— 23 —
المكتوب الرابع
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
سلام اللّٰه ورحمته وبركاته عليكم وعلى إخوانكم لاسيما.... إلخ.
إخوتي الأعزاء!
أنا الآن في موضع، على ذروة شجرة صنوبر ضخمة عظيمة، منتصبة على قمة شاهقة من قمم جبل "چام". لقد استوحشتُ من الإنس واستأنست بالوحوش.. وحينما أَرغَبُ في المحاورة والمجالسة مع الناس أتصوركم بقربي خيالًا، وأجاذبكم الحديث وأجد السلوان بكم. وأنا على رغبة في أن أظل هنا وحيدًا مدة شهر أو شهرين، إن لم يحدث ما يمنع. وإن رجعت إلى "بارلا" نتحرى معًا حسب رغبتكم عن وسيلة لمجالسة ومحاورة بيننا. فقد اشتقتُ إليها أكثر منكم.
والآن أكتب إليكم ما ورد بالبال من خواطر على شجرة الصنوبر هذه:
أولاها: خاطرة فيها شيء من الخصوصية، فهي من أسراري، ولكن لا يُكتم عنكم السر، وهو أنَّ قسمًا من أهل الحقيقة يحظون باسم اللّٰه "الودود" من الأسماء الحسنى، وينظرون إلى واجب الوجود من خلال نوافذ الموجودات بتجليات المرتبة العظمى لذلك الاسم. كذلك
— 24 —
أخوكم هذا الذي لا يُعدّ شيئًا يُذكر، وهو لا شيء، قد وُهبَ له وضعٌ يجعله يحظى باسم اللّٰه "الرحيم" واسم اللّٰه "الحكيم" من الأسماء الحسنى، وذلك في أثناء ما يكون مستخدَمًا لخدمة القرآن فحسب، وحينما يكون مناديًا لتلك الخزينة العظمى التي لا تنتهي عجائبُها. فجميع "الكلمات" إنما هي جلوات تلك الحظوة. نرجو من اللّٰه تعالى أن تكون نائلة لمضمون الآية الكريمة
﴿ ومَن يؤتَ الحِكمةَ فقد اُوتيَ خيرًا كثيرًا ﴾
(البقرة: ٢٦٩).
ثانيتها: لقد وردت هذه الفقرة الرقيقة فجأة بالبال، وهي: أن ما يقال في الطريقة النقشبندية:
"دَرْ طَرِيقِ نَقشِبَنْدِى لاَزم آمَدْ چَارِ تَرك:
تَركِ دُنيَا، تَركِ عُقبَى، تَركِ هَستِى، تَركِ تَرك".
[٭]: أي في الطريقة النقشبندية ينبغي ترك أربعة أمور: ترك الدنيا، ترك العقبى، ترك النفس، ترك هذه الأنماط من الترك.
ووردت هذه الفقرة الآتية عقب الفقرة السابقة مباشرة وهي:
"دَرْ طَريقِ عَجزِ مَنْدِى لاَزم آمدْ چَارِ چِيز
فَقرِ مُطلَق عَجزِ مُطلَق شُكرِ مُطلَق شَوقِ مُطلَقْ أَيْ عَزِيز".
[٭]: أي في طريق العجز عليك أيها الأخ العزيز أن تتصف بأربعة أشياء وهي: الفقر المطلق والعجز المطلق والشكر المطلق والشوق المطلق.
ثم خطر بالبال ما كتبتَیه أنت: "انظر إلى الصحيفة المتلونة الزاهية لكتاب الكون... إلخ" ذلك الشعر الغني بالمعاني والزاهي بألوان الوصف.
نظرت إلى النجوم المتدلية في سقف السماء، من خلال ذلك الشعر. وقلت: ليتني كنت شاعرًا، فأتم هذا الشعر. ومع أنني لا أملك موهبة في الشعر والنظم، إلّا أنني شرعت به، ولكن لم أستطع أن أنظمه شعرًا فكتبته كما ورد في القلب. فإن شئت حوّله نظمًا يا من أنت وارثي.
— 25 —
والخاطرة التي وردت دفعة هي:
واستمع إلى النجوم أيضًا، إلى حلو خطابها الطيب اللذيذ.
لیترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.
إنَّها جميعًا تهتف وتقول معًا بلسان الحق:
نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال
نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.
نییتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الأرض.
فنحن ألوفُ العيون الباصرة تطل من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.
(٭): أي أن وجه الأرض مشتل أزاهير الجنة ومزرعتها، تعرض فيه ما لا يحد من معجزات القدرة الإلهية. ومثلما تتفرج ملائكة عالم السماوات وتشاهد تلك المعجزات تشاهدها أيضًا النجوم التي هي بمثابة عيون الأجرام السماوية الباصرة. فهي كلما نظرت كالملائكة إلى تلك المصنوعات اللطيفة التي تملأ وجه الأرض، نظرت إلى عالم الجنة أيضًا، فتشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورتها الباقية هناك. أي أنها عندما تلقى نظرة إلى الأرض تلقى الأخرى إلى الجنة، بمعنى أن لها إشرافًا على ذينك العالَمين معًا. (المؤلف)
نحن ألوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.
فنحن لأَهل السماوات مساجدُ سيارة ومساكنُ دوّارة وأَوكار سامية عالية ومصابيحُ نوّارة وسفائنُ جبارة وطائراتٌ هائلة!
نحن معجزات قدرة قدير ذي كمال وخوارق صنعة حكيم ذي جلال. ونوادر حكمة ودواهي خلقة وعوالم نور.
هكذا نبيّن مائة ألف برهانٍ وبرهان، بمائة ألف لسانٍ ولسان، ونُسمعها إلى مَن هو إنسان حقًا.
عَميَتْ عين الملحد لا يرى وجوهنا النيّرة، ولا يسمع أقوالنا البيّنة.. فنحن آيات ناطقة بالحق.
سكّتُنا واحدة، طُرّتُنا واحدة، مسبّحاتٌ نحن عابداتٌ لربنا، مسخّراتٌ تحت أمره.
نذكره تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات إلى حلقة ذكر درب التبانة.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي