— 274 —
المقام الأول
كل كلمة من كلمات هذا الكلام التوحيدي الرائع تزفّ بشرى سارة، وتبث أملًا دافئًا. وفي كل بشرى شفاء وبلسم.. وفي كل شفاء لذة معنوية وانشراح روحي.
الكلمة الأولى: "لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰه" هذه الكلمة تتقطر بشرى عظيمة وأملًا بهيجًا كالآتي:
إنَّ روح الإنسان المتلهفة إلى حاجات غير محدودة، والمستهدَفة من قِبل أعداءٍ لا يُعدّون.. هذه الروح المبتلاة بين حاجات لا تنتهي وأعداءٍ لا يحصرون، تجد في هذه الكلمة العظيمة منبعًا ثرًا من الاستمداد، بما يفتح لها أبوابَ خزائن رحمة واسعة يرِدُ منها ما يُطمئِن جميعَ الحاجات ويضمن جميع المطالب.. وتجد فيها كذلك مرتَكزًا شديدًا ومستنَدًا رضيًّا يدفع عنها جميعَ الشرور، ويصرف عنها جميعَ الأضرار. وذلك بما تُري الإنسانَ من قوة مولاه الحق، وترشده إلى مالكه القدير، وتَدلَه على خالقه ومعبوده. وبهذه الرؤية السديدة والتعرّف على اللّٰه الواحد الأحد، تنقذ -هذه الكلمة- قلبَ الإنسان من ظلام الوحشة والأوهام، وتُنجي روحَه من آلام الحزن والكمد، بل تضمن له فرحًا أبديًا، وسرورًا دائمًا.
الكلمة الثانية: "وَحْدَهُ" هذه الكلمة تشرق أملًا وتزفّ بشرى سارة كالآتي:
إنَّ روح البشر، وقلبَه المرهقَين بل الغارقَين إلى حدّ الاختناق تحت ضغوط ارتباطاتٍ شديدة وأواصرَ متينة مع أغلب أنواع الكائنات.. يجدان في هذه الكلمة ملجأ أمينًا، ينقذهما من تلك المهالك والدوامات. أي أن كلمة "وحده" تقول معنًى:
إنَّ اللّٰه واحد أحد، فلا تتعب نفسك، أيها الإنسان، بمراجعة الأغيار. ولا تتذلَّل لهم، فترزح تحت منَّتهم وأذاهم.. ولا تحنِ رأسَك أمامهم وتتملّق لهم.. ولا تُرهق نفسَك فتلهث وراءهم.. ولا تخف منهم وترتعد إزاءهم.. لأنَّ سلطان الكون واحد، وعنده مفاتيح كلِّ
— 275 —
شيء، بيده مقود كلِّ شيء، تنحلّ عُقد كلِّ شيء بأمره، وتنفرج كل شدة بإذنه.. فإن وجدتَه فقد ملكتَ كل شيء، وفُزت بما تطلبه، ونجوتَ من أثقال المنّ والأذى ومن أسر الخوف والوهم.
الكلمة الثالثة: "لاَ شَريكَ لَهُ" أي كما لا ندّ له ولا ضدّ في ألوهيته وسلطنته، لأنَّ اللّٰه واحد. فإنّ ربوبيتَه وإجراءاتِه وإيجادَه الأشياء منیزّهةٌ كذلك من الشرك. بخلاف سلاطين الأرض، إذ يحدث أنْ يكون السلطانُ واحدًا متفردًا في سلطنته إلّا أنه ليس متفردًا في إجراءاته، حيث إن موظفيه وخدَمه يُعدّون شركاء له في تسيير الأمور وتنفيذ الإجراءات. ويمكنهم أن يحولوا دون مثول الجميع أمامه، ويطلبوا منهم مراجعتهم أولًا! ولكن الحق سبحانه وتعالى وهو سلطان الأزل والأبد، واحد لا شريك له في سلطنته، فليس له حاجة قط في إجراءات ربوبيته أيضًا إلى شركاء ومُعينين للتنفيذ، إذ لا يؤثر شيءٌ في شيء إلّا بأمره وحَوله وقوته. فيمكن للجميع أن يراجعوه دون وسيط، لعدم وجود شريك أو مُعين. ولا يقال عندئذٍ للمراجِع: لا يجوز لك الدخول في الحضرة الإلهية.
وهكذا تحمل هذه الكلمة في طياتها أملًا باسمًا وبشارة بهيجة، فتقول:
إنَّ الإنسان الذي استنارت روحُه بنور الإيمان، ليَستطيع عرضَ حاجاته كلها بلا حاجز ولا مانع بين يدي ذلك الجميل ذي الجلال، ذلك القدير ذي الكمال، ويطلب ما يحقق رغباته، أينما كان هذا الإنسان وحيثما حلّ. فيفرش حاجاتِه ومطالبَه كلها أمام ذلك الرحيم الذي يملك خزائن الرحمة الواسعة، مستندًا إلى قوته المطلقة، فيمتلئ عندئذ فرحًا كاملًا وسرورًا غامرًا.
الكلمة الرابعة: "لَهُ الْمُلْكُ" أي أنَّ المُلك كلَّه له، دون استثناء.. وأنت أيضًا ملكه، كما أنك عبدُه ومملوكه، وأنت عامل في مُلكه..
فهذه الكلمة تفوح أملًا وتقطر بشرى شافية، وتقول:
أيها الإنسان! لا تحسب أنك مالك نفسك.. كلّا.. لأنك لا تقدر على أن تدير أمور نفسك.. وذلك حملٌ ثقيل، وعبء كبير، ولا يمكنك أن تحافظ عليها، فتنجيها من البلايا والرزايا، وتوفّر لها لوازم حياتك.. فلا تجرّع نفسَك إذن الآلام سدًى، فتلقي بها في أحضان
— 276 —
القلق والاضطراب دون جدوى، فالمُلك ليس لك، وإنما لغيرك، وذلك المالكُ قادرٌ، وهو رحيم. فاستند إلى قدرته، ولا تتهم رحمتَه.. دع ما كدر، خذ ما صفا.. انبذ الصعابَ والأوصاب وتنفّس الصعداء، وحُز على الهناء والسعادة.
وتقول أيضًا: أنَّ هذا الوجود الذي تهواه معنًى، وتتعلق به، وتتألم لشقائه واضطرابه، وتحسّ بعجزك عن إصلاحه.. هذا الوجود كلُّه مُلكٌ لقادر رحيم. فسلّم الملكَ لمولاه، وتخلّ عنه فهو يتولاه، واسعد بمسراته وهنائه، دون أنْ تكدّرك معاناتُه ومقاساته، فالمولى حكيم ورحيم، يتصرف في مُلكه كيف يشاء وفق حكمته ورحمته.
وإذا ما أخذك الروعُ والدهشة، فأطل من النوافذ ولا تقتحمها، وقل كما قال الشاعر إبراهيم حقي:
لنرَ المولى ماذا يفعلُ
فما يفعل هو الأجمل.
الكلمة الخامسة: "وَ لَهُ الْحَمْدُ" أي أنَّ الحمد والثناء والمدح والمنّة خاصّ به وحدَه، ولائق به وحده، لأنَّ النِعم والآلاء كلَّها منه وحده، وتفيض من خزائنه الواسعة، والخزائن دائمة لا تنضب.
وهكذا تمنح هذه الكلمة بشرى لطيفة، وتقول:
أيها الإنسان! لا تقاسِ الألمَ بزوال النعمة، لأنَّ خزائنَ الرحمة لا تنفد. ولا تصرخ من زوال اللذة، لأنَّ تلك النعمة ليست إلّا ثمرةُ رحمة واسعة لا نهاية لها. فالثمار تتعاقب ما دامت الشجرةُ باقية.
واعلم أيها الإنسان أنك تستطيع أن تجعل لذة النعمة أطيبَ وأعظم منها بمائة ضعف، وذلك برؤيتك التفاتةَ الرحمة إليك، وتكرّمَها عليك، وذلك بالشكر والحمد. إذ كما أن ملِكًا عظيمًا وسلطانًا ذا شأن إذا أرسل إليك هديةً، ولتكن تفاحة مثلا، فإن هذه الهدية تنطوي على لذة تفوق لذةَ التفاح المادية بأضعاف الأضعاف، تلك هي لذةُ الالتفات الملَكي والتوجّه السلطاني المكلل بالتخصيص والإحسان، كذلك كلمةُ "له الحمد" تفتح أمامك بابًا واسعًا
— 277 —
تتدفق منه لذةٌ معنوية خالصة هي ألذ من تلك النعم نفسِها بألف ضعف وضعف، وذلك بالحمد والشكر. أي بالشعور بالإنعام عن طريق النعمة، أي بمعرفة المُنعم بالتفكر في الإنعام نفسه، أي بالتفكر والتبصر في التفات رحمته سبحانه وتوجّههِ إليك وشفقتِه عليك، ودوام إنعامه عليك.
الكلمة السادسة: "يُحْيي" أي هو الذي يهَب الحياة، وهو الذي يديمُها بالرزق، وهو المتكفّل بكل ضروراتها وحاجاتها، وهو الذي يهيئ لوازمَها ومقوّماتها. فالغايات السامية للحياة تعود إليه، والنتائج المهمة لها تتوجه إليه، وتسعٌ وتسعون بالمائة من ثمراتها ونتائجها تقصده وترجع إليه.
وهكذا فهذه الكلمة تنادي هذا الإنسان الفاني العاجز، وتُزجي له البشارة، نافخةً فيه روحَ الأمل، وتقول:
أيها الإنسان! لا ترهق نفسك بحمل أعباء الحياة الثقيلة على كاهلك الضعيف، ولا تذهب نفسُك حسراتٍ على فناء الحياة وانتهائها. ولا تُظهر الندمَ والتذمر من مجيئك إلى الحياة كلما ترى زوالَ نعيمها وتفاهةَ ثمراتها.. واعلم أن حياتك التي تعمّر وجودَك إنما تعود إلى "الحي القيوم" فهو المتكفل بكل حاجاتها ولوازمها. فهذه الحياة تعود إليه وحدَه، بغاياتها الوفيرة، ونتائجها الكثيرة. وما أنت إلا ملاح في سفينة وجودك. فقُم بواجبك أحسنَ قيام، ثم اقبض أجرتَك وتمتّع بها، وتذكّر دائمًا: مدى عِظم هذه الحياة التي تمخر عباب الوجود، ومدى جلالةِ فوائدها، وثمراتِها، ومدى كرم صاحبها وسعةِ رحمة مولاها.. تأمل ذلك واسبح في فضاء السرور، واستبشر به خيرًا، وأدِّ شكر ما عليك تجاه مولاك. واعلم بأنك إن استقمتَ في أعمالك تُسجّل في صحيفتك جميع نتائج سفينة الحياة هذه، فتوهَب لك حياة باقية، وتحيا حياة أبدية.
الكلمة السابعة: "وَيُميتُ" أي أنه هو الذي يهَب الموت، أي هو الذي يسرّحك من وظيفة الحياة، ويبدّل مكانك في الدنيا الفانية، ويُنقذك من عبء الخدمة، ويحرّرك من مسؤولية الوظيفة. أي يأخذك من هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية.
— 278 —
وهكذا فهذه الكلمة تصرخ في أذن الإنس والجن الفانين وتقول:
بُشراكم.. الموتُ ليس إعدامًا، ولا عبثًا ولا سدى ولا انقراضًا، ولا انطفاءً، ولا فراقًا أبديًا .. كلّا فالموت ليس عدمًا، ولا مصادفة، ولا انعدامًا ذاتيًّا بلا فاعل.. بل هو تسريحٌ من لدن فعال حكيم رحيم، وتبديلُ مكان، وتغييرُ مقام، وسَوقٌ نحو السعادة الخالدة.. حيث الوطنُ الأصلي.. أي هو بابُ وصالٍ لعالم البرزخ.. عالمٌ يجمع تسعةً وتسعين بالمائة من الأحباب.
الكلمة الثامنة: "وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ" أي أن الكمال والحُسن والإحسان الظاهر في الموجودات وسيلةً للمحبة، يتجلى بما لا يمكن وصفُه وبما لا يحدّه حدود وفوق الدرجات العلى من مالك الجمال والكمال والإحسان. فومضةٌ من تجليات جماله سبحانه تعادل جميعَ محبوبات الدنيا بأسرها.. هذا الإله المحبوبُ المعبود له حياةٌ أبدية دائمة منیزّهة عن كل شوائب الزوال وظلال الفناء، مبرأةٌ عن كل عوارض النقص والقصور.
إذن فهذه الكلمة تعلن للملأ جميعًا من الجن والإنس و أرباب المشاعر والفطنة وأهل العشق والمحبة وتقول:
إليكم البشرى.. إليكم نسمةُ أمل وخير، إن لكم محبوبًا أزليًا باقيًا، يداوي الجروح المتمخضة من لوعة الفراق الأبدي لمحبوباتكم الدنيوية ويمسّها ببلسمه الشافي بمَرهم رحمته. فما دام هو موجودًا، وما دام هو باقيًا فكلُّ شيء يهون.. فلا تقلقوا ولا تبتئسوا. فإن الحُسن والإحسان والكمال الذي جعلكم مشغوفين بأحبائكم ليس إلّا لمحةٌ من ظل ضعيف انشقّ عن ظلال الحُجب والأستار الكثيرة جدًّا لتجلٍ واحدٍ من تجليات جمال ذلك المحبوب الباقي. فلا يعذبنّكم زوالُ أولئك وفراقهم، لأنهم جميعًا ليسوا إلّا نوعًا من مرايا عاكسة. وتبديلُ المرايا وتغييرُها يجدّد ويجمّل انعكاسات تجلي الجمال وشعشعتِه الباهرة، فما دام هو موجودًا، فكل شيء موجود إذن.
