وأن الجنة مندمجة في حبة الإيمان كاندراج شجرة النخلة في نواتها. فكما لا ٌ غريبفي استحالة النواة وانقلابها إلى شجرة الحنظلة أو شجرة النخلة، كذلك لا استبعاد في تحول معنى الضلالة متجسما جهنما [٭]: لا تنصرف جهنم إلّا إن نكّرت فتنصرف. تعذِّب، ولا في تمثل أنوار الهدايهدي رض تُستَعذب. وفي "اللوامع" [٭]: يراجع بالتفصيل: كل الآلام في الضلالة وكل اللذائذ في الإيمان-اللوامع من مجلد "الكلمات". نبذة من هذه الشهود في هذا الع إن هذضا.
اعلم كما أن الحبة من بذور الحبوبات ونوى الثمرات إذا ثُقبت في قلبها، لا تتكبر بالتنبّت. كذلك حبة "أنا" إذا ثُقبت بشعاع ذكر: اللّٰه.. اللّٰه.. لا تتعاظم تلكن ما لنية متفرعةً بالانتعاش ومتفرعنةً بالغفلة، ومستحصنةً ومستندةً بآثار النوع، ومبارزةً بالعصيان لجبّار السماوات والأرض. والأولياءُ النقشبنديون موفَّقون لفتح حبة القلب وكشف طريقٍ دارَ ثقب جبل "أنا" وكسر رأس النفس بمثقاب الذكر الخفي. كما أن بالذكر الجهري تُخرّب طاغوت الطبيعة أو تمزَّق..
اعلم أن أبعدَ وأوسعَ وأرقَّ دوائر الكثرة وطبقاتها يتلألأ عليها أيضا أثرُ الحكمة والإتقان والاهتمام. فإن شبة بيننظر إلى نهاية ما انبسط وانتشر إليه التكثّر من جلد الإنسان وصورته، لترى كيف يُحَشِّي قلمُ القدرة صحيفةَ جبهته ووجهه وكفيه بخطوطٍ ونقوش وآلات دالات على معانٍ في روح الإنسان، وعلى طائره المعلق في عنقه الالعدمالى القَدر المكتوب في فطرته، حتى لم يترك هذه التحشيةُ منفذا لدخول التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء..
— 198 —
اعلم يا من ابتُلي بحب هذه الحياة حتى حسبتَ أن العلة الغائية في الحياة وبقائها، وأن كل ما أودعتْه القدرةُ الماءُ عفي جوهر الإنسانية وذوي الحياة من الجهازات العجيبة والتجهيزات الخارقة، إنما أعطاها الفاطر الحكيم لحفظ هذه الحياة السريعةِ الزوال، ولأجل البقاء. كلا ثم كلا! إذ لو كان بقاء الحياة هو المقصود من كتاب اُق الن لصار أظهرُ وأبهرُ وأنورُ دلائلِ الحكمة والعناية والانتظام وعدم العبثية بإجماع شهادات نظامات الكائنات؛ أعجَبَ وأغربَ وأنسَبَ مثال العبثلكلمة إسراف، وعدمِ الانتظام وعدم الحكمة. كمثل شجرٍ -كجبل- ليس لها إلّا ثمرة فردة كخردلة. بل يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجةِ مالكيةِ الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها. ثم سائر للمُثت والغايات راجعةٌ إلى المحيي جلّ جلاله بالمظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوانِ وأنواعِ جلوات رحمته في جنته في الحياة الأخروية التي هي ثمرات بذور هذه الحياة الدنيوية وهكذا..
إذالدقائن الشخص الموظف بأن يجسّ ويضع إصبعه عند اللزوم على الجهازات التي تتحرك بها السفينة العظيمة للسلطان، لا يرجع إليه من فوائد السفينة إلا بمقدار علاقته وخدمته، أي من الألوف واحد.. كذلك درجة لِحَيوكل حي في سفينة وجوده. بل هناك يمكن أن يستحق من الألوف واحدا، لكن لا يستحق بالذات هنا من ملايينِ ملايينِ واحدا أيضا..
اعلم يا قلبي أن لذائذ الدنيا وزينتَها بدون معرفة خالقنا ومالكنا ومولانا -ولو كانت جنة- فهي جهنم. هكذا ذقتُ وشاهدتُ. ونةَ ا نعمة الشفقة كما في "قطرة". ومعرفته تُغني عن كل ما في الدنيا حتى عن الجنة أيضا.
اعلم يا قلبي: إن كل ما يجري في هذه الدنيا له وجهان: وجه إلىعليها،ا والنفس والهوى، ووجه إلى الآخرة. فأما الوجه الدنيوي فأعظمُ الأمور وأثقلُها وأَثْبَتُها هو في نفس الأمر بدرجة من الصغر والخفة والزوال، بحيث لا يساوي ولا يوازي ولا يليق لأن يُشوَّش له القلب "بالمَرَق" والتضجر، والتألم وشدة التأمل..
اعلم والانجي هل ترى أحمقَ وأبلهَ وأجهل ممن يرى تمثالَ الشمس مثلا في ذرةٍ شفافة، أو تجليَها في صبغةِ زهرة؛ ثم يطلب في الشُّميسة المرئية في الذرة ومن لون الزهرة وصبغتها
— 199 —
كلَّ لوازمات السراج الو من كث سقف العالم، حتى جذبَها للسيارات ومركزيتها للعالم. ثم إذا زال بعارضٍ ما رآه في هذه الذرة والزهرة، شرع -بسبب قصر النظر وانحصاره- ينكر وجودَ الشمس في وسط النهار، مع وجود شهاداتِ سائر الذرات وكتعطيَ بنمات"
[٭]: الندى.
والرشاشات والقطرات والحبابات والحياض والبحور والسيارات في ضحوة النهار الصحو.
ثم إن ذلك الأجهل يلتبس عليه "الوجود الظلي" بالتجلي بمله، وهياقة قابلية الشيء المرسّمة بالقَدَر بی"الوجود بالأصالة". فإذا رأى الشمسَ في ذرة شفافة يقول: أين عظمة الشمس، وأين حرارتها الخارقة، وكيف وكيف؟. إلى آخر بَلاهاته! وقد يريد أن يقتبسَ من نارها أو يحسَّها بيده أو يؤثر ف٭): إيا تأثيرا بوجه ما، ولا يتفطنُ أن قربها منه بالتأثير فيه، لا يستلزم قربه منها حتى تتأثر الشمسُ من فعله. ثم إنه يرى في صغار الأشياء وخسائسها إتقانا عجيبا واهتماما غريبا وصنعة فائقة وحكمة رائقة، فيزعم -بالقياس الباطل- أن صانع الذراتكلَّفَ في صنعها وتعمَّل كثيرا؛ فيقول: ما قيمة الذباب مثلا، حتى يُصرَف له هذا المَصْرَفُ المهم من صانع حكيم؟ حتى يصير ذلك المسكين سوفسطائيا.
فيا هذا
وللّٰه المَثَلُ اللعالَم(النحل:٦٠)
اللّٰه خالقُ كلّ شيءٍ وَهُوَ على كلّ شيءٍ وكيل
(الزمر:٦٢)
لابد أن تعلم أُمورا أربعة ينحل بها الإشكال.
الأول:أن كل شيء -من الذرات إلى الشموس- يصفه تعالى بما لَهُ [٭]: يصف ه ذهنه تعالى بما له من صفات جليلة. في كمال ربوبيته، لكن لا يتصف بما له لأجل مظهريته لتجليه..
الثاني:أنه ينفتح من كل شيء إلى نوره تعالى بابٌ، لكن بانسداد باب واحد في نظرٍ قاصر لا ينسد ما لا يُحد من الأبواب، وإسع يشت فتحُ الكل بفتح واحدٍ.
والثالث:أن القدرَ المنعكس من العلم المحيط قد قيَّد ورَسَم لكل شيء حصة لائقة من فيض تجلي الأسماء المطلقة النورانية.
والرابع:
انّمییا امیرُه اذا أرادَ شییيئاً انْ يَیقولَ لهُ كُیینْ فيَیكونُ
(يس:٨٢) و
مَا خحد من ولابَعثُكم الاّ كَنَفسٍ واحدَةٍ
(لقمان:٢٨) وأما إذا أُسنِد -بالغفلة- الأشياءُ إلى
— 200 —
أنفسها وإلى الأسباب الإمكانية، للزم على كل العقلاء أن يقبلوا المحالات الناشئة من حكم ذلك الأجهل الأبله.
اعلم أن القرآن المعجز البيانِ يعبّت بيتَا عن تبيين الحقائق بضرب المثل، بسر أن الحقائق المجردة الإلهية متمثلةٌ في دائرة الممكنات بقيود الأمثال، فالممكن المسكين ينظر إلى الأمثال في دا الحيوإمكان، ويلاحظ من خلفها شؤون دائرة الوجوب -
وللّٰه المثل الأعلى
اعلم أن العرش كالقلب، فقلبك فيك مُلكا [٭]: أي كما أن قلبك فيك في حالة مُلك، وأنتكَ وأوبك في حالة ملكوت، أي كما أن الإنسان من حيث الملك ظرف لقلبه ومن حيث الملكوت مظروف.. (ت: ٩٦). وأنت في قلبك ملكوتا. ففي دائرة الاسم "الظاهر" العرش العظمييز فط بالكل، وفي دائرة الاسم "الباطن" كالقلب للكون. وفي الاسم "الأول" يشار إليه بی
وكانَ عَرشُه على المَاء
(هود:٧) وفي الآخر يرمز إليه بی: "وسقف الجنة عرش الرحمن" [٭]: الديلمي، المسوقُومي٣٣٨؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٧/٤١؛ ابن حجر، فتح الباري ٣/٣٥. إذ لعرش مَن
هو الاولُ والآخرُ والظاهرُ والباطِنُ
(الحديد:٣) حصةُ الأولية والآخرن فرحهظاهرية والباطنية..
اعلم أن العجز معدن النداء، وأن الاحتياج منبع الدعاء.
فيا ربي ويا خالقي ويا مالكي! حُجتي عند ندائي حاجتي. وعُدتي عند دعائي فايض الكووسيلتي انقطاعُ حيلتي. وكنیزي عجزي. ورأسُ مالي آمالي وآلامي. وشفيعي حبيبُك ورحمتك. فاعف عني واغفر لي وارحمني يا اللّٰه، يا رحمین، يا رحيم.
— 201 —
هذه المناجاة تخطرت إلى القلف بمَن باللسان الفارسي
يَا رَبْ بَشَشْ جِهَتْ نَظَرْ مِى كَرْدَمْ دَرْدِ خُودْ رَا دَرْمَانْ نَمِى دِيدَمْ
دَرْ رَاسْت مِى دِيدَمْ كِه دِى رُوزْ مَزَارِ پَدَرِ مَنَسْت
وَدَرْ چَپْ دِيدَمْ كلطافةًْدَا قَبْرِ مَنَسْت
وَاِيمْرُوزْ تَابُوتِ جِسْمِ پُرْ اِضْطِرَابِ مَنَسْت
بَرْ سَرِ عُمْرْ جَنَازَهِٔ مَنْ اِيسْتَادَه اَسْت
دَرْ قَدَمْ آبِ خَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وَخَاكِسْتَرِ عِظَامِ مَنَسْت
چُونْ دَرْ پَسْ مِى نِگَرَمْ نبيك مْ اِينْ دُنْيَاءِ بِى بُنْيَادْ هِيچْ دَرْ هِيچَسْت
وَدَرْ پِيشْ اَنْدَازَهِٔ نَظَرْ مِى كُنَیمْ دَرِ قَبْر كُشَادَه اَسْت
وَرَاهِ اَبَدْ بَدُورلول. فازْ پَدِيدَارَسْت
مَرَا جُزْ جُزْءِ اِخْتیِیيَارِى چِيیزِى نِيسْت دَرْ دَسْت
كِه اُو جُیزْء هَیمْ عَاجِیزْ، هَیمْ كُوتَاه وهَیمْ كَمْ عَیيَارَسْت
نَه دَرْ مَاضِى مَجَالِ حُلُولْ نَه دَرْ مئية، وقْبَیلْ مَدَارِ نُفُوذَسْت
مَیيْدَانِ اُو اِينْ زَمَانِ حَال ويَكْ آنِ سَیيَّالَسْت
بَا اِينْ هَمَه فَقْرْهَا وَضَعْیفْهَا قَلَیمِ قُیدْرَتِ تُواسُ. فَارَه
نُوِشْیتَه اَسْت، دَرْ فِطْرَتِ مَا مَيْیلِ اَبَدْ وَاَمَیلِ سَرْمَدْ
بَلْكِه هَیرْ چِیه هَسْت هَسْت
دَائِیرَهِٔ اِحْتِیيَاجْ مَانَینْدِ دَائِیرَهِٔ مَیدِّ ى البحْ بُیزُرْگِى دَارَسْت
خَیيَالْ كُدَامْ رَسَیدْ اِحْتِییيَاجْ نِيیزْ رَسَیدْ
دَرْ دَسْت هَرْ چِه نِيسْت دَرْ اِحْتِییيَاجْ هَسْت
دَائِرَهِٔ اِقْتِیدَارْذه الصُو دَائِیرَهِٔ دَسْتْ كُوتَاهْ كُوتَاهَسْت
— 202 —
پَسْ فَقْرُ وحَاجَاتِ مَا بَقَدْرِ جِهَانَسْت
سَرْمَايَهِٔ مَا هَیمْ چُو جُیزْءِ لَايَیتَجَیزَّا اَسْت
اِينْ جُزْء كُدَامْ وَاِينْ كَائِینَلسعادةاجَاتْ كُدَامَسْت
پَسْ دَرْ رَاهِ تُو اَزْ اِينْ جُیزْء نِيیزْ بَازْ مِى گُذَشْتَنْ چَارَهِٔ مَنْ اَسْت
تَا عِنَايَتِ تُو دَسْتْگِيرِ مَنْ شَوقدرته َحْمَتِ بِى نِهَايَتِ تُو پَینَاهِ مَنْ اَسْت
آنْ كَسْ كِه بَحْرِ بِى نِهَايَتِ رَحْمَتْ يَافْت اَسْت
تَكْيَه نَه كُنَدْ بَرْ اِينْ جُزْءِ اِخْتِيَارِى كِه يَكْ قَطْرَه سَرَابَسْت
اَيْوَاهْ اِينْ زَنْدَگَانِى هَیمْ چُو خَوابَسْت
يد الإ عُمْرِ بِى بُنْیيَادْ هَیمْ چُو بَادَسْت
اِنْسَانْ بَیزَوَالْ دُنْیيَا بَفَینَا اَسْت آمَالْ بِى بَقَا آلاَمْ بَییبَقَا اَسْت
بِیيَا اَىْ نَفْسِ نَافَرْجَُ جنودُجُودِ فَانِى خُودْ رَا فَدَا كُنْ
خَالِقِ خُودْ رَا كِه اِينْ هَسْتِى وَدِيعَه هَسْت
وَمُلْكِ اُو وَاُو دَادَه فَینَا كُنْ تَا بَقَ الإيمَدْ
اَزْ آنْ سِرِّى كِه نَفْىِ نَفْى اِثْیبَاتَسْت
خُیدَاىِ پُیرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْ رَا مِى خَرَدْ اَزْ تُو
بَیهَاىِ بِى گِرَانْ دَادَه بَیرَاىِ تُو نِگَاهْ دَارَسْت
— 203 —
ترجمة المناجاة
[يعين اضل مشكورا الأخ الكريم فاروق رسول يحيى بترجمة نص هذه المناجاة. أما ترجمتها الوافية ففي الكلمة السابعة عشرة وفي الرجاء السابع من اللمعة السادسة والعشرين "رسالة الشيوخ".
التي حيد.. إلى القلب باللسان الفارسي
يا رب! لقد بحثتُ في الجهات كلها (الجهات الست) فلم أجد دواءً لدائي.
فنظرت نحو اليمين، وإذا بقبر أبي بالأمس.
ورنا بصري نحو اليسار، فإذا قبري في الغد.
وهذا اك الفرو تابوت يحمل جسمي المضطرب.
فجنازتي ماثلة أمامي فوق رأس عمري.
وتحت الأقدام ماءُ خلقتي ورميم عظامي ممزوجين.
وكلما نظرت إلى الخلف رأيت هذه الدنكلية وبا في سراب.
وإذا ما امتد نظري إلى الأمام، فالقبر فاغرٌ فاه. وطريق الأبد يتراءى من بعيد.
وإنني لا أملك سوى "الجزء الاختياري" وهو عاجز، قاصر، عديم الجدوى.
إالشَّأجال له للحلول في الماضي، ولا النفوذ إلى المستقبل.
وإنما ميدان تجواله هو: زمان الحال، وآنٌ واحدٌ سيال.
وعلى الرغم من هذا الفقر والضعف فقد كَتب قلمُ قدرتك في الفطرة مَيلا إلى الأبد وأملا في الخلود.
فدظهر قصلاحتياج واسعةٌ سعةَ امتداد النظر، فأينما يصلُ الخيالُ تصل الحاجةُ أيضا.
بينما دائرة اقتداري قاصرةٌ كاليد.
ففقري وحاجتي بسعةِ الدنيا إذن.
ورأس مالي مثل "الَدِي اذي لا يتجزأ" فأين هذا الجزء من تلك الحاجات التي تسع الكائنات؟
— 204 —
ولكني أنطلق في سبيلك من هذا الجزء كي أحظى بعنايتك.
إن رحمتك المطلقة ملاذي.
فالذي يجد فيضا من الرحمات، ليفة.
د على هذا الجزء الاختياري، الذي هو قطرة من سراب.
يا رب! هذه الدنيا ما هي إلّا كالمنام، وهذا العمر يذهب أدراج الرياح.
والإنسان فانٍ بفناء الدنيا، والآمال الفانية آلامٌ ائف تلقاء.
تعالي أيتها النفس التي لا حدود لها ضَحّي بوجودِكِ الفاني.
فخالقك الذي بيده الوجود.. موجود.
له الملك وهو المعطي، فأفنِ نفسكِ كي تجد النفسُ البقاء.
وذلك بسر: نفيُ النفي إثبات.
إن اللّٰه ذا الكرم الواسع يشتري ملكه ل وقت ويحافظ عليه لأجلك، وقد أعطى قيمة غالية..))
* * *
— 205 —
خطاب إلى مجلس الأمة
[٭]: أُلقي هذا الخطاب في مجلس الأمة التركي في ١٩/١/١٩٢٣ (١٣٣٩) وهو محفوظ في سجلات المجلس، وكانند ٢/ لة عندئذٍ على مفترق الطرق.. وكان من تأثير هذا الخطاب البالغ أن أقبل كثير من النواب (المبعوثين) إلى أداء الفرائض. وقد نشر كلّه بالتركية في الكتاب فترجمناه كاملا.
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
انَّ الصّلوةَ كانت على المؤمنينَ كتاباً مَوقُوتاً
("الإتق:١٠٣)
يا أيها المبعوثون! إنكم لمبعوثون ليوم عظيم.
أيها المجاهدون! ويا أهل الحل والعقد!
أرجو أن تُعِيروا سمعا إلى مسألة يُسديها إليكم هذا الفقير إلى اللّٰه في بضع نصائح وفي عشر الكما
أولا:
إن النعمة الإلهية العظمى في انتصاركم هذا تستوجب الشكر، لتستمر وتزيد، إذ إن لم تُستقبل النعمة بالشكر فستزول وتنقطع. فمادمتم قد أنقذتم القرآن الكريم من إغار، تتقدو -بفضل اللّٰه تعالى- فعليكم إذن الامتثالُ لأمره الصريح وهو الصلاة المكتوبة، كي يظل عليكم فيضُه وتدوم أنواره بمثل هذه الصورة الخارقة.
ثانيا:
لقد أبهجتم العالمَ الإسلامي بهذا الانتصادفات سبتم ودّهم وإقبالهم عليكم، ولكن هذا الودّ والتوجّه نحوكم إنما يدومان بالتزام الشعائر الإسلامية؛ إذ يحبكم المسلمون ويَوَدّونكم لأجل الإسلام.
ثالثا:
لقد توليتم قيادةَ مجاهدين وشهداءَ في هذا العالم وهسها لزبة أولياء صالحين، فمِن شأن أمثالكم من الغيارى السعيُ والجدّ لامتثال أوامر القرآن الكريم لنيل صحبة أولئك النورانيين، والتشرفِ برفاقتهم في ذلك العالم. وإلّا فستضطرون إلى الْتِماس العون وا العدمن أبسط جندي هناك، في حين أنتم قادة هنا. فهذه الدنيا بما فيها من شهرة وشرف لا تستحق أن تكون متاعا تُرضي كراما أمثالَكم، ولا تكون لكم غاية المنى ومبلغَ العلم.
— 206 —
رابعا:
إن هذه الأمة الإسلامية مةٍ بحيسما منهم لا يؤدون الصلاة، إلّا أنهم يتطلعون أن يكون رؤساؤهم صالحين أتقياء حتى لو كانوا هم فسقة. بل إن أول ما يبادر أهلُ كردستان (الولايات الشرقية) مسؤوهذا صَو سؤالهم عن صلاتهم. فإن كانوا مقيمين لها، فبها ونِعمَت ويثقون بهم، وإلّا فسيظل الموظف المسؤول موضع شك وارتيابٍ رغمَ كونه مقتدرا في أداء واجباته. ولقد حَدَثَتْ في حينه اضطرابات في عشائر "بيت الشباب" فذهبتُ لأستقصي أسبابها، فقالودير الكان مسؤولنا "القائم مقام" لا يقيم الصلاة ويشرب الخمر، فكيف نطيع أوامر أمثال هؤلاء المارقين من الدين؟ هذا علما أن الذين قالوا هذا الكلام هم أنفسهم كانوا لا يؤدون الصلاة، بل كانة من ااعَ طرق!
خامسا:
إنَّ ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وأغلب الفلاسفة في الغرب رمزٌ للقَدر الإلهي بأن الذي يستنهض الشرقَ ويقوّمه إنما هو الحكمةُالقلب، وليس العقل والفلسفة.. فمادمتم قد أيقظتم الشرقَ ونبهتموه، فامنحوهم نهجا ينسجم مع فطرته. وإلّا فستذهب مساعيكم هباءً منثورا، أو تظل سطحية مؤقتة.
سادسا:
إن خصومَكم وأعداءَ الإسلام الأفرنجَ قد استغلوا ولا يزالون يستغلون إهمالكم: إذ هالدين، حتى أستطيعَ أن أقول: إن الذين يستغلون تهاونَكم هذا يضرون بالإسلام بمثل ما يضرّ به أعداؤكم فينبغي لكم باسم مصلحة الإسلام وسلامة الأاب"، ويلُ هذا الإهمال إلى أعمال. ولقد تبيّن لكم كيف لاقى زعماء "الاتحاد والترقي" نفورا وازدراءً من الأمة في الداخل رغم ما بذلوه من تضحية وفداء وعزم وإقدام، حتى كانوا سببا -إلى حدٍّ ما- في هذه اليقظة الإسلامية، وذلك لعدم اكتراث قسم منهم بالديا فعلوائره، بينما المسلمون في الخارج قد منحوهم التقديرَ والاحترام لعدم رؤيتهم تهاونَهم وإهمالَهم في الدين.
سابعا:
على الرغم من تمكن عالم الكفر في الإغارة على العالم الإسلامي مك ولا مديدة فإنه لم يتغلب عليه دينيا مع جميع إمكاناته وقدراته ووسائله الحضارية وفلسفته وعلمه ومبشّريه. فبقيت الفرقُ الضالة جميعها -في الداخل- أقليةً محكومة. لذا ففي الوقت ، والتافظ الإسلامُ على صلابته ومتانته بأهل السنة والجماعة لن يتمكن تيار بدعي مترشح من الجانب الخبيث للحضارة الأوروبية، أن يجدَ سبيلا إلى صدر العالم الإسلامي. ثم القيام
— 207 —
بحركة انقلابية جوهرية لا يمكن أن تحدث إلّا بالانقياد لدساتير الإسلام، وإلّا فلا. علما أنه لم يحدث مثل هذه الحركة في السابق، ولو كانت قد حدثت فلقد تلاشت سريعا وأفَلَت.
ثامنا:
ليس بالإمكان القيام بعمل إيجابي بنّاء مع التهوّالة الدين، حيث اقتربت الحضارة القرآنية من الظهور وأوشكت الحضارة الأوربية الضالة المسؤولة عن ضعف الدين على التمزق والانهيار. أما القيام بعمل سلبي فليس الإنُه قبحاجة إليه، كفاه ما تعرض له من جروح ومصائب.
تاسعا:
إن الذين 5&Uونكم الحبَّ قلبا ولسانا، ويثمّنون خدماتكم وانتصاراتكم في "حرب الاستقلال" هؤلاء هم جمهور المؤمنين، وبخاصة طبقة العوام، وهم المسلمون الصادقون بعنوايحبونكم بجد، ويعتزون بكم بصدق، ويساندونكم بإخلاص، ويقدّرون تضحياتكم، ويمدّونكم بأضخم ما تنبه لديهم من قوة. وأنتم بدوركم ينبغي لكم الاتصالُ بهم والاستناد إليهم اتباعا لأوامر ا من كمالكريم ولأجل مصلحة الإسلام، وإلّا فإن تفضيلَ المتجردين من الإسلام والمبتوتي الصلة بالأمة من مقلدي أوربا المعجَبين بها، وترجيحَهم على عامة المسلمين منافٍ كليا حكمة الإسلام؛ وسيولّي العالم الإسلامي وجهه إلى جهة أخرى طلبا للمساعدة والعون.
عاشرا:
إنْ كان في طريقٍ تسعةُ احتمالات للهلاك، واحتمالٌ واحد فقط للنجاة، فلا يسلكها إلاّ مجنون طائش لا يبالي بحياته.. ففي ١١/١٥٧لفرائض الدينية نجاة بتسع وتسعين بالمائة، علما أنه لا يستغرق -هذا الأداءُ- إلّا ساعةً واحدة في اليوم، مقابلَ ما قد يمكن أن يكون احتمال ضرر واحد فقط يصيب الدنيا ومن أن اللغفلة والكسل. بينما إهمال الفرائض وتركها فيه احتمال تسع وتسعين بالمائة من الضرر مقابل واحد بالمائة من احتمال النجاة من حيث الغفلة والضلالة.. فيا ترى أي مسوّغٍ وأيّ مبرر يمكن ابتداعه في ترذكرت فائض الذي يصيب ضررُه الدينَ والدنيا معا؟ وكيف تسمح حَمِيّةُ الفرد ونخوته بذلك التهاون؟
إن تصرفات هذه القافلة المجاهدة من أعضاء هذا المجلس العالي بالغةُ الأهمية، إذ إنها سوف تُقلَّد.. فالأمة إزء أنما تقلِّد أخطاءهم أو تنتقدُها، وكلاهما مليء بالأضرار والأخطار. فتمسّكهم بحقوق اللّٰه وتوجّهُهم لأداء الفرائض يتضمن حقوق العباد أيضا.
— 208 —
إن عملا جادا لا يُنجز مع أولئك الذين يَرضون بأوهام براقة نابعة من سفسطة النفس ووسوسة الشيطان ويُصمّون آطق النعن البلاغ المبين والبراهين الساطعة بالتواتر والإجماع..
ألا إن الحجر الأساس لهذا الانقلاب العظيم يجب أن يكون متينا صلدا.
إن الشخصيةَ المعنوية لهذا المجلس العالي قد تعهّدت معنى "السلطنة" بما تتمتع به من قوة، فإن لم يتعهد -هذا الوالرحم- معنى "الخلافة" وكالةً أيضا ولم يقم بامتثال الشعائر الإسلامية ولم يأمر الآخَرين بالقيام بها، أي إذا أخفق في تقديم "معنى الخلافة" ولم يستوفِ حاجةَ الأمة الدينية -هذه الأمة التي لم تفسد فطرتها والمحتاجةُ إلى الدين أكثه.. تساجتها لوسائل العيش- والتي لم تَنس حاجتَها الروحية تحت كل ضغوط المدنية الحاضرة ولهوها، فإنها تضطر إلى منح معنى الخلافة إلى ما ارتضيتموه -تماما - من اسم ولفظ. فتمنح له القوةَ والإسناد أيضا لإدامة ذلك المعنى. والحال أن مثل هذه القوة الب هكذات بيد المجلس ولا تأتي عن طريقه تسبب الانشقاق، وشقّ عصا الطاعة يناقض أمر القرآن الكريم الذي يقول:
واعتَصموا بِحَبلِ اللّٰه جَميعاً ولا تَفرَّقوا
(آل عمران:١٠٣).
إنَّ هذا العصر عصرُ الجماعة، إذ الشخصية المعنوير المتي هي روح الجماعة- أثبتُ وأمتن من شخصية الفرد. وهي أكثر استطاعةً على تنفيذ الأحكام الشرعية. فشخصية الخليفة تتمكن من القيام بوظائفها استنادا إلى هذه الروح المعنوية. إن الشخصية المعنوية تعكس روحَ العامة فإن كانت مستقيمة فإن إشراقَها وتألّقها يكوِ شفيع وألمع من شخصية الفرد، أما إن كانت فاسدة فإن فسادها يستشري وفق ذلك. فالشر والخير محددان في الفرد، بينما لا يحدهما حدود في الجماعة. فإياكم أن تمحقوا المحاسنَ التي نلتموها تجاه الخارج بإبدالها شرورا في الداخَةٍ لِأنتم أعلم بأن أعداءكم الدائميين وخصومكم يحاولون تدميرَ شعائر الإسلام، مما يستوجب عليكم إحياءَ هذه الشعائر والمحافظة عليها. وإلّا فستُعينون -بغير شعورٍ منكم- العدو المتحفز للانقضاض عليكم.
والروالتهاون في تطبيق الشعائر الدينية يفضي إلى ضعف الأمة، والضعف يُغرى العدو فيكم ويشجعه عليكم ولا يوقِفه عند حدّه.
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل.. نعم المولى ونطوط بخصير.
— 209 —
ذيل الحباب
مَن كان للّٰه كان له كل شيء..
ومَن لم يكن له، يكن عليه كلُّ شيء.
والكونُ له بتركِ الكلّ له والإذعانِ بأن الكلَّ مالالأشجاه وإليه..
— 210 —
في (ط١)
إفادة مرام
يا أيها الناظر في رسائلي العربية الثمان! [٭]: وهى: "قطرة وذيلها"، "ذرة"، "شمة"، "حبة وذيلها"، "حباب وذيله"، ويلحق بها: "نقطة" و"شعاعات" و"لمعات".
إني أولَ ما كتبتُها، ما كتبتُ إلّيط تصيي، ثم تخطّرتُ أن هذه النعمة من شُكرها نشرُها، لعل أن ينتفع بها أناسٌ. ثم بعد تكرار النظر فيها تفطنت فيها سرًّا ترددتُ في إظهاره من زمان، ولكن أُحسّ في قلبي الآن سائقا لإظهاره، وهو:
أنه أرى مسائل تلك الرسائل وسائلَ وسلالم للصنور وغى الزنابيل النورانية المتدليّة من عرش الرحمن التي هي الآيات الفرقانية. فما من مسألةٍ منها إلّا ويماسّ رأسُها قدمَ آيةٍ من الفرقان. فمسائلها وإن حصلت لي أولَ ما حصلت شهوديةً وحدسية وذوقية، لكن لدخولي فذلك إنء الجنون مع رفاقة عقلي مفتوحَ الجفون -فيما يغمض فيه ذوو الأبصار- لفّ عقلي على عادته ما رآه قلبي في مقاييسه وَوَزَنه بموازينه واستمسكه ببراهينه...
مسائل هذه الرسائل من هذه الجهة كأنها مبرهنة استدلالية.
فيمكن لمن ضلّ من جهة الفكر والعلم أن يستفيدَ منها ما يُنجيه من مزالق الأفكار الفلسفية.
بل يمكن أن يَستخرج منها بالتهذيب والتنظيم ول شيء ح عقائدَ إيمانيةً وعلمَ كلام جديد في غاية القوة والرصانة لردّ ضلالات أفكار هذا الزمان.
بل يمكن لمن اختلط عقلُه بقلبه، أو التحق قلبُه بعقله المتشتتِ في آفاق الكثرة أن يستنبطَ منها طريقة كسكّة الحديد متينةً أمينةً يسلك فيهان الثورشاد القرآن الكريم..
كيف لا، وكل ما في رسائلي من المحاسن ما هو إلّا من فيض القرآن..
وللّٰه الحمد كان القرآن هو مرشدي وأستاذي في هذا الطريق.
نعم، مَن استمسكَ به استمسك بالوكلُّ لوثقى لا انفصام لها.
— 211 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه الذي تقدست عن الأشباه ذاتُه، وتنزّهت عن مشابهة الأمثال صفاتُه، الخلّاق الذي ذاك العالمُ الكبير إبداعُه.. وهذا العالَمُ الصغير (أي الإنسان).
فُه.. وذا إنشاؤه وهذا بناؤه.. وذا صنعتُه وهذا صبغتُه.. وذا نقشه وهذا زينتُه.. وذا رحمتُه وهذا نعمته.. وذا قدرتُه وهذا حكمته.. وذا عظمتُه وهذا ربوبيتُه وذا مخلوقُه وهذا مصنوعُه.. وذا ملكهُ وهذا مملوكُه.. وذلأزهارُه وهذا عبده.. وعلى جوانبهما بل على كلِّ جزءٍ منهما سكتُه الناطقة بأن الكلَّ مالُه.
اَللّٰهمَّ يا قيومَ الأرض والسماء إنّا نُشهِدك ونُشهدُ حَملَة عرشكَ وملائكتك بشهادة جميع أنبيائن الغرليائك وآياتك وجميع مصنوعاتك وجميع خلقك بأنك أنت اللّٰه لا إلهَ إلّا أنت وحدك لا شريكَ لك، ونستغفركَ ونتوب إليك ونشهد أن محمدا عبدك ورسولك، أرسلتَهُ رحمةً للعالمين.
اَللّٰهمَّ صلِّ عليه كملآيات ب حرمته وكما يليقُ برحمتك وعلى آله وصحبه أجمعين..
اعلم أن ما أنعم اللّٰه عليك من وجودك وتوابعه، ما هو إلّا إباحةٌ وليس بتمليك. فلك أن تتصرَّف فيما أعطاكَمشيئتهرضى مَن أعطى، لا كما ترضى أنت. كمن أضاف أحدا، ليس للضيف أن يُسرف أو يَصرف فيما لا إذن للمضيِّف فيه.
اعلم يا من يستغرب الحشرَ الأعظم ويستبعده! ألا تنظر إلى ما بين يديك مما لا يُحصى من أنواع الحشر والنشر والقيامات الخصوصية! وكيف ت؟ فدليالقيامة الكبرى مع مشاهدة ما لا يحد من القيامات في كل سنة، حتى في كل شجرة مثمرة أو مزهرة؟ وإن شئتَ اليقينَ الشهودي، فاذهب مع عقلك في آخر الربيع والصيف إلى تحت شجرة التوت أو المئل وماثلا.. وانظر كيف حُشرت ونُشرت هذه الثمراتُ الحلوة الحية.. والمخلوقاتُ الطرية اللطيفة النظيفة. كأنها أعيانُ الثمرات اللاتي ماتت في السنة الخالية. لآخرة. الثمرات المنشورة المنثورة اللاتي يضحكن في وجهك، ما هي إلّا أخواتُ الميتات الخاليات وأمثالُها كأنها هي. ولو كانت لها "الوحدة الروحية" كالإنسان كانت هي إياها، أي عينَها، لا مثلَها! ثم تأا وما #212
الشجرة مع يبسها وجمودها وحقارتها وصغرها، مع ضيق مجاريها واشتباك مسيل حَمَلة أرزاق الأزهار والأثمار..كيف صارت تلك الشجرة برأسها عالَما عجيبا، يصور للمدققإثمها.: وإذا القُبورُ بُعثِرَت (الانفطار:٤). الحق أن القدرة التي تنشُر من الشجرة اليابسة هذه المصنوعاتِ اللطيفة لا يتعسر عليها شيء ما في الإمكان. آمنا.
اعلم أها ومجن كلِّ سورةٍ سورةٍ من القرآن مجمَلَ ما في كل القرآن وسائرِ السوَر من المقاصد وأهم القصص، لأجل أن لا يُحرَمَ مَن يقرأ سورة فقط عما أُنزلَ فيُفهتنیزيل؛ إذ في المكلَّفين الأمّيُّ أو الغبيُّ، ومَن لا يتيسر له إلّا قراءة سورةٍ قصيرة فقط، فمِن هذه اللمعة الإعجازية تصير السورةُ قرآنا تاما لمَن قرأها.
اعلم أن الواحد المتصرفَ في الكثير لا يلزم أن يكون مباشرا مخالما من اخلا فيما بينهم؛ لاسيما إذا كان مباينَ الماهية، ولاسيما إذا كان غيرَ مادي ولا ممكنٍ، بخلاف الكثير. والفاعلُ الكثير -كفعل الأمير في النفرات- يحصل بالإرادة والأمر بدون الاختلاط والمعالجة. ولو أُحيلت وظائفُ الإمارة وأفاعيلُها علىية والات، لَزِمت المباشرةُ الذاتية والمعالجة، أو انقلاب النفرات إلى ماهية الأمير. فالحق سبحانه مع غاية تقدّسه وتنیزّهه وعلوّه وعظمته، ونهاية بُعه علمٌساستنا، يتصرف فينا كما يشاء.وهو سبحانه كالشمس قريبٌ منا.. ونحن بعيدون منه جلّ جلاله.
اعلم أن الكثرةَ تنجر إلى الوحدة بجهة صيرورة الجالأبديوذجَ الكل، كالشجرة إلى الثمرة؛ فيصيرُ الكل كالكلي، والجزء كالجزئي كضياء الشمس المنبسط في الفضاء، إذ قد تضمن كلٌّ من ذرات ذلك الضياء لتمثالٍ من تلنحلِالشمس، كأن الذرات المهتزة شُميساتٌ اتصلت فصارت ضياء مثلا: - وللّٰه المثل الأعلى -.. هكذا تجليات أسماء نور الأنوار الأزلي فتجلي أسماء اللّٰه يُري بهذين الوجهين كلا وكليا.
اعلم يا مَنولا يع بالدنيا وسكن إليها! إن مَثَلكَ كمثل من يتدحرج ساقطا من أعلى قصر، يتدحرج ذلك القصر في سيلٍ، يتساقط ذلك السيل من أعالي جبل، يتدحرج ذلك الجبل متنازلا بالزلزلة إلى أعماق الأرض.. إذ قصرُ الحياة ينهدم، وطائرُ العمر يمرّلقات مق أوشك أن يبيضك في وكر القبر، وسيلُ الزمان تسرع دواليبُه بدرجةٍ تُدهش العقول، وسفينةُ الأرض تمرّ
— 213 —
مرّ السحاب. فمَن كان في "شمندوفر" [٭]: شمندوفر: القطار. وتوضيح المسألة في اُونَ
الثالثة والعشرين. يسرع سرعة شديدة، ثم مدَّ يدَه -في وسط الطريق وفي آن السرعة- إلى أزاهيرَ ذات أشواك مفترسة في جانب الطريق، فمزّقت الأشواكُ يدَه.. فلا يلومنّ إلّا نفسَه. فإذا كان هذا هكذا.. فلا تمدنّ عينيك ولا يديك إلى زهرة الدنيا، فإن أشوالحواسام الفراق تمزّق القلوبَ في آنِ التلاقي؛ فكيف بوقت الفراق!
فيا نفسي الأمارة بالسوء! اعبدي مَن شئت وادْعي ما شئت.. وأما أنا فلا أعبدُ إلّا الذي فطرني واقَتَدَر على أن سخّر لي الشمسَ والقمر والأرض والشجر، ولالإيجادُّ إلا ممن حَملني في طيارة العمر السابح في فضاءِ محيط القَدر، وسخّر لي الفَلكَ الدائر الطائر بين النجوم السيارات، وأركبني في "شمندوفر" الزمه لحمدار كالبرق في أخدود الأرض وتحت جبل الحياة إلى باب القبر في طريق أبد الآباد.. وأنا قاعد بإذنه وتذكرته في "واغون" [٭]: واغون: عربة من القطار. هذا اليوم المتصل طرفاه بت إليهالأمس والغد..
ولا أدعو ولا أستغيث إلّا مَن يقتدر على توقيف "جرخ الفَلَك" [٭]: جرخ الفلك: دولاب العالم، أي المقدرات. المحرك ظاهرا لفُلكِ الأرض.. وعلى تسكين حركة الزمان بجمع الشمس والقمر.. وعع الغييت هذه الدنيا المتغيرة المتدحرجة من شواهق الوجود في أعماق أودية الفناء والزوال بتبديل الأرض غيرَ الأرض؛ إذ لي آمال ومقاصد متعلقة بكل شيء، تبقى آمالي ملتزقة على ما يمر عليه الزمان، وتذهب عليه الأرض وتفارقه الدنيا، ولي د من قولذة بسعادةِ كلِّ صالح من أهل السماوات والأرض. ولا أعبد إلّا مَن هو؛ كما يسمع أدقّ هواجس سري ويُصلح لي أرقّ آمالِ قلبي وميوله.. كذلك يقتدر مع ذلك على ما يتمناه عقلي"حسبناي من تحصيل السعادة الأبدية لنوع البشر بإقامة القيامة وتقليب الدنيا بالآخرة؛ فيصل يدُه إلى الذرة وإلى الشمس، فلا تتصاغر الذرةُ مختفيةً عن تصرفه، ولا يتكبر كبرُ الشمس على قدرته.. إذ هحدا قي إذا عرفتَه انقلبت لك الآلامُ لذائذَ، وبدونه تُنتج العلومُ أوهاما.. والحِكَمُ أسقاما.. بل هي هي.
نعم، وبدون نوره تبكي الوجودات لك إعداما، والأنوار ظلماتٍ، والأحياء أمي المسواللذائذ آلاما وآثاما، ويصيرُ الأودّاءُ بل الأشياءُ أعداء، وما البقاء بدونه إلّا بلاءٌ، والكمال هباءٌ، والعمر هواءٌ، والحياة عذاب، والعقل عقاب، وتبكي الآمالُ آلاما.
— 214 —
م
(الكان للّٰه تعالى كان له كل شيء، ومَن لم يكن له كان عليه كل شيء، والكون له بترك الكل له والإذعان بأن الكلّ مالُه.. وهو الذي فطرك بصورة أحاطت . وبذرئرُ متداخلة من الحاجات وجهّزك في أصغرها التي نصف قطرها مدُّ يدك باقتدار واختيار. وجهّزك في البواقي التي وسعت بعضُها كما بين الأزل والأبد والفرش والعرشانفلاقاء فقط.. وفي التنیزيل:
قُل مَا يَعبؤا بِكُم ربي لَولاَ دُعاؤكم
(الفرقان:٧٧) فالصبي ينادي أبويه فيما لا يصل يدهُ إليه؛ فالعبد يدعو ربَّه فيما عجز عنه.
اعلم أن كمالَ صنعة كل شيء وإتقانَها، مالأبناءاّ من سر الوحدة. ولولا الوحدة بلا توزيع وبلا تجزؤ وبلا تزاحم لتفَاوَتَت المصنوعات. كوحدة الشمس ووجودها بالتجلي في كل ما مسَّه ضياؤها.. من ذرةٍ شفافة إلى وجه البحر، ولا يشغلها شيء عن شيء. فهذا السر تشاهده في هذه الشمس الممكنالشوق كينة المقيدة المحدودة الجامدة الميتة التي هي قطرة متلمعةٌ بتجلي شعلةٍ من اسم النور الحق. فكيف شمسُ الأزل والسلطان الأبد والقيومُ السرمد الواجبُ الوجود الواحد الأحد الحي القدير الصمد جل جلاله؟ -وللّٰه المثل الأعلى - فوحدة الضياء المحيط تشيوحدة رالواحدية، ووجود الشمس بخاصيتها بالتجلي في كل جزء وذرة من ذلك الضياء المحيط يرمز إلى الأحدية. فتأمل!
اعلم أن مِن أصدق شواهد الأحدية:
"الوحدةُ في كل شيء" من ذرات حجيرة من عينك، إلى وحدة العالم.
و واحدةانُ الأكمل في كل شيء" بما تَسَعه لياقة قابليته المجعولة بقلم القضاء وقالب القدر.
و"السهولةُ المطلقة في إنشاء كل شيء وإيجاده". وأن السهوحضور سطلقة تدل على أن وجود الصانع ليس من جنس وجود المصنوع، بل لابد أن يكون أثبتَ وأرسخَ منه بما لا يتناهى.
اعلم أن الأرضَ تعطيكم وتبيعكم متاعا مالكلمالَ الذي في يدها، رخيصا بنهاية الرخيصية. فلو كان المتاع مالَها أو نسجَ الأسباب الإمكانية، لمَا اشتريتم رمانةً فردةً بجميع ما تصرفون، لاستحصال جميع ما تأخذونه من جميع الأرض بأيادي أشجارها ومزارعها؛ إذ يُرى في كل حبةٍ أاعف علها اهتم بها وأتقن فيها بنهاية الإتقان وغاية التزيين، وجَمعَ فيها
— 215 —
ما جمع بشعور تام، ومهارة حكيمة، وجهّزها بلطائف اللّون والطعم والرائحة لجلب أنظار المشترين. فلو لم تكن هي مصنوعةَ مَن لا كُلفةَ ولا معالجةَ ولا مباشرة في صُنعه وإيجاده حتى تبجميع بالنسبة إلى قدرته الحبةُ والحديقةُ والفردةُ الفذةُ وكلُّ النوعِ والذرةُ والشمس.. لمَا كان هذا هكذا بلا ريب وبالبداهة وبالحدس القطعي؛ إذ لابد أن يكون صانعُ هذه الحبّات العِنَبيته. وهمانية المصنوعة ظاهرا لتطمين ذوقٍ مؤقت وهَوَس جزئي لبعض الحشرات والحيوانات، إما مسلوبَ الشعور ومفقودَ الحسّ وعديمَ الإرادة بلا علم وبلا اختيار وبلا كمال، ليكون هذا هكذا رخيصا تافها مبذولا؛ والحال أن الصنعة الشعورية المتقنة النظامة المختارة تكذّب هذا الفرضَ أشدَّ تكذيب.. وإما واجب الوجود، قدير، مريد، عليم، حكيم، بيده ملكوت كل شيء:
انّمییا امیرُه اذا أرادَ شییيئاً انْ يَیقولَ لهُ كُیینلق، وبكونُ
(يس:٨٢)
مَا خلقُكُم ولا بَعثُكم الاّ كنفسٍ واحدةٍ
(لقمان:٢٨) بالنسبة إليه،
وله في كل مصنوع حِكَمٌ وغايات تنظر إلى تجليات أسمائه وإلى أسرارٍ له في الفعالية الشؤونية، غيرُ ما يعود إلى المستهلكين من الفوائد الجزئية. تماثيمكن أن يكون منشأُ هذا الفيض العام قوّةً عمياء تسيل منها هذه الثمرات كالسيل، ثم تلعب بها يد التصادفات والاتفاقيات؛ إذ تشخصاتها المنتظَمة الحكيمة وخصوصياتها المتقنة الشعورية تردّ يد الألا يالأعمى والاتفاقية العوراء ردا قطعيا يقينا. فبالضرورة تدل هذه الرخيصية المبذولة والسهولة نوعا وكمّا، والإتقان والاقتصاد فردا وشخصا وكيفا، وتشهد على الجود المطلق من الجواد المطلق والحكيمِ منه سب والقدير المطلق جلّ جلالُه وعمّ نوالُه وشمل إحسانه.
فسبحان مَن جَمع نهايةَ الجود المطلق مع نهاية الحكمة المقتصدة، وأدرج الفيض المطلق الغير المحدود في ظروف النظام التام والميزاات.
اس والعدل العادل.. الحساسة -تلك الثالثة- بدرجة تُجبر الفيلَ لمدافعة الذباب العاض على ذرة من جسمه الجسيم، وتُقلق هذا الإنسانَ المتكبر، الذي يحكّ بيافوخه [٭]: مثل ي التصاى التكبر. كتفَ السماء بطعن البعوض "رُميحته" فيتشمر لمقاتلته:
ضَعُفَ الطالبُ والمَطلوب
(الحج:٧٣).. ويسكن غضبُ البحر ويسكت غيظُ العاصفات وتسكن حدةُ البرودة بدعاءٍ خفي من قلبٍ منكسر لصبيّ نجا على لوح منكسر في البحر اللجيّ..ئت فاننْ يُجيبُ المُضطرَّ اذا دَعاه
(النمل:٦٢) يجيبُه مَن يسمع هواجس القلب والسر، ويحكم على حركات الشمس والقمر، جلّ سلطانه..
— 216 —
اعلم يا أيها المبتلى بالأسباب، إن خلق السبب وتقدير سببيته وتجهيزه بلوازمِ إنشاء المسبَّب، ليس بأس- إلى لى وأكمل وأعلى من خلق المسبَّب عند السبب بأمر "كن" ممن يتساوى بالنسبة إليه الذراتُ والشموسُ..
اعلم يا قلبي أن ما يُرى ملء الدنيا من آلام الأعدام، إنما هي تجدّد الأمثال، ففي الفراق مع وجودع في تان توجد لذةُ التجدد دون ألم الزوال. فآمِن تُؤمَن، وأسْلِم تسلَم.
اعلم أن العصبيةَ العنصريةَ الجاهلية، ما هي إلّا الغفلةُ المتساندة المتصالبة، وإلّا الضلالةُ والرياء والظلم المتجاوبة المتعاونة.. فيصيرء وحكمُ وملّته كمعبودِه -العياذ باللّٰه- وأما الحمية الإسلامية، فهي النور المهتز المنعكس من ضياء الإيمان.
اعلم يا من يشتغل بالمناظرة مع الملحدين والمتشككين والمقلدين للزنادقة الأوروبائيين! إنك على خطر عظيم إن كانت نفسُك غير والموة، لأجل التحاق نفسك سرًّا وتدريجا من حيث لا تشعر بخصمائك.. على أن المناظرة بالإنصاف المسمّى بالتركي "بي طَرَفَانَه مُحَاكَمَه" [٭]: أي المناظرة الموضوعية الحيادية والمنصفة. أشدّر! فهذ على ذي النفس الأمارة؛ إذ بكثرة تكرار فرض المنصف نفسَه في موقع الخصم يقيمُ في ذهنه خصما خياليا فيتولد منه في دماغه "لُمّةُ تنقيدٍ" تصيرُ وكيلَ خصمه داخلا، فيتعشش الشيطانُ في تلك اللمة المتزلا تيأس إن كانت نيتُك خالصة. فإذا أحسَستَ بهذا الحال فاصرف عنان الجهاد إلى عدوك الأكبر الداخلي، وعليك بكثرة التضرع والاستغفار.
اعلم أن الآلات الجامدة والحيوانات وجهَلةَ العَمَلة المستخدمة في بناء قصر عجيب لسلطان عظيم، وترسيمِ نقوشه، يعلم كين المن رآها أنها "لا تعمل بحساب أنفسها بل بحساب مَن يستخدمها" في مقاصده العالية الواسعة وأغراضِه الرقيقة التي تتقاصر عن إدراكها أفكارُ خواصّ العلماء، فكيف بجَهلَة العوام وبهيمةِ الأنعام وجامدات الأقلام..ةٌ، يومن أمعن في جلوات الأزاهير وتودداتها وتحبباتها إلى أنظار ذوي الحياة تيقَّن أن الأزاهير موظفون -من جانبِ حكيمٍ كريمٍ- بالخدمة والتودد لضِيفَان ذلك الكريم قُدْرلين بإذنه في أرضه، وكذلك الحيوانات.
نعم، أين حس الزهرة وشعور البهيمة، وأين دَرْكُ غايات نقوش الحِكَم ولطائف
— 217 —
محاسن الكرم المودَعة في جلوات الأزاهير بتزييناتها، وتطورات الأنعام بمنافعها؟ فما هذه الحالات إلا تعرُّفُ ربٍّ كريم وتودُّده و الشرو إلى عباده وضيوفه جلّ جلاله وعمَّ نوالُه وشمل إحسانُه.
اعلمي! أيتها النفس المشؤومة! إنك تطلبين كلَّ لوازمات المراتب المختلفة في كل مرتبةٍ، وحاجاتِ كل الحواسّ في حاجة كل حسٍّ، وأذواق إله إلطائف في درجةِ كل لطيفةٍ، وشعاعات كل الأسماء الحسنى في كلِّ اسمٍ، وعظمةَ المؤثر خلفَ كل أثرٍ ومصنوعٍ، وخواصَّ المعنى الخارجي في المدلول الظلي، [٭]: المعاني المتولدة في الذهن (ت: ١٠٣) بل في الدال. فاطها وزي كلٍّ ما يليق به وما يَسَعه لئلا تستهوي بك الأوهامُ.
اعلم أنه لابد إذا رأيت نفسَك بعظمتها أن تنظر إلى ما هو أعظمُ منك من السماوات وغيرها، وإذا رأيت ما هو أصغر منك من الهوام والحشرات فانظر إلى حُجيرات جسدك وادخل مع نظرك في حُجيرة منها،..
ظر إليها حتى ترى البعوضةَ فما فوقها أكبرَ منك، لئلا يسقطَ في عينك أهمية الحِكمة والرحمة والنعمة وإتقان الصنعة فيك. وإذا رأيت الغيرَ الغيرَ المحدود المماثلين لك في النِّعم، فانظر إلى احتياجك وعَجز نفسك وحكمة النعمة، لئلاد وبعض عندك قيمةُ نعمتك.
نعم، هل يخفّف احتياجَك إلى العين وجودُ العين في عموم الحيوان؟. أم هل يُنقِص الشمولُ أثر القصد والإنعام الخاص؟ كلا، بل يشدّه وي٦).
اعلم أن الحياة في كل ذي حياة لها غايات لا تعد ولا تحصى، يعود إلى الحي واحدٌ وإلى المحيي بمقدار مالكيته الغير المتناهية؛ ولا حق للكبير أن يتكبر على اض الفضفي الخلقة، ولا عبثية في الواقع، وإنما هي في نظر البشر النفسي الغَرور الذي يزعم ويرى أن الأشياءَ كلَّها لأجل منافعه وهَوَساته. ويحسب أن لا غاحيي وي غير ما يعود إليه..
نعم، هذه الضيافة المفروشة على ظهر الأرض إكرامٌ للبشر بسرّ الخلافة وبشرط استحصال لياقة الكرامة.. لا لَهُ ولاستفادته فقط.
اعلم أنه إذا قال لك الموسوِس: ما أنت إلّشففها
ن مما لا يحد من الحيوانات،
— 218 —
والنمل أخوك والنحلة أختك، فأين أنت وأين مَن يَطوي السّماء كَطيّ السِّجلِّ للكُتبِ (الأنبياء: ١٠٤)
والارضُ جَميعاً قَبضتُهُ يَومَ القيامَة والسّمواتُ مطويَّاتٌ بيمينه
(الزمر:٦٧)؟
فقل له: إن عدم تناهي ل القرفقري وذلّي، مع علمي الإذعانيّ به يصيرُ مرآةً لعدم تناهي قدرته وغَنائه وعزته. فهذا السر رقّاني من مرتبة إخواني الحيوانات. وإن من لوازم كمال عظمته وإحاطة قدرته أن يسمعَ ندائي ويرى حاجاتي ولا يُشغله تدبيرُ الأرض والسماوات عن تدبير شؤظ والتحقيرة.
وأما تباعد الإنسان والممكن بدرجة عظمته عن الاشتغال بجزئيات الأمور وخسائسها، فليس من عظمته.. بل إنّما ينشأ من عجزه ونقصه وضعفه. أفلا تشاهد كلَّ حَبابٍ بل كل رشاشةٍ من القطولا احلذرات الزجاجية، تشتمل على تمثال الشمس، لو تكلّمت تلك لقالت كلٌّ منها: الشمس لي وعندي وفيّ ومعي.. وما يزاحم تلك الذراتِ في المناسبة مع الشمس لا عيونُ السيارات ولا خدودُ البحور ولا عظمةُ الشمس. بل بدرجة علمنا بعدم تناهي فقرنا وحقارتنا تتزايد حيما، -والمناسبة بعدم المناسبة- [٭]: أي مع عدم المناسبة. فما ألطفَ مناسبةَ من لا يتناهى في فقره وعجزه، مع من لا نهاية لغناه وقدرته وعزته وعظمتهد كعيفسبحان مَن أدرج نهايةَ اللطف في نهاية العظمة، وغايةَ الرأفة في غاية الجبروت، وجَمعَ نهاية القُرب مع غاية البُعد. وآخى بين الذرات والشموس، فأظهر قدرته بجمع الأضداد!
فانظر كيف لا تُشغلهُ حشمةُ تدبير الأرض والسلأوهامعن لطافة تربية الهوام والحشرات، ولا يعوقُه تدبيرُ البر والبحر عن إيجاد أصغر النحل والطير وعن إحياء صغار السماك في أعماق البحور، ولا تزاحمه شدةُ عاصفات البر وحدّة غضب البحر عن كمال لطفه وإحسانه إلى أخفى وأضعفِ وأعجزِ نّ مشه حيوان ساكنٍ في أخفى مكان، متوكلا تحت ظلمات كثافة البحر وغياهب أمواجه وتفاقم ارتجاجاته، وظلمةِ الليل وظلمات سحابه..
فتبسُّمُ الرحمة فيكمة الغضب البحر وخلف وجهه العبوس القمطرير؛ إذ ينادي هذا البحر بنغماته الواسعة: يا عظيم، يا جليل، يا كبير، يا اللّٰه.. سبحانك ما أعظم كبرياءك. فيقابله
— 219 —
ذلك المسلان الصغير بترنّماته الخفية: يا لطيف، يا كريم، يا رزاق، يا رحيم، يا اللّٰه.. سبحانك ما ألطفَ إحسانَك. ففي اقتران هذين الذِّكرين، وامتزاج هذين التسبيحين حِشمةٌ لطيفة ولطافة محتشَمة وعبدنيا االية للواحد الأحد الصمد جلّ جلاله وعمّ نواله..
اعلم أن الأهم الألزم بعد علوم الإيمان، إنما هو العمل الصالح؛ إذ القرآن الحكيم يقول على الدوام:
الذينَ آمنوا وعملحصولُ الحات
نعم، هذا العمر القصير لا يكفي إلّا لما هو أهمّ.. وأما العلوم الكونية المأخوذة من الأجانب فمضرة؛ [٭]: إن كانت تفضي إلى السفاهة والفساد (ت: ١٠٥). إلا للضرورة وللحاجات وللصنعة واستراحة البشر.
اَللّٰهمَّ يَا أرْحَمَ اله، ولهمِينَ، ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَوِّرْ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِ نيّرةاْلإيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَنَوِّرْ بُرْهَانَ الْقُرْآنِ، وَعَظِّمْ شَرِيعَةَ اْلإسْلَامِ، آمِينَ.
* * *
— 221 —
الرسالة السادسة
حبة
من نواتات ثمرة من ثمرات جالآخر قرآن
حَبَّ مِى گُويَدْ
مَنْ شَاخِ دِرَخْتَیمْ بُرْ اَزْ مَيْیوَهِٔ تَوْحِيدْ
يَكْ شَبْنَمَمْ اَزْيَمْ پُیرْ اَزْ لُؤلُؤِ تَمْة الما
[٭]: الحبة تقول: إنني غصنُ شجرةٍ مثقلٌ بثمرة التوحيد وقطرةُ ندًى من البحر الزاخر بلؤلؤ التمجيد. طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "أوقاف إسلامية" بإسطنبول سنة ١٣٤٠هی (١٩٢٢م).
— 222 —
في (ط ١)
إفادةيمة إذم
اعلم أنه قيل لي إن الناس يقولون: لا نفهم كثيرا مما في آثاره فتصير ضايعة.
فأقول: لا تضيع بإذنه تعالى. وسيجيء زمان يفهمها أكثرُ المتفكرين المتدينين إن شاء مَن بيده مقاليدُ كل شيء؛ ْنِ الر هذه المسائل أدويةٌ جربتُها في نفسي أعطانيها الفرقان الحكيم، لكن يمكن أن لا يفهمَها الناسُ كما أفهمُها بتمامها! لأن نفسي -بسوء اختيارها- من الرأس إلى القدم ملمّعةٌ بالجروح المتنوعة، فالسليمُ بحياة القلب لا يفهم درجةَ تأثير ا -أمثا في السقيم بلدغ حية الهوى كما يفهمه هو...
وأيضا إني لا أتصرف في السانحات للتوضيح؛ عجزا من التحرير أو خوفا من التغيير. فأكتبها كما سنحت...
وأيضا أتكلم في مكاني، لا في مقام السا ومنه واجه لي -خلافا لسائر المتكلمين الذين يفرضون أنفسَهم في مقام السامعين- فيصير أمام كتابي (الذي) وجههُ إليّ، ومعكوسُه ومقلوبه إلى السامع، فكأنه يقرأ في المرآة فيتعسّر عليه؛ فإذاداتها.هب إلى مقامه، فليرسل هو خيالَه إليّ لأضيّفَه على عيني في رأسي، كي يرى كما أرى.
أدرجتُ في "نقطة وقطرة وذيلها وذرة وشمة وحبة" تفاريقَ حدسيات، وقطعا الحس إذا جاء بإذنه تعالى من يركّبها، بتحرير وتصوير، تظهر مرآةٌ يظهر فيها وجهُ عين اليقين ويتحصل حدسٌ يزهر منه نورُ حق اليقين.. كيف لا، وهو من فيض القرآن المبين!
اَللّٰهمَّ أرناوفُها حقا وارزقنا اتباعَه وأرنا الباطلَ باطلا وارزقنا اجتنابه.. آمين
— 223 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للّٰه عَلٰى دِينِ الإسْلَامِ وَكَمَالِ اْلإيمَانِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلٰى مُحَمَّدٍ الَّذِي هُوَ مَرْكَزُ دَائِرَةِ اْلإسْلَالاص- مَنْبَعُ أنْوَارِ اْلإيمَانِ، وَعَلٰى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ مَادَامَ الْمَلَوَانِ
[٭]: الملوان: الليل والنهار، الواحد ملا.
وَمَا، بعضٍالْقَمَرَانِ.
[٭]: القمران: الشمس والقمر.
اعلم أنه بينما ترى العالَم كتابا كبيرا ترى نورَ محمد عليه الصلاة والسلام مِدادَ قلم الكاتب.. وبينما ترى العالَم يلبس صورةَ الشجرة ترى نورَه عليه الصلاة والسلام نواتَها أولا، وثمرتَها إنسان . وبينما ترى العالَم يلبس جسمَ الحيوان [٭]: أي لو افترض العالم كائنا مجسما ذا حياة ترى.. (ت: ١٩٦) ترى نورَه "عليه الصلاة والسلام" روحَه.. و"وحِّدترى العالم تحوّل إنسانا كبيرا ترى نورَه عليه الصلاة والسلام عقلَه.. وبينما ترى العالم حديقةً مزهرةً ترى نورَه عليه الصلاة والسلام عندليبَه.. وبينما ترى العالم قصرا مزيّنة المدا ذا سرادقات تتظاهر فيها شعشعةُ سلطنة سلطان الأزل وخوارقُ حشمته، ومحاسنُ تجليات جماله، ونقوشُ خوارق صنعته، إذا ترى نورَه عليه الصلاة والسلام نظّارا يرى لنفسه أولا، ثم ينادي بيان حال الناس تعالَوا إلى هذه المناظر النیزيهة، وحَيهلوا [٭]: حيهلوا: اسم فعل بمعنى أقبلوا وعجّلوا وهلمّوا. على ما لَكُم فيه كل شيء من المحبة والحيرة والتنیزّه والتقدير، والتنوّر والتفكر الإيملا يحد من المطالب العالية. ويريها الناسَ، ويشاهِد ويشهَد لهم.. يتحير ويُحيِّرهم.. يُحب ويُحبِّبُ مالِكَه إليهم.. يستضيء ويُضيء لهم.. يسلفَيَّيفيض عليهم..
اعلم أن الإنسان ثمرةُ شجرة الخِلقة. والثمرةُ تكون أكملَ الأجزاء وأبعدَها من الجرثوم، وأجمعَها لخصائص الكل.. وهي التي من شأنها أن "ذي التُسْتَبقى.
ومن الإنسان مَن هو نواةٌ أنبتَ القديرُ جل شأنه منها تلك الشجرة.. ثم صيّر الفاطرُ جل جلالُه ذلك الإنسان ثمرةَ تلك الشجرة.. ثم جعل الرحمنُ تلك الثمرة النورانيةَ نواةً لشجرة الإسلامية.. وسراجا عن الها.. وشمسا لمنظومتها..
— 224 —
وأنه لابد في الثمرة من نواةٍ تشتمل بالقوة على لوازمات شجرةٍ هي مثل أصلها. وأصغريةُ النواةِ لا تنافي أعظميةَ الشجرة، كنواة شجرة التينة..
وأن فالجمهوسان حبةً، لو كان الإنسان ثمرةً، لكانت تلك الحبة نواتَه، ألَا وهي القلب.. فقد رأيتُ فيه بواسطة الاحتياج علاقاتٍ إلى أنواع العالَم، بل إلى أجزائها.. وارتباطاتٍ إلى جميع أنوار الأسماء الحسنى باحتياج شديد وفقر عظيم لتجلي فردٍ فردٍ منها.. حتى كأن لة السرتٍ عدَد أجزاء العالَم، وله أعداء ملءَ الدنيا.. فما يطمئن إلّا بمَن يقتدر أن يُغنيه عن كل شيء، ويحفظه من كل شيء..
ورأيت فيه أيضا قابليةً تمثل مجموعَ العالم كالخريطة والفهرستة والأنمونها معتمثال.. وأن المركز فيه لا يقبل إلّا الواحدَ الأحد.. ولا يرضى إلّا بالأبد والسرمد..
فهذه النواة -وهي حبة القلب- ماؤه الإسلام وضياؤه الإيمان فإن اطمأنتْ تحت تراب العبودية والإخلاصدق الميَت بالإسلام، وانتبهتْ بالإيمان، أنبتت شجرةً نورانيةً مثاليةً من عالم الأمر هي روحٌ لعالمه الجسماني، وإن لم تُسقَ بقت نواةً يابسةً منكمشة لائقةً للإحراق بالنار إلى أن تنقلبَ إلىأنه يو.
وكم في النواة من أعصابٍ رقيقة وأشياءَ دقيقة لا يُبالَى بها، وتُرى أقلَّ من أن يُهتَمّ بها، إلّا أن لكلٍّ منها -إذا انكشفت النواة- وظيفةً مهمةً بحشمة وعظمة.. كذلك لحبةِ القلب خدّام كامنة نائمة إذا انتبهتْ وانبسطتْ بحياة القلب مَا فون في بساتين الكائنات كطيور سيارة، وتنبسط [٭]: أي حبة القلب. بدرجة يقول المرء: الحمد للّٰه على كل مصنوعاته، لأنها كلها لي نِعَمٌ.. حتى إنَّ الفرضَ أو الخيالَ الذي هو من أضعفِ خدَّام فقال:وأهونِهم، له وظيفةٌ عجيبة، يَدخل به صاحبُه المتوكل -وهو في السجن مقيد- في حديقةٍ نزيهة، ويضع رأس صاحبه المتنبّه وهو يصلي في الشرق أو الغرب تحت "الحجر الأسود" ثم يُودع في الحجر الأسود شهادتَي صاحبه..
ومن المشهود أن "البيدر" يدور على ر من زيلأثمار".. والثمرة هي التي تنتَقى وتُستبقى.. فبيدر الحشر ينتظر بني آدم.
اعلم أن لكل أحد من هذا العالم العام عالما خاصا، هو عين العام، لكحانيتهه هو الشخص، بدلَ الشمس. فمفاتيحُ ذلك العالَم في نفس الشخص ومعلّقة بلطائفه.. ولونُ ذلك
— 225 —
العالم وصفاؤهُ وحُسنهُ وقُبحهُ وضياؤه وظلمته تابعةٌ لذلك المركز. فكما أن الحديقة المكم القفي المرآة تابعة في أحوالها من الحركة والتغيّر وغيرهما للمرآة، كذلك عالم الشخص تابعٌ لمركزه الذي هو الشخص كالظل والتمثال. فلا تحسبنّ صِغَر جِرمك سببا لصغر جُرمك؛ إذ ذعالى و قساوة قلبك، تكدّر [٭]: مشتقة من انكدار النجوم أي تناثرها. عليك نجوم عالمك..
اعلم أن هذه ثلاثون سنة، لي مجادلةٌ مع طاغوتين وهما: "أنا" في الإنسان، و"الطبيعة" في العالم. أما هذا، فرأيتُه مرآيريد. ا حرفيا. لكنْ نظرَ الإنسانُ إليه نظرا اسميا قصديا بالأصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ. وأما هذه، فرأيتُها صنعةً إلهيّة وصبغةً رحمانية.. لكنْ نظرَ البشرُ إليها بنظر الغفلة ف كلّ شلهم "طبيعةً" فتألّهتْ عند مادييهم. فأنشأتْ كفرانَ النِّعَم المنجرّ إلى الكفر.
فللّٰه الشكر والحمد وبتوفيق الأحد الصمد وبفيض القرآن المجيد أنتجت المجادلة قتلَ الطاغوا واجعسرَ الصنمين؛ بالنقطة، والقطرة، والذرة، والشمة، والحبة، والحباب.. فتكشَّفتْ الصنعةُ الشعورية الإلهية والشريعةُ الفطرية الربّانية من حجاب الطبيعة الموهومة، وانسلختْ هي منها، أي نهارُها من ليلها. وتَكشّفَ "أنا" عن ظل "هو"، وانشقّ عنه فأشارلأبوابو" إلى مَن: ليس كمثله شيءٌ (الشورى:١١) جلّ جلاله..
اعلم يا "أنا"! لك أمور تسعةٌ في دنياك تعاميتَ عن ماهيتها وعواقبها:
أما جسدُك؛ فكالثمرة اعلمهرة المتزينة صيفا، المنكمشة المتفسخة شتاءً.
وأما حيوانيتُك؛ [٭]: أي حياتك المادية (ت: ١٠٨) فانظر إلى جنس الحيوان كيف يُسرع فيهم الموتُ والزوال.
وأما إنسانيتُك؛ فمترددة بين الانطفاء والاصطفاء ومن الر والبقاء، فاستحفِظْ على ما بقي بما من شأنه أن يبقى بذكر الدائم الباقي.
وأما حياتك؛ [٭]: أي مدة بقائك وعمرك. فكقامتك قصيرةٌ معيّنةُ الحدود لا تقدَّم ولا تؤخَّر، فلا تن الحقولا تحزن ولا تخَفْ عليها ولا تحمّلها ما لا طاقةَ لها به مما تطاول إليه طول الأمل.
— 226 —
وأما وجودك؛ فليس مُلكا لك، فله مالكٌ، الملكُ له وأشفقُ به منك؛ فمداخلتك بغيرحد من مركَ به، فكما أنها من الفضول وشُغل فضولي فكثيرا ما تضر؛ ألا ترى الحرص و(مرق) النوم كيف يفعلان ويجلبان الخيبة والسهر!
وأما مصائبك؛ فلا تمرُّ [٭]: مأخوذة من المرارةها، وإحلاوة. حقيقةً لأنها تَمُرُّ سريعا، بل تحلو لأنها تُحول؛ فتَحوِّلُ وجهَكَ من الفناء في الفاني إلى البقاء بالباقي.
وأما أنت هنا الآن؛ فمسافرٌ ثم مسافرٌ، والمسافرُ لا يَعلّقُ قلبَه بما لا يتعلق به ويفارقه بسرعة. فة بالمتحل من هذا المنیزل في هذا المسجد البتة، كذلك تفارق هذه البلدة قطعا، إما إلى بطنها أو إلى خارجها.. فكما ستفارقها بالضرورة، كذلك تذهب بل تُخرَج وتُطرَدُ -شئتَ أم أبيتَ- من هذه الدنيا الفانية؛ فاخرجْ وأنت عزيز قبلجود الطرد وأنت ذليل.
وأما وجودك؛ فافْدِهِ لمُوجدهِ الذي يشتريه بثمنٍ غالٍ، فسارعْ إلى البيع بل الفداء:
أولا:فلأنه يزول مجانا.
وثانيا:لأنه مالُه وإليه يؤول..
وثالثامن هذه إن اعتمدتَ عليه سقطتَ في العدم، لأنه "بابٌ إليه"، وإذا فتحتَه بالتَّرك وصلتَ إلى الوجود الثابت..
ورابعا:لأنه إذا تمسكتَ به كان في يدك نقطة وجودٍ فقط، ويحيط بك ما لا يتناهى من الأَعدام الهائلة.. الإعجنَفَضْتَ يدك منه استبدلتَ لمعةً بشمس فينقلب محيطُكَ إلى ما لا يتناهى من أنوار الوجود.
وأما لذائذ الدنيا؛ فقِسمتُكَ تأتيك، فلا تَطِشْ في طلبها.. ولزوالها بسرعة لا يليق بالعاقل تعليقُ القلب بها. وكيف ما كانت عاقبةُ دنياك فتركُ اللذ..
لى؛ إذ إما إلى السعادة، وهي تستلزم تركها.. وإما إلى الشقاوة. ومَن ينتظرُ الصَّلبَ كيف يلتذُّ ويَستعذِبُ ما يزيد عذابَه من تزيينات آلات الصَّلب؟ وإن توهمتَ بالكفر العدمَ -العياذ ن وبشعه- فأولى بالترك؛ إذ بزوال اللذة يُحِسُّ ذلك العدمُ الهائلُ ألَمه الأليم آنا فآنا في ضمن زوال اللذائذ، وهذا الألمُ أثقلُ بمراتبَ من لذة الوصال إك أنَّتشعر..
— 227 —
اعلم أن مثلَك -وقد تصيب رأسَك المصائبُ المرماةُ "بالقدر"- كمثل أغنام مُرسَلة في المرعى، يراها الراعي قد تجاوزت، فيرمي الأحجارَ خلفَها لترجعَ، فيقول المُصابُ رأسُه بلسان الحال: نحن تحت أمر الراعي، وهو أعرفُ بنا منا فلنرجع.. فيرجالخرسترجعون..
فلا تكوني يا نفسي أضلَّ من الغنم! فقولي عند المصيبة:
إنّا للّٰه وإنّا الَيهِ رَاجِعُونَ
(البقرة:١٥٦).
اعلم أن من الدليل على أن القلب ما خُلق للاشتغال بأمور الدالجزء دا؛ أنه: إذا تعلق بشيء تعلّق بشدةٍ، واهتمّ به اهتماما عظيما، ويتطلب فيه أبديةً ودواما.. ويفنى فيه فناءً تاما. وإذا مدّ يدَه يَمُدّ يدا تطيق أن تقبضَ على الصخور العظيمة وتَرفَطلاق. مع أن ما يأخذه بتلك اليد من الدنيا، إنما هو تينةٌ أو تبنةٌ أو ريشةٌ أو شعرةٌ أو هباءٌ أو هواءٌ..
نعم، القلب مرآةُ الصمد؛ فلا يقبل حجرَ الصنم بل ينكسرُ به. والعاشقُ المجازي يرى ظُلمَ معشوقه في الأكثن الشمّ: أن المعشوق بفطرته -بلا شعور- يردّ ولا يرضى ما ليس له بحق، وهو ليس بلائقٍ إسكانه في باطن قلب العاشق.
اعلم أن القرآن أُنزل وأُنزلت به مائدةٌ سماوير شيء جد فيها كل أنواعِ ما تحتاج إليه طبقاتُ نوع البشر المتفاوتين في اشتهاء الأفهام.. في المائدة أطعمة مترتبة، قُدِّمَ أولا في وجهِ السُّفرة الإلهية رزقُ الأكثر المطلق والجمهورن الرحم، أي العوام.. مثلا:
أنّ السمواتِ والارضَ كانَتا رَتقاً فَفَتَقناهُما
(الأنبياء:٣٠) الصفحة الأولى: أي هما رتقاوان، أما هذه فنقيةٌ صحوٌ صافيةٌ. وأما تلك فميتة غبراء يابسة. فازدوَجَتا بإذنه تعالى فأولدت ا تجاوطارا وتلك أثمارا. والدليل على هذه الصحيفة:
وَجَعلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شيءٍ حَيّ
(الأنبياء:٣٠).
وخلف هذه الصفحة والصحيفة انفصال السيارات مع شمسها [٭]: وتفصيلها في إشارات الإعجاز لدى تّط البلآية الكريمة: (ثم استوى إلى السماء) (البقرة:٢٩). من عجين المادة التي خُلقَت من نور سيّد الأنام (ص). والآية [٭]: أي الدليل والبرهان. علىلّا ريلصفحة حديث: "أول ما خلق اللّٰه نوري..الخ".. [٭]: العجلوني، كشف الخفاء ١/٣١١ عن جابر بن عبد اللّٰه بلفظ: "قلت: يا رسول اللّٰه بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه اللّٰه قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن اللّٰه تعالى خلق قبل الأشياء نورنها آجمن نوره..." فذكر الحديث بطوله. وانظر: ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٤٧٠.
— 228 —
مثلا:
أفَعَيينَا بالخَلقِ الاَولِ بَل هُم في لَبسٍ منْ خَلقٍ جديد
(ق:١٥) الصحيفة الأولى المقدمة في النظر، أنهم مع إقرارهمة، تصدم الأول الأعجبِ المشهودِ، يستبعدون الخلق الجديد الأهون؛ إذ له مثال سبق. وإن خلفَ هذه الصحيفة برهانا نيرا على كمال سهولة النشر.
أيها المنكرون للحشر.. تُحشَرن المستنشرون في عمركم مرات، بل في سَنتكم، بل في يومكم، تلبسون وتخلعون هذا الجسم كلباسكم صباحا ومساءً يتجدد عليكم جسمكم كلباسكم.
(٭): تفصيله في إشارات الإعجاز في تفسير قوله تعالى: (وبالآخرة هم يوقنون) (المؤللشموسُ اعلم فيا عجبا من بلاهة النفس! ترى في نفسها أثرَ المصنوعية والمملوكية والتربية من طرف ربّ مختار حكيم، ثم تنظر إلى أمثالها من سائر الأفراد والأنواع والأجناس، فيتظاهر سرُّ كلّيا يقولاعدة وشمولِ الفيض، وتحلُّبِ نوعِ إجماعٍ وتصديق فعلي، فكان لازما عليها أن تطمئن بتفطنِ سرِّ: "كلية القاعدة ودستورية الحادثة". والحال أنها تتخيل ما يقوي تجليات الأسماء عليها من عموم تجلياتهالا يستئرة الآفاق سببَ الضعف وواسطة التستر وأمارة الإهمال وعلامةَ أنه لا رقيب عليها فتقول: اتسعَ فامتنع.. عَظُم فَعُدِم. فهذه مغلطة يخجل منها الشيطان أيضا.
اعلمي! أيتها النفِب ما ضجرة القلقة.. أن كل أحوالك في التعين، والنقش في جبهتك بقلم القَدر، كطلوع الشمس وغروبها. فإن أردتِ أن تضربي سندان القَدر برأسك العليل، فتضجّري. واعلمي يقينا، أن من لا يستطيع أن ينفذَ من أقطار السماوات والأرض، لابد أن يللمكوّاء محبةٍ بربوبيةِ مَن:
خَلقَ كلَّ شيءٍ فَقَدَّرهُ تَقديراً
(الفرقان:٢).
اعلم لو كان صانعُ الشيء في الشيء لناسَبه، ولَتَنَوعَ بعدد الأشيا تدل عا لم يكن فيه فلا، كهذا الكتاب: يُكتب بقلم واحد مع أنه لا يُطبع إلّا بحديدات مصنوعة، موضوعة تحته عدد حروفه، ولو تَنَبَّتَتْ نقوش الصنعةِ المتقنة في شيء منه وتحلّبت ثمراتُها وترشحت حرن الانمن نفسه وإمكانه، لانبثتْ وانتثرتْ وانتشرتْ ولخرجت عن الانتظام. لكن فيها استقرار تام وانتظام كامل فلم ينكتب نقشُ الشيء منه ولن ينكتبَ منه أبدا، بل يُكتب عليه بقلم القُدرة على مِسطَر القَدَر.
— 229 —
اعلم ومن الغراَنْ يَالعقلَ الذي يتطاول إلى الإحاطة بالعالم والنفوذ إلى الخارج والخروج من دائرة الإمكان، يغرق في قطرة.. ويفنَى في ذرة.. ويغيب في شعرة.. وينحصر الوجود عنده فيما فني فيه.. ويريد أن يُدخلَ معه كلَّ ما أحاطين المي النقطة التي بَلَعته. [٭]: نعم، إن أكبر فلاسفة الأرض عقلا يغرق في قطرة من الألم، ويفنى في ذرة من المحبة، ويغيب في شعرة من السرور، وينحصر الوجود عندُ تعاوحظة فناء باهتماماته، ويجهد أن يسحب معه كل معارفه الوجودية إلى عمق النقطة التي ابتلعته.
اعلم أنه لو كان المُلك لك لتنغّص عليك التنعمُ بتكلف التعهّد والتحفَالشَّخوف. والمنعمُ الكريم يتعهد كل لوازمات النعمة.. وما يفوِّض إليك إلّا التنعمَ والتناول من سُفرة إحسانه، والشكرَ الذي يزيد لذةَ النعمة.. إذ الشكر؛ رؤيةُ الإنعام في النعمة. ورؤية الإنعام تزيل ألمَ زوال النعمة؛ إذ تزولُ النعُ أعظمنئذٍ فلا تعطي موضعها للعدم حتى تُؤلِم، بل تُخلي الموقعَ لمجيء المِثل كالثمرة، فتعطيك لذةَ التجدد.
وآخرُ دعْويهُم اَنِ الحمدُ للّٰه رَبّ العَالميمال النس:١٠) يدل على أن الحمدَ عينُ اللذة. نعم، إن سرَّ الحمد؛ رؤيةُ شجرةِ الإنعام في ثمرة النعمة. فيزول ألمُ تصوّر الزوال فيُلتَذ بنفس الحمد..
اعلم أن المعلومات الآفاقية لا تخلو عن الأوهام والوساوس. وأما إذا استندتد مَن لأنفس واتصلت بالوجدانيات المشعورة بالذات، تصفّت عن الاحتمالات المزعجة. فانظر من المركز إلى المحيط، ولا تعكس فتنتكس.
اعلم أن هذه المدنية السفيهة المصيّرةَ للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلُها ويتناجَون بالإثم وما لا يعني [٭]رين لكلا يعني من الأمور التي تلهي الإنسان. بالجرائد صباحا ومساءً، غَلُظَ بسببها وتكاثفَ بملاهيها حجابُ الغفلة، بحيث لا يُخرَق إلّا بصرفِ همةٍ عظيمة. وكذا فَتحتْ لروح البشر منافذَ غير محدودة نظّارة إلى الدنيا يتعذّر سدُّها إلّا لمن خصّه امَعهُ بلُطفه..
اعلم أن الذرة تسعُ الشمسَ بتجليها فيها بالمشاهدة ولا تسع تلك الذرةُ ذرتين بالذات بالبداهة، فذراتُ الكائنات ومركباتها -كقطرات المطر ورشاشاتها المتشمسة المتلألئة بتماثيل الشمس- قابلةٌ لأن تصير مظاهرَبي، وغت تجليات القدرة النورانية الأزلية المطلقة المحيطة المستندة بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين.. ولا يمكن أن تكون ذرةُ حُجيرةِ عينك منبعا ومعدنا لقدرةٍ وشعور وإرادة تتحمل وظائفها العشرة من
يضا ورَدَمتها في الأعصاب المحركة والحساسة والأوردة والشرايين والإبصار والتصوير وغيرها مما يتيه فيه الفكر.
فهذه الصنعة المتقنة العجيبة، والنقش المزين المنتظَم، والحكمة العميقة الدقيقة، تقتضي قطعا:
إما أن يكون كل ذرة وكل مركب في اللبي من معدنا ومنبعا ومصدرا لصفات محيطة مطلقة كاملة.
وإما أن يكون مظهرا ومعكِسا ومجْلًى للمعاتِ تجلياتِ شمس الأزل الذي له هذه الصفات.
والشِّق الأول فيه محالاتٌ بعدد ذرات الكائنات ومركباتِهادام أنجاز عنده أن يحمل على جناحَى نحلةٍ جبلي "سُبحانْ وآرارات" [٭]: جبلان يقعان شرقي تركيا. وأن ينبع من عيني بعوضة "النيل والفرات"، فليذهب إلى الشق الأول؛ فتشهد كلُّ ذرةٍ -بِعَجزها عن تحمّل ما لا طاقة لها به- أنه: لا موجدَ ولا خالقَ ولا رب ولا مال كما يقيوم ولا إله إلّا اللّٰه. وكل ذرات الكائنات ومركباتها بألسنتها المختلفة ودلالاتها المتنوعة تتكلم بی:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
[٭]: لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الألتواتري٤١٧؛ البحر المديد لابن عجيبة ٤/١١٣؛ البرهان للزركشي ٢/١٦٠.
نعم، إن كل حرف من كتاب الكائنات، يدل على وجود نفسه بوجهٍ واحدٍ، وبمقدار حرف، لكن يدل على كاتبه وصانعه بوجوه كثيرة. وينشدُ عشرين ائه المتجلية عليه قصيدةً طويلة:
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلإِ الأعلى إلَيكَ رَسَائِلُ
[٭]: لرجل نحوي مشهور يُعرف بركن الدين بن القَوْبَع (ت ٧٣٨ هی) - (قول على قول ما إذا للكرمي).
اعلم [٭]: الغصن الرابع من "الكلمة الرابعة والعشرين" تفصّل هذه المسألة. أن مرايا التجليات متنوعة منها: الزجاج، والماء، والهواء -لاسيما للكلمات- وعالم المثال، والروح، والعقل، والخيال، والزمان. عات وا مما لا نعلم أو لا تعلم.. وتماثيل الماديات الكثيفة في المرايا [٭]: أي صورها المرتسمة في المرايا، كما سيأتي. منفصلة حُكما، وأمواتٌ حقيقةً.. وليس لها خاصية الأصل.. وغيرٌ
— 231 —
للأصل أيضا، بدليل انتقالها إلى الفطوغراف، دولكِ الرانية الخالصة، وفي غير الخالصة تنتقل هويةُ صورتها المادية فقط.
وأما تماثيل النورانيات فمتصلةٌ حُكما، ومرتبطةٌ حقيقة، ومالكةٌ لخواصّ الأصل، وليستْمين! آله. فلو جَعل الفاطرُ جلّ جلاله حرارةَ الشمس حياتها، وضياءها شعورَها، وألوان الضياء حواسَّها؛ لتكلمت الشمسُ معك في قلب مرآتك التي في يدك، كتلفونك ومرآة قلبك. صير
(لها الذي في يدك له أيضا بمقدار استعداده حرارةُ حياةٍ، وضياءُ شعورٍ، وألوانُ حواسٍّ. ومن هذا السر يطّلع النبي (ص) الذي هو النور النوراني على صلواتِ كلِّ مَن صلّى عليه في آن واحد. ومن هذا السر ينفتح مغلقات أسرارع غض ا: إيضاحها في "اللوامع" - أقسام التمثلات مختلفة - من مجلد "الكلمات".
اعلم أن "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه" يتضمنان التوصيفَ بصفات اللّٰه: الجلالُ بالأول.. والجمال بالثاني. فی"سبحان اللّٰه" ينظر إلى بُعد العبد والممكن عن اللّالته ماجب الوجود العلي العظيم. و"الحمد للّٰه" ينظر إلى قُرب اللّٰه بالرحمة واللطف إلى العبد ومخلوقاته. فكما أن الشمسَ قريبةٌ منك تُوصل حرارتَها وضياءها إليك وتتصرف فيك بإذن خالقها، الذي صيّرها مرآةً لجلوة اسمه "النور" وظرفا لنِعَمه التي ى طور.رارة والضياء مع أنك بعيدٌ عنها لا يصل يدُك إليها، وأنت بالنسبة إليها قابلٌ فقط لا فاعلٌ ولا مؤثر.. كذلك - وللّٰه المثل الأعلى - إن اللّٰه جلّ جلاله قريبٌ مصّلتَ مده، ونحن بعيدون عنه فنسبّحه. فأحمدْه وأنت تنظر إلى قُربه برحمته. وسبّحه وأنت تنظر إلى بُعدك بإمكانك. ولا تخلط بين المقامين، ولا تمزج بين النظرين، لئلا يتشوش عليك الحقُّ والاستقامة. لكن يمكن لك -بشرط عدم الالتباس والمزج- أن تنظر إلى القرب في جزام الُعد.. وإلى وجه البُعد في جهة القرب.. وإلى الوجهين معا فتقول: "سبحان اللّٰه وبحمده"..
اعلم يا طالب الدنيا! لابد أن تتركها [٭]: وتركها يعنى: أنهُ وَا اللّٰه، يُنظر إليها بإذنه وباسمه (المقام الثاني من الكلمة السابعة عشرة من مجلد الكلمات). لأمور أربعة:
أولا:فلأنها سريعة الزوال، وألمُ الزوال مذلّ ومزيل للذة الوصال.
وأما ثانيا:فلأن لذائذَها منغَّصة . فالإ مقارِنة وأكدارٍ متعاقبة.
— 232 —
وأما ثالثا:فإن ما ينتظرك وأنت تذهب إليه بسرعة بلا انحراف من القبر الذي هو باب إلى الآخرة، لا يقبل منك مزيَّنات الدنيا هديةً، إذ تنقلب هناك قبائح.
وأما رابعا:فوازنْ بين سكونك ساعة في موقع بين الأعدررُ تومؤذيات والحشرات المضرة، وبين السكون في سنين كثيرة في موقع آخر قد اجتمع فيه كل أحبابك وكل عظمائك. ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك القلم مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ اللّٰه قبل أن تُساق إليه بالسلاسل.
فسبحان اللّٰه ما أعظمَ فضلَ اللّٰه على الإنسان يشتري بثمنٍ غالٍ من الإنسان مالا له وديعةً عند الإنسان ليحمله عا يَابيبقيَه له.. ويحميَه مما يفسده. مع أن الإنسان إنْ تَملَّكَه ولم يبعْه وقع في بلاءٍ عظيم في تعهّده بقدرة لا تكفي -من ألوف مصالحه- بواحد.. ولو تحمله بنفسه على ظهره لأنقض ظهرَه. ولو أمسكه بنفسه لزال سريويرى مب مجانا وفني مورثا لآثامه وأثقاله على مالكه الكاذب.
اعلم أنه إنني مصداق لما قيل:
وعيني قد نامت بليلِ شبيبتي ولم تنتبه إلّا بصُبح مَشيب
[٭]: انظر: ابو العباس المقري، نفح الطيب ٤/٣٤٢، ٧ح والث
إذ أشدُّ أوقات انتباهي في شبيبتي، رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي! فالمتنورون المتنبهون في عُرف المدنيين كانتباهي فيما مضى، مَثَلُهم كمثل مَن رأى في رؤياه أنه انتبه وقصَّ رؤياه على بعض ِنُ ال والحال أنه بهذا الانتباه مرّ من طبقة النوم الخفيفة إلى الطبقة الكثيفة. فمَن كان هكذا نائما كالميت كيف يوقظ الحي الناعس، وكيف يُسمع الناعسَ ما يتكلم به من وراء حُجب نومه المضاعف!
أيها المتنبّهون النائمون! لاعيا بَّبوا إلى المدنيين بالمسامحة الدينية والتشبّه، ظنا منكم أنكم تَصيرون جسرا بيننا وبينهم، وتملأون الواديَ بيننا. كلّا، إن المسافة بين المؤمنين والكافرين غيرُ محدودة، والوادي بيننا في غاية الع إنه لتملأونه، بل تلتحقون بهم أو تضلّون ضلالا بعيدا!
اعلم أن في ماهية المعصية [٭]: توضيح هذه المسألة في اللمعة الثانية من "اللمعات". -لاسيما إذا استمرت وكثرت- بذرَ الكفر.. إذ المعصية
— 233 —
تُولِد أُلفةً معها وابتلاءً بها، بل تصيرابد لط دواؤها الدائمي نفسُها، فيتعذر تركُها. فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، فتستمر هذه الحال حتى تنجر إلى إنكار العذاك ذوقي دار العقاب. وكذا إن خجالة المعصية -بغير الندامة والقلع- تُلجئ صاحبَها إلى إنكار كون المعصية معصيةً، وإنكار مَن يطلع عليها من حَفَظة الملائكة وغيرها.. فمِن شدة الخجالة يتمنى عدمَ الحساب.. فإن صادف وهلامٌ بيه، تلقّاه برهانا.. وهكذا إلى أن يسودّ القلبُ، العياذ باللّٰه..
اعلم [٭]: اعتمدنا في تحقيق هذه الفقرة على ما جاء في القطرة الخامسة من الرشحة الرابعة عشرة وعلى الطبعة الأولى من الكتاب.على ال لمعات معجزات القرآن كما في "اللوامع" [٭]: "اللوامع" -بيان موجز لإعجاز القرآن- من "الكلمات". المشتملة على الإشارة إلى أربعين نوعا من إعجازه، ومن كمال بلاغته: أنه جمع السلاسةَ الراعى عظيالسلامةَ الفائقة، والتساندَ المتين، والتناسبَ الرصين، والتعاون بين الجمل وهيئاتها، والتجاوبَ بين الآيات ومقاصدِها بشهادة علم البيان وعلم المعاني، مع أنه نزل في عشرين سنة منجَّما لمواقع الحاجا مَحْضا متفرقا متقاطعا بتلاؤم كأنه نزل دفعةً.. ولأسباب نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند، كأن السببَ واحدٌ.. وجاء جوابا لأسئلة مكرّرة متفاوتة، مع نهاية الامتزاج والاتحاد، كأن السؤال واحدٌ.. وجاء بيانا لحادثاتِ أحكامٍ مخالفة متغايرة، مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة.. ونزل متضمنا لتنیزلات إلهية في أساليبَ تناسب أفهام المخاطَبين، لاسيما فهم المنیزَل عليه عليه السلام، بحالات في التلقي متنوعةٍ متخالفة، مع غاية التماثل والسلاسة، كأن الحالةَ واسابقِ وجاء متكلما متوجها إلى أصنافِ مخاطبين متعددةٍ متباعدة، مع سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام كأن المخاطَب واحد، بحيث يظن كلُّ صنف كأنه المخاطَب بالأصالة.. ونزل مُهديا وموَيّ الاياتٍ إرشادية متدرجة متفاوتة، مع كمال الاستقامة والنظام والموازنة كأن المقصد واحد؛ تدور تلك المقاصد والغايات على الأقطاب الأربعة: وهي "ال بلا ح والنبوة، والحشر، والعدالة". فبسر امتلائه من التوحيد، الْتَأَمَ وامتزج وانتظم واتّحد.
ومن كان له عين في بصيرته، يرى في التنیزيل عينا ترى كلَّ ا والاسكصحيفة مبصَرة واضحة.. وقد جاء مكررا ليقرِّر.. ومردّدا ليحقق قصصا وأحكاما. مع أنه لا يُمِلُّ تكرارُهُ،
— 234 —
ولا يُزيل عَوْدُهُ ذَوْقَه ولا يُسئِمُ تردادُهُ. كلأركان ر حقّق وقرّر، بل ما كررته تحلو وتفوح أنفاسُ الرحمن منه "إن المسك ما كررته يتضوّع". [٭]: وينسب إلى الإمام الشافعي: أعِد ذِكر نُعمانٍ لنا إنّ ذكرَه هو المسكُ ما كرّرته يتضوّع. وكلما استعدتَه استَلذْتَه؛ إن كان لك ذوق سليم بقلما يباسقيم. والسر فيه: أنه قُوتٌ وغذاءٌ للقلوب، وقوة وشفاء للأرواح. والقوتُ لا يُمِلُّ تكرارُه.. فمألوفُه آنَسُ وألَذّ، خلافَ التفكّه الذي لذتُه في تجدده، وسآمتُه في تكرره.
وكما أن الإنسان في حياته المادية يحتاج في كل آنٍ إلى الهواء، وفانِ وَقتٍ إلى الماء، وفي كل يوم إلى الغذاء، وفي كل أسبوع إلى الضياء، في الأكثر.. فتتكرر هذه الأمور لتكررّ الحاجات، فلا تكون تكرارا.. كذلك إن الإنسان بجهة حياته الروحانية أيضا؛ يحتاج إلى أنواع ما في القرآن؛ فإلى بعضٍ في كل دقيقة بل في آنٍ سيال ُه ومنو.. اللّٰه" فبه يتنفس الروحُ.. وإلى بعضٍ في كل ساعة كی: "بسم اللّٰه".. وإلى بعض في كل وقت.. وإلى بعض في كل زمان متدرجا بدرجات الاحتياج، فيكرر القرآن على ما تقتضي حياةُ القلب تكرارَه.
مثلا:"بسم اللّٰه" والموء النسيمي يطهِّر الباطن داخلا ويثمر خارجا في نَفْسِك كَنفَسِك في جسمك.. وأيضا في تكرار القرآن بعضَ الحادثات الجزئية إشارةٌ إلى أن الحادثة الجزئية تتضمن دستورا كليا، كما أشرتُ إلى بعضٍ من جمل قصة "موسى" عليه السلام التي هي أجدى من تفاريق العص بحصول]: مثل يضرب فيمن نفعه أعمّ من غيره. (مجمع الأمثال ١/٣٧)
والحاصل:
أنَّ القرآن الحكيم كتابُ ذكر، وكتابُ فكر، وكتاب حُكم، وكتاب علم، وكتاب حقيقة، وكتاب شريعة، وشفاء لما في الصدور، وهدًى ورحمةٌ للمؤمنين.
اعلم أن من أعاجيب فطرة الشيءٍ مفي وقت الغفلة، التباسَ أحكام اللطائف والحواسّ.كالمجنون الذي يصل نظرُه إلى شيء، فيمدّ يدَهُ إليه ظنّا منه -لمجاورة العين لليد- أن ما يحصل بتاك، يحصل بهذه أيضاى رؤوسنسان الغافل الذي لا يصل يدُ اقتداره إلى تنظيم أدنى جزء من أجزاء نفسه يتطاول بغروره وبوسعة خياله إلى الحكم والتحكم في أفعال اللّٰه في الآالمحدو وكذا من أعجب فطرة البشر أن أفراده، مع تقارب درجاتها في الصورة الجسمية، تتفاوت معنًى بدرجات، كما بين الذرة إلى الشمس إلى شمس الشموس خلافا لسائر الحيوانات؛
— 235 —
إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطي بوجوهارب في قيمة الروح؛ فكأن الإنسان الذي قام من "مخروط الكائنات" في حاق الوسط، [٭]: الحاق: الوسط، والكامل في الشيء. منه إلى الذرة ومنه إلى شمس الشموس سواء؛ إذ لم يلَدَاً قواه ولم تُقيّدْ، أمكَنَ له أن يتنیزل ويتسفل "بالأنانية" إلى أن يكون هو والذرة سواء؛ وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك "أنا" ويتصاعدَ بإذنه تعالى إلى أن يصيرَ بفضل اللّٰه كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام.
اعلم أن الأصل في الشيءر ذهب ء، حتى إن الأمورَ السيالة السريعةَ الزوالِ -كالكلمات والتصورات- لها أيضا مواضعُ أُخر يتحصنون فيها من الزوال. لكن يتطورون في الصور، حتى كأن الأشياء موظفون لحفظ الشيء إما بتمامه كالنوراني، أو وجهٍ من الشيء، يسارعون بكمال انظر كام لأخذه ووضعه في قلوبهم الشفافة.
والحكمة الجديدة تفطنت لهذا السر لكن بلا وضوح، فلهذا أخطأت بالإفراط فقالت: لا عدمَ مطلقا، بل تركُّبٌ وانحلال. [٭]: انظر خاتمة اللمعة الثالثة والعشرين "الطبيعة"، ففيها التوضيح الشافي لهذه المسألة. كلا! بل تث بمثاصُنعه تعالى.. وتحليل بإذنه.. وإيجادٌ وإعدام بأمره.. يَفعَلُ مَا يَشاءُ ويَحكُم مَا يُريدُ.
اعلم أيها السعيد الشقي! إن القبرَ بابٌ باطنه فيقولة، وظاهره من قبله العذاب.. وأَوِدَّاؤك ومَن تحبُّه، أكثرهم -حتى كلُّهم- ساكنون خلف هذا الباب. ألَمْ يأنِ لك أن تشتاق إليهم وإلى عالَمِهم.. فَتنظَّفْ، وإلّا استقذروك.
لو قيل لك مثلا: إن "الإمام الربّاني أحمد الفاروقي" قُدس سره، س إليه آن في الهند، لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته. مع أن تحت اسم أحمد فقط ألوفَ نجوم حول شمسِ مَن في الإنجيل اسمه "أحمد" وفي التوراة "أُحيد" وفي القرآن "محمد".. وتحت اسم محمّد ملايين.. وهكذا كلهم خلف باب الإتقافي رحمة اللّٰه ساكنون.
فلابد أن يكون نصب عينك دائما "هذه الأساسات" وهي:
(١) إن كنتَ له تعالى كان لك كلُّ شيء، وإن لم تكن له كان عليك كلُّ شيء.
(٢) وكلُّ شيء بِقَدَوسْعَترضَ بما آتاك تزد يُسْرا على يُسْرٍ، وإلّا زدْتَ مرضا على مرض.
— 236 —
(٣) المُلكُ له، ويشتريه منك ليبقيَه لكَ.. ويزولُ مجانا لو بقي عندك.
عد يومنت فقيرٌ إليه من كُلِّ وجهٍ.
(٥) وأنت مقيّدٌ بجهات أربع مسدودة. تُساق إلى باب القبر المفتوح لك.
(٦) لا لذةَ للقلب حقيقةً فيما لا دوام فيه؛ تزول أنتَ، وتزول دنياك، وتزَها واا الناس.
(٧) وستُنْزَع من الكائنات هذه الصورة. وسيُخلَع عليها أخرى. كالثانية، والدقيقة، والساعة، واليوم.. كأن الكائنات ساعة كبرى، كما آن واح "النكتة الرابعة من الكلمة التاسعة".
(٨) فلا تهتم بما يبقى لك أثرا في الفاني ويفنى عنك في الباقي.
(٩) ولا تنظر من بُعدِك وخستك ومن عظمته وعزته تعالى -ونقطة نظرك هفسّر تيثية- إلى تصرفاته وتنیزّلاته برحمته ونعمته؛ إذ حينئذٍ لا يليق إلّا التسبيحُ.
(١٠) ولا تنظر من حيثية قربه وإحاطته بعلمه ورحمته، ومن مخلوقيتك ودخولك في عنايته وكرمة الاح صفات جلاله، لئلا تستهوي بك الأوهامُ والأهواءُ.
فسبحان من تقدستْ وتنیزهتْ عن أن تحيط به الأفكارُ والعقول، والحمد للّٰه الذي وسعت رحمتهُ كلَّ شيء.. لا إلهَ إلّا اللّٰه وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُا ما لهُ الحمدُ يُحيي ويُميت بيدهِ الخَير وهوَ على كلِّ شيء قدير..
اعلم أن مَن في قلبه حياةٌ إذا توجه إلى الكائنات يرى من عظائم الأمور ما لا يحيط به ويَعجز عن إدراكه ويتحيّر فيه، لّا بدشفِّي من ألم الحيرة يشتاق إلى "سبحان اللّٰه" كتعطش العليل الغليل إلى الماء الزلال.. ويرى من لطائف النِّعم واللذائذ ما يُجبرهُ على إظهار تلذذه ين أنا تلذذه واستيزاد لذته بالدوام برؤية الإنعام في النعمة، والمنعِم في الإنعام بعنوان الحمد، فيتنفس بی"الحمد للّٰه" كما يتنفس المظفر السالم الغانم.
ويرى من عجائب المخ، فتصيوغرائبها ما لا يطيق مقاييسُ عقله وزنَها ويضيق ذهنُه عن محاكمتها، وحسُّ تجسس الحقيقة يُشغله بها، فينادي: "اللّٰه أكبر" فيستريح. أي خالقها أعظمُ وأكبرُ فلا يثقُل عليه خلقُها وتدبيرها، كمثل من يرى القمرَ يدور حوله لك الق ألمُ
— 237 —
تعجب، أو خروجَ جبل بالزلزلة فيتدهش فيكبّر، فيلقى عن ظهره أثقالَ العَجب والتدهش على سفينة القدير القوي المتين جلّ جلاله..
اعلم أنك بسيئاتك لا تضر اللّٰه شيئا إنما تضر نفسك. مثلا: ليس في الخارج [٭]لمجصوصي الواقع والحقيقة (ت: ١١٨). شريكٌ حتى تقوّيه باعتقادك فتؤثّرَ في كمال ملكهِ تعالى، بل في ذهنك وفي عالمك فقط. فيخرّب بيتك على رأسك..
اعلم أنه من توكّل على اللّٰه فهو حسبه.. فقل: "حسبي اللّٰه ونعم الوكيل":
فأولا:لأنه الكامل المطلق، ٭
#93لُ محبوب لذاته وتُفدَى له الأرواحُ.
وثانيا:لأنه محبوب لذاته وهو المحبوب الحقيقي، والمحبة تقتضي الفداء.
وثالثا:لأنه الموجودُ الواجبُعضاء يربه أنوارُ الوجود.. وببُعده ظلماتُ العَدَمات، وألمٌ أليم في أُفول آمال الروح الإنساني.
ورابعا:لأنه الملجأ والمنجا للروح الذي ضاقت عليه الأكوانُ، وآلمَته مزخرفات الدنيا، وعادَتْهُ الكائئت فانأُنقض ظهرُه تحت الشفقة اليتمية والمرحمة المأتمية..
وخامسا:لأنه الباقي الذي به البقاء، وبدونه الزوال، وكلُّ العذاب في الزوال. وبدونه يتراكم على الروح آ.. حمدعدد الموجودات، وبه يتظاهر على المتوكل أنوارٌ بعددها..
وسادسا:لأنه المالك يحمل عنك مُلكه الذي عندك، إذ لا تُطيق حملَه، فبتوهم التملّك تقعُ في عذاب أليم أليم. فلبقائه ودوام إنعامه لا تغتمَّ بفناء ما في يدك، كما لا تحزن الحَباباتُ
كذمسة بالتحول والانحلال. فلإظهار تجددات تجليات الشمس يَفدي الحَبابُ صورتَه بكمال النشاط بل يموت وهو يضحك. وكما لا تغتم الثمرات بفراق الشجرة ولا النواة بانحلال الثمرة ولا أنت بزوالها إذ تقولون [٭]: أنت والنواة والثمرة. فلتحيا الشجرمان واي حياتها موتُنا حياةٌ.
يا هذا! أنت ثمرة إنعاماته بل مجسَّمُ إنعاماته.
وسابعا:لأنه الغني المغني وبيده مقاليد كل شيء، إذا صرتَ عبدا خالصا له، ثم نظرت
— 238 —
إلى الكائنات تراها مُلكَ مالكك وحِشمته وحواشيه فتتنیزّه بها، كأنهابر مون لك بل أعلى، بلا كلفة ولا ألم زوال.. إذ الخادمُ الخالص للمَلِك والفاني في محبته يفتخر بكل ما للمَلِك.
وثامنا:لأنه ربّ الأنبياء والمر رحمتَالأولياء والمتّقين وكلّهم مسعودون في رحمته، فعِلْمك بسعادتهم يعطيك في شقاوتك سعادةً ولذةً إن كنتَ ذا قلب.
اعلم أنه لا يليق بك إن كان لك عقلٌ سليم أن تهتم وتغتم وت المثاتصخب لما يأتيك أو يفوتُك من أمور الدنيا، لأن الدنيا تزول لاسيما دنياك، ولاسيما أنت؛ إذ لست بأبديّ هنا، ولستَ من حديدٍ ولا شجر حتى يطولَ بقاؤك، بل من لحمٍ متجدّد ودمٍ متردد وروابط في غاية رقة تتأثر بأدنى شيء. وقد عقلُكتلك، وينجمد هذا، ويتفسخ ذلك باختلال ذرتين، ولاسيما تَنفسَ فيك صبحُ المشيب وكَفّنَ نصفَ رأسك.. ولاسيما تضيّفَتْ بل توطنت فيك العللُ التي هي طليعة الموت، والأمراضُ التي هي مخالبُ هادم اللذات، مع أن أمامك شيءٍ أبديا ألقيتَه خلفك ظهريا، إنما ترتّبت راحته على سعيك هنا، مع أنك في حرصك وشَرهِك كمَن هو خالد وخَلُدَت له الدنيا خاصة.. فانتبه قبل أن تُنبّهك سكراتُ الموت..
اعلم أنك إذا توجهتَ إليه تعالى بعنواننية الوم والمعروف يصير لك مجهولا ومنكرا، إذ هذه المعلومية والمعروفية نتيجةُ الأُلفة العُرفية والتسامع التقليدي، والتداول الاصطلاحي، وهي لا تغني من الحقيقة شيئا؛ بل ما يْرَةِ لك فيها مقيد لا يتحمل الصفات المطلقة. بل إنما هو نوع عنوان لملاحظة الذات الأقدس..
وأما إذا توجهتَ إليه بعنوان الموجود المجهول، تكشّف لك عن أشعة المعروفية.. وعن بُروقِ شروقِ موصوفٍ لا تَثقل ولا تتعاظم عليلا تأتالصفاتُ المطلقة المحيطة المتجلية في الكائنات، كما لا يثقل عليك حملُ قميصك من الحرير الرقيق ومنديلِك من الخز المنمنم. [٭]: الحرير المنقش.
اعلم كفاك فخرا بلا نهاية -لا كفخرك بكمال كبرائك- أن يكون لك مالكٌ قدير على ، ومن . ومن اقتداره -وهو هو الذي السماواتُ مطويات بيمينه، والأرضُ قبضته يوم القيامة- أنه يربيك بشفقةٍ أتمّ من شفقة أبويك، وأنت أنت: كقطرة في بحر، والبحر كنقطةٍ في صحراء، والصحراء كذرة بين عظائم مصنوعاته؛ إلا حساور الأنوار العالِمُ بالأسرار.. وليس
— 239 —
من عظمة السلطان الإنساني عدم اشتغاله بتفاصيل جزئيات الأمور، بل من عَجزه وعدم اقتداره.. ومن عظمة سلطان الأزل أنهزاق الكتب بقلم صُنعه على صحيفة السماء بمداد النجوم الدراري آياتِ ألوُهيته، كذلك يكتب بذلك القلم على صحيفة سواد العين بمداد الجواهر الفردة آياتِ ربوبيته...
فسبحان مَن هذه الأجرامُ العلوية والكواكب الدريَّة نيّراتُ براهين أُلُوهيقات رعمته، وهذه المصابيح المزينة والنجوم المتبسمة شعاعاتُ شواهد ربوبيته وعزته جلّ جلاله.
اعلم أن الأسماء الحسنى كلٌّ منها يتضمن الكلَّ إجمالا، كتضمن الضياء للألوان السبعة.. وكذا كلٌّ منها دليان، لهكلّ منها، ونتيجةٌ لكلٍّ منها، بينها تعاكسٌ كالمرايا. فيمكن ذكرُها كالقياس الموصولِ النتائجِ متسلسلا، وكالنتيجة المترتبةِ الدلائلِ. إلا أن الاسمَ الأعظم الواحدَ يتضمن الكلَّ فوق لغير اتضمن العام. فيمكن للبعض الوصول إلى نور الاسم الأعظم بغيره من الأسماء الحسنى. فيتفاوت الاسم الأعظمُ بالنظر إلى الواصلين. واللّٰه أعلم بالصواب.
— 240 —
تضرّع و(نِياز)
إلهي لازمٌ عليّ أن لا أُبالي ولو فاقرآن محياةُ الدارين وعادَتْني الكائناتُ بتمامها؛ إذ أنت: "ربي وخالقي وإلهي".. إذ أنا مخلوقُك، ومصنوعُك، لي جهةُ تعلّقٍ وانتساب، مع قطع نهايةِ عصياني منشئ ِ بُعدي لسائر روابط الكرامة. فأتضرع بلسانِ مخلوقيتي:
يا خالقي! يا ربي! يا رازقي! يا مالكي! يا مصوري! يا إلهي!
أسألك بأسمائك الحسنى واسمك الأعظم، وبفرقانك الحكيم وبحبيبك الأكرم، ور ومسا القديم، وبعرشك الأعظم، وبألفِ ألفِ قُل هُوَ اللّٰه أحدْ ارحمني يا اللّٰه، يا رحمنُ، يا حنّانُ، يا منّانُ، يا ديّانُ.. اغفر لي يا غفّارُ، يا ستّارُ، يا توّابُ، يا وهّا نظر إعفُ عني يا ودودُ، يا رؤوفُ، يا عفوّ، يا غفورُ.. اُلطف بي يا لطيفُ، يا خبيرُ، يا سميعُ، يا بصيرُ.. وتجاوز عني يا حليمُ، يا عليمُ، يا كريمُ، يا رحيمُ..
اهدنا الصّراطَ المستَقيم..
يا ربُ، يا صمدُ، يا هادي.. جُرها ثمَ بفضلِكَ يا بديعُ، يا باقي، يا عدلُ، يا هو.. أحيِ قلبي وقبري بنور الإيمان والقرآن يا نورُ، يا حقُّ، يا حيُّ، يا قيّومُ، يا مالكَ الملكِ يا ذاتفيض ول والإكرام، يا أوّلُ، يا آخرُ، يا ظاهرُ، يا باطنُ، يا قوّيُ، يا قادرُ، يا مولايَ، يا غافرُ، يا أرحمَ الراحمين.. أسألك باسمك الأعظم في القرآن.. وبمحمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سِرُّكَ الأعظم في كتاب العالم أن تفتحَ من هذه الأسماء ال. الحمواتٍ مُفيضةً لأنوار الاسم الأعظم إلى قلبي في قالبي، وإلى روحي في قبري.. فتصير هذه الصحيفة كسقف قبري، وهذه الأسماء ككوات تُفيضُ أشعة شمسِ الحقيقة إلى روحي.إلهي أتمنى أن يكون لي لسانٌ أبدي ينادي بدوير، أسماء إلى قيام الساعة، فأقبلْ هذه النقوش الباقية بعدي نائبا عن لساني الزائل.
اَللّٰهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ صلاةً تُنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، جَمِيللنا بها جميعَ الحاجات، وتُطهّرنا بها من جميع السيئاتِ، وتغفرُ لنا بها جميع الذنوب والخطيئات..
يا اللّٰه، يا مجيبَ الدعوات! اجعل لي في مدة حياتي وبعد مماتي، في كل آن أضعافَ أضعاف ذلك.. ألفَ ألفاِلاّ ٍ وسلامٍ مضروبَين في مثل ذلك وأمثال أمثال ذلك، على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وأصحابه وأنصاره وأتباعه.. واجعل كل صلاةٍ من كل ذلك تزيد على أنفاسيَ العاصية في مدة عمري.. واغفر لي وارحمني بكلِّ صلاةٍ منها ساني. يا أرحمَ الراحمين.. آمين..
— 241 —
ذيل الحبة
يا ناظر!
أظنني أحفر بآثاري المشوّشة عن أمرٍ عظيم بنوع اضطرارٍ مني.
فيا ليت شعري هل كَشَفتُ..
أو سينكشفُ..
أو أنا وسيلة لتسهيل الطريق لكشّافه الآتي.
ما يعولَ ولا قوّةَ إلّا باللّٰه..
حَسْبُنا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل.
اَللّٰهمَّ لا تُخرِجنا مِنَ الدُّنيا إلّا مَعَ الشَّهادة والإيمان.
— 242 —
بسم اللّٰه الرحمن الرمله ال اَلْحَمْدُ للّٰه عَلَى نِعْمَةِ الإيمَانِ وَالإسْلَامِ بِعَدَدِ قَطَرَاتِ الْأمْطَارِ، وَأمْوَاجِ البِحَارِ،
وَثَمَرَاتِ الْأشْجَارِ، وَنُقُوشِ الأزْهَارِ، وَنَغَمَاتِ الأطْيَارِ، وَلَمَالعاليالْأنْوَارِ،
وَالشُّكْرُ لَهُ عَلى كُلٍّ مِنْ نِعَمِهِ فِي الْأطْوَارِ، بِعَدَدِ كُلِّ نِعَمِهِ فِي الأدْوَارِ.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامقلب ال سَيِّدِ الْأبْرَارِ وَالْأخْيَارِ مُحَمَّدٍ المُخْتاَرِ وَعَلى آلِهِ الأطْهَارِ
وَأصْحَابِهِ نُجُومِ الْهِدَايَةِ ذَوِى الْأنْوَارِ مَادَامَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
اعلم أن المسافر كما يُصادف في سيره م زمانٍ لكلِّ منیزلٍ شرائطُ تخصّهُ.. كذلك للذاهب في طريق اللّٰه مقامات ومراتب وحالاتٌ وحُجبٌ وأطوار، لكل واحدٍ طورٌ يَخصهُ؛ مَن خلَطَ غلطَ. كمثل مَن نزل في قرية اصطبلا سمع فيه صهيل الفرس، ثم في بلدٍ نزل قصرا فسمع تَرَنُّمَ إن شئتيب، فتوهم الترنمَ صهيلا، وأراد أن يستمع منه صهيل الفرس مغالطا لنفسه.
اعلم أن مما زيّن في عينك هذه الحياةَ تلألُؤ تماثيلِ نجوم الهداية من أماثل الأسلاف في مرآة الدنيا، [٭]: أي إن الصور الجميلة والنماذج الطيبة لأولئك الأئلة المظام تحبب لك هذه الدنيا (ت: ١٢٣). بسرّ: أن المستقبل مرآة الماضي، والماضي يلتحق بالبرزخ -بمعناه- ويُودع صورتَه ودنياه في مرآة الاستقبال والتاريخِ وأذهانِ الناس. مثلك في حب الحياة بحبهم كمثل مَن صادف في وجه طريقه مرآةً عظيمة فرأى فيها والسعل رفقائه وأحبابه الذاهبين إلى الشرق (مغرّبين في المرآة) فيتوحش من الشرق فيهرول مغربا. ولو كُشِفَ عن وجهك غطاءُ الغفلة لرأيتَك تسرعُ في بيداءَ خاليةن النوة لسراب وعذاب، لا لِعَذْبٍ وشراب..
اعلم أن من عظيم علو القرآن وأصدق دليل حقانيته: محافَظَتَه لكلِّ لوازمات التوحيد بمراتبه.. ومراعاتَهُ لموازنة الحقائق ثِ: بِة الإلهية.. واشتماله على مقتضيات الأسماء الحسنى، والتناسب بينها.. وجمعَه لشؤونات الربوبية والألوهية بكمال الموازنة. وهذه خاصيّةٌ ما وُجدَت قطُّ في أثر البشر وفي نتائج أفكار أعاظم الإنسان من الأولياء المارين إلى الملكوت، والإشراقيالفلسفاهبين إلى بواطن الأمور، والروحانيين النافذين إلى عالم الغيب.
— 243 —
فإنهم لا يحيطون بالحقيقة المطلقة بأنظارهم المقيدة، بل إنما يشاهدون طَرفا منها فيتشبثون به وينحبسون عليه ويتصر المجيه بالإفراط والتفريط.. فتختل الموازنة ويزول التناسبُ.
مَثلهم كمثل غوّاصين في البحر لكشف كنیزٍ متزين ممتلئ بما لا يحصى من أصناف الجواهر، فبعضٌ صادف يدُه ألماسا مستطيلا مثلا، فيحكمُ بأن الكنیزَ عبارةٌبتلك اماسٍ طويل، وإذا سمع من رفقائه وجودَ سائر الجواهر فيه يتخيلها فصوصَ ألماسه، وصادف آخرُ ياقوتا كرويا وآخر كهربا [٭]: حجر كريم مشهور، وهو صمغ شجرة إذا حكّ صار يجذب التبن وغيره. مربعا و الرواوكل واحد يعتقد مشهودَه جرثومَ الكنیز ومعظمه، ويزعم مسموعَه زوائدَه وتفرعاتِه، فتختل الموازنة ويزول التناسب، فيضطرون للتأويل والتصلف والتكلف حتى قد ينجرّون إلى الإنكار والتعطيل. ومَن تأمل في آثار الإشراقيين والمتصوفين اهذه الين على مشهوداتهم بلا توزين بميزان السُّنة لم يتردد فيما قلت.
ثم انظر إلى القرآن فإنه أيضا غواص لكن له عينٌ مفتوحة تحيط بالكنیز وما فيه، فيصف الكنیزَ كما هو عليه، بتناسب وانتظام واطراد.
مثلا: يشتمل على ما تقتضيه عظ ظالمان:
والارضُ جميعاً قبضَتُهُ يومَ القيامةِ والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ
(الزمر:٦٧).. وكما قال:
يومَ نَطوي السّمآءَ كَطيّ السّجلِّ للكُتُب
(الأنبياء:١٠٤) مع أنه:
يُصوِّرُكیم في الارحیامِ كيیفَ يشییاءُ
(آل عُه ميز)
میامین دآبییةِ الاّ هو آخذٌ بناصيتها
(هود:٥٦) و
خلق السّمواتِ والارضَ
(الأنعام:٧٣) مع أنه:
خیلَیقیكییییم ومیییا تَعیْمییلون
(الصافات:٩٦)
ويیُحیيي الارض
(الروم:٥٠)
وأوحى ربُّك إلى اذ هو ن
(النحل:٦٨)
والشمس والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمرهِ
(الأعراف:٥٤)
أوَلم يروا إلى الطيرِ فَوقَهُم صآفاتٍ ويقبضنَ ما يُمْسِكُهنَّ الا الرح؛ لأن بكلِّ شيء بَصيرٌ
(الملك:١٩) ويكتب صحيفة السماء بنجومها وشموسها ككتابة صحيفةِ جناح النحلة بحجيراته وذراته
وسع كرسيّهُ السمییوات والارض
(البقرة:٢٥٥) مع أنه:اية لهمَعكُم أينَ ماكُنتم
(الحديد:٤)
هو الأولُ والآخرُ والظاهرُ والباطنُ وهو بكلِّ شيء عليمٌ
(الحديد:٣) وهكذا.. وقس عليها.. وما يشاهد في نوع البشر من أنواع الفرق الضا كثمرنما نشأت من قصور أئمتهم المارين إلى الباطن، المعتمدين على مشهوداتهم، الراجعين من أثناء الطريق، المصداقين لما قيل: "حفظت شيئا وغابت عنك أشياء". [٭]: لأبي نواس: فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً حَفِظتَ شَيئا وَغاويأسف نكَ أشياءُ.
— 244 —
اعلم أن توصيفَ السماء بالدنيا في: وَزيَّنّا السّماءَ الدُنيا (فصلت:١٢) ومقابلة الدنيا للآخرة، تشير إلى أن السماوات الست الأُخر ناظرةٌ إلى عوالم اعلمن البرزخ إلى الجنة، والمشهودةُ بنجومها وطبقاتها سماء الدنيا. واللّٰه أعلم.
اعلم أنه جِيءَ بك من العدمِ إلى الوجود، ثم رقّاك موجِدُك من أد التصاارِ الوجود حتى أوصَلكَ بإنعامه إلى صورة الإنسان المسلم. فما تخلل بينك وبين مبدإ حركتك من المنازل الكثيرة المتعددة كلٌّ منها نعمةٌ عليك، وفيك ثمرةٌ وصبغةٌ من كلِّ واحدٍ. فصرتَ كقلادةٍ منظّمة، وعنقودٍ نضيدٍ بحبات النِّعَم، وسنبلةٍ مالبحرُن الرأس إلى القدم، كأنك فهرستة لطبقات نِعَمه تعالى؛ ولأن الوجودَ يقتضي علّةً، والعدمَ لا يقتضي.. كما تقرر في العقول.. تُسأل ويُسألُ عنك في كل منزل في مراتب الوجود من الذرة إلى العدم: كيف وصلت إلى هذهاليدُ ة؟ وبِمَ استحققتَها وبی"هل شكرتَ؟" ولا يَسأل من له مسكةُ عقلٍ عن حَجَر لماذا ما صار شجرا، وعن شجرةٍ لماذا ما صارت إنسانا...
فيا أيها السعيد المسكين ال وهو ي أنت نقطةٌ في وسط سلسلةِ الموجودات، فعليك نِعَمٌ بعددِ ما تحتَك إلى العدم الصرف، وأنت مسؤولٌ عن شُكرها. وأما ما فوقك فليس لك ولا لأحدٍ أن يسأل لماذا ما وصلتَ إلى أعلى مما أنت فيه، كما لا حقّيان الة أن تقول: "أي واه" لِمَ ما صرتُ شمسا، ولا للنحلةِ أن تقول لصانعها: هلا خلقتَني نخلةً مثمرة؟.. إذ ما تحتك وقوعاتٌ، وما فَوقك عدمات إمكانات شبيهة الممتنعات..
اعلم يا أنا! أن مما أهلككَ وأهواكَ وأوهمك وأهذاك وأذلك وأضلك؛ الأدنى تعطي كلَّ ذي حقِّ مقدارَ حقّه، وكل ذي حِمل حملَهُ بوسعه، بل تُفرِطُ وتُفرِّطُ فتحمِّل على نفرٍ ممثلٍ للجيش كلّ لوازمات الجيش العَرَمْرم، وتتحرى في تمثال الشمس في عين القطرة أو وجهِ الزهرة كلّ لوازمات عظمة شجرة الشمس المثمرة بالسيارات. نعم،لاهتماة والزهرة تصفان ولا تتصفان.
اعلم أن المُلكَ له، وأمانتُه، واشتراه، لا فائدة في "المرق". لا خير فيما لا يبقى. وإياك ونقضَ العهد معه. وعليك بالموت، والموتُ المنجرّ إلى أكبياة أولى من هذه الحياة المنقلبة إلى الموت.
— 245 —
اعلم [٭]: تفصيل هذه المسألة في "الكلمة السادسة عشرة". أن ما في المرآة كما أنه "ليس عينا ولا غيرا" فهو "عين وغيرٌ"، فمن حيث إنه مظروفُ ملكوتِ المرآة "عينٌ" فأحكامُ عليمٌمُ الأصل. ومن حيث إنه صفةُ مُلكِ المرآة المتلألئة به "غيرٌ"، فله أوصافٌ ناظرة إلى المرآة، لا إلى الأصل فقط. ومن الحيثيتين "لا عينٌ ولا غيرٌ". كما أن الشيء في مرآة الذهن -من وجهِ أنه مظروفه- معلومٌ، ومن جهةِ أنه صفتتأمل و مع تغاير لوازمهما...
اعلم أنه لا تزاحم بين العوالم المختلفة في نوع الوجود. فإن شئتَ فادخل في ليلة مظلمة منیزلا منوّرا بالمصابيح وأربع جدرانه من افداؤها التي هي نوع مشكاةٍ للعالم المثالي؛
فأولا:ترى فيها -باتصالِ الحقيقي بالمثالي- منازلَ عديدةً متنورة عمّت البلد كأنه لا ظلمة بمقدار مد النظر..
وثانيا:تراك تتصرف بالتغيير والتبديل بكمال السهولة في تلك المنازل..
وثالثا:ترى السئقة، وحقيقي أقربَ إلى أبعد السُّرُج المثالية من لصيقهِ، بل من نفسه لأنه قيّومه
ورابعا:ترى أن حبةً من هذا الوجود تقتدر أن تقل وتحمل عالما من ذلك الوجود.
فهذه الأحكام الأرب وهو ي في موادَّ كثيرةٍ حتى بين الواجب وعالم الممكنات التي وجوداتها ظلال أنوار الواجب، فوجودها في مرتبة الوهم، لكن استقرّ وثَبتَ -بأمره تعالى له - وجودٌ خارجي، فليس خارجيًّا حقيقة بالذات ولا وَهميا محضا ولا ظليا زائلا بلواللاتودٌ بإيجاد الواجب الوجود. فتأمل..
اعلم أنه كما أنه محال أن لا يكون لهذا المُلك المُعتَنى به مالكٌ، كذلك محالٌ أن لا يتعرفَ ذلك المالكُ إلى الإنسان الذي يدرك درجاتِ محاسنِ الملك الدالة على كمالات يات لق، مع أن ذلك الإنسان كالخليفة في مهده الممهّد له يتصرف فيه كيف يشاء؛ بل في السقف المحفوظ السماوي أيضا بعقله. ومع ذلك إن الإنسان أشرفُ المخلوقا آياتٌدة تصرفاته العجيبة الخارقة مع صغره وضعفه، وإنه أوسعُ الأسباب اختيارا بالبداهة. فبالضرورة يرسل المالك من يعرّف المالكَ إلى مماليكه الغافلين عنه ويخبرهم ما يَرضى به ويطلبه منهم ذلك المالك جل جلاله..
— 246 —
اعلم أن كلَّ الحواسّ ِ الأخوهم والفرض والخيال يتفقون في النهاية على الحق ويَلتَجِئون إليه، ولا يبقى عندهم للباطل إمكان. فيقرون بأن الكائنات لا يمكن أن تكون إلّا على ما أخبَر به القرآن.. هكذا شاهدتُ و الرحمعي.
اعلم أنه كما لا تزاحم ولا تصادم بين عالم الضياء وعالم الحرارة وعالم الهواء وعالم الكهرباء (والألكتريقية) وعالم الجاذبة إلى عالم الأثير والمثال والبرزخ. تجتمع الكلُّ بلا اختلاط معك في مكانك بلا تشكٍّ من أحدٍ منكم، من مزاحمةِ أخيهب وردّذا يمكن أن يجتمعَ كثيرٌ من أنواع العوالم الغيبية الواسعة في عالم أرضنا الضيقة. وكما لا يعوقنا الهواءُ من السير ولا يمنعنا الماءُ من الذهاب ولا يمنع الزجاجُ مرورَ الضياء ولا يعض وفي كثيف أيضا نفوذَ شعاع "رونتكن" ونورِ العقل وروح المَلَك، ولا يمنع الحديدُ سيلانَ الحرارة وجريان "الألكتريق" ولا يعوق شيءٌ سريانَ الجاذبة وجولانَ الروح وخدّامدار الانَ نور العقل وآلاتِه.. كذلك هذا العالَمُ الكثيف لا يمنع ولا يعوق الروحانياتِ من الدوران، والجنَّ من الجولان، والشيطانَ من الجريان، والمَلَك من السيران..
اعلم أن النور والنوراني كالعين والسراج والشمس، يتساوى لها الجعالمينلنوع والجزء والكل والواحد والأُلوف. فانظر إلى الشمس كيف انصبغت بتماثيلها السياراتُ والبحورُ والحياضُ والحبابات والقطَرات والرشاشات (والشَّبنَمات) والذرات الزجاجية دفعةً، بالسهولة والمساواةِ بين السيارات والذراتق الموذلك -وللّٰه المثل الأعلى - تصرفاتُ شمسِ الأزل نورِ الأنوار في كتاب الكائنات هكذا.. يكتُب كلَّ أبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه دفعةً بلا كُلفة كما قال:
مَا خلقُكم ولابَعثُكم الاّ كَنَفسٍ واحدَةٍ
(لقمان:٢٨).. آمَنّا..
الجوهرم أن من تأمل في ذرات الأشياء وسَرَيانها إلى حدود، ثم توقُّفِها عندها لفوائدَ وثمراتٍ، تيقّن أن عند الحدود من يأمر الذرات بی: قفي وانثني! كما يأمر القالبُ الذهبَ الذائبَ بلسان حديد، وينهى بی: لا تَسِل واستقر! فيما عَيَّنَتْه لك معكة البتلافيفي المصنوعة لحِكم.
— 247 —
وآمرُ الذرات ما هو إلّا علمٌ محيطٌ يتجلى ذلك العلمُ قدَرا، فينعكس القدَرُ مِقدارا فينطبع المقدارُ قالبا..
............ [٭]: في (ط١): اعلم أن الأسماء الحسنى أبواب متفاوتة، ووجوه مختلفة، ناظرة إلى الن مذهبقد تتجلى أسماء متقابلة في شيء واحد، كالمعطي والمانع والضار والنافع، فيدل على أنه كما يعطي لهذا قصدا، يمنع ذلك الشيء من ذا بإرادة، ويضر ذاك بما ينفع هذا. كلاهما مرادان غيان.
لى، ويتحدس من هنا: أن من اتصف بحقيقة اسمٍ من الأسماء يتصف بجميعها.
اعلم أن القرآن كما يفسّر بعضُه بعضا، كذلك إن كتاب العالم يفسِّر بعضُ آياته بعضها. فكما أن اذا الن المادي يحتاج احتياجا حقيقيا إلى شمس تفيض منها عليه أنوارُ نعمته تعالى، كذلك العالمُ المعنوي يحتاج أيضا إلى شمس النبوة لفيضان أضواء رحمتهمعالجة. فنبوةُ أحمد عليه الصلاة والسلام في الظهور والوضوح والقطعية بدرجة الشمس في وسط النهار، وهل يحتاج النهارُ إلى دليل؟..
اعلم أن الثمرات المترتبةَ على وجود الحي جود الر إلى الحي وبقائه ونفعِه وكمالِه فقط، بل إليه بحصةٍ ودرجة، وإلى المحيي جل جلاله بدرجات غير محصورة.. فحصةُ الحي قد لا تحصل إلا بزمان مديد، لكن ما ينظُرُ إلى المحيي قد يحصل زائلةٍ سيال، كإظهار الحي -بمعكسيته ومظهريته لتجليات الأسماء الحسنى- حمدَ خالقهِ بتوصيفه بأوصافِ كماله وجماله وجلاله بلسان الحال..
اعلم أن فردَ الإنسان كنوع سائر الأنواع، ة. فالن فرد الإنسان له ماضٍ ومستقبل يجتمع في الشخص -معنًى- كلُّ مَن مات منه من أفراد نفسه؛ إذ في كل سنةٍ يموت منه فردان صورةً ويورثان فيه معنَييْهما من الآلام والآثام والآمال وغيرها، فكأنه فردٌ كلي.. وإحاطةُ فكره وعقله ووُسعة قلبه وغيرها تعطنفس بإَ كليةٍ.. وكونَ فرده كنوعه في الخلافة والمركزية لعالمٍ خاص كالعالم العام.. والعلاقةُ الشعورية مع أجزاء العالم وتصرفُه في كثير من أنواع النباتي والحيواني والمعدني تحويلا وتغييرا خلافا لسائر الحيوانات وغيرها، أيضا تعطي له نوعَ كليةٍ، كأنّعن تحم فردٍ نوعٌ منحصر في الشخص.. ودعاء المؤمن لعموم أهل السماوات والأرض يشير إلى أن الشخص يصير بالإيمان كعالَم، أو مركزِه. فما تجري في نوع الحيوان من القيامات المكررة النوعية المشهودة في كوق نظر-فإن شئت فَانظُر إلى آثارِ رحمة اللّٰه في كل سنة في الثمرات
— 248 —
المتجددةِ الأمثالِ كأنها أعيانُها، وإلى حشر أنواع الهوام والحشرات بكمال سهولة من القيامة- اءِ أُالحدس القطعي في كل فرد من أفراد الإنسان، فيدل كتاب العالَم في هذه الآيات التكوينية على قيام القيامة الكبرى لأبناء البشر، كما يدل القرآن عليه بالُ نوعِلتنیزيلية.. فالدلائل العقلية على القيامة ذكرتُها في "إشارات الإعجاز" [٭]: في تفسير قوله تعالى: (وبالأخرة هم يوقنون) (البقرة:٤) و (وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات) (البقرة:٢٥). وفي الباب الثالث من نعطة" [٭]: وقد وسّع الأستاذ المؤلف كلا من الباب الثاني والباب الثالث من هذه الرسالة فأصبحا "الكلمة التاسعة والعشرين" لذا لم يدرجا ضمن رسالة "نقطة من نور معرفة اللّٰه" فويجعلَالكتاب. فراجعهما إن شئت، فإن فيهما ما يطرد عنك الوساوسَ ويطيّر عنك الأوهام..
اعلم أنك إذا استمعت القرآن فألبس لكلّ نغمةٍ -من نغماتهِ المتطووية الى الحُجُب، والمتنوعة في المراتب الإرشادية، والمنصبغة بحسيات الوسائط، من جبرائيل عليه السلام إلى من تسمع منه- ما يناسبها.
فلك أن تَمُرّ بسمعك من الق جنود مجلسك إلى الاستماع من النبيِّ (ص) الذي يقرؤه في ذروة شاهق النبوة في مجلس الأرض على أبنائها من بني آدم وغيرهم.
ولك أيضا أن تستمعَ من جبرائيل وهو يخاطب النبيَّ في الأفق الأعلى عليهما الصلاة والسلام.
ولك أن تستمع من خلف سبعين ألالحقيقٍ من المتكلم الأزلي، وهو يتكلم مع النبي في قاب قوسين أو أدنى. فألبسْ إن استطعتَ لكلٍّ ما يليقُ به!
اعلم أن ما يتعلق بك منك من الشعور والعلم، إنموغيرهادرجةِ ما يرجع إليك منك، بسر عدم الإسراف، ومناسبةِ السبب للمسبَّب، والقوةِ للعمل. وما يرجع إليك بالنسبة إلى ما يرجع إلى مَن خَلَقَك كنسبة شعرةٍ إلى حبل، وخيط إلى ثوب. فنسبةُ علمِك وشعورك المتعلقين بك بالنس الليل علمِه وبصره المتعلقين بك كنسبة "تنور الذباب" [٭]: المقصود: اليراعة. الذي يبرق منه النور كنُجيمة بتلمعه في النهار تحت ضياء الشمس المحيط به. وأنت في ظلمات الغفلة، وليل الطبيعة ترى لمعتصل:
ا ثاقبا..
اعلم أن فيما بين أفعال اللّٰه تناسبا، وبين آثاره تشابها، وبين أسمائه تعاكسا، وبين أوصافه
— 249 —
تداخلا، وبين شؤوناته تمازجا. إلّا أن لكلٍّ طورا يخصُّه، يستتبع ما سواه في طوره. فلا يُٰه"، وقصدا في بيته ودائرة حُكمه إلى غيره، ولا يُطلَب لوازمُ الغير منه، لأن لازم اللازم ليس بلازم إلّا بقصدٍ جديد. إذ التابع لا يُستتبع، كما أن الحرف التبعي لا يُحكم عليه.
فإذا نظرت من 4
مإلى الجامدات فتوجّه قصدا إلى القُدرة والعظمة، ويتراءى لك تجليات سائر الأسماء استطرادا وتَبَعيا.
فإذا نظرتَ إلى الحيوانات الغير الناطقةمن كان لها طورها، فهكذا
وكل شيء عندهُ بمقدار
(الرعد:٨)
خلق كل شيء فقدره تقديراً
(الفرقان:٢).
اعلم أن "لاَ حَولَ ولاَ قُوّةَ إلاّ باللّٰه" ينوانبهم مراتب أطوار الإنسان وأدوار وجوده من الذرات إلى الوجود الحي، معدنا جامدا، ونباتا ناميا، وحيوانا حساسا، وإنسانا مؤمنا، ففي كل مقام من تلك المنازل، ولكل لطيفة من لطائفه آلامٌ وآمال:
ورحمةًلَ عن العدم ولا قوةَ على الوجود إلّا باللّٰه..
لا حول عن الزوال ولا قوةَ على البقاء إلّا باللّٰه..
لا حول عن المضار ولا قوةَ على المنافع إلّا باللُّٰ أنظا لا حول عن المصائب ولا قوةَ على المطالب إلّا باللّٰه..
لا حول عن المعاصي ولا قوةَ على الطاعات إلّا باللّٰه..
لا حول عن النقم ولا قوةَ على النعم إلّا باللّٰه..
لا حول عن المساوئ ولا قوةَ على المحاسن إلّا باللّٰه..
لا حاة والالآلام ولا قوةَ على الآمال إلّا باللّٰه..
لا حول عن الظلمات الهائلة ولا قوة على الأنوار المتلألئة إلّا باللّٰه العلي العظيم.
اعلم (٭): إن إيضاح هذا القسم الذي يخص بأسلوب اللّٰه" في اللمعة التاسعة والعشرين العربية، وفي الشعاع الرابع والرجاء الرابع عشر والخامس عشر من اللمعة السادسة والعشرين، رسالة الشيوخ (المؤلف). من توكل على اللّٰه فهو حسبه:
#25صاريف ْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأنه مالكُنا ومالكُ الكل، فالكلُّ كمُلكِنا إن كنّا له تعالى.
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأنه الكامل المطلقدتك.. ال محبوب لذاته، من شأنه أن يُفدَى له الوجود.
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأنه الجليل الجميل ذو الكمال والجلال والجمال المحبوبُ لذاته، فلِشوق تجديد تجليات جمالهالحكيم ضاحكين ونحيا مسرورين.
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأنه الواجبُ الوجود الموجِد لكل موجود، فعلمُنا بوجوب وجوده يعطينا كلَّ الوجود، وبعدم العلم يصيرتبرُّجنا نقطةُ وجود يتحامل عليها أعدامٌ هو ملء الدنيا.
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل:
لأنه القديم الأبدي الدائم الباقي
كلُّ شيء هالكٌ الاّ وجهه
(القصص:٨٨).
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأن الدنيا فانية والحياةيعرّف .
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأن بدونه يصير كلُّ لذائذ الدنيا منغّصةً بآلام هائلة، وبالتوجه إليه والارتباط برحمته لا تزيد اللذائذَ الزائلة إلا لذةُ تجدّد الأمثكَثِيرصة عن آلام الزوال.
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأن به أنوارَ الوجود وبدونه ظلمات الأعدام الهائلة.
حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛
لأنه إن عرفناه وشكونا إليه وأرضيناه كفانا كلَّ حاجاتنا إلى أسلين ولكائنات، وأما إذا توجّهنا إلى الأسباب -التي حاجاتُنا عندها في النظر الظاهري- وشكونا إليها فمع أنها عميٌ صمٌ لا تسمعُنا ولا ترانا، تتشوش علينا الأمورُ وتتشتت بنا الطرقُ، كمثل مَن شكى إلى سلطبِ القفَذَ في آن، ومَن شكى إلى كلِّ أهل البلد فردا فردا ليتفقوا على إمداده. ولو اتفقوا ما اتفقوا إلا في زمان طويل وتكلفٍ عظيم!!
اعلم أن من لطائف إعجاز القرآن ومن دلائل أنه رحمةٌ عامة للكافة: أنه كما أن لكلِّ أحد من ة إذ ف عالَما يخُصُّه، كذلك لكلٍّ باعتبار مَشْرَبه من القرآن قرآنٌ يخُصُّه ويربّيه ويُداويه.
— 251 —
ومن مزايا لطف إرشاده: أن آياته مع كمال الانسجام وغاية الارتباط وتمامو خريطال بينها، يتيسرُ لكل أحدٍ أن يأخذَ من السُّوَر المتعددة آياتٍ متفرقةً لهدايته وشفائه، كما أخذَها عمومُ أهل المشارب وأهل العلوم؛ فبينما تراها أشتاتا باعتبار المنازل والنیزول، إذن تراها قد صالأشيالادةٍ منظمةٍ ائتلفت واتصلت مع أخواتها الجديدة. فلا بالفصل من الأصل تنتقص، ولا بالوَصْل بالآيات الأُخر تَستوحش. فهذا السر يشير إلى أن لأكثر الآيات الفرقانية مع سائر الآيات مناسبات أنها ةٍ يجوز ذكرها معها واتصالُها بها.
فكما أن سورة "الإخلاص" اشتملت على ثلاثين سورة بضمّ جُمَلِها بعض إلى بعض دليلا ونتيجةً، كما ذكر في "اللوامع" [٭]: المنشورة ملحقة بمجلد "الكلمات". كذلك القرآن الكلّي الجزئي والنوع المنحصرب والأشخص يشتمل بجامعية الآيات للمعاني المتعددة ومناسبة الكل للكل يحتوي على ألوفِ ألوفِ قرآنٍ في نفس القرآن. فلكلِّ ذي حقيقة فيه كتابٌ يخصُّه ومن اتبعه.
اَللّٰهمَّ يا منیزلَ القرآن بحقّ القرآن اجعلْ القرآنَ مونِسا لي في حياتي وبعد مماتي ونورا في قلأهواءِري.. لا إله إلّا اللّٰه مُحمّدٌ رسُولُ اللّٰه..
الوداع
(٭): ظننت بشدة مرضى قرب الأجل في ذلك الوقت فقلت: الوداع. أنا أسافر من باب القبر إلى مجمع أحبابي وأساتيذي ورفقائي من طلب وتوضّارس والنور. (المؤلف)
* * *
— 252 —
ذيل الذيل
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه الرحمنِ الذي من لطائف عظائم ثمرات طوبى رحمته: "سيدُنا محمد" عليه الصلاة واِ ذلك والجنّةُ المتدلّيان على الدارين.. والقديرِ الذي هذه الموجوداتُ الجديدةُ الجلية، والأجرامُ العلويةُ في بستان الكائنات شواهدُ ربوبيته، وهذه النباتاتُ المتلونة والحيوانات المتنوعةه من أيقة الأرض خوارقُ صنعتِه وبراهينُ أُلوهيته، وهذه الأزهارُ المنوّرةُ والأشجارُ المُثمِرةُ في هذه الجنان معجزاتُ قدرته ودلائلُ رحمته، وهذه الشجرةُ بأوراقها وأزهارِها وأثمارها في هذه الروضة معجزاتُ قدرته.. تشهد كلٌّ على أنه على كل شيء قدير.
فلأحدَ،اتُ الماضية معجزاتُ قدرتهِ، تدلُّ على أنه قادرٌ على كل الممُكناتِ الآتية لم يَخرج فيما مضى ولن يَخرجَ فيما يأتي شيءٌ من حُكم قُدرته. تتساوى بالنسبة إليه الذراتُ وا١٣٤٢هی.. وهو الحقُّ المُبين الواحدُ الأحدُ الذي تُنشدُ ذراتُ الكائناتِ ومركّباتُها بدلالاتها المختلفة وألسنتها المتنوعة مشيرةً إلى جماله المطلق:
بنشر رارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
ويتلو كتابُ الكائنات بأبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجُمله وحروفه آيات وجوبه ووحدته، وتقرأ سطوره على العقول:
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَان عليهالْمَلإِ الأعلى إلَيكَ رَسَائِلُ
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
اعلم يا سعيد الشقي! لا تنظر إلى ما ليس لك، بل انظر إليك، أيُّ ش النقو؟ وما أنت؟ وبِمَ تستند؟ إذ أنت عَجزٌ متجسّدٌ واحتياجٌ محضٌ ومجسّمُ إنعامٍ ونومٌ مموَّهٌ باليقظة.
فالعجز جسدُك والاحتياجُ روحٌ فيه يتحرك، والإنعام جسمك، وحياتُك نومٌنة الت#253
به. "أي واه" واشقاوتا أغرقُ في قطرة تصير بحرا عليّ، وأغيبُ في آن يصيرُ كالأبد، وأظن لمعةَ هذه الحياة شمسا شارقة!
أيها السعيد المسكين! ما رأسُ مالِك إلا ستون دينارا تقريبا، أخذتَ خمسة وأربعين فصرفتتعمالهَّها لمصارفِ يوم في خانِ الدنيا، ونسيتَ بيتكَ وما يلزم له فصار مالُكَ عليكَ دَيْنا ونارا، وما بقيَ من خمسة عشر دينارا مجهولٌ لا تدري أتأخُذُمه كل بعضَها أو لا تأخذ شيئا منها. فكلما أخذت شيئا منها فاصرفه لبيتك الدائمي. ولا أقلّ استَبْقِ لكَ ثُلثه ليَصيرَ لك دِينا ونُورا. فما أجهلكَ وأشدكَ خسارة! صرفتَ كلَّ المأخوذ ليوم زاع ما ص بقي في يدك لمقامك الباقي إلا أقلُّ قليل، وأنت راحلٌ غافلٌ؛ كانت لك ثلاث درجات: خطوت على اثنتين بخروجك من المنیزل والبلد، فرفعتَ قدمك لتخطى على الدرجة الثالثة بالخروج من ِلنِّع الفانية.
اعلم [٭]: في اللمعة الثالثة والعشرين "رسالة الطبيعة" تفصيل لهذه الفقرات. أنه كَبُرَتْ كلمةً تخرجُ من أفواه الناس، إذ يقولون: "تشكَّل بنفسه".. و"اقتَضَتْهُ الطبيعة" و"أوجَدَةِ الالأسباب".
فهذه الجمل الثلاث باطلة، ومن ظروف المحالات: إذ إنك موجود، فإما أنتَ مصنوعُك بالنظر إلى الجملة الأولى.. وإما مصنوعُ أسباب العالم كما اقتضته الثانية.. وإما تحليتٌ بطبيعة موهومة، وقوة عمياء كما تدل عليه الثالثة.. وإما مصنوع اللّٰه كما يستلزمه الحق والحقيقة.
أما الأوّل:فمحالٌ بوجوهٍ غير محصورة:
منها:لابد أن من خاتلكل ذرةٍ من ذراتك عينا ترى كلَّكَ، بل كلَّ الكون وشعورا كذا، وهكذا ممّا يستلزمه كمالُ صنعتك لنظر نِسَب الجزء إلى نقوش الكل.
ومنها:لابد أن توجَد فيك عددَ المركبات المتداخلة المتصاعدة المتنازلة ف". فأيك قوالبُ كقوالب الطبع من الحروف الحديدية المصنوعة أيضا، لو لم تُكتب بقلم القدير الأزلي الواحد.
ومنها:لابد أن يكون كلُّ ذرة بسر وحدة الأثان وياةً على الكل ومحكومة للكل، كالأحجار في البناء المعقّد بفرض نفي الباني.. وكذا ضدا ومثلا، ومُطلقةً ومقيدةً، ومصدرا ومنبعا لصفاتٍ تستبعد وجودها حتى فيمن يطوي السماء كطيّ السجل!
— 254 —
وأمالقَمَني:فمحالاته لا تحصى:
منها:أن المواد التي صُنِعت منها كزجاجات الأدوية في "صيدلية"، فإن أمكن عندك أن يخرج بانصبابٍ وسيلان بلا مداخلة أحدٍ من كل زجاج مقدارٌ معين بميزان حساس، ثم تجتمعَ المقاديرُ المتفاوتة لتشكيلِ علاج الحياة أو تركيبِ معجون القصر، أمكنَ لك أن تتوهم صدورَك من أسبابٍ جامدة.
ومنها:صدور شيء واحدٍ بكمال الانتظام من أسباب غير محدودة جامدِين متشاكسِين عُميا صما مترددين بين الإمكانات. تزداد بالاختلاط أعمِيَتُها وأصميّتهاطائف رأن مباشرتَها بظاهر الشيء. والحال أن باطنه ألطفُ وأكمل صنعة، فمحاليةُ صدورك منها أظهرُ من أن يخفَى.
ومنها:أن اجتماعَ تلك الأسباب الغيرِ المحصورة بكمال الاتفاق والانتظام بميزان الحاجة في حُجيرة من حُجيرات عينك ليس بأسهلَ من. فإن ع أركان العالم بوجوده الخارجي بأجرامه العظيمة في كفِّك، بل في ظُفركَ، بل في حُجيرةٍ منه؛ إذ مَن يعمل في بيت، جاز اشتمالُ البيت عليه إن كان العامل ماديالمتنی دام العالَم بأجزائه عاملا في جزئكَ جاز دخوله في ذرتك. وهذه سفسطة يخجل منها السوفسطائي.. وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية سلطان طيل التي تمجّها الأوهام.
والاحتمال الثالث:وهو تأثير الطبيعة، فأبطَلُ وأفسد. إذ الطبيعة لها ظاهرٌ عُرفي موهوم ظَنّته الغفلةُ والضلالة حقيقةً، ولها باطنٌ هو الصنعة الإلهية ولا فغة الرحمانية.
وأما القوةُ فحقيقتها تَجلّي قدرة الحكيم العليم الخبير المريد. وأما ما يصوِّره نظرُ الغفلة والتغافل من الصانع الواحد وما اتصل به من جناحَي التصادف ا نصب أوالاتفاقية العوراء.. فمن مخترعات الشياطين بالاضطرار الناشئ من الضلالة.
ولقد حققنا في "نقطة، وقطرة وذيلها، وشمة، وذرة، وحبة وذيلها" بما لم يُبق شبهةً: أن هذه الصنعة الخارقة لا تصدر إلاّ من قدرةِ خبيرٍ بصيرٍ، ومجيءجميع أوصاف الكمال.
فأين يدُ الممكن المسكين المقيد المحدودِ الجامد الكثيف من نسج حُلَّة الكائنات؟! وأين يدُ البعوضة من نسج قميصاتٍ مطرزات منقشات لَبِستْها هذه العوالم؟!
— 255 —
فلم يبقَ إلّا أن تا لنفستَ وكلُّ شيء مصنوعَ الصانع الأزلي الذي شواهدُ خلاقيته بعدد الموجودات:
منها الكائنات بجميع ذراتها ومركباتها. كُلٌّ يشهدُ عليه بخمس وخمسين لسانا كما في "قطرة".
ومنها:القرآن مع ك رؤية الأنبياء والأولياء والموحّدين، مع الآيات التكوينية في الكون.
ومنها:سيدُ الأنام مع كل الأنبياء، والأولياء والمَلك..
ومنها:ما في الجن والإنس من الفطرة بأنواع احتياجاتها..
ومنها:
شَهِدَ اللّٰه ائه، ولا إلهَ الاّ هُوَ
(آل عمران:١٨).
فمع ما سمعت: فاعلم أن مَثَل إسناد الصنعة إلى الممكن على الوجوه الثلاثة الأُولى، وإلى الواجب كما هو الحقُّ؛ كَمَثلِ الشجرة بأثمارها إن أسندتَها للوحدة، بأن أسندتَها بع الصا النمو إلى جرثومها المستمد من النواة الممتثلة للأوامر التكوينية المُفاضة من أمر "كُن" الصادر من الواحد الواجب. فالشجرةُ بجميع أجزائها وأوراقِها وأزهارها وأثماره لا أذةٍ واحدة، ولا فرق بين شجرة ذات ثمرتين كخردلتين، وشجرة كجبل ذات أثمار غير محدودة من الجوز الهندي لسر مجهول
(٭): لم ينكشف ذلك السر بعدُ أثناء تأليف هذه الرسالة، إلاّ أنه اتضح بعد ذلك بی"الشفافية والمقابلة باشرة،زنة والانتظام والتجرد والإطاعة". (المؤلف).
في وجود السهولة واليُسر في الوحدة والاتفاق، حتى في تشريك المساعي وتوحيدها بتقسيم الأعمال.. ووجود الصعوبة والعسر في الكثرة والتشتت.
وأما إذا أُسندَُ خطراالكثرة الإمكانية وغيرِ ما عيّنه الصانع؛ لاحتاج كُلُّ ثمرةٍ وكلُّ زهرةٍ وكلُّ ورق وكل غصن إلى كلِّ ما يحتاج إليه كلُّ الشجرة، لاندماج أنها واجلكل في جزءٍ جزءٍ. فانظر ما تَرَى: ما بين الشقّين، كما بين الوجوب والامتناع؛ إذ سهولة الأوّل بدرجةٍ جاز أن يقال يجب أن يكون هكذا.. وصعوبة الثاني بدرجة تضطرنا أن نقول: يمتنع أن يكون كذا.
الحاصل:إن أعطيتَ التصريف القصوتعالى لزمك: إما أن تجعلَ كلَّ حُجيرة من حُجيرات أجزائك محيطةً بصفاتها بالكائنات، إن أسندتَها إلى نفسها.. وإما أن تجعل كلَّ
— 256 —
حُجيرة كحُجرة تجتمع فيها مجموع أسباب العالم العاملة فيها، إن أسندتَها إلى الأسباب الأخروحدةَ الحجيرة إلى أن تصلَ إلى وحدة العالم تدل على وحدة الصانع، إذ الواحد لا يصدر إلا عن الواحد، لاسيما الحجيرة التي لا تسع إصبعين لبعوضتين، فكيف تسع ما لا يسَعُه كلُّ الكون من تصرف إلهينبعددِ ل الوحدة هو الوحدة. وزجيجة -كخردلة - يمكن أن توجد فيها الشمسُ بضيائها وألوانها وحرارتها بالتجلي بكمال السهولة، ولا يمكن وجود خردلتين في خردلةٍ بمصدريتها لهما.
فكما أن الوجودَ الخارجي أثبتُ وأثقلُ وأحكمُ من الوجود المثالي، فتسع ذرةُ غافلُ لَ هذا، وشمسُ هذه تدخل في لمعةِ ذاك.. كذلك الوجود الوجوبي أثبتُ وأرسخُ وأرزنُ وأرصن بل هو الوجود الحقيقي والخارجي البحت، وأحقّ بما لا يُحد من الوجود الإمكاني. فالموجودات الإمكانية بحذافيرها المتمثلة في مرآة العلم الأزلي المحن اقتدرُ كالمرايا لتجليات أنوار الوجود الوجوبي. فالعلمُ مرآتُها، وهي مرآة الوجود الوجوبي. فوجودها خرج من مرتبة العلم إلى الوجود الخارجي، ولم يصل إلى مرتبة الوجود الحقيقي.
اعلم أنه من تأمل فيمع سهو يتحدس منه: أن الفاعليةَ والتأثير من شأن اللطيف، والنوراني، والمجرد.. وأن الانفعال والقابليةَ والتأثر من شأن المادي والكثيف والجسماني.
فإن شئتَ انظر إ من الور وإلى الجبل، فالأول: يقوم في السماء، ويدُه الرقيقة اللطيفة في الأرض فعالةٌ جوالةٌ. والثاني: بعظمته وبأياديه الغليظة لا يقتدر على فعلٍ وتأثيرٍ حتى في لَصيقه وجاره.. وكذا نرى في تفاعل الأشياء في الظاهر: أن بدرجة لطف الشيءة، في نيته تظهر مرتبة السببية فيه، وبالكثافة يتقرب إلى درجة المسَبَّب. فيُعلم من هنا أن خالق الأسباب الظاهرية وموجد المسبَّبات هو نورُ الأنوار الذي:
لَيسَ كَمثلهِ شَئٌ وهوَ السميعُ البصير
(الشورى:١١)
لاتُدْرِك إلى ابصارُ وهو يُدركُ الابصارَ وهوَ اللطيفُ الخبير
(الأنعام:١٠٣) لا إله إلّا هو.
اعلم أن التفكر نورٌ يُذيبُ الغفلة الباردة الجامدة، والدقة نارٌ تحرقر من هامَ المظلمةَ اليابسة، لكن إذا تفكرتَ في نفسِك فدقّقْ وتمهّل وتغلغلْ وفصِّله تفصيلا، بمقتضى الاسم "الباطن" المتعمق؛ إذ كمالُ الصنعة أتمُّ في تحليله وتفصيله.. وإذا تفكرت في اوذرة م فأجمِل
— 257 —
وأسرع ولا تَغُص ولا تَخُضْ إلّا لحاجةِ إيضاح القاعدة، ولا تحدِّد النظر، كما هو مقتضى الاسم "الظاهر" الواسع؛ إذ شعشعةُ الصنعة أجلى وأبهرُ وأجملُ في إجماله ومجموعه، ولئلا تغرق فيما لا ساحل له.
فإذا فصلتَ هناك -يعنى في نفسك- وأتبار وهنا، تقرّبتَ إلى الوحدة. فصارت الجزئياتُ أجزاءً، والأنواعُ كلا، والمختلِط ممتزجا، والممتزج متحدا فيفور منه نورُ اليقين. وإذ عكستَ بأن أجملتَ فيك، وفأخذُهافي الآفاق تتشتت بك الكثرةُ وتستهوي بك الأوهامُ وتستغلظ أنانيتُك وتتصلّب غفلتُك، فتنقلب طبيعةً. فهذا طريقُ الكثرة المنجرة إلى الضلالة.
اَللّٰهمَّ لا تجعلنا من ا نهاين آمين.
اعلم أنه قد روي أن الإنسان "إذا تحرك سكن رزقُه، وإذا سكن تحرك رزقُه". الحق أنه من لمعاتِ حقيقة واسعة.. فانظر إلى الأشجار لمّا سكنتْ متوكلةً تحركتْ إليها أرزاقُها، وإلى الحيوانات لم هو إلتْ حريصاتٍ سكنتْ عنها أرزاقها ثابتة في مقامها نابتةً على عروقها، تدعو بألوانها وروائحها إلى أنفسها مَن جاع واحتاج من الحيوانات المتحركة بأهوائها والدائرة بهَوَساتها.
اعلم أنه ما أجهلَ الإنسانَ الغافل وما أضتها، وما أضرّه لنفسه! يترك خيرا عظيما لوجود احتمالِ عائق بين تسعة احتمالات سائقة، ويرتكب الضلالةَ بترك الهداية لشبهةٍ سوفسطائية مع وجود أُلوفِ براهينِ الهداية، والحال أن الإنسان وهّام ذو انا فنحوحزم يتجنب من المضار العاجلة باحتمالٍ واحدٍ من عشرة احتمالات. فكيف لا يتجنب من أضرّ المضرات بتسعة احتمالات بل بتسعة وتسعين؟!
اعلم أن في روح الإنسان احتياجاتٍ لا تتناهى وقابليةً لتألماتٍ لا تتناهى واستعدادا لتلذذات لا تتناهى ومهيأٌ لآم.
ام لا تتناهى؛ حتى إن الشفقةَ مع ضلالة القلب تتضمن آلاما غير متناهية. كما ذُكر في "قطرة"، فليس لك أن تقول: ما أنا ومَن أنا وأيُّ شيء أنا حتى تقوم لي القيامة، ويوضَع لي الميزان، ويجري عليّ الحساب! فيا أيها الضال الشاك..! لا تغترأعظمُ الحياة، فإن لذتها معلقةٌ بمغلطة مربوطةٍ بالشك لأهل الضلالة. فيفرُّ الضالّ الشاك من دهشةِ ألم الزوال والفناء إلى احتمال السعادة الأبدية. ويفر أيضا من تكلف تحمّل التكاليف
— 258 —
الدينية إلى لا معه عدمِ الآخرة، فيتخلص بهذه المَغْلَطة من الألَمين مؤقتا. ففي قريب من الزمان تنحل عليه العقدة، وتنكشف الحقيقة. فلا الاحتمال الأول يهوِّن ألَمه بل يُحِسُّه كلَّ الألم دفعةً، ولا الثاني يخفف حِمله بل يضلإيمانيه آلاما جهنمية.
وكذا يقول -لكن في زمان قليل- فالمصيبة عمّت وطابت، فلا عليّ أنى كأمثالي فلا أُبالي! لكن يجيء زمان عن قريب، تتضاعف عليه المصيبة بدرجة عين الإ كإصابة الشخص في نفسه ثم أقاربه وأحبابه، لأن في روح المرء علاقاتٍ بأبناء جنسه فمهما عمّت المصيبةُ تضاعفت البلية.
أيها الشاك الغافل! لا تحسب أن ما تذوقُه بيدَيِ الغفلة والشأن أكث لذيذة، بل فيه ادّخارُ آلامٍ أليمة، ستهجم عليك دفعةً وتنقلبُ آلاما جهنمية. فإن أحببتَ أن يتبدل لك هذه الآلامُ المترصدة لذائذَ متجددةً، وتنقلب هذه النارُ نورا؛ فقوِّس أنفَ غرورك بالركوع في الأوقات الخمسوجة الِّع رأسَه لنیزول ضيفِ الفرقان مع فيض الإيمان. فلابد من المداواة بالتفكر بالآيات وملازمةِ الطاعات كي يُخرَق حجابُ الشكوك والغفلات وتنضج حلاوةُ النجاة من مَرارة هذه الضلالات، وتنكشفَ لذة المناجاة.
اعلم [٭]: تراجع المذكرة الثالثة عشرة من "ال الإيملسابعة عشرة". أن العبودية تستلزم التسليمَ دون الاختبار والتجربة والامتحان إذ "للسيد أن يختبر عبدَه، وليس للعبد أن يختبر ربّه"!
اعلم أن دائرة الاسم "الباطن" ودائرةَ الاسإلى الاهر" متداخلتان ومتقابلتان. فأهل الأُولى يقولون قدرتُه مثلا كالبحر. وأهل الثانية يقولون كالشمس. فالبحر كالكل ذي الأجزاء. والشمس كالكلي ذي الجزئيات تماثيلها كجزئياتيان منلباطني المحض المفرط لا يخلُص من شائبة التجزؤ والاتحاد. والظاهري السطحي المخالف للسُّنة لا يخلص من شوب شَرَك الأسباب، فالصراط المستقيم هو القرآن..
فيا مُنیزلَ القرآن، بحق القرآن اهدنا الصّراط المُستقيم آمين.. آمين.. آمين، إلى * *
— 259 —
الرسالة السابعة
[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "نجم استقبال" بإسطنبول سنة ١٣٤١هی (١٩٢٣م) ثم ترجمها الأستاذ النورسي إلي اللغة التركية مع شيء من الإيضاح وجعلها "اللمعة السابعة عشرة" في خمكينُ أ مذكرة وقد أشرنا إلى موضع كل مسألة من اللمعة المذكورة، فمن شاء فليراجعها.
زهرة
من رياض القرآن الحكيم
— 260 —
كلُّ حيّ في الدنيا كعنوعٌ مظّف، إنما يعمل بحساب المَلِك وباسمه.
فمن زَعمَ أنه مالِكٌ، فهو هالِكٌ..
إنَّ هذا النظام والميزان المشهودين عنوانان لقبضتي الرحمن وبابان من الكتاب المبين.. ومن كتاب الكائنات.
والقرآن ترجمانُ الكتابين وفهرستة البابينومها وةُ القَبْضَتين.
— 261 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه الحاكم الحَكَمِ الحكيمِ الأزلي الذي نظَّمَ هذه الكائنات بقوانينِ عادتهِ وسنَّتهِ، وعيَّنها بدساتير قضائهِ وقدَره، وأسس بنيانَها بأُصول مشيئته وحِكمته، وليشتريا بنواميسِ عنايتهِ ورحمتهِ، ونوَّرَها بجلواتِ أسمائه وصفاتِه. وهو القادرُ القيومُ السرمدي الذي ما هذه الكائنات بماهياتها وهُوياتها وتمايزاتِها وتزييناتِها وموازينها ومحاسنها إلا خطوطُ قلمِ قضائهِ وقدَره، ونقوشُ بركار عِلفيها مكمته، وتزييناتُ يدِ بيضاء صُنعه وعنايته، وأزاهيرُ رياضِ لُطفه وكرمه، وثمراتُ فيّاض رحمتهِ ونعمتهِ، ولمعاتُ تجليات جمالهِ وكمالهِ جلَّ جلالهُ؛ حمدا يزيدُ على ضرب جميع الذرات في الذرات.
يحتاج من بتلألؤ لمعاتِ بروقِ شروق أسمائه ظهر عجائب المخلوقات.. ويا مَن تساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والسياراتُ.. ويا من كتبَ على مِسطَرِ الكتاب المبين -المصدرِ للنظام والميزان- هذه الكائنات المتزْ فيهِ إنّا نُقدِّمُ إليك بين يَدي كلِّ سُكونٍ وحركةٍ تتحركُ بها ذراتُ العالَم ومركباتها شهادةً: نشهدُ أن لا إله إلّا أنتَ وحدَكَ لا شريكَ لك، ونشهد أن محمّدا عبدُك ورسولُك، أرسلته رحمةً للعالم لكل ف اَللّٰهمَّ صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه بعددِ جميعِ الحروفات المتشكّلة في الكلمات المتمثلة بإذنِكَ في مرايا تموجات الهواء عند قراءة كلِّ كلمةٍكانَ ثقرآن مِن كل قارئٍ من حين النیزول إلى يوم النشور.
اعلم [٭]: المسألة الرابعة من المذكرة الثالثة عشرة للّمعة السابعة عشرة توضح هذه المسألة. وفي (ط١)على أن يا سعيد الشقي: إن ما يوصل... أن ما يوصل إليك -بحسب الظاهر- من الوسائل؛ إمّا له اختيار أو لا. وما لا اختيار له، لا ريب أنه يعطيك ما يعطيك بحساب اللّٰه وباسمه. فخذ وكُل أنت باسم اللّٰه، وتوجَّه بتمام شكركُك سعا. وإما له اختيارٌ ما، فلا تأخذ ولا تأكل منه ما لَمْ يُذكَرِ اسمُ اللّٰه عَليهِ، أي بإخطار صاحبه الحقيقي وبتوجيه نظرك إليه كما ترمز إليه الآية:
ولا تأكُلوا مِمّا لَم يُذكَرِ اسمُ اللّٰه علن
(يولأنعام:١٢١).. فإن لم يَذكُر هو، فاذكر أنت. وانظر من فوقِه إلى مَن أنعمَ
— 262 —
عليه وعليك. فانظر في النعمة إلى الإنعام، ومنه إلى المنعم الحقيقي. فاشكره بهذا النظر، فإنّ هذا سرارك،شكرٌ، ثم ارجع إن شئت وانظر إلى الوسيلة وأدعُ له مُثنيا عليه بسبب إرسال النعمة على يده. وإياك إياك يا قلبي أن تنظر أوّلا وبالذات إلى المنعى هاويهري..
الحاصل:
لابد من "بسم اللّٰه": مرتين في المختار، ومرة في غيره. وإياكِ إياكِ يا نفسي أن تظني "الاقترانَ" عِلّية.. فقد يقارن وصولُ نعمةٍ فعلَ أحدٍ، فيظنُّ قاصرُ النظر أن فعلَه علٌ متنو كلا! وإياك أن تجعلَ عدمَ نعمةٍ عند عدمِ شيءٍ دليلا على أن وجودَ ذلك الشيء علةُ وجودها. فقد تترتب النتيجةُ على ألوف أمورٍ، فلا توجد -بسنّة اللّٰه - تلك النعمة لفِقَدْ أي جزءٍ كان ولو أضعف الأمور. فهل يجوز لمن فتحَ قنطرة جدولٍ فسال الرِ وَالى نواة وبذر فانشجرت وتسنبلت، أن يدّعيَ أن الشجرة صُنعُه ومُلكه ومالُه حقيقةً؟ فهذه المسألة ميزان تُعرف به درجاتُ الغفلة والشرك الخفي..والكماياكَ إياك يا قلبي أن تسنِد ما يُفاض على الجماعة أو يتظاهر منها أو يتحصل من مساعيها إليكَ وإلى غيرك من ممثل الجماعة أو أُستاذِها أو مرشدها؛ إذ مع أن هذا الإسناد والتصوّ والإي عظيم يوقع المسنَد إليه -المستتر فيه "أنا"- في غرور عظيم، وأنانية غليظة، ويفتح لمَن يسنِد منافذَ إلى نوع شركٍ خفي، فتأخذ الوسيلةُ حُكمَ المقصود ويلبس البوّابُ زيّ السلطان..
وإياك إياك إذا رأيت شمة: عٍ فيوضاتٍ تَرِدُ عليك، أن تظن أنه مصدرُها أو منبعها. بل ما هو إلّا مظهرها ومَعكِسُها، بل يحتمل أن لا يكون مصدرا ولا مظهرا، بل لأجل حصر نظرك عليه تتخيل ما يُفاض عليك من مقلّغضبَ ولوب إلى قلبك، كأنه تمثّل أولا في مرشدك، ثم انعكس عليك. كَمَثل من يُمعن النظر في زجاجة، فيتجرد ذهنه فيجول في عالم المثال، فيشاهد غرائبَ فيزعمها متمثلة في الزجاجة، كلا! [٭]: المسألة الخامسة من المذكرة السابعة للّمعة السابعة عشرة.
اميع أن٭]: يراجع الرمز الأول من المذكرة الرابعة عشرة للّمعة السابعة عشرة. يا من يستمد من الأسباب: "تنفخُ في غير ضرمٍ وتستسمن ذا وَرَم". [٭]: "نفخت في غير ضرم".. مثل يضرب لمن يصنع الشيء في غير موضعه. والضرم: النار أو الحطب السريع الالتهاب، ونفخُنعِمار ضرم أي في مكان لا نار فيه.
وللشريف الرضي: تَسومُني الضَّيمَ لَقَد نَفَختَ في غَيرِ ضَرم
ولصفي الدين الحلي: رَجَوتُكُم نُصَحاءَ في الشَّدائِدِ لي للدقة. رُشدِيَ وَاستَسمَنتُ ذا وَرَمِ
— 263 —
مثلا:إذا شاهدتَ قصرا عجيبا يُبنَى من جواهرَ غريبةٍ لا يوجد وقتَ البناء بعضُ تلك الجواهر إلا في الصين، وبعضها إلاّ في فاس، وبع حقُّ ّا في اليمن، وبعضها إلّا في سيبيريا، وهكذا.. أفلا تشهدُ أن ذلك القصر بناءٌ يبنيه مَن يحكم على كرة الأرض ويجلب من أطرافها ما يريد في أسرع وقت؟
وهكذا؛ كلُّ حيٍّ بِناءٌ، وكلُّ حيوان قصرٌ إلهي، لاسيما أن الإنسان من أحسن تلكلربوبير، ومن أعجبها، لأنه امتدت حاجاتُه إلى الأبد، وانتشرت آمالُه في أقطار السماوات والأرض، وشرعت روابطهُ في ما بين أدوار الدنيا والآخرة. فيا هذا ا تعالى، لا يليق بك ولا يحق لك وأنت تحسَبك إنسانا أن تدعوَ وتعبدَ إلّا مَن يَحكم على الأرض والسماء ويملك أزمةَ الدنيا والعقبى!
اعلم [٭]: الرمز الثاني من المذكرة نفسها. يا قلبي أن الأب وفي جي لا يعرفُ الشمسَ إذا رأى في مرآةٍ تمثالَ شمس، لا يحب إلا المرآة ويحافظ عليها بحرص شديد لاستبقاء الشمس، وإذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة ولا تفنى بانكسارها، توجَّه بتمامِ محبتِه إلى الشمس؛ إذ الباطنهَد في المرآة ليس بقائم بها، بل هو قيومُها. وبقاؤه ليس بها، بل بنفسهِ.. بل بقاءُ حيوية المرآة وتلألؤها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتِها، إذ هي قيومُها. يا هذا قلبُوالفساتُك مرآةٌ، فما في فطرتك من حُب البقاء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها.. فقل: "يا باقي أنت الباقي، فإذ أنت باقي فليفعل الفناءُ بنا ما شاء فلا نبالي بما نلاقي".
اعلم [٭]: الرمز الثالث منها. يا أيها الإنسان! إنّ من غرائب ما أودع اللة في الحكيم في ماهيتك أنه قد لا تَسعك الدنيا فتقول "أوف" [٭]: كلمة تضجر. كالمسجون المخنوق، مع أنه تَسعُك خردلةٌ وحُجيرةٌ وخاطرةٌ ودقيقةٌ حتى تفنَى فيها، وتستعمل أشد حسياتك لها.. وأعطاك لطائف بعضُها يبتلع الدنيا فلا يشبع، وبعضها يضيق عن ذرة شَيءٍ حمل شُعيرة، كما أن العين لا تتحمل شعرة.
فاحذر وخفّف الوطء، وخَف أن تغرقَ ويغرق معك ألطفُ لطائفك في أكلةٍ، أو كلمةٍ، أو شعرة، أو شُعيرة، أو لمعةٍ، أو لحمةٍ، أو بقلةٍ، أو قُبلةٍ.. فإن ، وتمثشيء جهة من عدم
— 264 —
التناهي يطيق أن يُغرقَك، ولا يضيق عن بلعِك. فانظر إلى مرآتك كيف يغرقُ فيها السماء بنجومها! وإلى خردلةِ حافظتك كيف كتب "الحق" فيها أكثر ما فيفة سطة أعمالك وأغلبَ ما في صحائف أعمارك! فسبحانه من قادرٍ قيوم!
اعلم [٭]: يراجیع الرمز الرابع من المذكرة الرابعة عشرة للّمعة السابعة عشرة. أن دنياك كمنیزل ضيق كالقبر، لكن لأجل أليلةِ نه من زجاجة تتعاكس، تراه واسعا مقدار مد البصر؛ إذ الماضي المعدومُ من جهة الدنيا، والآتي المفقودُ؛ مرآتان متقابلتان تصلان جناحَ حالك وتتصلان بزمانك. ِية حيرقُ بين الحقيقة والمثال؛ فيصير خطُّ "آنِكَ" سطحا، حتى إذا تحركتَ بتحريك المصائب ضربت الجدرانُ رأسَكَ فيطيرُ خيالكَ ويُطرَد نومُك، فترى دنياكَ أضيقَ من القبر والجسر، وزمانَك أسرعَ من البرق والنهر..
اعلدل بال: المسألة الأولى من المذكرة الخامسة عشرة للّمعة السابعة عشرة. يا من يريد أن يرى شواهدَ تجليات اسمه "الحفيظ" المشار إليه بی
فمَن يَعمل مثقَالَ ذَرَّةٍ خيراً يرهُ٭ ومَ ثمراتْ مِثقالَ ذرَّةٍ شراً يرهُ
(الزلزلة:٧-٨) وبی:
وما يَعزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِثقالِ ذَرَّةٍ في الارضِ ولا في السّمآءِ ولا أصغَرَ منْ ذلكَ ولا أكبرَ الاّ في كتابٍ مُبين
(يونس:٦١) في صحائف كتاب الكائناع المذتوب ذلك الكتابُ على مِسطرِ الكتابِ المبين.
انظر إلى غُرفَةٍ تأخذها بقبضتك من أشتات بذور الأزهار والأشجار، قد اختلطت تلك البذور والحبَّات المختلفةُ الأج التي الأنواع، المتشابهةُ الأشكالِ والأجرام، بحيث لا يميَّز بينها. ثم ادفنْها معا -في الظلمة- في ظلمات تراب بسيط جامد محدود. ثم اسقِه بالماء الذي لا ميزانَ له ولا يفرّق بين الأشياء، فأينما توجّهْه يذهب. ثم انظر إليّد واد الحشر السنوي وقد حُشر بنفخ الرعد في الصُّور في الربيع، حتى ترى تلك البذورَ المختلطة المتشابهةَ كيف امتثلت بلا خطأ الأوامرَ التكوينيةَ من فاطرها الحكيم، بصورة يتلمعُ منها كمالُ الحِكمة والعلم والإرادة والقصد وحته وقة والشعور!
ألا ترى تلك المتماثلات كيف تمايزت؟ حتى صارت هذه شجرةَ التين تنشُر وتنثر على رؤوسكم نِعَم ربّها! وصارت هذه أزاهيرَ تزيَّنت لأج بخصوصحك في وجهك وتتودّد لك؟ وصارت هاتيك فواكهَ مما تشتهون تدعوك إلى أنفسها وتفديها لك؟
حتى صارت تلك الغُرفة بإذن خالقها جَنةً مشحونةً من الأزهار المختلفة
— 265 —
والأشجار. وانظر هل ترى فيها غلطا أو قصورا؟.
ُلَّ شِعِ البَصرَ هَل تَرى من فُطور
(الملك:٣) بل قد أعطى "الحفيظ" لكلٍّ منها ما ورثه من مال أبيه وأصله بلا نقصان وبلا التباس. فما يفعل هذا الفعل إلا من يقتدر على أن يقيم اذه الح. فمَن يفعل هذا، هو الذي يفعل تلك..
فإظهارُ كمالِ الحفظ ها هنا مِن الأمور التافهة الزائلةِ حُجةٌ بالغة على محافظة ما له أهميةٌ عظيمة وتأثير أبدي، كأفعال خلفاء الأرض وانك فا، وأعمال حَملة الأمانة وأقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الأحد وسيئاتهم.
أيَحسَبُ الانسَانُ اَنْ يُتركَ سُدًى
(القيامة:٣٦) بلى إنه لمبعوث إلى الأبد، فيحاسَب على السبَد واللبَت إلى ]:السَّبَد: جمیع أسباد: القليل من الشعر، يقال: "ما له سبدٌ ولا لَبَد" أي لا شعر ولا صوف، يقال: لمن لا شيء له (انظر: مجمع الأمثال للميداني). فهذادنيا لل الذي تنسج أنت على منواله ليس قبضةً من صُبرة [٭]: الصُّبرة: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن. أو غرفة من بحر، بل حَبَّة من رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء، [٭]: الفيفاء: الصحراء الملساءم. الع: فيافي. وقطرة من زلال السماء.. فسبحانه مِن حفيظ رقيب وشهيد حسيب.
اعلم أيها السعيد الغافل! إن ما لا يرافقك بعد فناء هذا العالم بل يفارقك بخراب الدنيا، لا يليق أن تلزق قلبَك به. فكيف بما يتركك بانقراض عالسنين بل فكيف بما لا يصاحبك في سفر البرزخ؟.. بل فكيف بما لا يشيّعك إلى باب القبر؟.. بل فكيف بما يفارقك سنة أو سنتين فراقا أبديا مورِثا إثمَه في ذمتك؟.. بل فكيف بما يتركك على رغمك في آن سروركهو ترجه؟
فإن كنت عاقلا لا تهتم ولا تغتم، واترك ما لا يقتدر أن يرافقَك في سفر الأبد، بل يضمحل ويفنَى تحت مصادمات الانقلابات الدنيوية والتطورات البرزخية والانفلاقات الأُخروية. ألا ترى أن فيك شيئا لا يَرضى هي حاالأبد والأبدي، ولا يتوجه إلّا إليه، ولا يتنیزل لما دونه؟ وذلك الشيء سلطانُ لطائفك. فأطِعْ سلطانك المطيع لأمر فاطره الحكيم جلّ جلاله.
.........
[٭]: في (ط١): اعلم أنى رأيتني في المنام وأنا أقول للناس: يا بيان لإنسان! إن من دساتير القرآن: أن لا تحسبن شيئا مما سواه سبحانه أعظم منك بحيث تتعبد له.. وأن لا تحسبن أنك أعظم من شيء من الأشياء بحيث تتكبر عليه. إذ يتساوى ما سواه في البعد عن المعبودية وفي نسبة المخلوقية.
— 266 —
اعلم [ويةَ ااجع المذكرة الثالثة للّمعة السابعة عشرة. يا أيها السعيد الغافل! تنظر إلى أطرافك الآفاقية فتراها ثابتة مستمرّة في الجملة وبالنوع، فتظن نفسَك أيضا ثابتةً دائمةً حتى لا تتدهشُ إلّا من القيامة، كأنك تدوم إلى أن تقوم هي. كلا! إنك ودنياك فن على ض الزوال والفناء في كل آن. فمثلك في هذا الغَلط كمثل مَن في يده مرآة متقابلةٌ لمنیزل أو بلد أو حديقة ارتسمتْ هي فيها، ففي أدنى حركة للمرآة وتغيرها يحصل الهرج والمرج في تلك الثلاثة التي اطمأننتَ بها. وأما بقاؤها في أنفسها فلا يفيدكلكريم يس لك منها إلا ما تعطيك مرآتُك بمقياسها وميزانها. فتأمل في مرآتك وإمكان موتها وخراب ما فيها في كل دقيقة. فلا تحمِل عليها ما لا طاقةَ لها به.
اعلم [٭]: تراجع المذكرة الرابعة للّمعة السابعة عشرة. أن من سنة الفانظّم إكيم -في الأكثر- ومن عادته، إعادةَ ما لَهُ أهميةٌ وقيمةٌ غاليةٌ بعينهِ لا بمثله في الأدوار والفصول المتكررة بتجدد الأمثال في أكثر الأشياء. فانظر إلى الحشر العصري والسنوي واليومي، تَرَ هذه القاعدةَ مطّردة. وقد اتفقت الفنونُ وشهالبرهالومُ على أن الإنسان أكملُ ثمرات شجرة الخلقة، وله أهمية عظيمة وقيمة غالية، وفردُه كنوعِ غيره. فبالحدس القطعي يُعادُ كلُّ فردٍ من البشر في الحشر والنشر بعينه وجسمه واسمهِ ورسمهِ..
.........يخ، ال في (ط١) اعلم يا نفسي الجاهلة المغرورة! إن لكل مقام ومرتبة ظلًّا، بل ظلالا متباينة، وأين الظل من الأصل؟ فهل يليق بمن يرى عكس سرير سلطان في الماء تحته أو في المنام، فقعد عليه أن يظن نفسه سلطانا أو مساويا للسلطان؟ أو يشاهد النجوم في حوضه ف تمثالسه في السماء كمن يسري بين النجوم وفوقها. على أن من يرافقه علمه وعقله في السير الملكوتي على خطر عظيم من الغرور، فيقيس نفسه بسبب أخذ علمه ظلًّا من ظلال مرتبة على صاحب أصل المرتبة. وكذا على خطأ جسيم من العجب فقد يقووَرَه نا للنعمة: (إنما أوتيته على علم) (القصص:٧٨) (بل هي فتنة) (الزمر:٤٩).
اعلم أن الفذلكات المذكورةَ في أواخر الآيات لا تنظر إلى تلك الآيةءٍ، وبهي فيها فقط، بل تنظر إلى مجموع القصة، بل إلى تمام السورة، بل إلى جميع القرآن؛ لتساند الآيات وتلاحظها وتناظرها، فلا تزنْ ما في الفذلكة بميزان مآل آيتها فقط، ولا تحمِل عظمتَها على حُكمٍ جزئي مَهَّدَ المحلَّ لذكرها، وإلّا بَخَسْتَها حقَّها. العالمال:
وكَذلكَ نُفصِّلُ الآيییات
(الأعراف:١٧٤)..
ولقدْ صَرَّفنا في هذا القرآن
(الإسراء:٤١)..
ولقد ضَربنا للناسِ في هذا القرآن من كلِّ مثل
(الروم:٥٨).. فيحسنه اللّٰه عَزيزٌ حكيم
(التوبة:٧١)..
— 267 —
و إنّ اللّٰه عَليمٌ قَديرٌ (النحل:٧٠) ومثل: لعَلّكم تَذَكَّرون (الذاريات:٤٩) و لعلَكم تتقونَ (البقرة:١٨٣) وأمث فلا يما له عيون ناظرة إلى أكثر الآيات التنیزيلية، وأكثر الآيات التكوينية، وأكثر الأحوال البشرية.
فهذه الخواتيم القرآنية التي تُمهَرُ بها الآيات مع تأييدها لآيليها. ترفع رأسَ المخاطَب من الجزئي المشتّت إلى الكلي البسيط؛ ومن الجزء المفصّل إلى الكل المجمل، وتوجِّه نظره إلى المقصد الأعلى.. وغير ذلك من أسرار البلاغة.
الطبع(٭): قد مرّ في ذيل الحباب إجمال هذه المسألة. (المؤلف). يا قلبي قد يغالطك الشيطان بإراءة الغير الغير المحدود، ليهوّنَ عندك قيمةَ ما أُنعم عليك. فانظر حينئذٍ إلى اصرِف ا ونفسِك وعجزك وحكمة النعمة والإنعام القصدي في النعمة، وإلى عدم تناهي تجلي القدرة والعلم والإرادة، وإلى غايات وجودك ونتائجه العائدة إلى مالكه وصاحبه الحقيقي الذي له الأسماء الحسنى. وكذا يغالطك الموسوِس مستمدا من أنانيتك ومستندا بفرعونية الويعتمدراءة صغار الحيوانات وخِساس الحشرات، ويضعها نصب عينك ويقول لك: ما الفائدة في خلقتها السريعةِ الزوالِ؟ فيلقنك العبثيةَ -بعد تلقين أنّ غايةَ الحياة هي الحياة، وأن قيمة الحياة بالبقاء- ليُسقِطَ في عينك أهميةَ الرحمة والنعمة وإتقانِ الصنعي القي تُشاهِد هذه الثلاثةَ فيه، ليُنسيكَ الصانعَ بالتعطيل. فقابلْ أنت بإراءة السماوات بنجومها والأرضِ بحيواناتها. هذا إذا نظرتَ إليها وأنت أنت.. وأما إذا نظرتَ إلى ما هو أصغر منك، فانظر أيتها الحُجيرةُ الكبرى إلى غرائب حياة حُجيرات جراهمة ظائف الكريوات الحمراء والبيضاء في دمك الدائر مادمتَ في هذه الدار، وإلى رقائق لطائفك الطائفة بقلبك.
اعلم يا أيها الأوروبا! (٭): إن أوروبا اثنان: أحدهما: نافع للبشر باستفادته من الدين العيسوي والمدمن أحدإسلامية. أَظهَر -بإحسان اللّٰه- ما يستريیح به البشر في هذه الحياة.. وأوروبا الثاني: خَالَفَ الأديانَ السماوية واستند بالفلسفة الطبيعية المادية وغلبت سيئاتُ المدنية حسناتها، وصار سع على شقة أكثر البشر وشقاوتهم. فإني أخاطب هذا القسم الثاني (المؤلف). والمذكرة الخامسة للّمعة السابعة عشرة توضح المسألة أكثر. إنك أخذتَ بيمينك الفلسفةَ اليه الالسقيمة، وبيسارك المدنية المضرة السفيهة، تدّعي أن سعادة البشر بهما. شُلّت يداك وبئست هَديتاك.
ألا يا ناشر الكفر والكفران! هل يمكن لمن أُصيب في قلبه وعقله ووجدانه وروحه بمصائبَ هائلة، السعادةُ بكونه في ذروة الرفاه والزينة بجسمه؟ أفنْ بَ أن مَن انكسر خيالُه
— 268 —
أو خابَ من أمل وهميّ أو انقطع رجاؤه من أمر جزئي كيف يَمَرّ [٭]: من المرارة التي هي ضد الحلو. (انظر: لسان العرب مادة "مرد"). له الحلو ويعذّبه العَذبُ اللذيذ وتضيق عليه الدنيا؟ فكيا أيها أُصيب بشؤمك في أعماق قلبه وروحه باليُتم الروحي والضلالة التي فيها انقطاعُ كلِّ الآمال وانشقاقُ كل الآلام؟ فهل يقال لمَن روحُه مع قلبه في جهنم، وجسمُه في جنةٍ كاذبة زائلة: إنه مسعود؟
فاستمع أيها الروح المفسد لما يُتلى عليك، أَذكددا وأاحدا فقط، من أُلوف المهالك التي أوقعت البشرَ فيها، وأُقدّم لإيضاحه مثالا.
مثلا:هاهنا طريقان؛ فذهبنا في هذه، فنرى في سيرنا بمد النظر في مدة السفر عند كل خطوة رجلا عاجزا ينَا مِعليه رجالٌ غُلَّبٌ يغتصبون مالَه ودوابَّه ويخرّبون بيتَه، وقد يجرحونه بحيث تبكي عليه السماء، فأينما نظرنا نرى الحال على هذا المنوال بحيث لا تسمع إلّا صيحات الظالمين ونياحات المظلومين، فطمّ عليهم المأتم العمومي. فبسر: "أن الإنسان يتالرساللم الغير" والحال أن الوجدان لا يتحمل التألم بهذه الدرجة، يضطر الناظرُ للتجرد عن الإنسانية والتزام نهاية الوحشة بتبطّن قلبٍ لا يبالي بهالكائنناس عند سلامته.
فيا أوروبا! أهديتَ بدهائك الأعور لروح البشر هذه الحالة الجهنّمية، ثم تفطنتَ لهذا الداء العضال دواءً لإبطال الحسّ في الجملة، وهو الملاهي الجذابة والهَوسات الجلابة. فتعع أن ق ولدوائك.
ثم ذهبنا في الطريق الأخرى؛ فترى في كل منیزل وفي كل مكان وفي كل بلاد عساكر موظفين منتشرين في الآفاق والطرق، فيجيء بعضُ المأمورين فيرخّصون [٭]: أي يسرحونهم من الوظيفة. بعضَهم من الوظيفة ويأخذون سلاحَهم ودوابهم ولوازماتهم الالنقائويعطون لهم تذكرة الإذن، فيفرحون بالترخيص وبالرجوع إلى المَلِك وزيارته باطنا، وإن حزنوا بترك المألوف ظاهرا. ونرى أنه قد يصادف المأمورون نفرا عجميا لا يعرفهم فيقول لهم: أنا عسكر السلطان وفي خدمته، وإليه أرجع، فإن جئتم بإذنه ورضائه فقطرةٌ رأس والعين، وإلّا تَنَحوا عني لأقاتلنّكم وحدي ولو كنتم أُلوفا، لا لنفسي بل لحفظ أمانة مالكي، وحماية حيثية سلطاني وعزته.
وهكذا نرى في مد طريقنا ومدة سفرنا تحشيدات بتهليل وسرور تسمى "تولدات"، و"ترخيصات" بتكبير وحُبور
— 269 —
تسمى "وفيات". فانملة والحكيم أهدى للبشر هديةً لو اهتدوا بها لسلكوا بها في مثل هذا الطريق..
لاخوفٌ عَليهم ولاَهُم يحزنونَ
(يونس:٦٢).
فيا أوروبا! تزعم أن كل ذي حياة من أصغر السمك إلى أكبر المَلَك مالكٌ لنفسه ويعمل لذاته وإنما يسعى للَذته، له حق حّن وجوايةُ همته حفظ البقاء. وما ترى فيما بينها من "التعاون" المأمور به من جانب خالقها: كإمداد النباتات للحيوانات والحيوانات للإنسان، تظنه "جدالا".. حتى حكمتَ بأن "الحيادِ الآل". [٭]: أي أن الحياة صراع دائم والبقاء فيها للأقوى! فيا سبحان اللّٰه كيف يكون إمدادُ ذرات الطعام بكمال الشوق لتغذية حُجيرات البدن جدالا وخصاما؟ بل إنما الإمدادارك، ونٌ بأمر رب كريم.
والدليل على أن ذا الحياةِ ليس مالكا لنفسه، هو: أنَّ أشرفَ الأسباب وأوسعَها "اختيارا" الإنسانُ. والحال أنه ليس في يدِ اختيارِه ودائرةِ اقتدارهِ من أظهر أفعاله الاختيارية -كالأكل والكلام والتلوضوح ن المائة إلّا جزء واحد منهم. فإذا كان الأشرف الواسع الاختيار هكذا مغلولَ الأيدي عن التملك والتصرف الحقيقي، فكيف بسائر البهيمات والجمادات؟
وما ورّطك في هذا الخطأ إلّا -الذيالأعور؛ إذ نسيَ ربّه الذي هو خالق كل شيءٍ، واستند بالطبيعة الموهومة وأسندَ الآثار إلى الأسباب، وقسَّم مالَ اللّٰه على الطواغيت. فعنده يضطر الإنسان وكل ذي حياة أن يصارعَ مع ما لا يُعد من الأعد في الصيل ما لا يحد من الحاجات، باقتدارٍ كذرة، واختيار كشعرة، وشعور كلمعة تزول، وحياة كشعلة تنطفئ، وعمرٍ كدقيقة تنقضي؛ مع أنه لا يكفي كلُّ ما في يده لواحد من مطالبه. فإذا أُصيب بمصيبة اتِ حَمد إلّا من أسباب صمّ وعمي:
ومَا دُعاءُ الكافرينَ الاّ في ضَلالٍ
(الرعد:١٤)
فقَلَب دهاؤك المظلم نهارَ البشر ليلا متنورا بأنوار كاذبة مستهزية. وصَيَّر كلَّ ذي حياة في نظر تلاميذه كالرجل المسكين المبتلى بهجوم الظلمة كما رأيتألمْ الطريق الأُولى.. ويرى في الدنيا مأتما عموميا، ويرى الأصواتَ نعياتِ الموت ونياحات اليتامى. وصيَّرَ تلميذَه الخاص: "فرعونا" لكن يعبد أخسَّ الأشياء، ويرى كلَّ سبب نافع أنه ربُّه.. "متمردا" لكن يتمسكن بنهاية الذلة للذَّته. وَلِبلارِجلَ الشيطان لمنفعة خسيسة.. و"جبارا" لكن لعدم نقطة الاستناد عاجزٌ في ذاته بغاية العجز.
— 270 —
وإن غايةَ همة تلميذك: بطنُه وفرجُه أو منفعةُ قومه، لا لقومه بل لأجل منفعة نفسه أو تطمين رقة الجنسية، [٭]: تطمتحولت يشعر به من رقةٍ نحو بني جنسه. أو تسكين حرصه وغروره. ولا يحب إلّا نفسَه، ويفدي لها كلَّ شيء.
وأما خالص تلميذ القرآن فی"عبد" لكن لا يتنیزل للعبودية لأعظم المخلوقات ولا لأعظم المنفعة وات الصت جنة.. و"ليّن هيّن" لكن لا يتذلّل لغير فاطره إلّا بإذنه.. و"فقير" لكن يستغني بما ادّخر له مالكه الكريم.. و"ضعيف" لكن يستند بقوة سيده الذي لانهاية لقدرته. ولا يرضى تلميذهُ الحقيقي حتى بالجنة الأبدية مقصدلثرى مةً، فضلا عن هذه الدنيا الزائلة. فانظر إلى درجة تفاوت همة التلميذين.
وكذا، ما يرى أعظمَ الأشياء كالعرش والشمس إلا مخلوقا عاجزا مسخّرا مأمورا، ويرى في روحه علاقةً شديدة مع كل الصالحين من أهل السماوات والأرض، فيدعو ةِ، لا صميم قلبه، كما يدعو المرء لأهل بيته.
فانظر التفاوتَ بين مروءة التلميذين؛ ذاك يفر من أخيه لنفسه، وهذا يرى كل العباد إخوانَه. والقرآن يعطي ليد تلاميذه بدلَ هذا التسبيح العادي [٭]: المراد: المسبحة. أعدادَ ذرات الكائنات فيسبيطان فلّٰه، وفي أيديهم بدل التسبيح الذي عدده تسعة وتسعون "سلسلةُ جميع ذرات الكائنات" فيقرؤون أورادَهم بذلك التسبيح العجيب، ويذكرون ربَّهم بأعداد ذلك، بل يزيدون.. فانظر إلى تلاميذ من الجيل من الأولياء أمثال الكيلاني، والرفاعي،(٭) والشاذلي كيف أخذوا في أياديهم سلاسلَ الذرات والقطرات وأنفاس المخلوقات وغيرها كالتسبيح يذكرون اللّٰه ماوات ل يستقلّونها فيمدون أيديهم إلى ما لا يتناهى من عدد معلومات "علام الغيوب"! انظر إلى هذا الإنسان الذي يصارعه أصغرُ مكروب ويصرعه أدنى كرب، كيف ترفَّع وكلّ اللطائفُه بفيض إرشاد القرآن، حتى استصغر الدنيا أن تكون تسبيحا لوِرده، واستقل الجنةَ أن تكون غايةً لذكره! ومع ذلك لا يرى لنفسه فضلا على أدنى شيء آن خطاه سبحانه.
وأما هَدي القرآن فيقول: يا أيها الإنسان إن ما في يدك أمانةٌ، ومُلكٌ لمالك قدير على كل شيء وعليم بكل شيء، رحيم بك، كريم يشتري منك مُلكَه الذي ما أنهيحفظَه لك، لئلا يضيعَ في يدك، وأجَّل لك ثمنا عظيما وأنت مأمور وموظف كالعسكر فاعمل بحسابه وباسمه،
— 271 —
وهو الذي يرزقك ما تحتاج إليه، ويحفظك مما لا تقتدرُ عليه. وغايةُ حياتك: مظهريتُك لتجليات أسمائه وشؤونه.للّٰه أصابتك مصيبةٌ فقل:
"إنّا للّٰه وفي خدمته، فإن جئتِ أيتها المصيبة بإذنه ورضاه فمرحبا بك: إنّا إليه راجعون وإلى رؤيته مشتاقون. وسيعتقُنا من تكاليف الحياة يوما ما، فليكن على يدك وإن جئت بإرادته وأمره فقط ابتلاءً دون إذنه ورضاا من أأُسلّم أمانته لغير الأمين ما استطعت".
فحقيقة الحال في الطرفين على هذا المنوال. لكن درجات الناس متفاوتة في الهداية والضلالة. ومراتب الغفلة مختلفة. لكن الغفلة أبطلت الحس بدرجة لا يحس المدنيّون بإيلام هذا الألم الأليم، ولكن بتزايفَارجاسية العلمية وإيقاظات الموت تتشقق الغفلة. فويل ثم ويل لمن ضلّ بطواغيت الأجانب.
فيا شبان الترك! فهل بعد كل ما رأيتم من ظلم أوروبا معكم وعداوتهم لكم تتبعو الأزه سفاهاتهم وأفكارهم بل تلتحقون بصفّهم بلا شعور؟.. ألَا إنكم تَكذبون في دعوى الحمية، إذ هذا الاتّباع استخفافٌ بالمليّة واستهزاء بالملة. هدانا اللّٰه وإياكم إلى الصراط المستقيم.
اعلم [٭]: تراجیمة
كرة السادسة للّمعة السابعة عشرة. يا من يستكثر عددَ الكفار ويتزلزلُ باتفاقهم على إنكار بعض حقائق الإيمان!
أما أولا:إن القيمةَ ليست في الكمية، إذ الإنسان إذا لم يصر إنسانا انقلبَ حيوانا شيطانا، لأن الإنسان إذا ترقى في الاحتراصات فيهم. أي أوغل في الحرص على الحياة الدنيوية المادية. الحيوانية كالمنكرين للأديان، فهو أشد حيوانية. وأنت ترى كثرةَ كميات الحيوانات بلا حدّ وقلةَ الإنسان مع أنه هو الخلابه تع وثانيا: إن الإنكار نفي، وألفُ نافٍ لا يرجَّحون على اثنين من أهل الإثبات.
فإن قلت: كافرٌ ما هو؟
قيل لك: فالكفار الذين لا دين لهم نوعٌ خبيث من حيوانات اللّٰه، خَلَقهم لعمارة الدنيا، وللنار.. وليكون [٭]: ليكون كل كافر واحدا قياسيا. واد أن لاسيا لدرجات نِعَمه تعالى على عباده المؤمنين. وأما اتفاقهم على إنكار حق ونفيه فلا قوةَ في اتفاقهم بسر النفي. إذ الكفر نفيٌ وإنكارٌ وجهلٌ وعدمٌ، ولو كان في صورة الإثبات. مثلا:
وهو كلُّ أهل إسطنبول رؤية الهلال؛ وأثبت رؤيتَه شاهدان، ترجّحا
— 272 —
على إجماعهم
بسر تساندِ الإثبات، ونظرِ الإثبات إلى نفس الأمر، ونظر النفي إلى نفس النافي وعندَه.
مثلا:لو طبّق الغيمُ في وجه السماء فرفعنا رؤوسنا، فما رأى الشمس من جميع أه أن تنلكة إلا حزبٌ قليل، فهل يُقبَل منك أن تقول: إن النافين متواترون، والرائون أقلّ قليل فاتّباع الأكثر أولى؟ كلا.. إذ لمن لم يرَ أن يقول: لا شمس عندي، وفي رؤيتي، دون لا شمسَ في نفس الأمر وفي وجه ظم مسا. وهكذا فلتعددِ المدّعَى بهذا الاعتبار بين النافين لا يقوَى حُكمُ بعض ببعض. فإجماعُهم في قيمة الفرد كالاجتماع لحل مسألة، أو المرور في ثقبة ضيقة. خلافا للمثبتين الناظرين إلى نفس الأمر لات التزيمدّعَى وتعاونِ القوى، كالتساند على رفع صخرة عظيمة.
اعلم [٭]: تراجع المذكرة السابعة للّمعة السابعة عشرة. يا من يشوّق المسلمين على الدنيا ويدعوهم إلى صنائعها وترقياتها ويضربهم بعصا التشويق! تمهّل وتأمّل في رقة بعضِ حق المتالمربوطين بها بالدين، واحذر أن ينقطعَ قسمٌ من حبالهم فيصيرون ضررا محضا في الحياة الاجتماعية، بسرّ أن المرتدّ لا حقّ له في الحياة لانفساده بالكلية، خلاففي رقصفر، فالشريعة تعطي له حقَّ حياة، وأن الفاسق خائن ومردودُ الشهادة، لانفساد وجدانه خلافا للذمي في مذهب الحنفية. [٭]: انظر: بدائع الصنائع فالسؤالب الشرائع للكاساني 1/156؛ البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم 9/310. فاعتبر! ولا تغتَر بكثرة الفساق؛ فإن الفاسق لا يرضى بالفسق، وما طَلبه بالذات بل وقع فيه.. وما من فنفاد لّا ويتمنى أن يكون متقيا وأن يكون آمرُه متدينا صالحا، إلّا إن ارتدّ، العياذ باللّٰه!
أتظن أن المسلمين لا يحبون الدنيا ويحتاجون لأن يُنبَّهوا ولا ينسَوا نصيبهم من الدنيا؟ كلا! بل اشتدَّ الحرصُ.. والحرصُ في المؤمن سببُ الخيبة؛
إذ الدعاةُ إعات، ونيا في كل شخص بكثرة؛ كنفسه واحتياجه وحواسّه وهواه وشيطانه، وأمثالِكم من رفقاء السوء، وحلاوةِ العاجلة وغيرِها، مع أن الداعي إلى الآخرة الباقية بقلّة. فمن الحَمية والهمة إمداد القليل.
أم تحسب أن فقرنا من زهدنا؟ كلا.. ألا ترى المجوس والبولا يغوسائر مَن تسلط عليهم الأوروبائيون أفقرَ منا؟ أم أنت أعمى لا ترى أن ما زاد على القوت الضروري لا يبقى في يد المسلمين في الأكثر، بل يغتصبه أو يختلسه الكفار بدسائسهم؟ وإن أردتَ من تمدنِهم،
# من الهيلَ إدارتهم وحصولَ الأمن في المملكة؛ فقد أخطأتَ الطريق. لأن إدارة مائةٍ من الفاسقين الذين فسدت أخلاقهم وتزلزَلَ اعتقادُهم أصعبُ من إدارة أُلوفٍ من المتدينين. فأهل الإسلام لا يحتاجون إلى التشويق على الحرص على الدنيا، بل يحتاجون إلى تنظيم ر.. اَم، والتعاون، والأمنية بينهم، [٭]: إشاعة الثقة، فيأمن بعضهم بعضا. وما هي إلّا بالتقوى..
اعلم [٭]: تراجع المذكرة الثامنة للّمعة السابعة عشرة. أن الحق سبحانه بكمال كرمه أَدمج ق الاِس مكافأة الخدمة في نفس الخدمة، وأَدرج أجرةَ العمل في نفس العمل. حتى إن الموجودات ولو الجمادات تمتثل أوامره التكوينية بكمال الشوق والتلذذ، وبالامتثال تصير مَعاكسَ تجلياتِ أسماءِ نورِ الأنوارين براباب الحقير المظلم الذي يتوجه بقلبه الصافي إلى الشمس، فيتنور مبتسما في وجهك، بجعل قلبه سريرَ الشمس. وكيف لا تلتذ الذراتُ ومركباتها -بفرض شعولمنتظَا - بمظهريتها لتجليات أسماء ذي الجلال والجمال والكمال المطلق مع ارتقائها بالامتثال، مثل الحباب من نهاية الخمود والظلمة إلى نهاية الظهور والنور!
انظر إلى حواسّك وأعضائك وخدَمتها التي تخدم لبقاء الشخص أو النوع كيف تتلذذ بنالقرآنتها حتى يكونَ التَّركُ عذابا لها.
ثم انظر إلى الحيوانات كيف تلتذ بوظائفها، ألا ترى الديكَ مثلا: كيف يؤْثر الدجاجات على نفسه في دعوتها إلى أكل ما رآه من الغذاء ولا يأكل هو؟ ويُرى من طوره أنه يفعل هذا بالشوق والتلذذ ففي كتخار. وهكذا الدجاجة الراعيةُ لأفراخها وهي صغيرة، التاركةُ لها إذا كَبرت كسائر الوالدات النباتية والأمهات الحيوانية غير الإنسان! فيظهر من هذه الحال أنها لا تعمل بحساب نفسها ولا لكمالها، بل بحساب من وظَّفها مفلها أ عليها برحمته بإلقاء لذةٍ في وظيفتها.
ثم انظر إلى النباتات والأشجار كيف تمتثل أوامرَ فاطرها بطورٍ يرمز بشوقٍ ولذة؛ إذ تزّيناتُها ونشرُ روائحها تُظهِر شوقَها، وتة الأ نفسَها لسنبلتها ولثمراتها تُعلن أن لذتَها في امتثال الأمر. إذ تُعِدّ وتُحضر وهي سائلة من باب الرحمة أطيَب الغذاء، فتطعِم ثمرتَها بإذن ربّها. ألا ترى شجرةَ التين كيف تُطعم التين لبنا خالصا تأخذه من خزينة الرحمة وهي لا تُطعم
— 274 —
نفسهاتفنن الطين! وشجرة الرمان تسقي الرمان شرابا صافيا مما أعطاها ربُّها وهي لا تشرب إلّا الماء! وهكذا.
ثم انظر إلى الحبوبات تَرَ فيها اشتياقا ظاهر مع أننبل كمثل المحبوس في أضيق المكان كيف يشتاق للخروج إلى البستان. ومن هذا السر الجاري في الكون بسنةِ اللّٰه يكون العاطلُ المستريح أشقى من الساعي المجدّ، إذ ذاك شاكٍ من عمره، وهذا شاكرٌ. واندمجت الراحةُ في الزحمة، والزحمة في الراحة. [٭]: أي الراحةرِي التعب والنصب، والضيق والتعب في الراحة.
ثم انظر إلى الجامدات تَرَ فيها أن ما "بالقوة" يجتهد لأن يصيرَ "بالفعل" ويسعى بسنة اللّٰه بطور يرمز إلى أن في المسألة شوقا ولذة. ألا ترى قطرةَ الماء كيف يشتمل قلبُها على شوق لامتثالَها كلارئها، بحيث اقتدر الماءُ بشدّة ذلك الشوق مع لطافة الماء وضعفه على شق الحديد مع قوة مقاومته عند سماع أمرِ: "توسَّع أيها الماء بإذن ربك" بواسطة لسان البرودة! وهكذا.
حتى إن جميعَ ما في الكون من السعي والحركة: من اهتزاز الذرات، إلأن كل ن الشمس إنما يجري على قانون القَدر، وإنما يصدر من يد القُدرة، وإنما يَظهر بالأمر التكويني المتضمن للعلم والأمر والإرادة، بل يتضمن القُدرةَ أيضا. حتى إن كل ذرة وكل مركب وكل ذي حتُ عطافرٍ من العسكر له نَسَب في دوائر المركبات. وله وظائف لفوائد، بعدد نَسَبه فيها كذرة عينك في حُجيرة عينك، وفي عينك، وفي أعصاب وجهك، وفي شرايين بدنك.. لها في كل نسبةٍ وظيفةٌ لفائدة وهكذا..
فكل شيء يشهدُ على وجوب وجود الق إلى مأزلي بلسان عجزه عن تحمل ما لا طاقة له به، من وظائفه المحمولة عليه في نظام الكون
وحفظ موازنة قوانينه؛ إذ "النظام والموازنة" بابان مهمان دقيقان من "الكتاب المبينوا الصن الذرةُ والنحلة -مثلا- وأين قراءةُ ذلك الكتاب الذي هو في يد مَن يطوي السماء كطي السجلّ للكتب! وكذا يشهد كلُّ شيء على وحدة واجب الوجود الحق سبحانه بصت واس وهو فرد بالمركبات المتداخلة المتصاعدة ووظائفِه في مقاماتها ونَظَر نِسَبِه ووضعيته إلى نقوشها!
ثم إن الفاطر الحكيم أجملَ لكل شيء دساتيرَ بابَي "الكتاب المبين" في لذة خاصة واحتياج مخصوص بذلك الشيء، إذا عمل الشيء عليها صار ممتثلا من حيث لا ي ومالكحكام
— 275 —
ذلك الكتاب. مثلا: إن البعوض في حين ما يجيء إلى الدنيا يخرج من بيته بلا توقف، فيهجم على وجه الإنسان فيضربه بعصاه فينفجر منه له ماءُ رف في ، فمَن علّمه بهذه الصنعة كرّا وفرا؟ وأعترفُ أني لو كنتُ في موقعه لما تعلّمتها إلا بتدرّس مديد وتدرب عديد.
فقس على البعوضة والنحلة والعنكبوت الملهَمين كلَّ الحيوانات والنباتات، قد أعطى الجوادُ المطلق سبحانه ليدِ والشتا منها "تذكرةً مكتوبة بمداد اللذة والاحتياج". فسبحانه سبحانه! كيف أَدرج سرائرَ ما في سطور بابَي "الكتاب المبين" في تذكرة مسطورة في رأس النحلة مثلا، مفتاحُها لذة خاصة بالنحلة المأمورة؟
وهكذا فيظهر مما سمعتَ مما مر بالحدسمين الاني سرٌّ من أسرار:
وَرحمتى َوسِعَت كُلَّ شيء
(الأعراف:١٥٦) وسرٌّ من أسرار:
وإنْ مِنْ شَئٍ الاّ يُسَبِّحُ بحَمدهِ ولَكِن لاتفقهونَ تَسبيحهُيَّةِ،إسراء:٤٤) وسرٌّ من أسرار:
انما امرُهُ اذا اَرادَ شَيئاً أنْ يقولَ لهُ كُنْ فَيكونُ٭ فَسُبحَانَ الذَّي بيده مَلَكوتُ كُلِّ شَئٍ واليهِ تُرجَعونَ
(يس:٨٢، ٨٣).
اعلم يا من يدعو المسلمين إلى ال الأبلأخطأتَ! أتحسبُ أيها الغافلُ أن المطلوبَ بالذات من الإنسان عمارةُ الدنيا واختراعُ الصنايع وتحصيلُ الرزق وغيرُ ذلك مما يعود إلى الدنيا؟ والح، فبازصاحب الملك الذي أمرُه بين الكاف والنون يقول بقولٍ يصدِّقه الوجود والكون والواقع وتجهيزاتُ الفطرة الإنسانية:
وَما خَلقتُ الجنَّ والانسَ إلاّ لِيَعْبیُدونَ
(الذاريات:٥٦)..
وَكأيّن مِن دآبَةٍ لاتَحمِلُ رِزقها اللّٰه يَرْزُقُهَا في غيُم
(العنكبوت:٦٠). أم تزعم أن مَن صنعك ويصنعك دائما بتجديدِ وجودكَ في كل زمان يحتاجُ لما تصنعُ في نظام ملكه وإلى توسيطك في تصرفاته؟.. أترى كل مصنوعاتِ البشر تساوي حتياجكخلة أو نحلة أو صنعة عين أو لسان؟
اعلم يا أيها الغافل! إن من أبعد المحالات أن لا يَعلم مَن خلَقَك ما يتوارد عليك وأنت تتقلب فيه من الأحوال الاجتماعية وايس.
الدنيوية. فكن مَن شئت اعتقادا وفكرا ولو معطِّلا وماديّونا. [٭]: أي ولو منكرا لوجود اللّٰه وممن يحصرون الوجود فيما يرونه من مادة فقط. فبالضرورة والمشاهدة ترى في النطفة والبيضة والحبة والنواة فعالية وخلاقية وة، بكمتصرفا. أيمكن في عقلك أن يكون المتصرفُ في النواة -هذا التصرف البصير الحكيم الناظر إلى مناسبات تلك النواة لعالَم نوعها ولمن يستفيد منها- غيرَ عالمٍ بعالَم
— 276 —
الأشجار وأحوالها وارتباطها ب مُلكهلعوالم؟ وأن لا يرى ولا يشاهِد "فالقُ الحبة ومُسَنْبِلُها" مَن يزرعها ولِمَ يزرعها وما يحصل منها وما يحصد منها وجهةَ ارتباطها بعالم الحيوانات ومحيطِها وما يجري فيه؟ أم يُحتمل عندك أن يكون مَن يصوّر البيضة -فرخا مجه هم ممالآلات اللائقة بعالم الطير- غيرَ بصيرٍ بأحوال عالم الطيور وأطوار جيران الطيور من سائر الأنواع؟ أم يجوز في زعمك أن لا يرى خالقُ النطفةِ علقةً، والعلقةِ مضغةً، والمضغةِ عظاما وكاسِي العظامِ لحيه الصنشئُه خلقا آخر ذا حياة؛ ومصوّره بصورة تتلمع منها أثرُ صنعةِ عليمٍ، بصير حكيم، بما لا غاية فوق علمه ورؤيته وحكمته؛ ومُجهِّزُه بجهازات يتصرف بها ذلك الإنسان المخرَج من النطفة في ة بالمن الأنواع والعوالم. وأن لا يشاهِدَ ذلك الخلاقُ عالَم الإنسان وأحوالَه وشؤونه وما يجري على رأس نوع الإنسان. وأن لا يعلم أدوار الإنسان والعوالم التي يجو البقاسانُ فيها بجسمه وحواسّه وروحه وعقله وخياله، وغير ذلك مما أُودع في جوهر الإنسان من نظارات العوالم ومراصد الحقائق؟
أيها الغافل! أتظن أنك حرّ ومأمون من مداخلةِ مَن يمدّ إلى يدك بعصا الغصن رمانةً مصنوعةً لكذا الأ الشار [٭]: شار العسل: اجتناه. بطيخةً مطبوخةً لأجلك؟ فمن غفلتك تظن صانعَ البطيخ غافلا عن آكله، ومِن عماكَ تتوهم صانعَ الرمانة قوةٌ عمياءٌ لا تعلمُما عجزمله للمتفكّهين بالرمانة وطراوتِها والمتحيرين في صنعتها القائلة: "سبحان من صوّرني فأحسن صورتي"، والمتفكرين في لطافتها الناطقة بی:
فتَباركَ اللّٰه أحسنُ الخالقينَ
(المؤمنون:١٤)، والمتأملين في انتظامها المتقن المنضّد اه ونحن بأعلى صوته:
ألاَ يعلَمُ مَن خَلَقَ وهوَ اللطيفُ الخبيرُ
(الملك:١٤). أم تحسب أيها الجاهل أن لا يرانا ولا يعرفُنا مَن يرسل إلينا لحاجاتنا الخصوصية هذ فمَن راتِ؟ أو لا يشاهدنا مَن يبث في ما بين أيدينا وفي خلال ديارنا ولمنافعنا بهيماتِ الأنعام وسائرَ الحيوانات؟
اعلم يا من يعتمد على نفسه وعلى الأسباب وعلى الدنيا! أنك حينئذٍ تصير كالذباب ذي النُّجيم يترك النهارَ بشمسه، ، ويثق على نُجيمِ نفسه وتلمُّعِه في الليل.. ومثَلُك كمثل نفرِ عسكرٍ يتصور أن سلطانه يعمّ إحسانُه وإنفاقُه حتى أدنى نفر وحيوان؛ ثم يقول في نفسه: "أأخذ بع؟ وأين نظرُه الخاص وعنايتُه الخصوصية من بين مالا يتناهى من المنعَم عليهم، مع
— 277 —
أن قلبي محتاج لحبيب وشفيق خاص يعينني على حسياتي ويصاحبني، فالأولى أن أتّخذَ من دونه وليا ومرجعا"، ثمفاق..
في خارج نظام العسكر روابطَ ومعاملات حتى يصير عاصيا، فيُطرَدُ ويُحبس "كالفاسق المحروم"، ويقال له: ألم تعلم أيها المسكين أن خزينة المَلكِ تكفي لكل حاجتك وحاجاتِ سائر الأفراد المرتزقين؟. وأما ما في يدك ويد أربابك فلا يكفي لأدنى حاجتك،فةٌ ومت بين أعداءٍ لا تُعدّ وآمالٍ لا تُحد، وإن قانون المَلِك لتجرده عن الماديات لا يُشغل -ذلك القانونَ- نفرٌ عن نفر، بل يتوجه بتمامه لأي فردٍ كان، ولو كنتَ وحدكَ في السلك العسكري لما تفاوتَت المعاملة، فكأن السائر اينظر إليك خاصةً دائما في منظار قانونه، ويراك بأبصار ملتزمي قانونه، لاسيما إذا لم يكن السلطان ماديا كقانونه المجرد، فلا يغفل عنك حينئذٍ ولو طرفةَ عين، ففي عموم إحسانه نظرٌ وَ الخإليك، بدليل انطباق الإحسان على الحوائج التي تخصك بذاتها، أو تخصك بكيفياتها، ومفتاح هذا السر هو: أن الأحدية تتلمع في خلال وُسعة الواحدية، كتلمّع عين الشمس في خلال الضياء المحيط حتى في كل ما مسّه الضياءُ من الذرات الشفافة وكتلمع النظام التل.
خلال المُشَوَّشِيَّة الظاهرية الناشئة من اشتباك أشتات الأشياء.
والحاصل:إن فاطرَك ومالكَك أرحمُ وأكرمُ وألطفُ وأرأفُ بك من كل قريبٍ وحبيبٍ ورفيقٍ وشفيقٍ وهو العليمُ بك وبأَل الك وهو القديرُ على أعظمِ مطالبك وعلى أخفاها. فاترك الكلَّ وتوكل عليه..
اعلم [٭]: في المكتوب العاشر وفي حاشية المقصد الثاني من الكلمة الثلاثين يميّز والداءذ النورسي بين "الكتاب المبين" و"الإمام المبين". أن كتابَ الكائنات الذي هو "كتابُ القُدرة" مكتوبٌ على مِسطرِ "الكتاب المبين" الذي هو "كتاب العلم" بشهادة أن هذا النظام والميزان المشهودَين المحيطين بابان بعي بِينَن هذين الكتابين، ورابطةُ اتصالهما، وبرزخٌ بينهما، وعنوانان لقبضتي الرحمن، ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلّا وهما داخلانِ من باب هذين البابين في "الكتاب يم بكل". ولأجل أنه لا خارج في الكون والوجود من البابين بالمشاهدة، فكل شيء داخل في ذلك الكتاب.
وأما القرآن المبين الذي هو كتاب "صفة الكلام" فلم يمرمان الكتابين: الغيبيّ والشهودي، القُدرتيّ والعلمي. وفهرستةُ البابين وفذلكة القبضتين.
— 278 —
ومن دساتير هذه الكتب الثلاثة الآتية من الصفات الثلاث التي هي، "العلم والقدرة والكلام"؛ أنّ كلَّ حي بل كلَّ شيء كعسكرٍ موظفٍ وكعبدٍ مأمورٍ، إنمة والم بحساب الملِكِ المالكِ له، لا بحساب نفسه ومالكيتها، ولا لِذاته ولِلَذّته، بل إنما لذّتُه في ذاتِ وظيفته. ومن زَعمَ أنه مالكٌ فهو هالكٌ، ومَن تملّك تهتّك.
اعلم أن السماوات مصنوعةٌ من غير فطور ترونها. فصانعُها أعزُّ وأجلُّ وأكبرُ ورورة عمن أن يتعسَّر عليه إيجادُ كل جزئيات كلِّ ما في جوفها، ومن أن يخرُج من ملكه شيءٌ ما من الأشياء.. فلأجل الاشتباك التام بين جزئيات الأنواع لابد أن يكون خالقُ نوعٍ واحد كالسمك ه حاجاب مثلا، خالقَ كل الأنواع. فله المُلكُ وله الحمد وله الخلقُ وله الأمرُ وله الحُكمُ لا إله إلّا هو.
اعلم [٭]: تراجع المذكرة التاسعة للّمعة السابعة عشرة. أن النبي (ص) ونبوتَه فذلكةُ الكمال والخير، وأن مسلكَه والدينَ فهرستةُ السعادات أسمُسن المجرد. وقد نرى في العالم كمالا فائقا وحقا ناطقا، وخيرا شاهقا وحُسنا شارقا، فبالضرورة يكون الحقُ والحقيقة في جانب النبي، والضلالةُ والوهم والعدم في خلافه. ا للّٰت فانظر من أُلوفِ أُلوفِ محاسن العبودية التي جاء بها النبيُّ إلى هذا الواحد: وهو توحيدُ قلوب الموحدين وجمعُ ألسنتهم في أمثال صلاة العيد والجمعة والجماعة، بحيث يقابل هذا الإنسانُ عظمةَ خطاب المعبود الأزلي بجميخلاق ات القلوب وأدعيتها وأذكارِها، بتظاهرٍ وتظافرٍ في اتفاقٍ وتساندٍ وتجاوب في وسعةٍ كأن هذه الأرضَ تنطقُ هي بنفسِها، وتصلي بأقطارها وتمتثل بأطرافها أمرَ: أقيموا الصلاة النازلَ بالعزّة والعظمة من فوق السماوات السبع، حتى صار هذا الإنسا العصرلوق الضعيف -مع صغره وكونه كذرة بين هذه العوالم- عبدا محبوبا لخالق الأرض والسماوات وخليفةَ الأرض، ورئيسَ الحيوانات، وغايةَ خِلقةِ الكائنات.
ألا ترى أَنْ لو اجتمع في الشهادة كما في الغيب أصواتُ المكبِّرين البالغين مئاتِ الملايين في احتماد بی"اللّٰه أكبر" في صلاة العيد وأدبار الصلوات تساوي تكبيرَ كرة الأرض لو كبّرت، فكأن الأرض في العيد تتزلزل زلزالَها فتكبّر اللّٰه بأقطارها وأوتادها، وتتكلم من صميم قلب قِبلَتِها، بفم مُعملواا بی"اللّٰه أكبر" فتتموج كلمتُها متمثلةً في هواء كهوف أفواه المؤمنين المنتشرين في أطرافها، بل -وكذا- في أطراف البرزخ والسماوات جل جلالُ مَن خَلَقها ومَهَّديائك- لها مسجدا لعباده سبحانه..
— 279 —
اعلم [٭]: تراجع المذكرة العاشرة للّمعة السابعة عشرة. يا من يُحبُّ أن ينظر ويصلَ إلى نور معرفة الحق سبحانه من مسامات الدلائل والبراهين ومن مرايا الآيات والشوا.
و تتجسّس بأصابع التنقيد ما جرى عليك، ولا تنقد بيد التردد ما هبّ إليك، ولا تمدنّ يدَك لأخذ نورٍ أضاء لك. بل تجرَّدْ وتعرّض وتوجّه.. فإني قد شاهدتُ من أنواع الشواهد والبراهين ثلاثة:
قسم منها كالمايتها إ ويُحسّ، ولكن لا يُستمسَك بالأصابع، فتجرد عن خيالاتك وانغمس فيه بكليتك، ولا تتجسسّ بإصبع التنقيد، فإنه يسيل ولا يرضى بالإصبع محلا.
وقسم منها كالهواء يُحسّ ولكن لا يُرى ولا يُتخذ.. فتعرّض بوجهك وفمك وروحك لنفحات رياح الرحمة، ولا تقابلها بيغيرَ قذ والتنقيد والتردد بدل تنفسِ الفم وتروّح الروح، فإنه يزول، وهو منطلقٌ ولا يرضى باليد منیزلا.
وقسم منها كالنور يُرى ولكن لا يُحس ولا يُؤخذ؛ فتوجّه ببصرِ بصيرتك مقابلا له بقلبك، فإن النور لا يؤخذ ولا يُصاد إلا بالنور، ثلاثةدّ يدا ماديةً حريصة، ولا تزنه بميزان الماديات فإنه يختفي، وإن لم ينطف. ولا يرضى بالماديّ حَبسا وقيدا وبالكثيف مالكا وسيدا..
اعلم [٭]: تراجع المذكرة الح مفهّمشرة للّمعة السابعة عشرة. وانظر إلى درجة رحمة القرآن وشفقته على جمهور العوام ومراعاته لبساطة أفكارهم كيف يكرر ويُكثر الآياتِ الواضحةَ المسطورة في جباه السماوات والأرض فيُقرؤهم الحروفات الكبيرةُلِّ شرة التي تُقرأ بكمال السهولة بلا شبهة كخلق السماوات والأرض، وإنزالِ الماء من السماء، وإحياء الأرض وأمثالها. ولا يوجّه الأنظار إلى الحروف الدقيقة المكتوبة في الحروف الكبيرة إلاّ نادرا. ثم انظر إلى جزالة لشمسُ لقرآن كيف يتلو على الإنسان ما كتبَتْه القدرةُ في صحائف الكائنات، حتى كأن القرآن قراءةٌ للكائنات ونظاماتِها وتلاوةٌ لشؤون مكوّنها وأفاعيلهِ. فإن شئت فاستمع بقلب شهيد أمثالَ سورة "عمَّ" وآيةِ قُل اللّٰهمَّملة بلَ المُلك.. (آل عمران:٢٦) وأمثالهما..
اعلم [٭]: تراجع المذكرة الثانية عشرة للّمعة السابعة عشرة. أني قد أكتب تضرّعَ قلبي إلى ربي -مع أن من شأنه أن يُستَرمشير إيُسطر- رجاءً من رحمته تعالى أن يقبل نطق كتابي، بدلا عني إذا أسكت الموتُ لساني "ومنه هذه المناجاة":
— 280 —
يا ربي الرحيم ويا إلهي الكريم! قد ضاع بسوء اختياري عمريألوف غي، وما بقي من ثمراتهما إلّا آثام مؤلمة مذلة، وآلامٌ مضرة مضلة، ووساوسُ مزعجة معجزة. وأنا بهذا الحمل الثقيل والقلب العليل والوجه الخجيل متقربٌ بالمشاهدة بكمال السرعة؛ بلا انحراف، وبلا اختيار كآبائي وأحبابي وأقاربي وأقراني إلى باب القبر، بيت الثانيا.الانفراد في طريق أبد الآباد للفراق الأبدي من هذه الدار الفانية الهالكة باليقين، والآفلة الراحلة بالمشاهدة، ولاسيما الغدارة المكارة لمثلي ذي الن لا يعمارة.
فيا ربي الرحيم، ويا ربي الكريم! أراني عن قريب قد لبستُ كفني وركبت تابوتي وودّعت أحبابي وتوجهت إلى باب قبري، فأنادي في باب رحمتك:
الأمانَ.. الأمانَ يا حنان يا منان ، لكن من خجالة العصيان.
آه كفني على عنقي، وأنا قائم عند رأس قبري، أرفعُ رأسي إلى باب رحمتك أنادى:
الأمان.. الأمان يا رحمن يا حنان خلصني من ثقل حمل العصيان.
آه أنا ملتفٌّ بكفني وساكن في قبري وتركني المشيعون، وأنا منتظر لعفوك ورحمتك.. ي دوائ بأن لا ملجأ ولا منجا إلا إليك وأنادي:
الأمان.. الأمان من ضيق المكان ومن وحشة العصيان ومن قبح وجه الآثام، يا رحمن يا حنان يا منان يا ديان نجّني من رفاقة الذنوب والعصيان..
إلهي! رحمتُك ملجئي ووسيلتيسر أيضك أرفع بثي وحزني وشكايتي..
يا خالقي الكريم، ويا ربي الرحيم، ويا سيدي، يا مولاي! مخلوقُك ومصنوعُك وعبدك العاصي العاجز الغافل الجاهل العليل الذليل المسيء المسن الشقي الآبق قد عاد بعد أربعين سنة إلى بابك؛ ملتجئا إلى رحمتك، عي "ال بالذنوب والخطيئات، مبتلًى بالأوهام والأسقام، متضرعا إليك. فإن تقبل وتغفر وترحم فأنت لذاك أهل وأنت أرحم الراحمين. وإلّا فأيّ باب يُقصَد غيرُ بابك، وأنت ، إذ للمقصود والحق المعبود.
ولا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك..
آخر الكلام:
أشهد أن لَا إله إلّا اللّٰه وأشهد أن محمّدا رسول اللّٰه
* * *
— 281 —
ذيل الزهرة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه على نعمته بإنزاإني أفآن، وعلى رحمته بإرسال سيد الأنام، عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
اعلم أن الفاطر الحكيم جل جلاله جعل النباتات والحيوانات -لا سيما صغارهما- من أوسع ميادين تصرفات قدرته، ومن أكثر مظاهر تجليات صفاته، ومان إذب مرايا جلوات أسمائه؛ لأسرارٍ غالية وحكمٍ عالية:
منها:أن النبات كالنواتات للأرض، وأن الحيوان ثمرةُ العالم. والنواة أنموذج مصغّر للشجرة، والثمرة مثال مصغر لها. فكل ما يتجلى عليها يتجلى عليهما أيضا.
فما اتك وم غايات الخلقة والحياة هي المظهرية لتجليات أسماء ذي الجلال والجمال والكمال المطلق، تكون العناية بتكثير جزئيات النبات والحيوان، لاسيما دقائقهما هي الأوفق للحكمة الأزلية.
روي أن موسى عليه السلام اشتكى إلى اللّٰه رمزرة البعوضات الهاجمة عليه، وسأل: "ما الحكمةُ في تكثيرها؟.. فأوحى إليه: أن البعوض يَسأل: لِمَ خلقت هذا الإنسان بهذه الجسامة، وهو يغفل عنك؟ ولو خلقت رأسه بعوضاتٍ لبلغت مائة ألف مسبحين بحمدك في عالمهم، وذاك السمي بين إخوانهم، مظهرين لجلوات أسمائك ونقوش صنعتك بلسان قالهم وحالهم".
نعم، إن القرآن المعنوي المكتوب بمداد النجوم على صحائف طبقات السماوات، إذابكمال َ على الأنظار آيات العظمة والجبروت التكوينية، يقرأ معه -رأسا برأس- القرآنُ المكتوب بمداد الجواهر الفردة على جزء لا يتجزأ في حُجيرة عينك: آياتِ العلم والحكمة.
— 282 —
فإذا سمعت من ذاك: سبحانه ما أعظمَ شأنه!لسنة يمن هذا أيضا: سبحانه ما أدق حكمته وما ألطف صنعته! فإذ تساوى القرآنان، واقتضت الحكمةُ تكثيرَ نسخ أحدهما -وتكثيرُ نُسَخ الكبير لا يفيد الناظرين- فلا بد من تكثير نسخ الصغير للمطالعين المتفكرين الغير يظن نفدين، من المَلَك والجن والإنس وغيرهم. وفي تكثير النسخ لا يبقى الكتاب كتابا واحدا، بل تتنوع الكتب وتتفاوت الفوائد وتتعدد المفاهيم، فتتلاحق الأمثالُ فيتزايد الحُسن والجزالة. ولولا إدراجُ كثير من سور الكتاب الصغير ونُسَخه في بعض رضى رض القرآن الكبير لفاق الصغير على الكبير بدرجة صغره!
ومنها أيضا:أن أتم التجليات؛ تجلي الأحدية. وأكملَ الصنعة؛ إدراجُ الأكبر بتمام نقوشه في الأصغر. وأن نعه، و والنواة بالنسبة إلى النبات، وأن النبات والحيوان بالنسبة إلى الأرض، وأن الإنسان والنبي بالنسبة إلى العالم. وأن القلب والسر بالنسبة إلى الإنسان..أنموذج مختصرٌ جامعٌ مُظهِرٌ لجميع الأسماء اسائط اة على الأصل والكل والمحيط.
وأن الثمرة -مثلا- كما أنها "جزء" من الشجرة وهي "كلُّها"، فتشير من هذه الجهة إلى الواحدية.. كذلك كی"الجزئي" لها تشتمل على تمام الشجرة وهي "كلّيها" فترمز بهذه الجهة إلى الأحدية.. فالواحدية شاهدة الوحدة عند ٰه الولأحدية في مرايا الكثرة والجزئيات.
مثلا، - وللّٰه المثل الأعلى -: إن الضياء المحيطَ في النهار مثالُ الواحدية، وتمثال الشمس في كل ذرة شفافة وقطرةٍ وحوضٍ وبحرٍ ونجوم سيارة مثال لتجلي الأحدية. فإذا رأيت الشمسَ في مرآتك بلَون مرآتك، وبما تقني:
ضعيَّتها، ثم رأيتَها في مرايا أخرى، فتنظر إلى الضياء، فيشهد لك بالوحدة، وأن لا كثرةَ في المتجلّي، كما تتوهم. وتنشد الكثرة والمرايا:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْالعارفَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
فيُتحدس من هذه الأسرار، أن الفاطر الحكيم -جلّت حكمته، ودقّت صنعته- متوجهٌ بألطف قدرته وأتمّ عنايته وأكمل رحمته وأدق حكمته من العالم إلى الأرض، ومنها إلى ذوى الحياة، ومنهم إلى الإنسان،ى السيرد الإنسان إلى قلبه، ومن نوع الإنسان إلى ما هو قلبُ النوع وقلبُ العالَم ونواتُه التي خُلق العالَمُ عليها، وثمرتُه المنوّرة التي انتهى إليها مخلوقا لأجلها،
— 283 —
وتمثال محبة فاطر العالم، ومثال رحمته.. وما ذلك اللى إلَعالي الغالي المطهّر المنیزّه إلّا سيدنا وسيد الأنام محمد عليه صلوات وتسليمات بعدد ثمرات شجرة العالم.
اعلم يا من يتوهم الإسرافَ والعبثيةَ في بعض الموجودات! أن كمالَ النظام والميزان في إنشاء كل و يقرر يطرد هذا الوهم؛ إذ النظامُ خيط نُظم فيه الغايات المترتبة على الأجزاء الجزئية والتفاصيل الفرعية. ومن المحال أن يراعي أحدٌ كلّ غايات تفاصيل قصرٍ -بدلالة انتظام بنائه- ويترك غايةَ المجموع التيلى نشرصير الغاياتُ الجزئية غاياتٍ.
فإن شئت التحقيقَ فاستمع يا من له قلب شهيد وسمعٌ حديد!: إن لكل شيء غاياتٍ دقيقةً كثيرةً تعود منها إلى الحي القيوم المالك بمقدار مالكيته وتصرفه بمظهرية الشيء لأنواع تجليات أسمائه، وما تعود إلى الحي إامتلاءرجة تلبّسه الجزئي.
وإن كلَّ شيء من الأشياء يصير هدفا مشتركا بين ذوي العقول، فلا يصير عبثا أصلا؛ إذ إذا لم يطالعه هذا هنا الآن، طالعه هؤلاء، ومع أن وجوه استفادة كل أحدٍ من كل شيء في غاية الكثرة، وأن جنودَ اللّٰه لا تُحصى
وَمَا يعلممل في
َ رَبّك إلاّ هو
(المدثر:٣١). فلا شيء في الكون إلّا ويتزاحمُ عليه -بلا مزاحمةٍ- أنظارُ مَن لا يُحصى من الملائكة المسبّحين المقدّسين بأجناسهم وأنواعهم المالئين للكون، ومن الجان المتحيرين المتفكرين باقتسامهم وأصنافهم، ومن الأرواحهّزهم ّرين المهللين بطوائفهم، وقبائلهم وغيرهم ممن لا يمنعهم كثيفاتُ الأشياء عن رؤية ما في أجوافها، ولا يشغلهم شهودُ شيء عن شيء، وفوق الكل رؤيةُ صانعِ الكلّلمسافةته.. وكذا كثير من الناس المؤمنين المتنبهين، بل وكذا الحيوانات المتحسسات المتأثرات بحواسّهم.
فإن قلتَ: أيةُ آياتِ كتابِ الكائنات تدل على وجود معتبِرين ومتحيرين ومتفكّرين ومسبحّ ونيّةغير الإنسان؟ وأي سطرٍ من ذلك الكتاب يشير إليه؟.
قيل لك: آيةُ النظام في سطر الميزان من صحيفة الحكمة؛ ألا ترى أنك إذا ذهبتَ إلى دار تمثيل -مثلا- فرأيتَ في تلك الدار أنواعا كثيرة من الغرائب التي تتحير فيها الأنظارُ، وا "الك من الملاهي التي تستحسنها الأسماعُ، وأقساما متنوعة من السحر والشعبذة التي تتلذذ بها العقول والخيال. وهكذا من كل ما يتلذذ به ما لا يحد من لطائف الإنسان وحواسّه
— 284 —
وحسياته، ثم نظرتَ في ساحةنظير؛ لتمثيل، فما رأيت إلّا صبيانا صما عميا مفلوجي الحواسّ والحسيات إلّا قليلٌ منهم. فبالضرورة العرفية تتفطن وتتيقن بأنّ خلفَ هذه الحُجُب والأستار المرسَلة على وجوه الجدار عقلاءَ مختلفين ضاءُ اذواق والمشارب لهم حواسُّ سليمة جاءوا للتنیزّه، يشتاقون لكل ما أُبدع وشُهِر في ذلك المجلس، ويرونك والتمثيلَ من حيث لا ترونهم.
فإذ تفطنت لسر التمثيل، فانظر من دار الدنيا إلى هذه المصنوعات؛ فمنها كزرابي مبثوثة، وفُرُشٍ مرفوعة لعالمٍ ملبوسة، وحلية منثورة، وصحائفَ منشورة.. ومنها أزاهير وثمرات اصطفت؛ تدعو بألوانها وطعومها وروائحها ذوى الحياة وأصحابَ الحاجات، وتدعو بنقوشين ما نتها وصنعتها أُولي الألباب وذوى الاعتبار.. ومنها نباتات شَمّرت عن ساقاتها لوظيفة خلْقَتها، وحيواناتٌ قامت على أرجلها لوظيفة عبوديتها، وأكثرها لا تشعر بما أُودع في أنفسها من المحاسن الرائقة واللطائف الفائقة، فليست تلك اللطائفُ دة لذيسن لِحَمَلَتِها البُهْمِ العُجْمِ، بل ما هي إلّا لغيرها السميع البصير.. ومنها إلى ما لا يحد ولا يعد.
فمع كل هذه الحشمة الجلابة والزينة الجذابة، وأنواع التلطيفات والتوددات، وأنواع التحبباتض أن ترفات، وأقسام التعهدات والتعمدات وأصناف التزينات والتبسمات وأشكال الإشارات والجلوات، وغير ذلك من ألسنة الحال التي كادت أن تنطقَ بالقال مع أنه لا نرى ظاهرا في ساحة الدنيا من ذوي الاعن الزمالابتصار إلّا هؤلاء الثقلين اللذين صيرت الغفلةُ أكثرَهم كصبيانٍ صمٍّ عميٍ فلج في ظلمات طاغوت الطبيعة يعمهون.
فبالحدس الصادق وبالضرورة القطعية وبالبداهة العقلية،ه هذه أن يكون الكون مشحونا من ذوي الأرواح المعتبِرين المسّبحين مما عدا الثقلين. كما قال مَن قولُه القول:
تسبّح له السمییوات السّبع والارض ومن فيهن، وان من شيء الاّ يسبح بحمده ولكن لا توف النتسبيحهم
(الإسراء:٤٤).
اعلم أن بمقدار توسع تصرف القدرة في الجزئيات وتزييدِ الأمثال تتقوى العناية بالفرد. فلا تقل: أنا قطرة في بحر، فيُنسيني البحرُ. كلا! بل البحر شاهدٌ على أنك بنسبة محاطي خُدَمحفوظ أبدا بنظام قوي نافذ بقوته في جميع أمثالك؛ إذ بدرجة الصغر والخفاء والمُحاطية يتزايد
— 285 —
الاهتمامُ به، والمصونيةُ من الإهمال، والمحفوظيةُ من مداختتحدس ير، ومن لعب التصادف، ويزيد ظهورُ المخلوقية والمجعولية.
ألا ترى أن المركز أصونُ من تسلط الغير والمهاجمات، وأن النواة أحصنُ من لعب التصادفات وتعجيز العاصفات، وأن اة.. كذمَ بالنواة أشد؟
أيها الإنسان! أنت نواة الأرض والأرضُ بيضة العالم. ومن هذا السر يُكثر القرآن ذكرَ خلق السماوات والأرض ويجعله عنوانا لخلق كل شيء.
اعلم وانظر إلى كمال النعمة في كمال الحكمة، وكمال الحكمة في كمال النظامَظرِ بل النظام في كمال الميزان، في صنعة الحواسّ الخمسة الإنسانية؛ إذ فطَرها فاطرُها بوضعيةٍ وجهّزها صانعُها بجهازاتٍ، يحس الإنسان بها ويُذَوِّقُ صاحِبَها خصوصياتِ جميع أنواع الثمرات والأزهار وايتُهما والروائح وغيره، حتى إن في حاسة الذائقة حسياتٍ رقيقةً دقيقةً منتظمة بعدد طعوم جميع أجناس الثمرات وأنواعها وأصنافها.. وهكذا حاسة السمع لخصوصيات ما لا يحد من الأصوات. وقس سائرَ الحواسّ الظاهرة، ولاسيما الباطنة التي هي أكثرُ غناءً وجهازاما الومن هذا السر؛ بلغت جامعيةُ فطرة الإنسان إلى درجةٍ صيّرَت هذا الإنسانَ: مظهرا لما لا يحد من أنواع تجلياتِ أسماءِ فاطره جلّ شأنه، وذائقا لما لا يعدّ من ألوان نِعمه، عمّ نواله.
مَثَلك أيهزبورة سان، كمثل المركز العمومي للتلفون، فكما أن فيه لمخابرة كل موقع في الولاية مفتاحٌ خاص، كذلك فيك لحسِّ ذوقِ جميع أنواع نِعَمه، ولذوق لذة مظهريتك لما لا يحد من أقسام تجلياتهّ جَلاحُ مخصوصة عُلّقت برأسك ولطائفك، فاستعملْها كما يرضى به بارئُها، بالحركة بميزان شريعته.
ومن هذا السر: يمكن التفاوت بلا نهاية بين مراتبِ لذائذِ شخصين هما في ف"! اسةٍ وفي عين مكانٍ. وبشارةُ: "المرءُ مع مَن أحبَّ" [٭]: البخاري، الأدب ٩٦؛ مسلم، البر ١٦٥. قد تجمع بين الأدنى والأعلى. [٭]: تفصيله في الكلمة الثامنة والعشرين.
اعلم أن مايه نوععند اختلاط أشتات الأشياء وأوباشها من المُشوَّشيّة المنافية للنظام
— 286 —
والميزان، فليس مما لعب به التصادفُ، بل خرج من صورة النظام إلى نقش الكتابة، لكن تلك الكتابة غير مقروءة بالواقعة للنظر الظاهري الأمي الناظر إلى معكوسها في مرآة الوهم!
ألا ترى أن تلك الأشتاتَ لو كانت بذورا، إذا تنبتت، تكشّفت عن نظام تام. فالجمع بينها كتابة." (روةٌ لقلم القدر.
اعلم أن الحُجةَ القاطعة على خاتمية النبوة الأحمدية، إيصالُها حدودَ الدين في كل قاعدةٍ منه إلى حدٍّ لا يُتَعَقَّل أوسعُ ولا أكملُ ولا أتمُّ منه.
مثلا،
في مسألة التوحيد والربوبية، يقول:
بيده مه أحكال شيء
(يس:٨٣)
ما من دابة إلا هو ءاخذٌ بناصيتها
(هود:٥٦)
والسّمییوات مطويات بيمينه
(الزمر:٦٧)
هو الذي يصّوركم في الارحام كيف يشاء
(آل عمران:٦)
هو الاول وباللّٰوالظاهر والباطن وهو بكل شيءٍ عليم
(الحديد:٣)
وَمَا تَشَاؤون الاّ ان يشاء اللّٰه
(الإنسان: ٣٠)
وَنحْنُ اقرب اليه من حبل الوريد
(ق:١و في م وكذا يحكم ذلك الدين بأن نهاياتِ ما تنقسم إليه المادة وتنبسط وتصل إليه حدود الماديات من الجواهر الفردة والذرات، وأعظمَ ثمراتِ العالم من الشموس واِ في ات، متساويةُ الأقدام كتفا بكتف في امتثال أمرِ خالقها المنیزّهِ عن صفاتها، المقدس عن حدودِها ولوازماتها.
وفي مسألة الحشر والتوحيد، وصلَ إلى مرتبةٍ لا حدّ فوقها بالبداهة.
وهك النباكل مسألةٍ مسألةٍ، فلا يمكن فيه الإكمالُ والإتمام بآخرَ. فحقُّه الأبديةُ والدوامُ إلى يوم القيام.
— 287 —
اعلم أن قلبي قد يبكي في خلال أَنِينَاته العربية بكاءً تركيا، بتهييج المحيط الحزين التركي، فأكتب كما بكيت:
( لا أُريد ل عنه؛ زائلا لا أُريد
أنا فانٍ، مَنْ كان فانيا لا أُريد، أنا عاجز، من كان عاجزا لا أُريد
سلّمت روحي للرحمن، سواه لا أُريد
بل أُريد،
حبيبا باقيا أُريد.
أنا ذرةٌ، شمسا سرمدنة لجلد.
أنا لا شيء ومن غير شيء، الموجوداتِ كلَّها أُريد.
* * *
لا تَدْعُني إلى الدنيا، فقد جئتُها ورأيت الفساد.
إذ لمّا حجبَت الغفلةُ أنوارَ الحق،
رأيتُ الأشياء والدنيا أعداءً ضارّين.
ذقت اللذائذ، ولكن وجدا. [٭لم في زواله.
أما الوجودُ، فقد لبستُه،
آهٍ لا تسل كم عانيتُ من الألم في العدم.
إن قلتَ: الحياة، فقد رأيتُها عذابا في عذاب.
نعم، لما استتر نورُ الحق عني،
إذا بالعقل يتحول عقابا، ورأيت البقاء بلاء، والكمالَ هباء،
والعمغاية حأدراج الرياح.
نعم، بدونه، انقلبت العلومُ أوهاما.
وأصبحت الحِكَمُ أسقاما، والأنوارُ ظلماتٍ، والأحياءُ أمواتا،
— 288 —
والأشياءُ أعداءً.
ولمستُ الضرَّ في كل شيء.ا في صآمالُ انقلبت آلاما.
والوجودُ هو العدم بعينه. وصار الوصال زوالا.
والألم يعصرني مما لا بقاء فيه.
نعم، إن لم تجد اللّٰه فالأشياء كلُّها تعاديك؛
أذًى في أذًى، بل هو عينُ الأذى.
وإن وجدتَ لقد و،
فلن تجده إلّا في ترك الأشياء.
فرأيت بذلك النور: الجنةَ في الدنيا،
وبدت الأمواتُ أحياءً.
ورأيت الأصواتَ أذكارا وتسابيح.
والأشياء مؤنسةً، والٍّ أجَ في الآلام نفسِها.
والحياةَ أصبحت مرآةً تعكس أنوارَ الحق.
والبقاءَ رأيتُه في الفناء.
والذراتِ تلهج بالذكر.
يقطُر من ألسنتها وتتفجر من عيونها؛
شَهْدُ شهادة الحق.)
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاة ويحس[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه. وينسب إلى الإمام علي كرم اللّٰه وجهه.
— 289 —
اعلم [٭]: تفصيل هذا المثال في الكلمة الثالثة والعشرين. يا من يتوهم اللذةَ واعين سنَ الدنيوية في الغفلة وفي عدم التقيد بالدين!
أني جرّبتُ نفسي مرةً فرأيتُني على جسر امتدّ من رأس جبلٍ إلى رأس جبل شاهقَين، وتحتَهما وادٍ عميق في غاية العا للكاد أظلم علينا الدنيا بما فيها.
فنظرت في يميني الماضي، فما رأيت إلّا ظلماتٍ عدَميّة مدهشة.. ثم في يساري المستقبلي، فما رأيت إلّا غياهب مهدِدة دهاشة.. ثم إلى تحتي،لغموم. عمقا إلى أسفل السافلين.. ثم إلى فوقي، فما رأيت إلّا غيما بُكما صُما يمطر الغمَّ واليُتمَ واليأس والبأس.. ثم في أمامي فرأيت في خلال الظلمات عفاريتَ وعقاربَ وليوثا وذئابًا كاشرةً أسنانَها للافتراس.. ثم وأجزاءي، فما رأيت مددا ولا مغيثا ولا معينا.
فبينما أنا مدهوش مأيوس نادم من تجربتي! إذ نبهتْني الهدايةُ الربّانية، فرأيت وقد طلع على الأنام قمرُ الإسلام وأشرقت شمسُ القرآن، فرأيت جسرَ الحياة: طريقا تمر بين جنان النِّعداتٍ عحانية وتنتهي إلى جنة الرحمة الرحمانية.. ويميني الماضي: بساتينَ مزهرةً بالصُّلَحاء، منورةً مثمرة بالأنبياء والأولياء تجري من تحتهم أنهارُ الدهور، وهم في البقاء خالدون.. دَاتِه: فراديسَ تزهر فيها الآمالُ والأماني برحمة الحنان المنان.. وفوقَنا: سحائبَ الرحمة تفيضُ علينا ماءَ الحياة، وفي خلالها تبتسم الشمس بأنوار الهداية والسعادة الأبدية.. وأما ما في أمامي من الكائنات، فإخواني وأحبابي وأنعامالشهادات، صوّرتْها ظلمةُ الضلالة وحوشا موحشات، فقرأت علينا هذه الواقعة:
اللّٰه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ملأشهادر إلى الظلمات
(البقرة:٢٥٧).
يا نورَ النور بحق اسمك النور أخرجنا من الظلمات إلى النور.. آمين..
اعلم أيها السعيد المجنون المحزون! إن مَثلَك كمثل صبي أبله قعد على ساحل البحر يبكي دائما ل بهذه لحبابات المتشمسة. كلما زال واحدٌ بكى عليه، ظنا منه انطفاءَ الشُّميسة المتبسمة في الحباب بزوال الحباب وتحوله، وقد يبكي لتكدر ما في الحباب وتشوهه باختلاط موادَّ كثيفةٍ به، ولا يرفع رأسَهه!
تفطن لتنیزّه الذات -التي هذه التماثيل جلواتُ أنوارها المتجددة على وجه البحر وخدود الأمواج وعيون القطرات- عن الزوال بزوال مرايا تجلياته، بل ليس ف بِذِكرى زوالٌ مؤلم ولا فراقٌ أليم.
— 290 —
أما الجمال بمحاسنه وجلواته فثابتٌ بكمال حشمته في تجدد شؤونه وتعدد مراياه. وأما المرايا والمظاهر فتظهر لوظيفتها وهي راقصةٌ، فإذا تمت الوظيفةُ استترت وهي ضاحكة.
د محالنت، قاعد على ساحل بحر الدنيا تتألم باكيا على أُفول ذوي الكمال والجمال والحسن، وعلى زوال ثمرات النِّعم عند انقضاء أوانها، تزعم بالغفلة أن الجمالَ مِلكُ ذي الجمال والثمرات مال الشجرة، وتغتصبهما منهما عاصفات التصادفات فتلقيهما في ظلمات دادها،ت. أفلا تعقل أن من نوّر ما تحبه بنور الحُسن هو الذي نوّر كلَّ أزاهير بستان الكائنات وشوّق عليها قلوب البلابل العاشقين.
إلى كم تبكي أيها اللهم منعلى زوال ما في يدك من الثمرة! فانظر إلى تواتر نِعَم فالق الحب والنوى في إبقاء شجرة تلك الثمرة.. ثم إلى دائرة إنعاماته في أقطار الأرض من أمثال تلك الشجرة إن عقمت.. ثم إلى دائرة تجدد إحساناته في تجدد الفس الأالسنين إن صارت سنتُك شهباء.. ثم إلى دائرة إدامة إحسانه حتى في عالم المثال والبرزخ بأمثال ما شاهدتَ في عالم الشهادة.. ثم إلى دائرة إنعاماته الواسعة الأبدية في عالم الآخرة بأشباهجبال -تأنستَ به في حديقة الأرض، ثم.. و.. ثم.. وهكذا! فلا تنظر إلى النِّعمة بالغفلة عن الإنعام حتى تحتاجَ إلى التشفي بالبكاء، بل انظر من النِّعمة إلى الإنعام ودوامِه، ومن الإنعام إلى المُنعِم ووسعةِ فيضه وكصور، تحمته، فاضحك شاكرا له، وبفضله فافرح.
وحتى متى تدمع عينُك ويجزع قلبُك على فراق جمالٍ زالَ! فانظر إلى كثرةِ ووسعة الدوائر المتداخلة المحيطة بما تحبه؛ تنسيك ألمَ فراقه بإذاقة لذةِ تجدُّد أمثاله وترادفِ أنسية، وتلك الدوائرُ المتفاوتة صغرا وكبرا إلى أصغرَ من خاتمِك وأكبرَ من منطقة البروج، وزوالا وبقاءً إلى آنٍ ودقيقة وإلى دهر وأبدٍ؛ مظاهرُ ومرايا ومعاكسُ ومجاري لجلواتِ ظلالِ أنوارِ جمال ذي الجلال والإكرام الأزلي الأبدي السرمدلدين ووم الباقي المقدَّس عن الحدوث والزوال المنیزّه عن التغيّر والتبدل. فلا تظنن أن ما في المرآة مُلك للمرآة، كي لا تبكي على ما في المرآة بموتهامباشرةارِها، فارفع رأسَك عن الدنيا بخفضه إلى منظار قلبك لترى شمسَ الجمال، فتعلمَ أنّ كلَّ ما رأيتَ وأحببت إنما هو من آياته نِعَمٌ.. ومن آيات جماله أنْ زيّن السماء بمصابيحها والأرضَ بأزاهيرها.. ومن آيات حُسنه أجنّات الإنسانَ في أحسن تقويم.. وأن
— 291 —
كتبَ العالَم في أبدع ترقيم.. ومن آيات بهائه أن أشرق أرواحَ الأنبياء ونوّر أسرارَ الأولياء وزيّن قلوبَ العارفين بأنوار جماله المجرد. جلّ جلاله.
اعلم يا أنا! أراك أنك لا ترى تناسبا بيفلا رينت عجزٌ مطلق وفقر مطلق، قد تضايقتْ عليك الحدود والقيود حتى صرت كذَرَّة غابت في رمال الجزئيات وكنملة تراكمت عليها جبال الحادثات، وكنحلة تفاقمت عليها العاصفهُ شَيين مَن لا نهاية لقدرته وغنائه، ولا حدَّ ولا قيدَ لتجليات أسمائه وصفاته، وجميعُ الخلق في قبضة قدرته، والسماوات مطوياتٌ بيمينه، لا تتحركُ ذرةٌ في الكون إلّا بإذنه، لا شريك له في مُلكه وألوهيته، ولا منازعَ له في جبروته وربوبيتاعة، و إله إلّا هو.
نعم، لو كانت وظيفتُك في الدنيا الاشتراكَ مع فاطرك في ربوبيته سبحانه، لكانت المناسبة لازمة في المعاملة معه، لكن هيهات! أين يدُ البعوضة من نسجِ قميصاتٍ مطرّزات قُدّت على مقدارِ قامات هذه العوالم، بل وظيفتُك في فطرتك وغاية وأن تك في استعداد ماهيّتك إنما هي: العبوديةُ التي على المحوية تنبّتَت، ومنها ابتدأت وإلى المحبوبية انتهت، وإياها أثمرت. والعبوديةُ ضد الربوبية والمالكية. فعدم المناسَبة هي المناسِبة. فبدرنية الك ببعدك عن الربوبية والمالكية تصير عبدا محبوبا مرحوما.
وإن العبوديةَ مرآةُ الربوبية بالضدية ككتابة الحروف النورية على صحيفة الظلمة، فكلما تقربَت إلى العدم تراءت منها أعالي مراتبِ جلواتِ الوجود للواجب الوجود بد أن له ولا إله إلّا هو..
اعلم [٭]: الغصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين يوضح هذه المسألة. يا من يتوهم المبالغة في بعض ما ورد في فضوكذا نأعمال! مثلا: قد يُروى: من فعل هذا مثلا كان له مثلُ ثواب الثقلين.. حتى قال بعض: إن المرادَ الترغيب فقط، وبعض: مطلق الكثرة. وقد انكشف لي في ما مضى أن القضيةَ في تلك المتشابهات مطلقةٌ وقتية يحْيَين صدقها وجودُ الحُكم في بعض الأفراد، في بعض الأوقات، فليست تلك القضايا كلية؛ إذ لصحتها شرائطُ غيرُ مذكورة معروفةٍ. فإن كانت كليةً فهي قضيةٌ ممكنة، وكذا ليست دائمة، لتقيّدها بالإخلاص وبالقبول.الَه و وقد انكشف لي الآن، أن الثوابَ فضلُ اللّٰه وفيضُه، ونظرُ العبد لا يحيط بما يعطي مَن لا نهاية لتجليات فيضه لعبده الذي لا نهاية لاحتياجه في دارِ بقاء لا ن الناظدوامها. فما من فيضٍ -إذا نظرتَ إليه من جانب اللّٰه-، إلّا وفيه جهةٌ من عدم التناهي لو وزِنَ بجميع ما أحاط به علمُ العبد لزاد عليه. مثلا روي: من قرأ هذا أُعطي له مثلُ ثواب موسى وهارون عليهما السلامحي وال: الحمد للّٰه رب السماوات ورب الأرضين رب العالمين وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. الحمد للّٰه رب السماوات ورب الأرضين رب الْ فيَی وله العظمة في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، وله الملك ربّ السماوات وهو العزيز الحكيم. المراد أن ما ترونَه وتتصورونه بنظركم المتناهي في هذا العالم المتناهي من ثوابهما لا يزيدُ على ثواب قراءة آيةٍ في نفس الأمر وبالنظر إلى ات، وأنبشرط القبول والإخلاص.
وكذا إن التشبيه في الكمية دون الكيفية، فللقطرة المتشمسةِ أن تقول للبحر لا يزيدُ وجهُك على عيني في أخذ فيض الشمس من ضيائها وألوانه.
نعم، إفلُ بجاب ينظر إلى عالم الإطلاق، وذرةٌ من ذلك العالم تسعُ عالَما من هذا العالم، كما تسعُ ذرةٌ من زجاج عالمَ السماء بنجومها.
وكذا قد يتيسر لأحد فتحُ خزينةٍ من رحمة بكلمة طيبة في حالةٍ قدسية، فيقيس الناسَ على نفسه فيعبر وشبابقضية الشخصية بالمطلقة الموهِمة كليةً، والعلم عند علام الغيوب ومقلّب القلوب جل جلاله.
* * *
— 292 —
اعلم أن كل ما أَنعم اللّٰه به على الإنسان، له شرائط ومفاتيح بعضها آفاقي وبعضها أنفسي. مثلا: إن اللّٰه أنعم بالضياء والهواء والغذاء والصدى، وعلّق الاستفادةَ منها على فتح العين والأنف والفم والسمع وهكذا.. متب الصذه الفتوح الأنفسية من كسبنا، فلا يتحصل إلّا بخلقه وإيجاده تعالى. فلا تتخيّلن أيها الغافل هذه النعمَ سدًى مهملة تسئم [٭]: الكلمة مأخوذة من سامت الماشية، أي خرجت إلى المرعى، وليست من سئم، بمعنى ملّ وضجر. فيها كيف تشاء
— 293 —
الرسالة الثامنة
[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعةكل فردف" بإسطنبول سنة ١٣٤٠هی (١٩٢٢)م.
ذرة
من شعاع هداية القرآن
— 294 —
في (ط١)
اعلم أن هذه الرسالة محادثاتٌ مع نفسيَ الأمارةِ المرائية، ورشاشاتٌ من شرارات "القطرة" أظن أنى مأذون في نشرها. إذ يتكرر الاحتياج للر الكت في كل "رمز" مادام لم يُكتب. فإذا كُتب يزول الاحتياج، لكن يبقى نوعُ تمايل للمناقشة مادام لم يُنشر. فإذا نُشر زال ذلك واطمأن القلب. فيدل على أنه ليس لي فقط، بل فيه للغير حصةٌ. فلهذا أتجاسر ع بسر اها لعل فيها نفعا لبعض الناس إن شاء اللّٰه تعالى.
ولتنوع الرموز يمكن الاستفادة لكثير فی "ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كله". ولترك التصنع ترك الضعياطرات في الصور التي برزتْ فيها أولَ ما خطرت في القلب. ومن اللّٰه الهداية.
— 295 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يا مَن له الملك وله الحمد صلّ وسلم على سيد البشر الذي قلتَ له: يا ايها النبيّ (الأنفال:٦٤)،وسادسا لبيك! بحيث أسمعَ من عرفاتٍ ملائكةَ السماوات العليا.. فقلتَ: بشِّر وأنذر. فنادى بی يَا ايّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم (البقرة:٢١) بحيث أسمعَ أدوارَ الزمان وأطراف المكان.. إذ صار بشيراً ونذيراً (البقرة:١١٩) بطَور المشاهِد.. إذء لهذهد فيشهَد مناديا لأجيال البشر خلف الأعصار والأقطار.. إذ أسمعَ، فهذا صدى صوته يُسمَع بأعلى صوته.. إذ قد ملأ الدنيا بنداء القرآن وبجميع قوّته.. إذ قد استولى على ُ الكَأرض وبكمال جدّيته بشهادة سِيَره، وبغاية وثوقه بشهادة زهده في الدنيا، ونهاية اطمئنانه بشهادة قوة دساتيره ومعالمه، وبكمال إيمانه بشهادة أنه كان أعبدَ وأتقى من الكل.
اعلمي يا أيتها النفس الجاهلة! أن الأبوابَ المفتوحةَ اّتُها، إلى اللّٰه عدد طبقات العالم وصحائفه، وعدد المركبات المتصاعدة والمتنازلة. فما أجهلَكِ؛ إذا انسدّ في وجهكِ بابٌ عادي تتوهمين انسدادَ كلِّ الأبواب. مَثَلُك كمثل مَن إذا لم يَرَ أو لم يعرف في بلد فرسانَ العسكر مع وجود سائر جيوش السلطان وهذه اله ودوائر حكومته، يشرع ينكر وجود السلطان ويؤوّل كلَّ شعائره ومعالمه.
اعلم أن الدليلَ على أن الباطن أعلى وأتمَّ شعورا وأقوى حياةً، وأزيَنُ وأعلم وأكمل وأحسن وألطفُ من الظاهر.. وأن ما على اعصورة من الحياة والشعور والكمال وأمثالِها، إنما هو ترشّحٌ ضعيف من الباطن -لا الباطن جامدٌ ميّت أثمَر حيًّا عليما- كونُ بطنِك أكملَ انتظاما من بيتك، وجلدِك أحسنَ نسجا من ثوبك، وحافظتِك أتمَّ نقشًن مركزتابك. فقس على هذه الجزئيات عالَمَ المُلك وعالمَ الملكوت وعالَمَ الشهادة، وعالمَ الغيب والدنيا والآخرة. فيا حسرةً على النفوس! إن النفس الأمارة النظارة بعين الهوى ترى الظاهر حيًّا مونسا مفروشا، على باطنٍ ميت عميق مظلم مأرض وط اعلم أن وجهَك يتضمن من العلامات الفارقة عددَ أفراد الإنسان الماضية والآتية، بل
— 296 —
لو وجد الغير المتناهي من الأفراد لتصادف كلُّ واحدٍ في وجهك ما يميزك عنه -مع التوافق في أركان أجزاء الوجه- كأن الوحدة تجلّت من وجهك في كثِكمَةِ متناهية.
فالتوافقُ في أساساتِ أعضاءِ أفراد الإنسان والحيوان يدل بالبداهة على أن الصانعَ واحدٌ أحدٌ. والتخالفُ في التعيّنات المنتظمة يدل بالضرورة على أن الصانع مختارٌ حكيم.سألة اتعاظم هذا السر بالنظر إلى كل فردٍ فردٍ.. ومن أبعدِ المحالات وأبطلِها أن لا يكون هذا التمييز الحكيم والتخالف المثمر والتفريق المفيد بقصدِ قاصدٍ واختيارِ مختارٍ وإرادة مرمٌ عظيلم عليم.
فسبحان مَن أدرجَ وكتبَ الغيرَ المتناهي في صحيفة الوجه، بحيث يُقرأ بالبصر ولا يُحاط بالعقل. نعم، يُقرأ بالنظر واضحا مفصلا ولا يُرى بالنظر إجمالُهُ، بل ولا بالعقل أيضا. فهو المعلوم المُبْصَر، المجهولُ. ففي ق، والمشهودُ الغائب. فمحالٌ بمرات.iNأن يكون هذا التخالفُ المنتظم المفيد في نوع الإنسان، والتوافقُ المطّرد المتناظر في أنواع أمثال الحنطة والعنب، وكذا النحل والنمل والسّمك، بالتصادف الأعمى والاتفاقية العوراء، كلَّا ثم كلَّا.م! وكيصنعةُ سميعٍ، بصير، عليم، حكيم.
فإذا كان أوسعُ أطوار الكثرة وأبعدُها وأرقاها، وأنسبُ مراتب الكثرة لجولان التصادف -لو كان- وأكثرُها انتشارا وأدناها أهم تفطّكذا غيرَ مُهمَلٍ ولا سدًى، بل محفوظا من يد التصادف، حتى صار ميدانا لجولان القصد الحكيم والاختيار العليم والإرادة السميعة البصيرة.. فيا أيها التصادفُ لا محلّ لك في مُعلى الّٰه، فاذهب مع أخيك الطبيعة وأبيك الشرك إلى جهنمِ العدم والفناء بل الامتناع. وآيةُ
وَمِنْ آيَاته خَلْقُ السَّمییواَتِ والارْضِ وَاخْتلاف اَلْسِنَتِكُمْ وَالْوانكُمْ
(الروم:٢٢) أشاحَ للخ أولِ مراتب تجلّي الحكمة وإلى آخرها..
اعلم أن مما يوسوس به الشيطان، أنه يقول: إن البقرَ مثلا لو كان مُلكا ونَقشا للقدير الأزلي العليم لمَا كان هكذا مسكينا، إذ حينئذ تحت جلده وداخل بيته يحكم قلمُ قديرٍ عليم مريد على الإطلاق؛ فكيف صار فوق الج، المسرجَ البيت هكذا عاجزا جاهلا يتيما مسكينا؟
— 297 —
قيل له: أيها الشيطان الإنسي الذي صار أستاذا لشياطين الجن!
أولا:
لو لم يكن صنعةَ القدير الأزلي الذي يعطي كلَّ شيء ما يليق به بمق قبح امصلحة، لزِم أن يكون إذَنْ حمارُك أعقلَ وأحذقَ منك ومن أساتيذك، ولزِم أن يكون في داخل إصبعك -مثلا- شعورٌ واقتدارٌ يزيدان على شعورك واختيارك بمراتب. فمَن قيَّدَهما في حدِّهما مع أن شأن هذه اللطائف الانبساط والاعملا ب
وثانيا:
إنّ القدر يرسم مقدارا وقالبا، يُنشئ منه قابليةً، تقبل من الفيض المطلق مقدارَ قالبه، وكل ما يترشح من الداخل إلى الخارج فبمقياس الجزء الاختياري وميزانه في سرر الاحتياج ودرجته، وبمساعدة القابلية وتحملها، وبميزان نظام حاكمية الأسماء وتقابلِها. فليس المصنوعُ البقرُ فقط، خارجُه داخلَ آخرَ. ففي كل شيء الداخلُ مظهرُ المطلق، والخارجُ مظهرُ المقيد. ومَنْ طلب إضاءة إلى فر وجذبَ السيارات ومركزيةَ العالم وأمثالَها من لوازم عظمة الشمس وحشمتها، من شُميسة الحباب، انعزلَ عن العقل.
نعم، يصف الحبابُ تلك اللوازم ولا يتّصف..
اعلم أنك صنعةٌ شعورية بحكمة، حتى كأنك بوضوح الدلالة على صفات اوَالِم مُجَسَّمُ الحكمة النقاشة، ومتجسّدُ العلم المختار، ومُنجَمدُ القدرة البصيرة بما يليق بك، وثمرةُ الرحمة السميعة لنداء حاجاتك، ومتصلَّب الفعل المريد لما يريده استعدادُك، ومتكاثَف الإنعام العليم بمطالبك، وصورةُ القدَ، وطلسسِّم المهندس الخبير بما يناسب بناءك. فكيف يمكن لك أن تذهب بجزئك الجزئي الاختياري والشعرة الشعورية، وتخلص عن أحكام الكل وتصير حرا برأسك. ثم ترجع تقيس الكل على الجزء؟ وكيف يتيسر أن تتغافل عن مالكك المالك لكل شيء؟ وكيف تتوهم مع هذا العلم أن ليس جلوني،قيبٌ، سميعٌ، بصير، عليم، مجيب، مغيث.. يسمع أنيناتك يبصر فاقاتك ويعلم جناياتك؟
يا نفسي المسكينة، لم تتوهمين نفسَك خارجةً؟ [٭]: أي خارج الدائرة التي تجلى القدرُ وولا يت الإلهية فيها. حتى يلزم عليك مراعاةُ كل حي واحترامه، أو ظلم الكل بعدم الأهمية. فهذا حملٌ ثقيل لا يُطاق حَمله، فحينئذٍ لابد أن تتركي الأجنبيةَ الشركية [٭]: الشرك الذي هو أجنبي عن الفطرة (ت: ١اساتهموتدخلي في دائرة مُلك اللّٰه، لتستريحي بالأخوة، بل تصيرين أختا كبيرة
— 298 —
محترمة. ألا ترين أن مثَلك كمثل مَن كان في سفينة مشحونة بمال السلطان وقد فُوّض إليه تدبيرٌ جزئي من دواليبه، فوضع الشخصُ هذا. ه ذلك الدولاب المربوط بالسفينة مع أرزاقه على ظهره بكمال الاهتمام. فإن كان له جزء من العقل لقال: إني أيضا في السفينة فأطرحُ فيها مالي مع ماَلِ، ثها.. وكذا واحملي الدساتير الإسلاميةَ على سفينة دماغ عالم الإسلام لتستفيدي وأنت مستريحة مطمئنة...
اعلم أن من خلَقك لا يُبعَد منه ولا يُستغَرب أن يخلق العالَم بجميع ما فيه، لأنه فيك ما فيه. [٭]: أي لأن فيك ما في العالملزنبيل٦٦). بل يجب أن يكون خالقُك هو الخالق لكل شيء، لامتناع أن يكون خالقُ البطيخ غيرَ خالقِ نواته التي هي أنموذجُه المصغر المتلخّص منه المُحاط به...
اعلم أنك مقيّدٌ بالتعيّن، في مقيّدٍ بالبدن، بمقيد بالعمر، محدودُ الحياة في محدود الو الشممحدود الاقتدار. فحينئذ لابد أن لا تصرفَ هذا العمرَ القصير القليل الفاني للفاني حتى يفنى، بل للباقي ليبقى؛ إذ الاستفادة منه هنا تصير مائة سنة، كمائة نواة ّا..
تآكل مع يبوستها وقلة نفعها وإضاعة فوائد الغرس على آكلها، وإن وجّهت إلى الآخرة وسُقيت بماء الشريعة صارت مائةَ نخل باسقات.. الحق أن مَن يشترى بمائة نخل باسقات، مائةَ نواة يابسات.. فهو لائق لأن يكون حطب الحُطَمَة..
اعلم أن مخزنَ اموت. و والشبهات بل الضلالات فرضُ النفس نفسَها خارج الدائرة التي تجلى القدَرُ والصفات الإلهية فيها، ثم تفرضُ النفسُ نفسَها الأجنبية [٭]: حيث فرضت نفسها أئنات، رج الدائرة. في موقع الشيء الذي تعلّق به القدرُ وتجلى عليه اسمٌ من الأسماء الإلهية فتفنى فيه، ثم بصبغة الأجنبية تشرع تُخرج ذلك الشيء أيضا عن مُلكِ اللّٰه، وتصرُّفِ قُدرتِه بتأويلاتٍ تصير بها أستاذَ الشياطين، وتعكسة جنةًها المترشحة من شركها الخفي في ذلك الشيء المعصوم. فالنفسُ الأمارة كالنَّعامة ترى فيما عليها، لها وجها، [٭]: تظن أن في الأمور التي تدينها وجها يؤيدها ويسندها (ت: ٦٦). وكالسوفسطائيينة الللمتخاصمَين: يا هذا دليلُ خصمك يردّك، وكذا: يا ذا دليلُ هذا يبطلك، فلا حق لكما. [٭]: أي دليل الواحد يرد الآخر، فلا يبقى دليل لأحد (ت: ١٦٦).
اعلم أن النفس تديم الغفلةَ بربط الدنيا بالآخرة، كأنها منتهاها، كلا بل وهذه اها.
— 299 —
فبتصور الآخرة -ولو مع الشك- تتخلص من دهشة فناء الدنيا وألم الزوال، وبسبب الغفلة أو الشك تريد الخلاصَ من كلفة العمل للآخرة وتنظر إلى الأسلاف الميّتين، كأنهم أحياءٌ غائبون، فلا تعتبرُ بالنور الكثيرا ما يَثبت عروقُ مطالبها الدنيوية في أرض الآخرة للتأبيد بدسيسةِ، أنّ تلك المطالب لها وجهان: وجه إلى الدنيا لا ثباتَ له، بل هباءً منثورا. ووجه إلى الآخرة تتصل أساساته بأرضها فتسهولة العلم مثلا له وجه مظلم ووجه مضيء. فالنفس الشيطانة تريك المضيء وتُبلعك المظلم. [٭]: أي تريك الوجه المضيء من العلم بأن له فوائد ستظهر في الآخرة وإن لم تظهر في الدنيا. وذلك ليُبلعك الوجه المظلم منه. (ت: ١٦٦). إذ النفس نعامة (دوَه قوشيأنت اليطان سوفسطائي، والهوى بيطاشي.. [٭]: التشبيه هنا مبني على أسس معينة؛ فالنفس تغمر رأسها في الغفلة كالنعامة لئلا يصيبها الأجل، والسوفسطائي ينكر كل شيء كالشيطان، والبكتاشي كالهوى يغيّر القرآ الأشياء فيقول: مثلا: الصلاة ليست مفروضة، إذ قال اللّٰه (لا تقربوا الصلاة) ولا يتم الآية (وأنتم سكارى).
اعلم أنى قد تيقنت بلا ريب أنه لو لم تصدُق "الموجبة الكلية" لزِم صدقُ "السالبة الكلّية" في مسألة خلق الأشياء؛ إذ كل الخلق بالتساند أسلم. م كلٌّ لا يقبل التجزي، فإما وإما. [٭]: فإما أن اللّٰه خالق كل شيء وإما أنه ليس بخالق شيء. (ت: ١٦٧). مع أن الوهم الذي يطيق أن يتوهم عدمَ العلة في كل شيء أوهنُ بمراتبَ من نسج العنكبوت، فالقبول في شيء ما، يستلزم بالحدس الصادق القبولَ في كوانظر
وكذا، إن الخالقَ إما واحدٌ وإما غيرُ متناهٍ، لا وسط قطعا، إذ الصانع لو لم يكن واحدا حقيقيا، لكان بالضرورة كثيرا حقيقيا. وهو ما لا يتناهى. وعلى الثاني -هي إلىلات عجيبة- يلزم عدمُ التركيب وفقدُ الوحدة مطلقا وامتناعُ الوجود.
اعلم أنه كما أن من المحال الظاهر أن يكون منيرٌ غيرَ متنور، والموجِد غيرَ موجود،ة الربجِب غيرَ واجب.. كذلك محالٌ أن يكون مُنعِمُ العلم غيرَ عالم، ومُحسنُ الشعور غير ذي شعور، ومُعطي الاختيار غيرَ مختار، ومُفيض الإرادة غير مريد، وصانعُ المكمّل . فتأممل. وهل يمكن أن يكون مُرسم العين ومصوّر البصر ومنوّر النظر غير بصير؟ بل من الواجب أن يكون ما في المصنوع من أنواع الكمال من فيض الكمال المناسب للصانع.. والمكروب الذي لا يعرف من الطيور إلا جبالَ ة إذا رأى البازي يقول ليس بطير إذ ليس له ما للبعوضة..
اعلم أن أشد ما تطلبه النفسُ الناطقةُ البقاءُ والدوامُ، حتى لو لم تنخدع بتوهم الدوام
— 300 —
ما التذّت بشيء. فيا طالبةَ الدوام اشتملي على ذكر الدائم لتدومي، وكوني زسيئةِ لنوره لئلا تنطفي، وصدَفا لدرّه لتصطفي، وبدنا لنسيم ذكره لتحيَي، وتمسكي بالخيط النوراني الذي هو شعاع من اسم من الأسماء الإلهية لئلا تسقطي في فضاء العدم. فالثمرة الغافلة إذا لم تتوجه إلى ما تقوم به، وانجذبت إلى التشعشع الأجنبي وضحكهم في إلى ال، انقطعت وسقطت على رأسها!
يا نفسُ استندي على ما يقوّمكِ، إذ إلى عهدته منك من الألف تسعُمائة وتسعةٌ وتسعون، وإليك واحدٌ فقط. فاطرحي واحدَكِ أيضا في سفينة مالِه واستريحي.
اعلم أنكَ إذا لم تُطق وليست لَ لنفسك، ولم تصلْ يدُك إليك، فالناس والأسباب البُعَداء-بالطريق الأولى- لا يطيقون ولا تصل أيديهم إلى خُوَيْصَة ذاتك، فجرّب نفسَك هل تقدر أن تصنع لسانك الذي هو شجرة الكلمات وحوض الأذواق و"سانترال" المخابرات، فإنْ لمْ، ولم.. [٭]:قوش الم تصنع ولن تصنع (ت: ٦٨). فلا تشرك باللّٰه
ان الشرك لظلم عظيم
(لقمان:١٣).
اعلم أن العالم دكان ومخزنٌ إلهي يوجَد فيه كلُّ نسجٍ وطرز وشكل وقشر، كثيف ورقيق وزائل ودائمي، ولبٌّ صلب ومايع وهوائي، بعضها نَسجُ الإيجاالعليمها ترسيم التجلي. قد ضلت الفلاسفةُ في الإيجاب بالذات، بإدراج الإيجاد في التجلّي...
اعلم أن الشرك الخفي الناشئ من الأنانية، إذا تصلَّب انقلبَ إلى شرك الأسباب، [٭]: المقصود بالأنانية: الغرور وتفسير كل شيء وفق ما يطلب- للّٰ" أما شرك الأسباب فيعني إعطاء الأمور والتصرف بيد الأسباب. والفقرتان التاليتان توضحان المسألة. وهو إذا استمر تحوّل إلى الكفر، وهو إذا دام بها. و إلى التعطيل، والعياذ باللّٰه...
اعلم أن طلَب الضياء في طور الظلمة مع محافظة النفس عليها وتطبّعها بها أليم شديد، مخلٌّ بحرمة الضياء، ومُلَوِّثٌ له. فلابد متم بالري والانسلال من الظلمة. ثم النظر منها -لا فيها- إلى الضياء.
اعلم أن من الأعاجيب؛ أن الإنسان خُلق ليكون فاتحا وكاشفا مريئا، وبرهانا نيّرا، ودليلا مبصّرا، ومعكِسا نورانيا، وقمرا مسا تزينللقدير الأزلي، ومرآةً شفافة لتجلي الجمال الأزلي. وقد انجلت وتصيقلت بحمل الأمانة التي تدهّشتْ من حملها السماوات والأرض
— 301 —
والجبال. إذ من مضامين تلك الأمانة صيرورةُ الإنسان واحدا قياسيا لفهم الصفات المحيطة، وصيرورةُ ما فيه من "أنا" والكل هو النقطة السوداء بالغفلة والشرك الخفي- مفتاحا لتنوير الصفات. فكيف ولأي شيء صار أكثرُ الإنسان حجابا وبابا وسدا. وكان لازما عليه أن يفتح فأغلَق.. وأن ينحمن الأظلم.. وأن يوحِّد فأشرك.. وأن ينظر بمرصاده إلى اللّٰه فيسلِّم المُلكَ إليه، لكن نظر إلى الخلق بمرصادِ "أنا"، فقسّم مُلكَ اللّٰه عليهم.. نعم، إن الإنسان لظلوم جَالزوال اعلم يا نفسي، إن أرضيت خالقَك بالتقوى والعمل الصالح، كفاكِ إرضاءَ الخلق. فإن رضوا منك بحسابه تعالى فنافعٌ، وبحساب أنفسهم فلا فائدة، إذ هم عاجزون مثلك. فإن أردت الشق الأول فأرضِ ربَّك، وإعظم.
ِ الثاني أشركتِ بلا فائدة.. ألا ترين أن مَن ذهب إلى مقرِّ سلطانٍ مطلقٍ لمصلحةٍ، إن أرضاه تمت بلا كلفة، مع محبةِ الرعية له. وإن طلبها ممَّن تحت حكمه المطلق يتعسّر -بل يتعذر- إره فقط،لكل واتفاقُهم على إيفاء مصلحته. ثم بعد الاتفاق يحتاج إلى إذن السلطان، وإذنُه يتوقف على إرضائه إن كان إكراما، وإن كان استدراجا فلا بحث.
اعلم أن الواجبَ الوجود كما لا يشبه الممكنَ في الذات والماهية، كذلك لا يشبهه في أفعاله.. مثلا: لا فرقَ ب الحكي إليه بين القريب والبعيد، والقليل والكثير، والصغير والكبير، والفرد والنوع، والجزء والكل بالحدس الشهودي. وكذا لا كلفةَ ولا معالجة ولا مزاولة ولا مباشرة في فعله، خلافا للممكن. ولهذا يتحالم أيقلُ في فهم كنهِ أفعاله تعالى فيظن الفعلَ لا فعلا. [٭]: فينكر الفاعل (ت: ١٦٩).
اعلم أن أنيابَ الأسد كما تدل أن من شأنه الافتراسَ، وأن لطافة البطيخ على أنه للأكل، كذلك استعداد الإنسان يدل على أن وظيفتَه الفطريةَ العبوديةُ. وأن عُلويةَ روي صحرا واشتياقَه إلى البقاء والأبدية تدل على أن الإنسان خُلق أولا في عالمٍ ألطفَ من هذا العالم، وأُرسل إلى هنا، ليتجهّزَ ويعود إليه. وأن كونه ثمرةَ شجرةِ الخلقة يدل على أن من الإنسان مَن هو نواة أنبت منها الصانعُ شجرةَ الخلقة، وما تلك النواة إلى الح اتفق كلُّ الكُمّل، بل نصفُ البشر -بسر انصباغ العالم بصبغته المعنوية- على أنه أفضلُ الخلق بالتمام، وهو نورُ سيد الأنام الفاتحِ الخاتم عليه الصلاة والسلام..أيتها % القطعة الثانية من
ذرة من شعاع هداية القرآن
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اعلم أن ناظمَ السماوات والأرض، ومكوّرَ الليل والنهار على جمجمة أرضنا ومهدنا كالعمامة المخططة، كيف يلينقلب حهيته أن يفوّضَ بعضَ صفحات العالم إلى ممكنٍ مسكين؟ وهل يمكن أن يتصرفَ بالذات في ما تحت العرش غيرُ ربِّ العرش؟ كلّا. إذ لا تتقاصر تلك القدرةُ عن الإحاطة. فلا فُرجةَ للغير للمداخلة، مع أن عزةَ الجبروتياة وغتقلالية، ومحبةَ التودد والتعرّف لا تساعد [٭]: بمعنى لا تسمح. للغير -كائنا ما كان- أن يكون حجابا وواسطةً اسميةً تجلب إلى نفسه أنظار عباد اللّٰلى الدعلى أن التصرفاتِ في الكل والجزء والنوع والفرد متداخلةٌ متساندةٌ لا يمكن التفريق ولو بين فاعلين متفقين، إذ ناظِم العالم في عين الوصف يدبر مهدَنا، وفي عين الحال يربي الإنسان، وفي عين الوقت يتصرف في شؤونات الأنواع، وفينُورِ لآن يصنع حُجيرات البدن، وفي عين الزمان يخلق الذرات بتلك القدرة المتوجهة إلى جميع الصفحات. بل بعين النظم يدبر، وبنفس التدبير يربّي، وفي عين التربية يتصرف ويخلق.
فكما لا يمكن أن تُنور الشمسُ وج حيث احر دون خدود الحبابات، وعيونِ القطرات، وأناسي الرشاشات. [٭]: أناسي: جمع إنسان: وهو هنا إنسان العين أي سوادها ومقلتها. أي مُقل الحبيبات المائية المتطايرة من رشاش الماء والشلال. كذلك لا يمكن مداخلةُ شيء من الأشياء في ذرة من حجيرة رعة مط من جزئي من ساكني الأرض بغير القدرة التي تكوّر ليلَها ونهارها. ومن صوَّر وأنشأ ونظّم دماغَ الذباب وعينَ المكروب، لا يترك أفعالَك غاربها على عنقها [٭]: ينظر إلى الهامش في رسالة "لا سيما". سُدًى ومه. فمن يكتبها في "إمام مبين"، فيحاسبك عليها.
— 302 —
نْ دَائِرَةِ النِّظَامِ وَالميزَانِ، وَالتَّنظيمِ وَالتَّوزينِ. وَهُمَا بابانِ مِن "الإمامِ المُبينِ وَالكِتَابِ المُبينِ"، وَهُما عُنوَانانِ لِعِلمِ العَليمِ الحَكيمِ وَأمْرِهِ، وَقُدْرَةِ العَزيزدّ عليَحيمِ وَإرادَتِهِ. فَذلكَ النِّظامُ مَعَ ذلكَ المِيزَانِ في ذلكَ الكِتَابِ مَعَ ذلكَ الإِمامِ بُرهَانانِ نَیيِّرانِ؛ لِمَنْ لَهُ في رَأسِهِ إذعَانٌ وفي وشعر لأ العَينَانِ: أنْ لا شَيءَ مِنَ الأَشياءِ في الكَونِ وَالزَّمانِ، يَخْرُجُ منْ قَبضَةِ تَصَرُّفِ رَحمنٍ، وَتَنْظيمِ حَنَّانٍ وَتَزيِينِ مَنَّانٍ وَتَوزينِ دَيَّانٍ.
— 303 —
اعلم أن ما يُتحدس ويُرى في كل مصنوع، بل في كل ذرة من التصرف المطلق، والقدرة المحيطة، والحكمةِ البصيرة -بجميع ما يتعلق بها وما يُنظَّم معها في سلك-الأشهاٌ باهر وآية بينة؛ على أن صانعَ كلِّ شيء واحدٌ لا شريك له، وليس لاقتداره توزيعٌ ولا انقسام ولا تجزؤ اللازمةُ للانتهاء، إذ لو كان الممكن صانعا، لكان في تصرفه توزيع ونتوبقوته انقسامٌ وفي توجّه اقتداره واختياره تجزؤ، مع أن ما يتعلق من الثلاثة بالنحلة مثلا بحيثية لا يمكن -لو كان من الممكن المتجزي المتجاوز- أن لا يتجاوز. مع أن النحلةَ تتكشف عالمحاسار صانعها بوجهٍ لا يتعسر على ذلك الاقتدار خلقُ عوالمَ. فكيف ينحبس فيها ولا يتجاوز إلى المجاور، فلا بد بالضرورة أن يكون الصانعُ واجبَ الوجود واحدا لا نهاية ولا حدّ ولا انقسام لقدرته التي تجري في ميزان قدَره، وتد لطورلى مسطره.
اعلم أن كونَ البعوضة والعنكبوت والبرغوث وأمثالها أذكى بمراتب، وأجزَل فطرةً، وأتم صنعةً من الفيل والجاموس والإبل، مع قصر أعمار هؤلاء، وعدم نفعها ظاهرا، بخلاف أولئك.. برهان باهر وآية حيويّ على أن الصانع لا كُلفةَ ولا معالجة ولا تعمُّل في خلقه الأشياءَ، بَل يقول: كن فيكون، ولا يَحكم عليه شيء، يفعل ما يشاء لا إله إلّا هو.
اعلم أن شُميسةَ الحباب كما أنها جزء كذلك جزئي؛ إذ هي شمسٌ بالهفَلَمْظلّية دون الماهيةِ الأصلية فهي لا هي ولا غيرُها. فاشتراكُ الكائنات في الشمس لا ينقص من حصة الحباب شيئا، سواءٌ وجودُها وعدمها بالنسبة إليه. فللحباب أن يقول: الشمسُ بالتمام لي وفيّ، متوجهة إليّ.
اعلم أن ما يتصاغر ويتباعمن كل ائرة الاسم الظاهر العظيم الواسع يتقارب ويتقيد بدائرة الاسم الباطن النسبي أو الحقيقي
واللّٰه مِنْ وَرَآئِهِمْ مُحيط
(البروج:٢٠) بأسمائه. [٭]: محيط بعلمه وإرادته وقدرته وبسائر صفاته الجليلة (ت: ١٧١) فلا شيء خارج دائرة إاكن ال فالإنسان بذهنه الجزئي المحدود المقيد الفاني فيما تعلق به، ينظر إلى عظمته تعالى وتدويره للسيّارات حول الشمس، فيستبعد منه أن يشتغلَ بخلق الذباب مثلا، بقياس الواجب على الممكن المسكين قياسا شيطانيا. فمن هذا القياس ينشأ ظللقَدَرم للمخلوقات الصغيرة، وتحقير لهم؛ إذ ما من شيء إلّا ويُسبّح خالقَه، ولا يتنیزل لأن يكون له ربٌّ غيرُ مَن صيّر الدنيا بيتَه، والشمسَ سراجَه، والنجومَ قناديلَه، كأنه ليس في الدنيا إلّا ذلك الشيء الحي. فل المعل
— 304 —
للكبير أن يتكبَّر على الصغير، إذ الوجود كالحق، لا فرق بين القليل والكثير. وكم من قليلٍ كثيرٌ، وكثيرٍ قليلٌ.
اعلم أن كل شيء -من شمس الشموس إلى ثمرة الشجرة- إذا أُمعن النظرُ يُرى ينقلبنتُخب واختير ومُيّز مما لا يحد. فأي شيء كان ينظر إلى ما لا يتناهى، فلا يَتصرف فيه بالذات إلّا من لا نهاية لتجليات صفاته. فتأمل!
اعلم أن العموم لا ينافي القصدَ الخصوصي والعنايةَ الشخصيةَ في الإنعام، إذ نِعمُ اللّٰه ليست مثلَ مال الوقن إذا اء النهر، [٭]: أي ليست مشاعا وعاما للجميع (ت: ١٧١). حتى يُرى إنعاما على الإطلاق، وحتى لا يُحِس الشخصُ في نفسه احتياجا إلى الشكر الخاص. وأن التعيّنا:٤٥) وصوصيات ليست كالأواني والقوالب الحاصلة أوّلا، حتى يكون التعيّن، هو الذي يحصّل وجهَ الإنعام للمتعيّن. إذ المنعمُ الحقيقي جل شأنه يصنع لكل فرد قصعةً تناسبُه، ثم يملؤها من طعام نعمته ة الياما بالقصد الخصوصيّ للشخص باسمه ورسمه. فكما وجب الشكرُ على مطلق النعمة، وجب على الخاصة بالخصوصي.
اعلم أن الكتابَ الكبير المشهود "أي العالَم" والكتابَ العزيز المسموع "أي القرآن" بَخسَ أكثرُ البشر حقَّهما، إذ فيلسوفهم المتفكّربحت مُطي بالذات "للواجب" إلا جزءا بسيطا وقشرا رقيقا أو تركيبا اعتباريا، ثم يقسم الباقي على علل موهوماتٍ، بل ممتنعات، وأسماءٍ بلا مسميات
قَاتَلَهُمُ اللّٰه أنّى يُؤفكُونَ
(التوبة:٣٠). وأما الموحّد، فيقول: الكل مالُه ومنه وإليه وبه. أما ال حتى يفأديبُهم المتخيل لا يعطي لذي العرش من ذلك القصر المحتشم [٭]: المقصود: القرآن الكريم. من أساساته المتينة ودساتيره المكينة وأحجاره المذهبة وأشجاره المزهرة إلا بعضَ نهد، لانظم، وقسما من المعاني.. ثم يقسم الباقي من تلك النجوم السماوية على ساكني الأرض بدسيسةِ تلاحقِ الأفكار. (تُوه) [٭]: كلمة تضجر وتحقير. على عقله الذي خيل إليه تطاولَ يد البشر إلى النجوم بتبديلهار من أرف في أجرامها. مثله كمثل من يعطي لفياض البحر بعضَ الحبابات. والمؤمن المحقق يقول: كل ما اشتمل عليه [٭]: أي القرآن الكريم. من أول الأساسات إلى آخر نقوش النظم منه وله. وأن القرآنَ
— 305 —
لُفَّ في أسااهِدٍ ي معاكِسُ ألوفِ مراتبِ مقتضيات المقامات وحسيات المخاطبين. وكذا مرّ القرآنُ على سبعين ألف حجاب، وتداخَل إلى أعماق القلوب والأرواح، وسافر ناشرا لفيضه ومونسا بخطابه على طبب في هبشر، يفهمُه ويعرفُه كلُّ دور، ويعترف بكماله ويقبله كلُّ قرن. ويستأنس به ويتخذه أستاذا كل عصر، ويحتاج إليه ويحترمه كلُّ زمان بدرجة يتخيل كلٌّ: أنه أُنزل له خاصة. فليس ذلك الكتاب شيئا رقيقا سطحيا، بل بحرٌ زخّار وشمسٌ فيّاض وكتابٌ عميق وبعض ا اعلم، انظر إلى الماء والهواء كيف خُلقا سهلَين سلسَين، فسبحان من يرزق ويلقم المكروبَ والفيل. فانظر طباخَ القدرة كيف صنع طعاما لا يضيق عن لقمته فمُ النحل ويملأ فمَ الفيل، ولا يتكبر على فم الل الإنولا يتكبر عليه فمُ الكركدن، ويقول كلاما يسعه صماخُ الذرة ويمتلئ به أُذن الشمس، ويعطي للكلمة التي تتكلم به تناسلا واستنساخا، بوجهٍ يمتلئ بعين تلك الكلمة كهفُ الجبل فيجيبك بالصدى، ولا تحاجات على الحجيرة التي في صماخ البعوضة.
اعلم أنه يليق أن يُتصوَّر وقتَ الصلاة عالمُ الإسلام مسجدا، محرابُه مكّة وآية المحراب الكعبة، يصلي في ذلك المسجد أجيال. فإذا سجدوا في الفَناء، يجيء أجيالمستقب فيصلون فيذهبون، فيُملأ ويُفرغ دائما. فالأعصار كدقائقِ وقت العصر في مسجد "بايزيد".
اعلم يا سعيد! من السعادة أن تتركَ اليوم على الكرم منك -وأنت عزيز مستبقيا للفضيلة- ما يتركك غدا على الرغم منك وأنت ذليل، مبقيا عليك الخسارة؛ إذ إن تركتَ الف إعجانسللتَ من شرها فأورَثت خَيرَها، وإذا تركَتْك انسللتَ من خيرها وأثمرتْ لك شرَّها.
اعلم أن المدنية الفاسقة أبرزت رياءً مدهشا يتعذر الخلاصُ منه على أصحاب المدنية، بجذبةّت الرّياء بی"شان وشرف" [٭]: أي الشهرة. وصيّرت المرءَ يرائي للمِلَل ويتصنع للعناصر كما يرائي للأشخاص، وصيّرت الجرائدَ دلّالين له، وجعلت التاريخ يصفق ويشوق بالتصفيق، وأنْسَت الموتَ الشخصيَّ بحياة العنصرية المتمردة بدسيسة الحَمية الجاهلمثال بدارة [٭]: بمعنى: غدت حياة الشخص تفدى لحياة العنصرية تحت ستار الحمية الجاهلية (ت: ١٧٢).
— 306 —
اعلم أن جمعيةَ النساء مذكّر يتخاشن، كما أن جمعية الرجال مؤنثة تتلاين، بإشارةِ: وقال نسوة (يوسف:٣٠) و قالت الاعراب (الوكذا إ١٤). وجمعيةَ الضعفاء قوي، وجمعية الأقوياء ضعيف.
اعلم أن في انكسار الجِنَّة وخَفْضِها، انفتاحَ الجَنَّة وفَتحَها. [٭]: العبارة فيها جناس عجيب: فانكسار الجنة -أي بكسر الجيم- تعني الشياطين، وخفضها يعني احتقارها وعدم طاعتها، ففي خفضها أجلّ ح الجنة وفتحها -بفتح الجيم-.. واللّٰه أعلم.
اعلم أن من أظهر براهين النبوّة الأحمدية التوحيدَ. إذ الرافعُ لأعلام التوحيد بمراتبه على رؤوس الكائنات، ودلّال التوحيد بمقاماته على أنظار العالم، ومفصِّلُ ما أجلحق الأنبياءُ عليهم السلام، سيدُنا محمد عليه الصلاة والسلام. ففي حقيقة التوحيد وقوته حقيقةُ نبوته وحقانيتها.
* * *
— 307 —
القطعة الثالثة من
ذرة من شعاع والتعمالقرآن
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اعلم أنه يلزم لمثل هذه التزيينات والكمالات والمناظرِ الحسنة وحشمة الربوبية وسلطنةِ الألوهية من مُش: القالها، ومتنیزِّهٍ بها، ومتحيّرٍ فيها، ومتفكر ينظر إلى أطرافها ومحاسنها، فينتقل منها إلى جلالة صانعها ومالكها واقتداره وكماله.
نعم، إن الإنسان -مع جهالاته وظلماته- له استعدادٌ جامع كأنه أنموذجُ مجموع العالم، وأُودع فيه أمانةٌ يفهم بها الكنیزَ لى نفي ويفتحه. ولم يُحدَّد قواه، بل أُرسلَت مطلقةً فيكون له نوع شعور كلي بشعشعةِ كمالِ حشمةِ جلالِ سرادقِ جمالِ عظمةِ ألوهيةِ سلطان الأزل. وكما أن الحُسن ية الأونظرَ العشق، كذلك ربوبيةُ النقاش الأزلي تقتضي وجودَ نظر الإنسان بالتقدير والحيرة والتحسين والتفكر، وتستلزم أيضا بقاءَ ذلك المتفكر المتحير إلى الأبد ورفاقتَه لم الكونّر فيه في طريق أبد الآباد.
نعم، إنّ مَن زيّن وجوهَ الأزاهير كما أوجد لها عشاقا مستحسِنين من أنواع الذبابات والعصافير، وزيّن خدودَ المُلّاح فأوجد لها أنظار المشتاقين الوالهين.. كذلك من زيّن وجهَ العالَم بهذه الزينة الجاحبتك لنوّر عيونَه بهذه المصابيح المتبسّمة وحسّنه بأنواع المحاسن المتلألئة، وأدمج في كل نقش بكمال الوضوح توددا وتعرفا وتحببا، لا يخليه من أنظارِ مشتاقين متحيرين متفكرين منجذبين عارفين بقيمة كل؛ فلجامعية الإنسان صار الإنسان الكامل سببَ خلق مع غلاك علّةً غائية له وثمرة له.
اعلم أن من كمال السعادة واللذة الحقيقية، تركَ كل شيء حتى الوجود لأجل أنه جل شأنه هو هو، ولأجل أنه واجب الوجود، ولأجل أنه الكامل المطلق، ولأجل أنه ذو الجلال والجمال المطلق، فليكن له فداءة عميا شيء لي، وكُلّي والكلُّ وكلُّ شيء.
— 308 —
اعلم أن التوافقَ بين الأشياء كما يدل على أن الصانع واحدٌ أحدٌ، كذلك إن التخالف المنتظَم بينها، يدل على أن الصانع مختارٌ حكيمٌ. م اجتماوافقُ أفراد الإنسان بل الحيوان في أساسات الأعضاء. لاسيما التماثل في الأعضاء المثناة في الشخص برهان باهر على وحدة الخالق، وتخالفُها في التعيّنات والصور المتقنة آية نيّرة على اختيار الخالق وحكمته.
ه "أناأن أظلم الخلق الإنسانُ. فانظر ما أشدَّه ظلما! فلشدة حبه لنفسه لا يعطي الأشياءَ قيمةً إلّا بمقدار خدمتها لنفسه، وينظر إلى ثمرتها بمقياس نفعها للإنسان، ويظن العلّةَ الغائية في الحياة عي الرزقياة. كلا، إن للخالق في كل حي حِكَما تدِقّ عن العقول. لِمَ لا يجوز أن يكون هذه الحيوانات القصيرةُ الأعمارِ والحوينات السريعة الزوالِ مباديَ ومساطرَ ومصادرَ وأساساتٍ ونواتاتٍ لغرائبَ مثاليةٍ وبرزخية وملكوتية وتجلياماتها،ة وترشحات وثمرات لتصرفات القدرة في الغيب؟..
........ [٭]: في (ط١): اعلم أن البصر كما ينحصر عنده المعلوم -بل الموجود- في المبصر، كذلك النفس الأمارة إذا لم تر شيئا تنكر وجوده، ولو كان من أبده البدهي0
حَس اعلم أن اللّٰه بكمال قدرته صيَّر جميعَ ذرّات الكائنات عبيدا لشريعته الفطرية وأوامره التكوينية. فكما يقول للذباب كن هكذا، فيكون هكذا.. كذلك يقول بعين السهولة لجميع الحيوانات دَاتِ بهاتيك الصفات وبهاتيك الأشكال وبهاتيك الأعمار، فيكونون كما أُمروا بلا كلفة!
اعلم أن القوةَ والقدرة التي أخذت هذه الأجرامَ في قبضتها، ونظّمَتها كتنظيمِك فصوصَ الجواهر على مرآتك بيدك، لا تعجز عن شيء ولا تساعد لمداخلة شيء ما في دائرة تصرفها.يث ويللم أنه كما لا ريب في اتحاد القطرة مع البحر في كونهما ماء، ومع النهر في كونهما من السحاب، واتحادِ شُميسة القطرة مع شمس السماوات، واتحادِ السان لا الإبرة مع السمك الذي يسمّى بی"بالينه بالغى" [٭]: الحوت العظيم من حيتان البحر. في النوع، واتحادِ الحبَّة مع الصُّبرة.. كذلك إن الاسمَ المتجلي على حُجيرة في جزء من الجزئيات متّحدٌ في المسمّى مع الاسم المحيط بالكون من الأبكرامة309
الحسنى، كالعليم بكل شيء مع الخالق لهذه الذرة، والمصوّر لهذه النحلة، والمنشئ لهذه الثمرة، والشافي لهذه العلة، بل محال أن لا يكون الواسعُ الأوسع عينَ الاسم الجزء الجزئي.
اعلم أنه لأن العطالة والسكون والتوقفَ والاستزجَيْجلى طرز في الممكن -الذي ظهور وجوده بتغيره- نوعُ عدمٍ في الأحوال والكيفيات، والعدم ألمٌ محض وشرٌّ صرف.. كانت الفعاليةُ لذةً شديدة والتحولُ في الشؤون خيرا كثيرا، ولو كان ألما ومصيبة. فالتأثرات والتألماتي غيرَ من جهات، قبيحةٌ من جهة.
فالحياة التي هي نور الوجود تتصفى بالتأثرات، وتتصَيقل بالتألمات.. فلا تنافرها الحياة، فلا توزَنُ بميزان البقاء العائد للحي، بل بميزان الظهور والمعكسية لتجلّي شؤون "المحيي" جلَّ شأنتي فصّللمحيي في الحياة ألوف حصص، وللحي حصة عرَضية. كمالُها في تبعيتها لحصص المحيي.
فتزيّن الحباب بشُميسيته في آنٍ سيال لا يعطي له حقا بدرجةٍ يعارض الشمسَ في حقوق تجلياتها المشحونة بالحِكم الجسيمة. إلّا أن حباب الإنسان إذا آمننان ال بالإيمان زجاجةً كأنها كوكبٌ دريّ يوقد مصباحها من أشعة شمس الأزل.
اعلم أنه كيف يمكن أن يصنع أحدٌ جميع أساسات قصر وأثاثاته وتركيباته المتوجهةِ جميعا إلى بلِزاد قصر الواحد، ولا يكونَ القصرُ علّةً غائية لذلك الصانع، [٭]: في (ط١): لذلك الصانع، ولو معلوما مبصرا، ولا يكون في تدبيره وتصرفه، بل لا يمكن أصلا، كذلك أنت قصر والأرض قصر. ولا يكونَ ثمرات القصر عائدة إليه. أيها الإنسان! الأرض قصر والعالَم قصر.
ء هدايم أن اللّٰه جل جلاله تعرّف إلينا بخلقه ومصنوعاته، وتودّد بنعَمِه وإنعاماته، وتحبّب برزقه ورحماته، ففعل هاتيك لتلك، بل كأنها هي. وهكذا تجلَّى كلُّ اسم من أسمائه الحسنى. فمن تفَهّمَها منها كما هو ً ثجاجبتفهيمه تعالى- ثم فهّمها لغيره كافةً -بإذنه جلّ شأنه- يحق له أن يقال في حقه: "لَولاكَ لَولاكَ لَمَا خَلَقْتُ الأفلَاك" [٭]: "إنه صحيح معنًى ولو ضُعّف مبنى" على القاري، شرح الشفا ١/٦؛ الأسرار المرفوعة ٣٨٥؛ العمتهاون كشف الخفاء ٢/٢١٤؛ الشوكاني، الفوائد المجموعة ٣٢٦. وما هو إلا الرابط المتين الأمين بين السماوات والأرض، الذي ارتبط العرش بالفرش بالحبل أعجبُج على قلبه
— 310 —
الذي هو أشرف الكائنات جنسا، وأكملُ ذوي الحياة نوعا وسيدُ النوع الذي شُرّف بالخلافة شخصا، وهو سيد المرسلين وإمام المتقين، حبيب رب العالمين محمد عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام أبد الآبدين.
* * *
خات الجلا للّٰه دَرُّ العلّةِ والمصيبة والذلّة، ما أحلاها وهي مُرّة! إذ هي التي تُذيقُك لذةَ المناجاة والتضرع والدعاء.
عن ابن سمعون (٭): "كل كلام خلا عن الذكر فهو لغو". [٭]: في (ط١): وكل سكوت خلا عن الفكرة فهو سهو، وكل نظر خلا من اعر في فهو لهو.
اعلم أني على جناح السفر إلى الآخرة، فلكثرة ذنوبي لا يكفي عمري بل أعمار للاستغفار، فأُوكلُ كتابي هذا وأُوصيه بأن ينادي مستغفرا بعدي بدلا عني دائما بهذا (الفرياد): [٭]: أي الاستغاثة والنداء.
(أي ولا ينغ أسفا وا حسرتا وا خسارتا وا ندامتا! على تضييعي لعمري وحياتي وصحتي وشبابي، في المعاصي والذنوب والهوسات الزائلة المضرة، فأورثَتْ في أوان شيبي ومرضي آثاما وآلاما. وأنابيَّ يالحمل الثقيل والوجه الأسود والقلب المريض متقرب إلى باب القبر للفراق الأبدي من الدنيا الفانية.
فيا ذلّي إذا ما قال ربيإلى النيران سوقوا ذا المرائي!
إلهي لا ملجأ ولا منجا إلا باب رحمتك.
إلیهي عبدُك العالها مییاك مقرّا بالذنوب وقد دعاك
فإن ترحم فأنت لذاك أهلٌ وإن تطرد فمَن يرحم سواك
[٭]: ينسب إلى إبراهيم بن أدهم: إلیهي عبدُك العاصي أتاكةَ أعظا بالذنوب وقد دعاكا
— 311 —
يا رب ژكناه ژشت خود منفعلم
أز قول بد وفعل بد خود خجلم
فيضي بد لم زعالم قدس بريز
تا محو شود خيال باطل زدلم
[٭]: يا رب إنني متألم نادم على سيئاتي وآثامي
وخجِلٌ من أقوالي وأفعالي السيئة
فذا المن عالم القدس فيضا على قلبي
كي يمحو من قلبي الخيال الباطل
"أستفتح باب الرحمة بنداء مولانا"
أى خدا مَن اللّٰه اللّٰه مى زنم
بردر تو شيئوأما اه مي زنم
أى خدا باسوى خود راه نما
زانكى من كم راهم راه مي زنم
[٭]: يا الهي إنني أُردد: "اللّٰه، اللّٰه"
وأنادي وأقول شيئا في سبيلك على بابك
يا إلهي اهدني الطريق إليك
ه.. أو ضللت ولكني سائر في الطريق
إلییهي لستُ للفردوس أهلا ولا أقوى على نار الجحيم
فهبْ لي توبةً واغفر ذنوبي فإنك غافر الذنب العظيم
* * *
— 312 —
في (ط١):
هذا تقريظ أخي في اللّهة المسيب النسيب
السيد محمد شفيق الأرواسي(٭)
باسمه سبحانه
وان من شيء الاّ يسبّح بحمده
والصلاة والسلام على خير خلقه..
ومن المعروض لدى ناظر آثار أستاذنا بديع الزمان، الملهَمة من فيوضات آيات القرآن، والمستفادة من إشاراتٍ تهدي إليهامه وخُ بلاغة الفرقان التي لا يدركها إلّا مَن منّ عليه الملك المنان، بانكشاف اللطائف الأمرية، وتوسيع الدائرة العقلية، مع صيقلة سائر مرآة الحى حادثالوجدان بأن خلاصة ما لخصته من الإخلاص في حقها، أن كلا منها حصن حصين في مقابلة أشرار أعداء الدين، بل سد صيني لا يؤثر فيه وساوس النفس، ودسائس الشيطان، وتلقينليل الة الطبيعة، وأباطيل أفكار الفلاسفة الضالين.. وأنه يجري من منابع مباحثها ماءُ حياة تنمو به العقدة الإيمانية وتنطفئ منه الشرارات النفسانية، فلتب الكل طالب من السعي البليغ في مطالعتها كي تحصّن بما حصله من براهينها وتشفي بما ناله من ذوقياتها ودقائقها.. وإن وجد تعسرا في فهم معانيها، فلا نواة ببا لفتور السعي فيها، فإن صداق الفوائد الجليلة إنما هو المساعي الكثيرة، ولا يلومنّ مؤلفها أيضا، لأن صعوبتها غير اختيارية، لما فيها من مسائلَ موضوعاتُها من الخوارق للعادات، وقضايا ذوقيةٍ لا يسعوأسوأ العبارات، وبراهينَ من نتائجَ بدهية عنده وعند الغير من النظريات، ومفهومات متناسبة ومتناسلة قد نصبت على بعضها نُصُب وترك في البعض الآخر الآياتُ، لأن بُعد اعبارة لا تكفيها راياتُ الجُمَل والكلمات وغيرُ ذلك من الأسباب مثل بدائع التشبيهات وغرائب التمثيلات.
الحقير
محمد شفيق
— 313 —
الرسالة التاسعة
[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "أوقاف" بإسطنبول سنة ١٣٤٠هی (١٩٢٢)م
شَمَّةٌ
مِن نسيم هداية الق صغر ا314
في (ط١)
إفادة المرام
اعلم أيها الناظر! إني أسمع من الناس شكايةً عن الغموض في آثاري، فاستمع مني ثمانية كلام:
فأولا:لا تعجل لعتابي لأجل الإشكالات، إذ مخاطبي نفسي الدساسة، وهي تفهم بسرعةٍ أجوبةَ أسئلتِها المخطئة ولذرة، شمز.
وثانيا:إن كل مسألة افتتحت بی"اعلم" سلاحٌ قاطع، ودواءٌ نافعٌ، أُعطِيتُه من حيث لم أحتسب، في وقت شدة احتياجي وكثرة جروحي. فليس لي في الكتاب مالٌ إلّما من يس في الكتاب من الألم والجرح والداء المستتر في الضمير. وأما المذكور في الكتاب من الدواء والسلاح وذوق الحق، فليس مني، ولا مما مضغه فكري، بل من فيض القرآن الكريم.
وثالثا:إني لا أبالي بتنقيد الناس؛ إذ للّٰه الحمد إني لا أعرف الآن لنفس، وسُق القصور والعجز وما تستحق من الذم. فإذا أردتُ التمدحَ والافتخار بأثري لا أرى إلّا ما أخجل به وأفتضح، إلّا أن اللّٰه ستّارُ العيوب. فكما لا قيم؛ فمن ي حتى أبتهجَ متصنعا بما يُظَن محاسنَ وهي في الحقيقة مساوئ، كذلك لا أقيم لنفس غيري المتكدرة بالأنانية أيضا وزنا، حتى أتصنّعَ له بالرياء الكلاميّ والتصلف في العبارة. إلّا أنه يليق أن تُلبَس الحا ذاكرما يليق بها.. ولكن هيهات أنا عاجز وأعجمي وخام لا أطيق أن أنسج غيرَ ما ترونه من أساليبي المشوشة، فأعترف وأنادي بأعلى صوتي: بأني عاجز، قاصر في الإفهام. لكن أقول تحديثا بالنعمة وأداءً للأمانة بأني لا أخدعكم، إنما أكتب ما أشاهد أو أتيقن عوتتعاوقين أو علم اليقين.
ورابعا:لا تحسبنَّ أن ما أكتبه شيء مضغَتْه الأفكارُ والعقول. كلا! بل فيضٌ أُفيض على روحٍ مجروح وقلب مقروح، بالاستمداد من القرآن الكريم، ولا تظنه أيضا شيئا سيالا تذلفقر وقلوب وهو يزول. كلا! بل أنوارٌ من حقائقَ ثابتةٍ انعكست على عقلٍ عليلٍ وقلبٍ مريضٍ ونفسٍ عمي.
وخامسا:إني ما أدري كيف صار عقلي ممزوجا بقلبي، فصرت خارلإذاقةطريق أهل
— 315 —
العقل من علماء السلف وعن سبيل أهل القلب من الصالحين، فإن وافقتُهما "فبها ونعمت"، وإن خالفتُ في كلامي أيّ السبيلين منهما فهو مردود عليّ.
يدٍ وع:لا تطلب في آثاري انتظاما وانسجاما ووضوحا، لأنها تقيِّد وتلخّصُ مشاهداتي في تحولات غريبة ومجرَّبات نفسية مختلفة، مع أمور أخرى، لو اطّلعتَ عليها لعذرتني.
وساب.. تلج تقل: إذا لم أدرِ الكلَّ، لا أُريد الكلَّ.. فإذا كنتَ في بستان أتترك كل الثمرات إن لم تأكل كلها.
وثامنا:إن ما يصادفك في المسائل من صورة البرهان والاستدلال ليس برهانا حتى يقالَ: فيه نظر! بل مبادئ حدسية قُيّدت وعُقدت واستُحفظت ُصَ من اليقين المُفاضة من القرآن الكريم.
— 316 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه رب العالمين على رحمته على العالمين برسالة سَيد المرسلين محمد صلى اللّٰه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
اعلم أن العالمَ بجميع أنواعه من طبقات الغيب والشهادة يشهد بأنه: "لا إله إلَّا هُو" إذ التساند بينها هكذا يقتضي.. وبجميع أركان جميع أنواعها من المنظومة الشمسية وغيرها تشهد بأنه: "لَا رَبَّ إلَّا هُوَ" دسته. شابه مع التناظر هكذا يقتضي.. وبجميع أعضاء جميع أركانها من أرضنا وغيرِها تشهد بأنه: "لا مَالِكَ إلَّا هُوَ" إذ التماثل مع اتحاد السكة هكذا يقتضي.. وبجميع أجزاء جميع أعضائها من طوائف الواحد ت وقبائل الحيوانات تشهد بأنه: "لا مُدبِّر إلَّا هُوَ" إذ التعاون مع الاشتباك هكذا يقتضي.
وبجميع جزئيات جميع أجزائها تشهد بأنه: "لا مُربّيَ إلَّا هُوَ" إذ توافق الأفراد في أساسات الأ نعم يصرّح باتحاد القلم وبأن المربّي واحدٌ، وتمايزُها في الصور المنتظمة ينصّ على أن الكاتب مختارٌ حكيم.. وبجميع حُجيرات جميع جزئياتها تشهد بأنه: "لا مُتَصَرف في نهم فيةِ إلَّا هُوَ" ولا تصرفَ إلّا تحت أمره التكويني؛ إذ لو لم يتحد لَلَزم وجود متصرِّفين غير متناهين، مع أنها أضدادٌ أمثال [٭]: أي على الرغم من أنها متماثلة فهي متضادة، وهي حرة وأسيرة، ومقيدة ومطلقة إلى آخر ذلك من المحالات. ومع أنها مستقلّين أُسن الشمومع أنها مطلقين مقيَّدين [٭]: هكذا في النسخة الخطية، ولعل سياق العبارة يقتضي: ومع أنها مستقلّون أُسراءُ، ومع أنها مطلقون مقيَّدون. مع محينات:
ُخر كثيرة.. وبجميع ذرّات جميع حُجيراتها تشهد: بأنه: "لَا نَاظِمَ إلَّا هُوَ" إذ اتحّاد الخيط بين الجواهر الفردة هكذا يقتضي.. وبعموم أثير ن أنواا تشهد بأنه: "لا إلهَ إلَّا هُوَ" إذ بساطةُ الأثير وسكوته وانتظاره وسرعة امتثاله لأوامر الخالق هكذا يقتضي.
اعلم أنّه لا حقَّ لأحدٍ في التلنوري"لاعتراض على صانع العالم؛ إذ في إرضاء الفرد المشتكي إغضابُ أُلوفِ حِكَمٍ متدلية في نظام مقتضٍ لكسر هَوَس ذلك الفرد
وَلَو اَتَّبَعَ الحَقُ اهواءهُم لَفَسَدت السمواتُ والارضُ
(المؤمنون:٧١).
— 317 —
فيا أيها المشتكي! مَن أنت حتى تعترض تغير ه هوسَك الجزئي مهندسَ كليّات الكائنات، وتجعل ذوقَك الفاسد مقياسَ درجات النِّعم؟ وما يدريك لعلّ ما تراه نِقما عينُ النِّعَمِ؟ ومَن أنت حتى يُغيَّرَ حركةُ دواليب العالم و"جرخ الفلك" لتسية.. وسِك الذي لا يوازي جناح البعوضة، ولا يملأ نواةَ التينة؟ لكن لك أن تشتكي إليه، لا منه؛ إذ لك منك حَبَّة من صُبرة، والمملوك لا يملك. فاعرف حدَّك ولا تجاوز طورَك.
اعلم أن مَن يتصرف في حُجيرة من عضوٍ من جسد، لابد أن يتصورَ الجسدتضيه و، ثم يتصرّفَ لنظر نسَب الجزء إلى نقوش الكلّ ووضعيته. [٭]: أي ثم يتصرف ناظرا في نسب الجزء إلى نقوش الكل، حيث هناك علاقات وارتباطات كثيرة للجزء مع الكل (ت: ١٧٧). فالتصرف في الحجيرة تحت أمرفته يعالكل البتة.
اعلم أن من يحفظ بيضات الهوام والسمك، وبذورَ الحشرات والنباتات، حفظا رحيما نظيما حكيما، كيف يليق بحفيظيته وحكمته أن يهمل ولا يحفظ أعمالَك التي هي نواتات لأشجارٍ مثمرة في الآخرة، وأنت حاملُ الأمانة وخليفةُ الأرض؟ مع أن شدّة حثُه عن الحياة في كل حي، وشدّةَ حسّ التأليف للبقاء والإدامة بين المتباينات المجتمعة يدلان بالحدس الصادق على أن الوجود ينجرّ إلى البقاء الأبدي بتجلي اسم "الحي الحفيظ الباقي".. وأيضا رمزٌ من القدَر الإلرة الك أن في الفاني ما يبقى.
اعلم أن من يحفظ بذر التينة مثلا في الأطوار ويحميه في الأدوار ويصونه عن الانحلال ويحفظ في تلك البذيرة لوازمات شجرة التينة ظر، بعالاهتمام والمحافظة، وهكذا سائر النباتات والحيوانات.. لا يهمل -ذلك الحفيظ- البتةَ أعمالَ البشر خليفة الأرض بالضرورة وبالحدس الصادق.
اعلم أن المعنى يبقى واللفظ يتبدل، واللب يبقى والقشر يتمزق، والجسد يبقى واللباس يتخرّق،وان شمح يبقى والجسد يتفرق، و"أنا" يشبّ والجسد يشيب، والواحد يبقى والكثير يبلى، والوحدة تدوم والكثرة تتمزق، والنور يبقى والمادة تتحلل. فالمعنى الذي يبقى من أول العمر إلى الآخر، مع تبديله لأجسادٍ، وانتقالِهض وسطحوار، وتدحرجِه على أدوار مع محافظة وحدانيته، [٭]: أي مع الحفاظ على بقائه ووحدته (ت: ١٧٧). يدل على أنَّه يتخطى على الموت أيضا وينسلّ من كلاليبه، متشققَ الجسد،
— 318 —
عريان الروح، سالما في طريق الأة يستلدّة دستور الحفظ والمحافظة في الماديات التي الأصلُ فيها الفناء، تدل بالحدس القطعي وبالطريق الأَولى على جريان ذلك القانون الباقي في المعنى والنور والروح الواحد البسيط، التي الأصلُ فيها البقاء.
اعلم أن عظمان دماوهيّة وعزّتَها واستقلالَها تستلزم دخولَ كلِّ شيء -مطلقا: عظيما أو حقيرا، أعظمَ الأشياء وأخَسَّها- تحت تصرفها. فخستُك وحقارةُ أحوالك لا تستلزم خروجَك. [٭]: خروجك عة فإنمها (ت: ١٧٧). إذ بُعدُك لا يستلزم بعدَه، وحقارة صفتك لا تستلزم حقارةَ وجودك. وتلوث وجه المُلك فيك، لا يستلزم تلوثَ ملكوتك.. وكذا لا تستلأسبابمةُ الخالق خروجَ الحقير عن تصرفه، إذ العظمةُ الحقيقية تستلزم الإحاطةَ، والانفرادَ في الإيجاد.
اعلم أن المادي الكثيف كلّما تعاظم تباعدَ عن الدقائق والخفايا وتقاصر يدُه عنها. وأما النور فكلّما تعاظم وتعالى كان أتمَّ نفوذا في الخفايا والدقائق.ت بستا كان النور ألطفَ كان أكشفَ لباطن الشيء كشعاع "رونتكن". فإذا كان هذا هكذا في الممكن المسكين والكثرة المشوشة، فكيف بنور الأنوار من طرف الوجوب والوحدة العالِمِ بالأسرار ومدبّر الليل والنهار؟ فعظمتُه تستلزم الإحاط مصنوعنفوذ والشمول.
اعلم وانظر إلى كمال مراعاة القرآن ومماشاته وتأنيسه لأفهام جمهور العوام الذين هم الأكثر المطلق؛ إذ يَذكر في المسألة ذاتِ الدرجات الدرجةَ القريبةَ إليهم، والصحيفةَ الواضحة للأطراف وإلّا لزم أن يكون الدليل أخفى من النتيجة. فالقرآن يذكر الأشياء الكونية للاستدلال على صفات الخالق جلّ جلاله. فكلما كان أظهرَ لفهم الجمهور كان أوف٤٢). شاد.
مثلا:يقول:
ومن آيَاتهِ خَلْقُ السَّموَاتِ والارضِ واخْتِلافُ السنتكُمْ والوانِكُمْ
(الروم:٢٢) مع أن خلفَ طبقة الألوان مسافاتِ تعيّناتِ الوجهِ كما أُشير إليها في "ذرّة" ويقول:
انّ في خَلْق السَّموات والالرابعواخْتِلافِ اللَيل والنَّهَارِ لآيات
(آل عمران:١٩٠) مع أن تحت صحيفة الليل والنهار المقروءة بأول النظر عجائبَ نقوشِ تحريكِ الأرض على نفسها وتدويرها حول الشمس.
ويقول:
والوالأرضاوتاداً
(النبأ:٧) مع أن تحت ما يُرى من صورة سفينة الأرض وخيمتها المرساة المربوطة بالعمد والأوتاد تسكينَ غضب الأرض التي
تكَادُ تمَيَّزُ مِنَ الغَيْظ
— 319 —
(الملك:٨) بسبب الهرج والمرج في بطنها وإسكات غضبها بخلق الجبال فتتن الأفارضُ من منافذها، فتهتز بالزّلزلة فقط، بدل التمزق لولا الجبال، وتحت هذه الصحيفة أيضا جعل الجبال مخازنَ الماء ومشّاطةَ الهواء وحاميةَ التراب من استيلاء البحر والتوحل. وهذه العناصر أوتادُ حياة الحيوان، الذي الناطق منه "وتد" الدفون فيقس على هذه أمثالها.
ومن هذا السر ترى الشريعةَ تعتبر رؤيةَ الطلوع والغروب، [٭]: أي طلوع الهلال وغروبه، لأن رؤيته أسهل للعوام لحساب الأيام والشهور (ت: ١٧٨). دون الحساب الحقيقي.. ومن هذا البه -بغا التردادُ للتثبيت، والتكريرُ للتقرير في القرآن الحكيم.
اعلم أن حقائق الآيات أوسع بمراتبَ من خيالات الأشعار، فتنیزّهتْ عن الشعرية. والمتكلمُ خلف الآيات يبحث عن شأنه وفعله، وفي الشعر فضوليٌّ يبحث عن غيره. والقرآن الباحث عن اى النبات في الجملة خارقٌ للعادة، [٭]: أي يبحثه بحثا خارقا للعادة. والكلمة الثالثة عشرة تفصّل هذه المسألة. والشعر الباحث عن خوارق العادات في الأكثر عادي.
اعلم أن مرايا وحدة الخالق وصحائفَ شواهدِها متعدّدةن الذيعة متداخلة متحدة المركز غيرُ محدودة؛ فتنوُّر واحدٍ في النظر المتبصر يستلزم تنوّرَ الكل، وبفتح واحدٍ يمكن بالدّخول فتحُ الكل، دون العكس ؛ إذ انسدادُ واحد لاسيما جاجةً لا يستلزم انسداد الكل. مع أن النفسَ الأمارة بتعليم الشيطان تكذِّب الأصلَ الصادق وتصدّق بالعكس الكاذب.
اعلم أنه كما لا يمكن أن يكون كاتبُ الكلمة غيرَ كاتب الحرف، وكاتب السطر غيرَ كايّةُ احيفة، وكاتُبها غيرَ كاتب الكتاب.. كذلك لا يمكن أن يكون خالقُ النملة غيرَ خالق جنس الحيوان، وخالقُه غيرَ خالق الأرض، وخالقُها غيرَ رب العالمين.
ومن إشارات الربوبية المطلقة الع-على سابةُ كلمةٍ أو كلام أو كتاب في حرف كبير، لرمز عمومِ الشعور والإحاطة كخلق السمك في حرف البحر، وخلق دابة الأرضة في سطر الشجر، وخلقِ الحيوان في نقطة الأرض، والنملِ في كل موضع يُظَن أنه جامد مفي مدةروك، حتى إن بعض المصنوعات كصورة "يس" كتبت فيها سورة "يس".
اعلم أن هذه النجومَ والشموس متماثلة متساوية في الجملة، فليس ربُّها منها بالضرورة، وربُّ واحدِها ربُّ كلِّها وربُّ كل شيء.
— 320 —
...ه تعال٭]: في (ط١) أيها الإنسان! لو أنصفت لما تضجرت من البراغيث والبعوض وأمثالها؛ إذ يتحمل -بكمال التسليم- افتراسَیك كلُّ الثمرات وأكثرُ الحيوانات تلك المخلوقاتُ اللطيفة المعصومة. فمن الإنصاف أن تتحمل أهون الاقتصاص من أيدي بعض المؤذيات.. فالجروح قصاصائدة فاعلم أن الفردَ الإنسان جماعةٌ من المكلَّفين، ولكل فردٍ من حواسّه -ظاهرا وباطنا- عبادةٌ تخصُّه، وضلالةٌ تفسِّقُه. فكما أن سجدةَ الرأس لغير ا النازضلالة، كذلك سجدةُ خيال الشعراء بالحيرة المفرطة والمحبة الوالهة في مدح غير اللّٰه -لا بحساب اللّٰه- أيضا ضلالةٌ يَفْسُق بها الخيالُ. وقس على الخيال إخوانَه.
اعلم أن من أَعمّ أسباب ضلالة فكر البشر؛ ظَنَّ المألوفَ معلوما، مع أن الألفةَ تتضمّي ما تلَ المركب، فبحُكمِ الألفة لا يتأملون في العاديات المستمرّة مع أنها كلَّها خوارقُ معجزاتِ القدرة، وما يمُعنون النظر إلا في ما فوق العاديّات من نوع التجليات السيالة، كمَن لا ينظر من مجموع الب الأوّ ما في بطنه من الحيوانات- إلّا إلى تموّجاته بالهواء وتلألئه بشعاعات الشمس، فيستدل بهذين الحالتين فقط على عظمة مالك البحر وصانعه جلّ جلاله.
اعلم ثَلَاثر معلومات البشر الأرضية ومسلّماته، بل بدهياته مبنية على الألفة، وهي مفروشة على الجهل المركب. ففي الأساس فسادٌ أي فساد. فلهذا السر توجِّه الآياتجةَ جهرَ البشر إلى العاديات المألوفة، وتثقب نجومُ القرآن حجابَ الألفة، ويأخذ [٭]: يأخذ القرآن. بأُذُن البشر ويُميل رأسه، ويريه ما تحت الألفة من خوارق العادات في عين العاديات.
اعلم أقيقٍ عاسبة حتى المكالمة لا تستلزم التساوي ولا التداني ولا التشابه؛ فقطرة المطر وزهرة الثمر لهما مناسبة ومعاملة مع الشمس. فيا أيها الإنسان! لا تحسبن أن حقارتَك تسترك عن نظر عناية هاية للكون.
اعلم أن ما اشتهر من وقوع بسط الزّمان وطيّهِ لبعض الأولياء
كما وقع للشعراني(٭) في مطالعته للفتوحات المكية، [٭]: لمحي الدين بن عربي. في يوم واحد مرتين ونصفا، كما في آخر " النعميت والجواهر" لا ينبغي أن يُستغرَب فيُستَنكر؛ إذ فيما تراه له نظائر تقرّبه إلى الفهم؛ ألا ترى أنك ترى في الرؤيا كأن مرَّ عليك سنة [٭]: في (ط١) مرّ ِإراءةنة بل سنون في ليلة. في ليلة بل في ساعة. ولو قرأتَ القرآن بَدَلَ ما جرى عليك، وما
— 321 —
شاهدتَه من الأقاويل والأفاعيل لقرأت ختماتٍ في تلك الساعة. ففي انكشاف هذه الحالة لأهل الكشف في اليقظة ينبسط الزمان، ويطول العمر، ويتقرب إلى دائرة الروح التي، المتيّدها الزمان. ولو صُوّرت "ساعة" لها أميالٌ متداخلة لأجل أن تكون ميزانا تشير إلى درجات سرعة الحركات الموجودة في مصنوعات اللّٰه، لا سيما لبيان درجات سرعة الصوت، والضياء، و"الألكتريق"، والخيال، ونور العقل، والملَك، والروح. عن الو يعدّ الساعات وميلٌ الدقائقَ، وميل الثوانيَ إلى الميل الذي يعدّ العاشرات، [٭]: تنقسم الدقيقة الواحدة إلى (٦٠) ثانية وكل ثانية إلى (٦٠) ثالثة وهكذا إلى العاشرة. وفي الكلمة الحادية والثلاثين، رسالة "المعراج العاكسَهتفصيل لهذه المسألة. مع محافظة النسبة بين كلّ آنين من معدودِ أول الأميال إلى آخرها. ففي تلك الساعة مدارُ الميل العادّ للساعات المشيرِ إلى أبطأ الحركات، لو كان مثل دائرة ساعتك هذه، لكان مدارُ الميلج، لا ّ للعاشرات المشيرة لأسرع الحركات مثل مدار زُحل بل أوسع، فافرض أحدا ركب ميلَ الساعات وواحدا امتطى ظهر ميل العاشرات، فانظر كَم بين ما رأَيَا وقَطَعا، فقد انطوى لهذا ما انبسط لذاك بدرجةٍ تكون ثانيةُ ذا سنةَ
ويولأن الحركةَ كجسم الزمان أو الزمان كلونِها، فما يجري فيها، يجري فيه أيضا. فلِمَ لا يجوز للولي الغالبِ روحُه على جسمانيّته أن يُصدر أفاعيلَه على مقياس سرعة الروح والخيال؟
اعلم أنه قد يستعظم المرءُ ا (الذَ وهي التوحيد المحض الخالص، ولا يسعها ذهنُه الكاسد، أو لا يتحملها خيالُه الفاسد. فيشرع يردّ براهينَها الصحيحة القاطعة، ويتعلل بأن نتيجةً بهذه العظمة لا يمكن أن يقبَلها ويقيمَها هذا البرهان ولو كان في اليواقلقوة. فالمسكين لا يعرف أن قيّومَ النتيجة الإيمانُ، وما البرهان إلّا مَنفَذٌ ينظر إليها.. أو مكنسة يطهّر الأوهامَ عنها. مع أن البرهان ليس واحدا، بل لها براهين عدد رمال الدهناء، [٭]: الدهناء: الفلاة. وبمقدار حصى البطحاء [٭]: البطحاء: مسيلد للّٰفيه رمل ودقائق الحصى. وقطرات الأمطار وأمواج البحار.
اعلم أن من هيّأ البطيخَ والتفاح لأكلك، لا بد أن يكون أعلمَ بأكلك منك، وخبيرا بذوقك فيغشاهني الذي لا يدريه غيرُك. فأين العروق والأغصان الجامدة الميتة من هذا العلم؟ فما الأسبابُ والأغصان إلاّ موازيبُ الرحمة ومَسيلاتُ النعمة.
* * *
— 322 —
القطعة الثانية من
شَمَّة من نسيم هداية القرآن
بسم اللّٰه الر حسبي رحيم
فسبحان اللّٰه ما أرقّ الحجابَ بين المُلك والملكوت، وما أعظمَ المسافة بينهما! وما أقصرَ الطريقَ بين الدنيا والآخرة وما أطولَها! وما ألطفَ الحجابَ بين العلم والجهل وما أغلظَه! وما أشفَّ البرزخَ بين الإيمان والكفر وما أكثفَه! وما أقصمق لا سافة بين العبادة والمعصية مع أن ما بينهما كما بين الجنة والنار! وما أقصرَ الحياة وما أطولَ الأمل!
فكما أن بين الأمس واليوم حجابا رقيقا لا يمن فمَن رور الروح ونفوذِه إلى الأمس والماضي، وأن ذلك الحجابَ بالنسبة إلى الجسد مسافة سنة أو الأبد..
كذلك بين الملك والملكوت، والدنيا والآخرة حجابٌ رقيق شفاف لأهل القلب واليعة، وغليظ كثيف غايةَ الكثافة لأهل النفس والهواء الجسماني.
وكما أن بين نهارك وليلك برزخا لطيفا، هو جفنك، فإذا فتحتَ عينَ نفسك زال ليلُك وانجلى نهارُك، وإن نسيت نفسَك فعميتَ دام عليك ليلُك سرمدا.. كذلك من نظر بحسابه تظا؛ لألى الكائنات صار كلّ ما شاهده علما. وإذا نظر بالغفلة وبحساب الأسباب صار كلّ ما يظنه علما، جهلا محضا.
وكما أن بين تنوّر "آيا صوفيا" وشدة ظلماته في الليل زمانايل لك:ر تحريك الإصبعين لمفتاح "الألكتريق"، وفي فضاء العالم بالتهاب البرق وانطفائه في آن، واستضاءة الدنيا وظلماتِها بالسحاب الأسود وانكشافِه عن وجه الشمس بهبوب نسيم الرحتى تأعة.. كذلك من نظر بنور الإيمان والتوحيد يرى العالم مملوءا نورا، وأنسيةً وتحببا وتوددا، وأجزاء الكائنات أودّاء إخوانا أحياءً مؤنسين. وأما إذا نظر بالكفر يرى أجزاء العالم أعداءً والمبرس أمواتا موحشين ويرى العالم ظلماتٍ بعضها فوق بعض وهو في بحر مصطلم مظلم يغشاه موجٌ من فوقه موج إذا أخرج يدَه لم يكد يراها.
— 323 —
وكما أن ما بين وجهَي المرآة أرق من الورق، مع أن بينهما من الفرق كما بي، وحللب والشرق، ثم تبدّلُ الوجهين -بأن تضحك في وجهك أو تعبس- يحصل بتحريك الإصبعين لها.. [٭]: المقصود: نوع من المرايا ذات الوجهين. كذلك لأفعال البشر وجهان؛ فبتعلّمكتوباية بها لوجه اللّٰه تنقلب وتريك وجها شفافا معكسا يسَع في عمقه المثالي ما لا يحدّ من التجليات، وبفقدان النية أو النية لغير وجه اللّٰه يُظهر الوجه الجامد أو الأسودَاطرُهاي الذي لا يُغني من الحق شيئا.
وكما أن الوجه الأسود الملون من المرآة لا يسع في عمقه شيئا وفي عرضه، إنما يسع بمقدار جِرمه الصغير وأما الوجه الشفاف؛ فلاتصاله بالبرزخ والمثال المطلق يسع ما ة الرا ولا يضيق عمقه من أعظم الأشياء.. كذلك الحياةُ لها وجهان: وجهٌ إلى الدنيا أسود ضيق فانٍ، ووجهٌ إلى الحق شفاف واسعٌ دائمي، فالنفس الغافلة بقبول مغلطة ا يتحرى تلبس الوجهَ الأسود وتُظهر أحكامَ الوجه الأشف، بطول الأمل وطلب الأبد.
اعلم أن مفتاحَ العالم في يد الإنسان وفي نفسه، فالكائنات -مع أنها مفتّحةُ الأبواب- منغلقة، [٭]: أي مع أنها مفتحة الأبواب ظاهرا إلّاتصرّف منغلقة حقيقة. فالحق سبحانه أودع -من جهة الأمانة- [٭]: إشارة إلى الآية الكريمة: (إنا عرضنا الأمانة) (الأحزاب:٧٢). في الإنسان مفتاحا يفتح به كلَّ أبواب العالم ما تعما يفتح به كنیزَ خلّاق الكون. والمفتاحُ ما فيك من "أنا". إلّا أن "أنا" أيضا معمّى مغلق، ومُطلسَم منغلق، فإذا فتحتَ "أنا" بمعرفةِ ماهيته الموهومة انفتح لك الكائنات.
نعم، إن اللّٰه جلّ جلاله أعطى ل تنتقلنسان "أنا" ليصيِّره واحدا قياسيا -بالفرض والتوهّم لا بالعلم والتحقق- لفهم أوصاف الربوبية.
فالإنسان إذا عرف "أنا" ما هو؛ بأن رآه شعرةً شعورية في حبل وجود الإنسان، وخيطا رقيقا في ثوب ماهيتعرف صر، وألِفا في كتاب الشخص؛ له وجهان: وجه إلى الخير، فَبِه قابلٌ للفيض فقط لا فاعل. ووجهٌ إلى الشر والعدم وبه فاعل، وماهيته موهومة، وربوبيته مخيّلة، ووجوده أضعف من أن يتحمل شيئا بالذات.. بل إنما هو كميزان الحرا اعلثاله من الموازين التي يُعرَف بها مقادير الأشياء. فی"أنا" أيضا ميزان يُعرَف به الصفات المحيطة المطلقة للواجب الوجود..
وأذعَنَ [٭]: أي إذا عرف الإنسان كل ما ذكر عن ماهية "أنا" وأذعن.. دخل تحت: قَدْ افْلَحَ مَنْ زَكّ من أع(الشمس:٩) وأدى الأمانة بحقها.
— 324 —
فإذا تأمّلتَ في "أنا" بالمعنى الحرفي، صار لك عينا تفهّمتَ ورأيت به كل ما في الكون، لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفتْ في "أنا" ما يصدّقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفةُ "أنا" وربوبيتُه الموهومة"الكلميتُه المفروضة. فليرجع "أنا" من السّمَكَتية إلى الحبابية.. [٭]: من الوجود الحقيقي إلى الوجود الموهوم. وأما إذا نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي واعتقدتَه مالكا، وخُنت في الأمانة دخلت تحت:
وقَدْ خَابَ مَنْ دَسّيها
(الشمس:١٠)، إذ الأماحياتهمي تدهشتْ من حملها السماوات والأرض والجبال هي "أنا" من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك والشرور والضلالات، إذ إذا تستَّر "أنا" عنك غلُظَ، حتى صار حبلا بلع وجودَك فصارالحياةك أنا. ثم استغلظ بأنانية النوع والاستناد به فيصير شيطانا يبارز أمرَ صانعه. ثم يقيس الناسَ، ثم الأسبابَ على نفسه فيقع في شرك عظيم.. ففي هذا الوجه لو أر الأوهينك وفتحت كل الآفاق انغلق في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كلَّ شيء بلون ما في نفسك من "أنا". ولونُه في ذاته -في هذا الوجه- الشرك والتعطيل، ولو مُلئت الآفاقُ آياتٍ باهرةً، وبقي في "أنا" نقطةٌ مظلمة طمَّت تنظيف آيات.
مسألة مهمة:وهي أن "أنا" له وجهان: وجه أخذتْه النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.
فالوجه الأول:منشأ العبودية المحضة؛ ماهيتُه حرفية، ووجودُه تبعي، ومالكيتُه وهميّة، وحقيقتُه فرضية، ووظيفتُه صيرورت آشِكانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى "أنا"، فسلَّموا المُلك كلَّه للّٰه، وحكموا بأنه لا شريك له لا في مُلكه ولا في ربوبيته ولا في أُلوهيته، وبيده مقاليدُآثارهميء وهو على كلّ شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفافِ الحي أَنبت الرحيم جلّ جلاله شجرة طوبى العبوديةِ فأثمرت أغصانُها المباركة في حديقة الكائنلدالة نيةً قطوفُها، متدلية بثمرات الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين المتلألئين كالنجوم في الظلمات.
وأما الفلسفة فنظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي دونرقة مني، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفتَه تكمُّلَ ذاته بحب ذاته. فمن هنا تشعبت أنواعُ الشرك، وعلى رأس "أنا" تنبتتْ شجرةُ زقومِ الضلالةِ؛ فمن غصن "القوة البهيمية" أثمرت في أنظار البشر -باستحسالأمانةة الظالمة والحسن المرائي- أصناما عابدةً من جهة، ومعبودةً من جهة.. ومن غصن "القوة الغضبية" أثمرت على رؤوس البشر
— 325 —
نمارد وفراعين.. ومن "القوة العقلية" أثمرفكر- مقول البشر الدهريين والماديين وفلاسفةً يعطون للواجب واحدا، ويقسِّمون سائرَ مُلكه على غيره تعالى..
وإن "أنا" في ذاته كأنه كان هواء وبخارا،ر المرسبب شؤم نظرهم تميّع، ثم بالألفة تصلّب، ثم بالغفلة تجمّد، ثم بالعصيان تكدّر فاستغلظ حتى ابتلع صاحبَه. وتوسَّع بأفكار النوع، ثم قاسَ الناسَ والأسباب على نفسه فصار مبارزا لأوامر خالقه. فمن هنا اضطر بعضُ الفل من اللى تأثير الأسباب، [٭]: أي إلى الاعتقاد بتأثير الأسباب. وإيجاد الطبيعةِ والتصادفِ، ونفيِ الحشر، وقِدَمِ الأرواح وأمثالِها من ضلالاتهم
قاتلهُمُ اللّٰه انَّى يُؤفكون
(التوبة:٣٠)، اختطفتهم لزم عظينُ بمنقارِ "أنا" وأنابيبه ومخاليبه.
فی"أنا" في العالم الصغير كالطبيعة في العالم الكبير، كلاهما من الطواغيت،
فَمَنْ يَكْفُرْ بالطَّاغُوتِ وَيُؤمِنْ باللّٰه فَقَد اسْتَمأنواع؟بِالعُرْوَةِ اْلوُثقى لا انفِصامَ لَهَا واللّٰه سَميعٌ عليم
البقرة:٢٥٦).
اعلم أن حياة الحسنات بالنية، وفسادَها بالرؤية والرياء والإراءة، وعرقَ الوجدانيات المشعورة بالذات تنقطع بالنية وبشعور ثانوي، [٭]: إن أساس-المتوانيات التي تستشعر بالذات شعورا فطريًّا، ينقطع بشعور ثانٍ ونية (ت: ١٨٣). كما أن النية حياةُ الأعمال، كذلك النية موتُ الأحوال بجهةٍ. [٭]: المقصود: الأحوال الفطرية (ت: ١٨٣). مثلا: نية التواضع تفسده،ٍ قصور التكبر تزيله، ونيّة الفرح تطيّره، ونيّة الغم تهوّنه وقس. [٭]: أي إن نية التواضع بتصنع وبشعور ثانوي تفسد التواضع الفطري، وكذا نية التكبر بشعور ثانوي تزيل عزة النفس والوقار الفطري.
اعلم أن الشجرة بل كل ما فيه قانونُ التكامل، لابدإلى البت على نواة تربّت في بطن ثمرة من مثل تلك الشجرة. فإن لم تُسْبَقْ بغيرها كشجرة العالَم، فلابد لها من نواة عريانة ما تجسدت بالثمرة بعدُ. ثم حقُّها من العناية الأزلية أن تلبس أيضا ثمرةً من ثمرة الشجرة التي تنبّتت عليها، فلاعلاقتهتكون تلك الثمرة التي تجسدت النواةُ بها أعظمَ وأكرمَ وألطف وأشرف وأعلى وأجلَّ. فالكائنات شجرة، والعناصر أغصانُها، والنباتات أوراقها، والحيوانات أزاهيرها، والأناسيذج والها. وأضوأُ ثمراتها وأنورُها وأولاها وأجلاها وأحسنُها وأزيَنُها وأعظمها وأكرمها وأشرفها وألطفها وأجمعُها وأنفعها هو محمد عليه الصلاة والسلام سيدُ المرسلين
— 326 —
وإمالأرواحقين وحبيب رب العالمين، صاحبُ المعراج وما زاغ البصر، ومَن انشق له القمر، وكلَّمه الضبُّ والظبي والذئب والجذع والذّراع والجمل والجبل والحجر والمدَر والشجر، ونبعَ الماء من بين أصابعه كالكوثر، أفضلُ الخلائق الإنسانية، ومجمعُ الحقائق اع أصواية، وطور التجليات الإحسانية، ومهبط الأسرار الرحمانية، وقائد ركب الأنبياء والصديقين، وأفضل الخلق أجمعين، حاملُ لواء العِزّ الأعلى بالتوحيد، ومالك أزمّة المجد الأسنى بالإسلام، شاهد أسرار الأزل، ومشاهد أنوار السواب فألبسولى، وترجمان لسان القِدم، ومنبع العلم والحلم والحِكم المتحقق بأعلى رتب العبودية، والمتخلق بأخلاق المقامات الاصطفائية، الخليل الأعظم والحبيب الأكرم، عليه أفضل الصلوات وأزكى التحيات وأنمى البركات، ما دامت الأرض والسماوات.
خذفي مدةيا سيد المرسلين فأنت الأمل يا نور كرم اللّٰه المبين لا انتماء لي إلا إليك يا سيدي وأنطقُ دليلي: لا إله إلّا اللّٰه محمد رسول اللّٰه
إلهي! أُحب وال؛ دلأن يكون لي أُلوفٌ من الألسنة مستغفرة عني إلى قيام الساعة. فاجعل يا إلهي! نُسَخَ رسالتي هذه بدلا عني أَلسنةً لي، مستغفرين ومصلين على النبي بدلا عني مادامتترة خ وما يسطرون..
إلهِي، الذُّنُوبُ أخْرَسَتْني، وَكَثْرَةُ المَعَاصِي أخْجَلَتْنِي، وَشِدَّةُ الغَفْلَةِ أخْفَتَتْ صَوتِي، فَأدُقُّ بَابَ رَحْمَتِكَ، وأُنَادِى في بَابِ مَغْفِرَتِكَ بِصَوتِ سَيّدِي وَسَنليبَ هلشَّيخ عَبْدِ القَادِرِ الكيْلانِي وَنِدائِهِ المَقبُولِ المَأنُوسِ عِنْدَ البَوَّابِ.
بِيَا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَيَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ، وَيَا مَنْ لَا يَضُرُّهُ شَيءٌ، وَلَا يَنْفَعُهُ ل على وَلَا يَغْلِبُهُ شَيءٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيءٌ، وَلَا يَؤُودُهُ شَيءٌ، وَلَا يَسْتَعينُ بشَيءٍ، وَلَا يُشغِلُهُ شَيءٌ عَنْ شَيءٍ، وَلَا يُشْبِهُحمتي وءٌ، وَلا يُعجِزُهُ شَيءٌ، اغْفِر لِي كُلَّ شَيءٍ، حَتَّى لَا تَسْألَنِي مِنْ شَيءٍ. يَا مَنْ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَةِ كُلِّ شَيءٍ، وَبِيَدِهِ مَقَاليدُ كُلِّ شَيءٍ، وَيَا مَنْ
— 327 —
هُوَله أدنَلُ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، وَالآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شيءٍ، وَالظَّاهِرُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، وَالبَاطِنُ دُونَ كُلِّ شيءٍ، وَالقَاهِرُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ، اغْفِر لِي كُلَّ شَيءٍ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.. وَيَا عَليما بِكُلِّ شَيءٍ، وَمُحيطا بِكةَ هداَيءٍ، وَبَصيرا بِكُلِّ شَيءٍ. وَيَا شَهيدا عَلى كُلِّ شَيءٍ، وَرَقيبا عَلى كُلِّ شَيءٍ، وَلطيفًا بِكُلِّ شَيءٍ، وَخَبيرا بِكُلِّ شَيءٍ، اغْفِر لِي ك مختلفَيءٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطيئَاتِ حَتّى لَا تَسْألَني عَنْ شَيءٍ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ.
اَللّٰهمَّ إنِّي أعُوذُ بِعِزَّةِ جَلَالِكَ وَبِجَلالِ عِزَّتِكَ، وَبِقُدرَةِ سُلْطَانِكَ وَبِسُلطانِ قُدْرَتِكَ مِنَ الفَضِيحَةِ وَالزيينَ الرَّديَّةِ، يَا جَارَ المُستَجيرينَ أجِرْنِي مِنَ الشَّهَواتِ الشَّيطَانِيَّةِ وَطَهِّرنِي مِنَ القَاذُوراتِ البَشَرِيَّةِ، وَصَفِّنِي بِحُبِّ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ (ص) بِالمَحَبَّةِ الصِّدّيقِيَّة، مِنْ صَدَإِ الغَفلَةِ وَأوهفة.
لجَهْلِ حَتّى تَفنَى الأنَانِيَّةُ، وَيَبقى الكُلُّ للّٰه وَبِاللّٰه وَإلى اللّٰه وَمِنَ اللّٰه غرقًا بِنِعْمَةِ اللّٰه في بَحْرِ مِنَّةِ الل"شمندونْصُورينَ بِسَيفِ اللّٰه مَحْظُوظينَ بِعِنَايَةِ اللّٰه مَحفُوظينَ بِحِمَايَةِ اللّٰه عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ يُشْغِلُ عَنِ اللّٰه.. فَيَا نُورَ الأنْوَارِضٍ لحاا عَالِمَ الأسْرَارِ، وَيَا مُدَبِّرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَا مَلِكُ يَا عَزيزُ يَا قَهَّارُ، يَا رَحيمُ يَا وَدُودُ يَا غَفَّارُ، يَا عَلّامَ الغُيُوبِ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأبد أجمل، يَا سَتَّارَ العُيوبِ، يَا غَفَّارَ الذُّنُوبِ، اغْفِر لِي ذُنُوبِي وَارْحَمْ مَنْ ضَاقَتْ عَلَيهِ الأسْبَابُ، وَغُلِّقَتْ دُونَهُ الأبوَابُ، وَتَعَسَّرَ عَليهِ سُلُوكُ طَريقِ أهْلِ الصَّوَابِ، وَانْصَرَمَتْ أيَّامُهُ وَنلأرواحُ رَاتِعَةٌ في مَيادينِ الغَفْلَةِ وَالمعصيَةِ وَدَنِيِّ الاِكتِسَابِ.. فَيَا مَنْ إذا دُعِيَ أجَابَ، وَيَا سَريعَ الحِسَابِ، وَيَا كَريمُ يَا وَهّابُ، ارْحَمْ مَنْ عَظُمَ مَرَضُهُالنتيجَّ شِفاؤهُ، وَضَعُفَتْ حيلَتُهُ وَقَوِيَ بَلاؤهُ، وَأنْتَ مَلْجَؤهُ وَرَجاؤهُ.. إلَهي إلَيْكَ أرْفَعُ بَثّي وَحُزني وَشِكَايَتِي.. إلهي حُجَّتِي حَاجَتِي، وَعُدَّتِي فَاقَتِي وَانْقِطاعُ حِيلَتِي.. إلهي قَطرةِ بِمنْ بِحَارِ جُودِكَ تُغنيني، وَذَرَّةٌ مِنْ تَيَّارِ عَفْوِكَ تَكفينِي، يَا وَدُودُ يَا وَدُودُ يَا وَدُودُ يَا ذا العَرشِ المَجيدِ يَا مُبدِئُ يَا مُعيدُ يَا فَعّالا لِمَا يُري- وأخيْألُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الّذي مَلأَ أركَانَ عَرشِكَ، وَأسْأَلُكَ بِقُدرَتِكَ الّتي قَدَرْتَ بِهَا عَلى جَميعِ خَلقِكَ، وَبِرَحْمَتِكَ الّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَ إنما ا إلَهَ إلَّا أنْتَ يَا مُغيثُ أغِثنَا واغْفِرْ جَميعَ ذُنُوبِي وَسَقَطَاتِ لِسَانِي في جَميعِ عُمري بِرَحْمَتِكَ يَا أرحَمَ الرَّاحِمينَ آمينَ وَا داءً،ُ للّٰه رَبِّ العالمِينَ. آمين.. آمين.. آمين..
"يا من يقرأ هذا الاستغفار أولا لنفسك، فأقرأه ثانيا: بدلا عني في سبيل اللّٰه.. فإني في قبري ساكن، ولساني ساكت ناطق بكتابي مستعيرا لسلسعيد نطق بحسابي أيضا حسبةً للّٰه...".
سعيد النورسي
— 329 —
الرسالة العاشرة
[٭]: هذه الرسالة بكاملها غير موجودة في الطبعة الأولى، وإنما هي في المخطوط وفي الطبعة التالية وهى رساشكي واقلّة في الترجمة التركية. تضم خلاصة لكثير من مباحث رسالة "المدخل إلى النور" والتي فصّلت في "الكلمات".
القطعة الثالثة من
شَمَّةٌ
مِن نسيم هداية القرمضى، و30
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
ومن اللّٰه التوفيق لأقوم الطريق.
سبحانك يا من أنطق السماءَ بحمده وتسبيحه بكلمات النجوم والسيارات.
ويا من أنطق الأرضَ بحمده وتسبيحه بكلمات الأشجار والنباتات.
وأنلحكيمةبات والشجر بكلمات الأزهار والثمرات..
وأنطق الزهر والثمر بكلمات البذور والنواتات.
وأنطق النواة والبذر بلسان السنابل وكلمات الحبّات.
سبحانك يا من يسبح بحمدك الضياءُ بأنواره، والهواءُ بأعصاره، والماءُ بأنهاره،
والأرض بأحجاره، والنبات ء اللّه، والشجر بأثماره، والجو بأطياره،
والسحاب بأمطاره، والسماء بأقماره.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبراس
[٭]: النبراس: المصباح.
الأنبياء، وزبرقان
[٭]: زِبِرقان (بكسر الزاي والباء): أي القمر.
الأصفياء ونيّرأعماله: نَيّر (بفتح النون وتشديد الياء): المقصود الشمس.
الأولياء، وشمس الثقلين، وضياء الخافقين.
[٭]: أفق المشرق والمغرب.
وعلى آله نجوم الهدى،
وأصحابه مصابيح الدجى.
— 331 —
اعلم [٭]: تفصيل هذا البحث في "الكلمة الخامسة عشرة" و"اَدْ، رالتاسعة والعشرين". يا من يضيق ذهنُه عن فهم سرّ
وجَعَلناها رُجُوماً لِلشَّياطين
(الملك:٥) أن للصعود إلى سماء هذه الآية سلّما ذا درجات سبعة:
الأولى:أن للسماوات سكانا يناسبونها يسمَّونَ بالملائكة، إذ يتصف ب الأرض -مع حقارتها بالنسبة إلى السماء- من ذوي الحياة والإدراك، يشير بل يصرّح بامتلاء السماوات ذات البروج -تلك القصور المزينة- من ذوي الإدراك.
وكذا إن تزيينَ الكائنات بجميع هذه التزيينات والمحاسن والنقوش مست اعلملوجود أنظار متفكرين مستحسنين بالحيرة والتقدير؛ إذ لا يُظهَر الحُسن إلّا لعاشق، كما لا يُعطى الطعامُ إلّا لجائع، مع أنه لا يكفي الجن والإنسُ لعُشر معشار عَشِير هذه الحشمة والوظيفة، بل لا تقوم بها إلّا ما لا يُعد ملرازقكع الملائكة والروحانيات.
الثانية:أن للأرض علاقةً مع السماء ومعاملةً معها وارتباطا يجيء منها إليها أشياء، من الضياء والحرارة والبركات وغيرها. فبالحدس القطعي نعلم أن للأرضيّين طرفي ذلكعدون فيها إلى السماء، إذا خَفّوا بوضع أثقالهم وخلع أجسادهم كالأنبياء والأولياء والأرواح.
الثالثة:أنَّ سكونةَ السماء وسكوتها وانتظامها واطّرادها تدل على أن أهلَها ليسوا كأهل الأرض التي
أسضطرابٌ وتذبذب واختلافات وامتحان بمشاجرات، بسبب اختلاط الأشرار بالأخيار واجتماع الأضداد، بل كلُّ أهل السماء مطيعون يفعلون ما يؤمَرون.
زيده.
عة:أنَّ لمالك يوم الدين ولرب العالمين أسماءً متغايرةً أحكامُها، فالاسم الذي اقتضى إنیزالَ الملائكة للمحاربة في صف الصحابة مع الكفار، يقتضي وقوعَ المحاربة ب دلالالائكة والشياطين؛ أي السماويين الأخيار والأرضيين الأشرار. ألا ترى السلطان كيف يفعل؟ إذ قد يقتضي شأنُ سَطوته واسمُ حشمته تشهيرَ استحقاق المكافأة والمجازاة على رؤوس الأشهاد، أو إعلانَ ترضنا وعض خدامه، بأن لا يعامِلهم بعِلْمِه بهم فقط، وبتَلَفُونه الخاص، بل يأمر الوزيرَ فيحشّد الناسَ لميدان مبارزة محتشَمة، وامتحان عُلوي، واست ظل مُياسي.
الخامسة:أنه لابد أن يقلِّد أشرارُ الروحانيات أخيارَهم في تشبث الذهاب إلى مملكة السماء للطافتهم، ولابد أن لا يقبَلَهم أهلُ السماء، بل يطردونهم لشراراتهم. ولابد في حكمة
— 332 —
سلطنة اون.. وة أن يكون لهذه المبارزة المعنوية والمعاملة المهمة علامةٌ وإشارةٌ في عالم الشهادة لإشهاد الإنسانِ الذي أهمُّ وظيفته المشاهدةُ والشهادةُ مع أنه لا يَرى فيما بين الحادثات السماوية أنسبَ من إعلان هذه المبارزة العلوية من رمي الشُّهب المشابِهة للم تصير ت المُرماةِ من بروج الحصون الرفيعة، مع أنه لا يرى لهذه الحادثة حكمةً تناسبها غيرَ هذه الحكمة المشهورة المشهودة لجميع أهل الحقيقة، خلافَ سائر الحادثات.
السادسة:أنَّ القرآن الحكيم المعجزي من غالبشرَ ويزجرُه من العصيان بأسلوب غال ومثَل عال.. فانظر إلى إنذارِ
يَاَ مَعْشَرَ الْجِنِ والانْسِ ان اسْتَطَعْتُمْ انْ تَنْفُذُوا مِنْ اقْطَارِ السَّمواتِ واَلارْضِ فَانْفذُوا لاتَنفذُونَ الاَّ بسلْطان
(الرحمن:٣٣). الآيةُ في تع اعلم ثَّقلين، وإعلان عجزهما في جنبِ وُسعةِ سلطنة الربوبية، كأنّهُ يقول: أيها الإنسان الحقير الصغير العاجز! كيف تعصي سلطانا يطيعه الشموسُ والأقمارُ والنجوم والملائكة الذين يرجمون الشياطينَ ببنادقَ كأنها جبالٌ بل أعظصرك؟..ف تتجاسر على العصيان في مملكةِ سلطانٍ؛ مِن جنوده مَن يقتدر أن يرميَ في وجه الأعداء بنجومٍ في عظمة أرضكم كما ترمي جَوزَك وبندقتك.
السابعة:أنَّ النجم كالمَلك والسَّمَك له أفراد في غاية الصغر وفي غاية الكبر. فكل ما يضيء في وجه السماء فهو نرض غيرن هذا النوع ما يُزَيّن به السماء كالجواهر والأثمار والأسماك، [٭]: أي إن هذه الأفراد الكثيرة لنوع النجم تزيّن وجه السماء وتتلألأ كالجواهر، كمما إلى الأثمارُ البساتينَ الغناء والأسماكُ البحارَ. ومنه ما يُرجم به الشياطين كالمنجنيقات المرماة للطرد، أو للإشارة إلى وجود الحارسين المتيقظين المطله الذلمجتنبين عن اختلاط العاصين، أو للرمز إلى جريان قانون المبارزة في أوسع الدوائر.. وللّٰه الحجة البالغة والحكمة القاطعة.
اعلم أن الآيات المصرِّحة بكتابة الأشياء قبل كونها وبعد كونها كثيرةٌ، كأمثالِ
ولاَ رَطْبٍ ولاَ يَابِبل يظنَّ في كِتابٍ مُبينٍ
(الأنعام:٥٩). ويصدّقها منظوماتُ مكتوباتِ كتابِ الكائنات وموزوناتُ آياتها، لاسيّما آياتُ النظام والميزان والانتظام والتصوير والتزيين والامتياز.
أما قبل الكون،ُحدَّديلُ جميعُ المبادي والبذور وجميعُ المقادير والصور، إذ ما البذور إلا صُنيدقات لطيفةٌ أُودعت فيها فهرستةُ ما رسمَه القَدر، فتبني القدرةُ وتستخدم الذرات على هنمة تحووما المقادير إلّا مكتوباتٌ قدَرية منظومة، وقوالبُ علمية موزونة؛ إذ الذرات
— 333 —
الصم العمي الجامدة تتحرك في نمو الأشياء ثم تتوقف عند حدود معوجّة، توقفَ سميعٍ بصيرْ من شّ الفوائد والثمرات. وهكذا فقس كثرة براهين الكتابة قبل الكون.
وأما الدليل على الكتابة بعد الكون؛ فمن العالَم جميعُ الثمرات التي هي كمطوياتِ صحائفِ أعمالِ الأشجار والأزهار، تَنشرُ على رأس الأشهاد ما جرى على رؤوس أُصولهته الذ دُفنت في الأرض وحُشرت في الربيع. ومن الإنسان قوّّته الحافظة التي هي في محل كالخردلة في الصغر، وما هي إلّا كسَنَدٍ استنسخته يَدُ القدرة بقلم القَدر من صحيفة الأعمال، وأعطَتْه ليد الإنسان ند هذهر به وقتَ المحاسبة، وليطمئن أن خلفَ هذا الهَرج والمَرج والفناء والزوال مرايا للبقاء رَسَم فيها القديرُ هويّات الزائلات، وألواحا يكتب فيها الحفيظُ ، وَيَ معانيَ الفانيات.
اعلم أنه كما أن الساعة غيرُ ثابتة بل متزلزلة مضطربة الآلات، كذلك الدنيا التي هي ساعة كبرى أيضا متزلزلة؛ فبإدراج الزمان فيها صار "الليلُ والنهار" كميلين يعدّان ثوانيها، و"السنة" إبرةً تعدّ دقائقَها، و"العصر" ك قَلْبعد ساعاتها. وبإدراج المكان فيها صار "الجو" بسرعةِ تغيره وتحوله وتزلزله كمِيل الثواني، و"الأرضُ" بتبدل وجهها نباتا وحيوانا موتا وحياةً كميل النساءق، وبتزلزل بطنها وتولد "جبالها" كميل الساعات. و"السماء" بتغيراتها بحركات أجرامها وظهور ذوي الأذْناب والكسوفات والشهابات كالميل الذي يعد الأيام.
فالدنيا المبنية على هذه الأركان السبعة -مع أنها واصفةٌ لشؤونات الأسماء: إن ابة قلم القدرة والقَدر- فانيةٌ هالكة متزلزلة راحلةٌ كالماء السيال في الحقيقة. لكن تجمّدت -صورةً- بالغفلة، وتكدّرت بالطبيعة فصارت حجابا عن الآخرة.
فالفلسفة السقيم. علمادنية السفيهة تزيدان جمودَتها وكُدورَتَها بالتدقيقات الفلسفية والمباحث الطبيعية. وأما القرآن فينفش الدنيا كالعهن المنفوش بآياته، ويشفّفها ببيّناته، ويذيبها بنيّراته، ويمزّق أبديتَها ها إلىمة بنعياته، ويفرّق الغفلةَ المولدة للطبيعة برعداته. فحقيقةُ الدنيا المتزلزلة تَقرأ بلسان حالها المذكورة آيةَ
واذا قُرىءَ الْقُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرحَمون
(الأعراف:٢٠٤).
— 334 —
اعلم أن مميّز الإنسان عن الحيب الوجولُ علاقته بالماضي والمستقبل، وكليةُ إدراكه بالأنفس والآفاق.. وكشفُه لترتب العلل الظاهرية في إنشاء الأشياء الظاهرية. فأعظمُ وظيفته وأقدمُها، [٭]: أي أولى الوظائف وأهمها (ت: ١٨٨). وأتم جهازاته تنيرا ها؛ التسبيحُ والتحميد بالجهاز المخلوق لهما، فيسبّح الإنسانُ صانعَه بلسان الماضي والحال والمستقبل، وبألسنة الأنفس والآفاق. [٭]: أي إن الإنسان يحمد ربه ويسبّحه بما أنعم عليه في الماضي والحال وما سينعم عليه أنسابم في المستقبل، وبما يجده منها في نفسه أو في الآفاق (ت: ١٨٨). وبسر مشاهدته لتسبيحات المخلوقات وشهادته عليها يُثني على صانع الأشياء بقراءة أئب أن المكتوبة بالترتيب والترتب في حكمة صُنع الأشياء. فی"سبحان اللّٰه" يتضمن معنى الحيرةِ والتقدير، ومعنى التعجب والاستحسان، ومعنى التنیزيه والتقديس، ومعنى الهَيبة معلنظارةة، ومعنى المجهولية للعظمة.
اعلم أن للّٰه عطايا وقضايا ومقدرات.. ينفذ العطاءُ في القضاء، والقضاءُ في القَدَرِ. أي يخرق العطاءُ قانونَ القضاء. كما تنخرق صلابةُ الحجر والتراب عند مرور العروق اللينة، وتنكسر مقاومةُ الحديد لك من أاللطيف من الماء اللطيف عند الانجماد، ويُخرق لسهم القضاء قانونُ القَدر كما ينخرق القانونُ الكلي الذي هو قَدَرُ النوع بشذوذ الجزئيات الخارقة المخصّصة للإشارة إلى أنه سبحلسياراعلٌ مختار، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، ويَحْكُمُ ما يريدُ، لا مانع لما أعطى، ولا رادّ لما قضى.. فنسبة العطاء إلى القضاء كنسبة القضاء إلى القَدر، أي العطاء شذوذٌ عن قانون القضاء كما يقول وبخيط بحقيقة الحال: "يا إلهي إن حسناتي من عطائك، وسيئاتي من قضائك. لولا عطاؤك لكنت من الهالكين". أي استعداد النفس الأمارة بالسوء قانونُ شر وهلاك.
اعلم أن السر في تختيم الآيات بفذلكات متضمنة للأسويهن لحسنى كأمثال آية الملك، أو بعين الأسماء كما في كثير من الآيات، هو أن القرآن الحكيم ببيانه الإعجازي يبسط الآثار للنظر، ثم يستخرج منها الأسماء، كأمثال آيةِ
وهُو الَّذي يَبْه.
لخَلْقَ ثُمَّ يُعيدهُ وهُوَ اهْوَنُ علَيْه ولَهُ المثلُ الاعْلى في السَّموات والارْض وهو العزيز الحكيم
(الروم:٢٧).
وكذا ينشر للبشر منسوهذه أمُنعه، ثم يطويها في الأسماء.
وكذا يفصّل أفاعيلَه ثم يُجْملها بأسمائه.
— 335 —
وكذا يرتّب المخلوقات ويشفّفها بإراءة النظام والميزان والفوائد، ثم يريك فيها الأسماء كأن تلك المخلوقاتِ ألفاظٌ، وهذه الأسماء معانيها أو ماؤها أو نواتها إيجادالَ وسلتها علما.
وكذا يذكر الجزئيات المادية المتكيفةَ المتغيرة، ثم يُجمِلها بالأسماء الكلية النورانية الثابتة.
وكذا يفرش الكثرةَ المتوسعة الشمل ال، ثم يضع عليها مظاهرَ الوحدة كجهة الوحدة.
وكذا يُظهِر بإظهار غاياتِ المسبَّبات بُعْدَ ما بين الأسباب والمسبَّبات المتصلتين في الظاهر، كما يُرى تماسُّ الأفق بالسّماء في ظاهر النظر، مع أن ما بينهما مسافة مدهشة. إذ لا طاقحدٍ، أم الأسباب بذاته على حَمل أخف المسبَّبات، فيُظهر القرآنُ بإظهار هذا البُعد محلَّ ظهور الأسماء ومَطَالِعها.
وكذا قد يذكر أفاعيلَ الخلق فيهدّد، ثم يسلّي بأسماءٍ تشير إلى الرحمة.. وقد يذكر مقاصدَ جزئيةً، ثم يقررها بأسماء هي كالقواعد الالقرآنالبراهين عليها. [٭]: الكلمة الخامسة والعشرون، رسالة "المعجزات القرآنية" تفصّل هذه المسائل بأمثلة كثيرة.
اعلم [٭]: تفصيله في ذيل "الكلمة السادسة والعشرين". أن العجز كالعشق طريقٌ موصلٌ إلى اللّٰه بل أقرب ودنيا، ثم إن أهلَ السلوك سلكوا في طرق الخفاء على اللطائف العشرة، وطرق الجهر على النفوس السبع.. وهذا العاجز استفاد من القرآن طريقا قصيرا، وسبيلا سويا هو أربع خطوات:
الخطوة الأولى:ما أشارت إليها آيةُ فلا تُزكّوا انْفُسكم (النجم:٣٢).
الوحينية:ما أشارت إليها آية ولاَ تكونُوُا كالذينَ نَسوُا اللّٰه فأنسیيهم انفْسَهُم (الحشر:١٩).
والثالثة:ما أشارت إليها آيةُ مَا اَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰه ومَا يسعهاَكَ مِنْ سَيِئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء:٧٩).
والرابعة:ما أشارت إليها آيةُ كُلُّ شَيْء هَالِكٌ الاَّ وَجْهَهُ (القصص:٨٨).
وإيضاحه:
أن الإنسان بحسب جبلّته محبٌّ لنفسه، وحالتهيحب بالذات -في الأول- إلّا ذاتَه، فيمدح نفسَه مدحا لا يليقُ إلّا بالمعبود، ويدافع عن نفسه بشدة وينیزّهها عن المعايب ولا
— 336 —
يقبل القصورَ لها ما أمكنه، حتى كأنه يصرفُ الجهاز المخلوق فيسّمییو معبوده وتسبيحه إلى نفسه، كی من اتخذ إلهه هواه (الجاثية: ٢٣). فلابد من تزكيتها هنا بعدم تزكيتها.
والثانية:نسيانُ النفس في مقام الكُلفة والخدمة، وشدةُ التزامها في م.. فيفخذ الأُجرة والحظوظات. فتزكيتُها عكسُ هذه الحالة أي عدم النسيان في عين النسيان.
والمرتبة الثالثة:لا يرى من نفسه إلّا القصورَ والنقص والعجز والزئي وايرى كلَّ المحاسن نِعَما من جانب فاطره تقتضي الحمد لا الفخر، فتزكيتُها في هذه المرتبة؛ علمُها بأن كمالَها في عدم كمالِها، وقدرتَها في عجزها، وغناها في فقرها.
والخطوة الرابعة:دركُ أنه في نفسه وبالمعنى الاسمي فانٍ مفقودٌ حا تكون دومٌ، وبالمعنى الحرفي -والمرآتيةِ لأسماءِ صانعه- شاهدٌ مشهودٌ وواجدٌ موجودٌ. فتزكيتُها هنا معرفةُ أن عدَمَها في وجودِها، ووجودَها في عدمِها، ووِردُها: "له الملك وله الحمد".
وكذا إن مشرب أهل وحلكن توجود يذهب إلى إعدام الكائنات بنفي وجودها، ومشرب أهل وحدة الشهود يذهب إلى حبس الموجودات في سجن النسيان المطلق.. وأما ما أَفهمُ من منهاج القرآن فهو عفوها عن الإعدام والحبس، بل استخدامُها في وظائفِ إعلان خلال اء الحسنى بالمظهرية والمرآتية؛ بالمعنى الحرفي وبحسابه تعالى، وعزلُها عن الخدمة بالمعنى الاسمي وبحساب نفسها.
ثم إن الإنسان في وجوده دوائرُ متداخلةٌ ومصنوعات متراكبة؛ إذ هو نبات، وحيوان، وإنسان، ومؤمن.. فاإن ما ة للتزكية قد تقع أولا في الطبقة الرابعة الإيمانية. ثم تتنازل إلى النباتية التي هي شديدة المقاومة، وقد تقع المعاملة في الكل في اليوم والليلة. ومما غَلِط فيه الإنسانُ عدمُ الفرق بين تلك المراتب فيقول: خُلق لنا ما في الأرض جميعا؛ فأت الأسلط بظن انحصار الإنسانية في معدته النباتية أو الحيوانية، ثم يغلط بانحصار غايات الأشياء في ما يؤول إلى نفسه. ثم يغلط بتقدير قيمة الأشياء بمقياسِ مقدار منفعته ءٌ واحفلا يشتري نجم الزهرة بزهرةٍ مشمومة.
اعلم [٭]: تفصيله في الثمرة الثانية من الغصن الخامس للكلمة الرابعة والعشرين. أن العبوديةَ نتيجةُ النعمة السابقة وثمنُها، لا مقدمةُ المكافآت اللاحقة ووسيلتها.
#تِهَاء أيها الإنسان! أخذتَ أجرتك؛ إذ صنَعك هكذا في أحسن تقويم ثم تَعرَّفَ إليك بإعطاء الإيمان.
نعم، كما أنه بإعطاء المعدة أنعمَ عليك بجميع المطعومات.. كذلك بإعطاء الحياة صيَّر لك عالمَ الشهادة سُفرب إلى وءَةً من النِّعم. فانظر إلى تفاوت السُّفرتين. وكما أنه بإعطاء النفس الإنساني جعل لهذه المعدة عوالمَ المُلك والملكوت مائدةً مشحونة بالنِّعم.. كذلك بإعطاء الإيمان فرشَ لك مع الموائد الم
(الاموائدَ مدخراتِ كنوز أسمائه.. وبإعطاء محبته فَتَح لك ومنَحك ما لا يوصف، فإذا أخذتَ مثل هذه الأجرة، فعليك بالخدمة. فإذا أعطاك بعد العمل نعمةً أخرى فما هي إلّا من محمواهبهل.
اعلم أن ما يشاهَد من الجُود بلا حساب في تكثير أفراد الأنواع، لاسيما في صغار المخلوقات مع كمال الإتقان وحسن الانتظام، يشير بل يصرّحُ بعدم التناهي في تجليات الصانع، وبمباينة ماهيته، وبتساوي الأشياء بالنسبة إلى قدرته، وبوجوبه.
نعم٦٦). ذا الجُودُ والإيجاد إلَّا من ذلك الوجوب ومن برهانه. والجُودُ في النوع جلالي، والإتقانُ في الفرد جمالي. [٭]: أي يتجلى جلاله سبحانه إذا تتوقفلى النوع -بأفراده الكثيرة- أما إذا ما أُنعم النظر في كل فرد فيتجلى جمال الإتقان في الصنعة. ففي الفرد يتجلى الجمال وفي النوع يتجلى الجلال.
ايام بت الصنعة الإنسانية تسهُل على الصانع بدرجة علمه بها، وتَعسر بمقدار جهله، لاسيما في المصنوعات اللطيفة الدقيقة الجهازاتِ. فكلما كان أعلم كانت عليه أيسرَ وأسهلَ. فما يُشاهَد من السهولة بلا حدّ في السرعة المطلقة والوسعة المطلقة في خلق الأشياء اعليه، مة، يدل قطعا وحدسا على أن لصانعها علما لا نهاية له. كما تشير إلى تلك السهولة آيةُ
ومَا امْرُنَا الاَّ واحِدةٌ كَلَمحٍ بالْبَصَر
(القمر:٥٠).
اعلم أنه كما أن مَن لفَّ عاء والوعٍ أو مصنوعات لفائفَ مصنوعة، وألبَس مكنونةً مزينةً أو مكنوناتٍ أقمصةً نُسجت من جنس مادتها -كالجلود- وأدرج متولداتٍ منحوتات من بطونٍ متراكمة في أجوافها، لا شك ولا ريب أن المظروفَ كال تفاوتالمحاطَ كالمحيط صنعُ واحدٍ ومالُه وملكُه.
— 338 —
كذلك لا شك ولا ريب أن من لفَّ لفائف الوحدة الاتصالية والنوعية على الكثرة، كوحدة الكل والكلي والظرف.. وكذا ألبَس على قامات جماعاتِ هذه المصنوعات المنثورةرصُ واَ هذه العناصر التي كأمهاتها.. وكذا أدرج هذه المخلوقات لاسيما الحيوانات التي هي تماثيلُ مصغرةٌ لهذه العوالم الكبيرة في أجواف تلك العوالم اللواتي هن كأبنية متداخلة ضُربت على موجودات هن كثمراتها أو نواتاتها، ما هو إلا واحدٌ أحدٌ صمدٌَات وا على المحيط بالواحدية، وعلى المحاط بالأحدية.
اعلم [٭]: تفصيله في الغصن الأول من "الكلمة الرابعة والعشرين" وفي "الكلمة الحادية والثلاثين". أنه كما أن للسلطان عنواناتٍ متنوعةً لحاكميته في دوائر حكومته وطبمعترفايته ومراتب سلطنته ووظائف أميريته، كأنه موجودٌ حاضرٌ ومشهودٌ ناظرٌ في كل دائرةٍ وخلفَ كلِّ حجابٍ بممثله وقانون نظامه، كذلك مثلا: - وللّٰه المثل الأعلى - إن مَن له الأسماء الحسنى، له تجلٍّ في عالَمٍ عالَمٍ تضرعان اسمٍ من أسمائه الحسنى ويستتبع ذلك الاسمُ في دائرة سلطنته سائرَ الأسماء بل يتضمنها.. وكذا يتصرف في كل طبقةٍ طبقةٍ كلًّا وجزءا، كليا وجزئيا بتجلٍّ خاص في ربوبية خاصة بجلواتِ اسم خاص، أي يتجلى عليهد للّٰيةٍ كأنه يخصّه، مع أنه يعمُّ ويحيط.
وله سبحانه في مراتب ربوبيته شؤوناتٌ متناظرة.. وله في سرادقات ألوهيته أسماء متعاكسة.. وله في مرايا حشمته تمثيلاتٌ متفاوتة.. وله في تصرفات قدرته ع حسنةٌ متنوعة.. وله في تجليات صفاته ظهورات متزاهرة. وله في جلوات أفاعيله تصرفات متظاهرة.. وله في تنويع مصنوعاته ربوبيات متدائرة على تجلي الأحدية على جزئيات محاط الواحدية، كما أشار إلكر يُكالحقيقة العظيمة الواسعة ترجمانُ لسانِ القِدم في مناجاته في "الجوشن الكبير" [٭]: الجوشن: لغةً: الصدر والدرع. والمقصود هنا مناجاة الرسول (ص) المروية عن علي بن الحسرَ الملقب بی"زين العابدين" رضي اللّٰه عنه. وهذه المناجاة مشتملةٌ على تسعة وتسعين عقدة، وصَدَفُ كلٍّ منها متضمنةٌ لاثني عشر من جواهر التوحيد صريحا أو ضمنا؛ إذ إذانِ الحأحدٌ بوصفٍ مطلق في مقام التعيين يدل على انحصار الوصف فيه. مثلا: "يا دائم" أي يا من لا دائمَ في العالم إلّا هو. فله سبحانه حجُب نورانية إلى سبعين ألفا، كما روي.. [٭]: انظر: أبو يعلى، المسند ١٣ /٥٢٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦ /٢٧٨، ٨/ ٣٨٢؛ الة من ا، المسند ٢/ ٢١٢؛ ابن أبي عاصم، السنة ٢/ ٣٦٧؛ الطبري، جامع البيان ١٦/ ٩٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ١/ ٧٩. ولوجود المنافذ في الحجب والتناظر في الشؤونات والتعاكس في
— 339 —
الأسماء، والتداخل في التمثيلات،إلّا وازج في العنوانات، والتشابه في الظهورات، والتساند في التعرفات، والتعاضد في الربوبيات، وتجلي الأحدية في إحاطة الواحدية، لزم البتةَ لمن عرفه سبحانه في واحد مما مرّ، أن لا يستنكرَه في ائذ أولك، بل يفهم بالبداهة أنه هو هو.
لَقَدْ خَلَقْنَا الانْسَانَ في احْسَنِ تَقْويمٍ
(التين:٤).
اعلم أن من عجائب جامعية فطرة الإنسان، أن أدرج الفاطرُ الحكيمُ في هذا الجِرم الصغير موازينَ لا تُعدّ، لوزن ما لا يُحدّ من مدخرات رحمته. وأدمج فيها بالح لا تُحصى جهازاتُها المعنوية لفهمِ ما لا يتناهي من مكنونات كنوز أسمائه الحسنى.
انظر إلى حواسّك العشرةِ كيف أحاطت بألوان عوالم المسموعات والمبصَرات والمذوقات وغيرها.. وكذا أعطاه جزئياتِ صفاتٍ وأحوالٍ من الإرس بحُجلعلم والسمع وغيرها لفهم صفاته المحيطة وشؤونه الواسعة.. وكذا لفّ على أنانيته لفائفَ بعدد العوالم وألوانها، ليعرفَ حالها بتلك اللطائف.. وكذا ألبس على قامة ماهيته أقمصةً بعل كفراب الربوبية ليترقى فيها بقطعها.. وكذا أودع فيه لطيفةً مُدرِكة، بصورة عجيبة، بحيث تصير الحافظة التي هي في صغر الخَردلة كعالَمٍ واسع، تسير تلك اللطيفة في تلك الخردلة دائما، ولا تصل إلى ساحلها. ومع ذلك قد يضيق على تلك اللطيفة اكَ آلعالمُ الكبير، فتحيط هي بهذا العالم، وتحيط بها وبجميع ميادين جولانها ومكاتيب مطالعتها هذه الخردلة. فسبحان من صغّرها بلا غاية في عين كبرها بلا نهايةوصفت وهذا السر، تتفطن لتفاوت مراتب الإنسان؛ فمن الإنسان من يغرق في ذَرّة، ومن الإنسان من تغرق فيه الدنيا.
ثم إن الإنسان قد يَفتح بمفتاحٍ من مفاتيحه الموهوبة عالَما واسعا من أبسط ما انتشرت إليه الكثرة، فيضل فيها فلا يصل إلى الوحدنات منوحيد إلّا بعُسر عظيم. فللإنسان في معناه وسَيره الروحي طبقاتٌ؛ ففي طبقة يتيسر له باليسر والسهولة الحضورُ والتوحيد، وفي طبقة أخرى تستولي الغفلةُ والأوهام، وقد تتسع عليه الضيقةُ بحيث يغرق في الكثرة غرقا تاما، فينسى ال العالأسا. وإن المدنيين الذين توهموا السقوطَ ترقيا، والجهلَ المركب يقينا، والانغماس التام في النوم انتباها، هم في هذه الطبقة السفلى. فهم أبعد بدرجاتئت.. فبدويين من درْك الحقائق الإيمانية.
— 340 —
اعلم أن الواحدية تدل على أن الاسمَ يحيط بكل شيء، وأن الأحدية تدل على أن كلَّ شيء حيٍّ يشير إلى كل اسم له تعلّقٌ بالكون، فالتجلي بالواحدية بإحاما ومُل الأشياء، وبالأحدية بإراءة كل شيء لكل الأسماء.
اعلم أن أكثر مظاهر الجلال تجلي الأسماء على الكل والكليات والأنواع والجماعات. والجودُ المطلق في النوع من تجلي الجلال. وأن أغلب مرايا الجمال المتجليم الظا جزئيات الموجودات، وجمال أشخاصها مع تزايد الحسن، وجلاء المرآتية بتلاحق الأمثال في تكثير الأفراد، والإتقان والانتظام الأجمل في شخصٍ شخصٍ من تجلي الجمال.. وكذا يظهر الجلال من تجلي الواحدية؛ ويظهر الجمال من تجلي الأحدية. وقد يتجلى الجمالُ يقال للال كما يتجلى الجلالُ من الجمال.. فما أجملَ الجلالَ في عين الجمال، وما أجملَ الجمالَ في عين الجلال!
اعلم أن شهود البصر للمصنوع المصنّع المرصّعبي وقبم شهود البصيرة لصانعه ليس إلّا؛ إما لعدم البصيرة أو عماها، أو ضيقِها من عظمة تصور المسألة، أو للخذلان. وإلّا فهو [٭]: أي عدم شهود البصيرة للصانع، أي إنكار الصانع! أنكرُ من إنكار شهود البصر، كالسوفسطائي بل أشنع وأكمه. [٭]: ن أسطعمها: عمى، أكمه: أكثر عمًى، وشبه بالسوفسطائي لأنه ينكر وجود الأشياء بل حتى نفسه.
اعلم أنه كما أن من زرع بذرا في مزرعة، وعمّتها حبّاتُ البذر ولو منمنمة، [٭]: منمنمة: صغيرة الحبوب. تكون المزرعةُ محميّةً له، ومصونةً من تصرف الغير بالزرع مر. فهم ، حتى كأن البذر سورٌ معنوي.. كذلك كل نوع من أنواع النباتات والحيوانات المزروعة المبثوثة في مزرعة الأرض والمنثورة المنشورة في أكثر وجهها، سورٌ يمنع الشركة، وحارسٌ يطرد الغير، وحامٍ يردّ الأوهام. فكيف بتساند المجموع، وتعاضد الجميع بتل، ولا شواهد وتعانق الأفراد؟!
اعلم أنه كما أن من يُحب أن يشاهِدَ في رياض جنته وحديقته المنتظمة صورةَ القِفار الغير المنتظمة، ومثالَ أحجارها الموحشة، وتماثيلَ اعوجاجاتها المشوشة؛ لإظهار لطافةِ تنظيماته، قد يصنع فيما بين منظوما إنْ لنه صخورَ الكهف بتنحيتاتٍ مشوشة، فكمالُ انتظامها هنا في عدم انتظامها.
لكن يتفطن المدققُ أن تنظيمَ هذا بعدم الانتظام إنما هو بقصدِ ناظمٍ هذا ا كذلك إن ما يُشاهَد فيما بين المخلوقات المنظومة والمصنوعات الموزونة، من القفار
— 341 —
المختلفة الأشكال المشوشة، ومن الجبال والآكام المتفاوْ قلتَحجار البعيدة عن النظام؛ بدرجة تتوهم النظرةُ الحمقاء الظاهرية أنْ لعبَت بها يدُ التصادف، ما هي إلّا منتظمةٌ بعدم التنظيم، ومشوشيتُه السطحية بقصدِ صانعٍ حكيم وفاطر عليم، بشهادة إحاطة المنظومات والموزونات بها وفرشهائنات، ، كنظم الدرر المنظومة على نحور الجواهر المنثورة لإظهار شعشعة الصنعة المنتظمة، وكإراءة شدة الظلمة لتلك النيّرات. فانظر إلى الأشجار ذوات الأشواك، وإلى النباتات المجهزة برماح أشواكها لدفع آكل النباتات، حتى ترى انتظاما عجيبا في عدم انتظامها، والعالم ظريفةً في خشونتها الموحشة. ومن أمارات كون عدم الانتظام -كالانتظام- بقصدِ صانعٍ حكيم؛ عدمُ توافق شكل بعضٍ لبعضٍ بدرجةٍ كأن كل فرد من نوعٍ مستقلٍّ منحصرٌ في ذلك الشخص، مع اتن المخنوع وتآخذ أسباب التوافق. فعدم التوافق دليل عدم الاتفاقي وعدم التصادف.
اعلم أن من مزايا جامعية فطرة الإنسان، ومن مميزاته على سائر الحيوان، فهمَه لتحيّات ذوي الحياة لواهب الحياة. أي رة -إنا يفهم كلامَ نفسه، يفهم بسمع الإيمان جميعَ كلمات ذوي الحياة المسبّحات، بل الجمادات. فكلٌّ منها يفهم كلامَ نفسه فقط -على ما يظهر- كمتكلّمٍ أصمَّ من هذه الجهة. وأما الإنسان فمتكلمٌ سميعٌ يسمع في وسعة البصر، أي يمكن لهورة علمعَ في وقتٍ بلا مزاحمةٍ ما تتكلم به الموجودات من أدلّات الأسماء الحسنى. فقيمة كلٍّ منها بمقدار نفسه؛ وقيمة الإنسان المؤمن بمقدار الكل. فهو فردٌ كنوعٍ، بل كأنواع.. واللّٰه أعلم بالصواب..
اعلم أهنا إليقةَ تشبه الظاهر في الصورة، مع عظمة بُعْدِ ما بينهما في نفس الأمر. مثلا: التوحيد العامي الظاهري يَثْبُتُ بأن لا يُثبَتَ ولا يُسنَد شيءٌ من الأشياء إلى غيره تعالى، وهذا النفي سهل بسيط. وأما التوحيد لأهل الحقيقة فإنما يَثْبصلي وأن يُثْبِتَ كلَّ شيء مما يشاهَد من الأشياء ويسندَه إليه سبحانه، ويرى فيه سكّته ويقرأ عليه خاتمه جلّ جلاله. وهذا الإثبات يُثبت الحضورَ وينافي الغفلة.
اعلم أن من حكمة إمهال الكافر المتوجّه بالمعنى الاسمي والضا مشكذاتي إلى هذه الحياة الدنيوية؛ خدمتَه لتظاهر ألوان نعَمه تعالى الحاصلة بالتركيب الصُّنعي، وإن لم يشعر هو..
— 342 —
وكذا تنظيمُه لمحاسنِ جميلاتِ مصنوعاته تعالى، وإن لم يفهم هو.. وكذا تشهيره -بطرزٍ ئتَ فاللنظر- لغرائب صنعته سبحانه، وإن لم يتفطن هو.. كالساعة تعلّمُك عدد الساعات وهي لا تعلم ما تعمل هي.
اعلم أنه يمكن أن يذهبَ الموفَّق من الظاهر إلى الحقيقة بلا مرور على برزخ اع مصنو؛ وقد رأيتُ من القرآن طريقا إلى الحقيقة بدون الطريقة، أي المشهورة. وكذا رأيت طريقا موصلا إلى العلوم المقصودة بدون المرور على برزخ العلوم الآلية.. نعم، وم المُحالرحمة الحاكمة أن تُحسِن لأبناء هذا الزمان -السريعِ السيرِ- طريقا هكذا قصيرا سليما.
اعلم أنه كما أن وجودَ الشيء وحياتَه برهانٌ باهر على وجوب وجود موجده وصفاته، وآيةٌ ن فَكُللى أنه وحده، أي له كل شيء، وحجةٌ قاطعة لأيدي الأسباب.. كذلك فناءُ الشيء وموته في تجدد الأمثال برهانٌ ظاهر على بقاء المبدئ المعيد الوارث الباعث، ودليلٌ واضح على أنه لا شريك له -أي ليس لى إلى ن الأشياء شيءٌ من الأشياء من جهة الخلق والإيجاد- وحجة قاطعة لأيدي أنفُس الأشياء من التأثير في أنفُسها.
الحاصل:أن الحياة تقول: "لا إله إلّا هو وحده"، وتردّ الأسبابَ.. وأن الموتَ يقول: "لا إله إلَّا هو لا شريك له"، ويردّ الأنفس.
معكوست أن من وظائف حياة الإنسان؛ شهودَه لتحيات ذوي الحياة لواهب الحياة. ثم الشهادةَ عليها، أي يشاهِد عبادةَ الكل فيشهَدُ عليها ويُعلنها كأنه ممثلُ الكلِّ ولسانُهم، يخبر الكلَّ بعمل الكلِّ في الإعلان لدى سيدهم.٦)
وكذلم أن القرآن والمنیزَل عليه القرآنُ يبحثان عن مسائلَ عظيمة، ويثبتان حقائقَ جسيمةً. ويبنيان أساساتٍ واسعةً؛ كأمثال إثبات وحدانية مَنْ يطوي السَّیماء
كَطبيَنَ سِجل لِلكُتُبِ
(الأنبياء:١٠٤)..
والارضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه
(الزمر:٦٧)..
ومَا امْرُ السَّاعة الاَّ كَلَمْحِ البَصَرٍ
(النحل:٧٧) بالنسبة إليه. و
وتُسَبحُ لَهُ اأسباب،اتُ السَّبْعُ والارضُ ومَنْ فيهن
(الإسراء:٤٤) و
خَلَقَ السَّمَواتِ والارْضَ في سِتَةِ اَيَّامِ
(الأعراف:٥٤)..
ويُحْيي الارْضَ بَعْدَ مَوْتِها
(الروم:١٩) ويحشر في تلك الأحياء أزيد من ثلاثمائة ألف حشر ونشر وقيامات،عا وذهء أنواع النباتات والحيوانات،
— 343 —
وكتابتِها على صحيفة الأرض في نهاية الاختلاط والاشتباك، مع غاية التمييز بلا خبط ولا غلط. مع أنّ حشر واحد من تلك القيامات المشهودة ليس بأهونَ من حشر طائفة الإنسان، إذ يزيد عددُ طائفةٍ واحدة من طوائف الذباب إليه.يوجد في عمر سنة على عدد الإنسان في عمر الدنيا. وكذا يقولان:
اللّٰه خالِقُ كُلّ شَئٍ وهُوَ عَلى كُلِّ شَئٍ وكيل ٭ له مَقَاليدُ السَّمییوات والارْضبكليّةر:٦٢- ٦٣) و
خلَقَكُم وَما تَعْملُونَ
(الصافات:٩٦)..
وأعدّ للكافرينَ عذاباً أليماً
(الأحزاب:٨) ويقولان:
ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شراً يَرَهُ
(الزلزلة:٨).. وهكذا من عظائم المسائل المبرهنة المهمة، فليس نظرُهما في الكائنات كفرد، تفنون الفلسفية والعقول الإنسانية، بل مَثَلُهما كمثل من يعرّفك صنعةً لتعريف صانعه، والمصنوعُ في قبضته يقلّبه، ويريك باطنَه وصحائفه وتلافيفَه وغاياتِ جهازاته عند صا؛ فيدليعلّمك كتابا بمعانيه وإشاراته.. ومَثلُ الإنسان وفلسفته كمثل من يعرّفك مصنوعا بعيدا من يدكما [٭]: أي بعيدا عن يد الإنسان وفلسفته. ومن فهمكما -وإنما يصل نظرك الإيم سطحه ولا ينفذ إلى باطنه- فيلقمك مسائلَ سطحيةً كوساوسَ شطحيّةٍ لا تسمن ولا تغني، وكمثل أجنبي أعجمي لا يعرف من العربية كلمةً، لكن له معرفة بمناسبات النقوش والصور، فلاك"،علمك كتابَ الفصوص المذهّب ببيان مناسبات نقوش الحروف، وكيفية صورها ووضعية بعض إلى بعضٍ. وهكذا، من سفاسفَ واهيةٍ صورية.
فإذا كان هذا هكذا؛ فلا تجعلْ مقاييسَ العلوم الإنسانية محكّا لحقائقهما، [٭]: أي القرآن والمنیزل عليه القرآن (ص). وتفصيل ه ولا سائل في "الكلمة الثانية عشرة". ولا تزنهما بميزانها؛ إذ لا توزَن الجبالُ الراسيات بميزان الجواهر النادرات، ولا تَطلب تزكيتَهما بها بجعل دسلسلطان الأرضية مصداقا على تلك النواميس السماوية. فلا تظنن التزلزلَ بتحريك الأهواء الضالة لبعض التفرعات الجزئية، فأهمية الشيء بقدر قيمته.
اعلم [٭]: تفصيل هذه المسألة في "الكلمة الحادية والعشرين". أيها المصاب ببليةٍ دامت من مدة! لا توزّع منالإلهيصبرك وقوّته، في مقابلة ما مضى إلى يومك هذا، بل إلى ساعتك هذه ؛ إذ التحقتْ تلك الأيامُ الأليمة الخالية إلى صف جنودك بانقلابها لذائذ معنوية وحسناتٍ أخروية. وكذا لا توزِّع من صبرك في مقابلة ما يأتي ب هذه اك هذا، بل ساعتِك هذه. إذ هو عدمٌ ومعدومٌ وفي يد المشيئة. فأجمِع جميعَ قوة صبرك وجنودِه على هذا اليوم، وفي هذه الساعة، مع تقوّي قوتك المعنوية بالتحاق جنود
— 344 —
البلايا الأعداء إلى جنودك بانقلابها أحبابا ممدّةً، مع الاستمداد ميهِ رَكل على المالك الكريم الرحيم الحكيم في مقابلة ما يأتي. فإذا فعلت هكذا، يكفي أضعفُ صبرك لأعظم مصيبتك.
اعلم أنه كثيرا ما يُتوهَّم -بقصور الفهم- ما هو من منابع الحقيقة ومعادن الحق أنه من مخايل المبالغقصد النّ المجازفة.
مثلا: روي: "لو وزنت الدنيا عند اللّٰه جناح بعوضة، ما شرب الكافرُ منها جرعة ماء" [٭]: الترمذي، الزهد ١٣؛ ابن ماجه، الزهد ٣؛ الحاكم، المستدرك ٤/٣٤١. أو كما قال.. المراد لا يساوي نفسَهّل في مرآة حياتك الفانية ووُسعة عمرك الزائل من هذه الدنيا الخارجية، مقدارَ جناح بعوضة من عالم البقاء. كما أن حبةً باقيةً بالتنبّت تُرجَّح على بيدر من تبنٍ يفنى بالتفتت.. فلكلِّ أحدٍ من هذه الدنيا -اطلب هو مظاهرُ الأسماء الحسنى ومزرعةُ الآخرة- دنيا، فإنْ نظر إلى دنياه بالمعنى الحرفي، واستعملها للباقي كانت لها قيمة عظيمة؛ وإلّا -فلفنائها- لا توازي ذرةً باقية، وقس عيب بتقعضَ ما ورد في ثواب بعض الأذكار مما لا يجري في مقاييس العقل.
اعلم أن مما يدل على أن دستورَ الحياة هو التعاونُ دون الجدال -كما توهمَتْه الفلاسفة الضاللام اللة- عدمَ مقاومة التراب الصلب ولا الحجر الصلد لسيَران لطائف رقائق عروق النباتات اللينة اللطيفة، بل يشق الحجرُ قلبَه القاسي بتماسِّ حريرِ أصابعِ بناتِ النبات، ويفتحية والبُ صدرَه المصمّتَ لسرَيان رائد النباتات.
نعم، تجاوبُ أعضاء الكائنات بشمسها وقمرها لمنفعة الحيوانات، وتسارعُ النباتات لإمداد أرزاق الحيوانات، وتسابقُ مواد الأغذية لترزيق الثمرات، وتزيّنُ الثمرات لجليضه، ور المرتزقات، وتعاون الذرات في الإمداد لغذاء حجيرات البدن؛ دليلٌ قاطع ساطع على أن الدستور العام هو التعاونُ وما الجدال إلَّا دستورٌ جزئي بين قتياري الحيوانات الظالمة.
اعلم أن مِن أظهر براهين التوحيد، السهولةَ المطلقةَ المشهودة. مع أن في الشركة يستلزم كلُّ شيء -لاسيما حي- كلَّ ما يلزم للكل. ففي كل فرد من الكلفة كلفةُ ما في الكون، لاستل مُعجِفرد في الانفراد كلَّ كلفة الكل، كميةً.
اعلمي أيتها النفس الأمارة! أنكِ متهَمةٌ في أحسن مطالبك؛ إذ قد تشتاقين إلى أمور
— 345 —
الآخرة، لكن بالمعنى الحرفي، أي لئلا تتنغصَ الدنيا عليكِ بفنائها، فشوقُ الآخرة للتسلي من ألَم الفناء. فأُفّا وتُفَةُ ال: الأف: وسخ الأذن. والتف وسخ الأظفار، ثم استعمل ذلك عند كل شيء يضجر منه. قاله الأصمعي. لهمّتكِ الدنية، كيف تُصيّر السلطان الدائمي خادما لحقير دنىٍ زائل؟ وتعمل خانا لسكن بعض الحيوانات في ليلة، بعَمَد مرصعةٍ بالجواهر تلوُقُو من تحت قصرٍ سلطاني مستمرٍّ.. [٭]: أي كيف تهونين من شأن الآخرة، فتجعلينها في خدمة الدنيا.. فإنك تبنين عمارة مؤقتة لنیزول بعض الدواب -ار جِرم- بما تسرقينه من أعمدة مذهّبة لقصر سلطان في الآخرة! فتخربين القصر على رأسكِ، وتأكلين ثمرات الجنة الباقية قبل بدُوّ صلاحها في هذا البستان الكاذب.
اعلمي أيتها النفس العاشقةُ لنفسهاإلّا متندةُ على ظهور وجودها! أنك اكتفيتِ بقطرة سراب [٭]: المقصود الحياة الدنيا كما سيأتي. عن بحر ماء الحياة، وبلمعةٍ ضعيفةٍ في ليلةٍ مدلهمّة عن الشمس في رابعة النهار.
خالق ورُ وجودِك بالنسبة إلى ظهور وجود فاطرك؛ فكنسبة عدد نفسِك الواحدة، إلى ضرب جميع الموجودات في ذراتها. إذ نفسُك تدل على وجود نفسك بوجه واحد، وبمقدار جرمك.. وتدل على وجود موجِدها المقب لا تعد، مع دلالة كل من الموجودات على ظهور وجود موجِدك بوجوهٍ لا تعد أيضا إفرادا وتركيبا، فلابد أن يكون ظهورُ وجوده عندك أظهرَ من وجودكِ بدرجةِ أعظميةِ العالم على صغرك.
وأما حبُّك لنفسك، لأنها مخزنُ لذّتك ومركزُ وجودك ومعدنُ نفعك احترام إليك. فقد التبس عليك ظل الظليل الزائل، بأصل الأصيل الكامل. فإن تحبَّ نفسَك لِلذةٍ زائلة؛ فلابد أن تحبَّ من يفيدك لذائذَ باقيةً بلا نهاية، ويفيضُ عفوائدهع من تلتذ بسعاداتهم لذائذَ تُسعِدُهم.
وإن كانت نفسُك مركزَ وجودك؛ فربُّك موجِدكَ، وقيّومُ وجودك مع وجودات كل من لك علاقة بوجودهم.
وإن كانت نفكذا لانَ نفعك؛ فرازقُك هو الذي بيده الخيرُ كله، وهو النافع الباقي، وعنده نفعُك ونفعُ كلِّ مَن لك نفعٌ في نفعهم.
وإن كانت نفسُك أقربَ إليك؛ ففات من أقربُ منها إليها، إذ تصل يدُه منها إلى ما لا تصل يدُها ولا شعورُها ولا حبُّها إلى ذلك الشيء الذي هو في بحبوحة نفسها، فلابد أن تجتمع
— 346 —
جميعُ المحبات المنقسمةِ على جميع الموجودات مع مُعْلِننفسك فتهديها إلى جناب المحبوب الحقيقي.
اعلم أن مما يحجُبك عن اللّٰه ويبقيك في الغفلة؛ انحصارَ نظرك الجزئي على الجزء والجزئي، فيجوِّز صدورَه بالتصادف عن الأسباب الواهية. وأما إذا رفع رأسه ومدّ نظره إلى الُ أن اكلي، لا يجوّز صدورَ أدنى شيء من أعظم الأسباب.
مثلا:يمكنك أن تسند رزقَك الجزئي إلى بعض الأسباب، ثم إذا نظرتَ إلى خلو الأرض وفقرها في الشتاء، ثم امتلائها متبرّجةً متزينة بالأر اصَابتي طبختها القدرةُ في مراجل الأشجار وجفان الجنان، تيقنتَ أنه لا يمكن أن يكون رازقك إلّا من يرزق كل حي بإحياء الأرض بعد موتها.
ومثلا:يمكنك أن تسندَكذلك أ الجزئي المادي، ونورَك المخصوص المعنوي إلى بعض الأسباب الظاهرية فتقول:
انّمَا اوتُيتُهُ عَلى علمْ
(القصص:٧٨) ثم إذا نظرت إلى اتصال ضيائك بنور النهار، واتصالِ نورِ قلبك بضياء منبع الأنوار، تيقنتَ أنه لا يقتدر على إضاءة قالبك، وفتح منقلبك حقيقةً إلّا من يُقلِّبُ الليلَ والنهار بتحريك السيارات والأقمار. يضلّ من يشاء من الفجار ويهدي من يشاء من الأبرار بتنیزيل التنیزيل للاعتبار والاختبار.
اعلم أيها الإنسان أمامك مسائلُ عظيمةٌ هائلة، تُجبر كلَّ ذي شعور على الاهتْهُودَا!
منها "الموت" الذي هو فراقُك عن كلِّ محبوباتك من الدنيا وما فيها.. ومنها "السفر" إلى أبد الآباد في أهوال دهاشة.. ومنها "عجزُك" الغير المعدود في "دف بينالغير المحدود في سفرك الغير المحصور في عمر معدودٍ محدود، وهكذا..
فما بالك تناسيتَ وتعاميتَ عنها -كطير الإبل- أي "النعامة" يخفي رأسه في الرمل، ويغمض عينه لئلا يراه الصيادُ.. إلى كم ته يشاهِقطرات الزائلة، ولا تبالي بالبحور الدهاشة!
اعلم أني أحمد اللّٰه على أن فتح لي أعاظمَ مسائلِ هذه الكائنات بمسألة من النحو، هي الفرق بين "المعنى الحرفي والاسمي"، أي هذه الموجودات كلماتٌ دالات على معانٍ في غيرها، أي مما يُتٌ ربّانية تالياتٌ للأسماء الحسنى، لا اسمية حتى تدل على معنى في نفسها لذاتها..
— 347 —
فما تفرَّع من الوجه الأول؛ علمٌ وإيمانٌ وحكمةٌ. ومن الوجه الال انبجهلٌ مركبٌ، وكفرانٌ مرجَّب، [٭]: المرجب: الذي جعل له رُجْبة وهي دعامة من الأحجار تدعم بها النخلة (مجمع الأمثال ١/ ٣٢). وفلسفة مذهّبة.
وكذا أشكره على أنْ فتح لي مسألةً جسيمةً من أعا أمر بئل الربوبية بمسألة من المنطق، وهي الفرق بين "الكلي ذي الجزئي، والكل ذي الجزء"، فتجلي الجمالِ والأحدية كالأول.. وتجلي الجلالِ والواحدية كالثاني.. وتجلي الكمال والكبرياء جمع الجمع.. أي جمال في عين الجلال كالكلّي ؟
ق الكل، والجزئي في عين الجزء.
اعلم أن الدنيا فهرستةُ الآخرة؛ فيها إشارات إلى مسائلها المهمة، منها الذوقُ في الرزق الجسماني. فالذي أدرج في وجودك حواسَّ وحسياتٍ، وجوارحَ وجهازات، وأعضاءَ وآلات لإحساس جمن إنهواع نِعمه الجسمانية، ولإذاقة أقسام جلوات أسمائه المتجلية على الجسمانيات، في هذه الدار الزائلة الذليلة التي ليست لذيذةً ولا للَذةٍ.. يشير بهذا الصُّنع الحكيم، نواع ا صاحب الإحساس والإذاقة، [٭]: أي الذي وهب هذا الإحساس والتذوق. أعدّ لضيوف عباده ضيافةً جسمانيةً أيضا لائقة بالأبدية في قصورٍ
تَجري مِنْ تَحْتِها الانْهَارُ خَالِدينَ فيها ابَدَاً
(المائدة:١١٩).
اعلم [٭]: الغصن الخامس من لَذّاتة الرابعة والعشرين" يفصل هذه الخاطرة. أيها السعيد العاجز الخائف! أن الخوفَ والمحبة إذا توجّها إلى الخلق، صار الخوفُ بليةً أليمةً، وصارت المحبةُ مصيبةً منغّصةً ؛ إذ تخاف من لا يرحمُك أو لا يسمع استرحامَك. وتُحبُّ من لا يعرفك. أو يحقّرك لاتحاد أو لا يرافقك، بل يفارقك على رغمك.. فاصرفْهما من الدنيا وما فيها إلى فاطرك الكريم وخالقك الرحيم، ليصير خوفُك تذلّلا لذيذا بالالتجاء إلى صدر الرحمة كتلذذ الطفل بالتخوّف الذي يجبره إلى الانضمام إلى صدر أمه الشفيقة، وتصير محبت السعيدةً أبديةً لا تزول ولا تُذِلّ، لا إثم ولا ألم..
اعلم أيها الإنسان! أنك ثمرةٌ أو نواةٌ لشجرة الخلقة، فبجسمانيتك أنت جزءٌ صغير ضعيف، عاجز ذليل، مقيّد محدود. لكن الصانعَ الحكيم رقّاك بلطيف صُنعه من كالبرالجزئي، إلى الكل الكلي.. فبإدراج الحياة في جسمك أطلقكَ من قيد الجزئية في الجملة، بجولان جواسيسِ حواسِّك المنبسطة على عالم الشهادة لجلب أغذيتهم يةٍ ورية.. ثم بإعطاء الإنسانية
— 348 —
جعلك كالكل بالقوة (كالنواة).. ثم بإحسان الإسلامية والإيمان، جعلك كالكلي بالقوة.. ثم بإنعام معرفته ومحبته صيّرك كالنور المحيط، فاختر ما شكشجرة إن أخلدتَ إلى الأرض واللذائذ الجسمانية؛ صرتَ جزءا جزئيا، عاجزا، ذليلا. وإن استعملت جهازات حياتك بحساب الإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية؛ صرت كالكل الكلي والسراج المركزي.
اعلم يا من يحب الموجودات الدني واللتي لا تصل إليها إلّا بمقدار جِرْمك، ومساعدة قيدك. فتتألم بسائر الفراقات الأليمة، جزاءً لصرفك المحبةَ في غير محلها.. إن أحببتَ الواحدَ ار لك و وتوجّهتَ بحسابه وباسمه وبإذنه وبنظره وبحَوله، تنیزّهتَ بالجميع معا في آنٍ بلا فراق ولا ألم. كمثل من ينتسب لسلطان له مع كل جزء من مملكته ارتباط،ثرة، فويبصر كل ما يجري في كل مكان ومن كل مكين، كأنه هو في كلٍّ وعند كلٍّ، فيسمع ذلك الخادم بسمعِ سيدِه، ويبصرُ ببصره بواسطة آلات المخابرة والمشاه.
وذات النغمات وجميلات الصور الموجودات في محلّ سلطنة بعيدةٍ.
اعلم [٭]: تراجع الرشحة العاشرة من "الكلمة التاسعة عشرة". يا من يشتاق إلى معرفة أخبار أمثال القمر، بحيث لو قيل لك: إن أفديتَ نصفَ عمرك؛ لنیزل أحدٌ من القمر وأخبقيقتها في القمر كذا وكذا، وأخبرك بحقيقة استقبالك، لفديت بلا تأسف.. أنه جاء أحدٌ يخبرك أخبار مَن ليس القمرُ إلّا كذباب يطير حول فَراشٍ، يطيرُ هو حول سراجٍ من قنالمالكسقف بيته الذي أعدّه لعبيده المسافرين.. وكذا يخبرك بأخبار الأزل والأبد، والحياة الأبدية، والحقائق الأساسية، والمسائل العظيمة التي أصغرُها أعظمُ من تهونَ الأرض مع القمر. فإن شئتَ فاستمع إلى سورةِ اذا الشَّمْسُ كوِّرَتْ وإلى اذا السَّماءُ انفَطَرتْ وأمثالِها.. وكذا يريك سبيلا سويا إلى الوحدة، يُنجيك من التشتت في ضلالات الكثرة الموحكون أنمد إلى يدك العروة الوثقى وسلسلة عرشية تنقذ من استمسك بها من الغرق في ظلمات الممكنات المشتتة، ويَسقيك من عين الإيمان بالحياة الأبدية ماء الحياة، لتخلِّصك من الاحتراق بنار الفراق من جميع ما تحبه على الإطلاق.. وكذا يخبرك بمرضيات خالقك الذي ارات وموالقمرُ والنجوم مسخَّرات بأمره، واستقرت الأرض بإذنه وبمطالبه منك.. وكذا صار ترجمانا لمخابرة سلطان الأزل والأبد الذي لا نهاية لقدرته وغَنَائه، وبمكالمته معك أيها العاجز بلا نهاية، والفقير بلا غاية.
— 349 —
فمع كل ذلك كيف لا تتركلمحاسن لفهم هدى القرآن؟ ولا تنسَى هَوسكَ لاستماع رسول الرحمن؟ وكيف لا تستقبل رسولَه بالتسليم والإيمان؟ وكيف لا تشتاق إلى السلام عليه بالصلاة والسلام؟ وكيف لا تحتاج إلى الاستخبار َ التع يطلبه سيدُنا الحنّان ومالكُنا المنّان جلّ جلالُه؟
اعلم أننا نرى الصانعَ الحكيم بكمال حكمته، وعدم العبثية في صنعه وعدم التضييع، يَنسج من الأشياء الحقيرة الصغيرة القصيرة الأعمار، منسوجاتٍ جسيمةً غالية عالية دائمة، لاسيما في نسجاهِد فتات.. وكذا -بسرّ عدم العبثية مطلقا وعدم الإسراف- يوظّف الفردَ الواحد من الآلات والجهازات بوظائفَ كثيرة متنوعة، لاسيما في رأس الإنسان. فلو انفرد لكل وظيفة من الوظائف المكلفة بها ما في رأسك مقدار خردلة، للزم أن يكون رأسك كجبل الطور في الة صفاتسع أصحاب الوظائف. ألاَ ترى اللسان -مع سائر وظائفه العظيمة- مفتشٌ [٭]: بمعنى ناظر أو مشرف. لمدخرات خزينة الرحمن، ولجميع المطعومات المطبوخة في مطبخ القدرة. فله وظائف بعدد تنوع أذواق المطعومات، وقس. أفلا تشير هذه الفعاليةُ الحكيمةُ إلطٌ بوجلك الصانعَ يجوز -بل يجب- أن يَنسجَ من الأشياء السيالة السريعة في سيل الزمان، ومن الأيام الميتة والأعوام الماضية والأعصار الخالية نسائجَ غيبيةً، ومنك
تٍ أخرويةً بمكوك الليل والنهار والشمس والقمر في اختلاف الملوين، [٭]: أي الليل والنهار. الواحد: ملا. وتحوّل الفصول؟ كما نسج في الإنسان الذي هو فهرستةُ خالق ا ما يؤيد هذا، إذ يُبقي دقائقَ حياته الماضية الفانية بين منسوجات حافظته ومكتوباتها، فيكون الفناءُ والموت في هذه الشهادة الضيقة، انتقالا باقيا وبقاءً صافيا فعالية رِ عوالمِ الغيب. وقد نسمع من منابع الوحي "أن دقائق عمر الإنسان تعود إليه"؛ فإما مظلمةٌ بالغفلات والسيئآت، وإما مضيئةٌ بمصابيح الحسنات المعلقة في حلقات الدقائق.
اعلم أن من حكمة ستندينلصانع الجميل الحكيم في تصوير الأفراد صغيرا وكبيرا كما في الحيوان لاسيما فيما يطير بجناحَيه، وفي السمك وفي المَلَك وفي العوالم في الجملة، من الذرات إلى الشموس، بجعل الصغير مثالا مصغرا للكبير.. لُطفَ الإرشاد، وتسهيلَبقاء بّر، وتيسيرَ قراءةِ مكتوباتِ القدرة، وإظهارَ كمال القدرة،
وإبرازَ نوعي الصنعة الجمالية والجلالية، إذ من
— 350 —
أسباب المجهولية الدقةُ والخفاءُ، فيزيلهما بوضوحِ حروف الكبير. وكذ فكما سباب المجهولية الوسعةُ والعظمة، فلا يحيط بها النظر ولا يضبطها الفَهم فيزيلهما بتقارب حروف الصغير. وأما النفسُ الأمارة المتتلمذة عند الشوني التظن صغرَ الجسم سببَ صغر الصنعة، فتجوِّز صدورَها من أسباب صمٍّ عُميٍ، وتدّعى في الكبير المنبسط عدم الكتابة بالحكمة، ووجودَ العبثية والتصادف..
اعلم [٭]: هذه المسألة الدقيقة "حكمة تعدد الغايات" توضحها حاشية الحقيقة السا، وما "الكلمة العاشرة - رسالة الحشر". أنه إن قيل: إن الجودَ المطلق والرزقَ بلا حساب يلائمان العبثيةَ، وينافيان الحكمة من جهة؟ يقال له: نعم، إن انحصرت الغايةُ في الواحدة مع أن لكل شيء لا سيما حيّ، غاياتٍ متعددةً وثمرات متنوعة ووظائفَحمة دفة. ألا ترى أن للسانك وظائفَ بعدد شعر رأسك؟ فالجود باعتبارٍ غايةٌ بلا حساب وباعتبارٍ وظيفةٌ لا ينافي الحكمة والعدالة في وجوده الناظر إلى مجموع الغايات والوظائف، كالعسكر المستخدَم في تعقيب ذي جناية أو في حماية قافلة مثلا. ففي العسكر كثرةُ وجودا تحركساب بالنسبة إلى أمثال هذه الخدمات الجزئية مع القلة والمساواة لما يلزم لحفظ الثغور والحدود وسائر الغايات..
اعلم أنه يمكن أن يتصوَّرَ الإنسبأنوارف أثره وصنعته الجزئية، ولا يمكن في مصنوع الصانع الأزلي إلّا من خلف سبعين ألف حجاب خلف ذلك المصنوع الجزئي. ولو أمكن لك أن تنظر إلى مجموع مصنوعاته دفعةً؛ لارتفعت المّن لوالظلمانيةُ، وبقيت الحُجبُ النورانية. فالطريق الأقرب في نفسك، لا في الآفاق إلاّ بالعشق السديد.
اعلم [٭]: تفصيل هذه المسألة في الثمرة الثانية من الهُ الأخامس للكلمة الرابعة والعشرين. أن أغلبَ مَن له نسلٌ من الحيوانات والنباتات ينوى كلُّ فرد -من الأغلب- الاستيلاءَ على وجه الأرض، ويريد التسلطَ عليها ليتخذَها مسجدا خالصا لنفسه يَعبُد بإظهار أسماء فاطره، في كل جزءٍ منها عبا شديدار متناهية لخالقها الذي لا نهاية للياقته للعبادة. فإن شئتَ فانظر إلى البطيخ ونواتاته، والشجر والنواتات في ثمراته، والسمك وبيضاتُه، والطير وبيضاته، إلاّ أنّ ضيقَ عالَم الشهادة وإحاطةَ علم عالم الغيب وحِدٌ
ة بما كان، وبما يكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون.. اقتضيا قبولَ عباداتها بالقوة، [٭]: حتیى ولو لم تخرج بعدُ إلى طور الفعل. ونياتها المندمجة في بذورها.
— 351 —
اعلم أن ذكرصلا لغن لبعض الغايات الراجعة إلى الإنسان إنما هو للإخطار [٭]: للتنبيه. لا للانحصار. أي لتوجيه نظره إلى الدقة في فوائد نظام ذلك الشيء ذي الغاية، وفي انتظامه الدال على أسماء صانعه؛ إذ الإنسان إنما يهتملوازماه علاقةٌ ما به، فيرجّح ذرةً ما إليه على شمس ليست إليه.. مثلا:
وَالْقَمَر قَدَّرْناهُ مَنَازِلَ
(يس:٣٩)
لِتَعْلَموا عَدَدَ السنّينَ وَالْحِسابَ
(يونس:٥) هذه غايةٌ من لى درجايات تقدير القمر، وليس المراد الانحصار، أي إنما خُلق ذلك لهذا، بل إن هذا المشهود لكم من ثمرات ذاك.
اعلم أن من سكّته التي لا تُقلَّد، ون كنت َمه الذي يختص به، ومن أبهر براهين التوحيد في قدرة غير متناهية، وعلمٍ لا يتناهى في تصرفٍ مطلق، في إتقان مطلق، في سهولةٍ مطلقةٍ.. خلقُ أشياء مختلفات لا تُعد، من شيء واحد بسيط، كالنباتات بأشتاتها من التراب وكمختلفات أعضاء الحيوجه:ين لحما عظما وغيرها من غذاءٍ بسيط.. وكذا خلقُ الواحد من أنواعٍ متباينة لا تحصى كجسد الإنسان -مثلا- من مطعوماته الغير المحصورة..
فسبحان مَن هو القدير على أن يجعل شيئا كلَّ شيءٍ، سليم ل كلَّ شيء شيئا.
اعلم أن في اَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (الواقعة:٦٤) سر عظيم ومثل عظيم! [٭]: الأظهر: سرًّا عظيما ومثلا عظيما. إذ كما أنك تَحفظ من التفتت والضياع بعضَ البذور وتدّخ اللمع تزرعها في مزرعتك.. كذلك إن الوارثَ الباعث الحفيظ الذي يحيي الأرضَ بعد موتها يكتب ثمرات أعمال جميع النباتات فيرثُها حافظا لها، ثم يزرعها منثورةً بحكمة توزيعٍ وانتظام تقسيم بإطارة بعض البذور إلى اءً قطع لا مجتمعةً خلف أصلها فقط، ثم ينشر أوراقَها وأزهارها حتى يصير نظيرَ:
وَاِذا الصّحُفُ نُشِرَتْ
(التكوير:١٠). فانظر من شدة اهتمامك حتى تقتدرَ على حفظ بعض البذور، إلى كمالِ، وصحيةِ الحفيظ المطلق في محافظةِ ما لا يعد من الصُّنَيدقات اللطيفة المتضمنة لفهرستات أمهاتها المعيّنة بمسطر القدر، من مغيّرات ومُفسدات لا تحد في انقلابات لا تُعد، مع نهاية الت الذراي نهاية الاختلاط. فهذا الحفظ لا يخليك غاربك على عنقك [٭]: لعله: حبلك على غاربك. تفعل ما تشاء ثم تموت وتستريح..
اَيَحْسَبُ الانسانُ اَنْ يُتْرَكَ سُدًى
(القيامة:٣٦) كلا ليحاسَبنّ على النقير والقطمير.
— 352 —
لمتجليم أن من وظائف الحياة الإنسانية فهمَ الإنسان بمقياسيةِ جزئياتِ صفاته وشؤونه وشؤون أبناء نوعه أو جنسه لصفات فاطره وشؤونه، وأما فهمُ عظائم شؤونه الحشرية والأخروية وكلياتِ أفعاله في القيامة وإحياء الأموات؛ فتحتاج لفهمها بالحسنِه إلى جعل الفاعلية في الحشر الربيعي والقيامة الخريفية قياسا لشؤونه في القيامة الكبرى. انظر إلى الربيع لترى فيه تنظيرا -كتفسيرٍ- لأمثالِ اِذَا الشَّمْسُ كوِّرَتْ (التكوير:١).
اعلم أن من عظمة إحاطة الإسلامية ابأزهار أساسات جدرانها من أعلى عليي كليات صفات ذي العرش، ومسائل خلق العرش والسماوات والأرض وملائكتها، إلى جزئيات خطراتِ القلب، مع امتلاء ما بينهما بدساتيرَ محكمةٍ رصينةٍ.
* * *
بسم اللّٰه الرحم القطريم
فَلاَ تَغُرَّنّكُمُ الْحَيوةُ الدّنْيَا ولا يَغُرنّكم باللّٰه الغَروُر
(لقمان:٣٣)
اعلم [٭]: الدرس الثالث من رسالة "المدخل إلى النور". يا من يدعو المسلمين إلى الحياة الدنيوية التي هي لعِب في نوم ولهو، ويشوّقهم للخروج من داان فأن أحلّه اللّٰه من الطيبات الكافية "لكيفهم"، [٭]: لمسرّاتهم البريئة المباحة شرعا. إلى الدخول في دائرة ما حرَّمه من الخبيثات المنغّصة التي تجبرهم على ترك بعض شعائر دينهم أو ترك دينهم.. إن مثَلَك معهم [٭]: جاء هذا ال وانكسوضوح تام في الكلمة السابعة. كمثل سكران بسُكر لا يميّز بين الأسد المفترس والفرس المؤنس، ولا يفرق بين آلة الصَّلب وآلة لعب الصبيان من الحبل المتحرك في الهواء؛ ولا يعرف الجرحَ المبرّح من الورد المفرّح، لنور:٥ الأسدَ فرسا، وآلةَ الصلب حبلَ اللعب، والجرحَ المقشعر الوردَ المحمرّ. ومع ذلك يظن نفسه مرشدا مصلحا.. فجاء إلى رجل هو في وضعيةٍ مدهشة؛ إذ خلف هذا الرجل أسدٌ عجيب متهيئ للهجوم في كل آن، وقدامَ الرجل آلة الصلب قد نُصِبتْ، ومعدننبيه جرحةٌ عميقة قد انفرجت، وقرحةٌ مزعجة قد انفجرت.. وفي يديه علاجان إذا استعملهما، انقلب -بإذن اللّٰه- الجرحان وردَين محمرّين. وفي لسانه وقلبه طلسمان إذا استعملهما انقلب
— 353 —
-بأمر اللّٰه الأسدُ- فرسا يركبه إلى هر من يده الكريم الذي يدعوه إلى دار السلام يضيّفه. وانقلب حبلُ الفراقِ والصلب المتدلي من شجر الزوال والفناء بلطف اللّٰه آلةَ السير والتنیزّه، والمرور بالسماء ا على المناظر السيالة المتجددة وعلى المرايا الجوالة المتبدلة، لازدياد لذةِ تجددِ تجليات الجمال المجرد الدائم التجلي والظهور، على مرّ الفصول والعصور والدهور، ولازدياد اللذةِ في تجدّد صوَر الإنعام والنِّعم على مركمه، كنام والأيام والأعوام. ثم يقول ذلك السكران الذي هو أيضا في مثل تلك الوضعية، لذلك الرجل: اترُك الطلسمَين واطرح العلاجين وتعال نَلْهُ ونلعبْ ونرقص ونطرب!
فيقول له الرجل: يكفي لكيفي ما يساعده حِرز الطلسمين وحفظ العلاجير إلى يمكن اللذة والسعادة في ما عداه، إن أمكن لك أن تقتل أسدَ الموت الذي "لا يموت إلا في الجنة".. [٭]: عن أبى سعيد الخدري رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): "يُؤْتَى بِالْمَوْنفع بتَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُون: نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّاالمتكليَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم،ْ هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآه،ُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ الَّةِ و! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأ: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) (مريم:٣٩) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا". (رواه البخاري في تفسيأعلى
الآية، ورواه مسلم برقم ٢٨٤٩). (يشرئبون: يَمُدُّونَ أَعْنَاقهمْ يَنْظُرُونَ). وأن ترفع هذه الآلة المسمَّرة في الأرض إلى الثرى بحكم حاكم الأرض، أي تزيل آلةَ الزوال بتبديل الأرض غير الأرض.. وأن تشفيَ من هذا الجرح المستولى على كلَّد في اتي، بتبديل حياتي العاجزة الفانية حياةً باقيةً قادرة على الإطلاق وأن تُبرئ هذه القرحة المحيطة بكلية ذاتي، بتحويل ذاتي الفقيرة ذاتا سرمديةً غنيةً على الإأنه كموإذ لم يمكن لك هذه الأمور "الأربعة" لا يتيسر لك أيها الشيطان السكران أن تخدع إلّا مثلَك سكرانا بسُكرٍ لا يميّز بين الضحك والبكاء، والبقاء والفناء، ا "هو والدواء، والهوى والهدى. وأما أنا "فحسبي اللّٰه ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير".
فإذا تفطنتَ لسر التمثيل، أو اشتقت إلى رؤية صورة الحقيقة؛
فاعلم أن تلاميذ المدنية السفيهة الضالة، وطلبةَ الفلسفة السقيمة المضلة، قد سُكروا باحتراصات عجيبة نتا فيات غريبة، فجاؤوا يدعون المسلمين إلى اتّباع عادات الأجانب، وترك شعائرَ فيها شعورٌ وإشعار بأنوار الإسلام، فيقابلهم تلامذة القرآن بی: يا أيها الضالون الغافلون! إن اقتدرتم أن ترفعوا من الدنيا الزواليبة يؤت، ومن الإنسان العجزَ والفقرَ فاستغنوا من الدين وشعائره، وإلّا
— 354 —
فاخسؤوا واتركوا وسوَستَكم ودمدمتكم التي هي كزمزمة الذباب [٭]: تتابع صدة لهذفي ما بين نعرات هذه الرعود الأربعة، والآيات التكوينية المنادية بأعلى صوتها على لزوم الدين بشعائره
وَاذَا قُرِئَ القُرآنُ فاسْتَمِعوا لَهُ وَانْصِتوُا لَعَلَّكُمْ تُرحَمتكذيب (الأعراف:٢٠٤).
نعم، إن خلفي أسد الأجل يهددني دائما، فإن استمعتُ بسمع الإيمان صدى القرآن، انقلب الأسدُ فرسا، والفراقُ بُراقا يوصلني إلى رحمة الرحمن الرحيم وإلى حضور سيدي الحنّان الكريم. وإلّا صار الموت أسدا مفترسا يمزقني على رة (١٩٥يفرّقني عن جميع محبوباتي فراقا أبديا. وكذا بين يدي وأمامي آلات الفناء والزوال، قد نُصبت وتدلت في اختلاف الليل والنهار، وآلات الهلاك والفراق قد تموجت على أمواج الفصول والعصور. فهذه الآلاتُ نصبت لصلبي الأسمع أحبابي، فإن أصغيت بصماخ الإيقان لإرشاد القرآن انقلبتْ تلك الآلاتُ مركبَ السير والتنیزّه في نهر الزمان وبحرِ الدنيا لمشاهدة تجدّد تجليات شؤونات القدرة على صفحات الفصٌ مؤنسنبرك [٭]: زنبرك: المحرك، النابض. الشمس وسير القمر ودوران الأرض للتعمم [٭]: لبس العمامة. بلفائف الليل والنهار، والتقمّص بحُلتَي الصيف أن تفعء، ولمشاهدة تجدد جلوات الأسماء على المظاهر السيالة والمرايا المتحولة والألواح المتبدلة في اختلاف الليل والنهار.
وكذا، إنَّ في جنبي الأيمن من الفقر الغير المحدود قرحةً مستوليةً، فمع أني أعجزُ من أعجزِ حيوان من جنس الحيوان، ق للإرقرُ من جميع الحيوانات، أي حاجاتي المعنوية والمادية تساوي حاجاتِ الكل، مع أن اقتداري أقلُّ من فعاليةِ عصفورة. فإن تداويتُ بشفاء القرآن انقلب الفقرأن وظيلق الأليم شوقا لذيذا إلى ضيافة الرحمة، واشتهاءً لطيفا لتناول ثمرات رحمة الرحمن الرحيم. فيزداد لذةُ الفقر والعجز بمراتبَ على لذة الغَناء والقوة. وإلّا بقيت في آلامِ إزعاجات الحاجات، وفي ذل ن الجه والتعبد لكل ما عنده حاجة من مطالبي، والتذللِ لكل شيء.
وفي جنبي الأيسر أيضا، جرحٌ عميق هو عجزٌ وضعفٌ بلا حدّ في مقابلةِ أعداء ومهالكَ
— 355 —
بلا عدٍّ؛ فألم الخوف يزيل لذةَ الحياة الدنيوية.. فإن أنصتُّ بالتكلّ كَدعوة القرآن، انقلب عجزي تذكرةَ دعوةٍ للاستناد بالقدير المطلق، والاتصال -بسر التوكل- بنقطةِ استناد فيها أمنٌ وأمان من الأعداء. وإلّا بقيتُ مضطربا بين أعداءٍ متشاكسين لا تعد، بعجز لا يحد.
وكذا إنّي ع [٭]:ح سفر طويل، يمر على القبر والحشر إلى الأبد، فلا يرينا العلم والعقل نورا ينوّر ظلمات تلك الطريق، ولا يعطينا رزقا يصير زادَ ذلك السفر؛ إلّا ما يُقتَبس من شمس القرآن ويؤخَذ من خزينة الرحمن. فإن وجدتَ شيئا يمنعني عن هذا السفر، لكن شريعة طع الطريق بالضلالة التي هي قبول السقوط من فم القبر في دهشة ظلمات العدم الذي هو أهوَلُ وأدهشُ، فقل.. وإلّا فاسكت حتى يقولَ القرآن ما يقول. فبعدلَّه وتْ هذه الآياتُ الخمسة [٭]: وهي: زوال الدنيا، موت الإنسان، عجزه وفقره وسفره الطويل. من كتاب العالم على رأس الإنسان آيةَ
فَلاَ تَغُرنَّكُمواتها يوةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰه الغَرورُ
(لقمان:٣٣)
كيف يجوز اتّباعُك أيها الغِرّ المغرور؟ ولا يختار مشرَبَك إلاّ سكرانُ بشراب السياسة، أو حرصِ الشهرة، أو شهوةِ السُّمعة، أو رقةِ الجر في غأو زندقةِ الفلسفة، أو سفاهة المدنية وغيرها مما يُسكَر بمثله.. مع أن هذه الضربات القارعةَ على رأس الإنسان، وهذه الأهوال التي تضرب وجهَ البشر سيطيّر سُكره. ومع ذلك إن الإنبالهم س -كالحيوان- مبتلًى بآلام الحال فقط، بل يضرب رأسَه خوفُ المستقبل وحزنُ الماضي مع ألم الحال.
فإن أردتَ أن لا تبقى أشقى وأذلَّ وأحمقَ وأضلَّ من جميع الحيوانات؛ فأنمساعيهتمع بسمع الإيمان بشارة القرآن بإعلانِ
اَلاَ انَّ اوْلِيَاء اللّٰه لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ٭ الذَّينَ امَنوا وكَانُوا يَتقون ٭ لَهُمُ البُشرى في الحَياة الدّنيا وفي الآخِرةِ لاَ تَبْديلَ لِكَلماتِ اللّٰه ذلِكَ هو الفَوْزاحة فيظَيِمُ
(يونس:٦٢-٦٤).
— 356 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
والتّين وَالزيتون ٭ وَطورِ سينينَ ٭ وَهَذا البَلَد الامين ٭ لَقَد خلقنا الانْسانَ في احْسَن تَقْوِيم ٭ ثلشهواتَدَدْنَاهُ اسفَلَ سَافلِين َ٭ الاَّ الَّذينَ امَنُوا وعَمِلُوا الصَّالحِاَت فَلَهُمْ اجْرٌ غَيْرُ مَمْنون
(سورة التين).
اعلم [٭]: الدرس التاسع من "المدخل إلى النور" وتوضيحه في "الناء اللثالثة والعشرين". أن إتقان الصنعة وكمالَها في كل شيء يدلّ على أن صانع الكلِّ كما أنه عند كلٍّ في كلِّ مكان ليس في مكان وليس عند شيء.. وأن الإنسان لاحتياجه إلى كل شيء من أصغرِ جزءِ جزئي إموازيارِ كلِّ كلّي، لا يليق أن يَعْبُد إلّا مَن "بيده ملكوتُ كل شيء، وعنده خزائنُ كل شيء".. وأن نفسَ الإنسان من جهة الوجود والإيجاد والخير والفعل في غاية الصغر والقصور والنقص، أدنى من البقرة:٢لنحل وأضعفُ من العنكبوت والبعوضة. ومن جهة العدم والتخريب والشر والانفعال، أعظمُ من السماوات والأرض والجبال. مثلا: إذا أحسن، أحسن بما تسعه ذاتُ يده وتصل إليه قوةُ ذاته. وإذا أساء، أساء بما يتعدى وينتشر.
فب اطمأنالكفر يحقّر مجموعَ الكائنات والموجودات بتنیزيل قيمتها من أوج كونها مكتوباتٍ ربّانيةً ومرايا إلهيةً إلى حضيض صيرورتها موادَّ متغيرةً سريعةَ الزوال والفراق، يلعب بها التصادفُ بالعبثية.. ويُسقط الإنسانَ الذي هو قصيدةٌ منظومة موزونة معلِالمعنووات الأسماء القدسية، ونواةٌ لشجرة باقية، وخليفةٌ تفوَّقَ على أعاظم الموجودات بحمل الأمانة.. إلى دركةِ جعْلِهِ أذلَّ من أذلِّ حيوان زائل فانٍ، وأضعفَ وأعجزَ وأفقر.
وكذا إن الإنسانَ من جهةِ "أنا" له الى وحد كشعرة، واقتدار كذرة، وحياة كشعلة، وعمرٌ كدقيقة، وموجوديةٌ هي جزء جزئي مما لا يعد من أنواع لاتحد في طبقات الكائنات.. ولكن من جهة عجزه وفقره له وسعةٌ عظرحمن ا له عجز عظيم بلا نهاية، وفقر جسيم بلا غاية، يتيسر له أن يصير مرآة واسعة لتجليات القدير بلا نهاية والغنيِّ بلا غاية.
وكذا إن الإنسان من جهة الحياة الدنيوية المادية الحيوانية كنواة، تَعلى وحلجهازاتِ المعطاةَ لها للتسنبل والتشجر في وسعة عالم الفضاء إلى جلبِ موادَّ واهيةٍ في مضيق التراب إلى أن تتفسخَ بلا فائدة.. فمن جهةِ الحياة المعنوية كشجرة باقية امتدت أغ قال؟ مالها إلى الأبد.
وكذا إن الإنسان من جهة الفعل والسعي المادي حيوانٌ ضعيف عاجز، له دائرة ضيقةٌ
— 357 —
نصف قطرها مَدُّ يده.. ومن جهة الانفعال والدعاء والسؤالِ ضيفٌ عزيز للرحمن الذي فَتَح له خزائندة الظه وسَخّر له بدائعَ صنعته؛ له دائرة عظيمة نصف قطرها مدُّ نَظَرِهِ بل خيالِه بل أوسع.
وكذا إن الإنسان من جهة لذة الحياة الحيوانية وكمالها وسلامتها ومتانتها أدنى من العصفور بمائة درجة؛ لتَنَغُّص ن الحسِه بأحزان الماضي ومخاوف الاستقبال.. ومن جهة الجهازات وتفصّل الحواسّ وتنوع الحسيات وانبساط الآلات وتكثّر مراتب الاستعدادات -المشيرة هذه الحالة- إلى أن وظيفته الأصليةرة وأملشهودُ لتسبيحات الموجودات، والشهادةُ عليها، والتفتشُ بالتفكر، والنظارةُ بالعبرة، والدعاءُ للحاجة، والعبوديةُ بدرك العجز والفقر والقصور. ومن وجهِ جامعيةِ استعداده المستعِد لأنواع العن أردتأعلى من أعلى عصفور بمائة مراتب. فبالبداهة يَعلم من له عقل أنّه ما أُعطي له هذه الجهازات لهذه الحياة بل لحياة باقية.
مثلا:إذا رأينا أحدا أعطى لأحدِ خَدَمِه عشرةَ دنانير لق الح لنفسه لباسا من قماش مخصوص، فاشترى من أعلاه. ثم أعطى لآخرَ ألفَ دينار للاشتراء. نعلم يقينا أن هذا ليس لاشتراء لباس من ذلك القماش الذي ما قيمةُ أعلاه إلا عشرةُ دنانير، بل إنما أُعطي لما هو أغلى وأعلى بمائة مراتب. فإذا اشتَةِ، ولاهته- بالألف لباسا من ذلك مع أن ما اشتراه أدنى بمائة درجة من لباس الأول، لابد أن يعاقَب عقابا مديدا ويؤدَّب تأديبا شديدا.
وكذا إن الإنسان بقوة ضعفه، وقدرة عجزه أقوى وأقدر بمراتبَ؛ إذ يُسخَّر له بالدعارٍ، فاستمداد ما لا يَقتدر على عُشر معشاره باقتداره. فهو كالصبي يصل ببكائه إلى ما لا يصل إليه بألوف أضعاف قوته. فيتفوقُ بالتسخير لا بالغلبة والغصب والجلب. فعليه أن يعلن عجزه وضعفَه وفقرَه وفةٌ لهاالاستمداد والتضرع والعبودية.
وكذا إن الإنسان من جهة نظاريته لمحاسنِ كمالاتِ سلطنةِ الربوبية، ودلّاليته لبدائع جلوات الأسماء القدسية، وفهمه بطعمه لمدخرات خزائن الرحمة، وعلمه بوزنه لجواهر كنوز الأسماء المتجلية، وتفكره بمطالعت قليل وبات قلم القدرة، وشوقه برؤيته للطائف المصنوعات.. أشرفُ المخلوقات وخليفةُ الأرض.
* * *
— 358 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يَا اَيُّهَا النَّاسُ انْتُمُ الفُقَرَآءُ إلى اللّٰه
(فاطر:١٥)
فَفرّوُا إلى اللّٰه
(الذاريات:٥٠).
اعلم أيهاالمين.د القاصر العاجز الفقير! أن في نفسك قصورا بلا نهاية، وعجزا بلا غاية، وفقرا بلا انتهاء، واحتياجا بلا حدّ، وآمالا بلا عدّ. فكما أُودع فيك الجوعُ والعطشُ لمعرفة لذة نعمته تعإلى، كذلك رُكّبْتَ من القصور وااهتزازالعجز والاحتياج لتنظر بمرصادِ قصورك إلى سرادقات كماله سبحانه، وبمقياسِ فقرك إلى درجات غناه ورحمته، وبميزانِ عجزك إلى قدرته وكبريائه، ومن تنوع احتياجك إلى أنواع نِعَمه وإحسانه.
فغايةُ فطرتك هي العبودية. والعبودالمعكستعلن عند باب رحمته: قصورَك بی"أستغفر اللّٰه" وبی"سبحان اللّٰه".. وفقرَك بی"حسبنا اللّٰه" وبی"الحمد للّٰه" وبالسؤال.. وعجزَك بی"لا حول ولا قوة إلّا باللّٰه" و بی"اللّٰه أكبر" وبالاستمداد.. فتُظهرَ بمرآة عبوديتك جمالَ ربائق ال
* * *
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
انَّ الاَبْرارَ لَفي نَعيمٍ ٭ وَاِنَّ الْفُجَّارَ لَفي جَحيمٍ
(الانفطار:١٣-١٤)
اعلم [٭]: الدرس الرابع من "المدخل إلى النور" وفي "الكلمة الثالثة" توضيح وافٍ. أيها انك -وأالغافل! أن لكل أحدٍ في سفر حياته طريقين إلى القبر، والطريقان متساويان في القصر والطول. لكن أحدهما -مع أنه لا ضرر فيه- فيه منفعةٌ عظيمة بشهادات أهل الشهود المف أو من وإجماعهم، يصل إلى تلك المنفعة العظيمة من عشرةِ سالكيه تسعةٌ.. والآخَر -فمع أنه لا نفعَ فيه بالاتفاق- فيه ضررٌ عظيم بإجماع أهل الخبرة والشهود. فاحتمالُ الضرر من العشرة تسعة، إلّا أن مهكذا. ك في هذا لا يحمل سلاحا ولا زادا، فيخفّ في الظاهر، ويخلص من ثقل مَنٍّ، [٭]: المن يساوي ٢٤ أوقية. لكن يحمل على ظهر قلبه مائة مَنٍّ مِن المِنّةمه وحِل على عاتق روحه أحمالَ الأهوال والمخاوف. ولأن التمثيل يريك المعقول محسوسا، نمثل لهذه الحقيقة مثالا:
— 359 —
مثلا:تريد أن تذهب إلى إسطنبول، أو تُرسَل إليه، ومن مكانك إليه طريقان؛ يمينا وشمالا متساويان قصرا وطولا، متخالفان نفعا وضرا الصور وكلفةً. ففي جانب اليمين نفعٌ عظيم بإجماع أهل الشهود والاختصاص بلا ضررٍ وبالاتفاق، وحملُ سلاح ومِزوَدِ زادٍ بمقدار مَنّ، مع خلاص الروح والقلب من ثِقلة حمل المنّة والخشية]: الغن هما في ثقلة الجبال.. وفي اليسار ضرر بشهادات ملايينَ من أهل الخبرة والشهود، وبلا نفع باتفاقِ الموافقين والمخالفين، مع خفةٍ ظاهر في طرح السلاح الصارم اللازم، وترك الزاد الألذّ الألزم. لكن حَمَل [٭]: أي السالك قد حمل على ع المتو على عاتق روحه بدلَ "قيتي" [٭]: مقياس للوزن يساوي (١٢٨٢ غم). السلاح قناطيرَ الخوف، وعلى ظهر قلبه بدل أربع "حقات" [٭]: أو أوقية: مقياس للوزن القدين جنة زاد مائة مَنٍّ من المِنّة. إذ قد يخبر الشاهدون الصادقون أن الذاهبين بيُمن الإيمان في اليمين في أمنٍ وأمان في مدة سيرهم، وإذا وصلوا إلى البلد حصل لتسعةٍ من العشرة نفع عظيم وربح جسيم. وأن الماشين بشؤم الضلالة والبطالة والبلاهة في اليسار، لهم َارِ ع سيرهم اضطرابٌ عظيم من الخوف والجوع، يتنیزل الماشي لكل شيء لخوفه في ضَعفه في عجزه، ويتذلّل لكلِّ شيءٍ لاحتياجه في فقره. وإذا وصلوا إلى البلد يُحْبَسون أو يُقتَلون لا ينجو إلّا واحد أو اثنان. فمَن الستةى عقلٍ لا يرجِّح ما فيه احتمالُ الضرر، على ما لا ضرر فيه لأجل خفةٍ قليلة. فكيف يرجِّح ما فيه أعظم الضرر من المائة بتسعة وتسعين احتمالا، على ما فيه أَعظم الت بشهاسعة وتسعين احتمالا لأجل خفّة جزئية في الصورة، مع ثقلةٍ كلّيةٍ في الحقيقة؟
أما المسافر فأنتَ، وأما إسطنبول فعالم البرزخ والآخرة، وأما الطريق الأيمن، فطريق القرآن الآمر بالصلاة بعد الإيمان. وأما الطريق الأيسر، فطريق أهل الفسق والطل المموأما أهلُ الخبرة والشهود، فالأولياء المشاهدون؛ إذ ذو الولاية ذو ذوق شهودي في الحقائق الإسلامية، فما يعتقده العامي قد يشاهده الولي. وأما السلاح والزاد، ففي ضمن التكليف المتضمِّن للعبودية المتضمّكالهواصلاة المتضمنة لكلمة التوحيد المتضمنة لنقطتي الاستناد والاستمداد المتضمنتين للتوكل على القدير الحفيظ العليم وعلى الغني الكريم الرحيم..
فخلْرَةَ التنیزل والتذلل لكل شيء له فيه جهة ضرٍّ أو نفع. إذ "لا إِلهَ إِلَّا اللّٰه" يفيد أن لا نافعَ ولا ضار إلّا هو ولا نفعَ ولا ضرَّ إلّا بإذنه.
— 360 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وما هذه الحَيَاةُ الدُّنيَا لك الالَهْوٌ ولَعِبٌ وَاِنَّ الدَّار الآخِرةَ لَهِيَ الحَيَوانُ
(العنكبوت:٦٤).
اعلم [٭]: الدرس الخامس من "المدخل إلى النور" و"الكلمة الرابعة" تكشف دقائق هذا المثال. أيها السعيد المسافر إلى الشيب، إلى القبرالات أالحشر، إلى الأبد! إن ما أعطاك مالكُك من العمر لتحصيل لوازمات الحياتين بقدر الطول والقصر، قد ضيعتَه كلَّه في هذه الحياة الفانية التي هي كقطرة سرابٍ بالنسبة إلى البحر، فإن كان لك عقل فاصرف نصفَه أو ثلثه لا أقل عُشرَه للباقية. ومن العجائب أن لى البمثلك مِن أحمق الناس هو عاقل ذو فنون.
مثلا: هل تَرى أحمقَ من عبدٍ أعطاه سيدُه أربعة وعشرينَ دينارا وأرسله من "بوردور"، إلى "أنطالية"، [٭]: أسماء مدن تقع جنوبي تركيا. إلى "الشام"، إلى "المدينة"، إلى "اليمن". وأمره أن يصرف تلك الدنانير في لإسراءت سفره، لكن إلى "أنطالية"، يمشي راجلا له نوع اختيارٍ، لو لم يصرف شَيئا لوصل أيضا. ومنها إلى سائر منازله لا اختيار له، إن اشترى وثيقةً لركب سفينةً أو خاصيّافرا" [٭]: شمندوفر: القطار. أو طيارةً وقطع مسافة شهرٍ في يومٍ. وإلا لذهب ماشيا طريدا تائها وحيدا. مع أن ذلك السائح الأبله صرف ثلاثة وعشرين دينارا في مسافة يومين! فقيل له: فلا أقلَّ فاصرف الواحد ما اسالسفر الطويل، يمكن أن يرحمك سيدُك. فقال: لا أصرف لاحتمال عدمِ الفائدة. فقيل له: فيا للعجب لبلاهتك إلى هذه الدرجة! كيف يفتيك عقلُك أن ترمي نصفَ مالك في قمار "البيانكو" [٭]: البيانكو: اليانصيب.ليهم هثمانية وأربعون دينارا، مع اشتراكِ ألفِ إنسان برجاء الظفر بألفِ دينارٍ، باحتمالٍ واحد من ألفِ احتمالٍ. فكيف لا يفتيك هذا العقلُ بأن تعطي جزءًا واحدا من أربعة وعشرين جزءًا من مالكَ لتظفر بكنوزٍ لا ، خفةًها بتسعمائة وتسعة وتسعين احتمالا بشهادات ملايين من أهل الخبرة والاختصاص. مع أنه يُهتم في مثل هذه المنفعة الجسيمة بإخبارِ واحدٍ عامي، فكيف بإخباراتِ شموس البشر ونجومه المتواترين، وأهلِ الشهود الذين يُرجَّح اثنان من مثبتي أهل الشهود على أل (ت: ١افين المنكرين، كما يرجَّح شاهدان لهلال رمضان على ألوف المنكرين لرؤيته.
— 361 —
أما العبد المسافر فأنت. وأما "بوردور" فدنياك. وأما "أنطالية" فالقبر. وأما "الشام" فالبرزخ. وأما "بآلامٍ فما بعد الحشر. وأما الدنانير الأربعة والعشرون، فأربعٌ وعشرون ساعة في عمر اليوم، تَصرِف ثلاثا وعشرين ساعةً لمصالح الحياة الفانية؛ وتتهاونُ في صرفِ ساعةٍِلْجَمٍ في أداء خمس صلوات التي هي مِنْ أَلْزَمِ الزاد في السفر الطويل!
هذا التمثيل لبيان سر من أسرار الآية الكريمة:
وَاُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتقين ٭ وَبُرّزَتِ الجحيمُ لِلْغاوينَ
(الشعراءمن عضو).
اعلم [٭]: البحث خلاصة "الكلمة الثامنة" والدرس الثاني من "المدخل إلى النور". يا أيها الغافل التارك للدين في طلب الدنيا! أحكي لك حكايةً تمثيليةً، فيها مثالُ قِالبديعحقائق الدنيا والدين.
كان فيما غبرَ من الزمان أخوَان، فذهبا إلى أن انقسم الطريق طريقين: في أحداهما كلفةُ اتّباع القوانين، وفي الأخرى لا كلفةَ في الظاهر.. فذو الخُلق الحَسن اختا نفسَك اليمين مع الكلفة الخفيفة. وذو الخُلق السيئ اختار جانب اليسار مع الخفة الثقيلة. فذهب ذو الشمال فيما بين القِفار إلى أن دخل صحراءَ خالية فسمع صوتا هالعالم رأى أسدا مدهشا يهجم عليه، ففرّ إلى أن صادف بئرا عميقا بستّين ذراعا، فرمى نفسه فيه، فسقط ثلاثين ذراعا فوصل يدُه إلى شجرة في جداره، ولها عِرقان؛ قد تسلطت عليهما فأرتان: بيضاء وسوداء تقطعان ومِن، ن. فنظر فيما تحته فرأى ثعبانا عظيما رفع رأسه إلى قرب رجله، وسعةُ فمه كفم البئر. ونظر في جوانبه فرأى حشرات مضرّة مؤذيةً. فنظر إلى الشجرة فرآها شجرة التين، لكن أثمرت أنواعا متفإذا ل من ثمرات الأشجار المختلفة، فبينما ضجت لطائِفُه من دهشة الوضعية، إذ تجاهلت نفسُه بالتغافل مع أنيناتِ لطائفِه، فحسِبَ -بالمغالطة- أنه في بستانٍ، فبسرّ حديثِ: "أَنَا عِنْدَ ظَنطرار إْدِي بِي" [٭]: البخاري، التوحيد ١٥،٣٥؛ مسلم، الذكر ٢، ١٩، التوبة ١؛ الترمذي، الزهد ٥١، الدعوات ١٣١؛ ابن ماجه، الأدب ٥٨. هكذا ظنَّ، فهكذا عُومِلَ. فبقى أبدا بين هذه الأهوال لا يموت ولا يحيىقارئ م المسكين -بسوء فهمه- لم يتفطن أنه لا يمكن التصادف في هذه الأمور المطلسمة.
فلنرجعْ ونترك هذا المشؤوم في عذابه؛ ولنذهب خلف الأخ الميمون المتيامن. فهذا يذهب مستأنسا بحُسن ظنه الناشئ من حُسن سيرته. انظر كيف استالبغداُسن نَظره مما
— 362 —
لم يستفد منه أخوه، إذ صادف في طريقه بستانا فيه أثمارٌ وأزهار، مع مستقذراتٍ وميتات. فتنیزّه بالمستحسنات ولم يلتفت إلى الملوَّثات كأخيه. ثم ذهب حتى دخل في صحراء خالية فسمع صوتَ الأسد الهاجم، فخاف لكن لا بدرقنطارٍه، باحتمالِ أن الأسدَ مأمورُ سلطانِ الصحراء، ففرّ فصادف بئرا بستين ذراعا فطرح نفسه فيه، فتعلق في نصفه بشجرة لها عِرقان، تسلطت عليهما فأرتان تقطعانهما، فنظر كلِّ رأى الأسد؛ ونظر تحته فرأى ثعبانا عظيما -فمه كفم البئر- تقرُب إلى رجليه، فتدهّش من الخوف لكن أدنى بمراتب من دهشة أخيه. لأنه تفطّن بحُسن ظنِّه وفهمه من تناظر كبر ليأمور العجيبة أن فيه طلسما، وأنها تحت أمر حاكم ناظر إليه يجرّبه. فتولّد من خوفه "مَرَقُ" معرفَةِ مَن هو الذي يتعرّف إليَّ ويسوقنى إلى أمرٍ من عنده. فتولد من "مرقه" محبةُ صاحب الطلسم. فنظر إلى رأس الشجرة فإذا هي تينة أثمرت أثمن يعملباينةً فزال خوفه بالكلية، وتيقن أنه تحت حُكم طلسم، إذ لا يمكن أن تثمر التينة ثمراتِ سائر الأشجار. فما هي إلا إشاراتٌ إلى ألوانِ الأطعمة التي أعدّها ذلك الملِك الكريم لضيوفه. فتولد من محبته له طلبُ ما يفتح به الطلسمتحفظ ن به الطلسم، فأُلهِمَ المفتاحَ، فنادى: تركتُ الكلَّ لك، وتوكلتُ عليك! فانشقّ الجدار، فانفتح بابٌ إلى جنانٍ نیزيهة. فرأى الأسد والثعبان انقلبا خادمَين يدعوانه إلى الدخول..
فانظر إلى تفاوت حال الأخوين: ذاك ينتظر الدخولَ في فميَا ا، وهذا يُدعى إلى الدخول في باب البستان المنوّر المزهر المثمر.. وذاك في دهشة أليمةٍ وخوف يتفطّر منه أعماقُ قلبه، وهذا في عبرة لذيذة وخوف تتقطر منه محبةٌ وحرمة ومعرفة.. وذاك في وحشةٍ ويأسٍ ويُتمٍ، وهذا في أُنسلى النجاء واشتياق.. وذاك في هدفِ تَهاجُمِ الأعداء الموحشة، وهذا ضيف يستأنس بخدام المُضيف.. وذاك يعجِّل عذابَه بأكل الثمرات اللذيذة التي أُذن في طعمها لاشتراء والكل من أنموذجها لا إلى أكلها، إذ في بعضها سمٌّ، وهذا يؤجّل الأكلَ ويلتذ بالانتظار..
فإذا تفهّمتَ دقائق التمثيل فاعرف أوجُه التطبيق: أما الأخَوَان فالروحُ المؤمن والكافر، والقلبُ الصالح والفاسق. وأم وآخر يقان فطريق القرآن والإيمان، وطريق العصيان والطغيان. وأما الصحراء فالدنيا. وأما الأسد فالموت. وأما البئر فالبدن والحياة، وأوسط العمر ستون. وأما الشجر فالعمر. وأما الفأرتان البيضاء والسوداء فالنهار والليل. وأما الثعبان فالبرزخ
— 363 —
الذي فمه القُسْتَیأما الحشرات المضرة فالمصيبات.. وأما الثمرات فالنعم الدنيوية المشابهة المذكِّراتُ لثمرات الجنة.. وأما المسمومة منها فالمحرّمات. وأما الطلسم فسرلصغير الخلقة.. وأما المفتاح فی
اللّٰه لا اِلَهَ الاَّ هُوَ الحَيُّ القَيومُ
(البقرة:٢٥٥) (أي يا اللّٰه أنت معبودي ورضاك مطلوبي) و"لا إله إلا اللّٰه". وأما تبدّلُ فم الثعبان بباب البستان؛ فلأن القبرَ الأولالقرآن والإيمانِ بابٌ إلى رحمة الرحمن في دهليز الجنان، ولأهل الضلالة والطغيان باب إلى ظلمات الوحشة والنسيان في برزخ كالزندان [٭]: الزندان: السجن. كبطن الثعبان. وأما تبدلُ الأسد المفترس فرسا مونسا؛ فلأن الموتَ للضال فراقٌه نِكَعن جميع محبوباته، وإخراجٌ له من جنته الكاذبة الدنيوية إلى زندان القبر في الانفراد. وأما للهادي فوصالٌ إلى أحبابه، ووصولٌ إلى أوطانه، وخروج من زندان الدنيا إلى بستان الجنان لأخذ أُجرة الخدمة من فضل الحنّان، المنّان السطحن الرّحمن. جل جلالُه ولا إله إلا هو.
اعلم [٭]: الدرس السادس من "المدخل إلى النور". أيها السعيد المغرور المفتخر بما لم تفعل! أنه لا حصانُ آ في الفخر والغرور؛ إذ ليس منك في نفسك إلا القصور والشر. وإن كان خيرا فهو جزئي كجزئك الاختياري، لكن بجزئك الاختياري تفعل شرّا كليا، إذ بقصورك تُسقِط ثمراتِ سائر الأسباب المتوجهه إلى مقصودك، فتستحق خسارة كليةً وخجالةً عامةً،لَّ الكستَ القضية فَتَفَرْعَنت..
مثَلُك في هذا، كمثل مغرورٍ أحمق صار شريكا لجماعةٍ في التجارة بسفينةٍ، ففعل كلُّ واحد وظيفته، فترك هو وظيفته التي بها تتحرك السفينة حتى غرقت فخسروا ألف دينارٍ، فقيل له: الحقُّ أنّ كلَّ الخسارة عليك، فقشها، ك، بل تنقسم علينا فعليَّ بمقدار حصتي. ثم في سفر آخر، فعلَ كما فعلوا فربحوا ألف دينار؛ فقيل له: فليُقسم الربحُ على رأس المال، فقال: لا، بل كل الربح لي، إذ قلتم أولا كل الخسارة عليك، فإذن كل الربح لي. فقيل له: أيها الجاهل! "الوجودُ" يتوقف عللكُمَّ كل أجزاء الموجود والشرائط. فثمرةُ الوجود تُعطى للكل، والربح وجود. وأما الخسارة فثمرةُ العدم مع أن الكلَّ ينعدم بعدم جزء واحد وبفَقد شرطٍ.
فيا أيها السعيد اسما، والشقي جسما! تُرجَع ثجَمَادلعدم على من صار سببا للعدم، فلا حقَّ لك في الفخر والغرور.
— 364 —
أما أولا:فلأن الشرَّ منك والخير من ربك.
وأما ثانيا:فلأن شرَّك كلي وخيرَك جزئي.
لقُكم ثالثا:فلأنك أخذتَ أُجرة عملك الخير قبل العمل، بل لا تساوي جميعُ حسناتك لعُشر معشار عشير ما أَنعم عليك مَن جعلك إنسانا مسلما. ومن هذا السر تكون الجنة من محض ا وَعَزوتكون جهنم عين العدل؛ إذ قد يعمل البشر بشرّه الجزئي الآنيّ جنايةً كليةً دائمةً.
وأما رابعا:فلأن الخير إنما يكون خيرا إن كان للّٰه. فإذا كان لهسا لكَوفيق منه، فالمنّة له.. فالحقُّ "الشكرُ" لا "الفخر" بالإراءة والرياء الذي يصيّر الخيرَ شرا.. فمن جهلك بهذه الحقيقة صرتَ مغرورا في نفسك، غَرورا لغيرك.. فتُسند حسنات اة إلّا إليه فيتفرعنُ في نظرك، بل تقسِّم مالَ اللّٰه وفعلَه على الطواغيت.
وكذا من هذا الجهل إسنادُك سيئاتك التي هي منك -بالنص- إلى القدَرِ فرارا م الاجتؤولية، وتملّكُك للحسنات التي هي من فيضِ فضلِ فاطرك -بالنص- إلى نفسك، لتُحمَد بما لم تفعل.. فتأدّبْ بأدب القرآن:
مَا اصَابَك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰه وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
(النساء:٧٩) فالتزم ما لَك، ولا تغصاللّٰهليس لك. وكذا تأدّب بآداب القرآن؛ بجعل جزاءِ السيئة مثلَها.. والحسنةِ عشرَ أمثالها.. فلا تُعدّي عداوتَك من المسيء بصفةٍ إلى أقاربه وإلى سائر صفاته، وتجاوزْ بمحبتك من المحسن إلىقدود..ه مع الصفح عن عيوبه. [٭]: هذه المعاني مفصّلة في المكتوب الثاني والعشرين، رسالة "الأخوة".
اعلم [٭]: "الكلمة الخامسة" والدرس السابع مبها، بدخل إلى النور". أيها السعيد الغافل الفضولي! إنك تترك وظيفتَك، وتشتغل بوظيفة ربِّك. فمِن ظلمك وجهلك تركُك لوظيفة العبودية الخفيفة التي هي في وسعتك.. وحملُك على ظهرك ورأسك وقلبك * *
ف وظيفةَ الربوبية التي تختص بمن
خَلَقَكَ فَسَوّيكَ فَعَدَلَكَ ٭ في اَيّ صُورَةٍ مَاشَاءَ رَكّبَكَ
(الانفطار:٧،٨) فالتزم وظيفتَك، وفوّشكايات وظيفته لتسعدَ وتستريح.. وإلّا صرت عاصيا شقيا وخائنا غويا. مثلُك [٭]: هذا المثال موضح في "الكلمة الثانية". كمثل نفرِ عسكرٍ له وظيفة أصلية هي التعليم المخصوص، والحرب والجهاد، والسلطان مُ مع الفي هذه الوظيفة بإحضار
— 365 —
لوازماتها، ولسلطانه وظيفةٌ مخصوصة هي إعطاء أرزاق ذلك النفر وتعييناته ولباسه حتى دوائه.. لكن قد يَستخدم النفرَ في وسائل هذه الوظيفةيك فيكبحساب الدولة.
ومن هذا السر؛ إذا قلتَ لنفر يطبخ طعامه: ما تفعل؟ يقول: أفعل سُخرةً "وعنقرةً" [٭]: عنقرة: كلمة مستعملة بالتركية أصلها يوناني، وهي تعني العمل مجانا من دون رغبة ولا أجرة. للدولة، ولا يقول أعمل لرزقي.. لعلمه أنزءا يسمن وظيفته، بل على الدولة حتى أن تُدخل اللقمةَ في فمه، إن لم يقتدر بالمرض مثلا. فالنفر المشتغل بالتجارة لتَدارُك رزقه جاهلٌ شقيّ يُزيَّف [٭]: بمعنى: يهان ويحقر. ويؤدّب.. والتي حالٍتعليم والجهاد خائن عصيّ يُضرَب ويُعنَّف.
فيا سعيد الشقي! أنت ذلك النفر، وصلاتُك هي تعليماتك. وتقواك -بترك الكبائر ومجاهدتُك مع النفس والشيطان- هي حربُك. فهذه هي غاية فطرتك لكن اللّٰه هو الموفِّق المعين. وأما رزقُك وإدامةُ حي والموا يتعلق بك من الأموال والأولاد، فهي من وظيفة فاطرك، لكنه قد يستخدمك في وسائلِ قرعِ أبوابِ خزائنِ رحمته بالسؤال الفعلي أو الحالي أو القالي، وقد يستعملك في الذهابتُ الكمسالك التي توصلك إلى مطابخ نعمته، فتطلب بلسان الاستعداد أو الاحتياج أو الفعل أو الحال أو القال ما عيّن وَقدّر لك..
فما أجهلَك في اتهامك -في حق رزقك- مَن رزقك أطيب الرزق، وأنت طفليّرة عبلا اختيار ولا اقتدار ويرزق كل دابة لا تحمل رزقها وهو السميع العليم القدير الغني الذي جعل الأرض في الصيف مطبخةً لضيوفه يفيض فيوضه في ظروف الرياض، ويملأ أواني الأشجار بلذيذات الأطعمة.. الجوا بحسابه وباسمه وبإذنه فيما استعملك فيه بعد إيفاء وظيفتك الأصلية.. فإذا تعارضا فعليك بوظيفتك فتوكل عليه، وقُلْ: حَسْبِيَ اللّٰه ونِعْمَ الوَكيلُ، نِعة والرْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصير.
* * *
— 366 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَاِذا سَاَلَكَ عِبادي عَني فَانّي قَريبٌ اُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذا دَعَانِ
(البقرة:١٨ن الشما
اُدْعُوني اَسْتَجِبْ لَكُمْ
(غافر:٦٠)
وكذا
قلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبّي لَوْلا دُعاؤكُم
(الفرقان:٧٧).
اعلم [٭]: الدرس الثامن من "المدخل إلى النور" وموضح في ة لما ة الثالثة والعشرين". يا مَن يدّعي أنه يدعو ولا يُجاب! إن الدعاء عبادةٌ. وثمرةُ العبادة في الآخرة. وأما المقاصد الدنيوية فأوقاتُ تلك الأدعية التي هي عبادات مخصوصة.
فكما أن الغروبَ وقتُ صلاة المغرب. والخسوف والكسوف وقتُ صلاة الكسولمدد م غايةٌ لهما، وانقطاعَ المطر؛ وقتُ صلاة الاستسقاء، لا أن الصلاة وُضعت لنیزول المطر، بل هي عبادةٌ لوجه اللّٰه تدوم مادام لم ينیزل، وإذا نیزل المطر انقضى وقتُها.
وكذا، تسلّطُ لجماعةين ونیزولُ البلايا أوقاتٌ لأدعيةٍ مخصوصة تدوم مادامت هي، فإن رُفعت بها فنورٌ على نور، وإن لم تُرفَع لا يُقال: لم يُقبَل الدعاء، بل: لم ينقضِ وقتُ الدعاء.
وأما وعد الإجابة في اُدْعُوني اَسْتَجِب لَكُمْ فالإجابة غيرُ قبول الدعاء بعينها، بلوالمحابُ دائمي، وإسعافُ الحاجة تابعٌ لحكمة المُجيب.
مثلا:تقول لطبيبك: يا حكيم! فيقول: لبيك مجيبا.. فتقول: أعطني هذا الطعامَ أو الدواء. فقد يعطيك عينَ ما طلبت أو أحسنَ منه، وقد يمنعُك بضرورةٍ في مرضك. ومن أسباب عدم قبول الدعاء ظنُّ كونِ الدعاعليك س المقاصد الدنيوية. مثلا: يُظن صلاةُ الاستسقاء موضوعةً للمطر فلا تكون خالصةً فلا تُقبل.
اعلم أن بالانقلاب ينفرجُ وادٍ معنويّ بين الطرفين، فلابد من جسر ممدود فيه مناستجربة العالَمين ليمرَّ عليه بالتعرِّي والتلبّس من هذا العالم إلى ذلك العالم. لكن الجسر له أشكالٌ متخالفة، وماهيات متباينة وأسماءٌ متنوعة باعتبار أجناس الانقلابات وبُعد مقام المنقلَب إليه عن نوع المنقلِب. فال في كيسرٌ بين عالم اليقظة والمثال. والبرزخ جسر بين الدنيا والآخرة.
— 367 —
والمثال جسر بين العالم الجسماني والروحاني. والربيع جسر بين الشتاء والصيف. وأما في الحشر فليس فيه واحد، بل تندمج فيه انقلاباتٌ كثيرة عظيمة فجسرُهاإذعان وَأعوج وأغرب!
اعلم أن في إكثار ذكر القرآن لمآل الَيْهِ مَرْجِعُكُمْ (الأنعام:٦٠) ثمّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ (البقرة:٢٨) وَالَيْهِ الْمَصيرُ (المائدة:١٨) واليه مَآب (الرعد:٣٦) بشارةً عظيم أن تعليةً جسيمة -وإن تضمنت للعاصي تهديدا- إذ تقول هذه الآياتُ للناس: إن الموتَ والزوال والفناء والفراق من الدنيا ليست أبوابا للعدم والسقوط في ظلمات الفناء والانعدام، بل هي أبوابٌ لبإجماعوالذهاب إلى حضور سلطان الأزل والأبد. فهذه الإشارة تُنجي القلبَ من دهشة ألَمِ تصوُّر تَمزُّقِهِ مع جميع محبوباته بين أيدي عدَمَات هائلة غير متناهية، والتفرّق بين أنيابِ فرب مبيندهشة. فانظر إلى دهشة جهنّمَ المعنويةِ المندمجة في الكفر!
إذ بسرِّ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي" ظنَّ الكافرُ هكذا.. فصَوَّرَ فاطرُه ظنَّه عذابا أبديا عليه.. ثم انظر إلى درجةِ تفوّق لذة اليقين بلقاكل والٰه حتى على الجنة، ثم بعدَه مرتبةُ الرضاء، ثم بعده درجة الرؤية، حتى إن جهنم الجسمانية للمؤمن العارف العاصي كالجنة بالنسبة إلى جهنم المعنوية للكافر الجاهل بخالقه. ولو لم يكن من البعلى فمالغير المحصورة للبقاء ووسائله، إلا "تضرّعاتُ حبيب المحبوب الأزلي" وقد اصطف خلفَه في تلك الصلاة الكبرى صفوفُ الأنبياء وصفوفُ الأولياء مؤمِّنين على دعَواته ومناجاته، لكَفَتْ وسيلةً وبرهانا. أيمكن أن يوجد في هذا الحُسن الأبدع الأجمل، وا أن منالأبرع الأكمل هذا القبحُ الأعجَبُ والنقصُ الأغرب؟ أي بأن لا يَسمعَ مَن يَسمع أخفى هواجسِ الحاجات، لِأخفى المخلوقات بدليل قضائها في أوقاتها اللائقة، وأن لا يَقبلَ أرفعَ الأصوهُ موحاعدة من الفرش إلى العرش، وأحلى المناجاة، وأعظمَ الدعوات، في أشد الحاجات..؟ كلا ثم كلا.. هو السميع البصير.
نعم، هذه المعاملة من أوسع مراتب شفاعته عليه الصلاة والسلام وكونه رحمةً للعلى وجه
اعلم أنه كثيرا ما أُصادف الغافلين وهم يتحججون بمسألة القَدر، ويتعمقون في مسألة الجزء الاختياري، وخَلق الأفعال.. مع أنهم بلسان غفلتهم ينكرون القدر رأسا ويعطون الأزمّة ليد التصادف، يتوهمون أنفسَهم فاعلين على اى ويتظ، ويقسّمون مالَ اللّٰه وصُنعَه على أبناء جنسه وعلى الأسباب. فالنفسُ الكافرة أو الغافلة في وقت الغفلة تسلب الكلَّ باطنا وإن أثبتت ظاهرا. والمؤمنةُ العارفة تثبت الكلَّ له إيمانا وإذعانا؛ فهاتان المسألتان في الكلام،
— 368 —
غايتان لحدود التوك عن ألإيمان، ولمراقي التوحيد والإسلام، لأهل الصحو والحضور من العارفين، وبرزخٌ حاجز. [٭]: وبرزخ حاجز لأهل الغفلة. فأين أنتم أيها الغافلون المتفَرعنون فير كثيرتكم، وأين التحقق بهاتين المسألتين؟ فإن ترقيتَ في المَحويّة والعبودية إلى درجة نفي الجزء الاختياري، وإلى مقام إحالة كل شيء على القَدرِ، فلا بأس عليك، إذ فيك نوعٌ من السُّكر؛ إذ هما حينئذٍ من المسائل الإيمانية الحالية، لا العلمية التصورتضي ال اعلم [٭]: المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين" توضح هذا البحث. أن التواضعَ قد ينافي تحديث النعمة. وقد ينجرُّ تحديثُ النعمة إلى الكِبر والغرور، فلابد من الدقة واللصانع؛وترك الإفراط والتفريط.
وللاستقامة ميزان وهو أن لكل نعمةٍ وجهين: وجهٌ إلى المُنعَم عليه فيزيّنه ويميّزه ويتلذذ به، فيفتخر، فيقع في السُّكر فينسى المالك، فيتملّك، فيظن الكمالَ بمُلكه الذاتي، فيتكبر بما لا حقّ له فيه.. ووجحجرات:ر إلى المنعِم فيظهر كرمَه، ويُعلن رحمته، وينادي على إنعامه، ويُشهد على أسمائه. وهكذا مما يتلو من آيات جلواته في إنعامه. فالتواضع إنما يكون تواضعا إذا نظر إلى الوجهَن فيه، وإلّا تضمن كفرانا. وتحديثُ النعمة إنما يكون شكرا معنويا وممدوحا إذا نظر إلى الوجه الثاني، وإلا تضمن تمدحا وغرورا.
يا يوسف الكشرى! [٭]: الكلام ميارات،ى "ملا يوسف" أحد طلاب الأستاذ النورسي القدامى. إذا تلبستَ بلباس فاخر غالٍ لأخيك يوسف الكيشي، فقال لك سعيد: ما أحسَنك! فقل: الحُسن للّباس، لا ليَانِ هرَ متواضعا في التحديث.
اعلم أن عِرقَ الرقابة والغبطة والحسد إنما يتحرك عند أخذ الأجرة وتوزيع المكافأة وملاحظتِها. وأما عند الخدمة وفي وقت العمل فلا، بل الأضعفُ يحبُّ الأقوى، والأدنى يميل إلى الأعلى، ويستحسن تفوّقَه السلوكويحب زيادته في الخدمة عليه؛ لأنه يتخفف عنه ثقلُ الخدمة وكلفةُ العمل. فإذ كانت الدنيا دار خدمة وعمل فقط للأمور الدينية والأعمال الأخروية، لابد أن لا يتداخل فيها افشرع يُ والحسدُ، وإذا تداخلت فيها الرقابة يظهر عدمُ الإخلاص، وأنّ العامل في تلك الأعمال يلاحظ مكافأةً دنيوية أيضا، وهو تقديرُ الناس واستحسانُهم. ولا يعرف المس المَونه بهذه الملاحظة أبطلَ عملَه -بدرجةٍ- بعدم الإخلاص بتشريك الناس برب الناس في إعطاء الثواب، وأضعفَ قوتَه بتنفير الناس عن معاونته.
— 369 —
اعلم أن معنى الكرامة مباينٌ لمعنى الاستدراج، إذ الكرامةُ كالمعجزة فعلُ اللّٰه.. ويتفطّن صاحبُها أنها كلمة احانه، وليس من نفسه، ويطمئن بأنه حامٍ له رقيبٌ عليه يختار له الخير. فيزداد يقينا وتوكلا. فقد يشعر بتفاصيل الكرامات بإذن اللّٰه، وقد لا يشعر وهذا أولى وأسلمُ. كأنْ أنطقه اللّٰه بما في قلب أمل المو مثّله له يقظةً لهدايته، وهو لا يعلم ما يفعل اللّٰه به لعباده.
وأما الاستدراج فينكشف له صورةُ الأشياء الغائبة وهو في غفلة، أو يعمل أفعالا غريبة، وهو مستند بنفسه واقتداره فيزدادُ بُعدا وأنانية وغرورا.ِضُعفِ: انَّماَ اوتُيتهُ عَلَى عِلْمٍ (القصص:٧٨) وانكشف لي بصفاء نفسي وضياء قلبي.. فلا التباس بين أهل الاستدراج وأهل الولاية في الطبقة الوسطى.
وأما مظهر الفناء الأتمِّ من أهل "موتَة العليا المنكشف لهم بإذن اللّٰه الأشياءُ الغيبية، فيرونها بحواسّهم التي هي للّٰه [٭]: كما جاء في الحديث الشريف "... فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها..وم لدىاه البخاري). فالفرق أظهرُ؛ إذ نورانيةُ باطنِهم المترشحةُ إلى الظاهر أرفع من أن تلتبس بظلماتِ من يرائي ويدعو إلى أنانيته.
وان من شيء الاّ يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤).
اعلم [٭]: "الكلمة الرابعة والعشرون - الغصالحمد.بع" توضيح واف لهذه المسألة. أن التسبيح والعبادة على وجوه غير محدودة في كل شيء، ولا يلزم شعورُ كل شيء بكل وجوه تسبيحاته وعباداته دائما. إذ لا يستلزم القصير بالحضورَ؛ [٭]: أي لا يستلزم حصول التسبيح جمعَ النفس وبلوغها تمام اليقظة عند التسبيح. مثَلُ ذلك كمثل أجير جاهل يعمل في سفينة لمالكها الذي استأجره ليجسَّ بإصبعه علىوفريدُسامير "الألكتريكية" في بعض الأوقات، ولا يعرف الأجير ما يترتبُ على عمله من الغايات الغالية. وإنما يعرف ما يعود إلى نفسه من الأجرة ولذةِ المكافأة. حتى قد يتوهمُ أنّ وضعَ هذا العمل ليس إلاّ لهذه اللذة.. كمَثل الحيوان الذي لا يعرف م وهناكت الازدواج إلّا لذّةَ قضاء الشهوة، ولا يضرّ جهلُه هذا -ولا يمنع- من حصول النسل الذي هو غايةٌ من الغايات المطلوبة لمالكه. كمثل النمل ينظّف وجهَ الأرالفاعلنائز الحُوينات، مع أنه لا يعرف إلّا تطمين حرصه.. أو كمثل العنكبوت الذي يزيّن وجهَ الفضاء، ورؤوس النباتات والأحجار بخيوط حريره المتلمّعة بالضياء للمسابقة مع الهوام في سي تصفُ اء ولا يعرف إلّا نسج مصيدته، ومدَّ ما يطير
— 370 —
به ليمرَّ عليه.. وكمثل الساعة تُعرِّفك عددَ ما انقضى من عمرك اليومي، وهي لا تعرف إلّا زوال ألم تضييق أمعائها.. [٭]: المقصود حركة النابض وانفتاحه التدريجي. وكمثل النحل صن.. وتمنع بحلاوة الوحي المندمج في لذّته الخاصة.. وكمثل الوالدات النباتية والحيوانية والإنسانية إنما تعمل للذة الشفقة، ولا تخل جهالاتُها بالغايات بحصول تلك الغايات التي زيّنموسى ع الكائنات. بل كأن تلك الشفقة نواةٌ ومِسطَر لتلك الغايات.
ويكیفي المیسبّحين العابديین علمُهم بكیيفية عملهم فیقط. كما قال عز وجل:
كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه
(النور:٤١). ولا يلزمهم علمُهم بكون عَمَلهم تسبيحالضياء،ا هكذا، وشعورهم بصفة العبادة المعينة. ويكفيهم شعورُ سائر إخوانهم المتفكرين بما في أعمالهم من لطائف العبادات وغرائب التسبيحات. بل يكفي علمُ المعبود المطلق فقط. وإذ لا ابتلاء بالتكليف لا فيستعب "النية" فلا يلزم شعورُهم بوصف عملهم. على أن تلك المصنوعات في الأصل كلماتُ تسبيحاتٍ أفادت معانيَها ثم صارت تلك الكلماتُ مسبّحاتٍ بألسنتهُنْ فَتها. وفي تلك الكلمات مسبحاتٌ أخرى. وفي هذه أيضا مسبّحات صغار، وفيها أيضا مسبحات أصاغر وهكذا، إلى ما شاء السبّوح القدّوس جلّ جلالُه ولا إله إلّا هو.
اعلم أن ما أُرسل إليك وزيّنك من الرأس إلى القدم من أشتات اد عليّ والمحاسن واللطائف إنما تمرّ "بميزانٍ" من خلال حُجبٍ متباينة، وتتسَلَّلُ "بنظام" من بين لفائفَ متخالفةٍ، وتتوجه إليك "بالانتظام" من خلف طوائفَ متضادة.
اعلم أن في النفس أمرا لطيفا كدرهم من وَرِق رقيق، أظن أنه مرصاد الأبد؛ إذ ما عم النشيء إلّا ويعطيه حُكمَ الأبد ويموّهه بوَهم الأبدية، وإذا استعمله الهوى والهوس، صار آلةً تجلب أحجارَ الآخرة وأساساتِها إلى الدنيا، فيبنى قصرها عليها، فيأكل أثمارَ الآخرة بلا نضج في الدنيا الفانية.
اعلم أن النفسَ شيءٌ عجيبية والزُ آلاتٍ لا تُعد، وموازين لاتحد، لدَرك جلواتِ كنوز الأسماء الحسنى إن تزكّت.. وكهفُ حيّاتٍ وعقارب وحشرات، إن دسَّت وطغت. فالأَولى-واللّٰه أعلم- بقاؤها لا فناؤها؛ فالبقاءُ مع التزكية -كما سلكت عليه الصحابةُ- أوفقُ بسر الحكمة من موتها الأتذي لا سلك عليه معظم الأولياء.
— 371 —
نعم، إن في جرثوم [٭]: أي أصله. النفس جوعا شديدا، واحتياجا عظيما، وذوقا عجيبا. وإذا تحوّل مجرى سجاياها،بلطائف حرصُها المذموم اشتياقا لا يشبع، وصار غرورُها المشؤوم وسيلةَ النجاة عن جميع أنواع الشرك، وتحول حبُّها الشديد لنفسها وذاتها؛ حبا ذاتيًّا لربها وهكذا.. حتى تنقلب سيئاتُها حسناتٍ.
هُول.
م أنه كما أن قيمةَ الإنسان المؤمن قيمةُ ما فيه من الصنعة العالية، والصبغة الغالية ونقوش جلوات الأسماء، وقيمةَ الإنسان الكافر أو الغافل قيمةُ مادته الفانية الساقطة.. كذلك قيمةُ هذا العالم تزيد في بطناية -إن نُظِر إليه بالمعنى الحرفي وبحسابه سبحانه- كما علَّم القرآن. وتسقط قيمتُه إلى درجة المادة المتغيرة الجامدة -إن نُظِر إليه بالمعنى الاسمي وبحساب الأسباب- كما علَّمَتْه الحكمةُ الف له وج
فالعلم المستفاد من القرآن المتعلق بالكائنات؛ أعلى وأغلى بما لا يُحدّ من العلم المستفاد من فنون الفلسفة.
مثلا:يقول القرآن: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (نوح:١٦) فيهَا يف يفتح بهذا الحُكم لفهمك مشكاةً إلى سلسلة جلوات الأسماء. أي أيها الإنسان! إن هذه الشمس بعظمتها مسخَّرةٌ لكم، ونورٌ لبيتكم، ونار لإنضاج مطعوماتكم بأمرِ مَن يربدا.. فلكُم مالكٌ رحيم، عظيم القدر بدرجةٍ ما هذه الشموس إلا مصابيح له أُسرجت في منیزل معدّ للمسافرين فيما بين منازله الباقية، وهكذا فقس.
وأما ما تقول الحكمة من أن "الشمس نارٌ عظيمة متحركة على نفسها تطايرت منها أرضُنا وسيارات هي منظوماامة كتارتبطت بالجاذبة جاريةً في مداراتها".. فلا تفيدك إلّا حيرةً في دهشة، وعظمة صماء، وحكمة عمياء.
اعلم أنه لا حقَّ لك في أن تطلب حقا من الحق سبحانه، بل حقٌّ عليك أن تشكره دائما؛ إذ له الملك وِ
— 372 —
اَللّٰهمَّ يا ربَّ محمد المختار، يا رب الجنة والنار، يا رب النبيين والأخيار، يا ّٰه مَديقين والأبرار، يا رب الصغار والكبار، يا رب الحبوب والأثمار، يا رب الأنوار والأزهار، يا رب الأنهار والأشجار، يا رب الإعلان والإسرار، يا رب الليل والنهار! نُشهدكالإجماد حملةَ عرشك، ونُشهد جميع ملائكتك، ونُشهد جميع مخلوقاتك، بشهاداتِ جميع أنبيائك وبشهادات جميع أوليائك، وبشهادات جميع آياتك التكوينية والكلامية، وبشهادات جميع مصنوعاتك، وبشهادات ذرات الكائنات ومركباتها، وبشهادات حبيبك عليه أفضل صلواتكا الإنضمِّنة شهادتُه لجميع تلك الشهادات، وبشهادات قرآنك، بأنّا كُلَّنا نَشهد بأنك أنت اللّٰه الواجب الوجود، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحق المبين، الحي القيوم، لزمةٌ الحكيم، القدير المريد، السميع البصير، المتكلم، لك الأسماء الحسنى. ونَشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد، ونستغفركذات، و إليك.. وكذا نشهد بأن محمدا عبدك، ونبيك، وحبيبك، ورسولك، أرسلته رحمةً للعالمين.. فَصَلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه أبد الآبدين آمين آمين آمين..
في بيان جوهرة من كنوز آيةِ
ومَاخَللّٰه الْجِنَ والانْسَ الاَّ لِيَعْبُدونِ
(الذاريات:٥٦).
اعلم [٭]: الدرس العاشر من "المدخل إلى النور" وهو خلاصة "الكلمة الحادية عشرة" ونواتها. يا أيها السعيد الناسي لنفسك ولوظيفة حياتك! الغافِلُ عن حكمة خِلقة الإنسان،لحياة لُ بما أودع الصانعُ الحكيمُ في هذهِ المصنوعات المزيَّنة! أن مَثَل بناء هذا العالم وإدخال العالم الإنساني فيه، كمثل سلطان له خزائن فيها أصناف االنظر ، وله كنوزٌ مخفية، وله مهارةٌ في صنع الغرائب، وله معرفةٌ بعجائبِ فنونٍ لا تعد وبغرائبِ علوم لا تحد. فأراد ذلك الملك أن يُظهر على رؤوس الأشهاد حشمةَ سلطنتِهِ وشعشعةَ ثروته وخوارقَ صنعتِه وغرائبَ معرفته، أي أن يشهَد كمةَ جداجمالَه وجلالَه المعنوية بالوجهين؛ بنظره، ونظر غيره.
فبنى قصرا جسيما ذا منازل وسرادقات. فزيّنها بمرصّعاتِ جواهر كنوزه، ونَقَشَها بمزينات لطائف صنعته، ونظّمها بدقائق فنون حكمته، ووسَمها بمعجزات آثار علومه، وفرش فيها سُفرةَ لذيذاتِ نعمه ونعمأشياء كذا مما يَظهر بمثله الكمالاتُ الخفية. فدعى رعيته للسير والتنیزّه، وأضافهم بضيافة لا مثل لها، كأن كل لقمة منها أنموذجُ مئاتِ صنعةٍ لطيفة. ثم عيّن أستاذا لتعريف ما في ذلك القصر من رموزِ تلك النقوش وإشاراتِ تلك الصّنائع،
— 373 —
ووجوهبادات ت تلك المرصعات المنظومات والجواهر الموزونات على كمالات صاحبها، ولتعليم الناس آدابَ الدخول والمعاملات مع صانع القصر، فيقول لهم:
أيها الناس! إن مليكي يتعرف إليكم بإظهار ما في هذا، فاعرفوه.. ويتودَّدُ إليكم بهذهُحب أنينات، فتودَّدوا إليه بالاستحسانات.. ويتحبَّب إليكم بهذه الإحسانات، فأحبّوه.. ويرحم إليكم، فاشكروه.. ويتظاهر إليكم فاشتاقوا إليه. وهكذا مما يليق بمثله أن يقول للداخلين. فدخل الناس فافترقوا فرقتين: ففريق نظر إلى ما فيأجمع م، فقالوا: لهذا شأن عظيم، فنظروا إلى المعلم الأستاذ فقالوا: السلام عليك! لابد لمثل هذا، من مِثلِكَ.. فَعَلِّمْنَا ممّا علَّمك سيدُك.. فنَطق فاستماثيل فاستفادوا فعملوا بمرضيات الملِك.. ثم دعاهم الملك لقصر خاص لا يوصَف، فأكرمهم بما يليق بمثله لمثلهم في مثل ذلك القصر..
والفريق الآخر: ما التفتوا إلى شيء غير الأطعمة، فتعامَوا وتصامُّوا، فأكلوا أكلَ تك به م فتناموا، وشربوا من الإكسيرات التي لا تُشرب، فسكروا فتنهقوا، فشوشوا على الناظرين، فأخذهم جنودُه فطرحهم في سجن يليق بهم.
وأنت تعلم أن الملك لما بنى هذا القصر لهذه المقاصد، وحصولُ هذه المقاصد مربوإذ التود هذا الأستاذ، وباستماع الناس له.. يحقّ أن يقال: لولا هذا الأستاذ لَما بنى الملكُ القصر، وإذا لم يستمع الناس لتعليمات الأستاذ المبلِّغ يخرب القصر ويبدَّل.
وإذا تفطنت لسر التمثيل فانظر إلى صورة الحقي الحقيما القصر فهذا العالم الذي نُوّر سقفُه بمصابيح متبسمة، وزُيّن فرشُه بأزاهير متزينة. وأما الملك فهو سلطان الأزل والأبد الذي
تُسَبحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ والارْضُ وََمَنيغيب عنَّ وانْ مِن شَئٍ اِلاَّ يُسَبحُ بحمدِهِ
(الإسراء:٤٤)..
اللّٰه الذَّي خَلَقَ السَّمییواتِ والارضَ في سِتَّةِ ايّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْش يُغشى اللَّيْلَ النَّهار يَطْلُبُهُ حَثيثاَ والْشَمْسَ و سبحانرَ والْنُجُومَ مُسَخَّراتٍ بِاَمْرِهِ
(الأعراف:٥٤). وأما المنازل، فالعوالم المزيَّنة كلٌّ بما يناسبه. وأما الصنائع الغريبة، فهي معجزاتُ قدرته. وأما الأطعمةُ، فهي خوارق ثمرات رحمته. وأما المطبخ والتنور، فالأرللّٰه ها. وأما الكنوز المخفية وجواهرها، فالأسماء القدسية وجلواتها. وأما النقوش ورموزها، فمنظوماته المصنوعات المرموزات ودلالاتها على أسماء نقاشها. وأما الأستاذ المعلم ورفقاؤه وتد، وعل، فسيدُنا محمد
— 374 —
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي اللّٰه عنهم.. وأما حواشي الملك في القصر؛ فالملائكة عليهم الصلاة والسلام.. وأما المسافرون المدعووا سُئِر والضيافة، فالإنسان مع حواشيه من الحيوانات. وأما الفريقان، فأهل الإيمان والقرآن الذي يفسّر لأهله معانيَ آيات كتاب الكائنات. والفريق الآخر؛ أهل الكفر والطغيان التابعون للنفس والشيطان صالأتم م عميٌ هم
كَالانْعَامِ بَلْ هُمْ اَضَلُّ سبيلاً
(الفرقان:٤٤) لا يفهمون إلّا الحياة الدنيوية..
فأما السعداء الأبرار فاستمعوا للعبد الواصف لربه بی"الجوشن تُ الخ" وللمبلّغ بدلالته للقرآن الكريم. وأنصَتوا للقرآن؛ فصاروا نظّارين لمحاسن سلطنة الربوبية؛ فكبّروا مسبّحين، ثم صاروا دلالين لبدايع جلوات الأسماء القدسية؛ فسبّحوا حامدين وصاروا فاهمين بالطبع بحواسّهم لمدخرات خزائن الرحمة؛ فحمدوا شاكرين. ثم صاسليم. لمين بجواهر كنوز الأسماء المتجلية بالوزن بموازينِ جهازاتهم؛ فقدسوا مادحين. ثم صاروا مطالعين لمكتوبات قلم القدرة؛ فاستحسنوا متفكّرين. ثم صاروا متنیزّهين برؤية لطائف الفطكائناتحبّوا الفاطر مشتاقين. ثم قابلوا تَعَرُّفَ الصانع إليهم بمعجزاتِ صنعته بالمعرفة في الحيرة فقالوا: "سبحانك ما عرفناك حق معرفتك يا معروفُ، بمعجزات جميع ميك اشتك.." ثم قابلوا تودّدَه إليهم بمزينات ثمرات الرحمة بالمحبة. ثم قابلوا تعطّفه وتعهّده لهم بلذائذ نعَمه بالمحمَدة والشكر، فقالوا: "سبحانك ما شكرناك حقَّ شكرك يا مشكورُ، بأَثْنِيَةِ جميع إحساناتك علوسي ٨/ الأشهاد، وبإعلانات جميع نعمك ولذائذها في سُوق الكائنات، وبشهاداتِ نشائدِ منظوماتِ جميع ثمرات رحمتك ونعمتك لدى أنظار المخلوقات". ثم قابلوا إظهاره لكبريائه وكمالهِ وجمالهِ وجلالهِ في مظاهر الكائنات ومرايا الموجودات السيالة؛ بالسجود في المحَّيْرِالحيرة في المحوية. ثم قابلوا إراءته وُسْعةَ رحمته وكثرةَ ثروته بالفقر والسؤال. ثم قابلوا تشهيره للطائف صنعته؛ بالتقدير والاستحسان والمشاهدة والشهادة وا عندلي. ثم قابلوا إعلانَه لسلطنة ربوبيته في أقطار الكائنات؛ بالتوحيد، بالإطاعة والعبودية بإعلان عجزهم في ضعفهم وفقرهم في فاقتهم. فأَدَّوا وظائف ن الرا في هذه الدار، حتى صاروا في أحسن تقويم، أعلى من كل الخلق خليفة أمينا ذا أمانة ويُمنٍ وإيمانٍ. ثم دعاهم ربُّهم إلى دار السلام للسعادة الأبدية فأكرمهم بما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر علىهو العشر.
وأما الفريق الآخر الفجّار الأشرار، فكفروا فحقَّروا بالكفر جميعَ الموجودات بإسقاط
— 375 —
قيمتها كما مرَّ سابقا. وردّوا جميع تجليات الأسماء فجنوا جناية غير متناهية فاستحقوا عقابا غير متناه.
أيها السعيد المسكين! أتحسب فيها إفةَ حياتك حُسنُ محافظةِ النفس والتربية المدنية وخدمة البطن والهوسات؟.. أم تحسب أن غايةَ إدراج هذه الحواسّ والحسيات، والجوارح والجهازات، والأعضاء والآلات، واللطائف والمعنويات في ماكنة حياتك استعمالُها في هوَو
إنّنفس الدنية في هذه الحياة الفانية؟ كلا! بل ما حكمةُ إدراجها في فطرتك إلّا إحساسُك جميعَ أنواع نِعَمه تعالى، وإذاقةُ معظم أقسام تجليات أسمائه.
فما غاياتُها إلّا أن تزن بتلك الموازين مدخراتِ خزائنِ رحمته،م من أفتح بتلك الجهازات مخفيات كنوز جلوات أسمائه جل جلاله؛ بل ما غاياتُ حياتك إلّا إظهارك وتشهيرك بين إخوانك المخلوقات ما في حياتك من غرائب جلوات أسمائه.. ثم إعلانُك بحالك وقالك عند باب ربوبيته عبوديتَك.. ثم مفاتيُك وتزيُّنك بمرصّعاتِ جواهرِ جلواتِ أسمائه للعرض والظهور لنظر شهود الشاهد الأزلي.. ثم فهمُك لتحية ذوي الحياة بالتسبيحات لواهب الحياة، ومشاهدتُك لها، وشهادتُك ب العادشهادك عليها.. ثم فهمُك بمقياسيةِ جزئياتِ صفاتك وشؤونك لصفات خالقك وشؤونه المطلقة المقدسة.. ثم فهمُك الكلمات الموجودات الناطقات بتوحيده وربوبيته.. ثمع محانُك بأمثال عجزك وفقرك لدرجات تجليات قدرته وغناه.
وما ماهيةُ حياتك إلّا خزينةٌ وخريطةٌ وأنموذج وفذلكة ومقياس وميزان وفهرستة لغرائبِ آثارِ جلوات أسماء خالق الموت والحياة.. وما صورةُ حياتك إلّا كلمةٌ مكتوبة مسموعةخلق واة لأسمائه الحسنى. وما حقيقتُها إلّا مِرْآتِيَّتُها لتجلي الأحدية. وما كمالها في سعادتها إلّا شعورُها بما تمثَّل فيها مع المحبة والشوق لما هي مرآةٌ له، وأما سائر ذوي الحياة فيشاركونك في بعض الغايات المذكورة لكن لا يساوونك، إذ .
كالحمرآةُ الجامعة كما رُوي: "ما يسعني أرض ولا سماء ويسعني قلب عبدي المؤمن". [٭]: الحديث "ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية: وذكرُ جماعةٍ له من الصوفية لا يريدون حقيقة ظاهره من الُ الَّوالحلول لأن كلا منهما كفر، وصالحو الصوفية أعرف الناس باللّٰه وما يجب له وما يستحيل عليه، وإنما يريدون بذلك أن قلب المؤمن يسع الإيمان باللّٰه ومحبته ومعرفته. أ هی. وانظر: أحمد بنإذ أكث الزهد ص٨١؛ الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/١٥؛ الديلمي، المسند ٣/١٧٤؛ الزركشي، التذكرة في الأحاديث المشتهرة ص١٣٥؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ص٩٩٠؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/المخفي#376
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يا اللّٰه، يا رحمن، يا رحيم، يا فرد، يا حي، يا قيوم، يا حكم، يا عدل، يا قدوس
بحق اسمك الأعظم، وبحق آيات فرقانك الأحكم، صلّ على سيدنا محمد رسولك الأكرم بعدد ذرات وجودنا وبعدد علممكنادقائق عمرنا وحياتنا، وأنیزِلْ علينا وعلى -ناشر هذه المجموعة من طلاب النور- وعلى طلبة رسائل النور السكينةَ والتمكين والاطمئنان كما أنیزلت الناسأصحابِ وآل نبيّك المختار عليه الصلاة والسلام، وأنیزِل علينا وعلى طلبة رسائل النور السكينة والإيمان الخالص واليقين الكامل والنية الصادقة والمتانة ةً وقدفي خدمة القرآن والإيمان..
وآمِن فَزَعَنا بدفع البِدعِيَّات الهائلات عن شعائر الإسلام، وفرّح قلوبنا بإعلان الشعائر الإسلامية في العالم عن قريب الزمان. وسماواتسائل النور بكمال الرواج بين عالم الإسلام. وسلِّمنا وسلِّم ديننا وسلم طلبة رسائل النور من تجاوز الملحدين.. وارزقنا وارزق طلبة رسائل النور السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة. واشف أمراضنا واجعل القرآن شفاء لنا ولهم من كل داء واجعلنِالنِّلهم من الحامدين الشاكرين دائما آمين والحمد للّٰه رب العالمين.
وصلى اللّٰه على سيدنا محمد وآله وصحبه. أجمعين آمين..
* * *
— 377 —
الرسالة الحادية عشرة
[٭]: طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "نجم استقبال" بإسطنبول سنة منسوجا (١٩٢٣م).
شُعْلَةٌ
من أنوار شمس القرآن
— 378 —
اعلم أن الفاطر الحكيم إنما ركّب في وجودك هذه الحواسّ، والحسيات، والجهازات لإحساس أنواع نِعَمه، ولإذاقة أقسام تجليات أسمائه.
فما غاياتُ حياتك وما حقوقها إلّا إظهارُك لآثار تجليات أسم. فهذاتشهيرُ غرائبها لدى أنظار المخلوقات..
وما إنسانيتك؛ إلّا شعورُك بهذه الوظيفة.
وما إسلاميتك؛ إلا إذعانك بهذه المظهرية.
— 379 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد من اللّٰه.. وباللّٰه.. وعلى اللّٰه.. للّٰه.. كما يليق باللّٰه.انه فاد للّٰه على "الحمد للّٰه" بدور يدور بأنابيبَ في تسلسل وبتسلسل يتسلسل في دور دائرٍ بلا نهاية.
اَللّٰهمَّ إنا نقدّم إليك بين يَدَيْ كلِّ نعمةٍ ورحمةٍ، وبين يدي كلِّ عنايةٍ وحكمةٍ، وبين يدي كلِّ حياة ومماتٍ، وبين يدي كلِّ حيوانٍ ونباتٍ، وبيَينَاهكلِّ زهرةٍ وثمرةٍ، وبين يدي كلِّ صنعةٍ وصبغةٍ، وبين يدي كلِّ نظامٍ وميزانٍ، وبين يدي كلِّ سكونٍ وحركة في ذرات العالم ومركباتها شهادةً نشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يه، والميت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيء قدير.. ونشهد أنّ محمدا عبدُه ونبيه وحبيبُه ورسوله أرسله رحمةً للعالمين.
اَللّٰهمَّ صلِّ على محمد بحرِ أنوارك، ومعدنِ أسرثلا: تشمس هدايتك، وعين عنايتك، ولسان حجّتكَ، ومليك صنع قدرتك، ومثال محبتك، وتمثال رحمتك، وأحبّ الخلق إليك، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آلِ كلٍّ وصحبِ ك مثلا:معين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى عبادك الصالحين من أهل السماوات والأرضين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحانك يا مَن يُسبح بحمدك هذا العالمُ بلسان محمد عليه أفضل صلواتك وأتم تن، ولاك.
سبحانك يا من تسبح لك الدنيا بآثار محمد عليه أنمى بركاتك.
سبحانك يا من تسبح بحمدك الأرضُ ساجدةً تحت عرش عظمتك بلسان محمدِها عليه أزكى تحياتك.
سبحانك يا من يُسبح لك المؤمنون والمؤمنات بلسان محمدهم عليه صلواتك اتِ وارمدا.
سبحانك أُسبّحك بلسان حبيبك محمد عليه أكمل صلاتك وأجمل سلامك، فتقبّل مني برحمتك كما تقبّلته منه.
— 380 —
اعلم أن عظمة وُسْعَةِ عمومِ آيةِ
تُسَبّحُ لَهُ السَّمییواتُ السَّبْعُ والأرضُ ومَن فيهِنَّ واناء" تصَىءٍ الاّ يُسبّحُ بحَمْده
(الإسراء:٤٤) اقتضتْ تفسيرا، فتوجهتُ إليها فترشحتْ متقطرةً منها في قلبي كلماتٌ مفسِّرات لها، وسُلَّم مرقاةٍ للصعود إليها. فهي منها وإلكماليفإن أحببتَ أن ترشُف تلك القطرات المفسِّرات المترشحات من عُمان تلك الآية، والنازلات من سماوات عظمتها، فاستمع بقلب شهيد ما سيأتي واقرأ معي هذا:
سبحانك ما عرفناك -نحن معاشر البشر- حقَّ معرفتك يا معروفُ، بمعجزات جميلا مَنعاتك وبتوصيفات جميع مخلوقاتك، وبتعريفات جميع موجوداتك..
سبحانك ما أعظمَ سلطانَك وأوضحَ برهانَك!
سبحانك ما ذكرناك حق ذكرِك يا مذكورُ، بألسنة جميع مخلوقاتك، وبذواتن صانعمصنوعاتك، وبأنفس جميع كلمات كتاب كائناتك..
سبحانك ما أجلّ ذكرَك!
سبحانك ما شكرناك حقّ شكرك يا مشكورُ، بأثنية جميع إحساناتك على أنظار ذوي البصائر، وبإعوفته حجميع نِعَمك في سُوق الكائنات على رؤوس الأشهاد، وبشهادات نشائد جميع ثمرات رحمتك المُفْرغة تلك الثمراتُ في قوالب النظام والميزان..
سبحانك ما أوسعَو حبةِك!
سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك يا معبودَ جميع ملائكتك وجميع مخلوقاتك بجميع أنواع العبادات وأصناف التمجيدات.
سبحانك ما سبّحناك حق تسبيحك يا مَن
تُسَبّحُ لَهُ السَّمییواتُ السَّبْعُ والأرضُ وميبة، اِنَّ وانْ من شَىءٍ الاّ يُسبّحُ بحَمْده
.. آمنا.. نعم..
سبحانك يا من تُسبّحُ لك الملائكة بأجناسها المتفاوتة، بألسنتها المختلفة، بأذكارها المتنوعة.
سبحانك يا من تُسبّح لك هذه الكائناتُ بأفواه عوالِمها، وأركانِ عوالمها، وأعضاء
#381لحم الها، وأجزاء أعضائها، وجزئيات أنواعها، وحُجيرات جزئياتها، وبفُوَيْهَاتِ ذراتها وأثير ذراتها؛ بألسنة نظاماتها الحكيمة، وموازينها العالية، وأحوالها المنظومة، وكيفياتها الموزونء لك شعك الحكيم.
سبحانك يا من تُسبِّح بحمدك الجنةُ بأفواهِ بساتينها بنشائد حورها وقصائد قصورها، ومنظوماتُ أشجارها، ومتشابهاتُ ثمراتها الموزونة.. كما تسبّح لك أشباهُها هنا في ضرّتها.
سبحانك يا من يقلّب الليل والنهار وسخّر الشمس والقم، فإذاّح لك هذه السماوا/
Nبمنظومات بروجها، بأفواه شموسها بكلمات نجومها، بلسان نظامها في ميزانها، وانتظامها في زينتها، وتلألئها في حشمتها، وانقيادها فئة جزءريتها، وسكونتها في سكوتها، وحكمتها في حركاتها.
سبحانك يا من تُسبِّح لك طبقاتُ الجو بأفواه رعودها وبروقها ورياحها وسحابها وشهابها وأمطارها، بكلمات لمعاتها وقطراتها، بلسان نظامها في بإحياا في غاياتها وثمراتها.
سبحانك يا مَنْ تُسبِّح لك الأرضُ ساجدةً لعظمة قدرتك بمحمدها وقرآنها، بأفواه بحورها وجبالها وأنهارها وأشجارها، وبأصواتٍ واهتزازاتٍ صوتية -هما حيواناتها ونباتاتها- وبكلمات نورانية وحروف نورية -هما أنبياؤها وأولياؤها- وتها بنظامها وميزانها وحياتها ومماتها، وفقرها ويبسها، وتبرجها وتزينها، بإذنك الكريم وصُنعك الحكيم.
سبحانك يا من تسبح لك البحورُ بكلماتٍ -هي عجائبُ مخلوقاتها- وبمنظومات نغماتهابعيدِ نظامها وميزانها وحكمتها وغاياتها.
سبحانك يا مَن جعل الأرض مهادا والجبال أوتادا، تسبّح لك الجبال بأفواه عيونها وأنهارها وأشجارها، بلسان نظاماتها وموازينها وغاياتها ومخازنها.
سبحانك يااندةٌ ل من الماء كلَّ شيء حي.
ويا من تسبّح لك الحيوانات بأفواه حواسّها وحسياتها وجهازاتها وأعضائها وصنعتها وصبغتها وعقولها وقلوبها، بألسنة نظاماتها وموازينها، وبأسئلة استعداداتها واحتياجاتها ودعواتها وتنعّ. فإنك في أمطارها، وتقلباتها في أطوارها وحياتها ومماتها.
— 382 —
سبحانك يا مَن تسبح بحمدك الهوامُ في الهواء عند دورانها بزمزمة هَزَجاتها بشكرك، والطيورُ في أوكارها مع أفراخها بسجعاتها ونغماتها شكرا لك، بلسان نظامهما وميزانهما، قصور وما ونقوشهما وزينتهما كما تناديان على إحسانك، وتصيحان على نعمتك بإظهار شكرك في وقت تلذذاتهما بثمرات نعمتك، وتنعماتهما بآثار رحمتك.. كما تسبّح بحمدك الحشرات في قرارها بدمدمتها، والوحوش في قفارها بغمغمتها بألسنة نظاماتهمد الأخزينهما وصورهما وأشكالهما وتنعماتهما الكريمة وتقلباتهما الحكيمة..
سبحانك ما ألطفَ صنعَك وما أنفذ حكمك!
سبحانك يا مَنْ تُسبّح لك الأشجارُ صريحا بغاية الوضوح عند انفتاح أكمامها، وتزايد أوراقها، وتكامل ثمارها، ورقص بناتها على أيادي أغاة نقط بأفواه أوراقها الخضرة، وأزهارها المتبسمة، وأثمارها الضاحكة بلسان نظاماتها وميزانها وطعومها اللذيذة، وألوانها الجميلة، وروائحها اللطيفة، ونقوشها المستحسنة، وزينتها المستملحة.. كما تمجّدك وتنادي على كمال رأفتك، وتصف تجليات صفاتك، وتُعرّف جلوذا في ائك، وتفسر تحببك وسياستَك لمصنوعاتك؛ بما يترشح من شفاه ثمارها من قطراتِ لمعاتِ جلوات تحبُّبك وتعهّدك لمخلوقاتك..
سبحانك ما ألطفَ برهانك في إحسانك، وأزيَن لطفك في توددك!
سبحانك يا من تُسبّح لك النباتاتُ بكمال ا
اعوالبيان عند تنوّر أزهارها وتبسُّمِ بناتها وانكشاف أكمامها واشتداد حبوبها، بأفواه أزاهيرها وسنابلها بكلمات حباتها المنظومة وبذورها الموزونة بلسان نظامها الأ من اليزانها الأدق.. كما تمجّدك وتعرّفك وتشفّ عن وجه تحببك، وتصف صفاتك وتذكر أسماءك وتفسر تودّدك وتعرفك إلى عبادك بما يتقطر من عيون أزاهيرها وأسنان سنابلها، من رشحاتِ جلواتِ توددك وتعرفك إلى مخلوقاتك.
سبحانك ما ألطفَ برهانَك وما أنَّها بوما أحلاه وما أزيَنه!
سبحانك يا من أنیزل الحَديد فيه بَأس شَديد ومَنافع للناس، تسبِّح لك المعادنُ بأنواعها وأجناسها وأشكالها وخواصّها وخاصياتها و الحرفا ونقوشها وتزييناتها، بلسان نظاماتها المرصوصة وموازينها المخصوصة.
— 383 —
سبحانك يا من تُسبّح لك العناصرُ باجتماعاتها المنتظمة بأمرك وقدرتك، وتركباتها الموزونصٌ له،ك وصنعك الحكيم.
سبحانك يا من تُسبّح لك الذراتُ بفُوَيهات تعيناتها ووظائفها بألسنة نظاماتها وموازينها، وعجزها المطلق في ذاتها مع حملها -بحولك- وظائفَ عظيمة، كما تشهد كلُّ ذرة منها على وجوب وجودك بلسان عجزها بنفسها بما لل ما لا تطيق هي على حملها من وظائفها العالية العجيبة في دقائق نظام الكون. حتى إن كلّا منها كمثل نحلة نحيلة حملت عليها نخلةً طويلةً، كما تشير كل ذرة منها إلى وحدتِك بنظر وظائفها وتوجه حركاتها إلى النظام العام المحيط الدال بالقطع على وحدة الناظمعليك ركل ذرة لك شاهدان على أنك واجب واحد. وفي كل شأن لك آيتان على أنك أحد صمد، بل وفي كل شيء لك شواهد وآيات على أنك واجبٌ واحد أحد صمد، جلّ جلالُك، ولا إله غيرُك، وحدك لا شريكفة الل * * *
اعلم أن وجودك وحواسّك وجوارحك إنما تنظر أولا وبالذات إلى صانعها الذي يربّيها ويدبّرها ووجوهُها متوجهةٌ إليه سبحانه، ولا تنظر إليك جا عن ظيفةً وبمقدار مالكيتك الموهومة.
فإن أشارت -لأجل حُسن تعهدك لها- إلى لمعةِ شعورك بكيفيةٍ حاصلةٍ من كسبك، فبالمشاهدة تصرّح بِعلمِ بارئها بما لا يحد من كيفياتها المنتظمة وأحوالها المتقنة.. وهكذا تُفصح بسائر أسمائه وصفاته المتجلية عليهاَ رحمتإن خَدَمَتْكَ بجهةٍ في دقيقة، خَدَمَتْ صانعَها بكل الوجوه في كل آن.. ومن خِدمتها تشهيرُها لغرائب آثار صنعة فاطرها الحكيم، وكذا امتثالُ الوظائف الفطرية المؤذنة بكمال الموازنة في سر التعاون المادي على ل بحيث حمته تعالى ولفائفِ حكمته سبحانه. وكذا إعلاناتُها بلسان فهرستيَّتِها لغرائب الصنعة لمحاسن جلوات فاطرها الحكيم.
وإن نَظرتْ إليك بدرجة ما يصل إليها نظرُك السطحي وبمقدار ما يحيط بها علمُك إلى اللي، نظرتْ إلى صانعها بجميع ذراتها ومركباتها وكيفياتها وأحوالها، فما ميزان مالكيتك
— 384 —
الموهومة إلا درجةُ نظرك وتصرفك فيها، وما هو إلا كقطرة من بحر، فاعرف حدَّك ولعلم أنز طورَك.
فوجودُك وتوابعه له وجهان:
فبالوجه الناظر إلى الحق سبحانه له قيمة عالية غالية. وبالوجه الناظر إلى الخَلق لا قيمة له لفنائه وزواله.
إذ الوجه الأول يقول لك وللناظر: إنك صنعةٌ لطيفةٌ، وأثرٌ نظيف نیزيه لمن فطر الا من ك والأرض. فحسبُك من الوجود وكمالِه ولذتِه وقيمته علمُك بأنك صنعةٌ للصانع الذي زيّن السماء بهذه النجوم والشموس، حتى صِرتَ أخا عزيزا صغيرا لهذا العالم، يخدمك أخوك الكبير.
والوجه الثاني يقول لك ن موجدياليُتم: إنك مجموعُ عناصر ترافقت باتفاقية عمياء، وعن قريب تتفرق بفراق أليم ومفارقة صماء. فلا تظلِم وجودَك بالتملّك ولا تَبْخَسْ حقَّه بقطعه عن الحق، المؤدي لإسقاطه من القيمة. فلا يقام له الوزنُ حينئذ؛ إذ قيمة ملايينِ سنة وألوفِ قنطاه تعالذا الوجود الأبتر المكفهر لا تساوي قيمةَ ذرة وآنٍ سيّالٍ لذلك الوجود المظهر المطهّر.. ألا ترى أنك ما اقتطعَك بارئُك اقتطاعا من مواد حاضرة، ولا أخذك أخذا من صُبْرة الكون، ولا اغترفَك اغترافا من بحر الوجود، كيفما اتفق؟ هل ترى في سُوق عالم الكون الظالمد دكانا يُشترى منه العيون أو مخزنا ادُّخر فيه الأدمغة والألسنة، أو ماكينة تَصنع القلوب وتنسج الجلود؟ كلا ثم كلا! بل أنشأك بارئُك، واخترعك فاطرُك بصورة بديعة جامعة، وخلقك من شيءٍ كَلاشيءٍ، أو . وأماشيء، حتى لا يطمع شيءٌ من الأشياء -ولو أعظمَ الأشياء الممكنة- في خلق شيء من الأشياء ولو أصغر الأشياء، وحتى لا يتطاول إلى دعوى خلق ذبابة مثلا من لا يقتدر على خلق السماوات.
فمن لا يقتدر على خلق كلِّ شيءٍ لا يقتدرلب، وإلقِ شيءٍ مّا من الأشياء.
اعلم أن المادة التي يتصرف فيها الصانع الماهر فيُظهِر فيها صنعةً عجيبة قد لا تساوي قيمةُ تلك المادة عُشر مِعشار قيمة "الصنعة". كالزجاج المخلوقنع منه المرآة الإسكندرية مثلا. وقد تتوازن قيمةُ المادة والصنعة كالبقلواء [٭]: البقلواء: نوع من الحلويات والمعجنات المعروفة. النفيسة من يد طابخ حاذق، وقد تزيد عليها. وإن لكل من المادة وما فيها من الصنعة غاياتٍلمصنوعت تغاير غاياتِ الآخر.
— 385 —
وأما مصنوعات الصانع الأزلي فأكثرها -بل كلُّها- من القسم الأول حتى كأن المصنوعَ صنعةٌ متجسمة، لاسيما ذوي الحياة، ولاسيما صغارِها التي تضاءلت فيها المادة وتلاشت في كثافة دقائق الصنعة، وقد يصيقام أَواحدٌ غايةً لهما، لكن بجهتين كالرزق مثلا: فمن جهة المادة والحياة ما هو إلّا تغذٍّ بتلذذ جزئي زائل لحفظ الحياة وبقائها.
وأما من جهة الصنعة المعلَنة المثمِرة لآثار جلواتِ الصانع، فالرزق كنیز عجيب لطيف، وخزينة، وتسبة نظيفة، إذ في الرزق حينئذ التحسس بإحساس جميع النِّعَم والشعور بها، والتذوق عند إذاقة أقسام تجليات أسماء الرزاق الكريم، والتشرف بها والتنوّر بفَهمها. فإن شبر عن ظر إلى لسانك الذي هو واحد من ألوف آلات الارتزاق بالرزق المادي والمعنوي، كيف اشتمل هذا الجرم الصغير على جهازاتٍ ذائقاتٍ بعدد طعوم المذوقات. فإن ان على خَعَر ذو اللسان شكرَ هذا اللسانُ بهذه الألسنة الدقيقات في جهازه، لطائفَ نِعَم مَن أذاقه برحمته هذه النعمَ اللذيذات.
نعم، ومن شُكرِ النعمةِ -بل ألذُّ من النعمة- الشعورُ بالإنعام، ودركُ لموتىات المُنعِم.
اعلم أنه ما من مصنوع إلّا وهو منظوم، وما من مخلوق إلّا وهو موزون، قد أنشأه بارئُه صحيحا صريحا، وأنشده فاطرُه واضحا فصيحا. وإنّ ما يُرى في هذه الأشياء الدنيوية وما في أثاثات هذا البيت الفاني من "التنظيم" بحسابيقبّل وبنظام مسرود، ومن "التوزين" بموازين حساسة، والموازنة بمقاييس جساسة يرمزان بل يُفصحان بعظمة الحساب في الحشر وتحقق وجوده فيه، وإلى هيبة الميزان في عرصات القيامة، ووقوعه ووضعه فيها، إذ ما يشاهَد هنا مابهم بإّا بذور وأساسات ومباد ومبشّرات وشواهد وعلامات لمَا يتَسَنبلُ في الآخرة.
وإن كل ما نشاهد في هذا الكون ما هو إلَّا مصنوع، وأثرُ الصنعةِ عليه ظاهرٌ جلي، يكاد أن ينطق، ولا نسان اد صانعُه. وما يُتوهم من جنس الممكنات أنه صانعُ شيء، فهو أضعفُ وأعجز بمراتب غير محدودة من أن يكون صانعَه حقيقة. إذ لابد لتصنيع كل شيء وإنشائه لاسيما من جنس النباتات والحيوا" بفتح آلات مختلفة، وتجهيزات متنوعة، وموازين حساسة كالموازين المستعملة في تركيب الأدوية والمعجونات. وليست فليس.. [٭]: أي إنه ليست للمصنوع تلك الآلات المذكورة. فليس له أن يصنع شيئا قط. مع أن عند كل مصنوع ومعه
— 386 —
وفوقه وفيه وتتدارُكبله وآخره شيء، ومع ذلك الشيء كلُّ ما يلزم للمصنوع وجودا وبقاءً، وما ذلك الشيء إلّا من لمعات وتجليات أنوار قُدرةِ مَن خزائنه بين "الكاف والنون".
لكن، إنّ من الأسماء ما يقبل توسط الوو "معرلظاهرية، فيتجلى ذلك الاسم في خلال الحُجُب، وخلفَ السرادقات؛ كالمتكلم، والرزاق، والوهاب، وأمثالها. وبعضها لا يقبل التوسيط ولو ظاهريا؛ كالخالق، والموجِد، والمحييلكُ ولالها. كمثل السلطان مع النفر؛ ففي نفس أرزاقه وسلاحه ولباسه لا واسطة، وفي تحريكه وتعليمه وتوظيفه وتلطيفه تتوسط الوسائط، لكن بإذن السلطان. إلّا أن التوسط هنا لعجز سلطان البشر وضعفه.ن يكون لعزة سلطان الأزل وعظمته.
اعلم أني رأيت على رأس شُجيرة نابتة في صخرة، نوعين من الثمرات، فتحيرت منه! [٭]: أي تحيرت مما رأيت. فتحرّيتهصانها؛ أحد النوعين: ثمرتُها الخاصة بها يقال لها بالكردي "كِزْوان". [٭]: كزوان: الحبة الخضراء. والنوع الثاني كالباقلة بمقدار الأصابع، أو أصغر أو أكبر، مقوسة مجوفة كالمنیزل المعد للمسافرين. فأخقليلا الثمرة الثانية واحدةً، وإذ فتحتها تسارعت إلى الطيران في الهواء طويرات، كالذر في الصغر، وهي التي تراها صافاتٍ كأخواتها من طويرات النمل والذباب، قبيل الغروب وهي ترقص في الضياءهَ البِ الذكر، فلا تظنن أنهن لاهيات لاعبات؛ بل ما هن إلا مجذوبات ذاكرات للرحمن الذي يمسكهن في الهواء، وهي شبان وتُجعل لهن -وهي أجنة- هذه الباقلةُ -التي كما أنها لا تناسبهن لمخالفة الجنس ولا تناسب الشجيرة لم للمعاالنوع- أوكارا كالأرحام لطيفةً حصينةً من أحسن الأوكار، فيها أرزاق نظيفة لذيذة.
فهذه الحالة تصرّح بأن هذه المعاملة إنما تصدر مِن نظرٍ وتدبير فٰه، ومٍ هذا الجامد وهذه البهيمة؛ إذ لمّا لم يصلحا لهذا التدبير الحكيم؛ لزمتْ حوالة [٭]: بمعنى إحالة. هذا التدبير على خارجٍ عليمٍ، وهذا الخارج المتصرف لابد من أول الأمر البتة أن يحيط بكل أ، ما هذين النوعين في جميع أقطار الأرض. وكذا بما يتعلق بهما، وكذا بمهدهما بالضرورة القطعية. ولا يكون هكذا إلّا مَن هو عليمٌ بكل شيء، وقدير على كل شيء.
#387الأخرىألك يا من يجوِّز تصرف غير اللّٰه في ملك اللّٰه، ويا من يقبَل إمكان وجود التصادف في بعض لطائف صنع اللّٰه! كيف تسمع، أم كيف تفهم، أم كيف تعلم هذه الشجيرةُ لسانَ الذ إذ أنلتي باضت على رأس غصنها، مودعة بيضاتها في يد حمايتها، حتى تشرع الشجيرة في ذلك الآن تتخذ بألطف شفقة أوكارا أمينة كأرحام الأمهات، أو أرحاما كالأوكار رفيعةً، ومهادا مهتزةً في الهواء. فتأخذ الشجيرة من خزينة الرحمة رزقا كافيا، وافيا، لرى -لبعزيزا. فتدخره في تلك الأوكار في سبيل اللّٰه لمن ليس من أبناء جنسها، ولا من جنس بناتها، بل لمسافرين هم وديعة اللّٰه. فما هذا "التجاوب" بين هؤلاء المصنوعات إلّا آية شاهدة بأنّ كليهما الطبقلكل، بل كلّ ما في الكون- خُدام سيد واحد، وتحت تدبيرِ مربٍّ واحد، وفي تربية مدبرٍ واحد، أحد صمد. آمنّا.
اعلم أن النظر إلى الهوام الذاكرات لفاطرها في جو الهواء بألسنبل لا لها وأطوارها ونقوشها المنظومة وأجسامها الموزونة المكتوبة كالكلمات المنقوشة كما تذكُر اللّٰه وتفهِّم ذكرَها لك -وإن لم تفهم هي بنفسها- بألسنتها المخصوصة وأصواتها الملفوظة، كأن كلَّ طُوَيرة منها كلمةٌ
لمبلسانها عينَ ما تنطق به ذاتها.. وكذا النظر إلى الحشرات المسبِّحات لخالقها في جوف الغبراء بألسنة نقوشها وتزيّناتها المكتوبة بقلم القدرة، كما تسبّح بكلامها درته يظ المخصوص بها. لابد أن يفيدك أمورا أربعة:
فأولا:اطمئنان النفس بأنك في مأمن حصين وحصن أمين محاط من كل وجه بمولودات وأطفال وطفيلات تربيها شفقةُ عليأهل البّرها تربيةُ حكيم، وتزيّنها عناية كريم، وتحسن إليها رحمة رحيم. فأنت تحت نظر هذا العليم الحكيم الكريم الرحيم دائما..
وثانيا:لابد أن يفيدك ذلك النظر قناعة النفس، بأنك لستَ سدًى مهملا، غاربُك على عنقك [٭]: لعله: حبلك علىلكلمة . تسرح كما تشاء، وأن لست موكولا مفوَّضا إلى نفسك العاجزة عن أدنى حاجاتك الغير المحدودة حتى تقعد ملوما محسورا، متوحشا عن عجزك المطلق وحاجاتك الغير المحصورة. لأجل أنك ترى في تلك الصغار نظاما تاما خاصا فلحياة،يته، عاما في خصوصيته. وميزانا حساسا في وسعته، وجساسا بالاقتصاد والإمساك في عين سماحته.
— 388 —
أيها الغافل! ألَا تتلو عليك هذه الحواشي الدقيقة، والكتب الرقيقة الموجودة في بعض الحروف الكبيرة أنك موزون بين فاعمل.. فَتَنَبَّهْ وأقِمْ الوزن بالقسط.. والحال أنك تلهو كمجنون بين مجانين، فتتبلّه وتخسر الميزان بالقسط. [٭]: أي بالخطأ.
وثالثا:لابد أن تلقّنك هذه الرؤية التوكللوقوع،عتماد بأن من ترجوه لكل شيء وتخافه دائما، في نهاية القرب إليك في عينِ نهايةِ بُعدك عنه. يتصرف فيك وفيما حواليك بقدرته التي يتساوى بالنسبة إلن ربه أصغرُ والأكبر، والأقلُّ والأكثر، والأقرب والأبعد؛ لا تكلُّفَ ولا معالجةَ، ولا مباشرةَ اختلاطٍ في أفاعيلها بالحدس الشهودي. أفلا تقرأ عليك هذه الحقيقة أنْ: لا تخف ولا تحزن ولا تتوحش؛ إذ أينما كنتَ فهناك مُلكُهإذ مثاما توجهتَ فَثَمَّ وجهُه، وأنت في وطنك، ولو في بطن الأرض. وأنت تحت نظره، ولو في جوف العدم. تأخذك بإذنه وأمره الأيادي الرحيمةُ الكريمة الحكيمة من حال إلى حال، وطور إلي مسخّ لا تخرج من يدٍ إلّا وتسابقَ لأخذك يدٌ أخرى بالانتظام، ولا تُصادف في سفرك غُولَ التصادف أصلا. ولا تُظلَم بالعدم ولا يظلمك الفناء بالإعدام. وكم من عدم تَرى خلفه -إن اقتحمته- أو تحته أو فيه خزينةً من خزائن الرحمة مشحونة مما "هو يبقى" من جنس مذتُ منيفنى" في هذا الوجود.
ورابعا:لابد أن تفيدك رؤيةُ صغار الهوام وضوحُ برهان المخلوقية التامة، والمصنوعيةُ العامة في كل شيء للصانع الواحد. وتُكْبِرَ في نظرك هذا البرهانَ بدرجة صغرها، [٭]: أيهان اللمصنوعية والمخلوقية. وتُظهر بدرجة خفاها؛ [٭]: أي رغم خفائها. إذ من المحال أن يخرج المحاطُ من دائرة تصرف خالق المحيط، فخالقُهُ هو خالقُه بالضرورة القطعية. إلّا أن الصنعة فيها ابتلعت المادة وغمرتها، خلافا نات العات الكبيرة.
اعلم أيها الغافل إن أكثر وسوستك إنما تنشأ من أمور أربعة:
فأولا:من نسيانك نفسك إلى درجة تنقلب شعرةُ الأنانية حبلا غلي موجزانك لمّا نسيت اللّٰه بالهوى، فأنساك نفسَك، تغلظتْ أنانيتُك فتفسّقت مِن قشرها المتشقق بكبرها.
وثانيا:من قياس كلِّ ذي حياة على نفسك.. مثلا: إذا رأيت حيوانا فمع أن المشهود
— 389 —
حيوان معصوم، مأمون، ممنون؛ [٭]: أي سعكلمات:فرضه إنسانا متفكرا محزونا متشتت الخواطر.. فتظن رقصه في فرح اضطرابا في ترح.
وثالثا:من قِصَر نظرك على تجلّي اسم الظاهر فقط، حتى تتوهم أن ما خرج عن دائرة هذا الاسم لا يرجع إلى دائرة مسمّاه. كلا، إن المسمّى الذي له الأسماء الحسنى، كما أكذلك افوق الفوق، فهو في أبطن البطون، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن.
ورابعا:مِن طلب تجلي الأحدية التي هي أعلى التجليات، وأبعدُها وأخفاها، وأبسطها في أوسعِ وأكثرِ وأرقِّ ما انبسطويلة إا الكثرةُ وانتشرت؛ إذ تنظر إلى حيوان مثلا: فتفنى فيه بالقياس النفسي المار آنفا، فتدخل معك فيه أنواعُ حسياتك. مثلا: تتصوره مثلك حزينا لفراق أليفهِ أو وطنهِ، ومغموما بالتفكير في عاقبته ورزقه. فتتألم لمرض الشفقة من آلامه الموهومة، مع أنك لو دخل بلطيفالمه بالتحقيق لما رأيت شيئا مما توهمتَه حينما دخلت فيه بالفرض من طريق القياس النفسي.
وكما أخطأتَ بهذا القياس قد تخطئ أعظمَ خطأٍ بقياس آخر، وهو أنك ترى النحلة -مثلا- مصنوعة، فتقيس بلا شعورٍ صانعَها الواجبَ الواح:لأنهيم الذي لا كلفة ولا معالجة ولا مباشرة بالاختلاط ولا تَعَمُّلَ في أفاعيله؛ قياسا على الممكن المسكين الكثير الكثيف المقيد المحدود الذي أفاعيلُه لا تالثانيّا بالمباشرة والمخالطة والكلفة والمعالجة؛ فتتوهم من هذا القياس قربَك وقربَ تلك المصنوعة -التي يجول قلمُ الصانع عليها الآن بل دائما- من صانعها المتقدس المطلزّه المتعالي. نعم، هو جلَّ شأنه من جانبه سبحانه قريبٌ.. لا أقربَ منه، أقربُ من كل قريب، وأقربُ من حبل الوريد.. لكن أنت، وهذا المصنوعُ، من جهتكما بعيدان ببعدٍ لا ن ففي اه، كمثل الزجاجة التي تمثلت فيها الشمسُ بالتجلي فتلألأت بشعاعها، وتنوّرت بضيائها، وتزيّنت بانكسار الألوان السبعة التي في ضيائها، وانفتح من ملكوت قلب الزجاجة إلى ذات الشمس منفَذٌ وسبيلٌ فيُرى من ظاهر مُلكها تمثالُ الشمس مع لوازمه دسة من وجه تلك الزجاجة بالقرب من يدك. لكن إن مددت يَدَك ما وصلتَ إلى شيء، ولو مُدَّ يدك بسبعين بل بسبعمائة مثل قطر الأرض. حتى إن مَن في عقله بلاهةٌ وفي قلبه محبة للشمس، قد يريد
— 390 —
أن يصل إلى محبوبته الشمسِ في كل ما تلألأت فيه،مسألة ا بهذا الوهم السطحي، والرؤية الظاهرة.
وكذا قد يَطلب من كل ما تمثل فيه الشمس تمامَ ما سمعَه أو عرفَه من أوصاف ذات الشمس، ولوازماتها التي لاتين وك إلا مجموع عالم منظومتها، فإن لم يجد الأوصاف في المثال في شيء، يشرع ينكر وجود الشمس في ذلك الشيء. بل قد ينكرها مطلقا.
والقلب مرآة الأحد الصمد، لكن له شعورُ احتساس بما تجلّى فيه، وعلاقةُ مهذه الٍ بما تمَثل فيه، خلافا لسائر المرايا. كما بيّنه الإمام الربّاني رضي اللّٰه عنه. وبهذه الخاصية يستعد القلب لسعادات لا تُعد.
فإن قلت: ما السر في اقتران فعاليةٍ خارقة في مصنوعَأظَلّياة، مع سكونةِ ما حوله كأنه لا شيء هناك، ومع عدم ترشح هذه الفعالية المدهشة من أرق لفائفه إلى الخارج، ولو بمقدار ذرة؟
قيل لك، كما قيل لي في قلبي: لو كانت الفعالية للأسباب الإمكانيةنا بالأنفُس الأشياء؛ لَلَزِم أن يكون في كل حيوان فاعلٌ مستقلّ، له علم محيط، وفي كل ثمرة صانعٌ قدير له قدرةٌ مطلقةٌ تامةٌ بحيث لا يتعسر على تلك القدرة خلقُ الأرض بما فيه: وما نئذ يكون الترشح والتفشي والانتشار والطغيان من الضروريات، ولكنْ هذا الأمن والأمان المشهودان في الكون والمكان، وهذا السكون والسكوت المرئيان في غير عالمالكائنان، وهذا الانقياد والسِّلم والسلام في هذا العالم في كل زمان ما هو إلّا لأن هذه الصنعة الموزونة، والصبغة المنظومة صنعة وصبغةٌ لمن
انّمییا امیرُه اذا أرادَ شییيئاً انْ يَیقولَ لهُ كُيقا يصيَیكونُ
(يس:٨٢) ولمن يقول:
وانْ مِنْ شَئٍ الاَّ عِنْدنا خَزَائِنُهُ ومَا نُنزِّلُهُ الاَّبِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
(الحجر:٢١). فنسبة فعلِك بيدك إلى فعلِكَ بأسرع الخيال، كنسبة الفعل بالخيال -لو أمكن- إلى فعلِ قدرة الباري بل لا مناسبة.
االناس،ها السعيد المسكين المغرور! إنه ليس إليك منك من ألوف حاجاتك إلّا واحدٌ أو أقل. والباقي بالتمام مفوّضٌ باليقين إلى فاطرك الذي خلقك أولا كالفطير [٭]: الفطير: العجينى أطو لم يتم تخميره بعد. بقدرته، ثم فتح صورتَك في الماء بلطيف صُنعه، لتصير مرآةَ أسمائه.. وشقّ سمعك وبصرك برحمته،
— 391 —
لتسمع الحقَّ وتعتبر بالخلق فتعرفَ الخالق.. وعلّق في كهف وجهك بعنايته لسانا لتذْكُره.. وأدرج في رأسك عقلا لتَعرفَه.. وأوا! فقاصدرك جَنانا لتحبَّه.. ولَطَفَ بك في ظلمات الأحشاء، وتصرّف فيك بربوبيته كيف يشاء، وركّب في وجودك بحكمته هذه الحواسَّ بأنواعها، وهاتيك الأعضاء بأقسامها؛ لأجل إحساس جميع أنواع ثمرات نِعَمِهِ، وبدية، أقسام تجليات أسمائه.
فيا أيها الغافل المغرور! إلى كم تتهمه، وهو هذا وقد لطفَ بك هكذا. وتعتمد على ذرة اقتدارك الجزئي، فيفوّضك حينئذ إلى نفسك بسبب سوء اختيارك فتصيرلترى ح لنفسك لتحميلها ما لا طاقة لها به. وما بالك وما منعك أن تتوكل على مَن ناصيتُك بيده، وحاجاتُك راجعةٌ إليه حتى تُلقى -بالتسليم له- ما إليك على ما إليه. وتُلقيَ بالتوكلِ عليه نفسَك في سفينته الجارية بين طوفان ال بل دوتقول:
بِسْمِ اللّٰه مَجْريیییها وَمُرْسيیییها
(هود:٤١) حتى تستويَ على الجُودي الإسلامي، وتستريحَ في ساحل السلامة. ألاَ ترى أن شمس الحياة قد اقترب أن تغترب! وأن قمر الوجود قد انخسف بالشَّيب، واكفهرّ ببياض الهرم. وأن لا فا عالييما سواه تعالى، بل كما أنه لا فائدة فيما سواه، إن لم يأذن به ففيه ضررٌ عظيم. فإن كان بدونه فكل شيء ضررٌ وعدو. وإن كان به فهو مُغنٍ عن كل شيء، فلابد من التَّرْكِ على الحالين:
أما في حالٍ، فلكونه ضررا محضا. وأما فد، ترَ، فلتفويت طلب الغير غاية الغايات مع فوات نفسه.
نعم، وبدونه الألمُ أزيد من اللذة في كل لذة، بل اللذة بدونه ألمٌ مموّه... ففروا إلى اللّٰه (الذاريات:٥٠) فإن عنده من كل شيء -يفنى عندكم- ما هو يبقى من نوع ذلك ا مخصوصفما يزول هنا ولا يدوم بدونه، يستمر هناك ويدوم به. مع أن الوقت ضيّق.. ألا ترى أنك في سكراتِ الموت، إذ تمامُ عمرك سُكر في سَكَرات، وسَفَر في سقطات. فارفع رأسك من الدنيا، كي ترى عند بارئك نعمةً أا إيجاورحمة سرمدية، ومحبة أزلية.
اعلم أيها المتفكر المتحير المتحري! إذا انتهى علمُك إلى شيء، أو رأيت في شيء جهةً من عدم التناهي، فسبّح بحمده تعالى على قُربك إلى الحق؛ إذ المجهولية وآثامناهية عنوانان وعلامتان نُصبتا على حدود تصرّف ربوبيته المطلقة جل جلاله.
— 392 —
اعلم أيها الوهّام! إذا تهاجمتْ عليك الأوهامُ، فانظر يمينا لترى دوائر تصرف الخلاقية تتناظر متضايقةً، من دائرة المجرّة نَّارِالسيارات؛ متسلسلة إلى دائرة الجوهر الفرد ومدار الذرات. ومن خلق السماوات مسردةً، إلى خلق الثمرات. ومن إنشاء الأرض، إلى إيجاد الأرَضَة الآكلة للشجرة رك بأن وتشابهٍ وتساند. تدل على اتحاد القَلَم، ووحدةِ السكّة، وأنت في وسط مخروط الكائنات قائمٌ، حامل للأمانة، مقلَّد بالخلافة.
ثم انظر شمالا لترى حنبل،م العام يأمر بالعدل في كل شيء، وترى الميزان التام ينهى عن الميل في كل شيء. ففي ذاك؛ ما هو كالبرق يطيِّر الأوهامَ. وفي هذا؛ ما هو كالرعد يطردُ الأحلامَ.
ثم انظر إليك، لترى نفسَك وجسمَك مصنوعَين من الرأس إلى القدم، من أصغر حُجيرة، إلى تمامنظرهم،الذي هو أيضا حُجيرة كبرى.
ثم انظر في قلبك، إلى فوقك، لترى بإيمانك أنوار نور الأنوار.. الذي خلق النور.. ونوّر النور.. وصوّر النور.. ونفذ أنوارُ تجلياته في كل شيء جلّ جلاله.
اعلم أن استعمال اسم التفضيل في بعضن القو اللّٰه وصفاته وأفعاله كی أرحم الراحمين و أحسن الخالقين ، و"اللّٰه أكبر" وغير ذلك لا ينافي محضَ التوحيد. إذ المراد تفضيل الموصوف بالحقيقة وبالذات، على الموصوف بالوهم وبالنظر الظاهري الأسبابي أو ة مع غانات العقلية. وكذا لا ينافي عزةَ الواحد القهار؛ إذ ليس المراد منه الموازنة بين صفاته أو فعله في نفس الأمر، وبين صفات المخلوقين وأفعالهم؛ لأن مجموع ما في المصنوعات من الكمالالعندلفاضٌ بالنسبة إلى كماله سبحانه. فلا حقَّ للمجموع -من حيث المجموع- أن تكون له نسبةُ موازنةٍ معه، حتى يصير مفضَّلا عليه.. بل المراد الموازنةُ بين أثرِه الخاص على مفعولٍ خاص، وتأثّرِ المفعول من تبخار إالحقيقي فيه على درجة استعداده الخاص.. وبين أثر الوسائط الظاهرية في ذلك الشيء الخاص وتأثره منها. كما يُقال لنفر لا يعظّم إِلّا جاوِشَه [٭]: جاوش: رتبة عسكرية تقابل العريف. ويحصُر شكرَه وحرمته عليه: يا هذا! السلطان بيدي ُ وأرحم من جاوشك.. وليس المراد المفاضلة بين الجاوش والسلطان في نفس الأمر؛ إذ هو هزلٌ، ما هو بالجد. بل المراد المفاضلة بالنسبة إلى ذلك النفر، باعتبار درجة مربوطيته بان العُ حقيقةً، وبالجاوش تبعا مع إذن السلطان.
— 393 —
وأما "أرأف من كل رؤوف"، و"أكرم من كل كريم"، و"أعز من كل عزيز" وأمثالها؛ فالمراد أن لو اجتمع جميع رَأَفها ملكع الكرماء على شخص، ما ساوت ما أصاب ذلك الشخص من بحر رحمته التي لانهاية لها. ففيها تفضيلٌ من أربعة أوجه: إذ المفضّل حقيقي وواحد وفي واحد وبواحد. والمفضَّل عليه اعتباري، ، وَبِ، وبجميع ما في أيديهم، لا يساوي حصة واحدة، في شخص واحد مما لا يتناهى من فيض الأحد الصمد.. وكما قال تعالى:
انَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دون اللّٰه للقلب بخْلُقُوا ذبَاباً ولو اجْتَمَعوا لَهُ
(الحج:٧٣).
اعلم أن لفظ "اللّٰه" يدل بالدلالة الالتزامية، على معاني كل الأسماء الحسنى وعلى جميع الأوصاف الكمالية. خلافا لسائر الأعصر في دالة على ذوات المسميات فقط.. بسرِّ أن صفات سائر الذوات ليست بلازمة للذوات، فلا يدل اسم الذات على صفتها، لا مطابقةً ولا تضمنا ولا التزاما. وأما الذات الأقدس؛ فلوجود اللزواآت الّن بينَه وبين صفاته وأسمائه.. وكذا لاستلزام الألوهية لها، يدل اسمه العَلَمي على جميع صفاته بالدلالة الالتزامية.. وكذا لفظ الإله، في سياق النفي. [٭]: أي في: لا إله إلّا االملفو
إذا علمت هذا ؛ فاعلم أن "لا إله إلا اللّٰه" يتضمن من التوحيد، ومن أحكام التوحيد عددَ الأسماء الحسنى.. فهذا الكلام الواحد يشتمل على ألوف كلام، كلُّ كلام مثل هذا الكلام مركّب من نفي وإثبات. ولأجل أن النفي يتوجه ولا يدٍ فردٍ بالاستغراق الفردي؛ يكون في الإثبات إثباتُ مجموعِ ما نُفيَ عن الغير، بالقاعدة المقررة في المنطق. فكأنه قيل: "لا خالق، ولا رازق، ولا قيّومعَاتِ مالك، ولا فاطر، ولا قهار، إلّا اللّٰه".. وهكذا، فيمكن أن ينبسط هذا الكلام للذاكر المترقي في الأطوار والمراتب، على كل مراتبه وأحواله. فيكون التكرار كالتأكيد بالتأسهذا ال اعلم أنك إذا عرفتَ أن الكلَّ منه تعالى وأذعنتَ به، لابد أن ترضى بما سرّ أو ضرّ. وإن لم ترضَ، اضطررتَ إلى الغفلة. ومن هذا السر وُضِعَت الأسباب الظاهرية وغُطّيت الأعين بالغفلة؛ إذ ما من أحد إلّا وما يخالف هَوَسَه وهواه ومشتهاهرةٌ من -من حادثات الكائنات- أزيدُ وأكثر مما يوافقها.. إذ ما بُنيت الكائناتُ على هندسةِ هَوَسِ ذي الأماني، بل
— 394 —
تجري الرياح بما لا تشتهي السُّفن. [٭]: للمتنبي: ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ تَجري الرِّياحُ بِماعَجيبَشتَهي السُّفُنُ فلو لم ير المرءُ ذو الهوى هذه الأسبابَ، ولم يغفل عن مسبِّب الأسباب لتوجّه اعتراضُه الباطلُ وكراهتُه ونفرته وحدّتُه وغيظه الواهية إلى الفاطر الحكيم والمالك الكريم. فإذا رمى ال الأفلسهمَ اعتراضه أصاب الفلك [٭]: الفلك: الدهر، المقدرات الإلهية، القدر. أو الشيطان أو انعكس إلى رأسه ونفسه.
اعلم أنك إذا أمعنتَ النظر، تفطنت أن بُعدَ "الممكن" عن درجة الإيجاد، بمراتبَ غيرِ متناهية، بالنسبة إلى مقدار ما يُشاهد ون من المصنوع المستند إلى ذلك الاقتدار الغير المتناهي.
اعلم أن الدعاء على ثلاثة أقسام:
الأول:دعاء الإنسان، بهذا اللسان بالقول. وكذا الحيواسك معدصائحات بألسنتها المخصوصة، في الحاجات المشعورة لهم.
والثاني:الدعاء بلسان الاحتياج، كدعاء جميع النباتات، والأشجار "لا سيما في الربيع". وكذا في كل الحيوانات في ال؟
قالضرورية الغير المشعورة.
والثالث:الدعاء بلسان الاستعداد، كدعاء كل ما فيه نشوء ونماء، وتحوّل وتكمّل. فكما أنَّ
وان من شيء الاّ يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤) كذلك إن من شيء إلّا ويدعوه، ويشكره بذاته وحاله دائما، كما جه إلىو بلسانه.
اعلم أن النواة قبل أن تتشجّر، والنطفة قبل أن تتبشّر، والبيضة قبل أن تتطيّر، والحَبَّة قبل أن تتسنبل، لابد أن تكون تحت تدبيرِ علمٍ تام نافذ وتربيةٍ، لتُساقَ مِن بين ما لا يُحَدّ ومن بطرق العقيمة المعوجّة إلى الصراط المستقيم المنتجَة. فما هو إلّا علمُ علام الغيوب الذي يصوِّر في الأرحام كيف يشاء، عالمُ الغيب: "غيبِ الماضي، والمستقبل" والشهادة "شهادة الحال الحاضر". فالأعصاا من النواة والنطفة والبيضة والحبة تذكرةٌ مختصرة استنسخت من "الكتاب المبين" من كتب القُدرة.. أو فهرستةٌ استُخرجت من "الإمام المبين" من كُتب العلم الأزلي ومكتوبات إيجاد دساتيرُ استُنبطت من "أم الكتاب" من كُتب القَدَر الأزلي، لاسيما من باب الميزان والنظام.. أو فذلكةُ أوامرَ متمثلة متمركزة ممتزجة تنیزلتْ من ربوبية القدير على كل شيء، العليم بكل شيء جلّ جلاله.
— 395 —
فسها ون نظر المؤمن إلى المصنوعات حرفيٌّ؛ إنما ينظر إليها لتدل على معنى في غيرها. وأما نظرُ الكافر إليها، فقصدي اسميٌّ؛ لتدل على معنى في نفسها.
ففي كل مصنوع وجهان:
[٭]، ينظر إلى ذاته وصفاته الذاتية. ووجه، ينظر إلى صانعه، وإلى ما تجلى إليه من أسماء فاطره.. والوجه الثاني أوسع مجالا، وأكملُ مآلا؛ إذ كما لاف الحرف من كتاب يدل على نفسه بمقدار حرف وبوجهٍ واحد، ويدل على كاتبه بوجوه كثيرة، ويعرّف كاتبه ويصفه للناظر بمقدار كلمات كثيرة.. كذلك إن كل مصنوع الذي هو حرفٌ من كتاب القُدرة، يدلّ على وجوده ونفسه بمقدابك دواه ونفسِه وبوجهٍ واحد، وهو وجوده الصُّوري. لكن يدل على نقّاشه الأزلي بوجوه متنوعة كثيرة، وينشد من أسمائه المتجلية على ذلك المصنوع، بمقدار قصيدة طويلة.
ثم إن من المقرر أن المعنى الحرفي، لا يُحكَم عليه بالأحكام القصديها وضعيقا وتكذيبا. ولا يستتبع اللوازم، [٭]: أي ولا يستتبع لوازم الحكم. إلّا بنظر ثانوي. فلهذا لا يتغلغل ذهنُ ناظره في دقائقه، إلّا إذا نظر قصدا، فحينئذ يصير الحرفُ اسما. بخلاف المعنى الاسمي. [٭]: أي يكون محل حكم هما، ت وتكذيبا (ت: ٢١٦)
فمن هذا السر ترى كتبَ الفلاسفة أحكَمَ فيما يعود إلى الكائنات في أنفسها، مع أنها أوهنُ من بيت العنكبوت فيما يعود إليها بالنسبة إلى صانعها. [٭]: إن الأحكام التي تخص الكائنات بذاتها تبدو في كتب بالدعفة قوية في الظاهر إلّا أن حقيقتها أوهن من بيت العنكبوت (ت: ٢١٦) وكلام المتكلمين مثلا لا ينظر إلى المسائل الفلسفية والعلوم الكونية إلّا بالمعنى الحرفي التبعي والاستطرادي، وللاستدلال فقط.. حتى إنه يكفي لهم أن تكون الالعالماجا، والأرض مهادا، والليل لباسا، والنهار معاشا، والقمر نورا، والجبال أوتادا أي بمشّاطيتها للهواء ومخزنيتها للماء والمعادن، وحمايتها للتراب عن الت
اعتسكين غضب الأرض المتزلزلة بتنفسها فيها، ولا يكفي للفلسفي إلّا أن تكون الشمس مركزَ عالمِ منظومتها، ونارا عظيمة بدرجة تتطاير السيارات مع أرضنا حولها كالفَراش المبثوث. وهكذا، حتى لو لم يطابق رأيُ المتكلمين الواقعَ، مع مطابقةتدويرَالعمومي، والتعارف العام لما ضرَّهم، ولا استحقوا التكذيب. [٭]: لأنهم لم يذكروا الرأي إلّا للاستدلال والاستطراد. فلهذا يُرى آراؤهم بادي الرأي أضعفَ وأدنى طبقةً في المسائل الفلسفية، وأقوى من الحديد في أساسات المسائل الإلهيحكيم؟
6
ومن هذا السر أيضا تصير الغلبةُ في الأكثر في الأوائل في الأولى لأهل الضلال، فيما يعود إلى الدنيا وإلى ظاهر هذه الحياة. إذ هم بجميع لطائفهم اليب خط إلى درجة نفوسهم، متوجهون قصدا وبالذات إلى الدنيا قائلون بأعمالهم:
ان هي الا حياتنا الدنيا
(الأنعام:٢٩) ولكن العاقبة للمتقين الذين قيل لهم ولسيدهم:
وللآخرةُ خَيْرٌ لَكَ مِن الاولى
(الضحى:٤)
وما الحَيَاةُ الدني المسخلَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلَدارُ الاخِرةُ خَيْرٌ لِلَّذين يَتَّقُونَ افلا تعقلون
(الأنعام:٣٢)
وانَّ الدَّار الآخِرةَ لَهِيَ الحَيوانُ لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
(العنكبوت:٦٤) فحسبنا اللّٰ المتّ الوكيل، فنعم المولى ونعم النصير.
اعلم أن عفوَه تعالى فضلٌ، وعذابَه عدلٌ؛ إذ كما أن من أكل سمًّا، فهو مستحق للمرض بحكم عادة اللّٰه المستمرّة. فإن واسع ض، فهو فضل وكرامة من اللّٰه بخرق العادة.
نعم، مناسبة المعصية للعذاب قويةٌ بدرجة من القوة، حتى ضلّت فيها المعتزلة فأسندوا الشرَّ إلى غيره تعالى، وأوجبوا الجزاء عليه. واستلزامُ الشر للعذاب -بسر النظام العام- لا ينافي ية واللرحمة ؛ إذ هذا الضرر الجزئي متصلٌ بأنبوب في سلسلةِ نظام محيط تدلت منه كالعناقيد خيراتٌ كثيرة. مع أن تركَ هذه الخيرات الكثيرة لمنع هذا الضرر الجزئي والشرِّ القليل ضررٌ كلي وشرٌّ كثير، وهو ينافي حكمةَ عدالة العدل الحكيم الكريم.
أيها الإ الإيملظلوم الجهول! اتّق الشرَّ ما استطعت. وإلّا استحققت جزاءَ تركك [٭]: جزاء تركك الخير. مع جزاء تفويتك لنتيجةِ سائر الأسباب السابقة عليك، في سلسلة مبادي وجود النتيجة. إذ الشرُّ عدمٌ. وبعدم الجزء الآخر من العلة ينعدم المعُ الوجيعود على الجزء الآخر كل ضررِ عدمِ المعلول. إلّا أن ثمرات الوجود لا تعود إليه إلا بمقدار حصته، إذ وجود الجزء ليس علةٌ لوجود الكل. فمن هنا يُرى كمال عفوه ت
#110كمال فضله؛ إذ يجزي بالشر مثلَه، وبالخير عشرةَ أمثاله. مع اقتضاء الاستحقاق الواقعي عكسَه. [٭]: حيث إن الحسنات لأنها إيجابية ووجودية فلا تتعدد ماديا ولا تحصل بإيجاد العبد، فالمفروض أن تكتب حسنة واحدة، بعكس السيئات التي تتعدد وتتجاوز، فالمفروذانهم كتب ألف سيئة. راجع -إن شئت- رسالة "حكمة الاستعاذة-اللمعة الثالثة عشرة"، ففيها التفصيل الشافي. وكذا يُرى ظلمُ البشر بحكمهم بعكس الواقع.
اعلم أن الإنسان مبتلًى بالنسيان، ْسَكَ النسيان نسيانُ نفسه. إلّا أن نسيان النفس
— 397 —
إن كان في المعاملة والخدمة والسعي والتفكر فهو الضلال، وإن كان في النتائج والغايات فهو الكمال. ف-٤٥)
ضلال وأهل الهدى متعاكسان في النسيان والتذكر؛ أما الضال فينسى نفسه عند النظر للعمل وتطبيقِ دساتير الوظيفة، بل يمدّ نظرَه إلى الآفاق لتطمين الأنانية المتفرعنة، وغرورِه المنبسط الذي تضيق عنه النفسُ. لكن يتذثاني؛ ه في كل شيء من الغايات فتيلا أو نقيرا. حتى لا غاية عنده إلّا ما يعود إلى نفسه. وإن غاية الغايات في نظره حب ذاته.
وأما من زكّاها فيتذكر نفسَه قبل كل شيء عند السعي والسلوكِ في الحركة.. فهكلتفكر فكأن نفسه واحد قياسي ومبدأ مركزي لكل عملٍ وتفكر. لكن ينسَى نفسه في النتائج والأعراض والفوائد والمقاصد. حتى كأن نفسه فانية، وداخلة في لا شيء، أو مملوكة خَدمت سيدَها بلذة الإخلاص، في وظيفة عائدة من كل وجه إللق، فيد. فلا حقَّ لها في مقاضاة شيء، فما أعطى سيدُها لها تراه النفس من محض الفضل.
اعلم أن سر تساند المؤمنين في عباداتهم ودعواتِهم في جماعاتهم سرٌّ عظيم وأمر جسيم له شأن فخيم؛ إذ يصير به كلُّ فرد كالحجر اأثيره ، في البناء المرصوص. يستفيد من إخوانه في الإيمان، بألوفِ ألفِ ألفِ ما يستفيد من عملِ نفسه. فإذا نظّمهم سلكُ الإيمان يصير كلٌّ لكلٍّ، وللكلّم البيا وداعيا ومسترحما وراجيا ومادحا ومُزكيا. لاسيما لرئيسهم ورأسهم. [٭]: المقصود الرسول الأعظم. (ت: ٢١٧). فيتلذذ كلُّ فرد بسعاداتِ سائر إخوانه كتنعّم الأم الجائعة بلذمن نطفا، والأخِ الشفيق بسعادة شقيقه. حتى يصيرَ هذا الإنسان المسكين الفاني مستعدا لعبوديةِ خلّاق الكائنات، وقبول السعادة الأبدية.
فانظر إلوصنعتهي عليه الصلاة والسلام فإذا تراه، وهو يدعو بی"يا أرحم الراحمين"، ترى الأمة كلهم يقولون: "اَللّٰهمَّ صل وسلم على عبدك وحبيبك محمد بحرِ أنوارك، ومعدن أسرارك، وناشر ذكرك وشكرك، ودلّال محاسن سلطنة ربوبيتك". فيزكّونه أجانبَهم، ويحببونه إلى مَن أرسله رحمة لهم، ويؤيدون شفاعته. وكذا ينادون بلسان عجزهم المطلق وفقرهم المطلق، غناءَه -سبحانه- المطلق، في استغنائه الأكمل. وينادون جودَه المطلق في عزته الأجلّ. وينادون بلسان عبوديتهم المطلقة ربوبيتَه المطلقة. وبهذا التعاوا وجزءلوي المعنوي يترقى الإنسان من
— 398 —
أسفلِ سافلي الحقارة والصغر والعجز؛ إلى أعلى عليي الخلافة، وحملِ الأمانة وقابلية المُكَرَّمية بتسخير السماوات سّ حفظ له.
اعلم أن من بَعُدَ عن شيء لا يرى كما يراه القريب منه، ولو كان البعيد أشد ذكاءً وأحدّ بصرا. فإذا تعارضا ترجّح القريب مطلقا. فالفلاسفة الأوروبائية المتغلغلون في المادية، تباعدوا بمراتب عديدة، ومسافات طويلة عن مقام الإسلام والإيالنسبةلقرآن. فأعظمُ فلاسفتهم لا يساوي عاميًّا يفهم بالإجمال مآل القرآن فقط.
هكذا شاهدتُ وهو الواقع. فلا تقل: مَن كشف خواصّ البرق والبخار كيف لا يفهم أسرارَ الحق وأنوارسان أمآن؟ نعم، ليس له، إذ عقلُه في عينه، [٭]: أي لا يفهم ولا يصدّق إلّا ما يرى. والعينُ لا ترى ما يراه القلب والروح، لاسيما مع البُعد، ولاسيما عند موت اية.
انقلاب الغفلة إلى الطبيعة
طَبَعَ اللّٰه على قُلُوبِهِمِ وسَمْعِهِمْ وابصْارهِمْ
(النحل:١٠٨).
اعلم أن من أعظم كُفران النِّعم، ومن أشد وجود بالآلاء، عدمَ الشكر على ما عَمَّه وغيرَه كالسمع والبصر، أو دام واستمر كالنور والنار، أو أحاط وطمّ كالهواء والماء؛ بل إنما يشكر اللّٰه على ما يخصّه م اعلم الناس، أو يتجدد عليه، أو يندر لندر الحاجة. مع أن الأعمَّ الدائم الأدوم هو النعمة الأعظم الأتم. العموم يدل على كمال أهميتها، والدوامُ على غلو قيمتها.
اعلم أن من آياتِ أنه تعالى
واحصْى كُلَّ شَئٍ عَدداً
(الجن:٢٨ٍ في عاوي والتوازن والانتظام بين أعداد المتجاورات والمتقابلات والمتشابهات كالأصابع في الأيادي، والحبات في السنابل، والنواة في الثمرات، والأوراق في الأزهار.. فسبحان من أحصى كلَّ شيء ع، وأينحاط بكل شيء علما.
اعلم أن التلقيح والتولد مع التربية الشفيقة وظيفتان عامتان نافذتان ساريتان إلى أصغر الأشياء. لهما مكافأة عاجلة هي اللذة المودعة فيهما. فعموم جود المحسن الكريم، مع شدة شوق كل الأشياء (الثابتٌ ) في إيفاء هاتين الوظيفتين بالمشاهدة؛ يدلان على أن النباتات والأشجار والمعادن بل الجامدات أيضا لها حصة من هذه النعمة واللذة بوجهٍ يليق بها. فمراعاة المكافأة
— 399 —
والرحمة والعدل بهذه الدرجة، وسرُّ
ورق الأُسعت كل شيء
(الأعراف:١٥٦) وكثرة الروايات المؤيدات للمكافأة والقصاص في الحيوانات في الحشر؛ تشير إلى بقاء أرواح الحيوانات ومكافأتها على وظائفها التي امتثلوها بكمال الإطاعة والانقياد. [٭]: عن أبى هريرة. ولا للّٰه عنه أن رسول اللّٰه (ص) قال: "لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء": رواه مسلم برقم ٢٥٨٢ والترمذي ٢٥٣٥ (تحفة الأحوذي). (ومعنى الجلحاء: التي لا قرن لها). وأمسٍ الاقلب ترابا بعد الحشر فهو أجسادُهم. إلّا أنه يجوز أن يجتمع تمامُ نوعٍ منه -مجتمعا، أو فردا فردا- في جسد شخص مبارك، كالناقة المذكورة في القرآن، والكبش والكلب والهدهد والين.
غيرها.
اعلم أيها السعيد المسكين الحريص على بقاء الوجود، في هذه الدنيا الفانية، فرغمًا على أنفك تفنى إلّا ما أبقاه الباقي. ويزول وجودُك إلّا ما تَوجَّه إلى جهته سبحانه. وتنطفئ حياتُك،فس عباما أفنيته في سبيله.
فما دام هذا هكذا.. فقل: حسبي من البقاء أن اللّٰه المالك الباقي.. وحسبي من لذة البقاء علمي بأنه معبودي الباقي.. وحسبي من غاية البقاء معرفتي بأنه ربي الباقي.. وحسبي من البقاء وكمالِه إيماني بأنه لا تس الباقي.. حسبي من الوجود كوني أثر واجب الوجود.. حسبي من قيمة الوجود أني صنعة مَن فَطر السماوات والأرض.. حسبي من غاية الوجود، علمي بأني صبغةُة.
ّن السماء بمصابيح، والأرض بأزاهير.. حسبي من لذة الوجود، علمي بأني مصنوعُه ومخلوقُه وهو ربي ومُوجدي.. حسبي من الحياة، مَظهَريّتي لتجليات أسماء خاللى تثبت والحياة.. حسبي من الحياة وحقوقها وغاياتها، إظهاري على رؤوس الأشهاد، وتشهيري بين ذوي الإدراك من إخواني الكائناتِ، وإعلاني في سُوق العالم -بسرِّ جامعيةِ وجودي- لغرائب آثار تجليات أسماء خالق السماوات والأرض.. حسبلكلماتاية الحياة كوني أنموذجا وفهرستةً لآثار تجليات أسمائه الحسنى.. حسبي من الحياة وكمالِها إظهاري بلسان أحوالي لتجليات أسماء مَن قامت السماوات بأمره، واستقرت الأرض بإذنه..ه ونعممن لذة الحياة علمي بأني مملوكُه ومصنوعُه ومخلوقه وعبده وفقيره، وهو خالقي وإلهي وربي وفاطري ومالكي ورحيمٌ بي ومنعِمٌ عليّ.. حسبي من الكمال، الإيمان باللّٰه.. وحسبي من كل َ كلَّللّٰه".
اعلم أن في التوحيد، وإسناد الأشياء إلى الواحد سهولةً بلا نهاية، إلى درجة الوجوب، وقيمةً غالية بلا نهاية.. وأن في الشرك، وإسنادِ المصنوعات إلى الكثرة صعوبةً بلا نهاية إلى
— 400 —
درجة الامتناع، وسقوطَ قيمة، وذلّةً نازلة بلا غاية، كما ن تصرفرارا.. ألَا ترى كيف يتعاظم ما في يد الجندي مما يُنسب إلى السلطان ويعزّ منه ما هو في أمر السلطان، ويغلو كلامُه الذي هو بحساب السلطان قيمةً وأهميةً. ويتيسر بكمال السهولة "ة أخرى كل لوازمات الحياة" من خزائن الملِك وماكيناته. وكيف يتساقط ما ذُكر هباءً منثورا إن انقطع الربط بعصيان الجندي!
اعلم أن الضرَّ -كالنفع- منه.. وكذا الشر -كالخير- منه.. والموت -كالحياة- بائل الوقدره؛ إذ في موت شيء حياةُ آخَرَ أو مبدَؤها. أو هو هي. وكذا الشر والضر.
اعلم أن في روح الإنسان قابليةً -بوجهين- لِلَذّاتٍ غير متناهية وآلام غير محصورة من جهة جامعية ماهيته وكثرة جهازاته بلا حدّ، ومن جهة تلذذه بتنعمات أولاده وإخوانفاد بحبناء نوعه أو جنسه أو إخوانه من أجزاء الكائنات، وتألّمه بتألماتها.
اعلم أني قد شاهدتُ أن النظر إلى الغير مع نسيان النفس يقلب الحقائق، كالنظر في الماء يريك الأشياءَ المعنوية معكوسةً منتكسة. فات- وب تجهل تعتقد أنك تعلم.
اعلم أن ما اقتضى "تكرار بعض أجزاء القرآن" ما اقتضى تكرار الأذكار والأدعية؛ إذ القرآن كما أنه كتابُ حقيقة وشريعة وكتاب معرفة وحكمة، كذلك هو كتاب ذكر ودعاء ودعوة.. والذكرُ يردَّدأمارة!عاء يُكرَّر، والدعوة تؤكّد.
اعلم أن من مزيّات علو القرآن إيرادَ مذكِّرات الوحدة خلفَ مباحث الكثرة، والإجمال عقيب التفصيل، وترديف بحث الجزئيات بدساتير الربوبية المطلقة، ونواميسِ الصفات الكمالية ي:
إنّ الشاملة بذكر فذلكات كالنتائج أو كالتعليلات في أُخريات الآيات، لأجل أن لا يتغلغل ذهنُ السامع في ذلك الجزء الكوني المذكور، فيَنسى "عظمةَ مرتبة الألوهية المطلقة". حتى يخلّ بلوازم آداب العبودية الفكرية لذي العظمة والهيبة والكبرياء. وأين بطبسُط ذهنَك من ذلك الجزئي إلى أمثاله وأشباهه.. وكذا يريك القرآنُ بهذا الأسلوب، ويفهّمك أنّ في كل جزئي -ولو حقيرا وزائلا- سبيلا واضحا، وصراطا مستقيما، و فوق ابيضاء إلى معرفة سلطان الأزل والأبد، وإلى شهود جلوات أسماء الأحد الصمد.
مَثلُ القرآن في هذا الأسلوب كمثل من يريك قطرةَ ماء فيها شُميسة، أو زهرةً فيها تجلي
— 401 —
ألوانِ ضياء الشمس. فيريك بلا مهلةٍ "الشمسَ. خاتمابعة النهار بحشمتها، ويرفع رأسك إليها، لئلا تتشوش عليك الحال، فتتصاغرَ عندك الشمس فتصيرَ تنكرُ لوازم عظمتها.
مثلا في سورة يوسف: وفَوْقَ كُلّ ذي عِلْمٍ عَليم (يوسف:٧٦) خلف أمر جزئيعاجزا ]: المقصود: الكيد الذي دُبّر لإبقاء الأخ الشقيق الحقيقي لسيدنا يوسف عليه السلام. وكذا في سورة الحج: مَا قدروا اللّٰه حَقَّ قَدْرِهِ (الحج:٧٤) وفي سورة النور: واذا بَلَغَ الاطْفاَلُ إلى واللّٰه عَليم حَكيم (اعُ واح٩). وفي سورة العنكبوت:
وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لبيت العنكبوت لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
(العنكبوت:٤١) وأمثالها.
اعلم أن همّةَ الأولياء ومدَدَهم، وأفاعيلَهم المعنوية بالإفاضات موظفاتن الدعاء، حاليٌّ أو فعليٌّ. والهادي هو اللّٰه وهو المغيث المعين. ولقد تلمّع لي شيءٌ، لكن ما تشخص واضحا؛ وهو أن في الإنسان لطيفةً وحالة، إذا دعا الإنسانُ -ولو كان فاسقا- بلسانها استُجيب له قطعا. نعم هي لطيفةٌ إذا أقسمَت على اها. وبأبرَّها.
اعلم يا مَن يتيقن الماضي، ويشك في الآتي! اذهب بنفسك إلى عصرين من قبل، وافرض نفسَك جدَّك الذي هو في وسط شجرة نَسَبك. ثم انظر إلى أجدادك الذين هم موجودات ماضوية. ثم إلى أولادك المتسلسلين منك إليك، الذينما لا كنات استقبالية، هل ترى تفاوتا بين الجناحين؟ كلا لا ترى، لا في الانتظام، ولا في شيء يوهم وجودَ التصادف. بل كما أن الأول مصنوعٌ بعلم وإتقان يراه صانعُه، كذا هداية سيُصنَع كذلك وهو مشهودٌ لصانعه قبل كونه. فإعادةُ أجدادك ليست بأغربَ من إيجاد أولادك. بل هو أهون منه. كما قال سبحانه: وهُوَ اهْوَنُ عَلَيْه (الروم:٢٧). فقس على هذا الجزءِ الجزئي، ال[٭]: ولكلّي. لترى كل الوقوعات الماضية معجزاتٍ تشهد على أن صانَعها قدير على كل الممكنات الاستقبالية وعليمٌ بتفاصيلها ومحيطٌ وبصيرٌ بها.
نعم، كما أن هذه الموجودات الجلية ذلك الام العلوية في بستان الكائنات؛ معجزاتٌ تشهد وتنادي على أن خلّاقها على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. كذلك هذه النباتات المتلونة المتزهرة المنثیورة، وهقرة:١٥حيوانات المتنوعة المتزينة المنشورة في حديقة الأرض، خوارقُ صنعةٍ
— 402 —
تشهد بأعلى صوتها على أن صانعها على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. تتساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والشموس، ونشرُ أثمار الشجر، وحشرُ أبناء َاتِها. نعم، ليس إنشاء أزهار شجرة منشورةٌ على أغصانها الرقيقة الدقيقة بأهونَ من إنشاء أبناء نوع الإنسان على عظامهم الرميمة المتفرقة.
اعلم أنه كم من نعمة كقطرة م) والشبنظام رقيق، وميزان دقيق من كل الكون كالثمرة من الشجرة. فإن كانت معصورة محلوبة على الحقيقة مع غاية البُعد، فما المنعِم إلّا مَن في قبضته كل الكون يعصره كيف يشاء، كما هو الظاهر اد والتمشهود. فما المُنعِم إلّا الذي خزائنهُ بين "الكاف والنون". فما من نعمة إلّا مِن الذي صيّر "كن" مصدرَ الكون. وما المنة والشكر إلّا له سبحانه.
اعلم أن مما أُفيض على قلبي من فيض القرآن من كثرة التي حياءَ الأرض، وجلبِه أنظار البشر إلى التراب؛ أن الأرض قلبُ العالم، والترابَ قلبُ الأرض. وأن أقرب السُّبل إلى المقصود يذهب في التراب، من باب التواضع والمحوية والفناء. بل هو أقرب وإذا لى السماوات إلى خالق السماوات؛ إذ لا يُرى في الكائنات شيء يساوي التراب في تجلي الربوبية عليها وفعاليةِ القدرة فيها وظهورِ الخلّاقية منها والمظهرية لجلوات اسمَي الحي القيوم.
وهكذا، فكما أن "عرش الرحمة" على الماء، كروياني "عرش الحياة والإحياء" على التراب، والترابُ أجمعُ المرايا وأتمّها. إذ مرآة الكثيف كلما كان ألطفَ وأشفّ؛ تريك صورةَ الكثيف أوضحَ وأظهر وأتم. لكن مرآة اللطيف النوراني كلما كان أكثفَ؛ الوجداتجلي بالأسماء عليها أتم. ألا ترى الهواء لا يأخذ من فيض الشمس إلّا ضياءً ضعيفا. والماء وإن أراك الشمس بضيائها، لكن لا يفصل ألوانه. مع أن التراب يريك بأزاهيره مفصلَ كلِّ ماى قصور في ضيائها من الألوان السبعة ومركباتها. مع أن هذه الشمس قطرةٌ متلمعة كثيفة بالنسبة إلى نور شمس الأزل. وتَزَيُّن التراب وتبرّجه في الربيع بما لا يُحد ولا يُعد من لطيفات الأزاهير، وجميلاتِ الحيوانات المنادية على كمال ربوبيته، شاهدٌ مشهود. فإن شحتى فيظر إلى هذه الواحدة المسماة بالتركي "هرجائي منَیكشه" [٭]: نوع من الأقحوان من نباتات الظل. كيف تتصرف يدُ الصانع الحكيم في تلويناتها وتزييناتها وهي واحدة. لكن تظهر وتنظر إليك متبسمة، لا بل متعبسة في عشرين صورة.
— 403 —
فسبحان من يتعرف إلينامومها، صنعه، ويعرِّف الخلائقَ قدرته بعجائب تصرفه في التراب. ومما يرمز إلى هذا السر حديثُ "أقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد". [٭]: تكملة الحديث: "فأكثروا الدعاء" (مسلم، الصلاة ٢١٥؛ أبو داود، الصللإتقان؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٤٢١).
فإن كان هذا هكذا؛ فلا تتوحشْ من التراب وذهابِك فيه، ولا تتدهش من القبر وسكونك فيه.
اعلم أن عقلي قد يرافق قلبي في سيره؛ فيعطي القلبُ مشهودَه الذوقي ليد العقل، فيُبرزه العقلُ على عادته في صورة المبرهَن ونُشهيلي. ومن تلك الحقائق أن الفاطر الحكيم كما أنه بعيد بلا نهاية، كذلك قريب بلا غاية. وكما أنه في أبطن البطون، كذلك فوق الفوق. وكما أنه ليس داخلا، كذلك ليس خارجا.
فإن شئت فانظر إلى آثار رحمته المنثفهو يتى سطح كرة الأرض، وإلى معمولات قدرته المنشورة في دوائر صحائف الأرض لتشاهد هذا السر متلمعا من سطورها؛ إذ لابد لصانعِ ذرتين أو زهرتين أو ثمرتين أو نحلتين في مكانين في آن واحد، من بُعْدٍ أزيد من البعد بينهما. وإذا كاا يعجب الكرة والدائرة، [٭]: أي إحداهما في الكرة الأرضية والأخرى في مدارها. مع تخللِ أعظم القوس بينهما، فحينئذٍ لابد للمقابلة التامة -على التساوي الضرورية المشهودة- من بُعدٍ بلا حدّإلّا ب في وجه الظاهر وفي جانب المُلك. وأما في وجه الباطن وفي جهة الملكوت؛ فلابد لتساوي المقابلة -بلا كيفية- المشهودة، في كمال سهولة الإيجاد وسرعته، مع الجود المطلق، في الإتقان المطلق من قرب بلا نهاية، لا كقرب المركز لتفاوت نسبِ نقاط الدوائر المتداخللحبوباسبة إلى المركز. مع أنه لا تفاوت بالنسبة إلى "الموجِد" الذي أتقن كل شيء صنعا، وأحسن كل شيء خلقه.
نعم، هذا السر من خصائص دائرة الوجوب والتجرد، ومن خواصّ الإطلاق، ومن خصوصيات تجلي الأحدية في الوحدة، ومن لوازم مباينة ملمناديلفاعل الأصلي للمنفعل الظلي.
مثلا:وللّٰه المثل الأعلى إن لِذات الشمس قُربا بلا حدّ من تماثيلها في المرايا والأزاهير. إذ ذات الشمس قيّوم التماثيل، وأقربُ إليها من لصيقها، بل منلمضلة ا. وكذا لها بُعد بلا حدّ من تلك الظلال؛ إذ لا يتيسر-بل لا يمكن- قطع المسافة المتخللة بين الظل المتمكن في مرآتك، وبين الأصل.
— 404 —
فسبحان من تقدس عن الأشباه ذاتُه، وتنیزهتْ عظر إلىهة الأمثالِ صفاتُه. هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
اَللّٰهمَّ يا عدل، يا حكم، يا عليم، يا حكيم، إنه ليس في الرياح مَرّةٌ، ولا في السحاب قطرةٌ، ولا في الرعود زجرةٌ، ولا في البروقا الذّ، ولا في الرياض زهرة، ولا في الجنان ثمرة، ولا في الهواء نحلة، ولا في النبات صبغة، ولا في الحيوان صنعة، ولا في الوجود زينة، ولا في الكون ذرة، ولا في الخلق نظام، ولا في الفطرة ميزان،تسخيرهي العرش شيء، ولا في الكرسي شأن، ولا في السماء نجم، ولا في الأرض آية؛ إلّا وهي لك أدلة شهدتْ، وآيات تشهد على أنك واجب، واحد، أحد، صمد. وبراهين نيّرة شاهدات على أنك أنت اللّٰه، وأنت علام الغيوب مُخوسع كحبوب، مسخّر القلوب. جميع الخلق مقهورون تحت قدرتك، قلوبُهم في قبضتك، نواصِيهم بيدك، مقاليدُهم لديك. لا تتحرك ذرةٌ إلّا بإذنك.
يا إله الأولين والآخرين، يا رب محمّد عليه الصلاة والسلام وإبراهيم وجبرائيل وميكائيل عليهم السلام!
هة الب باسمك العظيم، وبنور وجهك الكريم، وبدينك القويم، وبصراطك المستقيم، وبالسبع المثاني، وبالقرآن العظيم، وبألفِ ألفِ قُلْ هُوَ اللّٰه احَدُ وبألف ألف "فاتحة الكتي هذا بأسمائك الحسنى، وباسمك الأعظم، وبالحجر الأسود، وببيتك المكرم، وبليلة القدر، وبرمضان المعظم، وبأنبيائك المكرمين، وبحبيبك الأكرم (ص)؛
أتهاجم أمة محمد، واشرح صدورهم للإيمان والإسلام، وسلّمنا من شر الملاحدة وسلّم ديننا، ونوّر برهان القرآن، وعظّم شريعة الإسلام.
آمين يا أرحم الراحمين..
َفْسُه
(بارك اللّٰه فيكم ألف ألف مرة ووفقكم اللّٰه)
[٭]: كتب الأستاذ النورسي هذه الجملة الطيبة بالتركية في المخطوط بخط يده.
— 405 —
ذيل الشعلة
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد للّٰه والصلاة على نبيه.
اعلم أنه لا يتستر عن الّ للمسمحض المحيط شيءٌ من الأشياء، وكذا لا يخرج أمرٌ من الأمور عن دائرة القدرة الغير المتناهية؛ وإلّا لزم تناهي غير المتناهي بالتحديد بالمتناهي، وهو محال بوجوه.
وكية وعنالحكمة تعطي كلَّ شيء الفيضَ بقدَره، كما يقال: (كلٌّ بقدره).. وإنّ بقَدر الظرف يُغترف من البحر، وإن المقدِّر القدير الحكيم لا يَشغله صغيرٌ عن كبير، ولا خطيرٌ عن حقير. وإن المحيط الظاهر القرآن المجرد عن المادة لا يواري الأكبرُ عنه الأصغرَ. ولا النوعُ الفردَ. وإن الصغير مادةً قد يكون كبيرا من جهة الصنعة. وإن نوع الصغير عظيمٌ كثير كبير. وإن العظمة المطلقة لا تقبل الشركة أصلا ولا تتحملها.
وإن ما يشاهَد من ا ثم انلمطلق في السهولة المطلقة، في السرعة المطلقة، في الإتقان المطلق، مع إرادة التعرّف التام، مع محبة ذي الجمال مشاهدةَ جمالِه المطلق وكماله المطلق وتشهيرهما، ومع الرحمة المطلقة، والغَناء المطلق بشهادلالتهاات التكوينية، ومع وجودِ ما لا يحد ولا يعد من الناظرين المتفكرين المشاهدين المعتبِرين.. يقتضي -بهذه الأسباب- بلا شك وجودَ أنواع الحوينات والطويرات أيضا، بل أَولى، إذ الصغيرُ الأدق أقربُ إلى الوجود، وإلكّلَكَرة النورانية.
اعلم يا "أنا"، إذا كان نفسُك أحبّ إليك، لأنها أقربُ إليك من كل شيء؛ فلابد أن يكون ربُّك أحب إليك منك؛ إذ هو أقرب إليك من نفسك. ألَا ترى أن ما لا يصل اختيارُك وخيالُك إليه من أسرار ما رُكّب فيك، هو حاضر مشاهََارَات.
— 406 —
اعلم أنه لا تصادف؛ فانظر إلى الرياض واستمع كيف تقرأ على الناظر بنهاية الانتظام في غاية الاختلاط، وكمال الامتياز في كمال امتزاج أشتات الأشياء.. آياتِ حكمة الصانع العليم المحيط.
اعلم أنك إلأوقاتُوَحِّدْ بنسبة كلِّ شيء إلى الواحد، تضطر إلى فرض وجود آلهة بعدد تجليات اللّٰه على جميع أفراد الأنواع في العالم. كما إذا أغمضتَ عينيك عن الشمس، وتغافلت عنها، وقطعت عنها نسبةَ الشُّميسات المتلمعات في قطرات وجمِ الحر بتجليها، اضطررتَ إلى قبول وجود شموس بالأصالة فيها بعدد تلك القطرات. مع أن القطرة لا تسع أصغر مصباح، فكيف بسراج العالم!
اعلم أنه يشاهَد للمدهدتُ أطوائف المخلوقات وأصناف المصنوعات تتسابق بالرقابة والاشتياق إلى التبرّج والتزين، للعرض والظهور، لنظرِ شاهدٍ جليل يشاهدها كلَّها، ودائما، وبجميع دقائق محاسنها؛ إذ المصنوعات تُظهِر بالمشاهدة هيئةً تتضميكون أا يتناهى من لطائفِ إتقان الصنعة الجالبة لنظر الدقة، والاستحسان والحيرة. فما هذا التهالك بالمسابقة للظهور، متزينة إلّا لأجل العرض لنظر لا يتناهى. وما هو إلّا نظر الشاهد الأزلي الذي خَلَقَ الخلق ليشاهِد في مرايا أطوارها جلوكائناتوارِ جماله وجلاله وكماله.. ثم يستشهدَ عليها شهداء تعرّفَ إليهم، بإراءة ذلك الكنیز الخفي. فأعلى غاياتِ وجود الشيء وأغلى حقوقِ حياة الحي هو المشهودلسلام ظهور لنظر فاطره، بمظهريته لآثار أسمائه. وألذُّ لذائذ هذه الحياة هو الشعور بهذا الشهود.
وأما الظهور لأنظار إخوانه من المخلوقات فهو أيضا غاية، لكن نسو الذيلى الغاية الأولى كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي.
وأما ما اشتهر بين الناس من "حق الحياة" -وهو حفظ الحياة مع نوع راحة- فأقلُّ وأصغر وأدنى وأحقورة فين يكون جزءا من ملايينِ أجزاءِ "حق الحياة"، تلك الحياة التي هي من أعلى وأغلى وأعجبِ وأغربِ وألطف وأشرف معجزاتِ قدرة الحي القيوم الأحد الصمد. بل ما هو إلّا وسيلة، وإنُ المطرف ما بقي وسيلةً، فإذا ترقى إلى المقصِدية، سقط بالزوال هباءً منثورا.
— 407 —
أتظن -أيها الغافل- أن غايةَ عجيبِ صنعةِ الرمانة مثلا، هي أكلُك ومضغك في دقيقة بغفلة.. كلا، بل إنما هي كلمةٌ أفادت معناها ، فالتِن سبحانه، وللكون؛ فوفّتْ فتوفّتْ فدُفنتْ مِن فيكَ فيك، ويكفي من الزمان والبقاء لهذه الغاية آنٌ سيال.. فلا عبثية.
وكذا فاعلم أن من له جمال فائق، فلذتُه الحقيقية في المشاهدة لجماله شهودا بالذات، وشهودا بإراءة مصنوعاته لمخلوقاته فيشهاهية ا. فيشهد أيضا في شهودهم بشهودهم. وأما لذة التفوق بملاحظة الغير فغيرُ ذاتيةٍ، بل عرضيةٌ ضعيفة، ومشوبة مخصوصة بالأمور النسبية.
وأما ذو الكمال الذاتي والجمال الحقيقي المجرد السرمدي، المحبوبُ لذاته، لذا المتشي له المثل الأعلى، فقد أخبرنا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام "أنه خَلق الخلق ليُعرف".. [٭]: وهذا مقارب بالمعنى ما ورد: "كنت كنیزا لا أُعرَف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا، فعرفتهم لي فعرفوني": لا يعرف له سند تلاحظ لا ضعيف، إلّا أن عليا القاري قال: ولكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى: (ومَاخَلَقْت الْجِنَ والانْسَ الاَّ لِيَعْبُدونِ) (الذاريات:٥٦) أي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي اللّٰه عنهما. (كشف الخفاء ٢/ ١٣٢ باختصار). أي صوّر مرايا ليش إن بايها تجلياتِ جماله المحبوبِ لذاته بذاته.
اعلم أيها الفاني، كفاك بقاءً أنك مشهودُه في علمه ومعلومُه في شهوده بعد فنائك من بعض الوجوه. البهائ" [٭]: يا هذاَ! أعطِ كل شيء لصاحبه الحقيقي وانسبه إليه. وخذه باسمه. ثم استرِح، وإلّا اضطررت إلى قبول آلهة بعدد تجليات اللّٰه كما مرَّ أبدى بل بعدد ذرات الكائنات كما مر مرارا أيضا. وكذا بعدد أجزاء التراب.. إذ أيّ جزء من التراب تراه، يصلح لحصول ما لا يعد من المصنوعات المنتظَمة المتنوعة.
فسبحان من تنیزّه عن الأشباه ذاتُه. وتقدست عن مشابهة الأمثال صفاتُه. ودلّت ة الجادانيته مصنوعاتُه. وشهِدت بربوبيته آياتُه. وأحاط بكل شيء علمُه وقدرتُه.
جلّ جلالُه. ولا إله إلّا هو.
— 409 —
الرسالة الثانية عشرة
[٭]: طبعت هذه الرسالة باللغة التركية لأول مرة بمطبعة "أوقاف" بإسطنبول سنة ١٣٣٧هی (١٩١٨م) على أبوابنوانات، ولم يدرج الأستاذ المؤلف هنا إلّا الباب الأول منها فترجمناه كاملا.
الرسالة القيمة
نُقْطَةٌ
من نور معرفة اللّٰه جل جلاله
— 410 —
إيضاح
إذا ما دخلتُ بستانا فلا أجني إلّا الأجوَدَ من الثمرات، حتى إذا ما تعبتة بإذنطفها أجد المتعة واللذة. ولو وقع نظري على الفاسدة منها، أصرفه عنها، آخذا بالقاعدة: "خذ ما صفا دع ما كدر"... هكذا أنا، فأرجو أن يكون قرّائي أيضاسلام ب
يقال: إنَّ كلامَك لا يُفهم بوضوح.
- نعم، ما حيلتي.. هكذا ترد السانحاتُ إلى القلب.. فبينما أجدني كأنني أتكلم فوق منارة عالية، إذا بي -في أحيان أخرى- أُنادي من قعر بئر عميقة.
فيا قارئي العزيز! أرجو أن جرة مثفي هذه الرسالة:
أنَّ المتكلم: هو قلبي العاجز.
أما المخاطَب: فهو نفسي العاصية.
بينما المستمع: هو ذلك الياباني [٭]: حضر القائد العام الياباني الجنرال إسطنبول سنة ١٩٠٧م. أي أواخر حكم السلطان عبد الحميد فَاسْ، ووجّه جملة من الأسئلة حول العقيدة وعلامات الساعة إلى المشيخة الإسلامية، فوجّه العلماء بدورهم تلك الأسئلة مع أسئلة أخرى إلى الأستاذ النورسي، أ خيالكما من أجوبته التي تخص العقيدة في المقالة الثالثة في مؤلفه "المحاكمات"، وفصله في رسالة "نقطة من معرفة اللّٰه جل جلاله"، وخصّ "الشعاع الخامس" للأجوبة التي تخص أشراط الساعة والدنظام االذي يتحرى الحقيقة.
وسنشير في هذه الرسالة إلى ما نقصده بالذات، وهو التوحيد، في أربعة براهين عظيمة من بين براهينه التي لا تُحصر.
آمنت باللّٰه، وملائاليمن"كتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى، والبعث بعد الموت حق، أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، وأشهد أن محمدا رسول اللّٰه.
سعيد النورسي
— 411 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحملا يؤوه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن مقصودَنا ومطلوبنا هو:
اللّٰه لا الهَ الاّ هو الحي القيوم
(البقرة:٢٥٥) فمن بَد بآيهينه الكلّية التي لا تُعدّ نورد هنا أربعة منها:
البرهان الأول:هو محمد (ص). (وقد بسطنا هذا البرهان في رسالة "شعاعات"). [٭]: "شعاعات من معرفة النبي (ص)" رسالة صغيرة من مؤلفات سعيد القديم.
البرهان الثاني:هذا الكون وهذا الإنسالقلب كبر، ذلك الكتاب الكبير المنظور.
البرهان الثالث:هو القرآن الكريم.. ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه وهو الكلام المقدس.
البرهان الرابع:الوجدان الحي، أو الفطندي الاعرة، الذي يمثّل البرزخَ ونقطةَ اتصال عالمَي الغيب والشهادة. فالفطرةُ الشاعرة أو الوجدان نافذةٌ إلى العقل يُنشر منها شعاعُ التوحيد.
البرهان الأول: وهو حقيقة محمد
تلك المجهَّزة بالرسالة والإسلام، فمن حيث الرسالة تتضمن شهادمي زندمِ إجماعٍ وأوسعِ تواترٍ لجميع الأنبياء عليهم السلام. ومن حيث الإسلام تحمل روحَ الأديان السماوية كلها وتصديقَها المستند إلى الوحي.
فالرسول الكريم (ص) يبين لَجهِهِ جمعاء وجودَ اللّٰه ووحدانيته في جميع أقواله الصادقة المصدّقة بمعجزاته الباهرة، وبشهادة الأنبياء عليهم السلام وتصديق الأديان كلها. فهو (ص) يُظهر ذلك النورَ باسم المصطفين الأخيار ما، فحيرية الذين اتحدوا في هذه الدعوة.
تُرى هل يمكن أن يتسلل الباطلُ إلى مثل هذه الحقيقة الباهرة التي تنال هذا القدرَ من التصديق، وتبصرها العيونُ النافذة في الحقائق، فتراها واضحة جلية خالصة لا شائبة فيها؟.. كلا.. ثم كلا.
— 412 —
البرهان الثالأطم و وهو كتاب الكون
نعم، إن حروفَ هذا الكتاب ونقاطه فردا فردا أو مجموعة، يتلو كلٌّ بلسانه الخاص:
وان من شيء الاّ يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤). ويبي، ثم أدَ الخالق العظيم ووحدانيته.. فكلُّ ذرة في الكون تشهد شهادة صادقة على وجوب وجود الخالق الحكيم جلّ جلالُه. فبينما تراها تتردّد بين إمكانات واحتمالات غير متناهية، في صفاتها وذاتها وأحوالها ووجودها، إذا بها تنتعش وتسلك طريقا معينا، وتتصف بصفة م الاتصوتتكيف بحالة منتظمة، وتسير وفق قانون مسدَّد، وتتوجه إلى قصد معين.. فتنتج حِكَما ومصالحَ تُبهر الألباب.. فتزيد سطوعَ الإيمان باللّٰه في اللطيفالإيضاّانية الممثِّلة لنموذج عوالم الغيب في الإنسان. أفلا تنادي الذرةُ بلسانها الخاص وتصرّح بقصد صانعها الجليل، وبحكمته البالغة؟ فكلُّ ذرة من الذرات كما أنها تدل على الخا هَمْچكيم بوجودها المنفرد وبصفاتها الخاصة وبكيفياتها المعينة: فإن هذه الدلالة تتزايد، باعتبار كون الذرة جزءا من مركباتٍ متداخلة متصاعدة، ومن حيث الإمكانات والاحتمالات التي تسلكها، إذ لهعا، فكل مركّب مقامٌ، وفي كل مقام نسبةٌ معينة وارتباط معين، وفي كل نسبة لها وظيفةٌ خاصة، وفي كل موقع تحافِظ على التوازن العام، وفي كل وظيفة تثمر مصالحَ شتى وحِكما عديدة. في كل مرتبة إذن تتلو الذرةُ بلسانها الخاص دلائلَ وجوب وجود صانعها الجليل وتُيناتٍ دَ خالقها الحكيم، وكأنها ترتّل الآيات الكريمة الدالة على الوحدانية. مَثلُها في هذا كمثل الجندي الذي له وظيفة معينة وارتباط خاص مع كلٍّ من فصيله وفرقته والجيش كله.. ألاَ في الإذن البراهينُ الدالة على اللّٰه سبحانه وتعالى أكثر بكثير من عدد ذرات الكون، فما يُقال من أن: "الطرق إلى اللّٰه بعدد أنفاس الخلائق" إنما هي حقيقة صادقةٌ لا مباكام الها قط، بل قد تكون قاصرة.
سؤال:لماذا لا يَرى الجميعُ بعقولهم الخالقَ العظيم؟
الجواب:لكمال ظهوره جلَّ وعلا، ولعدم الضد.
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلإِ الأعرض بعضيكَ رَسَائِلُ
فهذا الكتاب الكوني العظيم يتجلى فيه النظامُ بوضوح تام بحيث يظهر النّظام كالشمس في رابعة النهار، فتظهر معجزةُ القدرة في كل كلمة أو حلو نفى. فتأليفُ هذا الكتاب البديع
— 413 —
فيه من الإعجاز الباهر بحيث لو فرضنا -فرضا محالا- أن كلَّ سبب من الأسباب الطبيعية فاعلٌ مختار، لسجدَت تلك الأسبابُ جميعا -بكمال العجز- أمام ذلك الإعجاز، قائلة:
"سبحانك... لا قدرة لنا... إنك أنت العزيز الحكيم"دِمْ ل ترى أن في هذا الكتاب من النَّظم الدقيق المتشابك المتساند بحيث يلزم لإيجاد نقطة في مكانها الصحيح قدرةٌ مطلقة تستطيع إيجاد الكون كلِّه، وذلك لأن كل حرف من حروفه -ولاسيما ما كان ذا حياة- له وجهٌ ناظر إلى كل جملة من جُمل الكتاب، وله عينٌ شق بألوليها، بل إن كل كلمة فيه لها ارتباط وثيق مع كلمات الكتاب كلها..
فالذي خلق عينَ البعوضة إذن هو خالقُ الشمس أيضا، والذي نظّم معدة البرغوث هو الذي ينظّم المنظومة الشمسية.
فإن شئت راجع كتاب "السانحات" ون الفقيقة الآية الكريمة:
ما خلقكم ولا بعثكم اِلاّ كنفسٍ واحدة
(لقمان:٢٨). ولتشهد كيف يقطُر شهدُ الشهادة الصادقة من لسان معجزة القدرة، النحلِ، الذي يمثّل كلمةً صغيرة من هذاد الملب. أو إن شئت فتأمل في نقطةٍ من هذا الكتاب، في حيوان مجهري لا يُرى بالعين المجردة، لتشهد كيف أنه يمثل نموذجا مصغرا للكائنات. فالذي كتَبَه على هذه الصورة المعجزة كولها "ائنات. فلو أمعنت النظر فيه لرأيته يضم من المكائن الدقيقة والأجهزة البديعة ما يُثبت لك يقينا؛ أنه لا يمكن أن يفوَّض أمرُه إلى الأسباب الجامدة البسيطة الطبيعية التي لا تميز بين الإمكانات،
إلّا إذا توهمتَ أن في كل ذرة شعورَ الحكمابلا نهةَ الأطباء ودهاءَ الساسة والحكام، وأنها تتحاور فيما بينها دون وساطة!! وما هذا إلاّ خرافة يخجل منها الخرافيون. فلا يمكن أن تكون تلك الماكنة الحية الصغيرة إذن انعكاسعجزة قدرة إلهية. ألَا ترى أن العقول تنبهر أمامها؟ فهي إذن ليست من صنع الأسباب الطبيعية، بل من إبداع مَن يقدر على إيجاد الكائنات كلها وينظم شؤونها، إذ هو محال أن يجتمع أُس أساس تلك الأسباب المادية وهو: القولطبعة ذبة والقوة الدافعة معا في جزء لا يتجزأ للقيام بتلك الصنعة الحكيمة.
نعم، إن ما يظنونه أساسا لكل شيء من جذب ودفع وحركة وقوة وأمثالها، إنما هو ناموسٌ إلهي يمثل قوانين عادات اللّٰه، واسم لها. فهذه القوانين مقبولةٌ بشرط ألّاانُ خل من
— 414 —
كونها قاعدةً إلى طبيعة فاعلة، ومن شيء ذهني إلى حقيقة خارجية، ومن أمرٍ اعتباري إلى حقيقة مشهودة، ومن آلةِ قياس إلى مؤثر حقيقي.
سؤال:مع أن هذه الشهادة قاطعة، فكيف إذَن يعتقد البعضُ بأزلية المادة، وتشكُّل الأنجال. حركات الذرات (أي بالمصادفة) وأمثالها من الأمور؟
الجواب:لمجرد إقناع النفس بشيء آخر -غير الإيمان باللّٰه-، ولأنهم لا يدركون فساد الفكرة بالنظر السطحي التقليدي، ينشأ لديهم هذا الاحتمالُ. ولكات جميقصَد الإنسانُ وتوجّه بالذات إلى إقناع نفسه، فلابد أنه سيقف على محالية الفكرة وبُعدها عن المنطق والعقل. ولو اعتقد بها فلا يعتقد إلّا بسبب التغافل عن ااخصة إسبحانه. فما أعجبَ الضلالَ!. إنَّ مَن يضيق عقلُه عن أزلية اللّٰه سبحانه وإيجادهِ الأشياء كلها -وهي صفة لازمة ضرورية للذات الجليلة- كيف يعطي تلك الأزلية والإيجاد إلى ذرات غير متناهية وإلى أشياء عاجزة؟. فلقد اشتهرت حادثة: أنه بينما كان ابة ٤/١راقبون هلال العيد، ولم يره أحدٌ، إذا بشيخ هرم يحلف أنه قد رأى الهلال، ثم تبين أن ما رآه لم يكن هلالا بل شعرة بيضاء مقوسة قد تدلت من حاجبه! فأين تلك الشعرة من الهلال؟ وأين حركات الذرات من تشكيل الفَاتِه
إنَّ الإنسان لكونه مكرّما فطرةً يبحث عن الحق دوما، وأثناء بحثه يعثر على الباطل أحيانا فيخفيه في صدره ويحفظه. وقد يقع الضلالُ -بلا اختيار منه- على رأسه أثناء تنقيبه عن الحقيقة، فيظنه حقا، فيلبسه كالقلنسوة على رأس النورسؤال:ما هذه "الطبيعة" و"القوانين" و"القوى" التي يسلّون بها أنفسهم؟
الجواب:إنَّ الطبيعة هي شريعة إلهية كبرى أوقعت نظاما دقيقا بين أفعالِ وعناصرِ وأعضاءِ جسد الخليقة المسمّى بعال في آنادة. هذه الشريعة الفطرية هي التي تسمى بی"سنة اللّٰه" و"الطبيعة" وهي محصلةُ وخلاصةُ مجموعِ القوانين الاعتبارية الجارية في الكون.
أما ما يسمونه بی"القوى" فكل منها رة غيرمٌ من أحكام هذه الشريعة.
و"القوانين" كل منها عبارة عن مسألة من مسائلها.
ولكن لاستمرار أحكام هذه الشريعة واطّراد مسائلها توهَّم الخيالُ فجسّمها في "الطبيعة" واعتبرها موجودا خارجيًّا مؤثّرا وحقيقةً واقعية فاعلة، بينما هي أمر وجهي ذهني.
— 415 —
فترى النفوسُ التي ترى الخيالَ حقيقةً والأمرَ الاعتباري الذهني أمرا خارجيًّا ألبَست هذه الطبيعة طورَ المؤثر الحقيقي. والحال لا يقنع القلبُ بأي مبرر، ولحدٍّ ش الفكر بأي مسوغ، بل لا تأنس الحقيقة بكون هذه الطبيعة الجاهلة مصدرا للأشياء. فما ساقهم إلى هذه الفكرة غير المعقولة إلّا توهمُهم إنكار الخالق الجليل، وذلك لعجزهم عن إدراك آثار قدرته المعجزة المحيرة للعقول.
فالطبيعة؛ مطبعةٌ مثالية ك: إذ طابعة، نقشٌ لا نقاشة، قابلة للانفعال لا فاعلة، مِسطر لا مصدر، نِظام لا نَظّام، قانون لا قدرة، شريعة إرادية لا حقيقة خارجية.
فلو قدِم شخص في ريعان الشباب إلى هذا العالم البديع مالذاتي ودخل قصرا فخما مزينا بأروع الآثار، وافترض لنفسه أن ليس هناك من أحد خارج البناء قد قام بتشييده وتزيينه، وبدأ يتحرى السبب الفاعل في أرجاء القصر، ووقع بصرُه على كتاب جامع لأنظ السلطصر وخارطته، فإنه يتصور -من جهله- أن هذا الكتاب هو الفاعل، لما ينعكس في شعوره من البحث عن علّة حقيقية، فيضطر إلى هذه العلة بسبب افتراضه الموهوم مقدما! وهكذا البعض يسلّي نفسه بالطبيعة بسبب ت -التيعن الخالق الجليل، فيضطر إلى خداع نفسه بنفسه، ويتيه في مثل هذه الأمور الخارجة عن منطق العقل.
والشريعة الإلهية اثنتان:
إحداهما:الشريعة الآتية من صفة الكلام التي تنظّم أفعال العباد الاختياريةَ.
والثاجم، فملشريعة الآتية من صفة الإرادة التي تسمى بالأوامر التكوينية والشريعة الفطرية وهي محصلة قوانين عادات اللّٰه الجارية في الكون.
فكما أن الشريعة الأولى عبارة عن قوانين معقولة، فإن الشريعة الثانية أيضا لِّ ماعن مجموع القوانين الاعتبارية، والتي تسمى -خطأً- بالطبيعة فهذه القوانين لا تملك التأثير الحقيقي ولا الإيجاد اللذين هما من خواصّ القدرة الإلهية.
ولقد شرحنا -أثناء بياننا التوحيد- أن كل شيء مرتبط بالأشياء جميعا، فلا شيء يحدث من دون الوالمواجميعا. فالذي يخلق شيئا قد خلق جميع الأشياء، لذا فليس الخالق لشيء إلّا الواحد الأحد الصمد. بينما الأسباب الطبيعية التي يسوقها أهل الضلالة هي متعددة، فضلا
— 416 —
عن أنها جاهلة لا يعرف بعضها بعضا. علاوة على أنها عمياء، وليس بين يديها إلّا المصوإنْ لعمياء.. فی
قل اللّٰه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون
(الأنعام:٩١).
الخلاصة:أنَّ الإعجاز الباهر الظاهر في النظام والتناسق والاطراد المشاهَد في كتاب الكون الكبير -وهو برهاننا الثاني على التوحيد- يظهر بوضوح تام كالشمس ا يسمع أنّ الكون وما فيه ليس إلّا آثار قدرة مطلقة وعلم لا يتناهى وإرادة أزلية.
سؤال:بمَ يثبت النظام والانتظام والتناسق؟
الجواب:إنَّ العلوم الكونية التي توصل إليها الإنسانُ، هي كا منبعّ لنوع الإنسان وكالجواسيس تكشف له عن مجاهيلَ لا يصلها بنفسه. فبالإستقراء التام يمكنه أن يتوصل إلى كشف ذلك النظام بتلك الحواسّ والجواسيس. فكل نوع من أنواع الكائنات قد خصّ بعلم أو في طريقه إلى ذلك، لذا يُظهر كلُّ علمٍ ما في نوعه من انتظام ونظام ة الآي قواعده، لأنَّ كل علم في الحقيقة عبارة عن دساتير وقواعد كلية. وكليةُ القواعد تدل على حسن النظام؛ إذ ما لا نظام له لا تجري فيه الكليةُ. فالإنسان مع أنه قد لا يحيط بنفسه بالنظام كلّه إلّلنبوة،يدركه بجواسيس العلوم، فيَرى أن الإنسانَ الأكبر -وهو العالَم- منظَّمٌ كالإنسان الأصغر سواءً بسواء. فما من شيء إلّا ومبنيّ على أُسس حكيمة، فلا عبث، ولا شيء سدًى. فبرهانُنا هذا ليس قاصرا -كما ترى- على أركان الكائنات وأعضائها، بل ي بمقداخلايا وجميع الكائنات الحية، بل يشمل الذرات جميعا، فكلها لسانٌ ذاكر يلهج بالتوحيد، والجميعُ يذكرون معا: "لا إله إلّا اللّٰه".
البرهان الثالث: هو القرآن#230
خم
إذا ما ألصقتَ أذنك إلى صدر هذا البرهان الناطق ستسمع حتما أنه يردد: "لا إله إلّا هو". فبرهانُنا هذا يمثل شجرة عظيمة متشعبة الأغصان والفروع، تتدلى منها ثمرات الحق والحقيقة من كل جانب بغزارةغافله وحيوية، بحيث لا تدع لأحد أن يداخله ريبٌ من أن بذرتها الأصيلة -وهي التوحيد- قوية، حقة، حية؛ إذ لا يخفى أن البذرة الفاسدة لا تؤتي شجرتُها الثمار الفلا شك حين.
أما غصن هذه الشجرة الوارفة الممتدُّ إلى عالم الشهادة. فهو يحمل أثمار الأحكام الصائبة الحقة، مثلما أن الغصن العظيم الممتد إلى عالم الغيب غنيٌّ بالثمرات اليانعة الحقة للتوحيدجديد"،مان بالغيب.
— 417 —
فإذا ما شُوهد هذا البرهان العظيم من جميع جوانبه عُلِم يقينا أنَّ الذي يعلنه واثق كل الثقة، من نتيجته -وهي التوحيد- ومطمئن اطمئنانا لا يشوبه تردد قط، إذ يبني جميع الأمور على لا فالنتيجة الرصينة، بل يجعلها حجر الزاوية لكل شيء في الوجود.. فمثل هذا الأساس الراسخ لا يمكن أن يكون تكلّفا وتصنّعا البتة، بل يجعل الإعجاز الباهر على هذا البرهانِ لصنعيا عن تصديق الآخرين له، فأنباؤه كلها صدق، ثابتة وحق وحقيقة بنفسها.
نعم، إن الجهات الست لهذا البرهان المنير شفافة رائقة، فعليه: الإعجاز الظاهر، وتحته: المنطق والدليل، وفي يمينه: استنطاق العقل، وفي يساره: استشهاد الوجدان، أمامُه وهدفه: الخيرلك التادة في الدنيا والآخرة، نقطة استناده: الوحي المحض.. أفيجرأ وهْمٌ أن يقتحم هذا الحصن الحصين؟
وهناك أصول أربعة للعروج إلى عرش الكمالات وهلذي صُفة اللّٰه" جلّ جلاله:
أولها: منهج الصوفية، المؤسَّس على تزكية النفس والسلوك الإشراقي.
ثانيها: منهج علماء الكلام المبني على "الحدوث والإمكان" في إثبات واجب الوجود.
ومع أن هذين الأصلين قد تشعبا من القرآن الكريم، إلّا أن البشر قد أفرغهمفي يد ور شتى، لذا أصبحا منهجين طويلين، وذوَيْ مشاكل، فلم يبقيا مصانين من الأوهام والشكوك.
ثالثها:مسلك الفلاسفة المشوب بالشكوك والشبهات والأوهام.
رابعهاوأَوباتات طريق القرآن الكريم الذي يعلنه ببلاغته المعجزة وبجزالته الساطعة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق إلى اللّٰه وأقربه إلى اللّٰه وأشمله لبني الإنسان.
ولبلوغ عرش ولكتاأصل هناك أربع وسائل: الإلهام، التعليم، التزكية، التدبر.
هذا وإن للقرآن الكريم في معرفة اللّٰه سبحانه، وإثبات وحدانيته طريقين:
الأول: دليل العناية والغاية
إنَّ جميع الآيات الكريمة التي تعدّ منافعَ بهذا اء، وتذكر حِكَمها، هي نسّاجة لهذا الدليل، ومظاهر لتجلي هذا البرهان.
— 418 —
وزبدة هذا الدليل هي:إتقان الصنع في النظام الأكمل في الكائنات، وما فيها من رعاية المصالح والحِكم، إذ الامْ! ولمندمج في الكائنات، وما فيه من رعاية المصالح والحِكم، يدل على قصد الخالق الحكيم وحكمته المعجزة، وينفي نفيا قاطعا وَهمَ المصادفة والاتفاق الأعمى. لأن الإتقان لا يكون دون اختيار. فكل علم من العلوم الكونية شاهدُ صدق على النظام، ويشير إلى المصال هذا امرات المتدلية كالعناقيد في أغصان الموجودات، ويلوّح في الوقت نفسه إلى الحِكم والفوائد المستترة في ثنايا انقلاب الأحوال وتغيّر الأطوار.
فإندَؤا اانظر إلى علم الحيوان والنبات. فقد ثبت فيهما أن الأنواع التي يزيد عددها على مئتي ألف نوع، كلٌّ له أصل معيّن، وجدّ أكبر -مثلما الإنسان له أصل وهو آدم عليه السلام- وكل فرد من هذه الأنواع الوفيبتناظره ماكنة بديعة عجيبة تبهر الأفهام. فلا يمكن أن تكون القوانين الموهومة الاعتبارية والأسباب الطبيعية العمياء الجاهلة، موجِدةً لهذه السلاسل العجيبة من الأفراد والأنواع. أي إن كل فرد، وكل نوع، يعلن ات، داأنه صادرٌ مباشرةً من يد القدرة الإلهية الحكيمة.
ويذكّرنا القرآن الكريم بهذا الدليل، في قوله تعالى:
فارجع البصر هل ترى من فطور
(الملك:٣) بل يبيّنه على أفضل وأكمل وجه، إذ كما أنه يأمرنا بالتفكر في المخلوقات فإنه يقرّر في الأذهان هذا الدليلقيامةل العناية) بتعداده الفوائد والنعم، ومن بعد ذلك الإحالة إلى العقل في خواتيم الآيات وفواصلها. فينبه العقلَ ويحرك الوجدان في أمثال هذه الآيات:
.. أَوَلَا يعلمون .. أفلا يعقلون .. أفلا تتذكرون .. فاعتبروا..
الدنادِ كقرآني الثاني: هو دليل الاختراع
وخلاصته:أنَّ اللّٰه تعالى أعطى لكل فرد ولكل نوع، وجودا خاصا، هو منشأُ آثاره المخصوصة، ومنبعُ كمالاته اللائقة، إذ لا نوعَ يتسلسل من الأزل. لأنه من اان اللت، ولبطلان التسلسل. وأن الحقائق لا تنقلب بل ثابتة، والأنواع المتوسطة لا تدوم سلاسلُها، أما تحوُّل الأصنافِ فهو غير انقلاب الحقائق، إذ ما يسمّونه من تغيّر صوَرِ المادة ما هو إلّا حادث، لأن حدوث بعضها مشهود، وبعضها الآخر يثبت بالضرورة العقلية" و"اقوى والصور من حيث إنها عرضية لا تشكّل التباين الجوهري الموجود في الأنواع. فلا يكون العرَض جوهرا.
— 419 —
ففصائل الأنواع إذن وميزات عموم الأعراض وخواصّها قد أُبدع واختُرع من العدم البحت، أما التناسل في السالية:هو من الشرائط الاعتبارية الاعتيادية. فيا عجبا كيف تستوعب أذهانُ الضلالة أزليةَ المادة -وهي تنافي الأزلية قطعا- بينما تعجز تلك الأذهان عن إدراك أزلية الخالق الجليل التي هي مِن ألزمِ صفاته الضرورية؟
ثم كيف وَجَدتفلا حوتُ المتناهية في الصغر قوةً وثباتا بحيث تقاوم أوامر القدرة الإلهية وتبقى أزلية، بينما الكون بعظمته منقاد إلى تلك الأوامر انقيادَ طاعة وخضوع؟ وكيف يُسنَد الإبداع والإيجاد -وهما من خواصّ القدرة الإلهية- إء والازِ شيءٍ وأهونِه وهو الأسباب؟
فالقرآن الكريم يرسّخ هذا الدليل في آياته التي تبحث عن الخلق والإيجاد، ويقرر أن لا مؤثر إلّا اللّٰه وحده. فالأسباب لا تأثير لها تأثيرا حقيقيا، وإنما هتعالى رُ أمام عزة القدرة وعظمتها، لئلا يَرى العقلُ مباشرةَ يد القدرة بالأمور الخسيسة بنظره الظاهر، إذ إن لكل شيء جهتين:
إحداهما:جهة المُلك، وهي كالوجه الملوَّن المطليّ للمرآة، تَرِدُه الأضدادُ، وتصبح حقيرة، عظيمة، قبيحة، شريرة.. إلخ. فالأسبارة، وهذا الوجه موجودة لأجل إظهار العظمة والعزة.
والجهة الثانية:جهة الملكوت، وهي كالوجه الشفاف للمرآة. هذه الجهة جميلة في كل شيء، إذ لا تأثير للأسباب فيها، فالوحدانية تقتضي هذا. وحيث إن كلا من الحياة والروح والنور وال يصفو د خرج من يد القدرة الإلهية دون وساطة فالوجهان شفافان جميلان، أي جميل مُلكا وملكوتا.
البرهان الرابع: هو وجدان الإنسان المسمّى بالفطرة الشاعرة
لاحظ النكات الأربع التا. فال
أولاها:أنَّ الفطرة لا تَكذب، ففي البذرة مَيَلان للنمو، إذا قال: سأنبت، سأثمر، فهو صادق. وفي البيضة ميلان للحياة، إذا قال: سأكون فرخا، فيكون بإذن اللّٰه، وهو صادق. وإذا
— 420 —
قال ميلانُ التجمد في غَرفة من ماء: سأحتل مكانا أوسع، فل على أيع الحديدُ -رغم صلابته- أن يكذّبه، بل صدقُ قوله يفتت الحديد. فهذه الميول إنما هي تجليات الأوامر التكوينية الصادرة من الإرادة الإلهية.
النكتة الثانية:لا تقتصر حواسُّ الإنسان الظاهرة وصغرى، ة على الحواسّ الخمس المعروفة: حاسة السمع والذوق والبصر.. إلخ، وإنما له نوافذ كثيرة مطلّة إلى عالم الغيب، فله حواسُّ كثيرة غير معلومة. أمثال حاسة السَّوق وحاسة ل أُخرالتي لا تَكْذِب ولا تَزلّ.
النكتة الثالثة:لا يمكن أن يكون شيءٌ موهوم مبدءا لحقيقة خارجية؛ فنقطة الاستناد والاستمداد حقيقتان ضروريتان مغروزتان في الفطرة والوجدان، حيث إن الإنسان مكرم وهو صفوة المخلوقات، فلولاهما لتردى ا المكب إلى أسفل سافلين، بينما الحكمة والنظام والكمال في الكائنات يردّ هذا الاحتمال.
النكتة الرابعة:أنَّ الوجدان لا ينسى الخالق مهما عطّل العقلُ نفسَه وأهمل عمله، بل حتى لعات مك نفسه، فالوجدان يبصر الخالق ويراه، ويتأمل فيه ويتوجه إليه. والحدس -الذي هو سرعة انتقال في الفهم- يحرّكه دائما. وكذا الإلهام -الذي هو الحدس المضاعف- ينوّره دوما. والعشق الإلهي يسوقه ويدفعه دوما إلى معرفة اللّٰوكذا جى، ذلك العشق المنبعث من تضاعف الشوق المتولد من تضاعف الرغبة الناشئة من تضاعف الميلان المغروز في الفطرة. فالانجذاب والجذبة المغروز في الفطرة ليس إلّا من جاذب حقيقي.
وبعد ما تبين لك هذه النكات، أَمعِنْ في الوجدان لترى كيف أنه برهان مودَع
ولِ كل إنسان يثبت التوحيد، ولتشاهد أيضا أن قلب الإنسان مثلما ينشر الحياة إلى أرجاء الجسد؛ فالعقدة الحياتية فيه وهي معرفة اللّٰه، تنشر الحياة إلى آمال الإنسان وميوله المتشعبة في قَتي. واستعداداته غير المحدودة، كلٌّ بما يلائمه، فتُقَطِّر فيها اللذة والنشوة وتزيدها قيمة وأهمية، بل تبسطها وتصقلها.. فهذه هي نقطة الاستمداد.
والمعرفة الإلهية نفسها هي نقطة استناد للإن فمن ام تقلبات الحياة ودوّاماتها، وأمام تزاحم المصائب والنكبات وتواليها عليه،
إذ الإنسان إن لم يعتقد بالخالق الحكيم الذي كلُّ أمره نظام وحكمة، وأسند الأمور والحوادث إلى المصٍ يابسالعمياء، وركن إلى ما يملكه من
— 421 —
قوة هزيلة لا تقاوم شيئا من المصائب.. فإنه سينهار حتما من فزعه وخوفه من هول ما يحيط به من بلايا، وسيشعر بحالات أليمة تذكّره بعذاب جهنم. وهذا ما لا يتفق وكمالَ روح الإنسان المكرّم، إذ يستلزم سقوطه إلاشرات ة الذل والمهانة، مما ينافي النظام المتقن القائم في الكون كله، أي إن هاتين النقطتين: نقطة الاستمداد والاستناد ضروريتان لروح الإنسان. فالخالق اياة كنينشر نور معرفته ويبثها في وجدان كل إنسان من هاتين النافذتين -نقطة الاستمداد ونقطة الاستناد- فمهما أطبق العقلُ جفنه ومهما أغمض عينه، فعيون الوجدان مفتّحةٌ دائما.
وهكذا فشهادة هذه البراهين الأربعة العظيمة القاطعة تدلنا على: أن ال تقف إلجليل كما أنه واجب الوجود أزلي واحد أحد فرد صمد عليم قدير مريد سميع بصير متكلم حي قيوم، فهو متصف كذلك بجميع الأوصاف الجلالية والجمالية، لأن ما في المخلوقات من فحاد المال إنما هو مقتبس من ظل تجلي كمال خالقه الجليل، فبالضرورة يوجد في الخالق سبحانه من الحُسن والجمال والكمال ما هو أعلى بدرجات غير متناهية وبمراتب مطلقة من عموم ما في الكائنات من الحُسن والكمال والجمال.
ثم إن الخالق سبحانه منیزّه عن كل الة، إص، لأن النقائص إنما تنشأ عن افتقارِ استعدادِ ماهياتِ الماديات وقابلياتها، وهو سبحانه وتعالى منیزّه عن الماديات، مقدس متعال عن لوازمَ وأوصاف نشأت عن إمكان ماُ في ذلكائنات،
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
(الشورى:١١).
فسبحان مَن اختفى لشدة ظهوره.. سبحان مَن استتر لعدم ضده.. سبحان مَن احتجب بالأسباب لعزته.
سؤال:ما ترى في "وحدة الوجود"؟
الجواب: إنه استغراق في التوحيد، وتوحيدٌ ذوقي لا ينحيءٍ،
لنظر العقل والفكر؛ إذ إن شدة الاستغراق في التوحيد -بعد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية- يُفضي إلى وحدة القدرة، أي لا مؤثر في الكون إلاّ اللّٰه. ثم يؤدي هذا إلى وحدة الإدارة، وهذا يسوق إلى "وحدة الشهود" ثم إلى "وحدة الوجود". ومن بع بالوسية وجود واحد ثم إلى رؤية موجود واحد... فشطحات علماء الصوفية التي هي من قبيل المتشابهات لا تقام دليلا على هذا المذهب. فالذي لم تتخلص روحُه من تأثير الأسباب، ولم تتنظيم ل دائرتها، إذا ما تكلّم عن وحدة الوجود يتجاوز
— 422 —
حدَّه. والذين يتكلمون به إنما حصروا نظرهم في "واجب الوجود" حصرا؛ بحيث تجرّدوا عن الممكنات، فأصبحوا لا يرون إلّا وجودا واحدا، بل موجودا واحدا.. نعم، إن نموتُالنتيجة ضمن الدليل، أي رؤية الصانع الجليل ضمن موجودات العالم شيء ذوقي ولا يمكن بلوغها إلّا باستغراق ذوقي. فإدراك حقيقة جريان التجليات الإلهية في جداول الأكوان، وسريانِ الفيوضات الإلهية في ملكوتية الأشياء، ورؤيةُ تجلي الأسماء واللمعتمدي مرايا الموجودات.. أقول: إن إدراك هذه الحقائق أمرٌ ذوقي. إلّا أن أصحاب مذهب وحدة الوجود لضيق الألفاظ عبّروا عن هذه الحقيقة بالألوهية السارية والحياة السارية في الموجودات، وحينما حصر بمظانلفكر والعقل هذه الحقائق الذوقية في مقاييس فكرية وعقلية جعلوها مصدر كثير من الأوهام والأفكار الباطلة.
ثم إن بين ما لدى الفلاسفة الماديين، ومن وهنَت عقيدتُكذا ليالمفكرين من مذهب "وحدة الوجود" وما لدى الأولياء منه بونا شاسعا وفروقا كثيرة بل إنهما متضادان ونقيضان. فهناك خمسة فروق بينهما:
الفرق الأول:أن علماء الصوفية قد حصروا نظرهم في "واجلبشر؟.ود" واستغرقوا في التأمل فيه بكل قواهم حتى أنكروا وجودَ الكائنات ولم يعودوا يرون في الوجود إلّا هو. أما الآخرون (الفلاسفة الماديون وضعفاء الإيمان) فقد صرفوا كلَّ تفكيرهما، إلّم في المادة حتى ابتعدوا عن إدراك الألوهية بل أوْلَوا المادة أهميةً عظيمة حتى جعلتهم لا يرون من الوجود إلّا المادة، بل تمادوا في الضلالةهو حُكمزجوا الألوهية في المادة بل استغنَوا عنها لشدة حصرهم النظر في الكائنات.
الفرق الثاني:أنَّ ما لدى الصوفية من "وحدة الوجود" تتضمن "وحدة الشهود" في حين أن ما لدى الآخرين يتضمن "وحدة الموجود".
الفرق الثالث:أنَّ مسلك الأولياء مسل فإذا ؛ بينما مسلك الآخرين مسلك عقلي.
الفرق الرابع:يحصر الأولياء نظرهم في الحق تعالى ثم ينظرون نظرا تبعيا ثانويا إلى المخلوقات، بينما الآخرون يحصرون نظرهم أولا وبالذات في المخلوقات.
— 423 —
الفرق الِه فَرأنَّ الأولياء عبّادُ اللّٰه ومحبّوه، بينما الفلاسفة يعبدون أنفسهم وهواهم، فأين الثرى من الثريا.. وأين الضياء الساطع، من الظلمة الدامسة.
تنوير
لو افتُرض -مثلا- أن الكرة الأرضية قد تشكلت من قطع زجاجية صغيرة جدا ومختلفة التظاهرَ فلا شك أن كل قطعة ستستفيض من نور الشمس حسب تركيبها وجرمها ولونها وشكلها.. فهذا الفيض الخيالي ليس الشمسَ بذاتها ولا ضياءها بعينه.
فلو نطقت ألوانُ الأزهار الزاهية المتجددة والتي هي تجلياتتفتح كالشمس وانعكاسات ألوانه السبعة، لقال كل لون منها: إنَّ الشمس مثلي. أو إن الشمس تخصّني أنا.
آنْ خَيَالاَتِى كِه دَامِ اَوْلِيَاسْت عَكْسِ مَهْرُويَانِ بُوسْتَانِ خُیدَا اَسْتْ
[٭]: "إن الخيالات التي هي شِراكُ الأولياء إنما هي مرآة عاك من الس الوجوه النيرة في حديقة اللّٰه" والبيت لجلال الدين الرومي في مثنويه ١/ ٣.
ولكن مشرب أهل وحدة الشهود هو: الصحو والتمييز والانتباه، بينما مشرب أهل وحدة الوجود هو: الفناء والسُّكر. والمشرب الصافيو بالررب الصحو والتمييز.
"تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللّٰه وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِهِ فَإنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا"
[٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٦٤٥٦؛ اللالكائي، السنة ١/ ١١٩/١-٢؛ البيهقي، شعب معاشاان ١/٧٥.
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَافَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّیارِ ذِي الْقِدَمِ هُوَ الَّذِي أبْدَعَ الْأشيَا وَأنْشَیییأَهَافَكَيْفَ يُدْرِكُهُ مُسْتَحْدَثُ النَّسَمِ
[٭]: ينسد لربكالإمام علي كرّم اللّٰه وجهه، ديوان الإمام علي ص ١٨٥ - بيروت.
* * *
هذا ولم يُدرج هنا القسم الثاني -الذي يخص بقاء الروح- من رسالة "نقطة" حيث أ صغير قّ الإيفاء "الكلمةُ التاسعة والعشرون" و"الكلمة العاشرة - الحشر". فنحيل القارئ الكريم إليهما. أما القسم الثالث الذي هو عبارة عن أربعة عشر درسا فقد نُشر مستقلّا تحت عنوان: "المدخل إلى النور".
، ومجل425
الرسالة الثالثة عشرة
نور
من انوار نجوم القرآن
— 426 —
باسمه سبحانه
اعلم لقد كشف هذه الرسالةَ الباحثُ الدؤوب أخونا الكريم "نجم الدين شاهين أر" وذلك أثناء تحرّيه وتنقيبه عن آثار الأستاذ النورسي، فوجدها ضمن مجموعة هائلة من الأوراواتا، فرقة المدفونة تحت منصّة الوعظ في الجامع الملاصق لمنیزل الأستاذ النورسي في منفاه: "بارلا". ولمّا كانت الرسالة مؤلّفةً باللغة العربية سلّمها لي مشكورا وقد قمتُ بترجمتها إلى اللغة التركية وضممتها إلى ترجمة. أوثنوي العربي.
والمخطوط هو بخط جيّد للحافظ توفيق الشامي، وقد أجرى عليه الأستاذ تصحيحاتٍ دقيقة. والرسالة بحد ذاتها أصول موجزة وأسس ملخّصة لأجزاء من رسائل النور، ومن هنا -كقطراهمية خاصة.
وإذ أُقدّم هذا المخطوط لأخي الكريم إحسان قاسم الصالحي أبارك له عمله في التحقيق والنشر راجيا له التوفيق. [٭]: وقد وضعنا أرقام الصفحات كما في المخطوط بين قوسين مركنين.
عبد القادر بادِلّى
أورفة
* *
— 427 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
وقالوا الحمد للّٰه الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا اللّٰه لقد جاءت رسل ربننظر الق
(الأعراف:٤٣).
والصلاة والسلام على حجّةِ الحقّ على الخَلق سلطانِ الأنبياء وبرهان الأصفياء حبيبِ ربِّ العالمين وعلى آله وصحبه أبد الآبدين.
اعلم [٭]: تفصيل هذا البحث في "الكلمة الثانية والعشرين"، لاسيماجاورينة السادسة والثامنة منها. أنه ما مِنْ سهل ولا جبلٍ ولا وادٍ ولا بادٍ ولا بحرٍ ولا بَرٍّ ولا قطعةٍ ولا بقعة في أقطار الأرض إلّا وقد تزاحمَتْ ، وإلىأنواعُ سكّاتِ الأحدِ الصمدِ، حتى كأن هذا الجبلَ -مثلا- يُعلَم أنه مملوكُه سبحانه، بعدد ما فيه من مماليكهِ المتوطنةِ فيهِ من أقسام الحيواناتِ وأصناف الأشجار.. العليمُعرَف أنّه مصنوعُهُ تعالى بعدد شهاداتِ ما ضُرِبَ عليه من سِكّاتهِ المتلألئة عليه من أجناسِ النباتات وأنواع الطيور.. ويُفهَم أنَّهُ مكتوبُهُ جللو كانله بعدد ما ضُرِب على جوانبهِ من خواتمهِ سبحانَهُ من مُزيّنات الأزهار وجميلات الأثمار.
فإذا عَرَفْتَ أن النَّحلَ والنَّخلَ -مثلا- مالُهُ وصُنعه سبحانه تَعرفُ أنّ كل ما يوجَد فيه نحلةٌ أو نخلة هو أيضاادية: . وهكذا الكل شاهدُ الكلِّ. وكلٌّ دليلُ كلٍّ.
والدليل على أنّ السِّكّاتِ والخواتمَ في جميع الأقطار لِمَلِكٍ واحدٍ ومالكٍ صمدٍ وحدةُ زمانِ ضَربها ووضعِها. ففي آنٍ واحدٍ يُوجَد ما لا يُحدّ في أقطاى كُلِض من المتماثلات من أجناس الأشياء. فما هذا التوافقُ في الوجود والإيجاد والصورة والإنشاء والزمان إلّا لأن صانعَها واحد أحد لا يمنعُه فعل عن فعل ولا يشغله شأن عن شأن ولا يلهيه قول عن قول ولا يختلط عليه سؤال -قولا أو ى المعأو استعدادا- بسؤالٍ كذلك، جلّ جلالُه ولا إله إلّا هو.
اعلم [٭]: توضيح هذا البحث في "الكلمة الثانية والعشرين" وبخاصة اللمعة الرابعة والثامنة، وكذا اللمعة الثالثة والعشرون، رسالة "الطبيعة". أنّك إن شئت أن ترشُلمؤمن زيةً أُفيضتْ على قلبي من عُمّان القرآن.. فاستمعْ بقلبٍ شهيد ما أخاطب نفسي.
— 428 —
أيها السعيد الغافل حتى عن نفسه وعن غفلته! إنَّ الغفلةَ والكفرانَ والكفرَ تأسسّتْ على محالات متضاعفة متسلسلة ما قرأصورة؛ إذ إذا نظرتَ إلى أيّ شيءٍ كان -لاسيما من ذوي الحياة- ثم غفلتَ بسبب عدمِ الإسناد إليه تعالى (أي إلى الإله الواحد) لَزِمتك هذه المحالات العجيبةُ بقبولِ آلهاتٍ بعدد أجزاء التراب والهواء والماء، بل بعدد الذا هو بركباتها، بل بعدد تجليات اللّٰه.. ولو أمكن عدمُ الإسناد لما لَزِم من فرضِ وقوعِهِ محالٌ -إذ إذا لزم المحال فهو ممتنعٌ، لا ممكنٌ، مع أنه لا يلزم محال واحد- بل محالات غير محصورة.
أمّا لزومُ آلهاتٍ احق الأجزاءِ التراب، فلأنّك تعلم أن أيّ جزء من التراب ترى، يصلُح لحصول أيِّ نبات وشجر وأيَّة زهرة وثمرة.. فإن شئتَ عينَ اليقين فاملأ قصعتك هذه من التراب.. ثم ادفن فيها نواة التين حتى تتشجّر تينةً مثمرة.. ثم اقلعها واد بلساندَلَها نواةَ الرمانةِ. ثم بعدُ نواةَ التّفاح.. ثم.. وثم.. وثم.. حتى تستوعب جميعَ الأشجار المثمرة، وقد ترى كم ما بينها من التفاوت في الجهازات المنظممرار عشكلات الموزونة.
مثلاً:لو كانت "الماكينة القَدَرية" المندمجة في نواة التينة "كالفابريقة" التي تصنع السكّرَ من النباتاتِ، لكانت "الميكانيكية القُدرتية" المندرجة في نواة الرمانة كالماكي ترتيتي تنسج الحرير وهكذا فقس. ثم ادفن بدلَ نواة الأثمار كلَّ واحد من بذور الأزهار، بذرا فبذرا، واحدا بعد واحد إلى أن لا تبقى بذرة في الدنيا إلّا وقد دخلتْ في قصعتك ذرّةً ميتةً جامدةً ثم خرن دون ةً متسنبلةً متزهّرة.
فيا صاحب القصعة إنْ حصلتْ غفلتُك من مذهب المادّيين؛ لزِمك البتة وبالقطع واليقين الأوليّ -لإدامة غفلتك- أن تقبل وجودَ "فابريقات" معنوية بعددَ مزكاار "وماكيناتٍ" بعدد الأزهار في قصعتك هذه. فلو كان المرجع "الطبيعةَ" لزم أن يكون للطبيعة في كل جزء من التراب بل في ذرّةٍ مطبعاتٌ غير محصورة.. وما النواتات والبذور إلّا أمور متماثلة في المادة، ومشابهة في التشكيل، ومتقاربة في مَعرل.. وما هي إلّا كمثل مثقالٍ واحد من قطن مع أنه يُنسَج منه قناطيرُ مقنطرة من أثواب الحرير والجوخ والصوف وغيرها. وآيةُ
خَلَقكم من نفس واحدة
(النساء:١) وآيةُ
خَلق كلَّ دابةٍ من ماء
(النورلغة فيغيرهما، تشير إلى أن المادة التي تُخلَقون منها لمّا كانت واحدة لا مركبةً كمثل أحدِكم بل أصغر، لا
— 429 —
يمكن أن تكون مصدرا تنشقّون منه أو منشأً تُصنَعون منه، للزوم كونِ اا يعتم منه أكبرَ أو مساويا للمصنوع، على أن إيجاد البذور والنواتات -التي كل منها مع بساطتها كأنها مِسطر قُدّرت خيوطُه بهندسة القَدَر، ومع صغرها كأنّها أصل متضمن لمجموع دساتيرِ وجودِ ما هو كأصلها- مع إبداعها في رقائقِ نهاياتِ دق قصعةَدودِ أغصان الشجر وأعضاء النبات.. من أصدقِ شاهد على أن خلْقَها هكذا لا يُتصوّر إلّا ممن خَلق السماوات والأرض، الذي تتساوى بالنسبة إلى قدرته الذراتُ والشموس.
وإن نشأتْ غفلتُك موالأبا الطبيعيين، لَزِمك لحفظِ غفلتك -إن كنتَ ذا شعور- أن تقبلَ في قصعتك وجودَ قدرةٍ بصيرةٍ خارقةٍ، بحيث تقتدر على تصوير جميع الأثمار والأزهار وإنشائها وإبداعها.. وكذا وجودَ علمٍ محيط بتفاصيل خواصّها وا للّٰتها.. وكذا وجودَ إرادة علمية بتفاريق موازينها ولوازماتها.. وهكذا من سائر الأسماء المطلقة المحيطة التي لا يمكن أن يكون مسمًّى لها إلّا مَن يطوي
السّماء كطيّ السّجل للكتب
(الأنبياء:١٠٤) ومَنْ؛ كما أن الأرضَ قبضتُه يتصرف فيها كيفما يريد، لساقطةلقلبُ بين إصبعيه يقلّبه كيفما يشاء، لا يشغله كبير عن صغير، ولا يلهيه خطير عن حقير.. وإلّا من يتجلّى بنور قدرته على العرش والشمس والذرّ، باليُسر والتساوي؛ كانعكاس الشمس عقُلْ حر والمرآة والقطرات بكمال السهولة والمساواة في ماهية الفيض وإن تفاوتت الكيفيةُ التابعة للقابلية.
كما يشهد لهذا السرّ ما يشاهَد في الربيع من الجود المطلق نوعا.. في الإاصي أتلأكمل -شخصا-، في السهولة المطلقة، في السرعة المطلقة في إيجاد ما لا يحدّ من أفرادِ ما لا يُعدّ من أنواع الأزهار والأثمار المنثورة والمنشورة في غالب وجه الأرض في زمان واحد.
ثم أفرِغ قصعَتك في هذا امن أسمواملأها من صُبرة الأرض واعمل في هذا أيضا كل المعاملة الجارية في أخيه الأول، ثم جدِّد الكيل والمعاملة إلى أن تكيل كلَّ التراب.
كما يشهد لمساواة المعاملة في لمصلحةيلٍ جريانُ المعاملة بالفعل في الجملة في غالب وجه التراب بظهور أشتاتِ أفرادِ كثيرٍ من الأنواع في ما صادفته من صفحات التراب في سيرك في الأرض.
— 430 —
ف).
توجّه إلى الهواء والماء والضياء فَزِن وكِلْ بقسطاس قصعتك تخرج لك النتيجةُ سواءً بسواء.
هذا بالنظر إلى جميع أفراد جميع الأنواع، والحال أن كل فرد واحد من كلّ زهرة وثمرة وحيوانوجهِهايْنَةٍ كقطرة محلوبةٍ معصورة من كل الكون، ومأخوذة من أجزاء العالم بموازين دقيقة حسّاسة وبنظامات رقيقة جسّاسة لا يقتدر على خلقها هكذا إلّا مَن في قبضته تصرُّف َد إلىكون، فيعصر تلك القطرةَ من تلك الكائنات بموازين ومقادير قَدَره إن شاء النشوّ، [٭]: النشوء: النماء. أو يُبدعُ مثالا مصغرا يكتب في نسخته مآل ما في الكائنات، إن أراد الإبفقط، وإيجاد الأيس من الليس، [٭]: الأيس: الوجود. والليس: العدم الصرف. كما هو الحق أو الأكثر المطلق.
وأما لزوم ذي الكفر والكفران آلهةً بعدد ذرّات العالم، فقد مرّ في "حَباب" و"قطرة" وغيرهما.. (٤) شأنُهعدد تجليّات اللّٰه، فقد مرّ في ذيل "شعلة" زبدتُه؛ كما أن تماثيلَ الشمس المتجلية على الشفافات والقطرات إذا لم تُسند إلى الشمس الواحدة بالتجلّي السهل، لزِم قبول شموس بالأصالة في كلّ شفاف وقطرة مداها تشمسة.
فإن تفهمتَ ما تلوتُ على نفسي، تفطنتَ للمعةٍ من أنوار إعجاز بيان القرآن من جهةِ المعنى، إذ هذه المسألة رشحةٌ من رشحات بحر إعجازه الزاخر المعنوي.
اعلم [٭]: "الكلمة الثالثة والعشرون" توضحية -اللمبحث. أن الإيمانَ إكسيرٌ يقلِبُ فحمَ المادة الفانية ألماسا مصنّعا مرصّعا باقيا بمعناه بنسبته إلى الصّانع الباقي.. والإنسانُ بالكفر يعكس فينتكس، إذ كما يت بعضجد في مصنوعات البشر ما تكون قيمةُ مادته خمسةَ دراهم، وقيمةُ صنعته ألوف الدنانير، وتتزايد القيمة بكون صانعه شخصا مشهورا خارقا عتيقا. كذلك في مصنوعات الصانع القديم
الّذي خَلقَ ال#43
ذوات والأرض في ستّة أيّام
(الأعراف:٥٤) وزيّن السماءَ بمصابيحَ، والأرضَ بأزاهير. بل من أغرب مصنوعاته "الإنسانُ" الذي مادتُه "صلصالٌ كالفخار" ينكسر ويتمزّق بسرعة، ما قيمتُه إلّا شيءٌ قليل.. وأما ما فيه من الصنعة فأمرٌ عظيمٌ تزيد قيمتُها على قيمْكَ الدة بدرجات لا تعد ولا تحصى.. إذ الإنسانُ بنقش الصنعة قصيدةٌ منظومةٌ من لطائف آثار جلوات الأسماء الحسنى.. ومرآةٌ مجلوةٌ لتجلياتِ أشعّاتِ شؤونِ شمس الأزل والأبد.
— 431 —
فالإيفوقه فبةٌ يَنسِبُ الإنسانَ إلى مالكه، وجهةُ النسبة إنما تنظر إلى الصّنعة، فيكون مدارُ النظر حينئذٍ إلى المصنوعية والصنعة. فبالإيمان تزيد قيمةُ الإنسان إلى أن تصيرَ الجنةُ ثمنَه، وتكون الخلافةُ رتبتَه، ويطيق على حمل ائرة ال.. وأما الكفر فهو قاطعُ النسبةِ، وقاطعُ الوصلة.. فإذا انقطعت النسبةُ استتر الصنعُ، وانتكست الصنعةُ واختفى التجلي، وظهرت المادةُ، وانقلبت المرآةُ، وسقطت القيمةُ إلى دركة يتمنّى الكافرُ والتعَ، أو ينقلبَ ترابا.
الحاصل:
أنَّ الإنسان كماكينةٍ مشتملة على ملايينِ آلاتِ الوزنِ وميزاناتِ الفهم، توزَن بها مدّخراتُ خزينة الرحمة، وجواهر ثروة العين جنلخفي، حتى أُودعَ في اللسان فقط جهازاتٌ للوزن بعدد المطعومات، ليُحِسَّ ذوو اللّسان بأنواع دقائقِ نِعَم الحق. فإذا استعمل تلك الماكينةَ أمينُ يمين يُمن الإيمان أثمرت ثمراتٍ وأورثت آثارا عند مَن لا يضلّ ولا ينسى.. وأما إذا ما وقعت زقكم، الكفر صارت كمثل ماكينة غالية القيمة بلا مثيل، أخَذَها وحشيّ لا يعرف ما هي، فاستعملها في خدمة النّار -كآلة عادية- حتى أحرقها.
فيا مَن بيده ملكوتُ كلِّ شيء، وبيده مقنوى. أكل شيء، ويا مَن هو آخذٌ بناصيةِ كل شيء، ويا مَن عنده خزائن كل شيء، لاتكِلنا إلى أنفسنا، وارحمنا، ونوّر قلوبَنا بنور الإيمان والقرآن.
إن وَعدَ اللّٰه حقٌ فلا تَغرنّكُمُ الحياةُ الدنيا ولا يَغرنّكُم باللّٰه الغرور
(لقمان:٣٣)
َمَرِ م [٭]: "الكلمة الثامنة" توضح هذا المبحث بتمثيل لطيف. أيها السكران السفيه الغافل الضّال! تورطتَ في مزبلة الدنيا فتُريد إضلالَ الناس بتصوير تلك المزبلة معدنَ السّعادة ليتخَفّف عنكالمُبيأمكن لك قلبُ أربعِ حقائق فاصنع ما شئت.
أحدها:الموت؛ مع أنّك لا تقلِب، بل تبدّل الموتَ الذي هو تبديلٌ لمكان في نظر المؤمن إعداما أبديا.
والثاني:العجز؛ في مقابلة الحاجات والأعداء الغير المحصورين، مع أنك تحوّل العجزَ المنجر ل اللتيد إلى القدير المطلق -كأن العجزَ داعٍ يدعوك إليه- إلى عجز مطلقٍ مع اليُتم وعدم نقطة الاستناد.
— 432 —
والثالث:الفقر؛ في الأكثر المطلق، مع أنك تصرِف الفقر -الذي هو وسيلة التوخصوصي خزينة الغني المطلق كأن الفقر تذكرةُ دعوة- إلى فقرٍ مظلمٍ مؤلم متزايد بتزايدِ رذائل المدنية.
والرابع:الزوال؛ إذ زوالُ اللذة ألمٌ دائم. فلا خيرَ في لذفهؤلاءتدوم. مع أنك تحوِّل الزوال -الذي هو وسيلة الوصول إلى اللذة الباقية إن قارنَ نيةً صالحة- زوالا أليما، لا إلى بديلٍ، مورثا آلاما وآثاما. فمَن ينتظرُ الموتَ دائما، ويحيط به العجزُ، ويستولي عليه الفقر، وهو على جنبة إلىفر.. إنما ينخدع بسفسطياتك حالةَ السُّكر فقط، والسُّكر لا يدوم. (٥) فالتي تسمّيها سعادةَ الحياة، هي عينُ شقاوةِ الحياة من كل الوجوه، وإنما تكون سعادةً ظاهرية بشرطعند ربلموت أو نسيانه على الإطلاق.. ورفعِ العجز أو الغرور المطلق.. ودفعِ الفقر. أو الجنة المطلقة ودوام الخلود أو تسكين جرخ الفلك.
نبّهني اللّٰه وإياكم عن نوم قريبةٌ الذي تظنون فيه اليقظةَ الكاذبة -التي هي انغماسٌ في غمرات النوم- انتباها، وأفاقني اللّٰه وإياكم من الجنون المطلق الذي تتوهمونه عقلا منورا.
اعلم ذا إن كيف أدرجَ الصانعُ القدير ملايينَ عوالمَ من أنواع الحيوانات والنباتات في سطح الأرض، كلُّ عالَمٍ كبحرٍ صارت قطراتٍ للتوظيف، كتوظيف النمل لعين وتوجه الأرض من جنائزِ الحُوَينات. وقد أطبقت تلك القطرات على وجه الأرض.. أو ككلٍّ ذي أجزاء صار ككلّيّ ذي جزئيات.
كما أن الماءَ والهواء والضياء والتراب لاسيما الثلج كقطراتٍ صارت بحرا، لتماثُل الوظيفة، ووحدةِ الأمر، وتلقي الأمر الوحداني. فأف إليهلأربعة ككلياتِ تلك مشعورةٌ معلومة موظفةٌ. فتداخلت تلك العوالمُ الغيرُ المحصورة واختلط الكل بالكل واشتبك، مع أن الصانعَ الحكيم ميّز كلَّ واحدٍ عن كلِّ واحدٍ بتشخصّاته المخصوصة ولوازماته المشخّصة، فأظهر ن الخلقالامتياز في غاية الاختلاط، بحيث يَضعُ عالمَ النمل أو الذباب -مثلا- فيما بين أجزاءِ عوالم ذوي الحياة بإيجاد يخصّه ثم يرفعه بإماتة تخصّه، كأن سطحَ الة اللقنُه فقط، فلا تتشوشُ حياةُ الخاصة ولا مماتُها المعيّن. فنسبةُ عالَمٍ إلى سائر العوالم المجاورة له، كنسبة حُسن انتظامِ تربيةِ فردٍ -مغمور في الأفرادوفُ، لتدبير النوع. لا يشغل الصانعَ هذا عن ذاك، ولا ذاكَ عن هذا.
— 433 —
فيا مَن غشى بصرَه بالطبيعة! وختم قلبَه بالطبع! إنْ تصورتَ الطبيعةَ الموهومة -التي لو تحققت لكانت كالمطبعة- طابعةً صانعةً لَزمك أن ترى للطبيعة في كلّ جزءٍ من التراب مطبا كلهامَّلات تزيد على جميع مطابع المدنيين.
اعلم أيها الحيوان! لا تفتخر هكذا على النبات؛ إذ تفنُّن الصنعةِ في أختك أتمُّ منها فيك. ألَا ترى أن أجناسَ الحيوانات متقاربةٌ أو متماثلة في لحومهم مع أن لحومَ أجناسِ الثمراتِ حتى والتصها بل حتى أصنافها متفاوتةٌ متخالفة؟ فهذا أمارةٌ على أن قلمَ القُدرة تأنّقَ فيها. وكذا إنَّ بركةَ النسلِ في الحيوانِ والبشرِ إذا كانت سبعالانات لنباتِ والشجر سبعون، وسبعُ مائة، وسبعة آلاف. إلّا السمك فإنه -لأجل ضعف الحسيات الحيوانية فيه- ملحَقٌ بالنباتات. تشير هذه الحالة إلى أنه للإطعام كالحَبّ.. فهذا علامةُ الخيرة
أهمية فيه.
وكذا إن أُختك النبات والشجرَ مخدومةٌ متوكِّلةٌ، يجيء إليها رزقُها ورزقُ أولادِها الكثيرة. حتى كأنَّ جرثومةَ كلِّ شجرٍ متصلةٌ بخزينة الرحمة، لها منها منفذٌ إليها. فتقسمُ الرحمةُ عليها ما يلإنسانحاجاتِها المتخالفةَ فتعطي لأولاد التين لبنا خالصا، ولِبَنَات الرمّان شرابا طهورا، ولأبناء الزيتون دهنا مباركا.. وللجوز زيتا منوّرا.. وهكذا فهذا آية "الحُرمة". [٭]: أي الإذ هو والتقدير.
فيا أيها الحيوان المتكبر إنّ سبب ترجيحِ مرجوحِك بمراتِبَ، عليك بثلاث مراتبَ هو أنانيتُك ومرضُك واختيارُكَ فأسْلِمْ تسْلَمْ. وخُلِقَ الانسانُ ضعيفاً (ان أمسِ٢٨)
اعلم [٭]: "الكلمة الثالثة والعشرون" توضح هذا المبحث بتفصيل. أيها الإنسان! لا تتكبّر على الحيوان، إن سببَ رفعتِك على سائر الحيوانات إنما هو ضعفُك وعجزك، كما أنَّ الصب غير حكم على والديه وإخوانه بقدرة عَجزه وقوة ضَعفه.. هل ترى في الحيوانات أعجزَ منك في تحصيل لوازمات الحياة، بل ما يحصل لك بالتجارب والتدرّس في اء، كلسنةً -مما يلزم لحفظ حياتك- يحصل للحيوان في عشرين يوما، وبعضا في عشرين ساعة، وبعضا في عشرين دقيقة، بل فردُه برأسه يساوي في حفظ الحياة الحيوانية جماعةً متعذَراتهمنكم. كما أن فردا منكم يساوي أنواعا منهم، من جهة كمال الإنسانية المنحصرة في الإسلامية والعبودية.
— 434 —
يا هذا ويا أنا! إمّا تصير أدنى من أدنى الحيوانات وأذلَّ وأعجَزَ. وإمّا تصير أعزَّ وأكمل. لكن نواعها. فاختَر ما شئت.. فإذ هذا هكذا فاعرف عجزَك وضعفك. واعلم بأن قدرتَك وقوتَك في الدعاء والبكاء لدى مالكك.
وأما ما تفتخرُ به من المصنوعات الإنسانية فمن أثَرِ إلهأيها اَلْقه وإكرامه، ليجمعَ بك أشتاتَ الأنواع المتخالفة، لإظهار حُسنٍ غريب، وإيجادِ كتابةٍ عجيبةٍ، وتشهير مصنوعاته المختلفة مجتمعةً، وإذاقة مراتبِ اها با الحاصلة من تمزيج بسائط النعم بهندسةِ هَوَسات الإنسان.
اعلم [٭]: راجع إن شئت توضيحا لهذا المبحث "الكلمة الرابعة والعشرين-الغصن الثالث". يا مَن يتوسوس من اختلافات. [٭]يات في أمثالِ مسألة المهدي، وقرب الساعة والملاحم الاستقبالية! أتريدُ إيمانا ضروريا في كل مسألة؟ حتى في المسائل الفرعية التي ليست من ضروريات الاعتقاد؟! بل يكفي فيها القبول التسليمي، وعة، ومردّ، لا الإذعان اليقيني القصدي حتى تحتاج إلى طلب البرهان القطعي.
ألاَ تعلم أن متشابهات القرآن كما تحتاج إلى التأويل كذلك مشكلات الأخبار تحتاج إلى التعبير والتفسير؟ فإذا صادفَك روايةٌ مخالفةٌ للواقع -في نظرك الظاهري- فمعقلب.
لِ أن تكون من الإسرائيليات، وأن تكون من أقوال الرّواة، وأن تكون من مستنبَطات الناقلين، وأن تكون من كشفيات الأولياء المُحدّثين المحتاجةِ للتعبير، وأن تكون من المسموعات المتعارَفة بين الناس، يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام لا للتي صحيفلسماوي بل للمصاحبة العُرفية للتنبيه.. يلزم الناظرَ أن لا يَقْصر النظرَ على الظاهر، بل يؤوّلَ بتأويل تمثيلي كنائي مسوقٍ لمقصدٍ إرشادي.. أو يفسّرَ بتعبير كتعبير النائم في نومه ما رآه اليقظانُ في يقظته..يقوله تُعبّر أيّها اليقظان ما رآه النائم، كذلك فعبِّر أيُّها النائم -إن استطعت- في غفلة هذه الحياة ما رآه اليقظانُ الذي لا ينام قلبُه الذي هو مظهرُ
مازاغ البصر وما طغى
(النجم:١٧).
ثم إن الحكمة زم حينام أجَل الشخص وموتهِ.. "لينتظرَه دائما فيستعدَّ لآخرته" هي الحكمة في إبهام الساعة، التي هي موتُ الدنيا لينتظرَها أبناءُ الدنيا.
ومن هذا السر؛ انتظَرَها أهلُ كلّاديلِ من عصرِ السعادة إلى الآن، كما هي الحكمة
— 435 —
الدافعة للغفلة العامة، وهذا الانتظار من هذه الحكمة، لا من إرشاد النبوة في التعيين والحكم بالانتظار لب لنفس بل بالانتظار الذي يقتضيه الإبهام لدفع الغفلة. ولقد سها مَن لم يميّز الحكمةَ من العلّة.
وأما المهديُّ، فلِتقوية القوة المعنوية وردّ اليأس عند استيلاء الضلالة، ولتشجيع ذوي الهمم المجدّدين في الانسلاك في سلك نوراني إمامُه ورأسُه المنى وثَي اللّٰه تعالى عنه. فهذه الحكمة تقتضي الإبهامَ ليُمكن الانتظارُ في كلّ زمان.
اعلم [٭]: المسألة الثالثة من "رسالة الثمرة - الشعاع الحادي عشر" توضح هذا المبحث. أيها المسلم في الظاهجه البسمِ! مَثَلُك في تقليد الكفار في السفاهة ومعارضة الأحكام الإسلامية، كمثل فردٍ من عشيرة يرى رجلا عدوّا من عشيرة أخرى يَذمُّ عشيرةَ الأول ويزيّف رئيسَها ويحقّر عذاك جب، مستندا إلى عشيرته متمدِّحا بمفاخرها. فيظنّ ذلك المسكين أَنْ لَو ذمّ هو أيضا عشيرةَ نفسِه وحقّر عاداتها صار كذلك الرجل العدو! ولا يعرف ذللطريقةهُ بهذا الردِّ والارتداد، إما مجنونٌ جريء أو رذيل دنيء يكسر ظهرَهُ فيصير يتيما طريدا.
ألا ترى أن الشخص الأوروبائي ينكر محمّدا عليه الصلاة والسلام ولكن يتسلى "بالخرستيانية" [٭]: لجود ايانية: كلمة يونانية يقصد بها: النصرانية. المموّهة وبمدنيتهم المخصوصة الممزوجة بعاداتهم الملّية، فيمكن أن يبقى في روحه بعضُ الأخلاق الحسنة الدنيوية، ربي" ولهمم العالية لأجل هذه الحياة الدنيوية. فلا يرى بسبب هذا التسلي ظلماتِ روحِه ولا يُتْمَ قلبِه.
وأما أنت أيّها المرتد! إن أنكرت محمدا علآثاره لاة والسلام وآثاره لا يمكن لك قبولُ واحدٍ من الأنبياء. بل ولا قبولُ ربّك، بل ولا قبولُ شيء من الكمالات الحقيقية. فانظر إلى دهشة التخريبات في روحك، وأبصرْ شحة السلمات في وجدانك، ووحشة اليُتم واليأس في قلبك، وعن قريب يترشح قبحُ باطنِك إلى ظاهرك فيصير حُسنُكم وجميلتُكم المرتدّة أقبحَ من أقبح كافر. فالمرتدُّ محرومٌ من الحياتين دون الكافر، إذ الكافرُ لهُموذج احياةٍ إن لم يُحارِبْ.
اعلم [٭]: إن شئت التفصيل راجع "الكلمة الرابعة عشرة". يا من يضيق صدرُه ولا يسع فكرُه عظمةَ بعضِ المسائل من الحقائق القرآنية كأمثالِ
خَلقَ السمییوات والأرضَ في ستة أيام
ا، وبص٣) و
وما أمرُ السّاعة اِلاّ كَلَمْح البَصَر
— 436 —
(النحل:٧٧) و
مَا خلقُكم ولابَعثُكم الاّ كَنَفسٍ واحدَةٍ
(لقمان:٢٨) و
ثم نُفخ فيه اُخرى فاذا هم قيامٌ ينظرون
(الزمر:٦٨) و
يومَ نطوي السّماءَ كطيّ السجل للكُتُب
(الأنبياء:١٠٤) وأمثالها.ذ تُشاإن كتابَ الكونِ المشهود بآياته الشؤونية تفسّر تلك الآيات القرآنية، وتقرِّبُها إلى فهمك بإراءة كثيرٍ من نظائرها المشهودة لعينك، في تلافيف اختفيها اليل والنهار، وفي معاطفِ تحولِ الفصول والأعصار.
فإن شئت الشهودَ فافتح كنیزَ آيةِ
فَانْظُر إلى آثار رَحمتِ اللّٰه كيفَ يُحيي الأرضَ بَعد مَوتها اِنّ ذَلك لمَحيي االلّٰه
(الروم:٥٠) لترى بعينك ما لا يُعد من المسائل العظيمة نظائرَ ما استبعدتَ!
مثلا:
تشاهِد في الحشر الربيعي إحياءَ آلافِ عوالمَ من أنواع الن]: أصلوالحيوانات التي ماتت في القيامة الخريفية، وإيجادَ كلٍّ منها بنظامات مخصوصة وموازينَ معينة في أيام معدودة. مع أن لكلِّ واحدٍ من أكثر تلك العوالم وسعةً بحيث يُزيّن أكثر وجه الأرض كبرقعٍ منمنم.. وهكذا ممام بهيحد ولا يحصى من الشّواهد المشهودة الصادقة.
فمما لا يحدّ من تلك العوالم انظُر إلى عالم الشجر.. ومما لا يعد من أنواعها إلى نوع شجر التفاح.. ومما لا يحصى من أفرادها إلى هذه الشجرة! لترى ثلاث حشرٍ ونشرٍ [٭]:ظرف، واثة أنواع من الحشر والنشر. متعاقبة متداخلة.. بنشر أوراقها المهتزّة المنتظَمة.. وحشرِ أزهارها المزينة المنظومة.. وإحياءِ أثمارها اللذيذة الموزونة.د. [٭يفعلُ هذه الأفاعيلَ في سطح الأرض ويكتب بتقليب صحيفةِ الشتاء أُلوفَ صحائفَ كصفحة الأرض في الوسعة، هو الذي يُخبر عن نفسه بأنّه
خَلَق السموات والارضَ في ستة أيام
إلى آخر ما مرّ.
اعلم [٭]: "المة إلى لثامنة من رسالة الثمرة" فيها بيان قيّم لهذا المبحث. أن لكل أحدٍ علاقاتٍ بالمحبة والشفقة مع أقاربه، ثم مع أفراد عشيرته، ثم مع أفراد ملّته، ثم مع أفراد نوعه، ثم مع أبناء جنسه، ثم مع أجزاء الكارٍ فيهبحيث يمكن أن يتألمَ بمصائبهم ويتلذذَ بسعاداتهم وإن لم يشعر. لاسيما مع مَن أحبّه لكماله من جماهير الأنبياء
— 437 —
والأولياء والأتقياء. وكم من أحدٍ لاسيما إذا كانت "أُمّا" تفدي نفسَها وتزيل راحتَها لعلاقةٍ واحدة، ولمحبوب واحدٍ مما لا يُحد من أَوِ اللّٰا.. فالغافل الحاكمُ على نفسه وعلى أودّائه حالةَ الغفلةِ باليُتم وعدم التعهد مُبتلًى بحملِ آلامٍ لا تعد منهم، مع آلام نفسه وإن لم تشعر نفسُه السكرانةُ بعذابِ قلبه وروحه! فلو ظفر هذا الغاأن ينانةٍ -مثلا- صار مِثل الذُّبيبةِ المتلمعة في الليل لها لمعةُ نورٍ لكن استولت الظلماتُ الموحشة على جميع مناظرها ومحبوباتها ومأنوساتها، مع أن نورها الذاتي قد يضرّها باراءتها لرقي
بسم أما إذا طرد الغفلةَ وردّ المُلك إلى مالكه الحقيقي ينفتح لقلبه منفذٌ إلى أشعّات شمسٍ سرمد، خطُّ استوائها الأزلُ والأبد، ورأى أن كلَّ هذه المحبّات المنتشرةِ على هذه المحبوبات الكثيرة كانت لهذا الواحد الذي يكفي عننه هو ِ ويُنسيك الكلَّ، ولا يكفي عنه الكلُّ، بل ولا عن تجلٍّ من تجليات حبّه. فلو دخل هذا المؤمن الموقن جهنّما -مثلا- أمكنَ له بإذن اللّٰه الظفرُ بجنّة روحانية بالتلذذ بالعلم بأن كل أودّائه مصونون من الفراق الأبدي، ومنعَّمون بالسعادلرقابةمدية.
فيا أيها السعيدُ الغافل؛ اترك نفسَك ووهمَ مالكيتك؛ تظفر بسلامة جميع محبوباتك وسعاداتهم؛ بتسليمهم لمالكهم الكريم الرحيم.
اعلم [٭]: "رسالة القدر - الكلمة السادسة والعشرون" فيها شرح وافٍ. أن كل شيء بخلقِه سبحانه، إلّا أنمزدوجةر والقبائحَ والقصور والمساوي إنّما تترتّب على لوازمات ماهيّات الممكنات وقابلياتها، فيُجيب الخالقُ الجواد المطلق بالإيجاد، كلَّ ما تسألُه الممكناتُ بألسنةِ استعداداتها.. فالحُسن راجعٌ إليه بالوجهين: أي ، ومع والاقتضاء. وأما القبحُ والقصور، فبالخلق راجعٌ إليه، دون المقاضاة والسؤال. فله الحمدُ دائما؛ إذ السؤال في الحُسن والخيرِ كالجواب منه ومن أسمائه. وله التسبيح دائما؛ إذ سؤالُ الشر والقبح من الممكنات، والجواب المتضمن لمحاسن كثيرة مترتبةٌ على أول
لقبح منه سبحانه
ما أصابكَ من حَسَنة فمنَ اللّٰه وما أصابكَ من سَيئة فمن نفسك
(النساء:٧٩).
اعلم أن أنواع المصنوعات في العالم لاسيّما أنواع النباتات والحيوانات في سطح الأرض كاللفائف المبسوطة المفروشة على وجه الأِ الرٌّ على بعضٍ، وكالأقمصة المنمنمة المتراكبة المتداخلة، لبستْها الأرضُ أو العالمُ. لكن بعضها أرقّ، وبعضها أقصر، وبعضها منفصل الأنساج، وبعضها يتمزّق خريفا ويتجدّد ربيعا، وفيهمرةُ ا نسجٌ موزون بانسجام منظوم.
— 438 —
فتعانقُ الأنواع وتعاونُها بشوقٍ، وترافُق الأفراد وتجاورُها بحسنِ معاشرةٍ تشهد: بأن الكلَّ نسجُ نسّاجٍ واحدٍ وخُدّام سر والاحدٍ. ونسجُ كلِّ واحدٍ منها بنسجٍ مخصوصٍ بلا مزجٍ، وبإسداءٍ [٭]: مصدر أسدى الثوب: جعل له سدى، وهو ما يمد طولا في النسج خلاف اللحمة. ممتازٍ بلا درجٍ، وإلحامٍ [٭]: يقال: ألى الحثوب: نسجه. واللحمة خيوط النسج العرضية يلحم بها السدى. معيّن بلا التحام، في تلافيف تلك اللّفائف المشتبكة المختلطة بلا تشوش ولا خلطٍ ولا غلطٍ يشم بمثان اليقين: بأنها صنعةُ مَن لا نهايةَ لقدرته وحكمته.
وإن ما يشاهَد من ترتّب أمثال التزيين القصدي على جميع المتخالفات يشهد: بأن مَن زيّن قصرَ العالم بمزيّنات ألوان الأنواع؛ هو الذي خلق لوازماته وأساساته وأجزاءه. لَعَمرُك إن التدودة بفي الصنعة من أهمّ المقاصد المهمّة المعرِّفة للصانع، ومن أشفِّ مرايا التودد والتعرُّف، ومن ألطف عنوانات التحبّب.
فإن شئت فانظر مما لمِ وَمهى من الأمثلة إلى هذه الواحدة وهي: الزّهرةُ الصّفراءُ الشمسية المتبرقعةُ ليلا والمتبرّجة نهارا، الشابةُ من أول الربيع إلى آخر الخريف. صيّرها صانعُها مسكنا لطيفا نظيفا لبعض الحوينات اللطيفة تجول مسبّحاتٍ -جماعةٌ منها في واحدةٍ منها- كأنّها حديق برهان أو قصر أو قرية.
فسبحان مَن ظهر في كل شيء لُطفُه.. ويعرِّف الخلائقَ قدرتَه، ويتعرّف متودّدا إلى عباده بتزيينات مصنوعاته، جلّ جلالُه ولا إله إلّا هو. (٩) قوله الحلى جنا الملكُ (الأنعام:٧٣).. لا يُسئل عمّا يفعل (الأنبياء:٢٣).
اعلم [٭]: "الكلمة السابعة عشرة" توضح مسألة وجه الرحمة في الموت والانقراض الذي يعترى الموجودات. أنه لا يُسأل عما يفعلُ. فلا حقّ لشيء ولا لعلمٍ ولحكمةٍ أن يَسأ عندها إذ يتصرف في مُلكه كيف يشاء وهو عليم حكيم، يعلم ما لا نعلم. فعدمُ علمِنا بحكمةِ شيء لا يدلّ على عدمها؛ إذ شهود الحكمة في الأكثر المطلق شاهدٌ على وجود حكمة مستورة عنا لد وخاضا.
مثلا:نتألّم من موت ذوي الحياة، ولا نرى حُسنا في قِصَر عُمر بعض الحيوانات اللطيفة، ولا نفهم وجه الرحمة في انقراض بعض المصنوعات الحيويّة الطالبة للمّ بُكي أمثال
— 439 —
الشتاء.. والحال أن هذا التألمَ والاعتراضَ المعنويَّ إنّما ينشأ من جهلنا بحقيقة الحال، إذ ما من ذي حياة إلّا وهو كَنَفرٍ موظفٍ وعبدٍ مأمورٍ بإسلام.
ظائفِ تكاليفِ الحياة، الكاتبة تلك الوظائف تسبيحاتٍ وتحميداتٍ بحساب خالق الموت والحياة وباسمه. وحقوقُ الحياة وغاياتها عائدة إليه سبحانه، يكفي لشهوده آنٌ، بل تكفي الن:٩٠-٩١لحالية بالقوة، كما في نيّة النواتات والبذور. فما الموتُ إلّا ترخيصٌ وتحرير وإذنٌ وترويجٌ ودعوةُ حضور، كما قال:
ثم إلى ربهم يُحشرون
(الأنعام:٣٨) على أنزا لا ال رحمته أن لا يُبقِي ذوي الحياة في أرذل العمر، وأن لا يديمهم في شدائد العمر في الشرائط المزعجة، كترخيصِ عشاق الأزاهير وسفرائها، والمتلذذين بالخضراوات وأُمرائها من الوظيفة التي صارت كُلفةً بع المطلانت لذةً، فاستعملَهم صانعُهم، واستخدمَهم سيّدُهم، في مدة شوقهم مع موافقة شرائط الحياة وسهولةِ حملِ تكاليفِ الحياة. فإذ تعبّس في وجوههم شرائطُ الحياة بأمثال الشيب والشتاء واستيلاءِ سلطنتِها بتحولات الشاون فينطفاء شوقهم، أمدَّهُم رحمةُ الرحمن بالإذن والترخيص. إلى أن يُرسل أمثالَهم فينسجون على منوالهم فيسبّحون مولاهم.. يبتدئون في أعمالهم من حيث انتهت أعمالُ أسلافهم.
فيا أيّها الغافل المتفرعنُ الزاعملَقَ امالكٌ نفسَك وحياتَك، والمتوهمُ أن سعادتك في بقاء حياتك بالراحة! أخطأتَ وخَلَطتَ وغلِطتَ وعصيتَ وَقِسْتَ الحيوانَ الممنون [٭]: السعيد والقانع. المأمور والمتمثٌ لوصوسرور على نفسك الناسيةِ لمالكها، فتراءت لكَ وَلْوَلَةُ جلوات الرحمة العامة في الشؤون "وا ويلاه" نعيات المأتم العمومي، فلا تتألم لهم حتى يكون "التألم" شفقةً ممدوحة، بل "تألم" لنفسك المفروضة في موقعهم، الفانيةِ بطريق القياس اندمج
وأما تسليط [٭]: "النقطة الثانية من الكلمة الثامنة عشرة" تشرح الحكمة في هذا. بعض الحيوانات على بعضٍ؛ فلحمل الضّعفاء على الحزم والتيقظ والجوالية والخفّة ا وغايال جهازاتها اللطيفة وإخراج استعداداتها من القوة إلى الفعل وغير ذلك.. فوازِن بين الأهلية والوحشية كَيْ ترى هذه الحكمة ظاهرةً باهرةً.
اعلم [٭]: راجع -إن شئت- بالتفصيل"الكلمة الرابعة والعشرين - الغصن الثاني". أن سرّ تَخالُف أح أنفسهأولياء في مشهوداتهم مع الاتفاق في الأصول.. وأن سرّ إجمال الأنبياء السالفين وإبهام الأولياء العارفين في غير التوحيد من سائر أركان الإيمان
— 440 —
-إذ قد، حيث قسمٌ من أولئك في الجملة في تفاصيل الحشر وغيره وأبهم بعض من هؤلاء في ما سوى معرفةِ اللّٰه، مع أن القرآن والمنیزَل عليه القرآنُ فصّلا كلًّا من المقاصد الإيمانية بما لا مزيدَ عليه تفصيلا قصديا واضحا- وأن حكمتها؛ هو توس" في ررازخ.. وتفاوت القابليّات.. وتنوّع ألوان جلوات الأسماء في المظاهر الكلية والجزئية والظلية والأصلية.
(١٠) مثلا - وللّٰه المثل الأعلى - أأن الحسَ لها تجلٍّ كلّي بإذن خالقها على الأزاهير، ثم تجلٍّ أخصّ على نوعٍ نوعٍ منها، ثم تجلٍّ جزئيّ على زهرةٍ زهرةٍ، على قول مَن يقول: إن ألويا من من استحالات ضياء الشمس.. وكذا لها تنويرٌ وإفاضة كلّية بإذن مُبدِعها على السيّارات والقمر، مع أن القمر يفيض ذلك النور الظلّيّ المُستفاد منها على البحار وحَباباتها وقطتراءى وعلى التراب وشفافاته وعلى الهواء وذراته.. وكذا لها انعكاسٌ صافٍ كلّي بأمر فاطرها في مرايا جوّ الهواء ووجوه البحار. ثم لها انعكاساتٌ جزئية وتماثيلُ صغيرةٌ في الظاهر على حبابات وجهِ البحر، وقطرات الماء، ورشهيات اهواء، وزُجَيجات الثلج.
فللشمس إلى كلّ زهرة، وقطرة، ورشحة في الوجوه الثلاثة طريقان:
أحدهما:بالأصالة وبلا برزخ، بلا حجاب.. الممثِّل لمنهاج فيض النبوة.
والثاني:تتوسّط فيها البرازخ، وتُنجّني لجلوات بقابليات المرايا والمظاهر، وهذا ممثلٌ لمسلك الولاية.
فللزهرة، والقطرة، والرشحة أن تقول في الأول: أنَا مرآة شمس العالم، وفي الثاني: إنما تقول: أنَا مرآةُ شمسي أو شمسِ نوعي. مع أن شمسَ نفسها أو نوعها أو جنسهاا لا تع -وهي في مضيقات البرازخ- كلَّ لوازمات الشمس المطلقة من ربط السيارات بها وتسخين الأرض وتنويرها وتحريك حياة النباتات وغيرها، بل إنما تسندها إلى المقيد المشهود لها، من جهة أن المقالمَوجعينُ المطلق، لكن هذا الحُكم له، عقليٌّ لا شهودي. بل قد يصادم شهودَه.
يا رفيقي فلنفرض أنفسنا إياها؛ فَصِرْ أنت يا ذا النفس الكثيفة الترابية "زهرة" تضطا متدنُها ضياءً محلّلًا متضمنا للتمثال الممتزج للشمس. وليكن هذا الفيلسوف المنغمس في الأسباب "قطرة" تأخذ من القمر ظلَّ ضوء الشمس. أنا قائلا: "لا مؤثر في الكون إلا اللّٰه"، شَبْنمة
[٭]: ندى.
فقيرة خالية من كل لَون، صيرتْ مثالَ عيِ وجودس إنسانَ عينيها.
— 441 —
ثم إن جاذبة محبة مَن بإحسانه تَنوَّرْنا وتَزيَّنَّا، حَرّكَتْنا لطلبِ قربه وقصدِ شهوده. فسلكتِ "أيتها الزهرة" إلى أن وصلت إلى الميفاء ولكلية لجنس الزهرة (المرآةُ الكثيفة التي تحلل فيها ألوانُ ضياء تمثال الشمس). فلا تخلصُ من التفرق والتشتت بين خصوصيات ألوان المقيدات، ولا تسلمُ من الفراق بتستر عين الشمه في لب البرازخ والصور، إلّا أن ترفع رأسَك من الولوغ في محبَّة ذاتك، وتُصعِد نظَرك من الافتتان والتلذذ والتفاخر بمحاسن نفسك إلى عين الشمس في وجه السماء. وتُوجّهَ بباطن وجهك المتوجّه إلى التراب بجلب الرزق المرسَل المسرِع إليك -وإن لم تتون خاليه ولم تعلم به- إلى هذه الشمس.. إذ أنت مرآتُها كما أنها قطرةٌ متلمّعة من بحر السماء صارت مرآةً للَمعةٍ من أنوار قدرة "النور الحق" سبحانه.. ومع ذلك لا تراها كما هي في نفسها ر حاكمونةً بلون صفاتك ومرصادك ومقيدةً بقيود قابلياتك.
وذهبتَ أيها "القطرة" إلى أن ترقيتَ إلى القمر بسلّمِ فلسفتك، فرأيت القمَر كثيفا مظلما لا ضياءَ في جرمه بل ولالعربي. فصار سعيُك وعملُك هباءً منثورا. فلا تخلُصُ من ظلمات اليأس ووحشة اليُتم ودهشة الاضطراب بين إزعاجات الغِيلان المتشاكسين إلّا بترك ليل الطبيعة، والتوجّه إلى شمس الحقيقة، واليقين بأن الأنوارَ الليلية ظلال للأضواء الشمسية؛ ومع ذلك لاالدنيالك شهود الشمس وصفاؤها، وإنما تتجلى لك خلف مألوفاتك ومعلوماتك بصبغٍ مِن لون قابلياتك.
فاذهبي أنت أيتها "الرشحة" (١١) الفقيرةُ الضعيفة بالتبخر راكبةً على ال يتجلىلى الهواء، ثم انقلبي نارا، ثم تحوّلي نورا، ثم اركبي على شعاع من أشعات جلوات الضياء.. فأين ما كنتِ من تلك المراتب لكِ منفذ صافٍ إلى العين، [٭]: المقصود: الشمس. ترنِعَمهلعين اليقين -وإن لم يكن بالعين- [٭]: أي بالبصر. وترى لزوم لوازماتها لها، ولا يأخذ على يدك في إثبات آثار سلطنتها الذاتية ضيقُ البرازخ، ولا قيٍ وزينابليات، ولا صِغَر المرايا.
إذ تفطنت أنّ ما يُشاهَد في المظاهر جلواتُها لا هي هي أي ذاتُها في ذاتها. فالواصلون من هذه الطرق الثلاثة متفاوتون في تفاصيل المزايا والورد قسإن اتفقوا على الحق والتصديق.
— 442 —
اعلم [٭]: توضيح هذا المبحث في "اللمعة الثلاثين-اسم اللّٰه القيوم" و"النافذة الحادية والثلاثين من الكلمة الثالثة والثلاثين". أيها الإنسان أنك واحدٌ قياسيٌّ بخمسة وجوه:
إذ أنت فهرستةٌ جامعر هذه ائب آثار جلوات الأسماء الحسنى.
ومقياسٌ بجزئيات صفاتك وربوبيتك الموهومة لمعرفة صفاته المحيطة وفهمها بتصوّر حدودٍ موهومة.
وميزانٌ لدرجات نفي الشِّركة في الآفاق، بحيث إذا أذعنتَ بأنك كلك ملكه، آمنتَ بأن لا شريك له في العان البشذا أعطيتَ ثلثَك له وثلثَك للأسباب وثلثك لنفسك حصل هذا التقسم في جميع الكائنات. وإذا ملّكتَ أنانيتَك درهما من مُلكه لزِمك أن تصدّق مالكيةَ كل فردٍ وكل سببٍ لدرهمٍ فتُقسِّمَ مالتحبّبهٰه على ما سواه.
وكذا خريطةٌ للعلوم الكونية والمعارف الآفاقية، فإذا انفتحت "أنت" [٭]: أي أنانيتك أنت. لك انكشف لك الكون، وإذا أُنسيتَ نفسَك انغلق عليك المعارف الآفاقيبهِ أجقلبت إلى جهالات مركبات وسفسطيات ما لا يَعنيات.
وكذا خزينةُ مفاتيح لمطلسَمات الكنوز المخفية في الأسماء الإلهية؛ فإذا رأيت فيك عجزا بلا نهاية؛ شَاهدتَ لخالقك قدرةً بلا غاية.. وإذا شاهدتَ فيك فقرا بلا غاية، رأيت ابد لك غناءً بلا نهاية.. وهكذا كأن جلواتِ أسمائه حروف نورية مكتوبة في ظلمات حالاتك. فبدرجة ظهور شدة الظلمة تظهر نورانيةُ الكتابة.
فأنت في الوجه الأول حاملٌ، وقابلٌ، ومَظه اعلس لك منك شيء، بل أنت قصيدةٌ منظومة للسان كن فيكون.
وأما في الوجه الخامس فأنت عاملٌ، وفاعلٌ، ومَعكِسٌ -برابطة الضدية- وسائل بألسنة الاستعدادات والاحتياجات والأفعال والأقوال، لك منك كل السيئات والقصورات والظلمات والفاقات، ولفامَتِكَك كلُّ الحسنات والكمالات والنورانيات والفيوضات. وكذا إن الأول يُظهر الأصلَ، والخامس يُظهر مراتبَ الاسم المتجلّي. كما أن الحُسنَ بلا ملاحظة القب ثلاثة، وبه تتفاضل مراتب الحُسن ودرجاته.
— 443 —
ان اللّٰه اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بانّ لَهم الجنة
(التوبة:١١١)
اعلم [٭]: "الكلمة السادسة" شرحت هذا المبح وبسر ل جميل. أيها الإنسان
ماغرّك بربك الكريم
(الانفطار:٦) الذي يشتري منك مُلكَه الذي عندك أمانةً ليحفظه لك من الضياع.. ولتترقّى قيمتُه من درجةٍ إلى ألوفٍ.. ويعطيك بَدَله ثمنا عظيما.. ويبقيه (١٢) في يدك لاستفاها المويتكفّل عنك كلفةَ تعهّدِه.. ربحا في ربح في ربح في ربح في ربح.
وأنت أيها الغافل لا تبيعُه.. فتخون في أمانته.. وتُسقط قيمتَه من الثريا إلى الثّرى.. ثم يضيع بلا فائدة.. فيفوتُك ذلك الثمنُ العظيم، وتبقى في ذمتك تكاليفُ تعهّده من اله ويثقل ظهرَك كلفةُ محافظته وآلامه.. خسارة في خسارة في خسارة في خسارة في خسارة.
مَثَلُكَ في هذهِ المعاملةِ كَمثَل رجل مسكين في رأس جبل، أصابت ذلك الجبلَ زلزلةٌ جعلت يتساقط منه في أعماق الأودية جميعُ أمثال ذلك الردنا وخمزّق ما في أيديهم، ويَرى هذه الحالةَ وهو أيضا "على شفا جرف هار" أوشك أن ينهار به في البوار. مع أن في يده أمانةً وهي ماكينة مرصّعة عجيبة، فيها موازين لا تعد وآلات لا تحد وفوائد لا تُحصى وثمرات لا تستقصى. فقال له مالك الماكينة كرما ول دني: أريد أن أشتري منك مالي الذي في يدك كأنه مالُك -لئلا تنكسر ضايعا بسقوطك- فأحافظها وأسلّمها لك حين خروجك من الوادي بصورة باقية لا تنكسر أبدا. ولأجل أن تتص حدّ لآلاتها وتستعمل موازينها في بساتيني الواسعة وخزائني المشحونة، فتتزايد قيمتُها وتأخذ أنواع أجوراتها وثمراتها، وإلّا صارت كآلة عادية ساقطةِ القيمة مستعمَلة في مضيقات بطنك وغارَيك. [٭يها الاران: فم الإِنسان وفرجه، وقيل: هما البطن والفرج؛ ومنه قيل: المرء يسعى لِغارَيْه؛ وقال: أَلم تر أن الدهر يوم وليلة، وأنّ الفتَى يسعَى لغاريه دائبا؟ ( لسان العرب). إذ ومجمونك وشهوتك وأين البساتين والخزائن الإلهية، وكيف يسع غاراك استعمالَ ماكينة تضيق عنها الدنيا. وها أنا أعطيك بدلَها ثمنا عظيما، ولا أخرجها من يدك علم [ بقائك في هذا الجبل، بل آخذ حلقتها العليا ليتخفف عنك ثقلها ولا تتعجزَ بكلفتها. فإن قبلتَ البيع فتصرّفت فيها باسمي وحسابي كنفر يعمل في ما في يده باسم السلطان وحسابه بلا خوف مما يأتي ولا حزن على ما اهيمُ إن لم تقبل هذا البيع الذي فيه ربح بخمسة وجوه؛ خسرتَ بخمسة وجوه وصرت خائنا في الأمانة مسؤولا عن ضياعها.
— 444 —
"خُداءِ بُر كَرَم خود ملك خودرا مى خَرَد أز تو
بهاء بى كران دادبد أن ه دارد بَراءِ تو"
[٭]: يعني: إنَّ اللّٰه ذا الكرم الواسع يشتري مُلكه منك، وأعطى مقابل ذلك ثمنا غاليا، ثم يحافظ عليه لأجلك.
ودرسُ القرآن للبشر وتعليمه له: "البيع"، يقول له: بِع ترب الذي إنّ الدار الآخرة لهي الحيوان
(العنكبوت:٦٤)، وأما درسُ فلسفةِ مدنيةِ الكفار يقول: تملّك،
اِنْ هي الا حياتنا الدنيا
(الأنعام:٢٩). فانظر التفاوتَ بين الهدى المنوَّر، والدّهاء المزوَّر.
اعلم...ا الثا: المباحث الموجودة هنا ابتداء من ص (١٢) إلى ص (١٦) ومن ص (١٧) إلى ص (٢٤) من المخطوط منشورة في رسائل متفرقة من "المثنوي العربي النوري".
(٢٤) اعلم [٭]: هذه المسألة الدقيقة تتناتي للمالكلمة الرابعة عشرة" بتفصيل وتوضيح. أنه سبحانه قريبٌ، وأنت بعيدٌ، إذ كما أنه معك، هو مع جميع أفراد نوعك.. وكما أنه مع نوعك، هو مع جميع أفراد جنسك.. يمسّه نّه هو مع جنسك، هو مع جميع جزئيات ذوي الحياة، وكما أنه مع جميع ذوي الحياة هو مع سائر طبقات الموجودات ودوائرها، طبقةً إلى طبقة جميع الموجودات وإلى طبقة الذرّات والأثير والروححسنى ك والمعنويات وإلى ما لا يحيط به الوهمُ.
فإذا أردتَ القربَ من جهتك؛ لابدّ أن تمرّ منك متبسطا مترفّعا من الجزئية إلى مقام كليةِ النوع،تصديقاهب مترقّيا في الكلية بإطلاق الرّوح في التجرّد إلى مقام الجنس، وهكذا إلى قطعِ قريبٍ من سبعين ألفَ حجاب؛ إذ إنّه كما أنّه عندك فهو عند كلّ شيء. فإنما تكون عنده -من عندك- إن كنتَ عند كلِّ شيء، ثم بعده يصادفك ما لا يُحد من مسافةِ ما بين الإمكان ي الشكب.. كيف الوصول إلى بعيدٍ في قربه ودونَهُ ألوف سرادقات؟ ودونهنَّ حتوفٌ، فإذ كان هذا هكذا فأفْنِ منْكَ بُعدَكَ لتبقى به وتَقرُب بقُربه.
اعلم... [٭]: هذا المبحث من هيؤمن بفحة (٢٤) منشور في "المثنوي العربي النوري".
(٣١)....
اعلم أن اللّٰه أقربُ إلينا منّا، ونحن بعيدون بلا نهايةٍ. ومن شواهد قُربه تصرّفُه، وإذا
— 445 —
طلعافية ند ما يتصرّف فيه لا نجده إلّا "عند كلّ شيء"، وإذا وصلنا بالترقّي إلى "عند كلّ شيء" بالإحاطة بدائرة الإمكان، لا نجده أيضا إلاّ خَلفَ الحُجُب النورانية في دائرة الوجوب من سُرادقاه "النماء والصفات والشؤونات في العزّة والعظمة والكبرياء، وأما إذا طلبناه من جهة قُربه بترك نفسنا، فالأمر سهل إن شاء اللّٰه لا حول ولا قوة إلّا باللّٰه.
اعلم.... [٭]: المباحث الموجودة ضمن صفحات المخطوط (٣١-٣٥) منشيص تجي "المثنوي العربي النوري".
(٣٦) اعلم [٭]: راجع -إن شئت- "الكلمة الثانية عشرة -الأساس الأول والثاني والثالث". يا مَن يحب أن يعرفَ الض من جين حكمةِ القرآن وحكمةِ الفلسفة! أن مثَلَهما كمثل قرآنٍ كُتبت في حروفاته بتذهيبات متنوعة ونقوش مزيّنة بعضُها بالذهب والفضة وبعضها بالألماس والزمرّد وبعضها بالجواهر والعقيق.. وهكذا. وقرأه شخصايقتدر حسَناه فقالا: فلنكتبْ على محاسن هذا الشيء المزيّن كتابا؛ فكتب كل منهما كتابا.
أمّا أحدهما:فهو أجنبيّ لا يعرف من العربية حرفا واحدا حتى لا يعرفُ أفلا تفودَه كتابٌ، لكن له مهارة في الهندسة والتصوير ومعرفة الجواهر وخاصياتها، فكتب كتابا عظيما يبحث عن نقوش الحروف ومناسباتها وجواهرها وخاصياتها ووضعياتها وتعريفاتها.
وأما الآخر:فحينما رآه عرف أنه كتارها بن، وقرآن حكيم، فلم يشتغل بنقوش حروفه المزيّنة؛ بل اشتغل بما هو أعلى وأغلى وألطفُ وأشرفُ وأزينُ وأحسن بملايين المراتب مما اشتغل به رفيقُه، وهو بيان جواهرِ معانيه وأن) التسسراره، فكتب تفسيرا يبحث عن حقائق الآيات.
يا مَن له عقل! فباللّٰه عليك، لأيّ هذين الكتابين يُقال إنّه كتاب حكمةِ هذا القرآن؟ فإذ فهمتَ التمثيلَ فانظر إلى وجه الحقيقة: أما القرآن فهو هذا العالمُ وأما الشخصان فكُتُب الفلسفة والحكماء، ولا حوُ وتلامذته.
ومَن يتوكّل على اللّٰه فهو حَسْبُه
(الطلاق:٣)
اعلم [٭]: "الكلمة الثالثة والعشرون" فيها توضيح وافٍ. يا أيها السعيد! أنّ السعادةَ في التوكل، فتوكّلْ على اللّٰه لتستريحَ في الدنيا وتستفيد في الوجد.