Risale-i Nur

المكتوبات العربية
— 4 —

كليات رسائل النور

٢
المكتوبات
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 5 —

المكتوب الأول

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
"جواب مختصر عن أربعة أسئلة"
السؤال الأول: هل سيدُنا الخضر عليه السلام على قيد الحياة؟ فإن كان على قيد الحياة فلِمَ يعترض على حياته عددٌ من العلماء الأَجلَّاء؟
الجواب: إنَّه على قيد الحياة، إلّا أنَّ للحياة خمسَ مراتبَ، وهو في المرتبة الثانية منها، ولهذا شَكَّ عدد من العلماءِ في حياته.
الطبقة الأولى من الحياة: هي حياتُنا نحن؛ التي هي مقيدة بكثير من القيود.
هي طبقةُ حياة سيدنا الخضر وسيدنا إلياس عليهما السلام والتي فيها شيء من التحرر من القيود، أي يمكنهما أن يكونا في أماكن كثيرة في وقت واحد، وأن يأكلا ويشربا متى شاءا. فهما ليسا مُضطرَّين ومقيدين بضرورات الحياة البشرية دائمًا مِثلَنا. وما حدث من حوادث ثابتة بالتواتر بين الأولياء الذين هم أهل الشهود والكشف وبين سيدنا الخضر عليه السلام ينور ويثبت هذه الطبقة من الحياة، حتى إنَّ في مقامات الولاية مَقامًا
— 6 —
يُعبَّرُ عنه بی "مقام الخضر". فالولي الذي يبلغ هذا المقام يجالس الخضر عليه السلام ويتلقَّى عنه الدرس، ولكن يُظن أحيانًا خَطأً أَنَّ صاحبَ هذا المقام هو الخضر بعينه.
الطبقة الثالثة من الحياة: هي طبقة حياة سيدنا إدريس وسيدنا عيسى عليهما السلام. هذه الطبقة تكتسب لطافةً نورانية بالتجرد من ضرورات الحياة البشرية والدخول في حياة شبيهة بحياة الملائكة؛ فهما يوجَدان في السماوات بجسمَيهما الدنيويين، الذي هو بلطافة بَدَنٍ مثالي ونورانيةِ جسدٍ نجميّ. والحديث الشريف الوارد أن سيدنا عيسى عليه السلام يَنْیزِلُ في آخر الزمان ويحكم بالشريعة المحمدية [٭]: هذا معنى أحاديثَ كثيرة في الباب، انظر البخاري، الأنبياء ٤٩؛ مسلم، الإيمان ٢٤٤-٢٤٦. حكمته هي الآتي:
إنه إزاء ما تُجريهِ الفلسفةُ الطبيعية من تيار الإلحاد وإنكار الأُلوهية في آخر الزمان، تتصفى العيسوية وتتجردُ من الخرافات. وفي أثناء انقلابها إلى الإسلام، يُجرِّدُ شخصُ العيسوية المعنويُّ سيفَ الوحي السماوي ويقتل شخصَ الإلحاد المعنويّ، كما أن عيسى عليه السلام الذي يمثل الشخصَ المعنويَّ للعيسوية يقتل الدَّجالَ المُمثِّلَ للإلحاد في العالم. بمعنى أنه يقتل مفهوم إنكار الألوهية.
الطبقة الرابعة من الحياة: هي حياة الشهداء، الثابتة بنص القرآن الكريم، أن لهم طبقة حياة أعلى وأسمى من حياة الأموات في القبور. نعم! إنَّ الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم الدنيوية في سبيل الحق، ينعمُ عليهم سبحانه وتعالى بكمال كرمه حياةً شبيهةً بالحياة الدنيوية في عالم البرزخ؛ إلّا أنها بلا آلام ولا متاعب ولا هموم؛ حيث لا يعلمون أنهم قد ماتوا، بل يعلمون أنهم قد ارتحلوا إلى عالم أفضل، لذا يستمتعون متعة تامة ويتنعمون بسعادة كاملة؛ إذ لا يشعرون بما في الموت من ألم الفراق عن الأحبة، كما هو لدى الأموات الآخرين الذين يعلمون أَنهم قد ماتوا، رغم أَنَّ أرواحَهم باقيةٌ؛ لذا فاللذةُ والسَّعادة التي يستمتعون بها في عالم البرزخ قاصرةٌ عن اللذة التي يتمتع بها الشهداء. وهذا نظير المثال الآتي:
شخصان رأيا في المنام أنهما قد دخلا قصرًا جميلًا كالجنَّة. أحدهما يعلم أن ما يراه هو رؤيا. فاللذة التي يحصل عليها تكون ناقصةً جدًّا، إذ يقول في نفسه: ستزول هذه اللذة بمجرد انتباهي من النوم. أما الآخر فلا يعتقد أنه في رؤيا لذا ينال لذة حقيقية ويسعد سعادة حقيقية.
— 7 —
وهكذا يتميز كسب الشهداء من حياتهم البرزخية عن كسب الأموات منها.
إنَّ نيل الشهداء هذا النمط من الحياة واعتقادهم أَنهم أَحياء ثابتٌ بوقائعَ ورواياتٍ غيرِ محدودة. حتى إن إجارة سيدنا حمزة رضي اللّٰه عنه، سيد الشهداء، [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ٣/١٥١؛ المعجم الأوسط ٤/٢٣٨؛ الحاكم، المستدرك ٣/٢١٩. لِیمَن استجاره ولجأَ إليه وقضاءه لحوائجهم الدنيوية، وحملَ الآخرين على قضائها، وأمثالَها من حوادث واقعة كثيرة، نوَّرتْ هذه الطبقة من الحياة وأَثبتتها. حتى إنني شخصيًا وقعت لي هذه الحادثة:
كان ابن أختي "عُبيد" أحد طلابي، قد استشهد بقربي بدلًا عني، في الحرب العالمية الأولى؛ فرأيت في المنام رؤيا صادقة عندي: أنني قد دخلت قبرَه الشبيهَ بمنیزلٍ تحت الأرض، رغم أني في الأسر على بعد مسيرة ثلاثة أَشهر منه، وأَجهلُ مكانَ دفنه. ورأيتُه في طبقة حياة الشهداء. وقد كان يعتقد أَنني ميِّتٌ، وذكر أنه قد بكى عليَّ كثيرًا، ويعتقد أَنه ما زال على قيد الحياة، إلّا أنه قد بَنى لنفسه منیزلًا جميلًا تحت الأرض حذرًا من استيلاء الروس.
فهذه الرؤيا الجزئية -مع بعض الشروط والأمارات- أعطتني قناعة تامة بدرجة الشهود للحقيقة المذكورة.
الطبقة الخامسة من الحياة: هي الحياة الروحانية لأهل القبور.
نعم، الموت هو تبديلُ مكان وإطلاقُ روح وتسريحٌ من الوظيفة، وليس إعدامًا ولا عدمًا ولا فناءً. فتمثُّل أرواح الأولياء، وظهورُهم لأصحاب الكشف، بحوادث لا تُعَدُّ، وعلاقاتُ سائر أهل القبور بنا، في اليقظة والمنام، وإخبارهم إيَّانا إخبارًا مطابقًا للواقع.. وأمثالُها من الأدلة الكثيرة، تنوّر هذه الطبقة وتثبتها.
ولقد أثبتت "الكلمة التاسعة والعشرون" الخاصة ببقاء الروح بدلائلَ قاطعة طبقة الحياة هذه إثباتًا تامًا.
السؤال الثاني: إن الآيیة الكريمة:
الذي خَلَقَ الموت والحياةَ ليبلوَكُم ايّكُم أحْسَنُ عَمَلًا
(الملك:٢) وأمثالَها في القرآن الحكيم، تَعُدُّ الموتَ مخلوقًا كالحياة، وتعتبره نعمةً إلهية. ولكن الملاحظَ
— 8 —
أَنَّ الموتَ انحلالٌ وعدمٌ وتفسخ، وانطفاء لنور الحياة، وهادم اللذات... فكيف يكون "مخلوقًا" وكيف يكون "نعمة"؟
الجواب: لقد ذكرنا في ختام الجواب عن السؤال الأول: أن الموت في حقيقته تسريحٌ وإنهاءٌ لوظيفة الحياة الدنيا، وهو تبديلُ مكان وتحويل وجود، وهو دعوةٌ إلى الحياة الباقية الخالدة ومقدمة لها؛ إذ كما أن مجيء الحياة إلى الدنيا هو بخلقٍ وبتقدير إلهي، كذلك ذهابها من الدنيا هو أيضًا بخلق وتقدير وحكمة وتدبير إلهي؛ لأنَّ موتَ أبسطِ الأحياء، وهو النبات، يُظهر لنا نظامًا دقيقًا وإبداعًا للخلق ما هو أَعظمُ من الحياة نفسها وأَنظمُ منها، فموت الأثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهرًا تفسخًا وتحللًا هو في الحقيقة عبارة عن عجنٍ لتفاعلاتٍ كيمياويةٍ متسلسلةٍ في غاية الانتظام، وامتزاجٍ لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيبٍ وتشكّل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث إنَّ هذا الموت الذي لا يُرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل وللنبات الباسق المثمر. وهذا يعني أنَّ موت البذرة هو مبدأُ حياة النبات الجديدة، أزهارًا وأثمارًا.. بل هو بمثابة عين حياته الجديدة؛ فهذا الموت إذن مخلوق منتظم كالحياة..
وكذلك فإن ما يحدث في معدة الإنسان من موتٍ لثمرات حية، أو غذاء حيواني، هو في حقيقته بدايةٌ ومنشأٌ لصعود ذلك الغذاء في أجزاء الحياة الإنسانية الراقية. فذلك الموت إذن مخلوق أكثر انتظامًا من حياة تلك الأَغذية.
فَلَئن كان موتُ النبات وهو في أَدنى طبقات الحياة مخلوقًا منتظمًا بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الإنسان وهو في أَرقى طبقات الحياة؟ فلا شك أنَّ موته هذا سيثمر حياةً دائمة في عالم البرزخ، تمامًا كالبذرة الموضوعة تحت التراب والتي تصبح بموتها نباتًا رائعَ الجمال والحكمة في عالم الهواء.
أما كيف يكون الموت نعمةً؟..
فالجواب: سنذكر أربعة وجوه فقط من أَوجُهِ النِّعمة والامتنان الكثيرة للموت.
أولها: الموت إنقاذٌ للإنسان من أَعباء وظائف الحياة الدنيا ومن تكاليف المعيشة المثقلة.
— 9 —
وهو بابُ وصال في الوقت نفسه مع تسعة وتسعين من الأَحِبَّة الأَعزاء في عالم البرزخ، فهو إذن نعمة عظمى!
ثانيها: إنَّه خروجٌ من قضبان سجن الدنيا المظلم الضيق المضطرب، ودخول في رعاية المحبوب الباقي وفي كنف رحمته الواسعة، وهو تنعّمٌ بحياة فسيحة خالدة مستنيرة لا يزعجها خوف، ولا يكدرها حزن ولا همّ.
ثالثها: إنَّ الشيخوخة وأَمثالها من الأَسباب الداعية لجعل الحياة صعبة ومرهقة، تبيّن مدى كون الموت نعمة تَفُوقُ نعمةَ الحياة. فلو تصورت أَنَّ أجدادَك مع ما هم عليه من أَحوال مؤلمة قابعون أمامك حاليًا مع والديك اللذين بلغا أَرذلَ العُمرِ، لفهمتَ مدى كونِ الحياة نقمة، والموت نعمة. بل يمكن إدراك مدى الرحمة في الموت ومدى الصعوبة في إدامة الحياة أيضًا بالتأمل في تلك الحشرات الجميلة العاشقة للأزاهير اللطيفة، عند اشتداد وطأة البَرْدِ القارس في الشتاء عليها.
رابعها: كما أن النوم راحة للإنسان ورحمة، ولاسيما للمبتلين والمرضى والجرحى، كذلك الموت -الذي هو أخو النوم- رحمةٌ ونعمة عظمى للمبتلين ببلايا يائسة قد تدفعهم إلى الانتحار.
أما أهل الضلال، فالموت لهم كالحياة نقمةٌ عظمى وعذاب في عذاب، كما أثبتنا ذلك في "كلمات" متعددة إثباتًا قاطعًا وذلك خارج بحثنا هذا.
السؤال الثالث: أين جهنم؟
الجواب: لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه، قال تعالى:
قل إنما العِلْمُ عندَ اللّٰه
(الملك: ٢٦) وقد جاء في بعض الروايات: أن جهنم تحت الأرض. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠، ٤/٢٨٧؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٣/٥٥؛ البيهقي، شعب الإيمان ١/٣٣١، ١/٣٥٧، ٤/٣٣٤؛ الحاكم، المستدرك ٤/٦١٢. فالكرة الأرضية بحركتها السنوية، تخط دائرةً حول ميدانٍ سيكون محشَرًا في المستقبل، كما بينا هذا في مواضع أخرى.
أما جهنم تحت الأرض، فيعني: تحت مدارها السنوي، وأن سبب عدم رؤيتِها والإحساسِ بها هو لكونها نارًا بلا نور ومستورةً بحجاب. ولا جرم أن في مدار جولان
— 10 —
الأرض، تلك المسافة المهولة، كثيرًا جدًّا من المخلوقات، وهي لا تُشاهد، لفقدها النور. فكما أن القمر كلما سُحب نورُه يفقد وجودَه، كذلك أن كثيرًا جدًّا من المخلوقات والأجرام لكونها معتمة لا نراها رغم أنها أمام أبصارنا.
وجهنم اثنتان: إحداهما جهنم صغرى، والأخرى جهنم كبرى.
والصغرى بمثابة نواة الكبرى، إذ ستنقلب إليها في المستقبل وستكون منیزلًا من منازلها.
ومعنى أن جهنم الصغرى تحت الأرض، أنها في مركزها، لأن تحت الكرة مركزَها. ومن المعلوم في علم طبقات الأرض أن الحرارة تتزايد درجةً واحدة -على الأغلب- كلما حُفر في الأرض ثلاثة وثلاثون مترًا؛ بمعنى أن درجة الحرارة تبلغ في مركز الأرض مائتي ألف درجة، لأن نصف قطر الأرض أكثر من ستة آلاف كيلو متر، أي نارُه أشد من نار الدنيا بمائتي درجة، وهذا يوافق ما ورد في الحديث الشريف. [٭]: ورد في شدة نار جهنم وأانها أشد من نار الدنيا أحاديث منها، انظر: البخاري، بدء الخلق ١٠؛ مسلم، المساجد ١٨٠-١٨٧؛ الترمذي، الصلاة ٥؛ أبو داود، الصلاة ٥.
وقد أَدَّتْ جهنم الصغرى هذه وظائفَ كثيرةً جدًّا تخص جهنم الكبرى في هذه الدنيا وفي عالم البرزخ، كما أَشارت إليها الأَحاديث الشريفة.
أما في عالم الآخرة فستُفْرغُ الأرضُ أهلَها وتُلقي بهم في ميدان الحشر الذي هو في مدارها السنوي، كما تُسلّم ما في جوفها من جهنم صغرى إلى جهنم كبرى بأمر اللّٰه جل جلاله. أما قول عدد من أئمة المعتزلة: "إن جهنم سوف تُخلق فيما بعد"، فهو خَطأٌ وغباءٌ في الوقت نفسه، ناشئٌ من عدم انبساطها انبساطًا تامًا في الوقت الحاضر وعدم انكشافها انكشافًا تامًا بما يوافق أهلَ الأرض. ثم إن رؤيةَ منازل عالم الآخرة المستورة عنا بستار الغيب بأبصارنا الدنيوية وإراءتها الآخرين لا تحصل إلّا بتصغير الكون كلِّه (أي الدنيا والآخرة) وجعلِهما في حُكم ولايتين. أو بتكبير عيوننا بحجم النجوم كي نعرف أماكنها ونعيّنها. فالمنازل التي تخص عالم الآخرة لا تُرى بأبصارنا الدنيوية. والعلم عند اللّٰه.
ولكن يُفهم من إشارات بعض الروايات أن جهنم التي في الآخرة لها علاقة مع دنيانا، فقد ورد في شدة حرارة الصيف أنها (من فيح جهنم). [٭]: انظر: البخاري، المواقيت ٩؛ مسلم، المساجد ١٨٠-١٨٧. فجهنم الكبرى إذن تلك النار الهائلة
— 11 —
لا تُرى بعين العقل الخافتة الصغيرة، ولكن نستطيع أن ننظر إليها بنور اسم اللّٰه "الحكيم" وذلك أن جهنم الكبرى الموجودة تحت المدار السنوي للأرض كأنها قد وكّلت جهنمَ الصغرى الموجودة في مركز الأرض، فتؤدي بها بعض وظائفها. وأن ملك اللّٰه القدير ذي الجلال واسعٌ جدًّا، فأينما وجّهت الحكمةُ الإلهية جهنم فهي تستقر هناك وعندها.
نعم، إنَّ قديرًا ذا جلال، وحكيمًا ذا كمال، المالك لأمر "كن فيكون" الذي ربط القمر بالأرض بحكمة كاملة وفق نظام، كما هو مشاهَد، وربط الأرضَ بالشمس بعظمة قدرته وفق نظام، وسيّر الشمس مع سياراتها بعظمة ربوبيته الجليلة، بسرعة مقاربة لسرعة الأرض السنوية، يجريها إلى شمس الشموس (بناءً على فرض) وجعل النجومَ المتلألئة كالمصابيح، شواهد نورانيةً على عظمة ربوبيته، مُظْهِرًا بهذا ربوبيةً جليلةً وعظمةَ قدرة قادرة، لا يُستبعَد عن كمال حكمة هذا القديرِ الجليل وعن عظمةِ قدرته وسلطانِ ربوبيته أن يجعل جهنم الكبرى في حُكم خزان معمل الإضاءة، ويُشعل بها نجوم السماء الناظرة إلى الآخرة، ويمدّها منها بالحرارة والقوة، أي يبعث إليها النار والحرارة من جهنم، ويرسل إليها من الجنة -التي هي عالم النور- نورًا وضياءً. وفي الوقت نفسه يجعل من جهنم مسكنًا لأهل العذاب وسجنًا لهم.
وكذا أن الفاطر الحكيم الذي يضم شجرةً عظيمة هائلةً كالجبل في بذيرة صغيرة كالخردل، لا يُستبعَد عن قدرته وعن حكمته أن يحفظ جهنم الكبرى في بذرة جهنم الصغرى المستقرة في قلب الكرة الأرضية.
نحصل من هذا: أن الجنة وجهنم ثمرتان من غصن شجرة الخلق، قد تدلّتا إلى الأبد، وموضع الثمرة في منتهى الغصن.
وأنهما نتيجتان لسلسلة الكائنات هذه، ومحل النتائج يكون في طرفَي السلسلة، السفلية منها والثقيلة في الأسفل، والعلوية النورانية منها في الأعلى.
وأنهما مخزنان لسيل الشؤون الإلهية والمحاصيل الأرضية المعنوية. ومكان المخزن يكون حسب نوع المحاصيل، الفاسدة منها في أسفله، والجيدة في أعلاه.
وأنهما حوضان للموجودات السيالة المتموجة والجارية نحو الأبد. ومحل الحوض يكون في موضع سكون السيل وتجمعه. بمعنى أن خبثَه وقذارته في الأسفل، وأنّ طيباتِه ونقيّاته في الأعلى.
— 12 —
وأنهما موضعان لتجلي اللطف والقهر والرحمة والعظمة، وموضع التجلي يكون في أي موضع كان. ويفتح الرحمنُ الجميل والقهار الجليل موضعَ تجليه أينما شاء.
أما وجودُ الجنة وجهنم، فقد أُثبت إثباتًا قاطعًا في "الكلمة العاشرة" و "الكلمة الثامنة والعشرين" و "الكلمة التاسعة والعشرين" إلّا أننا نقول هنا:
إنَّ وجود الثمرة قطعيٌ ويقين كقطعية ويقين وجود الغصن.. ووجود النتيجة يقين كيقين وجود السلسلة.. ووجود المخزن يقين كيقين وجود المحاصيل.. ووجود الحوض يقين كيقين وجود النهر.. ووجود موضع التجلي يقين كيقين وجود الرحمة والقهر.
السؤال الرابع: العشق المجازي للمحبوبات يمكن أن ينقلبَ إلى عشق حقيقي، فهل يمكن أن ينقلب العشق المجازي للدنيا الذي يحمله أكثرُ الناس إلى العشق الحقيقي؟
الجواب: نعم، إذا شاهد ذلك العاشق المجازي لوجه الدنيا الفاني، قبحَ الزوال ودمامةَ الفناء على ذلك الوجه. فأَعْرَضَ عنه، وبَحَثَ وتَحرَّى عن محبوب باق لا يزول. ووفَّقه اللّٰه للنظر إلى وجهَي الدنيا الجميلين، وهما مرآة الأسماء الحسنى ومزرعة الآخرة، انقلب حينئذٍ العشقُ المجازي غيرُ المشروع إلى عشق حقيقي. ولكن بشرط أَلَّا يلتبس عليه، دنياهُ الزائلة غير المستقرة المرتبطة بحياته، بالدنيا الخارجية؛ إذ لو نسيَ نفسَه نسيانَ أَهلِ الضلالة والغفلة وخاضَ في غِمار آفاق الدُّنيا وظَنَّ دنياهُ الخاصة كالدنيا العمومية، فعشِقَها، فإنه يقع في مستنقع الطبيعة ويغرق إلّا مَن أَنجَتْهُ يدُ العناية نجاةً خارقةً للعادة.
فتأمل في التمثيل الآتي الذي ينوّر لك هذه الحقيقة:
هَبْ أَننا نحن الأَربعة دخلنا في غرفة، على جدرانها الأربعة مرايا كبيرة كبرَ الحائط. فعندئذٍ تصبح تلك الغرفة الجميلة خمسَ غرفٍ. إحداها حقيقية وعمومية، والأربعة الأخرى مثالية وخصوصية. وكل منا يستطيع أن يبدّل شكلَ غرفته الخاصة وهيئتَها ولونها بوساطة مرآته. فلو صبغناها باللون الأحمر فإنها تُري الغرفةَ حمراء ولو صبغناها باللون الأخضر فإنها تريها خضراء.. هكذا، يمكننا أن نعطي للغرفة أوضاعًا متنوعة بالتغيير في المرآة والتصرف
— 13 —
فيها، بل نستطيع وضعها في أوضاع جميلة أو قبيحة، أو أي شكل نرغب فيه، ولكننا لا نستطيع أن نغيّر ونبدل الغرفة العمومية الخارجة عن المرآة بسهولة ويسر. فأحكامُ الغرفتين الخصوصية والعمومية مختلفتان، وإن كانتا واحدة متحدة في الحقيقة. فأنت بتحريك إصبع يمكنك تخريب غرفتك، بينما لا يمكنك تحريك حجر من تلك الغرفة العمومية ولو قيدَ أنملة.
وهكذا الدنيا فهي منیزلٌ جميل مزيّن، وحياة كل منا مرآة كبيرة واسعة، ولكل منا دنياه الخاصة من هذه الدنيا العمومية. ولكل منا عالمه الخاص به، إلّا أن عمود دنيانا ومركزها وبابها، حياتنا، بل إن دنيانا وعالمنا الخاص، صحيفةٌ، وحياتنا قلمٌ، تُكتَب بوساطته كثيرٌ من الأشياء التي تُنقل إلى صحيفة أعمالنا. فإن أحببنا دنيانا، ثم شاهدنا أنها زائلةٌ فانية لا قرار لها كحياتنا -لأنها مبنية فوقها- وشعرنا بهذا الزوال، وأدركناه، عندئذٍ تتحول محبتُنا نحوها إلى محبة نقوش الأسماء الإلهية الحسنى التي تمثلها دنيانا الخاصة، المرآة لها. ومنها تنتقل المحبة إلى محبة تجليات الأسماء الحسنى.
ثم إننا إذا أدركنا أن دنيانا الخاصة مزرعةٌ مؤقتة للآخرة والجنة، وحوّلنا أحاسيسَنا الشديدة ومشاعرنا القوية نحوها كالحرص والطلب والمحبة وأمثالِها، إلى نتائج تلك المزرعة وثمراتها وسنابلها، تلك هي فوائدها الأخروية. ينقلب عندها ذلك العشقُ المجازي إلى عشق حقيقي. وبخلاف هذا نكون ممن قال اللّٰه تعالى في حقهم
نَسوُا اللّٰه فَاَنْساهم اَنْفُسَهُمْ اُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
(الحشر: ١٩). فالذي ينسى نفسه ويغفل عنها، ولم يفكر بزوال حياته، وحسِبَ دنياه الخاصة الفانية ثابتةً كالدنيا العمومية، ناسيًا زوال الحياة، عادًّا نفسه خالدًا فيها فسكن إليها وتمسك بها بجميع حواسه ومشاعره يغرق فيها وينتهي أمره. فتكون تلك المحبةُ وبالًا عليه وعذابًا أليما، لأنها تولد شفقةً ورقّةَ قلبٍ يائسٍ يأسَ اليتيم، فيقاسي الألم من أحوال ذوي الحياة حتى يستشعر ألمَ الرقة والفراق مما يصيب المخلوقاتِ الجميلةَ المعرَّضةَ لصفعات الزَّوال والفراق، ويجد نفسه مكتوفَ الأَيدي إزاءها فيتجرعُ الألم في يأس مرير.
أما الشخص الأول الذي نجى من شِباك الغفلة، فإنه يجد بلسمًا شافيًا إزاء شدة ألم الشفقة تلك، إذ يشاهد في موت ذوي الحياة وفي زوال مَن يتألم لأوضاعهم، بقاءَ مرايا أرواحِهم التي تمثل تجلياتٍ دائمة لأسماءٍ دائمة لذاتٍ جليلة باقية خالدة. وعندئذٍ تنقلب شفقتُه إلى سرور
— 14 —
دائم، ويشاهد وراء جميع المخلوقات الجميلة المعرّضة للفناء والزوال، نقشًا وإتقانًا وتجميلًا وتزيينًا وإحسانًا وتنويرًا دائميًا، يُشعره بجمال منیزّه وحُسن مقدس، حتى يرى ذلك الزوالَ والفناء نمطًا لتزييد الحُسن وتجديد اللذة وتشهير الصنعة، مما يزيد لذته وشوقَه وإعجابه.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 15 —

المكتوب الثاني

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
(قطعة من الجواب الذي بعثه إلى تلميذه المذكور المعلوم لما أرسل من هدية)
[٭]: المقصود من التلميذ المعلوم هو "خلوصي".

........

ثالثًا: لقد أرسلتَ إليّ هدية، تريد أن تغيّر بها قاعدةً في غاية الأهمية من قواعد حياتي.
إنني يا أخي لا أقول: "لا أقبل هديتك مثلما لا أقبلُها من شقيقي عبد المجيد وابن أخي عبد الرحمن . فإنَّك أسبقُ منهما وأَقربُ إلى روحي، لذلك؛ فلو تُردّ هديةُ كل شخص، فهديتُك لا تُردّ، على أن تكون لمرةٍ واحدة فقط.
وأُبيِّنُ بهذه المناسبة سرَّ قاعدتي تلك بالآتي:
كان (سعيد القديم) لا يتحمل أذى المنّ من أحد، بل كان يفضّل الموتَ على أن يظلَّ تحت ثِقَلِ المِنَّةِ. ولم يخالف قاعدتَه، رغم مقاساته المشقات والعناء. فهذه الخصلة الموروثة من (سعيد القديم) إلى أخيك العاجز هذا، ليست تزهّدًا ولا استغناءً مصطنعًا عن الناس، بل ترتكز على بضعة أسباب واضحة:
— 16 —
الأول: إن أهل الضلال يتهمون العلماء باتخاذهم العلمَ مغنَمًا. فيهاجمونهم ظلمًا وعدوانًا بقولهم: "إنهم يجعلون العلم والدين وسيلةً لكسب معيشتهم" فيجب تكذيبُ هؤلاء تكذيبًا فعليًا.
الثاني: نحن مكلّفون باتباع الأنبياء -عليهم السلام- في نشر الحق وتبليغه. والقرآن الكريم يذكر الذين نشروا الحق أنهم أظهروا الاستغناءَ عن الناس بقولهم : ان اجريَ الّا على اللّٰه (يونس: ٧٢).. ان اجريَ الّا على اللّٰه . وأن الآية الكريمة: اتّبعوا مَن لا يسئَلُكُم اجرًا وهم مُهتدون (يس: ٢١) في سورة يس، تفيد معاني جمّة، ومغزى عميقًا، فيما تخص مسألتنا هذه.
الثالث: لقد بُيّن في "الكلمة الأولى": "يلزم الإعطاء باسم اللّٰه، والأخذ باسم اللّٰه". ولكن الذي يحدث غالبًا هو أنّ المعطي غافلٌ، فيعطي باسم نفسه، فيتمنّن ضمنًا، أو أنّ الآخذَ غافل يُسنِد الشكرَ والثناء الخاص بالمنعم الحقيقي إلى الأسباب الظاهرية فيخطئ.
الرابع: إنَّ التوكل والقناعة والاقتصاد خزينةٌ عظيمة، وكنیزٌ ثمين لا يعوضان بشيء. لا أريد أن أسدّ أبواب تلك الخزائن والكنوز التي لا تنفد بأخذ المال من الناس. فشكرًا للرزاق ذي الجلال بآلاف المرات إنه لم يُلجئني منذ طفولتي إلى البقاء تحت منّة أحدٍ من الناس. فأرجو من رحمته تعالى معتمدًا على كرمهِ أن يُمضي بقيةَ عمري أيضًا بتلك القاعدة.
الخامس: لقد اقتنعتُ قناعة تامة منذ حوالي سنتين بأماراتٍ وتجاربَ كثيرة؛ أنني لست مأذونًا بقبول أموال الناس ولاسيما هدايا الميسورين والموظفين، إذ أتأذى بقسمٍ منها، بل يُدفع به إلى الأذى ليحول دون أكلها، وأحيانًا يُحوَّل إلى صورة تضرني. فهذه الحالة إذن أمرٌ معنوي بعدم أخذ أموال الناس ونهيٌ عن قبولها.
— 17 —
وكذا، فإن فيّ استيحاشًا من الناس، لا أستطيع قبولَ زيارة كل شخص في كل حين. فقبول هدايا الناس، يلزمني قبولي زيارتَهم في وقت لا أريدُها أخذًا بمراعاة شعورهم. وهذا ما لا أحبّذه.
إنني أفضّل أن آكل كسرةَ خبزٍ يابس، وأن أَلبَسَ ثوبًا فيه مائة رقعة ورقعة ينقذني من التصنع والتملق، على أن آكل أَطيَبَ حلوى الآخرين، وأَلْبَسَ أَفْخَرَ ملابسهم وأَضطر إلى مراعاة مشاعرهم وهذا ما أكرهه.
السادس: إنَّ السبب المهم للاستغناء عن الناس هو ما يقوله ابن حجر الموثوق حسب مذهبنا (الشافعي): "يُحرم قبولُ ما يوهَب لك بنية الصلاح، إن لم تكن صالحًا".
[٭]: "ومَنْ أُعطي لوصفٍ يُظنُّ به كفقرٍ أو صلاح أو نسبٍ بأن توفرت القرائن أنه إنما أُعطي بهذا القصد أو صرّح له المُعطي بذلك وهو باطنًا بخلافه، حَرُم عليه الأخذ مطلقًا ومثله ما لو كان به وصفٌ باطنًا لو أطّلع عليه المُعطي، لم يُعْطِهِ. ويجري ذلك في الهدية أيضًا على الأوجه. مثلها سائر عقود التبرّع فيما يظهر كهِبَةٍ ووصيةٍ ووقفٍ ونذر" (تحفة المحتاج لشرح المنهاج ٧/ ١٧٨) لابن حجر الهيتمي الشافعي.
نعم إن إنسان هذا العصر يبيع هديتَه البخسة بثمن باهظ، لحرصه وطمعه، فيتصور شخصًا مذنبًا عاجزًا مثلي وليًا صالحًا، ثم يعطيني رغيفًا هديةً. فإذا اعتقدتُ أنني صالح -حاش للّٰه- فهذا علامة الغرور، ودليل على عدم الصلاح. وإنْ لم أعتقد صلاحي، فقبول ذلك المال غير جائز لي.
وأيضًا إن أخذ الصدقة والهدية مقابلَ الأعمال المتوجهة للآخرة يعني قطفَ ثمراتٍ خالدةٍ للآخرة، بصورة فانية في الدنيا.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 18 —

المكتوب الثالث

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
(قسم من الرسالة التي بعثها إلى طالبه المعروف)

..........

خامسًا: كنتَ قد كتبتَ في إحدى رسائلك، رغبتَك في أن تشاركني ما تجيش به مشاعري وأحاسيسي هنا. فاستمعْ إذن إلى واحدةٍ من ألفٍ منها، وهو:
في إحدى الليالي، كنت على ارتفاع عظيم، في وكر منصوب على قمة شجرة "القطران" المرتفعة على قمة من قمم جبل "چام". نظرت من هناك إلى وجه السماء الأنيس الجميل المزيّن بمصابيح النجوم، فرأيت أن في القَسَم الوارد في الآية الكريمة:
فلا اُقسِم بالخنّس٭ الجَوار الكُنّس
(التكوير: ١٥-١٦) نورًا ساميًا من أنوار الإعجاز، وشاهدتُ فيه سرًا بليغًا لامعًا من أسرار البلاغة.
نعم، إن هذه الآية الكريمة تشير إلى النجوم السيارة وإلى استتارتها وانتشارها. فتعرض الآية أمام نظر المشاهِد نقشًا بديعًا متقن الصنع في وجه السماء، وترسم لوحة رائعة تلقن العبرة والدرس.
نعم، هذه السيارات ما إن تخرج من دائرة قائدها الشمس وتدخل في دائرة النجوم
— 19 —
الثابتة إلّا وتَعرِض في وجه السماء روائعَ النقش المتجدد، وبدائعَ الإتقان تتجدد حينًا بعد حين.. فقد تتكاتف إحداها مع مثيلتها، وتُظهران معًا آية باهرة في الجمال.. وقد تدخل إحداها بين صغيرات النجوم فتقودها قيادة الكبيرة للصغيرات.. ولا سيما نجم الزُهَرة اللامعة في الأفق، بعد الغروب في هذا الموسم خاصة ومثيلتها تسطع قبل الفجر.. فيا له من جمال زاهر يضفيانه على الأفق!.
ثم بعد إنهاء كل نجم وظيفتَه، وإشرافه على الأُخريات، وإيفاء خدماته كالمكوك في نسج نقوش الصنعة البديعة، يرجع إلى دائرة سلطانه المهيبة، الشمس، فيتسربل بالنور، ويتستر، ويختفي عن الأنظار.
فهذه السيارات التي عبّر عنها القرآنُ الكريم بی "الخُنّس" "الكُنّس" يجريها سبحانه وتعالى مع أرضنا هذه جريانَ سفينةٍ تمخر عبابَ الكون، ويسيّرها طيرانَ الطير في فضاء العالم، ويسيح بها سياحة طويلة، في انتظام كامل دالًّا بها على عظمة ربوبيته وأُبّهة ألوهيته جل جلاله، كالشمس في وضح النهار.
فيا لأُبّهة مليكٍ مقتدر، من بين سفائنه وطائراته ما هو أكبرُ جسامةً من الأرض ألفَ مرة، وتقطع مسافة ثماني ساعات في ثانية واحدة! قس بنفسك مدى السعادة السامية، ومدى الشرف العظيم في العبودية لهذا المليك الجليل، والانتساب إليه بالإيمان، والضيافة على مائدة إكرامه وأفضاله.
ثم نظرتُ إلى القمر، ورأيت أن الآية الكريمة:
والقمرَ قدّرناهُ منازلَ حتى عادَ كالعُرجون القديم
(يس: ٣٩) تعبّر عن نور مشرق من الإعجاز.
نعم، إن تقدير القمر تقديرًا دقيقًا جدًّا، وتدويرَه حول الأرض وتدبيرَه وتنويره، وإعطاءه أوضاعًا إزاء الأرض والشمس، محسوبةً بحساب في منتهى الدقة والعناية، تتحير منه العقول، يُرشد كلَّ ذي شعور يشاهد هذه الدقة في التقدير أن يقول: إن القدير الذي ينظم هذه الأمور على هذه الشاكلة الخارقة ويقدّرها تقديرًا دقيقًا، لا يصعب عليه شيء. مما يوحي أن الذي يفعل هذا قادر على كل شيء.
ثم إن القمر يعقب الشمس، هذا التعقيب مقدّر حسابُه، لا يخطئ حتى في ثانية واحدة،
— 20 —
ولا يتباطأ عن عمله قيدَ أنملة، مما يدفع كل متأمل فيه إلى القول: سبحان من تحيّر في صنعه العقول. إذ يأخذ القمر شكلَ هلال رقيق، ولاسيما نهاية شهر آيار، مثلما يحدث في أحيان أخرى. ويتخذ شكل عرجون قديم أثناء دخوله منیزل الثريا. حتى لكأن الثريا عنقود يتدلى بهذا العرجون القديم من وراء ستار الخضراء [٭]: الخَضْراءُ: السماء لخُضْرَتها؛ صفة غلبت غَلَبَةَ الأَسماء. وفي الحديث: ما أَظَلَّتِ الخَضْراءُ ولا أَقَلَّتِ الغَبْراءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً من أَبي ذَرٍّ؛ الخَضْراءُ: السماء، والغبراء: الأَرض. (لسان العرب). القاتمة، مما يوحي للخيال وجود شجرة عظيمة نورانية وكأن غصنًا دقيقًا من تلك الشجرة قد خرق ذلك الستار وأخرج نهايته مع عنقود هناك، وصارا الثريا والهلال.
هذه اللوحة الرائعة تلقي إلى الخيال أن النجوم الأخرى ثمراتُ تلك الشجرة الغيبية. فشاهد لطافةَ الآية الكريمة: كالعُرجُون القديم وذق حلاوة بلاغتها.
ثم خطرت بالبال الآيةُ الكريمة:
هو الذي جَعَل لكم الارضَ ذلولًا فامْشوا في مَناكِبها
(الملك: ١٥) التي تشير إلى أن الأرض سفينة مسخّرة ودابّة مأمورة. من هذه الإشارة رأيت نفسي في موقع رفيع من تلك السفينة العظيمة السائرة سريعًا في فضاء الكون، فقرأت:
سبحان الذي سیَخّر لنا هیذا وما كُنّا له مُقْرنیين
(الزخرف: ١٣) التي يُسنّ قراءتها حين ركوب الدابة من فرس وسفينة وغيرهما. [٭]: انظر: مسلم، الحج ٤٢٥؛ الترمذي، الدعوات ٤٦؛ أبو داود، الجهاد ٧٤.
وكذا رأيت أن الكرة الأرضية، قد أخذت بهذه الحركة طور ماكينة السينما التي تبين المشاهد وتعرضُها، فحرّكتْ ما في السماوات من نجوم، وبدأت تسوقها سوقَ الجيش، عارضةً مناظر جذابة ومشاهدَ لطيفة تُوقع أهلَ الفكر والعقل في حيرة وإعجاب، وتجعلهم في نشوة من مشاهدتها. فقلت: سبحان اللّٰه... ما أقلَّ هذه التكاليف التي تؤدى بها هذه الأعمال العظام العجيبة الغريبة والراقية الرفيعة؟
ومن هذه النقطة خطرت بالبال نكتتان إيمانيتان:
أولاها: قبل بضعة أيام سألني أحد ضيوفي سؤالًا، أساس سؤاله المنطوي على شبهة هو: أن الجنة وجهنم بعيدتان جدًّا، هب أن أهلَ الجنة يمرون ويطيرون كالبَرق والبُراق من المحشر ويدخلون الجنة بلطف إلهي. ولكن كيف يذهب أهلُ جهنم إلى جهنم وهم يرزحون تحت أثقال أجسادهم وأحمال ذنوبهم الجسيمة؟ وبأية وساطة يذهبون إليها؟
— 21 —
والذي ورد بالبال هو: لو دُعيت الأمم جميعًا إلى مؤتمر عام يُعقد في أمريكا مثلًا. فإن كل أمة تركب سفينتها الكبيرة وتذهب إلى هناك. وكذلك سفينة الأرض التي اعتادت السياحة الطويلة في بحر محيط الكون، والتي تقطع في سنة واحدة مسافة تبلغ خمسًا وعشرين ألف سنة، هذه الأرض تأخذ أهليها وتحملهم إلى ميدان الحشر وتُفرغهم هناك. وكذا تُفرغ نار جهنم الصغرى الموجودة في جوفها، والتي تبلغ درجةُ حرارتها مائتي ألف درجة -الموافقة لما جاء في الحديث الشريف- بدلالة تزايد الحرارة كل ثلاث وثلاثين مترًا، درجة واحدة. والتي تؤدي بعض وظائف جهنم الكبرى في الدنيا والبرزخ -حسب رواية الحديث- وتفرغها في جهنم. ثم تتبدل الأرض بأمر اللّٰه إلى أرض باقية جميلة غيرها، وتصبح منیزلًا من منازل عالم الآخرة.
النكتة الثانية التي وردت بالبال: إنَّ الصانع القدير، الفاطر الحكيم، الواحد الأحد، قد سنّ سنةً، وأجرى عادةً، وهي أداء أعمال كثيرة جدًّا بشيء قليل جدًّا، وإنجاز وظائف جليلة جدًّا بشيء يسير جدًّا، إظهارًا لكمال قدرته وجمال حكمته ودليلًا على وحدانيته جل جلاله.
ولقد ذكرت في بعض "الكلمات" أنه:
إذا أُسندت الأشياءُ كلُّها إلى واحد أحد، تحصل سهولةٌ ويسرٌ بدرجة الوجوب، وإن أُسندت إلى أسبابٍ عدة وصنّاع كثيرين تظهر مشاكل وعوائق وصعوبات بدرجة الامتناع. لأن شخصًا واحدًا، وليكن ضابطًا أو بنّاءً، يحصل على النتيجة التي يريدها، ويعطى الوضع المطلوب، لكثرة من الجنود، أو كثرة من الأحجار ولوازم البناء، بحركة واحدة وبسهولة تامة، بحيث لو أُحيل ذلك الأمر إلى أفراد الجيش أو إلى أحجار البناء لتعسّر استحصال تلك النتائج بل لا يمكن قطعًا إلّا بصعوبة عظيمة.
فما يُشاهد في هذه الكائنات من أفعال السير والجولان والانجذاب والدوران ومن المناظر اللطيفة والمشاهد المعبّرة عن التسبيح، ولاسيما في الفصول الأربعة وفي اختلاف الليل والنهار.. أقول لو أُسندت هذه الأفعال إلى الوحدانية فإن واحدًا أحدًا بأمر واحد منه إلى كرة واحدة بالحركة يستحصل على أوضاع رفيعة ونتائج ثمينة كإظهار عجائب الصنعة في تبدل
— 22 —
المواسم وغرائب الحكمة في اختلاف الليل والنهار، ولوحات راقية في حركة النجوم والشمس والقمر الظاهرية وأمثالِها من الأفعال، تحصل كلها لأن الموجودات كلها جنوده، فيعيّن جنديًا بسيطًا كالأرض حسب إرادته ويجعله قائدًا على النجوم، ويجعل الشمس الضخمة سراجًا لإعطاء أهل الأرض الحرارة والنور، ويجعل الفصولَ الأربعة -التي هي ألواح نقوش القدرة الإلهية- مكوكًا، والليلَ والنهار اللذين هما صحيفة كتابة الحكمة الربانية نابضًا، ويقدّر القمر منازل لمعرفة المواقيت، ويجعل النجومَ على هيئة مصابيح مضيئة لطيفة متلألئة بأيدي الملائكة المنجذبين بنشوة السرور والفرح.. هكذا يُظهِر حِكَمًا كثيرة تخص الأرض بمثل هذه الأوضاع الجميلة.
فهذه الأوضاع إنْ لم تُطلب من ذاتٍ جليلة ينفذ حكمُه في الموجودات كلِّها ويتوجه إليها كلها بنظامه وقانونه وتدبيره، يلزم أن تقطع الشموس والنجوم كلها مسافات لا حدّ لها في كل يوم بحركة حقيقية، وبسرعة لا حدّ لها!.
وهكذا ففي الوحدانية سهولة بلا نهاية كما أن في الكثرة صعوبة بلا نهاية. ولأجل هذا يعطي ذوو المهن والتجارة وحدةً للكثرة، أي يشكلون شركات فيما بينهم تسهيلًا للأمور وتيسيرًا لها.
حاصل الكلام: إن في طريق الضلال مشكلات لا نهاية لها، وفي طريق الوحدانية والهداية سهولة لا نهاية لها.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 23 —

المكتوب الرابع

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلام اللّٰه ورحمته وبركاته عليكم وعلى إخوانكم لاسيما.... إلخ.
إخوتي الأعزاء!
أنا الآن في موضع، على ذروة شجرة صنوبر ضخمة عظيمة، منتصبة على قمة شاهقة من قمم جبل "چام". لقد استوحشتُ من الإنس واستأنست بالوحوش.. وحينما أَرغَبُ في المحاورة والمجالسة مع الناس أتصوركم بقربي خيالًا، وأجاذبكم الحديث وأجد السلوان بكم. وأنا على رغبة في أن أظل هنا وحيدًا مدة شهر أو شهرين، إن لم يحدث ما يمنع. وإن رجعت إلى "بارلا" نتحرى معًا حسب رغبتكم عن وسيلة لمجالسة ومحاورة بيننا. فقد اشتقتُ إليها أكثر منكم.
والآن أكتب إليكم ما ورد بالبال من خواطر على شجرة الصنوبر هذه:
أولاها: خاطرة فيها شيء من الخصوصية، فهي من أسراري، ولكن لا يُكتم عنكم السر، وهو أنَّ قسمًا من أهل الحقيقة يحظون باسم اللّٰه "الودود" من الأسماء الحسنى، وينظرون إلى واجب الوجود من خلال نوافذ الموجودات بتجليات المرتبة العظمى لذلك الاسم. كذلك
— 24 —
أخوكم هذا الذي لا يُعدّ شيئًا يُذكر، وهو لا شيء، قد وُهبَ له وضعٌ يجعله يحظى باسم اللّٰه "الرحيم" واسم اللّٰه "الحكيم" من الأسماء الحسنى، وذلك في أثناء ما يكون مستخدَمًا لخدمة القرآن فحسب، وحينما يكون مناديًا لتلك الخزينة العظمى التي لا تنتهي عجائبُها. فجميع "الكلمات" إنما هي جلوات تلك الحظوة. نرجو من اللّٰه تعالى أن تكون نائلة لمضمون الآية الكريمة
ومَن يؤتَ الحِكمةَ فقد اُوتيَ خيرًا كثيرًا
(البقرة: ٢٦٩).
ثانيتها: لقد وردت هذه الفقرة الرقيقة فجأة بالبال، وهي: أن ما يقال في الطريقة النقشبندية:
"دَرْ طَرِيقِ نَقشِبَنْدِى لاَزم آمَدْ چَارِ تَرك:
تَركِ دُنيَا، تَركِ عُقبَى، تَركِ هَستِى، تَركِ تَرك".
[٭]: أي في الطريقة النقشبندية ينبغي ترك أربعة أمور: ترك الدنيا، ترك العقبى، ترك النفس، ترك هذه الأنماط من الترك.
ووردت هذه الفقرة الآتية عقب الفقرة السابقة مباشرة وهي:
"دَرْ طَريقِ عَجزِ مَنْدِى لاَزم آمدْ چَارِ چِيز
فَقرِ مُطلَق عَجزِ مُطلَق شُكرِ مُطلَق شَوقِ مُطلَقْ أَيْ عَزِيز".
[٭]: أي في طريق العجز عليك أيها الأخ العزيز أن تتصف بأربعة أشياء وهي: الفقر المطلق والعجز المطلق والشكر المطلق والشوق المطلق.
ثم خطر بالبال ما كتبتَیه أنت: "انظر إلى الصحيفة المتلونة الزاهية لكتاب الكون... إلخ" ذلك الشعر الغني بالمعاني والزاهي بألوان الوصف.
نظرت إلى النجوم المتدلية في سقف السماء، من خلال ذلك الشعر. وقلت: ليتني كنت شاعرًا، فأتم هذا الشعر. ومع أنني لا أملك موهبة في الشعر والنظم، إلّا أنني شرعت به، ولكن لم أستطع أن أنظمه شعرًا فكتبته كما ورد في القلب. فإن شئت حوّله نظمًا يا من أنت وارثي.
— 25 —
والخاطرة التي وردت دفعة هي:
واستمع إلى النجوم أيضًا، إلى حلو خطابها الطيب اللذيذ.
لیترى ما قرّره ختم الحكمة النيّر على الوجود.
إنَّها جميعًا تهتف وتقول معًا بلسان الحق:
نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال
نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته.
نییتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جمّلت وجه الأرض.
فنحن ألوفُ العيون الباصرة تطل من السماء إلى الأرض وترنو إلى الجنة.
(٭): أي أن وجه الأرض مشتل أزاهير الجنة ومزرعتها، تعرض فيه ما لا يحد من معجزات القدرة الإلهية. ومثلما تتفرج ملائكة عالم السماوات وتشاهد تلك المعجزات تشاهدها أيضًا النجوم التي هي بمثابة عيون الأجرام السماوية الباصرة. فهي كلما نظرت كالملائكة إلى تلك المصنوعات اللطيفة التي تملأ وجه الأرض، نظرت إلى عالم الجنة أيضًا، فتشاهد تلك الخوارق المؤقتة في صورتها الباقية هناك. أي أنها عندما تلقى نظرة إلى الأرض تلقى الأخرى إلى الجنة، بمعنى أن لها إشرافًا على ذينك العالَمين معًا. (المؤلف)
نحن ألوف الثمرات الجميلة لشجرة الخلقة، علّقتنا يدُ حكمة الجميل ذي الجلال على شطر السماء وعلى أغصان درب التبانة.
فنحن لأَهل السماوات مساجدُ سيارة ومساكنُ دوّارة وأَوكار سامية عالية ومصابيحُ نوّارة وسفائنُ جبارة وطائراتٌ هائلة!
نحن معجزات قدرة قدير ذي كمال وخوارق صنعة حكيم ذي جلال. ونوادر حكمة ودواهي خلقة وعوالم نور.
هكذا نبيّن مائة ألف برهانٍ وبرهان، بمائة ألف لسانٍ ولسان، ونُسمعها إلى مَن هو إنسان حقًا.
عَميَتْ عين الملحد لا يرى وجوهنا النيّرة، ولا يسمع أقوالنا البيّنة.. فنحن آيات ناطقة بالحق.
سكّتُنا واحدة، طُرّتُنا واحدة، مسبّحاتٌ نحن عابداتٌ لربنا، مسخّراتٌ تحت أمره.
نذكره تعالى ونحن مجذوبات بحبّه، منسوبات إلى حلقة ذكر درب التبانة.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 26 —

المكتوب الخامس

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
لقد قال رائد السلسلة النقشبندية وشمسها الإمام الرباني رضي اللّٰه عنه في مؤلفه "مكتوبات":
"إنني أرجّح وضوح مسألة من الحقائق الإيمانية وانكشافها على آلاف من الأذواق والمواجيد والكرامات". [٭]: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٢١٠. يقول: "لو أعطيتُ جميع الأحوال والمواجيد ولم توافق حقيقتي باعتقاد أهل السنة والجماعة مثلا لا أرى تلك الأحوال غير الشقاوة والخذلان وإن أعطيتَ اعتقاد أهل السنة والجماعة وحُرمت من الأحوال بأسرها فلا تغتم على ذلك".
وقال أيضًا: "إن منتهى الطرق الصوفية كافة هو وضوح الحقائق الإيمانية وانجلاؤها". [٭]: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٢١٠.
وقال كذلك: "إن الولاية ثلاثة أقسام: الولاية الصغرى، وهي الولاية المشهورة. وقسم ثان: هو الولاية الوسطى. وقسم ثالث: هو الولاية الكبرى. هذه الولاية الكبرى هو فتح الطريق إلى الحقيقة مباشرة دون الدخول في برزخ التصوف وذلك بوساطة وراثة النبوة". [٭]: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٢٦٠.
وقال أيضًا: "إن السلوك في الطريقة النقشبندية يسير على جناحين، أي الاعتقاد الصحيح بالحقائق الإيمانية، والعمل التام بالفرائض الدينية. فإذا ما حدث خلل وقصور في أيٍّ من هذين الجناحين يتعذر السير في ذلك الطريق". [٭]: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٧٥ ، المكتوب ٩١، المكتوب ٩٤.
— 27 —
بمعنى أن الطريقة النقشبندية لها ثلاثة مشاهد:
أولها وأسبقها وأعظمها: هو خدمة الحقائق الإيمانية خدمة مباشرة ، تلك الخدمة التي سلكها الإمام الرباني في أخريات أيامه.
الثاني: خدمة الفرائض الدينية والسنة النبوية تحت ستار الطريقة.
الثالث: السعي لإزالة الأمراض القلبية عن طريق التصوف والسير بخطى القلب.
فالأول من هذه الطرق هو بحكم الفرض، والثاني بحكم الواجب، والثالث بحكم السنة.
فما دامت الحقيقة هكذا؛ فإني أخال أن لو كان الشيخ عبد القادر الكيلاني والشاه النقشبند والإمام الرباني وأمثالُهم من أقطاب الإيمان رضوان اللّٰه عليهم أجمعين في عصرنا هذا، لبذلوا كل ما في وسعهم لتقوية الحقائق الإيمانية والعقائد الإسلامية، ذلك لأنهما منشأ السعادة الأبدية، وأن أي تقصير فيهما يعني الشقاء الأبدي.
نعم، لا يمكن دخول الجنة من دون إيمان، بينما يدخلها الكثيرون جدًّا دون تصوف. فالإنسان لا يمكن أن يعيش دون خبز، بينما يمكنه العيش دون فاكهة. فالتصوف فاكهة والحقائق الإسلامية خبز.
وفيما مضى كان الصعود إلى بعضٍ من حقائق الإيمان يستغرق أربعين يومًا، بالسير والسلوك، وقد يطول إلى أربعين سنة. ولو هيأت الرحمةُ الإلهية في الوقت الحاضر طريقًا للصعود إلى تلك الحقائق لا يستغرق أربعين دقيقة! فليس من العقل أن لا يُبالى بهذا الطريق؟!
فالذين قرأوا بإنعام ثلاثًا وثلاثين رسالة من "الكلمات" يقرّون بأن تلك "الكلمات" قد فتحت أمامهم طريقًا قرآنيًا قصيرًا كهذا.
فما دامت الحقيقة هكذا. فإني اعتقد أنَّ "الكلمات" التي كُتبت لبيان أسرار القرآن هي أنجعُ دواء لأمراض هذا العصر وأفضلُ مرهم يمرّر على جروحه، وأنفعُ نور يبدد هجمات خيول الظلام الحالك على المجتمع الإسلامي، وأصدق مرشد ودليل لأولئك الحيارى الهائمين في وديان الضلالة.
— 28 —
فيا أخي! إنك تعلم جيدًا أن الضلالة إن كانت ناجمةً من الجهل فإزالتُها يسير وسهل. ولكن إن كانت ناشئة من العلم فإزالتها عسير ومعضل. وقد كان هذا القسم الأخير نادرًا فيما مضى من الزمان، وربما لا تجد من الألف إلّا واحدًا يضل باسم العلم. وإذا ما وُجد ضالون من هذا النوع ربما يسترشد منهم واحدٌ من الألف. ذلك لأن أمثال هؤلاء يعجبون بأنفسهم، فمع أنهم يجهلون يعتقدون أنهم يعلمون.
وإني اعتقد أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد منح "الكلمات" المعروفة، التي هي لمعات معنوية من إعجاز القرآن الكريم خاصيةَ الدواء الشافي والترياق المضاد لسموم زندقة هذه الضلالة في هذا العصر.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 29 —

المكتوب السادس

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
سلام اللّٰه ورحمته وبركاته عليكما وعلى إخوانكما ما دام الملَوانِ [٭]: الملوان: الليل والنهار وطرفاهما..
وتعاقب العَصرانِ [٭]: العصران : الليل والنهار وهما الغداة والعشي.
وما دام القمرانِ [٭]: القمران: الشمس والقمر.
واستقبل الفرقدانِ. [٭]: الفرقدان: نجمان منيران في السماء.
أَخَويَّ الغيورَينِ، زميلَيَّ الشهمينِ، يا مبعثَي سُلواني في دار الغربة، الدنيا.
لما كان المولى الكريم سبحانه وتعالى قد جعلكما مشاركَين لي في المعاني التي أَنعمها على فكري، فمن حقكما إذن مشاركتي في مشاعري وأَحاسيسي.
سأَحكي لكما بعضًا مما كنت أُقاسيه من أَلم الفراق في غربتي هذه، طاويًا ما هو أَكثرُ إيلامًا منه لئلا أَجعلكما تتأَلَّمانِ كثيرًا.
لقد بقيتُ منذ شهرين أَو ثلاثة وحيدًا فريدًا، وربما يأتيني ضيفٌ في كل عشرين يومًا أو ما يقرب من ذلك، فأَظلُّ وحيدًا في سائر الأوقات. ومنذ ما يقرب من عشرين يومًا ليس حولي أحد من أهل الجبل، فلقد تفرَّقوا.
— 30 —
ففي هذه الجبال المُوحِيَةِ بالغربة، وعندما يرخي الليلُ سدُولَه، فلا صوتَ ولا صدى، إلَّا حفيف الأَشجار الحزين.. رأَيتُني وقد غمرَتني خمسةُ أَلوان من الغربة.
أولها: أني بقيت وحيدًا غريبًا عن جميع أَقراني وأَحبابي وأَقاربي، فيما أَخذتِ الشيخوخةُ مني مأخذًا، فشعرتُ بغربة حزينة من جرَّاء تركهم لي ورحيلهم إلى عالم البرزخ.
ومن هذه الغربة انفتحت دائرة غربة أُخرى، وهي أنني شعرت بغربة مشوبةٍ بأَلم الفراق حيث تركتني أكثرُ الموجودات التي أتعلَّق بها كالربيع الماضي.
ومن خلال هذه الغربة انفتحت دائرة غربة أخرى، وهي الغربة عن موطني وأَقاربي، فشعرت بغربة مفعمة بألم الفراق، إذ بقيت وحيدًا بعيدًا عنهم.
ومن خلال هذه الغربة أَلقتْ عليَّ أَوضاعُ الليل البهيم والجبالُ الشاخصة أمامي، غربةً فيها من الحزن المشوب بالعطف ما أَشعرني أَنَّ ميدان غربة أخرى انفتحت أَمام روحي المشرفة على الرحيل عن هذا المضيف الفاني متوجهةً نحو أَبد الآباد، فضمَّتني غربةٌ غير معتادة، وأَخذني التفكير، فقلت فَجأةً: سبحان اللّٰه! وفكرت كيف يمكن أَنْ تُقاوَم كل هذه الظلمات المتراكبة وأَنواع الغربة المتداخلة!.
فاستغاث قلبي قائلًا:
يا ربُّ! أَنا غريب وحيد، ضعيف غير قادر، عليل عاجز، شيخ لا خيار لي.
فأقول: الغوثَ الغوثَ. أَرجو العفو، وأستمدُّ القوة من بابك يا إلهي!.
وإذا بنور الإيمان وفيض القرآن ولطف الرحمن يمدّني من القوة ما يُحوِّلُ تلك الأنواع الخمسة من الغربة المظلمة، إلى خمس دوائرَ نورانية من دوائر الأُنس والسُّرور. فبدأَ لساني يُردِّدُ:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل
(آل عمران: ١٧٣) وتلا قلبي الآية الكريمة:
فان تولّوا فقل حَسبيَ اللّٰه لّا إله الا هو عليه توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم
(التوبة: ١٢٩).
وخاطب عقلي كذلك نفسي القلقةَ المضطربة المستغيثة قائلًا:
— 31 —
دَعِ الصُراخَ يا مسكين، وتوكَّلْ على اللّٰه في بلواك.
إنَّما الشَّیكوى بَلاء.
بل بَلاءٌ في بَلاء، وأَثام في أَثام في بلاء.
إذا وجدتَ مَن ابتلاك،
عاد البلاءُ عطاءً في عطاء، وصفاءً في صفاء، ووفاءً في بلاء.
دَعِ الشَّكوى، واغْنَمْ الشُّكر كالبلابلِ؛ فالأَزهارُ تبتسم من بهجة عاشقها البلبل.
فبغير اللّٰه دنياكَ آلام وعذاب، وفناء وزوال، وهباء في بلاء.
فتعالَ، توكَّلْ عليه في بلواك!
ما لكَ تصرخ من بَليَّةٍ صغيرةٍ، وأَنتَ مُثقلٌ ببلايا تَسَعُ الدُّنيا.
تَبسَّمْ بالتوكُّلِ في وجه البلاء، ليبتسمَ البلاء.
فكُلَّما تبسّم صَغُر وتَضَاءَلَ حتى يَزول.
وقلت كما قال أَحدُ أساتذتي مولانا جلال الدين الرومي مخاطبًا نفسه:
اُو گُفْتْ اَلَسْتُ و تُو گُفْتِى بَلَى
شُكْرِ بَلَى چِيسْت كَشِيدَنْ بَلَا
سِرِّ بَلاَچِيسْت كِه يَعْنِى
مَنَمْ حَلْقَه زَنِ دَرْگَهِ فَقْر وفَنَا
[٭]: يعني: لما قال سبحانه: "ألست بربكم" قلتَ: "بلى"!. فأين الشكر على قولك بلى؟ إنه مقاساة البلاء! أتدري ما سر البلاء؟ إنه طرق باب الفقر والفناء في اللّٰه. (انظر: ديوان كبير ١٥٧، غزل ٢٥١)
وحينئذٍ قالت نفسي: أجل! أجل!. إن الظلمات لتتبددُ وبابَ النور لينفتح بالعجز والتوكل والفقر والالتجاء . فالحمد للّٰه على نور الإيمان والإسلام.
وقد رأيت هذه الفقرة من "الحكم العطائية" المشهورة تنطوي على حقيقة جليلة وهي قوله:
— 32 —
«ماذا وجَدَ من فَقَدَهُ وماذا فَقَدَ مَن وَجَدَهُ» ؟
[٭]: هذه الفقرة (ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك) هي من مناجاة ابن عطاء اللّٰه السكندري، المذكورة في ختام "الحكم العطائية" التي عرّفها صاحب كشف الظنون بأنها: حكم منثورة على لسان أهل الطريقة، لما صنّفها عرضها على شيخه أبي العباس المرسي، فتأملها وقال له: لقد أتيت يا بني في هذه الكراسة بمقاصد الإحياء وزيادة. ولذلك تعشّقها أرباب الذوق، لما رقّ لهم من معانيها وراق - وابن عطاء اللّٰه السكندري هو العارف باللّٰه، العالم الجامع لعلوم التفسير والحديث والفقه، مرشد السالكين، لازم شيخه المرسي اثني عشر عامًا وفُتح عليه على يديه. توفي رحمه اللّٰه تعالى سنة (٧٠٩هی ١٣٠٩م) .
أي أن الذي وجده فقد وجدَ كل شيء، ومن فقدَه لا يجد شيئًا سوى البلاء.
وفهمت سرًا من أسرار الحديث الشريف "... طوبى للغرباء..." [٭]: مسلم، الإيمان ٢٣٢؛ الترمذي، الإيمان ١٣؛ ابن ماجه، الفتن ١٥؛ الدارمي، الرقاق ٤٢؛ المسند ١/٣٩٨، ٢/١٧٧، ٢٢٢، ٣٨٩. فشكرت اللّٰه.
فيا أَخويَّ!
إنَّ ظلمات أَنواع الغربة هذه، وإنْ تبددت بنور الإيمان، إلّا أنها تركت فيَّ شيئًا من بصمات أحكامها، وأَوحت بهذه الفكرة:
ما دمتُ غريبًا وأعيش في الغربة وراحلًا إلى الغربة، فهل انتهتْ مهمتي في هذا المضيف، كي أوكِّلَكم و "الكلمات" عني. وأقطع حبالَ العلاقات عن الدنيا قطعًا كليًا؟
وحيث إن هذه الفكرة وردتْ على البال بهذه الصورة، فكنت أَسأَلكم:
هل "الكلمات" المؤلفة كافية؟ وهل فيها نقص؟ وأعني بهذا السؤال: هل انتهت مهمّتى كي أَنسى الدنيا وأُلقي بنفسي في أحضان غربةٍ نورانية لذيذة حقيقية باطمئنان قلب. وأقول كما قال مولانا جلال الدين:
دَانِى سَمَاعْ چِه بُوَدْ بِى خُودْ شُدَنْ زِهَسْتِى
اَنْدَرْ فَنَاىِ مُطْلَقْ ذَوْقِ بَقَا چَشِيدَنْ
[٭]: أي هل تعلم ما السّماع؟ هو أن تفنى عن الوجود وتذوق البقاء في الفناء المطلق.
ليت شعري هل لي أَنْ أَبحثَ عن غربة رفيعة سامية!.
ولأجل هذا كنت أجابهكم بتلك الأسئلة.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 33 —

المكتوب السابع

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا.
إخوتي الأَعزاء!
لقد أَبلغتم الحافظَ توفيق الشامي ليقول لي مسألتين هما:
أولا: إن أهل الضلالة الحاليين، يجدون في زواج الرسول (ص) بزينب موضعَ نقد واعتراض، كما كان دَأْبُ المنافقين في سالف الزمان. إذ يعدُّونه زواجًا مبنيًّا على الشهوة ودوافع نفسانية!
الجواب: حاشَ للّٰه وكلا! ألف ألف مرة كلّا! إنَّ يد الشبهات السافلة أَحطُّ من أَنْ تبلغ طرفًا من ذلك المقام الرفيع السامي.
نعم، إن من كان مالكًا لذرة من الإنصاف يعلم أنَّه (ص) من الخامسة عشرة إلى الأربعين من عمره، تلك الفترة التي تغلي فيها الحرارة الغريزية وتلتهب الهَوَسَات النفسانية، قد التزم بالعصمة التامة والعفة الكاملة، بشهادة الأَعداء والأَصدقاء، واكتفى بزوجة واحدة شِبه عجوز، وهي خديجة الكبرى رضى اللّٰه عنها. فلابدَّ أن كثرة زواج هذا الكريم العفيف (ص) بعد
— 34 —
الأربعين -أي في فترة توقف الحرارة الغريزية وسكون الهَوَسَات- ليست نفسانية بالضرورة والبداهة، وإنما هي مبنية على حِكم مهمَّة، إحداها هي:
إنَّ أقوال الرسول (ص) وأفعالَه وأحواله وأَطواره وحركاتِه وسكناتِه، هي منبع الدِّين ومصدر الأَحكام والشريعة.
ولقد روى الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم هذه الأحكام وحملوا مهمة تبليغ ما ظهر لهم من حياته (ص). أما أَسرار الدِّين وأحكام الشريعة النابعة من أَحواله المخفية عنهم، في نطاق أموره الشخصية الخاصة به، فإن رواتها وحامليها هي زوجاتُه الطاهرات، فقد أدَّيْنَ هذه المهمة على وجهها حق الأداء. بل إن ما يقرب من نصف أحكام الدين وأسراره يأتي عن طريقهن.
بمعنى أن هذه الوظيفة الجليلة يلزم لها زوجات كثيرات، وذوات مشارب مختلفة كذلك.
أما زواجه (ص) بزينب، فقد ذُكر في الشعاع الثالث من الشعلة الأولى من "الكلمة الخامسة والعشرين"، فيما يخص الآية الكريمة:
ما كان محمدٌ أبا أحدٍ منْ رجالِكم ولكن رسولَ اللّٰه وخاتمَ النبيين
(الأحزاب: ٤٠)، أن الآية الواحدة تفيد معاني عديدة، بوجوه عديدة، حسب فهم طبقات الناس.
فحصة طبقة من الناس من فهم هذه الآية الكريمة:
أنَّ زيدًا رضي اللّٰه عنه الذي كان مَوْلى رسول اللّٰه (ص)، ويَحظى بخطابه له: يا بني! لم يجد نفسه كفوًا لزوجته العزيزة النفس فطلقها لذلك، كما وردت الروايات الصحيحة، وبناء على اعترافه بنفسه. أي أن زينب رضى اللّٰه عنها، قد خُلقت على مستوى آخر من الأخلاق العالية، فشعر بها زيد بفراسته بأنها على فطرة سامية تليق أن تكون زوجة نبي. حيث وجد نفسَه غير كفؤ لها فطرة، مما سبب عدم الامتزاج النفسي والانسجام الروحي بينهما، فطلّقها، وتزوجها الرسول الكريم (ص) بأمر إلهي.
فالآية الكريمة: زوجناكها (الأحزاب: ٣٧) تدل بإشارتها على أن ذلك النكاح قد عُقد بعقد سماوي، فهو عقد خارق للعادة، وفوق العُرف والمعاملات الظاهرية، إذ هو عقدٌ
— 35 —
عُقِد بحكم القدر الإلهي المحض، حتى انقاد الرسول الكريم (ص) لذلك الحكم مضطرًا وما كان ذلك برغبة من نفسه.
وهذا الحكم القدَري يتضمن حُكمًا شرعيًا مهمًا وحكمة عامة ومصلحة شاملة.
فبإشارة الآية الكريمة:
لكي لا يكون على المؤمنين حَرجٌ في أزواجِ أدعيائهم
(الأحزاب: ٣٧) أن خطاب الكبار للصغار بی: يا بني! لا يغير الأحكام كقول المظاهِر لزوجته (أي قوله: أنتِ عليّ كظهر أمي). فتحرم عليه.
وكذا فإن الأنبياء والكبار لدى خطابهم لأمتهم ولرعاياهم، ولدى نظرهم إليهم، نظر الأبوة، إنما هو باعتبار مهمة الرسالة وليست باعتبار الشخصية الإنسانية حتى يحرم الزواج منهم.
وطبقة ثانية من الناس يفهمون هكذا:
إنَّ سيدًا عظيمًا وآمرًا حاكمًا ينظر إلى رعاياه نظر الأبوة. أي يشفق عليهم شفقة الوالد. فإن كان ذلك الآمر سلطانًا روحانيًا، ظاهرًا وباطنًا، فرحمتُه تزداد حينئذ عن شفقة الأب أضعافًا مضاعفة. والأفراد بدورهم ينظرون إليه نظر الوالد، كأنهم أولاد حقيقيون له، وحيث إن نظر الأبوة من الصعوبة انقلابه إلى نظر الزوج، ونظر البنت أيضًا لا يتحول بسهولة إلى نظر الزوجة، لذلك وجد العامةُ حرجًا في تزوج النبي (ص) ببنات المؤمنين، والقرآن الكريم يصحح مفاهيمهم قائلًا:
إن النبي يشفق عليكم ويعاملكم معاملة الأب، وينظر إليكم باسم الرحمة الإلهية، فأنتم كالأبناء بالنسبة للرسالة التي يحملها. ولكن ليس هو أباكم باعتبار الشخصية الإنسانية، لكي يقع الحرجُ في الأمر: أمر الزواج. وحتى لو خاطبكم بيا أبنائي وأولادي فأنتم لستم أولادَه وفق الأحكام الشرعية، فلا تكونون أولاده فعلًا.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 36 —

المكتوب الثامن

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إن لدخول اسمَي "الرحمن الرحيم" في البسملة وذكرِهما في بدء كل أمر ذي بال، حِكَمًا كثيرة. أُعلِّقُ بيان تلك الحِكم على مشيئة اللّٰه إلى وقت آخر، ذاكرًا هنا شعورًا خاصًا بي.
أخي!
إني أرى اسمَي "الرحمن الرحيم" نورًا عظيمًا إلى حدٍّ كبير، بحيث يحيط ذلك النور بالكون كله، وأرى فيهما من القوة والسُّطوع لكل روح، بحيث يحققان لها جميع حاجاتها الأبدية، وينجيانها من أعدائها الذين لا يُحَدُّون.
فلقد وجدتُ أن أهم وسيلة للوصول إلى هذين النورين العظيمين تكمن في "الفقر مع الشكر" و "العجز مع الشفقة" أي بتعبير آخر: العبودية والافتقار.
ولمناسبة هذه المسألة أقول، ولكن مخالفًا لأقوال العلماء المحققين، بل حتى مخالفًا لأستاذي الإمام الرباني:
إنَّ المشاعر والأحاسيسَ الشديدة الساطعة التي كان يشعر بها سيدُنا يعقوب تجاه سيدنا يوسف عليهما السلام ليست مشاعرَ نابعة من المحبة والعشق. بل نابعة من الشفقة، لأن الشفقة أَنفذُ من المحبة والعشق، وأسطع منهما وأعلى وأنیزه، فهي الأليَق بمقام النبوة. [٭]: الإمام الرباني، المكتوبات ج٢ المكتوب ١٠٠.
— 37 —
أما المحبة والعشق، فإن كانتا شديدتين نحو المحبوبات المجازية والمخلوقات، فلا تليقان بمقام النبوة الرفيع. بمعنى أن ما يبيّن القرآن الكريم مشاعر سيدنا يعقوب وأحاسيسه تجاه سيدنا يوسف عليهما السلام في أسطع صورة وألمع إعجاز والتي هي وسيلة الوصول إلى اسم "الرحيم"، إنما هي درجة رفيعة سامية للشفقة.
أما العشق الذي هو وسيلة الوصول إلى اسم "الودود" فهو في محبة "زليخا" (امرأة العزيز) ليوسف عليه السلام.
إذن فالقرآن الكريم بأيّ مدى بيّنَ سموَّ مشاعر سيدنا يعقوب ورفعتَه على أحاسيس "زليخا"، فإن الشفقة أيضًا تبدو أرفع وأسمى من المحبة بتلك الدرجة.
ولقد قال أستاذي الإمام الرباني: إن المحاسن الجمالية ليوسف عليه السلام هي من قبيل المحاسن الأخروية، لذا فالمحبة المتوجهة نحوها ليست من أنواع المحبة المجازية حتى يبدو النقصُ والقصور فيها. ذلك لأنه يرى أن العشق المجازي لا يليق تمامًا بمقام النبوة.
وأنا أقول:
يا أستاذي المحترم! إنَّ هذا تأويل متكلّف. أما الحقيقة فينبغي أن تكون هكذا:
إنَّ تلك المشاعر والأحاسيس ليست مشاعر محبة، بل هي مرتبة من الشفقة التي هي أسطع من المحبة بمائة درجة وأوسع منها وأسمى.
نعم، إنَّ الشفقة بجميع أنواعها لطيفة، نیزيهة، أما العشق والمحبة فلا يُتنازَل إلى كثير من أنواعهما.
ثم إن الشفقة واسعة، إذ الوالد الذي يشفق على أولاده يشفق أيضًا على جميع الصغار، بل حتى على ذوي الأرواح، فيبين نوعًا من أنوار اسم "الرحيم" المحيط بكل شيء. بينما العشق يحصر النظرَ بمحبوبه وحده. ويضحي بكل شيء في سبيله. أو يذم الآخرين ضمنًا ويهوّن من شأنهم إعلاءً لقدر محبوبه وثناءً عليه.
فمثلًا قد قال أحد العاشقين:
"إن الشمس لتخجل من جمال محبوبتي، فتتستر بحجاب السحاب لئلا تراها".
— 38 —
أيها العاشق! بأي حق تُخجل الشمس، تلك الصحيفة النورانية التي تظهر ثمانية أسماء عظمى؟
ثم إن الشفقة خالصةٌ، لا تطلب شيئًا من المشفَق عليه، فهي صافية لا تطلب عوضًا. والدليل على هذا، الشفقةُ المقرونة بالتضحية التي تحملها والدات الحيوانات، والتي هي أدنى مراتب الشفقة، فهي لا تطلب مقابلَ شفقتها شيئًا.
بينما العشق يطلب الأجرة والعوض. وما نُواحُ العاشقينَ إلّا نوعٌ من الطلب، وسؤال للأجرة.
إذن فإن شفقة سيدنا يعقوب التي هي أسطعُ نورٍ يتلمع في أسطع سور القرآن، سورة يوسف، تظهر اسمَي "الرحمن الرحيم" وتعلن: أن طريق الشفقة هي طريق الرحمة، وأنَّ ضماد أَلم الشفقة ذاك إنما هو:
فاللّٰه خيرٌ حافظًا وهو أرحمُ الراحمين
(يوسف: ٦٤).
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 39 —

المكتوب التاسع

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
"جزء من رسالة بعثَها إلى تلميذه المعهود، ذلك التلميذ الخالص"

........

ثانيًا: إنَّ توفيقكم ونجاحَكم في نشر الأنوار القرآنية ونشاطَكم وشوقكم في هذا السبيل، إنما هو إكرام إلهي، بل هو كرامةٌ قرآنية وعناية ربانية. أهنئكم يا أخي. ولمناسبة ذكر الكرامة والإكرام والعناية سأذكر فرقًا بين الكرامة والإكرام وهو الآتي:
إن إظهار الكرامة فيه ضرر إن لم يكن هناك ضرورة، بينما إظهارُ الإكرام تحدّثٌ بالنعمة. فالشخص المتشرف بالكرامة إذا ما صدر عنه أمر خارق للعادة وهو يعلم، فلربما يكون صدورُ ذلك الأمر الخارق استدراجًا إن كانت نفسُه الأمارة باقيةً، من حيث إعجابُه بنفسه والاعتمادُ على كشفه واحتمالُ وقوعه في الغرور.
ولكن إنْ صدر عنه أمرٌ خارق دون علمه وشعوره، كمن يأتيه من يحمل سؤالًا في قلبه، فيجيب عنه جوابًا شافيًا من نوع الإنطاق بالحق فإنه لا يعتمد على نفسه بعد إدراكه الأمر، بل
— 40 —
تزداد ثقتُه باللّٰه واطمئنانُه إليه، قائلًا: إن لي حفيظًا رقيبًا يتولاني بالتربية أكثر مني. فيزيد توكُّله على اللّٰه.
هذا القِسم، كرامةٌ لا خطورةَ فيها، وصاحبُها غير مكلف بإخفائها. ولكن عليه ألّا يسعى قصدَ إظهارها للفخر، لأنه ربما ينسب ذلك الأمر الخارق إلى نفسه، إذ فيه شيء من كسب الإنسان في الظاهر.
أما الإكرام فهو أسلم من القسم الثاني السليم من تلك الكرامة وهو في نظري أعلى منه وأسمى. فإظهاره تحدث بالنعمة، لأن ليس فيه نصيب من كسب الإنسان. فالنفس لا تستطيع أن تسنده إليها.
وهكذا يا أخي! إن ما رأيتُه وكتبتُه سابقًا من إحسانات إلهية، فيما يخصك ويخصني ولاسيما في خدمتنا للقرآن، إنما هو إكرام إلهي، إظهارُه تحدُّثٌ بالنعمة. ولهذا أكتب إليكم عن التوفيق الإلهي في خدمتنا من قبيل التحدّث بالنعمة. وأنا على علم أنه يحرّك فيكم عِرق الشكر لا الفخر.
ثالثًا: أرى أن أسعد إنسان في هذه الحياة الدنيا هو ذلك الذي يتلقى الدنيا مضيفَ جندية ويذعن أنها هكذا، ويعمل وفق ذلك. فهو بهذا التلقي يتمكن من أن ينال أعظمَ مرتبة ويحظى بها بسرعة، تلك هي مرتبةُ رضى اللّٰه سبحانه، إذ لا يمنح قيمةَ الألماس الثمينة الباقية لقِطع زجاجية تافهة، بل يجعل حياتَه تمضي بهناء واستقامة.
نعم، إنَّ الأمور التي تعود إلى الدنيا هي بمثابة قطع زجاجية قابلة للكسر، بينما الأمور الباقية التي تخص الآخرة هي بقيمة الألماس المتين الثمين.
فما في فطرة الإنسان من رغبة مُلحَّة ومحبةٍ جياشة وحرصٍ رهيب وسؤال شديد وأحاسيس أخرى من أمثال هذه، وهي أحاسيس شديدة وعريقة، إنما وُهبتْ له ليغنَم بها أمورًا أُخروية. لذا فإن توجيه تلك الأحاسيس وبذلها بشدة نحو أمور دنيوية فانية إنما يعني إعطاء قيمة الألماس لقطع زجاجية تافهة.
— 41 —
ولقد وردت هذه النقطة على خاطري لمناسبة هذه المسألة فسأذكرها لكم، وهي:
إنَّ العشق محبةٌ قوية شديدة، فحينما يتوجّه إلى محبوبات فانية، فإن ذلك العشق إمَّا يجعل صاحبَه في عذاب أليم مقيم، أو يدفعه ليتحرى عن محبوب حقيقي حيث لا يستحق ذلك المحبوب المجازي تلك المحبة الشديدة. وعندها يتحول العشق المجازي إلى عشق حقيقي.
وهكذا ففي الإنسان أُلوفٌ من أمثال هذه الأحاسيس، كلٌّ منها لها مرتبتان، كالعشق، إحداهما مجازية، والأخرى حقيقية.
فمثلًا: القلق على المستقبل. هذا الإحساس موجودٌ في كل إنسان، فعندما يقلق قلقًا شديدًا على المستقبل يرى أنه لا يملك عهدًا للوصول إلى ذلك المستقبل الذي يقلق عليه، فضلًا عن أن ذلك المستقبل القصير الأمد مكفول من حيث الرزق، من قبَل الرزاق، فإذن لا يستحق كل هذا القلق الشديد. وعندها يصرف وجهَه عنه، متوجهًا إلى مستقبل حقيقي مديد، وهو ما وراء القبر والذي لم يُكفَل للغافلين.
ثم إن الإنسان يُبدي حرصًا شديدًا نحو المال والجاه، ولكنه يرى أن ذلك المال الفاني الذي هو أمانة بيده مؤقتًا، وذلك الجاه الذي هو مدارُ شهرة ذات بلاء، ومصدرُ رياء مهلك، لا يستحقان ذلك الحرص الشديد. وعند ذلك يتوجّه إلى الجاه الحقيقي الذي هو المراتب المعنوية ودرجات القُرب الإلهي وزاد الآخرة، ويتوجه إلى المال الحقيقي الذي هو الأعمال الأخروية. فينقلب الحرص المجازي الذي هو أخلاقٌ ذميمة إلى حرص حقيقي الذي هو أخلاق حميدة سامية.
ومثلًا: يعاند الإنسان ويثبت ويصرّ على أمور تافهة زائلة فانية ثم يشعر أنه يصرّ على شيء سَنة واحدة، بينما هو لا يستحق إصرار دقيقة واحدة. فليس إلَّا الإصرار والعناد يجعله يثبت على أمور ربما هي مُهلكة ومضرة به. ولكن ما إن يشعر أن هذا الحس الشديد لم يوهب له ليبذل في مثل هذه الأمور التافهة، وإن صرفه في هذا المجال مناف للحقيقة والحكمة، تراه يوجه ثباته وإصرارَه وعناده الشديد في تلك الأمور التافهة إلى أمور باقية وسامية ورفيعة تلك هي الحقائق الإيمانية والأسس الإسلامية والأعمال الأخروية. وعندها ينقلب الحسُّ الشديد
— 42 —
للعناد المجازي الذي هو خصلة مرذولة إلى خصلة سامية وسجية طيبة وهي العناد الحقيقي، وهو الثبات الشديد على الحق.
وهكذا على غِرار هذه الأمثلة الثلاثة فإن الأجهزة المعنوية الممنوحة للإنسان إذا ما استعملها في سبيل النفس والدنيا، غافلًا وكأنه مُخلَّد فيها؛ تصبح تلك الأجهزة المعنوية منابع أخلاق دنيئة ومصادر إسرافات في الأمور ومنشأَ عبثيةٍ لا طائل وراءها. ولكن إذا ما وجّه أحاسيسه تلك، الخفيفةَ منها إلى الدنيا والشديدةَ منها إلى العقبى وأعمال الآخرة والأفعال المعنوية، فإنها تكون منشأ للأخلاق الفاضلة وسبيلًا ممهدًا إلى سعادة الدارين ومنسجمًا انسجامًا تامًا مع الحكمة والحقيقة.
ومن هنا فإني أخال أن سببًا من أسباب عدم تأثير نصيحة الناصحين في هذا الزمان هو: أنهم يقولون لسيئي الخُلق: لا تحسُدوا. لا تحرصوا. لا تعادوا. لا تعاندوا. لا تحبُّوا الدنيا. بمعنى أنهم يقولون لهم غيّروا فطرتكم. وهو تكليف لا يطيقونه في الظاهر. ولكن لو يقولون لهم: اصرفوا وُجُوهَ هذه الصفات إلى أمور الخير، غيّروا مجراها، فعندئذ تجدي النصيحة وتؤثر في النفوس، وتكون ضمن نطاق إرادة الإنسان واختياره.
رابعًا: لقد دار بين علماء الإسلام كثيرًا بحثٌ حول الفروق بين الإيمان والإسلام. فقال قسم: كلاهما واحد. وآخرون قالوا: إنهما ليسا واحدًا، بل لا ينفك أحدُهما عن الآخر. وأوردوا آراءً كثيرة مختلفة مشابهة لهذا. وقد فهمت فرقًا بينهما كهذا:
إن الإسلام التزامٌ، والإيمان إذعان. أو بتعبير آخر: الإسلام هو الولاء للحق والتسليم والانقياد له. أما الإيمان فهو قبول الحق وتصديقه.
ولقد رأيت -فيما مضى- بعضًا ممن لا دين لهم يظهرون ولاءً شديدًا لأحكام القرآن، بمعنى أن ذلك الملحد قد نال إسلامًا بجهة التزامه الحقَ، فيُقال له: مسلم بلا دين. ثم رأيت بعض المؤمنين لا يظهرون ولاءً لأحكام القرآن ولا يلتزمون بها، أي أنهم ينالون عبارة: مؤمن غير مسلم.
تُرى أيمكن أن يكون إيمانٌ بلا إسلام سبب النجاة يوم القيامة؟
— 43 —
الجواب: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكون سببَ النجاة، كذلك الإيمان بلا إسلام لا يكون سبب النجاة.
فللّٰه الحمد والمنة، أن موازين "رسائل النور" قد بيّنت ثمراتِ الدين الإسلامي وحقائقَ القرآن ونتائجهما بيانًا شافيًا وافيًا -بفيض الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم- بحيث لو فهمها حتى من لا دين له لا يمكن أن يكون غيرَ موالٍ لها.
وقد أظهرت هذه الرسائل دلائلَ الإيمان والإسلام وبراهينَهما كذلك قويةً راسخة بحيث لو فهمها غيرُ المسلم يصدّق بها لا محالة، ويؤمن بها رغم بقائه على غير الإسلام.
نعم، إن "الكلمات" قد وضحت ثمار الإيمان والإسلام التي هي جميلة جمال ثمار الجنة ولذتها، وأوضحت نتائجَهما اليانعة الطيبة كأطايب سعادة الدارين، حتى إنها تمنح كلَّ من رآها واطَّلع عليها وعرفها شعورَ الولاء والانحياز التام والتسليم الكامل. وأيضًا قد أظهرت براهينَ الإيمان والإسلام قويةً راسخة رسوخ الموجودات كلها، وكثيرة كثرة الذرات، فيعطي من الإذعان والرسوخ ما لا منتهى لهما في الإيمان. حتى إنني حينما أقرأ أحيانًا كلمة الشهادة في أوراد الشاه النقشبند، وأقول: "على ذلك نحيا وعليه نموت وعليه نُبعث غدًا" أشعر بمنتهى الالتزام، بحيث لا أضحي بحقيقة إيمانية واحدة لو أُعطيتُ الدنيا بأسرها. لأن افتراض ما يخالف حقيقة واحدة لدقيقة واحدة أليم عليّ ألمًا لا يطاق. بل ترضخ نفسي لتعطي الدنيا بأسرها -لو كانت لي- مقابل حقيقة إيمانية. وحينما أقول: "وآمنا بما أرسلتَ من رسول، وآمنا بما أنیزلتَ من كتاب، وصدّقنا" أشعر بقوة إيمانية عظيمة لا منتهى لها، وأَعُدُّ ما يخالف أية حقيقة من حقائق الإيمان محالًا عقليًا، وأرى أهلَ الضلال في منتهى البلاهة والجنون.
بلّغ سلامي إلى والديك مع وافر الاحترام وارجُ منهما الدعاء لي، ولكونك أخي فهما في حُكم والديّ أيضًا. بلّغ سلامي إلى أهل قريتكم جميعًا. ولاسيما من يستمع لی"الكلمات" منك.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 44 —

المكتوب العاشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
جواب عن سؤالين:
الأول: هو هامش المقصد الثاني من "الكلمة الثلاثين" الخاصة بی"أنا وتحولات الذرات":
لقد ذُكر في القرآن الكريم: "إِمَامٍ مُبِينٍ" و "كِتَابٍ مُبِينٍ" في عدة مواضع. وقال قسم من المفسرين: أنهما بمعنى واحد. وقال آخرون: معناهما مختلف. وفسّروا حقيقتهما بوجوه متضاربة. وخلاصةُ ما قالوه: أنهما عنوانان للعلم الإلهي. ولقد حصل لي الاطمئنان التام والقناعة التامة بفيض القرآن الكريم أن:
"الإمام المبين" عنوانٌ لنوعٍ من العلم الإلهي وأمره، بحيث يتوجّه إلى عالم الغيب أكثر مما يتوجه إلى عالم الشهادة. أي أنه يتوجه إلى الماضي والمستقبل أكثر من توجهه إلى الحال والزمن الحاضر. وبعبارة أخرى: أنه سجلٌ للقَدر الإلهي ينظر إلى أصل كل شيء وإلى نسله، إلى عروقه وإلى بذوره، أكثر مما ينظر إلى وجوده الظاهري. وقد أُثبت وجودُ هذا السجل في "الكلمة السادسة والعشرين"، وفي حاشية "الكلمة العاشرة".
— 45 —
نعم، إنَّ هذا الإمام المبين عنوانٌ لنوع من العلم الإلهي وأمره، وهذا يعني: أن إنتاج مبادئ الأشياء وجذورِها وأصولِها، بكمال الانتظام، للأشياء، في غاية الإبداع والإتقان، يدل على أن ذلك التنظيم والإتقان إنما يتمان وفق سجل دساتير للعلم الإلهي. كما أن نتائج الأشياء وأنسالَها وبذورَها، سجلٌ صغير للأوامر الإلهية لكونها تتضمن برامج ما سيأتي من الموجودات وفهارسه، فيصح أن يقال: إن البذرة -مثلًا- عبارة عن مجسّمة مصغرة للبرامج والفهارس التي تنظم جميعَ تركيب الشجرة الضخمة، وللأوامر التكوينية التي تعيّن تلك التصاميم والفهارس وتحدّدها.
الحاصل: إنَّ "الإمام المبين" هو في حكم فهرس وبرنامج شجرة الخلق، الممتدة عروقُها وأغصانُها وفروعها حول الماضي والمستقبل وعالم الغيب. فی"الإمام المبين" بهذا المعنى سجل للقدَر الإلهي، وكراسُ دساتيره. والذرات تُساق إلى حركاتها ووظائفها في الأشياء بإملاءٍ من تلك الدساتير وبحُكمها. أما "الكتاب المبين" فهو يتوجّه إلى عالم الشهادة أكثر من توجّهه إلى عالم الغيب، أي ينظر إلى الزمان الحاضر أكثر مما ينظر إلى الماضي والمستقبل. فهو عنوان للقدرة الإلٰهية والإرادة الربانية، وسجل لهما وكتاب، أكثر مما هو عنوان لعلم اللّٰه وأمره. وبتعبير آخر: إنه إذا كان "الإمام المبين" سجلا للقَدَر الإلهي فی"الكتاب المبين" سجل للقُدرة الإلهية. أي إن الانتظام والإتقان في كل شيء، سواء في وجوده، في هويته، في صفاته، في شؤونه يدلان على أن الوجود يُضفى على الشيء وتُعيَّن له صوَره، ويشخَّص مقداره، ويعطى له شكله الخاص، بدساتير قدرةٍ كاملة وقوانين إرادة نافذة. فتلك القدرة الإلهية والإرادة الإلهية إذن لهما قوانين كلية وعمومية محفوظة في سجل عظيم، بحيث يُفصَّل ويُخاط ثوبُ أنماط الوجود الخاص لكل شيء ويُلبَس عليه ويُعطى له صوره المخصوصة، وفق تلك القوانين. وقد أُثبتَ وجودُ هذا السجل في رسالة "القدر الإلهي والجزء الاختياري" كما أُثبتَ فيها "الإمام المبين".
فانظر إلى حماقة الفلاسفة وأرباب الضلالة والغفلة! فلقد شعروا بوجود اللوح المحفوظ للقدرة الإلهية الفاطرة، وأحسّوا بمظاهر ذلك الكتاب البصير الحكمة الربانية والإرادة الإلٰهية النافذة في الأشياء، ولمسوا صُوَره ونماذجه، إلّا أنهم أطلقوا عليه اسم "الطبيعة" -حاش للّٰه- فأخمدوا نورَه.
— 46 —
وهكذا، بإملاءٍ من "الإمام المبين"، أي بحُكم القَدَر الإلهي ودستورِه النافذ، تَكتُبُ القدرةُ الإلهية في إيجادها سلسلةَ الموجودات -التي كلٌ منها آية- وتوجِد وتحرِّك الذرات في لوح "المحو والإثبات" الذي هو الصحيفة المثالية للزمان.
أي أن حركات الذرات إنما هي اهتزازاتٌ وحركات في أثناء عبور الموجودات، من جراء تلك الكتابة، ومن ذلك الاستنساخ، من عالم الغيب، إلى عالم الشهادة، أي من العلم إلى القدرة. أما "لوح المحو والإثبات" فهو سجلٌ متبدل للّوح المحفوظ الأعظم الثابت الدائم، ولوحةُ "كتابة ومحو" له في دائرة الممكنات، أي الأشياء المعرَّضة دومًا إلى الموت والحياة، إلى الفناء والوجود. بحيث إن حقيقةَ الزمان هو هذا. نعم! فكما أن لكل شيء حقيقة، فحقيقةُ ما نسميه بالزمان الذي يجري جريانَ النهر العظيم في الكون هي في حُكم صحيفة ومداد لكتابات القُدرة الإلهية في لوح المحو والإثبات. ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه.
السؤال الثاني: أين ميدان الحشر؟
الجواب: العلم عند اللّٰه.. وإن حكمة الخالق الحكيم الرفيعة التي يظهرها في كل شيء حتى في ربط حكم كثيرة جليلة بشيء صغير جدًّا، تشير صراحة إلى أن الكرة الأرضية لا تخط في أثناء سيرها السنوي دائرة عظيمة عبثًا وعلى غير هدى. بل إنها تدور حول شيء عظيم، وتخط دائرة محيطةً لميدان عظيم، وتعيّن حدودَه، وتجول حول مشهَر عظيم، وتسلّم محاصيلَها المعنوية إليه، لتُعرَض تلك المعروضات أمام أنظار الناس في ذلك المحشر. بمعنى أن ميدان حشر عظيم سيُبسَط من منطقة الشام -كما في رواية- [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٢/٤٤٠؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٤٧، ٥/٣، ٥؛ الترمذي، القيامة ٣. التي ستكون في حكم نواة تملأ دائرة عظيمة محيطُها يبلغ ما يقرب مسافة خمس وعشرين ألف سنة.
وتُرسل الآن محاصيلُ الأرض المعنوية إلى دفاتر وألواح ذلك الميدان المعنوي، المحجوب عنا تحت ستار الغيب، وحينما يُفتح الميدانُ في المستقبل، ستُفرغ الأرض أيضًا بأهليها إلى الميدان نفسه وتمضي محاصيلُها المعنوية تلك من الغيب إلى الشهادة.
نعم، إن الكرة الأرضية في حكم مزرعة، وبمثابة نبع، وكأنها مكيال، قد أنتجت من المحاصيل الوفيرة ما يملأ ذلك الميدان الأكبر، وسالت منها مخلوقاتٌ كثيرة يستوعبها ذلك
— 47 —
الميدان، وخرجت منها مصنوعاتٌ كثيرة تملأ ذلك الميدان. أي أن الكرة الأرضية نواة، وأن ميدان الحشر مع ما فيه، شجرةٌ وسنبل ومخزن.
نعم، كما أن نقطة نورانيةً تخط خطًا أو دائرة بحركتها السريعة، فالكرةُ الأرضية كذلك تكون سببًا لتمثيل دائرة وجودٍ، بحركتها السريعة والحكيمة. وتلك الدائرة مع محاصيلها تكون محورَ تشكل ميدان الحشر الأكبر..
قل إنما العلمُ عندَ اللّٰه
(الملك: ٢٦).
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 48 —

المكتوب الحادي عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
(إن هذا المكتوب علاجٌ مهم، يشير إلى دُريرات أُخرجت من خزائن عظمى لآيات أربع كريمات).
أخي العزيز! إن القرآن الحكيم قد درّس نفسي الأمارة بالسوء هذه المسائلَ المختلفة الأربع في أوقات متباينة. كتبتها لمن شاء من إخواني الذين يرغبون أن يأخذوا حظًا أو درسًا منها.
فهذه المسائل تبين دُريرات من خزينة الحقائق لأربع آيات كريمات مختلفة من حيث المبحث، ولكل مبحث من تلك المباحث صورتها وفائدتها الخاصة بها.
المبحث الأول
قال تعالى:
إنّ كيدَ الشّيطان كان ضَعيفًا
(النساء: ٧٦)
يا نفسي الآيسةَ من جراء الوساوس والشبهات!
إنَّ تداعي الخيالات، وتخطّر الفرضيات نوع من ارتسامٍ غير اختياري، والارتسام إن كان آتيًا من الخير والنورانيات، يسري حُكمُ حقيقته إلى صورته ومثاله، إلى حدٍ ما. مثلما
— 49 —
ينتقل ضوءُ الشمس وحرارتُها إلى صورتها في المرآة. وإن كان الارتسام صادرًا من الشر ومن الكثيف، فلا يسرى حكمُ الأصل وخاصيتُه إلى صورته، ولا إلى مثاله. كصورة النجس والقذارة، في المرآة ليست نجسةً ولا قذرة. وصورة الحية في المرآة لا تلدغ.
وبناء على هذا: إن تصوّر الكفرِ ليس كفرًا، وتخيّل الشتم ليس شتمًا، ولاسيما إن كان بلا اختيار، وكان تخطرًا فرضيًا، فلا ضرر فيه على الإطلاق.
ثم إن قبح الشيء ونجاستَه وقذارتَه هو بسبب النهي الإلهي، حسب مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة. وحيث إن الأمر خاطرٌ فرضي، وتداعٍ خيالي، بلا اختيار ولا رضى، فلا يتعلق به النهيُ الإلهي. ولهذا فلا يكون الأمر قبيحًا ولا قذرًا ولا نجسًا مهما كان صورةً لقبيحٍ وقذرٍ ونجس.
المسألة الثانية
ثمرة أينعت في مرعى جبل في بارلا، تحت شجرة الصنوبر والقطران أُدرجت في كتاب "الكلمات".
المسألة الثالثة
هذه المسألة والتي بعدها، قسم من الأمثلة التي تبيّن عَجز المدنية الحديثة إزاء إعجاز القرآن، والمذكور في "الكلمة الخامسة والعشرين". وهما مثالان من ألوف الأمثلة التي تثبت مدى الظلم والإجحاف في الحقوق المدنية للحضارة الحديثة والتي تخالف أحكام القرآن.
إن الحكم القرآني
فللذكر مثلُ حظِّ الانُثيين
(النساء: ١٧٦) محضُ العدالة وعينُ الرحمة في الوقت نفسه .
نعم، إنَّ ذلك الحكم عدالةٌ؛ لأنَّ الرجل الذي ينكح امرأة يتكفل بنفقتها كما هو في الأكثرية المطلقة. أما المرأة فهي تتزوج الرجل وتذهب إليه، وتحمِّل نفقتَها عليه، فتلافي نقصَها في الإرث.
ثم إن الحكم القرآني رحمةٌ؛ لأن تلك البنت الضعيفة محتاجة كثيرًا إلى شفقة والدها
— 50 —
وعطفِه عليها وإلى رحمة أخيها ورأفته بها فهي تجد، حسب الحكم القرآني، تلك الشفقة عليها من والدها وعطفه دون أن يكدّرها حذر، إذ ينظر إليها والدُها نظرة من لا يخشى منها ضررًا، ولا يقول بأنها ستكون سببًا في انتقال نصفِ ثروتي إلى الأجانب والأغيار. فلا يشوب تلك الشفقةَ والعطفَ الأبوي الحذرُ والقلقُ.
ثم إنها ترى من أخيها رحمةً وحماية لا يعكّرها حسدٌ ولا منافسة، إذ لا ينظر إليها أخوها نظر مَن يجد فيها منافسًا له يمكن أن تبدد نصف ثروة أبيهما بوضعها في يد الأجانب. فلا يعكر صفوَ تلك الرحمة والحماية حقدٌ وكدر.
فتلك البنتُ اللطيفة الرقيقة فطرةً، والضعيفةُ النحيفة خلقةً، تفقد في هذه الحالة شيئًا قليلًا في ظاهر الأمر. إلّا أنها تكسب -بدلًا منه- ثروةً لا تفنى من شفقة الأقارب وعطفهم عليها ورحمتهم بها. وإلّا فإن إعطاءها نصيبًا أكثرَ مما تستحق بزعم أن ذلك رحمةٌ في حقها أزيد من رحمة اللّٰه سبحانه، ليس رحمة بها قط بل ظلمٌ شنيع في حقها، ربما يفتح سبيلًا أمام الحرص الوحشي المستولي على النفوس في هذا الزمان لارتكاب ظلم أشنع، يذكّر بالغيرة الوحشية التي كانت مستولية على النفوس في زمن الجاهلية في وأدهم البنات. فالأحكام القرآنية كلها تصدّق، كما يصدّق هذا الحكم، قوله تعالى:
وما ارسلناك الّا رحمة للعالمين
(الأنبياء: ١٠٧).
المسألة الرابعة
قوله تعالى: فلأمّه السُدُس (النساء: ١١).
إن المدنية (وهي بلا ميم) -أي الدنيّة- كما قد أصبحت سببًا لمثل هذا الظلم (المذكور في المسألة السابقة) في حق البنات بإعطائها أكثر مما تستحق، كذلك تقترف ظلمًا أدهى وأنكى بحق الوالدات وذلك بحرمانهن من حقوقهن.
نعم، إن شفقة الوالدة وحنانَها الذي هو ألطفُ جلوة من رحمته تعالى بل ألذُّها وأجدرها بالاحترام، أسمى وأكرم حقيقة من حقائق الوجود.
والوالدة هي بالذات أكرمُ صديقة عزيزة وأرحمُ مضحية، بل إنها تضحي بدنياها
— 51 —
وحياتها وراحتها لولدها، بدافع من حنانها وعطفها. حتى إن الدجاجة التي هي في أبسط مراتب الأمومة، وتحمل بصيصًا من تلك الشفقة، لا تتردد في الهجوم على الكلب والصولة على الأسد دفاعًا عن فراخها، رغم خوفها وجبنها.
فحرمان الوالدة التي تطوي جوانحها على مثل هذه الحقيقة العزيزة وإلى هذا الحد، من تركة ولدها، ظلمٌ مريع وعمل إجرامي، وإهانةٌ بحقها، وكفرانُ نعمة إزاء الحقيقة الجديرة بالتوقير، بحيث يهتز لها عرشُ الرحمة. وفوق ذلك فهو دسّ للسم في الترياق النافع لحياة البشر الاجتماعية. فإن لم يُدرك هذا وحوشُ البشرية الذين يدّعون خدمتها، فإن الناس الحقيقيين الكاملين يعلمون أن حكم القرآن الحكيم في قوله تعالى: فلأمّه السُدُس (النساء: ١١). عينُ الحق ومحضُ العدل.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 52 —

المكتوب الثاني عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم وعلى رفقائكم!
إخوتي الأعزاء! لقد سألتموني في تلك الليلة سؤالًا لم أُجبْ عنه، لأن البحث في المسائل الإيمانية والخوضَ فيها على صورة مناقشات غيرُ جائز. فأنتم قد بسطتم الموضوع على بساط النقاش. والآن أكتب جوابًا في غاية الاختصار عن الأسئلة الثلاثة التي هي أساس نقاشكم. وتجدون تفاصيله في "الكلمات" التي سجل أسماءها "السيد الصيدلي". إلّا أنه لم ترِد ببالي "الكلمة السادسة والعشرون" الخاصة بالقدر والجزء الاختياري، فلم أذكرها، راجعوها، ولكن لا تقرأوها قراءةَ الجرائد والصحف. والسبب الذي دعاني إلى إحالتي "السيد الصيدلي" إلى مطالعة تلك "الكلمات" هو أن الشبهات التي ترِد في أمثال تلك المسائل نابعةٌ من ضعف الاعتقاد في الأركان الإيمانية، وأن تلك "الكلمات" تثبت الأركان الإيمانية بتمامها إثباتًا كاملًا.
سؤالكم الأول: ما الحكمةُ في إخراج سيدنا آدم عليه السلام من الجنة؟ وما الحكمة في إدخال قسم من بني آدم جهنم؟
— 53 —
الجواب: حكمته: التوظيف.. فقد بُعثَ إلى الأرض موظفًا، موكولًا إليه مهمةٌ جليلة، بحيث إن نتائج تلك الوظيفة هي جميعُ أنواع الرقي المعنوي البشري، وانكشافُ جميع استعدادات البشر ونمائها، وصيرورةُ الماهية الإنسانية مرآة جامعة للأسماء الإلهية الحسنى كلها.
فلو كان سيدنا آدم عليه السلام باقيًا في الجنة لبقيَ مقامُه ثابتًا كمقام المَلَك، وَلمَا نمت الاستعداداتُ البشرية. بينما الملائكة الذين هم ذوو مقام ثابت مطّرد كثيرون فلا داعي إلى الإنسان للقيام بذلك النوع من العبودية. فاقتضت الحكمةُ الإلهية وجودَ دارِ تكليف تلائم استعدادات الإنسان التي تتمكن من قطع مقامات لا نهاية لها. ولذلك أُخرج آدم عليه السلام من الجنة بالخطيئة المعروفة التي هي مقتضى فطرة البشر خلاف الملائكة.
أي أن إخراج آدم عليه السلام من الجنة، هو عينُ الحكمة ومحضُ الرحمة. كما أن إدخال الكفار جهنم حقٌّ وعدالة، مثلما جاء في "الإشارة الثالثة من الكلمة العاشرة": إنَّ الكافر وإنْ عمِل ذنبًا في عمر قصير، إلّا أن ذلك الذنب ينطوي على جناية لا نهاية لها؛ ذلك لأن الكفر تحقيرٌ للكائنات جميعًا وتهوينٌ من شأنها.. وتكذيبٌ لشهادة المصنوعات كلها للوحدانية.. وتزييفٌ للأسماء الحسنى المشهودة جلواتها في مرايا الموجودات.. ولهذا يُلقي القهارُ الجليل، سلطانُ الموجودات، الكفارَ في جهنم ليخلدوا فيها، أخذًا لحقوق الموجودات كلها منهم.
وإلقاؤهم في جهنم أبدًا هو عينُ الحق والعدالة، لأن جناية بلا نهاية تقتضي عذابًا بلا نهاية.
سؤالكم الثاني: لماذا خُلقت الشياطين؟ فلقد خلق اللّٰه سبحانه وتعالى الشيطان والشرور، فما الحكمة فيه؟ إذ خلق الشرِّ شرٌ وخلقُ القبح قبيحٌ!.
الجواب: حاشَ للّٰه.. وكلا.. إنَّ خَلق الشر ليس شرًا، بل كسبُ الشر شرٌ، لأنَّ الخلق والإيجاد يتطلع إلى جميع النتائج ويتعلق بها، بينما الكسبُ يتعلق بنتائج خصوصية، لأنه مباشرةٌ خاصة. فمثلًا: إن النتائج المترتبة على نیزول المطر تبلغ الألوف، وجميعُها نتائجُ حسنة وجميلةٌ، فإذا ما تضرر أحدُهم من المطر بسوء تصرفه وعمله، فليس له الحق أنْ يقول: إنَّ إيجاد المطر لا رحمة فيه. وليس له أنْ يحكم بأنَّ خلقَ المطر شر، بل صار شرًا في حقه بسوء اختياره وسوءِ تصرفه وبكسبه هو بالذات.
— 54 —
وكذا خلقُ النار، فيه فوائدُ كثيرة جدًّا، وجميعُها خير، ولكن لو تأذى أحدُهم من النار بسوء كسبه وباستعماله السيئ لها، فليس له أن يقول: إنَّ خلق النار شر، إذ النار لم تُخلق لإحراقه فقط، بل هو الذي أدخل يدَه في النار التي تطبخ له طعامه، فجعل بسوء عمله تلك الخادمة المطيعة عدوةً له.
حاصل الكلام: إنَّ شرًا قليلًا يُقبَل به للحصول على خير كثير، إذ لو تُرك شرٌ يُنتج خيرًا كثيرًا للحيلولة دون حصول ذلك الشر القليل، لحصل عندئذٍ شرٌ كثير.
مثال ذلك: عند سَوق الجيش إلى الجهاد لابد من حدوث أضرار وشرور جزئية مادية وبدنية، ومن المعلوم كذلك أنَّ في الجهاد خيرًا كثيرًا حيث تنجو بلاد المسلمين من سيطرة الكفار، فلو تُرِكَ الجهادُ خشية حدوث تلك الأضرار والشرور القليلة لحصل إذن شرٌ كثير من دون الحصول على خير كثير، وهذا هو عين الظلم.
ومثال آخر: إن قطع الإصبع التي أصابها الموات (الغنغرينا) فيه خير وهو حسن، بينما يبدو ذلك القطع في الظاهر شرًا، ولكن لو لم تُقطَع تلك الإصبع لقُطعت اليدُ، فيحصل آنذاك شر أكبر.
وهكذا فإنَّ خلق الشرور والأضرار والبلايا والشياطين، ليس شرًا ولا قبيحًا لأن هذه الأمور خُلقت للحصول على نتائج مهمة كثيرة جدًّا. فالملائكة مثلًا لا درجات رقيٍّ لهم، وذلك لعدم تسلّط الشياطين عليهم؛ لذا يكون مقامُهم ثابتًا لا يتبدل. وكذا الحيوانات فإن مراتبَها ثابتة وناقصة حيث لم تسلط عليها الشياطين. بينما في عالم الإنسان تمتد المسافة بين مراتب الرقي ودركات التدني إلى أبعاد مديدة طويلة جدًّا، إذ بدءًا من النماردة والفراعنة وانتهاءً إلى الصدّيقين والأولياء والأنبياء عليهم السلام هناك مراتب للرقي والتدني؛ لذا بخلق الشياطين؛ وبسر التكليف، وبإرسال الأنبياء، انفتح ميدانُ الامتحان والتجربة والجهاد والمسابقة، وبه تتميز الأرواحُ السافلة التي هي كالفحم في خساسته عن الأرواح العالية التي هي كالألماس في نفاسته. فلولا المجاهدةُ والمسابقةُ لبقيت الاستعداداتُ كامنةً في جوهر الإنسانية، أي لتساوى الفحمُ والألماس. أي لتساوت الروح السامية لسيدنا أبى بكر الصديق رضي اللّٰه عنه وهي في أعلى عليين مع روح أبي جهل التي هي في أسفل سافلين!
— 55 —
إذن فخلقُ الشياطين والشرور وإيجادُها ليس شرًا وليس قبيحًا؛ لأنه متوجهٌ نحو نتائج كلية وعظيمة. بل الشرور والقبائح الناتجة إنما هي حاصلةٌ من سوء الاستعمال ومن الكسب الإنساني الذي هو مباشرةٌ خاصة، راجعة إلى الكسب الإنساني وليست إلى الخلق الإلهي.
وإذا سألتم:
إنَّ كثيرًا من الناس يسقطون في هاوية الكفر والضلال ببعثة الأنبياء ووجود الشياطين ويتضررون من جرائهم. وحيث إن الحُكم جارٍ على الأكثرية، وأن الأكثرين يتضررون، فخلق الشر إذن شر، بل يمكن أن يقال إن بعثة الأنبياء ليست رحمة!
فالجواب: إنه لا اعتبار للكمية بالنسبة إلى النوعية، فالأكثرية في الحقيقة متوجهة أصلًا إلى النوعية، لا إلى الكمية. فلو كانت هناك مائة نواة للتمر -مثلًا- ولم توضع تحت التراب ولم تُسقَ بالماء، أي إن لم تحدث فيها تفاعلات كيمياوية، أي إن لم تنَل مجاهدة حياتية، فإنها تظل على حالها مائةَ نواة وتساوي قيمتُها مائة درهم. بينما إذا سُقيَت بالماء وتعرضت لمجاهدة حياتية فتفسخت من جرائها، وبسوء طبعها، ثمانون منها، ونمت عشرون منها نخلًا مثمرًا، أفيمكنك أنْ تقول: إنَّ سقيَ تلك البذور شرٌ، حيث أفسد الكثير منها! لا تستطيع قول ذلك بلا شك، لأن تلك النوى العشرين قد أصبحت بمثابة عشرين ألف نواة، فالذي يفقد الثمانين ويكسب العشرين ألفًا لاشك أنه غانم لم يتضرر، فلا يكون السقي إذن شرًا.
وكذا لو وجدت مائةٌ من بيض الطاووس -مثلًا- فثمنُها يساوي ثمنَ البيض وهو خمسمائة قرش، ولكن إذا حضنت تلك المائة من البيض وفرّخ عشرون منها، وفسدت الثمانون الباقية، هل يمكن أن يُقال حينئذٍ أن ضررًا كبيرًا قد حدث، أو أنَّ هذه المعاملة شر، أو أنَّ حضانة الطاووسة البيض عملٌ قبيح.. لاشك إنَّ الجواب ليس كذلك، بل العمل هذا خير، لأن الطاووس وبيضَه قد كسبا عشرين طاووسًا أثمانُها باهظة بدلًا عن تلك البيوض الكثيرة الزهيدة الثمن.
— 56 —
وهكذا فقد غَنِمَ النوعُ البشري مائة ألف من الأنبياء عليهم السلام وملايين الأولياء وملايين الملايين من الأصفياء الذين هم شموس عالم الإنسانية وأقمارُها ونجومُها، ببعثة الأنبياء وبسر التكليف وبمحاربة الشياطين، إزاء ما خسره من المنافقين، الكثيرين كمًا والتافهين نوعًا، والكفار الذين هم ضربٌ من الحيوانات المضرة.
سؤالكم الثالث: إن اللّٰه سبحانه وتعالى يُنیزِل المصائب ويُسَلِّط البلايا، ألا يكون هذا ظلمًا على الأبرياء بل حتى على الحيوانات؟
الجواب: حاشَ للّٰه وكلا.. فإن المُلك ملكُه وحده، وله أن يتصرف فيه كيف يشاء. تُرى لو أن صنّاعًا ماهرًا جعلك نموذجًا "موديلًا" مقابل أجرة، وألبسك ثوبًا زاهيًا خاطه بأفضل ما يكون، ثم بدأ يقصّره ويطوله ويقصه.. ثم يُقعدك وينهضك ويثنيك.. كل ذلك لكي يبين حذاقته ومهارته، فهل لك أنْ تقول له: لقد شوَّهتَ جمال ثيابي الذي زادني جمالًا، وقد أرهقتني لكثرة ما تقول لي: اجلس.. انهض! فلا ريب أنك لا تقدر على هذا القول. بل لو قلتَه، فهو دليل الجنون ليس إلّا.
وعلى غِرار هذا فإن الصانع الجليل قد ألبسك جسمًا بديعًا مزينًا بالعين والأذن واللسان وغيرها من الأعضاء والحواس. ولأجل إظهار آثار أسمائه الحسنى المتنوعة يبتليك بأنواع من البلايا فيُمرضك حينًا ويمتّعك بالصحة أحيانًا أخرى، ويُجيعك مرة ويشبعك تارة ويظمئك أخرى. وهكذا يقلّبك في أمثال هذه الأطوار والأحوال لتتقوى ماهيةُ الحياة وتظهر جلواتُ أسمائه الحسنى.
فإن قلت: لماذا تبتليني بهذه المصائب؟ فإنّ مائة من الحِكَم الجليلة تُسكتك، كما أشير إليها في المثال السابق. إذ من المعلوم أن السكون والهدوءَ والرتابة والعطالة نوعٌ من العدم والضرر، وبعكسه الحركة والتبدل وجودٌ وخير. فالحياة تتكامل بالحركة وتترقى بالبلايا وتنال حركات مختلفة بتجليات الأسماء وتتصفى وتتقوى وتنمو وتتسع، حتى تكون قلمًا متحركًا لكتابة مقدراتها، وتفي بوظائفها، وتستحق الأجر الأخروي.
نكتفي بهذا القدر من الأجوبة المختصرة لأسئلتكم الثلاث التي دارت حولها مناقشاتكم. أما إيضاحها ففي الثلاث والثلاثين كلمة من "الكلمات".
— 57 —
أخي العزيز!
اقرأ هذه الرسالة للسيد الصيدلي، ومَنْ تراه لائقًا ممن سمعوا المناقشة وبلّغ سلامي إلى الصيدلي الذي هو من طلابي الجدد، وقل له:
لا يجوز بحث المسائل الإيمانية الدقيقة -كالمذكورة- بشكل مناقشات جدلية من دون ميزان، ولا أمام جماعة من الناس، إذ تتحول الأدويةُ عندئذٍ إلى سموم، لأنها دون ميزان، فتضر المتكلمين والمستمعين معًا. وإنما يجوز ذلك عند فراغ البال وسكون القلب وتوفّر الإنصاف عند الباحثين، وتداولًا فكريًا ليس إلّا.
وقل له: إن كانت ترد إلى قلبك الشبهات في مثل هذه المسائل ولم تجد لها جوابًا في "الكلمات" فليكتب إليّ رسالة خاصة بشأنها.
وقل للصيدلي أيضًا: لقد ورد المعنى الآتي بحق الرؤيا التي رآها، والتي تعود إلى والده المرحوم:
لما كان الوالد المرحوم طبيبًا، فقد نفع أناسًا أتقياء وصالحين كثيرين بل أولياء. فأرواح أولئك الميامين الذين انتفعوا منه ظهرت لابنه القريب منه، على صورة طيور في أثناء وفاته. فخطر لي أن ذلك استقبال مفرح وترحيب مفعم بالشفاعة.
سلامي ودعواتي إلى كل من حضر معنا هنا تلك الليلة.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 58 —

المكتوب الثالث عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام على من اتبع الهدى.. والملام على من اتبع الهوى
إخوتي الأعزاء! تسألون كثيرًا عن حالي وراحتي، وعن عدم مراجعتي الجهات المسؤولة للحصول على شهادة (للمنفيين) وعن عدم اهتمامي بأحوال العالَم السياسية. وحيث إن أسئلتكم تتكرر كثيرًا، فضلًا عن أنها تُسأل مني معنًى، أضطر إلى الإجابة على هذه الأسئلة الثلاث بلسان "سعيد القديم" وليس بلسان "سعيد الجديد".
سؤالكم الأول: كيف حالكم؟ أأنتم في خير وعافية؟
الجواب: إنني أحمد اللّٰه تعالى حمدًا لا أُحصيه، إذ حوّل أنواعَ الظلم والمكاره التي جابهني بها أهلُ الدنيا [٭]: المقصود: المغترون بالدنيا من أهل السلطة والحكم. إلى أنواعٍ من الفضل والرحمة. وإليكم البيان:
بينما كنت منعزلًا في مغارة أحد الجبال، وقد طلّقت السياسةَ وتجردت عن الدنيا منشغلًا بأمور آخرتي، أخرجني أهلُ الدنيا من هناك ونفوني ظلمًا وعدوانًا. فجعل الخالق الرحيم الحكيم هذا النفيَ لي رحمة، إذ حوّل ذلك الانیزواءَ في الجبل الذي كان معرّضًا لعوامل تُخل
— 59 —
بالإخلاص والأمان، إلى خلوة في جبال (بارلا) يحيط بها الأمنُ والاطمئنان والإخلاص. وقد عزمت عندما كنت أسيرًا في روسيا ورجوتُ اللّٰه أن أنیزوي في أواخر عمري في مغارة. فجعل أرحمُ الراحمين (بارلا) في مقام تلك المغارة ويسّر لي فائدتها ولم يحمّل كاهلي الضعيف متاعبَ المغارة وصعوباتها إلّا ما أصابني من مضايقات بسبب أوهام وريوب كان يحملها بضعةُ أشخاص فيها، فهؤلاء الذين كانوا أصدقائي -وقد ركبتهم الأوهامُ ظنّا منهم أنهم يعملون لصالحي ولراحتي- إلّا أنهم بأوهامهم هذه قد جلبوا الضيقَ على قلبي والضرر على خدمة القرآن.
وعلى الرغم من أن أهل الدنيا أعطوا للمنفيين جميعًا وثائق العودة وأخلوا سبيل المجرمين من السجون وعفوا عنهم، فقد منعوا الوثيقةَ عني ظلمًا وجورًا، ولكن ربي الرحيم شاء أن يبقيني في هذه الغربة ليستخدمني في خدمة القرآن أكثر وليجعلني أكتب هذه الأنوار القرآنية التي سميتُها "الكلمات" أكثر فأكثر، فأبقاني في هذه الغربة بلا ضجة ولا ضوضاء، وحوّلها إلى رحمة سابغة.
ومع أن أهل الدنيا سمحوا لذوي النفوذ والشيوخ ولرؤساء العشائر (من المنفيين)، الذين يمكنهم المداخلة في دنياهم، بالبقاء في الأقضية والمدن الكبيرة وسمحوا لأقاربهم ولجميع معارفهم بزيارتهم، فإنهم فرضوا عليّ حياةَ العزلة ظلمًا وعدوانًا وأرسلوني إلى قرية صغيرة. ولم يسمحوا لأقاربي ولا لأهل بلدتي -باستثناء واحد أو اثنين- بزيارتي. فقلب خالقي الرحيمُ هذه العزلةَ إلى رحمة غامرة بالنسبة لي، إذ جعل هذه العزلة وسيلةً لصفاء ذهني وتخليصه من توافه الأمور وتوجيهه للاستفاضة من القرآن الحكيم على صفائه ونقائه.
ثم إنَّ أهل الدنيا استكثروا عليّ في البدء حتى كتابة رسالة أو رسالتين اعتياديتين في مدة سنتين كاملتين. بل إنهم حتى اليوم لا يرتاحون عندما يحضر لزيارتي ضيفٌ أو ضيفان مرة كل عشرة أيام أو كل عشرين يومًا أو كل شهر، مع أن غرض الزيارة هو الرغبة في الحصول على ثواب الآخرة ليس إلّا. فارتكبوا الظلم في حقي، ولكن ربي الرحيم وخالقي الحكيم بدّل لي ذلك الظلمَ إلى رحمة، إذ أدخلني في خلوة مرغوبة وعزلة مقبولة في هذه الشهور الثلاثة التي يكسب المرء فيها تسعين سنة من حياة معنوية. فالحمد للّٰه على كل حال.
هذه هي حالي وظروف راحتي.
— 60 —
سؤالكم الثاني: لِمَ لا تراجع (المسؤولين) للحصول على شهادة؟
الجواب: إنني في هذه المسألة محكومٌ للقدَر ولست محكومًا لأهل الدنيا، لذا أراجع القدر. وأرحل من ههنا متى ما سمح القدَر وقطع رزقي هنا.
وحقيقة هذا المعنى هي أن في كل ما يصيب الإنسان سببين:
الأول: سببٌ ظاهر. والآخر: حقيقي.
وقد أصبح أهل الدنيا سببًا ظاهرًا وأتوا بي إلى ههنا. أما القدرُ الإلهي فهو السبب الحقيقي، فحَكم عليّ بهذه العزلة. والسبب الظاهر ظَلَمَ، أما السبب الحقيقي فقد عَدلَ.
والسبب الظاهر فكّر على هذا النمط: "إن هذا الرجل يخدم العلم والدين بإفراط، فلربما يتدخل في أمور دنيانا". فنفوني بناء على هذا الاحتمال، وظلموا ظلمًا مضاعفًا بثلاث جهات.
أما القدر الإلهي فقد رأى أنني لا أخدم الدين والعلم خدمة خالصة كاملة، فحكَم عليّ بهذا النفي، وحوّل ظلمَهم المضاعَف إلى رحمة مضاعفة.
فما دام القدرُ هو الحاكم في نفيي، والقدرُ عادلٌ، فأنا أراجع إليه وأُفوض أمري إليه. أما السبب الظاهر فليس له إلّا حججٌ ومبررات تافهة. بمعنى أن مراجعة أهلِ الدنيا لا يعني شيئًا ولا يجدي نفعًا. فلو كانوا يملكون حقًا أو أسبابًا قوية فلربما يمكن مراجعتهم.
إنني تركت دنياهم تركًا نهائيًا -تبًا لها- وفي الوقت الذي أعرضت عن سياساتهم كليًا -وتعسًا لها- فإن كل ما يساورهم من شكوك وأوهام لا أصل لها إطلاقًا؛ لذا لا أرغب في أنْ أُضفى صبغةَ الحقيقة على تلك الريوب والأوهام بمراجعتهم. فلو كان لي أقل رغبة في التدخل بسياستهم الدنيوية، التي طرف حبالها بأيدي الأجانب، لكانت تُظهر نفسها في ثماني ساعات وليست في ثماني سنوات. علمًا أنني لم أرغب في قراءة جريدة واحدة ولم اقرأها طوال ثماني سنوات. فمنذ أربع سنوات وأنا هنا تحت المراقبة، لم تَبدُ مني ظاهرةٌ من ذلك، بمعنى أن خدمة القرآن لها من السمو والرفعة ما يعلو على جميع السياسات مما يجعلني أترفّع عن التدخل في السياسات الدنيوية التي يغلب عليها الكذبُ.
— 61 —
والسبب الثاني لعدم مراجعتهم هو: أن ادعاء الحق إزاء مَن يظنون الباطلَ حقًا، نوعٌ من الباطل، فلا أريد ارتكاب ظلم كهذا.
سؤالكم الثالث: لِمَ لا تهتم إلى هذا الحد بمجريات السياسة العالمية الحاضرة. نراك لا تغيّر من طورِكَ أصلًا أمام الحوادث الجارية على صفحات العالم. أفترتاح إليها أم أنك تخاف خوفًا يدفعُك إلى السكوت؟
الجواب: إن خدمة القرآن الكريم هي التي منعَتْني بشدة عن عالم السياسة بل أنسَتني حتى التفكر فيها. وإلّا فإن تاريخ حياتي كلّها تشهد بأن الخوف لم يكبّلني ولا يمنعني في مواصلة سيري فيما أراه حقًا. ثم مِمَّ يكون خوفي؟ فليس لي مع الدنيا علاقة غير الأجل، إذ ليس لي أهلٌ وأولاد أفكر فيهم، ولا أموال أفكر فيها، ولا أفكر في شرف الأصالة والحسب والنسب. ورحم اللّٰه من أعان على القضاء على السمعة الاجتماعية التي هي الرياء والشهرة الكاذبة، فضلًا عن الحفاظ عليها.. فلم يبق إلّا أجلي، وذلك بيد الخالق الجليل وحده. ومن يجرؤ أن يتعرض له قبل أوانه. فنحن نفضّل أصلًا موتًا عزيزًا على حياة ذليلة.
ولقد قال أحدهم مثل "سعيد القديم"؛
ونحن أناسٌ لا تَوَسّطَ بَيْننالنا الصَدْرُ دونَ العالَمينَ أو القبرُ
[٭]: لأبي فراس الحَمَداني.
إنما هي خدمة القرآن تمنعُني عن التفكر في الحياة الاجتماعية السياسية وذلك:
أن الحياة البشرية ما هي إلّا كركبٍ وقافلة تمضي، ولقد رأيت بنور القرآن الكريم في هذا الزمان، أنَّ طريق تلك القافلة الماضية أدّت بهم إلى مستنقع آسن، فالبشريةُ تتعثر في سيرها فهي لا تكاد تقوم حتى تقع في أوحال ملوثة منتنة.
ولكن قسمًا منها يمضي في طريق آمنة.
وقسم آخر قد وجد بعض الوسائل لتُنجيه -قدر المستطاع- من الوحل والمستنقع.
وقسم آخر وهم الأغلبية يمضون وسط ظلام دامس في ذلك المستنقع المُوحل المتسخ.
— 62 —
فالعشرون من المائة من هؤلاء يلطّخون وجوهَهم وأعينهم بذلك الوحل القذر ظنّا منهم أنه المِسك والعنبر، بسبب سُكرهم. فتارة يقومون وأخرى يقعون وهكذا يمضون حتى يغرقوا.
أما الثمانون من المائة، فهم يعلمون حقيقة المستنقع ويتحسسون عفونته وقذارته إلّا أنهم حائرون، إذ يعجزون عن رؤية الطريق الآمنة.
وهكذا فهناك علاجان اثنان إزاء هؤلاء:
أولهما: إيقاظ العشرين منهم المخمورين بالمطرقة.
وثانيها: إراءة طريق الأمان والخلاص للحائرين بإظهار نور لهم (أي بالإرشاد).
فالذي أراه أن ثمانين رجلًا يمسكون بالمطرقة بأيديهم تجاه العشرين، بينما يظل أولئك الثمانون الحائرون البائسون دون أن يُبصّروا النور الحق، وحتى لو أُبصروا فإن هؤلاء لكونهم يحملون في أيديهم عصا ونورًا معًا فلا يوثَق بهم. فيحاور الحائر نفسَه في قلق واضطراب: تُرى أيُريد هذا أن يستدرجني بالنور ليضربني بالمطرقة؟. ثم حينما تتحطم المطرقةُ بالعوارض أحيانًا، يذهب ذلك النورُ أيضًا أدراج الرياح أو ينطفئ.
وهكذا، فذلك المستنقع هو الحياة الإجتماعية البشرية العابثة الملوثة الغافلة الملطخة بالضلالة.
وأولئك المخمورون هم المتمردون الذين يتلذذون بالضلالة.
وأولئك الحائرون هم الذين يشمئزون من الضلالة ولكنهم لا يستطيعون الخروج منها، فهم يريدون الخلاص ولكنهم لا يهتدون سبيلًا.. فهم حائرون.
أما تلك المطارق فهي التيارات السياسية، وأما تلك الأنوار فهي حقائق القرآن، فالنور لا تثار حياله الضجةُ ولا يقابَل بالعداء قطعًا، ولا ينفر منه إلّا الشيطانُ الرجيم.
ولذلك، قلت: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة " لكي أحافظ على نور القرآن. واعتصمت بكلتا يديّ بذلك النور، ملقيًا مطرقة السياسة جانبًا.
— 63 —
ورأيت أن في جميع التيارات السياسية -سواءً الموافقة منها أو المخالفة- عشاقًا لذلك النور. فالدرس القرآني الذي يُلقى من موضع طاهر زكي مبرأٌ من موحيات أفكار التيارات السياسية والانحيازات المُغرضة جميعها، ويُرشد إليه من مقام أرفع وأسمى منها جميعًا، لا ينبغي أن تحجب عنه جهةٌ، ولا يكون موضع شبهة فئة، مهما كانت. اللهم إلّا أولئك الذين يظنون الكفرَ والزندقة سياسةً فينحازون إليها. وهؤلاء هم شياطين في صورة أناسي أو حيوانات في أجساد بشر.
وحمدًا للّٰه فإنني بسبب تجردي عن التيارات السياسية لم أبخس قيمةَ حقائق القرآن التي هي أثمن من الألماس ولم أجعلها بتفاهة قطع زجاجية بتهمة الدعاية السياسية. بل تزيد قيمةُ تلك الجواهر القرآنية على مرّ الأيام وتتألق أكثر أمام أنظار كل طائفة.
وقالوا الحمدُ للّٰه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أنْ هدانا اللّٰه لقدْ جاءت رُسُل ربّنا بالحق
(الأعراف: ٤٣).
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
المكتوب الرابع عشر
(لم يؤلف)
— 64 —

المكتوب الخامس عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
أخي العزيز! إن سؤالك الأول الذي هو:
معلومٌ أن صغار الصحابة هم أعظمُ بكثير من أَعاظم الأولياء، فلماذا إذن لم يكشف الصحابةُ الكرام بنظر ولايتهم المفسدين المندسّين في المجتمع، حتى سبّبوا استشهاد ثلاثة من الخلفاء الراشدين؟
جوابه: في مقامين اثنين:
المقام الأول
بتوضيح سر دقيق للولاية وبيانه تحل عقدة السؤال وهو أن ولاية الصحابة الكرام هي "الولاية الكبرى". ومنبعُها وأصولُها الأولى من وراثة النبوة، وطريقُها: النفوذُ من الظاهر إلى الحقيقة مباشرة، من دون المرور بطريق البرزخ. فهي ولايةٌ متوجهة إلى انكشاف "الأقربية الإلهية" حيث إن طريق هذه الولاية رغم قصرها الشديد ساميةٌ وعالية جدًّا، خوارقُها قليلة وكشوفاتُها وكراماتها نادرًا ما تظهر، إلا أن مزاياها وفضائلَها عالية جدًّا. بينما كراماتُ الأولياء أغلبُها ليست اختيارية. فقد يظهر منهم أَمرٌ خارق للعادة من حيث لم يحتسبوا، إكرامًا من اللّٰه لهم، وأَغلبُ هذه الكشوفات والكرامات يظهر لهم أثناء فترة السير والسلوك وعند مرورهم
— 65 —
في برزخ الطريقة. وحينما يتجردون -إلى حدّ ما- من حظوظ البشرية ينالون حالات خارقة للعادة.
أما الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين فهم ليسوا مضطرين إلى قطع الد" وة العظيمة بالسير والسلوك ضمن الطريقة للوصول إلى الحقيقة، وذلك لتشرفهم بانعكاس أَنوار الصحبة النبوية الشريفة، فهم قادرون -بهذا السر- أن ينفُذوا من الظاهر إلى الحقيقة بخطوة واحدة وفي جلسة واحدة. فمثلًا:
إن هناك طريقين لإدراك ليلة القدر التي مضت ليلتُها بالأمس وغدت ماضيًا:
الأولى: معاناةُ الأيام يومًا بعد يوم سنة كاملة، لأجل الوصول إلى تلك الليلة المباركة مرة أخرى ومقابلتِها وموافقتها. فلابد من السير والسلوك وقطع سنة كاملة للظفر بهذه "القربية الإلهية". وهذا هو مسلك معظم السالكين من أهل الطرق.
الثانية: الانسلال من غلاف الجسم المادي المقيّد بالزمان من غلافه، والتسامي روحيًا بالتجرد، ورؤية ليلة القدر الماضية بالأمس مع ليلة العيد المُقبلة بعد يوم حاضرتين ماثلتين كأنهما اليوم الحاضر، حيث إنَّ الروح ليست مقيدة بالزمان. فحينما تسمو الأحاسيسُ الإنسانية إلى درجة رهافة الروح يتوسع ذلك الزمان الحاضر، ويطوي فيه الماضي والمستقبل، فتكون الأوقات الماضية والمستقبلة بالنسبة للآخرين بمثابة الحاضر بالنسبة إليه.
في ضوء هذا التمثيل، يكون العبور إلى ليلة القدر الماضية بالأمس، بالرقي إلى مرتبة الروح ومشاهدة الماضي كأنه الحاضر. وأساس هذا السر الغامض إنما هو انكشاف "الأقربية الإلهية".
ولنوضح هذا بمثال:
إن الشمس قريبةٌ منا لأن ضياءَها وحرارتَها وصورتها تتمثل في مرآتنا التي في أيدينا، ولكن نحن بعيدون عنها. فلو أَحسسنا بأَقربيتها من حيث النورانية، وأَدركنا علاقتنا مع صورتها المثالية في مرآتنا، وعرفناها بتلك الوساطة، ولمسنا حقيقةَ ضيائها وحرارتها وهيئتها فإن أَقربيتها تنكشف لنا لدرجة تُغرينا بتكوين علاقة معها عن معرفة وقرب.
— 66 —
ولكن لو أَردنا التقرّبَ إليها والتعرّفَ عليها من حيث بُعدنا عنها، لاضطررنا إلى كثير جدًّا من السير الفكري والسلوك العقلي لنصعد فكريًا بصحبة القوانين العلمية إلى السماوات ونتصور من ثمة الشمسَ متألقةً في فضاء الكون، ولابد من الاستعانة بهذه القوانين والتدقيقات المطولة جدًّا لإدراك ما في ماهيتها من ضياء وحرارة وأَلوان سبعة. وبعد هذا كله قد نحصل على القربية المعنوية منها، بمثل التي حصل عليها الشخص الأول بتأمل يسير في مرآته.
وعلى غرار هذا المثال؛ فالنبوة، والولاية الموروثة عنها، متوجهتان إلى انكشاف "الأقربية الإلهية". أما سائر الولايات فإن معظمها تسلك على أَساس "القربية الإلهية" فتضطر إلى السير والسلوك عبرَ مراتبَ عدة قبل بلوغها المقام المطلوب.
المقام الثاني
إنَّ الذي كان وراء حوادث الفتن ليس هو عددًا قليلًا من اليهود كي يمكن حصرُهم وإيقاف ذلك الفساد، وإطفاء تلك الفتن بمجرد كشفهم. إذ بدخول أَقوام كثيرة متباينة إلى حظيرة الإسلام، تداخلت واختلطت تياراتٌ متناقضة وغير متجانسة في باطنها مع عقيدة الإسلام. وبخاصة أولئك الذين أُصيب غرورُهم القومي بالضربات القوية من يد سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه. فكانوا يضمرون في نفوسهم الانتقامَ ويترقبون الفرصة له حيث أُبطل دينُهم السابق ودُمّر سلطانهم وأزيلت دولتهم التي كانت مدار افتخارهم وعزّهم؛ لذا فقد كانوا يحملون إحساسًا بالانتقام شعوريًا وغير شعوري من خلافة الإسلام. ولهذا قيل إن المنافقين الدساسين الأذكياء أمثال اليهود قد استغلوا تلك الحالة الاجتماعية.
أي أنَّ مقاومة تلك الفتن وإزالتَها هي بمواجهتها بإصلاح ذلك المجتمع وتنوير الأفكار المختلفة، وليس بكشف قلّة من المفسدين.
وإذا قيل: إن سيدنا عمر رضي اللّٰه عنه قد هتف من فوق المنبر بی"سارية" أحد قواد سراياه وهو على بُعد مسيرة شهر منه بی"يا سارية الجبلَ الجبلَ!" [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة ٣٥٥؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ٢/٥٥٣؛ ابن كثير، البداية والنهائية ٧/١٣٠؛ ابن عدي، الكامل ٢/٤٤١-٤٤٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٨٠ (رقم الحديث ٣١٧٢). فهتافُه هذا وتوجيهُه هذا أصبحا سببًا من أسباب نيل النصر في تلك المعركة. هذه الحادثة المشهورة تبين مدى نفاذ بصيرته الحادة.
— 67 —
والسؤال هو: لماذا لم تَرَ تلك البصيرة بنظرها الثاقب قاتلَه "فيروز" الذي كان قريبًا منه؟
الجواب: نجيب عن هذا السؤال بما أجاب عنه سيدُنا يعقوب عليه السلام،
(٭): زِمِصْرَشْ بُوىِ پِییيرَاهَنْ شِنِيدِى چِرَا دَرْ چَاهِ كَنْعَانَشْ نَدِيدِى
بَگُفْت اَحْوَالِ مَا بَرْقِ جِهَانَسْت دَمِى پَيْدَاوُ دِيگَرْ دَمْ نِهَانَسْت
گَهِى بَرْ طَارُمِ اَعْلَى نِشِينَیمْ گَهِى بَرْ پُشْتِ پَاىِ خُودْ نَبِينَیمْ
(سعدي الشيرازي، گلستان) (المؤلف)
فقد سئل عليه السلام: كيف وجدتَ ريح يوسف عليه السلام من قميصه الذي في أرض مصر، ولم تره في الجُبِّ القريب منك في أرض كنعان؟
فأجاب عليه السلام: إن حالاتِنا كالبرق الخاطف، يظهر أحيانًا ويختفي أخرى، فنكون أحيانا كمن هو جالس في أعلى مقام ويرى جميع ما حوله، وأحيانًا أخرى لا نرى ظهر أقدامنا.
والخلاصة: إنه مهما كان الإنسان فاعلا ذا اختيار إلّا أن المشيئة الإلهية هي الأصل، والقدرُ الإلهي حاكمٌ مهيمن والمشيئة الإلهية تردّ المشيئة الإنسانية، بمضمون قوله تعالى:
وما تشاؤون إلّا انْ يشاء اللّٰه
(الإنسان: ٣٠) وإذا جاء القدرُ عميَ البصر، فينفذ حكمَه، وإذا ما تكلَّم القدرُ تسكت القدرةُ البشرية، ويصمت الاختيار الجزئي.
مضمون سؤالكم الثاني هو: ما حقيقة الوقائع التي دبّت في صفوف المسلمين في عهد سيدنا علي رضي اللّٰه عنه؟ وماذا نسمي أولئك الذين ماتوا وقُتلوا فيها؟
الجواب: إن "معركة الجمل" التي دارت رحاها بين سيدنا على رضي اللّٰه عنه وجماعته من جهة، وبين طلحة و الزبير وعائشة رضي اللّٰه عنهم أجمعين من جهة أخرى، هي معركة بين العدالة المحضة والعدالة الإضافية (النسبية). وتوضيحها كالآتي:
لقد جعل سيدُنا علي رضي اللّٰه عنه، العدالةَ المحضة أساسًا لسياسته في إدارة دفة الحكم. وسار بمقتضاها على وفق اجتهاده وبمثل ما كان الشيخان يسيران عليه من قبله. أما معارضوه فقد قالوا: إنَّ صفاء القلوب وطهارةَ النفوس في عهد الشيخين كانا ملائمين وممهّدين لكي تنشر العدالةُ المحضة سلطانَها على المجتمع، إلّا أن دخول أقوام متباينة الطبائع والاتجاهات وهم على ضعف الإسلام بمرور الزمن، في هذا المجتمع أدّى إلى وضع عوائقَ مهمة إزاء
— 68 —
تطبيق العدالة المحضة، فغدا تطبيقُها صعبًا، لذا فقد اجتهدوا على أساسٍ من العدالیة النسبية التي هي اختيیارٌ لأهون الشیرّين.
ولكن، لأن المنافسة حول هذين النوعين من الاجتهاد آلت إلى ميدان السياسة، فقد نشبت الحربُ بين الطرفين. وحيث إن كلَّ طرف قد توصل إلى اجتهاده بنية خالصة ابتغاء مرضاة اللّٰه سبحانه وتعالى ومصلحة الإسلام، ونشبت الحربُ نتيجة هذا الاجتهاد الخالص للّٰه، فيصح أن نقول: القاتلُ والمقتول كلاهما من أهل الجنة، وكلاهما مأجوران مثابان، رغم معرفتنا أن اجتهاد الإمام علي رضي اللّٰه عنه كان صوابًا وأن اجتهاد مخالفيه مجانبٌ للصواب. وهؤلاء المخالفون ليسوا أهلًا للعقاب الأخروي. إذ المجتهدُ للّٰه إذا أصاب فله أجران وإن أَخطأ فله أَجرٌ واحد، أَي أَنه ينال ثوابَ بذله الجهد في الاجتهاد، وهو نوع من العبادة، فهو معذور في خطئه.
وقد قال أحدُ أعلام علمائنا المحققين ويُعدُّ قولُه حُجة، شعرًا باللغة الكردية:
ژِى شَرِّ صَحَابَانْ مَكَه قَالُ وقِيیلْ لَوْ رَا جَنَّیتِيینَه قَاتِلُ وهَیمْ قَتِیيلْ
[٭]: في نهج الأنام للأستاذ الأوحدي الملا خليل العمري السعردي ص١٨:
ژحَربا صَحابان مَكِنْ قال وقيل بِهشتينه هَم قاتل وهَم قتيل
أي لا تخُض فيما وقع بين الصحب الكرام؛ لأن القاتل والمقتول كليهما في الجنة.
أما إيضاح الفرق بين العدالة المحضة والعدالة الإضافية فهو:
إنَّ حق الشخص البريء الواحد لا يبطُل لأجل الناس جميعًا، أي أن حقَّه محفوظ، وهذا المعنى هو الذي تشير إليه الآية الكريمة:
مَنْ قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الارض فكأنما قتل الناس جميعًا
(المائدة: ٣٢) فلا يُضحَّى بفردٍ واحد لأجل الحفاظ على سلامة الجميع؛ إذ الحق هو حقٌّ ضمن إطار الرحمة الإلهية، فلا يُنظر إلى كونه صغيرًا أو كبيرًا، لذا لا يُفدى بالصغير لأجل الكبير، ولا بحياة فرد وحقِّه لأجل سلامة جماعة والحفاظ عليها، إن لم يكن له رضًى في الأمر. أما إذا كانت التضحية برضاه ورغبةً منه فهي مسألة أخرى.
أما العدالة الإضافية فهي أنَّ الجزء يُضحَّى به لأجل سلامة الكل، فهذه العدالة
— 69 —
لا تأخذ حق الفرد بنظر الاعتبار لأجل الجماعة، وإنما تحاول القيام بنوع من عدالة إضافية من حيث الشر الأهون. ولكن إذا كانت العدالة المحضة قابلة للتطبيق فلا يُصار إلى العدالة الإضافية، وإنْ صار إليها فقد وقع الظلم. فالإمام علي رضي اللّٰه عنه قال: إن العدالة المحضة قابلةٌ للتطبيق، كما كان عليه في عهد الشيخين. لذا حاول بناء الخلافة الإسلامية على تلك القاعدة من العدالة المحضة. بينما معارضوه كانوا يقولون إن هذه العدالة المحضة غيرُ قابلة للتطبيق، حيث هناك عوائقُ ومشكلات كثيرة تظهر أثناء تطبيقها، فصار اجتهادُهم إلى العدالة الإضافية.
أما ما أورده التاريخ من أسباب أخرى فهي ليست أسبابًا حقيقية، بل حجج ومبررات واهية.
فإن قلت: لِمَ لَمْ يُوفّق الإمام علي رضي اللّٰه عنه بمثل ما وفّق أسلافُه في إدارة دفة الخلافة رغم اتصافه -من هذه الناحية- بقابليات فائقة وذكاء خارق، ولياقة تامة جديرة بمنصب الخلافة؟
الجواب: إن الإمام عليًا كان حَريًّا ومؤهَّلًا للقيام بمهماتٍ جِسام تفوق أهمية السياسة والحكم، إذ لو كان التوفيق تامًا له في السياسة والحكم لما كان يحرز لقب "سيد الأولياء" بجدارة تامة، ذلك المقام المعنوي الذي هو أهلٌ له بحق. فظفر بسلطنة معنوية وبحكم معنوي أرقى بكثير من خلافة سياسية ظاهرية. حيث أصبح بمثابة أستاذ الجميع، وغدا حُكمُه المعنوي ساريًا وماضيًا إلى يوم القيامة.
أما ما وقع من حرب بين الإمام علي رضي اللّٰه عنه وسيدنا معاوية رضي اللّٰه عنه وأنصاره في واقعة "صفين" فهي حرب بين الخلافة والسَلطنة -الملك الدنيوي- أي أن الإمام عليًا رضي اللّٰه عنه قد اتخذ أَحكام الدين وحقائقَ الإسلام والآخرةَ أساسًا، فكان يُضَحّي بقسم من قوانين الحُكم والسَلطنة وما تقتضيه السياسة من أمور فيها إجحاف، في سبيل الحقائق والأحكام. أما سيدُنا معاوية ومَن معه، فقد التزموا الرخصةَ الشرعية وتركوا الأخذ بالعزيمة، لأجل إسناد الحياة الاجتماعية الإسلامية بسياسات الحكم والدولة. فعدّوا أنفسَهم مضطرين في الأخذ بهذا المسلك في عالم السياسة. لذا رجّحوا الرخصةَ على العزيمة، فوقعوا في الخطأ.
— 70 —
أما مقاومة الحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما للأمويين، فهي في حقيقتها صراعٌ بين الدين والقومية، إذ اعتمد الأمويون على جنس العرب في تقوية الدولة الإسلامية، وقدّموهم على غيرهم، أي فضّلوا رابطةَ القومية على رابطة الإسلام فأضرُّوا من جهتين:
الأولى: آذوا الأقوام الأخرى بنظرتهم هذه، فولّدوا فيهم الكراهية والنفور.
الثانية: إن الأُسس المتبعة في القومية والعنصرية أُسس ظالمة لا تتبع العدالةَ ولا توافق الحق، إذ لا تسير تلك الأُسسُ على وفق العدالة، لأن الحاكم العنصري يفضّل من هم بنو جنسه على غيرهم، فأنَّى له أن يبلغ العدالة! بينما الإسلام يجبّ ما قبله من عصبية جاهلية، لا فرق بين عبدٍ حبشي وسيد قرشي إذا أسلما. [٭]: انظر حول العصبية: مسلم، الأمارة ٥٣-٥٤؛ أبو داود، الأدب ١١١؛ ابن ماجه، الفتن ٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٤٨٨. فلا يمكن إقامة رابطةِ القومية بدلًا من رابطة الدين في ضوء هذا الأمر الجازم. إذ لا تكون هناك عدالةٌ قط وإنما تُهدر الحقوق ويضيع الإنصاف.
وهكذا فإن سيدنا الحسين رضي اللّٰه عنه قد تمسّكَ برابطة الدين، وهو مُحقٌّ في ذلك، لذا قاوم الأمويين حتى رُزق مرتبةَ الشهادة.
وإذا قيل: لِمَ لم ينجح سيدُنا الحسين رضي اللّٰه عنه في مسعاه رغم أنه كان على حقٍّ وصواب؟ وكيف سمحت الرحمةُ الإلهية والقدر الإلهي أن تكون عاقبتُه وعاقبةُ آل بيته فاجعةً أليمة؟
الجواب: إذا استثنينا المقرّبين من سيدنا الحسين رضي اللّٰه عنه، نجد أن الأقوام المختلفة الذين التحقوا بهم هم ممن أُصيب غرورُهم القومي بجروح بيد العرب المسلمين، فهم يضمرون ثأرًا تجاههم، مما كدّر صفاءَ النية ونقاءها التي كان يتحلى بها مسلك الحسين ومن معه، وأدّى تعكُّر ذلك الصفاء وخفوت سطوع ذلك النهج القويم إلى تقهقرهم أمام أولئك.
أما حكمة تلك الحادثة المؤلمة من زاوية نظر القدر الإلهي فهي:
إن الحسن والحسين رضي اللّٰه عنهما وذويهما ونسلَهما كانوا مرشحين لسلطنة معنوية ومؤهلين لتسنُّم مرتبةٍ سامية معنوية. ولما كان الجمعُ بين سلطنة الدنيا وتلك السلطنة المعنوية من الصعوبة بمكان، لذا جعلهم القدرُ الإلهي يُعرِضون عن الدنيا، وأظهر لهم وجهَ الدنيا
— 71 —
الدميم، لئلا تبقى لهم علاقةٌ قلبية مع الدنيا، ودفعهم إلى أن ينفضوا أيديهم من سلطنة صورية دنيوية مؤقتة زائلة، بينما عيّنهم لتسنّم الأمورِ لدى سلطنة معنوية سامية دائمة، فأصبحوا مرجِعًا لأقطاب الأولياء بدلًا من أن يكونوا مرجعًا للولاة الاعتياديين.
أما سؤالكم الثالث الذي هو ما الحكمة في المصيبة الأليمة والمعاملة الظالمة التي أصابت أولئك الطاهرين الميامين؟.
الجواب: لقد بيّنا سابقًا أن هناك ثلاثة أُسس كان معارضو سيدنا الحسين رضي اللّٰه عنه وهم الأمويون يسيرون عليها والتي أدت إلى ارتكاب تلك المظالم والمعاملات القاسية:
الأول: هو دستور السياسة الظالم ومؤداه؛ أن الأشخاص يُضحّى بهم في سبيل الحفاظ على الدولة واستتباب النظام في البلاد.
الثاني: كانت دولتهم تستند إلى القومية والعنصرية، وكان الحاكم المهيمن على الأمور قانونُ القومية الظالم وهو: "كل شيء يُضحّى به في سبيل الحفاظ على سلامة الأمة".
الثالث: تأصل عرقُ المنافسة لدى الأمويين منذ مدة طويلة تجاه الهاشميين، فظهر في "يزيد" وأمثالِه. مما سبب تفجّر استعدادات ظالمة قاسية لا رحمة فيها ولا رأفة.
وهناك سبب رابع وهو الذي يخص الذين انضموا إلى صف سيدنا الحسين رضي اللّٰه عنه، وهو أن اعتماد الأمويين على قومية العرب وحدهم في إدارة شؤون الدولة، ونظرتهم المتعالية على سائر الأقوام كأنهم عبيد لديهم وتسميتهم بالموالي، أصاب غرور أولئك، مما دفعهم إلى الالتحاق بصف سيدنا الحسين، وهم يحملون نيةً غير خالصة للّٰه. وهي نيّة أساسُها دافع الثأر. هذا الأمر هيّج العصبية القومية لدى الأمويين فأدى بهم الأمر إلى ارتكاب تلك الفاجعة الأليمة التي لا تجد فيها رحمة ولا عطفًا ولا رأفة.
هذه الأسباب الأربعة المذكورة: هي أسباب ظاهرية. إلّا أننا إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية القدر الإلهي نجد أن سيدنا الحسين وذويه رضي اللّٰه عنهم قد أحرزوا نتائج أخروية وسلطنةً روحية ورقيًا معنويًّا، من جراء تلك الفاجعة الأليمة، بحيث تكون تلك الآلام والصعوبات التي لاقوها في تلك الحادثة الأليمة زهيدةً ويسيرة تجاه تلك المنازل الرفيعة التي حظوا بها. فمثلًا:
— 72 —
إن الذي يستشهد نتيجة تعذيب يستغرق ساعة يغنم من المراتب العالية والدرجات السامية للشهادة مالا يمكن أن يحصل عليها من يسعى بجهد متواصل خلال عشر سنين. فلو سئل ذلك الشهيد بعد فوزه بدرجة الشهادة عن ذلك التعذيب لأجاب: لقد فزتُ كثيرًا جدًّا بشيء يسير جدًّا.
فحوى سؤالكم الرابع: إن الأكثرية المطلقة من الناس يدخلون الدين الحق بعد قتل سيدِنا عيسى عليه السلام الدجالَ في آخر الزمان، بينما وردت في روايات أخرى: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: اللّٰه.. اللّٰه.." [٭]: مسلم، الإيمان ٢٣٤؛ الترمذي، الفتن ٣٥؛ المسند ٣/١٠٧، ٢٠١، ٢٦٨. فكيف يسقط الناسُ بهذه الكثرة في هاوية الكفر بعد أن دخلوا بكثرة مطلقة في حظيرة الإيمان؟
الجواب: إن ضعاف الإيمان يستبعدون ما جاء في الحديث الصحيح من نیزول سيدنا عيسى عليه السلام وقتله الدجال وعمله بالشريعة الإسلامية. ولكن لو وضحت حقيقة الرواية لا يبقى موضعٌ للاستبعاد قط.
وذلك أن المعنى الذي يفيده ذلك الحديث والروايات الواردة حول المهدي والسفياني [٭]: وأحاديث المهدي عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، والحاكم، والطبراني، وأبي يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة.. قال الشوكاني في التوضيح: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرّحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. اهی. (الإذاعة لمحمد صديق حسن خان ١١٣-١١٤). هو الآتي:

أن تيارين للإلحاد سيشتدَّانِ وي/,Qيانِ في آخر الزمان:

الأول: إن شخصًا رهيبًا يقال له "السفياني" سينكر الرسالة الأحمدية (نبوة محمد (ص)) متسترًا بالنفاق، ويتولى قيادة المنافقين، ويسعى لتدمير الشريعة الإسلامية، وسيقابله شخص نوراني من آل البيت يسمى محمد المهدي يتولى قيادة أهل الولاية وأهل الكمال المرتبطين بالسلالة النورانية لآل البيت، ويقتل تيار النفاق الذي يمثل شخص السفياني المعنوي ويدمّره تدميرًا.
أما التيار الثاني: فهو التيار الطاغي المتمرد، المتولد من فلسفة الطبيعيين والماديين، هذا التيار ينتشر ويتقوى تدريجيًا بوساطة الفلسفة المادية في آخر الزمان حتى يبلغ به الأمر إلى إنكار
— 73 —
الألوهية ويمنح أفراد هذا التيار المنكرين للّٰه سبحانه أنفسَهم نوعًا من الربوبية كأنهم نماردة صغار، مثلما يمنح الجاهلُ بالسلطان غير المعترف بجنوده وضباطه نوعًا من السلطنة وشكلًا من الحاكمية إلى كل جندي. أما الدَّجال وهو كبيرهم الذي يتولاهم فيُؤْتى من الخوارق ما يشبه أعمال السحر والتنويم المغناطيسي، ويتمادى كثيرًا حتى يضفى على حكومته الجبارة ظاهرًا نوعًا من الربوبية، ويعلن ألوهيته. ولا ريب أن ادعاء إنسان عاجز الألوهية، والذي يقهره ذباب ويعجز حتى عن خلق جناحها، حماقة ما بعدها حماقة، تستحق منتهى الهزء والسخرية.
وهكذا ففي مثل هذه الفترة، وحينما يبدو ذلك التيار قويًا شديدًا يظهر الدينُ الحق الذي أتى به عيسى عليه السلام، والذي هو الشخصية المعنوية لسيدنا عيسى عليه السلام، أي ينیزل من سماء الرحمة الإلهية، فتتصفى النصرانيةُ الحاضرة تجاه تلك الحقيقة وتتجرد من الخرافات والتحريفات وتتحد مع حقائق الإسلام، أي أن النصرانية ستنقلب معنًى إلى نوع من الإسلام. فذلك الشخص المعنوي للنصرانية يكون تابعًا، باقتدائه بالقرآن الكريم ويظل الإسلامُ في مقام الإمام المتبوع، ويجد الدين الحق نتيجة هذا الالتحاق قوة عظمى، إذ في الوقت الذي كان الإسلام والنصرانية منفردين -كل على حدة- غير قادرَين على صدّ تيار الإلحاد يكونان بفضل الاتحاد بينهما على استعداد لتدمير تيار الإلحاد تدميرًا كاملًا. ففي هذه الأثناء يتولى شخصُ عيسى عليه السلام الموجود بجسمه البشري في عالم السماوات قيادة تيار ذلك الدين الحق. أخْبَرَ بهذا مُخبر صادق استنادًا إلى وعد من لدن قدير على كل شيء، وإذ هو قد أخبر، فالأمر حق لا ريب فيه. وإذ وعَد به القدير على كل شيء، فلاشك أنه سينجزه.
نعم إن الذي يرسل الملائكة تترى من السماوات إلى الأرض ويجعلهم أحيانًا في صورة إنسان (كما جعل سيدنا جبريل عليه السلام في صورة الصحابي دحية الكلبي) [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥، فضائل القرآن ١؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٠٠، الإيمان ٢٧١؛ الترمذي، المناقب ١٢؛ النسائي، الإيمان ٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/١٠٧، ٣/٣٣٤. ويرسل الروحانيين من عالم الأرواح، ويجعلهم يتمثلون في صور بشرية، بل يرسل حتى أرواح كثير من الأولياء المتوفين في أجسادهم المثالية إلى الدنيا.. لا يُستبعد من حكمة هذا الحكيم ذي الجلال أنْ يرسل عيسى عليه السلام الموجود حيًا بجسده في سماء الدنيا إلى الدنيا، بل حتى لو كان ذاهبًا إلى أقصى نواحي عالم الآخرة، وكان ميتًا حقًا فإنه سبحانه قادرٌ وتقتضي حكمتُه أن
— 74 —
يلبسه جسدًا من جديد، ويرسله إلى الدنيا لأجل هذه النتيجة الجليلة العظيمة، وليكون مسك الختام والنهاية الجليلة للدين الذي أتى به عيسى عليه السلام. وقد وعدَ بهذا سبحانه وتعالى لاقتضاء حكمته الجليلة. وإذ قد وعد فإنه سيرسله حتمًا. ولا يلزم أن يعرف كلُّ أحدٍ أنه عيسى عليه السلام بذاته أثناء نیزوله إلى الدنيا، وإنما يعرفه خواصه والمقربون منه بنور الإيمان، إذ لا يعرفه الناس كلهم بدرجة البداهة.
سؤال: لقد جاء في الروايات: أن للدَّجَّال جنَّةً كاذبة يُلقي فيها أَتباعَهُ، وله جهنَّم كاذبة يُلقي فيها من لا يتَّبعه، حتى إنه جعل أحد أُذنَي دابته كالجنة والأخرى كجهنم، وله جسم عظيم طوله كذا وكذا.. وغيرها من الأوصاف التي يُعرف بها. [٭]: انظر الروايات التي تخص الدجال: البخاري، أحاديث الأنبياء ٣، ٥٠؛ مسلم، الفتن ١٠٠-١١٥؛ أبو داود، الملاحم ١٤؛ الترمذي، الفتن ٥٩، ٦٠، ٦١؛ ابن ماجه، الفتن ٣٣؛ المسند ٣/٣٦٧، ٥/٣٩٧. فالسؤال: ما المراد من هذه الروايات؟.
الجواب: إن الشخص الظاهري للدجال هو كالإنسان، فهو إنسان دساس، شيطان أحمق مغرور، تفرعن وطغى ونسى اللّٰه تعالى حتى أطلق على حاكميته الجبارة ظاهرًا اسم الألوهية.
أما شخصُه المعنوي الذي هو تيار الإلحاد الطاغي فهو شخص جسيم جدًّا. وما ورد من روايات في أوصافه الدالة على الضخامة يشير إلى ذلك الشخص المعنوي. كما صوّر في وقت ما القائد العام للقوات اليابانية تصوير إنسان واضعٍ إحدى قدَميه في البحر المحيط الهادي والأخرى في قلعة (بورت آرثر) التي تبعد عن الأولى مسافة عشرة أيام. فهذا التصوير لذلك القائد الصغير أَظهر ومثّل الشخص المعنوي العظيم لجيشه.
أما الجنة الكاذبة للدجال، فهي ملاهي الحضارة وزخارفها الفاتنة.
أما دابته فهي واسطة نقل شبيهة بالقطار، في رأسه موقد النار يرمى فيها أحيانًا من لا يتبعه. والأُذن الأخرى لتلك الدابة، أي رأسها الآخر مفروش بفرش وثيرة كالجنة أعدّها لجلوس أتباعه.
وحقًا أن القطار دابة مهمة للحضارة السفيهة الظالمة. إذ يأتي بجنة كاذبة لأهل السفاهة
— 75 —
والدنيا، إلّا أنه بيد المدنية الحاضرة يكون كزبانية جهنم يأتي بالهلاك والأسر والذل لأهل الدين والإسلام المساكين.
وعلى الرغم من نشر الدين الحقيقي الذي أتى به عيسى عليه السلام نورَه على الأكثرية المطلقة من الناس وذلك بظهوره وانقلابه إلى الإسلام، إلّا أنه عند قرب قيام الساعة يبرز تيارُ إلحاد مرة أخرى ويتغلب، فلا يبقى على وجه الأرض -بالأكثرية العظمى- من يقول: اللّٰه.. اللّٰه.. أي لا تتولى جماعةٌ مهمة لها شأنها موقعًا مهمًا على الكرة الأرضية..
ولا يعني الحديث أنه لا يبقى أهل الحق والداعين له على وجه الأرض، بل سيبقى أهلُ الحق الذين يظلون في الأقلية إزاء الإلحاد أو يُغلَبون على أمرهم، سيبقون إلى يوم القيامة، إلّا أنه في أثناء قيامها تُقبض أرواحُ أهل الإيمان أولًا رحمةً منه سبحانه بهم لئلا يروا أهوال القيامة، وتقوم القيامةُ على رؤوس الكفار. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٦٨٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/١٧٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٩.
فحوى سؤالكم الخامس: هل تتأثر الأرواح الباقية بأهوال القيامة؟
الجواب: نعم تتأثر حسب درجاتها، كما تتأثر الملائكة تأثرًا خاصًا بهم بالتجليات القهرية. إذ كما لو اطّلع مَنْ كان في مكان دافئ على أناس يرتجفون في الثلوج يتأثر ويتألم لحالهم لما يحمل من عقل ووجدان، كذلك الأرواح الباقية التي لها شعور ذات علاقة مع الكون، تتأثر بالحوادث العظيمة التي تجري فيه. كلٌّ حسب درجته، والإشارات القرآنية تبين تأثر الأرواح بألَم إن كانت من أهل العذاب، وإن كانت من أهل السعادة فإنها تتأثر بالإستحسان والإعجاب، بل بنوع من الاستبشار. ولما كان القرآن الحكيم يذكر عجائب أهوال القيامة في أسلوب تهديد وزجر قائلًا: لَتَروُنّها بينما الذين سيرَون تلك الأهوال بأجسامهم الإنسانية هم الذين يبلغون قيام الساعة من الناس، إذن الأرواحُ التي رُمّت أجسادُها في القبور لها نصيبها من هذا التهديد القرآني أيضًا.
فحوى سؤالكم السادس: أتشمل هذه الآية الكريمة: كلّ شيء هالكٌ الّا وَجْهَه (القصص: ٨٨) الآخرة والجنة وجهنم وأهليها، أم لا؟
الجواب: لقد صارت هذه المسألة موضعَ بحث كثير جدًّا من العلماء المحققين وأصحاب
— 76 —
الكشف والأولياء الصالحين، فالقول قولُهم في هذه المسألة فضلًا عن أنَّ لهذه الآية الكريمة سعة عظيمة جدًّا مع تضمنها لمراتب كثيرة جدًّا. فقد قال القسم الأعظم من المحققين: لا تشمل هذه الآية عالَم البقاء. في حين قال آخرون: إنَّ تلك العوالم تتعرض أيضًا لنوع من الهلاك في زمن قصير جدًّا بحيث يعدّ آنًا، وهو زمان قصير إلى درجة لا يُشعر بذهابها إلى الفناء والعودة منه.
أما ما يحكم به بعض أصحاب الكشف المفرطين في أفكارهم من حدوث الفناء المطلق، فليس حقيقةً ولا صوابًا، لأنَّ ذات اللّٰه سبحانه وتعالى دائمي وسرمدي، فلابد أن صفاتِه وأسماءه أيضًا دائمية وسرمدية. ولما كانت صفاتُه وأسماؤه دائمية فلابد أن أهل البقاء والباقيات الموجودة في عالم البقاء، التي هي مراياها وجلواتها ونقوشها ومظاهرها، لا تذهب بالضرورة إلى الفناء المطلق قطعًا.
وحاليًا وردت نقطتان من فيض القرآن الحكيم إلى البال نكتبها إجمالًا:
أولاها: إنَّ قدرة اللّٰه جل وعلا لا حدود لها، حتى إن الوجود والعدم بالنسبة إلى قدرته وإرادته تعالى كمنیزلَين، يرسل إليهما الأشياءَ ويجلبها منهما بكل يسر وسهولة، فإنْ شاء يجلبها في يوم واحد أو في آن واحد.
ثم إن العدم المطلق لا وجود له أصلًا لوجود العلم المحيط، علمًا أنه لا شيء خارج دائرة العلم الإلهي، كي يُلقى إليه شيء. والعدمُ الموجود ضمن دائرة العلم هو عدم خارجي، وعنوانٌ صار ستارًا على الوجود العلمي، حتى حدا ببعض العلماء المحققين التعبير عن هذه الموجودات العلمية أنها "أعيان ثابتة". لذا فالذهاب إلى الفناء، إنما هو نزعُ الأشياء لألبستها الخارجية مؤقتًا، ودخولُها في وجود معنوي وعلمي، أي أن الهالكات والفانيات تترك الوجود الخارجي وتلبس ماهياتُها وجودًا معنويًّا وتخرج من دائرة القدرة داخلة في دائرة العلم.
النقطة الثانية: لقد أوضحنا في كثير من "الكلمات": أنَّ كل شيء فانٍ بمعناه الاسمي، وبالوجه الناظر إلى ذاته، فليس له وجود مستقل ثابت بذاته، وليست له حقيقة قائمة بذاتها وحدها. ولكن الشيء في الوجه الناظر إلى اللّٰه سبحانه -أي إذا صار بالمعنى الحرفي- فليس
— 77 —
فانيًا، لأن فيه جلوات ظاهرة لأسماء باقية فلا يكون معدومًا، لأنه يحمل ظلًا لوجود سرمدي، وله حقيقة ثابتة وهي حقيقة سامية لأنها نالت نوعًا من ظلٍ ثابت لاسم باقٍ.
ثم إن قوله تعالى:
كلّ شيء هالكٌ الّا وَجْهَه
سيفٌ ليقطع يدَ الإنسان عمّا سوى اللّٰه تعالى، حيث إن الآية تقطع العلائق مع الأشياء الفانية، في دنيا فانية، في غير سبيل اللّٰه. فحكمُ الآية الكريمة إذن ينظر إلى الفانيات في الدنيا، بمعنى أنَّ الشيء إنْ كان في سبيل اللّٰه، أي إن كان بالمعنى الحرفي، أي إن كان لوجه اللّٰه، فلا يدخل ضمن ما سواه تعالى أي لا يُضرب عنقُه بسيف الآية الكريمة:
كلّ شيء هالكٌ الّا وَجْهَه
حاصل الكلام: إذا كان الأمر للّٰه، ووجد اللّٰه، فلا غير إذن، حتى يُقطع رأسُه. ولكن إنْ لم يجد اللّٰه، ولم ينظر في سبيل اللّٰه فكل شيء غيرٌ. فعليه أن يسلّ سيف:
كلّ شيء هالكٌ الّا وَجْهَه
ويمزّق الحجاب حتى يجده سبحانه تعالى.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 78 —

المكتوب السادس عشر

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الذين قالَ لَهُم الناسُ ان الناسَ قد جَمَعوا لكم فاخْشَوهُم فَزَادَهُم إيمانًا وقالوا حَسْبُنا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل
(آل عمران: ١٧٣)
لقد نال هذا المكتوب سرًا من أسرار الآية الكريمة: فقولا له قولًا لينًا (طه: ٤٤) فلم يُكتب بلهجة شديدة.
وهو جواب عن سؤال يُورده الكثيرون صراحة أو ضمنًا.
"إنني لا أرغب قط في أَنْ أُسجّل هذه الإجابة، ولا أَرتاح إليها. فلقد فوّضت أَمري كلَّه إلى المولى القدير، وتوكلتُ عليه وحده، ولكني لا أُترك وشأني لأجد الراحة في عالمي، فيلفتون نظري إلى الدنيا، لذا أَقول مضطرًا لا بلسان "سعيد الجديد" بل بلسان "سعيد القديم". ولا أقول إنقاذًا لشخصي بالذات، بل إنقاذًا لأصدقائي و "الكلمات" من شبهات ينثرها أهلُ الدنيا ومن أَذاهم. فأذكر واقعَ حالي على حقيقته إلى أصدقائي وإلى أهل الدنيا وإلى المسؤولين في الحكم، وذلك في خمس نقاط".
— 79 —

النقطة الأولى

قيل: لِمَ انسحبتَ من ميدان السياسة ولا تتقربُ إليها قط؟.
الجواب: لقد خاض "سعيد القديم" غمار السياسة ما يقارب عشر السنوات علَّه يخدم الدين والعلم عن طريقها. فذهبتْ محاولتُه أدراجَ الرياح، إذ رأى أن تلك الطريق ذاتُ مشاكل، ومشكوكٌ فيها. وأن التدخل فيها فضول -بالنسبة إليّ- فهي تحُول بيني وبين القيام بأَهم واجب. وهي ذاتُ خطورة. وأَنَّ أَغلبَها خداع وأكاذيب. وهناك احتمال أن يكون الشخص آلةً بيد الأَجنبي دون أن يشعر. وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما أن يكونَ موافقًا لسياسة الدولة أو معارضًا لها، فإن كنتُ موافقًا فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يعنيني بشيء، حيث إنني لست موظفًا في الدولة ولا نائبًا في برلمانها، فلا معنى عندئذٍ لممارستي الأمور السياسية، وهم ليسوا بحاجة إليّ لأَتدخل فيها. وإذا دخلتُ ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلابد أن أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة. فإن كان التدخل فكريًا فليس هناك حاجة إليّ أيضًا، لأن الأمور واضحة جدًّا، والجميعُ يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وإن كان التدخل بالقوة، أي بأن أُظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه. فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يبتلي الكثيرون بجريرة شخص واحد. فلا يرضى وجداني الولوجَ في الآثام وإلقاءَ الأبرياء فيها بناءً على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات. لأجل هذا فقد ترك "سعيد القديم" السياسةَ ومجالسَها الدنيوية وقراءة الجرائد مع تركه السيجارة.
والشاهد الصادق القاطع على هذا: إنني منذ ثماني سنوات لم أَقرأ جريدة واحدة ولم استمع إليها من أحد قط، فليبرز أحدُهم ويدّعى أنني قد قرأتُ أو استمعت إلى جريدة من أحد. بينما كان "سعيد القديم" يقرأ حوالي ثماني جرائد يوميًّا قبل ثماني سنوات.
ثم إنه منذ خمس سنوات تُراقَب أحوالي بدقائقها. فليدّع أحد أنه قد بدر مني ما يُشم منه شيءٌ من السياسة. علمًا أنَّ شخصًا ذا أعصاب متوفزة مثلي، ولا علاقة له مع أحد، ويجد أعظمَ الحِيل في ترك الحِيلة حسب القاعدة: "إنما الحِيلة في ترك الحِيل" فمَنْ كان حالُه هكذا لا يمكن
— 80 —
أن يستر فكره ثمانية أيام، وليست ثمانيةَ أعوام. إذ لو كانت له رغبة ولهفة في السياسة لكانت تدوي دويَّ المدافع، ولا تدع حاجةً إلى تحريات أو تدقيقات.
النقطة الثانية
لِمَ يتجنب "سعيد الجديد" تجنبًا شديدًا وإلى هذا الحد من السياسة؟
الجواب: لئلا يُضَحّي بسعيه وفوزِه لأكثر من مليارات من السنين لحياة خالدة، من جراء تدخل فضولي لا يستغرق سنة أو سنتين من حياة دنيوية مشكوكٍ فيها. ثم إنه يفرّ فرارًا شديدًا من السياسة، خدمةً للقرآن والإيمان والتي هي أَجلُّ خدمةٍ وأَلزمُها وأَخلصُها وأَحقُّها. لأنه يقول:
إنني أتقدم في الشيب، ولا علم لي كم سأعيش بعد هذا العمر. لذا فالأَولى لي العمل لحياةٍ أبدية. وهذا هو الألزم. وحيث إن الإيمان وسيلةُ الفوز بالحياة الأبدية ومفتاحُ السعادة الخالدة، فينبغي إذن السعي لأجله. بيد أني عالمٌ ديني، مكلّف شرعًا بإفادة الناس، لذا أُريد أن أَخدمَهم من هذه الناحية أيضًا. إلا أن هذه الخدمة إما أنها تعود بالنفع إلى الحياة الاجتماعية والدنيوية، وهذه ما لا أقدر عليها، فضلًا عن أنه يتعذر القيام بعمل سليم صحيح في زمن عاصف. لذا تخليت عن هذه الجهة وفضّلت عليها العملَ في خدمة الإيمان التي هي أهمُّ خدمة وألزمُها وأسلمُها. وقد تركتُ الباب مفتوحًا ليصل إلى الآخرين ما كسبتُه لنفسي من حقائق الإيمان وما جربتُه في نفسي من أدوية معنوية. لعلَّ اللّٰه يقبل هذه الخدمة ويجعلها كفّارةً لذنوب سابقة.
وليس لأحد سوى الشيطان الرجيم أن يعترضَ على هذه الخدمة، سواءً كان مؤمنًا أو كافرًا أو صدّيقًا أو زنديقًا. لأن عدم الإيمان لا يشبهه أمر، فلربما توجد لذةٌ شيطانية منحوسة في ارتكاب الظلم والفسق والكبائر، إلّا أن عدمَ الإيمان لا لذةَ فيه إطلاقًا، بل هو ألمٌ في ألم، وعذابٌ في عذاب، وظلمات بعضها فوق بعض.
وهكذا فإن تركَ السعي لحياة أبدية، وتركَ العمل لنور الإيمان المقدس، والدخولَ في ألاعيب السياسة الخطرة وغير الضرورية، في زمن الشيخوخة، إنما هو خلاف للعقل ومجانبةٌ للحكمة لشخص مثلي لا صلة له مع أحد، ويعيش منفردًا، ومضطر إلى التحري عن كفاراتٍ لذنوبه السابقة. بل يعدّ ذلك جنونًا وبلاهة، بل حتى البلهاء يفهمون ذلك.
— 81 —
أما إن قلتَ: كيف تمنعك خدمةُ القرآن والإيمان عن السياسة؟
فأقول: إن الحقائق الإيمانية والقرآنية ثمينةٌ غالية كغلاء جواهر الألماس، فلو انشغلتُ بالسياسة، لخطر بفكر العوام: أيريدُ هذا أن يجعلنا منحازين إلى جهة سياسية؟ أليس الذي يدعو إليه دعايةً سياسية لجلب الاتباع؟ بمعنى أنهم ينظرون إلى تلك الجواهر النفيسة أنها قطعٌ زجاجية تافهة، وحينها أكون قد ظلمتُ تلك الحقائق النفيسة، وبخَستُ قيمتَها الثمينة، بتدخلي في السياسة.
فيا أهل الدنيا! لِمَ لا تدَعوني وشأني، وتضايقونني بطرقٍ شتى؟
وإن قلتم: يتدخل شيوخ الصوفية أحيانًا في أمورنا، والناس يطلقون عليك في بعض الأحيان اسم الشيخ!
أقول: أيها السادة! إنني لست شيخًا صوفيًا، وإنما أنا عالم ديني. والدليل على هذا، إنني لو كنت قد علّمت أحدًا من الناس الطريقةَ الصوفية، طوال هذه السنوات الأربع التي قضيتُها هنا، لكان لكم الحق في الارتياب والوقوع في الشكوك. ولكني لم أقل لمن أتاني إلّا أنَّ الزمانَ ليس زمانَ الطريقة. الإيمانُ ضروري، والإسلام ضروري.
وإن قلتم: يطلقون عليك اسمَ "سعيد الكردي" فلربما تحمل فكرَ العنصرية والدعوة إليها. وهذا ما لا يتفق وشأنَنا ولا طائل لنا به.
وأنا أقول: أيها السادة! إن ما كتبه "سعيد القديم" و "سعيد الجديد" في متناول اليد. أُبينه شاهدًا ولقد نظرت -منذ السابق- إلى القومية السلبية والدعوة إلى العنصرية نظرةَ السمّ القاتل، لأنها مرضٌ أوروبي خبيثٌ سار. وذلك حسب الأمر النبوي الجازم بأنَّ الإسلام يَجُبُّ العصبية الجاهلية. [٭]: سبق تخريجه في المكتوب الخامس عشر. ولقد ألقت أوروبا بذلك المرض الوبيل بين المسلمين ليمزّقَهم ويفرّقَهم شَذر مَذر ليسهل عليها ابتلاعَهم قِطعًا متناثرة. ولقد بذلتُ ما وسعني الجهد لعلاج هذا الداء الخبيث، ويشهد طلابي ومن له علاقة معي بذلك.
ولما كان الأمر هكذا، فيا أيها السادة! ما الداعي وراء التشبث بكل حادثة لإيذائي والتضييق عليّ؟ والذي هو من قبيل إدانة جندي في الغرب لخطأ ارتكبه جنديٌ في الشرق،
— 82 —
لكونهما جنديين، أو أخذ حانوتي في بغداد، لأنه حانوتي، بجريرة حانوتي في إسطنبول! فهذا هو شأنكم في كل حادثة دنيوية تتخذونها وسيلة للتضييق عليّ. أيُّ وجدانٍ يحكم بهذا؟ وأيةُ مصلحة تقتضيه؟
النقطة الثالثة
إنَّ أصدقائي وأحبابي الذين يلاحظون راحتي وأحوالي، يستغربون من إيثاري الصمتَ وتجمّلي بالصبر تجاه كل مصيبة تنیزل بي، فيتساءلون: كيف تتحمل الضيقَ والمشاق التي تنیزل بك؟ فلقد كنتَ من قبل شديدَ الغضب، لا ترضى أن يمسّ أحد عزتَك. وكنتَ لا تتحمل أدنى إهانة؟
الجواب: استمعوا إلى هاتين الحادثتين والحكايتين. وخذوا الجواب منهما!
لحكاية الأولى: قبل سنتين ذكر مديرٌ مسؤول في غيابي كلماتٍ ملفقةً فيها إهانة وتحقير لي، دون سبب ومبرر. ونُقل الكلامُ إليّ، تألمتُ ما يقرب من ساعة بأحاسيس "سعيد القديم". ثم وردت برحمته سبحانه وتعالى إلى القلب حقيقةٌ أزالت ذلك الضيق، ودفعتني لأصفحَ عن ذلك الشخص. والحقيقة هي:
قلت لنفسي: إن كان تحقيرُه وما أورده من نقائص تخصّ شخصي ونفسي بالذات، فليرضَ اللّٰه عنه إذ أطلعني على عيوب نفسي. فإن كان صادقًا، فسوف يسوقني اعتراضُه إلى تربية نفسي الأمارة وتأديبها، وأيضًا يعاونني في النجاة من الغرور. وإنْ كان كاذبًا، فهو عَونٌ لي أيضًا للخلاص من الرياء، ومن الشهرة الكاذبة التي هي أساسُ الرياء. نعم! إنني لم أصالح نفسي قط؛ لأنني لم أربِّها. فإن نبّهني أحدٌ على وجود عقرب في أي جزء من جسمي، عليّ أن أرضى عنه، لا أمتعضَ منه.
أما إن كانت إهاناتُه تعود لصفة كوني خادمًا للإيمان والقرآن، فتلك لا تعود لي، فأُحيل ذلك الشخص إلى صاحب القرآن الذي استخدمني في هذه المهمة، فهو عزيز حكيم.
وإن كان كلامه لأجل تحقيري وإهانة شخصي بالذات والحط من شأني، فهذا أيضًا لا يخصني، لأنني أسيرٌ مكبّل وغريب في هذا البلد، فالدفاع عن كرامتي ليس لي فيه نصيب، بل
— 83 —
يخص من يحكم هذه القرية ثم القضاء ثم المحافظة التي أنا ضيف لديهم. إذ إن إهانة أسير تعود إلى مالكه، فهو الذي يدافع عنه.
فاطمأن القلبُ بهذه الحقيقة، وتلوتُ:
واُفوّضُ أمري الى اللّٰه إنّ اللّٰه بَصيرٌ بالعباد
(غافر: ٤٤) وأهملتُ الحادثةَ واعتبرتها لم تقع، ونسيتُها. ولكن تبين بعدئذٍ -مع الأسف- أن القرآن لم يتجاوز عنه، فعاقبَه.
الحكاية الثانية: طرق سمعي في هذه السنة أن حادثةً وقعت، وقد سمعتُها بعد وقوعها إجمالًا فحسب، لكني لقيت معاملة كأنني ذو علاقة قوية بالحادثة. علمًا أنني ما كنت أراسل أحدًا، وما كنت أكتب رسالة إلّا نادرًا إلى صديق وحول مسألة إيمانية، بل لم أكتب حتى لشقيقي إلّا رسالة واحدة خلال أربع سنوات. فكنت أمنع نفسي عن مخالطة الناس والاتصال بهم، فضلًا عن أن أهل الدنيا كانوا يمنعونني عن ذلك. فما كنت ألقى إلّا واحدًا أو اثنين من الأحباب خلال أسبوع، مرة أو مرتين. أما الضيوفُ القادمون إلى القرية، وهم آحاد لا يزيدون عن واحد أو اثنين فكانوا يلقونني دقيقة أو دقيقتين، خلال شهر، ولمسألة أخروية.. كنت على هذه الحالة من الاغتراب، وقد مُنعت عن كل الناس، عن كل شيء، وبقيتُ وحيدًا غريبًا، لا قريب لي، في قرية ليس فيها ما يلائم مكسب نفقتي. حتى إنني قبل أربعِ سنوات، عمّرت مسجدًا خربًا وقمت فيه بالإمامة لأربع سنوات (نسأل اللّٰه القبول) حيث أحمل شهادةَ الإمامة والوعظ، من بلدي. ومع هذا لم أستطع الذهابَ إلى المسجد في شهر رمضان الفائت. فصليتُ أحيانًا منفردًا وحُرمت من ثواب الجماعة البالغ خمسًا وعشرين ضعفًا.
فتجاه هاتين الحادثتين اللتين مرّتا بي أظهرتُ صبرًا وتحملًا مثلما أظهرتُه قبل سنتين إزاء معاملة ذلك المسؤول. وسأستمر على هذا الصبر والتحمل بإذن اللّٰه.
والذي يدور في خلَدي وأريد أن أقولَه هو أن العنتَ الذي يذيقني إياه أهلُ الدنيا، والأذى والتضييق عليّ منهم، إنْ كان تجاه نفسي القاصرة الملطخة بالعيوب فإني أعفو عنهم، لعلّ نفسي تصلح من شأنها بهذا التعذيب فيكون كفارةً لذنوبها. فلئن قاسيتُ من أذًى في هذه الدنيا المضيفة، فأنا شاكرٌ ربي، إذ قد رأيت بهجتها ومتعتها.
— 84 —
ولكن إن كان أهل الدنيا يذيقونني العذابَ لقيامي بخدمة الإيمان والقرآن، فالدفاع عن هذا ليس من شأني وإنما أُحيلُه إلى العزيز الجبار.
وإن كان المرادُ من ذلك التضييق إفسادَ توجّه الناس إليّ والحيلولة دون إقبالهم عليّ، أي للحدّ من الشهرة الكاذبة، التي لا أساس لها، بل هي السبب في الرياء وإفساد الإخلاص.. فعليهم إذن رحمةُ اللّٰه وبركاته؛ لأني اعتقد أن كسب الشهرة وإقبالَ الناس ضار لأشخاص مثلي. والذين لهم علاقة معي يعرفونني جيدًا: أنني لا أقبل الاحترام لنفسي، بل أنفر منه، حتى إن صديقًا فاضلًا عزيزًا عليّ قد نهرتُه أكثر من خمسين مرة لشدة احترامه لي.
ولكن إن كان قصدُهم من التهوين من شأني وإسقاطي في أعين الناس يخص الحقائقَ الإيمانية والقرآنية التي أقوم بتبليغها، فعبثًا يحاولون لأن نجوم القرآن لا تُسدَل بشيء. فمن يغمض عينه يجعل نهارَه ليلًا لا نهار غيره.
النقطة الرابعة
جواب عن بضعة أسئلة مريبة.
السؤال الأول المريب: يسأل أهل الدنيا ويقولون لي: بماذا تعيش؟ وكيف تُدار معيشتُك دون عمل؟ نحن لا نقبل في بلادنا المتقاعدين الكسالى الذين يقتاتون على سعي الآخرين وعملهم؟
الجواب: إنني أعيش بالاقتصاد والبركة. لا أقبل من غير رزاقي اللّٰه منّةً من أحد، وقررت أن لا أقبلها طوال حياتي.
نعم، إن الذي يعيش بمائة بارة [٭]: أربعون بارة قرش واحد، وعشرة قروش تعادل ليرة تركية واحدة. بل بأربعين بارة يأبى أن يدخلَ تحت منّة الآخرين.
إنني ما كنت أرغب مطلقًا أن أوضح هذه المسألة خشية الإشعار بالغرور والأنانية، وأكره أن أبوحَ بها فهي ثقيلة عليَّ، ولكن لأن أهل الدنيا تدور الأوهامُ والشبهات في نفوسهم لدى سؤالهم هذا، فأقول:
- إن دستور حياتي كلها هو عدمُ قبول شيء من الآخرين، فمنذ نعومة أظفاري لم أقبل شيئًا من أحد حتى لو كان زكاة أموالهم.
— 85 —
ثم إن رفضي للمرتّب الحكومي -إلّا ما عينَته الدولةُ لي لسنتين حينما كنت في دار الحكمة الإسلامية وبعد إلحاح أصدقائي وإصرارهم اضطررت إلى قبوله - ولكن أَعَدْتُ تلك الأموال إلى الشعب معنًى. وإن عدم قبولي لمنّة الآخرين في دفع ضرورات المعيشة الحياتية.. كل ذلك يبين دستور حياتي. فالناس في مدينتي وكل من يعرفني في المدن الأخرى يعرفون هذا مني جيدًا. ولقد حاول أصدقاء كثيرون بمحاولات شتى أن أقبل هداياهم في غضون هذه السنوات الخمس التي مرت بالنفي، إلا أنني رفضت.
فإذا قيل: فكيف إذن تعيش؟
أقول: أعيش بالبركة والإكرام الإلهي. فإنَّ نفسي الأمارة مع أنها تستحق كلَّ إهانة وتحقير، إلّا أنني -في الإرزاق- أحظى بالبركة التي هي إكرام إلهي يُمنح كرامةً من كرامات خدمة القرآن.
سأورد نماذج منها، وذلك قيامًا بأداء الشكر المعنوي تجاه تلك النعم التي أكرمني اللّٰه بها وعملا بالآية الكريمة: وأما بنعمة ربك فحدّث (الضحى: ١١) ولكني رغم هذا أخشى أن يداخلَ هذا الشكرَ المعنوي شيءٌ من الرياء والغرور فتمحَق تلك البركة الربانية الطيبة، إذ إن إظهار البركة المخفية بافتخارٍ مدعاةٌ لانقطاعها. ولكن ما حيلتي فإني اضطررتُ إلى ذكر تلك البركة اضطرارًا.
فالأول: لقد كفتني في هذه الشهور الستة الماضية كيلة [٭]: كيلة: مقياس قديم للوزن والحجم وهي تساوي (٤٠ لترًا من الحبوب).
من الحنطة وهي عبارة عن ستة وثلاثون رغيفا ولا زالت الحنطة باقية، لا أعرف متى تنفد. (٭): وقد دامت سنة كاملة.(المؤلف)
ثانيها: في هذا الشهر المبارك شهر رمضان لم يأتني طعامٌ إلّا من بيتين اثنين، وقد أمرضاني كلاهما. ففهمتُ من هذا أنه ممنوع عليّ طعامُ الآخرين!. ولقد كفتني أوقية واحدة [٭]: معيار قديم أيضًا تساوي ٢١٨٢ غم. من الرز وثلاثة أرغفة من الخبز بقية أيام شهر رمضان. فالصديق الصادق "عبد اللّٰه جاويش" صاحب البيت المبارك الذي يهيئ لي الطعام يشهد بهذا ويخبر به، بل إن الرز قد استمر خمسة عشر يومًا آخر بعد شهر رمضان.
— 86 —
ثالثها: لقد كفتنا أنا وضيوفي الكرام أوقيةٌ واحدة من الزبد رغم تناوله يوميًّا مع الخبز طوال ثلاثة أشهر في الجبل. حتى كان لي ضيف مبارك وهو "سليمان" وقد أوشك خبزنا على النفاد، وكنا في يوم الأربعاء، فقلت له: اذهب إلى القرية وآت بالخبز، إذ ليس حوالينا أحد حتى مسافة ساعتين لنبتاع منه. فقال: إني أرغب أن أبيت معك ليلة الجمعة المباركة على قمة هذا الجبل، لأتضرع معك إلى اللّٰه.
فقلت: توكلنا على اللّٰه. إذن ابقَ معي.
ثم بدأنا بالسير معًا حتى صعدنا قمة جبل رغم أنه لا داعي ولا مناسبة لذلك. وكان لدينا قليل من الماء مع شيء من الشاي والسكر.
قلت: يا أخي اعمل لنا قليلًا من الشاي. وبدأ بالعمل.
وجلست أنا تحت شجرة قطران أتأمل في مشاهدة وادٍ عميق، وأفكر بأسف وأسى: ليس لدينا إلّا كسرة من خبز متعفن ربما يكفينا كلينا هذا المساء. ولكن كيف باليومين التاليين. فماذا أقول لهذا الرجل الطيب النقي السريرة!
وبينما أنا غارق في هذا إذا برأسي كأنه يُدار إلى الشجرة فالتفتُّ وإذا بي أرى رغيفًا كبيرًا فوق شجرة القطران ينظر إلينا بين أغصانها، قلت: أبشر يا سليمان فقد أنعم اللّٰه سبحانه علينا برزق. فأخذنا الخبز من الشجرة وفتشنا عن أثر من آثار الحيوانات والطيور عليه. وإذا به سالمٌ من أي تعرض كان من الحيوانات. فضلًا عن أنه لم يصعد هذا الجبل منذ ثلاثين يومًا أحد من الناس. فكفانا ذلك الرغيف يومين. وما إن أوشك على النفاد إذا بالرجل الصادق "سليمان" الذي كان صديقًا صادقًا طوال أربع سنوات يصعد الجبل متوجهًا نحونا آتيًا لنا بالخبز.
رابعها: إن هذه السترةَ (الجاكيت) قد اشتريتُها مستعملةً قبل سبع سنوات. وكفَت أربعُ ليرات ونصف الليرة لمصاريف خمس سنوات مضت للملابس والحذاء والجوارب، فلقد كفتني البركةُ والاقتصاد والرحمة الإلهية.
وهناك أمثلة كثيرة شبيهة بهذا، إذ إن للبركة الإلهية جهات شتى. وأن أهالي هذه القرية يعرفون كثيرًا من أمثلة البركة. ولكن حذار حذار أن يذهب بكم الظن أنني أذكر هذه الأمثلة
— 87 —
افتخارًا، وإنما اضطررت إلى ذكرها اضطرارًا. ولا يردنّ في خاطركم أنها أمثلة تدل على صلاحي، وإنما هذه البركات هي إحسان إلهي إلى أصدقائي الضيوف المخلصين القادمين إليّ. أو أنها إكرام إلهي لخدمة القرآن الكريم، أو أنها منافع مباركة للالتزام بالإقتصاد، أو أنها رزق للقطط الأربع التي تلازمني هنا وهي التي تذكر في هريرها: يا رحيم يا رحيم يا رحيم.. فهي أرزاقُها تأتيها على صورة بركة، وأنا بدوري أستفيد منها.
نعم، إذا أنصتّ إلى هريرها الحزين تدركُ جيدًا أنها تذكر: يا رحيم يا رحيم يا رحيم.
وعلى ذكر القطط يرد بالبال ذكرُ الدجاج.
كانت لي دجاجة تجلب لي من خزينة الرحمة الإلهية بيضةً واحدة يوميًّا في هذا الشتاء بانقطاع قليل جدًّا. وذات يوم وضعت بيضتين معًا، فاحترتُ منها، واستفسرت عن أحبابي: هل يحدث مثل هذا في هذا الشتاء؟ قالوا: ربما هي إحسان إلهي.
كان لهذه الدجاجة فرخ في الصيف. بدأ الفرخ بوضع البيض بدايةَ شهر رمضان المبارك، واستمر الوضع طوال أربعين يومًا. فلم تبق لدي شبهة ولا لدى إخوتي الذين يقومون بخدمتي من أن هذا الوضع المبارك للبيض في هذا الشتاء ومن فرخ صغير، في شهر رمضان، إنما هو إكرام إلهي ليس إلّا. ثم إن الفرخ بدأ بالوضع حالما قطعَته الأم. فلم يدَعني دون بيضة والحمد للّٰه.
السؤال الثاني المريب: يقول أهل الدنيا: كيف نثق بك ونطمئن إليك بأنك لا تتدخل في أمور دنيانا؟ فلربما لو أطلقنا سراحَك تتدخل في أمورها؟ ثم كيف نعرف أنك لا تخدعنا ولا تكيدُ بنا، إذ تظهر نفسَك بمظهر التارك للدنيا الذي لا يأخذ أموالَ الناس ظاهرًا، وربما يأخذها خفيةً، فكيف نعرف أن ذلك ليس مَكرًا؟
الجواب: إن أحوالي قبل عشرين سنة في المحكمة العسكرية العرفية، وأطواري قبل إعلان الدستور، [٭]: أي إعلان النظام البرلماني في الدولة العثمانية وذلك في ٢٣ تموز ١٩٠٨م. وفي الدفاع الذي صدر في كتاب "شهادة مدرستي المصيبة" معروفة لدى الذين يعرفونني.. كل ذلك يبين بيانًا شافيًا: أنني قد أمضيت حياتي لم أتنازل إلى شيء من الخديعة بل حتى إلى أدنى حيلة، فلو كانت ثمةَ حِيلٌ لحصلت المراجعةُ واللجوء إليكم مع
— 88 —
تزلّف وتملق خلال هذه السنوات الخمس. إذ المحتال يحاول أن يحبّبَ نفسَه إلى الناس دومًا بل يسعى إلى إغفالهم وخداعهم، وليس من شأنه تجنُّبهم والابتعادُ عنهم. والحال أنني لم أتنازل إلى التذلل للآخرين على الرغم من جميع الهجمات النازلة بيَّ والانتقادات الموجهة إليّ، بل أعرضتُ عن أهل الدنيا متوكلًا على المولى القدير وحده. ثم إنَّ الذي عرف حقيقةَ الآخرة وكشفَ عن حقيقة الدنيا لا يندم أبدًا، إن كان ذا لب. ولا يتشبث بالعودة إلى الدنيا مرة أخرى. ثم إن من كان وحيدًا فريدًا لا علاقة له مع أحد، لا يضحّي بحياته الأبدية لثرثرة دنيوية وتهريجاتها بعد قضاء خمسين سنة من العمر. بل لو ضحّى بها، لا يكون حيّالًا بل مجنونًا، وماذا عسى أن يفعل المجنونُ حتى يُهتم به؟
أما الشبهة الواردة حول كوني طالبًا للدنيا باطنًا وعازفًا عنها ظاهرًا. فأقول:
بمضمون الآية الكريمة:
وَمَآ اُبَرِّئُ نَفْسي اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
(يوسف: ٥٣).
إنني ما أبرئ نفسي أبدًا، إنها تروم كلَّ فساد. ولكن خسران حياة دائمة وسعادة خالدة لأجل لذة قليلة، في هذه الدنيا الفانية، في هذا المضيف المؤقت، في زمن الشيخوخة، في عمر قصير.. ليس من شأن العقلاء ولا يليق بذوي الشعور؛ لذا انقادت نفسي الأمارة، شاءت أم أبت، للعقل ورضخت له.
السؤال الثالث المريب: يقول أهل الدنيا: أتحبُّنا؟ أترضى عنا وتعجب بنا؟ فإن كنت تحبنا فلماذا إذن أعرضتَ عنا ولا تخالطُنا، وإن لم تكن تعجب ولا ترضى عنا فأنت إذن تعارضنا، ونحن نسحق معارضينا!
الجواب: إنني لو كنت مُحبًَّا لدنياكم، فضلًا عنكم لما انسحبتُ منها وأعرضت عنها. فأنا لا أعجب بكم ولا بدنياكم، ولكن لا أتدخل أيضًا بها ولا أخالطكم. لأنني أصبو إلى قصد غير قصدكم، فقد ملأتْ قلبي أمورٌ لم تُبق موضعًا لغيرها كي أفكرَ فيها. وأنتم مأمورون بالحكم على ظاهر الحال لا على باطن القلب. لأنكم تريدون إدامةَ النظام وإرساءَ الحكم، وحيث إني لا أتدخل بهما، فليس لكم أن تقولوا: ليحبنا القلب كذلك، فأنتم لستم أهلًا لذلك الحب أصلًا.
وإن تدخلتم في أمر القلب، أقول: كما أنني أتمنى مجيء الربيع وسط هذا الشتاء، ولكني
— 89 —
لا أستطيع إتيانه، كذلك أتمنى صلاح أحوال العالم وأدعو لذلك، وأسأل اللّٰه أن يصلح أهلَ الدنيا، ولكن ذلك فوقَ إرادتي ووسعي فلا أستطيع عليه. لذا لا أتدخلُ فعلًا، فهي ليست من وظيفتي ولا ضمن اقتداري وطاقتي.
السؤال الرابع المريب: يقول أهل الدنيا: لقينا بلايا ونیزلت بنا مصائبُ، فلم نعد نثق بأحد من الناس، فكيف نثق بك؟ ولو سنَحت لك الفرصةُ ألاَ تتدخل في أمورنا بالشكل الذي يروق لك؟
الجواب: إن النقاط المذكورة سابقًا رغم أنها كافية لإقناعكم وبث الاطمئنان في نفوسكم إلّا أنني أقول:
في الوقت الذي لم أتدخل في دنياكم وأنا في مدينتي وحولي طلابي وأقربائي، وأعيش في وسط من يصغي إليّ ويستشيرني، بل لم أتدخل في دنياكم حتى في خضم تلك الحوادث المثيرة، أفيمكن أن يتدخلَ فيها مَنْ هو في دار الغربة، وهو وحيد منفرد وضعيف عاجز، متوجّه بكل وسعه للآخرة، منقطع عن الاختلاط والمراسلات، ولم يجد إلّا بضع أصدقاء في طريق الآخرة، وهو الغريب عن الناس، كما أن الناس أصبحوا غرباء عنه، بل ينظر إليهم هكذا.. هذا الإنسان إذا تدخّل في دنياكم العقيمة والخطرة ينبغي له أن يكون مجنونًا مضاعفًا.
النقطة الخامسة
تخص خمسَ مسائلَ صغيرة:
أولاها: يقول لي أهلُ الدنيا: لِمَ لا تطبّق على نفسك أصولَ مدنيتنا وآدابها، ولا تعيشُ على وفق طراز حياتنا، ولا تلبس هيئةَ ملابسنا؟ بمعنى أنك معارض لنا؟.
وأنا أقول: أيها السادة! بأيّ حق تكلفونني أن أطبقَ آداب مدنيتكم؟ فأنتم قد أجبرتموني على الإقامة ظلمًا في قرية طوال خمس سنوات، ومنعتموني حتى عن المراسلات والاختلاط مع الناس، وكأنكم قد أسقطتموني من الحقوق المدنية، فضلًا عن أنكم جردتموني بغير سبب من كل شيء، ولم تسمحوا لي أن أقابلَ أهلَ مدينتي، سوى واحد أو اثنين. علمًا أنكم قد أطلقتم سراحَ جميع المنفيين، وسمحتم لهم بالإقامة بين أهليهم وذويهم في المدن ومنحتموهم شهاداتِ
— 90 —
ترخيص بذلك.. فهذه المعاملات تعني أنكم لا تعدونني من أفراد الأمة ولا من رعايا هذا الوطن، فكيف إذن تكلفونني بتطبيق قوانين مدنيتكم؟
وأنتم قد ضيّقتم عليّ الدنيا على سعتها وجعلتموها لي سجنًا، أفيكلَّف من هو في السجن بمثل هذه الأمور؟.
وأنتم قد أقفلتم عليّ بابَ الدنيا، وأنا بدوري طرقتُ باب الآخرة، ففتحتْه الرحمةُ الإلهية، فكيف يطالَب من هو واقف في باب الآخرة أن يطبق عاداتِ أهل الدنيا وآدابَها المشوشة؟
فمتى ما أطلقتموني حرًا، وأعدتموني إلى مدينتي وموطني، وأعطيتموني حقوقي كاملة، فلكم عندها أن تطالبوا بتطبيق آدابكم!
المسألة الثانية: يقول أهل الدنيا: لدينا مؤسسة حكومية، تقوم بتعليم أحكام الدين وحقائق الإسلام، فبأيّ صلاحية تقوم أنت بنشر رسائل دينية؟ فلا يحق لك مزاولة مثل هذه الأمور وأنت محكوم بالنفي.
الجواب: إن الحق والحقيقة لا تقيَّدان بشيء ولا تنحصران (في مكان وزمان معينين) فكيف ينحصر الإيمانُ ويتقيد القرآنُ في مؤسسة رسمية؟ فأنتم تستطيعون أن تحصروا تطبيق قوانينكم وآدابكم (في مؤسساتكم) أما الحقائق الإيمانية والأسس القرآنية فلا تُقحَمان في المعاملات الدنيوية، ولا تحصَران في مؤسسة رسمية يؤدَّى فيها العملُ بأجرة. بل إن تلك الأسرار والفيوضات التي هي موهبة إلهية، لا تتأتى إلّا بوساطة النية الخالصة والتجرد من الدنيا والعزوف عن حظوظ النفس.
هذا فضلًا عن أن دائرتكم الرسمية قد قبلتني واعظًا وأنا في مدينتي، وعينتني في تلك الوظيفة، وقد قمت بتلك الوظيفة، وظيفة الوعظ. إلّا أنني تركتُ مرتَّبها، محتفظًا لدي بشهادتها. أي أنا أستطيع أن أؤدي بتلك الشهادة مهمةَ الوعظ والإمامة في أي مكان كان، لأن نفيي ظلمٌ واضح.
ثم إن المنفيين قد أُعيدوا إلى أهليهم، فشهادتي السابقة إذن ساريةُ المفعول.
— 91 —
ثانيًا: إن الحقائق الإيمانية التي كتبتُها، خاطبت بها نفسي مباشرة، ولا أدعو إليها الناس جميعًا، بل الذين أرواحُهم محتاجة وقلوبُهم مجروحة يتحرَّون عن تلك الأدوية القرآنية، فيجدونها. يُستثنى من هذا تكليفي أحدَ الأفاضل بطبع رسالتي التي تخص الحشر، قبل تنفيذ الحروف الحديثة، وذلك لكسب قوتي وتأمين معيشتي، ولكن الوالي السابق الظالم تجاهي دقق تلك الرسالة، وعندما لم يجد ما ينتقده لم يتعرض لها.
المسألة الثالثة: إن بعض أصدقائي يتبرأون مني ظاهرًا، بل ينتقدونني، ليحببوا أنفسَهم إلى أهل الدنيا المرتابين مني؛ بينما أهلُ الدنيا وهم الدساسون قد حملوا تبرئة هؤلاء واجتنابهم عني محمَل الرياء وانعدام الوجدان بدلًا من أن يحملوها محمل الحب والإخلاص لهم. لذا بدأوا ينظرون إليهم نظر الريب.
وأنا أقول: يا رفقائي في الآخرة!
لا تهربوا من خدمتي للقرآن العظيم؛ لأنه لا يلحقكم ضررٌ مني بإذن اللّٰه. حتى لو وقع عليَّ الظلم، وأتت المصيبةُ، فلا يمكنكم أن تنجوا منها بالبراءة مني، بل تستأهلون أكثر لأن تنیزلَ بكم مصيبة أو تداهمَكم لطمةُ تأديب.. ثم ماذا حدث حتى تنتابكم الريوب والأوهام؟.
المسألة الرابعة: في أيام منفاي هذه.. أرى أناسًا ممن سقطوا في حمأة السياسة وابتُلوا بالإعجاب بالنفس، ينظرون إليّ نظرةً تتسم بالمنافسة والانحياز إلى جهة. وكأنني مثلهم ذو علاقة مع تيارات دنيوية.
فيا أيها السادة! اعلموا أنني في صف الإيمان وفي تياره وحده، ويواجهني تيارُ الإلحاد. ولا علاقة لي أصلًا بأي تيار آخر.
فالذي يتخذ وضع المنافس والمخالف لي، ويتعرض لي ويسبب إيلامي، إن كان ممن يعمل لقاء أجرة، ربما يجد شيئًا من العذر في تصرفاته هذه. ولكن الذي لا يعمل لقاء أجرة، وإنما يقوم بمثل هذه المعاملات باسم الغيرة والحمية، فليعلم أنه يرتكب خطأ أيّما خطأ، لأنه -كما أثبتناه سابقًا- لا علاقة لي قطعًا بالسياسة الجارية في الدنيا، فلقد نذرت حياتي وحصرت وقتي كلَّه لنشر حقائق الإيمان والقرآن، لذا فليفكر جيدًا من يتعرض لي ويتخذ موقف المنافس، إنه في حكم المتعرض للإيمان في سبيل الزندقة والإلحاد.
— 92 —
المسألة الخامسة: لما كانت الدنيا فانيةً.. والعمرُ قصيرًا.. والواجبات كثيرةً.. وأن الحياة الأبدية تُكسب هنا، في الدنيا.. وهي ليست بلا مولى.. فللمضيف ربٌ كريم حكيم.. لا يضيّع جزاء السيئة ولا الحسنة.. و
لا يكلّف نفسًا الّا وسعها
.. وحيث إن السبيل السوي وما فيه أذى لا يستويان.. ولا يجاوز بابَ القبر أخلّاءُ الدنيا وجاهُها..
فلابد أن أسعدَ إنسان هو مَن: لا ينسى الآخرة لأجل الدنيا.. ولا يُضحّي بآخرته للدنيا.. ولا يفسد حياته الأبدية لأجل حياة دنيوية.. ولا يهدر عمره بما لا يعنيه.. ينقاد للأوامر انقيادَ الضيف للمضيّف. ليفتحَ باب القبر بأمان.. ويدخلَ دار السعادة بسلام.
(٭): بناءً على هذه الأسباب لا أبالي بالمظالم التي نزلت بي شخصيًا ولا أعير بالًا للمضايقات التي تحيط بي وأقول: إنها لا تستحق الاهتمام، فلا أتدخل بأمور الدنيا. (المؤلف).
— 93 —

ذيل المكتوب السادس عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إن أصحاب الدنيا المتكالبين على متاعها الزائف قد توهموا عبثًا أن رجلًا عاجزًا غريبًا في هذه الدنيا مثلي له من القوة ما لآلاف الرجال. وقد دفعهم هذا الوهمُ إلى وضعي تحت قيود صارمة مشددة؛ فلم يسمحوا لي مثلًا بالإقامة ليلةً أو ليلتين في "بدرة" وهي كحي من أحياء "بارلا" أو حتى على جبل من الجبال القريبة منها. وقد سمعتُهم يقولون: "إن لسعيد من القوة ما لخمسين ألف رجل لذا فلا يمكننا إطلاق سراحه"!.
وأنا أقول: يا طلابَ الدنيا التعساء! مع أنكم تعملون للدنيا بكل ما أوتيتم من قوة وجهد فلِمَ لا تعلمون شؤونَها أيضًا فتحكمون كالمجانين. فإذا كان خوفُكم من شخصي الفاني، فهو خوف زائف، لا مبررَ له إطلاقًا، إذ يستطيع أي إنسان، وليس خمسين ألفًا، أن يعملَ ضعف عملي خمسين مرة. يستطيع في الأقل أن يقفَ على باب غرفتي ويقول: "لن تخرج".. فينتهي الأمر. أما إذا كان خوفُكم من مهنتي التي هي الدعوة إلى القرآن، ومن قوة الإيمان التي أتسلَّحُ بها. ألاَ فلتعلموا جيدًا بأنني لست في قوة خمسين ألف رجل.. كلّا.. إنكم مخطؤون. إنني بفضل الإيمان وبحكم مهنتي في قوة خمسين مليون شخص! إنني بقوة القرآن الكريم أتحدى أوروبا كلَّها بما في ذلك ملاحدتكم.. لقد اقتحمتُ قلاعَهم الحصينة التي يسمونها "العلوم الطبيعية أو الحديثة".. وذلك بفضل ما نشرتُ من الحقائق الإيمانية والبراهين القرآنية الدامغة التي أنیزلتُ بها أكبرَ فلاسفتهم إلى رتبة هي أدنى مائة مرة من رتبة الأنعام! ولو اجتمعت أوروبا بأسرها بما في ذلك ملاحدتكم، فلن تستطيعَ أن تحُولَ دون مسألةٍ واحدة من مسائل مهنتي ولا أن تغلبني بإذن اللّٰه وتوفيقه.
— 94 —
ومجمل الكلام: فكما لا أتدخلُ في شؤون دنياكم لا يحق لكم أن تتدخلوا في شؤون أُخراي كذلك.. ولا تحاولوا.. أما إذا ركبتم رأسكم وحاولتم التدخل، ألاَ فلتعلموا يقينًا بأنكم لن تجنوا من وراء ذلك شيئًا، وسيكون سعيُكم عبثًا.
قوةُ العضد لا تردّ تقديرَ اللّٰه
وشمعةٌ أوقدها المولى لا تطفئها الأفواه
إنَّ أهل الدنيا تدور شكوكُهم وأوهامُهم حولي بوجه خاص وكأنهم يتوجسون مني خيفة، إذ يتخيلون وجود أمور لا أملكها، بل لو وجدت فلا تكون موضعَ ريوب سياسية واتهامات، كالمشيخة، والرئاسة، والحسب والنسب، والنفوذِ في العشيرة، وكثرة الأتباع، واللقاء مع المواطنين، والتعلق بأمور الدنيا، بل حتى يتصورون وجود الدخول في أمور السياسة بل حتى المعارضة للدولة.. وأمثالها من الأمور التي ليست موجودة عندي، فيقعون في شكوك وأوهام من جراء تخيلاتهم. حتى إنهم حرموني من كل شيء عندما تذاكروا أُمور العفو لمَن في السجن أو في خارجه، أي مَن لا يشملهم العفو في نظرهم.
هناك كلام جميل خالد قاله رجلٌ فاسد فانٍ:
إن كان للظلم مدفعٌ وبندقية وقلعة
فللحق ساعدٌ لا ينثني ووجهٌ لا يتراجع.
وأنا أقول:
إن كان لأهل الدنيا حكمٌ وسطوة وقوة..
ففي خادمه بفيض القرآن:
علمٌ لا يلتبس، وكلام لا يسكت، وقلبٌ لا ينخدع، ونور لا ينطفئ.
لقد سألني الآمر العسكري المسؤول عن مراقبتي، وكثيرٌ من الأصدقاء هذا السؤال مكررًا: لِمَ لا تراجع الجهات الرسمية؟ ولِمَ لا تقدم طلبًا للحصول على شهادة ووثيقة رخصة؟.
— 95 —
الجواب: هناك أسباب عدة تحُول بيني وبين مراجعتهم، بل تجعلني لا أستطيع مراجعتَهم.
السبب الأول: إنني لم أتدخل في شؤون أهل الدنيا ولا في دنياهم، كي أكون محكومًا من قبلهم، ومن ثم أراجعهم في هذا الشأن، بل أراجعُ القدَر الإلهي، لأنه هو الذي حكم عليّ لتقصيراتي تجاهه.
السبب الثاني: لقد تيقنتُ أن هذه الدنيا دارُ ضيافة، تتبدل بسرعة وتتغير على الدوام، فهي ليست دارَ قرار ولا موطنًا حقيقيًا، لذا فإن نواحيها كافة على حدّ سواء. فما دمت لا أظل في موطني، ولا قرار لي فيه، فإن محاولة الرجوع إليه عبثٌ لا طائل وراءه، ولا يعني شيئًا الذهاب إليه. وما دام كل ناحية من نواحي الدنيا دارَ ضيافة. فإن كلَّ إنسان صديقٌ وكل مكان نافعٌ ومفيد إن كانت رحمةُ صاحب الدار ورحمةُ رب البيت رفيقةً لك، وإلّا فكل إنسان عدو وكل مكان حملٌ ثقيل وضيق شديد.
السبب الثالث: المراجعة إنما تكون ضمن نطاق القانون، بينما المعاملة التي أُعامَل بها طوال هذه السنوات الست معاملةٌ اعتباطية وغير قانونية، إذ لم يعاملوني معاملة قانونية على وفق قانون المنفيين، بل نظروا إليّ نظرةَ الساقط من الحقوق المدنية، بل حتى من الحقوق الدنيوية، فلا معنى إذن من مراجعةٍ قانونية لمن يُعامِل معاملةً غيرَ قانونية.
السبب الرابع: راجع مديرُ هذه الناحية "بارلا" باسمي للسماح لي بالذهاب إلى قرية "بدرة" القريبة جدًّا منها -حتى تعدّ أحدَ أحيائها- لقضاء بضعة أيام للفسحة هناك، ولم يسمح لي بذلك. فكيف يراجَع هؤلاء الذين يرفضون مثل هذه الحاجة البسيطة التي أشعر بها؟ فمراجعتُهم إذن ليس إلا تذللا وخنوعا غير مُجدٍ.
السبب الخامس: إن طلبَ الحق ممن يظنون الباطل حقًا ومراجعتَهم ظلمٌ وبخس للحق وقلةُ توقير له، فلا أريد أن أرتكبَ هذا الظلم، ولا هذا التهوين من شأن الحق. والسلام.
السبب السادس: إن مضايقة أهل الدنيا لي، ليست ناشئةً من انشغالي بالسياسة، لأنهم يعرفون جيدًا أنني لا أتدخل في الأمور السياسية، بل أنفر منها، فهم يعذبونني بسبب ارتباطي بالدين وتمسكي بأهدابه، أي أنهم يعذبونني -بشعور وبغير شعور- إرضاءً للزندقة. لذا فإن
— 96 —
مراجعتهم تعني إبداءَ ندامةٍ عن الدين وملاطفةٍ لمسلك الزندقة، فضلًا عن أن القدر الإلهي العادل سيعذبني بأيديهم الأثيمة إن التجأتُ إليهم أو راجعتُهم، لأنهم يضايقونني لتمسكي بالدين، بينما القدر الإلهي يضايقني لنقائصي وقصوري في التقوى والإخلاص ولتزلفي أحيانًا إلى أهل الدنيا. فلا نجاةَ لي إذن من هذه المضايقات في الوقت الحاضر. إذ لو راجعتُ أهلَ الدنيا لقال القدَر: أيها المرائي! ذق جزاء مراجعتك هذه. وإن لم أراجع أهل الدنيا لقالوا: إنك لا تعترف بنا، فلازِم المضايقات.
السبب السابع: من المعلوم أن وظيفة أي موظف كان هي الأخذُ على يد مَن يلحق الضرر بالمجتمع ومعاونة النافعين لهم. فعندما كنت أوضّح ذوقًا لطيفًا في كلمة "لا إله إلّا اللّٰه" لشيخ هرم اقترب من باب القبر، أتاني الموظف المسؤول عن مراقبتي وكأنه يريد القبض عليّ وأنا متلبّس بجريمة نكراء. علمًا أنه ما كان يأتيني في أغلب الأحيان، ولكنه حضر في ذلك الوقت وكأنني أقترف جريمة، فحرم ذلك المستمع إلى الموضوع بإخلاص، وأثار غضبي. علمًا أنه ما كان يلتفت إلى أشخاص في القرية بل بدأ يلاطف ويقدّر أولئك الذين يعربدون ويبثون سمومًا في المجتمع.
ومن المعلوم كذلك لو أن مجرمًا، ارتكب مائة جريمة، يستطيع أن يقابل مسؤوليه في السجن سواءً أكانوا من الجنود أو الضباط أو الآخرين. بينما المسؤول عن مراقبتي، واثنان من ذوي الشأن لدى الحكومة، لم يسألوا عن حالي ولم يقابلوني قطعًا طوال سنة من الزمان، رغم أنهم مرّوا مرارًا أمام غرفتي. فقد كنت أظن أنهم لا يتقربون مني بسبب العداء، ولكن تحقق بالتالي، أن ذلك نابع مما كان يساورهم من شكوك وريوب، فهم يفرّون مني وكأنني سأبتلعهم.
فمراجعةُ حكومةٍ، رجالُها وموظفوها أمثالُ هؤلاء ليس من العقل في شيء، بل ما هي إلّا ذلة وخنوع لا طائل وراءه.
فلو كان سعيد القديم موجودًا لقال مثلما قال "عنترة":
ماءُ الحياة بذلةٍ كجهنم وجهنم بالعزّ أفیخرُ منیزلِ
— 97 —
ولكن لا وجود لی "سعيد القديم". أما "سعيد الجديد" فيرى أنه لا معنى حتى في التكلم مع أهل الدنيا. فليهلكهم اللّٰه بدنياهم، وليقضوا ما يقضون، سنتحاكم في المحكمة الكبرى بإذن اللّٰه.
هذا ما يقوله "سعيد الجديد"، ثم يسكت.
ومن الأسباب الداعية لعدم مراجعتي:
السبب الثامن: أن القدر الإلهي يعذبني بالأيدي الظالمة لأهل الدنيا هؤلاء. وذلك بسبب ما لا يستحقونه من ميلي إليهم، وفق القاعدة: "إن نتيجةَ محبةٍ غيرِ مشروعة عداوةٌ ظالمة". وقد كنت أؤثر الصمتَ، لعلمي أني أستحق هذا العذاب، حيث إنني قد خدمت بصفة قائد للمتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وخضت المعارك، وضحيت بخيرة طلابي وأحبّائي مع نيل تقدير القائد العام للجيش، أنور باشا. وسقطت جريحًا، وأُسرت. وبعد مجيئي من الأسر ألقيت بنفسي في المهالك، بتأليفي كتاب "الخطوات الست" الذي تحديتُ به الإنكليز وهم يحتلون إسطنبول. فعاونت هؤلاء الأصدقاء الذين ألقوني في عذاب الأسر بغير سبب. وكان هذا جزائي نظيرَ معاونتي لهم، فأذاقني هؤلاء من المصاعبَ والمتاعبَ في ثلاثة شهور ما تفوق المصاعب والمتاعب التي قاسيت منها في روسيا طوال ثلاث سنوات.
وعلى الرغم من أن الروس كانوا ينظرون إليّ بصفة قائد للمتطوعين الأكراد والظالم الذي يذبح الأسرى والقازاق، إلّا أنهم لم يمنعوني من إلقاء الدروس. فكنت أُلقيها على معظم زملائي الأسرى من الضباط البالغ عددهم تسعين ضابطًا، حتى إن القائد الروسي استمع مرة إلى الدرس، فحسبه درسًا سياسيًا، لجهله باللغة التركية، ومنعني مرة واحدة فقط ولكنه سمح لي بعد ذلك. ثم إننا جعلنا غرفةً في الثكنة التي كنا فيها مسجدًا لأداء الصلاة جماعةً، وكنت أؤم الجماعة، ولم يتدخلوا في ذلك قط. ولم يمنعونا من الاختلاط والاتصال بعضنا مع البعض ولم يقطعوا عنا المراسلات.
بينما أرى هؤلاء الذين يُفترض فيهم أنهم إخواني في الدين وفي الوطن يمنعونني من الدرس بغير سبب مع أنني أحاول أن أفيدَهم في الإيمان، وهم يعلمون أنني قد قطعت علاقتي مع الدنيا والسياسة. حتى إنهم وضعوني في الأسر طوال ست سنوات -وليس ثلاث
— 98 —
سنوات- بل في أسر مشدّد، إذ منعوني من الاختلاط بالناس، ومن إلقاء الدروس، بل حتى من إلقاء الدروس الخاصة في غرفتي الخاصة. علمًا أنني أحمل شهادةً في ذلك، وحالوا بيني وبين المراسلات، بل منعوني حتى عن الإمامة في المسجد الذي عمّرتُه بنفسي، والذي كنت أؤمُّ الجماعة فيه طوال أربع سنوات. فحرموني من ثواب الجماعة، بل منعوني عن أن أؤمَّ جماعة مكونة من ثلاثة أخوة في الآخرة كنت أؤمُّهم دومًا. فضلًا عن ذلك لو ذكرني أحدُهم بخير، يغضب الموظف المراقب عليّ، ويحاول بشتى الوسائل أن يهوّن من شأني، ويشدّد من المضايقات كي يحصل على تكريم من آمريه والتفاتهم إليه.
فقل لي بنفسك واحكم بما شئت أيها الأخ السائل: إنّ من كان هذا وضعَه، هل يراجع غير اللّٰه سبحانه وتعالى؟ فلمن يقدّم الشكوى إن كان الحاكم هو المدّعي؟ ثم قل ما شئت أن تقوله في هذه الأحوال المحيطة بنا.
ولكني أقول: إن كثيرًا من المنافقين قد اندسوا بين أصدقائي هؤلاء. وحيث إن المنافق أشدُّ من الكافر وأخبثُ منه، فلهذا يذيقونني من العذاب ما لم يذقني إياه كفار الروس.
أيها التعساء! ماذا فعلت بكم، وما الذي أفعله بحقكم؟ إنني أسعى لإنقاذ إيمانكم وإبلاغكم السعادةَ الأبدية. يبدو أن خدمتي لم تخلُص بعدُ للّٰه، لذا يولَد خلافُ المأمول. وأنتم نظير ذلك تؤذونني في كل فرصة سانحة. فلا ريب أننا سنتحاكم في المحكمة الكبرى.. أقول:
حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل ٭ نعم المولى ونعم النصير
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 99 —

المكتوب السابع عشر

ذيل اللمعة الخامسة والعشرين
عزاء بطفل
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السيد الحافظ "خالد" يا أخا الآخرة العزيز!
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وَبَشِّر الصابرين٭ الذين اذا اَصابَتْهُم مُصيبةٌ قالوا إنا للّٰه وإنا إليه راجعون
(البقرة: ١٥٥-١٥٦)
أخي! لقد آلمني كثيرًا نبأُ وفاةِ طفلكم، ولكن: الحكمُ للّٰه، فالرضاءُ بقضائه والتسليم بقَدَره شعارُ الإسلام. أَسأل اللّٰه سبحانه وتعالى أن يرزقكم الصبرَ الجميل، وأن يجعل لكم المرحوم ذخرًا للآخرة، وشفيعًا يوم القيامة.
وسنبيّن لكم ولأمثالكم من المؤمنين المتقين "خمسَ نقاطٍ" تشع بشرى سارة وتقطر سلوانًا حقيقيًا لكم.
— 100 —

النقطة الأولى

إن معنى الآية الكريمة: وِلْدانٌ مُخَلَّدون (الواقعة: ١٧) وسرَّها هو هكذا:
إنَّ أولاد المؤمنين المتوفّين قبل البلوغ سيُخلَّدون في الجنة أطفالًا محبوبين بما يليق بالجنة. وسيكونون مبعثَ سرور أبدي في أحضان آبائهم وأمهاتهم الذين مضوا إلى الجنة. وسيكونون مدارًا لتحقيق ألطف الأذواق الأبدية للوالدين وهو حب الأطفال وملاطفة الأولاد.
وحيث إن كلَّ شيء لذيذٍ موجودٌ في الجنة، فلا صحةَ لقول مَن يقول: "لا وجود لمحبة الأطفال ومداعبتهم في الجنة لخلوها من التكاثر والتناسل". بل هناك الفوز العظيم بمحبة الأطفال وملاعبتِهم بصفاء تام ولذة كاملة طوال ملايين السنين، من دون أن يشوبها ألمٌ ولا كدرٌ، بدلًا من محبتهم وملاعبتهم في عشر سنوات دنيوية قصيرة فانية مشوبة بالآلام. كل هذا تحققه الآية الكريمة بجملة وِلْدانٌ مُخَلَّدون فتصبح أكبر مدار لسعادة المؤمنين وتزفّ أعظم بشرى لهم.
النقطة الثانية
كان هناك -ذات يوم- رجل كريم في السجن.. أُلحق به ولدُه الحبيب أيضًا. فكان يتألم كثيرًا بمشقات عَجزه عن تأمين راحة ابنه فضلًا عن مقاساته آلامه الشخصية.
بعث إليه الحاكم الرحيم أحدًا ليبلّغه: "إنَّ هذا الطفل وإن كان ابنُك إلّا أنه واحد من رعيتي وأحدُ أفراد أمتي، سآخذه منك لأربّيه في قصر جميل فخم".. بدأ الرجل بالبكاء والحسرة والتأوه، وقال: "لا. لا أعطي ولدي ولا أسلّمه، إنه مدار سلواني!".
انبرى له أصدقاؤه في السجن: يا هذا لا داعي لأحزانك ولا معنى لتألمك. إنْ كنت تتألم لأجل الطفل فهو سيمضي إلى قصر باذخ رحيب بدلًا من أنْ يبقى في هذا السجن الملوّث المتعفن الضيق. وإنْ كنتَ متألمًا لذات نفسك وتبحث عن نفعك الخاص، فإنك ستعاني مشقاتٍ كثيرةً مع ضيق وألم شديدين فيما إذا بقي هنا لأجل أن تحصلَ على نفع مؤقت ومشكوكٍ فيه! أما إذا ذهب إلى هناك فسيكون وسيلة لألف نفع وفائدة لك، ذلك لأنه سيكون سببًا لدرّ رحمة الحاكم لك، وسيصبح لك في حكم الشفيع. ولابد أنَّ الحاكم سيرغب يومًا في أنْ يسعدَه
— 101 —
باللقاء معك، ولا جرم أنه لن يرسله إليك في السجن، بل سيأخذك إليه ويخرجُك من السجن ويبعثك إلى ذلك القصر لتحظى باللقاء مع الطفل، فيما إذا كنتَ ذا طاعة له وثقة به.
وفي ضوء هذا المثال -يا أخي العزيز- ينبغي أنْ يتفكر فيه أمثالُك من المؤمنين عندما يُتوفّى أطفالُهم، ويقولوا: إنَّ هذا الطفل بريء، وإنَّ خالقَه رحيم وكريم، فبدلًا من رقتي القاصرة عليه، وبدلًا من تربيتي الناقصة له، فقد احتضَنَتْه الرحمةُ الإلهية وضمّته العنايةُ الإلهية إلى كنَفها العظيم، وأخرجته من سجن المشقات والمصائب والآلام الدنيوية وأرسلته إلى ظلال جنة فردوسها العظيم. فهنيئًا لذلك الطفل!
ومَن يدري ماذا كان يعمل وكيف كان يتصرف لو ظَلَّ في هذه الدنيا؟ لذا فأنا لست متألما عليه، بل أراه سعيدًا محظوظًا.. أما تألمي لنفسي بالذات فلا أتألم لها ألمًا شديدًا، فيما يخص متعتي الخاصة. إذ لو كان باقيًا في الدنيا لكان يضمن لي محبّة الأولاد وملاعبتهم المؤقتة زهاء عشرة أعوام وهي مشوبةٌ بالآلام، ولربما لو كان صالحًا بارًّا، وكان ذا قدرة في أمور الدنيا كان يمكنه أن يعينَني ويتعاونَ معي، إلّا أنه بوفاته فقد ضمن لي محبةَ الأولاد ولعشرة ملايين من السنين وفي الجنة الخالدة، وأصبح مشفّعًا لي للدخول إلى السعادة الأبدية، فلا أكون إذن شديدَ التألم عليه حتى على حساب نفسي كذلك. لأن مَن غابت عنه منفعةٌ عاجلة مشكوك فيها، وربح ألفَ منفعةٍ آجلة محققةِ الحصول، لن يُظهرَ الأحزانَ الأليمة، ولن ينوح يائسًا أبدًا!
النقطة الثالثة
إنَّ الطفل المُتوفَّى.. ما كان إلّا مخلوقًا لخالق رحيم، وعبدًا له، وبكل كيانه مصنوعًا من مصنوعاته سبحانه، وصديقًا مودعًا من لدنه عند الوالدين ليبقى مؤقتًا تحت رعايتهما، وقد جعل سبحانه أُمَّه وأباه خادمَين أمينين له، ومنح كلًا منهما شفقة ملذّة، أجرةً عاجلة إزاء ما يقومان به من خدمة.
والآن، إن ذلك الخالق الرحيم الذي هو المالك الحقيقي للطفل -وله فيه تسع وتسعون وتسعمائة حصة ولوالده حصة واحدة- إذا ما أخذ بمقتضى رحمته وحكمته ذلك الطفلَ منك مُنهيًا خدماتِك له. فلا يليق بأهل الإيمان أن يحزنوا يائسين ويبكوا صارخين بما يومئ إلى
— 102 —
الشكوى أمام مولاهم الحق صاحبِ الحصص الألف، مقابل حصة صورية. وإنما هذا شأن أهل الغفلة والضلالة.
النقطة الرابعة
لو كانت الدنيا أبديةً أبد الآباد، ولو كان الإنسان فيها خالدًا مخلدًا، أو لو كان الفراق أبديًا، إذن لكان للحزن الأليم والأسف اليائس معنًى ما. ولكن ما دامت الدنيا دار ضيافة فأينما ذهب الطفل المُتوفَّى فكلنا -نحن وأنتم كذلك- إلى هناك راحلون لا مناص.
ثم إنَّ هذه الوفاة ليست خاصةً به هو وحده، بل هي طريق يسلكه الجميع.
ولما لم يكن الفراق أبديًا كذلك، بل سيتم اللقاء في الأيام المقبلة في البرزخ وفي الجنة. لذلك ينبغي القول: الحكمُ للّٰه.. إن للّٰه ما أخذ وما أعطى، مع الاحتساب والصبر الجميل والشكر قائلين: الحمد للّٰه على كل حال.
النقطة الخامسة
إنَّ الشفقة التي هي ألطفُ تجليات الرحمة الإلهية وأجملُها وأطيبُها وأحلاها.. لهي إكسيرٌ نوراني، وهي أنفذُ من العشق بكثير، وهي أسرعُ وسيلة للوصول إلى الحق تبارك وتعالى.
نعم، مثلما أن العشق المجازي والعشق الدنيوي، بمشكلات كثيرة جدًّا، ينقلبان إلى "العشق الحقيقي" فيجد صاحبُه اللّٰه جل جلاله، كذلك الشفقة، ولكن بلا مشكلات، تربط القلب باللّٰه سبحانه ليوصل صاحبَه إلى اللّٰه جل وعلا بأقصر طريق وأصفى شكل.
والوالد أو الوالدة على السواء يحبان ولدهما بملء الدنيا كلها، فعندما يؤخذ الولدُ من أي منهما فإنه -إنْ كان سعيدًا ومن أهل الإيمان- يعرض وجهه عن الدنيا ويدير لها ظهرَه فيجدُ المنعمَ الحقيقي حاضرًا فيقول: ما دامت الدنيا فانية زائلة فلا تستحق إذن ربطَ القلب بها، فيجد إزاء ما مضى إليه ولدُه علاقةً وثيقة ويغنم حالة معنوية سامية.
إنَّ أهل الغفلة والضلالة لمحرومون من سعادة هذه الحقائق الخمس وبُشرَياتِها. فقيسوا على ما يأتي مدى ما هم فيه من أحوال أليمة؛ عندما تُشاهد والدةٌ عجوز طفلَها الوحيد الذي
— 103 —
تحبه حبًّا خالصًا، يتقلّب في السكرات، يذهب فكرُها حالًا إلى رقوده في تراب القبر بدل فراشه الناعم الوثير، لما تتصورُ الموتَ عدمًا وفراقًا أبديًا، لتوهمها الخلودَ في الدنيا ونتيجة الغفلة والضلالة، لذا لا يخطر على بالها رحمة الرحمن الرحيم ولا جنته ولا نعمة فردوسه المقيم.. فأنت تستطيع أن تقيس من هذا مدى ما يعانيه أهلُ الضلالة والغفلة من ألم وحزن يائس بلا بصيص من أمل.
بينما الإيمان والإسلام وهما وسيلتا سعادة الدارين يقولان للمؤمن:
إنَّ هذا الطفلَ الذي يعاني ما يعاني من سكرات الموت سيرسله خالقُه الرحيم إلى قدس جنته بعدما يخرجه من هذه الدنيا القذرة، زد على ذلك أنه سيجعله لك مشفّعًا، كما سيجعله لك أيضًا ولدًا أبديًا... فلا تقلق إذن ولا تغتم. فالفراق مؤقت، واصبر قائلًا: الحكم للّٰه.
انا للّٰه وِاِنا اليه راجعون
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 104 —

المكتوب الثامن عشر

بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
(هذا المكتوب يتضمن ثلاث مسائل مهمة)
المسألة المهمة الأولى
سؤال: إنَّ أولياءَ مشهورين أمثالَ الشيخ محي الدين بن عربي (قدس سره) صاحب كتاب "الفتوحات المكية" والشيخ عبد الكريم الجيلي (قدس سره) صاحب كتاب "الإنسان الكامل" يبحثون في طبقات الأرض السبع، وفي الأرض البيضاء خلف جبل قاف، وفي أمور عجيبة كالمشمشية -كما في الفتوحات- ويقولون: لقد رأينا! فهل ما يقولونه صدقٌ وصواب؟ فإن كان هكذا فليس في أرضنا مثل ما يقولون! والجغرافية والعلوم الحاضرة تنكر ما يقولونه! وإن لم تكن أقوالُهم صوابًا فكيف أصبحوا أولياءَ صالحين، إذ كيف يكون من ينطق بمثل هذه الأقوال المخالفة للواقع المشاهَد والمحسوس والمنافية للحقيقة، من أهل الحق والحقيقة!.
الجواب: إنهم من أهل الحق والحقيقة، وهم أيضًا أَهلُ ولاية وشهود، فما شاهدوه فقد رأَوه حقًا، ولكن يقع الخطأ في قسم من أحكامهم، في مشاهداتهم في حالة الشهود التي لا ضوابطَ لها ولا حدود، وفي تعبير رؤيتهم الشبيهة بالرؤى التي لا حقّ لهم في التعبير عنها.
— 105 —
إذ كما لا يحق لصاحب الرؤيا التعبير عن رؤياه بنفسه، فذلك القسمُ من أهل الشهود والكشف ليس لهم الحق أنْ يعبّروا عن مشاهداتهم في تلك الحالة، حالة الشهود. فالذي يحق له التعبير عن تلك المشاهدات إنما هم ورثةُ الأنبياء من العلماء المحققين المعروفين بالأصفياء. ولا ريب أنَّ أهلَ الشهود هؤلاء عندما يرقَون إلى مقام الأصفياء سيدركون أخطاءهم بأنفسهم بإرشاد الكتاب والسنة ويصححونها. وقد صححها فعلًا قسمٌ منهم.
فاستمع إلى هذه الحكاية التمثيلية لتوضيح هذه الحقيقة، وهي:
اصطحبَ راعيانِ من أهل القلب والصَّلاح فحلبا من غنمهما اللبنَ ووضعاه في إناء خشبي ووضعا الناي القصبي فوق حافتي الصحن. ثم شعر أحدهما بالنعاس، وما فتئ أن غلبَه النومُ، فنام واستغرق في نومه.
أما الثاني فقد ظل مستيقظًا يرقب صاحبَه، وإذا به يرى وكأن شيئًا صغيرًا -كالذبابة- يخرج من أنف صاحبه النائم، ثم يمرُق سريعًا ويقف على حافة الإناء ناظرًا في اللبن ثم يدخل من فوهة الناي من أحد طرفيه ويخرج من فوهة الطرف الآخر، ثم يمضي ويدخل في ثقب صغير تحت شجرة القتاد الشوكية كانت بالقرب من المكان.
ثم يعود ذلك الشيء بعد مدة ويمضي في الناي أيضًا ويخرج من الطرف الآخر منه، ثم يأتي إلى ذلك النائم ويدخل في أنفه.. وهنا يستيقظ النائم من نومه، ويصحو قائلًا لصديقه:
- لقد رأيت يا صديقي في غفوتي هذه رؤيا عجيبة!
- اللهم أرنا خيرًا وأسمِعنا خيرًا.. قل يا صديقي ماذا رأيت؟
- رأيت وأنا نائم، بحرًا من لبن، وقد مُدَّ عليه جسرٌ عجيب، وكان الجسر مسقفًا، ولسقفه نوافذ، مررتُ من ذلك الجسر، ورأيت في نهاية الطرف الثاني غابة كثيفة ذات أشجار مدببة. وبينما أنا انظر إليها متعجبًا رأيت كهفًا تحت الأشجار فسرعان ما دخلت فيه، ورأيت كنیزًا عظيمًا من ذهب خالص.
فقل لي يا صديقي، ما ترى في رؤياي هذه، وكيف تعبّرها لي؟ أجابه صديقُه الصاحي:
— 106 —
- إنَّ ما رأيتَه من بحر اللبن هو هذا اللبن في هذا الإناء، وذلك الجسر الذي فوقه هو الناي الموضوع فوق حافتيه، والرؤوس المشوكة للأشجار هي شجرة القتاد هذه، وذلك الكهف الكبير هو هذا الثقب الصغير، تحت هذه النبتة القريبة منا. فهات يا صديقي المعوَل لأريك الكنیز بنفسي. فيأتي صديقه بالمعوَل ويبدآن الحفر تحت شجرة القتاد، ولم يلبثا حتى ينكشف لهما ما يسعدهما في الدنيا من كنیز ذهبي.
وهكذا فإن ما رآه النائم في نومه صواب وصحيح، وقد رأى ما رأى حقيقة وصدقًا، ولكن لأنه مستغرق في عالم الرؤيا، وعالم الرؤيا لا ضوابطَ له ولا حدود، فلا يحق للرائي تعبير رؤياه، فضلًا عن أنه لا يميز بين العالم المادي والمعنوي، لذا يكون قسم من حكمه خطأ. حتى إنه يقول لصاحبه صادقًا: لقد رأيت بنفسي بحرًا من لبن. ولكن صديقه الذي ظل صاحيًا يستطيع أن يميز بسهولة العالم المثالي ويفرزه عن العالم المادي، فله حق تعبير الرؤيا حيث يخاطب صديقه قائلًا:
- إنَّ ما رأيته يا صديقي حق وصدق، ولكن البحر الذي رأيتَه ليس بحرًا حقيقيًا، بل قد صار إناءُ اللبن الخشبي هذا في رؤياك كأنه البحر، وصار النايُ كالجسر.. وهكذا..
وبناء على هذا المثال ينبغي التمييزُ بين العالم المادي والعالم الروحاني، فلو مزجا معًا، تأتي أحكامُهما خطأً ولا نصيبَ لها من الصحة.
ومثال آخر: هَبْ أن لك غرفةً ضيقة، وضعتَ في جدرانها الأربعة مرايا كبيرة، تغطي كل مرآة الجدارَ كلَّه، فعندما تدخل غرفتك ترى أن الغرفة الضيقة قد اتسعت وأصبحت كالساحة الفسيحة، فإذا قلتَ:
- إنني أرى غرفتي كساحة واسعة.. فإنك لا شك صادق في قولك.
ولكن إذا حكمتَ وقلت:
- غرفتي واسعةٌ سعةَ الساحة فعلًا.. فقد أخطأتَ في حكمك، لأنك قد مزجت عالَم المثال، وهو هنا عالم المرايا، بعالَم الواقع والحقيقة، وهو هنا عالَم غرفتك كما هي فعلًا.
وهكذا تبيّنَ أنَّ ما جاء على ألسنة بعض أهل الكشف، أو ما ورد في كتبهم حول
— 107 —
الطبقات السبع للكرة الأرضية من تصويرات من دون أن يزِنوا بياناتِهم بموازين الكتاب والسنة لا تقتصر على الوضع المادي والجغرافي للأرض. إذ قالوا:
إن طبقةً من طبقات الأرض خاصةٌ بالجن والعفاريت ولها سعة مسيرة ألوف السنين. والحال أن الكرة الأرضية التي يمكن قطعُها في بضع سنين لا تنطوي على تلك الطبقات العجيبة الهائلة السعة.
ولكن لو فرضنا أنَّ كرتنا الأرضيةَ كبذرة صنوبر في عالم المعنى وعالم المثال وفي عالم البرزخ وعالم الأرواح، فإنَّ شجرتها المثالية التي ستنبثق منها وتتمثل في تلك العوالم ستكون كشجرة صنوبر ضخمة جدًّا بالنسبة لتلك البذرة. لذا فإن قسمًا من أهل الشهود يرون أثناء سيرهم الروحاني طبقات الأرض في عالم المثال واسعةً سعةً مهولة جدًّا، فيشاهدونها بسعة مسيرة ألوف السنين. فما يرونَه صدقٌ وحقيقة. ولكن لأن عالم المثال شبيهٌ صورةً بالعالم المادي، فهم يرونهما -أي العالَمين كليهما- ممزوجين معًا. فيعبّرون عما يشاهدون كما هو. ولكن لأنَّ مشهوداتِهم غيرُ موزونة بموازين الكتاب والسنة ويسجلونَها كما هي في كتبهم عندما يعودون إلى عالم الصحو، فإن الناس يتلقونها خلاف الحقيقة. إذ كما أنَّ الوجودَ المثالي لقصر عظيم وحديقة فيحاء تستوعبه مرآةٌ صغيرة، كذلك سعةُ ألوف السنين من العالم المثالي، والحقائق المعنوية تستوعبها مسافةُ سنة من العالم المادي.
خاتمة يُفهم من هذه المسألة: أنَّ درجة الشهود أوطأُ بكثير من درجة الإيمان بالغيب. أي أنَّ الكشفيات التي لا ضوابطَ لها لقسم من الأولياء المستندين إلى شهودهم فقط، لا تبلغ أحكامَ الأصفياء والمحققين من ورثة الأنبياء الذين لا يستندون إلى الشهود بل إلى القرآن والوحي، فيصدرون أحكامَهم حول الحقائق الإيمانية السديدة. فهي حقائق غيبية إلا أنها صافيةٌ لا شائبةَ فيها. وهي محددةٌ بضوابط، وموزونةٌ بموازين.
إذن فميزانُ جميع الأحوال الروحية والكشفيات والأذواق والمشاهدات إنما هو: دساتيرُ الكتاب والسنة السامية، وقوانينُ الأصفياء والمحققين الحدسية.
— 108 —

المسألة الثانية المهمة

سؤال: يعتبر الكثيرون "وحدة الوجود" من أرفع المقامات، بينما لا نشاهد لها أثرًا عند الذين لهم الولاية الكبرى، وهم الصحابة الكرام وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، ولا عند أئمة آل البيت وفي مقدمتهم الخمسة المعروفون بآل العباء، ولا عند المجتهدين وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة، ولا عند التابعين. فهل الذين أتوا من بعد هؤلاء اكتشفوا طريقًا أسمى وأرفع من طريقهم؟ وهل سبَقوهم في هذا المضمار؟!
الجواب: كلّا.. وحاشَ للّٰه أن يكون الأمر كذلك، فليس في مقدور أحد كائنًا من كان أنْ يصل إلى مستوى أولئك الأصفياء الذين كانوا أقربَ النجوم اللامعة إلى شمس الرسالة والوارثين السابقين إلى كنوز النبوة فضلًا عن أن يسبقوهم. فالصراط المستقيم إنما هو طريقُهم والمنهج القويم إنما هو منهجهم.
أما وحدة الوجود فهي مشربٌ ونیزعةٌ وحال وهي مرتبة ناقصة، ولكن لكونها مشرّبة بلذة وجدانية ونشوة روحية فإن معظم الذين يحملونها أو يدخلون إليها لا يرغبون في مغادرتها فيبقون فيها، ظانين أنها هي المرتبة الأخيرة التي لا تسمو فوقها مرتبة ولا يطالها أفق. لذلك فإنَّ صاحبَ هذا المشرب، إنْ كان ذا روح متجردة من المادة ومن وسائلها ومزقت ستارَ الأسباب وتحررت من قيودها ونالت شهودًا في لُجّة الاستغراق الكلي، فإنّ مثل هذا الشخص قد يصل إلى وحدة وجود حالي لا علمي، ناشئة من وحدة شهود وليس من وحدة الوجود، فتحقق لصاحبها كمالًا ومقامًا خاصًا به، بل قد توصله إلى إنكار وجود الكون عند تركيز انتباهه في وجود اللّٰه.
أما إنْ كان صاحبُ هذا المشرب من الذين أغرقَتهم المادة وأسبابها. فإنَّ ادعاءه لوحدة الوجود قد تؤدي به إلى إنكار وجود اللّٰه سبحانه لكون انتباهه منحصرًا على وجود الكون.
نعم، إن الصراطَ المستقيم لهو طريق الصحابة والتابعين والأصفياء الذين يرون أنَّ "حقائق الأشياء ثابتة" وهي القاعدة الكلية لديهم، وهم الذين يعلمون أن الأدب اللائق بحق اللّٰه سبحانه وتعالى هو قوله تعالى: ليس كمثله شيء (الشورى: ١١) أي أنه منیزّه عن الشبيه والتحيز والتجزؤ. وأنَّ علاقتَه بالموجودات علاقةُ الخالق بالمخلوقات، فالموجودات
— 109 —
ليست أوهامًا كما يدّعي أصحابُ وحدة الوجود، بل هذه الأشياء الظاهرة هي من آثار اللّٰه سبحانه وتعالى. إذن فليس صحيحًا قولُهم "همه اوست" أي "لا موجود إلا هو" وإنما الصحيح "همه از اوست" أي "لا موجود إلّا منه" ذلك لأن الحادثاتِ لا يمكن أنْ تكون القديمَ نفسَه، أي أزلية.
ويمكن تقريب الموضوع إلى الأذهان بمثالين:
الأول: لنفرض أنَّ هناك سلطانًا، وأنَّ لهذا السلطان دائرةَ عدل، فهذه الدائرة تكون ممثلة لاسم "السلطان العادل". وأن هذا السلطان في الوقت نفسه هو "خليفة" إذن فإن له دائرةً تعكس فيها ذلك الاسم. كما أن هذا السلطان يحمل اسم "القائد العام للجيش" لذا ستكون له دائرة عسكرية تظهر ذلك الاسم. فالجيش مظهر لهذا الاسم. والآن إذا قيل بأن هذا السلطان هو "السلطان العادل" فقط وأنه لا توجد سوى دائرة العدل التي تعكس اسم السلطان العادل، ففي هذه الحالة تظهر بالضرورة بين موظفي دائرة العدل صفةٌ اعتبارية -غير حقيقية- لأوصاف علماء دائرة الشؤون الدينية وأحوالهم، أي ينبغي أن يُتَصوَّرَ صفةٌ ظلية وتابعة وغير حقيقية لدائرة الشؤون الدينية بين موظفي دائرة العدل. وكذلك الحال بالنسبة للدائرة العسكرية، إذ لابد أن تظهر أحوالُها ومعاملاتُها بشكل ظلي وفرضي وغير حقيقي بين موظفي دائرة العدل وهكذا.
إذن ففي هذه الحالة فإن اسم السلطان الحقيقي وصفة حاكميته الحقيقية "الحاكم العادل" وحاكميته في دائرة العدل، أما صفاته الأخرى مثل "الخليفة" و "القائد العام للجيش"... إلخ، فتبقى نسبيةً وغيرَ حقيقية، بينما ماهيةُ السلطان وحقيقةُ السلطنة تقتضيان هذه الأسماء جميعًا بصورة حقيقية، وأن الأسماء الحقيقية تتطلب هي الأخرى دوائرَ حقيقيةً وتقتضيها.
وهكذا فإن سلطنة الألوهية تقتضي وجود أسماءٍ حسنى حقيقيةٍ متعددةٍ لها، أمثال: الرحمن، الرزاق، الوهاب، الخلاق، الفعال، الكريم، الرحيم، وهذه الأسماء والصفات تقتضي كذلك وجود مرايا حقيقية لها.
والآن ما دام أصحابُ وحیدة الوجود يقولون: "لا موجود إلّا هو" ويُنیزِلون الموجودات منیزلةَ العدم والخيال فإنَّ اسماءَ اللّٰه تعالى أمثال: واجب الوجود، الموجود،
— 110 —
الأحد، الواحد، تجد لها تجلياتها الحقيقية ودوائرها الحقيقية، وحتى إنْ لم تكن دوائر هذه الأسماء ومراياها حقيقيةً -وأصبحت خيالية وعدمية- فلا تضر تلك الأسماءَ شيئًا، بل ربما يكون الوجود الحقيقي أصفى وألمع إنْ لم يكن في مرآته لونُ الوجود. ولكن في هذه الحالة لا تجد أسماء اللّٰه الحسنى الأخرى أمثال: الرحمن، الرزاق، القهار، الجبار، الخلاق، تجلياتها الحقيقية. بل تصبح اعتباريةً ونسبية، بينما هذه الأسماء هي أسماء حقيقية كاسم "الموجود" ولا يمكن أن تكون ظلًا، وهي أصلية لا يمكن أن تكون تابعة.
وهكذا فإنَّ الصحابةَ والمجتهدين والأصفياء وأئمة أهل البيت عندما يشيرون إلى أن "حقائق الأشياء ثابتة" يُقرّون بأنَّ لأسماء اللّٰه تعالى تجلياتٍ حقيقيةً وأن لجميع الأشياء وجودًا عرَضيًا أسبغه اللّٰه عليها بالخلق والإيجاد. ومع أن هذا الوجود يعتبر وجودًا عرَضيًا وضعيفًا وظلًا غيرَ دائم بالنسبة لوجود "واجب الوجود" إلّا أنه ليس وَهمًا وليس خيالًا، فإن اللّٰه سبحانه وتعالى قد أسبغَ على الأشياء صفةَ الوجود بتجلي اسمه "الخلاق" وهو يديم هذا الوجود.
المثال الثاني: لنفرض أنَّ في هذه الغرفة أربعَ مرايا جداريةٍ كبيرةٍ موضوعة على جدرانها الأربعة. فصورةُ الغرفة ترتسم على كل مرآة من هذه المرايا، ولكنْ كل مرآة تعكس صورة الأشياء بالشكل الذي يناسب صفتَها ولونها، أي أن كل مرآة ستعكس منظرًا خاصًا للغرفة. فإذا دخل رجلان إلى الغرفة واطلع أحدُهما على إحدى هذه المرايا فإنه يعتقد بأنه يرى جميع الأشياء مرتسمةً فيها، وعندما يسمع بوجود مرايا أخرى وما فيها من صور فإنه يعتقد بأنها صوَر المرايا التي تنعكس على مرآته نفسها والتي لا تشغل إلّا حيزًا صغيرًا منها، بعد أنْ تضاءلت صورتُها مرتين وتغيرت حقيقتُها فيقول: إنني أرى الصورةَ هكذا. إذن فهذه هي الحقيقة.
فيقول له الرجل الثاني: نعم، إنك ترى ذلك وما تراه صحيح، ولكن ليس هو في الواقع صورة الحقيقة نفسها، فهناك مرايا أخرى غير المرآة التي تحدق فيها، وتلك المرايا ليست صغيرة وضئيلة ومنعكسة من الظِلال كما تراها في مرآتك!
وهكذا فإنَّ كل اسم من أسماء اللّٰه الحسنى يتطلب مرآةً خاصة به كلٌّ على حدة. فمثلًا:
— 111 —
إن الأسماء الحسنى أمثال: "الرحمن، الرزاق" لما كانت أسماءَ حقيقيةً وأصلية فإنها تقتضي موجوداتٍ لائقةً بها ومخلوقات محتاجةً إلى مثل هذا الرزق ومثل هذه الرحمة.
فكما يقتضي اسم "الرحمن" مخلوقاتٍ حيةً محتاجة إلى الرزق في عالم حقيقي، فإن اسم "الرحيم" يستدعي جنةً حقيقية كذلك. لذا فإن اعتبار أسماء معينة من أسماء اللّٰه الحسنى أمثال "الموجود، الواحد، الأحد، واجب الوجود" هي الأسماء الحقيقية فقط وتوهّم الأسماء الحسنى الأخرى تابعةً وظِلًا لها، حُكمٌ غيرُ عادل وتنكّبٌ عن واجب الاحترام لهذه الأسماء الحسنى كما ينبغي.
إذن فالصراط المستقيم، بل صراط الولاية الكبرى إنْ هو إلّا طريق الصحابة والأصفياء والتابعين وأئمة أهل البيت والأئمة المجتهدين وهو الطريق الذي سلكه التلاميذ الأُول للقرآن الكريم.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب
اللّٰهم صَلِّ على من أرسلته رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين
المسألة الثالثة
وهي المسألة المهمة التي لا يمكن حلّها بالعقل ولا كشفها بالحكمة والفلسفة.
قال تعالى: كلّ يومٍ هو في شأن (الرحمن: ٢٩) فعّالٌ لما يُريد (البروج: ١٦)
سؤال: ما سرُّ هذه الفعالية المحيّرة للألباب الجارية في الكائنات وما حكمتُها؟ ولِمَ لا تستقر هذه الموجوداتُ الدائبة في الحركة، بل تتجدد وتتغير؟
الجواب: إنَّ إيضاح هذه الحكمة يحتاج إلى ألف صحيفة، فندع الإيضاحَ جانبًا ونحصر الجوابَ في غاية الاختصار في صحيفتين اثنتين فنقول:
إنَّ شخصًا ما إذا أدى وظيفة فطرية، أو قام بمهمة اجتماعية، وسعى في إنجازها سعيًا حثيثًا، فلاشك أن المشاهِد يدرك أنه لا يقوم بهذا العمل إلّا بدافعين:
— 112 —
الأول: هو المصالح والثمرات والفوائد التي تترتب على تلك الوظيفة والمهمة وهي التي تسمى بی"العلة الغائية".
الثاني: إنَّ هناك محبةً، وشوقًا، ولذة يشعر بها الإنسان في أثناء أدائه لتلك الوظيفة، مما يدفعه إلى القيام بها بحرارة وشوق، وهذا ما يسمى بی"الداعي والمقتضي".
مثال ذلك: إن الأكلَ وظيفةٌ فطرية يشتاق الإنسان إلى القيام بها بدافع من لذة ناشئة من الشهية، ومن بعدها فهناك إنماء الجسم وإدامة الحياة كنتيجة للأكل وثمرة له. وللّٰه المثل الاعلى فإن الفعاليةَ الجارية في هذا الكون الواسع التي تحير الألبابَ وتجعل العقول في غمرة اندهاشٍ وإعجاب إنما تستند إلى قسمين من الأسماء، وتجري نتيجة إظهار حكمتين اثنتين واسعتين بحيث إن كلًا منهما لا يحدّها حدود.
الحكمة الأولى: إن أسماء اللّٰه الحسنى لها تجلياتٌ لا تُحد ولا تحصر، فتنوُّع المخلوقات إلى أنواع لا تُحصَر ناشئ من تنوع تلك التجليات غير المحصورة. والأسماء بحد ذاتها لابد لها من الظهور أي تستدعي إظهارَ نقوشها، أي تقتضي مشاهدةَ تجليات جمالها في مرايا نقوشها وإشهادَها. بمعنى أنَّ تلك الأسماء تقضى بتجدد كتاب الكون، أي تجدد الموجودات آنًا فآنًا، باستمرارٍ دون توقف، أي أن تلك الأسماءَ تقتضي كتابةَ الموجودات مجددًا وببلاغة حكيمة ومغزًى دقيق بحيث يُظهر كلُّ مكتوب نفسه أمام نظر الخالق جل وعلا وأمام أنظار المطالعين من الموجودات المالكة للشعور ويدفعهم لقراءته.
السبب الثاني والحكمة الثانية: كما أنَّ الفعالية الموجودة في المخلوقات قاطبة نابعةٌ من لذة ومن شهية ومن شوق، بل إنَّ في كل فعالية منها لذة، بل كل فعالية هي بحد ذاتها نوعٌ من اللذة. وللّٰه المثل الاعلى فهناك شفقة مقدسةٌ مطلقة ومحبة مقدسة مطلقة تليقان به سبحانه وتلائمان غناه المطلق وتعاليه وتقدسَه وتوافقان كمالَه المطلق. ثم إن هناك شوقًا مقدسًا مطلقًا يليق به آت من تلك الشفقة المقدسة والمحبة المقدسة، وهناك سرور مقدس
— 113 —
ناشئ من ذلك الشوق المقدس وهناك لذة مقدسة لائقة به -إنْ جاز التعبير- ناشئة من ذلك السرور المقدس، ثم إن الرحمة المطلقة النابعةَ من تلك اللذة المقدسة، وما ينشأ من المخلوقات قاطبة من رضى عام وكمال شامل من انطلاق استعداداتها من القوة إلى الفعل وتكمّلها، ضمن فعالية القدرة.. فما ينشأ من كل هذا من رضى مقدس مطلق -إنْ جاز التعبير- وافتخارٍ مقدس مطلق.. كل ذلك بما يليق ويخص الرحمنَ الرحيم سبحانه يقتضي فعاليةً مطلقة وبصورة لا تحد.
وحيث إنَّ الفلسفة والعلم تجهلان هذه الحكمةَ الدقيقة في الفعالية الجارية في الوجود، خلط أصحابُها الطبيعةَ الصماء والمصادفةَ العشواء والأسبابَ الجامدة في غمرة هذه الفعالية البصيرة العليمة الحكيمة، فما اهتدوا إلى نور الحقيقة بل ضلّوا ضلالًا بعيدًا.
قل اللّٰه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون
(الأنعام: ٩١)
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب
اللّٰهم صَلِّ وسلم على كاشف طلسم كائناتك بعدد ذرات الموجودات وعلى آله وصحبه ما دام الأرض والسماوات.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 114 —

المكتوب التاسع عشر

تبيّن هذه الرسالة أكثرَ من ثلاثمائة معجزةٍ من معجزات الرسول الأكرم (ص) الدالةِ على صدق رسالته، وهي في الوقت الذي تُبيّنُها تُعلن عن نفسها أيضًا بأنها كرامة من كرامات تلك المعجزات، وعطيةٌ من عطياتها، فأصبحت هي بذاتها خارقةً واضحة بأكثر من ثلاثة وجوه:
الأول: إن تأليفَها حَدَثٌ خارق بلا شك، حيث أُلّفتْ من دون مراجعة لمصدر، اعتمادًا على الذاكرة فقط رغم ما تشتمل عليه من روايات للأَحاديث الشريفة في أكثر من مائة صحيفة. علاوة على أنها كُتبتْ على غوارب الجبال وبواطن الوديان والبساتين، خلال ما يقرب من أربعة أيام وبمُعَدَّلِ ثلاث ساعات يوميًّا، أي في اثنتي عشرة ساعة!.
الثاني: إن مستنسخَها لا يملّ من استنساخها مهما استنسخ منها. ومداومةُ القراءة فيها لا تُذهِبُ حلاوتها رغم طولها؛ لذا فقد أَثارتْ هِممَ الكسالى من المستنسخين، فكتبوا -حوالينا- ما يقارب السبعين نسخة، خلال سنة واحدة، في هذا الوقت العصيب، مما أَعطى للمطّلعين على ظروفنا قناعةً كافية بأن هذه الرسالة هي واحدةٌ من كرامات تلك المعجزات.
الثالث: إن كلمة "الرسول الأكرم" (ص) في الرسالة كلها، ولفظ "القرآن الكريم" في القطعة الخامسة منها، قد توافقت عند أحد المستنسخين دون أن يكون له علم بالتوافق، وحصل التوافقُ نفسُه لدى المستنسخين الثمانية الآخرين دون أن يلتقي هؤلاء بعضهم ببعض وقبل أن ينكشف التوافقُ المذكور حتى بالنسبة لنا. فمن كان على شيء من الإنصاف لا يحمل
— 115 —
هذا على المصادفة البتة، بل حَكَم كلُّ مَن اطلع عليه أنّ هذا سرٌ من أسرار الغيب، وأن الرسالة كرامة من كرامات المعجزة الأحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
هذا وإن الأسس التي تتصدر الرسالة مهمةٌ جدًّا، وأن الأحاديث الواردة فيها فضلًا عن كونها صحيحةً ومقبولةً لدى أئمة الحديث، فهي تبين الأكثر ثبوتًا وقطعية من الروايات.
فلو أردنا تبيان مزايا هذه الرسالة لاحتجنا إلى رسالة أخرى مثلَها، لذا نهيب بالمشتاقين إليها قراءتها ولو مرة واحدة كي يلمسوا بأنفسهم تلك المزايا.
سعيد النورسي
تنبيه
لقد أوردتُ أحاديثَ شريفة كثيرة في هذه الرسالة، ولم يكن لديّ شيءٌ من كتب الحديث، فإن أَخطأْتُ في لفظ الأحاديث الواردة فليُصحّحْ أو ليُحملْ على الرواية بالمعنى، إذ القول الراجح: أنه تجوز رواية الحديث الشريف بمعناه، أي أن يذكر الراوي معنى الحديث بلفظٍ من عنده، فما وُجد في هذه الرسالة من أخطاء في الألفاظ، فليُنظر إليها باعتبارها "رواية بالمعنى". [٭]: ملاحظة: لقد لاحظت تشابه الروايات الواردة في هذه الرسالة، رغم الاختلاف في المواضع، مع ما ذكره القاضي عياض في كتابه المشهور "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" فثبتّ عبارات القاضي عياض بدلًا من عباراتي المترجَمة وحصرتُها بين قوسين مزدوجين للتمييز.
سعيد النورسي
— 116 —
المعجزات الأحمدية
على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
هو الذي ارسل رسولَه بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كلّه وكفى باللّٰه شهيدًا٭ محمدٌ رسولُ اللّٰه والذين معه اشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم تريهم ركّعًا سُجّدًا يبتغون فضلًا من اللّٰه ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السُجود ذلك مَثَلُهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرجَ شطئَه فازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجبُ الزرّاع ليغيظ بهم الكفارَ وعَد اللّٰه الذين آمَنُوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ً واجرًا عظيمًا
(الفتح: ٢٨-٢٩)
(نظرًا لقيام الكلمتين "التاسعة عشرة" و "الحادية والثلاثين" الخاصتين بالرسالة الأحمدية بإثبات نبوة محمد (ص) بدلائل قاطعة، نحيل إليهما قضيةَ الإثبات ونبيّن هنا -تتمةً لهما- لمعاتٍ من تلك الحقيقة الكبرى ضمن "تسع عشرة إشارة بليغة ذات مغزى").
— 117 —

الإشارة البليغة الأولى

لا ريب أن مالك هذا الكون وربَّه يخلق ما يخلق عن علمٍ ويتصرف في شؤونه عن حكمة، ويدير كلَّ جهة عن رؤية ومشاهدة، ويربّي كل شيء عن علم وبصيرة، ويدبّر الأمر قاصدًا إظهار الحِكَم والغايات والمصالح التي تتراءى من كل شيء.
فما دام الخالقُ يعلم، فالعالِمُ يتكلم. وحيث إنه سيتكلم، فسيكون كلامُه حتمًا مع مَن يفهمه من ذوي الشعور والفكر والإدراك، بل مع الإنسان الذي هو أفضلُ أنواع ذوي المشاعر والفهم وأجمعُهم لتلك الصفات. ومادام كلامُه سيكون مع نوع الإنسان، فسيتكلم، إذن مع مَن هو أهلٌ للخطاب من الكاملين من بني الإنسان الذين يملكون أعلى استعداد وأَرفعَ أخلاق والذين هم أهلٌ لأن يكونوا قدوة للجنس البشري وأئمةً له. فلا ريب أنه سيتكلم مع محمد (ص) الذي شهِد بحقّه الأولياءُ والخصماءُ بأنه صاحبُ أسمى أخلاق وأفضل استعداد، والذي اقتدى به خُمس العالم، وانضم تحت لوائه المعنوي نصفُ الأرض، واستضاء المستقبل بالنور الذي بُعثَ به طوال ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، والذي يصلّي عليه أهلُ الإيمان والنورانيون من الناس دومًا ويدعون له بالرحمة والسعادة والثناء والحب، ويجددون معه البيعةَ خمس مرات يوميًّا، وقد تكلّم معه فعلًا. وسيجعله رسولَه حتمًا وقد جعله فعلًا. وسيجعله قدوةً وإمامًا للناس كافة وقد جعله فعلًا.
الإشارة البليغة الثانية
لقد أعلن الرسول الكريم (ص) النبوةَ، وقدّم برهانًا عليها، وهو القرآن الكريم. وأَظهر نحو ألفٍ من المعجزات الباهرة، كما هو ثابت لدى أهل التحقيق من العلماء. [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ١/١٠؛ النووي، شرح صحيح مسلم ١/٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٦/٥٨٢-٥٨٣. هذه المعجزاتُ بمجموعها الكلي ثابتةٌ قطعية كقطعية ثبوت دعوى النبوة، حتى إن إسناد المعجزات إلى السحر الذي يورده القرآن الكريم في مواضع كثيرة على لسان الكفار الأَلدَّاء ليشير إلى أَنهم لم ينكروا وقوعَ المعجزات ولم يسَعهم ذلك، وإنما أَسندوها إلى السِحر خداعًا لأَنفسهم وتغريرًا بأَتباعهم.
— 118 —
نعم، إن للمعجزات الأحمدية قطعيةً تامة تبلغ قوةَ مائة تواترٍ، فلا سبيل إلى إنكارها قط.
والمعجزةُ بحد ذاتها تصديقٌ من رب العالمين لدعوى رسوله الكريم، أي كأَنَّ المعجزة تقوم مقام قول اللّٰه: صدق عبدي فأَطيعوه.
مثال للتوضيح: لو كنتَ في حضرة سلطان أو في ديوانه، وقلتَ لمن حولك: لقد عيّنني السلطانُ عاملًا في الأمر الفلاني، وحينما طلبوا منك دليلًا على ادعائك وإذا قال السلطان "نعم إني جعلته عاملًا" كيف أن هذا تصديق لك، فكذلك إذا خرق السلطانُ لأجلك عاداتِه وبدَّل قوانينَه لرجاءٍ منك؟ أفلا يكون ذلك تصديقًا أقوى لدعواك وأثبت من قول: نعم؟
وكذلك كانت دعوى الرسول (ص)، إذ قال: إنني رسولٌ من رب العالمين. وأما دليلي فهو أنه سبحانه يبدّل قوانينَه المعتادة بالتجائي ودعائي وتوسلي إليه. وهَاكُمْ انظروا إلى أَصابعي، إنَّه يفجّر منها الماءَ كما يتفجّر من خَمسِ عيون.. وانظروا إلى القمر، إنه يشقّه لي شقين بإشارة من إصبعي.. وانظروا إلى تلك الشجرة كيف تأتي إليّ لتصدِّقني وتشهدَ لي.. وانظروا إلى هذه الحفنة من الطعام كيف أنها تُشبع مائتين أو ثلاثمائة رجلٍ! وهكذا أظهر (ص) مئاتٍ من المعجزات أمثالَ هذه.
واعلم، أنَّ دلائل صدقِ الرسول (ص) وبراهينَ نبوته لا تنحصر في معجزاته، بل يرى المدققون أن جميعَ حركاته، وأفعاله، وأحواله، وأقواله، وأخلاقه، وأطواره، وسيرته، وصورته، كل ذلك يثبت إخلاصهَ وصدقَه. حتى آمن به كثيرٌ من الناس بمجرد النظر إلى طلعته البهية، أمثال: عبد اللّٰه بن سلام الذي كان من أشهر علماء بني إسرائيل حيث قال: "فلما اسْتَبنتُ وجهَهُ عرفتُ أنَّ وجهَه ليس بوجه كاذب". [٭]: الترمذي، القيامة ٤٢؛ ابن ماجه، الإقامة ١٧٤؛ الدارمي، الصلاة ١٥٦.
وعلى الرغم من أن العلماء المحققين قد ذكروا ما يقارب الألفَ من دلائل نبوته ومعجزاته فإن هناك ألوفًا منها، بل مئاتِ الألوف. ولقد صدّق بنبوته مئاتُ الألوف من الناس المتباينين في الفكر بمئات الألوف من الطرق. والقرآنُ الكريم وحده يظهر ألفًا من البراهين على نبوته (ص)، عدا إعجازه البالغ أربعين وجهًا.
— 119 —
ولما كانت النبوة محقَّقةٌ وثابتة في الجنس البشري، وأنّ مئاتِ الألوف [٭]: عن أبي أمامة، قال أبو ذر: (قلت: يا رسول اللّٰه كم وفاءُ عدّة الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسلُ من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا") أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٦٥؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢١٧. من البشر جاءوا فأعلنوا النبوةَ، وقدّموا المعجزات برهانًا وتأييدًا لها، فلا شك أن نبوة محمد (ص) تكون أثبتَ وآكد من الجميع، لأن مدارَ نبوة الأنبياء وكيفية معاملاتهم مع أممهم والدلائل والمزايا والأوضاع التي دلت على نبوة عامة الرسل أمثال موسى و عيسى عليهما السلام توجد بأتم صوَرِها وأفضل معانيها لدى الرسول الكريم (ص). وحيث إن علةَ حُكم النبوة وسبَبها أَكمل وجودًا في ذاته (ص)، فإن حكم النبوة لا محالةَ ثابتٌ له بقطعيةٍ أوضح من سائر الأنبياء عليهم السلام.
الإشارة البليغة الثالثة
إنَّ معجزات الرسول (ص) كثيرةٌ جدًّا ومتنوعةٌ جدًّا، وذلك لأن رسالته عامةٌ وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزاتٌ تشهد له، ولنوضح ذلك بمثال:
لو قَدِم سفيرٌ كريم من لدن سلطان عظيم لزيارة مدينةٍ عامرةٍ بأقوام شتى، حاملًا لهم هدايا ثمينة متنوعة، فإن كلَّ طائفة منهم ستُوفد في هذه الحال ممثلًا عنها لاستقباله باسمها والترحيب به بلسانها.
كذلك لما شرَّف العالَم السفيرُ الأعظم (ص) لملك الأزل والأبد، ونوَّرَه بقدومه، مبعوثًا من لدن رب العالمين إلى أهل الأرض جميعًا، حاملًا معه هدايا معنوية وحقائق نيّرة تتعلق بحقائق الكائنات كلِّها، جاءه من كل طائفة مَن يرحّب بمَقدمه ويهنؤه بلسانه الخاص، ويقدِّم بين يديه معجزةَ طائفته تصديقًا بنبوته، وترحيبًا بها، ابتداءً من الحجر والماء والشجر والإنسان، وانتهاءً بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلًا منها يردد بلسان الحال: أهلًا ومرحبًا بمبعثك.
إن بحث تلك المعجزات كلِّها يحتاج إلى مجلدات لكثرتها وتنوّعِها، وقد ألّف العلماءُ الأصفياء مجلدات ضخمةً حول تفاصيل دلائل النبوة والمعجزات، إلّا أننا هنا نكتفي بإشاراتٍ مجملة إلى ما هو قطعيُّ الثبوت والمتواتر معنًى من الأنواع الكلية لتلك المعجزات.
إن دلائل نبوة الرسول (ص) قسمان:
— 120 —
الأول: الحالات التي سُمّيت بالإرهاصات، وهي الحوادث الخارقة التي وقعت قبلَ النبوة ووقتَ الولادة.
الثاني: دلائل النبوة الأخرى وهذا ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: الخوارق التي ظهرت بعده (ص) تصديقًا لنبوته.
ثانيهما: الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة (ص). وهذا أيضًا قسمان:
الأول: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورتِه وأخلاقه وكمالاته.
الثاني: ما ظهر منها في أمورٍ خارجة عن ذاته الشريفة، أي في الآفاق والكون. وهذا أيضًا قسمان:
قسم معنوي وقرآني. وقسم مادي وكوني. وهذا الأخير قسمان أيضًا:
القسم الأول: المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوة النبوية، وهي إما لكسر عناد الكفار أو لتقوية إيمانِ المؤمنين؛ كانشقاق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، وإشباع الكثيرين بطعام قليل، وتكلّم الحيوان والشجر والحجر.. وأمثالِها من المعجزات التي تبلغ عشرين نوعًا، كلُّ نوع منها بدرجة المتواتر المعنوي، ولكلِّ نوع منها نماذج عدة مكررة.
القسم الثاني: الحوادث التي أخبر عنها (ص) قبل وقوعها، بما علّمه اللّٰه سبحانه، وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما أخبر.
ونحن الآن نستهلّ بهذا القسم الأخير للوصول إلى فهرس متسلسل عام.
(٭): آسف لأني لم أستطع الكتابة كما كنتُ أنوي، فقد كتبتُ كما خطر على القلب دونما اختيار. ولم أتمكن من مراعاة التسلسل الذي في هذا التقسيم. (المؤلف).
الإشارة البليغة الرابعة
إن ما أنبأ به الرسولُ الكريم (ص) من أنباء الغيب بتعليمٍ من اللّٰه علّام الغيوب كثيرٌ لا يُعد ولا يحصى. وقد أشرنا إلى أنواعه في "الكلمة الخامسة والعشرين" الخاصة بإعجاز القرآن، وسقنا هناك براهينَه؛ لذا فالأخبارُ الغيبية المتعلقة بالأزمنة السالفة والأنبياء السابقين وحقائق الألوهية وحقائق الكون، وحقائق الآخرة يُراجع في شأنها تلك الكلمة.
— 121 —
أما هنا فسنورد بضعةَ أمثلةٍ من أخبار غيبية صادقةٍ تتعلق بالحوادث التي ستصيب الآل والأصحاب -رضوان اللّٰه عليهم أجمعين- من بعده (ص) وما ستلقاه أمتُه في مُقبل أيامها.
ولأجل الوصول إلى إدراك هذه الحقيقة إدراكًا كاملًا نبيّن بين يديها أُسسًا ستة مقدّمة لها.
الأساس الأول
إنَّ جميعَ أحوال الرسول الكريم (ص) وأطوارَه يمكن أن تكونَ دليلًا على صدقِه وشاهدًا على نبوته، إلّا أن هذا لا يعني أن تكون جميعُ أحواله وأفعاله خارقةً للعادة؛ ذلك لأنَّ اللّٰه سبحانه قد أرسله بشرًا رسولًا، ليكون بأعمالِه وحركاته كلِّها إمامًا ومرشدًا للبشر كافة، وفي أحوالهم كافة، ليحقّق لهم بها سعادةَ الدنيا والآخرة وليبيّن لهم خوارقَ الصنعة الربانية وتصرّفَ القدرة الإلهية في الأمور المعتادة، تلك الأمور التي هي بحد ذاتها معجزات.
فلو كان (ص) في جميع أفعاله خارقًا للعادة، خارجًا عن طور البشر، لَمَا تسنّى له أن يكون أُسوةً يُقتدى به، وما وَسِعَه أن يكون بأفعاله وأحواله وأطواره إمامًا للآخرين؛ لذا ما كان يلجأ إلى إظهار المعجزات إلّا بين حين وآخر، عند الحاجة، إقرارًا لنبوته أمامَ الكفار المعاندين. ولما كان الابتلاء والاختبار من مقتضيات التكليف الإلهي، فلم تعُد المعجزةُ مُرغِمةً على التصديق -أي سواءً أراد الإنسانُ أم لم يرد- لأن سرَّ الامتحان وحكمةَ التكليف يقتضيان معًا فتحَ مجال الاختيار أمام العقل من دون سلب الإرادة منه. فلو ظهرت المعجزةُ ظهورًا بَديهيًّا مُلزمًا للعقل كما هو شأنُ البديهيات لما بقيَ للعقل ثمّة اختيار، ولَصدَّق أبو جهل كما صدّق أبو بكر الصديق رضي اللّٰه عنه ولاَنتفت الفائدة من التكليف والغاية من الامتحان، ولَتساوى الفحمُ الخسيس مع الألماس النفيس!
بيد أن الذي يثير الدهشة والحيرة؛ أنه في الوقت الذي آمن ألوفٌ من أجناس مختلفة من الناس بمعجزةٍ منه (ص) أو بكلامٍ منه أو بالنظر إلى طلعته البهية، أو ما شابهها من دلائل صدق نبوته (ص)، وآمن به ألوفُ العلماء المدققين والمفكرين المحققين، بما نُقِل إليهم من صدقِ أخباره وجميلِ آثاره نقلًا صحيحًا متواترًا، أقول: أفلا يدعو إلى العجَب أن يرى أشقياءُ هذا العصر
— 122 —
جميعَ هذه الدلائل الواضحة كأنها غير وافية لإيمانهم وتصديقهم فتراهم ينیزلقون إلى هاوية الضلال؟
الأساس الثاني
إنَّ الرسول الكريم (ص) بشرٌ، فهو يتعامل مع الناس انطلاقًا من بشريته هذه. وهو كذلك رسولٌ، وبمقتضى الرسالة هو ناطقٌ أمين باسم اللّٰه تعالى ومُبلّغٌ صادق لأوامره سبحانه، فرسالتُه تستند إلى حقيقة الوحي. والوحيُ قسمان:
الأول: الوحي الصريح كالقرآن الكريم وبعض الأحاديث القدسية. فالرسول (ص) في هذا مبلِّغٌ محضٌ لا غير، من دون أن يكون له تصرّف أو تدخّل في شيء منه.
الثاني: الوحي الضمني، وهو الذي يستند في خلاصته ومُجمَله إلى الوحي والإلهام، إلّا أنه في تفصيله وتصويره يعود إلى الرسول (ص). فتفصيلُ الحادثة الآتية مُجملةً من هذا الوحي وتصويرُها إما يبيّنه الرسولُ (ص) أحيانًا استنادًا إلى الإلهام أو إلى الوحي، أو يبيّنه بفِراسته الشخصية. وهذه التفاصيل التي يبينها الرسولُ (ص) باجتهاده الذاتي. إما أنه يبينُها بما يتمتع به من قوةٍ قدسية عليا بمقتضى الرسالة، أو يبينُها بخصائصه البشرية وبمستوى عُرفِ الناس وعاداتهم وأفكارهم.
وهكذا لا يُنظر إلى جميع تفاصيل كلِّ حديث شريف بمنظار الوحي المحض. ولا يُتحرّى عن الآثار السامية للرسالة في معاملاته (ص) وأفكاره التي تجري بمقتضيات البشرية.
وحيث إنَّ بعض الحوادث يوحى إليه وحيًا مجملًا ومطلقًا وهو بدوره يصوّره بفراسته الشخصية أو حسب نظر العُرف العام، لذا يلزم أحيانًا التفسيرُ وربما التعبيرُ لهذه المتشابهات والمشكلات التي ينطوي عليها ذلك التصوير. لأن بعض الحقائق تقرَّب إلى الأذهان بالتمثيل. مثال ذلك:
سمع الناس -ذات مرة- وهم جلوس عند الرسول (ص) دويًا هائلًا فقال الرسول (ص) موضحًا الحدث: "هذا حجرٌ رمي به في النار منذ سبعين خريفًا فهو يهوي في النار الآن حتى
— 123 —
انتهى إلى قعرها"... [٭]: انظر: مسلم، الجنة ٣١، صفة المنافقين ١٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧١، ٣/٣٤١، ٣٤٦؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/٥١٠. ولم تمض ساعة حتى جاء الجواب، إذ أتى أحدهم يقول: إن المنافق المشهور الذي ناهز السبعين من عمره قد مات وولّى إلى جهنم وبئس المصير، فكان هذا تأويلًا للتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول (ص).
الأساس الثالث
إنَّ الآثار المنقولة إنْ كانت متواترةً فهي قطعيةُ الثبوت وتفيد اليقين. والتواتر قسمان:
الأول: التواتر الصريح، أو التواتر اللفظي.
الثاني: التواتر المعنوي وهذا قسمان:
الأول: سكوتي؛ أي إبداء الرضا بالسكوت عنه. مثال ذلك: لو أخبر شخصٌ جماعتَه عن حادثة وقعت أمامَهم ولم يكذّبوه في خبره بل قابلوه بالسكوت، فإن ذلك يعني قبولَهم لوقوعها، ولاسيما إذا كانت الحادثة المروية ذات علاقة بالجماعة، والجماعةُ مستعدة للانتقاد والرد والتجريح، وممن لا يقبلون بالخطأ أصلا، بل يرون الكذب أمرًا قبيحًا بشعًا، فإن سكوتهم عنها يدل على وقوع تلك الحادثة دلالةً قاطعة.
القسم الثاني من التواتر المعنوي: هو اتفاقهم على القدْر المشترك بين أخبارهم وإن كانت الروايات متنوعة. مثال ذلك:
إذا قيل أن أوقية من الطعام أشبَعت مائتي رجل. فالذين حدّثوا بهذا يروونه في صور متنوعة وبعبارات مختلفة متباينة. فهذا ذكَر مائة رجل وذاك ثلاثمائة رجل والآخر أوقيتين من الطعام وهكذا. فترى أن الجميعَ متفقون على وقوع الحادثة، وهو أن الطعام القليل أشبعَ أناسًا كثيرين. فالحادثة إذن بشكلها المطلق متواترةٌ معنًى، وهي تفيد اليقين، ولا تضرّ بها صور الاختلاف. وفي بعض الأحيان يفيد خبر الآحاد ضمن بعض الشروط الحكمَ القطعي كقطعية التواتر، وقد يفيد القطعية أحيانًا تحت أَمارات خارجية.
وهكذا، فالقسم الأَعظم مما نُقل إلينا من دلائل النبوة ومعجزات الرسول (ص) هو:
— 124 —
بالتواتر الصريح أو المعنوي أو السكوتي، وقسم منها بخبر الآحاد. إلّا أنه ضمن شروط معينة مُمحَّصة أُخذ وقُبل من قبل أئمة الجرح والتعديل من أهل الحديث النبوي فأصبحت دلالتُه قطعيةً كالتواتر. ولاشك إذا ما قَبِلَ بصحة خبر الآحاد محدِّثون محقِّقون من أصحاب الصحاح الستة وفي مقدمتهم "البخاري" و "مسلم" وهم الحفاظ الجهابذة الذين كانوا يحفظون ما لا يقل عن مائة ألف حديث، وإذا ما رضي به ألوفٌ من الأئمة العلماء المتقين، ممن يصلون صلاة الفجر بوضوء العشاء زهاء خمسين سنة من عمرهم. [٭]: الامام الغزالي، إحياء علوم الدين ١/ ٣٥٩. أقول: إذا ما قَبِل هؤلاء بصحة خبر الآحاد، فلا ريب إذن في قطعيته ولا يقلّ حكمُه عن التواتر نفسه.
نعم، إنَّ علماء علم الحديث ونُقّاده قد تخصصوا في هذا الفن إلى درجة أنهم اكتسبوا مَلَكَةً في معرفة سموِّ كلام الرسول (ص) وبلاغةِ تعابيره، وطراز إفادته، فأصبحوا قادرين على تمييزه عن غيره، بحيث لو رأوا حديثًا موضوعًا بين مائةٍ من الأحاديث لرفضوه قائلين: هذا موضوعٌ!. هذا لا يمكن أن يكون حديثًا شريفًا! فقد أصبحوا كالصيارفة البارعين الأصلاء يعرفون جوهرَ الحديث النبوي من الدخيل فيه.
بيد أن قسمًا من المحققين قد أَفرط في نقد الحديث كی"ابن الجوزي" الذي حكَم على أحاديیثَ صحيحة بالوضیع. [٭]: راجع أقوال الأئمة الحفاظ كالسيوطي والسخاوي وابن صلاح وابن تيمية واللكنوي وغيرهم حول إفراط ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" وتحامله فيه تحاملًا كثيرًا حتى إنه أدرج فيه كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، في كتاب: (الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة لعبد الحي اللكنوي وتحقيق عبد الفتاح أبو غدة) في الصفحات: ٨٠، ١٢٠، ١٦٣، ١٧٠ وكذا في كتاب (الرفع والتكميل ص ٥٠-٥١). علمًا أن "الموضوع" يعنیي: أن هذا الیكیلام ليیس بیكیلام الیرسول (ص)، ولا يیعینیي أنیه بیاطل وكلام فیاسید.
سؤال: ما فائدة السَند الطويل: عن فلان.. عن فلان.. عن فلان.. حيث لا جدوى من ذكرهم في حادثة معلومة؟.
الجواب: فوائدُه كثيرة، إذ إن ذكرَ هذا السند الطويل يبين نوعًا من الإجماع فيمن هم في السند من الموثوقين الصادقين من الرواة الذين يُعتّد بهم، فيُظهر لنا نوعًا من الاتصال والاتفاق لأهل العلم المحققين في ذلك السند، فكأنما كلّ إمامٍ وعلّامة في السند يوقّع على حكم ذلك الحديث الشريف ويختم على صحته بختمه.
— 125 —
سؤال: لماذا لم تُنقل "المعجزات" باهتمام بالغ مثلما نُقلَت الأحكامُ الشرعية الضرورية الأخرى نقلًا متواترًا وبطرق متعددة؟.
الجواب: لأنَّ معظم الناس في أغلب الأوقات محتاجون حاجة ماسة إلى الأحكام الشرعية، فهي "كفروض عين" لهم، لما لها من علاقة بكل شخص. بينما المعجزاتُ لا يحتاجها كلُّ إنسان كل حين. حتى لو فرضنا الحاجة إليها، فيكفي سماعَها مرة واحدة، فهي "كفروض كفاية" إذ يكفي أن يعلمَ بها عادةً قسمٌ من الناس.
ولهذا السبب قد يحدث أنْ نرى وقوع إحدى المعجزات ثابتًا بقطعيةٍ أقوى من قطعية ثبوت حكمٍ شرعي أضعافًا مضاعفة، إلّا أن راويها شخصٌ واحد أو شخصان، بينما يكون عددُ رواة ذلك الحكم الشرعي عشرة أو عشرين.
الأساس الرابع
إنَّ قسمًا من حوادث المستقبل الذي أخبر عنه الرسول (ص) هو حوادث كلّيّة، تتكرر في أوقات مختلفة، وليس بحادثة جزئية مفردة. فالرسول (ص) قد يُخبر عن تلك الحادثة الكلية بصورة جزئية مبينًا بعضَ حالاتها، حيث إنَّ لِمثلِ هذه الحادثة الكلية وجوهًا كثيرة، فيبين (ص) في كل مرة وجهًا من وجوهها. ولكن لدى جمع هذه الوجوه من قِبل راوي الحديث في موضع واحد، يبدو هناك ما يشبه الخلاف للواقع. مثال ذلك:
هناك روايات مختلفة حول "المهدي" تتباين فيها التفاصيلُ والتصويرات. [٭]: سبق تخريج الأحاديث حول المهدي في المكتوب الخامس عشر. وقد أخبر الرسول (ص) عن ظهور المهدي مستندًا إلى الوحي، ليصونَ قوةَ أهل الإيمان المعنوية في كل عصر، وليحُول دون سقوطهم في اليأس والقنوط إزاء ما يرونَه من حوادث مهُولة، وليربط الأمةَ ربطًا معنويًّا بالسلسلة النورانية لآل البيت. وقد أثبتنا ذلك في أحد أغصان "الكلمة الرابعة والعشرين". ومن هنا ترى أنَّ كلَّ عصر من العصور قد وجد نوعًا من "المهدي" من آل البيت كالذي يظهر في آخر الزمان، بل مهديين، حتى وجد في المهدي العباسي -الذي يعدّ من آل البيت- كثيرًا من أوصاف ذلك المهدي الكبير.
— 126 —
وهكذا، فأوصافُ الذين يسبقون المهدي الكبير ممّن يمثّلونه في عهودهم، كالخلفاء المهديين والأقطاب المهديين، اختلطت وتداخلت مع أوصاف ذلك المهدي الكبير. فوقع الاختلاف في الروايات.
الأساس الخامس
لم يكن الرسولُ الأعظم (ص) يعلم الغيبَ ما لم يُعلِّمه اللّٰه سبحانه، إذ لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه فهو (ص) يبلّغ الناسَ ما علّمه اللّٰه إياه. وحيث إن اللّٰه حكيمٌ ورحيم، فحكمتُه ورحمتُه تقتضيان سترَ أغلب الأمور الغيبية وإبقاءها في طي الخفاء والإبهام، لأن ما لا يسرّ الإنسانَ من حوادث في هذه الدنيا هو أكثر مما يسرّه، فمعرفته تلك الحوادث قبل وقوعها أليم جدًّا.
فلأجل هذه الحكمة ظَلَّ الموتُ والأجلُ مبهَمَين مستورَين عن علم الإنسان، وبقي ما سيصيب الإنسانَ من مصائب ونكبات محجوبًا في ثنايا الغيب، فكان من مقتضى هذه الحكمة الربانية والرحمة الإلهية ألّا يُطلع سبحانه نبيَّه (ص) اطلاعًا كليًا ومفصلًا على ما سيلقاه آلُه وصحبه وأُمته من بعده من حوادثَ مؤلمة ومصائبَ مفجعة، بل أَخبره سبحانه عن بعضٍ من الحوادث المهمة -بناء على حِكَم معينة- إخبارًا غير مفجع، رفقًا بما يحمله من رحمةٍ عظيمة ورأفة شديدة نحو أمته وتجاه آله وأصحابه. كما أنه سبحانه قد بشّره بحوادث مفرحة أيضًا بشارةً مجملة لبعضها ومفصلةً للأخرى
(٭): إن الدليل على أن اللّٰه سبحانه لم يُطلع رسوله (ص) اطلاعًا كاملا على أن الصّديقة عائشة رضي اللّٰه عنها ستكون في وقعة الجمل هو: أنه (ص) قال لزوجاته الطاهرات: "أيكنّ تنبح عليها كلابُ الحوأب" أي من منكن ستشترك في تلك الواقعة، وذلك لئلا يجرح سبحانه ما يكنّه الرسول (ص) من حب شديد ورأفة كاملة تجاه عائشة رضي اللّٰه عنها. إلّا أنه سبحانه أطلعه بعد ذلك اطلاعًا مجملا بالأمر حيث قال (ص) لعلي رضي اللّٰه عنه بحقها:
"فارفق وبلّغها مأمنها" * (المؤلف).
* انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٦/٥٢، ٦/٩٧، ٦/٣٩٣؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٧/٢٣٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٤١١.
فأخبر (ص) أمتَه بما علّمه ربُّه ونقَله المحدِّثون الصادقون العدول بروايات صحيحة إلينا، أولئك الذين كانوا أشدّ تقوى وخشية من أن يصيبهم الزجرُ المخيف في قوله (ص): (مَن كَذب عليَّ مُتعمّدًا فَلْيَتبوأ مَقعدَه من النار) [٭]: البخاري، العلم ٣٨؛ مسلم، المقدمة ٢-٤. والذين كانوا يهربون خوفًا من أن تنالهم الآيةُ الكريمة:
فَمَنْ أظْلمُ ممّن كَذَبَ على اللّٰه
(الزمر: ٣٢).
— 127 —

الأساس السادس

إنَّ أحوال الرسول (ص) وأوصافه قد بُيّنت على شكل سيرة وتاريخ. إلّا أن أغلب تلك الأحوال والأوصاف تعكس بشريَّته فحسب، إذ إن الشخصية المعنوية لتلك الذات النبوية المباركة رفيعةٌ جدًّا وماهيتُه المقدسة نورانيةٌ إلى حدّ لا يرقى ما ذُكر في التاريخ والسيرة من أوصاف وأحوال إلى ذلك المقام السامي والدرجة الرفيعة العالية، لأنه (ص) في ضوء قاعدة "السبب كالفاعل" [٭]: قاعدة مستنبطة من معنى الحديث الشريف: "من دلّ على الخير فله مثل أجر فاعله". مسلم، الأمارة ١٣٣؛ كشف الخفاء١/٣٩٩. تضاف يوميًّا، حتى الآن، إلى صحيفة كمالاته عبادةٌ عظيمة بقدر عبادات أمته بأكملها. وكما ينال باستعداد غير متناه نفحاتِ الرحمة الإلهية غير المتناهية بشكل غير متناهٍ وبقدرةٍ غير متناهية، كذلك ينال يوميًّا دعاءً غير محدود ممن لا يُحدّ من أمته.
هذا النبي المبارك (ص) الذي هو أَنبلُ نتائج الكائنات وأَكملُ ثمراتها والمبلِّغ عن خالق الكون، وحبيبُ رب العالمين، لا تبلغ أحوالُه وأطوارُهُ البشرية التي ذكرَتْها كتبُ السيرة والتاريخ الإحاطةَ بماهيته الكاملة ولا تصل إلى حقيقة كمالاته. فأنّى لهذه الشخصية المباركة الذي كان كلٌّ من جبرائيل وميكائيل مرافقين أمينين [٭]: انظر: الواقدي، كتاب المغازي ١/٧٨؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٢٠/٣٢١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/١٩٤-١٩٥. له في غزوة بدر أن تنحصر في حالة ظاهرية أو أن تُظهرها بجلاء حادثةٌ بشرية كالتي وقعت مع صاحب الفرس الذي ابتاع (ص) الفرسَ منه ولكنه أنكر هذا البيع وطلب من الرسول الكريم شاهدًا يصدّقه فتقدَّم الصحابي الجليل "خُزيمة" بالشهادة له. [٭]: عن عمارة بن خزيمة: "أن عمه حدثه وكان من أصحاب النبي (ص) أنه ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي (ص) ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي (ص) المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس لا يشعرون أن النبي (ص) ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي (ص)، فقال إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلّا بعته. فقال النبي (ص) حين سمع نداء الأعرابي: أوَليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا واللّٰه ما بعتك، فقال النبي (ص) بلى قد ابتعته، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي (ص) على خزيمة فقال: بِمَ تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول اللّٰه، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين". رواه أبو داود، الأقضية ٢٠؛ والنسائي، البيوع ٨١؛ وأحمد، المسند ٥/٢١٥-٢١٦.
فلئلا يقع أحدٌ في غائلة الخطأ يلزم مَن يسمع أوصافَه (ص) البشرية الاعتيادية أن يرفع بصرَه دومًا عاليًا لينظر إلى ماهيته الحقيقية، وإلى شخصيته المعنوية النورانية الشامخة في قمة مرتیبیة الرسالة، وإلّا أساءَ الأدبَ، ووقع في الشبهة والوهم.
— 128 —
ولإيضاح هذه المسألة تأمل في هذا المثال:
نواةٌ للتمر وُضعت تحت التراب فانفلقتْ عن نخلة مثمرة باسقة، وهي في توسع ونمو مطّرد، أو بيضةٌ للطاووس فَقَسَتْ عن فرخ الطاووس بعدما سُلّطت عليها الحرارة، وكلّما نما وكبُر أصبح أجملَ وأزهى، بما زيّن قلمُ القدرة على كل جهاته من نقوشٍ بديعة رائعة.
فهناك صفاتٌ وحالات خاصة تعود لكلٍّ من تلك النواة ولتلك البيضة، ويحوي كلٌّ منهما موادَ دقيقة لطيفة جدًّا. والنخلةُ والطاووس كذلك لهما صفاتٌ عالية وكيفيات وأوضاعٌ راقية بالنسبة لصفات البذرة والبيضة. فعندما تُربَط أوصافُ النواة والبيضة بأوصاف النخل والطير وتُذكران معًا، يلزم أن يرفع العقلُ الإنساني بصرَه عن النواة إلى النخلة وينظر إليها، وأن يتوجه من البيضة إلى الطاووس ويُمعن فيه، كي يقبل تلك الأوصاف التي يسمعها. وبخلافه ينساق إلى التكذيب حين يسمعُ أحدُهم يقول: "لقد أخذتُ طنًا من التمر من حفنة من النوى، أو هذه البيضة هي سلطان الطيور".
وهكذا فإن بشريةَ الرسول الأكرم (ص) تشبه تلك النواة أو البيضة "في المثال". وماهيتُه المشعّة بمهمة الرسالة مثَلُها كمثل شجرة طوبى الجنة وطير الجنة في سموّ ورقي.
لذا في الوقت الذي نفكّر في النیزاع الذي حصل في السوق مع البدوي، يلزم أن نرفع عينَ الخيال عاليًا ونتصوّر الذات النورانية الممتطية الرفرف "البُراق" والمنطلقة سعيًا إلى قاب قوسين أو أدنى، تاركةً خلفها جبريل عليه السلام . وإلّا فإن النفس الأمارة بالسوء إما ستُسيءُ الأَدبَ وتنحطّ إلى درك قلة التوقير والاحترام، أو تزلّ قدماها إلى عدم التصديق.
الإشارة البليغة الخامسة
وهي تخص الحوادث المتعلقة بأمور غيبية، نذكر منها بضعة أمثلة:
المثال الأول: قال رسول اللّٰه (ص) في خطبةٍ بين جمْعٍ من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم، ونُقل إلينا الحديثُ نقلا صحيحًا ومتواترًا: "إنَّ ابني هذا سَيّدٌ ولَعلَّ اللّٰه أنْ يُصلحَ به بين فِئَتين من المسلمين" [٭]: البخاري، الصلح ٩؛ الترمذي، المناقب ٣٠؛ أبو داود ١٢-١٣. وفي رواية "عظيمتين". وبعد مرور أربعين سنة التقى جيشان
— 129 —
عظيمان للمسلمين، فصالح الحسنُ معاويةَ رضى اللّٰه عنهما، وصدَّق بهذا الصلح المعجزةَ الغيبية لجَدِّه الأمجد (ص).
المثال الثاني: ثبت بنقل صحيح أنَّه (ص) قال لعلي رضي اللّٰه عنه: ستُقاتل الناكثين [٭]: (الناكثين): الذين نكثوا البيعة. (القاسطين): وهم الخوارج الذين مرقوا من الدين. والقاسطين والمارقين. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/١٥٠. وانظر: البزار، المسند ٢/٢١٥، ٣/٢٧؛ أبو يعلى، المسند ١/٣٩٧، ٣/١٩٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ٤/١٧٢، ١٠/٩١. فأخبر عن وقعة الجمل وصفين وعن الخوارج.
وقال (ص) للزبير: "لتقاتلُنَّه وأنت ظالمٌ له" [٭]: انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٥٤٥؛ أبو يعلى، المسند ٢/٢٩؛ الحاكم، المستدرك ٣/٤١٣. عندما رآه وعليًا يتحابّان.
وقال (ص) لأزواجه الطاهرات: "كيف بإحداكُن تنبح عليها كلابُ الحَوأب" [٭]: (حوأب): قرية فيها الماء في طريق الذاهب من المدينة إلى البصرة.
"يُقتَل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرة..". [٭]: انظر: ابن حبان، الصحيح ١٥/١٢٦؛ الحاكم، المستدرك ٣/١٢٩؛ أحمد بن حنبل، المسن ٦/٥٢.
وبعد ثلاثين سنة تحققت هذه الأحاديثُ الصحيحة فعلًا، وذلك في وقعة الجمل التي جرت بين عليّ وعائشة ومعها الطلحة والزبير رضي اللّٰه عنهم أجمعين، كما تحققت في وقعة صفّين التي جرت بين علي ومعاوية رضي اللّٰه عنهما، وقد تحققت في وقعة حروراء و نهروان التي كانت بين عليّ رضي اللّٰه عنه والخوارج.
وأخبر (ص) عليًا عن الذي يقتله فقال: "الذي يضربك يا عليّ على هذه حتى تبلّ منها هذه" [٭]: انظر: النسائي، السنن ٥/١٥٣؛ الحاكم، المستدرك ٣/١٥١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٢٦٣. وانظر المجمع ٩/١٣٨. أي تبلّ لحيته من دم رأسهِ وكان عليّ يعرفه، وهو عبدالرحمن بن ملجم الخارجي. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/٩٢؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٣٧.
وأخبر كذلك عن ذي الثُدية بعلامةٍ فارقة فيه، أنه سيكون بين قتلى الخوارج وفعلًا كان ذو الثدية فيهم وهو "رجل أسود إحدى عضديه مثلَ ثدي المرأة" فجعله عليٌّ حجةً على أنه المُحِقُّ، وأعلن عن معجزة الرسول الأكرم (ص). [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥؛ مسلم، الزكاة ١٤٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٣.
وأخبر (ص) برواية صحيحة عن أم سلمة وغيرها: أن الحسين يُقتَل بالطَّف [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/١٩٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/١٠٧. أي في كربلاء. وبعد خمسين سنة وقعت تلك الفاجعةُ الأليمة، فصدَّقت ذلك الإخبار الغيبي.
— 130 —
وأخبر مكررًا (ص): "إن أهلَ بيتي سيَلقون بعدي من أمتي قتلًا وتشريدًا"، [٭]: الحاكم، المستدرك ٤/٥٣٤؛ ابن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة ٢/٥٢٧، ٦٥٨؛ وانظر ابن ماجه، الفتن ٣٤؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٥٢٧. فكان كما أخبر.
هنا يرد سؤال مهم:
يُقال: إن عليًا رضي اللّٰه عنه كان أحرى بالخلافة وأولى بها، فهو ذو قرابة مع النبي (ص)، وذو شجاعة نادرة خارقة، وذو علم غزير.. فلماذا لم يُقدِّموه في الخلافة؟ ولماذا اضطربت أحوالُ المسلمين في عهده؟.
الجواب: لقد قال قطبٌ عظيم من آل البيت: كان الرسول (ص) قد تمنّى أن يكون عليّ هو الخليفة، ولكن أُعلِم من الغيب أنّ إرادةَ اللّٰه غيرُ هذا، فتخلى عن رغبته تبعًا لما يريده اللّٰه سبحانه وتعالى. [٭]: انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١١/٢١٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٥/٣٢٢.
وفيما يأتي حكمةٌ واحدة مما تنطوي عليه إرادةُ اللّٰه تعالى في هذا الأمر:
كان الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين أحوجَ إلى الاتفاق والاتحاد بعدما ارتحل النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى، فلو كان عليّ رضي اللّٰه عنه قد تولّى الخلافة، لكان هناك احتمالٌ قوي أن تثير أطوارُه المتّسمة بعدم مسايرة الآخرين واستقلالية آرائه مع زهده الشیديد وبسالته النادرة واستغنائه عن الناس، فضلًا عن شجاعته الفائقة، فتحرِّك -هذه المزايا- عرقَ المنافسة لدى كثير من الأشخاص والقبائل، فتنجم الفرقةُ بين صفوف المسلمين، مثلما حدثَ في عهد خلافته من حوادث وفتن.
أما سببُ تأخر خلافة عليّ رضي اللّٰه عنه فإن أحدَ أسبابه هو ما يأتي:
لقد هبّت أعاصيرُ الفتن في أوساط أمةِ الإسلام التي تضم أقوامًا متباينةً في الفكر والتي يحمل كلٌّ منها بذورَ الفرقة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، مثلما أخبر بذلك الرسول (ص)، [٭]: انظر: الترمذي، الإيمان ١٨؛ أبو داود، السنة ١؛ ابن ماجه، الفتن ١٧؛ الدارمي، السير ٧٥. فكان ينبغي وجودَ شخصيةٍ قوية فذّة، مهيبةِ الجانب، ذاتَ شجاعة فائقة وفراسة نافذة ونسَبٍ عريق
— 131 —
أصيل من أهل البيت ومن بني هاشم، كي يَثبُت أمامَ هذه الفتن. فمثلُ هذه الشخصية الفذة، كانت تتمثل في عليّ رضي اللّٰه عنه، فثبتَ فعلًا أمام تلك الأعاصير الهوجاء.. ولقد أخبره الرسول (ص) بذلك أنه سيحاربُ في سبيل تأويل القرآن كما حارب هو (ص) في سبيل نیزوله. [٭]: انظر: الديلمي، المسند ١/٤٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣١، ٨٢؛ النسائي، السنن الكبرى ٥/١٥٤. ثم إنه لولا علي رضي اللّٰه عنه لربما كانت سلطنةُ الدنيا تعصف بالأمويين وتفتنهم كليًا، وتزلّهم عن الصراط السوي، ولكن لأنهم كانوا يرون إزاءهم عليًا وآل البيت، فقد حاولوا أن يبلغوا شأوهم ويوازوهم في مكانتِهم لئلا يفقدوا منیزلتهم في نظر الأمة، فاضطر أغلبُ رؤساء الدولة الأموية إلى حضّ أتباعِهم على القيام بحفظ حقائق الإيمان ونشرها وصيانةِ أحكام القرآن والإسلام رغم أنهم لم يفعلوا شيئًا بأنفسهم، لذا نشأتْ في ظِل دولتهم مئاتُ الألوف من العلماء المحققين المجتهدين وأئمةِ الحديث والأولياءِ الصالحين والأصفياءِ والعاملين، فلولا كمالاتٌ يتصف بها آلُ البيت وصلاحُهم وولايتُهم للّٰه لزلّ الأمويون وابتعدوا كليًا عن طريق الصواب، كما آلَ إليه أمرُهم في أواخر أيامهم، وكما حدث في أواخر أيام العباسيين.
وإذا قيل: لماذا لم تستقر الخلافةُ في آل البيت، علمًا أَنهم كانوا أَحقَّ بها؟
الجواب: إن سلطنة الدنيا خدّاعة، بينما أهلُ البيت مكلَّفون بالحفاظ على حقائق الإسلام وأحكام القرآن. وينبغي لمن يتسلّم زمام الخلافة ألّا تغرّه الدنيا، كأن يكون معصومًا كالنبي، أو يكون عظيمَ التقوى عظيمَ الزهد كالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز والمهدي العباسي لئلا يغترّ. فسلطنةُ الدنيا لا تصلُح لآل البيت، إذ تُنسيهم وظيفَتهم الأساس؛ وهي المحافظة على الدين وخدمة الإسلام. وخلافة الدولة الفاطمية التي قامت باسم آل البيت في مصر، وحكومةُ الموحدين في أفريقيا، والدولة الصفَوية في إيران، كلٌّ منها غدت حُجةً على أن سلطنةَ الدنيا لا تصلُح لآل البيت. بينما نراهم متى ما تركوا السلطنة، فقد سعوا سعيًا حثيثًا وبذلوا جهدًا منقطعَ النظير في خدمة الإسلام ورفع راية القرآن.
فإن شئتَ فتأمل في الأقطاب الذين أتوا من سلالة الحسن رضي اللّٰه عنه، ولاسيما الأقطاب الأربعة، وبخاصة الشيخ الكيلاني. وإن شئت فتأمل في الأئمة الذين جاءوا من سلالة الحسين رضي اللّٰه عنه، ولاسيما زين العابدين و جعفر الصادق وأمثالهم.. فكلٌّ من
— 132 —
هؤلاء قد أصبح بمثابة مهديّ معنوي، بدّدوا الظلم والظلمات المعنوية بنشرهم أنوارَ القرآن وحقائق الإيمان، وأثبتوا حقًا أنهم وارثو جدّهم الأمجد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
فإن قيل: ما حكمةُ تلك الفتنة الدموية الرهيبة التي أصابت الأمةَ الإسلامية في عصر الراشدين وخيرِ القرون، حيث لا يليقُ بأولئك الأبرار القهرُ ونیزولُ المصائب وأين يكمن وجهُ الرحمة الإلهية فيها؟
الجواب: كما أن الأمطار الغزيرة المصحوبةَ بالعواصف في الربيع تثير كوامنَ قابليات كلِّ طائفة من طوائف النباتات وتكشفها فتنثر البذورَ وتُطلق النوى، فتتفتح أزهارُها الخاصة بها، ويتسلم كلٌّ منها مهمتَه الفطرية، كذلك الفتنةُ التي ابتلي بها الصحابةُ الكرام والتابعون رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، أثارت بذورَ مواهبهم المختلفة، وحفّزت نُوى قابلياتِهم المتنوعة، فأنذَرتْ كلَّ طائفةٍ منهم وأَخافَتهم من أن الخطر مُحدِقٌ بالإسلام، وأن النار ستنشب في صفوف المسلمين؛ مما جعل كلَّ طائفةٍ تهرع إلى حفظ الدين والذودِ عن حياض الإيمان، فأخذ كلٌّ منهم على عهدته مهمةً من مهمات حفظ الإيمان وجمعِ شمل الإسلام، كلٌّ حسب قابليته، فانطلق بكلِّ جدٍّ وإخلاص في هذه السبيل. فمنهم من قام بحفظ الحديث النبوي الشريف، ومنهم من قام بحفظ فقه الشريعة الغراء، ومنهم من قام بحفظ العقائد والحقائق الإيمانية، ومنهم من قام بحفظ القرآن الكريم.. وهكذا انضوت كلُّ طائفةٍ تحت مهمةٍ وواجب من الواجبات التي يفرضها حفظُ الإيمان وصيانةُ الإسلام، وسَعَتْ في سبيل أداء مهمّتها سعيًا حثيثًا، فتفتحتْ من البذور التي نشرَتها تلك الأعاصيرُ الهوجاء العنيفة في الأرجاء، زهورٌ بهيجةٌ بألوان زاهية شتى في عالم الإسلام، حتى غدا العالمُ الإسلامي رياضًا يانعةً بالورود والرياحين. إلّا أنه -للأسف- ظهرت بين تلك الرياض البديعة أشواكُ أهل البدع أيضًا. وكأن يدَ القدرة الإلهية قد خضَّتْ ذلك العصر بجلال وهَيبة، وأدارته بشدة وعنف، فأَثارت الهِمَم وألهَبت المشاعرَ لدى أهل الهمة والغيرة، فبعثت تلك الحركةُ المنطلقة عن المركز؛ كثيرًا من أئمة المجتهدين والمحدّثين والحفاظ والأصفياء والأقطاب الأولياء إلى أنحاء العالم الإسلامي وأَلجأَتْهم إلى الهجرة. وهيّجت المسلمين شرقًا وغربًا وفتَحت بصيرتَهم ليغنموا من كنوز القرآن وخزائنه. والآن لنرجع إلى ما نحن بصدده.
— 133 —

إن ما أخبر عنه الرسول (ص) من أمور الغيب ووقع فعلًا كما أخبر، يبلغ الألوفَ بل يزيد، إلّا أننا نشير إلى أمثلةٍ منها فقط، تلك التي اتفق على صحتها أصحابُ الكتب الستة الصحيحة، وفي مقدمتهم "البخاريĞ9Q "مسلم"، حتى إن كثيرًا منها نقلت نقلًا متواترًا من حيث المعنى، واتفق العلماء وأهل التحقيق على صحة بعضها أنه بمثابة التواتر الصريح.

".. خرَّج أهلُ الصحيح والأئمة: ما أعلَمَ به (ص) أصحابَه مما وعَدهم به من الظهور على أعدائه وفتح مكة [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤٨٤، ٤/٦٧؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٦١؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٣٠٧. وبيت المقدس [٭]: انظر: البخاري، الجزية ١٥؛ ابن ماجه، الفتن ٢٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٢٢، ٢٥، ٢٧. و اليمن و الشام و العراق.. [٭]: انظر: البخاري، فضائل المدينة ٥؛ مسلم، الحج ٤٩٦، ٤٩٧. وتُفتح خيبر [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ١٠٢؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤. وأخبر عن "قسمَتِهم كنوزَ كسرى و قيصر" [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ١٥٧؛ مسلم، الفتن ٧٥، ٧٨. أكبر دولتين في العالم في ذلك العهد. ثم إنه (ص) حينما كان يخبر بهذا الخبر الغيبي لم يقُل: أظن، أحسب، ربما.. وإنما أخبر عن عِلم يقيني كأنه واقع يراه.. وقد وقع كما أخبر، علمًا أنه عندما أخبر بهذا الخبر كان مأمورًا بالهجرة، وأصحابُه قليلون، والعالم كلُّه ومَن حول المدينة أعداءٌ يحدقون من كل جانب.
وفي رواية صحيحة، أخبر الرسول (ص) مرارًا: "اقتدوا باللذَين من بعدي أبي بكر وعمر". [٭]: انظر: الترمذي، المناقب ١٦، ٣٤؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٨٢. فأفاد بهذا أن أبا بكر وعمر سيعمّران بعده، وسيكونان خليفتين، وسيؤديان الخلافة حقَّها كاملا بما يرضي اللّٰه سبحانه ورسوله. [٭]: انظر: المناوي، فيض القدير ٢/٥٦؛ ابن عبد البر، التمهيد ٢٢/١٢٦. ثم إن أبا بكر سيتولى الخلافة لفترة قصيرة، بينما عمر سيتولاها لمدة أطول، فضلًا عن أنه سيقوم بكثير من الفتوحات.
وقال الرسول (ص): "إن اللّٰه زَوى ليَ الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلُغ مُلكها ما زُوي لي منها"، [٭]: انظر: مسلم، الفتن ١٩؛ الترمذي، الفتن ١٤؛ أبو داود، الفتن ١. وكان كما قال.
وأخبر (ص) قبل غزوة بدر -في رواية صحيحة- [٭]: انظر: مسلم، الجنة ٧٦ ، الجهاد ٨٣؛ أبو داود، الجهاد ١١٥؛ النسائي، الجنائز ١١٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٦، ٣/٢١٩، ٢٥٧. عن مصارع الكفار في بدر وأشار إلى
— 134 —
محالّ قتلهم ومصارعِ رؤسائهم: هذا مصرعُ أبي جهل، هذا مصرعُ عتبة، وهذا مصرع أميّة، هذا مصرع فلان وفلان "وأعلَمَ بأنه سيقتُل أُبيّ بن خلف"، [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٣/٣١٠؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٤/٣٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٤٦. وكان كما أعلَمَ.
وثبت في الصحيح أنه قال كمن يشاهد أصحابَه وينظر إليهم في غزوة مؤتة، وهي على بُعدِ مسيرة شهر من حدود الشام: "أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب ثم أخذها جعفرُ فأُصيب ثم أخذها ابن رواحة فأُصيب، وعيناه تذرفان.. حتى أخذ الراية سيفٌ من سيوف اللّٰه حتى فتح اللّٰه عليهم"، [٭]: انظر: البخاري، الجنائز ٤، الجهاد ٧، ٧٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١١٣. وبعد مرور بضعةِ أسابيع عاد يعلى بن مُنبّه من ساحة المعركة، وقبل أن يُخبر عمّا جرى هناك بيّن رسولُ اللّٰه (ص) ما دار في المعركة مفصلًا. فأقسَم يعلى، وقال: "والذي بعثك بالحق ما تركتَ من حديثهم حرفًا واحدًا". [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٤/٣٦٥؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٢/١٢؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٢٤٧.
وفي رواية صحيحة أنه (ص) أخبر عن أن الخلافةَ بعده ثلاثون عامًا ثم تصيرُ مُلكًا عَضوضًا؛ [٭]: انظر: الترمذي، الفتن ٤٨؛ أبو داود، السنة ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٢٠؛ وانظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٣/٣٠٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٧٧. "وأن هذا الأمر بدأ نبوةً ورحمةً، ثم يكون رحمةً وخلافةً، ثم يكون ملكًا عضوضًا، ثم يكون عتوًا وجبروتًا وفسادًا في الأمة"، [٭]: الطيالسي، المسند ٣١؛ البزار، المسند ٤/١٠٨؛ أبو يعلى، المسند ٢/١٧٧. فأخبر (ص) عن مدة الخلافة الراشدة وهي؛ ثلاثون سنة، وتكمُل هذه المدة بالأشهر الستة لخلافة الحسن رضي اللّٰه عنه، ثم تتعاقب السلطنة والجبروت وفساد الأمة، وفعلًا تحقق مثلما قال.
وثبت برواية صحيحة أنَّ سيدنا عثمان رضي اللّٰه عنه يُقتَل وهو يقرأ المصحف، [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/١١٠؛ الديلمي، الفردوس ٥/٣١٣.
وأن الرسول (ص) قد قال: "إنَّ اللّٰه عسى أنْ يلبسه قميصًا وأنهم يريدون خَلعه" [٭]: انظر: الترمذي، المناقب ١٨؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٧٥، ٨٦، ١١٤، ١٤٩؛ الحاكم، المستدرك ٣/١١٠. فكان كما قال.
وفي رواية صحيحة أخرى أنه؛ عندما احتجم الرسولُ (ص) شَرب عبد اللّٰه بن الزبير دمَه الطاهر تبركًا، ولم يسكُبه فقال له: "ويلٌ للناس منك وويلٌ لك من الناس" [٭]: انظر: الدارقطني، السنن ١/٢٢٨؛ الحاكم، المستدرك ٣/٦٣٨؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ١/٣٣٠. فأخبر بأن عبد اللّٰه سيتولى أمرَ الناس بشجاعةٍ فائقة، وسيكونُ هدفًا لهجوم عنيف وستنیزل بالناس بسببه
— 135 —
نوائبُ ومصائبُ. وفعلا وقع كما قال؛ حيث أعلن عبد اللّٰه بن الزبير الخلافةَ في مكة في عهد الأمويين وحاصرَه الحجاج بن يوسف الظالم بجيش عظيم في مكة، وبعد قتالٍ عنيف وبسالة نادرة ومعارك دامية سقط شهيدًا. [٭]: انظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٣/٥٣٨؛ ابن حبان، الثقات، ٢/٣١٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٢٨/٢٣١.
وأخبر (ص) "بمُلْك بني أمية" [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٨٠؛ أبو يعلى، المسند ٢/٣٨٣، ١١/٤٠٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٢٣٦، ١٩/٣٨. أي بظهور الدولة الأموية "وولاية معاوية، ووصّاه" لما قال له: إذا ملكتَ فاسجَح أو فانصح [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٠١؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٢٠٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٩/٣٦١؛ أبو يعلى، المسند ١٣/٣٧٠. وسيكون ملوكُها ورؤساؤها ظَلمة، [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٨٥، ٥٢٢؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٦/٣٦. وسيظهر منهم أشخاصٌ أمثال يزيد [٭]: انظر: أبو يعلى المسند ٢/١٧٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٦٣/٣٣٦، ٦٥/٢٥٠، ٦٨/٤١. والوليد. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٨؛ الحاكم، المستدرك ٤/٥٣٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٠٥.
كما أخبر (ص) عن "خروج وَلد العباس بالرايات السُّود ومُلْكِهم أضعافَ ما مَلكوا" [٭]: انظر: القاضي عياض، الشفا ٣٣٨؛ نعيم بن حماد، الفتن ١/٢٠٣؛ أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة ٢/٩٤٧. من أنَّ الدولة العباسية ستظهر بعد الأمويين، وسيظلون في الحكم مدة أطول. وتحقق كل ذلك فعلًا كما أخبر (ص).
وثبت في الصحيح أنه قال: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقتَرب" [٭]: انظر: البخاري، الفتن ٤؛ مسلم، الفتن ١-٢. فأخبر بفتن جنكيزخان وهولاكو، وتدميرهم الدولة العباسية العربية، وقد تحقق فعلًا كما قال (ص).
وقال لسعد بن أبي وقاص في رواية صحيحة، حينما كان في مرض شديد: "لعلك تَخْلُفُ حتى ينتَفعَ بكَ أقوامٌ، ويستضرَّ بك آخرون" [٭]: انظر: البخاري، الفرائض ٦؛ مسلم، الوصية ٥. فأخبر (ص) أنه سيكون قائدًا عظيمًا، وسيفتح اللّٰه بيده بلدانًا وينتفعُ به أقوامٌ كثيرة بدخولهم حظيرة الإسلام، ويتضرر به آخرون حيث تنقرض دولتُهم. وقد كان كما قال؛ إذ أصبح سعد قائدًا للجيش الإسلامي ودمّر دولةَ الفرس وصار سببًا في دخول كثير من الأقوام والملل في حوزة الإسلام.
وثبت كذلك أنه (ص) "نعى النجاشي [٭]: انظر: البخاري، الجنائز ٦١؛ مسلم، الجنائز ٦٢، ٦٤. في اليوم الذي مات فيه"، في السنة السابعة من
— 136 —
الهجرة، وصلّى عليه، وبعد مرور أسبوع جاء الخبر بأنه توفي في اليوم الذي أخبر فيه الرسول (ص).
وقال (ص): "أُثبتْ فإنما عليك نبيٌ وصدّيقٌ وشهيد" [٭]: انظر: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥، ٧؛ الترمذي، المناقب ١٨؛ أبو داود، السنة ٨. عندما كان (ص) مع صفوة من الصحابة الكرام على جبل أُحد -أو على حراء- [٭]: انظر: مسلم، فضائل الصحابة ٥٠؛ الترمذي، المناقب ١٨. واهتزّ الجبلُ من تحتهم، فأفاد أن عمر وعثمان وعلي سيستشهدون، فكان كما قال.
أيها الضعيفُ ويا من مات قلبُه ويا أيها الشقي!.
لعلك تقول إنَّ محمدًا (ص) كان عبقريًا، فعرف بعبقريته هذه الأمور الغيبية وتغمض عينَك عن حقيقة النبوة الساطعة كالشمس!.
أيها المسكين! إن ما سمعتَه ليس إلّا جزءا من خمسة عشر نوعًا من الأنواع الكلية لمعجزاته (ص) وقد علمتَ أنها جميعًا ثابتةٌ بروايات صحيحة وبتواتر معنوي. وأنت لم تسمع بعدُ إلّا نبذةً يسيرة مما يتعلق بالأمور الغيبية.. أفبعدَ ما يسمع الإنسان هذه المعجزات يقول لصاحبها: أنه عبقري يكشف المستقبل بفراسته؟.
هب أننا قلنا مثلك: أنه عبقري! أفيمكن أن تلتبس الرؤيةُ على مَن يملك مئات الأضعاف من الذكاء المقدس والعبقرية السامية؟ وهل يمكن لمثل هذه الشخصية السامية أن تهبط من سموّها الصادق فيخبر أخبارًا عارية عن الصحة؟ أليس جنونًا وبلاهةً ما بعدها بلاهة الإعراضُ عما تخبر به هذه العبقرية الفذة حول سعادة الدارين!؟.
الإشارة البليغة السادسة
ثبت أنه (ص) أخبر فاطمة: "إنكِ أولُ أهلي لحوقًا بي".. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥؛ مسلم، فضائل الصحابة ٩٩. أي أول من يموت بعده (ص) فيتبعه من أهل البيت. وبعد ستة أشهر وقع ما قال.
وثبت أيضًا أنه (ص): "أخبر أبا ذر رضي اللّٰه عنه بتطريده" أي من المدينة المنورة "وبعيشه وحدَه وبموته وحدَه"، [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٥٢؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٠٤؛ ابن حبان، الثقات ٢/٩٤؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٨٤. وبعد عشرين سنة وقع الأمر كما أخبر.
— 137 —
وأيضًا أنه (ص) استيقظ من النوم في بيت أم حرام (خالة أنس بن مالك) فتبسم قائلًا: "ناسٌ من أمتي عرضوا عليّ غزاةً في سبيل اللّٰه يركبون ثَبجَ هذا البحر [٭]: (ثبج البحر): وسطه ومعظمه وقيل ظهره. ملوكًا على الأسرَّة، فقالت: ادع يا رسول اللّٰه أنْ أكون معهم، فدعا لها".
[٭]: انظر: البخاري، التعبير ١٢، الجهاد ٣، ٨، ٦٣، ٧٥، الاستئذان ٤١؛ مسلم، الإمارة ١٦٠-١٦١؛ الترمذي، الجهاد ١٥، أبو داود، الجهاد ٩؛ النسائي، الجهاد ٤٠؛ ابن ماجه، الجهاد ١٠؛ الدارمي، الجهاد ٢٨؛ الموطأ، الجهاد ٣٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٢٤٠، ٢٦٣ .
وبعد أربعين سنة اصطحبتْ زوجَها عُبادة بن الصامت لفتح قبرص وتوفيتْ هناك. وقبرُها الآن هناك معروف يزار.
وثبت أنه (ص) قال: "إن في ثقيف كذّابًا ومُبيرًا" فأخبر عن المختار المشهور الذي ادّعى النبوة، وسفّاك الدماء الحجاج الظالم الذي قتل مائة ألف نفس. [٭]: انظر: البخاري، التاريخ الكبير ٣/١٩١، ٧/١٥٧، ٨/٤١٦؛ الحميدي، المسند ١/١٥٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٨١. وانظر كذلك: مسلم، فضائل الصحابة ٢٢٩؛ الترمذي، الفتن ٤٤، المناقب ٧٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٦.
وثبت أيضًا أنه (ص) قال: "لتُفْتَحَنَّ القسطنطينية، فَلَنِعْمَ الأميرُ أميرُها ولنعمَ الجيشُ ذلك الجيش" [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٣٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢/٣٨؛ الحاكم، المستدرك ٤/٤٦٨؛ البخاري، التاريخ الكبير ٢/٨١. فأفاد بهذا أنه ستُفتح مدينة إسطنبول بيد المسلمين، وسيكون لمحمد الفاتح مرتبة عالية: "نِعمَ الأمير". وظهر الأمر كما قال.
وثبت كذلك أنه (ص) قال: "إنَّ الدِّين لو كان منوطًا بالثُّريا لنالَه رجالٌ من أبناء فارس" [٭]: انظر: البخاري، تفسير سورة الجمعة ١؛ مسلم، فضائل الصحابة ٢٣٠، ٢٣١. مشيرًا إلى الذين أنجَبتهم بلاد فارس من العلماء والأولياء أمثال الإمام أبي حنيفة النعمان.
وقال (ص) أيضًا: "عالمُ قريش يَملأ طباق الأرض عِلمًا"، [٭]: انظر: الطيالسي، المسند ص٣٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٦/٢٩٥، ٩/٦٥؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٢/٦٠، ٦١؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٥١/٣٢٦. مشيرًا بذلك إلى الإمام الشافعي.
وأخبر (ص): "أن الأمة ستفترق إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة وأن الناجية منها أهلُ السنة والجماعة". [٭]: انظر: الترمذي، الإيمان ١٨؛ الحاكم، المستدرك ١/٢١٨؛ وانظر كذلك: ابن ماجه، الفتن ١٧؛ أبو يعلى، المسند ٧/١٥٥؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٨/٢٢.
— 138 —
وقال (ص): "القَدَرية مجوسُ هذه الأمة"، [٭]: انظر: أبو داود، السنة ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٨٦؛ البخاري، التاريخ الكبير ٢/٣٤١. مشيرًا بذلك إلى طائفة القدرية المنكرين للقَدر، وأعلمَ عن الرافضة والتي هي منقسمة إلى شعب وفرق كثيرة.
وكذا أخبر عن فِرقٍ كثيرة، إذ ثبت أنه قال لعليّ ما معناه: إن مثلَك مثلَ عيسى عليه السلام، ستكون سببًا في هلاك فئتين من الناس: إحداهما من فرط المحبة والأخرى من فرط العداوة. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٦٠؛ البخاري، التاريخ الكبير ٣/٢٨١؛ النسائي، السنن الكبرى ٥/١٣٧؛ البزار، المسند، ٣/١٢؛ أبو يعلى، المسند ١/٤٠٦. حيث أفرط النصارى في حُبَّ عيسى عليه السلام حتى تجاوزوا الحد المشروع فيهلكون وقالوا: إنه ابن اللّٰه -حاش للّٰه- واليهود أيضًا أفرطوا في العداوة له فأنكروا نبوته ومنیزلته الرفيعة. وكذلك سيفرط فريق من الناس في الحب لك ويتعدّون الحدّ المشروع فيهلكون، إذ قال (ص) في حقهم: "لهم نَبزٌ يُقال لهم الرافضة"، [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٣٥٥؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/٣٢٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٠٣. وفريق آخر سيفرّطون في العداء لك وهم (الخوارج) وقسم من المغالين في موالاة الأمويين وهم (الناصبة).
فإن قيل: إنَّ القرآن الكريم يأمر بحب آل البيت، وقد حثّ النبي (ص) على ذلك، فلربما يشكّل هذا الحب عُذرًا، حيث إن أهلَ الحب أهل انتشاء وسكر -أي ذاهلون- فَلِمَ لا تَنتفع الشّيعةُ ولا سيما الرّافضة من هذا الحب ولا ينقذهم من العذاب، بل نرى العكس من ذلك فإنهم يُدانون من فرط الحب كما أشار إليه الحديث الشريف؟!.
الجواب: إن الحب قسمان
أحدهما: حُبٌّ (بالمعنى الحرفي) وهو حب عليّ والحسن والحسين وآل البيت محبةً للّٰه وللرسول وفي سبيلهما. فهذا الحب يزيد حبّ الرسول (ص) ويكون وسيلة لحب اللّٰه عز وجل. فهذا الحب مشروع، لا يضر إفراطُه، لأنه لا يتجاوز الحدود ولا يستدعي ذم الغير وعداوتَه.
وثانيهما: حُبٌّ (بالمعنى الإسمي) وهو حبُّهم حبًّا ذاتيًّا، ولأجلهم، أي حب عليّ من أجل شجاعته وكماله، وحب الحسن والحسين من أجل فضائلهما ومزاياهما الكاملة فحسب، من غير تذكّر للنبي (ص)، حتى إنّ منهم مَن يحبهم ولو لم يعرف اللّٰه ورسوله. فهذا الحب لا يكون وسيلةً لحب اللّٰه ورسوله. وإذا ما كان في هذا الحب إفراط فإنه سيُفضي إلى ذم الغير وعداوته.
— 139 —
وهكذا أفرط منهم -كما ذكر في الحديث الشريف- في الحب لعليّ وتبرأوا من أبي بكر وعمر، فوقعوا في خسارة عظيمة. فكان هذا الحبُّ السلبي -غير الإيجابي- سببًا لخسارتهم.
ونقل نقلا صحيحًا أنه (ص) حذّر الأمة من أنهم "إذا مشوا المُطَيطاء [٭]: (المطيطاء): مشية فيها مدّ اليدين والتبختر والخيلاء. وخَدَمَتْهم بناتُ فارس والروم ردَّ اللّٰه بأسَهُم بينهم وسلّط شِرارَهم على خِيارِهم". [٭]: انظر: الترمذي، الفتن ٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/١١٢؛ الطبراني، المعجم الأوسط ١/٤٨، ٤/٥٣. وبعد ثلاثين سنة وقع الأمر كما قال.
وثبت كذلك أنه (ص) أعلَمَ أصحابه: "بفتح خيبر على يَدي عليّ". [٭]: انظر: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤. وفي غد يومه وقعت المعجزةُ النبوية -فوق ما كان يُتوقع- فأخذ عليٌّ باب القلعة بيده وجعله ترسًا. ولما تم أمرُ الفتح رماه في الأرض، وكان الباب عظيمًا، حتى إنه لم يستطع ثمانية رجال -وفي رواية أربعون رجلًا- رفعَه من الأرض. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٦/٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٤/٣٠٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٢/١١٠؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٧.
وقال (ص): "لا تقومُ الساعةُ حتى تَقتَتِلَ فئتان عظيمتان دعواهُما واحدة" [٭]: البخاري، الاستتابة ٧، الفتن ٢٥؛ مسلم، الفتن ١٧. فأخبر عن الحرب التي وقعت في صفّين بين عليّ ومعاوية رضي اللّٰه عنهما.
ومما أخبر به (ص): "أن عمّارًا تَقتُلُه الفئةُ الباغية"، [٭]: إسحاق بن راهويه، المسند ٤/١١٠؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٩. وانظر: البخاري، الصلاة ٦٣، الجهاد ١٧؛ مسلم، الفتن ٧٢ ، ٧٣. وبعد ذلك قُتل في حرب صفّين. فاحتجّ عليٌّ به من أن الموالين لمعاوية هم الفئة الباغية، ولكن معاوية أوّل الحديث. وقال عمرو بن العاص: البغاةُ هم قاتلوه فقط، ولسنا جميعًا بغاة.
وقال (ص) أيضًا: "إن الفتنَ لا تَظهر ما دام عمرُ حيًا". [٭]: انظر: البخاري، الفتن ١٧؛ مسلم، الفتن ٢٦؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٩. فكان الأمر كما أخبر.
"ولما أُسِرَ سُهيل بن عمرو -قبل إسلامه- يوم بدر قال عمر: يا رسول اللّٰه إنه رجل مفوّه فَدَعني انتزع ثنيتيه السفليتين، فلا يقوم خطيبًا عليك بعد اليوم، فقال رسول اللّٰه (ص): "وعسى أن يقومَ مقامًا يَسرُّك يا عمر". فكان كذلك إذ حينما وقعت وفاةُ النبي (ص)، تلك
— 140 —
الحادثة العظمى التي كلَّ الصبرُ فيها، قام أبو بكر الصديق رضي اللّٰه عنه مُعزّيًا المسلمين في المدينة المنورة ومثبّتًا قلوبَ الصحابة فخَطب فيهم خطبةً بليغة. وقام سُهيل أيضًا في مكة المكرمة يحذو حذو أبي بكر، فألقى خطبة شبيهة بخطبة أبي بكر، حتى إن كلمات الخطبتين تواردت على معنى واحد. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٣١٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٣٦٧.
وقال الرسول (ص) لسُراقة: "كيف بك إذا أُلبستَ سوارَيْ كسرى" [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٥٨١؛ ابن حجر، الإصابة ٣/٤١؛ وانظر البيهقي، السنن الكبرى ٦/٣٥٧؛ الشافعي، الأم ٤/١٥٧. وفي عهد عمر رضي اللّٰه عنه سقطت دولةُ كسرى وجاءت زينة كسرى وحليّه فألبسها عمرُ سراقةَ وقال: "الحمد للّٰه الذي سَلَبهما كِسرى وألْبَسهما سُراقةَ" [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٥/٩٠؛ الشافعي، الأم ٤/١٥٧؛ البيهقي ٦/٣٥٧. وصدّق ما أخبر به النبي (ص).
وقال أيضًا (ص): "إذا هَلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه". [٭]: البخاري، الأيمان ٣؛ مسلم، الفتن ٧٥- ٧٨. فكان الأمر كما أخبر.
وأخبر (ص) رسولَ كسرى: "أن اللّٰه سلّط على كسرى ابنَه شهَرَوَيه فقَتَله في وقت كذا.." فلما حقق ذلك الرسول وقتَ مقتل كسرى، أيقنَ أن قتلَه كان في نفس الوقت الذي أخبر عنه (ص) فأسلمَ بسبب ذلك. [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ١/١٩١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤/٣٩٠، ٣٩١. واسمُ ذلك الرسول "فيروز" كما ورد في بعض الروايات. [٭]: انظر: الماوردي، أعلام النبوة ١/١٥٤، ١٥٥؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٠٠.
وأخبر عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسله سرًا إلى كُفار قريش. فأرسل (ص) عليًا والمقداد رضي اللّٰه عنهما بأنّ في الموضع الفلاني جاريةً معها رسالة. فأْتُوني بها، فذهبا وأتيا بالرسالة في المكان الذي وصفَه الرسول (ص)، واستدعى حاطبًا وقال له: ما الذي حَمَلك على هذا؟ فأبدى عذرَه فقَبِل منه. [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ١٤١، المغازي ٤٦؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٦١. وهذه رواية صحيحة ثابتة.
وثبت أيضًا أنه (ص) قال في عتبة ابن أبي لهب: "يأكله كلبُ اللّٰه" [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٢/٥٨٨؛ الطبري، جامع البيان ٢٧/٤١؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ٢١٩؛ المناوي، فيض القدير ٢/٣٩٥. فأخبر عن عاقبته المفجعة، وبعد مدة من الزمن ذهب عتبة متوجهًا نحو اليمن فجاءه سبعٌ وأكله. فصدّق دعاءه عليه.
— 141 —
ونُقل نقلا صحيحًا: "أن الرسول (ص) لما فتح مكة أمر بلالًا رضي اللّٰه عنه بأن يعلو ظهر الكعبة ويؤذّن عليها. و أبو سفيان بن حرب و عتاب بن أسيد والحارث بن هشام وهم رؤساء قريش جلوس في فناء الكعبة. فقال عتاب: لقد أكرم اللّٰه أسيدًا إذ لم ير هذا اليوم. وقال الحارث: أما وَجَد محمدٌ مؤذنًا غير هذا الغراب الأسود! قال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، ولو تكلمتُ لأخْبَرَتْه هذه الحصباء. فخرج عليهم النبي (ص) وقال: لقد علمتُ الذي قلتُم وذكرَ مقالتهم. فقال الحارث وعتاب: نشهدُ أنكَ رسولُ اللّٰه، ما اطّلع على هذا أحدٌ كان معنا فنقول به". [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٧٥، ٧٦؛ البغوي، معالم التنزيل ١/٣٤٧؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٣٠٣.
فيامن لا يؤمن بهذا النبي الكريم ويا أيها الملحد!
تأمّل في هذين العنيدين من رؤساء قريش كيف رأَيا نفسَيهما مضطرَّين إلى الإيمان، بما سَمِعاه من إخبارٍ غيبي واحد. فما أفسدَ قلبك وأنتَ تسمع ألوفَ المعجزات من أمثالها، وكلها ثابتة بطرق التواتر المعنوي ومع ذلك لا يطمئن قلبُك... فلنرجع إلى الصدد.
وثبت أيضًا أنه (ص) "أخبر بالمال الذي تركَه عمُّه العباس رضي اللّٰه عنه عند أم الفضل (زوجه) بعد أن كتَمه" فلما أُسر ببدر وطُلِبَ منه الفداء فقال: لا مال لي. فقال له (ص): "ما صنع المالُ الذي وضعتَه عند أم الفضل". فقال: "ما عَلِمَه غيري وغيرُها. فأسلَمَ". [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٥٣، الحاكم، المستدرك ٣/٣٦٦؛ البيهقي، السنن الكبرى ٦/٣٢٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/١٤.
وثبت أيضًا: أن الساحر الخبيث لبيد اليهودي عمل سحرًا ليؤذي النبي (ص) فشدّ الشَعر على مشط، ودسّه في بئر، فأمر الرسول الأكرم (ص) عليًا والصحابة؛ أن يذهبوا إلى البئر الفلانية ويأتوا بأدوات السحر، فذهبوا وأتوا بها، وكان كلّما انحلَّت منه عقدةٌ وَجَد الرسول (ص) شيئًا من الخفة. [٭]: أصل الحديث رواه البخاري ٥/٢١٧٤؛ مسلم ٤/١٧١٩.
وثبت أيضًا، أن الرسول الأكرم (ص) قال لجماعة فيها أبو هريرة وحذيفة: "ضرسُ أحدكم في النار مثلُ أُحد"، [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٢؛ السهيلي، الروض الأنف ٤/٣٥٥؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٧٨؛ ابن حجر، الاستيعاب ٢/٥٥٢. فأخبر عن رِدّة واحد من تلك الجماعة وبيّن عاقبته الوخيمة.
— 142 —
قال أبو هريرة: "فذهب القومُ -يعني ماتوا- وبقيتُ أنا ورجل (فخشيت)، فقُتِل مرتدًا يومَ اليَمامة". وظهرت حقيقة خبر النبي (ص).
وثبت أيضًا "بقضية عُمَير مع صفوان حين سارَّه وشارَطَه على قتل النبي (ص)" مقابل مبلغٍ عظيمٍ من المال "فلما جاء عُمير النبي (ص) قاصدًا لقتله، وأطْلَعَه رسولُ اللّٰه (ص) على الأمر والسر -ووضع يده على صدره- أسلم". [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ١٧/٥٦-٦٢؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٢١٢-٣١٤؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/١٩٩-٢٠٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/١٤٧-١٤٨.
هذا وقد وقع كثيرٌ من أمثال هذه الإنباءات الغيبية الصادقة، وذكرتْها كتبُ الصحاح الستة المعروفة مع أسانيدها. وأغلب ما ذُكر في هذه الرسالة من الحوادث إنما هو في حكم المتواتر المعنوي، وهي قطعية الثبوت ويقينية، وقد نقلها البخاري ومسلم في صحيحَيهما اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، على ما هو عليه أهل العلم والتحقيق، علمًا أنها بُيّنَت في كتب السنن الصحيحة الأخرى كالترمذي والنسائي وأبي داود ومستدرك الحاكم ومسند أحمد بن حنبل ودلائل البيهقي مع أسانيدها.
فيا أيها الملحد الغافل! لا تلق الكلام جزافًا فتقول:
إنَّ محمدًا (ص) رجل عاقل ذكي! ثم تَدع الأمر هكذا وتنصرف، فهذه الأخبار الصادقة التي تمس الأمورَ الغيبية لا تخلو من أمرَين اثنين:
إما أنك تقول: أن هذا الرجل له نظرٌ ثاقب وعبقريةٌ واسعة جدًّا، أي له عينٌ بصيرة ترى الماضي والمستقبل معًا والعالمَ أجمع، فيعلم بها كلَّ شيء وكلَّ حادث، فأقطارُ الأرض والعالمُ كلُّه شرقًا وغربًا تحت نظر شهوده، وله من الدهاء العظيم ما يمكنه أن يكشف جميعَ أمور الماضي والمستقبل.! فهذه الحالة لا يمكن -كما ترى- أن تكون في بشر قط. وإذا ما وقعتْ في أي فردٍ فهو إذن خارق للعادة وله موهبة رفيعة منحها له ربُّ العالمين.. وهذا الأمر بحد ذاته معجزة عظمى.
أو ينبغي لك أن تؤمن بأن ذلك الشخص الكريم مأمور وتلميذ يتلقى الإرشاد والتعليمات ممن يرى كل شيء، وله القدرة بالتصرف في كل شيء في الكون كله والأزمان
— 143 —
جميعًا، فكل شيء مكتوب في لوحه المحفوظ، يعلّم منه تلميذَه ما شاء متى شاء. فثبت إذن أن محمدًا (ص) يتلقى الدرسَ من معلمه الأزلي سبحانه ويبلّغه كذلك.
وثبت أيضًا أنه (ص) حينما بعث خالدًا بن الوليد ليحارب اكيدر -رئيس دومة الجندل- [٭]: (دومة الجندل): موضع بين مكة وبرك الغمامة أو بين الحجاز والشام. قال له: "إنك سَتَجده يَصيد البَقَر" [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٠٧-٢٠٨؛ البيهقي، السنن الكبرى ٩/١٨٧؛ ابن حبان، الثقات ٢/٩٧؛ الطبري، تاريخ الأمم ٢/١٨٥. -أي البقر الوحشي- وأخبره بأنه سيأتي به أسيرًا من غير مقاومة منه. وذهب خالد ورآه كما وصفه الرسول الكريم (ص) فأخذه أسيرًا وأتى به.
وثبت أيضًا أنه (ص) أعلَم "قريشًا بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها على بني هاشم وقطعوا بها رحِمهم، وأنها أبْقَت فيها كلَّ اسمٍ للّٰه، فوجدوها كما قال"، [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٢/١٤٧؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٢٢١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٨٨، ١٨٩، ٢٠٨، ٢٠٩ ؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٥٥٣. وهي معلّقة على الكعبة.
وثبت أيضًا أنه (ص) أخبر عن ظهور الطاعون عند فتح بيت المقدس. [٭]: انظر: البخاري، الجزية ١٥؛ ابن ماجه، الفتن ٢٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٢٢، ٢٥، ٢٧. ففي عهد عمر انتشر وباءُ الطاعون انتشارًا فظيعًا بحيث إن عددَ الذين توفّوا نتيجة الأمراض سبعون ألف شخص خلال ثلاثة أيام. [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/٢٨٣؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٧/٥٥-٥٨؛ المناوي، فيض القدير ٤/٩٥.
وثبت أيضا أنه (ص) أخبر عن وجود البصرة [٭]: انظر: أبو داود، الملاحم ١٠؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٤٤؛ الطيالسي، المسند ١١٧؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/١٤٨. و بغداد قبل أن تعمُرا، وأخبر عن جبي خزائن الأرض إلى مدينة بغداد. [٭]: انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١/٢٨-٣٣، ١٠/٢٠٣، ١٤/٥٤؛ الديلمي، المسند ٢/٧٣.
وأخبرهم (ص) عن "قتالهم الترك" [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ٩٥، ٩٦، المناقب ٢٥؛ مسلم، الفتن ٦٣-٦٦. والأمم التي حول بحر الخزر ثم بعد ذلك يدخل أكثر هؤلاء الأمم في دين الإسلام، وسيحكمون العرب بينهم حيث قال: "يوشِكُ أن يَكثُر فيكم العَجَم يأكلون فيئَكُم ويضربون رِقَابكم". [٭]: انظر: معمر بن راشد، الجامع ١١/٣٨٥؛ البزار،المسند ٦/٣٥٩، ٧/٢٩١؛ الحاكم، المستدرك ٤/٥٥٧، ٥٦٤.
— 144 —
وقال (ص): "هلاكُ أمتي على يدَي اُغيلمةٍ من قريش" [٭]: انظر: البخاري، الفتن ٣؛ مسلم، الفتن ٧٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٩٩، ٤٨٥، ٥٢٠. فأخبر عن يزيد والوليد وأمثالهم من الرؤساء الأشرار في الأمويين.
وأخبر (ص) عن وقوع رِدّة في بعض الأماكن كاليمامة. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥، المغازي ٧٠، ٧١؛ مسلم، الرؤية ٢١، ٢٢.
وقال في غزوة الخندق: "إنَّ قريشًا والأحزابَ لا يغزونني أبدًا وأنا أغزوهم" [٭]: البخاري، المغازي ٢٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٢٦٢، ٦/٣٩٤؛ الطيالسي، المسند ١٨٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٩٨. وكان الأمر كما أخبر.
وثبت كذلك أنه (ص) أخبر قبل وفاته بشهرين: "بأن عبدًا خُيِّرَ فاختار ما عند اللّٰه" . [٭]: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٣؛ مسلم، فضائل الصحابة ٢.
وقال في حق زيد بن صوحان: "يَسبقُهُ عضوٌ إلى الجنة، فقُطعتْ يدُهُ في الجهاد" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٣؛ الماوردي، أعلام النبوة ١/١٢١؛ وانظر أبو يعلى، المسند ١/٣٩٣؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٤١٦. وأصبحت شهيدة، يوم نهاوند، فسبقته إلى الجنة.
وهكذا فإن جميع ما بحثناه من أمور الغيب إنما هو نوعٌ واحد فقط من بين عشرة أنواع من معجزاته (ص)، فنحن لم نعرف بعدُ عُشرَ معشار هذا النوع، وقد بينّا إجمالًا أربعة أنواع من الإخبار الغيبي في الكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن.
فتأمل الآن في هذا النوع، وضمّه إلى الأنواع الأربعة الأخرى التي أخبر عنها (ص) بلسان القرآن، وانظر كيف يشكّل برهانًا قاطعًا لامعًا على الرسالة بحيث يذعن مَن لم يختل عقلُه وقلبُه ويصدّق بأن هذا النبي الكريم (ص) إنما هو رسول يخبر عن الغيب من لدن خالق كل شيء وعلام الغيوب.
— 145 —

