المكتوبات العربية
— 93 —

ذيل المكتوب السادس عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
إن أصحاب الدنيا المتكالبين على متاعها الزائف قد توهموا عبثًا أن رجلًا عاجزًا غريبًا في هذه الدنيا مثلي له من القوة ما لآلاف الرجال. وقد دفعهم هذا الوهمُ إلى وضعي تحت قيود صارمة مشددة؛ فلم يسمحوا لي مثلًا بالإقامة ليلةً أو ليلتين في "بدرة" وهي كحي من أحياء "بارلا" أو حتى على جبل من الجبال القريبة منها. وقد سمعتُهم يقولون: "إن لسعيد من القوة ما لخمسين ألف رجل لذا فلا يمكننا إطلاق سراحه"!.
وأنا أقول: يا طلابَ الدنيا التعساء! مع أنكم تعملون للدنيا بكل ما أوتيتم من قوة وجهد فلِمَ لا تعلمون شؤونَها أيضًا فتحكمون كالمجانين. فإذا كان خوفُكم من شخصي الفاني، فهو خوف زائف، لا مبررَ له إطلاقًا، إذ يستطيع أي إنسان، وليس خمسين ألفًا، أن يعملَ ضعف عملي خمسين مرة. يستطيع في الأقل أن يقفَ على باب غرفتي ويقول: "لن تخرج".. فينتهي الأمر. أما إذا كان خوفُكم من مهنتي التي هي الدعوة إلى القرآن، ومن قوة الإيمان التي أتسلَّحُ بها. ألاَ فلتعلموا جيدًا بأنني لست في قوة خمسين ألف رجل.. كلّا.. إنكم مخطؤون. إنني بفضل الإيمان وبحكم مهنتي في قوة خمسين مليون شخص! إنني بقوة القرآن الكريم أتحدى أوروبا كلَّها بما في ذلك ملاحدتكم.. لقد اقتحمتُ قلاعَهم الحصينة التي يسمونها "العلوم الطبيعية أو الحديثة".. وذلك بفضل ما نشرتُ من الحقائق الإيمانية والبراهين القرآنية الدامغة التي أنیزلتُ بها أكبرَ فلاسفتهم إلى رتبة هي أدنى مائة مرة من رتبة الأنعام! ولو اجتمعت أوروبا بأسرها بما في ذلك ملاحدتكم، فلن تستطيعَ أن تحُولَ دون مسألةٍ واحدة من مسائل مهنتي ولا أن تغلبني بإذن اللّٰه وتوفيقه.
— 94 —
ومجمل الكلام: فكما لا أتدخلُ في شؤون دنياكم لا يحق لكم أن تتدخلوا في شؤون أُخراي كذلك.. ولا تحاولوا.. أما إذا ركبتم رأسكم وحاولتم التدخل، ألاَ فلتعلموا يقينًا بأنكم لن تجنوا من وراء ذلك شيئًا، وسيكون سعيُكم عبثًا.
قوةُ العضد لا تردّ تقديرَ اللّٰه
وشمعةٌ أوقدها المولى لا تطفئها الأفواه
إنَّ أهل الدنيا تدور شكوكُهم وأوهامُهم حولي بوجه خاص وكأنهم يتوجسون مني خيفة، إذ يتخيلون وجود أمور لا أملكها، بل لو وجدت فلا تكون موضعَ ريوب سياسية واتهامات، كالمشيخة، والرئاسة، والحسب والنسب، والنفوذِ في العشيرة، وكثرة الأتباع، واللقاء مع المواطنين، والتعلق بأمور الدنيا، بل حتى يتصورون وجود الدخول في أمور السياسة بل حتى المعارضة للدولة.. وأمثالها من الأمور التي ليست موجودة عندي، فيقعون في شكوك وأوهام من جراء تخيلاتهم. حتى إنهم حرموني من كل شيء عندما تذاكروا أُمور العفو لمَن في السجن أو في خارجه، أي مَن لا يشملهم العفو في نظرهم.
هناك كلام جميل خالد قاله رجلٌ فاسد فانٍ:
إن كان للظلم مدفعٌ وبندقية وقلعة
فللحق ساعدٌ لا ينثني ووجهٌ لا يتراجع.
وأنا أقول:
إن كان لأهل الدنيا حكمٌ وسطوة وقوة..
ففي خادمه بفيض القرآن:
علمٌ لا يلتبس، وكلام لا يسكت، وقلبٌ لا ينخدع، ونور لا ينطفئ.
لقد سألني الآمر العسكري المسؤول عن مراقبتي، وكثيرٌ من الأصدقاء هذا السؤال مكررًا: لِمَ لا تراجع الجهات الرسمية؟ ولِمَ لا تقدم طلبًا للحصول على شهادة ووثيقة رخصة؟.
— 95 —
الجواب: هناك أسباب عدة تحُول بيني وبين مراجعتهم، بل تجعلني لا أستطيع مراجعتَهم.
السبب الأول: إنني لم أتدخل في شؤون أهل الدنيا ولا في دنياهم، كي أكون محكومًا من قبلهم، ومن ثم أراجعهم في هذا الشأن، بل أراجعُ القدَر الإلهي، لأنه هو الذي حكم عليّ لتقصيراتي تجاهه.
السبب الثاني: لقد تيقنتُ أن هذه الدنيا دارُ ضيافة، تتبدل بسرعة وتتغير على الدوام، فهي ليست دارَ قرار ولا موطنًا حقيقيًا، لذا فإن نواحيها كافة على حدّ سواء. فما دمت لا أظل في موطني، ولا قرار لي فيه، فإن محاولة الرجوع إليه عبثٌ لا طائل وراءه، ولا يعني شيئًا الذهاب إليه. وما دام كل ناحية من نواحي الدنيا دارَ ضيافة. فإن كلَّ إنسان صديقٌ وكل مكان نافعٌ ومفيد إن كانت رحمةُ صاحب الدار ورحمةُ رب البيت رفيقةً لك، وإلّا فكل إنسان عدو وكل مكان حملٌ ثقيل وضيق شديد.
السبب الثالث: المراجعة إنما تكون ضمن نطاق القانون، بينما المعاملة التي أُعامَل بها طوال هذه السنوات الست معاملةٌ اعتباطية وغير قانونية، إذ لم يعاملوني معاملة قانونية على وفق قانون المنفيين، بل نظروا إليّ نظرةَ الساقط من الحقوق المدنية، بل حتى من الحقوق الدنيوية، فلا معنى إذن من مراجعةٍ قانونية لمن يُعامِل معاملةً غيرَ قانونية.
السبب الرابع: راجع مديرُ هذه الناحية "بارلا" باسمي للسماح لي بالذهاب إلى قرية "بدرة" القريبة جدًّا منها -حتى تعدّ أحدَ أحيائها- لقضاء بضعة أيام للفسحة هناك، ولم يسمح لي بذلك. فكيف يراجَع هؤلاء الذين يرفضون مثل هذه الحاجة البسيطة التي أشعر بها؟ فمراجعتُهم إذن ليس إلا تذللا وخنوعا غير مُجدٍ.
السبب الخامس: إن طلبَ الحق ممن يظنون الباطل حقًا ومراجعتَهم ظلمٌ وبخس للحق وقلةُ توقير له، فلا أريد أن أرتكبَ هذا الظلم، ولا هذا التهوين من شأن الحق. والسلام.