— 279 —
الكلمة التاسعة: "بِيَدِهِ الْخَيْرُ" أي إنَّ الخير كلَّه بيده، وأعمالُكم الخيّرة كلها تسجّل في سجله، وما تقدموه من صالحات الأعمال جميعُها تدرَجُ عنده.
فهذه الكلمة تنادي الجن والإنس، وتزفّ لهم البشرى، وتهَب لهم الأمل والشوق فتقول: أيها المساكين! لا تقولوا عندما تغادرون الدنيا إلى المقبرة: "أواه.. وا أسفاه.. وا حسرتاه، لقد ذهبت أموالُنا هباءً، وضاع سعيُنا هدرًا، فدخلنا ضيقَ القبر بعد فسحة الدنيا!.." لا.. لا تصرخوا يائسين، لأن كل ما لديكم محفوظٌ عنده سبحانه، وكل ما قدمتموه من عمل وجهد قد سُجِّل ودُوِّنَ عنده، فلا شيء يضيع ولا جُهد يُنسى، لأن ذا الجلال الذي بيده الخير كلُّه سيثيبكم على أعمالكم، وسيدعوكم للمثول أمامه بعد أن يضعكم في التراب.. مثواكم المؤقت.
فما أسعدَكم أنتم إذن، وقد أتممتم خدماتِكم، وأنهيتُم وظائفَكم، برئت ساحتُكم.. وانتهت أيامُ المعاناة والأعباء الثقيلة. فأنتم ماضون الآن لقبض الأجور واستلام الأرباح.
أجل، إنَّ القادر الجليل الذي حافظ على البذور والنوى، التي هي صُحف أعمال الربيع الماضي ودفاترُ خدماته وحجرات وظائفه، ونشرها في هذا الربيع الزاهي وفي أبهى حُلّة، وفي غاية التألق، وفي أكثر بركة وغزارة، وفي أروع صورة... إنَّ هذا القدير الجليل لا ريب يحافظ أيضًا على نتائج حياتكم ومصائرِ أعمالكم، وسيجازيكم بها أحسنَ الجزاء وأجزل الثواب.
الكلمة العاشرة:
«وَهُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ» أي أنه واحدٌ أحدٌ. قادر على كل شيء، لا يشقّ عليه شيء، ولا يؤوده شيء، ولا يصعب عليه أمر، فخلقُ ربيع كامل -مثلًا- سهل ويسير عليه كخلق زهرة واحدة. وخلقُ الجنة عنده كخلق ذلك الربيع وبالسهولة واليسر الكاملين. فالمخلوقات غير المحدودة التي يوجِدها ويجدّدها كل يوم، كل سنة، كل عصر، لتشهد كلُّها بألسنة غير محدودة على قدرته غير المحدودة.
فهذه الكلمة أيضًا تمنح أملًا وبشرى وتقول:
أيها الإنسان! إنَّ أعمالك التي أديتَها، وعبوديتَك التي قمت بها، لا تذهب هباءً منثورًا،
— 280 —
فهناك دار جزاء خالدة، ومقامُ سعادة هانئة قد هيئ لك. فأمامَك جنة خالدة متلهفة لقدومك، مشتاقةٌ إليك. فثق بوعد خالقك ذي الجلال الذي تخرّ له ساجدًا عابدًا، وآمن به واطمئن إليه، فإنه محال أن يخلف وعدًا قطعَه على نفسه، إذ لا تشوب قدرتَه شائبةٌ أو نقص، ولا يداخل أعمالَه عجزٌ أو ضعف، فكما خلق لك حديقتَك الصغيرة ويحييها، فهو قادر على أن يخلق لك الجنة الواسعة، بل قد خلقها فعلًا، ووعدك بها. ولأنه وعدَ فسيفي بوعده حتمًا ويأخذك إلى تلك الجنة.
وما دمنا نرى أنه يحشر وينشر في كل عام على وجه البسيطة أكثر من ثلاثمائة ألف نوع من أنواع النباتات وأمم الحيوانات وبانتظام كامل وميزان دقيق، وفي سرعة فائقة وسهولة تامة.. فلابد أنَّ هذا القادر الجليل، قادر أيضًا على أنْ يضع وعده موضع التنفيذ.