الإشارة البليغة السابعة

نشير إلى بضع أمثلةٍ من المعجزات النبوية التي تخص بركة الطعام وثبتت بروايات صحيحة قاطعة وبالتواتر المعنوي. ونرى من الأنسب أن نقدّم بين يديها مقدمة.
المقدمة إن الأمثلة التي سترد حول معجزة بركة الطعام كلٌّ منها قد روي بطُرق متعددة، بل إن قسمًا منها روي بستة عشر طريقًا، وقد وقع معظمُ هذه الأمثلة أمام جماعة غفيرة من الصحابة الكرام المنیزّهين عن الكذب والذين لهم المنزلة الرفيعة في الصدق والأمانة.
مثال للتوضيح: وفي رواية أنه: أكل سبعون رجلًا من صاعٍ [٭]: (الصاع): الذي يُكال به، وهو أربعة أمداد، والمُد ما يقارب ٨٧٥غم. وشبعوا جميعًا. فالرجال السبعون يسمعون هذه الرواية التي يحكيها أحدُهم، ثم لا يخالفونه ولا ينكرون عليه، أي أنهم يصدّقونه بسكوتهم.
فالصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين كانوا في ذروة الصدق والحق حيث إنهم عاشوا في خير القرون وهم محفوظون من الإغضاء على الباطل، فلو كان يرى أحدُهم شيئًا ولو يسيرًا من الكذب في أي كلام كان لَمَا وسِعه السكوت عليه قطعًا، بل كان يردّه حتمًا.
لذا فالروايات التي نذكرها فضلًا عن أنها رُويَت بطرق متعددة فقد سكت عنعوتالآخرون تصديقًا بها، أي كأن الجماعة قد رووها فالساكتُ منهم كالناطق بها فهي إذن تفيد القطعية كالمتواتر المعنوي.
ويشهد التاريخ -والسيرة خاصة- أن الصحابة الكرام قد وقفوا أنفسَهم بعد حفظ القرآن الكريم لحفظ الحديث الشريف، أي حفظ أحوالِه (ص) وأفعالِه وأقواله، سواء منها المتعلقة بالأحكام الشرعية أم بالمعجزات، ولم يُهملوا -جزاهم اللّٰه خيرًا- أيةَ حركةٍ مهما كانت صغيرةً من سيرته المباركة، بل اعتنوا بها وبروايتها، ودوّنوها في مدوَّنات لديهم، ولا سيما
— 146 —
العبادلة السبعة وبخاصة ترجمیان القرآن عبد اللّٰه بن عباس، وعبد اللّٰه بن عمرو بن العاص. وهكذا حُفظت الأحاديثُ في عهد الصحابة الكرام حتى جاء كبارُ التابعين بعد ثلاثين أو أربعين سنة فتسلّموها غضةً طريةً منهم وحفظوها بكل أمانةٍ وإخلاص، فكتبوها ونقلها عنهم بعد ذلك الأئمةُ المجتهدون وألوفُ المحققين والمحدّثين وحفظوها بالكتابة والتدوين، ثم تسلَّمها -بعد مضي مائتي سنة من الهجرة- أصحابُ الكتب الستة الصحيحة المعروفة وفي مقدمتهم البخاري ومسلم، ثم جاء دورُ النقّاد وأهل الجرح والتعديل، وبرز منهم متشددون -أمثال ابن الجوزي- فميّزوا الأحاديثَ الموضوعة التي دسّها بعضُ الملاحدة وجهلةِ الناس على الأحاديث الصحيحة. ثم أعقبهم علماءُ أفاضل ذوو تقوى وورع أمثال جلال الدين السيوطي وهو العلّامة الإمام الذي تشرّف بمحاورة الرسول (ص) فتمثّل له في اليقظة سبعين مرة -كما يصدّقه أهلُ الكشف من الأولياء الصالحين- فميّزوا جواهر الأحاديث الصحيحة من سائر الكلام والموضوعات.
وهكذا ترى أن الأحاديث -والمعجزات التي سنبحث عنها- قد انتقلت إلينا سليمةً صحيحة بعد أن تسلّمها مالا يُعد ولا يُحصى من الأيدي الأمينة "فالحمد للّٰه، هذا من فضل ربي".
وعليه فلا ينبغي أن يخطرَ بالبال: كيف نعرف أن هذه الحوادث التي حدثتْ منذ مدة سحيقة قد ظلتْ مصونةً سالمة من يد العبث؟
أمثلة حول معجزات بركة الطعام:
المثال الأول: اتفقت الصحاح الستة، وفي مقدمتها البخاري ومسلم في حديث أنس رضي اللّٰه عنه "قال: كان النبي (ص) عروسًا بزينب، فعَمِدَتْ أمي أمُّ سُلَيم إلى تمر وسمن وأقط، فصنعتْ حيسًا فجعلته في تَور [٭]: (التور): إناء كالقدح. فقالت: يا أنس! اذهب بهذا إلى رسول اللّٰه (ص) فقل بعثتْ بهذا إليكَ أمي، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليلٌ يا رسول اللّٰه! فذهبتُ فقلت، فقال: "ضعْهُ" ثم قال: "اذهب فادعُ لي فلانًا" وفلانا وفلانًا رجالًا سمّاهم "وادعُ مَن لقيتَ" فدعوتُ مَن سمّى ومَن لقيتُ فرجعتُ فإذا البيت غاصٌّ بأهله. قيل لأنس: عددُكم كم كان؟
— 147 —
قال: زهاء ثلاثمئة. فرأيت النبي (ص) وضع يدَه على تلك الحيسة وتكلّم بما شاء اللّٰه ثم جعل يدعو عشرةً عشرةً يأكلون منه، ويقول لهم: "اذكروا اسم اللّٰه، وليأكل كلُّ رجلٍ مما يليه" قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجتْ طائفةٌ، ودخلتْ طائفة، حتى أكلوا كلهم قال لي: "يا أنس! ارفع" فرفعتُ، فما أدرى حين وضعتُ كان أكثرَ أم حين رفعتُ". [٭]: انظر: البخاري، النكاح ٦٤؛ مسلم، النكاح ٩٤، ٩٥؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٧.
المثال الثاني: نزل النبي (ص) ضيفًا عند أبى أيوب الأنصاري، فذات يوم "صنعَ لرسول اللّٰه (ص) ولأبي بكر رضي اللّٰه عنه من الطعام زُهاء ما يكفيهما. فقال له النبي (ص): ادعُ ثلاثين من أشرافِ الأنصار! فدعاهم فأكلوا حتى تركوا. ثم قال: ادعُ ستين، فكان مثلُ ذلك، ثم قال: ادعُ سبعين فأكلوا حتى تركوا، وما خرج منهم أحدٌ حتى أسلم وبايع، قال أبو أيوب: فأكل من طعامي مئة وثمانون رجلًا". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٤/١٨٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٩٤؛ ابن عبد البر، التمهيد ١/٢٩٥.
المثال الثالث: "حديث سلمة بن الأكوَع، وأبو هريرة، وعمر بین الخطاب وأبو عمرة الأنصاري رضي اللّٰه عنهم، فذكروا مخمصةً أصابت الناسَ مع النبي (ص) في بعض مغازيه، فدعا ببقية الأزواد، [٭]: (الأزواد): جمع زاد. (الحثية): ما يملأ اليدين. (نطع): بساط من ادم. (حرزته): قدّرته. (الربضة): جلوس العنز. فجاء الرجلُ بالحَثْية من الطعام، وفوق ذلك ، وأعلاهم الذي أتى بالصاع من التمر، فَجَمعه على نطْعٍ. قال سلمة: فحرزتُه، كَربضةِ العنز، ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقيَ في الجيش وعاءٌ إلّا ملأوه، وبقي منه قدر ما جُعل وأكثر، (وفي رواية) ولو ورده أهلُ الأرض لكفاهم". [٭]: انظر: البخاري، الشركة ١، الجهاد ١٢٣؛ مسلم، اللقطة ١٩ .
المثال الرابع: ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم أن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قال: "كنّا مع النبي (ص) ثلاثين ومئة" في سفر "وذكر في الحديث أنه عُجن صاعٌ من طعام، وصُنعَت شاةٌ فشويَ سواد بطنها، [٭]: (سواد البطن): الكبد. (حزّ): قطع بالسكين. قال: وأيمُ اللّٰه ما من الثلاثين ومئة إلّا وقد حزَّ لهُ حزّةً من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون، وفضل في القصعتين، فحملتُه على البعير". [٭]: انظر: البخاري، الهبة ٢٨، الأطعمة ٦؛ مسلم، الأشربة ١٧٥.
— 148 —
المثال الخامس: ثبت في الصحاح أيضًا: "حديث جابر في إطعامه (ص) يوم الخندق ألفَ رجل من صاع شعير وعناق [٭]: (العناق): الانثى من أولاد المعز ولم يتم لها سنة. (برمتنا لتغط): أي قدرنا تغلي غليانًا. (شطر وسق): نصف حمل. وقال جابر: فأُقسم باللّٰه لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن بُرمَتنا لتَغُطّ كما هي وإن عجينَنا ليخبز" وكان الرسول الأكرم (ص) قد وضع في ذلك العجين والقِدر من ماء فِيهِ المبارك ودعا بالبركة. [٭]: البخاري، المغازي ٢٩؛ مسلم، الأشربة ١٤١. فيعلن جابر مقسمًا باللّٰه معجزةَ البركة هذه في حضور ألفٍ من الصحابة مُظهرًا علاقتهم بها. فهذه الرواية قطعيةٌ وكأنَّ ألفَ رجل قد رواها.
المثال السادس: وثبت في الصحاح أنّ أبا طلحة عمَّ خادم النبي (ص) أنس رضي اللّٰه عنه يقول: "إن الرسول الأكرم (ص) أطعَمَ مما أتى به أنسٌ تحت إبطه من قليل خبز شعير زهاء ثمانين رجلًا حتى شبعوا. وكان (ص) أمر بأن يجعل ذلك الخبز إربًا إربًا، ودعا بالبركة، وأن البيت ضاق بهم فكانوا يأكلون عشرةً عشرة، ورجعوا كلُّهم شباعًا". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥، الأطعمة ٦، ٤٨؛ مسلم، الأشربة ١٤٢.
المثال السابع: ثبت في صحيح مسلم والشفا وغيرهما أن جابرًا الأنصاري يقول: "إن رجلًا أتى النبي (ص) يستطعمه، فأطعَمَه شطرَ وَسْق شعير، فما زال يأكل منه هو وامرأتُه وضيفُه حتى كالَه" ليعرفوا ما نقصَ منه، فرأوا أنه زالت منه البركةُ، وصار ينقص شيئًا فشيئًا. فأتى النبي (ص) فأخبره فقال (ص): "لو لم تَكِلْهُ لأكلتم منه ولَقام بكم". [٭]: مسلم، الفضائل ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٣٧، ٣٤٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١١٤.
المثال الثامن: تبين الصحاح كالترمذي والنسائي والبيهقي وكتاب الشفاء "عن سمرة بن جندب: أتى النبيَّ (ص) بقصعةٍ فيها لحمٌ، فتعاقبوها من غدوةٍ حتى الليل يقوم قومٌ ويقعد آخرون". [٭]: الترمذي، المناقب ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٢، ١٨؛ الدارمي، المقدمة ٩؛ النسائي، السنن الكبرى ٤/١٧٠.
وبناء على ما ذكرناه في المقدمة، هذه الواقعة الواردة في البركة ليست رواية سمرة فقط، بل كأنه ممثلٌ عن تلك الجماعات التي أكلتْ من ذلك الطعام. فيعلن هذه الروايةَ بدلًا منهم.
المثال التاسع: يروى رجالٌ ثقاة كصاحب الشفاء وابن أبي شيبة والطبراني بسند جيّد وعلماءُ محققون: عن أبى هريرة: أمرَني النبيُّ (ص) أن أدعوَ له أهلَ الصُفَّة "وهم فقراء المهاجرين الذين كان ينوف عددهم على مائة. والذين كانوا قد اتخذوا الصفّة في المسجد مأوًى لهم
— 149 —
"فتتبَّعتُهم حتى جمَعتُهم. فوُضعَت بين أيدينا صفحةٌ، فأكلنا ما شئنا، وفرَغنا، وهي مثلُها حين وُضِعت، إلَّا أن فيها أثرَ الأصابع". [٭]: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٥؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٣/١٩٥؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٥٦.
فأبو هريرة يدلي بهذا الخبر باسم أصحابِ الصفّة مستندًا إلى تصديقهم. فهي روايةٌ قطعية إذن وكأن جميعَ أهل الصفة روَوها. فهل يمكن أن يكون هذا الخبرُ خلاف الحق والصواب ثم لا ينكر عليه أولئك الصادقون الكاملون ولا يردّونه؟.
المثال العاشر: ثبت برواية صحيحة أن الإمام عليًا رضي اللّٰه عنه قال: "جمعَ رسولُ اللّٰه (ص) يومًا بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قومٌ يأكلون الجدعة ويشربون الفرق" أي منهم من يأكل فرع الجمل ويشرب أربع أوقيات من الحليب "فصنع لهم مُدًّا من طعامٍ فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعسّ" أي إناء من خشب حليبًا يكفي لثلاثة أو أربعة "فشربوا حتى رووا. وبقي كأنه لم يشرب". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٥٩، فضائل الصحابة ٢/٧١٢؛ الطبري، جامع البيان ١٩/١٢٢؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٣-٢٩٤.
فهذا مثال واحد لمعجزة بركةِ الطعام وهو بقطعية شجاعةِ علي رضي اللّٰه عنه وصدقه.
المثال الحادي عشر: ثبت برواية صحيحة "في إنكاح النبي (ص) لعلي فاطمةَ أن النبيَ (ص) أمَر بلالًا بقصعة من أربعة أمدادٍ أو خمسة ويذبح جَزورًا [٭]: (جزور): رأس من الابل ناقة أو جملًا سميت بها لأنها مما يجزر. لوليمتها. قال: فأتيتُه بذلك فطعَن في رأسها، ثم أدخل الناسَ رُفقة رفقة يأكلون منها، حتى فرغوا، وبقيت منها فضلةٌ، فبرّك فيها وأمر بحملها إلى أزواجه، وقال: "كُلنَ وأطعِمن مَن غشيكن". [٭]: عبد الرزاق، المصنف ٥/٤٨٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٤١١، ٢٤/١٣٣. حقًا! إن مثل هذا الزواج الميمون لحريٌّ بمثل هذه المعجزة في البركة.
المثال الثاني عشر: روى جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن علي رضي اللّٰه عنه: "أن فاطمة طبختْ قدرًا لغذائهما ووجّهت عليًا إلى النبي (ص) ليتغذى معهما، فأمَرها فغرفَت منها لجميع نسائه صفحةً صفحة ثم له (ص) ولعلي ثم لها ثم رفعت القِدر وأنها لتفيضُ، قالت: فأكلنا منها ما شاء اللّٰه". [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٨٦-١٨٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٤؛ ابن الجوزي، المنتظم ٣/٨٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ١/٣٦١.
— 150 —
فعجبًا من أمرك أيها الإنسان لِمَ لا تصدّق بهذه المعجزة الباهرة تصديقَ شهود بعد ما سمعتَ أن رواتها من السلسلة الطاهرة، حتى الشيطان نفسه لا يجد سبيلًا لإنكارها!
المثال الثالث عشر: روى الأئمة أمثال أبي داود وأحمد ابن حنبل والبيهقي عن دُكَين الأحمسي بن سعيد المزين، وعن الصحابي الذي تشرف هو وإخوته الستة بصحبة النبي (ص) وهو نعمان بن مقرن الأحمسي المزين، ومن رواية جرير ومن طرق متعددة أن الرسول الأكرم (ص): "أمر عمر بن الخطاب أن يزوّد أربعمائة راكب من أحمس. فقال: يا رسول اللّٰه ما هي إلّا أصوع [٭]: (أصوع): جمع صاع. (الفصيل): ولد الناقة الصغير. قال: اذهبْ، فذهب فزوَّدهم منه. وكان قدر الفصيل الرابض من التمر، وبقي بحاله". [٭]: انظر: أبو داود، الأدب ١٥٧-١٥٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٤؛ البخاري، التاريخ الكبير ٣/٢٥٥.
هكذا وقعت معجزةُ البركة هذه، وهي تتعلق بأربعمائة رجل، لاسيما بعمر رضي اللّٰه عنه. فهؤلاء جميعًا هم الرواةُ لأن سكوتَهم حتمًا تصديقٌ للرواية. فلا تقل أنها خبر آحاد ثم تمضي إلى شأنك فأمثال هذه الحوادث وإن كانت خبر آحاد، إلّا أنها تورث الطمأنينةَ في القلب لأنها بمثابة التواتر المعنوي.
المثال الرابع عشر: ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم حديث جابر رضي اللّٰه عنه "في دَين أبيه، وقد كان بَذَل لغُرماء أبيه أصلَ مالِهِ ليقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين كفافُ دَينهم، فجاءه النبي (ص) بعد أن أمره بجدِّها -أي قطعها- وجعْلها بيادر في أصولها، فمشى فيها ودعا، فأوفي منه جابرٌ غُرماءَ أبيه وفَضَل مثل ما كانوا يجدُون كل سنة، وفي رواية مثل ما أعطاهم، قال: وكان الغرماء يهودَ فعجبوا من ذلك". [٭]: البخاري، الاستقراض ٩، الوصايا ٣٦، المغازي ١٨؛ أبو داود، الوصايا ١٧؛ النسائي، الوصايا ٣-٤؛ ابن ماجه، الصدقات ٢٠.
وهكذا فهذه المعجزة الباهرة في بركة الطعام ليست برواية يرويها جابر وأشخاص معدودون فقط وإنما هي متواترةٌ من حيث المعنى يرويها جميعُ هؤلاء الرواة ممثلين لكلّ من تتعلق به هذه الرواية.
المثال الخامس عشر: يروى العلماء المحققون روايةً صحيحة، وفي مقدمتهم الإمام
— 151 —
الترمذي والبيهقي، عن أبى هريرة رضي اللّٰه عنه أنه قال: أصاب الناسَ مخمصةٌ في إحدى الغزوات -وفي رواية في غزوة تبوك- "فقال لي رسول اللّٰه (ص): هل من شيء؟ قلتُ: نعم شيءٌ من التمر في المزوَد" [٭]: (المزود): وعاء الزاد. وفي رواية خمس عشرة تمرة "قال فأْتني به، فأدخَل يدَه فأخرج قبضةً فبسطها ودعا بالبركة. ثم قال ادعُ عشرةً، فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك، حتى أطعم الجيشَ كلَّهم وشبعوا، قال: خذ ما جئت به وأدخِل يدَك واقبض منه ولا تكُبَّه، فقبضتُ على أكثر مما جئتُ به، فأكلتُ منه وأطعمتُ حياة رسول اللّٰه (ص) وحياة أبى بكر وعمر إلى أن قُتل عثمان فانتهبَ مني فذهب. وفي رواية فقد حملتُ من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل اللّٰه". [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ص ١٣٠، ١٣١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١١٧؛ وانظر: الترمذي، المناقب ٤٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٥٢.
وهكذا، فإن معجزة البركة التي يرويها أبو هريرة، وهو الذي تتلمذ على معلّم الكون وسيده محمد (ص) ولازمَ مدرسةَ الصفّة وبزّ فيها بالحفظ بدعاء النبي له، فهذا الصحابي الجليل يروي هذه الرواية في مجمَع من الناس -كغزوة تبوك- فلا بد أن تكون هذه الرواية متواترةً من حيث المعنى، وقويةً متينة بقوة الجيش كلِّه أي كما لو كان الجيشُ كلُّه يرويها.
المثال السادس عشر: ثبت في صحيح البخاري والصحاح الأخرى: أن الجوع أصابَ أبا هريرة، "فاستَتَبعَه النبي (ص)، فوجد لبنًا في قدح أُهدي إليه، وأمره أن يدعو أهلَ الصُفة. قال: فقلتُ ما هذا اللبن فيهم، كنتُ أحقَّ أن أصيبَ منه شربةً أتقوّى بها، فدعَوتُهم"، وكانوا ينوفون على المائة، فأمر (ص) أن أسقيهم "فجعلتُ أُعطي الرجل فيشرب حتى يروي. ثم يأخذه الآخر حتى رَوِي جميعُهم قال: فأخذ النبي (ص) القدحَ وقال: بقيتُ أنا وأنت، أُقعُد فاشرب. فشربتُ ثم قال: اشرب. وما زال يقولها وأشربُ حتى قُلتُ: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. فأخذ القدحَ وحمد اللّٰه وسمّى وشرب الفضلة". [٭]: البخاري، الرقاق ١٧؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٦٤. فهنيئًا لك مائة ألف مرة يا رسول اللّٰه.
فهذه المعجزة السليمة من شوائب الشك والخالصة اللطيفة كاللبن قد روتها كتب الصحاح وفي مقدمتها صحيح الإمام البخاري الذي كان حافظًا لخمسمائة ألف حديث.
— 152 —
فهي إذن رواية لا ريب فيها قط وصادقة وثابتة كأنها مشهودة رأي العين، مثلما رواها تلميذ المدرسة الأحمدية المقدسة، مدرسة الصفّة، ذلك التلميذ الموثوق الحافظ أبو هريرة، رواها باسم أصحاب الصفة جميعهم وأشهدَهم عليها.
فالذي لا يتلقى هذا الخبر تلقيًا كأنه يشاهده، فهو إما فاسد القلب أو فاقد العقل.
تُرى هل من الممكن أنّ صحابيًا جليلًا مثل أبي هريرة الصادق الذي بذل حياتَه في حفظ الحديث النبوي، أن يحطّ من قيمة ما حفظه من الأحاديث النبوية فيورد ما يثير الشك والشبهة ويقول ما يخالف الحق والواقع، وهو الذي سمعَ قولَ النبي (ص): "مَنْ كَذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدَه من النار"؟ [٭]: انظر: البخاري، العلم ٣٨، الأنبياء ٥٠، الأدب ١٠٩؛ مسلم، المقدمة ٢-٤، الزهد ٧٢. حاشاه عن ذلك.
فيا ربِّ بحرمة بركة هذا الرسول الكريم (ص) هب لنا البركة فيما منَحتَنا من أرزاق مادية ومعنوية.
نكتة مهمة بديهي أنه كلما اجتمعت أشياءُ واهيةٌ ضعيفة تقوّت. وإذا أُبرمت خيوطٌ رفيعةٌ واتحدت صارت عروةً وثقى لا تنفصم. وقد أوردنا هنا ستةَ عشر مثالًا لقسمٍ من خمسة عشر قسمًا من نوع معجزة البرَكة التي تمثل نوعًا من خمسة عشر نوعًا من أنواع المعجزات، وكل مثال أوردناه قويٌّ في حدّ ذاته وكاف وحدَه لإثبات النبوة. ولو فرضنا -فرضًا محالًا- بأن بعضًا منها ضعيفٌ غير قوي في ذاته، فلا يجوز الحكمُ عليه بأن المثال لا يقوى دليلا على المعجزة لأنه يتقوى باتفاقه مع القوي.
ثم إن اجتماع هذه الأمثلة الستة عشر التي هي في درجة التواتر المعنوي يدل على معجزة كبرى قوية، ولو مُزجَت هذه المعجزة مع سائر الأقسام الأربعة عشر من معجزاته (ص) حول البركة التي لم تُذكر هنا، لغدت معجزةً هائلة كالحبال المتحدة التي لا انفصام لها. ثم إنك لو أضفتَ هذه المعجزة الهائلة القوية إلى سائر أنواع المعجزات الأربع عشرة لرأيتَ برهانًا قويًا لا يتزلزل، برهانًا باهرًا على النبوة الصادقة.
وهكذا فعمادُ النبوة الأحمدية عمادٌ كالطود الأشم تتشكل من مجموعة هذه المعجزات.
— 153 —
ولا شك أنك أدركت الآن مدى سخافةِ وبلاهة مَن يرى هذا البناء الشامخ العامر للنبوّة ثم يظن أنه يهوي بشبهات واهية تردُ إلى ظنه من جزئيات الأمثلة.
نعم، إن تلك المعجزات التي تخص البركة في الطعام تدل دلالة قاطعة على نبوّة محمد (ص) وأنه مأمورٌ محبوبٌ لدى ذلك الرحيم الكريم الذي يمنح الرزق ويخلقه. وهو عبدٌ كريم لديه بحيث يبعث له مستضافاتٍ مملوءةً بأنواع من الرزق -خلافًا للمعتاد- من العدم ومن خزائن الغيب التي لا تنفد.
ومعلوم أن الجزيرة العربية شحيحةٌ بالماء والزراعة بحيث إن أهاليها -لا سيما في صدر الإسلام- كانوا في ضيق من المعيشة وشدة منها وشحّة من الماء والتعرض للعطش. فبناء على هذه الحكمة، فقد ظهرتْ أهمُّ المعجزات الأحمدية الباهرة ظهورًا في الطعام والماء.
فهذه المعجزات إنما هي بمثابة إكرامٍ رباني، وإحسانٍ إلهي، وضيافة رحمانية للرسول الكريم (ص)، يُكرمه حسب الحاجة، فهي إكرام أكثر من أن تكون دليلا على النبوة. لأن الذين رأوا هذه المعجزات، كانوا مؤمنين إيمانًا قويًا بالنبوّة. فالمعجزة كلما ظهرت يتزايد الإيمانُ ويتقوى، وهكذا تزيدهم هذه المعجزاتُ نورًا على نور إيمانهم.
الإشارة الثامنة
تبين قسمًا من المعجزات التي تتعلق بالماء.
المقدمة إن الحوادث التي تقع بين أظهُر الناس، إذا ما نُقلت بطريق الآحاد ولم تُكذَّب فهي دلالةٌ على صدق وقوعها، لأن فطرةَ الإنسان مجبولةٌ على أن يفضحَ الكذبَ ويرفضُه. ولاسيما أولئك الذين لا يسكتون على الكذب وهم الصحبُ الكرام، وبخاصة إذا كانت الأحداث تتعلق بالرسول الأكرم (ص)، وبالأخص أن الرواة هم من مشاهير الصحابة. فيكون راوي ذلك الخبر الواحد حينذاك كأنه ممثلٌ لتلك الجماعة التي شاهَدَتْه شهودَ عيان. علمًا أن كلَّ مثال من أمثلة المعجزات المتعقلة بالماء التي سنبحث عنها قد رُوي بطرق متعددة، عن كثير من الصحابة الكرام وتناوله أئمةُ التابعين وعلماؤهم بالحفظ وسلّموا كلَّ رواية منها بأمانة بالغة إلى الذين
— 154 —
يأتون من بعدهم في العصور الأخرى. فتلقاه العصرُ الذي بعدهم بجدّ وأمانة ونقلوه بدورهم إلى علماء العصر التالي، وهكذا تعاقبت عليه ألوفُ العلماء الأجِلاء في كل عصر وكل طبقة، حتى وصل إلى يومنا هذا، فضلًا عن أن كتبًا للأحاديث قد دُوّنت في عصر النبوّة وسُلّمت من يد إلى يد حتى وصلتْ إلى أيدي أئمة الحديث من أمثال البخاري ومسلم فَوعَوها وعيًا كاملًا، وميّزوا هذه الروايات حسب مراتبها، وقاموا بجمع كلِّ ما هو صحيح خالٍ من شائبة الشبهة في صحاحهم، فأرشدونا إلى الصواب.. جزاهم اللّٰه خيرًا.
مثال: إن فوران الماء من أصابع الرسول (ص)، وسقْيَه كثيرًا من الناس، حادثٌ متواترٌ. نقلته جماعةٌ غفيرة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بل محالٌ كذبُهم. فهذه المعجزة إذن ثابتة قطعًا، فضلًا عن أنها قد تكررت ثلاث مرات أمام ثلاث جماعات عظيمة.
فقد روت الحادثة برواية صحيحة جماعةٌ من مشاهير الصحابة، وفي مقدمتهم أنس "خادم الرسول (ص)" وجابر وابن مسعود ونقلها إلينا -بسلسلة من الطرق- أئمةُ الحديث أمثال البخاري ومسلم والإمام مالك وابن شُعيب وقتادة رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين.
وسنذكر تسعةَ أمثلة فحسب من المعجزات المتعلقة بالماء.
المثال الأول: ثبت في صحيحَي البخاري ومسلم وغيرِهما: عن أنس بن مالك قال "رأيت رسول اللّٰه (ص) وحانت صلاةُ العصر فالتمس الناسُ الوضوءَ فلم يجدوه". "قال: أُتي النبيُّ (ص) بإناء وهو بالزوراء، [٭]: (الزوراء): مكان مرتفع قريب من المسجد النبوي، وثمة سوقها. فوضع يدَه في الإناء، فجعل الماءُ ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القومُ. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥؛ مسلم، فضائل الصحابة ٦، ٧.
فأنت ترى أن أنسًا رضي اللّٰه عنه يخبر عن هذه الحادثة بوصفه ممثلًا عن ثلاثمائة رجل. فهل يمكن ألّا يشترك أولئك الثلاثمائة في هذا الخبر معنًى وهل يمكن ألّا يكذبوه -حاشاه- إن لم تكن هذه الحادثة قد حدثت فعلًا؟.
المثال الثاني: ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم: "عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري رضي اللّٰه عنهما قال: عطش الناسُ يوم الحديبية والنبي (ص) بين
— 155 —
يديه ركوةٌ، [٭]: (الركوة): اناء من جلد يستعمل للماء. فتوضأ، فجهش الناسُ نحوَه فقال: مالَكم؟ قالوا: ليس عندنا ماءٌ نتوضأ ولا نشرب، إلّا ما بين يديك. قال جابر: فوضع النبي (ص) يدَه في الركوة فجعل الماءُ يثور من بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قال سالم: قلتُ لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥، المغازي ٣٥؛ مسلم، الامارة ٧٢، ٧٣.
فترى أن رواة هذه المعجزة يبلغون ألفًا وخمسمائة رجل من حيث المعنى لأن الإنسان مفطورٌ على أن يفضح الكذبَ ويقول للكذب: هذا كذب. فكيف بهؤلاء الصحابة الكرام الذين ضحَّوا بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وأبنائهم وأقوامهم وقبائلهم في سبيل الحق والصدق؟ فضلا عن أنه محالٌ أن يسكتوا على الكذب بعدما سمعوا التهديد المرعب في الحديث الشريف: "مَن كذَب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدَه من النار". [٭]: البخاري، العلم ٣٨، الأنبياء ٥٠، الأدب ١٠٩؛ مسلم، المقدمة ٢-٤، الزهد ٧٢. فما داموا لم يعترضوا على الخبر بل قبلوه ورضوا به، فقد أصبحوا إذن مشتركين في الرواية ومصدِّقين لها من حيث المعنى.
المثال الثالث: تروي الكتبُ الصحاح "ومنها البخاري ومسلم" في ذكر غزوة "بُواطٍ" [٭]: (بواط): هي ثاني غزواته (ص)، وهي اسم لجبال بقرب الينبع. أن جابرًا قال: "قال لي رسولُ اللّٰه (ص): يا جابر نادِ الوضوءَ" فقيلَ لا يوجد لدينا الماء. فأراد ماءً يسيرًا. "فأُتي به النبيَ (ص) فغمزه، [٭]: (غمزه) أي وضع يده فيها. (الجفنة): كالقصعة لفظًا ومعنى وهي التي تشبع عشرة. وتكلّم بشيء لا أدري ما هو. وقال: نادِ بجفنة الركب، فأتيتُ فوضعتُها بين يديه، وذكر أن النبي (ص) بَسَط يدَه في الجفنة وفرّق أصابعَه. وصبّ جابرٌ عليه وقال: بسم اللّٰه! قال: فرأيت الماء يفورُ من بين أصابعه، ثم فارت الجفنةُ واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناسَ بالاستقاء، فاستقَوا حتى رَووا. فقلت: هل بقيَ أحدٌ له حاجة؟ فرفع رسول اللّٰه (ص) يده من الجفنة وهي ملأى". [٭]: مسلم، الزهد ٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٥٧؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٧/٧٤.
فهذه المعجزة الباهرة متواترةٌ من حيث المعنى، لأن جابرًا كان في مقدمة المشاهدين فمن حقه إذن أن يتكلم هو فيها، ويعلنها على لسان القوم حيث كان يخدم الرسول (ص) آنذاك.
وفي رواية ابن مسعود في الصحيح: "ولقد رأيتُ الماء ينبعُ من بين أصابع رسول اللّٰه (ص)". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥؛ الترمذي، المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦٠.
— 156 —
يا ترى إذا روى صحابةٌ ثقاة أجِلاء من أمثال أنس وجابر وابن مسعود وقال كلٌّ منهم: "رأيت"، أمِنَ الممكن عدم رؤيتهم؟
وبعد؛ وَحِّد هذه الأمثلة معًا، لترى مدى قوة هذه المعجزة الباهرة، لأن الطرق الثلاثة إذا ما توحّدت فستثبُت الروايةُ إثباتًا قاطعًا بالتواتر المعنوي، من أن الماء كان يفور من أصابعه (ص) فهذه المعجزةُ أعظم وأسمى من تفجير موسى عليه السلام الماءَ من اثنتي عشرة عينًا من الحجر، لأن انفجار الماء من الحجر شيءٌ ممكن له نظيرُه حسب العادة، ولكن لا نظير لفوران الماء من اللحم والعظم كالكوثر السلسبيل.
المثال الرابع: روى الإمام مالك في كتابه القيّم "الموطأ" عن أجِلّة الصحابة "عن معاذ بن جبل في قصة غزوة "تبوك" أنهم وردوا العينَ وهي تبضّ بشيء من ماء [٭]: (بضّ الماء) إذا سال سيلانًا قليلًا. (الشراك): سير النعل، والتشبيه لقلة الماء. مثل الشراك" فأمر رسول اللّٰه (ص) أن: اجمعوا من مائها "فغَرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء. ثم غسلَ رسولُ اللّٰه (ص) فيه وجهَه ويديه وأعادَه فيها فَجَرت بماء كثير فاستقى الناسُ" حتى قال في حديث ابن إسحاق "فانخرق من الماء مالَه حِسّ كحس الصواعق. ثم قال: يوشِك يا معاذ إن طالتْ بك حياةٌ أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا" [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ١٠؛ الموطأ، السفر ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٣٨. وكذلك كان.
المثال الخامس: روى البخاري عن البراء، ومسلم عن سلمة بن الأكوَع، وعن طرق أخرى في كتب الصحاح الأخرى "كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنیزحناها، حتى لم نترك فيها قطرةً فجلس النبي (ص) على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومجّ في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استسقينا حتى روينا ورَوَت أو صَدَرَت ركائبُنا" [٭]: البخاري، المناقب ٢٥، المغازي ٣٥؛ مسلم الجهاد ١٣٢، الامارة ٧٢، ٧٣؛ الدارمي، المقدمة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٨، ٢٩٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٨٣. قال البراء: فأمر (ص) بدلوٍ من مائها، فأتينا بها، فألقى ريقَه من فمه المبارك ودعا، ثم بعد ذلك أفرغ الدلوَ في البئر ففارتْ وارتفعت ملء فمها فأروَوا أنفسَهم وركابهم.
المثال السادس: روى أئمةُ الحديث، أمثال مسلم وابن جرير الطبري وغيرهما عن أبي قتادة أنه قال: "أن النبي (ص) خرج بهم مُمدًّا لأهل مؤتة عندما بلغه قَتْل الأمراء" [٭]: وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد اللّٰه بن رواحة، وذلك أنه (ص) أرسل بكتاب إلى ملك بُصرى فقتل رسوله في مؤتة، ولم يقتل رسول له قبله، فعقد للسرية لواء دفعه لزيد وأوصاهم وقال: إن قتل زيد فأميركم جعفر فإن قتل جعفر فأميركم عبد اللّٰه بن رواحة. (الخفاجي٣/٢٦). وكانت
— 157 —
لديّ مِيضأة. [٭]: (الميضأة): آلة الوضوء. فقال الرسول (ص): "احفظ على مِيضأتك فإنه سيكون لها نبأ" وبعد ذلك أخذ العطشُ يشتد بنا وكنا اثنين وسبعين -وفي رواية الطبري كنا زهاء ثلاثمائة- فقال الرسول الكريم (ص): "ائتِ ميضأتك. فأتيتُها فأخَذَها ووضع فمَه في فمها ولم أدرِ أتنفَسَ فيها أم لا؟ ثم بعد ذلك جاء اثنان وسبعون رجلًا فشربوا منها وملأوا أوعيَتهم ثم بعد ذلك أخذتُها -أي الميضأة- فبقيَتْ مثل ما كان" [٭]: مسلم، المساجد، ٣١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٩٨؛ أبو يعلى، المسند ٧/٢٣٤-٢٣٥؛ ابن خزيمة، الصحيح ١/٢١٤. فتأمل في هذه المعجزة الباهرة وقل: اللّٰهم صَلِّ وسلم عليه وعلى آله بعدد قطرات الماء.
المثال السابع: روى البخاري ومسلم عن عمران بن حُصين حين أصاب النبيَ (ص) وأصحابَه عطشٌ في بعض أسفارهم "كنا في سفر مع النبي (ص) ... فاشتكى إليه الناسُ من العطش فنیزل... ودعا عليًا فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا امرأةً بين مُزادتين... فجاءا بها إلى النبي (ص)... ودعا النبي (ص) بإناء ففرّغ فيه من أفواه المزادتين، ونوديَ في الناس اسقوا فاستقوا... وإنه ليُخيّل إلينا أنها أشدّ ملأة منها حين ابتدأ فيها".
وقال النبي (ص): "اجمعوا لها فجمعوا لها... حتى جمعوا لها طعامًا فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها... قال لها: تعلمين ما رَزِئنا من مائكِ شيئًا ولكن اللّٰه هو الذي أسقانا... إلى آخر الحديث". [٭]: البخاري، التيمم ٦، المناقب ٢٥؛ مسلم، المساجد ٣١٢.
المثال الثامن: روى ابین خزيمة حديیثَ "عمر رضي اللّٰه عنه في جيش العُسیرة، وذكر ما أصیابهم من العطش حتى إن الرجل لينحُر بعيیرَه فيعصِر فَرْثَه فيشیرَبُه، فرغب أبیو بكر رضي اللّٰه عنه إلى النبي (ص) في الدعیاء. فرفع يديیه فلم يُرجعهما حتى قالت [٭]: (قالت): غيّمت. (رديفه): راكب خلفه. (ذي المجاز): سوق عند عرفة. السیماء فیانسكبت فیمیلأوا میا میعهیم مین آنیيیة ولم تیجیاوز العیسیكر". [٭]: ابن خزيمة، الصحيح ١/٥٣؛ ابن حبان، الصحيح ٤/٢٢٣؛ البزار، المسند ١/٣٣١؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٦٣.
فهذه معجزة أحمدية محضة لا دخل للمصادفة فيها قط.
المثال التاسع: عن عمرو بن شُعيب (حفيد عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص) الذي وثّقه
— 158 —
الأئمةُ الأربعة من أصحاب السنن في تخريجه الأحاديثَ: "أن أبا طالب قال للنبي (ص) وهو رَديفُه بذي المجاز: عطشتُ وليس عندي ماء. فنیزل النبي (ص) وضرب بقدمه الأرضَ فخرج الماء، فقال اشرب". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٠؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٢، ١٥٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٦٦/٣٠٨؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٣/٣١٢.
قال أحد العلماء المحققين: هذه الحادثة كانت قبل النبوة، لذا فهي من الإرهاصات. وتفجُّرُ عينِ عرَفَة بعد مضي ألف سنة يُعدّ من الإكرامات الإلیهية للرسول الكريم (ص).
وهكذا فالمعجزات المتعلقة بالماء، وإن لم تبلغ تسعين مثالًا من أمثال هذه التسعة إلّا أنها رويتْ بتسعين وجهًا.
والأمثلة السبعةُ الأولى قويةٌ، وقطعية، كالتواتر المعنوي. أما المثالان الأخيران - وإن لم تكن طُرقهما قويةً ومتعددة ورواتهما كثيرة إلّا أن أصحابَ الحديث كالإمام البيهقي والحاكم روَوا عن عمر رضي اللّٰه عنه معجزةً ثانية حول السحاب تأييدًا للمعجزة في المثال الثامن التي رواها سيدنا عمر. والرواية هي أنه: "أصاب الناس في بعض مغازيه (ص) عطشٌ فسأله عمر الدعاء، فدعا، فجاءت سحابةٌ فسقَتهم حاجتَهم ثم أقلعتْ" [٭]: ابن خزيمة، الصحيح ١/٥٣؛ ابن حبان، الصحيح ٤/٢٢٣؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٦٣؛ البيهقي، السنن الكبرى ٩/٣٥٧. وكأن السحاب كان مأمورًا لأن يروي الجيش وحده -حيث أمطر حسب الحاجة- فكما تؤيد هذه الحادثةُ المثالَ الثامن وتقويّه، وتبينه رواية ثابتة قاطعة. فإن ابن الجوزي -الذي يتشدد ويردّ حتى بعضَ الأحاديث الصحيحة ويجعلها في عداد الموضوعات- يقول: إن هذه الحادثة وقعت في غزوة بدر ونزلت في حقها الآية الكريمة:
ويُنزِّلُ عَليكُم مِن السّماء ماء لِيُطَهّركُم بِه
(الأنفال: ١١).
فما دامت هذه الآية قد نزلت في حقها وبيَّنتها بوضوح، فلاشك إذن في وقوعها.
وقد تكرر كثيرًا نزولُ المطر بدعاء النبي (ص) قبل أن تنزل يداه المرفوعتان وهي معجزة مستقلة بحد ذاتها. وقد استسقى النبي (ص) أحيانًا وهو على المنبر، ونزلت الأمطار قبل أن يخفض يدَه. وقد ثبت هذا عن طريق متواتر.
— 159 —

الإشارة التاسعة

إنَّ أحد أنواع معجزات الرسول الأكرم (ص) هو امتثالُ الأشجار لأوامره كامتثال البشر، وانخلاعُها من أماكنها ومجيئها إليه. فهذه المعجزةُ المتعلقة بالأشجار هي متواترةٌ من حيث المعنى كفَوَران الماء من أصابعه المباركة ولها صورٌ متعددة وقد رُويت بطرق كثيرة.
نعم، يصحّ أن يُقال إن خبر انخلاع الشجرة من موضعِها ومجيئِها ممتثلة لأمر الرسول الأكرم (ص) متواترٌ تواترًا صريحًا، حيث قد رُويت هذه الرواية من قبل صحابة كرام صادقين معروفين، أمثال: علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ويعلى بن مرة وجابر وأنس بن مالك، وبُريدة وأسامة بن زيد وغيلان بن سلمة، وغيرهم فأخبر كلٌّ منهم عن هذه المعجزة المتعلقة بالأشجار إخبارًا ثابتًا قاطعًا. ونقلها عنهم مئاتٌ من أئمة التابعين بطرق مختلفة، في بداية كلِّ طريق صحابيٌ جليل، أي كأنها نقلت إلينا نقلًا متواترًا مضاعفًا. لذا فلا يداخل هذه المعجزةَ ريبٌ ولا شبهة قط، فهي في حكم المتواتر المعنوي المقطوع به.
فهذه المعجزة وإن تكررت مرات عدة، إلّا أننا سنبين عددًا من صورها الصحيحة الكثيرة، ونوردها في بضعة أمثلة:
المثال الأول: روى ابن ماجه والدارمي والبيهقي عن أنس بن مالك وعلي، وروى البزار والبيهقي عن عمر، أن ثلاثة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين قالوا: كان الرسول الأكرم (ص) قد حزن حزنًا شديدًا من تكذيب الكفار له "قال: اللهم! أرني آيةً لا أُبالي من كذّبني بعدها". وفي رواية أنس "أن جبريل عليه السلام قال للنبي (ص) ورآه حزينًا: أتحبّ أن أُريك آية. قال: نعم! فنظر رسول اللّٰه (ص) إلى شجرةٍ من وراء الوادي، فقال: ادعُ تلك الشجرة، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: مُرها فلترجع، فعادت إلى مكانها". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٨، ٢٩٩.
المثال الثاني: روى القاضي عياض -علّامة المغرب- في كتابه (الشفا) بسند عال صحيح عن عبد اللّٰه بن عمر رضي اللّٰه عنه قال:
"كنا مع رسول اللّٰه (ص) في سفر، فدنا منه أعرابي، فقال: يا أعرابي: أين تريد؟ قال: إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير؟ قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له وأن
— 160 —
محمدًا عبدُه ورسوله. قال: مَن يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرةُ السَّمُرة، [٭]: (السَمُرة): شجرة عظيمة ذات شوكة من الطلح. (تخدّ): تشق. وهي بشاطئ الوادي، فأقبلتْ تخدّ الأرضَ، حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا فَشهِدت أنه كما قال. ثم رجعت إلى مكانها". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٨- ٢٩٩؛ وانظر: الدارمي، المقدمة ٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٣٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٤٣١.
وعن بُريْدَة عن طريق ابن صاحب الأسلمي بنقل صحيح: "سأل أعرابي النبي (ص) آيةً، فقال له: قل لتلك الشجرة، رسولُ اللّٰه يدعوكِ. قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقُها، ثم جاءت تَخدّ الأرض تَجرُّ عروقها مُغيّرة [٭]: (مغيّرة): مسرعة. حتى وقفت بين يدي رسول اللّٰه (ص). فقالت: السلام عليك يا رسول اللّٰه. قال الأعرابي: مُرها فلترجع إلى منبتها، فَرَجَعَت فدلّت [٭]: (دلت عروقها): أدخلتها الارض. عروقها فاستوت. فقال الأعرابي: ائذن لي أسجُد لك. قال: لو أمرتُ أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها، قال: فأْذنْ لي أن أقبِّلَ يديك ورجليك، فأذِن له". [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩٠؛ الحاكم، المستدرك ٤/١٩٠؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤/٣٦٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٩/١٠.
المثال الثالث: روى مسلم وأصحابُ الكتب الصحاح الأخرى عن جابر رضي اللّٰه عنه: أنه قال: كنا في سفر مع رسول اللّٰه، "ذهب رسولُ اللّٰه يقضي حاجته، فلم يَرَ شيئًا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسولُ اللّٰه (ص) إلى إحداهما، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: انقادي عليّ بإذن اللّٰه فانقادت معه كالبعير المخشوش [٭]: (المخشوش): البعير يجعل في انفه عود عليه حبل لينقاد. الذي يصانع قائده، وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك حتى إذا كان بالمنصف [٭]: (المنصف): نصف الطريق. بينهما، قال: التئما عليّ بإذن اللّٰه. فالتأمتا" [٭]: مسلم، الزهد ٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٥٦؛ البيهقي، السنن الكبرى ١/٩٤؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩٢-٣٩٣. فجلس خلفها، وبعد أن قضى حاجته، أمر أن يعودَ كلٌّ منهما إلى مكانها.
"وفي رواية أخرى، فقال: يا جابر! قل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللّٰه الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما. فزحفت حتى لحقت بصاحبتها. فجلس خلفهما، فخرجتُ
— 161 —
أحضر، [٭]: (أحضر): أسرع في العدو. وجلستُ أحدّث نفسي، فالتفتُّ فإذا رسولُ اللّٰه (ص) مقبلًا، والشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول اللّٰه (ص) وقفةً فقال برأسه هكذا يمينًا وشمالًا". [٭]: الدارمي، المقدمة ٤؛ عبد بن حميد، المسند ٣٢٠؛ ابن أبي شيبة، المسند ٦/٣٢١؛ البيهقي، السنن الكبرى ١/٩٣.
المثال الرابع: روى أسامة بن زيد -أحد قواد رسول اللّٰه (ص) وخادمه الأيمن-: كنّا في سفر مع رسول اللّٰه (ص)، ولم يكن لقضاء الحاجة مكانٌ خالٍ يستر عن أعين الناس، فقال: "هل ترى من نخلٍ أو حجارة؟ قلت: أرى نخلات متقاربات، قال: انطلق وقل لهُنّ إن رسول اللّٰه (ص) يأمركن أن تأتين لمخرج [٭]: (مخرج): مكان خرج إليه لقضاء حاجته فيه. رسول اللّٰه (ص) وقل للحجارة مثل ذلك. فقلت ذلك لهن، فوالذي بعثَه بالحق لقد رأيتُ النخلاتِ يتقاربن حتى اجتمعن والحجارةَ يتعاقدن حتى صرن ركامًا [٭]: (ركامًا): بعضها فوق بعض. خلفَهن، فلما قضى حاجته، قال لي: قل لهن يفترقن، فوالذي نفسي بيده لرأيتُهن والحجارةُ يفترقن حتى عُدن إلى مواضعهن". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٥؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩٣، ٣٩٤؛ ابن حجر، المطالب العالية ٤/٩-١٠
وقد روى هاتين الحادثتين اللتين رواهما جابر وأسامة كلٌّ من يعلى بن مرة، وغيلان بن سلمة الثقفي، وابن مسعود في غزوة حُنين.
المثال الخامس: ذكر علامة عصره الإمام ابن فورك -الذي كان يسمى بالشافعي الثاني كناية عن اجتهاده الكامل وفضله-: "أنه (ص) سار في غزوة الطائف ليلًا وهو وَسِنٌ، [٭]: (الوسن): قريب من النعاس. فاعتَرضهُ سدرةٌ، [٭]: (سدرة): من أسماء الأشجار. فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٠١، ٣٠٢؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٢٠؛ الخفاجي ٣/ ٥٧.
المثال السادس: ذكر يعلى بن سيابه: "أن طلحة أو سَمُرة جاءت فأطافت به ثم رجعت إلى منبتها فقال رسول اللّٰه (ص): إنها استأذنت أن تسلّم عليّ". أي استأذنت من رب العالمين. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٣؛ عبد بن حميد، المسند ١٥٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٣،٢٤؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩١.
— 162 —
المثال السابع: روى الشيخان عن ابن مسعود رضي اللّٰه عنه: أنه قال: "آذنَت [٭]: (آذنت): اَعْلَمَتْ. النبيَّ (ص) بالجن ليلة استمعوا له شجرةٌ" وذلك حينما جاء جنّ نَصيبين في بطن النخل إلى النبي (ص) للإسلام، فأعلَمَت شجرةٌ خبرَ مجيئهم النبيَّ.
"وعن مجاهد عن ابن مسعود في هذا الحديث: أن الجن قالوا مَن يَشهَدُ لك؟ قال: هذه الشجرة" فأمر الشجرَةَ "تعالي يا شجرة! فجاءت تجرُّ عروقَها لها قعاقع". [٭]: (قعاقع): صوت السلاح. القاضي، عياض ١/٣٠١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٩/٥.
وهكذا، فقد كفت معجزةٌ واحدة طائفةَ الجن. أفلا يكون مَن يسمع ألف معجزة ومعجزة من أمثالها ثم يكابر ولا يؤمن أضلَّ من ذلك الشيطان الذي حدّث القرآن عنه بقول الجن:
يقولُ سَفيهُنا على اللّٰه شططًا
(الجن: ٤) ؟
المثال الثامن: روى الترمذي عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما أنه (ص) قال لأعرابي: "أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذق [٭]: (العذق): العرجون من النخلة. من هذه النخلة أتشهد أنّي رسول اللّٰه؟ قال: نعم! فدعاه فجعل ينقز [٭]: (ينقز): يثبّ صعدًا. حتى أتاه فقال: ارجع، فعاد إلى مكانه". [٭]: الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٥؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/٦٠؛ وانظر: الترمذي المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٤، البخاري، التاريخ الكبير ٣/٣.
وهكذا، فهناك أمثلة غزيرة كالتي ذكرناها رُويت كلّها بطرق عديدة، ومن المعلوم أنه إذا اتحدت بضعةُ خيوط رفيعة صارت حبلا قويًا.. فمثل هذه المعجزة المتعلقة بالشجرة وقد رويت بطرق متعددة، وعن مشاهير الصحابة الكرام لابد أنها في قوة التواتر المعنوي، بل إنها متواترة تواترًا حقيقيًا. ولا ريب أنها حينما انتقلت إلى التابعين أخذت طابعَ التواتر، لا سيما الطرق التي سلكها أصحابُ الصحاح كالبخاري ومسلم وابن حبان والترمذي وغيرهم، إنما هي طريق صحيحة لا شائبة فيها. بل إن رؤية أي حديث كان في البخاري إنما هو كاستماعه من الصحابة الكرام بعينهم.
تُرى إذا عَرفت الأشجارُ رسولَ اللّٰه (ص) وعرَّفَته وصدَّقَتْ رسالتَه وسلّمت عليه، وزارته، وامتثلت أمره -كما رأينا في الأمثلة المذكورة آنفًا- فكيف لا يَعرف ولا يؤمن به ذلك
— 163 —
البليد الجماد الذي يسمي نفسَه إنسانًا؟ أليس هو عارٍ عن العقل والقلب؟ أفلا يكون أدنى من الشجر اليابس وأتفهَ من الحطب الذي لا يستحق إلّا إلقاءه في النار؟.
الإشارة العاشرة
إنَّ الذي يؤيد هذه المعجزات المتعلقة بالشجرة هو معجزة حنين الجذع المنقولة نقلًا متواترًا.
نعم، إنَّ حنين الجذع اليابس الموجود في المسجد النبوي إلى رسول اللّٰه (ص) لفراقه عنه -فراقًا مؤقتًا- وأنينَه أمام جماعةٍ غفيرة من الصحب الكرام يؤيد الأمثلة التي أوردناها في المعجزات المتعلقة بالأشجار ويقوّيها. لأن الجذع من جنس الأشجار، فالجنسُ واحد، إلّا أن هذه المعجزة متواترةٌ بالذات، بينما الأقسام الأخرى متواترة نوعًا، إذ إنَّ أكثرَ جزئياتها وأمثلتِها لا يرقى إلى مستوى التواتر الصريح.
كان المسجد النبوي مسقوفًا على جذوع نخل فكان النبي (ص) إذا خطبَ يقوم إلى جذع منها، فلما صُنِع له المنبر، وكان عليه، سُمع لذلك الجذع صوتٌ كصوت العشار [٭]: (العشار): النوق الحوامل. وهو يئن ويبكي، حتى جاءه النبي (ص) ووضع يده عليه، وتكلّم معه وعزّاه وسلّاه، فسكت الجذع. نُقلت هذه المعجزة بطرق كثيرة جدًّا نقلًا متواترًا.
نعم، إنَّ معجزة حنين الجذع مشهورةٌ ومنتشرة، والخبر بها من المتواتر الصريح، فقد رواها مئاتٌ من أئمة التابعين بخمسة عشر طريقًا عن جماعة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين، وهكذا نقلوها إلى مَن خلفهم. وممن رواها من علماء الصحابة: أنس بن مالك -خادم النبي- وجابر بن عبد اللّٰه الأنصاري، وعبد اللّٰه بن عمر، وعبد اللّٰه بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وأُبي بن كعب، وبُريدة، وأم المؤمنين أم سلمة رضوان اللّٰه عليهم وكلٌّ من هؤلاء على رأس طريق من طرق رواة الحديث.
فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح هذه المعجزة الكبرى المتواترة ونقلوها إلينا.
— 164 —
عن جابر رضي اللّٰه عنه، يقول: "كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخلٍ فكان النبي (ص) إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبرُ وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار حتى جاء النبي (ص) فوضع يدَه عليه فسكت" لم يتحمل الجذع فراقَه (ص).
وعن أنس: "حتى ارتجّ المسجد لخُواره". [٭]: الترمذي، الجمعة ١٠، المناقب ٦؛ ابن ماجه، الاقامة ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦، الصلاة ٢٠٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٦٦
وعن سهل بن سعد: "وكَثُر بكاء الناس لمّا رأوا به من بكاء وحنين". [٭]: الدارمي، المقدمة ٦، الصلاة ٢٠٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٦/١٩٤؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٩؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٥٠، ٢٥١.
وعن أُبَي بن كعب: "حتى تصدّع وانشق" لشدة بكائه. [٭]: ابن ماجه، الاقامة، ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٣٧، ١٣٨.
زاد غيره: فقال النبي (ص): "إنّ هذا بكى لِما فقَد من الذِّكر" [٭]: انظر: البخاري، ٣/١٣١٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٠٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٩. وزاد غيره: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة" تحزّنًا على رسول اللّٰه (ص). [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٢٨؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر ١/٣٧٥؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٣٦٦؛ وانظر: ابن ماجه، الاقامة ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦، الصلاة ٢٠٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٠٦. وفي حديث بُريدة: لما بكى الجذعُ وضع الرسولُ يدَه الشريفة عليه وقال: "إن شئتَ أردُّك إلى الحائط [٭]: (الحائط): البستان. الذي كنتَ فيه، ينبت لك عروقُك ويكمل خلقُك ويجدّد لك خوصٌ وثمرةٌ. وإن شئتَ أغرسك في الجنة فيأكل أولياءُ اللّٰه من ثمرك. ثم أصغى له النبي (ص) يستمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياءُ اللّٰه وأكون في مكان لا أَبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي (ص): قد فعلتُ. ثم قال: اختار دارَ البقاء على دار الفناء". قال الإمام أبو إسحاق الاسفرائني -وهو من أئمة علماء الكلام- أنَّ الرسول الأكرم (ص) لم يذهب إلى الجذع بل "دعاه إلى نفسه فجاءه يخرِق الأرض فالتزمه. ثم أمره فعاد إلى مكانه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٠٤.
يقول أُبَي بن كعب: وبعد ظهور هذه المعجزة: "أمر النبي (ص) به فدُفن تحت المنبر"، "فكان إذا صلى النبي (ص) صلى إليه. فلما هُدم المسجد لتجديده أخذه أُبَي فكان عنده إلى أن أكلَته الأرض وعاد رفاتًا". [٭]: ابن ماجه، الاقامة ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٣٧، ١٣٨.
— 165 —
وحينما كان الحسن البصري يحدّث بهذا إلى طلابه يبكي ويقول:
"يا عباد اللّٰه! الخشبةُ تحِنّ إلى رسول اللّٰه (ص) شوقًا إليه لمكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه". [٭]: ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٣٧؛ أبو يعلى، المسند ٥/١٤٢؛ القاضي عياض، الشفا١/٣٠٥ وللّٰه درّ القائل من أهل الفضائل:
وألقى حتى في الجمادات حبَّه فكانت لإهداء السلام له تُهدى
وفارق جذعًا كان يخطب عنده فأنّ أنين الأم إذ تجد الفقدا
يحنّ إليه الجذع يا قوم هكذا أمَا نحن أولى أن نحنّ له وجدا
إذا كان جذعٌ لم يطق بُعد ساعة فليس وفاءً أن نطيق له بُعدًا (علي القاري ١/ ٦٢٦).
ونحن نقول: نعم! إن الاشتياق إليه ومحبتَه إنما هو باتباع سنته السَّنية وشريعته الغراء.
نكتة مهمة
فإن قيل: لِمَ لم تشتهر تلك المعجزاتُ التي تخص البركةَ في الطعام والتي أشبعت ألفًا من الناس في غزوة الخندق بصاع من طعام، ولا تلك المعجزات التي تخص الماء التي أروَت ألفًا من الناس بما فار من الماء من أصابع الرسول المباركة (ص). لِمَ لم تنقلا بطرق كثيرة مثلما اشتهرت معجزةُ حنين الجذع ونُقلت. مع أن كلّا من تلك الجماعتين -التي وقعت المعجزة أمامهما- أكثرُ من جماعة معجزة حنين الجذع؟
الجواب: إن المعجزات التي ظهرت قسمان:
أحدهما: ما يظهر على يد النبي (ص) لتصديق دعوى النبوة، ويكون حجةً لها، فيزيد إيمان المؤمنين ويسوق أهلَ النفاق إلى الإخلاص والإيمان، ويدعو أهل الكفر إلى حظيرة الإيمان. ومعجزةُ حنين الجذع من هذا القبيل، لذلك رآها العوام والخواص واعتُني بنشرها أكثر من غيرها.
أما معجزةُ الطعام ومعجزةُ الماء، فهي كرامة أكثر من كونها معجزة، بل إكرام إلهي أكثر من الكرامة، بل ضيافة رحمانية -حسب ما دعت إليه الحاجةُ- أكثر من إكرام إلهي. فهما وإن كانتا دليلين على دعوى النبوة، ومعجزتين لها، إلّا أن الغاية الأساس هي أنَّ الجيش الذي يبلغ قوامُه زُهاء ألفِ رجل، كان في حاجة ماسة إلى الطعام والشراب فأمدّهم اللّٰه سبحانه
— 166 —
وتعالى من خزائن الغيب بأن أشبع من صاع من طعام ألفَ رجلٍ كما يخلقُ سبحانه من نواةٍ واحدة ألفَ رطل من التمر. كذلك أروى زهاء ألفٍ من المجاهدين في سبيل اللّٰه، حينما أصابهم العطشُ، أرواهم بماء مبارك كالكوثر، إذ أجراه سبحانه من أصابع قائدهم الأعظم صلوات اللّٰه وسلامه عليه. لذلك لم تصل درجةُ معجزة الطعام والماء إلى درجة حنين الجذع. إلّا أن جنس تَينِك المعجزتين ونوعهما بحسب الكلية متواترٌ كتواتر حنين الجذع.
ثم إن كل فرد قد لا يرى بركةَ الطعام وفورانَ الماء من الأصابع بالذات بل يرى أثرَه، ولكن كلُّ من كان في المسجد النبوي قد سمعَ بكاءَ الجذع، لذا ذاع أكثر..
فإن قيل: إن الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين اهتموا اهتمامًا بالغًا بملاحظة جميع أحواله (ص) وحركاته ونقلوها بأمانةٍ واعتناء، فلِمَ رُويت أمثالُ هذه المعجزة العظيمة بعشرين طريقًا فقط ولم تروَ -في الأقل- بمائة طريق؟ ولِمَ تأتي أكثر الروايات عن أنس وجابر وأبي هريرة، ولم يأتِ عن طريق أبي بكر وعمر إلّا القليل منها.
الجواب: الشق الأول من السؤال مضى جوابُه في "الأساس الثالث من الإشارة الرابعة".
أما جواب الشق الثاني فهو أن الإنسان إذا احتاج إلى الدواء يراجع الطبيبَ، وإذا احتاج إلى بناء يراجع المهندس، وإذا احتاج إلى تعلّم الشريعة يأتي المفتي ويستفتيه.. وهكذا فقد كانت مهمةُ بعض علماء الصحابة منحصرةً في حمل الحديث ونشره ونقله إلى العصور الأخرى. فكانوا يسعَون بكل ما آتاهم اللّٰه من قوة في هذه الغاية. فأبو هريرة رضي اللّٰه عنه كرّس جميعَ حياته لحفظ الحديث النبوي، في الوقت الذي كان عمر رضي اللّٰه عنه منهمكًا في حمل أعباء الخلافة وسياسة الدولة. لذا اعتمد على هؤلاء الصحابة: أبي هريرة وأنس وجابر وأمثالهم في نقل الحديث الشريف إلى الأمة، فندَرت الروايةُ عنه. ثم إن الراوي الصادق المصدَّق من قِبل الجميع يُكتفى بروايته ولا داعيَ إلى رواية غيره، ولذلك يُنقل بعضُ الحوادث المهمة بطريقين أو ثلاث.
— 167 —

الإشارة الحادية عشرة

تبيّن هذه الإشارةُ المعجزةَ النبوية في الأحجار والجبال من الجمادات كما أشارت "الإشارة العاشرة" إلى المعجزة النبوية في الأشجار، نذكر من بين أمثلتها الكثيرة ثمانيةَ أمثلة:
المثال الأول: روى البخاري وعلّامة المغرب القاضي عياض عن ابن مسعود -خادم النبي(ص)- أنه قال: "لقد كُنّا نَسْمعُ تَسبيحَ الطعامِ وهو يُؤكَل". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥؛ الترمذي، المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦٠.
المثال الثاني: وثبت كذلك عن أنس وأبي ذر رضي اللّٰه عنهما، قال أنس "أخذ النبيُّ (ص) كفًّا من حصًى فسبَّحن في يد رسول اللّٰه (ص) حتى سمعنا التسبيحَ، ثم صبَّهُن في يد أبي بكر رضي اللّٰه عنه فسبَّحن، ثم في أيدينا فما سبَّحن". [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٩/١٢٠، ١٢١؛ ابن الجوزي، اللألئ المتناهية ١/٢٠٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٠٦.
وروى مثله أبو ذر رضي اللّٰه عنه وذكر أنّهن سبَّحن في كفّ عمر رضي اللّٰه عنه ثم وضعَهن على الأرض فخرسْنَ، ثم أخذهن ووضعهن في كفّ عثمان، فسبَّحن ثم وضعهن في أيدينا فخرسنَ. [٭]: البخاري، التاريخ الكبير ٨/٤٤٢؛ البزار، المسند ٩/٤٣١-٤٣٤؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٢/٥٩؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٣١-٤٣٢، ٥٩٣.
المثال الثالث: ثبت بنقل صحيح عن علي وجابر وعائشة رضي اللّٰه عنهم أنه ما كان يمر النبي (ص) بجبلٍ ولا حَجرٍ إلّا وقال: السلام عليك يا رسول اللّٰه. ففي رواية علي رضي اللّٰه عنه قال: "كنا بمكة -في بداية النبوّة- مع رسول اللّٰه (ص) فخرج إلى بعض نواحيها، فما استَقبلَهُ شجرةٌ ولا جبلٌ إلّا قال له: السلام عليك يا رسول اللّٰه". [٭]: الترمذي، المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٤؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٦٩.
وفي رواية جابر رضي اللّٰه عنه قال: "لم يكن النبي (ص) يمرّ بحجر ولا شجرٍ إلّا سجد له" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٠٧؛ الخفاجي ٣/ ٧١. أي كلٌّ منهما ينقاد له ويقول: السلام عليك يا رسول اللّٰه.
وفي رواية أخرى "عن جابر بن سمرة رضي اللّٰه عنه [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٢؛ الترمذي، المناقب ٥؛ الدارمي، المقدمة ٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٨٩، ٩٥، ١٠٥. عن النبي (ص): إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ" أي قبل أن أُبعثَ "قيل: إنه إشارة إلى الحجر الأسود". [٭]: انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٠/٢٦٨؛ المناوي، فيض القدير ١/١٩؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣٦١.
— 168 —
"وعن عائشة رضي اللّٰه عنها قالت: قال النبي (ص): لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلتُ لا أمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ إلا قال: السلام عليك يا رسولَ اللّٰه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٠٧؛ الخفاجي ٣/٧١؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٢٥٩.
المثال الرابع: "وفي حديث العباس رضي اللّٰه عنه إذ اشتمل عليه النبي (ص) وعلى بنيه" وهم عبد اللّٰه وعُبيد اللّٰه والفضل وقثم "بملاءة [٭]: (الملاءة): الإزار أو الملحفة. ودعیا لهم السّتر من النار" إذ قال: يا رب هذا عمي صنو أبي وهؤلاء بنوه فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي. "فأمّنت أسكُفَّة [٭]: (اسكفة): العتبة وما يعلوه الداخل من البيت. الباب وحوائط البيت: آمين آمين" واشتركن في الدعاء. [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٩/٢٦٣؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٣٣؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٧١، ٧٢؛ وانظر الترمذي، المناقب ٢٨.
المثال الخامس: روت الكتب الصحاح متفقة وفي المقدمة البخاري وابن حبان وأبو داود والترمذي عن أنس [٭]: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥، ٧؛ الترمذي المناقب ١٨؛ أبو داود، السنة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١١٢. وأبي هريرة [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٥٠؛ الترمذي، المناقب ١٨. وعن عثمان ذي النورين [٭]: الترمذي، المناقب ١٨؛ النسائي، الصيام ٨٣. وسعيد بن زيد [٭]: الترمذي، المناقب ٢٨؛ البزار، المسند ٤/٩١؛ الحاكم، المستدرك ٣/٥٠٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/٣٤١. أحد العشرة المبشرين بالجنة أنه: "صعد النبي (ص) وأبو بكر وعمر وعثمان أُحُدًا، فرجف بهم" من مهابتهم أو من سروره وفرحه، "فقال: أثبُت أُحُد فإنما عليك نبيٌّ وصدّيق وشهيدان".
فبهذا الحديث ينبئ (ص) عن شهادة عمر وعثمان إخبارًا غيبيًا.
وقد نقل -تتمة لهذا المثال- أنیه لما هاجر الرسیول (ص) من مكة وطلبتْه كفارُ قريش صعد على جبل ثُبير، "قال له ثبير: [٭]: (ثبير): جبل بالمزدلفة عن يسار الذاهب إلى منى. وكان هذا قبل توجهه (ص) إلى غار ثور الذي اختفى فيه عند الهجرة. الخفاجي ٣/٧٥. اهبط يا رسول اللّٰه فإنّي أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذّبني اللّٰه. فقال لیه حراء: إليّ يا رسیول اللّٰه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٠٨؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١/٤٦٦؛ السهيلي، الروض الأنف ١/٤٠٠؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣٨١.
من هذا يستشعر أهلُ القلب والصلاح الخوفَ في "ثبير" والأمنَ والاطمئنان في "حراء".
— 169 —
يفهم من مجموع هذه الأمثلة أن الجبالَ العظيمة مأمورةٌ ومنقادةٌ كأي فرد من الأفراد. وهي كأي عبدٍ مخلوق يسبّح اللّٰه تعالى وله وظيفةٌ خاصة به، وأنه يعرف النبي (ص) ويحبّه.. فما خُلقت الجبال باطلًا.
المثال السادس: "وروى ابن عمر رضي اللّٰه عنهما: أن النبي (ص) قرأ على المنبر: وما قَدَروا اللّٰه حق قدره... (الزمر: ٦٧) ثم قال: يمجِّد الجبارُ نفسَه يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الكبير المتعال. فَرجَف المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ عنه". [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٨٧؛ مسلم ، صفات المنافقين ٢٤، ٢٥؛ ابن ماجه، المقدمة ١٣؛ أبو داود، السنة ١٩.
المثال السابع: عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٢٧٩، المعجم الصغير ٢/٢٧٢. رضي اللّٰه عنهما، وعن ابن مسعود [٭]: البخاري، المظالم ٣٢، المغازي ٤٨، تفسير سورة الإسراء ١٢؛ مسلم، الجهاد ٨٧ . -من علماء الصحابة- رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، أنه قال: "كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبّیتةَ الأرجل بالرصاص في الحجارة فلما دخل رسولُ اللّٰه (ص) المسجدَ عامَ الفتح جعل يشير بقضيبٍ في يده إليها ولا يمسّها. ويقول:
جَاء الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كانَ زَهُوقًا
(الإسراء: ٨١) فما أشار إلى وجهِ صنمٍ إلّا وقع لقفاه ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم".
المثال الثامن: هو قصة بحيراء الراهب المشهورة وهي: "أن النبي (ص) خرج قبل البعثة مع عمِّه أبي طالب وجماعة من قريش إلى نواحي الشام. ولما وصلوا إلى جوار كنيسةِ الراهب جلسوا هناك" وكان الراهبُ لا يخرج إلى أحَدٍ، فخرج وجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول اللّٰه (ص) فقال: "هذا سيدُ العالمين يبعثُه اللّٰه رحمةً للعالمين" فقال له أشياخ من قريش: ما عِلمُك؟ فقال: "إنه لم يبق شجرٌ ولا حجرٌ إلّا خرّ ساجدًا له ولا يسجدُ إلّا لنبي". "ثم قال وأقبل (ص) وعليه غمامةٌ تظلّه فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فَيئ الشجرة فلما جلس مالَ الفَيئُ إليه". [٭]: الترمذي، المناقب ٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٧؛ البزار، المسند ٨/٩٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٢.
وهكذا فهناك ثمانون مثالًا كهذه الأمثلة الثمانية. فإذا وحَّدْتَ هذه الأمثلة الثمانية لأصبحتْ قويةً لا يمكن أن تنال منها شبهةٌ مهما كانت.
— 170 —
فهذا النوع من المعجزات (أي تكلّم الجمادات) يشكّل دليلًا جازمًا على إثبات دعوى النبوة، وهو في حكم التواتر من حيث المعنى. فكلُّ مثال يستمد قوةً أخرى من قوة الجميع تفوقُ قوتَه الفردية. مَثَله في هذا، مثل رجل ضعيف انخرط في سلك الجيش، فيتقوى حتى يستطيع أن يتحدى ألفًا من الرجال، أو كعمودٍ ضعيف لو ضُم مع أعمدة قوية يتقوى.
فكيف إذا كانت الروايات كلُّها صحيحةً ورصينة؟.
الإشارة الثانية عشرة
أمثلةٌ ثلاثة مهمة ترتبط بالإشارة الحادية عشرة.
المثال الأول: تصرّح الآيةُ الكريمة:
وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللّٰه رمى
(الأنفال: ١٧) بنصّها القاطع وبتحقيق عموم المفسرين العلماء وأئمة الحديث: أنَّ الرسول (ص) أخذ في غزوة بدر قبضةً من ترابٍ وحصيّات ورماها في وجوه جيش الكفار وقال: "شاهَتِ الوجوه". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٠٣، ٣٦٨؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/١٥٥، ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٣٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/٢٠٣؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٦٨. فدخلت تلك القبضةُ من التراب إلى أعين كلِّ المشركين، مثلما وصلت كلمةُ "شاهت الوجوه" إلى آذان كلٍّ منهم، فصاروا يعالجون عيونَهم من التراب، ففرّوا بعدما كانوا في حالة كَرٍّ على المسلمين.
ويروي الإمام مسلم: أنَّ الكفار في غزوة حُنين عندما كانوا يصولون على المسلمين، أخذ النبيُّ (ص) قبضة من تراب ورمى بها في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فما من أحدٍ منهم إلّا ملأ عينيه -بإذن اللّٰه- ترابٌ كما سمعت أذنُه هذه الكلمة فولّوا مدبرين. [٭]: مسلم، الجهاد ٨١؛ الدارمي، السير ١٦؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٩٩.
فهذه الحادثة الخارقة للعادة قد وقعت في بدر وحنين. فهي حادثة تفوق طاقة البشر، كما أنها لا يمكن إسنادها إلى الأسباب العادية، لذا قال تعالى:
وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللّٰه رمى
أي أنها حادثة نابعة من قدرة إلهية محضة.
المثال الثاني: تذكر كتبُ أئمة الحديث وفي مقدمتها البخاري ومسلم: "أنَّ يهوديةً -واسمها زينب بنت الحرث- أهدتْ للنبي (ص) بخيبر شاةً مصليّة [٭]: (مصلية): مشوية. سمَّتْها، فأكل رسولُ
— 171 —
اللّٰه (ص) منها، وأكل القومُ، فقال: ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومةٌ، فرفع الجميعُ أيديهم، إلّا أن بشر بن البراء مات من أثر السم، فدعا (ص) اليهودية وقال لها: "ما حَمَلكِ على ما صنعتِ؟" قالت: إن كنت نبيًا لم يضرّك الذي صنعتُ، وإن كنتَ مَلِكًا أرَحْتُ الناسَ منك. [٭]: البخاري، الجزية ٧، الطب ٥٥؛ مسلم، الطب ٤٥. فأمر بها فقُتلتْ"، [٭]: أبو داود، الديات ٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢/٣٥، ١٩/٢٢١؛ الحاكم، المستدرك ٣/٢٤٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٨/٤٦. وفي بعض الروايات أنه لم يأمر بقتلها. [٭]: البخاري، الهبة ٢٨؛ مسلم، الطب ٤٥؛ وانظر: ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٩٧. قال العلماء المحققون: لم يأمر بقتلها بل دفعها لأولياء بشر بن البراء، فقتلوها. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٢٠٢؛ النووي، شرح صحيح مسلم ١٤/١٧٩؛ ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٩٧، ٤٩٨.
فاستمع الآن إلى هذه النقاط الثلاث لبيان إعجاز هذه الحادثة.
النقطة الأولى: جاء في إحدى الروايات: أن عددًا من الصحابة سمعوا قولَها حينما أخبرتْ الشاة عن أنها مسمومةٌ.
النقطة الثانية: وفي رواية أخرى أنه بعدما أخبر الرسول (ص) عن القضية قال: قولوا بسم اللّٰه ثم كلوا، فإنه لا يضر السم بعدَه. [٭]: الحاكم، المستدرك ٤/١٢٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٩٧؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، ٢٩٦. هذه الرواية وإن لم يقبلها ابن حجر العسقلاني [٭]: انظر: علي القاري، شرح الشفا ١/٦٤٥. إلّا أن علماء آخرين قبلوها. [٭]: الحاكم، المستدرك ٤/١٢٢؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٢٩٥ ، ٢٩٦.
النقطة الثالثة: لقد اطمأن كلُّ من سمع كلامَه (ص): "أنها أخبرتني بأني مسمومة" وكأنه سمعه بنفسه، إذ لم يُسْمَع منه (ص) قولٌ مخالف للواقع قط، وهذه واحدة منه. فبينما يبيّت اليهودُ الكيدَ لينیزلوا ضربتَهم القاضية بالرسول الكريم (ص) وصحبه الكرام رضوان اللّٰه عليهم إذا بالمؤامرة تنكشف على إثر خبرٍ من الغيب وتبطل الدسيسة والمكر السيئ، ويقع الخبر كما أخبر عنه (ص).
المثال الثالث: هو معجزة الرسول (ص) في ثلاث حوادث تشبه معجزةَ سيدنا موسى عليه السلام، في معجزة يده البيضاء وعصاه.
— 172 —
الحادثة الأولى: أخرج الإمام أحمد الحديث الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّٰه عنه: أن الرسول (ص) "أعطى قتادة بن النعمان -وصلى معه العشاء- في ليلةٍ مظلمة مطِرة عُرجونًا. [٭]: (العرجون): العصا القصيرة. وقال: انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا ومن خلفك عشرًا. فإذا دخلتَ بيتك فسَترى سوادًا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان. فانطلق، فأضاء له العرجونُ (كاليد البيضاء) حتى دخل بيتَه ووجد السواد فضربه حتى خرج". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٦٥؛ ابن خزيمة، الصحيح ٣/٨١؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/١٢٧٦؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٤١٧.
الحادثة الثانية: انقطع سيفُ عكاشة بن محصن الأسدي وهو يقاتل به في غزوة بدر الكبرى -تلك المعركة التي هي منبع الغرائب- فأعطاه رسولُ اللّٰه (ص) جذلًا من حطب -أي عودًا غليظًا- "وقال: اضرب به فعاد في يده سيفًا صارمًا طويل القامة أبيضَ شديدَ المتن، فقاتلَ به، ثم لم يزل عنده يشهدُ به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة" في اليمامة. هذه الحادثة ثابتة قطعًا، وكان عكاشةُ يفتخر بذلك السيف طوال حياته، وكان السيف يسمى بیی"العَوْن"، فاشتهار السيف بی"العون" [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/١٨٥، ١٨٦؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ١/١٨٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/٩٨، ٩٩؛ الواقدي، كتاب المغازي ١/٩٣. وافتخار عكاشة به حُجتان أيضًا على ثبوت الحادثة.
الحادثة الثالثة: روى ابن عبید البر [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٨٧٩؛ البيهقي، الاعتقاد ٢٩٥. وهو من أعلام عصره من بين العلماء المحققين: أن عبد اللّٰه بن جیحش ابن عمة رسول اللّٰه (ص) "وقد ذهب سيفُه" في غزوة أُحد وهو يحارب، فأعطاه رسولُ اللّٰه (ص) "عسيبَ [٭]: (عسيب): جريد النخل لا خوص عليها. نخل فرجع في يده سيفًا".
يقول ابن سيد الناس في "سيره": فبقي هذا السيف مدّة ولم يزل يتناقل حتى بيعَ إلى شخص يُدعى بغاء التركي بمائتي دينار. [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٨٧٩؛ ابن الأثير، أسد الغابة ٣/٩٠؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٤٢؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/٣٢.
فهذان السيفان معجزتان كمعجزة عصا موسى، إلّا أنه لم يبق وجه الإعجاز لعصا موسى بعد وفاته عليه السلام ، وبقي هذان السيفان معجزتين بعد وفاته (ص).
— 173 —

الإشارة الثالثة عشرة

ومن معجزاته (ص): شفاءُ المرضى والجرحى بنفثه المبارك. وهذا النوع من المعجزات متواتر معنوي -من حيث النوع- أما جزئياتها فقسمٌ منها بحكم المتواتر المعنوي وقسمٌ آخر آحادي، إلّا أنه يورث القناعةَ العلمية والاطمئنانَ وذلك لتوثيق العلماء له وتصحيح أئمة الحديث.
سنذكر من أمثلةِ هذا النوع من المعجزات بضعةَ أمثلة فقط من بين أمثلتها الغزيرة.
المثال الأول: يروي القاضي عياض عن سعد بن أبي وقاص وهو من العشرة المبشرين بالجنة وتولى خدمة النبي (ص) وأصبح أحد قواده، وقاد جيش الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه، أنه قال: "إن رسول اللّٰه (ص) لَيُناوِلني السهمَ لا نَصْلَ لَهُ، فيقول: ارْمِ به، وقد رمى رسولُ اللّٰه (ص) يومئذٍ عن قوسه حتى اندقّت" كان ذلك في غزوة أُحد، وكانت السهام التي لا نصلَ لها تَمرُقُ كالمريّشة وتثبتُ في جسد الكفار. [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٤٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/١٤٢؛ وانظر: ابن إسحاق، السيرة ٣/٣٠٧، ابن هشام، السيرة النبوية ٤/ ٣١.
وقال أيضًا: "وأُصيبت يومئذٍ عينُ قتادة (بن النعمان) حتى وقعتْ على وجنَته، فردّها رسولُ اللّٰه (ص)" بيده المباركة الشافية "فكانت أحسنَ عَينَيه" [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٨٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/٢٥١-٢٥٢؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/١٢٧٥. واشتهرت هذه الحادثة حتى إن أحدَ أحفاد قتادة حينما جاء إلى عمر بن عبد العزيز عرّفَ نفسَه بإنشاده الأبيات الآتية: [٭]: ابن كثير، البداية والنهاية ٦/٢٩٤؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/٢٣؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٥٤٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٥٢.
أنا ابن الذي سالَت على الخدِّ عينُهفرُدَّتْ بكفِّ المصطفى أحسنَ الردّ
فیعییادت كما كانت لأول أمرهیا فيا حُیسیینَ ما عينٍ ويیا حُسنَ ما ردّ
وثبت أيضًا: أنه جعل ريقَه على جراحةِ: "أثر سهمٍ في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد [٭]: (ذي قرد): غزوة كانت بعد الحديبية (عن زاد المعاد). قال: فما ضرب عليّ ولا قاح" [٭]: أي: ما آلمني ولا سال منه قيح. انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٥٤٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤/١٩٣؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/١٧٣١. إذ مسحه رسول اللّٰه (ص) بيده المباركة.
— 174 —
المثال الثاني: روى البخاري ومسلم وغيرهما: أنَّ الرسول (ص) أعطى الراية عليًا يومَ خيبر، وكان رمدًا، فلما تفل في عينه أصبح ترياقًا لعينه فبرئت بإذن اللّٰه. [٭]: البخاري، الجهاد ١٠٢، ١٤٣، فضائل الأصحاب ٩، المغازي ٣٨؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤.
ولما جاء الغد أخذ عليٌّ بابَ القلعة وهو من حديد وكأنه ترس في يده، وفتح القلعة.
"ونفث على ضربةٍ بساقِ سلَمة بن الأكوَع يوم خيبر فبرِئت". [٭]: البخاري، المغازي ٣٨؛ أبو داود، الطب ١٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٨.
المثال الثالث: "روى النسائي عن عثمان بن حُنَيف: أن أعمًى أتى إلى رسول اللّٰه (ص)، فقال: يا رسول اللّٰه ادعُ اللّٰه أنْ يكشف لي عن بصري. قال: أوَ أدعك؟ قال: يا رسول اللّٰه إنه قد شقّ عليّ ذهاب بصري. قال: فانطلِق فتوضأْ ثم صلِّ ركعتين ثم قل: اللّٰهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمدٍ نبيّ الرحمة، يا محمدُ إني أتوجه إلى ربّك بك، أن يكشف لي عن بصري، اللّٰهمُّ شفِّعه فيّ، وشفِّعني في نفسي. فرجَع وقد كشفَ اللّٰه عن بصره". [٭]: النسائي، السنن الكبرى ٦/١٦٨، ١٦٩؛ عمل اليوم والليلة ٤١٨؛ وانظر: الترمذي، الدعوات ١١٨؛ ابن ماجة، الاقامة ١٨٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٣٨.
المثال الرابع: "قطع أبو جهل يوم بدر يدَ معوَّذ بن عفراء" أحد الأربعة عشر الذين استشهدوا في بدر "فجاء يحملُ يدَه فبصق عليها رسولُ اللّٰه (ص) وألصقَها فلَصَقتْ، رواه ابن وهب" وهو من أئمة الحديث- ثم عاد إلى القتال فقاتل حتى استشهد. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٢٤.
"ومن روايته أيضًا: أن خُبيب بن يساف أُصيب يومَ بدر مع رسول اللّٰه (ص)، بضربةٍ على عاتقِه حتى مال شِقُّه، فردَّه رسولُ اللّٰه (ص)، ونفثَ عليه حتى صحّ". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٧٨؛ ابن الأثير، أسد الغابة ١/٥٩٥؛ ابن حجر، الإصابة ٢/٢٦١.
فهاتان الحادثتان وإن كانتا آحادية إلّا أن تصحيحَ الإمام الجليل ابن وهب لهما، وكون وقوعهما في منبع المعجزات، بدر، ولوجود شواهد كثيرة من أمثالهما يجعلهما لا يشك أحدٌ في وقوعهما.
وهكذا هناك ألفُ مثال ومثال قد ثبت بالأحاديث الصحيحة، من أن يدَ الرسول الأعظم (ص) أصبحت شفاءً ودواءً لذوي العاهات والمرضى.
— 175 —
لو سطرت هذه القطعة بماء الذهب ورصعت بالألماس لكانت جديرة
حقًا! وكما مرّ سابقًا: إن تسبيح الحصى وخشوعَه في كفه (ص) ..
وتحوّل التراب والحصيات فيها كقذائف في وجوه الأعداء حتى ولّوا مُدبرين بقوله تعالى:
وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللّٰه رمى
(الأنفال: ١٧)
وانفلاق القمر فلقتين بإصبعٍ من الكفِّ نفسها كما هو نص القرآن الكريم:
وَانشَقَّ الْقَمَر
وفوران الماء كعينٍ جارية من بين الأصابع العشرة وارتواء الجيش منه. وكون تلك اليدِ بلسمًا للجرحى وشفاءً للمرضى..
ليبيّن بجلاء: مدى بركة تلك اليد الشريفة:
ومدى كونها معجزة قدرة إلهية عظيمة. لكأن كفَّ تلك اليد:
زاويةُ ذكر سبحانية صغيرة بين الأحباب، لو دخلها الحصى لسبّح وذكر..
وتِرسانةٌ ربانية صغيرة تجاه الأعداء، لو دخلها الترابُ لتطاير تطايرَ القنابل..
وتعود صيدليةً رحمانية صغيرة للمرضى والجرحى، لو لامستْ داءً لغدتْ له شفاءً..
وحينما تنهضُ تلك اليدُ تنهض بجلالٍ فتشقُّ القمرَ شِقين بإصبع منها.
وإذا التفتتْ التفاتةَ جمالٍ فجّرتْ ينبوعَ رحمةٍ يَدفُق من عشر عيونٍ تجري كالكوثر السلسبيل
فلئن كانت يدُ هذا النبي الكريم (ص) موضعَ معجزاتٍ باهرة إلى هذا الحد.. ألا يُدرَك بداهةً: مدى حظوتِه عند ربه.. مبلغَ صدقه في دعوته
ومدى سعادة أولئك الذين بايعوا تلك اليد المباركة ؟.
— 176 —
سؤال: إنك تقول في كثير من الروايات أنها متواترةٌ، بينما لم نسمع بها إلّا الآن فهل يُجهَل التواترُ إلى هذا الحد؟.
الجواب: هناك أمورٌ كثيرة متواترةٌ لدى علماء الشرع بينما هي مجهولةٌ لدى غيرهم. فلدى علماء الحديث من الأحاديث المتواترة ما لا يُعرف إلّا بالآحاد لدى سواهم.. وهكذا، فبديهياتُ ونظرياتُ كلِّ علم إنما تُبيَّن حسب ما تواضَع عليه أهلُ اختصاص ذلك العلم، أما بقيةُ الناس فهم يعتمدون عليهم في ذلك العلم. فإما أنهم يستسلمون لقولهم، أو يعكفون على دراسة ذلك العلم فيجدون ما وجدوه.
فما أخبرْنا عنه من المتواتر الحقيقي أو المعنوي، أو ما هو بحكم المتواتر من الحوادث، قد بيّن حكمَها رجالُ الحديث، وعلماءُ الشريعة وعلماءُ الأصول، وأغلب العلماء الآخرين. فإذا جَهِلَه العوام الغافلون، أو مَن يغمض عينَه عن العلم من الجهال، فلا يقع اللومُ إلّا عليهم.
المثال الخامس: أخرج الإمام البغوي: أُصيبت "ساق علي بن الحكم يومَ الخندق إذ انكسرت" فمسحَها رسولُ اللّٰه (ص) "فبرئ مكانَه، وما نیزل عن فرسِه". [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٨٥؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/١٤١٥؛ ابن حجر، الإصابة ٤/٥٦٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/١١٩.
المثال السادس: روى البيهقي وغيره "اشتكى علي بن أبي طالب، فجعل يدعو، فقال النبي (ص): اللّٰهم اشفِه أو عافه ثم ضربَه برِجله، فما اشتكى ذلك الوجَع بعدُ". [٭]: الترمذي، الدعوات ١١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٠٧، ١٢٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٦، ٦/٦٣؛ النسائي، السنن الكبرى ٦/٢٦١.
المثال السابع: "كانت في كفِّ شرحبيل الجعفي سلعةٌ [٭]: (سلعة): زيادة تحدث في الجسد كالغدة، تكون على قدر الحمصة إلى قدر البطيخة. تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة فشكاها للنبي (ص)، فما زال يطحنُها [٭]: (يطحنها): يدير كفه عليها بقوة. بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثرٌ". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٧/٣٠٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٧٦؛ ابن عبد البر ٢/٦٩٧، ٦/ ١٧٦.
المثال الثامن: ستةٌ من الأطفال نالوا -كلٌّ على حدة- معجزةً مین معجزات الرسول الأكرم (ص).
الأول: روى ابن أبي شيبة -وهو من أئمة الحديث-أنه: "أ تَیتْه (ص) امرأةٌ من خثعم معها
— 177 —
صبيٌ به بلاءٌ لا يتكلم، فأُتي بماء، فمضمَض فاهُ وغسل يدَيه، ثم أعطاها إياه، وأمَرَها بسقيِه ومسِّه به، فبرأَ الغلامُ وعقلَ عقلًا يفضُلُ عقولَ الناس". [٭]: ابن ماجه، الطب ٤٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٨، ٦/٣٢١؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٥/١٦٠.
الثاني: "وعن ابن عباس: جاءت امرأةٌ بابنٍ لها به جنونٌ، فمسح (ص) صدرَه فثعَّ ثعَّةً فخرج من جوفه مثل الجروِ الأسود" -شيء أسود كالخيار الصغير- فشفيَ. [٭]: الدارمي، المقدمة ٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٣٩، ٢٥٤، ٢٦٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٥٧.
الثالث: روى الإمام البيهقي والنسائي: "انكفأت [٭]: انكفأت: انقلبت. القِدرُ على ذراع محمد بن حاطب، وهو طفلٌ فمسحَ عليه (ص) ودعا له" ونفخَ نفخًا فيه ريقُه الشريف فبرأَ لحينِه. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤١٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٥؛ النسائي، السنن ٤/٣٦٦، ٦/٥٥، ٢٥٣، ٢٥٤؛ ابن حبان، الصحيح ٧/٢٤١.
الرابع: "أن النبي (ص) أُتي بصبّيٍ قد شبَّ" أي كَبُر "لم يتكلم قط، فقال: من أنا؟ فقال: رسولُ اللّٰه" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/٦٠، ٦١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١٥٩. فأنطقَه اللّٰه.
الخامس: أخرج إمام العصر جلال الدين السيوطي -الذي تشرّف في اليقظة برؤية النبي (ص) مرارًا- [٭]: ابن العماد، شذرات الذهب ٤/٤٥؛ النبهاني، جامع كرامات الأولياء ٢/١٥٨. أنه: جاء رسولَ اللّٰه (ص) رجلٌ من أهل اليمامةِ بغلامٍ يومَ ولِد، فقال له رسولُ اللّٰه (ص): يا غلام من أنا؟. فقال: أنت رسولُ اللّٰه. قال: صدقتَ بارك اللّٰه فيك. ثم إن الغلام لم يتكلم حتى شبّ فكان يسمى بی "مبارك اليمامة" لدعاء النبي (ص) له بالبركة. [٭]: ابن قانع، معجم الصحابة ٣/١٣٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٩؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٣/٤٤٣؛ ابن كثير البداية والنهاية ٦/١٥٨.
السادس: "ودعا على صبيٍ" خشن الطبع "قطعَ عليه الصلاةَ أن يقطعَ اللّٰه أثره فأُقْعِدَ" [٭]: أبو داود، الصلاة ١٠٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٦٤، ٥/٣٧٦؛ البخاري، التاريخ الكبير ٨/ ٣٦٥؛ ابن أبي شيبة، المصنف ١/٢٥٤. ونال جزاء فظاظته.
السابع: "سألتْه جاريةٌ طعامًا وهو يأكل، فناوَلها من بين يديه، وكانت قليلةَ الحياء، فقالت: إنما أريد من الذي في فيكَ، فناولها ما في فيه، ولم يكن يُسأل شيئًا فيَمنعه. فلما اسیتقرّ في جوفها أُلقي عليها من الحياء ما لم تكن أمرأةٌ بالمدينة أشدَّ حياءً منها". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢٠٠، ٢٣١.
— 178 —
وهكذا هناك أمثلة غزيرة تربو على الثمانمائة مثال، كالتي ذكرناها، وقد بيّنت كتبُ الأحاديث والسيَر معظمَها.
نعم، لما كانت اليدُ المباركة للرسول الكريم (ص) كصيدليةِ لقمان الحكيم، وبصاقُه كماء عين الحياة لخضر عليه السلام، ونفثُه كنفث عيسى عليه السلام في الشفاء، وأن بني البشر يتعرضون للمصائب والبلايا، فلا ريب أنه قد أُتى إليه ما لا يُحد من المرضى والصبيان والمجانين ولا شك أنهم قد شفوا جميعًا من أمراضهم وعاهاتهم. حتى إن طاووسًا اليماني وهو من أئمة التابعين المشهور بزهدِه وتقواه إذ حجّ أربعين مرةً وصلى صلاة الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، ولقيَ كثيرًا من الصحابة الكرام، هذا العالم الجليل يخبر جازمًا فيقول: "ما من مجنون جاء إلى النبي (ص) ووضع يدَه الشريفة على صدره إلّا شُفي من جنونه".
فإذا أخبر إمامٌ كالطاووس اليماني -الذي أدرك الصحابةَ الكرام- هذا الخبرَ الجازم فلا ريب أنه قد جاء إلى النبي (ص) كثيرٌ جدًّا من المرضى، ربما يبلغ الألوف وكلُّهم شفوا من أمراضهم.
الإشارة الرابعة عشرة
ومن أنواع معجزاته (ص) نوعٌ عظيم، وهو الخوارق التي ظهرت بدعائه. فهذا النوع لاشك فيه ومتواترٌ تواترًا حقيقيًا، وأمثلتُها وجزئياتُها وفيرة جدًّا لا تُحصر، وقد بلغ كثيرٌ من أمثلتها درجة المتواتر، بل صارت مشهورةً قريبة من التواتر، ومنها ما نقله أئمةٌ عظام بحيث يفيد القطعية فيه كالمتواتر المشهور.
ونحن هنا نذكر على سبيل المثال بعضًا من أمثلتها الكثيرة جدًّا التي هي قريبة من المتواتر، أو التي هي بدرجة المشهور، كما سنذكر جزئياتٍ من كل مثال:
المثال الأول: روى أئمةُ الحديث وفي مقدمتهم البخاري ومسلم أن دعاء النبي (ص) للاستسقاء كان يُستجاب في الحال، وحدث ذلك مرارًا كثيرة، حتى إنه كان يرفع يديه أحيانًا للاستسقاء وهو على المنبر، فيُستجاب له قبل أن ينیزل، [٭]: البخاري، الاستسقاء ٦، ٧، ٩، ١٢، ١٤؛ مسلم، الاستسقاء ٨-١٠؛ النسائي، الاستسقاء ١، ١٠؛ الموطأ، الاستسقاء ٣. وهذه الروايات ثابتةٌ بلغت حدّ
— 179 —
التواتر. وقد ذكرنا آنفًا: أنه أصاب الناسَ عطشٌ في السفر، فكان السحابُ يتراكم في كل مرة يحتاجون إلى الماء فيسقون ثم يقلع. [٭]: ابن خزيمة، الصحيح ١/٥٣؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٣/٣٢٤؛ البزار، المسند ١/٣٣١؛ ابن حبان، الصحيح ٤/٢٢٣؛ البيهقي، السنن الكبرى ٤/٣٥٧.
بل كان دعاؤه (ص) يُستجاب حتى قبل النبوة، فكان عبد المطلب جد النبي (ص) يستسقي بوجهه الكريم في صباه، فكان المطر ينزل، وقید اشتهرت هذه الحادثة حتى ذكرها عبد المطلب في بعض أشعاره. [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٢٦٠-٢٦١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٩٠، ٢/٣٢٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٥-١٩.
ولقد استسقى عمرُ بن الخطاب رضي اللّٰه عنه بالعباس عمِّ النبي بعد وفاته (ص) فقال: "اللّٰهم إنّا كنّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنّا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقِنا، قال فيُسقَون". [٭]: البخاري، الاستسقاء ٣، فضائل أصحاب النبي (ص) ١١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/٧٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٣/٣٥٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٢٩.
وروى الشيخان أن الرسول (ص) سُئل أن يغيثهم اللّٰه بالمطر "فدعا (ص) بدعاء الاستسقاء فسقوا ثم شكوا إليه المطر فدعا فأصحوا". [٭]: البخاري، الاستسقاء ٦، ٧ ، ٩ ، ١٢ ، ١٤ ؛ مسلم، الاستسقاء ٨-١٠؛ النسائي، الاستسقاء ١، ١٠؛ الموطأ، الاستسقاء ٣.
المثال الثاني: وردت روايةٌ مشهورة قريبةٌ من التواتر أنه (ص) حينما كان المؤمنون قلةً ويكتمون إيمانهم وعبادتهم "دعا بعزّ الإسلام بعمر رضي اللّٰه عنه أو بأبي جهل فاستُجيب له في عمر" إذ قال: "اللّٰهم أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأصبح فغدا عمرُ على رسول اللّٰه (ص) فأسلَم" [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/١٥٩، المعجم الأوسط ٢/٢٤٠، ١١/٢٥٥؛ وانظر:الترمذي، المناقب ١٧؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٩٥. فكان سببًا لعزّ الإسلام ولذلك دُعي بالفاروق. [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/٢٧٠؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٦٢؛ النووي، تهذيب الأسماء ٢/٣٢٥.
المثال الثالث: ولقد دعا النبي الكريم (ص) لبعض الصحابة لمقاصد شتى فاستُجيب له استجابةً خارقة، حتى وصلت كرامةُ تلك الأدعية درجة الإعجاز.
من ذلك ما روى البخاري ومسلم وغيرهما أنه: "دعا لابن عباس: اللّٰهمّ فقّهه في الدين
— 180 —
وعلّمه التأويل" [٭]: البخاري، الوضوء ١٠؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٣٨. فَسُمّي بعدُ الحبر [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٢٣٧؛ الحاكم، المستدرك ٣/٦١٦؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ١/٣١٦؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٣٧٠. وترجمان القرآن [٭]: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٨٣؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ٢/٣٦٦؛ الحاكم، المستدر، ٣/٦١٨؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٩٣٥. حتى كان عمر رضي اللّٰه عنه يأذن لابن عباس -مع حداثة سنّه- أنْ يجلس في مجلس أكابر الصحابة الأجِلاء. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٣٧، المغازي ٣٨، ٥١؛ الترمذي، تفسير القرآن، سورة النصر ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٨.
وروى البخاري وغيره "عن أنس رضي اللّٰه عنه قال: قالت أمي: يا رسول اللّٰه خادمُك أنس ادعُ اللّٰه له. قال: اللّٰهم أكثر مالَه وولَده وبارك له فيما آتيتَه، وفي رواية عكرمة قال أنس: فواللّٰه إن مالي لكثير وإن وَلَدي وولَد ولدي ليعادّون اليوم على نحو المائة. وفي رواية، فما أعلَمُ أحدًا أصابَ من رخاء العيش ما أصبتُ، ولقد دفنتُ بيديّ هاتين مائةً من ولدي لا أقول سقطًا ولا ولدَ ولدٍ" [٭]: البخاري، الدعوات ١٨، ٢٥ ، ٤٧، ٤٨؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٤١- ١٤٣. وكان كل ذلك ببركة دعاء النبي (ص). [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٢٤٨، ٦/٤٣٠؛ الطيالسي، المسند ١/٢٧٠؛ أبو يعلى، المسند ٦/١٦، ٧/٢٣٣؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/١٤٣.
وروى الإمام البيهقي وغيره من أئمة الحديث أنه (ص) "دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة" [٭]: البخاري، النكاح ٧، ٦٨، الدعوات ٥٣؛ مسلم، النكاح ٧٩. وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة فأصاب مالا وفيرًا ببركة ذلك الدعاء حتى إنه "تصدّق مرّةً بعِيرٍ فيها سبعمائة بَعير وَرَدَتْ عليه تحمل من كل شيء فتصدّق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٦/١١٥؛ عبد ابن حميد، المسند ١/٤٠٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/١٢٩، ٦/٢٧. فما شاء اللّٰه في هذه البركة وتبارك اللّٰه.
وروى البخاري وغيره أنه (ص) دعا لعروة بن أبي الجعد بالبركة في تجارة له. فقال: "فلقد كنت أقوم بالكناسة [٭]: (الكناسة): موضع سوق بالكوفة. فما أرجعُ حتى أربح أربعين ألفًا. وقال البخاري في حديثه، فكان لو اشترى التراب ربح فيه". [٭]: البخاري، المناقب ٢٨؛ أبو داود، البيوع ٢٧؛ ابن ماجه، الصدقات ٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٧٥.
"ودعا لعبد اللّٰه بن جعفر بالبركة في صفقةِ يمينهِ فما اشترى شيئًا إلّا ربح فيه" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٠٥؛ النسائي، السنن الكبرى ٥/٤٨، ١٨٠، ٦/٢٦٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/٣٦٢. حتى اشتهر في زمانه بالثروة والمال بمثل ما اشتهر بالكرم والسخاء. [٭]: ابن حبان، الثقات ٣/٢٠٧؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، ٣/٨٨١؛ المزي، تهذيب الكمال ١٤/٣٦٧؛ النووي، تهذيب الأسماء ٢٤٩.
— 181 —
ولهذا النوع أمثلة كثيرة جدًّا أوردنا هذه الأربعة على سبيلث أمثال.
وروى الإمام الترمذي: أنه (ص) دعا لسعد بن أبي وقاص فقال: اللّٰهم استجب لسعد إذا دعاك. [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٦٠٨؛ وانظر: الترمذي، المناقب ٢٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/٤٣؛ البزار، المسند ٤/٥٠؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/٤٥٠. فكان مُستجاب الدعوة يرهب الناسُ من دعائه عليهم. [٭]: البخاري، الأذان ٩٥؛ الترمذي، المناقب ٣٧؛ البزار، المسند ٣/٢٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ٥/١٦٨- ١٦٩.
"وقال لأبي قتادة: أفلح وجهُك، اللّٰهم بارك له في شَعره وَبَشَره. فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة". وقد اشتهرت هذه الرواية الثابتة. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٥٤٩؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/١٧٣١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤/١٩٣.
"وعندما أنشد الشاعر المشهور النابغة بين يديه (ص):
بَلَغنا السما في مجدنا وسَنائِنا وإنّا نريد فوق ذلك مظهرًا
قال له الرسول (ص): إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة يا رسول اللّٰه.
ثم أنشد قصيدةً أخرى تحمل معاني جليلة، فقال الرسول (ص): "لا يَفْضُضِ اللّٰه فاك" "فما سقطتْ له سنٌ، وكان أحسن الناس ثغرًا، إذا سقطت له سنٌ نبتت له أخرى. وعاش عشرين ومائة. وقيل أكثر من هذا". [٭]: الحارث بن أبي أسامة، مسند الحارث ٢/٨٤٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٣٢- ٢٣٣؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، ٤/١٥١٦، ١٧٤٣.
وفي رواية صحيحة أنه (ص) دعا لعلي رضي اللّٰه عنه، فقال: اللّٰهم اكفهِ الحرَّ والقَرَّ، فكان ببركة هذا الدعاء "يلبس في الشتاء ثياب الصيف، وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حرّ ولا برد". [٭]: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٦٧ ، ٧/٣٩٤؛ وانظر: ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٧٧؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٩٩.
"ودعا لابنته فاطمة ألّا يُجيعَها اللّٰه. قالت: فما جِعتُ بعدُ". [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٤/٢١٠، ٢١١؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٦٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٠٨.
"وسأله الطفيل بن عمرو آيةً لقومه، فقال: اللّٰهم نوِّر له. فسطع له نورٌ بين عينيه، فقال: يا ربّ أخاف أن يقولوا: مُثْلَة، فتحول إلى طرف سوطِه، فكان يضيء في الليلة المظلمة، فسُمي ذا النور". [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٧٥٩؛ الذهبي، سير الأعلام والنبلاء ١/٣٤٤؛ وانظر: البيهقي، دلائل النبوة ٥/٣٥٩؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٢٣٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٢٣.
— 182 —
فهذه الحوادث لا ريب في رواياتها قط.
"عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول اللّٰه إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال: أبسط رداءك فبسطتُه. قال: فغرف بيديه (كمن يأخذ شيئًا من الغيب)، ثم قال: ضمّه، فضممتُه، فما نسيتُ شيئًا بعده". [٭]: البخاري، العلم ٧، المناقب ٢٨؛ مسلم، فضائل الصحابة، ١٥٩.
فهذه الحوادث من الأحاديث المشهورة.
المثال الرابع: نبين عدة أمثلة في صدد استجابة أدعية دعا بها النبي (ص) على بعض من الناس.
الأول: جاء الخبر إلى النبي (ص) بتمزيق مَلِك الفرس المسمّى "بَرْويز" كتابَ النبي(ص) فقال: اللّٰهم مَزّقه. فمُزِّق كلَّ ممزق، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٨٨٩؛ وانظر: البخاري، العلم ٧، الجهاد ١٠١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٤٣ ، ٣٠٥. إذ قتل "شيرويه" ابن الملك أباه بالخنجر، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ١/١٩١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٣. ومزَّق سعد بن أبي وقاص مُلكَه "فلم تبقَ له باقية ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا" بينما ظل مُلك قيصر وسائر الملوك لاحترامهم كتب الرسول (ص) إليهم. [٭]: البخاري، بدء الوحي ٦، الجهاد ٧٤.
الثاني: ثبت بالحديث المشهور القريب من المتواتر -وبما ترمز إليه الآية الكريمة- أنه اجتمع رؤساء قريش في المسجد الحرام وعاملوا النبي (ص) معاملةً سيئة فدعا عليهم، وسمّاهم. قال ابن مسعود: "فلقد رأيتُهم قُتلوا يوم بدر". [٭]: البخاري، الوضوء ٦٩؛ مسلم، الجهاد ١٠٧.
الثالث: ودعا على مُضَر وهي قبيلة عظيمة، بما كذّبته، "فأُقحِطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسُقوا" [٭]: البخاري، الاستسقاء ٢، ١٣، تفسير سورة الدخان ٤؛ مسلم، صفات المنافقين ٣٩- ٤٠. هذه الرواية قريبة من التواتر.
المثال الخامس: هو استجابة دعاء النبي (ص) الذي دعا به على رجالٍ معينين، نذكر على سبيل المثال ثلاثة من بين أمثلته الكثيرة.
— 183 —
الأول: دعا على عُتبة بن أبي لهب، وقال: "اللّٰهم سلِّط عليه كلبًا من كلابك". فسافر عتبة بعد ذلك فجاء أسدٌ يبحث عنه، فأخذه من بين القافلة وأكله. [٭]: البيهقي، السنن الكبرى ٥/٢١١؛ ابن عبد البر، التمهيد ١٥/١٦١؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/٧٠. هذه الحادثة مشهورة نقلها أئمة الحديث وصححوها.
الثاني: بعث الرسول (ص) سرية وعلى رأسها عامر بن الأضبط، وكان محلِّم بن جثَّامة في معيته، فاغتاله محلِّم غدرًا، فلما جاء الخبرُ إلى النبي (ص) غضب وقال: اللّٰهم لا تغفر لمحلِّم، فمات محلِّم بعد سبعة أيام. "فلفظتهُ الأرضُ ثم ووري فلفظتهُ مرات، فألقوه بين صُدَّين وضموا عليه بالحجارة. الصُّدُّ جانب الوادي". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٦/٣٨-٤٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٦/٤٠-٤١؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ١/٤٥٩؛ وانظر: أبو داود، الديات ٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١١٢، ٦/١١٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٢٦.
الثالث: "وقال لرجل رآه يأكل بشماله: كُلْ بيمينك، قال: لا أستطيع فقال: لا استطعتَ، فلم يرفعها إلى فيه". [٭]: مسلم، الأشربة ١٠٧؛ الدارمي، الأطعمة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٥- ٤٦، ٥٠.
المثال السادس: سنذكر عدة خوارق ثابتة ثبوتًا قطعيًّا من تلك التي ظهرت بدعاء النبي (ص) وبلَمسه.
الأول: أن النبي (ص) أعطى شعراتٍ من شعره إلى خالد بن الوليد (سيف اللّٰه) ودعا له بالنصر، فوضعها خالدٌ في قلنسوته "فلم يشهد بها قتالًا إلّا رُزق النصرَ". [٭]: أبو يعلى، المسند ١٣/١٣٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ٤/١٠٤؛ الحاكم، المستدرك ٣/٣٣٨.
الثاني: أن سلمان الفارسي كان عبدًا لليهود، فكاتَبَه "مواليه على ثلاثمائة ودية يغرسها لهم كلها تَعْلَقُ وتُطعم وعلى أربعين أوقية من ذهب، فقام (ص) وغرسها له بيده إلّا واحدةً غرسها غيرُه، فأخذت كلُّها إلّا تلك الواحدة فقلعها النبيُّ (ص) وردّها فأخذت. في كتاب البزار، فأطعم النخلُ من عامِه إلّا الواحدة فقلعَها رسولُ اللّٰه (ص) وغرسها فأطعمت من عامها. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٥٤، ٤٤٣؛ البيهقي، السنن الكبرى ١٠/٣٢١، ٣٢٢؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ١/١٨٥؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٦٣٤-٦٣٥؛ الحاكم،المستدرك ٢/٢٠. وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أُوقية وبقي عنده مثل ما أعطاهم". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٤٤٣؛ الطبراني، المعجم الكبير ٦/٢٧٠؛ البزار، المسند ٦/٤٦٧-٤٦٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٤٧-٤٨. هذه الحادثة هي من الخوارق المهمة التي مرت بحياة سلمان الفارسي رضي اللّٰه عنه، رواها الأئمة الثقات.
— 184 —
الثالث: "كانت لأم مالك الصحابية عكةٌ [٭]: (عكة): صفن من جلد يوضع فيه السمن غالبًا. تُهدي فيها للنبي (ص) سمنًا فأمرها النبي (ص) أن لا تعصرها ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءةٌ سمنًا فيأتيها بنوها يسألونها الأدْمَ وليس عندهم شيءٌ، فتعمدُ إليها، فتجد فيها سمنًا، فكانت تقيم إدمَها حتى عصرَتها" [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٤٠، ٣٤٧. فلم يجدوا فيها شيئًا بعد ذلك.
المثال السابع: إن المياه المُرّة تتحول إلى عذبةٍ حلوة وتفوحُ منها رائحةٌ طيبة ببركة دعاء النبي (ص) ولَمسه لها. نسوق بضعة أمثلة فقط:

الأول: روى البيهقي وأئمة الحدي,9hن بئر "قُبا" كانت تنیزف في بعض الأحيان "وسكب من فضل وضوئِه في بئر قُبا فما نیزفَت بعد". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٣٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١٠١؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/٦٨.

الثاني: روى أبو نعيم في دلائل النبوة، ورجال الحديث أنه كان في دار أنس بئرٌ فبزق (ص) فيها ودعا "فلم يكن في المدينة أعذبَ منها". [٭]: انظر: الأصبهاني، دلائل النبوة ١/١٦٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٠٥.
الثالث: روى ابن ماجه أنه (ص) "أُتي بدلوٍ من ماء زمزم فمجَّ فيه فصار أطيبَ من المسك". [٭]: ابن ماجه، الطهارة ١٣٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣١٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٩٧؛ الحميدي، المسند ٢/٢٩٣.
الرابع: روى الإمام أحمد بن حنبل أنه (ص) أُتي بدلو من بئر فمجّ فيه ثم أُفرغ فيها فصارت أطيبَ من المسك. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣١٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٥١؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/٣٣.
الخامس: روى حماد بن سلمة وهو من الرجال الموثوقين الذين يروي عنهم الإمام مسلم، أنه (ص) ملأ "سقاءَ ماءٍ بعد أن أوكاه ودعا فيه" وأعطاه لصحابة كرام وأمرَهم ألّا يحلّوه إلّا للوضوء. "فلما حضرتهم الصلاةُ نیزلوا فحلّوه فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٤؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٧٣؛ الخفاجي، نسيم الرياض ٤/١٤٠.
هذه الأمثلة الخمسة الجزئية مشهورة بعضها، وينقلها أئمة أعلام. فهذه والتي لم نذكرها هنا بمجموعها تحقق بالتواتر المعنوي هذه المعجزة تحققًا كاملًا.
— 185 —
المثال الثامن: الشياه التي درّ ضرعُها باللبن ببركة دعاء النبي (ص) ولَمسِه إياه بعد أن كان قد جفّ. هناك أمثلة كثيرة جدًّا لهذا إلّا أننا نذكر ثلاثة منها مشهورة وثابتة.
الأول: روت جميعُ كتب السير الموثوق بها أن الرسول الأكرم (ص) لما هاجر ومعه أبو بكر الصديق مرّ على خباء عاتكة بنت خالد الخزاعي المدعوة بأمّ معبد، فنیزل عندها وكان لها شاةٌ عجفاء لا لبنَ فيها. فقال لها: أليس بها لبن؟ فقالت أم معبد: ليس فيها دمٌ فمن أين اللبن؟. فمسّ (ص) ظهرَها ومسح ضَرعها، ثم قال: ائتوا بإناء واحلبوها، فحلبوها فشرب (ص) هو وأبو بكر الصديق وبقيت في الإناء بقيةٌ فشرب مَن كان في الخباء إلى أن شبعوا جميعًا. وهكذا بقيت تلك الشاة مباركة قوية. [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٤/٤٨-٤٩؛ الحاكم، المستدرك٣/١٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ١/٢٧٨؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٣٠.
الثاني: قصة شاة ابن مسعود رضي اللّٰه عنه وهي:
"عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول اللّٰه (ص) وأبو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم ولكني مؤتمَن. قال: فهل من شاة لم ينیز عليها الفحل؟. فأتيتُه بشاة فمسح ضرعها، فنیزل لبنٌ فحلَبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر..." وكان هذا سبب إسلام ابن مسعود رضي اللّٰه عنه. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦٢؛ ابن أبي شيبة، المسند ٦/٣٢٧؛ الطيالسي، المسند ١/٤٧؛ الطبراني، المعجم الصغير ١/٣١٠.
الثالث: قصة "غنم حليمة السعدية مُرضعته (ص)"، وهي قصة مشهورة حيث كان في تلك السنة قحطٌ أصاب أرضَ قومها، فكانت الأغنام عجافًا، جافة الضروع، لم ترع حتى الشبع. فلما أُرسل الرسول (ص) إلى حليمة السعدية صارت أغنامها تأتي المرعى وقد رعت كثيرًا ودرّ لبنُها، وغنمُ قومِها على خلاف ذلك. وما ذاك إلّا ببركته (ص). [٭]: أبو يعلى، المعجم، ١٣/٩٥؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٢٤٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٣٠٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥١.
وهناك أمثلة كثيرة أخرى في كتب السير، والتي أوردناها تكفي ما نحن بصدده.
المثال التاسع: نذكر بضعةً أمثلة من الأمثلة الكثيرة المشهورة للخوارق التي ظهرت عند مسح الرسول (ص) رؤوسَ بعضهم ووجوهَهم بيده ودعائه لهم:
— 186 —
الأول: "مسحَ على رأس عُمير بن سعد وبرّك، فمات وهو ابن ثمانين، فما شابَ". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٤.
الثاني: "ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له، فهلكَ وهو ابن مائة سنة، ورأسه أبيضُ وموضعُ كفّ النبي (ص) وما مرّت يدُه عليه من شعره أسودُ، فكان يُدعى الأغرّ". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٤؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٤٦٩.
الثالث: "ومسح رأس عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو صغير، وكان دميمًا ودعا له بالبركة فَفَرَع الرجالَ طولًا وتمامًا". [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٨٣٣-٨٣٤؛ المزي، تهذيب الكمال ٧/١٢١؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٣٦.
الرابع: "سَلَت [٭]: (سَلت): مسح الدم عن وجه عائذٍ بن عمرو وكان جُرِحَ يوم حُنين ودعا له فكان له غرّة كغُرة الفرس". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٨/٢٠؛ الحاكم، المستدرك ٣/٦٧٧؛ الروياني، المسند ٢/٣٣.
الخامس: "مسح وجهَ قتادة بن مِلحان فكان لوجهه بريقٌ حتى كان يُنظَر في وجهه كما يُنظَر في المرآة". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٧، ٨١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢١٧؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٤١٦.
السادس: "نضح في وجه زينب (وهي صغيرة) بنت أم سلمة نضْحةً من ماء" كان يتوضأ به "فما كان يُعرف في وجه امرأة من الجمال ما بها". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٢٨٢؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/١٨٥٤؛ ابن حجر، الإصابة ٧/٦٧٥.
وهناك أمثلة كثيرة كهذه الجزئيیات التي أوردنیاها رواها أئمة الحديث فهي بمجموعها تفيد التواتر المعنوي وتبين وقوع المعجزة الأحمدية المطلقة. فحتى لو فرضنا كل واحد من هذه الأمثلة خبرًا آحاديًا، وضعيفًا، فإن مجموعها يكون بحكم المتواتر المعنوي، لأنیه لو نقلت حادثیة ما في صور متباينة وروايات مختلفة، فهذا يعني أن الحادثة واقعة لا شیك فيها إلا أن رواياتها وصورها مختلفة أو ضعيفة.
فمثلًا: إذا سُمع في مجلس دويّ، فقال بعضهم: انهدم بيت فلان، وقال آخر: انهدم بيت شخص آخر. وقال آخر: بيت فلان.. وهكذا فكل رواية من هذه الروايات مع أنها
— 187 —
آحادية وضعيفة أو مخالفة للواقع إلا أن الحادثة الأصلية لاشك في وقوعها، وهي انهدام بيت. فالروايات بمجموعها تفيد قطعية وقوع الحادثة وهي متفقة في الأصل. بينما الأمثلة الجزئية التي ذكرناها روايات صحيحة كلها، حتى إن بعضًا منها بلغ درجة المشهور. فلو فرضنا كلًا منها ضعيفة لكانت دلالة مجموعها أيضًا دلالة قطعية على وجود المعجزة الأحمدية مثلما دلت الروايات في المثال على انهدام بيت من البيوت.
وهكذا فكل نوع من أنواع المعجزات الأحمدية الباهرة ثابت لا ريب فيه. وما جزئياتها إلا نماذج وصور مختلفة لتلك المعجزة المطلقة.
وكما أن يده (ص) وأصابعه وريقه ونفثه وأقواله -أي دعاءه- منشأ لكثير من المعجزات، فإن جميع لطائفه الأخرى وحواسه وأجهزته مدار لكثير من الخوارق أيضًا. وقد بينت كتب السيرة والتاريخ تلك الخوارق وأوضحت كثيرًا من دلائل النبوة التي هي في سيرته وصورته وجوارحه ومشاعره (ص).
الإشارة الخامسة عشرة
إنَّ الحيوانات والأموات والجن والملائكة تعرف ذلك النبي الكريم (ص)، فتبرز كل طائفة منها بعضًا من معجزاته تصديقًا لنبوته وإعلانًا عنها مثلما أظهرتها الأحجار والأشجار والقمر والشمس، وبيّنت أنها تعرف النبي (ص) وتصدّق نبوته.
هذه الإشارة الخامسة عشرة تتضمن ثلاث شعب:

