— 314 —
ذيل
الكلمة العاشرة من المكتوب العشرين
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ ألا بذكرِ اللّٰه تطمئنُ القلوب ﴾
(الرعد: ٢٨)
﴿ ضرب اللّٰه مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سَلَمًا لرجل هل يستويان مثلًا الحمد للّٰه بل اكثرهم لايعلمون ﴾
(الزمر: ٢٩)
سؤال: لقد ذكرتَ في مواضع عديدة:
إنَّ في الوحدة منتهى السهولة، وفي الكثرة والشرك غايةَ الصعوبات. وتقول أيضًا: إن في الوحدة سهولةً بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوبةً بدرجة الامتناع، والحال أن ما بينتَه من المشكلات والمحالات تجري أيضًا في جهة الوحدة. فمثلًا؛ تقول: إن لم تكن الذراتُ مأمورات، يلزم أن يكون في كل ذرة إما علمٌ محيط وقدرةٌ مطلقة أو مكائن ومطابع معنوية غير محدودة وهذا محال بمائة ضعف، بينما لو أصبحت تلك الذرات مأموراتٍ إلهية يلزم أيضًا أن تكون مظهرًا لتلك الأمور كي تستطيع القيام بالوظائف التي أُنيطت بها وهي وظائف لا تُحد.
الجواب: لقد أثبتنا في "كلمات" كثيرة أنه:
إذا أُسند إيجاد الموجودات كلِّها إلى صانع واحد يكون الأمر سهلًا هينًا بسهولة إيجاد موجود واحد. وإن أُسند إلى الأسباب الكثيرة والطبيعة، فإن خلق ذبابة واحدة يكون صعبًا كخلق السماوات، ويكون خلق الزهرة عسيرًا بقدر خلق الربيع، وكذا الثمرة بقدر البستان.
— 315 —
ولما كانت هذه المسألة قد وُضحت وأُثبتت في "كلمات" أخرى، نحيل إليها، إلّا أننا نشير هنا بثلاث إشارات في ثلاث تمثيلات تحقق اطمئنان النفس تجاه هذه الحقيقة.
التمثيل الأول: إن ذرة صغيرة شفافة لماعة لا تسع نور عود ثقاب بالذات، ولا تكون مصدرًا له، إذ يمكن أن يكون له نور بالأصالة بقدر جِرمه وبمقدار ماهيته كذرة جزئية. ولكن إذا ما انتسبت إلى الشمس وفتحت عينَها تجاهها ونظرت إليها، فإن تلك الذرة الصغيرة يمكن أن تستوعب تلك الشمس بضيائها وألوانها السبعة وحرارتها حتى بمسافتها، وتنال نوعًا من مظاهر تجليها الأعظم. بمعنى أن تلك الذرة إن بقيت سائبة دون انتساب مستندة إلى ذاتها، لا تعمل شيئًا إلّا بقدر الذرة، ولكن إن عُدّت مأمورة لدى الشمس ومنسوبة إليها ومرآة لها، فإنها تستطيع أن تظهر قسمًا من نماذج جزئية لإجراءات الشمس. وللّٰه المثل الاعلى فإن كلَّ موجود، حتى كل ذرة، إذا أُسندت إلى الكثرة والشرك وإلى الأسباب وإلى الطبيعة وإلى نفسها. فإما أن تكون كلُّ ذرة وكل موجود، مالكةً لعلم محيط بكل شيء ولقدرة مطلقة، أو تتشكل فيها مطابع ومكائن معنوية لا حدّ لها، كي تؤدي أعمالها التي أُودعت فيها. ولكن إذا أُسندت تلك الذرات إلى الواحد الأحد، فعندئذٍ ينتسب إليه كلُّ مصنوع وكل ذرة ويكون كالموظف المأمور لديه، وانتسابه هذا يجعله ينال تجليًا منه، وبهذه الحظوة والانتساب يستند إلى علم مطلق وقدرة مطلقة، فينجز من الأعمال ويؤدي من الوظائف ما يفوق قوتَه بملايين المرات، وذلك بقوة خالقه وبسر ذلك الاستناد والانتساب.
التمثيل الثاني: أخَوان: أحدهما شجاع يعتمد على نفسه ويعتدّ بها، والآخر شهم غيور يملك حمية الدفاع عن الوطن. فعند نشوب الحرب، لا ينتسب الأول إلى الدولة لاعتداده بنفسه. بل يرغب أن يؤدي الأعمال بنفسه مما يضطره هذا إلى حمل منابع قوته على ظهره، ويُلجئُه إلى نقل تجهيزاته وعتاده بقدرته المحدودة، لذا لا يستطيع هذا أن يحارب العدو إلّا بمقدار تلك القوة الشخصية الضئيلة، فتراه لا يستطيع أن يجابه إلا عريفًا من جيش الأعداء، لا أكثر. أما الأخ الآخر، غير المعتدّ بنفسه بل يعدّ نفسه عاجزًا لا قوة له، فانتسب إلى السلطان وانخرط في سلك الجندية، فأصبح جيشُ الدولة العظيم نقطةَ استناد له بذلك الانتساب.
— 316 —
وخاض غمار الحرب بقوة معنوية عظيمة يمدّها ذلك الانتساب، تعادل قوة جيش عظيم حيث يمكن للسلطان أن يحشّدها له. فحارب العدو حتى جابه مشيرًا عظيمًا من العدو المغلوب فأمسك به أسيرًا وجلبه إلى معسكره باسم السلطان.
وسرّ هذه الحالة وحكمتُها هي:
إن الشخص الأول السائب لكونه مضطرًا إلى حمل منابع قوته وتجهيزاته، لم يقدر إلّا على عمل جزئي جدًّا، أما هذا الموظف فليس مضطرًا إلى حمل منابع قوته بنفسه بل يحمل عنه ذلك الجيش بأمر السلطان، فيربط نفسه بتلك القوة العظيمة بالانتساب، كمن يربط جهاز هاتفه بسلك بسيط بأسلاك هواتف الدولة. وللّٰه المثل الاعلى إذا أُسند كل مخلوق وكل ذرة، مباشرةً إلى الواحد الأحد، وانتسب إليه. فعندئذ، يهدم النملُ صرحَ فرعون ويهلكه، ويصرع البعوض نمرود ويقذفه إلى جهنم وبئس المصير، وتُدخل جرثومةٌ صغيرة ظالمًا جبارًا القبرَ، وتصبح بذرةُ الصنوبر الصغيرة بمثابة مصنع لشجرة الصنوبر الضخمة ضخامة الجبل، وتتمكن ذرات الهواء أن تؤدي من أعمال منتظمة مختلفة للأزهار والثمرات وتدخل في تشكيلاتها المتنوعة. كل ذلك بحول سيد المخلوق وبقوة ذلك الانتساب. فهذه السهولة المشاهدة كلُّها نابعةٌ بالبداهة من التوظيف والانتساب، بينما إذا انقلب الأمر إلى التسيب والفوضى، وتُرك الحبل على غاربه، وعلى نفس الشيء والأسباب والكثرة، وسُلك طريق الشرك، فعندئذٍ لا ينجز الشيء من الأعمال إلّا بقدر جرمه ومقدار شعوره.
التمثيل الثالث: صديقان يرغبان في كتابة بحث يحوي معلومات إحصائية جغرافية حول بلاد لم يشاهداها أصلًا، فأحدهما ينتسب إلى سلطان تلك البلاد ويدخل دائرة البريد والبرق، ويتم معاملات ربط خط هاتفه ببدّالة الدولة لقاء أجرة زهيدة، ويتمكن بهذه الوسيلة أن يتصل مع الجهات ويتسلم منها المعلومات. وهكذا كتب بحثًا فيما يخص الإحصائيات الجغرافية، في غاية الجودة والإتقان والعلمية.
أما الآخر: فإما أنه سيسيح دومًا طوال خمسين سنة ويقتحم المصاعب والمهالك ليشاهد تلك الأماكن بنفسه وليسمع الأحداث بنفسه.. أو ينفق ملايين الليرات ليمدّ أسلاك الهاتف
— 317 —
كما هي للدولة، ويكون مالكًا لأجهزة المخابرة البرقية كما للسلطان كي يكون بحثُه قيّمًا كبحث صاحبه. وللّٰه المثل الاعلى إذا أُسندت المخلوقات غير المحدودة والأشياء غير المعدودة إلى الواحد الأحد، فكل شيء عندئذ يكون مظهر بذلك الإرتباط، ويكون موضعَ تجلٍ من ذلك النور الأزلي، فيمدّ علاقات ارتباطه بقوانين حكمته، وبدساتير علمه، وبنواميس قدرته جل وعلا، وعندها يرى كل شيء بحول اللّٰه وبقوته، ويحظى بتجلٍ رباني يكون بمثابة بصره الناظر إلى كل شيء ووجهه المتوجه إلى كل شيء
وكلامه النافذ في كل شيء.
وإذا قُطع ذلك الانتساب، ينقطع أيضًا كل شيء من الأشياء عن ذلك الشيء. وينكمش الشيء بقدر جِرمه. وفي هذه الحالة عليه أن يكون صاحب أُلوهية مطلقة ليتمكن من أن يجري ما يجري في الوضع الأول!!
زبدة الكلام: إن في طريق الوحدة والإيمان سهولةً مطلقة بدرجة الوجوب، بينما في طريق الشرك والأسباب والكثرة مشكلات وصعوبات بدرجة الامتناع، لأن الواحد يعطي وضعًا معينًا لكثير من الأشياء، ويستحصل منها نتيجة معينة دون عناء، بينما لو أُحيل اتخاذ ذلك الوضع واستحصال تلك النتيجة إلى تلك الأشياء الكثيرة، لما أمكن ذلك إلّا بتكاليف وصعوبات كثيرة جدًّا وبحركات كثيرة جدًّا.
فكما ذُكر في "المكتوب الثالث": إن جولان جيوش النجوم وجريانها في ميدان السماوات تحت رياسة الشمس والقمر وإعطاء كل ليلة وكل سنة منظرًا رائعًا بهيجًا، منظرًا للذِكر والتسبيح، ووضعًا مؤنسًا جذّابًا، وتبديل المواسم وإيجاد أمثالها من المصالح والنتائج الأرضية الحكيمة الرفيعة.. إذا أُسندت هذه الأفعال إلى الوحدة فذلك السلطان الأزلي يجريها بكل سهولة ويُسر كتحريك جندي واحد، مسخرًا الأرض -التي هي كجندي في جيش السماوات- ومعيّنًا إياها قائدًا عامًا على الأجرام العلوية. وبعد تسلّمها الأمر تنتشي بنشوة التوظيف وتهتز لسماعها كالمولوي في انجذاب واشتياق، فتحصل تلك النتائج المهمة، وذلك الوضع الجميل بتكاليف قليلة جدًّا.
— 318 —
ولكن إذا قيل للأرض: قفي لا تتدخلي في الأمر وأُحيل استحصال تلك النتيجة وذلك الوضع إلى السماوات نفسها، وسُلكت طريق الكثرة والشرك بدل الوحدة، يلزم عندئذٍ أن تقطع ملايين النجوم كلٌّ منها أكبر بألوف المرات من الكرة الأرضية، أن تقطع كل يوم وكل سنة مسافة مليارات السنين في أربع وعشرين ساعة.
نتيجة الكلام: إنَّ القرآن الكريم يفوض أمر المخلوقات غير المحدودة إلى الصانع الواحد، ويسند إليه كل شيء مباشرة، فيسلك طريقًا سهلًا بدرجة الوجوب، ويدعو إليها وكذلك يفعل المؤمنون.
أما أهل الشرك والطغيان فإنهم بإسنادهم المصنوع الواحد إلى أسباب لا حدّ لها يسلكون طريقًا صعبًا إلى درجة الامتناع. فجميع المصنوعات في مسلك القرآن مساوية لمصنوع واحد في هذا المسلك، بل إن صدور جميع الأشياء من الواحد الأحد أسهل وأهون بكثير من صدور شيء واحد من أشياء لا حدّ لها. حيث إن ضابطًا واحدًا يدبّر أمر ألف جندي بسهولة أمر جندي واحد، بينما إذا أُحيل تدبير أمر جندي واحد إلى ألفٍ من الضباط فالأمر يستشكل ويصعب بألف ضعف وضعف وتنشأ الاختلاطات والاضطرابات والمماحكات.
وهكذا تُنیزل الآية الكريمة الآتية ضرباتها القوية وصفعاتها على رأس أهل الشرك وتصدّعه:
﴿ ضَربَ اللّٰه مثلًا رجلًا فيه شركاءُ متشاكسون ورجُلًا سَلَمًا لرجلٍ هل يستويان مثلًا الحمد للّٰه بل اكثرهم لايعلمون ﴾
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
— 319 —
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ الْكَائِنَاتِ وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه أَجْمَعينَ. أٰمينَ. وَالْحَمْدُ للّٰه رَبِّ الْعَالَمينَ
اَللّٰهمَّ يَا أَحَدُ يَا وَاحِدُ يَا صَمَدُ. يَا مَنْ لاَ إِلٰهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ. يَا مَنْ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. وَيَا مَنْ يُحْيي وَيُميتُ. يَا مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ. يَا مَنْ هُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ. يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَصيرُ بِحَقِّ أَسْرَارِ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ اجْعَلْ نَاشِرَ هٰذِهِ الرِّسَالَةِ وَرُفَقَائَهُ وَصَاحِبَهَا سَعيدًا مِنَ الْمُوَحِّدينَ الْكَامِلينَ وَمِنَ الصِّدّيقينَ الْمُحَقِّقينَ وَمِنَ الْمُؤْمِنينَ الْمُتَّقينَ. أٰمينَ.
أَللّٰهمَّ بِحَقِّ سِرِّ أَحَدِيَّتِكَ إِجْعَلْ نَاشِرَ هٰذَا الْكِتَابِ نَاشِرًا لِأَسْرَارِ التَّوْحيدِ وَقَلْبَهُ مَظْهَرًا لِأَنْوَارِ الْإيمَانِ وَلِسَانَهُ نَاطِقًا بِحَقَائِقِ الْقُرْأٰنِ أٰمينَ أٰمينَ أٰمينَ.