المكتوبات العربية
— 491 —

النكتة الأولى

"لا تُعرف أسرارُ القرآن معرفةً كاملة، ولم يُدرك المفسرون حقيقته". هذا المفهوم له وجهان. والقائلون به طائفتان:
الطائفة الأولى: هم أهلُ الحق والعلم والتدقيق. فهم يقولون: إنَّ القرآن الكريم كنیز عظيم لا ينفد، وإن كل عصر يأخذ حظَّه من حقائقه الخفية التي هي من قبيل التتمات، مع التسليم بنصوص القرآن ومُحكماته من دون أنْ يتعرض أو يمس ما خفي من الحقائق من حظّ أهل العصور الأخرى.
وحقًا إنَّ حقائق القرآن تتوضح أكثر كلما مضى الزمان. ولا يعني هذا أبدًا إلقاءَ ظلِّ الشبهة على ما بيّنه السلف الصالح من حقائق القرآن الظاهرة، لأنها نصوص قاطعة وأُسسٌ وأركان لابد من الإيمان بها. وقوله تعالى: وهذا لسان عربي مبين (النحل: ١٠٣) يوضح أن معنى القرآن واضح مبين. فالخطاب الإلهي من أوله إلى آخره يدور حول تلك المعاني ويقوّيها حتى يجعلَها بدرجة البداهة. لذا فإن رفض تلك المعاني المنصوص عليها يؤدي إلى تكذيب اللّٰه سبحانه وتعالى (حاش للّٰه) وإلى تزييف فهم الرسول الكريم (ص) (حاشاه). بمعنى أنَّ المعاني المنصوص عليها قد استقيت من منبع الرسالة مسندة متسلسلة. حتى إن "ابنَ جرير الطبري" قد ألّف تفسيره الكبير الجليل مسنِدًا معاني القرآن جميعها إلى منبع الرسالة.
الطائفة الثانية: وهم أصدقاءُ حمقى، يُفسدون أكثر مما يُصلحون، أو أنهم أعداءٌ ذوو دهاء شيطاني، يريدون أن يتصدَّوا للأحكام الإسلامية ويعارضوا الحقائق الإيمانية، ويحاولون أن يجدوا منفذًا من السور القرآنية التي كل منها سُورٌ فولاذي لحصن القرآن الكريم -حسب تعبيركم- فهؤلاء يشيعون أمثال هذه الأقوال ليلقوا الشبهات حول الحقائق الإيمانية والقرآنية (حَاشَ للّٰه).
النكتة الثانية
لقد أقسم اللّٰه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بكثير من الأشياء. وفي الأقسام القرآنية نكات عظيمة جدًّا وأسرار كثيرة جدًّا:
— 492 —
منها: أن القَسَم في والشمس وضحيها (الشمس: ١) يشير إلى إظهار الكون كقصر عظيم ومدينة عامرة، والذي هو أساس التمثيل الرائع الوارد في "الكلمة الحادية عشرة".
ومنها: القَسم في يس٭ والقرآن الحكيم (يس: ١-٢) يذكّر به قدسية إعجاز القرآن، وأنه بدرجة من الأهمية بحيث يُقسَم به.
وأن القَسَم في والنجم اذا هوى (النجم: ١) يشير إلى أن سقوط النجوم علامةٌ على انقطاع الأخبار الغيبية عن الجن والشياطين منعًا لورود شبهة على الوحي الإلهي. وفي الوقت نفسه فإن القسَم في
﴿ فلا اُقسم بمواقع النجوم ٭ وانه لقَسَم لو تَعلَمُونَ عظيم ﴾
(الواقعة: ٧٥-٧٦) يذكّر بعظمة القدرة وكمال الحكمة في وضع النجوم في مواقعها بكمال الانتظام مع ضخامتها الهائلة، وتدوير السيارات الجسيمة بسرعة عظيمة.
ويذكّر القَسَم في والذاريات وفي والمرسلات بالحِكَم الجليلة التي في تموّجات الهواء وتصريف الرياح، إذ يقسم سبحانه بالملائكة المأمورين بوظيفة تصريف الرياح، فيلفت النظر إلى أن الأمور التي قد تُظن أنها تجري مصادفةً تنفّذ حِكَمًا دقيقة وتؤدي وظائفَ جليلةً.
وهكذا، فلكل موقع من مواقع القَسَم نكتته البليغة وفائدته. ولما كان الوقت لا يسمح لنا بالتفصيل، فسنشير إشارةً مجملة إلى نكتة واحدة من النكات الكثيرة التي يتضمنُها القَسَم في والتين والزيتون (التين: ١) وذلك أن اللّٰه سبحانه وتعالى يذكّر بالقسَم بالتين والزيتون عظمةَ قدرته وكمالَ رحمته وعظيمَ نعمته، فيصرفُ وجهَ الإنسان المتردّي إلى أسفلِ سافلين ويحوّله عن ذلك التردي والهاوية، مشيرًا إليه أنه بإمكانه أن ينال مراتبَ معنويةً رفيعة، بل يترقى إلى أعلى عليين بالشكر والفكر والإيمان والعمل الصالح.
أما تخصيص التين والزيتون بالقَسَم من بين النعم الأخرى، فهو:
إنَّ هاتين الفاكهتين نافعتان مباركتان.. وأنَّ في خلقِهما وما فيهما من نعَم عظيمة يبعث على الملاحظة، لأنَّ الزيتون يشكّل أساسًا مهما في الحياة الاجتماعية والتجارية، وفي وسائل التنوير، وفي تغذية الإنسان. كما أن في خلق التين ما يبين معجزةً خارقة من معجزات القدرة الإلهية، كدرج أجهزة شجرة التين العظيمة وضمّها في بُذيرة متناهية في الصغر. كما يذكّر
— 493 —
بالقَسم به، بالنِعَم الإلهية في طعمه، وفي منافعه، وفي دوامه، خلاف أكثر الثمار. وفي الوقت نفسه يرشد الإنسان -إزاء هذه النعم- إلى ما يحُول دون تردّيه إلى أسفل سافلين، بالإيمان والعمل الصالح.
النكتة الثالثة
إنَّ الحروف المقطّعة الموجودة في أوائل السور، شفراتٌ إلهية، يعطي بها سبحانه بعض الإشارات الغيبية إلى عبده الخاص، ومفتاحُ تلك الشفرة، لدى ذلك العبد الخاص، ولدى ورثته.
ولما كان القرآن الحكيم يخاطب جميعَ الطوائف البشرية في كل وقت وحين. فهو يتضمن من المعاني المتنوعة والوجوه الكثيرة الجامعة ما يكون حظَّ كل طائفة في كل عصر من العصور. وأن أصفى المعاني والوجوه هي تلك التي بيّنها السلفُ الصالح بيانًا واضحًا. وقد وجد الأولياء والمحققون إشاراتِ معاملاتٍ غيبية في تلك المقطعات فيما يخص السير والسلوك الروحاني.
وقد بحثنا نبذةً عن تلك المقطعات في تفسير "إشارات الإعجاز" في أوائل تفسير "سورة البقرة" فليراجَع.
النكتة الرابعة
لقد أثبتت "الكلمة الخامسة والعشرون"، أنه لا يمكن ترجمةُ القرآن الكريم ترجمةً حقيقية، ولا يمكن قطعًا ترجمة أسلوبه الرفيع في إعجازه المعنوي. وأنه من الصعوبة جدًّا إفهام الذوق، وبيان الحقيقة، النابعان من ذلك الأسلوب الرفيع في إعجازه المعنوي إلّا أننا نشير للدلالة فحسب إلى جهة أو جهتين منه. وذلك: بقوله تعالى:
﴿ ومن آياته خلق السّمواتِ والارضِ واختلافُ ألسنتكم وألوانِكم ﴾
(الروم: ٢٢)
﴿ والسّمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ ﴾
(الزمر: ٦٧)
— 494 —
﴿ يخلقكم في بطون أُمهاتكم خلقًا من بعدِ خلقٍ في ظلماتٍ ثلاث ﴾
(الزمر: ٦)
﴿ خلق السّموات والارض في ستة ايام ﴾
(الأعراف: ٥٤)
﴿ يحول بين المرءِ وقلبه ﴾
(الأنفال: ٢٤)
﴿ لايعزبُ عنه مثقالُ ذرة ﴾
(سبأ: ٣)
يولجُ الليلَ في النهارِ ويولجُ النهارَ في الليلِ وهو عليمٌ بذاتِ الصدورِ
(الحديد: ٦)
هذه الآيات الكريمة وأمثالها تضع نصبَ الخيال تصورَ حقيقةِ الخلّاقية، في أسلوب رفيع معجز وفي جمع خارق بديع. إذ يبين أنَّ صانعَ العالم وبانيَ الكون مثلما يمكّن الشمسَ والقمر في مواقعهما، يمكّن الذرات أيضًا في مواضعها في بؤبؤ عين الأحياء مثلًا، فيمكّن كلًا منها في موضعها بالآلة نفسها، في اللحظة نفسها.. وإنه مثلما ينظم السّماوات طباقًا ويفتحها أبوابًا وينسقها تنسيقًا، ينظّم طبقات العين ويفتح أغطيتها بالميزان بالأداة نفسها والآلة المعنوية نفسها، في اللحظة نفسها.. وإنه مثلما يسمّر النجوم في السماوات، ينقّش ما لا يحد من نقاط العلامات الفارقة في وجه الإنسان ويشق فيه الحواسَّ الظاهرة والباطنة، بآلة القدرة المعنوية نفسها.
بمعنى أنَّ ذلك الصانع الجليل لأجل إراءة أفعاله ملءَ البصر والسمع وإظهار مباشرته أفعالَه؛ يطرق بكلمةٍ من آياته القرآنية طرقةً على الذرة فيثبتها في موضعها، ويطرق بكلمةٍ أخرى من الآية نفسها طرقةً على الشمس ويثبتها في مركزها، فيبيّن الوحدانيةَ في عين الأحدية، ومنتهى الجلال في منتهى الجمال، ومنتهى العظمة في منتهى الخفاء، ومنتهى السعة في منتهى الدقة، ومنتهى الهيبة في منتهى الرحمة، ومنتهى البُعد في منتهى القرب. أي يُظهِرُ أبعدَ مراتب جمع الأضداد -الذي يُعدّ محالًا- في صورة درجة الواجب، مثبتًا ذلك بأبلغ أسلوب وأرفعه.
وهذا الأسلوب المعجز هو الذي يُخضِع رقابَ فطاحل الأدباء فيخرّون لبلاغته سُجّدًا.
ومثلًا ؛ قوله تعالى:
﴿ ومن آياته ان تقومَ السّماءُ والارض بأمره ثم اذا دعاكم دعوةً من الارضِ اذا أنتم تخرجون ﴾
(الروم: ٢٥).
تبيّن هذه الآية الكريمة عظمة ربوبيته سبحانه في أسلوب عالٍ رفيع. وذلك:
— 495 —
أنَّ السماوات والأرض بمثابة معسكرين في أتم طاعة وانقياد، وفي صورة ثكنة لجيشين عظيمين على أتم نظام وانتظام. وما فيهما من موجودات راقدة تحت غطاء الفناء وستار العدم تمتثل بسرعة تامة وطاعة كاملة أمرًا واحدًا أو إشارة من نفخٍ في صُور، لتخرج إلى ميدان الحشر والامتحان.. فانظر كيف عبّرت الآيةُ الكريمة عن الحشر والقيامة بأسلوب معجز رفيع، وكيف أشارت إلى دليل إقناعي في ثنايا المدّعى، مثلما تخرج البذور التي تسترت في جوف الأرض كالميتة، والقطرات التي انتشرت مستترة في جو السماء وانتشرت في كرة الهواء، وتُحشَر بانتظام كامل وفي سرعة تامة، فتخرج إلى ميدان التجربة والامتحان في كل ربيع، حتى تتخذَ الحبوبُ في الأرض والقطراتُ في السماء صورة الحشر والنشور، كما هو مشاهَد. وهكذا الأمر في الحشر الأكبر وبالسهولة نفسها. وإذ تُشاهد هذا هنا، فلا تقدرون على إنكار الحشر.
وهكذا، فلكم أن تقيسوا على هذه الآية ما في الآيات الأخرى من درجة البلاغة.
فهل يمكن -يا تُرى- ترجمةُ أمثال هذه الآيات الكريمة ترجمةً حقيقية؟. لا شك أنها غير ممكنة.