الشعبة الأولى

هي معرفة جنس الحيوان للنبي (ص) وإظهاره معجزاته. لهذه الشعبة أمثلة كثيرة نذكر هنا بعض ما هو مشهور ومقطوع به بالتواتر المعنوي من الحوادث، أو ما هو مقبول لدى أئمة العلم، أو تلقته الأمةُ بالقبول.
الحادثة الأولى: حادثة الغار المشهورة إلى حدّ التواتر المعنوي، وهي أنَّ الرسول الأكرم (ص)، عندما تحصّن في الغار مع أبي بكر الصديق نجاةً من طلب قريش له، "أمر اللّٰه حمامتين
— 188 —
فوقفتا بفم الغار وفي حديث آخر؛ أن العنكبوت نسجتْ على بابه" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣١٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٤٨؛ عبد الرزاق، المصنف ٥/٣٨٩؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/١٧٩-١٨١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٤٠تقو٢٠/٤٤٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٢٨-٢٢٩. حتى إن أُبي بن خلف -وهو من صناديد قريش، وقد قتله الرسولُ الكريم (ص) يوم بدر- حين طلب منه كفرةُ قريش دخول الغار، قال: "ما أربُكم [٭]: (أربكم): حاجتكم. فيه، وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه نُسجَ قبل أن يولَد محمد" ووقفتْ حمامتان على فم الغار، فقالت قريش: "لو كان فيه أحدٌ لم تكن الحمامتان ببابه والنبيُّ (ص) يسمع كلامَهم، فانصرفوا". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٤٨؛ عبد الرزاق، المصنف ٥/٣٨٩؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/١٧٩-١٨١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٤٠٧، ٢٠/٤٤٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٢٨-٢٢٩.
"وروى ابن وهب، أن حمامَ مكة، أظلّت النبيَ (ص)، يوم فتحِها، فدعا لها بالبركة". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣١٣؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٢١٠؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٧.
"وعن عائشة رضي اللّٰه عنها؛ قالت: كان عندنا داجنٌ، [٭]: (داجن): ما يألف البيت من الحيوان. فإذا كان عندنا رسول اللّٰه (ص) قرّ وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب وإذا خرج رسولُ اللّٰه (ص) جاءَ وذهب". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٦/١١٢، ١٥٠، ٢٠٩؛ أبو يعلى، المسند ٧/٤١٨، ٨/١٢١؛ ابن عبد البر، التمهيد ٦/٣١٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٣١. أي أن ذلك الحمام كان يوقّر النبي (ص) فيهدأ ويَسكن في حضوره.
الحادثة الثانية: "وهیي قصة الذئیب المشهورة"، وقد رويت بطرق كثيرة حتى أخیذت حكم التواتر، وقد نقلت هذه القصة العجيبة بطرق كثيرة عن مشاهير الصحابة الكرام ، منهم: أبو سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، وابن أبي وهب، وأبو هريرة، وصاحب القصة: الراعي أُهبان. فقد روى هؤلاء بطرق عديدة أنه "بينا راعٍ يرعى غنمًا له، عرضَ الذئبُ لشاةٍ منها، فأخذها منه، فأقعى [٭]: (أقعى): مكث على عقبيه ناصبًا يديه. الذئب، وقیال للراعي: ألا تتقي اللّٰه، حُلْتَ بيني وبين رزقي، قال الراعي: العجَب من ذئب يتكلم بكلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرُك بأعجبَ من ذلك؟ رسولُ اللّٰه بين الحَرّتين [٭]: (الحرتين): المقصود المدينة المنورة. يحدِّث الناس بأنباءِ ما سبق.. قد فتحت له أبوابُ الجنة.. يدعوكم إليها". [٭]: انظر: البخاري، الأنبياء ٥٤، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥، ٦؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٨٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٣٠٨.
— 189 —
ومع أن كل الطرق مجمعةٌ على تكلّم الذئب، إلّا أن أقواها هو الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي اللّٰه عنه ففيه: "قال الراعي: مَن لي بغنمي؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلمَ الرجلُ إليه غنمَه ومضى، وذكر قصته، وإسلامه، ووجودَه النبيَّ (ص) يقاتل" فرجع فوجد الذئبَ راعيًا أمينًا، ولا نقص في الأغنام "وذبح للذئب شاةً منها" جزاء إرشاده له. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣١١؛ القرطبي، الإعلام بما في دين النصارى ٣٦١؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٤-٦٣٥.
وفي طريق آخر "أنه جرى لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجَداه أخذ ظبيًا فدخل الظبيُ الحرمَ، فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجبُ من ذلك محمد بن عبد اللّٰه بالمدينة يدعوكم إلى الجنة.. فقال أبو سفيان: واللات والعزّى لئن ذكرتَ هذا بمكة لتتركنّها خلوفًا". [٭]: (الخلوف): أي خالية من أهلها. القاضي عياض، الشفا١/ ٣١١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١٤٦؛ القرطبي، الإعلام بما في دين النصارى ٣٦١.
نحصل من هذا: أن قصة الذئب تورث قناعة واطمئنانًا كالمتواتر المعنوي.
الحادثة الثالثة: هي قصة الجمل المروية بخمسة أو ستة طرق عن مشاهير الصحابة: أبو هريرة، [٭]: الهيثمي، مجمع الزوائد ٩/٧. وثعلبة بن مالك، [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٨٢. وجابر بن عبد اللّٰه، [٭]: الدارمي، المقدمة ٤؛ أحمد بن حنبل ، المسند ٣/٣١٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٦؛ عبد بن حميد، المسند ١/٣٣٧. وعبد اللّٰه بن جعفر، [٭]: أبو داود، الجهاد ٤٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٠٤-٢٠٥. وعبد اللّٰه بن أبي أوفى، [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٨٤-٣٨٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٩. وأمثالهم، فهؤلاء جميعًا متفقون على أن: الجملَ قد جاء النبيَّ (ص) وسجد بين يديه سجدةَ تعظيم وإكرام وتكلّم معه. ويخبرون بطرق أخرى؛ أنَّ ذلك الجمل قد ثار في بستان "وكان لا يدخل أحیدٌ الحائط إلّا شدّ عليیه الجمل، فلما دخل عليه النبيُّ (ص) دعاه فوضع مِشْفَره [٭]: (المشفر للجمل): كالشفة للإنسان. على الأرض وبَرك بين يديه فخطمه". [٭]: (خطَمَه): وضع زمامه الذي يقاد به في رأسه. القاضي عياض، الشفا ١/٣١٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٧.
"وفي خبر آخر في حديث الجمل أنَّ النبي (ص) سألهم عن شأنه فأخبروا أنهم أرادوا ذبحه". [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٣.
— 190 —
"وفي رواية: أنه شكى إليَّ أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره، فقالوا: نعم.".
وأيضًا أن ناقة النبي (ص) المسماة بالعضباء "لم تأكل ولم تشرب بعد موته (ص) حتى ماتت" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣١٣. وذكر أبو إسحاق الاسفرائني "من قصة العضباء وكلامها للنبي (ص)" في أمر مهم. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣١٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٧.
وثبت في الصحيح أن جَمَل جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري أعيى في سفر فلم يمكن له أنْ يدوم على المسير فنَخسَه [٭]: (نخس): طعن في مؤخرة الدابة أو جنبها . النبي (ص) نخسةً خفيفةً "فنشط حتى كان لا يملك زمامه" وذلك بما رأى من لطف معاملته (ص). [٭]: انظر: البخاري، البيوع ٣٤، الشروط ٤، الجهاد ١١٣، النكاح ١٠، ١٢٢؛ مسلم، الرضاعة ٥٦، ٥٨، المساقاة ١٠٩-١١٣.
الحادثة الرابعة: روى البخاري وأئمة الحديث: "لقد فزع أهلُ المدينة ليلةً فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت فتلقّاهم رسولُ اللّٰه (ص) راجعًا قد سَبَقَهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبرَ على فرسٍ لأبي طلحة عُريٍ والسيفُ في عنقِه وهو يقول: لن تُراعوا" [٭]: (لن تراعوا): ليس هناك شيء تخافونه. وقال لأبي طلحة: وجدنا فرسَك بحرًا [٭]: انظر: البخاري، الهبة ٣٣، الجهاد ٢٤، ٤٦، ٥٠، ٨٢، ١١٦، ١١٧، ١٦٥، الأدب ٣٩، ١١٦؛ مسلم، فضائل الصحابة ٤٨-٤٩. وكان به قطاف، أي يبطئ. فأصبح بعد تلك الليلة لا يجارَى. [٭]: ابن ماجه، الجهاد ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١٤٧؛ عبد بن حميد، المسند ١/٣٩٨.
وثبت برواية صحيحة أنه "قال لفرسه -عليه السلام- وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره: لا تبرحْ بارك اللّٰه فيك حتى نَفْرغَ من صلاتنا. وجعله قبلتَه، فما حرّك عضوًا حتى صلّى (ص)". [٭]: القاضي عياض، الشفا١/ ٣١٥؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٤١.
الحادثة الخامسة: هي "تسخير الأسد لسفينة -مولى رسول اللّٰه (ص)- إذ وجّهَه إلى مُعاذ باليمن فلقي الأسدَ فعرّفه: أنه مولى رسول اللّٰه (ص) ومعه كتابُهُ فَهَمْهَمَ وتنحّى عن الطريق. وذكر في منصرفِه مثل ذلك" وفي رواية أخرى عنه: أنَّ سفينة ضَلَّ الطريق في العودة فرأى الأسدَ، قال: "جعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق". [٭]: البزار، المسند ٩/٢٨٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٨٠؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٤٥-٤٦.
— 191 —
"وروي عن عمر أن رسول اللّٰه (ص) كان في محفَل من أصحابه إذ جاء أعرابيٌ قد صاد ضَبًا، فقال: من هذا؟ قالوا: نبيُّ اللّٰه، فقال: واللات والعزّى لا آمنتُ بك أو يؤمن بك هذا الضَب وطرحَه بين يدي النبي (ص) فقال النبي (ص) له: يا ضَبُّ، فأجابه بلسان بيّن يسمعه القومُ جميعًا: لبيك وسعديك..." [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٢٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٣٦-٣٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٧٧-٣٧٩. فآمن الأعرابي.
"وعن أم سلمة: كان النبي (ص) في صحراء، فنادته ظبيةٌ: يا رسول اللّٰه" إلى آخر الحديث "فخرجتْ تجري هي تقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وأنك رسول اللّٰه ". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/٣٣١؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/١٠١.
وهكذا فهناك أمثال هذه النماذج كثيرة جدًّا. لم نبين إلّا ما اشتهر من الأمثلة القاطعة.
فيا أيها الإنسان ويا من لا يعرف هذا الرسول الكريم (ص) ولا يطيعُه، اعتبر! واسعَ لئلا تتردّى في ما هو أدنى من الذئب والأسد، فهذه الحيوانات تعرف الرسول الكريم وتطيعه.
الشعبة الثانية
هي معرفةُ الموتى والجن والملائكة الرسولَ الكريم (ص)، ولها وقائع كثيرة جدًّا سنذكر منها على سبيل المثال بضعة أمثلة مشهورة نقلها الأئمةُ الثقات.. سنذكر أولًا أمثلةَ الموتى، أما الجن والملائكة فأمثلتُها متواترة وكثيرة جدًّا.
المثال الأول: روى الإمام الحسن البصري، وهو إمام علماء الظاهر والباطن ومن أصدق تلاميذ الإمام علي كرم اللّٰه وجهه في عهد التابعين: "أتى رجل النبي (ص)، فذكر له أنه طرح بُنيَّةً له في وادي كذا" فرقّ عليه رسولُ اللّٰه (ص) "فانَطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة أجيبي بإذن اللّٰه تعالى، فخرجتْ وهي تقول: لبيك وسعديك: فقال لها: إن أبوَيك قد أسلما -فإن أحببتِ- أن أردّك عليهما. قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدتُ اللّٰه خيرًا لي منهما". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٢٠؛ القرطبي، الإعلام بما في دين النصارى ٣٦٤؛ علي القاري، شرح الشفا١/٦٤٨.
المثال الثاني: روى الإمام البيهقي والإمام ابن عَدي مسندًا "عن أنس أن شابًا من الأنصار توفي، وله أمٌ عجوز عمياء -وهو وحيدُها- فسجَيناه، وعزّيناها، فقالت: ابني! قلنا: نعم. قالت: اللّٰهم إن كنتَ تعلم أني هاجرتُ إليك وإلى نبيك رجاءَ أن تعينَني على كل شدة، فلا تحملنَّ عليّ هذه المصيبة. فما برحنا أن كشف الثوبَ عن وجهه، فطعم وطعمنا". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٠؛ ابن عدي، الكامل ٤/٦٢.
— 192 —
وقد أشار إلى هذه الحادثة العجيبة الإمامُ البوصيري في قصيدته "بردة المديح" قائلًا:
لو ناسَبَتْ قَدْرَه آياتُه عِظَمًا أحيى اسمُه حين يُدعَى دارسَ الرِّمَم
الحادثة الثالثة: روى الإمام البيهقي وغيرُه "عن عبد اللّٰه بن عبيد اللّٰه الأنصاري: كنت فيمن دفنَ ثابت بن قيس، وكان قُتل في اليمامة، فسمعناه حين أدخلناه القبرَ يقول: محمدٌ رسول اللّٰه، أبو بكر الصديق وعمر الشهيد، عثمان البَرُّ الرحيم. فنظرنا إليه فإذا هو ميّت" [٭]: انظر: البخاري، التاريخ الكبير ٥/١٣٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٨؛ القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٢٠. فأخبر عن استشهاد عمر قبل تولّيه الخلافة.
الحادثة الرابعة: "روى الإمام الطبراني وأبو نعيم في دلائل النبوة عن النعمان بن بشير أن زيد بن خارجة خَرّ ميتًا في بعض أزقّة المدينة فرفع وسُجّي، إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخنَ حوله يقول: انصتوا انصتوا، فَحسَر عن وجهه، فقال: محمدٌ رسول اللّٰه...".. "ثم قال: السلام عليك يا رسول اللّٰه ورحمة اللّٰه وبركاته. ثم عاد ميتًا كما كان". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٥/٢١٨-٢١٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٦-٥٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٢١.
فإذا كان الموتى الذين لا حياةَ لهم يصدّقون رسالته (ص) فكيف إن لم يصدّقه من له حياة؟ أليس هؤلاء الأحياء الأشقياء هم أكثر فقدًا للحياة من أولئك الموتى؟
أما خدمةُ الملائكة للنبي (ص) وظهورُهم له وإيمانُ الجن به وطاعتُهم له، فهو ثابتٌ بالتواتر، وقد صرّح القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته الكريمة، وكانت خمسةُ آلافٍ من الملائكة طوعَ أمره -كالصحابة الكرام- في غزوة بدر كما ورد في القرآن الكريم، حتى إن أولئك الملائكة نالوا -بين الملائكة الآخرين- شرفَ الاشتراك في المعركة كما ناله أصحابُ بدر. [٭]: البخاري، المغازي ١١؛ ابن ماجة، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤٦٥. في هذه المسألة جهتان:
الأولى: وجود الجن والملائكة وعلاقاتهم معنا. فهذا ثابتٌ ثبوتًا قاطعًا كوجود الحيوان والإنسان الذي لا يشك فيه أحدٌ. وقد أثبتنا هذا بيقين جازم في "الكلمة التاسعة والعشرين" فنحيل الإثباتَ إلى تلك الكلمة.
— 193 —
الجهة الثانية: هي رؤية أفراد الأمة وتكلمُهم مع الملائكة والجن بما حازوا من شرف الانتساب إلى الرسول الكريم (ص) وإظهارًا لأثر من آثار معجزاته.
فقد روى البخاري ومسلم وأئمةُ الحديث بالاتفاق: "عن عمر رضي اللّٰه عنه قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول اللّٰه (ص) ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منا أحدٌ حتى جلس إلى النبي (ص)".. فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وقد عرّف له الرسول (ص) كلًا مما سأل. "ثم قال: يا عمر أتدري مَن السائل، قلتُ: اللّٰه ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينَكم". [٭]: البخاري، الإيمان، تفسير سورة لقمان؛ مسلم، الإيمان ١، ٥، ٧.
وثبت بروايات صحيحة مقطوع بها وفي درجة التواتر المعنوي يرويها أئمةُ الحديث: أنَّ الصحابة كثيرًا ما كانوا يرون جبريل عليه السلام عند النبي (ص) في صورة دحية الكلبي رضي اللّٰه عنه صاحب الحُسن والجمال، [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٢/١٠٧، ٦/٧٤، ١٤١، ١٤٦؛ الترمذي، المناقب ٤٣؛ البخاري، مناقب أصحاب النبي (ص) ٢٥، فضائل القرآن ١؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٠٠. منهم عمر وابن عباس وأسامة وحارث وعائشة الصديقة وأم سلمة رضي اللّٰه عنهم أجمعين فيقولون: إنّا نرى جبريل عند النبي (ص) في صورة دحية الكلبي في كثير من الأحيان. أفيمكن أن يقول هؤلاء لشيء: نرى، وهم لم يروه؟!.
وثبت بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص -أحد المبشَّرين بالجنة وفاتح فارس- قال: إننا رأينا في غزوة أُحد أن الرسول (ص) "على يمينه ويساره جبريلُ و ميكائيل في صورة رجلَين عليهما ثياب بيض" [٭]: البخاري، المغازي ١٨، اللباس ٢٤؛ مسلم، فضائل الصحابة٤٦-٤٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٦١. وهما على هيئة حارسَين محافظين له. فإذا قال بطلٌ من أبطال الإسلام مثلُ سعد: رأينا، فهل يمكن أن يحدث الخلاف؟.
ثم إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -ابن عم الرسول (ص)- رأى يوم بدر "رجالًا بيضًا على خيل بُلقٍ [٭]: (بلق): فيها بياض ولون آخر. بين السماء والأرض". [٭]: ابن هشام، السيرة ٣/١٩٧؛ البزار، المسند ٩/٣١٧؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ٤/٧٤-٧٥؛ الواقدي، كتاب المغازي ١/٧٦.
"وأَرى النبيُّ (ص) لحمزةَ جبريلَ في الكعبة فخرّ مغشيًا عليه". [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/١٢ ؛ البيهقي، دلائل النبوة ٧/٨١؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٢٠٨
— 194 —
فأمثلة رؤية الملائكة هذه كثيرة جدًّا، وجميع هذه الوقائع تظهر نوعًا من المعجزات الأحمدية وتدلّ على أنَّ الملائكة تحوم كالفَراش حول نور نبوته.
أما اللقاء مع الجن ومشاهدتهم، فيقع كثيرًا جدًّا حتى مع عامة الناس، فكيف بالصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، إلّا أن أئمة الحديث ينقلون إلينا أصحّ الأخبار وأثبتها.
"رأى عبد اللّٰه بن مسعود الجن ليلة الجن -أي اهتدائهم في بطن نخل- وسمع كلامَهم وشبّههم برجال الزط" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٥٥؛ البزار، المسند ٥/٢٦٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٦٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٣١. وهم قوم من السودان طوال.
ثم إن حادثة مشهورة ينقلها ويخرّجها أئمةُ الحديث ويقبلون بها وهي "قتل خالد بن الوليد -عند هدمه العُزّى- [٭]: (العزّى): شجرة أو ثلاثة أشجار في مكان واحد بنوا عليها بناء، كانت غطفان يعبدونها.. للسوداء التي خرجت له ناشرةً شعرَها عريانة [٭]: (عريانة): واضعة يدها على رأسها داعية يا ويلها. فجزَلَها [٭]: (جزلها): جعلها قطعتين. بسيفه وأعْلَمَ النبي (ص) فقال: تلك العزّى"، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/١٤٥؛ الواقدي، كتاب المغازي ٣/٨٧٣- ٨٧٤؛ النسائي، السنن الكبرى ٤/٤٧٤؛ أبو يعلى، المسند ٢/١٩٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٥/٧٧. فكان الناس يعبدونها وهي في صنم العزى. ولن تُعبد أبدًا.
"وعن عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه، أنه قال: بينا نحن جلوس مع النبي (ص) إذ أقبل شيخٌ بيده عصًا فسلّم على النبي (ص) فردّ عليه. وقال (ص): نغمةُ الجن، من أنت؟ قال: أنا هامه". "في حديث طويل وأن النبي (ص) علّمه سورًا من القرآن" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٥/٤١٨-٤٢٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٧٠-٣٧٢؛ القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٦٣؛ الذهقث، ميزان الاعتدال ١/٣٣٨، ٦/٢٠٧. فهذه الحادثة رغم أنها انتُقدت من قِبل رجال الحديث [٭]: انظر: ابن الجوزي، الموضوعات ١/٢٠٧-٢٠٩؛ السيوطي، اللآلئ المصنوعة ١/١٧٤-١٧٧. إلّا أن أئمةَ آخرين قد حكموا بصحتها... [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٥/٤٢٠؛ الخفاجي، نسيم الرياض ٤/٢٩٦. وعلى كل حال فلا نرى ضرورة في الإسهاب، فالأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًّا.
ونقول أيضًا:
— 195 —
إن الذين تنوّروا بنور النبي (ص) وتربوا بتعاليمه واقتفوا أثره وهم يربون على الألوف من أمثال الشيخ الكيلاني من الأولياء الأقطاب والعلماء الأصفياء قد التقوا الملائكة والجن وتكلموا معهم، فالروايات متواترة وموفورة وقطعية. [٭]: وذكر الشيخ ابن تيمية في كتابه (التوسل والوسيلة) حادثة من هذا القبيل (ص: ٢٤): "قال الشيخ عبد القادر الكيلاني (قدس اللّٰه سره): كنت مرة في العبادة فرأيت عرشًا عظيمًا وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر! أنا ربك وقد حللت لك ما حرّمت على غيرك. قال: فقلت له: أأنت اللّٰه الذي لا إله إلّا هو؟ إخسأ يا عدو اللّٰه. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة. وقال: يا عبد القادر نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنتُ بهذه القصة سبعين رجلا، فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي "حللت لك ما حرمت على غيرك" وقد علمت أن شريعة محمد (ص) لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال: أنا ربك ولم يقدر أن يقول أنا اللّٰه الذي لا اله إلّا أنا" اهیی راجع الفتاوى (١١/ ٣٠٧).
نعم إن لقاء الأمة المحمدية الملائكة والجن وتكلّمَهم معهم إنما هو أثرٌ من آثار التربية النبوية وهدايتها الخارقة.
الشعبة الثالثة
إنَّ عصمةَ اللّٰه تعالى للرسول الكريم (ص) وحفظَه له من أذى الناس معجزةٌ باهرة وحقيقة جلية نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: واللّٰه يَعْصمُكَ مِن النّاس (المائدة: ٦٧). ففي هذه الآية الكريمة معجزات كثيرة. إذ لمّا أعلن الرسول الكريم (ص) نبوتَه فإنه لم يتَحدَّ طائفةً واحدة ولا قومًا ولا ساسةً ولا حكامًا معينين ولا مجتمعه بل تحدى جميعَ السلاطين وجميع أهل الأديان، تحداهم جميعًا ولا عاصمَ له إلا اللّٰه، وحتى عمُّه قد ناصبَه العداء. وقومُه وقبيلتُه كانوا أعداء له، ومع هذا ظلَّ ثلاثًا وعشرين سنة من غير حارس يحرسه، رغم تعرّضه لمخاطرَ ومهالك كثيرة، ولقد عصمَه اللّٰه من الناس وحفظَه حتى انتقل إلى الملأ الأعلى باطمئنان كامل. مما يدلّنا دلالةَ الشمس في وضح النهار مدى رصانة الحقيقة التي تنطوي عليها الآية الكريمة: واللّٰه يَعْصمُكَ مِن النّاس ومدى كونها نقطة استناد له (ص).
وسنذكر بضعًا من الحوادث التي هي ثابتة ثبوتًا قطعيًّا ونسوقها على سبيل المثال:
الحادثة الأولى: يروي أهلُ السيرة والحديث متفقين على أنه: عندما اجتمعت قريش على قتله (ص) جاءهم إبليسُ في هيئة شيخ ودلّهم على أن يؤخَذ من كل قبيلة فتًى -لئلا يَقع النیزاع بينهم- فسار ما يناهز مائتي رجل بقيادة أبي جهل وأبي لهب نحو بيت النبي (ص) وكان عنده
— 196 —
علي رضي اللّٰه عنه فأمره أن ينام على فراشه وانتظرهم الرسول (ص) حتى أتت قريش وحاصروا البيت "فخرج عليهم (ص) من بيته فقام على رؤوسهم وقد ضرب اللّٰه تعالى على أبصارهم وذرّ الترابَ على رؤوسهم، وخَلَصَ منهم". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٦-٨؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٢٧-٢٢٨؛ وانظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٠٣، ٣٦٨؛ سعيد بن منصور، السنن ٢/٣٧٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٩٩.
وأيضًا "حمايته عن رؤيتهم في الغار بما هيأ اللّٰه من الآيات ومن العنكبوت الذي نسج عليه.. ووقفت حمامتان على فم الغار". [٭]: مضى تخريجه في الشعبة الأولى من هذه الاشارة.
الحادثة الثانية: وهي قصة سراقة بن مالك [٭]: البخاري، مناقب أصحاب النبي (ص) ٢٥، فضائل الأصحاب ٢، مناقب الأنصار ٤٥؛ مسلم، الزهد ٧٥. "حين الهجرة، وقد جعلتْ قريش فيه (ص) وفي أبي بكر الجعائل [٭]: (الجعائل): جمع جعيلة، ما يعطى في مقابلة عمل ما. فأنذر به، فركب فرسه واتبعه حتى إذا قرُب منه دعا عليه النبي (ص) فساختْ قوائمُ فرسه فخرّ عنها... ثم ركب ودنا حتى سمع قراءَة النبي (ص) وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي اللّٰه عنه يلتفت وقال للنبي (ص) أوتينا، فقال: لا تحزن إن اللّٰه معنا" كما قاله في الغار "فساخت ثانية إلى ركبتَيها وخرّ عنها فزجرها فنهضت ولقوائمها مثلُ الدخان، فناداهم بالأمان، فكتب له النبي (ص) أمانًا... وأمرَه النبي (ص) أن لا يترك أحدًا يلحق بهم فانصرف".
"وفي خبر آخر أن راعيًا عرف خبرهما، فخرج يشتد يُعلِمُ قريشًا فلما ورد مكة ضُرب على قلبِه، فما يدري ما يصنع وأُنسِيَ ما خرج له حتى رجع إلى موضعه" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٥١؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧١٥. ثم عرف أنه قد أُنسيَ.
الحادثة الثالثة: يروي أئمة الحديث بطرق متعددة أنه في غزوة (غطفان) و (أنمار) أراد رئيسُ قبيلته وهو "غورث بن الحارث المحاربي أن يفتك بالنبي (ص) فلم يَشعر به (ص) إلّا وهو قائم على رأسه منتضيًا سيفَه فقال: اللّٰهم اكفنيه بما شئتَ فانكبّ لوجهه من زُلَّخةٍ [٭]: (زلخة): وجع يأخذ في الظهر فيمنع الإنسان من الحركة. زُلَّخَها بين كتفيه وندر [٭]: (ندر): سقط من جوف أو من بين أشياء . سيفُه من يده". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٧؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧١٠؛ الحاكم، المستدرك ٣/٢٩-٣٠.
— 197 —
وروى أنه (ص) أتاه أعرابي "فاخترط سيفَه ثم قال: مَن يمنعك مني؟ فقال: اللّٰه! فارتعدتْ يدُ الأعرابي وسقط سيفُه" فأخذه النبي (ص) وقال: ومَن يمنعك الآن؟ ثم عفا عنه النبي (ص) "فرجع إلى قومه وقال: جئتُكم من عند خير الناس. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٦٤-٣٩٠؛ ابن حبان، الصحيح ٧/١٣٨؛ أبو يعلى، المسند ٣/٣١٣؛ وانظر: البخاري، الجهاد ٨٤، ٨٧، المغازي ٣١-٣٢؛ مسلم، صلاة المسافرين ٣١١؛ فضائل الصحابة ١٣. وقد حكيت مثل هذه الحكاية أنها جرت له يوم بدر وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجته فتتبّعه رجلٌ من المنافقين، وذكر مثله" أنه رفع سيفه ليهوي به على رسول اللّٰه (ص) وإذا به ينظر إليه فيرتعد المنافقُ ويسقط السيف من يده.
الحادثة الرابعة: روى أئمة الحديث برواية مشهورة قريبة من التواتر، وذكر أكثر علماءُ التفسير؛ أن سبب نیزول الآية الكريمة:
اِنّا جعلنا في أعناقِهِم أغلالًا فهي الى الأذقانِ فَهُم مُقمَحون٭ وَجَعلنا من بين أيديهم سَدًا ومِن خَلْفِهم سَدًا فأغشيناهم فهم لا يیبصِرون
(يس٨- ٩) [٭]: الطبري، جامع البيان ٢٢/١٥٢؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٥٦٥؛ السيوطي، الدر المنثور ٧/٤٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٩.
أن أبا جهل أقسم؛ لئن أرى محمدًا ساجدًا لأضربنّه بهذه الصخرة "فجاءه بصخرةٍ وهو ساجد وقريش ينظرون، ليطرحها عليه فلزقتْ بيده ويبسَتْ يداه إلى عنقه" [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٢/١٣٧-١٣٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٩٠-١٩١؛ وانظر: البخاري، تفسير سورة العلق ٤؛ مسلم، صفات المنافقين ٣٨. وبعد أن أتم الرسول (ص) صلاتَه انصرف وانطلقت يدُ أبي جهل. إما بإذنه (ص) أو لانتفاء الحاجة.
إن الوليد بن المغيرة "أتى النبيَّ (ص) ليقتُله بصخرة كبيرة فطمَس اللّٰه على بصره فلم يَرَ النبيَّ (ص)، وسمع قولَه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه" [٭]: الطبري، جامع البيان ٢٢/١٥٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٩٦- ١٩٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٢٠٠؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٨-٩. حتى إذا خرج الرسول (ص) من المسجد عاد بصرُه، لانتفاء الحاجة.
وثبت عن أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه أنه: بعدما نیزلت سورة تَبّتْ يدا أبي لهب أتت أمُّ جميل، امرأةُ أبي لهب الملقبة بحمالة الحطب "رسولَ اللّٰه (ص) وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفي يدها فِهر [٭]: (فهر): حجر ملء الكف. من حجارة فلما وقفَتْ عليهما لم ترَ إلّا أبا بكر وأخذ
— 198 —
اللّٰه تعالى ببصرَها عن نبيّه (ص) فقالت: يا أبا بكر أين صاحبُك فقد بلغني أنه يهجوني، واللّٰه لو وجدتُه لضربتُ بهذا الفهر فاه". [٭]: الحميدي، المسند ١/١٥٣-١٥٤؛ البزار، المسند ١/٦٢، ٢١٢-٢١٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٢٣؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٤٠؛ أبو يعلى، المسند ١/٣٣، ٥٣، ٢٤٦.
نعم. لا ترى حطّابة جهنم -بلا شك- سلطانًا عظيمًا كهذا الذي خصّه اللّٰه بالدرجة الرفيعة.
الحادثة الخامسة: ثبت بالنقل الصحيح "خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس حين وفدا على النبي (ص)، وكان عامر قال له: أنا أُشغل عنك وجهَ محمد، فاضربْه أنت، فلم يره فَعَلَ شيئًا، فلما كلَّمه في ذلك، قال له: واللّٰه ما هممتُ أن أضربه إلّا وجدتك بيني وبينَه، أفأضربك؟". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٦٠-٢٦١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٣١٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٥/٣١٨-٣٢٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٢٠٧.
الحادثة السادسة: وثیبت بالنقل الصحيیح أيضًا "أن شيبة بن عثیمان الحجبي أدركه يوم حُینیيین" أو أُحید "وكان حمزة قد قَتَل أباه وعمَّه، فقال: اليیوم أدرك ثیأري من محمد، فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ورفع سيفَه ليصبَّه عليه. قال: وأحسّ بي النبيُّ (ص) فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغضُ الخلق إليّ فما رفعَها إلّا وهیو أحیبُّ الخلق إليّ. وقال لیي: ادنُ، فقاتِل، فتقدمتُ أمامه أضرب بسيفي وأقِيه بنفسي، ولو لقيتُ أبي تیلیك الساعة لأوقعتُ به دونه". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٧/٢٩٨؛ وانظر: الواقدي، كتاب المغازي ٣/٩٠٩-٩١٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٩٥؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/٤٩، ٢٢٨.
"وعین فُضیالة بین عمرو قال: أردتُ قیتل النبي (ص)، عام الفیتح، وهو يطوف بالبيت، فلما دنوتُ منه قال: أفُضالة؟ قلت: نعم! قال: ما كنتَ تُحدِّث به نفسك؟. قلتُ: لا شیيء. فضحك واستغفرَ لي ووضع يیدَه على صدري، فسكن قیلیبیي، فواللّٰه ما رفیعیهیا حتى ما خیلیق اللّٰه شيئًا أحیبَّ إليّ منیه". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٨٠؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٣٧٢؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٣٠٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٣/٥٦.
الحادثة السابعة: ثبت بالنقل الصحيح: أن اليهود تآمروا عليه عندما "جلس إلى
— 199 —
جدار.. فانبعث أحدهم ليطرح عليه رَحًى فقام النبي (ص) فانصرف" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٣/١٨٠-١٨١؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٨٩-٤٩٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٣٤٨. فبطل ما كانوا يفعلون بحفظ اللّٰه.
وهناك حوادث كثيرة من أمثال هذه الحادثة. فيروي الإمام البخاري ومسلم وأئمة الحديث "عن عائشة رضي اللّٰه عنها قالت: كان النبي (ص) يُحرَس حتى نیزلت هذه الآية: واللّٰه يعصمك من الناس فأخرج رسول اللّٰه (ص) رأسه من القبة: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربي عزّ وجل". [٭]: الترمذي، تفسير سورة المائدة ٤؛ النسائي، السنن الكبرى ٩/٨؛ سعيد بن منصور، السنن ٤/١٥٠٣-١٥٠٤.
هذه الرسالة توضح منذ البداية إلى هنا: إنَّ كل نوع من أنواع هذه الكائنات، وكل عالم منها، يَعْرف النبي (ص) وله معه رابطةٌ وعلاقة. إذ تُظهر معجزاته(ص) من كل نوع من أنواع الكائنات، أي أن هذا النبيَّ الكريم (ص) رسولٌ ومبعوث من قبل اللّٰه بوصفه ربّ العالمين وخالق الكون.
نعم، كما أن موظفًا مرموقًا ومفتشًا ذا منیزلةٍ عند السلطان تعرفه كلُّ دائرة من دوائر الدولة، وإذا ما دخل أيًا منها سيلقى ترحابًا حارًا؛ لأنه مأمورٌ من قِبَل السلطان الأعظم، إذ لو فرضنا أنه كان مفتشًا للعدل فحسب، فسوف ترحّب به دوائر العدل فقط، ولا تعرفه جيدًا الدوائر الأخرى، ولو كان مفتشًا عامًا للجيش فلا تعرفُه الدوائر الرسمية الأخرى للدولة.. بينما يُفهَم من الأمثلة السابقة أن جميعَ دوائر السلطنة الإلهية تعرفه (ص) معرفةً جيدة أو يعرّفه اللّٰه لهم ابتداءً من الملائكة إلى الذباب والعنكبوت. فهو بلا شك خاتمُ الأنبياء ورسول رب العالمين، وأن رسالته عامةٌ للكائنات قاطبة لا تختص بأمةٍ دون أمة كغيره من الأنبياء والمرسلين.
— 200 —

الإشارة السادسة عشرة

وهي الإرهاصات: أي الخوارقُ التي ظهرت قبل النبوة، وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها، وهي على ثلاثة أقسام:

القسم الأول

ما أخبرتْ به التوراةُ والإنجيل والزبور وصحفُ الأنبياء عليهم السلام عن نبوة محمد (ص) وهو ثابتٌ بنص القرآن الكريم.
نعم، فما دامت تلك الكتبُ كتبًا سماوية، وأصحابُها هم أنبياءُ كرام عليهم السلام، فلابد أن إخبارَها عمن سيضيء بالنور الذي يأتيه نصفَ المعمورة، وينسخُ الأديان الأخرى، ويغيّر ملامحَ الكون، أقول لابد أنّ ذكرَها لهذه الذات المباركة ضروري وقطعي. أفيمكن لتلك الكتب التي لا تُهمل حوادث جزئية ألّا تذكر أعظم حادثة في تاريخ البشرية تلك هي حادثة البعثة المحمدية؟ وإذا كان لابد لها أن تبحث عنها وتذكُرها، فهي إما ستكذّبُها كي تصون دينَها وكتابَها من النسخ والتخريب، أو ستصدّقُها، أي تصدّق ذلك النبيَّ الحقَّ كي تحافظ على دينها وكتابها من تسرب الخرافات وتسلل التحريفات. ولما كان الأصدقاء والأعداء متفقين على عدم وجود أية أمارة في تلك الكتب للتكذيب مهما كانت، فهناك إذن أمارات التصديق. فما دام التصديقُ قائمًا بصورة مطلقة، وأن هناك علةً قاطعة، وسببًا أساسًا يقتضي وجود هذا التصديق، فنحن بدورنا سنثبت ذلك التصديق بثلاث حجج قاطعة تدل على وجوده:
الحجة الأولى: إنَّ الرسول الأعظم (ص) تلا عليهم آيات كريمة يتحداهم بها، وكأنه يقول لهم بلسان القرآن الكريم: إن كتبكم تصدّق ما تشتمل عليه شمائلي وأوصافي وتصدّق ما أبلّغه للعالمين.
قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين
(آل عمران: ٩٣)
فَقُل تعالوا ندعُ ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لَعْنَتَ اللّٰه على الكاذبين
(آل عمران: ٦١).
ومع هذا التحدي الواضح لم يتقدم حبرٌ من أحبار اليهود، ولا قسٌّ من قسس النصارى
— 201 —
إلى إظهار خلاف ما يقوله (ص). فلو كان هناك شيء مهما كان طفيفًا من هذا القبيل لأعلنه أولئك الكفارُ والمنافقون من اليهود ذوو العناد والحسد، وهم كثيرون في كل مكان وزمان.
فكان التحدي؛ إما أن يجدوا أيَّ خلاف كان فيما يبلّغ من أوامر اللّٰه سبحانه، أو سيجاهدهم جهادًا لا هوادة فيه. وهم لعجزهم عن الإتيان بخلاف ما يبلّغ آثروا الحرب والدمار والهجرة، أي أنهم لم يجدوا شيئًا كي يلزموه. ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال وتخريب الديار.
الحجة الثانية: لقد خالطتْ آياتِ التوراة والإنجيل والزبور كلماتٌ غريبة عنها، لتوالي ترجماتها، والتباس كلام المفسرين وتأويلاتهم الخاطئة مع آياتها، حيث إن آياتِها ليس فيها الإعجاز الذي في آيات القرآن الكريم، فضلا عما قام به الجهلاءُ وذوو الأغراض السيئة من تحريفات في تلك الكتب، فزادت من تلك التحريفات والتغييرات حتى إن العلامة المشهور رحمتَ اللّٰه الهندي ألزم الحجة علماء اليهود والنصارى بإظهار ألوفٍ من التحريفات في الكتب السابقة.
ومع هذا القدر من التحريفات، فقد استخرج في هذا العصر العالمُ المشهور حسين الجسر-رحمه اللّٰه- مائة دليل وعشرة على نبوته (ص) من تلك الكتب وأثبتها في كتابه المسمى بی"الرسالة الحميدية" وقام المرحوم إسماعيل حقي المناسطري بترجمة الكتاب إلى اللغة التركية، فمن أراد فليراجعه.
ثم إن كثيرًا من علماء اليهود والنصارى قد أقروا: أنَّ في كتبنا أوصافَ النبي محمد (ص)، منهم: هرقل من ملوك الروم الذي اعترف قائلا: "إن عيسى عليه السلام قد بشّر بمحمد (ص)" [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٦؛ مسلم، الجهاد ٧٤. كما اعترف صاحبُ مصر "المقوقس، [٭]: انظر: الواقدي، كتاب المغازي ٣/٩٦٤-٩٦٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٨٥، ٨٩؛ ابن حجر، الإصابة ٦/٣٧٧. و ابن صوريا، [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/١٠٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٤؛ البيهقي، السنن الكبرى ٨/٢٤٦. و ابن أخطب [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٥٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٧٧- ٧٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/٢١٢. وأخوه كعب بن أسد [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٤/١٩٥؛ الطبري، جامع البيان ٢١، ١٥١، تاريخ الأمم والملوك ٢/٩٩. والزبير بن باطيا [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٤؛ الواقدي، كتاب المغازي ٢/٥٠٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٨٥-٨٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/٣٦٢. وغيرهم من علماء اليهود" ورؤسائهم قائلين: "نعم، إنَّ أوصافه موجودةٌ في كتبنا، ومذكورة فيها".
— 202 —
كما أنَّ كثيرًا من مشاهير علماء اليهود والنصارى قد نبذوا الخصومةَ والعناد وآمنوا بالإسلام بعدما رأوا أوصاف النبي (ص) في كتبهم، وبيّنوها لغيرهم من العلماء، فألزموهم الحجة. منهم: عبد اللّٰه بن سلام، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٤٩-٥١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٣٥٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٣٨٧. ووهب بن منبه، [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٣٩٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٣٢٦، ٦/٦٢. وأبو ياسر، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٥٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٧٧-٧٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/٢١٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٣١٥. وشامول -صاحب تُبعّ- كما آمن تبّع قبل البعثة غيابًا، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٨-١٥٩؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ١١/١٤. وإبنا سَعْية وهما أسيد وثعلَبة اللذان ناديا في قبيلة بني النضير منددَين بهم عندما حاربت الرسولَ (ص) قائلَين: "واللّٰه هو الذي عَهِد إليكم فيه ابن هَيْبان". وابن هيْبان هذا هو الرجل العارف باللّٰه الذي كان قد نیزل ضيفًا على بني النضير قبل البعثة، وقال لهم: "قريبٌ ظهور نبي هذا دارُ هجرته" وتوفي هناك، إلّا أن قبيلة بني النضير لم تلق بالًا لهما، فأصابهم ما أصابهم. [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٢/٦٤-٦٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٣٨-٤٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٠-١٦٢.
كما آمن من علماء اليهود: ابن يامين، [٭]: ابن إسحاق، السيرة ١/٢٩-٣٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٣٥٣؛ ابن حجر، الإصابة ٦/٢٤٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٧/٢٧٥. و مخيريق، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٥١-٥٢؛ ٤-٣٧-٣٨؛ الواقدي، كتاب المغازي ٢/٢٦٢-٢٦٣؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٧٨-٧٩؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٧٣. و كعب الأحبار، [٭]: ابن إسحاق، السيرة ٢/١٢٣؛ الواقدي، كتاب المغازي ٣/١٠٨٣؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٥/٣٨٦؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٨٧. وأمثالهم كثير ممن رأوا نعت الرسیول (ص) في كتبهم وألزموا الحجة من لم يؤمنوا.
وممن أسلم من علماء النصارى بحيرا الراهب -كما مرّ سابقًا- وذلك عندما ذهب (ص) مع عمه أبي طالب إلى الشام، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فصنع بحيرا طعامًا لقافلة قريش، إكرامًا للنبي (ص) ثم نظر وإذا بالغمامة التي تظل القافلة باقيةٌ في مكانها، قال فالذي أريده إذن ما زال باقيًا هناك، فأرسل إليه من يأتي به، وقال لعمه أبي طالب: عُدْ به إلى مكة، فاليهود حسّاد يكيدون له، فإنا نجد أوصافَه في التوارة. [٭]: الترمذي، المناقب ٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٧؛ البزار، المسند ٨/٩٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٢؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٣١٩-٣٢٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٤-١٥٥.
— 203 —
وقد آمن كل من نسطور الحبشة [٭]: انظر: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٤؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٤٤. ومليكها النجاشي، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠-٢٦١؛ الحاكم، المستدرك ٢/٣٣٨، ٤/٢٣؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٣٢. لمّا رأيا أوصاف النبي (ص) في كتابهم. وأعلن العالم النصراني المشهور ضغاطر أوصافَه (ص) بين الروم، فاسیتیشهد. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٧٦؛ سعيد بن منصور، كتاب السنن ٢/٢٢٦؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٠١-١٠٢. وقید آمین أيضًا حارث بن أبي شمر الغساني [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/٩٤؛ ابن حجر، الإصابة ٦/٢٨٧؛ الخفاجي، رياض الأنف ٤/٣١٢. -العالم النصراني المشهور- ورؤسیاء الروحانيين في الشام، وملوكها أي صاحب إيليیا، و هرقل، [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٦؛ مسلم ، الجهاد ٧٤. وابن ناطور، [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٦؛ ابن منده ، الإيمان ٢٩٠-٢٩١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٢٦٥؛ ابن حجر، فتح الباري ١/٤٠. وجارود، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٦٩-٢٧٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٦/٥٦٣؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٨٥؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ١/٢٦٣. وأمثالهم، لمّا رأوا أوصافه (ص) في كتبهم. إلّا أن هرقل لم يعلن إيمانَه حرصًا على الحكم والسلطة.
وأمثال هؤلاء كثير مثل سلمان الفارسي الذي كان نصرانيًا، وما إن رأى أوصافه (ص) حتى أخذ يتحرى عنه ولمّا رآه أسلم. وكذلك تميم وهو عالم جليل، [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ١١/٧٣؛ وانظر: مسلم، الفتن ١١٩؛ أبو داود، الملاحم ١٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٣٨٩. والنجاشي ملك الحبشة المشهور، [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٢/٣٣٨، ٤/ ٢٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠-٢٦١؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٢؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٤/٣٦١. ونصارى الحبشة، [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/٧، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٢؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٢/٨٦؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٤؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/١٠٤. وأساقفة نجران.. [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٩٠-١٠٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٣٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/١٨٠. فهؤلاء كلهم يخبرون بالاتفاق: أننا آمنا لما رأينا أوصافه (ص) في كتبنا. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٥٤، ٤٣٨، ٤٤٢؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٦/٢٢٥، ٢٤٥، ٢٥٩، ٢٦٧؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٤٤-٤٧.
الحجة الثالثة: سنذكر على سبيل المثال فحسب، آيات من التوراة والإنجيل والزبور [٭]: أورد الأستاذ أغلب هذه الآيات باللغة العربية، وعندما حاولتُ إرجاع كل آية إلى مصدرها في الأناجيل وجدت اختلافًا كبيرًا بين طبعاتها وتفاوتًا واضحًا في ترجماتها المختلفة رغم الاحتفاظ بالمعنى العام، لذا أدرجتها كما ذكرها الأستاذ في الأصل. التي تبشر بالرسول (ص).
— 204 —
الأول: هناك آية في الزبور ما معناه: "اللّٰهم ابعث لنا مقيمَ السنة بعد الفترة". [٭]: علي القاري، شرح الشفا ١/٤٩٦؛ وانظر الخفاجي، نسيم الرياض ٣/٢٧٩؛ النبهاني، حجة اللّٰه على العالمين ١١٥. ومقيمُ السنة هو من أسمائه (ص).
وآية الإنجيل: "قال المسيح إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ليبعثَ فيكم الفارقليطا" [٭]: إنجيل يوحنا - الإصحاح السادس عشر، الآية: ٧-٨. أي ليبعث فيكم أحمد.
وآية أخرى من الإنجيل: "وإني أطلب من ربي فيعطيكم فارقليطًا يكون معكم إلى الأبد". [٭]: إنجيل يوحنا - الإصحاح الرابع عشر، الأية: ١٥-١٧.
والفارقليط: الفارق بين الحق والباطل، وهو اسم النبي (ص) في تلك الكتب. [٭]: ولكن يبدو أن المترجمين قد تركوا لفظ فارقليط في تراجمهم للإنجيل لشهرته لدى المسلمين في النبي محمد (ص) ولقد تتبع رحمت اللّٰه الهندي في "إظهار الحق" اختلاف الترجمات في مختلف الطبعات ابتداءً من أقدم طبعاتها.
وآية التوراة: "إن اللّٰه قال لإبراهيم. إنّ هاجر تلد ويكون من ولدها مَن يدُه فوق الجميع ويدُ الجميع مبسوطة إليه بالخشوع". [٭]: سفر التكوين - الإصحاح السابع عشر، الآية: ٢٠ .
وآية أخرى في التوراة: "وقال يا موسى إني مقيمٌ لهم نبيًا من بني إخوتهم مثلك وأجري قولي في فمه والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا أنتقم منه". [٭]: سفر التثنية - الإصحاح الثامن عشر، الآية: ١٧-١٩.
وآية ثالثة في التوراة: "قال موسى: رب إني أجد في التوراة أمةً هم خيرُ أمة أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون باللّٰه، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ١/٣٧٩؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٤٦. وانظر: الطبري، جامع البيان ٩/٦٥؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٢/٢٥٠؛ البغوي، معالم التنزيل ٢/٢٩٨.
تنبيه: لقد عبّرت الكتبُ عن اسم محمد (ص) بأسماء سريانية ضمن أسماء عبرية فمثلًا: (مشفَّح،
— 205 —
مُنْحَمنا، حمياطا) وغيرها من الأسماء التي ترد بمعنى محمد في اللغة العربية. أما الاسم الصريح "محمد" (ص) فلم يأت إلّا نادرًا، وهذا قد حرّفه اليهود لحسدهم وعنادهم، منها آية الزبور:
"يا داود يأتي بعدك نبيٌّ يسمى أحمد ومحمدًا صادقًا سيدًا، أمته مرحومة". وقد أعلن عن وجود هذه الآية الآتية في التوراة قبل أن تلعب فيها أيدي التحريف كثيرًا، كلٌّ من عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص وهو أحد العبادلة السبعة الذين لهم اطلاع واسع على الكتب السابقة، وعبد اللّٰه بن سلام وهو من مشاهير علماء اليهود الذي سبق أقرانه في الإسلام، وكعب الأحبار وهو من علماء اليهود. الآية تخاطب سيدنا موسى عليه السلام، ثم تتجه إلى النبي الذي سيأتي:
"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي، سمّيتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئةَ بالسيئة، بل يعفو ويغفر ولن يقبضه اللّٰه حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا اللّٰه". [٭]: (أشعيا) الإصحاح٤٢، الآية: ١- ١١.
وآية أخرى من التوراة: "محمد رسول اللّٰه مولده بمكة، وهجرته بطيبة، ومُلكه بالشام. وأمته الحمّادون" [٭]: الدارمي، المقدمة ٢؛ الطبري، المعجم الكبير ١٠/٨٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٥/٣٨٧. ولفظ "محمد" في هذه الآية قد ورد باسم سرياني يعني محمد.
وأيضًا آية أخرى من التوراة: "أنت عبدي ورسولي سميتُك المتوكل". فهذه الآية تخاطب الذي سيُبعث بعد موسى عليه السلام من بني إسماعيل الذين هم إخوة بني إسحاق. [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ١٨.
وآية أخرى من التوراة: "عبدي المختار ليس بفظٍّ ولا غليظ" [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ٤٢، الآية: ١-٢. والمختار هو المصطفى وهو اسم من أسماء النبي (ص). وقد جاءت تعاريفُ متنوعة تخص "رئيس العالم" الذي بُشّر به بعد عيسى عليه السلام في الإنجيل، [٭]: إنجيل يوحنا - الإصحاح ١٤، الآية ١٥-١٧؛ الإصحاح ١٦، الآية: ٧-٩. منها: "معه قضيب من حديد يقاتل به وأمتُه كذلك" [٭]: الإنجيل - المزامير - الإصحاح ٢، الآية ٩. فقضيبٌ من حديد يعني السيف. أي سيأتي من هو صاحب السيف، وأمتُه مأمورةٌ بالجهاد، كما وصفهم القرآن الكريم
— 206 —
في ختام سورة الفتح:
وَمَثلُهم في الانجيل كَزَرعٍ أخَرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَه فاستَغْلظَ فاستوى على سُوقه يُعجِبُ الزُرّاعَ ليغيظَ بهم الكفّار
(الفتح: ٢٩).
وهناك آيات كثيرة أخرى مشابهة لهذه في الإنجيل. [٭]: يورد الأستاذ المؤلف هذه الآيات في الإنجيل باللغة التركية مشيرًا إلى مواضعها.
جاءت في الباب الثالث والثلاثين من الكتاب الخامس من التوراة هذه الآية: "وقال: جاء الربّ من سيناء وأشرق لنا من ساعيرا ستعلن من جبل فاران ومعه أُلوف رايات الأطهار في يمينه". [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ٣٣، الآية: ٢.
فهذه الآية مثلما تخبر عن نبوة موسى عليه السلام بإقبال الحق من طور سينا، فهي تخبر عن نبوة عيسى عليه السلام بی "أشرق لنا من ساعيرا" وفي الوقت نفسه تخبر عن نبوة محمد (ص) بظهور الحق من فاران التي هي جبال الحجاز بالاتفاق، فالآية تخبر بالضرورة عن نبوته (ص). أما "ومعه ألوف الأطهار في يمينه" [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ٣٣، الآية: ٢. فهي تصدّق حكم الآية الكريمة في ختام سورة الفتح في:
ذلك مَثَلهُمْ في التوراة...
إذ تصف أصحابه (ص) بالأطهار القديسين وهم الأولياء الصالحون.
وجاءت هذه الآية في الباب الثاني والأربعين من كتاب النبي أشعيا: "إنَّ الحق سبحانه سيبعث صفيَّه في آخر الزمان وسيرسل إليه الروحَ الأمين وهو جبرائيل يعلّمه ثم بعد ذلك يعلّم الناس كما علّمه جبرائيل، ويحكم بين الناس بالحق، وهو نورٌ سيُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور. وقد علّمني ربي ما سيقع فأقول لكم". [٭]: سفر أشعيا - الإصحاح ٤٢، الآية: ١، ٤، ٧، ٩. فهذه الآية تبين بوضوح تام أوصاف الرسول (ص).
وفي الباب الرابع من كتاب النبي ميخائيل الآية الآتية:
"ستكون في آخر الزمان أمة مرحومة تعبد الحق وتوثر [٭]: توثر : تطأ. الجبل المقدس، ويجتمع إليها خلق كثير هناك من كل إقليم تعبد الرب ولا تشرك به". [٭]: سفر ميخائيل- الإصحاح ٤، الآية ١، ٢، ٥.
— 207 —
فهذه الآية تبين "عَرَفة" والخلق الكثير هم الحجاج الذين يقصدون ذلك الجبل المقدس ويعبدون اللّٰه، وإن الأمة المرحومة هي أمة محمد، حيث إن هذا الوصف شعارهم.
وفي الباب الثاني والسبعين من الزبور هذه الآية: "إنه يملك من البحر إلى البحر، ومن الأنهار إلى أقاصي الأرض، وتردُه الهدايا من اليمن و الجزائر، وتسجد له الملوك وتنقاد إليه، ويصلّى عليه كلَّ وقت ويدعى له بالبركة كل يوم. وتشع أنوارُه من المدينة، وسيدوم ذكره أبد الآباد، وأن اسمه موجود قبل أن تُخلق الشمس، وسيبقى اسمه ما بقيت الشمسُ". [٭]: سفر المزامير- الإصحاح ٧٢، الآية ١-١٩.
فهذه الآية صريحةٌ في وصف النبي (ص)، فهل جاء بعد نبي اللّٰه داود عليه السلام نبيٌّ غير محمد (ص) الذي أعلن الدين شرقًا وغربًا، وجعل الملوك يعطون له الجزية صاغرين، وانقاد له الملوك والسلاطين انقياد خضوع ومحبة، وتوهب له الصلوات والأدعية يوميًّا من خُمس البشرية، وبزغت أنوارُه من المدينة؟.. فهل هناك غيرُه؟.
والآية العشرون من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا (المترجم إلى التركية) هي: "لا أتكلم أيضًا معكم كثيرًا لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء أو ليس له عندي مثيل". [٭]: إنجيل يوحنا- الإصحاح ١٤، الآية: ٣٠.
فعبارة سيد العالم هو فخر العالم، وهو عنوان مشهور لسيدنا الرسول (ص).
والآية السابعة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا: "لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المُعزّي" [٭]: في طبعة الموصل سنة ١٨٧٦ "لا يأتيكم الفارقليط". فهل المسلّي بعد عيسى عليه السلام غيرُ محمد (ص). فهو الذي ينقذ البشرية من حكم الزوال والإعدام الأبدي فيسلّيها، وهو سيد العالمين وفخر الكائنات.
والآية الثامنة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا: "ومتى جاء ذاك يبكت العالمُ على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة" (أي يلزمهم على الخطيئة والصلاح والحكم) فالذي يبدّل فسادَ العالم إلى صلاح، وينقذ الناس من الآثام والخطايا والشرك، ويبدل أسس السياسة والحاكمية في الدنيا، مَن يكون غير محمد(ص) ؟.
— 208 —
والآية الحادية عشرة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا: "لقد جاء زمان قدوم سيد العالم" أو "وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دِينْ". فلابد أن المراد بسيد العالم (٭): نعم، أعظِم به من سيد، ينقاد له كل عصر ثلاثمئة وخمسون مليون شخص انقياد طاعة وحب منذ ألف وثلاثمئة سنة، ويستسلمون لأوامره، ويجددون معه البيعة يوميًّا بالسلام عليه. (المؤلف). هو سيد البشرية محمد (ص).
والآية الثالثة عشرة من الباب الثاني من إنجيل يوحنا: "إذا جاء روحُ الحق ذاك، فهو الذي يرشدكم إلى الحق كله، لأنه لا ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بالآتي من الأمور".
فهذه الآية صريحةٌ في حق الرسول الكريم (ص). فمن غيرُه (ص) دعا الناس جميعًا إلى الحق؟ ومن غيرُه لا ينطق إلّا بالوحي، ويقول ما يسمعه من جبرائيل عليه السلام؟ ومن غيرُه يخبر عن أحداث القيامة والآخرة إخبارًا مفصلًا؟
ثم إن في صحف الأنبياء أسماء للرسول (ص) تفيد معنى "محمد" "أحمد" "المختار" "مصطفى" وذلك باللغة السريانية والعبرية:
ففي صحف شعيب عليه السلام؛ هناك: (مشفّح) وهي بمعنى: "محمد" كما أنه في التوراة اسم (منحمنّا) وهذا بمعنى اسم "محمد". كما جاء في الزبور (حمياطا) وهو بمعنى نبي الحرم. وفيه أيضًا (المختار)، وقد جاء في التوراة اسم (الحاتم، الخاتم)، وجاءت كلمة (مقيم السنة) في كل من التوراة والزبور. وفي صحف إبراهيم والتوراة: (مازماز). وفي التوراة أيضًا (أحيد). [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٣٤؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٤٩٤-٤٩٧.
وقد قال الرسول (ص): "اسمي في القرآن محمد وفي الإنجيل أحمد وفي التوراة أُحيد، وإنما سُمّيتُ أُحيِدَ لأني أُحيد عن أمتي نار جهنم" [٭]: الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية ١٤٣. ومن الأسماء النبوية التي وردت في الإنجيل "صاحب القضيب والهراوة" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٣٤؛ النبهاني، حجة اللّٰه على العالمين ١١٤؛ وانظر البيهقي، دلائل النبوة ١/٣٧٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٧٨. فلا شك أنه أعظم نبي بين الأنبياء بجهاده وجهاد أمته. وكذلك: "إنه صاحب التاج" فهذه الصفة خاصة به (ص) إذ الأمة العربية هم المعروفون
— 209 —
بالعمامة والعقال بين الأمم والتاج والعمامة بمعنى واحد. فصاحبُ التاج المذكور في الإنجيل ليس إلّا الرسول (ص). وفيه كذلك: البارقليط أو الفارقليط، ومعناه كما جاء في تفسير الإنجيل: إنه الفارق بين الحق والباطل، وهو اسم النبي (ص) الذي يدعو الناس إلى الحق. وقد قال عيسى عليه السلام في الإنجيل: "سأذهب كي يجيء سيد العالم" فهل غيرُ محمد (ص) قد جاء بعد عيسى عليه السلام، وترأس العالم وفرّق بين الحق والباطل، وأرشد الناس إلى الخير والصلاح. أي أنَّ عيسى عليه السلام كان يبشّر دومًا أنه سيأتي أحدهم بعدي ولا تبقى الحاجة إليّ فأنا مقدمة له. كما يصرح بذلك القرآن الكريم:
واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسولُ اللّٰه اليكُم مُصَدقًا لما بين يَديّ من التوراة ومبشّرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمُه احمد
(الصف: ٦).
(٭): لقد رأى الرحال التركي المشهور "أوليا جلبي" في مقبرة شمعون الصفا إنجيلًا مكتوبًا على جلد الغزال فقرأ فيه الآية الآتية:
(ايتون) مولود (آزربيون) من نسل إبراهيم (بروفتون) يصبح نبيًا (لوغسلين) ليس كذابًا (بنت افنزولات) يكون مولده بمكة (كه كالوشير) يأتي بالصلاح والرشاد (تونو منين) اسمه المبارك (مواميت) (محرّفة عن "محمد") أحمد محمد (ايسفيدوس) الذين معه ويتبعونه (تاكرديس) هم أساس هذه الدنيا (بيست بيث) وهو سيد العالم. (المؤلف).
نعم إنَّ عيسى عليه السلام قد بشّر أمتَه كثيرًا بأنه سیيجيء سيدُ العالم ورئيسُه ويذكره بأسماء مختلفة سواء بالسريانية أو العبرية. فالعلماء المحققون يرون أن هذه الأسماء تعني: أحمد، محمد، الفارق بين الحق والباطل. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٣٤-٢٣٥؛ النبهاني، حجة اللّٰه على العالمين ١١٢، ١١٥.
سؤال: لِمَ بشّر عيسى عليه السلام بقدوم النبي (ص) أكثر من غيره من الأنبياء عليهم السلام بينما اكتفى الآخرون بالإخبار عنه فقط؟
الجواب: لأن الرسول الكريم (ص) قد أنقذ عيسى عليه السلام من تكذيب اليهود ومن افتراءاتهم الشنيعة، وأنقذ دينَه من تحريفات فظيعة، فضلًا عن أنه أتى بشريعة سمحاء بدلًا من تلك الشريعة التي أرهقت بني إسرائيل الذين لا يؤمنون بعيسى عليه السلام، فهذه الشريعة الغراء جامعةٌ للأحكام مكمِّلة لما هو ناقص في شريعة عيسى عليه السلام. ومن هنا تأتي بشارة عيسى عليه السلام بالرسول الكريم (ص) بأنه سيأتي رئيس العالم..
وهكذا نرى كيف أن التوراة والإنجيل والزبور وسائر صحف الأنبياء قد اعتنت بنبيِّ
— 210 —
آخر الزمان وتضم آيات كثيرة نُعوتَه، كما بيّنا نماذجَ منها. فهو مذكورٌ بأسماء ونعوت مختلفة في تلك الكتب. تُرى من يكون نبيُّ آخر الزمان الذي ذكرته جميعُ كتب الأنبياء ذكرًا جادًا إلى هذا الحد، في آيات مكررة منها، غيرَ محمد (ص)!
القسم الثاني
من الإرهاصات ودلائل النبوة هو: إخبارُ الكُهّان والأولياء العارفين باللّٰه في عهد "الفترة" (أي قبل البعثة النبوية) عن مجيئه (ص) فقد أعلنوا عنه أمام الملأ، وتركوا أخبارَهم لنا في أشعارهم. هذه الإخبارات كثيرة جدًّا، فلا نذكر منها إلّا ما هو منتشر ومشهور ومقبول لدى رجال السيَر والتاريخ.
الأول: ما رآه الملك تُبّع -من ملوك اليمن- من أوصاف الرسول (ص) في الكتب القديمة، وآمن. وأعلن ذلك شعرًا:
شیهیدتُ على أحمد أنه رسولٌ من اللّٰه باري النَسَم
فلو مُدَّ عیمري إلى عمره لكنتُ وزيرًا له وابن عم
[٭]: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٦/١٤٥؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/١٦٦، تفسير القرآن ٤/١٤٥؛ ابن حبيب، المكتفى ١/٤٩.
أي كنتُ له كعلي رضي اللّٰه عنه.
الثاني: إعلان قِس بن ساعدة الشهير بأبلغ خطباء العرب والموحِّد، عن الرسالة الأحمدية شعرًا قبل البعثة بالأبيات الآتية:
أُرسل فينا أحمد خير نبي قد بُعث
صلى عليه اللّٰه ما عجّ له ركبٌ وحُث
[٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٢/١١١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٢٣٦؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٨٢؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣٢٨.
الثالث: ما قاله كعب بن لؤي وهو أحد أجداد النبي (ص). فأُلهم هذا البيت عن الرسالة الأحمدية.
— 211 —
على غفلةٍ يأتي النبي محمد فيُخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها
[٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٩٠؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/١٥٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٢٤٤.
الرابع: ما رآه سيف بن ذي يَزَنْ أحد ملوك اليمن في الكتب السابقة من أوصاف الرسول (ص)، وآمن به واشتاق إليه، وعندما ذهب جدُّ النبي (ص) إلى اليمن مع قافلة قريش دعاهم الملك سيف بن ذي يَزَنْ وقال لهم: إذا ولد بتهامة (أي: الحجاز) ولدٌ بين كتفيه شامةٌ كانت له الإمامة وإنك عبد المطلب لجدّه. [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٩٧-٩٨؛ الماوردي، أعلام النبوة ١/٢٣٥.
الخامس: عندما نیزل الوحيُ لأول مرة على الرسول الكريم (ص) أخذه الخوفُ والروع، فانطلقتْ به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل (ابن عم خديجة) فقالت: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسولُ اللّٰه (ص) ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نیزل اللّٰه على موسى يا ليتني فيها جَذَعًا، [٭]: جذع من الرجال: الشاب الحدث. يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومُك... [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٠٤.
ومما قاله ورقة: بشِّر يا محمد إنّي أشهد أنّك أنت النبي المنتظَر وبَشَّر بكَ عيسى.
السادس: لما رأى عثكلان الحميَري الیعارف باللّٰه قريشیًا قبل البعثة قیال لهم: هل فيكم من يدّعي النبوة؟ فأجابوه: لا، ثم سیأل السیؤال نفسه زمین البیعیثیة، فقالوا: نعم، إن فينا من يدّعي النبوة، فقال: إن العالَم ينتظره. [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٥/٢٥٠؛ ابن حجر، الإصابة ٥/١٢٦؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٦٩؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٤٤٩.
السابع: أخبر أحدُ علماء النصارى وهو ابن العلا عن النبي (ص) قبل البعثة، ثم جاء بعد البعثة فرأى النبيَّ (ص) وقال له: والذي بعثك بالحق لقد وجدتُ صفتَك في الإنجيل وبشّر بك ابنُ البتول. [٭]: ابن سيد الناس، عيون الأثر ١/١٤٦؛ وانظر: ابن عساكر، تاريخ ٣/٤٣٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٢٤؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣١٩.
الثامن: قال النجاشي ملك الحبشة الذي سبق ذكره: ليتَ لي خِدْمَتَه بدلًا عن هذه السلطنة. [٭]: انظر: أبو داود، الجنائز ٥٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦١؛ سعيد بن منصور، كتاب السنة ٢/٢٢٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٥٠؛ عبد بن حميد، المسند ١/١٩٣.
— 212 —
وبعد ما ذكرنا ما تنبأ به هؤلاء العارفون بإلهام من اللّٰه عن مجيء الرسول (ص) نورد ما قاله الكهّان وتنبّأوا به من أخبار الغيب بوساطة الأرواح والجن، فقد صرّحوا بمجيء النبي (ص) وتنبّأوا عن نبوته وهم كثيرون، إلّا أننا سوف لا نذكر إلّا ما هو في حكم المتواتر ومذكور في كتب السيرة والتاريخ ونحيل قصصَهم المطولة وأقوالَهم المُسهبة إلى كتب السيرة. فلا نذكر هنا إلّا الخلاصة.
الأول: الكاهن الموسیوم بی"شِیقّ" الذي كان شِیقَّ إنسیان يدًا واحدة ورجلًا واحدة وعينًا واحدة. أخبر هذا الكاهنُ عن النبي (ص) مرارًا حتى وصلت أقوالُه حدّ التواتر. [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ١٢٤، ١٢٩، ١٥٨، ١٩٠، ١٩٢؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٣١؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٢٥- ١٢٨.
الثاني: كاهن الشام المسمى بی"سَطيح" الذي كان أعجوبة من العجائب حيث كان جسدًا لا جوارح له ولا عظم فيه إلّا الرأس ووجهه في صدره، وقد عاش كثيرًا، اشتهرت أخبارُه الغيبية الصادقة كثيرًا حتى إن كسرى ملك فارس عندما رأى الرؤيا العجيبة التي هالته -زمن ولادة الرسول (ص)- من انشقاق شرفات إيوانه الأربعة عشرة وسقوطها، بعث عالِمًا اسمه "مويزان" ليسأل سطيحًا عن حكمة هذه الرؤيا، فأرسل إلى كسرى كلامًا بهذا المعنى: "سيحكم فيكم أربعة عشر ملكًا ثم ستُمحى سلطنتكم وتُزال دولتُكم، وسيأتي من يظهر دينًا جديدًا، فيكون سببًا في زوال دينِكم ودولتكم". وهكذا أخبر سطيح خبرًا صريحًا عن مجيء نبيّ آخر الزمان. [٭]: الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٥٩-٤٦٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ١/١٢٦-١٣٠؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٧/٣٦١-٣٦٣.
وقد أخبر سَواد بن قارب الدَّوسي، [٭]: البخاري، مناقب الأنصار ٣٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٣٤-٣٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٩٢-٩٥؛ الحاكم، المستدرك ٣/٧٠٤-٧٠٥. وخنافِر [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٤٦٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/٥٢-٥٣؛ ابن حجر، الإصابة ٢/٣٦٢-٣٦٣، ٣/٣٤٩. وأفعى نَجران (من ملوكها)، وجذل بن جذل الكندي، [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٥. وابن خُلّصة الدَّوسي، [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٤٥١-٤٥٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٨٥-١٨٦. وفاطمة بنت النعمان النّجارية [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٧؛ الطبراني، المعجم الأوسط ١/٢٣٤؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٠٧. وأمثالُهم من
— 213 —
الكهّان المشهورين. قد أخبروا جميعًا عن مجيء نبي آخر الزمان وأنه محمد (ص) كما ذكرته كتب التاريخ والسيرة مفصلًا.
وإن سعد بن بنت كريز وهو من أقارب عثمان رضي اللّٰه عنه قد تلقّى بطريق الكهانة خبر نبوة محمد (ص) من الغيب، فأشار إلى عثمان رضي اللّٰه عنه بالإيمان في أول ظهور الإسلام قائلًا: انطلق إلى محمد وآمن، فآمن عثمان وأورده سعدٌ شعرًا:
هدى اللّٰه عثمانَ بقولي إلى التي بها رُشْدُه واللّٰه يَهدِي إلى الحق
[٭]: ابن حجر، الإصابة ٧/٦٩٨؛ وانظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٩/٢٥؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٧/٢٠٠.
وأخبرت الهواتفُ أيضًا كما أخبر الكهان عن مجيء الرسول (ص). والهاتف هو الصوت العالي الذي يُسمَع ممن لا يُرى شخصُه.
منها: سماع ذياب بن الحارث هاتفًا من جنّي، وأصبح سببًا لإسلامه وإسلام غيره:
يا ذياب يا ذياب اسمع العَجَب العُجاب
بُعث محمدٌ بالكتاب يدعو بمكة فلا يُجاب
[٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٥٩؛ ابن الأثير، اسد الغابة ٢/١٥؛ ابن حجر، الإصابة ٢/٤٠٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٧٤.
ومنها: سماع ابن قُرّة الغطفاني هاتفًا يقول:
جاء الحق فسَطعودُمِّر باطلٌ فانقمع
[٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٥٩؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٤٨؛ الخفاجي، نسيم الرياض ٤/٣٢٣.
فكان سببًا في إيمان بعض الناس.
وهكذا فبشارة الكهان والهواتف مشهورة وكثيرة جدًّا.
— 214 —
وقد سُمع من جوف الأصنام وذبائح النُّصب خبرُ مجيء النبي (ص) كما سمع من الكهان والهواتف.
منها: أن صنم قبيلة مازن أخبر عن الرسالة الأحمدية إذ نادى فقال: هذا النبي المُرسَل جاء بالحق المُنیزَل. [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ١١٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٥٦؛ وانظر: الطبراني، المعجم الكبير ٢٠/٣٣٨.
وكذلك فإن سبب إسلام عباس بن مرداس هذه الحادثة المشهورة: أنه كان له صنمٌ يسمى بی"ضمار" فقال ذلك الصنم يومًا.
أوْدى ضِمار وكان يُعبد قبل البيان من النبي محمد
[٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٩٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١١٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٣١٢.
وقد سمع عمر رضي اللّٰه عنه قبل إسلامه صوتًا من عجل قرَّبَه رجلٌ ليذبحه قربانًا لصنم يقول: يا آل الذبيح، أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلّا اللّٰه. [٭]: انظر: البخاري، مناقب الأنصار ٣٥؛ أبو يعلى، المسند ١/٢٦٦؛ ابن هشام ، السيرة النبوية ٢/٣٥؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٨.
وهكذا فهناك حوادثُ مشابهة كثيرة جدًّا أمثال ما ذكرناه قد نقلته الكتب الموثوقة في السيرة والتاريخ.
وكمیا أن الكهان والیعیارفیيین بیاللّٰه والهواتیف حیتیى الأصینیام والیذبیائیح أخیبیروا عن الرسالة الأحمديیة، وأصبح كلُّ حادث سببًا لإسیلام قِسیم من الناس كذلك بعضُ الأحجیار وشیواهید الیقیبیور وُجیدت عليها عبیاراتٌ بالخط القیديیم "محمد مصیلح أميین" وقد آمین بسیبب ذلك قیسیم من الینیاس. [٭]: البخاري، التاريخ الكبير ١/٢٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ١/٦١؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٤/١٠٢؛ ابن حجر، الإصابة ١/٧٢.
نعم، إن عبارة "محمد مصلح أمين" حَريَّة بالنبي (ص) إذ هو المتصف بالمصلح الأمين ولأنه لم يكن قبل ذلك من يتسمى باسم محمد سوى رجال وهم غير حَريّين بهذا التوصيف.
— 215 —

القسم الثالث من الإرهاصات

هو الآيات والحوادث التي ظهرت عند مولده (ص)، فالحوادث التي يرتبط ظهورُها بمولده والتي حدثتْ قبل البعثة يُعدّ كلٌّ منها معجزةً من معجزاته وهي كثيرة جدًّا، إلّا أننا سنورد هنا أمثلة مشهورة قبِلها أئمةُ الحديث. وثبتت لديهم صحتُها.
الأول: ما رأتیه أمُّه (ص) "من النور الذي خرج معه عند ولادته" ورأته أم عثمان بن العاص وأم عبید الرحمن بن عوف اللتان باتتا عندها ليلة الولادة. فقد قلن: رأينا نورًا حين الولادة أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب... [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ١٣٥، ١٣٧؛ وانظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٢٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٨/٢٥٢؛ ابن إسحاق، السيرة ١/٢٢، ٢٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٢٩٣.
الثاني: انتكاس معظم الأصنام التي كانت في الكعبة. [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ١/١٩؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٨١؛ ابن حبيب، المكتفى من سيرة المصطفى ٣٦؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٧٦.
الثالث: "ارتجاج إيوان كسرى وسقوط شرفاته" الأربعة عشرة.
الرابع: "غيض بحيرة" ساوة تلك الليلة وهي التي كانت تُقدَّس. "وخمود نار فارس وكان لها ألف عام لم تُخْمد" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ١/١٩، ١٢٦، ١٢٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٣٩؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٥٩؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٧/٣٦١. حيث كانت توقد في اصطخراباد ويعبدها المجوس.
فهذه الحوادث الأربعة إنما هي إشاراتٌ إلى أن ذلك المولود الجديد سيحظر عبادة الأصنام وسيدمّر سلطنة فارس، وسيُحرم تقديس ما لا يأذن به اللّٰه.
الخامس: حادثة الفيل: وهي مع أنها ليست من حوادث تلك الليلة إلّا أنها قريبة الحدوث للولادة، لذا فهي من الإرهاصات أيضًا، وقد بينها القرآن الكريم في قوله تعالى:
ألَمْ تَر كَيفَ فعَلَ ربُّك باصحاب الفيل
... الخ. وخلاصة قصتها: أن أبرهة ملك الحبشة أراد هیدمَ الكعبة، فساق أمام الجيش فيلا عظيمًا يقال له: "محمود". فلما وصل الفيل قرب مكة بَرَك ولم يمض مهما حاولوا معه، فلما عجزوا عادوا، إلّا أنّ طيیورًا أبابيل لم تتركهم سالمين فرمَتهم بحجارة من سجيل وأذلّتهم فانهزموا شر هزيمة. هذه القصة مشیهورة في كتب
— 216 —
التاريخ وهي من علائم نبوتیه (ص) حيث نَجتْ قِبلَتُه وأحبُّ موطن إليه، الكعبة، من دمار أبرهة نجیاةً خارقة للعادة. [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٣٦-٤١؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/١٦٨-١٧٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٩١-٩٢؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٤٠-٤٤٥.
السادس: إظلالُ اللّٰه له بالغمام في سفره وقد روى أن حليمة السعدية رأت غمامة تُظلّه وهو عندها في صباه وشهدها زوجُها، فأخبر الناس بذلك فأصبحت حادثة معروفة مشهورة. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١١٢.
"كما رأى الغمام بحيرا الراهب وأراه الناسَ لما سافر للشام مع عمّه وهو في الثانية عشرة من عمره". [٭]: انظر: الترمذي، المناقب ٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٧؛ البزار، المسند ٨/٩٧؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٣١٩-٣٢٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٤-١٥٥.
"وفي رواية أن خديجة ونساءها رأينَه لما قدِم" (ص) من سفره من الشام "ومَلَكان يُظلّانه -كالغمام- فذكرت ذلك لميْسرة" غلام خديجة "فأخبرها أنه رأى ذلك منذ خرج معه في سفره". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٦-٧؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٣٠-١٣١، ١٥٦-١٥٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٧٢-١٧٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٦٧.
السابع: وثبت بالنقل الصحيح "أنه نیزل في بعض أسفاره قبل البعثة تحت شجرة يابسة فاعشَوشَب ما حولَها وأينَعتْ هي فأشرقت" أي نمت وعلت "وتدلت عليه أغصانُها". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٢١٨.
الثامن: "وأنه كان إذا أكل مع عمه أبي طالب وآله وهو صغير شبعوا ورووا وإذا غاب، فأكلوا في غيبته لم يشبعوا" وهذه حادثة مشهورة وصحيحة. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١١٩-١٢٠، ١٦٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٦٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٨٦؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٤٠-١٤١.
وقد قالت أم أيمن مولاة رسول اللّٰه (ص) وحاضنته: "ما رأيته (ص) شكى جوعًا ولا عطشًا صغيرًا ولا كبيرًا". [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٦٧؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٤١؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/١٨٩.
— 217 —
التاسع: البركة التي حصلت في غنم وجمال مُرضعته حليمة السعدية خلافًا للقوم. وهذه حادثة مشهورة ولا ريب في صحتها. [٭]: ابن حبان، الصحيح ١٤/٢٤٤-٢٤٦؛ أبو يعلى، المسند ٩٣-٩٦؛ الطبراني، المعجم الكبير، ٢٤/٢١٤؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٢٩٩-٣٠١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥١. و "أنَّ الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٦٢٤، ٣/٣٨١. وما كان يؤذيه. ولقد ورث الشيخ عبد القادر الكيلاني (قُدِّس سرُّه) هذا عن جدّه الأعظم (ص)، إذ كان لا يقع عليه الذباب أيضًا. [٭]: الخفاجي، نسيم الرياض ٤/٣٣٥؛ النبهاني، جامع كرامات الأولياء ٢/٢٠٣.
العاشر: كثرة الرَّجم بالشُّهب السماوية بعد مجيء النبي (ص) للدنيا، ولاسيما ليلة مولده.
ولقد أثبتنا سقوط الشهب السماوية ورجم الشياطين في "الكلمة الخامسة عشرة"، وبيّنا أن المراد من سقوط الشهب السماوية هو الإشارة إلى قطع رصد الشياطين والجن عن السماء ومنعهم من استراق السمع. فما دام الرسول (ص) قد برز بالوحي إلى العالم أجمع لزم إذن أن تُمنع أقوالُ الكهان ومن يتكلم عن الغيب من أقوال الجن الملفَّقة بالكذب وخلاف الواقع حتى لا يلتبس الوحيُ بغيره ولا تكون هناك أيةُ شبهة كانت في أمر الوحي. فلقد كانت الكهانة كثيرة جدًّا قبل النبوة، ولكن بعد نیزول القرآن الكريم حُظرت بتاتًا، حتى إن كثيرين منهم آمنوا، لأنهم لم يجدوا مُخبريهم من الجن ليتنبأوا لهم بالأخبار الغيبية. فسدَّ القرآنُ الكريم إذن الطريق عليهم. ولقد ظهر نوعٌ من الكهانة السابقة في أوربا في الوقت الحاضر لدى الوسائط الذين يريدون تحضير الأرواح... وعلى كل حال...
الحاصل: لقد ظهرت حوادثُ كثيرة وأشخاص كثيرون لتأييد نبوة محمد (ص) قبل بعثته.
نعم، إن الذي سيكون سيد العالم (٭): إن من قيل في حقه "لولاك لولاك.." لهو سيد عظيم حقًا؛ إذ يدوم سلطانه ألفًا وثلاثمائة وخمسين سنة، وله اتباع في كل عصر بعد عصره يزيدون على ثلاثمائة وخمسين مليونًا من البشر، وقد نشر رايته في نصف المعمورة ويجدّد معه اتباعه البيعة يوميًّا في صلواتهم وسلامهم عليه وبكل استسلام وإذعان وينقادون لأوامره. (المؤلف). [٭]: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك": تناوله العلماء معنًى ومبنًى، ولعل قول على القاري هو الوسط بين المثبتين والنافين له إذ يقول: إنه صحيح معنًى ولو ضُعف مبنًى (شرح الشفا ١/ ٦). معنًى، والذي سيبدّل ملامحَ العالم المعنوية، والذي سيحوّل الدنيا مزرعةً للآخرة، والذي سيُعلن عن علو منیزلة المخلوقات ونفاستها، والذي
— 218 —
سيهدي الجن والإنس إلى الرُّشدِ وطريق السعادة، وينقذهم -وهم الفانون- من العدم المطلق، والذي سيحلّ حكمةَ الخلق واللغز المحيّر للعالم، والذي سيعلَم ويعلّم مقاصد رب العالمين، والذي سيَعرف ويعرّف ذلك الخالق العظيم... إنَّ إنسانًا كهذا لابد أن يكون كل شيء، وكل نوع، وكل طائفة من المخلوقات، مشتاقًا إلى مجيئه وسيرقُبه بلهفة، ويستعد احتفاءً بمقدَمه العظيم، بل سيبشّر الآخرين بقدومه -إذا ما أعلمه خالقُه بذلك- كما رأينا مصداق ذلك في الإشارات والأمثلة السابقة من أنَّ كلَّ نوع من المخلوقات قد أظهر معجزاته بما يشبه الترحيب به، وكأنه يقول بلسان المعجزة: أنت صادق في دعوتك.
الإشارة السابعة عشرة
إنَّ أعظم معجزة للرسول الكريم (ص) بعد القرآن الكريم هو ذاتُه المباركة، أي ما اجتمع فيه (ص) من الأخلاق السامية والخصال الفاضلة، وقد اتفق الأعداءُ والأولياء على أنه أعلى الناس قدرًا وأعظمُهم محلًا وأكملهُم محاسن وفضلًا. حتى إن بطل الشجاعة الإمام علي رضي اللّٰه عنه يقول: "إنا كنا إذا حَمي البأسُ -ويُروى اشتد البأس- واحمرّت الحَدَق اتقينا برسول اللّٰه (ص)"... [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٨٦؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٥٤؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٣/٣٧١. وهكذا كان (ص) في ذروة ما لا يرقى إليها أحدٌ غيره من كل خصلة حميدة كما هو في الشجاعة.
نحيل هذه المعجزة الكبرى إلى كتاب "الشفا في حقوق المصطفى" للقاضي عياض المغربي، فقد أجاد فيه حقًا وفي بيانها أيّما إجادة، وأثبتها في أجمل تفصيل.
ثم إن الشريعة الغراء التي لم يأت ولا يأتي مثلُها هي معجزة أخرى عظيمةٌ للرسول الكريم (ص) حتى اتفق الأعداءُ والأصدقاء عليها..
نحيل تفصيلَ هذه المعجزة وبيانَها إلى جميع ما كتبناه من "الكلمات" الثلاث والثلاثين، و"المكتوبات" الثلاثة والثلاثين و"اللمعات" الإحدى والثلاثين و"الشعاعات" الثلاثة عشر.
— 219 —
ثم المعجزة العظمى.. تلك هي معجزة "انشقاق القمر" التي رُويت روايات متواترة وهي ثابتة ثبوتًا قاطعًا لا تقترب منها شبهةٌ. فقد رُويت بطرق عديدة وبصورة متواترة عن: ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، والإمام علي، وأنس، وحذيفة، وأمثالِهم كثير من الصحابة الأجلّاء رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين. فضلا عن تأييد القرآن الكريم وإعلانه تلك المعجزة في:
اقتربت الساعةُ وانشقّ القمر
(القمر:١) بل لم يسَعْ كفارَ قريش وهم أهلُ عناد وتعنُّت أن ينكروا هذه المعجزة، ولكنهم قالوا: "إنه سِحر". أي أن انشقاق القمر أمرٌ ثابت مقطوع به حتى من قِبل الكفار أنفسهم إلّا أنهم أوّلوا الحادثة بأنها سحر.
نحيل إلى رسالة انشقاق القمر التي هي ذيل "رسالة المعراج".
ثم إن الرسول الكريم (ص) أظهر المعجزة العظمى معجزة "المعراج" لأهل السماء كما أظهر لأهل الأرض معجزة "انشقاق القمر". فنحيل إلى رسالة "المعراج" وهي "الكلمة الحادية والثلاثون"، التي أثبتت صدقَ تلك المعجزة وأظهرتها بوضوح، إلّا أننا سنذكر هنا ما هو مقدمةٌ لتلك المعجزة وهي سفرُه (ص) إلى بيت المقدس، وطلبُ قريش منه وصفَ بيت المقدس صبيحة المعراج، وما حصل في هذا السفر من معجزة أيضًا.
فعندما أخبر الرسول الكريم صبيحةَ ليلة المعراج عن سفره، كذّبتْه قريشٌ وقالوا: إن كنت حقًا قد ذهبتَ إلى بيت المقدس فصِف لنا أبوابَه وجدرانه وأحوالَه.
قال الرسول الكريم (ص): "فكربتُ كربةً ما كربتُ مثله قط، فرفعه اللّٰه لي أنظر إليه" [٭]: البخاري، مناقب الأنصار ٤١؛ تفسير سورة الإسراء ٣؛ مسلم، الإيمان ٢٧٦-٢٧٨. أي رُفع له بيتُ المقدس وبدأ يصفه وهو ينظر إليه، فتيقنتْ قريشٌ من الخبر "وقالوا: متى تجيء" أي القافلة التي رآها الرسولُ في الطريق، "قال يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولّى النهار، ولم تجئ: فدعا رسول اللّٰه (ص)، فزيدَ له في النهار ساعة وحبست الشمسُ". [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٢/٤٠٤؛ النووي، شرح صحيح مسلم ١٢/٥٢؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٨٤؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/٢٨٢.
— 220 —
فأنت ترى أن الأرض تُعطِّل وظيفتَها ساعة من نهار تصديقًا لخبَره (ص)، وتشهد على صدقه الشمسُ الضخمة.. تُرى ما أشقاه ذلك الذي لا يصدّق كلام هذا النبي الكريم (ص) الذي عطلتْ الأرضُ وظيفتَها وحبستْ الشمسُ نفسها تصديقًا لكلامه. وما أسعد أولئك الذين نالوا شرفَ امتثال أوامره (ص) وقالوا: سمعنا وأطعنا.. تأمل في هذا وقل:
الحمد للّٰه على الإيمان والإسلام.
الإشارة الثامنة عشرة
إنَّ أعظم معجزة من معجزات الرسول الأكرم (ص) هو القرآن الكريم؛ الذي يضم مئاتِ دلائل النبوة، وقد ثبت إعجازه بأربعين وجهًا كما في "الكلمة الخامسة والعشرين"، لذا سنحيل بيان هذا الكنیز العظيم للمعجزات إلى تلك الكلمة، ونكتفي هنا ببيان ثلاث نكات دقيقة.
النكتة الأولى
سؤال: إنْ قيیل: إن سر إعجاز القرآن الكريم إنما هو في بلاغته الفائقة، بينما لا يرقى إلّا واحد من الألیف من علماء البلاغة الفطاحل إلى إدراك هذا السیر، مع أنیه كیان ينبغي أن تكون لكل طبقة مین طبقات النیاس حظُّها مین هیذا الإعجاز؟
الجواب: إنَّ للقرآن الكريم إعجازًا لكل طبقة من طبقات الناس، إلّا أنه يُشعر إعجازَه هذا بأسلوب معين وبنمط خاص.
فمثلًا؛ يبيّن إعجازه الباهر في البلاغة "لأهل البلاغة والفصاحة".
ومثلًا؛ يبين أسلوبه الرفيع الجميل الفريد "لأرباب الشعر والخطابة". هذا الأسلوب مع أنه تستسيغه كلُّ طبقة من الناس إلّا أن أحدًا لا يجرأ على تقليده، فلا تخلقه كثرةُ الرد ولا يبليه مرورُ الزمان، فهو أسلوب غض طري يحتفظ بفتوته وشبابه ونضارته دائمًا، وهو أسلوب يحمل من النثر المنظوم والنظم المنثور ما يجعله رفيعًا عاليًا ولذيذًا ممتعًا في الوقت نفسه.
— 221 —
ثم إنه يبين إعجازَه فيما يخبر من أنباء معجزة عن الغيب فيتحدى به طبقة الكهان "والذين يدّعون أنهم يخبرون أشياء عن الغيب".
ثم إنه يقصّ "لأهل التاريخ" والذين يتتبعون أحداث العالم من العلماء ما يُشعرهم إعجازَه، وذلك بذكره أحداث الأمم الغابرة وأحوالها، وما سيحدث في المستقبل من وقائع، سواء في الحياة الدنيا أو في البرزخ أو في الآخرة، فيتحداهم بإعجازه الرائع هذا.
ويعرِض أيضًا إعجازَه "لعلماء الاجتماع والسياسة والحكم" وذلك بعرض ما في الدساتير القرآنية المقدسة من إعجاز.. نعم! إن الشريعة الغراء المنبثقة من القرآن الكريم تُظهر إظهارًا تامًا سر ذلك الأعجاز.
ويبين كذلك لأولئك الذين توغلوا في "المعارف الإلهية والحقائق الكونية" إعجازًا باهرًا في سَوقه الحقائق الإلهية السامية المقدسة، أو يشعرهم بوجود هذا الإعجاز.
ولأولئك الذين يسلكون "طرق الولاية والتصوف" يبين القرآن الكريم إعجازَه لهم بكنوز الأسرار التي ينطوي عليها بحرُ آياته الزاخرة.
وهكذا تُفتح أمام كلِّ طبقة من الطبقات الأربعين للناس نافذةٌ مطلّة على الإعجاز الباهر. بل إنه يبين إعجازه حتى لأولئك الذين لا يملكون سوى قدرة الاستماع من دون أن يقدروا على التوغل في الفهم من "عوام الناس". فنراهم يصدِّقون إعجازَه ويشعرون به بمجرد سماعهم له، إذ يحاور ذلك العامي نفسه ويقول: "إنَّ أسلوب هذا القرآن يختلف تمامًا عن أساليب الكتب الأخرى، فإما أنه في مستوى من الأسلوب هو أدنى منها وهذا محال -بل لم يتفوه به ألدُّ الأعداء وأهل الخصومة- أو هو أسلوب أرقى من الجميع، أي أنَّه معجِز".
فالعامي الذي لا يستطيع إلّا الاستماع، يفهم الإعجاز على هذه الشاكلة، ولأجل أن نساعده شيئًا في إدراكه هذا نوضح ما يلي:
لقد أثار القرآن الكريم لدى الناس من أول ما برز إلى ميدان التحدي رغبتين شديدتين:
أُولاهما: رغبةَ التقليد لدى أوليائه، أي حبّهم الشديد بالتشبه بأسلوبه الرفيع، فاشتاقوا إلى تشبيه أسلوبهم به.
— 222 —
ثانيتها: الرغبة في المعارضة والنقد التي تولّدت لدى الأعداء والخصماء، أي إتيان أسلوب مثلِه لدحض دعوى الإعجاز.
فهاتان الرغبتان الشديدتان سببتا ظهور ملايين الكتب العربية الماثلة أمامنا، ولكن لو قارنّا أبلغ هذه الكتب وأوضحَها قاطبة بالقرآن الكريم، أي لو قرأناهما معًا لقال كلُّ سامع وقارئ بلا تردد، إنّ القرآن لا يشبه أيًا من هذه الأساليب، فهو إذن ليس بمستوى تلك الكتب، فإما أنه أدنى أسلوبًا من الجميع، وهذا محال بلا أدنى ريب، ولم يتفوّه به أحد قط بل حتى الشيطان يعجز عن أن يتفوّه بهذا، (٭): إن المبحث الأول المهم للمكتوب السادس والعشرين يوضح هذه الفقرة.(المؤلف). فثبت إذن أن أسلوب القرآن الكريم فوق الجميع وذلك بإعجازه الرائع.
بل إنَّ "العامي الجاهل" الذي لا يفهم شيئًا من معاني القرآن الكريم يشعر بإعجاز القرآن من عدم سأمه في التلاوة. فيحاور ذلك العامي الجاهل قائلًا: إنَّ الاستمرار على تلاوة هذا القرآن لا يولّد السأمَ قط، بل تزيد كثرةُ تلاوته حلاوتَه، بينما لو استمعت إلى قصائد جميلة رائعة لمرات عدة فإني أَشعر بالمَلل، لذا فالقرآن ليس بكلام بشر بلا شك.
ثم إنَّ "الأطفال" الذين يرغبون في حفظ القرآن الكريم، يُظهر لهم إعجازَه في قدرتهم على حفظه في عقولهم اللطيفة الصغيرة، على الرغم من وجود مواضعَ متشابهة تلتبس عليهم، فتراهم يحفظون القرآن الكريم بكل سهولة ويُسر بينما يعجزون عن حفظ صحيفة واحدة من غيره.
بل حتى "المرضى والمحتضرون" في سَكَرات الموت ممن يتألمون بأدنى كلام، تراهم يستمعون إلى القرآن الكريم وتنیزل آياتُه على أسماعهم كأنه السلسبيل، وبهذا يشعرون بإعجازه.
نحصل مما سبق: إن القرآن الكريم لا يدَع أحدًا محرومًا من تذوق إعجازه، فلكلِّ طبقة من أربعين طبقة من الطبقات المتباينة للناس لهم حظُّهم من هذا الإعجاز أو يُشعِرهم القرآن بإعجازه، حتى إنه بيّن نوعًا من إعجازه لأولئك الذين ليس لهم نصيب من العلم ولا يملكون "سوى الرؤية"
(٭): إن وجه الإعجاز لهذه الطبقة الفاقدة للسمع والعلم والإدراك، والتي لا تملك سوى الرؤية قد ظل مجملًا وناقصًا : مبتورًا، إلّا أن "المكتوب التاسع والعشرين" و "المكتوب الثلاثين"(٭)، قد وضّحا بجلاء تام هذا النوع من الإعجاز بحيث يمكن أن يلمسه حتى الأعمى. وقد وضعنا كتابة مصحف شريف لإظهار هذا الوجه الجميل من الإعجاز موضع التنفيذ، نسأل اللّٰه أن نوفق في طبعه. (المؤلف).
(٭) كنا على نية كتابة "المكتوب الثلاثين" على أجمل وجه وأفضله إلّا أنه تخلى عن موضعه إلى "إشارات الإعجاز" فلم يظهر في الميدان. (المؤلف).
من دون القدرة على الاستماع أو الفهم أو الإدراك القلبي. وذلك كالآتي:
— 223 —
إن كلمات المصحف المطبوع بخط (الحافظ عثمان) تتقابل وينظر بعضها إلى بعض.
فمثلًا: إن كلمة وثامنُهم كلبُهم التي هي في سورة الكهف تناظر كلمة قطمير التي هي في سورة فاطر، فلو ثُقبت الصفحات ابتداءً من الكلمة الأولى لتبينت الكلمة الثانية بانحراف يسير ولَفُهِم اسمُ الكلب.
وكذا كلمة مُحیضَرون المكررة مرتين في سورة (يس) نرى إحداهما فوق الأخرى. وهما يقابلان كلمة مُحیضَرون ، مُحْضَرينَ التي في سیورة الصافات، فإذا ما ثُقبت إحداها لظهرت من خلال الصفحات الكلمةُ نفسها مع انحراف قليل.
وكذا كلمة مثنى التي في آخر سورة سبأ تنظر إلى الكلمة نفسها التي هي في مستهل سورة فاطر ، ففي القرآن تتكرر كلمة مثنى ثلاث مرات، وتَناظُرُ اثنتين منها ليس بموضعٍ للمصادفةِ قطعًا.
ولهذا النوع من التناظر والتقابل أمثلةٌ كثيرة جدًّا في المصحف الشريف حتى إن الكلمة الواحدة تتكرر في ما يقرب من ست مواضع، فإذا أُوصل بينها بثقب لتراءت الأخريات بانحرافٍ يسير.
ولقد شاهدتُ مصحفًا خُطَّت الجملُ المتناظرة في كل صحائفه المتقابلة بخط أحمر، فقلت آنذاك: "هذه الأوضاع إنما هي أمارات لنوع من الإعجاز"، ثم بعد ذلك أخذتُ أنظر إلى جمل القرآن الكريم فرأيت أن كثيرًا منها تتناظر من خلال الصفحات تناظرًا ينمّ عن معنى دقيق.
ولما كان ترتيب القرآن المتداول توقيفيًا بإرشاد من الرسول (ص)، وقد خطَّه خطاطون مُلهَمون، فإنَّ في نقشه البديع وفي خطه الجميل إشارةً إلى نوع من علامات الإعجاز، وذلك لأنَّ هذا الوضع لا يمكن أن يكون مصادفةً ولا نابعًا من نتاج فكر إنسان. فلولا قصورُ الطبع لطابقت الكلمات المتناظرة مطابقة تامة.
— 224 —
ثم إننا نرى أن في السور المدنية المطوّلة والمتوسطة تكرارًا بديعًا منسقًا للفظ الجلالة (اللّٰه)، فهو في الغالب يتكرر بأعداد معينة، أما خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع مرات أو إحدى عشرة مرة فضلًا عن أنه يبين مناسبةً عددية لطيفة على وجهَي ورقة المصحف والمتقابلتين.
(٭): وكذا إنه إزاء "أهل الذكر والمناجاة"، فإن ألفاظ القرآن الكريم الجميلة والمقفاة وأسلوبه الفصيح البديع، ومزايا بلاغته التي تستقطب الأنظار، رغم أنها كثيرة جدًّا فإنها تمنح جدية سامية، وحضورًا وسكينة تامة، وجمعًا للخواطر دون تشتيتها، بينما أمثال تلك المزايا للفصاحة والصنعة اللفظية والتقيد بالنظم والقافية تخل بالإخلاص والجدية -رغم ما يشف عن ظرافة لفظية- وتفسد اطمئنان القلب وسكينته وتشتت أفكار المتأمل. حتى إن ألطف المناجاة وأكثرها إخلاصًا وجديّة وأعلاها نظمًا هي مناجاة الإمام الشافعي المشهورة، والتي كانت سببًا لرفع الغلاء والقحط عن مصر، فكنتُ أقرأها كثيرًا، فرأيت: أن كونها نظمًا ومقفاة، لا تحافظ على الإخلاص التام والجد السامي في المناجاة، ورغم أنها كانت من أورادي منذ ما يقرب من تسع سنوات فلم أتمكن أن أوفّق بين الجدية والإخلاص في المناجاة والنظم والقافية، فأيقنت أن القافية الفطرية الممتازة الخاصة بالقرآن الكريم ومزايا نظمه إنما هي من أنواع الإعجاز بحيث إنها تحافظ على الإخلاص الجاد وسكينة القلب وطمأنينته من دون أن يخل بشيء منها. وهكذا إن لم يدرك أهل المناجاة والذكر هذا النوع من الإعجاز عقلًا، فهم يشعرون به قلبًا.
،
(٭): إن سرًا من أسرار إعجاز القرآن الكريم المعنوية هو: إن القرآن يبين الدرجة العظيمة والساطعة "لإيمان الرسول الأعظم (ص)" الذي حظي بتجلي الاسم الأعظم. وكذا يبين ويعلّم بأسلوب فطري -كخارطة مقدسة مشهورة- تلك المرتبة السامية للدّين الحق العظيم والواسع، المبيّن للحقائق الرفيعة لعالم الآخرة وعالم الرّبوبية.
وكذا يمثل القرآن الكريم "خطاب رب العالمين" وهو في علياء عزته وعظمته وربوبيته المطلقة، فلا بد أنّ تعبيرًا فرقانيًا بهذا الأسلوب، وبيانًا قرآنيًا بهذا النمط لا يمكن أن تأتي بمثله عقولُ البشر قاطبة ولو اجتمعت في عقل واحد، بمثل ما عبّر القرآن الكريم: (قُلْ لَئِنْ اجتمعتِ الأنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتونَ بمثلهِ) (الإسراء: ٨٨) لأنه لا يمكن من حيث هذه الأسس الثلاثة أن يقلَّد القرآن ولا أن يأتي بمثله أحد أبدًا.
،
(٭): تنتهي الآيات الكريمة بنهاية الصحيفة (في كثير من المصاحف المسمى بركنار) فتختم الصحيفة بقافية جميلة، وسر هذا هو أن أطول آية في القرآن الكريم، وهي آية المداينة قد اتخذت وحدة قياس صحيفة المصحف، واتخذت سورة الإخلاص والكوثر وحدة قياس طول السطر، وبهذا ظهرت هذه الميزة اللطيفة وعلامة الإعجاز للقرآن الكريم.
،
(٭): لقد اكتفي في هذا المقام وفي مبحثه هذا على أمثلة جزئية وقليلة جدًّا، وقصيرة جدًّا، واقتصر على أمارات صغيرة جدًّا حيث اضطررت إلى الاستعجال في الكتابة، رغم أن هذا البحث في غاية الأهمية والسعة والعظمة، وإنه يبين كرامة لطيفة جميلة في غاية الأهمية من زاوية التوفيق الإلهي الذي آزر رسائل النور. نعم، إن تلك الكرامة اللطيفة والحقيقة العظيمة تظهر سلسلة من كرامات رسائل النور في التوافق وذلك في خمسة أو ستة أنواع منه، وتبين نوعًا مشهودًا بالإبصار من إعجاز القرآن وتشكّل منبعًا للإشارات الغيبية ورموزها. وقد حصل هذا فعلًا بعدئذٍ؛ إذ قد استُكتب مصحف شريف يبيّن فيه التوافق في لفظ الجلالة في كل صحيفة. وظهرت ثماني رسائل صغيرة باسم "الرموز الثمانية" التي تبيّن المناسبة اللطيفة والإشارات الغيبية الناشئة من التوافق بين حروف القرآن الكريم، وكتبت كذلك خمس رسائل في تصديق رسائل النور وتقدير قيمتها بما فيها من سر التوافق، وهي الكرامة الغوثية وثلاث رسائل من الكرامة العلوية ورسالة الإشارات القرآنية.
ففي تأليف "رسالة المعجزات الأحمدية" إذن قد استشعرت تلك الحقيقة العظمى ولكن مع الأسف لم يَرَ المؤلف منها إلّا طرفًا ضئيلًا، ولم يبيّن إلّا قطرة من بحرها، فانصرف ولم يعقب. (المؤلف).
— 225 —

النكتة الثانية

كان السِحر رائجًا في عهد موسى عليه السلام ، فجاءت معجزاتُه العظيمة بما يشبه السحر، وكان الطبُّ رائجًا في عهد عيسى عليه السلام فجَرت أغلبُ معجزاتِه من هذا الجنس، كما كانت هناك أربعة أشياء رائجة في الجزيرة العربية زمن بعثة الرسول (ص):
أولاها: البلاغة والفصاحة.
ثانيتها: الشعر والخطابة.
ثالثتها: الكهانة والإنباء عن الغيب.
رابعتها: معرفة الحوادث الماضية والوقائع الكونية.
وجاء القرآن الكريم يتحدّى أرباب هذه المعارف الأربع.
فجثا البلغاءُ والفصحاء أولا مبهوتين أمام بلاغته المعجزة، مُنصتين إليه في حيرة وإعجاب.
وجعل الشعراءَ والخطباء في ذهول من أمرهم، حتى إنَّهُ حطَّ من شأن ما كانوا يعتزون به من "المعلقات السبع" التي تمثّل أفضل نماذج شعرهم، بل كتبوها بماء الذهب وعلَّقوها على جدار الكعبة.
وأفقد الكهانَ والسحرة صوابَهم وأنساهم ما كانوا يتكلمون به من أنباء الغيب، حيث طرّد جِنَّهم وأَسدلَ الستار على الكهانة وسدَّ أبوابَها إلى الأبد.
وأَنقذ قرّاءَ تاريخ الأمم السالفة وحوادث العالم مما يطرأ عليها من الخرافات والافتراءات والأكاذيب، وأرشدَهم إلى أحداث الماضي الحقيقية ووقائع الكون النيّرة.
وهكذا جثتْ على الرُكَب هذه الطبقات الأربع أمامَ عظمة القرآن الكريم، والحيرةُ والإجلال يغمُرهم، فشرعوا يتتلمذون على يديه، ويتلقّون منه الهداية والرشاد، فلم يظهر قط أنْ استطاع أَحدٌ من هؤلاء القيام بمعارضة القرآن بشيء مهما كان ، ولو بسورة واحدة.
— 226 —
وإن قيل: كيف نعرف أنه لم يبرز أحدٌ في ميدان المعارضة، ولم يتمكن أحدٌ من الإتيان بمثل القرآن، وكيف نعرف أن إتيان النظير بحد ذاته أمرٌ مستحيل؟.
الجواب: لو كانت المعارضة ممكنة، فلا محالة كانوا يحاولونها. وما كان أحدٌ يتوانى في هذا الأمر، إذ الحاجة إلى المعارضة كانت ماسَّة، وذلك للنجاة من خطر التحدي لإنقاذ دينهم وأموالهم وأنفسِهم وأهليهم؛ لذا لو كانت المعارضة ممكنة لَما أحجم أحدٌ عنها أبدًا، ولكان الكفارُ والمنافقون -وهم الأغلبية- يشيعون خبرَها في الأوساط، بل يبثّونها في الأرجاء كافة مثلما كانوا يبثون كلَّ ما يعادي الإسلام.. ثم لو كانوا ناشرين لها -فيما لو كان الاعتراض ممكنًا- لكان المؤرخون يسجّلونها في كتبهم العديدة. ولكن ها هو التاريخُ وكتبُه كلُّها أمامنا، لا نرى فيها شيئًا من معارضة القرآن سوى فقرات تقوّلها مُسيلمة الكذاب. علمًا أنَّ القرآن الكريم قد تحدّاهم طوال ثلاث وعشرين سنة، وقرَع أسماعَهم بآياته المعجزات، وعلى هذا النمط من التحدي:
ها هو القرآن الكريم أمامَكم، فأْتوا بمثله من "أميّ" كمحمد الأمين!.
فإن كنتم عاجزين عن هذا، فليكن ذلك الشخصُ "عالمًا" عظيمًا، وليس أميًّا!
وإن كنتم عاجزين عن هذا أيضًا، فأْتوا بمثله "مجتمعين" وليس من فرد واحد! فلتجتمع عليه علماؤكم وبلغاؤكم، وليعاون بعضُهم بعضًا، بل ادعوا شهداءكم من دون اللّٰه، فليأتوا بمثله.
وإن كنتم عاجزين عن كل هذا، فأْتوا "بالكتب السابقة" البليغة جميعِها واستعينوا بها في المعارضة، بل ادعوا "الأجيال" المُقبلة أيضًا!
وإن كنتم عاجزين أيضًا، فليكن المِثل "بعشر سُورٍ" فحسب، وليس ضروريًا أن يكون بالقرآن كله.
وإن كنتم عاجزين كذلك فليكن كلامًا بليغًا مثل بلاغة القرآن، ولو كان من "الحكايات المفتريات".
وإن كنتم عاجزين كذلك فأْتوا "بسورة واحدة" ولتكن سورة قصيرة...
— 227 —
وإن كنتم عاجزين كذلك:
فأديانُكم وأنفسُكم إذن مهددةٌ بالخطر في الدنيا كما هي في الآخرة.
وهكذا تحدى القرآن الكريم بثماني تحديات طبقات الإنس والجن، ولم يحصر تحدّيه في ثلاث وعشرين سنة بل استمر إلى الألف وثلاثمائة سنة بل لا يزال يتحدى العالم وسيبقى هكذا إلى أن يرث اللّٰه الأرضَ ومَن عليها.
ولهذا فلو كانت المعارضةُ ممكنة لما اختار أولئك الكفارُ طريق الحرب والدمار ويُلقون أنفسَهم وأموالهم وأهليهم إلى التهلكة ويَدَعون طريق المعارضة القصيرة السهلة. إذن فالمعارضة غير ممكنةٍ وليست في طوق البشر. إذ هل يمكن لعاقل فَطِن -ولا سيما أهل الجزيرة العربية ولا سيما قريش الأذكياء- أن يعرّض نفسَه وماله وأهله للخطر ويختار طريق الحرب والدمار إن كان باستطاعته سلوكَ طريق المعارضة ولو بسورة من القرآن من أديب منهم، فينقذ نفسَه وماله من التحدي القرآني، إن كان إتيان مثله سهلًا ميسورًا؟
وحاصل الكلام: ما قاله "الجاحظ": لمّا لم يمكن المعارضةُ بالحروف اضطروا إلى المقارعة بالسيوف.
فإن قيل: لقد قال بعض العلماء المحققين: "لا يمكن معارضة أية آية من آيات القرآن الكريم ولا جملة منها ولا كلمة منها، فكيف بالسورة؟ ولم يبرز أحدٌ في ميدان المعارضة. أي لم يعارَض القرآن إذن". ونرى أن في هذا الكلام مجازفة ومبالغة لا يقبلها العقل، لأنَّ هناك كثيرًا من الجمل في كلام البشر يشبه جملَ القرآن وعباراته. إذن فما معنى هذا القول، وما حكمته؟
الجواب: هناك مذهبان في بيان إعجاز القرآن:
المذهب الأول: وهو الغالب والراجح وهو مذهب الأكثرية من العلماء وهو أنَّ لطائفَ بلاغة القرآن ومزايا معانيه هي فوق طاقة البشر.
أما المذهب الثاني: وهو المرجوح فهو أن معارضة سورةٍ واحدة من القرآن ضمن طاقة البشر، إلّا أن اللّٰه سبحانه قد منَعها عن الخلق، ليكون القرآنُ معجزةَ الرسول (ص)، ويمكن أن يوضح هذا بمثال:
— 228 —
إن قيام الإنسان وقعوده ضمن قدرته ونطاق استطاعته، فإن قال نبيٌ كريم لشخصٍ ما: لا استطعتَ من القيام، إظهارًا للمعجزة، ولم يستطع الشخصُ من القيام فعلًا، فقد وقعت المعجزة.
يطلق على هذا المذهب المرجوح: مذهب الصَرفة. أي أن اللّٰه سبحانه هو الذي صرفَ الجن والإنس عن القدرة على المعارضة، فلو لم يصرفهم اللّٰه سبحانه عن الإتيان بالمِثل لكان الجن والإنس بمقدورهم الإتيان بمثله.
وهكذا فكلام الذين يقولون : "لا يمكن معارضة القرآن حتى بكلمة واحدة" هو كلام حق وفق هذا المذهب لا مراء فيه؛ لأن اللّٰه سبحانه قد منعهم عن ذلك إظهارًا للإعجاز، فلا يستطيعون إذن أن يتفوهوا بشيء للمعارضة، ولو أرادوا قولَ شيء ما للمعارضة فلا يقدرون عليه من غير إرادة اللّٰه ومشيئته.
أما بالنسبة للمذهب الأول وهو الراجح والذي ارتضاه معظمُ العلماء، فلهم فيه وجه دقيق:
إنَّ كلمات القرآن الكريم وجُمَله ينظر بعضها إلى البعض الآخر، فتتواجه وتتناظر الكلماتُ والجُمَل، فقد تكون كلمةٌ واحدة متوجهةً إلى عشرة مواضع، وعندها تجد فيها عشرَ نكات بلاغية، وعشرَ علاقات تربطها مع الكلمات الأخرى، وقد ذكرنا هذه العلاقات في تفسيرنا "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" سواء في سورة الفاتحة أم في بداية سورة البقرة:
الم٭ ذلك الكتاب لا ريب فيه
ولنوضح ذلك بمثال:لو تصورنا قصرًا عظيمًا جدرانُه منقّشة بنقوش بديعة، ومزيّنة بزخارفَ رائعة، فإنّ وضعَ حجرٍ يحمل العُقدة الأساس لتلك الزخارف والنقوش في موضعه اللائق به -بحيث يرتبط معها جميعًا ويشرف عليها جميعًا- يحتاج إلى معرفة كاملة بتلك النقوش جميعها وبتلك الزخارف التي تملأ جدران القصر.
ومثال آخر؛ نأخذه من جسم الإنسان: إن وضعَ بؤبؤ عين الإنسان في موضعه اللائق يتوقف على معرفة علاقة العين بالجسم كلّه، ومعرفة مدى علاقة وارتباط بؤبؤ العين بكل جزء من أجزاء الجسم وبوظيفته.
— 229 —
فَقِسْ على هذين المثالين لتعلَم كيف بيّن السابقون من أهل الحقيقة ما في كلمات القرآن من الوجوه العديدة والعلاقات والأواصر والارتباطات التي تربطها مع سائر جُمَله وآياته. ولاسيما علماء علم حروف القرآن، فقد أَوغلوا كثيرًا في هذا الموضوع، وأَثبتوا بدلائل: أن في كل حرف من القرآن الكريم أسرارًا دقيقة تَسَع صحيفة كاملة من البيان والتوضيح.
نعم، ما دام القرآن الكريم كلامَ رب العالمين وخالق كل شيء، فكلُّ كلمة من كلماته إذن بمثابة نواة، أي يمكن أن تكون تلك الكلمة نواةً تنبت منها شجرةٌ معنوية من الأسرار والمعاني، أو بمثابة قلب تتجسد حولَه المعاني والأسرار.
لذلك نقول: نعم، إنَّ في كلام البشر ما يشبه كلمات القرآن وجُمَله وآياته، إلّا أن تلك الآية الكريمة أو الكلمة والجملة القرآنية قد وُضعَت في موضعها الملائم لها بحيث روعي في وضعها كثيرٌ جدًّا من الارتباطات والعلاقات مما يلزم علمًا محيطًا كليًا كي يضعَها في ذلك الموقع اللائق به.
النكتة الثالثة
لقد أنعم اللّٰه سبحانه وتعالى عليّ يومًا تفكرًا حقيقيًا حول مُجمَل ماهية القرآن الحكيم فأدوّن ذلك التفكر كما ورد للقلب باللغة العربية، ثم أُورد معناه.
سُبْحَانَ مَنْ شَهِدَ عَلٰى وَحْدَانِيَّتِه وَصَرَّحَ بِأَوْصَافِ جَمَالِه وَجَلاَلِه وَكَمَالِهِ الْقُرْأٰنُ الْحَكيمُ الْمُنَوَّرُ جِهَاتُهُ السِّتُّ الْحَاوي لِسِرِّ إِجْمَاعِ كُلِّ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَاْلأَوْلِيَاءِ وَالْمُوَحِّدينَ الْمُخْتَلِفينَ فِي الْأَعْصَارِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَسَالِكِ الْمُتَّفِقينَ بِقُلُوبِهِمْ وَعُقُولِهِمْ عَلٰى تَصْديقِ أَسَاسَاتِ الْقُرْأٰنِ وَكُلِّيَّاتِ أَحْكَامِهِ عَلٰى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَهُوَ مَحْضُ الْوَحْيِ بِإِجْمَاعِ الْمُنْزِلِ وَالْمُنْزَلِ وَالْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وَعَيْنُ الْهِدَايَةِ بِالْبَدَاهَةِ وَمَعْدِنُ أَنْوَارِ الْإيمَانِ بِالضَّرُورَةِ وَمَجْمَعُ الْحَقَائِقِ بِالْيَقينِ وَمُوصِلٌ إِلَى السَّعَادَةِ بِالْعِيَانِ وَذُو الْأَثْمَارِ الْكَامِلينَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَمَقْبُولُ الْمَلَكِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِّ بِالْحَدْسِ الصَّادِقِ مِنْ تَفَاريقِ الْأَمَارَاتِ وَالْمُؤَيَّدُ بِالدَّلاَئِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلاَءِ الْكَامِلينَ وَالْمُصَدَّقُ مِنْ جِهَةِ الْفِطْرَةِ السَّليمَةِ بِشَهَادَةِ اطْمِئْنَانِ الْوِجْدَانِ وَالْمُعْجِزَةُ الْأَبَدِيَّةُ الْبَاقي وَجْهُ إِعْجَازِه عَلٰى مَرِّ الزَّمَانِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُنْبَسِطُ دَائِرَةُ إِرْشَادِه مِنَ الْمَلَإِ الْأَعْلٰى إِلٰى مَكْتَبِ الصِّبْيَانِ يَسْتَفيدُ مِنْ
— 230 —
عَيْنِ دَرْسٍ اَلْمَلٰئِكَةُ مَعَ الصَّبِيّينَ وَكَذَا هُوَ ذُو الْبَصَرِ الْمُطْلَقِ يَرَى الْأَشْيَاءَ بِكَمَالِ الْوُضُوحِ وَالظُّهُورِ وَيُحيطُ بِهَا وَيُقَلِّبُ الْعَالَمَ في يَدِه وَيُعَرِّفُهُ لَنَا كَمَا يُقَلِّبُ صَانِییعُ السَّاعَةِ السَّاعَةَ في كَفِّه وَيُعَرِّفُ لِلنَّاسِ فَهٰذَا الْقُرْأٰنُ الْعَظيمُ الشَّانِ هُوَ الَّذي يَقُولُ مُكَرَّرًا اللّٰه لا اِله الّا هو ، فاعلم أنه لا اِله الّا اللّٰه.
أما معنى هذا التفكر فكما يأتي:
إن الجهات الست للقرآن الكريم منوّرةٌ وضّاءةٌ لا تدنو منها الشبهاتُ والأوهام، لأن:
من ورائه العرشُ الأعظم، يستند إليه، فهناك نورُ الوحي.
وبين يديه سعادةُ الدارين، يستهدفها، فقد امتدت ارتباطاتُه وعلاقته بالأبد والآخرة فهناك نورُ الجنة ونور السعادة.
ومن فوقه تتلألأ آيةُ الإعجاز وتسطعُ طغراؤه.
ومن تحته أعمدةُ البراهين الرصينة والدلائل الدامغة، ففيها الهداية المحضة.
وعن يمينه يقف استنطاقُ العقول وتصديقُها، لكثرة ما فيه أفلا يعقلون.
وعن يساره استشهادُ الوجدان حتى ينطق من إعجابه: "تبارك اللّٰه" بما ينفخ من نفحات روحية للقلب.
فمن أين يمكن يا تُرى أن تتسلل إليه الأوهامُ والشبهات؟
فالقرآن الكريم جامعٌ لسّر إجماع كتب الأنبياء والأولياء والموحّدين قاطبة، رغم اختلاف عصورهم ومشاربهم ومسالكهم. أي أن جميع أربابِ العقول السليمة والقلوب المطمئنة يصدّقون مجملَ أحكام القرآن الكريم وأساسَ ما يدعو إليه، حيث يذكرونه في كتبهم. فهم إذن بمثابة أُصول شجرة القرآن السماوية.
ثم إنَّ القرآن الكريم يستند إلى الوحي الإلهي، بل هو وحيٌ محض، لأن اللّٰه سبحانه الذي أنیزله على قلب محمد (ص) يبيّنه بمعجزات رسوله الكريم وحيًا محضًا. والقرآن النازل من عند اللّٰه يبين بإعجازه الظاهر أنه من العرش الأعظم. وأن أطوارَ المُنیزَل عليه وهو الرسول
— 231 —
الكريم (ص) واضطرابَه في أول نیزول الوحي، وضعه كأنه أغمي عليه في أثناء نزوله، وما يُظهره من توقير وتبجيل أكثر من كل ما عداه، يبيّن أنه وحيٌ خالص ينیزل عليه ضيفًا من الملك الأزلي.
ثم إن ذلك القرآن العظيم وحيٌ محض بالبداهة، لأن خلافَه ضلالةٌ وكفر.
ثم إنه بالضرورة معدن الأنوار الإيمانية، فليس خلافُ الأنوار إلّا الظلمات الدامسة. وقد أثبتنا هذه الحقيقة في كلمات كثيرة.
ثم إنَّ القرآن الكريم مجمَع الحقائق يقينًا فالخيالُ والخرافات بعيدة عنه بُعدًا مطلقًا، إذ إن ما شكّله من عالَم الإسلام، وما أتى به من شريعة غراء، وما يبيّنه من مُثُل سامية، يثبت أن بحثه عن عالم الغيب -كما هو عند بحثه عن عالم الشهادة- هو عينُ الحقائق، لا يدنو منه شيء خلافًا للحقيقة أبدًا.
ثم إن القرآن الكريم -كما هو واقع- يوصِل إلى سعادة الدارين بلا ريب، ويسوق البشرية إليها، فمن يساوره الشكُّ فليراجع القرآن مرةً واحدة، وليستمع إليه وليرى بعد ذلك ماذا يقول القرآن.
ثم إنَّ الثمار التي يَجنيها الإنسانُ من القرآن الكريم إنما هي ثمارٌ يانعة ذات حياة وحيوية. فلا غرو أن جذور شجرة القرآن متوغلةٌ في الحقائق ممتدةٌ في الحياة، لأن حياة الثمرة تدل على حياة الشجرة. فإن شئت فانظر كم أعطى القرآنُ من ثمار الأصفياء المنوّرين والأولياء الصالحين الكاملين على طول العصور.
ثم إنَّ القرآن الكريم موضعُ رضى الإنس والجن والملائكة وذلك بالحدس الصادق، الناشئ من أمارات عديدة، حيث يجتمعون حوله عند تلاوته كالفراش حول النور.
ثم إن القرآن مع أنه وحي إلهي فهو مؤيدٌ بالدلائل العقلية، والشاهد على هذا: اتفاقُ العقلاء الكاملين وفي مقدمتهم أئمة علم الكلام ودهاة الفلسفة أمثال "ابن سينا" و "ابن رشد"، فجميعهم بالاتفاق قد اثبتوا أسسَ القرآن بأصولهم ودلائلهم.
ثم إن القرآن الكريم مصدَّق من قبل الفطرة السليمة -ما لم يعتَرِها عارضٌ أو مرض- حيث إن اطمئنان الوجدان وراحةَ القلب إنما ينشآن من أنواره، أي أنَّ الفطرة السليمة تصدّقُه
— 232 —
باطمئنان الوجدان. نعم! إنَّ الفطرة بلسان حالها تقول للقرآن الكريم: "لا يتحقق كمالُنا من دونك". وقد أثبتنا هذه الحقيقة في مواضعَ متفرقةٍ من الرسائل.
ثم إنَّ القرآن معجزةٌ دائمة أبدية بالمشاهدة والبداهة، فهو يبين إعجازَه كلَّ حين، فلا يخبو نورُه -كبقية المعجزات- ولا ينتهي وقتُه، بل يمتد زمنُه إلى الأبد.
ثم إنَّ منیزلة إرشاد القرآن الكريم لها من السعة والشمول بحيث إن درسًا واحدًا منه يتلقاه جبريل عليه السلام جنبًا إلى جنب صبي صغير. ويجثو أمامه فلاسفةٌ دهاة -أمثال ابن سينا- مع أبسط شخص أمي، يتلقيان الدرسَ نفسه. بل قد يستفيض ذلك الرجل العامي من القرآن بما يحمل من قوة الإيمان وصفائه ما لا يستفيضه "ابن سينا".
ثم إن في القرآن الكريم عينًا باصرةً نافذة بحيث ترى جميعَ الوجود وتحيط به، وتضع جميعَ الموجودات أمامَه، كأنها صحائفُ كتاب فيوضّح طبقاتها وعوالِمها. فكما إذا استلم الساعاتي ساعة صغيرة بيده يقلّبها، ويعرّفها ويفتحها، كذلك الكون بين يدي القرآن الكريم يعرّفه ويبين أجزاءه.
فهذا القرآن العظيم يثبت الوحدانية بی فاعلم أنه لا اله الّا اللّٰه.
اللّٰهمَّ اجْعَلِ الْقُرْأٰنَ لَنَا فِي الدُّنْيَا قَرينًا وَفِي الْقَبْرِ مُونِسًا وَفِي الْقِيَامَةِ شَفيعًا وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا وَمِنَ النَّارِ سِتْرًا وَحِجَابًا وَفِي الْجَنَّةِ رَفيقًا وَإِلَى الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا دَليلًا وَإِمَامًا. أَللّٰهمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَقُبُورَنَا بِنُورِ الْإيمَانِ وَالْقُرْأٰنِ وَنَوِّرْ بُرْهَانَ الْقُرْأٰنِ بِحَقِّ وَبِحُرْمَةِ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْأٰنُ، عَلَيْهِ وَعَلٰى أٰلِهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنَ الرَّحْمٰنِ الْحَنَّانِ، أٰمينَ.
الإشارة البليغة التاسعة عشرة
لقد أُثبت يقينًا وبدلائیل قاطعة، في الإشارات السابقة أن الرسیولَ الأكرم (ص) الذي ثبتت رسالته بألوف الدلائل القاطعة في الإشارات السابقة لهو برهان باهر للوحدانية الإلٰهية، ودليل ساطع للسعادة الأبدية. وسنعرّف في هذه الإشیارة تعريفًا مُجملًا بشكل خلاصة الخلاصة ذلك البرهان الصادق والدليل السیاطع على الوحدانية؛ لأنیه: يلزم معرفةُ الدليیل والإحاطة بیوجیه دلالته ما دام هو دليلًا إلى المعرفة الإلهية.
— 233 —
لذا سنبيّن هنا باختصار شديد وجهَ دلالته (ص) على التوحيد ومدى صدقِه وصوابه فنقول: إنَّ الرسول الكريم (ص) دليلٌ بذاته على وجود الخالق العظيم وعلى وحدانيته كما يدل عليه أي موجود من موجودات الكون. وقد أعلن بلسانه (ص) وجهَ دلالته هذا على التوحيد والوجود مع دلالة الموجودات قاطبة. ومن حيث إنه (ص) دليل على التوحيد سنشير إلى صدقِ دلالته وحجيتِه وصوابه وأحقيته ضمن خمسة عشر أساسًا:
الأساس الأول إنَّ هذا الدليل الذي يدل على خالق الكون بذاته وبلسانه وبدلالة أحواله وبلسان أطواره، لهو صادقٌ مصدَّق من قِبل حقائق الكون؛ لأن دلالات جميع الموجودات إلى الوحدانية إنما هي بمثابة شهاداتِ تصديقٍ لمن ينطق بالوحدانية. أي أن ما يدعو إليه مصدَّقٌ لدى الكون كله. وحيث إن ما يبيّنُه من الوحدانية، التي هي الكمال المطلق، وما يبشّره من السیعادة الأبدية التي هي الخير المطلق، مطابقان تمامًا للحُسن والكمال المتجليَين في حقائق العالم. فهو صادق في دعواه قطعًا. فالرسول الكريم (ص) إذن برهان صادق مصدَّق للوحدانية الإلهية والسعادة الأبدية.
الأساس الثاني إنَّ ذلك الدليلَ الصادق المصدَّق الذي يملك ألوفًا من المعجزات -أكثر مما لدى الأنبياء السابقين- والذي أتى بشريعة سمحةٍ غراء لا تُنسَخ ولا تُبدَّل، وبدعوة شاملة للجن والإنس، لاشك أنه سيدُ المرسلين عليهم السلام؛ فهو إذن جامعٌ للحِكَم والأسرار التي تنطوي عليها معجزاتُ الأنبياء عليهم السلام واتفاقهم. أي أن قوةَ إجماع الأنبياء كلهم إذن، وشیهادة معجزاتهم، تشكّل ركيزةً لصدقه وصوابَ دعوته.
ثم إنَّ الأصفياء والأولياء الصالحين الذين بلغوا من الكمال ما بلغوا إنما كان بتربيته السامية وبهدي شريعته الحقة فهو مرشدُهم وسيدُهم؛ لذا فهو جامعٌ لسرِّ كراماتهم وتصديقهم بالإجماع وقوة دراساتهم وتحقيقاتهم، حيث إنهم سلكوا طريقًا فتح أبوابَه أستاذُهم، وتركها مفتوحة، فوجدوا الحقيقة. فجميعُ كراماتهم وتحقيقاتهم العلمية وإجماعهم إنما تمثل ركيزةً لصدق أستاذهم الطاهر وصوابَ دعوته.
— 234 —
ثم إنَّ ذلك البرهان الباهر للوحدانية -كما تبيّنَ في الإشارات السابقة- يملك من المعجزات الباهرة القاطعة اليقينية، والإرهاصات الخارقة، ودلائل نبوةٍ لا ريب فيها، كلٌّ منها تصدّقه تصديقًا عظيمًا، بحيث لو اجتمع الكونُ كلُّه لِيجرَح ذلك التصديقَ لَعَجز دونَه.
الأساس الثالث إنَّ ذلك الداعي إلى الوحدانية والمبشّر بالسعادة الأبدية الذي له هذه المعجزات الباهرات يملك من الأخلاق السامية في ذاته المباركة، ومن السجايا الرفيعة في مهمة رسالتِه، ومن الخصال الفاضلة فيما يبلّغه من شريعةٍ ودين، ما يضطر إلى تصديقه ألدُّ أعدائه فلا يجد سبيلًا للإنكار.
فما دام يملك في ذاتِه وفي مهمته وفي دينه أسمى الأخلاق وأجملَها، وأكملَ السجايا وأثمنَها، وأرفعَ الخصال وأفضلَها، فلا ريب أنه مثالٌ لكمال الموجودات، وممثلٌ لفضائل الأخلاق ومثالُها المجسم، والقدوة الحسنة لها؛ ولهذا فالكمالات التي تشعُّ من ذاته ومن مهمته ومن دينه لهي ركيزةٌ قوية عظيمة لصدقه بما لا يمكن أن يزحزحها شيءٌ.
الأساس الرابع إنَّ ذلك الداعي إلى الوحدانية والسعادة الأبدية الذي هو مَعدِنُ الكمالات ومعلّمُ الأخلاق الفاضلة. لا ينطق عن نفسه وحسب هواه -حاشاه- وإنما ينطق بالوحي الإلهي. فهو يستلم الوحيَ من ربه الجليل ويبلّغ به الآخرين. لأنه قد ثبت بألوفٍ من دلائل النبوة، كما ذُكر في الأسس السابقة ووضّح قسم منها:
أنَّ رب العالمين سبحانه الذي خلق جميعَ تلك المعجزات وأجراها بيد رسوله (ص)، إنما يبين أنَّ رسولَه الكريم (ص) ينطق لأجله وفي سبيله ويبلّغ كلامَه المبين.
وأنَّ القرآن الكريم الذي نیزل عليه يبيّن بإعجازه الظاهر والباطن أنه (ص) مبلّغٌ عن رب العالمين.
وأنَّ ذاتَه الشريفة (ص) وما يتحلى به من عظيم الإخلاص والتقوى وجدِّيّة بالغة في تبليغ
— 235 —
أمر اللّٰه، وأمانة صادقة فيه، تبين في جميع أحواله وأطواره، أنه لا يتكلم باسمه الشخصي، ولا من بنات فكره الذاتي وإنما يتكلم باسم اللّٰه رب العالمين.
ثم إنَّ الذين استمعوا إليه من أهل الحقيقة قاطبة قد صدّقوا بالكشف والتحقيق العلمي، وآمنوا إيمانًا يقينيًا بأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى، فهو مبلّغ أمين عن رب العالمين، يدعو الناس إلى الرشاد بالوحي الإلهي.
وهكذا فإنَّ صدق هذا الدليل (ص) وأحقيتَه يستند إلى هذه الأسس الأربعة الثابتة الرصينة.
الأساس الخامس إنَّ ذلك المبلغ الأمين لكلام اللّٰه الأزلي يرى الأرواح، ويتكلم مع الملائكة، ويُرشد الجن والإنس معًا. فلا يتلقى العلمَ من عوالم الملائكة والأرواح التي هي أسمى من عالم الإنس والجن بل يتلقى العلمَ من فوق تلك العوالم كلِّها، بل يطّلع على ما وراءها من شؤون إلهية، فالمعجزاتُ المذكورة سابقًا، وسيرتُه الشريفة التي نُقلت إلينا بالتواتر تثبتان هذه الحقيقة. لذا فلا يتدخل الجن ولا الأرواح ولا الملائكة فيما يبلّغه من أمور بل لا يتقرب إلى تبليغه حتى المقرَّبين من الملائكة سوى جبريل عليه السلام، بل يتقدم أحيانًا حتى رفيقَه جبريل عليه السلام الذي كان يصحبه معظم الأوقات.
الأساس السادس إنَّ ذلك الدليل الذي هو سيدُ المَلَك والجن والإنس إنما هو أنورُ ثمار شجرة الكائنات وأكملُها، وتمثالُ الرحمة الإلهية، ومثالُ المحبة الربانية، والبرهان النير للحق، والسراج الساطع للحقيقة، ومفتاح طلسم الكائنات، وكشاف لغز الخلق، وشارح حكمة العالم والداعي إلى سلطان الألوهية. والمرشد البارع لمحاسن الصنعة الربانية، فتلك الذات المباركة، بما تملك من صفات جامعة إنما تمثل أكمل نموذج لكمالات الموجودات. لذا فهذه المزايا التي يمتلكها ذلك النبي الكريم (ص) وما يتصف به من شخصية معنوية تظهران بوضوح أنَّ ذلك النبي الكريم (ص) هو علّةُ الكون الغائية، أي أنه موضعَ نظر خالق الكون. نظر إليه وخلق الكون، ويصحّ القول أنه لو لم يكن قد أوجدَه ما كان يوجِد الكونَ.
— 236 —
نعم؛ إنَّ ما أتى به هذا النبي الكريم من حقائق القرآن وأنوار الإيمان إلى الإنس والجن كافة، وما يشاهَد في ذاته المباركة من أخلاق سامية وكمالات فائقة، شاهدٌ صادق قاطع على هذه الحقيقة.
الأساس السابع إن ذلك البرهان الساطع للحق والسراجَ المنير للحقيقة قد أظهر دينًا قيّمًا، وأبرز شريعة شاملة بحيث تضم من الدساتير الجامعة ما تحقق سعادة الدارين، كما أنه بيّن أكمل بيان حقيقة الكون ووظيفته وأسماءَ الخالق الجليل وصفاته. فالذي يُمعن النظر في ذلك الإسلام الحنيف والشريعة الغراء الشاملة في طرز تعريفها للكون يُدرك يقينًا أن ذلك الدين إنما هو نظامُ خالق هذا الكون الجميل الذي يعرّف ذلك الخالق. إذ كما أنَّ بنّاءً بارعًا لقصر بديع يضع تعريفًا يليق بالقصر، ويكتبه تبيانًا لمهارته الفائقة، كذلك هذا الدينُ العظيم والشريعة السمحة وما فيه من الشمول والإحاطة والسمو يُظهر بوضوح أن الذي وضعَه على هذه الصورة الرفيعة إنما هو واضعُ الكون ومدبّرُه. و إنَّ مَن كان منظِّمًا لهذا الكون البديع وبهذا التنظيم الرائع لابد أنه هو الذي نظّم هذا الدين الأكمل بهذا النظام الأجمل. نعم، إن ذلك نظام الأكمل يقتضي هذا النظم الأجمل.
الأساس الثامن إنَّ من يتصف بهذه الصفات الجميلة المذكورة، وتستند رسالتُه إلى تلك الأدلة والركائز الرصينة، ذلك الرسول الحبيب (ص)، يتكلم باسم عالم الغيب متوجهًا إلى عالَم الشهادة، معلنًا على رؤوس الأشهاد من الجن والإنس، مخاطبًا الأقوام المتراصين وراء العصور المقبلة، فيناديهم جميعًا نداءً رفيعًا ساميًا يُسمعهم قاطبة في جميع الأعصار أينما وُجدوا وحيثما كانوا... نعم .. نعم نسمع!.
الأساس التاسع إنَّ خطابه هذا رفيع إلى حدٍّ تسمعه العصورُ جميعًا.. نعم، إنَّ كل عصر يسمع رجع صدى كلامه.
— 237 —
الأساس العاشر إننا نرى في أحواله وسيرته المطهَّرة أنه يرى ثم يبلّغ في ضوء ما يرى، لأنه يبلّغ حتى عندما تحدِق به المخاطرُ، بلا تردد ولا اضطراب وبكل ثقة واطمئنان بل قد يتحدى وحدَه العالم كله.
الأساس الحادي عشر إنه قد أعلن دعوته بكل ما آتاه اللّٰه من قوة، أعلنها جِهارًا حتى جعل نصفَ الأرض وخُمس البشرية يلبّون أوامره ويقولون لكل كلمة صدرت منه: سمعنا وأطعنا.
الأساس الثاني عشر إنه يدعو بإخلاص كامل وبجدّية تامة فيربّي تربية راسخة، بحيث إنَّ دساتيرها تُنقَش في جباه العصور وصحائفِ الأقطار ووجوه الدهور.