وما دام القادر المطلق يوجِد في كل سنة آلاف النماذج للحشر والجنة وبمختلف الأنماط والأشكال.. وما دام أنه يبشّر بالجنة الموعودة، ويعِد بالسعادة الأبدية في جميع أوامره السماوية.. وما دامت جميعُ إجراءاته وشؤونه حقًا وحقيقة وصدقًا وصائبة.. وما دامت جميعُ آثاره تشهد على كماله المطلق وعلى أنه منزه عن كل نقص أو قصور.. وما دام نقضُ العهد وخلافُ الوعد والكذب والمماطلة هو من أقبح الصفات فضلًا عن أنه نقص وقصور.. فلا بد أنَّ ذلك القدير ذا الجلال، وذلك الحكيم ذا الكمال، وذلك الرحيم ذا الجمال سينفّذ وعدَه حتمًا مقضيًا، وسيفتح أبوابَ السعادة الأبدية، وسيدخلكم أيها المؤمنون الجنةَ.. موطنَ أبيكم آدم عليه السلام.
الكلمة الحادية عشرة:
«وَإِلَيْهِ الْمَصيرُ» أي أن الذين يُرسلون إلى دار الدنيا.. دار الامتحان والاختبار، للتجارة وإنجاز الوظائف، سيرجعون مرة أخرى إلى مرسِلهم الخالق ذي الجلال، بعد أن أدّوا وظائفَهم وأتمّوا تجارتهم وأنهَوا خدماتهم، وسيلاقون مولاهم الكريم الذي أرسلهم.. أي أنهم سيتشرفون بالمثول بين يدي ربّهم الرحيم، في مقعد صِدق عند مليكهم المقتدر، ليس بينهم وبينه حجاب. وقد خلَصوا من مخاض الأسباب وظلام الحجب والوسائط، وسيجد كلُّ واحد منهم ويعرف خالقَه وربه وسيده ومالكه.
— 281 —
فهذه الكلمة تشع أملًا وتتألق بشرى تفوق كل تلك الآمال والبشارات اللذيذة، وتقول: أيها الإنسان! هل تعلم إلى أين أنت سائر؟ وإلى أين أنت تُساق؟
فقد ذكر في ختام "الكلمة الثانية والثلاثين": أنَّ قضاء ألف سنة من حياة الدنيا وفي سعادة مرفّهة، لا يساوي ساعةً واحدة من حياة الجنة! وأن قضاء حياة ألف سنة وسنة بسرور كامل في نعيم الجنة لا يساوي ساعةً من فرحة رؤية جمال الجميل سبحانه. [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ٢٩٧؛ الترمذي، تفسير سورة ١٠؛ ابن ماجة، المقدمة ١٣.
فأنت إذن أيها الإنسان راجعٌ إلى ميدان رحمته، صائرٌ إلى أعتاب ديوان حضرته. فما الحُسن والجمال الذي تراه في أحبتك المجازيين، فتشتاق إليهم وتُفتَن بهم، بل ما الحسن والجمال في جميع موجودات الدنيا، إلّا نوعُ ظلٍ من تجلي جماله سبحانه وحُسن أسمائه جلّ وعلا. فالجنةُ بلطائفها ولذائذها وحورها وقصورها ما هي إلّا تجلٍ من تجليات رحمته سبحانه. وجميعُ أنواع الشوق والمحبة والانجذاب والجواذب ما هي إلّا لمعةٌ من محبة ذلك المعبود الباقي وذلك المحبوب القيوم! فأنتم ذاهبون إذن إلى دائرة حظوَته ومقام حضرته الجليلة.. وأنتم مدعوون إذن إلى دار ضيافته الأبدية.. إلى الجنة الخالدة.
فلا تحزنوا ولا تبكوا عند دخولكم القبر، بل استبشروا خيرًا واستقبلوه بابتسامة وفرح.
وتتابع هذه الكلمة وظيفتها في بث نور الأمل والبشرى وتقول:
أيها الإنسان! لا تتوهم أنك ماضٍ إلى الفناء، والعدم، والعبث، والظلمات، والنسيان، والتفسخ، والتحطم، والانهشام، والغرق في الكثرة والإنعدام. بل أنت ذاهب إلى البقاء لا إلى الفناء، وأنت مسوقٌ إلى الوجود الدائم لا إلى العدم، وأنت ماضٍ إلى عالم النور لا إلى الظلمات، وأنت سائر نحو مولاك ومالكك الحق، وأنت عائد إلى مقر سلطان الكون.. سلطان الوجود.. سترتاح وتنشرح في ميدان التوحيد دون الغرق في الكثرة أبدًا، فأنت متوجهٌ إلى اللقاء والوصال دون البعاد والفراق!.