— 104 —
المكتوب الثامن عشر
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
(هذا المكتوب يتضمن ثلاث مسائل مهمة)
المسألة المهمة الأولى
سؤال: إنَّ أولياءَ مشهورين أمثالَ الشيخ محي الدين بن عربي (قدس سره) صاحب كتاب "الفتوحات المكية" والشيخ عبد الكريم الجيلي (قدس سره) صاحب كتاب "الإنسان الكامل" يبحثون في طبقات الأرض السبع، وفي الأرض البيضاء خلف جبل قاف، وفي أمور عجيبة كالمشمشية -كما في الفتوحات- ويقولون: لقد رأينا! فهل ما يقولونه صدقٌ وصواب؟ فإن كان هكذا فليس في أرضنا مثل ما يقولون! والجغرافية والعلوم الحاضرة تنكر ما يقولونه! وإن لم تكن أقوالُهم صوابًا فكيف أصبحوا أولياءَ صالحين، إذ كيف يكون من ينطق بمثل هذه الأقوال المخالفة للواقع المشاهَد والمحسوس والمنافية للحقيقة، من أهل الحق والحقيقة!.
الجواب: إنهم من أهل الحق والحقيقة، وهم أيضًا أَهلُ ولاية وشهود، فما شاهدوه فقد رأَوه حقًا، ولكن يقع الخطأ في قسم من أحكامهم، في مشاهداتهم في حالة الشهود التي لا ضوابطَ لها ولا حدود، وفي تعبير رؤيتهم الشبيهة بالرؤى التي لا حقّ لهم في التعبير عنها.
— 105 —
إذ كما لا يحق لصاحب الرؤيا التعبير عن رؤياه بنفسه، فذلك القسمُ من أهل الشهود والكشف ليس لهم الحق أنْ يعبّروا عن مشاهداتهم في تلك الحالة، حالة الشهود. فالذي يحق له التعبير عن تلك المشاهدات إنما هم ورثةُ الأنبياء من العلماء المحققين المعروفين بالأصفياء. ولا ريب أنَّ أهلَ الشهود هؤلاء عندما يرقَون إلى مقام الأصفياء سيدركون أخطاءهم بأنفسهم بإرشاد الكتاب والسنة ويصححونها. وقد صححها فعلًا قسمٌ منهم.
فاستمع إلى هذه الحكاية التمثيلية لتوضيح هذه الحقيقة، وهي:
اصطحبَ راعيانِ من أهل القلب والصَّلاح فحلبا من غنمهما اللبنَ ووضعاه في إناء خشبي ووضعا الناي القصبي فوق حافتي الصحن. ثم شعر أحدهما بالنعاس، وما فتئ أن غلبَه النومُ، فنام واستغرق في نومه.
أما الثاني فقد ظل مستيقظًا يرقب صاحبَه، وإذا به يرى وكأن شيئًا صغيرًا -كالذبابة- يخرج من أنف صاحبه النائم، ثم يمرُق سريعًا ويقف على حافة الإناء ناظرًا في اللبن ثم يدخل من فوهة الناي من أحد طرفيه ويخرج من فوهة الطرف الآخر، ثم يمضي ويدخل في ثقب صغير تحت شجرة القتاد الشوكية كانت بالقرب من المكان.
ثم يعود ذلك الشيء بعد مدة ويمضي في الناي أيضًا ويخرج من الطرف الآخر منه، ثم يأتي إلى ذلك النائم ويدخل في أنفه.. وهنا يستيقظ النائم من نومه، ويصحو قائلًا لصديقه:
- لقد رأيت يا صديقي في غفوتي هذه رؤيا عجيبة!
- اللهم أرنا خيرًا وأسمِعنا خيرًا.. قل يا صديقي ماذا رأيت؟
- رأيت وأنا نائم، بحرًا من لبن، وقد مُدَّ عليه جسرٌ عجيب، وكان الجسر مسقفًا، ولسقفه نوافذ، مررتُ من ذلك الجسر، ورأيت في نهاية الطرف الثاني غابة كثيفة ذات أشجار مدببة. وبينما أنا انظر إليها متعجبًا رأيت كهفًا تحت الأشجار فسرعان ما دخلت فيه، ورأيت كنیزًا عظيمًا من ذهب خالص.
فقل لي يا صديقي، ما ترى في رؤياي هذه، وكيف تعبّرها لي؟ أجابه صديقُه الصاحي:
— 106 —
- إنَّ ما رأيتَه من بحر اللبن هو هذا اللبن في هذا الإناء، وذلك الجسر الذي فوقه هو الناي الموضوع فوق حافتيه، والرؤوس المشوكة للأشجار هي شجرة القتاد هذه، وذلك الكهف الكبير هو هذا الثقب الصغير، تحت هذه النبتة القريبة منا. فهات يا صديقي المعوَل لأريك الكنیز بنفسي. فيأتي صديقه بالمعوَل ويبدآن الحفر تحت شجرة القتاد، ولم يلبثا حتى ينكشف لهما ما يسعدهما في الدنيا من كنیز ذهبي.