الأساس الثالث عشر إنه يتكلم بكلام ملؤه الثقة والاطمئنان فيبلّغ الأحكامَ وهو واثق كل الثقة من صدقها وصوابِها، ويدعو إليها دعوة صريحة لا لَبسَ فيها بحيث لو اجتمع العالمُ كله ما صرَفَه عن د &Iه ولا عن حُكمٍ من تلك الأحكام. وسيرتُه المُطهَّرة وتاريخُ حياته المباركة أصدقُ شاهد على هذه الحقيقة.

الأساس الرابع عشر إنه يدعو باطمئنان بالغ واعتماد تام ويبلّغ بثقة كاملة، بحيث لا يتنازل في دعوته عن شيءٍ، ولا يتردد أمام أية مشكلة مهما كانت، فلا يُداخله الخوفُ والدهشة، بل يدعو بصفاء كامل وإخلاص تام. وينفّذ ما يدعو إليه من الأحكام على نفسه أولًا ويذعنُ إليه ثم يعلّمه الآخرين. والشاهد على هذا زهدُه العظيم واستغناؤه عن الناس وإعراضُه عن زخارف الدنيا الفانية، كما هو معلوم لدى الأصدقاء والأعداء.
— 238 —
الأساس الخامس عشر إنه كان أخشى الناس للّٰه وأخضَعهم لأوامره سبحانه وأعبدَهم له وأتقاهم عن نواهيه، مما يدلنا على أنه مبلّغٌ أمين لسلطان الأزل والأبد، فهو رسولُه الحبيب وأخلص عباده، ومبلّغ رسالاته. نخلص من هذه الأسس الخمسة عشرة:
إنَّ هذا الرسول الكريم (ص) الموصوف بتلك الأوصاف المذكورة قد أعلن الوحدانية فنادى بكل ما آتاه اللّٰه من قوة، وعلى مدار حياته المباركة كلها: لاَ إلهَ إلّا اللّٰه
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلٰى أٰلِه عَدَدَ حَسَنَاتِ أُمَّتِه
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 239 —

إكرام إلهي وأثر عناية ربانية

على أمل أن نحظى بسر الآية الكريمة: وأما بنعمة ربك فحدِّث (الضحى: ١١) نقول:
إنَّ أثر عناية ربانية ولمسةِ رحمة إلهية قد ظهر أثناء تأليف هذه الرسالة، أذكره لقرائها الكرام كي يلتفتوا إليها باهتمام بالغ:
كانت "الكلمة الحادية والثلاثون" و "التاسعة عشرة" اللتان تبحثان في الرسالة الأحمدية مؤلَّفتين؛ لذا لم يرد إلى قلبي شيءٌ حول تأليف هذه الرسالة.. فإذا بخاطرة ترد إلى القلب مباشرةً، تلحّ عليّ بالتأليف في وقت كانت حدّة حافظتي قد كلّت وخبَت جذوتُها تحت وطأة المصائب والبلايا، فضلًا عن أنني لم أسلك في مؤلفاتي -وفق مشربي- سبيلَ النقل من الكتب (قال فلان.. قيل كذا)، وعلاوة على أنه ما كان لديّ أيُّ مصدر كان من مصادر الحديث الشريف أو السيرة المطهرة... ولكن على الرغم من كل هذا قلت: "توكلتُ على اللّٰه"، وشرعت بتأليف هذه الرسالة متوكلًا عليه وحده، فحصل من التوفيق الإلهي ما جعل حافظتي قويةً بحيث كانت تمدّني إمدادًا يفوق بكثير حافظةَ "سعيد القديم" حتى كُتبتْ نحو أربعين صحيفة في سرعة فائقة خلال ما يقرب من أربع ساعات، بل كُتبتْ خمسَ عشرة صحيفة في ساعة واحدة. وكانت النقولُ على الأغلب من كتب الأحاديث كالبخاري ومسلم والبيهقي والترمذي والشفا للقاضي عياض وأبو نعيم والطبري وأمثالها. وكان قلبي يخفق ويرجُف بشدة، إذ لو وقع الخطأ في هذا النقل لترتب عليه الإثمُ، حيث إنه حديث شريف.
ولكن أدركنا يقينًا أنَّ العناية الإلهية معنا وأنَّ الحاجة إلى هذه الرسالة شديدة. فكُتبت الأحاديثُ بفضل اللّٰه سليمةً صحيحة. ومع هذا، فإذا ما ورد في ألفاظ الحديث الشريف أو في اسم الراوي خطأ فالرجاء من الإخوة الأعزاء تصحيحَه والصفح عن الخطأ.
سعيد النورسي
— 240 —
نعم ! لقد كان الأستاذ يملي علينا ونحن نكتب المسودة، ولم يكن لديه أي مصدر كان، ولم يراجع في كلامه قط. كان كلامه في منتهى السرعة، وكنا نكتب حوالي أربعين صحيفة في ساعتين أو ثلاث. فأيقنا نحن أيضًا أن هذا التوفيق الإلهي في التأليف هو كرامة من كرامات المعجزات النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.
(الحافظ توفيق) (الحافظ خالد) (سليمان سامي) (عبداللّٰه جاووش)
كاتب المسودة اخوه في الآخرة خادمه خادمه المقيم
والمبيضة وكاتب المسودة وكاتب المسودة
— 241 —

الذيل الأول

من رسالة "المعجزات الأحمدية"
لمناسبة المقام ضُمّت هنا الكلمة (التاسعة عشرة) وهي تخص الرسالة الأحمدية مع ذيلها الذي يبحث في معجزة انشقاق القمر). بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
تتضمن هذه الكلمة "اللمعة الرابعة عشرة" أَربعَ عشرةَ رشحة: [٭]: كتب الأستاذ النورسي هذا البحث باللغة العربية في المثنوي العربي النوري، ثم ترجمه إلى التركية وجعله "الكلمة التاسعة عشرة". فأثناء ترجمتي لها إلى العربية مرّة أخرى احتفظت بالنص العربي للأستاذ المؤلف مع ما يستوجب من تقديم وتأخير وحذف وإضافة في ضوء النص التركي.
الرشحة الأولى: إنَّ ما يُعرِّف لنا ربَّنا هو ثلاثة معرّفين أَدلَّاء عظام:
أوله: كتاب الكون، الذي سمعنا شيئًا من شهادته في ثلاثَ عشرةَ لمعة (من لمعات المثنوي العربي النوري).
ثانيه: هو الآية الكبرى لهذا الكتاب العظيم، وهو خاتم ديوان النبوة (ص).
ثالثه: القرآن الحكيم.
فعلينا الآن أَنْ نعرف هذا البرهان الثاني الناطق، وهو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين (ص) وننصت إليه خاشعين.
اعلم! إِنَّ ذلك البرهان الناطق له شخصية معنوية عظيمة. فإنْ قلتَ: ما هو؟ وما ماهيته؟
— 242 —
قيل لك: هو الذي لعظمته المعنوية صار سطحُ الأَرض مسجده، ومكةُ محرابه، والمدينة منبره.. وهو إمام جميع المؤمنين يأتمّون به صافّين خَلْفَه.. وخطيب جميع البشر يبيّن لهم دساتير سعاداتهم.. ورئيس جميع الأَنبياء يزكّيهم ويصدّقهم بجامعية دينه لأَساسات أَديانهم.. وسيد جميع الأَولياء يُرشدهم ويُربّيهم بشمس رسالته.. وقطبٌ في مركز دائرة حلقة ذكر تركّبَت من الأَنبياء و الأَخيار و الصديقين و الأَبرار المتَّفقين على كلمته الناطقين بها.. وشجرةٌ نورانية عروقُها الحيوية المتينة هي الأَنبياء بأَساساتهم السماوية، وأَغصانها الخَضِرة الطرية وثمراتها اللطيفة النيّرة هي الأَولياء بمعارفهم الإلهامية. فما من دعوى يدّعيها إلَّا ويشهدُ له جميعُ الأَنبياء مستندين بمعجزاتهم، وجميعُ الأَولياء مستندين بكراماتهم؛ فكأَنَّ على كل دعوًى من دعاويه خواتمُ جميع الكاملين، إذ بينما تراه قال: (لا إله إلّا اللّٰه) وادّعى التوحيد فإذا نسمع من الماضي والمستقبل من الصفّين النورانيين -أَيْ شموس البشر ونجومه القاعدين في دائرة الذكر- عينَ تلك الكلمة، فيكررونها ويتفقون عليها، مع اختلاف مسالكهم وتباين مشاربهم. فكأَنَّهم يقولون بالإجماع: "صَدَقت وبالحق نطقت". فأنّى لوهمٍ أَنْ يَمدَّ يده لردِّ دعوًى تأَيّدتْ بشهادات مَنْ لا يُحَد من الشاهدين الذين تزكّيهم معجزاتُهم وكراماتُهم.
الرشحة الثانية: اعلم! إن هذا البُرهان النوراني الذي دلَّ على التوحيد وأَرشد البشر إليه، كما أَنَّه يتأَيد بقوة ما في جناحَيه نبوةً وولايةً من الإجماع والتواتر.. كذلك تصدّقُه مئاتُ إشارات الكتب السماوية من بشارات التوراة والإنجيل والزبور وُزُبرِ الأَولين..
(٭): لقد استخرج "حسين الجسر" مائة وأربع عشرة بشارة من بطون تلك الكتب، وضمنها في "الرسالة الحميدية". فلئن كانت البشارات بعد التحريف إلى هذا الحد، فلاشك أن صراحات كثيرة كانت موجودة قبله. (المؤلف)
وكذلك تُصدِّقُه رموز ألوف الإرهاصات الكثيرة المشهودة، وكذا تُصدِّقُه دلالات معجزاته من أَمثال: شق القمر، ونبعان الماء من الأَصابع كالكوثر ومجيء الشجر بدعوته، ونیزول المطر في آن دعائه، وشبع الكثير من طعامه القليل، وتكلّم الضب والذئب والظبي والجمل والحجر، إلى أَلفٍ من معجزاته كما بيّنها الرواة والمحدثون المحققون.. وكذا تُصدِّقه الشريعة الجامعة لسعادات الدارين.
واعلم! أنّه كما تُصدِّقه هذه الدلائل الآفاقية، كذلك هو كالشمس يدل على ذاته بذاته، فتصدقّه الدلائل الأَنفسية؛ إذ اجتماع أَعالي جميع الأَخلاق الحميدة في ذاته بالإتفاق.. وكذا
— 243 —
جمعُ شخصيته المعنوية في وظيفته أَفاضل جميع السجايا الغالية والخصائل النیزيهة.. وكذا قوة إيمانه بشهادة قوة زهده وقوة تقواه وقوة عبوديته.. وكذا كمال وثوقه بشهادة سيره، وكمال جدّيته وكمال متانته، وكذا قوة أَمنيته في حركاته بشهادة قوة اطمئنانه.. تُصدِّقه كالشمس الساطعة في دعوى تمسّكه بالحق وسلوكه الحقيقة.
الرشحة الثالثة: اعلم! أنَّ للمحيط الزماني والمكاني تأْثيرًا عظيمًا في محاكمات العقول. فإنْ شئتَ فتعالَ لنذهبْ إلى خير القرون وعصر السعادة النبوية لنحظى بزيارته الكريمة (ص) -ولو بالخيال- وهو على رأْس وظيفته يعمل. فافتحْ عينيك وانظرْ! فإنَّ أَولَ ما يتظاهر لنا من هذه المملكة: شخصٌ خارق، له حسنُ صورة فائقة، في حُسن سيرة رائقة. فها هو آخذٌ بيده كتابًا معجِزًا كريمًا، وبلسانه خطابًا موجزًا حكيمًا، يبلّغ خطبةً أَزليةً ويتلوها على جميع بَني آدم، بل على جميع الجن والإنس، بل على جميع الموجودات.
فيا للعجب! ما يقول؟.. نعم! إنَّه يقول عن أَمرٍ جسيم، ويبحث عن نبأٍ عظيم، إذ يشرح ويحل اللغز العجيب في سرِّ خِلْقة العالم، ويفتح ويكشف الطلسم المغلق في سرِّ حكمة الكائنات، ويوضِّح ويبحث عن الأَسئلة الثلاث المعضلة التي شَغَلَت العقول وأَوقعتها في الحيرة، إذ هي الأَسئلة التي يَسأل عنها كلُّ موجود. وهي: مَنْ أَنتَ؟ ومِن أَين؟ وإلى أَين؟.
الرشحة الرابعة: انظر! إلى هذا الشخص النوراني كيف ينشر من الحقيقة ضياءً نوّارًا، ومن الحق نورًا مضيئًا، حتى صيَّر ليلَ البشر نهارًا وشتاءه ربيعًا؛ فكأَنَّ الكائنات تبدَّل شكلُها فصار العالَم ضاحكًا مسرورًا بعدما كان عبوسًا قمطريرًا.. فإذا ما نظرتَ إلى الكائنات خارجَ نور إرشاده؛ ترى في الكائنات مأْتمًا عموميًا، وترى موجوداتها كالأَجانب الغرباء والأعداء، لا يعرف بعضٌ بعضًا، بل يعاديه، وترى جامداتها جنائز دهّاشة، وترى حيواناتها وأناسيّها أَيتامًا باكين بضربات الزوال والفراق.
فهذه هي ماهية الكائنات عند مَنْ لم يدخل في دائرة نوره. فانظرْ الآن بنوره، وبمرصاد دينه، وفي دائرة شريعته، إلى الكائنات. كيف تراها؟.. فانظرْ! قد تبدّل شكلُ العالم، فتحوّل
— 244 —
بيتُ المأتم العمومي مسجدَ الذكر والفكر ومجلسَ الجذبة والشكر، وتحوّل الأَعداءُ الأَجانب من الموجودات أَحبابًا وإخوانًا، وتحوّل كلٌ من جامداتها الميتة الصامتة حيًّا مؤنسًا مأمورًا مسخَّرًا ناطقًا بلسان حاله آيات خالقه، وتحوّل ذوو الحياة منها -الأَيتام الباكون الشاكون- ذاكرين في تسبيحاتهم، شاكرين لتسريحهم عن وظائفهم.
الرشحة الخامسة: لقد تحوّلت بذلك النور حركاتُ الكائنات وتنوعاتُها وتغيراتُها من العبثية والتفاهة وملعبة المصادفة إلى مكاتيب ربانية، وصحائف آياتٍ تكوينية، ومرايا أسماء إلهية. حتى ترقّى العالمُ وصار كتاب الحكمة الصمدانية.
وانظر إلى الإنسان كيف ترقَّى من حضيض الحيوانية الذي هوى إليه بعجزه وفقره وبعقله الناقل لأَحزان الماضي ومخاوف المستقبل، ترقّى إلى أَوج الخلافة بتنوّر ذلك العقل والعجز والفقر. فانظرْ كيف صارتْ أَسبابُ سقوطه -من عجز وفقر وعقل- أَسبابَ صعوده بسبب تنوّرها بنور هذا الشخص النوراني.
فعلى هذا، لو لم يوجد هذا الشخص لسقطت الكائناتُ والإنسان، وكلُ شيء إلى درجة العدم؛ لا قيمة ولا أَهمية لها. فيلزم لمثل هذه الكائنات البديعة الجميلة من مثل هذا الشخص الخارق الفائق المعرِّف المحقق، فإذا لم يكن هذا فلا تكن الكائنات، إذ لا معنى لها بالنسبة إلينا.
الرشحة السادسة: فإنْ قلت: مَنْ هذا الشخص الذي نراه قد صار شمسًا للكون، كاشفًا بدينه عن كمالات الكائنات؟ وما يقول؟.
قيل لك: انظرْ واستمعْ إلى ما يقول: ها هو يُخبر عن سعادة أَبدية ويبشّر بها، ويكشف عن رحمة بلا نهاية، ويعلنها ويدعو الناس إليها. وهو دلالُ محاسن سلطنة الربوبية ونَظَّارُها، وكشّافُ مخفيّات كنوز الأَسماء الإلهية ومعرِّفُها.
فانظر إليه من جهة وظيفته (رسالته)؛ تَرهُ برهانَ الحق وسراجَ الحقيقة وشمس الهداية ووسيلة السعادة.
— 245 —
ثم انظر إليه من جهة شخصيته (عبوديته)؛ تَرَهُ مثالَ المحبة الرحمانية وتمثالَ الرحمة الربانية، وشرفَ الحقيقة الإنسانية، وأَنورَ أَزهرِ ثمرات شجرة الخلقة.
ثم انظر! كيف أحاط نور دينه بالشرق والغرب في سرعة البرق الشارق، وقد قَبِل بإذعان القلب ما يقرُب من نصف الأرض ومن خُمس بني آدم هديةَ هدايته، بحيث تُفدي لها أرواحَها. فهل يمكن للنفس والشيطان أَنْ يناقشا بلا مغالطة في مدّعيات مثل هذا الشخص، لاسيّما في دعوًى هي أساس كل مدّعياته، وهي: "لا إله إلا اللّٰه" بجميع مراتبها؟...
الرشحة السابعة: فإنْ شئتَ أَنْ تعرف أنَّ ما يحرّكه، إنّما هو قوة قدسية، فانظرْ إلى إجراآته في هذه الجزيرة الواسعة! أَلاَ ترى هذه الأَقوام المختلفة البدائية في هذه الصحراء الشاسعة، المتعصبين لعاداتهم، المعاندين في عصبيتهم وخصامهم، كيف رفع هذا الشخص جميعَ أَخلاقهم السيئة البدائية وقلعها في زمان قليل دفعة واحدة؟ وجهّزهم بأَخلاق حسنة عالية؛ فصيّرهم معلمي العالم الإنساني وأَساتيذ الأُمم المتمدنة.
فانظرْ! ليست سلطنتُه على الظاهر فقط؛ بل ها هو يفتح القلوب والعقول، ويسخِّر الأَرواح والنفوس، حتى صار محبوبَ القلوب ومعلّمَ العقول ومربي النفوس وسلطان الأرواح.
الرشحة الثامنة: من المعلوم أَنَّ رفعَ عادةٍ صغيرة -كالتدخين مثلًا- من طائفة صغيرة بالكلية، قد يَعْسَرُ على حاكم عظيم، بهمّةٍ عظيمة، مع أَنَّا نرى هذا النبي الكريم (ص) قد رَفَعَ بالكلّية، عاداتٍ كثيرة، من أَقوام عظيمة، متعصبين لعاداتهم، معاندين في حسيّاتهم، رفعها بقوةٍ جزئية، وهمّة قليلة في ظاهر الحال، وفي زمان قصير، وغَرَسَ بدَلَها برسوخ تامٍ في سجيتهم عادات عالية، وخصائلَ غالية. فيتراءى لنا من خوارق إجراآته الأَساسية أُلوفَ ما رأَينا، فمَن لم يَر هذا العصر السعيد نُدخلُ في عينه هذه الجزيرة ونتحداه. فليجرّبْ نفسَه فيها. فَلْيأْخذوا مائةً من فلاسفتهم وَلْيذهبوا إليها وَلْيعملوا مائة سنة هل يتيسر لهم أَنْ يفعلوا جزءًا من مائة جزء مما فعله (ص) في سنة بالنسبة إلى ذلك الزمان؟!
— 246 —
الرشحة التاسعة: اعلم! إنْ كنت عارفًا بسجية البشر، أنَّه لا يتيسّر لعاقل أنْ يدَّعي -في دعوًى فيها مناظرة- كذبًا يخجل بظهوره، وأَنْ يقوله بلا حرج وبلا تردد وبلا اضطراب يشير إلى حيلته، وبلا تصنع وتهيج يُومِيَانِ إلى كذبه، أَمامَ أَنظار خصومه النقّادة، ولو كان شخصًا صغيرًا، ولو في وظيفة صغيرة، ولو بمكانة حقيرة، ولو في جماعة صغيرة، ولو في مسأَلة حقيرة. فكيف يمكن تداخل الحيلة ودخول الخلاف في مدَّعيات مثل هذا الشخص الذي هو موظف عظيم، في وظيفة عظيمة، بحيثية عظيمة، مع أَنّه يحتاج لثقة عظيمة، وفي جماعة عظيمة، مقابل خصومة عظيمة، وفي مسأَلة عظيمة، وفي دعوًى عظيمة؟
وها هو يقول ما يقول بلا مبالاة بمعترض، وبلا تردّد وبلا تحرج وبلا تخوف وبلا اضطراب وبصفوة صميمية، وبجدّية خالصة، وبطرز يثير أَعصاب خصومه، بتزييف عقولهم وتحقير نفوسهم وكسر عزتهم، بأُسلوب شديد علويّ. فهل يمكن تداخل الحيلة في مثل هذه الدعوى من مثل هذا الشخص، في مثل هذه الحالة المذكورة؟ كلّا!
إن هو إلّا وحْيٌ يُوحى
(النجم: ٤).
نعم، إنّ الحق أغْنى من أن يُدَلِّس، ونظرُ الحقيقة أَعلى من أَنْ يُدلَّسَ عليه. نعم! إنَّ مسلكه الحق مستغنٍ عن التدليس، ونظرَه النفّاذ منیزّهٌ من أن يلتبس عليه الخيالُ بالحقيقة..
الرشحة العاشرة: انظرْ واستمعْ إلى ما يقول! ها هو يبحث عن حقائق مدهشة عظيمة، ويبحث عن مسائل جاذبة للقلوب، جالبة للعقول إلى الدقة والنظر؛ إذ من المعلوم أَنَّ شوق كشف حقائق الأَشياء قد ساق الكثيرين من أَهل حب الاستطلاع واللهفة والاهتمام إلى فداء الأَرواح. أَلاَ ترى أَنَّه لو قيل لك: إنْ فديتَ نصفَ عمرك، أَوْ نصفَ مالك؛ لنیزل من القمر أَوْ المشتري شخصٌ يُخبرك بغرائب أَحوالهما، ويخبرك بحقيقة مستقبل أَيامك؟ أَظنك ترضى بالفداء. فيا للعجب؟ ترضى لدفع ما تتلهف إليه بنصف العمر والمال، ولا تهتم بما يقول هیذا النیبي الیكريم (ص) ويصیدِّقه إجماعُ أَهل الشهود وتواتر أَهل الاختصاص من الأَنبياء والصديقين والأَولياء والمحققين! بينما هو يبحث عن شؤون سلطانٍ، ليس القمر في مملكته إلَّا كذباب يطير حول فراش، وهذا يحوم حول سراج من بين أُلوفٍ من القناديل التي أَسرجها في منیزل من بين أُلوفِ منازله
— 247 —
الذي أَعدَّه لضيوفه.. وكذا يخبر عن عالمٍ هو محل الخوارق والعجائب، وعن انقلاب عجيب، بحيث لو انفلقت الأَرض وتطايرت جبالُها كالسحاب ما ساوتْ عُشرَ مِعْشارِ غرائب ذلك الانقلاب. فإنْ شئْتَ فاستمع من لسانه أَمثال السور الجليلة: اِذا الشَّمْسُ كُوِّرتْ (التكوير: ١) و اِذا السّمآء انْفَطَرَتْ (الانفطار: ١) و الْقارعة
وكذا يخبر بصدق عن مستقبل، ليس مستقبل الدنيا بالنسبة إليه إلَّا كقطرة سراب بلا طائل بالنسبة إلى بحر بلا ساحل. وكذا يبشّر عن شهود بسعادة، ليست سعادة الدنيا بالنسبة إليها إلَّا كبرقٍ زائلٍ بالنسبة إلى شمس سرمدية.
الرشحة الحادية عشرة: إنَّ تحت حجاب هذه الكائنات -ذات العجائب والأَسرار- تنتظرنا أُمورٌ أَعجب. ولابدَّ للإخبار عن تلك العجائب والخوارق من شخصٍ عجيبٍ خارقٍ يُستَشفّ من أَحواله أَنَّه يشاهِد ثم يَشهد، ويَبصُر ثم يُخبر.
نعم، نشاهد من شؤونه وأَطواره أَنَّه يشاهد ثم يشهَد فيُنذر ويبشر. وكذا يُخبر عن مرضيات رب العالمين -الذي غمرنا بنعمه الظاهرة والباطنة- ومطالبه منا وهكذا...
فيا حسرة على الغافلين! ويا خسارة على الضالين! ويا عجبًا من بلاهة أكثرِ النَّاس! كيف تعامَوا عن هذا الحق وتصامّوا عن هذه الحقيقة؟ لا يهتمون بكلام هذا النبي الكريم (ص) مع أنَّ من شَأْنِ مِثلهِ أَنْ تُفْدى له الأَرواح ويُسرع إليه بترك الدنيا وما فيها؟
الرشحة الثانية عشرة: اعلم أَنَّ هذا النبي الكريم (ص) المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية، كما أَنَّه برهانٌ ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حقٍ بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛ بل كما أَنَّه بدعوته وبهدايته سببُ حصول السعادة الأَبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سببُ وجود تلك السعادة الأَبدية ووسيلة إيجادها. ولمناسبة المقام نكرر هذا السر الذي ورد في مبحث الحشر. [٭]: الكلمة العاشرة، الصورة الخامسة والحقيقة الخامسة.
— 248 —
فإنْ شِئْتَ فانظرْ إليه وهو في الصلاة الكبرى، التي بعظمة وسْعَتِها صيّرتْ هذه الجزيرة بل الأَرض مصلين بتلك الصلاة الكبرى.. ثم انظرْ أَنَّه يصلي تلك الصلاة بهذه الجماعة العظمى، بدرجة كأَنَّه هو إمامٌ في محراب عصره واصطَفَّ خلفَه، مقتدين به جميعُ أَفاضل بني آدم، من آدم عليه السلام إلى هذا العصر إلى آخر الدنيا في صفوف الأعصار مؤتمِّين به ومؤمِّنين على دعائه. ثم استمع ما يفعل في تلك الصلاة بتلك الجماعة.. فها هو يدعو لحاجةٍ شديدة عظيمة عامة بحيث تشترك معه في دعائه الأَرض بل السماء بل كل الموجودات، فيقولون بأَلسنة الأَحوال: نعم يا ربنا تقبّل دعاءه؛ فنحن أيضًا بل مع جميع ما تجلّى علينا من أَسمائك نطلب حصولَ ما يطلب هو.. ثم انظر إلى طوره في طرز تضرعاته كيف يتضرع؛ بافتقار عظيم، في اشتياق شديد، وبحزن عميق، في محبوبية حزينة؛ بحيث يهيّج بكاء الكائنات فيبكيها فيُشركها في دعائه. ثم انظرْ لأي مقصد وغاية يتضرع؟ ها هو يدعو لمقصد لولا حصول ذاك المقصد لسقط الإنسان، بل العالم، بل كل المخلوقات إلى أَسفل سافلين لا قيمة لها ولا معنى. وبمطلوبه تترقّى الموجودات إلى مقامات كمالاتها.. ثم انظرْ كيف يتضرع باستمداد مديد، في غياث شديد، في استرحام بتودد حزين، بحيث يُسمع العرش والسماوات، ويهيّج وَجْدها، حتى كأَنَّ العرشَ والسماوات يقول: آمين اللّٰهم آمين.. ثم انظرْ ممن يطلب مسؤولَه؛ نعم! يطلب من القدير السميع الكريم ومن العليم البصير الرحيم، الذي يَسمَع أَخفى دعاء من أَخفى حيوان في أَخفى حاجة؛ إذ يجيبه بقضاء حاجته بالمشاهدة، وكذا يبصر أَدنى أمَلٍ في أَدنى ذي حياةٍ في أَدنى غايةٍ، إذ يوصله إليها من حيث لا يحتسب بالمشاهدة، ويكرم ويرحم بصورة حكيمة، وبطرز منتظم. لا يبقى ريب في أَنَّ هذه التربية والتدبير من سميع عليم ومن بصير حكيم.
الرشحة الثالثة عشرة: فيا للعجب!.. ما يطلب هذا الذي قام على الأَرض، وجَمَع خلفه جميع أفاضل بني آدم ورفع يديه متوجهًا إلى العرش الأَعظم يدعو دعاءً يؤَمّن عليه الثقلان. ويُعلَم من شؤونه أنَّه شرفُ نوع الإنسان، وفريدُ الكون والزمان، وفخرُ هذه الكائنات في كل آن، ويستشفع بجميع الأَسماء القدسية الإلهية المتجلية في مرايا الموجودات، بل تدعو وتطلب تلك الأَسماء عينَ ما يطلب هو؛ فاستمع! ها هو يطلب البقاء واللقاء والجنة والرضا. فلو لم يوجد مالا
— 249 —
يعد من الأَسباب الموجبة لإعطاء السعادة الأَبدية من الرحمة والعناية والحكمة والعدالة المشهودات -المتوقف كونها رحمة وعناية وحكمة وعدالة على وجود الآخرة- وكذا جميع الأسماء القدسية أسبابا مقتضية لها، لكفى دعاء هذا الشخص النوراني لأن يبني ربُّه له ولأبناء جنسه الجنة، كما يُنشئ لنا في كل ربيع جنانا مزينة بمعجزات مصنوعاته. فكما صارت رسالته سببا لفتح هذه الدار الدنيا للامتحان والعبودية، كذلك صار دعاؤه في عبوديته سببا لفتح دار الآخرة للمكافآت والمجازاة.
فهل يمكن أَنْ يقبل هذا الانتظام الفائق، في هذه الرحمة الواسعة، في هذه الصنعة الحسنة بلا قصور، في هذا الجمال بلا قبح -بدرجة أَنطقَ أهل التحقيق والعقل بی"ليس في الإمكان أبدع مما كان"- [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٢٥٨؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء ١٩/٣٣٧؛ الشعراني، الطبقات الكبرى ٢/١٠٥؛ المناوي، فيض القدير ٢/٢٢٤، ٤/٤٩٥. أَنْ تتغير هذه الحقائق إلى قبح مشين، وظلم موحش، وتشوش عظيم. أَيْ بعدم مجيء الآخرة؟ إذ سماع أَدنى صوت من أَدنى خلق في أَدنى حاجة وقبولها بأَهمية تامة، مع عدم سماع أَرفع صوت ودعاء في أَشد حاجة، وعدم قبول أَحسن مسؤول، في أَجمل أَمل ورجاء؛ قبحٌ ليس مثله قبح وقصور لا يساويه قصور، حاشا ثم حاشا وكلّا.. لا يقبل مثل هذا الجمال المشهود بلا قصور مثل هذا القبح المحض.
فيا رفيقي في هذه السياحة العجيبة، أَلاَ يكفيك ما رأَيتَ؟ فإن أردتَ الإحاطة فلا يمكن، بل لو بقينا في هذه الجزيرة مائة سنة ما أَحطنا ولا مللنا من النظر بجزء واحد من مائة جزء من عجائب وظائفه، وغرائب إجراآته..
فَلْنرجع القهقرى، ولْنَنظرْ عصرًا عصرًا، كيف اخضرَّتْ تلك العصور واستفاضت من فيض هذا العصر؟ نعم، ترى كل عصر تمر عليه قد انفتحتْ أَزاهيرُه بشمس عصر السعادة، وأَثمر كلُ عصر من أمثال أَبي حنيفة والشافعي وأَبي يزيد البسطامي والجنيد والشيخ عبد القادر الكيلاني.. و الإمام الغزالي و الشاه النقشبند و الإمام الرباني ونظائرهم ألوفَ ثمراتٍ منوراتٍ من فيض هداية ذلك الشخص النوراني. فلنؤخر تفصيلات مشهوداتنا في رجوعنا إلى وقت آخر، ونصلِّي ونسلِّم على ذلك الذات النوراني الهادي، ذي المعجزات بصلوات وسلام تشير إلى قسم من معجزاته:
— 250 —
عَلٰى مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْفُرْقَانُ الْحَكيمُ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ مِنَ الْعَرْشِ الْعَظيمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلاَةٍ وَأَلْفُ أَلْفِ سَلاَمٍ بِعَدَدِ حَیسَنَاتِ أُمَّتِه. عَلٰى مَنْ بَشَّرَ بِرِسَالَتِهِ التَّوْرَاةُ وَاْلإِنْجيلُ وَالزَّبُورُ، وَبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِ الْإِرْهَاصَاتُ وَهَوَاتِفُ الْجِنِّ وَأَوْلِيَاءُ الْإِنْسِ وَكَوَاهِنُ الْبَشَرِ، وَانْشَقَّ بِإِشَارَتِهِ الْقَمَرُ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلاَةٍ وَسَلاَمٍ بِعَیدَدِ أَنْفَاسِ أُمَّتِهِ. عَلٰى مَنْ جَاءَتْ لِدَعْوَتِه الشَّجَرُ وَنَزَلَ سُرْعَةً بِدُعَائِهِ الْمَطَرُ وَأَظَلَّتْهُ الْغَمَامَةُ مِنَ الْحَرِّ وَشَبَعَ مِنْ صَاعٍ مِنْ طَعَامِه مِأٰتٌ مِنَ الْبَشَرِ وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كَالْكَوْثَرِ، وَأَنْطَقَ اللّٰه لَهُ الضَّبَّ وَالظَّبْيَ وَالْجِذْعَ وَالذِّرَاعَ وَالْجَمَلَ وَالْجَبَلَ وَالْحَجَرَ وَالْمَدَرَ، صَاحِبِ الْمِعْرَاجِ وَمَا زَاغَ الْبَصَرُ، سَيِّدِنَا وَشَفيعِنَا مُحَمَّدٍ أَلْفُ أَلْفِ صَلاَةٍ وَسَلاَمٍ بِعَدَدِ كُلِّ الْحُرُوفِ الْمُتَشَكِّلَةِ فِي الْكَلِمَاتِ الْمُتَمَثِّلَةِ بِإِذْنِ الرَّحْمٰنِ في مَرَايَا تَمَوُّجَاتِ الْهَوَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْأٰنِ مِنْ كُلِّ قَارِءٍ مِنْ أَوَّلِ النُّزُولِ إِلٰى أٰخِرِ الزَّمَانِ وَاغْفِرْلَنَا وَارْحَمْنَا يَا إِلٰهَنَا بِكُلِّ صَلاَةٍ مِنْهَا أٰمينَ.
(اعلمْ: أن دلائل النبوة الأَحمدية لا تعدّ ولا تحدّ، ولقد صنّف في بيانها أَعاظم المحققين. وأنا مع عجزي وقصوري قد بينّت شعاعاتٍ من تلك الشمس في رسالة تركية مسّماة بی"شعاعات من معرفة النبي (ص)" وفي "المكتوب التاسع عشر". وكذا بينت إجمالًا وجوهَ إعجاز معجزاته الكبرى -أَيْ القرآن- وقد أَشرتُ بفهمي القاصر إلى أَربعين وجهًا من وجوه إعجاز القرآن في رسالة "اللوامع"، وقد بينت من تلك الوجوه واحدًا وهو البلاغة الفائقة النظمية في مقدار أَربعين صحيفة من تفسيري العربي المسمى بی"إشارات الإعجاز". فإنْ شئت فارجع إلى هذه الكتب الثلاثة..).
الرشحة الرابعة عشرة: اعلم! أن القرآن الكريم الذي هو بحر المعجزات والمعجزة الكبرى يثبت النبوة الأحمدية والوحدانية الإلهية إثباتًا، ويقيم حججًا ويسوق براهين ويبرز أَدلة تغني عن كل برهان آخر.
فنحن هنا سنشير إلى تعريفه، ثم نشير إلى لمعاتٍ من إعجازه تلك التي أَثارت تساؤلًا لدى البعض.
— 251 —
فالقرآن الحكيم الذي يعرّف ربّنا لنا:
هو الترجمة الأَزلية لهذه الكائنات والترجمان الأَبدي لأَلسنتها التاليات للآيات التكوينية، ومفسّر كتاب العالم.. وكذا هو كشافٌ لمخفيات كنوز الأَسماء المستترة في صحائف السماوات والأَرض.. وكذا هو مفتاح لحقائق الشؤون المیُضْمَرة في سطور الحادثات.. وكذا هو لسان الغيب في عالم الشهادة.. وكذا هو خزينة المخاطبات الأَزلية السبحانية والإلتفاتات الأبدية الرحمانية... وكذا هو أَساسٌ وهندسةٌ وشمسٌ لهذا العالم المعنوي الإسلامي.. وكذا هو خريطة للعالم الأُخروي.. وكذا هو قولٌ شارحٌ وتفسير واضحٌ وبرهان قاطعٌ وترجمان ساطعٌ لذات اللّٰه وصفاته وأسمائه وشؤونه.. وكذا هو مربٍّ للعالم الإنساني.. وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية... وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد المهدي إلى ما خُلِقَ البشرُ له.. وكذا هو للإنسان: كما أَنَّه كتاب شريعة كذلك هو كتاب حكمة، وكما أنَّه كتاب دعاء وعبودية كذلك هو كتاب أَمر ودعوة، وكما أَنَّه كتاب ذكر كذلك هو كتاب فكر، وكما أنَّه كتاب واحد، لكن فيه كتب كثيرة في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية، كذلك هو كمنیزل مقدسٍ مشحون بالكتب والرسائل. حتى إنَّه أَبرز لمشرب كل واحدٍ من أهل المشارب المختلفة، ولمسلكِ كل واحدٍ من أهل المسالك المتباينة من الأَولياء والصديقين ومن العرفاء والمحققين رسالةً لائقةً لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره حتى كأَنَّه مجموعة الرسائل.
فانظرْ إلى بيان لمعة الإعجاز في تكرارات القرآن التي يتوهمها القاصرون نقصًا في البلاغة.
اعلم! أَنَّ القرآن لأَنَّه كتاب ذكر، وكتاب دعاء، وكتاب دعوة، يكون تكراره أحسنَ وأَبلغ بل أَلزم، وليس كما ظنّه القاصرون، إذ الذكر يُكرَّر، والدعاء يُردَّد. والدعوة تؤكَّد. إذ في تكرير الذكر تنويرٌ وفي ترديد الدعاء تقريرٌ وفي تكرار الدعوة تأكيدٌ.
واعلمْ أنَّه لا يمكن لكلِ أحدٍ في كل وقتٍ قراءة تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحدٍ في كل وقت. فلهذا أدْرَجَ الحكيمُ الرحيم أَكثر المقاصد القرآنية في أَكثرِ سوره؛ لا سيما الطويلة منها، حتى صارت كلُّ سورة قرآنًا صغيرًا، فسهّل السبيلَ لكل أحدٍ، دون أنْ يَحْرُمَ أحدًا، فكرر التوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام.
— 252 —
اعلم! أَنَّه كما أَنَّ الحاجات الجسمانية مختلفةٌ في الأوقات؛ كذلك الحاجات المعنوية الإنسانية أَيضًا مختلفة الأوقات. فإلى قسمٍ في كل آن كی(هو اللّٰه) للروح -كحاجة الجسم إلى الهواء- وإلى قسم في كل ساعة كی(بسم اللّٰه) وهكذا فقس.
فتكرار الآيات والكلمات إذن للدلالة على تكرّر الاحتياج، وللإشارة إلى شدة الاحتياج إليها، ولتنبيه عرق الاحتياج وإيقاظه، وللتشويق على الاحتياج، ولتحريك اشتهاء الاحتياج إلى تلك الأَغذية المعنوية.
اعلم! أَنَّ القرآن مؤسسٌ لهذا الدين العظيم المتين، وأَساسات لهذا العالم الإسلامي، ومقلِّبٌ لاجتماعيات البشر ومحوّلها ومبدّلها. وجواب لمكررات أَسئلة الطبقات المختلفة للبشرية بأَلسنة الأَقوال والأَحوال.. ولابدَّ للمؤَسس من التكرير للتثبيت، ومن الترديد للتأكيد، ومن التكرار للتقرير والتأييد.
اعلم! أَنَّ القرآن يبحث عن مسائل عظيمة ويدعو القلوب إلى الإيمان بها، وعن حقائق دقيقة ويدعو العقول إلى معرفتها. فلابدَّ لتقريرها في القلوب وتثبيتها في أَفكار العامة من التكرار في صور مختلفة وأساليب متنوعة.
اعلم! أَنَّ لكل آيةٍ ظهرًا وبطنًا وحدًّا ومَطلعًا، ولكل قصةٍ وجوهًا وأَحكامًا وفوائد ومقاصد، فتُذكر في موضعٍ لوجهٍ، وفي آخر لأُخرى، وفي سورةٍ لمقصدٍ وفي أُخرى لآخر وهكذا. فعلى هذا لا تكرار إلَّا في الصورة.
أمَّا إجمال القرآن الكريم بعض المسائل الكونية وإبهامه في بعض آخر فهو لمعة إعجاز ساطع وليس كما توهمه أَهلُ الإلحاد من قصور ومدار نقد.
فإن قلت: لأَي شيء لا يبحث القرآن عن الكائنات كما يبحث عنها فن الحكمة والفلسفة؟ فَيَدع بعض المسائل مجملا ويذكر أُخرى ذكرًا ينسجم مع شعور العوام وأفكارهم فلا يمسّها بأَذى ولا يرهقها بل يذكرها سلسًا بسيطًا في الظاهر؟
نقول جوابًا: لأن الفلسفة عَدِلتْ عن طريق الحقيقة وضلَّت عنها، وقد فهمتَ حتمًا من الدروس والكلمات السابقة أَنَّ القرآن الكريم إنّما يبحث عن الكائنات استطرادًا، للاستدلال
— 253 —
على ذات اللّٰه وصفاته وأَسمائه الحسنى، أَيْ يُفهم معاني هذا الكتاب، كتاب الكون العظيم كي يعرِّف خالقه.
أَيْ أَنَّ القرآن الكريم يستخدم الموجودات لخالقها لا لأَنفسها. فضلًا عن أَنَّه يخاطب الجمهور.
وعلى هذا، فمادام القرآن يستخدم الموجودات دليلًا وبرهانًا، فمن شرط الدليل أَنْ يكون ظاهرًا وأظهرَ من النتيجة أَمام نظر الجمهور.
ثم إنَّ القرآن مادام مرشدًا فمن شأْن بلاغة الإرشاد مماشاة نظر العوام، ومراعاة حسّ العامةِ ومؤانسة فكر الجمهور، لئلا يتوحش نظرُهم بلا طائل ولا يتشوش فكرُهم بلا فائدة، ولا يتشرّد حسُّهم بلا مصلحة، فأَبلغُ الخطاب معهم والإرشاد أَنْ يكون ظاهرًا بسيطًا سهلًا لا يعجزهم، وجيزًا لا يُملّهم، مجملًا فيما لا يلزم تفصيله لهم، ويضرب بالأَمثال لتقريب ما دقَّ من الأُمور إلى فهمهم.
ثم لأن القرآن مرشد لكل طبقات البشر تستلزم بلاغةُ الإرشاد أن لا يذكر ما يوقع الأَكثرية في المغلطة والمكابرة مع البديهيات في نظرهم الظاهري، وأَنْ لا يغيّر بلا لزوم ما هو متعارف محسوس عندهم، وأَنْ يهمل أوْ يجمل ما لا يلزم لهم في وظيفتهم الأصلية.
فمثلًا: يبحث عن الشمس لا للشمس، ولا عن ماهيتها، بل لِمن نوَّرها وجعلها سراجًا، وعن وظيفتها بصيرورتها محورًا لانتظام الصنعة ومركزًا لنظام الخلقة، وما الانتظام والنظام إلَّا مرايا معرفة الصانع الجليل. فيعرّفنا القرآنُ بإراءة نظام النسج وانتظام المنسوجات كمالات فاطرها الحكيم وصانعها العليم، فيقول:
والشمسُ تجري
ويفهِّم بها وينبه إلى تصرفات القدرة الإلهية العظيمة في اختلاف الليل والنهار وتناوب الصيف والشتاء. وفي لفت النظر إليها تنبيه السامع إلى عظمة قدرة الصانع وانفراده في ربوبيته. فمهما كانت حقيقة جريان الشمس وبأي صورة كانت لا تؤثر تلك الحقيقة في مقصد القرآن في إراءة الانتظام المشهود والمنسوج معًا.
ويقول أيضًا: وَجَعَلَ الشمسَ سراجًا (نوح: ١٦) ففي تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر، وتصوير الأَشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر، ومزيّناته،
— 254 —
ومطعوماته لسكان القصر ومسافريه، وإحساسٌ أَنَّه قد أَحضَرتها لضيوفه وخدّامه يدُ كريمٍ رحيم. وما الشمسُ إلَّا مأمور مسخَّر وسراج منوَّر. ففي تعبير السراج تنبيه إلى رحمة الخالق في عظمة ربوبيته، وإفهامُ إحسانه في سعة رحمته، وإحساسُ كرمه في عظمة سلطنته.
فالآن استمع ماذا يقول الفلسفي الثرثار في الشمس. يقول: "هي كتلة عظيمة من المائع الناري تدور حول نفسها في مستقرها، تطايرت منها شرارات وهي أَرضنا وسيارات أُخرى فتدور هذه الأجرام العظيمة المختلفة في الجسامة.. ضخامتها كذا.. ماهيتها كذا.."
فانظرْ ماذا أفادتك هذه المسألة غيرَ الحيرة المدهشة والدهشة الموحشة، فلم تُفِدْك كمالًا علميًا ولا ذوقًا روحيًا ولا غاية إنسانية ولا فائدة دينية.
فقس على هذا لتقدّر قيمة المسائل الفلسفية التي ظاهرُها مزخرف وباطنُها جهالة فارغة. فلا يغرّنك تشعشع ظاهرها وتُعرِض عن بيان القرآن المعجز.
اللّٰهمَّ اجْعَلِ الْقُرْأٰنَ شِفَاءً لَنَا مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَمُونِسًا لَنَا في حَيَاتِنَا وَبَعْدَ مَمَاتِنَا وَفِي الدُّنْيَا قَرينًا وَفِي الْقَبْرِ مُونِسًا وَفِي الْقِيَامَةِ شَفيعًا وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا وَمِنَ النَّارِ سِتْرًا وَحِجَابًا وَفِي الْجَنَّةِ رَفيقًا وَإِلَى الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا دَليلًا وَإِمَامًا بِفَضْلِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ. أٰمينَ.
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْفُرْقَانُ الْحَكيمُ وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه أَجْمَعينَ. أٰمينَ.
تنبيه:
لقد ذكرنا في المثنوي العربي النوري خمسة عشر نوعًا من أنواع إعجاز القرآن البالغ أربعين نوعًا وذلك في ست قطرات للرشحة الرابعة عشرة، ولا سيما النكت الدقيقة الست للقطرة الرابعة.
لذا أجملنا هنا مكتفين بما ذكرناه هناك، فمن شاء فليراجعه.
— 255 —

ذيل

الكلمة التاسعة عشرة والحادية والثلاثين
معجزة انشقاق القمر
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اقتَرَبت الساعةُ وانشق القَمَر٭ وإنْ يَرَوا آيةً يُعرِضوا ويقولوا سحرٌ مستمرٌ
(القمر: ١-٢)
إن فلاسفةً ماديين، ومن يقلّدونهم تقليدًا أعمى، يريدون أن يطمِسوا ويخسِفوا معجزةَ انشقاق القمر الساطع كالبدر، فيثيروا حولَها أوهامًا فاسدة، إذ يقولون: "لو كان الانشقاق قد حدث فعلًا لعَرفَه العالمُ، ولذكرتْه كتبُ التاريخ كُلُّهَا!".
الجواب: إن انشقاق القمر معجزةٌ لإثبات النبوة، وقعَت أمام الذين سمعوا بدعوى النبوة وأنكروها، وحدثتْ ليلا، في وقتٍ تسود فيه الغفلةُ، وأُظهِرت آنيًا، فضلًا عن أن اختلافَ المطالع ووجودَ السحاب والغمام وأمثالَها من الموانع تحُول دونَ رؤية القمر. علمًا أن أعمالَ الرصد ووسائلَ الحضارة لم تكن في ذلك الوقت منتشرةً؛ لذا لا يلزم أن يرى الانشقاقَ كلُّ الناس، في كل مكان، ولا يلزم أيضًا أن يدخل كتبَ التاريخ.
فاستمع الآن إلى نقاط خمسٍ فقط من بين الكثير منها، تبدّد بإذن اللّٰه سُحبَ الأوهام التي تلبّدت على وجهِ هذه المعجزة الباهرة:
النقطة الأولى: إن تعنّت الكفار في ذلك الزمان معلومٌ ومشهور تاريخًا، فعندما أعلن القرآن الكريم: وانشق القمر وبلغ صداه الآفاقَ، لم يجرؤ أحدٌ من الكفار، وهم يجحدون بالقرآن، أن
— 256 —
يكذّب بهذه الآية الكريمة. أي ينكر وقوعَ الحادثة. إذ لو لم تكن الحادثةُ قد وقعت فعلًا في ذلك الوقت، ولم تكن ثابتةً لدى أولئك الكفار، لاندفعوا بشدّة ليُبطلوا دعوى النبوة، ويكذّبوا الرسولَ (ص). بينما لم تنقل كتبُ التأريخ والسير شيئًا من أقوال الكفار حول إنكارهم حدوثَ الانشقاق، إلّا ما بيّنته الآية الكريمة:
ويقولوا سحر مستمر
. وهو أن الذين شاهدوا المعجزةَ من الكفار قالوا: هذا سحرٌ فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا؟. ولمّا حان الصباحُ أتت القوافلُ من اليمن وغيرها فسألوهم، فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك. فقالوا: إنّ سحرَ يتيمِ أبى طالب قد بلغ السماءَ! [٭]: انظر: الطيالسي، المسند ١/٣٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ص ٢٨١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٦٦، ٢٦٧. وانظر: الترمذي، تفسير سورة القمر ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٨١.
النقطة الثانية: لقد قال معظمُ أئمة علم الكلام، من أمثال سعد التفتازاني: "إنَّ انشقاقَ القمر متواترٌ، مثل فورانِ الماء من بين أصابعه الشريفة (ص) وارتواءِ الجيش منه، ومثل حنينِ الجذع من فراقه (ص) الذي كان يستند إليه أثناء الخطبة، وسماعِ جماعةِ المسجد لأنينه. أي أن الحادثة نقلتها جماعةٌ غفيرة عن جماعةٍ غفيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فالحادثة متواترةٌ تواترًا قطعيًّا كظهور المذنّب قبل ألف سنة وكوجود جزيرة سرنديب التي لم نرها".
وهكذا ترى أن إثارةَ الشكوكِ حول هذه المسألة القاطعة وأمثالِها من المسائل المشاهَدة شهودًا عيانًا إنما هي بلاهةٌ وحماقة، إذ يكفي فيها أنها من الممكنات وليست مستحيلًا. علمًا أن انشقاق القمر ممكن كانفلاق الجبل ببركان.
النقطة الثالثة: إنَّ المعجزة تأتي لإثبات دعوى النبوة عین طريق إقنیاع المنكرين، وليس إرغامَهم على الإيمان. لذا يلزم إظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم إلى القناعة والاطمئنان إلى صدق النبوة. أما إظهارُها في جميع الأماكن، أو إظهارُها إظهارًا بديهيًا بحيث يضطر الناسُ إلى القبول والرضوخ فهو منیافٍ لحكمة اللّٰه الحكيم ذي الجلال، ومخالفٌ أيضًا لسرّ التكليف الإلهي. ذلك لأن سرَّ التكليف الإلهي يقتضي فتحَ المجال أمام العقل دون سلب الاختيار منه.
— 257 —
فلو كان الخالقُ الكريم قد ترك معجزةَ الانشقاق باقيةً لساعتين من الزمان، وأظهرَها للعالَم أجمع ودخلت بطونَ التاريخ كما يريدُها الفلاسفةُ لكان الكفار يقولون إنها ظاهرةٌ فلكيةٌ معتادة. وما كانت حجةً عیلى صدق النبوة، ولا میعجزةً تخص الرسول الأعظم (ص). أو لكانت تصبح معجزةً بديهية تُرغم العقلَ على الإيمان وتسلبُ منه الاختيار، وعندئذٍ تتساوى أرواحٌ سافلة كالفحم الخسيس من أمثال أبي جهل، مع الأرواحِ العالية الصافية كالألماس من أمثال أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه، أي لكان يضيع سرُّ التكليف الإلهي.
ولأجل هذا فقد وقعت المعجزةُ آنيًا، وفي الليل، وحين تسود الغفلةُ، وغدا اختلاف المطالع والغمام وأمثالُها حُجُبًا أمام رؤية الناس لها. فلم تدخل بطونَ كتب التاريخ.
النقطة الرابعة: إنَّ هذه المعجزة التي وقعت ليلًا، وآنيًا، وعلى حين غفلة، لا يراها كلُّ الناس دون شك في كل مكان. بل حتى لو ظهرتْ لبعضهم، فلا يصدِّق عينَه، ولو صدّقها، فإن حادثةً كهذه مرويةٌ من شخص واحد لا تكون ذات قيمة للتاريخ.
ولقد ردّ العلماءُ المحققون ما زيدَ في رواية المعجزة من أن القمرَ بعد انشقاقه قد هبط إلى الأرض! قالوا: ربما أدخل هذه الزيادة بعضُ المنافقين ليُسقطوا الرواية من قيمتها ويهوّنوا من شأنها.
ثم إن في ذلك الوقت كانت سُحُب الجهل تغطي سماءَ إنكلترا، والوقتُ على وشك الغروب في إسبانيا، و أمريكا في وضح النهار، والصباحُ قد تنفّس في الصين و اليابان.. وفي غيرها من البلدان هناك موانعُ أخرى للرؤية. فلا تشاهَد هذه المعجزة العظيمة فيها.
فإذا علمتَ هذا فتأمل في كلام الذي يقول: "إنَّ تاريخ إنكلترا والصين واليابان وأمريكا وأمثالِها من البلدان لا تذكر هذه الحادثة، إذن لم تقع!". أيُّ هذرٍ هذا.. ألا تبًّا للذين يقتاتون على فتات أوربا..
النقطة الخامسة: إنَّ انشقاق القمر ليس حادثةً حدثت من تلقاء نفسها، بناءً على أسباب طبيعية وعن طريق المصادفة! بل أوقعها الخالقُ الحكيم، ربُّ الشمس والقمر، حدثًا خارقًا للسنن الكونية،
— 258 —
تصديقًا لرسالة رسوله الحبيب (ص)، وإعلانًا عن صدقِ دعوتِه، فأبرزه سبحانه وتعالى وفقَ حكمته وبمقتضى سرِّ الإرشاد والتكیليف وحكمة تبليغ الرسالة، وليُقيم الحجةَ على من شاء من المشاهدين له، بينما أخفاه، اقتضاءً لحكمته سبحانه ومشيئته، عمن لم تبلغهم دعوةُ نبيه (ص) من الساكنين في أقطار العالم، وحَجَبه عنهم بالغيوم والسحاب وباختلاف المطالع وعدم طلوع القمر، أو شروق الشمس في بعض البلدان وانجلاء النهار في أخرى، وغروب الشمس في غيرها.. وأمثالها من الأسباب الداعية إلى حَجب رؤيةِ الانشقاق.
فلو أُظهرت المعجزةُ إلى جميع الناس في العالم كلِّه فإما أنها كانت تبرز لهم نتيجةَ إشارة الرسول الأعظم (ص) وإظهارًا لمعجزة نبوية، وعندها تصل إلى البداهة، أي يضطرُّ الناسُ كلُّهم إلى التصديق، أي يُسلَب منهم الاختيار، فيضيع سرُّ التكليف. بينما الإيمانُ يحافظ على حرية العقل في الاختيار ولا يسلبها منه.. أو أنها تبرز لهم كحادثةٍ سماوية محضة، وعندها تنقطع صلتُها بالرسالة الأحمدية ولا تبقى لها مزيّة خاصة.
الخلاصة: إن إمكان انشقاق القمر لا ريب فيه. فلقد أُثبت إثباتًا قاطعًا. وسنشير هنا إلى وقوعه بستة براهينَ قاطعة
(٭): أي أن هناك ست حجج قاطعة على وقوع انشقاق القمر في ستة أنواعٍ من الإجماع. ولكن للأسف لم نوف هذا المقام حقّه من البحث فظل مقتضبًا. (المؤلف).
من بين الكثير منها، وهي: إجماعُ الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين وهم العدول. واتفاقُ العلماء المحققين من المفسرين لدى تفسيرهم: وانشق القمر . ونقلُ جميع المحدّثين الصادقين في رواياتهم وقوعَه بأسانيد كثيرة وبطرق عديدة. [٭]: نذكر ثلاثة أحاديث متفق عليها:١. عن عبد اللّٰه بن مسعود رضي اللّٰه عنه قال: انشق القمر على عهد رسول اللّٰه (ص) شقين فقال النبي (ص): "اشهدوا" متفق عليه. ٢. وعن أنس رضي اللّٰه عنه أن أهل مكة سألوا رسول اللّٰه (ص) أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر متفق عليه. ٣. وعن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما أن القمر انشق في زمان النبي (ص) - متفق عليه. وشهادةُ جميع أهل الكشف والإلهام من الأولياء الصادقين الصالحين. وتصديقُ أئمة علم الكلام المتبحرين رغم تباين مسالكهم ومشاربهم. وقبولُ الأمة التي لا تجتمع على ضلالة كما نص عليه الحديث الشريف. [٭]: الترمذي، الفتن ٧؛ أبو داود، الفتن ١؛ ابن ماجه، الفتن ٨؛ الدارمي، المقدمة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٤٥، ٦/٣٩٦.
كل ذلك يبيّن انشقاق القمر ويثبته إثباتًا قاطعًا يضاهي الشمسَ في وضوحها.
— 259 —
حاصل الكلام: كان البحث إلى هنا باسم التحقيق العلمي، إلزامًا للخصم. أما بعد هذا فسيكون الكلامُ باسم الحقيقة ولأجل الإيمان. فقد نطق التحقيقُ العلمي هكذا. أما الحقيقةُ فتقول:
إنّ خاتمَ ديوان النبوة (ص) وهو القمرُ المنير لسماء الرسالة، وقد سمَتْ ولايةُ عبوديته إلى مرتبة المحبوبية، فأظهرت الكرامةُ العظمى والمعجزةُ الكبرى بالمعراج. أي بجولان جسمٍ أرضي في آفاق السماوات العلى، وتعريفِ أهل السماوات به، فأثبتت بتلك المعجزة ولايتُه العظمى للّٰه ومحبوبيتُه الخالصة له وسموُّه على أهل السماوات والملأ الأعلى.. كذلك فقد شقّ سبحانه القمرَ المعلّق في السماء والمرتبط مع الأرض بإشارةٍ من عبده في الأرض، فأظهر معجزتَه هذه، إثباتًا لرسالة ذلك العبد الحبيب، حتى أصبح (ص) كالفلقين المنيرين للقمر، فعرجَ إلى أوج الكمالات بجناحَي الولاية والرسالة النورانيين. حتى بلغ قابَ قوسين أو أدنى وأصبح فخرًا لأهل السماوات كما هو فخرٌ لأهل الأرض.
عليه وعلى آله وصحبه الصلاةُ والتسليمات ملء الأرض والسماوات.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اَللّٰهم بِحَقِّ مَن انشَقَّ الْقَمَرُ بِإِشَارَتِهِ اجْعَل قَلْبِي وَقُلُوبَ طَلَبَة رَسَائِل النُّورِ الصَّادِقِينَ كَالْقَمَرِ في مُقَابَلَةِ شَمْسِ الْقُرآنِ.. آمِينَ. آمِينَ.
— 260 —

قطعة من ذيل رسالة "المعجزات الأحمدية"

كُتب هذا البحث -ضمن بحوث دلائل النبوة الأحمدية- جوابًا عن سؤال ورد في الإشكال الأول من ثلاثة إشكالات مهمة وردت في نهاية الأساس الثالث من رسالة "المعراج" فهو بمثابة فهرس مختصر.).
سؤال: لِمَ اختُصَّ بهذا المعراج العظيم محمدُ (ص) ؟
الجواب: إن إشكالكم الأول هذا، قد حُلَّ مفصلًا في الكلمات الثلاث والثلاثين ضمن كتاب "الكلمات"، إلّا أننا نشير هنا مجرد إشارة مجملة على صورة فهرس موجز إلى كمالات النبي الكريم (ص)، ودلائل نبوته، وأنه هو الأحرى بهذا المعراج العظيم.
أولا: إن الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل والزبور تضم بشاراتٍ بنبوة الرسول الكريم (ص) وإشارات إليه، رغم تعرّضها إلى التحريفات طوال العصور. وقد استنبط في عصرنا هذا العالمُ المحقق حسين الجسر عشرًا ومائة بشارة منها، وأثبتها في كتابه الموسوم "الرسالة الحميدية".
ثانيًا: إنه ثابت تاريخيًا، ورويت بروايات صحيحة، بشارات كثيرة بشّر بها الكهانُ من أمثال الكاهنين المشهورين: شِق وسطيح، قبيل بعثته (ص) وأَخبرا أنه نبي آخر الزمان.
ثالثًا: ما حدث ليلةَ مولده (ص) من سقوط الأصنام في الكعبة وانشقاق إيوان كسرى وأمثالِها من مئات الإرهاصات والخوارق المشهورة في كتب التاريخ.
رابعًا: نبعانُ الماء من بين أصابعه الشريفة وسقيه الجيش به، وحنينُ الجذع اليابس الموجود في المسجد النبوي إلى رسول اللّٰه (ص) لفراقه عنه وأنينُه أمام جماعة غفيرة من الصحب الكرام وانشقاق القمر كما نصت عليه الآية الكريمة: وانشق القمر وأمثالُها من المعجزات الثابتة لدى العلماء المحققين والتي تبلغ الألف قد أثبتتها كتب السير والتاريخ.
— 261 —
خامسًا: لقد اتفق الأعداء والأولياء بما لا ريب فيه أن ما يتحلى به (ص) من الأخلاق الفاضلة هو في أسمى الدرجات، وأن ما يتصف به من سجايا حميدة في دعوته هو في أعلى المراتب، تشهد بذلك معاملاتُه وسلوكُه مع الناس. وأن شريعته الغراء تضم أكمل الخصال الحسنة، تشهد بذلك محاسنُ الأخلاق في دينه القويم.
سادسًا: لقد أشرنا في الإشارة الثانية من "الكلمة العاشرة" إلى أن الرسول الكريم (ص) هو الذي أظهر أعلى مراتب العبودية وأسماها بالعبودية العظيمة في دينه تلبيةً لإرادة اللّٰه في ظهور ألوهيته بمقتضى الحكمة.
وأنه هو كذلك -كما هو بديهي- أكرمُ دالّ على جمالٍ في كمالٍ مطلق لخالق العالم وأفضلُ معرّف لبّى إرادةَ اللّٰه سبحانه في إظهار ذلك الجمال بوساطة مبعوثٍ كما تقتضيه الحكمة والحقيقة.
وأنه هو كذلك -كما هو مشاهد- أعظمُ دالّ على كمال صنعةٍ في جمال مطلق لصانع العالم، وبأعظم دعوة وأندى صوت، فلبّى إرادةَ اللّٰه جل وعلا في جلب الأنظار إلى كمال صنعته والإعلان عنها.
وأنه هو كذلك -بالضرورة- أكملُ مَن أعلن عن جميع مراتب التوحيد، فلبّى إرادة رب العالمين في إعلان الوحدانية على طبقات كثرة المخلوقات.
وأنه هو كذلك -بالضرورة- أجلى مرآة وأصفاها لعكس محاسنِ جمال مالك العالم ولطائفِ حُسنه المنیزّه -كما تشير إليه آثاره البديعة- وهو أفضلُ مَن أحبَّه وحبَّبه، فلبّى إرادته سبحانه في رؤية ذلك الجمال المقدس وإراءته بمقتضى الحقيقة والحكمة.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أعظمُ مَن عرَّف ما في خزائن الغيب لصانع هذا العالم، تلك الخزائن الملآى بأبدع المعجزات وأثمن الجواهر، وهو أفضلُ مَن أعلن عنها ووصفها، فلبّى إرادته سبحانه في إظهار تلك الكنوز المخفية.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أكملُ مرشد بالقرآن الكريم للجن والإنس بل للروحانيين والملائكة، وأعظمُ مَن بيّن معاني آثار صانع هذه الكائنات التي زيّنها بأروع زينة ومكّن فيها
— 262 —
أرباب الشعور من مخلوقاته لينعموا بالنظر والتفكر والاعتبار، فلبّى إرادته سبحانه في بيان معاني تلك الآثار وتقدير قيمتها لأهل الفكر والمشاهدة.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أَحسنُ من كشف بحقائق القرآن عن مغزى القصد من تحولات الكائنات والغاية منها، وأَكملُ مَن حلّ اللغز المحير في الموجودات. وهو أسئلة ثلاثة معضلة: مَن أنت؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ فلبّى إرادته سبحانه في كشف ذلك الطلسم المغلق لذوي الشعور بوساطة مبعوث.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أَكملُ مَن بيّن المقاصد الإلهية بالقرآن الكريم وأحسنُ مَن وضّح السبيل إلى مرضاة رب العالمين، فلبّى إرادته سبحانه في تعريف ما يريده من ذوي الشعور وما يرضاه لهم بوساطة مبعوث، بعدما عرّف نفسَه لهم بجميع مصنوعاته البديعة وحبَّبها إليهم بما أسبغ عليهم من نِعَمه الغالية.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أَعظمُ من استوفى مهمةَ الرسالة بالقرآن الكريم وأدّاها أفضلَ أداء في أسمى مرتبة وأَبلغَ صورةٍ وأحسنَ طرازٍ، فلبّى إرادة رب العالمين في صرفِ وجهِ هذا الإنسان من الكثرة إلى الوحدة ومن الفاني إلى الباقي، ذلك الإنسان الذي خلَقه سبحانه ثمرةً للعالم ووهبَ له من الاستعدادات ما يسعُ العالمَ كله وهيأه للعبودية الكلية وابتلاه بمشاعرَ متوجهةٍ إلى الكثرة والدنيا.
وحيث إنّ أشرفَ الموجودات هم ذوو الحياة، وأنبلَ الأحياء هم ذوو الشعور، وأكرمَ ذوي الشعور هم بنو آدم الحقيقيون الكاملون، لذا فالذي أدّى من بين بني الإنسان المكرم تلك الوظائف المذكورة آنفًا وأعطى حقَّها من الأداء في أفضل صورةٍ وأعظمِ مرتبةٍ من مراتب الأداء، لا ريب أنه سيعرج -بالمعراج العظيم- فيكونُ قابَ قوسين أو أدنى، وسيطرق بابَ السعادة الأبدية وسيفتح خزائنَ الرحمة الواسعة، وسيرى حقائقَ الإيمان الغيبية رؤيةَ شهودٍ، ومن ذا يكون غير ذلكم النبي الكريم (ص)؟
سابعًا: يجد المتأمل في هذه المصنوعات المبثوثة في الكون أن فيها فعلَ التحسين في منتهى الجمال وفعلَ التزيين في منتهى الروعة، فبديهي أن مثل هذا التحسين والتزيين يدلان
— 263 —
على وجود إرادةِ التحسين وقصدِ التزيين لدى صانع تلك المصنوعات. فتلك الإرادة الشديدة تدل بالضرورة على وجود رغبةٍ قويةٍ سامية، ومحبةٍ مقدسةٍ لدى ذلك الصانع نحو صنعته...
لذا فمن البديهي أن يكون أحبُّ مخلوق لدى الخالق الكريم الذي يحبّ مصنوعاته هو مَن يتصف بأجمعِ تلك الصفات، ومَن يُظهر في ذاته لطائفَ الصنعة إظهارًا كاملًا، ومن يعرفُها ويعرِّفُها، ومَن يحبِّب نفسَه ويستحسن -بإعجاب وتقدير- جمالَ المصنوعات الأخرى.
فمَن الذي جعل السماوات والأرض ترنّ بصدى "سبحان اللّٰه... ما شاء اللّٰه... اللّٰه أكبر" من أذكار الإعجاب والتسبيح والتكبير تجاه ما يرصّع المصنوعات من مزايا تُزيّنُها ومحاسنَ تجمِّلُها ولطائفَ وكمالات تنوّرها؟ ومَن الذي هزّ الكائنات بنغمات القرآن الكريم فانجذب البرُّ والبحرُ إليها في شوق عارم من الاستحسان والتقدير في تفكر وإعلان وتشهير، في ذكر وتهليل؟ من ذا يكون تلك الذات المباركة غيرَ محمد الأمين (ص) ؟.
فمثلُ هذا النبي الكريم (ص) الذي يضافُ إلى كفة حسناته في الميزان مثلُ ما قامت به أمتُه من حسنات بسر "السبب كالفاعل"... والذي تُضاف إلى كمالاته المعنوية الصلواتُ التي تؤديها الأمة جميعًا.. والذي يُفاض عليه من الرحمة والمحبة الإلهية ما لا يحدهما حدود، فضلًا عما يناله من ثمراتِ ما أدّاه من مهمة رسالته من ثواب معنوي عظيم.. نعم، فمثلُ هذا النبي العظيم (ص) لا ريب أن ذهابه إلى الجنة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى العرش الأعظم، فيكون قاب قوسين أو أدنى، إنما هو عينُ الحق، وذاتُ الحقيقة ومحضُ الحكمة.
[٭]:لقد ذكرت جريدة إسلامية تهتم بأحوال المسلمين بأن رجال السياسة المشهورين والحقوقيين المهتمين بالحياة الاجتماعية قد عقدوا مؤتمرًا في أوربا سنة ١٩٢٧، فتكلم في هذا المؤتمر فلاسفة أجانب حول الشريعة الإسلامية، ندرج أدناه نص كلامهم ثم نترجمه بالحرف الواحد، فتصبح لدينا (٤٥) شهادة صادقة حول أحقية الشريعة، وذلك بعد علاوة هاتين الشهادتين إلى تلك الشهادات الصادقة البالغة (٤٣) شهادة والمذكورة في ختام رسالة "منبع النور". والفضل ما شهدت به الأعداء:
وقد اعترف حتى علماء الغرب بسمو مبادئ الإسلام وصلاحها للعالم.. وقال عميد كلية الحقوق بجامعة فينا الأستاذ شبول في مؤتمر الحقوقيين المنعقد في سنة ١٩٢٧: (إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد (عليه الصلاة والسلام) إليها، إذ انه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربائيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قيمته بعد ألفي عام).
وقال برنارد شو: (لقد كان دين محمد (عليه الصلاة والسلام) موضع تقديري السامي دائمًا لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة، لأنه على ما يلوح لي : هو الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة والذي يستطيع لذلك أن يجذب إليه كل جيل من الناس وارى واجبًا أن يدعى محمد (عليه الصلاة والسلام) منقذ الإنسانية، واعتقد أن رجلًا مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث ينجح في حل مشكلاته ويحلّ في العالم السلامة والسعادة (يعني المسالمة والصلح العمومي) وما أشد حاجة العالم اليوم إليها).
— 264 —

المرتبة السادسة عشرة من رسالة "الآية الكبرى"

التي تبحث عن "الرسالة الأحمدية"
(لمناسبة المقام أُلحقت هذه المرتبة هنا)
ثم خاطب ذلك السائحُ في الدنيا عقلَه قائلًا: ما دمتُ أبحث عن مالكي وخالقي باستنطاق موجودات الكون هذا. فمن الأَولى لي أن أزور مَن هو أكملُ إنسان في الوجود، وأعظمُ من يقود إلى الخير -حتى بتصديق أعدائه- وأعلاهم صيتًا وأصدقُهم حديثًا وأسماهم منیزلةً وأنورُهم عقلًا، ألا وهو محمد (ص) الذي أضاء بفضائله وبقرآنه أربعةَ عشر قرنًا من الزمان.. ولأجل أن أحظى بزيارته الكريمة وأستفسرَ منه ما أبحثُ عنه، ينبغي أن نذهب معًا إلى خير القرون إلى عصر السعادة.. عصر النبوة... فدخل بعَقله إلى ذلك العصر فرأى أن ذلك العصر قد صار به (ص) عصرَ سعادةٍ للبشرية حقًا. لأنه (ص) قد حوّل في زمن يسير بالنور الذي أتى به قومًا غارقين في أشدِّ أمّية، وأعرقِ بداوةٍ حوّلَهم إلى أساتذةِ العالَم وسادتِه.
وكذا خاطب عقلَه قائلًا: "علينا قبل كل شيء أن نعرف شيئًا عن عظمة هذه الذات المعجزة وعن أحقية أحاديثِه وصدق إخباره. ثم نستفسر منه عن خالقنا سبحانه".. فباشر بالبحث. فوجَد على صِدق نبوته من الأدلة القاطعة الثابتة ما لا يُعد ولا يحصى، ولكنه خلُص إلى تسع منها:
أولها: هو اتّصافُه (ص) بجميع السجايا الفاضلة والخصال الحميدة، حتى شهد بذلك غرماؤه.. وظهورُ مئات المعجزات منه؛ كانشقاق القمر الذي انشقّ إلى نصفين بإشارة من إصبعه كما نصَّ عليه القرآن: وانشق القمر (القمر: ١).. وانهزامُ جيش الأعداء بما دخل أعيُنَهم جميعًا من التراب القليل الذي رماه عليهم بقبضته، كما نصت عليه الآية الكريمة: وما رميت اذ رميت ولكن اللّٰه رمى (الأنفال: ١٧).. وارتواءُ أصحابه من الماء النابع كالكوثر من بين أصابعه الخمسة المباركة عندما اشتدّ بهم العطشُ.. وغيرُها من مئات
— 265 —
المعجزات التي ظهرت بين يديه، والمنقولة إلينا نقلًا صحيحًا قاطعًا أو متواترًا، فاستطلَعها السائحُ إلى "المكتوب التاسع عشر" أي رسالة "المعجزات الأحمدية" تلك الرسالة الخارقة ذات الكرامة المتضمنة لأكثر من ثلاثمائة معجزة من معجزاته (ص) بدلائلها القاطعة وأسانيدها الموثوقة.
ثم حدّث نفسَه قائلًا: "إنَّ مَن كان ذا "أخلاق حسنة" بهذا القدر و "فضائل" إلى هذا الحد، و "معجزات" باهرة بهذه الكثرة، فلا جرم أنه صاحبُ أصدق حديث ومن ثم لا يمكن أبدًا -وحاشاه- أن يتنازل إلى الحيلة والكذب والتَمويه التي هي دأب الفاسدين".
ثانيها: كونُ القرآن الذي بيده (ص) معجِزًا من سبعة أوجه، ذلك الأمر الصادر من مالك الكون الذي يسلّم به ويصدّقُه أكثرُ من ثلاثمائة مليونٍ من البشر في كل عصر. ولما كانت "الكلمة الخامسة والعشرون" أي رسالة "المعجزات القرآنية" وهي شمس "رسائل النور" قد أثبتت بدلائل قوية أنَّ هذا القرآن الكريم معجِزٌ من أربعين وجهًا، وأنه كلام رب العالمين، لذا أحال السائحُ ذلك إلى تلك الرسالة المشهورة لبيانها المفصل للإعجاز. ثم قال: إنَّ الأمين على كلام اللّٰه، والمترجِم الفعلي له، والمبلِّغ لهذا النبأ العظيم إلى الناس كافة، وهو الحق بعينه والحقيقة بذاتِها، لا يمكن أنْ يصدر منه كذبٌ قط، ولن يكون موضعَ شبهة أبدًا.
ثالثها: إنه (ص) قد بعث بشريعةٍ مطهَّرة، وبدِينٍ فطري، وبعبودية خالصة، وبدعاء خاشع، وبدعوة شاملة، وبإيمان راسخ، لا مثيلَ لما بُعثَ به ولن يكون، وما وُجِد أكملَ منه ولن يوجد.
لأن "الشريعة" التي تجلّت من أمّي (ص) وأدارت خمسَ البشرية على اختلافها منذ أربعة عشر قرنًا إدارةً قائمة على الحق والعدل بقوانينها الدقيقة الغزيرة، لا تقبل مثيلًا أبدًا.
وكذا "الإسلام" الذي صدر من أفعال أمّيٍ (ص) ومن أقواله، ومن أحواله، هو رائد ثلاثمائة مليون من البشر ومرجعُهم في كل عصر، ومعلّمٌ لعقولهم ومرشدٌ لها، ومنوِّرٌ لقلوبهم ومهذِّبٌ لها، ومربٍّ لنفوسهم ومزكٍّ لها، ومدارٌ لانكشاف أرواحهم ومعدِنٌ لسموها، لم يأت ولن يأتيَ له مثيل.
— 266 —
وكذا تفوُّقُه (ص) في جميع أنواع "العبادات" التي يتضمنها دينُه، وتقواه العظيمة أكثر من أي أحدٍ كان، وخشيتُه الشديدة من اللّٰه ومجاهدتُه المتواصلة ورعايتُه الفائقة لأدقّ أسرار العبودية حتى في أشدّ الأحوال والظروف، وقيامُه (ص) بتلك العبودية الخالصة، دون أن يقلّد أحدًا وبكل معانيها مبتدئًا، وبأكملِ صورة، موحِّدًا الابتداء والانتهاء، لا شك لم يُرَ ولن يُرَى له مثيل.
وكذا فإنه يصف، "بالجوشن الكبير" -الذي هو واحدٌ من آلاف أدعيته ومناجاته- يصف ربَّه بمعرفةٍ ربانية سامية لم يبلغ العارفون والأولياء جميعًا تلك المرتبة من المعرفة، ولا درجةَ ذلك الوصف منذ القِدَم مع تلاحق الأفكار.. مما يُظهِر أنه لا مثيلَ له في "الدعاء". ومن ينظر إلى الإيضاح المختصر لفقرة واحدة من بين تسع وتسعين فقرة للجوشن الكبير، وذلك في مستهل رسالة "المناجاة" لا يسَعُه إلّا القول أنه لا مثيل لهذا الدعاء الرائع (الجوشن) الذي يمثّل قمة المعرفة الربانية.
وكذا فإن إظهاره في "تبليغ الرسالة" وفي دعوته الناسَ إلى الحق من الصلابة والثبات والشجاعة ما لا يقاربُها أحدٌ، فلم يُداخله -ولو بمقدار ذرة- أيُّ أثرٍ للتردد ولا ساوَرَه القلقُ قط، ولم ينَل الخوفُ منه شيئًا، رغم معاداة الدول الكبرى والأديان العظمى له -وحتى قومه وقبيلته وعمه ناصَبوه العداء الشديد- فتحدّى وحده الدنيا بأسرها، ونصره اللّٰه وأعزّه فكلل هامة الدنيا بتاج الإسلام، فمَن مِثلُ محمد (ص) في تبليغ رسالات اللّٰه؟..
وكذا حملُه "إيمانًا قويًا راسخًا، ويقينًا جازمًا خارقًا، وانكشافًا للفطرة معجِزًا، واعتقادًا ساميًا ملأ العالَم نورًا" فلم تتمكن أن تؤثر فيه جميعُ الأفكار والعقائد وحكمةُ الحكماء وعلومُ الرؤساء الروحانيين السائدة في ذلك العصر، ولو بشبهةٍ، أو بتردد، أو بضعف، أو بوسوسة. نعم، لم تتمكن أن تؤثرَ لا في يقينه، ولا في اعتقاده ولا في اعتماده على اللّٰه، ولا في اطمئنانه إليه، مع معارضتِها له ومخالفتها إياه، وإنكارِها عليه. زد على هذا استلهامَ جميعِ الذين ترقّوا في المعنويات والمراتب الإيمانية من أهل الولاية والصلاح، وفي مقدّمتهم الصحابة الكرام، واستفاضتهم دومًا من مرتبته الإيمانية، ورؤيتهم له أنه في أسمى الدرجات والمراتب. كل ذلك يُظهر -بداهة- أن إيمانَه (ص) لا مثيل له أيضًا.
— 267 —
ففهم السائح وصدق عقلُه أيضًا أن مَن كان صاحبَ هذه الشريعة السمحاء التي لا مثيل لها، والإسلامِ الحنيف الذي لا شبيه له، والعبوديةِ الخالصة التي لا نظير لها، والدعاءِ البديع الرائع، والدعوى الكونية الشاملة، والإيمانِ المعجِز، لن يكونَ عنده كذبٌ قط، ولن يكون خادعًا أبدًا.
الدليل الرابع: إجماعُ الأنبياء عليهم السلام واتفاقُهم على الحقائق الإيمانية نفسِها كما أنه دليلٌ قاطع على وجود اللّٰه سبحانه وعلى وحدانيته، فهو شهادةٌ صادقة أيضًا على صدقِ هذا النبي (ص) وعلى رسالته، ذلك لأن كلَّ ما يدلّ على صدق نبوة أولئك الأنبياء عليهم السلام، وكلَّ ما هو مدارٌ لنبوتهم من الصفات القدسية، والمعجزاتِ، والمهامِّ التي اضطلعوا بها يوجد مثلُها وبأكملَ منها فيه (ص)، كما هو مصدَّق تاريخًا. فأولئك الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا بلسان المقال -أي بالتوراة والإنجيل والزبور والصحف التي بين أيديهم- بمجيء هذه الذات المباركة وبشّروا الناس بقدومه (ص) (حتى إن أكثر من عشرين إشارة واضحة ظاهرة من الإشارات المبشِّرة لتلك الكتب المقدسة قد بُيّنت بيانًا جليًا وأُثبتت في رسالة المعجزات الأحمدية) فكما أنهم قد بشّروا بمجيئه (ص) فإنهم يصدّقونه (ص) بلسان حالهم -أي بنبوتهم وبمعجزاتهم- ويختمون بالتأييد على صدق دعوتِه إذ هو السابقُ الأكملُ في مهمة النبوة والدعوة إلى اللّٰه. فأدرك السائحُ أنهم مثلما يدلّون -أي أولئك الأنبياءُ- بلسان المقال والإجماع على الوحدانية، فإنهم يشهدون -بلسان الحال وبالاتفاق كذلك- على صدق هذا النبي الكريم (ص).
الدليل الخامس: إن وصولَ آلاف الأولياء إلى الحق والحقيقة، وما نالوا من الكمالات والكرامات وما فازوا من الكشفيات والمشاهدات ليس إلّا بالاقتداء بهَدي دساتير هذا النبي (ص)، وبتربيته، وباتّباعه، وتعقّب أثَره، فمثلما أنهم يدلّون جميعًا على الوحدانية فهم يشهدون بالإجماع والاتفاق على صدق هذا النبي الكريم (ص) -أستاذهم وإمامهم- وعلى أحقّية رسالته. فرأى السائحُ أن مشاهدة هؤلاء قسمًا مما أخبرَ به (ص) من عالم الغيب بنور الولاية واعتقادهم به وتصديقهم لجميع ما أخبر به بنور الإيمان له -إما بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين- إنما تُظهر ظهورًا كالشمس: ما أصدقَ مرشدَهم الأعظم وما أحقَّ رائدَهم الأكبر (ص).
— 268 —
الدليل السادس: إن ملايينَ العلماء المُدققين الأصفياء، والمحَققين الصديقين، ودهاةَ الحكماء المؤمنين، ممن بلغوا أعلى المراتب بفضل ما درسوا وتتلمذوا على ما جاء به هذا النبيُّ الكريم (ص) -مع كونه أميًا- من الحقائق القدسية، وما أبدعه من العلوم العالية، وما كشفه من المعرفة الإلهية.. إن هؤلاء جميعًا مثلما يُثبتون الوحدانية التي هي الأساس لدعوته (ص) ويصدقّونها متفقين ببراهينهم القاطعة فإنهم يتفقون كذلك ويشهدون على صدق هذا المعلِّم الأكبر وصوابِ هذا الأستاذ الأعظم وعلى أحقيةِ كلامه (ص). فشهادتُهم هذه حجةٌ واضحة كالنهار على صدقه وصواب رسالته، وما "رسائل النور" بأجزائها التي تزيد على المائة مثلًا إلّا برهانٌ واحد فقط على صدق وصواب هذا النبي الحبيب (ص).
الدليل السابع: إن الجمعَ العظيم الذين يُطلق عليهم (الآل والأصحاب) الذين هم أشهرُ بني البشر بعد الأنبياء فراسةً وأكثرُهم درايةً، وأسماهم كمالاتٍ وأفضلُهم منیزلة، وأعلاهم صيتًا، وأشدُّهم اعتصامًا بالدين، وأحدُّهم نظرًا... إن تحريّ هؤلاء وتفتيشَهم وتدقيقهم لجميع ما خفيَ وما ظهرَ من أحوال هذا النبي الكريم (ص) وأفكارِه وتصرفاتِه بحثًا بكمال اللهفة والشوق، وبغاية الدقة، وبمنتهى الجدّية، ثم تصديقهم بالاتفاق والإجماع أنه (ص) هو أصدقُ مَن في الدنيا حديثًا، وأسماهم مكانةً وأشدُّهم اعتصامًا بالحق والحقيقة. فتصديقُهم هذا الذي لا يتزعزع مع ما يملكون من إيمان عميق، إنما هو دليلٌ باهر كدلالة النهار على ضياء الشمس.
الدليل الثامن: إنَّ هذا الكون مثلما يدل على صانعِه، وكاتبِه، ومصوِّره الذي أوجده، والذي يديره، ويرتّبه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير كأنه قصرٌ باذخ، أو كأنه كتابٌ كبير، أو كأنه مَعرِضٌ بديع، أو كأنه مشهر عظيم، فهو كذلك يستدعي لا محالة وجودَ مَن يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلَم ويُعلِّم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، ويعلِّم الحكم الربانية في تحولاته وتبدلاته، ويدرِّس نتائج حركاته الوظيفية، ويعلن قيمةَ ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات. أي يقتضي داعيًا عظيمًا، ومناديًا صادقًا، وأستاذًا محققًا، ومعلِّمًا بارعًا. فأدرك السائحُ: أن الكون -من حيث هذا الاقتضاء- يدل ويشهد على صدق هذا النبي الكريم (ص) وصوابِه الذي هو أفضلُ من أتمّ هذه الوظائف والمهمات، وعلى كونه أفضلَ وأصدقَ مبعوث لرب العالمين.
— 269 —
الدليل التاسع: ما دام هناك وراء الحجاب مَن يشهر كمالات إبداعه، بمصنوعاته هذه؛ ذات الإتقان والحكمة.. ويعرِّف نفسَه ويودِّدُها، بمخلوقاته غير المحدودة ذات الزينة والجمال.. ويُوجِب الشكرَ والحمد له، بنِعَمه التي لا تُحصى ذات اللذة والنفاسة.. ويشوّق الخلقَ إلى العبادة نحو ربوبيته بعبودية تتّسم بالحب والامتنان والشكر إزاء هذه التربية، والإعاشة العامة، ذات الشفقة والحماية (حتى إنه يهيئ أطعمة وضيافات ربانية ما تُطَمئِن أدقَّ أذواق الأفواه وجميع أنواع الاشتهاء)... ويُدين الخلقَ إلى الإيمان والتسليم والانقياد والطاعة نحو ألوهيته التي يُظهرها بتبديل المواسم، وتكوير الليل على النهار، واختلافهما، وأمثالها من التصرفات العظيمة، والإجراءات الجليلة، والفعالية المدهشة والخلاقية الحكيمة... ويُظهر عدالتَه وانتصافه بحمايته دومًا البرَّ والأبرار وإزالته الشر والأشرار ومَحقِه الظالمين والكذابين وإهلاكِهم بنوازل سماوية.
فلا جرم، أنَّ أَحب مخلوقٍ لدى ذلك المستتر بالغيب، وأصدقَ عبدٍ له هو مَن كان عاملًا خالصًا لمقاصده المذكورة آنفًا، ومَن يحُلّ السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لَغزَه، ومن يسعى دومًا باسم خالقه ويستمد القوة منه ويستعين به وحده في كل شيء فينال المَدَد والتوفيق منه سبحانه. ومن ذا يكون هذا غيرَ محمد القرشي عليه الصلاة والسلام.
ثم خاطب السائح عقلَه: "لَمّا كانت هذه الحقائق التسع شاهدةَ إثبات على صدق هذا النبي الكريم (ص). فلا ريب إذن: أنه قُطبُ شرَف البشرية، ومدارُ افتخار العالم، وأنه حَريّ ولائق تسميتُه شرفُ بني آدم، وتلقيبُه بفَخر العالمين. وأن ما في يده من أمر الرحمن وهو القرآن الكريم المهيمنُ جلالُ سلطانه المعنوي على نصف الأرض مع ما يملك من كمالاته الشخصية وخصاله السامية يظهران أن أعظم إنسان في الوجود هو هذا النبي العظيم، فالقول الفصلُ إذن بحق خالقنا سبحانه هو قولُه (ص)".
فتعال يا عقلي وتأمل: إنَّ أساس جميع دعاوى هذا النبي الكريم (ص)، وغايةَ حياته كلِّها، إنما هي الشهادة على وجود واجب الوجود، والدلالة على وحدانيته، وبيان صفاته الجليلة، وإظهار أسمائه الحسنى، وإثبات كل ذلك، وإعلانه، وإعلامه؛ استنادًا إلى ما في دينه من ألوف الحقائق الراسخة الأساس وإلى قوة ما أظهره اللّٰه على يده من مئاتٍ من معجزاته القاطعة الباهرة.
— 270 —
أي أنَّ الشمس المعنوية التي تضيء هذا الكون والبرهانَ النيّر على وجود خالقنا سبحانه ووحدانيته، إنما هو هذا النبي الكريم الملقّب بی"حبيب اللّٰه" (ص). فهنالك ثلاثة أنواع من الإجماع عظيمة لا تخدع ولا تنخدع، تؤيد شهادته وتصدّقها:
الإجماع الأول: إجماعُ الذين اشتهروا، وتميزوا في العالم باسم (آل محمد (ص)) تلك الجماعة النورانية التي يتقدمها الإمامُ علي رضي اللّٰه عنه الذي قال: "لو رُفع الحجاب ما ازددتُ يقينًا"، وخلفَه آلاف الأولياء العظام من ذوي البصائر الحادة والنظر الأنيس للغيب من أمثال الشيخ الكيلاني (قُدس سرُّه) الذي كان ينظر ببصيرته النافذة إلى العرش الأعظم وإسرافيلَ بعظمته وهو بعدُ على الأرض.
الإجماع الثاني: إجماع تلك الجماعة المعروفة بالصحابة الكرام المشهورين في العالم رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين وتصديقُهم بالاتفاق وبإيمان راسخ قوي لهذا النبي الكريم، حتى ساقهم ذلك إلى التضحية والفداء بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وعشيرتهم، وهم الذين كانوا قومًا بدوًا يقطنون في محيط أمّيٍ خالٍ من مظاهر الحياة الاجتماعية والأفكار السياسية، ليس لهم هدى ولا كتاب منير. وكانوا مغمورين في ظلمة عصر "الفترة"، فصاروا في زمن يسير أساتذةً مرشدين وسياسيين وحكامًا عادلين لأرقى الأمم حضارة وعلمًا واجتماعًا وسياسةً، فحكموا العالم شرقًا وغربًا ورفرفت راياتُ عدالتهم برًا وبحرًا.
الإجماع الثالث: هو تصديق الجماعة العظيمة من العلماء الأجلاء الذين لا يُعدون ولا يُحصَون، المتبحرين في علومهم والمحققين المدققين الذين نشأوا في أمته وسلكوا مسالك شتى، ولهم في كل عصر آلافٌ من الحائزين على قصب السبق -بدهائهم- في كل علم. فتصديقُ هؤلاء جميعًا له بالاتفاق وبدرجة علم اليقين إجماعٌ أيُّ إجماع!..
فحَكَم السائح بأن شهادة هذا النبي الأمي (ص) على الوحدانية ليست شهادةً شخصية وجزئية، وإنما هي شهادةٌ عامة وكلّيةٌ راسخة لا تتزعزع، ولن تستطيع أن تجابهها الشياطينُ كافة في أية جهة ولو اجتمعوا عليها.
وهكذا ذُكرتْ إشارةٌ مختصرة لما تلقّاه ذلك السائح الذي جال بعقله في عصر السعادة جوانبَ الحياة من تلك المدرسة النورانية في "المرتبة السادسة عشرة من المقام الأول" كالآتي:
— 271 —
«لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰه الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذي دَلَّ عَلٰى وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: فَخْرُ العَالَمِ وَشَرَفُ نَوْعِ بَني أٰدَمَ بِعَظَمَةِ سَلْطَنَةِ قُرْأٰنِه، وَحِشْمَةِ وُسْعَةِ دينِه، وَكَثْرَةِ كَمَالاَتِه، وَعُلْوِيَّةِ أَخْلاَقِه، حَتّٰى بِتَصْديقِ أَعْدَائِه، وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِقُوَّةِ مِئَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَاتِ الْبَاهِرَاتِ الْمُصَدِّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ، وِبِقُوَّةِ أٰلاَفِ حَقَائِقِ دينِهِ السَّاطِعَةِ الْقَاطِعَةِ، بِإِجْمَاعِ أٰلِه ذَوِي الْأَنْوَارِ، وَبِاتِّفَاقِ أَصْحَابِه ذَوِي الْأَبْصَارِ، وَبِتَوَافُقِ مُحَقِّقي أُمَّتِه ذَوِي الْبَرَاهينِ وَالْبَصَائِرِ النَّوَّارَةِ.»
— 272 —

المكتوب العشرون

بِاسْمِه سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
«لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰه وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ يُحْيي وَيُميتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ وَإِلَيْهِ الْمَصيرُ»
[٭]: "كان (ص) يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة حين يسلم: لا إله إلا اللّٰه وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد (يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير). "ثلاث مرات" اللهم لامانع لما اعطيت ولامعطي لما منعت ولاينفع ذا الجدّ منك الجدّ./ صحيح: انظر تفصيل التخريج وعزو هذه الزيادات في الأحاديث الصحيحة (196) - الأحاديث التي هي خارج الأقواس موجودة في البخاري ومسلم. والزيادة الأولى المحصورة بين القوسين لأحمد وأبي داود، والثانية للطبراني والثالثة للنسائي وأبي خزيمة. أقول: وهذا الحديث الذي أورده الأستاذ النورسي من العجائب، إذ عندما تتبعت أحاديث الورد في الصباح والمساء وبعد الصلاة وجدتها تختلف بالسياق. وجمع الزيادات بهذه الطريقة صعبة للغاية تحتاج إلى مصادر واسعة وطول باع في الحديث، فيا ترى ما تفسير إيراد الأستاذ لهذا النص وبتلك الزيادات دونما رجوع أو توفر مصادر كالتي يمتلكها المحدّثون.. إنّ التفسير الوحيد هو:
إكرام إلهي.
أحمد بن حنبل، المسند، ٤/٢٢٧؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٢٧، ٧/١٧١؛ البزار، المسند ٣/٢٦٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٠/٦٥.
(إن هذه الجملة التي تلخّص التوحيد، عبارة عن إحدى عشرةَ كلمة، ولقراءتها عقب صلاتَي الفجر والمغرب فضائلُ جمّة، حتى ورد في إحدى الروايات الصحيحة أنها تحمل مرتبة "الاسم الأعظم". [٭]: انظر: الترمذي، الدعوات ٦٣؛ أبو داود، الوتر ٢٣؛ النسائي، السهو ٥٨؛ ابن ماجه، الدعاء ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٣٠، ٣/١٢٠. فلا غرو إذن أن تُقطّر كلُّ كلمة من كلماتها أملًا شافيًا وبشرى سارة، وأن تحمل مرتبةً جليلة من مراتب توحيد الربوبية، وتبيّن من زاوية الاسم الأعظم كبرياءَ الوحدانية وكمالَ التوحيد.
وحيث إن هذه الحقائق الواسعة الرفيعة قد وضّحت بجلاء في سائر "الكلمات" فنحيل إليها. ونكتفي هنا بوضع فهرس لها، بناءً على وعد سابق، على صورة خلاصة مجملة جدًّا، تتكون من "مقامين" و "مقدمة").
— 273 —

المقدمة

اعلم يقينًا أن أسمى غايةٍ للخلق، وأعظمَ نتيجةٍ للفطرة الإنسانية.. هو "الإيمانُ باللّٰه".. واعلم أن أعلى مرتبة للإنسانية، وأفضل مقام للبشرية.. هو "معرفةُ اللّٰه" التي في ذلك الإيمان.. واعلم أن أزهى سعادةٍ للإنس والجن، وأحلى نعمة.. هو "محبةُ اللّٰه" النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن أصفى سرور لروح الإنسان، وأنقى بهجةٍ لقلبه.. هو "اللذةُ الروحية" المترشحة من تلك المحبة.
أجل، إنَّ جميع أنواع السعادة الحقة، والسرورَ الخالص، والنعمةَ التي ما بعدَها نعمةٌ، واللذةَ التي لا تفوقُها لذةٌ، إنما هي في "معرفة اللّٰه".. في "محبة اللّٰه". فلا سعادةَ، ولا مسرّة، ولا نعمة حقًا بدونها.
فكلُّ من عرف اللّٰه تعالى حق المعرفة، وملأ قلبَه من نور محبته، سيكونُ أهلًا لسعادة لا تنتهي، ولنعمةٍ لا تنضب، ولأنوارٍ وأسرار لا تنفد، وسينالها إما فعلًا وواقعًا أو استعدادًا وقابلية. بينما الذي لا يعرف خالقَه حقَّ المعرفة، ولا يكنّ له ما يليق من حُبٍ ووُدٍّ، يصاب بشقاء مادي ومعنوي دائمَين، ويظل يعاني من الآلام والأوهام ما لا يُحصر.
نعم، إنَّ هذا الإنسان البائس الذي يتلوّى ألمًا من فقده مولاه وحاميه، ويضطرب من تفاهةِ حياته وعدم جدواها، وهو عاجزٌ وضعيف بين جموع البشرية المنكودة.. ماذا يغنيه عمّا يعانيه ولو كان سلطانَ الدنيا كلِّها!
فما أشد بؤس هذا الإنسان المضطرب في دوّامة حياةٍ فانية زائلة وبين جموع سائبةٍ من البشر إنْ لم يجد مولاه الحق، ولم يعرف مالكَه وربَّه حق المعرفة! ولكن لو وجد ربَّه وعرف مولاه ومالكَه لالتجأ إلى كنف رحمته الواسعة، واستند إلى جلال قدرته المطلقة.. ولتحولت له الدنيا الموحشة روضةً مؤنسة، وسوقَ تجارةٍ مربحة.
— 274 —

المقام الأول

كل كلمة من كلمات هذا الكلام التوحيدي الرائع تزفّ بشرى سارة، وتبث أملًا دافئًا. وفي كل بشرى شفاء وبلسم.. وفي كل شفاء لذة معنوية وانشراح روحي.
الكلمة الأولى: "لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰه" هذه الكلمة تتقطر بشرى عظيمة وأملًا بهيجًا كالآتي:
إنَّ روح الإنسان المتلهفة إلى حاجات غير محدودة، والمستهدَفة من قِبل أعداءٍ لا يُعدّون.. هذه الروح المبتلاة بين حاجات لا تنتهي وأعداءٍ لا يحصرون، تجد في هذه الكلمة العظيمة منبعًا ثرًا من الاستمداد، بما يفتح لها أبوابَ خزائن رحمة واسعة يرِدُ منها ما يُطمئِن جميعَ الحاجات ويضمن جميع المطالب.. وتجد فيها كذلك مرتَكزًا شديدًا ومستنَدًا رضيًّا يدفع عنها جميعَ الشرور، ويصرف عنها جميعَ الأضرار. وذلك بما تُري الإنسانَ من قوة مولاه الحق، وترشده إلى مالكه القدير، وتَدلَه على خالقه ومعبوده. وبهذه الرؤية السديدة والتعرّف على اللّٰه الواحد الأحد، تنقذ -هذه الكلمة- قلبَ الإنسان من ظلام الوحشة والأوهام، وتُنجي روحَه من آلام الحزن والكمد، بل تضمن له فرحًا أبديًا، وسرورًا دائمًا.
الكلمة الثانية: "وَحْدَهُ" هذه الكلمة تشرق أملًا وتزفّ بشرى سارة كالآتي:
إنَّ روح البشر، وقلبَه المرهقَين بل الغارقَين إلى حدّ الاختناق تحت ضغوط ارتباطاتٍ شديدة وأواصرَ متينة مع أغلب أنواع الكائنات.. يجدان في هذه الكلمة ملجأ أمينًا، ينقذهما من تلك المهالك والدوامات. أي أن كلمة "وحده" تقول معنًى:
إنَّ اللّٰه واحد أحد، فلا تتعب نفسك، أيها الإنسان، بمراجعة الأغيار. ولا تتذلَّل لهم، فترزح تحت منَّتهم وأذاهم.. ولا تحنِ رأسَك أمامهم وتتملّق لهم.. ولا تُرهق نفسَك فتلهث وراءهم.. ولا تخف منهم وترتعد إزاءهم.. لأنَّ سلطان الكون واحد، وعنده مفاتيح كلِّ
— 275 —
شيء، بيده مقود كلِّ شيء، تنحلّ عُقد كلِّ شيء بأمره، وتنفرج كل شدة بإذنه.. فإن وجدتَه فقد ملكتَ كل شيء، وفُزت بما تطلبه، ونجوتَ من أثقال المنّ والأذى ومن أسر الخوف والوهم.
الكلمة الثالثة: "لاَ شَريكَ لَهُ" أي كما لا ندّ له ولا ضدّ في ألوهيته وسلطنته، لأنَّ اللّٰه واحد. فإنّ ربوبيتَه وإجراءاتِه وإيجادَه الأشياء منیزّهةٌ كذلك من الشرك. بخلاف سلاطين الأرض، إذ يحدث أنْ يكون السلطانُ واحدًا متفردًا في سلطنته إلّا أنه ليس متفردًا في إجراءاته، حيث إن موظفيه وخدَمه يُعدّون شركاء له في تسيير الأمور وتنفيذ الإجراءات. ويمكنهم أن يحولوا دون مثول الجميع أمامه، ويطلبوا منهم مراجعتهم أولًا! ولكن الحق سبحانه وتعالى وهو سلطان الأزل والأبد، واحد لا شريك له في سلطنته، فليس له حاجة قط في إجراءات ربوبيته أيضًا إلى شركاء ومُعينين للتنفيذ، إذ لا يؤثر شيءٌ في شيء إلّا بأمره وحَوله وقوته. فيمكن للجميع أن يراجعوه دون وسيط، لعدم وجود شريك أو مُعين. ولا يقال عندئذٍ للمراجِع: لا يجوز لك الدخول في الحضرة الإلهية.
وهكذا تحمل هذه الكلمة في طياتها أملًا باسمًا وبشارة بهيجة، فتقول:
إنَّ الإنسان الذي استنارت روحُه بنور الإيمان، ليَستطيع عرضَ حاجاته كلها بلا حاجز ولا مانع بين يدي ذلك الجميل ذي الجلال، ذلك القدير ذي الكمال، ويطلب ما يحقق رغباته، أينما كان هذا الإنسان وحيثما حلّ. فيفرش حاجاتِه ومطالبَه كلها أمام ذلك الرحيم الذي يملك خزائن الرحمة الواسعة، مستندًا إلى قوته المطلقة، فيمتلئ عندئذ فرحًا كاملًا وسرورًا غامرًا.
الكلمة الرابعة: "لَهُ الْمُلْكُ" أي أنَّ المُلك كلَّه له، دون استثناء.. وأنت أيضًا ملكه، كما أنك عبدُه ومملوكه، وأنت عامل في مُلكه..
فهذه الكلمة تفوح أملًا وتقطر بشرى شافية، وتقول:
أيها الإنسان! لا تحسب أنك مالك نفسك.. كلّا.. لأنك لا تقدر على أن تدير أمور نفسك.. وذلك حملٌ ثقيل، وعبء كبير، ولا يمكنك أن تحافظ عليها، فتنجيها من البلايا والرزايا، وتوفّر لها لوازم حياتك.. فلا تجرّع نفسَك إذن الآلام سدًى، فتلقي بها في أحضان
— 276 —
القلق والاضطراب دون جدوى، فالمُلك ليس لك، وإنما لغيرك، وذلك المالكُ قادرٌ، وهو رحيم. فاستند إلى قدرته، ولا تتهم رحمتَه.. دع ما كدر، خذ ما صفا.. انبذ الصعابَ والأوصاب وتنفّس الصعداء، وحُز على الهناء والسعادة.
وتقول أيضًا: أنَّ هذا الوجود الذي تهواه معنًى، وتتعلق به، وتتألم لشقائه واضطرابه، وتحسّ بعجزك عن إصلاحه.. هذا الوجود كلُّه مُلكٌ لقادر رحيم. فسلّم الملكَ لمولاه، وتخلّ عنه فهو يتولاه، واسعد بمسراته وهنائه، دون أنْ تكدّرك معاناتُه ومقاساته، فالمولى حكيم ورحيم، يتصرف في مُلكه كيف يشاء وفق حكمته ورحمته.
وإذا ما أخذك الروعُ والدهشة، فأطل من النوافذ ولا تقتحمها، وقل كما قال الشاعر إبراهيم حقي:
لنرَ المولى ماذا يفعلُ
فما يفعل هو الأجمل.
الكلمة الخامسة: "وَ لَهُ الْحَمْدُ" أي أنَّ الحمد والثناء والمدح والمنّة خاصّ به وحدَه، ولائق به وحده، لأنَّ النِعم والآلاء كلَّها منه وحده، وتفيض من خزائنه الواسعة، والخزائن دائمة لا تنضب.
وهكذا تمنح هذه الكلمة بشرى لطيفة، وتقول:
أيها الإنسان! لا تقاسِ الألمَ بزوال النعمة، لأنَّ خزائنَ الرحمة لا تنفد. ولا تصرخ من زوال اللذة، لأنَّ تلك النعمة ليست إلّا ثمرةُ رحمة واسعة لا نهاية لها. فالثمار تتعاقب ما دامت الشجرةُ باقية.
واعلم أيها الإنسان أنك تستطيع أن تجعل لذة النعمة أطيبَ وأعظم منها بمائة ضعف، وذلك برؤيتك التفاتةَ الرحمة إليك، وتكرّمَها عليك، وذلك بالشكر والحمد. إذ كما أن ملِكًا عظيمًا وسلطانًا ذا شأن إذا أرسل إليك هديةً، ولتكن تفاحة مثلا، فإن هذه الهدية تنطوي على لذة تفوق لذةَ التفاح المادية بأضعاف الأضعاف، تلك هي لذةُ الالتفات الملَكي والتوجّه السلطاني المكلل بالتخصيص والإحسان، كذلك كلمةُ "له الحمد" تفتح أمامك بابًا واسعًا
— 277 —
تتدفق منه لذةٌ معنوية خالصة هي ألذ من تلك النعم نفسِها بألف ضعف وضعف، وذلك بالحمد والشكر. أي بالشعور بالإنعام عن طريق النعمة، أي بمعرفة المُنعم بالتفكر في الإنعام نفسه، أي بالتفكر والتبصر في التفات رحمته سبحانه وتوجّههِ إليك وشفقتِه عليك، ودوام إنعامه عليك.
الكلمة السادسة: "يُحْيي" أي هو الذي يهَب الحياة، وهو الذي يديمُها بالرزق، وهو المتكفّل بكل ضروراتها وحاجاتها، وهو الذي يهيئ لوازمَها ومقوّماتها. فالغايات السامية للحياة تعود إليه، والنتائج المهمة لها تتوجه إليه، وتسعٌ وتسعون بالمائة من ثمراتها ونتائجها تقصده وترجع إليه.
وهكذا فهذه الكلمة تنادي هذا الإنسان الفاني العاجز، وتُزجي له البشارة، نافخةً فيه روحَ الأمل، وتقول:
أيها الإنسان! لا ترهق نفسك بحمل أعباء الحياة الثقيلة على كاهلك الضعيف، ولا تذهب نفسُك حسراتٍ على فناء الحياة وانتهائها. ولا تُظهر الندمَ والتذمر من مجيئك إلى الحياة كلما ترى زوالَ نعيمها وتفاهةَ ثمراتها.. واعلم أن حياتك التي تعمّر وجودَك إنما تعود إلى "الحي القيوم" فهو المتكفل بكل حاجاتها ولوازمها. فهذه الحياة تعود إليه وحدَه، بغاياتها الوفيرة، ونتائجها الكثيرة. وما أنت إلا ملاح في سفينة وجودك. فقُم بواجبك أحسنَ قيام، ثم اقبض أجرتَك وتمتّع بها، وتذكّر دائمًا: مدى عِظم هذه الحياة التي تمخر عباب الوجود، ومدى جلالةِ فوائدها، وثمراتِها، ومدى كرم صاحبها وسعةِ رحمة مولاها.. تأمل ذلك واسبح في فضاء السرور، واستبشر به خيرًا، وأدِّ شكر ما عليك تجاه مولاك. واعلم بأنك إن استقمتَ في أعمالك تُسجّل في صحيفتك جميع نتائج سفينة الحياة هذه، فتوهَب لك حياة باقية، وتحيا حياة أبدية.
الكلمة السابعة: "وَيُميتُ" أي أنه هو الذي يهَب الموت، أي هو الذي يسرّحك من وظيفة الحياة، ويبدّل مكانك في الدنيا الفانية، ويُنقذك من عبء الخدمة، ويحرّرك من مسؤولية الوظيفة. أي يأخذك من هذه الحياة الفانية إلى الحياة الباقية.
— 278 —
وهكذا فهذه الكلمة تصرخ في أذن الإنس والجن الفانين وتقول:
بُشراكم.. الموتُ ليس إعدامًا، ولا عبثًا ولا سدى ولا انقراضًا، ولا انطفاءً، ولا فراقًا أبديًا .. كلّا فالموت ليس عدمًا، ولا مصادفة، ولا انعدامًا ذاتيًّا بلا فاعل.. بل هو تسريحٌ من لدن فعال حكيم رحيم، وتبديلُ مكان، وتغييرُ مقام، وسَوقٌ نحو السعادة الخالدة.. حيث الوطنُ الأصلي.. أي هو بابُ وصالٍ لعالم البرزخ.. عالمٌ يجمع تسعةً وتسعين بالمائة من الأحباب.
الكلمة الثامنة: "وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ" أي أن الكمال والحُسن والإحسان الظاهر في الموجودات وسيلةً للمحبة، يتجلى بما لا يمكن وصفُه وبما لا يحدّه حدود وفوق الدرجات العلى من مالك الجمال والكمال والإحسان. فومضةٌ من تجليات جماله سبحانه تعادل جميعَ محبوبات الدنيا بأسرها.. هذا الإله المحبوبُ المعبود له حياةٌ أبدية دائمة منیزّهة عن كل شوائب الزوال وظلال الفناء، مبرأةٌ عن كل عوارض النقص والقصور.
إذن فهذه الكلمة تعلن للملأ جميعًا من الجن والإنس و أرباب المشاعر والفطنة وأهل العشق والمحبة وتقول:
إليكم البشرى.. إليكم نسمةُ أمل وخير، إن لكم محبوبًا أزليًا باقيًا، يداوي الجروح المتمخضة من لوعة الفراق الأبدي لمحبوباتكم الدنيوية ويمسّها ببلسمه الشافي بمَرهم رحمته. فما دام هو موجودًا، وما دام هو باقيًا فكلُّ شيء يهون.. فلا تقلقوا ولا تبتئسوا. فإن الحُسن والإحسان والكمال الذي جعلكم مشغوفين بأحبائكم ليس إلّا لمحةٌ من ظل ضعيف انشقّ عن ظلال الحُجب والأستار الكثيرة جدًّا لتجلٍ واحدٍ من تجليات جمال ذلك المحبوب الباقي. فلا يعذبنّكم زوالُ أولئك وفراقهم، لأنهم جميعًا ليسوا إلّا نوعًا من مرايا عاكسة. وتبديلُ المرايا وتغييرُها يجدّد ويجمّل انعكاسات تجلي الجمال وشعشعتِه الباهرة، فما دام هو موجودًا، فكل شيء موجود إذن.
— 279 —
الكلمة التاسعة: "بِيَدِهِ الْخَيْرُ" أي إنَّ الخير كلَّه بيده، وأعمالُكم الخيّرة كلها تسجّل في سجله، وما تقدموه من صالحات الأعمال جميعُها تدرَجُ عنده.
فهذه الكلمة تنادي الجن والإنس، وتزفّ لهم البشرى، وتهَب لهم الأمل والشوق فتقول: أيها المساكين! لا تقولوا عندما تغادرون الدنيا إلى المقبرة: "أواه.. وا أسفاه.. وا حسرتاه، لقد ذهبت أموالُنا هباءً، وضاع سعيُنا هدرًا، فدخلنا ضيقَ القبر بعد فسحة الدنيا!.." لا.. لا تصرخوا يائسين، لأن كل ما لديكم محفوظٌ عنده سبحانه، وكل ما قدمتموه من عمل وجهد قد سُجِّل ودُوِّنَ عنده، فلا شيء يضيع ولا جُهد يُنسى، لأن ذا الجلال الذي بيده الخير كلُّه سيثيبكم على أعمالكم، وسيدعوكم للمثول أمامه بعد أن يضعكم في التراب.. مثواكم المؤقت.
فما أسعدَكم أنتم إذن، وقد أتممتم خدماتِكم، وأنهيتُم وظائفَكم، برئت ساحتُكم.. وانتهت أيامُ المعاناة والأعباء الثقيلة. فأنتم ماضون الآن لقبض الأجور واستلام الأرباح.
أجل، إنَّ القادر الجليل الذي حافظ على البذور والنوى، التي هي صُحف أعمال الربيع الماضي ودفاترُ خدماته وحجرات وظائفه، ونشرها في هذا الربيع الزاهي وفي أبهى حُلّة، وفي غاية التألق، وفي أكثر بركة وغزارة، وفي أروع صورة... إنَّ هذا القدير الجليل لا ريب يحافظ أيضًا على نتائج حياتكم ومصائرِ أعمالكم، وسيجازيكم بها أحسنَ الجزاء وأجزل الثواب.
الكلمة العاشرة:
«وَهُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ» أي أنه واحدٌ أحدٌ. قادر على كل شيء، لا يشقّ عليه شيء، ولا يؤوده شيء، ولا يصعب عليه أمر، فخلقُ ربيع كامل -مثلًا- سهل ويسير عليه كخلق زهرة واحدة. وخلقُ الجنة عنده كخلق ذلك الربيع وبالسهولة واليسر الكاملين. فالمخلوقات غير المحدودة التي يوجِدها ويجدّدها كل يوم، كل سنة، كل عصر، لتشهد كلُّها بألسنة غير محدودة على قدرته غير المحدودة.
فهذه الكلمة أيضًا تمنح أملًا وبشرى وتقول:
أيها الإنسان! إنَّ أعمالك التي أديتَها، وعبوديتَك التي قمت بها، لا تذهب هباءً منثورًا،
— 280 —
فهناك دار جزاء خالدة، ومقامُ سعادة هانئة قد هيئ لك. فأمامَك جنة خالدة متلهفة لقدومك، مشتاقةٌ إليك. فثق بوعد خالقك ذي الجلال الذي تخرّ له ساجدًا عابدًا، وآمن به واطمئن إليه، فإنه محال أن يخلف وعدًا قطعَه على نفسه، إذ لا تشوب قدرتَه شائبةٌ أو نقص، ولا يداخل أعمالَه عجزٌ أو ضعف، فكما خلق لك حديقتَك الصغيرة ويحييها، فهو قادر على أن يخلق لك الجنة الواسعة، بل قد خلقها فعلًا، ووعدك بها. ولأنه وعدَ فسيفي بوعده حتمًا ويأخذك إلى تلك الجنة.
وما دمنا نرى أنه يحشر وينشر في كل عام على وجه البسيطة أكثر من ثلاثمائة ألف نوع من أنواع النباتات وأمم الحيوانات وبانتظام كامل وميزان دقيق، وفي سرعة فائقة وسهولة تامة.. فلابد أنَّ هذا القادر الجليل، قادر أيضًا على أنْ يضع وعده موضع التنفيذ.
وما دام القادر المطلق يوجِد في كل سنة آلاف النماذج للحشر والجنة وبمختلف الأنماط والأشكال.. وما دام أنه يبشّر بالجنة الموعودة، ويعِد بالسعادة الأبدية في جميع أوامره السماوية.. وما دامت جميعُ إجراءاته وشؤونه حقًا وحقيقة وصدقًا وصائبة.. وما دامت جميعُ آثاره تشهد على كماله المطلق وعلى أنه منزه عن كل نقص أو قصور.. وما دام نقضُ العهد وخلافُ الوعد والكذب والمماطلة هو من أقبح الصفات فضلًا عن أنه نقص وقصور.. فلا بد أنَّ ذلك القدير ذا الجلال، وذلك الحكيم ذا الكمال، وذلك الرحيم ذا الجمال سينفّذ وعدَه حتمًا مقضيًا، وسيفتح أبوابَ السعادة الأبدية، وسيدخلكم أيها المؤمنون الجنةَ.. موطنَ أبيكم آدم عليه السلام.
الكلمة الحادية عشرة:
«وَإِلَيْهِ الْمَصيرُ» أي أن الذين يُرسلون إلى دار الدنيا.. دار الامتحان والاختبار، للتجارة وإنجاز الوظائف، سيرجعون مرة أخرى إلى مرسِلهم الخالق ذي الجلال، بعد أن أدّوا وظائفَهم وأتمّوا تجارتهم وأنهَوا خدماتهم، وسيلاقون مولاهم الكريم الذي أرسلهم.. أي أنهم سيتشرفون بالمثول بين يدي ربّهم الرحيم، في مقعد صِدق عند مليكهم المقتدر، ليس بينهم وبينه حجاب. وقد خلَصوا من مخاض الأسباب وظلام الحجب والوسائط، وسيجد كلُّ واحد منهم ويعرف خالقَه وربه وسيده ومالكه.
— 281 —
فهذه الكلمة تشع أملًا وتتألق بشرى تفوق كل تلك الآمال والبشارات اللذيذة، وتقول: أيها الإنسان! هل تعلم إلى أين أنت سائر؟ وإلى أين أنت تُساق؟
فقد ذكر في ختام "الكلمة الثانية والثلاثين": أنَّ قضاء ألف سنة من حياة الدنيا وفي سعادة مرفّهة، لا يساوي ساعةً واحدة من حياة الجنة! وأن قضاء حياة ألف سنة وسنة بسرور كامل في نعيم الجنة لا يساوي ساعةً من فرحة رؤية جمال الجميل سبحانه. [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ٢٩٧؛ الترمذي، تفسير سورة ١٠؛ ابن ماجة، المقدمة ١٣.
فأنت إذن أيها الإنسان راجعٌ إلى ميدان رحمته، صائرٌ إلى أعتاب ديوان حضرته. فما الحُسن والجمال الذي تراه في أحبتك المجازيين، فتشتاق إليهم وتُفتَن بهم، بل ما الحسن والجمال في جميع موجودات الدنيا، إلّا نوعُ ظلٍ من تجلي جماله سبحانه وحُسن أسمائه جلّ وعلا. فالجنةُ بلطائفها ولذائذها وحورها وقصورها ما هي إلّا تجلٍ من تجليات رحمته سبحانه. وجميعُ أنواع الشوق والمحبة والانجذاب والجواذب ما هي إلّا لمعةٌ من محبة ذلك المعبود الباقي وذلك المحبوب القيوم! فأنتم ذاهبون إذن إلى دائرة حظوَته ومقام حضرته الجليلة.. وأنتم مدعوون إذن إلى دار ضيافته الأبدية.. إلى الجنة الخالدة.
فلا تحزنوا ولا تبكوا عند دخولكم القبر، بل استبشروا خيرًا واستقبلوه بابتسامة وفرح.
وتتابع هذه الكلمة وظيفتها في بث نور الأمل والبشرى وتقول:
أيها الإنسان! لا تتوهم أنك ماضٍ إلى الفناء، والعدم، والعبث، والظلمات، والنسيان، والتفسخ، والتحطم، والانهشام، والغرق في الكثرة والإنعدام. بل أنت ذاهب إلى البقاء لا إلى الفناء، وأنت مسوقٌ إلى الوجود الدائم لا إلى العدم، وأنت ماضٍ إلى عالم النور لا إلى الظلمات، وأنت سائر نحو مولاك ومالكك الحق، وأنت عائد إلى مقر سلطان الكون.. سلطان الوجود.. سترتاح وتنشرح في ميدان التوحيد دون الغرق في الكثرة أبدًا، فأنت متوجهٌ إلى اللقاء والوصال دون البعاد والفراق!.
— 282 —