فإن كان ولابد، فإما أن تعطى معاني إجمالية مختصرة للآية الكريمة أو يلزم تفسير كل جملة منها في حوالي ستة أسطر.
النكتة الخامسة
لنأخذ مثلًا، جملةً قرآنية واحدة، وهي: الحمد للّٰه
فإن أقصر معنى من معانيها كما تقتضيه قواعد علم النحو والبيان، هو: (كل فرد من أفراد الحمد من أي حامدٍ صَدرَ وعلى أي محمودٍ وقع من الأزل إلى الأبد خاصٌ ومستحق للذات الواجب الوجود المسمى باللّٰه).[٭]: جاءت هذه العبارة باللغة العربية في النص.
فقولنا: "كل فرد من أفراد الحمد" ناشئ من "ال" الاستغراق.
ومن "أي حامدٍ كان" فقد صدر من كون "الحمد" مصدرًا، فيفيد العموم في مثل هذا المقام، لأن فاعله متروك.
"وعلى أي محمود وقع" يفيد العمومَ والكلية، في مقام الخطاب، لترك المفعول.
— 496 —
أما "من الأزل إلى الأبد"، فيفيده الدوام والثبات، حسب قاعدة انتقال الجملة الفعلية إلى جملة اسمية.
وأن لام الجر في "للّٰه" تفيد معنى "خاصًا ومستحقًا" لأن تلك اللام للاختصاص والاستحقاق.
أما "للذات الواجب الوجود المسمى باللّٰه" فإن لفظ "اللّٰه" يدل دلالة التزامية على "الواجب الوجود" لأنه لفظٌ جامعٌ لسائر الأسماء والصفات، وإنه الاسم الأعظم، ولأن "واجب الوجود" لازم ضروري للألوهية وهو عنوان لملاحظة الذات الجليلة.
فلئن كان أقصر المعاني الظاهرية لجملة "الحمد للّٰه" على هذه الصورة، كما اتفق عليها علماء اللغة العربية، فكيف بترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى بنفس الإعجاز والقوة نفسها؟
ثم إنَّ هناك لغة فصيحة واحدة فقط من بين ألسنة العالم ولغاته مما سوى اللغة العربية الفصحى، وهي لا تبلغ قطعًا جامعيةَ اللغة العربية وشموليتها.
إنَّ كلمات القرآن التي جاءت بتلك اللغة العربية الفصحى الجامعة الخارقة، وفي صورة معجزة، وصادرة من علم محيط بكل شيء يدير الجهات كلَّها كيف تُوفي حقَّها كلماتُ ألسنة أخرى تركيبية وتصريفية في ترجمة مَن هو جزئي الذهن قاصر الشعور مشوش الفكر، مظلم القلب؟ أم كيف تملأ كلماتُ ترجمةٍ محلَّ تلك الكلمات المقدسة؟ حتى أستطيع القول، وأثبت أيضًا: أن كل حرف من حروف القرآن الكريم بمثابة خزينة من خزائن الحقائق، بل قد يحوي حرفٌ واحد فقط من الحقائق ما يملأ صحيفة كاملة.
النكتة السادسة
لأجل تنوير هذا المعنى سأذكر لكم ما جرى عليَّ من حالة نورانية خاصة ومن خيال ذي حقيقة، توضيحًا لمعنى كلمة نعبد وتبيانًا لجانب خفي من سرِّها:
تأملت ذات يوم في "ن" المتكلم مع الغير في: اياك نعبد وإيّاك نستعين وتحرّى قلبي وبحث عن سبب انتقال صيغة المتكلم الواحد إلى صيغة الجمع (نَعْبُدُ).. فبرزتْ فجأةً فضيلةُ صلاة الجماعة وحكمتُها من تلك "النون"، إذ رأيت أنه بسبب مشاركتي للجماعة في الصلاة التي أدَّيتُها في جامع "بايزيد" يكون كل فرد منها بمثابة شفيعٍ لي.