وهكذا فإن ما رآه النائم في نومه صواب وصحيح، وقد رأى ما رأى حقيقة وصدقًا، ولكن لأنه مستغرق في عالم الرؤيا، وعالم الرؤيا لا ضوابطَ له ولا حدود، فلا يحق للرائي تعبير رؤياه، فضلًا عن أنه لا يميز بين العالم المادي والمعنوي، لذا يكون قسم من حكمه خطأ. حتى إنه يقول لصاحبه صادقًا: لقد رأيت بنفسي بحرًا من لبن. ولكن صديقه الذي ظل صاحيًا يستطيع أن يميز بسهولة العالم المثالي ويفرزه عن العالم المادي، فله حق تعبير الرؤيا حيث يخاطب صديقه قائلًا:
- إنَّ ما رأيته يا صديقي حق وصدق، ولكن البحر الذي رأيتَه ليس بحرًا حقيقيًا، بل قد صار إناءُ اللبن الخشبي هذا في رؤياك كأنه البحر، وصار النايُ كالجسر.. وهكذا..
وبناء على هذا المثال ينبغي التمييزُ بين العالم المادي والعالم الروحاني، فلو مزجا معًا، تأتي أحكامُهما خطأً ولا نصيبَ لها من الصحة.
ومثال آخر: هَبْ أن لك غرفةً ضيقة، وضعتَ في جدرانها الأربعة مرايا كبيرة، تغطي كل مرآة الجدارَ كلَّه، فعندما تدخل غرفتك ترى أن الغرفة الضيقة قد اتسعت وأصبحت كالساحة الفسيحة، فإذا قلتَ:
- إنني أرى غرفتي كساحة واسعة.. فإنك لا شك صادق في قولك.
ولكن إذا حكمتَ وقلت:
- غرفتي واسعةٌ سعةَ الساحة فعلًا.. فقد أخطأتَ في حكمك، لأنك قد مزجت عالَم المثال، وهو هنا عالم المرايا، بعالَم الواقع والحقيقة، وهو هنا عالَم غرفتك كما هي فعلًا.
وهكذا تبيّنَ أنَّ ما جاء على ألسنة بعض أهل الكشف، أو ما ورد في كتبهم حول
— 107 —
الطبقات السبع للكرة الأرضية من تصويرات من دون أن يزِنوا بياناتِهم بموازين الكتاب والسنة لا تقتصر على الوضع المادي والجغرافي للأرض. إذ قالوا:
إن طبقةً من طبقات الأرض خاصةٌ بالجن والعفاريت ولها سعة مسيرة ألوف السنين. والحال أن الكرة الأرضية التي يمكن قطعُها في بضع سنين لا تنطوي على تلك الطبقات العجيبة الهائلة السعة.
ولكن لو فرضنا أنَّ كرتنا الأرضيةَ كبذرة صنوبر في عالم المعنى وعالم المثال وفي عالم البرزخ وعالم الأرواح، فإنَّ شجرتها المثالية التي ستنبثق منها وتتمثل في تلك العوالم ستكون كشجرة صنوبر ضخمة جدًّا بالنسبة لتلك البذرة. لذا فإن قسمًا من أهل الشهود يرون أثناء سيرهم الروحاني طبقات الأرض في عالم المثال واسعةً سعةً مهولة جدًّا، فيشاهدونها بسعة مسيرة ألوف السنين. فما يرونَه صدقٌ وحقيقة. ولكن لأن عالم المثال شبيهٌ صورةً بالعالم المادي، فهم يرونهما -أي العالَمين كليهما- ممزوجين معًا. فيعبّرون عما يشاهدون كما هو. ولكن لأنَّ مشهوداتِهم غيرُ موزونة بموازين الكتاب والسنة ويسجلونَها كما هي في كتبهم عندما يعودون إلى عالم الصحو، فإن الناس يتلقونها خلاف الحقيقة. إذ كما أنَّ الوجودَ المثالي لقصر عظيم وحديقة فيحاء تستوعبه مرآةٌ صغيرة، كذلك سعةُ ألوف السنين من العالم المثالي، والحقائق المعنوية تستوعبها مسافةُ سنة من العالم المادي.
خاتمة يُفهم من هذه المسألة: أنَّ درجة الشهود أوطأُ بكثير من درجة الإيمان بالغيب. أي أنَّ الكشفيات التي لا ضوابطَ لها لقسم من الأولياء المستندين إلى شهودهم فقط، لا تبلغ أحكامَ الأصفياء والمحققين من ورثة الأنبياء الذين لا يستندون إلى الشهود بل إلى القرآن والوحي، فيصدرون أحكامَهم حول الحقائق الإيمانية السديدة. فهي حقائق غيبية إلا أنها صافيةٌ لا شائبةَ فيها. وهي محددةٌ بضوابط، وموزونةٌ بموازين.
إذن فميزانُ جميع الأحوال الروحية والكشفيات والأذواق والمشاهدات إنما هو: دساتيرُ الكتاب والسنة السامية، وقوانينُ الأصفياء والمحققين الحدسية.