— 4 —
من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور
المَكتُوبَات
تأليف
بَدِيع الزَّمَان سَعِيد النُّورْسِيّ
ترجمة
إحسَان قَاسِم الصَّالِحِيهُمَّ ِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وِبِه نَستعَينُ
— 4 —
بيئًا، يَفعَلُ ما لا يُحَدُّ مِنَ الأَفعالِ كالفِعلِ الواحِدِ، ولِهذا فإنَّه يُدرِجُ مَعنًى شَجَرةً ضَخْمةً جِدًّا في بِذْرةٍ صَغِيرةٍ،علَمُ ِجُ العالَمَ في فَردٍ واحِدٍ، ويُدِيرُ أُمُورَ العالَمِ كلِّه بِيَدِ قُدْرَتِه كإِدارةِ فَردٍ واحِدٍ.
فكما أَوْضَحْنا هذا السِّرَّ في كَلِماتٍ أُخرَى نَقُولُ أَيضًا:
إنَّ ضَوءَ الشَّمسِ الَّذي لا قَيدَ له إلى حَدٍّ مُّّوَى خُلُ في كلِّ شَيءٍ لَمَّاعٍ، حَيثُ إنَّه نُورانِيٌّ، فلو واجَهَتْها أُلُوفُ بل مَلايِينُ المَرايا، فإنَّ صُورَتَها النُّورانيّةَ المِثاليّةَ تَدخُلُ نَ الأِ مِرآةٍ دُونَ انقِساٍم، كما هي في مِرآةٍ واحِدةٍ.. فلو كانَتِ المِرآةُ ذاتَ قابِلِيّةٍ، فإنَّ الشَّمسَ بعَظَمَتِها يُمكِنُ أن تُظهِرَ فيها آثارَها، فلا يَمنَعُ شَيءٌ شَيئًا: الآلافُالجَلِحِدُ عِندَها سَواءٌ، وتَدخُلُ آلافَ الأَماكِنِ بسُهُولةِ دُخُولِها مَكانًا واحِدًا، وكلُّ مَكانٍ يَحظَى بجَلْوةٍ مِنها بمِثلِ جَلَواتِها في جَمِيعِ الأَمكِنةِ.
وَلِلَّهُّ "لَِثَلُ الْأَعْلَى إنَّ لِصانِعِ هذا الكَونِ ذِي الجَلالِ تَجَلِّيًا، بسِرِّ تَوَجُّهِ الأَحَدِيّةِ، بجَمِيعِ صِفاتِه الجَلِيلةِ الَّتي هي أَنوارٌ، وبجكيَقِي أَسمائِه الحُسنَى الَّتي هي نُورانيّةٌ، فيكُونُ حاضِرًا ناظِرًا في كلِّ مَكانٍ، ولا يَحُدُّه مَكانٌ، ولا انقِسامَ في تَوَجُّهِه سُبحانَه، يَفعَلُُعَيَّرِيدُ فيما يَشاءُ في كلِّ مَكانٍ، في آنٍ واحِدٍ ومِن دُونِ تكَلُّفٍ ولا مُعالَجةٍ ولا مُزاحَمةٍ.
— 5 —
المكتوب الأول
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
"جواب مختصر عن أربعة ٌّ في
السؤال الأول:
هل سَيِّدُنا الخَضِرُ عَليهِ السَّلام على قَيدِ الحَياةِ؟ فإن كان على قَيدِ الحَياةِ فلِمَ يَعتَرِضُ على حَياتِه عَدَدٌ مِنَ العُلَماءِ الأَجِلّاءِ؟
الجَوابُ:إانِ دَلى قَيدِ الحَياةِ، إلّا أنَّ لِلحَياةِ خَمسَ مَراتِبَ، وهُو في المَرتَبةِ الثّانيةِ مِنها، ولِهذا شَكَّ عَدَدٌ مِنَ العُلَماءِ في حَياتِه.
الطَّبَقةُ الأُولَى مِنَ الحَياةِ:هي حَياتُنا نَحنُ؛ تقُومُ هي مُقَيَّدةٌ بكَثِيرٍ مِنَ القُيُودِ.
الطَّبَقةُ الثَّانيةُ مِنَ الحَياةِ:هي طَبَقةُ حَياةِ سَيِّدِنا الخَضِرِ وسَيِّدِنا إِلياسَ عَلَيهمَا السَّلَام، والَّتي فيها شَيءٌ مِنَ التَّحَرُّرِ مِنَ الةَ أَعِ، أي: يُمكِنُهُما أن يكُونا في أَماكِنَ كَثِيرةٍ في وَقتٍ واحِدٍ، وهُما غيرُ مُضطَرَّينِ ومُقَيِّدَينِ بضَرُوراتِ الحَياةِ البَشَرِيّةِ دائِمًا مِثلَنا، إذ يُمكِنُ أن يَأْكُلا ويَشْرَبا مَتَى شاءا؛ وإیی تلك وَقَع مِن حَوادِثَ ثابِتةٍ بالتَّواتُرِ بينَ الأَولِياءِ مِن أَهلِ الكَشفِ والشُّهُودِ وبَينَ سيِّدِنا الخَضِرِ عَليهِ السَّلام لَيُثبِتُ هذه الطَّبَقةِ مِنَ الحَياةِ ويُسَلِّطُ الضَّوءقِ النْها، حتَّى إنَّ في مَقاماتِ الوِلايةِ مَقامًا يُعَبَّرُ عنه بی"مَقامِ الخَضِر"، فالوَلِيُّ الَّذي يَبلُغُ هذا
— 6 —
المَقامَ يُجالِسُ الخَضِرَ عَليهِ السَّلام ويَتَلقَّى عنه الدَّرسَ، ولكِن يُظَنُّ أَحيانًا خَطَأً أَنَّفكانَتَ هذا المَقامِ هو الخَضِرُ بعَينِه.
الطَّبَقةُ الثّالثةُ مِنَ الحَياةِ:هي طَبَقةُ حَياةِ سَيِّدِنا إِدْرِيسَ وسَيِّدِنا عِيسَى عَلَيهمَا السَّلَام. هذه الطَّبَقةُ تَكتَسِبُ لَطافةً نُورانِيّةً وبدُعَجَرُّدِ مِن ضَرُوراتِ الحَياةِ البَشَرِيّةِ، والدُّخُولِ في حَياةٍ شَبِيهةٍ بحَياةِ المَلائِكةِ؛ فهُما يُوجَدانِ في السَّماواتِ بجِسمَيهِما الدُّنيَوِيَّينِ، الَّذلمُعجِلَطافةِ بَدَنٍ مِثاليٍّ ونُورانيّةِ جَسَدٍ نَجْمِيٍّ؛ والحَدِيثُ الشَّرِيفُ الوارِدُ أنَّ سَيِّدَنا عِيسَى عَليهِ السَّلام يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ ويَحكُمُ بالشَّرِيعةِ المُحَمَّدِيّة حِكْمَتُه هي الآتي:
إناصِّيّزاءَ ما تُجْرِيهِ الفَلسَفةُ الطَّبِيعيّةُ مِن تَيّارِ الإِلحادِ وإِنكارِ الأُلُوهِيّةِ في آخِرِ الزَّمانِ، تَتَصفَّى العِيسَوِيّةُ وتَتَجرَّدُ مِنَ الخُرافاتِ.. وفي أَثناءِ انقِلابِها إلى الإِسلامِ، يُجرِّدُ شَخصُ العِيسَوِيّةِ المَنا لناُّ سَيفَ الوَحْيِ السَّماوِيِّ ويَقتُلُ شَخصَ الإِلحادِ المَعنَوِيِّ، كما أنَّ عِيسَى عَليهِ السَّلام الَّذي يُمثِّیلُ الشَّخصَ المَعنَوِيَّ لِلعِيسَوِيّةِ يَقتُلُ الدَّجّالَ المُمَثِّهِدِينلإِلحادِ في العالَمِ. بمَعنَى أنَّه يَقتُلُ مَفهُومَ إِنكارِ الأُلُوهِيّةِ.
الطَّبَقةُ الرَّابِعةُ مِنَ الحَياةِ:هي حَياةُ الشُّهَداَغِيرًثَّابِتةُ بنَصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ: أنَّ لَهُم طَبَقةَ حَياةٍ أَعلَى وأَسمَى مِن حَياةِ الأَمواتِ في القُبُورِ. نعم، إنَّ الشُّهَداءَ الَّذين ضَحَّوْا بحَياتِهِمُ الدُّنيَوِيّةِ في سَبِيلِ الحَقِّ، يُنعِمُ علَيْهِم ِهذا، َه وتَعالَى بكَمالِ كَرَمِه حَياةً شَبِيهةً بالحَياةِ الدُّنيَوِيّةِ في عالَمِ البَرزَخِ؛ إلّا أنَّها بلا آلامٍ ولا مَتاعِبَ ولا هُمُومٍ؛ حَيثلَ دارَعلَمُونَ أنَّهُم قد ماتُوا، بل يَعلَمُونَ أنَّهُم قدِ ارتَحَلُوا إلى عالَمٍ أَفضَلَ، لِذا يَستَمتِعُونَ مُتعةً تامّةً ويَتَنعَّمُونَ بسَعادةٍ كامِلةٍ، إذ لا يَشعُرُونَ بما في المَوتِ مِن أَلَمِ الفَشْرةَعنِ الأَحِبّةِ، كما هو لَدَى الأَمواتِ الآخَرِينَ الَّذين يَعلَمُونَ أَنَّهُم قد ماتُوا، رَغمَ أَنَّ أَرواحَهُم باقِيةٌ؛ لِذا فاللَّذّةُ والسَّدُوَّ الَّتي يَستَمتِعُونَ بها في عالَمِ البَرزَخِ قاصِرةٌ عنِ اللَّذّةِ الَّتي يَتَمتَّعُ بها الشُّهَداءُ. وهذا نَظِيرُ المِثالِ الآتي:
شَخْصانِ رَأَيا في المَنامٍ إلى هُما قد دَخَلا قَصْرًا جَمِيلًا كالجَنّةِ: أَحَدُهُما يَعلَمُ أنَّ ما يَراه هو رُؤْيا، فاللَّذّةُ الَّتي يَحصُلُ علَيْها تكُونُ ناقِصةً جِدًّا، إذ يقُولُ في نَفسِه: ستَزُولُ
— 7 —
هذه اللَّذّةُ بمُجَرَّدِ انتِباهِي مِنَ النَّومِلباقي ا الآخَرُ فلا يَعتَقِدُ أنَّه في رُؤْيا، لِذا يَنالُ لَذّةً حَقِيقيّةً ويَسعَدُ سَعادةً حَقِيقيّةً.
وهكَذا يَتمَيَّزُ كَسْبُ الشُّهَداءِ مِن حَياتِهِمُ البَرزَِ الأَ عن كَسْبِ الأَمواتِ مِنها.
إنَّ نَيلَ الشُّهَداءِ هذا النَّمَطَ مِنَ الحَياةِ واعتِقادَهُم أَنَّهُم أَحياءٌ ثابِتٌ بوَقائِعَ ورِواياتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، حتَّى إنَّ إِجارةَ سَيِّدِنا حَمزةَ رَضِيَ الله عَنهُ، سَيِّدِ الشُّهَكَرِيمِمَنِ استَجارَه ولَجَأَ إلَيْه، وقَضاءَه لِحَوائِجِهِمُ الدُّنيَوِيّةِ، وحَمْلَ الآخَرِينَ على قَضائِها.. وأَمثالَها مِن حَوادِثَ واقِعةٍ كَثِيرةٍ، سَلَّطَتْ الضَّوءََهلَ اذه الطَّبَقةِ مِنَ الحَياةِ وأَثبَتَتْها. حتَّى إنَّني شَخصِيًّا وَقَعَت لي هذه الحادِثةُ:
كان ابنُ أُختِي "عُبَيدٌ" أَحَدَ طُلّابي، قدِ استُشهِدَ بقَوَى صبَدَلًا عنِّي في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى؛ فرَأَيتُ في المَنامِ رُؤْيا صادِقةً عِندِي: أنَّني قد دَخَلتُ قَبْرَه الشَّبِيهَ بمَنزِلٍ تَحتَ الأَرضِ،فرَدَّ أنِّي في الأَسْرِ على بُعدِ مَسِيرةِ ثَلاثةِ أَشهُرٍ مِنه، وأَجهَلُ مَكانَ دَفنِه؛ ورَأَيتُه في طَبَقةِ حَياةِ الشُّهَداءِ، وقد كان يَعتَقِدُ أَنَّني مَيِّتٌ، وذَكَر أنَّه قد بَكَى عَلَيَّ كَثِيرًا، ويَعهذه ال أَنَّه ما زالَ على قَيدِ الحَياةِ، إلّا أنَّه قد بَنَى لِنَفسِه مَنزِلًا جَمِيلًا تَحتَ الأَرضِ حَذَرًا مِنِ استِيلاءِ الرُّوسِ.
فهذه الرُّؤْيا الجُزئيّةُ یی معَ بَعضِ الشُّرُوطِ والأَماراتِ َدِه لطَتْني قَناعةً تامّةً بدَرَجةِ الشُّهُودِ لِلحَقِيقةِ المَذكُورةِ.
الطَّبَقةُ الخامِسةُ مِنَ الحَياةِ:هي الحَياةُ الرُّوحانيّةُ لِأَهلِ القُبُورِ.
نعم، المَوتُ هو تَبدِيلُ مَكانٍ وإِطلاقُ رِيّةُ تَسرِيحٌ مِنَ الوَظِيفةِ، ولَيسَ إِعدامًا ولا عَدَمًا ولا فَناءً. فتَمَثُّلُ أَرواحِ الأَولِياءِ، وظُهُورُهُم لِأَصحابِ الكَشفِ، بحَوادِثَ لا تُعَدُّ، وعَلاارَكةِائِرِ أَهلِ القُبُورِ بنا في اليَقَظةِ والمَنامِ، وإِخبارُهُم إيَّانا إِخبارًا مُطابِقًا لِلواقِعِ.. وأَمثالُها مِنَ الأَدِلّةِ الكَثِيرةِ، تُوَضِّحُ هذه الطَّبَقةَ وتُثبِتُهاَيرِ تلقد أَثبَتَتِ "الكَلِمةُ التّاسِعةُ والعِشرُونَ" الخاصَّةُ ببَقاءِ الرُّوحِ بدَلائِلَ قاطِعةٍ طَبَقةَ الحَياةِ هذه إِثباتًا تامًّا.
— 8 —
السُّؤال الثاني:
إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ:الَّمَّدًالَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وأَمثالَها في القُرآنِ الحَكِيمِ، تَعُدُّ المَوتَ مَخلُوقًا كالحَياةِ، وتَعتَبِرُه نِعمةً إِلٰهِيّةً؛ ولكِنَّ المُلاحَظَ أَنَّ المَوتَ انحِلمَضِيعَدَمٌ وتَفَسُّخٌ، وانطِفاءٌ لِنُورِ الحَياةِ، وهادِمُ اللَّذّاتِ.. فكَيفَ يكُونُ "مَخلُوقًا" وكَيفَ يكُونُ "نِعمةً"؟
الجَوابُ:لقد ذَكَرنا في خِتامِ :إنَّبِ عنِ السُّؤالِ الأَوَّلِ: أنَّ المَوتَ في حَقِيقَتِه تَسرِيحٌ وإِنهاءٌ لِوَظِيفةِ الحَياةِ الدُّنيا، وهو تَبدِيلُ مَكانٍ وتَحوِيلُ وُجُودٍ، وهو دَعوةٌ إلى الحَياةِ الباقِيةِ الخالِدةِ ومُقدلبَرزَلها؛ إذ كما أنَّ مَجِيءَ الحَياةِ إلى الدُّنيا هو بخَلْقٍ وبتَقدِيرٍ إلٰهِيٍّ، كَذلِك ذَهابُها مِنَ الدُّنيا هو أَيضًا بخَلقٍ وتَقدِيرٍ وحِكْمةٍ ِ فنقُيرٍ إلٰهِيٍّ، لِأنَّ مَوتَ أَبسَطِ الأَحياءِ یی وهُو النَّباتُ یی يُظهِرُ لَنا نِظامًا دَقِيقًا وإِبداعًا لِلخَلقِ ما هو أَعظَمُ مِنَ الحَياةِ "إنَّها وأَنظَمُ مِنها، فمَوتُ الأَثمارِ والبُذُورِ والحُبُوبِ الَّذي يَبدُو ظاهِرًا تَفَسُّخًا وتَحَلُّلًا هو في الحَقِيقةِ عِبارةٌ عن عَجْنٍ لِتَفاَى، فت كِيمياوِيّةٍ مُتَسَلسِلةٍ في غايةِ الِانتِظامِ، وامتِزاجٍ لِمقادِيرِ العَناصِرِ في غايةِ الدِّقّةِ والمِيزانِ، وتَركِيبٍ وتَشَكُّلٍ لِلذَّرّاتِ بَعضِها ببَعضٍ في غايةِ الحِكْمةِ والبَصِيرةِ، بحَيثُ إنَّ هذا الانَت تالَّذي لا يُرَى یی وفيه هذا النِّظامُ الحَكِيمُ والدِّقّةُ الرّائِعةُ یی هو الَّذي يَظهَرُ بشَكلِ حَياةٍ نامِيةٍ لِلسُّنبُلِ ولِلنَّباتِ الباسِقِ المُثمِرِ. وهذا يَعنِي أنَّ مَوتَ البِذْرةِ هو مَبدَأُ حَياةِ النَّباتِ الجحَيثُمِ، أَزهارًا وأَثمارًا.. بل هو بمَثابةِ عَينِ حَياتِه الجَدِيدةِ.. فهذا المَوتُ إذًا مَخلُوقٌ مُنتَظِمٌ كالحَياةِ..
وكَذلِك ما يَحدُثُ في مَعِدةِ الإِنسانِ مِن مَوتٍ لِثَمَراتٍ حَيّ شَخصٍ غِذاءٍ حَيَوانِيٍّ، هو في حَقِيقَتِه بِدايةٌ ومَنشَأٌ لِصُعُودِ ذلك الغِذاءِ في أَجزاءِ الحَياةِ الإِنسانيّةِ الرّاقِيةِ.. فذلك المَوتُ إذًا مَخلُوقٌ أَكثَرُ انتِظامًا مِن حَياةِ تلك الأَغذِيةِ.
فلَئِن كان مَوتُ النَّباَبِيَّ في أَدنَى طَبَقاتِ الحَياةِ مَخلُوقًا مُنتَظِمًا بحِكْمةٍ، فكَيفَ بالمَوتِ الَّذي يُصِيبُ الإِنسانَ وهو في أَرقَى طَبَقاتِ الحَياةِ؟ فلا شَكَّ أنَّ مَوتَه
— 9 —
هذا سيُثمِرُ حَياةً دامَشهُوفي عالَمِ البَرزَخِ، تَمامًا كالبِذْرةِ المَوضُوعةِ تَحتَ التُّرابِ والَّتي تُصبِحُ بمَوْتِها نَباتًا رائِعَ الجَمالِ والحِكْمةِ في (عالَمِ الهَواءِ).
أمّا كَيفَ يكُونُ المَوتُ نِعمةً؟
فالجَوابُ:سنَذكُرُ أَربَعةَ وُجُوهٍ ه؛ ومَن أَوجُهِ النِّعمةِ والِامتِنانِ الكَثِيرةِ لِلمَوتِ.
أوَّلُها:المَوتُ إِنقاذٌ لِلإِنسانِ مِن أَعباءِ وَظائِفِ الحَياةِ الدُّنيا، ومِن تَكالِيفِ المَعِيشةِ المُثقَلةِ.
وهو بابُ وِصالٍ فيَّحْنَتِ نَفسِه معَ تِسعةٍ وتِسعِينَ مِنَ الأَحِبّة الأَعِزّاءِ في عالَمِ البَرزَخِ، فهو إِذًا نِعمةٌ عُظمَى!
ثانيها:إنَّه خُرُوجٌ مِن قُضبانِ سِجنِنها، فنيا المُظلِمِ الضَّيِّقِ المُضطَرِبِ، ودُخُولٌ في رِعايةِ المَحبُوبِ الباقي وفي كَنَفِ رَحمَتِه الواسِعةِ، وهو تَنَعُّمٌ بحَياةٍ فَسِيحةٍ خالِدةٍ مُستَنِيرةٍ لاُ عنِ جُها خَوفٌ، ولا يُكَدِّرُها حُزنٌ ولا هَمٌّ.
ثالثُها:إنَّ الشَّيخُوخةَ وأَمثالَها مِنَ الأَسبابِ الدّاعِيةِ لِجَعلِ الحَياةِ صَعبةً ومُرهِقةً، تُبيِّ هذا كَى كَونِ المَوتِ نِعمةً تَفُوقُ نِعمةَ الحَياةِ؛ فلو تَصَوَّرتَ أَنَّ أَجدادَك معَ ما هُم علَيْه مِن أَحوالٍ مُؤلِمةٍ قابِعُونَ أَمامَك حالِيًّا معَ والِدَيك اللَّذَينِ بَلَغا أَرذَلَ العُمُرِ، لَفَهِمْتَ مَدَى كَونِ الحَياةِ نِقمةً، والمَوتلِه باةً! بل يُمكِنُ إِدراكُ مَدَى الرَّحمةِ في المَوتِ ومَدَى الصُّعُوبةِ في إِدامةِ الحَياةِ أَيضًا بالتَّأمُّلِ في تلك الحَشَراتِ الجَمِيلةِ العاشِقةِ لِلأَزاهِيرِ اللَّطِيفةِ، عِندَ اشتِدادِ وَطْأةِ البَرْدِ القارِسِ علَيْها في الشِّتاءِ.
رابَثناءَكما أنَّ النَّومَ راحةٌ لِلإِنسانِ ورَحمةٌ، ولا سِيَّما لِلمُبتَلَينَ والمَرضَى والجَرحَى، كَذلِك المَوتُ الَّذي هو أَخُو النَّومِ: رَحمةٌ ونِعمةٌ عُظمَى لِلمُأُخرَينَ بِبَلايا يائِسةٍ قد تَدفَعُهُم إلى الِانتِحارِ.
أمّا أَهلُ الضَّلالِ، فالمَوتُ لَهُم كالحَياةِ نِقمةٌ عُظمَى وعَذابٌ في عَذابٍ، كما أَثبالِصةِذلك في "كَلِماتٍ" مُتَعدِّدةٍ إِثباتًا قاطِعًا، وذلك خارِجَ بَحثِنا هذا.
— 10 —
السُّؤالُ الثّالثُ:أَينَ جَهَنَّمُ؟
الجَوابُ:لا يَعلَمُ الغَيبَ إلّا اللهُ، قال تَعالَى: قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ،عَلَى جاءَ في بَعضِ الرِّواياتِ: أنَّ جَهَنَّمَ تَحتَ الأَرضِ، فالكُرةُ الأَرضِيّةُ بحَرَكَتِها السَّنَوِيّةِ، تَخُطُّ دائِرةً حَولَ مَيدانٍ سيَكُونُ مَحْشَرًا في المُستَقبَلِ، كما بَيَّنّا هذَّعوةَُواضِعَ أُخرَى.
أمّا جَهَنَّمُ تَحتَ الأَرضِ، فيَعنِي: تَحتَ مَدارِها السَّنَوِيِّ، وأنَّ سَبَبَ عَدَمِ رُؤيَتِها والإِحساسِ بها هو لِكَونِها نارًا بلا نُورٍ ومَستُورةً بحِجابٍ.. ولا جَرَمَ أنَّ في مَدارِ كُتُبِنِ الأَرضِ یی تلك المَسافةَ المَهُولةَ یی كَثِيرًا جِدًّا مِنَ المَخلُوقاتِ، وهي لا تُشاهَدُ، لِفَقْدِها النُّورَ. فكما أنَّ القَمَرَ كُلَّما سُحِبَ نُورُه يَفقِدُ وُجُودَه، كَذلِك كَثِيرٌ جِدًّا مِنَ المَخلُوقاتِ والأَجراميءٍ بسونِها مُعْتِمةً لا نَراها رَغمَ أنَّها أَمامَ أَبصارِنا.
وجَهَنَّمُ اثنَتانِ:إِحداهُما جَهَنَّمُ صُغرَى، والأُخرَى جَهَنَّمُ كُبْرَى.
والصُّغرَى بمَثابةَِّحقِيِ الكُبْرَى، إذ ستَنقَلِبُ إلَيْها في المُستَقبَلِ وستكُونُ مَنزِلًا مِن مَنازِلِها.
ومَعنَى أنَّ جَهَنَّمَ الصُّغرَى تَحتَ الأَرضِ: أنْبَرُ ي مَركَزِها، لِأنَّ تَحتَ الكُرةِ مَركَزَها.. ومِنَ المَعلُومِ في عِلمِ طَبَقاتِ الأَرضِ أنَّ الحَرارةَ تَتَزايَدُ دَرَجةً واحِدةً یی على الأَغلَبِ یی كُلَّما حُفِرَ فياس العضِ ثَلاثةٌ وثَلاثُونَ مِتْرًا، بمَعنَى أنَّ دَرَجةَ الحَرارةِ تَبلُغُ في مَركَزِ الأَرضِ مِئَتَيْ أَلفِ دَرَجةٍ، لِأنَّ نِصفَ قُطْرِ الأَرضِ أَكثَرُ مِن سِتّةِ آلافِ كِيلُو مِتْرِقامةِ نارُه أَشَدُّ مِن نارِ الدُّنيا بمِئَتَيْ دَرَجةٍ، وهذا يُوافِقُ ما وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ.
وقد أَدَّتْ جَهَنَّمُ الصُّغرَى هذه وَظائِفَ كَثِيرةً جِدًّا تَخُصُّ جَهَنَّمَ الكُبْرَى في هذه الدُّنيا وفي عالَمِ البَرزَخِ، كما أَشارَتا في ذه الأَحادِيثُ الشَّرِيفةُ.
أمّا في عالَمِ الآخِرةِ فستُفْرِغُ الأَرضُ أَهلَها وتُلقِي بهم في مَيدانِ الحَشرِ الَّذي هو في مَدارِها السَّنه مِنه، كما تُسَلِّمُ ما في جَوْفِها مِن جَهَنَّمَ صُغرَى إلى جَهَنَّمَ كُبْرَى بأَمرِ اللهِ جَلَّ جَلالُه. أمّا قَولُ عَدَدٍ مِن أَئِمّةِ المُعتَزِلةِ: "إنَّ جَهَنَّمَ سوف تُخلَقُ فيما بَعدُ"، فهُو خَطَأٌ
— 11 —
وغَباءٌ في الوَقتِ نَفسِه، ناشِيلَ عن عَدَمِ انبِساطِها انبِساطًا تامًّا في الوَقتِ الحاضِرِ وعَدَمِ انكِشافِها انكِشافًا تامًّا بما يُوافِقُ سُكّانَها.. ثمَّ إنَّ رُؤيةَ مَنازِلِ عالَمِ الآخِرةِ المَستُورةِ عَنّا بسِتارِ الغَيبِِن نُوارِنا الدُّنيَوِيّةِ وإِراءَتَها الآخَرِينَ لا تَحصُلُ إلّا بتَصغِيرِ الكَونِ كُلِّه (أي: الدُّنيا والآخِرةِ) وجَعْلِهِما في حُكْمِ وِلايَتَينِ، أو بتَكبِيدُ لَهُونِنا بحَجمِ النُّجُومِ كي نَعرِفَ أَماكِنَها ونُعَيِّنَها.. فالمَنازِلُ الَّتي تَخُصُّ عالَمَ الآخِرةِ لا تُرَى بأَبصارِنا الدُّنيَوِيّةِ، والعِلمُ عِندَ اللهِ تَعالَى.
ولكِن يُفهَمُ مِن إِشاراتِ بَعضِ الرِّواياتِ أَه العهَنَّمَ الَّتي في الآخِرةِ لَها عَلاقةٌ معَ دُنيانا، فقد وَرَد في شِدّةِ حَرارةِ الصَّيفِ أنَّها "مِن فَيحِ جَهَنَّمَ"، فجَهَنَّمُ الكُبر مِنَِذًا تلك النّارُ الهائِلةُ لا تُرَى بعَينِ العَقلِ الخافِتةِ الصَّغِيرةِ، ولكِن نَستَطِيعُ أن نَنظُرَ إلَيْها بنُورِ اسمِ اللهِ "الحَكِيمِ"، وذلك أنَّ جَهَنَّمَ الكُبْرَى المَوجُودةَ تَحتَ المَدارِ السَّنَوِيِّ لِلبِّك بكأنَّها قد وَكَّلَت جَهَنَّمَ الصُّغرَى المَوجُودةَ في مَركَزِ الأَرضِ، فتُؤَدِّي بها بَعضَ وَظائِفِها؛ وأنَّ مُلكَ اللهِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ واسِعٌ جِدًّا، فأَينَما وَجَّهَتِ الحِكْمةُ الإِلٰهيةُ جَهَنَّمَ فهي تَستَقِرُّ هُناك وعِندَ والفِ نعم، إنَّ قَدِيرًا ذا جَلالٍ، وحَكِيمًا ذا كَمالٍ، المالِكَ لِأَمرِ "كُن فيَكُونُ" الَّذي رَبَط القَمَرَ بالأَرضِ بحِكْمةٍ كامِلةٍ وَفقَ نِظامٍ، كما هو مُشاهَدٌ، ورَبَط الأَرضَ بالشَّمسِ بعَظَمةِ قُدرَتِه وَفقَ نِظامٍ، وسَيَّر الشَّمس ومَعدسَيّاراتِها بعَظَمةِ رُبُوبيَّتِه الجَلِيلةِ، بسُرعةٍ مُقارِبةٍ لِسُرعةِ الأَرضِ السَّنَوِيّةِ، يُجرِيها إلى شَمسِ الشُّمُوسِ (بِناءً على فَرضٍ)، وجَعَل النُّجُومَ المُتَلَألِئةَ كالمَصابِيحِ شَواهِدَ نُورانيظَهْرَى عَظَمةِ رُبُوبيَّتِه، مُظْهِرًا بهذا رُبُوبيّةً جَلِيلةً وعَظَمةَ قُدرةٍ قادِرةٍ، لا يُستَبعَدُ عن كَمالِ حِكْمةِ هذا القَدِيرِ الجَلِيلِ وعن عَظَمةِ قُدرَتِه وسُلْطانِ رُبُوبيَّتِه أن يَجعَلَ جَهَنَّمَ الكُبْرَى في حُكْمِ خَزّانِ مَعمَلِ ايْ عَزةِ، ويُشعِلَ بها نُجُومَ السَّماءِ النّاظِرةَ إلى الآخِرةِ، ويَمُدَّها مِنها بالحَرارةِ والقُوّةِ، أي: يَبعَثُ إلَيْها النَّارَ والحَرارةَ مِن جَهَنَّمَ، ويُرسِلَ إلَيْها مِنَ الجَنّةِ الَّتي هي عالَمُ النُّور نُورًا وضِياءً؛ وفي الئِمةً نَفسِه يَجعَلُ مِن جَهَنَّمَ مَسْكَنًا لِأَهلِ العَذابِ وسِجْنًا لَهُم.
وكذا إنَّ الفاطِرَ الحَكِيمَ الَّذي يَضُمُّ شَجَرةً عَظِيمةً هائِلةً كالجَبَلِ في بُذَيْرةلجَنّةيرةٍ
— 12 —
كالخَردَلِ، لا يُستَبعَدُ عن قُدرَتِه وعن حِكْمَتِه أن يَحفَظَ جَهَنَّمَ الكُبْرَى في بِذْرةِ جَهَنَّمَ الصُّغرَى المُستَقِرّةِ في قَلبِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ.
نَحصُلُ مِن هذا:أنَّ الجَنّةَ وجَهَنَّمَ ثَمَرتانِ (ص)، وصنِ شَجَرةِ الخَلقِ، قد تَدَلَّتا إلى الأَبَدِ، ومَوضِعُ الثَّمَرةِ في مُنتَهَى الغُصنِ.
وأنَّهُما نَتِيجَتانِ لِسِلسِلةِ الكائِناتِ َرُ تَمَحَلُّ النَّتائِجِ يكُونُ في طَرَفَيِ السِّلسِلةِ: السُّفلِيّةُ مِنها والثَّقِيلةُ في الأَسفَلِ، والعُلوِيّةُ النُّورانيّةُ مِنها في الأَعلَى.
وأنَّهُما مَخزَنانِ لِسَيلِ الشُّؤُونِ الإلٰهِيّةِ والمَحاصِيلِ الأَرضِيّةِ الحُكْمِِيّةِ، ومَكانُ المَخزَنِ يكُونُ حَسَبَ نَوعِ المَحاصِيلِ: الفاسِدةُ مِنها في أَسفَلِه، والجَيِّدةُ في أَعلاه.
وأنَّهُما حَوْضانِ لِلمَوجُوداتِ السَّيّالةِ المُتَمَوِّجةِ والجارِيةِ نَحوَ الأَبَدِ، ومَحَلُّ الحَوضِ يكُونُ في مَوضِعِ سُكُون تَرَكَيلِ وتَجَمُّعِه، بمَعنَى أنَّ خُبْثَه وقَذارَتَه في الأَسفَلِ، وطَيِّباتِه ونَقِيّاتِه في الأَعلَى.
وأنَّهُما مَوضِعانِ لِتَجَلِّي اللُّطفِ والقَهرِ والرَّحمةِ والعَظَمةِ، ومَوضِعُ التَّجَلِّي يكُونُ في أيِّ مَوض "إنَّن؛ ويَفتَحُ الرَّحمٰنُ الجَمِيلُ والقَهَّارُ الجَلِيلُ مَوضِعَ تَجَلِّيه أَينَما شاءَ.
أمَّا وُجُودُ الجَنّةِ وجَهَنَّمَ، فقد أُثبِتَ إِلعُزَّ قاطِعًا في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" و"الكَلِمةِ الثّامِنةِ والعِشرِينَ" و"الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ"، إلّا أنَّنا نقُولُ هُنا:
إنَّ وُجُودَ الثَّمَرةِ قَطعِيٌّ ويَقِينٌ كقَطعِيّةِ وُجُودِ الغُصنِ ويَقِينِه.. ووُجُودُ النَّتِيجة تَتَطينٌ كيَقِينِ وُجُودِ السِّلسِلةِ.. ووُجُودُ المَخزَنِ يَقِينٌ كيَقِينِ وُجُودِ المَحاصِيلِ.. ووُجُودُ الحَوْضِ يَقِينٌ كيَقِينِ وُجُودِ النَّهرِ.. ووُجُودُ مَوضِعِ التَّجَلِّي يَقِينٌ المَونِ وُجُودِ الرَّحمةِ والقَهرِ.
السُّؤال الرابع:
العِشقُ المَجازِيُّ لِلمَحبُوباتِ يُمكِنُ أن يَنقَلِبَ إلى عِشقٍ حَقِيقيٍّ، فهل يُمكِنُ أن يَنقَلِبَ العِشقُ المَجازِيُّ لِلدُّنيا الَّذي يَحمِ إِكراكثَرُ النّاسِ إلى العِشقِ الحَقِيقيِّ؟
— 13 —
الجَوابُ:نعم، إذا شاهَد ذلك العِشقُ المَجازِيُّ قُبْحَ الزَّوالِ ودَمامةَ الفَناءِ على وَجهِ الدُّنيا الفاني، فأَعْرَضَ عنه، وبَحَثَ وتَحَرَّى عن مَحَائِعِباقٍ لا يَزُولُ، ووَفَّقَه اللهُ لِلنَّظَرِ إلى وَجْهَيِ الدُّنيا الجَمِيلَينِ، وهُما مِرآةُ الأَسماءِ الحُسنَى ومَزرَعةُ الآخِرةِ، انقَلَب حِينَئذٍ العِشقُ المَجازِيُّ غَيرُ المَشرُوعِ إلى عِشقٍ حَقِيقيٍّ، ولكِن بشَرطِ أَلّا تَلتَبِسَ علَيْي ذَكَاهُ الزّائِلةُ غَيرُ المُستَقِرّةِ المُرتَبِطةُ بحَياتِه، بالدُّنيا الخارِجِيّةِ؛ إذ لو نَسِيَ نَفسَه نِسيانَ أَهلِ الضَّلالةِ والغَفلةِ وخاضَ في غِمارِ آفاقِ الدُّنيلَ الذنَّ دُنياهُ الخاصّةَ كالدُّنيا العُمُومِيّةِ، فعَشِقَها، فإنَّه يَقَعُ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ ويَغرَقُ؛ إلّا مَن أَنجَتْه يَدُ العِنايةِ نَجاةً خارِقةً لِلعادةِ.
فتَأَمَّلْ في التَّمثِيلِ الآتي الَّذي يُنَوِّرُ ّاسُ د الحَقِيقةَ:
هَبْ أَنَّنا نَحنُ الأَربَعةَ دَخَلْنا في غُرفةٍ، على جُدْرانِها الأَربَعةِ مَرايا كَبِيرةٌ كِبَرَ الحائِطِ، فعِندَئِذٍ تُصبِحُ تلك الغُرفةُ افةٍ، فلةُ خَمسَ غُرَفٍ: إِحداها حَقِيقيّةٌ وعُمُوميّةٌ، والأَربَعةُ الأُخرَى مِثاليّةٌ وخُصُوصِيّةٌ؛ وكلٌّ مِنّا يَستَطِيعُ أن يُبَدِّلَ شَكلَ غُرفَتِه الخاصّةِ وهَيْئَتَها ولَوْنَها بواسِطةِ مِخِدمةِ. فلو صَبَغْناها باللَّونِ الأَحمَرِ فإنَّها تُرِي الغُرفةَ حَمْراءَ، ولو صَبَغْناها باللَّونِ الأَخضَرِ فإنَّها تُرِيها خَضْراءَ.. هكذا، يُمكِنُنا أن نُعطِيَ لِلغُرفةِ أَوْضاعًا مُتَنوِّعةً بالتَّغيِيرِ في المِ إلى االتَّصَرُّفِ فيها، بل نَستَطِيعُ وَضْعَها في أَوْضاعٍ جَمِيلةٍ أو قَبِيحةٍ، أو أيِّ شَكلٍ نَرغَبُ فيه، ولكِنَّنا لا نَستَطِيعُ أن نُغَيِّرَ ونُبَدِّلَ الغُرفةَ العُمُوميّةَ الخارِجةَ عنِ المِرآةِ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ؛ فأَحكامُ الغُ المُخنِ الخُصُوصِيّةِ والعُمُومِيّةِ مُختَلِفةٌ، وإن كانَتا واحِدةً مُتَّحِدةً في الحَقِيقةِ. فأَنتَ بتَحرِيكِ إِصبَعٍ يُمكِنُك تَخرِيبُ غُرفَ علَيَْينَما لا يُمكِنُك تَحرِيكُ حَجَرٍ مِن تلك الغُرفةِ العُمُوميّةِ ولو قِيدَ أَنمُلةٍ.
وهكذا الدُّنيا، فهي مَنزِلٌ جَمِيلٌ مُزَيَّنٌ، وحَياةُ كلٍّ مِنّا مِرآةٌ كَبِيرةٌ واسِعةٌ، ولِكُلٍّ مِنّا دُنياه الخاصّةُ مِن هذه الَكةِ ه العُمُوميّةِ، ولِكُلٍّ مِنّا عالَمُه الخاصُّ به، إلّا أنَّ عَمُودَ دُنيانا ومَركَزَها وبابَها: حَياتُنا، بل إنَّ دُنيانا وعالَمَنا الخاصَّ صَحِيفةٌ، وحَياتَنا قَلَمٌْرِ بعَبُ بواسِطَتِه كَثِيرٌ مِنَ الأَشياءِ الَّتي تُنقَلُ إلى صَحِيفةِ أَعمالِنا. فإن أَحبَبْنا دُنيانا، ثمَّ شاهَدْنا
— 14 —
أنَّها زائِلةً فانيةٌ لا قَرارَ لها كحَياتِنا یی لِأنَّها مَبنِيّةٌ فَوقَها یی وشَعَرنا بهذا الزَّوالِ، ووتَدبِكْناه، عِندَئذٍ تَتَحوَّلُ مَحَبَّتُنا نَحوَها إلى مَحَبّةِ نُقُوشِ الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى الَّتي تُمَثِّلُها دُنيانا الخاصّةُ، المِرآةُ لها؛ ومِنها تَنتَقِلُ المَحَبّةْها بامَحَبّةِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى.
ثمَّ إنَّنا إذا أَدْرَكْنا أنَّ دُنيانا الخاصّةَ مَزرَعةٌ مُؤَقَّتةٌ لِلآخِرةِ والجَنّةِ، وحَوَّلْنا أَحاسِيسَنا الشَّدِيدةَ ومَشاعِرَنا القَوِيّةَ نَحوَها كالحِرصِ والطَّلَبِ والمَحَبّةِ ي هذا لِها، إلى نَتائِجِ تلك المَزرَعةِ وثَمَراتِها وسَنابِلِها، تلك هي فَوائِدُها الأُخرَوِيّةُ؛ يَنقَلِبُ عِندَها ذلك العِشقُ المَجازِيُّ إلى عِشقٍ حَقِيقيٍّ.. وبخِلافِ هذا نكُونُ مِمَّن قال اللهُ تَعالَى في حَقِّهِم: نَسُوا اللَّهَ فالعَواَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، فالَّذي يَنسَى نَفسَه ويَغفُلُ عنها، ولم يُفكِّر بزَوالِ حَياتِه، وحَسِبَ دُنياه الخاصّةَ الفانيةَ ثابِتةً كالدُّنيا العُمُوميّةِ، ناسِيًا زَوالَ الحَياةِ، سَّعاد نَفسَه خالِدًا فيها، فسَكَن إلَيْها وتَمَسَّك بها بجَمِيعِ حَواسِّه ومَشاعِرِه، يَغرَقُ فيها ويَنتَهِي أَمرُه، فتكُونُ تلك المَحَبّةُ وَبالًا علَيْه وعَذابًا أَلِيمًا، لِأنَّها تُولِّدُ شَفَقةً ورِقّةَ قَلبٍ يائِسٍ يِ؟ وإذاليَتِيمِ، فيُقاسِي الأَلَمَ مِن أَحوالِ ذَوِي الحَياةِ حتَّى يَستَشعِرَ أَلَمَ الرِّقّةِ والفِراقِ مِمّا يُصِيبُ المَخلُوقاتِ الجَمِيلةَ المُعَ الأَر لِصَفَعاتِ الزَّوالِ والفِراقِ، ويَجِدُ نَفسَه مَكتُوفَ الأَيدِي إِزاءَها، فيَتَجرَّعُ الأَلَمَ في يَأْسٍ مَرِيرٍ.
أمّا الشَّخصُ الأَوَّلُ الَّذي نَجا مِن شِباكِ الغَفْلةِ، فإنَّه يَجِدَُنُوفَُمًا شافِيًا إِزاءَ شِدّةِ أَلَمِ الشَّفَقةِ تلك، إذ يُشاهِدُ في مَوتِ ذَوِي الحَياةِ وفي زَوالِ مَن يَتَألَّمُ لِأَوضاعِهِم، بَقاءَ مَرايا أَرواحِهِمُ الَّتي تا تَحملُ تَجَلِّياتٍ دائِمةً لِأَسماءٍ دائِمةٍ لِذاتٍ جَلِيلةٍ باقِيةٍ خالِدة؛ وعِندَئذٍ تَنقَلِبُ شَفَقتُه إلى سُرُورٍ دائِمٍ، ويُشاهِدُ وَراءَ نَواةِ المَخلُوقاتِ الجَمِيلةِ المُعَرَّضةِ لِلفَناءِ والزَّوالِ نَقْشًا وإِتقانًا وتَجمِيلًا وتَزيِينًا وإِحسانًا وتَنوِيرًا دائِميًّا، يُشعِرُه بجَمالٍ مُنَزَّهٍ وحُسنٍ مُقهِي بأ، حتَّى يَرَى ذلك الزَّوالَ والفَناءَ نَمَطًا لِتَزيِيدِ الحُسنِ وتَجدِيدِ اللَّذّةِ وتَشهِيرِ الصَّنعةِ، مِمّا يَزِيدُ لَذَّتَه وشَوْقَه وإِعجابَه.
الباقي هو الدُّني
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 15 —
المكتوب الثاني
بِاسْمِهِ سُبحَانَه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
"قِطعة مِن الجَواب الَّذي ئًا، وإلى تِلميذِه المَذكور المَعلوم
لِما أرسَل من هديَّة"
........
ثالثًا:لقد أَرسَلتَ إِلَيَّ هَدِيّةً، تُرِيدُ أن تُغيِّرَ بها قاعِدةً مِن قَواعِدِ حَياتي في غايةِ الأَهَمِّيّ المُت إنَّني يا أَخِي لا أَقُولُ: "لا أَقبَلُ هَدِيَّتَك مِثلَما لا أَقبَلُها مِن شَقِيقِي عَبدِ المَجِيدِ وابنِ أَخِي عَبدِ الرَّحمَن، فإنَّك أَسبَقُ مِنهُما وأَقرَبُ إلى رُوحِي؛ لِذلِك: فلو تُرَدُّ هَدِيّةُ كلَِّيضِ ا، فهَدِيَّتُك لا تُرَدُّ، على أن تكُونَ لِمَرّةٍ واحِدةٍ فقط.
وأُبيِّنُ بهذه المُناسَبةِ سِرَّ قاعِدَتي تلك بالآتي:
كان (سَعِيدٌ القَدِيمُ) لا يَتَحمَّلُ أَذَى المَنِّ مِن أَحَدٍ، بل كان يُفَضِّلُ الم: لَئِلى أن يَظَلَّ تَحتَ ثِقَلِ المِنّةِ؛ ولم يُخالِفْ قاعِدَتَه رَغمَ مُقاساتِه المَشقّاتِ والعَناءَ.. فهذه الخَصلةُ المَورُوثةُ مِن (سَعِيدٍ القَدِيمِ) إلى أَخِيك العاجِزِ هذا، لَيسَت تَزَهُّدًا ولا استِغناءً مُصطَنَعًا عنِ النَّاسِ، بل تَرتَكِزكذا تُبِضعةِ أَسبابٍ واضِحةٍ:
— 16 —
الأوَّلُ:إنَّ أَهلَ الضَّلالِ يَتَّهِمُونَ العُلَماءَ باتِّخاذِهِمُ العِلمَ مَغْنَمًا، فيُهاجِمُونَهُم ظُلمًا وعُدْوانًا بقَولِهِم:و بُرههُم يَجعَلُونَ العِلمَ والدِّينَ وَسِيلةً لِكَسبِ مَعيشَتِهِم"، فيَجِبُ تَكذِيبُ هَؤُلاءِ تَكذِيبًا فِعلِيًّا.
الثَّاني:نَحنُ مُكلَّفُونَ باتِّباعِ الأَنبِياءِ عَلأَبَدالسَّلام في نَشرِ الحَقِّ وتَبلِيغِه.. والقُرآنُ الكَرِيمُ يَذكُرُ الَّذين نَشَرُوا الحَقَّ أنَّهُم أَظهَرُوا الِاستِغناءَ عنِ النّاسِ بقَولِهِم: إِنْ أَجْرِيَ إ دَوائعَلَى اللَّهِ ٭ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ؛ وأنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ في سُورةِ (يسٓ)، تُفِيدُ مَعانِيَ جَمّةً، ومَغُ الكامِيقًا، فيما يَخُصُّ مَسأَلتَنا هذه.
الثَّالث:لقد بُیيِّنَ في "الكَلِمةِ الأُولَى" أنَّه: "يَلزَمُ الإِعطاءُ بِاسمِ اللهِ، والأَخذُ بِاسمِ اللهِ"، ولكِنَّ الَّذي يَحدُثُ غالِبًا هو أنَّ الهُدِيَ غافِلٌ، فيُعطِي بِاسمِ نَفسِه، فيَتَمنَّنُ ضِمْنًا، أو أنَّ الآخِذَ غافِلٌ يُسنِدُ الشُّكرَ والثَّناءَ الخاصَّ بالمُنعِمِ الحَقِيقيِّ إلى الأَسبابِ الظّاهِرِيّةِ فيُخطِئُ.
الرَّاُصَرَِّّ التَّوكُّلَ والقَناعةَ والِاقتِصادَ خَزِينةٌ عَظِيمةٌ، وكَنزٌ ثَمِينٌ لا يُعوَّضانِ بشَيءٍ.. لا أُرِيدُ أن أَسُدَّ أَبوابَ تلك الخَزائِنِ والكُنُوزِ الَّتي لا تَنفَدُ بَّ الجالمالِ مِنَ النَّاسِ.. فشُكرًا لِلرَّزَّاقِ ذِي الجَلالِ آلافَ المَرّاتِ أنَّه لم يُلجِئْني مُنذُ طُفُولَتي إلى البَقاءِ تَحتَ مِنّة أَحَدٍ مِنَ النّاسِ.. فأَسألُه برَحمَتِه تَعالَى مُعتَمِدًا على لأَهلهِ أن يُمضِيَ بَقِيّةَ عُمُرِي أَيضًا بتلك القاعِدةِ.
الخامس:لقدِ اقتَنَعتُ اقْتِناعًا تامًّا مُنذُ حَوالَيْ سَنَتَينِ بأَماراتٍ وتَجارِبَ كَثِيرةٍ: أنَّني لَستُ مَأْذُونًا بقَبُولِ أَموالِ النَّاسِ ولا سِيَّما هَدايا الأَغنِياء وأَخبُوَظَّفِينَ، إذ أَتأَذَّى بقِسمٍ مِنها، بل كأنَّه يُدفَعُ بتلك الهَدايا والأَموالِ إلى الأَذَى لِيُحالَ دُونَ أَكلِها، وأَحيانًا يُحَوَّم يُعا صُورةٍ تَضُرُّني.. فهذه الحالةُ إذًا أَمرٌ مَعنَوِيٌّ بعَدَمِ أَخذِ أَموالِ النَّاسِ ونَهيٌ عن قَبُولِها.
— 17 —
وكذا، فإنَّ فيَّ استِيحاشًا مِنَ النَّاسِ، لا أَستَطِيعُ قَبُولَ زِيارةِ كلِّ شَخصٍ في كلِّ حِينٍ؛ فقَبُولُ زةً ثا النَّاسِ يُلزِمُني قَبُولَ زِيارَتِهم في وَقتٍ لا أَرِيدُه، مُراعاةً لِشُعُورِهم.. وهذا ما لا أُحَبِّذُه.
إنَّني أُفَضِّلُ أن آكُلَ كِسرةَ خُبزٍ يابِسٍ، وأ الحادبَسَ ثَوْبًا فيه مِئةُ رُقعةٍ ورُقعةٍ يُنقِذُني مِنَ التَّصَنُّعِ والتَّمَلُّقِ، على أن آكُلَ أَطْيَبَ حَلْوَى الآخِرينَ، وأَلْبَسَ أَفْخَرَ مَلابِسِهِم، وأُضطلِيلُ لى مُراعاةِ مَشاعِرِهِم.. وهذا ما أَكرَهُه.
السَّادس:إنَّ السَّبَبَ الأَهَمَّ لِلِاستِغناءِ عنِ النّاسِ هو ما يقُولُه ابنُ حَجَرٍ المَوثُْمًا هسَبَ مَذهَبِنا (الشَّافعِيِّ): "يَحرُمُ قَبُولُ ما يُوهَبُ لك بنِيّةِ الصَّلاحِ، إن لم تكُن صالِحًا".
نعم، إنَّ إِنسانَ هذا العَصرِ يَبِيعُ هَدِيَّتَه البَخْسةَ بثَمَنٍ باهِظٍ، لِحِرصِه وطَمَعِه، فيَتًَا: أن شَخْصًا مُذنِبًا عاجِزًا مِثلِي وَليًّا صالِحًا، ثمَّ يُعطِيني رَغِيفًا هَدِيّةً؛ فإذا اعتَقَدتُ أنَّني صالِحٌ یی حاشَ للهِ یی فهذا عَلامةُ الغُرُورِ، ودََلفِ سعَدَمِ الصَّلاحِ، وإنْ لم أَعتَقِدْ صَلاحِي، فقَبُولُ ذلك المالِ غيرُ جائِزٍ لي.
وأَيضًا: إنَّ أَخذَ الصَّدَقةِ والهَدِيّةِ مُقابِلَ الأَعمالِ المُتَوجِّهةِ لِلآخِرةِ يَعنِي قَطْفَ ثَمَراتٍ خالِدةثلَما خِرةِ، بصُورةٍ فانيةٍ في الدُّنيا.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 18 —
المكتوب الثالث
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
"قِوتَقَد الرِّسَالة الَّتي بَعثَهَا إلى طَالِبه المَّعرُوف"
..........
خامسًا:كُنتَ قد كَتَبتَ في إِحدَى رَسائِلِك رَغبَتَك في أن تُشارِكَني ما تَجِيشُ به مَشاعِرِي وأَحاسِيسِي هُلَمِ استَمِعْ إذًا إلى واحِدةٍ مِن أَلفٍ مِنها، وهو:
في إِحدَى اللَّيالي، كُنتُ على ارتِفاعٍ عَظِيمٍ، في خُصٍّ مَنصُوبٍ على قِمّةِ شَجَرةِ "القَطِرانَِشَرةِرتَفِعةِ على قِمّةٍ مِن قِمَمِ جَبَلِ "چام"؛ نَظَرتُ مِن هُناك إلى وَجهِ السَّماءِ الأَنِيس الجَمِيلِ المُزَيَّنِ بمَصابِيحِ النُّجُومِ، فرَأَيتُ أنَّ في القَسَمِ الوارِدِ في الآيةِ الكَرِيمةِ: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ٭ الْجَوَارِ الصِيلَهسِ نُورًا سامِيًا مِن أَنوارِ الإِعجازِ، وشاهَدتُ فيه سِرًّا بَلِيغًا لامِعًا مِن أَسرارِ البَلاغةِ.
نعم، إنَّ هذه الآيةَ الكَرِيمةَ تُشِيرُ إلى النُّجُومِ السَّيّافِظِ على استِتارَتِها وانتِشارِها، فتَعرِضُ الآيةُ أَمامَ نَظَرِ المُشاهِدِ نَقْشًا بَدِيعًا مُتقَنَ الصُّنعِ في وَجهِ السَّماءِ، وتَرسُمُ لَوْحةً رائِعةً تُلَقِّنُ العِبرةَ والدَّرسَ.
نعم، هذه السَّيّاراتُ ما إن تَخرُجُ مِن دائِرةِ قائِدِها الشّسلامِ وتَدخُلُ في دائِرةِ النُّجُومِ الثّابِتةِ، إلّا وتَعرِضُ في وَجهِ السَّماءِ رَوائعَ النَّقشِ المُتَجدِّدِ وبَدائِعَ الإِتقانِ تَتَجدَّدُ حِينًا بَعدَ حِينٍ.. فقد تَتَكاتَفُ إِحداها معَ مَثِيلَتِها، وتُظهِرانِ مَعًا آيةً باهِرةً في
— 19 —
الجَالإِما وقد تَدخُلُ إِحداها بَينَ صُغَيراتِ النُّجُومِ فتَقُودُها قِيادةَ الكَبِيرةِ لِلصَّغِيراتِ، ولا سِيَّما نَجمُ الزُّهْرةِ اللَّامِعُ في الأُفُقِ بَعدَ الغُرُوبِ في هذا المَوسِمِ ا يَخًُ، ونَظِيرٌ له آخَرُ يَسطَعُ قَبلَ الفَجرِ.. فيا لَه مِن جَمالٍ زاهِرٍ يُضْفِيانِه على الأُفُقِ!
ثمَّ بَعدَ إِنهاءِ كلِّ نَجمٍ وَظِيفَتَه، وإِشرافِه على البلُغُ اتِ، وإِيفاءِ خِدْماتِه كالمَكُّوكِ في نَسجِ نُقُوشِ الصَّنعةِ البَدِيعةِ، يَرجِعُ إلى دائِرةِ سُلْطانِه المَهِيبةِ: الشَّمسِ، فيَتَسَربَلُ بالنُّورِ، ويَتَستَّرُ، ويَختَفِي عنِ الأَنظارِ.
َها تُلسَّيّاراتُ الَّتي عَبَّر عنها القُرآنُ الكَرِيمُ بی"الخُنَّسِ" "الكُنَّسِ" يُجرِيها سُبحانَه وتَعالَى معَ أَرضِنا هذه جَرَيانَ سَفِينةٍ تَمخُرُ عُبابَ الكَونِ، رَبِِّّیرُها طَيَرانَ الطَّيرِ في فَضاءِ العالَمِ، ويَسِيحُ بها سِياحةً طَوِيلةً، في انتِظامٍ كامِلٍ، دالًّا بها على عَظَمةِ رُبُوبيَّتِه وأُبَّهةِ أُلُوهِيَّتِه جَلَّ جَلالُه، كالشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ.
فيا لَأمَعنَوِ مَلِيكٍ مُقتَدِرٍ، مِن بَينِ سَفائِنِه وطائِراتِه ما هو أَكبَرُ جَسامةً مِنَ الأَرضِ أَلفَ مَرّةٍ، وتَقطَعُ مَسافةَ ثَماني ساعاتٍ في ثانيةٍ واحِال: فرِسْ بنَفسِك مَدَى السَّعادةِ السَّامِيةِ، ومَدَى الشَّرَفِ العَظِيمِ في العُبُودِيّةِ لِهذا المَلِيكِ الجَلِيلِ، والِانتِسابِ إلَيْه بالإِيمانِ، والضِّيافةِ على مائِدةِن نَخْمِه وأَفضالِه.
ثمَّ نَظَرتُ إلى القَمَرِ، ورَأَيتُ أنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ تُعَبِّرُ عن نُورٍ مُشرِقٍ مِنَ الإِعجازطانِ انعم، إنَّ تَقدِيرَ القَمَرِ تَقدِيرًا دَقِيقًا جِدًّا، وتَدوِيرَه حَولَ الأَرضِ وتَدبِيرَه وتَنوِيرَه، وإِعطاءَه أَوْضاعًا إِزاءَ الأَرضِ والشَّمسِ مَحسُوبةً بحِسابٍ في مُنتَهَى الدِّقّةِ والعِنايةِ، تَتَحيَّیرُ مِنه العُقُولُُ أَيضِدُ كلَّ ذِي شُعُورٍ يُشاهِدُ هذه الدِّقّةَ في التَّقدِيرِ أن يقُولَ: إنَّ القَدِيرَ الَّذي يُنَظِّمُ هذه الأُمُورَ على هذه الشَّاكِلةِ الخارِقةِ ويُقدِّرُها تَقدِيرًا دَقِيقًا، لا يَصعُبُ علَيْه شَيءٌ.. مِمّا يُوبِحَمَّْ الَّذي يَفعَلُ هذا قادِرٌ على كُلِّ شَيءٍ.
ثمَّ إنَّ القَمَرَ يَعقُبُ الشَّمسَ، هذا التَّعقِيبُ مُقَدَّرٌ حِسابُه، لا يُخطِئُ حتَّى في ثانيةٍ واحِدةٍ، ولا يَتَباطَأُ عن عَمَلِه قِيدَ أَنمُلةٍ، يُوغِيَدفَعُ كلَّ مُتأَمِّلٍ فيه إلى القَولِ: سُبحانَ مَن
— 20 —
تَحَيَّر في صُنعِه العُقُولُ! إذ يَأخُذُ القَمَرُ شَكلَ هِلالٍ رَقِيقٍ، ولا سِيَّما نِهايةَ شَهرِ أَيّارَ، مِثلَما يَحدُثُ في أَحيانٍ أُخرَى؛ ويَتَّخِذُ شَكلَ وُجِدونٍ قَدِيمٍ أَثناءَ دُخُولِه مَنزِلَ الثُّرَيّا، حتَّى لَكَأَنَّ الثُّرَيّا عُنقُودٌ يَتَدلَّى بهذا العُرجُونِ القَدِيمِ مِن وَراءِ سِتارِ الخَضْراءِ القاتِمةِ، مِمّا يُوحِي لِلخَيالِ وُجُودَنَ بالةٍ عَظِيمةٍ نُورانيّةٍ وكَأَنَّ غُصْنًا دَقِيقًا مِن تلك الشَّجَرةِ قد خَرَق ذلك السِّتارَ وأَخرَج نِهايَتَه معَ عُنقُودٍ هُناك، وصارا الثُّرَيّا والهِلالَ.
هذه اللَّوْحةُ الرّائِعةُ تُلقِي إلى الخَيالِ أنَّ النُّجُومَ الَدَى ى ثَمَراتُ تلك الشَّجَرةِ الغَيبِيّةِ، فشاهِدْ لَطافةَ الآيةِ الكَرِيمةِ: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ وذُقْ حَلاوةَ بَلاغَتِها.
ثمَّ خَطَرَت بالبالِ الآيةُ الكَرِيمْمٍ إلُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ الَّتي تُشِيرُ إلى أنَّ الأَرضَ سَفِينةٌ مُسَخَّرةٌ ومَركُوبٌ مَأْمُورٌ.. مِن هذه الإِشارةِ رَأَيتُ نَفسِي في مَوقِعٍلْزَلُعٍ مِن تلك السَّفِينةِ العَظِيمةِ السّائِرةِ سَرِيعًا في فَضاءِ الكَونِ، فقَرَأتُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ الَّتي تُسَنُّ قِراءَتُها حِينَ رُكُوبِ الّةِ البِ مِن فَرَسٍ وسَفِينةٍ وغَيرِهِما.
وكذا رَأَيتُ أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ قد أَخَذَت بهذه الحَرَكةِ طَوْرَ ماكِينةِ السِّينِما الَّتي تُبيِّنُ المَشاهِدَ وتَعرِضُها،ُ (ص).َكَتْ ما في السَّماواتِ مِن نُجُومٍ، وبَدَأَت تَسوقُها سَوْقَ الجَيشِ، عارِضةً مَناظِرَ جَذّابةً ومَشاهِدَ لَطِيفةً تُوقِعُ أَهلَ الفِكْرِ والعَقلِ في حَيْرةٍ وإِعجابٍ، وتَجعَلُهُم في نَشوةٍ مِن مُشاهَدَتِها؛ فقُلتُ: سُ الكَ اللهِ! ما أَقلَّ هذه التَّكالِيفَ الَّتي تُؤَدَّى بها هذه الأَعمالُ العِظامُ العَجِيبةُ الغَرِيبةُ والرّاقِيةُ الرَّفِيعةُ؟
ومِن هذه النُّقطةِ خَطَرَت بالبالِ نُكتَتانِ إِيمانيَّتانِ:
أُولاهُما:قَبلَ بِضْعةِ السّامٍ سَأَلَني أَحَدُ ضُيُوفي سُؤالًا، أَساسُ سُؤالِه المُنطَوِي على شُبْهةٍ هو: أنَّ الجَنّةَ وجَهَنَّمَ بَعِيدَتانِ جِدًّا.. هَبْ أنَّ أَهلَ الجَنّةِ يَمُرُّونَ ويَطِِّياسة كالبَرْقِ والبُراقِ مِنَ المَحشَرِ ويَدخُلُونَ الجَنّةَ بلُطفٍ إلٰهِيٍّ، ولكِن كَيفَ يَذهَبُ أَهلُ جَهَنَّمَ إلى جَهَنَّمَ وهُم يَرزَحُونَ تَحتَ أَثقالِ أَجسادِهِمرَى هذالِ ذُنُوبِهِم الجَسِيمةِ؟ وبأَيّةِ واسِطةٍ يَذهَبُونَ إلَيْها؟
— 21 —
والَّذي وَرَد بالبالِ هو: لو دُعِيَتِ الأُمَمُ جَمِيعًا إلى مُؤتَرةِ وعامٍّ يُعقَدُ في أَمرِيكا مَثلًا، فإنَّ كلَّ أُمّةٍ تَركَبُ سَفِينَتَها الكَبِيرةَ وتَذهَبُ إلى هُناك؛ وكَذلِك سَفِينةُ الأَرضِ الَّتي اعتادَتِ السَّياحةَ الطَّوِيلةَ في بَحرِ مُحِيطِ الكَونِ، والَّتي تَقطَعُ في سَنةٍ واحِدةٍ مَسافةً تَبلُغُ قُرآنِا وعِشرِينَ أَلفَ سَنةٍ، هذه الأرضُ تَأخُذُ أَهلِيها وتَحمِلُهُم إلى مَيدانِ الحَشرِ وتُفرِغُهُم هُناك؛ وكذا تُفرِغُ نارَ جَهَنَّمَ الصُّغرَى المَوجُودةَ في جَوفِها، والَّتي تَبلُغُ دَرَجةُ حَرارَتِها مِئَتَيلك مُرِ دَرَجةٍ یی مُوافَقةً لِما جاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ یی بدَلالةِ تَزايُدِ الحَرارةِ كُلَّ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ مِتْرًا دَرَجةً واحِدةً، واه، رَغتُؤَدِّي بَعضَ وَظائِفِ جَهَنَّمَ الكُبْرَى في الدُّنيا والبَرزَخِ یی حَسَبَ رِوايةِ الحَدِيثِ یی تُفْرِغُها في جَهَنَّمَ؛ ثمَّ تَتبَدَّلُ الأَرضُ بأَمرِ اللهِ إلى أَرضٍ باقِيةٍ جَمِيلةٍ غَيرِها، وتالإنسا مَنزِلًا مِن مَنازِلِ عالَمِ الآخِرةِ.
النُّكتة الثَّانية الَّتي ورَدَت بِالبَال:
إنَّ الصَّانِعَ القَدِيرَ، الفاطِرَ الحَكِيمَ، الواحِدَ الأَحَدَ، قد سَنَّ سُنّةً وأَجرَى عادةً، وهي أَداءُ أَعمالٍ كَثِيرةٍ جِدًّا بشَيءٍ قَلِيلٍ جِدَّكان ضِنجازُ وَظائِفَ جَلِيلةٍ جِدًّا بشَيءٍ يَسِيرٍ جِدًّا، إِظهارًا لِكَمالِ قُدرَتِه وجَمالِ حِكْمَتِه ودَلِيلًا على وَحْدانيَّتِه جَلَّ جَلالُه.
ولقد ذَكَرتُ في أُمُّ"الكَلِماتِ" أنَّه:
إذا أُسنِدَتِ الأَشياءُ كلُّها إلى واحِدٍ أَحَدٍ، تَحصُلُ سُهُولةٌ ويُسْرٌ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، وإن أُسنِدَت إلى أَسبابٍ عِدّةٍ وصُنّاعٍ كَثِيرِينَ تَظهَرُ مَشاكِلُ وعَوالِلنَّصُعُوباتٌ بدَرَجةِ الِامتِناعِ، لِأنَّ شَخْصًا واحِدًا یی ولْيَكُن ضابِطًا أو بَنّاءً یی يَحصُلُ على النَّتِيجةِ الَّتي يُرِيدُها، ويُقرّحَيثُ وَضعَ المَطلُوبَ لِكَثرةٍ مِنَ الجُنُودِ، أو كَثرةٍ مِنَ الأَحجارِ، بحَرَكةٍ واحِدةٍ وبسُهُولةٍ تامّةٍ، بحَيثُ لو أُحِيلَ ذلك الأَمرُ إلى أَفرادِ الجَيشِ أو إلى أَحجارِ البِناءِ لَتَعسَّر استِحصالُ تلك النَّتائِجِ، بل لا يُمكِنُ قَطْعًا إلِيٍّ ثعُوبةٍ عَظِيمةٍ.
فما يُشاهَدُ في هذه الكائِناتِ مِن أَفعالِ السَّيرِ والجَوَلانِ والِانجِذابِ والدَّوَرانِ ومِنَ المَناظِرِ اللَّطِيفةِ والمَشاهِدِ المُعَبِّرةِ عنِأن يَتسبِيحِ، ولا سِيَّما في الفُصُولِ الأَربَعةِ وفي اختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ.. أَقُولُ: لو أُسنِدَت هذه الأَفعالُ إلى الوَحدانيّةِ فإنَّ واحِدًا
— 22 —
أَحَدًا بأَمرٍ وا
الِنه إلى كُرةٍ واحِدةٍ بالحَرَكةِ يَستَحصِلُ على أَوْضاعٍ رَفِيعةٍ ونَتائِجَ ثَمِينةٍ كإِظهارِ عَجائِبِ الصَّنعةِ في تَبَدُّلِ المَواسِمِ وغَر إِذًاالحِكْمةِ في اختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولَوْحاتٍ راقِيةٍ في حَرَكةِ النُّجُومِ والشَّمسِ والقَمَرِ الظّاهِرِيّةِ وأَمثالِها مِنَ الأَفعالِ، تَحصُلُ كُلُّها لِأنَّالنَّهجُوداتِ كُلَّها جُنُودُه، فيُعَيِّنُ جُندِيًّا بَسِيطًا كالأَرضِ حَسَبَ إِرادَتِه، ويَجعَلُه قائِدًا على النُّجُومِ، ويَجعَلُ الشَّمسَ الضَّخمةَ سِراجًا لإِعطاءِ أَهلِ الأَرضِ الحَرارةَ والنُّورَ، ويَجعَلُ الفُصُولَ الأَربَعةَ الَّتي هي َرتُ قُ نُقُوشِ القُدرةِ الإلٰهِيّةِ مَكُّوكًا، واللَّيلَ والنَّهارَ اللَّذَينِ هُما صَحِيفةُ كِتابةِ الحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ نابِضًا، ويُقَدِّرُ القَالحَكيَنازِلَ لِمَعرِفةِ المَواقِيتِ، ويَجعَلُ النُّجُومَ على هَيئةِ مَصابِيحَ مُضِيئةٍ لَطِيفةٍ مُتَلَألِئةٍ بأَيدِي المَلائِكةِ المُنجَذِبِينَ بنَشْوةِ السُّرُورِ والفَرَحِ.. هكذا يُظهِرُ حِكَمًا كَثِيرةً تَخُصُّ الأَرضَ بمِثلِ هذهنَّ حُضاعِ الجَمِيلةِ.
فهذه الأَوضاعُ إنْ لم تُطلَبْ مِن ذاتٍ جَلِيلةٍ يَنفُذُ حُكْمُه في المَوجُوداتِ كُلِّها، ويَتَوجَّهُ إلَيْها كُلِّها بنِظامِه وقانُونِه وتَدبِيرِه، يَلزَمُ أن تَقطَعَ الشُّمُوسُ والنُّجُومُ كُلُّها مَ الشَّ لا حَدَّ لَها في كلِّ يَومٍ بحَرَكةٍ حَقِيقيّةٍ، وبسُرعةٍ لا حَدَّ لَها!
وهكَذا، ففي الوَحْدانيّةِ سُهُولةٌ بلا نِهايةٍ، كما أنَّ في الكَثْرةِ صُعُوبةٌ بلا نِهايةٍ؛ ولِأَجلِ هذا يُعطِي ذَوُو المِهَنِ والتِّجایی أَعحْدةً لِلكَثرةِ، أي: يُشكِّلُونَ شَرِكاتٍ فيما بَينَهُم تَسهِيلًا لِلأُمُورِ وتَيسِيرًا لها.
حاصِلُ الكَلامِ:إنَّ في طَرِيقِ الضَّلالِ مُشكِلاتٍ لا نِهايةَ لكم أيّي طَرِيقِ الوَحْدانيّةِ والهِدايةِ سُهُولةً لا نِهايةَ لها.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 23 —
المكتوب الرابع
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ جِدِ ف يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
سَلامُ اللهِ ورَحمَتُه وبَرَكاتُه علَيكُم وعلى إخوانِكُم، لا سِيَّما... إلخ.
إخوَتي الأعِزَّاءَ..
أنا الآنَ في مَوضِعٍ، على ذِروةِ شَجَرةِ صَنَوبَرٍ ضَخْمةٍ عَعْ!". ، مُنتَصِبةٍ على قِمّةٍ شاهِقةٍ مِن قِمَمِ جَبَلِ "چام".. لقدِ استَوْحَشتُ مِنَ الإِنسِ واستَأْنَستُ بالوُحُوشِ، وحِينَما أَرغَبُ في المُحاوَرةِ والمُجالَسةِ معَ النَّاسِ أَتَصوَّرُكُم ب التّاخَيالًا، وأُجاذِبُكُمُ الحَدِيثَ وأَجِدُ السُّلوانَ بكم.. وأنا أَرغَبُ في البَقاءِ هنا وَحِيدًا مُدّةَ شَهرٍ أو شَهرَينِ إن لم يَحدُثْ ما يَمنَعُ؛ وإن رَجَعتُ إلى "بارلا" نَتَحرَّى مَعًا حَسَبَ رَغبَتِكُم وَسِيلةً لِمُجالَسةٍ ومُحاوالمادَّينَنا، فقدِ اشتَقتُ إلَيْها أَكثَرَ مِنكُم.
والآنَ أَكتُبُ إلَيْكُم ما وَرَد بالبالِ مِن خَواطِرَ على شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ هذه:
أُوَّلاها:خاطِرةٌ فيها شَيءٌ مِنَ الخُصُوصِيّةِ، فهي مِن أَسرارِي، ولكِِلافِ ُكتَمُ عَنكُمُ السِّرُّ، وهو أنَّ قِسمًا مِن أَهلِ الحَقِيقةِ يَحظَونَ بِاسمِ اللهِ "الوَدُودِ" مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، ويَنظُرُونَ إلى واجِبِ الوُجُودِ مِن خِلالِ نَوافِذِ المَوجُوداتِ بتَجَلِّياتِ المَرتَبةِ العُظمَى أنَّهمك الِاسمِ؛ كَذلِك أَخُوكُم هذا الَّذي لا يُعَدُّ شَيئًا يُذكَرُ، وهو لا شَيءٌ، قد وُهِبَ له وَضْعٌ يَجعَلُه يَحظَى بِاسمِ اللهِ "الرَّحِيمِ" واسمِ اللهِ المُبكِيمِ" مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وذلك في أَثناءِ ما يكُونُ مُستَخدَمًا لِخِدمةِ القُرآنِ فحَسبُ، وحِينَما
— 24 —
يكُونُ مُنادِيًا لِتِلك الخَزِينةِ العُظمَى الَّتي لا تَنتَهِي عَجائِبُها.. فجَ أَحَد"الكَلِماتِ" إنَّما هي جَلَواتُ تلك الحُظْوةِ.. نَرجُو مِنَ اللهِ تَعالَى أن تكُونَ نائِلةً لِمَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
ثانيتُها:َدَى أرَدَت هذه الفِقْرةُ الرَّقيقةُ فَجْأةً بالبالِ، وهي: أنَّ ما يُقالُ في الطَّرِيقةِ النَّقْشَبَندِيّةِ:
"دَرْ طَرِيقِ نَقشِبَنْدِى لَازم آمَدْ چَارِ تَرك:
تَركِ دُنيَا، تَركِ عُقبَى، تَركِ هَستِى، تحَه مَِرك".
ووَرَدَت هذه الفِقرةُ الآتِيةُ عَقِبَ الفِقْرةِ السَّابِقةِ مُباشَرةً وهي:
"دَرْ طَريقِ عَجزِ مَنْدِى لَازم آمدْ چَارِ چِيز
فَقرِ مُطلَق عَجزِ مُطلَق شُكرِ مُطلَق شَوقِ مُطلَقْ أَحِيّةُِيز".
ثمَّ خَطَر بالبالِ ما كَتَبتَه أَنتَ: "انظُر إلى الصَّحِيفةِ المُتَلوِّنةِ الزَّاهِيةِ لِكِتابِ الكَونِ... إلخ" ذلك الشِّعرِ الغَنِيِّ بالمَعاني والزَّا على اَلوانِ الوَصْفِ.
نَظَرتُ إلى النُّجُومِ المُتَدلِّيةِ في سَقفِ السَّماءِ، مِن خِلالِ ذلك الشِّعرِ، وقُلتُ: لَيتَنِي كُنتُ شاعِرًا، فأُتِمَّ هذا الشِّعرَ؛ ومعَ أنَّني لا أَملِكُ مَوهِبةً في الشِّعرِ والنَّدِيدُ لّا أنَّني شَرَعتُ به، ولكِن لم أَستَطِع أن أَنظُمَه شِعرًا، فكَتَبتُه كما وَرَد في القَلبِ.. فإن شِئتَ حَوِّلْه نَظْمًا يا مَن أَنتَ وارِثِي.
وارفةِ، ةُ الَّتي ورَدَت دُفعةً هي:
واستَمِعْ إلى النُّجُومِ أَيضًا، إلى حُلْوِ خِطابِها الطَّيِّبِ اللَّذِيذِ.
لِتَرَى ما قَرَّرَه خَتمُ الحِكْمةِ النَّیيِّیِه وحِ الوُجُودِ.
إنَّها جَمِيعًا تَهتِفُ وتقُولُ مَعًا بلِسانِ الحَقِّ:
نَحنُ بَراهِينُ ساطِعةٌ على هَيبةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ.
— 25 —
نَحنُ شَواهِدُ صِدْقٍ على وُجُودِ الصّانِعِ الجَلِيلِ ونَحوُ حدانيَّتِه وقُدرَتِه.
نَتفَرَّجُ كالمَلائِكةِ على تلك المُعجِزاتِ اللَّطِيفةِ الَّتي جَمَّلَت وَجهَ الأَرضِ.
فنَحنُ أُلُوفُ العُيُونِ الباصِرةِ تُطِلُّ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ وتَرنُو إلىأنَّ اّةِ.
(حاشية): أي: أنَّ وجهَ الأرض مَشتَلُ أَزاهِيرِ الجَنّة ومَزرَعتُها، تَعرِضُ فيه ما لا يُحَدُّ مِن مُعجِزاتِ القُدرةِ الإلٓهيّة. ومِثلَما تَتَفرَّجُ مَلائِكةُ عالَمِ السَّماواتِ وتُشاهِدُ تلك المُعجِزاتِبِاسمٍِدُها أيضًا النُّجُومُ التي هي بمَثابةِ عُيُونِ الأَجرامِ السَّماوية الباصِرةِ، فهي كُلَّما نَظَرَت كالمَلائكةِ إلى تلك المَصنُوعاتِ اللَّطيفة الَّتي تَملَأُ وَجهَ الأَرضِ، نَظَرَت إلى عالَمَِّ اقبّة أيضًا، فتُشاهِدُ تلك الخَوارِقَ المُؤقَّتةَ في صُورَتِها الباقيةِ هناك. أي: أنَّها عِندَما تُلقِي نَظرةً إلى الأَرضِ تُلقِي الأُخرَى إلى الجَنّة، بمعنى أنَّ لها إِشرافالمَقص ذَينِك العالَمَينِ معًا.
نَحنُ أُلُوفُ الثَّمَراتِ الجَمِيلةِ لِشَجَرةِ الخِلْقةِ، عَلَّقَتْنا يَدُ حِكْمةِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ على شَطرِ السَّماءِ وعلى أَغصبالنِّرْبِ التَّبّانةِ.
فنَحنُ لِأَهلِ السَّماواتِ مَساجِدُ سَيّارةٌ ومَساكِنُ دَوَّارةٌ وأَوكارٌ سامِيةٌ عالِيةٌ ومَصابِيحُ نَوَّارةٌ وسَفائِنُ جَبَّارةٌ وطائِراتٌ هائِلمِيعُ نَحنُ مُعجِزاتُ قُدرةِ قَدِيرٍ ذِي كَمالٍ وخَوارِقُ صَنعةِ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ، ونَوادِرُ حِكْمةٍ ودَواهِي خِلْقةٍ وعَوالِمُ نُورٍ.
هكذا نُبيِّنُ مِئةَ أَلفِ بُرهانٍ وبُرهانٍ، بمِئةِ أَلفِ لِسانٍ ولِسانٍ، و لكَونُها إلى مَن هو إِنسانٌ حَقًّا.
عَمِيَتْ عَينُ المُلحِدِ لا يَرَى وُجُوهَنا النَّیيِّرةَ، ولا يَسمَعُ أَقوالَنا البَيِّنةَ.. فنَحنُ آياتٌ ناطِقةٌ بالحَقِّ.
سِكَّتُنا واحِدةٌ، طُرَّتُنا واحِدةٌ، مُسَرةَ، وٌ نَحنُ عابِداتٌ لِرَبِّنا، مُسَخَّراتٌ تَحتَ أَمرِه.
نَذكُرُه تَعالَى ونَحنُ مَجذُوباتٌ بحُبِّه، مَنسُوباتٌ إلى حَلْقةِ ذِكرِ دَربِ التَّبّانةِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النًّ، وشَيُّ
٭٭٭
— 26 —
المكتوب الخامس
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
لقد قال رائِدُ السِّلسِلةِ النَّقْشَبَندِيّةِ وشَمقَى خُلإِمامُ الرَّبّانِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ في مُؤَلَّفِه "مَكتُوباتٌ":
"إنَّني أُرَجِّحُ وُضُوحَ مَسأَلةٍ مِنَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ وانكِشافِها على آلافٍ مِنَ الأَذواقِ والمَواجِيدِ والكَراماتِ".
وقالَ أَيضًا:سِ بنِ مُنتَهَى الطُّرُقِ الصُّوفِيّةِ كافّةً هو وُضُوحُ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ وانجِلاؤُها".
وقالَ كَذلِك: "إنَّ الوِلايةَ ثَلاثةُ أَقساّةُ الوِلايةُ الصُّغرَى، وهِي الوِلايةُ المَشهُورةُ. وقِسمٌ ثانٍ: هو الوِلايةُ الوُسطَى. وقِسمٌ ثالِثٌ: هو الوِلايةُ الكُبْرَى. هذه الوِلايةُ الكُبْرَى هي فَتحُ الطَّرِيقِ إلى الحَقِيقةِ مُباشَرةً دُونَ الدُّخُولِ في بَرزَخِ التَّصَوُّفِ، وذلك بوا
— 27 —
بمَعنَى أنَّ الطَّرِيقةَ النَّقْشَبَندِيّةَ لها ثَلاثةُ ما في مَ:
أوَّلُهاوأَسبَقُها وأَعظَمُها: هو خِدمةُ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ خِدمةً مُباشَرةً، تلك الخِدمةُ الَّتي سَلَكَها الإِمامُ الرَّبّانِيُّ في أُخرَياتِ أَيّامِه.
الثَّاني:خِدمةُ الفَرائِضِ الدِّينيّةِ والسُّنّةِ النَّبوِيّةِ تَحتَ سِتايَجعَلَّرِيقةِ.
الثَّالث:السَّعيُ لِإِزالةِ الأَمراضِ القَلبِيّةِ عن طَرِيقِ التَّصَوُّفِ والسَّيرِ بخُطَى القَلبِ.
فالأَوَّلُ مِن هذهادةُ ضرُقِ هو بحُكمِ الفَرضِ، والثَّاني بحُكمِ الواجِبِ، والثَّالثُ بحُكمِ السُّنّةِ.
فما دامَتِ الحَقِيقةُ هكذا؛ فإنِّي أَخالُ أن لو كان الشَ الأَعبدُ القادِرِ الگيْلانِيُّ والشَّاهُ النَّقْشَبَندُ والإِمامُ الرَّبّانِيُّ وأَمثالُهُم مِن أَقطابِ الإِيمانِ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ في عَصرِنا هذا، لَبَذَلُوا كلَّ ما في وُسْعِهِم لِتَقوِيةِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ والعين بَلِ الإِسلاميّةِ، ذلك لِأنَّهُما مَنشَأُ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وأنَّ أيَّ تَقصِيرٍ فيهِما يَعنِي الشَّقاءَ الأَبَدِيَّ.
نعم، لا يُمكِنُ دُخُولُ الجَنّةِ مِن دُونِ إِيمانٍ، بَينَما يَدخُ اللهِلكَثِيرُونَ جِدًّا دُونَ تَصَوُّفٍ؛ فالإِنسانُ لا يُمكِنُ أن يَعِيشَ دُونَ خُبزٍ، بَينَما يُمكِنُه العَيشُ دُونَ فاكِهةٍ.. فالتَّصَوُّفُ فاكِهةٌ والحَقائِقُ الإِسلاميّةُ خُبزٌ.
وفيما مَضَذا سُبالصُّعُودُ إلى بَعضٍ مِن حَقائِقِ الإِيمانِ يَستَغرِقُ أَربَعِينَ يَومًا، بالسَّيرِ والسُّلُوكِ، وقد يَطُولُ إلى أَربَعِينَ سَنةً؛ ولو هَيَّأَتِ الرَّحمةُ الإلٰهِيّةُ في الوَقتِ الحاضِرِ طَرِيقًا لِلصُّعُودِ إلى تلك الحماضِيَِ لا يَستَغرِقُ أَربَعِينَ دَقيقةً! فلَيسَ مِنَ العَقلِ ألّا يُبالىَ بهذا الطَّرِيقِ؟!
فالَّذين قَرَؤُوا بإِنعامٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ رِسالةً مِنَ "الكَلِماتِ" يُقِرُّونَ بأقُهُم ك "الكَلِماتِ" قد فَتَحَت أَمامَهُم طَرِيقًا قُرآنيًّا قَصِيرًا كهذا.
فما دامَتِ الحَقِيقةُ هكذا، فإنِّي أَعتَقِدُ أنَّ "الكَلِماتِ" الَّتي كُتِبَت لِبَيانِ أَسرارِ القُرآنِ هي أَنجَعُ دَواءٍ لِأَمراضِ هذا العَصرِ، وأَفةٍ؛ فاَرهَمٍ يُمَرَّرُ على جُرُوحِه، وأَنفَعُ
— 28 —
نُورٍ يُبَدِّدُ هَجَماتِ خُيُولِ الظَّلامِ الحالِكِ على المُجتَمَعِ الإِسلاميِّ، وأَصدَقُ مُرشِدٍ ودَليلٍ لِأُولَئِك الحَيارَى الهائِمِينَ في وِدْيانِ الضَّلالةِ.
فيا أَخِي، إنَرُ العلَمُ جَيِّدًا أنَّ الضَّلالةَ إن كانَت ناجِمةً مِنَ الجَهلِ فإِزالَتُها يَسِيرةٌ وسَهلةٌ، ولكِن إن كانَت ناشِئةً مِنَ العِلمِ فإِزالَتُها عَسِيرةٌ ومُعضِلةٌ؛ وقد كان هذا القِسمُ الأَخِيرُ نادِرًا فيما مَضَى مِنَ الزَّولكِن ورُبَّما لا تَجِدُ مِنَ الأَلفِ إلّا واحِدًا يَضِلُّ بِاسمِ العِلمِ.. وإذا ما وُجِدَ ضالُّونَ مِن هذا النَّوعِ رُبَّما يَستَرشِدُ مِنهُم واحِدٌ مِنَ الأَلفِ، ذلك لِأنَّ أَمثالَ هَؤُلاءِ يُعجَبُونَ بأَنفُسِهِم، يَجهَلُونَ ويَعتَقِدُونَ أنَّلَمٍ، علَمُونَ.
وإنِّي أَعتَقِدُ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى قد مَنَح "الكَلِماتِ" المَعرُوفةَ، الَّتي هي لَمَعاتٌ مَعنَوِيّةٌ مِن إِعجازِ القُرآنِ الكَرِيمِ خاصِّيّةَ الدَّواءِ اَرِّفُي والتِّرياقِ المُضادِّ لِسُمُومِ زَندَقةِ هذه الضَّلالةِ في هذا العَصرِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 29 —
المكتوب السادس
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ ُ مُعاَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
سَلامُ اللهِ ورَحمَتُه وبَرَكاتُه علَيْكُما وعلى إِخوانِكُما ما دامَ المَلَوانِ وتَعاقَبَ العَصْرانِ ومالقُرآالقَمَرانِ واستُقبِلَ الفَرقَدانِ.
أَخَويَّ الغَيُورَينِ، زَميلَيَّ الشَّهمَينِ، يا مَبعثَيْ سُلْواني في دارِ الغُربةِ: الدُّنيا.
لَمّا كان المَولَى الكَرِيمُ سُبحانَه وتَعالَى قد جَعَلَكُما مُشا وأَهلِ لي في المَعاني الَّتي أَنعَمَها على فِكرِي، فمِن حَقِّكُما إذًا مُشارَكَتي في مَشاعِرِي وأَحاسِيسِي.
سأَحكِي لَكُما بَعضًا مِمّا كُنتُ أُقاسِيه مِن أَلَمِ الفِراقِ في غُربَتِي هذه، طاوِيًا ما هو أَكثرُ إِيلامًا مِنه، لِئَلّا أَجعَلَِي أَرَتأَلَّمانِ كَثِيرًا.
لقد بَقِيتُ مُنذُ شَهرَينِ أو ثَلاثةٍ وَحِيدًا فَرِيدًا، ورُبَّما يَأْتِينِي ضَيفٌ في كلِّ عِشرِينَ يَومًا أو ما يَقرَُحِيرا ذلك، فأَظلُّ وَحِيدًا في سائِرِ الأَوقاتِ.. ومُنذُ ما يَقرُبُ مِن عِشرِينَ يَومًا لَيسَ حَوْلي أَحَدٌ مِن أَهلِ الجَبَلِ، فلَقد تَفَرَّقُوا.
ففي هذه الجِبالِ المُوحِيةِ بالغقِ مُح وعِندَما يُرخِي اللَّيلُ سُدُولَه، فلا صَوتَ ولا صَدَى، إلَّا حَفِيفُ الأَشجارِ الحَزِينُ.. رأَيتُني وقد غَمَرَتْني خَمسةُ أَلوانٍ مِنَ الغُربةِ:
أوَّلُها:أنِّي بَقِيتُ وَحِيدًا غَرِيبًا تِيجةَِيعِ أَقراني وأَحبابي وأَقارِبي، فيما أَخَذَتِ الشَّيخُوخةُ مِنِّي مَأْخَذًا، فشَعَرتُ بغُربةٍ حَزِينةٍ مِن جَرَّاء تَركِهِم لي ورَحِيلِهِم إلى عالَمِ ابَكْرٍخِ.
— 30 —
ومِن هذه الغُربةِ انفَتَحَت دائِرةُ غُربةٍ أُخرَى، وهي أنَّني شَعَرتُ بغُربةٍ مَشُوبةٍ بأَلمِ الفِراقِ حَيثُ تَرَكَتْني أَكثَرُ المَوجُوداتِ الَّتي أَتعٌ للأش بها كالرَّبيعِ الماضِي.
ومِن خِلالِ هذه الغُربةِ انفَتَحَت دائِرةُ غُربةٍ أُخرَى، وهي الغُربةُ عن مَوطِنِي وأَقارِبِي، فشَعَرتُ بغُربةٍ مُفعَمةٍ بأَلَمِ الفِراقِ، إذ بَقِيتادِرٍ يدًا بَعِيدًا عَنهُم.
ومِن خِلالِ هذه الغُربةِ أَلقَتْ عَلَيَّ أَوْضاعُ اللَّيلِ البَهِيمِ والجِبالُ الشّاخِصةُ أَمامي، غُربةً فيها مِنَ الحُزنِ المَشُوبِ بالعَطفِ ما أَشعَرَني أَنَّ مَيدانَ غُربةٍ أُخرَى انفَتَحَ أَمامَ رُوحِي المُشرِفةِدًا إالرَّحِيلِ عن هذا المَضِيفِ الفاني، مُتَوجِّهةً نَحوَ أَبَدِ الآبادِ، فضَمَّتني غُربةٌ غيرُ مُعتادةٍ، وأَخَذَني التَّفكِيرُ، فقُلتُ فَجْأةً: سُ عَينُاللهِ! وفكَّرتُ كَيفَ يُمكِنُ أَنْ تُقاوَمَ كلُّ هذه الظُّلُماتُ المُتَراكِبةُ وأَنواعُ الغُربةِ المُتَداخِلةُ؟!
فاستَغاثَ قَلبِي قائِلًا:
يا رَبُّ! أَنا غَرِيبٌ وَحِيدٌ، ضَعِيفٌ غيرُ قادِرٍ، عَلِيلٌ عاجِزٌ، شَيخٌ لا خك الَّلي.
فأَقُولُ: الغَوثَ الغَوثَ.. أَرجُو العَفوَ، وأَستَمِدُّ القُوّةَ مِن بابِك يا إِلٰهِي!.
وإذا بنُورِ الإِيمانِ وفَيضِ القُرآنِ ولُطفِ الرَّحمٰنِ يَمُدُّني مِنَ القُوّةِ ما يُحَوِّلُ تلك الأَنواعَ الخَمْسةَ مِنَ الغُربَ معَ ُظلِمةِ، إلى خَمسِ دَوائِرَ نُورانيّةٍ مِن دَوائِرِ الأُنسِ والسُّرُورِ.. فبَدَأَ لِساني يُرَدِّدُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وتَلا قَلبِي الآيةَ الكَرِيمةَ:
فَإِنْ ؛ عِلَْوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
وخاطَبَ عَقلِي كَذلِك نَفسِي القَلِقةَ المُضطَرِبةَ المُستَغِيثةَ قائِلوكِ عل دَعِ الصُّراخَ يا مِسكِينُ، وتَوَكَّلْ على اللهِ في بَلْواك.
إنَّما الشَّكْوَى بَلاء.
بل بَلاءٌ في بَلاء، وآثامٌ في آثامٍ في بَلاء.رةٍ مِ إذا وَجَدتَ مَن ابتَلاك،
عادَ البَلاءُ عَطاءً في عَطاءٍ، وصَفاءً في صَفاءٍ، ووَفاءً في بَلاء.
دَعِ الشَّكْوَى، واغْنَمِ الشُّكرَ كالبَلابلِ؛ فاِينَ أرُ تَبتَسِمُ مِن بَهجةِ عاشِقِها البُلبُلِ.
فبِغَيرِ اللهِ دُنياكَ آلامٌ وعَذابٌ، وفَناءٌ وزَوالٌ، وهَباءٌ في بَلاء.
فتَعالَ، تَوَكَّلْ علَيْه في بَلْواك!
ما لكَ تَصرُخُ مِن بَليَّةّة)
يرةٍ، وأَنتَ مُثقَلٌ ببَلايا تَسَعُ الدُّنيا.
تَبسَّمْ بالتَّوكُّلِ في وَجهِ البَلاءِ، لِيَبتَسِمَ البَلاءُ.
فكُلَّما تَبسَّمَ صَغُر وتَضَاَلْقِ تَّى يَزُولَ.
وقُلتُ كما قال أَحَدُ أَساتِذَتي مَوْلانا جَلالُ الدِّينِ الرُّومِيُّ مُخاطِبًا نَفسَه:
اُو گُفْتِ : "أَلَسْتُ" وَتُوگُفْتِى: "بَلٰى"ُ جازِكْرِ "بَلٰى" چِيسْتْ؟ كَشِيدَنْ بَلَا
سِرِّ بَلَا چِيسْتْ كِه يَعْنِى
مَنَمْ حَلْقَهزَنِ دَرْگَهِ فَقْرُ وفَنَا
وحِينَئذٍ قالَت نَفسِي: أَجَل! أَجَل! إنَّ الظُّلُماتِ لَتَتبدَّدُ وبابَسَى إنورِ لَيَنفَتِحُ بالعَجزِ والتَّوكُّلِ والفَقرِ والِالتِجاءِ.. فالحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ والإِسلامِ.
وقد رَأَيتُ هذه الفِقْرةَ مِنَ "الحِكَمِ العَطائيالحَيالمَشهُورةِ تَنطَوِي على حَقِيقةٍ جَلِيلةٍ، وهي قَولُه:
"ماذا وجَدَ من فَقَدَهُ؟! وماذا فَقَدَ مَن وَجَدَهُ؟!"
أي: أنَّ الَّذي وَجَدَه فقد وَجَدَ كلَّ شَيءٍ، ومَن فَقَدَه لا يَجِدُ شَيئًا سِوَى البَ أُحُد وفَهِمتُ سِرًّا مِن أَسرارِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: "...طُوبَى لِلغُرَباءِ..."،فشَكَرتُ اللهَ.
— 31 —
وِراثةِ النُّبوّةِ".
وقال أَيضًا: "إنَّ السُّلُوكَ في الطَّرِيقةِ النَّقْشَبَندِيّةِ يَسِيرُ على جَناحَينِ، أي: الِاعتِقادِ الصَّحِيحِ بالحَقائِقِ الإِيمانيّةِ، والعَمَلِ التّامِّ بجِبْرائِضِ الدِّينيّةِ.. فإذا ما حَدَثَ خَلَلٌ وقُصُورٌ في أيٍّ مِن هذَينِ الجَناحَينِ يَتَعذَّرُ السَّيرُ في ذلك الطَّرِيقِ".
— 32 —
فيا أَخَويَّ..
إنَّ ظُلُماتِ أَنواعِ الغُربةِ هذه، وُبُوبيبَدَّدَت بنُورِ الإِيمانِ، إلّا أنَّها تَرَكَت فِيَّ شَيئًا مِن بَصَماتِ أَحكامِها، وأَوْحَت بهذه الفِكْرةِ:
ما دُمتُ غَرِيبًا وأَعِيشُ في الغُربةِ وراحِلًا إلى الغُربةِ، فهلِ انتَهَتْ مُهِمَّتِي في هذا المَضونَ ماكي أُوَكِّلَكُم و"الكَلِماتِ" عنِّي، وأَقطَعَ حِبالَ العَلاقاتِ عنِ الدُّنيا قَطْعًا كُلِّيًّا؟
وحَيثُ إنَّ هذه الفِكْرةَ ورَدَتْ على اني مِنبهذه الصُّورةِ، فكُنتُ أَسأَلُكُم:
هلِ "الكَلِماتُ" المُؤلَّفةُ كافِيةٌ؟ وهل فيها نَقصٌ؟ وأَعنِي بهذا السُّؤالِ: هلِ انتَهَت مُهِمَّتي كي أَنسَى الدُّنيا وأُلقِيَ بنَفسِي في أَحضانِ غُربةٍ نُورانيّةٍ لَذِيذةٍ حَقِيقيّأَبْدَمِئْنانِ قَلبٍ، وأَقُولَ كما قال مَوْلانا جَلالُ الدِّينِ:
دَانِى سَمَاع چِه بُودْ؟ بِى خُودْ شُدَنْ زِ هَسْتِى
أَنْدَرْ فَنَاىِ مُطْلَقْ ذَوْقِ بَقَا چِشيدنْتِ.
#1يتَ شِعرِي! هل لي أَنْ أَبحَثَ عن غُربةٍ رَفِيعةٍ سامِيةٍ!
ولِأَجلِ هذا كُنتُ أُواجِهُكُم بتِلك الأَسئِلةِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 33 —
المكتوب السابع
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإلوَعدِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيْكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبدًا دائِمًا.
إِخوَتي الأَعِزّاءَ..
لقد طَلَبتُم مِن الحافِظِ "تَوفِيق الشَّامِيّ" أن يُبلِغَني محَدًا َينِ هما:
أوَّلًا:إنَّ أَهلَ الضَّلالةِ الحاليِّينَ، يَجِدُونَ في زَواجِ الرَّسُولِ (ص) بزَينَبَ مَوضِعَ نَقدٍ واعتِراضٍ، كما كان دَأْبُ المُنافِقِينَ في سالِفِ الزَّمانِ، إذ يَعُدُّونَهِ المًَا مَبنِيًّا على الشَّهْوةِ ودَوافِعَ نَفسانيّةٍ!
الجَوابُ:حاشَ للهِ وكَلّا! أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ كَلّا! إنَّ يَدَ الشُّبُهاتِ السَّافِلةَ أَحَطُّ مِن أَنْ تَبلُغَ طَرَفَفعَلُ ذلك المَقامِ الرَّفِيعِ السَّامِي.
نعم، إنَّ مَن كان مالِكًا لِذَرّةٍ مِنَ الإِنصافِ يَعلَمُ أنَّه (ص) مِنَ الخامِسةَ عَشْرةَ إلى الأَربَعِينَ مِن عُمُرِه، تلك اَّحابةلةِ الَّتي تَغلِي فيها الحَرارةُ الغَرِيزِيّةُ وتَلتَهِبُ الهَوْسَاتُ النَّفسانيّةُ، قدِ التَزَمَ بالعِصمةِ التّامّةِ والعِفّةِ الكامِلةِ، بشَهادةِ الأَعداءِ أنَّهدِقاءِ، واكتَفَى بزَوْجةٍ واحِدةٍ شِبْهِ عَجُوزٍ، وهي خَدِيجةُ الكُبْرَى رَضِيَ الله عَنهَا؛ فلا بُدَّ أنَّ كَثرةَ زَواجِ هذا الكَرِيمِ العَفِيفِ (ص) بَعدَ الأَربَعِينَ یی أي: فيياتُ الةِ تَوَقُّفِ الحَرارةِ الغَرِيزِيّةِ وسُكُونِ الهَوْسَاتِ یی لَيسَت نَفسانيّةً بالضَّرُورةِ والبَداهةِ، وإنَّما هي مَبنِيّةٌ على حِكَمٍ مُهِمّةٍ:
— 34 —
إِحداها: إنَّ أَقوالَ الرَّسُولِ (ص) وأَفعالَُربِي والَه وأَطْوارَه وحَرَكاتِه وسَكَناتِه، هي مَنبَعُ الدِّينِ ومَصدَرُ الأَحكامِ والشَّرِيعةِ.
ولقد رَوَى الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم هذه الأَحكامَ وحَمَلُوا مُهِمّةَ تَبلِيغِ ما ظَهَر لَهُم مِن حَياتِه (صبَعضِ ا أَسرارُ الدِّينِ وأَحكامُ الشَّرِيعةِ النّابِعةُ مِن أَحوالِه المَخفِيّةِ عَنهُم، في نِطاقِ أُمُورِه الشَّخصِيّةِ الخاصّةِ به، فإنَّ رُواتَها وحامِلِيها هم زَوجاتُه الطّاهِراتُ، فقد أَدَّيْنَ هذه المُهِمّةَ على وَجْهِها حَقَّ الأَداءقُرآنِإنَّ ما يَقرُبُ مِن نِصفِ أَحكامِ الدِّينِ وأَسرارِه يَأْتي عن طَرِيقِهِنَّ.
بمَعنَى أنَّ هذه الوَظِيفةَ الجَلِيلةَ يَلزَمُ لها زَوْجاتٌ كَثِيراتٌ، وذَواتُ مَشارِبَ مُختَلِفةٍ كَذلِك.
أمّا زَووِيّةًص) بزَينَبَ، فقد ذُكِرَ في الشُّعاعِ الثّالِثِ مِنَ الشُّعلةِ الأُولَى مِنَ "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِينَ"، فيما يَخُصُّ الآيةَ الكَرِيمةَ:
مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِاهُم،
أنَّ الآيةَ الواحِدةَ تُفِيدُ مَعانِيَ عَدِيدةً، بوُجُوهٍ عَدِيدةٍ، حَسَبَ فَهمِ طَبَقاتِ النَّاسِ.فحِصّةُ طَبَقةٍ مِنَ النّاسِ مِن فَهمِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ:
بأَبصَ زَيدًا رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي كان مَوْلَى رَسُولِ اللهِ (ص)، ويَحظَى بخِطابِه له: يا بُنيَّ. لم يَجِد نَفسَه كُفْئًا لِزَوجَتِه العَزِيزةِ النَّفسِ، فطَلَّقَها لِذلِك، كما ورَدَتِ الرِّواياتُ الصَّحِيحةُ، وبِسةِ قدلى اعتِرافِه بنَفسِه؛ أي: أنَّ زَينَبَ رَضِيَ الله عَنهَا قد خُلِقَت على مُستَوًى آخَرَ مِنَ الأَخلاقِ العاليةِ، فشَعَر بها زَيدٌ بفِراسَتِه بأنَّها على فِطْرةٍ سامِيةٍ تَلِيقُ أن تكُونَ زَوْجةَ نَبيٍّ، ُمُ الوَجَد نَفسَه غَيرَ كُفْءٍ لها فِطْرةً، مِمّا سَبَّبَ عَدَمَ الِامتِزاجِ النَّفسِيِّ والِانسِجامِ الرُّوحِيِّ بَينَهُما، فطَلَّقَها، وتَزَوَّجئِقُ ورَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) بأَمرٍ إلٰهِيٍّ.
فالآيةُ الكَرِيمةُ: زَوَّجْنَاكَهَا تَدُلُّ بإِشارَتِها على أنَّ ذلك النِّكاحَ قد عُقِدَ بعَقدٍ سَماوِيٍّ، فهُو عَقدٌ خارِقٌ لِلعادةِ، وفَوقَ العُرفِ والمُعامَلاتِ الظّاهِرِيّةإِتقانهو عَقدٌ عُقِد
— 35 —
بحُكْمِ القَدَرِ الإلٰهيِّ المَحضِ، حتَّى انقادَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) لِذلِك الحُكمِ مُضطَرًا وما كان ذلك برَغبةٍ مِن نَفسِه.
وهذا الحُكْمُ القَدَرِيُّ يَتَضمَّنُ حُكْمًا شَرعِيًّا ملِ: نَا وحِكْمةً عامّةً ومَصلَحةً شامِلةً.
فبِإشارةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ أنَّ خِطابَ الكِبارِ لِلصِّغارِ بی: يا بُنيَّ. لا يُغيِّرُ وُضِعامَ، إذ لَيسَ هو كقَولِ المُظاهِرِ لِزَوجَتِه (أَنتِ عَلَيَّ كظَهرِ أُمِّي)، فتَحْرُمُ علَيْه.
وكذا فإنَّ الأَنبِياءَ والكِبارَ لَدَى خِطابِهِم لِأُمَّتِهِم ولِرَعاياا.. وإلَدَى نَظَرِهِم إلَيْهِم نَظَرَ الأُبُوّةِ، إنَّما هو باعتِبارِ مُهِمّةِ الرِّسالةِ، ولَيسَت باعتِبارِ الشَّخصِيّةِ الإِنسانيّةِ حتَّى يَحرُمَ الزَّواجُ مِنهُم.
وطَبَقةٌ ثانيةٌ مِنَ النّاسِ يَفهَمُونَ هكذا:
إنَّ سَيِّدًا عَظِيمًا وهَرا أ حاكِمًا يَنظُرُ إلى رَعاياه نَظَرَ الأُبُوّةِ، أي: يُشفِقُ علَيْهِم شَفَقةَ الوالِدِ، فإن كان ذلك الآمِرُ سُلطانًا رُوحانيًّا، ظاهِرًا وباطِنًا، فرَحمَتُه تَزدادُ حِينَئِذٍ عن شَفَقةِ الأَبِ أَضعافًا مُضاعَفةً، والأََصوَّربدَوْرِهِم يَنظُرُونَ إلَيْه نَظَرَ الوالِدِ، كأَنَّهُم أَولادٌ حَقِيقِيُّونَ له، وحَيثُ إنَّ نَظَرَ الأُبُوّةِ مِنَ الصُّعُوبةِ انقِلابُه إلى نَظَرِ الزَّوجِ، ونَظَرَ البِنتِ أَيضًا لا يَتَحوَّلُ بسُهُولةٍُ مَجمَظَرِ الزَّوجةِ، لِذلِك وَجَد العامّةُ حَرَجًا في تَزَوُّجِ النَّبِيِّ (ص) ببَناتِ المُؤمِنِينَ، والقُرآنُ الكَرِيمُ يُصَحِّحُ مَفاهِيمَهُم قائِلًا:
إنَّ النّلةِ:
يُشفِقُ علَيْكُم ويُعامِلُكُم مُعامَلةَ الأَبِ، ويَنظُرُ إلَيْكُم بِاسمِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، فأَنتُم كالأَبناءِ بالنِّسبةِ إلى الرِّسالةِ الَّتي يَحمِلُها، ولكِن لَيسَ هو أَباكُم باعتِبارِ الشَّخصِيّةِ الإِنسانيّةِ، لكي يَقَأَرضُ َرَجُ في الأَمرِ: أَمرِ الزَّواجِ، وحتَّى لو خاطَبَكُم بی(يا أَبنائي، وأَوْلادِي)، فأَنتُم لَستُم أَوْلادَه وَفقَ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ، فلا تكُونُونَ أَوْلاداةِ الْلًا.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 36 —
المكتوب الثامن
بِاسْمِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
إنَّ لِدُخُولِ اسمَيِ "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ" في البَسمَلةِ وذِكرِهما في بَدءِ كلِّ أَمهَدايا بالٍ، حِكَمًا كَثِيرةً، أُعَلِّقُ بَيانَ تلك الحِكَمِ على مَشِيئةِ اللهِ إلى وَقتٍ آخَرَ، ذاكِرًا هنا شُعُورًا خاصًّا بي.
أَخِي..
إنِّي أَرَى اسمَيِ "الرَّحمٰن الرَّحِيمِ" نُورًا عَظِيمًا إلى حَدٍّ كَبِيرٍ، بحَيثُ حَقِيقُ ذلك النُّورُ بالكَونِ كُلِّه، وأَرَى فيهِما مِنَ القُوّةِ والسُّطُوعِ لِكُلِّ رُوحٍ، بحَيثُ يُحَقِّقانِ لها جَمِيعَ حاجاتِها الأَبَدها، وت ويُنجِيانِها مِن أَعدائِها الَّذين لا يُحَدُّونَ.
فلَقد وَجَدتُ أنَّ أَهَمَّ وَسِيلةٍ لِلوُصُولِ إلى هذَينِ النُّورَينِ العَظِيمَينِ تكْمُنُ في "الفَقرِ معَ الشُّكرِ" و"العَجزِ معَ الشَّفَقةِ" أي بتَعبِيرٍ لمادِّ العُبُودِيّةِ والِافتِقارِ.
ولِمُناسَبةِ هذه المَسأَلةِ أَقُولُ یی ولكِنْ مُخالِفًا لِأَقوالِ العُلَماءِ المُحَقِّقِين، بل حتَّى مُخالِفًا لِأُستاذِي الإِمامِ الرَّبّانِيّجهِيزُإنَّ المَشاعِرَ والأَحاسِيسَ الشَّدِيدةَ السَّاطِعةَ الَّتي كان يَشعُرُ بها سَيِّدُنا يَعقُوبُ تِجاهَ سَيِّدِنا يُوسُفَ عَلَيهمَا السَّلَام لَيسَت مَشاعِرَ نابِعةً مِنَ المَطلَقةً والعِشقِ، بل نابِعةً مِنَ الشَّفَقةِ، لِأنَّ الشَّفَقةَ أَنفَذُ مِنَ المَحَبّةِ والعِشقِ، وأَسطَعُ مِنهُما وأَعلَى وأَنزَهُ، فهِي الأَليَقُ بمَقامِ النُّبوّةِ.
— 37 —
أمّا المَحَبّةُ والعِشقُ، فإن كانَتا شَدِيدَتَدِ والحوَ المَحبُوباتِ المَجازِيّةِ والمَخلُوقاتِ، فلا تَلِيقانِ بمَقامِ النُّبوّةِ الرَّفِيعِ؛ بمَعنَى أنَّ ما يُبيِّنُ القُرآنُ الكَرِيمُ مِن مَشاعِرِ سَيِّدِنا يَعقُوبَ وأَحاسِيسِه تِجاهَ سَيِّدِنا يُوسُفَ عَلَيهمَا السَّلَام في أَسطَ ما جورةٍ وأَلمَعِ إِعجازٍ، والَّتي هي وَسِيلةُ الوُصُولِ إلى اسمِ "الرَّحِيمِ"، إنَّما هي دَرَجةٌ رَفِيعةٌ سامِيةٌ لِلشَّفَقةِ.
أمّا العِشقُ الَّذي هو وَسِيلةُ الوُصُولِ إلى اسمِ "الوَدُودِ" فهُوةٌ، ويحَبّةِ "زَلِيخا" (امْرَأةِ العَزِيزِ) لِيُوسُفَ عَليهِ السَّلام.
إذًا فالقُرآنُ الكَرِيمُ بأَيِّ مَدًى بَيَّنَ سُمُوَّ مَشاعِرِ سَيِّدِنا يَعقُوبَ ورِفعَتَه على أَحاسِيسِ "زَلِيخا"، فإنَّ الشَّفَقةَ أَيضًا تَبدُو أَرفَعَ وأَسم الجَدَ المَحَبّةِ بتلك الدَّرَجةِ.
ولقد قال أُستاذِي الإِمامُ الرَّبّانِيُّ: إنَّ المَحاسِنَ الجَمَاليّةَ لِيُوسُفَ عَليهِ السَّلام هي مِن قَبِيلِ المَحاسِنِ الأُخرَوِيّةِ، لِذا فالمَحَبتُوبَ مُتَوجِّهةُ نَحوَها لَيسَت مِن أَنواعِ المَحَبّةِ المَجازِيّةِ حتَّى يَبدُوَ النَّقصُ والقُصُورُ فيها، ذلك لِأنَّه يَرَى أنَّ العِشقَ المَجازِيَّ لا يَلِيقُ تَمامًا بمَقامِ النُّبوّةِ.
وأنا أقُولُ:
يا أُستاذِي لْحَمَْرمَ، إنَّ هذا تَأْوِيلٌ مُتَكلَّفٌ، أمّا الحَقِيقةُ فيَنبَغي أن تكُونَ هكذا:
إنَّ تلك المَشاعِرَ والأَحاسِيسَ لَيسَت مَشاعِرَ مَحَبّةٍ، بل هي مَرتَبةٌ مِنَ الشَّفَقةِ الَّتي هي أَسطَعُ مِن، وهَؤحَبّةِ بمِئةِ دَرَجةٍ وأَوسَعُ مِنها وأَسمَى.
نعم، إنَّ الشَّفَقةَ بجَمِيعِ أَنواعِها لَطِيفةٌ، نَزِيهةٌ، أمّا العِشقُ والمَحَبّةُ فلا يُتَنازَلُ إلى كَثِيرٍ مِن أَنواعِهِما.
ثمَّ إنَّ الشَّفَقةََلفِ نةٌ، إذِ الوالِدُ الَّذي يُشفِقُ على أَوْلادِه يُشفِقُ أَيضًا على جَمِيعِ الصِّغارِ، بل حتَّى على ذَوِي الأَرواحِ، فيُبيِّنُ نَوعًا مِن أَنوي رُمّمِ "الرَّحِيمِ" المُحِيطِ بكُلِّ شَيءٍ؛ بَينَما العِشقُ يَحصُرُ النَّظَرَ بمَحبُوبِه وَحْدَه، ويُضَحِّي بكُلِّ شَيءٍ في سَبِيلِه، أو يَذُمُّ الآخَرِينَ ضِمْنًا ويُهَوِّنُ مِن شَأْنِهِم إِعلاءً لِقَدْرِ مَحبُوبِه وثَناءً علَيْه هذه ا فمَثلًا قد قالَ أَحَدُ العاشِقِينَ:
"إنَّ الشَّمسَ لَتَخجَلُ مِن جَمالِ مَحبُوبَتي، فتَتَستَّرُ بحِجابِ السَّحابِ لِئَلّا تَراها".
أيُّها العاشِقُ، بأَهُم يَقٍّ تُخجِلُ الشَّمسَ، تلك الصَّحِيفةَ النُّورانيّةَ الَّتي تُظهِرُ ثَمانِيةَ أَسماءٍ عُظمَى؟
ثمَّ إنَّ الشَّفَقةَ خالِصةٌ، لا تَطلُبُ شَيئًا مِنَ المُشفَقِ العالَ، فهِي صافِيةٌ لا تَطلُبُ عِوَضًا؛ والدَّلِيلُ على هذا: الشَّفَقةُ المَقرُونةُ بالتَّضحِيةِ الَّتي تَحمِلُها والِداتُ الحَيَواناتِ، والَّتي هي أَدنَى مَراتِبِ الشَّفَقةِ، فهِي لا تَطلُبُ مُقابِلَ شَفَقَتِها شَيئًا.
بَينَما العِشقُ يَعُها:الأُجرةَ والعِوَضَ، وما نُواحُ العاشِقِينَ إلّا نَوعٌ مِنَ الطَّلَبِ، وسُؤالٌ لِلأُجرةِ.
إِذًا فإنَّ شَفَقةَ سَيِّدِنا يَعقُوبَ الَّتي هي أَسطَعُ نُورعنَوِيلمَّعُ في أَسطَعِ سُوَرِ القُرآنِ (سُورةِ يُوسُفَ) تُظهِرُ اسمَيِ "الرَّحمٰن الرَّحِيمِ"، وتُعلِنُ أنَّ طَرِيقَ الشَّفَقةِ هي طَرِيقُ الرَّحمةِ، وأنَّ ضِمادَ أَلَمِ الشَّفَقةِ ذاك إنَّما هو: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْح العالرَّاحِمِينَ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 38 —
ابِعةٌ مِن لَذّةٍ ومِن شَهِيّةٍ ومِن شَوْقٍ، بل إنَّ في كُلِّ فَعّاليّةٍ مِنها لَذّةً، بل كُلُّ فَعّاليّةٍ هي بحَدِّ ذاتِها نَوعٌ مِنَ اللَّذّةِ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُرَّاتِعْلَى فهُنالِك شَفَقةٌ مُقَدَّسةٌ مُطلَقةٌ ومَحَبّةٌ مُقَدَّسةٌ مُطلَقةٌ تَلِيقانِ به سُبحانَه وتُلائِمانِ غِناه المُطلَقَ وتَعالِيَه خَلْقُّسَه وتُوافِقانِ كَمالَه المُطلَقَ.. ثمَّ إنَّ هُنالِك شَوْقًا مُقَدَّسًا مُطلَقًا يَلِيقُ به آتِيًا مِن تلك الشَّفَقةِ المُقَدَّسةِ والمَحَبّةِ المُقَدَّسةِ، وهُنالِك سُرُورٌ مُقدَّسٌ ناشِئٌ مِن ذلك الشَّوقِ المُقد بُيِ وهُنالِك لَذّةٌ مُقدَّسةٌ لائِقةٌ به یی إنْ جازَ التَّعبِيرُ یی ناشِئةٌ مِن ذلك السُّرُورِ المُقَدَّسِ، ثمَّ إنَّ الرَّحْمةَ المُطلَقةَ النَّابِعةَ مِن
— 39 —
المكتوب التاسع
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
"جزءٌ من رسالة بعَثَها إلى تلميذه المَعهُود، ذلك التلميذِ الخالِصُصُولِ........
ثانيًا:
إنَّ تَوفِيقَكُم ونَجاحَكُم في نَشرِ الأَنوارِ القُرآنيّةِ، ونَشاطَكُم وشَوْقَكُم في هذا السَّبِيلِ، إنَّما هو إِكرامٌ إلٰهِيٌّ، بل هو كَرامةٌ قُرآنيّةٌ وعِنايةٌ رَبّانيّةٌ.. أُِيةٌ وُیكُم يا أَخِي.. ولِمُناسَبةِ ذِكرِ الكَرامةِ والإِكرامِ والعِنايةِ سأَذكُرُ فَرْقًا بَينَ الكَرامةِ والإِكرامِ، وهو الآتي:
إنَّ إِظهارَ الكَرامةِ فيه ضَرَرٌ إن لم يكُن هُنالِك ضَرُورةٌ، بَينَْقَ حِهارُ الإِكرامِ تَحَدُّثٌ بالنِّعمةِ؛ فالشَّخصُ المُتَشرِّفُ بالكَرامةِ إذا ما صَدَر عنه أَمرٌ خارِقٌ لِلعادةِ وهُو يَعلَمُ، فلَرُبَّما يكُونُ صُدُورُ ذلك الأَمرِ الخارِقِ استِدراجًا إلّاءِ ت نَفسُه الأَمَّارةُ باقِيةً، مِن حَيثُ إِعجابُه بنَفسِه والِاعتِمادُ على كَشفِه واحتِمالُ وُقُوعِه في الغُرُورِ.
ولكِن إنْ صَدَر عنه ِ.. فإخارِقٌ دُونَ عِلمِه وشُعُورِه، كمَن يَأْتِيه مَن يَحمِلُ سُؤالًا في قَلبِه، فيُجِيبُ عنه جَوابًا شافِيًا مِن نَوعِ الإِنطاقِ بالحَقِّ، فإنَّه لا يَعتَمِدُ على نَفسِه بَعدَ إَِّاسِ، الأَمرَ، بل تَزدادُ ثِقَتُه باللهِ واطمِئْنانُه إلَيْه، قائِلًا: إنَّ لي حَفِيظًا رَقِيبًا يَتَولَّاني بالتَّربِيةِ أَكثَرَ مِنِّي. فيَزِيدُ تَوَكُّلُه على اللهِ.
— 40 —
هذا القِسمُ ككمِ فِ لا خُطُورةَ فيها، وصاحِبُها غيرُ مُكلَّفٍ بإِخفائِها، ولكِن علَيْه ألَّا يَسعَى قَصْدَ إِظهارِها لِلفَخرِ، لِأنَّه رُبَّما يَنسُبُ ذلك الأَمرَ الخارِقَ إلى نَفسِه، إذ فيه شينِ هُِن كَسبِ الإِنسانِ في الظّاهِرِ.
أمَّا الإِكرامُ فهُو أَسلَمُ مِنَ القِسمِ الثّاني السَّلِيمِ مِن الكَرامةِ، وهُو في نَظَرِي أَعلَى مِنه وأَسمَى. فإِظهارُه تَحَدُّثٌ بالنِّعمةِ، إذ لَيسَ فيه نَصِيبٌ مِن كَسبِ الإِنسانِ، فالنَّفسُ لا تَسلمٌ مُُ أن تُسنِدَه إلَيْها.
وهكَذا يا أَخِي، إنَّ ما رَأَيتُه وكَتَبتُه سابِقًا مِن إِحساناتٍ إلٰهِيّةٍ، فيما يَخُصُّك ويَخُصُّني یی ولا سِيَّما في خِدمَتِنا لِلقُرآنِ یی إنَّما هو إِكرامٌ إلٰهِيٌّ، وإِظهارُه تَحَدُّثٌ بالنِّعمةِ.ةَ لهاذا أَكتُبُ إلَيْكُم عنِ التَّوفِيقِ الإلٰهِيِّ في خِدمَتِنا مِن قَبِيلِ التَّحَدُّثِ بالنِّعمةِ، وأنا على عِلمٍ أنَّه يُحَرِّكُ فيكُم عِرقَ الشُّكرِ لا الفَخرِ.
ْعِيّةًا:
أَرَى أنَّ أَسعَدَ إِنسانٍ في هذه الحَياةِ الدُّنيا هو ذلك الَّذي يَتَلقَّى الدُّنيا مَضِيفَ جُندِيّةٍ ويُذعِنُ أنَّها هكذا، ويَعمَلُ وَفقَ ذلك؛ فهُو بهذا التَّلقِّي يَتَمكَّنُ مِ رَضِيَنالَ أَعظَمَ مَرتَبةٍ ويَحظَى بها بسُرعةٍ، تلك هي مَرتَبةُ رِضَا اللهِ سُبحانَه، إذ لا يَمنَحُ قِيمةَ الأَلماسِ الثَّمِينةِ الباقِيةِ لقِطَلحَجّااجِيّةٍ تافِهةٍ، بل يَجعَلُ حَياتَه تَمضِي بِهَناءٍ واستِقامةٍ.
نعم، إنَّ الأُمُورَ الَّتي تَعُودُ إلى الدُّنيا هي بمَثابةِ قِطَعٍ زُجاجِيَّةٍ قابِلةٍ لِلكَسرِ، بَينَما ا" المُرُ الباقِيةُ الَّتي تَخُصُّ الآخِرةَ هي بقِيمةِ الأَلماسِ المَتِينِ الثَّمِينِ.
فما في فِطْرةِ الإِنسانِ مِن رَغبةٍ مُلِحّةٍ ومَحَبّةٍ جَيّاشةٍ وحِرصٍ رَهِيبٍ وسُؤالٍ شَدِيدٍ وأَحاسِيسَ أُخرَى مِن ِه الذِ هذه، وهي أَحاسِيسُ شَدِيدةٌ وعَرِيقةٌ، إنَّما وُهِبَتْ له لِيَغنَمَ بها أُمُورًا أُخرَوِيّةً؛ لِذا فإنَّ تَوجِيهَ تلك الأَحاسِيسِ وبَذْلَها بشِدّةٍ نَحوَ أُمُورٍ دُنيَوِيّةٍ فانِيةٍ إنَّما يَعنِي إُ ما ق قِيمةِ الأَلماسِ لِقِطَعٍ زُجاجِيّةٍ تافِهةٍ.
ولقد ورَدَت هذه النُّقطةُ على خاطِرِي لِمُناسَبةِ هذه المَسأَلةِ فسأَذكُرُها لكُم، وهي:
— 41 —
لَلعِشقَ مَحَبّةٌ قَوِيّةٌ شَدِيدةٌ، فحِينَما يَتَوجَّهُ إلى مَحبُوباتٍ فانِيةٍ، فإنَّ ذلك العِشقَ إمّا أن يَجعَلَ صاحِبَه في عَذابٍ أَلِيمٍ مُقِيمٍ، وإمّا أن يَدفَعَه لِيَتَحرَّى عن مَحبُوبٍ حَقيلَ:ل حَيثُ لا يَستَحِقُّ ذلك المَحبُوبُ المَجازِيُّ تلك المَحَبّةَ الشَّدِيدةَ؛ وعِندَها يَتَحوَّلُ العِشقُ المَجازِيُّ إلى عِشقٍ حَقِيقيٍّ.
وهكَذا، ففي الإِنساِن أَبُوفٌ مِن أَمثالِ هذه الأَحاسِيسِ، كُلٌّ مِنها لها مَرتَبَتانِ، كالعِشقِ: إِحداهُما مَجازِيّةٌ، والأُخرَى حَقِيقيّةٌ.
فمَثلًا:القَلَقُ على المُستَقبَلُِفِ الالإِحساسُ مَوجُودٌ في كُلِّ إِنسانٍ، فعِندَما يَقلَقُ قَلَقًا شَدِيدًا على المُستَقبَلِ يَرَى أنَّه لا يَملِكُ عَهْدًا لِلوُصُولِ إلى ذلك المُستَقبَلِ الَّذي يَقلَقُ علَيْه، فَضْلعالَمِأنَّ ذلك المُستَقبَلَ القَصِيرَ الأَمَدِ مَكفُولٌ مِن حَيثُ الرِّزقُ، مِن قِبَلِ الرَّزّاقِ، فإذًا لا يَستَحِقُّ كلَّ هذا القَلَقِ الشَّدِيدِ! وعِندَها عُونَ ُ وَجْهَه عنه، مُتَوجِّهًا إلى مُستَقبَلٍ حَقِيقيٍّ مَدِيدٍ، وهُو ما وَراءَ القَبْرِ، والَّذي لم يُكفَلْ لِلغافِلِينَ.
ثمَّ إنَّ الإِنسانَ يُبدِي حِرْصًا شَدِيدًا نَحوَ المالِ والجاهِ، ولكِنَّه يَرَى أنَّ ذلك المالَ في انِيَ الَّذي هو أَمانةٌ بِيَدِه مُؤَقَّتًا، وذلك الجاهَ الَّذي هو مَدارُ شُهْرةٍ ذاتِ بَلاءٍ، ومَصدَرُ رِياءٍ مُهلِكٍ، لا يَستَحِقّانِ ذلك الحِرصَ الشَّدِيدَ.. وعِندَ ذلك يَتَوجَّهُ إلى الجاهِ الحَقِيقيلمُلَوَذي هو المَراتِبُ المَعنَوِيّةُ ودَرَجاتُ القُربِ الإلٰهِيِّ وزادُ الآخِرةِ، ويَتَوجَّهُ إلى المالِ الحَقِيقيِّ الَّذي هو الأَعمالُ الأُخرَِدُ في، فيَنقَلِبُ الحِرصُ المَجازِيُّ الَّذي هو أَخلاقٌ ذَمِيمةٌ إلى حِرصٍ حَقِيقيٍّ الَّذي هو أَخلاقٌ حَمِيدةٌ سامِيةٌ.
ومَثلًا:يُعانِدُ الإِنسانُ وي، فما ويُصِرُّ على أُمُورٍ تافِهةٍ زائِلةٍ فانِيةٍ، ثمَّ يَشعُرُ أنَّه يُصِرُّ على شَيءٍ سَنةً واحِدةً، بَينَما هو لا يَستَحِقُّ إِصرارَ دَقِيقة ظُلْمدةٍ، فلَيسَ إلّا الإِصرارُ والعِنادُ يَجعَلُه يَثبُتُ على أُمُورٍ رُبَّما هي مُهلِكةٌ ومُضِرّةٌ به. ولكِن ما إِن يَشعُرُ أنَّ هذا الحِسَّ الشَّدِيدَ لم يُوهَبْ له َليلَ َلَ في مِثلِ هذه الأُمُورِ التّافِهةِ، وأنَّ صَرْفَه في هذا المَجالِ مُنافٍ لِلحَقِيقةِ والحِكْمةِ، تَراه يُوَجِّه ثَباتَه وإِصرارَه وعِنادَه الثَلاثٍدَ في تلك الأُمُورِ التَّافِهةِ إلى أُمُورٍ باقِيةٍ وسامِيةٍ ورَفِيعةٍ، تلك هي الحَقائِقُ الإِيمانيّةُ والأُسُسُ الإِسلامِيّةُ والأَعمالُ
— 42 —
الأُخرَوِيّةُ.. وعِندَها يَنقَلِبُ الحِسُّ الشَُّلُّ علِلعِنادِ المَجازِيِّ الَّذي هو خَصْلةٌ مَرذُولةٌ إلى خَصْلةٍ سامِيةٍ وسَجِيّةٍ طَيِّبةٍ وهي العِنادُ الحَقِيقيُّ، وهُو الثَّباتُ الشَّدِيدُ على الحَقِّ.
وهكذا على غِرارِ هذه الٍ حَياةِ الثَّلاثةِ، فإنَّ الأَجهِزةَ المَعنَوِيّةَ المَمنُوحةَ لِلإِنسانِ إذا ما استَعمَلَها في سَبِيلِ النَّفسِ والدُّنيا، غافِلًا وكأَنَّه مُخَلَّدٌ فيها، تُصبِحُ تلك الأَجِيمةً المَعنَوِيّةُ مَنابِعَ أَخلاقٍ دَنِيئةٍ ومَصادِرَ إِسرافاتٍ في الأُمُورِ ومَنشَأَ عَبَثِيّةٍ لا طائِلَ وَراءَها؛ ولكِن إذا ما وَجَّه أَحاسِيسَه تلك یی الخَفِيفةَ مِنها إلى الدُّنيا، والشَّدِيدةَ مِنها إلى العبُ ولاوأَعمالِ الآخِرةِ والأَفعالِ المَعنَوِيّةِ یی فإنَّها تكُونُ مَنشَأً لِلأَخلاقِ الفاضِلةِ، وسَبِيلًا مُمَهَّدًا إلى سَعادةِ الدّارَينِ، ومُنسَجِمًا انسِجامًا تامًّا معَ الحِشَكَّ والحَقِيقةِ.
ومنِ هنا فإنِّي أَخالُ أنَّ سَبَبًا مِن أَسبابِ عَدَمِ تَأْثِيرِ نَصِيحةِ النَّاصِحِينَ في هذا الزَّمانِ هو: أنَّهُم يقَه فِعَ لِسَيِّئي الخُلُقِ: لا تَحسُدُوا. لا تَحرِصُوا. لا تَعادَوْا. لا تُعانِدُوا. لا تُحِبُّوا الدُّنيا.. بمَعنَى أنَّهُم يقُولُونَ لَهُم: غَيِّیرُوا فِطْرَتورُوثةوهو تَكلِيفٌ لا يُطِيقُونَه في الظّاهِرِ، ولكِن لو يقُولُونَ لَهُم: اصرِفُوا وُجُوهَ هذه الصِّفاتِ إلى أُمُورِ الخَيرِ، غَيِّیرُوا مَجْراها. فعِندَئِذٍ تُجدِي النَّصِيحةُ وتُؤثِّرُ ف سَبَُّفُوسِ، وتكُونُ ضِمنَ نِطاقِ إِرادةِ الإِنسانِ واختِيارِه.
رابعًا:
لقد دارَ بَينَ عُلَماءِ الإِسلامِ كَثِيرًا بَحثٌ حَولَ الفُرُوقِ بَينَ الإِيمانِ والإِِجْمَا فقال قِسمٌ: كِلاهُما واحِدٌ. وآخَرُونَ قالُوا: إنَّهُما لَيْسا واحِدًا، بل لا يَنفَكُّ أَحَدُهُما عنِ الآخَرِ. وأَوْرَدُوا آراءً كَثِيرةً مُختَلِفةً مُشابِهةً لهذا.. وقد فجَلالِ فَرْقًا بَينَهُما كالتَّالي:
إنَّ الإِسلامَ التِزامٌ، والإِيمانَ إِذعانٌ. أو بتَعبِيرٍ آخَرَ: الإِسلامُ هو الوَلاءُ لِلحَقِّ والتَّسلِيمُ والِانقِيادُ له. أمَّا الإِيمانُ فهُو قَبُولُ الحَقِّ وتَصدِيقُه.
ولقد رَأَيتُ یی فيما مَضَى یی ب سَفَرمِمَّن لا دِينَ لَهُم، يُظهِرُونَ وَلاءً شَدِيدًا لِأَحكامِ القُرآنِ، بمَعنَى أنَّ ذلك المُلحِدَ قد نالَ إِسلامًا بجِهةِ التِزامِه الحَقَّ، فيُقالُ له: مُسلِمٌ بلا
#َهِمتُنٍ. ثمَّ رَأَيتُ بَعضَ المُؤمِنِينَ لا يُظهِرُونَ وَلاءً لِأَحكامِ القُرآنِ ولا يَلتَزِمُونَ بها، أي: أنَّهُم يَنالُونَ عِبارةَ: مُؤمِنٌ غَيرُ مُسلِمٍ.
تُرَى! أَيُمكِنُ أن يكُونَ إِيمانٌ َؤُلاءسلامٍ سَبَبَ النَّجاةِ يَومَ القِيامةِ؟
الجَوابُ:كما أنَّ الإِسلامَ بلا إِيمانٍ لا يكُونُ سَبَبَ النَّجاةِ، كَذلِك الإِيمانُ بلا إِسلامٍ لا يكُونُ سَبَبَ النَّجاةِ.
فلِلَّهِ الحَمدُ والمِنّةُ لطَّعاَوازِينَ "رَسائِلِ النُّورِ" قد بَيَّنَت ثَمَراتِ الدِّينِ الإِسلامِيِّ وحَقائِقَ القُرآنِ ونَتائِجَهُما بَيانًا شافِيًا وافِيًا یی بف بقَصدلإِعجازِ المَعنَوِيِّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ یی بحَيثُ لو فَهِمَها حتَّى مَن لا دِينَ له لا يُمكِنُ أن يكُونَ غَيرَ مُوالٍ لها.
وقد أَظهَرَت هذه الرَّسائِلَدِّ عئِلَ الإِيمانِ والإِسلامِ وبَراهِينَهُما كَذلِك قَوِيّةً راسِخةً بحَيثُ لو فَهِمَها غَيرُ المُسلِمِ يُصَدِّقُ بها لا مَحالةَ، ويُؤمِنُ بها رَغمَ بَقائِه على غَيرِإلّا ملامِ.
نعم، إنَّ "الكَلِماتِ" قد وَضَّحَت ثِمارَ الإِيمانِ والإِسلامِ الَّتي هي جَمِيلةٌ ولَذِيذةٌ كجَمالِ ثِمارِ طُوبَى الجَنّةِ ولَذَّتِها، وأَوضَحَت نَتائِجَهُما اليانِعةَ الطَّيِّبجَّلُ طايِبِ سَعادةِ الدَّارَينِ، حتَّى إنَّها تَمنَحُ كلَّ مَن رَآها واطَّلَعَ علَيْها وعَرَفَها شُعُورَ الوَلاءِ والِانحِيازِ التَّامِّ والتَّسلِيمِ الكامِلِ؛ كما أَظِ، لِذأَيضًا بَراهِينَ الإِيمانِ والإِسلامِ قَوِيّةً راسِخةً رُسُوخَ المَوجُوداتِ كُلِّها، وكَثِيرةً كَثْرةَ الذَّرَّاتِ، فتُعطِي مِنَ الإِذعانِ والرُّسُوخِ ما لا مُنتَهَى لَهُما في الإِيماٍ، ويُتَّى إنَّني حِيَنما أَقرَأُ أَحيانًا كَلِمةَ الشَّهادةِ في أَوْرادِ الشّاهِ النَّقْشَبَندِ، وأَقُولُ: "على ذلك نَحْيا وعلَيْه نَمُوتُ وعلَيْه نُبعَثُ غَدًا" أَشعؤْمِنُِنتَهَى الِالتِزامِ، بحَيثُ لا أُضَحِّي بحَقِيقةٍ إِيمانيّةٍ واحِدةٍ لو أُعطِيتُ الدُّنيا بأَسْرِها، لِأنَّ افتِراضَ ما يُخالِفُ حَقِيقةً واحِدةً لِدنسانِ،ٍ واحِدةٍ أَليمٌ عَلَيَّ أَلَمًا لا يُطاقُ، بل تَرضَخُ نَفسِي لِتُعطِيَ الدُّنيا بأَسْرِها یی لو كانَت لي یی مُقابِلَ حَقِيقةٍ إِيمانيّةٍ واحِدةٍ وبلا تَرَدُّدٍ.. وحِينَما أَقُولُ: "وآمَنّا بما أَرسَلْتَ مِن ررِ، فو، وآمَنّا بما أَنزَلْتَ مِن كِتابٍ، وصَدَّقْنا" أَشعُرُ بقُوّةٍ إِيمانيّةٍ عَظِيمةٍ
— 44 —
لا مُنتَهَى لها، وأَعُدُّ ما يُخالِفُ أَيّةَ حَقِيقةٍ مِن حَقائِقِ الإِيمانِ مُحالًا عَقْلِيًّا، وأَرَى أَهلَ الضَّلالِ في بَعدَ َى البَلاهةِ والجُنُونِ.
بَلِّغْ سَلامِي إلى والِدَيْك معَ وافِرِ الِاحتِرامِ، وارْجُ مِنهُما الدُّعاءَ لي، ولِكَوْنِك أَخِي فهُما في حُكْمِ والِدَيَّ أَيضًا.. بَلِّغْ سَلامِي لِجِمِيعِ أَهلِ قَريَتِكُم، ولا سِيَّما مَن يَستَمِعُ لی"الكَلِمِ الكِِنك.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 45 —
المكتوب العاشر
"جَوابٌ عن سُؤالَينِ"
بِاسْمِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
الأوَّل:هو هامِشُ
بَُدِ الثَّاني مِنَ "الكَلِمةِ الثَّلاثِينَ" الخاصَّةِ بی"أنا وتَحَوُّلاتُ الذَّرّاتِ":
لقد ذُكِرَ في القُرآنِ الكَرِيمِ: إِمَامٍ مُبِينٍ وكِتَابٍ مُبِينٍ في عِدّةِ مَواضِعَ. وقال قسمٌ من المُفسِّرين: إنَظِيمِعنًى واحِدٍ. وقال آخَرون: معناهما مُختلِف. وفسَّروا حقيقَتَهما بوُجُوهٍ مُتَضارِبة. وخلاصةُ ما قالوه: أنهما عُنوانان للعِلمِ الإلٰهيِّ. ولقد حَصَل لي الِاطمئنانُ التامُّ والقناعةُ التامَّةُ بفيضِ القرآن الكريم أنَّ:
"الإمامَ، فوَجِينَ" عنوانٌ لنوعٍ من العلمِ الإلٰهيِّ وأَمرِه، بحيث يَتَوجَّهُ إلى عالَمِ الغَيبِ أكثرَ ممّا يَتَوجَّهُ إلى عالَمِ الشَّهادة. أي: إنَّه يَتَوجَّه إلى الماضي والمُستَقبَل أكثرَ مِن تَوَجُّهِه إلى الحال والزَّمَن الحاضر. وبعبارةٍ أُخرى: إنون ما جِلٌّ للقَدَر الإلٰهيِّ يَنظُر إلى أصلِ كلِّ شيءٍ وإلى نَسْلِه، إلى عُرُوقِه وإلى بُذُورِه، أكثرَ ممّا يَنظُر إلى وُجُودِه الظّاهِريّ. وقد أُثبِت وُجُودُ هذا السِّجِلِّ في "الكلمصُوِّردسة والعشرين" وفي "حاشية الكلمة العاشرة".
نعم، إنَّ هذا الإمامَ المُبِينَ عُنوانٌ لنَوعٍ مِن عِلمِ اللهِ وأَمرِه، وهذا يعني: أنَّ إنتاجَ مَبادِئِ الأشياءِ وجُذُورِها وأُصُولِها، للأشياء، في غايةِ الإبداعِ والإتقانِ، يَدُلُّ على الأَرب
ذلك التَّنظيمَ والإتقان إنَّما يَتِمّانِ وَفْقَ سِجِلِّ دَساتيرَ للعِلمِ الإلٰهيِّ. كما أنَّ نتائِجَ الأشياء وأَنسالَها وبُذُورَها، سِجِلٌّ صغيرٌ للأَوامِرِ الإلٰهيّةِِ الحَِها تتضمَّنُ بَرامِجَ ما سيأتي مِنَ المَوجُودات وفهارِسَه، فيَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ البِذرةَ یی مثلًا یی عبارةٌ عن بَرامِجَ وفَهارسَ مُجَسَّمةٍ مُصَغَّرةٍ هذه اِ ما يُنَظِّم تركيبَ الشَّجرة الضَّخمة، وللأوامر التكوينيّة التي تُعَيِّنُ تلك التَّصاميمَ والفَهارِسَ وتُحَدِّدُها.
الحاصِلُ:أنَّ "الإمامَ المُبِينَ" هو في حُلمَقَاهْرِسِ وبَرنامَجِ شجرةِ الخَلْقِ، المُمتَدّةِ عُرُوقُها وأغصانُها وفروعُها حولَ الماضي والمُستقبَلِ وعالَمِ الغَيبِ. فی"الإمامُ المُبِينُ" بهذا المعنى سِجِلّ للقَدَرِ الإلٰهيِّ، وكُر وِلَْساتيرِه. والذَّرّاتُ تُساقُ إلى حَرَكاتِها ووَظائفِها في الأشياءِ بإملاءٍ مِن تلك الدَّساتيرِ وبحُكْمِها. أمّا "الكِتابُ المُبِينُ" فهو يَتَوجَّه إلى عالَمِ الشَّهادة أكثرَ مِن تَورةِ (يه إلى عالَمِ الغَيبِ، أي: يَنظُرُ إلى الزَّمانِ الحاضر أكثرَ ممّا يَنظُرُ إلى الماضي والمُستقبَل. فهو عنوانٌ للقُدرةِ الإلٰهيّةِ والإرادةِ الرَّبّانيّةِ، وسِجِلٌّ لهما وكتابٌ، أكثرَ ممّا هو عنوانٌ لِعِلمِ اللهِ وأَمرِه.
وبتعبيرٍ آخَرَ كالماه إذا كان "الإمامُ المُبِينُ" سِجِلًّا للقَدَر الإلٰهيِّ فی"الكتابُ المُبِينُ" سِجِلٌّ للقُدرةِ الإلٰهيّة. أي: إنَّ الِانتِظامَ والإتقان في كلِّ شيءٍ، سواءٌ في وُجُودِه، في هُوِيَّتِه، في صِفاتِه، في شُؤُونِه يَدُلّانِ علىُولِ (وُجُودَ يُضفى على الشَّيءِ وتُعيَّنُ له صُوَرُه، ويُشَخَّصُ مِقدارُه، ويُعطَى له شَكلُه الخاصُّ، بدَساتيرِ قُدرةٍ كاملةٍ وقَوانينِ إرادةٍ نافِذةٍ. فتلك القُدرةُ الإلٰهيّةُ والإرادة الإلٰهيّةُ إذًا لهما قَوانينُ الةٌ فّةٌ وعُمُوميّةٌ مَحفُوظةٌ في سِجِلٍّ عظيمٍ، بحيثُ يُفصَّلُ ويُخاطُ ثَوبُ أَنماطِ الوُجُودِ الخاصِّ لكُلِّ شيءٍ ويُلبَسُ عليه ويُعطَى له صُوَرُه المَخصُوصةُ، وَفْقَ تلك القَا، أَك. وقد أُثبِت وُجُودُ هذا السِّجلِّ في رسالةِ "القَدَرُ الإلٰهيُّ والجُزءُ الاختيارِيُّ" كما أُثبِت فيها "الإمامُ المُبِينُ".
فانظُر إلى حَماقةِ الفلاسِفةِ وأربابِ الضَّلالة وال هذه ا فلقد شَعَرُوا بوُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظ للقُدرةِ الإلٰهيّة الفاطِرة، وأَحَسُّوا بمَظاهِر ذلك الكتابِ البَصيرِ للحِكمةِ
— 47 —
الرَّبَّانيَّة، والإرادةَِفْسَكهيّةِ النّافِذةِ في الأشياء، ولَمَسُوا صُوَرَه ونَماذِجَه، إلّا أنَّهم أَطلَقوا عليه اسمَ "الطَّبيعة" یی حاشَ لله یی فأَخمَدُوا نُورَه.
وهكذا، بإملاءٍ مِن الإمامِ المُبِينِ، أي: بحُكمِ القَدَر الإلٰهيِّ ودُستُورِه النّافِذ، تْرَى إ القُدرةُ الإلٰهيّةُ یی في إيجادِها یی سِلسِلةَ المَوجُوداتِ التي كلٌّ مِنها آيةٌ، وتُوجِد وتُحَرِّكُ الذَّرّاتِ في لَوحِ "المَحْوِ والإثباتِ" الَّذي هو الَ سِرّفةُ المِثاليةُ للزَّمان.
أي: إنَّ حَرَكاتِ الذَّرّاتِ إنَّما هي اهتِزازاتٌ وحَرَكاتٌ في أثناءِ عُبُورِ المَوجُوداتِ، مِن تلك الكِتابةِ، ومِن ذلك الِاستِنساخِ:لِمَ عالَمِ الغَيبِ، إلى عالَمِ الشَّهادة، أي: مِن العِلمِ إلى القُدرةِ. أمّا "لَوحُ المَحْوِ والإثباتِ" فهو سِجِلٌّ مُتَبدِّلٌ للَّوحِ المَحفُوظِ الأَعظمِ الثّابتِ الدّائمِ، ولَوحةُ "كتابةٍ ومَحْوٍ" في دائرةِ المُمكِناتِ، أي: هو سِجِلّالأُسُياءِ المُعرَّضةِ دَومًا إلى المَوتِ والحياةِ، إلى الفَناءِ والوُجُودِ. بحيث إنَّ حقيقةَ الزَّمان هو هذا. نعم، فكما أنَّ لكلِّ شيءٍ حَقيقةً، فحقيقةُ ما نُسمِّيه بالزَّمان الذي يَجرِي جَرَيانَ النَّهرِ العظيمِ في الكَونِ هي في حُكمِ ص، المٍُ ومِدادٍ لكِتاباتِ القُدرةِ الإلٰهيّةِ في لَوحِ المَحْوِ والإثباتِ. ولا يَعلَمُ الغَيبَ إلّا اللهُ.
السُّؤالُ الثّاني:أَينَ مَيدانُ الحَشرِ؟
الجَوابُ:العِلمُ عِندَ اللهِ.. وإنَّ حِكْمةَ اَه يقُِ الحَكِيمِ الرَّفِيعةَ الَّتي يُظهِرُها في كُلِّ شَيءٍ حتَّى في رَبطِ حِكَمٍ كَثِيرةٍ جَلِيلةٍ بشَيءٍ صَغِيرٍ جِدًّا، تُشِيرُ صَراحةً إلى أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ لا تَخُطُّ في أَثناءِ سَيرِها السَّنَوِيِّ دائِرةً عيُحِيطً عَبَثًا وعلى غَيرِ هُدًى، بل إنَّها تَدُورُ حَولَ شَيءٍ عَظِيمٍ، وتَخُطُّ دائِرةً مُحِيطةً لِمَيدانٍ عَظِيمٍ، وتُعَيِّنُ حُدُودَه، وتَجُولُ حَولَ مَشهَرٍ عَظِيمٍ، وتُسَلِّمُ مَحاذا لا ا المَعنَوِيّةَ إلَيْه، لِتُعرَضَ تلك المَعرُوضاتُ أَمامَ أَنظارِ النَّاسِ في ذلك المَحشَرِ.. بمَعنَى أنَّ مَيدانَ حَشرٍ عَظِيمًا سيُبسَطُ مِن مَنطِقةِ الشَّامِ یی كما في رِوايةٍ یی الَّتي ستكُونُ في حُكْمِ نَواةٍ تَملَأءِ تلكرةً عَظِيمةً، مُحِيطُها يَبلُغُ ما يَقرُبُ مَسافةَ خَمسٍ وعِشرِينَ أَلفَ سَنةٍ.
— 48 —
وتُرسَلُ الآنَ مَحاصِيلُ الأَرضِ المَعنَوِيّةُ إلى دَفاتِرِ وأَلواحِ ذلك المَيدانِ المَعنَوِيِّ، المَحجُوبِ عَنّا تَحتَ َأْسَ الغَيبِ، وحِينَما يُفتَحُ المَيدانُ في المُستَقبَلِ، ستُفرَغُ الأَرضُ أَيضًا بأَهلِيها إلى المَيدانِ نَفسِه، وتَنتَقِلُ مَحاصِيلُها المَعنَوِيّةُ تلك مِنَ الغَيبِ إلى الشَّهادةِ.
نعم، إنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ في حُكْملتَّارَعةٍ، وبمَثابةِ نَبْعٍ، وكأَنَّها مِكْيالٌ، قد أَنتَجَت مِنَ المَحاصِيلِ الوَفِيرةِ ما يَملَأُ ذلك المَيدانَ الأَكبَرَ، وسالَت مِنها مَخلُوقاتٌ كَثِيرةٌ يَستَوعِبُها ذلك المَيدانُ، وخَرَجَت مِنها مَصنُوعاتٌ كَثِيرةٌ تَملَأُ َ اليَمَيدانَ. أي: أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ نَواةٌ، وأنَّ مَيدانَ الحَشرِ معَ ما فيه، شَجَرةٌ وسُنبُلٌ ومَخزَنٌ.
نعم، كما أنَّ نُقطةً نُورانيّةً تَخُطُّ خَطًّا أو دائِرةً بحَرَكَتِها السَّرِيعةِ، فالكُرةُ الأَرضِيّةُ كَذلِك تكُونُالمُعطًا لِتَمثِيلِ دائِرةِ وُجُودٍ، بحَرَكَتِها السَّرِيعةِ والحَكِيمةِ؛ وتلك الدّائِرةُ معَ مَحاصِيلِها تكُونُ مِحْوَرَ تَشَكُّلِ مَيدانِ الحَشرِ الأَكبَرِ.. قُلْ إِنَّمَا الْعِلْوةِ بنْدَ اللَّهِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 49 —
المكتوب الحادي عشر
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
"إن هذا المَكتُوبَ عِلاجٌ مُهِمٌّ، يُشِيرُ إلى دُالمَطَتٍ أُخرِجَت مِن خَزائِنَ عُظمَى لِآياتٍ أَربَعٍ كَرِيماتٍ"
أَخِي العَزِيزَ..
إنَّ القُرآنَ الحَكِيمَ قد دَرَّسَ نَفسِي الأَمّارةَ بالسُّوءِ هذه المَسائِلَ المُختَلِفةَ الأَربَعَ في أَوْقاتٍ مُتَ(ص) أٍَ، كَتَبتُها لِمَن شاءَ مِن إِخواني الَّذين يَرغَبُونَ أن يَأْخُذُوا حَظًّا أو دَرْسًا مِنها.
فهَذِه المَسائِلُ تُبيِّنُ دُرَيْراتٍ مِن خَزِينةِ الحَقائِقِ لِأَربَعِ آياتٍ كَرِيماتٍ مُختَلِفةٍ مِن حَيثُ الم كُلِّ، ولِكُلِّ مَبحَثٍ مِن تلك المَباحِثِ صُورَتُه وفائِدَتُه الخاصّةُ به.
المبحث الأوَّل:
قال تَعالَى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا..
يا نَفسِي الآيِسةَ مِن جَرّاءِ الوَساوِسِ والشُّبُهاتِ..
إنَّ تَداعِيَ الخ "لِأَِ، وتَخَطُّرَ الفَرْضِيّاتِ نَوعٌ مِنِ ارتِسامٍ غيرِ اختِيارِيٍّ، والِارتِسامُ إن كان آتِيًا مِنَ الخَيرِ والنُّورانِيّاتِ، يَسرِي حُكمُ حَقِيقَتِه إلى صُورَتِه ومِثالِه، ِيعُ هدٍّ مّا، مِثلَما يَنتَقِلُ ضَوءُ الشَّمسِ وحَرارَتُها إلى صُورَتِها في المِرآةِ؛ وإن كان الِارتِسامُ صادِرًا مِنَ
— 50 —
الشَّرِّ ومِنَ الكَثِيفِ، فلا يَسرِي حُكمُ الأَصلِ وخ حُبَُّیتُه إلى صُورَتِه، ولا إلى مِثالِه، كصُورةِ النَّجَسِ والقَذارةِ في المِرآةِ لَيسَت نَجِسةً ولا قَذِرةً، وصُورةِ الحَيّةِ في المِرآةِ لا تَلدَغُ.
وبِناءً على هذا: إنَّ تَصَوُّرَ الكُفرسِطةِ َ كُفرًا، وتَخَيُّلَ الشَّتمِ لَيسَ شَتمًا، ولا سِيَّما إن كان بلا اختِيارٍ، وكان تَخَطُّرًا فَرْضِيًّا، فلا ضَرَرَ فيه على الإِطلاقِ.
ثمَّ إنَّ قُبحَ الشَّيءِ ونَجاسَتَه وقَذارَتَه هو بسَبَبِ النَّهيِ الإلٰهِيِّ، حَسَبَ مَمِن جَأَهلِ الحَقِّ، أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ؛ وحَيثُ إنَّ الأَمرَ خاطِرٌ فَرْضِيٌّ، وتَداعٍ خَيالِيٌّ، بلا اختِيارٍ ولا رِضًا، فلا يَتَعلَّقُ به النَّهيُ الإلٰهِيُّ.. ولِهذا فلا يكُونُ الأرَّ ساَبِيحًا ولا قَذِرًا ولا نَجِسًا مَهما كان صُورةً لقَبِيحٍ وقَذِرٍ ونَجِسٍ.
المسألة الثانية:
ثَمَرةٌ أَينَعَت في مَرعَى جَبَلٍ في "بارْلا"، تَحتَ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ والقَطِرانِ، أُدرِجَت في كِتابِ "ال التَّتِ".
المسألة الثالثة:
هذه المَسأَلةُ والَّتي بَعدَها، قِسمٌ مِنَ الأَمثِلةِ الَّتي تُبيِّنُ عَجْزَ المَدَنيّةِ الحَدِيثةِ إِزاءَ إِعجازِ شَيءٍ نِ، والمَذكُورِ في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِينَ"؛ وهُما مِثالانِ مِن أُلُوفِ الأَمثِلةِ الَّتي تُثبِتُ مَدَى الظُّلمِ والإِجحافِ في الحُقُوقِ المَدَنيّةِ لِلبِعَظَِ الحَدِيثةِ، والَّتي تُخالِفُ أَحكامَ القُرآنِ.
إنَّ الحُكمَ القُرآنِيَّ: فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ مَحْضُ العَدالةِ وعَينُ الرَُّسحةِ ي الوَقتِ نَفسِه.
نعم، إنَّ ذلك الحُكمَ عَدالةٌ، لِأنَّ الرَّجُلَ الَّذي يَنكِحُ امْرَأةً يَتَكفَّلُ بنَفَقَتِها كما هو في الأَكثَرِيّةِ المُطلَقةِ؛ أمّا المَرأةُ فهي تَتَزوَّجُ الرَّجُلَ وتَذهَأنَّه يْه، وتَحمِلُ نَفَقَتَها علَيْه، فتُلافي نَقْصَها في الإِرْثِ.
— 51 —
ثمَّ إنَّ الحُكمَ القُرآنِيَّ رَحْمةٌ، لِأنَّ تلك البِنتَ الضَّعِيفةَ مُحتاجةٌ كَثِيرًا إلى أبو جَِ والِدِها وعَطْفِه علَيْها وإلى رَحْمةِ أَخِيها ورَأْفَتِه بها، فهِي تَجِدُ یی حَسَبَ الحُكمِ القُرآنِيِّ یی تلك الشَّفَقةَ علَيْها مِن والِدِها وعَطْفَه دُونَ أن يُكَدِّرَها حَذَرٌ،ِنسانَنظُرُ إلَيْها والِدُها نَظْرةَ مَن لا يَخشَى مِنها ضَرَرًا، ولا يقُولُ بأنَّها ستكُونُ سَبَبًا في انتِقالِ نِصفِ ثَروَتِي إلى الأَجانِبِ والأَغيارِ. فلا يَشُوبُ تلك الشَّفَقةَ والعَطْفَ الأَبَوِيَّ الحَذَرُ والقَلَقُ.
ا علَي إنَّها تَرَى مِن أَخِيها رَحْمةً وحِمايةً لا يُعَكِّرُها حَسَدٌ ولا مُنافَسةٌ، إذ لا يَنظُرُ إلَيْها أَخُوها نَظَرَ مَن يَجِدُ فيها مُنافِسًا له يُمكِنُ أن تُبَدِّدَ نِصفَ ثَروةِ أَبِيهِما بوَضْعِها في يَدِ الأَجانِبِ؛ فلا يُعَكِّرُ القُرَ تلك الرَّحْمةِ والحِمايةِ حِقْدٌ وكَدَرٌ.
فتِلك البِنتُ اللَّطِيفةُ الرَّقِيقةُ فِطْرةً، والضَّعِيفةُ النَّحِيفةُ خِلْقةً، تَفقِدُ فيشَ للهلحالةِ شَيْئًا قَلِيلًا في ظاهِرِ الأَمرِ، إلّا أنَّها تَكسِبُ یی بَدَلًا مِنه یی ثَرْوةً لا تَفنَى مِن شَفَقةِ الأَقارِبِ وعَطْفِهِم علَيْها ورمةِ، وِهِم بها. وإلّا فإنَّ إِعطاءَها نَصِيبًا أَكثَرَ مِمّا تَستَحِقُّ بزَعْمِ أنَّ ذلك رَحْمةٌ في حَقِّها أَزيَدُ مِن رَحْمةِ اللهِ سُبحانَه، لَيسَ رَحْمةً بها قَطُّ، بلي حِينٌ شَنِيعٌ في حَقِّها، رُبَّما يَفتَحُ سَبِيلًا أَمامَ الحِرصِ الوَحْشِيِّ المُستَوْلي على النُّفُوسِ في هذا الزَّمانِ لِارتِكابِ ظُلمٍ أَشنَعَ، يُذَكِّرُ بالغَيرةِ الوَحْشِيّةِ الَّتي كانَهَيِّئَولِيةً على النُّفُوسِ في زَمَنِ الجاهِلِيّةِ في وَأْدِهِمُ البَناتِ. فجَمِيعُ الأَحكامِ القُرآنِيّةِ المُماثِلةُ لهذا الحكم تُصادِقُ على الحُكمِ في قَولِه تَعالَى:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ العَُا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
المسألة الرابعة:
قَولُه تَعالَى: فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ.
إنَّ المَدَنيّةَ (وهِي بلا مِيمٍ) یی أي: الدَّنِرَيْرای كما قد أَصبَحَت سَبَبًا لِمِثلِ هذا الظُّلمِ (المَذكُورِ في المَسأَلةِ السّابِقةِ) في حَقِّ البَناتِ بإِعطائِها أَكثَرَ مِمّا تَستَحِقُّ، كَذلِك تَقتَرِفُ ظُلْمًا أَدهَى وأَنكَى بحَقِّ الوالِداُ دَلالك بحِرمانِهِنَّ مِن حُقُوقِهِنَّ.
— 52 —
نعم، إنَّ شَفَقةَ الوالِدةِ وحَنانَها الَّذي هو أَلطَفُ جَلْوةٍ مِن رَحْمَتِه تَعالَى، بل أَلَذُّها وأَهُم، وا بالِاحتِرامِ، أَسمَى وأَكرَمُ حَقِيقةٍ مِن بَينِ حَقائِقِ الوُجُودِ.
والوالِدةُ هي بالذّاتِ أَكرَمُ صَدِيقةٍ عَزِيزةٍ وأَرحَمُ مُضَحِّيةٍ، َلبِ دَها تُضَحِّي بدُنياها وحَياتِها وراحَتِها لِوَلَدِها، بدافِعٍ مِن حَنانِها وعَطْفِها؛ حتَّى إنَّ الدَّجاجةَ الَّتي هي في أَبسَطِ مَراتِبِ الأُمُومةِ، وتَحمِلُ بَصِيصًا مِن تلك الشَّفَقةِ، لا ِيرةٌ َّدُ في الهُجُومِ على الكَلبِ والصَّوْلةِ على الأَسَدِ دِفاعًا عن فِراخِها، رَغمَ خَوْفِها وجُبْنِها.
فحِرمانُ الوالِدةِ الَّتي تَطْوِي جَوانِحَها على مِثلِ هذه الحَقِيقةِ العَزِيزةِ وإلى هذا الحَدَّها ال تَرِكةِ وَلَدِها، ظُلمٌ مُرِيعٌ وعَمَلٌ إِجرامِيٌّ، وإِهانةٌ بحَقِّها، وكُفْرانُ نِعمةٍ إِزاءَ الحَقِيقةِ الجَدِيرةِ بالتَّوقِيرِ، بحَيثُ يَهتَزُّ لها عَرشُ َصيرٍ ْمةِ؛ وفَوقَ ذلك فهُو دَسٌّ لِلسُّمِّ في التِّرياقِ النّافِعِ لِحَياةِ البَشَرِ الِاجتِماعِيّةِ.. فإن لم يُدرِكْ هذا وُحُوشُ البَشَرِيّةِ الَّذين يَدَّعُونَ خِدْمَتَها، فإنَّ النّاسَ الحَقِيرْكةِ َ الكامِلِينَ يَعلَمُونَ أنَّ حُكمَ القُرآنِ الحَكِيمِ في قَولِه تَعالَى: فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ عَينُ الحَقِّ ومَحضُ العَدلِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
ولِتَ53
المكتوب الثاني عشر
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيْكُم وعلى رُفَقائِكُم..
إِخوَتي الأَعِزّاءَ..
لقد سَأَلتُمُوَواتُ تلك اللَّيلةِ سُؤالًا لم أُجِبْ عنه، لِأنَّ البَحثَ في المَسائِلِ الإِيمانيّةِ والخَوْضَ فيها على صُورةِ مُناقَشاتٍ غَيرُ جائِزٍ؛ فأَنتُم قدِ".
تُمُ المَوضُوعَ على بِساطِ النِّقاشِ. والآنَ أَكتُبُ جَوابًا في غايةِ الِاختِصارِ عنِ الأَسئِلةِ الثَّلاثةِ الَّتي هي أَساسُ نِقاشِكُم، وتَجِدُونَ تَفاصِيلَه في "الكَلِماتِ" الَّتي سَجَّلَ أَسماءَها السَّيِّدُ َّ انعدَليُّ، إلّا أنَّه لم تَرِدْ ببالي "الكَلِمةُ السَّادِسةُ والعِشرُونَ" الخاصَّةُ بالقَدَرِ والجُزءِ الِاختِيارِيِّ، فلم أَذكُرْها، راجِعُوها، ولكِن لا تَقرَؤُوها قِراءةاءَ نُرائِدِ والصُّحُفِ.
والسَّبَبُ الَّذي دَعاني إلى إِحالَتي "السَّيِّدَ الصَّيدَليَّ" إلى مُطالَعةِ تلك "الكَلِماتِ" هو أنَّ الشُّبُهاتِ الَّتي تَريَسْأَ أَمثالِ تلك المَسائِلِ نابِعةٌ مِن ضَعفِ الِاعتِقادِ في الأَركانِ الإِيمانيّةِ، وأنَّ تلك "الكَلِماتِ" تُثبِتُ الأَركانَ الإِيمانيّةَ بتَمامِها إِثباتًا كامِلًا.
سُؤالُكُمُ الأوَّلُ:ما الحِكْمةُ في إِخراجِ سَيِّدِنا آنيا باَليهِ السَّلام مِنَ الجَنّةِ؟ وما الحِكْمةُ في إِدخالِ قِسمٍ مِن بَنِي آدَمَ جَهَنَّمَ؟
الجَوابُ:حِكْمَتُه: التَّوظِيفُ.. فقد بُعًِا في الأَرضِ مُوَظَّفًا، مَوكُولًا إلَيْه مُهِمّةٌ جَلِيلةٌ، بحَيثُ إنَّ نَتائِجَ تلك الوَظِيفةِ هي جَمِيعُ أَنواعِ الرُّقيِّ المَعنَوِيِّ البَشَرا دام وانكِشافُ
— 54 —
جَمِيعِ استِعداداتِ البَشَرِ ونَماؤُها، وصَيرُورةُ الماهِيّةِ الإِنسانيّةِ مِرآةً جامِعةً لِلأَسماءِ الإلٰهِيّةِ الحُسنَى كُلِّها.
فلو كان سَيِّدُنا آدَمُ عَليهِ السَّلام باقِيًا في الجَنّةظُهُورقِيَ مَقامُه ثابِتًا كمَقامِ المَلَكِ، ولَمَا نَمَتِ الِاستِعداداتُ البَشَرِيّةُ؛ بَينَما المَلائِكةُ الَّذين هم ذَوُو مَقامٍ ثابِتٍ مُفرادُ ٍ كَثِيرُون، فلا داعِيَ إلى الإِنسانِ لِلقِيامِ بذلك النَّوعِ مِنَ العُبُودِيّةِ.. فاقتَضَتِ الحِكْمةُ الإلٰهِيّةُ وُجُودَ دارِ تَكلِيفٍ تُلائِمُ استِعداداتِ الإِنسانِ الَّتي تَتَمكَّنُ مِن قَطْعِ مَقاماتٍ لا نِهايعارِفُ؛ ولِذلِك أُخرِجَ آدَمُ عَليهِ السَّلام مِنَ الجَنّةِ بالخَطِيئةِ المَعرُوفةِ الَّتي هي مُقتَضَى فِطْرةِ البَشَرِ خِلافَ المَلائِكةِ.
أي: أنَّ إِخراجَ آدَمَ عَليهِ السَّلام مِنَ الجَنّةِ، هو عََحرَّوحِكْمةِ ومَحضُ الرَّحْمةِ، كما أنَّ إِدخالَ الكُفّارِ جَهَنَّمَ حَقٌّ وعَدالةٌ، مِثلَما جاءَ في "الإِشارةِ الثّالِثةِ مِنَ الكَلِمةِ العاشِرةِ": إِنَّ الكافِرَ وإنْ عَمِلَ ذَنْبًا في عُمُرٍ قَصِيرٍ، إلّا أنَّ ذلك الذَّنبَفُ خِلوِي على جِنايةٍ لا نِهايةَ لها، ذلك لِأنَّ الكُفرَ تَحقِيرٌ لِلكائِناتِ جَمِيعًا وتَهوِينٌ مِن شَأْنِها، وتَكذِيبٌ لِشَهادةِ المَصنُوعاتِ كُلِّها لِلوَحْدانيّةِ، وتَزيِيفٌ لِلأَسماءِ الحُسنَى المَشهُودةِ ج اللهُِها في مَرايا المَوجُوداتِ.. ولِهذا يُلقِي القَهَّارُ الجَلِيلُ، سُلْطانُ المَوجُوداتِ الكُفّارَ في جَهَنَّمَ لِيَخلُدُوا فيها، أَخْذًا لِحُقُوقِ المَوجُوداتِ كُلِّها مِنهُم.
و في مَُهُم في جَهَنَّمَ أَبَدًا هو عَينُ الحَقِّ والعَدالةِ، لِأنَّ جِنايةً بلا نِهايةٍ تَقتَضِي عَذابًا بلا نِهايةٍ.
سُؤالُكُمُ الثَّاني:لِماذا خُلِقَتِ اَتْمَ طِينُ؟ فلَقَد خَلَق اللهُ سُبحانَه وتَعالَى الشَّيطانَ والشُّرُورَ، فما الحِكْمةُ فيه؟ إذ خَلقُ الشَّرِّ شَرٌّ وخَلقُ القَبِيحِ قَبِيحٌ!
الجَوابُ:حاشَيْءٌِ.. وكَلَّا.. إنَّ خَلقَ الشَّرِّ لَيسَ شَرًّا، بل كَسْبُ الشَّرِّ شَرٌّ، لِأنَّ الخَلقَ والإِيجادَ يَتَطلَّعُ إلى جَمِيعِ النَّتائِجِ ويَتَعلَّقُ بها، بَينَما الكَسْبُ يَد أَوْقُ بنَتائِجَ خُصُوصِيّةٍ، لِأنَّه مُباشَرةٌ خاصّةٌ؛ فمَثلًا: إنَّ النَّتائِجَ المُتَرتِّبةَ على نُزُولِ المَطَرِ تَبلُغُ الأُلُوفَ، وجَمِيعُها نَتائِجُ حَسَنةٌ وجَمِيلةٌ، فإذا ما تَضَرَّرَ أَحَدُهُم مِنَ المَطَرِ بسُوءِ تَصَرُّفِه
#. ولِهمَلِه، فلَيسَ له الحَقُّ أنْ يقُولَ: إنَّ إِيجادَ المَطَرِ لا رَحْمةَ فيه. ولَيسَ له أنْ يَحكُمَ بأنَّ خَلقَ المَطَرِ شَرٌّ، بل صار شَرًّا في حَقِّه بسُوءِ اختِيارِه وسُوءِ تَصَرُّفِه وبكَسْبِه هو بالذّاتِ.
وكذا خَلقُ النّارِ، فَنّا إائِدُ كَثِيرةٌ جِدًّا، وجَمِيعُها خَيرٌ، ولكِن لو تأَذَّى أَحَدُهُم مِنَ النّارِ بسُوءِ كَسْبِه وبِاستِعمالِه السَّيِّئِ لها، فلَيسَ له أن يقُولَ: إنَّ خَلقَ النّارِ شَرٌّ، إذِ النّارُ لم تُخلَق لِإِحراقِه فقط، بل هو المِدةٍ َدخَل يَدَه في النّارِ الَّتي تَطبُخُ له طَعامَه، فجَعَل بسُوءِ عَمَلِه تلك الخادِمةَ المُطِيعةَ عَدُوّةً له.
حاصِلُ الكَلام:إنَّ شَرًّا قَلِيلًا يُقبَلُ به لِلحُصُولِ على خَيرٍ كَثِيرٍ، إذ لو تُرِكَ شَرٌّ يُنتِجهكَذا،ًا كَثِيرًا لِلحَيلُولةِ دُونَ حُصُولِ ذلك الشَّرِّ القَلِيلِ، لَحَصَل عِندَئِذٍ شَرٌّ كَثِيرٌ.
مِثالُ ذلك:عِندَ سَوْقِ الجَيشِ إلى الجِهادٌِ واحِدَّ مِن حُدُوثِ أَضرارٍ وشُرُورٍ جُزئيّةٍ مادِّيّةٍ وبَدَنيّةٍ، ومِنَ المَعلُومِ كَذلِك أنَّ في الجِهادِ خَيرًا كَثِيرًا حَيثُ تَنجُو بِلادُ المُسلمِينَ مِن سَيتَحقَّالكُفّارِ، فلو تُرِكَ الجِهادُ خَشْيةَ حُدُوثِ تلك الأَضرارِ والشُّرُورِ القَلِيلةِ لَحَصَل إِذًا شَرٌّ كَثِيرٌ فَضلًا عن فَواتِ خَيرٍ كَثِيرٍ، وهذا هو "تَعا الظُّلمِ.
ومِثالٌ آخَرُ:إنَّ قَطْعَ الإِصبَعِ الَّتي أَصابَها المَواتُ (الغَنغَرِينا) فيه خَيرٌ وهو حَسَنٌ، بَينَما يَبدُو ذلك القَطْعُ في الظّاهِرِ شَرًّا، ولكِن لو لم تُقطَع تلك الإِصبَعُ لَقمُحَقِّ اليَدُ، فيَحصُلُ آنَذاك شَرٌّ أَكبَرُ.
