المكتوبات العربية
— 478 —

خاتمة المسألة السابعة

هذه الخاتمة تخص إزالة الشبهات التي تثار أو ربما تثار حول الإشارات الغيبية التي وردت في صورة ثماني عنايات إلهية، وفي الوقت نفسه تبين هذه الخاتمة سرًا عظيمًا لعناية إلهية). وهذه الخاتمة عبارة عن أربع نكات.
النكتة الأولى: لقد ادّعينا مشاهدتَنا لجلوة إشارة غيبية، كتبناها في (العناية الإلهية الثامنة) في معرض بياننا "للتوافقات" وقد أحسسنا هذه الإشارة من العنايات الإلهية السبعة الكلية المعنوية المذكورة في المسألة السابعة من "المكتوب الثامن والعشرين" وما زلنا ندّعي أن هذه العنايات السبعة أو الثمانية الكلية قويةٌ وقاطعةٌ إلى درجة تثبت كلُّ واحدة منها على حدتها تلك الإشارات الغيبية، بل لو فُرض فرضًا محالًا أن قسمًا منها تبدو ضعيفةً، أو لو أُنكر، فلا يخلّ ذلك بقطعية تلك الإشارات الغيبية، إذ مَن لم يقدر على إنكار تلك العنايات الثمانية لا يستطيع أن ينكر تلك الإشارات.
ولكن لما كانت طبقات الناس متفاوتة، وطبقة العوام هم الذين يمثلون الغالبية العظمى، وأنهم يعتمدون كثيرًا على المشاهدة، لذا غدت "التوافقات" أظهرَ تلك العنايات الإلهية، وهي ليست أقواها بل الأخريات أقوى منها، إلّا أنها أعمّها، ولهذا اضطررتُ إلى بيان حقيقة معينة في صورة موازنة ومقارنة دفعًا للشبهات التي تثار حول "التوافقات". وذلك:
لقد قلنا في حق تلك العناية الظاهرة: أن التوافقات مشاهَدةٌ في كلمتي "القرآن الكريم" و "الرسول الكريم (ص)" وفي "الرسائل" التي ألّفناها، إلى حدٍ لا تدع شبهة من أنها نُظّمت قصدًا وأُعطي لها وضع موازٍ. والدليل على أن القصد والإرادة ليسا منا، هو اطلاعنا على تلك التوافقات بعد حوالي أربع سنوات، أي أن هذا القصد والإرادة كانت غيبية وأثرًا من آثار
— 479 —
العناية الإلهية، فأُعطيت تلكما الكلمتان ذلك الوضع الغريب تأييدًا محضًا لمعجزات الرسول الكريم (ص) والإعجاز القرآني. وأصبحت ببركة هاتين الكلمتين "التوافقات" ختمَ تصديقٍ لرسالتَي "المعجزات الأحمدية" و "المعجزات القرآنية".
بل نالت أكثر "الكلمات" المتشابهة من أمثالهما توافقات أيضًا ولكن في صفحات محدودة، بينما أظهرت هاتان الكلمتان توافقات في معظم صفحات الرسائل عامة، وفي جميع صفحات تلكما الرسالتين.
وقد كررنا القول: إن أصلَ هذا التوافق يمكن أن يوجد بكثرة في الكتب الأخرى، ولكن ليست بهذه الدرجة من الغرابة الدالة على القصد والإرادة السامية العالية.
وبعد، فعلى الرغم من أن دعوانا هذه لا يمكن نقضُها، إلّا أن فيها جهة أو جهتين ربما تتراءى للنظر الظاهري كأنها باطلة. منها:
أنه يمكن أن يقولوا: أنكم تنظمون هذا التوافق بعد تفكر وإنعام نظر، والقيام بمثل هذا العمل بقصد وإرادة سهل ويسير!
نقول جوابًا عن هذا: أن شاهدَين صادقين في دعوى ما، كافيان لإثباتها، ففي دعوانا هذه يمكننا أن نبرز مائة شاهد صادق على أننا قد اطلعنا على التوافق بعد حوالي أربع سنوات، من غير أن يتعلق به قصدُنا وإرادتُنا.
ولهذه المناسبة أوضح نقطةً، هي أن هذه الكرامة الإعجازية ليست من نوع درجة الإعجاز القرآني من حيث البلاغة. لأن البشر في الإعجاز القرآني البلاغي يعجز كليًا عن أن يبلغ درجة بلاغة القرآن بسلوكه طريق البلاغة. أما هذه الكرامة الإعجازية، فإنها لا يمكن أن تحصل بقدرة البشر، فالقدرة لا تتدخل فيها.
(٭): في الإشارة الثامنة عشرة من "المكتوب التاسع عشر" في نسخة واحدة لدى أحد المستنسخين، توافقت تسع كلمات من كلمات "القرآن الكريم" فأوصلنا بينها خطوطًا وظهر لفظ "محمد" من المجموع. وعندما قمنا بالعمل نفسه في الصفحة المقابلة التي توافقت فيها ثماني كلمات من كلمات "القرآن الكريم" ظهر لفظ الجلالة "اللّٰه" من المجموع. ففي التوافقات أمثال هذا المثال البديع الكثير.
وقد شاهدنا بأبصارنا واقع هذا الهامش. (بكر، توفيق، سليمان، غالب، سعيد -المؤلف-).
— 480 —
النكتة الثالثة: نشير إلى سر دقيق من أسرار الربوبية والرحمانية لمناسبة البحث عن الإشارة الخاصة والإشارة العامة.
إن لأحد إخواني قولًا جميلًا، سأجعله موضوع هذه المسألة، وذلك:
إنه عندما عرضتُ عليه يومًا توافقًا جميلًا قال: إنه جميل، إذ كل حقيقة جميلةٌ، إلّا أن الأجمل منها التوفيق والتوافقات الموجودة في هذه "الكلمات".
فقلت: "نعم! إن كلَّ شيء جميلٌ، ولكن إما أنه جميل حقيقةً أي بالذات، أو جميلٌ باعتبار نتائجه. وإنّ هذا الجمال متوجّه إلى الربوبية العامة، والرحمة الشاملة والتجلي العام. وإن الإشارة الغيبية في هذا التوفيق هي أجمل، كما قلتَ.. لأنها تنمّ عن رحمة خاصة وربوبية خاصة وتجلٍ خاص".
وسنقرب هذا إلى الفهم بتمثيل، وذلك أنَّ السلطان يشمل برعايته وبرحمته جميعَ أفراد الأمة، وذلك بقوانينه ودولته، فكل فرد ينال مباشرةً لطفَه وكرمه ويستظل بظل دولته. أي هناك علاقات خاصة للأفراد ضمن هذه الصورة العامة.
أما الجهة الثانية (من رعايته ورحمته) فهي آلاؤه الخصوصية، وأوامرُه الخاصة التي هي فوق جميع القوانين، ولكل فرد من رعاياه حصة من هذه الآلاء.
فعلى غرار هذا المثال: فإن لكل شيء حظًا من الربوبية العامة والرحمة الشاملة لواجب الوجود والخالق الحكيم الرحيم، أي أن كل شيء ذو علاقة معه بصورة خاصة في الجهة التي حظي بها. وأن له تصرفًا في كل شيء بقدرته وإرادته وعلمه المحيط. فربوبيتُه شاملةٌ كلَّ شيء حتى أصغر الأفعال. وكلُّ شيء محتاج إليه سبحانه في كل شأن من شؤونه، فتقضى أمورُه وتنظم أفعالُه بعلمِه وحكمته جل وعلا.
فلا تستطيع الطبيعة أن تتخفى ضمن دائرة تصرف ربوبيته الجليلة، أو تتداخل فيها مؤثرةً فيها، ولا المصادفة تتمكن من التدخل في أعماله سبحانه الموزونة بميزان الحكمة الدقيق. ولقد أثبتنا إثباتًا قاطعًا عدمَ تأثير الطبيعة والمصادفة في عشرين موضعًا من
— 481 —
"الرسائل" وأعدمناهما بسيف القرآن الكريم، وأظهرنا بالحجج الدامغة أن تدخلهما في الأمور محالٌ قطعًا.
بيد أن أهلَ الغفلة أطلقوا اسمَ (المصادفة) على الأمور التي لا تُعرف حكمتُها وأسبابُها في نظرهم من الظواهر التي هي مشمولة بالربوبية العامة، ولما عجزوا عن رؤية قوانين الأفعال الإلهية التي لا يُحاط بحِكَمها المتسترة تحت ستار الطبيعة، أسندوا الأمرَ إلى الطبيعة.
الثانية: هي الربوبيةُ الخاصة، والتكريمُ الخاص والإمداد الرحماني الخاص، بحيث إن الذين لا يتحملون ضغوطَ القوانين العامة يُسعفهم اسمُ الرحمن والرحيم ويمدّهم ويعاونهم معاونة خاصة وينجيهم من ذلك الضيق والعنت.
ولهذا فكل كائن حي، ولاسيما الإنسان، يستعين به سبحانه، ويستمدّ المدد منه كل آن، فإحسانُه ونِعَمه التي هي في هذه الربوبية الخاصة، لا يمكن أن تتخفى تحت المصادفة ولا يمكن أن تُسنَد إلى الطبيعة حتى لدى أهل الغفلة أنفسهم.
وبناءً على ما سبق، فقد اعتقدنا بأن الإشارات الغيبية التي هي في "المعجزات الأحمدية" و "المعجزات القرآنية" إشارةٌ غيبيةٌ خاصة، وأيقنّا أنها إمداد رباني خاص وعناية إلهية خاصة تستطيع أن تُظهِر نفسَها أمام المعاندين، ولهذا أعلنّا عنها نيلًا لرضاه تعالى فحسب.
فلئن قصّرنا فنرجو عفوه سبحانه. آمين.
﴿ ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