المقام الثاني

(إشارة مختصرة إلى إثبات التوحيد، من حيث الاسم الأعظم)
الكلمة الأولى: (لا إله إلّا اللّٰه) تتضمن هذه الكلمة، توحيد الألوهية والمعبودية نشير إليه ببرهان قوي هو:
إنه يُشاهد على وجه هذا العالَم، ولاسيما على صحيفة الأرض فعاليةٌ منتظمة غاية الانتظام.. ونشاهد خلاقيةً حكيمة في غاية الحكمة.. ونشاهد بعين اليقين فتاحيةً في غاية النظام -أي إعطاء كلِّ شيء ما يلائمه من شكل وإلباسَه ما يلائمه من صورة- ونشاهد وهّابيّة وإحسانات في غاية الشفقة والكرم والرحمة.
فهذه الأوضاع وهذه الأحوال تُثبت بالضرورة وجوبَ وجود ربٍّ ذي جلال، فعّالٍ خلّاق فتّاح وهّاب، بل تُشعر بوحدانيته.
نعم، إنَّ زوالَ الموجودات دائمًا وتجدّدَها باستمرار يبينان أنَّ تلك الموجودات هي تجلياتُ أسماءٍ لصانع قدير.. وظلالُ أنوارِ أسمائه الحسنى.. وآثارُ أفعاله.. ونقوشُ قلم قدَره وصحائفُ قدرته.. ومرايا جمال كماله.
وإنَّ رب العالمين يبيّن هذه الحقيقة العظمى، وهذه المرتبة العليا للتوحيد بجميع كتبه وصُحفه المقدسة التي أنیزلها، كما أنَّ جميع أهلِ التحقيق العلماء والكاملين من البشر يثبتون مرتبةَ التوحيد نفسها بتحقيقاتهم العلمية وكشفياتهم.. وكذا الكونُ مع عجزه وفقره يشير إلى مرتبة التوحيد نفسها بما نال من معجزات الصنعة وخوارق القدرة وخزائن الثروة.
بمعنى أنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى، وهو الشاهد الأزلي، بجميع كتبه وصحفه، وأهلَ الشهود بجميع تحقيقاتهم وكشفياتهم، وعالمَ الشهادة بجميع شؤونه الحكيمة وأحواله المنتظمة، يتفقون بالإجماع على تلك المرتبة التوحيدية.
— 283 —
فمن لا يقبل بذلك الواحد الأحد جلّ وعلا إلهًا ومعبودًا، عليه أن يقبل ما لا نهاية له من الآلهة، أو أن ينكر نفسَه وينكر الكائنات قاطبة، كالسوفسطائي الأحمق.
الكلمة الثانية: (وحده) هذه الكلمة تبيّن مرتبة توحيدٍ صريحة. نشير إلى برهان في غاية القوة يثبت إثباتًا تامًا هذه المرتبة، وهو:
إننا كلما فتحنا أعيُننا وصوّبنا نظرَنا في وجه الكائنات، لفت نظرنا -أولَ ما يلفت- نظامٌ عام كامل، وميزانٌ دقيق شامل.. فكلُّ شيء في نظام دقيق، وكل شيء يوزن بميزان حساس، وكل شيء محسوبٌ حسابُه بدقة..
وإذا ما دققنا النظر، يلفت نظرنا تنظيم ووزان [٭]: وزان: موازنة، وازن موازنة وزانا. متجددان، أي أنَّ واحدًا أحدًا يغير ذلك النظام بانتظام ويجدّد ذلك الميزان بمقدار.. فيصبح كلُّ شيء نموذجًا "موديلًا" تُخلَع عليه صورٌ موزونة منتظمة كثيرة جدًّا..
وإذا ما أنعمنا النظر أكثر، نرى أن عدالة وحكمة تشاهَدان من تحت ذلك التنظيم والوِزان حتى إن كلَّ حركة ونأمة تعقبُها حكمةٌ ومصلحة ويردفُها حقٌّ وفائدة.
وإذا ما دققنا النظر بإنعام أكثر؛ تلفت نظرَ شعورنا، مظاهرُ قدرةٍ ضمن فعاليةٍ حكيمة في غاية الحكمة، وجلواتُ علمٍ محيط بكل شيء. بل محيط بكل شأن من شؤونه.. بمعنى أن هذا النظام والميزان الموجودَين في الموجودات كافة، يبيّنان تنظيمًا ووزانًا عامَّين شاملين لكل الموجودات. وأن ذلك التنظيم والوزان يظهران حكمةً وعدالة شاملتين، وأن تلك الحكمة والعدالة تبينان لأنظارنا قدرة وعلمًا. أي أن قديرًا على كل شيء وعليمًا بكل شيء يُرى للعقل من وراء تلك الحجب.
ثم ننظر إلى بداية كل شيء ونهايتِه، ولاسيما في ذوي الحياة، فنرى أن بداياتِها وأصولَها وجذورَها، وكذا ثمراتها ونتائجها على نمط وطراز بحيث كأن تلك النوى والأصول برامجُ وفهارسُ وتعاريفُ تتضمن جميعَ أجهزة ذلك الموجود، وكذا يتجمع في نتيجة ذلك الموجود وفي ثمرته، ويترشح فيها معنى ذلك الكائن الحي كله، فيودع فيها تاريخَ حياته. فكأن نواةَ
— 284 —
ذلك الكائن الحي التي هي أصلُه، سجلٌ صغير لدساتير إيجاده، أما ثمراتُه فهي في حُكم فهرس لأوامر إيجاده.
ثم ننظر إلى ظاهر ذلك الكائن الحي وباطنِه، فنشاهد؛ تدبيرًا وتصريفًا للأمور لقدرة في منتهى الحكمة، وتصويرًا وتنظيمًا لإرادة في منتهى النفوذ. أي أن قوة وقدرة توجِدان ذلك الشيء وأن أمرًا وإرادة تلبسانه الصورةَ.
وهكذا كلما دققنا النظرَ في أول كل موجود وبدايتِه رأينا ما يدل على علم عليم، وكلما دققنا النظر في آخره شاهدنا برامجَ صانع، وكلما دققنا في ظاهر الشيء رأينا حُلّة بديعة في غاية الإتقان لفاعل مختار مريد، وكلما نظرنا إلى باطن الشيء شاهدنا جهازًا في غاية الانتظام لصانع قدير.
فهذه الأوضاع والأحوال تعلن بالضرورة والبداهة؛ أنه لا يمكن أن يكون شيءٌ ولا وقتٌ ولا مكان خارجَ قبضة الصانع الجليل الواحد الأحد وخارجَ تدبيره وتصريفه الأمور. بل كلُّ شيء وكلُّ شأن من شؤونه يُدبّر في قبضة قدير مريد، ويُجمّل ويُنظم بلطف رحمن رحيم، ويُحسّن ويزيّن برحمة حنّان منّان.
نعم، إنَّ هذا النظام والميزان والتنظيم والوزان في موجودات هذا الكون كله يدل دلالة واضحة على واحدٍ أحدٍ فرد قدير مريد عليم حكيم، ويري مرتبةَ وحدانية عظمى لكل من كان مالكًا لشعور وبصر.
نعم، إنَّ في كل شيء توجد وحدة، والوحدةُ تدل على الواحد. فمثلًا: الشمس التي هي سراج الدنيا واحدةٌ، بمعنى أن مالك الدنيا واحدٌ. والهواء والنار والماء مثلًا -وهي الخدَمة لأحياء الأرض- واحدة، بمعنى أن من يستخدم هذه الأشياء ويسخّرها لنا واحد أيضًا.
الكلمة الثالثة: (لا شريك له) لقد أُثبتت هذه الكلمة في الموقف الأول من "الكلمة الثانية والثلاثين" إثباتًا واضحًا جليًا. لذا نحيل شرحها إلى هناك، إذ لا بيان يفوق بيانه، ولا داعي إلى بيان غيره إذ لا يوَضَّح مثلُه قط.
— 285 —
الكلمة الرابعة: (له الملك) أي أن السماوات والأرض والدنيا والآخرة وكل موجود، من الفرش إلى العرش، من الثرى إلى الثريا، من الذرات إلى السيارات، من الأزل إلى الأبد هو ملكه. فله سبحانه المرتبة العظمى للمالكية التي تتجلى في أعظم مرتبة للتوحيد.
ولقد أُلقيت إلى خاطر هذا العاجز خاطرة لطيفة في وقت لطيف بعبارات عربية أثبتُّها كما هي وأبينُها حُجةً كبرى لهذه المرتبة العظمى للمالكية والمقام الأعظم للتوحيد:
لَهُ الْمُلْكُ لِأَنَّ ذَاكَ الْعَالَمَ الْكَبيرَ كَهٰذَا الْعَالَمِ الصَّغير، مَصْنُوعُ قُدْرَتِه مَكْتُوبُ قَدَرِه. إِبْدَاعُهُ لِذَاكَ صَيَّرَهُ مَسْجِدًا. إيجَادُهُ لِهٰذَا صَيَّرَهُ سَاجِدًا. إِنْشَاؤُهُ لِذَاكَ صَيَّرَ ذَاكَ مِلْكًا. إيجَادُهُ لِهٰذَا صَيَّرَهُ مَمْلُوكًا. صَنْعَتُهُ في ذَاكَ تَظَاهَرَتْ كِتَابًا. صِبْغَتُهُ في هٰذَا تَزَاهَرَتْ خِطَابًا. قُدْرَتُهُ في ذَاكَ تُظْهِرُ حِشْمَتَهُ. رَحْمَتُهُ في هٰذَا تُنَظِّمُ نِعْمَتَهُ. حِشْمَتُهُ في ذَاكَ تَشْهَدُ هُوَ الْوَاحِدُ. نِعْمَتُهُ في هٰذَا تُعْلِنُ هُوَ الْأَحَدُ. سِكَّتُهُ في ذَاكَ فِي الْكُلِّ وَالْأَجْزَاءِ. خَاتَمُهُ في هٰذَا فِي الْجِسْمِ وَالْأَعْضَاءِ.
الفقرة الأولى: "ذاك العالم الكبير... إلخ". إنَّ العالمَ الأكبرَ أي الكون كله، والإنسانَ وهو العالم الأصغر ومثاله المصغر، يُظهران معًا دلائل الوحدانية المسطّرة في الآفاق والأنفس بقلم القدرة والقدر.
نعم، إنَّ في الإنسان النموذج المصغر للصنعة المنتظمة المتقنة الموجودة في الكون، وإذ تشهد الصنعة التي في تلك الدائرة الكبرى على الصانع الواحد، تشير الصنعة الدقيقة المجهرية الموجودة في الإنسان إلى ذلك الصانع أيضًا وتدل على وحدته، وكما أن هذا الإنسان مكتوبٌ رباني ذو مغزى عميق، وقصيدةٌ منظومة للقدر الإلهي، كذلك الكائنات قصيدة قدَرية منظومة دُبجت بذلك القلم نفسه، وبمقياس مكبر. فهل يمكن لغير الواحد الأحد أن يتدخل في سكة التوحيد المضروبة على وجه الإنسان والمتوجهة بالعلامات الفارقة إلى ما لا يحد من الناس، أو أن يتدخل في ختم الوحدانية المضروب على الكائنات الجاعل موجوداتِها كلَّها متعاونةً متكاتفة؟.
— 286 —
الفقرة الثانية: "إبداعه لذاك... إلخ". إنَّ الصانع الحكيم قد خلق العالم الأكبر خلقًا بديعًا ونقش آيات كبريائه عليه، بحيث جعل الكون على صورة مسجد كبير. وأنشأ سبحانه هذا الإنسان في أحسن تقويم، واهبًا له العقل، بحيث جعله يسجد سجدةَ إعجاب أمام معجزات صنعته وبديع قدرته. واستقرأه آياتِ كبريائه، حتى صيّره عبدًا ساجدًا في ذلك المسجد الكبير بما غرز في فطرته من العبودية والخضوع له. فهل من الممكن أن يكون المعبود الحقيقي للساجدين العابدين في هذا المسجد الكبير غيرَ الصانع الواحد الأحد؟.
الفقرة الثالثة: "إنشاؤه لذاك... إلخ". إنَّ مالك الملك ذا الجلال قد أنشأ العالم الأكبر، ولاسيما وجهَ الأرض، إنشاءً كأنها دوائرُ متداخلة لا تعد ولا تحصى، كلُّ دائرة بمثابة مزرعة أو حقل يزرع فيها، كلَّ وقت وكل موسم وكل عصر، ويحصد ويحصّل على المحاصيل، وهكذا يُشغل مُلكَه باستمرار ويتصرف في أموره كل حين. حتى إنه جعل أعظم دائرة من تلك الدوائر وهي دائرة الذرات في الكون مزرعةً واسعة يزرع فيها ويحصل منها بقدرته وحكمته محاصيلَ بقدر الكون، ويرسل تلك المحاصيل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن دائرة القدرة إلى دائرة العلم.
وجعل سبحانه سطح الأرض الذي هو دائرة متوسطة بمثابة مزرعة كذلك، بحيث يزرع فيها كلَّ موسم وباستمرار عوالمَ وأنواعًا شتى ويحصدها ويحصّل منها محاصيلها كلَّ فصل وموسم محاصيل معنوية يبعثها أيضًا إلى عوالمه الغيبية والأخروية والمثالية والمعنوية..
ثم إنه سبحانه يملأ بستانًا في الأرض -وهو دائرة صغيرة- يملأه مرات ومرات بل ألف مرة بقدرته ويفرغه بحكمته.
ثم إنه سبحانه يحصل من الكائن الحي الذي هو دائرة أصغر -كالشجرة والإنسان- يحصل منه مائة ضعف وضعف من المحاصيل.
بمعنى أن ذلك المالك الملك ذا الجلال قد أنشأ كلَّ شيء -جزئيّه وكليّه، صغيرَه وكبيره- بمثابة "موديل" يُلبسه مئات منسوجات صنائعه المنقشة بنقوش متجددة بمئات الأشكال والأنماط. مُظهِرًا به تجليات أسمائه الحسنى ومعجزات قدرته. وأنشأ كلَّ شيء في
— 287 —
مُلكه بمثابة صحيفة يكتب فيها كتاباته البليغة بمئات الأشكال والوجوه، مُظهرًا بها آياتِه الحكيمة ويستقرئها أهلَ الشعور من مخلوقاته.
وكما أنه قد أنشأ هذا العالم الأكبر مُلكًا له، كذلك خلق هذا الإنسان مملوكًا له ومنحه من الأجهزة والجوارح والحواس والمشاعر، ولاسيما النفس الأمارة والهوى والحاجة والشهية والحرص والطلب، بحيث جعله في ذلك الملك الواسع مملوكًا وعابدًا محتاجًا إلى جميع ملكه. فهل من الممكن أن يتصرف في ذلك المُلك، ويكون سيدًا على ذلك المملوك، سوى ذلك المالك للملك الذي جعل الموجودات كلَّها بدءًا من عالم الذرات ذلك العالم الواسع جدًّا إلى ذبابة ملكًا ومَزارِعَ، وجعل الإنسان الصغير ناظرًا على ذلك الملك الواسع العظيم ومفتشًا فيه ومزارعًا وتاجرًا ودلالًا وعابدًا ومملوكًا واتخذه ضيفًا عزيزًا عليه ومخاطبًا محبوبًا؟
الفقرة الرابعة: "صنعته في ذاك... إلخ". إنَّ صنعة الصانع الجليل في العالم الأكبر تحمل من المعاني الغزيرة ما تَظهر هذه الصنعة في صورة كتاب وتجعل الكون ككتاب كبير مما دفع عقلَ الإنسان إلى استلهام حكمة العلوم الحقيقية منه، ويكتب مكتبتها على وفقه. فذلك الكتاب البديع الحكيم موثوق الصلة بالحقيقة، ومستمدٌ منها إلى حدّ أُعلن عنه في صورة قرآن حكيم والذي هو نسخةٌ من الكتاب المبين.
ومثلما اتخذت صنعتُه سبحانه في الكون كله صورةَ كتاب بليغ، لكمال انتظامها، كذلك تفتحت صبغتُه ونقشُ حكمته في الإنسان عن زهرةِ خطاب.. أي أن تلك الصنعة البديعة ذاتُ مغازٍ دقيقة وجميلة بحيث أنطقت ما في تلك الماكنة الحية من أجهزة.. وأن ما صبغ بها من صبغة ربانية جعلتها في أحسن تقويم حتى تفتّحت عن زهرة البيان والخطاب، تلك الزهرة الحيوية المعنوية الغيبية في ذلك الرأس المادي الجامد.. فمنح سبحانه وتعالى رأس الإنسان من قابلية النطق والبيان حتى انكشف ما فيه من أجهزة سامية معنوية عن مراتبَ كثيرةٍ وكثيرة جدًّا أهّلته لموضع خطاب السلطان الأزلي الجليل، مما نال رقيًا ورفعةً وسموًا.
أي أنَّ الصبغة الربانية التي في فطرة الإنسان قد فتّحت زهرةَ الخطاب الإلهي.
فهل من الممكن أنْ يتدخل غيرُ الواحد الأحد في الصنعة التي بلغت حدّ الإتقان
— 288 —
والانتظام في الموجودات كلها حتى كأنها كتاب؟ وهل من الممكن أن يتدخل غيرُه سبحانه في الصبغة التي في فطرة الإنسان التي ارتقت به إلى مقام الخطاب؟! حاشَ للّٰه.. وكلا.
الفقرة الخامسة: "قدرته في ذاك... إلخ". إنَّ القدرة الإلهية تُظهر عظمةَ الربوبية في العالم الأكبر، أما الرحمةُ الربانية فإنها تنظّم النِعم في الإنسان، العالم الأصغر. أي أن قدرة الصانع -من حيث الكبرياء والجلال- أوجدت العالم كلَّه كأنه قصر عظيم، وجعلت الشمسَ فيه سراجًا وهاجًا، والقمرَ قنديلًا، والنجومَ مصابيح، وجعلت سطحَ الأرض سُفرة مبسوطة للطعام، ومزرعة جميلة، وبستانًا زاهيًا، وجعلت الجبال مخازن ومستودعات، وأوتادًا للتثبيت، وقلاعًا عظيمة.. وهكذا جعلت جميعَ الأشياء لوازم وأثاثًا لذلك القصر المنيف، بمقياس مكبر.. وأظهرت عظمةَ ربوبيته سبحانه مثلما أسبغت رحمتُه سبحانه -من حيث الجمال- صنوفَ نعمِه على كل كائن حي، حتى على أصغره، ونظّمت عليه، فجمّلت الكائنات طرًا بالنِعم وزيّنتها باللطف والكرم، دافعة هذه الألسنة الصغيرة الناطقة بجمال الرحمة أن تقابل تلك الألسنة العظيمة الناطقة بجلال العظمة. أي أن الأجرام الكبيرة، كالشمس والعرش حينما تنطق بلسان العظمة: "يا جليل.. يا كبير.. يا عظيم" تقابلها ألسنةُ الرحمة في البعوض و السمك والحيوانات الصغيرة بی"يا جميل.. يا رحيم.. يا كريم".. مكونة بذلك نغماتٍ منسجمة في موسيقى كبرى، تزيدها حلاوةً ولذة.
فهل من الممكن أن يتدخل غيرُ ذلك الجليل ذي الجمال، الجميل ذي الجلال في هذا العالم الأكبر والأصغر، من حيث الخلق والإيجاد؟ حاشَ للّٰه... وكلا.
الفقرة السادسة: "حشمَته في ذاك... إلخ". إنَّ عظمة الربوبية الظاهرة في مجموع الكون، تثبت الوحدانية الإلهية وتدل عليها، كما أن النعمة الربانية التي تعطي الأرزاق المقننة حتى لجزئيات ذوي الحياة، تثبت الأحدية الإلهية وتدل عليها.
أما الواحدية فتعني أن جميع تلك الموجودات ملكٌ لمالك واحدٍ وتعود إلى واحدٍ وهي إيجاد موجد واحدٍ.
— 289 —
أما الأحدية فهي أن أكثر أسماء خالق كل شيء يتجلى في كل شيء.
فمثلا: إن ضوء الشمس -بصفة إحاطته بسطح الأرض كافة- يبين مثال الواحدية، وأنَّ وجود ضوء الشمس وألوانه السبعة وحرارتها، وظلًا من ظلالها في كل جزء شفاف وفي كل قطرة ماء يبين مثال الأحدية. وكذا فإن تجلي أكثر أسماء ذلك الصانع في كل شيء، ولاسيما في كل كائن حي، وبخاصة في كل إنسان يبين مثال الأحدية.
وهكذا فإن هذه الفقرة تشير إلى عظمة الربوبية التي تصرّف الأمور في العالم والتي جعلت تلك الشمس العظيمة سراجًا وهّاجًا وخادمةً لأحياء الأرض. والكرة الأرضية الضخمة مهدًا للأحياء ومنیزلًا، ومتجرًا لها. وجعلت النار طباخة وصديقة مستعدة للقيام بالعمل في كل مكان، والسحاب مصفاة للهواء ومرضعة للأحياء، والجبال مخازن ومستودعات والهواء مروّحًا للأنفس والنفوس، والماء مبعثًا للحياة وكالأم الرَؤوم للأحياء الجدد. فهذه الربوبية الإلهية تبين الوحدانية الإلهية بوضوح تام.
نعم، من ذا الذي يجعل الشمس مسخرةً لسكنة الأرض غيرُ الخالق الواحد؟ ومن ذا غير ذلك الواحد الأحد يمسك الهواء ويسخره في وظائف جليلة وعلى سطح الأرض كافة؟ ومن غيرُ ذلك الواحد الأحد يقدر على استخدام النار طباخة للأحياء ويجعلها تلتهم أشياء أكبر من حجمها بآلاف المرات؟ وهكذا.. فكل شيء وكل عنصر وكل جرم سماوي يدل على الواحد ذي الجلال من حيث تلك الربوبية المهيبة.
فكما تظهر الواحديةُ من حيث الجلال والعظمة، تعلن النعمةُ والإحسان الأحديةَ الإلهية من حيث الجمال والرحمة، لأن الأحياء ولاسيما الإنسان من حيث الصنعة الجامعة المتقنة، يملك من الأجهزة والجوارح بحيث تعرف أنواعَ النعم التي لا تعد ولا تحصى، وتتقبلها وتطلبها. حتى حظي الإنسان بتجليات أسماء اللّٰه الحسنى كلها كما تتجلى في الكون كله، وكأنه بؤرة تُظهر جميع الأسماء الحسنى دفعة واحدة في مرآة ماهيته، فيعلن بذلك الأحدية الإلهية.
الفقرة السابعة: "سكّته في ذاك... إلخ". أي كما أن للصانع الجليل سكةً كبرى وعلامة عظمى على العالم الأكبر كله، كذلك وضع سكةَ وحدانيته وعلامتها على كل جزء من أجزاء الكون وعلى كل نوع من أنواعه أيضًا..
— 290 —
وكما أنه وضع ختم الوحدانية على وجه الإنسان -وهو العالم الأصغر- وعلى جسمه كذلك، وضع الختم نفسه على كل عضو من أعضائه.
نعم، إنَّ ذلك القدير ذا الجلال، وضع آية توحيد جلية على كل شيء، على الكلّي والجزئي، فالنجوم والذرات، تشهد عليه. ووضع ختم الوحدانية على كل شيء ليدل عليه.
وحيث إنَّ هذه الحقيقة العظيمة قد أثبتت إثباتًا قاطعًا في "الكلمة الثانية والعشرين" و"الكلمة الثانية والثلاثين" و"المكتوب الثالث والثلاثين"، نحيل البحث إلى تلك الكلمات ونختمه هنا.
الكلمة الخامسة: (له الحمد) أي أنَّ الكمالات التي هي سببُ المدح والثناء، في الموجودات كافة، تخصّه وحدَه سبحانه. ولهذا فالحمد أيضًا له وحده، فكلُّ ما صدر وما يصدر من مدح وثناء من الأزل إلى الأبد، وممن صدر وعلى مَن وقع، يخصُّه وحده. لأنَّ كل ما هو سببُ المدح والثناء من كمال وجمال ومن نعم وآلاء وكل ما هو مدار الحمد، هو للّٰه تعالى، يخصّه وحده.
نعم، إنَّ ما يصعد إليه سبحانه دومًا من الموجودات جميعًا عبوديةٌ وتسبيح وسجود ودعاء وحمدٌ وثناء، تصعد كلُّها إلى تلك الحضرة المقدسة باستمرار. كما يُفهم من الإشارات القرآنية. نشير إلى برهان عظيم يثبت هذه الحقيقة التوحيدية:
عندما ننظر إلى العالم نشاهده كبستان عظيم، سقفُه مرصّع بالنجوم، وأرضُه زُيّنت بموجودات جميلة زاهية.. فهذه الأجرام العلوية النورانية المنتظمة، والموجودات الأرضية الحكيمة المزينة، في هذا البستان العظيم، كلٌّ منها يقول بلسانه الخاص، وجميعُها تقول معًا:
نحن معجزاتُ قدرة قدير جليل، نشهد على وحدانية خالق حكيم وصانع قدير.
وفي رياض العالم هذا ننظر إلى الأرض نرى أنها كروضة نثرت فيها مئات الآلاف من طوائف النباتات ذات الألوان الزاهية والأشكال الجميلة، وانتشرت فيها مئات الآلاف من أنواع الحيوانات المتنوعة. فجميع تلك النباتات الزاهية والحيوانات المزينة في روضة الأرض، تعلن بصورها المنتظمة وبأشكالها الموزونة:
— 291 —
نحن معجزاتُ صانع واحد حكيم وخوارقه وأدلّاء على وحدانيته وشهداء عليها.
وكذا ننظر إلى قمم الأشجار في تلك الروضة البهية نرى أن ثمارَها وأزاهيرها مخلوقةٌ بمنتهى العلم والحكمة وبغاية الكرم واللطف والجمال.. فكل تلك الثمرات والأزاهير الجميلة تعلن بأشكالها وألوانها المتنوعة، بلسان واحد:
نحن معجزاتُ هدايا رحمن ذي جمال، وخوارقُ عطايا رحيم ذي كمال.
فما في بستان العالم من أجرام وموجودات وما في روضة الأرض من نباتات وحيوانات، وما على قمم الأشجار من أزاهير وثمرات يشهد، بل يُعلن بصوت عالٍ رفيع:
إنَّ خالقنا ومصوّرَنا -الذي أهدانا إليكم- القادر ذا الجمال والحكيم الكريم، قدير على كل شيء، لا يصعب عليه شيء، لا يخرج عن دائرة قدرته شيء قط. فالنجومُ والذرات سواء بالنسبة إلى قدرته، والكلّي سهلٌ عليه كالجزئي، والجزءُ نفيسٌ كالكل، وأكبرُ شيء يسيرٌ عليه كأصغره، والصغيرُ متقن الصنع كالكبير، وربما الصغير أبدعُ إتقانًا من الكبير. فجميعُ الوقوعات الماضية التي هي عجائبُ قدرته، تشهد أنَّ ذلك القدير المطلق قادرٌ على عجائب الإمكانات التي ستحدث في المستقبل. فكما أنَّ الذي أتى بالأمس قادرٌ على إتيان الغد، فإن ذلك القدير الذي أنشأ الماضي قادرٌ على إيجاد المستقبل أيضًا، وذلك الصانع الحكيم الذي خلق الدنيا قادرٌ على خلق الآخرة.
نعم؛ كما أنَّ ذلك القادرَ الجليل هو المعبودُ الحق، فالمحمود بالحق أيضًا إنما هو وحدَه. وكما أنَّ العبادةَ خاصةٌ به وحده، فالحمد والثناء أيضًا يخصّانه سبحانه.
فهل من الممكن أن الصانع الحكيم الذي خلق السماوات والأرض يترك هذا الإنسان سدًى، وهو الذي خلقه أعظم نتيجة للسماوات والأرض وأكمل ثمرات العالم؟ وهل يمكن أن يحيله إلى الأسباب والمصادفات، فيقلبَ حكمتَه الباهرة عبثًا؟ حاشَ للّٰه.. وكلا..
وهل يعقل أنَّ الحكيم العليم الذي يرعى الشجرةَ، ويدبّر أمورَها بعناية ويربّيها في منتهى الحكمة أنْ يهمل ثمرات تلك الشجرة التي هي غايتُها وفائدتها ولا يهتمّ بها، فتتشتت وتتفرق في أيدي السراق وأيدي العبث، وتضيع؟ لاشك أن عدم الاهتمام هذا محال قطعًا، إذ الاهتمام بالشجرة إنما هو لأجل ثمراتها.
— 292 —
وهكذا فإن أكملَ ثمراتِ هذا العالم ونتيجتَه ذات الشعور وغايتَه هو الإنسان، فهل يمكن أن يعطي صانعُ هذا العالم الحكيم، الحمدَ والعبادة والشكر والمحبة التي هي ثمرةُ الثمار ذات الشعور إلى غيره تعالى.. فيضيّع حكمتَه الباهرة ويُنیزلها إلى دركة العدم.. أو يقلبَ قدرتَه المطلقة إلى عجز.. أو يحوّل علمَه المحيط إلى جهل؟ حاشَ للّٰه وكلا.. ألف ألف مرة!
فهل من الممكن أن يصلَ الشكر والعبادة التي يقدّمها ذوو الشعور الذين هم مدارُ المقاصد الإلهية في بناء قصر الكون ولاسيما الإنسان الذي هو أفضلُهم إزاء النعم التي نالوها، إلى غير صانع قصر الكون وأن يسمح ذلك الصانع الجليل أن يقدم الشكر والعبادة وهي غايةُ المقاصد، إلى غيره تعالى؟
وهل من الممكن أن مَن يُحبّبُ نفسَه إلى ذوي الشعور بأنواع نِعَمه التي لا تُعد ولا تحصى، ويعرّف نفسه إليهم بما لا يُحد من معجزات صنعته ثم يدَع شكرهم وعباداتهم وحمدهم ومحبتهم ومعرفتهم ورضاهم إلى الأسباب والطبيعة، ولا يهتم بها فيدفعهم إلى إنكار حكمته المطلقة ويهوّن من شأن سلطان ربوبيته وينیزلها إلى دركة العدم؟ كلّا حاش للّٰه مائة ألف مرة.
وهل يمكن أن يكون شريكًا مَن يعجز عن خلق الربيع وعن إيجاد الثمرات كلِّها وعن خلق ثمرة التفاح -المتحدة في العلامات- على الأرض كافة..في الحمد مع المحمود المطلق سبحانه بأن يخلق تفاحة واحدة منها ويقدمها نعمةً إلى أحدهم، ويحصل على شكره؟ حاشَ للّٰه وكلا.. لأن الذي يخلق التفاحة الواحدة هو خالقُ ثمرة التفاح في العالم كله. إذ السكةُ واحدة والعلامةُ واحدة. ثم إنَّ الذي خلق التفاح كله في العالم هو الذي أوجد الحبوب والثمرات التي هي محور الرزق. بمعنى أن من يُنعم بأصغرِ نعمة جزئية على أصغر كائن حي جزئي، هو خالق العالم، وهو الرزاق الجليل لا غيرُه، لذا فالحمد والشكر يخصانه وحده. وأن حقيقة العالم تقول دائمًا بلسان الحق: له الحمد من كل أحد من الأزل إلى الأبد.
الكلمة السادسة: (يحيي) أي أنه هو الذي يهب الحياة، فهو إذن وحده خالق كل شيء، لأن الحياة هي روحُ الكون ونوره وخميرته ونتيجتُه وخلاصته. فمن وهب الحياة وأعطاها فهو خالق الكون جميعًا، وهو المحيي الحي القيوم. نشير إلى برهان عظيم لمرتبة التوحيد هذه بالآتي:
— 293 —
إننا نشاهد خيَمًا منصوبة على أرجاء الأرض كافة لجيش ذوي الحياة العظيم. نعم، نشاهد أن جيشًا حديثًا من جيوش لا تعد ولا تحصى للحي القيوم يأتي من عالم الغيب ويتسلم أعتدته وتجهيزاته كل ربيع.
فإذ نحن نتأمل هذا الجيش الضخم نرى أن طوائف النباتات تربو على مائتي ألف نوع، وأممَ الحيوانات تنوف على مائة ألف نوع من الأنواع المختلفة. كلُّ أمة من هذه الأمم، وكل طائفة منها تلبس ملابس خاصة بها، ولها أرزاقُها المعينة، ولها تدريبات وتعليمات مخصوصة، ولها رُخص تخصها، ومزودة بأسلحة وأعتدة تلائمها، ومدة خدماتها العسكرية معينة. ولكن مع كل هذا الاختلاف والتباين فإن قائدًا أعظم بقدرته المطلقة وحكمته المطلقة وعلمه غير المحدود وإرادته غير المحدودة ورحمته الواسعة وخزينته التي لا تنضب، لا ينسى جنديًا قط، ولا يلتبس عليه شيءٌ من أمرهم ولا يؤخر عنهم أي شيء يحتاجونه، بل كل طائفة من الطوائف والأمم التي تزيد على ثلاثمائة ألف من الطوائف والأمم تُرسل إليها أرزاقُها المتباينة وملابسُها المختلفة وأسلحتُها المتغايرة، وتُدرّب تدريبات متنوعة وتُسرح من وظائفها في أوقات متخالفة، كل ذلك في انتظام كامل وبميزان تام وفي الوقت المناسب. يشاهد هذا كلُّ ذي عين باصرة، ويدركه كل ذي قلب شهيد إدراكًا بعين اليقين، كما أثبتنا ذلك في كلمة أخرى. فهل من الممكن أن يتدخل ويكون له حصةٌ في هذا الإحياء والإدارة، وهذه التربية والإعاشة سوى صاحبِ علم محيط يحيط بكل ما يخص ذلك الجيش وبشؤونه كافة، وصاحبِ قدرة مطلقة تدير أُموره بجميع لوازمه؟ حاشَ للّٰه ألف ألف مرة.
إذ من المعلوم؛ أنه إذا وُجد في فوج واحد عشرُ أمم مختلفة، فإن تجهيز كل أمة بأعتدة مميزة، عسيرٌ بعشرة أضعاف تجهيز الفوج كله بالأعتدة نفسها. ومن هنا يلجأ الإنسان العاجز إلى تجهيزهم بالملابس والأعتدة الموحدة. بينما الحيُّ القيوم سبحانه يجهّز هذا الجيش العظيم الذي تربو طوائفُه وأممُه على ثلاثمائة ألف طائفة بتجهيزات حياتية متباينة الواحدة عن الأخرى، وبكل سهولة ويسر، وبغير عناء، وبانتظام كامل، وفي منتهى الحكمة. حتى يسوق كلَّ فرد من أفراد ذلك الجيش للقول بلسان حاله: "هو الذي يحيي" بل يجعل تلك الجماعة العظمى تتلو في مسجد الكون العظيم:
— 294 —
اللّٰه لا إله الّا هوَ الحيُّ القيّوم لاتَأخُذهُ سِنةٌ ولانومٌ لهُ ما في السّموات وما في الارضِ مَن ذا الذي يَشفَعُ عندهُ إلّا بإذنِهِ يعلمُ ما بينَ ايديهم وما خَلفَهُم ولايُحيطونَ بشَيءٍ من علمهِ الّا بما شاءَ وسِعَ كُرسيُّهُ السّمواتِ والارض ولايَؤدُهُ حفظُهُما وهو العَليُّ العظيم
(البقرة: ٢٥٥).
الكلمة السابعة: (ويميت) أي أنه هو الذي يهَب الموت، أي كما أنه واهب الحياة، فهو الذي يسلبها ويمنح الموت كذلك.
نعم؛ الموت ليس تخريبًا وانطفاءً كي يُسند إلى الأسباب، ويُحال على الطبيعة، بل الموت مهما يبدو ظاهرًا انحلالا وانطفاءً إلّا أنه في الحقيقة مبدأ ومقدمةٌ لحياة باقية للإنسان وعنوان لتلك الحياة، مثلما تضمر البذرةُ تحت الأرض وتموت ظاهرًا إلّا أنها تمضي باطنًا من حياة البذرة الجزئية إلى حياة السنبل الكلية.
لذا فإن القدير المطلق الذي يهب الحياة ويديرها هو الذي يخلق الموت بلا ريب.
نشير إلى برهان عظيم لمرتبة التوحيد العظمى التي تتضمنها هذه الكلمة فنقول:
لقد بينا في النافذة الرابعة والعشرين من "المكتوب الثالث والثلاثين":
إنَّ هذه الموجودات سيالةٌ بالإرادة الإلهية.. وإنَّ هذه الكائنات سيارةٌ بالأمر الرباني.. وإنَّ هذه المخلوقات تجري باستمرار في نهر الزمان بإذن اللّٰه، وتُرسَل من عالم الغيب ويُخلع عليها الوجودُ الظاهري في عالم الشهادة، ثم تنیزل بانتظام على عالم الغيب. فتأتي دومًا من المستقبل بالأمر الإلهي وتمر على الحال الحاضرة وتتنفس فيها ثم تصب في الماضي.. فسيلانُ هذه المخلوقات في دائرة الرحمة والإحسان يتم بأسلوب في منتهى الحكمة، وسريانُها ضمن دائرة الحكمة والانتظام يكون في غاية العلم.. وجريانها ضمن دائرة الشفقة والميزان يكون في رحمة واسعة.
وهكذا تمضي هذه المخلوقات منذ البدء إلى النهاية وتكلل بالحِكَم والمصالح والنتائج والغايات الجليلة.
— 295 —
بمعنى أن قديرًا ذا جلال وحكيمًا ذا كمال يمنح الحياة باستمرار بقدرته المطلقة ويوظّف طوائف الموجودات، وجزئيات كل طائفةٍ، والعوالم المتشكلة من تلك الطوائف.. ثم يسرّحها بحكمة، مُظهرًا عليها الموت ويرسلها إلى عالم الغيب. أي أنه يحوّلها من دائرة القدرة إلى دائرة العلم.
فمن لا يقدر على إدارة الكون برمّته، ولا ينفذ حكمُه في الأزمان كلها، ولا تبلغ قدرتُه لتمنح العوالم كلها الموت والحياة -كما يمنحها فردًا واحدًا- ويعجز عن أن يجعل الربيع كالزهرة الواحدة، يمنحها الحياة، ويضعها على وجه الأرض، ثم يقطفها بالموت.. إن الذي لا يقدر على هذه الأمور لا يقدر على الإماتة والإحياء قطعًا.
نعم إن موت أي كائن حي - مهما كان جزئيا - لابد أن يكون كحياته بقانون من بيده جميع حقائق الحياة وأنواع الموت، وبإذنه وأمره وقوته وعلمه.
الكلمة الثامنة: (وهو حي لا يموت) أي أنَّ حياته دائمة، أزلية أبدية. لا يعرض عليها الموتُ والفناء والعدم والزوال قطعًا. لأنَّ الحياة ذاتيةٌ له، فالذاتي لا يزول قط.
نعم، إنَّ الأزلي أبدي بلا شك، والقديمَ باقٍ بلا ريب، والذي هو واجب الوجود، سرمدي البتة.
نعم، إنَّ حياةً.. يكون جميعُ الوجود بجميع أنواره ظلًا من ظلالها، كيف يعرض عليها العدمُ!
— 295 —
ودُ الواجب عنوانَها ولازمَها، لن يعرِض لها العدم والفناء قطعًا.
نعم، إنَّ حياةً.. يظهر بتجليها جميعُ أنواع الحياة باستمرار، ويستند إليها جميعُ الحقائق الثابتة للكائنات بل هي قائمةٌ بها، لن يعرِض لها الفناءُ والزوال قطعًا.
نعم، إنَّ حياةً.. تُورِث لمعةٌ من تجلٍ منها وحدةً للأشياء الكثيرة المعرَّضة للفناء والزوال وتجعلها باقيةً وتُنجيها من التشتت والتبعثر وتحفظ وجودَها وتجعلها مُظهرًا لنوع من البقاء
— 296 —
-أي تمنح الكثرةَ وحدةً وتُبقيها، فإذا ولّت تبعثرت الأشياءُ وفَنِيَت- لاشك إن الزوال والفناء لا يدنُوان من هذه الحياة الواجبة التي تُعد هذه اللمعات الحياتية جلوةً من جلواته.
والشاهد القاطع لهذه الحقيقة هو زوالُ هذه الكائنات وفناؤها، أي أن الكائنات كما تدل وتشهد بوجودها و حياتها على حياة ذلك الحي الذي لا يموت وعلى وجوب وجود تلك الحياة
(٭): إن انتقال سيدنا إبراهيم عليه السلام في أثناء محاججته نمرود في الإماتة والإحياء، إلى إتيان اللّٰه سبحانه بالشمس من المشرق وتعجيز نمرود بإتيانها من المغرب، هو انتقال وترقٍ من إماتة وإحياءٍ جزئيين إلى إماتة وإحياء كليين، أي انتقال إلى أوسع دائرة من دوائر ذلك الدليل وأسطعها، وليس هو صعود إلى دليل ظاهر وترك الدليل الخفي، كما يقوله بعض المفسرين.. (المؤلف).
تدل وتشهد بموتِها وزوالها على بقاء تلك الحياة وعلى سرمديتها؛ لأنَّ الموجودات بعد زوالها تأتي عَقِبَها أمثالُها فتنال الحياةَ مثلَها وتحلّ محلها، مما يدل على أن حيًا دائمًا موجودٌ، وهو الذي يجدّد باستمرار تجلي الحياة؛ إذ كما أن الحباب التي تعلو سطحَ النهر وتقابل الشمس تتلمع ثم تذهب، والتي تعقبها تتلمع أيضًا مثلها، وهكذا.. طائفة إثر طائفة، كلٌ منها تتلمع، ثم تنطفئ وتذهب إلى شأنها.. فهذا التعاقب في الالتماع والانطفاء يدل على شمس دائمة عالية.. كذلك يشهد تبدلُ الحياة والموت ومناوبتِهما في هذه الموجودات السيارة على بقاء حيّ باقٍ وعلى دوامه.
نعم، إنَّ هذه الموجودات مرايا، ولكن مثلما الظلامُ يكون مرآة للنور بحيث كلما اشتد الظلام ازداد سطوعُ النور، فالموجودات أيضًا من حيث الضدية ومن جهات كثيرة جدًّا تقوم مقام المرايا.
فمثلًا: إنَّ الموجودات تؤدي وظيفة المرآة بإظهار قدرة الصانع بعَجزها، وبيان غناه سبحانه بفقرِها، كذلك تدل بفنائِها على بقائه سبحانه.
نعم، إنَّ لباسَ الجوع وجلباب الفقر الذي يلبسه سطحُ الأرض وما عليه من أشجار في موسم الشتاء، وتبدُّل تلك الملابس بحُلل الربيع الزاهية الطافحة بالغنى والثروات، دليل على قدير مطلق القدرة وعلى غني مطلق الغنى، وعلى أن الموجودات مرآة صافية لإظهار قدرته ورحمته سبحانه.
نعم، لكأن جميعَ الموجودات تقول بلسان حالها وتناجي ربَّها بمناجاة "أويس القرني" وتقول:
— 297 —
"يا إلهنا..
أنت ربُّنا، إذ نحن العبيد العاجزون عن تربية أنفسنا، فأنت الذي تربينا.
وأنت الخالق، إذ نحن مخلوقون، مصنوعون.
وأنت الرزاق، إذ نحن المحتاجون إلى الرزق، أيدينا قاصرةٌ فأنت الذي تخلقنا وترزقنا.
وأنت المالك، إذ نحن مملوكون، يتصرف في أمورنا غيرُنا فأنت مالكنا.
وأنت العزيز العظيم، إذ نحن الأذلاء، لبسنا ثوبَ الذل ولكن علينا جلواتُ عزٍّ، فنحن مرايا عزّتك.
وأنت الغني المطلق، إذ نحن الفقراء يُسلَّم إلى يد فَقرنا غنى
يصل إلى ما لا نقدر عليه، فأنت الغني وأنت الوهاب.
وأنت الحي الباقي، إذ نحن نموت، نرى جلوةَ حياة دائمة في موتنا وحياتنا.
وأنت الباقي، إذ نحن فانون ، نرى دوامَك وبقاءك في فنائنا وزوالنا.
وأنت المجيب وأنت المعطي، إذ نحن والموجودات كلُّها نسأل بألسنةِ أقوالنا وأحوالنا
ونصرخ ونتضرع ونستغيث، فتتحقق مطالبُنا، وتُنفَّذ رغباتُنا،
وتوهب مقاصدُنا. فأنت المجيب يا إلهي...".
وهكذا فكل موجود من الموجودات جزئيّها وكليّها يؤدي وظيفة المرآة بصورة مناجاة معنوية مثل أويس القرني ويعلن كل واحد منها بعجزه وفقره وتقصيره قدرة اللّٰه وكماله سبحانه.
الكلمة التاسعة: (بيده الخير) أي أن الخيراتِ كلَّها بيده، الحسناتُ كلُّها في سجله، الآلاءُ كلها في خزينته، لذا من يريد الخيرَ فليسأله منه، ومن يرغب في الإحسان فليتضرع إليه.
نشير إلى أمارات دليلٍ واسع جدًّا ولمعاته من أدلة العلم الإلهي التي لا تحصى، إظهارًا لحقيقة هذه الكلمة بجلاء. فنقول:
— 298 —
إن الصانع الجليل الذي يوجِد ويتصرّف بأفعاله الظاهرة في هذا الكون، له علمٌ محيط بكل شيء، وإن ذلك العلمَ خاصّةٌ لازمة ضرورية لذاته الجليلة، محالٌ انفكاكه عنها، إذ كما لا يُتصوَّر وجودُ ذات الشمس بلا ضياء، كذلك الصانع الجليل الذي أوجد هذه الموجودات بانتظام رائع -لا يمكن بألوف المرات- أن ينفكّ علمُه عنه.
فهذا العلمُ المحيط بكل شيء ضروري لتلك الذات الجليلة، فهو ضروري أيضًا لكل شيء من حيث التعلق. أي لا يمكن أن يتستّر ويتخفى عنه أيُّ شيء كان بأي حال من الأحوال. إذ كما لا يمكن أن لا ترى الأشياءُ المبثوثة على سطح الأرض الشمسَ وهي التي تقابلها دون حجاب، كذلك لا يمكن بل محالٌ بألوف المرات أن تتستر الأشياءُ عن نور علم ذلك العليم الجليل سبحانه. وذلك لوجود الحضور، أي أن كل شيء ضمن دائرة نظره سبحانه، ويقابله، وضمن دائرة شهوده جلّ وعلا، وإن علمه نافذ في كل شيء.
فلئن كان شعاعُ هذه الشمس الجامدة، ونورُ هذا الإنسان العاجز، وشعاع الأشعة السِّينيّة التي لا تملك شعورًا، وأمثالُها من الأشعة.. أقول: لئن كانت هذه الأشعة وهي حادثة، ناقصة، عارضة، تُشاهد أنوارُها كلَّ ما يقابلها وتنفذ فيه، فكيف بنور العلم الأزلي، الواجب، المحيط، الذاتي.
إذن.. لابد أن لا يتستر عنه شيء قط ولا يبقى شيء خارجَه قطعًا.
وفي الكون من العلامات والآيات المبثوثة ما لا يعد ولا يحصى كلُّها تشير إلى هذه الحقيقة، نورد منها ما يأتي:
إن جميع الحِكَم المشاهدة في الموجودات تشير إلى ذلك العلم المحيط، لأن إنجاز العمل بحكمة إنما يكون بالعلم.
وكذا جميع العنايات والتزيينات تشير إلى ذلك العلم. لأن الذي يعمل باللطف والعناية، لابد أنه يعلم، وأنه يعمل بعلم.
وكذا كل موجود من الموجودات المنتظم الموزون بميزان دقيق، وكلُّ هيئة من هيئاتها الموزونة والمقدَّرة أيضًا، تشير إلى ذلك العلم المحيط، لأن أداء العمل بانتظامٍ يكون بالعلم.
— 299 —
لأن الذي يخلق مصنوعاته بمكيال وميزان وتقدير وإتقان، لاشك أنه يعمل ما يشاء مستندًا إلى علم قوي.
وكذا جميع المقادير المنتظمة المشاهَدة في الموجودات كلها، والأشكال التي فُصِّلت على وفق الحِكَم والمصالح، والهيئات المنتجة، والأوضاع المثمرة التي نظّمت على وفق دساتير القضاء وضوابط القدر، إنما تدل على علم محيط.
نعم، تصوير الأشياء على اختلافها تصويرًا منتظمًا، وتشكيلُ كل شيء بشكل مخصوص به وملائم لوجوده ولمصالح حياته، إنما يكون بعلم محيط، لا غير.
وكذا إرسال الرزق لجميع ذوي الحياة -من حيث لا يحتسب- وفي الوقت المناسب، وبشكل ملائم لكل واحد منها، إنما يكون بعلم محيط؛ لأن الذي يرزق لا ريب أنه يعلم حال من يحتاج إلى الرزق ويعرفه ويعلم بوقت رزقه ويدرك حاجاته، ثم يرزقه على أفضل صورة.
وكذا وفاة جميع ذوي الحياة بآجالها المعقودة بقانون من التعيّن -مع تستّرها بعنوان الإبهام- تدل على علم محيط بكل شيء، لأن أجَلَ كل طائفة من طوائف ذوي الحياة معيّنٌ في زمن محدود بين حدّين، وإن كان لا يشاهد ظاهرًا وقتٌ معين لحلول آجال أفرادها. لذا فالحفاظ على نتاج ذلك الشيء وثمرته ونواته بعد حلول أجلِه يديم وظيفتَه عقبه، ويحوّل تلك الثمرات والنوى إلى حياة جديدة، إنما يدل على ذلك العلم المحيط أيضًا.
وكذا ألطاف الرحمة السابغة على الموجودات كلها، كلٌّ بما يليق به، إنما تدل على علم محيط ضمن رحمة واسعة، لأن الذي يربّي أطفال ذوي الحياة وصغارها باللبن ويغيث النباتات الأرضية المحتاجة إلى الماء بالغيث، لابد أنه يعرف أولئك الصغار ويعلم بحاجاتهم ويرى تلك النباتات ويدرك ضرورة المطر لها، ومن بعد ذلك يرسله إليها.
وهكذا تدل جلواتٌ لا تحد لرحمته الواسعة سبحانه والمكللة بالعناية والحكمة، على علم محيط.
وكذا ما في إتقان الصنعة للأشياء كلِّها من اهتمام بالغ وتصوير بديع وتزيين فائق يدل على علم محيط. لأن انتقاء وضعٍ منتظم حكيم مزيّن بديع من بين ألوف الأوضاع المختلفة المحتملة إنما يكون بعلم نافذ، فهذا النوع من الانتقاء في الأشياء كلها يدل على علم محيط.
— 300 —
وكذا السهولةُ المطلقة في إيجاد الأشياء وإبداعِها بيسر تام تدل على علم كامل، لأن اليُسر في عمل ما والسهولة في إيجاد وضعٍ ما، يتناسبان مع مدى العلم والمهارة، إذ كلما زاد العلم سهُل العملُ.
فبناء على هذا السر ننظر إلى الموجودات فنرى أن كلًا منها معجزةٌ من معجزات الصنعة والإبداع، وإنها توجد إيجادًا محيّرًا للألباب، في منتهى اليسر والسهولة، وبلا تكاليف ولا تكلّف وفي أقصر وقت وفي أتم صورة معجزة. بمعنى أن هناك علمًا لا يحد له حدود يؤدي إلى هذا العمل بسهولة مطلقة.
وهكذا فالأمارات المذكورة وأمثالها من ألوف العلامات الصادقة تدل على أن الرب الجليل الذي يدبّر شؤون الكون ويصرّف أموره، له علمٌ محيط بكل شيء. فهو الذي يحيط علمُه بجميع شؤون الشيء ويأتي عملُه فيه وفق ذاك.
وحيث إن رب العالمين له علم كهذا فلابد أنه يرى الإنسان أيضًا وأعمال الإنسان كذلك ويعلم ما يليق به وما يستحقه فيعامله بمقتضى حكمته ورحمته.
فيا أيها الإنسان! عُد إلى رشدك، وتدبّر في عظمة من يعلم بحالك ويراقبك. اعلم ذلك وانتبه!.
وإذا قيل: إن العلم وحده لا يكفي، فالإرادة ضرورية أيضًا، إذ إن لم تكن الإرادةُ موجودةً فلا يكفي العلم وحده!.
الجواب: الموجودات كلها تدل على علم محيط وتشهد له، كذلك تدل على الإرادة المطلقة لذلك العليم بكل شيء وذلك:
إنَّ إعطاء تشخّص في غاية الانتظام لكل شيء، ولاسيما لكل ذي حياة، باحتمال معيَّن من بين احتمالات كثيرة جدًّا ومختلَطة، بطريق مُنتجٍ من بين طرق كثيرة جدًّا وعقيمة، وهو الذي يتردد ضمن إمكانات واحتمالات كثيرة، إنما يدل على إرادة كلية بجهات غير محدودة. لأن إعطاء شكلٍ موزون وتشخّص منتظم، المحسوبُ حسابُه بميزان في منتهى الدقة والحساسية، وبمكيال دقيق للغاية، مع انتظام في غاية الدقة والرقة، من بين إمكانات واحتمالات غير
— 301 —
محدودة تحيط بوجود كل شيء، وتحفّه طرقٌ عقيمة غير مثمرة لاتحد وفي خضم عناصر جامدة مختلَطة تسيل سيلًا دون ميزان.. إنما يدل بالبداهة والضرورة بل بالمشاهدة على أنه أثرٌ لإرادة كلية. لأن انتخاب وضع معيّن من بين أوضاع غير محدودة، إنما يكون بتخصيص وبترجيح، وبقصد وبإرادة، ويخصَّصُ بطلب وقصد.
فلا شك أن التخصيص يقتضي مخصِّصًا، والترجيح يستلزم مرجِّحًا، وما المخصِّص والمرجِّح إلّا الإرادة.
فمثلًا: إن إيجاد جسم الإنسان الشبيه بماكنة مركبة من مئات الأجهزة المتباينة والآلات المختلفة من نطفة، وإيجاد الطير الذي يملك مئات الجوارح المختلفة من بيضة بسيطة، وإيجاد الشجرة التي لها مئات الفروع والأعضاء المتنوعة من بذرة صغيرة.. هذا الإيجاد لا ريب أنه يدل على القدرة والعلم، كما يشهد شهادة قاطعة وضرورية للإرادة الكلية لصانعها الجليل. حيث إنه سبحانه بتلك الإرادة يخصّص كلَّ ما يتطلبه ذلك الشيء، ويعطي شكلًا خاصًا لكل جزء من أجزاء ذلك الشيء ولكل عضو ولكل قسم منه فيُلبسه وضعًا معينًا.
حاصل الكلام: كما أنَّ تشابه الأعضاء المهمة في الأشياء والأحياء -مثلًا- من حيث الأساس والنتائج وتوافقَها، وإظهارها سكة واحدة -وعلامة واحدة من علامات الوحدة- يدل دلالة قاطعة على أن صانع جميع الحيوانات واحد أحد. كذلك التشخّصات المختلفة للحيوانات والتمييز الحكيم والتعيين الدقيق في سيماها -مع اختلافاتها وتخالفها- تدل دلالة واضحة على أن صانعها الواحد فاعل مختار ومريد، يفعل ما يشاء، فما شاء فعل وما لم يشأ لا يفعل. فهو يعمل بقصد وإرادة.
فهناك إذن دلالات وشهادات على العلم الإلهي والإرادة الربانية بعدد الموجودات بل بعدد شؤونها، لذا فإن نفي قسم من الفلاسفة للإرادة الإلهية، وإنكار قسم من أهل البدع للقدر الإلهي، وادعاء قسم من أهل الضلالة عدم اطلاعه سبحانه على الجزئيات، وإسناد الطبيعيين لقسم من الموجودات إلى الطبيعة والأسباب، كذبٌ مضاعَف وافتراء شنيع ترفضه الموجوداتُ بعددها، بل ضلالةٌ وبلاهة أضعاف أضعاف عدد الموجودات وشؤونها. لأن الذي يكذّب شهاداتٍ صادقة لا تُحد، يفتري كذبًا غير محدود.
— 302 —
ومن هنا يمكنك أن تقيس كم هو عِظَم الخطأ، وكم هو عِظم البُعد عن الحقيقة وكم هو منافٍ للصواب وإجحافٌ بالحق، قولُ البعض عن قصد: "أمر طبيعي" بدلًا من قوله: "إن شاء اللّٰه.. إن شاء اللّٰه" في الأمور التي لا تظهر للوجود إلّا بمشيئته سبحانه!.
الكلمة العاشرة: (وهو على كل شيء قدير) أي لا يثقل عليه شيء. فما من شيء في دائرة الإمكان إلّا وهو قادر على أن يُلبسه الوجود بكل سهولة ويُسر. فهذا الأمر سهل عليه إلى حدّ كأنه بمجرد أمره إليه يحصل الشيءُ بمقتضى قوله تعالى:
انما أمره اذا اراد شيئًا ان يقول له كن فيكون
(يس:٨٢).
إذ كما أنَّ صنّاعًا ماهرًا جدًّا، ما إنْ يكاد تمسّ يدُه الشيءَ إلّا ويبدأ بالعمل كالماكينة. ويقال تعبيرًا عن تلك السرعة والمهارة: أنَّ ذلك العمل وتلك الصنعة سهل عليه ومسخّر بيده حتى كأن العمل يتم بمجرد أمره ومسّه، فالأعمال تُنجَز والمصنوعات توجد.
وكذلك الأشياء إزاء قدرة القدير ذي الجلال مسخّرةٌ في منتهى التسخير، ومنقادةٌ انقيادًا تامًا، وإن تلك القدرة تعمل الأشياءَ وتنجزها في منتهى السهولة، وبلا معالجة ولا كُلفة حتى عبّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى:
انما أمره اذا اراد شيئًا ان يقول له كن فيكون
سنبيّن خمسًا من الأسرار غير المحدودة لهذه الحقيقة العظمى وذلك في خمس نكاتٍ:
أُولاها: إنَّ أعظم شيء سهلٌ ويسير على القدرة الإلهية كأصغر شيء، فإيجادُ نوع من الأحياء بجميع أفراده سهلٌ كإيجاد فرد واحد. وخلقُ الجنة الواسعة يسيرٌ عليها كيُسر خلق الربيع. وخلقُ الربيع سهلٌ كسهولة خلق زهرة واحدة.
ولقد أوضحنا هذا السر في أواخر "الكلمة العاشرة"، وفي بيان "الأساس الثالث من الكلمة التاسعة والعشرين" وذلك في ستةٍ من الأسرار التمثيلية، وهي: سرُّ النورانية وسرُّ الشفافية وسرُّ المقابلة وسرُّ الموازنة وسرُّ الانتظام وسرُّ الطاعة وسرُّ التجرد.. وأثبتنا هناك؛ بأن النجوم والذرات سيّان في السهولة إزاء القدرة الإلهية وإنها تَخلق أفرادًا غير محدودين بسهولة خلق الفرد الواحد بلا تكلف ولا معالجة.
— 303 —
ولما كانت هذه الأسرار الستة قد وضّحت في تلكما الكلمتين، نختصر الكلام هنا، ونحيل إليهما.
ثانيتها: إنَّ الدليل القاطع والبرهان الساطع على أن كل شيء سواءٌ بالنسبة إلى القدرة الإلهية، هي أننا نشاهد بأعيننا أنَّ في إيجاد الحيوانات والنباتات منتهى الإتقان وغايةَ حسن الصنعة ضمن سخاءٍ مطلق وكثرةٍ مطلقة.
ويُشاهَد فيها أيضًا منتهى الامتياز والتفريق ضمن منتهى الاختلاط والامتزاج.
ويشاهد فيها أيضًا منتهى القيمة الراقية في الصنعة وجمال الخلقة ضمن منتهى الوفرة والوسعة.
وتُخلق الأشياء في سهولة وسرعة مطلقتين مع حاجتها إلى أجهزة كثيرة وزمان مديد لإبراز الصنعة المتقنة. حتى كأن تلك المعجزات للصنعة البديعة تبرُز للوجود دفعة من غير شيء.
فما نراه من فعالية القدرة الإلهية الواسعة على سطح الأرض كافة وفي كل موسم تدل دلالة قاطعة على أن أكبر شيء إزاء هذه القدرة التي هي منبعُ هذه الفعالية سهل ويسير كأصغرِه، وأن إيجاد أفرادٍ غير محدودين وإدارتهم يسيرٌ عليها كإيجاد فرد واحد وإدارته.
ثالثتها: إنَّ أكبر كلٍّ كأصغر جزءٍ هيّن إزاء قدرة الصانع القدير الذي يهيمن بأفعاله وتصريفه الأمور في الكون وكما هو مشاهد. فإيجاد الكلّي بكثرة من حيث الأفراد سهل كإيجاد جزئي واحد. ويمكن إظهار إبداع الصنعة المتقنة في أصغر جزئي اعتيادي.
وينبع سر الحكمة لهذه الحقيقة من ثلاثة منابع:
الأول: إمداد الواحدية.
الثاني: يُسر الوحدة.
الثالث: تجلي الأحدية.
— 304 —
المنبع الأول: وهو إمداد الواحدية أي إن كان كلُّ شيء وكلُّ الأشياء مُلكًا لمالك واحد فعندئذ يمكن من حيث الواحدية أن يحشّد قوة جميع الأشياء وراء كل شيء، ويدبّر أمور جميع الأشياء بسهولة إدارة الشيء الواحد. ولأجل تقريب هذا السر إلى الأفهام نقول في تمثيل:
بلد يحكمها سلطان واحد يستطيع أن يحشّد قوةً معنوية لجيش كامل وراء كلِّ جندي من جنوده، وذلك من حيث قانون السلطنة الواحدة. لذا يستطيع ذلك الجندي الفرد أن يأسر القائد الأعظم للعدو بل يمكن أنْ يسيطر بإسم سلطانه على مَن هو فوق ذلك القائد.
ثم إن ذلك السلطان، مثلما يستخدم موظفًا أو جنديًا، ويدبّر أمور جميع الموظفين وجميع الجنود أيضًا بسر السلطنة الواحدة، وكأنه يُرسل كلَّ شخص وكل شيء بسر سلطنته الواحدة لإمداد أي فردٍ كان. يمكن أن يستند كل فرد من أفراد رعيته إلى قوة جميع الأفراد، أي يستطيع أن يستمد منها.
ولكن لو حُلّت حبالُ تلك الواحدية للسلطنة، وأصبحت السلطنةُ سائبةً وفوضى؛ فإن كل جندي عندئذٍ يفقد -بالمرة- قوةً لا تُحد، ويهوي من مقام نفوذٍ رفيع، ويصبح في مستوى إنسان اعتيادي. وعندها تنجم مشاكلُ للإدارة والاستخدام بعدد الأفراد.
كذلك وللّٰه المثل الاعلى فصانع هذا الكون لكونِه واحدًا، فإنه يحشّد أسماءه المتوجهة إلى جميع الأشياء، تجاه كل شيء. فيوجِد المصنوع بإتقان تام وبصورة رائعة. وإن لزم الأمر يتوجّه بجميع الأشياء إلى الشيء الواحد، ويوجهها إليه، ويمدّه بها ويقويه بها.
وإنه يخلق جميعَ الأشياء أيضًا بسر الواحدية، ويتصرف فيها ويدبّر أمورَها كإيجاد الشيء الواحد.
ومن هذا السر -سر إمداد الواحدية- تُشاهَد في الكائنات نوعيات رفيعة قيمة متقنة جدًّا ضمن وفرةٍ مطلقة ورُخص مطلق.
المنبع الثاني: الذي هو يُسر الوحدة أي أنَّ الأفعال التي تتم بأصول الوحدة ومن مركز واحد بتصرفٍ واحد وبقانون
— 305 —
واحد، تورث سهولةً مطلقة. بينما إن كانت تدارُ من مراكز متعددة، وبقوانين متعددة، وبأيدٍ متعددة تنجم مشكلاتٌ عويصة.
مثلًا: إذا جُهّز جميعُ أفراد الجيش بالأعتدة والتجهيزات من مركز واحد، وبقانون واحد، وبأمر قائد عظيم واحد، يكون الأمر سهلًا سهولةَ تجهيز جندي واحد. بينما إذا أُحيل التجهيز إلى معامل متفرقة، ومراكز متعددة يلزم عندئذٍ لتجهيز جندي واحد جميعَ المعامل العسكرية التي تزود الجيش بالتجهيزات اللازمة.
بمعنى أنه إذا أُسند الأمرُ إلى الوحدة فإن تجهيز الجيش كاملًا يكون سهلًا كتجهيز جندي واحد، ولكن إنْ لم يُسند إلى الوحدة فإن تزويد جندي واحد بالتجهيزات الأساسية يولد مشاكل بعدد أفراد الجيش.
وكذا إذا زُوّدت ثمراتُ شجرة ما -من حيث الوحدة- بالمادة الحياتية من مركز واحد وبقانون واحد واستنادًا إلى جذر واحد. فإن ألوفَ الثمرات تتزود بها بسهولة كسهولة ثمرة واحدة. بينما إذا رُبطت كلُّ ثمرة إلى مراكز متعددة، وأُرسلت إلى كل منها موادها الحياتية، عندها تنجم مشكلاتٌ بقدر عدد ثمرات الشجرة، لأن المواد الحياتية التي تلزم شجرة كاملة تلزم كل ثمرة من الثمرات أيضًا.
وهكذا فبمثل هذين التمثيلين وللّٰه المثل الاعلى فإن صانع هذا الكون لكونه واحدًا أحدًا، يفعل ما يريد بالوحدة. ولأنه يفعل بالوحدة، تسهل جميع الأشياء كالشيء الواحد. فضلًا عن أنه يعمل الشيء الواحد بإتقان تام كالأشياء جميعًا. ويخلق أفرادًا لا حدّ لها في قيمة رفيعة. فيُظهر جُوده المطلق بلسان هذا البذل المشاهد والرخص غير المتناهي، ويظهر بها سخاءه المطلق وخلاقيته المطلقة.
المنبع الثالث: وهو تجلي الأحدية أي إن الصانع الجليل منیزّه عن الجسم والجسمانية، لذا لا يحصره زمانٌ ولا يقيّده مكان، ولا يتداخل في حضوره وشهوده الكون والمكان، ولا تحجب الوسائطُ والأجرام فعلَه بالحُجب. فلا انقسام ولا تجزؤ في توجهه سبحانه ولا يمنع شيءٌ شيئًا، يفعل ما لا يحد من
— 306 —
الأفعال كالفعل الواحد، ولهذا فإنه يُدرج معنًى شجرةً ضخمة جدًّا في بذرة صغيرة، ويدرج العالمَ في فرد واحد، ويدير أمور العالم كله بيد قدرته كإدارة فرد واحد.
فكما أوضحنا هذا السر في كلمات أخرى نقول أيضًا:
إنَّ ضوء الشمس الذي لا قيد له إلى حدٍ ما، يدخل في كل شيء لمّاع، حيث إنه نوراني، فلو واجهَتها ألوفُ بل ملايين المرايا، فإن صورتها النورانية المثالية تدخل في كل مرآة دون انقسام، كما هي في مرآة واحدة. فلو كانت المرآةُ ذات قابلية، فإن الشمس بعظمتها يمكن أن تُظهر فيها آثارَها، فلا يمنع شيء شيئًا. إذ يدخل -مثال الشمس- في الألوف من المرايا بسهولة تامة كما في مرآة واحدة، وهي توجد في ألوف الأماكن بسهولة وجودها في مكان واحد. وتكون كل مرآة وكل مكان مظهرًا لجلوة تلك الشمس كما هي لألوف الأماكن.
وللّٰه المثل الاعلى إنَّ لصانع هذا الكون ذي الجلال تجليًا، بسرّ توجّه الأحدية، بجميع صفاته الجليلة التي هي أنوار، وبجميع أسمائه الحسنى التي هي نورانية، فيكون حاضرًا ناظرًا في كل مكان، ولا يحدّه مكان، ولا انقسام في توجهه سبحانه، يفعل ما يريد فيما يشاء في كل مكان، في آن واحد ومن دون تكلف ولا معالجة ولا مزاحمة.
فبسرّ إمداد الواحدية ويُسر الوحدة وتجلي الأحدية هذه إذا أُسندت جميعُ الموجودات إلى الصانع الواحد، فالموجودات كلُّها تسهل كالموجود الواحد ويكون كل موجود ذا قيمة عالية كالموجودات كلها من حيث الإتقان والإبداع. كما أن دقائق الصنعة المتقنة الموجودة في كل موجود رغم الوفرة في الموجودات تبين هذه الحقيقة.
بينما إنْ لم تُسند تلك الموجودات إلى الصانع الواحد بالذات فإن كل موجود عندئذٍ يكون ذا مشاكل بقدر مشاكل الموجودات كلها. وإن قيمة الموجودات كلها تسقط إلى قيمة موجود واحد. وفي هذه الحالة لا يأتي شيءٌ إلى الوجود، أو إذا وُجد فلا قيمة له ولا يساوي شيئًا.
ومن هذا السرّ، تجد السوفسطائيين الموغلين في الفلسفة، السابقين فيها قد نظروا إلى طريق الضلالة والكفر معرضين عن طريق الحق ورأوا أنَّ طريق الشرك عويصة وعسيرة وغير
— 307 —
معقولة قطعًا بألوف المرات من طريق التوحيد، طريق الحق؛ لذا اضطروا إلى إنكار وجود كل شيء وتخلّوا عن العقل.
النكتة الرابعة: إنَّ إيجاد الجنة سهل كإيجاد الربيع، وإيجاد الربيع يسير كإيجاد زهرة واحدة بالنسبة إلى قدرة رب العالمين الذي يصرّف أمور هذا الكون بأفعاله الظاهرة المشهودة، ويمكن أن تكون قيمةُ محاسن الصنعة البديعة لزهرة واحدة ولطفُ خلقتها بقيمة لطافة الربيع الزاهر.
إنَّ سر هذه الحقيقة ثلاثة أشياء:
الأول: الوجوب والتجرد في الصانع الجليل.
الثاني: عدم التقيد مع مباينة ماهيته.
الثالث: عدم التحيّز مع عدم التجزء.
السر الأول: إنَّ الوجوب والتجرد يسببان السهولة المطلقة واليسر المطلق.
هذا السر عميق للغاية ودقيق للغاية. وسنقرّبه بتمثيل إلى الفهم، وذلك:
إنَّ مراتب الوجود مختلفة، وعوالم الموجودات متباينة، لذا فإن ذرة من طبقة وجود ذات رسوخ في الوجود تعدل جبلا من طبقة وجود أقل منها رسوخًا، وتستوعب ذلك الجبل، فمثلًا:
إنَّ القوة الحافظة الموجودة في الإنسان -وهي لا تعدل حبة خردل من عالم الشهادة- تستوعب وجودًا من عالم المعنى بمقدار مكتبة ضخمة.
وإن مرآة صغيرة صغر الأظفر من العالم الخارجي، تضم مدينة عظيمة جدًّا من طبقة وجود من عالم المثال.
فلو كانت لتلك المرآة ولتلك القوة الحافظة اللتين هما من العالم الخارجي شعور وقوة للإيجاد، لأحدثتا تحولات وتصرفات غير محدودة في ذلك الوجود المعنوي والمثالي، رغم ما فيهما من
— 308 —
قوة وجود خارجي صغير ضئيل. وهذا يعني أنه كلما ترسّخ الوجود ازداد قوة، فالشيء القليل يأخذ حُكمَ الكثير، ولاسيما إن كان الوجود مجردًا عن المادة ولم يدخل تحت ضوابط القيد وكَسبَ الرسوخ التام، فإن جلوة جزئية منه تستطيع أن تدير عوالم كثيرة من سائر الطبقات الخفيفة من عالم الوجود. وللّٰه المثل الاعلى إنَّ الصانع الجليل لهذا الكون العظيم هو واجب الوجود. أي أنَّ وجوده ذاتي أزلي، أبدي، عدمُه ممتنع، زوالُه محال، وأن وجوده أرسخ طبقة من طبقات الوجود وأرساها وأقواها وأكملها، بينما سائر طبقات الوجود بالنسبة لوجوده سبحانه بمثابة ظلٍ في منتهى الضعف.
وإن هذا الوجود، واجب، راسخ، ذو حقيقة، إلى حدٍ عظيم. ووجود الممكنات خفيف وضعيف في منتهى الخفة والضعف، بحيث دفع الشيخ محي الدين بن عربي وأمثاله الكثيرين من أهل التحقيق أن يُنیزلوا سائر طبقات الوجود منیزلة الأوهام والخيالات، فقالوا: "لا موجود إلّا هو"، وقرروا أنه لا ينبغي أن يقال لما سوى الوجود الواجب وجودًا، إذ لا تستحق هذه الأنواع من الوجود عنوان الوجود.
وهكذا فوجود الموجودات التي هي عَرَضية وحادثة، و ثبوت الممكنات التي لا قرار ولا قوة لها، يسيرٌ في منتهى اليسر إزاء قدرة واجب الوجود الذاتية الواجبة. فإحياء جميع الأرواح في الحشر الأعظم ومحاكمتُها سهلٌ ويسير على تلك القدرة كسهولة حشر وإحياء الأوراق والأزهار والثمار في الربيع بل في حديقة صغيرة بل في شجرة.
السر الثاني: إن مباينة الماهية مع عدم التقيّد يسببان السهولة المطلقة، وذلك: إنَّ صانع الكون جلَّ جلالُه ليس من جنس الكون بلا شك، فلا تشبه ماهيتُه أية ماهية كانت، لذا فإن الموانع والقيود التي هي ضمن دائرة الكائنات لا تتمكن قطعًا أن تعترض إجراءاته وتقيّدها، فهو القادر على إدارة الكون كله في آن واحد ويتصرف فيه تصرفًا مباشرًا.
فلو أُحيل تصريف الأمور وأفعاله الظاهرة في الكون إلى الكائنات أنفسها، لنجمت من المشكلات والاختلاطات الكثيرة بحيث لا يبقى أي انتظام أصلًا ولا أي شيء في الوجود بل لا يأتي أصلًا إلى الوجود.
— 309 —
فمثلًا: لو أُحيلت المهارةُ في بناء القبة إلى أحجارها، وفُوّض ما يخص الضابط في إدارة الفوج إلى الجنود أنفسهم، فإما لا تحصل تلك النتيجة ولا تأتي إلى الوجود أصلًا، أو يحدث فوضى من عدم الانتظام ومشكلات واختلاط الأمور. بينما إذا أُسندت المهارة في بناء القبب إلى صناع ليس من نوع الحجر، وفُوضت إدارة الجنود في الفوج إلى ضابط حاز ماهية الضابط -من حيث الرتبة -فإن الصنعة تُسهّل والإدارة تتيسر، حيث إن الأحجار وكذا الجنود يمنع أحدُها الآخر. بينما البنّاء والضابط ينظران ويتوجهان ويديران كل نقطة من نقاط البناء أو الجنود دون مانع أو عائق. وللّٰه المثل الاعلى إن الماهية المقدسة لواجب الوجود ليست من جنس ماهية الممكنات. بل جميعُ حقائق الكائنات ليست إلّا أشعة لإسم "الحق" الذي هو اسم من الأسماء الحسنى لتلك الماهية.
ولما كانت ماهيتُه المقدسة، واجبةَ الوجود، ومجرّدةً عن المادة، ومخالفةً للماهيات كافة، إذ لا مثل ولا مثال ولا مثيل لها، فإن إدارة الكون إذن وتربيتَه بالنسبة إلى قدرة ذلك الرب الجليل الأزلية، سهلٌ كإدارة الربيع بل كإدارة شجرة واحدة، وإيجاد الحشر الأعظم والدار الآخرة والجنة وجهنم سهل كإحياء الأشجار مجددًا في الربيع بعد موتها في الخريف.
السر الثالث: إنَّ عدم التحيّز وعدم التجزؤ سببٌ للسهولة المطلقة وذلك:
إن الصانع القدير لما كان منیزّهًا عن المكان فهو حاضر إذن بقدرته في كل مكان قطعًا. وحيث لا تجزؤ ولا انقسام، فيمكن إذن أن يتوجه إلى كل شيء بجميع أسمائه الحسنى.
وحيث إنه حاضر في كل مكان ومتوجه إلى كل شيء فإن الموجودات والوسائط والأجرام لا تعيق أفعاله ولا تمانعها. بل لو افترضت الحاجة إلى المساعدة -ولا حاجة إليها أصلا- فإنها تصبح وسائلَ تسهيل ووسائط وصول الحياة وأسبابًا للسرعة في إنجاز الأفعال كأسلاك الكهرباء وأغصان الشجرة وأعصاب الإنسان. فلا تعويق إذن ولا تقييد ولا تمانع ولا مداخلة قطعًا، إذ كل شيء بمثابة وسيلة تسهيل ووساطة سرعة وأداة إيصال، أي لا حاجة إلى شيء من حيث الطاعة والانقياد تجاه تصاريف قدرة القدير الجليل، وحتى لو افترضت الحاجة -ولا حاجة أصلا- فإن الأشياء تكون وسائل تسهيل ووسائط تيسير.
— 310 —
حاصل الكلام: إنَّ الصانع القدير يخلق كلَّ شيء بما يليق به بلا كلفة ولا معالجة ولا مباشرة، وفي منتهى السهولة والسرعة، فهو سبحانه يوجِد الكليات بسهولة إيجاد الجزئيات ويخلق الجزئيات بإتقان الكلّيات.
نعم، إنَّ خالق الكلّيات والسماوات والأرض هو خالق الجزئيات وأفراد ذوي الحياة من الجزئيات التي تضمها السماوات والأرض، وليس غيرَه. لأن تلك الجزئيات الصغيرة إنما هي مثالٌ مصغر لتلك الكليات وثمراتها ونواها.
وإن من كان خالقًا لتلك الجزئيات لاشك أنه هو الخالق لما يحيط بها من العناصر والسماوات والأرض، لأننا نشاهد أن الجزئيات في حُكم نوى بالنسبة للكليات ونسخة مصغرة منها، لذا لابد أن تكون العناصرُ الكلية والسماوات والأرض في يد خالق تلك الجزئيات كي يمكن أن يُدرج خلاصةَ تلك الموجودات الكلية والمحيطة ومعانيها ونماذجها في تلك الجزئيات التي هي نماذجها المصغرة على وفق دساتير حكمته وموازين علمه.
نعم، إنَّ الجزئيات ليست قاصرةً عن الكليات من حيث عجائب الصنعة وغرائب الخلق. فالأزهار ليست أدنى جمالًا من النجوم الزاهرة ولا البذور أحطّ قيمة من الأشجار اليافعة. بل الشجرة المعنوية المُدرَجة بنقش القدر في البذرة الصغيرة أعجب من الشجرة المجسمة بنسج القدرة في البستان. وإن خلق الإنسان أعجب من خلق العالم.
فكما لو كُتب قرآنُ الحكمة بذرات الأثير على جوهرٍ فردٍ يمكن أن يكون أعظمَ قيمةً من قرآن العظمة المكتوبة على السماوات بالنجوم، كذلك هناك كثيرٌ جدًّا من الجزئيات هي أرقى من الكليات من حيث الصنعة.
النكتة الخامسة: لقد بيّنا آنفًا شيئًا من أسرار وحكم ما يُشاهد في إيجاد الأشياء والمخلوقات من منتهى اليسر والسهولة ومنتهى السرعة في إنجاز الأفعال.
فوجود الأشياء بهذه السهولة غير المحدودة والسرعة المتناهية، يورث قناعةً قاطعة لدى أهل الإيمان؛ أن إيجاد الجنة إزاء قدرة خالق المخلوقات سهلٌ كإيجاد الربيع، والربيع كالبستان
— 311 —
والبستان كالزهرة. وإن حشر البشر قاطبة وبعثَهم سهل كسهولة إماتة فرد وبعثه وذلك مضمون الآية الكريمة:
ماخلقُكم ولابعثُكم الّا كنفسٍ واحدة
(لقمان: ٢٨).
وكذلك فإنَّ إحياء جميع الناس يوم الحشر الأعظم يسيرٌ كيُسر جمع الجنود المتفرقين في الاستراحة بصوت من بوق، وهو مضمون صراحة الآية الكريمة:
إنْ كانت الّا صيحةً واحدة فاذا هُم جميعٌ لدينا مُحیضَرون
(يس: ٥٣).
فهذه السرعة غير المتناهية والسهولة غير المحدودة، مع أنها -بالبداهة- دليل قاطع وبرهان يقيني على كمال قدرة الصانع جل جلاله، وسهولة كل شيء بالنسبة له، إلّا أنها أصبحت سببًا للالتباس على أهل الضلالة. فالتبس في نظرهم تشكيلُ الأشياء وإيجادُها بقدرة الصانع الجليل الذي هو سهلٌ بدرجة الوجوب ، وتشكّلُ الأشياء بنفسها والذي هو محال بألف محال. إذ لأنهم يرون مجيء بعض الأشياء المعتادة إلى الوجود في غاية السهولة فيتوهمون أنها لا تُخلق بل تتشكل بنفسها.
فتأمل في دَرَك الحماقة السحيق حيث يجعلون دليلَ القدرة المطلقة دليلًا على عدمها، ويفتحون أبوابًا لا نهاية لها من المحالات. إذ يلزم عندئذٍ أن تُعطى كلُّ ذرة من ذرات كل مخلوق أوصافَ الكمال التي هي لازمة ذاتية للصانع الجليل كالقدرة المطلقة والعلم المحيط وأمثالِها حتى تتمكن من تشكيل نفسها بنفسها.
الكلمة الحادية عشرة: (وإليه المصير) أي إليه المآب من دار الفناء إلى دار البقاء، وإليیه الرجعى في المقر الأبیدي للقديم الباقي، وإليه المساق من دائرة الأسباب الكثيرة إلى دائرة قدرة الواحد الأحد، وإليه المضي من الدنيا إلى الآخرة. أي مرجِعكُم إنما هیو ديوانُه وملجؤكم إنما هو رحمتیه. وهكذا تفيد هذه الكلمة كثيرًا من أمثیال هذه الحقائیق.
أما ما في هذه الحقائق من الحقيقة التي تفيد الرجوع إلى الجنة ونيل السعادة الأبدية فقد أثبتناها إثباتًا قاطعًا لا تدع حاجة إلى بيان آخر، وذلك في البراهين الاثني
— 312 —
عشر القاطعة في "الكلمة العاشرة" وفي الأسس الستة التي تتضمنها "الكلمة التاسعة والعشرون" ودلائلها الكثيرة القاطعة بقطعية شروق الشمس بعد مغيبها. وقد أثبتت تلكما الكلمتان: أنَّ الحياة التي هي شمس معنوية لهذه الدنيا ستطلع طلوعًا باقيًا صباح الحشر بعد غروبها بخراب الدنيا. وسيفوز قسمٌ من الجن والإنس بالسعادة الأبدية وينال قسم منهم الشقاء الدائم.
ولما كانت الكلمتان "العاشرة" و "التاسعة والعشرون" قد أثبتتا هذه الحقيقة على أتم وجه نحيل الكلام إليهما ونقول:
إنَّ الصانع الحكيم لهذا الكون والخالق الحكيم لهذا الإنسان الذي له علم محيط مطلق وإرادة كلية مطلقة وقدرة مطلقة -كما أثبتت في التوضيحات السابقة إثباتًا قاطعًا- قد وعد بالجنة والسعادة الأبدية للمؤمنين في جميع كتبه وصحفه السماوية. وإذ قد وعدَ فلاشك أنه سيُنجزه. لأن إخلاف الوعد محال عليه، إذ إن عدم إيفاء الوعد نقصٌ مشين. والكامل المطلق منیزّه عن النقص ومقدس عنه. وإن عدم إنجاز الموعود، إمّا أنه ناتج من الجهل أو العجز، والحال أنه محال في حق ذلك القدير المطلق والعليم بكل شيء الجهلُ والعجزُ قطعًا. فخُلف الوعد إذن محال.
ثم إنَّ جميع الأنبياء عليهم السلام وفي مقدمتهم فخرُ العالم (ص) وجميع الأولياء وجميع الأصفياء وجميع المؤمنين يسألون دومًا ذلك الرحيم الكريم ما وعده من سعادة أبدية ويتضرعون إليه ويطلبونها منه.
فضلًا عن أنهم يسألونها مع جميع أسمائه الحسنى، لأن أسماءه وفي المقدمة رأفتُه ورحمتُه وعدالته وحكمته، واسمُ الرحمن والرحيم واسم العادل والحكيم وربوبيتُه المطلقة وسلطنته المهيبة واسم الرب واسم اللّٰه سبحانه وتعالى، وأمثالها من أكثر الأسماء الحسنى تقتضي الآخرة والسعادة الأبدية وتستلزمها وتشهد لتحققها وتدل عليها، بل إن جميع الموجودات بجميع حقائقها تشير إلى دار الآخرة (كما أثبت في الكلمة العاشرة).
ثم إن القرآن الحكيم بألوف آياته الجليلة وبيّنات براهينه الصادقة القاطعة يدل على تلك الحقيقة ويعلّمها.
— 313 —
ثم إن الحبيب الكريم (ص) وهو فخرُ الإنسانية قد درّس تلك الحقيقة وعلّمها، مستندًا إلى ألوف معجزاته الباهرة، طوال حياته المباركة، وبكل ما آتاه اللّٰه من قوة وأثبتها وأعلنها وشاهدها وأشهدها.
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه بِعَدَدِ أَنْفَاسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَاحْشُرْنَا وَنَاشِرَهُ وَرُفَقَاءَهُ وَصَاحِبَهُ سَعيدًا وَوَالِدينَا وَإِخْوَانَنَا وَأَخَوَاتِنَا تَحْتَ لِوَائِه وَارْزُقْنَا شَفَاعَتَهُ وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ أٰلِه وَأَصْحَابِه بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ أٰمينَ أٰمينَ.
ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا
ربنا لاتُزِغْ قُلوبنا بعد إذ هديتنا وهَب لنا مِنْ لدنكَ رحمةً انك انت الوهّاب
رب اشرح لي صدري ٭ ويسر لي امري ٭ واحلل عقدة من لساني ٭ يفقهوا قولي
ربنا تقبّل منا انك انت السميع العليم
وتب علينا انك انت التواب الرحيم
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 314 —

ذيل

الكلمة العاشرة من المكتوب العشرين
بِاسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
ألا بذكرِ اللّٰه تطمئنُ القلوب
(الرعد: ٢٨)
ضرب اللّٰه مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سَلَمًا لرجل هل يستويان مثلًا الحمد للّٰه بل اكثرهم لايعلمون
(الزمر: ٢٩)
سؤال: لقد ذكرتَ في مواضع عديدة:
إنَّ في الوحدة منتهى السهولة، وفي الكثرة والشرك غايةَ الصعوبات. وتقول أيضًا: إن في الوحدة سهولةً بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوبةً بدرجة الامتناع، والحال أن ما بينتَه من المشكلات والمحالات تجري أيضًا في جهة الوحدة. فمثلًا؛ تقول: إن لم تكن الذراتُ مأمورات، يلزم أن يكون في كل ذرة إما علمٌ محيط وقدرةٌ مطلقة أو مكائن ومطابع معنوية غير محدودة وهذا محال بمائة ضعف، بينما لو أصبحت تلك الذرات مأموراتٍ إلهية يلزم أيضًا أن تكون مظهرًا لتلك الأمور كي تستطيع القيام بالوظائف التي أُنيطت بها وهي وظائف لا تُحد.
الجواب: لقد أثبتنا في "كلمات" كثيرة أنه:
إذا أُسند إيجاد الموجودات كلِّها إلى صانع واحد يكون الأمر سهلًا هينًا بسهولة إيجاد موجود واحد. وإن أُسند إلى الأسباب الكثيرة والطبيعة، فإن خلق ذبابة واحدة يكون صعبًا كخلق السماوات، ويكون خلق الزهرة عسيرًا بقدر خلق الربيع، وكذا الثمرة بقدر البستان.
— 315 —
ولما كانت هذه المسألة قد وُضحت وأُثبتت في "كلمات" أخرى، نحيل إليها، إلّا أننا نشير هنا بثلاث إشارات في ثلاث تمثيلات تحقق اطمئنان النفس تجاه هذه الحقيقة.
التمثيل الأول: إن ذرة صغيرة شفافة لماعة لا تسع نور عود ثقاب بالذات، ولا تكون مصدرًا له، إذ يمكن أن يكون له نور بالأصالة بقدر جِرمه وبمقدار ماهيته كذرة جزئية. ولكن إذا ما انتسبت إلى الشمس وفتحت عينَها تجاهها ونظرت إليها، فإن تلك الذرة الصغيرة يمكن أن تستوعب تلك الشمس بضيائها وألوانها السبعة وحرارتها حتى بمسافتها، وتنال نوعًا من مظاهر تجليها الأعظم. بمعنى أن تلك الذرة إن بقيت سائبة دون انتساب مستندة إلى ذاتها، لا تعمل شيئًا إلّا بقدر الذرة، ولكن إن عُدّت مأمورة لدى الشمس ومنسوبة إليها ومرآة لها، فإنها تستطيع أن تظهر قسمًا من نماذج جزئية لإجراءات الشمس. وللّٰه المثل الاعلى فإن كلَّ موجود، حتى كل ذرة، إذا أُسندت إلى الكثرة والشرك وإلى الأسباب وإلى الطبيعة وإلى نفسها. فإما أن تكون كلُّ ذرة وكل موجود، مالكةً لعلم محيط بكل شيء ولقدرة مطلقة، أو تتشكل فيها مطابع ومكائن معنوية لا حدّ لها، كي تؤدي أعمالها التي أُودعت فيها. ولكن إذا أُسندت تلك الذرات إلى الواحد الأحد، فعندئذٍ ينتسب إليه كلُّ مصنوع وكل ذرة ويكون كالموظف المأمور لديه، وانتسابه هذا يجعله ينال تجليًا منه، وبهذه الحظوة والانتساب يستند إلى علم مطلق وقدرة مطلقة، فينجز من الأعمال ويؤدي من الوظائف ما يفوق قوتَه بملايين المرات، وذلك بقوة خالقه وبسر ذلك الاستناد والانتساب.
التمثيل الثاني: أخَوان: أحدهما شجاع يعتمد على نفسه ويعتدّ بها، والآخر شهم غيور يملك حمية الدفاع عن الوطن. فعند نشوب الحرب، لا ينتسب الأول إلى الدولة لاعتداده بنفسه. بل يرغب أن يؤدي الأعمال بنفسه مما يضطره هذا إلى حمل منابع قوته على ظهره، ويُلجئُه إلى نقل تجهيزاته وعتاده بقدرته المحدودة، لذا لا يستطيع هذا أن يحارب العدو إلّا بمقدار تلك القوة الشخصية الضئيلة، فتراه لا يستطيع أن يجابه إلا عريفًا من جيش الأعداء، لا أكثر. أما الأخ الآخر، غير المعتدّ بنفسه بل يعدّ نفسه عاجزًا لا قوة له، فانتسب إلى السلطان وانخرط في سلك الجندية، فأصبح جيشُ الدولة العظيم نقطةَ استناد له بذلك الانتساب.
— 316 —
وخاض غمار الحرب بقوة معنوية عظيمة يمدّها ذلك الانتساب، تعادل قوة جيش عظيم حيث يمكن للسلطان أن يحشّدها له. فحارب العدو حتى جابه مشيرًا عظيمًا من العدو المغلوب فأمسك به أسيرًا وجلبه إلى معسكره باسم السلطان.
وسرّ هذه الحالة وحكمتُها هي:
إن الشخص الأول السائب لكونه مضطرًا إلى حمل منابع قوته وتجهيزاته، لم يقدر إلّا على عمل جزئي جدًّا، أما هذا الموظف فليس مضطرًا إلى حمل منابع قوته بنفسه بل يحمل عنه ذلك الجيش بأمر السلطان، فيربط نفسه بتلك القوة العظيمة بالانتساب، كمن يربط جهاز هاتفه بسلك بسيط بأسلاك هواتف الدولة. وللّٰه المثل الاعلى إذا أُسند كل مخلوق وكل ذرة، مباشرةً إلى الواحد الأحد، وانتسب إليه. فعندئذ، يهدم النملُ صرحَ فرعون ويهلكه، ويصرع البعوض نمرود ويقذفه إلى جهنم وبئس المصير، وتُدخل جرثومةٌ صغيرة ظالمًا جبارًا القبرَ، وتصبح بذرةُ الصنوبر الصغيرة بمثابة مصنع لشجرة الصنوبر الضخمة ضخامة الجبل، وتتمكن ذرات الهواء أن تؤدي من أعمال منتظمة مختلفة للأزهار والثمرات وتدخل في تشكيلاتها المتنوعة. كل ذلك بحول سيد المخلوق وبقوة ذلك الانتساب. فهذه السهولة المشاهدة كلُّها نابعةٌ بالبداهة من التوظيف والانتساب، بينما إذا انقلب الأمر إلى التسيب والفوضى، وتُرك الحبل على غاربه، وعلى نفس الشيء والأسباب والكثرة، وسُلك طريق الشرك، فعندئذٍ لا ينجز الشيء من الأعمال إلّا بقدر جرمه ومقدار شعوره.
التمثيل الثالث: صديقان يرغبان في كتابة بحث يحوي معلومات إحصائية جغرافية حول بلاد لم يشاهداها أصلًا، فأحدهما ينتسب إلى سلطان تلك البلاد ويدخل دائرة البريد والبرق، ويتم معاملات ربط خط هاتفه ببدّالة الدولة لقاء أجرة زهيدة، ويتمكن بهذه الوسيلة أن يتصل مع الجهات ويتسلم منها المعلومات. وهكذا كتب بحثًا فيما يخص الإحصائيات الجغرافية، في غاية الجودة والإتقان والعلمية.
أما الآخر: فإما أنه سيسيح دومًا طوال خمسين سنة ويقتحم المصاعب والمهالك ليشاهد تلك الأماكن بنفسه وليسمع الأحداث بنفسه.. أو ينفق ملايين الليرات ليمدّ أسلاك الهاتف
— 317 —
كما هي للدولة، ويكون مالكًا لأجهزة المخابرة البرقية كما للسلطان كي يكون بحثُه قيّمًا كبحث صاحبه. وللّٰه المثل الاعلى إذا أُسندت المخلوقات غير المحدودة والأشياء غير المعدودة إلى الواحد الأحد، فكل شيء عندئذ يكون مظهر بذلك الإرتباط، ويكون موضعَ تجلٍ من ذلك النور الأزلي، فيمدّ علاقات ارتباطه بقوانين حكمته، وبدساتير علمه، وبنواميس قدرته جل وعلا، وعندها يرى كل شيء بحول اللّٰه وبقوته، ويحظى بتجلٍ رباني يكون بمثابة بصره الناظر إلى كل شيء ووجهه المتوجه إلى كل شيء
وكلامه النافذ في كل شيء.
وإذا قُطع ذلك الانتساب، ينقطع أيضًا كل شيء من الأشياء عن ذلك الشيء. وينكمش الشيء بقدر جِرمه. وفي هذه الحالة عليه أن يكون صاحب أُلوهية مطلقة ليتمكن من أن يجري ما يجري في الوضع الأول!!
زبدة الكلام: إن في طريق الوحدة والإيمان سهولةً مطلقة بدرجة الوجوب، بينما في طريق الشرك والأسباب والكثرة مشكلات وصعوبات بدرجة الامتناع، لأن الواحد يعطي وضعًا معينًا لكثير من الأشياء، ويستحصل منها نتيجة معينة دون عناء، بينما لو أُحيل اتخاذ ذلك الوضع واستحصال تلك النتيجة إلى تلك الأشياء الكثيرة، لما أمكن ذلك إلّا بتكاليف وصعوبات كثيرة جدًّا وبحركات كثيرة جدًّا.
فكما ذُكر في "المكتوب الثالث": إن جولان جيوش النجوم وجريانها في ميدان السماوات تحت رياسة الشمس والقمر وإعطاء كل ليلة وكل سنة منظرًا رائعًا بهيجًا، منظرًا للذِكر والتسبيح، ووضعًا مؤنسًا جذّابًا، وتبديل المواسم وإيجاد أمثالها من المصالح والنتائج الأرضية الحكيمة الرفيعة.. إذا أُسندت هذه الأفعال إلى الوحدة فذلك السلطان الأزلي يجريها بكل سهولة ويُسر كتحريك جندي واحد، مسخرًا الأرض -التي هي كجندي في جيش السماوات- ومعيّنًا إياها قائدًا عامًا على الأجرام العلوية. وبعد تسلّمها الأمر تنتشي بنشوة التوظيف وتهتز لسماعها كالمولوي في انجذاب واشتياق، فتحصل تلك النتائج المهمة، وذلك الوضع الجميل بتكاليف قليلة جدًّا.
— 318 —
ولكن إذا قيل للأرض: قفي لا تتدخلي في الأمر وأُحيل استحصال تلك النتيجة وذلك الوضع إلى السماوات نفسها، وسُلكت طريق الكثرة والشرك بدل الوحدة، يلزم عندئذٍ أن تقطع ملايين النجوم كلٌّ منها أكبر بألوف المرات من الكرة الأرضية، أن تقطع كل يوم وكل سنة مسافة مليارات السنين في أربع وعشرين ساعة.
نتيجة الكلام: إنَّ القرآن الكريم يفوض أمر المخلوقات غير المحدودة إلى الصانع الواحد، ويسند إليه كل شيء مباشرة، فيسلك طريقًا سهلًا بدرجة الوجوب، ويدعو إليها وكذلك يفعل المؤمنون.
أما أهل الشرك والطغيان فإنهم بإسنادهم المصنوع الواحد إلى أسباب لا حدّ لها يسلكون طريقًا صعبًا إلى درجة الامتناع. فجميع المصنوعات في مسلك القرآن مساوية لمصنوع واحد في هذا المسلك، بل إن صدور جميع الأشياء من الواحد الأحد أسهل وأهون بكثير من صدور شيء واحد من أشياء لا حدّ لها. حيث إن ضابطًا واحدًا يدبّر أمر ألف جندي بسهولة أمر جندي واحد، بينما إذا أُحيل تدبير أمر جندي واحد إلى ألفٍ من الضباط فالأمر يستشكل ويصعب بألف ضعف وضعف وتنشأ الاختلاطات والاضطرابات والمماحكات.
وهكذا تُنیزل الآية الكريمة الآتية ضرباتها القوية وصفعاتها على رأس أهل الشرك وتصدّعه:
ضَربَ اللّٰه مثلًا رجلًا فيه شركاءُ متشاكسون ورجُلًا سَلَمًا لرجلٍ هل يستويان مثلًا الحمد للّٰه بل اكثرهم لايعلمون
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 319 —
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ ذَرَّاتِ الْكَائِنَاتِ وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه أَجْمَعينَ. أٰمينَ. وَالْحَمْدُ للّٰه رَبِّ الْعَالَمينَ
اَللّٰهمَّ يَا أَحَدُ يَا وَاحِدُ يَا صَمَدُ. يَا مَنْ لاَ إِلٰهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ. يَا مَنْ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. وَيَا مَنْ يُحْيي وَيُميتُ. يَا مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ. يَا مَنْ هُوَ عَلٰى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ. يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمَصيرُ بِحَقِّ أَسْرَارِ هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ اجْعَلْ نَاشِرَ هٰذِهِ الرِّسَالَةِ وَرُفَقَائَهُ وَصَاحِبَهَا سَعيدًا مِنَ الْمُوَحِّدينَ الْكَامِلينَ وَمِنَ الصِّدّيقينَ الْمُحَقِّقينَ وَمِنَ الْمُؤْمِنينَ الْمُتَّقينَ. أٰمينَ.
أَللّٰهمَّ بِحَقِّ سِرِّ أَحَدِيَّتِكَ إِجْعَلْ نَاشِرَ هٰذَا الْكِتَابِ نَاشِرًا لِأَسْرَارِ التَّوْحيدِ وَقَلْبَهُ مَظْهَرًا لِأَنْوَارِ الْإيمَانِ وَلِسَانَهُ نَاطِقًا بِحَقَائِقِ الْقُرْأٰنِ أٰمينَ أٰمينَ أٰمينَ.
— 320 —

المكتوب الحادي والعشرون

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وقضى ربُّك الّا تعبدُوا الّا ايّاهُ وبالوالِدَين إحسانًا إمّا يَبْلُغَنّ عِنْدَكَ الكِبَرَ اَحَدُهما أو كلاهما فلا تَقُلْ لَهُما اُفٍّ ولا تَنْهَرهُما وَقُل لهما قولًا كريمًا٭ واخفض لهما جناح الذلِّ من الرحمة، وقل ربِّ ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا٭ ربُّكُم أعلمُ بما في نفوسِكُمْ ان تكونوا صالحين فانه كان للأوابين غفورًا
(الإسراء: ٢٣-٢٥)
أيها الغافل، ويا من يسكن في بيته أبٌ شيخ، أو أمٌ عجوز، أو أحدٌ من ذوى قرباه، أو أخ في الدين مُقعَد، أو شخص عاجز عليل.. انظر إلى هذه الآية الكريمة بدقة وإمعان، انظر كيف أنَّ آية واحدة تجلب للوالدين العجوزين خمسةَ أنواع من الرحمة بصور مختلفة وأشكال متعددة؟ نعم، إنَّ أسمى حقيقة في الدنيا هي شفقةُ الأمهات والآباء حيال أولادهم، وإن أعلى الحقوق كذلك هو حقُّ احترامهم مقابل تلك الشفقة والرأفة؛ ذلك لأنهم يضحّون بحياتهم فدًى لحياة أولادهم بكل لذة وسعادة. ولذلك فإن كل ولد -إنْ لم تسقط إنسانيتُه ولم ينقلب بعدُ إلى وحش- لا بد أن يوقّر بإخلاص أولئك الأحبة المحترمين، المُضحّين الصادقين ويقوم
— 321 —
بخدمتهم خدمة صادقة، ويسعى لنيل رضاهم وإدخال البهجةِ في قلوبهم. إن العمّ والعمة هما في حُكم الأب، وإن الخالة والخال في حُكم الأم. فاعلم ما أشد انعدامًا للضمير استثقال وجود هؤلاء الشيوخ الميامين واسترغاب موتهم! بل ما أشدَّه من دناءة ووضاعة بالمرّة. اعلم هذا.. واصحُ!
أجل افهم، ما أقذرَه من ظلم وما أفظعَه من انعدام للضمير أن يتمنّى متمنٍّ زوال الذي ضحّى بحياته كلها في سبيل حياته هو!
أيها الإنسان المُبتلى بهموم العيش! اعلم أن عمود بركةِ بيتك ووسيلةَ الرحمة فيه، ودافع المصيبة عنه، إنما هو ذلك الشيخ، أو ذلك الأعمى من أقربائك الذي تستثقله. لا تقل أبدًا: إن معيشتي ضنك، لا أستطيع المداراة فيها!.. ذلك لأنه لو لم تكن البركةُ المقبلة من وجوه أولئك، لكان ضنكُ معيشتك أكثر قطعًا. فَخُذْ مني هذه الحقيقة، وصدّقها، فإنني أعرف لها كثيرًا من الأدلة القاطعة، وأستطيع أن أحملك على التصديق بها كذلك. ولكن، لئلا يطول الأمر فإنني أُوجزها. كن واثقًا جدًّا من كلامي هذا. أقسم باللّٰه أن هذه الحقيقة هي في منتهى القطعية، حتى إن نفسي وشيطاني أيضًا قد استسلما أمامَها. فلا غرو أن الحقيقة التي أغاظت شيطاني وأسكتته وحطمت عناد نفسي الأمّارة بالسوء لا بد أنها تستطيع أن تُقنعك أيضًا.
أجل؛ إن الخالق ذا الجلال والإكرام الذي هو الرحمن الرحيم وهو اللطيف الكريم -بشهادة ما في الكون أجمع- حينما يُرسل الأطفال إلى الدنيا فإنه يرسل أرزاقَهم عَقِبَهم مباشرة في منتهى اللطف؛ كانقذاف ما في الأثداء وتفجيره كالينابيع إلى أفواههم، كذلك فإن أرزاق العَجَزة -الذين دخلوا في عداد الأطفال بل هم أحقُّ بالمرحمة وأحوجُ إلى الرأفة- يرسلها لهم سبحانه وتعالى بصورة بَرَكَة، ولا يحمّل الأشحّاء من الناس إعاشة هؤلاء ولا يدَعها لهم.
فالحقيقة التي تفيدها الآيات الكريمة:
انّ اللّٰه هو الرزّاق ذو القوةِ المتين
(الذاريات: ٥٨)
وكأيّن من دابّةٍ لا تحمِلُ رِزقَها اللّٰه يرزُقها واياكم وهو السميع العليم
(العنكبوت: ٦٠) حقيقة ذاتُ كرمٍ ينطق بها وينادى بلسان حالها جميعُ المخلوقات المتنوعة من الأحياء. وليس الشيوخ الأقرباء وحدَهم يأتيهم رزقُهم رغدًا بصورة بَركة بل رزقُ حتى بعض المخلوقات التي وهِبت لمصاحبة الإنسان وصداقته كأمثال القطط. فإن أرزاقها تُرسل ضمن رزق الإنسان،
— 322 —
وتأتي بصورة بَركة أيضًا. ومما يؤيد هذا، ما شاهدتُه بنفسي من مثال، وهو: كانت لي حصة من الغذاء كل يوم -كما يعلم أحبّائي القريبون- قبل سنتين أو ثلاث وهي نصف رغيف، وكان رغيف تلك القرية صغيرًا، وكثيرًا ما كان لا يكفيني.. ثم جاءني أربعُ قطط ضيوفًا، وقد كفاني ذلك الغذاء وكفاهم. بل غالبًا كانت تبقى منه فضلةٌ وزيادة.
هذه الحالة قد تكررت عندي بحيث أعطتني قناعة تامة من أنني أنا الذي كنت أستفيد من بركات تلك القطط! وأنا أعلن إعلانًا قاطعًا الآن أن تلك القطط ما كانت حِملًا ولا عبئًا عليّ ولم تكن تبقى تحت منّتي، وإنما أنا الذي كنت أبقى تحت منّتها.
أيها الإنسان! إنَّ حيوانًا شبه مفترس يأتي ضيفًا إلى بيت يكون محورًا للبركة، فكيف إذا حلّ في البيت من هو أكرمُ المخلوقات وهو الإنسان؟ ومن هو أكملُهم من بين الناس وهو المؤمن؟ ومن هو من العجزة والمعلولين المعمّرين من بين أهل الإيمان؟ ومن هو أكثر أهلًا للخدمة والمحبة من بين المعلولين والمعمّرين وأولى من يستحقونها وهم الأقربون؟ ومن هم أخلص صديق وأصدق محب من بين هؤلاء الأقربين وهم الوالدان؟! كيف بهم إذا حلوا في البيت. فلَك أن تقيس، ما أعظمَها من وسيلة للبركة، ومن وساطة لجلب الرحمة ومن سبب لدفع المصيبة، كما يتضمنه معنى الحديث الشريف:
(لولا الشيوخ الركع لصُبّ عليكم البلاء صبًا).
[٭]: الزبيدي، تارج العروس ٥/٥٢٤٣؛ وانظر: أبو يعلى، المسند ١١/٢٨٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٣٠٩؛ البيهقي، السنن الكبرى ٣/٣٤٥.
إذن أيها الإنسان! تأمل.. واعتبر واعلم أنك إن لم تمُت فلا مناص من أن تصير شيخًا عجوزًا، فإن لم تحترم والديك، فسيأتي عليك يوم لا يوقّرك أولادُك ولن يحترموك، وذلك بما أودع اللّٰه من سرّ في "الجزاء من جنس العمل". لذا.. إنْ كنت محبًّا لآخرتك فدونك كنیزٌ عظيم ألا وهو: اخدمهما وَنَلْ رضاهما. وإن كنت تحب الدنيا فارضِهما كذلك واشكر لهما. حتى تمضي حياتُك براحة، وحتى يأتي رزقُك ببركة من ورائهم. وإلّا.. فإن استثقال هؤلاء وتمني موتهم وتجريح قلوبهم الرقيقة الحساسة يجعلك ممن تنطبق عليه حقيقة الآية الكريمة:
خسر الدنيا والاخرة
(الحج: ١١).
— 323 —
وإذا كنت تريد رحمة الرحمن الرحيم فارحم ودائعَ ذلك الرحمن، وما استودعك في بيتك من أمانات.
كان لي أخ من إخوان الآخرة وهو "مصطفى جاووش" وكنت أراه موفّقًا في دينه ودنياه معًا. ولم أكن أعرف السر. ثم علمت سبب ذلك التوفيق وهو: أن هذا الرجل الصالح كان قد علم حقوق أمه وأبيه، وأنه راعى تلك الحقوق حقَّ رعايتها. فكان أن وجد الراحة والرحمة ببركة وجوههم. وأرجو أن يكون قد عمّر آخرتَه كذلك إن شاء اللّٰه. فمن أراد أن يكون سعيدًا فليقتَدِ به، وليكن مثله.
اَللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مَنْ قَالَ: (اَلْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ)
[٭]: القضاعي، مسند الشهاب ١/١٠٢؛ الديلمي، المسند ٢/١١٦. وانظر: النسائي، الجهاد ٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤٢٩.
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 324 —