— 497 —
ورأيت أن كلَّ فرد من أفراد تلك الجماعة شاهدٌ ومؤيدٌ لما أظهرتُه من أحكام وقضايا في قراءتي. فولّد ذلك عندي الشجاعةَ الكافية لكي أُقدّمَ عبادتي الناقصة، وأرفعَها مضمومةً مع العبادة الهائلة لتلك الجماعة إلى الحضرة الإلهية المقدسة.
وبينما كنت أتأمل في هذا؛ إذا بستار آخر يُرفَع، ورأيت أن جميعَ "مساجد إسطنبول" قد اتصلت وترابط بعضُها ببعض؛ فأصبحت تلك المدينة كهذا الجامع، واستشعرتُ بشرف أدعيتهم جميعًا بل تصديقهم كذلك.
وهناك رأيت نفسي محشورًا في تلك الصفوف الدائرية على مسجد سطح الأرض المتحلقة حلقاتٍ حول الكعبة المشرفة فحمدتُ اللّٰه كثيرًا وقلت: الحمد للّٰه رب العالمين
.. أن لي كل هذه الكثرة الكاثرة من الشفعاء، وممن يرددون معي، ويصدقونني في كل ما أقوله في الصلاة.
وقلت: ما دام الستار قد رُفِع هكذا خيالًا.. وأصبحت الكعبةُ المشرفة بحكم محرابٍ لأهل الأرض، فلأغتنم إذن هذه الفرصة، ولأدَع فيها خلاصةَ الإيمان التي أذكرها في التشهد وهي، "أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وأشهد أن محمدًا رسول اللّٰه" وأسلّمها أمانةً عند الحجر الأسود. متخذًا الصفوفَ شهداءَ عليها.
وهنا انكشفت حالة أخرى، إذ رأيت أنَّ الجماعةَ التي انضممتُ إليها قد أصبحت ثلاث جماعات ودوائر:
الأولى: هي الجماعة الكبرى المؤلفة من المؤمنين الموحدين على وجه الأرض قاطبة.
الثانية: هي جماعة الموجودات كافة حيث كلٌ قد علم صلاته وتسبيحه (النور: ٤١) فرأيیت نفسیي مع صلاتها الكبرى وفي تسبيحاتها العظمى.. وأن ما يسمَّى وظیائفَ الأشیياء وأعمالَها، إن هیو إلّا عنیاويین عباداتها وعبوديتها.. فطأطأت رأسي حائرًا أمیام هذه العظمة قائلًا: "اللّٰه أكبر" وتأملت في نفسي وفیي الدائیرة:
الثالثة: ورأيت عَالمًا يبدأ من ذرات وجودي، وينتهي إلى حواسي الظاهرة؛ فهو عَالم صغير وصغير.. إلّا أنه عظيم جدًّا يدعو إلى الحيرة والإعجاب. وهو عَالم ظاهره متناهٍ في الصغر إلّا أن حقيقتَه عظيمةٌ، ووظائفَه جليلة.
— 498 —
نعم، رأيت أنَّ كل جماعة من جماعات هذا العالم منهمكةٌ بوظائف عبوديتها وواجبات شكرها. ورأيت أن اللطيفةَ الربانية التي في قلبي تردد في تلك الدائرة: اياك نعبد وإيّاك نستعين باسم هذه الجماعة، مثلما ردّدها لساني بنية الجماعتين العظيمتين الأوليين.
والخلاصة: أن (نون) "نعبد" تشير إلى هذه الجماعات الثلاث وتدل عليها.
وبينما أنا في هذه الحالة؛ إذا بالشخصية المعنوية المباركة لمبلِّغ القرآن الكريم قد تمثلت أمامي بعظمته ووَقاره.. وهو (ص) على منبره المعنوي (المدينة المنورة). وأسمع منه -كما سمع غيري- خطابًا إلهيًا موجهًا يا أيُّها الناس اعبدوا ربكم.. (البقرة: ٢١) فرأيت خيالًا أن كلَّ مَن في تلك الجماعات الثلاث يتجاوبُ مثلي مع ذلك الخطاب الرباني العظيم قائلًا: اياك نعبد
وهناك تمثلتْ حقيقةٌ أخرى أمام الفكر، حسب قاعدة: "إذا ثبت الشيء ثبتَ بلوازمه" وهي:
ما دام ربُّ العالمين قد اتخذ الإنسانَ مخاطبًا له، فيتكلم مع جميع الموجودات، وأن هذا الرسولَ الكريم (ص) قد قام بتبليغ ذلك الخطاب الرباني الجليل إلى جميع البشر بل إلى جميع ذوي الشعور، وإلى جميع ذوي الأرواح، فلابد أن الماضي والمستقبل معًا قد أصبحا بحكم الزمن الحاضر، وغدت البشرية كافة مجلسًا واحدًا وجماعة واحدة في صفوف مختلفة متنوعة، حيث الخطاب موجه إليهم جميعًا.
هناك بدا لي أنّ كلَّ آية من آيات القرآن الكريم في قمة البلاغة ومنتهى الجزالة، وفي غاية الإعجاز الذي يشعّ نوره الساطع، حيث إن الآية تَكسِب علوَّها وسموّها وقوتها لصدورها:
من ذلك المقام السامي الرفيع الذي لا نهايةَ لعظمته، ولا غاية لسِعَته ولا منتهى لسموِّه، من ذي الجلال والعظمة المطلقة، من المتكلم الأزلي جل جلاله..
ومن مبلِّغها الذي هو في مقام المحبوبية العظمى صاحب المنیزلة الرفيعة والدرجة العالية. ومن توجّهها إلى المخاطبين الذين هم في منتهى الكثرة والأهمية والتباين.
لذا، تحقق عندي؛ أنه ليس القرآن كلّه معجزة، بل كل سورة من سوره معجزة، وكل آية من آياته معجزة بل حتى كل كلمة فيه بحكم معجزة.
— 499 —
لذا قلت: "الحمد للّٰه على نعمة الإيمان والقرآن".
وبهذا خرجتُ من ذلك الخيال الذي هو عينُ الحقيقة، كما دخلت فيه من (ن) نعبد، وفهمت أنه: ليست آيات القرآن ولا كلماته معجزةً وحدَها، وإنما كذلك حروف القرآن - كما في (ن) نعبد- هي مفاتيح نورانية لحقائق عظمى.
وبعدما خرج القلبُ والخيال من (ن) نعبد قابلهما العقلُ قائلًا:
- إنني أطالب بحظي ونصيبي مما أنتم فيه، فلا أتمكن من التحليق مثلكم، ولا أستطيع السيرَ إلّا بأقدام الأدلة والحجج.. أروني ما في نعبد و نستعين من الطريق الموصِل إلى (المعبود الحقيقي) و (المستعان الحقيقي) حتى أتمكن من مرافقتكم.
وعندها خطر للقلب أن:
- قل لذلك العقل الحائر أن يتأملَ في جميع موجودات العالَم سواءً منها الحي وغير الحي. فلكلٍ منها عبودية على شكل وظيفة من الوظائف على وفق نظام دقيق، وضمن إطاعة تامة.
ومع أن قسمًا من تلك الموجودات دون شعور وإحساس؛ فإنه ينجز أعمالَه ووظائفه في غاية العبودية والنظام والشعور.
إذن لابدّ أن معبودًا حقيقيًا وآمرًا مطلقًا، يسخّر هذه الموجودات ويسوقها إلى العبودية.
وقل له ليتأملْ كذلك في جميع الموجودات ولاسيما الأحياء منها، فلكل منها حاجات كثيرة متنوعة، ولكلٍ منها مطالب عدة ومختلفة لإدامة حياتها وبقاء نوعها. وبينما لا تصل أيديها إلى أبسط تلك الحاجات والمطالب، وليست هي في طوقها.. إذا بنا نشاهد أن تلك المطالب التي لا تحد، تأتيها رغدًا من كل مكان، بل تأتيها في أفضل وقت وأنسبه. فهذا الافتقار والحاجة غير المتناهيتين للموجودات، وهذه الإعانات الغيبية والإمدادات الرحمانية تدل بداهةً على أن لها رزاقًا يحميها.
وهو غني مطلق.. كريم مطلق.. قدير مطلق.. بحيث يستعين به كل شيء، وكل حيّ، طالبًا منه العونَ والمدد. أي أن كل شيء في الوجود يقول ضمنًا ومعنًى: وإيّاك نستعين وهناك استسلم العقلُ وقال: آمنا وصدّقنا.