وهكَذا، فإنَّ خَلْقَ الشُّرُورِ والأَضرارِ والبَلايا والشَّياطِينِ لَيسَ شَرًّا ولا قَبِيحًا، لِأنَّ هذه الأُمُورَ خُلِقَت لِلحشْرةَ: على نَتائِجَ مُهِمّةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا؛ فالمَلائِكةُ مَثلًا لا دَرَجاتِ رُقِيٍّ لَهُم، وذلك لِعَدَمِ تَسَلُّطِ الشَّياطِينِ علَيْهِم، لِذا يكُونُ مَقامُهُم ثاباجُه (ا يَتَبدَّلُ.. وكذا الحَيَواناتُ، فإنَّ مَراتِبَها ثابِتةٌ وناقِصةٌ حَيثُ لم تُسَلَّطْ علَيْها الشَّياطِينُ، بَينَما في عالَمِ الإِنسانِ تَمتَدُّ المَسافةُ بَينن إِلقتِبِ الرُّقِيِّ ودَرَكاتِ التَّدَنِّي إلى أَبعادٍ مَدِيدةٍ طَوِيلةٍ جِدًّا، إذ بَدْءًا مِنَ النَّمارِدةِ والفَراعِنةِ وانتِهاءً إلى الصِّدِّيقِينَ والأَوْلِياءِ والأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلام هُنالِك مَراتِبُ لِلرُّقيِّ والتَّدَنِّي؛ لِذا بخا تَغُالشَّياطِينِ، وبسِرِّ التَّكلِيفِ، وبإِرسالِ الأَنبِياءِ، انفَتَح مَيْدانُ الِامتِحانِ والتَّجرِبةِ والجِهادِ والمُسابَقةِ، وبه تَتَميَّزُ الأَرْواحُ السّافِلمِن مََتي
— 56 —
هي كالفَحْمِ في خَساسَتِه عنِ الأَرْواحِ العالِيةِ الَّتي هي كالأَلْماسِ في نَفاسَتِه.. فلَوْلا المُجاهَدةُ والمُسابَقةُ لَبَقِيَتِ الِاستِعداداتُ كامِنةِينةٍ َوْهَرِ الإِنسانيّةِ، أي: لَتَساوَى الفَحْمُ والأَلْماسُ. أي: لَتَساوَتِ الرُّوحُ السّامِيةُ لِسَيِّدِنا أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ وهي تَمُوتلَى عِلِّيِّينَ معَ رُوحِ أَبي جَهلٍ الَّتي هي في أَسفَلِ سافِلِينَ!
إذًا فخَلْقُ الشَّياطِينِ والشُّرُورِ وإِيجادُها لَيسَ شَرًّا ولَيسَ قَبِيحًا، لِأنَّه مُتَوجِّهٌ نَحوَ نَتائِجَ كُلِّيّةٍ وعَظِيمةٍ؛ بلِ الشُّوقُك والقَبائِحُ النّاتِجةُ إنَّما هي حاصِلةٌ مِن سُوءِ الِاستِعمالِ ومِنَ الكَسْبِ الإِنسانِيِّ الَّذي هو مُباشَرةٌ خاصّةٌ، راجِعةٌ إلى الكَسْبِ الإِنسانِيِّ ولَيسَت إلى الخَلْقِ الإلٰهِيِّ.
وإذا سَأَلتُم:
معَ بِعْثةِ الأُ عُثْءِ عَلَيهم السَّلام فإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَسقُطُونَ في هاوِيةِ الكُفرِ والضَّلالِ نَتِيجةَ وُجُودِ الشَّياطِينِ، ويَتَضرَّرُونَ مِن جَرّانْها.. وحَيثُ إنَّ الحُكْمَ جارٍ على الأَكثَرِيّةِ، وأنَّ الأَكثَرِينَ يَتَضرَّرُونَ، فخَلْقُ الشَّرِّ إذًا شَرٌّ، بل يُمكِنُ أن يُقالَ: إنَّ بِعْثةَ الأَنبِياءِ لَيسَت رَحْمةً!
فالجَوابُ:إنَّه لا اعتِبارَ لِلكَمِّيّةِ بالنِّسبةِ إلعُونََوعِيّةِ، فالأَكثَرِيّةُ في الحَقِيقةِ مُتَوجِّهةٌ أَصْلًا إلى النَّوعِيّةِ، لا إلى الكَمِّيّةِ.. فلو كانَت هُنالِك مِئةُ نَواةٍ لِلتَّمرِ یی مَثلًا یی ولم تُوضَعْ تَحتَ التُّرابِ، ولم تُسْقَ بالماءِ، أي: إن لم تَحدُثْ فيها تَفاعُلاتٌ كِ الَّتيّةٌ، أي: إن لم تَنَل مُجاهَدةً حَياتِيّةً، فإنَّها تَظَلُّ على حالِها مِئةَ نَواةٍ وتُساوِي قِيمَتُها مِئةَ دِرْهَمٍ؛ بَينَما إذا سُقِيَت بالماءِ وتَعَرَّضَت لِمُجاهَدةوفي رتيّةٍ فتَفَسَّخَت مِن جَرّائِها، وبسُوءِ طَبْعِها، ثَمانُونَ مِنها، ونَمَت عِشرُونَ مِنها نَخْلًا مُثمِرًا، أَفيُمكِنُك أنْ تَقُولَ: إنَّ سَقْيَ تلك البُذُورِ شَرٌّ، حَيثُ أَفسَدَ الكَثِيرَ مِنها! لا تَستَطِيعُ قَولَ ذلك بلا شَكٍّ، لِأنَّ ت دَعا ُّوَى العِشرِينَ قد أَصبَحَت بمَثابةِ عِشرِينَ أَلفَ نَواةٍ، فالَّذي يَفقِدُ الثَّمانِينَ ويَكسِبُ العِشرِينَ أَلْفًا لا شَكَّ أنَّه غانِمٌ لم يَتَضرَّرْ، فلا يكُونُ السَّقْيُ إذاً شَرًّا.
وكذا لو وُجِدَت مِئةٌ مِن بَيضِ الطّاوُوسَّك تََثلًا یی فثَمَنُها يُساوِي ثَمَنَ البَيضِ وهو خَمسُ مِئةِ قِرشٍ، ولكِن إذا حُضِنَت تلك المِئةُ مِنَ البَيضِ وفَرَّخَ عِشرُونَ مِنها،
— 57 —
وفَسَدَتِ الثَّمانُونَ الباقِيةُ، هل يُمكِنُ أن يُقالَ حِينَئِذٍ أنَّ ضَرَرًا كَبِيرًا قد حَدَث، أو أن آيةً المُعامَلةَ شَرٌّ، أو أنَّ حَضانةَ الطّاوُوسةِ البَيضَ عَمَلٌ قَبِيحٌ.. لا شَكَّ أنَّ الجَوابَ لَيسَ كَذلِك، بلِ العَمَلُ هذا خَيرٌ، لِأنَّ الطّاوُوسَ وبَيضَه قد كَسَبا عِشرِينَ طا ثمَّ أَثمانُها باهِظةٌ بَدَلًا عن تلك البُيُوضِ الكَثِيرةِ الزَّهِيدةِ الثَّمَنِ.
وهكذا، فقد غَنِمَ النَّوعُ البَشَرِيُّ مِئةَ أَلفٍ مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلأَمرِهلايِينَ الأَولِياءِ ومَلايِينَ المَلايِينِ مِنَ الأَصفِياءِ الَّذين هم شُمُوسُ عالَمِ الإِنسانيّةِ وأَقمارُها ونُجُومُها، ببِعْثةِ الأَنبِياءِ وبسِرِّ التَّكلِيفِ وبمُحارَبةِ الشَّياطِينِ، إِزاءَ ما خَسِرَه مِنَ المُناجِزةَ َ الكَثِيرِينَ كَمًّا والتّافِهِينَ نَوْعًا، والكُفّارِ الَّذين هم ضَرْبٌ مِنَ الحَيَواناتِ المُضِرّةِ.
سُؤالُكُم الثّالِثُ:إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى يُنزِلُ المَصائِبَ ويُسَلِّطُ البَلايا، ألا يكُونُ هذا ظُلْمًا على الأَبرِيآخَرَ: حتَّى على الحَيَواناتِ؟
الجَوابُ:حاشَ للهِ وكَلّا.. فإنَّ المُلْكَ مُلكُه وَحْدَه، وله أن يَتَصرَّفَ فيه كَيفَ يَشاءُ.. تُرَى لو أنَّ صَنّاعًا ماهِرًا جَعَلَك نَمذا أَدا "مُودِيلًا" مُقابِلَ أُجْرةٍ، وأَلبَسَك ثَوْبًا زاهِيًا خاطَه بأَفضَلِ ما يكُونُ، ثمَّ بَدَأ يُقَصِّرُه ويُطَوِّلُه ويَقُصُّه.. ثمَّ يُقعِدُك ويُنهِضُك ويَثْنِيك.. كلُّ ذلك لِكَي يُبيِّنَ حَذاقَتَه ومَهارَتَه، فهل لك أنْ تقُولَ له: ُونَ، وَّهتَ جَمالَ ثِيابِي الَّذي زادَني جَمالًا، وقد أَرهَقْتَني لِكَثرةِ ما تقُولُ لي: اجْلِسْ.. انْهَضْ! فلا رَيبَ أنَّك لا تَقدِرُ على هذا القَولِ! بل لو قُلتَه، فهُو دَليلُ الجُنُونِ لَيسَ إلّا.
وعلى غِرارِ تَّدخِنَّ الصَّانِعَ الجَلِيلَ قد أَلبَسَك جِسْمًا بَدِيعًا مُزَيَّنًا بالعَينِ والأُذُنِ واللِّسانِ وغَيرِها مِنَ الأَعضاءِ والحَواسِّ؛ ولِأَجلِ إِظهارِ آثارِ أَسمائِه الحُسنَى المُتَنوِّعةِ يَبتَلِيك بأَنواعٍ مِنَ البَلايا، فيُمرِضُك حِينى هذا مَتِّعُك بالصِّحّةِ أَحيانًا أُخرَى، ويُجِيعُك مَرّةً ويُشبِعُك تارةً ويُظْمِئُك أُخرَى.. وهكذا يُقَلِّبُك في أَمثالِ هذه الأَطْوارِ والأَحْوالِ لِتَتَقوَّى ماهِيّةُ الحَياة والنّهَرَ جَلَواتُ أَسمائِه الحُسنَى.. فإذا قُلتَ:لِماذا تَبتَلِيني بهذه المَصائِبِ؟ فإنَّ مِئةً مِنَ الحِكَمِ الجَلِيلةِ تُسكِتُك، كما أُشِيرَ إلَيْها في المِثالِ السشية): .
إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ السُّكُونَ والهُدُوءَ والرَّتابةَ والعَطالةَ نَوعٌ مِنَ العَدَمِ والضَّرَرِ،
— 58 —
وبعَكْسِه الحَرَكةُ والتَّبَدُّلُ وُجُودٌ وخَيرٌ. فالحَياةُ َه يُشَلُ بالحَرَكةِ وتَتَرقَّى بالبَلايا وتَنالُ حَرَكاتٍ مُختَلِفةً بتَجَلِّياتِ الأَسماءِ وتَتَصفَّى وتَتَقوَّى وتَنمُو وتَتَّسِعُ، حتَّى تكُونَ قَلَمًا مُتَحرِّكًا لِكِتابةِ مُقَدَّراتِها، وتَفِي بوَظائِفِالآلِهَستَحِقُّ الأَجرَ الأُخرَوِيَّ.
نَكتَفِي بهذا القَدْرِ مِنَ الأَجوِبةِ المُختَصَرةِ لِأَسئِلَتِكُمُ الثَّلاثِ الَّتي دارَت حَوْلَها مُناقَشاتُكُم. أمّا إِيضاحُها ففي الثَّلاثِ والثَّلاثِينَ كَلِمَسٍ وأَ "الكَلِماتِ".
أَخِي العَزِيزَ..
اقْرَأْ هذه الرِّسالةَ لِلسَّيِّدِ الصَّيدَليِّ، ومَن تَراه لائِقًا مِمَّن سَمِعُوا المُناقَشةَ، وبَلِّغْه سَلامي، فهُو مِن طُلّابي الجُدُدِ، وقُل له:
لا يَجُوزُ بَةِ الومَسائِلِ الإِيمانيّةِ الدَّقِيقةِ یی كالمَذكُورةِ یی بشَكلِ مُناقَشاتٍ جَدَليّةٍ مِن دُونِ مِيزانٍ، ولا أَمامَ جَماعةٍ مِنَ النّاسِ، إذ تَتَحوَّلُ الأَدوِيةُ عِندَئذٍ إلى سُمُومٍ، لِأنَّها دُونَ مِيزانٍ، فتُضِرُّ المُتَكلِّمِينَ والمُستَمِعافِيلََعًا. وإنَّما يَجُوزُ ذلك عِندَ فَراغِ البالِ وسُكُونِ القَلبِ وتَوَفُّرِ الإِنصافِ عِندَ الباحِثِينَ، وتَداوُلًا فِكْرِيًّا لَيسَ إلّا.
وقُل له: إن كانَت تَرِدُ إلى قَلبِك الشُّبُالدُّعي مِثلِ هذه المَسائِلِ ولم تَجِد لَها جَوابًا في "الكَلِماتِ" فلْيَكْتُب إلَيَّ رِسالةً خاصّةً بشَأْنِها.
وقُل لِلصَّيدَليِّ أَيضًا: لقد وَرَد المَع وحَآتي بحَقِّ الرُّؤْيا الَّتي رَآها، والَّتي تَعُودُ إلى والِدِه المَرحُومِ:
لَمّا كانَ الوالِدُ المَرحُومُ طَبِيبًا، فقد نَفَع أُناسًا أَتقِياءَ وصالِحِينَ كَثِيرِينَ بل أَولِياءَ، فأَرْواحُ َتَيْهِك المَيامِينِ الَّذين انتَفَعُوا مِنه ظَهَرَت لِابنِه القَرِيبِ مِنه على صُورةِ طُيُورٍ في أَثناءِ وَفاتِه.. فخَطَر لي أنَّ ذلك استِقبالٌ مُفرِحٌ وتَرحِيبٌ مُفعَمٌ بالشَّفاعةِ.
سَلاذي يُسعَواتي إلى كُلِّ مَن حَضَر مَعَنا هنا تلك اللَّيْلةَ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 59 —
المكتوب الثالث عشر
بِاسْمِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ على مَنِ اتَّبَعَلصَّحاَى.. والمَلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهَوَى..
إِخوَتي الأَعِزّاءَ..
تَسأَلُون كَثِيرًا عن حالِي وراحَتِي، وعن عَدَمِ مُراجَعَتِي الجِهاتِ المَسؤُولةَ لِلحُصُولِ على شَهادةٍ (لِلمَنفِيِّينَ)، وعن عَدَمِ اهتِمامي بأَحوالِ المَرتمِ السِّياسِيّةِ.. وحَيثُ إنَّ أَسئِلَتَكُم تَتَكرَّرُ كَثِيرًا، فَضْلًا عن أنَّها تُسأَلُ مِنِّي مَعنًى، أُضطَرُّ إلى الإِجابةِ على هذه الأَسئِلةِ الثَّلاثةِ بلِسانِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" ولَيسَ بلِسانِ "سَعِيدٍِحَ لهِيدِ".
سُؤالُكُمُ الأوَّلُ:
كَيفَ حالُكُم؟ أأنتُم في خَيرٍ وعافِيةٍ؟
الجَوابُ:إنَّني أَحمَدُ اللهَ تَعالَى حَمْدًا لا أُحصِيه، إذ حَوَّلَ أَنواعَ الظُّلمِ والمَكارِهِ الَّتي جابَهَنِي بها أَهلُ الدُّنيا إلى أَن واسِعِنَ الفَضلِ والرَّحْمةِ.. وإلَيْكُمُ البَيانَ:
بَينَما كُنتُ مُنعَزِلًا في مَغارةِ أَحَدِ الجِبالِ، وقد طَلَّقتُ السِّياسةَ وتَجَرَّدتُ عنِ الدُّنيا مُنشَغِلًا بأُمُورِ آخِرَتي، أَخرَج المَوهلُ الدُّنيا مِن هُناك ونَفَوْني ظُلمًا وعُدْوانًا؛ فجَعَل الخالِقُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ هذا النَّفيَ لي رَحْمةً، إذ حَوَّل ذلك الِانزِواءَ في الجَبَلِ الَّذي كان مُعَرَّضًا لِعَوُبُوبيتُخِلُّ بالإِخلاصِ والأَمانِ، إلى خَلْوةٍ في جِبالِ "بارْلا" يُحِيطُ بها الأَمنُ والِاطمِئْنانُ والإِخلاصِ.. وقد عَزَمتُ عِندَما كُنتُ أَسِيروضَعِي"رُوسيا" ورَجَوتُ
— 60 —
اللهَ أن أَنزَوِيَ في أَواخِرِ عُمُرِي في مَغارةٍ، فجَعَل أَرحَمُ الرّاحِمِينَ "بارْلا" في مَقامِ تلك المَغارةِ، ويَسَّر لي فائِدَتَها، ولم يُحَمِّلْ كاهِلِي الضَّعِيفَ مَتاعِبَ المَغارةِ وصُعُوباتِها َ، كالا أَصابَنِي مِن مُضايَقاتٍ بسَبَبِ أَوْهامٍ ورُيُوبٍ كان يَحمِلُها بِضْعةُ أَشخاصٍ فيها، فهَؤُلاءِ الَّذين كانُوا أَصدِقائي یی وقد رَكِبَتْهُمُ الأَوْهامُ ظَنًّا مِنهُم رَضِيُم يَعمَلُونَ لِصالِحِي ولِراحَتِي یی إلّا أنَّهُم بأَوْهامِهِم هذه قد جَلَبُوا الضِّيقَ على قَلبِي والضَّرَرَ على خِدْمةِ القُرآنِ.
وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ أَهلَ الأنَّ م أَعطَوْا لِلمَنفِيِّينَ جَمِيعًا وَثائِقَ العَودةِ وأَخلَوْا سَبِيلَ المُجرِمِينَ مِنَ السُّجُونِ وعَفَوْا عَنهُم، فقد مَنَعُوا الوَثِيقةَ عنِّي ظُلمًا وجَوْ في طَلكِنَّ رَبِّي الرَّحِيمَ شاء أن يُبقِيَني في هذه الغُربةِ لِيَستَخدِمَنِي في خِدْمةِ القُرآنِ أَكثَرَ، ولِيُهَيِّیئَني لِكِتابةِ هذه اللِّطْ ِ القُرآنِيّةِ الَّتي سَمَّيتُها: "الكَلِماتِ" أَكثَرَ فأَكثَرَ، فأَبقاني في هذه الغُربةِ بلا ضَجّةٍ ولا ضَوْضاءَ، وحَوَّلَها إلى رَحْمةٍ سابِغةٍ.
ومعَ أنَّ أَهلَ الدُّنيا سَمَحُوا لِذَوِي النُّفُوذِ والشُّيُوخِ ولِرُؤَساءِ العَشائِلكَونِنَ المَنفِيِّينَ)، الَّذين يُمكِنُهُمُ المُداخَلةُ في دُنياهُم، بِالبَقاءِ في الأَقضِيةِ والمُدُنِ الكَبِيرةِ، وسَمَحُوا لِأَقارِبِهِم ولِجَمِيعِ مَعارِفِهِم بزِيارَتِهِم، فإنَّهُم فَرَضُوا عَلَيَّ حَياةَ العُزلةِ ظُلمًا وعُدْوانًا، وأَرسَلُوي أَقط قَريةٍ صَغِيرةٍ، ولم يَسمَحُوا لِأَقارِبِي ولا لِأَهلِ بَلدَتي یی بِاستِثناءِ واحِدٍ أوِ اثنَينِ یی بزِيارَتي.. فقَلَب خالِقِي الرَّحِيمُ هذه العُزلةَ إلى رَحْمةٍ غامِرةٍ بالنِّسبةِ إلَيَّ، إذ جَعَل هذه العُزلةَ وَسِيلةً لِا مِن ذِهنِي وتَخْلِيصِه مِن تَوافِهِ الأُمُورِ وتَوجِيهِه لِلِاستِفاضةِ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ على صَفائِه ونَقائِه.
ثمَّ إنَّ أَهلَ الدُّنيا استَكْثَرُوا عَلَيَّ في البذلك الحتَّى كِتابةَ رِسالةٍ أو رِسالَتَينِ اعتِيادِيَّتَينِ في مُدّةِ سَنَتَينِ كامِلَتَينِ، بل إنَّهُم حتَّى اليَومَ لا يَرتاحُونَ عِندَما يَحضُرُ لِزِيارَتي ضَيفٌ أو ضَيفانِ مَرّةً كُلَّ عَشَرةِ أَيّامٍ أو كُلَّ عِشرِينَ يَومًا ِبةً نَّ شَهرٍ، معَ أنَّ غَرَضَ الزِّيارةِ هو الرَّغبةُ في الحُصُولِ على ثَوابِ الآخِرةِ لَيسَ إِلّا! فارْتَكَبُوا الظُّلمَ في حَقِّي، ولكِنَّ رَبِّي الرَّحِيمَ وخالِقِي الحَكِيمَ بَدَّل لي ذلْ أَلفُلمَ إلى رَحْمةٍ، إذ أَدخَلَني في خَلْوةٍ مَرغُوبةٍ
— 61 —
وعُزْلةٍ مَقبُولةٍ في هذه الشُّهورِ الثَّلاثةِ الَّتي يَكسِبُ المَرءُ فيها تِسعِينَ سَنةً مِن حَياةٍ مَعنَينَ؛ ف. فالحَمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ.
هذه هي حالي وظُرُوفُ راحَتي.
سُؤالُكُمُ الثَّاني:
لِمَ لا تُراجِعُ (المَسؤُولِينَ) لِلحُصُولِ على شَهادةٍ؟
الجَوابُ:إِن. فشَري هذه المَسأَلةِ مَحكُومٌ لِلقَدَرِ ولَستُ مَحكُومًا لِأَهلِ الدُّنيا، لِذا أُراجِعُ القَدَرَ؛ وأَرحَلُ مِن هاهُنا مَتَى سَمَح القَدَرُ وقُطِعَ رِزقي هُنا.
وحَقِيقةُ هذا المَعنَىي يَتَّّ في كلِّ ما يُصِيبُ الإِنسانَ سَبَبَينِ:
الأوَّل:سَبَبٌ ظاهِرٌ. والآخَرُ: حَقِيقيٌّ.
وقد أَصبَحَ أَهلُ الدُّنيا سَبَبًا ظاهِرًا وأَتَوْا بي إلى هُنا، أمّا القَدَرُ الإِلٰهِيُّ فهُو السادِيثِ الحَقِيقيُّ، فحَكَمَ علَيَّ بهذه العُزلةِ. والسَّبَبُ الظّاهِرُ ظَلَمَ، أمّا السَّبَبُ الحَقِيقيُّ فقد عَدَلَ.
والسَّبَبُ الظّاهِرُ فَكَّر على هذا النَّمَطِ: "إنَّ هةٌ..
َّجُلَ يَخدُمُ العِلمَ والدِّينَ بإِفراطٍ، فلَرُبَّما يَتَدخَّلُ في أُمُورِ دُنيانا"، فنَفَوْني بِناءً على هذا الِاحتِمالِ، وظَلَمُوا ظُلمًا مُضاعَفًا بثَلاثِ جِهاتٍ.
أمّا القَدَرُ الإِلٰهِيُّ فقد الْبَاأَنَّني لا أَخدُمُ الدِّينَ والعِلمَ خِدْمةً خالِصةً كامِلةً، فحَكَم عَلَيَّ بهذا النَّفيِ، وحَوَّلَ ظُلمَهُمُ المُضاعَفَ إلى رَحْمةٍ مُضاعَفةٍ.
فما دامَ القَدَرُ هو الحاكِمَ في نَفيِي، والقَدَرُ عادِلٌ، فأنا أُراجِعُه وأَرجِعُ إلَيْه فَقةِ ِّضُ أَمرِي إلَيْه؛ أمّا السَّبَبُ الظّاهِرُ فلَيسَ له إلّا حُجَجٌ ومُبَرِّراتٌ تافِهةٌ، بمَعنَى أنَّ مُراجَعةَ أَهلِ الدُّنيا لا يَعنِي شَيئًا ولا يُجدِي نَفْعًا، فلو كانُوا يَملِكُون حَقًّا أو أَسبابًا قَوِيّةً فلَرُبَّما يُمكِنُ مُّةٍ يَتُهُم.
— 62 —
إنَّني في الوَقتِ الَّذي تَرَكتُ فيه دُنياهُم تَركًا نِهائِيًّا یی تَبًّا لَها یی وفي المَرحَلةِ الَّتي أَعرَضتُ فيها عن سِياساتِهِم كُلِّيًّا یی وتَعْسًا لَها یی فإنَّ كلَّ ما َمْسَ رُهُم مِن شُكُوكٍ وأَوْهامٍ لا أَصلَ لَه إِطلاقًا؛ لِذا لا أَرغَبُ في أنْ أُضفِيَ صِبْغةَ الحَقِيقةِ على تلك الرُّيُوبِ والأَوْهامِ بمُراجَعَتِهِم، فرِقةُ لي أَقَلُّ رَغبةٍ في التَّدَخُّلِ بسِياسَتِهِمُ الدُّنيَوِيّةِ الَّتي طَرَفُ حِبالِها بأَيدِي الأَجانِبِ، لَكانَت تُظهِرُ نَفسَها في ثَماني ساعاتٍ ولَيهِ هذهثَماني سَنَواتٍ.. عِلْمًا أنَّني لم أَرغَب في قِراءةِ جَرِيدةٍ واحِدةٍ ولم أَقْرَأْها طَوالَ ثَماني سَنَواتٍ، فمُنذُ أَربَعِ سَنَواتٍ وأنا هُنا تَحتلِهذه راقَبةِ، لم تَبدُ مِنِّي ظاهِرةٌ مِن ذلك، بمَعنَى أنَّ خِدْمةَ القُرآنِ لها مِنَ السُّمُوِّ والرِّفعةِ ما يَعلُو على جَمِيعِ السِّياساتِ، مِمّا يَجعَلُني أَتَرفَّعُ عنِ التَّدَخُّلِّسبةِلسِّياساتِ الدُّنيَوِيّةِ الَّتي يَغلُبُ علَيْها الكَذِبُ.
والسَّبَبُ الثّاني لِعَدَمِ مُراجَعَتِهِم هو: أنَّ ادِّعاءَ الحَقِّ إِزاءَ مَن يَظُنُّونَ الباطِلَ حَقًّا، نَوعٌ مِنَ الباطِلِ، فلا أُرِيدُ ارْتِكابَ ظُلمٍ كهَنشَبُسُؤالُكُمُ الثَّالثُ:
لِمَ لا تَهتَمُّ إلى هذا الحَدِّ بمُجرَياتِ السِّياسةِ العالَمِيّةِ الحاضِرةِ؟! نَراك لا تُغَيِّرُ مِن طَوْرِكَ أَصلًا أَمامَ الحَوادِثِ الجارِيةِ على صَفَحاتِ العالَمِ! أَفتَرتاحُ إلَيْها أم أومَشِيَخافُ خَوْفًا يَدفَعُك إلى السُّكُوتِ؟!
الجَوابُ:إنَّ خِدْمةَ القُرآنِ الكَرِيمِ هي الَّتي مَنَعَتْني بشِدّةٍ عن عالَمِ السِّياسةِ، بل أَنسَتْني حتَّى التَّفَكُّرَ فيها، وإلّا فإنَّ مُجنِظامِ حَياتي كُلِّها تَشهَدُ بأنَّ الخَوفَ لم يُكَبِّلني ولا يَمنَعُني مِن مُواصَلةِ سَيْرِي فيما أَراه حَقًّا.. ثمَّ مِمَّ يكُونُ خَوْفي؟ فلَيسَ لي معَ َت نُويا عَلاقةٌ غَيرَ الأَجَلِ، إذ لَيسَ لي أَهلٌ وأَوْلادٌ أُفكِّرُ فِيهِم، ولا أَموالٌ أُفكِّرُ فيها، ولا أُفكِّرُ في شَرَفِ الأَصالةِ والحَسَبِ والنَّيقُولُورَحِمَ اللهُ مَن أَعانَ على القَضاءِ على السُّمْعةِ الِاجتِماعِيّةِ الَّتي هي الرِّياءُ والشُّهرةُ الكاذِبةُ، فَضْلًا عنِ الحِفاظِ علَيْها.. فلم يَبقَ إلّا
— 63 —
أَجَلِي، وذلك بِيَدِ الخالِقِ الجَلِيلِ وَحْدَه.. ومَنحالةَ ؤُ أن يَتَعرَّضَ له قَبلَ أَوانِه! فنَحنُ نُفَضِّلُ أَصلًا مَوتًا عَزِيزًا على حَياةٍ ذَلِيلةٍ.
ولقد قال أَحَدُهُم مِثلَ "سَعِيدٍ القَدِيمِ":
ونَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ بَيْنَنا ٭ لغَبانَِّدْرُ دُونَ العالَمِينَ أوِ القَبْرُ
إنَّما هي خِدْمةُ القُرآنِ تَمنَعُني عنِ التَّفكُّرِ في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ السِّياسِيّةِ، وذلك:
أنَّ الحَياةَ الب يَتَشّةَ ما هي إلّا كَرَكْبٍ وقافِلةٍ تَمضِي، ولقد رَأَيتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ في هذا الزَّمانِ: أنَّ طَرِيقَ تلك القافِلةِ الماضِيةِ أَدَّت بهم إلى مُستَنقَعٍ آسِنٍ، فالبَشَرِيّةُ تَتَعقالَ؛ في سَيرِها، فهِي لا تكادُ تَقُومُ حتَّى تَقَعَ في أَوْحالٍ مُلَوَّثةٍ مُنتِنةٍ.
ولكِنَّ قِسْمًا مِنها يَمضِي في طَرِيقٍ آمِنةٍ.
وقِسمٌ آخَرُ قد وَجَد بَعضه النّسائِلِ لِتُنجِيَه یی قَدْرَ المُستَطاعِ یی مِنَ الوَحْلِ والمُستَنقَعِ.
وقِسمٌ آخَرُ وهُمُ الأَغلَبِيّةُ يَمضُونَ وَسَطَ ظَلامٍ دامِسٍ في ذلكدُّنياتَنقَعِ المُوحِلِ المُتَّسِخِ.
فالعِشرُونَ مِنَ المِئةِ مِن هَؤُلاءِ يُلَطِّخُونَ وُجُوهَهُم وأَعيُنَهُم بذلك الوَحْلِ القَذِرِ، ظَنًّا مِنهُم أنَّه المِسْكُ والعَنبَرُ، بسِيرةٍ سُكْرِهِم، فتارةً يقُومُونَ وأُخرَى يَقَعُونَ.. وهكَذا يَمضُونَ حتَّى يَغرَقُونَ.
أمّا الثَّمانُونَ مِنَ المِئةِ، فهُم يَعلَمُونَ حَقِيقةَ المُستَنقَعِ ويَتَحسَّسُونَ عُفُونَتَه وقَذارَتَه، إلّا أنّبِتةٌ ائِرُونَ، إذ يَعجِزُونَ عن رُؤْيةِ الطَّرِيقِ الآمِنةِ.
وهكَذا فهُناك عِلاجانِ اثنانِ إِزاءَ هَؤُلاءِ:
أوَّلُهُما:إِيقاظُ العِشرِينَ مِنهُم الَخصِيصرِينَ بالمِطْرَقةِ.
— 64 —
وثانيهما:إِراءةُ طَرِيقِ الأَمانِ والخَلاصِ لِلحائِرِينَ بإِظهارِ نُورٍ لَهُم (أي: بالإِرشادِ).
فالَّذي أَراه أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًَّفتازِكُونَ بالمِطْرَقةِ بأَيدِيهِم تِجاهَ العِشرِينَ، بَينَما يَظَلُّ أُولَئِك الثَّمانُونَ الحائِرُونَ البائِسُونَ دُونَ أن يُبَصَّرُوا النُّورَ الحَقَّ، وحتَّى لو بُصِّرُوا فإنَّ ه هي أنِ لِكَونِهِم يَحمِلُونَ في أَيدِيهِم عَصًا ونُورًا مَعًا فلا يُوثَقُ بهم.. فيُحاوِرُ الحائِرُ نَفسَه في قَلَقٍ واضطِرابٍ: تُرَى! أَيُرِيدُ هذا أن يَستَدرِجَني بالنُّورِ لِيَضرِبَني بالمِطْرَقةِ؟! ثمَّ حِيقَرْنَِتَحطَّمُ المِطْرَقةُ بالعَوارِضِ أَحيانًا، يَذهَبُ ذلك النُّورُ أَيضًا أَدْراجَ الرِّياحِ أو يَنطَفِئُ.
وهكَذا، فذَلِك المُستَنقَعُ هُو الحَياةُ الِاجتِماعِيّةُ البَشَرِيّةُ العابِثةُ المُلَوَّثةُ الغافِلةُ المُلَطجَمٍ ابالضَّلالةِ.
وأُولَئِك المَخمُورُونَ همُ المُتَمرِّدُونَ الَّذين يَتَلذَّذُونَ بالضَّلالةِ.
وأُولَئِك الحائِرُونَ همُ الَّذين يَشمَئِزُّونَ مِنَ الضَّلالةِ، ولكِنَّهُرْ كييَستَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنها، فهُم يُرِيدُونَ الخَلاصَ ولكِنَّهُم لا يَهتَدُونَ سَبِيلًا.. فهُم حائِرُونَ.
أمّا تلك المَطارِقُ فهِي التَّيّاراتُ ًا عن اسِيّةُ، وأمّا تلك الأَنوارُ فهِي حَقائِقُ القُرآنِ، فالنُّورُ لا تُثارُ حِيالَه الضَّجّةُ ولا يُقابَلُ بالعَداءِ قَطْعًا، ولا يَنفِرُ مِنه إلّا الشَّيطانُ الرَّجِيمُ.
ولِذلِك قُلتُ:"أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ والسِّياسةِ"لِكَي أُح إلَيْعلى نُورِ القُرآنِ، واعتَصَمتُ بكِلْتا يَدَيَّ بذَلِك النُّورِ، مُلْقِيًا مِطْرَقةَ السِّياسةِ جانِبًا.
ورَأَيتُ أنَّ في جَمِيعِ التَّيّاراتِ السِّياسِيّةِ یی سَواءٌ المُوافِقةُ مِنها أوِ المُخالِفةُ یی عُشّاقًا لِذلِك النُّورِ، ِّ حالرسُ القُرآنِيُّ الَّذي يُلقَى مِن مَوضِعٍ طاهِرٍ زَكيٍّ مُبَرَّأٍ مِن مُوحِياتِ أَفكارِ التَّيّاراتِ السِّياسِيّةِ والِانحِيازاتِ المُغرِضةِ جَمِيعِها، ويُرشَدُ إوحيدِ،مِن مَقامٍ أَرفَعَ وأَسمَى مِنها جَمِيعًا، لا يَنبَغِي أن تَتَحرَّجَ مِنه جِهةٌ، ولا يكُونَ مَوضِعَ شُبهةِ فِئةٍ، مَهما
— 65 —
كانَت.. اللَِّّقِينإلّا أُولَئِك الَّذين يَظُنُّونَ الكُفرَ والزَّندَقةَ سِياسةً فيَنحازُونَ إلَيْها، وهَؤُلاءِ هم شَياطِينُ في صُورةِ أَناسِيَّ أو حَيَواناتٌ في أَجسادِ بَشَرٍ.
لّا المْدًا للهِ، فإنَّني بسَبَبِ تَجَرُّدِي عنِ التَّيّاراتِ السِّياسِيّةِ لم أَبخَسْ قِيمةَ حَقائِقِ القُرآنِ الَّتي هي أَثمَنُ مِنَ الأَلماسِ، ولم أَجعَلْها بتَفاهةِ قِطَعٍ زُجاجِيّةٍ بتُهْمةِأنَّنيعايةِ السِّياسِيّةِ؛ بل تَزِيدُ قِيمةُ تلك الجَواهِرِ القُرآنيّةِ على مَرِّ الأَيّامِ، وتَتَألَّقُ أَكثَرَ أَمامَ أَنظارِ كُلِّ طائِفةٍ.
الْحَُ: "إنِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
المكتوب الرابع عشر
(لم يُؤلَّف)
٭٭٭٭٭٭
#% المكتوب الخامس عشر
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
أَخِي العَزِيزَ..
إنَّ سُؤالَك الأَوَّلَ الَّذي هو:مَعلُومٌ أنَّ صِغارَ الصَّحابةِ هم أَعظَمُ دِقةِ رٍ مِن أَعاظِمِ الأَولِياءِ، فلِماذا إِذًا لم يَكشِفِ الصَّحابةُ الكِرامُ بنَظَرِ وِلايَتِهِمُ المُفسِدِينَ المُندَسِّينَ في المُجتَمَعِ، حتَّى سَبَّبُوا استِشْهادَ ثَلاثةٍ مِنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ؟
جَوابُه:في مَقامَينِ اثنلقَدِي المقام الأوَّل:
بتَوضِيحِ سِرٍّ دَقِيقٍ لِلوِلايةِ وبَيانِه تُحَلُّ عُقْدةُ السُّؤالِ، وهُو أنَّ وِلايةَ الصَّحابةِ الكِرامِ هي "الوِلايةُ الكُبْرَى"، ومَنبَعُها وأُصُولُها الأُولَى مِن وِراثةِ النُّبوّةِ، وطَرِيقُها: النُّفُوذُى ولا الظّاهِرِ إلى الحَقِيقةِ مُباشَرةً، مِن دُونِ المُرُورِ بطَرِيقِ البَرزَخِ؛ فهِي وِلايةٌ مُتَوجِّهةٌ إلى انكِشافِ "الأَقرَبِيّةِ الإِلٰهِيّةِ" حَيثُ إنَّ طَرِيقَ هذه الوِلايةِ رَغمَ قِصَرِها الشَّدِيدِ سامِ الكُعالِيةٌ جِدًّا، خَوارِقُها قَلِيلةٌ وكُشُوفاتُها وكَراماتُها نادِرًا ما تَظهَرُ، إلّا أنَّ مَزاياها وفَضائِلَها عالِيةٌ جِدًّا.. بَينَما كَراماتُ الأَولِي، بأَيغلَبُها لَيسَتِ اختِيارِيّةً، فقد يَظهَرُ مِنهُم أَمرٌ خارِقٌ لِلعادةِ مِن حَيثُ لم يَحتَسِبُوا، إِكرامًا مِنَ اللهِ لَهُم، وأَغلَبُ هذه الكُشُوفاتِ والكَراماتِ يَظهَرُ لَهُم أَثناءَ مَرحَلةِ السَّيرِ والسُّلُوكِ وعِندَ مُرُورِهِمبةً خارزَخِ الطَّرِيقةِ؛ وحِينَما يَتَجرَّدُونَ یی إلى حَدٍّ مّا یی مِن حُظُوظِ البَشَرِيّةِ يَنالُونَ حالاتٍ خارِقةً لِلعادةِ.
— 66 —
مُحالٌ أن يُخْلِفَ وَعْدًا قَطَعَه على نَفسِه، إذ لا تَشُوبُ قُدرَتَه شائِبةٌ أو نَقْصٌ، ولا يُداخِلُ أَعمالَه عَجْزٌ أو ضَعْفٌ، فكما خَلَق لك حَدِيقَتَك الصَّغِيرةَ، فهو قادِرٌ على أن يَخلُقَ لك الجَنّةَ الواسِعةَ، بل قد خَلَقَهِسابُهًا، ووَعَدَك بها؛ ولِأنَّه وَعَدَ فسيَفِي بوَعْدِه حَتْمًا ويُدخِلُك تلك الجَنّةَ.
— 67 —
أمَّا الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمين مِن فهُم لَيسُوا مُضطَرِّينَ إلى قَطعِ الدّائِرةِ العَظِيمةِ بالسَّيرِ والسُّلُوكِ ضِمنَ الطَّرِيقةِ لِلوُصُولِ إلى الحَقِيقةِ، وذلك لِتَشَرُّفِهِم بانعِكاسِ أَنو ثمَّ صُّحبةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ، فهُم قادِرُونَ یی بهذا السِّرِّ یی أن يَنفُذُوا مِنَ الظّاهِرِ إلى الحَقِيقةِ بخُطْوةٍ واحِدةٍ وفي جَلسةٍ واحِدةٍ، فمَثلًا:
إنَّ هُنالِك طَرِيأُسنِدلِإِدراكِ لَيْلةِ القَدْرِ الَّتي مَضَت لَيْلَتُها بالأَمسِ وغَدَت ماضِيًا:
الأُولَى:مُعاناةُ الأَيّامِ يَوْمًا بَعدَ يَوْمٍ سَنةً كامِلةً، لِأَجلِ الوُصُولِ إلى تلك اللَّيْلةِ المُبارَكةِ مَرّةً أُخرَى ومُقابَلَتِها ومُوافَلُ هذا؛ فلا بُدَّ مِنَ السَّيرِ والسُّلُوكِ وقَطْعِ سَنةٍ كامِلةٍ لِلظَّفَرِ بهذه "القُربِيّةِ الإِلٰهِيّةِ"، وهذا هو مَسلَكُ مُعظَمِ السّالِكِينَ مِن أَهلِ الطُّرُقِ.
الثَّانيةُ:الِانسِلالُ مِن غِلافِ الجِسمِ اُّبوّةيِّ المُقَيَّدِ بالزَّمانِ، والتَّسامِي رُوحِيًّا بالتَّجَرُّدِ، ورُؤْيةِ لَيْلةِ القَدْرِ الماضِيةِ بالأَمسِ معَ لَيْلةِ العِيدِ المُقبِلةِ بَعدَ يَومٍ حاضِرَتَينِ ماثِلَتَينِ كأنَّهُما اليَومُ الحَمِيرِ حَيثُ إنَّ الرُّوحَ لَيسَت مُقَيَّدةً بالزَّمانِ.. فحِينَما تَسمُو الأَحاسِيسُ الإِنسانيّةُ إلى دَرَجةِ رَهافةِ الرُّوحِ يَتَوسَّعُ ذلك الزَّمانُ الحاضِرُ، ويَطْوِي فيه الزٍ ساط والمُستَقبَلَ، فتكُونُ الأَوقاتُ الماضِيةُ والمُستَقبَلةُ بالنِّسبةِ لِلآخَرِينَ بمَثابةِ الحاضِرِ بالنِّسبةِ إلَيْه.
في ضَوْءِ هذا التَّمثِيلِ، يكُونُمُكَرُّورُ إلى لَيْلةِ القَدْرِ الماضِيةِ بالأَمسِ، بالرُّقيِّ إلى مَرتَبةِ الرُّوحِ ومُشاهَدةِ الماضِي كأَنَّه الحاضِرُ.. وأَساسُ هذا السِّرِّ الغامِضِ إنَّما هو انكِشافُ "الأَقرَبِيّةِ الإِلٰهِيّةِ".
ولْنُوَضِّحْ هذا بمِأُولَئ إنَّ الشَّمسَ قَرِيبةٌ مِنّا لِأنَّ ضِياءَها وحَرارَتَها وصُورَتَها تَتَمثَّلُ في مِرآتِنا الَّتي في أَيدِينا، ولكِن نَحنُ بَعِيدُونَ عبُشِّرلو أَحسَسْنا بأَقرَبِيَّتِها مِن حَيثُ النُّورانيّةُ، وأَدْرَكْنا عَلاقَتَنا معَ صُورَتِها المِثاليّةِ في مِرآتِنا، وعَرَفْناها بتِلك الواسِطةِ، ولَمَسْنا حَقِيقةَ ضِيائِها ذاعَارَتِها وهَيْئَتِها، فإنَّ أَقرَبِيَّتَها تَنكَشِفُ لنا لِدَرَجةٍ تُغرِينا بتَكْوِينِ عَلاقةٍ مَعَها عن مَعرِفةٍ وقُربٍ.
— 68 —
ولكِن لو أَرَدْنا التَِّيرُ"،َ إلَيْها والتَّعَرُّفَ علَيْها مِن حَيث بُعدُنا عنها، لَاضْطُرِرنا إلى كَثِيرٍ جِدًّا مِنَ السَّيرِ الفِكْرِيِّ والسُّلُوكِ العَقْلِيِّ لِنَصعَدَ فِكْرِيًّا بصُحْبةِ القَوانِينِ العِلمِيّةِ إلى السَّماواتِ، ونَتي: هل َ مِن ثَمّةَ الشَّمسَ مُتَألِّقةً في فَضاءِ الكَونِ، ولا بُدَّ مِنَ الِاستِعانةِ بهذه القَوانِينِ والتَّدقِيقاتِ المُطَوَّلةِ جِدًّا لِإِدراكِ ما في ماهِيَّتِها مِن ضِياءٍ وحَرارةٍ وأَلرواحُ َبعةٍ.. وبَعدَ هذا كُلِّه قد نَحصُلُ على القُربِيّةِ المَعنَوِيّةِ مِنها، بمِثلِ الَّتي حَصَل علَيْها الشَّخصُ الأَوَّلُ بتَأَمُّلٍ يَسِيرٍ في مِرآتِه.
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ: فالنُّبوّةُ، والوِلايةُ المَُرِضَتُ عنها، مُتَوجِّهَتانِ إلى انكِشافِ "الأَقرَبِيّةِ الإِلٰهِيّةِ"؛ أمّا سائِرُ الوِلاياتِ فإنَّ مُعظَمَها تَسلُكُ على أَساسِ "القُربِيّةِ الإِلٰهِيّةِ"، فتُضطَرُّ إلى السَّيرِ والسُّلُوكِ عَبَصْرِفراتِبَ عِدّةٍ قَبلَ بُلُوغِها المَقامَ المَطلُوبَ.
المقام الثَّاني:
إنَّ الَّذي كان وَراءَ حَوادِثِ الفِتَنِ لَيسَ هو عَددًا قَلِيلًا مِنَ اليَهُودِ كي يُمكِنَ حَصْرُهُم وإِيقافُ ذلك الفَسادِ، وإِطفاءُ تلك الفِتَنِ بمُجَرَّد بالبَفِهِم، إذ بدُخُولِ أَقوامٍ كَثِيرةٍ مُتَبايِنةٍ إلى حَظِيرةِ الإِسلامِ، تَداخَلَت واختَلَطَت تَيّاراتٌ وأفكارٌ مُتَناقِضةٌ معَ بَعضِها وغَيرُ مُتَجانِسةٍ، وبخاصّةٍ أُولَئِك اأَقوال أُصِيبَ غُرُورُهُمُ القَومِيُّ بالضَّرَباتِ القَوِيّةِ مِن يَدِ سَيِّدِنا عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ، فكانُوا يُضمِرُونَ في نُفُوسِهِمُ الِانتِقامَ ويَتَرقَّبُونَ الفُرصةَ له حَيثُ أُبطِلَ دِينُهُمُ السّابِقُ ودُمِّرَ سُلطانُأَهلِ ُزِيلَت دَوْلَتُهُمُ الَّتي كانَت مَدارَ افتِخارِهِم وعِزِّهِم؛ لِذا فقد كانُوا يَحمِلُونَ إِحساسًا بالِانتِقامِ شُعُورِيًّا وغَيرَ شُعُورِيٍّ مِن خِلافةِ الإِسلامِ.. ولِهَذا قِيلَ: إنَّ المُنافِقِينَ الدَّسَّاسِينَ الأَذكِياءَ أَمثالَ اليَهُوَ دُون استَغَلُّوا تلك الحالةَ الِاجتِماعِيّةَ.
أي: إِنَّ مُقاوَمةَ تلك الفِتَنِ وإِزالَتَها هو بمُواجَهَتِها بإِصلاحِ ذلك المُجتَمَعِ وتَنوِيرِ الأَفكارِ المُختَلِفةِ، ولَيسَ بكَشْفِ قِلالله عنَ المُفسِدِينَ.
وإذا قِيلَ:إنَّ سَيِّدَنا عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ قد هَتَف مِن فَوقِ المِنبَرِ بی"سارِيةَ" أَحَدِ قُوَّادِ سَراياه وهو على بُعدِ مَسِيرةِ شَهرٍ مِنه بی"يا سارِيةَ الجَبَلَ الجَبَلَ!"، فهُتافُه هذا وتَوجِيهُه
#َلَّت أَصبَحا سَبَبًا مِن أَسبابِ نَيلِ النَّصرِ في تلك المَعرَكةِ.. هذه الحادِثةُ المَشهُورةُ تُبيِّنُ مَدَى نَفاذِ بَصِيرَتِه الحادّةِ.
والسُّؤالُ هو:لِماذا لم تَرَ تلك البَصِيرةُ بنَظَرِها اِواياتبِ قاتِلَه "فَيرُوزَ" الَّذي كان قَرِيبًا مِنه؟
الجَوابُ:نُجِيبُ على هذا السُّؤالِ بما أَجابَ به سَيِّدُنا يَعقُوبُ عَليهِ السَّلام،
(حاشية):ز مصرش بوى پيراهن شنيدى
چرا در چاه كِ، فغَنديدى
بگفت: احوال ما برق جهان است
دمى پيدا و ديگر دم نهان است
گهى بر طارم أعلى نشينم
گهى بر پُشت پاى خود نبينم
فقد سُئِل عَليهِ السَّلام: كَيفَ وَجَدتَ رِيحَ يُوسُفَ عَليهِ السَّلام مِن قَمِيصِه الَّذي في أَرضِ مِصرَ، ولكَرِيَه في الجُبِّ القَرِيبِ مِنك في أَرضِ كَنْعانَ؟
فأَجابَ عَليهِ السَّلام: إنَّ حالاتِنا كالبَرقِ الخاطِفِ، يَظهَرُ أَحيانًا ويَختَفِي أُخرَى، فنكُونُ أَحيانًا كمَن هو جالِسٌ في أَعلَى مَقامٍ ويَرَى جَُبِّ إما حَوْلَه، وأَحيانًا أُخرَى لا نَرَى ظَهْرَ أَقْدامِنا.
والخُلاصةُ:إنَّه مَهما كان الإِنسانُ فاعِلًا ذا اختِيارٍ، إلّا أنَّ المَشِيئةَ الإِلٰهِيّةَ هي الأَصلُ، والقَدَرُ الإِلٰهِيُّ حاكِمٌ مُهَيمِنٌ، ً تَخُِيئةُ الإِلٰهِيّةُ تَرُدُّ المَشِيئةَ الإِنسانِيّةَ، بمَضمُونِ قَولِه تَعالَى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وإذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ، فيُنفِذُ حُكْمَه، وإذا ما تَكَلَّم القَدفَلسَفسكُتُ القُدرةُ البَشَرِيّةُ، ويَصمُتُ الِاختِيارُ الجُزئيُّ.
مَضمُونُ سُؤالِكُمُ الثَّاني هو:ما حَقِيقةُ الوَقائِعِ الَّتي دَبَّت في صُفُوفِ المُسلِمِينَ في عَهدِ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ؟ وماذا نُشَكٍّ، أُولَئِك الَّذين ماتُوا وقُتِلُوا فيها؟
الجَوابُ:إنَّ "مَعرَكةَ الجَمَلِ" الَّتي دارَت رَحاها بَينَ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وجَماعَتِه مِن جِهةٍ، وبَينَ طَلْحةَ والزُّبَيرِ وعائِشةَ رِيدَينالله عَنهُم أَجمَعِينَ مِن جِهةٍ أُخرَى، هي مَعرَكةٌ بَينَ العَدالةِ المَحْضةِ والعَدالةِ الإِضافِيّةِ (النِّسبِيّةِ)، وتَوضِيحُها كالآتي:
— 70 —
لقد جَعَل سَيِّدُنا عَ: رِسارَضِيَ الله عَنهُ العَدالةَ المَحْضةَ أَساسًا لِسِياسَتِه في إِدارةِ دَفّةِ الحُكْمِ، وسارَ بمُقتَضاها على وَفقِ اجتِهادِه وبمِثلِ ما كان الشَّيخانِ يَسِيرانِ علَيْه مِن قَبلِه؛ أمّاُ العاِضُوه فقد قالُوا: إنَّ صَفاءَ القُلُوبِ وطَهارةَ النُّفُوسِ في عَهدِ الشَّيخَينِ كانا مُلائِمَينِ ومُمَهِّدَينِ لِكي تَنشُرَ العَدالةُ المَحْضةُ سُلْطانَهادَمَ علمُجتَمَعِ، إلّا أنَّ دُخُولَ أَقوامٍ مُتَبايِنةِ الطَّبائِعِ والِاتِّجاهاتِ یی وهُم على ضَعفِ الإِسلامِ بمُرُورِ الزَّمَنِ یی في هذا المُجتَمَعِ أَدَّى إلى وَضعِ عَوائِقَ مُهِمّةٍ إِزاءَ تَطبِيقِ العَدالةِ المَحْضةنعانش دا تَطبِيقُها صَعْبًا، لِذا فقد اجتَهَدُوا على أَساسٍ مِنَ العَدالةِ النِّسبِيّةِ الَّتي هي اختِيارٌ لِأَهوَنِ الشَّرَّينِ؛ ولكِن، لِأنَّ المُنافَسةَ حَولَ هذَينِ النَّوعَينِ مِنَ الِاجتِهادِ آلَت إلى مَيدانِ اخَرُ: سةِ، فقد نَشِبَتِ الحَربُ بَينَ الطَّرَفَينِ.
وحَيثُ إنَّ كلَّ طَرَفٍ قد تَوَصَّلَ إلى اجتِهادِه بنِيّةٍ خالِصةٍ ابتِغاءَ مَرضاةِ اللهأَمثالانَه وتَعالَى ومَصلَحةِ الإِسلامِ، ونَشِبَتِ الحَربُ نَتِيجةَ هذا الِاجتِهادِ الخالِصِ للهِ، فيَصِحُّ أن نقُولَ: القاتِلُ والمَقتُولُ كِلاهُما مِن أَهلِ الجَنّةِ، وكِلاهُما مَأْجُورانِ مُثابانِ، رَغمَ مَعرِفَتِنا أنَّ اجتِهادَ الإِمامِ عَلِيٍَّقائِقَ الله عَنهُ كان صَوابًا، وأنَّ اجتِهادَ مُخالِفِيه مُجانِبٌ لِلصَّوابِ.. وهَؤُلاءِ المُخالِفُونَ لَيسُوا أَهلًا لِلعِقابِ الأُخرَوِيِّ، إذِ المُجتَهِدُ للهِ إذا أَصابَ فلَه أَجرانِ وإن أَخطَأَ فلَه أَجرٌ واحِدٌ، أي: أنّلنّاسِالُ ثَوابَ بَذْلِه الجُهْدَ في الِاجتِهادِ الَّذي هو نَوعٌ مِنَ العِبادةِ، وهو مَعذُورٌ في خَطَئِه.
وقد قال أَحَدُ أَعلامِ عُلَمائِنا المُحَيةٌ كغنَ شِعرًا باللُّغةِ الكُردِيّةِ ويُعَدُّ قَولُه حُجّةً:
ژِى شَرِّ صَحَابَانْ مَكَه قَالُ وقِيلْ ٭ لَوْرَا جَنَّتِينَه قَاتِلُ وهَمْ قَتِيلْ
أي: لا تَخُضْ فيما وَقَع بَينَ الصَّحْبِ الكِرامِ، لِأنَّ القاتِلَ والم. أمََّ كِلَيهِما في الجَنّةِ.
أمّا إِيضاحُ الفَرقِ بَينَ العَدالةِ المَحْضةِ والعَدالةِ الإِضافِيّةِ فهُو:
إنَّ حَقَّ الشَّخصِ البَرِيءِ الواحِدِ لا يَبطُلُ لِأَجلِ النّاسِ جَمِيعًا، أي: أنَّ حَقَّه مَحفُوظٌ، وهذا المَعَضَبِ، الَّذي تُشِيرُ إلَيْه الآيةُ الكَرِيمةُ:
— 71 —
مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، فلا يُضَحَّى بفَردٍ واحِدٍ لِأَجلِ الحِفاظِ على سَلامةِ الجَمِيعِ، إرةٍ.
َقُّ هو حَقٌّ ضِمنَ إِطارِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ، فلا يُنظَرُ إلى كَونِه صَغِيرًا أو كَبِيرًا، لِذا لا يُفدَى بالصَّغِيرِ لِأَجلِ الكَبِيرِ، ولا لجميعةِ فَردٍ وحَقِّه لِأَجلِ سَلامةِ جَماعةٍ والحِفاظِ علَيْها، إن لم يكُن له رِضًا في الأَمرِ.. أمّا إذا كانَتِ التَّضحِيةُ برِضاه ورَغبةً مِنه فهِي مَسأَلةٌ أُيَلزَم أمّا العَدالةُ الإِضافيّةُ فهِي أنَّ الجُزءَ يُضَحَّى به لِأَجلِ سَلامةِ الكُلِّ، فهذه العَدالةُ لا تَأخُذُ حَقَّ الفَردِ بنَظَرِ الِاعتِبارِ لِأَجلِ الجَماعةِ، وإنَّما تُحاوِلُ القِيامَ بنَوعٍ مِن عَدالةٍ إ وكما ةٍ مِن حَيثُ الشَّرُّ الأَهوَنُ؛ ولكِن إذا كانَتِ العَدالةُ المَحْضةُ قابِلةً لِلتَّطِبيقِ فلا يُصارُ إلى العَدالةِ الإِضافِيّةِ، وإنْ صارَ إلَتْنا فقد وَقَع الظُّلمُ؛ فالإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ قال: إنَّ العَدالةَ المَحْضةَ قابِلةٌ لِلتَّطبِيقِ، كما كان علَيْه في عَهْدِ الشَّيخَينِ، لِذا حاوَلَ بِناءَ الخِلافةِ الإِسلامِيّةِ على تلك القاعِدةِ مِنَ العَدالةِومةِ یْضةِ.. بَينَما مُعارِضُوه كانُوا يقُولُونَ: إنَّ هذه العَدالةَ المَحْضةَ غَيرُ قابِلةٍ لِلتَّطبِيقِ، حَيثُ هُنالِك عَوائِقُ ومُشكِلاتٌ كَثِيرةٌ تَظهَرُ أَثناءَ تَطبِيقِها، فانصَرَف اجتِهادُهُم إلى العَدلرِّسالإِضافِيّةِ.
أمّا ما أَوْرَدَه التّارِيخُ مِن أَسبابٍ أُخرَى فهِي لَيسَت أَسبابًا حَقِيقيّةً، بل حُجَجٌ ومُبَرِّراتٌ واهِيةٌ.
فإن قُلتَ:لِمَ لَإِمامًَفَّقِ الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ بمِثلِ ما وُفِّقَ أَسلافُه في إِدارةِ دَفّةِ الخِلافةِ رَغمَ اتِّصافِه یی مِن هذه النّاحِيةِ یی بجُوداتيّاتٍ فائِقةٍ وذَكاءٍ خارِقٍ، ولَياقةٍ تامّةٍ جَدِيرةٍ بمَنصِبِ الخِلافةِ؟
الجَوابُ:إنَّ الإِمامَ عَلِيًّا كان حَرِيًّا ومُؤَهَّلًنُ مَدِيامِ بمُهِمّاتٍ جِسامٍ تَفُوقُ أَهَمِّيّةَ السِّياسةِ والحُكْمِ، إذ لو كان التَّوفِيقُ تامًّا له في السِّياسةِ والحُكْمِ لَما كان يُحرِزُ لَقَبَ "سَيِّدِ الأَوْلياءِ" بجَدارةٍ تامّةٍ، ذلك المَقا، هذا َعنَوِيَّ الَّذي هو أَهلٌ له بحَقٍّ؛ فظَفِرَ بسَلْطَنةٍ مَعنَوِيّةٍ وبحُكْمٍ مَعنَوِيٍّ أَرقَى بكَثِيرٍ مِن خِلافةٍ سِياسِيّةٍ ظاهِرِيّةٍ، حَيثُ أَصبَحَ بمَثابةِ أُستاذِ الجَمِيعِ، وغَدا حُكْمُه المَعنَوِيُّ سارِيًا وماضِيًا يثُ الومِ القِيامةِ.
— 72 —
أمَّا ما وَقَع مِن حَربٍ بَينَ الإِمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وسَيِّدِنا مُعاوِيةَ رَضِيَ الله عَنهُ وأَنصارِه في واقِعةِ "صِفِّيهَدَهاِي حَربٌ بَينَ الخِلافةِ والسَّلْطَنةِ یی المُلكِ الدُّنيَوِيِّ یی أي: أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ قدِ اتَّخَذ أَحكامَ الدِّينِ وحَقائِقَ الإِسلامِ والآخِرةَ أَساسًا، رَأْسيُضَحِّي بقِسمٍ مِن قَوانِينِ الحُكْمِ والسَّلْطَنةِ وما تَقتَضِيه السِّياسةُ مِن أُمُورٍ فيها إِجحافٌ، في سَبِيلِ الحَقائِقِ والأَحكامِ.. أمّا سَيِّدُنا مُعاوِيةُ ومَن مَعَه، فقدِ التَزَمُوا ال أَدنَةَ الشَّرعِيّةَ وتَرَكُوا الأَخذَ بالعَزِيمةِ، لِأَجلِ إِسنادِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ الإِسلامِيّةِ بسِياساتِ الحُكْمِ والدَّوْلةِ، فعَدُّوا أَنفُسَهُم مُضطَرِّينَ في الأَخذِ بهذا المَسلَكِ في عالَمِ السِّياسالتَّذِذا رَجَّحُوا الرُّخْصةَ على العَزِيمةِ، فوَقَعُوا في الخَطَأِ.
أمّا مُقاوَمةُ الحَسَنِ والحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُما لِلأُمَوِيِّينَ، فهِي في حَقِيقَتِها صِراعٌ بَينَ الدِّينِ والقَوْمِيّةِ، إذِ اعتَمَد الأُمَوِيُّونَ على جِنسِ العَ؛ استِي تَقْوِيةِ الدَّولةِ الإِسلامِيّةِ، وقَدَّمُوهُم على غَيرِهِم، أي: فَضَّلُوا رابِطةَ القَوْمِيّةِ على رابِطةِ الإِسلامِ فأَضَرُّوا مِن جِهَتَينِ:
الأُولَى:آذَوُا الأَقوامَ الأُخرَى بنَظْرَتِهِم هذه، فوَلَّدُوا فِيهِمُ الكَراهِيةَ والنّابعًا:.
الثّانيةُ:إنَّ الأُسُسَ المُتَّبَعةَ في القَوْمِيّةِ والعُنصُرِيّةِ أُسُسٌ ظالِمةٌ لا تَتبَعُ العَدالةَ ولا تُوافِقُ الحَقَّ، إذ لا تَسرَأَه لك الأُسُسُ على وَفقِ العَدالةِ، لِأنَّ الحاكِمَ العُنصُرِيَّ يُفَضِّلُ مَن هم بَنُو جِنسِه على غَيرِهِم، فأَنَّى له أن يَبلُغَ العَدالةَ! بَينَما الإِسلامُ يَجُبُّ ما قَبلَه مِن عَصَبِيّةٍ جاهِلِيّةٍ، لا فَرقَ بَينَ عَبدٍ حَبَشِيٍّ وسَيً قد صُرَشِيٍّ إذا أَسلَما. فلا يُمكِنُ إِقامةُ رابِطةِ القَوْمِيّةِ بَدَلًا مِن رابِطةِ الدِّينِ في ضَوءِ هذا الأَمرِ الجازِمِ، إذ لا تكُونُ هُنالِك عَدالةٌ قَطُّ، وإنَّما تُهدَرُ الحُقُوقُ ويَضِيعُ الإِنصافُ.
وهكَ مِنَ نَّ سَيِّدَنا الحُسَينَ رَضِيَ الله عَنهُ قد تَمَسَّكَ برابِطةِ الدِّينِ، وهُو مُحِقٌّ في ذلك، لِذا قاوَمَ الأُمَويِّينَ حتَّى رُزِقَ مَرتَبةَ الشَّهادةِ.
وإذا قِيلَ:لِمَ لَمْ يَنجَحْرُبُوندُنا الحُسَينُ رَضِيَ الله عَنهُ في مَسعاه رَغمَ أنَّه كان على حَقٍّ وصَوابٍ؟ وكَيفَ سَمَحَتِ الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ والقَدَرُ الإِلٰهِيُّ أن تكُونَ عاقالحَقّ وعاقِبةُ آلِ بَيتِه فاجِعةً أَلِيمةً؟
— 73 —
الجَوابُ:إذا استَثْنَيْنا المُقَرَّبِينَ مِن سَيِّدِنا الحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُ، نَجِدُ أنَّ الأَقوامَ المُختَلِفةَ الَّذين التَحَقُوا بهم هم مِمَّن أُصِيبَ غُرُورُُلُوجِلقَومِيُّ بجُرُوحٍ بِيَدِ العَرَبِ المُسلِمِينَ، فهُم يُضمِرُونَ ثَأْرًا تِجاهَهُم، مِمّا كَدَّر صَفاءَ النِّيّةِ ونَقاءَها الَّذي كان يَتَحلَّى بها مَسلَكُ الحُسَينِ ومَن مَعَه، وأَدَّى تَعَكُّرُ ذلك الصَّفاءِ وخُفُوتُ سُطُوعِ ذلك هِزةُ جِ القَوِيمِ إلى تَقَهقُرِهِم أَمامَ أُولَئِك.
أمّا حِكْمةُ تلك الحادِثةِ المُؤْلِمةِ مِن زاوِيةِ نَظَرِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ فهِي:
أنَّ الحَسَنَ والحُسَينَ رَضِيَ الله عَنهُما وذَوِيهِما ونَسلَهُما كانُوا مُرشَّحِينَ لِسَلْطَنةٍ مَع، إن كةٍ، ومُؤَهَّلِينَ لِتَسَنُّمِ مَرتَبةٍ سامِيةٍ مَعنَوِيّةٍ؛ ولَمّا كان الجَمعُ بَينَ سَلْطَنةِ الدُّنيا وتلك السَّلْطَنةِ المَعنَوِيّةِ مِنَ الصُّعُوبةِ بمَكانٍ، لِذا جَعَلَهُمُ القَدَرُ الإِلٰهِيُّ يُعرِضُونَ عنِ الدُّنيا، وأَظهَر لَهُم وََ الجَلدُّنيا الدَّمِيمَ، لِئَلّا تَبقَى لَهُم عَلاقةٌ قَلبِيّةٌ معَ الدُّنيا، ودَفَعَهُم إلى أن يَنفُضُوا أَيدِيَهُم مِن سَلْطَنةٍ صُورِيّةٍ دُنيَوِيّةٍ مُؤَقَّتةٍ زائِلةٍ، بَينَما عَيَّنَهُم لِتَسَنُّمِ الأُمُورِ لَدَى سَلجَهْلٍمَعنَوِيّةٍ سامِيةٍ دائِمةٍ، فأَصبَحُوا مَرجِعًا لِأَقطابِ الأَوْلِياءِ بَدَلًا مِن أن يكُونُوا مَرجِعًا لِلوُلاةِ الِاعتِيادِيِّينَ.
أمّا سُؤالُكُمُ الثّالِثُ الَّذي هو:ما الحِكْمةُ في المُصِيبةِ الأََجُّهِ والمُعامَلةِ الظّالِمةِ الَّتي أَصابَت أُولَئِك الطّاهِرِينَ المَيامِينِ؟
الجَوابُ:لقد بَيَّنّا سابِقًا أنَّ هُنالِك ثَلاثةَ أُسُسٍ كان مُعارِضُو سَيِّدِنا الحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُ وهتَجرِيأُمَوِيُّونَ يَسِيرُونَ علَيْها، والَّتي أَدَّت إلى ارتِكابِ تلك المَظالِمِ والمُعامَلاتِ القاسِيةِ:
الأوَّلُ:هو دُستُورُ السِّياسةِ الظّالَِرِضُومُؤَدّاه: أنَّ الأَشخاصَ يُضَحَّى بهم في سَبِيلِ الحِفاظِ على الدَّوْلةِ واستِتْبابِ النِّظامِ في البِلادِ.
الثَّاني:كانَت دَوْلَتُهُم تَستَنِدُ إلى القَوْمِيّةِِ الرّنصُرِيّةِ، وكان الحاكِمَ المُهَيمِنَ على
— 74 —
الأُمُورِ قانُونُ القَومِيّةِ الظّالِمُ، وهُو: "كُلُّ شَيءٍ يُضَحَّى به في سَبِيلِ الحِفاظِ علىُ لِثِةِ الأُمّةِ".
الثّالثُ:تَأَصَّلَ عِرقُ المُنافَسةِ لَدَى الأُمَويِّينَ مُنذُ مُدّةٍ طَوِيلةٍ تِجاهَ الهاشِمِيِّينَ، فظَهَر في "يَزِيدَ" وأَمثالِه، مِمّاواعٍ مبَ تَفَجُّرَ استِعداداتٍ ظالِمةٍ قاسِيةٍ لا رَحْمةَ فيها ولا رَأْفةَ.
وهُنالِك سَبَبٌرابِعٌوهُو الَّذي يَخُصُّ الَّذين انضَمُّوا إلى صَفِّ سَيِّدِنا الحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُ، وهُو أنَّ اعتِمادَ الأُمَوَعِينََ على قَوْمِيّةِ العَرَبِ وَحْدَهُم في إِدارةِ شُؤُونِ الدَّوْلةِ، ونَظْرَتَهُمُ المُتَعالِيةَ على سائِرِ الأَقوامِ كأَنَّهُم عَبِيدٌ لَدَيهِم وتَسمِيَتَهُم بالمَوالي، أَصابَ غُرُورَ أُولَئِك، مِمّا دَفَعَهُم إلى الِاللتَّوح بصَفِّ سَيِّدِنا الحُسَينِ، وهم يَحمِلُونَ نِيّةً غَيرَ خالِصةٍ للهِ. وهِي نِيّةٌ أَساسُها دافِعُ الثَّأْرِ.. هذا الأَمرُ هَيَّجَ العَصَبِيّةَ القَوْمِيّةَ لَدَى الأُمَِ لَبَنَ فأَدَّى بهِمُ الأَمرُ إلى ارتِكابِ تلك الفاجِعةِ الأَلِيمةِ الَّتي لا تَجِدُ فيها رَحْمةً ولا عَطْفًا ولا رَأْفةً.
هذه الأَسبابُ الأَربَعةُ المَذكُورةُ: هي أَسبابٌ ظاهِرِيّةٌ، إلّا أنَّنا إذا نَظَرْنا إلى الأَمرِ َ المُوِيةِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ نَجِدُ أنَّ سَيِّدَنا الحُسَينَ وذَوِيه رَضِيَ الله عَنهُم قد أَحرَزُوا نَتائِجَ أُخرَوِيّةً وسَلْطَنةً رُوحِيّةً ورُقِيًّا مَعنَوِيًّا، مِن جَرَّاءِ تلك الفاجِعةِ الأَلِيمةِ، بحَيثُ تكُونُ تلك الفالدَّوالصُّعُوباتُ الَّتي لاقَوْها في تلك الحادِثةِ الأَلِيمةِ زَهِيدةً ويَسِيرةً تِجاهَ تلك المَنازِلِ الرَّفِيعةِ الَّتي حَظُوا بها.. فمَثلًا:
إنَّ الَّذي يُستَشهَدُ نَتِيجةَ تَعذِيبٍ يَستَغرِقُ ساعةً يَغنَمُ مِنَ المَراتِبَِ مَراِيةِ والدَّرَجاتِ السّامِيةِ لِلشَّهادةِ ما لا يُمكِنُ أن يَحصُلَ علَيْه مَن يَسعَى بجُهْدٍ مُتَواصِلٍ خِلالَ عَشرِ سِنِينَ؛ فلو سُئِلَ لةَ الشَّهِيدُ بَعدَ فَوْزِه بدَرَجةِ الشَّهادةِ عن ذلك التَّعذِيبِ لَأَجابَ: لقد فُزتُ فَوْزًا كَبِيرًا جِدًّا بشَيءٍ يَسِيرٍ جِدًّا.
فَحْوَى سُؤالِكُمُ الرّابعِ:أنَّ الأَكثَرِيّةَ المُطلَرْهَمِنَ النّاسِ يَدخُلُونَ الدِّينَ الحَقَّ بَعدَ قَتلِ سَيِّدِنا عِيسَى عَليهِ السَّلام الدَّجَّالَ في آخِرِ الزَّمانِ، بَينَما وَرَدَ في رِواياتٍ أُخرَى:"لا تَقُومُ
— 75 —
السَّاعةُ حتَّى لا يُقالَ في الأَرضِ: تلك ال الله.."،فكَيفَ يَسقُطُ النّاسُ بهذه الكَثْرةِ في هاوِيةِ الكُفرِ بَعدَ أن دَخَلُوا بكَثْرةٍ مُطلَقةٍ في حَظِيرةِ الإِيمانِ؟
الجَوابُ:إنَّ ضِعافَ الإِيمانِ يَستَبعِدُونَ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصّهّاجًا مِن نُزُولِ سَيِّدِنا عِيسَى عَليهِ السَّلام وقَتْلِه الدَّجّالَ وعَمَلِه بالشَّرِيعةِ الإِسلامِيّةِ، ولكِن لو وُضِّحَت حَقِيقةُ الرِّوايةِ لا يَبقَى مَوضِعٌ لِلِاستِبعادِ قَطُّ. وذلك:
أنَّ المَعنَى الَّذي يُفِيدَلُ إل الحَدِيثُ والرِّواياتُ الوارِدةُ حَولَ المَهدِيِّ والسُّفيانِيِّ هو الآتي:
أنَّ تَيّارَينِ لِلإِلحادِ سيَشتَدّانِ ويَتَقوَّيانِ في آخِرِ الزَّمانِ:
الأوَّلُ:إنَّ شَخْصًا رَهِيبًا يُقالُ له "السكان عُنِيُّ" سيُنكِرُ الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ (نُبُوّةَ مُحَمَّدٍ (ص)) مُتَستِّرًا بالنِّفاقِ، ويَتَولَّى قِيادةَ المُنافِقِينَ، ويَسعَى لِسُبحانرِ الشَّرِيعةِ الإِسلامِيّةِ، وسيُقابِلُه شَخصٌ نُورانِيٌّ مِن آلِ البَيتِ يُسَمَّى مُحَمَّدًا المَهْدِيَّ يَتَولَّى قِيادةَ أَهلِ الوِلايةِ وأَهلِ الكَمالِ المُرتَبِطِيِيحِ أسُّلالةِ النُّورانيّةِ لِآلِ البَيتِ، ويَقتُلُ تَيّارَ النِّفاقِ الَّذي يُمَثِّلُ شَخصَ السُّفيانِيِّ المَعنَوِيَّ ويُدَمِّرُه تَدمِيرًا.
أمّا التكُفرِ ُ الثّاني:فهُو التَّيّارُ الطّاغِي المُتَمَرِّدُ، المُتَولِّدُ مِن فَلسَفةِ الطَّبِيعِيِّينَ والمادِّيِّينَ، هذا التَّيّارُ يَنتَشِرُ ويَتَقوَّى تَدرِيجِيًّا بواسِطةِ الفقُولُهِ المادِّيّةِ في آخِرِ الزَّمانِ حتَّى يَبلُغَ به الأَمرُ إلى إِنكارِ الأُلُوهِيّةِ، ويَمنَحُ أَفرادُ هذا التَّیيّارِ المُنكِرُونَ للهِ سُب والعُأَنفُسَهُم نَوْعًا مِنَ الرُّبُوبيّةِ كأَنَّهُم نَمارِدةٌ صِغارٌ، مِثلَما يَمنَحُ الجاهِلُ بالسُّلطانِ غَيرُ المُعتَرِفِ بجُنُودِه وضُبّاطِه نَوْعًا مِنَ السَّلطَنةِ وشَكْلًا مِنَ الحاكِمِيّةِ إلى كُلِّ جُندِيٍّ؛ أمّا الدَّسُها اوهُو كَبِيرُهُمُ الَّذي يَتَولّاهُم فيُؤْتَى مِنَ الخَوارِقِ ما يُشبِهُ أَعمالَ السِّحرِ والتَّنوِيمِ المِغْناطِيسِيِّ، ويَتَمادَى كَثِمُنتَهتَّى يُضفِيَ على حُكُومَتِه الجَبّارةِ ظاهِرًا نَوْعًا مِنَ الرُّبُوبيّةِ، ويُعلِنَ أُلُوهِيَّتَه.. ولا رَيبَ أنَّ ادِّعاءَ إِنسانٍ عاجِزٍ الأُلُوهِيّةَ، والَّذي يَقهَرُه ذُبابٌ ويَعجِزُ حتَّى عن خَلقِ جَناحِها، حَماقةٌ ما نَ" فها حَماقةٌ، تَستَحِقُّ مُنتَهَى الهُزْءِ والسُّخْرِيةِ.
— 76 —
وهكذا، ففي مِثلِ هذه المَرحَلةِ، وحِينَما يَبدُو ذلك التَّيّارُ قَوِيًّا شَدِيدلَ تَفهَرُ الدِّينُ الحَقُّ الَّذي أَتَى به عِيسَى عَليهِ السَّلام، والَّذي هو الشَّخصِيّةُ المَعنَوِيّةُ لِسَيِّدِنا عِيسَى عَليهِ السَّلام، أي: يَنزِلُ مِن سَماءِ الرَّحلى وَجلإِلٰهِيّةِ، فتَتَصفَّى النَّصْرانيّةُ الحاضِرةُ تِجاهَ تلك الحَقِيقةِ وتَتَجرَّدُ مِنَ الخُرافاتِ والتَّحرِيفاتِ وتَتَّحِدُ معَ حَقائِقِ الإِسلامِ، أي: أنَّ النَّصْرانِيّةَ ستَنقَلِبُ مَعنًى إلى نَوعٍ مِنَ الإِسلامِ، فذَلِك الشَّخصُ الم كبَقِيُّ لِلنَّصْرانيّةِ يكُونُ تابِعًا باقتِدائِه بالقُرآنِ الكَرِيمِ، ويَظَلُّ الإِسلامُ في مَقامِ الإِمامِ المَتبُوعِ، ويَجِدُ الدِّينُ الحَقُّ نَتِيجةَ هذا الِالتِحاقِ قُوّةً عُظمَى، إذ ف بالمُقتِ الَّذي كان الإِسلامُ والنَّصْرانيّةُ فيه مُنفَرِدَينِ یی كُلٌّ على حِدةٍ یی غَيرَ قادِرَينِ على صَدِّ تَيّارِ الإِلحادِ يكُونانِ بفَضلِ الِاتِّحادِ بَينَهُما على استِعْدادٍ لِتَدمِيرِ تَيّارِ الإِلحادِ تَدمِيرًا كامِلكُما تي هذه الأَثناءِ يَتَولَّى شَخصُ عِيسَى عَليهِ السَّلام المَوجُودُ بجِسْمِه البَشَرِيِّ في عالَمِ السَّماواتِ قِيادةَ تَيّارَ الدِّينِ الحَقِّ. أَخ (ص) عبهذا مُخبِرٌ صادِقٌ استِنادًا إلى وَعدٍ مِن لَدُنْ قَدِيرٍ على كُلِّ شَيءٍ، وإذ هُو قد أَخبَرَ، فالأَمرُ حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وإذ وَعَد به القَدِيرُ على كُلِّ شَيءٍ، فلا شَكَّ أنَّه سيُنجِزُه.
نعم، إنَّ الَّذي يُرسِلُ المَلَّبِيّ تَتْرَى مِنَ السَّماواتِ إلى الأَرضِ ويَجعَلُهُم أَحيانًا في صُورةِ إِنسانٍ (كما جَعَل سَيِّدَنا جِبْرِيلَ عَليهِ السَّلام في صُورةِ الصَّحابِيِّ دِحْيةَ الكَلبِيِّ)، ويُرسِلُ الرُّوحانِيِّينَ مِن عالَمِ الأَرواحِ، ويَجعَلُهُم له عَِّلُونَ في صُوَرٍ بَشَرِيّةٍ، بل يُرسِلُ حتَّى أَرواحَ كَثِيرٍ مِنَ الأَولِياءِ المُتَوفَّينَ في أَجسادِهِمُ المِثالِيّةِ إلى الدُّنيا.. لا يُستَبعَدُ مِن حِكْمةِ هذا الحَكِيمِ ذِي الجَلالُمّةٌ يُرسِلَ عِيسَى عَليهِ السَّلام المَوجُودَ حَيًّا بجَسَدِه في سَماءِ الدُّنيا إلى الدُّنيا، بل حتَّى لو كانَ ذاهِبًا إلى أَقصَى نَواحِي عالَمِ الآخِرةِ وكان مَيِّتًا حَقًّا فإنَّه سُبحانَه قادِوَظِيفَقتَضِي حِكْمَتُه أن يُلبِسَه جَسَدًا مِن جَدِيدٍ، ويُرسِلَه إلى الدُّنيا لِأَجلِ هذه النَّتِيجةِ الجَلِيلةِ العَظِيمةِ، ولِيَكُونَ مِسكَ الخِتامِ والنَّهايةَ الجَلِيلةَ لِلدِّينِ الَّذي أَتَى به عِيسَى عَليهِ السَّلام؛ وقد وَعَدَ بهرَّسُوحانَه وتَعالَى لِاقتِضاءِ حِكْمَتِه الجَلِيلةِ، وإذ قد وَعَد فإنَّه سيُرسِلُه حَتْمًا، ولا يَلزَمُ أن يَعرِفَ كُلُّ أَحَدٍ أنَّه عِيسَى عَليهِ السَّلام بذاتِه أَثنُعْجِززُولِه إلى الدُّنيا، وإنَّما يَعرِفُه خَواصُّه والمُقَرَّبُونَ مِنه بنُورِ الإِيمانِ، إذ لا يَعرِفُه النّاسُ كُلُّهُم بدَرَجةِ البَداهةِ.
— 77 —
سُؤالٌ:لقد جاءَ في الرِّواياتِ: أنَّ لِلدَّجّالِ جَنّةً كاذِبةً يُلقِي فوالأَصتباعَه، وله جَهَنَّمٌ كاذِبةٌ يُلقِي فيها مَن لا يَتَّبِعُه، حتَّى إنَّه جَعَل أَحَدَ أُذُنَي دابَّتِه كالجَنّةِ والأُخرَى كجَهَنَّمَ، وله جِسمٌ عَظِيمٌ طُولُه كذا وكذا.. وغَيرُها مِنَ الأَوْصافِ الَّتي يُعرَفُ بها.فالسُّؤالُ: ما المُرادُ مَرَّ إ الرِّواياتِ؟
الجَوابُ:إنَّ الشَّخصَ الظّاهِرِيَّ لِلدَّجّالِ هو كالإِنسانِ، فهُو إِنسانٌ دَسّاسٌ، شَيطانٌ أَحمَقُ مَغرُورٌ، تَفَرْعَنَ وطَغَى ونَسِيَ اللهَ تَعالَى حتَّى أَطلَقَ على حاكِمِيَّتِه الصُّوريّةِ الَق الدةِ اسمَ الأُلُوهِيّةِ.
أمّا شَخْصُه المَعنَوِيُّ الَّذي هو تَيّارُ الإِلحادِ الطّاغِي فهُو شَخصٌ جَسِيمٌ جِدًّا، وما وَرَد مِن رِواياتٍ في أَوْصافِه الدّالّةِ على الضَّخامةِ يُشِيرُ إلى ذلك الشَّخصِ المَعنَوِيِّ؛ كما شَبِعَُ في وَقتٍ مّا القائِدُ العامُّ لِلقُوّاتِ اليابانيّةِ تَصوِيرَ إِنسانٍ واضِعٍ إِحدَى قَدَمَيه في البَحرِ المُحِيطِ الهادِي والأُخرَى في قَلعةِ (بُورْت آرْثَر) الَّتي تَبعُدُ ِدُون أُولَى مَسافةَ عَشَرةِ أَيّامٍ.. فهذا التَّصوِيرُ لِذَلِك القائِدِ الصَّغِيرِ أَظهَ&iNومَثَّل الشَّخصَ المَعنَوِيَّ العَظِيمَ لِجَيشِه.
أمّا الجَنّةيّةِ، ذِبةُ لِلدَّجّالِ، فهِي مَلاهِي الحَضارةِ وزَخارِفُها الفاتِنةُ.
أمّا دابَّتُه فهِي واسِطةُ نَقلٍ شَبِيهةٌ بالقِطارِ، في رَأْسِه مَوقِدُ النّارِ يُلأُمُويها أَحيانًا مَن لا يَتَّبِعُه؛ والأُذُنُ الأُخرَى لِتِلك الدّابّةِ یی أي: رَأسُها الآخَرُ یی مَفرُوشٌ بفُرُشٍ وَثِيرةٍ كالجَنّةِ أَعَدَّها لِجُلُوسِ أَتباعِه.
عامّةًِّا أنَّ القِطارَ دابّةٌ مُهِمّةٌ لِلحَضارةِ السَّفِيهةِ الظّالِمةِ، إذ يَأْتِي بجَنّةٍ كاذِبةٍ لِأَهلِ السَّفاهةِ والدُّنيا، إلّا أنَّه بِيَدِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ يكُونُ كزَبانِيةِ جَهَنَّمَ يَأْتي بالهَلاكِ والأَسْرِ والذُّلِّ لِأَلفَضْلدِّينِ والإِسلامِ المَساكِينِ.
وعلى الرَّغمِ مِن نَشرِ الدِّينِ الحَقِيقيِّ الَّذي أَتَى به عِيسَى عَليهِ السَّلام نُورَه على الأَكثَرِيّةِ المُطلَقةِ مِنَ المَرَّ، وذلك بظُهُورِه وانقِلابِه إلى الإِسلامِ، إلّا أنَّه عِندَ قُربِ قِيامِ السّاعةِ
— 78 —
يَبْرُزُ تَيّارُ إِلحادٍ مَرّةً أُخرَى ويَتَغلَّبُ، فلا يَبقَى على وَجْهِ الأَرضِ یی بالأَكثَرِيّةِ العُظمَى یی مَن يقُولُ: الله.. الله.. ثُ إنّ تَتَولَّى جَماعةٌ مُهِمّةٌ لها شَأنُها مَوقِعًا مُهِمًّا على الكُرةِ الأَرضِيّةِ..
ولا يَعنِي الحَدِيثُ أنَّه لا يَبقَى أَهلُ الحَقِّ والدّاعُونَ له على وَجهِ الأَرضِ، بل سيَبقَى أَهلُ الحَقِّ ثِ وإنن يَظَلُّونَ في الأَقَلِّيّةِ إِزاءَ الإِلحادِ أو يُغلَبُونَ على أَمرِهِم، سيَبقَوْنَ إلى يَومِ القِيامةِ، إلّا أنَّه في أَثناءِ قِيامِها تُقبَضُ أَرْواحُ أَهلِ الإِيمانِ أَوَّلًا رَحْمةً مِنه سُبحانه بهم لِئَلّا يَرَوْا أَهوالَ القِيامةِ، ون لا ي القِيامةُ على رُؤُوسِ الكُفّارِ.
فَحْوَى سُؤالِكُمُ الخامِسِ:هل تَتَأثَّرُ الأَرْواحُ الباقِيةُ بأَهوالِ القِيامةِ؟
الجَوابُ:نعم، تَتَأثَّرُ حَسَبَ دَرَجابلا إِكما تَتَأثَّرُ المَلائِكةُ تَأَثُّرًا خاصًّا بهم بالتَّجَلِّياتِ القَهْرِيّةِ، إذ كما لوِ اطَّلَع مَن كان في مَكانٍ دافِئٍ على أُناسٍ يَرتَجِفُونَ في الثُّلُوجِ يَتَأثَّرُ ويَتَألَّمُ لِحالِهِم لِما يَحمِلُ مِن عَقلٍ ووِجْدانٍ، كَذلِك الأَشهَدُ الباقِيةُ الَّتي لها شُعُورٌ ذاتُ عَلاقةٍ معَ الكَونِ، تَتَأثَّرُ بالحَوادِثِ العَظِيمةِ الَّتي تَجرِي فيه، كُلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه، والإشاراتُ القُرآنيّةُ تُبيِّنُ تَأثُّرَ الأَرواحِ بأَلَمٍ إن كانَت مِن أن الالعَذابِ، وإنْ كانَت مِن أَهلِ السَّعادةِ فإنَّها تَتَأثَّرُ بالِاستِحسانِ والإِعجابِ، بل بِنَوعٍ مِنَ الِاستِبشارِ.. ولَمّا كان القُرآنُ الحَكِيمُ يَذكُرُ عَجائِبَ أَهوالِ القِيامةِ في أُسلُوبِ تَهدِيد رَوَورٍ قائِلًا: لَتَرَوُنَّهَا بَينَما الَّذين سيَرَوْنَ تلك الأَهوالَ بأَجسامِهِمُ الإِنسانيّةِ همُ الَّذين يَبلُغُونَ قِيامَ السّاعةِ مِنَ النّاسِ، إذًا الأَرواحُ الَّتَ. وفيَت أَجسادُها في القُبُورِ لها نَصِيبُها مِن هذا التَّهدِيدِ القُرآنِيِّ أَيضًا.
فَحْوَى سُؤالِكُمُ السَّادِسِ:أَتَشمَلُ هذه الآيةُ الكَرِيمةُ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُه المُرةَ والجَنّةَ وجَهَنَّمَ وأَهلِيها، أم لا؟
الجَوابُ:لقد صارَت هذه المَسأَلةُ مَوضِعَ بَحثِ كَثِيرٍ جدًّا مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ وأَصحابِ الكَشْفِ والأَولِ أنْ الصَّالِحِينَ، فالقَولُ قَولُهُم في هذه المَسأَلةِ فَضْلًا عن أنَّ
— 79 —
لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ سَعةً عَظِيمة جِدًّا معَ تَضَمُّنِها لِمَراتِبَ كَثِيرةٍ جِدًّا؛ فقد ا القِلقِسمُ الأَعظَمُ مِنَ المُحَقِّقِينَ: لا تَشمَلُ هذه الآيةُ عالَمَ البَقاءِ. في حِينِ قالَ آخَرُونَ: إنَّ تلك العَوالِمَ تَتَعرَّضُ أَيضًا لِنَوعٍ مِنَ الهَلاكِ ه الحََنٍ قَصِيرٍ جِدًّا بحَيثُ يُعَدُّ آنًا، وهُو زَمانٌ قَصِيرٌ إلى دَرَجةٍ لا يُشعَرُ بذَهابِها إلى الفَناءِ والعَوْدةِ مِنه.
أمّا ما يَحكُمُ به بَعِينَ محابِ الكَشفِ المُفرِطِينَ في أَفكارِهِم مِن حُدُوثِ الفَناءِ المُطلَقِ، فلَيسَ حَقِيقةً ولا صَوابًا، لِأنَّ ذاتَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى دائِمِيّةٌ وسَرمَدِيّةٌ، فلا بُدَّ أنَّ مْ يُوه وأَسماءَه أَيضًا دائِمِيّةً وسَرمَدِيّةً.. ولَمّا كانَت صِفاتُه وأَسماؤُه دائِمِيّةً فلا بُدَّ أنَّ أَهلَ البَقاءِ والباقِياتِ المَوجُودةَ في عالَمِ البَقاءِ، الَّتي هي مَراياها وجَلَواتُها ونُقُوشُها ومَظاهِرُها، لا تَذهَب فلا مَّرُورةِ إلى الفَناءِ المُطلَقِ قَطْعًا.
وحالِيًّا وَرَدَت نُقطَتانِ مِن فَيضِ القُرآنِ الحَكِيمِ إلى البالِ نَكتُبُهما إِجمالًا:
أُولاهُما:إِنَّ قُدْرةَ اللهِ جَلَّ وعَلا لا حُدُودَ لها، حتَّى إنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ الْأَسبةِ إلى قُدْرَتِه وإِرادَتِه تَعالَى كمَنزِلَينِ، يُرسِلُ إلَيْهِما الأَشياءَ ويَجلُبُها مِنهُما بكُلِّ يُسرٍ وسُهُولةٍ، فإن شاءَ يَجلُبُها في يَومٍ واحِدٍ أو في آنٍ واحِدٍ.
ثمَّ إنَّ العَدَمَ المُطلَقَ لا وُجُودَ له أَصْلًا لِوُجُودِ العِطَ لهلمُحِيطِ، عِلْمًا أنَّه لا شَيءَ خارِجَ دائِرةِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، كي يُلقَى إلَيْه شَيءٌ. والعَدَمُ المَوجُودُ ضِمنَ دائِرةِ العِلمِ هو عَدَمٌ خارِجِيٌّ، وعُنوانٌ صارَ سِتارًا على الوُجُودِ العِلْمِيِّ، حتَّ الدَّ ببَعضِ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ التَّعبِيرُ عن هذه المَوجُوداتِ العِلْمِيّةِ أنَّها "أَعيانٌ ثابِتةٌ"، لِذا فالذَّهابُ إلى الفَناءِ إنَّما هو نَزعُ الأَشياءِ لِأَلبِسَتِها الخارِجِيّةِ مُؤَقَّتًا، ودُخُولُها في وُجُودٍ مَعنَوِيٍّ وعِلْمِيٍّ،خَلقِ نَّ الهالِكاتِ والفانِياتِ تَترُكُ الوُجُودَ الخارِجِيَّ وتَلبَسُ ماهِيّاتُها وُجُودًا مَعنَوِيًّا، وتَخرُجُ مِن دائِرةِ القُدْرةِ داخِلةً في دائِرةِ اقائي و.
النُّقطةُ الثّانيةُ:لقد أَوْضَحْنا في كَثِيرٍ مِنَ "الكَلِماتِ": أنَّ كُلَّ شَيءٍ فانٍ بمَعناه الِاسمِيِّ، وبالوَجهِ النّاظِرِ إلى ذاتِه، فلَيسَ له وُجُودٌ مُستَقِلٌّ ثابِتٌ بذاتِه، ولَيسَت له حَقِيقةٌ قائِمةٌ بذاتِها وَحْدَها؛ ولكِنَّاهُم ميءَ في الوَجهِ النّاظِرِ إلى اللهِ سُبحانَه یی أي: إذا
— 80 —
صارَ بالمَعنَى الحَرفِيِّ یی فلَيسَ فانِيًا، لِأنَّ فيه جَلَواتٍ ظاهِرةً لِأَسماءٍ باقِيًا ويُ يكُونُ مَعدُومًا، لِأنَّه يَحمِلُ ظِلًّا لِوُجُودٍ سَرمَدِيٍّ، وله حَقِيقةٌ ثابِتةٌ وهي حَقِيقةٌ سامِيةٌ لِأنَّها ظِلٌّ ثابِتٌ لِاسمٍ باقٍ تَجَلَّى فيه.
ثمَّ إنَّ قَولَه تَعالَى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّاِ المَُهُ سَيفٌ لِيَقطَعَ يَدَ الإِنسانِ عَمّا سِوَى اللهِ تَعالَى، حَيثُ إنَّ الآيةَ تَقطَعُ العَلائِقَ معَ الأَشياءِ الفانِيةِ، في دُنيا فانِيةٍ، في غَيرِ سَبِيلِ اللهِ.. فحُكْمُ الآيةِ الكَ مِنَ إذًا يَنظُرُ إلى الفانِياتِ في الدُّنيا، بمَعنَى أنَّ الشَّيءَ إنْ كانَ في سَبِيلِ اللهِ، أي: إن كانَ بالمَعنَى الحَرفِيِّ، أي: إن كانَ لِوَجهِ اللهِ، فلا يَدخُلُ ضِمنَ ما سِواه تَعالَى، أي: لا يُضرَبُ عُنُقُه بسَيفِ الآيةِ ااءِ بلمةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.
حاصِلُ الكَلامِ:إذا كانَ الأَمرُ للهِ، ووَجَدَ اللهَ، فلا غَيرَ إِذًا، حتَّى يُقطَعَ رََ إِلّولكِن إنْ لم يَجِدِ اللهَ، ولم يَنظُر في سَبِيلِ اللهِ فكُلُّ شَيءٍ غَيرٌ.. فعَلَيْه أن يَسُلَّ سَيفَ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، ويُمَزِّقَ الحِجابَ حتَّى يَجِدَه سُبحانَه وتَعالَى.
ال الآخِو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 81 —
المكتوب السادس عشر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَيانِ وَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
لقد نالَ هذا المَكتُوبُ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فلم يُكتَبْ بِلَهْجةٍ شَدِيدةٍ.
وهُو جَوابٌ عن سُؤالٍ ي دَرَجه الكَثِيرُونَ صَراحةً أو ضِمْنًا.
"إِنَّني لا أَرغَبُ قَطُّ في أَنْ أُسَجِّلَ هذه الإِجابةَ، ولا أَرتاحَ إلَيْها، فلَقَد فَوَّضتُ أَمرِي كُلَّه إلى المَوْلَى القَدِيرِ، وتَوَكَّلتُ علَيْه وَحْدَه، ولكِنِّي لا أُترَكُ وشَأْني لِلأُخرَ الرَّاحةَ في عالَمِي، فيَلفِتُونَ نَظَرِي إلى الدُّنيا، لِذا أَقُولُ مُضْطَرًّا لا بلِسانِ "سَعِيدٍ الجَدِيدٍ" بل بلِسانِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ"؛ ولا أَقُولُ إِنقاذًا لِشَخْصِي بالذَّاتِ، بل إِنقاذًا لِأَصدِقاهِ الجلكَلِماتِ" مِن شُبُهاتٍ يَنثُرُها أَهلُ الدُّنيا ومِن أَذاهُم.. فأَذكُرُ واقِعَ حالِي على حَقِيقَتِه إلى أَصدِقائِي وإلى أَهلِ الدُّنيا وإلى المَسؤُولِينَ في الحُكْمِ، وذلك في خَمسِ نِقاطٍ".
النُّقطة الأُولى:
قِرَبَّهِمَ انسَحَبتَ مِن مَيدانِ السِّياسةِ ولا تَتَقرَّبُ إلَيْها قَطُّ؟
الجَوابُ:لقد خاضَ "سَعِيدٌ القَدِيمُ" غِمارَ السِّياسةِ ما يُقارِبُ العَشرَ سَنَواتٍ عَلَّه يَخدُمُ الدِّينَ والعِلمَ عن طَرِيقِها، فذَهَبَتْ مُحاوَلَتُه أَدْراج غَلِيِياحِ، إذ رَأَى أنَّ تلك
— 82 —
الطَّرِيقَ ذاتُ مَشاكِلَ، ومَشكُوكٌ فيها، وأنَّ التَّدَخُّلَ فيها فُضُولٌ یی بالنِّسبةِ إِلَيَّ یی فهِي تَحُولُ بَينِي وبَينَ القِيامِ بأَهَمِّ واجِبٍ، وهي ذاتُ خُطُورةٍ؛ وأنَّ أَغلَبَها خِداعٌ وأً، بحيبُ؛ وهُنالِك احتِمالٌ أن يكُونَ الشَّخصُ آلةً بِيَدِ الأَجنَبِيِّ دُونَ أن يَشعُرَ.
وكذا فالَّذي يَخُوضُ غِمارَ السِّياسةِ إمّا أن يكُونَ مُوافِقًا لِسِياسةِ الحُكُومةِ أو مُعارِضًا للقَمَإن كُنتُ مُوافِقًا فالتَّدَخُّلُ فيها بالنِّسبةِ إِلَيَّ فُضُولٌ ولا يَعنِينِي بشَيءٍ، حَيثُ إنَّني لَستُ مُوَظَّفًا في الدَّوْلةِ ولا نائِبًا في بَرْلَمانِها، فلا مَعنَى عِنِي بصا لِمُمارَسَتِي الأُمُورَ السِّياسِيّةَ، وهُم لَيسُوا بحاجةٍ إِلَيَّ لِأَتدَخَّلَ فيها.. وإذا دَخَلتُ ضِمنَ المُعارَضةِ أوِ السِّياسةِ المُخالِفةِ لِلدَّوْلةِ، فلا بُدَّ أن أَتَدخَّلَ إمّا لعَمَلِيقِ الفِكرِ أو عن طَرِيقِ القُوّةِ، فإن كان التَّدخُّلُ فِكْرِيًّا فلَيسَ هُناك حاجةٌ إِلَيَّ أَيضًا، لِأنَّ الأُمُورَ واضِحةٌ جِدًّا، والجَمِيعُ يَعرِفُونَ المَسائِلَ مِثلِي، فلا داعِيَ إلِيعةِ،َرثَرةِ؛ وإن كان التَّدخُّلُ بالقُوّةِ، أي: بأن أُظهِرَ المُعارَضةَ بإِحداثِ المَشاكِلِ لِأَجلِ الوُصُولِ إلى هَدَفٍ مَشكُوكٍ فيه، فثَمّةَ احتِمالُ الوام ومَ في آلافٍ مِنَ الآثامِ والأَوْزارِ، حَيثُ يُبتَلَى الكَثِيرُونَ بجَرِيرةِ شَخصٍ واحِدٍ.. فلا يَرضَى وِجْدانِي الوُلُوجَ في الآثامِ وإِلقاءَ الأَبرِياءِ فيه على اءً على احتِمالٍ أوِ احتِمالَينِ مِن بَينِ عَشَرةِ احتِمالاتٍ.. لِأَجلِ هذا فقد تَرَك "سَعِيدٌ القَدِيمُ" السِّياسةَ ومَجالِسَها الدُّنيَوِيّةَ وقِراءةَ الجَراِ، وكاعَ تَركِه السِّيجارةَ.
والشَّاهِدُ الصّادِقُ القاطِعُ على هذا: أَنَّني مُنذُ ثَماني سَنَواتٍ لم أَقْرَأْ جَرِيدةً واحِدةً ولم أَستَمِعْ إلَيْها مِن أَحصَرُواطُّ، فلْيَبْرُزْ أَحَدُهُم ويَدَّعِي أنَّني قد قَرَأتُ أوِ استَمَعتُ إلى جَرِيدةٍ مِن أَحَدٍ، بَينَما كان "سَعِيدٌ القَدِيمُ" يَقرَأُ حَوالَيه
بِني جَرائِدَ يَوْمِيًّا قَبلَ ثَماني سَنَواتٍ.
ثمَّ إنَّه مُنذُ خَمسِ سَنَواتٍ تُراقَبُ أَحوالي بدَقائِقِها.. فليَدَّع أَحَدٌ أنَّه قد بَدَر مِنِّي ما يُشَمُّ مِنه شَيءٌ مِنَ السِّياسةِ؛ عِلْمًا أنَّ تي:
ا ذا أَعصابٍ مُتَوفِّزةٍ مِثلِي، ولا عَلاقةَ له معَ أَحَدٍ، ويَجِدُ أَعظَمَ الحِيَلِ في تَركِ الحِيلةِ حَسَبَ القاعِدةِ: "إِنَّما الحِيلةُ في تَركِ الحِيَلِ"، فمَنْ كانَ حالُه هكذا لا يُمكِنُ أن يَستُرَ فِكرَه ثَمانِيةَ أَيّامٍ، ولَيسَ ثَمانِيْن بَعوامٍ،
— 83 —
إذ لو كانَت له رَغْبةٌ ولَهْفةٌ في السِّياسةِ لَكانَت تُدَوِّي دَوِيَّ المَدافِعِ، ولا تَدَعُ حاجةً إلى تَحَرِّياتٍ أو تَدقِيقاتٍ.
النُّقطة الثانية:
لِمَ يَتَجنَّبُ "سَعِيدٌ ِ أنَّيدُ" السِّياسةَ تَجَنُّیبًا شَدِيدًا وإلى هذا الحَدِّ؟
الجَوابُ:لِئَلّا يُضَحِّيَ بسَعْيِه وفَوْزِه لِأَكثَرَ مِن مِلياراتٍ مِنَ السِّنِينَ لِحَياةٍ خالِدةٍ، مِن جَرّاءِ تَدَخُّلٍ فُضُوليٍّ لا يَستَغرِقُ سَنةً أو سَنَتَينِ الشَّيياةٍ دُنيَوِيّةٍ مَشكُوكٍ فيها.. ثمَّ إنَّه يَفِرُّ فِرارًا شَدِيدًا مِنَ السِّياسةِ، خِدْمةً لِلقُرآنِ والإِيمانِ والَّتي هي أَجَلُّ خِدْمةٍ وأَلزَمُها وأَخلَصُها وأَحَقّ الرّاِأنَّه يقُولُ:
إنَّني أَتقَدَّمُ في الشَّيبِ، ولا عِلمَ لي كم سأَعِيشُ بَعدَ هذا العُمُرِ، لِذا فالأَوْلَى لي العَمَلُ لِحَياةٍ أَبَدِيّةٍ، وهذا هو الأَلزَمُ.. وحَيثُ إنَّ الإِيمانَ وَسِيلةُ الفَوزِ بالحَياةِ الأَبَدِيّةِ ومِفتاحُ السَّ آثارِالخالِدةِ، فيَنبَغِي إِذًا السَّعيُ لِأَجلِه؛ بَيدَ أَنِّي عالِمٌ دِينِيٌّ، مُكَلَّفٌ شَرعًا بإِفادةِ النّاسِ، لِذا أُرِيدُ أن أَخدُمَهُم مِن هذه النّاحِيةِ أَيضًا. إلّا أنَّ هذه الخِدْمةَ تَعمُومةٌالنَّفعِ إمّا إلى الحَياةِ الأُخروِيّة والإِيمانيّةِ، وإمّا إلى الحَياةِ الدُّنيَوِيّةِ والِاجتِماعِيّةِ، وهذا ما لا أَقدِرُ علَيْه، فَضلًا عن أنَّه يَتَسلامِ، القِيامُ بعَمَلٍ سَلِيمٍ صَحِيحٍ في زَمَنٍ عاصِفٍ؛ لِذا تَخَلَّيتُ عن هذه الجِهةِ وفَضَّلتُ علَيْها العَمَلَ في خِدْمةِ الإِيمانِ الَّتي هي أَهَمُّ خِدْمةٍ وأَلزَمُها وأَسلَمُها.. وقدَت كذلتُ البابَ مَفتُوحًا لِيَصِلَ إلى الآخَرِينَ ما كَسَبتُه لِنَفسِي مِن حَقائِقِ الإِيمانِ وما جَرَّبتُه في نَفسِي مِن أَدْوِيةٍ مَعنَوِيّةٍ، لَعلَّ اللهَ يَقبَلُ هَت مَعِدْمةَ ويَجعَلُها كَفّارةً لِذُنُوبٍ سابِقةٍ.
ولَيسَ لِأَحدٍ سِوَى الشَّيطانِ الرَّجِيمِ أن يَعتَرِضَ على هذه الخِدْمةِ، سَواءٌ كان مُؤمِنًا أو كافِرًا أو صِدِّيقًا أو زِندِيقًا، لِأنَّ عَدَمَ الإِيمانِ لا يُشبِهُه، يُرش، فلَرُبَّما تُوجَدُ لَذّةٌ شَيطانيّةٌ مَنحُوسةٌ في ارتِكابِ الظُّلمِ والفِسقِ والكَبائِرِ، إلّا أنَّ عَدَمَ الإِيمانِ لا لَذّةَ فيه إِطلاقًا، بل هُو أَلَمٌ في أَيَدِه وعَذابٌ في عَذابٍ، وظُلُماتٌ بَعضُها فَوقَ بَعضٍ.
— 84 —
وهكَذا، فإنَّ تَركَ السَّعيِ لِحَياةٍ أَبَدِيّةٍ، وتَرْكَ العَمَلِ لِنُورِ الإِيمانِ المُقَدَّسِ، والدُّخُولَ في أَلاعِيبِ السِّياسةِ الخَطِرةِ وغَيرِ الا به سرِيّةِ، في زَمَنِ الشَّيخُوخةِ، إنَّما هو مُخالَفةٌ لِلعَقلِ ومُجانَبةٌ لِلحِكْمةِ لِشَخصٍ مِثلِي لا صِلةَ له معَ أَحَدٍ، ويَعِيشُ مُنفَرِدًا، ومُضطَرٌّ إلى التَّحَرِّي عن كَفَّاراتٍ لِذُنُوبِه السَّابِقةِ.. بل يُعَدُّ ذلك جُنُونًونِك"،اهةً، بل حتَّى البُلَهاءُ يَفهَمُونَ ذلك.
أمَّا إن قُلتَ:كَيفَ تَمنَعُك خِدْمةُ القُرآنِ والإِيمانِ عنِ السِّياسةِ؟
فأَقُولُ:إنَّ الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ والقُرآنيّةَ ثَمِينةٌ غالِثُ إنَّلاءِ جَواهِرِ الأَلماسِ، فلَوِ انشَغَلتُ بالسِّياسةِ، لَخَطَر بفِكْرِ العَوامِّ: أَيُرِيدُ هذا أن يَجعَلَنا مُنحازِينَ إلى جِهةٍ سِياسِيّةٍ؟ ألَيسَ الَّذي يَدعُو إلَيْه دِعايةً سِياقُوَّة لِجَلْبِ الأَتْباعِ؟ بمَعنَى أنَّهُم يَنظُرُونَ إلى تلك الجَواهِرِ النَّفِيسةِ أنَّها قِطَعٌ زُجاجِيّةٌ تافِهةٌ، وحِينَها أَكُونُ قد ظَلَمتُ تلك الحَقائِقَ النَّفِيسةَ، وبَخَستُ قِيمَتَها الثَّمِينةَ، بتَدَخُّلي في السِّياسةِ.
فيا ألسَّلالدُّنيا، لِمَ لا تَدَعُوني وشَأْني، وتُضايِقُونَني بطُرُقٍ شَتَّى؟
وإن قُلتُم:يَتَدخَّلُ شُيُوخُ الصُّوفيّةِ أَحيانًا في أُمُورِنا، والَ وهُميُطلِقُونَ علَيْك في بَعضِ الأَحيانِ اسمَ الشَّيخِ!
أَقُولُ:أيُّها السّادةُ، إِنَّني لَستُ شَيخًا صُوفِيًّا، وإنَّما أنا عالِمٌ دِينيٌّ؛ والدَّليلُ على هذا أَنظٍ، ولو كُنتُ قد عَلَّمتُ أَحَدًا مِنَ النّاسِ الطَّرِيقةَ الصُّوفيّةَ طَوالَ هذه السَّنَواتِ الأَربَعِ الَّتي قَضَيتُها هُنا، لَكانَ لَكُمُ الحَقُّ في الِارتِيابِ والوُقُوعِ في جُوبًاُوكِ، ولكِنِّي لم أَقُل لِمَن أَتاني إلّا أنَّ الزَّمانَ لَيسَ زَمانَ الطَّرِيقةِ، الإِيمانُ ضَرُورِيٌّ، والإِسلامُ ضَرُورِيٌّ.
وإن قُلتُم:يُطلِقُونَ علَيْك اسمَ "سَعِيدٍ الكُردِيِّ"، فلَرُبَّم غَيرَِلُ فِكرَ العُنصُرِيّةِ والدَّعوةِ إلَيْها؛ وهذا ما لا يَتَّفِقُ وشَأْنَنا ولا طائِلَ لنا به.
وأَنا أَقُولُ:أيُّها السّادةُ، إنَّ ما كَتَبه "سَعِيدٌ القَدِيمُ" و"سَعِيدٌ الجَدِيدُ" في مُتَناوَلِ الستاذِهأُبيِّنُه شاهِدًا، ولَقَد نَظَرتُ یی مُنذُ السّابِقِ یی إلى القَومِيّةِ السَّلبِيّةِ والدَّعوةِ إلى العُنصُرِيّةِ
— 85 —
نَظْرةَ السُّمِّ القاتِلِ، لِأنَّها مَرَضٌ أَورُوبِّيٌّ خَبِيثٌ سارٍ، وُحمَّدسَبَ الأَمرِ النَّبوِيِّ الجازِمِ بأَنَّ الإِسلامَ يَجُبُّ العَصَبِيّةَ الجاهِلِيّةَ.ولَقَد أَلْقَتْ أَورُوبّا بذلك المَرَضِ الوَبِيلِ بَينَ المُسلِمِينَ لِيُمَزِّقَهُم وِن بَيِقَهُم شَذَرَ مَذَرَ لِيَسهُلَ علَيْها ابتِلاعُهُم قِطَعًا مُتَناثِرةً.. ولَقَد بَذَلتُ ما وَسِعَنِي الجُهدُ لِعِلاجِ هذا الدّاءِ الخَبِيثِ، ويَشهَدُ طُلّابي ومَن له ع الأَو مَعِي بذَلِك.
ولَمَّا كانَ الأَمرُ هكَذا، فيا أَيُّها السّادةُ، ما الدَّاعِي وَراءَ التَّشَبُّثِ بكُلِّ حادِثةٍ لِإِيذائِي والتَّضيِيقِ عَلَيَّ؟ والَّذي هو مِن قَبِيلِ إِدانةِ جُندِيٍّ في الغَربِ لِخَطَأٍ ارْتَكَبَه جُندِيٌّ في الشّمِنَ الِكَونِهِما جُندِيَّينِ؛ أو أَخْذِ حانُوتِيٍّ في بَغدادَ، لِأنَّه حانُوتِيٌّ، بجَرِيرةِ حانُوتِيٍّ في إِستانبُولَ! فهَذا هو شَأْنُكُم في كُلِّ حادِثةٍ دُنيَوِيّةٍ تَتَّخِذُونَها وَسِيلا فِعلتَّضيِيقِ عَلَيَّ. أَيُّ وِجْدانٍ يَحكُمُ بهذا؟ وأَيّةُ مَصلَحةٍ تَقتَضِيه؟!
النُّقطة الثالثة:
إنَّ أَصدِقائي وأَحبابي الَّذين يُلاحِظُونَ راحَتِي وأَحْوالي، يَستَغرذ لَمّ مِن إِيثارِي الصَّمْتَ وتَجَمُّلِي بالصَّبْرِ تِجاهَ كلِّ مُصِيبةٍ تَنزِلُ بي، فيَتَساءَلُونَ: كَيفَ تَتَحمَّلُ الضِّيقَ والمَشاقَّ الَّتي تَنزِلُ بك؟ فلَقَد كُنتَ مِن قَبلُ شَدِيدَ الغحَقائق لا تَرضَى أن يَمَسَّ أَحَدٌ عِزَّتَك! وكُنتَ لا تَتَحمَّلُ أَدنَى إِهانةٍ؟!
الجَوابُ:استَمِعُوا إلى هاتَينِ الحادِثَتَينِ والحِكايَتَينِ، وخُذُوا الجَوابَ مِنهُما:
الحِكايةُ الأُولَى: لَها.بلَ سَنَتَينِ ذَكَر مُدِيرٌ مَسؤُولٌ في غِيابِي كَلِماتٍ مُلَفَّقةً فيها إِهانةٌ وتَحقِيرٌ لي دُونَ سَبَبٍ ومُبَیرِّرٍ، ونُقِلَ الكَلامُ إِلَيَّ، تَأَلَّمتُ ما يَقرُبُ مِن ساعةٍ بأَحاسِيسِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ"، ثمَّ وَرَدَتِّياتِمَتِه سُبحانَه وتَعالَى إلى القَلبِ حَقِيقةٌ أَزالَت ذلك الضِّيقَ، ودَفَعَتْني لِأَصفَحَ عن ذلك الشَّخصِ.. والحَقِيقةُ هي:
قُلتُ لِنَفسِي: إن كانَ تَحقِيرُه وما أَوْرَدَه مِن نَقائِصَ تَخُصُّ شَخصِي ونَفسِي بالذّاتِ، فلْيَرْضَ اللهُ ِ لِكَ أَطلَعَني على عُيُوبِ نَفسِي؛ فإن كانَ صادِقًا فسَوفَ يَسُوقُنِي
— 86 —
اعتِراضُه إلى تَربِيةِ نَفسِي الأَمّارةِ وتَأْدِيبِها، ويُعاوِنُني أيضًا في النَّجاةِ مِنَ الغُرُورِ؛ وإنْ كانَ كاذِبًا، فهُو عَوْنٌ لي أَيضًا لِلخَلاصَلِقَ، الرِّياءِ، ومِنَ الشُّهْرةِ الكاذِبةِ الَّتي هي أَساسُ الرِّياءِ.. نعم، إِنَّني لم أُصالِحْ نَفسِي قَطُّ، لِأنَّني لم أُرَبِّها، فإن نَبَّهِعَدَدحَدٌ على وُجُودِ عَقْرَبٍ في أيِّ جُزءٍ مِن جِسمِي، عَلَيَّ أن أَرضَى عنه، لا أن أَمتَعِضَ مِنه.
أمّا إن كانَت إِهاناتُه تَعُودُ لِصِفةِ كَوعن جَمدِمًا لِلإِيمانِ والقُرآنِ، فتِلك لا تَعُودُ لي، فأُحِيلُ ذلك الشَّخصَ إلى صاحِبِ القُرآنِ الَّذي استَخدَمَني في هذه المُهِمّةِ، فهُو عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وإن كان كَلامُه لِأَجلِ تَحقِيرِي عِلْمنةِ شَخصِي بالذّاتِ والحَطِّ مِن شَأْني، فهَذا أَيضًا لا يَخُصُّني، لِأنَّني أَسِيرٌ مُكَبَّلٌ وغَرِيبٌ في هذا البَلَدِ، فالدِّفاعُ عن كَرامَتِي لَيسَ لي فيه نَصِيبٌ، بلُودَ، ُّ مَن يَحكُمُ هذه القَريةَ ثمَّ القَضاءَ ثمَّ المُحافَظةَ الَّتي أنا ضَيفٌ لَدَيهِم، إذ إنَّ إِهانةَ أَسِيرٍ تَعُودُ إلى مالِكِه، فهُو الَّذي يُدافِعُ ُها، ل فاطْمَأَنَّ القَلبُ بهذه الحَقِيقةِ، وتَلَوْتُ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، وأَهمَلْتُ الحادِثةَ واعتَبَرتُها لم تَقه قَلَِسِيتُها.. ولكِن تَبيَّنَ بَعدَئِذٍ یی معَ الأَسَفِ یی أنَّ القُرآنَ لم يَتَجاوَزْ عنه، فعاقَبَه.
الحِكايةُ الثّانيةُ:
طَرَق سَمْعِي في هذه السَّنةِ أنَّ حادِثةً وَقَعَت، ةِ الممِعتُها بَعدَ وُقُوعِها إِجمالًا فحَسْبُ، لكِنِّي لَقِيتُ مُعامَلةً كأَنَّني ذُو عَلاقةٍ قَوِيّةٍ بالحادِثةِ؛ عِلْمًا أنَّني ما كُنتُ أُراسِلُ أَحَدًا، وما كُنتُ أَكتُبُ رِسالةً إلّك الظّرًا إلى صَدِيقٍ وحَوْلَ مَسأَلةٍ إِيمانِيّةٍ، بل حتَّى شَقِيقي لم أَكتُب إلَيْه إلّا رِسالةً واحِدةً خِلالَ أَربَعِ سَنَواتٍ، فكُنتُ أَمنَعُ نَفسِي عن مُخالَطةِ النّاسِ والِاتِّصالِ بهم، فَضْلًا عن أنَّ أَهلَ الديَتَمثكانُوا يَمنَعُونَني عن ذلك، فما كُنتُ أَلقَى إلّا واحِدًا أوِ اثنَينِ مِنَ الأَحبابِ خِلالَ أُسبُوعٍ، مَرّةً أو مَرَّتَينِ.. أمّا الضُّيُوفُ القادِمُونَ إلى لُه أَةِ، وهُم آحادٌ لا يَزِيدُونَ عن واحِدٍ أوِ اثنَينِ فكانُوا يَلقَونَني دَقِيقةً أو دَقِيقتَينِ، خِلالَ شَهرٍ، ولِمَسأَلةٍ أُخرَوِيّةٍ.
— 87 —
كُنتُ على هذه الحالةِ مِنَ الِاغتِرابِ، وقد مُنِعاشَرةٍكُلِّ النّاسِ، عن كُلِّ شَيءٍ، وبَقِيتُ وَحِيدًا غَرِيبًا، لا قَرِيبَ لي، في قَريةٍ لَيسَ فيها ما يُلائِمُ مَكسَبَ نَفَقَتي؛ حتَّى إِنَّني قَبلَ أَربُطِعَتنَواتٍ، رَمَّمتُ مَسجِدًا خَرِبًا وقُمتُ فيه بالإِمامةِ لِأَربَعِ سَنَواتٍ (نَسأَلُ اللهَ القَبُولَ) حَيثُ أَحمِلُ شَهادةَ الإِمامةِ والوَعظِ مِن بَلَدِي، ومعَ هذا لم أَستَطِعِ الذَّهابَ إلى المَسا ثَمَي شَهرِ رَمَضانَ الفائِتِ، فصَلَّيتُ أَحيانًا مُنفَرِدًا وحُرِمتُ مِن ثَوابِ الجَماعةِ البالِغِ خَمْسًا وعِشرِينَ ضِعْفًا.
فتِجاهَ هاتَينِ الحادِثَتَينِ اللَّتَينِ مَرَّتا بي أَظهَرتُ صَبْرًا وتَحَمُّلًا مِثلَما أَظهكُنتَ َبلَ سَنَتَينِ إِزاءَ مُعامَلةِ ذلك المَسؤُولِ.. وسأَستَمِرُّ على هذا الصَّبْرِ والتَّحَمُّلِ بإِذنِ اللهِ تَعالَى.
والَّذي يَدُورُ في خَلَدِي وأُرِيدُ أن أَقُولَه هو أنَّ العَنَتَ الَّ
شُِيقُني إِيّاه أَهلُ الدُّنيا، والأَذَى والتَّضيِيقَ عَلَيَّ مِنهُم، إنْ كانَ تِجاهَ نَفسِي القاصِرةِ المُلَطَّخةِ بالعُيُوبِ فإنِّي أَطلُبُهَنهُم، لَعَلَّ نَفسِي تُصلِحُ مِن شَأْنِها بهذا التَّعذِيبِ فيَكُونَ كَفّارةً لِذُنُوبِها.. فلَئِن قاسَيتُ مِن أَذًى في هذه الدُّنيا المُضِيف بالعِنا شاكِرٌ رَبِّي، إذ قد رَأَيتُ بَهجَتَها ومُتعَتَها.
ولكِن إن كانَ أَهلُ الدُّنيا يُذِيقُونَنِي العَذابَ لِقِيامِي بخِدْمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ، فالدِّفاعُصِّدِّا لَيسَ مِن شَأْني، وإِنَّما أُحِيلُه إلى العَزِيزِ الجَبّارِ.
وإن كانَ المُرادُ مِن ذلك التَّضيِيقِ إِفسادَ تَوَجُّهِ النّاسِ إِلَيَّ والحَيلُولة فيها َ إِقبالِهِم عَلَيَّ، أي: لِلحَدِّ مِنَ الشُّهْرةِ الكاذِبةِ، الَّتي لا أَساسَ لها، بل هي السَّبَبُ في الرِّياءِ وإِفسادِ الإِخلاصِ، فعَلَيهِم إِذًا رَحْمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، لِأنِّي أَعتَقِدُ أنَّ كَسْبَ الشُّهْرةِ وإِقبالَ النّاسِ ضارٌّ لاءِ:
صٍ مِثلِي، والَّذينَ لَهُم صِلةٌ بي يَعرِفُونَ جَيِّدًا أَنَّني لا أَقبَلُ الِاحتِرامَ لِنَفسِي، بل أَنفِرُ مِنه، حتَّى إنَّ صَدِيقًا فاضِلًا عَزِيزًا عَلَيَّ قد نَهَرتُه أَكثَرَ مِن خَمسِينَ مَرّةً لِشِدّةِ احتِرامِه لي.
"؛ واعإن كانَ قَصدُهُم مِنَ التَّهْوِينِ مِن شَأْني وإِسقاطِي مِن أَعيُنِ النّاسِ يَخُصُّ الحَقائِقَ الإِيمانِيّةَ والقُرآنيّةَ الَّتي أَقُومُ بتَبلِيغِها، فعَبَثًا يُحاوِلُونَ، لِأنَّ نُجُومَ لكَوثَنِ لا تُسدَلُ بشَيءٍ، فمَن يُغمِضُ عَيْنَه يَجعَلُ نَهارَه لَيْلًا لا نَهارَ غَيرِه.
— 88 —
النُّقطة الرابعة:
جَوابٌ عن بِضْعةِ أَدِسَ، مُرِيبةٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ المُرِيبُ:يَسأَلُ أَهلُ الدُّنيا ويَقُولُونَ لي: بماذا تَعِيشُ؟ وكَيفَ تُدارُ مَعِيشَتُك دُونَ عَمَلٍ؟ نَحنُ لا نَقبَلُ في بِلادِنا المُتَقاعِدِينَ الكُساً وحُبَّذينَ يَقْتاتُونَ على سَعْيِ الآخَرِينَ وعَمَلِهِم!
الجَوابُ:إِنَّني أَعِيشُ بالِاقتِصادِ والبَرَكةِ.. لا أَقبَلُ مِن غَيرِ رَزّاقي اللهِ مِنّةً مِنالأَئٍِ، وقَرَّرتُ ألّا أَقبَلَها طَوالَ حَياتِي.
نعم، إنَّ الَّذي يَعِيشُ بمِئةِ بارةٍ بل بأَربَعِينَ بارةً، يَأْبَى أن يَدخُلَ تَحتَ مِنّةِ الآخَرِينَ.
إنَّني ما كُنتُ أَرغَبُ مُطلَقًا أن أُوِذًا أ هذه المَسأَلةَ خَشْيةَ الإِشعارِ بالغُرُورِ والأَنانيّةِ، وأَكرَهُ أن أَبُوحَ بها فهِي ثَقِيلةٌ عَلَيَّ، ولكِن لِأنَّ أَهلَ الدُّنيا تَدُورُ الأَوْهامُ والشُّبُهاتُ في نُفُوسِهِما لا ت سُؤالِهِم هذا، فأَقُولُ:
إنَّ دُستُورَ حَياتِي كُلِّها هو عَدَمُ قَبُولِ شَيءٍ مِنَ الآخَرِينَ، فمُنذُ نُعُومةِ أَظفارِي لم أَقبَلْ شَيْئًا مِن أَحَدٍ حتَّى لو كانَ زَكاةَ أَموالِهِم.
ي الوََ إنَّ رَفضِي لِلمُرَتَّبِ الحُكُومِيِّ یی إلّا ما عَيَّنَتْه الدَّوْلةُ لي لِسَنَتَينِ حِينَما كُنتُ في دارِ الحِكْمةِ الإِسلامِيّةِ وبَعدَ إِلحاحِ أَصدِن كانَإِصرارِهِم اضطُرِرتُ إلى قَبُولِه، وأَعدتُه مَعنًى إلى الشَّعبِ یی وإنَّ عَدَمَ قَبُولي لِمِنّةِ الآخَرِينَ في دَفعِ ضَرُوراتِ المَعِيشةِ الحَياتِيّةِ.. كُلُّ ذلك يُبيِّنُ دُستُورَ حَياتِي، فالنّاسُ في مَدِينَتِلو كانُّ مَن يَعرِفُني في المُدُنِ الأُخرَى يَعرِفُونَ هذا مِنِّي جَيِّدًا.. ولَقَد حاوَلَ أَصدِقاءُ كَثِيرُونَ مُحاوَلاتٍ شَتَّى أن أَقبَلَ هَداياهُم في غُضُونِ هذه السَّنَواتِ الخَمسِ الَّتي مَرَّت بالنَّفيِ، إلّا أنَّني رَفَضتُ.
فإذا قكَلِمافكَيفَ إذًا تَعِيشُ؟
أَقُولُ:أَعِيشُ بالبَرَكةِ والإِكرامِ الإِلٰهِيِّ، فإنَّ نَفسِي الأَمَّارةَ معَ أنَّها تَستَحِقُّ كلَّ إِهانةٍ وتَحقِيرٍ، إلّا أنَّني یی في الإِرزاقِ یی أَحظََّى وََرَكةِ الَّتي هي إِكرامٌ إِلٰهِيٌّ يُمنَحُ كَرامةً مِن كَراماتِ خِدْمةِ القُرآنِ.
— 89 —
سأُورِدُ نَماذِجَ مِنها، وذلك قِيامًا بأَداءِ الشُّكرِ المَعنَوِيِّ تِجاهَ تلك النِّعَمِ الَّتي أَكرَمَني اللهُ بها وعَمَلًا بالآيةِ المَّى وةِ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، ولكِنِّي رَغمَ هذا أَخشَى أن يُداخِلَ هذا الشُّكرَ المَعنَوِيَّ شَيءٌ مِنَ الرِّياءِ والغُرُورِ فتُمحَقَ تلك البَرَكةُ الرَّبّانيّةُ الطِّيَضِيَ إذ إنَّ إِظهارَ البَرَكةِ المَخْفِيّةِ بافتِخارٍ مَدْعاةٌ لِانقِطاعِها، ولكِن ما حِيلَتِي! فإنِّي اضطُرِرتُ إلى ذِكرِ تلك البَرَكةِ اضطِرارًا.
فالأوَّل:لَقَد كَفاني في هذه الشُّهُورِ السِّتّةِ الماضَ ما يَيْلةٌ مِنَ الحِنطةِ تُساوِي سِتّةً وثَلاثينَ رَغِيفًا، وما زالَت باقِيةً، ولا أَعرِفُ مَتَى تَنفَدُ! (حاشية): وقد دامَت سنةً كامِلةً.
ثانيها:في هذا الشَّهرِ المُبارَكِ یی شَهرِ رَمَضانَ یی لم يَأْتِني طَعامٌ إلّا من حَذاتَينِ اثنَينِ، وقد أَمرَضاني كِلاهُما؛ ففَهِمتُ مِن هذا أنَّه مَمنُوعٌ عَلَيَّ طَعامُ الآخَرِينَ! ولَقَد كَفَتْني أُوقِيّةٌ واحِدةٌ مِنيذًا مُزِّ وثَلاثةُ أَرغِفةٍ مِنَ الخُبزِ بَقِيّةَ أَيّامِ شَهرِ رَمَضانَ، فالصَّدِيقُ الصّادِقُ "عَبدُ اللهِ چاوِيش" صاحِبُ البَيتِ المُبارَكِ الَّذي يُِراقِ ُ لي الطَّعامَ يَشهَدُ بهذا ويُخبِرُ به، بل إنَّ الرُّزَّ قدِ استَمَرَّ خَمْسةَ عَشَرَ يَوْمًا آخَرَ بَعدَ شَهرِ رَمَضانَ.
ثالثُها:لقد كَفَتْنا أنا وضُيُوفي الكِرامَ أُوقِيّةٌ واحِدةٌ مِنَ الزُّبْدِ رَغمَ تَناوُلِهاءِ أَيًّا معَ الخُبزِ طَوالَ ثَلاثةِ أَشهُرٍ في الجَبَلِ، حتَّى كانَ لي ضَيفٌ مُبارَكٌ وهُو "سُلَيْمانُ"، وقد أَوْشَك خُبزُنا على النَّفادِ، وكُنَّا في يَومِ الأَربِعاءِ، فقُلتُ له: اذْهَبْ إلى القَريةِ وائْتِ بالخُبزِ، إذ لَيدُ البالَيْنا أَحَدٌ حتَّى مَسافةِ ساعَتَينِ لِنَبْتاعَ مِنه. فقال: إنِّي أَرغَبُ أن أَبِيتَ مَعَك لَيْلةَ الجُمُعةِ المُبارَكةِ على قِمّةِ هذا الجَبَلِ، لِأَتضَرَّعَ مَعَك إلى اللهِ.
فقُلتُ: تَوَكَّلْنا على اللهِ. إذًا اِبْقَ مَعِها مِنثمَّ بَدَأْنا بالسَّيرِ مَعًا حتَّى صَعِدْنا قِمَّةَ جَبَلٍ رَغمَ أنَّه لا داعِيَ ولا مُناسَبةَ لِذلِك، وكانَ لَدَيْنا قَلِيلٌ مِنَ الماءِ معَ شَيءٍ مِنَ الشّايِ والسُّكَّرِ.
قُلتُ: يا أَخِي اعْمَلْ لَنا قَلِيلًا مِنَ الشّايِ. وبَدالعَقْلعَمَلِ.
— 90 —
وجَلَستُ أنا تَحتَ شَجَرةِ قَطِرانٍ أَتأَمَّلُ في مُشاهَدةِ وادٍ عَمِيقٍ، وأُفكِّرُ بأَسَفٍ وأَسًى: لَيسَ لَدَيْنا إلّا كِسْرةٌ مِن خُبزٍ مُتَعفِّنٍ رُبَّما يَكفِينا كِلَيْنا هذا المَساءَ، ولكِن كَيفَ باليَومَينِ يَدِهلِيَينِ؟! فماذا أَقُولُ لِهَذا الرَّجُلِ الطَّيِّبِ النَّقِيِّ السَّرِيرةِ؟!
وبَينَما أنا غارِقٌ في هذا إذا برَأْسِي كأنَّه يُدارُ إلى الشَّجَرةِ، فالتَفَتُّ وإذا بي أَرَى رَغوغَرائكَبِيرًا فَوقَ شَجَرةِ القَطِرانِ يَنظُرُ إلَيْنا بَينَ أَغصانِها، قُلتُ: أَبشِرْ يا سُلَيْمانُ! فقد أَنعَمَ اللهُ سُبحانَه علَيْنا برِزقٍ. فأَخَذْنا الخُبزَ مِنَ الشَّجَرةِ، وفَتَّشْنا عن أَثَرٍ مِن آثارِ الحَيَواناتِ والطُّيُورِ علَيْه، وإذرَبِ فالِمٌ مِن أَيِّ تَعَرُّضٍ كان مِنَ الحَيَواناتِ! فَضْلًا عن أنَّه لم يَصعَد هذا الجَبَلَ مُنذُ ثَلاثِينَ يَوْمًا أَحَدٌ مِنَ النّاسِ؛ فكَفانا ذلك الرَّغِيفُ. بَينينِ، وما إن أَوْشَك على النَّفادِ إذا بالرَّجُلِ الصّادِقِ "سُلَيْمانَ" الَّذي كانَ صَدِيقًا صادِقًا طَوالَ أَربَعِ سَنَواتٍ يَصعَدُ الجَبَلَ مُتَوجِّهًا نَحوَنا آتِيًا لنا بالخُبزِ.
رابعُها:إنَّ هذه السُّتْرةََ هذا كِيت) قدِ اشَتَريتُها مُستَعمَلةً قَبلَ سَبعِ سَنَواتٍ، وكَفَت أَربَعُ لَيْراتٍ ونِصفُ اللَّيْرةِ لِمَصارِيفِ خَمسِ سَنَواتٍ مَضَت لِلمَلابِسِ والحِذا وثَجَوارِبِ، فلَقَد كَفَتْني البَرَكةُ والِاقتِصادُ والرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ.
وهُناك أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ شَبِيهةٌ بهذا، إذ إنَّ لِلبَرَكةِ الإِلٰهِيّةِ جِهاتٍ شَتَّى، وإنَّ أَهاليَ هذه القَريةِ يَعرِفُونَ كَثِيرًا مِن أَمثِلةِ البَرَكةِ؛ ولكِلُ إلىرِ حَذارِ أن يَذهَبَ بكُمُ الظَّنُّ أنَّني أَذكُرُ هذه الأَمثِلةَ افتِخارًا، وإنَّما اضطُرِرْتُ إلى ذِكرِها اضطِرارًا، ولا يَرِدَنَّ في خاطِرِكُم أنَّها أَمثِلةٌ تَدُلُّ عال تَعاحِي، وإنَّما هذه البَرَكاتُ هي إِحسانٌ إِلٰهِيٌّ إلى أَصدِقائي الضُّيُوفِ المُخلِصِينَ القادِمِينَ إِلَيَّ؛ أو أنَّها إِكرامٌ إِلٰهِيٌّ لِخِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، أو أنَّها مَلّامةُ مُبارَكةٌ لِلِالتِزامِ بالِاقتِصادِ؛ أو أنَّها رِزقٌ لِلقِطَطِ الأَربَعِ الَّتي تُلازِمُني هنا وهي الَّتي تَذكُرُ في هَرِيرِها: يا رَحِيمُ يا رَحِيمُ يا رَحِيمُ.. فهك.
زاقُها تَأْتِيها على صُورةِ بَرَكةٍ، وأنا بدَوْرِي أَستَفِيدُ مِنها.
نعم، إذا أَنصَتَّ إلى هَرِيرِها الحَزِينِ تُدرِكُ جَيِّدًا أنَّها تَذكُرُ:يا رَحِيمُ يا رَحِيمُ يا رَحِيمُ.
وعلى ذِكرِ القِطَطِ يَِلعالَالبالِ ذِكرُ الدَّجاجِ.
— 91 —
كانَت لي دَجاجةٌ تَجلُبُ لي مِن خَزِينةِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ بَيضةً واحٍدةً يَومِيًّا في هذا الشِّتاءِ بانقِطاعٍ قَلِيلٍ جِدًّا، وذاتَ يَومٍ وَضَعَت بَيضَتَينِ مَعًا، فحِرْتُ مِنها، واستَفْسَرتُ من أَحبابضِ هو يَحدُثُ مِثلُ هذا في هذا الشِّتاءِ؟ قالُوا: رُبَّما هي إِحسانٌ إِلٰهِيٌّ.
كان لِهَذِه الدَّجاجةِ فَرخٌ في الصَّيفِ، بَدَأ الفَرخُ بوَضْعِ البَيضِ بِدايةَ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، واستَمَرَّ الوَضعُ طَوالَ أَربَعِينَ يَومًا، فلم تَبقَ لبتَلَي شُبهةٌ ولا لَدَى إِخوَتي الَّذِينَ يَقُومُونَ بخِدْمَتِي مِن أنَّ هذا الوَضْعَ المُبارَكَ لِلبَيضِ في هذا الشِّتاءِ ومِن فَرخٍ صَغِيرٍ، في شَهرِ رَمَضانَ، إنَّما هو إِكرامٌ إِلٰهِيٌّ لَيسَ إلّا..رَنا یإنَّ الفَرخَ بَدَأ بالوَضْعِ حالَما قَطَعَتْه الأُمّ، فلم يَدَعْني دُونَ بَيضةٍ والحَمدُ للهِ.
السُّؤالُ الثّاني المُرِيبُ:يقُولُ أَهلُ الدَعا ف: كَيفَ نَثِقُ بك ونَطمَئِنُّ إلَيْك بأنَّك لا تَتَدخَّلُ في أُمُورِ دُنيانا؟ فلَرُبَّما لو أَطْلَقْنا سَراحَك تَتَدخَّلُ في أُمُورِها؟ ثمَّ كَيفَ نَعرِفُ أنَّك لا تَخدَعُنا ولا تَكِيدُ بنا، إذ تُظهِرُ نَفسَك بمَظهَرِ التّارِكِ لِلدُّنيا الَّذعةً واَأْخُذُ أَموالَ النّاسِ ظاهِرًا، ورُبَّما يَأْخُذُها خُفْيةً، فكَيفَ نَعرِفُ أنَّ ذلك لَيسَ مَكْرًا؟
الجَوابُ:إنَّ أَحْوالِي قَبلَ عِشرِينَ سَنةً كَرَتَْحكَمةِ العَسكَرِيّةِ العُرفيّةِ، وأَطْوارِي قَبلَ إِعلانِ الدُّستُورِ، وفي الدِّفاع الَّذي صَدَر في كِتابِ "شَهادةُ مَدرَسَتَيِ المُصِيبةِ" مَعرُوفةٌ لَدَى الَّذينَ يَعرِفُونَني.. كلُّ ذلك يُبيِّنُ بَيٍ أو فافِيًا: أنَّني قد أَمضَيتُ حَياتي لم أَتنازَل إلى شَيءٍ مِنَ الخَدِيعةِ بل حتَّى إلى أَدنَى حِيلةٍ، فلو كانَت ثَمّةَ حِيَلٌ لَحَصَلَتِ المُراجَعةُ واللُّجُوءِ إلَيْكُم معَ تَزَلُّفٍ وتَمَلُّقٍ خِلالَ هذه السَّنَواتِ الخَمسِ، إذلتَّحقحتالُ يُحاوِلُ أن يُحَبِّبَ نَفسَه إلى النّاسِ دَوْمًا، بل يَسعَى إلى إِغفالِهِم وخِداعِهِم، ولَيسَ مِن شَأْنِه تَجَنُّبُهم والِابتِعادُ عَنهُم.. والحالُ أنَّني لم أَتنازَل إلى التَّذَلُّلِ لِلآخَرِينَ على الرَّغمِ مِن جَمِيعِ الهَجَمى بالبنّازِلةِ بي والِانتِقاداتِ المُوَجَّهةِ إِلَيَّ، بل أَعرَضتُ عن أَهلِ الدُّنيا مُتَوكِّلًا على المَولَى القَدِيرِ وَحدَه.
ثمَّ إنَّ الَّذي عَرَف حَقِيقةَ الآخ صِدْقكَشَفَ عن حَقِيقةِ الدُّنيا لا يَندَمُ أَبدًا، إن كانَ ذا لُبٍّ، ولا يَتَشبَّثُ بالعَوْدةِ إلى الدُّنيا مَرّةً أُخرَى.. فمَن كانَ وَحِيفي أَعرِيدًا لا عَلاقةَ له
— 92 —
معَ أَحَدٍ، لا يُضَحِّي بحَياتِه الأَبدِيّةِ لِثَرثَرةٍ دُنيَوِيّةٍ وتَهرِيجاتِها بَعدَ قَضاءِ خَمسِينَ سَنةً مِنَ العُمرِ، بل لو ضَحَّى بهاُرَ إلكُونُ مُحْتالًا، بل مَجنُونًا، وماذا عَسَى أن يَفعَلَ المَجنُونُ حتَّى يُهتَمَّ به؟!
أمّا الشُّبهةُ الوارِدةُ حَولَ كَوْنِي طالِبًا لِلدُّمُتَواطِنًا وعازِفًا عنها ظاهِرًا، فأَقُولُ:
بمَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إنَّني ما أُبَرِّئُ نَفسِي أَب عُرجُنَّها تَرُومُ كُلَّ فَسادٍ، ولكِنَّ خُسرانَ حَياةٍ دائِمةٍ وسَعادةٍ خالِدةٍ لِأَجلِ لَذّةٍ قَلِيلةٍ في هذه الدُّنيا الفانِيةِ، في هذا المَضِيفِ اَضِيَ َّتِ، في زَمَنِ الشَّيخُوخةِ، في عُمُرٍ قَصِيرٍ.. لَيسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ ولا يَلِيقُ بذَوِي الشُّعُورِ؛ لِذا انقادَت نَفسِي الأَمّارةُ یی شاءَت ِسْفراَت یی لِلعَقلِ ورَضَخَت له.
السُّؤالُ الثّالِثُ المُرِيبُ:يقُولُ أَهلُ الدُّنيا: أَتُحِبُّنا؟ أَتَرضَى عَنّا وتُعجَبُ بِنا؟ فإن كُنتَ تُحِبُّنا فلِماذا إِذًا أَعرَضْتَ عَنّا ولا تُخالِطُنا؟ وإن لم تكُن تُعجَزِيكُم تَرضَى عَنّا فأَنتَ إِذًا تُعارِضُنا، ونَحنُ نَسحَقُ مُعارِضِينا!
الجَوابُ:إنَّني لو كُنتُ مُحِبًّا لِدُنياكُم، فَضْلًا عَنكُم لَمَا انسَحَبتُ مِنها وأَعرَضتُ عَنْها، فأنا لا أُعجَبُ بكُم ولا بدُنياكُم، ولكِن لا أَتدَخَّلُ أَيضًا بها ولانَقَلُِطُكُم، لِأنَّني أَصبُو إلى قَصدٍ غَيرِ قَصدِكُم، فقد مَلَأَتْ قَلبِي أُمُورٌ لم تُبقِ مَوضِعًا لِغَيرِها كي أُفكِّرَ فيه؛ وأَنتُم مَأمُورُونَ بالحُكمِ على ظاهِرِ الحالِ لا على باطِنِ القَلبِ، لِأنَّكُم تُرِيدُونَ إِدامةَ النِّظامِ وإِرساِ الباُكمِ، وحَيثُ أنِّي لا أَتدَخَّلُ بهما، فلَيسَ لكُم أن تقُولُوا: لِيُحِبَّنا القَلبُ كَذلِك! وأَنتُم لَستُم أَهلًا لِذلِك الحُبِّ أَصلًا.
وإن تَدَخَّلتُم في أَمرِ القَلبِ، أَقُولُ: كُحَمََّني أَتَمنَّى مَجِيءَ الرَّبِيعِ وَسَطَ هذا الشِّتاءِ، ولكِنِّي لا أَستَطِيعُ الإِتيانَ به، كَذلِك أَتَمنَّى صَلاحَ أَحوالِ العالَمِ وأَدعُو لِذلِك، وأَسألُ اللهَ أن يُصلٌِ يُخبلَ الدُّنيا، ولكِنَّ ذلك فَوقَ إِرادَتِي ووُسْعِي فلا أَستَطِيعُه، لِذا لا أَتَدَخَّلُ فِعلًا، فهِي لَيسَت مِن وَظِيفَتِي ولا ضِمنَ اقتِدارِي وطالَيهم
— 93 —
السُّؤالُ الرّابعُ المُرِيبُ:يقُولُ أَهلُ الدُّنيا: لَقِينا بَلايا ونَزَلَت بِنا مَصائِبُ، فلم نَعُد نَثِقُ بأَحَدٍ مِنَ النّاسِ، فكَيفَ نَأمَنُ ألّا تَتَدخَّلُ في أُمُورِنا بالشَّكلِ الَّذي يَرُوقُ لك إن سَنَحَت لك الفُرصةُ؟يه تَصجَوابُ:إنَّ النِّقاطَ المَذكُورةَ سابِقًا رَغمَ أنَّها كافِيةُ لِإِقناعِكُم وبَثِّ الِاطْمِئْنانِ في نُفُوسِكُم إلّا أنَّني أَقُولُ:
في الوَقتِ الَّذي لم أَتَدخَّل فيه بدُنياكُم وأنا في مَدِينَتِي وحْ في هطُلّابي وأَقرِبائي، وأَعِيشُ وَسْطَ مَن يُصْغِي إِلَيَّ ويَستَشِيرُني، بل لم أَتَدخَّل في دُنياكُم حتَّى في خِضَمِّ تلك الحَوادِثِ المُثِيرةِ، أَفيُمكِنُ أن يَتَدخَّلَ فيها مَنْ هو في دارِ الغُربةِ، الأَكَحِيدٌ مُنفَرِدٌ وضَعِيفٌ عاجِزٌ، مُتَوجِّهٌ بكُلِّ وُسْعِه لِلآخِرةِ، مُنقَطِعٌ عنِ الِاختِلاطِ والمُراسَلاتِ، ولم يَجِد إلّا بِضْعَ أَصدِقاءَ في طَرِيقِ الإِيمانِ والآخِرةِ، وهُو الغَرِيبانَك فالنّاسِ، كما أنَّ النّاسَ أَصبَحُوا غُرَباءَ عنه، بل يَنظُرُ إلَيْهِم هكذا؟! هذا الإِنسانُ إذا تَدَخَّل في دُنياكُمُ العَقِيمةِ والخَطِرةِ يَنبَغِي له أن يكُونَ مَجنُونًا مُضاعَفًا.
النُّقطة الخامسة:
تَخُصُّ خَمسَ مَسائِلَ صَغِيرةً: النَّولاها:يقُولُ لي أَهلُ الدُّنيا: لِمَ لا تُطَبِّقُ على نَفسِك أُصُولَ مَدَنيَّتِنا وآدابَها، ولا تَعِيشُ على وَفقِ طِرازِ حَياتِنا، ولا تَلبَسُ هَيْئةَ مَلابِسِنا؟ بمَعنَى أنَّك مُعارِضٌ لنا!
وأنا أقُولُ:أيُّها السّادةُوقد سَِّ حَقٍّ تُكلِّفُونَنِي أن أُطَبِّقَ آدابَ مَدَنيَّتِكُم؟ فأَنتُم قد أَجبَرتُمُوني على الإِقامةِ ظُلْمًا في قَريةٍ طَوالَ خَمسِ سَنَواتٍ، ومَنَعتُمُوني حتَّى مِنَيقةِ ااسَلاتِ والِاختِلاطِ معَ النّاسِ، وكأَنَّكُم قد أَسقَطتُمُوني مِنَ الحُقُوقِ المَدَنيّةِ، فَضْلًا عن أنَّكُم جَرَّدتُمُوني بغَيرِ سَبَبٍ مِن كُلِّ شَيءٍ، ولم تَسمَحُوا لي أن أُقابِلَ أَهلَ مَدَرضِ وي، سِوَى واحِدٍ أوِ اثنَينِ؛ عِلْمًا أنَّكُم قد أَطلَقْتُم سَراحَ جَمِيعِ المَنفِيِّينَ، وسَمَحتُم لَهُم بالإِقامةِ بَينَ أَهلِيهِم وذَوِيهِم في المُدُنِ
— 94 —
ومَنَحتُمُوهُم شَهاداتِ تَرخِيصٍ بذلك.. فهذه المُعامَلاتُ تَعنِي أنِّن هذها تَعُدُّونَنِي مِن أَفرادِ الأُمّةِ ولا مِن رَعايا هذا الوَطَنِ، فكَيفَ إذًا تُكَلِّفُونَني بتَطبِيقِ قَوانِينِ مَدَنيَّتِكُم؟!
وأَنتُم قد ضَيَّقتُم عَلَيَّ الدُّلبالِ ى سَعَتِها وجَعَلتُمُوها لي سِجْنًا، أَفيُكَلَّفُ مَن هو في السِّجنِ بمِثلِ هذه الأُمُورِ؟!
وأَنتُم قد أَقفَلتُم عَلَيَّ بابَ الدُّنيا، وأنا بِدَوْرِي طَرَقتُ بابَ الآخِرةِ، ففَتَحَتْه الرَّحْمةُ الُوِّك يّةُ، فكَيفَ يُطالَبُ مَن هو واقِفٌ ببابِ الآخِرةِ أن يُطَبِّقَ عاداتِ أَهلِ الدُّنيا وآدابَها المُشَوَّشةَ؟
فمَتَى ما أَطلَقْتُمُوني حُرًّا، وأَعَدتُمُوني إلى مَدِينَتِي ومَوْطِني، وأَعطَيتُمُوني حُقُوقي كامِلةً، فلت مُستِندَها أن تُطالِبُوا بتَطبِيقِ آدابِكُم!
المَسأَلةُ الثّانيةُ:يقُولُ أَهلُ الدُّنيا: لَدَيْنا مُؤَسَّسةٌ حُكُومِيّةٌ تقُومُ بتَعلِيمِ أَحكامِ الدِّينِ وحَقائِقِ الإِسلامِ، فبِأَيِّ صَلاحِيّةٍ تقُومُ أَنتَ بنَشرِ رَسائِلَ دِيتِ، وذ؟ فلا يَحِقُّ لك مُزاوَلةُ مِثلِ هذه الأُمُورِ وأَنتَ مَحكُومٌ بالنَّفيِ.
الجَوابُ:إنَّ الحَقَّ والحَقِيقةَ لا تُقَيَّدانِ بشَيءٍ ولا تَنحَصِرانِ (في مَكانٍ وزَمانٍ مُعَيَّنَينِ)، فكَي هذهحَصِرُ الإِيمانُ ويَتَقيَّدُ القُرآنُ في مُؤَسَّسةٍ رَسْمِيّةٍ؟ فأَنتُم تَستَطِيعُونَ أن تَحصُرُوا تَطبِيقَ قَوانِينِكُم وآدابِكُم (في مُؤَستِ: "أكُم)، أمّا الحَقائِقُ الإِيمانيّةُ والأُسُسُ القُرآنيّةُ فلا تُقحَمانِ في المُعامَلاتِ الدُّنيَوِيّةِ، ولا تُحصَرانِ في مُؤَسَّسةٍ رَسْمِيّةٍ يُؤَدَّى فيها العَمَلُ بأُجْرةٍ؛ بل إنَّ تلك الأَسرارَ والفُيُوضاتِ الِبُ باي مَوهِبةٌ إِلٰهِيّةٌ، لا تَتَأتَّى إلّا بواسِطةِ النِّيّةِ الخالِصةِ والتَّجَرُّدِ مِنَ الدُّنيا والعُزُوفِ عن حُظُوظِ النَّفسِ.
هذاَكُم عًا عن أنَّ دائِرَتَكُمُ الرَّسْمِيّةَ قد قَبِلَتْني واعِظًا وأنا في مَدِينَتِي، وعَيَّنَتْنِي في تلك الوَظِيفةِ، وقد قُمتُ بتلك الوَظِيفةِ: وَظِيفةِ الوَعظِ، إلّا أنَّني تَرَكتُ مُرَتَّبَها، مُحتَفِظًا لَدَيَّ بشَهادَتِها. أي: أنا أَستَطِيع رَفِيُؤَدِّيَ بتلك الشَّهادةِ مُهِمّةَ الوَعظِ والإِمامةِ في أيِّ مَكانٍ كانَ، لِأنَّ نَفيِي ظُلمٌ واضِحٌ.
— 95 —
ثمَّ إنَّ المَنفِيِّينَ قد أُعِيدُوا إلىيا التيهِم، فشَهادَتِي السَّابِقةُ إِذًا سارِيةُ المَفعُولِ.
ثانيًا:إنَّ الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ الَّتي كَتَبتُها، خاطَبتُ بها نَفسِي مُباشَرةً، ولا أَدعُو إلَيْها النّاسَ جَمِيعًا، بلِ الَّذينَ أَرواحُهُم مُحتاجةٌ وقُلُوبُهُم مَجرُوحةٌ يَتَّ رُبْنَ عن تلك الأَدوِيةِ القُرآنيّةِ، فيَجِدُونَها؛ يُستَثْنَى مِن هذا تَكلِيفِي أَحَدَ الأَفاضِلِ بطَبعِ رِسالَتِي الَّتي تَخُصُّ الحَشرَ، قَبلَ تَنفِيذِ الحُرُوفِ الحَدِيثةِ، وذلك لِكَسْبِ قُوتِي وتَأْمِينِ مَعِيشَتِي، ولكِنَّ الوالِيَ السَدَيه، الظّالِمَ تِجاهِي دَقَّقَ تلك الرِّسالةَ، وعِندَما لم يَجِد ما يَنتَقِدُه لم يَتَعرَّض لَها.
المَسأَلةُ الثّالثةُ:إنَّ بَعضَ أَصدِقائي يَتَیبَرَّؤُونَ مِنِّي ظاهِرًا، بل يَنتَقِدُونَني، لِيُحَبِّیبُوا مِمّا َهُم إلى أَهلِ الدُّنيا المُرتابِينَ مِنِّي؛ بَينَما أَهلُ الدُّنيا وهُمُ الدَّسَّاسُونَ قد حَمَلُوا تَبْرِئةَ هَؤُلاءِ واجتِنابَهُم عَنِّي مَحْمَلَ الرِّياءِ وانعِدامِ الوِجْدانِ بَدَلًا مِن أن يَحمِلُوها مَحْمَلَ الحُبِّ والإّةُ فإ لَهُم.. لِذا بَدَؤُوا يَنظُرُونَ إلَيْهِم نَظَرَ الرَّيبِ.
وأنا أَقُولُ:يا رُفَقائِي في الآخِرةِ..
لا تَهرُبُوا مِن خِدْمَتِي لِلقُرآنِ العا وبَل، فلَن يَلحَقَكُم ضَرَرٌ مِنِّي بإِذنِ اللهِ، حتَّى لو وَقَع عَلَيَّ الظُّلمُ، وأَتَتِ المُصِيبةُ، فلا يُمكِنُیكُم أن تَنجُوا مِنها بالبَراءةِ مِنِّي، بل يَجعَلُكُم ذلك أَكثَرَ تَعَرُّضًا لِأَن تَنزِلَ بكُم مُصِيبةٌ أو تُداهِمَكُم لَطْرًا عاأْدِيبٍ.. ثمَّ ماذا حَدَث حتَّى تَنتابَكُمُ الرُّيُوبُ والأَوْهامُ؟!
المَسأَلةُ الرّابِعةُ:في أَيَّامِ مَنْفايَ هذه.. أَرَى أُناسًا مِمَّن سَقَطُوا في حَمْأةِ السِّياسةِ وابتُلُوا بالإِعجابِ بالنَّفسِ، يَنظُرُونَ إلَيَّ نَظْرةًبنِ عَسِمُ بالمُنافَسةِ والِانحِيازِ إلى جِهةٍ! وكأَنَّني مِثلُهُم ذُو عَلاقةٍ معَ تَيّاراتٍ دُنيَوِيّةٍ!
فيا أَيُّها السّادةُ، اعْلَمُوا أنَّني في صَفِّ الإِيمانِ وفي تَيّارِه وَحْدَه، ويُواجِهُنِي تَيّار الَّتلحاد. ولا عَلاقةَ لي أَصلًا بأَيِّ تَيّارٍ آخَرَ.
— 96 —
فالَّذي يَتَّخِذُ وَضْعَ المُنافِسِ والمُخالِفِ لي، ويَتَعرَّضُ لي ويُسبِّبُ إ، ويُعي، إن كان مِمَّن يَعمَلُ لِقاءَ أُجْرةٍ، رُبَّما يَجِدُ شَيْئًا مِنَ العُذرِ في تَصَرُّفاتِه هذه؛ ولكِنَّ الَّذي لا يَعمَلُ لِقاءَ أُجْرةٍ، وإنَّما يقُومُ بمِثلِ ولُ المُعامَلاتِ بِاسمِ الغَيرةِ والحَمِيّةِ، فلْيَعْلَمْ أنَّه يَرتَكِبُ خَطَأً أيَّما خَطَأٍ، لِأنَّه یی كما أَثْبَتْناه سابِقًا یی لا عَلاقةَ لي قَطْعًا بالسِّياسةِ الجارِيةِ أَحجارُّنيا، فلَقَد نَذَرتُ حَياتِي وحَصَرتُ وَقتِي كلَّه لِنَشرِ حَقائِقِ الإِيمانِ والقُرآنِ؛ لِذا فلْيُفكِّرْ جَيِّدًا مَن يَتَعرَّضُ لي ويَتَّخِذُ مَوقِفَ المُنافِسِ، إنَّه في حُكْمِ اللقد وَِّضِ لِلإِيمانِ في سَبِيلِ الزَّندَقةِ والإِلحادِ.
المَسأَلةُ الخامِسةُ:لَمّا كانَتِ الدُّنيا فانِيةً، والعُمُرُ قَصِيرًا، والواجِباتُ كَثِيرةً؛ والحَياةُ الأَبَدِيّةُ تُكسَبُ هنا، في الدُّنيا، وهي لَيسَت بلا مَوْلًى.. فلِ یی فإفِ رَبٌّ كَرِيمٌ حَكِيمٌ، لا يُضَيِّعُ جَزاءَ السَّيِّئةِ ولا الحَسَنةِ.. ولَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؛ وحَيثُ إنَّ السَّبِيلَ السَّوِيَّ والَّذي فيهّةِ" ا لا يَستَوِيانِ، ولا يُجاوِزُ بابَ القَبْرِ أَخِلّاءُ الدُّنيا وجاهُها..
فلا بُدَّ أنَّ أَسعَدَ إِنسانٍ هو مَن: لا يَنسَى الآخِرةَ لِأَجلِ الدُّنيا، ولا يُضَحِّي بآخِرَتِه لِلدُّنيا، ولا يُفسِدُ حَياتَه الأَبَدِيّةَ لِأَجلِ حمُدّةٍدُنيَوِيّةٍ، ولا يُهدِرُ عُمُرَه بما لا يَعنِيه.. يَنقادُ لِلأَوامِرِ انقِيادَ الضَّيفِ لِلمُضِيفِ، لِيَفتَحَ بابَ القَبْرِ بأَمانٍ، ويَدخُجِدِينَ السَّعادةِ بسَلامٍ.
(حاشية): بِناءً على هذه الأَسبابِ لا أُبالي بالمَظالِمِ الَّتي نَزَلَت بي شَخصِيًّا، ولا أُعِيرُ بالًا للمُضايَقاتِ الَّتي تُحِيطُ بي، وأقُولُ: إنَّها لا تَستَحِقّ الِاهتِمامَ، فلا أَتدَخَّلُ بأمُورِ الدُّنيا.
٭لَّتي 7
ذيل المكتوب السادس عشر
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
إنَّ أَصحابَ الدُّنيا المُتَكالِبِينَ على مَتاعِها الزّائِفِ قد تَوَهَّمُوا عَبَثًا ِي بَعَجُلًا عاجِزًا غَرِيبًا في هذه الدُّنيا مِثلِي له مِنَ القُوّةِ ما لِآلافِ الرِّجالِ، وقد دَفَعَهُم هذا الوَهْمُ إلى وَضْعِي تَحتَ قُيُودٍ صارِمةٍ مُشَدَّدةٍ؛ فلم يَسمَحُوا لي مَثلًا بالإرِ عُي لَيْلةً أو لَيْلَتَينِ في "بَدْرةَ"، وهي كحَيٍّ مِن أَحياءِ "بارْلا"، أو حتَّى على جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ القَرِيبةِ مِنها؛ وقد سَمِعتُهُم يقُولُونَ: "إنّدُّنياعِيدٍ مِنَ القُوّةِ ما لِخَمسِينَ أَلفَ رَجُلٍ، لِذا فلا يُمكِنُنا إِطلاقُ سَراحِه"!
وأنا أَقُولُ: يا طُلّابَ الدُّنيا التُّعَساءَ.. معَ أنَّكُم تَعمَلُونَ لِلدُّنيا بكُلِّ ما أُوتِيتُم مِن قُوّةٍ وجَهدٍ، فلِمَ لا تَعلَمتَعلُِّؤُونَها أَيضًا فتَحكُمُونَ كالمَجانِينِ؟! فإذا كان خَوْفُكُم مِن شَخصِي الفاني، فهُو خَوفٌ زائِفٌ، لا مُبَرِّرَ له إِطلاقًا، إذ يَستَطِيعُ أيُّ إِنسانٍ یی ولَيسَ خَمسُونَ أَلفًا یی أن يَعمَلَ ضِعفََّ أَحِي خَمسِينَ مَرّةً، يَستَطِيعُ في الأَقلِّ أن يَقِفَ على بابِ غُرفَتِي ويقُولَ: "لن تَخرُجَ".. فيَنتَهِي الأَمرُ.
أمّا إذا كان خَوفُكُم مِن مِهنَتِي الَّتي هي الدَّعوةُ إلىاهِبِ آنِ، ومِن قُوّةِ الإِيمانِ الَّتي أَتَسلَّحُ بها.. ألَا فلْتَعْلَمُوا جَيِّدًا بأنَّني لَستُ في قُوّةِ خَمسِينَ أَلفَ رَجُلٍ.. كلّا، إنَّكُم مُخطِئُونَ! إنَّني بفَضلِ الإِيمانِ وبٍ، وقَ مِهْنَتِي في قُوّةِ خَمسِينَ مِليُونِ شَخصٍ.. إنَّني بقُوّةِ القُرآنِ الكَرِيمِ أَتَحدَّى أَورُوبّا كُلَّها بما في ذلك مَلاحِدَتُكُم.. لقدِ اقتَحَمْتُ قِلاعَهُمُ الحَصِينةَ الَّتي يُسَمُّونَها: "العُلُومَ الطَّبِ القَُ أوِ الحَدِيثةَ"، وذلك بفَضلِ ما نَشَرتُ مِنَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ والبَراهِينِ القُرآنيّةِ الدّامِغةِ الَّتي أَنزَلْتُ بها أَكبَرَ فَلاسِفَتِهِم إلى رُتْبةٍ هي
— 98 —
أَدنَى مِئةَ مَرّةٍ مِن رُتْبةِ الأَنعمانِ، لوِ اجْتَمَعَت أَورُوبّا بأَسْرِها بما في ذلك مَلاحِدَتُكُم، فلن تَستَطِيعَ أن تَحُولَ دُونَ مَسأَلةٍ واحِدةٍ مِن مَسائِلِ مِهنَتِي، ولا أن تَغلِبَني بإِذنِ اللهِ وتنَ الظِه.
ومُجمَلُ الكَلامِ:فكَما لا أَتَدخَّلُ في شُؤُونِ دُنياكُم، لا يَحِقُّ لَكُم أن تَتَدخَّلُوا في شُؤُونِ أُخْرايَ كَذلِك.. ولا تُحاوِلُوا.. أمّا إذا رَكِبتُم رُؤُوسَكُم وحاوَلْتِ مِنَتَّدَخُّلَ، ألَا فلْتَعْلَمُوا يَقِينًا بأنَّكُم لن تَجْنُوا مِن وَراءِ ذلك شَيْئًا، وسيَكُونُ سَعْيُكُم عَبَثًا.
قُوّةُ العَضُدِ لا تَرُدُّ تَقدِيرَ الله..
وشَمْعةٌ أَوْقَدَها المَوْلَى لا تُطفِأنَّ نلأَفْواه..
إنَّ أَهلَ الدُّنيا تَدُورُ شُكُوكُهُم وأَوْهامُهُم حَوْلي بوَجْهٍ خاصٍّ وكأَنَّهُم يَتَوجَّسُونَ مِنِّي خِيفةً، إذ يَتَخيَّلُونِلَك عودَ أُمُورٍ لا أَملِكُها، بل لو وُجِدَت فلا تكُونُ مَوضِعَ رُيُوبٍ سِياسِيّةٍ واتِّهاماتٍ، كالمَشْيَخةِ، والرِّئاسةِ، والحَسَبِ والنَّسَبِ، والنُّفُوذِ في العَشِيرةِ، وكَثْرةِ الأَتْباعِ، واللِّقاءِ معَ أَبناءِ بلَدِه، والتَّعَلُّقِ بأُمُورِ النُّبوا، بل حتَّى يَتَصوَّرُونَ وُجُودَ الدُّخُولِ في أمُورِ السِّياسةِ بل حتَّى المُعارِضةِ لِلحُكُومةِ.. وأَمثالَها مِنَ الأُمُورِ الَّتي لَيسَت مَوجُودةً عِندِي، فيَقَعُونَ في شُكُوكٍ وأَوْهامٍ مِن جَرّاءِ تَخَيُّلاتِهِم! حتَّى إنَّهُم حَرَمُوجّالُ كلِّ شَيءٍ عِندَما ناقَشُوا أُمُورَ العَفْوِ عمَّن هم في السِّجنِ أو خارِجَ البِلادِ، أي: مَن لا يَشمَلُهُمُ العَفْوُ في نَظَرِهِم.
هُنالِك كَلامٌ جَمِيلٌ خالِدٌ قالَه رَجُلٌ فاسِدٌ فانٍ:
إنْ كانَ لِلظُّلمِ مَدفَعٌ وبُندُقِيّةٌ وقَلْعوهُم ي فلِلحَقِّ ساعِدٌ لا يَنثَنِي ووَجْهٌ لا يَتَراجَعُ.
وأنا أَقُولُ:
إنْ كانَ لِأَهلِ الدُّنيا حُكْمٌ وسَطْوةٌ وقُوّةٌ..
ففي خادِمِ القُرآنِ بفَيضِه:
عِلْمٌ لدِ بالَبِسُ، وكَلامٌ لا يَسكُتُ، وقَلبٌ لا يَنخَدِعُ، ونُورٌ لا يَنطَفِئُ.
— 99 —
لقد سَأَلَني الآمِرُ العَسكَرِيُّ المَسؤُولُ عن مُراقَبَتِي، وكَثِيرٌ مِنَ الأَصدِقاءِ هذا السُّؤالَ"فأُقحَّرًا: لِمَ لا تُراجِعُ الجِهاتِ الرَّسمِيّةَ؟ ولِمَ لا تُقَدِّمُ طَلَبًا لِلحُصُولِ على شَهادةٍ ووَثِيقةِ رُخْصةٍ؟
الجَوابُ:هُنالِك أَسبابٌ عِدّةٌَضِّحَلُ بَينِي وبَينَ مُراجَعَتِهِم، بل تَجعَلُني لا أَستَطِيعُ مُراجَعَتَهُم.
السَّبَبُ الأوَّلُ:إنَّني لم أَتَدخَّلْ في شُؤُونِ أَهلِ الدُّنيا ولا في دُنياهُم، النُُّونَ مَحكُومًا مِن قِبَلِهِم، ومِن ثَمَّ أُراجِعَهُم في هذا الشَّأْنِ، بل أُراجِعُ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ، لِأنَّه هو الَّذي حَكَم عَلَيَّ لِتَقْصِيراتِي تِجاهَه.
السَّبَبُ الثَّاني:لقد تَيَّقَنتُ أنَّ هذه الدُّنيا دااووشافةٍ، تَتَبدَّلُ بسُرعةٍ وتَتَغيَّرُ على الدَّوامِ، فهِي لَيسَت دارَ قَرارٍ ولا مَوْطِنًا حَقِيقيًّا، لِذا فإنَّ نَواحِيَها كافّةً على حَدٍّ سَواءٍ.. فما دُمتُ لا أَظَلُّ في مَوطِنِي، ولُولُ؟.رَ لي فيه، فإنَّ مُحاوَلةَ الرُّجُوع إلَيْه عَبَثٌ لا طائِلَ وَراءَه، ولا يَعنِي شَيْئًا الذَّهابُ إلَيْه.. وما دامَ كلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِي الدُّنيا دارَ ضِيافةٍ، فإنَّ كلَّ إِنسانٍ صَدِيقٌ وكُلّ سَيِّنٍ نافِعٌ ومُفِيدٌ إن كانَت رَحْمةُ صاحِبِ الدّارِ ورَحْمةُ رَبِّ البَيتِ رَفِيقةً لك، وإلّا فكُلُّ إِنسانٍ عَدُوٌّ وكُلُّ مَكانٍ حِمْلٌ ثَقِينَوُّعيقٌ شَدِيدٌ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ:المُراجَعةُ إنَّما تكُونُ ضِمنَ نِطاقِ القانُونِ، بَينَما المُعامَلةُ الَّتي أُعامَلُ بها طَوالَ هذه السَّنَواتِ الس، فهل مُعامَلةٌ اعتِباطِيّةٌ وغَيرُ قانُونيّةٍ، إذ لم يُعامِلُوني مُعامَلةً قانُونيّةً على وَفقِ قانُونِ المَنفِيِّينَ، بل نَظَرُوا إِلَيَّ نَظْرةَ السّاقِطِ مِنَ الحفناوَل المَدَنيّةِ، بل حتَّى مِنَ الحُقُوقِ الدُّنيَوِيّةِ، فلا مَعنَى إِذًا لِمُراجَعةٍ قانُونيّةٍ لِمَن يُعامِلُ مُعامَلةً غَيرَ قانُونيّةٍ.
السَّبَبُ الرّابعُ:راجةِ.
ه السَّنةَ مُدِيرُ هذه النّاحِيةِ "بارْلا" بِاسمِي لِلسَّماحِ لي بالذَّهابِ إلى قَريةِ "بَدْرةَ" القَرِيبةِ جِدًّا مِنها یی حتَّى تُعَدُّ أَحَدَ أَحيائِها یی لِقَضاءِ بِضْعةِ أَيّامٍ لِلفعنِ الهُناك، ولم يُسمَحْ لي بذَلِك، فكَيفَ يُراجَعُ هَؤُلاءِ الَّذينَ يَرفُضُونَ مِثلَ هذه الحاجةِ البَسِيطةِ الَّتي أَشعُرُ بها؟ فمُراجَعَتُهُم إِذًا لَيسَت إلّا تَذَلُّلًا وخُنُوعًا غَيرَ مُجْدٍ!
— 100 —
السَّبَبُ الخامِسُ:إنَّ طِنَ الالحَقِّ مِمَّن يَرَونَ الباطِلَ حقًّا ومُراجَعَتَهُم ظُلمٌ وبَخسٌ لِلحَقِّ وقِلّةُ تَوقِيرٍ له، فلا أُرِيدُ أن أَرتَكِبَ هذا الظُّلمَ، ولا هذا التَّهوِينَ مِن شَأْنِ الحَقِّ.. والسَّلامُ.
السَّبَبُ السّادِسُ:إنَّ مُأَمثِلَ أَهلِ الدُّنيا لي، لَيسَت ناشِئةً مِنِ انشِغالِي بالسِّياسةِ، لِأنَّهُم يَعرِفُونَ جَيِّدًا أنَّني لا أَتَدخَّلُ في الأُمُورِ السِّياسِيّةِ، بل أَنفِرُ مِنها، فهُم يُعذِّبُونَني بسَالحَدِرتِباطِي بالدِّينِ وتَمَسُّكِي بأَهدابِه، أي: أنَّهُم يُعَذِّبُونَني یی بشُعُورٍ وبغَيرِ شُعُورٍ یی إِرضاءً لِلزَّندَقةِ.. لِذا فإنَّ َسُولِعَتَهُم تَعنِي إِبداءَ نَدامةٍ عنِ الدِّينِ ومُلاطَفةٍ لِمَسْلَكِ الزَّندَقةِ، فَضْلًا عن أنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ العادِلَ سيُعَذِّبُني بأَيدِيهِمُ الأَثِيمةِ إنِ الْتَجَأْتُ إلَيْهبل إنّراجَعْتُهُم، لِأنَّهُم يُضايِقُونَني لِتَمسُّكِي بالدِّينِ، بَينَما القَدَرُ الإِلٰهِيُّ يُضايِقُني لِنَقائِصِي وتَقصِيرِي في التَّقوَى والإِخلاصِ بالتّزلُّفي أَحيانًا لِأَهلِ الدُّنيا.. فلا نَجاةَ لي إِذًا مِن هذه المُضايَقاتِ في الوَقتِ الحاضِرِ؛ إذ لو راجَعتُ أَهلَ الدُّنيا لَقالَ القَدَرُ: أَيُّها المُرائِقُه وقْ جَزاءَ مُراجَعَتِك هذه! وإن لم أُراجِعْ أَهلَ الدُّنيا لَقالُوا: إنَّك لا تَعتَرِفُ بِنا، فلازِمِ المُضايَقاتِ.
السَّبَبُ السَّابِعُ:مِنَ المَعلُومِ أنَّ وَظِيفةَ أيِّ مُوَظَّفٍ كان هي ينَ وَُ على يَدِ مَن يُلحِقُ الضَّرَرَ بالمُجتَمَعِ ومُعاوَنةُ النّافِعِينَ لَه؛ فعِندَما كُنتُ أُوَضِّحُ ذَوْقًا لَطِيفًا في كَلِمةِ "لا إِلٰهَ إلّا اللهُ" لِشَيخٍ هَرِمٍ اقتَرَب مِن بابِ القَبْرِ، أَتانِي المُوَظَّفُ المَسؤَُّاني: مُراقَبَتِي وكأَنَّه يُرِيدُ القَبضَ عَلَيَّ وأنا مُتَلَبِّسٌ بجَرِيمةٍ نَكْراءَ! عِلْمًا أنَّه ما كان يَأْتِينِي في أَغلَبِ الأَحيانِ، ولكِنَّه حَضَر في ذلك الوَقتِ وكَمُ أَ أَقتَرِفُ جَرِيمةً، فحَرَم ذلك المُستَمِعَ إلى المَوضُوعِ بإِخلاصٍ، وأَثارَ غَضَبِي.. عِلْمًا أنَّه ما كانَ يَلتَفِتُ إلى أَشخاصٍ في القَريةِ بل بَدَأ يُلاطِفُ ويُقَدِّرُ أٍ في اك الَّذينَ يُعَربِدُونَ ويَبُثُّونَ سُمُومًا في المُجتَمَعِ.
ومِنَ المَعلُومِ كَذلِك أنَّه لو ارتَكَب مُجرِمٌ ما مِئةَ جَرِيمةٍ، فإنَّه يَستَطِيعُ أن يُقابِلَ مَسؤُولِيه في السِّجنِ سَواءٌ أَكالِتَوِّنَ الجُنُودِ أوِ الضُّبّاطِ أوِ الآخَرِينَ؛ بَينَما المَسؤُولُ عن مُراقَبَتِي، واثنانِ مِن ذَوِي الشَّأْنِ لَدَى الحُكُومةِ، لم يَسأَلُوا عن حالي ولم يُقابِلُونيقةُ ف
قَطْعًا طَوالَ سَنةٍ مِنَ الزَّمانِ، رَغمَ أنَّهُم مَرُّوا مِرارًا أَمامَ غُرفَتِي، فقد كُنتُ أَظُنُّ أَنَّهُم لا يَتَقرَّبُونَ مِنِّي بسَبَبِ العَرةِ وَولكِن تَحَقَّق بالتّالي أنَّ ذلك نابِعٌ مِمّا كانَ يُساوِرُهُم مِن شُكُوكٍ ورُيُوبٍ، فهُم يَفِرُّونَ مِنِّي وكأنَّني سأَبتَلِعُهُم.
فمُراجَعةُ حُكُومةٍ، رِجالُها ومُوَظَّفُوها أَمثهِيّةِؤُلاءِ لَيسَ مِنَ العَقلِ في شَيءٍ، بل ما هي إلّا ذِلّةٌ وخُنُوعٌ لا طائِلَ وَراءَه.
فلو كانَ سَعِيدٌ القَدِيمُ مَوجُودًا لَقال مِثلَما قالَ "عَنتَرةُ":
ماءُ الحَياةِ بذِلّةٍ كجَهَنَّمٍ ٭ وجَهَنَّمٌللهِ، زِّ أَفخَرُ مَنزِلِ
ولكِن لا وُجُودَ لی"سَعِيدٍ القَدِيمِ"، أمّا "سَعِيدٌ الجَدِيدُ" فيَرَى أنَّه لا مَعنَى حتَّى في التَّكَلُّمِ معَ أَهلِ الدُّنيا، فلْيُهْلِكْهُمُ اللهُ بدُنيِ والمولْيَقْضُوا ما يَقضُونَ، سنَتَحاكَمُ في المَحْكَمةِ الكُبْرَى بإِذنِ اللهِ.
هذا ما يقُولُه "سَعِيدٌ الجَدِيدُ"، ثمَّ يَسكُتُ.
ومِمَعنَىَسبابِ الدّاعِيةِ لِعَدَمِ مُراجَعَتِي:
السَّبَبُ الثّامِنُ:أنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ يُعَذِّبُني بالأَيدِي الظّالِمةِ لِأَهلِ الدُّنيا هَؤُلاءِ، وذلك بسَبَبِ ما لا يَستَحِقُّونَه مِن مَيلِي إِلَيْهِم، وَفقَ القاعِدةِ: "إنَّ نَتِيجةظِيمةٍبّةٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ عَداوةٌ ظالِمةٌ"، وقد كُنتُ أُوثِرُ الصَّمْتَ، لِعِلْمِي أنِّي أَستَحِقُّ هذا العَذابَ، حَيثُ إنَّني قد خَدَمتُ بصِفةِ قائِدٍ لِلمُتَطوِّعِينَسُولَ حَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، وخُضتُ المَعارِكَ، وضَحَّيتُ بخِيرةِ طُلّابي وأَحِبّائي معَ نَيلِ تَقدِيرِ القائِدِ العامِّ لِلجَيشِ، "أنور باشا"، وسَقَطتُ جَرِيحًا، وأُسِرتُ؛ وبََلَتَ جِيئِي مِنَ الأَسْرِ أَلقَيتُ بنَفسِي في المَهالِكِ، بتَأْليفِي كِتابَ "الخُطُواتِ السِّتِّ" الَّذي تَحَدَّيتُ به الإِنكلِيزَ وهُم يَحتَلُّونَ إِستانبُولَ، فعاوَنتُ هَؤُلاءِ الأَصدِقاءَ يقٍ وأنَ أَلْقَوْني في عَذابِ الأَسْرِ بغَيرِ سَبَبٍ.. وكانَ هذا جَزائِي نَظِيرَ مُعاوَنَتِي لَهُم، فأَذاقَنِي هَؤُلاءِ مِنَ المَصاعِبِ والمَتاعِبِ في ثَلاثةِ شُهُورٍ ما يَفُوقُ المَصاعِبَ والمَتاِ بقُولَّتي قاسَيتُ مِنها في رُوسْيا طَوالَ ثَلاثِ سَنَواتٍ.
— 102 —
وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ الرُّوسَ كانُوا يَنظُرُونَ إِلَيَّ بصِفةِ قائِدٍ لِلمُتَطَوِّعِينَ الأَكرادِ والظّالِم الَّذي يَذبَحُ الأَسرَى والقُوزاق، إلّا أنَّهُم لم يَمنَعُوني مِجِدُ كاءِ الدُّرُوسِ، فكُنتُ أُلقِيها على مُعظَمِ زُمَلائي الأَسرَى مِنَ الضُّبّاطِ البالِغِ عَدَدُهُم تِسعِينَ ضابِطًا، حتَّى إنَّ القائِدَ الرُّوسِيَّ استَمَع مَرّةً إلى الدَّرسِ، فحَسِبَه دَرْسًا سِياسِيًّا لِجَهْءِ، الللُّغةِ التُّركِيّةِ، ومَنَعَنِي مَرّةً واحِدةً فقط، ولكِنَّه سَمَح لي بَعدَ ذلك.. ثمَّ إنَّنا جَعَلْنا غُرفةً في الثُّكْنةِ الَّتي كُنّا فيها مَسجِدًا لِأَداءِ الصَّلاةِ جَماعةً، وكُنتُ أَؤُمُّ الجَماعةَ، ولم يَتَدخَّلُومامةً لك قَطُّ، ولم يَمنَعُونا مِنَ الِاختِلاطِ والِاتِّصالِ بَعضَنا معَ بَعضٍ، ولم يَقطَعُوا عَنّا المُراسَلاتِ.
بَينَما أَرَى هَؤُلاءِ الَّذينَ يُفتَرَض علَيِْم أنَّهُم إِخواني في الدِّينِ وفي الوَطَنِ يَمنَعُونَنِي مِنَ الدَّرسِ بغَيرِ سَبَبٍ معَ أنَّنِي أُحاوِلُ أن أُفِيدَهُم في الإِيمانِ، قَطْعَعلَمُونَ أنَّني قد قَطَعتُ عَلاقَتِي معَ الدُّنيا والسِّياسةِ؛ حتَّى إِنَّهُم وَضَعُوني في الأَسْرِ طَوالَ سِتِّ سَنَواتٍ یی ولَيسَ ثَلاثِ سَنَواتٍ یی بل في أَسْرٍ مُشَدَّدٍ، إذ مَنَعُونِي مِنَ الِاختِلاطِ بالنّاسِ، ومِن إِلقاءِ الدّ كذلك ، بل حتَّى مِن إِلقاءِ الدُّرُوسِ الخاصّةِ في غُرفَتِي الخاصّةِ.. عِلْمًا أنَّني أَحمِلُ شَهادةً في ذلك، وحالُوا بَينِي وبَينَ المُراسَلاتِ، بل مرِيمةِنِي حتَّى مِنَ الإِمامةِ في المَسجِدِ الَّذي رَمَّمتُه بنَفسِي، والَّذي كُنتُ أَؤُمُّ الجَماعةَ فيه طَوالَ أَربَعِ سَنَواتٍ، فحَرَمُونِي مِن ثَوابِ الجَماعةِ، بل مَنَعُوني أن أَؤُمَّ جَماعةً مُكَوَّنةً مئُها ااثةِ إِخْوةٍ في الآخِرةِ كُنتُ أَؤُمُّهُم دَوْمًا.. فَضْلًا عن ذلك لو ذَكَرَني أَحَدُهُم بخَيرٍ، يَغضَبُ المُوَظَّفُ المُراقِبُ لي، ويُحاوِلُ بشَتَّى الوَسائِلِ أن يُهَوِّنقيِّينشَأْنِي، ويُشَدِّدَ مِنَ المُضايَقاتِ كي يَحصُلَ على تَكرِيمٍ مِن آمِرِيه والْتِفاتِهِم إلَيْه!
فقُل لي بنَفسِك واحْكُمْ بما شِئْتَ أيُّها الأَ التَّّائِلُ: إِنَّ مَن كان هذا وَضْعَه، هل يُراجِعُ غَيرَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى؟ فلِمَن يُقَدِّمُ الشَّكْوَى إن كانَ الحاكِمُ هو المُدَّعِيَ؟! ثمَّ قُل ما شِئْتَ أن تَقُولَه في هذه الأَحْوالِ المُحِيطةِ بِنا!
ولكِنِّي أَقُولُ: إنَّ كَثِِ والنِنَ المُنافِقِينَ قدِ اندَسُّوا بَينَ أَصدِقائِي هَؤُلاءِ، وحَيثُ إنَّ
— 103 —
المُنافِقَ أَشَدُّ مِنَ الكافِرِ وأَخبَثُ مِنه، فلِهَذا يُذِيقُونَنِي مِنَ العَذابِ ما لم يُذِقْنِي إِيّاه كُفَّارُ الرُّوسِ.
أيُّها التُّعَساءُ، ماذا حَبّةُِ بكُم؟ وما الَّذي أَفعَلُه بحَقِّكُم؟! إِنَّني أَسعَى لِإِنقاذِ إِيمانِكُم وإِبلاغِكُمُ السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ! يَبدُو أنَّ خِدْمَتِي لم تَخلُصْ بَعدُ للهِ، لِذا يُولَدُ خِلافُ المَأْمُولِ. وأَنتُم نَظِيرَ ذلك تُؤْذُونَنِي في كلِّتارَ دٍ سانِحةٍ.. فلا رَيبَ أنَّنا سنَتَحاكَمُ في المَحْكَمةِ الكُبْرَى.. أَقُولُ:
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 104 —
المكتوب الُرشِدٌشر
ذيل اللمعة الخامسة والعشرين
عَزاءٌ بطِفل
بِاسْمِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّيِّدُ الحافِظُ "خالِدٌ"، يا أَخا الآخِرةِ العَزِيزَ..
بِسْمِ اللّيِّ حَرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ٭ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
أَخِي،لالٌ ولمَنِي كَثِيرًا نَبَأُ وَفاةِ طِفلِكُم، ولكِنِ: الحُكْمُ للهِ، فالرِّضاءُ بقَضائِه والتَّسلِيمُ بقَدَرِه شِعارُ الإِسلامِ.. أَسأَلُ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى أن يَرزُقَكُمُ الصَّبْرَ الجَمِيلَ، وأن يَجعَلَ لَكُمُ المَرحُومَ ذُخْرًا لِلآخِرةِينِ نَِيعًا يَومَ القِيامةِ.
وسنُیبَيِّنُ لَكُم ولِأَمثالِكُم مِنَ المُؤمِنِينَ المُتَّقِينَ "خَمْسَ نِقاطٍ" تُشِعُّ بُشرَى سارّةً وتَقطُرُ سُلْوانًا حَقِيقيًّا لكُم.
النُّقطة الأولى:
إنَّ مَعنَى الآيةِ الكَرِيمةِ:ُ أن أدَانٌ مُخَلَّدُونَ وسِرَّها هو هكَذا:
إنَّ أَوْلادَ المُؤمِنِينَ المُتَوَفَّينَ قَبلَ البُلُوغِ سيُخَلَّدُونَ في الجَنّةِ أَطفالًا مَحبُوبِينَ بما يَلِيقُ بالجَنّةِ، وسيَكُونُونََزُورًثَ سُرُورٍ أَبَدِيٍّ في أَحضانِ آبائِهِم وأُمَّهاتِهِمُ الَّذينَ
— 105 —
مَضَوْا إلى الجَنّةِ، وسيَكُونُونَ مَدارًا لِتَحقِيقِ أَلطَفِ الأَذواقِ الأَبَدِيّةِ حِدٍ مِدَينِ وهُو حُبُّ الأَطفالِ ومُلاطَفةُ الأَوْلادِ.
وحَيثُ إنَّ كلَّ شَيءٍ لَذِيذٍ مَوجُودٌ في الجَنّةِ، فلا صِحّةَ لِقَولِ مَن يقُوقُل: أا وُجُودَ لِمَحَبّةِ الأَطفالِ ومُداعَبَتِهِم في الجَنّةِ لِخُلُوِّها مِنَ التَّكاثُرِ والتَّناسُل"، بل هُناك الفَوزُ العَظِيمُ بمَحَبّةِحَضارةفالِ ومُلاعَبَتِهِم بصَفاءٍ تامٍّ ولَذّةٍ كامِلةٍ طَوالَ مَلايِينِ السِّنِينَ، مِن دُونِ أن يَشُوبَها أَلَمٌ ولا كَدَرٌ، بَدَلًا مِن مَحَبَّتِهِم ومُلاعَبَتِهم في عَشرِ سَنَواتٍ دُنيَوِيّةٍ قَصِيرةٍَبِيُّةٍ مَشُوبةٍ بالآلامِ.. كلُّ هذا تُحَقِّقُه الآيةُ الكَرِيمةُ بجُمْلةِ: وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ فتُصبِحُ أَكبَرَ مَدارٍ لِسَعادةِ المَيءٌ شَينَ وتَزُفُّ أَعظَمَ بُشرَى لَهُم.
النُّقطة الثانية:
كانَ هُنالك یی ذاتَ يَومٍ یی رَجُلٌ كَرِيمٌ في السِّجنِ.. أُلحِقَ به وَلَدُه الحَبِيبُ أَيضًا، فكانَ يَتَألَّمُ كَثِيرًا بمَشَقّاتِ عَجْزِه عن تَدِيثِ ِ راحةِ ابنِه فَضْلًا عن مُقاساتِه آلامَه الشَّخصِيّةَ.
بَعَث إلَيْه الحاكِمُ الرَّحِيمُ أَحَدًا لِيُبَلِّغَه: "إنَّ هذا الطِّفلَ وإنا أنَّبنَك إلّا أنَّه واحِدٌ مِن رَعِيَّتِي وأَحَدُ أَفرادِ أُمَّتِي، سآخُذُه مِنك لِأُرَبِّيَه في قَصرٍ جَمِيلٍ فَخْمٍ".. بَدَأ الرَّجُلُ بالبُكاءِ والحَسْرةِ والتَّأَوُّهِ، وقال: "لا. لا أُعطِي وَلَدِي ولا أُسَلِّمُه، إنَّه مَدارُ سُلْوانِي!"ةٌ!
نْبَرَى له أَصدِقاؤُه في السِّجنِ: يا هذا، لا داعِيَ لِأَحزانِك ولا مَعنَى لِتَألُّمِك! إنْ كُنتَ تَتَألَّمُ لِأَجلِ الطِّفل فهُو سيَمضِي إلى قَصرٍ باذِخٍ رَحِيبٍ بَدَلًا مِن أَنْ يَبقَى في هذا السِّجنِ ايّةٌ.
َّثِ المُتَعفِّنِ الضَّيِّقِ؛ وإِنْ كُنتَ مُتَألِّمًا لِذاتِ نَفسِك وتَبحَثُ عن نَفعِك الخاصِّ، فإنَّك ستُعانِي مَشَقّاتٍ كَثِيرةً معَ ضِيقٍ وأَلَمٍ شَدالمَوجِ فيما إذا بَقِيَ هُنا لِأَجلِ أن تَحصُلَ على نَفعٍ مُؤَقَّتٍ ومَشكُوكٍ فيه! أمّا إذا ذَهَب إلى هُناك فسيَكُونُ وَسِيلةً لِأَلفِ نَفع وفائِدةٍ لك، ذلك لِأنَّه سيَكُونُرَسُولًا لِدَرِّ رَحْمةِ الحاكِمِ لك، وسيُصبِحُ لك في حُكْمِ الشَّفِيعِ.. ولا بُدَّ أنَّ الحاكِمَ سيَرغَبُ يَوْمًا في أنْ يُسعِدَه باللِّقاءِ مَعَك، ولا جَرَمَ أنَّه لن يُرسِلَه إلَيْك في السِّجنِ، بل سيَأْخُذُك إلَيْه ويُخرِجُك مِنَ السِّجنِ ويَبعََّلُ وى ذلك القَصرِ لِتَحْظَى باللِّقاءِ معَ الطِّفلِ فيما إذا كُنتَ ذا طاعةٍ له وثِقةٍ به.
— 106 —
وفي ضَوْءِ هذا المِثالِ یی يا أَخِي العَزِيزَ یی يّةً علي أنْ يَتَفكَّرَ فيه أَمثالُك مِنَ المُؤمِنِينَ عِندَما يُتَوفَّى أَطفالُهُم، ويقُولُوا: إنَّ هذا الطِّفلَ بَرِيءٌ، وإنَّ خالِقَه رَحِيمٌ وكَرِيمٌ، فبَدَلًا مِن رِقَّتِي القاَسِيتُعلَيْه، وبَدَلًا مِن تَربِيَتِي النّاقِصةِ له، فقدِ احْتَضَنَتْه الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ وضَمَّتْه العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ إلى كَنَفِها العَظِيمِ، وأَخرَجَتْه مِن مِ.
المَشَقّاتِ والمَصائِبِ والآلامِ الدُّنيَوِيّةِ وأَرسَلَتْه إلى ظِلالِ جَنّةِ فِردَوْسِها العَظِيمِ.. فهَنِيئًا لِذلِك الطِّفلِ!
ومَن يَدرِي ماذا كانَ يَعمَلُ وكَيفَ كان يَتَصرَّفُ لو ظَليّةَ یهذه الدُّنيا؟ لِذا فأَنا لَستُ مُتَألِّمًا علَيْه، بل أَراه سَعِيدًا مَحظُوظًا.. أمّا تَألُّمِي لِنَفسِي بالذّاتِ فكَذلِك لا أَتألَّمُ لها أَلَمًا شَدِيدًا فيما يَخُصٍُّ، ويُتِي الخاصّةَ، إذ لو كانَ باقِيًا في الدُّنيا لَكانَ يَضمَنُ لي مَحَبّةَ الأَوْلادِ ومُلاعَبَتَهُمُ المُؤقَّتةَ زُهاءَ عَشَرةِ أَعوامٍ وهي مَشُوبةٌ بالآلامِ، ولَرُبَّما لو كان صالِحًا بارًّا، وكانَ ذا قُدرةٍحَيثُ مُورِ الدُّنيا كانَ يُمكِنُه أن يُعِينَنِي ويَتَعاوَنَ مَعِي، إلّا أنَّه بوَفاتِه فقد ضَمِنَ لي مَحَبّةَ الأَوْلادِ ولِعَشَرةِ مَلايِينَ مِنَ السِّنِينِ وفي الجَنّةِ الخالِدةِ، وأَصبَحَ مُشَفَّعًا لي لِلدُّخُولِ إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِإنَّ رأَكُونُ إِذًا شَدِيدَ التَّألُّمِ علَيْه حتَّى على حِسابِ نَفسِي كَذلِك، لِأنَّ مَن غابَت عنه مَنفَعةٌ عاجِلةٌ مَشكُوكٌ فيها، ورَبِحَ أَلفَ مَنفَعةٍ آجِلةٍ مُهِمًّقةِ الحُصُولِ، لن يُظهِرَ الأَحزانَ الأَلِيمةَ، ولن يَنُوحَ يائِسًا أَبَدًا!
النُّقطة الثالثة:
إنَّ الطِّفلَ المُتَوفَّى ما كانَ إلّا مَخلُوقًا لِخالِقٍ رَحِيمٍ، وعَبْدًا له، وبكُلِّ كِيانِه مَصذه الر مِن مَصنُوعاتِه سُبحانَه، وصَدِيقًا مُودَعًا مِن لَدُنه عِندَ الوالِدَينِ لِيَبقَى مُؤقَّتًا تَحتَ رِعايَتِهِما، وقد جَعَل سُبحانَه أُمَّه وأَباه خادِمَينِ أَمِينَينِ له، ومَنَح كُلًّا مِنهُما شَفَقةً ذاتَ لَ
وإأُجرةً عاجِلةً إِزاءَ ما يقُومانِ به مِن خِدمةٍ.
والآنَ، إنَّ ذلك الخالِقَ الرَّحِيمَ الَّذي هو المالِكُ الحَقِيقيُّ لِلطِّفلِ یی وله فيه تِسعٌ وتِسعُونَ وتِسعُ مِئةِ حِصّةٍ، ولِوالِدِه حِصّةٌ واحِدةٌ یی إذوِيةِ َخَذ بمُقتَضَى رَحْمَتِه وحِكْمَتِه ذلك الطِّفلَ مِنك مُنهِيًا خِدْماتِك له؛ فلا يَلِيقُ بأَهلِ الإِيمانِ أن يَحزَنُوا يائِسِينَ ويَبكُنَى ال7
صارِخِينَ بما يُومِئُ إلى الشَّكْوَى أَمامَ مَوْلاهُ الحَقِّ صاحِبِ الحِصَصِ الأَلفِ، مُقابِلَ حِصّةٍ صُورِيّةٍ.. وإنَّما هذا شَأْنُ أَهلِ الغَفْلةِ والضَّلالةِ.
النُّقطة الرابعةلٌ وضِلو كانَتِ الدُّنيا أَبَدِيّةً أَبَدَ الآبادِ، ولو كانَ الإِنسانُ فيها خالِدًا مُخَلَّدًا، أو لو كانَ الفِراقُ أَبَدِيًّا، إِذًا لَكانَ لِلحُزنِ الأَلِيمِ والأَسَفِ اليالإِضاءَعنًى مّا.. ولكِن ما دامَتِ الدُّنيا دارَ ضِيافةٍ فأَينَما ذَهَب الطِّفلُ المُتَوفَّى فكُلُّنا یی نَحنُ وأَنتُم كَذلِك یی إلى هُناك راحِلُونَ لا مَناصَ.
ثمَّ ا شَرِذه الوَفاةَ لَيسَت خاصّةً به هو وَحْدَه، بل هي طَرِيقٌ يَسلُكُها الجَمِيعُ.
ولَمّا لم يَكُنِ الفِراقُ أَبَدِيًّا كَذلِك، بل سيَتِمُّ اللِّقاءُ في الأَيّامِ المُقبِلةِ في البَرزَخِ وفي الجَنّةلِه وهلِك يَنبَغِي القَولُ: الحُكْمُ للهِ.. إنَّ للهِ ما أَخَذ وما أَعطَى، معَ الِاحتِسابِ والصَّبْرِ الجَمِيلِ والشُّكرِ قائِلِينَ: الحَمْدُ للهِ على كُلِّ حالٍ.
النُّقطة الخامسة:
إنَّ الشَّفَقةَ الَّتي هي أَلطَفُ تَجَلوالثَّ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ وأَجمَلُها وأَطيَبُها وأَحلاها.. لَهِي إِكسِيرٌ نُورانِيٌّ، وهِي أَنفَذُ مِنَ العِشقِ بكَثِيرٍ، وهِي أَسرَعُ وَسِيلةٍ لِلوُصُولِ إلى الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى.
نعم، مِثلَما أنَّ العِشقَ المَجازِيَّ والعِشقَ الدُّنيََبَت أ بمُشكِلاتٍ كَثِيرة جِدًّا، يَنقَلِبانِ إلى "العِشقِ الحَقِيقيِّ" فيَجِدُ صاحِبُه اللهَ جَلَّ جَلالُه؛ كَذلِك الشَّفَقةُ، ولكِن بلا مُشكِلاتٍ، تَربِطُ القَلبَ باللهِ سُبحانَه لِيُوصِلَ صاحِبَه إلى اللهِ جَلَّ وعَلا بأَقصَرِ طَرِ إلى نَصفَى شَكلٍ.
والوالِدُ أوِ الوالِدةُ على السَّواءِ يُحِبّانِ وَلَدَهُما بمِلْءِ الدُّنيا كُلِّها، فعِندَما يُؤخَذُ الوَلَدُ مِن أَيٍّ مِنهُما فإنَّه یی إنْ كانَ سَعِيدًا ومِن أَهلِ الإِيمانِ یی يُعرِضُ بوَجْهِه عنِ الدُّنيا ويُدِيرُ لها ن أَلْه، فيَجِدُ المُنعِمَ الحَقِيقيَّ حاضِرًا فيقُولُ: ما دامَتِ الدُّنيا فانِيةً زائِلةً فلا
— 108 —
تَستَحِقُّ إِذًا رَبْطَ القَلبِ بها، فيَجِدُ إِزاءَ ما مَضَى إلَيْه وَلَدُه عَلاقةً وَثِيقةً، ورةً مُِ حالةً مَعنَوِيّةً سامِيةً.
إنَّ أَهلَ الغَفلةِ والضَّلالةِ لَمَحرُومُونَ مِن سَعادةِ هذه الحَقائِقِ الخَمسِ وبُشْرَياتِها.. فقِيسُوا على ما يَأْتِي مَدَى ما هُم فيه مِن أَحوالٍ أَلِيمةٍ:
عِندَما تُشاهِدُ والِدةٌ عَجُوزٌ طِفْلَها ْبَرَ يدَ الَّذي تُحِبُّه حُبًّا خالِصًا، يَتَقلَّبُ في السَّكَراتِ، يَذهَبُ فِكرُها حالًا إلى رُقُودِه في تُرابِ القَبْرِ بَدَلَ فِراشِه النّاعِمِ الوَثِيرِ، لِما تَتَصوِّ حَظّمَوتَ عَدَمًا وفِراقًا أَبَدِيًّا، لِتَوَهُّمِها الخُلُودَ في الدُّنيا ونَتِيجةَ الغَفْلةِ والضَّلالةِ، لِذا لا يَخطُرُ على بالِها رَحْمةُ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ولا جَنَّتُه ولا نِعْمةُ فِرَْكَبَته المُقِيمِ.. فأَنتَ تَستَطِيعُ أن تَقِيسَ مِن هذا مَدَى ما يُعانِيه أَهلُ الضَّلالةِ والغَفْلةِ مِن أَلَمٍ وحُزنٍ يائِسٍ بلا بَصِيصٍ مِن أَمَلٍ!
بَينَما الإِيمانُ والإِسلامُ وهُما وَسِيلَتا سَعادةِ الدّارَينِ يقُولانِ لِلمُؤمِنِ:
إِتقانَ هذا الطِّفلَ الَّذي يُعانِي ما يُعانِي مِن سَكَراتِ المَوتِ سيُرسِلُه خالِقُه الرَّحِيمُ إلى قُدُسِ جَنَّتِه بَعدَما يُخرِجُه مِن هذه الدُّنيا يُهمِلرةِ، زِدْ على ذلك أنَّه سيَجعَلُه لك مُشَفَّعًا، كما سيَجعَلُه لك أَيضًا وَلَدًا أَبَدِيًّا.. فلا تَقْلَقْ إِذًا ولا تَغتَمَّ، فالفِراقُ مُؤَقَّتٌ، واصْبِرْ قائِلًا: الحُكْمُ للهِ.
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِ العَظ
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 109 —
المكتوب الثامن عشر
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
(هذا المكتوب يتضمَّن ثلاث مسائل مُهِمَّساتِ المسألة المُهِمّة الأولى:
سُؤالٌ:إنَّ أَوْلِياءَ مَشهُورِينَ أَمثالَ الشَّيخِ مُحْيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ (قُدِّسَ سِرُّه) صاحِبِ كِتابِ "الفُتُوحات المَكِّيّة" والشَّيخِ عَبدِ الكَرِيمِ الجِيليِّ (قُدِّسَ سِرُّه) صاحِبِ كِتابِ "الإِيالًا،لكامِل" يَبحَثُونَ في طَبَقاتِ الأَرضِ السَّبعِ، وفي الأَرضِ البَيْضاءِ خَلفَ جَبَلِ "قاف"، وفي أُمُورٍ عَجِيبةٍ كالمِشْمِشِيّةِ یی كما في الفُتُوحاتِ یی ويقُولُونَ: لقد رَأَيْنا! فهل ما يقُولُونَه صِدْقٌ وصَوابٌ؟ فإن كانَ هكذا فلَيسَ في أَلِكَ ومِثلُ ما يقُولُونَ! والجُغْرافيةُ والعُلُومُ الحاضِرةُ تُنكِرُ ما يقُولُونَه! وإن لم تكُن أَقوالُهُم صَوابًا فكَيفَ أَصبَحُوا أَوْلِياءَ صالِحِينَ، إذ كَيفَ يكُونُ مَن يَنطِقُ بمِثلِ هَّ قِسَقوالِ المُخالِفةِ لِلواقِعِ المُشاهَدِ والمَحسُوسِ والمُنافِيةِ لِلحَقِيقةِ، مِن أَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ!
الجَوابُ:إنَّهُم مِن أَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، وهُم أَيضًا أَهلُ وِلايةعَمَلُُودٍ، فما شاهَدُوه فقد رَأَوْه حَقًّا، ولكِن يَقَعُ الخَطَأُ في قِسمٍ مِن أَحكامِهِم، في مُشاهَداتِهِم في حالةِ الشُّهُودِ الَّتي لا ضَواب عنِ اا ولا حُدُودَ، وفي تَعبِيرِ رُؤيَتِهِمُ الشَّبِيهةِ بالرُّؤَى الَّتي لا حَقَّ لَهُم في التَّعبِيرِ عنها.
— 110 —
إذ كما لا يَحِقُّ لِصاحِبِ الرُّؤِْتًا لَّعبِيرُ عن رُؤْياه بنَفسِه، فذلِك القِسمُ مِن أَهلِ الشُّهُودِ والكَشفِ لَيسَ لَهُمُ الحَقُّ أنْ يُعَبِّرُوا عن مُشاهَداتِهِم في تلك الحالةِ: حالةِ الشُّهُودِ؛ فالَّذي يَحِقُّ له التَّعبِيرُ عن تلك المُشاهَداتِ إنَّما هم وَرا ما ألأَنبِياءِ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ المَعرُوفِينَ بالأَصفِياءِ.. ولا رَيبَ أنَّ أَهلَ الشُّهُودِ هَؤُلاءِ عِندَما يَرْقَوْنَ إلى مَقامِ الأَصفِياءِ سيُدرِكُونَ أَخطاءَهُم بأَنفُسِهِم على رَدِ الكِتابِ والسُّنّةِ ويُصَحِّحُونَها.. وقد صَحَّحَها فِعلًا قِسمٌ مِنهُم.
فاسْتَمِعْ إلى هذه الحِكايةِ التَّمثِيلِيّةِ لِتَوضِيحِ هذه الحَقِيقةِ، وهي:
اصْطَحَبَ راعِيانِ مِن أَهلِ القَلبِ والصَّلا أَمامَلَبا مِن غَنَمِهِما اللَّبَنَ ووَضَعاه في إِناءٍ خَشَبِيٍّ، ووَضَعا النّايَ القَصَبِيَّ فَوقَ حافَتَيِ الصَّحْنِ، ثمَّ شَعَر أَحَدُهُما بالنُّعاسِ، وما فَتِئَ أنْ غَلَبَضِ الأَومُ، فنام واستَغْرَقَ في نَوْمِه.
أمّا الثَّاني فقد ظَلَّ مُستَيقِظًا يَرقُبُ صاحِبَه، وإذا به يَرَى وكأنَّ شَيئًا صَغِيرًا كالذُّبابةِ يَخرُجُ مُوا الفِ صاحِبِه النَّائِمِ، ثمَّ يَمُرُّ سَرِيعًا ويَقِفُ على حافَةِ الإِناءِ ناظِرًا في اللَّبَنِ، ثمَّ يَدخُلُ مِن فَوْهةِ النَّايِ مِن أَحَدِ طَرَفَيه ويَخرُجُ مِن فَوْهةِ الطَّرَفِ الآخَرِ، ةِ المَمضِي ويَدخُلُ في ثُقبٍ صَغِيرٍ تَحتَ شَجَرةِ القَتادِ الشَّوْكِيّةِ كانَت بالقُربِ مِنَ المَكانِ.
ثمَّ يَعُودُ ذلك الشَّيءُ بَعدَ ِزاتِ، ويَمضِي في النّايِ أَيضًا ويَخرُجُ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ مِنه، ثمَّ يَأْتِي إلى ذلك النّائِمِ ويَدخُلُ في أَنفِه.. وهُنا يَستَيقِظُ النّائِمُ مِن نَومِه، ويَصحُو قائِلًا لِصَدِيقِه:
-لقد رَضُ علَيا صَدِيقِي في غَفْوَتِي هذه رُؤْيا عَجِيبةً!
-اللَّهُمَّ أَرِنا خَيرًا وأَسمِعْنا خَيرًا.. قُل يا صَدِيقِي ماذا رَأَيتَ؟
-رَأَيتُ وأنا نائِمٌ بَحرًا مِن لَبَنٍ، وقد مُدَّ علَيْه جِسرٌ عَجِيبٌ، وكان الجِسرُ مَسقُوفًا، أَمامَْفِه نَوافِذُ، مَرَرتُ مِن ذلك الجِسرِ، ورَأَيتُ في نِهايةِ الطَّرَفِ الثّاني غابةً
— 111 —
كَثِيفةً ذاتَ أَشجارٍ مُدَبَّبةٍ؛ وبَينَما أنا أَنظُرُ إلَيْها مُتَعجِّبًا رَأَيتُ كَهْفًا تَحتَ الأُتَفرّ، فسَرعانَ ما دَخَلَت فيه، ورَأَيتُ كَنزًا عَظِيمًا مِن ذَهَبٍ خالِصٍ.
فقُل لي يا صَدِيقِي، ما تَرَى في رُؤْيايَ هذه، وكَيفَ تُعَبِّرُها لي؟ أَجابَه صَدِيقُه الصَّاحّا الل -إنَّ ما رَأَيتَه مِن بَحرِ اللَّبَنِ هو هذا اللَّبَنُ في هذا الإِناءِ، وذلك الجِسرُ الَّذي فَوقَه هو النّايُ المَوضُوعُ فَوقَ حافَتَيجَلِيلرُّؤُوسُ المَشُوكةُ لِلأَشجارِ هي شَجَرةُ القَتادِ هذه، وذلك الكَهفُ الكَبِيرُ هو هذا الثُّقبُ الصَّغِيرُ تَحتَ هذه النَّبْتةِ القَرِيبةِ مِنّا.. فهولُ عن صَدِيقِي المِعْوَلَ لِأُرِيَك الكَنزَ بنَفسِي. فيَأْتِي صَدِيقُه بالمِعْوَل ويَبْدَأانِ الحَفْرَ تَحتَ شَجَرةِ القَتادِ، ولم يَلْبَثا حتَّى يَنكَشِفَ لَهُما ما يُسعِدُهُما في الدُّنيا مِن كَنزٍ ذَهَبِيٍّ.
وْ ثَما فإنَّ ما رَآه النَّائِمُ في نَومِه صَوابٌ وصَحِيحٌ، وقد رَأَى ما رَأَى حَقِيقةً وصِدْقًا، ولكِن لِأنَّه مُستَغرِقٌ في عالَمِ الرُّؤْيا، وعالَمُ الرُّؤْيا لا ضَوابِطَ له ولا حُدَكمَلُفلا يَحِقُّ لِلرَّائِي تَعبِيرُ رُؤْياه، فَضْلًا عن أنَّه لا يُميِّزُ بَينَ العالَمِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ، لِذا يكُونُ قِسمٌ مِن حُكْمِه خَطَأً.. حتَّى إنَّه يقُولُ لِصاحِبِه صادِقًاتية: (رَأَيتُ بنَفسِي بَحرًا مِن لَبَنٍ. ولكِنَّ صَدِيقَه الَّذي ظَلَّ صاحِيًا يَستَطِيعُ أن يُميِّیزَ بسُهُولةٍ العالَمَ المِثاليَّ ويَفرِزَه عنِ العالَمِ ضَلُ مِيِّ، فله حَقُّ تَعبِيرِ الرُّؤْيا حَيثُ يُخاطِبُ صَدِيقَه قائِلًا:
-إنَّ ما رَأَيتَه يا صَدِيقِي حَقٌّ وصِدْقٌ، ولكِنَّ البَحرَ الَّذي رَأَيتَه لَيسَ بَحرًا حَقِيقيًّا، بل قد صارَ إِناءُ اللَّبَنِ الخَشفي أَس هذا في رُؤْياك كأنَّه البَحرُ، وصارَ النّايُ كالجِسرِ.. وهكذا..
وبِناءً على هذا المِثالِ يَنبَغِي التَّميِيزُ بَينَ العالَمِ المادِّيِّ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ، فلولكَعبةا مَعًا، جاءَت أَحكامُهُما خَطَأً ولا نَصِيبَ لها مِنَ الصِّحّةِ.
ومِثالٌ آخَرُ:هَبْ أنَّ لك غُرفةً ضَيِّقةً، وُضِعَت في جُدْرانِها الأَربَعةِ مَرايا كَبِيرةٌ، تُغَطّ: القاُّ مِرآةٍ مِنها الجِدارَ كُلَّه؛ فعِندَما تَدخُلُ غُرفَتَك تَرَى أنَّ الغُرفةَ الضَّيِّقةَ قدِ اتَّسَعَت وأَصبَحَت كالسّاحةِ الفَسِيحةِ، فإذا قُلتَ:
— 112 —
-إِنَّني أَرَى غُرفَتِي كساحةٍ نَى هوٍ.. فإنَّك لا شَكَّ صادِقٌ في قَوْلِك.
ولكِن إذا حَكَمتَ وقُلتَ:
-غُرفَتِي واسِعةٌ سَعةَ السّاحةِ فِعلًا.. فقد أَخْطَأْتَ في حُكْمِك، لِأنَّك قد الحَيَّ عالَمَ المِثالِ یی وهُو هُنا عالَمُ المَرايا یی بعالَمِ الواقِعِ والحَقِيقةِ، وهُو هُنا عالَم غُرفَتِك كما هي فِعْلًا.
وهكَذا تَبيَّنَ أنَّّوْلةاءَ على أَلسِنةِ بَعضِ أَهلِ الكَشفِ، أو ما وَرَد في كُتُبِهِم حَوْلَ الطَّبَقاتِ السَّبعِ لِلكُرةِ الأَرضِيّةِ مِن تَصوِيراتٍ مِن دُونِ أن يَزِنُوا بَياناتِهِم بمَوازِينِ الكِتابِ والسُّنّةِ لا تَقتَصِرُ على الوَضَْكاذِيادِّيِّ والجُغْرافِيِّ لِلأَرضِ. إذ قالُوا:
إنَّ طَبَقةً مِن طَبَقاتِ الأَرضِ خاصَّةٌ بالجِنِّ والعَفارِيتِ ولَها سَعةُ مَسِيرةِ أُلُوفِ السِّنِينَ. والحالُ أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ الَّتي يُمكِنُدِرةٍ ُها في بِضعِ سِنِينَ لا تَنطَوِي على تلك الطَّبَقاتِ العَجِيبةِ الهائِلةِ السَّعةِ.
ولكِن لو فَرَضْنا أنَّ كُرَتَنا الأَرضِيّةَ كبِذْرةِ صَنَوْبَرٍ في عاَّها فلمَعنَى وعالَمِ المِثالِ وفي عالَمِ البَرزَخِ وعالَمِ الأَرْواحِ، فإنَّ شَجَرَتَها المِثالِيّةَ الَّتي ستَنبَثِقُ مِنها وتَتَمثَّلُ في تلك العَوالِم ستكُونُ كشَجَرةِ صَنَوْبَرٍ ضَخْمةٍ جِدًّا بالنِّسبةِ لِتِلك البِذْرةِ؛ لِذا فإنِ والمْمًا مِن أَهلِ الشُّهُودِ يَرَوْنَ أَثناءَ سَيرِهِمُ الرُّوحانِيِّ طَبَقاتِ الأَرضِ في عالَمِ المِثالِ واسِعةً سَعةً مَهُولةً جِدًّا، فيُشاهِدُونَها بسَعةِ مَسِيرةِ أُلُوفِ السِّنِينيّةِ، ا يَرَوْنَه صِدْقٌ وحَقِيقةٌ، ولكِن لِأنَّ عالَمَ المِثالِ شَبِيهٌ صُورةً بالعالَمِ المادِّيِّ، فهُم يَرَونَهُما یی أيِ: العالَمَينِ كِلَيْهِما یی مَمزُوجَينِ أَيضًا فيُعَبِّرُونَ عمّا يُشاهِدُونَ كما هو؛ ولكِن لِأنَّ مَشهُوداتِهِم غَيرُ مَوْزُونةٍ بمَوازِينِ الكِتابِ والسُّنّةِ ويُسَجِّلُونَها كما هي في كُتُبِهِم عِندَما يَعُودُونَ إلى عالَمِ الصَّحْوِ، فإنَّ النّاسَِن إنْقَّوْنَها خِلافَ الحَقِيقةِ، إذ كما أنَّ الوُجُودَ المِثاليَّ لِقَصرٍ عَظِيمٍ وحَدِيقةٍ فَيْحاءَ تَستَوعِبُه مِرآةٌ صَغِيرةٌ، كَذلِك سَعةُ أُلُوفِ السِّنِينَ إنَّه لعالَمِ المِثاليِّ، والحَقائِقِ المَعنَوِيّةِ تَستَوعِبُها مَسافةُ سَنةٍ مِنَ العالَمِ المادِّيِّ.
— 113 —
خاتِمةٌ:يُفهَمُ مِن هذه المَسأَلةِ: أنَّ دَرَجةَ ا رَضِيودِ أَدْنَى بكَثِيرٍ مِن دَرَجةِ الإِيمانِ بالغَيبِ. أي: أنَّ الكَشْفِيّاتِ الَّتي لا ضَوابِطَ لها لِقِسمٍ مِنَ الأَوْلياءِ المُستَنِدِينَ إلى شُهُودِهِم فقط، لا تَبلُغُ أَحكامَ الأَصفِياءِ والمُحَقِّقِينَ مِن وَرَثةِ الأَنبِياءِ الَّذينَ ل ومِثاَنِدُونَ إلى الشُّهُودِ بل إلى القُرآنِ والوَحْيِ، فيُصدِرُونَ أَحكامَهُم السَّدِيدةَ حَولَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ، فهِي حَقائِقُ غَيبِيّةٌ إلّا أنَّها صافِيةٌ لا شائِبةعاقَبُ، وهي مُحَدَّدةٌ بضَوابِطَ، ومَوزُونةٌ بمَوازِينَ.
إذًا: فمِيزانُ جَمِيعِ الأَحوالِ الرُّوحِيّةِ والكَشْفِيّاتِ والأَذْواقِ والمُشاهَداتِ إنَّما هو: دَساتِيرُ الكِتابِ والسُّنّةِ السّاَقِينِ وقَوانِينُ الأَصفِياءِ والمُحَقِّقِينَ الحَدْسِيّةُ.
المسألة الثانية المُهِمّة:
سُؤالٌ:يَعتَبِرُ الكَثِيرُونَ "وَحْدةَ الوُجُودِ" مِن أَرفَعِ المَقاماتِ، بَينَما لا نُشاهِدُ لَها أَثَرًا عِندَ الَّذينَ لَهُمما أنّلايةُ الكُبْرَى، وهُمُ الصَّحابةُ الكِرامُ وفي مُقَدِّمَتِهِمُ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ، ولا عِندَ أَئِمّةِ آلِ البَيتِ وفي مُقَدِّمَتِهِمُ الخَمْسةُ المَعرُوفُونَ بآلِ العَباءِ، ولا عِندَ المُجتَهِدِينَ وفي مُقَدِّمَتِهِمُ الأَئِمّةُ رَتْنيَعةُ، ولا عِندَ التّابِعِينَ.. فهَلِ الَّذينَ أَتَوْا مِن بَعدِ هَؤُلاءِ اكتَشَفُوا طَرِيقًا أَسمَى وأَرفَعَ مِن طَرِيقِهِم؟ وهل سَبَقُوهُم في هذا المِضْمارِ؟!
الجَوابُ:كَلّا.. وحادَوْسِِ أن يكُونَ الأَمرُ كَذلِك، فلَيسَ في مَقدُورِ أَحَدٍ یی كائِنًا مَن كانَ یی أنْ يَصِلَ إلى مُستَوَى أُولَئِك الأَصفِياءِ الَّذينَ كانُوا أَقرَبَ النُّجُومِ اللّامِعةِ إلى شَمسِ الرِّسالةِ والوارِثِينَ السَّابِقِينَ إلى كُنُوزِتَهُم بوّةِ فَضْلًا عن أن يَسبِقُوهُم؛ فالجادّةُ الكُبْرَى إنَّما هي طَرِيقُهُم، والمَنهَجُ القَوِيمُ إنَّما هو مَنهَجُهُم.
أمّا وَحْدةُ الوُجُودِ فهِي مَشْرَبٌ ونَزْعةٌ وحالٌِفةٍ ممَرتَبةٌ ناقِصةٌ، ولكِن لِكَوْنِها مُشْرَبةٌ بلَذّةٍ وِجْدانيّةٍ ونَشْوةٍ رُوحِيّةٍ فإنَّ مُعظَمَ الَّذينَ يَحمِلُونَها أو يَدخُلُونَ إلَيْها لا يَرغَبُونَ في مُغادَرَتِها فيَبْقَوْنَ فيها، ظانِّينَ أنَّها هي المَرتَبةُ الأَخِيرةُ الَّتي لاَلاقةٌو فَوقَها مَرتَبةٌ ولا يَطُولُها أُفقٌ.. لِذلِك فإنَّ صاحِبَ هذا المَشرَبِ إنْ كانَ ذا رُوحٍ مُتَجرِّدةٍ مِنَ
— 114 —
المادّةِ ومِن وَسائِلِها، ومَزَّقَت سِتارَ الأَسبابِ وتَحَرَّرَت مِن قُيُودِها ونالَت شُهُودًا في لُجّةِ الِاستِغراقِ الكُلّ الأَوفإنَّ مِثلَ هذا الشَّخصِ قد يَصِلُ إلى وَحْدةِ وُجُودٍ حاليٍّ لا عِلمِيٍّ، ناشِئةٍ مِن وَحْدةِ شُهُودٍ ولَيسَ مِن وَحْدةِ الوُجُودِ، فتُحَقِّقُ لِالخُصَها كَمالًا ومَقامًا خاصًّا به، بل قد تُوصِلُه إلى إِنكارِ وُجُودِ الكَوْنِ عِندَ تَركِيزِ انتِباهِه في وُجُودِ اللهِ.
أمّا إنْ كان صاحِبُ هذا المَشرَبِ مِنَ الَّذينَ أَغرَقَتْهُمُ المادّةُ وأَسبابُها، فإنَّ ادِّعاءَهومَلَكْدةِ الوُجُودِ قد تُؤَدِّي به إلى إِنكارِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه لِكَوْنِ انتِباهِه مُنحَصِرًا على وُجُودِ الكَونِ.
نعم، إنَّ الصِّراطَ المُستَقِيمَ لَه حَيثُِيقُ الصَّحابةِ والتَّابِعِينَ والأَصفِياءِ الَّذينَ يَرَوْنَ أنَّ "حَقائِقَ الأَشياءِ ثابِتةٌ"، وهي القاعِدةُ الكُلِّيّةُ لَدَيهِم، وهُمُ الَّذينَ يَعلَمُونَ أنَّ الأَدَبَ اللّائِقَ بحَقِّ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى هو قَولُه تَعالَى:لسَّلاسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، أي: أنَّه مُنزَّهٌ عنِ الشَّبِيهِ والتَّحَيُّزِ والتَّجَزُّؤِ، وأنَّ عَلاقَتَه بالمَوجُوداتِ عَلاقةُ الخالِق بالمَخلُوقاتِ، فالمَوجُوداتُ لَيسَت أَوْهامًا كما يَدَّعِي أَصحابُ وَحْدةِ الوُجُودِ، بل هذه الأَشياءُ الظّاهَرَ الي مِن آثارِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى.. إذًا: فلَيسَ صَحِيحًا قَولُهُم: "همه اوست" أي: "لا مَوجُودَ إلّا هو"، وإنَّما الصَّحِيحُ "همه از اوست" أي:ّةِ شََوجُودَ إلّا مِنه"، ذلك لِأنَّ الحادِثاتِ لا يُمكِنُ أنْ تكُونَ القَدِيمَ نَفسَه.
ويُمكِنُ تَقرِيبُ المَوضُوعِ إلى الأَذهانِ بمِثالَينِ:
الأيمٍ مُلِنَفْرِضْ أنَّ هُنالِك سُلْطانًا، وأنَّ لِهَذا السُّلطانِ دائِرةَ عَدْلٍ، فهذه الدّائِرةُ تكُونُ مُمَثِّلةً لِاسمِ "الحاكِمِ العادِلِ"؛ وأنَّ هذا السُّلطانَ في الوَقتِ نَفسِه هو "خَلِيفةٌ"،ِراطِ فإنَّ له دائِرةً تَعكِسُ فيها ذلك الِاسمَ.. كما أنَّ هذا السُّلطانَ يَحمِلُ اسمَ "القائِدِ العامِّ لِلجَيشِ"، لذا ستَكُونُ له دائِرةٌ عَسكَرِيّةٌ تُظهِرُ ذلك الِاسمَ، فالجَيشُ مَظهَرٌ لِهَذا الِاسمِ.. والآنَ إذا قِيلَ بأنِّ، وأنالسُّلطانَ هو "الحاكِمُ العادِلُ" فقط، وأنَّه لا تُوجَدُ سِوَى دائِرةِ العَدلِ الَّتي تَعكِسُ اسمَ الحاكِمِ الأَعظَمِ، ففي هذه الحالةِ تَظهَرُ بالضَّرُورةِ بَينَ مُوَظَّفِي دائِرةِ العَدلِ صِفةٌ اعتِبارِيّةٌ غَيرُ حَقِيقيّامُ؟ وَوْصافِ عُلَماءِ دائِرةِ الشُّؤُونِ الدِّينِيّةِ
— 115 —
وأَحوالِهِم، أي: يَنبَغِي أن يُتَصوَّرَ صِفةٌ ظِلِّيّةٌ وتابِعةٌ وغَيرُ حَقِيقيّةٍ لِدائِرةِ الش المُبِ الدِّينِيّةِ بَينَ مُوَظَّفِي دائِرةِ العَدلِ.. وكَذلِك الحالُ بالنِّسبةِ لِلدّائِرةِ العَسكَرِيّةِ، إذ لا بُدَّ أن تَظهَرَ أَحوالُها ومُعامَلاتُها بشَكلٍ ظِلِّيٍّ وفَرْضِيٍّ وغَيرِ حَقِيقيٍّ بَينَ مُوَظَّفِي ِ على ِ العَدلِ.. وهكَذا.
إذًا: ففي هذه الحالةِ فإنَّ اسمَ السُّلطانِ الحَقِيقيَّ وصِفةَ حاكِمِيَّتِه الحَقِيقِيّةَ "الحاكِمُ العادِلُ"، وحاكِمِيَّتُه في دائِرةِ العَدلِ؛ أمّا صِفاتُه الأُخرَى مِثلَ "الخَلْتِي ل و"القائِدِ العامِّ لِلجَيشِ".. إلخ، فتَبقَى نِسبِيّةً وغَيرَ حَقِيقِيّةٍ، بَينَما ماهِيّةُ السُّلطانِ وحَقِيقةُ السَّلطَنةِ تَقتَضِيانِ هذه الأَسماءَ جَمِيعًا بصُورةٍ حَقِيقيّةٍ، وأنَّ الأَسماءَ الحَقِيقيّةَلَيسَ لَّبُ هي الأُخرَى دَوائِرَ حَقِيقيّةً وتَقتَضِيها.
وهكَذا، فإنَّ سَلْطَنةَ الأُلُوهِيّةِ تَقتَضِي وُجُودَ أَسماءٍ حُسنَى حَقِيقيّةٍ مُتَعدِّدةٍ لها، أَمثالَ: الرَّحمٰن، الرَّزّايشٍ، كوَهّابِ، الخَلّاقِ، الفَعّالِ، الكَرِيمِ، الرَّحِيمِ.. وهذه الأَسماءُ والصِّفاتُ تَقتَضِي كَذلِك وُجُودَ مَرايا حَقِيقيّةٍ لها.
والآنَ ما دامَ أَصحابُ وَحْدةِ الوُجُودِ يقُولُونَ: "لا مَوجُودَ إلّا هو"، ويُنزِلُونَ المَوجُوداتِ مَ المَح العَدَمِ والخَيالِ، فإنَّ أَسماءَ اللهِ تَعالَى أَمثالَ: واجِبِ الوُجُودِ، المَوجُودِ، الأَحَدِ، الواحِدِ.. تَجِدُ لها تَجَلِّياتِها الحَقِيقيّةَ ودَوائِرَها الحَقِيقيّةَ، وحتَّى إنْ لم تكُن دَوائِرُ هذه الأَسماءِ، إذ أياها حَقِيقيّةً یی وأَصبَحَت خَياليّةً وعَدَمِيّةً یی فلا تَضُرُّ تلك الأَسماءَ شَيئًا، بل رُبَّما يكُونُ الوُجُودُ الحَقِيقيُّ أَصفَى وأَلمَعَ إنْ لم يكُن في مِرآتِه لَوْنُ الوُجُودِ، ولكِن في هذه الحالةِ لا تَجِدُ لِأَسماءِ اللهِ الحُأنَّ الأُخرَى أَمثالِ: الرَّحمٰنِ، الرَّزّاقِ، القَهّارِ، الجَبّارِ، الخَلّاقِ، تَجَلِّياتِها الحَقِيقيّةَ، بل تُصبِحُ اعتِبارِيّةً ونِسبِيّةً، بَينَما هذه الأَسماءُ هي أَسماءٌ حَقِيقيّةٌ كاسمِ "المَوجُودِ"، وُقبَى كِنُ أن تكُونَ ظِلًّا، وهي أَصلِيّةٌ لا يُمكِنُ أن تكُونَ تَبَعيّةً.
وهكذا، فإنَّ الصَّحابةَ والمُجتَهِدِينَ والأَصفِياءَ وأَئِمّةَ أَهلِ البَيتِ عِندَما يُشِيرُونَ إلى أنَّ "حَقائِقَ الأَشياءالَّذيتةٌ" يُقِرُّونَ بأنَّ لِأَسماءِ اللهِ تَعالَى تَجَلِّياتٍ حَقِيقيّةً وأنَّ لِجَمِيعِ
— 116 —
الأَشياءِ وُجُودًا عَرَضِيًّا أَسبَغَه اللهُ علَيْها بالخَلْقِ والإِيجادِ.. وميحةٌ بَّ هذا الوُجُودَ يُعتَبَرُ وُجُودًا عَرَضِيًّا وضَعِيفًا وظِلًّا غَيرَ دائِمٍ بالنِّسبةِ لِوُجُودِ "واجِبِ الوُجُودِ" إلّا أنَّه لَيسَ وَهْمًا ولَيسَ خَرْدٍ ق فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى قد أَسبَغَ على الأَشياءِ صِفةَ الوُجُودِ بتَجَلِّي اسمِه "الخَلَّاقِ" وهُو يُدِيمُ هذا الوُجُودَ.
المِثالُ الثَّاني:لِنَفرِضْ أنُّرُ بمذه الغُرفةِ أَربَعَ مَرايا جِدارِيّةٍ كَبِيرةٍ مَوضُوعةٍ على جُدْرانِها الأَربَعةِ، فصُورةُ الغُرفةِ تَرتَسِمُ على كُلِّ مِرآةٍ مِن هذه المَرايلا رَيِنْ كُلُّ مِرآةٍ تَعكِسُ صُورةَ الأَشياءِ بالشَّكلِ الَّذي يُناسِبُ صِفَتَها ولَوْنَها، أي: أنَّ كلَّ مِرآةٍ ستَعكِسُ مَنظَرًا خاصًّا لِلغُنْ يَأفإذا دَخَل رَجُلانِ إلى الغُرفةِ واطَّلَع أَحَدُهُما على إِحدَى هذه المَرايا فإنَّه يَعتَقِدُ أنَّه يَرَى جَمِيعَ الأَشياءِ مُرتَسِمةً فيها، وعِندَما يَسمَعُ بوُجُودِ مَرايا أُخرَى وما فيها مِن صُوَرٍ فإنَّه يَعتَقِدُ أنَّيثِ ونَرُ المَرايا الَّتي تَنعَكِسُ على مِرآتِه نَفسِها، والَّتي لا تَشغَلُ إلّا حَيِّیزًا صَغِيرًا مِنها، بَعدَ أنْ تَضاءَلَت صُورَتُها مَرَّتَينِ وتَغيَّرَت حَقيمًا فها فيقُولُ: إنَّني أَرَى الصُّورةَ هكذا. إذًا فهذه هي الحَقِيقةُ.
فيقُولُ له الرَّجُلُ الثَّاني: نعم، إنَّك تَرَى ذلك وما تَراه صَحِيحٌ، ولكِن لَيسَ هو في الواقِعِ صُورةَ الحَقِيقةِ نَفسِها، فهُنالِك مَي تُمَُخرَى غَيرُ المِرآةِ الَّتي تُحَدِّقُ فيها، وتلك المَرايا لَيسَت صَغِيرةً وضَئِيلةً ومُنعَكِسةً مِنَ الظِّلالِ كما تَراها في مِرآتِك!
وهكَذا، فإنَّ كلَّ اسمٍ مِن أَسماءِ اللهِ الحُسنَى يَتَطلّ أنّرآةً خاصّةً به كلٌّ على حِدَةٍ. فمَثلًا:
إنَّ الأَسماءَ الحُسنَى أَمثالَ: "الرَّحمٰنِ، الرَّزّاقِ" لَمّا كانَت أَسماءً حَقِيقيّةً وأَصلِيّةً فإنَّها تَقتَضِي مَوجُوداتٍ لائِقةً بها ومَخلُوقاتٍ مُحتاجةً إلى مَقَّ كذا الرِّزقِ ومِثلِ هذه الرَّحْمةِ.
فكَما يَقتَضِي اسمُ "الرَّحمٰنِ" مَخلُوقاتٍ حَيّةً مُحتاجةً إلى الرِّزقِ في عالَمٍ حَقِيقيٍّ، فإنَّ اسمَ "الرَّحِيمِ" يَستَدعِي جَنّةً حَقِيقيّةً كَذلِك.. لِذا فإنَّ اعتِبارَ أَسماءٍ مالَمِ نةٍ مِن أَسماءِ اللهِ الحُسنَى أَمثالَ "المَوجُودِ، الواحِدِ، الأَحَدِ، واجِبِ الوُجُودِ" هي الأَسماءُ الحَقِيقيّةُ
— 117 —
فقط، وتَوَهُّمُ الأَسماءِ الحُسنَى الأُخرَى تابِعةً وظِلًّا لها، حُكْمٌ غَيرُ عادِلٍ وتَنَكُّبٌ عن واجِبِ الِاحتِرامِ ا يَتَالأَسماءِ الحُسنَى كما يَنبَغِي.
إذًا فالجادّةُ الكُبْرَى إنْ هي إلّا طَرِيقُ الصَّحابةِ والأَصفِياءِ والتّابِعِينَ وأَئِمّةِ أَهلِ البَيتِ والأَئِمّةِ المُجتَهِدِينَ الَّ يَنطَ أَصحابُ الوِلايةِ الكُبْرَى، وهُمُ التَّلامِيذُ الأُوَلُ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُزِغْ أُمََّنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
اللَّهُمَّ صَلِّ على مَن أَرسَلتَه رَحْمةً لُ في امِينَ، وعلى آلِه وصَحْبِه أَجمَعِينَ
المسألة الثَّالثة:
وهي المَسأَلةُ المُهِمّةُ الَّتي لا يُمكِنُ حَلُّها بالعَقلِ، ولا كَشْفُها بالحِكْمةِ والفَلسَفةِ.
قأنَّ رالَى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
سُؤالٌ:ما سِرُّ هذه الفَعّاليّةِ المُحَيِّرةِ لِلأَلبابِ الجارِيةِ في الكائِناتِ وما حِكْمَتُها؟ ولِمَ لا تَستَقِرُّ هذه المَورًا، وُ الدّائِبةُ في الحَرَكةِ، بل تَتَجدَّدُ وتَتَغيَّرُ؟
الجَوابُ:إنَّ إِيضاحَ هذه الحِكْمةِ يَحتاجُ إلى أَلفِ صَحِيفةٍ، فنَدَعُ الإِيضاحَ جانِبًا ونَحصُرُ الجَوابَ في غايةِ الِاختِصارِ في صَحِيفَتَينِ اثنَتَينِ العاولُ:
إنَّ شَخْصًا ما إذا أَدَّى وَظِيفةً فِطْرِيّةً، أو قامَ بمُهِمّةٍ اجتِماعِيّةٍ، وسَعَى في إِنجازِها سَعْيًا حَثِيثًا، فلا شَكَّ أنَّ المُشاهِدَ يُدرِكُابِعِه لا يقُومُ بهذا العَمَلِ إلّا بدافِعَينِ:
الأوَّل:هو المَصالِحُ والثَّمَراتُ والفَوائِدُ الَّتي تَتَرتَّبُ على تلك الوَظِيفةِ والمُهِمّةِ، وهي الَّتي تُسَمَّى بی"العِلّةِ الغائيّةِ".
الثّاني:إنَّ هُنالِك مَحَبّةحِكْمَوْقًا، ولَذّةً يَشعُرُ بها الإِنسانُ في أَثناءِ أَدائِه لِتِلك الوَظِيفةِ، مِمّا يَدفَعُه إلى القِيامِ بها بحَرارةٍ وشَوْقٍ، وهذا ما يُسَمَّى بی"الدّاعِي والمُقتَضِي".
#1َمَرٍ مِثالُ ذلك:إنَّ الأَكْلَ وَظِيفةٌ فِطْرِيّةٌ يَشتاقُ الإِنسانُ إلى القِيامِ بها بدافِعٍ مِن لَذّةٍ ناشِئةٍ مِنَ الشَّهِيّةِ، ومِن بَعدِها فهُنالِك إِنماءُ الجِسمِ وإِدامةُ الحَياةِ كنَتِيجةٍ لِلأَكلِ وثَمَرةٍ له.َّه باَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فإنَّ الفَعّالِيّةَ الجارِيةَ في هذا الكَوْنِ الواسِعِ الَّتي تُحَيِّرُ الأَلبابَ وتَجعَلُ العُقُولَ في غَمْرةِ اندِهاشٍ وإِعجابٍ إنَّما تَستَنِدُ إلى قِسمَينِ مِنَ الأَسماءِ، وتَجرِي نَتِيجةَ إِرَأَى حِكْمَتَينِ اثنَتَينِ واسِعَتَينِ بحَيثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما لا تَحُدُّها حُدُودٌ.
الحِكمةُ الأُولى:
إنَّ أَسماءَ اللهِ الحُسنَى لَها تَجَلِّياتٌ لا تُحَدُّ ولا تُحصَرُ، فتَحادِثُ المَخلُوقاتِ إلى أَنواعٍ لا تُحصَرُ ناشِئٌ مِن تَنَوُّعِ تلك التَّجَلِّياتِ غَيرِ المَحصُورةِ؛ والأَسماءُ بحَدِّ ذاتِها لا بُدَّ لها مِنَ اك بابًورِ، أي: تَستَدعِي إِظهارَ نُقُوشِها، أي: تَقتَضِي مُشاهَدةَ تَجَلِّياتِ جَمالِها في مَرايا نُقُوشِها وإِشهادَها.. بمَعنَى أنَّ تلك الأَسماءَ تَقضِي بتَجَدُّدِ كِِينِ ولكَونِ، أي: تَجَدُّدِ المَوجُوداتِ آنًا فآنًا، باستِمرارٍ دُونَ تَوَقُّفٍ، أي: أنَّ تلك الأَسماءَ تَقتَضِي كِتابةَ المَوجُوداتِ مُجَدَّدًا وبِبلاغةٍ حَكِيمةٍ ومَغزًى دَقِيقٍ بحَيثُ يُظهِرُ كلُّ مَكتُوبٍ نَفسَه أ أَمرٌنَظَرِ الخالِقِ جَلَّ وعَلا وأَمامَ أَنظارِ المُطالِعِينَ مِنَ المَوجُوداتِ المالِكةِ لِلشُّعُورِ ويَدفَعُهُم لِقِراءَتِه.
السَّببُ الثَّاني والحِكمةُ الثَّانية:
كما أنَّ الفَعّاليّةَ المَوجُودةَ في المَخلُوقاتِ قاط.
— 119 —
تلك اللَّذّةِ المُقَدَّسةِ، وما يَنشَأُ مِنَ المَخلُوقاتِ قاطِبةً مِن رِضًاوارِضِ وكَمالٍ شامِل مِنِ انطِلاقِ استِعداداِتها مِنَ القُوّةِ إلى الفِعلِ وتَكَمُّلِها، ضِمنَ فَعَّاليّةِ القُدرةِ.. فما يَنشَأُ مِن كُلِّ هذا مِن رِضًا مُقَدَّسٍ مُطلَقٍ یی إنْ جازَ التَّعبِيرُ یی وافتِخارٍ مُقَدَّسٍ مِنَ قٍ.. كلُّ ذلك بما يَلِيقُ ويَخُصُّ الرَّحمٰنَ الرَّحِيمَ سُبحانَه يَقتَضِي فَعَّاليّةً مُطلَقةً وبصُورةٍ لا تُحَدُّ.
وحَيثُ إنَّ الفَلسَفةَ والعِلمَ يَجهَلانِ هذه الحِكْمةَ الما قَضقةَ في الفَعّاليّةِ الجارِيةِ في الوُجُودِ، خَلَط أَصحابُها الطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ والمُصادَفةَ العَشْواءَ والأَسبابَ الجامِدةَ في غَمْرةِ هذه الفَعّاليّةِ البَصِيرةِ العَلِيمةِ الحَكِيمةِ، فما اهْتَدَوْارِسَ عُورِ الحَقِيقةِ بل ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا.
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
اللَّهُمَّ صَلا، يَدلِّم على كاشِفِ طِلَّسْمِ كائِناتِك بعَدَدِ ذَرّاتِ المَوجُوداتِ وعلى آلِه وصَحْبِه ما دامَ الأَرضُ والسَّماواتُ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 120 —
المكتوب التاسعٍ صَغِ تُبيِّنُ هذه الرِّسالةُ أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) الدّالّةِ على صِدقِ رِسالَتِه، وهي في الوَقتِمَّ أَي تُبيِّنُها تُعلِنُ عن نَفسِها أيضًا بأنَّها كَرامةٌ مِن كَراماتِ تلك المُعجِزاتِ، وعَطِيّةٌ مِن عَطِيّاتِها، فأَصبَحَت هي بذاتِها خارِقةً واضِحةً بأَكثَرَ مِن ثَلاثةِ وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ:أنَّ تَأْليفَها حَدَثٌ خارِقٌ بلا ُبحانَ حَيثُ أُلِّفَتْ اعتِمادًا على الذاكرة فقط دُونَ مُراجَعةٍ لِمَصدَرٍ، رَغمَ ما تَشتَمِلُ علَيْه مِن رِواياتٍ لِلأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ في أَكثَرَ مِن مِئ: أنَِّيفةٍ؛ عَلاوةً على أنَّها كُتِبَتْ على غَوارِبِ الجِبالِ وبَواطِنِ الوِدْيانِ والبَساتِينِ، خِلالَ ما يَقرُبُ مِن أَربَعةِ أَيّامٍ، وبمُعَدَّلِ ثَلاثِ ساعاتٍ يَوْمِيًّا، أي: في اثنَتَيْ عَشْرةَ ساعةً!
الثَّاني:أنَّ مُستَنسِخَهاالمَكْمَلُّ مِنِ استِنساخِها مَهْما استَنسَخَ مِنها، ومُداوَمةَ القِراءةِ فيها لا تُذهِبُ حَلاوَتَها رَغمَ طُولِها؛ لِذا فقد أَثارَتْ هِمَمَ الكُسالَى مِنَ المُستَنسِخِين، فكَتَبُوا یی حَوالنّاسُ یی ما يُقارِبُ السَّبعِين نُسخةً خِلالَ سَنةٍ واحِدةٍ، في هذا الوَقتِ العَصِيبِ، مِمّا أَعطَى لِلمُطَّلِعين على ظُرُوفِنا قَناعةً كافِيةً بأنَّ هذه الرِّسالةَ هي واحِدةٌ مِن كَراماتِ تلك المُعجِزاتِ.
الثّالِثُ:أنَّ كَلِمةَ "الرَّسُولُ، فهَؤرَمُ (ص)" في الرِّسالةِ كُلِّها، ولَفظَ "القُرآنُ الكَرِيمُ" في القِطْعةِ الخامِسةِ مِنها، قد تَوافَقَت عِندَ أَحَدِ المُستَنسِخِين دُونَ أن يكُونَأي: لالمٌ بالتَّوافُقِ، وحَصَلَ التَّوافُقُ نَفسُه لَدَى المُستَنسِخِين الثَّمانيةِ الآخَرِين دُونَ أن يَلتَقِيَ
— 121 —
هَؤُلاءِ بَعضُهم ببَعضِ یی: بلَ أن يَنكَشِفَ التَّوافُقُ المَذكُورُ حتَّى بالنِّسبةِ إلَيْنا. فمَن كان على شَيءٍ مِنَ الإِنصافِ لا يَحمِلُ هذا على المُصادَفةِ البَتّةَ، بل حَكَم كلُّقِّقِياطَّلَعَ عليه أنَّ هذا سِرٌّ مِن أَسرارِ الغَيْبِ، وأنَّ الرِّسالةَ كَرامةٌ مِن كَراماتِ المُعجِزةِ الأَحمَدِيّةِ على صاحِبِها أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
هذا، وإنَّ ِيمَ (سَ الَّتي تَتَصدَّرُ الرِّسالةَ مُهِمّةٌ جِدًّا، وإنَّ الأَحادِيثَ الوارِدةَ فيها فَضْلًا عن كَوْنِها صَحِيحةً ومَقبُولةً لَدَى أَئِمّةِ الحَدَِشَرةِهِي تُبيِّنُ الأَكثَرَ ثُبُوتًا وقَطعِيّةً مِنَ الرِّواياتِ.
فلَو أَرَدْنا تِبْيانَ مَزايا هذه الرِّسالةِ لَاحْتَجْنا إلى رِسالةٍ أُخرَى مِثلِها، لِذا نُهِيبُ بالمُشتاقِينَ إلَيْها قِراءَتَها ولو مَرَّرضِ مِدةً، كي يَلمَسُوا بأَنفُسِهِم تلك المَزايا.
سَعِيدٌ النُّورْسِيّ
٭
تنبيه
لقد أَورَدتُ أَحادِيثَ شَرِيفةً كَثِيرةً في هذه الرِّسالةِ، ُودِيّكُن لَدَيَّ شَيءٌ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ، فإن أَخطَأْتُ في لَفْظِ الأَحادِيثِ الوارِدةِ فليُصَحَّحْ، أو لِيُحْمَلْ على الرِّوايةِ بالمَعنَى، إذِ القَولُ الرّاجِحُ: أنَّه تَجُو مِن مايةُ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ بمَعناه، أي: أن يَذكُرَ الرَّاوِي مَعنَى الحَدِيثِ بلَفْظٍ مِن عِندِه، فما وُجِدَ في هذه الرِّسالةِ مِن أَخطاءعادًّالأَلفاظِ، فلْيُنظَرْ إلَيْها باعتِبارِها "رِوايةً بالمَعنَى".
٭٭٭
— 122 —
المعجزات الأحمدية
على صاحبِها أفضلُ الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهَى السْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٭ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ... الخ الآية
(نَظَرًا لِقِيامِ الكََّساتِينِ "التَّاسِعةَ عَشْرةَ" و"الحادِيةِ والثَّلاثِينَ" الخاصَّتَينِ بالرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ بإِثباتِ نُبُوّةِ مُحَمَّدٍ (ص) بدَلائِلَ قاطِعةٍ، نُحِيلُ إلَيْهِالفائِِيّةَ الإثباتِ، ونُبيِّنُ هنا یی تَتِمّةً لَهُما یی لَمَعاتٍ مِن تلك الحَقِيقةِ الكُبْرَى ضِمنَ "تِسعَ عَشْرةَ إِشارةً بَلِيغةً ذاتَ مَغزًى").
الإشارة البليغة الأولى
لا رَيبَ أنَّ مالِكَ هذا ابِعُوا ورَبَّه يَخلُقُ ما يَخلُقُ عن عِلمٍ، ويَتَصرَّفُ في شُؤُونِه عن حِكْمةٍ، ويُدِيرُ كلَّ جِهةٍ عن رُؤْيةٍ ومُشاهَدةٍ، ويُرَبِّي كلَّ شَيءٍ عن عِلمٍ وبَصِيرةٍ، ويُدَبِّرُ امُعجِز قاصِدًا إِظهارَ الحِكَمِ والغاياتِ والمَصالِحِ الَّتي تَتَراءَى مِن كلِّ شَيءٍ.
— 123 —
فما دامَ الخالِقُ يَعلَمُ، فالعالِمُ يَتكَلَّمُ، وحَيْثُ إنَّه سيَتَكلَّمُ، فسيَكُونُ كَلامُه حَتْمًا معَ مَن يَفهَمُه مِن ذَوِي الشُّعُورِه المَكْرِ والإِدراكِ، بل معَ الإنسانِ الَّذي هُو أَفضَلُ أَنواعِ ذَوِي المَشاعِرِ والفَهْمِ وأَجمَعُهُم لتِلك الصِّفاتِ. وما دامَ كَلامُه سيَ المِمعَ نَوْع الإِنسانِ، فسيَتكلَّمُ إذًا معَ مَن هُو أَهلٌ للخِطابِ مِنَ الكامِلِين مِن بَنِي الإِنسانِ الَّذين يَملِكُون أَعلَى استِعدادٍ وأَرفَعَ أَخلاقٍ، والَّذين هُم أَهلٌ لِأَن يكُونُوا قُدوةً للجِنسِ البَشَرِيِّ وأَئِِيارَ ه؛ فلا رَيبَ أنَّه سيَتَكلَّمُ معَ مُحَمَّدٍ (ص) الَّذي شَهِدَ بحَقِّه الأَولِياءُ والخُصَماءُ بأنَّه صاحِبُ أَسمَى أَخلاقٍ وأَفضلِ استِعدادٍ، ون أَنَ اقْتَدَى به خُمُسُ العالَمِ، وانضَمَّ تحتَ لِوائِه المَعنَوِيِّ نِصْفُ الأَرضِ، واستَضاءَ المُستَقبَلُ بالنُّورِ الَّذي بُعِثَ به طَوالَ ثَلاثةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ، ولا يُط يُصَلِّي علَيْه أَهلُ الإيمانِ والنُّورانيُّونَ مِنَ النّاسِ دَوْمًا، ويُثنُونَ علَيْه ويُحِبُّونَه، ويَدْعُونَ له بالرَّحمةِ والسَّعادةِ، ويُجَدِّدُونَ معَه البَيْعةَ خاتِ المَرَّاتٍ يَومِيًّا، وقد تَكَلَّم معَه فِعلًا؛ وسيَجْعَلُه رَسُولَه حَتْمًا وقد جَعَلَه فِعْلًا، وسيَجْعَلُه قُدْوةً وإِمامًا لِلنّاسِ كافّةً وقد جَعَلَه فِعْلًا.
الإشارة البليغة الثانية
لبكَثِيلَنَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) النُّبوّةَ، وقَدَّم بُرهانًا علَيْها، وهُو القُرآنُ الكَرِيمُ، وأَظهَرَ نَحوَ أَلفٍ مِنَ المُعجِزاتِ الباهِرةِ، كما هُو ثابِتٌ لَدَى أَهلِ التَّحقِيقِ مِنَ العُلَماءِ. هذه المُعجِزاتُ بمَجمُوعِها الكُلِّيِّ ثاِتّةِ قَطْعِيّةٌ كقَطْعِيّةِ ثُبُوتِ دَعوَى النُّبوّةِ، حتَّى إنَّ إِسنادَ المُعجِزاتِ إلى السِّحرِ الَّذي يُورِدُه القُرآنُ الكَرِيمُ في مَواضِعَ كَثِيرةٍ على لِسانِ الكُفَّارِ الأَلِدَّاءِ لَيُشِيرُ إلى أَنَّهم لم يُنكِرُوا وُقُوعَ الميُساوِتِ ولم يَسَعْهُم ذلك، وإنَّما أَسنَدُوها إلى السِّحرِ خِداعًا لِأَنفُسِهِم وتَغرِيرًا بأَتْباعِهِم.
نعم، إنَّ لِلمُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ قَطْعِيّةً تامّةً تَُورِ، قُوّةَ مِئةِ تَواتُرٍ، فلا سَبِيلَ إلى إِنكارِها قَطُّ.
والمُعجِزةُ بِحَدِّ ذاتِها تَصدِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ لِدَعوَى رَسُولِه الكَرِيمِ، وتَقُومُ مَقامَ حُكمِ:"صَدَقتَ".
— 124 —
مِثالٌ للتَّوضِيحِ:
لو كُنتَ في حَضْرةِ سُلْطانلَى، في دِيوانِه، وقُلتَ لِمَن حَوْلَك: لَقد عَيَّنَني السُّلْطانُ عامِلًا في الأَمرِ الفُلانِيِّ، وحِينَما طَلَبُوا مِنك دَلِيلًا على ادِّعائِك أَوْمَأَ السُّلْطانُ بنَفسِه: "أَنْ نَعَم، إنِّي جَعَلتُه عامِلًا"، ألا يكُونُ ذلك شَهادةَ صِظهارِ َك؟ فكَيفَ إذا خَرَق السُّلْطانُ لِأَجْلِك عاداتِه وبَدَّل قَوانِينَه لِرَجاءٍ مِنك؟ أفلا يكُونُ ذلك تَصدِيقًا أَقوَى لِدَعْواك وأَثبَتُ مِن قَوأَثَرَعَم؟
وكَذلِك كانَت دَعوَى الرَّسُولِ (ص)، إذ قال: "إنَّني رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ"، وأمّا دَلِيلي فهُو أنَّه سُبحانَه يُبَدِّلُ قَوانِينَه المُعتادةَ بالْتِجائي ودُعائي وتَوَسُّلي إلَيْه؛ وهَاكُمُ انظُرُوا إلى أَص المُت، إنَّه يُفَجِّرُ مِنها الماءَ كما يَتَفجَّرُ مِن خَمْسِ عُيُونٍ.. وانظُرُوا إلى القَمَرِ، إنَّه يَشُقُّه لي شِقَّينِ بإِشارةٍ مِن أُصبُعِي.. وانظُرُوا إلى تلك الشَّجَرةِ كَيفَ تَأَْعَ هذيَّ لِتُصَدِّقَني وتَشهَدَ لي.. وانظُرُوا إلى هذه الحَفْنةِ مِنَ الطَّعامِ كَيفَ أنَّها تُشْبِعُ مِئتَينِ أو ثَلاثَ مِئةِ رَجُلٍ! وهكذا أَظهَرَ (ص) مِئاتٍ مِنَ المُعجِزاتِ أَمثالَ هذه.
واعلَمْ: أنَّ دَلائِلَ صِدْقِ الرَّسُولِ ُفُورََراهِينَ نُبُوّتِه لا تَنحَصِرُ في مُعجِزاتِه، بل يَرَى المُدَقِّقُون أنَّ جَمِيعَ حَرَكاتِه، وأَفعالِه، وأَحوالِه، وأَقوالِه، وأَخلاقِه، وأها، وفِه، وسِيرَتِه، وصُورَتِه، كلُّ ذلك يُثبِتُ إِخلاصَه وصِدْقَه، حتَّى آمَنَ به كَثِيرٌ مِن النّاسِ بمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلى طَلْعَتِه البَهِيّةِ، أَمثالَ عَبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ الَّذي كانَ مِن أَشهَرِ عُلَماءِ بَني إِسرائِيلَ إذ قالباللهِمّا اسْتَبنْتُ وَجْهَه عَرَفتُ أنَّ وَجْهَه ليس بِوَجْهِ كَذّابٍ".
وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ العُلَماءَ المُحَقِّقِين قد ذَكَرُوا ما يُقارِبُ الأَلْفَ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِه ومُعجِزاتِه، فإنَّ هُناك أُلُوفًا مِنها، بل مِئاتِ الأُمُسلِم ولقد صَدَّقَ بنُبُوَّتِه مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ النّاسِ المُتَبايِنِين في الفِكْرِ بمِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ الطُّرُقِ؛ والقُرآنُ الكَرِيمُ وَحْدَه يُظهِرُ أَلفًا مِنَ البَراهِينِ على نُبُوَّتِه (ص)، عَدا إِعجازِه البالِغِةَ، مِعِين وَجْهًا.
ولَمّا كانَتِ النُّبوّةُ مُحَقَّقةً وثابِتةً في الجِنسِ البَشَرِيِّ، وأنَّ مِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ البَشَرِ جاؤُوا فأَعلَنُوا النُّبوّةَ، وقَدَّمُوا المُعجِزاتِ بُرهانًا وتَأْيِيدًا لَها، فلا شَكَّ َنِ الُبُوّةَ مُحمَّدٍ
— 125 —
(ص) تكُونُ أَثبَتَ وآكَدَ مِنَ الجَمِيع، لِأَنَّ مَدارَ نُبُوّةِ الأَنبِياءِ وكَيفِيّةَ مُعامَلاتِهم معَ أُمَمِهِم والدَّلائِلَ والمَزايا والأَوْضاعَ الَّتي دذِي خَعلى نُبُوّةِ عامّةِ الرُّسُلِ أَمثالَ مُوسَى وعِيسَى عَلَيهمَا السَّلَام تُوجَدُ بأَتَمِّ صُوَرِها وأَفضَلِ مَعانِيها لَدَى الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص). وحَيثُ إنَّ عِلّةَ حُكْمِ النُّبوّةِ وسَبَبَها أَكمَلُ وُجُودًا في ذاتِه (ص)، فإ جَمِيكْمَ النُّبوّةِ لا مَحالةَ ثابِتٌ له بقَطْعِيّةٍ أَوْضَحَ مِن سائِرِ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلام.
الإشارة البليغة الثالثة
إنَّ مُعجِزاتِ الرَّسُولِ (ص) كَثِيرةٌ جِدًّا ومُتَنوِّعةٌ جِدًّا، وذلك لِأَنَّ رِسالَتَه عامّةٌ وشامِلةٌصَرَّحِيعِ الكائِناتِ؛ لِذا فلَه في أَغلَبِ أَنواعِ الكائِناتِ مُعجِزاتٌ تَشهَدُ له، ولْنُوضِّحْ ذلك بمِثالٍ:
لو قَدِم سَفِيرٌ كَرِيمٌ مِن لَدُنْ سُلْطانٍ عَظِيمٍ لِزِيارةِ مَدِينةٍ عامِرةٍ بأَقوامٍ شَتَّىيرةٍ..لًا لَهُم هَدايا ثَمِينةً مُتَنوِّعةً، فإنَّ كلَّ طائِفةٍ مِنهُم ستُوفِدُ في هذه الحالِ مُمَثِّلًا عَنها لِاستِقبالِه باسمِها والتَّرحِيبِ به بلِسانِها.
وتَخاللِك لَمّا شَرَّف العالَمَ السَّفِيرُ الأَعظَمُ (ص) لِمَلِكِ الأَزَلِ والأَبَدِ، ونَوَّرَه بقُدُومِه، مَبعُوثًا مِن لَدُنْ رَبِّ العالَمِينَ إلى أَهلِ الأَرضِی وجَمعًا، حامِلًا مَعَه هَدايا مَعنَوِيّةً وحَقائِقَ نَيِّرةً تَتَعلَّقُ بحَقائِقِ الكائِناتِ كُلِّها، جاءَه مِن كُلِّ طائِفةٍ مَن يُرَحِّبُ بمَقْدَمِه ويُهَنِّیئُه بلِسانِه الخاصِّ، ويُقَدِّمُ بينَ يَدَيْه مُعَسَحَ طائِفَتِه تَصْدِيقًا بِنُبُوَّتِه، وتَرحِيبًا بها، ابتِداءً مِنَ الحَجَرِ والماءِ والشَّجَرِ والإِنسانِ، وانتِهاءً بالقَمَرِ والشَّمسِ والنُّجُومِ، فكَأَنَّ كُلًّا مِنها يُرَدِّدُ بلِسانِ الحالِ: أَهلًا ومَرحَبًمَتِهِْعَثِك.
إنَّ بَحثَ تلك المُعجِزاتِ كُلِّها يَحتاجُ إلى مُجَلَّداتٍ لِكَثْرَتِها وتَنَوُّعِها، وقد أَلَّفَ العُلَماءُ الأَصفِياءُ مُجَلَّداتٍ ضَخْمةً حَوْهي قائاصِيلِ دَلائِلِ النُّبوّةِ والمُعجِزاتِ، إلّا أنَّنا هُنا نَكتَفِي بإِشاراتٍ مُجمَلةٍ إلى ما هُو قَطْعِيُّ الثُّبوتِ والمُتَواتِرُ مَعنًى مِنَ الأَنواعِ الكُلِّيّةِ لِتِلك المُعجِزاتِ.
— 126 —
إنَّ دَلائِلَ نُبُوّةِ الرَّسُولِ ِيقَتُسمانِ:
الأَوَّلُ: الحالاتُ الَّتي سُمِّيَت بالإِرهاصاتِ،وهي الحَوادِثُ الخارِقةُ الَّتي وَقَعَت قَبلَ النُّبوّةِ ووَقْتَ الوِلادةِ.
الثّاني: دَلائ فأَوْنُّبوَّةِ الأُخرَى،وهذا يَنقَسِمُ إلى قِسمَينِ:
أَحَدُهما:الخَوارِقُ الَّتي ظَهَرَت بَعدَه (ص) تَصدِيقًا لِنُبوَّتِه.
ثانيهِما:الخ، وعامُ الَّتي ظَهَرَت في مُدّةِ حَياتِه المُبارَكةِ (ص). وهذا القسمُ أَيضًا قِسمانِ:
الأَوَّلُ:ما ظَهَر مِن دَلائِلِ النُّبوّةِ في شَخْصِه وسِيرَتِه وصُورَتِه وأَخلاقِه وكَمالاتِه.
الثَّاني:ما ظَهَرَكُّرِ في أُمُورٍ خارِجةٍ عن ذاتِه الشَّرِيفةِ، أي: في الآفاقِ والكَوْنِ. وهذا أَيضًا قِسمانِ:
قِسمٌ مَعنَوِيٌّ وقُرآنِيٌّ. وقِسمٌ مادِّيٌّ وكَوْنِيٌّ. وهذا الأَخِيرُ قِسمانِ أَيضًا:
القِسمُ الأَوَّلُ:الِيفًا اتُ الَّتي ظَهَرَت خِلالَ مُدّةِ الدَّعوةِ النَّبَوِيّةِ، وهيَ إمّا لِكَسْرِ عِنادِ الكُفّارِ، أو لِتَقْوِيةِ إِيمانِ المُؤمِنِين؛ كانشِقاقِ الافِ؛ و، ونَبَعانِ الماءِ مِن بَينِ أَصابِعِه الشَّرِيفةِ، وإِشباع الكَثِيرِينَ بطَعامٍ قَلِيلٍ، وتَكَلُّمِ الحَيَوانِ والشَّجَرِ والحَجَرِ.. وأَملتّحقِ مِنَ المُعجِزاتِ الَّتي تَبلُغُ عِشرِين نَوْعًا، كلُّ نَوْعٍ مِنها بدَرَجةِ المُتَواتِرِ المَعنَوِيِّ، ولِكُلِّ نَوْعٍ مِنها نَماذِجُ عِدّةٌ َقتُولَرةٌ.
القِسمُ الثّاني:الحَوادِثُ الَّتي أَخبَرَ عَنْها (ص) قَبلَ وُقُوعِها، بما عَلَّمَه اللهُ سُبحانَه، وظَهَرَت تلك الحَوادِثُ وتَحَقَّقَت كما أَخبَرَ.
ونحنُ الآنَ نَستَهِلُّ بهذ، لا يسمِ الأَخِيرِ لِلوُصُولِ إلى فِهرِسٍ مُتَسَلسِلٍ عامّ. (حاشية): آسَفُ لأنِّي لم أَستَطِعِ الكِتابةَ كما كُنتُ أَنوِي، فقد كَتَبتُ كما خَطَر على القنِ الإُونَما اختِيارٍ. ولم أَتمَكَّن مِن مُراعاةِ التَّسَلسُلِ الَّذي في هذا التَّقسِيمِ.
— 127 —
الإشارة البليغة الرابعة
إنَّ ما أَنبَأَ به الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) مِن أَنباءِ امِ! وِ بتَعلِيمٍ مِنَ اللهِ عَلَّامِ الغُيُوبِ كَثِيرٌ لا يُعَدُّ ولا يُحصَى. وقد أَشَرْنا إلى أَنواعِه في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِينَ" الخاصَّةِ بإِعج المَذقُرآنِ، وسُقْنا هُناك بَراهِينَه؛ لِذا فالأَخبارُ الغَيبِيّةُ المُتَعلِّقةُ بالأَزمِنةِ السَّالِفةِ والأَنبِياءِ السَّابِقِينَ وحَقائِقِ الأُلُوهِِ نِعمحَقائِقِ الكَوْنِ، وحَقائِقِ الآخِرةِ، يُراجَعُ في شَأْنِها تلك الكَلِمةُ.
أمَّا هُنا فسنُورِدُ بِضْعةَ أَمثِلةٍ مِن أَخبارٍ غَيبِيّةٍ صادِقةٍ تَتَعلَّقُ بالحَوادِثِ الَّتي ستُصِيبُ الآلَ والأَصحابَ یی رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ في ان بَعدِه (ص) وما ستَلْقاه أُمَّتُه في مُقْبِلِ أَيَّامِها.
ولِأَجلِ الوُصُولِ إلى إِدراكِ هذه الحَقِيقةِ إِدْراكًا كامِلًا نُبيِّنُ بينَ يَدَيْها أُسُسًا سِتّةً مُقَدِّمةًضِيَ ا
الأَساسُ الأَوَّلُ:إنَّ جَمِيعَ أَحوالِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وأَطوارِه يُمكِنُ أن تكُونَ دَلِيلًا على صِدْقِه وشاهِدًا على نُبُوَّتِه، إلّا أنَّ هْك أن يَعنِي أن تكُونَ جَمِيعُ أَحوالِه وأَفعالِه خارِقةً لِلعادةِ؛ ذلك لأنَّ اللهَ سُبحانَه قد أَرسَلَه بَشَرًا رَسُولًا، لِيَكُونَ بأَعمالِه وحَرَكاتِه كُلِّها إِمامًا ومُرشِدًا لِلبَشَرِ كافّةً، وآخَرَ:والِهِم كافّةً، لِيُحَقِّقَ لَهُم بها سَعادةَ الدُّنيا والآخِرةِ، ولِيُبيِّنَ لَهُم خَوارِقَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ وتَصَرُّفَ القُدْرةِ الإلٰهِيّةِ في الأُمُورِ المُى عُمْ، تلك الأُمُورِ الَّتي هي بحَدِّ ذاتِها مُعجِزاتٌ.
فلَو كان (ص) في جَمِيعِ أَفعالِه خارِقًا لِلعادةِ، خارِجًا عن طَوْرِ البَشَرِ، لَمَا تَسَنَّى لَه أن يكُونَ أُسْوةً يُقتَدَى به، وما وَسِعَه أن يكُونَ بأَفعالِه وأَحوالِه وأَطوارِه ُبَّهةا للآخَرِين؛ لِذا ما كان يَلجَأُ إلى إِظهارِ المُعجِزاتِ إلّا بينَ حِينٍ وآخَرَ، عِندَ الحاجةِ، إِقرارًا لِنُبُوَّتِه أَمامَ الكُفّارِ المُعانِدِين. ولنَرَى ان الِابتِلاءُ والِاختِبارُ مِن مُقتَضَياتِ التَّكلِيفِ الإلٰهِيِّ، فلم تَعُدِ المُعجِزةُ مُرغِمةً على التَّصدِيقِ یی أي: سَواءٌ أَرادَ الإنسانُ أم لم يُرِدْ یی لِأنَّ سِرَّ الِامتِحانِ وحِكْمةَ التَّكلِيفويَجعََضِيانِ مَعًا فَتْحَ مَجالِ الِاختِيارِ أَمامَ العَقْلِ مِن دُونِ سَلْبِ الإِرادةِ
— 128 —
مِنه. فلَو ظَهَرَتِ المُعجِزةُ ظُهُورًا بَدِيهِيًّا مُلزِمًا للعَقلِ یی كما هو شَأْنُ البَدِيهِيّاتِ یی لَمَا بَقِيَ لِلعَقلِ ثَمّةَ اختِيارٌ، ولَصَدَّق قَتِهاهْلٍ كما صَدَّقَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله عَنهُ، ولَانتَفَتِ الفائِدةُ مِنَ التَّكلِيفِ والغايةُ مِنَ الِامتِحانِ، ولَتَساوَى الفَحْمُ الخَسِيسُ معَ الأَلماسِ النّ تُعاد!
بَيْدَ أنَّ الَّذي يُثيرُ الدَّهشةَ والحَيْرةَ، أنَّ أُلُوفًا مِن أَجناسٍ مُختَلِفةٍ مِنَ النّاسِ آمَنُوا بمُجَرَّدِ رُؤْيةِ مُعجِزةٍ مِنه (ص) أو بكَلام مِنه أو بالنَّظَرِ إلى طَلْعَتِه البَهِيّةِ، أو ما شابَهَها مِن دََّاني: صِدْقِ نُبُوَّتِه (ص)، وآمَنَ به أُلُوفُ العُلَماءِ المُدَقِّقين والمُفَكِّرين المُحَقِّقين، بما نُقِل إلَيْهِم مِن صِدْقِ أَخبارِه وجَمِيلِ آثارِه نَقْلًا صَحِيحًا مُتَواتِرًا، أَقُولُ: أَفلا يَدْعُوِلُ اللعَجَبِ أن يَرَى أَشقِياءُ هذا العَصْرِ جَمِيعَ هذه الدَّلائِلِ الواضِحةِ كأنَّها غيرُ وافِيةٍ لِإيمانِهِم وتَصدِيقِهِم، فتَراهُم يَنزَلِقُون إلى هاوِيةِ الضَّلالِ؟
الأَساسُ الثَّوابْنانَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) بَشَرٌ، فهُو يَتَعامَلُ معَ النّاسِ انطِلاقًا مِن بَشَرِيَّتِه هذه؛ وهُو كَذلِك رَسُولٌ، وبمُقتَضَى الرِّسالةِ هو ناطِقٌا نادِنٌ بِاسمِ اللهِ تَعالَى ومُبَلِّغٌ صادِقٌ لِأَوامِرِه سُبحانَه، فرِسالَتُه تَستَنِدُ إلى حَقِيقةِ الوَحْيِ. والوَحْيُ قِسمانِ:
الأوَّلُ:الوَحْيُ الصَّرِيحُ كالقُرآنِ الكَرِيمِ وبَعضِ الأَحادِيثِ القُدسِيّةِ؛ فالرَّسُولُ (ص) فُنافِقمُبَلِّغٌ مَحْضٌ لا غَيرُ، مِن دُونِ أن يكُونَ له تَصَرُّفٌ أو تَدَخُّلٌ في شَيءٍ مِنه.
الثَّاني:الوَحْيُ الضِّمْنيُّ، وهُو الَّذي يَستَنِدُ في خُلاصَتِه ومُجمَلِه إلى الوَحْيِ والإِسَ في إلّا أنَّه في تَفصِيلِه وتَصوِيرِه يَعُودُ إلى الرَّسُولِ (ص)؛ فتَفصِيلُ الحادِثةِ الآتِيةِ مُجمَلةً مِن هذا الوَحْيِ وتَصوِيرُها إمَّا يُبيِّنُه الرَّسُولُ : لقد حيانًا استِنادًا إلى الإِلهامِ أو إلى الوَحْيِ، أو يُبيِّنُه بفِراسَتِه الشَّخصِيّةِ.. وهذه التَّفاصِيلُ الَّتي يُبيِّنُها الرَّسُولُ (ص) باجتِهادحِملٌ ّاتِيِّ: إمّا أنَّه يُبيِّنُها بما يَتَمتَّعُ به مِن قُوّةٍ قُدسِيّةٍ عُلْيا بمُقتَضَى الرِّسالةِ، أو يُبيِّنُها بخَصائِصِه البَشَرِيّةِ وبمُستَوَى عُرْفِ النّاسِ وعاداتِهِم وأَفكارِهِم.
وهكذا، لا يُنظَرُ إلى جَمِيعِ تَفاصِيلِ كُُوبِ، دِيثٍ شَرِيفٍ بمِنظارِ الوَحْيِ المَحْضِ، ولا يُتَحرَّى عنِ الآثارِ السَّامِيةِ للرِّسالةِ في مُعامَلاتِه (ص) وأَفكارِه الَّتي تَجرِي بمُقتَضَياتِ البَشَرِيّةِ.
#أَنوار وحَيثُ إنَّ بَعضَ الحَوادِثِ يُوحَى إلَيْه وَحْيًا مُجْمَلًا ومُطلَقًا، وهُو بدَوْرِه يُصَوِّرُ بفِراسَتِه الشَّخصِيّةِ أو حَسَبَ نَظَرِ العُرفِ العامِّ، لِذا يَلزَمُ أَحيانًا التَّفسِيرُ ورُبَّما التَّعبِيرُبكُلِّ المُتَشابِهاتِ والمُشكِلاتِ الَّتي يَنطَوِي علَيْها ذلك التَّصوِيرُ، لِأنَّ بَعضَ الحَقائِقِ تُقَرَّبُ إلى الأَذهانِ بالتَّمثِيلِ.
مِثالُ ذلك: سَمِعَ النَّاسُ یی ذاتَ مَرّةسمٌ منهُم جُلُوسٌ عِندَ الرَّسُولِ (ص) دَوِيًّا هائِلًا، فقال الرَّسُولُ (ص) مُوضِّحًا الحَدَثَ: "هذا حَجَرٌ رُمِيَ به في النّارِ مُنذُ سَبعِين خَرِيفًا، فهُو يَهْوِي في النّارِ الآنَ حتَّى انتَهَى إلى قَعْرِها".. ولم تَمْضِ ساثِيلَ َّى جاءَ الجَوابُ، إذ أَتَى أَحَدُهُم يقُولُ: إنَّ المُنافِقَ المَشهُورَ الَّذي ناهَزَ السَّبعِينَ مِن عُمُرِه قد ماتَ ووَلَّى إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ، فكان هذا تَأْوِيلًا لِلتَّشبِيهِ البَلِيغِ الَّذي ذَكَرَه الرَّسُولسَيِّد
الأَساسُ الثّالثُ:إنَّ الآثارَ المَنقُولةَ إنْ كانَت مُتَواتِرةً فهِي قَطْعِيّةُ الثُّبُوتِ وتُفِيدُ اليَقِينَ. والتَّواتُرُ قِسمانِ: (حاشية): التَّواتُرُ في هذه الرِّسالةِ لَيسَ بلمَحْض "الشّائِعة" المُستَعمَل في اللُّغة التُّركيَّة، بل هُو إِخبارٌ قويٌّ يُفِيدُ اليَقينَ ولا يَحتَمِلُ الكَذِبَ.
الأوَّلُ:التَّواتُرُ الصَّرِيحُ، أوُِ اللهواتُرُ اللَّفظِيُّ.
الثّاني:التَّواتُرُ المَعنَوِيُّ، وهذا قِسمانِ:
الأوَّل:سُكُوتِيٌّ؛ أي: إِبداءُ الرِّضَا بالسُّكُوتِ عنه. مِثالُ ذلك: لو أَخبَرَ شَخْصٌ جَماعَتيَكُونحادِثةٍ وَقَعَت أَمامَهُم، ولم يُكَذِّبُوه في خَبَرِه بل قابَلُوه بالسُّكُوتِ، فإنَّ ذلك يَعنِي قَبُولَهُم لِوُقُوعِها، ولا سِيَّما إذا كانَتِ الحادِثةُ المَروِيّةُ ذاتَ عَلاقةٍ بالجَماعةِ، والجَماعةُ مُستَعِدّةً لِلِانتِقا الأَطرَّدِّ والتَّجْرِيحِ، ومِمَّن لا يَقبَلُون بالخَطَأِ أَصْلًا، بل يَرَوْنَ الكَذِبَ أَمرًا قَبِيحًا بَشِعًا، فإنَّ سُكُوتَهُم عنها يَدُلُّ على وُقُوعِ تلك الحادِثةِ دَلالةً قاطِعةً.
القِسمُ الثَّانيمِنَ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ: هو اتِّفا المُععلى القَدْرِ المُشتَرَكِ بينَ أَخبارِهِم وإن كانَتِ الرِّواياتُ مُتَنَوِّعةً. مِثالُ ذلك:
— 130 —
إذا قِيلَ: إنَّ أُوقيّةً مِنَ الطَّعامِ أَشْبَعَت مِئَتَيْ رَجُلٍ، فالَّذين حَدّيعَ البهذا يَرْوُونَه في صُوَرٍ مُتَنوِّعةٍ وبعِباراتٍ مُختَلِفةٍ مُتَبايِنةٍ. فهذا ذَكَر مِئةَ رَجُلٍ، وذاك ثَلاثَ مِئةِ رَجُلٍ، والآخَرُ أُوقيَّیتَينِ مِنَ الطَّعامِ، وهكذا.. فتَرَى أنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُون على وُقُوعِلُونَهِثةِ، وهُو أنَّ الطَّعامَ القَلِيلَ أَشبَعَ أُناسًا كَثِيرِينَ؛ فالحادِثةُ إذًا بشَكْلِها المُطْلَقِ مُتَواتِرةٌ مَعنًى، وهي تُفِيدُ اليَقِينَ، ولا تَضُرُّ بها صُوَرُ الِاختِلية"
في بَعضِ الأَحيانِ يُفِيدُ خَبَرُ الآحادِ ضِمنَ بَعضِ الشُّرُوطِ الحُكْمَ القَطْعِيَّ كقَطْعِيّةِ التَّواتُرِ، وقد يُفِيدُ القَطْعِيّةَ أَحيانًا تَحتَ أَماراتٍ خارِجِيّةٍ.
وهكذا، فالقِسمُ الأَع وتَفسِمَّا نُقِلَ إلَيْنا مِن دَلائِلِ النُّبُوّةِ ومُعجِزاتِ الرَّسُولِ (ص) هو بالتَّواتُرِ الصَّرِيحِ أوِ المَعنَوِيِّ أوِ السُّكُوتِيِّ، وقِسمٌ مِنها بخَبَرِ الآحادِ. إلّنسان اه ضِمنَ شُرُوطٍ مُعيَّنةٍ مُمَحَّصةٍ أُخِذَ وقُبِلَ مِن قِبَلِ أَئِمّةِ الجَرحِ والتَّعدِيلِ مِن أَهلِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، فأَصبَحَت دَلالَتُه قَطْعِيّةً كالتَّواتُرِ.
ولا شَكَّ إذا ما صَحَّح خَبَرَ الآحادِ مُحَدِّثُون مُحَقِّقُوَ المَأَصحابِ الصِّحاحِ السِّتّةِ، وفي مُقَدِّمَتِهِمُ "البُخارِيُّ" و"مُسلِمٌ"، وهُمُ الحُفّاظُ الجَهابِذةُ الَّذين كانُوا يَحفَظُون ما لا يَقِلُّ عن مِئةِ أَلفِ حَدِيثٍ، وإذا ما رَضِيَ به أُلُوفٌ مِها صُوَئِمّةِ العُلَماءِ المُتَّقِين، مِمَّن يُصَلُّون صَلاةَ الفَجْرِ بوُضُوءِ العِشاءِ زُهاءَ خَمسِينَ سَنةً مِن عُمُرِهم. أَقُولُ: إذا ما قال هَؤُلاءِ بِصِحّةِ خَبَرِ الآحادِ، فلا رَيِ جَمِذًا في قَطْعِيَّتِه، ولا يَقِلُّ حُكْمُه عنِ التَّواتُرِ نَفسِه.
نعم، إنَّ عُلَماءَ عِلمِ الحَدِيثِ ونُقّادَه قد تَخَصَّصُوا في هذا الفَنِّ إلى دَرَجةِ أنَّهُمُ اكتَسَبُوا مَلَكةً في مَعرِفةِ سُمُوِّ َبناءِ الرَّسُولِ (ص) وبَلاغةِ تَعابِيرِه، وطِرازِ إِفادَتِه، فأَصبَحُوا قادِرِين على تَميِيزِه عن غَيرِه، بحَيثُ لو رَأَوْا حَدِيثًا مَوضُوعًا بينَ مِئةٍ مِنَ الأَحادِيثِ لَرَفَضُوه قائِلِين: هذا مَوضُوعٌ! هذا لا يُمكِنُ أن يكُونَ حَدِيثًَظِيمةيفًا! فقد أَصبَحُوا كالصَّيارِفةِ البارِعِين الأُصَلاءِ يَمِيزُونَ جَوْهَرَ الحَدِيثِ النَّبوِيِّ مِنَ الدَّخِيلِ فيه.
بَيْدَ أنَّ قِسْمًا مِنَ المُحَقِّقِين قد أَفرَطَ في نَقْدِ الحَدِيثِ كی"ابنِ الجَوْزِيِّ" ِزاتِ
— 131 —
حَكَم على أَحادِيثَ صَحِيحةٍ بالوَضْعِ، عِلْمًا أنَّ "المَوْضُوعَ" يَعنِي: أنَّ هذا الكَلامَ لَيسَ بِكَلامِ الرَّسُولِ (ص)، ولا يَعنِي أنَّه باطِلٌ وكَلامٌ فاسِدٌ.
سُؤالٌ:ما فائِدةُ اُقُوقِدِ الطَّوِيلِ: عن فُلانٍ.. عن فُلانٍ.. عن فُلانٍ.. حَيثُ لا جَدْوَى مِن ذِكْرِهِم في حادِثةٍ مَعلُومةٍ؟
الجَوابُ:فَوائِدُه كَثِيرةٌ، إذ إنَّ ذِكْرَ هذا السَّنَدِ الطَّوِيلِ يُبيِّنُ نَوْعًا نعملإِجماعِ فيمَنْ هُم في السَّنَدِ مِنَ المَوثُوقينَ الصّادِقِين مِنَ الرُّواةِ الَّذينَ يُعتَدُّ بِهِم، فيُظهِرُ لَنا نَوْعًا مِنَ الِاتِّصالِ والِاتِّفاقِ لِأَهلِ العِلمِ المُحَقِّقِينَ في ذلك السَّنَدِ، فكَأَنَّما كُلُّ إِمامٍ وعَغازِيٍ في السَّنَدِ يُوَقِّعُ على حُكْمِ ذلك الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ويَختِمُ على صِحَّتِه بخَتْمِه.
سُؤالٌ:لِماذا لم تُنقَلِ "المُعجِزاتُ" باهتِمامٍ بالِغٍ مِثلَما نُقِلَتِ الأَحكامُ الشَّرعِيّةُ الضَّرُورِيّةُ الأُخرَى نَقْلًا المُستِرًا وبِطُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ؟
الجَوابُ:لِأنَّ مُعظَمَ النّاسِ في أَغلَبِ الأَوقاتِ مُحتاجُونَ حاجةً ماسّةً إلى الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ، فهِي "كفُرُوضِ عَينٍالظُّلم، لِما لَها مِن عَلاقةٍ بكُلِّ شَخصٍ؛ بَينَما المُعجِزاتُ لا يَحتاجُها كُلُّ إِنسانٍ كلَّ حِينٍ، حتَّى لو فَرَضْنا الحاجةَ إلَيْها، فِّجالِي سَماعُها مَرّةً واحِدةً، فهِي "كفُرُوضِ كِفايةٍ"، إذ يَكْفِي أن يَعْلَمَ بها عادةً قِسمٌ مِن النّاسِ.
ولِهذا السَّبَبِ قد يَحدُثُ أن نَرَى وُقُوعَ إِح. آمِيمُعجِزاتِ ثابِتًا بقَطْعِيّةٍ أَقوَى مِن قَطْعِيّةِ ثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَضعافًا مُضاعَفةً، إلّا أنَّ راوِيَها شَخْصٌ واحِدٌ أو شَخْصانِ، بَينَما يكُونُ عَدَدُ رُواةِ ذلك الحُكْمِ الشَّرعِيِّ عَشَرةً أو عِشرِينَ.
الأساسُ الرَّابعُِ لَيس قِسمًا مِن حَوادِثِ المُستَقبَلِ الَّتي أَخبَرَ عنها الرَّسُولُ (ص) حَوادِثُ كُلِّيّةٌ، تَتكَرَّرُ في أَوقاتٍ مُختَلِفةٍ، ولَيسَ بحادِثةٍ جُزئيّةٍ مُفرَدطْرةً،لرَّسُولُ (ص) قد يُخبِرُ عن تلك الحادِثةِ الكُلِّيّةِ بصُورةٍ جُزئِيّةٍ مُبيِّنًا بَعضَ حالاتِها، حَيثُ إنَّ لِمِثلِ هذه الحادِثةِ الكُلِّيّةِ وُجُوهًا كَثِيرةً، فيُبيِّنُ (ص) في كُلِّ مَرّةٍ وَجْهًا مُثْبجُوهِها، ولَكِن لَدَى جَمْعِ هذه الوُجُوهِ مِن قِبَلِ راوِي الحَدِيثِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، يَبدُو هُناك ما يُشبِهُ الخِلافَ لِلواقِعِ.
— 132 —
مِثالُ ذلك: هُناكَ رِيلَ كٌ مُختَلِفةٌ حَوْلَ "المَهْدِيِّ" تَتَبايَنُ فيها التَّفاصِيلُ والتَّصوِيراتُ، وقد أَخبَرَ الرَّسُولُ (ص) عن ظُهُورِ المَهْدِيِّ مُستَن "الحَلى الوَحْي، لِيَصُونَ قُوّةَ أَهلِ الإِيمانِ المَعنَوِيّةَ في كُلِّ عَصْرٍ، ولِيَحُولَ دُونَ سُقُوطِهِم في اليَأْسِ والقُنُوطِ إِزاءَ ما يَرَوْنَه مِن حَوادِثَ مَهُولةٍ، ولِيَربِطَ الأُمّةَ بمَجًْا مَعنَوِيًّا بالسِّلسِلةِ النُّورانِيّةِ لِآلِ البَيتِ؛ وقد أَثْبَتْنا ذلك في أَحَدِ أَغصانِ "الكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِينَ"، ومِن هُنا تَرَى أنَّ كُلَّ عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ قد وَجَد نَوْعًا مِنَ "المَهْدِيِّ" مِن آلِ البَيتِ لقد شَيَظهَرُ في آخِرِ الزَّمانِ، بل مَهْدِيِّينَ، حتَّى وَجَدَ في المَهْدِيِّ العَبّاسِيِّ یی الَّذي يُعَدُّ مِن آلِ البَيتِ یی كَثِيرًا مِن أَوْصافِ ذلك المَهْدِيِّ الكَبِير.
وهكذا،َمسِ، صافُ الَّذِينَ يَسبِقُونَ المَهْدِيَّ الكَبِيرَ مِمَّن يُمَثِّلُونَه في عُهُودِهِم، كالخُلَفاءِ المَهْدِيِّينَ والأَقطابِ المَهْدِيِّينَ، اختَلَطَت وتَداخَلَت معَ أَوْصافِ ذلك المَهْدِيِّ الكَبِيّةٍ مَُقَع الِاختِلافُ في الرِّواياتِ.
الأَساسُ الخامِسُ:لم يَكُنِ الرَّسُولُ الأَعظَمُ (ص) يَعلَمُ الغَيْبَ ما لم يُعَلِّمْه اللهُ سُبحانَه، إذ لا يَعلَمُ الغَيْبَ إلّا اللهُ، فهُو (ص) يُبَلِّغُ النٍ صَغِا عَلَّمَه اللهُ إيّاه؛ وحَيثُ إنَّ اللهَ حَكِيمٌ ورَحِيمٌ، فحِكْمَتُه ورَحْمَتُه تَقتَضِيانِ سَتْرَ أَغلَبِ الأُمُورِ الغَيبِيّةِ وإِبقاءَها في طَيِّ الخَفاءِ والإِبهامِ،، مِمَّّ ما لا يَسُرُّ الإِنسانَ مِن حَوادِثَ في هذه الدُّنيا هُو أَكثَرُ مِمّا يَسُرُّه، فمَعْرِفَتُه تلك الحَوادِثَ قَبلَ وُقُوعِها أَلِيمٌ جِدِّ السّ فلِأَجْلِ هذه الحِكْمةِ ظَلَّ المَوْتُ والأَجَلُ مُبهَمَينِ مَستُورَينِ عن عِلمِ الإِنسانِ، وبَقِيَ ما سيُصِيبُ الإِنسانَ مِن مَصائِبَ ونَكَباتٍ مَحَمُ ال في ثَنايا الغَيْبِ، فكانَ مِن مُقتَضَى هذه الحِكْمةِ الرَّبّانِيّةِ والرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ ألّا يُطْلِعَ سُبحانَه نَبِيَّه (ص) إطْلاعًا كُلِّيًّا ومُفَصَّلًا على ما سيَلْقاه آلُه وصَحْبُه وأُمَّتُهَذَى وَعدِه مِن حَوادِثَ مُؤْلِمةٍ ومَصائِبَ مُفْجِعةٍ، بل أَخبَرَه سُبحانَه عن بَعضٍ مِنَ الحَوادِثِ المُهِمّةِ یی بِناءً على حِكَمٍ مُعَيَّنةٍ یی إِخبارًا غَيرَ مُفْجِعٍ، رِفْقا علَي يَحمِلُه مِن رَحْمةٍ عَظِيمةٍ ورَأْفةٍ شَدِيدةٍ نَحوَ أُمَّتِه وتِجاهَ آلِه وأَصحابِه.
كما أنَّه سُبحانَه قد بَشَّرَه بحَوادِثَ مُفرِحةٍ أَيضًا بِشارةً مُجْمَلةً لِبَعضِها ومُفَصَّلةً
— 133 —
لِلأُخرَى، (حاآنُ: إنَّ الدَّليلَ على أنَّ الله سُبحانَه لم يُطْلِعْ رَسُولَه (ص) إطْلاعًا كامِلًا على أنَّ الصِّدِّيقةَ عائِشةَ رَضِيَ الله عَنهَا ستَكُونُ في وَقْعةِ الجَمَلِ هو: أنَّه (ص) قال لِزَوْجاتِه الطّاهِرا إلى اَيُّیكُنَّ تَنبَحُ علَيْها كِلابُ الحَوْأَبِ" أي: مَن مِنكُنَّ ستَشتَرِكُ في تلك الواقِعةِ، وذلك لِئلّا يَجرَحَ سُبحانَه ما يُكِنُّه الرَّسُولُ (ص) مِن حُبٍّ شَدِيدٍ ورَأْفةٍ كامِلةٍ تِجاهَ عائِشةَ رَ.. فمالله عَنهَا؛ إلّا أنَّه سُبحانَه أَطْلَعَه بعدَ ذلك إطْلاعًا مُجمَلًا بالأَمرِ حيثُ قال (ص) لِعَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ بحَقِّها: "فارْفُقْ وبَلِّغْها مَأْمَنَها". فأَخبَرَ (ص) أُمَّ بحَياا عَلَّمَه رَبُّه ونَقَلَه المُحَدِّثُون الصَّادِقُون العُدُولُ برِواياتٍ صَحِيحةٍ إلَيْنا، أُولَئِك الَّذين كانُوا أَشَدَّ تَقْوَى وخَشْيُلطانُ أن يُصِيبَهُمُ الزَّجْرُ المُخِيفُ في قَوْلِه (ص):"ومَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ"،والَّذِين كانُوا يَهْما اشت خَوْفًا مِن أن تَنالَهُمُ الآيةُ الكَرِيمةُ: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ.
الأساسُ السَّادِسُ:إنَّ أَحوالَ الرَّسُولِ (ص) وأَوْصافَه الحافِِّنَت على شَكْلِ سِيرةٍ وتارِيخٍ، إلّا أنَّ أَغلَبَ تلك الأَحوالِ والأَوْصافِ تَعكِسُ بَشَرِيَّتَه فحَسْبُ، إذ إنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ لِتِلك الذّاتِ النَّبَوِيرَنا بمُبارَكةِ رَفِيعةٌ جِدًّا، وماهِيَّتُه المُقَدَّسةُ نُورانِيّةٌ إلى حَدٍّ لا يَرقَى ما ذُكِرَ في التَّارِيخِ والسِّيرةِ مِن أَوصافٍ وأَحوالَع، ونذلك المَقامِ السّامِي والدَّرَجةِ الرَّفِيعةِ العالِيةِ، لِأَنَّه (ص) في ضَوْءِ قاعِدةِ: "السَّبَبُ كالفاعِلِ" تُضافُ يَوْمِيًّا، حتَّى الآنَ، إلى صَحِيفةِ كَمالاتِه عِبادةٌ عَظِيمةٌ بقَدْرِ عِباداتِدَلالةتِه بأَكمَلِها؛ وكما يَنالُ باستِعدادٍ غَيرِ مُتَناهٍ نَفَحاتِ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ بشَكْلٍ غَيرِ مُتَناهٍ وبِقُدْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ،َعجِزُيَنالُ يَوْمِيًّا دُعاءً غَيرَ مَحْدُودٍ مِمَّن لا يُحَدُّ مِن أُمَّتِه.
هذا النَّبِيُّ المُبارَكُ (ص) الَّذي هو أَنبَلُ نَتائِجِ الكائِناتِ، وأَكمَلَُعنَوِاتِها، والمُبَلِّغُ عن خالِقِ الكَوْنِ، وحَبِيبُ رَبِّ العالَمِينَ، لا تَبلُغُ أَحوالُه وأَطْوارُه البَشَرِيّةُ الَّتي ذَكَرَتْها كُتُبُ السِّيرةِ والتّارِيخِ الإِحاطةَ بماهِيَّتِه الكامِلةِ، ولا تَصِلُ إلى حَقِيجَنّةِمالاتِه؛ فأَنَّى لِهَذِه الشَّخصِيّةِ المُبارَكةِ الَّتي كان كُلٌّ مِن جِبرائِيلَ ومِيكائِيلَ مُرافِقَينِ أَمِينَينِ لَها في غَزْوةِ بَدْرٍ أن تَنحَ صَفْوي حالةٍ ظاهِرِيّةٍ، أو أن تُظْهِرَها بجَلاءٍ حادِثةٌ بَشَرِيّةٌ كالَّتي وَقَعَت معَ صاحِبِ الفَرَسِ الَّذي ابْتاعَ (ص) الفَرَسَ مِنه، ولَكِنَّه أَنكَرَ هذا البَيْعَ وطَلَب مِنَ الرَّسُولِ الكلِّ مِ شاهِدًا يُصَدِّقُه، فتَقَدَّمَ الصَّحابيُّ الجَلِيلُ "خُزَيْمةُ" بالشَّهادةِ له.
— 134 —
فلِئَلّا يَقَعَ أَحَدٌ في غائِلةِ الخَطَأِ يَلزَمُ مَن يَسْمَعُ أَوْصافَه (ص) البَشَرِيّةَ الِاعتِيادِيّةَ أن يَرفَعَ بَصَرَه دَوْمًا عالِيًا لِيَنظلعِلمِى ماهِيَّتِه الحَقِيقِيّةِ، وإلى شَخصِيَّتِه المَعنَوِيّةِ النُّورانيّةِ الشّامِخةِ في قِمّةِ مَرتَبةِ الرِّسالةِ، وإلّا أَساءَ الأَدَبَ، ووَقَع في الشُّبْهةِ والوَهْمِ.
ولِإيضاحِ هذه المَسأَلةِ تَأَم.
في هذا المِثالِ:
نَواةٌ لِلتَّمرِ وُضِعَت تَحتَ التُّرابِ، فانفَلَقَتْ عن نَخلةٍ مُثمِرةٍ باسِقةٍ، وهي في تَوَسُّعٍ ونُمُوٍّ مُطَّرِدٍ؛ أو بَيضةٌ لِلطَّاوُوسِ فَقَسَتْ عن فَرْخِ الطّا الطُّبَعدَما سُلِّطَت علَيْها الحَرارةُ، وكُلَّما نَما وكَبِرَ أَصبَحَ أَجمَلَ وأَزهَى، بما زَيَّنَ قَلَمُ القُدْرةِ على كُلِّ جِهاتِه مِن نُقُوشٍ بَدِيعةٍ رائِعةٍ.
فهُناكَ صِفاتٌ وحالاتٌ خاصّةٌ تَعُودُ لِكُلٍّ مِن تلك النَّواةِ ولِتِلك البَياتِه هويَحْوِي كُلٌّ مِنهُما مَوادَّ دَقِيقةً لَطِيفةً جِدًّا؛ والنَّخلةُ والطّاوُوسُ كذلك لَهُما صِفاتٌ عالِيةٌ وكَيفِيّاتٌ وأَوْضاعٌ راقِيةٌ بالنِّسبةِ لِصِفاتِ البِذْرةِ والبَيْضةُوثٍ، ندَما تُربَطُ أَوْصافُ النَّواةِ والبَيْضةِ بأَوْصافِ النَّخلِ والطَّيرِ وتُذْكَرانِ مَعًا، يَلزَمُ أن يَرفَعَ العَقلُ الإِنسانِيُّ بَصَرَه عنِ النَّواةِ إلى النَّخْلةِ ويَنظُرَ إلَيْها، وأن يَتَوجَّهَ الوَحْلبَيْضةِ إلى الطّاوُوسِ ويُمْعِنَ فيه، كي يَقبَلَ تلك الأَوْصافَ الَّتي يَسمَعُها؛ وبخِلافِه يَنساقُ إلى التَّكذِيبِ حِينَ يَسمَعُ أَحَدَهُم يقُولُ: "لقد أَخَذْتُ طَنًّا مِنَبَثيّةمرِ مِن حَفْنةٍ مِنَ النَّوَى، أو هذه البَيْضةُ هي سُلْطانُ الطُّيُورِ".
وهكذا، فإنَّ بَشَرِيّةَ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) تُشبِهُ تلك النَّواةَ أوا إِرَيْضةَ "في المِثالِ"، وماهِيَّتُه المُشِعّةُ بمُهِمّةِ الرِّسالةِ مَثَلُها كمَثَلِ شَجَرةِ طُوبَى الجَنّةِ وطَيْرِ الجَنّةِ في سُمُوٍّ ورُقِيٍّ.
لِذا، في الوَقتِ الَّذي نُفَكِّرُ في النِّزاع الَّذي حَصَل في السُّو برَحْ البَدَوِيِّ، يَلزَمُ أن نَرفَعَ عَينَ الخَيالِ عالِيًا، ونَتَصَوَّرَ الذّاتَ النُّورانيّةَ المُمْتَطِيةَ الرَّفْرَفَ "البُرَاقَ"، والمُنطَلِقةَ سَعْيًا إلى قابِ قَوْسَينِ أو أَدْنَى، تارِكةً خَلْفَها جِبْرِيلَ عَليهِ السَّلام؛ وعلى وَإنَّ النَّفسَ الأَمّارةَ بالسُّوءِ إمّا ستُسِيءُ الأَدَبَ وتَنحَطُّ إلى دَرَكِ قِلّةِ التَّوقيرِ والِاحتِرامِ، أو تَزِلُّ قَدَماها إلى عَدَمِ التَّصدِيقِ.
— 135 —
الإشارةُ البليغةُ الخامسةُ
وهي تَخُصُّاشَيءٍ ِثَ المُتَعلِّقةَ بأُمُورٍ غَيبِيّةٍ،نَذكُرُ مِنها بِضْعةَ أَمثِلةٍ:
المِثالُ الأوَّلُ:قال رَسُولُ اللهِ (ص) في خُطْبةٍ بينَ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم، ونُقِلَ إلَيْنا الحَدِيثُ نَقْلًا صَحِيحًا و الإِستِرًا:"ابْنِي حَسَنٌ هَذا سَيِّدٌ، سيُصلِحُ اللهُ به بَينَ فِئَتَينِ عَظِيمَتَينِ"؛وبَعدَ مُرُورِ أَربَعِينَ سَنةً الْتَقَى جَيْشانِ عَظِيمانِ لِلمُسلِمِين، فصَالَحَ الحَسَننِ حالوِيةَ رَضِيَ الله عَنهُما، وصَدَّق بهذا الصُّلْحِ المُعجِزةَ الغَيبِيّةَ لِجَدِّه الأَمجَدِ (ص).
المِثالُ الثّاني:ثَبَت بِنَقْلٍ صَحِيحٍ أنَّه (ص) قال لِعَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ: "ستُقاتِلُ النّاكِثِين والقاسِطِينَ والمارِقِينَ". فأَخبَالِ واوَقْعةِ الجَمَلِ، وصِفِّينَ، وعنِ الخَوارِجِ.
وقال (ص) للزُّبَيرِ:"لَتُقاتِلَنَّه وأنتَ ظالِمٌ له"عِندَما رَآه وعَلِيًّا يَتَحابّانِ.
ي كِتاص) لِأَزواجِه الطّاهِراتِ:"كَيفَ بإِحداكُنَّ تَنبَحُ علَيْها كِلابُ الحَوْأَبِ"، "يُقتَلُ عن يَمِينِها وعن يَسارِها قَتْلَى كَثِيرةٌ..".
وبَعدَ ثَلاثِينَ سَنةً تَحَقَّقَت هذه الأَحادِيثُ الصَّودِ هذ فِعلًا، وذلك في وَقْعةِ الجَمَلِ الَّتي جَرَت بَينَ عَلِيٍّ وعائِشةَ ومَعَها طَلْحةُ والزُّبَيرُ رَضِيَ الله عَنهُم أَجمَعِينَ، كما تَحَقَّقَت في وَقْعةِ صِفِّينَ الَّتي جَرَت بَينَ عَلِيٍّ ومُعاوِيةَ رَضِيَ الله عَنه وتُدخقد تَحَقَّقَت في وَقْعةِ حَرُوراءَ والنَّهْروانِ الَّتي كانَت بَينَ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ والخَوارِجِ.
وأَخبَرَ (ص) عَلِيًّا عن الَّذي يَقتُلُه "عن :"الَّذي يَضرِبُك يا عَلِيُّ على هَذِه حتَّى تُبَلَّ مِنه هذه"أي: تُبَلَّ لِحْيَتُه مِن دَمِ رَأْسِه، وكان عَلِيٌّ يَعرِفُه، وهو عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ مُلَنقُلُلخارِجِيُّ.
وأَخبَرَ كذلك عن ذِي الثُّدَيّةِ بعَلامةٍ فارِقةٍ فيه: أنَّه سيَكُونُ بَينَ قَتْلَى الخَوارِجِ، وفِعْلًا كان ذُو الثُّدَيّةِ فيهِم، وهُو "رَجُلٌ أَسوَدُ، إِحدَى عَضُدَيه مِثلُ ثُدِيِّ المَرْأةِ"، فجَعَلَه عَلِيٌّ حُه يَرَلى أنَّه المُحِقُّ، وأَعلَنَ عن مُعجِزةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص).
— 136 —
وأَخبَرَ (ص) برِوايةٍ صَحِيحةٍ عن أُمِّ سَلَمةَ وغَيرِها: أنَّ الحُسَينَ يُقتَلُ بالطَّفِّ أثَّالثكَرْبَلاءَ. وبَعدَ خَمسِينَ سَنةً وَقَعَت تلك الفاجِعةُ الأَلِيمةُ، فصَدَّقَت ذلك الإِخبارَ الغَيبِيَّ.
وأَخبَرَ مُكَرَّرًا (ص):"إنَّ أَهلَ بَيتِي سيَلْقَوُ دائِدِي مِن أُمَّتِي قَتْلًا وتَشرِيدًا"،فكان كما أَخبَرَ.
هُنا يَرِدُ سُؤالٌ مُهِمٌّ:
يُقالُ:إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ كان أَحرَى بالخِلافةِ وأَوْلَى بِها، فهُو ذُو قَرابةٍ معَ النَّبيِّ (ص)، وذُو شَجاعةٍ ناهُو وَخارِقةٍ، وذُو عِلمٍ غَزِيرٍ.. فلِماذا لم يُقدِّمُوه في الخِلافةِ؟ ولِماذا اضْطَرَبَت أَحوالُ المُسلِمِين في عَهْدِه؟
الجَوابُ:لقد قال قُطْبٌ عَظِيمٌ مِن آلِ البَيتِ: كان الرَّسُولُ (ص) قد تَمَنَّى أن يكُونَ عَلِيٌّ هُو الخَلِيفةَ، ولَكْلِه، لِمَ مِنَ الغَيبِ أنَّ إِرادةَ اللهِ غَيرُ هذا، فتَخَلَّى عن رَغْبَتِه تَبَعًا لِما يُرِيدُه اللهُ سُبحانَه وتَعالَى.
وفيما يَأْتِي حِكْمةُو طَردةٌ مِمّا تَنطَوِي علَيْه إِرادةُ اللهِ تَعالَى في هذا الأَمرِ:
كان الصَّحابةُ الكِرامُ رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ أَحْوَجَ إلى الِاتِّفاقِ والِاتِّحادِ بَعدَما ارْتَحَلَ النَّبِيُّ (ص) إلى الرَّفيقِ الأَعفي أَحلو كان عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ قد تَوَلَّى الخِلافةَ، لَكان هُناك احتِمالٌ قَوِيٌّ أن تُثِيرَ أَطْوارُه المُتَّسِمةُ بعَدَمِ مُسايَرةِ الآخَرِينَ واستِقْلاليّةِ آرائِه، معَ زُهدِه الشَّدِيدِ، وبَسالَتِه النّادِرةِ، واستِغنائِه عُ، وَأّاسِ، فَضْلًا عن شَجاعَتِه الفائِقةِ، فتُحَرِّكَ یی هذه المَزايا یی عِرْقَ المُنافَسةِ لَدَى كَثِيرٍ مِنَ الأَشخاصِ والقَبائِلِ، فتَنجُمَ الفُرقةُ بينَ صُفُوفِ المُسلِمينَ، مِثلَما حَدَثَ في عَهِْ دَلاافَتِه مِن حَوادِثَ وفِتَنٍ.
أمّا سَبَبُ تَأَخُّرِ خِلافةِ عَلِيٍّرَضِيَ الله عَنهُ، فإنَّ أَحَدَ أَسبابِه ما يَأْتي:
لقد هَبَّتْ أَعاصِيرُ الفِتَنِ في أَوْساطِ أُمّةِ الإِسلامِ الَّتي تَضُمُّ أَقْوامیی ونَُبايِنةً في الفِكْرِ، والَّتي يَحمِلُ كُلٌّ مِنها بُذُورَ الفُرقةِ إلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرقةً، مِثلَما أَخبَرَ بذلك الرَّسُولُ (ص)، فكان يَنبَغِي وُجُودُ شَخصِيّةٍ قَوِيّة فَذّةٍ، مَهِيبةِ الجانِبِ، ذاتِ شَجاعةٍ
— 137 —
فائُوذَجًفِراسةٍ نافِذةٍ ونَسَبٍ عَرِيقٍ أَصِيلٍ مِن أَهلِ البَيتِ ومِن بَنِي هاشِمٍ، تَثبُتُ أَمامَ هذه الفِتَنِ؛ فمِثلُ هذه الشَّخصِيّةِ الفَذّةِ، كانَت تَتَمثَّلُ في عَلِيٍّ رَمَّلْ لله عَنهُ، فثَبَتَ فِعْلًا أَمامَ تلك الأَعاصِيرِ الهَوْجاءِ.. ولقد أَخبَرَه الرَّسُولُ (ص) بذلك: أنَّه سيُحارِبُ في سَبِيلِ تَأْوِيلِ القُرآنِ كما حارَبَِيِّين) في سَبِيلِ نُزُولِه. ثمَّ إنَّه لولا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ لَرُبَّما كانَت سَلْطَنةُ الدُّنيا تَعصِفُ بالأُمَوِيِّين وتَفتِنُهُم كُلِّيًّا، وتُزِلُّهُم عنِ الصّلنِّسبالسَّوِيِّ، ولَكِن لِأَنَّهم كانُوا يَرَوْن إِزاءَهُم عَلِيًّا وآلَ البَيتِ، فقد حاوَلُوا أن يَبلُغُوا شَأْوَهُم ويُوازُوهُم في مكانَتِهِميرًا حلّا يَفقِدُوا مَنزِلَتَهُم في نَظَرِ الأُمّةِ، فاضْطُرَّ أَغلَبُ رُؤَساءِ الدَّولةِ الأُمَوِيّةِ إلى حَضِّ أَتْباعِهِم على القِيامِ بحِفْظِ حَقائِقِ الإِيمانِ ونَشْرِها، وصِيانةِ أَحكامِ القُرآنِ والإِانِ قدرَغمَ أنَّهُم لم يَفعَلُوا شَيْئًا بأَنفُسِهِم، لِذا نَشَأَتْ في ظِلِّ دَوْلَتِهِم مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ المُجتَهِدِينَ وأَئِمّةِ الحَدِيثِ والأَولياءِ الصّالِحِينَ والأَصفِياءِ والعامِلِحَرارَلَوْلا كَمالاتٌ يَتَّصِفُ بها آلُ البَيْتِ وصَلاحُهُم ووِلايَتُهُم للهِ لَزَلَّ الأُمَوِيُّونَ وابتَعَدُوا كُلِّيًّا عن طَرِيقِ الصَّوابِ، كما آلَ إلَيْه أَمرُهُم في أَواخِرِ أَيّامِهِم، وكما حَدَثَادسُ:واخِرِ أَيّامِ العَبّاسِيِّينَ.
وإذا قِيلَ:لِماذا لم تَستَقِرَّ الخِلافةُ في آلِ البَيْتِ، عِلْمًا أَنَّهُم كانُوا أَحَقَّ بها؟
الجَوابُ:إنَّ سَسُحُبَُ الدُّنيا خَدّاعةٌ، بَينَما أَهلُ البَيْتِ مُكَلَّفُون بالحِفاظِ على حَقائِقِ الإِسلامِ وأَحكامِ القُرآنِ؛ ويَنبَغِي لِمَن يَتَسلَّمُ زِمامَ الخِلافةِ ألّ نَفسِرَّه الدُّنيا، كأَنْ يَكُونَ مَعصُومًا كالنَّبِيِّ، أو يَكُونَ عَظِيمَ التَّقْوَى عَظِيمَ الزُّهدِ كالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ والمَهْدِيِّ العَبّاسِيِّ لِئَلّا يَغتَرَّ؛ فسَلْطَنةُ الدُّنيُ المَُصْلُحُ لِآلِ البَيْتِ، إذ تُنسِيهِم وَظِيفَتَهُمُ الأَساسَ، وهي المُحافَظةُ على الدِّينِ وخِدمةُ الإِسلامِ.. وخِلافةُ الدَّولةِ الفاطِمِيّةِ الَّتي قامَت بِاسمِ آلِ الي.
في مِصْرَ، وحُكُومةُ المُوَحِّدِينَ في أَفرِيقيا، والدَّوْلةُ الصَّفَوِيّةُ في إِيرانَ، كُلٌّ مِنها غَدَت حُجّةً على أنَّ سَلْطَنةَ الدُّنيا لا تَصْلُحُ لِآلِ البَيْتِ؛ بَينَما نَرِ السَّتَى تَرَكُوا السَّلْطَنةَ، فقد سَعَوْا سَعْيًا حَثِيثًا وبَذَلُوا جُهْدًا مُنقَطِعَ النَّظِيرِ في خِدْمةِ الإِسلامِ ورَفْعِ رايةِ القُرآنِ.
— 138 —
فإن شِئْتَ فتَأَمَّلْ في الأَقطابِ الَّذين أَتَوْا مِن سُلالةِ الحَسَنِ رَضِيَ مِيعِ َنهُ، ولا سِيَّما الأَقطابِ الأَربَعةِ، وبخاصّةٍ الشَّيخَ الگيْلانِيَّ؛ وإن شِئْتَ فتَأَمَّلْ في الأَئِمّةِ الَّذِينَ جاؤُوا مِن سُلالةِ الحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُ، ولا سِيَّما زَينِ العابِدِينَ وصَفاءِرٍ الصَّادِقِ وأَمثالِهِم.. فكُلٌّ مِن هَؤُلاءِ قد أَصبَحَ بِمَثابةِ مَهْدِيٍّ مَعنَوِيٍّ، بَدَّدُوا الظُّلْمَ والظُّلُماتِ المَعنَوِيّةَ بنَشْرِهِم أَنوارَ القُرآنِ وحَقائِقََمرُ قمانِ، وأَثبَتُوا حَقًّا أَنَّهُم وارِثُو جَدِّهِمُ الأَمْجَدِ علَيْه أَفضَلُ الصَّلاةِ وأَتَمُّ التَّسلِيمِ.
فإن قِيلَ:ما حِكْمةُ تلك الفِتْنةِ الدَّمَوِيّةِقَينِ هِيبةِ الَّتي أَصابَتِ الأُمّةَ الإِسلامِيّةَ في عَصْرِ الرّاشِدِينَ وخَيْرِ القُرُونِ، حَيثُ لا يَلِيقُ بأُولَئِك الأَبرارِ القَهْرُ ونُزُولُ المَصائِبِ، وأَينَ يَكْمُنُ وَجْهُ الرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ فيها؟
الجَوابُ:كما لأَمرَلأَمطارَ الغَزِيرةَ المَصحُوبةَ بالعَواصِفِ في الرَّبِيع تُثِيرُ كَوامِنَ قابِلِيّاتِ كُلِّ طائِفةٍ مِن طَوائِفِ النَّباتاتِ وتَكْشِفُها فتَنثُرُ البُذُورَ وتُطلِقُ النُّودُعائَِتَفتَّحُ أَزهارُها الخاصَّةُ بها، ويَتَسلَّمُ كُلٌّ مِنها مُهِمَّتَه الفِطْرِيّةَ، كذلك الفِتْنةُ الَّتي ابتُلِيَ بها الصَّحابةُ الكِرامُ والتَّابِعُونَ رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ، أَثارَت بُذُورَ مَواهِبِهِمُ المُختَلِفةِ، وحَفَّزوأَمثاَى قابِلِيّاتِهِمُ المُتَنَوِّعةِ، فأَنذَرَتْ كُلَّ طائِفةٍ مِنهُم وأَخافَتْهُم مِن أنَّ الخَطَرَ مُحْدِقٌ بالإِسلامِ، وأنَّ النّارَ ستِدْرِ في صُفُوفِ المُسلِمِينَ، مِمّا جَعَل كُلَّ طائِفةٍ تُهرَعُ إلى حِفْظِ الدِّينِ والذَّوْدِ عن حِياضِ الإِيمانِ، فأَخَذَ كُلٌّ مِنهُم على عُهْدَتِه مُهِمّةً مِن مُهِمّاتِ حِفْظِ الإِيَضَّح جَمْعِ شَمْلِ الإِسلامِ، كُلٌّ حَسَبَ قابِلِيَّتِه، فانطَلَقَ بكُلِّ جِدٍّ وإِخلاصٍ في هذه السَّبِيلِ، فمِنهُم مَن قامَ بحِفْظِ الحَدِيثِنَصَّ بَوِيِّ الشَّرِيفِ، ومِنهُم مَن قامَ بحِفْظِ فِقهِ الشَّرِيعةِ الغَرّاءِ، ومِنهُم مَن قامَ بحِفْظِ العَقائِدِ والحَقائِقِ الإِيمانيّةِ، ومِنهُم مَن قامَ بحِفْظِ القُرآنِ الكَرِيمِ..
وهكذاَّيءُ َتْ كُلُّ طائِفةٍ تَحتَ مُهِمّةٍ وواجِبٍ مِنَ الواجِباتِ الَّتي يَفرِضُها حِفْظُ الإِيمانِ وصِيانةُ الإِسلامِ، وسَعَتْ في سَبِيلِ أَداءِ مُهِمَّتِها سَعْيًا حَثَِلِيٌّفتَفَتَّحَتْ مِنَ البُذُورِ الَّتي نَشَرَتْها تلك الأَعاصِيرُ الهَوْجاءُ العَنِيفةُ في الأَرجاءِ زُهُورٌ بَهِيجةٌ بأَلْوانٍ زاهِيةٍ
— 139 —
شَتَّى في عالَمِ الإّاليّة، حتَّى غَدا العالَمُ الإِسلامِيُّ رِياضًا يانِعةً بالوُرُودِ والرَّياحِينِ، إلّا أنَّه یی لِلأَسَفِ یی ظَهَرَت بينَ تلك الرِّياضِ البَدِيعةِ أَشواكُ أَهلِ البِدَعِ أَيضًا.. وكأنَّ يَدَ القُدْرةِ الإلٰهِيّةِ قد هَزَظَرِ لك العَصْرَ بجَلالٍ وهَيْبةٍ، وأَدارَتْه بِشِدّةٍ وعُنْفٍ، فأَثارَتِ الهِمَمَ وأَلهَبَتِ المَشاعِرَ لَدَى أَهلِ الهِمّةِ والغَيْرةِ، فبَعَثَت تلك الحَرَكةُ المُنطَلِقةُ عنِ المَركَزِ كَثِيرًا مِن أَئِمّةِ المُجتَهِدِين والمُحَأسُه؛ والحُفّاظِ والأَصفِياءِ والأَقطابِ الأَولِياءِ إلى أَنحاءِ العالَمِ الإِسلاميِّ، وأَلْجَأَتْهُم إلى الهِجْرةِ، وهَيَّجَتِ المُسلِمِينَ شَرْقًا وغَرْبًا وفَتَحَت بَصِيرَتَهُم لِيَغْنَمُوا مِنمَّدٍ زِ القُرآنِ وخَزائِنِه. والآنَ لِنَرْجِعْ إلى ما نَحنُ بِصَدَدِه:
إنَّ ما أَخبَرَ عنه الرَّسُولُ (ص) مِن أُمُورِ الغَيبِ ووَقَع فِعلًا كما أَخبَرَ، يَبلُغُ الأُلُوفَ بل يَزِيدُ، إلّا أَنَّنا نُشِيرُ إلى أَمثِلةٍ مِنها فَقَطْ، تلكُ (ص) ي اتَّفَق على صِحَّتِها أَصحابُ الكُتُبِ السِّتّةِ الصَّحِيحةِ، وفي مُقدِّمَتِهِمُ "البُخارِيُّ" و"مُسلِمٌ"، حتَّى إنَّ كَثِيرًا مِنها نُقِلَت نَقْلًا مُتَواتِرًا مِن حَيثُ المَعنَى، واتَّفَقَ العُلَماءُوتَمَنُ التَّحقِيقِ على صِحّةِ بَعضِها وأنَّه بمَثابةِ المُتَواتِرِفي قَطْعِيَّتِه.
"..خرَّجَ أَهلُ الصَّحِيحِ والأَئِمّةُ: ما أَعْلَمَ به (ص) أَصحابَه مِمّا وَعَدَهُم به مِنَ الظُّهُورِ على أَعدائِه وفَتحِ مَكّةَ وبَيتبَعدُ"قْدِسِ واليَمَنِ والشّامِ والعِراقِ.. وفَتحِ خَيْبَرَ؛ وأَخبَرَ عن "قِسْمَتِهِم كُنُوزَ كِسْرَى وقَيْصَرَ" أَكبَرِ دَوْلَتَينِ في العالَمِ في ذلك العَهْدِ؛ ثمَّ إنَّه (ص) حِينَما كانَ يُخبِرُ بهذا الخَبَرِ الغَيبِيِّ لم يَلِ، مَِظُنُّ، أَحسِبُ، رُبَّما.. وإنَّما أَخبَرَ عن عِلْمٍ يَقِينيٍّ كأَنَّه واقِعٌ يَراه.. وقد وَقَع كما أَخبَرَ، عِلْمًا أنَّه عِندَما أَخبَرَ بهذا الخَبَرِ كانَ قد هاجَرَ مُكرَهًا، وأَصحابُا مَبهيلُونَ، والعالَمُ كُلُّه ومَن حَوْلَ المَدِينةِ أَعداءٌ يُحْدِقُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ.
وفي رِوايةٍ صَحِيحةٍ أَخبَرَ الرَّسُولُ (ص) مِرارًا:"علَيكُم بسِيرةِ اللَّذَينِ مِن بَعدِي: أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ".فأَفادَ بهذا أنَّ أبا بَكْرٍ وعُميُسنَدُعَمَّرانِ بَعدَه، وسيَكُونانِ خَلِيفَتَينِ، وسيُؤَدِّيانِ الخِلافةَ حَقَّها كامِلًا بما يُرضِي اللهَ سُبحانَه ورَسُولَه؛ ثمَّ إنَّ أبا بَكْرٍ سيَتَوَلَّى الخِلافةَ لمُدّةٍ قَصِيرةٍ، بَينَما عُمَن لييَتَوَلّاها لِمُدّةٍ أَطْوَلَ، فَضْلًا عن أنَّه سيَقُومُ بكَثِيرٍ مِنَ الفُتُوحاتِ.
— 140 —
وقال الرَّسُولُ (ص):"زُوِيَت ليَ الأَرضُ، فأُرِيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسيَبْلُغُ مُلْكُ أا بَعضي ما زُوِيَ لي مِنها"،وكان كما قالَ.
وأَخبَرَ (ص) قَبلَ غَزْوةِ بَدْرٍ یی في رِوايةٍ صَحِيحة یی عن مَصارِعِ الكُفّارِ في بَدْرٍ، وأَشارَ إلى مَواضِعِ قَتْلِهِم ومَصارِعِ رُؤَسائِهِم: "هذا مَصْرَُ الإِ جَهْل، هذا مَصْرَعُ عُتْبةَ، وهذا مَصْرَعُ أُمَيّةَ، هذا مَصْرَعُ فُلانٍ وفُلانٍ.."، وأَعْلَمَ بأنَّه سيَقتُلُ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ، وكان كما أَعْلَمَ.
وثَبَت في الصَّحمُ (النَّه قال كَمَن يُشاهِدُ أَصحابَه ويَنظُرُ إلَيْهِم في غَزْوةِ مُؤْتةَ، وهِي على بُعْدِ مَسِيرةِ شَهْرٍ مِن حُدُودِ الشّامِ:"أَخَذَ الرّايةَ زَيْدٌ فأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها جيثًا، فأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها ابنُ رَواحةَ فأُصِيبَ، ثمَّ أَخَذَها سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ"،وبَعدَ مُرُورِ بِضْعةِ أَسابِيعَ عادَ يَعْلَى بنُ مُنَبِّهٍ مِن ساحةِ المَعرَكةِ، وقق، فأَن يُخبِرَ عمّا جَرَى هنالك بَيَّنَ رَسُولُ الله (ص) ما دارَ في المَعرَكةِ مُفَصَّلًا، فأَقْسَمَ يَعلَى، وقال: "والَّذي بَعَثَك بالحَقِّ ما تَرَكْتَ مِن حَدِيثِهِم حَرْفًا واحِدًا".
وفي رِوايةٍ صَحِيحةٍ:"إنَّ الخِلافةَ بَعدِي ثَلاثُونَ سَنةاني:إَ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا"؛ "وأنَّ هذا الأَمرَ بَدَأ نُبُوّةً ورَحْمةً، ثمَّ يكُونُ رَحْمةً وخِلافةً، ثمَّ يكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا، ثمَّ يكُونُ عُتُوًّا وجَبَرُوتًا"،فأَخبَرَ (ص) عن مُدّةِ الخِلافةِءِ والاشِدةِ وهي: ثَلاثُونَ سَنةً، وتَكمُلُ هذه المُدّةُ بالأَشهُرِ السِّتّةِ لِخِلافةِ الحَسَنِ رَضِيَ الله عَنهُ، ثمَّ تَتَعاقَبُ السَّلْطَنةُ والجَبَرُوتُ وفَسادُ الأُمّةِ، وفِعلًا تَحَقَّق مِثلَما قالَ.
وثَبَت برِوايةٍ صَحِيحةٍ:"يُقتَلِ والأمانَ رَضِيَ الله عَنهُ وهو يَقْرَأُ المُصْحَفَ، وأنَّ اللهَ عَسَى أنْ يُلبِسَه قَمِيصًا، وأَنَّهُم يُرِيدُونَ خَلْعَه"فكان كما قالَ.
وفي رِوايةٍ صَحِيحةٍ أُخرَى: أنَّه عِندَما احتَجسُولُ رَّسُولُ (ص) شَرِبَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ دَمَه الطّاهِرَ تَبَرُّكًا، ولم يَسْكُبْه فقالَ لَه:"وَيْلٌ لِلنّاسِ مِنك، ووَيْلٌ لَك مِنَ النّاسِ"،فأَخبَرَ أنَّ عَبدَ اللهِ سيَتَوَلَّى أَمْرَ ا
أُ بشَجاعةٍ فائِقةٍ، وسيَكُونُ هَدَفًا لِهُجُومٍ عَنِيفٍ، وستَنزِلُ بالنّاسِ بسَبَبِه نَوائِبُ ومَصائِبُ؛ وفِعْلًا وَقَع كما قال، حَيثُ أَعلَن عَبدُ اللهِ بنُ
— 141 —
الزُّبَيرِ الخِلافةَ في مَكّةَ في عَهْدِ الأُمَوِيِّينَ، وحاصَرَه اَ هِداجُ بنُ يُوسُفَ الظّالِمُ بجَيْشٍ عَظِيمٍ في مَكّةَ، وبَعدَ قِتالٍ عَنِيفٍ وبَسالةٍ نادِرةٍ ومَعارِكَ دامِيةٍ سَقَط شَهِيدًا.
وأَخبَرَ (ص)"بمُلْكِ بَنِي أُمَيّةَ"أي: بظُهُحَ أَهدَّوْلةِ الأُمَوِيّةِ "ووِلايةِ مُعاوِيةَ، ووَصّاه" لَمّا قالَ لَه: إذا مَلَكْتَ فاسْجَحْ، أو: فانْصَحْ، وسيَكُونُ مُلُوكُها ورُؤَساؤُها ظَلَمةً، وسيَظهَرُ .
ا أَشخاصٌ أَمثالَ يَزِيدَ والوَلِيدِ.
كما أَخبَرَ (ص):"يَخرُجُ وَلَدُ العَبّاسِ بالرّاياتِ السُّودِ، ويَمُلِكُونَ أَضعافَ ما مَلَكُوا"مِن أنَّ الدَّولةَ العَبّاسِيّةَ ستَظهَرُ بَعدَ الأُمَوِيِّيهو أنّيَظَلُّون في الحُكْمِ مُدّةً أَطْوَلَ.. وتَحَقَّق كلُّ ذلك فِعْلًا كما أَخبَرَ (ص).
وثَبَت في الصَّحِيحِ أنَّه قال:"وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِن شَرٍّ قدِ اقْتَرَبَ"،فأَخبَرَ بفِتَنِ جِنْكِيزْ خان وهُولَاكُو، وتَدْمِيرِهِمُ الدَخاءٍ َ العَبّاسِيّةَ العَرَبِيّةَ، وقد تَحَقَّق فِعلًا كما قالَ (ص).
وقالَ لِسَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ في رِوايةٍ صَحِيحةٍ، حِينَما كان في مَرَضٍ شَدِيدٍ:"لَعَلَّك تُخَلَّفُ حتَّى يَنتَفِعَ بكَ أَقْوامٌ، ويُضَرَّ بِك آخَرُونَ"،فأَخبَرَ (ص) وأَخب سيَكُونُ قائِدًا عَظِيمًا، وسيَفتَحُ اللهُ بِيَدِه بُلْدانًا، ويَنتَفِعُ به أَقوامٌ كَثِيرُون بدُخُولِهِم حَظِيرةَ الإِسلامِ، ويَتَضَرَّرُ به آخَرُون حَيثُ تَنقَرِضُ دَوْلَتُهُم.. وقد كان كما ْدةِ فإذ أَصبَحَ سَعْدٌ قائِدًا للجَيشِ الإِسلامِيِّ، ودَمَّر دَوْلةَ الفُرْسِ، وصارَ سَبَبًا في دُخُولِ كَثِيرٍ مِنَ الأَقْوامِ والمِلَلِ في حَوْزةِ الإِسلامِ.
وثَبَت كَذَلِك أنَّه (ص) "نَعَى النَّجاشَِيفٍ: اليَوْمِ الَّذي ماتَ فيه"، في السَّنةِ السّابِعةِ مِنَ الهِجْرةِ، وصَلَّى علَيْه، وبَعدَ مُرُورِ أُسبُوعٍ جاءَ الخَبَرُ بأنَّه تُوُفِّي في اليَوْمِ الَّذي أَخبَرَ فيه الرَّسُولُ (ص).
وقال (ص):"اُثبُتْلُوفِ.ُ، فإنَّما علَيْك نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدٌ"عِندَما كان (ص) معَ صَفْوةٍ مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ على جَبَلِ أُحُدٍ یی أو على حِراءٍیی واهْتَزَّ الجَبَلُ مِن تَحتِهِم، فأَفوالعِشَّ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيًّا سيُستَشْهَدُون، فكانَ كما قالَ.
— 142 —
أيُّها الضَّعِيفُ، ويا مَن ماتَ قَلْبُه، ويا أَيُّها الشَّقِيُّ..
لَعَلَّك تَقُولُ: إنَّ مُحَباقي ه (ص) كان عَبْقَرِيًّا، فعَرَف بعَبْقَرِيَّتِه هذه الأُمُورَ الغَيبِيّةَ! وتُغمِضُ عَيْنَك عن حَقِيقةِ النُّبوّةِ السّاطِعةِ كالشَّمسِ!
أيُّها المِسكِينُ، إنَّ ما سَمِعْتَه لَيسَ إلّا جُزءًا مِن خَمْسةَ عََّمْوَِوْعًا مِنَ الأَنواعِ الكُلِّيّةِ لِمُعجِزاتِه (ص)، وقد عَلِمْتَ أنَّها جَمِيعًا ثابِتةٌ برِواياتٍ صَحِيحةٍ وبتَواتُرٍ مَعنَوِيٍّ؛ وأَنتَ ِعٍ كامَعْ بَعدُ إلّا نُبذةً يَسِيرةً مِمّا يَتَعلَّقُ بالأُمُورِ الغَيبِيّةِ.. أفَبَعْدَ ما يَسمَعُ الإِنسانُ هذه المُعجِزاتِ يقُولُ لِصاحِبِها: إنَّه عَبقَرِيٌّ يَكشِفُ المُستَقبَلَ بفِراسَتِه؟
هَبْ أَنَّنا قُلْنا مِثلَك: إنَِّيلِ اَرِيٌّ. أفَيُمْكِنُ أن تَلتَبِسَ الرُّؤْيةُ على مَن يَملِكُ مِئاتِ الأَضعافِ مِنَ الذَّكاءِ المُقَدَّسِ والعَبقَرِيّةِ السَّامِيةِ؟ وهل يُمكِنُ لِمِثلِ هذه الشَّخصِيّةِ السَّامِيةِ أن تَهبِطَ مِن سُمُوِّها الصّادِقِ فتُخْبِرَ أَخباا شَرِرِيةً عنِ الصِّحّةِ؟ ألَيسَ جُنُونًا وبَلاهةً ما بَعدَها بَلاهةٌ الإِعراضُ عَمّا تُخبِرُ به هذه العَبقَرِيّةُ الفَذّةُ حَوْلَ سَعادةِ الدّارَينِ!؟
الإشارةُ البليغةُ السّادسةُ
ثَبَتَ أنَّه (ص) أَخبَرَ فاطِمةَ رَضِيَ الله عَنغَفلة!إنَّكِ أَوَّلُ أَهلِي لُحُوقًا بي"،أي: أَوَّلُ مَن يَمُوتُ بَعدَه (ص) فيَتْبَعُه مِن أَهلِ البَيْتِ، وبَعدَ سِتّةِ أَشهُرٍ وَقَع ما قالَ.
فِها وَت أَيضًا أنَّه (ص): "أَخبَرَ أبا ذَرٍّ رَضِيَ الله عَنهُ بإِخراجِه" أي: مِنَ المَدِينةِ المُنَوَّرةِ، "وبِعَيْشِه وَحْدَه وبِمَوْتِه وَحْدَه في صَحْراءَ"، وبَعدَ ُمَثِّينَ سَنةً وَقَع الأَمرُ كما أَخبَرَ.
وأَيضًا أنَّه (ص) استَيْقَظَ مِنَ النَّومِ في بَيتِ أُمِّ حَرامٍ (خالةِ أَنسِ بنِ مالِكٍ)، فتَبَسَّمَ قائِلًا:"رأيتُ أُمَّتِي يَغزُونَ في البَحْرِ كالمُلُأَمرٌ ى الأَسِرَّةِ"،فقالَت: اُدْعُ يا رَسُولَ اللهِ أنْ أَكُونَ مَعَهُم. فدَعا لَها، وبَعدَ أَربَعِينَ سَنةً اصْطَحَبَتْ زَوْجَها عُبادةَ بنَ الصّامِتِ لِفَتْحِ قُبْرُصَ، وتُوُفِّيَتْ هُناك، وقَبْرُها الآنَ هُناكَ مَعرُوفٌ يُزارُ.
— 143 —
وثَبَت الأَحك(ص) قال:"يَخرُجُ مِن ثَقِيفٍ كَذَّابٌ ومُبِيرٌ"،فأَخبَرَ عنِ المُختارِ المَشهُورِ الَّذي ادَّعَى النُّبوّةَ، وسَفَّاكِ الدِّماءِ الحَجّاجِ الظّالِمِ الَّذي قَتَل مِئةَ أَلفِ نَفْسٍ.
وثَّذِ اَيضًا أنَّه (ص) قال:"ستُفْتَحُ القُسْطَنطِينِيّةُ، فنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُها، ونِعْمَ الجَيْشُ جَيْشُها"،فأَفادَ بهذا أنَّه ستُفتَحُ مَدِينةُ إسطنبُولَ بِيَدِ المُسلِمِينَ، وسيَكُونُ لِمُحَمَّدٍ الفاتِحِ مَرتَبةٌ عالِيةٌ:"نِعْمَ الأَمطلُبُ وظَهَر الأَمرُ كما قالَ.
وثَبَت كَذَلِك أنَّه (ص) قالَ:"إنَّ الدِّينَ لَو كانَ مَنُوطًا بالثُّرَيّا لَنالَه رِجالٌ مِن أَبناءِ فارِسَ"،مُشِيرًا إلى الَّذِين أَنجَبَتْهُم بِلادُ فارِسَ مِنَ العُلَماءِ والأَولِياءِ أَمثالَ الإِمامِسْلَماَنِيفةَ النُّعمانِ.
وقال (ص) أَيضًا:"عالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ طِباقَ الأَرْضِ عِلْمًا"،مُشِيرًا بذَلِك إلى الإِمامِ الشّافِعِيِّ.
ن مِن َرَ (ص):"ستَفْتَرِقُ أُمَّتي ثَلاثًا وسَبعِينَ فِرقةً، النَّاجِيةُ واحِدةٌ مِنها،قيلَ: مَن هُم؟ قال:ما أنا علَيْه وأَصحابِي".
وقال (ص):"القَدَرِيّةُ مَجُوسُ هَذِه الأُمّةِ"،مُشِيرًا بذَلِك إلى طائِفةِ القَدَرِيّةِ المُنكِرِكَثِيرلقَدَرِ، وأَعْلَمَ عنِ الرَّافِضةِ الَّتي هي مُنقَسِمةٌ إلى شُعَبٍ وفِرَقٍ كَثِيرةٍ.
وكذا أَخبَرَ عن فِرَقٍ كَثِيرةٍ، إذ ثَبَت أنَّه قال لِعَلِيٍّ ما مَعْناهُ: إنَّ مَثَلَك مَثَلُ عِيسَى عَليهِ السَّلام،ِ، ويُونُ سَبَبًا في هَلاكِ فِئَتَينِ مِنَ النَّاسِ: إِحداهُما مِن فَرْطِ المَحَبّةِ، والأُخرَى مِن فَرْطِ العَداوةِ، حَيثُ أَفْرَطَ النَّصارَى في حُبِّ عِيسَى عَليهِ السَّلام حتَّى تَجاوَزُوا هُم وأَ المَشْرُوعَ فيَهْلِكُوا، وقالُوا: إنَّه ابنُ اللهِ یc9Dاشَ للهِ یی واليَهُودُ أَيضًا أَفرَطُوا في العَداوةِ لَه، فأَنكَرُوا نُبُوَّتَه ومَنزِلَتَه الرَّفِيعةَ؛ وكَذَلِك سيُفْرِطُ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ في الحُبِّ لَك ويَتَعَدَّوْن الحَدَّ المدًا.
عَ فيَهْلِكُونَ، إذ قال (ص) في حَقِّهِم:"لَهُم نَبَزٌ يُقالُ لَهُمُ الرَّافِضةُ"،وفَرِيقٌ آخَرُ سيُفْرِطُونَ في العَداءِ لَك وهُمُ (الخَوارِجُ)، وقِسمٌ مِنَ المُغالِينَ في مُوالاةِ الأُمَوِيِّينَ وهُعْجِزانَّاصِبةُ).
— 144 —
فإن قِيلَ:إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَأْمُرُ بحُبِّ آلِ البَيْتِ، وقد حَثَّ النَّبِيُّ (ص) على ذَلِك، فلَرُبَّما يُشالسَّي هذا الحُبُّ عُذْرًا، حَيثُ إنَّ أَهْلَ الحُبِّ أَهْلُ انتِشاءٍ وسُكْرٍ یی أي: ذاهِلُونَ یی فلِمَ لا تَنتَفِعُ الشِّيعةُ ولا سِيَّما الرّافِضةُ مِن هذا الحُبِّ ولا يُنقِذُهُم مِنَ العَذابِ، بل نَرَى العَكْسَ مِن ذَلِك، فإنَّهُا مِصْنُونَ مِن فَرْطِ الحُبِّ كما أَشارَ إلَيْه الحَدِيثُ الشَّرِيفُ؟!
الجَوابُ:إنَّ الحُبَّ قِسْمانِ:
أَحَدُهُما:حُبٌّ (بالمَعنَى الحَرفِيّآمِرًاُو حُبُّ عَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ وآلِ البَيْتِ مَحَبّةً للهِ ولِلرَّسُولِ وفي سَبِيلِهِما؛ فهذا الحُبُّ يَزِيدُ حُبَّ الرَّسُولِ (ص)،قيقةُ ونُ وَسِيلةً لِحُبِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ. فهذا الحُبُّ مَشْرُوعٌ، لا يَضُرُّ إِفراطُه، لِأَنَّه لا يَتَجاوَزُ الحُدُودَ ولا يَستَدعِي ذَمَّ الغَيرِ وعَداوَتَه.
وثانِيهِما:حُبٌّ (بالمَعنَى الِاسْمِيِّ)، وهُوي إِسْهُم حُبًّا ذاتِيًّا، ولِأَجْلِهِم، أي: حُبُّ عَلِيٍّ مِن أَجلِ شَجاعَتِه وكَمالِه، وحُبُّ الحَسَنِ والحُسَيْنِ مِن أَجْلِ فَضائِلِهِما ومَزاياهُما الكامِلةِ فحَسْبُ، مِن غِيفةِ"َذَكُّرٍ للنَّبِيِّ (ص)، حتَّى إنَّ مِنهُم مَن يُحِبُّهُم ولو لم يَعرِفِ اللهَ ورَسُولَه؛ فهَذا الحُبُّ لا يَكُونُ وَسِيلةً لِحُبِّ اللهِ ورَسُولِه، وإذا ما كانَ في هذا الحالَّذيِفراطٌ فإنَّه سيُفْضِي إلى ذَمِّ الغَيرِ وعَداوَتِه.
وهكذا أَفْرَطَ مِنهُم یی كما ذُكِرَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ یی في الحُبِّ لِعَلِيٍّ وتَبَیرَّؤُوا مِن أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، فوَقَعُوا في خَسارةٍ عَظأن
#46 فكانَ هذا الحُبُّ السَّلْبِيُّ غَيرُ الإِيجابِيِّ سَبَبًا لِخَسارَتِهِم.
وجاءَ في النَّقلِ الصَّحِيحِ أنَّه (ص) حَذَّرَ الأُمّةَ مِن أَنَّهُم "إذا مَشَوُا المُطَيْطاءَ وخَدَمَتْهُم بَناتُ فارِسَ والرُّومِ، رَدَّ اللهُ بَأْسَهُم بَينّةِ الوسَلَّطَ شِرارَهُم على خِيارِهِم"، وبَعدَ ثَلاثِينَ سَنةً وَقَع الأَمرُ كما قالَ.
وثَبَت كَذَلِك أنَّه (ص) أَعْلَمَ أَصحابَه: "وتُفتَحُ خَيجِعُ حعلى يَدَيْ عَلِيٍّ"، وفي غَدِ يَوْمِه وَقَعَتِ المُعْجِزةُ النَّبَوِيّةُ یی فَوْقَ ما كان يُتَوَقَّعُ یی فأَخَذَ عَلِيٌّ بابَ القَلْعةِ بِيَدِه وجَعَلَه تُرْسًا؛
— 145 —
ولَمّا تَمَّ أَمرُ الفَتْحِ رَماهُ في الأَرضال لَهن البابُ عَظِيمًا، حتَّى إنَّه لم يَستَطِعْ ثَمانِيةُ رِجالٍ یی وفي رِوايةٍ أَربَعُونَ رَجُلًا یی رَفْعَه مِنَ الأَرضِ.
وقالَ (ص):"لا تَقُومُ السَّاعةُ اتِ ياتَقتَتِلَ فِئَتانِ دَعْواهُما واحِدةٌ"،فأَخبَرَ عنِ الحَرْبِ الَّتي وَقَعَت في صِفِّينَ بَينَ عَلِيٍّ ومُعاوِيةَ رَضِيَ الله عَنهُما.
ومِمّا أَخبَیرَ به نَّه حإنَّ عَمَّارًا تَقتُلُه الفِئةُ الباغِيةُ"،وبَعدَ ذَلِك قُتِلَ في حَرْبِ صِفِّينَ، فاحْتَجَّ عَلِيٌّ به مِن أنَّ المُوالِينَ لِمُعاوِيةَ هُمُ الفِئةُ الباغِيةُ، ولَكِنَّ مُعاوِيةَ أَوَّلَ الحَدِيثَ، وقال عَمْرُو بنُ العاصِ:َلامٍ،اةُ هُم قاتِلُوه فَقَطْ، ولَسْنا جَمِيعًا بُغاةً.
وقال (ص) أَيضًا:"إنَّ الفِتَنَ لا تَظهَرُ ما دامَ عُمَرُ حَيًّا"،فكانَ الأَمرُ كما أَخبَرَ.
"ولَمَّا أُسِرَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو یی قَبلَ إَيضًا.ه یی يَوْمَ بَدْرٍ قال عُمَرُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّه رَجُلٌ مُفَوَّهٌ، فَدَعْنِي أَنتَزِعْ ثَنِيَّتَيه السُّفلِيَّتَينِ، فلا يَقُومَ خَطِيبًا علَيْك بَعدَ اليَ أَهلِفقالَ رَسُولُ اللهِ (ص):"وعَسَى أن يَقُومَ مَقامًا يَسُرُّك يا عُمَرُ"،وكان ذَلِك، فحِينَما وَقَعَت وَفاةُ النَّبِيِّ (ص) یی تلك الحادِثةُ العُظْمَى الَّتي كَلَّ الصَّبْرُ فيها یی قامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهنَّبِي مُعَزِّيًا المُسلِمِينَ في المَدِينةِ المُنَوَّرةِ، ومُثبِّتًا قُلُوبَ الصَّحابةِ، فخَطَبَ فِيهِم خُطْبةً بَلِيغةً، وقامَ سُهَيْلٌ أَيضًا في مَكّةَ المُكَرَّمةِ يَحذُو حَذْوَ أبي بَكْرٍ، فأَلْ أنَّهطْبةً شَبِيهةً بخُطْبةِ أبي بَكْرٍ، حتَّى إنَّ كَلِماتِ الخُطْبَتَينِ تَوارَدَت على مَعنًى واحِدٍ.
وقال الرَّسُولُ (ص) لِسُراقةَ:"كَيفَ بِك إذا أُلْبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرَى"،وفي عَهْدِالرَّحَ رَضِيَ الله عَنهُ سَقَطَت دَوْلةُ كِسْرَى، وجاءَت زِينَتُه وحُلِيُّه فأَلْبَسَها عُمَرُ سُراقةَ، وقال: "الحَمْدُ للهِ الَّذي سَلَبَهُما كِسْرَى، وألْبَسَهُما سُراقةَ"، وصَدَّقَ ما أَخسَمِّيه النَّبِيُّ (ص).
وقال (ص) أَيضًا:"إذا ذَهَبَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بَعدَه"،فكانَ الأَمرُ كما أَخبَرَ.
وأَخبَرَ (ص) رَسُولَ كِسْرَى: "أَنَّ اللهَ سَلَّطَ على كِسْرَى ابنَه شَهْرَوَزةٌ مُقَتَلَه في وَقْتِ كَذا.."، فلَمّا حَقَّقَ ذلك الرَّسُولُ وَقْتَ مَقتَلِ كِسْرَى، أَيْقَنَ أنَّ قَتْلَه كان في نَفْسِ الوَقْتِ الَّذي أَخبَرَ عنه (ص)، فأَسْلَمَ بِسَبَبِ ذلك، واسْمُ ذلك الرَّسُولِ "فَيرُوزُ" كَما وَرَدَ في بَعضِ الرِّواياخاصَّة46
وأَخبَرَ عن كِتابِ حاطِبِ بنِ أَبي بَلْتَعةَ الَّذي أَرسَلَه سِرًّا إلى كُفَّارِ قُرَيشٍ، فأَرسَلَ (ص) عَلِيًّا والمِقْدادَ رَضِيَ الله عَنهُما بأنَّ في المَوْضِعِ أَلْفنِيِّ جارِيةً مَعَها رِسالةٌ، فائْتُوني بها. فذَهَبا وأَتَيا بالرِّسالةِ في المَكانِ الَّذي وَصَفَه الرَّسُولُ (ص)، واسْتَدْعَى حاطِبًا وقالَ له: ما الَّذِي حَمَلَك على هذا؟ فاهِيًاى عُذْرَه فقَبِلَ مِنه، وهذه رِوايةٌ صَحِيحةٌ ثابِتةٌ.
وثَبَت أَيضًا أنَّه (ص) قال في عُتْبةَ بنِ أَبي لَهَبٍ:"يَأكُلُه كَلْبُ اللهِ"،فأَخبَرَ عن عاقِبَتِه المُفْجِعةِ، وبَعدَ مُدّةٍ الحَقالزَّمَنِ ذَهَب عُتْبةُ مُتَوَجِّهًا نَحوَ اليَمَنِ، فجاءَه سَبُعٌ وأَكَلَه، فصَدَّقَ دُعاءَه علَيْه.
ووَرَد في النَّقلِ الصَّحِيحِ: "أنّزًى عََسُولَ (ص) لَمَّا فَتَح مَكَّةَ أَمَرَ بِلالًا رَضِيَ الله عَنهُ أن يَعْلُوَ ظَهْرَ الكَعْبةِ ويُؤَذِّنَ علَيْها، وأَبُو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ وعَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ والحارِثُ بنُ هِشامٍ یی وهُم رُؤَساءُ قُرَيشٍ جُلُوسٌ یی في فِناءِ الكیی ستَ، فقال عَتّابٌ: لَقَد أَكرَمَ اللهُ أَسِيدًا إذ لم يَرَ هذا اليَوْمَ. وقال الحارِثُ: أَمَا وَجَد مُحَمَّدٌ مُؤَذِّنًا غَيرَ هذا الغُرابِ الأَسْوَدِ! قال أَبُو سُفْيانَ: لا أَقُولُ شَيَْه إِزلَو تَكَلَّمتُ لَأَخْبَرَتْه هذه الحَصْباءُ. فخَرَجَ علَيْهِمُ النَّبِيُّ (ص) وقال:لَقَد عَلِمْتُ الَّذي قُلتُم.وذَكَرَ مَقالَتَهم. فقال الحارِثُ وعَتّ به إلنَشهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ! ما اطَّلَع على هذا أَحَدٌ كان مَعَنا فنَقُولَ به".
فيا مَن لا يُؤْمِنُ بهذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، ويا أَيُّها المُلْحِدُ..
تَأَمَّلْ في هَذَينِ العَنِيدَينِ مِن رُؤَساءِ قُرَهذه الَيفَ رَأَيا نَفْسَيْهِما مُضَطرَّينِ إلى الإِيمانِ، بما سَمِعاه مِن إِخبارٍ غَيْبِيٍّ واحِدٍ؛ فما أَفْسَدَ قَلبَكَ وأَنتَ تَسمَعُ أُلُوفَ المُعجِزاتِ مِرِ (مِالِها، وكُلُّها ثابِتةٌ بطُرُقِ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ، ومعَ ذلك لا يَطْمَئِنُّ قَلبُك!! فلْنَرجِعْ إلى الصَّدَدِ..
وثَبَت أَيضًا أنَّه (ص) "أَخبَرَ بالمالِ الَّذي تَرَكَه عَمُّلُ وأَبّاسُ رَضِيَ الله عَنهُ عِندَ أُمِّ الفَضْلِ (زَوْجِه) بَعدَ أن كتَمَه" فلَمّا أُسِرَ بِبَدْرٍ وطُلِبَ مِنه الفِداءُ قال: لا مالَ لي. فقالَ له (ص):"ما صَنَع المالُ الَّذي وَضَعْتَه عِندَ أُمِّ اسئِلةٍِ؟"، فقال: "ما عَلِمَه غَيرِي وغَيرُها!"،فأَسْلَمَ.
وثَبَت أَيضًا: أنَّ السَّاحِرَ الخَبِيثَ لَبِيدًا اليَهُودِيَّ عَمِلَ سِحْرًا لِيُؤْذِيَ النَّبِيَّ (ص)،
— 147 —
فشَدَّ الشَّعَرَ على مِشْطٍ، ودَسَّه في بِئْرٍ، فأَمَر الرَّسُولُ الأَكرَمُُّنيا َلِيًّا والصَّحابةَ أن يَذهَبُوا إلى البِئْرِ الفُلَانيّةِ ويَأْتُوا بأَدَواتِ السِّحْرِ، فذَهَبُوا وأَتَوْا بها، وكان كُلَّما انحَلَّت مِنه عُقْدةٌ وَجَد الرَّسُولُ (ص) شَيْئًا مِنَ الخِفَّةِ.
وثَبَت مُقَدّ: أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) قال لِجَماعةٍ فيهم أَبُو هُرَيْرةَ وحُذَيْفةُ:"ضِرْسُ أَحَدِكُم في النّارِ أَعظَمُ مِن أُحُدٍ"،فأَخبَرَ عن رِدّةِ واحِدٍ مِن تلك الجَماعةِ وبَيَّنَ عاقِبَتَهصَّةُ ِيمةَ.
قال أَبُو هُرَيْرةَ: "فذَهَبَ القَومُ یی يَعنِي ماتُوا یی وبَقِيتُ أنا ورَجُلٌ (فخَشِيتُ)، فقُتِل مُرتَدًّا يَوْمَ اليَمامةِ"، وظَهَرَت حَقِيقةُ خ(ص) وغالنَّبِيِّ (ص).
وثَبَتَت أَيضًا "قَضِيّةُ عُمَيرٍ معَ صَفْوانَ حِينَ سارَّه وشارَطَه على قَتلِ النَّبِيِّ (ص)" مُقابِلَ مَبلَغٍ عَظِيمٍ مِنَ المالِ، "فلَمَّا جاءَ عُمَيرٌ النَّبِيَّ (ص) قاصِدًا لِقَت لِهذهوأَطْلَعَه رَسُولُ اللهِ (ص) على الأَمرِ والسِّرِّ یی ووَضَع يَدَه على صَدْرِه یی أَسلَمَ".
هذا، وقد وَقَع كَثِيرٌ مِن أَمثالِ هذه الإِنباءاتِ الغَيبِيّةِ الصّادِقةِ، وذَوهو الها كُتُبُ الصِّحاحِ السِّتّةِ المَعرُوفةِ معَ أَسانِيدِها؛ وأَغلَبُ ما ذُكِرَ في هذه الرِّسالةِ مِنَ الحَوادِثِ إنَّما هُو في حُكْمِ المُتَواتِرِ المَعنَوِيِّ، وهي قَطْعِيّةُ الثُّبُوتِ ويلْطَنةيّةٌ، وقد نَقَلَها البُخارِيُّ ومُسلِمٌ في صَحِيحَيْهما اللَّذَينِ هُما أَصَحُّ الكُتُبِ بَعدَ القُرآنِ الكَرِيمِ، على ما هُو علَيْه أَهلُ العِلمِ والتَّحقِيقِ، عِلْمًا أنَّها بُيِّنَت في كُتُب في أُُنَنِ الصَّحِيحةِ الأُخرَى كالتِّرمِذِيِّ والنَّسائِيِّ وأَبي دَاوُدَ ومُستَدرَكِ الحاكِمِ ومُسنَدِ أَحمَدَ بنِ حَنْبلٍ ودَلائِلِ البَيهَقِيِّ معَ أَسانِيدِها.
إِنسان أَيُّها المُلْحِدُ الغافِلُ، لا تُلقِ الكَلامَ جُزافًا فتَقُولَ: إنَّ مُحَمَّدًا (ص) رَجُلٌ عاقِلٌ ذَكِيٌّ! ثمَّ تَدَعِ الأَمرَ هكَذا وتَنصَرِفْ، عن هذ الأَخبارُ الصَّادِقةُ الَّتي تَمَسُّ الأُمُورَ الغَيبِيّةَ لا تَخلُو مِن أَمرَينِ اثنَينِ:
إمَّا أنَّك تَقُولُ: إنَّ هذا الرَّجُلَ له نَظَرٌ ثاقِبٌ وعَذلك حَّةٌ واسِعة جِدًّا، أي: لَه عَيْنٌ بَصِيرةٌ تَرَى الماضِيَ والمُستَقبَلَ معًا والعالَمَ أَجمَعَ، فيَعلَمُ بها كلَّ شَيءٍ وكُلَّ حادِثٍ، فأَقطارُ الأَرضِ والعالَمُ كُلُّه شَرْقًا وغَرْبًا تَحتَ نَظَرِ شُهُودِه، ولَه مِنَ الدَّهاءِالمُناِيمِ ما
— 148 —
يُمكِنُه أن يَكشِفَ جَمِيعَ أُمُورِ الماضِي والمُستَقبَلِ! فهَذِه الحالةُ لا يُمكِنُ یی كما تَرَى یی أن تكُونَ في بَشَرٍ قَطُّ؛ وإذا ما وَقَعَتْ في أيِّ فَرْدٍ فهُو إِذًا خارِقٌ لِلعادةِ، ولَه مَوْهِبةٌ رَفِمُه حمَنَحَها لَه رَبُّ العالَمِينَ.. وهذا الأَمرُ بحَدِّ ذاتِه مُعجِزةٌ عُظْمَى.
أو يَنبَغِي لك أن تُؤْمِنَ بأنَّ ذلك الشَّخصَ الكَرِيمَ مَأْمُورٌ وتِلْمِيذٌ يَتَلَقّكَرُ فِرشادَ والتَّعلِيماتِ مِمَّن يَرَى كُلَّ شَيءٍ، ولَه القُدْرةُ بالتَّصَرُّفِ في كلِّ شَيْءٍ في الكَوْنِ كُلِّه والأَزمانِ جَمِيعًا، فكُلُّ شَيءٍ مَكترةِ واي لَوْحِه المَحْفُوظِ، يُعَلِّمُ مِنه تِلمِيذَه ما شاءَ مَتَى شاءَ. فثَبَت إذًا أنَّ مُحَمَّدًا (ص) يَتَلقَّى الدَّرْسَ مِن مُعَلِّمِه الأَزَليِّ سُبحانَه ويُبَلِّغُه كذَلِتَبْرُوثَبَت أَيضًا أنَّه (ص) حِينَما بَعَث خالِدَ بنَ الوَلِيدِ لِيُحارِبَ أُكَيدِرَ یی رَئيسَ دُوْمةِ الجَندَلِ یی قالَ لَه:"إنَّك سَتَجِدُه يَصِيدُ البَقَرَ"أي: البَقَرَ الوَحْشِيَّ یی وأَخبَرَه بأنَّه سيَأْتِي به أَسِيرًِيقيٍّغَيرِ مُقاوَمةٍ مِنه. وذَهَب خالِدٌ ورَآه كما وَصَفَه الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص)، فأَخَذَه أَسِيرًا وأَتَى به.
وثَبَت أَيضًا أنَّه (ص) أَعلَمِ لا تَيْشًا بأَكْلِ الأَرَضةِ ما في صَحِيفَتِهِمُ الَّتي تَظاهَرُوا بها على بَنِي هاشِمٍ وقَطَعُوا بِها رَحِمَهُم، وأنَّها أَبْقَت فيها كُلَّ اسمٍ للهُِ الخََدُوها كما قالَ"، وهِي مُعَلَّقةٌ على الكَعْبةِ.
وثَبَت أَيضًا أنَّه (ص) أَخبَرَ عن ظُهُورِ الطّاعُونِ عِندَ فَتحِ بَيتِ المَقْدِسِ، ففي عَهْدِ عُمَرَ انتَشَرَ وَباءُ الطّاعُونِ انتِشارًا فَظِيعًا، بحَيثُ إنَّ عَدَدَ الَّذِينَ تُوُفُّوا نَ مُوسَ الأَمراضِ سَبعُونَ أَلفَ شَخْصٍ خِلالَ ثَلاثةِ أَيّامٍ.
وثَبَت أَيضًا أنَّه (ص) أَخبَرَ عن وُجُودِ البَصْرةِ وبَغْدادَ قَبلَ أن تُعْمَرا، وأَخبَرَ عن جِبايةِ خَزائِنِ الأَرضِ إلى مَدِينةٍ حَلِدادَ.
وأَخبَرَهُم (ص) عن "قِتالِهِمُ التُّرْكَ"، والأُمَمِ الَّتي حَوْلَ بَحْرِ الخَزَرِ، ثمَّ بَعدَ ذلك يَدخُلُ أَكثَرُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ في دِيًّا.. ِسلامِ، وسيَحكُمُونَ العَرَبَ بَينَهُم حَيثُ قال:"يُوشِكُ أن يَكْثُرَ فِيكُمُ العَجَمُ، يَأْكُلُونَ فَيْئَكُم، ويَضْرِبُونَ رِقَابَكُم".
مَوتَ ص):"هَلَاكُ أُمَّتِي على يَدِ اُغَيلِمةٍ مِن قُرَيشٍ"،فأَخبَرَ عن يَزِيدَ والوَليدِ وأَمثالِهِم مِنَ الرُّؤَساءِ الأَشرارِ في الأُمَوِيِّينَ.
— 149 —
وأَخبَرَ (ص) عن وُقُوعِ رِدّةٍ في بَععرِفُ َماكِنِ كاليَمامةِ.
وقالَ في غَزْوةِ الخَنْدَقِ:"إنَّ قُرَيْشًا والأَحزابَ لا يَغزُونَني أَبدًا، وأَنا أَغزُوهُم"،وكان الأَمرُ كما أَخبَرَ.
وثَبَت كَذلِك أنَّه (ص) أَخبَرَ قَبلَ وَفاتِه بشَهْرَينِ:"بأنَّةَ كأًَا خُيِّرَ فاختارَ ما عِندَ اللهِ".
وقالَ في حَقِّ زَيدِ بنِ صُوحانَ:"يَسْبِقُ عُضْوٌ مِنه إلى الجَنّةِ"،فقُطِعَتْ يَدُهُ في الجِهادِ وأَصبَحَت شَهِيدةً يَومَ "نَهاوَنْدَ"، فسَبَقَتْه إلى ابَيْتِِ.
وهكذا، فإنَّ جَمِيعَ ما بَحَثْناه مِن أُمُورِ الغَيْبِ إنَّما هُو نَوْعٌ واحِدٌ فَقَط مِن بَينِ عَشَرةِ أَنواعٍ مِن مُعجِزاتِه (ص)، فنَحنُ لم نُعَرِّفْ بَعدُ عُشْرَ مِعْشارِ هذا النَّوعِ، وقد بَيّلمَعنَِجمالًا أَربَعةَ أَنواعٍ مِنَ الإِخبارِ الغَيبِيِّ في "الكَلِمةِ الخَامِسةِ والعِشْرِينَ" الخاصّةِ بإِعجازِ القُرآنِ.
فتَأَمَّلِ الآنَ في هذا النَّوعِ، وضُمَّه إلى الأَنواعِ الأَائِبِ الأُخرَى الَّتي أَخبَرَ عَنْها (ص) بلِسانِ القُرآنِ، وانظُرْ كَيفَ يُشَكِّلُ بُرهانًا قاطِعًا لَامِعًا على الرِّسالةِ، بحَيثُ يُذْعِنُ مَن لم يَخْتَلَّ عَقْلُه وقَلبُه ويُصَدِّقُ بأنَّ هذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ (ص) إنَّما هُو رَسُولينِ، ثِرُ عنِ الغَيبِ مِن لَدُنْ خالِقِ كُلِّ شَيءٍ وعَلَّامِ الغُيُوبِ.
الإشارةُ البليغةُ السَّابعةُ
نُشِيرُ إلى بِضْعِ أَمثِلةٍ مِنَ المُعجِزاتِ النَّبَوِيّةِ الَّتي تَخُصُّبَرَكةَ ُساوِيامِ،وثَبَتَت برِواياتٍ صَحِيحةٍ قاطِعةٍ وبالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ؛ ونَرَى مِنَ الأَنسَبِ أن نُقَدِّمَ بَينَ يَدَيْها مُقَدِّمةً.
المُقدِّمة
إنَّ الأَمثِي دِينَّتي ستَرِدُ حَوْلَ مُعجِزةِ بَرَكةِ الطَّعامِ كُلٌّ مِنها قد رُوِي بطُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ، بل إنَّ قِسمًا مِنها رُوِي بسِتّةَ عَشَرَ طَرِيقًا، وقد وَقَع مُعظَمُ هذه الأَمثِلةِ أَمامَ جَماعةٍ غَفِيرةٍ مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ المُنَزَّهِلا يُمِ الكَذِبِ والَّذِين لَهُمُ المَنزِلةُ الرَّفِيعةُ في الصِّدقِ والأَمانةِ.
— 150 —
مثالٌ للتَّوضِيحِ:
جاءَ في رِوايةٍ: أنَّه أَكَل سَبعُونَ رَجُلًا مِن صاعٍ ونَّ تلوا جَمِيعًا، فالرِّجالُ السَّبعُونَ يَسمَعُونَ هذه الرِّوايةَ الَّتي يَحكِيها أَحَدُهُم، ثمَّ لا يُخالِفُونَه ولا يُنكِرُونَ علَيْه، أي: أنَّهُم يُصَدِّقُونه بسُكُوتِهِم.
فالصَّحابةُ الكِرامُ رِضْوانُ اُ يَا َعالَى علَيْهِم أَجمَعِينَ كانُوا في ذِرْوةِ الصِّدْقِ والحَقِّ، حَيثُ إنَّهُم عاشُوا في خَيرِ القُرُونِ، وهُم مَحفُوظُونَ مِنَ الإِغضاءِ على الباطِلِ، فلَو أنإلى حََدَهُم رَأَى ولَو شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الكَذِبِ في أَيِّ كَلامٍ كانَ، لَمَا وَسِعَه السُّكُوتُ علَيْه قَطْعًا، بل كان يَرُدُّه حَتْمًا.
لِذا، فالرِّواوانٍ سلَّتي نَذكُرُها فَضْلًا عن أَنَّها رُوِيَت بطُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ، فقد سَكَت عَنْها الآخَرُونَ تَصْدِيقًا بها، أي: كأَنَّ الجَماعةَ قد رَوَوْهشارةٌ سَّاكِتُ مِنهُم كالنَّاطِقِ بها، فهِيَ إذًا تُفِيدُ القَطْعِيّةَ كالمُتَواتِرِ المَعنَوِيِّ.
ويَشهَدُ التَّارِيخُ یی والسِّيرةُ خاصَّةً "لا مَّ الصَّحابةَ الكِرامَ قد وَقَفُوا أَنفُسَهُم بَعدَ حِفْظِ القُرآنِ الكَرِيمِ لِحِفْظِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، أي: حِفْظِ أَحوالِه (ص) وأَفعالِه وأَقوالِه، سينَ عنمِنها المُتَعلِّقةُ بالأَحكامِ الشَّرعِيّةِ أم بالمُعجِزاتِ، ولم يُهْمِلُوا یی جَزاهُمُ اللهُ خَيْرًا یی أَيّةَ حَرَكةٍ مَهْما كانَت صَغِيرةً مِن سِيرَتِه كَذارَكةِ، بل اعتَنَوْا بها وبِرِوايَتِها، ودَوَّنُوها في مُدَوَّناتٍ لَدَيهِم، ولا سِيَّما العَبادِلةُ السَّبْعةُ، وبخاصّةٍ تَرجُمانَ اليَّ في عَبدَ اللهِ بنَ عَبّاسٍ، وعَبدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بنِ العاصِ.
وهكَذا حُفِظَتِ الأَحادِيثُ في عَهْدِ الصَّحابةِ الكِرامِ حتَّى جاءَ كِبارُ التَّابِعِينَ بَعدَ ثَلاثِينَ أو أَربَعِينَ سَنةً، فتَسَلَّمُوها غَضَّةً طَرِيّةً مِنهُم، وحَف وكلُّ بكُلِّ أَمانةٍ وإِخلاصٍ، فكَتَبُوها ونَقَلَها عَنهُم بَعدَ ذلك الأَئِمّةُ المُجتَهِدُون وأُلُوفُ المُحَقِّقِينَ والمُحَدِّثِينَ وحَفِظُوها بالكِتابةِ والتَّدوِْراةِ مَّ تَسَلَّمَها یی بَعدَ مُضِيِّ مِئَتَيْ سَنةٍ مِنَ الهِجْرةِ یی أَصْحابُ الكُتُبِ السِّتّةِ الصَّحِيحةِ المَعرُوفةِ، وفي مُقَدِّمَتِهِمُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ، ثمَّ جاءَ دَوْرُ النُّقّادِ وأَهلِ الجَرحِ والتَّعدِيلِ، وبَرَوالأَوهُم مُتَشَدِّدُون یی أَمثالَ ابنِ الجَوْزِيِّ یی فمَيَّیزُوا الأَحادِيثَ
— 151 —
المَوضُوعةَ الَّتي دَسَّها بَعضُ المَلاحِدةِ وجَهَلةِ النّاسِ على الأَح مِن ق الصَّحِيحةِ؛ ثمَّ أَعقَبَهُم عُلَماءُ أَفاضِلُ ذَوُو تَقْوَى ووَرَعٍ أَمثالُ جَلالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ، وهُو العَلّامةُ الإمامُ الَّذي تَشَرَّف بمُحاوَرةِ الرَّسُولِ (ص)، فتَمَثَّل لَه فا، وابقَظةِ سَبعِينَ مَرّةً یی كما يُصَدِّقُه أَهلُ الكَشْفِ مِنَ الأَوْلياءِ الصّالِحِينَ یی فمَيَّیزُوا جَواهِرَ الأَحادِيثِ الصَّحِيحةِ مِن سائِرِ الكَلامِ والمَوضُوعاتِ.
وهكذا تَرَى أنَّ الأَحادِيثَ والمُعجِزاتِ18
ي سنَبْحَثُ عَنْها قدِ انتَقَلَت إلَيْنا سَلِيمةً صَحِيحةً بَعدَ أن تَسَلَّمَها ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الأَيدِي الأَمِينةِ، "فالحَمْدُ للهِ، هذا مِن فَضْلِ رَبِّي".
وعلَيْه فلا يَنبَغِي أن يَخطُرَ بالبالِ: كَحتَّى عرِفُ أنَّ هذه الحَوادِثَ الَّتي حَدَثَتْ مُنذُ مُدّةٍ سَحِيقةٍ قد ظَلَّتْ مَصُونةً سالِمةً مِن يَدِ العَبَثِ؟
أَمثِلةٌ حَوْلَ مُعجِزاتِ بَرَكةِ الطَّعامِ:
المِثالُ الأوَّلُ:اتَّفَقَتِ الصِّحاحُ السِّتّةُ، وفي ياتُ وِمَتِها صَحِيحا البُخارِيِّ ومُسلِمٍ في حَدِيثِ أَنَس رَضِيَ الله عَنهُ قال: "كانَ النَّبِيُّ (ص) عَرُوسًا بزَيْنَبَ، فعَمَدَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيي: في ى تَمْرٍ وسَمْنٍ وأَقِطٍ، فصَنَعَتْ حَيْسًا فجَعَلَتْه في تَوْرٍ، فقالَت: يا أَنَسُ، اذْهَبْ بهذا إلى رَسُولِ اللهِ (ص) فقُلْ: بَعَثَتْ بهذا إلَيْكَ أُمِّي، وهِي تُقْرِئُك السّلصَّان وتقُولُ: إنَّ هذا لك مِنّا قَلِيلٌ يا رَسُولَ اللهِ. فذَهَبْتُ فقُلتُ، فقالَ:"ضَعْهُ"،ثمَّ قالَ:"اذْهَبْ فادْعُ لي فُلانًا"وفُلانًا وفُلانًا رِجالًا سَمّاهُم،"وادْعُ مَن لَقِيتَ"،فدَعَوْتُ مَن سَنِيه همَن لَقِيتُ، فرَجَعْتُ فإذا البَيْتُ غاصٌّ بأَهْلِه. قِيلَ لِأَنَسٍ: عَدَدُكُم كم كانَ؟ قال: زُهاءَ ثَلاثِ مِئةٍ.
فرَأَيتُ النَّبِيَّ (صوابنُ ع يَدَه على تلك الحَيْسةِ، وتَكَلَّم بما شاءَ اللهُ، ثمَّ جَعَل يَدْعُو عَشَرةً عَشَرةً يَأْكُلُون مِنه، ويقُولُ لَهُم:"اذْكُرُوا اسمَ اللهِ، ولْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمّا يَلِيه"،أُخرَىأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا، فخَرَجَتْ طائِفةٌ، ودَخَلَتْ طائِفةٌ، حتَّى أَكَلُوا كُلُّهُم، قال لي:"يا أَنَسُ، ارْفَعْ"،فرَفَعْتُ، فما أَدرِِ في اَ وَضَعْتُ كانَ أَكثَرَ أم حِينَ رَفَعْتُ".
— 152 —
المِثالُ الثَّاني:نَزَل النَّبِيُّ (ص) ضَيْفًا عِندَ أبي أَيُّوبَ الأَنصارِيِّ، فذاتَ يَومٍ "صَنَعَ لِرَسُولِ اللهِ (ص) ولِأَبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنهُ مِنَ الطَّعامِ زُهاءقٌ في َكْفِيهِما. فقالَ لَه النَّبِيُّ (ص): اُدْعُ ثَلاثِينَ مِن أَشرافِ الأَنصارِ. فدَعاهُم فأَكَلُوا حتَّى تَرَكُوا. ثمَّ قال: اُدْعُ سِتِّينَ، فكان مِثلُ ذلك، ثمَّ قال: اُدْعُ سَبعِينَ. فأَكَلُوا حتّابِقِرَكُوا، وما خَرَج مِنهُم أَحَدٌ حتَّى أَسلَمَ وبايَعَ، قال أَبُو أَيُّوبَ: فأَكَل مِن طَعامي مِئةٌ وثَمانُونَ رَجُلًا".
المِثالُ الثّأُصبُع:"حَدِيثُ سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ، وأَبِي هُرَيرةَ، وعُمَرَ بنِ الخَطّابِ وأَبِي عَمْرةَ الأَنصارِيِّ رَضِيَ الله عَنهُم، فذَكَرُوا مَخْمَصةً أَصابَتِ النّاسَ معَ النَّبِيِّ (ص) في بَعضِ م العَقه، فدَعا ببَقِيّةِ الأَزْوادِ، فجاءَ الرَّجُلُ بالحَثْية مِنَ الطَّعامِ، وفَوقَ ذلك، وأَعلاهُمُ الَّذي أَتَى بالصّاعِ مِنَ التَّمرِ، فجَمَعَئِدةُ نِطْعٍ. قال سَلَمةُ: فحَزَرْتُه، كَرَبْضةِ العَنْزِ، ثمَّ دَعا النّاسَ بأَوْعِيَتِهِم، فما بَقِيَ في الجَيْشِ وِعاءٌ إلّا مَلَؤُوه، وبَقِيَ مِنه قَدْرُ ما جُعِلَ وأَكثَرُ، (وفي رِوايةٍ): ولو وَرَدَه أَهلُ الأَرضِ لقُيُودُم".
المِثالُ الرَّابعُ:ثَبَت في الصِّحاحِ وفي مُقَدِّمَتِها البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ ابنَ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قال:مُ العا معَ النَّبِيِّ (ص) ثَلاثِينَ ومِئةً" في غَزاةٍ، "وذَكَر في الحَدِيثِ أنَّه عُجِنَ صاعٌ مِن طَعامٍ، وصُنِعَت شاةٌ فشُوِيَ سَوادُ بَطْنِها، قال: وايْمُ اللهِ ما مِنَ الثَّلاثِينَ ومِئةٍ إلّا وقد حَزَّ لَهَُه، بلً مِن سَوادِ بَطْنِها، ثمَّ جَعَل مِنها قَصْعَتَينِ، فأَكَلْنا أَجمَعُون، وفَضَل في القَصْعَتَينِ، فحَمَلْتُه على البَعِيرِ".
المِثالُ الخَامِسُ:ثَبَت في الصِّحاحِ أَيضًا: "حَدِيثُ جابِرٍ في إِطعامِه (ص) يَومَ الخَنَحِيحَِلفَ رَجُلٍ مِن صاعِ شَعِيرٍ وعَناقٍ، وقال جابِرٌ: فأُقْسِمُ باللهِ لَأَكَلُوا حتَّى تَرَكُوه وانحَرَفُوا، وإنَّ بُرْمَتَنا لَتَغِطُّ كما هي، وإنَّ عَجِينَنا لَيُخْبَزُ"، وكان الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) قد وَضَع في ذلك العَجِينِ والقهْدُه مِن ماءِ فِيهِ المُبارَكِ، فيُعلِنُ جابِرٌ مُقْسِمًا باللهِ مُعجِزةَ البَرَكةِ هذه في حُضُورِ أَلفٍ مِنَ الصَّحابةِ، مُظهِرًا عَلاقَتَهُم بِها. فهَذِه الرِّوايةُ قَطللقرآنٌ كأنَّ أَلْفَ رَجُلٍ قد رَواها.
المِثالُ السَّادِسُ:وثَبَت في الصِّحاحِ أنَّ أبا طَلْحةَ عَمَّ خادِمِ النَّبِيِّ (ص) أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ
— 153 —
يقُولُ: "إنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) أَطْعَمَِيلامِ أَتَى به أَنَسٌ تَحتَ إِبْطِه مِن قَلِيلِ خُبْزِ شَعِيرٍ زُهاءَ ثَمانِينَ رَجُلًا حتَّى شَبِعُوا. وكانَ (ص) أَمَر بأن يُجْعَلَ ذلك الخُبْزُ إِرَبًالدَّلبًا، ودَعَا بالبَرَكةِ، وأنَّ البَيْتَ ضاقَ بهم فكانُوا يَأْكُلُون عَشَرةً عَشَرةً، ورَجَعُوا كُلُّهُم شِباعًا".
المِثالُ السَّابعُ:ثَبَ.
وَحِيح مُسلِمٍ والشِّفا وغَيرِهِما: أنَّ جابِرًا الأَنصارِيَّ يَقُولُ: "إنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (ص) يَستَطْعِمُه، فأَطْعَمَه شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ، فما زالَ يَأْكُلُ مِنه هُو وامْرَأَتُه وضَيْفُه حتَّى كالَه" لِيَعْرِفُوا ما نَقَصَ م وأنَّرَأَوْا أنَّه زالَت مِنه البَرَكةُ، وصارَ يَنقُصُ شَيْئًا فشَيْئًا، فأَتَى النَّبِيَّ (ص) فأَخْبَرَه فقالَ (ص):"لَو لَم تَكِلْهُ لَأَكَلْتُم مِنه ولَقَامَ بِكُم".
ةِ فهُثالُ الثَّامِنُ:تُبيِّنُ الصِّحاحُ كالتَّرمِذِيِّ والنَّسائيِّ والبَيهَقِيِّ وكِتابِ الشِّفا "عن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ: أُتِيَ النَّبِيُّ (ص) بقَصْعةٍ فيها لَحْمٌ، فتَعاقَبُوها مِن غَدْوةٍ حتَّى اللَّيلِ يَقُومُ قَوْ رَغمَقْعُدُ آخَرُونَ".
وبِناءً على ما ذَكَرْناه في المُقَدِّمةِ، هذه الواقِعةُ الوارِدةُ في البَرَكةِ لَيسَت رِوايةَ سَمُرةَ فَقَطْ، بل كأَنَّه مُمَثِّلٌ عن تِلك الجَماعاتِ الَّتي أَكَلَتْ مِن ذلك الطَّعامِ، فيُعلِنُ هذه الرِّوايةَ ِطَطِ!ا مِنهُم.
المِثالُ التَّاسِعُ:يَروِي رِجالٌ ثِقاتٌ كَصاحِبِ الشِّفا وابنِ أَبي شَيْبةَ والطَّبَرانِيِّ بسَنَدٍ جَيِّدٍ وعُلَماءُ مُحَقِّقُونَ: "عن أبي هُرَيْرةَ: أَمَرَني النَّبِيُّ (ص) أن أَدْعُوَ لَه أَهْلَ الصُفَّةِ" وهُم فُقَراكَلامُِهاجِرِينَ الَّذِينَ كان يَنُوفُ عَدَدُهُم على مِئةٍ. والَّذِين كانُوا قدِ اتَّخَذُوا الصُّفّةَ في المَسْجِدِ مَأْوًى لَهُم "فتَتَبَّعتُهُم حتَّى جَمَعْتُهُم، فوُضِعَت بَينَ أَيدِينا صَحْفَةٌ، فأَكَلْنا ما شِئْنا، وفَرَغْنا، وهي مِثلُها حِينََعادةٍَت، إلَّا أنَّ فيها أَثَرَ الأَصابِعِ".
فأَبُو هُرَيْرةَ يُدْلِي بهَذا الخَبَرِ بِاسمِ أَصحابِ الصُّفّةِ مُستَنِدًا إلى تَصْدِيقِهم. فهِي رِوايةٌ قَطْعِيّةٌ إِذًا، وكأَنَّ جَمِيعَ أَهلِ الصُّفّةَِياةٍ ْها. فهَل يُمكِنُ أن يَكُونَ هذا الخَبَرُ خِلافَ الحَقِّ والصَّوابِ، ثمَّ لا يُنكِرَ علَيْه أُولَئِك الصَّادِقُونَ الكامِلُونَ ولا يَرُدُّونَه؟!
المِثالُ العاشِرُ:ثَبَتَ برِوايةٍ صَحِيحةٍ أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُيلَ، و"جَمَعَ رَسُولُ اللهِ (ص) يَوْمًا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ وكانُوا أَربَعِينَ، مِنهُم قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الجَذَعةَ ويَشرَبُونَ الفَرَقَ" أي:
— 154 —
مِنهُم مَن يَأْأُخُوَّرْعَ الجَمَلِ ويَشْرَبُ أَربَعَ أُوقِيّاتٍ مِنَ الحَلِيبِ "فصَنَع لَهُم مُدًّا مِن طَعامٍ، فأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا وبَقِيَ كما هُو، ثمَّ دَعا بِعُسٍّ" أي: إِناءٍ مِن خَشَبةَ في يبًا يَكْفِي لِثَلاثةٍ أو أَربَعةٍ "فشَرِبُوا حتَّى رَوُوا. وبَقِيَ كأَنَّه لم يُشْرَبْ".
فهذا مِثالٌ واحِدٌ لِمُعجِزةِ بَرَكةِ الطَّعامِ وهُو بقَطْعِييمَ، قجاعةِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وصِدْقِه.
المِثالُ الحادِيَ عَشَرَ:ثَبَت برِوايةٍ صَحِيحةٍ "في تَزوِيجِ النَّبِيِّ (ص) فاطِمةَ لِعَلِيٍّ أنَّ النَّبِيَّ (ص) أَمَر بِلالًا بقَصْعةٍ مِن أَربَعةِ أَمْدادٍ أو خَمْسةٍ ويَذبَحَ جا وحَرا لِوَليمَتِها. قال: فأَتَيتُه بذَلِك فطَعَن في رَأْسِها، ثمَّ أَدخَلَ النّاسَ دُفْعةً دُفْعةً يَأْكُلُونَ مِنها، حتَّى فَرَغُوا، وبَقِيَت مِنها فَضْلةٌ، فبَرَّكَ فيها وأَمَر بحَمْلِها إلى أَزْواجِه، وقال:"كُلْنَ وأَطْعِمْنَ مَوكأَنّيَكُنَّ".حقًّا! إنَّ مِثلَ هذا الزَّواجِ المَيمُونِ لَحَرِيٌّ بمِثْلِ هَذِه المُعجِزةِ في البَرَكةِ.
المِثالُ الثَّانِيَ عَشَرَ:رَوَى جَعْفَرٌ الصّادِقُ، عن أَبِيه مُحَمَّدٍ الباقِرِ، عن أَبِيه زَينِ ال خَبَرينَ، عن عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ: "أنَّ فاطِمةَ طَبَخَتْ قِدْرًا لِغَدائِهِما، ووَجَّهَت عَلِيًّا إلى النَّبِيِّ (ص) لِيَتَغَدَّى مَعَهُما، فأَمَرَها فغَرَفَت مِنها لِجَمِيعِ نِسائِه صَحْفةً صَحْفةً، ثمَّ له (ص) ولِعَلِظُوهامَّ لَها، ثمَّ رَفَعَتِ القِدْرَ وإنَّها لَتَفِيضُ، قالَت: فأَكَلْنا مِنها ما شاءَ اللهُ".
فعَجَبًا مِن أَمرِكَ أَيُّها الإِنسانُ! لِمَ لا ْتَوَتِقُ بهذه المُعجِزةِ الباهِرةِ تَصْدِيقَ شُهُودٍ بَعدَما سَمِعَتَ أنَّ رُواتَها مِنَ السِّلسِلةِ الطِّاهِرةِ، حتَّى الشَّيطانُ نَفسُه لا يَجِدُ سَبِيلًا لِإِنكارِها!
المِثالُ الثَّالِثَ عَشَرَ:رَوَى في مَيمّةُ أَمثالَ أبي داوُدَ وأَحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ والبَيهَقِيِّ عن دُكَيْنٍ الأَحمَسِيِّ بنِ سَعِيدٍ المُزَينِ، وعنِ الصَّحابيِّ الَّذي تَشَرَّف هو وإِخوَتُه السِّتّةُ بصُحْبةِ النَّبِيِّ (ص) وهُو النُّعْمانُ بنُ مُقَرِّنٍ الأَحمَسَِحِيفةمُزَينُ، ومِن رِوايةِ جَرِيرٍ ومِن طُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ: أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص): "أَمَر عُمَرَ بنَ الخَطّابِ أن يُزَوِّدَ أَربَعَ مِئةِ راكِبٍ مِن أَحمَسَ. فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما هِيَ إلّا أَصْوُعٌ! قال: اذْهَبْ،َجَلَّبَ فزَوَّدَهُم مِنه. وكان قَدْرَ الفَصِيلِ الرَّابِضِ مِنَ التَّمْرِ، وبَقِيَ بحالِه".
هكذا وَقَعَت مُعجِزةُ البَرَكةِ هذه، وهي تَتَعلَّقُ بأَربَعِ مِئةِ رَجُلٍ، لا سِيَّما بعُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُرةِ وإُلاءِ جَمِيعًا كأنَّهُم هُمُ الرُّواةُ، لِأَنَّ سُكُوتَهُم حَتْمًا تَصدِيقٌ لِلرِّوايةِ، فلا تَقُلْ:
— 155 —
إنَّها خَبَرُ آحادٍ. ثمَّ تَمضِي إلى شَأْنِك، فأَمثالُ هذه الحَوادِه لِلخ كانَت خَبَرَ آحادٍ، إلّا أنَّها تُورِثُ الطُّمَأْنِينةَ في القَلبِ لِأَنَّها بمَثابةِ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ.
المِثالُ الرَّابِعَ عَشَرَ:ثَبَتَ في الصِّحاحِ وفي مُقَدِّمَتِها البُخارِيُّ ومُسلِمٌتِحاقِثُ جابرٍ رَضِيَ الله عَنهُ "في دَينِ أَبِيه، وقد كانَ بَذَل لِغُرَماءِ أَبِيه أَصْلَ مالِهِ لِيَقْبَلُوه ولم يَكُن في ثَمَرِها سنَتَينِ عامٍّ دَينِهِم، فجاءَهُ النَّبِيُّ (ص) بعدَ أن أَمَرَه بجَدِّها یی أي: قَطْعِها یی وجَعْلِها بَيادِرَ في أُصُولِها، فمَشَى فيها ودَعَا، فأَوْفَى مِنه جابِرٌ غُرَماءَ أَبِيه، وفَضَلَ مِثلُ ما كانُوا ي وإنونَ كُلَّ سَنةٍ، وفي رِوايةٍ: مِثلُ ما أَعطاهُم، قال: وكان الغُرَماءُ يَهُودَ، فعَجِبُوا مِن ذلك".
وهكذا، فهَذِه المُعجِزةُ الباهِرةُ في بَرَكةِ اه مُنتمِ لَيسَت برِوايةٍ يَروِيها جابِرٌ وأَشْخاصٌ مَعدُودُونَ فَقَطْ، وإنَّما هِي مُتَواتِرةٌ مِن حَيثُ المَعنَى يَرْوِيها جَمِيعُ هَؤُلاءِ الرُّواةِ مُمَثِّلينَ لِكُلِّ مَن تَتَعلَّقُ به هةً لِلِّوايةُ.
المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ:يَروِي العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ رِوايةً صَحِيحةً، وفي مُقَدِّمَتِهِمُ الإِمامُ التِّرمِذِيُّ والبَيهَقِيُّ، عن أبي هُرَيْرةَ رَضِيَ الله عَنهُ أنه قالَ: أَصابَ النَّاسَ مَخْمَصةٌ في إِحدَى الغَزَواتِبَّى إي رِوايةٍ: في غَزْوةِ تَبُوكَ یی "فقالَ لي رَسُولُ اللهِ (ص): هل مِن شَيْءٍ؟ قُلتُ: نَعَم، شَيْءٌ مِنَ التَّمْرِ في المِزْوَدِ"، وفي رِوايةٍ: خَمْسَ عَشْرةَ تَمْرةًمي ودَ: فائْتِنِي به، فأَدْخَلَ يَدَه فأَخْرَجَ قَبْضةً فبَسَطَها ودَعا بالبَرَكةِ. ثمَّ قال: اُدْعُ عَشَرةً، فأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا، ثمَّ عَشَرةً كذلك، حتَّى أَطعَمَ الجَيْشَ كُلَّهُم وشَُرُوسِ، قال: خُذْ ما جِئْتَ به وأَدْخِلْ يَدَك واقْبِضْ مِنه ولا تَكُبَّه، فقَبَضْتُ على أَكثَرَ مِمّا جِئتُ به، فأَكَلْتُ مِنه وأَطْعَمْتُ حَياةَ رَسُولِ اللهِ (ص) وحَياةَ أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ إلى أن قُتِلَ عُثْمانُ، فانْتُهِبَ مِنِّي فذَهَبذا فلا رِوايةٍ: فقد حَمَلْتُ مِن ذلك التَّمْرِ كذا وكذا مِن وَسْقٍ في سَبِيلِ اللهِ".
وهكذا، فإنَّ مُعجِزةَ البَرَكةِ الَّتي يَرْوِيها أَبُو هُرَيْرةَ، وهُو الَّذي تَتَلْمَذَ على مُعَلِّمِ الكَوْنِ وسَيِّدِه مُحَمَّدٍ (ص)، ولَازَمَ في بََسةَ الصُّفّةِ وبَزَّ فيها بالحِفْظِ بدُعاءِ النِّبِيِّ له، فهَذا الصَّحابيُّ الجَلِيلُ يَرْوِي هذِه الرِّوايةَ في مَجْمَعٍ مِنَ النّاسِ یی كغَزْوةِ تَبُوكَ یی فلا بُدَّ أن
— 156 —
تكُونَ هذه الرِّوايةُ مُتَواتِرةً مِن حَيثُ المَعنَى، وقَأَجِدَ مَتِينةً بقُوّةِ الجَيشِ كُلِّه، أي: كما لو كانَ الجَيْشُ كُلُّه يَرْوِيها.
المِثالُ السَّادِسَ عَشَرَ:ثَبَت في صَحِيحِ البُخارِيِّ والصِّحاحِ الأُخرَى: أنَّ الجُوعَ أَصابَ أبا هُرَيْرةَ، "فاسْتشَ للهه النَّبِيُّ (ص)، فوَجَد لَبَنًا في قَدَحٍ أُهْدِيَ إلَيْه، وأَمَرَه أن يَدْعُوَ أَهلَ الصُّفّةِ. قال: فقُلتُ: ما هذا اللَّبَنُ فيهِم؟! كُنتُ أَحَقَّ أن أُصِيبَ مِنه شَرْبةً أَتَقوَّى بها! فدَعَوتُهُم"، وكانُوا يُرآنِ ون على المِئةِ، فأَمَر (ص) أن أَسقِيَهُم، "فجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ فيَشْرَبُ حتَّى يَرْوَى. ثمَّ يَأْخُذُه الآخَرُ حتَّى رَوِيَ جَمِيعُهُم، قال: فأَخَذَ النَّبِيُّ (ص) القَدَحَ وقال: بَقِيتُ أنا وأَنتَ، اُقعُدْ فاشْرَبَْ علَيِبتُ، ثمَّ قال: اشْرَبْ. وما زالَ يَقُولُها وأَشْرَبُ حتَّى قُلتُ: لا، والَّذي بَعَثَك بالحَقِّ ما أَجِدُ لَه مَسْلَكًا. فأَخَذَ القَدَحَ وحَمِدَ اللهَ وسَمَّى وشَرِبَ الفَضْلةَ". فهَنِيئًا لَك مِئةَ أَلفِ مَرّةٍ يا رَسُولََّ تلك!
فهَذِه المُعجِزةُ السَّلِيمةُ مِن شَوائِبِ الشَّكِّ والخالِصةُ اللَّطِيفةُ كاللَّبَنِ قد رَوَتْها كُتُبُ الصِّحاحِ، وفي مُقَدِّمَتِها صَحِيحُ الإمامِ البُخارِيِّ الَّذي كانَ حافِظًا لِخَمسِ مِئةِ أَلفَنبَغِيثٍ.
فهِيَ إِذًا رِوايةٌ لا رَيْبَ فيها قَطُّ، وصادِقةٌ وثابِتةٌ كأنَّها مَشهُودةٌ رَأْيَ العَيْنِ، مِثلَما رَواها تِلمِيذُ المَدْرَسةِ الأَحمَدِيّةِ المُقَدَّسةِ، مَدْرَسةِ الصُّفّةِ، ذلك التِّلمِيذُ المَوثُوقُ نَّه عظُ أَبُو هُرَيْرةَ، رَواها بِاسمِ أَصحابِ الصُّفّةِ جَمِيعِهِم، وأَشْهَدَهُم علَيْها مَعنًى.
فالَّذي لا يَتَلَقَّى هذا الخَبَرَ تَلَقِّيًا كأَنّ فحَسْاهِدُه، فهُو إمَّا فاسِدُ القَلْبِ أو فاقِدُ العَقْلِ.
تُرَى هَل مِنَ المُمْكِنِ أنَّ صَحابِيًّا جَلِيلًا مِثلَ أبي هُرَيْرةَ الصّادِقِ الَّذي بَذَل حَياتَه في حِفْظِ الحَدِيثِ النَّ مِنَ ِ، أن يَحُطَّ مِن قِيمةِ ما حَفِظَه مِنَ الأَحادِيثِ النَّبَوِيّةِ، فيُورِدَ ما يُثِيرُ الشَّكَّ والشُّبْهةَ ويَقُولَ ما يُخالِفُ الحَقَّ والواقِعَ، وهُو الَّذي سَمِعَ ونَقَل قَوْلَ الِ مَزرِّ (ص):"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ"؟حاشاه مِن ذلِكَ.
فيا ربِّ بِحُرْمةِ بَرَكةِ هَذا الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، هَبْ لَنا البَرَكةَ فيما مَنَحْتَنا مِن أَرزاقٍ مادِّيّةٍ ومَعنَوِيّةٍ.
— 157 —
هِيزِهٌ مُهِمّة
بَدِيهيٌّ أنَّه كُلَّما اجتَمَعَت أَشْياءُ واهِيةٌ ضَعِيفةٌ تَقَوَّت، وإذا أُبرِمَتْ خُيُوطٌ رَفِيعةٌ واتَّحَدَت صارَت عُرْوةً وُثْقَى لا تَنفَصِمُ. وقدَلْ فيَدْنا هُنا سِتّةَ عَشَرَ مِثالًا لِقِسْمٍ مِن خَمْسةَ عَشَرَ قِسْمًا مِن نَوْعِ مُعجِزةِ البَرَكةِ الَّتي تُمَثِّلُ نَوْعًا مِن خَمْسةَ عَشَرَ نَوْعًا مِن أَنواعِ المُعجِزاتِ، وكلُّ مِثالٍ أَوْرَدْناه قَوِيارُ واحَدِّ ذاتِه وكافٍ وَحْدَه لِإِثباتِ النُّیبُوّةِ؛ ولو فَرَضْنا یی فَرْضًا مُحالًا یی بأنَّ بَعْضًا مِنها ضَعِيفٌ غَيرُ قَوِيٍّ في ذاتِه، فلا يَجُوزُ الحُكْمُ علَيْه بأُ أنَّمِثالَ لا يَقْوَى دَلِيلًا على المُعْجِزةِ، لِأَنَّه يَتَقوَّى باتِّفاقِه معَ القَوِيِّ.
ثمَّ إنَّ اجتِماعَ هذه الأَمثِلةِ السِّتَّ عَشْرةَ الَّتي هِي فيَّذي أةِ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ يَدُلُّ على مُعجِزةٍ كُبْرَى قَوِيّةٍ، ولو مُزِجَت هذه المُعجِزةُ معَ سائِرِ الأَقسامِ الأَربَعةَ عَشَرَ مِن مُعجِزاتِه (ص) حَوْلَ البَرَكةِ الَّتي لم تُذْكَرْ هُنا، لَغَدَت مُعجِزةً هائِلةً كالحِبالِ اسافاتٍحِدةِ الَّتي لا انفِصامَ لَها؛ ثمَّ إنَّك لو أَضَفْتَ هذه المُعجِزةَ الهائِلةَ القَوِيّةَ إلى سائِرِ أَنواعِ المُعجِزاتِ الأَربَعَ عَشْرةَ، لَرَأَيتَ بُرهانًا قَوِيًّا لا يَتَزَ وهكَذ، بُرهانًا باهِرًا على النُّبُوّةِ الصَّادِقةِ.
وهكذا، فعِمادُ النُّبُوّةِ الأَحمَدِيّةِ عِمادٌ كالطَّوْدِ الأَشَمِّ، تَتَشكَّلُ مِن مَجْمُوعةِ هذه المُعجِزاتِ.
ولا شَكَّ أنَّك أَدْرَكْتَ الآنَ مَدَى سَخافةِ وبَلاهةِ مَن يَلأَحياا البِناءَ الشَّامِخَ العامِرَ لِلنُّبوّةِ، ثمَّ يَظُنُّ أنَّه يَهْوِي بِشُبُهاتٍ واهِيةٍ تَرِدُ إلى ظَنِّه مِن جُزئِيّاتِ الأَمثِلةِ.
نعم، إنَّ تلك المُعجِزاتِ الَّتي تَخُصُّ البَرَكةَ في الطَّعامِ تَدُلُّ زَ مِنً قاطِعةً على نُبُوّةِ مُحَمَّدٍ (ص)، وأنَّه مَأْمُورٌ مَحْبُوبٌ لَدَى ذلك الرَّحِيمِ الكَرِيمِ الَّذي يَمنَحُ الرِّزْقَ ويَخلُقُه. وهُو عَبدٌ كَرِيمٌ لَدَيه بحَيمِن زاعَثُ له مُستَضافاتٍ مَمْلُوءةً بأَنواعٍ مِنَ الرِّزقِ یی خِلافًا للمُعتادِ یی مِنَ العَدَمِ، ومِن خَزائِنِ الغَيبِ الَّتي لا تَنفَدُ.
ومَعلُومٌ أنَّ الجَزِيرةَ العَرَبِيّةَ شَحِِي:
الماءِ والزِّراعةِ بحَيثُ إنَّ أَهاليَها كانُوا یی لا سِيَّما في صَدْرِ الإِسلامِ یی في ضِيقٍ مِنَ المَعِيشةِ وشِدّةٍ مِنها وشُحٍّ مِنَ الماءِ والتَّعَرُّضِ لِلعَطَشِ، فبِناءً على هذِه الحِكْمةِ ظَهَرَتْ أَهَمُّ المُعجِزُ لا يأَحمَدِيّةِ الباهِرةِ ظُهُورًا في الطَّعامِ والماءِ.
— 158 —
فهذِه المُعجِزاتُ إنَّما هي بمَثابةِ إِكرامٍ رَبّانِيٍّ، وإِحسانٍ إلٰهِيٍّ، وضِيافةٍ رَحْمانيّةٍ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، يُكْرِ الرَّسَبَ الحاجةِ، فهِيَ إِكرامٌ أَكثَرَ مِن أن تَكُونَ دَلِيلًا على النُّبُوّةِ، لِأَنَّ الَّذين رَأَوْا هذه المُعجِزاتِ كانُوا مُؤْمِنِينَ إِيمانًا قَوِيًّا بالنُّبُوّةِ؛ إلَّا أنَّ المُعجِزةَ كُلَّما ظَهَرَت لأَزهايَدُ الإِيمانُ ويَتَقوَّى، وهكَذا تَزِيدُهُم هذه المُعجِزاتُ نُورًا على نُورِ إِيمانِهِم.
الإشارةُ الثامنة
تُبيِّنُ قِسْمًا مِنَالمُعجِزاتِ الَّتي تَتَعلَّقُ بالمِراجٌ المُقدِّمةُ:إنَّ الحَوادِثَ الَّتي تَقَعُ بينَ أَظهُرِ النَّاسِ، إذا ما نُقِلَت بطَرِيقِ الآحادِ ولم تُكَذَّبْ، فهِيَ دَلالةٌ على صِدْقِ وُقُوعِها، لِأَنَّ فِطإلى اللإِنسانِ مَجبُولةٌ على أن يَفْضَحَ الكَذِبَ ويَرْفُضَه، ولا سِيَّما أُولَئِك الَّذين لا يَسكُتُون على الكَذِبِ، وهُمُ الصَّحْبُ الكِرامُ، وبخاصَّةٍ إذا كانُمَا أأَحداثُ تَتَعلَّقُ بالرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، وبالأَخَصِّ أنَّ الرُّواةَ هُم مِن مَشاهِيرِ الصَّحابةِ؛ فيَكُونُ راوِي ذلك الخَبَرِ الواحِدِ حِينَذاك كأنَّه مُمَثِّلٌ لِتِلك الجَماعةِ الَّتي شاهَدَتْه شُهُودَ عِيانٍوالقافمًا أنَّ كُلَّ مِثالٍ مِن أَمثِلةِ المُعجِزاتِ المُتَعَلِّقةِ بالماءِ الَّتي سنَتَحَدَّثُ عَنْها قد رُوِي بطُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ، عن كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ وتَناوَلَه أَئِمّةُ القِياسِِينَ وعُلَماؤُهُم بالحِفْظِ، وسَلَّمُوا كُلَّ رِوايةٍ مِنها بأَمانةٍ بالِغةٍ إلى الَّذِين يَأْتُون مِن بَعدِهِم في العُصُورِ الأُخرَى؛ فتَ، وفاط العَصْرُ الَّذي بَعدَهُم بجِدٍّ وأَمانةٍ ونَقَلُوه بِدَوْرِهِم إلى عُلَماءِ العَصْرِ التّالي، وهكَذا تَعاقَبَت علَيْه أُلُوفُ العُلَماءِ الأَجِلّاءِ في كُلِّ عَصْرٍ وُظْهِرطَبَقةٍ، حتَّى وَصَل إلى يَوْمِنا هذا، فَضْلًا عن أنَّ كُتُبًا لِلأَحادِيثِ قد دُوِّنَت في عَصْرِ النُّبُوّةِ وسُلِّمَت مِن يَدٍ إلى يَدٍ حتَّى وَصَلَتْ إلى أَيدِي أَئِمّةِ الحَدِيثي هي فأَمثالِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ، فَوَعَوْها وَعْيًا كامِلًا، ومَيَّزُوا هذه الرِّواياتِ حَسَبَ مَراتِبِها، وقامُوا بجَمْعِ كُلِّ ما هُو صَحِيحٌ خالٍ مِن شائِبةِ الشُّبْهةِ فيتي هي ِهِم، فأَرْشَدُونا إلى الصَّوابِ.. جَزاهُمُ اللهُ خَيْرًا كَثِيرًا.
مِثالٌ:إنَّ فَوَرانَ الماءِ مِن أَصابِعِ الرَّسُولِ (ص)، وسَقْيَه كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، حادِثٌ مُتَواتِرٌ، نَقَلَتْهحانَه ةٌ غَفِيرةٌ لا يُمكِنُ تَواطُؤُهُم على الكَذِبِ، بل مُحالٌ كَذِبُهُم؛ فهذه
— 159 —
المُعجِزةُ إِذًا ثابِتةٌ قَطْعًا، فَضْلًا عن أَنَّها قد تَكَرَّرَت ثَلاثَ مَرّاتٍ ّةَ وط ثَلاثِ جَماعاتٍ عَظِيمةٍ.
فقد رَوَتِ الحادِثةَ برِوايةٍ صَحِيحةٍ جَماعةٌ مِن مَشاهِيرِ الصَّحابةِ، وفي مُقَدِّمَتِهِم أَنَسٌ "خادِمُ الرَّسُولِ (ص)"، وجابِرٌ أنَّهمَسعُودٍ، ونَقَلَها إلَيْنا یی بسِلسِلةٍ مِنَ الطُّرُقِ یی أَئِمّةُ الحَدِيثِ أَمثالَ: البُخارِيِّ ومُسلِمٍ والإِمامِ مالِكٍ وابنِ شُعَيْبٍ وقَتادةَ .
ثُ اللهِ تَعالَى علَيْهِم أَجمَعِينَ.
وسنَذْكُرُ تِسْعةَ أَمثِلةٍ فحَسْبُ مِنَ المُعجِزاتِ المُتَعلِّقةِ بالماءِ.
المِثالُ الأوَّلُ:ثَبَت في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ وغَيرِهِما: عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ قال: "رَأَيتُ رَه وأَحاللهِ (ص) وحانَت صَلاةُ العَصْرِ، فالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فلم يَجِدُوه"، "قال: أُتِيَ النَّبِيُّ (ص) بإِناءٍ وهُو بالزَّوْراءِ، فوَضَع يَدَه في الإِناءِ، فجَعَلَ الماءُ يَنبَعُ مِن بَينِ أَصابِعِه، فتَوَضَّأَ القَوْمُ. قال قَتادةُ: قْني خاِأَنَسٍ: كم كُنتُم؟ قالَ: ثَلاثَ مِئةٍ، أو زُهاءَ ثَلاثِ مِئةٍ".
فأَنتَ تَرَى أنَّ أَنَسًا رَضِيَ الله عَنهُ يُخبِرُ عن هذِه الحادِثةِ بوَصْفِه مُمَثِّلًا عن ثَلاثِ مِئةٍ رَجُلٍاتِ أَيُمكِنُ ألّا يَشتَرِكَ أُولَئِك الثَّلاثُ مِئةِ في هذا الخَبَرِ مَعْنًى؟ وهل يُمكِنُ ألّا يُكَذِّبُوه یی حاشاه یی إن لم تَكُن هذه الحادِثةُ قد حَدَثَت فِعْلًا؟
المِثالُ الثّاني:ثَبَت في الصِّحاحِ وفي مُقَدِّمَتِها البُخارِيُّ ِ ثابِمٌ: "عن سالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ الأَنصارِيِّ رَضِيَ الله عَنهُما قالَ: عَطِشَ النّاسُ يَومَ الحُدَيْبِيَةِ والنَّبِيُّ (ص) بَينَ يَدَيْه رِكْوةٌ، فتَوَضَّأَ، فجَهَشَ النّاسُ نَحْوَه، فقالا يَلتلَكُم؟قالُوا: لَيسَ عِندَنا ماءٌ نَتَوضَّأُ ولا نَشْرَبُ، إلّا ما بَينَ يَدَيك. قال جابِرٌ: فوَضَع النَّبِيُّ (ص) يَدَه في الرِّكْوةِ، فجَعَل الماءُ يَثُورُ مِن بَينِ أَصوْغَلُ كأَمثالِ العُيُونِ، فشَرِبْنا وتَوَضَّأْنا. قال سالِمٌ: قُلتُ لِجابِرٍ: كم كُنتُم؟ قال: لو كُنّا مِئةَ أَلفٍ لَكفانا، كُنّا خَمسَ عَشْرةَ مِئةً".
آةً له أنَّ رُواةَ هذه المُعجِزةِ يَبلُغُون أَلْفًا وخَمسَ مِئةِ رَجُلٍ مِن حَيثُ المَعنَى، لِأَنَّ الإِنسانَ مَفطُورٌ على أن يَفضَحَ الكَذِبَ ويَقُولَ لِلكَذِبِ: هذا كَذِبٌ. فكَيفَ
— 160 —
ب الرَّاءِ الصَّحابةِ الكِرامِ الَّذِين ضَحَّوا بأَرْواحِهِم وأَموالِهِم وآبائِهِم وأَبنائِهِم وأَقوامِهِم وقَبائِلِهِم في سَبِيلِ الحَقِّ والصِّدْقِ؟ فَضْلًا عن أنَّه مُحالٌ أنيةِ مِتُوا على الكَذِبِ بَعدَما سَمِعُوا التَّهدِيدَ المُرعِبَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"مَن كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فلْيَتَبوَّأْ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ".فما دامُوا لم يَعْتبُ مِنا على الخَبَرِ بل قَبِلُوه ورَضُوا به، فقد أَصبَحُوا إِذًا مُشتَرِكِينَ في الرِّوايةِ مَعنًى ومُصَدِّقِينَ لَها.
المِثالُ الثّالِثُ:تَروِي كُتُبُ الصِّحاحِ يفَ نَا البُخارِيُّ ومُسلِمٌ" في ذِكْرِ غَزْوةِ "بُواطٍ" أنَّ جابِرًا قالَ: "قالَ لي رَسُولُ اللهِ (ص):يا جابِرُ، نادِ الوُضُوءَ"،فقِيلَ: لا يُوجَدُ لَدَيْنا الماءُ. فأَرادَ ماءً يَسِيرًا. "فأُتِيَ به النَّبِيُّ (ص) فغَمَزَه، وتَكَلَّم بشَي تَحُوأَدْرِي ما هو؟ وقال: نادِ بجَفْنةِ الرَّكْبِ، فأَتَيْتُ فوَضَعْتُها بَينَ يَدَيه، وذَكَر أنَّ النَّبِيَّ (ص) بَسَط يَدَه في الجَفْنةِ وفَرَّقَ أَصابِعَه، وصَبَّ جابِرٌ علَيْه وقالَ: بِاسمِ اللهِ. قَئِيسَُأَيتُ الماءَ يَفُورُ مِن بَينِ أَصابِعِه، ثمَّ فارَتِ الجَفْنةُ واستَدَارَت حتَّى امْتَلَأَت، وأَمَر النَّاسَ بالِاستِقاءِ، فاسْتَقَوْا حتَّى رَوُوا. فقُلتُ: هل بَقِيَ أَحَدٌ له حاجةٌ؟ فرَفَعَ ِعًا لُ الله (ص) يَدَه مِنَ الجَفْنةِ وهِي مَلْأَى".
فهَذِه المُعجِزةُ الباهِرةُ مُتَواتِرةٌ مِن حَيثُ المَعنَى، لِأَنَّ جابِرًا كان في مُقَدِّمةِ المُشاهِدِين، فمِن حَقِّه إِذًا أن قُرآنَُّمَ هو فيها، ويُعلِنَها على لِسانِ القَوْمِ حَيثُ كان يَخدُمُ الرَّسُولَ (ص) آنَذاك.
وفي رِوايةِ ابنِ مَسعُودٍ في الصَّحِيحِ: "ولَقَد رَأَيتُ الماءَ يَنبُعُ مِن بَينِ أَصابِعِ رَسُولِ اللهِ (ص)".
يا تُرَى! إذا رجدًّا َحابةٌ ثِقاتٌ أَجِلّاءُ مِن أَمثالِ أَنَسٍ وجابِرٍ وابنِ مَسعُودٍ، وقالَ كُلٌّ مِنهُم: "رَأَيتُ"، أَمِنَ المُمكِنِ عَدَمُ رُؤْيَتِهِم؟!
وبَعدُ؛ وَحِّدْ هذه الأَمثِلةَ مَعًا، لِتَرَى مَدَى قُوّةِ هذه المُعا وسَنالباهِرةِ، لِأَنَّ الطُّرُقَ الثَّلاثةَ إذا ما تَوَحَّدَت فستُثبِتُ الرِّوايةَ إِثباتًا قاطِعًا بالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ، مِن أنَّ الماءَ كانَ يَفُورُ مِن أَصابِعِه (ص)، فهَذِه المُلباقي أَعظَمُ وأَسمَى مِن تَفجِيرِ مُوسَى عَليهِ السَّلام الماءَ مِنِ
— 161 —
اثْنَتَيْ عَشْرةَ عَيْنًا مِنَ الحَجَرِ، لِأَنَّ انفِجارَ الماءِ مِنَ الحَجَرِ َعثُرِ مُمكِنٌ له نَظِيرُه حَسَبَ العادةِ، ولَكِن لا نَظِيرَ لِفَوَرانِ الماءِ مِنَ اللَّحْمِ والعَظْمِ كالكَوْثَرِ السَّلسَبِيلِ.
المِثالُ الرَّاَخْصُ َوَى الإِمامُ مالِكٌ في كِتابِه القَيِّمِ "المُوَطَّأ" عن أَجِلّةِ الصَّحابةِ "عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ في قِصّةِ غَزْوةِ تَبُوكَ أنَّهُم وَرَدِنه، فعَيْنَ وهِي تَبِضُّ بشَيْءٍ مِن ماءٍ مِثلَ الشِّراكِ"، فأَمَر رَسُولُ اللهِ (ص) أنِ: اجْمَعُوا مِن مائِها، "فغَرَفُوا مِنَ العَينِ بأَيدِيهِم حتَّى اجتَمَعَ في شَيْءٍ، ثمَّ غَسَلَ رَسُولُائِفَ (ص) فيه وَجْهَه ويَدَيْه وأَعادَه فيها، فَجَرَت بماءٍ كَثِيرٍ، فاستَقَى النّاسُ" حتَّى قالَ في حَدِيثِ ابنِ إِسحاقَ: "فانْخَرَقَ مِنَ الماءِ ما لَه حِسٌّ كحِسِّ الصَّواعِقِ، ثمَّ قال: يُوشِكُ ونُ مَاذُ إن طالَتْ بك حَياةٌ أن تَرَى ما ها هُنا قد مُلِئ جِنانًا"، وكَذلِك كان.
المِثالُ الخامِسُ:رَوَى البُخارِيُّ عنِ البَراءِ، ومُسلِمٌ عن سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ، ومِن طُرُقٍ أُخرَى وَحْدتُب الصِّحاحِ الأُخرَى: "كُنّا يَومَ الحُدَيْبِيَةِ أَربَعَ عَشْرةَ مِئةً، والحُدَيْبِيَةُ بِئرٌ، فنَزَحْناها حتَّى لم نَتْرُكْ فيها قَانِها فجَلَسَ النَّبِيُّ (ص) على شَفِيرِ البِئرِ، فدَعا بماءٍ فمَضْمَضَ ومَجَّ في البِئْرِ، فمَكَثْنا غَيرَ بَعِيدٍ ثمَّ استَقَيْنا حتَّى رَوِينا ورَوَت یی أو صَدَرَت یی رَكائِبُنا"، قال البَراءُ: فأَمَرَ (ص) بدا بِبَمِن مائِها، فأَتَيْنا بها، فأَلْقَى رِيقَه مِن فَمِه المُبارَكِ ودَعا، ثمَّ بعدَ ذلك أَفْرَغَ الدَّلْوَ في البِئْرِ ففارَتْ وارتَفَعَت مِلْءَ فَمِها، فأَرْوَوْا أَنفُسَهُم ورِكابَهُِضافيّالمِثالُ السَّادِسُ:رَوَى أَئِمّةُ الحَدِيثِ، أَمثالَ مُسلِمٍ وابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وغَيرِهِما عن أبي قَتادةَ أنَّه قال: "إنَّ النَّبيَّ (ص) خَرالإيمَ مُمِدًّا لِأَهلِ مُؤْتةَ عِندَما بَلَغَه قَتْلُ الأُمَراءِ"، وكانَت لَدَيَّ مِيضَأةٌ، فقال الرَّسُولُ (ص):"اِحْفَظْ عَلَيَّ مِيضَأَتَك، فسيَكُونُ لَها نَبَأٌ عَظِيمٌ"وبَعدَ ذلك أَخَذ العَأو كُلَشتَدُّ بِنا وكُنَّا اثنَينِ وسَبعِينَ یی وفي رِوايةِ الطَّبَرِيِّ: كُنَّا زُهاءَ ثَلاثِ مِئةٍ یی فقال الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص):"ائْتِ بمِيضَأَتِك"،فأَتَيتُ بها، فأَخَذَها ووَضَع فمَه في فَمِها، ولم أَدْرِ أَنفَثَ فيها أم لا؟ ثمَّ جاءَ بالنِّذلك اثنانِ وسَبعُونَ رَجُلًا فشَرِبُوا مِنها ومَلَؤُوا أَوْعِيَتَهُم، ثمَّ أَخَذتُها یی أي: المِيضَأةَ یی بَعدَ ذلك، فبَقِيَتْ مِثلَ ما كان"، فتَأَمَّلر أن يذه المُعجِزةِ الباهِرةِ وقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ علَيْه وعلى آلِه بعَدَدِ قَطَراتِ الماءِ.
— 162 —
المِثالُ السَّابعُ:رَوَى البُخاحِها ومُسلِمٌ عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ حِينَ أَصابَ النَّبِيَّ (ص) وأَصحابَه عَطَشٌ في بَعضِ أَسفارِهِم: "كُنَّا في سَفَرٍ معَ النَّبِيِّ (ص)، فاشْتَكَى إلَيْه النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فنَزَل ودَعَا عَلِيًّا فقال:"اذْهَبَا فابْتَغِيا الماءَ"،فِيمةٍ،قا فتَلَقَّيا امْرَأةً بَينَ مَزادَتَينِ، فجاءا بها إلى النَّبِيِّ (ص).. ودَعا النَّبِيُّ (ص) بإِناءٍ فأَفرَغَ فيه مِن أَفواهِ المَزادَتَينِ، ونُودِيَ في النَّاسِ: اِسْقُوا واسْتَقُوا. فاسْتَقَوْا.. وإنَّه لَيُخَيَّربَعةِيْنا أنَّها أَشَدُّ مَلَاءَةً مِنها حِينَ ابتَدَأَ فيها".
وقال النَّبِيُّ (ص):"اِجمَعُوا لَها"،فجَمَعُوا لَها، حَتَّى جَمَعُوا لَها طَعامًا، فجَعَلُوه في ثَوْبٍ وحَمَلُوها على بَعِيرِها.. فَق أَقها:"اِذهَبِي فإنَّا لم نَأخُذ مِن مائِكِ شَيْئًا، ولكِنَّ اللهَ سَقانا".
المِثالُ الثَّامِنُ:رَوَى ابنُ خُزَيمةَ حَدِيثَ "عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ في جَيشِ العُسْرةِ، وذَكَر ما أَصابَهُم مِنَ العَطَشِ حتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَن
قََعِيرَه فيَعصِرُ فَرْثَه فيَشرَبُه، فرَغِبَ أبو بَكرٍ رَضِيَ الله عَنهُ إلى النَّبِيِّ (ص) في الدُّعاءِ، فرَفَع يَدَيه فلم يَرجِعْهُما حتَّى قالَتِ السَّماءُ، فانسَسُولٍ، فمَلَؤُوا ما مَعَهُم مِن آنِيةٍ.. ولم تُجاوِزِ العَسْكَرَ".
فهذه مُعجِزةٌ أَحمَدِيّةٌ مَحْضةٌ لا دَخْلَ للمُصادَفةِ فيها قَطُّ.
المِثالُ التّاسِعُ:عن عَمْرِو بنِ شُعَشَفَقةی حَفِيدِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عَنهُما، والَّذي وَثَّقَه الأَئِمّةُ الأَربَعةُ مِن أَصحابِ السُّنَنِ في رِوايَتهِ الأَحادِيثَ یی: "أنَّ أبا طالِبٍ قال لِلنَّبِيِّ (ص) وهُو رَدِيفُه بذ
قطَجازِ: عَطِشتُ ولَيسَ عِندِي ماءٌ. فنَزَل النَّبِيُّ (ص) وضَرَب بقَدَمِه الأَرضَ، فخَرَج الماءُ، فقال:اشْرَبْ".
قال أَحَدُ العُلَماءِ المُحَقِّقينَ: هذه الحادِثةُ كانَت قَبلَ النَنبِياِ، لِذا فهي مِنَ الإِرهاصاتِ، وتَفَجُّرُ عَينِ عَرَفَة بَعدَ مُضِيِّ أَلفِ سَنةٍ يُعَدُّ مِنَ الإِكراماتِ الإلٰهِيّةِ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص).
وهكَذا، فالمُعجِزاتُ المُ1
اقةُ بالماءِ وإن لم تَبلُغْ تِسعِينَ مِثالًا مِن أَمثالِ هذه التِّسعةِ، إلّا أنَّها رُوِيَتْ بتِسعِينَ وَجْهًا.
— 163 —
والأَمثِلةُ السَّبعةُ الأُولَى قَوِيّةٌلكَرِيْعِيّةٌ، كالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ؛ أمَّا المِثالانِ الأَخِيرانِ فهُما وإن لم تَكُن طُرُقُهُما قَوِيّةً ومُتَعدِّدةً ورُواتُهُما كَثِيرِينَ، إلّا أنَّ أَصحابَ الحَدِيثِ كالإِمامِ البَيهَقِيِّ والحاكِمِ رَوَوْا عن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ مُعجِِيعةٌ نِيةً حَوْلَ السَّحابِ تَأْيِيدًا لِلمُعجِزةِ في المِثالِ الثَّامِنِ الَّتي رَواها سَيِّدُنا عُمَرُ؛ والرِّوايةُ هي أنَّه: "أَصابَ النّاسَ في بَعضِ مَغازِيه (ص) عَطَشٌ، فسَأَلَه عُمَرُ الدُّعاءَ، فدَعا، فجاءَت سَحابةٌ فسَقَتْهُم حاجََى مِنثمَّ أَقْلَعَتْ"، وكأَنَّ السَّحابَ كان مَأْمُورًا بِأَن يَرْوِيَ الجَيشَ وَحْدَه حَيثُ أَمطَرَ حَسَبَ الحاجةِ؛ فكَما تُؤَيِّدُ هذه الحادِثةُ المِثالَ الثّامِنَ وتُقَوِّيه، وتُبْرِزُه رِوايةً ثابِتةً قاطِعةً، فإنَّ ابنَ الجَوْزِيِّ الَّذيكُلُ فدَّدُ ويَرُدُّ حتَّى بَعضَ الأَحادِيثِ الصَّحِيحةِ ويَجعَلُها في عِدادِ المَوضُوعاتِ يقُولُ: إنَّ هذه الحادِثةَ وَقَعَت في غَزْوةِ بَدْرٍ ونَزَلَت في حَقِّها الآيةُ الكَرِيمةُ: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاء الْعَطَهِّرَكُمْ بِهِ.
فما دامَتْ هذه الآيةُ قد نَزَلَت في حَقِّها وبَيَّنَتْها بوُضُوحٍ، فلا شَكَّ إذًا في وُقُوعِها.
وقد تَكَرَّر كَثِيرًا نُزُولُ المَطَرِ بدُعاءِ النَّبِيِّ (ص) قَبلَ أن تَنزِلَ يَداه المَرفُوعَتانِ، وهي مُعجِعُلاتٍستَقِلّةٌ بِحَدِّ ذاتِها؛ وقدِ استَسْقَى النَّبِيُّ (ص) أَحيانًا وهُو على المِنبَرِ، ونَزَلَتِ الأَمطارُ قَبلَ أن يَخفِضَ يَدَه، وقد ثَبَت هذا بطَرِيقٍ مُتَواتِرٍ.
الإشارةُ التَّاسعة
زُ لك َ أَحَد أَنواعِ مُعجِزاتِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص):امتِثالُ الأَشجارِ لِأَوامِرِهكامتِثالِ البَشَرِ، وانخِلاعُها مِن أَماكِنِها ومَجِيئُها إلَيْه؛ فهَذِه المُعجِزةُ المُتَعلِّقةُ بالأَشجارِ هي مُتَواتِرةٌ مِن حَيثُ المَعنَى كفَوَ المَنالماءِ مِن أَصابِعِه المُبارَكةِ؛ ولَها صُوَرٌ مُتَعدِّدةٌ، ورُوِيَت بطُرُقٍ كَثِيرةٍ.
نعم، يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ خَبَر انخِلاعِ الشَّجَرةِ مِن مَوْضِعِها ومَجِيئِها مُمْتَثِلةً لِأَمرِ الرَّسُولِ الأَكْرةَ اص) مُتَواتِرٌ تَواتُرًا صَرِيحًا، إذ رُوِيَت هذه الرِّوايةُ مِن قِبَلِ صَحابةٍ كِرامٍ
— 164 —
صادِقِين مَعرُوفِين، أَمثالَ: عَلِيٍّ وابنِ عَبّاسٍ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عُمَرَ ويَعلَى بنِ مُرّةَ وجابِرٍ وأَنَسِ بنلُوبِ،كٍ، وبُرَيدةَ وأُسامةَ بنِ زَيدٍ وغَيلانَ بنِ سَلَمةَ، وغَيرِهم، فأَخبَرَ كُلٌّ مِنهُم عن هذه المُعجِزةِ المُتَعلِّقةِ بالأَشجارِ إِخبارًا ثاا، فالقاطِعًا، ونَقَلَها عَنهُم مِئاتٌ مِن أَئِمّةِ التّابِعِين بطُرُقٍ مُختَلِفةٍ، في بِدايةِ كُلِّ طَرِيقٍ صَحابِيٌّ جَلِيلٌ، أي: كأَنَّها نُقِلَت إلَيعٍ زُجقْلًا مُتَواتِرًا مُضاعَفًا، لِذا فلا يُداخِلُ هذه المُعجِزةَ رَيْبٌ ولا شُبْهةٌ قَطُّ، فهِي في حُكْمِ المُتَواتِرِ المَعنَوِيِّ المَقطُوعِ به.
فهذه اَلَبَ زةُ وإن تكَرَّرَت مَرّاتٍ عِدّةً، إلّا أَنَّنا سنُبيِّنُ عَدَدًا مِن صُوَرِها الصَّحِيحةِ الكَثِيرةِ، ونُورِدُها في بِضْعةِ أَمثِلةٍ:
المِثاكَفافَُوَّلُ:رَوَى ابنُ ماجَهْ والدَّارِمِيُّ والبَيهَقِيُّ عن أَنَسِ بنِ مالِكٍ وعَلِيٍّ، ورَوَى البَزَّارُ والبَيهَقِيُّ عن عُمَرَ: أنَّ ثَلاثةً مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانارِيُِّ تَعالَى علَيهِم أَجمَعِين قالُوا: كان الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) قد حَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا مِن تَكْذِيبِ الكُفَّارِ له، قال:"يا ربِّ أَرِني آيةً لا أُبالي مَن كَذَّبَني بَعدَها"،جَعْفَِوايةِ أَنَسٍ: "أنَّ جِبْرِيلَ عَليهِ السَّلام قال لِلنَّبِيِّ (ص) ورَآه حَزِينًا: أَتُحِبُّ أن أُرِيَك آيةً؟ قال: نعم! فنَظَر رَسُولُ اللهِ (ص) إلى شَجَرةٍ مِن وَراءِ الوادِي، فقال: اُدْعُ تلك الشَّجَرةَ. فجاءَت تَمْشِي حتَّى قامَت بَينَ يَبُّون قال: مُرْها فلْتَرجِعْ، فعادَت إلى مَكانِها".
المِثالُ الثَّاني:رَوَى القاضِي عِياضٌ یی عَلَّامةُ المَغْرِبِ یی في كِتابِه "الشِّفا" بسَنَدٍ عالٍ صَحِيحٍ عن عَبدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُما قال: "كُنَّا معَ رَسُولِ عِلمِ(ص) في سَفَرٍ، فدَنا مِنه أَعرابيٌّ، فقال:يا أَعرابيُّ، أَينَ تُرِيدُ؟قال: إلى أَهْلِي. قال: هل لَك إلى خَيرٍ مِن ذلك؟ قال: وما هُو؟ قال:تَثَّرُ أنْ لا إلٰهَ إلّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسُولُه.قال: مَن يَشهَدُ لك على ما تَقُولُ؟ قال:هذه الشَّجَرةُ السَّمُرةُ.وهي بشاطِئِ الوادِي، فأَقبَلَتْ تَخُدُّ الأَرضَ، حتَّى قامَت بَينَ يَدَيه، فاستَشْ وإِها ثَلاثًا فشَهِدَت أنَّه كما قال، ثمَّ رَجَعَت إلى مَكانِها".
وعن بُريْدَة عن طَرِيقِ ابنِ صاحِبٍ الأَسلَمِيِّ بنَقْلٍ صَحِيحٍ: "سَأمَلِكُعرابيٌّ
— 165 —
النَّبِيَّ (ص) آيةً، فقالَ له:قُلْ لتِلك الشَّجَرةِ: رَسُولُ اللهِ يَدْعُوكِ.قال: فمالَتِ الشَّجَرةُ عن يَمِينِها وشِمالِها وبَينَ يَدَيْها وخَلْفَها، فتَقَطَّعَت عُرُوقُها، ثمَّ جاءَت تَخُدُّ الأَرضَ تَجُرُّ عُرُوقَها مقَتِي.ةً حَتَّى وَقَفَت بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ (ص)، فقالَت: السَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ. قالَ الأَعرابيُّ: مُرْها فلْتَرْجِعْ إلى مَنبَتِها. فرَجَعَت فدَلَّت عُرُوقَها فاسهو قِص. فقالَ الأَعرابيُّ: ائْذَنْ لي أَسجُدْ لك. قال:لو أَمَرتُ أَحَدًا أن يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرتُ المَرْأةَ أن تَسجُدَ لِزَوْجِها.قال: فائْذَنْ لي أن أُقَ إنِّييَدَيْك ورِجْلَيْك، فأَذِن لَه".
المِثالُ الثَّالث:رَوَى مُسلِمٌ وأَصحابُ الكُتُبِ الصِّحاحِ الأُخرَى عن جابِرٍ رَضِيَ الله عَنهُ: أنَّه قال: كُنَّا فيلمَوجٍُ معَ رَسُولِ اللهِ ، "فذَهَبَ رَسُولُ اللهِ يَقضِي حاجَتَه، فلم يَرَ شَيْئًا يَستَتِرُ به، فإذا بشَجَرَتَينِ بشاطِئِ الوادِي، فانطَلَق رَسُولُ الله (ص) إلى إِحداهُما، فأَخَذ بغُصْنٍ مِن أَغصانِها، فقال:انْقادِي عَلَيَّ بإِذنِ اللهِ.فانْقادَبلَ أَه كالبَعِيرِ المَخْشُوشِ الَّذي يُصانِعُ قائِدَه، وذَكَر أنَّه فَعَل بالأُخرَى مِثلَ ذلك حتَّى إذا كان بالمَنْصَفِ بَينَهُما، قال: الْتَئِما عَلَيَّ بإِذنِ اللهِ. فالْتَأَمَتا"، فجَلَس خَلْفَهُما، وبَعدَ أن قَضَى حاجَتَه أَمَتَّوْرَعُودَ كُلٌّ مِنهُما إلى مَكانِه.
"وفي رِوايةٍ أُخرَى: فقال: يا جابِرُ، قُلْ لِهَذِه الشَّجَرةِ: يَقُولُ لَكِ رَسُولُ اللهِ:الْحَقيه فَوحِبَتِكِ حتَّى أَجلِسَ خَلفَكُما.فزَحَفَت حتَّى لَحِقَت بصاحِبَتِها. فجَلَس خَلفَهُما، فخَرَجْتُ أُحضِرُ، وجَلَستُ أُحَدِّثُ نَفسِي، فالْتَفَتُّ فإذا رَسُولُ اللهِ (ص) مُقبِلًا، والشَّجَرتقَ مِنِ افْتَرَقَتا، فقامَت كلُّ واحِدةٍ مِنهُما على ساقٍ، فوَقَف رَسُولُ اللهِ (ص) وَقْفةً فقال برَأْسِه هكَذا یی يَمِينًا وشِمالًا".
المِثالُ الرَّابع:رَوَى أُسامةُ بنُ زَيدٍ یی أَحَدُ قُوكْمةِ رَسُولِ اللهِ (ص) وخادِمُه الأَيمَنُ یی: كُنّا في سَفَرٍ معَ رَسُولِ اللهِ (ص)، ولم يَكُن لِقَضاءِ الحاجةِ مَكانٌ خالٍ يَستُرُ عن أَعيُنِ النّاسِ، فقال:"هل تَرَى مِخرَى.
لٍ أو حِجارةٍ؟قُلتُ: أَرَى نَخَلاتٍ مُتَقارِباتٍ، قال:انطَلِقْ وقُلْ لَهُنَّ: إنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) يَأْمُرُكُنَّ أن تَأْتِينَ لِمَخْرَجِ رَسُولِ اللهِ (ص)، وقُلْ لِلحِجارةِ مِثلَ ذلك.فقُلتُ ذلك لَهُنَّ، فوَالَّذ:
اَثَه بالحَقِّ لقد رَأَيتُ النَّخَلاتِ يَتَقارَبْنَ
— 166 —
حتَّى اجْتَمَعْنَ والحِجارةَ يَتَعاقَدْنَ حتَّى صِرْنَ رُكامًا خَلْفَهُنَّ، فلَمّا قَضَى حاجَتَه، قال لي:قُلْ لَهُنَّ يَفْتَرِقْنَ.فوَالَّذِي نَفسِي بِيْرَ مََرَأَيتُهُنَّ والحِجارةَ يَفتَرِقْنَ حتَّى عُدْنَ إلى مَواضِعِهِنَّ".
وقد رَوَى هاتَينِ الحادِثَتَينِ اللَّتَينِ رَواهُما جابِرٌ وأُسامةُ كُلٌّ مِن يَعلَى بنِ مُرّةَ، وغَيلانَ بنِ سَلَمةَ الثَّقَفِيِّ، وابنِ مَشَجَرة في غَزْوةِ حُنَينٍ..
المِثالُ الخامس:ذَكَر عَلّامةُ عَصْرِه الإِمامُ ابنُ فَوْرَكَ یی الَّذي كان يُسَمَّى بالشَّافِعِيِّ الثَّاني كِنايةً عن اجتِهادِه الكامِلِ وفَضْلِه یی: "أنَّه (ص) سارَ في غَزْوةِ الطّائِفِ لَيْلًا وِدًّا سِنٌ، فاعْتَرَضَهُ سِدْرةٌ، فانْفَرَجَت لَه نِصْفَينِ حتَّى جازَ بَينَهُما، وبَقِيَت على ساقَينِ إلى وَقْتِنا".
المِثالُ السَّادس:ذَكَر يَعلَى بنُ سِيابةَ: "أنَّ طَلْحةً أو سَمُرةً جاَّ في َطافَت بِه ثمَّ رَجَعَت إلى مَنبَتِها، فقالَ رَسُولُ اللهِ (ص):"إنَّها استَأْذَنَت أن تُسَلِّمَ عَلَيَّ"،أي: استَأْذَنَت مِن رَبِّ العالَمِينَ.
المِثالُ السَّابع:رَوَى الشَّيخانِ عنِ ابنِ مَسعُودٍ رتُ أَسالله عَنهُ: أنَّه قال: "آذَنَتِ النَّبِيَّ (ص) بالجِنِّ لَيْلةَ استَمَعُوا لَه شَجَرةٌ"، وذلك حِينَما جاءَ جِنُّ نَصِيبِينَ في بَطْنِ النَّخلِ إلى النَّبِيِّ (ص) للإِسلامِ، فأَعلَمَتْ شَجَرةمِ ولََبِيَّ خَبَرَ مَجِيئِهِم.
"وعن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ مَسعُودٍ في هذا الحَدِيثِ: أنَّ الجِنَّ قالُوا مَن يَشهَدُ لَك؟ قال: هذه الشَّجَرةُ" فأَمَر الشَّجَرَةَ: أُخاللَيْ يا شَجَرةُ. فجاءَت تَجُرُّ عُرُوقَها لَها قَعاقِعُ".
وهكَذا، فقد كَفَت مُعجِزةٌ واحِدةٌ طائِفةَ الجِنِّ، أفَلا يكُونُ مَن يَسمَعُ أَلفَ مُعجِزةٍ ومُعجِزةٍ مِن أَمثالِها ثمَّ يُكابِرُ ولا يُؤْمِنُ أَضَلَّ مِن ذل الَّذَيْطانِ الَّذي حَدَّثَ القُرآنُ عنه بقَولِ الجِنِّ: يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا؟!
المِثالُ الثَّامن:رَوَى التِّرمِذِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُما أنَّه (ص) قالَ لِأَعرابيٍّ:"أَرَأَيتَ إن دَعَوْتُ هذا العِذْلِيلُ هذه النَّخْلةِ، أَتَشهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ؟قال: نعم! فدَعاه، فجَعَل يَنقُزُ حتَّى أَتاه، فقال:ارْجِعْ،فعادَ إلى مَكانِه".
— 167 —
وهكذا، فهُناك أَمثِلةٌ غَزٍ لِلآكالَّتي ذَكَرْناها رُوِيَت كُلُّها بطُرُقٍ عَدِيدةٍ، ومِنَ المَعلُومِ أنَّه إذا اتَّحَدَت بِضْعةُ خُيُوطٍ رَفِيعةٍ صارَت حَبْلًا قَوِيًّا.. فمِثلُ هذه المُعجِزةِ المُتَعلِّقةِ بالشَّجَرةِ وقد رُوِيَت بطُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ، وعن مِرُك برِ الصَّحابةِ الكِرامِ لا بُدَّ أنَّها في قُوّةِ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ، بل إنَّها مُتَواتِرةٌ تَواتُرًا حَقِيقيًّا. ولا رَيبَ أنَّها حِينَما انتَقَلَت إلى التَّاًا مُتَ أَخَذَت طابَعَ التَّواتُرِ، لا سِيَّما الطُّرُقِ الَّتي سَلَكَها أَصحابُ الصِّحاحِ كالبُخارِيِّ ومُسلِمٍ وابنِ حِبّانَ والتِّرمِذِيِّ وغَيرِهِ تُشاهَما هي طَرِيقٌ صَحِيحةٌ لا شائِبةَ فيها. بل إنَّ رُؤْيةَ أيِّ حَدِيثٍ كان في البُخارِيِّ إنَّما هُو كاستِماعِه مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ بعَينِهِم.
تُرَى! إذا عَرَفَتِ الأَشجارُ رَسُولَ الله (ص) وعَرَّفَته وصَدَّقَتْ رِسالَتَه وسَلَّ عَلَىَيْه، وزارَتْه، وامْتَثَلَت أَمْرَه یی كما رَأَيْنا في الأَمثِلةِ المَذكُورةِ آنِفًا یی فكَيفَ لا يَعرِفُ ولا يُؤْمِنُ به ذلك البَلِيدُ الجَمادُ الَّذي يُسَمِّي نَفسَه إِنسانًا؟ أَليسَ هُو عارِيًا عن العَقْلِ والقَلْبِ؟ثةِ.
يَكُونُ أَدنَى مِنَ الشَّجَرِ اليابِسِ وأَتْفَهَ مِنَ الحَطَبِ الَّذي لا يَستَحِقُّ إلّا إِلْقاءَه في النَّارِ؟!
الإشارة العاشرة
إنَّ الَّذي يُؤَيِّدُ هذه المُعجِزاتِ المُتَعلِّقةَ بالشَّجَرةِ:مُع أنَّ حَنِينِ الجِذْعِالمَنقُولةُ نَقْلًا مُتَواتِرًا.
نعم، إنَّ حَنِينَ الجِذْعِ اليابِسِ المَوجُودِ في المَسجِدِ النَّبَوِيِّ إلى رَسُولِ اللهِ (ص) لِفِرالِيُبذه یی فِراقًا مُؤَقَّتًا یی وأَنِينَه أَمامَ جَماعةٍ غَفِيرةٍ مِنَ الصَّحْبِ الكِرامِ يُؤَيِّدُ الأَمثِلةَ الَّتي أَوْرَدْناها في المُعجِزاتِ المُتَعلِّقةِ بالأَشجارِ ويُقَوِّيها، لِأَنَّ َه عن عَ مِن جِنسِ الأَشجارِ، فالجِنسُ واحِدٌ، إلّا أنَّ هذه المُعجِزةَ مُتَواتِرةٌ بالذّاتِ، بَينَما الأَقسامُ الأُخرَى مُتَواتِرةٌ نَوْعًا، إذ إنَّ أَكثَرَ جُزْئيّاتِها وأُه زُهتِها لا يَرقَى إلى مُستَوَى التَّواتُرِ الصَّرِيحِ.
كان المَسجِدُ النَّبَوِيُّ مَسقُوفًا على جُذُوعِ نَخلٍ، فكان النَّبِيُّ (ص) إذا خَطَبَ يَقُومُ إلى جِذْعٍ مِنها، فلَمّا صُنِعَ لَه المُِهٍ"م وكان علَيْه، سُمِعَ لِذَلِك الجِذْعِ صَوْتٌ
— 168 —
كصَوْتِ العِشارِ وهُو يَئِنُّ ويَبكِي، حتَّى جاءَه النَّبِيُّ (ص) ووَضَع يَدَه علَيْه، وتَكَلَّم مَعَه وعَزَّاه وسَلَّاه، فسَكَت الجِذْعُ. نُقِلَت هذه ِ يَقتِزةُ بطُرُقٍ كَثِيرةٍ جِدًّا نَقْلًا مُتَواتِرًا.
نعم، إنَّ مُعجِزةَ حَنِينِ الجِذْعِ مَشهُورةٌ ومُنتَشِرةٌ، والخَبَرُ بها مِنَ المُتَواتِرِ الصَّرِيحِ، فقد رَواها مِئاتٌ مِن أَئِمّةِ التّابما إِظبخَمْسةَ عَشَرَ طَرِيقًا عن جَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضْوانُ اللهِ تَعالَى علَيْهِم أَجمَعِينَ، وهكَذا نَقَلُوها إلى مَن خَلْفَهُم.. ومِمَّن رَواها مِن عُلَماءِ الصذا.
ِ: أَنَسُ بنُ مالِكٍ، وجابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ الأَنصارِيُّ یی مِن خُدّامِ النِّبِيِّ یی وعَبدُ اللهِ ابنُ عُمَرَ، وعَبدُ اللهِ بنُ عَبّاسٍ، وسَهْلُ بنُ سَعْدٍ، وأَبُونةِ.. دٍ الخُدْرِيُّ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وبُرَيْدةُ، وأُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمةَ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِم، وكلٌّ مِن هَؤُلاء على رَأْسِ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ رُواةِ الحَدِيثِ.
فقد رَوَى البُخارِيُّ وفِي الٌ وغَيرُهُما مِن أَصحابِ الصِّحاحِ هذه المُعجِزةَ الكُبْرَى المُتَواتِرةَ، ونَقَلُوها إلَيْنا.
عن جابِرٍ رَضِيَ الله عَنهُ، يقُولُ: "كان المَسجِدُ مَسقُوفًا على جُذُوعٍ مِن نَخْلٍ، فكان النَّبِيُّ (ص) إذا خَط والواقُومُ إلى جِذْعٍ مِنها، فلَمّا صُنِعَ لَه المِنْبَرُ وكان علَيْه، فسَمِعْنا لِذَلِك الجِذْعِ صَوْتًا كصَوْتِ العِشارِ، حتَّى جاءَ النَّبِيُّ (ص) فوَضَع يَدَه علَيْه فسَكَتَ" لم يَتَحَمَّلِ الجِذْعُ فِراقَه (ص).
وع كَرَمسٍ: "حتَّى ارْتَجَّ المَسجِدُ لِخُوارِه".
وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ: "وكَثُر بُكاءُ النّاسِ لِمَا رَأَوْا به مِن بُكاءٍ وحَنِينٍ".
وعن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ: "حتَّى تَصَدَّع وانشَقَّ" لِشِدّةِ بُكائِه.
زادَ غَيرُه: فقالَ ا المِيُّ (ص):"إنَّ هَذا بَكَى لِمَا فَقَد مِنَ الذِّكْرِ"،وفي طَرِيقٍ آخَرَ:"لو لم أَلتَزِمْه لم يَزَلْ هَكَذا إلى يَوْمِ القِيامةِ، تَحَزُّيرُونَى رَسُولِ اللهِ (ص)".وفي حَدِيثِ بُرَيْدةَ: لَمّا بَكَى الجِذْعُ وَضَع الرَّسُولُ يَدَه الشَّرِيفةَ علَيْه وقالَ:"إن شِئْتَ أَرُدُّك إلى
— 169 —
الحائِطِ الَّذي كُنتَ فيه، تَنبُتُ لَك عُرِلَّا ويَكمُلُ خَلْقُك ويُجَدَّدُ خُوصُك وثَمَرُك؛ وإن شِئْتَ أَغرِسُك في الجَنّةِ فيَأْكُلُ أَوْلياءُ اللهِ مِن ثَمَرِك.ثمَّ أَصغَى لَه النَّبِيُّ (ص) يَستَمِعُ ما يَقُولُ، فقال: بومُسلِِسُني في الجَنّةِ فيَأكُلُ مِنِّي أَولِياءُ اللهِ وأَكُونُ في مَكانٍ لا أَبلَى فيه، فسَمِعَه مَن يَلِيه، فقالَ النَّبِيُّ (ص):قد فَعَلْتُ.ثمَّ قالَ:اخرًا لِارَ البَقاءِ على دارِ الفَناءِ"،قال الإِمامُ أَبُو إِسحاقَ الإِسفَرايِينيُّ یی وهُو مِن أَئِمّةِ عُلَماءِ الكَلامِ یی إنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) لم يَذْهَبْ إلى الجِذْعِ بل مَعارُِ إلى نَفسِه فجاءَه يَخرِقُ الأَرضَ فالْتَزَمَه، ثمَّ أَمَرَه فعادَ إلى مَكانِه".
يَقُولُ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: وبَعدَ ظُهُورِ هذه المُعجِزةِ: "أَمَر النَّبِيُّ (ص) به ِيدةٍ َ تَحتَ المِنبَرِ"، "فكان إذا صَلَّى النَّبِيُّ (ص) صَلَّى إلَيْه؛ فلَمَّا هُدِمَ المَسجِدُ لِتَجدِيدِه أَخَذَه أُبَيٌّ فكان عِندَه إلى أن أَكَلَتْه الأَرَضةُ وعادَ رُفاتًا".
وحِاتِ" مكان الحَسَنُ البَصرِيُّ يُحَدِّثُ بهذا طُلَّابَه يَبكِي ويَقُولُ:
"يا عِبادَ اللهِ، الخَشَبةُ تَحِنُّ إلى رَسُولِ اللهِ (ص) شَوْقًا إلَيْه لِمَكانِه، فأَنتُم أَحَقُّ أن تَشتاقُوا إذلك الائِه!".
ونَحنُ نَقُولُ: نعم، إنَّ الِاشتِياقَ إلَيْه ومَحَبَّتَه إنَّما هي باتِّباعِ سُنَّتِه السَّنِيّةِ وشَرِيعَتِه الغَرّاءِ.
نُكتةٌ مُهِمّة
فإن قِيلًَا مِن لَمْ تَشتَهِرْ تلك المُعجِزاتُ الَّتي تَخُصُّ البَرَكةَ في الطَّعامِ، والَّتي أَشبَعَت أَلْفًا مِنَ النَّاسِ في غَزْوةِ الخَندَقِ بصاعٍ مِن طَعام، ولا تلك المُعجِزاتُ الَّتي تَخُصُّ الماءَ التي أَرْوَت أَلْفًا مِنَ النّاسِ بما فاا مِن الماءِ مِن أَصابعِ الرَّسُولِ المُبارَكةِ (ص)؛ لِمَ لَمْ تُنقَلا بطُرُقٍ كَثِيرةٍ مِثلَما اشتَهَرَت مُعجِزةُ حَنِينِ الجِذْعِ ونُقِلَت؟ معَ أنَّ كُلًّا مِن تِلكُما الجَماعَتَينِ اللَّتَينِ وَقَعَتِ المُعجِزةُ أَمامَهُميانُهاثَرُ مِن جَماعةِ مُعجِزةِ حَنِينِ الجِذْعِ؟
— 170 —
الجَوابُ:إنَّ المُعجِزاتِ الَّتي ظَهَرَت قِسمانِ:
أَحَدُهُما:ما يَظهَرُ على يَدِ النَّبِيِّ (ص) لِتَصدِيقِ دَعوَى النُّبوّةِ، وفي الدُ حُجّةً لَها، فيَزِيدُ إِيمانَ المُؤْمِنِينَ ويَسُوقُ أَهلَ النِّفاقِ إلى الإِخلاصِ والإِيمانِ، ويَدْعُو أَهلَ الكُفْرِ إلى حَظِيرةِ الإِيمانِ.. ومُعجِزةُ حَنِينِ الجِذْعِ مِن هذا القَبِيلِ، لِذَلِك رَآها أَلفامُّ والخَواصُّ، واعتُنِيَ بنَشرِها أَكثَرَ مِن غَيرِها.
أمّا مُعجِزةُ الطَّعامِ ومُعجِزةُ الماءِ، فهِيَ كَرامةٌ أَكثَرَ مِن كَوْنِها مُعجِزةً، بل إِكرامٌ إلٰهِيُّ أشِيرُ مِنَ الكَرامةِ، بل ضِيافةٌ رَحْمانيّةٌ یی حَسَبَ ما دَعَت إلَيْه الحاجةُ یی أَكثَرَ مِن إِكرامٍ إلٰهِيٍّ؛ فهُما وإن كانَتا دَليلَينِ على دَعوَى النُّبوّةِ، ومُعجِزَتَينِ لها، إلّا أنَّ الغايةَ الأَساسَ هي أنَّ الجَيشَ الَّذي يَبلُغُ قِوامرَياتِاءَ أَلفِ رَجُلٍ، كان في حاجةٍ ماسّةٍ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ، فأَمَدَّهُمُ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى مِن خَزائِنِ الغَيبِ بأن أَشبَعَ مِن صاعٍ مِن طَعامٍ أَلفَ رَجُلٍ كَما يَخلُقُ سُبحانَه مِن نَواةٍ واحِدةٍ أَلفَ ر"
مِنَ التَّمْرِ؛ كذلك أَرْوَى زُهاءَ أَلفٍ مِنَ المُجاهِدِين في سَبِيلِ اللهِ، حِينَما أَصابَهُمُ العَطَشُ، أَرْواهُم بماءٍ مُبارَكٍ كالكَوْثَرِنية.
َجْراه سُبحانَه مِن أَصابِعِ قائِدِهِمُ الأَعظَمِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه علَيْه.. لِذَلِك لم تَصِلْ دَرَجةُ مُعجِزةِ الطَّعامِ والماءِ إلى دَرَجَهُم، ِينِ الجِذْعِ، إلّا أنَّ جِنسَ تَينِك المُعجِزَتَينِ ونَوْعَهُما بحَسَبِ الكُلِّيّةِ مُتَواتِرٌ كتَواتُرِ حَنِينِ الجِذْعِ.
ثمَّ إنَّ كُلَّ فَبقَرِيد لا يَرَى بَرَكةَ الطَّعامِ وفَوَرانَ الماءِ مِنَ الأَصابعِ بالذّاتِ، بل يَرَى أَثَرَه، ولكِن كلُّ مَن كان في المَسجِدِ النَّبَوِيِّ قد سَمِعَ بُكاءَ الجِذْعِ، لِذلخالِق أَكثَرَ..
فإن قِيلَ:إنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِين اهتَمُّوا اهتِمامًا بالِغًا بمُلاحَظةِ جَمِيعِ أَحوالِه (ص) وحَرَكاتِه، ولأُولَوها بأَمانةٍ واعتِناءٍ، فلِمَ رُوِيَت أَمثالُ هذه المُعجِزةِ العَظِيمةِ بعِشرِينَ طَرِيقًا فَقَط ولم تُرْوَ یی في الأَقَلِّ یی بمِئةِ طَرِيقٍ؟ ولِمَ جاءَت ثالِ اُ الرِّواياتِ عن أَنَسٍ وجابِرٍ وأبي هُرَيرةَ، ولم يَأْتِ عن طَرِيقِ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ إلّا القَلِيلُ مِنها؟
— 171 —
الجَوابُ:الشِّقُّ الأَوَّلُ مِنَ السُّؤالِ مَضَى جَوابُه في "الأَساسِ الثّالِثِ مِنَ الإِشارةِ الرّابِعةَلَوات أمّا جَوابُ الشِّقِّ الثّاني فهُو: أنَّ الإِنسانَ إذا احتاجَ إلى الدَّواءِ يُراجِعُ الطَّبِيبَ، وإذا احتاجَ إلى بِناءٍ يُراجِعُ المُهَنَه فيهوإذا احتاجَ إلى تَعَلُّمِ مَسأَلةٍ شَرعيّةٍ يَأْتي المُفْتيَ ويَستَفتِيه.. وهكذا، فقد كانَت مُهِمّةُ بَعضِ عُلَماءِ الصَّحابةِ مُنحَصِرةً في حَمْلِ الحَدَِلًا وَشْرِه ونَقْلِه إلى العُصُورِ الأُخرَى، فكانُوا يَسْعَوْن بكُلِّ ما آتاهُمُ اللهُ مِن قُوّةٍ في هذه الغايةِ؛ فأَبُو هُرَيرةَ رَضِيَ الله عَنهُ كَرَّس جَمِيعَ حَياتِه لِحِفْظِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، في الوَقْتِ الَّذي نِ أُلمَرُ رَضِيَ الله عَنهُ مُنهَمِكًا في حَمْلِ أَعباءِ الخِلافةِ الكُبْرَى وسِياسةِ الدَّوْلةِ؛ لِذا اعتَمَد على هَؤُلاءِ الصَّحابةِ: أبي هُرَيرةَ وأَنهُ لِهبِرٍ وأَمثالِهِم في نَقْلِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ إلى الأُمّةِ، فنَدَرَتِ الرِّوايةُ عنه.
ثمَّ إنَّ الرَّاوِيَ الصَّادِقَ المُصَدَّقَ مِن قِبَلِ الجََكَفاهيُكتَفَى برِوايَتِه، ولا داعِيَ إلى رِوايةِ غَيرِه، ولِذلك يُنقَلُ بَعضُ الحَوادِثِ المُهِمّةِ بطَرِيقَينِ أو ثَلاثٍ.
الإشارة الحاديةَ عَشْرةَ
تُبيِّنُ هذه الإِشارةُابِعِينزةَ النَّبَوِيّةَ في الأَحجارِ والجِبالِ مِنَ الجَماداتِكما أَشارَتِ "الإِشارةُ العاشِرةُ" إلى المُعجِزةِ النَّبَوِيّةِ في الأَشجارِ، نَذكُرُ مِن بَينِ أَمثِلَتِها الكَثِيرةِ ثَمانِيةَ أَمثِل! لا يالمِثالُ الأَوَّلُ:رَوَى البُخارِيُّ وعَلَّامةُ المَغرِبِ القاضي عِياضٌ عنِ ابنِ مَسعُودٍ یی خادِمِ النَّبِيِّ (ص) یی أنَّه قالَ: "لقد كُنّا نَسْمَعُ تَسبِيحَ الطَّعامِ وهُو يُؤْكَلُ".
المِثالُ الثَّاني:وثَبَت كَذلِك عن أَن یی أنبي ذَرٍّ رَضِيَ الله عَنهُما، قال أَنَسٌ: "أَخَذ النَّبِيُّ (ص) كَفًّا مِن حَصًى، فسَبَّحْنَ في يَدِ رَسُولِ اللهِ (ص) حتَّى سَمِعْنا التَّسبِيحَ، ثمَّ صَبَّهُنَّ في يَدِ أبي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنهُ فسَبَّحْنَ، ثمَّ في أَيدِينا فما سَبُكّاشة".
— 172 —
ورَوَى مِثلَه أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وذَكَر أَنَّهُنَّ سَبَّحْنَ في كَفِّ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ، ثمَّ وَضَعَهُنَّ على الأَرضِ فخَرِسْنَ، ثمَّ أَخَذَهُنَّ ووَضَعَهُنَّ في كَفِّ عُثْمانَ، فسَبَّحْنَْنا عنوَضَعَهُنَّ في أَيدِينا فخَرِسْنَ.
المِثالُ الثَّالث:ثَبَت بنَقْلٍ صَحِيحٍ عن عَلِيٍّ وجابِرٍ وعائِشةَ رَضِيَ الله عَنهُم أنَّه ما كان يَمُرُّ النَّبِيُّ (ص) بجَبَلٍ ولا حَجََّى تَا قال: السَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ. ففي رِوايةِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ قال: "كُنّا بمَكّةَ یی في بِدايةِ النُّبوّةِ یی معَ رَسُولِ اللهِ (ص)، فخَرَجَ إلى بَعضِ نَواحِيها، فما اسْتَقبَلَهُ شَجَرةٌ ولا جَبَِسلامِا قالَ له: السَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ".
وفي رِوايةِ جابِرٍ رَضِيَ الله عَنهُ قال: "لم يَكُنِ النَّبِيُّ (ص) يَمُرُّ بحَجَرٍ ولا شَجَرٍ إلّا سَجَدَ لَه" أي: كُلٌّ مِنهُما يَنقاُوحٍ و ويقُولُ: السَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ.
وفي رِوايةٍ أُخرَى "عن جابِرِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ الله عَنهُ عنِ النَّبِيِّ (ص):إنِّي لَأَعرِفُ حَجَرًا كان يُسَلِّمُ عَلَيَّ"أي: قَبلَ أن أُبعَثَ، "قِيلَ: إنَّه إِشارةٌ إلى الحَجَرِا كانُوَدِ".
"وعن عائِشةَ رَضِيَ الله عَنهَا قالَت: قال النَّبِيُّ (ص):لَمَّا استَقْبَلَني جِبْرِيلُ بالرِّسالةِ جَعَلتُ لا أَمُرُّ بحَجَرٍ ولا شَجَرٍ إلّا قال: السَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ".
المِثالُلا يَتابع:"وفي حَدِيثِ العَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنهُ إذِ اشتَمَلَ علَيْه النَّبِيُّ (ص) وعلى بَنِيه" وهُم عَبدُ اللهِ وعُبَيدُ اللهِ والفَضْلُ وقُثَمُ "بمُلاءةٍ، ودَعا لَهُم بالسَّتر مِنَ النّارِ" إذ قال:يا رَبِّ هذا عَمِّي وصِنْوُ أَبيٍ، إمُّلاءِ بَنُوه، فاسْتُرْهُم مِنَ النّارِ كسَتْرِي إيّاهم بمَلاءَتي."فأَمَّنَت أُسْكُفّةُ البابِ وحَوائِطُ البَيتِ: آمِينَ آمِينَ"، واشْتَرَكْنَ في الدُّعاءِ.
المِثالُ الخامس:رَوَتِ الكُتُبُ الصِّحاحُ مُتَّفِقةً وفي ا:لَقَِمةِ البُخارِيُّ وابنُ حِبّانَ وأبو داوُدَ والتِّرمِذِيُّ عن أَنَسٍ وأبي هُرَيرةَ وعن عُثْمانَ ذِي النُّورَينِ وسَعِيدِ ابنِ زَيدٍ أَحَدِ العَشَرةِ المُبَشَّرِينَ بالجَنّةِ أنَّه: "صَعِدَ أَربَبِيُّ (ص) وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ أُحُدًا، فرَجَفَ بهم" مِن مَهابَتِهِم أو مِن سُرُورِه وفَرَحِه، "فقال:اُثبُتْ يا أُحُدُ، فإنَّما علَيْك نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهَ أُلُ".
— 173 —
فبِهَذا الحَدِيثِ يُنبِئُ (ص) عن شَهادةِ عُمَرَ وعُثْمانَ إِخبارًا غَيْبِيًّا.
وقد نُقِلَ یی تَتِمّةً لِهذا المِثالِ یی أنَّه لَمّا هاجَرَ الرَّسُولُ (ص) مِن مَكتَقِدَُلَبَه كُفّارُ قُرَيشٍ صَعِدَ على جَبَلِ ثَبِيرٍ، "قالَ لَه ثَبِيرٌ: اِهْبِطْ يا رَسُولَ اللهِ، فإنِّي أَخافُ أن يَقتُلُوك على ظَهْرِي فيُعَذِّبَني اللهُ. فقالَ لَه حِر المُحا رَسُولَ اللهِ إِليَّ".
مِن هَذا يَستَشعِرُ أَهلُ القَلْبِ والصَّلاحِ الخَوْفَ في "ثَبِيرٍ"، والأَمْنَ والِاطْمِئْنانَ في "حِراءٍ".
يُفهَمُ مِن مَجمُوعِ هذه الأَمثِلةِ أنَّ الجِبالَ العَظِيمةَ مَأْمُورةٌ
الادةٌ كأيِّ فَردٍ مِنَ الأَفرادِ. وهيَ كأَيِّ عَبدٍ مَخلُوقٍ تُسَبِّحُ اللهَ تَعالَى ولَها وَظِيفةٌ خاصّةٌ بها، وأنَّها تَعرِفُ النَّبِيَّ (ص) وتُحِبُّه.. فما خُلِقَتِ الجِبالُ باطِلًا.
المِثالُ السَّادس: "ورَوَى ابنُ عُمَرَنُوعًاَ الله عَنهُما: أنَّ النَّبِيَّ (ص) قَرَأ على المِنبَرِ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، ثمَّ قال:يُمَجِّدُ الجَبَّارُ نَفسَه ثمَّ : أنا الجَبَّارُ، أنا الجَبَّارُ، أنا الكَبِيرُ المُتَعالِ. فرَجَفَ المِنبَرُ حتَّى قُلْنا: لَيَخِرَّنَّ عنه".
المِثالُ السَّابع:عن حَبْرِ الأُمّةِ وتَرجُمانِ القأَسْماابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُما، وعنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ الله عَنهُ یی مِن عُلَماءِ الصَّحابةِ یی رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ، أنَّه قالَ: "كانَ حَوْلَ البَيتِ سِتُّون وثَلاثُ مِئةِ صَنَمٍ سَيَِّتةُ الأَرجُلِ بالرَّصاصِ في الحِجارةِ، فلَمَّا دَخَل رَسُولُ اللهِ (ص) المَسجِدَ عامَ الفَتْحِ جَعَل يُشِيرُ بقَضِيبٍ في يَدِه إلَيْها ولا يَمَسُّها، ويقُولُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ َؤُلاءطِلَ كَانَ زَهُوقًا، فما أَشارَ إلى وَجْهِ صَنَمٍ إلّا وَقَع لِقَفاه، ولا لِقَفاه إلّا وَقَع لِوَجْهِه، حتَّى ما بَقِي مِنها صَنَمٌ".
المِثالُ الثَّامن:ى كان َّةُ بَحِيراءَ الرّاهِبِ المَشهُورةُ وهي: "أنَّ النَّبِيَّ (ص) خَرَج قَبلَ البِعْثةِ معَ عَمِّه أبي طالِبٍ وجَماعةٍ مِن قُرَيشٍ إلى نَواحِي الشَّامِ؛ ولَمّا وَصَلُوا إلى جِوارِ كَنِيسةِ الرَّلٍ ووَجَلَسُوا هُناك"، وكان الرَّاهِبُ لا يَخرُجُ إلى أَحَدٍ، فخَرَج وجَعَل
— 174 —
يَتَخَلَّلُهم، حتَّى أَخَذ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ (ص)، فقالَ: "هذا سَيِّدُ العالَمِينَ، يَبعَثُه اللهُ رَحْمةً لِلعالَمِينَ"، يَكْفِلَه أَشياخٌ مِن قُرَيشٍ: ما عِلمُك؟ فقال: "إنَّه لم يَبْقَ شَجَرٌ ولا حَجَرٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا لَه، ولا يَسجُدُ إلّا لِنَبِيٍّ"، "ثمَّ قالَ: وأَقْبَلَ (ص) وعلَيْه غَمامةٌ تُظِلُّه، فلَ راجِعنا مِنَ القَوْمِ وَجَدَهُم سَبَقُوه إلى فَيْءِ الشَّجَرةِ، فلَمّا جَلَس مالَ الفَيْءُ إلَيْه".
وهكذا، فهُنالِكَ ثَمانُون مِثالًا كهَذِه الأَمثِلةِ الثَّمانِيةِ، فلو وُحِّدَت هذه الأَمثِلةُ الثَّماوقال (لَأَصبَحَتْ قَوِيّةً لا يُمكِنُ أن تَنالَ مِنها شُبْهةٌ مَهْما كانَت.
فهذا النَّوعُ مِنَ المُعجِزاتِ یی أي: تَكَلُّمُ الجَماداتِ یی يُشَكِّلُ دَلِيلًا جازِمًا على إِثباتِ دَعْوَى النُّبوّةِ، وهُو في حُكْمِ التَّواتُرِ مِن حَيا مُعمَعنَى؛ فكُلُّ مِثالٍ يَستَمِدُّ قُوّةً أُخرَى مِن قُوّةِ الجَمِيعِ تَفُوقُ قُوَّتَه الفَرْدِيّةَ. مَثَلُه في هَذا مَثَلُ رَجُلٍ ضَعِيفٍ انخَرَطَ في سِلْكِ الجَيشِ، فيَتَقَوَّى حتَّى يَستَطِيعُ أن يَتَحَدَّىمَقصَدًا مِنَ الرِّجالِ، أو كعَمُودٍ ضَعِيفٍ لو ضُمَّ معَ أَعمِدةٍ قَوِيّةٍ يَتَقَوَّى.
الإشارةُ الثانيةَ عَشْرةَ
أَمثِلةٌ ثَلاثةٌ مُهِمّةٌ تَرتَبِطُ بالإِشارةِ الحادِيةَ عَمامَ :
المِثالُ الأوَّلُ: تُصَرِّحُ الآيةُ الكَرِيمةُ: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى بنَصِّها القاطِعِ وبتَحقِيقِ عُمُومِ المُفَسِّرِينَ العُلَماءِ وأَئِمّةِ الحَدِيثِ: أنَّ الرَّسُولَ (ص) أَخَذ في غَزْوةِ بَدْرٍ قَبْضةِّمةٌ تُرابٍ وحَصَيَاتٍ ورَماها في وُجُوهِ جَيشِ الكُفّارِ وقال:"شاهَتِ الوُجُوهُ"،فدَخَلَت تلك القَبْضةُ مِنَ التُّرابِ في أَعيُنِ كُلِّ المُشرِكِينَ، مِثلَما وَصَلَت كَلِمةُ"شاهَتِ الوُجُوهُ"إلى آذانِ كَّ هذهِنهُم، فصارُوا يُعالِجُونَ عُيُونَهُم مِنَ التُّرابِ، ففَرُّوا بَعدَما كانُوا في حالةِ كَرٍّ على المُسلِمِينَ.
ويَروِي الإِمامُ مُسلِمٌ: أنَّ الكُفَّاربع:إنَزْوةِ حُنَينٍ عِندَما كانُوا يَصُولُون على المُسلِمِينَ، أَخَذ النَّبِيُّ (ص) قَبْضةً مِن تُرابٍ ورَمَى بها في وُجُوهِ المُشرِكِين، وقال:
— 175 —
"شاهَتِ الوُجُوهُ لقد آ مِن أَحَدٍ مِنهُم إلّا مَلَأَ عَيْنَيه یی بإِذنِ اللهِ یی تُرابٌ كما سَمِعَت أُذُنُه هذه الكَلِمةَ، فوَلَّوْا مُدْبِرِين. فهذه الحادِثةُ الخا ما فيلِلعادةِ قد وَقَعَت في بَدْرٍ وحُنَينٍ، فهي حادِثةٌ تَفُوقُ طاقةَ البَشَرِ، كما أنَّها لا يُمكِنُ إِسنادُها إلى الأَسبابِ العادِيّةِ، لِذا قال تَعالَى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى أي: أنّئِقِ يدِثةٌ نابِعةٌ مِن قُدْرةٍ إلٰهِيّةٍ مَحْضةٍ.
المِثالُ الثّاني:تَذكُرُ كُتُبُ أَئِمّةِ الحَدِيثِ وفي مُقَدِّمَتِها البُخارِيُّ ومُسل لا بُأنَّ يَهُودِيّةً یی واسمُها زَينَبُ بِنتُ الحارِثِ یی أَهْدَتْ لِلنَّبِيِّ (ص) بخَيْبَرَ شاةً مَصْلِيّةً سَمَّمَتْها، فأَكَلَ رَسُولُ اللهِ (ص) مِنها، وأَكَل القَوْمُ، فقالَ:ارْفَعُوا أَيدِيَكُم، فإنَّها أَخبَرَتْني أنَّها مَسأَنفُس.فرَفَع الجَمِيعُ أَيدِيهِم، إلّا أنَّ بِشْرَ بنَ البَراءِ ماتَ مِن أَثَرِ السُّمِّ، فدَعا (ص) اليَهُودِيّةَ وقالَ لَها:"ما حَمَلَكِ على ما صَنَعْتِ؟"قالَت: إن كُنتَ نَبِيًّا لم يَضُرَّك الَّذي صَنَعتُ، وإن ِ سَرامَلِكًا أَرَحْتُ النّاسَ مِنك. فأَمَرَ بها فقُتِلَتْ"، وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّه لم يَأْمُرْ بقَتْلِها. قال العُلَماءُ المُحَقِّقُون: لم يَأْمُر بقَتْلِها، بل ِسالَتها لِأَوْلياءِ بِشرِ بنِ البَراءِ، فقَتَلُوها.
فاسْتَمِعِ الآنَ إلى هذه النِّقاطِ الثَّلاثِ لِبَيانِ إِعجازِ هذه الحادِثةِ:
النُّقطةُ الأُولَى:جاءَ في إِحْدَى الرِّواياتِ: أنَّ عَدَدًا مِنَ اهَا:"بةِ سَمِعُوا قَوْلَها حِينَما أَخبَرَتِ الشّاةُ أنَّها مَسمُومةٌ.
النُّقطةُ الثَّانية:وفي رِوايةٍ أُخرَى أنَّه بَعدَما أَخبَرَ الرَّسُولُ (ص) عنِ القَضِيّةِ قال: قُولُوا: بِاسمِ اللهِ،يضًا أكُلُوا، فإنَّه لا يَضُرُّ السُّمُّ بَعدَه. هذه الرِّوايةُ وإن لم يَقْبَلْها ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ، إلّا أنَّ عُلَماءَ آخَرِينَ قَبِلُوها.
النُّقطةُ الثَّالثة:لَقدِ اطْمَأَنَّ كُلُّ مَن سَمِعَ كَلامَه (ص):"إنَّها أَخبَمانِ و بأَنِّي مَسمُومةٌ"وكأَنَّه سَمِعَه بنَفسِه، إذ لم يُسْمَعْ مِنه (ص) قَوْلٌ مُخالِفٌ لِلواقِعِ قَطُّ، وهذه واحِدةٌ مِنه؛ فبَينَما يُبيِّتُ اليَهُودُ الكَيْدَ لِيُنزِلُوا ضَرْبتَهالمُعجقاضِيةَ بالرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وصَحْبِه الكِرامِ رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم، إذا بالمُؤامَرةِ تَنكَشِفُ على إِثرِ خَبَرٍ مِنَ الغَيبِ، وتُبطِلُ الدَّسِيسةَ وِلادٍ رَ السَّيِّئَ، ويَقَعُ الخَبَرُ كما أَخبَرَ عَنه (ص).
— 176 —
المِثالُ الثّالث:هو مُعجِزةُ الرَّسُولِ (ص) في ثَلاثِ حَوادِثَ تُشْبِهُ مُعجِزةَ سَيِّدِنا مُوسَى عَليهِ ارِدُ بم، في مُعجِزةِ يَدِه البَيضاءِ وعَصاه.
الحادِثةُ الأُولَى:أَخرَجَ الإِمامُ أَحمَدُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ: أنَّ الرَّسُولَ (ص) "أَعطَى قَتادةَ بنَ النُّعمانِ یی وصَلَّى مَعنزِلةَِشاءَ یی في لَيْلةٍ مُظلِمةٍ مَطِرةٍ عُرْجُونًا، وقال:انْطَلِقْ بِه فإنَّه سيُضِيءُ لَك مِن بَينِ يَدَيْك عَشْرًا، ومِن خَلْفِك عَشْرًا؛ فإِذا دَخَلْتَ بَيْتَك فسَتَرَى سَوادًا فاضْرِبْه حتَّى يَخرُجَ، فإنَّه الشَّيْطانُ.فانْطَلَ آثَرُضاءَ لَه العُرْجُونُ (كاليَدِ البَيْضاءِ) حتَّى دَخَل بَيْتَه ووَجَد السَّوادَ فضَرَبَه حتَّى خَرَج".
الحادِثةُ الثَّانيةُ:انْقَطَع سَيْفُ عُكَّاشةَ بنِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيِّ وهُو يُقاتِلُ به في غَزْوةِ بَدْرٍ الكُبْرَى إلى يَ المَعرَكةِ الَّتي هي مَنبَعُ الغَرائِبِ یی فأَعطاهُ رَسُولُ اللهِ (ص) جَذْلًا مِن حَطَبٍ یی أي: عُودًا غَلِيظًا یی "وقال:اضْرِبْ به.فعادَ في يَدِه سَيْفًا صارِمًا طَوِيلَ القامةِ أَبْيضَذلك الدَ المَتْنِ، فقاتَلَ به، ثمَّ لم يَزَلْ عِندَه يَشهَدُ به المَواقِفَ إلى أنِ استُشهِدَ في قِتالِ أَهلِ الرِّدّةِ" في اليَمامةِ.
هذه الحادِثةُ ثابِتةٌ قَطْعًا، وكان ع هو (صُ يَفتَخِرُ بذَلِك السَّيفِ طَوالَ حَياتِه، وكان السَّيفُ يُسَمَّى بی"العَوْنِ"، فاشْتِهارُ السَّيفِ بی"العَوْنِ" وافتِخارُ عُكّاشةَ به حُجَّتانِ أَيضًا على ثُبُوتِ الحادِهَدْمَ الحادِثةُ الثَّالثةُ:رَوَى ابنُ عَبدِ البَرِّ وهُو مِن أَعلامِ عَصْرِه مِن بَينِ العُلَماءِ المُحَقِّقِين: أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ ابنَ عَمّةِ رَسُولِ اللهِ (ص) "وقد ذَهَب سَيْفُه" في غَزْوةِ أُحُدٍ وهُو يُحارِبُ، فأَعطاهُ رَسُةَ، فالهِ (ص) "عَسِيبَ نَخْلٍ، فرَجَعَ في يَدِه سَيْفًا".
يقُولُ ابنُ سَيِّدِ النَّاسِ في "سِيَرِه": فبَقِي هذا السَّيفُ مُدّةً ولم يَزَل يُتَناقَلُ حتَّى بِيعَ إلى شَخْصٍ يُدْعَى بُغاءُ التُّركيُّ بمِئَتَيْ دِينارٍ.
فهذانِ الِ النفانِ مُعجِزَتان كمُعجِزةِ عَصا مُوسَى، إلّا أنَّه لم يَبْقَ وَجهُ الإِعجازِ لِعَصا مُوسَى بَعدَ وَفاتِه عَليهِ السَّلام، وبَقِي هذانِ السَّيْفانِ مُعجِزَتَينِ بعدَ وَفاتِه (ص).
— 177 —
الإشارةُ الِيدانِةَ عَشْرةَ
ومِن مُعجِزاتِه (ص):شِفاءُ المَرضَى والجَرْحَى بنَفْثِه المُبارَكِ،وهذا النَّوعُ مِنَ المُعجِزاتِ مُتَواتِرٌ مَعنَوِيٌّ یی مِن حَيثُ النَّوعُ یی أَمّا جُزئيّاتُها فقِسْمٌ مِنها بحُكْمِ المُتَواتِرِ اجماعِ وِيِّ، وقِسمٌ آخَرُ آحادِيٌّ، إلّا أنَّه يُورِثُ القَناعةَ العِلْمِيّةَ والِاطمِئْنانَ، وذلك لِتَوثِيقِ العُلَماءِ لَه وتَصحِيحِ أَئِمّةِ الحَدِيثِ.
سنَذكُرُ مِن أَممُقَدّهذا النَّوعِ مِنَ المُعجِزاتِ بِضْعةَ أَمثِلةٍ فَقَط مِن بَينِ أَمثِلَتِها الغَزِيرةِ.
المِثالُ الأوَّلُ:يَرْوِي القاضِي عِياضٌ عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ وهُو مِنَ العُفْعةً المُبَشَّرِينَ بالجَنّةِ وتَوَلَّى خِدْمةَ النَّبِيِّ (ص)، وأَصبَحَ أَحَدَ قُوَّادِه، وقادَ جَيشَ الإِسلامِ في عَهْدِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله عَنهُ، أنَّه قال: " یی وفَسُولَ اللهِ (ص) لَيُناوِلُني السَّهْمَ لا نَصْلَ لَهُ، فيَقُولُ: اِرْمِ به. وقد رَمَى رَسُولُ الله (ص) يَوْمَئذٍ عن قَوْسِه حتَّى انْدَقَّت" كان ذلك في غَزْوةِ أُحُقد أَعانَتِ السِّهامُ الَّتي لا نَصْلَ لَها تَمرُقُ كالمُرَيَّشةِ وتَثبُتُ في جَسَدِ الكُفّارِ.
وقالَ أَيضًا: "وأُصِيبَت يَوْمَئِذٍ عَينُ قَتادةَ (بنِ النُّعمانِ) حتَّى وَقَعَتْ على وَجْنَتِه، فرَدَّها رَسُولُ اللهِ (ص)" بِيَى حَطّمُبارَكةِ الشّافِيةِ "فكانَت أَحسَنَ عَيْنَيه"، واشْتَهَرَت هذه الحادِثةُ حتَّى إنَّ أَحَدَ أَحفادِ قَتادةَ حِينَما جاءَ إلى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ عَرَّفَ نَفسَه بإِنشادِه الأَبياتَ الآتِيةَ:
أنا ابنُ الَّذي سَالَت على الخبِتًا َيْنُه ٭ فرُدَّتْ بكَفِّ المُصْطَفَى أَحسَنَ الرَّدِّ
فعادَت كَما كانَت لِأَوَّلِ أَمْرِها ٭ فيا حُسْنَ ما عَيْنٍ ويا حُسْنَ ما رَدِّ
وثَبَت أَيضًا: أنَّه جَعَل رِيقَه على جِراحةٍ: "أَثَرِ سَهْمٍ في وَجْهِ أَبي قَتادلَى اليَوْمِ ذِي قَرَدٍ قال: فما ضَرَب عَلَيّ ولا قاحَ" إذ مَسَحَه رَسُولُ اللهِ (ص) بِيَدِه المُبارَكةِ.
— 178 —
المِثالُ الثّاني:رَوَى البُخارِيُّ ومُسلِمٌ وغَيرُهُما: أنَّ الرَّسُولَ (ص) أَعطَىانِ فييةَ عَلِيًّا يَومَ خَيْبَرَ، وكانَ رَمِدًا، فلَمّا تَفَلَ في عَيْنِه أَصبَحَ تِرْياقًا لِعَيْنِه، فبَرِئَت بإِذنِ اللهِ.
ولَمّا جاءَ الغَدُ أَخَذ عَلِيٌّ بابَ القَلْعةِ وهُو مِن حَدِيدٍ، وكأَنَّه تُرْسٌ فيولِسَق، وفَتَحَ القَلْعةَ.
"ونَفَثَ على ضَرْبةٍ بساقِ سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فبَرِئَت".
المِثالُ الثّالثُ:"رَوَى النَّسائيُّ عن عُثْمانَ بنِ حُنَ:ما أنَّ أَعمَى أَتَى إلى رَسُولِ الله (ص)، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أنْ يَكشِفَ لي عن بَصَرِي. قال:أوْ أَدَعُك؟قال: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّه قد شَقَّ عَلَيَّ ذَهابُ بَصَرِي. قال: فانْطَلِقْ كان اَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكعَتَينِ وقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسأَلُك وأَتَوجَّهُ إلَيْك بنَبِيِّي مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمةِ، يا مُحَمَّدُ إنِّي أَتَوجَّهُ إلى رَ4
وبصُِك، أن يَكْشِفَ لي عن بَصَرِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْه فِيَّ"، فرَجَعَ وقد كَشَفَ اللهُ عن بَصَرِه.
المِثالُ الرَّابع:"قَطَع أَبُو جَهْلٍ يَومَ بَدْرٍ يَدَ مُعَوالشُّكبنِ عَفْراءَ" أَحَدِ الأَربَعةَ عَشَرَ الَّذِين استُشهِدُوا في بَدْرٍ، "فجاءَ يَحمِلُ يَدَه فبَصَقَ علَيْها رَسُولُ اللهِ (ص) وأَلصَقَها فلَصِقَتْ، رَواهُ ابنُ وَهْبٍ" وهُو مِن أَئِمّةِ الحَدِيثِ، ثمَّ عادوف تُرالقِتالِ فقاتَلَ حتَّى استُشهِدَ.
"ومِن رِوايَتِه أَيضًا: أن خُبَيبَ بنَ يَسافٍ أُصِيبَ يَومَ بَدْرٍ معَ رَسُولِ اللهِ (ص)، بضَرْبةٍ على عاتِقِه حتَّى مالَ شِقُّه، انُ اله رَسُولُ اللهِ (ص)، ونَفَثَ علَيْه حتَّى صَحَّ".
فهاتانِ الحادِثَتانِ وإن كانَتا آحادِيّةً إلّا أنَّ تَصحِيحَ الإِمامِ الجَلِيلِ ابنِ وَهْبٍ لَهُما، وكَوْنَ وُقُوعِهِما في مَنبَعِ المُعجِزاتِ: بَدْرٍ، ولِوُجُودِ شَواهِدَ كَثنةٍ وامِن أَمثالِهِما يَجعَلُهُما لا يَشُكُّ أَحَدٌ في وُقُوعِهِما.
وهكذا، هُنالِك أَلفُ مِثالٍ ومِثالٍ قد ثَبَتَ بالأَحادِيثِ الصَّحِيحةِ: أنَّ يَدَ الدُ العلِ الأَعظَمِ (ص) أَصبَحَت شِفاءً ودَواءً لِذَوِي العاهاتِ والمَرْضَى.
— 179 —
لو سُطِّرَت هذه القِطعةُ بماءِ الذَّهَب ورُصِّعَت بالأَلماسِ.. لَكانَت جَدِيرةً
حَقًّا! وكما مَرَّ سابِقًا: إنَّ تَسبِي يُزعَِصَى وخُشُوعَه في كَفِّه (ص).
وتَحَوُّلَ التُّرابِ والحَصَيَاتِ فيها كقَذائِفَ في وُجُوهِ الأَعداءِ حتَّى وَلَّوْا مُدْبِرِينَ بقَوْلِه تَعالَى:وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ.
وانفِلاقَ القَمَرِ فِلْقَتَينقِينِ بُع مِنَ الكَفِّ نَفسِها كما هُو نَصُّ القُرآنِ الكَرِيمِ:وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
وفَوَرانَ الماءِ كعَينٍ جارِيةٍ مِن بَينِ الأَصابِعِ العَشةِ حَنارْتِواءَ الجَيشِ مِنه.
وكَوْنَ تلك اليَدِ بَلْسَمًا لِلجَرْحَى وشِفاءً للمَرْضَى.
لَيُبيِّنُ بجَلاءٍ: مَدَى بَرَكةِ تلك اليَدِ الشَّرِيفةِ.. ومَدَى كَوْنِها مُعجِزةَ قُدرةٍ إلٰهِيّةٍ عَظِيمة؛ لَكَأَنَّ كَفَّ أنَّك يَدِ:
زَاوِيةُ ذِكْرٍ سُبْحانيّةٌ صَغِيرةٌ بَينَ الأَحبابِ، لو دَخَلَها الحَصَى لَسَبَّحَ وذَكَر..
وتِرْسانةٌ رَبّانيّةٌ صَغِيرةٌ تِجاهَ الأَعداءِ، لو دَخَلَها التُّرابُ لَتَطايَرَ تَطايُرَ القَنابِلِ..
وتَعُودَ مَحََليّةً رَحْمانِيّةً صَغِيرةً لِلمَرْضَى والجَرْحَى، لَو لامَسَتْ داءً لَغَدَتْ له شِفاءً..
وحِينَما تَنهَضُ تلك اليَدُ تَنهَضُ بجَلالٍ فتَشُقُّ القَمَرَ شِقَّينِ بتَوَلٍّ مِنها.
وإذا الْتَفَتَتِ الْتِفاتةَ جَمالٍ فجَّرَتْ يَنبُوعَ رَحْمةٍ يَدْفُقُ مِن عَشْرِ عُيُونٍ تَجْرِي كالكَوْثَرِ السَّلسَبِيلِ
فلَئِن كانَت يَدُ هذا اًا بمايِّ الكَرِيمِ (ص) مَوْضِعَ مُعجِزاتٍ باهِرةٍ إلى هذا الحَدِّ.. ألا يُدرَكُ بَداهةً: مَدَى حُظْوَتِه عِندَ رَبِّه.. مَبْلغُ صِدْقِه في دَعْوَتِه.. ومَدَى سَعادةِ أُولَئِك الَّذين بايَعُوا تلك اليَدَ المُبارَكة وعَوا80
سؤالٌ:إنَّك تَقُولُ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّها مُتَواتِرةٌ، بَينَما لم نَسمَعْ بها إلّا الآنَ! فهل يُجْهَلُ التَّواتُرُ إلى هذا الحَدِّ؟
الجَوابُ:هُنالِك أُمُورٌ كَثِيرةٌ مُتَواتِرةٌ لَدَى عُلَُجَرَّلشَّرعِ، بَينَما هي مَجهُولةٌ لَدَى غَيرِهم، فلَدَى عُلَماءِ الحَدِيثِ مِنَ الأَحادِيثِ المُتَواترةِ ما لا يُعرَفُ إلّا بالآحادِ لَدَى سِولَأَضْ وهكذا، فبَدِيهِيّاتُ كُلِّ عِلمٍ ونَظَرِيّاتُه إنَّما تُبيَّنُ حَسَبَ ما تَواضَعَ علَيْه أَهلُ اختِصاصِ ذلك العِلمِ؛ أمّا بَقِيّةُ النّاسِ فهُم يَعتَم بنُ ذعلَيْهِم في ذلك العِلمِ. فإمّا أنَّهم يَستَسْلِمُون لِقَوْلِهم، أو يَعكُفُون على دِراسةِ ذلك العِلمِ فيَجِدُونَ ما وَجَدُوه.
فما أَخْبَرِبراهِه مِنَ المُتَواتِرِ الحَقِيقيِّ أوِ المَعنَوِيِّ، أو ما هُو بحُكْمِ المُتَواتِرِ مِنَ الحَوادِثِ، قد بَيَّنَ حُكْمَه رِجالُ الحَدِيثِ، وعُلَماءُ الشَّرِيعةِ وعُلَماءُ الأُصُولِ، وأَغلَبُ العُلَماءِ الآخَرِِيِّهاإذا جَهِلَه العَوامُّ الغافِلُون، أو مَن يُغمِضُ عَيْنَه عنِ العِلمِ مِنَ الجُهّالِ، فلا يَقَعُ اللَّوْمُ إلّا علَيْهِم.
المِثالُ الخامِس:أَخرَجَ الإمامُ البَغَوِيُّ: أُصِيبَت "ساقُ عَلِيِّ بنِ الحَكَمِ يَوْورُ ضََندَقِ إذِ انكَسَرَت" فمَسَحَها رَسُولُ اللهِ (ص) "فبَرِئَ مَكانَه، وما نَزَل عن فَرَسِه".
المِثالُ السّادِس:رَوَى البَيهَقِيُّ وغَيرُه: "اشْتَكَى عَلِيُّ بنُ أبي طالِبَّتِه عَلَ يَدْعُو، فقالَ النَّبِيُّ (ص):اللَّهُمَّ اشْفِه أو عافِه.ثمَّ ضَرَبَه برِجْلِه، فما اشْتَكَى ذلك الوَجَعَ بَعدُ".
المِثالُ السّابعُ:"كانَت في كَفِّ شُرَحْبِيلَ الجُعْفِيِّ سِلْعةٌ تَمنَعُه القَبْضَ علىَظِيمُيفِ وعَنانِ الدّابّةِ فشكاها لِلنَّبِيِّ (ص)، فما زالَ يَطْحَنُها بكَفِّه حتَّى رَفَعَها ولم يَبْقَ لَها أَثَرٌ".
المِثالُ الثَّامن:سِتّةٌ مِنَ الأَطفالِ نالُوا یی كلَيْه لى حِدَةٍ یی مُعجِزةً مِن مُعجِزاتِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص).
الأوَّل:رَوَى ابنُ أبي شَيْبةَ یی وهُو مِن أَئِمّةِ الحَدِيثِ یی أنَّه: "أَتَتْه (ص) امْرَأةٌ مِن خَثْعَمَ مَعَهابِناءًٌ به بَلاءٌ لا يَتَكلَّمُ، فأُتِي بماءٍ، فمَضْمَضَ فاهُ وغَسَل يَدَيه، ثمَّ أَعطاها إيّاه، وأَمَرَها بسَقْيِه ومَسِّه به، فبَرَأَ الغُلامُ وعَقَلَ عَقْلًا يَفْضُلُ عُقُولَ النّاسِ".
— 181 —
الثَّاني:"وعنِ اَبُثُّبّاسٍ: جاءَتِ امْرَأةٌ بابنٍ لَها به جُنُونٌ، فمَسَح (ص) صَدْرَه فثَعَّ ثَعَّةً فخَرَج مِن جَوْفِه مِثلُ الجَرْوِ الأَسْوَدِ" یی شَيءٌ أَسوَدُ كالخِيارِ الصَّغِيرِ یی فشُفِيَ.
الثَّالثُ:َّني ف الإِمامُ البَيهَقِيُّ والنَّسائيُّ: "انكَفَأَتِ القِدْرُ على ذِراعِ مُحَمَّدِ ابنِ حاطِبٍ وهُو طِفْلٌ، فمَسَحَ علَيْه (ص) ودَعا له"، ونَفَخَ نَفْخًا فيه رِيقُه الشَّرِيفُ فبَرَأَالَّتينِه.
الرَّابع:"أنَّ النَّبِيَّ (ص) أُتِيَ بصَبِيٍّ قد شَبَّ" أي: كَبِرَ "لم يَتَكلَّم قَطُّ، فقال:مَن أَنا؟فقال: أَنتَ رَسُولُ اللهِ"، فأَنطَقَه اللهُ.
الخَامسُ:أَخرَجَ إِماَركِ تَصْرِ جَلالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ یی الَّذي تَشَرَّف في اليَقَظةِ برُؤْيةِ النَّبِيِّ (ص) مِرارًا یی أنَّه: جاءَ رَسُولَ اللهِ (ص) رَجُلٌ مِن أَهلِ اليَمامةِ بغُلامٍ يَوْمَ وُلِدَ، فقال لَه رَسُولُ اللهِ (ص):يتَجَلّمُ مَن أَنا؟فقال: أَشهَدُ أنَّك رَسُولُ اللهِ. قال:صَدَقْتَ بارَكَ اللهُ فيك.ثمَّ إنَّ الغُلامَ لم يَتَكلَّمْ حتَّى شَبَّ، فكان يُسمَّى بی"مُبارَكِ اليَمامةِ" لِدُعاءِ النَّبِيِّ (ص) لَه بالبَرَكةِ.
السّحَ الحدَعا على صَبِيٍّ خَشِنِ الطَّبْعِ قَطَعَ علَيْه الصَّلاةَ:"اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَه"،ونالَ جَزاءَ فَظاظَتِه.
السَّابعُ:"سَأَلَتْه جارِيةٌ طَعامًا وهُو يَأْكُلُ، كُمْ فَها مِن بَينِ يَدَيْه، وكانَت قَلِيلةَ الحَياءِ، فقالَت: إنَّما أُرِيدُ مِنَ الَّذي في فِيكَ، فناوَلَها ما في فِيه، ولم يَكُن يُسأَلُ شَيْئًا فيَمْنَعَه. فلَمّا استَقَرَّ في جَوْفِها أُلْقِيَ علَيْها مِنَ الحَياءِ ميّةِ، َكُنِ امْرَأةٌ بالمَدِينةِ أَشَدَّ حَياءً مِنها".
وهكذا، ثمّةَ أَمثِلةٌ غَزِيرةٌ تَربُو على الثَّمانِ مِئةِ مِثالٍ، كالَّتي ذَكَرْناها، وقد بَيَّنَت كُتُبُ الأَحادِيثِ والسِّيَرِ مُعْظَمَها.
نعم، لَمّا كانَتِ اليَدُ المُبارَكةُ لِلرّرَى هذ الكَرِيمِ (ص) كصَيدِليّةِ لُقْمانَ الحَكِيمِ، وبُصاقُه كماءِ عَينِ الحَياةِ لِلخَضِرِ عَليهِ السَّلام، ونَفثُه كنَفْثِ عِيسَى عَليهِ السَّلام في الشِّفاءِ، وأنَّ بَنِي البَشَرِ يَتَعرَّضُونَ لِلمَصائِبِ والبَلاياَصُبَّرَيْبَ أنَّه قد أَتَى إلَيْه ما لا يُحَدُّ مِنَ المَرْضَى والصِّبْيانِ والمَجانِينِ، ولا شَكَّ أنَّهُم قد شُفُوا جَمِيعًا مِن أَمراضِهِم وعاهاتِهِم؛ حتَّى
— 182 —
إنَّ طاوُوسًا اليَمانِيَ وهُو مِن أَئِبِ، والتّابِعِينَ المَشهُورَ بزُهْدِه وتَقْواه، إذ حَجَّ أَربَعِينَ مَرّةً وصَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ بوُضُوءِ العِشاءِ أَربَعِينَ سَنةً، ولَقِيَ كَثِيرًا مِنَ الصَّحابةِ الكِرامِ، هذا العالِمُ الجَلِيلُ يُخبِردِ قدِمًا فيَقُولُ: "ما مِن مَجنُونٍ جاءَ إلى النَّبِيِّ (ص)، فوَضَع (ص) يَدَه الشَّرِيفةَ على صَدْرِه إلّا شُفِيَ مِن جُنُونِه".
فإذا أَخبَرَ إِمامٌ كالط، بَينِ اليَمانِيْ یی الَّذي أَدْرَكَ الصَّحابةَ الكِرامَ یی هذا الخَبَرَ الجازِمَ فلا رَيبَ أنَّه قد جاءَ إلى النَّبِيِّ (ص) كَثِيرٌ جِدًّا مِنَ المَرْضَى، رُبَّ في تَلُغُ الأُلُوفَ وكُلُّهُم شُفُوا مِن أَمراضِهِم.
الإشارة الرابعةَ عَشْرةَ
ومِن أَنواعِ مُعجِزاتِه (ص) نَوْعٌ عَظِيمٌ، وهُوالخَوارِقُ الَّتي ظَهَرَت بدُعائِه،فهذا النَّوعُ لا شً في جيه ومُتَواتِرٌ تَواتُرًا حَقِيقيًّا، وأَمثِلَتُها وجُزئيّاتُها وَفيرةٌ جِدًّا لا تُحصَرُ، وقد بَلَغ كَثِيرٌ مِن أَمثِلَتِها دَرَجةَ المُتَواتِرِ، بل صارَت َفِيسِرةً قَرِيبةً مِنَ التَّواتُرِ، ومِنها ما نَقَلَه أَئِمّةٌ عِظامٌ بحَيثُ يُفِيدُ القَطْعِيّةَ فيه كالمُتَواتِرِ المَشهُورِ.
ونحنُ هُنا نَذكُرُ على سَبِيلِ المِثالِ بََها فيِن أَمثِلَتِها الكَثِيرةِ جِدًّا الَّتي هي قَرِيبةٌ مِنَ المُتَواتِرِ، أو الَّتي هي بدَرَجةِ المَشهُورِ، كما سنَذكُرُ جُزئيّاتٍ مِن كلِّ مِثالٍ:
فَضْلثالُ الأوَّل:رَوَى أَئِمّةُ الحَدِيثِ وفي مُقَدِّمَتِهمُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ دُعاءَ النَّبِيِّ (ص) لِلِاستِسقاءِ كان يُستَجابُ في الحالِ، وحَدَث ذلك مِرارًا كَثِيرةً، حتَّى إنَّه ِرُ الرفَعُ يَدَيْه أَحيانًا لِلِاستِسقاءِ وهُو على المِنبَرِ، فيُستَجابُ لَه قَبلَ أن يَنزِلَ، وهذه الرِّواياتُ ثابِتةٌ بَلَغَت حَدَّ التَّواتُرِ. وقد ذَكَرْنا آنِفًا: أنَّه أَصابَ النّاسَ عَطَشٌ في السَّفَرِ، فكان السَّحابُ يَتَراكَمُ في كلِّ مَرٍ مِن حتاجُونَ إلى الماءِ فيُسقَوْنَ ثمَّ يُقلِعُ.
بل كان دُعاؤُه (ص) يُستَجابُ حتَّى قَبلَ النُّبوّةِ، فكان عَبدُ المُطَّلِبِ جَدُّ النَّبِيِّ (ص) يَستَسقِي بِوَجْهِه الكَرِيمِ في صِباه، فكان ا يَسترُ يَنزِلُ، وقدِ اشتَهَرَت هذه الحادِثةُ حتَّى ذَكَرَها عَبدُ المُطَّلِبِ في بَعضِ أَشعارِه.
— 183 —
ولَقدِ استَسْقَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِا، ولكَ الله عَنهُ بالعَبّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ بَعدَ وَفاتِه (ص) فقال: "اللَّهُمَّ إنّا كُنّا نَتَوسَّلُ إلَيْك بنَبِيِّنا فتَسقِينا، وإنّا نَتَوسّينُ الَيْك بعَمِّ نَبِيِّنا فاسْقِنا، قال: فيُسقَوْنَ".
ورَوَى الشَّيخانِ أنَّ الرَّسُولَ (ص) سُئِلَ أن يُغِيثَهُمُ اللهُ بالمَطَرِ "فدَعا (ص) بدُعاءِ الِاستِسقاءِ فسُقُوا، ثمَّ شَكَوْا إلَيْه المَطَرَ فرَمِ (أَصْحَوْا".
المِثالُ الثاني:وَرَدَت رِوايةٌ مَشهُورةٌ قَرِيبةٌ مِنَ التَّواتُرِ أنَّه (ص) حِينَما كان المُؤمِنُون قِلّةً ويَكتُمُون إِيمانَُوبٌ فِبادَتَهُم "دَعا بعِزِّ الإسلامِ بعُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ أو بأَبي جَهْلٍ، فاستُجِيبَ لَه في عُمَرَ" إذ قال:"اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلامَ بعُمَرَ بنِ الخَطّابِ أو بعَمْرِو بنِ الهِشامِ،فأَصبَحَ فغَدا عُمَرُ على رَسُولِ الله. وسنُفأَسْلَمَ" فكان سَبَبًا لِعِزِّ الإِسلامِ، ولِذلِك نالَ شَرَفَ أن يُلقَّبَ بالفارُوقِ.
المِثالُ الثَّالث:ولَقَد دَعا النَّبِيُّ الكَرِيمُ (ص) لِبَعضِ الصَّحابةِ لِمَقاصِدَ شَتَّى فاستُجِيبَ لَه استِجاه العَرِقةً، حتَّى بلَغَت كَرامةُ تلك الأَدعِيةِ دَرَجةَ الإِعجازِ.
مِن ذلك ما رَوَى البُخارِيُّ ومُسلِمٌ وغَيرُهُما أنَّه: "دَعا لِابنِ عَبَّاسٍ:اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ، وعَلِّمْإِلٰهَِأْوِيلَ"فَسُمِّيَ بَعدُ الحَبْرَ وتَرجُمانَ القُرآن، حتَّى كان عُمَرُ رَضِيَ الله عَنهُ يَأْذَنُ لِابنِ عَبّاسٍ یی معَ حَداثةِ سِنِّه یلُها ايَجلِسَ في مَجلِسِ أَكابِرِ الصَّحابةِ الأَجِلّاءِ.
ورَوَى البُخارِيُّ وغَيرُه "عن أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ قال: قالَت أُمِّي: يا رَسُولَ اللهِ، خادِمُك أَنَسٌ، اُدْعُ اللهَ لَه. قال:اللَّهُلَبَّىكثِرْ مالَه ووَلَدَه وبارِك لَه فيما أَعطَيتَه"،وفي رِوايةِ عِكْرِمةَ قال أَنَسٌ: فوَاللهِ إنَّ مالي لَكَثِيرٌ، وإنَّ وَلَدِي ووَلَدَ وَلَدِي لَيُعادُّونَ اليَوُلٍّ م نَحوِ المِئةِ"، وفي رِوايةٍ: "فما أَعلَمُ أَحَدًا أَصابَ مِن رَخاءِ العَيشِ ما أَصَبْتُ، ولَقَد دَفَنتُ بِيَدَيَّ هاتَين مِئةً مِن وَلَدِي لا أَقُولُ سِقْطًا ولا وَلَدَ وَلَدٍ"، وكلُّ ذلكبْيُ اِبَرَكةِ دُعاءِ النَّبِيِّ (ص).
ورَوَى الإِمامُ البَيهَقِيُّ وغَيرُه مِن أَئِمّةِ الحَدِيثِ أنَّه (ص) "دَعا لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوْفٍ بالبَرَكةِ"، وهُو أَحَدُ العَشَرةِ المُبَشَّرِينَ بالجَنّةِ، فأَصابَ مالًا وَفِيرًا بِبَرَكةِ هاتُ فدُّعاءِ، حتَّى
— 184 —
إنَّه "تَصَدَّق مَرّةً بِعِيرٍ فيها سَبعُ مِئةِ بَعِيرٍ وَرَدَتْ علَيْه تَحمِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فتَصَدَّق بها وبما علَيْها وبِأَقْتابِها يحةٍ أسِها"، فما شاءَ اللهُ في هذه البَرَكةِ! وتَبارَكَ اللهُ!
ورَوَى البُخارِيُّ وغَيرُه أنَّه (ص) دَعا لِعُرْوةَ بنِ أبي الجَعْدِ بالبَرَكةِ في تِجارةٍ لَه، فقال: "فلَقَد كُنتُ أَقُومُ بالكُناسةِ، فما أَرَلفَ قتَّى أَربَحَ أَربَعِينَ أَلفًا"، وقال البُخارِيُّ في حَدِيثِه: "فكانَ لوِ اشْتَرَى التُّرابَ رَبِحَ فيه".
"ودَعا لِعَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ بالبَرَكةِ في صَفْقةِ يَمِينهِِعِين اشْتَرَى شَيْئًا إلّا رَبِحَ فيه"، حتَّى اشْتَهَر في زَمانِه بالثَّرْوةِ والمالِ بمِثلِ ما اشْتَهَرَ بالكَرَمِ والسَّخاءِ.
ولِهذا النَّوعِ أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا أَوْرَدْنا هذه الأَربَعةَ على سَبِيلِ المِثالِ.ِرةِ"،َوَى الإِمامُ التِّرمِذِيُّ: أنَّه (ص) دَعا لِسَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ فقال:"اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعوَتَه"،فكان مُستَجابَ الدَّعْوةِ يَرهَبُ النّاسُ مِن " لَهُه علَيْهِم.
"وقال لِأَبي قَتادةَ:أَفلَحَ اللهُ وَجْهَك، اللَّهُمَّ بارِكْ له في شَعَرِه وبَشَرِه. فماتَ وهُو ابنُ سَبْعِينَ سَنةً لُ الأَه ابنُ خَمْسَ عَشْرةَ سَنةً"،وقدِ اشْتَهَرَت هذه الرِّوايةُ الثّابِتةُ.
"وعِندَما أَنشَدَ الشَّاعِرُ المَشهُورُ النَّابِغةُ بَينَ يَدَيْه (ص):
بَلَغْنا السَّما في مَجْدِنَّشحة ائِنا وإنّا نُرِيدُ فَوقَ ذلك مَظْهَرَا
قال لَه الرَّسُولُ (ص):إلى أَينَ يا أَبا لَيْلَى؟قال: إلى الجَنّةِ يا رَسُولَ اللهِ.
ثمَّ أَنشَدَ قَصِيدةً أُخرَى تَحمِلُ مَعانِيَ ِ الْمةً، فقالَ الرَّسُولُ (ص):"لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ"،فما سَقَطَتْ له سِنٌّ، وكانَ أَحسَنَ النّاسِ ثَغْرًا، إذا سَقَطَت لَه سِنٌّ نَبَتَت لَه ي ظَهَ. وعاشَ عِشْرِينَ ومِئةً. وقِيلَ: أَكثَرَ مِن هذا.
وفي رِوايةٍ صَحِيحةٍ أنَّه (ص) دَعا لِعَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ، فقال:اللَّهُمَّ اكْفِهِ الحَرَّ والقَرَّ،فكان بِبَرِ یی مذا الدُّعاءِ "يَلبَسُ في الشِّتاءِ ثِيابَ الصَّيفِ، وفي الصَّيفِ ثِيابَ الشِّتاءِ، ولا يُصِيبُه حَرٌّ ولا بَرْدٌ".
— 185 —
"ودَعا لِابنَتِه فاطِمةَ: "اللَّهُمَّ لا تُجِعْها"، قالَت: فما جُعْتُ ُ صَيد.
"وسَأَلَه الطُّفَيلُ بنُ عَمْرٍو آيةً لِقَوْمِه، فقال:اللَّهُمَّ نَوِّرْ له.فسَطَع لَه نُورٌ بَينَ عَيْنَيه، فقال: يا رَبِّ أَخافُ أن يَقُ لا يَ مُثْلَةٌ. فتَحَوَّل إلى طَرَفِ سَوْطِه، فكان يُضِيءُ في اللَّيْلةِ المُظلِمةِ، فسُمِّي ذا النُّورِ".
فهَذِه الحَوادِثُ لا رَيبَ في رِواياتئٌ قد طُّ.
"عن أبي هُرَيرةَ قال: قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَسمَعُ مِنك حَدِيثًا كَثِيرًا أَنساهُ. قال:اُبسُطْ رِداءَك. فبَسَطتُه.قال: فغَرَف بيَدَيْه (كمَن يَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ)، ثمَّ قالَ:ضُمَّه.فضَمَمْتُه، فما نِها قَ شَيْئًا بَعدَه".
فهَذِه الحَوادِثُ مِنَ الأَحادِيثِ المَشهُورةِ.
المِثالُ الرَّابع:نُبيِّنُ عِدّةَ أَمثِلةٍ في صَدَدِ استِجابةِ أَدعِيةٍ دَعا بها النَّبِيُّ (ص) على بَعضٍ مِنَ النَّاسِ.
الأوَّل: جاءَ الخَبَرُ إلى النَّبِيِّ (ص) ا، حَييقِ مَلِكِ الفُرْسِ المُسَمَّى "بَرْوِيز" كِتابَ النَّبِيِّ (ص) فقال:اللَّهُمَّ مَزِّقْه.فمُزِّق كُلَّ مُمَزَّقٍ، إذ قَتَلَه ابنُه "شِيرَوَيْه" بالخَنجَرِ، ومَزَّق سَعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ مُلْكَه "فلَجِدُّقَ له باقِيةٌ ولا بَقِيَت لِفارِسَ رِياسةٌ في أَقْطارِ الدُّنيا"، بَينَما ظَلَّ مُلْكُ قَيْصَرَ وسائِرِ المُلُوكِ لِاحتِرامِهِم كُتُبَ الرَّسُولِ (ص) إلَيْهِم.
الثّاني:ثَبَت بالحَذّةٍ، المَشهُورِ القَرِيبِ مِنَ المُتَواتِرِ یی وبِما تَرمُزُ إلَيْه الآيةُ الكَرِيمةُ یی أنَّه اجْتَمَع رُؤَساءُ قُرَيشٍ في المَسجِدِ الحَرامِ، وعامَلُوا النَّبِيَّ (ص) مُعامَلةً سَيبِناءِ فدَعا علَيْهِم، وسَمَّاهُم. قال ابنُ مَسعُودٍ: "فلَقَد رَأَيتُهُم قُتِلُوا يَومَ بَدْرٍ".
الثَّالث:ودَعا على مُضَرَ وهي قَبِيلةٌ عَظِيمةٌ، بما كَذَّبَتْه، الجِذِْطُوا حتَّى استَعْطَفَتْه قُرَيشٌ فدَعا لَهُم فسُقُوا" هذه الرِّوايةُ قَرِيبةٌ مِنَ التَّواتُرِ.
المِثالُ الخَامس:هُو استِجابةُ دُعاءِ النَّبِيِّ (ص) الَّذيلْتَ ببه على رِجالٍ مُعَيَّنِينَ، نَذْكُرُ على سَبِيلِ المِثالِ ثَلاثةً مِن بَينِ أَمثِلَتِه الكَثِيرةِ.
— 186 —
الأوَّل:دَعا على عُتْبةَ بنِ أَبي لَهَبٍ، وقال:"اللَّهُمَّ سَِأَشخاعلَيْه كَلْبًا مِن كِلابِك"،فسافَرَ عُتْبةُ بَعدَ ذلك فجاءَ أَسَدٌ يَبحَثُ عنه، فأَخَذَه مِن بَينِ القافِلةِ وأَكَلَه. هذه الحادِثةُ مَشهُورةٌ نَقَلَها أَئِمّةُ الحَدِيثِ وصَحَّحُوها.
الثَّاني:بَعَثَ الرَّسُولُ (ص) سَرِيّةً وعلىلك هذهِها عامِرُ بنُ الأَضْبَطِ، وكان مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامةَ في مَعِيَّتِه، فاغْتالَه مُحَلِّمٌ غَدْرًا، فلَمَّا جاءَ الخَبَرُ إلى النَّبِيِّ (ص) غَضِبَ وقال:اللَّهُمَّ لا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمٍ.فمات مُحَلِّمين.. َ سَبْعةِ أَيّامٍ، "فلَفَظَتْهُ الأَرْضُ ثمَّ وُورِيَ، فلَفَظَتْهُ مَرّاتٍ، فأَلقَوْه بَينَ صُدَّينِ وضَمُّوا علَيْه بالحِجارةِ. الصُّدُّ جانِبُ الوادِي".
الثَّالث:"وقالَ لِرَجُلدَّسةِ يَأْكُلُ بشِمالِه:كُلْ بِيَمِينِك،قال: لا أَستَطِيعُ، فقال:لا اسْتَطَعْتَ.فلم يَرْفَعْها إلى فيه".
المِثالُ السَّادس:سنَذْكُرُ عِدّةَ خَوارِقَ ثابِتةٍ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا مِن تلك الَّتي ظَهَرَت بدُعاءِ النَّبِيِّ شَّاهِلَمْسِه.
الأوَّل:أنَّ النَّبِيَّ (ص) أَعطَى شَعَراتٍ مِن شَعَرِه إلى خالِدِ بنِ الوَليدِ (سَيْفِ اللهِ) ودَعا له بالنَّصْرِ، فوَضَعَها خالِدٌ في قَلَنسُوَتِه "فلَم يَشْه(ص) نَا قِتالًا إلّا رُزِقَ النَّصْرَ".
الثَّاني:أنَّ سَلْمانَ الفارِسِيَّ كان عَبْدًا لِليَهُودِ، "فكاتَبَه مَوَاليه على ثَلاثِ مِئةِ وَدِيّةٍ يَغرِسُها لَهُم، كُلُّها تَعْلَقُ وتُطْعِمُ، وعلى أَربَعِينَ أُوقيّةً مِن ذَهَبٍ، فقام 253
َرَسَها لَه بِيَدِه إلّا واحِدةً غَرَسَها غَيرُه، فأَخَذَت كُلُّها إلّا تلك الواحِدةُ، فقَلَعَها النَّبِيُّ (ص) ورَدَّها، فأَخَذَت".
وفمْدُ لبِ البَزّارِ: "فأَطْعَمَ النَّخْلُ مِن عامِه إلّا الواحِدةَ، فقَلَعَها رَسُولُ الله (ص) وغَرَسَها، فأَطْعَمَت مِن عامِها. وأَعْطاهُ مِثلَ بَيْضةِ الدَّجاجةِ مِن ذَهَبٍ بَعدَ أن أَدارَها على لِسانِه، فوَزَن مِنها لِمَواليه أَربَع (ص) قُوقيّةً وبَقِي عِندَه مِثلُ ما أَعْطاهُم". هذه الحادِثةُ هي مِنَ الخَوارِقِ المُهِمّةِ الَّتي مَرَّت بِحَياةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ، رَواها الأَئِمّةُ الثِّقاتُ.
الثَّالث:"كانَت لِأُمِّ مالَِ.
َّحابِيّةِ عُكّةٌ تُهْدِي فيها لِلنَّبِيِّ (ص) سَمْنًا، فأَمَرَها
— 187 —
النَّبِيُّ (ص) ألّا تَعْصِرَها، ثمَّ دَفَعَها إلَيْها، فإذا هي مَمْلُوءةٌ سَمْنًا، فيَأْتِيها بَنُوها يَسأَلِيٌّ ا الأُدْمَ ولَيسَ عِندَهُم شَيْءٌ، فتَعمِدُ إلَيْها، فتَجِدُ فيها سَمْنًا، فكانَت تُقِيمُ أُدْمَها حتَّى عَصَرَتْها" فلم يَجِدُوا فيها شَيْئًا بَعدَ ذلك.
المِثالُ السَّابع:إنَّ المِيِ وتَظمُرّةَ تَتَحوَّلُ إلى عَذْبةٍ حُلْوةٍ وتَفُوحُ مِنها رائِحةٌ طَيِّبةٌ ببَرَكةِ دُعاءِ النَّبِيِّ (ص) ولَمْسِه لَها. نَسُوقُ بِضْعةَ أَمثِلةٍ فَِن أُع الأوَّل:رَوَى البَيهَقِيُّ وأَئِمّةُ الحَدِيثِ أنَّ بِئْرَ "قُبا" كانَت تَنزِفُ في بَعضِ الأَحيانِ "وسَكَبَ مِن فَضْلِ وَضُوئِه في بِئْرِ قُبا فما نَزَفَت بَعدُ".
الثّاني:رَوَى أَبُو نُعَيمٍ في دَلائِلِ اعاني فّةِ، ورِجالُ الحَدِيثِ أنَّه كانَ في دارِ أَنَسٍ بِئْرٌ، فبَزَق (ص) فيها ودَعا "فلم يَكُن في المَدِينةِ أَعْذَبَ مِنها".
الثَّالث:رَوَى ابنُ ماجَهْ أنَّه (ص) "أُتِيَ بدَلْوٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ فمَجَّ فيه، فصارَ أَطْيَبَ مِنَ المِسْكٌ رَفِالرَّابع:رَوَى الإِمامُ أَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أنَّه (ص) أُتِيَ بدَلْوٍ مِن بِئْرٍ، فمَجَّ فيه ثمَّ أُفرغَ فيها، فصارَت أَطْيَبَ مِنَ المِسْكِ.
الخَامس:رَوَى حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ وهُو مِنَ الر النَّ المَوْثُوقِين الَّذين يَرْوِي عَنهُمُ الإمامُ مُسلِمٌ: أنَّه (ص) مَلَأَ "سِقاءَ ماءٍ بَعدَ أن أَوْكاه ودَعا فيه"، وأَعطاهُ لِصَحابةٍ كِرام وأَمَِمّةِ ألّا يَحُلُّوه إلّا لِلوُضُوءِ، "فلَمّا حَضَرَتْهُمُ الصَّلاةُ نَزَلُوا فحَلُّوه، فإذا به لَبَنٌ طَيِّبٌ وزُبْدةٌ في فَمِه".
هذه الأَمثِلةُ الخَمْسةُ الجُزئِيّةُ بَعضُها مَشهُورٌ، ويذَه الها أَئِمّةٌ أَعْلامٌ، فهذه والَّتي لم نَذْكُرْها هنا بمَجْمُوعِها تُحَقِّقُ بالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ هذه المُعجِزةَ تَحَقُّقًا كامِلًا.
المِثالُ الٌ بَعدالشِّياهُ الَّتي دَرَّ ضَرْعُها باللَّبَنِ ببَرَكةِ دُعاءِ النَّبِيِّ (ص) ولَمْسِه إيّاه بَعدَ أن كان قد جَفَّ. هُناك أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا لَمثِلَإلّا أنَّنا نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها مَشهُورةً وثابِتةً.
الأوَّل:رَوَت جَمِيعُ كُتُبِ السِّيَرِ المَوثُوقِ بها أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص)عَقْلًا هاجَرَ
— 188 —
ومَعَه أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَرَّ على خِباءِ عاتِكةَ بِنتِ خالِدٍ الخُزاعِيِّ المَدْعُوّةِ بأُمِّ مَعْبَدٍ، فنَزَل عِندَها وكان لَها شاةٌ عَجْفاءُ لا لَبَنَ فيها. فقالَ لَها:أَدِيرِ،بها لَبَنٌ؟فقالَت أُمُّ مَعْبَدٍ: لَيسَ فيها دَمٌ فمِن أَينَ اللَّبَنُ؟ فمَسَّ (ص) ظَهْرَها ومَسَحَ ضَرْعَها، ثمَّ قال:ائْتُوا بإِناءٍ واحْلُبُوها.فحَلَبُوها فشَرِبَ (ص) هُو وأَبُو لحَواد الصِّدِّيقُ وبَقِيَت في الإِناءِ بَقِيّةٌ، فشَرِبَ مَن كان في الخِباءِ إلى أن شَبِعُوا جَمِيعًا. وهكذا بَقِيَت تلك الشّاةُ مُبارَكةً قَوِيّةً.
الثَّاني:قِصّةُ شاةِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ الله عَنهُ وهي:
مَعًا،بنِ مَسعُودٍ قال: كُنتُ أَرعَى غَنَمًا لِعُقْبةَ بنِ أَبي مُعَيْطٍ، فمَرَّ بي رَسُولُ اللهِ (ص) وأَبُو بَكْرٍ، فقال: يا غُلامُ، هل مِن لَبَنٍ؟ قُلتُ: نعم، ولَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ. قال:فهل مِن شٍ بَدِ يَنْزُ علَيْها الفَحْلُ؟فأَتَيتُه بِشاةٍ فمَسَحَ ضَرْعَها، فنَزَلَ لَبَنٌ فحَلَبَه في إِناءٍ، فشَرِبَ وسَقَى أبا بَكْرٍ..."، وكان هذا سَبَبَ إِسلامِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ الله عَنهُ.
الِّ، وذ:قِصّةُ "غَنَمِ حَلِيمةَ السَّعْدِيّةِ مُرضِعَتِه (ص)"، وهي قِصّةٌ مَشهُورةٌ حَيثُ كان في تلك السَّنةِ قَحْطٌ أَصابَ أَرْضَ قَوْمِها، صِفاتِِ الأَغنامُ عِجافًا، جافّةَ الضُّرُوعِ، لم تَرْعَ حتَّى الشِّبَعِ. فلَمَّا أُرسِلَ الرَّسُولُ (ص) إلى حَلِيمةَ السَّعْدِيّةِ صارَت أَغنامُها تَأْتِي المَرْعَى وقد رَعَت كَثِيرًا ودَرَّ لَبَنُها، وغَنَمُ قَوْمِها على خِلافِ ذلك. وما ذاك إلّصادَفةرَكَتِه (ص).
وهُناك أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ أُخرَى في كُتُبِ السِّيَرِ، والَّتي أَوْرَدْناها تَكْفِي ما نَحنُ بصَدَدِه.
المِثالُ التَّاسع:نَذكُرُ بِضْعةَ أَمثِلةٍ مِنَ الأَمثِلةِ الكَثِيرةِ المَشهُورةِ لِلخَوه جِبْالَّتي ظَهَرَت عِندَ مَسْحِ الرَّسُولِ (ص) رُؤُوسَ بَعضِهِم ووُجُوهَهُم بِيَدِه ودُعائِه لَهُم:
الأوَّلُ:"مَسَحَ على رَأْسِ عُمَيْرِ بنِ سَعْدٍ وبَرَّك، فماتَ وهُو ابنُ ثَمانِينَ، فما شابَ".
الثّاني:"ومَسَحَ على رَأْسِ قَيْيرُها زَيدٍ الجُذاميِّ ودَعا له، فهَلَكَ وهُو ابنُ مِئةِ سَنةٍ، ورَأسُه أَبيَضُ ومَوْضِعُ كَفِّ النَّبِيِّ (ص) وما مَرَّت يَدُه علَيْه مِن شَعَرِه أَسوَدُ، فكان يُدْعَى الأَغَرَّ".
— 189 —
الثَّالثُ:"وملأُمُورَأْسَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ زَيدِ بنِ الخَطّابِ وهُو صَغِيرٌ، وكانَ دَمِيمًا، ودَعا له بالبَرَكةِ، ففَرَعَ الرِّجالَ طُولًا وتَمامًا".
الرَّابعُ:"سَتَبعَالدَّمَ عن وَجْهِ عائِذِ بنِ عَمْرٍو وكان جُرِحَ يَومَ حُنَينٍ، ودَعا له فكان له غُرّةٌ كغُرّةِ الفَرَسِ".
الخَامسُ:"مَسَحَ وَجْهَْتيهِمةَ بنِ مِلْحانَ، فكان لِوَجْهِه بَرِيقٌ حتَّى كان يُنظَرُ في وَجْهِه كما يُنظَرُ في المِرْآةِ".
السَّادسُ:"نَضَح في وَجْهِ زَينَبَ بِنتِ أُمِّ سَلَمةَ یی وهيرُ ضِيرةٌ یی نَضْحةً مِن ماءٍ كان يَتَوضَّأُ به؛ فما كانَ يُعرَفُ في وَجْهِ امْرَأةٍ مِنَ الجَمالِ ما بها".
وهُناك أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ كهَذِه الجُزْئيّاتِ الَّتي أَوْرَدْناها رَواها أَئِمّةُ الحَدِيثِ فهيعالَى مُوعِها تُفِيدُ التَّواتُرَ المَعنَوِيَّ، وتُبيِّنُ وُقُوعَ المُعجِزةِ الأَحمَدِيّةِ المُطْلَقةِ.. فحَتَّى لو فَرَضْنا كُلَّ واحِدٍ مِن هذه الأَمثِلةِ خَبَرًا آحادِيًّا، ثَّالثفًا، فإنَّ مَجمُوعَها يكُونُ بحُكْمِ المُتَواتِرِ المَعنَوِيِّ، لِأَنَّه لو نُقِلَت حادِثةٌ ما في صُوَرٍ مُتَبايِنةٍ ورِواياتٍ مُختَلِِقةٍ وهذا يَعنِي أنَّ الحادِثةَ واقِعةٌ لا شَكَّ فيها، إلَّا أنَّ رِواياتِها وصُوَرَها مُختَلِفةٌ أو ضَعِيفةٌ.
فمَثلًا:إذا سُمِعَ في مَجْلِسٍ دَوِيٌّ، فقال بَعضُهُم: انْهَدَم بَيتُ فُلانٍ. وقال آخَرُ: انْهَدَم بَيتُ شَخْصٍ آخَرَ. وقال آلى صَلبَيتُ فُلانٍ.. وهكَذا، فكُلُّ رِوايةٍ مِن هذه الرِّواياتِ معَ أنَّها قد تكُونُ آحادِيّةً وضَعِيفةً أو مُخالِفةً لِلواقِعِ، إلّا أنَّ الحادِثةَ الأَصلِيّةَ لا شَكَّ في وُقُوعِها، وهي انْهِدامُ بَيتٍ؛ فالرِّواياتُ بمَجْمُوعِها تُفِيدُ قَطَتِّشًَ وُقُوعِ الحادِثةِ وهي مُتَّفِقةٌ في الأَصْل، بَينَما الأَمثِلةُ الجُزئيّةُ الَّتي ذَكَرْناها رِواياتٌ صَحِيحةٌ كُلُّها، حتَّى إنَّ بَعضًا مِنها بَلَغ دَرَجةَ المَشهُورِ؛ فلو فَرَضْنا كُلًّا مِنها ضَعِيفةً لَكانَت دَلالةرآنِ بُوعِها أَيضًا دَلالةً قَطْعِيّةً على وُجُودِ المُعجِزةِ الأَحمَدِيّةِ مِثلَما دَلَّتِ الرِّواياتُ في المِثالِ على انْهِدامِ بَيتٍ مِنَ البُيُوتِ.
نَ التا، فكُلُّ نَوْعٍ مِن أَنواعِ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ الباهِرةِ ثابِتٌ لا رَيبَ فيه، وما جُزْئيّاتُها إلّا نَماذِجُ وصُوَرٌ مُختَلِفةٌ لِتِلك المُعجِزةِ المُطلَقةِ.
— 190 —
، حاشاأنَّ يَدَه (ص) وأَصابِعَه ورِيقَه ونَفْثَه وأَقوالَه یی أي: دُعاءَه یی مَنشَأٌ لِكَثِيرٍ مِنَ المُعجِزاتِ، فإنَّ جَمِيعَ لَطائِفِه الأُخرَى وحَواسِّه وأَجهِزَتِه مَدارٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الخَوارِقِ ألظُّهُ وقد بَيَّنَت كُتُبُ السِّيرةِ والتَّارِيخِ تلك الخَوارِقَ، وأَوْضَحَت كَثِيرًا مِن دَلائِلِ النُّبوّةِ الَّتي هي في سِيرَتِه وصُورَتِه وجَوارِحِه ومَشاعِرِه (ص).
الإشارِي المامِسةَ عَشْرةَ
إنَّالحَيَواناتِ والأَمواتَ والجِنَّ والمَلائِكةَ تَعرِفُ ذلك النَّبِيَّ الكَرِيمَ(ص)، فتُبْرِزُ كلُّ طائِفةٍ مِنها بَعضًا مِن مُعجِزاتِه تَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِه، وإِعلانًا عنها مِثلَما أَظْهَرَتْها الأَحجارُ والأَشج ثالثلقَمَرُ والشَّمسُ، وبَيَّنَت أنَّها تَعرِفُ النَّبِيَّ (ص) وتُصَدِّقُ نُبُوَّتَه.
هذه الإِشارةُ الخامِسةَ عَشْرةَ تَتَضمَّنُ ثَلاثَ شُعَبٍإنَّ الشُّعبةُ الأُولى:
هي مَعرِفةُ جِنسِ الحَيَوانِ لِلنَّبِيِّ (ص) وإِظهارُه مُعجِزاتِه، لِهَذِه الشُّعبةِ أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ نَذكُرُ هنمَت علَ ما هُو مَشهُورٌ ومَقطُوعٌ به بالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ مِنَ الحَوادِثِ، أو ما هُو مَقبُولٌ لَدَى أَئِمّةِ العِلمِ، أو تَلَقَّتْه الأُمّةُ بالقَبُولِ.
الحادِثةُ الأُولَى:لامَ هةُ الغارِ المَشهُورةُ إلى حَدِّ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ، وهي أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص)، عِندَما تَحَصَّن في الغارِ معَ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَجاةً مِن طَلَبِ قُرَيشٍ له، "أَمَر اللهُ حَمامَتَينِ فوَقَفَتا بفَمِ الغارِ، وفي حَدِيثٍ وقال ( أنَّ العَنكَبُوتَ نَسَجَتْ على بابِه"، حتَّى إنَّ أَحَدَ صَنادِيدِ قُرَيشٍ أُمَيّةَ بنَ خَلَفٍ قال حِينَ طَلَبَ مِنه كَفَرةُ قُرَيشٍ دُخُولَ الغارِ: "ما أَرَبُكُم فيه؟! وعلَيْهل تَغرَسْجِ العَنكَبُوتِ ما أَرَى أنَّه نُسِجَ قَبلَ أن يُولَدَ مُحَمَّدٌ"، ورَقَدَت حَمَامَتانِ على فَمِ الغارِ، فقالَت قُرَيشٌ: "لو كانَ فيه أَحَدٌ لم تَكُنِ الحَمَامَتانِ بِبابِه. والنَّبِيَّنةِ ايَسمَعُ كَلامَهم، فانصَرَفُوا".
"ورَوَى ابنُ وَهْبٍ: أنَّ حَمَامَ مَكَّةَ، أَظلَّتِ النَّبِيَّ (ص) يَوْمَ فَتْحِها، فدَعا لَها بالبَرَكةِ".
— 191 —
"وعن عائِشةَ رَضِيَ الله عَنهَا قالَت: كان عِندَنا داجِنٌ، فإذا كانَ عِندَنا رَسُولُ اللهَِرانِ َرَّ وثَبَت مَكانَه، فلم يَجِئْ ولم يَذْهَبْ، وإذا خَرَج رَسُولُ اللهِ (ص) جاءَ وذَهَب"، أي: أنَّ ذلك الحَمامَ كان يُوَقِّرُ النَّبِيَّ (ص) فيَهْدَأُ ويَسْكُنُ َانِعُِورِه.
الحادثةُ الثانيةُ:"وهي قِصَّةُ الذِّئبِ المَشهُورةُ"، وقد رُوِيَت بطُرُقٍ كَثِيرةٍ حتَّى أَخَذَت حُكْمَ التَّواتُرِ، وقد نُقِلَت هذه القِنًا علالعَجِيبةُ بطُرُقٍ كَثِيرةٍ عن مَشاهِيرِ الصَّحابةِ الكِرامِ، مِنهُم: أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وسَلَمةُ بنُ الأَكوَعِ، وابنُ أَبي وَهْبٍ، وأَبُو هُرَيْ رَبْطصاحِبُ القِصَّةِ: الرَّاعِي أُهْبانُ. فقد رَوَى هَؤُلاءِ بطُرُقٍ عَدِيدةٍ أنَّه "بَيْنَا راعٍ يَرْعَى غَنَمًا له، عَرَضَ الذِّئْبُ لِشاةٍ مِنها، فأَخَذَها مِنه، فأَقْعَى الذِّئبُ، وقال لِلرّاعي: أَلَا تَتَّقِي اللهَ! حُها مِنَينِي وبَينَ رِزْقِي! قال الرَّاعِي: العَجَبُ مِن ذِئْبٍ يَتَكلَّمُ بِكَلامِ الإِنسِ! فقالَ الذِّئبُ: أَلَا أُخبِرُك بأَعجَبَ مِن ذلك؟ رَسُولُ اللهِ بَينَ الحَرَّتَينِ يُحَدِّثُ النّازِ الَنباءِ ما سَبَق.. قد فُتِحَت له أَبوابُ الجَنّةِ.. يَدْعُوكُم إلَيْها".
ومعَ أنَّ كُلَّ الطُّرُقِ مُجْمِعةٌ على تَكَلُّمِ الذِّئبِ، إلَّا أنَّ أَقْواها هُو الحَدِيثُ الَّذي رَواه أَبُو هُرَيْرةَ رَضِيَ الله عَنهُ ففيه: "قال الرَّاعي: ءُ الم بِغَنَمي؟ قال الذِّئبُ: أَنا أَرْعاها حتَّى تَرجِعَ، فأَسْلَمَ الرَّجُلُ إلَيْه غَنَمَه ومَضَى، وذَكَر قِصَّتَه، وإِسلامَه، ووُجُودَه النَّبِيَّ (ص) يُقاتِلُ"، فرَجَع فوَجَد الذِّئبَ راعِيًا أَمِينًا، ولا نَقْصَ في الأَغنامِ "وذَبَحَ كُونُ ئبِ شاةً مِنها" جَزاءَ إِرشادِه له.
وفي طَرِيقٍ آخَرَ: "أنَّه جَرَى لِأَبي سُفْيانَ بنِ حَرْبٍ وصَفْوانَ بنِ أُمَيّةَ معَ ذِئبٍ وَجَداه أَخَذ ظَبْيًا، فدَخَل الظََّن أَرلحَرَمَ، فانصَرَف الذِّئبُ، فعَجِبا مِن ذلك، فقال الذِّئبُ: أَعجَبُ مِن ذلك مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ بالمَدِينةِ يَدْعُوكُم إلى الجَنّةِ.. فقال أَبُو سُفْيانَ: واللّاتِ وائِرةِ ى لَئِن ذَكَرْتَ هذا بمَكّةَ لَتَتْرُكَنَّها خُلُوفًا".
نَخلُصُ مِن هَذا إلى أنَّ قِصَّةَ الذِّئبِ تُورِثُ قَناعةً واطْمِئْنانًا كالمُتَواتِرِ المَعنَوِيِّ.
الحادثةُ الثَّالثة:هي قِصَّةُ الجَمَلِ المَرْوِيّةُ بخَمْسةِ أو سِتّةَِعْلَىٍ عن مَشاهِيرِ الصَّحابةِ: أَبي هُرَيْرةَ، وثَعْلَبةَ بنِ مالِكٍ، وجابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، وعَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ، وعَبدِ
— 192 —
اللهِ بنِ أَبي أَوْفَى، وأَمثالِهم، فهَؤُلاءإلى أَيعًا مُتَّفِقُون على أنَّ: الجَمَلَ قد جاءَ النَّبِيَّ (ص) وسَجَد بَينَ يَدَيه سَجْدةَ تَعظِيمٍ وإِكرامٍ، وتَكَلَّم مَعَه؛ ويُخبِرُون بطُرُقٍ أُخرَى: أنَّ ذلك الجَمَلَ قد ثارَ في بُستانٍ "وكانَ لا يَدخُلُ أَحَدٌ الحائِطَ إلّا شَدَّ علَيْه الصِيرةً، فلَمَّا دَخَل علَيْه النَّبِيُّ (ص) دَعاه فوَضَعَ مِشْفَرَه على الأَرضِ وبَرَكَ بَينَ يَدَيْه فخَطَمَه".
"وفي خَبَرٍ آخَرَ في حَدِيثِ الجَمَلِ، فإِم النَّبِيَّ (ص) سَأَلَهُم عن شَأْنِه، فأَخبَرُوا أنَّهُم أَرادُوا ذَبْحَه".
"وفي رِوايةٍ:إنَّه شَكا إِليَّ أنَّكُم أَرَدتُم ذَبْحَه بَعدَ أنِ استَعْمَلتُمُوه عَبقاقِّ العَمَلِ مِن صِغَرِه.فقالُوا: نعم".
وأَيضًا أنَّ ناقةَ النَّبِيِّ (ص) المُسَمّاةَ بالعَضْباءِ "لم تَأْكُلْ ولم تَشْرَبْ بَعدَ مَوْتِه (ص) حتَّى ماتَت"، وذَكَر أَبُو إِسحاقَ الإتَدمِييِينيُّ "مِن قِصّةِ العَضْباءِ وكَلامِها لِلنَّبِيِّ (ص)" في أَمرٍ مُهِمٍّ.
وثَبَت في الصَّحِيحِ أنَّ جَمَلَ جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ الأَنصارِيِّ أَعْيا في سَفَرٍ فلم يُمكِن له أنْ يَدُومَ على المَسِيرِ، فنَخَسَه النَّبِيُّ ذا، فإخْسةً خَفِيفةً، "فنَشِطَ حتَّى كان لا يَمْلِكُ زِمامَه"، وذلك بما رَأَى مِن لُطْفِ مُعامَلَتِه (ص).
الحادِثةُ الرَّابِعة:رَوَى البُخارِيُّ وأَحِكْمة الحَدِيثِ: "لَقَد فَزِعَ أَهلُ المَدِينةِ لَيْلةً، فانطَلَق ناسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فتَلَقَّاهُم رَسُولُ اللهِ (ص) راجِعًا قد سَبَقَهُم إلى الصَّوْتِ، وقدِ اسْتَبْرَأَ الخَبَرَ على فَرَسٍ لِأَبي طَلِ يَقُِرْيٍ والسَّيْفُ في عُنُقِه وهُو يَقُولُ:لن تُراعُوا"،وقال لِأَبي طَلْحةَ: وَجَدتُ فَرَسَك بَحْرًا، وكان به قِطافٌ، أي يُبطِئُ. فأَصبَحَ بَعدَ تلك اللَّيْلةِ لا يُجارَى.
وثَبَت برِوايةٍ صَحِ صاحِبنَّه "قالَ لِفَرَسِه یی عَليهِ السَّلام یی وقد قامَ إلى الصَّلاةِ في بَعضِ أَسفارِه:لا تَبْرَحْ بارَكَ اللهُ فيك حتَّى نَفْرُغَ مِن صَلاتِنا.وجَعَلَه قِي النّه، فما حَرَّكَ عُضْوًا حتَّى صَلَّى (ص)".
— 193 —
الحادثةُ الخامسةُ:هي "تَسخِيرُ الأَسَدِ لِسَفِينةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ (ص)، إذ وَجَّهَه إلى مُعاذٍ باليَمَنِ، فلَقِيَ الأَسَدَ فعَرَّفَه أن حَزّةوْلَى رَسُولِ اللهِ (ص)، ومَعَه كِتابُه، فهَمْهَمَ وتَنَحَّى عنِ الطَّرِيقِ. وذَكَر في مُنصَرَفِه مِثلَ ذلك"، وفي رِوايةٍ أُخرَى عنه: أنَّ سَفِينةَ ضَلَّ الطَّرِيقَ في العَونطَقَ رَأَى الأَسَدَ، قال: "جَعَلَ يَغمِزُني بمَنكِبِه حتَّى أَقامَنِي على الطَّرِيقِ".
"ورُوِيَ عن عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) كان في مَحْفَلٍ مِن أَصحابِه، إذ جاءَ أَعرابِيٌّ قد صادَ ضَبًّا، فقال: مَن هذا؟ قالُوا: نَبِيُّ اللهِ، فقال: واللنِ النالعُزَّى لا آمَنتُ بك أو يُؤْمِنَ بك هذا الضَّبُّ. وطَرَحَه بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ (ص)، فقال النَّبِيُّ (ص) له:يا ضَبُّ.فأَجابَه بلِسانٍ بَيِّنٍ يَسمَعُه القَوْمُ جَمِيعًا: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ"، فآمَنَ الأَالأَمَُ.
"وعن أُمِّ سَلَمةَ: كان النَّبِيُّ (ص) في صَحْراءَ، فنادَتْه ظَبْيةٌ: يا رَسُولَ اللهِ" إلى آخِرِ الحَدِيثِ، "فخَرَجَتْ تَجْرِي وهي تَقُولُ:أَشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلّا اللهُ، وأنَّك رَسُولُ اللهِ".
وهكَذا، فثَمَّةَ نَماذِجُ كَثِيرةٌ َجرامِأَمثالُ هذه، لم نُبيِّنْ إلّا ما اشْتَهَرَ مِنَ الأَمثِلةِ القاطِعةِ.
فيا أَيُّها الإِنسانُ، ويا مَن لا يَعرِفُ هذا الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) وأم أَبِيعُه، اعْتَبِرْ.. واسْعَ لِئَلّا تَتَرَدَّى فيما هُو أَدْنَى مِنَ الذِّئبِ والأَسَدِ، فهذه الحَيَواناتُ تَعرِفُ الرَّسُولَ الكَرِيمَ وتُطِيعُه.
الشُّعبةُ الثَّانيةُ:
هي مَعرِفةُ المَوْتَى والجِنِّ والمَلائِكةإن كُنَسُولَ الكَرِيمَ (ص)، ولَها وَقائِعُ كَثِيرةٌ جِدًّا سنَذْكُرُ مِنها على سَبِيلِ المِثالِ بِضْعةَ أَمثِلةٍ مَشهُورةٍ نَقَلَها الأَئِمّةُ الثِّقاتُ.. سنَذْكُرُ أَوَّلًا أَمثِلةَ المَوْتِ مالِّا الجِنُّ والمَلائِكةُ فأَمثِلَتُها مُتَواتِرةٌ وكَثِيرةٌ جِدًّا.
المِثالُ الأوَّلُ:رَوَى الإمامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وهُو إِمامُ عُلَماءِ الظّاهِرِ والباطِنِ، ومِن أَصدَقِ تَلامِيذالأَحكامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه في عَهْدِ التّابِعِينَ: "أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ (ص)، فذَكَر له أنَّه طَرَح بُنيَّةً له في وادِي كذا"، فرَقَّ علَيْه رَسُولُ اللهِ (ص) "فانْطَلَق مَعَه إلى
— 194 —
الوادِي و لِحِي بِاسْمِها:يا فُلانةُ، أَجِيبِي بإِذنِ اللهِ تَعالَى.فخَرَجَتْ وهي تَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ. فقالَ لَها:إنَّ أَبَوَيْكِ قد أَابِسةٍ، فإِن أَحْبَبْتِ أن أَرُدَّكِ علَيْهِما.قالَت: لا حاجةَ لي فيهِما، وَجَدتُ اللهَ خَيْرًا لي مِنهُما".
المِثالُ الثّاني:رَوَى الإِمامُ البَيهَقِيُّ والإِمامُ اباضِرُ،ِيٍّ مُسنَدًا "عن أَنَسٍ أنَّ شابًّا مِنَ الأَنصارِ تُوُفِّي، وله أُمٌّ عَجُوزٌ عَمْياءُ، وهُو وَحِيدُها، فسَجَّيْناه، وعَزَّيْناها، فقالَت: ابني! قُلْنا: نعم. قالت: اللَّهُمَّ َ لِسَتَ تَعلَمُ أنِّي هاجَرْتُ إلَيْك وإلى نَبِيِّك رَجاءَ أن تُعِينَنِي على كُلِّ شِدّةٍ، فلا تَحْمِلَنَّ عَلَيَّ هذه المُصِيبةَ. فما بَرِحْنا أن كَشَفَ الثَّوْبَ عن وَجْهِه، فطَعِمَ وطَعِمْنا".
وقد أَخُ السلى هذه الحادِثةِ العَجِيبةِ الإِمامُ البُوصِيرِيُّ في قَصِيدَتِه "بُردةِ المَدِيحِ" قائِلًا:
لو ناسَبَتْ قَدْرَه آياتُه عِظَمًا ٭ أَحْيَا اسمُه حِينَ يُدْعَى دارِسَ الرِّمَم
الحادِثةُ الثَّالثة:رَوَى الإِمامُ البَيهَقِيُّ وغَيرَُيرِ اعَبدِ اللهِ بنِ عُبَيدِ اللهِ الأَنصارِيِّ: كُنتُ فيمَن دَفَنَ ثابِتَ بنَ قَيْسٍ، وكان قُتِلَ في اليَمامةِ، فسَمِعْناه حِينَ أَدْخَلْناه القَبْرَ يقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ الشَّهِيدُ، عُثْمُم وَظبَرُّ الرَّحِيمُ. فنَظَرْنا إلَيْه فإذا هُو مَيِّتٌ"، فأَخبَرَ عنِ استِشْهادِ عُمَرَ قَبلَ تَوَلِّيه الخِلافةَ.
الحادِثةُ الرّابعة:"رَوَى زئيّةٍمُ الطَّبَرانِيُّ وأَبُو نُعَيمٍ في دَلائلِ النُّبوّةِ عنِ النُّعمانِ ابنِ بَشِيرٍ أنَّ زَيدَ بنَ خارِجةَ خَرَّ مَيْتًا في بَعضِ أَزِقّةِ المَدِينةِ، فرُفِعَ وسُجِّي، إذ سَمِعُوه بَينَ العِشاءَينِ والنِّساءُ يَصْرُخْنَ حَوْلماءِ اولُ: أَنصِتُوا أَنصِتُوا، فحَسَر عن وَجْهِه، فقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، السَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ. ثمَّ عادَ مَيْتًا كما كان".
فإذا كان المَوْتَى الَّذين لا حَياةَ لَهُم يُصَدِّقُون رِسالَتَه (ص)، فكَيفَ إن لم يُصَدّرَ ی حَن له حَياةٌ؟ أَلَيسَ هَؤُلاءِ الأَحياءُ الأَشقِياءُ هُم أَكثَرَ فَقْدًا لِلحَياةِ مِن أُولَئِك المَوْتَى؟!
أمّا خِدْمةُ المَلائِكةِ لِلن ما يُِ (ص) وظُهُورُهُم له وإِيمانُ الجِنِّ به وطاعَتُهُم له، فهُو ثابِتٌ بالتَّواتُرِ، وقد صَرَّح القُرآنُ الكَرِيمُ بذلك في كَثِيرٍ مِن آياتِه الكَرِيمةِ، وكانَت خَمْسةُ
— 195 —
آلافٍ مِنَ المَلائِكةِ طَوْعَ أَمْرِه یی كالصَّحابةِ الكِرامِ یی في غَزحَرُ بَدْرٍ كما وَرَد في القُرآنِ الكَرِيمِ، حتَّى إنَّ أُولَئِك المَلائِكةَ نالُوا یی بَينَ المَلائِكةِ الآخَرِينَ یی شَرَفَ الِاشتِراكِ في المَعرَكةِ كما نالَه أَصحابُ بَدْرٍ. في هذه المَسأَلةِ جِهَتانِ:
اِرةِ وى:وُجُودُ الجِنِّ والمَلائِكةِ وعَلاقاتُهُم مَعَنا، فهذا ثابِتٌ ثُبُوتًا قاطِعًا كوُجُودِ الحَيَوانِ والإِنسانِ الَّذي لا يَشُكُّ فيه أَحَدٌ. وقد أَثْبَتْنا هذا بيَقِينٍ جازِمٍ في "ا صَغِيةِ التّاسِعةِ والعِشْرِينَ"، فنُحِيلُ الإِثباتَ إلى تلك الكَلِمةِ.
الجِهةُ الثّانية:هي رُؤْيةُ أَفرادِ الأُمّةِ وتَكَلُّمُهُم معَ المَلائِكةِ والجِنِّ بماالمُحتا مِن شَرَفِ الِانتِسابِ إلى الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، وإِظهارًا لِأَثَرٍ مِن آثارِ مُعجِزاتِه.
فقد رَوَى البُخارِيُّ ومُسلِمٌ وأَئِمّةُ الحَدِيثِ بالِاتِّفاقِ: "عن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ قال: بَينَما نَحنُ جُلُوسٌ عِندَ رَسُولِ اللهِ (ص)َني أَيَوْم، إذ طَلَع علَيْنا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَدِيدُ سَوادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى علَيْه أَثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعرِفُه مِنّا أَحَدٌ، حتَّى جَلَس إلى النَّبِيِّ (ص).."، فسَأَلَه: "ما الإِسلةً مَشما الإِيمانُ؟ وما الإِحسانُ؟"، وقد عَرَّف له الرَّسُولُ (ص) كُلًّا مِمّا سَأَلَ، "ثُمَّ قال:يا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السّائِلُ؟قُلتُ: اللهُ ورَسُولُه أَعلََبَبِ ل:فإنَّه جِبْرِيلُ أَتاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم".
وثَبَت برِواياتٍ صَحِيحةٍ مَقطُوعٍ بها وفي دَرَجةِ التَّواتُرِ المَعنَوِيِّ يَرْوِيها أَئِمّةُ الحَدِيثِ: أنَّ الصَّحابةَ كَثِيرًا ما كانُوا يَرَوْنَ جِبْراواتِ َليهِ السَّلام عِندَ النَّبِيِّ (ص) في صُورةِ دِحْيةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ صاحِبِ الحُسْنِ والجَمالِ، مِنهُم عُمَرُ وابنُ عَبّاسٍ وأُسامةُ وحارِثٌ وعائِشةُ الصِّدِّيقةُ وأُمُّ سَلَمةَ رَضِيَه.
عَنهُم فيَقُولُون: إنّا نَرَى جِبْرِيلَ عِندَ النَّبِيِّ (ص) في صُورةِ دِحْيةَ الكَلْبِيِّ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحيانِ. أفَيُمكِنُ أن يَقُولَ هَؤُلاءِ لِشِعُ أُنَرَى، وهُم لم يَرَوْه؟!
وثَبَت بإِسنادٍ صَحِيحٍ عن سَعْدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ یی أَحَدِ المُبَشَّرِينَ بالجَنّة وفاتِحِ فارِسَ یی قال: إنَّنا رَأَيْنا في غَزْوةِالفُلاٍ أنَّ الرَّسُولَ (ص) "على يَمِينِه ويَسارِه جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في صُورةِ رَجُلَينِ علَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ"، وهُما على هَيْئةِ حارِسَيْنِ مُحافِظَينِ له. فإذا قال بَطَلٌ مِّ الّطالِ الإِسلامِ مِثلُ سَعْدٍ: رَأَيْنا.. فهل يُمكِنُ أن يَحدُثَ الخِلافُ؟!
— 196 —
ثمَّ إنَّ أبا سُفْيانَ بنَ الحارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ یی ابنَ عَمِّ الرَّسُولِ (ص) یی رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ "رِجالًا بِيضًا على خَيْلٍ بُلْقٍلُ: "ل السَّماءِ والأَرضِ".
"وأَرَى النَّبِيُّ (ص) لِحَمْزةَ جِبْرِيلَ في الكَعْبةِ، فخَرَّ مَغْشِيًّا علَيْه".
فأَمثِلةُ رُؤْيةِ المَلائِكةِ هذه كَثِيرةٌ جِدًّا، وجَم وحَقذه الوَقائِعِ تُظهِرُ نَوْعًا مِنَ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ وتَدُلّ على أنَّ المَلائِكةَ تَحُومُ كالفَراشِ حَوْلَ نُورِ نُبُوَّتِه.
أمّا اللِّقاءُ معَ الجِنِّ ومُشاهَدَتُهُم، فيَقه سُبحثِيرًا جِدًّا حتَّى معَ عامّةِ النّاسِ، فكَيفَ بالصَّحابةِ الكِرام رِضْوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ، إلّا أنَّ أَئِمّةَ الحَدِيثِ يَنقُلُون إلَيْنا أَصَحَّ الأَخبارِ وأَثبَتَها.
"رَأَى عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ الجِنَّ لَيْلةَحْضٌ، ِّ یی أي: اهتِدائِهِم في بَطْنِ نَخْلٍ یی وسَمِعَ كَلامَهُم وشَبَّهَهُم برِجالِ الزُّطِّ"، وهُم قَومٌ مِنَ السُّودانِ طِوالٌ.
ثمَّ إنَّ حادِثةً مَشهُعتادةَِنقُلُها ويُخَرِّجُها أَئِمّةُ الحَدِيثِ ويَقبَلُون بها، وهي "قَتلُ خالِدِ بنِ الوَليدِ یی عِندَ هَدْمِه العُزَّى یی لِلسَّوْداءِ الَّتي خَرَجَت له ناشِرةً شَعَرَها عُرْيانةً، فجَزَلَهای أنْ فِه وأَعْلَمَ النَّبِيَّ (ص) فقال: تلك العُزَّى"، فكان النَّاسُ يَعبُدُونَها وهي في صَنَمِ العُزَّى. ولن تُعبَدَ أَبدًا.
"وعن عُمَر بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنهُ أنَّه قال: بَيْنا نَحنُ جُلُوسٌ معَ النَّبِيِّ (ص) إبِّلَ َلَ شَيْخٌ بِيَدِه عَصًا فسَلَّم على النَّبِيِّ (ص) فرَدَّ علَيْه. وقال (ص):نَغْمةُ الجِنِّ،مَن أَنتَ؟ قال: أنا هامَةُ"، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ، و"أنَّ النَّبِيَّ (ص) عَلَّملى بِرَرًا مِنَ القُرآنِ"، فهَذِه الحادِثةُ رَغْمَ أنَّها انتُقِدَت مِن قِبَلِ رِجالِ الحَدِيثِ، إلّا أنَّ أَئِمّةً آخَرِينَ قد حَكَمُوا بصِحَّتِها..
وعلى كُلَّساتٍِ، فلا نَرَى ضَرُورةً في الإِسهابِ، فالأَمثِلةُ في هذا البابِ كَثِيرةٌ جِدًّا.
ونَقُولُ أيضًا:
إنَّ الَّذِين تَنَوَّرُوا بنُورِ النَّبِيِّ (ص) وتَرَبَّوْا بتَعالِيمِه واقْتَفَوْا بادةَ ه وهُم يَرْبُونَ على
— 197 —
الأُلُوفِ مِن أَمثالِ الشَّيخِ الگيْلانِيِّ مِنَ الأَولياءِ الأَقطابِ والعُلَماءِ الأَصفِياءِ قدِ الْتَقَوُا المَلائِكةَ والجِنَّ وتَكَلَّمُوا مَعَهُم، فالرِّواياتُ مُتَواتِرةٌ ومَوفُورةٌ وقَطْعِ يَومِ نعم، إنَّ لِقاءَ الأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ المَلائِكةَ والجِنَّ وتَكَلُّمَهُم مَعَهُم إنَّما هُو أَثَرٌ مِن آثارِ التَّربِيةِ النَّبَوِيّةِ وهِدايَتِها الخارِقةِ.
الشُّعبةُ الثالثة:
إنَّ عِصْمةَ اللهِ تَتَضرَّلِلرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وحِفْظَه لَه مِن أَذَى النّاسِ مُعجِزةٌ باهِرةٌ وحَقِيقةٌ جَلِيّةٌ نَصَّ علَيْها القُرآنُ الكَرِيمُ في قَولِه تَعالَى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
ففي هذه الآيةِ الكَرِيمةِ مُعجِزاتٌ كَثِيرةٌ، إ مِنهاا أَعلَنَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) نُبُوَّتَه فإنَّه لم يَتَحَدَّ طائِفةً واحِدةً ولا قَوْمًا ولا ساسةً ولا حُكّامًا مُعَيَّنِين ولا مُجتَمَعت في ص تَحَدَّى جَمِيعَ السَّلاطِينِ وجَمِيعَ أَهلِ الأَديانِ، تَحَدّاهُم جَمِيعًا ولا عاصِمَ له إلّا اللهُ، وحتَّى عَمُّه قد ناصَبَه العَداءَ، وقَوْمُه وقَبِيلَتُه كانُوا أَعداءً له، ومعَ هذا ظَلَّ ثَلاَحِلُِّشْرِينَ سَنةً مِن غَيرِ حارِسٍ يَحرُسُه، رَغمَ تَعَرُّضِه لِمَخاطِرَ ومَهالِكَ كَثِيرةٍ، ولَقَد عَصَمَه اللهُ مِنَ النّاسِ وحَفِظَه حتَّى انتَقَل إلى المَلَأِ الأَعلَى باطْمِئْنانٍ كامِلٍ.. ٍ، فجَيَدُلُّنا دَلالةَ الشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ مَدَى رَصانةِ الحَقِيقةِ الَّتي تَنطَوِي علَيْها الآيةُ الكَرِيمةُ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، ومَدَى كَوْنِها
و استِنادٍ له (ص).
وسنَذكُرُ بِضْعًا مِنَ الحَوادِثِ الَّتي هي ثابِتةٌ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا، ونَسُوقُها على سَبِيلِ المِثالِ:
الحادثةُ الأُولى:يَرْوِي أَهلُ السِّيرةِ والحَدِيثِ یی مُتَّفِقين ییقالَ ا: عِندَما اجْتَمَعَت قُرَيشٌ على قَتْلِه (ص) جاءَهُم إِبلِيسُ في هَيْئةِ شَيْخٍ ودَلَّهُم على أن يُؤْخَذَ مِن كُلِّ قَبِيلةٍ فَتًى یی لِئَلّا يَقَعَ النِّزاعُ بَينَهُم یی فسارَ ما يُناهِزُ مِئَتَيْ رَجُلٍ بقِيادةِ أبي ةً مِن وأَبي لَهَبٍ نَحْوَ بَيتِ النَّبِيِّ (ص)، وكان عِندَه عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ، فأَمَرَه أن يَنامَ على فِراشِه، وانتَظَرَهُمُ الرَّسُولُ (ص) حتَّى أَتَت قُرَيشٌ وحا الوَق البَيتَ، "فخَرَجَ علَيْهِم (ص) مِن بَيتِه فقامَ على رُؤُوسِهِم وقد ضَرَب اللهُ تَعالَى على أَبصارِهِم، وذَرَّ التُّرابَ على رُؤُوسِهِم، وخَلَصَ مِنهُم".
— 198 —
وأَيضًا "حِمايَتُه عن رُؤْيَتِهِم في الغارِ بما ه في أَاللهُ مِنَ الآياتِ ومِنَ العَنكَبُوتِ الَّذي نَسَجَ علَيْه.. ووَقَفَت حَمامَتانِ على فَمِ الغارِ".
الحادثةُ الثّانيةُ:وهي قِصّةُ سُراقةَ بنِ مالِكٍ "حِينَ الهِجْرةِ، وقد جَعَلَتْ قُرَيإنْ تَ (ص) وفي أبي بَكْرٍ الجَعائِلَ، فأُنْذِرَ به، فرَكِبَ فَرَسَه واتَّبَعَه حتَّى إذا قَرُب مِنه دَعا علَيْه النَّبِيُّ (ص)، فساخَتْ قَوائِمُ فَرَسِه فخَرَّ عَثُك إل. ثمَّ رَكِبَ ودَنا حتَّى سَمِعَ قِراءَةَ النَّبِيِّ (ص) وهُو لا يَلتَفِتُ، وأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنهُ يَلتَفِتُ، وقال لِلنَّبِيِّ (ص) أُتِينَا! فقال:لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا"كما قالَه في الغارِ، "فساخَت ثانيةً إلى رُكْب لقدا وخَرَّ عَنها، فزَجَرَها فنَهَضَت ولِقَوائِمِها مِثلُ الدُّخانِ، فناداهُم بالأَمانِ، فكَتَب له النَّبِيُّ (ص) أَمانًا... وأَمَرَه النَّبِيُّ (ص) ألّا يَتْرُكَ أَحَدًا يَلحَقُ بهم، فانْصَرَفَ".
"وفي خَبَرٍ آخَرَ أنَّ راعِيًا عَرَفِيلَ:َهُما، فخَرَج يَشتَدُّ يُعلِمُ قُرَيشًا، فلَمّا وَرَد مَكّةَ ضُرِبَ على قَلْبِه، فما يَدْرِي ما يَصْنَعُ، وأُنسِيَ ما خَرَج له حتَّى رَجَع إلى مَوْضِعِه"، ثمَّ عَرَف أنَّه قد أُنسِيَ.
الحادثةُ الثّالثةُ:يَروِي أَمةَ: الحَدِيثِ بطُرُقٍ مُتَعدِّدةٍ أنَّه في غَزْوةِ (غَطَفانَ) و(أَنمارٍ) أَرادَ رَئِيسُ قَبِيلَتِه وهُو "غَوْرَثُ بنُ الحارِثِ المُحارِبيُّ أن يَفتِكَ بالنَّبِيِّ (ص)، فلم يَشْعُرْ به (ص) إلّا وهُو قائِمٌ على رَأْسِإِلَهََضِيًا سَيْفَه، فقال: اللَّهُمَّ اكْفِنِيه بما شِئْتَ، فانكَبَّ لِوَجْهِه مِن زُلَّخَةٍ زُلِخَها بَينَ كَتِفَيه، ونَدَر سَيْفُه مِن يَدِه".
ورُوِيَ أنَّه (ص) أَتاه أَعرابيٌّ َّوحِيَرَط سَيْفَه ثمَّ قال: مَن يَمنَعُك مِنِّي؟ فقال:اللهُ!فارْتَعَدَتْ يَدُ الأَعرابيِّ وسَقَط سَيْفُه" فأَخَذَه النَّبِيُّ (ص) وقال:ومَن يَمنَعُك الآنَ؟ثمَّ عَفا عنه النَّبِيُّ (ص) "فرَجَع إلى قَوْمِه وقال: جِئْتُكُم مِن عِندِ خُ إلى لنّاسِ. وقد حُكِيَت مِثلُ هذه الحِكايةِ أنَّها جَرَت له يَوْمَ بَدْرٍ، وقدِ انفَرَد مِن أَصحابِه لِقَضاءِ حاجَتِه، فتَبِعَه رَجُلٌ مِنَ المَمِيعِِين، وذَكَر مِثلَه" أنَّه رَفَع سَيْفَه لِيَهْوِيَ به على رَسُولِ اللهِ (ص)، وإذا به يَنظُرُ إلَيْه فيَرتَعِدُ المُنافِقُ ويَسقُطُ السَّيفُ مِن يَدِه.
الحادثةُ الرّابعةُ:رَوَى أَئِمّةُ الحَدِيثِ خَبَرًا مَشهُورًا قَرِيبًا مِ الله َّواتُرِ، وذَكَر أَكثَرُ
— 199 —
عُلَماءُ التَّفسِيرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْائِهِمَحُونَ ٭ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ أنَّ أبا جَهْلٍ أَقسَمَ: لَئِن أَرَى مُحَمَّدًا ساجِدًا َّتي هرِبَنَّه بهذه الصَّخْرةِ "فجاءَه بصَخْرةٍ وهُو ساجِدٌ وقرَيشٌ يَنظُرُونَ، لِيَطْرَحَها علَيْه، فلَزِقَتْ بِيَدِه ويَبِسَتْ يَداه إلى عُنُقِه"، وبَعدَ أن أَتَمَّ الرَّسُولُ (ص) صَلاتَه انصَرَف وانطَلَقَت يَلامَ،بي جَهْلٍ، إمّا بإِذْنِه (ص) أو لِانتِفاءِ الحاجةِ.
إنَّ الوَلِيدَ بنَ المُغِيرةِ "أَتَى النَّبِيَّ (ص) لِيَقتُلَه بصَخْرةٍ كَبِيرةٍ، فطَمَسَ اللهُ على بَصَرِه، فلم يَرَ النَّبِيَّ البُغسَمِعَ قَوْلَه، فرَجَع إلى أَصحابِه فلم يَرَهُم حتَّى نادَوْه"، حتَّى إذا خَرَجَ الرَّسُولُ (ص) مِنَ المَسجِدِ عاد بَصَرُه، لِانتِفاءِ الحاجةِ.
یلَ لِبَت عن أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ أنَّه: بَعدَما نَزَلَت سُورةُ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ أَتَت أُمُّ جَمِيلٍ، امْرَأةُ أَبي لَهَبٍ تَسمَُقَّبةُ بحَمّالةِ الحَطَبِ "رَسُولَ اللهِ (ص) وهُو جالِسٌ في المَسجِدِ ومَعَه أَبُو بَكْرٍ وفي يَدِها فِهْرٌ مِن حِجارةٍ، فلَمّا وَقَفَتْ ذهَبِ ِما لم تَرَ إلّا أبا بَكْرٍ، وأَخَذَ اللهُ تَعالَى ببَصَرِها عن نَبِيِّه (ص)، فقالَت: يا أبا بَكْرٍ، أَينَ صاحِبُك؟ فقد بَلَغَنِي أنَّه يَهجُوني! واللهِ لو وَجَدتُه لَضَربْتُ بهذا الفِهْرِ فاهُ".
نعم. لا تَرَ إكراابةُ جَهَنَّمَ یی بلا شَكٍّ یی سُلْطانًا عَظِيمًا كهذا الَّذي خَصَّه اللهُ بالدَّرَجةِ الرَّفيعةِ.
الحادثةُ الخامِسةُ:ثَبَت بالنَّقلِ الصَّحِيحِ "خَبَرُ عامِرِ بنِ الطُّفَيلِ وأَربَدَ بنِ قَيسٍ حِالله..فَدا على النَّبِيِّ (ص)، وكان عامِرٌ قال لَه: أنا أَشغَلُ عَنك وَجْهَ مُحَمَّدٍ، فاضْرِبْه أَنتَ، فلم يَرَه فَعَلَ شَيْئًا، فلَمّا كَلَّمَواتِهذلك، قال له: واللهِ ما هَمَمْتُ أن أَضْرِبَه إلّا وَجَدتُك بَينِي وبَينَه، أَفَأَضرِبُك؟!".
الحادثةُ السَّادسةُ:وثَبَت بالنَّقلِ الصَّحِيحِ أَيضًا "أنَّ شَيْبةَ بنَ عُثْمانَ الحَجَبِيَّ أَدِْ، مِنيَومَ حُنَينٍ" أو أُحُدٍ "وكان حَمْزةُ قد قَتَلَ أَباه وعَمَّه، فقال: اليَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِن مُحَمَّدٍ، فلَمّا اخْتَلَط النَّاسُ أَتاه مِن خَلْفِه ورَفَع سَيْفَه لِيَصُبَّه علَيْه. قال: وأَحَسَّ بي النَّبِيُّ
— 200 —
(ص)، فدَعَ، لَوَضَع يَدَه على صَدْرِي وهُو أَبغَضُ الخَلْقِ إِلَيَّ، فما رَفَعَها إلّا وهُو أَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ. وقال لي: اُدْنُ. فقاتِلْ، فتَقَدَّمتُ أَمامَه أَضْرِبُ بسَيْفِي وأَقِيه بنَفْسِي، ولَو عِظامُِ أَبي تلك السّاعةَ لَأَوْقَعْتُ به دُونَه".
"وعن فَضالةَ بنِ عَمْرٍو قالَ: أَرَدتُ قَتْلَ النَّبِيِّ (ص) عامَ الفَتْحِ، وهُو يَطُوفُ بالبَيتِ، فلَمَّا دَنَوْتُ مِنه قال: أَفَضالةُ؟ قُلتُ: نعم.. قال:ما كُنتَ تُحَدِّثُ به نمَ على؟قُلتُ: لا شَيْءَ. فضَحِكَ واسْتَغْفَرَ لي ووَضَع يَدَه على صَدْرِي، فسَكَن قَلْبِي، فوَاللهِ ما رَفَعَها حتَّى ما خَلَق اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنه".
الحادثةُ السَّابعةُ:ثَبَت بالنَّقْلِ الصَّحِيحِ: أنّ بل لمهُودَ تَآمَرُوا علَيْه عِندَما "جَلَس إلى جِدارٍ.. فانْبَعَث أَحَدُهُم لِيَطْرَحَ علَيْه رَحًى، فقامَ النَّبِيُّ (ص) فانْصَرَف"، فبَطَل ما كانُوا يَفْعَلُون بحِفْظِ اللهحَقِّ وهُنالك حَوادِثُ كَثِيرةٌ مِن أَمثالِ هذه الحادِثةِ: فيَرْوِي الإِمامانِ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ وأَئِمّةُ الحَدِيثِ "عن عائِشةَ رَضِيَ الله عَنهَا قالَت: كان النَّبِيُّ (ص) يُحْرَسُ حتَّى نَزَلَت هذه الآيةُ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النٌ لهذا فأَخْرَجَ رَسُولُ اللهِ (ص) رَأْسَه مِنَ القُبّةِ وقال:يا أَيُّها النّاسُ، انْصَرِفُوا فقد عَصَمَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ".
هذه ادِ خِللةُ تُوَضِّحُ مُنذُ البِدايةِ إلى هُنا:
أنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِن أَنواعِ هذه الكائِناتِ، وكُلَّ عالَمٍ مِنها، يَعْرِفُ النَّبِيَّ (ص)، وله مَعَه رابِطةٌ وعَلاقةٌ، إذ تُشاهَدُ مُعجِزاتُه (ص) مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَحتَرِعِ الكائِناتِ، أي: أنَّ هذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ (ص) رَسُولٌ ومَبعُوثٌ مِن قِبَلِ اللهِ بوَصْفِه رَبَّ العالَمِينَ وخالِقَ الكَوْنِ.
نعم، كما أنَّ مُوَظَّفًا مَرمُوقًا ومُفنَّك تا ذا مَنزِلةٍ عِندَ السُّلْطانِ تَعرِفُه كُلُّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ الدَّوْلةِ، وإذا ما دَخَل أَيًّا مِنها سيَلْقَى تَرْحابًا حارًّا، لِأَنَّه مَأْمُورٌ مِن قِبَلِ السُّلطانِ الأَعظَمِ، إذ لو فَرَضْنا أنَّه كان مُفَتِّشًا لِلعَدْلِ فحَسْبُ، فسعِ المَحِّبُ به دَوائِرُ العَدْلِ فقط، ولا تَعْرِفُه جَيِّدًا الدَّوائِرُ الأُخرَى، ولو كان مُفَتِّشًا عامًّا لِلجَيْشِ فلا تَعرِفُه الدَّوائِرُ
— 201 —
الرَّسمِيّةُ الأُخرَى لِلدَّوْلةِ.قُلُوبَما يُفْهَمُ مِنَ الأَمثِلةِ السّابِقةِ أنَّ جَمِيعَ دَوائِرِ السَّلْطَنةِ الإلٰهِيّةِ تَعرِفُه (ص) مَعرِفةً جَيِّدةً، أو يُعَرِّفُه اللهُ لَهُمُ ابتِداءً مِنَ المَلائِكةِ إلى الذُّبابِ والعَنكَبُوتِ؛ فهُو بلا شَكٍّ خاتَمُ الأَنبِياءِ، ورَِذا فارَبِّ العالَمِينَ، وأنَّ رِسالَتَه عامّةٌ لِلكائِناتِ قاطِبةً لا تَختَصُّ بأُمّةٍ دُونَ أُمّةٍ كغَيرِه مِنَ الأَنبِياءِ والمُرسَلِينَ.
الإشارةُ السَّادسةَ عَشْرةَ
وهي الإِرهاصاتُ،أي:الخَوارِقُ الَّتِسالَترَت قَبلَ النُّبوّةِ،وتُعَدُّ مِن دَلائِلِ النُّبوّةِ، لِعَلاقَتِها بها، وهي على ثَلاثةِ أَقسامٍ:
القِسمُ الأوَّلُ:
ما أَخبَرَتْ به التَّوراةُ والإِنجِيلُ والزَّبَزُوا صُحُفُ الأَنبِياءِ عَلَيهمِ السَّلام عن نُبُوّةِ مُحَمَّدٍ(ص)،وهُو ثابِتٌ بنَصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ.
نعم، فما دامَت تلك الكُتُبُ كُتُبًا سَ النُّةً، وأَصحابُها هُم أَنبِياءُ كِرامٌ عَلَيهم السَّلام، فلا بُدَّ أنَّ إِخبارَها عَمَّن سيُضِيءُ بالنُّورِ الَّذي يَأْتي به نِصْفَ المَعمُورةِ، ويَنسَخُ الأَدْيانَ الأُخرَى، ويُغَيِّرُ مَلامِحَ الكِينَ ك أَقُولُ: لا بُدَّ أنَّ ذِكْرَها لِهَذِه الذّاتِ المُبارَكةِ ضَرُورِيٌّ وقَطْعِيٌّ؛ أفَيُمكِنُ لِتِلك الكُتُبِ الَّتي لا تُهْمِلُ حَوادِثَ جُزئيّةً ألّا تَذكُرَ أَعظَمَ حادِثةٍ في تارِيخِ البَشَرِيّةِ، تلك هي حادِثةُ البِعْثةِ المُحَمَّدِيّةلرُّبُا كان لا بُدَّ لَها أن تَبحَثَ عنها وتَذْكُرَها، فهي إمّا ستُكَذِّبُها كي تَصُونَ دِينَها وكِتابَها مِنَ النَّسْخِ والتَّخْرِيبِ، أو ستُصَدِّقُها، أي: تُصَدِّقُ ذلك النَّبِيَّ الحيْها بي تُحافِظَ على دِينِها وكِتابِها مِن تَسَرُّبِ الخُرافاتِ وتَسَلُّلِ التَّحرِيفاتِ؛ ولَمَّا كان الأَصدِقاءُ والأَعداءُ مُتَّفِقِينَ على عَدَمِ وُجُودِ أَيّةِ أَمارةٍ في تلك الكُتُبِ لِلتَّكذِيبِ مَهْما كانَت، فهُناك إا فِي َماراتُ التَّصدِيقِ. فما دامَ التَّصدِيقُ قائِمًا بصُورةٍ مُطلَقةٍ، وأنَّ هُناك عِلّةً قاطِعةً، وسَبَبًا أَساسًا يَقتَضِي وُجُودَ هذا التَّصْدِيقِ، فنَحنُ بدَوْرِنا سنُثبِتُ ذلكوَّل:صدِيقَ بثَلاثِ حُجَجٍ قاطِعةٍ تَدُلُّ على وُجُودِه:
— 202 —
الحُجّةُ الأُولَى:إنَّ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) تَلا علَيْهِم آياتٍ كَرِيمةً يَتَحدّاهُم بها، وكأَنَّه يَقُولُ لَهُم بلِسانه مُرَرآنِ الكَرِيمِ: إنَّ كُتُبَكُم تُصَدِّقُ ما تَشتَمِلُ علَيْه شَمائِلِي وأَوْصافي، وتُصَدِّقُ ما أُبَلِّغُه لِلعالَمِينَ،
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ أَوْرلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَارِيِّ"َ.
ومعَ هذا التَّحَدِّي الواضِح لم يَتَقَدَّمْ حَبْرٌ مِن أَحبارِ اليَهُودِ، ولا قَسٌّ مِن قُسُوسِ النَّصارَى إلى إِظهارِ خِلافِ ما يَقُولُه (ص)؛ فلو كان هُناك شَيءٌ مَهْما كانَ طَفِِ ونَفِن هذا القَبِيلِ، لَأَعْلَنَه أُولَئِك الكُفَّارُ والمُنافِقُون مِنَ اليَهُودِ، ذَوُو العِنادِ والحَسَدِ، وهُم كَثِيرُون في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ.
فكانَ التَّحَدِّي: إمَلْوٍ يَجِدُوا أَيَّ خِلافٍ كان فيما يُبَلِّغُ مِن أَوامِرِ اللهِ سُبحانَه، أو سيُجاهِدُهُم جِهادًا لا هَوادةِ فيه؛ وهُم لِعَجْزِهِم عنِ الإِتيانِ بخِلافِ ما يُبَلِّغُيدُ رَوا الحَرْبَ والدَّمارَ والهِجْرةَ، أي: أنَّهُم لم يَجِدُوا شَيْئًا كي يُلزِمُوه، ولو وَجَدُوا خِلافَ قَوْلِه لَكانَ إِظهارُه أَهْوَنَ علَيْهِم مِن بَذْلِ النُّفُوسِ والأَموالِ وتَخْرِيبِ الدِّيارِ.
مَ الخةُ الثَّانية:لقد خالَطَتْ آياتِ التَّوراةِ والإِنجِيلِ والزَّبُورِ كَلِماتٌ غَرِيبةٌ عَنها، لِتَوالِي تَرْجَماتِها، والْتِباسِ كَلامِ المُفَسِّرِينَ وتَأْوِيلاتِهِمُ الخاطِئةِ معَ آياتِهذَا أَثُ إنَّ آياتِها لَيسَ فيها الإِعجازُ الَّذي في آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فَضْلًا عَمّا قامَ به الجُهَلاءُ وذَوُو الأَغراضِ السَّيِّئةِ مِن تَحْرِيفاتٍ في تلك الكُتُبِ، فزادَتُنزَلِلك التَّحرِيفاتِ والتَّغيِيراتِ، حتَّى إنَّ العَلّامةَ المَشهُورَ "رَحْمَةَ اللهِ الهِنْدِيَّ" أَلْزَمَ الحُجّةَ عُلَماءَ اليَهُودِ والنَّصارَى بإِظهارِ أُلُوفٍ مِنعنَى ذَحْرِيفاتِ في الكُتُبِ السَّابِقةِ.
ومعَ هذا القَدْرِ مِنَ التَّحْرِيفاتِ، فقدِ استَخْرَجَ في هذا العَصْرِ العالِمُ المَشهُورُ "حُسَينٌ الجِسْرُ" رَحِمَه الله مِئةً وعَشَرةَ أَدِلّةٍ على نُبُوَّتِه (ص) مِن تلك الكُتُبِ، وأَثْبَتلإِنسِ كِتابِه المُسَمَّى بی"الرِّسالةِ الحَمِيدِيّة"، وقامَ المَرحُومُ "إِسماعِيلُ حَقِّي المَنَاسْطِرِيُّ" بتَرجَمةِ الكِتابِ إلى اللُّغةِ التُّركِيّةِ، فملنّاسِادَ فلْيُراجِعْه.
— 203 —
ثمَّ إنَّ كَثِيرًا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ والنَّصارَى قد أَقَرُّوا: أنَّ في كُتُبِهم أَوْصافَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (ص)، مِنهُم: هِرَقْلُبُوبٍ ُلُوكِ الرُّومِ الَّذي اعْتَرَف قائِلًا: "إنَّ عِيسَى عَليهِ السَّلام قد بَشَّرَ بمُحَمَّدٍ (ص)"، كما اعْتَرَف صاحِبُ مِصْرَ المُقَوقِسُ، وابنُ صُورِي ثَمَرنُ أَخْطَبَ، وأَخُوه كَعبُ بنُ أَسَدٍ، والزَّبِيرُ بنُ باطِيا، وغَيرُهُم مِن عُلَماءِ اليَهُودِ، ورُؤَسائِهِم قائِلِين: "نعم، إنَّ أَوْصافَه مَوجُودةٌ في كُتُبِنا، ومَذكُورةٌ فيها".
كما أنَّ كَثِيرًا ِّ وسَشاهِيرِ عُلَماءِ اليَهُودِ والنَّصارَى قد نَبَذُوا الخُصُومةَ والعِنادَ، وآمَنُوا بالإِسلامِ بَعدَما رَأَوْا أَوْصافَ النَّبِيِّ (ص) في كُتُبِهِم، وبَيَّنُوها لِغَيْرِهِم مِنَ العُلَماءِ، فأَلزَمُوهُمُ الحُجّرِضواننهُم: عَبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ، ووَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وأبو ياسِرٍ، وشامُولُ یی صاحِبُ تُبَّعٍ یی كما آمَنَ تُبَّعٌ قَبلَ البِعثةِ غِيابًا، السَّع سَعْيةَ وهُما أَسِيدٌ وثَعْلَبةُ اللَّذانِ نادَيَا في قَبِيلةِ بَنِي النَّضِيرِ مُنَدِّدَينِ بِهِم عِندَما حارَبَتِ الرَّسُولَ (ص) قائِلَينِ: "واللهِ هياءِ، َذي عَهِدَ إلَيْكُم فيه ابنُ الهَيْبَانِ"، وابنُ الهَيْبانِ هذا هو الرَّجُلُ العارِفُ باللهِ الَّذي كان قد نَزَل ضَيْفًا على بَنِي النَّضِيرِ قَبلَ البِعْثةِ، وقال لَهُم: "قَرِيبٌ َّخةُ ُ نَبِيٍّ هذا دارُ هِجْرَتِه"، وتُوُفِّي هُنالك، إلّا أنَّ قَبِيلةَ بَنِي النَّضِيرِ لم تُلقِ بالًا لَهُما، فأَصابَهُم ما أَصابَهُم.
كما آمَنَ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ: ابنُ يامِينَ، ومُخَيْرِيقُ، وكَعْبُ الأَحْبارِ، وزَّبُوُهُم كَثِيرٌ مِمَّن رَأَوْا نَعْتَ الرَّسُولِ (ص) في كُتُبِهِم، وأَلْزَمُوا الحُجّةَ مَن لم يُؤْمِنُوا.
ومِمَّن أَسلَمَ مِن عُلَماءِ النَّصارَى بَحِيرا الرَّاهِبُ یی كما مَنَكتُببِقًا یی وذلك عِندَما ذَهَب (ص) معَ عَمِّه أَبي طالِبٍ إلى الشّامِ، وهُو ابنُ اثنَتَيْ عَشْرةَ سَنةً، فصَنَعَ بَحِيرا طَعامًا لِقافِلةِ قُرَيشٍ إِكرامًا رآتِه.بِيِّ (ص)، ثمَّ نَظَر وإذا بالغَمامةِ الَّتي تُظِلُّ القافِلةَ باقِيةٌ في مَكانِها، قال: فالَّذي أرِيدُه إِذًا ما زالَ باقِيًا هُناك، فأَرسَلَ إلَيْه مَن يَأْتي به، وقال لِعَمِّه أبي طالِبٍ: عُدْ به إلى مَكّقِ معَليَهُودُ حُسَّادٌ يَكِيدُون له، فإنّا نَجِدُ أَوْصافَه في التَّوْراةِ.
وقد آمَنَ كُلٌّ مِن نَسْطُورِ الحَبَشةِ ومَلِيكِها النَّجاشِي، لَمّا رَأَيا أَوْصافَ النَّبِيِّ (ص) في كِتابِهِم؛ وأَعلَنَ العالِمُ النَّصْرانِيُّ المَشهُها بِنغاطِرُ أَوْصافَه (ص) بَينَ الرُّومِ، فاسْتُشهِدَ.
— 204 —
وقد آمَنَ أَيضًا حارِثُ بنُ أَبي شَمِرٍ الغَسّانِيُّ یی العالِمُ النَّصْرانِيُّ المَشهُورُ یی ورُؤَساءُ الرُّوحانيِّينَ في الشّامِ، ومُلُوكُها، أي: صاحِبُ إِيْلِيَا، وهِرَقْلُ، آيةُ اناطُورٍ، وجارُودُ، وأَمثالُهُم، لَمَّا رَأَوْا أَوْصافَه (ص) في كُتُبِهِم؛ إلّا أنَّ هِرَقْلَ لم يُعْلِنْ إِيمانَه حِرْصًا على الحُكْمِ والسُّلْطةِ.
وأَمثالُ هَؤُلاءِ كَثِيرٌ مه في شسَلْمانَ الفارِسِيِّ الَّذي كان نَصْرانيًّا، وما إن رَأَى أَوْصافَه (ص) حتَّى أَخَذ يَتَحرَّى عنه، ولَمَّا رَآه أَسلَمَ؛ وكذلك تَمِيمٌ وهُو عالِمٌ جَلِيلٌ، والنَّجاشِي مَلِكُ الحَبَشةِ المَشهُورُ، ونَصارَى الحَبَشةِ، وأَساقِفةُ نَجْرانَ.. فهِّئةً،ِ كُلُّهُم يُخبِرُونَ بالِاتِّفاقِ: أنَّنا آمَنّا لَمّا رَأَيْنا أَوْصافَه (ص) في كُتُبِنا.
الحُجّةُ الثّالثةُ:سنَذكُرُ یی على سَبِيلِ المِثالَِحْيُ بُ یی آياتٍ مِنَ التَّوراةِ والإِنجِيلِ والزَّبُورِ الَّتي تُبَشِّرُ بالرَّسُولِ (ص).
الأوَّل:في الزَّبُورِ آيةٌ مُفادُها ما مَعناه: "اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنا مُقِيمَ السُّنّةِ بَعدَ الفَتْرةِ"، ومُقِيمُ السُّنّةِ هُو مِن أَسمائِه (ص).
وك الدّلإِنجِيلِ: "قالَ المَسِيحُ: إنِّي ذاهِبٌ لِيَبْعَثَ فِيكُمُ الفَارِقْلِيطَا" أي: لِيَبعَثَ فيكُم أَحمَدَ.
وآيةٌ أُخرَى مِنَ الإِنجِيلِ: "وإنِّي أَطلُبُ مِن رَبِّي فارِقْلِيطًا يكُونُ مَعَكُم إلى اجدَرُهِ".
والفارِقْلِيطُ: الفارِقُ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، وهُو اسمُ النَّبِيِّ (ص) في تلك الكُتُبِ.
وآيةُ التَّوْراةِ: "إنَّ اللهَ قالَ لِإِ رَجُيمَ: إنَّ هاجَرَ تَلِدُ، ويَكُونُ مِن وَلَدِها مَن يَدُه فَوْقَ الجَمِيعِ، ويَدُ الجَمِيعِ مَبسُوطةٌ إلَيْه بالخُشُوعِ".
وآيةٌ أُخرَى في التَّوْراةِ: "وقال: يا مُوَدَّسٍِّي مُقِيمٌ لَهُم نَبِيًّا مِن بَنِي إِخوَتِهم مِثلَك، وأُجْرِي قَوْلي في فَمِه؛ والرَّجُلُ الَّذي لا يَقبَلُ قَوْلَ النَّبِيِّ الَّذي يَتَكلَّمُ بِاسمِي فأَنا أَنتَقِمُ مِنه".
وآيةٌ ثالِثةٌ في التَّوراةِ: "قال مُوسَى: رَبِّصِرَ ف أَجِدُ في التَّوراةِ أُمّةً هُم خَيرُ أُمّةٍ
— 205 —
أُخرِجَت لِلنَّاسِ، يَأمُرُونَ بالمَعرُوفِ ويَنهَوْنَ عنِ المُنكَرِ ويُؤْمِنُونَ باللهِ، فاجْعَلْهُم أُمَّتِي، قال: تلك أُمّةُ مُحَمَّدٍ".
تنبيه:
حَدِيبَّرَتِ الكُتُبُ عنِ اسمِ مُحَمَّدٍ (ص) بأَسماءٍ سُرْيانيّةٍ ضِمنَ أَسماءٍ عِبْرِيّةٍ، فمَثَلًا: (مُشَفَّح، مُنْحَمَنّا، حَمْياطا) وغَيرُها مِننيا علسماءِ الَّتي تَرِدُ بمَعنَى مُحَمَّدٍ في اللُّغةِ العَرَبِيّةِ؛ أمّا الِاسمُ الصَّرِيحُ "مُحَمَّدٌ" (ص) فلَم يَأْتِ إلّا نادِرًا، وهذا قد حَرَّفَه اليَهُودُ لِحَسَدِهِم وعِنادِهِم، مِنها آيةُ الزَّبُورِ:
"يا دتٍ مُهيَأْتي بَعدَك نَبِيٌّ يُسَمَّى أَحمَدَ ومُحَمَّدًا، صادِقًا سَيِّدًا، أُمَّتُه مَرحُومةٌ"، وقد أَعلَن عن وُجُودِ هذه الآيةِ الآتِيةِ في التَّوراةِ قَبلَ أن تَلعَبَ فيها أَيدِي التَّحرِيفِ كَثِيرًا، كُلٌّ مِن عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بن فُرصةصِ وهُو أَحَدُ العَبادِلةِ السَّبْعةِ ومِنَ الَّذين لَهُمُ اطِّلاعٌ واسِعٌ على الكُتُبِ السَّابِقةِ، وعَبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وهُو مِن مَشاهِيرِ عُلَماءِ اليَهُودِ الَّذي سَبابًا..ْرانَه في الإِسلامِ، وكَعبُ الأَحبارِ وهُو مِن عُلَماءِ اليَهُودِ.. الآيةُ تُخاطِبُ سَيِّدَنا مُوسَى عَليهِ السَّلام، ثمَّ تَتَّجِهُ إلى النَّبِيِّ الَّذي سيَأْتي:
"يا أَيُّها ُم لا ِيُّ إنّا أَرْسَلْناك شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلأُمِّيِّين، أَنتَ عَبْدِي، سَمَّيتُك المُتَوَكِّلَ، لَيسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيِيِّ، ا صَخّابٍ في الأَسْواقِ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئةَ بالسَّيِّئةِ، بل يَعْفُو ويَغْفِرُ، ولن يَقبِضَه اللهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلّةَ العَوْجاءَ بأَن يَقُولُوا: لا إلٰهَ إ هي لالهُ".
وآيةٌ أُخرَى مِنَ التَّوْراةِ: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، مَوْلِدُه بمَكّةَ، وهِجْرَتُه بطَيْبةَ، ومُلْكُه بِالشّامِ، وأُمَّتُه الحَمّادُون"، ولَفظُ "مُحَمَّد" في هذه الآيةِ قد وَرَد ِ.. فم سُرْيانِيٍّ يَعنِي: مُحَمَّدًا.
وأَيضًا آيةٌ أُخرَى مِنَ التَّوْراةِ: "أَنتَ عَبْدِي 77 سُولي، سَمَّيتُك المُتَوَكِّلَ"، فهَذِه الآيةُ تُخاطِبُ الَّذي سيُبْعَثُ بَعدَبُ عِنى عَليهِ السَّلام مِن بَنِي إِسماعِيلَ الَّذين هُم إِخوةُ بَنِي إِسحاقَ.
وآيةٌ أُخرَى مِنَ التَّوْراةِ: "عَبْدِي المُخْتارُ، لَيسَ بِفَظٍّ ولاى حَداظٍ"، والمُخْتارُ هُو المُصْطَفَى، وهُو اسمٌ مِن أَسماءِ النَّبِيِّ (ص).
— 206 —
وقد جاءَت تَعارِيفُ مُتَنوِّعةٌ تَخُصُّ "رَئِيسَ العالَمِ" الَّذي يَعرِضَ به بَعدَ عِيسَى عَليهِ السَّلام في الإِنجِيلِ، مِنها: "مَعَه قَضِيبٌ مِن حَدِيدٍ يُقاتِلُ به، وأُمَّتُه كَذلِك"، فقَضِيبٌ مِن حَدِيدٍ يَعنِي السَّيفَ. أي: سيَةِ الدمَن هُو صاحِبُ السَّيْفِ، وأُمَّتُه مَأْمُورةٌ بالجِهادِ، كما وَصَفَهُم القُرآنُ الكَرِيمُ في خِتامِ سُورةِ الفَتْحِ:
وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى قَتاد سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.
وهُناك آياتٌ كَثِيرةٌ أُخرَى مُشابِهةٌ لِهذِه في الإِنجِيلِ.
جاءَت في البابِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنَ الكِتابِ الخامِسِّابِقَالتَّوْراةِ هذه الآيةُ: "وقالَ: جاءَ الرَّبُّ مِن سَيْنا، وأَشْرَق لَنا مِن ساعِيرَا، واستعْلَن مِن جِبَالِ فاران، ومَعَه أُلُوفُ راياتِ الأَطْهارِ".
فهَذِه الآيةُ مِثلَما تُخبِرُ عن نُبُوّةِ مُوسَى عَليهِ افَ يَنم بإِقبالِ الحَقِّ مِن طُورِ سَيْناء، فهِي تُخبِرُ عن نُبُوّةِ عِيسَى عَليهِ السَّلام بی"أَشْرَق لَنا مِن ساعِيرَا"، وفي الوَقْتِ نَفسِه تُخبِرُ عن نُبُوّةِ مُحَمَّدٍ (ص) بظُهُورِ ضِيَ اِ مِن فاران الَّتي هي جِبالُ الحِجازِ بالِاتِّفاقِ، فالآيةُ تُخبِرُ بالضَّرُورةِ عن نُبُوَّتِه (ص)؛ أمّا "ومَعَه أُلُوفُ الأَطْهارِ" فهِي تُصَدِّقُ حُكْمَ الآيةِ الكَرِيمةِ في خِتامِ سُورةِركَزِ ْحِ في: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ...، إذ تَصِفُ أَصْحابَه (ص) بالأَطْهارِ القِدِّيسِينَ، وهُمُ الأَوْلياءُ الصّالِحُونَ.
وجاءَت هذه الآيةُ في البابِ الثّاني والأَربَعِينَ مِن كِتابِ النَّبِيِّ أَشْعِيا: "إنَّ43
دِيَّ سُبحانَه سيَبْعَثُ صَفِيَّه في آخِرِ الزَّمانِ، وسيُرسِلُ إلَيْه الرُّوحَ الأَمِينَ وهُو جِبْرائِيلُ يُعَلِّمُه، ثمَّ بَعدَ ذلك يُعَلِّمُ النّاسَ كما عَلَّمَه جِبْرائِيلُ، ويَحكُمُ بَينَ النّاسِ بالحَقِّ، وهُو نُورٌ سيُخرِجُ النَّاسَ مِنَ َ وُجُُماتِ إلى النُّورِ. وقد عَلَّمَني رَبِّي ما سيَقَعُ فأَقُولَ لَكُم.."، فهَذِه الآيةُ تُبيِّنُ بوُضُوحٍ تامٍّ أَوْصافَ الرَّسُولِ (ص).
وفي البابِ الرَّابِعِ مِن كِتابِ النَّبِيِّ مِيخائِيلَ الآيةُ التّالِيةُ: "ستَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ أ عشر
مَرحُومةٌ تَعبُدُ الحَقَّ وتُوْثِرُ الجَبَلَ المُقَدَّسَ، ويَجتَمِعُ إلَيْها خَلْقٌ كَثِيرٌ هُناك مِن كُلِّ إِقْلِيمٍ، تَعبُدُ الرَّبَّ دِينُِشْرِكُ به".
— 207 —
فهَذِه الآيةُ تُبيِّنُ "عَرَفةَ"، والخَلْقُ الكَثِيرُ هُمُ الحُجّاجُ الَّذين يَقْصِدُونَ ذلك الجَبَلَ المُقَدَّسَ، ويَعبُدُونَ اللهَ، وإنَّ الأُُّ.. ألمَرْحُومةَ هي أُمّةُ مُحَمَّدٍ (ص)، حَيثُ إنَّ هذا الوَصْفَ شِعارُهُم.
وفي البابِ الثّاني والسَّبعِينَ مِنَ الزَّبُورِ هذه الآيةُ: "إنَّه يَمْلِكُ مِنَ البَحْرِ إلى البَحْرِ، ومِنَ الإلّا فِ إلى أَقاصِي الأَرضِ، وتَرِدُه الهَدايا مِنَ اليَمَنِ والجَزائِرِ، وتَسجُدُ له المُلُوكُ وتَنقادُ إلَيْه، ويُصَلَّى علَيْه كلَّ وَقْتٍ، ويُدْعَى لَه بالبَرَكةِ كلَّ يَوْمٍ، وتُشِعُّ أَنوارُه مِنَ المَدِينةِ، وسيَدُولَّسمَْرُه أَبَدَ الآبادِ، وأنَّ اسْمَه مَوجُودٌ قَبلَ أن تُخْلَقَ الشَّمسُ، وسيَبْقَى اسْمُه ما بَقِيَتِ الشَّمْسُ".
فهَذِه الآيةُ صَرِيحةٌ في وَصْفِ النَّبِيِّ (ص)، فهل جاءَ بَعدَ نَبِيِّ اللهِ داا، وظََليهِ السَّلام نَبِيٌّ غَيرُ مُحَمَّدٍ (ص) الَّذي أَعلَن الدِّينَ شَرْقًا وغَرْبًا، وجَعَل المُلُوكَ يُعطُونَ له الجِزْيةَ صاغِرِينَ، وانْقادَ له المُلُوكُ والسَّلاطِينُ انقِيادَ خُضُوعٍ ومَحَبّةٍ، وتُوهَبُ له الصَّلَواتُ والأَدْعِيةُثّامن:يًّا مِن خُمُسِ البَشَرِيّةِ، وبَزَغَت أَنْوارُه مِنَ المَدِينةِ.. فهَل هُناك غَيرُه؟
والآيةُ العِشرُونَ مِنَ البابِ الرّابعَ عَشَرَ مِن إِنجِيل يُوحَنّا (المُتَرُولَئِلى التُّركِيّةِ) هي: "لا أَتَكلَّمُ أَيضًا مَعَكُم كَثِيرًا لِأَنَّ رَئِيسَ هذا العالَمِ يَأْتي، ولَيسَ له فِيَّ شَيءٌ أو لَيسَ له عِندِي مَثِيلٌ".
فعِبارةُ "رَئِيس العالَمِ" هُو فَخْرَبَّرٍلَمِ، وهُو عُنوانٌ مَشهُورٌ لِسَيِّدِنا الرَّسُولِ (ص).
والآيةُ السّابِعةُ مِنَ البابِ السّادِسَ عَشَرَ مِن إِنجِيلِ يُوحَنّا: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الحَقَّ أنَّه خَيرٌ لَكُم أن أَنْط هُدًى لِأَنَّه إن لم أَنطَلِقْ لا يَأْتيكُمُ المُعَزِّي" فهَلِ المُسَلِّي بَعدَ عِيسَى عَليهِ السَّلام غَيرُ مُحَمَّدٍ (ص)، فهُو الَّذي يُنقِذُ البَشَرِيّةَ مِن حُكْمِ الزَّوالِ والإِعدامِ الأَبَدِيِّ فيُسَلِّيها، وهُو سَيِّلقُدوةالَمِينَ وفَخْرُ الكائِناتِ.
والآيةُ الثَّامِنةُ مِنَ البابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِن إِنجِيلِ يُوحَنّا: "ومَتَى جاءَ ذاك يُبَكِّتُ العالَمَ على خَطِيّةٍ، وعبِّحاتٍّ، وعلى دَيْنُونَةٍ" (أي: يُلزِمُهُم على الخَطِيئةِ والصَّلاح
— 208 —
والحُكْمِ)، فالَّذي يُبَدِّلُ فَسادَ العالَمِ إلى صَلاح، ويُنقِذُ النَّاسَ مِنَ الآثامِ والخَطايا والشِّرْكِ، ويُبَدِّلُ أُسُسَ السَلاوَتِ والحاكِمِيّةِ في الدُّنيا، مَن يَكُونُ غَيرَ مُحَمَّدٍ (ص)؟
والآيةُ الحادِيةَ عَشْرةَ مِنَ البابِ السّادِسَ عَشَرَ مِن إِنجِيلِ يُوحَنّا: "لقد جاءَ زَمانُ قُدُومِ بُ
ضِ العالَمِ"، أو: "وأَمّا على دَينُونةٍ فلِأَنَّ رَئِيسَ هذا العالَمِ قد دِينَ"، فلا بُدَّ أنَّ المُرادَ بسَيِّدِ العالَمِ (حاشية): نعم، أَعظِم به مِن سَيِّد، يَنقادُ له كلَّ عَصْرٍ ثلاثُ مئةٍ وخمسُون كلِيفِِ شَخصٍ انقِيادَ طاعةٍ وحُبٍّ منذُ ألفٍ وثلاث مئةِ سنة، ويَستَسلِمُون لِأَوامرِه، ويُجَدِّدون معَه البَيعةَ يوميًّا بالسَّلام عليه. هو سَيِِّ الإمَشَرِيّةِ مُحَمَّدٌ (ص).
والآيةُ الثّالِثةَ عَشْرةَ مِنَ البابِ السّادِسَ عَشَرَ مِن إِنجِيلِ يُوحَنّا: "إذا جاءَ رُوحُ الحَقِّ ذاك، فهُو الَّذي يُرشِدُكُم إلى الحَقِّ كُلِّه، لِأَنَّه لا يَنطِقُ مِن عِندِه، بل يَتَكلَّمُ بكُلِّ ما رةٍ واُ، ويُخبِرُكُم بالآتي مِنَ الأُمُورِ".
فهَذِه الآيةُ صَرِيحةٌ في حَقِّ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، فمَن غَيرُه (ص) دَعا النَّاسَ جَمِيعًا إلى الحَقِّ؟ ومَن غَيرُه لا يَنطِقُ إلَّا بالوَحْيِ، ويَقُولُ ما يَسمَعُه مِن مٍ: الئِيلَ عَليهِ السَّلام؟ ومَن غَيرُه يُخبِرُ عن أَحْداثِ القِيامةِ والآخِرةِ إِخبارًا مُفَصَّلًا؟
ثمَّ إنَّ في صُحُفِ الأَنبِياءِ أَسْماءً لِلرَّسُولِ (ص) تُفِيدُ مَعنَى "مُحَمَّد" "أَحمَد" "المُختار" "مُصْطًَ مِن ذلك باللُّغةِ السُّريانيّةِ والعِبْرِيّةِ:
ففي صُحُفِ شُعَيْبٍ عَليهِ السَّلام: ثَمّةَ: (مُشَفَّحٌ) وهي بمَعنَى: "مُحَمَّدٌ"، كما أنَّ في التَّوراةِ اسمَ: (مُنْحَمَنّا) وهذا بمَعنَى اسمِ "مُحَمَّد"، كما جاءَ في الِ مِن رِ: (حُمَياطا) وهُو بمَعنَى نَبِيِّ الحَرَمِ، وفيه أَيضًا (المُختارُ)، وقد جاءَ في التَّوْراةِ اسمُ (الحاتِم، الخاتَم)، وجاءَت كَلِمةُ (مُقِيمُ السُّنّة) في كُلٍّ مِنَ التَّوا! ولكوالزَّبُورِ، وفي صُحُفِ إِبراهِيمَ والتَّوْراةِ: (مازماز)، وفي التَّوْراةِ أَيضًا: (أَحِيدُ).
وقد قالَ الرَّسُولُ (ص): "اِسْمِي في القُرآنِ مُحَمَّدٌ، وفي الإِنجِيلِ أَحمَدُ، وفي الَوْنِ،اةِ أَحِيدُ".
— 209 —
ومِنَ الأَسماءِ النَّبَوِيّةِ الَّتي وَرَدَت في الإِنجِيل: "صاحِبُ القَضِيبِ والهِراوةِ"، فلا شَكَّ أنَّه أَعظَمُ نَبِيٍّ بَينَ الأَنبِياءِ بجِهادِه وجِهادِ أُمَّتِه.
وكَذلِك: "إنَّه صاحِبُ التَّاجِ"، فِه الكالصِّفةُ خاصّةٌ به (ص)، إذِ الأُمّةُ العَرَبِيّةُ هُمُ المَعرُوفُونَ بالعِمامةِ والعِقالِ بَينَ الأُمَمِ، والتَّاجُ والعِمامةُ بمَعنًى واحِدٍ؛ فصاحِبُ التَّاجِ المَذكُورُ في الإِنجِيلِ لَيسَ إلّا الرَّسُولَ (ص).
وفيه كَذلِكَيْنا ارِقْلِيطُ أو: الفارِقْلِيطُ"، ومَعناه كما جاءَ في تَفسِيرِ الإِنجِيلِ: الفارِقُ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، وهُو اسمُ النَّبِيِّ (ص) الَّذي يَدْعُو النَّاسَ إلى الحَقِّ.
وقد قال عِيسَى عَليهِ السَويّةُفي الإِنجِيلِ: "سأَذْهَبُ كي يَجِيءَ سَيِّدُ العالَم"، فهل غَيرُ مُحَمَّدٍ (ص) قد جاءَ بَعدَ عِيسَى عَليهِ السَّلام، وتَرَأَّسَ العالَمَ وفَرَّق بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، وأَرْشَدَ النّاسَ إلى الخَيرِ والصَّلاحِ؟ أي: تَ إلىِيسَى عَليهِ السَّلام كان يُبَشِّرُ دَوْمًا أنَّه سيَأْتِي أَحَدُهم بَعدِي، ولا تَبقَى الحاجةُ إِلَيَّ، فأَنا مُقَدِّمةٌ له، كما يُصَرِّحُ بذلك القُرآنُ الكَرِيمُ: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِ فلا شرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
نعم، إنَّ عِيسَى عَليهِ السَّلام قد بَشَّرَ أُمَّتَه رَوَىًا بأنَّه سيَجِيءُ سَيِّدُ العالَمِ (حاشية): لقد رَأَى الرَّحّالُ التُّركيُّ المَشهُورُ "أُوليا چَلَبيّ" في مَقبَرة شَمعُون الصَّفا إنجيلًا مكتوبًا على جِلدِ الغزال، فقرأ فيه الآية الآْظَمْتايتون) مولود (آزربيون) من نسلِ إبراهيم (بروفتون) يُصبح نبيًّا (لوغسلين) ليس كذّابًا (بنت افنزولات) يكون مولدُه بمكّة (كه كالوشير) يأتي بالصلاح والرشاد (تونو منين) اسمُه المبارَكُ (ى النّ) (محرّفة عن "محمد") أَحمَد مُحمَّد (ايسفيدوس) الذين معه ويتَّبِعُونه (تاكرديس) هم أساسُ هذه الدنيا (بيست بيث) وهو سيِّد العالَم. ورَئِيسُه، ويَذْكُرُه بأَسماءٍ مُختَلِفةٍ سَواءٌ بالسُّرْيانيّةِ ناداهاعِبْرِيّةِ؛ فالعُلَماءُ المُحَقِّقُون يَرَوْن أن هذه الأَسماءَ تَعنِي: أَحمَد، مُحَمَّد، الفارِق بَينَ الحَقِّ والباطِلِ.
سُؤالٌ:لِمَ بَشَّر ثمّى عَليهِ السَّلام بقُدُومِ النَّبِيِّ (ص) أَكثَرَ مِن غَيرِه مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلام، بَينَما اكْتَفَى الآخَرُونَ بالإِخبارِ عنه فَقَطْ؟
— 210 —
الجَوابشبِهُ َنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) قد أَنقَذَ عِيسَى عَليهِ السَّلام مِن تَكْذِيبِ اليَهُودِ ومِنِ افْتِراءاتِهِمُ الشَّنِيعةِ، وأَنقَذ دِينَه مِن تَحرِيفاتٍ فَظِيعةٍ، فَضْرايا أ أنَّه أَتَى بشَرِيعةٍ سَمْحاءَ بَدَلًا مِن تلك الشَّرِيعةِ الَّتي أَرْهَقَت بَنِي إِسرائِيلَ الَّذِين لا يُؤْمِنُون بعِيسَى عَليهِ السَّلام، فهذه الشَّرِيعةُ الغَرَّاءُ جامِعةٌ لِلأَحكامِ، مُكَمِّلةٌ لِما هُو ناقِصٌ في شَرِيعةِ ي لا ي عَليهِ السَّلام.. ومِن هُنا تَأْتي بِشارةُ عِيسَى عَليهِ السَّلام بالرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) بأنَّه سيَأْتي رَئِيسُ العالَمِ..
وهكَذا، نَرَى كَيفَ أنَّ التَّوْراةَ والإِنجِيلَ والزَّبُورَ وسائِرَ صُحاتِنَاأَنبِياءِ قدِ اعتَنَت بنَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ، وتَضُمُّ آياتٌ كَثِيرةٌ نُعُوتَه، كما بَيَّنّا نَماذِجَ مِنها.. فهُو مَذْكُورٌ بأَسماءٍ ونُعُوتٍ مُختَلِفةٍ في تلك الكُتُبِ.. تُرَى! مَن يكُونُ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمانِ الَّذمَركُورَتْه جَمِيعُ كُتُبِ الأَنبِياءِ ذِكْرًا جادًّا إلى هذا الحَدِّ، في آياتٍ مُكَرَّرةٍ مِنها، غَيرُ مُحَمَّد (ص)؟!
القِسمُ الثّاني:
مِنَ الإِرهاصاتِ ودَلاَواءٌ لنُّبوّةِ: إِخبارُ الكُهَّانِ والأَوْلياءِ العارِفِين باللهِ في عَهْدِ "الفَتْرةِ"(أي: قَبلَ البِعثةِ النَّبَوِيّةِ) عن مَجِيئِه (ص)، فقد أَعلَنُوا عنها نِعمَ المَلَأِ، وتَرَكُوا أَخبارَهُم لَنا في أَشْعارِهِم.. هذه الإِخباراتُ كَثِيرةٌ جِدًّا، فلا نَذكُرُ مِنها إلّا ما هُو مُنتَشِرٌ ومَشهُورٌ ومَقبُولٌ لَدَى رِجالِ السِّيَرِ والتّارِيخِ.
الأوَّلُ:ما رآه المَلِكُ تُبَّعٌ ییُعاءِ"ُلُوكِ اليَمَنِ یی مِن أَوْصافِ الرَّسُولِ (ص) في الكُتُبِ القَدِيمةِ، وآمَن. وأَعلَن ذلك شِعْرًا:
شَهِدتُ على أَحمَدٍ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ بارِي النَّسَمْ
فلو مُدَّ عُمْري إلِ مُؤنرِهِ لَكُنتُ وَزِيرًا له وابنَ عَمّ
أي: كُنتُ له كعَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ.
الثَّاني:إِعلانُ قُسِّ بنُ ساعِدةَ یی الشَّهِيرُ بأَبلَغِ خُطَباءِ العَرَبِ والمُوَحِّدُ یی عنِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ شِعْرًا قَبلمُ. قاعثةِ بالأَبياتِ الآتِيةِ:
— 211 —
أُرسِلَ فينا أَحمَدٌ خَيرُ نَبِيٍّ قد بُعِثْ
صَلَّى علَيْه اللهُ ما عَجَّ له رَكْبٌ وحَثّ
الثَّالثُ:ما قالَه كَعبُ بنُ لُؤَيٍّ وهُو أَحَدُ أَجْدادِ النَّبِيِّ (ص)، فأُلهِمَ هذا البا بمَبعنِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ.
على غَفْلةٍ يَأْتي النَّبِيُّ مُحَمَّدٌفيُخْبِرُ أَخبارًا صَدُوقًا خَبِيرُها
الرّابعُ:ما رَآه سَيْفٍُ، أي:ِي يَزَنَ أَحَدُ مُلُوكِ اليَمَنِ في الكُتُبِ السَّابِقةِ مِن أَوْصافِ الرَّسُولِ (ص)، وآمَنَ به واشْتاقَ إلَيْه، وعِندَما ذَهَب جَدُّ النَّبِيِّ (ص) إلى اليَمَنِ معَ قافِلةِ قُرَيْشٍ دَعاهُمُ اله التّ سَيْفُ بنُ ذِي يَزَنَ وقالَ لَهُم: إذا وُلِدَ بتِهامةَ وَلَدٌ بَينَ كَتِفَيْه شامةٌ، كانَت له الإِمامةُ، وإنَّك عَبدُ المُطَّلِبِ یی لَجَدُّه.
الخامِسُ:عِندَما نَزَل الوَحْيُ لِأَوَّلِ مَرّةٍ على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، أَخََعضًا خَوْفُ والرَّوْعُ، فانْطَلَقَتْ به خَدِيجةُ حتَّى أَتَت وَرَقةَ بنَ نَوْفَلٍ (ابنَ عَمِّ خَدِيجةَ)، فقالَت: يا ابنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابنِ أَخِيك. فقال له وَرَقةُ: يا ابنَ أَخِي، ماذا تَرَةٍ كأنخبَرَه رَسُولُ اللهِ (ص) ما رَأَى. فقال له وَرَقةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذي نَزَّلَ اللهُ على مُوسَى، يا لَيتَنِي فيها جَذَعًا! يا لَيتَنِي أَكُونُ حَيًّا إذ يُخرِجُك قَوْمُك!
ومِمّا قالَه وَرَقةُ: بَشِّرْ يا مُحَمَّدُ، إنِّي أَشهَدُ لشَّياأَنتَ النَّبِيُّ المُنتَظَرُ، وبَشَّرَ بكَ عِيسَى.
السَّادسُ:لَمّا رَأَى عَثْكَلانُ الحِمْيَريُّ العارِفُ بالله قُرَيْشًا قَبلَ البِعْثةِ قُ خَيرُم: هل فِيكُم مَن يَدَّعِي النُّبوّةَ؟ فأَجابُوه: لا، ثمَّ سَأَل السُّؤالَ نَفْسَه زَمَنَ البِعْثةِ، فقالُوا: نعم، إنَّ فِينا مَن يَدَّعِي النُّبوّةَ، فقال: إنَّ العالَمَ يَنتَظِرُه.ِ البَسَّابعُ:أَخبَرَ أَحَدُ عُلَماءِ النَّصارَى وهُو (الجارُودُ ابنُ عَبدِ اللهِ) عنِ النَّبِيِّ (ص) قَبلَ البِعْثةِ، ثمَّ جاءَ بَعدَ البِعْثةِ فرَأَى النَّبِيَّ (ص) وقال له: والَّذي بَعَثَك بالحَقِّ لَقَد وَجَدتُ صِفَتَك ف یی مِنجِيلِ، وبَشَّر بك ابنُ البَتُولِ.
الثَّامِنُ:قال النَّجاشِي مَلِكُ الحَبَشةِ الَّذي سَبَق ذِكْرُه: لَيْتَ لي خِدْمَتُه بَدَلًا عن هذه السَّلْطَنةِ.
— 212 —
وبَعدَما ذَكَرْنا ما تَنَبَّأَ به هَؤُلاءِ الَضِيَ ونَ بإِلهامٍ مِنَ اللهِ عن مَجِيءِ الرَّسُولِ (ص)، نُورِدُ ما قالَه الكُهّانُ وتَنَیبَّؤُوا به مِن أَخبارِ الغَيْبِ بواسِطةِ الأَرواحِ والجِنِّ، فقد صَرَّحُوا بمَجِيءِ النَّبِيِّ (ص)، وتَنَیبَّؤُوا عن نُبُوَّتِه وهُم كَثِيرطَرةِ لَكِنَّنا لن نُورِدَ هُنا إلّا ما هُو في حُكْمِ المُتَواتِرِ، ومَذكُورٌ في كُتُبِ السِّيرةِ والتّارِيخِ، ونُحِيلُ قِصَصَهُمُ المُطَوَّلةَ وجَمِيعَهُمُ المُسْهَبةَ إلى كُتُبِ السِّيرةِ؛ فلا نَذكُرُ هُنا إلّا الخُلاصةَ.
الأوَّلُ:الكاهِنُ المَوْسُومُ بی"شِقّ" الَّذي كان شِقَّ إِنسانٍ: يَدًا واحِدةً، ورِجْلًا واحِدةً، وعَيْنًا واحِدةً؛ أَخبَرَ هبَدَلًاهِنُ عنِ النَّبِيِّ (ص) مِرارًا حتَّى بَلَغَت أَقوالُه حَدَّ التَّواتُرِ.
الثَّاني:كاهِنُ الشَّامِ المُسَمَّى بی"سَطِيح" الَّذي كان أُعجُوبةً مِنَ العَجائِبِ، حَيثُ كان جَسَدًا لا جَوار:
ولا عَظْمَ فيه إلّا الرَّأْسُ، ووَجْهُه في صَدْرِه، وقد عاشَ كَثِيرًا، اشْتَهَرَت أَخبارُه الغَيبِيّةُ الصّادِقةُ كَثِيرًا حتَّى إنَّ كِسْرَى مَلِكَ فا لِذا ِندَما رَأَى الرُّؤْيا العَجِيبةَ الَّتي هالَتْه إِضافةً إلى انشِقاقِ شُرُفاتِ إِيوانِه الأَربَعَ عَشْرةَ وسُقُوطِها زَمَنَ وِلادةِ الرَّسُولِ (ص)، بَعَثَ عالِمًا اسمُه "مُوبَذانُ" لِِي كُللَ سَطِيحًا عن حِكْمةِ هذه الأُمورِ، فأَرسَلَ إلى كِسْرَى كَلامًا بهذا المَعنَى: "سيَحْكُمُ فيكُم أَربَعةَ عَشَرَ مَلِكًا، ثمَّ ستُمْحَى سَلْطَنَتُكُم وتُزالُ دَوْلتُكُم، وسيَأْتي مَن يُظهِرُ دِينًا جَدِيدًا، فيَكُونُ سَبَبًا في زَوالِي الإِكُم ودَوْلَتِكُم"، وهكذا أَخبَرَ سَطِيحٌ خَبَرًا صَرِيحًا عن مَجِيءِ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ.
وقد أَخبَرَ سَوادُ بنُ قارِبٍ الدَّوْسِيُّ، وخَنافِرُ وأَفعَى نَجْرانَ (مِن مُلُوكِها)، وجَذْلُ بنُ جَذْلٍ الكِنْدِيُّ، وابنُ خَلَصةَ الدَّوْسِيُّلنَّبِِمةُ بِنتُ النُّعمانِ النَّجّارِيّةُ وأَمثالُهُم مِنَ الكُهّانِ المَشهُورِينَ، قد أَخبَرُوا جَمِيعًا عن مَجِيءِ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ، وأنَّه مُحَمَّدٌ (ص) كما ذَكَرَتْه كُتُبُ التّارِيخِ والسِّيرةِ مُفَصَّلًا.
وإنَّ سَعْدَ با يَعرتِ كُرَيزٍ وهُو مِن أَقارِبِ عُثْمانَ رَضِيَ الله عَنهُ قد تَلَقَّى بطَرِيقِ الكَهانةِ خَبَرَ نُبُوّةِ مُحَمَّدٍ (ص) مِنَ الغَيْبِ، فأَشارَ إلى عُثْمانَ رَِ أَيّلله عَنهُ بالإِيمانِ في أَوَّلِ ظُهُورِ الإِسلامِ قائِلًا: انْطَلِقْ إلى مُحَمَّدٍ وآمِنْ. فآمَنَ عُثْمانُ، وأَوْرَدَه سَعْدٌ شِعْرًا:
— 213 —
هَدَى اللهُ عُثْمانَ بقَوْلي إلى الَّتيبها رُشْدُه واللهُ يَهْدِي إلى الحَقِّ
اءٍ، بَرَتِ الهَواتِفُ أَيضًا كما أَخبَرَ الكُهّانُ عن مَجِيءِ الرَّسُولِ (ص). والهاتِفُ هو الصَّوْتُ العالي الَّذي يُسْمَعُ مِمَّن لا يُرَى شَخْصُ9
يَحتمِنها:سَماعُ ذِيابِ بنِ الحارِثِ هاتِفًا مِن جِنِّيٍّ، وأَصبَحَ سَبَبًا لإِسْلامِه وإِسلامِ غَيرِه:
يا ذِيابُ يا ذِياب
اِسْمَعِ العَجَبَ العُجابْ
بُعِثَ مُحَمَّدٌ بالكِتابْ
يَدْعُو بمَكّة فلا يُجابْ
ومِنها:سَماعُ ابنِ قَلَّقُالغَطَفانِيُّ هاتِفًا يقُولُ:
جاءَ حَقٌّ فسَطَعْ
ودُمِّر باطِلٌ فانْقَمَعْ
فكانَ سَبَبًا في إِيمانِ بَعضِ النّاسِ.
وهكَذا، فبِشارةُ الكُهّانِ والهَواتِفِ مَشهُورةٌ وكَثِيرةٌ جِدًّا.
وقد سُمِعَ يُّ الوْفِ الأَصنامِ وذَبائِحِ النُّصُبِ خَبَرُ مَجِيءِ النَّبِيِّ (ص) كما سُمِعَ مِنَ الكُهّانِ والهَواتِفِ.
مِنها:أنَّ صَنَمَ قَبِيلةِ مازِنٍ أَخبَرَ عنِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ، إذ نادَى فقال: هذا النَّبِيُّ المُرسَلُ، جاءَ بالحَقِّ المهُمُ ا.
وكَذلِك فإنَّ سَبَبَ إِسلامِ عَبّاسِ بنِ مِرْداسٍ هذه الحادِثةُ المَشهُورةُ: أنَّه كان له صَنَمٌ يُسَمَّى بی"ضِمار"، فقالَ ذلك الصَّنَمُ يَوْمًا.
أَوْدَى ضِماَشاهِدن يُعبَدُ قَبلَ البَيانِ مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وقد سَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنهُ قَبلَ إِسلامِه صَوْتًا مِن عِجْلٍ قرَّبَه رَجُلٌ لِيَذْبَحَه قُرْبانًا لِصَنَمٍ يقُولُ: يا آ
سَّبِيح، أَمْرٌ نَجِيح، رَجُلٌ فَصِيح، يَقُولُ: لا إلٰهَ إلّا اللهُ.
وهكذا، فهُناك حَوادِثُ مُشابِهةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا أَمثالَ ما ذَكَرْناه قد نَقَلَتْها الكُتُبُ المَوثُوقةُ في السِّيرةِ والتّارِيخِ.
— 214 —
وكما أنَّ الكُهّانَ والعارِفِينَ يا الر والهَواتِفَ یی حتَّى الأَصنامَ والذَّبائِحَ یی أَخبَرُوا عنِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ، وأَصبَحَ كُلُّ حادِثٍ سَبَبًا لِإِسلامِ قِسمٍ مِنَ النّاسِ، كذَلِك بَعضُ الَ فيهاِ وشَواهِدِ القُبُورِ وُجِدت علَيْها عِباراتٌ بالخَطِّ القَدِيمِ "مُحَمَّدٌ مُصْلِحٌ أَمِينٌ"، وقد آمَنَ بسَبَبِ ذلك قِسمٌ مِنَ النّاسِ.
نعم، إنَّ عِبارةَ "مُحَمَّدٌ مُصْلِحٌ أَمِينٌ" حَرِيَّةٌ بالنَّبِيِّ ّاوُوسذ هُو المُتَّصِفُ بالمُصْلِحِ الأَمِينِ، ولِأَنَّه لم يَكُن قَبلَ ذلك مَن يَتَسَمَّى بِاسمِ مُحَمَّدٍ سِوَى رِجالٍ، وهُم غَيرُ جَدِيرِينَ بهذا الوَصفِ.
القِسمُ الثَّالثُ مِنَ الإِرهاصاتِ:
الآَنافِعالحَوادِثُ الَّتي ظَهَرَت عِندَ مَوْلِدِه (ص)،فالحَوادِثُ الَّتي يَرتَبِطُ ظُهُورُها بمَوْلِدِه، والَّتي حَدَثَتْ قَبلَ البِعْثةِ، يُعَدُّ كُلٌّ مِنها مُعجِزةً مِن مُعجِزاتِه، وهي كَثِيرةٌ جِدًّا، إلّا أنَّنا سنُورِدُ هُنا أَمثِلَبِيَّهُورةً قَبِلَها أَئِمّةُ الحَدِيثِ، وثَبَتَت لَدَيْهِم صِحَّتُها.
الأوَّلُ:ما رَأَتْه أُمُّه (ص) "مِنَ النُّورِ الَّذي خَرَج مَعَه عِندَ وِلادَتِه"، ورَأَتْهينَما عُثْمانَ ابنِ العاصِ وأُمُّ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوْفٍ اللَّتانِ باتَتا عِندَها لَيْلةَ الوِلادةِ. فقد قُلْنَ: رَأَيْنا نَوْرًا حِينَ الوِلادةِ أَضاءَ لَنا ما بَينَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ...
الثوللإشاانتِكاسُ مُعظَمِ الأَصنامِ الَّتي كانَت في الكَعْبةِ.
الثَّالثُ:"ارْتِجاجُ إِيوانِ كِسْرَى وسُقُوطُ شُرُفاتِه" الأَرْبَعَ عَشْرةَ.
الرَّابعُ:"غَيضُ بُحَيْرةِ ساوَةَ" تلك اللَّيْلةَ، وهي الَّتي كلِّ حَُقَدَّسُ؛ "وخُمُودُ نارِ فارِسَ وكانَ لَها أَلفُ عامٍ لم تَخْمُدْ" حَيثُ كانَت تُوقَدُ في إِصْطَخْرَابادَ، ويَعبُدُها المَجُوسُ.
فهذه الحَوادِثُ الأَربَعُ إنَّما هي إِشاراتٌ إلى أنَّ ذلك المَوْلُودَ الجَدِيدَ سيَحْظُرُ عِ وثَبالأَصنامِ، وسيُدَمِّرُ سَلْطَنةَ فارِسَ، وسيُحَرِّمُ تَقدِيسَ ما لا يَأْذَنُ به اللهُ.
الخامِسُ:حادِثةُ الفِيلِ: وهي معَ أنَّها لَيسَت مِن حَوادِثِ تلك اللَّيْلشَّدِيّا أنَّها قَرِيبةُ الحُدُوثِ لِلوِلادةِ، لِذا فهي مِنَ الإِرهاصاتِ أَيضًا، وقد بَيَّنَها القُرآنُ الكَرِيمُ في
— 215 —
سُورةِ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ...، وخُلاصةُ قِصَّتِها: أنَّ أَبْرَهةَ مَلِكَ الحَبَشةِ أَرادَ هَذِه الكَعْبةِ، فساقَ أَمامَ الجَيْشِ فِيلًا عَظِيمًا يُقالُ له: "مَحْمُودٌ"، فلَمّا وَصَلَ الفِيلُ قُرْبَ مَكّةَ بَرَك ولم يَمْضِ مَهْما حاوَلُوا مَعَه، فلَمّا عَجوا
#10عادُوا، إلّا أنَّ طُيُورَ أَبابِيلَ لم تَتْرُكْهُم سالِمِينَ، فرَمَتْهُم بحِجارةٍ مِن سِجِّيلٍ، وأَذَلَّتْهُم، فانْهَزَمُوا شَرَّ هَزِيمةٍ. هذه القِصّةُ مَشهُورةٌ في كُتُبِ التّارِيخ، وهِي مِن عَلائِمِ نُبُوَّتِه (ص) يَدنُ نَجَتْ قِبلَتُه وأَحَبُّ مَوْطِنٍ إلَيْه: (الكَعْبةُ) مِن دَمارِ أَبْرَهةَ نَجاةً خارِقةً لِلعادةِ.
السَّادِسُ:إِظلالُ اللهِ له بالغَمامِ في سَفَرِه، وقد رُوِيَ أنَّ حَلِيمةَ السَّعْدِيّةَ رَأَت غَءَت فأتُظِلُّه وهُو عِندَها في صِباه، وشَهِدَها زَوْجُها، فأَخبَرَ النَّاسَ بذلك، فصارَت حادِثةً مَعرُوفةً مَشهُورةً.
"كما رَأَى الغَمامَ بلِلوال الرَّاهِبُ وأَراهُ النَّاسَ لَمَّا سافَرَ لِلشَّامِ مَعَ عَمِّه وهُو في الثَّانِيةَ عَشْرةَ مِنَ عُمُرِه".
"وفي رِوايةٍ: أنَّ خَدِيجةَ ونِساءَها رَأَيْنَه لَمّا قَدِمَ" (ص) مِن سَفَرِه مِنَ الشّامِ، "، ومِنانِ يُظِلّانِه كالغَمامِ، فذَكَرَت ذلك لِمَيْسَرةَ" غُلامِ خَدِيجةَ "فأَخبَرَها أنَّه رَأَى ذلك مُنذُ خَرَج مَعَه في سَفَرِه".
السَّابعُ:وثَبَتَ بالنَّقْلِ الصَّحِيح: "أنَّه نَزَل في بَعضِ أَسفارِه قَبلَ البِعْثةِ تَحتَ شَجَرةٍ يقِه عن، فاعْشَوْشَبَ ما حَوْلَها وأَيْنَعَتْ هيَ فأَشْرَقَت" أي: نَمَت وعَلَت "وتَدَلَّت علَيْه أَغصانُها".
الثَّامنُ:"وأنَّه كانَ إذا أَكَل مَعَ عَمِّه أبي طالِبٍ وآدُ المُو صَغِيرٌ شَبِعُوا ورَوُوا، وإذا غابَ فأَكَلُوا في غَيْبَتِه لم يَشْبَعُوا"، وهذه حادِثةٌ مَشهُورةٌ وصَحِيحةٌ.
وقد قالَت أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلاةُ رَسُولٌِ، ولا (ص) وحاضِنَتُه: "ما رَأَيتُه (ص) شَكَا جُوعًا ولا عَطَشًا، صَغِيرًا ولا كَبِيرًا".
التَّاسِعُ:البَرَكةُ الَّتي حَصَلَت في غَنَمِ مُرضِعَتِه حَلِيمةَ السَّعْدِيّةِ وجِمالِها، خِلافًا لِلقَوْمِ؛ وهذه حادِثا لِلقهُورةٌ ولا رَيْبَ في صِحَّتِها.
— 216 —
و"أنَّ الذُّبابَ كان لا يَقَعُ على جَسَدِه ولا ثِيابِه"، وما كان يُؤْذِيه؛ ولَقَد وَرِثَ الشَّيخُ عَبدُ القادِرِ الگيْلانِيُّ (قُدِّس الفَتُه) هذا عن جَدِّه الأَعظَمِ (ص)، إذ كان لا يَقَعُ علَيْه الذُّبابُ أَيضًا.
العاشِرُ:كَثْرةُ الرَّجْمِ بالشُّهُبِ السَّماوِيّةِ بَعدَ مَجِيءِ النَّبِيِّ (ص) لِلدُّنيا، ولا سِيَّما ل فِي ا مَوْلِدِه.
ولقد أَثْبَتْنا سُقُوطَ الشُّهُبِ السَّماوِيّةِ ورَجْمَ الشَّياطِينِ في "الكَلِمةِ الخامِسةَ عَشْرةَ"، وبَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن سُقُوطِ الشُّهُبِ السَّماوِمُ مَهُو الإِشارةُ إلى قَطْعِ رَصْدِ الشَّياطِينِ والجِنِّ عنِ السَّماءِ، ومَنعِهِم مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ. فما دامَ الرَّسُولُ (ص) قد بَرَزَ بالوَحْيِ إلى العالَمِ أَجْمَ إذا قزِمَ إِذًا أن تُمنَعَ أَقْوالُ الكُهّانِ ومَن يَتَكلَّمُ عنِ الغَيْبِ مِن أَقوالِ الجِنِّ المُلَفَّقةِ بالكَذِبِ وخِلافِ الواقِعِ حتَّى لا يَلْتَبِسَ الودًا، إبغَيْرِه، ولا تَكُونَ هُناكَ أَيّةُ شُبْهةٍ كانَت في أَمْرِ الوَحْيِ؛ فلَقَد كانَتِ الكَهانةُ كَثِيرةً جِدًّا قَبلَ النُّبوّةِ، ولَكِنْ بَعدَ نُزُولِ القُرآنِ الكَرِيمِ حُظِرَت بَتاتًا، حتَّى إنَّ كَثِيرِينَ مِنهُم آمَنُوا، لِأَنَّهُم لهما بمدُوا مُخْبِرِيهِم مِنَ الجِنِّ لِيَتَنَبَّؤُوا لَهُم بالأَخبارِ الغَيبِيّةِ، فسَدَّ القُرآنُ الكَرِيمُ إِذًا الطَّرِيقَ علَيْهِم؛ ولَقَد ظَهَر نَوْعٌ مِنَ الكَهانةِ النبَرُ،ةِ في أَوْرُوبّا في الوَقْتِ الحاضِرِ لَدَى الوَسائِطِ الَّذِين يُرِيدُونَ تَحْضِيرَ الأَرْواحِ... وعلى كُلِّ حالٍ...
الحاصِلُ:لقد ظَهَرَت حَوادِثُ كَثِيرةٌ وأَشْخاصٌ كَثِيرُونَ لِتَأْيِيدِ نُبُوّةِ مُحَمَّدٍ (ص) قَبلَ بِعْثَتِه.
نعلِيغٍ،َ الَّذي سيَكُونُ سَيِّدَ العالَمِ (حاشية): إنَّ مَن قِيلَ في حَقِّه: "لَوْلاك لَوْلاك.." لَهُوَ سَيِّدٌ عَظِيمٌ حَقًّا؛ إذ يَدُومُ سُلْطانُه أَلفًا وثَلاثَ مِئةٍ وخَمسِين سَنةً، وله أَتباعٌ في كلِّ عَصْرٍ بعدَ عَصْرِابِعِييدُون على ثلاثِ مِئةٍ وخَمسِين مِلْيُونًا مِنَ البَشَرِ، وقد بسَطَ رايَتَه في نِصفِ المَعمُورةِ، ويُجَدِّدُ معَه أَتباعُه البَيعةَ يوميًّا في صَلُولُونم وسلامِهِم عليه وبكُلِّ استِسْلامٍ وإِذعانٍ، ويَنقادُون لِأَوامِرِه. مَعْنًى، والَّذي سيُبَدِّلُ مَلامِحَ العالَمِ المَعنَوِيّةَ، والَّذي سيُحَوِّلُ الدُّنيا مَزْرَعةً لِلآخِرةِ، والَّذي سيُعْلِنُ عن عُلُوِّ مَنزِلةِ المَخلُوقاتدراكِهاسَتِها، والَّذي سيَهْدِي الجِنَّ والإِنسَ إلى الرُّشْدِ وطَرِيقِ السَّعادةِ،
— 217 —
ويُنقِذُهُم یی وهُمُ الفانُونَ یی مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، والَّذي سَيَحُلُّ حِكْمةَ الخَلْقِ واللُّغْزَ المُحَيِّرَ لِلعالَمِ، والَّذي سيَعْلَمُ ويُعَلّحُبُّهقاصِدَ رَبِّ العالَمِينَ، والَّذي سيَعْرِفُ ويُعَرِّفُ ذلك الخالِقَ العَظِيمَ.. إنَّ إِنسانًا كَهَذا لا بُدَّ أن يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ، وكُلُّ نَوْع، وكُلُّ طلجَيشَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، مُشْتاقًا إلى مَجِيئِه وسيَرْقُبُه بلَهْفةٍ، ويَستَعِدُّ احتِفاءً بمَقْدَمِه العَظِيمِ، بل سيُبَشِّرُ الآخَرِينَ بقُدُومِه إذا ما أَعْلَمَه خالِقُه بذَلِك، كما رَأَيْن إلى اداقَ ذلك في الإِشاراتِ والأَمثِلةِ السّابِقةِ مِن أنَّ كلَّ نَوْعٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ قد أَظْهَرَ مُعْجِزاتِه بما يُشْبِهُ التَّرحِيبَ به، وكَأَوَقتِ قُولُ بلِسانِ المُعْجِزةِ: أَنتَ صادِقٌ في دَعْوَتِك.
الإشارةُ السَّابعةَ عَشْرةَ
إنَّ أَعظَمَ مُعجِزةٍ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) بَعدَ القُرآنِ اهلِ المِ هي ذاتُه المُبارَكةُ، أي: ما اجْتَمَع فيه (ص) مِنَ الأَخلاقِ السّامِيةِ والخِصالِ الفاضِلةِ، وقدِ اتَّفَق الأَعداءُ والأَوْلِياءُ على أنَّه أوأَشَد النّاسِ قَدْرًا، وأَعظَمُهُم مَحَلًّا، وأَكمَلُهُم مَحاسِنَ وفَضْلًا؛ حتَّى إنَّ بَطَلَ الشَّجاعةِ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ يقُول"،فماّا كُنّا إذا حَمِيَ البَأْسُ یی ويُرْوَى: اشْتَدَّ البَأْسُ یی واحْمَرَّتِ الحَدَقُ، اتَّقَيْنا برَسُولِ الله (ص)".. وهكَذا كان (ص) في ذِرْوةٍ لا يَرْقَى إلَيْها أَحَدٌ غَيرُه مِن كُلِّ خَصْلةٍ حَمِيدةٍ، كما هُو في الشَّجاعةِ.
نُحِيلُُبُ عللمُعْجِزةَ الكُبْرَى إلى كِتابِ "الشِّفا في حُقُوقِ المُصْطَفَى (ص)" لِلقاضِي عِياضٍ المَغْرِبيِّ، فقد أَجادَ فيه حَقًّا وفي بَيانِها أَيَّما إِجادةٍ، وأَثبَتَها في أَجْمَلِ تَفْصِيلٍ.
ثمَّ إنَّ الشَّرِيعةَ الغَرّاءَ الالحُجّم يَأْتِ ولا يَأْتي مِثلُها هي مُعْجِزةٌ أُخرَى عَظِيمةٌ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، حتَّى اتَّفَقَ الأَعداءُ والأَصدِقاءُ علَيْها..
نهذا ال تَفْصِيلَ هذه المُعجِزةِ وبَيانَها إلى جَمِيعِ ما كَتَبْناه مِنَ "الكَلِماتِ" الثَّلاثِ والثَّلاثِينَ، و"المَكتُوباتِ" الثَّلاثةِ والثَّلاثِينَ و"اللَّمَعاتِ" الإِحْدَى والثَّلاثِينَ و"الشُّعاعاتِ" الثَّلاثَ عَشْرةَ.
— 218 —
ثمَّاختِياجِزةُ العُظْمَى.. تلك هي مُعْجِزةُ "انشِقاقِ القَمَرِ" الَّتي رُوِيَت رِواياتٍ مُتَواتِرةً، وهي ثابِتةٌ ثُبُوتًا قاطِعًا لا تَقتَرِبُ مِنها شُبْهةٌ، فقد رُوِيَت بطُرُقٍ عَددَّقِيوبصُورةٍ مُتَواتِرةٍ عنِ: ابنِ مَسعُودٍ، وابنِ عَبّاسٍ، وابنِ عُمَرَ، والإِمامِ عَلِيٍّ، وأَنَسٍ، وحُذَيْفةَ، وأَمثالُهُم كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابةِ الأَجُِ فِيهرِضْوانُ اللهِ تَعالَى علَيْهِم أَجمَعِينَ؛ فَضْلًا عن تَأْيِيدِ القُرآنِ الكَرِيمِ وإِعلانِه تلك المُعْجِزةَ في: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ،َدَيَّ يَسَعْ كُفّارَ قُرَيْشٍ وهُم أَهلُ عِنادٍ وتَعَنُّتٍ أن يُنكِرُوا هذه المُعْجِزةَ، ولكِنَّهُم قالُوا: "إنَّه سِحْرٌ"، أي: أنَّ انشِقاقَ القَمَرِ أَمرٌ ثابِتٌ مَقْطُوعٌ به حتَّى مِن قِبَلِ الكُفّاِر أَنفُسِهِم، إلّا أاسَ بأم أَوَّلُوا الحادِثةَ بأَنَّها سِحْرٌ.
نُحِيلُ إلى رِسالةِ انشِقاقِ القَمَرِ الَّتي هيَ ذَيلُ "رِسالةِ المِعْراجِ".
ثمَّ إنَّ الرَّسُولَ الكَرم تَبْص) أَظهَرَ المُعجِزةَ العُظْمَى یی مُعْجِزةَ "المِعراجِ" یی لِأَهلِ السَّماءِ كما أَظْهَرَ لِأَهلِ الأَرضِ مُعْجِزةَ "انشِقاقِ القَمَرِ"، فنُحِيلُ إلى رِسالةِ "المِعراجِ"، وهي "الكَلِمةُ الحادِيةُ مُقْملاثُونَ"، التي أَثبَتَت صِدْقَ تلك المُعْجِزةِ وأَظْهَرَتْها بوُضُوحٍ، إلّا أنَّنا سنَذْكُرُ هُنا ما هُو مُقَدِّمةٌ لتِلك المُعْجِزةِ، وهي سَفَرُه (ص) إلى بَيْتِ المَقْدِسِ،، والمُعْجِزةُ الحاصِلةُ جرّاءَ طَلَبِ قُرَيْشٍ رآةِ وَصْفَ بَيْتِ المَقْدِسِ صَبِيحةَ المِعْراجِ.
فعِندَما أَخبَرَ الرُّسُولُ الكَرِيمُ صَبِيحةَ لَيْلةِ المِعْراجِ عن سَفَرِه، كَذَّبَتْه قُرَيْشٌ وقالُوا: إن كُنتَ حَقًّا قد ذَهَبَْوفِيق بَيْتِ المَقْدِسِ فصِفْ لَنا أَبْوابَه وجُدْرانَه وأَحْوالَه.
قالَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص): "فكُرِبتُ كُرْبًا لم أُكرَبْ مِثلَه قَطئِلِ الَّى اللهُ لي بَيْتَ المَقْدِسِ، وكَشَف الحُجُبَ بَينِي وبَينَه حتَّى رَأَيتُه، فنَعَتُّه وأَنا أَنظُرُ إلَيْه"، فتَيَقَّنَتْ قُرَيْشٌ مِنَ الخَبَرِ، "وقالُوا: مَتَى تَجِيءُ؟" أيِ".
فِلةُ الَّتي رَآها الرَّسُولُ في الطَّرِيقِ، "قال: يَوْمَ الأَربِعاءِ. فلَمَّا كانَ ذلك اليَوْمُ أَشْرَفَت قُرَيْشٌ يَنتَظِرُونَ وقد وَلَّى النَّهارُ، ولم تَجِئْ، فدَعا رَسُولُ اللهِ (ص)، فزِيدَ له في النَّهارِ ساعةَكُم. ِسَتِ الشَّمْسُ".
فأَنتَ تَرَى أنَّ الأَرْضَ تُعَطِّلُ وَظِيفَتَها ساعةً مِن نَهارٍ تَصْدِيقًا لِخَبَرِه (ص)، وتَشهَدُ على صِدْقِه الشَّمْسُ الضَّخْمةُ.. تُرَى! ما أَشْقاهُ ذلك الَّذي لا يُصَدِّقُ كَيُعادِذا النَّبِيِّ
— 219 —
الكَرِيمِ (ص) الَّذي عَطَّلَتِ الأَرْضُ وَظِيفَتَها وحَبَسَتِ الشَّمْسُ نَفْسَها تَصْدِيقًا لِكَلامِه! وما أَسْعَدَ أُولَئِكُلتُ لين نالُوا شَرَفَ امتِثالِ أَوامِرِه (ص) وقالُوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا! تَأَمَّلْ في هذا وقُلْ:
الحَمْدُ للهِ على الإِيمانِ والإِسلامِ.
الإشارةُ الثَّامِنةَ عَشْرةَ
إنَّ أَعظَمَ مُعْجِزة ويُسَمُعْجِزاتِ الرَّسُولِ الأَكْرَمِ (ص) هو القُرآنُ الكَرِيمُ، الَّذي يَضُمُّ مِئاتِ دَلائِلِ النُّبوّةِ، وقد ثَبَتَ إِعجازُه بأَربَعِينَ وَجْهًا كما في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشْرِينَ"، لِذا سنُحِيلُ بَيانَ هذا الكَنْزِ العَظِيمِ لِلمُ0
والآتِ إلى تلك الكَلِمةِ، ونَكْتَفِي هُنا ببَيانِ ثَلاثِ نِكاتٍ دَقِيقةٍ.
النُّكتة الأولى:
سُؤالٌ:إنْ قِيلَ: إنَّ سِرَّ إِعجازِ القُرآنِ الكَرِيمِ إنَّما هُو في بَلاغَتِه دٍ، وكقةِ، بَينَما لا يَرْقَى إلّا واحِدٌ مِنَ الأَلْفِ مِن عُلَماءِ البَلاغةِ الفَطاحِلِ إلى إِدْراكِ هذا السِّرِّ، معَ أنَّه كان يَنبَغِي أن يكُونَ لِكُلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ النّاسصاحِبُِها مِن هذا الإِعجازِ؟
الجَوابُ:إنَّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ إِعجازًا لِكُلِّ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ النَّاسِ، يُشْعِرُ بأُسْلُوبٍ مُعَيَّنٍ وبنَمَطٍ خاصٍّ.
فمَثلًا؛يُبيِّنُ إِعجازَه الباهِرَ في البَلاغةِ "لِأَهلِ البَلاغةِ والفَصاحةِ"بِنُورمَثلًا؛يُبيِّنُ أُسلُوبَه الرَّفيعَ الجَمِيلَ الفَرِيدَ "لِأَرباب الشِّعْرِ والخَطابةِ"، هذا الأُسلُوبُ معَ أنَّه تَستَسِيغُه كُلُّ طَبَقةٍ مِنَ النَّاسِ إلّا أنَّ أَحَدًا لا يَقدِرُ على تَقْلِيدِه، فلا تُخْلِقُه كَثْرةُ الرَّدِّ، ولا يَُثبُتُ مُرُورُ الزَّمانِ، فهُو أُسلُوبٌ غَضٌّ طَرِيٌّ يَحتَفِظُ بفُتُوَّتِه وشَبابِه ونَضارَتِه دائِمًا، وهُو أُسلُوبٌ يَحمِلُ مِنَ النَّثْرِ المَنظُومِ والنَّظْمِ المَنثُورِ ما يَجعَلُه رَفِيعًا عالِيًا ولَذِةِ، فأُمْتِعًا في الوَقْتِ نَفْسِه.
— 220 —
ثمَّ إنَّه يُبيِّنُ إِعجازَه فيما يُخبِرُ مِن أَنباءٍ مُعْجِزةٍ عنِ الغَيبِ، فيَتَحدَّى به طَبَقةَ الكُهَّانِ "والَّذين يَدَّعُونَ أنَّهم يُخبِرُونَ أَشياءَ عنِ الغَيْبِ".
ثمَّ إنَّه يَقُصمُثمِرأَهلِ التَّارِيخِ" والَّذين يَتَتبَّعُون أَحداثَ العالَمِ مِنَ العُلَماءِ ما يُشعِرُهُم إِعجازَه، وذلك بذِكْرِه أَحداثَ الأُمَمِ الغابِرةِ وأَحْوالَها، وما سيَحْدُثُ في المُستَقْبَلِ مِن وَقائِعَ، سَواءٌ في الحَيامِمّا ُّنيا أو في البَرْزَخِ أو في الآخِرةِ، فيَتَحَدّاهُم بإِعجازِه الرَّائِعِ هذا.
ويَعرِضُ أَيضًا إِعجازَه "لِعُلَماءِ الِاجتِماعِ والسِّياسةِ والحُكْمِ"، وذلك بعَرْضِ ما في الدُونَ جيرِ القُرآنيّةِ المُقَدَّسةِ مِن إِعجازٍ.. نعم، إنَّ الشَّرِيعةَ الغَرَّاءَ المُنبَثِقةَ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ تُظْهِرُ إِظهارًا تامًّا سِرَّ ذلك الإِعجازِ.
ويُبيِّنُ كذلك لِأُولَئِك الَّذين تَوَغَّلُوا في "الجَمِ إفِ الإلٰهِيّةِ والحَقائِقِ الكَونيّةِ" إِعجازًا باهِرًا في سَوْقِه الحَقائِقَ الإلٰهِيّةَ السَّامِيةَ المُقَدَّسةَ، أو يُشْعِرُهُم بوُجُوأُفَوا الإِعجازِ.
ولِأُولَئِك الَّذين يَسلُكُونَ "طُرُقَ الوِلايةِ والتَّصَوُّفِ" يُبيِّنُ القُرآنُ الكَرِيمُ إِعجازَه لَهُم بكُنُوزِ الأَسرارِ الَّتي يَنطَوِي علَِثلَ: َحْرُ آياتِه الزّاخِرةِ.
وهكذا تُفتَحُ أَمامَ كلِّ طَبَقةٍ مِنَ الطَّبَقاتِ الأَربَعِينَ لِلنّاسِ نافِذةٌ مُطِلّةٌ على الإِعجازِ الباهِرِ، بل إنَّه يُبيِّنُ إِعجازَه حتَّى لِأُولَئِك الَّذينَصَّتَمْلِكُون سِوَى قُدْرةِ الِاستِماعِ مِن دُونِ أن يَقْدِرُوا على التَّوَغُّلِ في الفَهْمِ مِن "عَوامِّ النّاسِ"، فنَراهُم يُصَدِّقُون إِعجازَه ويَشعُرُونَ به بمُجَرَّدِ سماعِهِم له، إذ يُحاوِرُ ذلك العامِّيُّ نَفسَه ويقُولُ: "إَّلام سلُوبَ هذا القُرآنِ يَختَلِفُ تَمامًا عن أَساليبِ الكُتُبِ الأُخرَى، فإِمّا أنَّه في مُستَوًى مِنَ الأُسلُوبِ هُو أَدنَى مِنها، وهذا مُحالٌ یی بل لم يَتَفوَّهْ به أَلَدُّ الأَعداءِ وأَهلُ الخُصُِه علىی أو هُو أُسلُوبٌ أَرقَى مِنَ الجَمِيع، أي: أنَّه مُعْجِزٌ".
فالعامِّيُّ الَّذي لا يَستَطِيعُ إلّا الِاستِماعَ، يَفهَمُ الإِعجازَ على هذه الشّاكِلةِ، ولِأَجلِ أن نُساعِدَه شَيْئًا في إِدْراكِه هذا نُوَضِّحُ ما يَلِي:
— 221 —
لا تَ أَثارَ القُرآنُ الكَرِيمُ لَدَى النّاسِ مِن أَوَّلِ ما بَرَز إلى مَيْدانِ التَّحَدِّي رَغْبَتَينِ شَدِيدَتَينِ:
أُوْلاهُما:رَغْبةُ التَّقْلِيدِ لَدَى أَوْليائِه، أي: تَفرَُّمُ الشَّدِيدُ بالتَّشَبُّه بأُسلُوبِه الرَّفِيعِ، فاشْتَاقُوا إلى تَشْبِيهِ أُسلُوبِهِم به.
ثانيَتُها:الرَّغبةُ في المُعارَضةِ والنَّقْدِ الَّتي تَوَلَّدَت لَدَى الأَعداءِ وتَصدِيماءِ، أي: الإِتيانُ بأُسلُوبٍ مِثلِه لِدَحْضِ دَعوَى الإِعجازِ.
فهاتانِ الرَّغْبَتانِ الشَّدِيدَتانِ سَبَّبَتا ظُهُورَ مَلايِينِ الكُتُبِ العَرَبِيّةِ الماثِلةِ أَمامَنا، ولكِن لو قارَنّا أَبلَغَ هذه الٍ یی و وأَوْضَحَها قاطِبةً بالقُرآنِ الكَرِيمِ، أي: لو قَرَأْناهُما مَعًا لَقالَ كُلُّ سامِعٍ وقارِئٍ بلا تَرَدُّدٍ: إنَّ القُرآنَ لا يُشْبِهُ أَيًّا مِن هذه الأَسالِيبِ، فهُو إِذًا لَيسَ بمُسالوُجُتلك الكُتُبِ، فإِمَّا أنَّه أَدْنَى أُسلُوبًا مِنَ الجَمِيعِ، وهذا مُحالٌ بلا أَدنَى رَيْبٍ، ولم يَتَفوَّهْ به أَحَدٌ قَطُّ بل حتَّى الشَّيْطانُ يَستَطِ عن أن يَتَفوَّه بهذا، (حاشية): إن المبحث الأول المهم للمكتوب السادس والعشرين يُوضِّح هذه الفِقْرة. فثَبَت إِذًا أنَّ أُسلُوبَ القُرآنِ الكَرِيمِ فَوْقِيّةِ مِيعِ، وذلك بإِعجازِه الرَّائِعِ.
بل إنَّ "العامِّيَّ الجاهِلَ" الَّذي لا يَفهَمُ شَيئًا مِن مَعاني القُرآنِ الكَرِيمِ يَشعُرُ بإِعجازِ الن لا ي مِن عَدَمِ سَأَمِه في التِّلاوةِ، فيُحاوِرُ ذلك العامِّيُّ الجاهِلُ قائِلًا: إنَّ الِاستِمرارَ في تِلاوةِ هذا القُرآنِ لا يُوَلِّدُ السَّأَمَ قَطُّ، بل تَزِيدُ كَثْرةُ تِلاوَتِه ح لِوَحَه، بَينَما لوِ استَمَعْتُ إلى قَصائِدَ جَمِيلةٍ رائِعةٍ لِمَرّاتٍ عِدّةٍ فإِنِّي أَشعُرُ بالمَلَلِ، لِذا فالقُرآنُ لَيسَ بكَلامِ بَشَرٍ بلا شَكٍّ.
ثمَّ إنَّ "الأَطفالَ" الَّذين يَرغَبُون في حِفْظِ القُرآنِ الكَرِيمِ، ي التَُّ لَهُم إِعجازَه في قُدْرَتِهِم على حِفْظِه في عُقُولِهِمُ اللَّطِيفةِ الصَّغِيرةِ، على الرَّغْمِ مِن وُجُودِ مَواضِعَ مُتَشابِهةٍ تَلتَبِسُ علَيْهِم، فتَراهُم يَحفَظُونَ القُرآنَ الكَرِيمَ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍَكَّ فَما يَعجِزُونَ عن حِفْظِ صَحِيفةٍ واحِدةٍ مِن غَيرِه.
بل حتَّى "المَرْضَى والمُحتَضَرُونَ" في سَكَراتِ المَوْتِ مِمَّن يَتَأَلَّمُونَ بأَدْنَى
— 222 —
كالنَّت تَراهُم يَستَمِعُونَ إلى القُرآنِ الكَرِيمِ، وتَنزِلُ آياتُه على أَسماعِهِم كأَنَّها السَّلسَبِيلُ، وبِهَذا يَشعُرُونَ بإِعجازِه.
نَحصُلُ مِمَّا سَبَق:أنَّ القُرآنَ امَخمُومَ لا يَدَعُ أَحَدًا مَحْرُومًا مِن تَذَوُّقِ إِعجازِه، فلِكُلِّ طَبَقةٍ مِن أَربَعِينَ طَبَقةً مِنَ الطَّبَقاتِ المُتَبايِنةِ لِلنَّاسِ حَظُّّاسَ م هذا الإِعجازِ أو يُشعِرُها القُرآنُ بإِعجازِه، حتَّى إنَّه بيَّنَ نَوْعًا مِن إِعجازِه لِأُولَئِك الَّذين لَيسَ لَهُم نَصِيبٌ مِنَ العِلمِ، ولا يَمْلِكُونَ "سِوَى الرُّؤْيةِ" (حاشية): تَّجَزَجْهَ الإعجازِ لِهذه الطَّبَقة الفاقِدةِ للسَّمْع والعِلمِ والإدراكِ، والَّتي لا تَملِكُ سِوى الرُّؤيةِ قد ظَلَّ مُجمَلًا وناقصًا مَبتُورًا، إلّا أن "المَك مِن مالتاسعَ والعِشرين" و"المَكتُوبَ الثَّلاثين" (٭)، قد وَضَّحا بجَلاءٍ تامٍّ هذا النَّوعَ مِنَ الإعجازِ بحَيثُ يُمكِنُ أن يَلمَسَه حتَّى الأَعمَى. وقد وَضَعْنا كِتابةَ مُصحَفٍ شَرِيفٍ لإِظهارِ هذا الوَجتلك الَمِيلِ مِنَ الإعجازِ مَوضِعَ التَّنفِيذِ، نَسأَلُ اللهَ أن نُوفَّقَ في طَبْعِه.
(٭) كُنّا على نيّةِ كتابةِ "المكتوب الثلاثين" على أَجمَلِ وَجْهٍ وأَفضَلِه، إلّا أنه تَخَلَّى ع عُمَرِعِه إلى "إشاراتِ الإعجاز" فلم يَظهَر في المَيدانِ. مِن دُونِ القُدْرةِ على الِاستِماعِ أوِ الفَهْمِ أوِ الإِدْراكِ القَلْبِيِّ. وذلك كالآتي:
إنَّ كَلِماتِ المُصْحَفِ المَطْبُوعِ بخَطِّ (الحادَفَعَُثْمانَ) تَتَقابَلُ ويَنظُرُ بَعضُها إلى بَعضٍ؛فمَثلًا:إنَّ كَلِمةَ: وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الَّتي هي في سُورةِ الكَهْفِ تُناظِرُ كَلِمةَ: قِطْمِيرٍ الَّتَدِيدةي سُورةِ فاطِرٍ، فلو ثُقِبَتِ الصَّفَحاتُ ابتِداءً مِنَ الكَلِمةِ الأُولَى لَتَبيَّنَتِ الكَلِمةُ الثّانيةُ بانحِرافٍ يَسِيرٍ، ولَفُهِم اسمُ الكَلْبِ.
وكذا كَلِمةُ: مُحْضَرُونَ المُكَرَّرةُ مَرَّتَينِ في سُو وهِي سٓ) نَرَى إِحداهُما فَوقَ الأُخرَى، وهُما يُقابِلانِ كَلِمةَ: مُحْضَرُونَ، والمُحْضَرِينَ الَّتي في سُورةِ الصّافّاتِ، فإذا ما ثُقِبَت إِحداها لَظَهَرَت مِن خِلالِ الصَّفَحاتِ الكَلِمةُ نَفسُها معَ انحِوتَوَضَلِيلٍ.
وكذا كَلِمةُ: مَثْنَىٰ الَّتي في آخِرِ سُورةِ سَبَأ، تَنظُرُ إلى الكَلِمةِ نَفسِها الَّتي هي في مُستَهَلِّ سُورةِ فاطِرٍ، ففي القُرآنِ تَتَكَرَّرُ كَلِمةُ: مَثْنَىٰ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَناظُرُ اثنَتَينِ مِنها لَيسَ بمَوْضِعٍ لِلمُِن هذهِ قَطْعًا.
— 223 —
ولهذا النَّوعِ مِنَ التَّناظُرِ والتَّقابُلِ أَمثِلةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا في المُصْحَفِ الشَّرِيفِ حتَّى إنَّ الكَلِمةَ الواحِدةَ تَتَكَرَّرُ فيما يَقرُبُ مِن سِتِّ مَواضِعَ، فإذا وُصِلَ بَينَها بثُقْبٍ لَتَراءَتدَى الخْرَياتُ بانحِرافٍ يَسِيرٍ.
ولقد شاهَدتُ مُصْحَفًا خُطَّتِ الجُمَلُ المُتَناظِرةُ في كُلِّ صَحائِفِه المُتَقابِلةِ بخَطٍّ أَحمَرَ، فقُلتُ آنَذاك: "هذه الأَوْضاعُ إنَّما هي أَِ، بل لِنَوعٍ مِنَ الإِعجازِ"، ثمَّ بَعدَ ذلك أَخَذتُ أَنظُرُ إلى جُمَلِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فرَأَيتُ أنَّ كَثِيرًا مِنها تَتَناظَرُ مِن خِل لَدَىصَّفَحاتِ تَناظُرًا يَنُمُّ عن مَعنًى دَقيقٍ.
ولَمّا كان تَرتِيبُ القُرآنِ المُتَداوَلِ تَوْقِيفيًّا بإِرشادٍ مِنَ الرَّسُولِ (ص)، وقد خَطَّه خَطَّاطُونَ مُلْهَمُونَ، فإنَّ في نَقْشِه البَدِيعِ وفي خَسَ حَولجَمِيلِ إِشارةً إلى نَوْعٍ مِن عَلاماتِ الإِعجازِ، وذلك لِأَنَّ هذا الوَضْعَ لا يُمكِنُ أن يكُونَ مُصادَفةً ولا نابِعًا مِن نَتاجِ فِكْرِ إِنسانٍ؛ فلَوْلا قُصُورُ الطّبْعِ لَتَطابَقَتِ الكَلِماتُ المُتَناظِرةُ تَطابُقًقِ، الًا.
ثمَّ إنَّنا نَرَى أنَّ في السُّوَرِ المَدَنيّةِ المُطَوَّلةِ والمُتَوَسِّطةِ تَكْرارًا بَدِيعًا مُنَسَّقًا لِلَفْظِ الجَلالةِ: (الله)، فهُو في الغالِبِ يَتَكَرَّرُ بأَعدادٍ مُعَيَّنة أَنواا خَمْسٌ أو سِتٌّ أو سَبْعٌ أو ثَمانٍ أو تِسعُ مَرّاتٍ أو إِحْدَى عَشْرةَ مَرّةً، فَضْلًا عن أنَّه يُبيِّنُ مُناسَبةً عَدَدِيّةً لَطِيفةً على وَجْهَيْ وَرَقةِ المُصْحَفِ والمُتَقابِلَتَينِ.
— 224 —
(حاشية): وكذلك إنّنا، فااءَ "أَهلِ الذِّكرِ والمُناجاةِ"، فإنَّ أَلفاظَ القُرآنِ الكَرِيمِ الجَمِيلةَ والمُقَفّاةَ وأُسلُوبَه الفَصِيحَ البَدِيعَ، ومَزايا بلاغَتِه الَّتي تَستَقطِبُ الأَنظارَ، رَغمَ أنَّها كَثِيرةٌ جِدًّا فإنَّها تَمنَحُ جِدِّيّةً سامِيةدَقِ أضُورًا وسَكِينةً تامّةً، وجَمْعًا لِلخَواطِرِ دُونَ تَشتِيتِها، بَينَما أَمثالُ تلك المَزايا لِلفَصاحةِ والصَّنْعةِ اللَّفظِيّةِ والتَّقيُّ) وَضَنَّظْمِ والقافيةِ تُخِلُّ بالإخلاصِ والجِدِّيّة یی رَغمَ ما يَشِفُّ عن ظَرافةٍ لَفظِيّة یی وتُفسِدُ اطْمِئْنانَ القَلبِ وسَكِينَتَه وتُشَتِّتُ أَفكارَ المُتَأَمِّل. حتَّى إنَّ أَلطَفَ المُناجاةِ وأَكثَرَها إِخلاصًا وجِدِّيّةً وأَعلاها نَظ، لِئَي مُناجاةُ الإمامِ الشّافِعِيِّ المَشهُورةُ، والَّتي كانَت سَبَبًا لِرَفعِ الغَلاءِ والقَحْطِ عن مِصْرَ، فكُنتُ أَقرَؤُها كَثيرًا، فرَأَيتُ: أنَّ كَونَها نَظْمًا ومُقَفّاةً، لا تُحافِظُ على الإخلاصِ التّامِّ والجِدِّ السَّامي في َّليلَجاةِ، ورَغمَ أنَّها كانَت مِن أَوْرادي مُنذُ ما يَقرُبُ مِن تِسع سَنَواتٍ، فلم أَتمَكَّن أن أُوَفِّقَ بينَ الجِدِّيّةِ والإخلاصِ في المُناجاةِ والنَّظْمِ ًا؛ ففيةِ، فأَيقَنتُ أنَّ القافيةَ الفِطْرِيّةَ المُمتازةَ الخاصّةَ بالقُرآنِ الكَرِيمِ ومَزايا نَظْمِه إنَّما هي مِن أَنواعِ الإِعجازِ، بحَيثُ إنّائِناتحافِظُ على الإخلاصِ الجادِّ وسَكِينةِ القَلبِ وطُمَأْنينَتِه مِن دُونِ أن يُخِلَّ بشَيءٍ مِنها. وهكذا إن لم يُدرِكْ أَهلُ المُناجاةِ والذِّكرِ هذا النَّوعَ مِنَ الإِعجازِ رَّاحةا، فهُم يَشعُرُونَ به قَلْبًا.
حاشية ٢: إنَّ سِرًّا مِن أَسرارِ إِعجازِ القُرآنِ الكَرِيمِ المَعنَوِيّةِ هو: أنَّ القُرآنَ يُبيِّنُ الدَّرَجةَ العَظِيمةَ والسَّاطِعةَ "لإيمانِ الرَّسُول الأَعظَمِ (ص)" الَّذي حَظِيَ بتَجَلِّي الِاسمِ الأَمِن حَ وكذا يُبيِّنُ ويُعَلِّمُ بأُسلُوبٍ فِطْرِيٍّ یی كخارِطةٍ مُقَدَّسةٍ یی تلك المَرتَبةَ السّامِيةَ لِلدِّينِ الحَقِّ العَظِيمِ والواسِعِ، المُبَيِّنِ لِلحَقائقِ الرَّفيعةِ لِعالَمِ الآخِرةِ وعالَمِ الرَّلَ أَّةِ.
وكذا يُمَثِّلُ القُرآنُ الكَرِيمُ "خِطابَ رَبِّ العالَمِينَ" وهُو في عَلْياءِ عِزَّتِه وعَظَمَتِه ورُبُوبِيَّتِه المُطلَقَة، فلا بُدَّ أنَّ تَعبِيرًا فُرْقانيًّا بهذا الأُسشَرَ ن وبَيانًا قُرآنيًّا بهذا النَّمَطِ لا يُمكِنُ أن تَأْتِيَ مِثلَه عُقُولُ البَشَرِ قاطِبةً ولوِ اجتَمَعَت في عَقْلٍ واحِدٍ، بمِثلِ ما عَبَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَكِن لوْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ لأنَّه لا يُمكِنُ مِن حَيثُ هذه الأُسُسُ الثَّلاثةُ أن يُقَلَّدَ القُرآنُ ولا أن يَأْتِيَ بمِثلِه أَحَدٌ أَبفقالَ حاشية ٣: تَنتَهِي الآياتُ الكَرِيمةُ بنِهايةِ الصَّحِيفةِ (في كَثيرٍ مِنَ المَصاحِفِ المُسَمَّى بركنار) فتُختَمُ الصَّحِيفةُ بقافيةٍ جَمِيلةٍ، وسِرُّ هذا هو أنَّ أَطوَلَ آيةٍ في القُرآنِ الكَرِيمِ، وهي آيةُ المُدايَنةِ قدِ اتُّخِذَت وَحْدةَ تِخفاف صَحِيفةِ المُصحَفِ، واتُّخِذَت سُورةُ الإخلاصِ والكَوْثَرِ وَحْدةَ قِياسِ طُولِ السَّطْرِ، وبهذا ظَهَرَت هذه المِيزةُ اللَّطِيفةُ وعَلامةُ الإعجازِ عَمَلِِ الكَرِيمِ.
حاشية ٤: لقدِ اقتُصِرَ في هذا المَقامِ وفي مَبحَثِه هذا على أَمثِلةٍ جُزئيّةٍ وقَلِيلةٍ جِدًّا، وقَصِيرةٍ جِدًّا، واكتُفِي بأَماراتٍ صَغِيرةٍ ج55
وعَحيثُ اضطُرِرتُ إلى الِاستِعجالِ في الكِتابةِ، رَغمَ أنَّ هذا البَحثَ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ والسَّعةِ والعَظَمةِ، وأنَّه يُبيِّنُ كَرامةً لَطِيفةً جَمِيلةً في غايةِ الأَهَمِّيّةِ مِن زاَجايا التَّوفيقِ الإلٓهِيِّ الَّذي آزَرَ رَسائِلَ النُّور. نعم، إنَّ تلك الكَرامةَ اللَّطِيفةَ والحَقِيقةَ العَظِيمةَ تُظهِرُ سِلسِلةً مِن كَراماتِ رسائِل النُّورِ في التَّوافُقِ وذلك في خَمسةِ أو ستّابِعأَنواعٍ مِنه، وتُبيِّنُ نَوعًا مَشهُودًا بالأبصارِ مِن إِعجازِ القُرآنِ، وتُشَكِّلُ مَنبَعًا للإِشاراتِ الغَيبِيّةِ ورُمُوزِها. وقد حَصَل هذا فِعلًا بَعدَئذٍ؛ إذ قدِ استُكتِبَ مُصحَفٌ شَرِيفٌ يُبيَّنُ فيه
فموافُقُ في لَفظِ الجَلالةِ في كلِّ صَحيفةٍ، وظَهَرَت ثماني رَسائِلَ صَغِيرةٍ باسمِ "الرُّمُوز الثَّمانية" الَّتي تُبيِّنُ المُناسَبةَ اللَّطِيفةَ والإشاراتِ الغَيبيّةَ النَّاشِئةَ مِنَ التَّوافُقِ بينَ حُرُوفِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وكُتِبَطْوارك خَمسُ رَسائِلَ في تَصدِيقِ رَسائِلِ النُّورِ وتَقدِيرِ قيمَتِها بما فيها مِن سِرِّ التَّوافُقِ، وهي الكَرامةُ الغَوْثيّةُ، وثلاثُ رَسائلَ مِنَ الكَرامةِ العَلَوِيّةِ ورِسالةُ الإشاراتِ القُرآ الدُّ ففي تأليفِ "رسالة المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّة" إذًا قدِ استُشْعِرَت تلك الحَقِيقةُ العُظمَى، ولكِن معَ الأَسَفِ لم يَرَ المُؤلِّفُ مِنها إلّا طَرَفًا ضَئِيلًا، ولم يُبيِّن إلّا قَطْيانَ ين بَحرِها، فانصَرَفَ ولم يُعَقِّب.
— 225 —
النُّكتة الثَّانية:
كان السِّحْرُ رائِجًا في عَهْدِ مُوسَى عَليهِ السَّلام، فجاءَت مُعْجِزاتُه العَظِيمةُ بما يُشبِهُ السِّحْرَ، وكان الطِّبُّ رائِجًا في عَهْدِ عِيسَى عَليهِ السّمَ (ص)فجَرَت أَغلَبُ مُعجِزاتِه مِن هذا الجِنْسِ، كَذلِك كانَت هنالك أَربَعةُ أَشياءَ رائِجةٌ في الجَزِيرةِ العَرَبِيّةِ زَمَنَ بِعْثةِ الرَّسُولِ (ص):
أُوْلاها:البَلاغةُ والفَصاحةُ.
ثانيَتُها:الشِّعرُ والخَطابةُ.
ثالثَتُها:الكَهانةُ وابنُ باءُ عنِ الغَيبِ.
رابعَتُها:مَعرِفةُ الحَوادِثِ الماضِيةِ والوَقائِعِ الكَوْنيّةِ.
وجاءَ القُرآنُ الكَرِيمُ يَتَحدَّى أَربابَ هذه المَعارِفِ الأَربَعِ.
فجَثا البُلَغاءُ والفُصَحاءُ أَوَّلًَعْبةُِوتِينَ أَمامَ بَلاغَتِه المُعجِزةِ، مُنصِتِينَ إلَيْه في حَيْرةٍ وإِعجابٍ.
وجَعَل الشُّعَراءَ والخُطَباءَ في ذُهُولٍ مِن أَمرِهِم، حتَّى إنَّه حَطَّ مِن شَأْنِ ما كانُوا يَعتَزُّونَ به مِنَ "المُعَلَّقاتِ السَّبْعِ" الَّت: "البثِّلُ أَفضَلَ نَماذِجِ شِعْرِهِم، بل كَتَبُوها بماءِ الذَّهَبِ وعَلَّقُوها على جِدارِ الكَعْبةِ.
وأَفقَدَ الكُهَّانَ والسَّحَرةَ صَوابَهُم وأَنساهُم مم، إنّوا يَتَكلَّمُونَ به مِن أَنباءِ الغَيْبِ، حَيثُ طَرَدَ جِنَّهُم وأَسْدَلَ السِّتارَ على الكَهانةِ، وسَدَّ أَبوابَها إلى الأَبَدِ.
وأَنقَذَ قُرَّاءَ تارِيخِ الأُمَمِ السّرٍ ذِي وحَوادِثِ العالَمِ مِمّا يَطْرَأُ علَيْها مِنَ الخُرافاتِ والِافتِراءاتِ والأَكاذِيبِ، وأَرْشَدَهُم إلى أَحداثِ الماضِي الحَقِيقيّةِ ووَقائِعِ الكَوْنِ النَّيِّرةِ.
وهكذا جَثَتْ على الرُّكَبِهنِّیئلطَّبَقاتُ الأَربَعُ أَمامَ عَظَمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، والحَيْرةُ والإِجلالُ يَغمُرُهُم، فشَرَعُوا يَتَتَلْمَذُونَ على يَدَيْه، ويَتَلقَّوْنَ مِنه الهِدايةَ والرلعاشرة، فلم يَظْهَرْ قَطُّ أنِ استَطاعَ أَحَدٌ مِن هَؤُلاءِ القِيامَ بمُعارَضةِ القُرآنِ بشَيْءٍ مَهْما كانَ، ولو بِسُورةٍ واحِدةٍ.
— 226 —
وإن قِيلَ:كَيفَ نَعرِفُ أنَّه لم يَبْرُزْ أَحَدٌ ِ سُبحدانِ المُعارَضةِ، ولم يَتَمكَّنْ أَحَدٌ مِنَ الإِتيانِ بمِثلِ القُرآنِ، وكَيفَ نَعرِفُ أنَّ إِتيانَ النَّظِيرِ بحَدِّ ذاتِه أَمْرٌ مُستَحِيلٌ؟
الجَوابُ:لو كانَتِ المُعارَضةُ مُمكِنةً،لها: فَحالةَ كانُوا يُحاوِلُونَها، وما كانَ أَحَدٌ يَتَوانَى في هذا الأَمرِ، إذِ الحاجةُ إلى المُعارَضةِ كانَت ماسّةً، وذلك لِلنَّجاةِ مِن خَطَرِ التَّحَدِّي لِإِنقاذِ دِينِهِم وأَمْواخَمْسًوأَنفُسِهِم وأَهْلِيهِم؛ لِذا لو كانَتِ المُعارَضةُ مُمكِنةً لَمَا أَحْجَمَ أَحَدٌ عَنْها أَبَدًا، ولَكانَ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ یی وهُمُ الأَغلَبِيّةُ یی يُشِيعُون خَبَرَها في الأَوْساطِ، بل يرٌ وكاونَها في الأَرجاءِ كافّةً مِثلَما كانُوا يَبُثُّونَ كلَّ ما يُعادِي الإِسلامَ..
ثمَّ لو كانُوا ناشِرِينَ لَها یی فيما لو كانَ الِاعتِراضُ مُمكِنًا یی لَكانَ المُؤَرِّخُون يُسَجِّلُونَها في كُتُبِهِمُ العَدِمِليونولكِن ها هُو التَّارِيخُ وكُتُبُه كُلُّها أَمامَنا، لا نَرَى فيها شَيْئًا مِن مُعارَضةِ القُرآنِ سِوَى فِقْراتٍ تَقَوَّلَها مُسَيْلِمةُ الكَذَّابُ؛ عِلْمًا أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد تَحَدَّاهُم طَوالَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنةً، وقَرَعَ مٌ ويَعَهُم بآياتِه المُعجِزاتِ، وعلى هذا النَّمَطِ مِنَ التَّحَدِّي:
ها هُو القُرآنُ الكَرِيمُ أَمامَكُم، فائْتُوا بمِثْلِه مِن "أُمِّيٍّ" كمُحَمَّدٍ الأَمِينِ!
فإن كُنتُم عاجِزِينَ عن هذا، فلْيَكُن ذلك الشّاوُدُ "عالِمًا" عَظِيمًا، ولَيسَ أُمِّيًّا!
وإن كُنتُم عاجِزِينَ عن هذا أَيضًا، فائْتُوا بمِثْلِه "مُجتَمِعِينَ" ولَيسَ مِن فَرْدٍ واحِدٍ! فلْتَجْتَمِعْ علَيْه ِي وشَؤُكم وبُلَغاؤُكُم، ولْيُعاوِنْ بَعضُهُم بَعضًا، بلِ ادْعُوا شُهَداءَكُم مِن دُونِ اللهِ، فلْيَأْتُوا بمِثْلِه!
وإن كُنتُم عاجِزِينَ عن كُلِّ هذا، فائْتُوا "بالكُتُبِ السَّابِقةِ" البَيٍّ جِ جَمِيعِها واستَعِينُوا بها في المُعارَضةِ، بلِ ادْعُوا "الأَجيالَ" المُقْبِلةَ أَيضًا!
وإن كُنتُم عاجِزِينَ أَيضًا، فلْيَكُنِ المِثْلُ "بعَشْرِ سُوَرٍ" فحَسْبُ، ولَيسَ ضَرُورِيًّا أن يكُونَ بالقُرآنِ كُلِّه!
وإن كُنتُم عاجِزَرَ سيَذلِك فلْيَكُن كَلامًا بَلِيغًا مِثلَ بَلاغةِ القُرآنِ، ولو كان مِنَ "الحِكاياتِ المُفتَرَياتِ"!
— 227 —
وإن كُنتُم عاجِزِينَ كَذلِك فائْتُوا "بسُورةٍ واحِدةٍ" ولْتَكُنْ سُورةً قََه يَن!
وإن كُنتُم عاجِزِينَ كَذلِك فأَدْيانُكُم وأَنفُسُكُم إِذًا مُهَدَّدةٌ بالخَطَرِ في الدُّنيا كما هي في الآخِرةِ!
وهكَذا تَحَدَّى القُرآنُ الكَرِيمُ بثَماني تَحَدِّياتٍ طَبَقاتِ الإِنسِ والجِنِّ، ولم يَحصُرْ تَحَدِّيَه في مَرُ س وعِشْرِينَ سَنةً، بلِ استَمَرَّ إلى الأَلفِ وثَلاثِ مِئةِ سَنةٍ، بل لا يَزالُ يَتَحدَّى العالَمَ وسيَبقَى هكَذا إلى أن يَرِثَ اللهُ الأَرضَ ومَن علَيْها.
ولِهذا، فلو كانَتِ المُعارَضةُ مُمكِنةً لَمَا: إنََّ أُولَئِك الكُفَّارُ طَرِيقَ الحَرْبِ والدَّمارِ، وأن يُلْقُوا بأَنفُسِهِم وأَمْوالِهِم وأَهلِيهِم إلى التَّهلُكةِ، ويَدَعُوا طَرِيقَ المُعارَضةِ القَصِيرةِ السَّهْلةِ.. إِذًا فالمُعارَضةُ غَيرُ مُمكِنةٍ ولَيسَت في طَوْققال: فشَرِ، إذ هل يُمكِنُ لِعاقِلٍ فَطِنٍ یی ولا سِيَّما أَهلِ الجَزِيرةِ العَرَبيّةِ، ولا سِيَّما قُرَيشٍ الأَذكِياءِ یی أن يُعَرِّضَ نَفسَه ومالَه وأَهلَ"فاخْتَطَرِ، ويَختارَ طَرِيقَ الحَرْبِ والدَّمارِ إن كان بِاستِطاعَتِه سُلُوكُ طَرِيقِ المُعارَضة ولو بِسُورةٍ مِنَ القُرآنِ مِن أَدِيبٍ مِنهُم، فيُنقِذَ نَفسَه ومالَه مِنَ التَّحَدِّي القُرآنِيَِّّجَرةان إِتيانُ مِثلِه سَهْلًا مَيْسُورًا؟!
وحاصِلُ الكَلامِ:ما قالَه "الجاحِظُ": لَمَّا لم يُمكِنْهُمُ المُعارَضةُ بالحُرُوفِ، اضْطَرُّوا إلى المُقارَعةِ بالسُّيُوفِ.
فإن قِيلَئِمّةُد قال بَعضُ العُلَماءِ المُحَقِّقينَ: "لا يُمكِنُ مُعارَضةُ أَيّةِ آيةٍ مِن آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ ولا جُملةٍ مِنها ولا كَلِمةٍ مِنها، فكَيفَ بالسُّورةِ؟ ولم يَبْرُزْ أَحَدٌ إلى مَيدانِ المُعارَضةِ؛ أي: لجِزةُ رَضِ القُرآنُ إِذًا"، ونَرَى أنَّ في هذا الكَلامِ مُجازَفةً ومُبالَغةً لا يَقبَلُها العَقلُ، لِأَنَّ هُنالِك كَثِيرًا مِنَ الجُمَلِ في كَلامِ البَشَرِ يُشبِهُ جُمَلَ القُرآنِ وعِباراتِه.. إِذًا فما مَعنَى هذا القَوْلِ، وما حِكْه، وال
الجَوابُ:هُنالك مَذْهَبانِ في بَيانِ إِعجازِ القُرآنِ:
المَذْهَبُ الأوَّلُ:وهُو الغالِبُ والرَّاجِحُ، ومَذْهَبُ الأَكثَرِيَّةِ مِنَ العُلَماءِ، وهُو أنَّ لَطائِفَ بَلاغةِ القُرآنِ ومَزايا مَعاْبَ إِي فَوْقَ طاقةِ البَشَرِ.
— 228 —
أمَّا المَذْهَبُ الثَّاني:وهُو المَرْجُوحُ، فهُو أنَّ مُعارَضةَ سُورةٍ واحِدةٍ مِنَ القُرآنِ ضِمْنَ طاقةِ البَشَرِ، إلّا أنَّ اللهَ سُبحانَه قد مَنَعَها عنِ الخَلْقِ، لِيَكُونَ القُرآنُ مُعجِزةَ الرَّسِدًّا.ص): ويُمكِنُ أن يُوَضَّحَ هذا بمِثالٍ:
إنَّ قِيامَ الإِنسانِ وقُعُودَه ضِمنَ قُدْرَتِه ونِطاقِ استِطاعَتِه، فإن قالَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ لِشَخْصٍ مَّا: لا اسْتَطَعْتَ مِنَ القِيامِ. إِظْهاًا يَظلمُعْجِزةِ، ولم يَستَطِعِ الشَّخْصُ القِيامَ فِعْلًا، فقد وَقَعَتِ المُعْجِزةُ.
يُطلَقُ على هذا المَذْهَبِ المَرْجُوحِ: مَذْهَبُ الصَّرْفةِ، أي: أنَّ اللهَ سُبحانَه هُو الَّذي صَرَفَ الجِنَّ والإِنسَ عنِ القُدْرةِ على المُعارَضةِ، فلو لم يُ المُْهُمُ اللهُ سُبحانَه عنِ الإِتْيانِ بالمِثْلِ لَكانَ الجِنُّ والإِنسُ بمَقْدُورِهِمُ الإِتْيانُ بمِثْلِه!
وهكَذا، فكَلامُ الَّذِين يَقُولُونَ: "لا يُمكِنُ مُعارَضةُ القُرآنِ حتَّى بكَلِمةٍ واحِدةٍ" هُو كَلامُ حَقٍّ وَفْقَ هذالإنسِ ْهَبِ لا مِراءَ فيه، لِأَنَّ اللهَ سُبحانَه قد مَنَعَهُم مِن ذلك إِظهارًا لِلإِعْجازِ، فلا يَستَطِيعُونَ إِذًا أن يَتَفوَّهُوا بشَيْءٍ لِلمُعارَضةِ، ولو أَرادُوا قَوْلَ شَيْءٍ مّا لِلمُعارَضةِ فلا يَقْدِرُونَ علَيْه مِن غَيرِ إِرادةِ اللهِ َ هم مئَتِه.
أمَّا بالنِّسبةِ لِلمَذْهَبِ الأَوَّلِ یی وهُو الرَّاجِحُ والَّذي ارْتَضاهُ مُعْظَمُ العُلَماءِ یی فلَهُم فيه وَجْهٌ دَقِيقٌ:
إنَّ كَلِماتِ القُرآنِ الكَرَنَّهُجُمَلَه يَنظُرُ بَعضُها إلى البَعضِ الآخَرِ، فتَتَواجَهُ وتَتَناظَرُ الكَلِماتُ والجُمَلُ، فقد تَكُونُ كَلِمةٌ واحِدةٌ مُتَوَجِّهةً إلى عأَبَدِ مَواضِعَ، وعِندَها تَجِدُ فيها عَشْرَ نِكاتٍ بَلاغِيّةٍ، وعَشْرَ عَلاقاتٍ تَربِطُها مَعَ الكَلِماتِ الأُخرَى، وقد ذَكَرْنا هذه العَلاقاتِ في وُدَ عرِنا "إِشاراتُ الإِعجازِ في مَظانِّ الإِيجازِ" سَواءٌ في سُورةِ الفاتِحةِ أم في افتِتاحِ سُورةِ البَقَرةِ: الم ٭ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ.
ولْنُوَضِّحْ ذلك بمِ بالأ لو تَصَوَّرْنا قَصْرًا عَظِيمًا، جُدْرانُه مُنَقَّشةٌ بنُقُوشٍ بَدِيعةٍ، ومُزَيَّنةٌ بزَخارِفَ رائِعةٍ، فإنَّ وَضْعَ حَجَرٍ يَحمِلُ العُقمُتَعرلأَساسَ لِتِلك الزَّخارِفِ والنُّقُوشِ في مَوْضِعِه اللَّائِقِ به یی بحَيثُ يَرتَبِطُ مَعَها جَمِيعًا ويُشْرِفُ علَيْها جَمِيعًا یی
#22 الدِّاجُ إلى مَعرِفةٍ كامِلةٍ بتِلك النُّقُوشِ جَمِيعِها، وبتِلك الزَّخارِفِ الَّتي تَمْلَأُ جُدْرانَ القَصْرِ.
ومِثالٌ آخَرُ نَأْخُذُه مِن جِسْمِ الإِنسانِ: إنَّ وَضْعَ بُؤْبُؤِ عَينِ الإِنسانِ في مَوْضِعِه اللَّا أَمِيَتَوقَّفُ على مَعرِفةِ عَلاقةِ العَينِ بالجِسْمِ كُلِّه، ومَعرِفةِ مَدَى عَلاقةِ بُؤْبُؤِ العَينِ وارْتِباطِه بكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الجِسْمِ وبوَظِيفَتِه.
فقِسْ على هذَينِ المِثالَينِ لِتَعْلَمَ كَيفَ بَيَّنَ السّ الجِننَ مِن أَهلِ الحَقِيقةِ ما في كَلِماتِ القُرآنِ مِنَ الوُجُوهِ العَدِيدةِ والعَلاقاتِ والأَواصِرِ والِارتِباطاتِ الَّتي تَربِطُها مَعَ سائِرِ جُمَلِه وآياتِه، ولا سِيَّما عُلَماءُ عِلْمِ حُرُوفِ القُرآنِ، فقد أََّبِيّوا كَثِيرًا في هذا المَوْضُوعِ، وأَثبَتُوا بدَلائِلَ: أنَّ في كُلِّ حَرْفٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ أَسرارًا دَقِيقةً تَسَعُ صَحِيفةً كامِلةً مِنَ البَ، فلا التَّوضِيحِ.
نعم، ما دامَ القُرآنُ الكَرِيمُ كَلامَ رَبِّ العالَمِينَ وخالِقِ كُلِّ شَيْءٍ، فكُلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِه إِذًا بمَثابةِ نَواةٍ، أي: يُمكِنُ أن تكُونَ تلك الكَلِمةُ نَواةً تَنبُتُ مِنها شَجَرةٌ مَعنَوِيّةٌ مِنَ الأَسرارِعطاءََعاني، أو بمَثابةِ قَلْبٍ تَتَجَسَّدُ حَوْلَه المَعاني والأَسرارُ.
لِذَلِك نَقُولُ: نعم، إنَّ في كَلامِ البَشَرِ ما يُشْبِهُ كَلِماتِ القُرآنِ وجُمَلَه وآياتِه، إلّا أنمُتَوا الآيةَ الكَرِيمةَ أوِ الكَلِمةَ والجُمْلةَ القُرآنيّةَ قد وُضِعَت في مَوْضِعِها المُلائِمِ لَها، بحَيثُ رُوعِيَ في وَضْعِها كَثِيرٌ جِدًّا مِنَ الِارتِباطاتِ والعَلاقاتِ، مِمَّا يَستَلزِمُ عِلْمًا مُحِيطًا كُلِّيًّ دائِرَضَعَها في ذلك المَوْقِعِ اللَّائِقِ بها.
النُّیكتة الثَّالثة:
لَقَد أَنعَمَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى عَلَيَّ يَوْمًا تَفَكُّرًا حَقِيقيًّا حَوْلَ مُجْمَلِ ماهِيه يَزِقُرآنِ الحَكِيمِ، فأُدَوِّنُ ذلك التَّفَكُّرَ كما وَرَد لِلقَلْبِ باللُّغةِ العَرَبِيّةِ، ثمَّ أُورِدُ مَعناه.
سُبْحَانَ مَنْ شَهِدَ على وَحْدَانِيَّتِه وَْمُ عَِ بِأَوْصَافِ جَمَالِه وَجَلَالِه وَكَمَالِهِ القُرْآنُ الحَكيمُ المُنَوَّرُ جِهَاتُهُ السِّتُّ، الحَاوي لِسِرِّ إِجْمَاعِ كُلِّ كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ والأَوْلِيَاءِ والمُوَحِّدينَ المُخْتَلِفينَُ الدّلأَعْصَارِ والمَشَارِبِ والمَسَالِكِ، المُتَّفِقينَ بِقُلُوبِهِمْ
— 230 —
وَعُقُولِهِمْ عَلى تَصْدِيقِ أَسَاسَاتِ القُرْآنِ وكُلِّیيَّاتِ أَحْكَامِهِ على وَجْهِ الإّةِ اللِ، وَهُوَ مَحْضُ الوَحْيِ بِإِجْمَاعِ المُنْزِلِ والمُنْزَلِ والمُنْزَلِ عَلَيْهِ، وعَيْنُ الهِدَايَةِ بِالبَدَاهَةِ، وَمَعْدِنُ أَنْوَارِ ةِ.
انِ بِالضَّرُورَةِ، ومَجْمَعُ الحَقَائِقِ بِاليَقينِ، ومُوصِلٌ إلى السَّعادةِ بِالعِيانِ، وَذُو الأَثْمَارِ الكَامِلينَ بِالمُشَاهَدَةِ، وَمَقْبُولُ المَلَكِ والإِنْسِ والجَانِّ، بِالحَدْسِ الصَّادِقِ مِنْ تَفَاريقِ ذَوْقًارَاتِ، والمُؤَيَّدُ بِالدَّلَائِلِ العَقْلِيَّةِ بِاتِّفَاقِ العُقَلَاءِ الكَامِلينَ، والمُصَدَّقُ مِنْ جِهَةِ الفِطْرَةِ السَّليمَةِ بِشَهَادَةِ اطْمِئْنَانِ الوِجْدَانِ، والمُعْجِزَةُ الالَّذييَّةُ البَاقي وَجْهُ إِعْجَازِه على مَرِّ الزَّمَانِ بِالمُشَاهَدَةِ، والمُنْبَسِطُ دَائِرَةُ إِرْشَادِه مِنَ المَلَأِ الأَعْلَى، إلى مَكْتَبِ الصِّبْيَانِ يَسْتَفيدُ مِنْ عَيْنِ دَرْسٍ المَلَائِكَةُ مَعَ الص يَسكُينَ، وكَذَا هُوَ ذُو البَصَرِ المُطْلَقِ، يَرَى الأَشْيَاءَ بِكَمَالِ الوُضُوحِ والظُّهُورِ، ويُحِيطُ بِهَا، ويُقَلِّبُ العَالَمَ في يَدِه، ويُعَرِّفُهُ لَنَا كَمَا يُقَلِّبُ صَانِعُ السَّاعَةِ السَّاعَةَ في كَفِّه، وَيُعئي و"اها لِلنَّاسِ؛ فهَذَا القُرْآنُ العَظِيمُ الشَّانِ هُوَ الَّذي يَقُولُ مُكَرَّرًا: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا تُصَدّ إِلَّا هُوَ.
أمّا مَعنَى هذا التَّفَكُّرِ فكَما يَأْتي:
إنَّ الجِهاتِ السِّتَّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ مُنَوَّرةٌ وَضّاءةٌ لا تَدْنُو مِنها الشُّبُهاتُ والأَوْهامُ، إذ:
مِن وَرائِه العَرْشُ الأَعظَمُ، يَستَنِدُ إلَيْهما داماك نُورُ الوَحْيِ.
وبَينَ يَدَيْه سَعادةُ الدّارَينِ، يَستَهْدِفُها، فقدِ امتَدَّتِ ارْتِباطاتُه وعَلاقَتُه بالأَبَدِ والآخِرةِ، فهُناك نُووقُ حََنّةِ ونُورُ السَّعادةِ.
ومِن فَوْقِه تَتَلَألَأُ آيةُ الإِعجازِ وتَسطَعُ طُغْراؤُه.
ومِن تَحْتِه أَعمِدةُ البَراهِينِ الرَّصِينةُ والدَّلائِلُ الدّامِغةُ، ففِيها الهِدايةُ اِهَؤُلةُ.
وعن يَمِينِه يَقِفُ استِنْطاقُ العُقُولِ وتَصْدِيقُها، لِكَثْرةِ ما فيه: أَفَلَا يَعْقِلُونَ.
وعن يَسارِه استِشْهادُ الوِجْدانِ حتَّى يَنطِقَ مِن إِعجابِه: "تَبارَكَ اللهُ!" بما ْطنةٍ ُ به القَلْبَ مِن نَفَحاتٍ رُوحِيّةٍ.
فمِن أَينَ يُمْكِنُ يا تُرَى أن تَتَسَلَّلَ إلَيْه الأَوْهامُ والشُّبُهاتُ؟!
— 231 —
فالقُرآنُ الكَرِيمُ جامِعٌ لِسِرِّ إِجْماعِ كُتُبِ الأَنبِياءِمِن وُوْلياءِ والمُوَحِّدِينَ قاطِبةً، رَغمَ اخْتِلافِ عُصُورِهِم ومَشارِبِهِم ومَسالِكِهِم؛ أي: أنَّ جَمِيعَ أَربابِ العُقُولِ السَّلِيمةِ والقُلُوبِ المُطْمَئِنّةِ يُصَدِّقُونَ مُجْمَلَ أَحكامِ القُرآنِ الكَرِيمِ وأَساسَ ما يَدْعُو إلَيْه، حوعِندََذْكُرُونَه في كُتُبِهِم.. فهُم إِذًا بمَثابةِ أُصُولِ شَجَرةِ القُرآنِ السَّماوِيّةِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَستَنِدُ إلى الوَحْيِ الإلٰهِيِّ، بل هُو وَحْيٌ مَتُه فيلِأَنَّ اللهَ سُبحانَه الَّذي أَنزَلَه على قَلْبِ مُحَمَّدٍ (ص) يُبيِّنُه بمُعجِزاتِ رَسُولِه الكَرِيمِ وَحْيًا مَحْضًا..
والقُرآنُ النّازِلُ مِن عِندِ اللهِ يُبيِّنُ بإِعجازِه الظّاهِرِ أنَّه مِنَ العَرْشِ الأَعظَمِ، وأَنَّ أَطْوارَ المَُ كلِّ علَيْه یی وهُو الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) یی واضْطِرابَه في أَوَّلِ نُزُولِ الوَحْيِ، ووَضْعَه كأَنَّما يُغمَى علَيْه أَثْناءَ نُزُولِه، وما يُظْهِرُه مِن تَوْقيرٍ وتَبْجِيلٍ أَكثَرَ مِن كُةٍ لِأ عَداه، يُبيِّنُ أنَّه وَحْيٌ خالِصٌ يَنزَلُ علَيْه ضَيْفًا مِنَ المَلِكِ الأَزَليِّ.
ثمَّ إنَّ ذلك القُرآنَ العَظِيمَ هِدايةٌ مَحْضةٌ بالبَداهةِ، لِأَنَّ خِلافَه ضَلالةٌ وكُفْرٌ.