السبب السادس: إن مضايقة أهل الدنيا لي، ليست ناشئةً من انشغالي بالسياسة، لأنهم يعرفون جيدًا أنني لا أتدخل في الأمور السياسية، بل أنفر منها، فهم يعذبونني بسبب ارتباطي بالدين وتمسكي بأهدابه، أي أنهم يعذبونني -بشعور وبغير شعور- إرضاءً للزندقة. لذا فإن
— 96 —
مراجعتهم تعني إبداءَ ندامةٍ عن الدين وملاطفةٍ لمسلك الزندقة، فضلًا عن أن القدر الإلهي العادل سيعذبني بأيديهم الأثيمة إن التجأتُ إليهم أو راجعتُهم، لأنهم يضايقونني لتمسكي بالدين، بينما القدر الإلهي يضايقني لنقائصي وقصوري في التقوى والإخلاص ولتزلفي أحيانًا إلى أهل الدنيا. فلا نجاةَ لي إذن من هذه المضايقات في الوقت الحاضر. إذ لو راجعتُ أهلَ الدنيا لقال القدَر: أيها المرائي! ذق جزاء مراجعتك هذه. وإن لم أراجع أهل الدنيا لقالوا: إنك لا تعترف بنا، فلازِم المضايقات.
السبب السابع: من المعلوم أن وظيفة أي موظف كان هي الأخذُ على يد مَن يلحق الضرر بالمجتمع ومعاونة النافعين لهم. فعندما كنت أوضّح ذوقًا لطيفًا في كلمة "لا إله إلّا اللّٰه" لشيخ هرم اقترب من باب القبر، أتاني الموظف المسؤول عن مراقبتي وكأنه يريد القبض عليّ وأنا متلبّس بجريمة نكراء. علمًا أنه ما كان يأتيني في أغلب الأحيان، ولكنه حضر في ذلك الوقت وكأنني أقترف جريمة، فحرم ذلك المستمع إلى الموضوع بإخلاص، وأثار غضبي. علمًا أنه ما كان يلتفت إلى أشخاص في القرية بل بدأ يلاطف ويقدّر أولئك الذين يعربدون ويبثون سمومًا في المجتمع.
ومن المعلوم كذلك لو أن مجرمًا، ارتكب مائة جريمة، يستطيع أن يقابل مسؤوليه في السجن سواءً أكانوا من الجنود أو الضباط أو الآخرين. بينما المسؤول عن مراقبتي، واثنان من ذوي الشأن لدى الحكومة، لم يسألوا عن حالي ولم يقابلوني قطعًا طوال سنة من الزمان، رغم أنهم مرّوا مرارًا أمام غرفتي. فقد كنت أظن أنهم لا يتقربون مني بسبب العداء، ولكن تحقق بالتالي، أن ذلك نابع مما كان يساورهم من شكوك وريوب، فهم يفرّون مني وكأنني سأبتلعهم.
فمراجعةُ حكومةٍ، رجالُها وموظفوها أمثالُ هؤلاء ليس من العقل في شيء، بل ما هي إلّا ذلة وخنوع لا طائل وراءه.
فلو كان سعيد القديم موجودًا لقال مثلما قال "عنترة":
ماءُ الحياة بذلةٍ كجهنم وجهنم بالعزّ أفیخرُ منیزلِ
— 97 —
ولكن لا وجود لی "سعيد القديم". أما "سعيد الجديد" فيرى أنه لا معنى حتى في التكلم مع أهل الدنيا. فليهلكهم اللّٰه بدنياهم، وليقضوا ما يقضون، سنتحاكم في المحكمة الكبرى بإذن اللّٰه.
هذا ما يقوله "سعيد الجديد"، ثم يسكت.
ومن الأسباب الداعية لعدم مراجعتي:
السبب الثامن: أن القدر الإلهي يعذبني بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا هؤلاء. وذلك بسبب ما لا يستحقونه من ميلي إليهم، وفق القاعدة: "إن نتيجةَ محبةٍ غيرِ مشروعة عداوةٌ ظالمة". وقد كنت أؤثر الصمتَ، لعلمي أني أستحق هذا العذاب، حيث إنني قد خدمت بصفة قائد للمتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وخضت المعارك، وضحيت بخيرة طلابي وأحبّائي مع نيل تقدير القائد العام للجيش، أنور باشا. وسقطت جريحًا، وأُسرت. وبعد مجيئي من الأسر ألقيت بنفسي في المهالك، بتأليفي كتاب "الخطوات الست" الذي تحديتُ به الإنكليز وهم يحتلون إسطنبول. فعاونت هؤلاء الأصدقاء الذين ألقوني في عذاب الأسر بغير سبب. وكان هذا جزائي نظيرَ معاونتي لهم، فأذاقني هؤلاء من المصاعبَ والمتاعبَ في ثلاثة شهور ما تفوق المصاعب والمتاعب التي قاسيت منها في روسيا طوال ثلاث سنوات.
وعلى الرغم من أن الروس كانوا ينظرون إليّ بصفة قائد للمتطوعين الأكراد والظالم الذي يذبح الأسرى والقازاق، إلّا أنهم لم يمنعوني من إلقاء الدروس. فكنت أُلقيها على معظم زملائي الأسرى من الضباط البالغ عددهم تسعين ضابطًا، حتى إن القائد الروسي استمع مرة إلى الدرس، فحسبه درسًا سياسيًا، لجهله باللغة التركية، ومنعني مرة واحدة فقط ولكنه سمح لي بعد ذلك. ثم إننا جعلنا غرفةً في الثكنة التي كنا فيها مسجدًا لأداء الصلاة جماعةً، وكنت أؤم الجماعة، ولم يتدخلوا في ذلك قط. ولم يمنعونا من الاختلاط والاتصال بعضنا مع البعض ولم يقطعوا عنا المراسلات.
بينما أرى هؤلاء الذين يُفترض فيهم أنهم إخواني في الدين وفي الوطن يمنعونني من الدرس بغير سبب مع أنني أحاول أن أفيدَهم في الإيمان، وهم يعلمون أنني قد قطعت علاقتي مع الدنيا والسياسة. حتى إنهم وضعوني في الأسر طوال ست سنوات -وليس ثلاث
— 98 —
سنوات- بل في أسر مشدّد، إذ منعوني من الاختلاط بالناس، ومن إلقاء الدروس، بل حتى من إلقاء الدروس الخاصة في غرفتي الخاصة. علمًا أنني أحمل شهادةً في ذلك، وحالوا بيني وبين المراسلات، بل منعوني حتى عن الإمامة في المسجد الذي عمّرتُه بنفسي، والذي كنت أؤمُّ الجماعة فيه طوال أربع سنوات. فحرموني من ثواب الجماعة، بل منعوني عن أن أؤمَّ جماعة مكونة من ثلاثة أخوة في الآخرة كنت أؤمُّهم دومًا. فضلًا عن ذلك لو ذكرني أحدُهم بخير، يغضب الموظف المراقب عليّ، ويحاول بشتى الوسائل أن يهوّن من شأني، ويشدّد من المضايقات كي يحصل على تكريم من آمريه والتفاتهم إليه.
فقل لي بنفسك واحكم بما شئت أيها الأخ السائل: إنّ من كان هذا وضعَه، هل يراجع غير اللّٰه سبحانه وتعالى؟ فلمن يقدّم الشكوى إن كان الحاكم هو المدّعي؟ ثم قل ما شئت أن تقوله في هذه الأحوال المحيطة بنا.
ولكني أقول: إن كثيرًا من المنافقين قد اندسوا بين أصدقائي هؤلاء. وحيث إن المنافق أشدُّ من الكافر وأخبثُ منه، فلهذا يذيقونني من العذاب ما لم يذقني إياه كفار الروس.
أيها التعساء! ماذا فعلت بكم، وما الذي أفعله بحقكم؟ إنني أسعى لإنقاذ إيمانكم وإبلاغكم السعادةَ الأبدية. يبدو أن خدمتي لم تخلُص بعدُ للّٰه، لذا يولَد خلافُ المأمول. وأنتم نظير ذلك تؤذونني في كل فرصة سانحة. فلا ريب أننا سنتحاكم في المحكمة الكبرى.. أقول:
﴿ حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل ٭ نعم المولى ونعم النصير ﴾
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي