— 508 —
النكتة السابعة
إنَّ صيام رمضان من حيث تطلّعه لكسب الإنسان -الذي جاء إلى الدنيا لأجل مزاولة الزراعة الأخروية وتجارتها- له حكمٌ شتى .إلّا أننا نذكر واحدة منها هي أنَّ ثواب الأعمال في رمضان المبارك يُضاعَف الواحدُ إلى الألف. ومن المعلوم أن كل حرف من القرآن الحكيم له عشرُ أثوبة، ويعدُّ عشر حسنات، ويجلب عشر ثمار من ثمرات الجنة -كما جاء في الحديث الشريف- ففي رمضان يولّد كلُّ حرف ألفًا من تلك الثمرات الأخروية بدلًا من عشرٍ منها، وكلُّ حرف من حروف آيات -كآية الكرسي- يفتح البابَ أمام الألوف من تلك الحسنات لتتدلى في الآخرة ثمارًا حقيقية. وتزداد تلك الحسنات باطراد أيام الجُمَع في رمضان، وتبلغ الثلاثين ألفًا من الحسنات ليلةَ القدر.
نعم، إنَّ القرآن الكريم الذي يهب كلُّ حرف منه ثلاثين ألفًا من الثمرات الباقية يكون بمثابة شجرة نورانية -كشجرة طوبى الجنة- بحيث يُغنِم المؤمنين في رمضان المبارك تلك الثمرات الدائمةَ الباقية التي تعدّ بالملايين.. تأمل هذه التجارة المقدسة الخالدة المُربِحة وأجِل النظرَ فيها، ثم تدبّر في أمر الذين لا يقدّرون قيمة هذه الحروف المقدسة حقَّ قدرها، ما أعظم خسارتهم وما أفدحَها؟
وهكذا، فإن شهر رمضان المبارك أشبه ما يكون بمعرض رائع للتجارة الأخروية أو هو سوق في غاية الحركة و الربح لتلك التجارة وهو كالأرض المُنبتة في غاية الخصوبة والغَناء لإنتاج المحاصيل الأخروية.. وهو كالغيث النازل في نيسان لإنماء الأعمال وبركاتها.. وهو بمثابة مهرجان عظيم وعيد بهيج مقدّس لعرض مراسيم العبودية البشرية تجاه عظمة الربوبية وعزة الألوهية.
لأجل كل ذلك فقد أصبح الإنسان مكلَّفًا بالصوم، لئلا يلج في الحاجات الحيوانية، كالأكل والشرب من حاجات النفس بالغفلة، ولكي يتجنب الانغماسَ في شهوات الهوى وما لا يعنيه من الأمور.. وكأنه أصبح بصومه مرآةً تعكس "الصمدانية" حيث قد خرج مؤقتًا من الحيوانية ودخل إلى وضع مشابهٍ للملائكية، أو أصبح شخصًا أُخرويًا وروحًا ظاهرة بالجسد، بدخوله في تجارة أُخروية وتخلّيه عن الحاجات الدنيوية المؤقتة.
— 509 —
نعم، إنَّ رمضان المبارك يُكسِب الصائمَ في هذه الدنيا الفانية وفي هذا العمر الزائل وفي هذه الحياة القصيرة عمرًا باقيًا وحياةً سرمدية مديدة، ويتضمن كلها. فيمكن لشهر رمضان واحد فقط أن يمنحَ الصائم ثمراتِ عمرٍ يناهز الثمانين سنة. وكون ليلة القدر خيرًا من ألف شهر -بنص القرآن الكريم- حجة قاطعة لهذا السر.
فكما يحدد سلطان أيامًا معينة في فترة حُكمه، أو في كل سنة، سواءً باسم تسنّمه عرش الحُكم أو أي يوم آخر من الأيام الزاهرة لدولته، جاعلًا من تلك الأيام مناسبات وأعيادًا لرعيته، فتراه لا يعامل رعيتَه الصادقين المستحقين في تلك الأيام بالقوانين المعتادة، بل يجعلهم مَظهرا لإحسانه وإنعامه وأفضاله الخاصة. فيدعوهم إلى ديوانه مباشرة دون حجب، ويخصّهم برعايته الخاصة ويحيطهم بكرمه وبإجراءاته الاستثنائية، ويجود عليهم بتوجهاته الكريمة.. كذلك القادر الأزلي ذو الجلال والإكرام وهو سلطان الأزل والأبد وهو السلطان الجليل لثمانيةَ عشر ألف عالَم من العوالم، قد أنیزل سبحانه في شهر رمضان أوامره الحكيمةَ السامية وقرآنَه الحكيم المتوجه إلى تلك الألوف من العوالم، لذا فإن دخولَ ذلك الشهر المبارك في حكم عيد ومناسبة إلهية خاصة بهيجة، وفي حكم معرض بديع رباني، ومجلس مهيب روحاني، هو من مقتضى الحكمة. فما دام شهرُ رمضان قد تمثل بتلك المناسبة البهيجة وذلك العيد المفرح فلابد أن يؤمَر فيه بالصوم، ليسموَ الناسُ -إلى حدٍ ما- على المشاغل الحيوانية السافلة. فالكمال في ذلك الصوم هو جعلُ جميع حواس الإنسان كالعين والأذن والقلب والخيال والفكر على نوع من الصوم، كما تقوم به المعدة. أي تجنيب الحواس تلك من المحرمات والسفاهات وما لا يعنيها من أمور، وسوقها إلى عبودية خاصة لكل منها.
فمثلا: يروّض الإنسان لسانَه على الصوم من الكذب والغيبة والعبارات النابية ويمنعه عنها، ويرطّب ذلك اللسان بتلاوة القرآن الكريم وذكر اللّٰه سبحانه والتسبيح بحمده والصلوات والسلام على الرسول الكريم (ص) والاستغفار، وما شابهه من أنواع الأذكار.
ومثلًا: يغضّ بصرَه عن المحرَّمات، ويسد أذنَه عن الكلام البذيء، ويدفع عينَه إلى النظر بعبرةٍ وأُذنَه إلى سماع الكلام الحق والقرآن الكريم. ويجعل سائر حواسه على نوع من الصيام.
— 510 —
ومن المعلوم أنَّ المعدة التي هي مصنع كبير جدًّا إن عطّلت أعمالَها بالصيام فإن تعطيل المعامل الصغيرة الأخرى يكون سهلًا ميسورًا.
النكتة الثامنة
إنَّ حكمة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان المبارك المتعلقة بالحياة الشخصية للإنسان تتلخص بما يأتي:
إنَّ في الصوم نوعًا من أنواع العلاج الناجع للإنسان وهو "الحِمية" سواء المادية منها أو المعنوية، فالحِمية ثابتة طبًا. إذ إن الإنسان كلّما سلكت نفسُه سلوكًا طليقًا في الأكل والشرب سبّب له أضرارًا مادية في حياته الشخصية. وكذلك الحال في حياته المعنوية، إذ إنه كلما الْتَهم ما يصادفه دون النظر إلى ما يحل له ويُحرم عليه تسمّمت حياتُه المعنوية وفسدت، حتى يصل به الأمر أن تستعصيَ نفسُه على طاعة القلب والروح فلا تخضعَ لهما. فتأخذ زمامَها بيدها وهي طائشة حُرة طليقة، وتسوق الإنسان إلى شهواتها دون أن تكون تحت سيطرة الإنسان وتسخيره.
أما في رمضان المبارك فإن النفس تعتاد على نوع من الحِمية بوساطة الصوم وتسعى بجد في سبيل التزكية والترويض وتتعلم طاعة الأوامر، فلا تصاب بأمراض ناشئة من امتلاء المعدة المسكينة وإدخال الطعام على الطعام. وتكسب قابليةَ الإصغاء إلى الأوامر الواردة من العقل والشريعة. وتتحاشى الوقوعَ في الحرام بما أخذت من أمر التخلي عن الحلال. وتجدّ في عدم الإخلال بالحياة المعنوية وتكدير صفوها.
ثم إن الأكثريةَ المطلقة من البشرية يُبتَلون بالجوع في أغلب الأحيان. فهم بحاجة إلى ترويض، وذلك بالجوع الذي يعوّد الإنسانَ على الصبر والتحمل. وصيام رمضان هو ترويضٌ وتعويد وصبرٌ على الجوع يدوم خمسَ عشرة ساعة أو أربعًا وعشرين ساعة لمن فاته السحور. فالصوم إذن علاج ناجع لهَلع الإنسان وقلة صبره، اللذَين يضاعفان من مصيبة الإنسان وبلاياه.
والمعدة كذلك هي نفسُها بمثابة معمل لها عمال وخَدَمَة كثيرون، وهناك في الإنسان
— 511 —
أجهزة ذات علاقات وارتباطات معها، فإن لم تعطِّل النفسُ مشاغلَها وقت النهار مؤقتًا لشهر معين ولم تدعها، فإنها تُنسي أولئك العمال والخَدَمَة عباداتهم الخاصة بهم، وتُلهيهم جميعًا بذاتها، وتجعلهم تحت سيطرتها وتحكّمها، فتشوش الأمر على تلك الأجهزة والحواس وتنغّص عليها بضجيج دواليب ذلك المصنع المعنوي وبدخانه الكثيف، فتصرف أنظارَ الجميع إليها وتُنسيهم وظائفَهم السامية مؤقتًا. ومن هنا كان كثير من الأولياء الصالحين يعكفون على ترويض أنفسهم على قليل من الأكل والشرب، ليرقوا في سلّم الكمال.
ولكن بحلول شهر رمضان يدرك أولئك العمال أنهم لم يُخلقوا لأجل ذلك المصنع وحده، بل تتلذذ أيضًا تلك الأجهزة والحواس بلذائذَ سامية وتتمتع تمتعًا ملائكيًا وروحانيًا في رمضان المبارك ويركزون أنظارهم إليها بدلًا من اللهو الهابط لذلك المصنع. لذلك ترى المؤمنين في رمضان المبارك ينالون مختلف الأنوار والفيوضات والمسرات المعنوية -كلٌ حسب درجته ومنیزلته- فهناك ترقياتٌ كثيرة وفيوضاتٌ جمة للقلب والروح والعقل والسر وأمثالِها من اللطائف الإنسانية في ذلك الشهر المبارك. وعلى الرغم من بكاء المعدة ونحيبها فإن تلك اللطائف يضحكن ببراءة ولُطف.
النكتة التاسعة
إنَّ صومَ رمضان من حيث كسرُهُ الربوبيةَ الموهومة للنفس كسرًا مباشرًا ومن ثم تعريفها عبوديتَها وإظهار عجزها أمامها، فيه حِكم كثيرة، منها:
أن النفس لا تريد أن تعرف ربَّها، بل تريد أن تدّعي الربوبية بفرعونية طاغية. فمهما عُذِّبَت وقُهرت فإن عِرق تلك الربوبية الموهومة يظل باقيًا فيها. فلا يتحطم ذلك العرقُ ولا يركع إلّا أمام سلطان الجوع.
وهكذا، فصيام رمضان المبارك يُنیزل ضربةً قاضيةً مباشرة على الناحية الفرعونية للنفس. فيكسر شوكتها مُظهرًا لها عَجزَها، وضعفها، وفقرها، ويعرّفها عبوديتَها.
وقد جاء في إحدى روايات الحديث: أن اللّٰه سبحانه قال للنفس: "من أنا وما أنتِ؟" أجابت النفس: "أنا أنا، أنت أنت" فعذّبها الربُّ سبحانه وألقاها في جهنم، ثم سألها مرة أخرى فأجابت: "أنا أنا، أنت أنت" ومهما أذاقها من صنوف العذاب لم تردع عن أنانيتها.. ثم عذَّبها
— 512 —
اللّٰه تعالى بالجوع، أي ترَكها جائعة، ثم سألها مرة أخرى: "من أنا وما أنتِ؟" فأجابت النفس: "أنتَ ربيِ الرحيم وأنا عبدُك العاجز".
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّه أَدَاءً بِعَدَدِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ حُرُوفِ الْقُرْأٰنِ في شَهْرِ رَمَضَانَ وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبه وَسَلِّمْ
﴿ سُبحانَ ربّكَ رَبِّ العِزَّةِ عمَّا يَصفون ٭ وسلامٌ على المُرسَلين ٭ والحمدُ للّٰه رَبِّ العالَمين ﴾
أٰمينَ.
[٭]: اعتذار: لقد كتبت هذه الرسالة على عجل خلال أربعين دقيقة فقط، ولكوني وكاتب المسودة مريضين ومرهقين معًا، فلا غرو أن يعتري الرسالة شيء من القصور، لذا نستميح إخواننا عذرًا ونرجوهم تصحيح ما يرونه مناسبًا. (المؤلف).