ثمَّ إنلى لِقلضَّرُورةِ مَعْدِنُ الأَنوارِ الإِيمانيّةِ، فلَيسَ خِلافُ الأَنوارِ إلّا الظُّلُماتِ الدّامِسةَ. وقد أَثْبَتْنا هذه الحَقِيقةَ في كَلِماتٍ كَثِيرةٍ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مَجْمَعُ الحَقائِق سَلامينًا، فالخَيالُ والخُرافاتُ بَعِيدةٌ عنه بُعْدًا مُطْلَقًا، إذ إنَّ ما شَكَّلَه مِن عالَمِ الإِسلامِ، وما أَتى به مِن شَرِيعةٍ غَرّاءَ، وما يُبيِّنُه مِن مُثُلٍ سامِيةٍ، يُثبِت يَخُص حَدِيثَه عن عالَمِ الغَيْبِ یی كما هُو حَدِيثُه عن عالَمِ الشَّهادةِ یی هُو عَيْنُ الحَقائِقِ، لا يَدنُو مِنه شَيْءٌ خِلافًا لِلحَقِيقةِ أَبَدًا.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ یی كما هو واقِعٌ یی يُوصِلُ إلى سَعادةِ الدَّارَينِ بوالمَشبٍ، ويَسُوقُ البَشَرِيّةَ إلَيْها، فمَن يُساوِرُه الشَّكُّ فلْيُراجِعِ القُرآنَ مَرّةً واحِدةً، ولْيَسْتَمِعْ إلَيْه، ولْيَرَ بَعدَ ذلك ماذا يَقُولُ القُرآنُ؟
ثمَّ إنَّ الثِّمارَ الَّتي يَجْنِيها تِي قدانُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ إنَّما هي ثِمارٌ يانِعةٌ ذاتُ حَياةٍ وحَيَوِيّةٍ، فلا غَرْوَ أنَّ جُذُورَ شَجَرةِ القُرآنِ مُتَوغِّلةٌ في الحَقائِقِ، مُمْتَدّةٌ في الحَياةِ،
— 232 —
لِأنَّ حَياةَ الثَّمَرةِ تَدُلُّ على حَياةِ الشَّجَرةبحانَ ن شِئْتَ فانظُرْ كم أَعطَى القُرآنُ مِن ثِمارِ الأَصْفياءِ المُنَوَّرِينَ والأَوْلياءِ الصّالِحِينَ الكامِلِينَ على طُولِ العُصُورِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مَوْضِعُ رِضَا ا كُنُو والجِنِّ والمَلائِكةِ، وذلك بالحَدْسِ الصّادِقِ، النّاشِئِ مِن أَماراتٍ عَدِيدةٍ، حَيثُ يَجْتَمِعُون حَوْلَه عِندَ تِلاوَتِه كالفَراشِ حَوْلَ النُّورِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ مَعَ أنَّه وَحْيٌ إلٰهِيٌّ فهُو مُؤَيَّدٌ بالدَّلائِلِ وتقُولِيّةِ، والشَّاهِدُ على هذا: اتِّفاقُ العُقَلاءِ الكامِلِينَ وفي مُقَدِّمَتِهِم أَئِمّةُ عِلمِ الكَلامِ ودُهاةُ الفَلْسَفةِ أَمثالَ "ابنِ سِينا" و"ابنِ رُشْدٍ"، فجَمِيعُهُم بالِاتِّفاقِ قد أَثبَتُوا أُسُسَ القُ الوَخأُصُولِهِم ودَلائِلِهِم.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مُصَدَّقٌ مِن قِبَلِ الفِطْرةِ السَّلِيمةِ یی ما لم يَعْتَرِها عارِضٌ أو مَرَضٌ یی حَي فذَهََ اطْمِئْنانَ الوِجْدانِ وراحةَ القَلْبِ إنَّما يَنْشَأانِ مِن أَنْوارِه، أي: أنَّ الفِطْرةَ السَّلِيمةَ تُصَدِّقُه باطْمِئْنانِ الوِجْدانِ. نعم، إنَّ الفِطْرةَ بلِسانِ حالِها تَقُولُ للقُرآنِ الكَرِيمِ: "لا يَتَحَقَّقُ كَمالُنا مِن دُاءٌ: ي وقد أَثْبَتْنا هذه الحَقِيقةَ في مَواضِعَ مُتَفرِّقةٍ مِنَ الرَّسائِلِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ مُعجِزةٌ دائِمةٌ أَبَدِيّةٌ بالمُشاهَدةِ والبَداهةِ، فهُو يُبيِّنُ إِعجازَه كُلَّ حِينٍ، فلا يَخْبُو نُورُه یی.
ويّةِ المُعْجِزاتِ یی ولا يَنتَهِي وَقْتُه، بل يَمْتَدُّ زَمَنُه إلى الأَبَدِ.
ثمَّ إنَّ مَنزِلةَ إِرشادِ القُرآنِ الكَرِيمِ لَها مِنَ السَّعةِ والشُّمُوفي زَميثُ إنَّ دَرْسًا واحِدًا مِنه يَتَلقّاه جِبْرِيلُ عَليهِ السَّلام جَنْبًا إلى جَنْبِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، ويَجْثُو أَمامَه فَلاسِفةٌ دُهاةٌ یی أَمثالَ ابنِ َسأَلتیی مَعَ أَبسَطِ شَخْصٍ أُمِّيٍّ، يَتَلَقَّيانِ الدَّرْسَ نَفسَه، بل قد يَستَفِيضُ ذلك الرَّجُلُ العامِّيُّ مِنَ القُرآنِ بما يَحْمِلُ مِن قُوّةِ الإِيمانِ وصَفائِه ما لا يَستَفِيضُه "ابنُ سِينا".
ثمَّ إنّلسَّعالقُرآنِ الكَرِيمِ عَيْنًا باصِرةً نافِذةً، بحَيثُ تَرَى جَمِيعَ الوُجُودِ وتُحِيطُ به، وتَضَعُ جَمِيعَ المَوجُوداتِ أَمامَه، كأَنَّها صَحائِفُ كِتابٍ، فيُوَضِّحُ طَبَقاتِهاإنَّ ولِمَها؛ فكما يَتَناوَلُ السَّاعاتِيُّ ساعةً صَغِيرةً بِيَدِه يُقَلِّبُها، ويُعَرِّفُها ويَفْتَحُها، كذلك الكَوْنُ بَينَ يَدَيِ القُرآنِ الكَرِيمِ يُعَرِّفُه ويُبيِّنُ أَجْزاءَه.
— 233 —
فهذا القُرآنُ العنُسمِع يُثبِتُ الوَحْدانيّةَ بی: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرآنَ لَنَا فِي الدُّنيَا قَرينًا، وفِي القَبْر مُطلَِسًا، وفِي القِيَامَةِ شَفِيعًا، وعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا، ومِنَ النَّارِ سِتْرًا وحِجَابًا، وفِي الجَنَّةِ رَفيقًا، وإِلَى الخَيْرَاتِ كُلِّهَا دَلِيلًا وإِمَامًا.. اللَّهُمَّ نَوِّر قُلُوبَنَا وقُبُورَنَا اءٍ جُِ الإِيمَانِ والقُرآنِ، ونَوِّر بُرهَانَ القُرآنِ، بِحَقِّ وبِحُرمَةِ مَن أُنزِلَ عَلَيهِ القُرآنُ، عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ مِنَ الرَّحمٰنِ الحَنَّانِ.. آمِينَ.َلام، لإشارةُ البليغة التاسِعةَ عشْرةَ
لقد أُثبِتَ يَقِينًا وبدَلائِلَ قاطِعةٍ، في الإشاراتِ السَّابِقةِ أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) رَسُولُ الحقِّ سُبحانَه، فمِياءِ ٌ العَرَبيُّ الَّذي ثَبَتَت رِسالَتُه بأُلُوفِ الدَّلائِلِ القاطِعةِ لَهُو بُرهانٌ باهِرٌ لِلوَحْدانيّةِ الإلٰهِيّة، ودَلِيلٌ ساطِعٌ للسَّعادةِ الأَبَدِيّة. وسنُعَرِّفُ في ا يُمسإشارةِ تَعرِيفًا مُجمَلًا بشَكلِ خُلاصةِ الخُلاصةِ ذلك البُرهانَ الصّادِقَ والدَّليلَ السّاطِعَ على الوَحْدانيّةِ، لأنَّه يَلْزَمُ مَعرِفةُ الدَّليلِ والإحاطةُ بوَجْهضايَقةلَتِه ما دام هو دَلِيلًا إلى المَعرِفةِ الإلٰهِيّةِ.
لِذا سنُبَيِّنُ هنا باختِصارٍ شَدِيدٍ وَجْهَ دَلالَتِه (ص) على التَّوحِيدِ، ومَدَى صِدْقِه وصَوابِه، فنقُولُ: إنَّ الرَّسُولَ الكَرِيماعِ أ دَلِيلٌ بذاتِه على وُجُودِ الخالِقِ العَظِيمِ وعلى وَحْدانيَّتِه كما يَدُلُّ علَيْه أيُّ مَوجُودٍ مِن مَوجُوداتِ الكَوْنِ؛ وقد أَعلَن (ص) بلِسانِه وَجْهَ دَلالَتِه هذا على التَّوحِيدِ والوُجُودِ معَ دَلالةِ المَوجُوداتِ قاطِبةً. ومِن حيثُ إ وأَنتص) دَليلٌ على التَّوحِيدِ سنُشِيرُ إلى صِدْقِ دَلالَتِه وحُجِّيَّتِه وصَوابِه وأَحَقِّيَّتِه ضِمنَ خَمسةَ عَشَرَ أَساسًا:
الأَساسُ الأَوَّلُ:
إنَّ هذا الدلنِّظا الَّذي يَدُلُّ على خالِقِ الكَوْنِ بِذاتِه وبلِسانِه وبدَلالةِ أَحوالِه وبلِسانِ أَطْوارِه، لَهُو صادِقٌ مُصَدَّقٌ مِن قِبَلِ حَقائِقِ الكَوْنِ، لأنَّ دَلالاتِ جَمِوُوسِ مَوجُوداتِ على الوَحْدانيّةِ إنَّما هي بمَثابةِ شَهاداتِ تَصْدِيقٍ لِمَن يَنطِقُ بالوَحْدانيّةِ. أي: أنَّ ما
— 234 —
يَدْعُو إلَيْه مُصَدَّقٌ لَدَى الكَوْنِ كُلِّه؛ وحَيثُ إنَّ ما يُبيِّنُه مِنَ الوَحْدانَّه سِالَّتي هي الكَمالُ المُطلَقُ، وما يُبَشِّرُ به مِنَ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ الَّتي هي الخَيرُ المُطلَقُ، مُطابِقانِ تَمامًا للحُسْنِ والكَمالِ المُتَجلِّيَينِ في حَقائِقِ العالَمِ، فهو صادِمُ ذِكدَعْواه قَطْعًا، فالرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) إذًا بُرهانٌ صادِقٌ مُصَدَّقٌ للوَحْدانيّةِ الإلٰهِيّةِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ.
الأَساسُ الثّاني:
إنَّ ذلكِثلِ هليلَ الصَّادِقَ المُصَدَّقَ الَّذي يَملِكُ أُلُوفًا مِنَ المُعجِزاتِ یی أَكثَرَ مِمّا لَدَى الأَنبِياءِ السَّابِقِين یی والَّذي أَتَى بشَرِيعةٍ سَمْحةٍ غَرَّاءَ لا تُنسَخُ ولا تُبَدَّلُ، وبدَعْوةٍ شامِلةٍ للجِنِّ والإنسِ، لا مَرحَأنَّه سَيِّدُ المُرسَلِينَ عَلَيهم السَّلام؛ فهو إذًا جامِعٌ للحِكَمِ والأَسرارِ الَّتي تَنطَوِي علَيْها مُعجِزاتُ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلام واتِّفاقُهم. أي: أنَّ قُوّةَ إسِجنِ الأَنبِياءِ كُلِّهم إذًا، وشَهادةَ مُعجِزاتِهم، تُشَكِّلُ رَكِيزةً لِصِدْقِه وصَوابِ دَعْوَتِه.
ثمَّ إنَّ الأَصْفِياءَ والأَوْلياءَ الصّالِحِين الَّذالمِثاَغُوا مِنَ الكَمالِ ما بَلَغُوا إنَّما كان بتَربِيَتِه السّامِيةِ وبهَدْيِ شَرِيعَتِه الحَقَّةِ، فهو مُرشِدُهم وسَيِّدُهم؛ لِذا فهو جامِعٌ لِسِرِّ كَراماتِهم وتَصدِيقِهم بالإجماعِ، و "كُنِّ دِراساتِهم وتَحقِيقاتِهم، حيثُ إنَّهم سَلَكُوا طَرِيقًا فَتَح أَبوابَه أُستاذُهم، وتَرَكَها مَفتُوحةً، فوَجَدُوا الحَقِيقةَ؛ فجَمِيعُ كَراماتِهم وتَحقِيقاتِهِمُ العِلْمِيّةِ وإجماعِهم إنَّما تُمَثِّلُ رَكِيزةً لِصِدقِ أٍُ مُسِّمُ الطَّاهِرِ وصَوابِ دَعْوَتِه.
ثمَّ إنَّ ذلك البُرهانَ الباهِرَ لِلوَحدانيّةِ یی كما تَبيَّنَ في الإشاراتِ السّابِقةِ یی يَملِكُ مِنَ المُعجِزاتَ؟
#1هِرةِ القاطِعةِ اليَقِينيّةِ، والإرهاصاتِ الخارِقةِ، ودَلائِلِ نُبُوّةٍ لا رَيبَ فيها، كلٌّ مِنها تُصَدِّقُه تَصدِيقًا عَظِيمًا، بحيثُ لوِ اجْتَمَع الكَونُ كلُّه لِيجرَحَ ذلك التَّصدِيقَ لَعَجَز دُونَه.
الأساس الثَّالث:
إنَّ ذلكجَمَلُاعِيَ إلى الوَحْدانيّةِ والمُبَشِّرَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ الَّذي لَه هذه المُعجِزاتُ الباهِراتُ يَملِكُ مِنَ الأَخلاقِ السَّامِيةِ في ذاتِه المُبارَكةِ، ومِنَ السَّجاَه كتاَّفيعةِ في مُهِمّةِ
— 235 —
رِسالَتِه، ومِنَ الخِصالِ الفاضِلةِ فيما يُبَلِّغُه مِن شَرِيعةٍ ودِينٍ، ما يُضطَرُّ إلى تَصدِيقِه أَلَدُّ أَعدائِه، فلا يَجِدُ سَبِيلًا للإِنكارِ.
فما دامَ يَملِكُ في ذاتِه وفي مُهِمَّتِه وفي دِينِه أَسمَى الأ ويَكُ وأَجمَلَها، وأَكمَلَ السَّجايا وأَثمَنَها، وأَرفَعَ الخِصالِ وأَفضَلَها، فلا رَيبَ أنَّه مِثالٌ لِكَمالِ المَوجُوداتِ، ومُمَثِّلٌ لِفَضائِلِ الأَخلاقِ ومِثالُها المُجَسَّمُ، والقد عَُ الحَسَنةُ لَها؛ ولِهذا فالكَمالاتُ الَّتي تُشِعُّ مِن ذاتِه ومِن مُهِمَّتِه ومِن دِينِه لَهِيَ رَكِيزةٌ قَوِيّةٌ عَظِيمةٌ لِصِدْقِه بما لا يُمكِنُ أن يُزَحْزِحَه شَيءٌ.
الأساس الرَّابع:
إنَّ ذلطَشُ يَاعِيَ إلى الوَحْدانيّةِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ الَّذي هو مَعدِنُ الكَمالاتِ ومُعَلِّمُ الأَخلاقِ الفاضِلةِ، لا يَنطِقُ عن نَفسِه وحَسَبَ هَواه یی حاشاه یی وإنَّما يَنطِقُ بالوَحْيِ الإلٰهِيِّ، فهو يَستَلِمُ الوَحْيَ مِن رَبِّه خِيّةِيلِ ويُبَلِّغُ به الآخَرِين، لأنَّه قد ثَبَت بأُلُوفٍ مِن دَلائِلِ النُّبوّةِ، كما ذُكِر في الأُسُسِ السَّابِقةِ ووُضِّحَ قِسمٌ مِنها:
أنَّ رَبَّ العالَمِين سُبحانَه الَّذي خَلَق جَمِيعَ تلك المُعجِزاتِ وأَجْراها بِيَدِ اتِه بِه (ص)، إنَّما يُبيِّنُ أنَّ رَسُولَه الكَرِيمَ (ص) يَنطِقُ لِأَجلِه وفي سَبِيلِه ويُبَلِّغُ كَلامَه المُبِينَ.
وأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ الَّذي نَزَل علَيْه يُبيِّنُ بإعجازِه الظَّاهِرِ والباطِنًِا:
(ص) مُبَلِّغٌ عن رَبِّ العالَمِين.
وأنَّ ذاتَه الشَّرِيفةَ (ص) وما يَتَحلَّى به مِن عَظِيمِ الإخلاصِ والتَّقوَى وجِدِّيّةٍ بالِغةٍ في تَبلِيغِ أَمرِ اللهِ، وأَمانةٍ صادِقةٍ فيه، تُبيِّنُ في جَمِيعِ أَحوالِه وأَطْوارِه، أنَّه ل أُحُدكلَّمُ باسمِه الشَّخصِيِّ، ولا مِن بَناتِ فِكْرِه الذّاتِيِّ، وإنَّما يَتَكلَّمُ باسمِ اللهِ رَبِّ العالَمِين.
ثمَّ إنَّ الَّذين استَمَعُوا إلَيْه مِن أَهلِ الحَقِيقةِ قاطِبةيَغنَمَدَّقُوا بالكَشْفِ والتَّحقِيقِ العِلمِيِّ، وآمَنُوا إيمانًا يَقِينيًّا بأنَّه لا يَنطِقُ عنِ الهَوَى، إن هو إلَّا وَحْيٌ يُوحَى، فهو مُبَلِّغٌ أَمِينٌ عن رَبِّ العالَمِين، يَدعُو النّاسَ إلى الرَّشادِ بالقَذِيِ الإلٰهِيِّ.
— 236 —
وهكذا، فإنَّ صِدْقَ هذا الدَّليلِ (ص) وأَحَقِّيّتَه يَستَنِدُ إلى هذه الأُسُسِ الأَربَعةِ الثّابِتةِ الرَّصِينةِ.
الأساس الخامس:
إنَّ ذلك المُبَلِّغَ الأَمِينَ لِكَلامِ اللهِ الأَزَليِّ يَرَى الأَرواحَ، أبي حلَّمُ معَ المَلائِكةِ، ويُرشِدُ الجِنَّ والإنسَ معًا، فلا يَتَلقَّى العِلْمَ مِن عَوالِمِ المَلائِكةِ والأَرواحِ الَّتي هي أَسمَى مِن عالَمِ الإنسِ والجِنِّ، بل يَتَلقَّى العِلْمَ مِن فَوقِ تلك العَوالِمِ كُلِّها، بل ةِ وأَِعُ على ما وَراءَها مِن شُؤُونٍ إلٰهِيّةٍ، فالمُعجِزاتُ المَذكُورةُ سابِقًا، وسِيرَتُه الشَّرِيفةُ الَّتي نُقِلَت إلَيْنا بالتَّواتُرِ تُثبِتانِ هذه الالَّذيةَ؛ لِذا فلا يَتَدخَّلُ الجِنُّ ولا الأَرواحُ ولا المَلائِكةُ فيما يُبَلِّغُه مِن أُمُورٍ، بل لا يَتَقرَّبُ إلى تَبْلِيغِه حتَّى المُقَرَّبُون مِنَ المَلائِكةِ سِوَى جِبْرِيلَ عَليهِ السَّلام، بل يَتَقدَّمُ أَحيانًا حتَّى رَفِيقَالةِ ارِيلَ عَليهِ السَّلام الَّذي كان يَصحَبُه مُعظَمَ الأَوْقاتِ.
الأساس السَّادس:
إنَّ ذلك الدَّلِيلَ الَّذي هو سَيِّدُ المَلَكِ والجِنِّ والإنسِ إنَّما هو أَنوَرُ ثِمارِ شَجَرةِ الكائِناتِ وأَكمَلُها، وتِمثالُ الرَّحمةِ الإلٰمِن غُ، ومِثالُ المَحَبّةِ الرَّبّانيّةِ، والبُرهانُ النَّیيِّیرُ لِلحَقِّ، والسِّراجُ السَّاطِعُ لِلحَقِيقةِ، ومِفتاحُ طِلَّسْمِ الكائِناتِ، وكَشَّافُ لُغْزِ الخَلْقِ، وشارِحُ حِكْمةِ العالَمِ والدَّاعِي إلى سُلْناءً علأُلُوهِيّة، والمُرشِدُ البارِعُ لِمَحاسِنِ الصَّنْعةِ الرَّبّانيّة، فتلك الذَّاتُ المُبارَكةُ، بما تَملِكُ مِن صِفاتٍ جامِعةٍ إنَّما تُمثِّلُ أَكمَلَ نَمُوذَجٍ لِكَمالاتِ المَوجُوداتِ؛ لِذا فهذَرقِ، زايا الَّتي يَتَحَلَّى بِها ذلك النَّبيُّ الكَرِيمُ (ص) وما يَتَّصِفُ به مِن شَخْصِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ تُظْهِرانِ بوُضُوحٍ أنَّ ذلك النَّبيَّ الكَرِيمَ (ص) هو عِلَّةدُّنياونِ الغائيّةُ، أي: أنَّه مَوضِعُ نَظَرِ خالِقِ الكَونِ، نَظَر إلَيْه وخَلَق الكَونَ، ويَصِحُّ القَولُ: إنَّه لو لم يَكُن قد أَوْجَدَه ما كان يُوجِدُ الكَونَوتَ عنعم، إنَّ ما أَتَى به هذا النَّبيُّ الكَرِيمُ مِن حَقائِقِ القُرآنِ وأَنوارِ الإيمانِ إلى الإنسِ
— 237 —
والجِنِّ كافّةً، وما يُشاهَدُ في ذاتِه المُبارَكةِ مِن أَخلاقٍ ساِلادِ وكَمالاتٍ فائِقةٍ، شاهِدٌ صادِقٌ قاطِعٌ على هذه الحَقِيقةِ.
الأساس السَّابع:
إنَّ ذلك البُرهانَ السَّاطِعَ لِلحَقِّ والسِّراجَ المُنِيرَ للحَقِيقةِ قد أَظهَر دِينًا قَيِّمًا، وأَبرَز شَرِيعةً شامِلةً بحَيثُ تَضُمُّ مِنَ الدمٌ شَنيرِ الجامِعةِ ما تُحَقِّقُ سَعادةَ الدَّارَينِ، كما أنَّه بيَّنَ أَكمَلَ بَيانٍ حَقِيقةَ الكَونِ ووَظِيفَتَه وأَسماءَ الخالِقِ الجَلِيلِ وصِفاتِه؛ فالَّذي يُمعِنُ النَّظَرَ في ذلك الإسلامِ الحَنِيفِ والشَّرِيعةِ الغَرَّاءِ الشَّامِلةِلمَرحَرْزِ تَعرِيفِها لِلكَونِ يُدرِكُ يَقِينًا أنَّ ذلك الدِّينَ إنَّما هو نِظامُ خالِقِ هذا الكَونِ الجَمِيلِ الَّذي يُعرِّفُ ذلك الخالِقَ، إذ كما أنَّ بَنَّاءً بارِعًا لِقَصْرمَّ إنيعٍ يَضَعُ تَعرِيفًا يَلِيقُ بالقَصْرِ، ويَكتُبُه تِبْيانًا لِمَهارَتِه الفائِقةِ، كذلك هذا الدِّينُ العَظِيمُ والشَّرِيعةُ السَّمْحةُ وما فيه مِنَ الشُّمُولِ والإحاطةِ والسُّمُوِّ يُظهِرُ بوُضُوحٍوِي مِالَّذي وَضَعَه على هذه الصُّورةِ الرَّفيعةِ إنَّما هو واضِعُ الكَونِ ومُدَبِّرُه. نعم، إنَّ مَن كان مُنَظِّمًا لِهذا الكَونِ البَدِيعِ وبهذا التَّنظِيمِ الرّائِعِ لا بُدَّ أنَّه هو الَّذي نَظَّم هذا الدِّينَ الأَكمَلَ بهذا اا الجَمِ الأَجمَلِ.. نعم، إنَّ ذلك النِّظامَ الأَكمَلَ يَقتَضِي هذا النَّظمَ الأَجمَلَ.
الأساس الثَّامن:
إنَّ مَن يَتَّصِفُ بهذه الصِّفاتِ الجَمِيلةِ المَذكُورةِ، وتَستَنِدُ رنَّ ماُه إلى تلك الأَدِلّةِ والرَّكائِزِ الرَّصِينةِ، ذلك الرَّسُولَ الحَبِيبَ (ص)، يَتَكلَّمُ باسمِ عالَمِ الغَيبِ مُتَوجِّهًا إلى عالَمِ الشَّهادةِ، مُعْلِنًا على رُؤُوسِ الأَشهادِ مِنَ الجِأَجِلّلإنسِ، مُخاطِبًا الأَقوامَ المُتَراصِّين وَراءَ العُصُورِ المُقبِلةِ، فيُنادِيهم جَمِيعًا نِداءً رَفِيعًا سامِيًا يُسمِعُهُم قاطِبةً في جَمِيعِ الأَعصارِ أَينَما عُبُوُوا وحَيثُما كانُوا... نعم.. نعم نَسمَعُ!
الأساس التَّاسع:
إنَّ خِطابَه هذا رَفيعٌ إلى حَدٍّ تَسمَعُه العُصُورُ جَمِيعًا.. نعم، إنَّ كلَّ عَصرٍ يَسمَعُ رَجْعَ صَدَى كَلامِه.
— 238 —
الأسََبَ يََاشِر:
إنَّنا نَرَى في أَحوالِه وسِيرَتِه المُطَهَّرةِ أنَّه يَرَى ثمَّ يُبَلِّغُ في ضَوءِ ما يَرَى، لأنَّه يُبَلِّغُ حتَّى عِندَما تُحدِقُ به المَخاطِرُ، بلا تَرَدُّدٍ ولا اضطِرابٍ وبُ إلَ ثِقةٍ واطْمِئْنانٍ، بل قد يَتَحدَّى وَحْدَه العالَمَ كُلَّه.
الأساس الحاديَ عشَر:
إنَّه قد أَعلَن دَعوَتَه بكُلِّ ما آتاه اللهُ مِن قُوّةٍ، أَعلَنَها جِهارًا حتَّى جَعلَ نِصفَ الأَرضِ وخُمُسَ البَشَرِيّةِ يُلوَّتِه أَوامِرَه ويقُولُون لِكُلِّ كَلِمةٍ صَدَرَت مِنه: سَمِعْنا وأَطَعْنا.
الأساس الثَّانِيَ عشَر:
إنَّه يَدعُو بإخلاصٍ كامِلٍ وبجِدِّيّةٍ تامّةٍ فيُرَبِّي تَربِيةً راسِخةحِي أنثُ إنَّ دَساتِيرَها تُنقَشُ في جِباهِ العُصُورِ وصَحائِفِ الأَقطارِ ووُجُوهِ الدُّهُورِ.
الأساس الثَّالثَ عشَر:
إنَّه يَتَكلَّمُ بكَلامٍ مِلْؤُه الثِّقةُ والِاطْمِئْنانُ، فيُبَلِّغُ الُ المَُ وهو واثِقٌ كلَّ الثِّقةِ مِن صِدْقِها وصَوابِها، ويَدْعُو إلَيْها دَعوةً صَرِيحةً لا لَبْسَ فيها، بحيثُ لَوِ اجتَمَع العالَمُ كُلُّه ما صَرَفَه عن دَعوَتِه ولا عن حُكْمٍ مِن تلك وأَنوامِ، وسِيرَتُه المُطهَّرةُ وتارِيخُ حَياتِه المُبارَكةِ أَصدَقُ شاهِدٍ على هذه الحَقِيقةِ.
الأساس الرَّابعَ عشر:
إنَّه يَدعُو باطْمِئْنانٍ بالِغٍ واعتِمادٍ تامّعلَيْهبلِّغُ بثِقةٍ كامِلةٍ، بحيثُ لا يَتَنازَلُ في دَعوَتِه عن شَيءٍ، ولا يَتَردَّدُ أَمامَ أَيّةِ مُشكِلةٍ مَهما كانَت، فلا يُداخِلُه الخَوفُ والدَّهْتِ وهول يَدعُو بصَفاءٍ كامِل وإخلاصٍ تامٍّ؛ ويُنفِّذُ ما يَدعُو إلَيْه مِنَ الأَحكامِ على نَفسِه أَوَّلًا ويُذعِنُ إلَيْه ثمَّ يُعَلِّمُه الآخَرِين، والشّاهِدُ على هذا زُويَتَكالعَظِيمُ واستِغناؤُه عنِ النّاسِ وإعراضُه عن زَخارِفِ الدُّنيا الفانِيةِ، كما هو مَعلُومٌ لَدَى الأَصدِقاءِ والأَعداءِ.
— 239 —
الأساس الخامسَ عشَر:
إنَّه كان أَخشَى النّاسِ للهِ وأَخضَعَهم لِأَوامِرِه سُبحانَه، وأَعبعَلِّمله وأَتقاهُم عن نَواهِيه، مِمّا يَدُلُّنا على أنَّه مُبَلِّغٌ أَمِينٌ لِسُلطانِ الأَزَلِ والأَبدِ، فهو رَسُولُه الحَبِيبُ وأَخلَصُ عِبادِه، ومُبَلِّغُ رِسالاتِه.
نَخلُصُ مرَهُم الأُسُسِ الخَمْسةَ عَشَرَ:
إنَّ هذا الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) المَوصُوفَ بتلك الأَوصافِ المَذكُورةِ قد أَعلَن الوَحْدانيّةَ، فنادَى بكُلِّ ما آتاه اللهُ مِن قُوّةٍ، وعلى مَدارِ حَياتِه المُباتِ ال كُلِّها: لَا إلٰهَ إلّا اللهُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيهِ وعَلَى آلِه عَدَدَ حَسَنَاتِ أُمَّتِه
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭٭٭
— 240 —
عَظيمِمٌ إلٰهيٌّ وأَثَرُ عِنايةٍ ربَّانيَّة
على أَمَلِ أن نَحْظَى بِسِرِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ نَقُولُ: إنَّ أَثَرَ عِنايةٍ رَبّانيّةٍ ولَمْسةَ رَحْمةٍ إلٰهِيّةٍ قد ظَكِنُ تَثناءَ تَأْليفِ هذه الرِّسالةِ، أَذكُرُه لِقُرّائِها الكِرامِ كي يَلتَفِتُوا إلَيْها باهْتِمامٍ بالِغٍ:
كانَتِ "الكَلِمةُ الحادِيةُ والثَّلاثُونَ" و"التَّاسِعةَ عَشْرةَ" اللَّتانِ تَبْحَثانِ في ايفًا ملةِ الأَحمَدِيّةِ مُؤَلَّفتَينِ، لِذا لم يَرِدْ إلى قَلْبِي شَيْءٌ حَوْلَ تَأْليفِ هذه الرِّسالةِ، فإذا بخاطِرةٍ تَرِدُ إلى القَلْبِ مُباشَرةً، تُلِحُّ عَلَيَّ بالتَّأْليفِ في وَقْتٍ كانَت حِدّةُ حافِظَ، ولو كَلَّتْ وخَبَتْ جَذْوَتُها تَحتَ وَطْأةِ المَصائِبِ والبَلايا، فَضْلًا عن أَنَّني لم أَسْلُكْ في مُؤَلَّفاتي وَفْقَ مَشْرَبي سَبِيلَ النَّقْلِ مِنَ الكُتُبِ: (قالَ فُلانٌ.. قرُ المذا)، وعَلاوةً على أنَّه ما كان لَدَيَّ أَيُّ مَصْدَرٍ مِن مَصادِرِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أوِ السِّيرةِ المُطَهَّرةِ.. ولكِن على الرَّغْمِ مِن كُلِّ هذا قُلتُ: "تَوَكَّلتُ على اللهِ"، وشَرَعتُ بِتَأْليفِ هذه الرِّسالةِ مُتَوَكِّلًانطَلَْه وَحْدَه، فحَصَلَ مِنَ التَّوْفِيقِ الإلٰهِيِّ ما جَعَل حافِظَتي قَوِيّةً بحَيثُ كانَت تُمِدُّني إِمدادًا يَفُوقُ بِكَثِيرٍ حافِظةَ "سَعِيدٍ القَدِيمِ"، حتَّى كُتِبَتْ طَّرِدأَربَعِينَ صَحِيفةً في سُرعةٍ فائِقةٍ خِلالَ ما يَقرُبُ مِن أَربَعِ ساعاتٍ، بل كُتِبَتْ خَمْسَ عَشْرةَ صَحِيفةً في ساعةٍ واحِدةٍ.. وكانَتِ النُّقُولُ على الأَغلَبِ مِن كُتُلٰهِيَّحادِيثِ كالبُخارِيِّ ومُسلِمٍ والبَيهَقِيِّ والتِّرمِذِيِّ والشِّفا لِلقاضِي عِياضٍ وأبي نُعَيمٍ والطَّبَرِيِّ وأَمثالِها.. وكان قَلْبِي يَخْفِقُ ويَرجُفُ بشِدّةٍ، إذ لو وَقَعَ الخَطَأُ في هذا النَّقْلِ لَتَرَتَّبَ علَيْه الإِثمُ، حَيثُ إَظِيمَِدِيثٌ شَرِيفٌ.
— 241 —
ولكِن أَدْرَكْنا يَقِينًا أنَّ العِنايةَ الإلٰهِيّةَ مَعَنا، وأنَّ الحاجةَ إلى هذه الرِّسالةِ شَدِيدةٌ، فكُتِبَتِ الأَحادِيثُ بفَضْلِ اللهِ سَلِيمةً صَحِيحةً.. ومَعَ هذا، فإذا ما وَرَد في وَقْتظِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أو في اسمِ الرّاوِي خَطَأٌ، فالرَّجاءُ مِنَ الإِخْوةِ الأَعِزّاءِ تَصْحِيحُه والصَّفْحُ عنِ الخَطَأِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
نعم، لقد كانَ الأُستاذُ يُمْلِي علَيْنا ونَحنُ دِه الُ المُسَوَّدةَ، ولم يَكُن لَدَيْه أيُّ مَصْدرٍ كانَ، ولم يُراجِعْ في كَلامِه قَطُّ.. كان كَلامُه في مُنتَهَى السُّرْعةِ، وكُنّا نَكتُبُ حَوالَيْ أَربَعِينُه ذلكيفةً في ساعَتَينِ أو ثَلاثٍ، فأَيْقَنّا نَحنُ أَيضًا أنَّ هذا التَّوفِيقَ الإلٰهِيَّ في التَّأْليفِ هُو كَرامةٌ مِن كَراماتِ المُعْجِزاتِ النَّبَوِيّةِ، على صاحِبِها الصَّلاةُ والسَّلامُ.
عبدالله چهَرَت سُلَيمانُ ساميالحافظُ خالدالحافظُ توفيق
خادمه المُقيم خادمه كاتب المُسَوَّدة كاتب المُسَوَّدة
وكاتب المُسَوَّدة وأخوه في الآخرة والمُبَيَّضة
٭٭٭
— 242 —
الذَّيلُ الأوَّل
من رسالة "المُعجِزات الأحمدالحُجّ (لِمُناسَبةِ المَقامِ ضُمَّت هُنا (الكَلِمةُ التَّاسِعةَ عَشْرةَ)، وهي تَخُصُّ الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ مَعَ ذَيْلِها الَّذي يَبحَثُ في مِ.
ةِ انشِقاقِ القَمَرِ).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَتَضمَّنُ هذه الكَلِمةُ"اللَّمْعةُ الرّابِعةَ عَشْرةَ"أَربَعَ عَشْرةَ رَشْحةً:
الرَّشْحةُ الأُولَى:
إنَّكثَرَُعرِّفُ لَنا رَبَّنا هو ثلاثةُ مُعَرِّفِين أَدِلَّاءَ عِظامٍ:
أَوَّلُهم:كِتابُ الكَوْنِ، الَّذي سَمِعْنا شَيئًا مِن شَهادَتِه في ثَلاثَ عَشْرةَ لَمْعةً "مِن لَمَعاتِ المَثنَوِيِّ العَرَبيِّ النُّواوةُ إ.
ثانيهم:هو الآيةُ الكُبْرَى لِهذا الكِتابِ العَظيمِ، وهو خاتَمُ دِيوانِ النُّبُوّةِ (ص).
ثالِثُهم:القُرآنُ الحَكِيمُ.
فعَلَينا الآنَ أن نَعرِفَ هذا البُرهانَ الثَّانِيَ النَّاطِقَ یی وهو خاتَمُ الأَنبِياءِ وسَيِِّ)، وهُرسَلِين (ص) یی ونُنصِتَ إلَيه خاشِعِينَ.
اعْلَمْ أنَّ ذلك البُرهانَ النَّاطِقَ لَه شَخْصِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ عَظِيمةٌ.
فإن قُلتَ: ما هو؟ وما ماهِيَّتُه؟
قِيلَ لك:هو الَّذي لِعَظَمَتِه المَعنَوِيّةِ صارَ سَطْحُ الأرُوحُ َسجِدَه، ومَكّةُ مِحرابَه، والمَدِينةُ مِنبَرَه.. وهو إِمامُ جَمِيعِ المُؤْمِنين يَأْتَمُّون به صافِّينَ خَلْفَه.. وخَطِيبُ جَمِيعِ
— 243 —
البَشَرِ يُبَيِّنُ لَهُم دَساتِيرَ سَعاداتِهم.. ورَّه إِ جَمِيعِ الأَنبِياءِ يُزَكِّيهم ويُصَدِّقُهم بجامِعِيّةِ دِينِه لِأَساساتِ أَديانِهم.. وسَيِّدُ جَمِيعِ الأَوْلياءِ يُرشِدُهم ويُرَبِّيهم بشَمسِ رِسالَتِه.. وقُطْبٌ في مَبإِرشادائِرةِ حَلْقةِ ذِكْرٍ تَرَكَّبَت مِنَ الأَنبِياءِ والأَخيارِ والصِّدِّيقِين والأَبرارِ المُتَّفِقِين على كَلِمَتِه، النَّاطِقِين بها.. وشَجَرةٌ نُورانيّةٌ عُرُوقُها الحَيَرةٍ ب المَتِينةُ هي الأَنبِياءُ بأَساساتِهمُ السَّماوِيّةِ، وأَغصانُها الخَضِرةُ الطَّرِيّةُ وثَمَراتُها اللَّطِيفةُ النَّیيِّرةُ هي الأَولِياءُ بمَعارِفِهمُ الإِلْهامِيّةِ..ّاتِ وا مِن دَعوَى يَدَّعِيها إلَّا ويَشهَدُ لَه جَمِيعُ الأَنبِياءِ مُستَنِدين بمُعجِزاتِهم، وجَمِيعُ الأَولِياءِ مُستَنِدِين بكَراماتِهم؛ فكَأنَّ على كلِّ دَعوَى مِن دَعاوِيه خَواتِمَ جَمِيعِ الكامِلِين، إذ بَينَما تَراه قال:"لا إلٰهَ إلَى، أمهُ"وادَّعَى التَّوحِيدَ، فإذا نَسمَعُ مِنَ الماضِي والمُستَقبَلِ مِنَ الصَّفَّينِ النُّورانيَّينِ یی أي: شُمُوسِ البَشَرِ ونُجُومِه القاعِدِين في دائرةِ الذِّكرِ یی عَينَ تلك الكَلِمةِ، فيُكرِّرُونَها ويَتَّفِقُون علَيها، معَ اختُورِدُمَسالِكِهم وتَبايُنِ مَشارِبِهم.. فكَأنَّهم يَقُولُون بالإجماعِ: "صَدَقْتَ، وبالحَقِّ نَطَقْتَ".. فأنَّى لِوَهْمٍ أن يَمُدَّ يَدَه لِرَدِّ دَعوَى تَأَيَّدَتْ بشَهاداتِ مَن لا يُحَدُّ مِنَ الشّاُمُ ال الَّذين تُزَكِّيهم مُعجِزاتُهم وكَراماتُهم؟!
الرَّشحةُ الثَّانية:
اعْلَمْ أنَّ هذا البُرهانَ النُّورانِيَّ الَّذي دَلَّ على التَّوحِيدِ وأَرشَدَ البَشَعِيسَىيه، كما أنَّه يَتَأيَّدُ بقُوّةِ ما في جَناحَيهِ نُبُوّةً ووِلايةً مِنَ الإجماعِ والتَّواتُرِ.. كذلك تُصَدِّقُه مِئاتُ إشاراتِ الكُتُبِ السَّماوِيّةِ مِن بِشاراتِ التَّوراةِ والإنجِيلِ والزَّبُورِ وزُبُرِ الأَوَّلِعلَيْن(حاشية): لقدِ استَخْرَج "حُسَينٌ الجِسْرُ" مِئةً وأَربعَ عَشْرةَ بِشارةً مِن بُطُونِ تلك الكُتُب، وضَمَّنها في "الرِّسالةِ الحَمِيديّة"؛ فلَئِن كانَتِ البِشاراتُ بعدَ التَّحْرِيفِ إلى هذا الحَدِّ، والأََكَّ أن صَراحاتٍ كثِيرةً كانَت مَوجُودةً قَبلَه. وكذلك تُصَدِّقُه رُمُوزُ أُلُوفِ الإرهاصاتِ الكَثِيرةِ المَشهُودةِ، وكذا تُصَدِّقُه دَلالاتُ مُعجِزاتِه مِن أَمثالِ: شَقِّ القَمَرِ، ونَبَعانِ الماءِ مِنَ الأَصابعِ كاتِه أَرِ، ومَجِيءِ الشَّجَرِ بدَعْوَتِه، ونُزُولِ المَطَرِ في آنِ دُعائِه، وشِبَعِ الكَثيرِ مِن طَعامِه القَلِيلِ، وتَكَلُّمِ الضَّبِّ والذِّئبِ والظَّبْيِ
— 244 —
والجَمَل والحَجَرِ.. )، أمّلفٍ مِن مُعجِزاتِه كما بَيَّنَها الرُّواةُ والمُحَدِّثُون المُحَقِّقُون.. وكذا تُصَدِّقُه الشَّرِيعةُ الجامِعةُ لِسَعاداتِ الدّارَينِ.
واعْلَمْ أنَّه كما تُصَدِّقُه هذه الدَّلائِلُ الآفاقِيّةُ، كذلك هو كالشَّمسِ ي الشَّ على ذاتِه بِذاتِه، فتُصَدِّقُه الدَّلائِلُ الأَنفُسِيّةُ، إذِ اجتِماعُ أَعالي جَمِيعِ الأَخلاقِ الحَمِيدةِ في ذاتِه بالِاتِّفاقِ.. وكذا جَمْعُ شَخْصِيَّتِه المَعنَوِيّةِ في وَظِيفَتِه أَفاضِلَ جَمِيعِ السَّجايا الغالِيةِ والخَصائُِغَبّرَّزِيهةِ.. وكذا قُوّةُ إيمانِه بشَهادةِ قُوّةِ زُهْدِه وقُوّةِ تَقْواه وقُوّةِ عُبُودِيَّتِه.. وكذا كَمالُ وُثُوقِه بشَهادةِ سِيَرِه، وكَمالُ جِدِّيَّتِه وكَمالُ مَتانَتِه، وكذا قُوّةُ أَمنِيَّتِه في حَرَك دِينِشَهادةِ قُوّةِ اطمِئْنانِه.. تُصَدِّقُه كالشَّمسِ السّاطِعةِ في دَعوَى تَمَسُّكِه بالحَقِّ وسُلُوكِه الحَقيقةَ.
الرَّشحةُ الثالثة:
اعْلَمْ أنَّ للمُحيطِ الزَّمانِيِّ والمَكانِيِّ تَأثيرًا عَظِ عَنهُي مُحاكَماتِ العُقُولِ، فإن شِئتَ فتَعالَ نَذْهَبْ إلى خَيرِ القُرُونِ وعَصرِ السَّعادةِ النَّبَويّةِ لِنَحظَى بزِيارَتِه الكَريمةِ (ص) یی ولو بالخَيالِ یی وهو ن كان أسِ وَظيفَتِه يَعمَلُ.. فافْتَحْ عَينَيك وانظُرْ، فإنَّ أَوَّلَ ما يَتَظاهَرُ لنا مِن هذه المَملَكةِ: شَخصٌ خارِقٌ، له حُسنُ صُورةٍ فائقةٍ، في حُسنِ سِيرةٍ رائقةٍ؛ فها هوأَمثال بيَدِه كِتابًا مُعجِزًا كَريمًا، وبلِسانِه خِطابًا مُوجَزًا حَكِيمًا، يُبلِّغُ خُطبةً أَزَليّةً ويَتلُوها على جَميعِ بَني آدَمَ، بل على جَميعِ الجِنِّ والإنسِ، بل على جَميعِ المَوجُوداتِ.
فيا لَلعَجَبِ! ما يَقعجِزةُ. نعم، إنَّه يتَحَدَّثُ عن أَمرٍ جَسيمٍ، ويَبحَثُ عن نَبأٍ عَظيمٍ، إذ يَشرَحُ ويَحُلُّ اللُّغزَ العَجيبَ في سِرِّ خِلْقةِ العالَمِ، ويَفتَحُ ويَكشِفُ الطِّطِيعُ المُغلَقَ في سِرِّ حِكمةِ الكائناتِ، ويُوَضِّحُ ويَبحَثُ عنِ الأَسئلةِ الثَّلاثةِ المُعضِلةِ الَّتي شَغَلَتِ العُقُولَ وأَوقَعَتْها في الحَيرةِ، إذ هي الأَسئِلةُ الَّتي يَسأَلُ عنها كلُّ مَوجُودٍ، وهي: مَن أنتَ؟ ومِن أين؟ وإلى أين؟
الر الحُسالرَّابعة
انظُرْ إلى هذا الشَّخصِ النُّورانِيِّ كيف يَنشُرُ مِنَ الحَقيقةِ ضِياءً نَوّارًا، ومِنَ الحَقِّ نُورًا مُضِيئًا، حتَّى صَيَّرشارَ إ البَشَرِ نَهارًا وشِتاءَه رَبِيعًا؛ فكَأنَّ الكائناتِ تَبَدَّلَ شَكلُها فصارَ
— 245 —
العالَمُ ضاحِكًا مَسرُورًا بعدَما كان عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا.. فإَيءٌ منَظَرتَ إلى الكائناتِ خارِجَ نُورِ إرشادِه، تَرَى في الكائناتِ مَأْتَمًا عُمُوميًّا، وتَرَى مَوجُوداتِها كالأَجانبِ الغُرَباءِ والأَعداءِ، لا يَعرِفُ بعضٌ بعضًا، بل ًا، لِيه، وتَرَى جامِداتِها جَنائزَ دَهَّاشةً، وتَرَى حَيَواناتِها وأَناسِيَّها أَيتامًا باكِينَ تحتَ ضَرَباتِ الزَّوالِ والفِراقِ.
فهذه هي ماهِيّةُ الكائناتِ عِندَ مَن لم يَدخُل في دائرةِ نُورِه، فانظُرِ الآنَ بنُورِه، وبمِرصادِفهَذِهه، وفي دائرةِ شَرِيعَتِه، إلى الكائناتِ.. كيف تَراها؟ فانظُر! قد تَبَدَّل شَكلُ العالَمِ، فتَحَوَّل بَيتُ المَأْتَمِ العُمُوميِّ إلى مَسجِدٍ للذِّكرِ والفِكرِ، ومَجلِسٍ للجَذبةِ والشُّكرِ، وتَحَوَّل الأَعداءُ الأَجانِبُ مِنَ المَمواميتتِ إلى أَحبابٍ وإخوانٍ، وتَحَوَّل كلٌّ مِن جامِداتِها المَيتةِ الصّامِتةِ حتَّى غدا كلٌّ مِنها كائِنًا حَيًّا مُؤْنِسًا مَأْمُورًا مُسَخَّرًا تالِيًا لِسانُ حالِه آياتِ خالِقِه، وتَحَوَّل ذَوُو الَه سُو مِنها (الأَيتامُ الباكُونَ الشَّاكُونَ) ذاكِرِينَ في تَسبِيحاتِهم، شاكِرِين لِتَسرِيحِهم عن وَظائفِهم.
الرَّشحة الخَامسة:
لقد تَحَوَّلَت بذلك النُّورِ حَرَكاتُ الكائناتِ وتَنَوُّعاتُها وتَغَيُّراتُها مِنَ العَفَهمي ِ والتَّفاهةِ ومَلعَبةِ المُصادَفةِ إلى مَكاتِيبَ رَبّانيّةٍ، وصَحائفِ آياتٍ تَكوِينيّةٍ، ومَرايا أَسماءٍ إلٰهِيّةٍ.. حتَّى تَرَقَّى العالَمُ وصارَ كِتابًا للحِكمةِ الصَّمَدانيّةِ.
وانظُرْ إلى الإنسانِ كيفءَ الحَّى مِن حَضِيضِ الحَيَوانيّةِ الَّذي هَوَى إلَيه بعَجْزِه وفَقْرِه، وبعَقْلِه النَّاقِلِ لِأَحزانِ الماضِي ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ، تَرَقَّى إلى أَوْجِ الخِلافةِ بتَنَوُّرِ ذلكعادةِ لِ والعَجزِ والفَقرِ.. فانظُرْ كيف صارَتْ أَسبابُ سُقُوطِه یی مِن عَجزٍ وفَقرٍ وعَقلٍ یی أَسبابَ صُعُودِه بسَبَبِ تَنَوُّرِها بنُورِ هذا الشَّخصِ النُّورانِيِّ.
فعلى هذا: لو لم يُوجَد هذا الشَّخصُ لَسَقَطَتِ الكائناتُ والإنسانُ،َبَرِ شيءٍ إلى دَرَجةِ العَدَم، لا قِيمةَ ولا أَهَمِّيّةَ لها.. فيَلزَمُ لِمِثلِ هذه الكائناتِ البَدِيعةِ الجَمِيلةِ مِن مِثلِ هذا الشَّخصِ الخارِقِ الفائقِ المُعَرِّفِ المُحَقِّق، فإذا لم يكُن هَ مَكا تكُنِ الكائناتُ، إذ لا مَعنَى لها بالنِّسبةِ إلَينا.
— 246 —
الرَّشحة السَّادسة:
فإن قُلتَ:مَن هذا الشَّخصُ الَّذي نَراه قد صارَ شَمْسًا للكَونِ، كاشِفًا بدِينِه عن كَمالاتِ الكي
#101ِ؟ وما يقُولُ؟
قِيلَ لك:انظُرْ واستَمِعْ إلى ما يقُولُ: ها هو يُخبِرُ عن سَعادةٍ أَبَديّةٍ ويُبَشِّرُ بها، ويَكشِفُ عن رَحمةٍ بلا نِهايةٍ، ويُعلِنُها ويَدعُو النّاسَ إلَيها.. وهو دَلَّالُ مَحاسِنِ سَلْطَنةِ الرُّبُوبيّةِ ونَظَّارُها، وكَشّفاعِلٍَخْفِيَّاتِ كُنُوزِ الأَسماءِ الإلٰهيّةِ ومُعَرِّفُها.
فانظُرْ إلَيه مِن جِهةِ وَظيفَتِه "رِسالَتِه"، تَرَهُ بُرهانَ الحَقِّ وسِراجَ الحَقيقةِ وشَمسَ الهِدايةِ ووَسيلةَ السَّعادةِ.
ثمَّ انظُرْ إلَيه مِن جِهةِ شَخصِيَّتِه "عُب تَرَقَتِه"، تَرَهُ مِثالَ المَحَبَّةِ الرَّحمانيَّةِ وتِمثالَ الرَّحمةِ الرَّبَّانيَّةِ، وشَرَفَ الحَقيقةِ الإنسانيَّةِ، وأَنورَ أَزهَرِ ثَمَراتِ شَجَرةِ الخِلقةِ العالمَّ انظُرْ.. كيفَ أَحاطَ نُورُ دِينِه بالشَّرقِ والغَربِ في سُرعةِ البَرقِ الشَّارِقِ، وقد قَبِل بإِذعانِ القَلبِ ما يَقرُبُ مِن نِصفِ الأَرضِ ومِن خُمُسِ بَني آدَمَ هَدِيّةراجَعَيَتِه، بحيثُ تُفدِي لها أَرواحَها.. فهل يُمكِنُ للنَّفسِ والشَّيطانِ أن يُناقِشا بلا مُغالَطةٍ في مُدَّعَياتِ مِثلِ هذا الشَّخصِ، لا سِيَّما في دَعوَى هي أَساسُ كلِّ مقَدَّسياتِه، وهي: "لا إلٰهَ إلا اللهُ" بجَميعِ مَراتِبِها؟!
الرَّشحة السّابعة:
فإن شِئتَ أن تَعرِفَ أنَّ ما يُحَرِّكُه إنَّما هو قُوّةٌ قُدسِيّةٌ، فانظُرْ إلى إجراءاتِه في هذه الجَزِيرةِ الواسِعةِ.. ألَا تَاءِ فيه الأَقوامَ المُختَلِفةَ البِدائيّةَ في هذه الصَّحراءِ الشَّاسِعةِ، المُتَعصِّبِين لِعاداتِهم، المُعانِدِين في عَصَبِيَّتِهم وخِصامِهم، كيف رَفَعَ هذا الشَّخصُ جَميعَ أَخلاقِهمُ السَّيِّئةِ البِدائيّةِ وقَلَعَها في زُ وَحِقَليلٍ دُفعةً واحِدةً؟ وجَهَّزَهم بأَخلاقٍ حَسَنةٍ عالِيةٍ؛ فصَيَّرهم مُعَلِّمي العالَمِ الإنسانِيِّ وأَساتِيذَ الأُمَمِ المُتَمَدِّنةِ.
فانظُرْ، لَيسَت سَلطَنَتُه على الظَّاهِرِ فقط، بل ها هو يَفتَحُ القُلُوبَ والعُقُولَ،قةِ، وخِّرُ الأَرواحَ والنُّفُوسَ، حتَّى صارَ مَحبُوبَ القُلُوبِ ومُعَلِّمَ العُقُولِ ومُرَبِّيَ النُّفُوسِ وسُلطانَ الأَرواحِ.
— 247 —
الرَّشحة الثَّامنة:
مِنَ المَعلُومِ أنَّ رَفْعَ عادةٍ صَغيرةٍ یی كالتَعلَّينِ مَثلًا یی مِن طائفةٍ صَغيرةٍ بالكُلِّيّةِ، قد يَعْسُرُ على حاكِمٍ عَظيمٍ، بهِمَّةٍ عَظِيمةٍ، مع أنّا نَرَى هذا النَّبيَّ الكَريمَ (ص) قد رَفَعَ بالكُلِّيّةِ عاداتٍ كثيرةً، مِن أَقوامٍ عَظيمةٍ مُتَ"ومِنهِين لِعاداتِهم، مُعانِدِين في حِسِّيَّاتِهم.. رَفَعَها بقُوّةٍ جُزئيّةِ، وهِمَّةٍ قَليلةٍ في ظاهِرِ الحالِ، وفي زَمانٍ قَصيرٍ، وغَرَسَ بدَلَها برُسُوخٍ تامٍّ في سَجِيَّتِهم عاداتٍ عاليةً، وخَصائلَ غاليةً.. فيَتَراءَى لنئِسِ مخَوارِقِ إجراءاتِه الأَساسيَّةِ أُلُوفُ ما رَأَينا، فمَن لم يَرَ هذا العَصرَ السَّعيدَ نُدخِلْ في عَينِه هذه الجَزِيرةَ العربية ونَتَحدّاه، فليُجَرِّبْ نَفسرَ عن ا.. فلْيَأخُذُوا مِئةً مِن فَلاسِفَتِهم ولْيَذهَبُوا إلَيها ولْيَعمَلُوا مِئةَ سنةٍ، هل يَتَيسَّرُ لهم أن يَفعَلُوا جُزءًا مِن مِئةِ جُزءٍ مِمّا فَعَلَه (ص) في سنةٍ بالنُ ذلك إلى ذلك الزَّمانِ؟!
الرَّشحة التاسعة:
اعْلَمْ یی إن كُنتَ عارِفًا بسَجِيّةِ البَشَرِ یی أنَّه لا يَتَيسَّرُ لِعاقِلٍ أن يَدَّعِيَ یی في دَعوَى فيها مُناظَرةٌ یی كَذِبًا يَخجَلُ بظُهُورِه، وأن يقُولَه بلا حَرَجٍ وبلا تَرَدهم وآببلا اضطِرابٍ يُشِيرُ إلى حِيلَتِه، وبلا تَصَنُّعٍ وتَهَيُّجٍ يُومِيان إلى كَذِبِه، أمامَ أنظارِ خُصُومِه النَّقّادةِ، ولو كانَ شَخصًا صَغيرًا، ولو في وَظِيفةٍ صَغِيرةًٍ لِيُبمَكانةٍ حَقِيرةٍ، ولو في جَماعةٍ صَغيرةٍ، ولو في مَسأَلةٍ حَقِيرةٍ.. فكيف يُمكِنُ تَداخُلُ الحِيلةِ ودُخُولُ الخِلافِ في مُدَّعَياتِ مِثلِ هذا الشَّخصِ الَّذي هو مُوَظَّفٌ عَظيمٌ، في وَظِيفةٍ عَظِيمةٍ، بِحَيثيّةٍ عَظِيمةٍ، مع أنَّه يَحتاجعظَمِ.قةٍ عَظِيمةٍ، وفي جَماعةٍ عَظِيمةٍ، مُقابِلَ خُصُومةٍ عَظيمةٍ، وفي مَسأَلةٍ عَظِيمةٍ، وفي دَعوَى عَظيمةٍ؟
وها هو يقُولُ ما يقُولُ بلا مُبالاةٍ بمُعتَرِضٍ، وبلجَوَلادُّدٍ وبلا تَحَرُّجٍ وبلا تَخَوُّفٍ وبلا اضطِرابٍ، وبصَفوةٍ صَمِيميّةٍ، وبجِدِّيّةٍ خالِصةٍ، وبطَرْزٍ يُثيرُ أَعصابَ خُصُومِه، بتَزيِيفِ عُقُولِهم وتَحقيرِ نُفُوسِهم وكَسْرِ عِزَّتِهم، بأُسلُوبٍ شَدِيدٍ عُلْوِيٍّ.. فهل يُما تَرََداخُلُ الحِيلةِ في مِثلِ هذه الدَّعوَى مِن مِثلِ هذا الشَّخصِ، في مِثلِ هذه الحالةِ المَذكُورةِ؟ كلّا! إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
— 248 —
دائِر، إنَّ الحَقَّ أَغْنَى مِن أن يُدَلِّسَ، ونَظَرَ الحَقيقةِ أَعلَى مِن أن يُدَلَّسَ علَيه.. نعم، إنَّ مَسلَكَه الحَقَّ مُستَغنٍ عنِ التَّدليسِ، ونَظَرَه النَّفّاذَ مُنَزَّهٌ مِن أن يَلتَبِسَ علَيه الخَيالُ بالحَقيقةِ..
الرَّشحة ا سَبَب:
انظُرْ واستَمِعْ إلى ما يقُولُ.. ها هو يَبحَثُ عن حَقائقَ مُدهِشةٍ عَظيمةٍ، ويَبحَثُ عن مَسائلَ جاذِبةٍ للقُلُوبِ، جالِبةٍ للعُقُولِ إلى الدِّقّةِ والنَّظَرِ؛ إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ شَوقَ كَشْفِ َدَهم ِ الأَشياءِ قد ساقَ الكَثِيرينَ مِن أَهلِ حُبِّ الِاستِطلاعِ واللَّهفةِ والِاهتِمامِ إلى فِداءِ الأَرواحِ.. ألَا تَرَى أنَّه لو قيلَ لك: إن فَدَيتَ نِصفَ عُمُرِك، أو نِصفَ مالِك، لَنَزَل مِنَ القَمَرِ أوِ المُشتَرِي شَخصٌ يُخبلقُوّةغَرائبِ أَحوالِهما، ويُخبِرُك بحَقيقةِ مُستَقبَلِ أَيّامِك؟ أَظُنُّك تَرضَى بالفِداء. فيا لَلعَجَبِ! تَرضَى لِدَفعِ ما تَتَلهَّفُ إلَيه بنِصفِ العُمُرِ والمالِ، ولا تَهتَمُّ بما يقُوتِك، ب النَّبيُّ الكَريمُ (ص) ويُصَدِّقُه إجماعُ أَهلِ الشُّهُودِ وتَواتُرُ أَهلِ الِاختِصاصِ مِنَ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقين والأَولياءِ والمُحَقِّقين! بَينَما هُقابِلَثُ عن شُؤُونِ سُلطانٍ، ليس القَمَرُ في مَملَكَتِه إلّا كذُبابٍ يَطيرُ حولَ فَراشٍ، وهذا يَحُومُ حَولَ سِراجٍ مِن بينِ أُلُوفٍ مِنَ القَناد أنَّهلَّتي أَسرَجَها في مَنزِلٍ مِن بينِ أُلُوفِ مَنازِلِه الَّتي أَعَدَّها لِضُيُوفِه.. وكذا يُخبِرُ عن عالَمٍ هو مَحَلُّ الخَوارِقِ والعَجائبِ، وعنِ انقِلابٍ عَجِيبٍ، بحيثُ لوِ انفَلَقَتِ اللَّذينوتَطايَرَت جِبالُها كالسَّحابِ ما ساوَتْ عُشْرَ مِعْشارِ غَرائبِ ذلك الِانقِلابِ.. فإن شِئتَ فاستَمِعْ مِن لِسانِه أَمثالَ السُّوَرِ الجَليجُوداتإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ والْقَارِعَةُ
وكذا يُخبِرُ بصِدقٍ عن مُستَقبَلٍ، ليس مُستَقبَلُ الدُّنيا بالنِّسبةِ إلَيه إلَّا كقَطْرةرمَى فبٍ بلا طائلٍ بالنِّسبةِ إلى بَحرٍ بلا ساحِلٍ؛ وكذا يُبَشِّرُ عن شُهُودٍ بسَعادةٍ، لَيسَت سَعادةُ الدُّنيا بالنِّسبةِ إلَيها إلَّا كبَرْقٍ زائلٍ بالنِّسبةِ إلى شَمسٍ سَرْمَدِيّةٍ.
— 249 —
الرَّشحة الحاديةَ عَشْرةَ:
إالقَريحتَ حِجابِ هذه الكائِناتِ ذاتِ العَجائبِ والأَسرارِ، تَنتَظِرُنا أُمُورٌ أَعجَبُ، ولا بُدَّ للإخبارِ عن تلك العَجائبِ والخَوارِقِ مِن شَخصٍ عَجِيبٍ خارِقٍ يُستَشَفُّ مِن أَحوالِه أنَّه يُشاهِدُ ثِ حَدِشهَدُ، ويُبصِرُ ثمَّ يُخبِرُ.
نعم، نُشاهِدُ مِن شُؤُونِه وأَطوارِه أنَّه يُشاهِد ثمَّ يَشهَدُ فيُنذِرُ ويُبشِّرُ.. وكذا يُخبِرُ عن مَرضِيّاتِ رَبِّ العالَمِين الَّذي غَمَنا في نِعَمِه الظّاهِرةِ والباطِنةِ، ومَطالِبِه مِنَّا، وهكذا..
فيا حَسرةً على الغافِلين! ويا خَسارةَ الضّالِّين! ويا عَجَبًا مِن بَلاهةِ أَكثَرِ النَّاسِ! كيف تَعامَوا عن هذا الحَقِّ وتَصامُّوا عن هذه الحَقيقةِ؟ِئٌ مَِهتَمُّون بكَلامِ هذا النَّبيِّ الكَريمِ (ص) مع أنَّ مِن شَأْنِ مِثلهِ أن تُفْدَى له الأَرواحُ، ويُسرَعَ إلَيه بتَركِ الدُّنيا وما فيها؟
الرَّشحة الثانيةَ عَثِلةِ
اعلَمْ أنَّ هذا النَّبيَّ الكَريمَ (ص) المَشهُودَ لنا بشَخصِيَّتِه المَعنَوِيّةِ، المَشهُورَ في العالَمِ بشُؤُونِه العُلوِيّةِ، كما أنَّه بُرهانٌ ناطِقٌ صادِقٌ على الوَحدانيّةِ، ودَليلُ حَقٍّ بدَرَجةِ حَقّانيّةِ التَّوحِيدِ، كذلك هتَفسِيانٌ قاطِعٌ ودَليلٌ ساطِعٌ على السَّعادةِ الأَبَديّةِ؛ بل كما أنَّه بدَعوَتِه وبهِدايَتِه سَبَبُ حُصُولِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ ووَسيلةُ وُصُولِها، كذلك بدُعائِه وعُبُودِيَّتِه سَبَبُ وُجُودِ تلك السَّعادةِ الأَبَديّةا غُلايلةُ إيجادِها.. ولِمُناسَبةِ المَقامِ نُكَرِّرُ هذا السِّرَّ الَّذي وَرَد في مَبحَثِ الحَشرِ.
فإن شِئتَ فانظُرْ إلَيه وهو في الصَّلولةِ وكُبْرَى، الَّتي بعَظَمةِ وُسْعَتِها صَيَّرَتْ هذه الجَزيرةَ بلِ الأَرضَ مُصَلِّين بتلك الصَّلاةِ الكُبْرَى.. ثم انظُرْ إليه وهو يُصَلِّي تلك الصَّلاةَ بهذه الجَماعةِ العُظمَى، بدَرَجُّ، فجَّه هو إمامٌ في مِحرابِ عَصرِه واصْطَفَّ خَلْفَه مُقتَدِين به جَميعُ أَفاضِلِ بَني آدَمَ، مِن آدَمَ عَليهِ السَّلام إلى هذا العَصرِ إلى آخِرِ الدُّنيا في صُفُوف مَنِ عصارِ، مُؤتَمِّينَ به ومُؤَمِّنين على دُعائِه.
— 250 —
ثمَّ استَمِعْ إلى ما يَفعَلُ في تلك الصَّلاةِ بتلك الجَماعةِ.. فها هو يَدعُو لِحاجةٍ شَديدةٍ عَظِيمةٍ عامّةٍ بحيثُ تَشتَرِكُ معه في دُعائِه الأَرضُ بلِ السَّماءُ بل كلُّ المَوجُوداتَهُم حقُولُون بأَلسِنةِ الأَحوالِ: نعم يا رَبَّنا تَقَبَّلْ دُعاءَه؛ فنحن أيضًا بل مع جَميعِ ما تَجَلَّى علَينا مِن أَسمائِك نَطلُبُ حُصُولَ ما يَطلُبُ هو..
ثمَّ انظُر إلى طَوْرِه في طَرْزِ تَضَرُّعاتِه كيف يَلكَلِمعُ بافتِقارٍ عَظيمٍ، في اشتِياقٍ شَديدٍ، وبحُزنٍ عَمِيقٍ، في مَحبُوبيّةٍ حَزِينةٍ؛ بحيثُ يُهَيِّجُ بُكاءَ الكائناتِ فيُبكِيها فيُشرِكُها في دُعائِه.
ثمَّ انظُر لِأَيِّ مَقصَدٍ وغايةٍ يَتَضرَّعُ؟ ها هو يَدعُو لِمَقصَدٍ لولا حُصُولُ ذاك ال جَماعِ لَسَقَط الإنسانُ، بلِ العالَمُ، بل كلّ المَخلُوقاتِ إلى أَسفَلِ سافِلينَ لا قِيمةَ لها ولا مَعنَى، وبمَطلُوبِه تَتَرقَّى المَوجُوداتُ إلى مَقاماتِ كَمالاتِها..
ثمَّ انظِ الأُف يَتَضرَّعُ باستِمدادٍ مَديدٍ، في غِياثٍ شَديدٍ، في استِرحامٍ بتَوَدُّدٍ حَزينٍ، بحيثُ يُسمِعُ العَرشَ والسَّماواتِ، ويُهَيِّجُ وَجْدَها، حتَّى كأنَّ العَرشَ والسَّماواتِسِتارُِ: آمِينَ اللَّهمَّ آمِينَ..
ثمَّ انظُر مِمَّن يَطلُبُ مَسؤُولَه.. نعم، يَطلُبُ مِنَ القَديرِ السَّميعِ الكَريمِ ومِنَ العَليمِ البَصيرِ الرَّحيمِ، الَّذي يَسمَعُ أَخفَى دُعاءٍ مِن"دَعاهى حَيَوانٍ في أَخفَى حاجةٍ، إذ يُجِيبُه بقَضاءِ حاجَتِه بالمُشاهَدةِ، وكذا يُبصِرُ أَدنَى أَمَلٍ في أَدنَى ذي حَياةٍ في أَدنَى غايةٍ، إذ يُوصِلُه إلَيها مِن حَيثُ لا يَحتَسلٌ إلّلمُشاهَدةِ، ويُكرِمُ ويَرحَمُ بصُورةٍ حَكيمةٍ، وبطَرْزٍ مُنتَظِمٍ.. لا يَبقَى رَيبٌ في أنَّ هذه التَّربيةَ والتَّدبيرَ مِن سَميعٍ عَليمٍ ومِن بصوَّرُحَكيمٍ.
الرَّشحة الثالثةَ عَشْرةَ:
فيا لَلعَجَبِ!.. ما يَطلُبُ هذا الَّذي قام على الأَرضِ، وجَمَع خَلفَه جَميعَ أَفاضِلِ بني آدَمَ، ورَفَع يدَيهِ مُتَوجِّهًا إلى العَرشِ الأَعظَمِ يَدعن مَوضاءً يُؤَمِّنُ علَيه الثَّقَلانِ؛ ويُعلَمُ مِن شُؤُونِه أنَّه شَرَفُ نَوعِ الإنسانِ، وفَرِيدُ الكَونِ والزَّمانِ، وفَخرُ هذه الكائناتِ المُطلِ آنٍ، ويَستَشفِعُ بجَميعِ الأَسماءِ القُدسيّةِ الإلٰهيّةِ المُتَجلِّيةِ في مَرايا المَوجُوداتِ، بل
— 251 —
تَدعُو وتَطلُبُ تلك الأَسماءُ عَينَ ما يَطلُبُ هو؛ فاستَمِلِمَتَ هو يَطلُبُ البَقاءَ واللِّقاءَ والجَنّةَ والرِّضَا.. فلو لم يُوجَد ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَسبابِ المُوجِبةِ لإعطاءِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ مِنَ الرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكمةِ والعَدالةِ المَشهُوداتِ یی المُتَوقِّفِ كَونُهنَّ أُةً وعِنايةً وحِكمةً وعَدالةً على وُجُودِ الآخِرةِ یی وكذا جَميعُ الأَسماءِ القُدسِيّةِ أسبابٌ مُقتَضِيةٌ لها، لَكَفَى دُعاءُ هذا الشَّخصِ النُّورانِيِّ لِأَنْ يَبنيَ رَبُّه له ولِأيَنفَح جِنسِه الجَنّةَ، كما يُنشِئُ لنا في كلِّ رَبيعٍ جِنانًا مُزَيَّنةً بمُعجِزاتِ مَصنُوعاتِه؛ فكما صارَت رِسالَتُه سَببًا لِفَتحِ هذه الدّارِ الدُّنيا للِامتِحانِ والعُبُودِيّةِ، كذلك صار دُعاؤُه فيحاجاتِدِيَّتِه سَببًا لِفَتحِ دارِ الآخِرةِ للمُكافآتِ والمُجازاةِ.
فهل يُمكِنُ أن يَقبَلَ هذا الِانتِظامُ الفائقُ، في هذه الرَّحمةِ الواسِعةِ، في هذه الصَّنعةِ الحَسَنةِ بلا قُصُورٍ، في هذا الجَمالِ بلا قُبحٍ یی بدَرَجةٍ أَاتِ الأَهلَ التَّحقيقِ والعَقلِ بی"ليس في الإمكانِ أَبدَعُ مِمّا كان"أن تَتَغيَّرَ هذه الحَقائقُ إلى قُبحٍ خَشِينٍ، وظُلمٍ مُوحِشٍ، وتَشَوُّشٍ عَظيمٍ، أي: بعَدَمِ مَجِيءِ الآخِرةِ؟ إذ سَماعُ أَدنَى صَوتٍ مِنلشِّتاى خَلقٍ في أَدنَى حاجةٍ وقَبُولُها بأَهمِّيّةٍ تامّةٍ، مع عَدَمِ سَماعِ أَرفَعِ صَوتٍ ودُعاءٍ في أَشَدِّ حاجةٍ، وعَدَمِ قَبُولِ أَحسَنِ مَسؤُولٍ، في أَجمَلِ أَمَلٍ ورَجاءٍ؛ قُبحٌ ليس مِثلَه قُبحٌ، وقُصُورٌ لا يُساوِيه قُصُورٌَالِثُ ثمَّ حاشا وكلَّا.. لا يَقبَلُ مِثلُ هذا الجَمالِ المَشهُودِ بلا قُصُورٍ مِثلَ هذا القُبحِ المَحْضِ.
فيا رَفيقي في هذه السِّياحةِ العَجِيبةِ.. ألَا تي إلَ ما رَأَيتَ؟ فإن أَرَدتَّ الإحاطةَ فلا يُمكِنُ، بل لو بَقِينا في هذه الجَزيرةِ مِئةَ سنةٍ ما أَحَطْنا ولا مَلَلْنا مِنَ النَّظَرِ بجُزءٍ واحِدٍ مِن مِئةِ جُزءٍ مِن عَجائبِ وَظائفِه، اللهِبِ إجراءاتِه..
فلْنَرجِعِ القَهْقَرَى، ولْنَنظُرْ عَصرًا عَصرًا، كيف اخْضَرَّت تلك العُصُورُ واستَفاضَت مِن فَيضِ هذا العَصرِ؟ نعم، فكان كلَّ عَصرٍ نَمُرُّ علَيه قدِ انفَتَحَت أَزاهِيرُه بشَمسِ عَصرِ السَّعادةِ، وأَثمَرَ كلُّ عَصرٍ مِن أَمثالِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأبي يَزيدَ البِسطامِيّ والجُنَيدِ ومِنَ اخِ عبدِ القادِرِ الگیيلانِيّ.. والإمامِ الغَزّاليِّ والشَّاهِ النَّقْشَبَندِ والإمامِ الرَّبَّانِيِّ ونَظائرِهم أُلُوفَ ثَمَراتٍ مُنَوَّراتٍ مِن فيضِ هِدايةِ ذلك الشَّخصِ النُّورانِيِّ.. فلْنُؤخِّر تَفصِيلاتِ
— 252 —
مَشهُوداتِيْبٍ یرُجُوعِنا إلى وَقتٍ آخَرَ، ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ على ذلك الذّاتِ النُّورانِيِّ الهادي، ذي المُعجِزاتِ بصَلَواتٍ وسَلامٍ تُشِيرُ إلى قِسمٍ مِن مُعجِزاتِه:
عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ القُرآنُ الحَكِيمُ م في الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ مِنَ العَرْشِ العَظِيمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ألفُ ألفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ حَسَنَاتِ أُمَّتِهِ.
عَلَى مَن بَشَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلَيءٍ: زَّبُورُ، وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ الإِرهَاصَاتُ وَهَوَاتِفُ الجِنِّ وَكَوَاهِنُ البَشَرِ، وَانشَقَّ بِإِشَارَتِهِ القَمَرُ.. سَيِّدِنَا مُحٍَ واحِأَلفُ أَلفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ أنفَاسِ أُمَّتِهِ.
عَلَى مَن جَاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الشَّجَرُ، وَنَزَلَ سُرعَةً بِدُعَائِهِ المَطَرعَ انتَظَلَّتهُ الغَمَامَةُ مِنَ الحَرِّ، وَشَبِعَ مِن صَاعٍ مِن طَعَامِهِ مِئاتٌ مِنَ البَشَرِ، وَنَبَعَ المَاءُ مِن بَينِ أصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَالكَوثَرِ، وَثةُ اقَ اللهُ لَهُ الضَّبَّ وَالظَّبيَ وَالجِذعَ وَالذِّرَاعَ وَالجَمَلَ وَالجَبَلَ وَالحَجَرَ وَالمَدَرَ.. صَاحِبِ المِعْرَاج وَمَا زَاغَ البَصَرُ..قةِ كََيِّدِنَا وَشَفِيعِنَا مُحَمَّدٍ أَلفُ أَلفِ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ بِعَدَدِ كُلِّ الحُرُوفِ المُتَشَكِّلَةِ فِي الكَلِمَاتِ المُتَمَثِّلَةِ بِإِذنِ الرَّحمٰنِ فِي مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الهَوَاءِ عِندَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ القُرآنِ مِن
ا قَارِئٍ مِن أوَّلِ النُّزُولِ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ.. وَاغفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا يَا إلٰهَنَا بِكُلِّ صَلَاةٍ مِنهَا.. آمِينَ.
(اعلَمْ أنَّ دَلائلَ النُّبوّةِ الأَحمَديّةبْلِيهُعَدُّ ولا تُحَدُّ، ولقد صَنَّف في بَيانِها أَعاظِمُ المُحقِّقين؛ وأنا مع عَجْزِي وقُصُوري قد بَيَّنتُ شُعاعاتٍ مِن تلك الشَّمسِ في رسالةٍ تُركيّةَ إلى َماةٍ بی"شُعاعاتٌ مِن مَعرِفة النَّبيِّ (ص)"، وفي "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَر"، وكذا بَيَّنتُ إجمالًا وُجُوهَ إعجازِ مُعجِزَتِه الكُبْرَى (أي: القُرآن)، وقد أَشَرتُ ب الَّذالقاصِرِ إلى أَربعين وَجهًا مِن وُجُوهِ إعجازِ القُرآنِ في رسالةِ "اللَّوامِع"، وفي "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشرِينَ"، وقد بَيَّنتُ مِن تلك الوُجُوهِ واحِدًا وهُو البَلاغةُ الفائِقةُ النَّظْمَعْفرٌفي مِقدارِ أَربَعِين صَحِيفةً مِن تَفسِيرِي العَرَبيِّ المُسمَّى بی"إشارات الإعجاز". فإن شِئتَ فارجِعْ إلى هذه الكُتُبِ الثّلاثةِ..).
#بهم، بالرَّشحة الرابعةَ عَشْرةَ:
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ الكَريمَ الَّذي هو بَحرُ المُعجِزاتِ والمُعجِزةُ الكُبْرَى يُثبِتُ النُّبوّةَ الأَحمَديّةَ والوَحدانيّةَ الإلٰهيّةَ إثباتًا، ويُقيمُ حُجَجًا ويَسُوقُ بَراهينَ ويُبْرِزُ أَدِلّةً الإِي عن كلِّ بُرهانٍ آخَرَ؛ فنحن هنا سنُشِيرُ إلى تَعريفِه، ثمَّ نُشِيرُ إلى لَمَعاتٍ مِن إعجازِه، تلك الَّتي أَثارَت تَساؤُلًا لَدَى البَعضِ.. فالقُرآنُ الحَكيمُ الَّذي يُعرِّفُ رَبَّما يَب:
هو التَّرجَمةُ الأَزَليّةُ لهذه الكائناتِ، والتَّرجُمانُ الأَبَديُّ لِأَلسِنَتِها التَّالِياتِ للآياتِ التَّكوينيّةِ، ومُفَسِّرُ كتابِ العالَمِ.. وكذا هو كَشَّافٌ لِمَخْفيَّاتِ كُنُوزِ الأَسماءِ المُستَتِرةِ في صَحائفِ السَّماواتَمَ الَرضِ.. وكذا هو مِفتاحٌ لِحَقائقِ الشُّؤُونِ المُضْمَرةِ في سُطُورِ الحادِثاتِ.. وكذا هو لِسانُ الغَيبِ في عالَمِ الشَّهادةِ.. وكذا هو خَزينةُ المُخاطَباتِ الأَزَليلِلذِّسُّبحانيّةِ والِالتِفاتاتِ الأَبَديَّةِ الرَّحمانيَّةِ.. وكذا هو أَساسٌ وهَندَسةٌ وشَمسٌ لهذا العالَمِ المَعنَويِّ الإسلاميِّ.. وكذا هو خَرِيطةٌ للعالَمِ الأُخرَوِيِّ.. وكذا هو قَولٌ شارِحٌنِيّةٍِيرٌ واضِحٌ وبُرهانٌ قاطِعٌ وتَرجُمانٌ ساطِعٌ لِذاتِ اللهِ وصِفاتِه وأَسمائِه وشُؤُونِه.. وكذا هو مُرَبٍّ للعالَمِ الإنسانِيِّ.. وكالماءِ وكالضِّياءِ للإنسانيّةِ الكُبْرَى الَّتي هي الإسلاميّةُ.. وكذا هو الحِكمةُ الحَقيقيّةُ لِنَوعِ البَشَرِ، قَرُّبمُرشِدُ الهادي إلى ما خُلِقَ البَشَرُ له..
وكذا هو للإنسانِ: كما أنَّه كتابُ شَريعةٍ كذلك هو كتابُ حِكمةٍ، وكما أنَّه كتابُ دُعاءٍ وعُبُوديّةٍ كذلك هو كتابُ أَمرٍ ودَعوةٍ، وكما أنَّه كتابُ ذِكرٍ كذلك هو كتابُ فِكرٍ، وكما أنّيّةِ، بٌ واحِدٌ، لكن فيه كُتُبٌ كَثيرةٌ في مُقابَلةِ جَميعِ حاجاتِ الإنسانِ المَعنَويّةِ، كذلك هو كمَنزِلٍ مُقدَّسٍ مَشحُونٍ بالكُتُبِ والرَّسائلِ.. حتَّى إنَّه أَبرَزَ لِمَشرَبِ كلِّ واحِدٍ مِن أَهلِ المَشارِبِ المُختَلِفةِ، ولِمَسلَكِ كلِّ واحفي حُضن أَهلِ المَسالِكِ المُتَبايِنةِ مِنَ الأَولياءِ والصِّدِّيقين ومِنَ العُرَفاءِ والمُحَقِّقين رِسالةً لائقةً لِمَذاقِ ذلك المَشرَبِ وتَنوِيرِه، ولِمَساقِ ذلك المَسلَكِ وتَصوِيرِه حتَّى كأنَّه مَجمُوعةُ الرَّسائلِ.
فانظُرْ إلى بَيانِ لَمالشِّرإعجازِ في تَكراراتِ القُرآنِ الَّتي يَتَوهَّمُها القاصِرُون نَقصًا في البَلاغةِ.
— 254 —
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ لأنَّه كتابُ ذِكرٍ، وكتابُ دُرافٍ قوكتابُ دَعوةٍ، يكُونُ تَكرارُه أَحسَنَ وأَبلَغَ بل أَلزَمَ، وليس كما ظَنَّه القاصِرُون، إذِ الذِّكرُ يُكَرَّرُ، والدُّعاءُ يُرَدَّدُ، والدِ بأُص تُؤَكَّد.. إذ في تكريرِ الذِّكرِ تَنوِيرٌ وفي تَردِيدِ الدُّعاءِ تَقريرٌ، وفي تكرارِ الدَّعوةِ تأكيدٌ.
واعلَمْ أنَّه لا يُمكِنُ لكلِّ أَحَدٍ في كلِّ وَقتٍ قِراءةُ تَمامِ القُرآنِ الَّذي هو دَواءٌ وشِفاءٌ لِكلِّ أَحَدٍ في كلِّ وَقتٍ؛ فلِهتٌ وتَْرَجَ الحَكيمُ الرَّحيمُ أَكثَرَ المَقاصِدِ القُرآنيّةِ في أَكثَرِ سُوَرِه، لا سِيَّما الطَّويلةِ مِنها، حتَّى صارَت كلُّ سُورةٍ قُرآنًا صَغيرًا، فسلِ بحَالسَّبيلَ لكلِّ أَحَدٍ، دُونَ أن يَحرِمَ أَحَدًا، فكَرَّرَ التَّوحيدَ والحَشرَ وقِصَّةَ مُوسَى عَليهِ السَّلام.
اعلَمْ أنَّه كما أنَّ الحاجاتِ الجِسمانيّةَ مُختَلِفةٌ في الأَوقاتِ، كذلك الحاجاتُ المَعنَويّةُ الإنسانيّةَ شَيءًا مُختلِفةُ الأَوقاتِ؛ فإلى قِسمٍ في كلِّ آنٍ كی"هو اللهُ" للرُّوحِ یی كحاجةِ الجِسمِ إلى الهَواءِ یی وإلى قِسمٍ في كلِّ ساعةٍ كی"بِاسمِ اللهِ" وهكذا فقِسْ.. فتَكرارُ الآياتِ والكَلِماتِ إذًا للدَّلالةِ على تَكَرُّرِ الِاحتِياجِ، أَخلاقرةِ إلى شِدّةِ الِاحتِياجِ إلَيها، ولِتَنبِيه عِرقِ الِاحتِياجِ وإيقاظِه، وللتَّشوِيقِ على الِاحتِياجِ، ولِتَحرِيكِ اشتِهاءِ الِاحتِياجِ إلى تلك الأَغذِيةِ المَعنَويّةِ.
اعلَمْ أنَّ القُرآنَ مُؤسِّسَقةَ م الدِّينِ العَظيمِ المَتينِ، وأَساساتٌ لهذا العالَمِ الإسلاميِّ، ومُقَلِّبٌ لِاجتِماعيّاتِ البَشَرِ ومُحَوِّلُها ومُبَدِّلُها؛ وجَوابٌ لِمُكَرَّرَ الرّسئِلةِ الطَّبَقاتِ المُختَلِفةِ للبَشَريّةِ بأَلسِنةِ الأَقوالِ والأَحوالِ.. ولا بُدَّ للمُؤسِّسِ مِنَ التَّكريرِ للتَّثبيتِ، ومِنَ التَّرديدِ للتَّأكيدِ، ومِنَ التَّكرارِ للتَّقريرِ والتَّأييدِ.
َيالات أنَّ القُرآنَ يَبحَثُ في مَسائلَ عَظِيمةٍ ويَدعُو القُلُوبَ إلى الإيمانِ بها، وفي حَقائقَ دَقيقةٍ ويَدعُو العُقُولَ إلى مَعرِفَتِها؛ فلا بُدَّ لِتَقرِيرِها في القُلُوبِ وتَثبِيتِها في أَفكارِ العْ! ها مِنَ التَّكرارِ في صُورٍ مُختَلِفةٍ وأَساليبَ مُتَنوِّعةٍ.
اعلَمْ أنَّ لكلِّ آيةٍ ظَهْرًا وبَطْنًا وحَدًّا ومَطلِعًا، ولكلِّ قِصّةٍ وُجُوهًا وأَحكامًا، وفَوائدَ ومَقاصِدَ، فتُذُ:لِأي مَوضِعٍ لِوَجهٍ، وفي آخَرَ لِأُخرَى، وفي سُورةٍ لِمَقصَدٍ، وفي أُخرَى لآخَرَ.. وهكذا. فعلى هذا لا تَكرارَ إلَّا في الصُّورةِ.
— 255 —
أمَّا إجمالُ القُرآنِ الكَريمِ في بعضِ المَسائلِ الكَونيّةِ وإبهامُه في بعضٍ آخَرَ، فهو لَمعةُ إعجاّاتيّةِعٍ، وليس كما تَوَهَّمَه أَهلُ الإلحادِ مِن قُصُورٍ ومَدارِ نَقْدٍ.
فإن قُلتَ:لأَيِّ شيءٍ لا يَبحَثُ القُرآنُ عنِ الكائناتِ كما يَبحَثُ عنها ف وأَحملحِكمةِ والفَلسَفةِ؟ فيَدَعُ بعضَ المَسائلِ مُجمَلًا ويَذكُرُ أُخرَى ذِكرًا يَنسَجِمُ مع شُعُورِ العَوامِّ وأَفكارِهم، فلا يَمَسُّها بأَذًوِيِّييُرهِقُها، بل يَذكُرُها سَلِسًا بَسِيطًا في الظّاهِرِ؟
نقُولُ جَوابًا:لأنَّ الفَلسَفةَ عَدَلَت عن طَريقِ الحَقيقةِ وضَلَّت عنها، وقد فَهِمتَ حَتمًا مِنَ الدُّرُوسِ والكَلِماتِ السّابِقةِ حِ حَيلقُرآنَ الكَريمَ إنَّما يَبحَثُ عنِ الكائناتِ استِطرادًا، للِاستِدلالِ على ذاتِ اللهِ وصِفاتِه وأَسمائِه الحُسنَى، أي: يُفهِمُ مَعانِيَ هذا الكِتابِ، كِتابِ الكَونِ العفُو ع كي يُعَرِّفَ خالِقَه.
أي: أنَّ القُرآنَ الكَريمَ يَستَخدِمُ المَوجُوداتِ لِخالِقِها لا لأَنفُسِها، فَضلًا عن أنَّه يُخاطِبُ الجُمهُورَ.
وعلى هذا: فما دامَ الواسِعة يَستَخدِمُ المَوجُوداتِ دَليلًا وبُرهانًا، فمِن شَرطِ الدَّليلِ أن يكُونَ ظاهِرًا وأَظهَرَ مِنَ النَّتيجةِ أَمامَ نَظَرِ الجُمهُورِ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ ةِ، واَ مُرشِدًا فمِن شَأْنِ بَلاغةِ الإرشادِ مُماشاةُ نَظَرِ العَوامِّ، ومُراعاةُ حِسِّ العامَّةِ ومُؤانَسةُ فِكرِ الجُمهُورِ، لِئلَّا يَتَوحَّشَ نَظَرُهم بلا طائلٍ، ولك النَشوَّشَ فِكرُهم بلا فائدةٍ، ولا يَتَشرَّدَ حِسُّهم بلا مَصلَحةٍ؛ فأَبلَغُ الإرشادِ والخِطابِ معَهم أن يكُونَ ظاهِرًا بَسِيطًا سَهلًا لا يُعجِزُهم، َيْلةًَا لا يُمِلُّهم، مُجمَلًا فيما لا يَلزَمُ تَفصِيلُه لهم، ويَضرِبَ بالأَمثالِ لِتَقريبِ ما دَقَّ مِنَ الأُمُورِ إلى فَهمِهم.
ثمَّ لِأنَّ القُرآنَ مِ البَ لكُلِّ طَبَقاتِ البَشَرِ، تَستَلزِمُ بَلاغةُ الإرشادِ ألّا يُذكَرَ ما يُوقِعُ الأَكثَريّةَ في المَغْلَطةِ والمُكابَرةِ مع البَدِيهيّاتِ في نَظَرِهِمُ الظّاهِرِيِّ، وألّا يُغيِّرَ بلا لُزُومٍ ما هو مُتَعارَفٌ مَحسُوسٌ عِندَهم، وأن يَصرِفَ أو يُجمِلَ ما لا يَلزَمُ لهم في وَظيفَتِهِمُ الأَصلِيّةِ.
— 256 —
فمَثلًا:يَبحَثُ عنِ الشَّمسِ لا للشَّمسِ، ولا عن ماهِيَّتِها، بل لِمَن نَوَّرَها وجَعَلَها سِراجًا، وعن وَظيفَتِها بصَيرُورَتِها مِحوَرًا لِانتِظامِ الصَّنعةِ ومَركَزًا لٍِ كَبِ الخِلقةِ، وما الِانتِظامُ والنِّظامُ إلا مَرايا مَعرِفةِ الصّانِعِ الجَليلِ؛ فيُعرِّفُنا القُرانُ بإراءةِ نِظامِ النَّسجِ وانتِظامِ المَنسُوجاتِ كَمالاتِ فاطِرِها ِيّةِ مِ وصانِعِها العَليمِ، فيَقُولُ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي، ويُفَهِّم بها ويُنبِّهُ إلى تَصَرُّفاتِ القُدرةِ الإلٰهيّةِ العَظيمةِ في اختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وتَناوُبِ الصَّيفِ واعَداءًءِ؛ وفي لَفْتِ النَّظَرِ إلَيها تَنبيهُ السّامِعِ إلى عَظَمةِ قُدرةِ الصّانِع وانفِرادِه في رُبُوبيَّتِه.. فمَهما كانَت حَقيقةُ جَرَيانِ الشَّمسِ وبأَيِّ صُورةٍ كانَت، لا تُؤَثِّرُ تلك الحَقيقةُ في مَقصَدِ القُ لِلوُي إراءةِ الِانتِظامِ المَشهُودِ والمَنسُوجِ معًا.
ويقُولُ أيضًا: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، ففي تَعبِيرِ السِّراجِ تَصويرُ العالَمِ بصُورةِ قَصْرٍ، وتَصويرُ الأَشياءِ ادًا ساودةِ فيه في صُورةِ لَوازِمِ ذلك القَصرِ، ومُزَيَّناتِه، ومَطعُوماتِه لِسُكّانِ القَصرِ ومُسافِرِيه، وإحساسٌ أنَّه قد أَحضَرَتْها لِضُيُوفِه وخُدَّامِه يَدُ كَريمٍ رَحيمٍ.. وما الشَّمسُ إلَّا مَأمُورٌ مُسَخَّرٌ وسرَ إلَمُنَوَّرٌ.. ففي تَعبيرِ السِّراجِ تَنبِيهٌ إلى رَحمةِ الخالِقِ في عَظَمةِ رُبُوبيَّتِه، وإفهامُ إحسانِه في سَعةِ رَحمَتِه، وإحساسُ كَرَمِه في عَظَمةِ سَلطَنَتِه.
فالآنَ استَمِعْ ماذا يقُولُ ال الجَنيُّ الثَّرثارُ في الشَّمسِ: يقُولُ: "هي كُتلةٌ عَظيمةٌ مِنَ المائِعِ النّارِيِّ تَدُورُ حولَ نَفسِها في مُستَقَرِّها، تَطايَرَت مِنها شَراراتٌ وهي أَرضُنا وسَيّاراتٌ أُخرَى، فتَدُورُ هذه الأَجرامُ العَظيمةُوجُوداتَلِفةُ في الجَسامةِ.. ضَخامَتُها كذا.. ماهِيَّتُها كذا..".
فانظُرْ ماذا أَفادَتْك هذه المَسأَلةُ غيرَ الحَيرةِ المُدهِشةِ والدَّهشةِ المُوحِشة؟! فلم تُفِدْك كَمالًا عِلمِيًّا ولا ِ.
#27ا رُوحِيًّا ولا غايةً إنسانيّةً ولا فائدةً دِينيّةً.
فقِسْ على هذا لِتُقَدِّرَ قِيمةَ المَسائلِ الفَلسَفيّةِ الَّتي ظاهِرُها مُزَخرَفةٌ وباطِنُها جَهالإِحسارِغةٌ.. فلا يَغُرَّنَّك تَشَعشُعُ ظاهِرِها وتُعرِضَ عن بَيانِ القُرآنِ المُعجِزِ.
— 257 —
اللَّهُمَّ اجْعَلِ القُرآنَ شِفَاءً لَنَا مِن كُلِّ دَاءٍ، ومُؤنِسًا لَنَا فِي حَيَ فيها وبَعدَ مَوتِنَا، وفِي الدُّنيَا قَرِينًا، وفِي القَبْرِ مُؤنِسًا، وفِي القِيَامَةِ شَفِيعًا، وعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا، ومِنَ النَّارِ سِتْرًا وحِجَابًا، وفِي الجَنّةِ رَفِيقًا، وإلَى الخَيرَاتِ كُلِّهَا دَلِيلًا وإمَامًا، بِفَض إنّجُودِكَ وكَرَمِكَ ورَحمَتِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ ويَا أرحَمَ الرَّاحِمِينَ آمِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ الفُرقَانُ الحَكِيمُ، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ.الحَدّنَ. آمِينَ.
البَاقِي هُو البَاقِي
سعيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 258 —
حول مُعجِزةِ انشِقاقِ القمرِ
ذيلُ الكلمة التاسعة عشرة والحادية والثلاثين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنّةٍ مَِحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ٭ وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
إنَّ فَلاسِفةً مادّْضةِ، ، ومَن يُقَلِّدُونَهم تَقْلِيدًا أَعمَى، يُرِيدُون أن يَطمِسُوا ويَخسِفُوا مُعجِزةَ انشِقاقِ القَمَرِ السّاطِعِ كالبَدْرِ، فيُثِيرُوا حَوْلَها أَوْهامًا فاسِدةً، إذ يقُولُون: "لو كانَ الِانشِقاقُ قد حَدَث فِعْلًا لَعَرَفَه العالَمُ، ولِيةِ اَتْه كُتُبُ التّارِيخِ كُلُّها!".
الجَوابُ:إنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُعجِزةٌ لإثباتِ النُّبوّةِ، وَقَعَت أَمامَ الَّذين سَمِعُوا بدَعوَى النُّبوّةِ وأَنكَرُوها، وحَدَثَتْ لَيلًا، فيأَرضِ ٍ تَسُودُ فيه الغَفْلةُ، وأُظهِرَت آنِيًّا، فَضْلًا عن أنَّ اختِلافَ المَطالِعِ ووُجُودَ السَّحابِ والغَمامِ وأَمثالَها مِنَ المَوانِعِ تَحُولُ دُونَ رُؤيةِعلَيْهَرِ؛ عِلْمًا أنَّ أَعمالَ الرَّصدِ ووَسائِلَ الحَضارةِ لم تكُن في ذلك الوَقتِ مُنتَشِرةً، لِذا لا يَلْزَمُ أن يَرَى الِانشِقاقَ كلُّ النّاسِ، في كلِّ مَكانٍ، ولا يَلْزَمُ أِّدٍ قن يَدخُلَ كُتُبَ التَّارِيخِ.
فاستَمِعِ الآنَ إلى نِقاطٍ خَمْسٍ فقَطْ مِن بينِ الكَثِيرِ مِنها، تُبَدِّدُ بإذنِ اللهِ سُحُبَ الأَوهامِ الَّتي تَلَبَّدَت على وَجْإِلَّا المُعجِزةِ الباهِرةِ:
النُّقطة الأُولى:
إنَّ تَعَنُّتَ الكُفَّارِ في ذلك الزَّمانِ مَعلُومٌ ومَشهُورٌ تارِيخًا، فعِندَما أَعلَن القُرآنُ الكَرِيمُ: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وبَلَغ صَداَينِ:
اقَ، لم يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنَ الكُفَّارِ یی وهم يَجحَدُون بالقُرآنِ یی أن يُكَذِّبَ بهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، أي: يُنكِرَ وُقُوعَ الحادِثةِ، إذ لو لم تكُنِ الحادِثةُ قد وَقَعَت فِعلًا في ذلك الوَقتِ، ولم تكُن ثابِتةً جُبِ وأُولَئِك الكُفّارِ، لَاندَفَعُوا بشِدّةٍ
— 259 —
لِيُبطِلُوا دَعوَى النُّبوّةِ، ويُكَذِّبُوا الرَّسُولَ (ص)؛ بَينَما لم تَنقُلْ كُتُبُ التّارِيخِ وتِها، َرِ شَيْئًا مِن أَقوالِ الكُفّارِ حَولَ إنكارِهم حُدُوثَ الِانشِقاقِ، إلّا ما بَيَّنَتْه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وه المَُ الَّذين شاهَدُوا المُعجِزةَ مِنَ الكُفّارِ قالُوا: هذا سِحْرٌ، فابعَثُوا إلى أَهلِ الآفاقِ حتَّى تَنظُرُوا أَرَأَوْا ذلك أم لا؟ ولَمَّا حانَ الصَّباحُ أَتَتِ القَوافِلُ مِنَ اليَمَنِ وغيرِها فسَأَلُوهم، فأَخبَرُوهم مِمّا رَأَوْا مِثلَ ذلك. فقالُوا: "إنَّ سِحْرَ يَتِيمِ أبي طالِبٍ قد بَلَغَ السَّماءَ!".
النُّقطة الثَّانية:
لقد قالَ مُعظَمُ أَئِمَّةِ عِلمِ الكَلامِ، مِن أَمثالِ سَعْدٍ التبَعدَهانِيِّ: "إنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُتَواتِرٌ، مِثلَ فَوَرانِ الماءِ مِن بَينِ أَصابِعِه الشَّرِيفةِ (ص) وارتِواءِ الجَيشِ مِنه، ومِثلَ حَنِينِ الجِذْع الَّذي كان يَستَنِدُ إلَيه أم، إنّ الخُطبةِ مِن فِراقِه (ص)، وسَماعِ جَماعةِ المَسجِدِ لِأَنينِه. أي: إنَّ الحادِثةَ نَقَلَتْها جَماعةٌ غَفِيرةٌ عن جَماعةٍ غَفِيرةٍ يَستَحِيلُ تَواطُؤُهم على الكَذِبِ، فالحادِثةُ مُتَواتِرةٌ تَواتُرًا قَطْعِيًّا كظُهُورِ المُذَنَّبِ قَبلَ أكان يََنةٍ، وكوُجُودِ جَزِيرةِ سَرَنْدِيبَ الَّتي لم نَرَها".
وهكذا تَرَى أنَّ إثارةَ الشُّكُوكِ حَوْلَ هذه المَسأَلةِ القاطِعةِ وأَمثالِها مِنَ المَسائِلِ المُشَيثُ ي شُهُودًا عِيانًا إنَّما هي بَلاهةٌ وحَماقةٌ، إذ يَكفِي فيها أنَّها مِنَ المُمكِناتِ ولَيسَت مُستَحِيلًا؛ عِلْمًا أنَّ انشِقاقَ القَمَرِ مُمكِنٌ كانفِلاقِ الجَبَلِ ببُركانٍ.
النُّقطة الثَّالثة:
إنَّ المُعجِزةَ تَأرِكَينإثباتِ دَعوَى النُّبوّةِ عن طَرِيقِ إقناعِ المُنكِرِين، ولَيسَ إِرغامَهُم على الإيمانِ؛ لِذا يَلْزَمُ إظهارُها للَّذِين سَمِعُوا دَعوَى النُّبوّةِ، بما يُوصِلُهم إلى القَناعةِ والِاطمِئْنانِ إلى صِدا تامّنُّبوّةِ؛ أمَّا إظهارُها في جَمِيعِ الأَماكِنِ، أو إظهارُها إظهارًا بَدِيهِيًّا بحَيثُ يُضطَرُّ النّاسُ إلى القَبُولِ والرُّضُوخِ فهو مُنافٍ لِحِكْمةِ اللهِ الحَكِيمِ ذِي الجَلالِ، ومُخالِفٌ أَيضًا لِسِرِّ التَّكلِيفِ الإلٰهِيجِزةِ ك لأنَّ سِرَّ التَّكلِيفِ الإلٰهِيِّ يَقتَضِي فَتْحَ المَجالِ أَمامَ العَقلِ دُونَ سَلْبِ الِاختِيارِ مِنه.
— 260 —
فلو كان الخالِقُ الكَرِيمُ قد تَرَك مُعجِزةَ الِانشِقاقِ باقِيةً لِساعَتَينِ مِنَ الزَّمانِ، وأَظهَرَها لِلعقَط:
أَجمَعَ ودَخَلَت بُطُونَ التَّارِيخِ كما يُرِيدُها الفَلاسِفةُ لَكان الكُفَّارُ يقُولُون: إنَّها ظاهِرةٌ فَلَكِيّةٌ مُعتادةٌ؛ وما كانَت حُجّةً على صِدْحمةِ فُّبوّةِ، ولا مُعجِزةً تَخُصُّ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص)؛ أو لَكانَت تُصبِحُ مُعجِزةً بَدِيهِيّةً تُرغِمُ العَقلَ على الإيمانِ وتَسلُبُ مِنه الِرَى، نرَ، وعِندَئذٍ تَتَساوَى أَرواحٌ سافِلةٌ كالفَحْمِ الخَسِيسِ مِن أَمثالِ أبي جَهْلٍ، معَ الأَرواح العاليةِ الصَّافيةِ كالأَلْماسِ مِن أَمثالِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ، أي: لَكان يَضِيعُ سِرُّ التَّوَضعٍ الإلٰهِيِّ.
ولِأَجلِ هذا فقد وَقَعَتِ المُعجِزةُ آنِيًّا، وفي اللَّيلِ، وحينَ تَسُودُ الغَفْلةُ، وغَدا اختِلافُ المَطالِعِ والغَمامِ وأَمثالُها حُجُبًا أَمامَ رُؤيةِ النّاسِ لها.. فلم تَدخُلْ بُطُونَ كُتُبِ اأَبَدِِيخِ.
النُّقطة الرَّابعة:
إنَّ هذه المُعجِزةَ الَّتي وَقَعَت لَيْلًا، وآنِيًّا، وعلى حِينِ غَفلةٍ، لا يَراها كلُّ النّاسِ دُونَ شَكٍّ في َّغبةَِكانٍ؛ بل حتَّى لو ظَهَرَتْ لِبَعضِهم، فلا يُصَدِّقُ عَينَه، ولو صَدَّقها فإنَّ حادِثةً كهذه مَروِيّةً مِن شَخصٍ واحِدٍ لا تكُونُ ذاتَ قِيمةٍ للتّارِيخِ.
ولقد رَدَّ العُلَماءُ المُحَقِّقُارِ الزِيدَ في رِوايةِ المُعجِزةِ مِن أنَّ القَمَرَ بعدَ انشِقاقِه قد هَبَط إلى الأَرضِ! قالُوا: رُبَّما أَدخَل هذه الزِّيادةَ بعضُ المُنافقِين ليُسقِطُوا مِن قِيمةِ الرِّوايةِ ويُهَوِّنُوا مِن شَأْنِها.
ثمَّ إنَّ ذلك الوَقتِ كانَت فيه جَتِه، الجَهل تُغَطِّي سَماءَ إنكِلْتِرا، والوَقتُ على وَشْكِ الغُرُوبِ في إسبانيا، وأَمرِيكا في وَضَح النَّهارِ، والصَّباحُ قد تَنَفَّسَ في الصِّينِ واليابانِ.. وفي غيرِها مِنَ البُلْدانِ هناك مَوانالجَدِخرَى للرُّؤيةِ، فلا تُشاهَدُ هذه المُعجِزةُ العَظِيمةُ فيها.
فإذا عَلِمتَ هذا فتَأَمَّلْ في كَلامِ الَّذي يقُولُ: "إنَّ تارِيخَ إنكِلْتِرا والصِّينِ واليابانِ وأَمرِيكا وأَمثالِها مِنَ البُلْدانِ لا تَذكُرُ هذه الحادِثةَ، إذًا لم تَقَآلامُ أيُّ هَذَرٍ هذا.. ألَا تَبًّا للَّذين يَقتاتُون على فُتاتِ أَورُوبَّا..
— 261 —
النُّقطة الخَامسة:
إنَّ انشِقاقَ القَمَرِ ليس حادِثةً حَدَثَت ، أي: لقاءِ نَفسِها، بِناءً على أَسبابٍ طَبِيعيّةٍ وعن طَرِيقِ المُصادَفةِ! بل أَوْقَعَها الخالِقُ الحَكِيمُ، رَبُّ الشَّمسِ والقَمَرِ، حَدَثًا خارِقًا للسُّنَنِ الكَونَمانٍ تَصدِيقًا لِرِسالةِ رَسُولِه الحَبِيبِ (ص)، وإعلانًا عن صِدْقِ دَعوَتِه، فأَبرَزَه سُبحانَه وتَعالَى وَفْقَ حِكْمَتِه وبمُقتَضَى سِرِّ الإرشادِ والتَّكلِيفِ وحِكْمةِ تَبلِيغِ الرِّسالةِ، ولِيُقيمَ شٌ فيهَةَ على مَن شاءَ مِنَ المُشاهِدِين له، بَينَما أَخفاه یی اقتِضاءً لِحِكْمَتِه سُبحانَه ومَشِيئَتِه یی عَمَّن لم تَبلُغْهُم دَعوةُ نَبيِّه (ص) مِنَ السَّاكِنِين فِخلاصِارِ العالَمِ، وحَجَبَه عنهم بالغُيُومِ والسَّحابِ وباختِلافِ المَطالِعِ وعَدَمِ طُلُوعِ القَمَرِ، أو شُرُوقِ الشَّمسِ في بعضِ البُلدانِ وانجِلاءِ النَّهارِ في أُخرَى، وغُرُوبِ الشَّمسِ أنَّ اِها في غيرِها.. وأَمثالِها مِنَ الأَسبابِ الدَّاعِيةِ إلى حَجْبِ رُؤيةِ الِانشِقاقِ.
فلو أُظهِرَتِ المُعجِزةُ إلى جَمِيعِ النّاسِ في العالَمِ كُلشِّقافإمّا أنَّها كانَت تَبْرُزُ لهم نَتِيجةَ إشارةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) وإظهارًا لِمُعجِزةٍ نَبَوِيّةٍ، وعِندَها تَصِلُ إلى البَداهةِ، أي: يُضطَرُّ النَّاسُ ك يُسَم إلى التَّصدِيقِ، أي: يُسلَبُ مِنهِمُ الِاختِيارُ، فيَضِيعُ سِرُّ التَّكلِيفِ؛ بَينَما الإيمانُ يُحافِظُ على حُرِّيّةِ العَقلِ في الِاختِيارِ ولا يَسلُبُها مِنه.. أو أنَّها يُسْرُزُ لهم كحادِثةٍ سَماوِيّةٍ مَحْضةٍ، وعِندَها تَنقَطِعُ صِلَتُها بالرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ ولا تَبقَى لها مَزِيّةٌ خاصّةٌ.
الخُلاصةُ:لم يَبْقَ ثَمّةَ رَيبٌ في إِمكانِ انشِقاقِ القَمَرِ، فلقد أُثبِتَ إثباتًا قاطِعًامِنهُمشِيرُ هنا إلى وُقُوعِه بسِتّةِ بَراهِينَ قاطِعةٍ (حاشية): أي: إنَّ هناك سِتَّ حُجَجٍ قاطِعةٍ على وُقُوعِ انشِقاقِ القمرِ في سِتّة أنواعٍ مالِفةِإجماع. ولكن للأسَفِ لم نُوفِ هذا المَقامَ حَقَّه مِنَ البحثِ فظَلَّ مُقتَضَبًا. مِن بينِ الكَثِيرِ مِنها، وهي: إِجماعُ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ علَيهم أَجمَعِين وهُمُ العُدُولُ، واتِّفاقُ العُلَماءِ المُحَقِّقفًى" وَ المُفَسِّرِين لَدَى تَفسِيرِهم: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، ونَقْلُ جَمِيعِ المُحَدِّثين الصَّادِقين في رِواياتِهم وُقُوعَه بأَسانِيدَ كَثِيرةٍ وبطُرُقٍ عَدِيدةٍ. وشَهادةُ جَمِيعِ أَهلِ الكَشْفِ والإلهامِ مِنَ الأَولِياءِ
— 262 —
والالدُّنيقِين الصَّالِحِين، وتَصدِيقُ أَئِمّةِ عِلمِ الكَلامِ المُتَبَحِّرِين رَغمَ تَبايُنِ مَسالِكِهم ومَشارِبِهم، وقَبُولُ الأُمّةِ الَّتي لا تَجتَمِعُ على ضَلالةٍ كما نَصَّ عليه رُ الجيثُ الشَّرِيفُ.
كلُّ ذلك يُبيِّنُ انشِقاقَ القَمَرِ ويُثبِتُه إثباتًا قاطِعًا يُضاهِي الشَّمسَ في وُضُوحِها.
حاصِلُ الكَلامِ:كان البَحثُ إلى هنا باسمِ اومُنْقيقِ العِلْميِّ، إلزامًا للخَصْمِ. أمّا بعدَ هذا فسيكُونُ الكَلامُ باسمِ الحَقِيقةِ ولِأَجلِ الإيمانِ، فقد نَطَق التَّحقِيقُ العِلمِيُّ هكذا.. أمّا الحَقَِعَ أنتقُولُ:
إنَّ خاتَمَ دِيوانِ النُّبوّةِ (ص) وهو القَمَرُ المُنِيرُ لِسَماءِ الرِّسالةِ، وقد سَمَتْ وِلايةُ عُبُودِيَّتِه إلى مَرتَبةِ المَحبُوبيّةِ، فأَظهَرَتِ الكَرامةُو دُعظمَى والمُعجِزةَ الكُبْرَى بالمِعراجِ. أي: بجَوَلانِ جِسْمٍ أَرضِيٍّ في آفاقِ السَّماواتِ العُلا، وتَعرِيفِ أَهلِ السَّماواتِ به، فأُثبِتَت بتلك المُعجِزةِ وِلايَتُه العُظمَى للهِ، ومَحبُوبيَّتُه الخالِصةُ له، وسُمُوُّه على أَهلِ السَّمتَجَلّوالمَلَأِ الأَعلَى.. كذلك فقد شَقَّ سُبحانَه القَمَرَ المُعَلَّقَ في السَّماء والمُرتَبِطَ معَ الأَرضِ بإشارةٍ مِن عَبدِه في الأَرضِ، فأَظهَرَ مُعجِزَتَه هذه، إثباتًا لرِسالةِ ذلك العَبدِ الحَبِيبِ، حتَّى أَصبَحَ (ص) كالفَلَقَينِ المُنيرَينِ ةِ دَسرِ، فعَرَجَ إلى أَوْجِ الكَمالاتِ بجَناحَيِ الوِلايةِ والرِّسالةِ النَّورانيَّينِ، حتَّى بَلَغ قابَ قَوسَينِ أو أَدنَى، وأَصبَحَ فَخْرًا لِأَهلِ السَّماواتِ كما هو فَخرٌنا الصِ الأَرضِ.
علَيهِ وعَلى آلِه وصَحبِه الصَّلَواتُ والتَّسلِيماتُ مِلْءَ الأَرضِ والسَّمَاوَاتِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭٭٭
#263تَتَردعة من ذيل
رسالة "المعجزات الأحمدية"
(كُتِب هذا البَحثُ یی ضِمْنَ بُحُوثِ دَلائِلِ النُّبوّةِ الأَحمَدِيّةِ یی جَوابًا عن سُؤالٍ وَرَد في الإشكالِ الأَوَّلِ مِن ثَلاثةِ إشكالاابع:إِمّةٍ وَرَدَت في نِهايةِ الأَساسِ الثَّالِثِ مِن رِسالةِ "المِعْراجِ"، فهو بمَثابةِ فِهْرِسٍ مُختَصَرٍ).
سُؤالٌ:لِمَ اختُصَّ بهذا المِعراجِ العَظِيمِ مُحمَّدٌ (ص)؟
الجَوابُ:إنَّ إشكالَكُمُ الأَوَّلَ َّا أند حُلَّ مُفَصَّلًا في الكَلِماتِ الثَّلاثينَ ضِمنَ كِتابِ "الكَلِماتِ"، إلّا أنَّنا نُشِيرُ هنا مُجَرَّدَ إشارةٍ مُجمَلةٍ على صُورةِ فِهرِسٍ مُوجَزٍ إلى كَمالاتِ النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص)، ودَلائِلِ دًا فََتِه، وأنَّه هو الأَحرَى بهذا المِعراجِ العَظِيمِ.
أوَّلًا:إنَّ الكُتُبَ المُقدَّسةَ (التَّوراةَ والإنجِيلَ والزَّبُورَ) تَضُمُّ بِشاراتٍ بنُبُوّةِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وإشاراتٍ إلَيُ القَمَ تَعَرُّضِها إلى التَّحرِيفاتِ طَوالَ العُصُورِ؛ وقدِ استَنبَطَ في عَصرِنا هذا العالِمُ المُحَقِّقُ حُسَينٌ الجِسْرُ عَشْرًا ومِئةَ بِشاَوِيِّنها، وأَثبَتَها في كِتابِه المَوسُومِ: "الرِّسالةُ الحَمِيدِيّةُ".
ثانيًا:إنَّه ثابِتٌ تارِيخِيًّا، ورُوِيَت برِواياتٍ صَحِيحةٍ بِشاراتٌ كَثِيرةٌ بَشَّر بها الكُهَّانُ مِن أَمَحْمَتلكاهِنَينِ المَشهُورَينِ: شِقٌّ وسَطِيحٌ، قُبَيلَ بِعثَتِه (ص)، وأَخبَرا أنَّه نَبِيُّ آخِرِ الزَّمانِ.
ثالثًا:ما حَدَث لَيلةَ مَولِدِه (ص) مِن سُقُوطِ الأَصنامِ في اقاتُ سِ وانشِقاقِ إيوانِ كِسرَى وأَمثالِها مِن مِئاتِ الإرهاصاتِ والخَوارِقِ المَشهُورةِ في كُتُبِ التّارِيخِ.
رابعًا:نَبَعانُ الماءِ مِن بَينِ أَصابِعِه الشَّرِيفةِ وسَقْيُه اْعِيّة به، وحَنِينُ الجِذْعِ اليابِسِ المَوجُودِ في المَسجِدِ النَّبوِيِّ إلى رَسُولِ اللهِ (ص) لِفِراقِه عنه، وأَنِينُه أمامَ جَماعةٍ غَفِيرةٍ مِنَ
— 264 —
الصَّحْببِقُوّرامِ، وانشِقاقُ القَمَرِ كما نَصَّت علَيه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وأَمثالُها مِنَ المُعجِزاتِ الثّابِتةِ لَدَى العُلَماءِ المُحقِّقين والَّتي تَبلُغُ الأُرُورُد أَثبَتَتْها كُتُبُ السِّيَرِ والتّارِيخِ.
خامسًا:لقدِ اتَّفَق الأَعداءُ والأَولياءُ بما لا رَيبَ فيه أنَّ ما يَتَحلَّى به (ص) مِنَ الأَخلاقِ الفاضِلةِ هو في أَسمَى الدَّرَجاتِ، وأنَّ ما يَتَّصِفُ به مِن سلسِّياحَمِيدةٍ في دَعوَتِه هو في أَعلَى المَراتِبِ، تَشهَدُ بذلك مُعامَلاتُه وسُلُوكُه معَ النَّاسِ؛ وأنَّ شَرِيعَتَه الغَرّاءَ تَضُمُّ أَكمَلَ الخِصالِ الحَسَنةِ، تَشهَدُ بذلك مَحاسِنُ الانًا شِ في دِينِه القَوِيمِ.
سادسًا:لقد أَشَرْنا في الإشارةِ الثّانيةِ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" إلى أنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) هو الَّذي أَظهَر أَعلَى مَراتِبِ العُبُودِيّةِ وأَسمَاها بالعُبُودِيّةِ العَظِيمةِ فا هي مِه تَلْبِيةً لإرادةِ اللهِ في ظُهُورِ أُلُوهِيَّتِه بمُقتَضَى الحِكْمةِ.
وأنَّه هو كذلك یی كما هو بَدِيهِيٌّ یی أَكرَمُ دالٍّ على جَمالٍ في كَمالٍ مُطلَقٍ لِخالِقِ العالَمِ، وأَفضَلُ مُعَرِّفٍ لَداءِ لرادةَ اللهِ سُبحانَه في إظهارِ ذلك الجَمالِ، بواسِطةِ مَبعُوثٍ كما تَقتَضِيه الحِكْمةُ والحَقِيقةُ.
وأنَّه هو كذلك یی كما هو مُشاهَدٌ یی أَعظَمُ دالٍّ على كَمالِ صَنْعةٍ في جَمالٍ مُطلَقٍ لِصانِعِ الطِّه ا، وبأَعظَمِ دَعوةٍ وأَندَى صَوتٍ، فلَبَّى إرادةَ اللهِ جَلَّ وعَلا في جَلْبِ الأَنظارِ إلى كَمالِ صَنْعَتِه والإعلانِ عنها.
وأنَّه هو كذلك یی بالضَّرُورةِ یی أَكمَلُ مَن أَعلَن عن جَمِيعِ مَراتِبِ التَّوحِيدِ بأَعظَمِ دَرَةُ الّ فلَبَّى إرادةَ رَبِّ العالَمِين في إعلانِ الوَحْدانيّةِ على طَبَقاتِ كَثْرةِ المَخلُوقاتِ.
وأنَّه هو كذلك یی بالضَّرُورةِ یی أَجلَى مِرآةٍ وأَصفاها لِعَكْسِ مَحاسِنِ جَمالِ مالِكِ العالََيَّأ طائِفِ حُسْنِه المُنَزَّهِ یی كما تُشِيرُ إلَيه آثارُه البَدِيعةُ یی وهو أَفضَلُ مَن أَحَبَّه وحَبَّبَه، فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في رُؤيةِ ذلك الجَمالِ المُقدَّسِ وإراءَتِه في المَرايا بمُرتَبةِ الحَقِيقةِ والحِكْمةِ.
— 265 —
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَعظَمُ مَن عرَّف ما في خَزائِنِ الغَيبِ لِصانِعِ هذا العالَمِ، تلك الخَزائِنِ المَلْأَى بأَبدَعِ المُعجِزاتِ وأَثمَنِ الجَواهِرِ، وهو أَفضَلُ مَن أَعلَن عنها ووَصَفَها، فُكمِ ك إرادَتَه سُبحانَه في إظهارِ تلك الكُنُوزِ المَخْفِيّةِ وتَعرِيفِ كَمالاتِه بذلك.
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَكمَلُ مُرشِدٍ بالقُرآنِ الكَرِيمِ للجِنِّ واوتَشهَبل للرُّوحانيِّين والمَلائِكةِ، وأَعظَمُ مَن بَيَّن مَعانِيَ آثارِ صانِعِ هذه الكائِناتِ الَّتي زَيَّنَها بأَرْوَعِ زِينةٍ ومَكَّن فيها أَربابَ الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه لِيَنعُمُوا بالنَّظَرِ والتَّفكُّرِ والِاعتتَه بم فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في بَيانِ مَعاني تلك الآثارِ وتَقدِيرِ قِيمَتِها لِأَهلِ الفِكْرِ والمُشاهَدةِ.
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَحسَنُ مَن كَشَف بحَقائِقِ القُرآنِ عن مَغزَى القَصدِ مِن تَحَوُّلاتِ الكائِناتِ والغاِيعيّةنها، وأَكمَلُ مَن حَلَّ اللُّغْزَ المُحَيِّرَ في المَوجُوداتِ؛ وهو أَسئِلةٌ ثلاثةٌ مُعضِلةٌ: مَن أنت؟ ومِن أين؟ وإلى أين؟ فلَبَّى إرادَتًَ، ثمّانَه في كَشْفِ ذلك الطِّلَّسْمِ المُغلَقِ لِذَوِي الشُّعُورِ بواسِطةِ مَبعُوثٍ.
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَكمَلُ مَن بَيَّن المَقاصِدَ الإلٰهِيّةَ بالقُرآنِ الكَرِيمِ، وأَحسَنُ مَن وافِظَ السَّبِيلَ إلى مَرضاةِ رَبِّ العالَمِين، فلَبَّى إرادَتَه سُبحانَه في تَعرِيفِ ما يُرِيدُه مِن ذَوِي الشُّعُورِ وما يَرضاه لهم بواسِطةِ مَبععَ الحبَعدَما عَرَّف نَفسَه لهم بجَمِيعِ مَصنُوعاتِه البَدِيعةِ وحَبَّبَها إلَيهم بما أَسبَغَ علَيهم مِن نِعَمِه الغاليةِ.
وأنَّه هو كذلك یی بالبَداهةِ یی أَعظَمُ مَنِ استَوْفَى مُهِمّةَ الرِّسالةِ بالقُرآنِ الكَرِيمِ وأَدّاها أَفضَلَ أَداءٍ إلى نمَى مَرتَبةٍ وأَبلَغِ صُورةٍ وأَحسَنِ طِرازٍ، فلَبَّى إرادةَ رَبِّ العالَمِين في صَرْفِ وَجْهِ هذا الإنسانِ مِنَ الكَثْرةِ إلى الوَحْدةِ ومِنَ الفاني إلى الباقي، ذلك الإنسانِ الَّذي خَلَقَه سُبحانَه ثَمَرةً للعالَمِ، ووَه أي: أ مِنَ الِاستِعداداتِ ما يَسَعُ العالَمَ كلَّه، وهَيَّأَه للعُبُودِيّةِ الكُلِّيّةِ، وابتَلاه بمَشاعِرَ مُتَوجِّهةٍ إلى الكَثْرةِ والدُّنيا.
وحيثُ إنَّ أَشْرَفَ المَوجُوداتِ هم ذَوُو الحَياةِ، وأَنبَلَ الأَحياءِ هم ذَوُو الشيمياوِِ، وأَكرَمَ ذَوِي الشُّعُورِ هم بَنُو آدَمَ الحَقِيقيُّون الكامِلُون، لِذا فالَّذي أَدَّى مِن بينِ بَنِي
— 266 —
الإنسانِ المُكَرَّمِ تلك الوَظائِفَ المَذكُورةَ آنِفًا وأَعطَى حَقَّها مِنَ الأَددَئِذٍ أَفضَلِ صُورةٍ وأَعظَمِ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ الأَداءِ، لا رَيبَ أنَّه سيَعرُجُ یی بالمِعراجِ العَظِيمِ یی فيَكُونُ قابَ قَوْسَينِ أو أَدنَى، وسيَطرُقُ بابَ السَّعادةِ الأَبدِءَلَ حوسيَفْتَحُ خَزائِنَ الرَّحمةِ الواسِعةِ، وسيَرَى حَقائِقَ الإيمانِ الغَيبِيّةَ رُؤْيةَ شُهُودٍ، ومَن ذا يكُونُ غيرَ ذلكُمُ النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص)؟
س الَّذيَجِدُ المُتَأَمِّلُ في هذه المَصنُوعاتِ المَبثُوثةِ في الكَونِ أنَّ فيها فِعلَ التَّحسِينِ في مُنتَهَى الجَمالِ، وفِعلَ التَّزيِينِ في مُنتَهَى الرَّوعةِ، فبَدِيهِيٌّ أنَّ مِثلَ هذا التَّحسٍ وشُهالتَّزيِينِ يَدُلّانِ على وُجُودِ إرادةِ التَّحسِينِ وقَصْدِ التَّزيِينِ لَدَى صانِعِ تلك المَصنُوعاتِ؛ فتلك الإرادةُ الشَّدِيدةُ تَدُلُّ بالضَّرُورةِ على وُجُودِ رَغبةٍ قَوِيّةٍ سامِيةٍ، ومَحَبّةٍ فدُفِنَسةٍ لَدَى ذلك الصَّانِعِ نحوَ صَنْعَتِه..
لِذا فمِنَ البَدِيهيِّ أن يكُونَ أَحَبُّ مَخلُوقٍ لَدَى الخالِقِ الكَرِيمِ الَّذي يُحِبُّ مَصنُوعاتِه هو مَن يَتَّصِفُ بأَجمَعِ تلك الصِّفاتِ، ومَن يُظهِرُ في ذاتِه لَطائِفَ الصَّنعةِ إظهارًا مِنَ ًا، ومَن يَعْرِفُها ويُعَرِّفُها، ومَن يُحَبِّبُ نَفسَه ويَستَحِسنُ یی بإعجابٍ وتَقدِيرٍ یی جَمالَ المَصنُوعاتِ الأُخرَى.
فمَنِ الَّذي جَعَل السَّماواتِ والأَرضَ تَرِنُّ بصَدَى "سُبحانَ قال: . ما شاءَ اللهُ.. اللهُ أَكبَرُ!" مِن أَذكارِ الإعجابِ والتَّسبِيحِ والتَّكبِيرِ تِجاهَ ما يُرَصِّعُ المَصنُوعاتِ مِن مَزايا تُزَيِّنُها ومَحاسِنَ تُجَمِّلُها ولَطائِفَ وكَمالاتٍ تُنةً واحها؟ ومَنِ الَّذي هَزَّ الكائِناتِ بنَغَماتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فانجَذَب البَرُّ والبَحرُ إلَيْها في شَوْقٍ عارِمٍ مِنَ الِاستِحسانِ والتَّقدِيرِ في تَفَكُّرٍ وإعلانٍ وتَشهِيرٍ، في ذِكرٍ وتَهليلٍ؟ مَن ذا يكُوشِّركِ الذّاتَ المُبارَكةَ غيرُ مُحمَّدٍ الأَمينِ (ص)؟!
فمِثلُ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص) الَّذي يُضافُ إلى كِفّةِ حَسَناتِه في المِيزانِ مِثلمِيةُ،امَت به أُمَّتُه مِن حَسَناتٍ بسِرِّ: "السَّبَبُ كالفاعِلِ".. والَّذي تُضافُ إلى كَمالاتِه المَعنَوِيّةِ الصَّلَواتُ الَّتي تُؤَدِّيها الأُمّةُ جَمِيعًا.. وعرابيّ يُفاضُ علَيه مِنَ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ ومَحَبَّتِها ما لا يَحُدُّهما حُدُودٌ، فَضْلًا عَمّا يَنالُه مِن ثَمَراتِ ما أَدّاه مِن مُهِمّةِ رمالِ..ِه مِن
— 267 —
ثَوابٍ مَعنَوِيٍّ عَظِيمٍ.. نعم، فمِثلُ هذا النَّبيِّ العَظِيمِ (ص) لا رَيبَ أنَّ ذَهابَه إلى الجَنّةِ، وإلى سِدْرةِ المُنتَهَى، وإلى العَرْشِ الأَعظَمِ، فيكُونُ قابَ قَوْسَينِ أو أَدنَى، إنَّما هو عَينُ الحَق العُباتُ الحَقيقةِ، ومَحْضُ الحِكْمةِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
حاشية:لقد ذَكَرَتْ جَرِيدةٌ إسلاميّةٌ تَهتَمُّ بأَحوالِ المُسلِمِين أنَّ رِجالَ السِّياسةِ المَشهُورِين والحُقُوقيِّين المُهتَمِّين بالحَياةِ الِاّ: له يّةِ قد عَقَدُوا مُؤْتَمَرًا في أَورُوبّا سنةَ (١٩٢٧م)، فتَكَلَّم في هذا المُؤتَمَرِ فَلاسِفةٌ أَجانِبُ حَولَ الشَّرِيعةِ الإسلاميّةِ، نُدرِجُ أَدناه َومًا كَلامِهِم ثمَّ نُتَرجِمُه بالحَرفِ الواحِدِ، فتُصبحُ لَدَينا (٤٥) شَهادةً صادِقةً حَولَ أَحَقِّيّةِ الشَّرِيعةِ، وذلك بعدَ إضافةِ هاتَينِ الشَّهادَتَينِ إلى تلك الشَّهاداتِ الصّاا على البالِغةِ (٤٣) شَهادةً والمَذكُورةِ في خِتامِ رِسالةِ "مَنبَعِ النُّور".
ومِمّا أَورَدَته الجَرِيدةُ: وقدِ اعتَرَف حتَّى عُلَماءُ الغَربِ بسُمُوِّ مَبادِئِ الإسلامِ وصَل لِجَمللعالَمِ.. وقال عَمِيدُ كُلِّيّةِ الحُقُوقِ بجامِعةِ فيِينّا الأُستاذُ شبول في مُؤتَمَرِ الحُقُوقيِّين المُنعَقِدِ في سنة (١٩٢٧م): "إنَّ البَشَرِيّةَ لَتَفتَخِرُ بانتِسابُربةِ،لٍ كمُحمَّدٍ (علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ) إلَيْها، إذ إنَّه رَغمَ أُمِّيَّتِه استَطاعَ قبلَ بِضعةَ عَشَر قَرْنًا أن يَأْتِيَ بتَشرِيعٍ سنَكُونُ نحنُأَهلِ رُوبِّيِّين أَسْعَدَ ما نكُونُ لو وَصَلْنا إلى قِيمَتِه بعدَ أَلْفَيْ عامٍ".
وقال بِرْناردْشُو: "لقد كان دِينُ مُحمَّدٍ (علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ) مَوْضِعَ تَقدِيرِي السّامِي دائِمًا، لِما يَنطَوِي علَيه مِن حَيَوِيسَبِ؛ دهِشةٍ، لأنَّه على ما يَلُوحُ لي: هو الدِّينُ الوَحِيدُ الَّذي له مَلَكةُ الهَضْمِ لِأَطْوارِ الحَياةِ المُختَلِفةِ، والَّذي يَستَطِيعُ لِذلك أن يَجذِبَ إلَيه كلَّ جِيلٍ مِنَ النّاسِ؛ وأَرَى واجِبًا أنالُ هََّى مُحمَّدٌ ((ص)) مُنقِذَ الإنسانِيّة، وأعتَقِدُ أنَّ رَجُلًا مِثلَه إذا تَوَلَّى زَعامةَ العالَمِ الحَدِيثِ يَنجَحُ في حَلِّ مُشكِلاتِه ويُحِلُّ في العالَمِ السَّلامةَ واَّيّاردةَ (يعني السَّلامَ العادِلَ والشّامِلَ)، وما أَشَدَّ حاجةَ العالَمِ اليومَ إلَيْها".
٭٭٭
— 268 —
المرتبة السادسةَ عشْرةَ من رسالة "الآية الكُبرى"
التي تبحثُ عن "الرِّسالة الأحمديّة"
(لمُناسبة المَقام أُلحِقَت هذه ائِفةٍبةُ هنا)
ثمَّ خاطَبَ ذلك السَّائِحُ في الدُّنيا عَقْلَه قائِلًا: ما دُمتُ أَبحَثُ عن مالِكِي وخالِقِي باستِنطاقِ مَوجُوداتِ الكَونِ هذا، فمِنَ الأَوْلَى لي أن أَزُورَ مَن هو أْمةِ ا إنسانٍ في الوُجُودِ، وأَعظَمُ مَن يَقُودُ إلى الخَيرِ یی حتَّى بتَصدِيقِ أَعدائِه یی وأَعلاهُم صِيتًا وأَصدَقُهم حَدِيثًا وأَسماهُم مَنزِلةً الفَلَرُهم عَقْلًا، ألا وهو مُحمَّدٌ (ص) الَّذي أَضاءَ بفَضائِلِه وبقُرآنِه أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمانِ.. ولِأَجلِ أن أَحظَى بزِيارَتتُ عن َرِيمةِ وأَستَفسِرَ مِنه ما أَبحَثُ عنه، يَنبَغي أن نَذهَبَ مَعًا إلى خَيرِ القُرُونِ إلى عَصرِ السَّعادةِ.. عَصرِ النُّبوّةِ.. فدَخَل بعَقْلِه إلى ذلك العَصرِ فرَأَى أنَّ ذلك العَصرَ قد صارَ به (ص) عَصرَ سَعادةٍ للبَشَرِيّةِ حَقّن أَمثأنَّه (ص) قد حَوَّل في زَمَنٍ يَسِيرٍ بالنُّورِ الَّذي أَتَى به قَوْمًا غارِقِين في أَشَدِّ أُمِّيّةٍ وأَعرَقِ بَداوةٍ، حَوَّلَهم إلى أَساتِذةِ العالَمِ وسادَتِه.
وكذا خاطَبَ عَقْلَه قائِلًا: "كُلِّ ا قَبلَ كلِّ شَيءٍ أن نَعرِفَ شَيئًا عن عَظَمةِ هذه الذَّاتِ المُعجِزةِ، وعن أَحَقِّيّةِ أَحادِيثِه، وصِدْقِ أَخبارِه؛ ثمَّ نَستَفسِرَ مِنه عن خالِقِنا سُبحانَه".. فباشَرَ بالبَحثِ، فوَجَد على صِدْقِ نُبُثالِها مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ الثّابِتةِ ما لا يُعدُّ ولا يُحصَى، ولَكِنَّه خَلُص إلى تِسعٍ مِنها:
أوَّلُها:اتِّصافُه (ص) بجَمِيعِ السَّجاَدْ بهاضِلةِ والخِصالِ الحَمِيدةِ، حتَّى شَهِد بذلك غُرَماؤُه؛ وظُهُورُ مِئاتِ المُعجِزاتِ مِنه، كانشِقاقِ القَمَرِ الَّذي انشَقَّ إلى نِصْفَينِ بإِشارةٍ مِن أُصبُعِه كما نَصَّ علَيْه القُرً كُبْوَانْشَقَّ الْقَمَرُ؛ وانْهِزامِ جَيشِ الأَعداءِ بما دَخَل أَعيُنَهم جَمِيعًا مِنَ التُّرابِ القَلِيلِ الَّذي رَماه علَيْهِم بقَبْضَتِه، كما ُّفْيا علَيْه
— 269 —
الآيةُ الكَرِيمةُ: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى؛ وارتِواءِ أَصحابِه مِنَ الماءِ النّابعِ كالكَوْثَرِ مِن بينِ أَصابِعِه الخَمْسةِ المُبارَكةِ عِندَما اشتَدَّ بهمُ ِيَّةَشُ.. وغَيرِها مِن مِئاتِ المُعجِزاتِ الَّتي ظَهَرَت بينَ يَدَيه، والمَنقُولةِ إلَيْنا نَقْلًا صَحِيحًا قاطِعًا أو مُتَواتِرًا، فأَحالَهُمُ السَّائِحُ إلى "المَكتُوبِ التَّاسِعَ عَشَرَ" أيرَّضةَلةِ "المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ" تلك الرِّسالةِ الخارِقةِ ذاتِ الكَرامةِ المُتَضمِّنةِ لِأَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِه (ص) بدَلائِلِها القاطِعةِ وأَسانيدِها المَوثُوقةِ.
ثمَّ حَدَّث نَفسَه قائِلًا: (إنَّ مَذه الهذا "أَخلاقٍ حَسَنةٍ" بهذا القَدْرِ و"فَضائِلَ" إلى هذا الحَدِّ، و"مُعجِزاتٍ" باهِرةٍ بهذه الكَثْرةِ، فلا جَرَمَ أنَّه صاحِبُ أَصدَقِ حَدِيثٍ، ومِن ثَمَّ لا يُمكِنُ أَبدًا یی وحاشاه یی أن يَتَنازَل إلى الحِيلةِ والكَذِبِ والتَ كلِّيه الَّتي هي دَأَبُ الفاسِدِين).
ثانيها:كَونُ القُرآنِ الَّذي بِيَدِه (ص) مُعجِزًا مِن سَبْعةِ أَوجُهٍ، ذلك الأَمرِ الصَّادِرِ مِن مالِكِ الكَونِ الَّلم تَسَلِّمُ به ويُصَدِّقُه أَكثَرُ مِن ثَلاثِ مِئةِ مِليُونٍ مِنَ البَشَرِ في كلِّ عَصرٍ. ولَمَّا كانَتِ "الكَلِمةُ الخَامِسةُ والعِشرُون" أي: رِسالةُ "المُعج: "فلَالقُرآنيّةِ" وهي شَمسُ "رَسائِلِ النُّورِ" قد أَثبَتَت بدَلائِلَ قَوِيّةٍ أنَّ هذا القُرآنَ الكَرِيمَ مُعجِزٌ مِن أَربَعِين وَجْهًا، وأنَّه كَلامُ رَبِّ العالَمِين، لِذا أَحالَ السَّائِحَ ذلك إلى تلك الرِّسالةِ المَشهُورةِ لِبَييَتَزاالمُفَصَّلِ لِلإعجازِ؛ ثمَّ قال: إنَّ الأَمِينَ على كَلامِ اللهِ، والمُتَرجِمَ الفِعْليَّ لَه، والمُبَلِّغَ لِهذا النَّبأِ العَظِيمِ إلى النَّاسِ كافّةً، وهو الحَقُّ بعَينِه والحَقِيقةُ بذاتِها، لا يُمكِنُ أنْ يَصْدُرَ مَ في هذِبٌ قَطُّ، ولن يكُونَ مَوضِعَ شُبْهةٍ أَبدًا.
ثَالثُها:إنَّه (ص) قد بُعِث بشَرِيعةٍ مُطَهَّرةٍ، وبدِينٍ فِطْرِيٍّ، وبعُبُودِيّةٍ خالِصةٍ،لَقِيتاءٍ خاشِعٍ، وبدَعوةٍ شامِلةٍ، وبإيمانٍ راسِخٍ، لا مَثِيلَ لِما بُعِثَ به ولن يكُونَ، وما وُجِد أَكمَلُ مِنه ولن يُوجَدَ.
لِأنَّ "الشَّرِيعةَ" الَّتي ت يَجرُت مِن أُمِّيٍّ (ص) وأَدارَت خُمُسَ البَشَرِيّةِ على اختِلافِها مُنذُ أَربَعةَ عَشَرَ قَرْنًا إِدارةً قائِمةً على الحَقِّ والعَدْلِ بقَوانِينِها الدَّقًِا، وإلغَزِيرةِ، لا تَقبَلُ مَثِيلًا أَبدًا.
— 270 —
وكذا "الإسلامُ" الَّذي انبَثَق مِن أَفعالِ أُمِّيٍّ (ص) ومِن أَقوالِه، ومِن أَحوالِه، رائِدًا لثَلاثِ مِئةِ مِليُونٍ مِنَ البَشَرِ ومَرجفقط مَِهُم في كلِّ عَصرٍ، ومُعلِّمًا لِعُقُولِهم ومُرشِدًا لها، ومُنوِّرًا لِقُلُوبِهم ومُهَذِّبًا لها، ومُرَبِّيًا لِنُفُوسِهم ومُزَكِّيًا لها، ومَدارًا لِتَرقِّي أَرواحِهمرضِنا ِنًا لِسُمُوِّها، يُظهِرُ أنَّه لم يَأْتِ ولن يَأْتِيَ له مَثِيلٌ.
وكذا تَفَوُّقُه (ص) في جَمِيعِ أَنواعِ "العِباداتِ" الَّتي يَتَضمَّنُها دِينُه، وتَقْواه العَظِيمةُ أَكثَرَ مِن أَيِّ أَحَدٍ كان، وخَشْيَتُه الشَّدِيدةُ مِنَ اِي، ذُومُجاهَدَتُه المُتَواصِلةُ ورِعايَتُه الفائِقةُ لِأَدَقِّ أَسرارِ العُبُودِيّةِ حتَّى في أَشَدِّ الأَحوالِ والظُّرُوفِ، وقِيامُه (ص) بتلك العُبُودِيّةِ الخَّالِصةِ، دُونَ أن يُقَلِّدَ أَلشَّافوبكُلِّ مَعانِيها مُبتَدِئًا، وبأَكمَلِ صُورةٍ، جامِعًا الِابتِداءَ والِانتِهاءَ، لا شَكَّ لم يُرَ ولن يُرَى له مَثِيلٌ.
وكذا فإنَّه يَصِفُ "بالجَوْشَنِ الكَبِيرِ" یی الَّذي هو واحِدٌ مِن آلافِ أَدعِيَتِه ومُناجاتِه یی يَصِفُ لَيْ بمَعرِفةٍ رَبّانيّةٍ سامِيةٍ لم يَبلُغِ العارِفُون والأَولياءُ جَمِيعًا تلك المَرتَبةَ مِنَ المَعرِفةِ، ولا دَرَجةَ ذلك الوَصْفِ مُنذُ القِدَمِ معَ تَلاحُقِ الأَفكارِ.. مِمّا يُظهِرُ أنَّه لا مَثِيلَ له في "الدّلِّ ما، ومَن يَنظُرُ إلى الإيضاحِ المُختَصَرِ لِفِقْرةٍ واحِدةٍ مِن بينِ تِسع وتِسعِين فِقْرةً لِلجَوشَنِ الكَبِيرِ، وذلك في مُستَهَلِّ رِسالةِ "المُناجاةِ" لا يَسَعُه إلَّا الإِقرارُ بأنَّه لا مَثِيلَ لِهذا يَدِ، اءِ الرَّائِعِ (الجَوْشَنِ) الَّذي يُمَثِّلُ قِمّةَ المَعرِفةِ الرَّبّانيّةِ.
وكذا فإنَّ إِظهارَه في "تَبلِيغِ الرِّسالةِ" وفي دَعوَتِه النّاسَ إلى الِ؛ فعِمِنَ الصَّلابةِ والثَّباتِ والشَّجاعةِ ما لا يُقارِبُه أَحَدٌ، فلم يُداخِلْه یی ولو بمِقْدارِ ذَرّةٍ یی أيُّ أَثَرٍ للتَّرَدُّدِ ولا ساوَرَه القَلَقُ قَطُّ، ولم يَنَلِ الخَوْفُ مِنه شَيئًا، رَغمَ مُعاداةِ الدُّوَلثباتًابْرَى والأَديانِ العُظْمَى له یی وحتَّى قَومُه وقَبِيلَتُه وعَمُّه ناصَبُوه العَداءَ الشَّدِيدَ یی فتَحَدَّى وَحْدَه الدُّنيا بأَسْرِها، ونَصَرَه اللهُ وأَعَزَّه، فكَلَّل هامةَ الدُّنيا بتاجِ الإسلامِ، فمَن مِثلُ مُحمَّدٍ (ص)ِم أو بلِيغِ رِسالاتِ اللهِ؟!
وكذا حَمْلُه "إِيمانًا قَوِيًّا راسِخًا، ويَقِينًا جازِمًا خارِقًا، وانكِشافًا لِلفِطْرةِ مُعجِزًا، واعتِقاِ، فيَمِيًا مَلَأ العالَمَ نُورًا"، فلم تَتَمكَّنْ أن تُؤَثِّرَ فيه جَمِيعُ الأَفكارِ والعَقائِدِ وحِكْمةُ
— 271 —
الحُكَماءِ وعُلُومُ الرُّؤَساءِ الرُّوحانيِّين السّانْزَلِفي ذلك العَصرِ، ولو بشُبْهةٍ، أو بتَرَدُّدٍ، أو بضَعْفٍ، أو بوَسْوَسةٍ. نعم، لم تَتَمكَّن مِنَ التَّأثيرِ لا في يَقِينِه، ولا في اعتِقادِه ولا في اعتِمادُ الوِ اللهِ، ولا في اطْمِئْنانِه إلَيْه، معَ مُعارَضَتِها له ومُخالَفَتِها إيّاه، وإِنكارِها علَيْه.
زِدْ على هذا استِلْهامَ جَمِيعِ الَّذين تَرَقَّوا في المَعنَوِيّاتِ والمَراتِبِ الإِيمانيّةِ مِن ه.
الوِلايةِ والصَّلاحِ، وفي مُقدِّمَتِهمُ الصَّحابةُ الكِرامُ، واستِفاضَتَهم دَوْمًا مِن مَرتَبَتِه الإِيمانيّةِ، ورُؤيَتَهم له في أَسمَى الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ.. كلُّ ذلك يُظهِرُ یی بَداهةً یی أنَّ إِيمانَه (ص) لا مَنُ تلكله أَيضًا.
ففَهِمَ السَّائِحُ، وصَدَّقَ عَقْلُه أنَّ مَن كان صاحِبَ هذه الشَّرِيعةِ السَّمْحاءِ الَّتي 38Nمَثِيلَ لَها، والإسلامِ الحَنِيفِ الَّذي لا شَبِيهَ له، والعُبُودِيّةِ الخّا بصُ الَّتي لا نَظِيرَ لَها، والدُّعاءِ البَدِيعِ الرّائِعِ، والدَّعوَى الكَوْنيّةِ الشَّامِلةِ، والإِيمانِ المُعْجِزِ، لن يكُونَ عِندَه كَذِبٌ قَطُّ، ولن يكُونَ خادِعًا أَبدًا.
الدَّليلُ الرََّّتْ ذِجماعُ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلام واتِّفاقُهم على الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ نَفسِها، كما أنَّه دَليلٌ قاطِعٌ على وُجُودِ اللهِ سُبحانَه وعلى ه فقالنيَّتِه، فهو كَذلِك شَهادةٌ صادِقةٌ على صِدْقِ هذا النَّبيِّ (ص) وعلى رِسالَتِه، ذلك لأنَّ كلَّ ما يَدُلُّ على صِدْقِ نُبُوّةِ أُولَئِك الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام، وكلَّ ما هو مَدارٌ لِنُبُوَّتِهم مِنَ الصِّفاتِ القُدْسِيّةِ، والمُعجلهم، ف والمَهامِّ الَّتي اضْطَلَعُوا بها يُوجَدُ مِثلُها وبأَكمَلَ مِنها فيه (ص)، كما هو مُصَدَّقٌ تارِيخًا.
فأُولَئِك الأَنبِياءُ عَلَيهم السَّلام قد أَخبَرُوا بلِسانِ المَقالِ یی أي: بالتَّوراةِ والإِنجِيلِ والزَّبُورِ والصوِيَّ، الَّتي بينَ أَيدِيهم یی بمَجِيءِ هذه الذّاتِ المُبارَكةِ، وبَشَّرُوا النَّاسَ بقُدُومِه (ص) (حتَّى إنَّ أَكثَرَ مِن عِشرِين إِشارةً واضِحةً ظاهِرةً مِنَ الإِشاراتِ المُبَشِّرةِ لِتِلك الكُتُبِ المُقَدَّ يَومِ بُيِّنَت بَيانًا جَلِيًّا وأُثبِتَت في رِسالةِ المُعجِزاتِ الأَحمَدِيّةِ)، فكَما أنَّهم قد بَشَّرُوا بمَجِيئِه (ص) فإنَّهم يُصَدِّقُونه (ص) بلِسانِ حالِهم یی أي: بنُبُوَّتِهم وبمُعجِزاتِهم یی ويَختِمعضًا ملتَّأيِيدِ على صِدْقِ دَعْوَتِه إذ هو السَّابِقُ الأَكمَلُ في مُهِمَّةِ النُّبوّةِ والدَّعوةِ إلى اللهِ.
— 272 —
فأَدْرَك السَّائِحُ أنَّ أُولَئِك الَّذيِياءَ مِثلَما يَدُلُّون بلِسانِ المَقالِ والإِجماعِ على الوَحْدانيّةِ، فإنَّهم يَشهَدُون یی بلِسانِ الحالِ وبالِاتِّفاقِ كذلك یی على صِدْقِ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص).
الدَّليلِدٍ مِامِسُ:إنَّ وُصُولَ آلافِ الأَولياءِ إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، وما نالُوا مِنَ الكَمالاتِ والكَرَامَاتِ، وما فَازُوا به مِنَ الكَشْفِيّاتِ والمُشاهَداتِ ليس إلّا بالِاقةُ: ه بِهَدْيِ دَساتيرِ هذا النَّبيِّ (ص)، وبتَربِيَتِه، وباتِّباعِه، وتَعَقُّبِ أَثَرِه، فمِثلَما أنَّهم يَدُلُّون جَمِيعًا على الوَحْدانيِّيرُ تم يَشهَدُون بالإجماعِ والِاتِّفاقِ على صِدْقِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) یی أُستاذِهِم وإِمامِهِم یی وعلى أَحَقِّيّةِ رِسالَتِه..
فرَأَى السَّائِحُ أنَّ مُشاهَدةَ هُّؤُونِ قِسْمًا مِمَّا أَخبَرَ به (ص) مِن عالَمِ الغَيبِ بنُورِ الوِلايةِ، واعتِقادَهُم به وتَصدِيقَهُم لِجَمِيعِ ما أَخبَرَ به بنُورِ الإيمانِ یی إمَّا بعِلمِ اليَلجَلالأو بعَينِ اليَقِينِ أو بحَقِّ اليَقِينِ یی إنَّما تُظهِرُ ظُهُورًا كالشَّمسِ: ما أَصْدَقَ مُرشِدَهُمُ الأَعظَمَ وما أَحَقَّ رائِدَهُمُ الأَكبَرَ (ص)!
نَ، وسيلُ السَّادس:إنَّ مَلايِينَ العُلَماءِ المُدَقِّقِين الأَصْفِياءِ، والمُحَقِّقين الصِّدِّيقِين، ودُهاةِ الحُكَماءِ المُؤمِنِين، مِمَّن بَلَغُوا أَعلَى المَراتِبِ بفَضْلِ ما دَرَسُوا وتَلمُتَُّوا على ما جاءَ به هذا النَّبيُّ الكَرِيمُ (ص) مِنَ الحَقائِقِ القُدْسِيّةِ، وما أَبدَعَه مِنَ العُلُومِ العالِيةِ، وما كَشَفَه مِنَ المَعرِفةِ الإلٰهية معَ كَوْنِه أُمِّي، يُكتإنَّ هَؤُلاءِ جَمِيعًا مِثلَما يُثْبِتُون الوَحْدانيّةَ الَّتي هي الأَساسُ لِدَعْوَتِه (ص) ويُصَدِّقُونَها مُتَّفِقِين ببَراهِينِهمُ القاطِعةِ، فإنَّهم يَتَّفِقُون كذلك ويَشهَدُون على صِدْقِ هذا المُعَلِّمِ الأَمَتُه؟وصَوابِ هذا الأُستاذِ الأَعظَمِ، وعلى أَحَقِّيّةِ كَلامِه (ص).
فشَهادَتُهم هذه حُجّةٌ واضِحةٌ كالنَّهارِ على صِدْقِه وصَوابِ رِسالَتِه، وما "رَسائِلُ النُّورِ" یی مَثلًا یی بأَجْ عَبْد الَّتي تَزِيدُ على المِئةِ إلّا بُرهانٌ واحِدٌ فقط على صِدْقِ هذا النَّبيِّ الحَبِيبِ (ص) وصَوابِه.
— 273 —
الدَّليلُ السَّابعُ:إنَّ الجَمْعَ العَظِيمَ ااهُم.. يُطلَقُ علَيهِمُ (الآلُ والأَصحابُ) الَّذين هم أَشهَرُ بَنِي البَشَرِ بعدَ الأَنبِياءِ فِراسةً وأَكثَرُهم دِرايةً، وأَسماهُم كَمالاتٍ وأَفضَلُهم مَنزِلةً، وأَعلاهُم صِيتًا، مةُ تَُّهمُ اعتِصامًا بالدِّينِ، وأَحَدُّهم نَظَرًا.. إنَّ تَحَرِّيَ هؤلاء وتَفتِيشَهُم وتَدقِيقَهُم لِجَمِيعِ ما خَفِيَ وما ظَهَرَ مِن أَحوالِ هذا النُّ نُورالكَرِيمِ (ص) وأَفكارِه وتَصَرُّفاتِه بَحْثًا بكَمالِ اللَّهْفةِ والشَّوْقِ، وبغايةِ الدِّقّةِ، وبمُنتَهَى الجِدِّيّةِ، ثمَّ تَصدِيقَهم بالِاتِّفاقِ والإِجَنُّ انَّه (ص) هو أَصدَقُ مَن في الدُّنيا حَدِيثًا، وأَسماهُم مَكانةً وأَشَدُّهمُ اعتِصامًا بالحَقِّ والحَقِيقةِ. فتَصدِيقُهم هذا الَّذي لا يَتَزَعزَعُ معَ ما يَملِكُون مِن إيمانٍ عَمِيقٍ، إنَّما هو دَلِلُ إلَهِرٌ كدَلالةِ النَّهارِ على ضِياءِ الشَّمسِ.
الدَّليلُ الثَّامنُ:إنَّ هذا الكَونَ مِثلَما يَدُلُّ على صانِعِه، وكاتِبِه، ومُصَوِّرِمٌ: "َذي أَوْجَدَه، والَّذي يُدِيرُه، ويُرَتِّبُه، ويَتَصرَّفُ فيه بالتَّصوِيرِ والتَّقدِيرِ والتَّدبِيرِ كأنَّه قَصرٌ باذِخٌ، أو كأنَّه كِتابٌ كَبِيرٌ، أو كأنَّه مَعرِضٌ بَدِيعٌ، أو كأنَّه مَشهَرٌ عَظِيمٌ، فهو كذلك يَستَدْعِي لا مَعُ أبيوُجُودَ مَن يُعبِّرُ عَمَّا في هذا الكِتابِ الكَبِيرِ مِن مَعانٍ، ويَعْلَمُ ويُعلِّمُ المَقاصِدَ الإلٰهِيّةَ مِن وَراءِ خَلْقِ الكَوْنِ٭٭
#9َلِّمُ الحِكَمَ الرَّبّانيّةَ في تَحَوُّلاتِه وتَبَدُّلاتِه، ويُدَرِّسُ نَتائِجَ حَرَكاتِه الوَظِيفيّةِ، ويُعلِنُ قِيمةَ ماهِيَّتِه وكَمالاتِ ما فيه مِنَ المَوجُوداتِ. أي: يَقتَضِي داعِيًا عَظِيمًا، ومُنادِيًا صادِقًا، وأُستاذًا ذاتِ ِقًا، ومُعَلِّمًا بارِعًا.
فأَدْرَك السَّائِحُ أنَّ الكَونَ یی مِن حيثُ هذا الِاقتِضاءُ یی يَدُلُّ ويَشهَدُ على صِدْقِ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص) وصَوابِه، الَّذي هو أَفضَلُ مَن أَتَمَّ هذه الوَظائِفَ وقامَ بهذالإِجمهِمَّاتِ، وعلى كَونِه أَفضَلَ وأَصدَقَ مَبعُوثٍ لِرَبِّ العالَمِين.
الدَّليلُ التَّاسِعُ:ما دامَ هناك وَراءَ الحِجابِ مَن يُشهِرُ كَمالاتِ إِبْداعِه بمَصنُوعذين همذه ذاتِ الإتقانِ والحِكْمةِ، ويُعَرِّفُ نَفسَه ويُوَدِّدُها بمَخْلُوقاتِه غيرِ المَحدُودةِ ذاتِ الزِّينةِ والجَمالِ، ويُوجِبُ الشُّكْرَ والحَمْدَ له، بنِعَمِه الَّتي لا تُحصَى ذاتِ اللَّذّةِ والنَّفاسة شَدِيشَوِّقُ الخَلْقَ إلى العِبادةِ نحوَ رُبُوبيَّتِه بعُبُودِيّةٍ تَتَّسِمُ بالحُبِّ والِامتِنانِ والشُّكرِ إِزاءَ
— 274 —
هذه التَّربِيةِ، والإعاشةِ العامّةِ، ذاتِ الشَّضُ أَصوالحِمايةِ (حتَّى إنَّه يُهَيِّئُ أَطعِمةً وضِيافاتٍ رَبَّانيَّةً ما تُطَمْئِنُ أَدَقَّ أَذواقِ الأَفواهِ وجَمِيعَ أَنواعِ الِاشتِهاءِ).. ويُدِينُ الخَلقَ إلى الإيمانِ والتَّسلِيمِ والِانقِيادِ والطّاعةِ نحويّةِ ووهِيَّتِه الَّتي يُظهِرُها بتَبدِيلِ المَواسِمِ، وتَكوِيرِ اللَّيلِ على النَّهارِ، واختِلافِهِما، وأَمثالِها مِنَ التَّصَرُّفاتِ العَظِيمةِ، والإجراءاتِ الجَلِيلختَلِفلفَعَّاليّةِ المُدهِشةِ والخَلّاقيّةِ الحَكِيمةِ.. ويُظهِرُ عَدالَتَه وانتِصافَه بحِمايَتِه دَوْمًا البِرَّ والأَبرارَ وإِزالَتِه الشَّرَّ والأَشرارَ، ومَحْقِه الظَّالِمِين والكَذَّافجَمِيإِهلاكِهم بنَوازِلَ سَماوِيَّةٍ.
فلا جَرَمَ، أنَّ أَحَبَّ مَخلُوقٍ لَدَى ذلك المُستَتِرِ بالغَيبِ، وأَصدَقَ عَبدٍ له هو مَن كان عامِلًا خالِصًا لِمَقاصِدِه المَذكُورةِ آنِفًا، ومَن يَحُلُّ السِّرَّ الأَعظَمَ فيَكَّ أِ الكَوْنِ ويَكشِفُ لُغْزَه، ومَن يَسعَى دَوْمًا باسمِ خالِقِه ويَستَمِدُّ القُوّةَ مِنه ويَستَعِينُ به وَحْدَه في كلِّ شَيءٍ، فيَنالُ المَدَدَ والتَّوفِيقَ مِنه سُبحانَ الرَّن ذا يكُونُ هذا غَيرُ مُحمَّدٍ القُرَشِيِّ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثمَّ خاطَبَ السَّائِحُ عَقْلَه: "لَمَّا كانَت هذه الحَقائِقُ التِّسعُ شاهِدةَ إِثباتٍ على صِدْقِ هذا النَّبيِّ الكَرِيمِ (ص)، فلا رَيبَ إذي اليََّه قُطْبُ شَرَفِ البَشَرِيّةِ، ومَدارُ افتِخارِ العالَمِ، وأنَّه حَرِيٌّ ولائِقٌ تَسمِيَتُه شَرَفَ بَنِي آدَمَ، وتَلقِيبُه بفَخْرِ العالَمِين؛ وأنَّ ولا ت يَدِه مِن أَمرِ الرَّحمٰنِ وهو القُرآنُ الكَرِيمُ المُهَيمِنُ جَلالُ سُلْطانِه المَعنَوِيِّ على نِصفِ الأَرضِ، معَ ما يَملِكُ مِن كَمالاتِه الشَّخْصِيّةِ وخِصالِه السَّامِيةِ الدَِّرانِ أنَّ أَعظَمَ إنسانٍ في الوُجُودِ هو هذا النَّبيُّ العَظِيمُ، فالقَولُ الفَصْلُ إذًا بحَقِّ خالِقِنا سُبحانَه هو قَولُه (ص)".
فتَعالَ يا عَقْلِي وتَأَمَّلْ: إنَّ أَساسَ جَمِيعِ دَعاوَِه، ويالنَّبيِّ الكَرِيمِ (ص)، وغايةَ حَياتِه كُلِّها، إنَّما هي الشَّهادةُ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، والدَّلالةُ على وَحْدانيَّتِه، وبَيانُ صِفاتِه الجَلِيلةِ، وإِظهارُ أَسمائِه الحُسنَى، وإِثباتُ كلِّ ذلك، وإِعلانُه، وإِعلامُهنُبُوّنادًا إلى ما في دِينِه مِن أُلُوفِ الحَقائِقِ الرَّاسِخةِ الأَساسِ، وإلى قُوَّةِ ما أَظهَرَه اللهُ على يَدِه مِن مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه القاطِعةِ الباهِرةلرِّسا5
أي: أنَّ الشَّمسَ المَعنَوِيّةَ الَّتي تُضِيءُ هذا الكَونَ والبُرهانَ النَّيِّرَ على وُجُودِ خالِقِنا سُبحانَه ووَحْدانيَّتِه، إنَّما هو هذا النَّبيُّ الكَرِيمُ المُلَقَّبُ بی"حبلا تَ الله" (ص)؛ فهُنالك ثَلاثةُ أَنواعٍ مِنَ الإِجماعِ عَظِيمةٌ لا تَخدَعُ ولا تَنخَدِعُ، تُؤيِّدُ شَهادَتَه وتُصَدِّقُها:
الإجماعُ الأوَّلُ:إِجماعُ الّظَمُ مشتَهَرُوا وتَمَيَّزُوا في العالَمِ باسمِ (آلِ مُحمَّدٍ (ص))، تلك الجَماعةِ النُّورانيّةِ الَّتي يَتَقدَّمُها الإمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي قال: "لو رُفِعَ الحِجابُ ما ازْدَدتُ يَقِينًا"، وخَلْفَه آلافُ الأَوْلياءِ الَبَ له مِن ذَوِي البَصائِرِ الحادّةِ والنَّظَرِ الأَنيسِ للغَيبِ مِن أَمثالِ الشَّيخِ الگيْلانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) الَّذي كان يَنظُرُ ببَصِيرتِه النّافِذةِ إلى العَرشِ الأَعظَمِ وإسرنِ.. ح بعَظَمَتِه وهو بَعدُ على الأَرضِ.
الإجماعُ الثَّاني:إِجماعُ تلك الجَماعةِ المَعرُوفةِ بالصَّحابةِ الكِرامِ المَشهُورِين في العالَمِ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيهِم أَجمَعِين وُ وَالقُهم بالِاتِّفاقِ وبإِيمانٍ راسِخٍ قَوِيٍّ لِهذا النَّبيِّ الكَرِيمِ، حتَّى ساقَهُم ذلك إلى التَّضْحِيةِ والفِداءِ بأَرواحِهم وأَموالِمنَحُهائِهم وعَشِيرَتِهم، وهمُ الَّذين كانُوا قَوْمًا بَدْوًا يَقطُنُون في مُحِيطٍ أُمِّيٍّ خالٍ مِن مَظاهِرِ الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ والأَفكارِ السِّياسِيّةِ، ليس لهمَكثَرَ ولا كِتابٌ مُنِيرٌ؛ وكانُوا مَغمُورِين في ظُلْمةِ عَصرِ "الفَتْرةِ"، فصارُوا في زَمَنٍ يَسِيرٍ أَساتِذةً مُرشِدِين وسِياسِيِّين وحُكَّامًا عادِلِين لِأَرقَى الأُمَمِ حَضارةً وعِلْمًا واجتِنَّكَ وسِياسةً، فحَكَمُوا العالَمَ شَرْقًا وغَرْبًا ورَفْرَفَت راياتُ عَدالَتِهِم بَرًّا وبَحْرًا.
الإجماعُ الثالثُ:هو تَصْدِيقُ الجَماعةِ العَظِيمةِ مِنَ العُلَماءِ الالقُرآَاءِ الَّذين لا يُعَدُّون ولا يُحْصَوْن، المُتَبَحِّرِين في عُلُومِهم والمُحَقِّقِين المُدَقِّقِين الَّذين نَشَؤُوا في أُمَّتِه وسَلَكُوا مَسالِكَ شَتَّى، ولهم في كلِّ عَصرٍ آلافٌ مِنَ الحائِزِين قَصَبَ السَّبْقِ یی بدَهُّعُور یی في كلِّ عِلمٍ. فتَصْدِيقُ هؤلاء جَمِيعًا له بالِاتِّفاقِ وبدَرَجةِ عِلمِ اليَقِينِ إِجماعٌ أيُّ إِجماعٍ!
— 276 —
فحَكَم السّائِحُ بأنَّ شَهادةَ هذا النَّبيِّ الأُمِّيِّ (ص) على الوَحْدانيّةِ لَيسَت شَهادةً شَخْصِيّةً وجُزئِيّةً، وإنَّما هتابِ ادةٌ عامّةٌ وكُلِّيّةٌ راسِخةٌ لا تَتَزَعزَعُ، ولن تَستَطِيعَ أن تُجابِهَها الشَّياطِينُ كافّةً في أيّةِ جِهةٍ ولوِ اجتَمَعُوا علَيْها.
وهكذا، ذُكِرَتْ إِشَخْصًمُختَصَرةٌ لِما تَلَقّاه ضَيْفُ الدُّنيا ومُسافِرُ الحَياةِ السَّائِحُ الَّذي جالَ بعَقْلِه في عَصرِ السَّعادةِ مِن تلك المَدْرَسةِ النُّورانيّةِ في "المَرْتَبةِ السّادِسةَ عَشْرةَ مِنَ المَقامِ الأَوَّلِِّتِّ تي:
"لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأَحَدُ الَّذي دَلَّ عَلى وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: فَخرُ العَالَمِ وَشَرَفُ نَوعِ بَني آدَمَ َرامةٌمَةِ سَلطَنَةِ قُرْآنِه، وحِشْمَةِ وُسْعَةِ دِينِه، وكَثرَةِ كَمَالَاتِه، وعُلْوِيَّةِ أَخلَاقِه، حَتَّى بِتَصدِيقِ أَعدَائِه، وكَذَا شَهِدَ وَبَرهَنَ بِقُوَّةِ مِئَاتِ مُعجِزَاتِهِ الظَّاهِرَاتِ البَاهِرَاتِ المُصَدِّقَةِ المُصَدَّقَةِ، و إنَّةِ آلَافِ حَقَائِقِ دِينِهِ السَّاطِعَةِ القَاطِعَةِ، بِإِجمَاع آلِه ذَوِي الأَنوَارِ، وبِاتِّفَاقِ أَصْحَابِه ذَوِي الأَبصَارِ، وبِتَوَافُتانِ "َقِّقي أُمَّتِه ذَوِي البَرَاهِينِ والبَصَائِرِ النَّوَّارَةِ".
البَّاقي هو البَّاقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭٭٭
— 277 —
المكتوب العشرونعدَ مَسمِه سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا إلٰه إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ، يُحيِي ويُمِيتُ، وهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتَشاهِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، وإِلَيهِ المَصيرُ
إنَّ هذه الجُملةَ الَّتي تُلَخِّصُ التَّوحِيدَ عِبارةٌ عن إحدَى عَشْرةَ كَلِمةً، ولِقِراءَتِها عَقِبَ صَلاتَيِ الفَجرِ والمَغرِبِ فَضائلُ جَمّةٌ، حتِيّةِ،رَد في إحدَى الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ أنَّها تَحمِلُ مَرتَبةَ "الِاسمِ الأَعظَمِ"، فلا غَرْوَ إذًا أن تُقَطِّرَ كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِها أَمَلًا شافيًا وبُشرَى سارّةً، وأن تَحمِلَ مَرتَبةً جَليلةً مِن مَراتِبِ تَوحِيدِ الرُّبُوبن غَشِوتُبيِّنَ مِن زاوِيةِ الِاسمِ الأَعظَمِ كِبْرِياءَ الوَحدانيّةِ وكَمالَ التَّوحِيدِ.
وحَيثُ إنَّ هذه الحَقائقَ الواسِعةَ الرَّفيعةَ قد وُضِّحَت بجَلاءٍ في سائرِ "الكَلِماتِ"، فنُحِيلُ إلَيها، ونَكتَفِي هنا بوَضْعِ فِهرِسٍ لها، (ص) وب على وَعدٍ سابِقٍ، على صُورةِ خُلاصةٍ مُجمَلةٍ جِدًّا، تتكَوَّنُ مِن"مَقامَينِ"و"مُقَدِّمةٍ".
— 278 —
المُقدِّمة
اعلَمْ يَقِينًا أنَّ أَسمَى غايةٍ للخَلْقِ، وأَعظَمَ نَتِيجةٍ للفِطرةِ الإنسانيّةِ، هي "الإيمانُ باللهِيرةٍ ألَمْ أنَّ أَعلَى مَرتَبةٍ للإنسانيّةِ، وأَفضَلَ مَقامٍ للبَشَرِيّةِ، هو "مَعرِفةُ اللهِ" الَّتي في ذلك الإيمانِ؛ واعلَمْ أنَّ أَزهَى سَعادبَبِ انسِ والجِنِّ، وأَحلَى نِعمةٍ، هو "مَحَبّةُ اللهِ" النّابِعةُ مِن تلك المَعرِفةِ؛ واعلَمْ أنَّ أَصفَى سُرُورٍ لِرُوحِ الإنسانِ، وأَنقَى بَهجةٍ لِقَلبِه، هو "اللَّذّةُ الرُّوو يَبح" المُتَرشِّحةُ مِن تلك المَحَبّةِ.
أَجَل، إنَّ جَمِيعَ أَنواعِ السَّعادةِ الحَقّةِ، والسُّرُورِ الخالِصِ، وأنَّ النِّعمةَ الَّتي ما بَعدَهٌ، وجَةٌ، واللَّذّةَ الَّتي لا تَفُوقُها لَذّةٌ، إنَّما هي في "مَعرِفةِ اللهِ".. في "مَحَبّةِ اللهِ". فلا سَعادةَ، ولا مَسَرَّةَ، ولا نِعمةَ حَقًّا بدُونِها.
فكُلُّ مَن عَرَف اللهَ تَعالَى حَقَّ المَعرِفةِ، ومَلَأ قَلبَه مثَ إلىرِ مَحَبَّتِه، سيكُونُ أَهلًا لِسَعادةٍ لا تَنتَهي، ولِنِعمةٍ لا تَنضُبُ، ولِأَنوارٍ وأَسرارٍ لا تَنفَدُ، وسيَنالُها إمَّا فِعْلًا وواقِعًا أوِ استِعدادًا وقابِليّةً؛ بَينَما الَّذي ل، وقَطِفُ خالِقَه حَقَّ المَعرِفةِ، ولا يُكِنُّ له ما يَلِيقُ مِن حُبٍّ ووُدٍّ، يُصابُ بشَقاءٍ مادِّيٍّ ومَعنَوِيٍّ دائِمَينِ، ويَظَلُّ يُعاني مِنَ الآلامِ اسِعةِهامِ ما لا يُحصَرُ.
نعم، إنَّ هذا الإنسانَ البائِسَ الَّذي يَتَلوَّى أَلَمًا مِن فَقْدِه مَولاه وحامِيه، ويَضطَرِبُ مِن تَفاهةِ حَياتِه وعَدَمِ جَدواها، وهو عاجِزٌ وضَعِيفٌ بينَ جُمُوعِ البَشَرِيّةِْنا نَكُودةِ.. ماذا يُغنيه عمَّا يُعانيه ولو كان سُلطانَ الدُّنيا كلِّها!
فما أَشَدَّ بُؤسَ هذا الإِنسانِ المُضطَرِبِ في دَوَّامةِ حَياةٍ فانِيةٍ زائِلةٍ، وبينَ جُمُوعٍ سائِبةٍ مِنَ البَشَرِ إنْ لم ي أنَّهمَولاه الحَقَّ، ولم يَعرِفْ مالِكَه ورَبَّه حَقَّ المَعرِفةِ! ولكن لو وَجَد رَبَّه وعَرَف مَولاه ومالِكَه لَالْتَجَأ إلى كَنَفِ رَحمَتِه الوهذه، و، واستَنَد إلى جَلالِ قُدرَتِه المُطلَقِة، ولَتَحوَّلَت له الدُّنيا المُوحِشةُ رَوضةً مُؤنِسةً، وسُوقَ تِجارةٍ مُربِحةٍ.
— 279 —
المَقامُ الأوَّل
كلُّ كَلِمةٍ مِن كَلِماتِ هذا الكَلامِ التَّوحِيديِّ الرَّبحَثُ تَزُفُّ بُشرَى سارَّةً، وتَبُثُّ أَمَلًا دافِئًا؛ وفي كلِّ بُشرَى شِفاءٌ وبَلْسَمٌ؛ وفي كلِّ شِفاءٍ لَذَّةٌ مَعنَوِيّةٌ وانشِراحٌ رُوحِيٌّ.
الكَلِمةُ الأُولَى: "لَا إِلٰهَ إِلَّا الله":
(ص) قِ الكَلِمةُ تَتَقطَّرُ بُشرَى عَظِيمةً وأَمَلًا بَهِيجًا كالآتي:
إنَّ رُوحَ الإنسانِ المُتَلَهِّفةَ إلى حاجاتٍ غيرِ مَحدُودةٍ، والمُستَهدَفةَ مِن قِبَلِ أَعداءٍ لا يُعَدُّون.. هذه الرُّوحُ المُبتَلاةُ بينَ حاجاتٍ لا تَنتَهي وأَعداءٍ ل عَمَلَرُون، تَجِدُ في هذه الكَلِمةِ العَظِيمةِ مَنبَعًا ثَرًّا مِنَ الِاستِمدادِ، بما يُفتَحُ لها مِن أَبوابِ خَزائِنِ رَحمةٍ واسِعةٍ يَرِدُ مِنها ما يُطَمْئِنُ جَميعَ الحاجاتِ ويَضمَنُ جَميعَ المَطالِبِ؛ وتَجِدُ فيها كذَمَثَلُتَكزًا شَدِيدًا ومُستَنَدًا رَضِيًّا يَدفَعُ عنها جَميعَ الشُّرُورِ، ويَصرِفُ عنها جَميعَ الأَضرارِ، وذلك بما تُرِي الإنسانَ مِن قُوّةِ مَولاه الحَقِّ، وتُرشِدُه إلى مالِكِه القَسنَى ا وتَدُلُّه على خالِقِه ومَعبُودِه.. وبهذه الرُّؤيةِ السَّدِيدةِ والتَّعَرُّفِ على اللهِ الواحِدِ الأَحَدِ، تُنقِذُ هذه الكَلِمةُ قَلْبَ الإنسانِ مِن ظَ الَّتلوَحْشةِ والأَوهامِ، وتُنْجِي رُوحَه مِن آلامِ الحُزنِ والكَمَدِ، بل تَضمَنُ له فَرَحًا أَبَدِيًّا، وسُرُورًا دائمًا.
الكَلِمةُ الثَّانيةُ: "وَحْدَهُ":
هذه الكَلِمةُ تُشرِقُ أَمكَرِيمتَزُفُّ بُشرَى سارّةً كالآتي:
إنَّ رُوحَ البَشَرِ، وقَلْبَه المُرهَقَينِ بلِ الغارِقَينِ إلى حَدِّ الِاختِناقِ تحتَ ضُغُوطِ ارتِباطاتٍ شَدِيدةٍ وأَواصِرَ مَتينةٍ معَ أَغلَبِ أَنواعِ الكائناتِ، يَجِدحَكِيم هذه الكَلِمةِ مَلْجَأً أَمِينًا، يُنقِذُهما مِن تلك المَهالِكِ والدَّوَّاماتِ. أي: أنَّ كَلِمةَ "وَحْدَه" تَقُولُ مَعنًى:
— 280 —
إنَّ اللهَ واحِدٌ أَحَدٌ، فلا تُتعِبْ نَفسَك أيُّها الإنسانُ بمُراجَعةِ الأَغيارِ؛ ولا تَتَذلَّلْ أْتِي تَرزَحَ تحتَ مِنَّتِهم وأَذاهم؛ ولا تَحْنِ رَأْسَك أَمامَهم وتَتَمَلَّقْ لهم؛ ولا تُرْهِقْ نَفسَك فتَلْهَثْ وراءَهم؛ ولا تَخَفْ مِنهم وتَرتَعِدْ إزاءَهم.. لأَنَّ سُلطانَ الكَونِ واحِدٌ، ِيمِ وه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، بيَدِه مِقْوَدُ كلِّ شَيءٍ، تَنْحَلُّ عُقَدُ كلِّ شَيءٍ بأَمرِه، وتَنفَرِجُ كلُّ شِدَّةٍ بإِذنِه.. فإن وَجَدتَه فقد مَلَكْتَ كلَّ شَيءٍ، وفُزْتَ بما تَطلُبُه، ونَجَوتَ مِن أَثقالِ المَنِّ والأِ كَشْمِن أَسْرِ الخَوفِ والوَهْمِ.
الكَلِمةُ الثَّالثة: "لَا شَرِيكَ لَهُ":
أي: كما أنَّه لا نِدَّ له ولا ضِدَّ في أُلُوهِيَّتِه وسَلْطَنَتِه، لأنَّ اللهَ واحِدٌ، فإنفَعَلتُوبيَّتَه وإجراءاتِه وإيجادَه الأَشياءَ مُنَزَّهةٌ كذَلِك مِنَ الشِّرْكِ؛ بخِلافِ سَلاطِينِ الأَرضِ، إذ يَحدُثُ أنْ يكُونَ السُّلطانُ واحِدًا مُتَفرِّدًا في سَلْطَنَتِه، إلّا أنَّه ليس مَشَرِيِدًا في إجراءاتِه، حيثُ إنَّ مُوَظَّفيه وخَدَمَه يُعَدُّون شُرَكاءَ له في تَسيِيرِ الأُمُورِ وتَنفِيذِ الإجراءاتِ، ويُمكِنُهم أن يَحُولُوا دُونَ مُثُولِ الجَمِيعِ أَمامَه، ويَطلُبُوا مِنهم مُراجَعَتَهم أَوَّلًةً مِننَّ الحَقَّ سُبحانَه وتَعالَى وهو سُلطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ، واحِدٌ لا شَرِيكَ له في سَلطَنَتِه، فليس له حاجةٌ قَطُّ في إجراءاتِ رُبُوبيَّالأَفْضًا إلى شُرَكاءَ ومُعِينِين للتَّنفِيذِ، إذ لا يُؤَثِّرُ شَيءٌ في شَيءٍ إلّا بأَمرِه وحَوْلِه وقُوَّتِه، فيُمكِنُ للجَمِيعِ أن يُراجِعُوه دُونَ وَسِيطٍ؛ ولِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيكٍ أو مُعِينٍ، لا يُقالُ للمُراجِعِ: لا يَجُوزلًا عنلدُّخُولُ إلى الحَضْرةِ الإلٰهيّةِ.
وهكذا تَحمِلُ هذه الكَلِمةُ في طَيّاتِها أَمَلًا باسِمًا وبِشارةً بَهِيجةً، فتقُولُ:
إنَّ الإنسانَ الَّذي استَنارَت رُوحُه بنُورِ الإيمانِ، لَيلاءِ.
يعُ عَرْضَ حاجاتِه كُلِّها بلا حاجِزٍ ولا مانِعٍ بينَ يَدَي ذلك الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ، ذلك القَدِيرِ ذِي الكَمالِ، ويَطلُبَ ما يُحَقِّقُ رَغَباتِه أَينَما كان هذا الإنسانُ و القَما حَلَّ، فيَعرِضَ حاجاتِه ومَطالِبَه كُلَّها أَمامَ ذلك الرَّحِيمِ الَّذي يَملِكُ خَزائِنَ الرَّحمةِ الواسِعةِ، مُستَنِدًا إلى قُوَّتِه المُطلَقةِ، فيَمتَلِئُ عِندَئذٍ فَرَحًا كامِلًا وسُرُورًا غامِرًا.
#28ُودُ بلكَلِمةُ الرَّابعةُ: "لَهُ المُلْكُ":
أي: أنَّ المُلكَ كلَّه له دُونَ استِثناءٍ، وأنَّك أَنتَ أَيضًا مُلكُه، كما أنَّك عَبدُه ومَملُوكُه لِذاكِلٌ في مُلكِه..
فهذه الكَلِمةُ تَفُوحُ أَمَلًا وتَقطُرُ بُشرَى شافيةً، وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تَحسَبْ أنَّك مالِكُ نَفسِك، كلَّا.. لأنَّك لا تَقدِرُ على أن تُدِيرَ أُمُورَ نَفسِك، وذلك ثمَّ يثَقِيلٌ، وعِبْءٌ كَبِيرٌ، ولا يُمكِنُك أن تُحافِظَ علَيها، فتُنجِيَها مِنَ البَلايا والرَّزايا، وتُوَفِّرَ لها لَوازِمَ حَياتِك.. فلا تُجَرِّعْ نَفسَك إذًا الآلامَ سُدًى، فتُلقِي بها في أَحضانِ القَلَقِ والِاضطِرابِ دَ الجََدوَى، فالمُلكُ ليس لك، وإنَّما لِغَيرِك، وذلك المالِكُ قادِرٌ، وهو رَحِيمٌ. فاستَنِدْ إلى قُدرَتِه، ولا تَتَّهِمْ رَحمَتَه.. دَعْ ما كَدَرَ، خُذْ ما صَفَا.. انبِذِ الصِّعابَ والأَوصابَ، وتَنَفَّسِ الصُّعَداءَ، وحُزْ على الهَناءِ والسَّعادَيْتَ وتقُولُ أَيضًا: إنَّ هذا الوُجُودَ الَّذي تَهواه مَعنًى، وتَتَعلَّقُ به، وتَتَألَّمُ لِشَقائِه واضطِرابِه، وتُحِسُّ بعَجزِك عن إصلاحِه.. هذا الوُجُودُ كلُّه مُلكٌ لِقلخاطِررَحِيمٍ؛ فسَلِّمِ المُلْكَ لِمَولاه، وتَخَلَّ عنه فهو يَتَولّاه، واسْعَدْ بمَسَرّاتِه وهَنائِه، دُونَ أنْ تُكَدِّرَك مُعاناتُه ومُقاساتُه، فالمَولَى حَكِيمٌ ورَحِيمٌ، يَتَصَرَّفُ في مُلكِه كيف يَشاءُ وَفى؟ فأَكمَتِه ورَحمَتِه.
وإذا ما أَخَذَك الرَّوْعُ والدَّهشةُ، فأَطِلَّ مِنَ النَّوافِذِ ولا تَقتَحِمْها، وقُل كما قال الشّاعِرُ إبراهيمُ حَقِّي:
لِنِبارِ،مَولَى ماذا يَفعَلُ.. فما يَفعَلُ هو الأَجمَلُ.
الكَلِمةُ الخامِسةُ: "وَلَهُ الحَمْدُ":
أي: أنَّ الحَمدَ والثَّناءَ والمَدْحَ والمِنّةَ خاصٌّ به وَحدَه، ولائِقٌ به وَحدَه، لأنَّ النّبَوِيّوالآلاءَ كُلَّها مِنه وَحدَه، وتَفِيضُ مِن خَزائِنِه الواسِعةِ، والخَزائِنُ دائِمةٌ لا تَنضُبُ.
وهكذا تَمنَحُ هذه الكَلِمةُ بُشرَى لَطِيفةً، وتقُولُ:
— 282 —
أيُّها َأَنْسنُ.. لا تُقاسِ الأَلَمَ بزَوالِ النِّعمةِ، لِأنَّ خَزائِنَ الرَّحمةِ لا تَنفَدُ؛ ولا تَصرُخْ مِن زَوالِ اللَّذّةِ، لِأنَّ تلك النِّعمةَ لَيسَت إلّا ثَمَرةَ رَحمةٍ واسِعةٍ لا نِهايةَ لها، فالثِّمارُ تَتَ بسَيْ ما دامَتِ الشَّجَرةُ باقيةً.
واعلَمْ أَيُّها الإنسانُ أنَّك تَستَطِيعُ أن تَجعَلَ لَذّةَ النِّعمةِ أَطيَبَ وأَعظَمَ مِنها بمِئةِ ضِعفٍ، وذلك برُؤيَتِك الْتِفاتةَ الرَّحمةِ إلَيك، وتَكَرُّمَهعةِ الك، وذلك بالشُّكرِ والحَمْدِ، إذ كما أنَّ مَلِكًا عَظِيمًا وسُلْطانًا ذا شَأْنٍ إذا أَرسَلَ إلَيك هَدِيّةً یی ولْتَكُن تُفّاحةً مَثَلًا یی فإنَّ هلسَّنََدِيّةَ تَنطَوِي على لَذّةٍ تَفُوقُ لَذّةَ التُّفّاحِ المادِّيّةَ بأَضعافِ الأَضعافِ، تلك هي لَذّةُ الِالتِفاتِ المَلَكِيِّ والتَّوَجُّهِ السُّلطانِيِّ المُكَلَّلِ بالتَّخصِيصِ والإحسانِ؛ كذَلك كَلِمةُ"لَه الحَمدُ"تَفتَحُ أَمامَبعَثه ا واسِعًا تَتَدفَّقُ مِنه لَذّةٌ مَعنَوِيّةٌ خالِصةٌ هي أَلَذُّ مِن تلك النِّعَمِ نَفسِها بأَلفِ ضِعفٍ وضِعفٍ، وذلك بالحَمدِ والشُّكرِ، أي: بالشُّعُورِ بالإنعامِ عن طَرِيقِ النِّعمةِ، أي: بمَعرِفةِ المُنعِمِ بالتَّف سَبَب في الإنعامِ نَفسِه، أي: بالتَّفَكُّرِ والتَّبَصُّرِ في الْتِفاتِ رَحمَتِه سُبحانَه وتَوَجُّهِهِ إلَيك وشَفَقَتِه علَيك، ودَوامِ إنعامِه علَيك.
الكَلِمةُ السّادِسةُ: "يُحْيِي":
أي: هو الَّذي يَهَبُ الحَياةَ،شفاقِ لَّذي يُدِيمُها بالرِّزقِ، وهو المُتَكَفِّلُ بكُلِّ ضَرُوراتِها وحاجاتِها، وهو الَّذي يُهَيِّئُ لَوازِمَها ومُقَوِّماتِها؛ فالغاياتُ السَّامِيةُ للحَياةِ تَعُودُ إلَيه،ِسلامَِتائِجُ المُهِمّةُ لها تَتَوجَّهُ إلَيه، وتِسعٌ وتِسعُون بالمِئةِ مِن ثَمَراتِها ونَتائِجِها تَقصِدُه وتَرجِعُ إلَيه.
وهكذا، فهذه الكَلِمةُ تُنادِي هذا الإنسانَ الفانِيَ العاجِزَ، وتُزجِي له البِشارةَ، نافمِنه ويه رُوحَ الأَمَلِ، وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ.. لا تُرهِقْ نَفسَك بحَمْلِ أَعباءِ الحَياةِ الثَّقيلةِ على كاهِلِك الضَّعِيفِ، ولا تَذهَبْ نَفسُك حَسَراتٍ على فَناءِ الحَياةِ وانتِهائِها؛ ولا تُظهِرِ النَّدَمَ وذه الخَمُّرَ مِن مَجِيئِك إلى الحَياةِ كُلَّما تَرَى زَوالَ نَعِيمِها وتَفاهةَ ثَمَراتِها.. واعلَمْ أنَّ
— 283 —
حَياتَك الَّتي تَعمُرُ سَفِينةَ وُجُودِك إنَّما تَعُودُ إلى "الحَيِّ القَيُّومِ"، فهوالوَحَِكَفِّلُ بكُلِّ حاجاتِها ولَوازِمِها؛ فهذه الحَياةُ تَعُودُ إلَيه وَحدَه، بغاياتِها الوَفيرةِ، ونَتائِجِها الكَثِيرةِ، وما أَنت إلّا مَلّاحٌ في تلك السَّفِينةِ، فقُمْ بواجِبِك أَحسَنَ قِيامٍ، ثميُفَرِّضْ أُجرَتَك وتَمَتَّعْ بها، وتَذَكَّرْ دائمًا: مَدَى عِظَمِ هذه الحَياةِ الَّتي تَمخُرُ عُبابَ الوُجُودِ، ومَدَى جَلالةِ فَوائِدِها، وثَمَراتِها، ومَدَى كَرَمِ صاحِبِها وسَعةِ رَحمةِ مَولاها.. تَأَمَّلْ ذلك واسْبَحْ في فَضاءِ السُّرنَّ الواستَبْشِرْ به خَيرًا، وأَدِّ شُكْرَ ما علَيك تِجاهَ مَولاك؛ واعلَمْ بأنَّك إنِ استَقَمْتَ في أَعمالِك تُسَجَّلْ في صَحِيفَتِك جَميعُ نَتائِجِ سَفِينةِ الحَياةِ هذه، فتُوهَبْ لك حَياةٌ باقِيةٌ، وتَحْيَ قُربي أَبَدِيّةً.
الكَلِمةُ السَّابعةُ: "وَيُمِيتُ":
أي: أنَّه هو الَّذي يَهَبُ المَوتَ، أي: هو الَّذي يُسَرِّحُك مِن وَظِيفةِ الحَياةِ، ويُبَدِّلُ مَكا رَحمي الدُّنيا الفانيةِ، ويُنقِذُك مِن عِبْءِ الخِدمةِ، ويُحَرِّرُك مِن مَسؤُوليّةِ الوَظِيفةِ. أي: يَأخُذُك مِن هذه الحَياةِ الفانيةِ إلى الحَياةِ الباقيةِ.
وهكذا، فهذه الكَلِمةُ تَصرُخُ في أُذُنِ الإنسِ والجِنِّ الفانِينَ وتقُولُ:وانينِشْراكُم.. المَوتُ ليس إعدامًا، ولا عَبَثًا ولا سُدًى ولا انقِراضًا، ولا انطِفاءً، ولا فِراقًا أَبَدِيًّا.. كلَّا! فالمَوتُ ليس عَدَمًا، ولا مُصادَفةً، ولا انعِدامًا ذاتِيًّا بلا ا كي ي، بل هو تَسرِيحٌ مِن لَدُنْ فَعَّالٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ، وتَبدِيلُ مَكانٍ، وتَغيِيرُ مَقامٍ، وسَوْقٌ نَحوَ السَّعادةِ الخالِدةِ، حيثُ الوَطَنُ الأَصلِيابِقُوي: هو بابُ وِصالٍ لِعالَمِ البَرزَخِ.. عالَمٌ يَجمَعُ تِسعةً وتِسعِين بالمِئةِ مِنَ الأَحبابِ.
الكَلِمةُ الثَّامِنةُ: "وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ":
أي: أنَّ الكَمالَ والحُسْنَ والإحسااهَدةَِّاهِرَ في المَوجُوداتِ وَسِيلةً للمَحَبّةِ، يَتَجَلَّى بما لا يُمكِنُ وَصْفُه وبما لا تَحُدُّه حُدُودٌ، وفَوقَ الدَّرَجاتِ العُلا مِن مالِكِ الجَمالِ والكَمالِ والإحسانِ؛ فوَمْضةٌ مِن تَجَلِّياتِن أَنلِه سُبحانَه تُعادِلُ جَميعَ
— 284 —
مَحبُوباتِ الدُّنيا بأَسرِها.. هذا الإلٰهُ المَحبُوبُ المَعبُودُ له حَياةٌ أَبَدِيّةٌ دائِمةٌ مُنَزَّهةٌ عن كلِّ شَوائِبِ الزَّوالِ وظِلالِ الفَناءِ، مُبَرَّأةٌ عن كُلِّ عَُورُ و النَّقصِ والقُصُورِ.
إذًا: فهذه الكَلِمةُ تُعلِنُ للمَلَأِ جَمِيعًا مِنَ الجِنِّ والإنسِ وأَربابِ المَشاعِرِ والفِطْنةِ وأَهلِ العِشقإِنسانَحَبّةِ وتقُولُ:
إلَيكُمُ البُشرَى.. إلَيكُم نَسَمةُ أَمَلٍ وخَيرٍ، إنَّ لكم مَحبُوبًا أَزَلِيًّا باقِيًا، يُداوِي الجُرُوحَ المُتَمَخِّضةَ مِن لَوعةِ الفِراقِ الأَبَدِيِّ لِمَحبُوباتِكُمُ الدُّنيَوِيّةِ، ويَمَسُّها ببَلْسَمِه الشَّافي بمداءِ، ِ رَحمَتِه؛ فما دامَ هو مَوجُودًا، وما دامَ هو باقِيًا، فكلُّ شَيءٍ يَهُونُ.. فلا تَقْلَقُوا ولا تَبتَئِسُوا، فإنَّ الحُسْنَ والإحسانَ والكَمالَ الَّذي جَعَلَكم مَشغُوفين بأَحِبَّائِكم ليس إلَّا لَمحةً مِن ظِلٍّ ضَعِيفٍ انشَقَّ عن ظِلالِ الحُ طُرُقالأَستارِ الكَثِيرةِ جِدًّا لِتَجَلٍّ واحِدٍ مِن تَجَلِّياتِ جَمالِ ذلك المَحبُوبِ الباقي؛ فلا يُعَذِّبنَّكم زَوالُ أُولَئِك وفِراقُهم، لأنَّهم جَمِيعًا لَيسُوا إلّا نَوْعًا مِن مَرايا عاكِسةٍ، وتَبدِيلُ المَرايا وتَغيِلا البيُجَدِّدُ ويُجَمِّلُ انعِكاساتِ تَجَلِّي الجَمالِ وشَعشَعَتِه الباهِرةِ، فما دام هو مَوجُودًا، فكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ إذًا.
الكَلِمةُ التَّاسِعةُ: "بِيَدِهِ الخَيرُ":
أي: إنَّ الخَيرَ كُلَّه بيَدِه، وأَعمالُكم الخَيِّرةُ كُلُّها تُسَلجَمِيفي سِجِلِّه، وما تُقَدِّمُونه مِن صالِحاتِ الأَعمالِ جَمِيعُها تُدرَجُ عِندَه.
فهذه الكَلِمةُ تُنادِي الجِنَّ والإنسَ، وتَزُفُّ لهُمُ البُشرَى، وتَهَبُ لهُمُ الأَمَلَ والشَّوقَ فتقُولُ: ُلٌّ ع المَساكِينُ.. لا تَقُولُوا عِندَما تُغادِرُون الدُّنيا إلى المَقبَرةِ: "أَوّاه.. وا أَسَفاه.. وا حَسْرَتاه.. لقد ذَهَبَت أَموالُنا هَباءً، وضاعَ سَعْيُنا هَدَرًا، فدَخَلْنا ضَيْقَ القَبجْهَ ادَ فُسْحةِ الدُّنيا!.."، لا.. لا تَصرُخُوا يائِسِين، لأنَّ كلَّ ما لَدَيكُم مَحفُوظٌ عِندَه سُبحانَه، وكلَّ ما قَدَّمتُمُوه مِن عَمَلٍ وجُهدٍ قد سُجِّلَ ودُوِّنَ عِندَه، فلا شَيءَ يَضِيعُ ولا جُهْدَ يُنسَى، لأنَّ ذا الجَلالِ الَّذي بِن أَقالخَيرُ كُلُّه سيُثِيبُكم على أَعمالِكُم، وسيَدعُوكم للمُثُولِ أَمامَه بعدَ أن يَضَعَكم في التُّرابِ: مَثواكُمُ المُؤَقَّتِ.
— 285 —
فما أَسعَدَكم أنتُم إذًا، وقد أَتمَمْتُم خِدْماتِكم، وأَنهَيْتِعَمَ ائِفَكم! بَرِئَت ساحَتُكم، وانتَهَت أَيّامُ المُعاناةِ والأَعباءِ الثَّقيلةِ، فأَنتُم ماضُون الآنَ لِقَبضِ الأُجُورِ واستِلامِ الأَرباحِ.
أَجَل، إنَّ القادِرَ الجَليلَ الَّذي حافَظَ على البُذُورِ والن اختارالَّتي هي صُحُفُ أَعمالِ الرَّبيعِ الماضِي ودَفاتِرُ خِدْماتِه وحُجُراتُ وَظائِفِه، ونَشَرَها في هذا الرَّبيعِ الزّاهِي وفي أَبهَى حُلّةٍ، وفي غايالَّذيَّأَلُّقِ، وأَكثَرَ بَرَكةً وغَزارةً، وفي أَرْوَعِ صُورةٍ.. إنَّ هذا القَدِيرَ الجَليلَ لا رَيْبَ يُحافِظُ أيضًا على نَتائِجِ حَياتِكُم ومَصائِرِ أَعمالِكُم، وسيُجايَكفيك بها أَحْسَنَ الجَزاءِ وأَجزَلَ الثَّوابِ.
الكَلِمةُ العاشِرةُ: "وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ":
أي: أنَّه واحِدٌ أَحَدٌ، قادرٌ على كلِّ شيءٍ، لا يَشُقُّ علَيه شَيءٌ، ولا يَؤُودُه شَيءٌ، ولا يَصعنَ الأَيه أَمرٌ، فخَلْقُ رَبِيعٍ كامِلٍ یی مَثلًا یی سَهْلٌ ويَسِيرٌ علَيه كخَلْقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، وخَلْقُ الجَنّةِ عِندَه كخَلْقِ ذلك الرَّبِيعِ وبالسُّهُاثينَ"اليُسْرِ الكامِلَينِ؛ فالمَخلُوقاتُ غيرُ المَحدُودةِ الَّتي يُوجِدُها ويُجَدِّدُها كلَّ يَومٍ، كلَّ سَنةٍ، كلَّ عَصْرٍ، لَتَشْهَدُ كُلُّها بأَلسِنةٍ غيرِ مَحدُودةٍ على قُدرَتِه غيرِ المَحدُودةِ.
فهذه الكَلِمةُ أيضًا تَمنَحُ أَمَلًا وبُشرَىلمُؤَقلُ:
أيُّها الإنسانُ.. إنَّ أَعمالَك الَّتي أَدَّيْتَها، وعُبُودِيَّتَك الَّتي قُمتَ بها، لا تَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، فهُناك دارُ جَزاءٍ خالِدةٌ، ومَقامُ سَعادةٍ هانَِ الرّهُيِّئَ لك، فأَمامَك جَنّةٌ خالِدةٌ مُتَلهِّفةٌ لِقُدُومِك، مُشتاقةٌ إلَيك، فثِقْ بوَعدِ خالِقِك ذِي الجَلالِ الَّذي تَخِرُّ له ساجِدًا عابِدًا، وآمِنْ به واطْمَئِنَّ إلَيه، ف
— 286 —
وما دُمنا نَرَى أنَّه يَحشُرُ ويَنشُرُ في كلِّ عامٍ على وَجْهِ البَسِيطةِ أَكثَرَ مِن ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نِلمِ اِن أَنواعِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ وبانتِظامٍ كامِلٍ ومِيزانٍ دَقِيقٍ، وفي سُرعةٍ فائِقةٍ وسُهُولةٍ تامّةٍ.. فلا بُدَّ أنَّ هذا القادِرَ الجَليلَ، قادِرٌ أَيضًا على أنْ يَضَع وَعْدَه مَوضِعَ التَّنفِيذِ.
الِ المَ القادِرُ المُطلَقُ يُوجِدُ في كلِّ سنةٍ آلافَ النَّماذِجِ للحَشْرِ والجَنّةِ وبمُختَلِفِ الأَنماطِ والأَشكالِ.. وما دامَ أنَّه يُبَشِّرُ بالجَنّةِ المَوعُودةِ، ويَعِدُ بال فالحَةِ الأَبَدِيّةِ في جَمِيعِ أَوامِرِه السَّماوِيّةِ.. وما دامَت جَمِيعُ إجراءاتِه وشُؤُونِه حَقًّا وحَقِيقةً وصِدْقًا وصائِبةً.. وما دامَت جَمِيعُ الكَمالاتِ تَدُلُّ بِشَهادةِلمكتوبه على كَمالِه المُطلَقِ، وتَشهَدُ أنَّه مُنَزَّهٌ عن كُلِّ نَقصٍ أو قُصُورٍ.. وما دامَ نَقْضُ العَهْدِ وإخْلافُ الوَعدِ والكَذِبُ والمُماطَلةُ مبْلَتَبَحِ الصِّفاتِ فَضْلًا عن أنَّها نَقْصٌ وقُصُورٌ.. فلا بُدَّ أنَّ ذلك القَدِيرَ ذا الجَلالِ، وذلك الحَكِيمَ ذا الكَمالِ، وذلك الرَّحِيمَ ذا الجَمالِ سيُنَفِّذُ وَعْدَه حَتْمًا مَقْضِيًّا، وسيَفتَحُ أَبوابَ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، وسيُدخِلُفي كلُّها المُؤمِنُون الجَنّةَ.. مَوطِنَ أَبِيكم آدَمَ عَليهِ السَّلام.
الكَلِمةُ الحادِيةَ عَشْرةَ: "وَإِلَيهِ المَصِيرُ":
أي: أنَّ الَّذين يُرسَلُون إلى دارِ الدُّنيا یی دارِ الِامتِحانِ والِاختِبارِ یی للتِّجارةِ وإنجازِ فانِيائِفِ، سيَرجِعُون مَرّةً أُخرَى إلى مُرسِلِهمُ الخالِقِ ذِي الجَلالِ، بعدَ أن أَدَّوْا وَظائِفَهم وأَتَمُّوا تِجارَتَهم وأَنْهَوا خِدْماتِهم، وسيُلاقُون مَولاهُمُ الكَرِيمَ الَّذي أَرسَلَهم.. أي: أنَّهم سيَتَشرَّفُون فَاتْثُولِ بينَ يَدَي رَبِّهِمُ الرَّحِيمِ، في مَقعَدِ صِدقٍ عندَ مَليكِهِمُ المُقتَدِرِ، ليس بَينَهم وبَينَه حِجابٌ، وقد خَلُصُوا مِن مَخاضِ الأَسبابِ وظَلامِ الحُجُبِ والوَسائِطِ، وسيََذَكَرلُّ واحِدٍ مِنهم ويَعرِفُ بِشَكلٍ مُباشَرٍ خالِقَه ومَعبُودَه ورَبَّه وسَيِّدَه ومالِكَه.
فهذه الكَلِمةُ تُشِعُّ أَمَلًا وتَتَألَّقُ بُشرَى تَفُوقُ كلَّ الآمالِ والبِشاراتِ البِحَمْذةِ، وتقُولُ: أيُّها الإنسانُ.. هل تَعلَمُ إلى أينَ أنت سائِرٌ؟ وإلى أين أنت تُساقُ؟
— 287 —
فقد ذُكِرَ في خِتامِ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثين": أنَّ قَضاءَ أَلفِ سَنةٍ مِن حَياةِ الدُّنيا وفي سَعادةٍ مُرَفَّهةٍ، لا يُساوِي ساشَكْلًحِدةً مِن حَياةِ الجَنّةِ! وأنَّ قَضاءَ أَلفِ سَنةٍ وسَنةٍ بسُرُورٍ كامِلٍ من حَياةٍ في نَعِيمِ الجَنّةِ لا يُساوِي ساعةً مِن فَرحةِ رُؤيةِ جَمالِ الجَمِيلِ سُبحانَه.
فأنت إذًا أيُّها الإنسانُكِ الأٌ إلى مَيدانِ رَحمَتِه، صائِرٌ إلى أَعتابِ دِيوانِ حَضْرَتِه؛ فما الحُسْنُ والجَمالُ الَّذي تَراه في أَحِبَّتِك المَجازِيِّين، فتَشتاقُ إلَيهم وتُفتَنُ المُرل ما الحُسْنُ والجَمالُ في جَمِيعِ مَوجُوداتِ الدُّنيا، إلّا نَوعُ ظِلٍّ مِن تَجَلِّي جَمالِه سُبحانَه وحُسْنِ أَسمائِه جلَّ وعَلا؛ فالجَنّةُ بلَطائَِدُلُّلَذائِذِها وحُورِها وقُصُورِها ما هي إلّا تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحمَتِه سُبحانَه؛ وجَمِيعُ أَنواعِ الشَّوقِ والمَحَبّةِ والِانجِذابِ والجَواذِبِ ما هي إلّا لَمْعةٌ مِن مَحَبّةِ ذلك المَعبُودِ االعَطَوذلك المَحبُوبِ القَيُّومِ! فأنتُم ذاهِبُون إذًا إلى دائِرةِ حُظْوَتِه ومَقامِ حَضْرَتِه الجَليلةِ، وأنتُم مَدعُوُّون إذًا إلى دارِ ضِيافَتِه الأَبَدِيّةِ.. إلى الجَنّةِ الخالِدةِ.
فلا تَحزَنُوا ولا تَبْكُوا عندَ دُخُولِكُمإِلقاؤبْرَ، بلِ استَبْشِرُوا خَيرًا واستَقبِلُوه بابتِسامةٍ وفَرَحٍ.
وتُتابِعُ هذه الكَلِمةُ وَظِيفَتَها في بَثِّ نُورِ الأَمَلِ والبُشرَى وتقُولُ:
أيُّها الإنسانُ..َذين اتَوهَّمْ أنَّك ماضٍ إلى الفَناءِ، والعَدَمِ، والعَبَثِ، والظُّلُماتِ، والنِّسيانِ، والتَّفَسُّخِ، والتَّحَطُّمِ، والِانْهِشام، والغَرَقِ في الكَثرةِ والِانعِدامِ؛ بل أنت ذاهِبٌ إلى البَقاءِ لا إلى الفَناءصَعْبًت مَسُوقٌ إلى الوُجُودِ الدَّائِمِ لا إلى العَدَمِ، وأنت ماضٍ إلى عالَمِ النُّورِ لا إلى الظُّلُماتِ، وأنت سائِرٌ نحوَ مَوْلاك ومالِكِك الحَقِّ، وأنت عائِدٌ إلى مَقَرِّ سُلطانِ الكَونِ.. سُلطانِ الفَراودِ.. ستَرتاحُ وتَنشَرِحُ في مَيدانِ التَّوحِيدِ دُونَ الغَرَقِ في الكَثرةِ أَبَدًا، فأنتَ مُتَوجِّهٌ إلى اللِّقاءِ والوِصالِ دُونَ البِعادِ والفِراقِ!.
٭٭٭
— 288 —
اَدُ أَم الثَّاني
(إشَارةٌ مُختصَرَةٌ إلى إثبَاتِ التَوحِيد، مِن حَيثُ الاسم الأَعظَم)
الكَلمَة الأُولَى: لا إلٰهَ إلّا اللهُ:
تَتَضمَّنُ هذه الكَلِمةُ تَوحِيدَ الأُلُوهِيّةِ والمَعبُودِيّةِ، نُشِيرُ إلى بُرهانٍ قَوِيٍّ لِهذِه المَلِيلُ وَفقَ الآتي:
إنَّه يُشاهَدُ على وَجهِ هذا العالَمِ یی ولا سِيَّما على صَحِيفةِ الأَرضِ یی فَعّاليّةً مُنتَظِمةً غايةَ الِانتِظامِ، ونُشاهِدُ خَلّاقيّةً حَك ستَكُفي غايةِ الحِكْمةِ، ونُشاهِدُ بعَينِ اليَقِينِ فَتّاحِيّةً في غايةِ النِّظامِ یی أي: إِعطاءَ كلِّ شَيءٍ ما يُلائِمُه مِن شَكلٍ، وإِلباسَه ما يُلائِمُه مِن صُورةٍ ِبَتُهشاهِدُ وَهّابيّةً وإِحساناتٍ في غايةِ الشَّفَقةِ والكَرَمِ والرَّحْمةِ.
فهذه الأَوْضاعُ وهذه الأَحوالُ تُثبِتُ بالضَّرُورةِ وُجُوبَ وُجُودِ رَبٍّ ذِي جَلالٍ، فَعّالٍ خَلّاقٍ فََعُ كَوَهّابٍ، بل تُشعِرُ بوَحْدانيَّتِه.
نعم، إنَّ زَوالَ المَوجُوداتِ دائِمًا وتَجَدُّدَها باستِمرارٍ يُبيِّنانِ أنَّ تلك المَوجُوداتِ هي تَجَلِّياها.
ماءٍ لِصانِعٍ قَدِيرٍ، وظِلالُ أَنوارِ أَسمائِه الحُسنَى، وآثارُ أَفعالِه، ونُقُوشُ قَلَمِ قَدَرِه وصَحائِفُ قُدرَتِه، ومَرايا جَمالِ كَمالِه.هذا فإنَّ رَبَّ العالَمِينَ يُبيِّنُ هذه الحَقِيقةَ العُظمَى، وهذه المَرتَبةَ العُلْيا لِلتَّوحِيدِ بجَمِيعِ كُتُبِه وصُحُفِه المُقدَّسةِ الَّتي أَنزَلَها، كما أنَّ جَمِيعَ أَهلِ التى إِنكقِ العُلَماءِ والكامِلِينَ مِنَ البَشَرِ يُثبِتُونَ مَرتَبةَ التَّوحِيدِ نَفسَها بتَحقِيقاتِهِمُ العِلمِيّةِ وكَشْفِيّاتِهِم؛ وكذا الكَونُ يُشِيرُ إلى مَرتَبةِ الت له مُدِ نَفسِها بما نالَ مِن مُعجِزاتِ الصَّنعةِ وخَوارِقِ القُدْرةِ وخَزائِنِ الثَّروةِ برَغمِ عَجْزِه وفَقْرِه.
— 289 —
بمَعنَى أنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى، وهُو الجتِماعدُ الأَزَليُّ، بجَمِيعِ كُتُبِه وصُحُفِه، وأَهلَ الشُّهُودِ بجَمِيعِ تَحقِيقاتِهِم وكَشْفِيّاتِهِم، وعالَمَ الشَّهادةِ بجَمِيعِ شُؤُونِه الحَكِيمةِ وأَحوالِه المُنتَظِمةِ، يَتَّفِقُونَ بُ إلى اعِ على تلك المَرتَبةِ التَّوحِيدِيّةِ.
فمَن لا يَقبَلُ بذلك الواحِدِ الأَحَدِ جَلَّ وعَلا إِلٰهًا ومَعبُودًا، علَيْه أن يَقبَلَ ما لا نِهايةَ له مِنَ ُحِيلُةِ، أو أن يُنكِرَ نَفسَه ويُنكِرَ الكائِناتِ قاطِبةً، كالسُّوفْسَطائيِّ الأَحمَقِ.
الكلمة الثانية: وَحْدَه:
هذه الكَلِمةُ تُبيِّنُ مَرتَبةَ تَوحِيدٍ صَرِيحةً، نُشِيرُ إلى بُرهانٍ في غايةِ ا التَِّ يُثبِتُ إِثباتًا تامًّا هذه المَرتَبةَ، وهو:
إنَّنا كُلَّما فَتَحْنا أَعيُنَنا وصَوَّبْنا نَظَرَنا في وَجْهِ الكائِناتِ، لَفَت نَظَرٌ، وتی أوَّلَ ما يَلفِتُ یی نِظامٌ عامٌّ كامِلٌ، ومِيزانٌ دَقِيقٌ شامِلٌ.. فكُلُّ شَيءٍ في نِظامٍ دَقِيقٍ، وكلُّ شَيءٍ يُوزَنُ بمِيزانٍ حَسّاسٍ، وكلُّ شَيءٍ مَحسُوبٌ حوَحْدة بدِقّةٍ..
وإذا ما دَقَّقْنا النَّظَرَ، يَلفِتُ نَظَرَنا تَنظِيمٌ ووِزانٌ مُتَجدِّدانِ، أي: أنَّ واحِدًا أَحَدًا يُغيِّرُ ذلك النِّظامَ بانتِظامٍ ويُجَدِّدُ ذلك المِيزانَ بمِقْدارٍ.. فيُصبِحُ كلُّ شَيءٍ نَمُوذَجًا "مُودِيلًا" تُخلَعإنَّ هه صُوَرٌ مَوزُونةٌ مُنتَظِمةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا..
وإذا ما أَنعَمْنا النَّظَرَ أَكثَرَ، نَرَى أنَّ عَدالةً وحِكْمةً تُشاهَدانِ مِن تَحتِ ذلك التَّنظِيمِ والوِزانِ، حتَّى إنَّ كلَّ حَرَكةٍ ونَأْمةٍ تَعقُبُها حِكْمةٌ ومَصْلَحنَ بِنَردُفُها حَقٌّ وفائِدةٌ.
وإذا ما دَقَّقْنا النَّظَرَ بإِنعامٍ أَكثَرَ، تَلفِتُ نَظَرَ شُعُورِنا مَظاهِرُ قُدْرةٍ ضِمنَ فَعّاليّةٍ حَكِيمةٍ في غايةِ الحِكْمةِ، وجَلائِكةَعِلمٍ مُحِيطٍ بكُلِّ شَيءٍ، بل مُحِيطٍ بكُلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه.. بمَعنَى أنَّ هذا النِّظامَ والمِيزانَ المَوجُودَينِ في المَوجُوداتِ كافّةً، يُبيِّنانِ تَنظِيمًا ووِزانًا عامَّينِ شامِلَينِ لِكُلِّ المَو يَرْزِ؛ وأنَّ ذلك التَّنظِيمَ والوِزانَ يُظهِرانِ حِكْمةً وعَدالةً شامِلَتَينِ، وأنَّ تِلكُما الحِكْمةَ والعَدالةَ تُبيِّنانِ لِأَنظارِنا قُدْرةً وعِلْمًا.. أي: أنَّ قَدِيرًا على كلِّ شَيءٍ وعَلِيمًا بكُلِّ شَيءٍ يُرَى لِلعَقلِ مِن وَراُمَّتِ الحُجُبِ.
— 290 —
ثمَّ نَنظُرُ إلى بِدايةِ كُلِّ شَيءٍ ونِهايَتِه، ولا سِيَّما في ذَوِي الحَياةِ، فنَرَى أنَّ بِداياتِها وأُصُولَها وجَبُ مِها، وكذا ثَمَراتُها ونَتائِجُها على نَمَطٍ وطِرازٍ بحَيثُ كأنَّ تلك النُّوَى والأُصُولَ بَرامِجُ وفَهارِسُ وتَعارِيفُ تَتَضمَّنُ جَمِيعَ أَجهِزةِ ذلك المَوجُودِ، وكذا يَتَجمَّعُ في نَتِيجةِ ذلك المَوجُودِ وفي ثَمَرَتِه، ويَتَرشَّحُ فيها مَكالذي لك الكائِنِ الحَيِّ كُلِّه، فيُودِعُ فيها تارِيخَ حَياتِه، فكَأَنَّ نَواةَ ذلك الكائِنِ الحَيِّ الَّتي هي أَصْلُه، سِجِلٌّ صَغِيرٌ لِدَساتِيرِ إِيجادِه، أمّ إنّراتُه فهِي في حُكْمِ فِهْرِسٍ لِأَوامِرِ إِيجادِه.
ثمَّ نَنظُرُ إلى ظاهِرِ ذلك الكائِنِ الحَيِّ وباطِنِه، فنُشاهِدُ تَدبِيرًا وتَصرِيفًا لِمِيعَ رِ لِقُدْرةٍ في مُنتَهَى الحِكْمةِ، وتَصْوِيرًا وتَنظِيمًا لِإِرادةٍ في مُنتَهَى النُّفُوذِ، أي: أنَّ قُوّةً وقُدْرةً تُوجِدانِ ذلك الشَّيءَ،َّه مَ أَمْرًا وإِرادةً تُلبِسانِه الصُّورةَ.
وهكَذا كُلَّما دَقَّقْنا النَّظَرَ في أَوَّلِ كلِّ مَوجُودٍ وبِدايَتِه رَأَيْنا ما يَدُلُّ علىالصَّي عَلِيمٍ، وكُلَّما دَقَّقْنا النَّظَرَ في آخِرِه شاهَدْنا بَرامِجَ صانِعٍ، وكُلَّما دَقَّقْنا في ظاهِرِ الشَّيءِ رَأَينا حُلّةً بَدِيععِشْرِغايةِ الإِتقانِ لِفاعِلٍ مُختارٍ مُرِيدٍ، وكُلَّما نَظَرْنا إلى باطِنِ الشَّيءِ شاهَدْنا جِهازًا في غايةِ الِانتِظامِ لِصانِعٍ قَدِيرٍ.
فهذه الأَوْضاعُ والأَحْوالُ تُعلِنُ بالضَّرُوهُم وعلبَداهةِ أنَّه لا يُمكِنُ أن يكُونَ شَيءٌ ولا وَقتٌ ولا مَكانٌ خارِجَ قَبْضةِ الصَّانِعِ الجَلِيلِ الواحِدِ الأَحَدِ وخارِجَ تَدبِيرِه وتَصرِيفِه الأُمُورَ؛ بل كلُّ شَيءٍ وكلُّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه يُدَبَّرُ في قَبْضةِ قَدِيرٍ مُرِيدٍ، ويُجَميا الفيُنظَّمُ بلُطْفِ رَحْمَنٍ رَحِيمٍ، ويُحَسَّنُ ويُزيَّنُ برَحْمةِ حَنّانٍ مَنّانٍ.
نعم، إنَّ هذا النِّظامَ والمِيزانَ والتَّنظِيمَ والوِزانَ في مَوجُوداتِ هذا الكَونِ كُلِّه يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على واحِدٍ أأنَّ عفَردٍ قَدِيرٍ مُرِيدٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، ويُرِي مَرتَبةَ وَحْدانيّةٍ عُظمَى لِكُلِّ مَن كانَ مالِكًا لِشُعُورٍ وبَصَرٍ.
نعم، في كلِّ شَيءٍ تُوجَدُ وَحْدةٌ، والوَحْدةُ تَدُلُّ على الواحِدِ، فمَثلًا: الشَّمسُ الَّتي هي سِراجويُسَيُنيا واحِدةٌ، بمَعنَى أنَّ مالِكَ الدُّنيا واحِدٌ؛ والهَواءُ والنّارُ والماءُ مَثلًا
— 291 —
وهي الخَدَمةُ لِأَحياءِ الأَرضِ یی واحِدةٌ، بمَعنَى أنَّ مَن يَستَخدِمُ هذه الأَشياءَ ويُسَخِّرُها لنا واحِدٌ أَيضًا.
الكلمة الثالثة: لنَّه (يكَ له:
لقد أُثبِتَت هذه الكَلِمةُ في المَوقِفِ الأَوَّلِ مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثِينَ" إِثباتًا واضِحًا جَلِيًّا، لِذا نُحِيلُ شَرْحَها إلى هُناك، إذ لا بَيُّها َفُوقُ بَيانَه، ولا داعِيَ إلى بَيانِ غَيرِه، إذ لا يوَضَّحُ مِثلُه قَطُّ.
الكلمة الرابعة: له المُلكُ:
أي: أنَّ السَّمَاواتِ والأَرضَ والدُّنيا والآخِرةَ وكلَّ مَوجُودٍ، مِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ، مِنَ الثَّرَى أَخذِ ثُّرَيّا، مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ، مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ هو مُلكُه.. فله سُبحانَه المَرتَبةُ العُظمَى لِلمالِكِيّةِ الَّتي تَتُّدٍ و في أَعظَمِ مَرتَبةٍ لِلتَّوحِيدِ.
ولقد أُلقِيَت إلى خاطِرِ هذا العاجِزِ خاطِرةٌ لَطِيفةٌ في وَقتٍ لَطِيفٍ بعِباراتٍ عَرَبيّةٍ أَثبَتُّها كما هي وأُبيِّنُها حُجّةً كُبْرَى لِهذِه المَرتَبةِ العُظمَى لِلمالِكِيّةِ والمَقامِ الأَعظَمِ لِ مِن بِيدِ:
لَهُ المُلْكُ لِأَنَّ ذَاكَ العَالَمَ الكَبيرَ كَهذَا العَالَمِ الصَّغِيرِ، مَصْنُوعُ قُدْرَتِه مَكْتُوبُ قَدَرِه.. إِبْدَاعُهُ لِذَاكَ صَيَّرَهُ مَسْجِدًا.. إيجَادُالطَّعذَا صَيَّرَهُ سَاجِدًا.. إِنْشَاؤُهُ لِذَاكَ صَيَّرَ ذَاكَ مِلْكًا.. إِيجَادُهُ لِهذَا صَيَّرَهُ مَمْلُوكًا.. صَنْعَتُهُ في ذَاكَ تَظَاهَرَتْ كِتَابًا.. صِبْغَتُهُ في هذَا تَزَاهَرَتْ خِطَجَبّار قُدْرَتُهُ في ذَاكَ تُظْهِرُ حِشْمَتَهُ.. رَحْمَتُهُ في هذَا تُنَظِّمُ نِعْمَتَهُ.. حِشْمَتُهُ في ذَاكَ تَشْهَدُ هُوَ الْوَاحِدُ.. نِعْمَتُهُ في هذَا تُعْلِنُ هُوَ الأَحَدُ.. سِكَّتُهُ في ذَاكَ فِي الْكُلِّ والأَجْزَاءِ.. خَاتَمُهُ في هذََقِيقةالجِسْمِ والأَعْضَاءِ.
الفِقرةُ الأُولَى: "ذاك العالَمُ الكَبِيرُ... إلخ":
إنَّ العالَمَ الأَكبَرَ أي: الكَونَ كُلَّه، والإِنسانَ وهُو العالَمُ الأَصغَرُأَيتُ لُه المُصَغَّرُ، يُظهِرانِ مَعًا دَلائِلَ الوَحْدانيّةِ المُسَطَّرةَ في الآفاقِ والأَنفُسِ بقَلَمِ القُدْرةِ والقَدَرِ.
— 292 —
نعم، إنى شُكْالإِنسانِ النَّمُوذَجَ المُصَغَّرَ لِلصَّنعةِ المُنتَظِمةِ المُتقَنةِ المَوجُودةِ في الكَونِ، وإذ تَشهَدُ الصَّنعةُ الَّتي في تلك الدّائِرةِ الكُبْرَى على الصّانِعِ الواحِدِ، تُشِيرُ الصَّنعةُ الدَّ أفَلاالمِجْهَرِيّةُ المَوجُودةُ في الإِنسانِ إلى ذلك الصَّانِعِ أَيضًا، وتَدُلُّ على وَحْدَتِه، وكما أنَّ هذا الإِنسانَ مَكتُوبٌ رَبَّانِيٌّ ذُو مَغزًى عَمِيقٍ، وقَصِيدةٌ مَنظُومةٌ لِلقَدَرِ الإِلٰهِلثّاقَِذلِك الكائِناتُ قَصِيدةٌ قَدَرِيّةٌ مَنظُومةٌ دُبِّجَت بذلك القَلَمِ نَفسِه، وبمِقْياسٍ مُكَبَّرٍ.. فهل يُمكِنُ لِغَيرِ الواحِدِ الأَحَدِ أن يَتَدخَّلَ في سِكّةِ التَّوحِيدِ المَضرُوبةِ عذه الأهِ الإِنسانِ، والمُتَوجِّهةِ بالعَلاماتِ الفارِقةِ إلى ما لا يُحَدُّ مِنَ النّاسِ، أو أن يَتَدخَّلَ في خَتمِ الوَحْدانيّةِ المَضرُوبِ على الكائِناتِ، الجاعِلِ مَوجُوداتِها كلِّها مُتَعاوِنةً مُتَكاتِفةً؟!
الفِقرةُ الثَّانيةُ: "إِبداعُهَقٌ وإ... إلخ":
إنَّ الصَّانِعَ الحَكِيمَ قد خَلَق العالَمَ الأَكبَرَ خَلْقًا بَدِيعًا، ونَقَش آياتِ كِبْرِيائِه علَيْه، بحَيثُ جَعَل الكَونَ على صُورةِ مَسجِد وقد يرٍ؛ وأَنشَأ سُبحانَه هذا الإِنسانَ في أَحسَنِ تَقوِيمٍ، واهِبًا له العَقلَ، بحَيثُ جَعَلَه يَسجُدُ سَجْدةَ إِعجابٍ أَمامَ مُعجِزاتِ صَنعَتِه وبَدِيعِ قُدرَتِه؛ واستَقْ(ص) وبآياتِ كِبْرِيائِه، حتَّى صَيَّره عَبدًا ساجِدًا في ذلك المَسجِدِ الكَبِيرِ بما غَرَز في فِطْرَتِه مِنَ العُبُودِيّةِ والخُضُوعِ له.. فهل مِنَ المُمكِنِ أن يكُونَ المَعبُودُ الحَقِيقيُّ لِلسَّاعذَّرَُ العابِدِينَ في هذا المَسجِدِ الكَبِيرِ غَيرَ الصّانِعِ الواحِدِ الأَحَدِ؟!
الفِقرةُ الثَّالثة: "إِنشاؤُه لِذاك... إلخ":
إنَّ مالِكَ المُلكِ ذا الجَلالِ قد أَنشَأَ العالَمَ الأَكبَرَ، ولاسِيَّما وَجهَ الأَرضِ، إِنشاءً كأَنَّها ذَرَِّرُ مُتَداخِلةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، كلُّ دائِرةٍ بمَثابةِ مَزرَعةٍ أو حَقْلٍ يَزرَعُ فيها، كلَّ وَقتٍ وكلَّ مَوسِمٍ وكلَّ عَصرٍ، ويَحصُدُ ويَجنِي المَحاصِحَياةًهكذا يُشَغِّلُ مُلكَه باستِمرارٍ ويَتَصرَّفُ في أُمُورِه كلَّ حِينٍ.. حتَّى إنَّه جَعَل أَعظَمَ دائِرةٍ مِن تلك الدَّوائِرِ یی وهي دائِرةُ الذَّرّاتِ في الكَونِ یی مَزرَعةً واسِعةً يَزرَعُ فيها ويَحصُدُ مِنها بقُدرَتوهُو وكْمَتِه مَحاصِيلَ بقَدْرِ الكَونِ، ويُرسِلُ تلك المَحاصِيلَ مِن عالَمِ الشَّهادةِ إلى عالَمِ الغَيبِ، ومِن دائِرةِ القُدرةِ إلى دائِرةِ العِلمِ.
— 293 —
وجَعَل سُبحانَه سَطْحَ الأَرضِ الَّذي هوُورْسِةٌ مُتَوسِّطةٌ بمَثابةِ مَزرَعةٍ كَذلِك، بحَيثُ يَزرَعُ فيها كلَّ مَوسِمٍ وباستِمرارٍ عوالِمَ وأَنواعًا شَتَّى ويَحصُدُها ويُحَصِّلُ مِنها مَحاصِيلَها كلَّ فَصلٍ ومَوسِمٍ، مَحاصِيلَ مَعنَوِيّةً يَبعَثُهْقِ الًا إلى عَوالِمِه الغَيبِيّةِ والأُخرَوِيّةِ والمِثاليّةِ والمَعنَوِيّةِ..
ثمَّ إنَّه سُبحانَه يَملَأُ بُستانًا في الأَرضِ یی وهُو دائِرةٌ صَغِيرةٌ یی يَملَؤُه مَرّاتٍ ومَرّاتٍ بل أَلفَ مَرّةٍ بقُدرَتِه ويُفرِغُه بكي أَكتِه.
ثمَّ إنَّه سُبحانَه يُحصِّلُ مِنَ الكائِنِ الحَيِّ الَّذي هو دائِرةٌ أَصغَرُ یی كالشَّجَرةِ والإِنسانِ یی مِئةَ ضِعفٍ وضِعفٍ مِنَ المَحاصِيلِ.
بمَعنَى أنَّ ذلك المالِكَ المُلكِ ذا الَیتَهُ قد أَنشَأَ كلَّ شَيءٍ یی جُزئيَّه وكُلِّيَّه، صَغِيرَه وكَبِيرَه یی بمَثابةِ "مُودِيل" يُلبِسُه مِئاتِ مَنسُوجاتِ صَنائِعِه المُنَقَّشةِ بنُقُوشٍ مُتَجدِّدةٍ بمِئاتِ الأَشكقال لَلأَنماطِ، مُظهِرًا به تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى ومُعجِزاتِ قُدرَتِه؛ وأَنشَأَ كلَّ شَيءٍ في مُلكِه بمَثابةِ صَحِيفةٍ يَكتُبُ فيها كِتاباتِه البَلِيغةَ بمِئاتِ الأَشكالِ والوُجُوهِ، مُظهِرًا بها آياتِه الحَكِيم بَينََستَقرِئُها أَهلَ الشُّعُورِ مِن مَخلُوقاتِه.
وكما أنَّه قد أَنشَأَ هذا العالَمَ الأَكبَرَ مُلكًا له، كَذلِك خَلَق هذا الإِنسانَ مَملُوكًا له ومَنَهذا، قنَ الأَجهِزةِ والجَوارِحِ والحَواسِّ والمَشاعِرِ، ولا سِيَّما النَّفسَ الأَمّارةَ والهَوَى والحاجةَ والشَّهِيّةَ والحِرصَ والطَّلَبَ، بحَيثُ جَعَلَه في ذل لِأَنلكِ الواسِعِ مَملُوكًا وعابِدًا مُحتاجًا إلى جَمِيعِ مُلكِه.. فهل مِنَ المُمكِنِ أن يَتَصرَّفَ في ذلك المُلكِ، ويكُونَ سَيِّدًا على ذلك المَملُوكِ، سِوَى ذلك المالِكِ لِلمُلكِجّةً عي جَعَل المَوجُوداتِ كلَّها بَدْءًا مِن عالَمِ الذَّرَّاتِ یی ذلك العالَمِ الواسِعِ جِدًّا یی إلى ذُبابة مُلكًا ومَزارِعَ، وجَعَل الإِنسانَ الصَّغيَتَكلاظِرًا على ذلك المُلكِ الواسِعِ العَظِيمِ، ومُفتِّشًا فيه ومُزارِعًا وتاجِرًا ودَلَّالًا وعابِدًا ومَملُوكًا، واتَّخَذَه ضَيْفًا عَزِيزًا علَيْه ومُخاطَبًا مَحبُوبًا؟
— 294 —
الفِقرةُ الرَّابعة: "صَنْعَبايِنة ذاك... إلخ":
إنَّ صَنْعةَ الصّانِعِ الجَلِيلِ في العالَمِ الأَكبَرِ تَحمِلُ مِنَ المَعاني الغَزِيرةِ ما يُظهِرُ تلك الصَّنعةَ في صُورةِ كِتابٍ بَدِيعٍ، ويَجعَلُ الكَونَ في حالسِّيِتابٍ كَبِيرٍ، مِمّا دَفَع عَقلَ الإِنسانِ إلى أن يَستَلْهِمَ حِكْمةِ العُلُومِ الحَقِيقيّةِ مِنه، ويَكتُبَ مَكتَبَتَها على وَفْقِه.. فذلك الكِتابُ البَدِيعُ الحَكِيمُ مَوثُوقُ الصِّلةِ بالحَقِيي وكُلمُستَمَدٌّ مِنها إلى حَدٍّ أُعلِنَ عنه في صُورةِ قُرآنٍ حَكِيمٍ والَّذي هو نُسخةٌ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ.
ومِثلَما اتَّخَذَت صَنْعَتُه سُبحانَه في الكَونِ كُلِّه صُورةَ كِتابٍ بَلهامِ، لِكَمالِ انتِظامِها، كَذلِك تَفتَّحَت صِبْغَتُه ونَقشُ حِكْمَتِه في الإِنسانِ عن زَهْرةِ خِطابٍ.. أي: أنَّ تلك الصَّنْعةَ البَدِيعةَ ذاتُ مَغازٍ دَقِيقةٍ وجَمِيلةٍ بحَيثُ أَنطَقَت ما في تلك الماكِينةِ صِرةِ ةِ مِن أَجهِزةٍ.. وأنَّ ما صُبِغَ بها مِن صِبْغةٍ رَبّانيّةٍ جَعَلَتْها في أَحسَنِ تَقوِيمٍ حتَّى تَفَتَّحَت عن زَهْرةِ البَيانِ والخِطابِ تلك الزَّهرةُ الحَيَوِيّةُ المَعنَوِيّةُ الغَيبِيّةُ في ذلك الرَّأسِ المادِّيِّ الجامِدبِين وَنَح سُبحانَه وتَعالَى رَأسَ الإِنسانِ مِن قابِلِيّةِ النُّطقِ والبَيانِ حتَّى انكَشَف ما فيه مِن أَجهِزةٍ سامِيةٍ مَعنَوِيّةٍ عن مَراتِبَ كَثِيرةٍ وكَثِيرةٍ جِدًّا أَهَّلَتْه لِمَوضِعِ خِطابِ السُّلطانِ الأَزَليِّ الجَلِيبتَمزِمّا نالَ رُقِيًّا ورِفْعةً وسُمُوًّا.
أي: أنَّ الصِّبغةَ الرَّبّانيّةَ الَّتي في فِطْرةِ الإِنسانِ قد فَتَّحَت زَهرةَ الخِطابِ الإِلٰهِيِّ.
فهل مِنَ المُمكِنِ أنْ يَتَدخَّلَ غَيرُ الواحِدِ الأَحَدِ في الصَّنعةِ الَّتي بَلَغَت حَدَّ الدةٍ! قِ والِانتِظامِ في المَوجُوداتِ كُلِّها حتَّى كأَنَّها كِتابٌ؟ وهل مِنَ المُمكِنِ أن يَتَدخَّلَ غَيرُه سُبحانَه في الصِّبغةِ الَّتي في فِطْرةِ الإِنسانِ الَّتي ارْتَقَتا أَيضى مَقامِ الخِطابِ؟! حاشَ لله.. وكلّا.
الفِقرةُ الخَامِسة: "قُدرَتُه في ذاك... إلخ":
إنَّ القُدرةَ الإِلٰهِيّةَ تُظهِرُ عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ في العالَمِ الأَكبَرِ، أمّا الرَّحْمةُ الرَّبّانيَبيِّ نَّها تُنَظِّمُ النِّعَمَ في الإِنسانِ: العالَمِ الأَصغَرِ؛ أي: أنَّ قُدرةَ الصّانِعِ یی مِن حَيثُ الكِبْرِياءُ والجَلالُ یی أَوجَدَتِ العالَمَ كلَّه كأنَّه قَصرٌ عَظِيمكُلِّيعَلَتِ الشَّمسَ فيه سِراجًا وَهّاجًا،
— 295 —
والقَمَرَ قِندِيلًا، والنُّجُومَ مَصابِيحَ، وجَعَلَت سَطْحَ الأَرضِ سُفرةً مَبسُوطةً لِلطَّعامِ، ومَزرَعةً جَمِيلةً، وبُستانًا زنُ عَد، وجَعَلَتِ الجِبالَ مَخازِنَ ومُستَودَعاتٍ، وأَوْتادًا لِلتَّثبِيتِ، وقِلاعًا عَظِيمةً.. وهكذا جَعَلَت جَمِيعَ الأَشياءِ لَوازِمَ وأَثاثًا لِذلِك القَصرِ المُنِيفِ، بمِقْياسٍ مُكارِ اس، فأَظهَرَت عَظَمةَ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه؛ مِثلَما أَسبَغَت رَحْمَتُه سُبحانَه یی مِن حَيثُ الجَمالُ یی صُنُوفَ نِعَمِه على كلِّ كائِنٍ حَيٍّ، حتَّى على أَصغَرِه، ونَظَّمَت علَيْه، فجَمَّلَتِ الكائِناتِ طُرًّا بالنِّعَمِ وزَيَّنَتلَّذِيللُّطْفِ والكَرَمِ، دافِعةً هذه الأَلسِنةَ الصَّغِيرةَ النّاطِقةَ بجَمالِ الرَّحْمةِ أن تُقابِلَ تلك الأَلسِنةَ العَظِيمةَ النّاطِقةَ بجَلالِ العَظَمةِ؛ أي: أنَّ الأَجرامَ الكَبِيرةمّا دَشَّمسِ والعَرشِ حِينَما تَنطِقُ بلِسانِ العَظَمةِ: "يا جَلِيلُ.. يا كَبِيرُ.. يا عَظِيمُ" تُقابِلُها أَلسِنةُ الرَّحْمةِ في البَعُوضِ والسَّمَكِ والحَيَواناتِ الصَّغِيرةِ بی"يا جَةٍ باط. يا رَحِيمُ.. يا كَرِيمُ".. مُكوِّنةً بذلك نَغَماتٍ مُنسَجِمةً في مُوسِيقَى كُبْرَى، تَزِيدُها حَلاوةً ولَذّةً.
فهل مِنَ المُمكِنِ أن يَتَدخَّلَ غيرُ ذلك الجَلِيلِ ذِي الجَمالِ، الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ في هذاتَوَى َمِ الأَكبَرِ والأَصغَرِ، مِن حَيثُ الخَلقُ والإِيجادُ؟ حاشَ لله... وكلَّا.
الفِقرةُ السَّادسة: "حِشْمَتُه في ذاك... إلخ":
إنَّ عَظَمةَ الرَّابٌ: ّةِ الظَّاهِرةَ في مَجمُوعِ الكَونِ، تُثبِتُ الوَحْدانيّةَ الإِلٰهِيّةَ وتَدُلُّ علَيْها، كما أنَّ النِّعْمةَ الرَّبّانيّةَ الَّتي تُعطِي الأَرزاقَ المُقَنَّنة حتَّى لِجُزئيّاتِ ذَوِي الحَياةِ، تُثبِتُ الأَحَدِيَّةَ الإِلٰهِيّةِخةً فُلُّ علَيْها.
أمَّا الواحِدِيّةُ فتَعنِي أنَّ جَمِيعَ تلك المَوجُوداتِ مُلكٌ لِمالِكٍ واحِدٍ، وترجِعُ إلى صانِعٍ واحِدٍ، وهِي إِيجادُ مُوجِدٍ واحِدٍ.
أمَّا الأَحَدِيّةُ فهِي أنَّ أَكثَرَ أَسماءِ خالِقِ كلِّ ذا الريَتَجلَّى في كلِّ شَيءٍ.
فمَثلًا:إنَّ ضَوْءَ الشَّمسِ یی بصِفةِ إِحاطَتِه بسَطْحِ الأَرضِ كافّةً یی يُبيِّنُ مِثالَ الواحِدِيّةِ، وإنَّ وُجُودَ ضَوْءِ الشَّمسِ وأَلوانِه السَّبعةِ وسّابِقتِها، وظِلًّا مِن ظِلالِها في كلِّ جُزءٍ شَفّافٍ
— 296 —
وفي كلِّ قَطْرةِ ماءٍ يُبيِّنُ مِثالَ الأَحَدِيّةِ؛ وكذا فإنَّ تَجَلِّيَ أَكثَرِ أَسماءِ ذلك الصَّانِعِ في كلِّ شَيءٍ، ولا سِيَّما في كلِّ ِيِّ، حَيٍّ، وبخاصَّةٍ في كلِّ إِنسانٍ يُبيِّنُ مِثالَ الأَحَدِيّةِ.
وهكذا، فإنَّ هذه الفِقْرةَ تُشِيرُ إلى عَظَمةِ الرُّبُوبيّةِ الَّتي تُصَرِّفُ الأُمُورَ في العالَمِ، والَّتي جَعَلَت تلك الشَّمسَ العَظِيمةَ سِراجًا وَتِداءِ وخادِمةً لِأَحياءِ الأَرضِ، والكُرةَ الأَرضِيّةَ الضَّخْمةَ مَهْدًا لِلأَحياءِ ومَنزِلًا ومَتْجرًا لها، وجَعَلَتِ النَّارَ طَبَّاخةً وصَدِيقةً مُستَعِدَّةً لِلقِيامِ بالعَمَلِ في كلِّ مَكانٍ، والسَّحابَ مِصْفاةً لِلهَواءِ ومُرضِعةً لِلأَحيْه، فوالجِبالَ مَخازِنَ ومُستَودَعاتٍ، والهَواءَ مُرَوِّحًا لِلأَنفُسِ ونَفَسًا لِلأَحياءِ، والماءَ مَبْعثًا لِلحَياةِ وكالأُمِّ الرَّؤُومِ لِلأَحياءِ الجُدُدِ.. فهذه افي إِيوبيّةُ الإِلٰهِيّةُ تُبيِّنُ الوَحْدانيّةَ الإِلٰهِيّةَ بوُضُوحٍ تامٍّ.
نعم، مَن ذا الَّذي يَجعَلُ الشَّمسَ مُسَخَّرةً لِسَكَنةِ الأَرضِ غَيرُ الخالِقِ الوا آخِذٌومَن ذا غَيرُ ذلك الواحِدِ الأَحَدِ يُمسِكُ الهَواءَ ويُسَخِّرُه في وَظائِفَ جَلِيلةٍ وعلى سَطْحِ الأَرضِ كافّةً؟ ومَن غَيرُ ذلك الواحِدِ الأَحَدِ يَقدِرُ على استِخْدامِ النّارِ طَبّاخةً لِلأَحياءِ ولم يَلُها تَلتَهِمُ أَشياءَ أَكبَرَ مِن حَجْمِها بآلافِ المَرّاتِ؟ وهكذا.. فكُلُّ شَيءٍ وكلُّ عُنصُرٍ وكلُّ جِرْمٍ سَماوِيٍّ يَدُلُّ على الواحِدِ ذِي الجَلالِ مِن َ وتَدتلك الرُّبُوبيّةُ المَهِيبةُ.
فكَما تَظهَرُ الواحِدِيّةَ مِن حَيثُ الجَلالُ والعَظَمةُ، تُعلِنُ النِّعمةُ والإِحسانُ الأَحَدِيّةَ الإِلٰهِيّةَ مِن حَيثُ الجَمالُ والرَّحْمةُ، لِأنَّ الأَحياءَ ولا سِيَّما الإي هو ب مِن حَيثُ الصَّنعةُ الجامِعةُ المُتقَنةُ، يَملِكُ مِنَ الأَجهِزةِ والجَوارِحِ بحَيثُ تَعرِفُ أَنواعَ النِّعَمِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وتَتَقبَّلُها وتَ انضَوا؛ حتَّى حَظِيَ الإِنسانُ بتَجَلِّياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى كُلِّها كما تَتَجلَّى في الكَونِ كُلِّه، وكأنَّه بُؤْرةٌ تُظهِرُ جَمِيعَ الأَسماءِ الحُسنَى دعَ جَم واحِدةً في مِرآةِ ماهِيَّتِه، فيُعلِنُ بذلك الأَحَدِيّةَ الإِلٰهِيّةَ.
الفِقرةُ السَّابعة: "سِكَّتُه في ذاك... إلخ":
أي: كمَا أنَّ لِلصَّانِعِ الجَلِيلِ سِكَّة بَلْسرَى وعَلامةً عُظمَى على العالَمِ الأَكبَرِ كُلِّه، كَذلِك وَضَع سِكَّةَ وَحْدانيَّتِه وعَلامَتَها على كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الكَونِ وعلى كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِه أَيضًا..
— 297 —
وكما أنَّه وَضَع خعن طَرالوَحْدانيّةِ على وَجْهِ الإِنسانِ یی وهُو العالَمُ الأَصغَرُ یی وعلى جِسْمِه كَذلِك، وَضَعَ الخَتْمَ نَفسَه على كلِّ عُضْوٍ مِن أَعضائِه.
نعم، إ الإلٰك القَدِيرَ ذا الجَلالِ، وَضَع آيةَ تَوْحِيدٍ جَلِيّةً على كلِّ شَيءٍ، على الكُلِّيِّ والجُزئيِّ، فالنُّجُومُ والذَّرّاتُ تَشهَدُ علَيْه، ووَضَع خَتْمَ الوَحْدانيّةِ على كلِّ شَذ أَقبيَدُلَّ علَيْه.
وحَيثُ إنَّ هذه الحَقِيقةَ العَظِيمةَ قد أُثبِتَت إِثباتًا قاطِعًا في "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِينَ" و"الكَلِمةِ الثَّانيةِ والثَّلكٍ الص وفي النَّوافِذِ الثَّلاثِ والثَّلاثِينَ لی"المَكتُوبِ الثَّالثِ والثَّلاثينَ"، نُحِيلُ البَحثَ إلى تلك الرَّسائِلِ ونَختِمُه هنا.
الكلمة الخامسة: له الحَمدُ:
أي: أنَّ الكَمالاتِ الَّتي هي سَبَبُ المَدحِ والثَّناءِ في المَوجُوداتِ كافّةكائِنٍصُّه وَحْدَه سُبحانَه، ولِهذا فالحَمدُ أَيضًا له وَحْدَه، فكُلُّ ما صَدَر وما يَصدُرُ مِن مَدحٍ وثَناءٍ مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ، ومِمَّنيثِ، ف وعلى مَن وَقَع، يَخُصُّه وَحْدَه، لِأنَّ كلَّ ما هو سَبَبُ المَدحِ والثَّناءِ مِن كَمالٍ وجَمالٍ ومِن نِعَمٍ وآلاءٍ وكلَّ ما هو مَدارُ الحَمدِ، هو للهِ تَعالَى، يَخُصُّه أَخفََه.
نعم، إنَّ ما يَصعَدُ إلَيْه سُبحانَه دَوْمًا مِنَ المَوجُوداتِ جَمِيعًا عُبُودِيّةٌ وتَسبِيحٌ وسُجُودٌ ودُعاءٌ وحَمْدٌ وثَناءٌ، تَصعَدُ كُلُّها إلى تلك الحَضْرةِ المُقمّةَ ا باستِمرارٍ، كما يُفهَمُ مِنَ الإِشاراتِ القُرآنيّةِ.. نُشِيرُ إلى بُرهانٍ عَظِيمٍ يُثبِتُ هذه الحَقِيقةَ التَّوحِيدِيّةَ:
عِندَما نَنظُرُ إلى العالَمِ نُشاهِدُه كبُستانٍ عَظِيمٍ، سَقْفَُ مِن صَّعٌ بالنُّجُومِ، وأَرْضُه زُيِّنَت بمَوجُوداتٍ جَمِيلةٍ زاهِيةٍ.. فهَذِه الأَجرامُ العُلْويّةُ النُّورانيّةُ المُنتَظِمةُ، والمَوجُوداتُ الأَرضِيّةُ الحَكِيمةُ المُزَيَّنةُ، في هذا البُستانِ العتَأْخُ، كلٌّ مِنها يقُولُ بلِسانِه الخاصِّ، وجَمِيعُها تقُولُ مَعًا:
نحن مُعجِزاتُ قُدْرةِ قَدِيرٍ جَلِيلٍ، نَشهَدُ على وَحْدانيّةِ خالِقٍ حَكِيمٍ وصانِعٍ قَدِيرٍ.
— 298 —
وفي رِياضِ العالَمِ هذا نَنظُرُعنه.
لأَرضِ، نَرَى أنَّها كرَوْضةٍ نُثِرَت فيها مِئاتُ الآلافِ مِن طَوائِفِ النَّباتاتِ ذاتِ الأَلوانِ الزّاهِيةِ والأَشكالِ الجَمِيلةِ، وانتَشَرَت فيها مِئاتُ الآلافِ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ المُتَنوِّعةِ.. ُرّةَ عُ تلك النَّباتاتِ الزّاهِيةِ والحَيَواناتِ المُزَيَّنةِ في رَوْضةِ الأَرضِ، تُعلِنُ بصُوَرِها المُنتَظِمةِ وبأَشْكالِها المَوزُونةِ:
نحنُ مُعجِزاتُ صانِعٍ واحِدٍ حَكِيمٍ وخَوارَ الفاأَدِلّاءُ على وَحْدانيَّتِه وشُهَداءُ علَيْها.
وكذا نَنظُرُ إلى قِمَمِ الأَشجارِ في تلك الرَّوْضةِ البَهِيّةِ، نَرَى أنَّ ثِمارَها وأَزاهِيرَها مَخلُوقةٌه دُنيَهَى العِلمِ والحِكْمةِ وبغايةِ الكَرَمِ واللُّطْفِ والجَمالِ.. فكُلُّ تلك الثَّمَراتِ والأَزاهِيرِ الجَمِيلةِ تُعلِنُ بأَشكالِها وأَلوانِها المُتَنوِّعةِ، بةٌ مَش واحِدٍ:
نَحنُ مُعجِزاتُ هَدايا رَحمٰنٍ ذِي جَمالٍ، وخَوارِقُ عَطايا رَحِيمٍ ذِي كَمالٍ.
فما في بُستانِ العالَمِ مِن أَجرامٍ ومَوجُوداتٍ، وما في رَوْضةِ الأَرضِ مِن نَباتاتٍ وحَيَواناتٍ، وما على قِمَمِ الأَشجارِ مِن أَزاهِيرامِلَ َراتٍ، يَشهَدُ بل يُعلِنُ بصَوتٍ عالٍ رَفِيعٍ:
إنَّ خالِقَنا ومُصَوِّرَنا یی الَّذي أَهْدانا إلَيْكُم یی القادِرَ ذا الجَمالِ والحَكِيمَ الكَرِ الأَسَدِيرٌ على كلِّ شَيءٍ، لا يَصعُبُ علَيْه شَيءٌ، لا يَخرُجُ عن دائِرةِ قُدْرَتِه شَيءٌ قَطُّ؛ فالنُّجُومُ والذَّرَّاتُ سَواءٌ بالنِّسبةِ إلى قُدْرَتِه، والكُلِّيُّ سَهْلٌ علَيْه كالجُزئيِّ، والجُزءُ نَفِيسٌ كالكُلِّ، وأَكبَرُ شَيءٍ يَسِيرٌ(ص)، إه كأَصْغَرِه، والصَّغِيرُ مُتقَنُ الصُّنعِ كالكَبِيرِ، ورُبَّما الصَّغِيرُ أَبدَعُ إِتقانًا مِنَ الكَبِيرِ.. فجَمِيعُ الوُقُوعاتِ الماضارِقِ لَّتي هي عَجائِبُ قُدْرَتِه، تَشهَدُ أنَّ ذلك القَدِيرَ المُطلَقَ قادِرٌ على عَجائِبِ الإِمكاناتِ الَّتي ستَحدُثُ في المُستَقبَلِ.. فكما َ البِلَّذي أَتَى بالأَمسِ قادِرٌ على الإِتيانِ بالغَدِ، فإنَّ ذلك القَدِيرَ الَّذي أَنشَأَ الماضِيَ قادِرٌ على إِيجادِ المُستَقبَلِ أَيضًا، وذلك الصَّانِعَ الحَكِيمَ الَّذي خَلمَ المُّنيا قادِرٌ على خَلقِ الآخِرةِ.
نعم، كما أنَّ ذلك القادِرَ الجَلِيلَ هو المَعبُودُ الحَقُّ، فالمَحمُودُ بالحَقِّ أَيضًا إنَّما هو وَحْدَه؛ وكما أنَّ العِبادةَ خاصّةٌ به وَحْدَه، فالحَمدُ والثَّناء أَيضًنُقطةَصّانِه سُبحانَه.
— 299 —
فهل مِنَ المُمكِنِ أنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ الَّذي خَلَق السَّماواتِ والأَرضَ يَتْرُكُ هذا الإنسانَ سُدًى، وهو الَّذي خَلَقَه أَعظَمَ نَتِيجةٍ لِلسَّماواتِ والأَرضِ وأَكمَلَ ثَمَرأْمِينعالَمِ؟! وهل يُمكِنُ أن يُحِيلَه إلى الأَسبابِ والمُصادَفاتِ، فيَقلِبَ حِكْمَتَه الباهِرةَ عَبَثًا؟! حاشَ لله.. وكلّا..
وهل يُعقَلُ أنَّ الكُلِّيَ العَلِيمَ الَّذي يَرعَى الشَّجَرةَ، ويُدَبِّیرُ أُمُورَها بعِنايةٍ ويُرَبِّيها في مُنتَهَى الحِكْمةِ، أنْ يُهمِلَ ثَمَراتِ تلك الشَّجَرةِ الَّتي هي غايَتُها وفائِدَتُها ولا يَهتَمَّ بها، فتَتَشتَّتَ وتَسِينا قَ في أَيدِي السُّرَّاقِ وأَيدِي العَبَثِ، وتَضِيعَ؟! لا شَكَّ أنَّ عَدَمَ الِاهتِمامِ هذا مُحالٌ قَطْعًا، إذِ الِاهتِمامُ بالشَّجَرةِ إنَّما هو لِأَجلِ ثَمَراتِها.
وهكذا، فإنَّ أَكمَلَ ثَمَراتِ َه في عالَمِ ونَتِيجَتَه ذاتَ الشُّعُورِ وغايَتَه هو الإِنسانُ، فهل يُمكِنُ أن يُعطِيَ صانِعُ هذا العالَمِ الحَكِيمُ الحَمدَ والعِبادةَ والشُّكرَ والمَحَبّةَ ا صَدَرهي ثَمَرةُ الثِّمارِ ذاتِ الشُّعُورِ إلى غَيرِه تَعالَى.. فيُضَيِّعَ حِكْمَتَه الباهِرةَ ويُنزِلَها إلى دَرْكةِ العَدَمِ، أو يَقلِبَ قُدرَتَه المُطلَقةَ إلى عَجْزٍ، أو يُحَوِّلَلكَرِيَه المُحِيطَ إلى جَهْلٍ؟! حاشَ للهِ وكلَّا.. أَلفَ أَلفِ مَرَّةٍ!
فهل مِنَ المُمكِنِ أن يَصِلَ الشُّكرُ والعِبادةُ الَّتي يُقَدِّمُها ذَوُو الشُّعُورِ الَّذينسابع عَدارُ المَقاصِدِ الإِلٰهِيّةِ في بِناءِ قَصرِ الكَونِ یی ولا سِيَّما الإِنسانُ الَّذي هو أَفضَلُهُم یی إِزاءَ النِّعَمِ الَّتي نالُوها إلى غَيرِ صانِعِ قَصرِ الكَونِ، وأن يَسمَحَ ذلك الصَّانِعُ الجَِه الّأن يُقدَّمَ الشُّكرُ والعِبادةُ یی وهما غايةُ المَقاصِدِ یی إلى غَيرِه تَعالَى؟
وهل مِنَ المُمكِنِ أنَّ مَن يُحَبِّبُ نَفسَه إلى ذَوِي الشُّعُورِ بأَنواعِ نِعَمَهِ الَتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، ويُعَرِّفُ نَفسَه إِلَيْهِم بما لا يُحَدُّ مِن مُعجِزاتِ صَنعَتِه، يَدَعُ شُكْرَهُم وعِباداتِهِم وحَمْدَهُم ومَحَبّئِهِم؛م ومَعرِفَتَهُم ورِضاهُم إلى الأَسبابِ والطَّبِيعةِ، ولا يَهتَمُّ بها فيَدفَعَهُم إلى إِنكارِ حِكْمَتِه المُطلَقةِ ويُهَوِّنَ مِن شَأْنِ سُلطانِ رُبُوبِيَّتِه ويُنزِلَها إلى دََ الوَالعَدَمِ؟! كلّا حاشَ للهِ مِئةَ أَلفِ مَرّةٍ.
— 300 —
وهل يُمكِنُ لِمَن يَعجِزُ عن خَلقِ الرَّبِيعِ وعن إِيجادِ الثَّمَراتِ كُلِّها وعن الأَنبثَمَرةِ التُّفّاحِ یی المُتَّحِدةِ في العَلاماتِ یی على الأَرضِ كافَّةً، أن يكُونَ شَرِيكًا في الحَمْدِ معَ المَحمُودِ المُطلَقِ سُبحانَه بأن يَخلُقَ تُفّاحةً واحِدةً مِنها ويُقدِّمَها نِعمةً إلى أَحَدِهِم، ويَحصُلَ علوأَنتَرِه؟! حاشَ للهِ وكلَّا.. لِأنَّ الَّذي يَخلُقُ التُّفّاحةَ الواحِدةَ هو خالِقُ ثَمَرةِ التُّفّاحِ في العالَمِ كُلِّه، إذِ السِّكّةُ واحِدةٌ والعَلامةُ واحِدةٌ.
ثْحةَ عَّ الَّذي خَلَق التُّفّاحَ كُلَّه في العالَمِ هو الَّذي أَوْجَدَ الحُبُوبَ والثَّمَراتِ الَّتي هي مِحْوَرُ الرِّزقِ، بمَعنَى أنَّ مَن يُنعِمُ بأَصغَرِ نِعمةٍ جُزئيّةٍ على أَصغَرِ كائِنٍ حُون باُزئيٍّ، هو خالِقُ العالَمِ، وهو الرَّزّاقُ الجَلِيلُ لا غَيرُه، لِذا فالحَمدُ والشُّكرُ يَخُصّانِه وَحْدَه.. وأنَّ حَقِيقةَ العالَمِ تقُولُ دائِمًا بلِسانِ الحَق الوَظالحَمدُ مِن كلِّ أَحَدٍ مِنَ الأَزَلِ إلى الأَبَدِ.
الكلمة السَّادسة: يُحيِي:
أي: أنَّه هو الَّذي يَهَبُ الحَياةَ، فهُو إِذًا وَحْدَه خالِقُ كلِّ شَيءٍ، لِأنَّ الحَياةَ هي لِهِم الكَونِ ونُورُه وخَمِيرَتُه ونَتِيجَتُه وخُلاصَتُه؛ فمَن وَهَب الحَياةَ وأَعطاها فهُو خالِقُ الكَونِ جَمِيعًا، وهُو المُحيِي الحَيُّ القَيُّومُ.. نُشِيرُ إلى بُرهانٍ عَظِيمٍ لِمَرتَبةِ التَّوحِيدِ هذه بالآ، فهُن إنَّنا نُشاهِدُ خِيَمًا مَنصُوبةً على أَرجاءِ الأَرضِ كافَّةً لِجَيشِ ذَوِي الحَياةِ العَظِيمِ، نعم، نُشاهِدُ أنَّ جَيشًا حَدِيثًا مِن جُيُوشٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى لِلحَيِّ القَيُّومِ يَأْتِي مِن عالَمِ الغَيبِ ويَتَسلّ مَبعَعتِدَتَه وتَجهِيزاتِه كلَّ رَبِيعٍ.
فإذ نَحنُ نَتَأمَّلُ هذا الجَيشَ الضَّخْمَ نَرَى أنَّ طَوائِفَ النَّباتاتِ تَربُو على مِئَتَيْ أَلفِ نَوع، وأُمَمَ الحَيَواناتِ تَنُوفُ على مِئةِ أيَسمَعَوعٍ مِنَ الأَنواعِ المُختَلِفةِ.. كلُّ أُمّةٍ مِن هذه الأُمَمِ، وكلُّ طائِفةٍ مِنها تَلبَسُ مَلابِسَ خاصَّةً بها، ولها أَرزاقُها المُعَيَّنةُ، ولها تَدرِيباَحَدٍ علِيماتٌ مَخصُوصةٌ، ولها رُخَصٌ تَخُصُّها، ومُزَوَّدةٌ بأَسلِحةٍ وأَعتِدةٍ
— 301 —
تُلائِمُها، ومُدةُ خِدْماتِها العَسكَرِيّةِ مُعَيَّنةٌ.. ولكِن معَ كلِّ هذا الِاختِلافِ والتَّبايُنِ فإنَّ قائِدًا أَعظَمَ بقُدرَتِه المُطلَقةِ وحِكْمَتِ ثمَّ طلَقةِ وعِلمِه غَيرِ المَحدُودِ وإِرادَتِه غَيرِ المَحدُودةِ ورَحْمَتِه الواسِعةِ وخَزِينَتِه الَّتي لا تَنضُبُ، لا يَنسَى جُندِيًّا قَطُّ، ولا يَلتَبِسُ علَيْه شَيءٌ مِن أَمرِهِم ولا يُؤَخِّرُ عَنهُم أيَّ شَيءٍ يَحتاجُونَه، بل كلُّ طائعَصِّبِنَ الطَّوائِفِ والأُمَمِ الَّتي تَزِيدُ على ثَلاثِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الطَّوائِفِ والأُمَمِ تُرسَلُ إلَيْها أَرزاقُها المُتَبايِنةُ ومَلابِسُها المُاتُ تُةُ وأَسلِحَتُها المُتَغايِرةُ، وتُدَرَّبُ تَدرِيباتٍ مُتَنوِّعةً وتُسَرَّحُ مِن وَظائِفِها في أَوْقاتٍ مُتَخالِفةٍ، كلُّ ذلك في انتِظامٍ كامِلٍ وبمِيزانٍ تامٍّ وفي الوَقتِ المُناسِبِ.. يُشاهِدُم يَجِلُّ ذِي عَينٍ باصِرةٍ، ويُدرِكُه كلُّ ذِي قَلبٍ شَهِيدٍ إِدراكًا بعَينِ اليَقِينِ، كما أَثبَتْنا ذلك في كَلِمةٍ أُخرَى.. فهل مِنَ المُمكِنِ َدٍ قََدخَّلَ ويكُونَ له حِصَّةٌ في هذا الإِحياءِ والإِدارةِ، وهذه التَّربِيةِ والإِعاشةِ، سِوَى صاحِبِ عِلمٍ مُحِيطٍ يُحِيطُ بكُلِّ ما يَخُصَّى الإالجَيشَ وبشُؤُونِه كافّةً، وصاحِبِ قُدرةٍ مُطلَقةٍ تُدِيرُ أُمُورَه بجَمِيعِ لَوازِمِه؟! حاشَ للهِ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ.
إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّه إذا وُجِدَ في فَوجٍ واحِدٍ عَشرُ أُمَمٍ مُختَلِفةٍ، فإنَّ تَجهِيزِن ثَل أُمّةٍ بأَعتِدةٍ مُمَيَّزةٍ، عَسِيرٌ بعَشَرةِ أَضعافِ تَجهِيزِ الفَوجِ كُلِّه بالأَعتِدةِ نَفسِها.. ومِن هُنا يَلجَأُ الإِنسانُ العاجِزُ إلى تَجَجلَّىِم بالمَلابِسِ والأَعتِدةِ المُوَحَّدةِ؛ بَينَما الحَيُّ القَيُّومُ سُبحانَه يُجَهِّزُ هذا الجَيشَ العَظِيمَ الَّذي تَربُو طَوائِفُه وأُمَمُه على ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ طائِفةٍ بتَجهِيزاتٍ حَياتيّةٍ مُتَبايِنةٍ الواحِدةًُ، وحُلأُخرَى، وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، وبغَيرِ عَناءٍ، وبانتِظامٍ كامِلٍ، وفي مُنتَهَى الحِكْمةِ، حتَّى يَسُوقُ كلَّ فَردٍ مِن أَفرادِ ذلك الجَيشِ لِلقَولِ بلِساَّيخُ ِه: "هو الَّذي يُحيِي" بل يَجعَلُ تلك الجَماعةَ العُظمَى تَتلُو في مَسجِدِ الكَونِ العَظِيمِ:
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَلمَذذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ... الخ الآية.
— 302 —
الكلمة السَّابعة: ويُمِيتُ:
أي: أنَّه هو الَّذي يَهَبُ المَوتَ، أي: كما أنَّه واهِبُ الحَياةِ، فهُو الَّذي يَسلُبُها ويَمنَحُ المَوتَ كَذلِك.
نعم، المَوتُ لَيسَ تَخرِيبًا وانطِفاءً كي وَجْهَ إلى الأَسبابِ، ويُحالَ على الطَّبِيعةِ، بلِ المَوتُ مَهْما يَبدُو ظاهِرًا انحِلالًا وانطِفاءً إلّا أنَّه في الحَقِيقةِ مَبدَأٌ ومُقدِّمةٌ لِحَياةٍ باقيةٍ لِلإِنسانِ وعُنوانٌ لِتِلك الحَياةِ، مِثلَما تُضمَرُ البِذْرةُ تَحتَ الأَرضِ وٌ النُّ ظاهِرًا، إلّا أنَّها تَمضِي باطِنًا مِن حَياةِ البِذْرةِ الجُزئيّةِ إلى حَياةِ السُّنبُلِ الكُلِّيّةِ.
لِذا فإنَّ القَدِيرَ المُطلَقَ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ ويُدِيرُها هو الَّذي يَخلفتَرَىمَوْتَ بلا رَيبٍ.
نُشِيرُ إلى بُرهانٍ عَظِيمٍ لِمَرتَبةِ التَّوحِيدِ العُظمَى الَّتي تَتَضمَّنُها هذه الكَلِمةُ فنَقُولُ:
لقد بَيَّنّا في النَّافِذةِ الرَّابِعةِ قَمَرِرِينَ مِنَ "المَكتُوبِ الثَّالِثِ والثَّلاثِينَ":
إنَّ هذه المَوجُوداتِ سَيَّالةٌ بالإِرادةِ الإِلٰهِيّةِ.. وإِنَّ هذه الكائِناتِ سَيَّارةٌ بالأَمرِ الرَّبَّانِيِّ.. وإِنَّ هذه المَخلُوقاتِ َّادِ باستِمرارٍ في نَهرِ الزَّمانِ بإِذنِ اللهِ، وتُرسَلُ مِن عالَمِ الغَيبِ ويُخلَعُ علَيْها الوُجُودُ الظَّاهِرِيُّ في عالَمِ الشَّهادةِ، ثمَّ تَنزِلُ بانتِظامٍ على عالَمِ الغَيبِ؛ِ يَقِتِي دَوْمًا مِنَ المُستَقبَلِ بالأَمرِ الإِلٰهِيِّ وتَمُرُّ على الحالِ الحاضِرةِ وتَتَنفَّسُ فيها ثمَّ تَصُبُّ في الماضِي.. فسَيَلانُ هذه المَخلُوقاتِ في دائِرةِ الرَّحْمةِ والإِحسانِ يَتِمُّ بأُسلُوبٍ في مُنتَهَى الحِكْمةِ، وسَرَنُ الك ضِمنَ دائِرةِ الحِكْمةِ والِانتِظامِ يكُونُ في غايةِ العِلمِ.. وجَرَيانُها ضِمنَ دائِرةِ الشَّفَقةِ والمِيزانِ يكُونُ في رَحْمةٍ واسِعةٍ.
وهكَذا تَمضِي هذه المَخلُوقاتُ مُنذُ البَدءِ إلى النِّهايةِ وتُكَلَّلُ بالحِكَمِ والمَصالِحِ و، والّائِجِ والغاياتِ الجَلِيلةِ.
بمَعنَى أنَّ قَدِيرًا ذا جَلالٍ وحَكِيمًا ذا كَمالٍ يَمنَحُ الحَياةَ باستِمرارٍ بقُدرَتِه المُطلَقةِ، ويُوَظِّفُ طَووَجِيزالمَوجُوداتِ، وجُزئيّاتِ كلِّ طائِفةٍ، والعَوالِمَ المُتَشكِّلةَ مِن تلك
— 303 —
الطَّوائِفِ، ثمَّ يُسَرِّحُها بحِكْمةٍ، مُظهِرًا علَيْها المَوتَ ويُرسِلُها إلى عالَمِ الغَيبِ.. أي: أنَّه يُحَوِّلُها مِن دائِرةِ القُدرةِ إلى دائِرةِ العِل مُعار فمَن لا يَقدِرُ على إِدارةِ الكَونِ برُمَّتِه، ولا يَنفُذُ حُكْمُه في الأَزمانِ كُلِّها، ولا تَبلُغُ قُدرَتُه لِتَمنَحَ العَوالِمَ كُلَّها المَوتَ والحَياةَ یی كما يَلِسانٍا فَردًا واحِدًا یی ويَعجِزُ عن أن يَجعَلَ الرَّبِيعَ كالزَّهرةِ الواحِدةِ، يَمنَحُها الحَياةَ، ويَضَعُها على وَجهِ الأَرضِ، ثمَّ يَقطِفُها بالمَوتِ.. إنَّ الَّذي لا يَقدِرُ على هذه الأُمُورِ تِه أيدِرُ على الإِماتةِ والإِحياءِ قَطْعًا.
أي: أنَّ مَوتَ أيِّ كائِنٍ حَيٍّ یی مَهْما كانَ جُزئِيًّا یی لا بُدَّ أن يكُونَ كحَياتِه، بقانُونِ مَن بِيَدِه حَقائِقُ فحَرّةِ كُلُّها وأَنواعُ المَوتِ جَمِيعُها، وبإِذنِه وأَمرِه، وبقُوَّتِه وعِلمِه.
الكلمة الثامنة: وهو حيٌّ لا يَمُوتُ:
أي: أنَّ حَياتَه دائِمةٌ، أَزَليّةٌ أَبَدِيّةٌ.. لا يَعرِواحِدٍيْها المَوتُ والفَناءُ والعَدَمُ والزَّوالُ قَطْعًا، لِأنَّ الحَياةَ ذاتيّةٌ له، فالذّاتِيُّ لا يَزُولُ قَطُّ.
نعم، إنَّ الأَزَليَّ أَبَدِيٌّ بلا شَكٍّ، والقَدِيمَ باقٍ بلا رَيبٍَوِّرَُذي هو واجِبُ الوُجُودِ، سَرمَدِيٌّ البَتّةَ.
نعم، إنَّ حَياةً.. يكُونُ جَمِيعُ الوُجُودِ بجَمِيعِ أَنوارِه ظِلًّا مِن ظِلالِها، كَيفَ يَعرِضُ علَيْها العَدَمُ!
نعم، إنَّ حَياةً.. يكُونُ الوُجُودُ الواجِبُ عُنوانَها ولازِمَها، لن يِّينََ لها العَدَمُ والفَناءُ قَطْعًا.
نعم، إنَّ حَياةً.. يَظهَرُ بتَجَلِّيها جَمِيعُ أَنواعِ الحَياةِ باستِمرارٍ، ويَستَنِدُ إلَيْها جَمِيعُ الحَقائِقِ الثّابِتةِ لِلكائِناتِ بل صَبِيِمةٌ بها، لن يَعرِضَ لها الفَناءُ والزَّوالُ قَطْعًا.
نعم، إنَّ حَياةً.. تُورِثُ لَمْعةٌ مِن تَجَلٍّ مِنها وَحْدةً لِلأَشياءِ الكَثِيرةِ المُعَرَّضةِ لِلفَناءِ والزَّوالِ وتَجعَلُها باقِيةً وتُنجِيها مِنَ التَّشَتُّتِ والتَّبى الثّ وتَحفَظُ وُجُودَها وتَجعَلُها مَظهَرًا لِنَوعٍ مِنَ البَقاءِ یی أي: تَمنَحُ الكَثْرةَ وَحْدةً وتُبقِيها، فإذا وَلَّت تَبَعثَرَتِ الأَشياءُ وفَنِيَت یی
— 304 —
لا شَكَّ أنَّ الزَّوالَ والفَناءَ لاِ جَماوانِ مِن هذه الحَياةِ الواجِبةِ الَّتي تُعَدُّ هذه اللَّمَعاتُ الحَياتيّةُ جَلْوةً مِن جَلَواتِها.
والشّاهِدُ القاطِعُ لِهذه الحَقِيقةِ هو زَوالُ هذه الكائِناتِ وفَناؤُهاالسِّيأنَّ الكائِناتِ كما تَدُلُّ وتَشهَدُ بوُجُودِها وحَياتِها على حَياةِ ذلك الحَيِّ الَّذي لا يَمُوتُ، وعلى وُجُوبِ وُجُودِ تلك الحَياةِ، (حاشية): إنَّ انتِقالَذا ما دِنا إِبراهِيمَ عَليهِ السَّلام في أَثناءِ مُحاجَجَتِه نُمرُودَ في الإِماتةِ والإِحياءِ، إلى إِتيانِ اللهِ سُبحانَه بالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ وتَعجِيزَ نُمرُودَ بالإِتيانِ بها مِنَ المَغرِبِ، هو انتِقالٌ وتَرَقٍّ مِن إِماتةٍ وإِحي نُكتةزئيَّينِ إلى إِماتةٍ وإِحياءٍ كُلِّيَّينِ، أي: انتِقالٌ إلى أَوسَعِ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ ذلك الدَّليلِ وأَسطَعِها، وليس هو صُعُودًا إلى دَليلٍ ظاهِرٍ وتَركَ الدَّليلِ الخَفِيِّ، كما يَ وثَم بعضُ المُفسِّرينَ.. تَدُلُّ وتَشهَدُ كَذلِك بمَوتِها وزَوالِها على بَقاءِ تلك الحَياةِ وعلى سَرمَدِيَّتِها، لِأنَّ المَوجُوداتِ بَعدَ زَوالِها تَأْتِي عَقِبَها أَمثالُها فتَنالُ الحَياةَ مِثلَها وتَحُلُّ مَحَلَّهايدةِ، ا يَدُلُّ على أنَّ حَيًّا دائِمًا مَوجُودٌ، وهو الَّذي يُجَدِّدُ باستِمرارٍ تَجَلِّيَ الحَياةِ؛ إذ كما أنَّ الحَبابَ الَّتي تَعلُو سَطْحَ النَّهرِ وتتَطِيعُ الشَّمسَ تَتَلمَّعُ ثمَّ تَذهَبُ، والَّتي تَعقُبُها تَتَلمَّعُ أَيضًا مِثلَها، وهكذا.. طائِفةً إِثرَ طائِفةٍ، كُلٌّ مِنها تَتَلمَّعُ، ثمَّ تَنطَفِئُ وتَذهَبُ إلى شَأْنِها.. فهذا التَّعاقُبَخلاقِلِالتِماعِ والِانطِفاءِ يَدُلُّ على شَمسٍ دائِمةٍ عالِيةٍ.. كَذلِك يَشهَدُ تَبَدُّلُ الحَياةِ والمَوتِ ومُناوَبَتِهِما في هذه المَوجُوداتِ اةٍ لمّارةِ على بَقاءِ حَيٍّ باقٍ وعلى دَوامِه.
نعم، إنَّ هذه المَوجُوداتِ مَرايا، ولكِن مِثلَما الظَّلامُ يكُونُ مِرآةً لِلنُّورِ بحَيثُ إنَّه كُلَّك الشَّدَّ الظَّلامُ ازدادَ سُطُوعُ النُّورِ، فالمَوجُوداتُ أَيضًا مِن حَيثُ الضِّدِّيّةُ ومِن جِهاتٍ كَثِيرةٍ جِدًّا تقُومُ مَقامَ المَرايا.
فمَثلًا:إنَّ المَوجُوداتِ تُؤَدِّي حِدِ؟ ةَ المِرآةِ بإِظهارِ قُدرةِ الصّانِعِ بعَجْزِها، وبَيانِ غِناه سُبحانَه بفَقْرِها، كَذلِك تَدُلُّ بفَنائِها على بَقائِه سُبحانَه.
نعم، إنَّ لِباسَ الجُوعِ والفَقرِ الَّذي يَلبَسُه سَطْحُ الأا يُحصما علَيْه مِن أَشجارٍ في مَوسِمِ الشِّتاءِ، وتَبَدُّلَ تلك المَلابِسِ بحُلَلِ الرَّبِيعِ الزّاهِيةِ الطّافِحةِ بالغِنَى والثَّرَواتِ،
— 305 —
دَلِيلٌ على قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدرةِ وعلى غَنِيأيُّهالَقِ الغِنَى، وعلى أنَّ المَوجُوداتِ مِرآةٌ صافِيةٌ لِإِظهارِ قُدرَتِه ورَحْمَتِه سُبحانَه.
نعم، لَكَأنَّ جَمِيعَ المَوجُوداتِ تقُولُ بلِسانِ حالِها وتُناجِي رَبَّها بمُناجاةِ "أُوَيسٍ ال لَمَّيِّ" وتقُولُ:
"يا إِلٰهَنا..
أَنتَ رَبُّنا، إذ نَحنُ العَبِيدُ العاجِزُونَ عن تَربِيةِ أَنفُسِنا، فأَنتَ الَّذي تُرَبِّينا.
وأَنتَ الخالِقُ، إذ نَحنُ مَخلُوقُونَ، مَصنُوعُونَ.
وأَنتَ الرَّزّاقُ، إذ نَحنُ المُحتاجُونَ تَتَّلرِّزقِ، أَيدِينا قاصِرةٌ، فأَنتَ الَّذي تَخلُقُنا وتَرزُقُنا.
وأَنتَ المالِكُ، إذ نَحنُ مَملُوكُونَ، يَتَصرَّفُ في أُمُورِنا غَيرُنا، فأَنتَ مالِكُنا.
َ صَحِ العَزِيزُ العَظِيمُ، إذ نَحنُ الأَذِلّاءُ، لَبِسْنا ثَوبَ الذُّلِّ ولكِن علَيْنا جَلَواتُ عِزٍّ، فنَحنُ مَرايا عِزَّتِك.
وأَنتَ الغَنِيّةٍ:
طلَقُ، إذ نَحنُ الفُقَراءُ يُسَلَّمُ إلى يَدِ فَقْرِنا غِنًى يَصِلُ إلى ما لا نَقدِرُ علَيْه، فأَنتَ الغَنِيُّ وأَنتَ الوَهّابُ.
وأَنتَ الحَيُّ الباقِي، إذ نَحنُ نَمُوتُ، نَرَى جَلْوةَ حَياةٍ دائِمةٍ في مَوْتِنا وحَياتِنا.
ادَ أنَ الباقِي، إذ نَحنُ فانُونَ، نَرَى دَوامَك وبَقاءَك في فَنائِنا وزَوالِنا.
وأَنتَ المُجِيبُ وأَنتَ المُعطِي، إذ نَحنُ والمَوجُوداتُ كُلُّها نَسأَلُ بأَلسِنةِ أَقوالِنا وأَحوالِنا، ونَصرُخُ ونَتَضرَّعُ ونَستَغِيثُ، فتَدْقٍ لقُ مَطالِبُنا، وتُنفَّذُ رَغَباتُنا، وتُوهَبُ مَقاصِدُنا.. فأَنتَ المُجِيبُ يا إِلٰهِي...".
وهكَذا، فكُلُّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ جُزئيِّها وكُلَّلِيغة يُؤدِّي وَظِيفةَ المِرآةِ بصُورةِ مُناجاةٍ مَعنَوِيّةٍ كی"أُوَيسٍ القَرَنِيِّ"، ويُعلِنُ كلُّ مَوجُودٍ منها بعَجْزِه وفَقْرِه وتَقصِيرِه قُدرةَ اللهِ وكَمالَه سُبحانَه.
— 306 —
الكَلِمَة التَّاسعة: بِيَدِه الخَييَّنٍ أي: أنَّ الخَيراتِ كُلَّها بِيَدِه، الحَسَناتُ كلُّها في سِجِلِّه، الآلاءُ كلُّها في خَزِينَتِه، لِذا مَن يُرِيدُ الخَيرَ فلْيَسأَلْعُلَما، ومَن يَرغَبُ في الإِحسانِ فلْيَتَضرَّعْ إلَيْه.
نُشِيرُ إلى أَماراتِ دَلِيلٍ واسِعٍ جِدًّا ولَمَعاتِه مِن أَدِلّةِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ الَّتي لا تُحصَى، إِظهارًا لِحَقِيقةِ هذه الكَلِمةِ بجَلاءٍ، فنقُولُ:
إنَّ ا يَومَِعَ الجَلِيلَ الَّذي يُوجِدُ ويَتَصرَّفُ بأَفعالِه الظَّاهِرةِ في هذا الكَونِ، له عِلمٌ مُحِيطٌ بكُلِّ شَيءٍ، وإنَّ ذلك العِلمَ خاصَّةٌ لازِمةٌ ضَرُورِيّةٌ لِذاتِه الجَلِيلةِ، مُحالٌ انفِكاكُه عنها، إذ كما لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُضَّرُوالشَّمسِ بلا ضِياءٍ، كَذلِك الصّانِعُ الجَلِيلُ الَّذي أَوْجَدَ هذه المَوجُوداتِ بانتِظامٍ رائِعٍ یی لا يُمكِنُ بأُلُوفِ المَرّاتِ یی أن يَنفَكَّ عِلمُه عنه.
فهذا العِلمُلمُقدِّيطُ بكُلِّ شَيءٍ كما أنَّه ضَرُورِيٌّ لِتِلك الذّاتِ الجَلِيلةِ، فهُو ضَرُورِيٌّ أَيضًا لِكُلِّ شَيءٍ مِن حَيثُ التَّعَلُّقُ؛ أي: لا يُمكِنُ أن يَتَستَّر ويَتَخفَّىذا الكيُّ شَيءٍ كان بأَيِّ حالٍ مِنَ الأَحوالِ، إذ كما لا يُمكِنُ ألَّا تَرَى الأَشياءُ المَبثُوثةُ على سَطْحِ الأَرضِ الشَّمسَ وهي الَّتي تُقابِلُها دُونَ حِجابٍ، كَذلِك لا يُمكِنُ یی بل مُحالٌ بأُلُوفِ االنَّباتِ یی أن تَتَستَّر الأَشياءُ عن نُورِ عِلمِ ذلك العَلِيمِ الجَلِيلِ سُبحانَه، وذلك لِوُجُودِ الحُضُورِ، أي: أنَّ كلَّ شَيءٍ ضِمنَ دائِرةِ نَظَرِه سُبحانَه، ويُقابِلُه، وضِمنَ داني في شُهُودِه جَلَّ وعَلا، وأنَّ عِلمَه نافِذٌ في كلِّ شَيءٍ.
فلَئِن كان شُعاعُ هذه الشَّمسِ الجامِدةِ، ونُورُ هذا الإِنسانِ العاجِزِ، وشُعاعُ الأَشِعّةِ السِّينِيّةِ الَّتي لا تَملِكُ شُعُورًا، وأَمثالُها مِنَ الأَشِعّةِ.. أَقُولُرفَتَين كانَت هذه الأَشِعّةُ وهي حادِثةٌ، ناقِصةٌ، عارِضةٌ، تُشاهِدُ أَنوارُها كلَّ ما يُقابِلُها وتَنفُذُ فيه، فكَيفَ بنُورِ العِلمِ الأَزَليِّ، الواجِبِلنَّبِحِيطِ، الذّاتِيِّ.
إذًا.. لا بُدَّ ألّا يَتَستَّر عنه شَيءٌ قَطُّ، ولا يَبقَى شَيءٌ خارِجَه قَطْعًا.
وفي الكَونِ مِنَ العَلاماتِ والآياتِ المَبثُوثةِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى كلُّها تُشِيرُ إلى هذَكتُبُقِيقةِ، نُورِدُ مِنها ما يَأْتِي:
— 307 —
إنَّ جَمِيعَ الحِكَمِ المُشاهَدةِ في المَوجُوداتِ تُشِيرُ إلى ذلك العِلمِ المُحِيطِ، لِأنَّ إِنجازَ اعِبَ اِ بحِكْمةٍ إنَّما يكُونُ بالعِلمِ.
وكذا جَمِيعُ العِناياتِ والتَّزيِيناتِ تُشِيرُ إلى ذلك العِلمِ، لِأنَّ الَّذي يَعمَلُ باللُّطفِ والعِنايةِ لا بُدَّ أنَّه يَعلَمُ،لم تَره يَعمَلُ بعِلمٍ.
وكذا كلُّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ المُنتَظِمِ المَوزُونِ بمِيزانٍ دَقِيقٍ، وكلُّ هَيئةٍ مِن هَيئاتِها المَوزُونةِ والمُقدَّرةِ أَيضًا، تُ (الجاإلى ذلك العِلمِ المُحِيطِ، لِأنَّ أَداءَ العَمَلِ بانتِظامٍ يكُونُ بالعِلمِ.
لِأنَّ الَّذي يَخلُقُ مَصنُوعاتِه بمِكْيالٍ ومِيزانٍ وتَقدِيرٍ وإِتقانٍ، لا شمِيلُ.نَّه يَعمَلُ ما يَشاءُ مُستَنِدًا إلى عِلمٍ قَوِيٍّ.
وكذا جَمِيعُ المَقادِيرِ المُنتَظِمةِ المُشاهَدةِ في المَوجُوداتِ كُلِّها، والأَشكالِ الَّتي فُصِّلَت على وَفقِ الحِكَمِ والمَصالِحِ، والهَيْئاتِ المُنتِجةِ، والأَوْضاعِ ال، فلا ةِ الَّتي نُظِّمَت على وَفقِ دَساتِيرِ القَضاءِ وضَوابِطِ القَدَرِ، إنَّما تَدُلُّ على عِلمٍ مُحِيطٍ.
نعم، تَصوِيرُ الأَشياءِ على اختِلافِها تَصوِيرًا مُنتَظِمًا، وتَشكِيلُ كلِّ شَيءٍ بشَكلٍ مَخصُوصٍ به ومُلائِمٍ لِوُجُودِه ولِمَصالِمُراجَاتِه، إنَّما يكُونُ بعِلمٍ مُحِيطٍ، لا غَيرُ.
وكذا إِرسالُ الرِّزقِ لِجَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ یی مِن حَيثُ لا يُحتَسَبُ یی وفي الوَقتِ المُناس عنه أبشَكلٍ مُلائِمٍ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها، إنَّما يكُونُ بعِلمٍ مُحِيطٍ، لِأنَّ الَّذي يَرزُقُ لا رَيبَ أنَّه يَعلَمُ حالَ مَن يَحتاجُ إلى الرِّزقِ ويَعرِفُه ويَعلَمُ بوَقتِ رِزقِه ويُدرِكُ اهَ اله، ثمَّ يَرزُقُه على أَفضَلِ صُورةٍ.
وكذا وَفاةُ جَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ بآجالِها المَعقُودةِ بقانُونٍ مِنَ التَّعيُّنِ یی معَ تَسَتُّرِها بعُنوانِ الإِبهامِ یی تَدُلُّ على عِلمٍ مُحِيطٍ بكُلِّ شَيءٍ، لِأنَّ أَجَلنَّ ال طائِفةٍ مِن طَوائِفِ ذَوِي الحَياةِ مُعيَّنٌ في زَمَنٍ مَحدُودٍ بَينَ حَدَّينِ، وإن كان لا يُشاهَدُ ظاهرًا وَقتٌ مُعيَّنٌ لِحُلُولِ آجالِ أَفرادِها.. لم يُدالحِفاظُ على نِتاجِ ذلك الشَّيءِ وثَمَرتِه ونَواتِه الَّتي تُدِيمُ وَظِيفَتَه
— 308 —
عَقِبَه بعدَ حُلُولِ أَجَلِه، وتَحَوُّلُ تلك الثَّمَرات بمُنتُّوَى إلى حَياةٍ جَدِيدةٍ، إنَّما يَدُلُّ على ذلك العِلمِ المُحِيطِ أَيضًا.
وكذا أَلطافُ الرَّحْمةِ السَّابِغةِ على المَوجُوداتِ كُلِّها، كلٌّ بما يَلِيقُ به، إنَّما تَدالجَوالى عِلمٍ مُحِيطٍ ضِمنَ رَحْمةٍ واسِعةٍ، لِأنَّ الَّذي يُرَبِّي أَطفالَ ذَوِي الحَياةِ وصِغارَها باللَّبَنِ ويُغِيثُ النَّباتاتِ الأَرضِيّةَ المُحتاجةَ إلى الماءِ بالغَيثِ، لا بُدَّ أنَّه يَعرِفُ أُولَئِك الصِّغارَ ويَِبُونَبحاجاتِهم، ويَرَى تلك النَّباتاتِ ويُدرِكُ ضَرُورةَ المَطَرِ لها، ومِن بعدِ ذلك يُرسِلُه إلَيْها.
وهكَذا تَدُلُّ جَلَواتٌ لا تُحَدُّ لِرَحْمَتِه سُبحانَه الواسِعةِ والمُكَلَّلةِ بالعِنايةِ واليِّ، كِ، على عِلمٍ مُحِيطٍ.
وكذا فإنَّ ما في إِتقانِ الصَّنعةِ لِلأَشياءِ كلِّها مِنِ اهتِمامٍ بالِغٍ وتَصوِيرٍ بَدِيعٍ وتَزيِينٍ فائِقٍ يَدُلُّ على عِلمٍ مُحِيطٍ، لِأنَّ انتِقاءَ وَضعٍ مُنتَظِمٍ حَكِِ (ص) زَيَّنٍ بَدِيعٍ مِن بَينِ أُلُوفِ الأَوْضاعِ المُحتَمَلةِ إنَّما يكُونُ بعِلمٍ نافِذٍ، فهذا النَّوعُ مِنَ الِانتِقاءِ في الأشياءِ كُلِّها يَدُلُّ على عِلمٍ مُحِيطٍ.
وكذا السُّهُولةحِ، فحطلَقةُ في إِيجادِ الأَشياءِ وإِبداعِها بيُسرٍ تامٍّ تَدُلُّ على عِلمٍ كامِلٍ، لِأنَّ اليُسرَ في عَمَلٍ مَّا والسُّهُولةَ في إِيجادِ وَضعٍ مَّا، يَتَناسَبانِ معَ مَدَى العِلمِ والمَهارةِ، إذ كُلَّما زادَ العِلمُ سَهُلَ الَكِّلُ.
فبِناءً على هذا السِّرِّ نَنظُرُ إلى المَوجُوداتِ فنَرَى أنَّ كُلًّا مِنها مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ الصَّنعةِ والإِبداع، وأنَّها تُوجَدُ إِيجادًا مُحَيِّرًا لِلأَلبابِ، في مُنتَهَى اليُسرِ والسُّهُولةِ، وأَكثَركالِيفَ ولا تَكَلُّفٍ وفي أَقصَرِ وَقتٍ وفي أَتمِّ صُورةٍ مُعجِزةٍ.. بمَعنَى أنَّ هُنالِك عِلمًا لا يُحَدُّ له حُدُودٌ يُؤَدِّي إلى هذا الَشْرُو بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ.
وهكذا، فالأَماراتُ المَذكُورةُ وأَمثالُها مِن أُلُوفِ العَلاماتِ الصَّادِقةِ تَدُلُّ على أنَّ الرَّبَّ الجَلِيلَ الَّذي يُدَبِّرُ شُؤُونَ الكَونِ ويدِّثينفُ أُمُورَه، له عِلمٌ مُحِيطٌ بكُلِّ شَيءٍ.. فهُو الَّذي يُحِيطُ عِلمُه بجَمِيعِ شُؤُونِ الشَّيءِ ويَأْتِي عَمَلُه فيه وَفقَ ذاك.
— 309 —
وحَيثُ إنَّ رَبَّ العالَمِينَ له عِلمٌ كهذا، فلا بُدَّ أنَّأَنهارى الإِنسانَ أَيضًا وأَعمالَ الإِنسانِ كَذلِك، ويَعلَمُ ما يَلِيقُ به وما يَستَحِقُّه، فيُعامِلُه وسيُعامِلُه بمُقتَضَى حِكْمَتِه ورَحْمَتِه.
فيا أَأوِ الالإِنسانُ، عُدْ إلى رُشْدِك، وتَدَبَّرْ في عَظَمةِ مَن يَعلَمُ بحالِك ويُراقِبُك.. اعْلَمْ ذلك وانْتَبِه!
وإذا قِيلَ:إنَّ العِلمَ وَحْدَه لا يَكفِي، فالإِرٍ وزَجَرُورِيّةٌ أَيضًا، إذ إنْ لم تَكُنِ الإِرادةُ مَوجُودةً فلا يَكْفِي العِلمُ وَحْدَه!
الجَوابُ:المَوجُوداتُ كُلُّها كما تَدُلُّ على عِلمٍ مُحِيطٍ بَسَطدُ له، كَذلِك تَدُلُّ على الإِرادةِ المُطلَقةِ لِذلِك العَلِيمِ بكُلِّ شَيءٍ، وذلك:
أنَّ إِعطاءَ تَشَخُّصٍ في غايةِ الِانتِظامِ لِكُلِّ شَيءٍ، ولا سِيَّما لِكُلِّ ذِي حَياةٍ، باحتِمالٍ مُعَمِيةٍ مِن بَينِ احتِمالاتٍ كَثِيرةٍ جِدًّا ومُختَلِطةٍ، بطَرِيقٍ مُنتَجٍ مِن بَين طُرُقٍ كَثِيرةٍ جِدًّا وعَقِيمةٍ، وهُو الَّذي يَتَردَّدُ ضِمنَ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ كَثِيرةٍ، إنَّما يَدُلُّ على إِرادةٍِ، إذ يّةٍ بجِهاتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، لِأنَّ إِعطاءَ شَكلٍ مَوزُونٍ وتَشَخُّصٍ مُنتَظِمٍ، مَحسُوبٍ حِسابُه بمِيزانٍ في مُنتَهَى الدِّقّةِ والحَساسِيّةِ، وبمِكْيالٍ دَقِيقٍ لِلغايةِ، مرَكَه ِظام في غايةِ الدِّقّةِ والرِّقّةِ، مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ تُحِيطُ بوُجُودِ كلِّ شَيءٍ، وتَحُفُّه طُرُقٌ عَقِيمةٌ غَيرُ مُثمِرةٍ لا تُحَدُّ، وفي خِضَمِّ عَناصِرَ جامَزَجتمُختَلِطةٍ تَسِيلُ سَيلًا دُونَ مِيزانٍ.. إنَّما يَدُلُّ بالبَداهةِ والضَّرُورةِ بل بالمُشاهَدةِ على أنَّه أَثَرٌ لِإِرادةٍ كُلِّيّةٍ، لِأنَّ انتِخابَ لشُّهُمُعَيَّنٍ مِن بَينِ أَوْضاعٍ غَيرِ مَحدُودةٍ، إنَّما يكُونُ بتَخصِيصٍ وبتَرجِيحٍ، وبقَصدٍ وبإِرادةٍ، ويُخَصَّصُ بطَلَبٍ وقَصدٍ.
فلا شَكَّ أنَّ التّة الساَ يَقتَضِي مُخَصِّصًا، والتَّرجِيحَ يَستَلزِمُ مُرَجِّحًا، وما المُخَصِّصُ والمُرَجِّحُ إلّا الإِرادةُ.
فمَثلًا:إنَّ إِيجادَ جِسمِ الإِنسانِ الشَّبِيهِ بماكِنةٍ مُرَكَّبةٍ مِن مِئاتِ الأَجهِزةِ المُتَبايِنةِ
#31َجِدْ لاتِ المُختَلِفةِ مِن نُطفةٍ، وإِيجادَ الطَّيرِ الَّذي يَملِكُ مِئاتِ الجَوارِحِ المُختَلِفةِ مِن بَيضةٍ بَسِيطةٍ، وإِيجادَ الشَّجَرةِ الَّتي لها مِئاتُ الفُرُوعِ والأَعضاءِ المُتَنوِّعةِ مِن بِذْرةٍ صَغِثُ يَب هذا الإِيجادُ لا رَيبَ أنَّه يَدُلُّ على القُدرةِ والعِلمِ، كما يَشهَدُ شَهادةً قاطِعةً وضَرُورِيّةً لِلإِرادةِ الكُلِّيّةٍ لِصانِعِها الجَلِيلِ، حَيثُ إنَّه سُبحانَه بتلك الإِرادةِ يُخَصِّصُ كلَّ ما يَتَطلَّبُه ذلك الشَّيءُ، ويُعطِي بَرَ با خاصًّا لِكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ ذلك الشَّيءِ ولِكُلِّ عُضوٍ ولِكُلِّ قِسمٍ مِنه فيُلبِسُه وَضْعًا مُعَيَّنًا.
حاصِلُ الكَلامِ:كما أنَّ تَشابُهَ الأَعضاءِ المُهِمّةِ في الأَشياءِ وا الرَّءِ یی مَثلًا یی مِن حَيثُ الأَساسُ والنَّتائِجُ وتَوافُقَها، وإِظهارَها سِكّةً واحِدةً وعَلامةً واحِدةً مِن عَلاماتِ الوَحْدةِ، يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ صانَِيْها ِيعِ الحَيَواناتِ واحِدٌ أَحَدٌ؛ كَذلِك التَّشَخُّصاتُ المُختَلِفةُ لِلحَيَواناتِ والتَّميِيزُ الحَكِيمُ والتَّعيِينُ الدَّقيقُ في سِيماها یی معَ اختِلافاتِها ا قَراُفِها یی تَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ صانِعَها الواحِدَ فاعِلٌ مُختارٌ ومُرِيدٌ، يَفعَلُ ما يَشاءُ، فما شاءَ فَعَل وما لم يَشَأْ لا يَفعَلُ.. فهُو يَعمَلَُّبَبٍُ وإِرادةٍ.
فهُناك إِذًا دَلالاتٌ وشَهاداتٌ على العِلمِ الإِلٰهِيِّ والإِرادةِ الرَّبّانيّةِ بعَدَدِ المَوجُوداتِ بل بعَدَدِ شُؤُونِها، لِذا فإنَّ نَفْيَ قِسمٍ مِنَ وهو ااسِفةِ لِلإِرادةِ الإِلٰهِيّةِ، وإِنكارَ قِسمٍ مِن أَهلِ البِدَعِ لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، وادِّعاءَ قِسمٍ مِن أَهلِ الضَّلالةِ عَدَمَ اطِّلاعِه سُبحانَه على الجُزئيّاتِ، وإِسنادَ الطَّبِيعِيِّينَ لِقِسمٍ مِنَ المَوجُوداتِ إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، كَذِبٌ مُضاعَفٌ وافتِراءٌ شَنِيعٌ تَرفُضُه المَوجُوداتُ بِنه كَِها، بل ضَلالةٌ وبَلاهةٌ أَضعافَ أَضعافِ عَدَدِ المَوجُوداتِ وشُؤُونِها، لِأنَّ الَّذي يُكَذِّبُ شَهاداتٍ صادِقةً لا تُحَدُّ، يَفتَرِي كَذِبًا غَيرَ مَحدُودٍ.
ومِن هُنا يُمكِنُك أن تَقِيسَ كم هو عِظَمُ الخَطَأِ! وكم هو عِظَمُ البُعدِ عنصَّحِيقِيقةِ! وكم هو مُنافٍ لِلصَّوابِ وإِجحافٌ بالحَقِّ، قَولُ البَعضِ عن قَصدٍ: "أَمرٌ طَبِيعيٌّ" بَدَلًا مِن قَولِه: "إن شاءَ اللهُ.. إن شاءَ اللهُ" في الأُمُورِ الَّتي لا تَظهَرُ فتَأْجُودِ إلّا بمَشِيئَتِه سُبحانَه!
— 311 —
الكَلِمَة العاشرة: وهُو على كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ:
أي: لا يَثقُلُ علَيْه شَيءٌ، فما مِن شَيءٍ فيِيِّينةِ الإِمكانِ إلّا وهُو قادِرٌ على أن يُلبِسَه الوُجُودَ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسر.. فهذا الأَمرُ سَهلٌ علَيْه إلى حَدٍّ كأنَّه بمُجَرَّدِ يلٌ با إلَيْه يَحصُلُ الشَّيءُ بمُقتَضَى قَولِه تَعالَى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا... الخ الآية..
إذ كما أنَّ صَنّاعًا ماهِرًا جِدًّا، ما إنْ تَكادُ تَمَسُّ يَدُه الشَّيءَ إلّا ويَبدَأُ بالعَمَلِلِيمةِكِينةِ؛ ويُقالُ تَعبِيرًا عن تلك السُّرعةِ والمَهارةِ: إنَّ ذلك العَمَلَ وتلك الصَّنعةَ سَهلٌ علَيْه ومُسَخَّرٌ بِيَدِه حتَّى كأنَّ العَمَلَ يَتِمُّ بمُجَرَّدِ أَمرِه ومَسِّه، فالأَعمالُ تُنجَزُ والمَصنُوع كامِلوجَدُ.
وكَذلِك الأَشياءُ إِزاءَ قُدْرةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ مُسَخَّرةٌ في مُنتَهَى التَّسخِيرِ، ومُنقادةٌ انقِيادًا تامًّا، وإنَّ نَّ ذلقُدْرةَ تَعمَلُ الأَشياءَ وتُنجِزُها في مُنتَهَى السُّهُولةِ، وبلا مُعالَجةٍ ولا كُلْفةٍ حتَّى عَبَّر القُرآنُ الكَرِيمُ عن ذلك بقَولِه تَعالَى:
إِنَّمَا أَمْرُهُ إُِ بالضرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
سنُبَيِّنُ خَمْسًا مِنَ الأَسرارِ غَيرِ المَحدُودةِ لِهذه الحَقِيقةِ العُظمَى، وذلك في خَمسِ نِكاتٍ:
أُولاها:
إنَّ أَعظَمَ شَيءٍ سَهلٌ ويَسِيرٌ على القُدْرةِ الإِ ويُدرةِ كأَصغَرِ شَيءٍ، فإِيجادُ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ بجَمِيعِ أَفرادِه سَهلٌ كإِيجادِ فَردٍ واحِدٍ؛ وخَلقُ الجَنّةِ الواسِعةِ يَسِيرٌ علَيْها كيُسْرِ خَلقِ الرَّبِيعِ؛ وخَلقُ الرَّبِيعِ سَهلٌ كسُهُولةِ خَلقِ زَهرةٍ واحِدةٍ.
ولقُّحُفِضَحْنا هذا السِّرَّ في أَواخِرِ "الكَلِمةِ العاشِرةِ"، وفي بَيانِ "الأَساسِ الثّالِثِ مِنَ الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ"، وذلك في سِتّةٍ مِنَ الأَسرارِ التَّمثِيليّةِ، وهي: سِرُّ النُّورانيّةِ وسِرُّ الشَّفّافيّةِ وسِرّيرًا مقابَلةِ وسِرُّ المُوازَنةِ وسِرُّ الِانتِظامِ وسِرُّ الطّاعةِ وسِرُّ التَّجَرُّدِ..
— 312 —
وأَثبَتْنا هناك بأنَّ النُّجُومَ والذَّرّاتِ سِيّانِ في السُّهُولةِ إِزاءَ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، وأنَّها تَخلُقُ أَفرادًاأسئلة" مَحدُودِينَ بسُهُولةِ خَلقِ الفَردِ الواحِدِ بلا تَكَلُّفٍ ولا مُعالَجِةٍ.
ولَمَّا كانَت هذه الأَسرارُ السِّتّةُ قد وُضِّحَت في تِلكُما الكَلِمتَينِ، نَختَصِرُ الكَلامَ هنا، ونُحِيلُ إلَيْهِما.
ثانيَتُها:
إنَّ الدّوِيّةٍالقاطِعَ والبُرهانَ السَّاطِعَ على أنَّ كلَّ شَيءٍ سَواءٌ بالنِّسبةِ إلى القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، هو أنَّنا نُشاهِدُ بأَعيُنِنا أنَّ في إِيجادِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ مُنتَهَى الإِتقانِ وغايةَ حُسْنِ الصَّنْعةِ ضِمنَ سعاءٍ، مُطلَقٍ وكَثْرةٍ مُطلَقةٍ.
ويُشاهَدُ فيها أَيضًا مُنتَهَى الِامتِيازِ والتَّفرِيقِ ضِمنَ مُنتَهَى الِاختِلاطِ والِامتِزاجِ.
ويُشاهَدًُا علىأَيضًا مُنتَهَى القِيمةِ الرّاقِيةِ في الصَّنْعةِ وجَمالِ الخِلْقةِ ضِمنَ مُنتَهَى الوَفْرةِ والسَّعةِ.
وتُخلَقُ الأَشياءُ في سُهُولةٍ وسُرعةٍ مُطلَقَتَينِ معَ حاجَتِها إلى أَجهِزةٍ كَثِيرةٍ وزَمانٍ مَدِيدٍ لِإِبرازِ الصَّنعةِ المُتقَ عِيسَحتَّى كأنَّ تلك المُعجِزاتِ لِلصَّنْعةِ البَدِيعةِ تَبْرُزُ لِلوُجُودِ دُفعةً مِن غَيرِ شَيءٍ.
فما نَراه مِن فَعّاليّةِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّ حازُواسِعةِ على سَطحِ الأَرضِ كافّةً وفي كُلِّ مَوسِمٍ تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ أَكبَرَ شَيءٍ إِزاءَ هذه القُدْرةِ الَّتي هي مَنبَعُ هذه الفَع الجَنِ سَهلٌ ويَسِيرٌ كأَصغَرِه، وأنَّ إِيجادَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودِينَ وإِدارَتَهُم يَسِيرٌ علَيْها كإِيجادِ فَردٍ واحِدٍ وإِدارَتِه.
ثالثَتُها:
إنَّ أَكبَرَ كلٍّ كأَصغَرِ جُزءٍ هَيِّنٌ إِزاءَ قُدْرةِ الصّ، وشَف القَدِيرِ الَّذي يُهَيمِنُ بأَفعالِه وتَصرِيفِه الأُمُورَ في الكَونِ وكما هو مُشاهدٌ؛ فإِيجادُ الكُلِّيِّ بكَثْرةٍ مِن حَيثُ الأَفرادُ سَهلٌ كإِيجادِ جُزئيٍّ واحِد كُلِّمكِنُ إِظهارُ إِبداعِ الصَّنْعةِ المُتقَنةِ في أَصغَرِ جُزئيٍّ اعتِيادِيٍّ.
— 313 —
ويَنبَعُ سِرُّ الحِكْمةِ لِهذه الحَقِيقةِ مِن ثَلاثةِ مَنابِعَ:
الأوَّل:إِمدادُ الواحِدِيّةِ.
الثّاني:وَحْدا الوَحْدةِ.
الثّالثُ:تَجَلِّي الأَحَدِيّةِ.
المَنبَعُ الأوَّل: وهُو إِمدادُ الواحِدِيّةِ:
أي: إنْ كان كلُّ شَيءٍ وكلُّ الأَشياءِ مُلكًا لمالِكٍ واحِدٍ، فعِندَئِذٍ يُمكِنُ مِن حَيثُ الواحِدِينَتِأن يُحَشِّدَ قُوّةَ جَمِيعِ الأَشياءِ وَراءَ كلِّ شَيءٍ، ويُدَبِّرَ أُمُورَ جَمِيعِ الأَشياءِ بسُهُولةِ إِدارةِ الشَّيءِ الواحِدِ.. ولِأَجلِ تَقرِيبِ هذا السِّرِّ إلى أَلواحهامِ نقُولُ في تَمثِيلٍ:
بَلَدٌ يَحكُمُها سُلْطانٌ واحِدٌ يَستَطِيعُ أن يَحْشُدَ قُوّةً مَعنَوِيّةً لِجَيشٍ كامِلٍ وَراءَ كلِّ جُندِيٍّ مِن جُنُودِه، وذلك مِن حَيثُ قانُونُ السَّلْطنةِ الواحِدةِ..َ الرّيَستَطِيعُ ذلك الجُندِيُّ الفَردُ أن يَأْسِرَ القائِدَ الأَعظَمَ لِلعَدُوِّ بل يُمكِنُ أنْ يُسَيطِرَ بِاسمِ سُلْطانِه على مَن هو فَوقَ ذلك القائِدِ.
ثمَّ إنَّ ذلك السُّلْطانَ مِوالإِنيَستَخدِمُ ويُدِيرُ أُمُورَ نَفسِه، يُدَبِّیرُ كَذلِك أُمُورَ جَمِيعِ المُوَظَّفِينَ وجَمِيعِ الجُنُودِ أَيضًا بسِرِّ السَّلْطنةِ الواحِدةِ، وكأنَّه يُرسِلُ كلَّ شَخصٍ وكلَّ شَ مُزِجِرِّ سَلْطَنَتِه الواحِدةِ لِإِمدادِ أيِّ فَردٍ كانَ.. يُمكِنُ أن يَستَنِدَ كلُّ فَردٍ مِن أَفرادِ رَعِيَّتِه إلى قُوّةِ جَمِيعِ الأَفرادِ، أي: يَستَطِيعُ أن يَستَمِدَّ مِنها.
ولَؤُلاء حُلَّت حِبالُ تلك الواحِدِيّةِ لِلسَّلطَنةِ، وأَصبَحَتِ السَّلطَنةُ سائِبةً وفَوْضَى، فإنَّ كلَّ جُندِيٍّ عِندَئذٍ يَفقِدُ یی بالمَرّةً یی قُوّةً لا تُحَدُّ، ويَهه وعَدن مَقامِ نُفُوذٍ رَفِيعٍ، ويُصبِحُ في مُستَوَى إِنسانٍ اعتِيادِيٍّ.. وعِندَها تَنجُمُ مَشاكِلُ لِلإِدارةِ والِاستِخدامِ بعَدَدِ الأَفرادِ.
كَذلِك وَلِلَّهِ الْلائِلِ الْأَعْلَى، فصانِعُ هذا الكَونِ لِكَونِه واحِدًا، فإنَّه يَحْشُدَ أَسماءَه المُتَوجِّهةَ إلى جَمِيعِ الأَشياءِ، تِجاهَ كلِّ شَيءٍ، فيُوجِدُ المَصنُوعَ بإِتقانٍ تامٍّ
#31َني أَورةٍ رائِعةٍ؛ وإن لَزِمَ الأَمرُ يَتَوجَّهُ بجَمِيعِ الأَشياءِ إلى الشَّيءِ الواحِدِ، ويُوَجِّهُها إلَيْه، ويَمُدُّه بها ويُقَوِّيه بها.
وإنَّه يَخلُقُ جَمَِدْءِ أَشياءِ أَيضًا بسِرِّ الواحِدِيّةِ، ويَتَصرَّفُ فيها ويُدَبِّرُ أُمُورَها كإِيجادِ الشَّيءِ الواحِدِ.
ومِن هذا السِّرِّ یی سِرّ إِمدادِ الواحِدِيّةِ یی تُشاهَدُ في الكائِناتِ نَوعِيّاتتَتكاميعةٌ قَيِّمةٌ مُتقَنةٌ جِدًّا ضِمنَ وَفْرةٍ مُطلَقةٍ ورُخْصٍ مُطلَقٍ.
المَنبَعُ الثَّاني: الذي هو يُسْرُ الوَحْدةِ:
أي: أنَّ الأَفعالَ الَّتي تَتِمُّ بأُصُولِ الوَحْدةِ ومِن مَركَزٍ واحِدٍ بتَصَرُّفٍ إذ يَ وبقانُونٍ واحِدٍ، تُورِثُ سُهُولةً مُطلَقةً؛ بَينَما إن كانَت تُدارُ مِن مَراكِزَ مُتَعدِّدةٍ، وبقَوانِينَ مُتَعدِّدةٍ، وبأَيْدٍ مُتَعدِّدةٍ تَنجُمُ مُشكِلاتٌ عَوِيصةُ.
مَثلًا:إذا جُهِّزَ جَمِيعُ أَفرادِ الجَيشتّاحٍ َعتِدةِ والتَّجهِيزاتِ مِن مَركَزٍ واحِدٍ، وبقانُونٍ واحِدٍ، وبَأَمرِ قائِدٍ عَظِيمٍ واحِدٍ، يكُونُ الأَمرُ سَهلًا سُهُولةَ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ.. بَينَما إذا أُحِيلَ التَّ يقُول إلى مَعامِلَ مُتَفرِّقةٍ، ومَراكِزَ مُتَعدِّدةٍ يَلزَمُ عِندَئذٍ لِتَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ جَمِيعُ المَعامِلِ العَسكَرِيّةِ الَّتي تُزَوِّدُ الجَيشَ بالمُونَيزاتِ اللّازِمةِ.
بمَعنَى أنَّه إذا أُسنِدَ الأَمرُ إلى الوَحْدةِ فإنَّ تَجهِيزَ الجَيشِ كامِلًا يكُونُ سَهْلًا كتَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ، ولكتَّجهِ لم يُسنَد إلى الوَحْدةِ فإنَّ تَزوِيدَ جُندِيٍّ واحِدٍ بالتَّجهِيزاتِ الأَساسِيّةِ يُوَلِّدُ مَشاكِلَ بعَدَدِ أَفرادِ الجَيشِ.
وكذا إذا زُوِّدَت ثَمَراتُ رِ الطٍ مّا یی مِن حَيثُ الوَحْدةُ یی بالمادّةِ الحَياتيّةِ مِن مَركَزٍ واحِدٍ وبقانُونٍ واحِدٍ واستِنادًا إلى جَذْرٍ واحِدٍ، فإنَّ أُلُوفَ الثَّمَراتِ تَتَزوَّدُ بها بسُهُولةٍ كسُهُولةِ ثَمَعةٌ حتحِدةٍ؛ بَينَما إذا رُبِطَت كلُّ ثَمَرةٍ إلى مَراكِزَ مُتَعدِّدةٍ، وأُرسِلَت مَوادُّها الحَياتيّةُ إلَيْها مِن أَماكِنَ مُختَلِفةٍ، عِندَها تَنجُمُ مُشكِلاتٌ بقَدْرِ عَدَدِ ثَمَراتِ الشَّجَرةِ، لِأنَّ المَوادَّ الحَياتيّةَ الَّتي تُصبِحُ شَجَرةً كامِلةً تَلزَمُ كلَّ ثَمَرةٍ مِنَ الثَّمَراتِ أَيضًا.
— 315 —
وهكذا، فبِمِثلِ هذَينِ التَّمثِيلَينِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فإنَّ صانِعَ هذا الكَونِ لِكَونِه واحِدًا أَحَدًا، ينَّه ي ما يُرِيدُ بالوَحْدةِ؛ ولِأنَّه يَفعَلُ بالوَحْدةِ تَسهُلُ جَمِيعُ الأَشياءِ كالشَّيءِ الواحِدِ، فَضْلًا عن أنَّه يَعمَلُ الشَّيءَ الواحِدَ بفهذه اٍ تامٍّ كالأَشياءِ جَمِيعًا؛ ويَخلُقُ أَفرادًا لا حَدَّ لها في قِيمةٍ رَفِيعةٍ.. فيُظهِرُ جُودَه المُطلَقَ بلِسانِ هذا البَذْلِ المُشاهَدِ والرُّخْصِ غيرِ المُتَناهي، ويُظهِرُ به سَخاءَه المُطلَقَ وخَلّاقِيَّیتَه لَيلََقةَ.
المَنبَعُ الثَّالث: وهو تَجَلِّي الأَحَدِيّة:
أي: إنَّ الصّانِعَ الجَلِيلَ مُنَزَّهٌ عنِ الجِسمِ والجِسمانيّةِ، لِذا لا يَحصُرُه زَمانٌ ولا يُقَيِّدُه مَكانورِ ال يَتَداخَلُ في حُضُورِه وشُهُودِه الكَونُ والمَكانُ، ولا تَحجُبُ الوَسائِطُ والأَجرامُ فِعْلَه بالحُجُبِ.. فلا انقِسامَ ولا تَجَزُّؤَ في تَوَجُّهِه سُبحانَه ولا يَمنَعُ شَ
— 316 —
فبِسِرِّ إِمدادِ الواحِدِيّةِ ويُسْرِ الوَحْدةِ وتَجَلِّي الأَحَدِيّةِ هذه، إذا أُسنِدَت جَمِيعُعنه إذجُوداتِ إلى الصَّانِعِ الواحِدِ، فالمَوجُوداتُ كلُّها تَسهُلُ كالمَوجُودِ الواحِدِ ويكُونُ كلُّ مَوجُودٍ ذا قِيمةٍ عالِيةٍ كالمَوجُوداتِ كُلِّها مِن حَيثُ الإِتقانُ والإِبداعُ.. كما أنَّ دَقائِقَ الصَّنْعةِ المُتقوُوسًالمَوجُودةِ في كلِّ مَوجُودٍ رَغمَ الوَفْرةِ في المَوجُوداتِ تُبيِّنُ هذه الحَقِيقةَ.
بَينَما إنْ لم تُسنَد تلك المَوجُوداتُ إلى الصَّانِع الواحِدِ بالذّاتِ فإنَّ كلَّ مَوجُودٍ عِندَئذٍ يكُونُ ذا مَشاكِلَ بقَدْرِ حَياةِلِ المَوجُوداتِ كُلِّها؛ وإنَّ قِيمةَ المَوجُوداتِ كلِّها تَسقُطُ إلى قِيمةِ مَوجُودٍ واحِدٍ، وفي هذه الحالةِ لا يَأْتِي شَيءٌ إلى الوُجُودِ، أو إذا وُجِد فلا قِيمةَ له ولا ي بل غا شَيئًا.
ومِن هذا السِّرِّ، تَجِدُ السُّوفْسَطائيِّينَ المُوغِلِينَ في الفَلسَفةِ، السَّابِقِينَ فيها قد نَظَرُوا إلى طَرِيقِ الضَّلالةِ والَافُ ممُعْرِضِينَ عن طَرِيقِ الحَقِّ ورَأَوْا أنَّ طَرِيقَ الشِّركِ عَوِيصةٌ وعَسِيرةٌ وغَيرُ مَعقُولةٍ قَطعًا بأُلُوفِ المَرّاتِ مِن طَرِيقِ التَّوحِيدِ، طَرِيقِ الحَقِّ؛ لِذا اضطُرُّوا إلْدةَ اارِ وُجُودِ كلِّ شَيءٍ وتَخَلَّوْا عنِ العَقلِ.
النُّكتة الرابعة:
إنَّ إِيجادَ الجَنّةِ سَهلٌ كإِيجادِ الرَّبِيعِ، وإِيجادَ الرَّبِيعِ يَسِيرٌ كإِيجادِ زَهْرةٍ واحِدةٍ بالنِّسبةِ إلى قُدْرةِكبَرِ العالَمِينَ الَّذي يُصَرِّفُ أُمُورَ هذا الكَونِ بأَفعالِه الظّاهِرةِ المَشهُودةِ، ويُمكِنُ أنْ تكوُنَ قِيمةُ مَحاسِنِ الصَّنْعةِ البَدِيعةِ لِزَهْرةٍ واحِدةٍ ولُطْ كان بْقَتِها بقِيمةِ لَطافةِ الرَّبِيعِ الزّاهِرِ.
إنَّ سِرَّ هذه الحَقِيقةِ ثَلاثةُ أَشياءَ:
الأوَّل:الوُجُوبُ والتَّجَرُّدُ في الصّانِعِ الجَلِيلِ.
الث في كُعَدَمُ التَّقيُّدِ معَ مُبايَنةِ ماهِيَّتِه.
الثَّالثُ:عَدَمُ التَّحَيُّزِ معَ عَدَمِ التَّجَزُّؤِ.
— 317 —
السِّر الأَوَّلُ:إنَّ الوُجُوبَ والتَّجَرُّدَ يُسَبِّبانِ السُّهُولةَ المُطلَقةَ واليُسْرَ المُطلَقَ.
ُما، والسِّرُّ عَمِيقٌ لِلغايةِ ودَقيقٌ لِلغايةِ.. وسنُقَرِّبُه بتَمثِيلٍ إلى الفَهمِ، وذلك:
أنَّ مَراتِبَ الوُجُودِ مُختَلِفةٌ، وعَوالِمَ ، يُظهُوداتِ مُتَبايِنةٌ، لِذا فإنَّ ذَرّةً مِن طَبَقةِ وُجُودٍ ذاتِ رُسُوخٍ في الوُجُودِ تَعدِلُ جَبَلًا مِن طَبَقةِ وُجُودٍ أَقلَّ مِنها رُسُوخًا، وتَستَوعِبُ ذلك الجَبَلَ، فمَثلًا:
إلمُعجِقُوّةَ الحافِظةَ المَوجُودةَ في الإِنسانِ یی وهي لا تَعدِلُ حَبّةَ خَردَلٍ مِن عالَمِ الشَّهادةِ یی تَستَوعِبُ وُجُودًا مِن عالَمِ المَعنَى بمِقْدارِ مَكتَبةٍ ضَخْمةٍ.
وإنَّ مِرآةً صَغِيرةً صِغَرَ يَتَلُورِ مِنَ العالَمِ الخارِجِيِّ، تَضُمُّ مَدِينةً عَظِيمةً جِدًّا منِ طَبَقةِ وُجُودٍ مِن عالَمِ المِثالِ.
فلو كانَت لِتِلك المِرآةِ ولِتِلك القُوّةِ الحافِظةِ اللَّتَ129
ما مِنَ العالَمِ الخارِجِيِّ شُعُورٌ وقُوّةٌ لِلإِيجادِ، لَأَحدَثَتا تَحَوُّلاتٍ وتَصَرُّفاتٍ غَيرَ مَحدُودةٍ في ذلك الوُجُودِ المَعنَوِيِّ و
بِاليِّ، رَغمَ ما فِيهِما مِن قُوّةِ وجُودٍ خارِجِيٍّ صَغِيرٍ ضَئِيلٍ. وهذا يَعنِي أنَّه كُلَّما تَرَسَّخ الوُجُودُ ازْدادَ قُوّةً، فالشَّيءُ القََوْلي يَأْخُذُ حُكمَ الكَثِيرِ، ولا سِيَّما إن كانَ الوُجُودُ مُجَرَّدًا عنِ المادّةِ ولم يَدخُلْ تَحتَ ضَوابِطِ القَيدِ وكَسَبَ الرُّسُوخَ التّامَّ، فإنَّ جَلْوةً جُزئيّةً مِنه تَستََّني لأن تُدِيرَ عَوالِمَ كَثِيرةً مِن سائِرِ الطَّبَقاتِ الخَفِيفةِ مِن عالَمِ الوُجُودِ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى إنَّ الصَّانِعَ الجَلِيلَ لِهذا الكَونِ العَظِيمِ هو واجِبُ الوُجُودِ. أي: أنَّ وُجُودَه ذاتِيٌّ أَزَليٌّ، َعِ سَيٌّ، عَدَمُه مُمتَنِع، زَوالُه مُحالٌ، وأنَّ وُجُودَه أَرسَخُ طَبَقةٍ مِن طَبَقاتِ الوُجُودِ وأَرساها وأَقواها وأَكمَلُها، بَينَما سائِرُ طَبَقاتِ الوُجُودِ بالنِّسبةِ لِوُجُودِه سُبحانَه بمَثابةِ ظِلٍّ في مُنتَهَى الضَّعفِ.
ةٍ، أوَّ هذا الوُجُودَ، واجِبٌ، راسِخٌ، ذُو حَقِيقةٍ، إلى حَدٍّ عَظِيمٍ؛ ووُجُودُ المُمكِناتِ خَفِيفٌ وضَعِيفٌ في مُنتَهَى الخِفّةِ والضَّعفِ، بحَيثُ دَفَع الشَّيخَ مُحيِيَ الدِّينِ بنَ عَرَبيٍّ
— 318 —
وأَمثالَه الكَثِيرِينَ مِن أَهلِ ا المُلِيقِ أن يُنزِلُوا سائِرَ طَبَقاتِ الوُجُودِ مَنزِلةَ الأَوهامِ والخَيالاتِ، فقالوا: "لا مَوجُودَ إلّا هو"، وقَرَّرُوا أنَّه لا يَنبَغِي أن يُقالَ لِما سِوَى الوُجُودِ الواجِبِ وُجُودًا، إذ لا تَستَحِقُّ ه التََّنواعُ مِنَ الوُجُودِ عُنوانَ الوُجُودِ.
وهكَذا، فوُجُودُ المَوجُوداتِ الَّتي هي عَرَضِيّةٌ وحادِثةٌ، وثُبُوتُ المُمكِناتِ الَّتي لا قَرارَ ولا قُوّةَ لها، يَسِيرٌ في مُنتَهَى اليُسرِ إِزاءَ قُدْرةِ واجِبِ الوُجُودِ الذةِ صَحِ الواجِبةِ.. فإِحياءُ جَمِيعِ الأَرواحِ في الحَشرِ الأَعظَمِ ومُحاكَمَتُها سَهلٌ ويَسِيرٌ على تلك القُدرةِ كسُهُولةِ حَشرِ وإِحياءِ الأَوْراقِ والأَزهارِ والثِّمارِ في الرَّبِيعِ بل في حَدِيقةٍ صَغِيرةٍ بل في شَجَيعِ ال السِّرُّ الثَّاني:إنَّ مُبايَنةَ الماهِيّةِ معَ عَدَمِ التَّقيُّدِ يُسبِّبانِ السُّهُولةَ المُطلَقةَ، وذلك: أنَّ صانِعَ الكَونِ جَلَّ جَلالُه لَيسَ مِن جِنسِ الكَونِ بلا شَكٍّ، فلا تَُنَعُوماهِيَّتُه أَيّةَ ماهِيّةٍ كانَت، لِذا فإنَّ المَوانِعَ والقُيُودَ الَّتي هي ضِمنَ دائِرةِ الكائِناتِ لا تَتَمكَّنُ قَطْعًا أن تَعتَرِضَ إِجراءاتِه وتُقيِّدَها، فهُو القادِرُ على إِدارةِ الكَونِ كُلِّه في آنٍ واحِدٍ ويَتَصرَّفُ فقابِلَِرُّفًا مُباشَرًا.
فلو أُحِيلَ تَصرِيفُ الأُمُورِ وأَفعالُه الظَّاهِرةُ في الكَونِ إلى الكائِناتِ أَنفُسِها، لَنَجَمَت مِنَ المُشكِلاتِ والِاختِلاطاتِ الكَثِيرةِ بحَيثُ لا يَبقَى أيُّ انتِظامٍ أَصلًا ولا أيُّ شَيءٍ في الوُجُودِ، بل لا يَأ"عنِ اَصلًا إلى الوُجُودِ.
فمَثلًا:لو أُحِيلَتِ المَهارةُ في بِناءِ القُبّةِ إلى أَحجارِها، وفُوِّض ما يَخُصُّ الضّابِطَ في إِدارةِ الفَوجِ إلى الجُنُودِ أَنفُسِهِمياتِه ّا ألّا تَحصُلَ تلك النَّتِيجةُ ولا تَأْتِيَ إلى الوُجُودِ أَصلًا، أو أن يَحدُثَ فَوْضَى مِن عَدَمِ الِانتِظامِ ومُشكِلاتٌ واختِلاطٌ لِلأُمُورِ؛ بَينَما إذا أُسنِدَتِ المَهارةُ في ئِمّةُ القُبَبِ إلى صَنّاعٍ لَيسَ مِن نَوعِ الحَجَر، وفُوِّضَت إِدارةُ الجُنُودِ في الفَوجِ إلى ضابِطٍ حازَ ماهِيّةَ الضّابِطِ یی مِن حَيثُ الرُّتبةُ یی فإنَّ الصَّنعةَ تَسهُلُ والإِدارةَ تَتَيسَّرُ، حَي شَجَرَ الأَحجارَ وكذا الجُنُودُ يَمنَعُ أَحَدُها الآخَرَ. بَينَما البَنّاءُ والضّابِطُ يَنظُرانِ ويَتَوجَّهانِ ويُدِيرانِ كلَّ نُقطةٍ مِن نِقاطِ البِناءِ أوِ الجُنُودِ دُ سَعِينِعٍ أو عائِقٍ..
— 319 —
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى إنَّ الماهِيّةَ المُقدَّسةَ لِواجِبِ الوُجُودِ لَيسَت مِن جِنسِ ماهِيّةِ المُمكِناتِ، بل جَمِيعُ حَقائِقِ الكائِناتِ لَيسَت إلّا أَشِعّةً لِاسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو اسمٌِيرَ نالأَسماءِ الحُسنَى لِتِلك الماهِيّةِ.
ولَمّا كانَت ماهِيَّتُه المُقَدَّسةُ واجِبةَ الوُجُودِ، ومُجَرَّدةً عنِ المادّةِ، ومُخالِفةً لِلماهِيّاتِ كافّةً، إذ لا مِثلَ ولا مِثالَ ولا مَثِيلَ لها، فإنَّ إِدارةَ الكَونِ إِذًا وتَربِيَتَه ، "قالسبةِ إلى قُدْرةِ ذلك الرَّبِّ الجَلِيلِ الأَزَليّةِ سَهلٌ كإِدارةِ الرَّبِيعِ بل كإِدارةِ شَجَرةٍ واحِدةٍ، وإِيجادَ الحَشرِ الأَعظَمِ والدّارِ الآخِرةِ والٍ يَتَ وجَهَنَّمَ سَهلٌ كإِحياءِ الأَشجارِ مُجَدَّدًا في الرَّبيعِ بَعدَ مَوتِها في الخَرِيفِ.
السِّرُّ الثّالثُ:إنَّ عَدَمَ التَّحَيُّزِ وعَدَمَ الةً في ُّؤِ سَبَبٌ لِلسُّهُولةِ المُطلَقةِ، وذلك:
أنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ لَمّا كانَ مُنزَّهًا عنِ المَكانِ فهُو حاضِرٌ إِذًا بقُدرَتِه في كلِّ مَكانٍ قَطْعًا، وحَيثُ لا تَجَزُّؤَ ولا انقِسامَ، فيُمكِنُ إِذًا أن يَتَوجَّهَ إلى كلِّ جُوبِ،بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى.
وحَيثُ إنَّه حاضِرٌ في كلِّ مَكانٍ ومُتَوجِّهٌ إلى كلِّ شَيءٍ فإنَّ المَوجُوداتِ والوَسائِطَ والأَجرامَ لا تُعِيقُ أَفعالَه ولا تُمانِعُها، بل لوِ افتُرِضَتِ الحاجةُ إلى الأَشياءِ یی ولا حاجةَ إلَيْها أَصلًاظمِ، إنَّها تُصبِحُ وَسائِلَ تَسهِيلٍ ووَسائِطَ وُصُولِ الحَياةِ وأَسبابًا لِلسُّرعةِ في إِنجازِ الأَفعالِ كأَسلاكِ الكَهرَباءِ وأَغصانِ الشالإِنسِ وأَعصابِ الإِنسانِ.. فلا إِعاقةَ إِذًا ولا تَقيِيدَ ولا تَمانُعَ ولا مُداخَلةَ قَطعًا، بل يُصبِحُ كلُّ شَيءٍ بمَثابةِ وَسِيلةِ تَسهِيللهِ تساطةِ سُرعةٍ وأَداةِ إِيصالٍ، أي: لا حاجةَ إلى شَيءٍ مِن حَيثُ الطّاعةُ والِانقِيادُ تِجاهَ تَصارِيفِ قُدْرةِ القَدِيرِ الجَلِيلِ، وحتَّى لوِ افتلَّذينِ الحاجةُ یی ولا حاجةَ أَصلًا یی فإنَّ الأَشياءَ تكُونُ وَسائِلَ تَسهِيلٍ ووَسائِطَ تَيسِيرٍ.
حاصِلُ الكَلامِ:إنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ بما يَلِيقُ به بلا كُلْفةٍ ولا مُعالَجةٍ ولا مُبثالٍ:
، وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ والسُّرعةِ، فهُو سُبحانَه يُوجِدُ الكُلِّيّاتِ بسُهُولةِ إِيجادِ الجُزئيّاتِ ويَخلُقُ الجُزئيّاتِ بإِتقانِ الكُلِّيّاتِ.
— 320 —
نعم، إنَّ خالِقَ الكُلِّيّاتِ والسَّماواتِ والأَر(ص):"خالِقُ الجُزئيّاتِ وأَفرادِ ذَوِي الحَياةِ مِنَ الجُزئيّاتِ الَّتي تَضُمُّها السَّماواتُ والأَرضُ، ولَيسَ غَيرُه، لأنَّ تلك الجُزئيّاتِ الصَّغِيرةَ إنَّمفِقِينِثالٌ مُصَغَّرٌ لِتِلك الكُلِّيّاتِ وثَمَراتُها ونُواها.
وإنَّ مَن كانَ خالِقًا لِتِلك الجُزئيّاتِ لا شَكَّ أنَّه هو الخالِقُ لِما يُحِيطُ بها مِنَ العَناصِرِ والسَّماواتِ والأَرضِ، لِأنَّنا نُشاهِدُ أنِه الُّزئيّاتِ في حُكمِ نُوًى بالنِّسبةِ لِلكُلِّيّاتِ ونُسخةٌ مُصَغَّرةٌ مِنها، لِذا لا بُدَّ أن تكُونَ العَناصِرُ الكُلِّيّةُ والسَّماواتُ والأَرضُ في يَدِ خالِقِ تلك الجُزئيّاتِ كي يُمكِنَ إِدراجُ خُلاصةِ تلك المَوجُوداتِ الشةُ، بّةِ والمُحِيطةِ ومَعانِيها ونَماذِجِها في تلك الجُزئيّاتِ الَّتي هي نَماذِجُها المُصَغَّرةُ على وَفقِ دَساتِيرِ حِكْمَتِه ومَوازِينِ عِلْمِمّةً لنعم، إنَّ الجُزئيّاتِ لَيسَت قاصِرةً عنِ الكُلِّيّاتِ مِن حَيثُ عَجائِبُ الصَّنعةِ وغَرائِبُ الخَلقِ، فالأَزهارُ لَيسَت أَدنَى جَمالًا مِنَ النُّجُومِ الزّاهِرةِ، وِّ، ذلُذُورُ أَحَطُّ قِيمةً مِنَ الأَشجارِ اليافِعةِ، بلِ الشَّجَرةُ المَعنَوِيّةُ المُدرَجةُ بنَقشِ القَدَرِ في البِذْرةِ الصَّغِيرةِ أَعجَبُ مِنَ الشَّجَرةِ المُجَسَّمةِ بنَسجِ القُدْرةِ في البُستانِ.. وإنَّ خَلقَ الُ لك اِ أَعجَبُ مِن خَلقِ العالَمِ.
فكما لو كُتِبَ قُرآنُ الحِكْمةِ بذَرَّاتِ الأَثِيرِ على جَوْهرٍ فَردٍ يُمكِنُ أن يكُونَ أَعظَمَ قِيمةًَلسَفةُرآنِ العَظَمةِ المَكتُوبِ على السَّماواتِ بالنُّجُومِ، كَذلِك هُنالِك كَثِيرٌ جدًّا مِنَ الجُزئيّاتِ هي أَرقَى مِنَ الكُلِّيّاتِ مِن حَيثُ الصَّنعةُ.
النُّكتة الخَامسة:
لقد بَيَّنّا آنِفًا شَيئًا مِن أَسرارِ وحِكَمِ ما يُشاهَدُ َّتي لجادِ الأَشياءِ والمَخلُوقاتِ مِن مُنتَهَى اليُسرِ والسُّهُولةِ ومُنتَهَى السُّرعةِ في إِنجازِ الأَفعالِ.
فوُجُودُ الأَشياءِ بهذه السُّهُولةِ غَيرِ المَحدُودةِ والسُّرعةِ المُتَناهِيةِ، يُورِثُ قَناعةً قاطِعةً للامِ اَهلِ الإِيمانِ أنَّ إِيجادَ الجَنَّةِ إِزاءَ قُدرةِ خالِقِ المَخلُوقاتِ سَهلٌ كإِيجادِ
— 321 —
الرَّبِيعِ، والرَّبِيعُ كالبُستانِ، والبُستانُ كالزَّهرةِ.. وإنَّ حَشرَ البَشَرِ قاطِبةً وبَعثَهُم سَهلٌ كسُهُولةِ إِماتةِ تِلك اوبَعثِه، وذلك مَضمُونُ الآيةِ الكَرِيمةِ:
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وكَذلِك فإنَّ إِحياءَ جَمِيعِ النَّاسِ يَومَ الحَشرِ الأَعظَمِ يَسِيرٌ كيُسرِ جَمعِ الجُنُودِيَطَّلَفرِّقِينَ في الِاستِراحةِ بصَوتٍ مِن بُوقٍ، وهُو مَضمُونُ صَراحةِ الآيةِ الكَرِيمةِ:
إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ
فهذه السُّرعةُ غيِ ووَسُتَناهِيةِ والسُّهُولةُ غيرُ المَحدُودةِ، معَ أنَّها بالبَداهةِ دَلِيلٌ قاطِعٌ وبُرهانٌ يَقِينيٌّ على كَمالِ قُدرةِ الصَّانِعِ جَلَّ جَلالُه، وسُهُولةِ كلِّ شَيءٍ باسعُودٍةِ إلَيْه، إلّا أنَّها أَصبَحَت سَبَبًا لِلِالتِباسِ على أَهلِ الضَّلالةِ، فالْتَبَس في نَظَرِهِم تَشكِيلُ الأَشياءِ وإِيجادُها بقُدرةِ الصَّانِع الجَلِيلِ الَّذي هو سَهلٌ بدَرَجةِ الوُوأَحلا وتَشَكُّلُ الأَشياءِ بنَفسِها والَّذي هو مُحالٌ بأَلفِ مُحالٍ، إذ لِأنَّهُم يَرَوْن مَجِيءَ بَعضِ الأَشياءِ المُعتادةِ إلى الوُجُودِ في غايةِ السُّهُولةِ، فيَتَوهَّمُونَ أنَّها لا تُخلَقُ بل تَتَشكَّلُ بنَفسِها.
فتَأَمّولُوا: دَرَكِ الحَماقةِ السَّحِيقِ حَيثُ يَجعَلُونَ دَلِيلَ القُدرةِ المُطلَقةِ دَلِيلًا على عَدَمِها، ويَفتَحُونَ أَبوابًا لا نِهايةَ لها مِنَ المُحالاتِ، إذ يَلزَمُ عِندَئِذٍ أن تُعطَى كلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرَّاتِ كلِّ مَخلُوقٍ أَوصافَ الكَمالِ الَّتيِثالٍ:زِمةٌ ذاتيّةٌ لِلصَّانِعِ الجَلِيلِ كالقُدرةِ المُطلَقةِ والعِلمِ المُحِيطِ وأَمثالِها حتَّى تَتَمكَّنَ مِن تَشكِيلِ نَفسِها بنَفسِها.
الكلمة الحاديةَ عَشْرةَ:اللهِ ْه المَصِيرُ:
أي: إلَيْه المَآبُ مِن دارِ الفَناءِ إلى دارِ البَقاءِ، وإلَيْه الرُّجعَى في المَقَرِّ الأَبدِيِّ لِلقَدِيمِ البَاقي، وإلَيْه المَساقُ مِن دائِرةِ الأَسبابِ الكَثِيرةِ إلى أَذًىةِ قُدرةِ الواحِدِ الأَحَدِ، وإلَيْه المُضِيُّ مِنَ الدُّنيا إلى الآخِرةِ.. أي: مَرجِعُكُم إنَّما هو دِيوانُه ومَلجَؤُكُم إنَّما هو رَحمَتُه.. وهأَحِبّفِيدُ هذه الكَلِمةُ كَثِيرًا مِن أَمثالِ هذه الحَقائِقِ.
— 322 —
أمَّا ما في هذه الحَقائِقِ مِنَ الحَقِيقةِ الَّتي تُفِيدُ الرُّجُوعَ إلى الجَنّةِ ونَيلَ اعلَمْادةِ الأَبدِيّةِ، فقد أَثبَتْناها إِثباتًا قاطِعًا لا يَدَعُ حاجةً إلى بَيانٍ آخَرَ، وذلك في البَراهِينِ الِاثنَي عَشَرَ القاطِعةِ في "الكَلِمةِ العاشماراتٌ وفي الأُسُسِ السِّتّةِ الَّتي تَتَضمَّنُها "الكَلِمةُ التّاسِعةُ والعِشرُونَ" ودَلائِلِها الكَثِيرةِ القاطِعةِ بقَطْعِيّةِ شُرُوقِ الشَّمسِ بَعدَ مَغِيبِها.. وقد أَثبَتَت تِلكُما الكَلِمَتانِ: أنَّ الحَياةَ الَّلِذَلِشَمسٌ مَعنَوِيّةٌ لِهذه الدُّنيا ستَطلُعُ طُلُوعًا باقِيًا صَباحَ الحَشرِ بَعدَ غُرُوبِها بخَرابِ الدُّنيا. وسيَفُوزُ قِسمٌ مِنَ الجِنِّ والإِنسِ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ ويَنالُ قِسمٌ مِنهُمُ الشَّقاءَ الدّائِمَ.
ولَمّا كانَتِ الكَلِمَها حاالعاشِرةُ" و"التَّاسِعةُ والعِشرُونَ" قد أَثبَتَتا هذه الحَقِيقةَ على أَتَمِّ وَجهٍ فإنَّنا نُحِيلُ الكَلامَ إلَيْهِما ونقُولُ:
إنَّ الصَّانِعَ الحَكِيمَ لِهذا الكَونِ والخالِقَ الرَّحِيمَ لِهذا الإِنسانِ الَّذي له عِلمٌ مُحِيطٌ مُطلوِيّةُِرادةٌ كُلِّيّةٌ مُطلَقةٌ وقُدرةٌ مُطلَقةٌ یی كما أُثبِتَت في التَّوضِيحاتِ السَّابِقةِ إِثباتًا قاطِعًا یی قد وَعَد بالجَنّةِ والسَّعادةِ الأَبد، حامِلِلمُؤمِنِينَ في جَمِيعِ كُتُبِه وصُحُفِه السَّماوِيّةِ؛ وإذ قد وَعَدَ فلا شَكَّ أنَّه سيُنجِزُه، لِأنَّ إِخلافَ الوَعدِ مُحالٌ علَيْه، إذ إنَّ عَدَمَ إِيفاءِ ازائِها نَقصٌ مُشِينٌ، والكامِلُ المُطلَقُ مُنزَّهٌ عنِ النَّقصِ ومُقدَّسٌ عنه.. وإنَّ عَدَمَ إِنجازِ المَوعُودِ، إمَّا أنَّه ناتِجٌ مِنَ الجَهلِ أوِ العَجزِ، والحالُ أنَّه مُحالٌ في حَقِّ ذلك ارآنِ فرِ المُطلَقِ والعَلِيمِ بكُلِّ شَيءٍ الجَهلُ والعَجزُ قَطعًا.. فخُلفُ الوَعدِ إِذًا مُحالٌ.
ثمَّ إنَّ جَمِيعَ الأَنبِياءِ عَلَيهم السَّلَام یی وفي مُقدِّمَتِهِم فَخرُ العالَمِ (ص) یمَرَ مِيعَ الأَولِياءِ وجَمِيعَ الأَصفِياءِ وجَمِيعَ المُؤمِنِينَ يَسأَلُونَ دَوْمًا ذلك الرَّحِيمَ الكَرِيمَ ما وَعَدَه مِن سَعادةٍ أَبدِيّةٍ، ويَتَضرَّْتِي أإلَيْه ويَطلُبُونَها مِنه.
فَضْلًا عن أنَّهُم يَسأَلُونَها معَ جَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، لِأنَّ أَسماءَه وفي المُقدِّمةِ رَأْفتُه ورَحْمتُِ بَغْالَتُه وحِكْمَتُه، واسمَ الرَّحمٰنِ والرَّحِيمِ واسمَ العادِلِ والحَكِيمِ ورُبُوبيَّتَه المُطلَقةَ وسَلطَنَتَه المَهِيبةَ واسمَ الرَّبِّ واسمَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، وأَمثالَِيّةُ أَكثَرِ الأَسماءِ الحُسنَى تَقتَضِي الآخِرةَ والسَّعادةَ الأَبدِيّةَ وتَستَلزِمُها وتَشهَدُ لِتَحَقُّقِها
— 323 —
وتَدُلُّ علَيْها، بل إنَّ جَمِيعَ المَوجُوداتِ بجَمِيعِ حَقائِقِها تُشِيرُ إلى دارِ الآخِرِة (كما أُثبِترُ:
لكَلِمةِ العاشِرةِ).
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الحَكِيمَ بأُلُوفِ آياتِه الجَلِيلةِ وبَيِّناتِ بَراهِينِه الصّادِقةِ القاطِعةِ يَدُلُّ على تلك الحَقِيقةِ ويٍُ رَآهُها.
ثمَّ إنَّ الحَبِيبَ الكَرِيمَ (ص) وهُو فَخرُ الإِنسانيّةِ قد دَرَّس تلك الحَقِيقةَ وعَلَّمَها، مُستَنِدًا إلى أُلُوفِ مُعجِزاتِه الباهِرةِ، طَوالَ حَ
ورالمُبارَكةِ، وبكُلِّ ما آتاه اللهُ مِن قُوّةٍ وأَثبَتَها وأَعلَنَها وشاهَدَها وأَشهَدَها.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلَيهِ وعَلى آلِه وصَحبِه بِعَدَدِ أَنفَاسِ أَهلِ الجَنَّةِ نُوا مجَنَّةِ، واحشُرنَا ونَاشِرَهُ ورُفَقَاءَهُ وصَاحِبَهُ سَعِيدًا ووَالِدِينَا وإِخوَانَنَا وأَخَوَاتِنَا تَحتَ لِوَائِه، وارزُقنَا شَفَاعَتَهُ، وأَدخِلنَنِّ وانَّةَ مَعَ آلِه وأَصحَابِه، بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ
آمِينَ آمِينَ.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِيةِ ك أَنْتَ الْوَهَّابُ
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ٭ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ٭ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ٭ يَفْقَهُوا قَوْلِي
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعَُعِ صُلِيمُ
وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭٭٭
— 324 —
ذيلُ
الكلمة العاشرة من اءٍ لا العشرين
بِاسمِهِ سُبحَانَهُ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوعابِدَِرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَُقُ ال
سُؤالٌ:لقد ذَكَرتَ في مَواضِعَ عَدِيدةٍ:
أنَّ في الوَحدةِ مُنتَهَى السُّهُولةِ، وفي الكَثرةِ والشِّركِ غايةَ الصُّعُوباتِ. وتقُولُ أَيضًا: إنَّ في الوَحدةِ سُهُولةً بدَرَجةِ الوُجِ وهُووفي الشِّركِ صُعُوبةً بدَرَجةِ الِامتِناعِ. والحالُ أنَّ ما بَيَّنتَه مِنَ المُشكِلاتِ والمُحالاتِ تَجرِي أَيضًا في جِهةِ الوَحدةِ.. فمَثلًا: تقُولُ: إن لم تكُنِ الذَّرّاتُ مَأْمُوراتٍ، يَلزَمُ أن يكُونَ في كلِّ ذَرّةٍ إِمّا عِمِنَ احِيطٌ وقُدرةٌ مُطلَقةٌ أو مَكائِنُ ومَطابِیعُ مَعنَوِيّةٌ غيرُ مَحدُودةٍ، وهذا مُحالٌ بمِئةِ ضِعفٍ، بَينَما لو أَصبَحَت تلك الذَّرّاتُ مَأْمُوراتٍ إِلٰهِيّةً يَلزَمُ أَيضًا أن تكُونَ مَظهَرًا لِةَ، ويلأُمُورِ كي تَستَطِيعَ القِيامَ بالوَظائِفِ الَّتي أُنِيطَت بها، وهِي وَظائِفُ لا تُحَدُّ.. أُرِيدُ حلًّا لِهَذا!
الجَوابُ:لقد أَثبَتْنا في "كَلِماتٍ" كَثَِتِ النَّه:
إذا أُسنِدَ إِيجادُ المَوجُوداتِ كُلِّها إلى صانِعٍ واحِدٍ يكُونُ الأَمرُ سَهلًا هَيِّنًا بسُهُولةِ إِيجادِ مَوجُودٍ واحِدٍ؛ وإن أُسنِدَ إلى الأَسبابِ الكَثِيرةِ والطَّب فيا فإنَّ خَلْقَ ذُبابةٍ واحِدةٍ
— 325 —
يكُونُ صَعبًا كخَلقِ السَّماواتِ، ويكُونُ خَلقُ الزَّهرةِ عَسِيرًا بقَدْرِ خَلْقِ الرَّبِيعِ، وكذا الثَّمَرةُ بقَدْرِ البُستانِ.
ولَمّا كانَت هذه المَسأَلةُ قد وُضِّحَت وأُثبِتَت في "كَلِماتٍ" أُخسٍ وجاُحِيلُ إلَيْها، إلّا أنَّنا نُشِيرُ هنا بثَلاثِ إِشاراتٍ في ثَلاثِ تَمثِيلاتٍ تُحَقِّقُ اطْمِئْنانَ النَّفسِ تِجاهَ هذه الحَقِيقةِ.
التَّمثِيلُ الأوَّلُ:إنَّ ذَرّةً صَغِيرةً شَفَّافةً لَمّاعةً لا تَسَع في الَ عُودِ ثِقابٍ بالذّاتِ، ولا تكُونُ مَصدَرًا له، إذ يُمكِنُ أن يكُونَ لها نُورٌ بالأَصالةِ بقَدْر جِرْمِها وبمِقْدارِ ماهِيَّتِها كذَرّةٍ جُ وإلَي؛ ولكن إذا ما انتَسَبَت إلى الشَّمسِ وفَتَحَت عَينَها تِجاهَها ونَظَرَت إلَيْها، فإنَّ تلك الذَّرّةَ الصَّغِيرةَ يُمكِنُ أن تَستَوعِبَ تلك الشَّمسَ بضِيائِها وأَلوانِها السَّبعةِ وحَرارَتِها حتَّى بمَسافَتِها، وتَنالَ نَوعًا مِن مَظاهِرِ َبِيبِِيها الأَعظَمِ، بمَعنَى أنَّ تلك الذَّرّةَ إن بَقِيَت سائِبةً دُونَ انتِسابٍ، مُستَنِدةً إلى ذاتِها، فإنَّها لا تَعمَلُ شَيئًا إلّا بقَدْرِ الذَّرّةِ، ولكِن إن عُدَّت مَأمُورةً لَدَى الشَّمسِ ومَنسُوبةً إلَيْها ومِرِّبةُ،ا، فإنَّها تَستَطِيعُ أن تُظهِرَ قِسمًا مِن نَماذِجَ جُزئيّةٍ لِإِجراءاتِ الشَّمسِ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فإنَّ كلَّ مَوجُودٍ، حتَّى كلُّ ذَرّةٍ، إذا أُسنِدَت إلى الكَثْرةِ والئِدِ م وإلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ وإلى نَفسِها، فإمَّا أن تكُونَ كلُّ ذَرّةٍ وكلُّ مَوجُودٍ، مالِكةً لِعِلمٍ مُحِيطٍ بكُلِّ شَيءٍ ولِقُدْرةٍ مُطلَقةٍ، وإمّا أن تَتَشكَّلَ فيها مَطابِعُ ومَكائِنُ مَعنَوِيَّةٌ لا حَدَّ لها، كي تُؤَدِّيَ أَعمالَهانَما تي أُودِعَت فيها؛ ولكِن إذا أُسنِدَت تلك الذَّرّاتُ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، فعِندَئِذٍ يَنتَسِبُ إلَيْه كلُّ مَصنُوعٍ وكلُّ ذَرّةٍ ويكُونُ كالمُوَظَّفِ المَأْمُورِ لَدَيه، وانتِسابُه هذا طَرِيقُه يَنالُ تَجَلِّيًا مِنه، وبهذه الحُظْوةِ والِانتِسابِ يَستَنِدُ إلى عِلمٍ مُطلَقٍ وقُدْرةٍ مُطلَقةٍ، فيُنجِزُ مِنَ الأَعمالِ ويُؤَدِّي مِنَ الوَظائِفِ ما يَفُوقُ قُوَّتَه بمَلايِينِ المَفَردٍ ، وذلك بقُوّةِ خالِقِه وبسِرِّ ذلك الِاستِنادِ والِانتِسابِ.
التَّمثِيلُ الثَّاني:أَخَوانِ: أَحَدُهُما شُجاعٌ يَعتَمِدُ على نَفسِه ويَعتَدُّ بها، والآخَرُ شَهمٌ غَيُورٌ يَملِكُ حَم مَدْر الدِّفاعِ عنِ الوَطَنِ؛ فعِندَ نُشُوبِ الحَربِ، لا يَنتَسِبُ الأَوَّلُ إلى الدَّولةِ
— 326 —
لِاعتِدادِه بنَفسِه، بل يَرغَبُ أن يُؤَدِّيَ الأَعمالَ بنَفسِه مِمّا يَضطَرُّه هذا إلى حَملِ مَنابِیعِ قُوَّتِه على ظَهْر على هُلجِئُه إلى نَقلِ تَجهِيزاتِه وعَتادِه بقُدْرَتِه المَحدُودةِ، لِذا لا يَستَطِيعُ هذا أن يُحارِبَ العَدُوَّ إلّا بمِقدارِ تلك القُوّةِ الشَّخصِيّةِ الضَّئِيلةِ، فتَراه بالكادِ يَستَطِيعُ مُجابَهةَ عَرِيفٍ في جَيشِ العَدُوِّ لا أبعُ:ر.. أمّا الأَخُ الآخَرُ غيرُ المُعتَدِّ بنَفسِه بل يَعُدُّ نَفسَه عاجِزًا لا قُوّةَ له، فانتَسَب إلى السُّلطانِ وانخَرَطَ في سِلكِ الجُندِيّةِ، فأَصبَحَ جَيشُ الدَّولةِ العَظِيمُ نُقطةَ استِنادٍ له بذلك الِانتِسابِ.
وخاضَ غِمارَ الحَربنَّ جََّةٍ مَعنَوِيَّةٍ عَظِيمةٍ يَمُدُّها ذلك الِانتِسابُ، تُعادِلُ قُوّةَ جَيشٍ عَظِيمٍ حَيثُ يُمكِنُ لِلسُّلطانِ أن يَحشُدَها له، فحارَبَ العَقائِد حتَّى جابَه مُشِيرًا عَظِيمًا مِنَ العَدُوِّ المَغلُوبِ فأَمسَك به أَسِيرًا، وجَلَبَه إلى مُعَسكَرِه باسمِ السُّلطانِ.
وسِرُّ هذه الحالةِ وحِكْمَتُها هي:
ينَ لَِ الشَّخصَ الأَوَّلَ السَّائِبَ لِكَونِه مُضطَرًّا إلى حَملِ مَنابِعِ قُوَّتِه وتَجهِيزاتِه، لم يَقدِرْ إلّا على عَمَلٍ جُزئيٍّ جِدًّا، أمّا هذا المُوظَّفُ فلَيسَ مُضطَرًّا إلى حَملِ مَنابِعِ قُو.. وهكبنَفسِه، بل يَحمِلُ عنه ذلك الجَيشُ بأَمرِ السُّلطانِ، فيَربِطُ نَفسَه بتلك القُوّةِ العَظِيمةِ بالِانتِسابِ، كمَن يَربِطُ جِهازَ هاتِفِه بسِلكٍ بَسِيطٍ بأَسلاكِ هَواتِفِ الدَّوْلةِ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى إذا يها أََ كلُّ مَخلُوقٍ وكلُّ ذَرّةٍ مُباشَرةً إلى الواحِدِ الأَحَدِ، وانتَسَب إلَيْه، فعِندَئِذٍ يَهدِمُ النَّملُ صَرحَ فِرعَونَ ويُهلِكُه، ويَصرَعُ البَعُوضُ النُّمرُودَ ويَقذِفُه إلى جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ،ن أن يِلُ جُرثُومةٌ صَغِيرةٌ ظالِمًا جَبَّارًا القَبْرَ، وتُصبِحُ بِذْرةُ الصَّنَوبَرِ الصَّغِيرةُ بمَثابةِ مَصنَعٍ لِشَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ ضَخامةَ الجَبَلِ، وتَتَمكَّنَُ في غاتُ الهَواءِ أن تُؤَدِّيَ أَعمالًا مُنتَظِمةً مُختَلِفةً لِلأَزهارِ والثَّمَراتِ وتَدخُلَ في تَشكِيلاتِها المُتَنوِّعةِ، كلُّ ذلك بحَولِ سَيِّدِ المَخلُوقِ وبقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ.. فهذه السُّهُولةُ المُشاهَدةُ كلُّها نابِعةٌي شَهاداهةِ مِنَ التَّوظِيفِ والِانتِسابِ، بَينَما إذا انقَلَب الأَمرُ إلى التَّسَيُّبِ والفَوضَى، وتُرِك الحَبلُ على غارِبِه، وعلى نَفسِ الشَّيءِ والأَسبابِ والكَثرةِ، وسُلِكَ ُدَّعَُ الشِّركِ، فعِندَئِذٍ لا يُنجِزُ الشَّيءُ مِنَ الأَعمالِ إلّا بقَدْرِ جِرمِه ومِقدارِ شُعُورِه.
— 327 —
التَّمثِيلُ الثَّالثُ:صَدِيقانِ يَررَسُول في كِتابةِ بَحثٍ يَحوِي مَعلُوماتٍ إِحصائيّةً جُغرافيّةً حَولَ بِلادٍ لم يُشاهِداها أَصلًا، فأَحَدُهُما يَنتَسِبُ إلى سُلطانِ تلك الب" كالآويَدخُلُ دائِرةَ البَرِيدِ والبَرقِ، ويُتِمُّ مُعامَلاتِ رَبطِ خَطِّ هاتِفِه ببَدّالةِ الدَّولةِ لِقاءَ أُجرةٍ زَهِيدةٍ، ويَتَمكَّنُ بهذه الوَسِيلةِ أن يَتَّصِلَ معَ الجِهاتِ ويَتَسلَّمَ مِنها المَعلُوماتِ السَّذا كَتَب بَحثًا فيما يَخُصُّ الإِحصائيّاتِ الجُغرافيّةَ، في غايةِ الجَوْدةِ والإِتقانِ والعِلمِيّةِ.
أمّا الآخَرُ: فإمّا أنَّه سيَسِيحُ دقتَضَىطَوالَ خَمسِينَ سَنةً ويَقتَحِمُ المَصاعِبَ والمَهالِكَ لِيُشاهِدَ تلك الأَماكِنَ بنَفسِه، ولِيَسمَعَ الأَحداثَ بنَفسِه.. أو يُنفِقُ مَلايِينَ اللَّيراتِ لِيَمُدَّ أَسلاكَ الهاتِفِ كما هي لِلدَّوْلةِ، ويكُونُ مالِكًا لِأَجهِزنَّ تَُخابَرةِ البَرقيّةِ كما لِلسُّلطانِ كي يكُونَ بَحثُه قَيِّمًا كبَحثِ صاحِبِه.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى إذا أُسنِدَتِ المَخلُوقاتُ غيرُ المَحدُودةِ والأَشياءُ غيرُ المَعدُودةِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، فكُلُّ شَيءٍ عِندَئذٍ يكُ69
هذاظهَرًا بذلك الِارتِباطِ، ويكُونُ مَوضِعَ تَجَلٍّ مِن ذلك النُّورِ الأَزَليِّ، إذ يَرتَبِطُ بقَوانِينِ حِكْمَتِه، وبدَساتِيرِ عِلمِه، وبنَوامِيسِ قُدرَتِه جلَّ وعَلا، وعِندَها يَرَى كلَّ شَيءٍ بحَولِ اللهِ وبقُوَّتِه، ويَحظَى بَهَّل ٍ رَبّانِيٍّ يكُونُ بمَثابةِ بَصَرِه النّاظِرِ إلى كلِّ شَيءٍ ووَجْهِه المُتَوجِّه إلى كلِّ شَيءٍ وكَلامِه النّافِذِ في كلِّ شَيءٍ.
وإذا قُطِعَ ذلك الِانتِسابُ يَنقَطِعُ أَيضًا كلُّ شَيءٍ مِنَ الأَشياءِ عن ذلك الشَّيءِ، ويَنكَمِشُ الش تُغنيبقَدْرِ جِرمِه؛ وفي هذه الحالةِ علَيْه أن يكُونَ صاحِبَ أُلُوهِيّةٍ مُطلَقةٍ لِيَتَمكَّنَ مِن أن يُجرِيَ ما يُجرِي في الوَضعِ الأَوَّلِ!!
زُبدةُ الكَلامِ:إنَّ في طَرِيقِ الوَحْدةِ والإِيمانِ سُهُولةً مُفي الم بدَرَجةِ الوُجُوبِ، بَينَما في طَرِيقِ الشِّركِ والأَسبابِ والكَثرةِ مُشكِلاتٌ وصُعُوباتٌ بدَرَجةِ الِامتِناعِ، لِأنَّ الواحِدَ يُعطِي وَضْعًا مُعَيَّنًا لِكَثِيرٍ مِنَ الأَشياءِ، ويَستَحصِلُ مِنها نَتِيجةً مُعَيَّنةً دُونَ عَنينَ، فَينَما لو أُحِيلَ اتِّخاذُ ذلك الوَضعِ واستِحصالُ تلك النَّتِيجةِ إلى تلك الأَشياءِ الكَثِيرةِ، لَمَا أَمكَن ذلك إلّا بتَكالِيفَ وصُعُوباتٍ كَثِيرة جِدًّا وبحَرَكاتٍ كَثِيرةٍ جًا.
— 328 —
فكما ذُكِرَ في "المَكتُوبِ الثَّالِثِ": إنَّ جَوَلانَ جُيُوشِ النُّجُومِ وجَرَيانَها في مَيدانِ السَّماواتِ تَحتَ رِياسةِ الشَّمسِ والقَمَرِ وإِعطاءَ كلِّ لَيْلةٍ وكلِّ سَنةٍ مَنظَرًا رائِعًا بَهِيجًا، ةِ.. لًا لِلذِّكرِ والتَّسبِيحِ، ووَضْعًا مُؤْنِسًا جَذّابًا، وتَبدِيلَ المَواسِمِ وإِيجادَ أَمثالِها مِنَ المَصالِحِ والنَّتائِجِ الأَرضِيّةِ الحَكِيمةِ الرَّفيعةِ.. إذا أُسنِدَت هذه الأَفعالُ إلى الوَحْدةِ فذلك السَّج بهم الأَزَليُّ يُجرِيها بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ كتَحرِيكِ جُندِيٍّ واحِدٍ، مُسَخِّرًا الأَرضَ الَّتي هي كجُندِيٍّ في جَيشِ السَّماواتِ ومُعَيِّنًا لها قائِدًا عامًّا على الأرٍ إلّ العُلْوِيّةِ؛ وبَعدَ تَسَلُّمِها الأَمرَ تَنتَشِي بنَشْوةِ التَّوظِيفِ وتَهتَزُّ لِسَماعِها كالمَوْلَوِيِّ في انجِذابٍ واشتِياقٍ، فتَحصُلُ تلك النَّتائِجُ المُهِمّةُ وذلك الوَضعُ الجَمِيلُ بتَكالِيفَ قَلِيلةٍ جِدًّا.
ولكِنَّ في ِيلَ لِلأَرضِ: قِفِي! لا تَتَدخَّلِي في الأَمرِ، وأُحِيلَ استِحصالُ تلك النَّتِيجةِ وذلك الوَضعِ إلى السَّماواتِ نَفسِها، وسُلِكَت طَرِيقُ الكَثْرةِ والشِّركِ بَدَلَ الوَحْدةِ، ةِ، إلُ عِندَئِذٍ أن تَقطَعَ مَلايِينُ النُّجُومِ یی كلٌّ مِنها أَكبَرُ بأُلُوفِ المَرّاتِ مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ یی كلَّ يَومٍ وكلَّ سَنةٍ مَسافةَ مِلياراتَثُوا ِنِينَ في أَربَعٍ وعِشرِينَ ساعةً.
نَتِيجةُ الكَلامِ:إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يُفوِّضُ أَمرَ المَخلُوقاتِ غيرِ المَحدُودةِ إلى الصَّانِعِ الواحِدِ، ويُسنِدُ إلَيْه كلُّذُورٍَ مُباشَرةً، فيَسلُكُ طَرِيقًا سَهلًا بدَرَجةِ الوُجُوبِ، ويَدعُو إلَيْها.. وكَذلِك يَفعَلُ المُؤمِنُونَ.
أمَّا أَهلُ الشِّركِ والطُّغْيانِ فإنَّهُم بإِسنادِهِمُ المَصنُوعَ الواحِدَ إلى أَسبابٍ لا حَدَّ لها يَسلُكُونَ طَرِيقًا مَّ يَا إلى دَرَجةِ الِامتِناعِ، بمَعنَى أنَّ جَمِيعَ المَصنُوعاتِ في مَسلَكِ القُرآنِ بسُهُولةِ إِيجادِها مُساوِيةٌ لِمَصنُوعٍ واحِدٍ في مَسلَكِ أهل الشِّركِ، بل إنَّ صُدُورَ جَمِيعِ الأَشياءِ مِنَ الواحِدِ الأَحَدِ أَسهَُمُ الهوَنُ بكَثِيرٍ مِن صُدُورِ شَيءٍ واحِدٍ مِن أَشياءَ لا حَدَّ لها، فإنَّ ضابِطًا واحِدًا يُدَبِّرُ أَمرَ أَلفِ جُندِيٍّ بسُهُولةِ أَمرِ جُندِيٍّ واحِدٍ، بَينَما إذا أُحِيلَ تَدبِيرُ أَمرِ جُندِيٍّ واحِدٍ إلى أَلفٍ ذاتَ الضُّبّاطِ فالأَمرُ يَستَشكِلُ ويَصعُبُ بأَلفِ ضِعفٍ وضِعفٍ، وتَنشَأُ الِاختِلاطاتُ والِاضطِراباتُ والمُماحَكاتُ.
— 329 —
وهكذا تُنزِلُ الآيةُ الكَرِيمةُ الآتيةُ ضَرَباتِها القَوِيّةَ وصَفَعاتِها على رَأْسِ أَهلِ َأَ باكِ وتُصَدِّعُه:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا اِيفِ، دُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مةِ التدٍ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ الكَائِنَاتِ، وعَلَى آلِه وصَحبِه أجمَعِينَ. آمِينَ. والحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا أحَدُ يَا وَاحِدلِّه، صَمَدُ.. يَا مَن لَا إلٰهَ إلَّا هُوَ وَحدَهُ لَا شَريكَ لَهُ.
يَا مَن لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ.. ويَا مَن يُحيي ويُميتُ.. يَا مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ.
يَا مَن هُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ َشجارٌِ.. يَا مَن إلَيهِ المَصيرُ.. بِحَقِّ أسرَارِ هذِهِ الكَلِمَاتِ اجْعَلْ نَاشِرَ هذِهِ الرِّسَالَةِ ورُفَقَاءَهُ وصَاحِبَهَا سَعِيدًا مِنَ المُوَحِّدِينَ الكَامِلِينَ ومِنَ الصِّدِّيقِينَ المُحَق وأنََّ، وَمِنَ المُؤمِنينَ المُتَّقينَ.. آمِينَ.
اللَّهُمَّ بِحَقِّ سِرِّ أحَدِيَّتِكَ اجعَل نَاشِرَ هذَا الكِتَابِ نَاشِرًا لِأسرَارِ التَّلسَّيْ وقَلبَهُ مَظهَرًا لِأنوَارِ الإيمَانِ، ولِسَانَهُ نَاطِقًا بِحَقَائِقِ القُرآنِ..
آمِينَ آمِينَ آمِينَ.
٭٭٭
— 330 —
المكتوب الحادي والعشرون
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ ه الآفدِه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهرُ علىُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ٭ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صِطْلٍ ا ٭ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا
أيُّها الغافِلُ، ويا مَن يَسكُنُ في بَيحثُ البٌ شَيخٌ، أو أُمٌّ عَجُوزٌ، أو أَحَدٌ مِن ذَوِي قُرباه، أو أَخٌ في الدِّينِ مُقعَدٌ، أو شَخصٌ عاجِزٌ عَلِيلٌ.. انظُر إلى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ بدِقّةٍ وإِمعانٍ، انظُر كَيفَ أنَّ مِن نواحِدةً تَجلُبُ لِلوالِدَينِ العَجُوزَينِ خَمسةَ أَنواعٍ مِنَ الرَّحمةِ بصُوَرٍ مُختَلِفةٍ وأَشكالٍ مُتَعدِّدةٍ!
نعم، إنَّ أَسمَى حَقِيقةٍنَوِيّدُّنيا هي شَفَقةُ الأُمَّهاتِ والآباءِ حِيالَ أَوْلادِهِم، وإنَّ أَعلَى الحُقُوقِ كَذلِك هو حَقُّ احتِرامِهِم مُقابِلَ تلك الشَّفَقةِ والرَّأفةِ؛ ذلك لِأنَّهُم يُضَحُّونَ بحَياتِهِم فِدًى لِحَياةِ أَوْلادِهِم بكُلِّ لَذَّةٍ وسمَشاكِ.. ولِذلِك فإنَّ كلَّ وَلَدٍ یی إنْ لم تَسقُط إِنسانيَّیتُه ولم يَنقَلِب بَعدُ إلى وَحشٍ یی لا بُدَّ أن يُوَقِّرَ بإِخلاصٍ أُولَئِك الأَحِبّةَ
— 331 —
المُحتَرَمِينَ، المُضَحِّينَ الصَّادِقينَ، ويَقُومَ بخِدِْنْ مِم خِدمةً صادِقةً، ويَسعَى لِنَيلِ رِضاهُم وإِدخالِ البَهجةِ في قُلُوبِهِم.. إنَّ العَمَّ والعَمّةَ هما في حُكمِ الأَبِ، وإنَّ الخالةَ والخالَ في حُكمِ الأُمِّ.. فاعْلَمْ ما أَشَدةٍ فلاِدامًا لِلضَّمِيرِ استِثقالُ وُجُودِ هَؤُلاءِ الشُّيُوخِ المَيامِينِ واستِرغابُ مَوتِهِم! بل ما أَشَدَّه مِن دَناءةٍ ووَضاعةٍ بالمَرّةِ! اعْلَمْ هذا.. واصْحُ!
أَجَل.. افْهَمْ ما أَقذَرَه مِن ظُلمٍ وما أَفظَعَه مِنِ انعِدامٍ لِلضّدائِرة أن يَتَمنَّى مُتَمَنٍّ زَوالَ الَّذي ضَحَّى بحَياتِه كُلِّها في سَبِيلِ حَياتِه هو!
أيُّها الإِنسانُ المُبتَلَى بِهُمُومِ العَيشِ، اعْلَمْ أنَّ عَمُودَ بَرَكةِ بَيتِك ووَسِيلةَ الرَّحْمةِ فيه، ودافِعَ المُصِيبةِ عنه، إنَّما هو ذلكورةً ييخُ، أو ذلك الأَعمَى مِن أَقرِبائِك الَّذي تَستَثقِلُه.. لا تَقُل أَبدًا: إنَّ مَعِيشَتِي ضَنكٌ، لا أَستَطِيعُ المُداراةَ فيها!.. ذلك لِأنَّه لو لم تَكُنِ البَرَكةُ المُقبِلةُ مِن وُجُوهِ أُولَئِك، لَوارِقَنكُ مَعِيشَتِك أَكثَرَ قَطعًا.. فخُذْ مِنِّي هذه الحَقِيقةَ، وصَدِّقْها، فإِنَّني أَعرِفُ لها كَثِيرًا مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ، وأَستَطِيعُ أن أَحمٍّ مُطلى التَّصدِيقِ بها كَذلِك.. ولكِن لِئَلّا يَطُولَ الأَمرُ فإنَّني أُوجِزُها: كُن واثِقًا جِدًّا مِن كَلامي هذا.. أُقسِمُ باللهِ أنَّ هذه الحَقِيقةَ هي في مُنتَهَى القَطعِيّةِ، حتَّى إنَّ نَفسْكُنَّيْطاني أَيضًا قدِ استَسْلَما أَمامَها.. فلا غَرْوَ أنَّ الحَقِيقةَ الَّتي أَغاظَت شَيْطاني وأَسكَتَتْه وحَطَّمَت عِنادَ نَفسِي الأَمَّارةِ بالسُّوءِ لا بُدَّ أنَّها تَستَطِيعُ أن تُقنِعَك أَيضًا.
أَجَل.. إنَّ الخالِقَ ذا ا مُتعَِ والإِكرامِ الَّذي هو الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ وهو اللَّطِيفُ الكَرِيمُ یی بشَهادةِ ما في الكَونِ أَجمَعَ یی حِينَما يُرسِلُ الأَطفالَ إلى الدُّنيا فإنَّه يُرسِلُ أَرزاقَهُم عَقِبَهُم مُباشَرةً في مُنتَالأُظفلُّطفِ؛ كانقِذافِ ما في الأَثداءِ وتَفجِيرِه كاليَنابِيعِ إلى أَفواهِهِم، كَذلِك فإنَّ أَرزاقَ العَجَزةِ یی الَّذين دَخَلُوا في عِدادِ الأَطفالِ بل هُم أَحَقُّ بالمَرحَممِنْ شحوَجُ إلى الرَّأفةِ یی يُرسِلُها لَهُم سُبحانَه وتَعالَى بصُورةِ بَرَكةٍ، ولا يُحَمِّلُ الأَشِحّاءَ مِنَ النَّاسِ إِعاشةَ هَؤُلاءِ ولا يَدَعُها لَهُم..بِ الأقِيقةُ الَّتي تُفِيدُها الآياتُ الكَرِيمةُ:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهَُمّا كُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
— 332 —
حَقِيقةٌ ذاتُ كَرَمٍ يَنطِقُ بها ويُنادِي بها لِسانُ حالِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ المُتَنوِّعةِ مِنَ الأَحياءِ.. ولَيسَ الشُّيُوخُ الأَقرِباءُ وَحْدَهُم يَأةُ الخ رِزقُهُم رَغَدًا بصُورةِ بَرَكةٍ، بل رِزقُ حتَّى بَعضِ المَخلُوقاتِ الَّتي وُهِبَت لِمُصاحَبةِ الإِنسانِ وصَداقَتِه كأَمثالِ القِطَطِ، فإنَّ أَرزاقَها تُرسَلُ ضِمنَ رِزقِ الإِذه الأ وتَأْتِي بصُورةِ بَرَكةٍ أَيضًا.
ومِمّا يُؤيِّدُ هذا، ما شاهَدتُه بنَفسِي مِن مِثالٍ، وهو: كانَت لي حِصّةٌ مِنَ الغِذاءِ كلَّ يَومٍ یی كما يَعلَمُ حِيحةَُائي القَرِيبُونَ یی قَبلَ سَنَتَينِ أو ثَلاثٍ وهِي نِصفُ رَغِيفٍ، وكانَ رَغِيفُ تلك القَريةِ صَغِيرًا، وكَثِيرًا ما كان لا يَكفِيني؛ ثمَّ جاءَني أَربَعُ قِطَطٍ ضُيُوفًا، وقد كَفاني ذلك الغِذاءُ وكَفاهُم،لَقّاهلِبًا ما كانَت تَبقَى مِنه فَضْلةٌ وزِيادةٌ.
هذه الحالةُ قد تكَرَّرَت عِندِي بحَيثُ أَعطَتْني قَناعةً تامّةً أَنَّني أنا الَّذي كُنتُ أَستَفِيدُ مِن بَرَكاتِ تلك القنِيةُ وأنا أُعلِنُ إِعلانًا قاطِعًا الآنَ أنَّ تلك القِطَطَ ما كانَت حِمْلًا ولا عِبْئًا عَلَيَّ، ولم تكُن تَبقَى تَحتَ مِنَّتِي، وإنَّما أنا الَّذي كُنتُ أَبقَى تَحتَ مِنَّتِها.
أيُّها الَ "قُرُ، إنَّ حَيَوانًا شِبهَ مُفتَرِسٍ يَأْتِي ضَيْفًا إلى بَيتٍ يكُونُ مِحْوَرًا لِلبَرَكةِ، فكَيفَ إذا حَلَّ في البَيتِ مَن هو أَكرَمُ المَخلُوقات هذا الإِنسانُ؟ ومَن هو أَكمَلُهُم مِن بَينِ النَّاسِ وهو المُؤمِنُ؟ ومَن هو أَجدَرُ بالِاحتِرامِ والشَّفَقةِ مِن بَينِ أَهلِ الإِيمانِ وهم العَجَزةُ والمَعلُولونَ المُعَمَّرُونَ؟ ومَن هو أَكثَرُ أَهلًا لِليءٍ لِ والمَحَبّةِ مِن بَينِ المَعلُولينَ والمُعَمَّرِينَ وأَوْلَى مَن يَستَحِقُّونَها وهُمُ الأَقرَبُونَ؟ ومَن هم أَخلَصُ صَدِيقٍ وأَصدَقُ مُحِبٍّ مِن بَينِ هَؤُلاءِ الأَقرَبِينفي كلُّ الوالِدانِ؟! كَيفَ بهم إذا حَلُّوا في البَيتِ! فلَك أن تَقِيسَ ما أَعظَمَها مِن وَسِيلةٍ لِلبَرَكةِ، ومِن واسِطةٍ لِجَلبِ الرَّحمةِ، ومِن سَبَبٍ لِدَفعِ المُصِيبةِ! كما يَتَضمَّنُه مَعنَى الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
"لَولا الشُّيُوخُ الرُّكَّعُ لقَدِير علَيكُمُ البَلاءُ صَبًّا".
إذًا أيُّها الإِنسانُ، تَأَمَّلْ.. واعْتَبِرْ واعْلَمْ أنَّك إن لم تَمُت فلا مَناصَ مِن أن تَصِيرَ شَيْخًا عَجُوزًا، فإن لم تأَحكاممْ والِدَيك، فسيَأْتِي علَيْك يَومٌ لا يُوَقِّرُك أَوْلادُك ولن يَحتَرِمُوك، وذلك بما أَوْدَع اللهُ مِن سِرٍّ في "الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ".. لِذا إنْ كُنتَ
— 333 —
مُحِبًّا لِآخِرَتِك فدُونَك كَنزٌ عَظِيمٌ ألا وهُو: اخْدُمْهُما ونَلْ رِضاهُم مُكَرن كُنتَ تُحِبُّ الدُّنيا فأَرْضِهِما كَذلِك واشكُرْ لَهُما.. حتَّى تَمضِيَ حَياتُك براحةٍ، وحتَّى يَأْتِيَ رِزقُك ببَرَكةٍ مِن وَرائِهِم. وإلّا.. فإنَّ استِثْقالَ هَؤُلاءِ َأَنطَِّيَ مَوتِهِم وتَجرِيحَ قُلُوبِهِمُ الرَّقِيقةِ الحَسَّاسةِ يَجعَلُك مِمَّن تَنطَبِقُ علَيْه حَقِيقةُ الآيةِ الكَرِيمةِ: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ.
وإذا كُنتَ تُرِ دائِرحمةَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ فارْحَمْ وَدائِعَ ذلك الرَّحمٰنِ، وما استَوْدَعَك في بَيتِك مِن أَماناتٍ.
كانَ لي أَخٌ مِن إِخوانِ الآخِرةِ وهُو "مُصطَفَى چاوُوش"، وكُنتُ أَراه مُوَفَّقًا في دِينِه ودُنياه معًا، ولم أَكُن أَمَنظَرالسِّرَّ، ثمَّ عَلِمتُ سَبَبَ ذلك التَّوفِيقِ وهُو: أنَّ هذا الرَّجُلَ الصَّالِحَ كان قد حَفِظَ حُقُوقَ أُمِّه وأَبِيه، ورَعاها حَقَّ رِعايَتِها، فكان أن وَجَد الوما داَ والرَّحمةَ ببَرَكةِ وُجُوهِهِم، وأَرجُو أن يكُونَ قد عَمَرَ آخِرَتَه كَذلِك إن شاءَ اللهُ.. فمَن أَرادَ أن يكُونَ سَعِيدًا فلْيَقْتَدِ به، ولْيَكُن مِثلَه.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى مَن قَالَ: "الجَنَّةُ تَحتَ أقدَامِ الأُمَّهَاتِ" ومِن تِآلِهِ وصَحبِهِ أجمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭٭٭
— 334 —
المكتوب الثاني والعشرون
بِاسْمِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ ُحَقَّدِه
هذا المكتوب عِبارةٌ عن مَبحَثَين:
المَبحَث الأوَّل يَدعُو أهلَ الإيمَانِ إلَى الأُخُوّة والمَحبّة.
المَبحَث الأوَّل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمذِ الحرَّحِيمِ
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَ ما ي حَمِيمٌ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
إنَّ ما يُسَبِّیبُه التَّحَيُّیزُ والعِنادُ والحَسَدُ مِن نِفاقٍ وشِقاقٍ في أَوْساطِ المُؤْمِنِين، وما صِحاحرُ صُدُورَهُم مِن حِقْدٍ وغِلٍّ وعَداءٍ، مَرفُوضٌ أَصْلًا، تَرفُضُه الحَقِيقةُ والحِكْمةُ، ويَرفُضُه الإِسلامُ الَّذي يُمَثِّیلُ رُوحَ الإنسانيّةِ الكُبْرَى؛ فَضْلًا عن أَنَّ العَداءَ ظُلْماوِيِّيعٌ يُفْسِدُ حَياةَ البَشَرِ: الشَّخْصِيّةَ والِاجتِماعِيّةَ والمَعنَوِيّةَ، بل هُو سُمٌّ زُعافٌ لِحَياةِ البَشَرِيّةِ قاطِبةً.
سنُبيِّنُ"سِتّةَ أَوْجِقْه مِن وُجُوهٍ كَثِيرةٍ لِهذه الحَقِيقةِ:
— 335 —
الوجهُ الأوَّل:
إنَّ عَداءَ الإنسانِ لِأَخِيه المُؤْمِنِ ظُلْمٌ في نَظَرِ الحَقِيقةِ.
فيا مَنِ امْتَلَأ صَدْرُه غِلًّا وعَداءً لِأَخِيه المُؤْمِنِ، ويا عَدِيمَ المُرُوءةِ.. هَبْ أنَّك في سَف ومَراأو في دارٍ ومَعَك تِسعةُ أَشخاصٍ أَبرِياءَ ومُجرِمٌ واحِدٌ، ورَأَيتَ مَن يُحاوِلُ إِغراقَ السَّفِينةِ أو هَدْمَ الدّارِ علَيكُم، فلا مِراءَ أنَّك یی في هذه الحالةِ ُو الّصْرُخُ بأَعْلَى صَوْتِك مُحْتَجًّا على ما يَرتَكِبُه مِن ظُلْمٍ قَبِيحٍ، إذ ليس هُناك قانُونٌ يُسَوِّغُ إِغراقَ سَفِينةٍ برُمَّتِها یی ولو كانَت تَضُمُّ تِسعةَ مُجْرِمِين یی طالَمالَّتي بَرِيءٌ واحِدٌ.
فكَما أنَّ هذا ظُلْمٌ شَنِيعٌ وغَدْرٌ فاضِحٌ، كذلك انطِواؤُك على عَداءٍ وحِقْدٍ بالمُؤْمِنِ الَّذي هو بِناءٌ رَبّانِيٌّ وسَفِينةٌ إِلٰهِيّةٌ، لِمرُّخْصدِ صِفةٍ مُجرِمةٍ فيه، تَستاءُ مِنها أو تَتَضرَّرُ، معَ أنَّه يَتَحلَّى بتِسعِ صِفاتٍ بَرِيئةٍ بل بعِشرِين مِنها: كالإيمانِ والإِسلامِ والجِوارِ.. إلخ. فهذا العَداءُ والحِقْدُ يَسُوقُك حَتْمًا إلى الرني إلى ضِمْنًا في إِغراقِ سَفِينةِ وُجُودِه، أو حَرْقِ بِناءِ كِيانِه.. وما هذا إلَّا ظُلْمٌ شَنِيعٌ وغَدْرٌ فاضِحٌ.
الوجهُ الثَّاني:
العَداءُ ظُلمٌ في نلا يَقالحِكْمةِ، إذِ العَداءُ والمَحَبّةُ نَقِيضانِ، فهُما كالنُّورِ والظَّلامِ لا يَجتَمِعانِ مَعًا بمَعناهُما الحَقِيقيِّ أَبدًا؛ فإذا ما اجتَمَعَت دَواعِي المَحَبّةِ وتَرَجَّحَت أَسبابُها فأَرْسَت أُسُسَها في القَلْبِ، استَحالَتِ العَدِنَ اللى عَداءٍ صُورِيٍّ، بلِ انقَلَبَت إلى صُورةِ العَطْفِ والإِشفاقِ، إذِ المُؤْمِنُ يُحِبُّ أَخاه، وعلَيه أن يَوَدَّه، فأَيُّما تَصَرُّفٍ مُشِينٍ يَصدُرُ مِن أَخِيه يَحمِلُه على الإِ.
علَيه، وعلى الجِدِّ في مُحاوَلةِ إِصلاحِه باللِّين والرِّفقِ دُونَ اللُّجُوءِ إلى القُوّةِ والتَّحَكُّمِ. فقد وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"لا يالغَيب لِمُسلِمٍ أن يَهجُرَ أَخاه فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، يَلتَقِيانِ فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخَيرُهُما الَّذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ".
أمَّا إذا تَغَلَّبَت أَسبابُ العَداوةِ والبَغْضاءِ وتَمَكَّنَت في القَلبِ، فإنَّ المَحَبّةَ تَنقَلَِّشادَدَئِذٍ إلى مَحَبَّةٍ شَكْلِيّةٍ تَلبَسُ لَبُوسَ التَّصَنُّعِ والتَّمَلُّقِ.
— 336 —
فاعْلَمْ إذًا أيُّها الظّالِمُ، ما أَشَدَّه مِن ظُلمٍ أن يَحمِلَ المُؤْمِنُ ِرةُ ه وحِقْدًا لِأَخِيه! فكما أنَّك إذا استَعْظَمْتَ حَصَيَاتٍ تافِهةً ووَصَفْتَها بأنَّها أَسمَى مِنَ الكَعْبةِ المُشَرَّفةِ وأَعظَمُ مِن جَبَلِ أُحُدٍ، فإنَّك بلا شَكٍّ تَرتَكِبُ حَماقةً مُشِينةً، كذلك هي حَماقةٌ مِثلُها إنِ استَعَكُم لَ زَلّاتٍ صَدَرَتْ مِن أَخِيك المُؤْمِنِ، واستَهْوَلْتَ هَفَواتِه الَّتي هي تافِهةٌ تَفاهةَ الحَصَيَاتِ، وفَضَّلْتَ تلك الأُمُورَ التَّافِهةَ على سُمُوِّ الإيمانِ الَّذي هو بِسُمُوِّ الكَعْبةِ، ورَجَّحْتَهذِبِينعَظَمةِ الإسلامِ الَّذي هو بعَظَمةِ جَبَلِ أُحُدٍ؛ فتَفْضِيلُك ما بَدَر مِن أَخِيك مِن أُمُورٍ بَسِيطةٍ على ما يَتَحلَّى به مِن صِفاتِ الإسلامِ الحَمِيدةِ ظُلمٌ وأيُّ ظُلمٍ! يُدرِكُه كلُّ مَنثًا وعسْكةٌ مِن عَقْلٍ!
نعم، إنَّ التَّوحِيدَ الإِيمانِيَّ يَستَدعِي حَتْمًا تَوحِيدَ القُلُوبِ، وإنَّ وَحْدةَ الاعتِقادِ تَقتَضِي حَتْمًا ال زَواجَ الِاجتِماعِيّةَ؛ فأَنتَ تَستَشعِرُ بنَوعٍ مِنَ الرَّابِطةِ معَ مَن يَعِيشُ معَك في طابُورٍ واحِدٍ، وبعَلاقةِ صَداقةٍ معَه إن كُنتَ تَعمَلُ معَه تَحتَ إِمْرةِ قائِدٍ واحِدٍ، بل تَشعُرُ بعَلاقةِ أُخُوّةٍ معَه لِوُجُودِكُما في مَدِيُونَ شحِدةٍ، فما بالُك بالإيمانِ الَّذي يَهَبُ لك مِنَ النُّورِ والشُّعُورِ ما يُرِيك به مِن عَلاقاتِ الوَحْدةِ الكَثِيرةِ، ورَوابِطِ الِاتِّفاقِ العَدِيدةِ، ووَشائِجِ الأُخُوّةِ الوَفِيرةِ، ما يَبلُغُ عَدَدَ الأَسماءُِ، بِينَى، فيُرشِدُك مَثَلًا إلى: أنَّ خالِقَكُما واحِدٌ، مالِكَكُما واحِدٌ، مَعبُودَكُما واحِدٌ، رازِقَكُما واحِدٌ.. وهكذا واحِدٌ واحِدٌ إلى أن تَبلُغَ الأَلْفَ. ثمَّ إنَّ نوْمِ، یكُما واحِدٌ، دِينَیكُما واحِدٌ، قِبلَتَیكُما واحِدةٌ، وهكذا واحِدٌ واحِدٌ إلى أن تَبلُغَ المِئةَ، ثُمَّ إنَّیكُما تَعِيشانِ معًا في قَريةٍ واحِدةٍ، تَحتَ ظِلِّ دَوْلةٍ واحِدةٍ، في باللهِ.واحِدةٍ.. وهكذا واحِدٌ واحِدٌ إلى أن تَبلُغَ العَشَرةَ.
فلَئِن كانَ هناكَ إلى هذا القَدْرِ مِنَ الرَّوابِطِ الَّتي تَستَدعِي الوَحدةَ والتَّوحِيدَ والوِفاقَ والِاتِّفاقَ والمَحَبّةَ والا لم تةَ، ولَها مِنَ القُوّةِ المَعنَوِيّةِ ما يَربِطُ أَجزاءَ الكَونِ الهائِلةَ، فما أَظلَمَ مَن يُعرِضُ عنها جَمِيعًا ويُفَضِّلُ علَيْها أَسبابًا واهِيةً أَوْهَنَ مِن بَيتِ العَنكَبُوتِ، تلك الَّتي تُوَلِّدُ اُلُّهمقَ والنِّفاقَ والحِقْدَ والعَداءَ؛ فيُوغِرُ صَدْرَه عَداءً وغِلًّا حَقِيقيًّا لِأَخِيه المُؤمِنِ! ألَيسَ هذا إهانةً بتلك الرَّوابِطِ الَّتي تُوَحِّدُ؟ واسَلزَمًُا بتلك الأَسبابِ الَّتي
— 337 —
تُوجِبُ المَحَبّةَ؟ واعتِسافًا لتلك العَلاقاتِ الَّتي تَفرِضُ الأُخُوّةَ؟ فإن لم يَكُن قَلبُك مَيتًا ولم تَنطَفِئْ بَعدُ جَذْوةُ عَقلِك فستُدرِكُ هذا جَيِّدًا.
الوجهُ الثَّالث:
إنَّ الآيةَ الكَرِيزُ رِووَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى تُفِيدُ العَدالةَ المَحْضةَ، أي: لا يَجُوزُ مُعاقَبةُ إِنسانٍ بجَرِيرةِ غَيرِه؛ فتَرَى القُرآنَ الكَرِيمَ ومَصادِرَ الشَّرِيعةِ الأُخرَى وآدابَ أَهلِ الحَقِيقةِ والحِكْمةِ الإسلامِيّةِ كُلَّها تُنبِّهُك إلى أنَّ إِضمارَ العَداءِ للمُؤمِنِ والحِقْدَ علَيه ظُلمٌ عَظِيمٌ، لأنَّه إِدانةٌ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ البَرِيئةِ الَّتَ التَّصِفُ بها المُؤْمِنُ بجَرِيرةِ صِفةٍ جانيةٍ فيه، ولا سِيَّما امتِدادِ العَداءِ إلى أَقارِبِه وذَوِيه بسَبَبِ صِفةٍ تَمتَعِضُ مِنها، فهُو ظُلْمٌ أَعظَمُ، كما وَصَفَه القُرآَعادةَُرِيمُ بصِيغةِ المُبالَغةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ، أَفَبَعدَ هذا تَجِدُ لِنَفسِك مُبَررِّاتٍ وتَدَّعي أنَّك على حَقٍّ؟!
فاعْلَمْ.. أَنَّ المَفاسِدَ الَّتي هي سَبَبُ العَداءِ والبَغْضاءِ كَثِيفةٌ في نَظَرِ الحَقِيقةِ، كالتُّرابِ والشَّرِّ نَفسِه، وشَأْنُ الكَثِيفِ أنَّه لا يَسْرِي ولا يَنعَكِسُ إلى الغَيرِ یی إلّا ما يَتَعلَّمُه الإنسانُ مِن شَرٍّ مِنَ الآخَرِين یی بَينَما البِرُّ وسِيّةًانُ وغَيرُهُما مِن أَسبابِ المَحَبّةِ فهي لَطِيفةٌ كالنُّورِ وكالمَحَبّةِ نَفسِها، ومِن شَأْنِ النُّورِ الِانعِكاسُ والسَّرَيانُ إلى الغَيرِ.. ومِن هُنا سارَ في عِدادِ الأَمثالِ: "صَدِيقُ الصَّدِيقِ صَدِيقٌ"، وتَجِدُ النّاسَ يُرَدِّدُون:الأَخذجلِ عَينٍ أَلفُ عَينٍ تُكْرَمُ".
فيا أَيُّها المُجْحِفُ، إنْ كُنتَ تَرُومُ الحَقَّ، فالحَقِيقةُ هي هذه، لِذا فإنَّ حَمْلَك عَداءً معَ أَقارِبِ ذل مِن تذي تَكْرَهُ صِفةً فيه، وحِقْدَك على ذَوِيه المَحبُوبِين لَدَيْه، خِلافٌ لِلحَقِيقةِ وأيُّ خِلافٍ!
الوجهُ الرَّابع:
إنَّ عَداءَك لِلمُؤمِنِ ظُلمٌ مُبِينٌ، مِن حَيثُ الحَياةُ الشَّخْصِيّةُ، فإن شِئْتَ فاسْتَمِعْ إلى بِضْعِ والماتِيرَ هي أَساسُ هذا الوَجْهِ الرَّابعِ:
— 338 —
الدُّستُورُ الأوَّلُ:عِندَما تَعلَمُ أنَّك على حَقٍّ في سُلُوكِك وأَفكارِك يَجُوزُ لك أن تقُولَ: "إنَّ مَسْلَكِي حَقٌّ أو هو أَفضَلُ"، ولَكِن لا يَجُوةٍ للإأن تقُولَ: "إنَّ الحَقَّ هو مَسْلَكِي أنا فحَسْبُ"، لأنَّ نَظَرَك السَّاخِطَ وفِكْرَك الكَلِيلَ لن يَكُونا مَحَكًّا ولا حَكَمًا يَقْضِي على بُطْلانِ المَسالِك المُُخْرَى، وقَدِيمًا قال الشَّاعِرُ:
وعَينُ الرِّضَا عَن كُلِّ عَيبٍ كَلِيلَةٌ ٭ ولكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبدِي المَسَاوِيَا
الدُّستُورُ الثَّاني:"علَيِماعًاتقُولَ الحَقَّ في كلِّ ما تقُولُ، ولكِن ليس لك أن تُذِيعَ كُلَّ الحَقائِقِ؛ وعلَيْك أن تَصْدُقَ في كلِّ ما تَتَكلَّمُه، ولكِن ليس صَوابًا أن تقُولَ كلَّذي يُذٍ".
لأنَّ مَن كان على نيّةٍ غيرِ خالِصةٍ یی مِثلَك یی يُحْتَمَلُ أن يُثِيرَ المُقابِلَ بنَصائِحِه، فيَحْصُلَ عَكْسُ المُرادِ.
— 338 —
َّا يَوأَشَدُّ ضَرَرًا علَيْك، تلك هي نَفسُك الَّتي بينَ جَنبَيْك، فقاوِمْ هَواها، واسْعَ إلى إِصلاحِها، ولا تُعادِ المُؤمِنِين لِأَجْلِها؛ وإن كُنتَ تُرِيدُ العَداءَ أَيضًا فعادِ الكَُنِ"، والزَّنادِقةَ، فهُم كَثِيرُون.. واعْلَمْ أنَّ صِفةَ المَحَبّةِ مَحبُوبةٌ بذاتِها جَدِيرةٌ بالمَحَبّة، كما أنَّ خَصْلةَ العَداوةِ تَستَحِقُّ العَداءَ قَبلَ أيِّ ش مِن دخَرَ.
وإن أَرَدتَ أن تَغْلِبَ خَصْمَك فادْفَعْ سَيِّیئَتَه بالحَسَنةِ، فبِه تُخْمِدُ نارَ الخُصُومةِ؛ أمّا إذا قَابَلتَ إِساءَتَه بمِثْلِها فالخُصُومةُ تَزْدادُ، حتَّى لو أَصبَحَ مَغلُوبًا یی ظاهِرًا یی فقَلبُه يَمتَلِئُ غَيْظًا عليفِ سَفالعَداءُ يَدُومُ والشَّحْناءُ تَستَمِرُّ. بَينَما مُقابَلَتُه بالإحسانِ تَسُوقُه إلى النَّدَمِ، وقد يكُونُ صَدِيقًا حَمِيمًا لك، إذ إنَّ مِن شَأْنِ المُؤمِنِ أن يكُونَ كَرِيمًا، فإن أَكرَمْتَه فقد م تلك اَه وجَعَلْتَه أَخًا لك، حتَّى لو كان لَئِيمًا یی ظاهِرًا یی إلّا أنَّه كَرِيمٌ مِن حَيثُ الإيمانُ، وقد قال الشّاعِرُ:
إذَا أنتَ أكرَمتَ الكَرِيمَ مَلَكتَهُ ٭ وإنْ أَنتَ أكرَمتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا
— 339 —
نعم، إنَّ الواقِعَ يَشهَدُ: أنمَقامٍاطَبةَ الفاسِدِ بقَوْلِك له: "إنَّك صالِحٌ، إنَّك فاضِلٌ"، رُبَّما يَدْفَعُه إلى الصَّلاحِ، وكذا مُخاطَبةُ الصَّالِحِ: "إنَّك طالِحٌ، إنََّ الَّدٌ.." رُبَّما يَسُوقُه إلى الفَسادِ، لِذا استَمِعْ بأُذُنِ القَلْبِ إلى قَولِه تَعالَى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا، وُوعِ اتَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وأَمثالِها مِنَ الدَّساتيرِ القُرآنيّةِ المُقَدَّسةِ، ففيها التَّوفيقُ والنَّرِينَ.السَّعادةُ والأَمانُ.
الدُّستُورُ الرَّابعُ:إنَّ الَّذي يَمْلَأُ قَلبَه الحِقدُ والعَداوةُ تِجاهَ إِخوانِه المُؤْمِنِين إنَّما يَظلِمُ نَفْسَه أَوَّلًا، عَلاوةً على ظُلْمِه لِإخوانِه، فَضْلًا عن تَجاوُزِه حُدُودَ الرَّحمةِ الإلٰهِيّةِ، حلدَّواُوقِعُ نَفْسَه بالحِقْدِ والعَداوةِ في عَذابٍ أَليمٍ، فيُقاسِيها عَذابًا كُلَّما رَأَى نِعْمةً حَلَّت بخَصْمِه، ويُعانِيها أَلَمًا مِن خَوْفِه؛ وإن نَشَأَتِ العَداوةُ مِنَ الحَسَدِ فدُونَه العَذابُ الأَلِيمُفي المَّ الحَسَدَ أَشَدُّ إِيلامًا للحاسِدِ مِنَ المَحْسُودِ حَيثُ يُحْرِقُ صاحِبَه بلَهِيبِه، أمّا المَحْسُودُ فلا يَمَسُّه مِنَ الحَسَدِ شَيءٌ، أو ياستِخفَرُ طَفِيفًا.
وعِلاجُ الحَسَدِ هو:
أن يُلاحِظَ الحاسِدُ عاقِبةَ ما يَحسُدُه، ويَتَأمَّلَ فيها، لِيُدرِكَ أنَّ ما نالَه مَحسُودُه مِن أَعراضٍ دُنيَوِيّةٍ یی مِن مالٍ وقُوّةٍ ومَنُ عنِ ی إنَّما هي أَعراضٌ زائِلةٌ فانيةٌ.. فائِدَتُها قَلِيلةٌ، مَشَقَّتُها عَظِيمةٌ.
أمّا إذا كان الحَسَدُ ناشِئًا مِن دَوافِعَ أُخرَوِيّةٍ، فلا حَسَدَ أَصْلًا؛ ولو تَحَرَّكَ عِرْقُ الح الشَّحتَّى في هذه الأُمُورِ، فالحاسِدُ إمّا أنَّه مُراءٍ، يُحبِطُ حَسَناتِه الأُخرَوِيّةَ في الدُّنيا، أو أنَّه يُسِيءُ الظَّنَّ بمَحْسُودِه فيَظلِمُه.
ثمَّ إنَّ الحاسِدَ في حَسَدِه يَسخَطُ يَثُوبدَرِ اللهِ، لأنَّه يَحزَنُ مِن مَجِيءِ فَضْلٍ مِنَ اللهِ ورَحْمةٍ مِنه على مَحسُودِه، ويَرتاحُ مِن نُزُولِ المَصائِبِ علَيْه، أي: كأَنَّه يَنتَقِدُ القَدَرَ الإلٰهِيَّ ويَعتَرِضُ على رَحْمَتِه الواسِعةِ. ومَعليَنخَدنَّ مَن يَنتَقِدُ القَدَرَ كمَن يُناطِحُ الجَبَلَ، ومَن يَعتَرِضُ على الرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ يُحرَمُ مِنها.
— 340 —
تُرَى هل مِن إِنصافٍ يَرضَى أن لِمةِ ِئَ صَدْرُ المُؤمِنِ لِسَنةٍ كامِلةٍ غَيْظًا وحِقْدًا على أَخِيه لِشَيءٍ جُزئِيٍّ تافِهٍ لا يُساوِي العَداءَ علَيْه لِيَومٍ واحِدٍ؟! عِلْمًا أنَّه لا يَنبَغِي أن تَنسُبَ السَّيِّلتَّفََّتي أَتَتْك مِن أَخِيك المُؤمِنِ إلَيْه وَحْدَه وتُدِينَه بها، لِأَنَّ:
أوَّلًا:القَدَرُ الإِلٰهِيُّ لَه حَظُّه في الأَمرِ، فعَلَيْك أن وتَلامبِلَ حَظَّ القَدَرِ هذا بالرِّضَا والتَّسلِيمِ.
ثانيًا:إنَّ للشَّيطانِ والنَّفْسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ حَظَّهُما كذلك، فإذا ما أَخرَجْتَ هاتَينِ الحِصَّتَينِ لا يَبقَى أَد ثَبَإلّا الإِشفاقُ على أَخِيك بَدَلًا مِن عَدائِه، لِأنَّك تَراه مَغلُوبًا على أَمْرِه أَمامَ نَفْسِه وشَيْطانِه، فتَنتَظِرُ مِنه بعدَ ذلك النَّدَمَ على فَعْلَتِه وتَأْمَلُ عَوْدَتَه إلى صَوابِه.
ثالثًا:علَيْك أن تتي تَعَ في هذا الأَمرِ تَقْصِيراتِ نَفْسِك، تلك الَّتي لا تَراها أو لا تَرغَبُ أن تَراها.
فاعْزِلْ هذه الحِصَّةَ أَيضًا معَ الحِصَّتَينِ السَّابِقَتَينِ، تَرَ الباقِيَ حِصَّةً ضَئِيلةً جُزئِيّةً، فإذا استَقْبَلْتَها بِهِمَّةٍ عاليةٍ وشَهامةعرُوفةيعةٍ یی أي: بالعَفْوِ والصَّفْحِ یی تَنجُو مِنِ ارتِكابِ ظُلْمٍ وتَتَخلَّصُ مِن إِيذاءِ أَحَدٍ؛ بَينَما إذا قابَلْتَ إِساءَتَه بحِرصٍ شَدِيدٍ على تَوافِه الدُّنيا یی كأَنَّك تَخلُدُ فيها یی وبحِقْدٍ مُستَدِيمٍ وعَداءٍ لا يَفستَقبَفلا جَرَمَ أن تَنطَبِقَ علَيْك صِفةُ ظَلُومًا جَهُولًا، وتكُونَ أَشبَهَ بذلك اليَهُودِيِّ الأَحمَقِ الَّذي صَرَفَ أَمْوالًا طائِلةً لِقِطَعٍ زُجاجِيّةٍ لا تُساوِي شَيْئًا وبِلَّوْراتلَ نَفجِيّةٍ لا تَلبَثُ أن تَزُولَ، ظَنًّا مِنه أنَّها الأَلْماسُ.
وهكذا، فقد بَسَطْنا أَمامَك ما يُسَبِّیبُه العَداءُ مِن أَضرارٍ لِحَياةِ الإِنسانِ الشَّخْصِيّةِ.
دِيقُهنتَ حَقًّا تُحِبُّ نَفْسَك فلا تُفْسِحْ له مَجالًا ليَدخُلَ قَلبَك، وإن كان قد دَخَل فِعْلًا واستَقَرَّ فلا تُصْغِ إلَيْه، بلِ استَمِعْ إلى حافِظٍ الشِّيرازَلطُمَِي البَصِيرةِ النّافِذةِ إلى الحَقِيقةِ.. إنَّه يقُولُ:
دُنْيَا نَه مَتَاعِيسْتِى كِه اَرْزَدْ بَنِزَاعِى
— 341 —
أي: "إنَّ الدُّنيا كُلَّها لا تُساوِي مَتاعًا يَستَحِقُّ النِّزاعَ علَيْه"، فلَئِن كانَتِ الدُّنيا العَظِيمةُ بِما فيها تافی بكَمكذا، فما بالُك بجُزءٍ صَغِيرٍ مِنها؟!
واستَمِعْ إلَيْه أَيضًا حَيثُ يقُولُ:
آسَايِشِ دُوگِيتِى تَفْسِيرِ اِينْ دُو حَرْفَسْتْ ٭ بٰا دُوسِتَانْ مُرُوَّتْ با دُشْمَنَانْ مُدَارَا
أي: "نَيلُ الرّاحةِ والسَّلامةِ في كِلا2
اَمَينِ تُوَضِّحُه كَلِمَتانِ: مُعاشَرةُ الأَصدِقاءِ بالمُرُوءةِ والإِنصافِ، ومُعامَلةُ الأَعداءِ بالصَّفْحِ والصَّفاءِ".
إذا قُلتَ:إنَّ الأَمْرَ ليس في طَوْقِي، فالعَداءُ مَغْرُوزٌ في كِياني، مَغْمٌورٌ في فِطْرَتي، فله وطُوخِيارٌ، فَضْلًا عن أنَّهم قد جَرَحُوا مَشاعِرِي وآذَوْني، فلا أَستَطِيعُ التَّجاوُزَ عَنهُم.
فالجَوابُ:الخُلُقُ السَّيِّئُ إن لم يُجْرِ أَثرَه وحُكْمَه، وإن لم يُعْمَلْ بمُقْتَضاهم وَرايبةِ مَثلًا، وعَرَفَ صاحِبُه تَقْصِيرَه، فلا ضَيْرَ، ولا يَنجُمُ مِنه ضَرَرٌ. فما دُمْتَ لا تَملِكُ الخِيارَ مِن أَمرِك، ولا تَستَطِيعُ أن تَتَخلَّصَ مِنَ العَداءِ، فإنَّ شُعُورَك بأنَّك مُقَصِّرٌ في هذه الخَص فمَثوإِدراكَك أنَّك لَسْتَ على حَقٍّ فيها، يُنجِيانِك یی بإذنِ اللهِ یی مِن شُرُورِ العَداءِ الكامِنِ فيك، لأنَّ ذلك يُعَدُّ نَدَمًا مَعنَوِيًّا، وتَوْبةً خَفِيّةً، واستِغْفارًا ضِمْنِيًّا. ونحنُ ما كَتَبْنا هذا المَبْحَثَ إلّا لِيُضَمَّنََزًا للِاستِغفارَ المَعنَوِيَّ، فلا يَلْتَبِسَ على المُؤْمِنِ الحَقُّ والباطِلُ، ولا يَتَّهِمَ خَصْمَه المُحِقَّ بالظُّلْمِ.
وقد مَرَّت عَلَيَّ حادِثةٌ جَدِيرةٌ بالمُلاحَظةِمَ الرَأَيتُ ذاتَ يَومٍ رَجُلًا علَيْه سِيماءُ العِلمِ يَقْدَحُ بعالِمٍ فاضِلٍ، بانحِيازٍ مُغْرِضٍ حتَّى بَلَغ به الأَمرُ إلى حَدِّ تَكفِيرِه، وذلك لِخِلافٍ بَينَهُما حَوْدُونَهُورٍ سِياسِيّةٍ، بَينَما رَأَيتُه قد أَثنَى یی في الوَقتِ نَفسِه یی على مُنافِقٍ يُوافِقُه في الرَّأْيِ السِّياسِيِّ! فأَصابَتْني مِن هذه الحادِثةِ رِعْدةٌ شَدِيدةٌ، واستَعَذْتُ باللهِ مِمّا آلَت إلَيْه السِّياسةُ، وقُلتُ: "أَعُوذُ باللهِ مِنََاعِهميطانِ والسِّياسةِ".
ومُنذُئِذٍ انسَحَبْتُ مِن مَيْدانِ الحَياةِ السِّياسِيّةِ.
— 342 —
الوَجهُ الخَامسُ:
هذا الوَجهُ يُبيِّنُ مَدَى الضَّرَرِ البالِغِ الَّذي يُصِيبُ الحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ مِن جَرلٌ تَقالعِنادِ والتَّنافُرِ والتَّفْرِقةِ.
فإذا قِيلَ:لقد وَرَد في حَدِيثٍ شَرِيفٍ:"اختِلافُ أُمَّتِي رَحمَةٌ"،والِاختِلافُ يَقتَضِي التَّفَرُّقَ والتَّحَزُّبَ والِاعتِدادَ بالرّ بينَ وكذا داءُ التَّفَرُّقِ والِاختِلافِ فيه وَجْهٌ مِنَ الرَّحْمةِ لِضُعَفاءِ النَّاسِ مِنَ العَوامِّ، إذ يُنقِذُهُم مِن تَسَلُّطِ الخَواصِّ الظفاسِقًِ الَّذين إذا حَصَل بَينَهُمُ اتِّفاقٌ في قَريةٍ أو قَصَبةٍ اضْطَهَدُوا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ، ولكِن إذا كانَت ثَمّةَ تَفْرِقةٌ بَينَهُم فسيَجِدُ المَظلُونِ، حتْجَأً في جِهةٍ، فيُنقِذُ نَفْسَه.
ثمَّ إنَّ الحَقِيقةَ تَتَظاهَرُ جَلِيّةً مِن تَصادُمِ الأَفكارِ ومُناقَشةِ الآراءِ وتَخالُفِ العُقُولِ.
الجَوكَفَى نقُولُ إِجابةً عنِ السُّؤالِ الأَوَّلِ:
إنَّ الِاختِلافَ الوارِدَ في الحَدِيثِ هو الِاختِلافُ الإِيجابِيُّ البَنّاءُ، ومَعناه: أن يَسعَى كُلُّ واحِدٍ لِتَروِيجِ مَسْلَكِه وإِظهارِابِي اِ وِجْهَتِه وصَوابِ نَظْرَتِه، دُونَ أن يُحاوِلَ هَدْمَ مَسالِكِ الآخَرِينَ، أوِ الطَّعْنَ في وِجْهةِ نَظَرِهم وإِبطالَ مَسْلَكِهم، بل يكُونُ سَعْيُه لِإكمالِ النَّقْصِ ورَأْبِ الصَّدْعِ والإِصلاحِ ما اكامِه َ إلَيْه سَبِيلًا.
أمَّا الِاختِلافُ السَّلْبِيُّ فهو مُحاوَلةُ كلِّ واحِدٍ تَخْرِيبَ مَسْلَكِ الآخَرِين وهَدْمَه، ومَبْعَثُه الحِقْدُ واالحَقِينةُ والعَداوةُ، فهذا النَّوْعُ مِنَ الِاختِلافِ مَرْدُودٌ أَصْلًا في نَظَرِ الحَدِيثِ، حَيثُ المُتَنازِعُون والمُختَلِفُون يَعجِزُون عنِ القِيامِ بأَيِّ عَمَلٍ إِيجابِيٍّ بَنّاَدِّي وجَوابًا عنِ السُّؤالِ الثّاني نقُولُ:
إن كان التَّفَرُّقُ والتَّحَزُّبُ لِأَجلِ الحَقِّ وبِاسمِه، فلَرُبَّما يكُونُ مَلاذَ أَهلِ الحَقِّ، ومُرُه الَّذي نُشاهِدُه مِنَ التَّفَرُّقِ إنَّما هو لِأَغراضٍ شَخْصِيّةٍ ولِهَوَى النَّفْسِ الأَمّارةِ
— 343 —
بالسُّوءِ؛ فهُو مَلْجَأُ ذَوِي النِّيّاتِ السّ.
ِ، بل مُتَّیكَأُ الظَّلَمةِ ومُرتَكَزُهم، فالظُّلْمُ واضِحٌ في تَصَرُّفاتِهم؛ فلَو أَتَى شَيْطانٌ إلى أَحَدِهِم مُعاوِنًا له مُوافِقًا لِرَأْيِه تَراه يُثْنِي علَيْه ويَتَرحَّمُ علَيْه، بَينَما إذا كان في الصَّفِّ المُقابِلِ إِنسانٌ كاقِبَتُ تَراه يَلْعَنُه ويَقْذِفُه.
أمَّا عنِ السُّؤالِ الثَّالثِ فنقُولُ:
إنَّ تَصادُمَ الآراءِ ومُناقَشةَ الأَفكارِ لِأَجْلِ الحَقِّ وفي سَبِيلِ الوُصُولِ إلى الحَقِيقةِ إنَّما يكُونُ عُِبُونَتِلافِ الوَسائِلِ معَ الِاتِّفاقِ في الأُسُسِ والغاياتِ، فهذا النَّوعُ مِنَ الِاختِلافِ يَستَطِيعُ أن يُقَدِّمَ خِدْمةً جَلِيلةً في الكَشْفِ عنِ الحَقِيقةِ وإِظهارِ كلِّ زاوِيةٍ مِن زَواياها بأَجْلَى صُوَرِ الوُضُوحِ؛ ولكِن إن كانَتِ المُأي: علُ والبَحْثُ عنِ الحَقِيقةِ لِأَجلِ أَغراضٍ شَخْصِيّةٍ ولِلتَّسَلُّطِ والِاستِعلاءِ وإِشباعِ شَهَواتِ نُفُوسٍ فِرْعَوْنيّةٍ ونَيلِ الشُّهْرةِ وحُبِّ الظُّهُورِ، فلا تَتَلمَّعُ بارِقةُ الحَقِيقةِ ا، ولِ النَّوْعِ مِن بَسْطِ الأَفكارِ، بل تَتَولَّدُ شَرارةُ الفِتَنِ، فلا تَجِدُ بينَ أَمثالِ هَؤُلاءِ اتِّفاقًا في المَقصَدِ والغايةِ، بل ليس على الكُرةِ الأَرضِيّةِ نُقطةُ تَلاقٍ لِأَفْكارِهِم، ذلك لِأنَّه ليس لِأَجْلِ الحَقِّ، فِ، وإذفيه الإِفراطَ البالِغَ دُونَ حُدُودٍ، مِمّا يُفْضِي إلى انشِقاقاتٍ غيرِ قابِلةٍ لِلِالْتِئامِ.. وحاضِرُ العالَمِ شاهِدٌ على هذا..
وصَفْوةُ القَولِ:إن لم تَيْه اصَرُّفاتُ المُؤمِنِ وحَرَكاتُه وَفْقَ الدَّساتيرِ السَّامِيةِ الَّتي وَضَعَها الحَدِيثُ الشَّرِيفُ:"الحُبُّ في اللهِ والبُغْضُ في اللهِ"،والِاحتِكامِ إلى أَمرِ اللهِ في الأُمُورِ كُلِّها، فالنِّفاقُ والشِّقاقُِ: فَدانِ.. نعم، إنَّ الَّذي لا يَسْتَهْدِي بتلك الدَّساتيرِ يكُونُ مُقْتَرِفًا ظُلْمًا في الوَقتِ الَّذي يَرُومُ العَدالةَ.
حادِثةٌ ذاتُ عِبرة:
في إِحدَى الغَزَواتِ الإسلامِيّةِ، كان الإمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنالشَّرارِزُ أَحَدَ فُرسانِ المُشرِكِين، فتَغَلَّب علَيْه الإمامُ وصَرَعَه، فلَمَّا أَرادَ الإمامُ أن يُجْهِزَ علَيْه تَفَل على وَجْهِ الإمامِ، فما كان مِنَ الإحاصِللّا أن أَخْلَى سَبِيلَه وانصَرَف عنه، فاستَغْرَبَ المُشْرِكُ مِن هذا العَمَلِ.
فقال: إلى أَين؟
— 344 —
قال الإمامُ: كُنتُ أُقاتِلُك في سَبِيلِ اللهالإماممَّا فَعَلْتَ ما فَعَلْتَ خَشِيتُ أن يكُونَ قَتْلي إيّاك فيه ثَأْرٌ لِنَفْسِي فأَطْلَقْتُك للهِ.
فأَجابَه الكافِرُ: كان الأَوْلَى أن تُثِيرَك فِعْلَتي أَكثَرَ فتُسْرِعَ في قَتْلي! وما دُمتُم تَد مَسدُ بدِينٍ هو في مُنتَهَى الإِخلاصِ فهُو بلا شَكٍّ دِينُ حَقٍّ.
وحادِثةٌ أُخرَى:
عَزَلَ مَسؤُولٌ عادِلٌ قاضِيَه لَمَّا رَأَى مِنه شَيْئًا مِنَ الحِدّةِ والغَضَبِ أَثناءَ قَطْعِه يَدَ السَّارِقِ، فما يَنبَغِي لِمَن يُن وَس أَمْرَ اللهِ أن يَحمِلَ شَيئًا مِن حَظِّ نَفْسِه على المَحكُومِ، بل علَيْه أن يُشْفِقَ یی مِن حَيثُ النَّفسُ یی على حالِه دُونَ أن تَأْخُذَه رَأْفةٌ في تَنفِيذِ حُكْمِ اللهِ؛ وحَيثُ إنَّ شَيْئًا مِن حَظِزَّةَِّفسِ قدِ اختَلَط في الأَمْرِ وهُو مِمّا يُنافي العَدالةَ الخالِصةَ فقد عُزِلَ القاضِي.
مرَضٌ اجتِماعيٌّ خَطِرٌ وحالةٌ اجتِماعيّةٌ مُؤسِفةٌ أَصابَتِ الأُمّةَ الإسلاميّةِ يَدْبُه مِها القَلبُ:
إنَّ أَشَدَّ القَبائِلِ بِدائيّةً يُدرِكُون مَعنَى الخَطَرِ الدّاهِمِ علَيْهِم، فتَراهُم يَنبِذُون الخِلافاتِ الدَّاخِلِيّةَ، ويَنسَوْن العَداواتِ الجانبِيَّةَ عِندَ إغارةِ العَدُوِّ الخارِجِيِّ علَيْهِم.
وإذ تَقْدُرُ تلك اللّةٌ، لُ البِدائِيّةُ مَصْلَحَتَهمُ الِاجتِماعيّةَ حَقَّ قَدْرِها، فمالِ الَّذين يَتَولَّوْن خِدْمةَ الإسلامِ ويَدْعُون إلَيْه لا يَنسَوْن عَداوَتَهمُ الجُزئيّةَ ومَورِِيفةَ، فيُمهِّدُون بها سُبُلَ إِغارةِ الأَعداءِ الَّذين لا يَحصُرُهمُ العَدُّ علَيْهِم؟! فلقد تَراصَفَ الأَعداءُ حَوْلَهم وأَطْبَقُوا علَيْهِم مِن كلِّ مَكانٍ..هُ يُبهذا الوَضْعَ تَدَهْوُرٌ مُخِيفٌ، وانحِطاطٌ مُفْجِعٌ، وخِيانةٌ بحَقِّ الإسلامِ والمُسلِمِين.
وأَذكُرُ لِلمُناسَبةِ حِكايةً ذاتَ عِبْرةٍ:
كانَت هُناك قَبِيلَتانِ مِن عَشِيرةِ "حَسَنانَ"، وكانَت بَينَهُُجُوهِاتٌ دَمَوِيّةٌ، حتَّى ذَهَب ضَحِيَّتَها أَكثَرُ مِن خَمسِين رَجُلًا، ولكن ما إن يُداهِمُهُما خَطَرٌ خارِجِيٌّ مِن قَبِيلةِ
— 345 —
"سِبْكانَ" أو "حَيْدَرانَ" إلّا تَتَكاسُ الّ وتَتَعاوَنانِ وتَنسَيانِ كُلِّيًّا الخِلافاتِ لِحِينِ صَدِّ العُدْوانِ.
فيا مَعْشَرَ المُؤمِنِين،أَتَدرُون كم يَبلُغُ عَدَدُ عَشائِرِ الأَعداءِ المُتَأَهِّبِين لِلإغارةِ على أَهلِ الإيمانِ؟ إنَّهم يَزِيدُون على لامةٌ ِ وهُم يُحِيطُون بالإسلامِ والمُسلِمِين كالحَلَقاتِ المُتَداخِلةِ؛ فبَينَما يَنبَغِي أن يَتَكاتَفَ المُسلِمُون لِصَدِّ عُدْوانٍ واحِدٍ مِن أُولَئِك، يُعانِدُ كلُّ واحِدٍ ويَنحازُ جانِبًا سائِرًا وَفْقَ أَغراضِه الشَّخْ. أقُو كأنَّه يُمَهِّدُ السَّبِيلَ لِفَتْحِ الأَبوابِ أَمامَ أُولَئِك الأَعداءِ لِيَدخُلُوا حَرَمَ الإسلامِ الآمِنِ.. فهل يَلِيقُ هذا بأُمّةِ الإسلامِ؟
وإنوأَنانَ أن تُعَدِّدَ دَوائِرَ الأَعداءِ المُحِيطةَ بالإسلامِ، فهُمُ ابتِداءً مِن أَهلِ الضَّلالةِ والإِلحادِ وانتِهاءً إلى عالَمِ الكُفْرِ ومَصائِبِ الدُّنيا وأَحوالِها المُضطَرِبةِ جَمِيعِنَّ جِي دَوائِرُ مُتَداخِلةٌ تَبلُغُ السَّبعِينَ دائِرةً، كلُّها تُرِيدُ أن تُصِيبَكُم بسُوءٍ، وجَمِيعُها حانِقةٌ علَيْكُم وحَرِيصةٌ على الِانتِقام مِنكُم، فليس لكم أَمامَ جَمِيعِ أُولَئِك الأَعداءِ الأَلِدّاءِ إلّا ذلك السِّلاحُ الب، نابِ والخَندَقُ الأَمِينُ والقَلْعةُ الحَصِينةُ، ألا وهي الأُخُوّةُ الإسلاميّةُ، فأَفِقْ أيُّها المُسلِمُ، واعْلَمْ أنَّ زَعْزَعةَ قَلعةِ الإسلامِ الحَصِينةِ بحُجَجٍ تافُولَئِأَسبابٍ واهِيةٍ، خِلافٌ للوِجْدانِ الحَيِّ وأيُّ خِلافٍ! ومُنافٍ لِمَصْلَحةِ الإسلامِ كُلِّيًّا.. فانتَبِه!
ولقد وَرَد في الأَحادِيثِ الشَقتٍ وةِ ما مَضمُونُه: أنَّ الدَّجّالَ والسُّفيانِيَّ وأَمثالَهما مِنَ الأَشخاصِ الَّذين يَتَولَّوْن أَهلَ الزَّندَقةِ والنِّفاقِ، ويَظهَرُون في آخِرِ الزَّمانِ، يَسسؤُولَُون الشِّقاقَ بينَ النّاسِ والمُسلِمِين ويَستَفِيدُون مِن تَكالُبِهِم على حُطامِ الدُّنيا، فيُهلِكُون البَشَرِيّةَ بقُوّةٍ ضَئِيلةٍ، ويَنشُرُون الهَرْجَ والمَرْجَ بَينَها، ويُسَيطِرُون على أُمّةِ الإسلامِ ويَأْسِرُونَها.
أيُّها المُ وفي ان، إن كُنتُم تُرِيدُون حَقًّا الحَياةَ العَزِيزةَ، وتَرفُضُون الرُّضُوخَ لِأَغلالِ الذُّلِّ والهَوانِ، فأَفِيقُوا مِن رَقْدَتِكُم، وعُودُوا إلى رُشْدِكُم، وادخُلُوا القَلْعةَ الحَصِينةَ المُقَدَّسةَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَهُم إلحَصِّنُوا أَنفُسَكُم بها مِن أَيدِي أُولَئِك الظَّلَمةِ
— 346 —
الَّذين يَستَغِلُّون خِلافاتِكُمُ الدّاخِلِيّةَ.. وإلّا تَعجِزُون عنِ الدِّفاعِ عن حالإِنسكُم، بل حتَّى عنِ الحِفاظِ على حَياتِكُم، إذ لا يَخفَى أنَّ طِفْلًا صَغِيرًا يَستَطِيعُ أن يَضرِبَ بَطَلَيْنِ يَتَصارَعانِ، وأنَّ حَصاةً صَغِيرةً تَلعَبُ دَوْرًا في رَفْعِ كِفّةِ مِيزانٍ وخَفْضِ الأُخرَى ولو كان فيهِما جَبَلانِ مُبوَجهِنانِ.
فيا مَعشَرَ أَهلِ الإيمانِ،إنَّ قُوَّتَكُم تَذهَبُ أَدراجَ الرِّياح مِن جَرّاءِ أَغراضِكُمُ الشَّخصِيّةِ وأَنانيَّتِكُم وتَحَزُّبِكُم، فقُوّةٌ قَلِيلةٌ جِدًّا تَتَمكَّنُ ماها إنتُذِيقَكُمُ الذُّلَّ والهَلاكَ؛ فإن كُنتُم حَقًّا مُرتَبِطِين بمِلّةِ الإسلامِ فاستَهْدُوا بالدُّستُورِ النَّبوِيِّ العَظِيمِ:"المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ، يَشُدُّ بََّصرانبَعضًا"،وعِندَها فقط تَسْلَمُون مِن ذُلِّ الدُّنيا وتَنجُون مِن شَقاءِ الآخِرةِ.
الوجهُ السَّادِسُ:
إنَّ الحَياةَ المَعنَوِيّةَ وسَلامةَ العُبُوعِها؛ِ تتَزَعْزَعانِ بسَبَبِ العَداءِ والعِنادِ، إذ يَضِيعُ الإخلاصُ الَّذي هو واسِطةُ الخَلاصِ! ذلك لِأنَّ المُعانِدَ الَّذي يَنحازُ إلى رَأْيِه وجَماعَتِه يَرُومُ التّلعَلِيَ على خَصْمِه حتَّى في أَعمالِ البِرِّ الَّتي يُزاوِلُها، فلا يُوَفَّقُ تَوفِيقًا كامِلًا إلى عَمَلٍ خالِصٍ لِوَجْهِ اللهِ؛ ثمَّ إنَّه لا يُوَفَّقُ أَيضًا لِلعَدالةِ، إذ يُرَجِّحُ في أَح جِدًّومُعامَلاتِه المُوالِين لِرَأْيِه المُوافِقِين لَه على غَيرِهم.. وهكذا يَضِيعُ أَساسانِ مُهِمّانِ لِبِناءِ البِرِّ "الإخلاصُ والعَدالةُ" بالخِصامِ والعَداءِ.
إنَّ بَحثَ هذا الوَجهِ يَطُولُ، فلا يَتَّسِعُ هذا المَقامُ أَكثَرَ مِننَّى ألقَدْرِ، فنَكتَفِي به.
٭٭٭
— 347 —
المبحث الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
وَكَأَيي عُومِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أيُّها المُؤمِنُ: لقد أَدْرَكْتَ مِمّا سَبَق مَدَى ما تَتْرُكُه العَداوةُ والبَغضاءُ مِن أَضرارٍ جير". إٍ، فاعْلَمْ أنَّ الحِرْصَ أَيضًا داءٌ كالعَداءِ بل هُو أَضَرُّ على الحَياةِ الإسلامِيّةِ وأَدْهَى علَيْها. نعم، الحِرْصُ بِذاتِه سَبَبُ الخَيْبةِ والخِذْلانِ، وداءٌ وَبِيلٌ ومَهانةٌ وذُِجتَهِوهُو الَّذي يَجْلُبُ الحِرْمانَ والدَّناءةَ.
إنَّ الشَّاهِدَ القاطِعَ على هذا الحُكْمِ على الحِرْصِ، هو ما أَصابَ اليَهُودَ مِنَ الذِّلّةِ والمَسْكَنةِ وال ومُنَ والسَّفالةِ لِشِدّةِ تَهالُكِهِم على حُطامِ الدُّنيا أَكثَرَ مِن أَيّة أُمّةٍ أُخرَى.
والحِرصُ يُظهِرُ تَأْثِيرَه السَّيِّئَ بَدْءًا مِن أَوسَعِ دائِرةٍ في عالَمِ الأَحياءِ، وانتِهاءً إلى أَصغسماها،رْدٍ فيه، بَينَما السَّعْيُ وَراءَ الرِّزقِ المُكَلَّلِ بالتَّوَكُّلِ مَدارُ الرّاحةِ والِاطمِئْنانِ، ويُبْرِزُ أَثَرَه النّافِعَ في كلِّ مَكانٍ.
ّاها، الُ ذلك:أنَّ النَّباتاتِ والأَشجارَ المُثمِرةَ المُفتَقِرةَ إلى الرِّزقِ یی وهي الَّتي تُعَدُّ نَوْعًا مِنَ الأَحياءِ یی تُهرَعُ إلَيْها أَرْزاقُها سَرِيعةً وهي مُنتَصِبةٌ في أَماكِنِها، مُتَّسِمةٌ بالتَّوكُّلِ والقَناعةِ دُون كانَ َبدُوَ مِنها أَثَرٌ للحِرصِ، بل تَتَفوَّقُ على الحَيَواناتِ في تَكاثُرِها وتَربِيةِ ما تَوَلَّد مِن ثَمَراتٍ؛ أمّا الحَيَواناتُ فلا تَحصُلُ عِ في رزاقِها إلَّا بعد جُهْدٍ ومَشَقّةِ وبكَمِّيّةٍ زَهِيدةٍ ناقِصةٍ، ذلك لِأَنَّها تَلْهَثُ وَراءَها بحِرصٍ، وتَسعَى في البَحثِ عنها حَثِيثًا، حتَّى إنَّنا نَرَى في عالَمِ الحَيَوانِ نَفسِه أنَّ الأَرزاقَ ٍ لها؛ُ على الصِّغارِ الَّذين يُعَبِّرُون
— 348 —
عن تَوَكُّلِهم على اللهِ بلِسانِ حالاتِ ضَعْفِهِم وعَجْزِهم، فيُرسَلُ إلَيْهِم رِزقُهُمُ المَشرُوعُ اللَّطِيفُ الكامِلُ مِن خَزِينةِ الرَّحميّةُ نلٰهِيّةِ، بَينَما لا تَحصُلُ الحَيَواناتُ المُفتَرِسةُ الَّتي تَنقَضُّ على فَرائِسِها بحِرصٍ شَدِيدٍ إلّا بَعدَ لَأْيٍ كَبِيرٍ وتَحَرٍّ عَظِيمٍ.
فهاتانِ الحالَتانِ تُبيِّنانِ بوُضُوحٍ: أنَّ الحِرصَ سَبَبُ الحِرْمانِ، الإِخالتَّوكُّلُ والقَناعةُ فهُما وَسِيلَتا الرَّحمةِ والإِحسانِ.
ونَرَى الحالَ نَفسَها في عالَمِ الإِنسانِ، إذِ اليَهُودُ الَّذين هم أَحرَصُ النّاسِ عمَضانَاةٍ، ويَستَحِبُّون الحَياةَ الدُّنيا على الآخِرةِ، بل يَعشَقُونها حُبَّ العاشِقِ الوَلْهانِ حتَّى سَبَقُوا الأُمَمَ في هذا المَجالِ، قد ضُرِبَت علَيهِمُ الذِّلّةُ و جِسامنةُ، وأُلحِقَت بهم حَمَلاتُ القَتلِ بِيَدِ الأُمَمِ الأُخرَى.. كلُّ ذلك مُقابِلَ حُصُولِهم بعدَ عَناءٍ طَوِيلٍ على ثَرْوةٍ رِبَوِيّةٍ مُحَرَّمةٍ خَبِيثةٍ، لا يُنفِقُون مِنها إُونَ رنَّزْرَ اليَسِيرَ، وكأنَّ وَظِيفَتَهم كَنزُها وادِّخارُها فحَسْبُ.. فتُبيِّنُ لنا هذه الحالُ: أنَّ الحِرْصَ مَعدِنُ الذِّلّةِ والخِسّةِ والخَسارةِ في عالَمِ الإِنسانيّةِ.
وهُنِينَ أائِعُ كَثِيرةٌ، وحَوادِثُ لا تَدخُلُ في الحَصْرِ بأنَّ الحَرِيصَ مُعرَّضٌ دائِمًا للوُقُوعِ في حَوْمةِ الخُسْرانِ، حتَّى جَرَى "الحَرِيصُ خائِبٌمِ الإٌ" مَجْرَى الأَمثالِ الشَّائِعةِ، واتَّخَذَه الجَمِيعُ حَقِيقةً عامّةً في نَظَرِهم.
فما دامَ الأَمرُ هكذا، إن كُنتَ تُحِبُّ المالَ حُبًّا جَمًّا فاطْلُبْه بالقَناعةِ دُونُلحَقُرصِ حتَّى يَأْتيَك وافِرًا.
ويُمكِنُ أن نُشَبِّه القانِعِين مِنَ النَّاسِ والحَرِيصِين مِنهم بشَخصَينِ يَدخُلانِ مَضِيفًا كَبِيرًا أَعدَّه شخصٌ عَظِيمٌ ذُو شَأْنٍ.. يَتَمِأنَّ َحَدُهُما مِن أَعماقِه قائِلًا: لو أنَّ صاحِبَ الدِّيوانِ يُؤْوِيني مُجَرَّدَ إِيواءٍ، وأَنجُو مِن شِدّةِ البَردِ الَّذي في الخارِج لَكَفاني، وحَسْبِي ذلك؛ ولو سَمَح لي بأيِّ مَقعَدٍ مُتَيسِّرٍ في أَدنَى مَوقِعٍ فهُولتَّقٌْ مِنه وكَرَمٌ. أمّا الآخَرُ فيَتَصرَّفُ كأنَّ له حَقًّا على الآخَرِين، وكأنَّهم مُضطَرُّون أن يَقُومُوا له بالِاحتِرامِ والتَّوقِيرِ، لِذ صِفاتلُ في أَعماقِه بغُرُورٍ: على صاحِبِ الدِّيوانِ أن يُوَفِّرَ لي أَرفَعَ مَقعَدٍ وأَحسَنَه.. وهكذا يَدخُلُ الدِّيوانَ وهو يَحمِلُ هذا الحِرْصَ ويَرَلفَ المَواقِعَ الرَّفيعةَ
— 349 —
في المَجلِسِ، إلّا أنَّ صاحِبَ الدِّيوانِ يُرجِعُه ويَرُدُّه إلى أَدنَى مَوقِعٍ في المَجلِسِ، وهُو بِدَوْرِه يَمتَعِضُ ويَستاءُ ويَمتَلِئ مِن درُه غَيْظًا على صاحِبِ الدِّيوان، ففي الوَقتِ الَّذي كان علَيْه أن يُقَدِّمَ الشُّكْرَ الَّذي يَستَوجِبُه، قام بخِلافِ ما يَجِبُ علَيْه، وأَخَذ بانتِقادِ صاحِبِ الدِّيوانِ، فاستَثْقَلَه صاحِبُ الدِّيوانِ، بَينَما رَحَّب أَنَّ خصِ الأَوَّلِ الَّذي دَخَل الدِّيوانَ وهُو يُشِعُّ تَواضُعًا يَلتَمِسُ الجُلُوسَ في أَدنَى مَقعَدٍ مُتَوفِّرٍ، إذ سَرَّته هذه القَناعةُ البادِيةُ مِنه والَّتي بَعَثَت في نَفسِه الِانشِراحَ والِاستِحسانَ، وأَخَذ يُرَقِّيه إلى أَعلَى مَقامٍ وأَرَوْلاههُو بِدَوْرِه يَستَزِيدُ مِن شُكْرِه ورِضاه وامتِنانِه كُلَّما صَعِدَت به المَراتِبُ.
وهكذا الدُّنيا دِيوانُ ضِيافةِ الرَّحمٰنِ، ووَجْهُ الأَرضِ سُفْرةُ الرَّحمةِ المَبسُوطةُ ومائِدةُ الرَّحمٰنِ المَنصُوبةُ، ودَرَجاتالطَّارزاقِ ومَراتِبُ النِّعمةِ بمَثابةِ المَقاعِدِ المُتَبايِنةِ.
إنَّ سُوءَ تَأْثيرِ الحِرْصِ ووَخامةَ عاقِبَتِه يُمكِنُ أن يَشعُرَ به كلُّ واحِدٍ، حتَّى في أَصغَرِ الأُمُورِ وأَدَقِّها جُزئيّةً.
فمَثلًا:يُمكِنُ أن يَشعُرَ كلُّ إلى د استِياءً واستِثقالًا في قَلبِه تِجاهَ مُتَسوِّلٍ يُلِحُّ علَيْه بحِرْصٍ شَدِيدٍ، حتَّى إنَّه يَرُدُّه، بَينَما يَشعُرُ إِشفاقًا وعَطْفًا تِج يُرَ تَسوِّلٍ آخَرَ وَقَف صامِتًا قَنُوعًا، فيَتَصَدَّقُ علَيْه ما وَسِعَه.
ومَثلًا:إذا أَرَدتَ أن تَغفُوَ في لَيْلةٍ أُصِبْتَ فيها بالأَرَقِ، فإنَّك تَهجَعُ رُوَيدًانتَبِيدًا إن أَهْمَلْتَه ولم تُبالِ به؛ ولكن إن حَرَصتَ على النَّومِ وقَلِقتَ علَيْه وأنت تُتَمتِمُ: تُرَى متى أَنامُ؟ أين النَّومُ مِنِّي؟! فسيَتَبدَّدُ اُوقاتُِ وتَفْقِدُه كُلِّيًّا.
ومَثلًا:تَنتَظِرُ أَحدَهُم بفارِغِ الصَّبْرِ، وأنت حَرِيصٌ على لِقائِه لِأَمرٍ مُهِمٍّ، فتَشعُرُ بالقَلَقِ قائلًا: لِمَ لم يَأْتِ؟ ما بالُه تَأَخَّر؟ وفي ذي يُماية يُزِيحُ الحِرْصُ الصَّبْرَ عَنك، ويَضطَرُّك إلى مُغادَرةِ مَكانِ الِانتِظارِ يائِسًا؛ وإذا بالشَّخصِ المُنتَظَرِ يَحضُرُ بعدَ هُنَيهةٍ، ولكنَّ النَّتِيجةَ المَرجُوّةَ قد ضاعَت وتَلامَسأَل إنَّ السِّرَّ الكامِنَ في أَمثالِ هذه الحَوادِثِ وحِكْمَتَها هو: مِثلَما يَتَرتَّبُ وُجُودُ الخُبزِ على أَعمالٍ تَتِمُّ في المَزرَعةِ، والبَيْدَرِيرِهِطَّاحُونةِ، والفُرنِ، فإنَّ تَرَتُّبَ الأَشياءِ كذلك
— 350 —
يَقتَرِنُ بحِكْمةِ التَّأنِّي والتَّدرُّجِ، ولكِنَّ الحَرِيصَ بسَبَب حِرْصِه لا يَتَأنَّى في حَرَكاتِه ولا يُراعي الدَّرَجاتِ والمَرمَن يُالمَعنَوِيّةَ المَوجُودةَ في تَرَتُّبِ الأَشياءِ.. فإما أنَّه يَقفِزُ ويَطْفَرُ فيَسقُطُ، أو يَدَعُ إِحدَى المَراتِبِ ناقِصةً فلا يَرْتَقِي لِغايَتِه المَقصُودةِ.
فيايرٍ مِها الإِخوةُ المَشدُوهُون مِن هُمُومِ العَيْشِ والهائِمُون في الحِرْصِ على الدُّنيا.. كيفَ تَرضَوْن لِأَنفُسِكُمُ الذِّلّةَ والمَهانةَ َدِ الِيلِ الحِرْصِ معَ أنَّ فيه هذه الأَضرارَ والبَلايا، وتُقبِلُون على كلِّ مالٍ دُونَ أن تَعبَؤُوا أهُوَ حَلالٌ أم حَرامٌ؟ وتُضَحُّون في سَبِيَتِ ال بأُمُورٍ جَلِيلةٍ وأَشياءَ قَيِّمةٍ تَستَوجِبُها الحَياةُ الأُخرَوِيّةُ، حتَّى إنَّكم تَدَعُون في سَبِيلِ الحِرْصِ رُكْنًا مُهِمًّا مِن أَركانِ الإسلامِ، ألا وهو "الزَّكاةُ"، عِلْمًا أنَّها بابٌ عَظِيمٌ تَفِيضُ مِنه البَرَكةالجانِّنَى على كلِّ فَرْدٍ، وتَدْفَعُ عنه البَلايا والمَصائِبَ.. فالَّذين لا يُؤَدُّون زَكاةَ أَموالِهِم لا مَحالةَ يَفقِدُون أَموالًا بقَدْرِها، ويُبَدِّدُونها إمّا في أُمُورٍ تافِهةٍ لا طائِلَ وَ المَس، أو تُلِمُّ بهم مَصائِبُ تَنتَزِعُها مِنهُمُ انتِزاعًا.
ولقد سُئِلتُ في رُؤْيا خَياليّةٍ عَجِيبةٍ ذاتِ حَقِيقةٍ، وذلك في السَّنةِ الخامِسةِ مِنَ الحَربُِكْنةًَمِيّةِ الأُولَى، والسُّؤالُهو:
ما السِّرُّ في هذا الفَقْرِ والخَصاصةِ الَّتي أَصابَتِ الأُمّةَ الإِسلاميّةَ، وما السِّرُّ في التَّلَفِ تَنعَي أَصابَ أَموالَهُم وأَهْدَرَها، وفي العَناءِ والمَشاقِّ الَّتي رَزَحَت تَحتَه أَجسادُهم؟
وقدأَجَبتُعنِ السُّؤالِ في رُؤْيايَ بما يَأْتي:
إنَّ اللهَ تَعالَى قد فَرَض علَيْنا فيما رَزَقَنا مِن نظُرُ العُشْرَ (حاشية): "مِن مالِه العُشرَ" أي: جُزءًا مِن عَشَرةِ أَجزاءٍ، مِمّا يُعطِيه كالزُّرُوعِ. في قِسمٍ مِنَ الأَموالِ، وواحِدًا مِن أَربَعِين (حاشية): "وواحدًا مِن أَربَعِين" أي: مِنَ المالِ القَدِيمِ (كالعُرُوضِ هِ ما اشِي) التي يُنتِجُ اللهُ مِنها في كلِّ سَنةٍ على الأَغلَبِ عَشَرةً بِكرًا جَدِيدًا. في قِسمٍ آخَرَ كي يَجْعَلَنا نَحظَى بأَدعِيةٍ خالِصةٍ تَنطَلِقُ مِنَ الفُقَراءِ، ويَصرِفَنا عَمّا يُوغِرُ صُدُورَهُم مِنَ اائِدِهينةِ والحَسَدِ؛ إلّا أنَّنا قَبَضْنا أَيدِيَنا
— 351 —
حِرْصًا على المالِ فلم نُؤَدِّ الزَّكاةَ، فاسْتَرْجَع سُبحانَه وتَعالَى تلك الزَّكاةَ المُتَراكِمةَ علَيْنا بنِسبةِ ثَلاثِين مِن أَربَعِين وبنِسبةِ ثَ الَّذٍ مِن عَشَرةٍ.
وطَلَب سُبحانَه مِنّا أن نَصُومَ لِأَجْلِه ونَجُوعَ في سَبِيلِه جُوعًا يَتَضمَّنُ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَم ما يَبلُغُ السَّبعِين فائِدةً.. طَلَب مِنّا أن نَقُومَ به َحالةَْرٍ واحِدٍ مِن كُلِّ سَنةٍ، فعَزَّت علَيْنا أَنفُسُنا وأَخَذَتْنا الرَّأْفةُ بها عن غَيرِ حَقٍّ، وأَبَيْنا أن نُطِيقَ جُوعًا مُمتِعًا مُؤَقَّتًا، فما كان مِنه سُبحانَه إلّا مُجازاتُنا بنَوعٍ مِن صَوْمٍ وجُوعٍ لَه مِنَ اُ بمَعِبِ ما يَبلُغُ السَّبعِين مُصِيبةً، وأَرْغَمَنا علَيْه طَوالَ خَمْسِ سَنَواتٍ مُتَتاليةٍ.
وكذا، طَلَب مِنّا سُبْحانَه نَوْعًا مِن تَنفِيذِ الأَوامِرِ والتَّعلِيماتِ الرَّبّانيّةِ الطَّيِّبةِ المُبارَياةِ لسّامِيةِ النُّورانيّةِ، نُؤَدِّيها في ساعةٍ واحِدةٍ مِن بينِ أَربَعٍ وعِشْرِين ساعةً؛ فتَقاعَسْنا عن أَداءِ تلك الصَّلَواتِ والأَدْعِيةِ والأَذكارِ، فأَضَعْنا تلك السّاعةَ الواحِدةَ معَ بَقِيّةِ السّاعاتِ؛ فكان مينةٍ ق كَفَّر عَنّا سُبحانَه بما بَدا مِنّا مِن سَيِّئاتٍ وتَقْصِيراتٍ، وجَعَلَنا نُرغَمُ على أَداءِ نَوعٍ مِنَ العِبادةِ والصَّلاةِ بتَلْقِينِ التَّعْلِيماتِ والتَّدْرِيبِ ومِن كَرٍّ وفَرٍّ وَ قَوم وإِغارةٍ وما إلى ذلك.. في غُضُونِ خَمْسِ سَنَواتٍ مُتَتابِعةٍ.
نعم، هكذا قُلتُ في تلك الرُّؤْيا، ثمَّ أَفَقْتُ مِنها، وفَكَّرْتُ مُتَأَمِّلًا، وتَوَصَّلتُ إلى حَقِيقةأَطيَبمّةٍ جِدًّا تَضَمَّنَتْها تلك الرُّؤْيا الخَياليّةُ.
إنَّ هُناك كَلِمَتَينِ اثنَتَينِ هُما مَنشَأُ جَمِيعِ ما آلَت إلَيْه البَشَرِيةِ، وه حَياتِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ مِن تَرَدٍّ في الأَخلاقِ وانحِطاطٍ في القِيَمِ، وهُما مَنبَعُ جَمِيعِ الِاضطِراباتِ والقَلاقِلِ، وقد بَيَّنّاهُما وأَثْبَتْناهُما في "الكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشْرِين" عِندَ عَقْدِنا المُوازَنةَُ، إذ الحَضارةِ الحَدِيثةِ وأَحكامِ القُرآنِ الكَرِيمِ. والكَلِمَتانِ هُما:
الكَلِمةُ الأُولَى:"إن شَبِعْتُ فلا عَلَيَّ أن يَمُوتَ غَيرِي مِنَ الجُوعِ".
الكَلِمةُ الثَّانيةُ:"اكْتَسِبْ أنتَ ِرافُ َ أنا، واتْعَبْ أنتَ لِأَستَرِيحَ أنا".
وأنَّ الَّذي يُدِيمُ هاتَينِ الكَلِمَتَينِ ويُغَذِّيهِما هو: جَرَيانُ الرِّبا، وعَدَمُ أَداءِ الزَّكاةِ.
— 352 —
وأنَّ الحَلَّ الوَحِيدَ واه المَءَ النّاجِعَ لِهَذَينِ المَرَضَينِ الِاجتِماعِيَّينِ هو: تَطبِيقُ الزَّكاةِ في المُجتَمَعِ وفَرْضُها فَرْضًا عامًّا، وتَحرِيمُ الرِّبا كُلِّيًّا.. لِأنَّ أَهَمِّيّةَ الزَّكاةِ لا تَنحَصِرُ في أَشخاصٍ وجَماعاتٍ مُعَيَّنةِجَمِي بل إنَّها رُكنٌ مُهِمٌّ في بِناءِ سَعادةِ الحَياةِ البَشَرِيّةِ ورَفاهِها جَمِيعًا، بل هي عَمُودٌ أَصِيلٌ تَتَوطَّدُ به إِدامةُ الحَياةِ الحَقِيقيّةِ للإِنسانيّةِ، ذلك لِأنَّ في البَشَرِيّةِ طَبَقتَينِ: الخَواصِّ والعَوامِّ؛ والزَّكاةُ تُؤَ الوَسالرَّحمةَ والإِحسانَ مِنَ الخَواصِّ تِجاهَ العَوامِّ، وتَضْمَنُ الِاحتِرامَ والطّاعةَ مِنَ العَوامِّ تِجاهَ الخَواصِّ؛ وإلّا ستَنْهالُ مَطارِقُ الظُّلمِ والتَّسلُّطِ على هاماتِ العَوامِّ مِن أُولَئِك الخَواصِّ، ويَنبَعِثُ القًّا إ والعِصْيانُ اللَّذانِ يَضْطَرِمانِ في أَفئِدةِ العَوامِّ تِجاهَ الأَغنِياءِ المُوسِرِين.. وتَظَلُّ هاتانِ الطَّبَقتانِ مِنَ النَّاسِ في صِراعٍ مَعنَوِيٍّ مُستَدِيمٍ، وتَخُوضانِ غِمارَ مَبَّيَةِ الِاختِلافاتِ المُتَناقِضةِ، حتَّى يَؤُولَ الأَمرُ تَدْرِيجِيًّا إلى الشُّرُوعِ في الِاشتِباكِ الفِعْلِيِّ والمُجابَهةِ بَينَ العُمَّالِ وأَصحابِ رَأْسِ المالِ كما حَدَث في رُوسْيائةٍ وسيا أَهْلَ الكَرَمِ وأَصحابَ الوِجْدانِ، ويا أَهلَ السَّخاءِ والإِحسانِ.. إنْ لم تَقْصِدُوا بالإِحساناتِ الَّتي تَدفَعُونَها نيَّةَ الزَّكاةِ، ولم تَكُن باسمِها فإنَّ لَها ثلاثةَ أَضْرارٍ، بل قد تَتَلاشَى سُدًىها وحَ نَفْعٍ، ذلك لِأنَّكُم إن لم تَمنَحُوها وتُحسِنُوا بها في سَبِيلِ اللهِ وباسمِ اللهِ فإنَّكُم بلا شَكٍّ ستُبدُون مِنّةً وتَفَضُّلًا یی مَعحانَه فتَجعَلُون الفَقِيرَ المِسكِينَ تَحتَ أَسارةِ المِنَّةِ وتُكَبِّلُونه بأَغلالِها، ومِن ثَمَّ تَظَلُّون مَحرُومِين مِن دُعائِه الخالِصِ المَقبُولِ، فَضْلًا عن أنَّكُم تَكُونُون جاحِدِين بالنِّعمةِ ها يَتَظُنُّون أنَّكُم أَصحابُ المالِ، وفي الحَقِيقةِ لَستُم إلّا مُستَخْلَفين مَأْمُورِين تَقُومُون بتَوزِيعِ مالِ اللهِ على عِبادِه؛ ولكِن إذا أَدَّيتُمُ الإِحسانَ في سَبِيلِ اللهِ باسمِ الزَّكاةِ فإنَّكُم تَنالُون ثَوابًا عَظِيمًا، وتَكسِداءِ إَجْرًا عَظِيمًا، لِأنَّكُم قد أَدَّيتُمُوه في سَبِيلِ اللهِ.. وأَنتُم بهذا العَمَل تُبْدُون شُكْرًا للنِّعَمِ الَّتي أَسبَغَها اللهُ علَيْكُم، فتَنالُون فيَجِعاءَ المَقبُولَ مِن ذلك المُحتاجِ المُعْوِزِ حَيثُ لم يُضطَیرَّ إلى التَّمَلُّقِ والتَّخَوُّفِ مِنكُم، فاحْتَفَظَ بكَرامَتِه وإِبائِه فيكُونُ دُعاؤُه خالِصًا.
— 353 —
نعم، أين ما يُمنَحُ مِن أَموالٍ بقَدْرِ الزَّكاةِ بل أَكثَرَ مِنها، والقِارُ
حَسَناتٍ بشَتَّى صُوَرِها، ودَفْعُ صَدَقاتٍ معَ اكتِسابِ أَضْرارٍ جَسِيمةٍ أَمثالَ الرِّياءِ والصِّيتِ معَ المِنَّة والإِذلالِ، مِن أَداءِ الزَّكاةِ والقِيامِ بتلك الحَسَناتِ بنِيَّتِها في سَبِيلِ اللهِ، واي يُكِِ فَضْلِ القِيامِ بفَرِيضةٍ مِن فَرائِضِ اللهِ، وكَسْبِ ثَوابٍ مِنه سُبحانَه، والظَّفَرِ بالإِخلاصِ والدُّعاءِ المُستَجابِ؟! ألا شَتّانَ بينَ العَطاءَينِ!
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْبَيْدَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحمَّدٍ الَّذي قال: "المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا" وقال: "القَنَاعَةُ كَنزٌ لَا يَفنَى" وعلى آلِه وصَحبِه أجمَعِين.. آمِينَ
والحَمدُ للهَِت فست العالَمِين.
٭٭٭
— 354 —
خاتمة
"تَخصُّ الغِيبَة"
بِاسْمِهِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
لقد أَظهَرَ المِثالُ المَذكُورُ ضِمنَ أَمثِلةِ مَقامِ الذعَدْوٍوالزَّجرِ یی في النُّقطةِ الخامِسةِ مِنَ الشُّعاعِ الأَوَّلِ مِنَ الشُّعْلةِ الأُولَى للكَلِمةِ الخامِسةِ والعِشْرِين، وذلك في ذِكْرِ آيةٍ كَرِيمةٍ واحِدةٍ یی مَدَى شَناعةِمَتَهُبةِ في نَظَرِ القُرآنِ، إذ بَيَّنَتِ الآيةُ بإِعجازٍ كيف تُنَفِّرُ الإِنسانَ عنِ الغِيبةِ في سِتّةِ وُجُوهٍ حتَّى أَغنَت عَن كلِّ بَيانٍ آخَرَ.. نَعم، لا بَيانَ بعَّمُ أانِ القُرآنِ ولا حاجةَ إلَيْه.
إنَّ قَولَه تَعالَى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا تَذُمُّ الذَّمَّ في سِتِّ دَرَجاتٍ وتَزجُرُ عنِ الغِيبةِ في سِتِّ مَراتِبَ على النَّحْوِ الآتي:
تَنهَى هذه سدُودٌ الكَرِيمةُ عنِ الغِيبةِ بسِتِّ مَراتِبَ، وتَزجُرُ عنها بشِدّةٍ وعُنفٍ، وحَيثُ إنَّ خِطابَ الآيةِ مُوَجَّهٌ إلى المُغتابِين، فيكُونُ المَعنَى كالآتي:
َسَدِ مزةُ المَوجُودةُ في البِدايةِ، للِاستِفهامِ الإِنكارِيِّ، حَيثُ يَسرِي حُكْمُه ويَسِيلُ كالماءِ إلى جَمِيعِ كَلِماتِ الآيةِ، فكُلُّ كَلِمةٍ مِنها تَتَضمَّنُ حُكْمًا.
ففي الكَلِمةِ الأُولَى تُخاطِبُ الآيةُ الضِمنَ ةُ بالهَمْزةِ: أَلَيس لَكُم عَقْلٌ یی وهُو مَحَلُّ السُّؤالِ والجَوابِ یی لِيَعِيَ هذا الأَمرَ القَبِيحَ؟
وفي الكَلِمةِ الثَّانيةِ: يُحِبُّ تُخاطِبُ الآيةُ بالهَمْزةِ: هل فَسَدالنَّوُكُم یی وهُو مَحَلُّ الحُبِّ والبُغْضِ یی حتَّى أَصبَحَ يُحِبُّ أَكْرهَ الأَشياءِ وأَشَدَّها تَنفِيرًا؟!
— 355 —
وفي الكَلِمةِ الثَّالثةِ: أَحَدُكُمْ تُخاطِبُ بالهَمْزسالةِ ذا جَرَى لِحَياتِكُمُ الِاجتِماعِيّةِ الَّتي تَستَمِدُّ حَيَوِيَّتَها مِن حَيَوِيّةِ الجَماعةِ؟! وما بالُ مَدَنِيَّتِكُم وحَضارَتِكُم حتَّى أَصبَحَت تَرضَى بما يُسَمِّمُ حَياتَكُم ويُعَكِّرُ صَفْوَك الوَق وفي الكَلِمةِ الرَّابِعةِ: أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ تُخاطِبُ بالهَمْزةِ: ماذا أَصابَ إِنسانيَّتَكُم حتَّى أَصبَحْتُم تَفْتَرِسُون صَدِيقَكُمُ الحَمِيمَ؟!نِ يُضي الكَلِمةِ الخامِسةِ: أَخِيهِ تُخاطِبُ بالهَمْزةِ: أَلَيس بكُم رَأْفةٌ بِبَني جِنسِكُم؟! أَلَيس لكُم صِلةُ رَحِمٍ تَربِطُكُم معَهُم، حتَّى أَصبَحتُم تَفتِكُون بمَن هُو أَخُوكُم مِن عِدّةِ جِ الدِّوتَنهَشُون شَخْصَه المَعنَوِيَّ المَظلُومَ نَهْشًا قاسِيًا؟! أَيَملِكُ عَقْلًا مَن يَعَضُّ عُضْوًا مِن جِسْمِه؟ أوَلَيس هو بمَجنُونٍ؟!
وفي الكَلِمةِ السَّادِسةِ: مَيْتًا تُخاطِبُ بالهَمْزةِ: أينَ وِجْدانُكُم؟ أَفَسَدَت فِطْرَتُكم حتَّى أَلك الشُم تَجْتَرِحُون أَبغَضَ الأَشياءِ وأَفسَدَها یی وهُو أَكلُ لَحْمِ أَخِيكُم یی في الوَقْتِ الَّذي هو جَدِيرٌ بكُلِّ احتِرامٍ وتَوْقِيرٍ؟!
يُفهَمُ مِن هذه الآيةِ كُلِّييمةِ، وبِما ذَكَرْناه مِن دَلائِلَ مُختَلِفةٍ في كَلِماتِها: أنَّ الغِيبةَ مَذمُومةٌ عَقْلًا وقَلْبًا وإِنسانيّةً ووِجْدانًا وفِطْرةً ومِلّةً.
فتَدَبَّرْ في هذه الآيةِ يَستَطيمةِ، وانظُرْ كيفَ تَزجُرُ عن جَرِيمةِ الغِيبةِ بإِعجازٍ بالِغٍ وبإِيجازٍ شَدِيدٍ في سِتِّ مَراتِبَ.
حَقًّا، إنَّ الغِيبةَ سِلاحٌ دَنِيءٌ يَستَعمِلُه المُتَخاصِمُون والحُسَّادُ والمُعانِدُون؛ لِأنَّ صاحِبَ النَّفْسِ الا حالاةِ تَأْبَى علَيْه نَفسُه أن يَستَعمِلَ سِلاحًا حَقِيرًا كهذا.
وقَدِيمًا قال الشَّاعِرُ:
وأُكْبِرُ نَفْسِي عَنْ جَزَاءٍ بِغِيبَةٍ ٭ فكُلُّ اغْتِيَابٍ جَهْدُ مَنْ لَا لَهُ جَهْدُ
والغِيبةُ هي ذِكرُك أَخاك بما يَكرَهُ، بل تكان فيه ما تَقُولُ فقدِ اغتَبْتَه، وإن لم يَكُن فيه فقد بَهَتَّه، أي: اجْتَرَحْتَ إِثمًا مُضاعَفًا.
— 356 —
إلّا أنَّ الغِيبةَ وإن كانَت مُحَرَّمةً فإنَّها تَجُوزُ في أَحوالٍ مُعيَّنَتْ أَمِنها:التَّظلُّمُ، فالمَظلُومُ يَجُوزُ له أن يَصِفَ مَنْ ظَلَمَه إلى حاكِمٍ لِيُعِينَه على إِزالةِ ظُلمٍ أو مُنكَرٍ وَقَع علَيْه.
ومِنها:الِاستِفتاءُ، فإذا ما استَشارَك أَحَدٌ يُرِيدُ أن يَشتَرِكَ معَ ي يُلزفي العَمَلِ أو غَيرِه، وأَرَدتَ نَصِيحَتَه خالِصًا للهِ دُونَ أن يُداخِلَها غَرَضٌ شَخصِيٌّ، يَجُوزُ لك أن تَقُولَ: "لا تَصلُحُ لك مُعامَلَتُه، سوف تَخسَرُ وتَتَضرَّرُ".
ومِنها:التَّعرِيفُ مِن دالإشَان يكُونَ القَصدُ فيه التَّنقِيصَ، فتَقُولُ مَثلًا: ذهب ذلك الأَعرَجُ، أو ذلك الماجِنُ إلى مكانِ كذا.
ومِنها:إنْ كانَ فاسِقًا مُجاهِرًا بفِالصَّو لا يَتَورَّعُ مِنَ الفَسادِ، ورُبَّما يَفتَخِرُ بسَيِّئاتِه ويَتَلذَّذُ مِن ظُلمِ الآخَرِين.
ففي هذه الحالاتِ المُعيَّنةِ تَجُوزُ الغِيبةُ للمَصلَحةِ الخالِصةِ دُونَ أن يُداخِلَها حَظُّ النفإمَّاوالغَرَضُ الشَّخصِيُّ، بل تَجُوزُ لِأَجلِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ وَحْدَه، وإلّا فالغِيبة تُحبِطُ الأَعمالَ الصّالِحةَ وتَأكُلُها كما تَأكينِ، فنّارُ الحَطَبَ.
فإذا ارْتَكَب الإنسانُ الغِيبةَ، أوِ استَمَع إلَيْها برَغبةٍ مِنه، فعَلَيْه أن يَدْعُوَ:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِمَنِ اغْتَبْناه".
المُلَطلُبَ مِنَ الَّذي اغتابَه عَفْوَه مِنها، والإبراءَ مِنها مَتَى الْتَقاه.
٭٭٭
— 357 —
المكتوب الثالث والعشرون
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ ٍ عَظِدِه
السَّلامُ علَيْكُم ورَحْمةُ اللهِ وبَرَكاتُه أَبدًا بعَدَدِ عاشِراتِ دَقائِقِ عُمُرِك وذَرّاتِ وُجُودِك
أَخِي العَزِيزَ الغَيُورَ الَعِدُ،ذا الحَقِيقةِ الخالِصَ الفَطِنَ!
إنَّ أَمثالَنا مِن إِخوانِ الحَقِيقةِ والآخِرةِ لا يَمنَعُ اختِلافُ الزَّمانِ والمَكانِ مُحاوَرَتَهُم ومُؤانَسَتَهُم، فحَتَّى لو كانَ أَحَدُهُم في الشَّرقخشَى ارُ في الغَربِ، وأَحَدُهُم في الماضِي وآخَرُ في المُستَقبَلِ، وأَحَدُهُم في الدُّنيا وآخَرُ في الآخِرةِ، يُمكِنُ أن يُعَدُّوا مَعًا، ويُلسَّادُم أن يُحاوِرَ بَعضُهُم بَعضًا، ولا سِيَّما إن كانُوا مُجتَمِعِينَ على غايةٍ واحِدةٍ ويَعمَلُونَ في مُهِمّةٍ واحِدةٍ وواجِبٍ واحِدٍ، بل حصِيّةُكُونُ أَحَدُهُم هو في حُكْمِ عَينِ الآخَرِ.
إنَّني أَتَصوَّرُكُم مَعِي صَباحَ كلِّ يَومٍ، وأَهَبُ لكُم قِسمًا مِن مَكاسِبِي، وهو الثُّلُثُ (نَسأَلُ اللهَ القَبُولَ)، فأَنتُم في الدُّعاءِ معَ "عَبدِ المَجِيدِ" و"عَبدِ الرَّحملامِ، فتَنالُونَ حَظَّكُم دَوْمًا إن شاءَ اللهُ.
ولقد أَثَّر فِيَّ بَعضُ مَشاكِلِكُمُ الدُّنيَوِيّةِ فتَألَّمتُ لِألَمِكُم، ولكِن يا أَخِي لَمَّا كانَتِ الدُّنيا لَيسَت خالِدةً، وأنَّ في مَصائرارِ اخَيرًا، فقد وَرَد إلى قَلبِي یی بَدَلًا عَنك یی عِبارةُ "كُلُّ حالٍ يَزُولُ"، وتَدَبَّرتُ في:"لا عَيشَ إلّا عَيشُ الآخِرةِ"،وتَلَوتُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وقُلتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا دةٌ أَهِ رَاجِعُونَ، فوَجَدتُ سُلْوانًا وعَزاءً بَدَلًا عَنك.
— 358 —
يا أَخِي، إذا أَحَبَّ اللهُ عَبدًا جَعَل الدُّنيا تُعرِضُ عنه وتُجافِيه، ويُرِيه الدُّنيا قَبِيحةً بَغِيضةً، وإنَّك إن شاءَ اللهُ مِن صِنفِ أُولَئِك المَحبمَعنَوَ عِندَ اللهِ.. لا تَتَألَّم مِن زِيادةِ المَوانِعِ والعَوائِقِ الَّتي تَحُولُ دُونَ انتِشارِ "الكَلِماتِ"، فإنَّ ما قُمتَ به مِن نَشرٍ لِلرَّسائِلِ ل ٦٤- الآنَ، إذا حَظِيَ برَحمَتِه سُبحانَه تَتَفتَّحُ یی إن شاءَ اللهُ یی تلك النُّوَى النُّورِيّةُ المُبارَكةُ جِدًّا أَزاهِيرَ كَثِيرةً.
إنَّك تَسأَلُ عَدَدًا مِنَ الأَسئِلةِ، ولكِن يا أَخِي العَزِيزَ إنَّ ِفِينََ "الكَلِماتِ" وكذا "المَكتُوباتُ" كانَت تَرِدُ إلى القَلبِ آنيًّا دُونَ اختِيارٍ مِنِّي، ولِهذا تُصبِحُ جَمِيلةً لَطِيفةً؛ ولو كُنتُ أُجِيبُ عنِ الأَسئِلةِ باختِيارِي وبََعنَى:أَمُّل وتَفَكُّرٍ وبقُوّةِ عِلمِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" يَرِدُ الجَوابُ خافِتًا خامِدًا ناقِصًا.. ولقد تَوَقَّفَ تَطَلُّعُ القَلبِ یی مُنذُ مُدّةٍ یی شَّرقِْ جَذْوةُ الحافِظةِ، ولكِن سنَكتُبُ جَوابًا في غايةِ الِاختِصارِ لِئَلّا تَبقَى هذه الأَسئِلةُ دُونَ جَوابٍ.
سُؤالُكُمُ الأوَّلُ:كَيفَ يَعةُ:تن يكُونَ أَفضَلُ دُعاءِ المُؤمِنِ لِأَخِيه المُؤمِنِ؟
الجَوابُ:يَجِبُ أن يكُونَ ضِمنَ دائِرةِ أَسبابِ القَبُولِ، لِأنَّ الدُّعاءَ يكُونُ مُستَجابًا ِنكُم ولًا ضِمنَ بَعضِ الشُّرُوطِ، وتَزدادُ الِاستِجابةُ كُلَّما اجتَمَعَت شُرُوطُ القَبُولِ؛ فمِنها: الطُّهُورُ المَعنَوِيُّ، أي: الِاستِغفارُ عِندَ الشُّرُوعِ بالدُّعاءِ، ثمَّ ذِكرُ الصَّلاةِ على الرَّسُولِ (امَ الِي الدُّعاءُ المُستَجابُ، وجَعْلُها شَفِيعةً لِلدُّعاءِ، وذِكرُ الصَّلاةِ على الرَّسُولِ (ص) أَيضًا في الخِتامِ، لِأنَّ دُعاءً وَسْطَ دُعاءَينِ مُستَجابَينِ يكُونُ مُستَجابًا.
وأن يَدعُوَ بظَهرِ الغَيبِ.
وأن يَدعُوَ بال خمسةورِ مِن أَدعِيةِ الرَّسُولِ (ص)، وما وَرَد في القُرآنِ الكَرِيمِ مِن أَدعِيةٍ.
مِثالُ ذلك:رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةِثلِ كي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ إنِّي أَسأَلُك العَفوَ والعافِيةَ لي وله في الدِّينِ والدُّنيا والآخِرةِ..
وأَمثالُها مِنَ الأَدعِيةِ المَأْثُورةِ الجامِها، وأ359
وأَنْ يَدعُوَ بخُلُوصِ النِّيّةِ وخُشُوعِ القَلبِ وحُضُورِه.
وأَنْ يَدعُوَ دُبُرَ الصَّلَواتِ ولا سِيَّما دُبُرَ صَلاةِ الفَجرِ.
وأَنْ يَدعُوَ في الأَماكِنِ المُبالصِّيا ولا سِيَّما في المَساجِدِ، وفي أَيّامِ الجُمَعِ ولا سِيَّما في ساعةِ الإِجابةِ، وفي الأَشهُرِ المُبارَكةِ ولا سِيَّما في اللَّيالي المَشهُورةِ، وفي شَهرِ رَمَضانَ ولا سِيَّما في لَيْلةِ القَدْرِ.
فإنَّ ُدُ یاءَ بهذه الشُّرُوطِ يُرجَى مِن رَحْمَتِه تَعالَى أن يكُونَ مَقرُونًا بالِاستِجابةِ.
فذلك الدُّعاءُ المُستَجابُ إمّا أن يُرَى أَثَرُه بعَينِه في الدُّنيا أو يُستَجابَ لِآخِرةِ المَدعُوِّ له ولِحَياتِه الخالِدةِ.
بمَعنَى أنَّه إن لملزَمُنالمَقصُودُ مِنَ الدُّعاءِ بذاتِه، فلا يُقالُ: إنَّ الدُّعاءَ لم يُستَجَب. بل يُقالُ: إنَّ الدُّعاءَ استُجِيبَ بأَفضَلِ استِجابةٍ.
سُؤالُكُمُ الثَّاني:هل يَجُوزُ إِطلاقُ: (رَضِيَ اتي تُدنهُ) على غَيرِ الصَّحابةِ الكِرامِ.
الجَوابُ:نعم.. لِأنَّ هذا الدُّعاءَ لَيسَ شِعارًا خاصًّا بالصَّحابةِ الكِرامِ كما هو في عِبارةِ: (علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ) الخاصَّةِ باللاءِ الِ (ص).
بل لا بُدَّ أن يُطلَقَ (رَضِيَ الله عَنهُ) على الأَئِمّةِ الأَربَعةِ المُجتَهِدِينَ، والشَّيخِ الگيْلانِيِّ، والإِمامِ الرَّبّانِيِّ والإِمامِ الغَزّاليِّ وأَمثالِهِم مِمَّن هم مِن وَرَثةِ الأَنبِياءانَتُه مَرتَبةِ الوِلايةِ الكُبْرَى، ونالُوا مَقامَ الرِّضَا.
ولكِن جَرَى عُرفُ العُلَماءِ بأن يُقالَ لِلصَّحابةِ الكِرامِ: (رَضِيَ الله عَنهُم) ولِلتّابِعِينَ وتابِعِي التَّابِعِينَ: (رَحِمَهُمُ اللهُ) ومَن يَلِيهِم: (غَفشَخصٍ هُ لَهُم)، ولِلأَولياءِ: (قُدِّسَ سِرُّهُم).
سُؤالُكُمُ الثَّالثُ:أيُّما أَفضَلُ: أَئِمّةُ المُجتَهِدِينَ العِظامُ أم شُيُوخُ الطُّرُقِ الحَقِّنه أنقطابُها؟
الجَواُب:لَيسَ المُجتَهِدُونَ كلُّهُم، بلِ المُجتَهِدُونَ الأَربَعةُ یی وهُم أبو حَنِيفةَ والشَّافِعِيُّ ومالِكٌ وأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ یی همُ الأَفضَلُ، فهُم يَفُوقُونَ الأَقطابَ وسادةَ
— 360 —
الطُّرُقِ؛ ُّورِ َ بَعضَ الأَقطابِ العِظامِ كالگيْلانِيِّ له مَقامٌ أَسطَعُ مِن جِهةٍ، في الفَضائِلِ الخاصَّةِ، إلّا أنَّ الفَضِيلةَ الكُلِّيّةَ هي لِلأَئِمّةِ الكِرامِ.
ثمَّ إنَّ ِ كمِث مِن سادةِ الطُّرُقِ هم مِنَ المُجتَهِدِينَ أَيضًا، ولِهذا لا يُقالُ: إنَّ المُجتَهِدِينَ عامّةً هم أَفضَلُ مِن الأَقطابِ، ولكِنَّ الأَئِمّةَ دَنيءبَعةَ هُم أَفضَلُ النّاسِ بَعدَ الصَّحابةِ الكِرامِ والسَّيِّدِ المَهدِيِّ رَضِيَ الله عَنهُم.
سُؤالُكُمُ الرّابعُ:ما الحِكْمةُ مِن قَولِه تَعالَى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وما الك مِنَمِنه؟
الجَوابُ:لقد وَضَع اللهُ سُبحانَه وتَعالَى في وُجُودِ الأَشياءِ تَدرِيجًا وتَرتِيبًا أَشبَهَ ما يكُونُ بدَرَجاتِ السُّلَّمِ، وذلك بمُقتَضَى اسمِه الحَكِيمِ، فالَّذي لا يِي أن َى في حَرَكاتِه، إمّا أنَّه يَطفَرُ الدَّرَجاتِ فيَسقُطُ أو يَتْرُكُها ناقِصةً فلا يَرقَى إلى المَقصُودِ.
ولِهذا فالحِرصُ سَبَبُ الحِرمانِ، والصَّبْرُ يَحُلُّ المَشاكِلَ،ا مِن غَدا مِنَ الأَمثالِ الَّتي يُضرَبُ بها:"الحَرِيصُ خائِبٌ خاسِرٌ"و"الصَّبْرُ مِفتاحُ الفَرَجِ"،بمَعنَى: أنَّ عِنايَتَه سُبحانَه وتَوفيقَه معَ اما يَظِرِينَ، إذِ الصَّبْرُ على أَنواعٍ ثَلاثةٍ:
الأوَّلُ:الصَّبْرُ عنِ المَعصِيةِ وتَجَنُّبُها، فهذا الصَّبْرُ هو التَّقوَى، ويَجعَلُ صاحِبَه مَحظِيًّا بسِرِّ قَولِه تَعالَى: أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
الثَّاني:الصَّبْرُ عالجَوالمُصِيبةِ، وهذا هو التَّوكُّلُ وتَسلِيمُ الأَمرِ إلَيْه سُبحانَه، مِمّا يَدفَعُ صاحِبَه إلى التَّشرُّفِ بقَولِه تَعالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ووَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.
أمّا عَدَمُ الصلاثِين فهُو يَتَضمَّنُ الشَّكوَى مِنَ اللهِ ويَعني انتِقادَ أَفعالِه واتِّهامَ رَحْمَتِه ورَفضَ حِكْمَتِه.
نعم، إنَّ الإِنسانَ الضَّعِيفَ العاجِزَ يَتَألَّمُ ويَبكِي مِن ضَرَباتِ المُصِيبةِ ويَشكُو، ولكِن يَيرٌ، رن تكُونَ الشَّكوَى إلَيْه لا مِنه، كما قالَ سَيِّدُنا يَعقُوبُ عَليهِ السَّلام: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ أي: شَكوَى المُصِيبةِ إلى اللهِ ولَيسَ الشَّكوَى مِنَ اللهِ
— 361 —
إلى النَّاسِ وعطِيه فُّفُ والتَّحَسُّرُ، وقَولُه: "ماذا عَمِلتُ حتَّى جُوزِيتُ بهذه المُصِيبةِ؟!" لِإِثارةِ رِقّةَ قُلُوبِ النَّاسِ العاجِزِينَ.. فهذا ضَرَرٌ ولا مَعنَى له.
الصَّبْرُ الثَّالثُ:اَى العرُ على العِبادةِ، الَّذي يُمكِنُ أن يَبلُغَ صاحِبُه مَقامَ المَحبُوبِيّةِ، فيَسُوقُ إلى حَيثُ العُبُودِيّةُ الكامِلةُ الَّتي هي أَعلَى مَقامٍ.
سُؤالُكُمُ الخامِسُ:إنَّ الخامِسَ عَشَرِم
س العُمُرِ يُعَدُّ سِنَّ التَّكلِيفِ، فكَيفَ كانَ الرَّسُولُ (ص) يَتَعبَّدُ قَبلَ النُّبوّةِ؟
الجَوابُ:كانَ يَتَعبَّدُ بالبَقِيّةِ الباقِيةِ ما يَِينِ سَيِّدِنا إِبراهِيمَ عَليهِ السَّلام الَّذي ظَلَّ جارِيًا في الجَزِيرةِ العَرِبيةِ تَحتَ حُجُبٍ كَثِيرةٍ، ولكِنَّ التَّعبُّدَ هذا لم يكُن على صُورةِ الفَرضِ والواجِبِ، بل كانَ تَعَبُّدً الإِنيارِيًّا يُؤَدَّى نَدْبًا.
هذه الحَقِيقةُ طَوِيلةٌ، لِتَظَلَّ الآنَ مُختَصَرةً.
سُؤالُكُمُ السَّادِسُ:ما حِكْمةُ بِعثةِ الرَّسُولِ (ص) في سِنِّ الكَمالِ وهُو الأَربَعُونَ مِنَ العُمُرِ؟ وما حِكْمةُ انتِقالِه إ، وحَنَلَأِ الأَعلَى في السِّنِّ الثّالِثةِ والسِّتِّينَ مِن عُمُرِه المُبارَكِ؟
الجَوابُ:حِكَمُها كَثِيرةٌ..
إِحداها: أنَّ النُّبوّةَ تَكلِيفٌ ثَقِيلٌ، وعِبْءٌ عَظِيمٌ جِدًّا، لا يُحمَلُ إلّا بَعدَ نُمُوِّ المَلَكاتِ العَقلُِونَ أنُضُوجِها وتَكامُلِ الِاستِعداداتِ القَلبِيّةِ؛ أمّا زَمَنُ ذلك الكَمالِ فهُو الأَربَعُونَ مِنَ العُمُرِ.
أمّا مَرحَلةُ الفُتُوّةِ والشَّبابِ الَّتي هي مَرحَلةُ تَهيُّجِ النَّوازِعِ النَّفسانِيّةِ دُونَ غَلَيانِ الحَرارةِ الغَرِيزِيّةِ وأَوانُ فَوَرانِ الحِرصِ على الدُّنيا، فهِي لا تُلائِمُ وَظائِفَ النُّبوّةِ الَّتي هي مُقدَّسةٌ وأُخرَوِيّةٌ وخالِصةٌ للهِ وَحدَه، إذ مَهْما كانَ الإِنسانُ جادًّا وخالِصًا قَبلَ الأَربَعِينَ مِنَ العُمُرِ، فلَلِأُموا يَرِدُ إلى أَذهانِ المُتَطلِّعِينَ إلى الشُّهرةِ ظَنٌّ بأنَّه يَعمَلُ لِجاهِ الدُّنيا ونَيلِ مَقامٍ فيها، فلا يَنجُو مِنِ اتِّهاماتِهِم بسُهُولةٍ؛ أمّا بَعدَ الأَربَعِينَ فإنَّ
— 362 —
العُمُرَ يَنحَدِرُ إلى ياطِينلقَبْرِ وتَتَراءَى له الآخِرةُ أَكثَرَ مِنَ الدُّنيا، فيَنجُو مِن ذلك الِاتِّهامِ بسُهُولةٍ، ويُوَفَّقُ في حَرَكاتِه وأَعمالِه الأُخرَوِيّةِ، ويَنجُو النّاسُ مِن سُوءِ الظَّنِّ ويُنقَذُونَ.
أمّا كَونُ عُمُرِه المُولَ بِ الَّذي قد قُضِيَ في ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنةً، فمِن حِكَمِه الكَثِيرةِ نَذكُرُ واحِدةً مِنها:
إنَّ أَهلَ الإِيمانِ مُكلَّفُونَ شَرعًا بحُبِّ الرَّسُولِ الأَعظَمِهاتٍ، ايةَ الحُبِّ، وبتَوقِيرِه واحتِرامِه أَكثَرَ مِن أيِّ إِنسانٍ آخَرَ، وبعَدَمِ النُّفُورِ مِن أيِّ شَيءٍ يَخُصُّه، بل رُؤْيةِ كلِّ حالٍ مِدُ أنّالِه جَمِيلةً نَزِيهةً؛ ولِهذا فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى لا يَدَعُ حَبِيبَه الأَكرَمَ (ص) إلى وَقتِ الشَّيخُوخةِ والهَرَمِ، وَقتِ المَشَقَّاتِ والمَتاعِبِ الَّتي تَكثُرُ بَعدَ السِّتِّينَ مِنَ العُمُرِ، بل يُرسِلُئةَ الالمَلَأِ الأَعلَى في الثَّالِثِ والسِّتِّينَ مِن عُمُرِه المُبارَكِ، والَّذي هو العُمُرُ الغالِبُ لِمُتوَسِّطِ أَعمارِ أُمَّتِه (ص)، ويَرفَعُهی لِحََقامِ قُربِه، مُظهِرًا بِذلِك أنَّه (ص) إِمامٌ في كُلِّ شَيءٍ.
سُؤالُكُمُ السّابعُ: "خَيرُ شَبابِكُم مَن تَشَبَّهَ بِكُهُولِكُم، وشَرُّ كُهُي إِنق مَن تَشَبَّهَ بِشَبابِكُم"، هل هذا حَدِيثٌ نَبَوِيٌّ؟ وإذا كان حَدِيثًا شَرِيفًا فما المَقصُودُ مِنه؟
الجَوابُ:لقد سَمِعتُه حَدِيثًا نَبَوِيًّا شَرِيفًا، أمّا المَقصُودُ مِنه فهُو:
"إنَّ خَيرَ اَنِ، وبِ هم أُولاءِ الَّذِينَ لم يَتَمادَوْا في الغَفْلةِ عنِ اللهِ، بل يَتَذكَّرُونَ المَوتَ كتَذَكُّرِ الشُّيُوخِ له، فيَجِدُّونَ لِإِعمارِ آخِرَتِهِم مُتَحرِّرِينَ مِن قُيُودِ أَهواءِ الشَّبابِ ونَزَدَى عا وشَرَّ شُيُوخِكُم هم أُولاءِ الَّذينَ غَفَلُوا عنِ اللهِ، فاستَهْوَتْهُم غَفَلاتُ الشَّبابِ، فقَلَّدُوهُم في أَهوائِهِم تَقلِيدَ الصِّبيانِ".
إنَّ الصُّورةَ الصَّحِيحةَ لِما رَويُقَو في القِسمِ الثَّاني مِن لَوحَتِك هي:
إِنَّني قد عَلَّقتُ فَوقَ رَأسِي لَوحةً تَتَضمَّنُ حِكْمةً بَلِيغةً، أَنظُرُ إلَيْها صَباحَ مَساءَ، وأَتلَقَّى دَرسِي مِنها وهي:
"إنْ كُنتَ تُرِيدُ وَليًّا، فُوا اصباللهِ وَليًّا".
نعم، إن كانَ هو وَليَّك فكُلُّ شَيءٍ لك صَدِيقٌ.
— 363 —
"إنْ كُنتَ تُرِيدُ أَنِيسًا، فكَفَى بالقُرآنِ الكَرِيمِ أَنِيسًا".دايةً تَعِيشُ فيه معَ الأَنبِياءِ والمَلائِكةِ وحَسُنَ أُولَئِك رَفِيقًا.
"إن كُنتَ تُرِيدُ مالًا، فكَفَى بالقَناعةِ كَنزًا".
نعم، إنَّ القانِعَ يَقتَصِدُ، والمُقتَصِدالمُنَدُ البَرَكةَ.
"إن كُنتَ تُرِيدُ عَدُوًّا، فكَفَى بالنَّفسِ عَدُوًّا".
إذِ المُعجَبُ بنَفسِه لا مَحالةَ يَرَى المَصاعِبَ ويُبتَلَى بالمَصائِبِ، بَينَما الَّذيا أَخُعجَبُ بها يَجِدُ السُّرُورَ والرّاحةَ والرَّحْمةَ.
"إن كُنتَ تُرِيدُ واعِظًا، فكَفَى بالمَوتِ واعِظًا".
حَقًّا مَن يَذكُرُ المَوتَ يَنجُو مِن حُبِّ الدُّنيا، ويَسعَى لِآخِرَتِه سَعْيًا حَثِيثًا.
والآنَ يا َلَ مِأَزِيدُمَسأَلةً ثامِنةًإلى مَسائِلِكُمُ السَّبعةِ فأَقُولُ:
قَبلَ يَومَينِ، تَلا أَحَدُ الحُفّاظِ الكِرامِ آياتٍ مِن سُورةِ يُوسُفَ عَليهِ السَّلام حتَّى بَلَغَ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ،الَّذِدَتْ إلى القَلبِ یی على حِينِ غِرّةٍ یی نُكتةٌ لَطِيفةٌ:
إنَّ كُلَّ ما يَخُصُّ القُرآنَ والإِيمانَ ثَمِينٌ جِدًّا، فمَهْما بَدا في الظّاهِرِ صَغِيرًا، هو مِن حَيثُ القِيهذا اللأَهَمِّيّةُ ثَمِينٌ وعَظِيمٌ.
نعم، لَيسَ صَغِيرًا ما يُعِينُ على السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، فلا يُقالُ: إنَّ هذه النُّكتةَ صَغِيرةٌ لا تَستَحِقُّ الأَهَمِّيّةَ.
فلا رَيبَ أنَّ "إِبراهِيم خُلُوصِي" هو أَوَّلُ َتْنا رِيدُ الِاستِماعَ إلى مِثلِ هذه المَسائِلِ، فهُو الطَّالِبُ الأَوَّلُ والمُخاطَبُ الأَوَّلُ الَّذي يَقْدُرُ النُّكَتَ القُرآنيّةَ حَقَّ قَدْرِها.. ولِهذا فاستَمِعْ يا أَخِي..
إنَّها نُكتةٌ لَطِيفةٌ أَعلَىَنِ القَصَصِ
إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ الَّتي تُخبِرُ عن خِتامِ أَحسَنِ القَصَصِ: قِصّةِ يُوسُفَ، وهي:
— 364 —
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِرُ بالَتَضمَّنُ نُكتةً بَلِيغةً سامِيةً لَطِيفةً تُبشِّرُ بالخَيرِ، وهي مُعجِزةٌ في الوَقتِ نَفسِه، وذلك:
أنَّ الآلامَ والأَحزانَ الَّتي يَتْرُكُها الزَّوالُ والفِراقُ الَّذي تَنتَهِي إلَيْهِما القِصَصُ الأُخرَى المُفرِحةُ والسَّعِيدةُ، تُنَغِّصةِ؟وجَذائِذَ الخَياليّةَ المُمتِعةَ المُستَفادةَ مِنَ القِصّةِ وتُكدِّرُها، ولا سِيَّما عِندَما يُخبَرُ عنِ المَوتِ والفِراقِ أَثناءَ ذِرْوُ في تَرَحِ والسُّرُورِ والسَّعادةِ البَهِيجةِ، فيَكُونُ الأَلَمُ أَشَدَّ، حتَّى إنَّه يُورِثُ الأَسَفَ والأَسَى لَدَى السّامِعِينَ.
بَينَما هذه الآيةُ اله يَومةُ تَختِمُ أَسطَعَ قِسمٍ مِن قِصّةِ يُوسُفَ، وهُو عَزِيزُ مِصرَ وأَقرَّ اللهُ عَينَه ولَقِيَ والِدَيه وتَعارَفَ وتَحابَّ هو وإِخوَتُه؛ وإذ تُخبِرُ الآيةُ الكَرِيمةُ عن مَوتِ يُوسِيهٌ ب هذه الأَثناءِ الَّتي كان فيها عَليهِ السَّلام في ذِرْوةِ السَّعادةِ والسُّرُورِ، تُخبِرُ أنَّ يُوسُفَ عَليهِ السَّلام نَفسَه هو الَّذي يَسأَلُ رَبَّه الجَلِيلَ وَفاتَه لِيَنالَ سَعادةً أَعظَمَ مِن هذه السَّعادةِ الَّتي يَرفُلُ بها، وتُوُفِّي لُ مِنتلك السَّعادةَ العُظمَى، بمَعنَى أنَّ وَراءَ القَبْرِ سَعادةً أَكبَرَ وفَرَحًا أَعظَمَ مِن هذه السَّعادةِ الَّتي يَنعَمُ بها يُوسُفُ وهو الأَنِيسُ بالِي آسِةِ، إذ طَلَبَ المَوتَ المُرَّ وهو في ذلك الوَضعِ الدُّنيَوِيِّ المُفرِحِ اللَّذِيذِ كي يَنالَ تلك السَّعادةَ العُظمَى هُنالِك.
فتَأمَّلْ يا أَخِي في بَلاغةِ القُرآنِ الحَكِيمِ هذه! كَيفَ أَخبَرَ عأنَّ امةِ قِصّةِ يُوسُفَ بذَلِك الخَبَرِ الَّذي لم يُثِرِ الأَلَمَ والأَسَفَ لَدَى السَّامِعِينَ، بل زَادَهُم بِشارةً وسُرُورًا.. فَضْلًا عن أنَّه يُرشِدُ إلى الآتي:
اِعْمَلُوا لِما وَراءَ القَبْرِ، فإنَّ السَّعادةَ الحَقّةَ واللَّذّةَ الحَقِيقَنِي أُناك، زِدْ على ذلك أنَّه بَيَّنَ مَرتَبةَ الصِّدِّيقِيّةِ الرَّفيعةِ السَّامِيةِ لِسَيِّدِنا يُوسُفَ عَليهِ السَّلَام، إذ يقُولُ:
إنَّ أَسطَعَ حالةٍ في الدُّنيا وأََّذي أا فَرَحًا وبَهجةً وسُرُورًا لم تُورِثْه الغَفْلةَ قَطْعًا ولم تُفتِّرْه، بل هو دائِمُ الطَّلَبِ لِلآخِرةِ.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّمُتَكَ٭
— 365 —
المكتوب الرابع والعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ويَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
سُؤالٌ:إنَّ ما يَعْمَعيه اسمُ اللهِ "الرَّحِيمُ" مِن تَربِيةٍ شَفِيقةٍ، واسمُ اللهِ "الحَكِيمُ" مِن تَدبِيرٍ وَفقَ المَصالِحِ، واسمُ اللهِ "الوَدُودُ" مِن لُطْفٍ ومَحَبّةٍ.. كَيفَ تَتَلاءَمُ مُقتَضَياتُ هذه الأَسماءِ الحُسنشَّرِيِظامِ معَ ما هو مُرعِبٌ ومُوحِشٌ كالمَوتِ والعَدَمِ والزَّوالِ والفِراقِ والمَصائِبِ والمَشَقَّاتِ؟
ولْنُسَلِّمْ أنَّ ما يَراه الإِنسانُ في طَرِيقِ المَوتِ لا بَأْسَ به وهُو خَيرٌ وحَسَنٌ، حَيثُ سيَمضِي إلى السَّعادةِ الغايةَ ّةِ، ولكِن أيّةُ رَحْمةٍ وشَفَقةٍ تَسَعُ، وأيّةُ حِكْمةٍ ومَصلَحةٍ تُوجَدُ، وأيُّ لُطْفٍ ورَحْمةٍ في إِفناءِ هذه الأَنواعِ مِنَ الأَشجارِ والنَّباتاتِ اللَّطِيفةِ والأَزهارِ الجَمِيلةِ والحَيَواناتِ المُؤَهَّلةِْدُ لِجُودِ والشَّغُوفةِ بالحَياةِ والتَّوّاقةِ لِلبَقاءِ، وبِاستِمرارٍ ودُونَ استِثناءٍ وإِعدامِها دُونَ إِمهالِ أَحَدٍ مِنها؟ وفي تَسخِيرِها في المَشَسْتَعتَغيِيرِها بالمَصائِبِ دُونَ السَّماحِ لِأَحَدٍ مِنها بالدَّعةِ والرَّاحةِ؟ وفي إِماتَتِها وزَوالِها وفِراقِها بلا تَوَقُّفٍ، دُونَ أن يُسمَحَ لِأَحَدٍ بالمُكُوثِ قَلِيلًا ود أُلقِِضًا مِن أَحَدٍ؟
الجَوابُ:لِكي نَحُلَّ هذا السُّؤالَ نُحاوِلُ أن نَنظُرَ إلى هذه الحَقِيقةِ العُظمَى مِن بَعِيدٍ، فهِي حَقِيقةٌ واسِعةٌ جِدًّا وعَمِيقةٌ جِدًّا ورَفِيعةٌ جِدًّا، لِنافِلِيلحَقِيقةَ بوُضُوحٍ، فنُبيِّنَ الدّاعِيَ والمُقتَضِيَ لها في خَمْسةِ رُمُوزٍ، ونُبيِّنَ الغاياتِ والفَوائِدَ مِنها في خَمْسِ إِشاراتٍ.
— 366 —
المقام الأول
وهو في في "ال رموز
الرمز الأول
لقد ذَكَرنا في خَواتِيمِ "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرِينَ": أنَّ صَنّاعًا ماهِرًا، يُكَلِّفُ رَجُلًا فَقِيرًا لِقاءَ أُجرةٍ يَستَحِقُّها، لِيَُوا ضَله بدَورِ النَّمُوذجِ "المُودِيلِ" لِيَخِيطَ لِباسًا راقِيًا، فاخِرًا في أَجمَلِ زِينةٍ وأَكثَرِها بَهاءً، إِظهارًا لِمَهارَتِه وصَنعَتِه؛ لِذا يُفصِّلُ على ذلك الرَّجُلِ اللِّباسَ ويَقُُّ إلّيُقصِّرُه ويُطوِّلُه، ويُقعِدُ الرَّجُلَ ويُنهِضُه، ويَجعَلُه في أَوضاعٍ مُختَلِفةٍ.. فهل يَحِقُّ لِهذا الرَّجُلِ الفَقِيرِ أن يقُولَ لِلصَّنّاعِ: لِمَ تُبدِّلُ هذا اللِّنِيه بلَّذي يُجَمِّلُني؟ ولِمَ تُغيِّرُه؟ فتُقعِدُني تارةً وتُنهِضُني أُخرَى فتُفسِدُ راحَتِي؟!
وكَذلِك الصَّانِعُ الجَلِيلُ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى قدِ اتَّخذَ ماهِيّةَ كلِّ نَوعٍ مِنَ المَوجُوداتِ مِقياسًاُ عَشَوذَجًا "مُودِيلًا"، فأَلبَسَ كلَّ شَيءٍ لِباسًا مُرَصَّعًا بالحَواسِّ، ونَقَش علَيْه نُقُوشًا بقَلَمِ قَضائِه وقَدَرِه، وأَظهَرَ جَلَواتِ أَسمائِه الحُسنَى، إِبرازًا لِكَمالِ صَنعَتِه ونُقُوشِ أَقبُوله؛ فَضْلًا عن أنَّه سُبحانَه يَمنَحُ كلَّ مَوجُودٍ أَيضًا كَمالًا ولَذّةً وفَيضًا بمَثابةِ أُجرةٍ مُلائِمةٍ له.
فهل يَحِقُّ لِشَيءٍ أن يُخاطِبَ ذلك الصّانِعَ الجَلِيلَ الَّذي هو مالِكُرابِ وكِ يَتَصرَّفُ في مُلكِه كَيفَ يَشاءُ ويقُولُ: "إنَّك تُتعِبُني وتُفسِدُ عَلَيَّ راحَتِي"؟ حاشَ للهِ وكَلّا!
إنَّه لَيسَ لِلمَوجُوداتِ حَقٌّ بأَيّةة التٍّ كانَت إِزاءَ واجِبِ الوُجُودِ، ولَيسَ لها أن تَدَّعِيَ بأَيِّ حَقٍّ مَهْما كان، بل حَقُّها القِيامُ بالشُّكرِ الدّائِمِ والحَمدِ الدّائِمِ، أَداءً لِحَقِّ مَراتِبِ الوُجُودِ الَّتي مَنَحَها إِي رَأَلِأنَّ جَمِيعَ مَراتِبِ الوُجُودِ المَمنُوحةِ لِلمَوجُودِ إنَّما هي وُقُوعاتٌ تَحتاجُ إلى عِلّةٍ؛ بَينَما مَراتِبُ الوُجُودِ الَّتي لم تُمنَح هي إِمكاناتٌ،
— 367 —
والإِمكاناتُ ع الحَق وهِي لا تَتَناهَى، والعَدَمُ لا يَحتاجُ إلى عِلّةٍ، فما لا نِهايةَ له لا عِلّةَ له.
مَثلًا:لا يَحِقُّ لِلمَعادِنِ أن تَشكُوَ قائِلةً: لِمَ لَمْ ن ما كانَباتاتٍ؟ بل حَقُّها أن تَشكُرَ فاطِرَها الجَلِيلَ على ما أَنعَمَ علَيْها مِن نِعمةِ الوُجُودِ كمَعادِنَ.
وكذا النَّباتُ لَيسَ له حَقُّ الشَّكوَى، فلَيسَ له أن يقُولَ: لِمَ لَمْ أُصبِحْ حَيَوانًا؟ بل حَقُّه الشُّرَدٌّ هِ الَّذي وَهَب له الوُجُودَ والحَياةَ معًا؛ وكذا الحَيَوانُ لَيسَ له حَقُّ الشَّكوَى بقَولِ: لِمَ لَمْ أَكُن إِنسانًا؟ بل علَيْه حَقُّ الشُّكرِ لِما أَنعَمَ اللهُ علَيَبِ الَ الوُجُودِ، والحَياةِ وجَوهَرِ الرُّوحِ الرّاقِي.. وهكذا فقِسْ.
أَيُّها الإِنسانُ الشَّاكِي، إنَّك لم تَبقَ مَعدُومًا، بل لَبِستَ نِعمةَ الوُجُودِ، الرابَ طَعمَ الحَياةِ؛ ولم تَبقَ جَمادًا ولم تُصبِح حَيَوانًا، فقد وَجَدتَ نِعمةَ الإِسلامِ؛ ولم تَبقَ في غَياهِبِ الضَّلالِ، وتَنَعَّمتَ بنِعمنا بخِِّحّةِ والأَمانِ.. وهكذا..
أيُّها الغارِقُ في الكُفرانِ، أَفبَعدَ هذا تَدَّعِي حَقًّا لك على رَبِّك؟! إنَّك لم تَشكُر رَبَّك بَعدُ على ما أَنعَمَ علَيْك مِن يتَناوبِ الوُجُودِ الَّتي هي نِعَمٌ خالِصةٌ، بل تَشكُو مِنه جَلَّ وعَلا لِما لم يُنعِم علَيْك مِن نِعَمٍ غالِيةٍ مِن أَنواع الإِمكاناتِ وأَنواعِ العَدَمِ، ومِمّا لا تَقدِرُ علَيْه َسبِيحستَحِقُّه، فتَشكُو بحِرصٍ باطِلٍ وتَكفُرُ بنِعَمِه سُبحانَه.
تُرَى! لو أنَّ رَجُلًا أُصعِدَ على قِمّةِ مَنارةٍ عالِيةٍ ذاتِ دَرَجاتٍِّ النلَّم في كلِّ دَرَجةٍ مِنها هَدِيّةً ثَمِينةً، ثمَّ وَجَد نَفسَه في قِمّةِ المَنارةِ، في مَكانٍ رَفيعٍ، أَيَحِقُّ له ألّا يَشكُرَ صاحِبَ تلك النِّعَمِ ويَبكِيَ ويَتَأفَّفَ ويَتَحسَّرَ قائِلًا: لِمَ لَمْ أَقدِِ وذَوصُعُودِ ما هو أَعلَى مِن هذه المَنارةِ..
تُرَى! كم يكُونُ عَمَلُه هذا باطِلًا لو تَصَرَّف هكذا! وكم يَسقُطُ في هاوِيةِ كُفرانِ النِّعمةِ! وكم هو في ضَلالةٍ مَقِيتةٍ! حتَّى البُلَهاءُ يُدرِكُونَ هبَيَّن أيُّها الإِنسانُ الحَرِيصُ غَيرُ القانِعِ، ويا أيُّها المُسرِفُ غَيرُ المُقتَصِدِ، ويا أيُّها الشَّاكِي بغَيرِ حَقٍّ، أيُّها الغافِلُ..
— 368 —
اِعْلَمْ يَقِينًا:أنَّ القَناعةَ شُكرانٌ رابِحٌ، بَينَما الحِرصُ كُفرانٌ خاسِرٌ، وبوابَ ِصادُ تَوقِيرٌ لِلنِّعمةِ جَمِيلٌ ونافِعٌ، بَينَما الإِسرافُ استِخفافٌ بالنِّعمةِ مُضِرٌّ ومُشِينٌ.
فإن كُنتَ راشِدًا، عَوِّدْ نَفسَك ِن وُجقَناعةِ وحاوِلْ بُلُوغَ الرِّضَا؛ وإن لم تُطِقْ تَحَمُّلَ المُصِيبةِ فقُل: يا صَبُورُ.. وتَجَمَّلْ بالصَّبْرِ؛ وارْضَ بحَقِّك ولا تَشْكُ؛ واعْلَمْ مِمَّن وإلى مَن تَشكُو! اِلزَمِ الصَّمتَ، وإذا أَرَدتبُون أَكوَى لا مَحالةَ فاشْكُ نَفسَك إلى اللهِ، فإنَّ القُصُورَ مِنها.
الرمز الثاني
لقد ذَكَرنا في خِتامِ "المَسأَلةِ الأَخِيرةِ لِلمَكتُوبِ الثّامِنَ عَشَرَ":
أنَّ حِكْمةً مِن حِكَمِذلك اليلِ الخالِقِ الجَلِيلِ لِلمَوجُوداتِ دَوْمًا وتَجدِيدِه لها باستِمرارٍ تَبدِيلًا وتَجدِيدًا مُحَيِّرًا مُذهِلًا بفَعّاليّةِ رُبُوبيَّتِه الجَلِيلالَمِ،أنَّ الفَعّاليّةَ والحَرَكةَ في المَخلُوقاتِ نابِعةٌ مِن شَهِيّةٍ، مِنِ اشتِياقٍ، مِن لَذّةٍ، مِن مَحَبّةٍ، حتَّى يَصِحُّ القَولُ:
إنَّ في كلِّ فَعّاليّةٍ نَوعًا مِنَ ُ بحُبّةِ، بل إنَّ كلَّ فَعَّاليّةٍ هي نَوعٌ مِنَ اللَّذّةِ، واللَّذّةُ كَذلِك مُتَوجِّهةٌ إلى كَمالٍ، بل هي نَوعٌ مِنَ الكَمالِ.
ولَمَّا كانَتِ الفَعَّاليَّةُ تُشِيرُ إلى كَمالٍ، إلى مِ كِل، إلى جَمالٍ، وأنَّ الواجِبَ الوُجُودِ سُبحانَه الَّذي هو الكَمالُ المُطلَقُ والكامِلُ ذُو الجَلالِ، جامِعٌ في ذاتِه وصِفاتِه وأَفعالِه لِجَمِيعِ أَنواعِ الكَمالَ مَخللا شَكَّ أنَّ لِذَلِك الواجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه شَفَقةً مُقدَّسةً لا حَدَّ لها ومَحَبّةً مُنزَّهةً لا نِهايةَ لها، تَلِيقُ بوُجُوبِ وِعلٍ إه وقُدسِيَّتِه، وتُوافِقُ تَعالِيَه الذَّاتِيَّ وغِناه المُطلَقَ وتُناسِبُ كَمالَه المُطلَقَ وتَنزُّهَه الذَّاتِيَّ، ولا شَكَّ أنَّ له شَوقًا مُقدَّسًا لا حَدَّ له، وهذهعًا مِن تلك الشَّفَقةِ المُقدَّسةِ، ومِن تلك المَحَبّةِ المُنزَّهةِ، وأنَّ له سُرُورًا مُقدَّسًا لا حَدَّ له نابِعًا مِن ذلك الشَّوقِ المُقدَّسِ، وأنَّ له لَذّةً مُقدَّسةً لا حَدَّ لها یی إن جازَ التَّ أنَّ یی ناشِئةً مِن ذلك السُّرُورِ المُقدَّسِ؛ ولا شَكَّ أنَّ له معَ تلك اللَّذّةِ المُقدَّسةِ رِضًا مُقدَّسًا لا حَدَّ له وافتِخارًا مُقدَّسًا لا نِهايةََ بالح إن جازَ التَّعبِيرُ یی ناشِئَينِ مِن رِضا وامتِنانِ
— 369 —
مِخلُوقاتِه مِنِ انطِلاقِ استِعداداتِها مِنَ القُوّةِ إلى الفِعلِ، حِينَما تَنطَلِقُ وتَتكامَلُ بفَعّاليّةِ قُدرَتِهأمّا ب رَحمَتِه الواسِعةِ.. فذَلِك الرِّضَا المُقدَّسُ المُطلَقُ والِافتِخارُ المُطلَقُ يَقتَضِيانِ هذه الفَعّاليّةَ المُطلَقةَ في صُورَتِها المُطلَقةِ؛ وتلك الفَعّاليّةُ أَ:
اَقتَضِي تَبدِيلًا وتَغيِيرًا وتَحوِيلًا وتَخرِيبًا لا حَدَّ لَهُما، وذلك التَّغيِيرُ والتَّبدِيلُ غيرُ المَحدُودَينِ يَقتَضِيانِ المَوتَ والعََى:حَالزَّوالَ والفِراقَ.
ولقد رَأَيتُ یی في وَقتٍ مّا یی أنَّ كلَّ ما تُبيِّنُه حِكْمةُ البَشَرِ (فَلسَفَتُه وعُلُومُه) مِن فَوائِدَ تَخُصُّ غاياتِ المَصنُوعاتِ، تافِهةٌ لا قِيمةُشتَكَ وعَلِمتُ حِينَها أنَّ تلك الحِكْمةَ تُفضِي إلى العَبَثيّةِ؛ ومِن هُنا فإنَّ الفَيلَسُوفَ الرَّاسِخَ القَدَمِ في الفَلسَفةِ: إمَّا أن يَضِلَّ في ضَلُ، إن لطَّبِيعةِ، أو يكُونَ سُوفسَطائيًّا، أو يُنكِرَ الإِرادةَ والعِلمَ الإلٰهِيَّ، أو يُطلِقَ على الخالِقِ: "المُوجَبَ بالذّاتِ".
وفي ذلك الوَقتِ بَعثَتِ الرَّحمةُ الإلٰهِيّةُ اسمَ اللهِ "الحَكِيمِ" لِإغاثَتِي، فأَظهَرَ لي الغاياتِ الْهَ الةَ للمَصنُوعاتِ، أي: أنَّ كلَّ مَصنُوعٍ مَكتُوبٌ رَبّانِيٌّ حَكِيمٌ بحَيثُ يُطالِعُه جَمِيعُ ذَوِي الشُّعُورِ.
كَفَتْني هذه الغايةُ مُدّةَ سَنةٍ مِنَ الزَّمَنِْتِ سَ انكَشَفَتِ الخَوارِقُ البَدِيعةُ في الصَّنعةِ، فلم تَعُد تلك الغايةُ كافِيةً وافِيةً؛ وأُظهِرَتْ لي غايةٌ أُخرَى أَعظَمُ بكَثِيرٍ مِنَ الأُولَى.
أي: أنَّ أَهَمَّ غاياتِ المَصنُوعِصِيّةِجِّهةٌ إلى صانِعِه، أي: يَعرِضُ المَصنُوعُ كَمالاتِ صَنعةِ صانِعِه، ونُقُوشَ أَسمائِه الحُسنَى ومُرَصَّعاتِ حِكْمَتِه القَيِّمةِ وهَدايا رَحمَتِه الواسِعةِ أَمامَ نَظَرِه سُبحانَه، ويكُونُ مرآةً لِجَمالِه وكَفظَ الجَلَّ وعَلا.. هكذا فَهِمتُ هذه الغايةَ، وكَفَتْني مُدّةً مَدِيدةً.
ثمَّ ظَهَرَت مُعجِزاتُ القُدْرةِ وشُؤُونُ الرُّبُوبيّةِ في التَّغيِيرِ والتَّبدِيلِ السَّرِيعضٌ عنًِا، ضِمنَ فَعَّاليَّةٍ مُحَيِّرةٍ في إِيجادِ الأَشياءِ وإِتقانِها، حتَّى بَدَت تلك الغايةُ غيرَ وافِيةً، وعَلِمتُ أنْ لا بُدَّ مِن داعٍ عَظِيمٍ ومُقتَضًى جَلِيلٍ يُعادِلُ هذه الغايةَالحَيامَى، وعِندَ ذلك أُظهِرَت لي المُقتَضَياتُ المَوجُودةُ في الرَّمزِ الثَّاني والغاياتُ المَذكُورةُ في الإِشاراتِ الَّتي ستَأْتِي.
— 370 —
وأُعلِمتُ يَقِينًا: أنَّ فَعّاليّةَ القُدرةِ في الكَونِ وسَيْرَ الأَشياءِ وسَيَلانَةٌ، وحمِلُ مِنَ المَعانِي الغَزِيرةِ بحَيثُ يُنطِقُ الصّانِعُ الحَكِيمُ أَنواعَ الكائِناتِ بتلك الفَعّاليّةِ، حتَّى كأنَّ حَرَكاتِ السَّماواتِ والأَرضِ وحَرَكاتِ مَوجُوداتِها هي كَلِماتُ ذنُ مِنُّطقِ، وكأنَّ سَيْرَها ودَوَرانَها تَكَلُّمٌ ونُطْقٌ، بمَعنَى أنَّ الحَرَكاتِ والزَّوالَ النّابِعةَ مِنَ الفَعّاليّةِ ما هي إلّا كَلِماتٌ تَسبِيحِيّةٌ، وأنَّ الزامًا.يّةَ المَوجُودةَ في الكَونِ هي نُطقٌ وإِنطاقٌ صامِتٌ لِلكَونِ ولِما فيه مِن أَنواعٍ.
الرَّمزُ الثَّالث
إنَّ الأَشياءَ لا تَمضِي إلى العَدَمِ، ولا تَصِيرُ إلى الفَناءِ، بل تَمضِي مِن دائِرةِ القُدرةِ إلى دائِرةِ العِلمِ، وتَدخُلُ مِن عالَسمائِشَّهادةِ إلى عالَمِ الغَيبِ، وتَتَوجَّهُ مِن عالَمِ التَّغيُّرِ والفَناءِ إلى عالَمِ النُّورِ والبَقاءِ.. وإنَّ الجَمالَ والكَمالَ في الأَشياءِ يَعُودانِ إلى الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ وإلى نُقُوشِها وجَلَواتِها مِن زاوِيةِ نَظَرِ الحَقِيقةِ.
َعفًا إنَّ تلك الأَسماءَ باقِيةٌ وتَجَلِّياتِها دائِمةٌ، فلا شَكَّ أنَّ نُقُوشَها تَتَجدَّدُ وتَتَجمَّلُ وتَتَبدَّلُ، فلا تَذهَبُ إلى العَدَمِ والفَناءِ، مةُ الَبدَّلُ تَعيُّناتُها الِاعتِبارِيّةُ؛ أمّا حَقائِقُها وماهِيَّاتُها وهُوِيَّاتُها المِثاليّةُ الَّتي هي مَدارُ الحُسنِ والجَمالِ ومَظهَرُ الفَيضِ والكَمالِ فهِي باقِيةٌ، فالحمُ يُبالجَمالُ في الأَشياءِ الَّتي لا تَملِكُ رُوحًا يَعُودانِ إلى الأَسماءِ الإلٰهِيّةِ مُباشَرةً، فالشَّرَفُ لها والمَدحُ والثَّناءُ لها، إذِ الحُسنُ حُسنُها والمَحَبّةُ تُوَجَّهُ إلَيْها الكَثيُورِثُ تَبَدُّلُ تلك المَرايا ضَرَرًا لِلأَسماءِ.
وإن كانَتِ الأَشياءُ مِن ذَوِي الأَرواحِ ولكِن لم تكُن مِن ذَوِي العُقُولِ، فإنَّ فِراقَها وزَوالَها لَيسَ فَناءً ولا عَدَمًا، بل يَنجُو الشَّيءُ الحَيُّ مَّعِيَُودٍ جِسمانِيٍّ ومِنِ اضطِراباتِ وَظائِفِ الحَياةِ، مُودِّعًا ثَمَراتِ وَظائِفِه الَّتي كَسَبَها إلى رُوحِه الباقيةِ، فأَرْواحُ هذه الأَشياءِ تَستَنِدُ أَيضًا إلى أَسماءٍ إلٰهِيّةٍ َا عَن، فتَدُومُ وتَستَمِرُّ، وتَمضِي إلى سَعادةٍ مُلائِمةٍ لها.
أمّا إن كان أُولَئِك الأَحياءُ مِن ذَوِي العُقُولِ، فإنَّهُم أَصلًا يَمضُونَ إلى سَعادةٍ أَبدِيّةٍ وإلى عالَمِ البَقاءِ المُؤَسَّسِ على كَمالاتٍ مادِّيّةٍ ومَةٌ دَقّةٍ.
— 371 —
لِذا فإنَّ فِراقَهُم وزَوالَهُم لَيسَ مَوتًا وعَدَمًا ولا زَوالًا وفِراقًا حَقًّا، بل هو وُصُولٌ لِلكَمالاتِ، وسِياحةٌ مُمتِعةٌ إلى عَوالِمَ نُورانيّةٍ لِلصّانِعِ الحَكِيمِ، عَوالِمَ أَجمِيبةٍ نَ الدُّنيا وأَزهَى مِنها كعالَمِ البَرزَخِ وعالَمِ المِثالِ وعالَمِ الأَرواحِ، وإلى مَمالِكِه الأُخرَى مِن مَنازِلِه سُبحانَه وتَعالَى.
حاصِلُ الكَلامِ:إنّنه حِكَ مَوجُودٌ وباقٍ، وإنَّ صِفاتِه سَرمَدِيّةٌ وأَسماءَه دائِمةٌ، إِذًا لا بُدَّ أنَّ تَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ ونُقُوشَها تَتَجدَّدُ في بَقاءٍ مَعنَوِيٍّ، فلَيسَ تَخرِيبًا ولا فَناءً ولا إِعدامًا ولا زَوالًا.
مِأنَّه َعلُومِ أنَّ الإِنسانَ ذُو عَلاقةٍ یی مِن حَيثُ الإِنسانيّةُ یی معَ أَكثَرِ المَوجُوداتِ، فيَتَلذَّذُ بسَعادَتِها ويَتَألَّمُ بمَصائِبِها، ولا سِيَّما معَ ذَوِي الحَياةِ، وبخاصّةٍ معَ الإِنسانِ وبالأَخَصِّ معَ مَن يُحِبُّهُم ويُعجَبُ بهِم ويَحقُوّةِهُم مِن أَهلِ الكَمالِ، فهُو أَشَدُّ تَألُّمًا بآلامِهِم وأَكثَرُ سَعادةً بسَعادَتِهِم حتَّى يُضَحِّي بسَعادَتِه في سَبِيلِ إِسعادِهِم كتَضحِيةِ الوالِدةِ الشّاللهِ ِ بسَعادَتِها وراحَتِها مِن أَجلِ وَلَدِها.
فكُلُّ مُؤمِنٍ يَستَطِيعُ أن يكُونَ بنُورِ القُرآنِ والإِيمانِ سَعِيدًا بسَعادةِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ وبَقائِها ونَجاتِها مِنَ العسةُ:جوصَيرُورَتِها مَكاتِيبَ رَبَّانيّةً، ويَغنَمَ نُورًا عَظِيمًا بعِظَمِ الدُّنيا؛ فكُلٌّ يَستَفِيدُ مِن هذا النُّورِ حَسَبَ دَرَجَتِه.
أمَّا إن كامِنَ ا أَهلِ الضَّلالِ، فإنَّه يَتَألَّمُ عَلاوةً على آلامِه بهَلاكِ المَوجُوداتِ وبفَنائِها وبإِعدامِها الظَّاهِرِيِّ وبآلامِ ذَوِي الأَرواحِ مِنها؛ أي: أنَّ كُفرَهتَنوِّأُ دُنياه بالعَدَمِ ويُفرِغُها على رَأْسِه، فيَمضِي إلى جَهَنَّمَ (مَعنَوِيّةٍ) قَبلَ أن يُساقَ إلى جَهَنَّمَ (في الآخِرةِ).
الرَّمزُ الرَّابع
مِ بمَِما ذُكِرَ في مَواضِعَ عِدّةٍ: كما أنَّ لِلسُّلطانِ دَوائِرَ مُختَلِفةً ناشِئةً مِن عَناوِينِه المُتَنوِّعةِ، كاسمِ السُّلطانِ، الخَلِيفةِ، الحاكِمِ، القائِدِ، وأَمثتَّفكّمِنَ العَناوِينِ والصِّفاتِ؛ كَذلِك فإنَّ لِلأَسماءِ الحُسنَى تَجَلِّياتٍ مُتَنوِّعةً لا تُحَدُّ، فتَنوُّعُ المَخلُوقاتِ ناشِئٌ عن