المكتوب الثاني والعشرون

بِاسْمِهِ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
هذا المكتوب عبارة عن مبحثين:
المبحث الأول يدعو أهل الإيمان إلى الأخوة والمحبة.
المبحث الأول
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اِنَّمَا الیمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَاَصْلِحُوا بَيْنَ اَخَوَيْكُم
(الحجرات: ١٠)
اِدْفَعْ بِالّتیي هِیيَ اَحْسَینُ فَاِذَا الَّیذي بَيْنَكَ وَبَيْینَیهُ عَدَاوَةٌ كَاَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ
(فصلت: ٣٤)
وَالْكَاظِمينَ الْیغَییيْظَ وَالْیعَیافِينَ عَینِ النَّاسِ واللّٰه يُحِیبُّ الْیمُحْسِنينَ
(آل عمران: ١٣٤)
إن ما يسببه التحيّز والعناد والحسد من نفاق وشقاق في أوساط المؤمنين، وما يوغر في صدورهم من حقدٍ وغلٍ وعداء، مرفوضٌ أصلًا. ترفضه الحقيقةُ والحكمة، ويرفضه
— 325 —
الإسلامُ الذي يمثل روح الإنسانية الكبرى. فضلا عن أن العداء ظلمٌ شنيع يفسد حياة البشر: الشخصيةَ والاجتماعية والمعنوية، بل هو سمٌ زعاف لحياة البشرية قاطبة.
سنبين "ستة أوجه" من وجوه كثيرة لهذه الحقيقة.
الوجه الأول: إنَّ عداء الإنسان لأخيه المؤمن ظلمٌ في نظر الحقيقة.
فيا من امتلأ صدرُه غِلًا وعداءً لأخيه المؤمن، ويا عديم المروءة! هب أنك في سفينة أو في دار ومعك تسعةُ أشخاص أبرياء ومجرم واحد. ورأيت من يحاول إغراق السفينة أو هدم الدار عليكم، فلا مراء أنك -في هذه الحالة- ستصرخ بأعلى صوتك محتجًّا على ما يرتكبه من ظلم قبيح، إذ ليس هناك قانون يسوّغ إغراق سفينة برمتها ولو كانت تضم تسعة مجرمين طالما فيها بريء واحد.
فكما أن هذا ظلم شنيع وغدرٌ فاضح، كذلك انطواؤك على عداء وحقد بالمؤمن الذي هو بناء رباني وسفينة إلهية، لمجرد صفةٍ مجرمة فيه، تستاءُ منها أو تتضرر، مع أنه يتحلى بتسع صفات بريئة بل بعشرين منها: كالإيمان والإسلام والجوار.. الخ. فهذا العداء والحقد يسوقُك حتمًا إلى الرغبة ضمنًا في إغراق سفينة وجوده، أو حرق بناء كيانه. وما هذا إلّا ظلم شنيع وغدرٌ فاضح.
الوجه الثاني: العداء ظلم في نظر الحكمة، إذ العداء والمحبّة نقيضان. فهما كالنور والظلام لا يجتمعان معًا بمعناهما الحقيقي أبدًا. فإذا ما اجتمعت دواعي المحبة وترجّحت أسبابُها فأرست أُسسَها في القلب، استحالت العداوةُ إلى عداء صوري، بل انقلبت إلى صورة العطف والإشفاق، إذ المؤمن يحب أخاه، وعليه أن يودّه، فأيّما تصرّف مشين يصدر من أخيه يحمِله على الإشفاق عليه، وعلى الجد في محاولة إصلاحه باللين والرفق دون اللجوء إلى القوة والتحكم. فقد ورد في الحديث الشريف: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).[٭]: البخاري، الأدب ٥٧ ،٦٢، الاستئذان ٩؛ مسلم، البر ٢٣، ٢٥، ٢٦.
— 326 —
أما إذا تغلبت أسبابُ العداوة والبغضاء وتمكّنت في القلب، فإن المحبة تنقلب عندئذ إلى محبة شكلية تلبس لبوس التصنع والتملق.
فاعلم إذن أيها الظالم! ما أشدَّه من ظلم أن يحمل المؤمن عداءً وحقدًا لأخيه! فكما أنك إذا استعظمتَ حصيّات تافهة ووصفتَها بأنها أسمى من الكعبة المشرّفة وأعظم من جبل أُحد، فإنك بلا شك ترتكب حماقة مشينة، كذلك هي حماقةٌ مثلها إن استعظمت زلّات صدرتْ من أخيك المؤمن واستهولتَ هفواته التي هي تافهة تفاهة الحصيات، وفضلتَ تلك الأمور التافهة على سمو الإيمان الذي هو بسمو الكعبة، ورجّحتها على عظمة الإسلام الذي هو بعظمة جبل أُحد. فتفضيلُك ما بدر من أخيك من أمور بسيطة على ما يتحلى به من صفات الإسلام الحميدة ظلمٌ وأي ظلم! يدركه كلُّ من له مسكة من عقل!
نعم، إن وحدة الإيمان يستدعي حتمًا توحيد قلوب المؤمنين. ووحدة العقيدة أيضا تقتضي وحدةَ المجتمع. فأنت تستشعر بنوع من الرابطة مع من يعيش معك في طابور واحد، وبعلاقة صداقة معه إن كنت تعمل معه تحت إمرة قائد واحد، بل تشعر بعلاقة أخوة معه لوجودكما في مدينة واحدة، فما بالك بالإيمان الذي يهب لك من النور والشعور ما يريك به من علاقات الوحدة الكثيرة، وروابط الاتفاق العديدة، ووشائج الأخوة الوفيرة ما تبلغ عدد الأسماء الحسنى. فيرشدك مثلًا إلى: أن خالقكُما واحد، مالككُما واحد، معبودكما واحد، رازقكما واحد.. وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ الألف. ثم، إن نبيَّكما واحد، دينكما واحد، قبلتكما واحدة، وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ المائة. ثم، إنكما تعيشان معًا في قرية واحدة، تحت ظل دولة واحدة، في بلاد واحدة.. وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ العشرة.
فلئن كان هناك إلى هذا القدر من الروابط التي تستدعي الوحدة والتوحيد والوفاق والاتفاق والمحبة والأخوة، ولها من القوة المعنوية ما يربط أجزاء الكون الهائلة، فما أظلمَ من يعرِض عنها جميعًا ويفضّل عليها أسبابًا واهية أوهنَ من بيت العنكبوت، تلك التي تولد الشقاق والنفاق والحقد والعداء. فيوغر صدرَه عداءً وغِلًا حقيقيًا لأخيه المؤمن! أليس هذا إهانة بتلك الروابط التي توحّد؟ واستخفافًا بتلك الأسباب التي توجب المحبة؟ واعتسافًا لتلك العلاقات التي تفرض الأخوة؟ فإن لم يكن قلبُك ميتًا ولم تنطفئ بعدُ جذوة عقلك فستدرك هذا جيدًا.
— 327 —
الوجه الثالث: إن الآية الكريمة:
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى
(الأنعام: ١٦٤) تفيد العدالة المَحضة، أي لا يجوز معاقبة إنسان بجريرة غيره. فترى القرآن الكريم ومصادر الشريعة الأخرى وآداب أهل الحقيقة والحكمة الإسلامية كلها تنبّهك إلى: أن إضمار العداء للمؤمن والحقد عليه ظلم عظيم، لأنه إدانة لجميع الصفات البريئة التي يتصف بها المؤمن بجريرة صفة جانية فيه. ولا سيما امتداد العداء إلى أقاربه وذويه بسبب صفةٍ تمتعض منها، فهو ظلمٌ أعظم، كما وصفه القرآن الكريم بالصيغة المبالغة: اِنَّ الاِنْسَانَ لَظَلُومٌ (إبراهيم: ٣٤) أفبعد هذا تجد لنفسك مبررات وتدّعي أنك على حق؟
فاعلم! أَنّ المفاسد التي هي سبب العداء والبغضاء كثيفة في نظر الحقيقة، كالتراب والشر نفسه، وشأن الكثيف أنه لا يسرى ولا ينعكس إلى الغير -إلّا ما يتعلمه الإنسان من شر من الآخرين- بينما البرّ والإحسان وغيرهما من أسباب المحبة فهي لطيفة كالنور وكالمحبة نفسها، ومن شأن النور الانعكاس والسرَيان إلى الغير. ومن هنا سار في عداد الأمثال: "صديقُ الصديق صديقٌ". وتجد الناس يرددون: "لأجل عينٍ أَلفُ عين تُكرَم".
فيا أيها المُجحف! إنْ كنت تروم الحقَّ، فالحقيقة هي هذه، لذا فإن حملَك عداءً مع أقارب ذلك الذي تَكره صفةً فيه، وحقدَك على ذويه المحبوبين لديه، خلافٌ للحقيقة وأي خلاف!
الوجه الرابع: إن عداءك للمؤمن ظلمٌ مبين، من حيث الحياة الشخصية. فإن شئت فاستمع إلى بضعة دساتير هي أساس هذا الوجه الرابع:
الدستور الأول: عندما تعلم أنك على حق في سلوكك وأفكارك يجوز لك أن تقول: "إن مسلكي حق أو هو أفضل" ولكن لا يجوز لك أن تقول: "إن الحق هو مسلكي أنا فحسب". لأن نظرك الساخط وفكرَك الكليل لن يكونا محكًّا ولا حَكَمًا يقضي على بطلان المسالك الأخرى، وقديمًا قال الشاعر:
— 328 —
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ وَلكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِى الْمَسَاوِيَا
[٭]: لعبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر بن أبى طالب (أدب الدنيا والدين ص٣٧) والبيت منسوب للإمام الشافعي أيضا. (ديوان الشافعي ص٩١) طبعة دار النور-بيروت. وفيه: كما ان عين السخط .
الدستور الثاني: "عليك أن تقول الحقَّ في كل ما تقول، ولكن ليس لك أن تذيع كل الحقائق. وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صوابًا أن تقول كل صدق".
لأن مَنْ كان على نية غير خالصة -مثلك- يُحتمل أن يثير المقابلَ بنصائحه فيحصل عكس المراد.
الدستور الثالث: إن كنت تريد أن تعادي أحدًا فعادِ ما في قلبك من العداوة، واجتهد في إطفاء نارها واستئصال شأفتها. وحاول أن تُعادي مَن هو أعدى عدوك وأشدّ ضررًا عليك، تلك هي نفسُك التي بين جنبيك. فقاوم هواها، واسعَ إلى إصلاحها، ولا تعادِ المؤمنين لأجلها. وإن كنتَ تريد العداء أيضًا فعادِ الكفار والزنادقة، فهم كثيرون. واعلم أن صفة المحبة محبوبةٌ بذاتها جديرة بالمحبة، كما أن خصلة العداوة تستحق العداء قبل أي شيء آخر.
وإن أردت أن تغلب خصمَك فادفع سيئَتَه بالحسنة، فبه تخمد نارُ الخصومة. أما إذا قابلت إساءته بمثلها فالخصومةُ تزداد. حتى لو أصبح مغلوبًا -ظاهرًا- فقلبه يمتلئ غيظًا عليك، فالعداءُ يدوم والشحناء تستمر. بينما مقابلته بالإحسان تسوقُه إلى الندم، وقد يكون صديقًا حميمًا لك، إذ إن من شأن المؤمن أن يكون كريمًا، فإن أكرمتَه فقد ملكتَه وجعلته أخًا لك، حتى لو كان لئيمًا -ظاهرًا- إلّا أنه كريم من حيث الإيمان، وقد قال الشاعر:
اذَا اَنْتَ اَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَاِنْ اَنْتَ اَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدًا
[٭]: البيت للمتنبي. انظر العرف الطيب في شرح ديوان أبى الطيب. ص ٣٨٧- دار القلم، بيروت.
نعم، إن الواقع يشهد: أن مخاطبة الفاسد بقولك له: "إنك صالح، إنك فاضل..". ربما يدفعه إلى الصلاح، وكذا مخاطبة الصالح: "إنك طالح، إنك فاسد..". ربما يسوقه إلى الفساد، لذا استمع بأذن القلب إلى قوله تعالى:
وَاِذَا مَرّوُا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
(الفرقان: ٧٢)،
وَاِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتغْفِروُا فَاِنَّ اللّٰه غَفُورٌ رَحيمٌ
(التغیابین: ١٤) وأمثالها من الدساتير القرآنية المقدسة، ففيها التوفيق والنجاح والسعادة والأمان.
— 329 —
الدستور الرابع: إن الذي يملأ قلبَه الحقد والعداوة تجاه إخوانه المؤمنين إنما يظلم نفسه أولا، علاوة على ظلمه لإخوانه، فضلا عن تجاوزه حدودَ الرحمة الإلهية، حيث يوقع نفسه بالحقد والعداوة في عذاب أليم، فيقاسيها عذابًا كلما رأى نعمةً حلّت بخصمه، ويعانيها ألمًا من خوفه. وإن نشأت العداوةُ من الحسد فدونه العذاب الأليم، لأنَّ الحسد أشدُّ إيلامًا للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبَه بلهيبه، أما المحسود فلا يمسه من الحسد شيء، أو يتضرر طفيفًا.
وعلاج الحسد هو: أن يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده، ويتأمل فيها، ليدرك أن ما ناله محسودُه من أعراض دنيوية -من مال وقوة ومنصب- إنما هي أعراض زائلة فانية. فائدتُها قليلة، مشقتها عظيمة.
أما إذا كان الحسد ناشئًا من دوافع أخروية، فلا حسد أصلا. ولو تحرك عرقُ الحسد حتى في هذه الأمور، فالحاسد إما أنه مُراء، يُحبط حسناتِه الأخروية في الدنيا. أو أنه يسيء الظن بمحسوده فيظلمه.
ثم إن الحاسد في حسده يسخط على قدر اللّٰه، لأنه يحزن من مجيء فضلٍ من اللّٰه ورحمته على محسوده، ويرتاح من نزول المصائب عليه، أي كأنه ينتقد القدرَ الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة. ومعلوم أن من ينتقد القدرَ كمن يناطح الجبل، ومن يعترض على الرحمة الإلهية يُحرم منها.
تُرى هل من إنصافٍ يرضى أن يمتلئ صدرُ المؤمن لسنةٍ كاملة غيظًا وحقدًا على أخيه لشيء جزئي تافه لا يساوي العداءَ عليه ليوم واحد؟! علمًا أنه لا ينبغي أن تنسب السيئة التي أتتك من أخيك المؤمن إليه وحده وتدينه بها لأن:
أولًا: القدرُ الإلهي له حظُّه في الأمر، فعليك أن تستقبل حظَّ القدر هذا بالرضى والتسليم.
ثانيًا: إن للشيطان والنفس الأمارة بالسوء حظَّهما كذلك.
فإذا ما أخرجتَ هاتين الحصتين لا يبقى أمامَك إلا الإشفاق على أخيك بدلًا من عدائه.
— 330 —
لأنك تراه مغلوبًا على أمره أمام نفسه وشيطانه. فتنتظر منه بعد ذلك الندمَ على فعلته وتأمُلُ عودته إلى صوابه.
ثالثًا: عليك أن تلاحظ في هذا الأمر تقصيرات نفسك، تلك التي لا تراها أو لا ترغب أن تراها.
فاعزِل هذه الحصة أيضًا مع الحصتين السابقتين، تَرَ الباقي حصةً ضئيلة جزئية، فإذا استقبلتَها بهمّة عالية وشهامة رفيعة أي بالعفو والصفح، تنجو من ارتكاب ظلم وتتخلص من إيذاء أحد. بينما إذا قابلت إساءته بحرص شديد على توافه الدنيا -كأنك تخلد فيها- وبحقد مستديم وعداء لا يفتر، فلا جرم أن تنطبق عليك صفة ظلومًا جهولًا وتكون أشبه بذلك اليهودي الأحمق الذي صرف أموالًا طائلة لقطعٍ زجاجية لا تساوي شيئًا وبلورات ثلجية لا تلبث أن تزول، ظنّا منه أنها الألماس.
وهكذا فقد بسطنا أمامك ما يسببه العداءُ من أضرار لحياة الإنسان الشخصية.
فإن كنت حقًا تحب نفسك فلا تفسح له مجالًا ليدخل قلبَك، وإن كان قد دخل فعلًا واستقر فلا تصغ إليه، بل استمع إلى حافظ الشيرازي ذي البصيرة النافذة إلى الحقيقة. إنه يقول:
دُنْيَا نَه مَتَاعِيسْتِى كِه اَرْزَدْ بَنِزَاعِى
أي "إن الدنيا كلها لا تساوي متاعًا يستحق النیزاع عليه".
فلئن كانت الدنيا العظيمة وبما فيها تافهة هكذا، فما بالك بجزء صغير منها. واستمع إليه أيضًا حيث يقول:
آسَايِشِ دُو گِيتِى تَفْسِيرِ اِينْ دُو حَرْفَسْتْ بَادُوسِییتَانْ مُیرُوَّتْ بَادُشْییمَیینَانْ مُیدَارَا
أي "نيل الراحة والسلامة في كلا العالَمين توضّحه كلمتان: معاشرةُ الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملةُ الأعداء بالصفح والصفاء".
إذا قلت: إنَّ الأمر ليس في طوقي، فالعداءُ مغروز في كياني، مغمور في فطرتي، فليس لي خيار، فضلًا عن أنهم قد جرحوا مشاعري وآذوني، فلا أستطيع التجاوز عنهم.
— 331 —
فالجواب: الخُلق السيئ إن لم يُجرِ أثرَه وحُكمَه، وإن لم يُعمَل بمقتضاه كالغيبة مثلًا، وعَرف صاحبُه تقصيره، فلا ضير، ولا ينجم منه ضرر. فما دمتَ لا تملك الخيار من أمرك، ولا تستطيع أن تتخلص من العداء، فإن شعورك بأنك مقصّر في هذه الخصلة، وإدراكَك أنك لست على حق فيها، ينجيانك -بإذن اللّٰه- من شرور العداء الكامن فيك، لأن ذلك يعدّ ندمًا معنويًّا، وتوبة خفية، واستغفارًا ضمنيًا. ونحن ما كتبنا هذا المبحث إلا ليضمن هذا الاستغفار المعنوي، فلا يلتبس على المؤمن الحق والباطل، ولا يوصِم خصمَه المُحقّ بالظلم.
وقد مرت عليَّ حادثة جديرة بالملاحظة: رأيت ذات يوم رجلا عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل، بانحياز مُغرض حتى بلغ به الأمر إلى حدّ تكفيره، وذلك لخلافٍ بينهما حول أمور سياسية، بينما رأيته قد أثنى -في الوقت نفسه- على منافق يوافقه في الرأي السياسي!. فأصابتني من هذه الحادثة رِعدةٌ شديدة، واستعذت باللّٰه مما آلت إليه السياسةُ وقلت: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة".
ومنذئذٍ انسحبتُ من ميدان الحياة السياسية.
الوجه الخامس: هذا الوجه يبين مدى الضرر البالغ الذي يصيب الحياة الاجتماعية من جراء العناد والتنافر والتفرقة.
فإذا قيل:
لقد ورد في حديث شريف: (اِخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌّ)[٭]: النووي، شرح صحيح مسلم ١١/٩١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/١٥٩؛ السيوطي، تدريب الراوي ٢/١٧٥. والاختلاف يقتضي التفرق والتحزب والإعتداد بالرأي. وأيضا داء التفرق والاختلاف هذا فيه وجهٌ من الرحمة لضعفاء الناس من العوام، إذ ينقذهم من تسلّط الخواص الظلمة الذين إذا حصل بينهم اتفاقٌ في قرية أو قَصبة اضطهدوا هؤلاء الضعفاء ولكن إذا كانت ثمة تفرقةٌ بينهم فسيجد المظلوم ملجأً في جهة، فينقذ نفسه.
ثم إن الحقيقة تتظاهر جلية من تصادم الأفكار ومناقشة الآراء وتخالف العقول.
الجواب: نقول إجابة عن السؤال الأول:
— 332 —
إن الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الإيجابي البنّاء. ومعناه: أن يسعى كلُّ واحد لترويج مسلكِه وإظهارِ صحة وجْهتِه وصواب نظرته، دون أن يحاول هدمَ مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم، بل يكون سعيُه لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلًا. أما الاختلاف السلبي فهو محاولةُ كل واحد تخريب مسلك الآخرين وهدمه، ومبعثُه الحقدُ والضغينة والعداوة، فهذا النوع من الاختلاف مردود أصلًا في نظر الحديث، حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل إيجابي بنّاء.
وجوابًا عن السؤال الثاني نقول:
إن كان التفرق والتحزب لأجل الحق وباسمه، فلربما يكون ملاذَ أهل الحق، ولكن الذي نشاهده من التفرق إنما هو لأغراض شخصية ولهوى النفس الأمارة بالسوء. فهو ملجأ ذوي النيَّات السيئة بل متكأُ الظَلمة ومرتكزُهم، فالظلم واضح في تصرفاتهم. فلو أتى شيطان إلى أحدهم معاونًا له موافقًا لرأيه تراه يُثني عليه ويترحّم عليه، بينما إذا كان في الصف المقابل إنسانٌ كالملَك تراه يلعنه ويقذفه.
أما عن السؤال الثالث فنقول:
إن تصادم الآراء ومناقشة الأفكار لأجل الحق وفي سبيل الوصول إلى الحقيقة إنما يكون عند اختلاف الوسائل مع الاتفاق في الأسس والغايات، فهذا النوع من الاختلاف يستطيع أن يقدّم خدمةً جليلة في الكشف عن الحقيقة وإظهار كل زاوية من زواياها بأجلى صوَر الوضوح. ولكن إن كانت المناقشة والبحثُ عن الحقيقة لأجل أغراض شخصية وللتسلط والاستعلاء وإشباع شهوات نفوس فرعونية ونيل الشهرة وحب الظهور، فلا تتلمع بارقةُ الحقيقة في هذا النوع من بسط الأفكار، بل تتولد شرارةُ الفتن. فلا تجد بين أمثال هؤلاء اتفاقًا في المقصد والغاية، بل ليس على الكرة الأرضية نقطةُ تلاقٍ لأفكارهم، ذلك لأنه ليس لأجل الحق، فترى فيه الإفراط البالغ دون حدود، مما يُفضي إلى انشقاقات غير قابلة للالتئام. وحاضر العالَم شاهد على هذا..
وصفوة القول:
إن لم تكن تصرفاتُ المؤمن وحركاتُه وفقَ الدساتير السامية التي وضعها الحديث الشريف: (الحبُ في اللّٰه والبُغضُ في اللّٰه)[٭]: أبو داود، السنة ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٤٦؛ البزار، المسند ٩/٤٦١. وانظر: الطيالسي، المسند ١٠١؛ ابن أبى شيبة، المصنف ٦/١٧٠، ١٧٢، ٧/٨٠. والاحتكام إلى أمر اللّٰه في الأمور
— 333 —
كلها، فالنفاق والشقاق يسودان.. نعم، إن الذي لا يستهدي بتلك الدساتير يكون مقترفًا ظلمًا في الوقت الذي يروم العدالة.
حادثة ذات عبرة: في إحدى الغزوات الإسلامية، كان الإمام علي رضي اللّٰه عنه يبارز أحد فرسان المشركين فتغلب عليه الإمام وصرعه. فلما أراد الإمام أن يُجهِز عليه تفل على وجه الإمام. فما كان من الإمام إلّا أن أخلى سبيله وانصرف عنه، فاستغرب المشرك من هذا العمل.
فقال: إلى أين؟
قال الإمام: كنت أقاتلك في سبيل اللّٰه، فلما فعلتَ ما فعلت خشيت أن يكون قتلي إياك فيه ثأر لنفسي فأطلقتُك للّٰه.
فأجابه الكافر: كان الأولى أن تثيرَك فعلتي أكثر فتسرع في قتلي!. وما دمتم تدينون بدين هو في منتهى الإخلاص فهو بلا شك دين حق. [٭]: انظر: المثنوي الرومي، ترجمة الكفافي ج ١ ص٤٤٣.
وحادثة أخرى: عزل حاكم مسلم قاضيه، لمّا رأى منه شيئًا من الحدة والغضب أثناء قطعه يدَ السارق. فما ينبغي لمن ينفذ أمر اللّٰه أن يحمل شيئًا من حظّ نفسه على المحكوم، بل عليه أن يشفق -من حيث النفس- على حاله دون أن تأخذه رأفةٌ في تنفيذ حكم اللّٰه. وحيث إن شيئًا من حظّ النفس قد اختلط في الأمر وهو مما ينافي العدالة الخالصة فقد عُزل القاضي.
مرض اجتماعي خطر وحالة اجتماعية مؤسفة أصابت الأمة الإسلامية يَدْمَى لها القلب:
إنَّ أشد القبائل تأخرًا يدركون معنى الخطر الداهم عليهم، فتراهم ينبذون الخلافات الداخلية، وينسون العداوات الجانبية عند إغارة العدو الخارجي عليهم.
وإذ تقدّر تلك القبائلُ المتأخرة مصلحتَهم الاجتماعية حقَّ قدرِها، فما للذين يتولون خدمة الإسلام ويدعون إليه لا ينسون عداوتهم الجزئية الطفيفة فيمهّدون بها سبلَ إغارة الأعداء الذين لا يحصرهم العدّ عليهم؟! فلقد تراصف الأعداءُ حولَهم وأطبقوا عليهم من كل مكان.. إنَّ هذا الوضع تدهورٌ مخيف، وانحطاط مفجع، وخيانة بحق الإسلام والمسلمين.
— 334 —
وأذكرُ للمناسبة حكاية ذات عبرة:
كانت هناك قبيلتان من عشيرة "حَسنان" و كانت بينهما ثارات دموية، حتى ذهب ضحيتَها أكثرُ من خمسين رجلًا، ولكن ما إن يداهمهما خطرٌ خارجي من قبيلة "سبكان" أو "حيدران" إلّا تتكاتفان وتتعاونان وتنسيان كليًا الخلافات لحين صدّ العدوان.
فيا معشر المؤمنين، أتدرون كم يبلغ عددُ عشائر الأعداء المتأهبين للإغارة على عشيرة الإيمان؟ إنهم يزيدون على المائة وهم يحيطون بالإسلام والمسلمين كالحلقات المتداخلة. فبينما ينبغي أن يتكاتف المسلمون لصد عدوان واحد من أولئك، يعاند كلُّ واحد وينحاز جانبًا سائرًا وفق أغراضه الشخصية كأنه يمهّد السبيل لفتح الأبواب أمام أولئك الأعداء ليدخلوا حَرم الإسلام الآمن.. فهل يليق هذا بأمة الإسلام؟
وإن شئت أن تُعدّد دوائر الأعداء المحيطة بالإسلام، فهم ابتداء من أهل الضلالة والإلحاد وانتهاء إلى عالم الكفر ومصائب الدنيا وأحوالها المضطربة جميعها، فهي دوائرُ متداخلةٌ تبلغ السبعين دائرة، كلُّها تريد أن تصيبَكم بسوء، وجميعُها حانقةٌ عليكم وحريصة على الانتقام منكم، فليس لكم أمام جميع أولئك الأعداء الألدّاء إلّا ذلك السلاح البتّار والخندق الأمين والقلعة الحصينة، ألاَ وهي الأخوة الإسلامية. فأفِق أيها المسلم! واعلم أن زعزعة قلعة الإسلام الحصينة بحُجج تافهةٍ وأسباب واهية، خلافٌ للوجدان الحي وأيُّ خلاف ومناف لمصلحة الإسلام كليًا.. فانتبه!
ولقد ورد في الأحاديث الشريفة ما مضمونه: أن الدجال و السفياني وأمثالَهما من الأشخاص الذين يتولون أهل الزندقة والنفاق ويظهرون في آخر الزمان، يستغلون الشیقاق بين النیاس والمسلمين ويستفيدون من تكالبهم على حطیام الدنيیا، فيُهلكون البشیرية بقوة ضئيلة، وينشیرون الهیرجَ والمیرج بينها ويسيطرون على أمیة الإسلام ويأسیرونها.
أيها المؤمنون!
إن كنتم تريدون حقًا الحيیاة العزيزة، وترفضون الرضوخ لأغلال الذل والهوان، فأفيقوا من رقدَتِكم، وعودوا إلى رشدكم، وادخلوا القلعة الحصينة المقدسة: اِنَّمَا الْیمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ (الحجرات: ١٠) وحصّنوا أنفسكم بها من أيدي أولئك الظلمة الذين يستغلون خلافاتكم
— 335 —
الداخلية.. وإلّا تعجزون عن الدفاع عن حقوقكم بل حتى عن الحفاظ على حياتكم، إذ لا يخفى أن طفلًا صغيرًا يستطيع أن يضرب بَطَلين يتصارعان، وأن حصاة صغيرة تلعب دورًا في رفع كفة ميزان وخفض الأخرى ولو كان فيهما جبلان متوازنان.
فيا معشر أهل الإيمان!
إنَّ قوتكم تذهب أدراج الرياح من جراء أغراضكم الشخصية وأنانيتكم وتحزبكم، فقوةٌ قليلة جدًّا تتمكن من أن تذيقكم الذلَّ والهلاك. فإن كنتم حقًا مرتبطين بملة الإسلام فاستهدُوا بالدستور النبوي العظيم:
(المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًَا)[٭]: البخاري، الصلاة ٨٨؛ مسلم، البر ٦٥.
وعندها فقط تسلَمون من ذل الدنيا وتنجون من شقاء الآخرة.
الوجه السادس: إن الحياة المعنوية وصحة العبودية تتزعزعان بسبب العداء والعناد، إذ يضيع الإخلاص الذي هو واسطة الخلاص ووسيلة النجاة!. ذلك لأن المعاند الذي ينحاز إلى رأيه وجماعته يروم التفوقَ على خصمه حتى في أعمال البر التي يزاولها. فلا يوفَّق توفيقًا كاملًا إلى عمل خالص لوجه اللّٰه. ثم إنه لا يوفَّق أيضًا إلى العدالة، إذ يرجِّح في أحكامه ومعاملاته الموالين لرأيه الموافقين له على غيرهم.. وهكذا يضيع أساسان مهمان لبناء البِرّ "الإخلاص والعدالة" بالخصام والعداء.
إنَّ بحث هذا الوجه يطول، فلا يتسع هذا المقام أكثر من هذا القدر، فنكتفي به.
— 336 —

المبحث الثاني

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
اِنَّ اللّٰه هو الرَّزاقُ ذو القوةِ المتين
(الذاريات : ٥٨)
وكأيِّن من دآبةٍ لا تحملُ رزقها اللّٰه يرزقها واياكم وهو السميع العليم
(العنكبوت:٦٠)
أيها المؤمن: لقد أدركتَ مما سبق مدشدّا تتركه العداوةُ والبغضاء من أضرار جسيمة، فاعلم أن الحرص أيضًا داءٌ كالعداء بل هو أضرُّ على الحياة الإسلامية وأدهى عليها. نعم، الحرصُ بذاته سببُ الخيبة والخذلان، وداءٌ وبيل ومهانةٌ وذلّة، وهو الذي يجلب الحرمان والدناءة.
إنَّ الشاهد القاطع على هذا الحُكم على الحرص، هو ما أصاب اليهود من الذلة والمسكنة والهوان والسفالة لشدة تهالكهم على حطام الدنيا أكثر من أية أمةٍ أخرى.
والحرص يُظهِر تأثيرَه السيئ بدءًا من أوسع دائرة في عالم الأحياء وانتهاء إلى أصغر فرد فيه، بينما السعي وراء الرزق المكلّل بالتوكل مدارُ الراحة والاطمئنان ويُبرز أثَره النافع في كل مكان.
مثال ذلك: أن النباتات والأشجار المُثمرة المفتقرة إلى الرزق -وهي التي تعدّ نوعًا من الأحياء- تُهرَع إليها أرزاقُها سريعةً وهي منتصبةٌ في أماكنها متّسمةٌ بالتوكل والقناعة دون أن يبدو منها أثرٌ للحرص، بل تتفوق على الحيوانات في تكاثرها وتربية ما تولّد من ثمرات. أما الحيوانات فلا تحصل على أرزاقها إلَّا بعد جُهدٍ ومشقة وبكمية زهيدة ناقصة، ذلك لأنها تلهث وراءها بحرص، وتسعى في البحث عنها حثيثًا. حتى إننا نرى في عالم الحيوان نفسه أن الأرزاق تُسبَغ على الصغار الذين يعبِّرون عن توكلهم على اللّٰه بلسان حالات ضعفهم وعجزهم، فيُرسَل إليهم رزقُهم المشروع اللطيف الكامل من خزينة الرحمة الإلهية. بينما لا
— 337 —
تحصل الحيوانات المفترسة التي تنقضّ على فرائسها بحرص شديد إلّا بعد لأيٍ كبير وتحرٍ عظيم.
فهاتان الحالتان تبينان بوضوح: أن الحرص سبب الحرمان، أما التوكل والقناعة فهما وسيلتا الرحمة والإحسان.
ونرى الحال نفسه في عالم الإنسان إذ اليهود الذين هم أحرصُ الناس على حياة، ويستحبّون الحياةَ الدنيا على الآخرة، بل يعشقونها حب العاشق الولهان حتى سبقوا الأمم في هذا المجال، قد ضُربت عليهم الذلة والمهانة، وأُلحقت بهم حملات القتل بيد الأمم الأخرى.. كل ذلك مقابل حصولهم بعد عناء طويل على ثروة ربَوية محرَّمة خبيثة، لا ينفقون منها إلّا النیزر اليسير، وكأن وظيفتهم كنیزها وادخارَها فحسب.. فيبين لنا هذا الحال: إن الحرص معدن الذلة والخسة والخسارة في عالم الإنسانية.
وهناك وقائع كثيرة، وحوادث لا تدخل في الحصر بأن الحريص معرَّضٌ دائمًا للوقوع في حومة الخسران، حتى جرى "الحريص خائب خاسر" [٭]: الميداني، مجمع الأمثال ١/٢١٤. مجرى الأمثال الشائعة. واتخذه الجميع حقيقة عامة في نظرهم.
فما دام الأمر هكذا، إن كنت تحب المال حبًّا جمًا فاطلبه بالقناعة دون الحرص حتى يأتيك وافرًا.
ويمكن أن نشبّه القانعين من الناس والحريصين منهم بشخصين يدخلان مضيفًا كبيرًا أعدَّه شخص عظيم ذو شأن.. يتمنى أحدُهما من أعماقه قائلًا: لو أن صاحب الديوان يأويني مجرد إيواء، وأنجو من شدة البرد الذي في الخارج لكفاني، وحسبي ذلك. ولو سمح لي بأي مقعد متيسّر في أدنى موقع فهو فضلٌ منه وكرم. أما الآخر فيتصرف كأنَّ له حقًا على الآخرين، وكأنهم مضطرون أن يقوموا له بالاحترام والتوقير، لذا يقول في أعماقه بغرور: على صاحب الديوان أن يوفّر لي أرفعَ مقعد وأحسنه. وهكذا يدخل الديوانَ وهو يحمل هذا الحرص ويرمق المواقع الرفيعة في المجلس، إلّا أن صاحب الديوان يرجّعه ويردّه إلى أدنى موقع في المجلس، وهو بدوره يمتعض ويستاء ويمتلئ صدرُه غيظًا على صاحب الديوان. ففي الوقت الذي
— 338 —
كان عليه أن يقدّم الشكر الذي يستوجبه، قام بخلاف ما يجب عليه، وأخذ بانتقاد صاحب الديوان، فاستثقله صاحبُ الديوان، بينما رحّب بالشخص الأول الذي دخل الديوان وهو يشعّ تواضعًا يلتمس الجلوس في أدنى مقعد متوفر، إذ سرَّته هذه القناعة البادية منه والتي بعثت في نفسه الانشراحَ والاستحسان وأخذ يُرقّيه إلى أعلى مقام وأرقاه. وهو بدوره يستزيد من شكره ورضاه وامتنانه كلما صعدت به المراتب.
وهكذا الدنيا، ديوانُ ضيافة الرحمن. ووجه الأرض سُفرة الرحمة المبسوطة ومائدة الرحمن المنصوبة. ودرجات الأرزاق ومراتب النعمة بمثابة المقاعد المتباينة.
إنَّ سوء تأثير الحرص ووخامة عاقبته يمكن أن يشعر به كل واحد، حتى في أصغر الأمور وأدقها جزئية.
فمثلًا: يمكن أن يشعر كل شخص استياءً واستثقالًا في قلبه تجاه متسوّل يلحّ عليه بحرص شديد، حتى إنه يردَّه، بينما يشعر إشفاقًا وعطفًا تجاه متسول آخر وقف صامتًا قنوعًا، فيتصدق عليه ما وسعه.
ومثلًا: إذا أردت أن تغفو في ليلة أصبتَ فيها بالأرق.. فإنك تهجع رويدًا رويدًا إن أهملتَه ولم تبال به. ولكن إن حرصت على النوم وقلقت عليه وأنت تتمتم: تُرى متى أنام؟ أين النوم مني؟.. لتبدَّد النومُ ولفقدتَه كليًا.
ومثلا: تنتظر أحدهم بفارغ الصبر، وأنت حريص على لقائه لأمر مهم، فتشعر بالقلق قائلًا: لِمَ لم يأت.. ما بالُه تأخر؟ وفي النهاية يزيح الحرصُ الصبرَ من عندك، ويضطرك إلى مغادرة مكان الانتظار يائسًا. وإذا بالشخص المنتظر يحضر بعد هنيهة، ولكن النتيجة المرجوّة قد ضاعت وتلاشت.
إن السر الكامن في أمثال هذه الحوادث وحكمتَها هو: مثلما يترتب وجودُ الخبز على أعمال تتم في المزرعة، والبيدر، والطاحونة، والفرن، فإن ترتب الأشياء كذلك يقترن بحكمة التأنّي والتدرج، ولكن الحريص بسبب حرصه لا يتأنّى في حركاته ولا يراعي الدرجات والمراتب المعنوية الموجودة في ترتب الأشياء. فإما أنه يقفز ويطفر فيسقط، أو يدع إحدى المراتب ناقصةً فلا يرتقي لغايته المقصودة.
— 339 —
فيا أيها الإخوة المشدوهون من هموم العيش والهائمون في الحرص على الدنيا! كيف ترضَون لأنفسكم الذلة والمهانة في سبيل الحرص -مع أن فيه هذه الأضرار والبلايا- وتُقبلون على كل مالٍ دون أن تعبأوا أهوَ حلال أم حرام؟ وتضحون في سبيل ذلك بأمور جليلة وأشياء قيّمة تستوجبها الحياةُ الأخروية، حتى إنكم تَدَعون في سبيل الحرص ركنًا مهمًا من أركان الإسلام ألا وهو "الزكاة" علمًا أنها باب عظيم تفيض منه البَركةُ والغنى على كل فرد، وتدفع عنه البلايا والمصائب. فالذين لا يؤدون زكاة أموالهم لا محالة يفقدون أموالًا بقدرها ويبددونها إما في أمور تافهة لا طائل وراءها، أو تلمُّ بهم مصائبُ تنتزعها منهم انتزاعًا.
ولقد سُئلت في رؤيا خيالية عجيبة ذات حقيقة، وذلك في السنة الخامسة من الحرب العالمية الأولى، والسؤال هو:
ما السر في هذا الفقر والخصاصة التي أصابت الأمة الإسلامية، وما السر في التلف الذي أصاب أموالَهم وأهدرها، وفي العناء والمشاق التي رزحت تحته أجسادُهم؟
وقد أجبتُ عن السؤال في رؤياي بما يأتي:
إنَّ اللّٰه تعالى قد فرض علينا فيما رزقنا من ماله العُشر (٭): "من ماله العشر" أي جزء من عشرة أجزاء، مما يعطيه كالزروع. (المؤلف)
في قسم من الأموال، وواحدًا من أربعين (٭): "وواحدًا من أربعين" أي من المال القديم (كالعروض والمواشي) الذي ينتج اللّٰه منها في كل سنة على الأغلب عشرة بكرًا جديدًا. (المؤلف) في قسم آخر كي يجعلنا ننال ثوابَ أدعيةٍ خالصة تنطلق من الفقراء، ويصرفنا عما يُوغر صدورهم من الضغينة والحسد. إلّا أننا قبضنا أيدينا حرصًا على المال فلم نؤدّ الزكاة. فاسترجع سبحانه وتعالى تلك الزكاة المتراكمة علينا بنسبة ثلاثين من أربعين وبنسبة ثمانية من عشرة.
وطلب سبحانه منا أن نصوم لأجله ونجوع في سبيله جوعًا يتضمن من الفوائد والحِكَم ما يبلغ السبعين فائدة. طلبه منا أن نقوم به في شهر واحد من كل سنة، فعزَّت علينا أنفسُنا وأخذتنا الرأفة بها عن غير حق، وأبَينا أن نطيق جوعًا ممتعًا مؤقتًا، فما كان منه سبحانه إلّا مجازاتنا بنوع من صوم وجوع له من المصائب ما يبلغ السبعين مصيبة، وأرغمنا عليه طوال خمس سنوات متتالية.
— 340 —
وكذا، طلب منا سبحانه نوعًا من تنفيذ الأوامر والتعليمات الربانية الطيبة المباركة السامية النورانية نؤديها في ساعة واحدة من بين أربع وعشرين ساعة. فتقاعسنا عن أداء تلك الصلوات والأدعية والأذكار، فأضَعنا تلك الساعة الواحدة مع بقية الساعات. فكان منه أن كفَّر عنا سبحانه بما بدا منا من سيئات وتقصيرات، وجعلَنا نُرغَم على أداء نوع من العبادة والصلاة بتلقين التعليمات والتدريب ومن كرّ وفرّ وعَدْوٍ وإغارة وما إلى ذلك.. في غضون خمس سنوات متتابعة.
نعم، هكذا قلت في تلك الرؤيا. ثم أفقتُ منها، وفكرت متأملًا وتوصلت إلى حقيقة مهمة جدًّا تضمنتها تلك الرؤيا الخيالية وهي:
إنَّ هناك كلمتين اثنتين هما منشأ جميع ما آلت إليه البشرية في حياتهم الاجتماعية من تردٍّ في الأخلاق وانحطاط في القيم، وهما منبع جميع الاضطرابات والقلاقل. وقد بينّاهما وأثبتناهما في "الكلمة الخامسة والعشرين" عند عقدنا الموازنة بين الحضارة الحديثة وأحكام القرآن الكريم. والكلمتان هما:
الكلمة الأولى: "إن شبعتُ فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع".
الكلمة الثانية: "اكتسب أنت لآكل أنا واتعب أنت لأستريح أنا".
وأن الذي يديم هاتين الكلمتين ويغذّيهما هو: جريان الربا، وعدم أداء الزكاة.
وأن الحل الوحيد والدواء الناجع لهذين المرضين الاجتماعيين هو: تطبيق الزكاة في المجتمع وفرضها فرضًا عامًا. وتحريم الربا كليًا. لأن أهمية الزكاة لا تنحصر في أشخاص وجماعات معينة فقط، بل إنها ركن مهم في بناء سعادة الحياة البشرية ورفاهِها جميعًا، بل هي عمودٌ أصيل تتوطد به إدامة الحياة الحقيقية للإنسانية، ذلك لأن في البشرية طبقتين: الخواص والعوام. والزكاة تؤمِّن الرحمة والإحسان من الخواص تجاه العوام وتضمن الاحترامَ والطاعة من العوام تجاه الخواص. وإلّا ستنهال مطارقُ الظلم والتسلط على هامات العوام من أولئك الخواص، وينبعث الحقدُ والعصيان اللذان يضطرمان في أفئدة العوام تجاه الأغنياء الموسِرين. وتظل هاتان الطبقتان من الناس في صراع معنوي مستديم، وتخوضان غمار معمعة الاختلافات
— 341 —
المتناقضة، حتى يؤول الأمر تدريجيًا إلى الشروع في الاشتباك الفعلي والمجابهة حول العمل ورأس المال كما حدث في روسيا.
فيا أهلَ الكرم وأصحاب الوجدان، ويا أهل السخاء والإحسان! إنْ لم تقصدوا بالإحسانات التي تدفعونها نيّةَ الزكاة، ولم تكن باسمها فإن لها ثلاثة أضرار، بل قد تتلاشى سدًى دون نفع، ذلك لأنكم إن لم تمنحوها وتُحسنوا بها في سبيل اللّٰه وباسم اللّٰه فإنكم بلا شك ستبدون منّةً وتفضّلًا -معنًى- فتجعلون الفقير المسكين تحت أسارة المنَّة وتكبلونه بأغلالها. ومن ثم تظلون محرومين من دعائه الخالص المقبول، فضلًا عن أنكم تكونون جاحدين بالنعمة لما تظنون أنكم أصحاب المال. وفي الحقيقة لستم إلّا مستخلَفين مأمورين تقومون بتوزيع مال اللّٰه على عباده. ولكن إذا أدّيتم الإحسان في سبيل اللّٰه باسم الزكاة فإنكم تنالون ثوابًا عظيمًا، وتكسبون أجرًا عظيما، لأنكم قد أديتموه في سبيل اللّٰه. وأنتم بهذا العمل تبدون شكرًا للنعم التي أسبغها اللّٰه عليكم. فتنالون الدعاء المقبول من ذلك المحتاج المعوز حيث لم يضطر إلى التملّق والتخوّف منكم فاحتفظَ بكرامته وإبائه فيكون دعاؤه خالصًا.
نعم أين ما يُمنح من أموال بقدر الزكاة بل أكثر منها، والقيام بحسنات بشتى صوَرها ودفع صدقات مع اكتساب أضرار جسيمة أمثال الرياء والصيت مع المنَّة والإذلال، من أداء الزكاة والقيام بتلك الحسنات بنيتها في سبيل اللّٰه، واغتنام فضل القيام بفريضة من فرائض اللّٰه، وكسب ثواب منه سبحانه، والظفر بالإخلاص والدعاء المستجاب. ألا شتّان بين العطاءين!
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اللّٰهم صل على سيدنا محمد الذي قال: (المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا).
وقال: (الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى).
[٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٧/٨٤؛ البيهقي، الزهد ٢/٨٨.
وعلى آله وصحبه أجمعين.. آمين والحمد للّٰه رب العالمين.
— 342 —

خاتمة تخص الغيبة

لقد أظهر المثال المذكور ضمن أمثلة مقام الذم والزجر في النقطة الخامسة من الشعاع الأول من الشعلة الأولى للكلمة الخامسة والعشرين، وذلك في ذكر آية كريمة واحدة مدى شناعة الغيبة في نظر القرآن، اذ بيّنت الآية باعجاز كيف تنفّر الانسان عن الغيبة في ستة وجوه حتى أغنت عن كل بيان آخر.. نعم لا بيان بعد بيان القرآن ولا حاجة إليه.
إن قوله تعالى:
أيحبُ احدكُم انْ يأكل لحم اخيهِ ميتًا فكرهتُموه
(الحجرات: ١٢) تذم الذمَّ في ست درجات وتزجر عن الغيبة في ست مراتب على النحو الآتي:
تنهى هذه الآية الكريمة عن الغيبة بست مراتب وتزجر عنها بشدة وعنف، وحيث إن خطاب الآية موجهٌ إلى المغتابين، فيكون المعنى كالآتي:
الهمزة الموجودة في البداية، للاستفهام الإنكاري حيث يسري حكمُه ويسيل كالماء إلى جميع كلمات الآية، فكلُّ كلمة منها تتضمن حُكمًا.
ففي الكلمة الأولى تخاطب الآية الكريمة بالهمزة: أليس لكم عقلٌ -وهو محل السؤال والجواب- ليعيَ هذا الأمر القبيح؟
وفي الكلمة الثانية: أيحبُ تخاطب الآية بالهمزة: هل فسد قلبُكم -وهو محل الحب والبغض- حتى أصبح يحب أكرهَ الأشياء وأشدَّها تنفيرًا.
وفي الكلمة الثالثة: احدكُم تخاطب بالهمزة: ماذا جرى لحياتكم الاجتماعية -التي تستمد حيويتَها من حيوية الجماعة- وما بالُ مدنيتكم وحضارتكم حتى أصبحت ترضى بما يسمّم حياتكم ويعكّر صفوَكم.
وفي الكلمة الرابعة: انْ يأكل لحم تخاطب بالهمزة: ماذا أصاب إنسانيتَكم؟ حتى أصبحتم تفترسون صديقَكم الحميم.
— 343 —
وفي الكلمة الخامسة: اخيهِ تخاطب بالهمزة: أليس بكم رأفةٌ ببني جنسكم، أليس لكم صلةُ رحم تربطكم معهم، حتى أصبحتم تفتكون بمن هو أخوكم من عدة جهات، وتنهشون شخصه المعنوي المظلوم نهشًا قاسيًا، أيملك عقلًا من يعضّ عضوًا من جسمه؟ أوَ ليس هو بمجنون؟.
وفي الكلمة السادسة: ميتًا تخاطب بالهمزة: أين وجدانُكم؟ أفَسَدت فطرتُكم حتى أصبحتم تجترحون أبغضَ الأشياء وأفسدها -وهو أكلُ لحم أخيكم- في الوقت الذي هو جدير بكل احترام وتوقير.
يفهم من هذه الآية الكريمة -وبما ذكرناه من دلائل مختلفة في كلماتها- أن الغيبة مذمومةٌ عقلًا وقلبًا وإنسانية ووجدانًا وفطرة وملّةً.
فتدبّر في هذه الآية الكريمة، وانظر كيف أنها تزجر عن جريمة الغيبة بإعجاز بالغ وبإيجاز شديد في ست مراتب.
حقًا إنَّ الغيبة سلاحٌ دنيء يستعمله المتخاصمون والحسّاد والمعاندون؛ لأن صاحب النفس العزيزة تأبى عليه نفسُه أن يستعمل سلاحًا حقيرًا كهذا.
وقديمًا قال الشاعر:
وَاُكْبِرُ نَفْسِى عَنْ جَزَاءٍ بِغِيْبَةٍ فَكُلُّ اغْتِيَابٍ جَهْدُ مَنْ لاَ لَهُ جَهْدٌ
[٭]: ديوان المتنبي ص ١٩٨ ط. دار صادر.
والغيبة هي ذكرُك أخاك بما يكرَه، فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه وإن لم يكن فيه فقد بیهتّه. أي اجترحت إثمًا مضاعفًا. [٭]: انظر: مسلم، البر ٧٠؛ الترمذي، البر ٢٣؛ أبو داود، الأدب ٣٥.
إلّا أن الغيبة وإن كانت محرّمة فإنها تجوز في أحوال معينة: [٭]: انظر: النووي، الأذكار ص ٣٦٠-٣٦٢، ٣٦٦.
منها: التظلم، فالمظلوم يجوز له أن يصف مَنْ ظلمَه إلى حاكم ليعينه على إزالة ظلم أو مُنكر وقع عليه.
— 344 —
ومنها : الاستفتاء، فإذا ما استشارك أحدٌ يريد أن يشترك مع شخص في العمل أو غيره، وأردت نصيحته خالصًا للّٰه دون أن يداخلها غرضٌ شخصي يجوز لك أن تقول: "لا تصلح لك معاملته، سوف تخسر وتتضرر". [٭]: ابن ماجه، الأدب ٣٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤١٨-٤١٩، ٤/٢٥٩؛ الطيالسي، المسند ١٨٥.
ومنها: التعريف من دون أن يكون القصد فيه التنقيص، فتقول مثلًا: ذلك الأعرج أو ذلك الفاسق.
ومنها: إنْ كان فاسقًا مجاهرًا بفِسقه، لا يتورع من الفساد وربما يفتخر بسيئاته ويتلذذ من ظُلم الآخرين. [٭]: البيهقي، السنن الكبرى ١٠/٢١٠؛ القضاعي، مسند الشهاب ١/٢٦٣
ففي هذه الحالات المعينة تجوز الغيبةُ للمصلحة الخالصة دون أن يداخلها حظّ النفس والغرض الشخصي، بل تجوز لأجل الوصول إلى الحق وحده، وإلّا فالغيبة تُحبِط الأعمال الصالحة وتأكلها كما تأكل النارُ الحطبَ.
فإذا ارتكب الإنسانُ الغيبة، أو استمع إليها برغبة منه، فعليه أن يدعو:
اَللّٰهمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِمَنْ اِغْتَبْنَاهُ.
[٭]: انظر: السيوطي، الفتح الكبير ١/٨٤؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٣/٢٥٤؛ البيهقي، شعب الإيمان ٥/٣١٧
ثم يطلب من الذي اغتابه عفوَه منها، والإبراء منها متى التقاه. [٭]: النووي، الأذكار ٣٦٦.
— 345 —

المكتوب الثالث والعشرون

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا بعدد عاشرات دقائق عمرك وذرات وجودك.
أخي العزيز الغيور الجاد ذا الحقيقة الخالص الفطِن!
إنَّ أمثالنا من إخوان الحقيقة والآخرة لا يمنع اختلافُ الزمان والمكان محاورتَهم ومؤانستهم، فحتى لو كان أحدُهم في الشرق وآخر في الغرب و أحدهم في الماضي وآخر في المستقبل و أحدهم في الدنيا وآخر في الآخرة يمكن أن يُعدّوا معًا، ويمكنهم أنْ يتحاور بعضهُم مع البعض الآخر، ولاسيما إن كانوا مجتمعين على غاية واحدة ويعملون في مهمة واحدة وواجب واحد، بل حتى يكون أحدُهم هو في حُكم عين الآخر.
إنني أتصوركم معي صباحَ كل يوم، وأهَب لكم قسمًا من مكاسبي، وهو الثلث (نسأل اللّٰه القبول) فأنتم في الدعاء مع "عبد المجيد" و "عبد الرحمن"، فتنالون حظكم دومًا إن شاء اللّٰه.
ولقد أثّر فيّ بعضُ مشاكلكم الدنيوية فتألمتُ لألَمِكم. ولكن يا أخي لما كانت الدنيا ليست خالدة، وأنَّ في مصائبها خيرًا، فقد ورد إلى قلبي -بدلًا عنك- عبارة "كل حال يزول" وتدبّرت في: "لا عيشَ إلّا عيشُ الآخرة
" [٭]: البخاري، الرقاق، ١، الجهاد ٣٣، ١١٠؛ مسلم، الجهاد ١٢٦، ١٢٩. وتلوت: ان اللّٰه مع الصیابرين (البقرة: ١٥٣) وقلت: إنا للّٰه وإنا اليه راجعیون (البقرة: ١٥٦) فوجدت سلوانًا وعزاءً بدلًا عنك.
— 346 —
يا أخي! إذا أحبّ اللّٰه عبدًا جعل الدنيا تعرِض عنه وتُجافيه، ويُريه الدنيا قبيحةً بغيضةً، [٭]: انظر: الترمذي، الطب ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٤٢٧، ٤٢٨؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٤٤٣. وإنیك إن شیاء اللّٰه من صنف أولئك المحبوبين عند اللّٰه. لا تتألم من زيادة الموانع والعوائق التي تحول دون انتشار "الكلمات". فإن ما قمت به من نشرٍ للرسائل لحدّ الآن، إذا حظيَ برحمته سبحانه تتفتح -إن شاء اللّٰه- تلك النوى النورية المباركة جدًّا أزاهير كثيرة.
إنك تسأل عددًا من الأسئلة، ولكن يا أخي العزيز إن معظم "الكلمات" وكذا "المكتوبات" كانت ترِد إلى القلب آنيًا دون اختيار مني، ولهذا تصبح جميلةً لطيفة. ولو كنتُ أجيب عن الأسئلة باختياري وبعد تأمل وتفكّر وبقوة علم "سعيد القديم" يرد الجوابُ خافتًا خامدًا ناقصًا. ولقد توقف تطلّع القلب -منذ فترة- وخبَتْ جذوةُ الحافظة، ولكن سنكتب جوابًا في غاية الاختصار لئلا تبقى هذه الأسئلة دون جواب.
سؤالكم الأول: كيف يجب أن يكون أفضل دعاء المؤمن لأخيه المؤمن؟
الجواب: يجب أن يكون ضمن دائرة أسباب القبول؛ لأن الدعاء يكون مستجابًا ومقبولًا ضمن بعض الشروط، وتزداد الاستجابة كلّما اجتمعت شروط القبول. فمنها؛ الطهور المعنوي؛ أي الاستغفار عند الشروع بالدعاء، ثم ذكر الصلاة على الرسول (ص)، وهي الدعاء المستجاب، وجعلها شفيعةً للدعاء، وذكر الصلاة على الرسول (ص) أيضًا في الختام، لأن دعاءً وسط دعاءين مستَجابين يكون مستجابًا.
وأن يدعو بظهر الغيب. [٭]: انظر: مسلم، الذكر ٨٦- ٨٨؛ الترمذي، البر ٥٠؛ أبو داود، الوتر ٢٩.
وأن يدعو بالمأثور من أدعية الرسول (ص)، وما ورد في القرآن الكريم من أدعية.
مثال ذلك: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار (البقرة: ٢٠١)
(اللّٰهم إني أسألك العفو والعافية لي وله في الدين والدنيا والآخرة)وأمثالها من الأدعية المأثورة الجامعة. [٭]: انظر: البخاري، الدعوات ٥٥؛ مسلم، الذكر ٢٣، ٢٦
— 347 —
وأنْ يدعو بخلوص النيّة وخشوع القلب وحضوره.
وأنْ يدعو دُبُر الصلوات ولاسيما دبر صلاة الفجر. [٭]: انظر: الترمذي، الدعوات ٧٨؛ عبد الرزاق، المصنف ٢/٤٢٤؛ النسائي، السنن الكبرى ٦/٣٢.
وأنْ يدعو في الأماكن المباركة، ولاسيما في المساجد، وفي أيام الجُمَع ولاسيما في ساعة الإجابة، وفي الأشهر المباركة ولاسيما في الليالي المشهورة. وفي شهر رمضان ولاسيما في ليلة القدر.
فإن الدعاء بهذه الشروط يُرجى من رحمته تعالى أن يكون مقرونًا بالاستجابة.
فذلك الدعاء المستجاب إما أن يُرى أثرُه بعينه في الدنيا أو يُستجاب لآخرة المدعو له ولحياته الخالدة.
بمعنى أنه إن لم يُرَ المقصود من الدعاء بذاته، فلا يُقال إنَّ الدعاء لم يُستَجب بل يُقال إنَّ الدعاء استجيب بأفضل استجابة.
سؤالكم الثاني: هل يجوز إطلاق رضي اللّٰه عنه على غير الصحابة الكرام.
الجواب: نعم.. لأن هذا الدعاء ليس شعارًا خاصًا بالصحابة الكرام كما هو في عبارة (عليه الصلاة والسلام) الخاصة بالرسول (ص).
بل لابد أن يطلق (رضي اللّٰه عنه) على الأئمة الأربعة المجتهدين، والشيخ الكيلاني، والإمام الرباني والإمام الغزالي وأمثالهم ممن هم من ورثة الأنبياء، وفي مرتبة الولاية الكبرى ونالوا مقام الرضى.
ولكن جرى عُرف العلماء بأن يقال للصحابة الكرام؛ (رضي اللّٰه عنهم) وللتابعين وتابعي التابعين؛ (رحمهم اللّٰه) ومن يليهم (غفر اللّٰه لهم) وللأولياء؛ (قُدس سرّهم).
سؤالكم الثالث: أيُّما أفضل؛ أئمةُ المجتهدين العظام أم شيوخُ الطرق الحقة وأقطابها؟
الجواب: ليس المجتهدون كلُّهم، بل المجتهدون الأربعة -وهم أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل- هم الأفضل، فهم يفوقون الأقطاب وسادةَ الطرق. ولكن بعض الأقطاب العظام كالكيلاني له مقام أسطع من جهة، في الفضائل الخاصة، إلّا أن الفضيلة الكلية هي للأئمة الكرام.
— 348 —
ثم إن قسمًا من سادة الطرق هم من المجتهدين أيضًا، ولهذا لا يقال إنَّ المجتهدين عامة هم أفضل من الأقطاب، ولكن الأئمة الأربعة هم أفضل الناس بعد الصحابة الكرام والسيد المهدي رضي اللّٰه عنه.
سؤالكم الرابع: ما الحكمة من قوله تعالى: ان اللّٰه مع الصابرين (البقرة: ١٥٣) وما الغاية منها؟
الجواب: لقد وضع اللّٰه سبحانه وتعالى في وجود الأشياء تدريجًا وترتيبًا أشبه ما يكون بدرجات السُّلَم، وذلك بمقتضى اسمه الحكيم، فالذي لا يتأنّى في حركاته، إما أنه يطفر الدرجاتِ فيسقط أو يتركها ناقصة فلا يرقى إلى المقصود.
ولهذا فالحرصُ سببُ الحرمان، والصبر يحل المشاكل، حتى غدا من مضرب الأمثال: "الحريص خائب خاسر
« و » الصبر مفتاح الفرج ".[٭]: الميداني، مجمع الأمثال ١/٤١٨؛ القلقشندي، صبح الأعشى ٢/٢٨٩. بمعنى: أن عنايته سبحانه وتوفيقه مع الصابرين. إذ الصبر على أنواع ثلاثة:
الأول: الصبر عن المعصية وتجنُّبها، فهذا الصبر هو التقوى، ويجعل صاحبَه محظيًا بسرّ قوله تعالى: إنّ اللّٰه مع المتقين (البقرة: ١٩٤).
الثاني: الصبر عند المصيبة، وهذا هو التوكل وتسليمُ الأمر إليه سبحانه، مما يدفع صاحبَه إلى التشرف بقوله تعالى: ان اللّٰه يحب المتوكلين (آل عمران: ١٥٩) و واللّٰه يحب الصابرين (آل عمران: ١٤٦).
أما عدم الصبر فهو يتضمن الشكوى من اللّٰه ويفيد إنتقاد أفعاله واتهام رحمته ورفض حكمته.
نعم، إن الإنسان الضعيف العاجز يتألم ويبكي من ضربات المصيبة ويشكو، ولكن يجب أن تكون الشكوى إليه لا منه، كما قال سيدُنا يعقوب عليه السلام: إنما أشكو بثي وحزني الى اللّٰه (يوسف: ٨٦) أي شكوى المصيبة إلى اللّٰه وليس الشكوى من اللّٰه إلى الناس والتأفف والتحسّر وقوله: "ماذا عملت حتى جوزيتُ بهذه المصيبة" لإثارة رقّةِ قلوب الناس العاجزين. فهذا ضررٌ ولا معنى له.
— 349 —
الصبر الثالث: الصبر على العبادة، الذي يمكن أن يبلغ صاحبُه مقام المحبوبية، فيسوق إلى حيث العبودية الكاملة التي هي أعلى مقام.
سؤالكم الخامس: إنَّ الخامس عشر من العمر يعدّ سن التكليف، فكيف كان الرسول (ص) يتعبّد قبل النبوة؟.
الجواب: كان يتعبّد بالبقية الباقية من دين سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ظل جاريًا في الجزيرة العربية تحت حُجب كثيرة. ولكن التعبد هذا لم يكن على صورة الفرض والواجب بل كان تعبدًا اختياريًا يُؤدّى نَدبًا. [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٣، تفسير سورة العلق ١، التعبير ١، مسلم، الإيمان ٢٥٢.
هذه الحقيقة طويلة، لتظل الآن مختصرة.
سؤالكم السادس: ما حكمةُ بعثة الرسول (ص) في سن الكمال وهو الأربعون من العمر. وما حكمةُ انتقاله إلى الملأ الأعلى في السن الثالثة والستين من عمره المبارك؟
الجواب: حِكَمُها كثيرة. إحداها هي:
إنَّ النبوة تكليف ثقيل، وعبءٌ عظيم جدًّا، لا يُحمل إلّا بعد نمو المَلَكات العقلية ونضوجها وتكامل الاستعدادات القلبية. أما زمن ذلك الكمال فهو الأربعون من العمر.
أما فترة الفتوة والشباب التي هي فترة تهيج النوازع النفسانية ووقت غليان الحرارة الغريزية وأوان فوران الحرص على الدنيا فهي لا تلائم وظائف النبوة التي هي مقدّسة وأخروية وخالصة للّٰه وحده. إذ مهما كان الإنسان جادًا وخالصًا قبل الأربعين من العمر، فلربما يرِدُ إلى أذهان المتطلعين إلى الشهرة ظنٌ بأنه يعمل لجاه الدنيا ونيل مقام فيها، فلا ينجو من اتهاماتهم بسهولة. أما بعد الأربعين فإن العمر ينحدر إلى باب القبر وتتراءى له الآخرةُ أكثر من الدنيا، فينجو من ذلك الاتهام بسهولة ويوفّق في حركاته وأعماله الأخروية وينجو الناس من سوء الظن ويُنقَذون.
أما كون عمره المبارك الذي قد قضي في ثلاث وستين سنة، فمن حِكَمِه الكثيرة نذكر واحدة منها:
— 350 —
إنَّ أهل الإيمان مكلفون شرعًا بحبّ الرسول الأعظم (ص) غايةَ الحب وبتوقيره واحترامه أكثر من أي إنسان آخر، وبعدم النفور من أي شيء يخصّه، بل رؤية كل حال من أحواله جميلةً نیزيهة. ولهذا فإن اللّٰه سبحانه وتعالى لا يدع حبيبَه الأكرم (ص) إلى وقت الشيخوخة والهرم، وقت المشقات والمتاعب والتي تكثر بعد الستين من العمر، بل يرسله إلى الملأ الأعلى في الثالث والستين من عمره المبارك، والذي هو العمر الغالب لمتوسط أعمار أمته (ص) ويرفعه إلى مقام قُربه، مُظهرًا بذلك أنه (ص) إمامٌ في كل شيء.
سؤالكم السابع: "خَيْرُ شَبَابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُولِكُمْ وَشَرُّ كُهُولِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُمْ".[٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٨٣، المعجم الأوسط ٦/٩٤؛ أبو يعلى، المسند ١٣/٤٦٧. هل هذا حديث نبوي؟ وإذا كان حديثًا شريفًا فما المقصود منه؟.
الجواب: لقد سمعتُه حديثًا نبويًا شريفًا. أما المقصود منه فهو:
"إن خير الشباب هم أولاء الذين لم يتمادَوا كثيرًا في الغفلة عن اللّٰه، بل يتذكّرون الموت كتذكّر الشيوخ له، فيجدّون لإعمار آخرتهم متحررين من قيود أهواء الشباب ونیزواته. وشرّ شيوخكم هم أولاء الذين غفلوا عن اللّٰه فاستهوتهم غفلاتُ الشباب، فقلّدوهم في أهوائهم تقليدَ الصبيان".
إن الصورة الصحيحة لما رأيتُه في القسم الثاني من لوحتك هي:
إنني قد علقتُ فوق رأسي لوحةً تتضمن حكمةً بليغة، أنظرُ إليها صباحَ مساء، وأتلقى درسي منها وهي:
"إنْ كنتَ تريد وليًا، فكفى باللّٰه وليًا".
نعم إن كان هو وليَّك فكل شيء لك صديق.
"إنْ كنتَ تريد أنيسًا، فكفى بالقرآن الكريم أنيسًا".
إذ تعيش فيه مع الأنبياء والملائكة وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
"إن كنتَ تريد مالًا، فكفى بالقناعة كنزًا".
نعم، إن القانع يقتصد، والمقتصد يجد البركة.
— 351 —
"إن كنتَ تريد عدوًا، فكفى بالنفس عدوًا".
إذ المُعجَب بنفسه لا محالة يرى المصاعب ويبتلى بالمصائب، بينما الذي لا يعجب بها يجد السرور والراحة والرحمة.
"إن كنتَ تريد واعظًا، فكفى بالموت واعظًا".
حقًا من يذكر الموت ينجو من حب الدنيا ويسعى لآخرته سعيًا حثيثًا.
والآن يا أخي أزيد مسألةً ثامنة إلى مسائلكم السبعة فأقول:
قبل يومين، تلا أحدُ الحفاظ الكرام آيات من سورة يوسف عليه السلام حتى بلغَ تَوفَّني مُسلمًا وألحقني بالصالحين (يوسف: ١٠١) فوردتْ إلى القلب -على حين غرة- نكتة لطيفة.
إنَّ كل ما يخص القرآن والإيمان ثمينٌ جدًّا مهما بدا في الظاهر صغيرًا، إذ هو من حيث القيمة والأهمية ثمين وعظيم.
نعم، ليس صغيرًا ما يُعين على السعادة الأبدية، فلا يقال: إن هذه النكتة صغيرة لا تستحق الأهمية.
فلا ريب إن "إبراهيم خلوصي" هو أول من يريد الاستماع إلى مثل هذه المسائل فهو الطالب الأول والمخاطَب الأول الذي يقدّر النكت القرآنية حق قدرها. ولهذا فاستمع يا أخي!
إنها نكتة لطيفة لأحسن القصص
إن الآية الكريمة التي تُخبر عن ختام أحسَن القصص، قصة يوسف، وهي:
تَوفَّني مُسلمًا وألحقني بالصالحين
تتضمن نكتة بليغة سامية لطيفة تبشّر بالخير وهي معجزة في الوقت نفسه. وذلك:
إنَّ الآلام والأحزان التي يتركها الزوالُ والفراق الذي تنتهي إليهما القصصُ الأخرى المفرحة والسعيدة، تنغّص اللذائذ الخيالية الممتعة المستفادة من القصة وتكدّرها، ولاسيما
— 352 —
عندما يخبر عن الموت والفراق أثناء ذروة الفرح والسرور والسعادة البهيجة، فيكون الألمُ أشدّ حتى إنه يورث الأسف والأسى لدى السامعين.
بينما هذه الآية الكريمة تختم أسطعَ قسم من قصة يوسف، وهو عزيزُ مصر وأقرّ اللّٰه عينَه ولقي والديه وتعارف وتحابّ هو وإخوته. وإذ تخبر الآية الكريمة عن موت يوسف في هذه الأثناء التي كان يوسف عليه السلام في ذروة السعادة والسرور تُخبر أن يوسف عليه السلام نفسه هو الذي يسأل ربَّه الجليل وفاتَه لينال سعادةً أعظم من هذه السعادة التي يرفل بها. وتوفي فنال تلك السعادة العظمى. بمعنى أن ما وراء القبر سعادةً أكبر وفرحًا أعظمَ من هذه السعادة التي ينعم بها يوسفُ وهو الأنيس بالحقيقة. إذ طلب الموتَ المرّ وهو في ذلك الوضع الدنيوي المُفرح اللذيذ كي ينال تلك السعادة العظمى هناك.
فتأمل يا أخي في بلاغة القرآن الحكيم هذه، كيف أخبر عن خاتمة قصة يوسف بذلك الخبر الذي لم يُثِر الألمَ والأسف لدى السامعين، بل زادهم بشارة وسرورًا. فضلًا عن أنه يرشد إلى الآتي:
اعملوا لما وراء القبر، فإن السعادة الحقة واللذة الحقيقية هناك، زد على ذلك بيَّن مرتبة الصديقية الرفيعة السامية لسيدنا يوسف عليه السلام، إذ يقول:
إنَّ أسطع حالةٍ في الدنيا وأكثرَها فرحًا وبهجة وسرورًا لم تورثه الغفلةَ قطعًا ولم تفتره، بل هو دائم الطلب للآخرة.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 353 —

المكتوب الرابع والعشرون

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يفعل اللّٰه ما يشاء
(إبراهيم: ٢٧) و
ويحكم ما يريد
(المائدة: ١)
سؤال: إنَّ ما يقتضيه اسم اللّٰه "الرحيم" من تربية شفيقة، واسم اللّٰه "الحكيم" من تدبير وِفق المصالح، واسم اللّٰه "الودود" من لُطف ومحبة.. كيف تتلائم مقتضيات هذه الأسماء الحسنى العظام مع ما هو مُرعب وموحش كالموت والعدم والزوال والفراق والمصائب والمشقات؟
ولنسلّم أن ما يراه الإنسان في طريق الموت لا بأس به وهو خيرٌ وحَسنٌ حيث سيمضي إلى السعادة الأبدية. ولكن أيةُ رحمةٍ وشفقة تَسع، وأيةُ حكمةٍ ومصلحة توجَد، وأيُّ لطف ورحمة في إفناء هذه الأنواع من الأشجار والنباتات اللطيفة والأزهار الجميلة والحيوانات المؤهَّلة للوجود والشغوفةِ بالحياة والتوّاقة للبقاء، وباستمرار ودون استثناء وإعدامِها دون إمهالِ أحدٍ منها؟ وفي تسخيرها في المشاق وتغييرها بالمصائب دون السماح لأحدٍ منها بالدَعَة والراحة؟ وفي إماتتها وزوالها وفراقها بلا توقّف، دون أن يُسمح لأحدٍ بالمكوث قليلًا ودون رضًى من أحد؟
الجواب: لكي نحلّ هذا السؤال نحاول أن ننظر إلى هذه الحقيقة العظمى من بعيد، فهي حقيقة واسعة جدًّا وعميقة جدًّا ورفيعة جدًّا، لنرى الحقيقة بوضوح. فنبين الداعي والمقتضى لها في خمسة رموز ونبين الغايات والفوائد منها في خمس إشارات.
— 354 —

المقام الأول

وهو في خمسة رموز

الرمز الأول

لقد ذكرنا في خواتيم "الكلمة السادسة والعشرين": إنَّ صنّاعًا ماهرًا، يكلّف رجلًا فقيرًا لقاء أجرةٍ يستحقُّها، ليقومَ له بدور النموذج "الموديل" ليَخيط لباسًا راقيًا، فاخرًا في أجمل زينة وأكثرِها بهاءً، إظهارًا لمهارته وصنعته. لذا يفصّل على ذلك الرجلِ اللباسَ ويقُصّه ويقصِّره ويطوِّله، ويُقعِد الرجلَ وينهضُه، ويجعله في أوضاع مختلفة.. فهل يحق لهذا الرجل الفقير أن يقول للصنّاع: لِمَ تبدّل هذا اللباس الذي يجمّلني؟ ولِمَ تغيّره؟ فتُقعدني تارة وتُنهضني أخرى فتفسد راحتي؟!
وكذلك الصانع الجليل (وله المثل الأعلى) قد اتخذ ماهيةَ كلِّ نوع من الموجودات مقياسًا ونموذجًا "موديلًا" فألبس كلَّ شيء لباسًا مرصّعًا بالحواس، ونقش عليه نقوشًا بقلم قضائه وقَدَره، وأظهر جلوات أسمائه الحسنى، إبرازًا لكمال صنعته بنقوش أسمائه. فضلًا عن أنه سبحانه يمنح كل موجود أيضًا كمالًا ولذة وفيضًا بمثابة أجرةٍ ملائمة له.
فهل يحق لشيء أن يخاطب ذلك الصانع الجليل الذي هو مالكُ الملك يتصرّف في ملكه كيف يشاء ويقول: "إنك تتعبني وتفسد عليّ راحتي"؟ حاش للّٰه وكلا!
إنه ليس للموجودات حق بأية جهة كانت إزاء واجب الوجود، وليس لها أن تدّعي بأي حقٍ مهما كان، بل حقُّها القيام بالشكر الدائم والحمد الدائم، أداءً لحق مراتب الوجود التي منحها إياها. لأن جميع مراتب الوجود الممنوحة للموجود إنما هي وقوعات تحتاج إلى علّة. بينما مراتبُ الوجود التي لم تُمنح هي إمكاناتٌ، والإمكاناتُ عدمٌ، وهي لا تتناهى، والعدم لا يحتاج إلى علة، فما لا نهاية له لا علة له.
— 355 —
مثلًا: لا يحق للمعادن أن تشكو قائلةً: لِمَ لم نصبح نباتاتٍ؟ بل حقُّها أن تشكر فاطرَها الجليل على ما أُنعم عليها من نعمة الوجود كمعادن.
وكذا النبات ليس له حق الشكوى، فليس له أن يقول: لِمَ لم أصبح حيوانًا؟ بل حقُّه الشكر للّٰه الذي وهب له الوجود والحياة معًا. وكذا الحيوان ليس له حق الشكوى ويقول: لِمَ لم أكن إنسانًا؟ بل عليه حق الشكر لما أنعم اللّٰه عليه من الوجود، والحياة وجوهر الروح الراقي.. وهكذا فقِس.
أيها الإنسان الشاكي! إنك لم تبقَ معدومًا، بل لبستَ نعمة الوجود. وذُقت طعمَ الحياة. ولم تبق جمادًا ولم تصبح حيوانًا، فقد وجدت نعمة الإسلام، ولم تبق في غياهب الضلال، وتنعّمت بنعمة الصحة والأمان.. وهكذا..
أيها الغارق في الكفران! أفَبَعد هذا تدعّي حقًا لك على ربك، إنك لم تشكر ربَّك بعدُ على ما أنعم عليك من مراتب الوجود التي هي نِعمٌ خالصة. بل تشكو منه جلّ وعلا لما لم ينعم عليك من نِعم غالية من أنواع الإمكانات وأنواع العدم ومما لا تقدر عليه ولا تستحقه، فتشكو بحرص باطل وتكفر بنعَمِه سبحانه.
تُرى لو أن رجلًا أُصعد على قمة منارة عالية ذات درجات وتسلَّم في كل درجة منها هدية ثمينة ثم وجد نفسَه في قمة المنارة، في مكان رفيع، أيحقُّ له أن لا يشكر صاحب تلك النعم ويبكي ويتأفف ويتحسر قائلًا: لِمَ لم أقدر على صعود ما هو أعلى من هذه المنارة..
ترى كم يكون عملُه هذا باطلًا لو تصرّف هكذا وكم يسقط في هاوية كفران النعمة! وكم هو في ضلالة مقيتة!. حتى البُلهاء يدركون هذا.
أيها الإنسان الحريص غير القانع! ويا أيها المسرف غير المقتصد! ويا أيها الشاكي بغير حق! أيها الغافل!
اعلم يقينًا: أن القناعة شكران رابح، بينما الحرص كفران خاسر، والاقتصاد توقيرٌ للنعمة جميل ونافع، بينما الإسراف استخفاف بالنعمة مضرّ ومشين.
— 356 —
فإن كنت راشدًا، عوّد نفسك على القناعة وحاول بلوغ الرضى. فإن لم تستطيع التحمل على المصيبة فقل: يا صبور! وتجمّل بالصبر. وأرض بحقك ولا تشكُ. واعلم ممن وإلى مَن تشكو! إلزَم الصمت. وإذا أردت الشكوى لا محالة فاشكُ نفسَك إلى اللّٰه، فإن القصور منها.
الرمز الثاني
لقد ذكرنا في ختام "المسألة الأخيرة للمكتوب الثامن عشر" أنه:
إنَّ حكمةً من حِكم تبديل الخالق الجليل للموجودات دومًا وتجديدِه لها باستمرار تبديلًا وتجديدًا محيّرًا مذهلًا بفعالية ربوبيته الجليلة هي أن الفعالية والحركة في المخلوقات نابعةٌ من شهية، من اشتياق، من لذة، من محبة، حتى يصح القول:
إن في كل فعالية نوعًا من اللذة، بل إن كل فعالية هي نوعٌ من اللذة، واللذة كذلك متوجهة إلى كمال بل هي نوعٌ من الكمال.
ولما كانت الفعالية تشير إلى كمال، إلى لذة، إلى جمال، وإن الواجب الوجود سبحانه الذي هو الكمال المطلق والكامل ذو الجلال، جامعٌ في ذاته وصفاته وأفعاله لجميع أنواع الكمالات، فلا شك أن لذلك الواجب الوجود سبحانه شفقةً مقدسة لا حدّ لها ومحبةً منیزّهة لا نهاية لها تليق بوجوب وجوده وقدسيته وتوافق تعاليه الذاتي وغناه المطلق وتناسب كماله المطلق وتنیزُّهه الذاتي ولا شك أن له شوقًا مقدّسًا لا حدّ له، نابعًا من تلك الشفقة المقدسة، ومن تلك المحبة المنیزَّهة، وأن له سرورًا مقدسًا لا حدّ له نابعًا من ذلك الشوق المقدس، وأن له لذةً مقدسة لا حدّ لها -إن جاز التعبير- ناشئةٌ من ذلك السرور المقدس. ولاشك أن له مع تلك اللذة المقدسة رضًى مقدسًا لا حدّ له وافتخارًا مقدّسًا لا نهاية له -إن جاز التعبير- ناشئَين من رضًى وامتنان مخلوقاته من انطلاق استعداداتها من القوة إلى الفعل، حينما تنطلق وتتكامل بفعالية قدرته ضمن رحمته الواسعة.. فذلك الرضى المقدس المطلق والافتخار المطلق يقتضيان هذه الفعالية المطلقة في صورتها المطلقة. وتلك الفعالية أيضًا تقتضي تبديلًا وتغييرًا وتحويلًا وتخريبًا لا حدّ لهما وذلك التغيير والتبديل غير المحدودَين يقتضيان الموت والعدم والزوال والفراق.
— 357 —
ولقد رأيت -في وقت ما- أن كل ما تبيِّنُه حكمةُ البشر (فلسفتُه وعلومُه) من فوائد تخص غايات المصنوعات، تافهةٌ لا قيمةَ لها، وعلمتُ حينها أن تلك الحكمة تُفضي إلى العبثية، ومن هنا فإن الفيلسوف الراسخ قدمُه في الفلسفة: إما أن يضل في ضلالة الطبيعة، أو يكون سوفسطائيًا، أو ينكر الإرادة والعلم الإلهي، أو يطلق على الخالق: "الموجب بالذات".
وفي ذلك الوقت بعثَت الرحمةُ الإلهية اسم اللّٰه "الحكيم" لإغاثتي، فأظهر لي الغايات الجليلة للمصنوعات، أي أنَّ كل مصنوعٍ مكتوبٌ رباني حكيم بحيث يطالعه جميعُ ذوي الشعور.
كفَتني هذه الغاية مدةَ سنة من الزمن، ثم انكشفت الخوارقُ البديعة في الصنعة، فلم تعُد تلك الغايةُ كافيةً وافية. وأُظهرتْ لي غايةٌ أخرى أعظمُ بكثير من الأولى.
أي إن أهم غاية للمصنوع هي النظرُ إلى صانعه الجليل، أي يعرِض المصنوعُ كمالات صنعةِ صانعه، ونقوشَ أسمائه الحسنى ومرصَّعات حكمته القيمة وهدايا رحمته الواسعة أمام نظره سبحانه ويكون مرآةً لجماله وكماله جل وعلا. هكذا فهمتُ هذه الغاية، وكفَتني مدةً مديدة.
ثم ظهرت معجزاتُ القدرة وشؤون الربوبية في التغيير والتبديل السريع جدًّا، ضمن فعالية محيّرة في إيجاد الأشياء وإتقانها، حتى بدت تلك الغايةُ غير وافيةً، وعلمتُ أن لابد من داعٍ عظيم ومقتضى جليل يعادل هذه الغاية العظمى، وعند ذلك أُظهرت لي المقتضياتُ الموجودة في الرمز الثاني والغايات المذكورة في الإشارات التي ستأتي.
وأُعلمت يقينًا: أن فعالية القدرة في الكون وسيرَ الأشياء وسيلانها، تحمِل من المعاني الغزيرة بحيث يُنطِق الصانعُ الحكيم أنواعَ الكائنات بتلك الفعالية، حتى كأن حركات السماوات والأرض وحركات موجوداتها هي كلماتُ ذلك النُطق وأن سيرَها ودورانَها تكلّم ونطق، بمعنى أنَّ الحركات والزوال النابعَين من الفعالية ما هي إلا كلماتٌ تسبيحية، وأن الفعالية الموجودة في الكون هي نطقٌ وإنطاقٌ صامتٌ للكون ولما فيه من أنواع.
— 358 —

الرمز الثالث

إن الأشياء لا تمضي إلى العدم، ولا تصيرُ إلى الفناء، بل تمضي من دائرة القُدرة إلى دائرة العِلم، وتدخل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وتتوجّه من عالَم التغيّر والفناء إلى عالم النور والبقاء. وإن الجمال والكمال في الأشياء يعودان إلى الأسماء الإلهية وإلى نقوشها وجلواتها من زاوية نظر الحقيقة.
وحيث إن تلك الأسماء باقيةٌ وتجلياتها دائمة، فلاشك أن نقوشها تتجدد وتتجمّل وتتبدل، فلا تذهب إلى العدم والفناء، بل تتبدل تعيّناتها الاعتبارية. أما حقائقُها وماهياتُها وهوياتها المثالية التي هي مدارُ الحسن والجمال ومظهرُ الفيض والكمال فهي باقيةٌ فالحُسن والجمال في الأشياء التي لا تملك روحًا يعودان إلى الأسماء الإلهية مباشرة فالشرف لها والمدح والثناء لها. إذ الحُسن حسنُها والمحبة توجّه إليها. ولا يورث تبدل تلك المرايا ضررًا للأسماء.
وإن كانت الأشياء من ذوي الأرواح ولكن لم تكن من ذوي العقول، فإن فراقها وزوالها ليس فناءً ولا عدمًا بل ينجو الشيءُ الحي من وجود جسماني ومن اضطرابات وظائف الحياة، مودعًا ثمرات وظائفه التي كسبها إلى روحه الباقية. فأرواحُ هذه الأشياء تستند أيضًا إلى أسماء إلهية حسنى. فتدوم وتستمر، وتمضي إلى سعادة ملائمة لها.
أما إن كان أولئك الأحياءُ من ذوي العقول، فإنهم أصلًا يمضون إلى سعادة أبدية وإلى عالم البقاء المؤسس على كمالات مادية ومعنوية.
لذا فإن فراقهم وزوالَهم ليس موتًا وعدمًا ولا زوالًا وفراقًا حقًا، بل هو وِصالٌ مع الكمالات وهو سياحة مُمتعة إلى عوالم نورانية للصانع الحكيم، عوالم أجملَ من الدنيا وأزهى منها كعالم البرزخ وعالم المثال وعالم الأرواح وإلى ممالكه الأخرى من منازله سبحانه وتعالى.
حاصل الكلام: إنَّ اللّٰه موجودٌ وباقٍ، وإن صفاته سرمديةٌ وأسماءه دائمة، إذن لابد أن تجليات تلك الأسماء ونقوشها تتجدد في بقاءٍ معنوي فليس تخريبًا ولا فناءً ولا إعدامًا وزوالًا. إذ من المعلوم أن الإنسان ذو علاقة -من حيث الإنسانية- مع أكثر الموجودات،
— 359 —
فيتلذذ بسعادتها ويتألم بمصائبها، ولاسيما مع ذوي الحياة، وبخاصة مع الإنسان وبالأخص مع من يحبّهم ويعجب بهم ويحترمهم من أهل الكمال، فهو أ%1Üُ تألمًا بآلامهم وأكثرُ سعادة بسعادتهم حتى يضحّي بسعادته في سبيل إسعادهم كتضحية الوالدة الشفيقة بسعادتها وراحتها من أجل ولدها.
فكل مؤمن يستطيع أن يكون بنور القرآن والإيمان سعيدًا بسعادة جميع الموجودات وبقائها ونجاتها من العدم وصيرورتها مكاتيبَ ربانية ويغنم نورًا عظيمًا بعِظَم الدنيا. فكلٌّ يستفيد من هذا النور حسب درجته.
أما إن كان من أهل الضلال، فإنه يتألم علاوة على آلامه بهلاك الموجودات وبفنائها وبإعدامها الظاهري وبآلام ذوي الأرواح منها. أي أن كفره يملأ دنياه بالعدم ويفرغها على رأسه، فيمضي إلى جهنم (معنوية) قبل أن يساق إلى جهنم (في الآخرة).
الرمز الرابع
مثلما ذُكر في مواضع عدة: أن للسلطان دوائرَ مختلفة ناشئةً من عناوينه المتنوعة، فله اسمُ السلطان، الخليفة، الحاكم، القائد، وأمثالُها من العناوين والصفات. وللّٰه المثل الاعلى فإن للأسماء الحسنى تجلياتٍ متنوعة لا تُحد، فتنوُّع المخلوقات ناشئٌ عن تنوع تلك التجليات، وحيث إن صاحبَ كلِّ جمال وكل كمال يرغب في مشاهدة جماله وكماله وإشهادِهما. فإن تلك الأسماء المختلفة -لكونها دائميةً وسرمدية- تقتضي ظهورًا دائميًا سرمديًا أي تقتضي رؤيةَ نقوشها. أي تقتضي رؤيةَ وإراءةَ جلوةِ جمالِها وانعكاس كمالها في مرايا نقوشها. أي تقتضي تجديدَ كتابِ الكون الكبير، آنًا فآنًا. أي كتابتُها كتابةً مجددة ذات مغزى. أي تقتضي كتابةَ ألوفٍ من الرسائل المتنوعة في صحيفة واحدة، وإظهار كلِّ رسالة لنظر شهودِ الذات المقدسة والمسمّى الأقدس مع عرضِها على مطالعة أنظار ذوي الشعور واستقرائهم. تأمل في هذا الشعر الذي يشير إلى هذه الحقيقة:
— 360 —
صحائفُ كتاب العالم.. هذه الأنواع غير المعدودة
حروفُه وكلماته.. هذه الأفراد غير المحدودة
لقد سُطّر في لوح الحقيقة المحفوظ:
إن كلَّ موجود في العالم لفظٌ بليغ مجسّم
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإنَّهَا مِنَ الْمَلإ الاَعْلَى إلَيْكَ رَسَائِلُ
[٭]: لرجل نحوى مشهور يُعرف بركن الدين بن القَوْبَع (ت ٧٣٨ هی) - (قول على قول ١١/١٥٧ للكرمى).
الرمز الخامس
عبارة عن نكتتين
النكتة الأولى: إنَّ اللّٰه موجودٌ، فكل شيء موجود إذن، وحيث إن هناك انتسابًا للواجب الوجود، فكل الأشياء إذن موجودة لكل شيء، لأن كل موجود بانتسابه إلى واجب الوجود يرتبط بجميع الموجودات، بسرّ الوحدة بمعنى أن كل موجود يَعرف انتسابه إلى واجب الوجود أو يُعرَف انتسابه إليه تعالى، فهو ذو علاقة مع جميع الموجودات المنتسبة إلى واجب الوجود، وذلك بسر الوحدة. أي أن كل شيء من نقطة الانتساب ينال أنوارَ وجودٍ غير محدودة بحدود، فلا فراقَ ولا زوال إذن في تلك النقطة.. لذا يكون العيشُ في آن سيال واحد مبعثَ أنوارِ وجودٍ غير محدود. بينما إن لم يكن ذلك الانتساب، ولم يُعرف، فإن كل شيء ينال ما لا يحد من أنواع الفراق وصنوف الزوال وأنماط العدم، لأن الشيء في تلك الحالة له فراق وافتراق وزوال تجاه كل موجود يمكن أن يرتبط به. أي يَحملُ على وجوده الشخصي أنواعًا لا تحد من العدم وصنوفًا لا تحصى من الفراق، فلو ظل في الوجود مليونًا من السنين دون انتساب لما عَدلَ قطعًا آنًا من العيش مع الانتساب الذي كان فيه.
ولهذا قال أهل الحقيقة: إنَّ آنًا سيالًا من وجود منوّر يفضُل على مليون سنة من وجود أبتر. أي إنَّ آنًا من وجود منتسب إلى الواجب الوجود مُرجّح على مليون سنة من وجود لا
— 361 —
انتساب فيه. ولأجل هذا قال أهل التحقيق: إن أنوار الوجود هي معرفةُ واجب الوجود. أي إن الكائنات في تلك الحالة وهي تَنعم بأنوار الوجود، تكون مملوءةً بالملائكة والروحانيات وذوي الشعور. وبخلاف ذلك، أي إن لم تكن هناك معرفةُ واجب الوجود، فإن ظلماتِ العدم وآلامَ الفراق وأوجاعَ الزوال تحيط بكل موجود، فالدنيا تكون موحشةً خاوية في نظر ذلك الشخص.
نعم، كما أنَّ لكل ثمرة من ثمار شجرة، علاقةً مع كل الثمرات التي على تلك الشجرة وتكوّن نوعًا من رابطة الأخوة والصداقة والعلاقات المتينة فيما بينها.. فلها إذن وجوداتٌ عرَضية بعدد تلك الثمرات.
ولكن متى ما قُطفَت تلك الثمرة من الشجرة، فإن فراقًا وزوالًا يحصلان تجاه كل ثمرة من الثمرات. وتصبح الثمراتُ بالنسبة للمقطوفة في حُكم المعدوم، فيعمّها الظلامُ، ظلام عدم خارجي.
وكذلك فإن كل شيء له الأشياء كلها، من نقطة الانتساب إلى قدرة الأحد الصمد. وإن لم يكن هناك انتسابٌ فإن أنواعًا من العدم الخارجي بعدد الأشياء كلها تصيب كلَّ شيء.
فانظر من خلال هذا الرمز إلى عظمة أنوار الإيمان، وشاهِد الظلمةَ المخيفة المحيطة بالوجود في الضلال.
فالإيمان إذن هو عنوان الحقيقة السامية التي بُيّنت في هذا الرمز، ولا يمكن الاستفادة من تلك الحقيقة إلّا بالإيمان، إذ كما أن كل شيء معدوم للأعمى والأصم والأبكم والمجنون، كذلك كل شيء معدوم مظلم بانعدام الإيمان.
النكتة الثانية: إن للدنيا وللأشياء ثلاثةَ وجوه:
الوجه الأول: ينظر إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فهو مرآةٌ لها، ولا يمكن أن يعرِض الزوالُ والفراق على هذا الوجه، بل فيه التجدّد.
— 362 —
الوجه الثاني: ينظر إلى الآخرة، ويرنو إلى عالم البقاء، وهو في حُكم مزرعتها. ففي هذا الوجه تنضج ثمراتٌ باقيات. فهذا الوجه يخدم البقاء، لأنه يحوّل الفانيات إلى حُكم الباقيات، وفيه جلوات الحياة والبقاء لا الموت والزوال.
الوجه الثالث: ينظر إلى الفانين، أي ينظر إلينا نحن، فهو وجهٌ يعشقه الفانون وأهلُ الهوى، وهو موضعُ تجارة أهل الشعور، وميدانُ امتحان الموظفين المأمورين. وهكذا ففي حقيقة هذا الوجه الثالث جلواتُ اللقاء والحياة تكون مرهمًا على جراحات آلام الفناء والزوال والموت والعدم في هذا الوجه للدنيا.
حاصل الكلام: إنَّ هذه الموجودات السيالة، وهذه المخلوقات السيارة، ما هي إلّا مرايا متحركة، ومظاهر متبدّلة لتجديد أنوار إيجاد الواجب الوجود .
— 363 —

المقام الثاني

عبارة عن مقدمة وخمس إشارات
والمقدمة عبارة عن مبحثين

المقدمة

المبحث الأول
ستُكتب في هذه الإشارات الخمس الآتية تمثيلاتٌ، بمثابة مراصدَ ومناظير صغيرة وخافتة، لرصد حقيقة شؤون الربوبية، فهذه التمثيلات لا تستوعب قطعًا حقيقة شئون الربوبية، ولا يمكن أن تحيط بها، ولا أن تكون مقياسًا لها، إلّا أنها تمكّن المرءَ من أن ينظر إلى تلك الشؤون البديعة من خلالها. ثم إن التعابير التي لا تناسب شؤون الذات الجليلة في التمثيلات الآتية وفي الرموز السابقة إنما هي من قصور التمثيل نفسه. فمثلًا: إن المعاني المعروفة لدينا للّذة والسرور والرضى والامتنان لا يمكن أن تعبِّر عن الشؤون المقدّسة للّٰه سبحانه، ولكنها مجرد عناوينِ ملاحظة ليس إلّا، ومراصدُ تفكر فحسب.
ثم إن هذه التمثيلات تثبت حقيقة قانون رباني عظيم حول شؤون الربوبية بإظهارها جزءًا وطرَفًا من ذلك القانون في مثال صغير.
فمثلًا؛ لقد ذُكر أنَّ الزهرة ترحل من الوجود، إلّا أنها تترك آلافًا من أنواع الوجود، ثم ترحل. وبهذا المثال يُبيَّن قانونٌ عظيم للربوبية، حيث يجري هذا القانون في الربيع كله كما يجري في جميع موجودات الدنيا.
نعم، إنَّ الخالق الرحيم، بأي قانونٍ يبدّل لباسَ طائر وريشَه، ويجدّده، يبدّل ذلك الصانع الحكيم بالقانون نفسه لباسَ الكرة الأرضية كل سنة، ويبدل بالقانون نفسه صورة الكون قاطبة عند قيام الساعة ويغيرها.. وكذا بأي قانون يحرّك سبحانه الذرة كالمريد المولوي يدور حول نفسه وحول حلقة الذكر فإنه يحرك بالقانون نفسه الكرةَ الأرضية كانجذاب المريد
— 364 —
المولوي بالذكر، بل يحرك العوالم بالقانون نفسه، ويسيّر المنظومة الشمسية به.. وكذا بأي قانون يجدّد سبحانه ذرات خلايا جسمك ويحللها ويعمّرها، فإنه يجدّد بالقانون نفسه، في كل سنة، في كل موسم بستانَك مرات ومرات ويجدد بالقانون نفسه سطح الأرض في كل ربيع ويبسط بساطًا جديدًا.. وكذا، بأي قانونٍ حكيمٍ يحيي الصانعُ القدير ذبابةً، فإنه سبحانه يحيي بالقانون نفسه شجرة الدلب الضخمة هنا -وهي أمامنا- في كل ربيع، ويحيي الأرض بالقانون نفسه في الربيع، ويحيي المخلوقات قاطبة بالقانون نفسه يوم الحشر الأعظم.
ويشير القرآن الحكيم إلى هذا بقوله تعالى:
ما خَلقُكم ولابَعثُكم الّا كنفسٍ واحدة
(لقمان: ٢٨).. وهكذا فقس.
فهناك قوانين ربوبية كثيرة جدًّا أمثال هذه تجري من الذرة إلى مجموع العالَم. فتأمل في عظمة هذه القوانين التي تتضمنها فعاليةُ الربوبية وتدبَّر في سعتها وشاهِد سرّ الوحدة فيها. واعلم أنّ كل قانونٍ برهانُ توحيد بذاته.
نعم، إن كل قانون من هذه القوانين الكثيرة والعظيمة جدًّا، لكونه قانونًا واحدًا ومحيطًا بالوجود في الوقت نفسه فإنه يثبت وحدانيةَ الصانع الجليل وعلمَه وإرادته إثباتًا قاطعًا فضلًا عن أنه تجلٍ من تجليات العلم والإرادة.
وهكذا فالتمثيلات الواردة في أغلب مباحث "الكلمات" تبيّن طرفًا وجزءًا من مثل هذه القوانين في مثال جزئي، فهي إذن تشير إلى وجود ذلك القانون نفسه في المدعي. فمادام التمثيل يبيّن تحقق القانون فهو إذن يثبت المدعي كالبرهان المنطقي. بمعنى أن معظم التمثيلات الموجودة في "الكلمات" كلٌّ منها في حكم برهان يقيني، وحجة قاطعة.
المبحث الثاني
لقد ذُكر في "الحقيقة العاشرة من الكلمة العاشرة": أن لكلِّ ثمرة ولكل زهرة غاياتٍ وحِكَمًا بقدر ثمرات الشجرة وأزاهيرها. وتلك الحكم على ثلاثة أقسام:
قسم منها متوجّه إلى الصانع الجليل؛ يبين نقوش أسمائه.
وقسم آخر يتوجه إلى ذوي الشعور، فالموجودات في نظرهم رسائلُ قيّمة وكلمات بليغة ذات مغزى.
— 365 —
وقسم آخر يتوجه إلى الشيء نفسه، وإلى حياته وإلى بقائه، وله حِكمٌ حسب منافع الإنسان، إن كان مفيدًا للإنسان.
فعندما كنت أتأمل وجود هذه الغايات الكثيرة لكل موجود. وردتْ هذه الفقرات باللغة العربية إلى خاطري، دوّنتُها على صورة ملاحظات على أسس تلك الإشارات الخمس الآتية:
(وَهٰذِهِ الْمَوْجُودَاتُ الْجَلِيَّةُ مَظَاهِرُ سَيَّالَةٌ وَمَرَايَا جَوَّالَةٌ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّيَاتِ أَنْوَارِ إيجَادِه سُبْحَانَهُ، بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَاتِ الْإِعْتِبَارِيَّةِ:
أَوَّلًا: مَعَ اسْتِحْفَاظِ الْمَعَانِي الْجَميلَةِ وَالْهُوِيَّاتِ الْمِثَالِيَّةِ،
وَثَانِيًا: مَعَ إِنْتَاجِ الْحَقَائِقِ الْغَيْبِيَّةِ وَالنُّسُوجِ اللَّوْحِيَّةِ،
وَثَالِثًا: مَعَ نَشْرِ الثَّمَرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ،
وَرَابِعًا: مَعَ إِعْلاَنِ التَّسْبيحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَإِظْهَارِ الْمُقْتَضَيَاتِ الْأَسْمَائِيَّةِ،
وَخَامِسًا: لِظُهُورِ الشُّؤُونَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ وَالْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ).
ففي هذه الفقرات الخمس أسس الإشارات الآتية التي سنبحثها:
نعم، إنَّ لكل موجود، ولاسيما من ذوي الحياة، خمسَ طبقات مختلفة من الحِكَم والغايات المختلفة.
فكما أن شجرة مثمرةً، تثمر أغصانُها التي يعلو بعضُها على بعض، كذلك كل كائن حي له غايات وحِكَم مختلفة في خمس طبقات.
أيها الإنسان الفاني! إنْ كنت تريد تحويل حقيقتِك التي هي كنواة جزئية إلى شجرة باقية مُثمرة، وتحصل على الطبقات العشر من الثمرات المشار إليها في خمس إشارات وعشرة أنواع من الغايات. اغتنم الإيمان الحقيقي وإلّا تُحرَم من جميع تلك الغايات والثمرات فضلًا عن أنك تَضمُر وتَفسُد داخل تلك النواة الصغيرة.
— 366 —
الإشارة الأولى: (أَوَّلًا: بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَاتِ الْإِعْتِبَارِيَّةِ مَعَ اسْتِحْفَاظِ الْمَعَانِي الْجَميلَةِ وَالْهُوِيَّاتِ الْمِثَالِيَّةِ). هذه الفقرة تفيد: أن كل موجود، بعد ذهابه من الوجود، يذهب إلى العدم والفناء ظاهرًا. ولكن تبقى المعاني التي كان قد أفادها وعبّر عنها وتُحفظ، وتبقى كذلك هويتُه المثالية وصورتُه وماهيتُه في عالم المثال، وفي الألواح المحفوظة التي هي نماذج عالم المثال، وفي القوى الحافظة (الذاكرة) التي هي نماذجُ الألواح المحفوظة.
بمعنى أن الموجود يفقد وجودًا ظاهريًا صوريًا، ويكسب مئاتٍ من الوجود المعنوي والعلمي.
مثلًا: تعطى للحروف المطبعية ترتيبًا معينًا ووضعًا خاصًا كي تطبع بها صحيفة معينة، فصورة تلك الصحيفة الواحدة وهويتُها تعطى إلى صحائف مطبوعة متعددة، وتنشر معاني ما فيها إلى عقول كثيرة، وبعد ذلك تتبدل أوضاع تلك الحروف وتُغيّر، لانتفاء الحاجة إليها، وللحاجة إلى تنضيد صحائف أخرى بتلك الحروف.
وهكذا، فإن قلم القَدر الإلهي يعطي هذه الموجودات الأرضية، ولاسيما النباتية منها، ترتيبًا معينًا ووضعًا معينًا، والقدرة الإلهية توجِدها في صحيفة موسم الربيع، فتعبّر عن معانيها الجميلة. وحيث إن صورَها وهوياتها تنقل إلى سجل عالم الغيب، كعالم المثال، فإن الحكمة تقتضي أن يتبدل ذلك الوضع، كي تُكتب صحيفة جديدة للربيع المقبل لتعبّر عن معانيها كذلك.
الإشارة الثانية: (وَثَانِيًا: مَعَ إِنْتَاجِ الْحَقَائِقِ الْغَيْبِيَّةِ وَالنُّسُوجِ اللَّوْحِيَّةِ). هذه الفقرة تشير إلى أن كل شيء، سواءً أكان جزئيًّا أم كليًّا، بعد ذهابه من الوجود (ولاسيما إن كان ذا حياة) ينتج حقائقَ غيبية كثيرة فضلًا عن أنه يدع صورًا بعدد أطوار حياته في الألواح المثالية، التي هي في سجلات عالم المثال، فيُكتَبُ تاريخُ حياته ذو المغزى من تلك الصور والذي يسمى بالمقدّرات الحياتية، ويكون في الوقت نفسه موضع مطالعة الروحانيات، بعد ذهابه من الوجود.
— 367 —
مثال ذلك: إن زهرة ما تذبُل ثم ترحل من الوجود، إلّا أنها تترك مئات من البُذيرات في الوجود وتدع ماهيتَها في تلك البذيرات، فضلًا عن أنها تترك ألوفًا من صورها في ألواح محفوظة صغيرة، وفي القوى الحافظة التي هي نماذج مصغرة للألواح المحفوظة، فتستقرئ ذوي الشعور التسبيحات الربانية ونقوش الأسماء الحسنى التي أدتها في أطوار حياتها. ومن بعد ذلك ترحل عن الوجود.
وهكذا فإن موسم الربيع المزدان بالمصنوعات الجميلة على سطح الأرض الشبيه بمَزهرة عظيمة، إنما هو زهرة ناضرة تزول في الظاهر، وتذهب إلى العدم. بيد أنه -أي الربيع- يترك الحقائق الغيبية التي أفادها بعدد بذوره، ويترك الهويات المثالية التي نشرها بعدد الأزاهير، ويدع الحِكم الربانية التي أظهرها بعدد الموجودات.
فيترك الربيع كلَّ أنواع الوجود هذه، ثم يغيب عن أنظارنا، زد على ذلك فإنه يُفرغ المكان لأقرانه من جموع الربيع التي ستأتي إلى الوجود لتؤدي وظائفها.
بمعنى أن ذلك الربيع يَنیزع عنه وجودًا ظاهريًا ويلبس ألفًا من الوجود معنًى.
الإشارة الثالثة: (وَثَالِثًا: مَعَ نَشْرِ الثَّمَرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ). هذه الفقرة تفيد: أن الدنيا مزرعة ومعمل ينتج المحاصيل التي تناسب سوق الآخرة.
إذ كما أن أعمال الجن والإنس تُرسل إلى سوق الآخرة، كذلك تؤدي بقيةُ الموجودات في الدنيا أعمالًا كثيرة أيضًا في سبيل الآخرة وتنشئ محاصيل وفيرة لها، بل تجري كرة الأرض لأجل تلك الأعمال، بل يصح القول:
إنَّ هذه السفينة الربانية تقطع مسافة أربعة وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، لتدور حول ميدان الحشر. كما أثبتنا في "كلمات" كثيرة.
مثلا: لاشك أن أهل الجنة يرغبون أن يتذاكروا خواطرَهم في الدنيا، ويتحاوروا فيما بينهم حول ذكرياتها، وربما يتلهفون لرؤية ألواح (مشاهد) تلك الذكريات والحوادث ومناظرها، إذ يستمتعون كثيرًا بمشاهدة تلك الحوادث وتلك الألواح كمن يستمتع بمشاهدة المناظر على شاشة السينما.
— 368 —
فما دام الأمر هكذا فالجنة التي هي دار اللذة ومنیزل السعادة توجد فيها لا محالة المناظرُ السرمدية لمحاورات الأحداث الدنيوية ومناظرُ أحداثها. كما تشير إلى ذلك الآيیة الكريمة: على سررٍ متقابلين (الحجر: ٤٧)
وهكذا، فإن فناء هذه الموجودات الجميلة، بعد ظهورها في آن واحد، وتعاقب بعضها بعضًا يبيّن كأنما هي آلات معمل لتشكيل المناظر السرمدية.
مثال: إن أهل المدنية يلتقطون صورَ الأوضاع الغريبة والجميلة ويهدونها إلى أبناء المستقبل تذكارًا لهم، كما هو على شاشة السينما. فيمنحون نوعًا من البقاء لأوضاع فانية، ويدرجون الزمان الماضي ويظهرونه في الزمان الحالي وفي المستقبل.
كذلك هذه الموجودات الربيعية والدنيوية عامة، بعد قضاء حياة قصيرة، كما يدوّن صانعُها الحكيمُ غاياتِها التي تخص عالمَ البقاء في ذلك العالم، كذلك يسجّل الوظائف الحياتية والمعجزات السبحانية التي أدّوها في أطوار حياتها، في مناظر سرمدية، وذلك بمقتضى اسم اللّٰه الحكيم والرحيم والودود.
الإشارة الرابعة: (وَرَابِعًا: مَعَ إعْلاَنِ التَّسْبِيحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَإِظْهَارِ الْمُقْتَضَيَاتِ الْأَسْمَائِيَّةِ). هذه الفقرة تفيد: أن الموجودات تؤدي أنواعًا من التسبيحات الربانية في أطوار حياتها، وتظهر ما تستلزمه الأسماء الإلهية وتقتضيها من حالات.
مثلا: يقتضي اسم الرحيم الإشفاق، ويقتضي اسم الرزاق إعطاء الرزق، ويستلزم اسم اللطيف التلطيف.. وهكذا. فكل اسم من الأسماء الإلهية له مقتضى. وكل ذي حياة يبين مقتضى تلك الأسماء، بحياته ووجوده، وهو في الوقت نفسه يسبّح للّٰه الحكيم بعدد أجهزته.
مثلًا: إذا أكل الإنسان فواكه طيبة، فإنها تتجزأ وتتلاشى في معدته وتهضم وتمحى ظاهرًا، إلّا أنها تعطى كل خلية من خلايا جسمه، لذة وذوقًا ضمن فعالية، فضلًا عن الفم والمعدة، ويكون مدار حِكَم كثيرة جدًّا كإنماء الحياة في أقطار الجسم وإدامتها، والطعام نفسه يرقى من الوجود النباتي إلى مرتبة حياة الإنسان.
— 369 —
كذلك عندما تختفي الموجودات وراء ستار الزوال تظل بدلًا عنها تسبيحات باقية كثيرة جدًّا لكل موجود من الموجودات وتودع نقوش كثير من الأسماء الإلهية ومقتضياتها في يد تلك الأسماء، أي تودعها إلى وجودٍ باق. وهكذا تمضي وترحل. تُرى لو بقيت ألوف من أنواع الوجود -التي نالت نوعًا من البقاء- بديلًا عن ذهاب وجود مؤقت فانٍ، أيمكن أن يُقال: يا حسرةً على ذلك الوجود المؤقت! أو أنه مضى إلى عبث! أو لِمَ رحل هذا المخلوق اللطيف؟! أفيمكن أن يُشتكى على هذه الصورة؟.
بل إن الرحمة والحكمة والمحبة في حق ذلك المخلوق تقتضي هكذا، بل هو هكذا. وإلّا يلزم ترك ألوف المنافع للحيلولة دون حدوث ضرر واحد. وعندئذٍ تحدث ألوف الأضرار!.
بمعنى أن الأسماء الحسنى: الرحيم، الحكيم، الودود تستلزم مضي الموجودات وراء أستار الزوال والفراق وتقتضيهما ولا تعارضهما.
الإشارة الخامسة: (وَخَامِسًا: لِظُهُورِ الشُّؤُونَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ وَالْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ) تفيد هذه الفقرة: إن الموجودات -ولاسيما الأحياء منها- بعد ارتحالها من وجودها الظاهري تترك كثيرًا من الأمور الباقية ثم تمضي إلى شأنها.
وقد بينا في الرمز الثاني:
إن في شؤون الربوبية محبةً مطلقة وشفقة مطلقة وافتخارًا مطلقًا -إن جاز التعبير- ورضى مقدسًا مطلقًا وسرورًا مقدسًا مطلقًا -إن جاز التعبير- ولذة مقدسة مطلقة وفرحًا منیزّهًا مطلقًا بما يليق بذاته الجليلة المقدسة ويوافق تعاليه وتنیزّهه وتقدُّسه سبحانه، إذ تُشاهد آثار تلك الشؤون المنیزّهة، لأن ما تقتضيه تلك الشؤون هو سَوق الموجودات بسرعة في فعالية محيّرة، ضمن تبديل وتغيير وزوال وفناء، فتُرسل -الموجودات- باستمرار من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. فالمخلوقات ضمن تجليات تلك الشؤون الربانية في سير وسياحة دائمَين، في حركة وجولان مستمرين. فهي بهذه السياحة والحركة الدائمتين تملأ آذان أهل الغفلة بنعيات الفراق والزوال، وتشنّف أسماع أهل الإيمان بنغمات الذكر والتسبيح.
وبناءً على هذا السرّ، فما من موجود يرحل عن الوجود إلّا ويترك في الوجود من المعاني والكيفيات والحالات ما يكون مدارًا باقيًا لظهور شؤون باقية لواجب الوجود سبحانه.
— 370 —
ثم إن ما قضاه ذلك الموجود من أطوار وأحوال، يتركه عندما يرحل وجودًا مفصلًا -يمثل وجوده الخارجي- في دوائر الوجود العلمي من أمثال الإمام المبين والكتاب المبين واللوح المحفوظ، تلك الدوائر التي هي عناوين العلم الأزلي.
فكلُّ فانٍ إذن يترك وجودًا ويكسب لنفسه ولغيره ألوفًا من أنواع الوجود.
مثلًا: تُلقى مواد اعتيادية إلى ماكنة مصنع عظيم، فتحترق تلك المواد وتمحى ظاهرًا، ولكن تترسب مواد كيمياوية ثمينة وأدوية مهمة في أنابيق ذلك المصنع، فضلًا عن قيام قوة بخارها بتحريك دواليب ذلك المعمل مما يؤدي إلى نسج الأقمشة من جهة وطبع الكتب من جهة أخرى وإنتاج السكر من جهة أخرى مثلًا.
بمعنى، أن في احتراق تلك المواد الاعتيادية وفنائها الظاهري تجد ألوفُ الأشياء الوجود.
بمعنى، يذهب وجود اعتيادي ويفنى، ولكن يورث أنواعًا من وجود رفيع.
فهل يقال في مثل هذه الحالة: يا خسارة على تلك المواد الاعتيادية؟ أفيُشكى هكذا؟ أيُقال: لِمَ لم يرأف صاحبُ المصنع بحال تلك المواد وحرقها ومحاها؟
وللّٰه المثل الاعلى
إنَّ الخالق الحكيم والرحيم والودود، يُشغل مصنع الكائنات جاعلًا من كل وجود فانٍ نواةً لأنواع من الوجود الباقي، ومدارًا لإظهار مقاصده الربانية مظهرًا به شؤونه السبحانية متخذًا إياه مدادًا لقلم قدره، ومكوكًا لنسج قدرته، وذلك بمقتضى الرحمة والحكمة والودودية. فيدفع سبحانه بفعالية قدرته الكائنات لتؤدي مهامها وفعالياتها لأجل كثير مما لا نعرفه من عنايات غالية ومقاصد عالية. فتسوق تلك الفعالية الموجودات كلها حتى تجعل الذرات تجول جولانًا، والموجودات تسير سيرانًا، والحيوانات تسيل سيلانًا، والسيارات تدور دورانًا. فتجعل الكون يتكلم وينطق ويتلو آيات خالقه بصمت ويستكتبها.
ومن حيث الربوبية قد جعل سبحانه المخلوقات الأرضية عروشًا له؛ إذ جعل الهواءَ نوعًا من عرش لأمره وإرادته، وعنصرَ النور عرشًا آخر لعلمه وحكمته، والماءَ عرشًا آخر لإحسانه ورحمته، والترابَ نوعًا من عرش لحفظه وإحيائه. ويسيّر ثلاثة من تلك العروش فوق المخلوقات الأرضية.
— 371 —
فاعلم علمًا قاطعًا! أن الحقيقة السامية التي بُيّنَت في هذه الرموز الخمسة والإشارات الخمس إنما تشاهَد بنور القرآن ولا تُمتلك إلّا بقوة الإيمان، وإلّا ستعم ظلمات مرعبة بدلًا من تلك الحقيقة الباقية، وتمتلئ الدنيا لأهل الضلالة بألوان الفراق وأصناف الزوال وتطفح بأنواع العدم ويصبح الكون بالنسبة له جحيمًا معنويًّا لا يطاق، إذ يحيط بوجود آني بالنسبة له ما لا يحد من العدم كلَّ شيء، فالماضي والمستقبل جميعًا مملوءان بظلمات العدم. فلا يجد الضال إلّا نورًا كئيبًا حزينًا في حاله الحاضرة وهي زمان قصير جدًّا.
ولكن ما إن يأتي سرُّ القرآن ونور الإيمان إذا بنور وجودٍ يُشاهد من الأزل إلى الأبد فيتعلق به ويحقق به سعادته الأبدية.
خلاصة الكلام: نقول كما قال (نيازي المصري):
"لو كان النَفَسُ بحرًا زاخرًا
وتقطّع هذا الصدرُ إربًا إربًا
أناجى إلى أن يبحّ هذا الصوت"
وأقول:
يا حق يا موجود يا حي يا معبود
يا حكيم يا مقصود يا رحيم يا ودود
وأقول صارخًا:
لا إله إلّا اللّٰه الملك الحق المبين محمد رسول اللّٰه صادق الوعد الأمين.
واعتقد جازمًا وأثبت:
إِنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوتِ حَقٌّ وَالْجَنَّةَ حَقٌ وَالنَّارَ حَقٌّ وَإِنَّ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ حَقٌّ وَإِنَّ اللّٰه رَحيمٌ حَكيمٌ وَدُودٌ وَإِنَّ الرَّحْمَةَ وَالْحِكْمَةَ وَالْمَحَبَّةَ مُحيطَةٌ بِجَميعِ الْأَشْيَاءِ وَشُؤُونَاتِهَا.
— 372 —
وقالوا الحمد للّٰه الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدينا اللّٰه لقد جاءت رُسُلُ ربنا بالحق
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا
اللّٰهمَّ صَلِّ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّه أَدَاءً وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه وَسَلِّمْ. أٰمينَ. وَالْحَمْدُ للّٰه رَبِّ الْعَالَمينَ
سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ حَديقَةَ أَرْضِه مَشْهَرَ صَنْعَتِه، مَحْشَرَ خِلْقَتِه، مَظْهَرَ قُدْرَتِه، مَدَارَ حِكْمَتِه، مَزْهَرَ رَحْمَتِه، مَزْرَعَ جَنَّتِه، مَمَرَّ الْمَخْلُوقَاتِ، مَسيلَ الْمَوْجُودَاتِ، مَكيلَ الْمَصْنُوعَاتِ.
فَمُزَيَّنُ الْحَيَوَانَاتِ مُنَقَّشُ الطُّيُورَاتِ، مُثَمَّرُ الشَّجَرَاتِ مُزَهَّرُ النَّبَاتَاتِ.
مُعْجِزَاتُ عِلْمِه، خَوَارِقُ صُنْعِه، هَدَايَا جُودِه، بَرَاهينُ لُطْفِه، دَلاَئِلُ الْوَحْدَةِ، لَطَائِفُ الْحِكْمَةِ، شَوَاهِدُ الرَّحْمَةِ.
تَبَسُّمُ الْأَزْهَارِ مِنْ زينَةِ الْأَثْمَارِ،
تَسَجُّعُ الْأَطْيَارِ فِى نَسْمَةِ الْأَسْحَارِ،
تَهَزُّجُ الْأَمْطَارِ عَلى خُدُودِ الْأَزْهَارِ،
تَزَيُّنُ الْأَزْهَارِ، تَبَرُّجُ الْأَثْمَارِ في هذِهِ الْجِنَانِ،
تَرَحُّمُ الْوَالِدَاتِ عَلَى الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ في كُلِّ الْحَيَوَانَاتِ وَاْلإِنْسَانِ.
تَعَرُّفُ وَدُودٍ،
تَوَدُّدُ رَحْمَانٍ،
تَرَحُّمُ حَنَّانٍ،
تَحَنُّنُ مَنَّانٍ لِلْجِنِّ وَاْلإِنْسَانِ وَالرُّوحِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَلَكِ وَالْجَانِّ.
— 373 —

الذيل الأول

قُلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبّي لوْلا دُعَآؤُكْم
(الفرقان: ٧٧)
النكتة الأولى
اعلم أنَّ الدعاء سر عظيم للعبادة، بل هو مخ العبادة وروحُها، [٭]: انظر: الترمذي، الدعاء ١، تفسير سورة البقرة ١٦، غافر ١؛ أبو داود، الوتر ٢٣؛ ابن ماجه، الدعاء ١. والدعاء -مثلما ذكرناه في مواضع أخرى كثيرة- على أنواع ثلاثة.
النوع الأول من الدعاء: هو دعاءٌ بلسان الاستعداد والقابلية الموْدعة في الشيء. فالحبوب والنُويَّات جميعُها تسأل فاطرَها الحكيم بلسان استعدادها وقابلياتها المودعة فيها قائلة: اللهم يا خالقنا هيئ لنا نموًا نتمكن به من إبراز بدائع أسمائك الحسنى، فنعرِضها أمام الأنظار.. فحوِّل اللهم حقيقتَنا الصغيرة إلى حقيقة عظيمة.. تلك هي حقيقةُ الشجرة والسنبل.
وثمة دعاء من هذا النوع -أي بلسان الاستعداد- هو اجتماع الأسباب. فاجتماع الأسباب دعاءٌ لإيجاد المسبب، أي أن الأسباب تتخذ وضعًا معيّنًا وحالة خاصة بحيث تكون كلسان حال يطلب المسبَّب من القدير ذي الجلال، فالبذور مثلًا تسأل بارئها القدير أن تكون شجرةً، وذلك بلسان استعدادها فيتخذ كلٌّ من الماء والحرارة والتراب والضوء حالة معينة حول البذرة حتى تكون تلك الحالة كأنها لسانٌ ينطق بالدعاء قائلًا: اللهم يا خالقنا اجعل هذه البذرة شجرة.
نعم، إنَّ الشجرة التي هي معجزةُ قدرة إلهية خارقة لا يمكن بحال من الأحوال أن يُفوَّض أمرُها ويُسند خلقُها إلى تلك المواد البسيطة الجامدة الفاقدة للشعور، بل محال إحالتها إلى تلك الأسباب.. فاجتماع الأسباب إذن إنما هو نوعٌ من الدعاء.
— 374 —
النوع الثاني من الدعاء: هو الدعاء الذي يُسأل بلسان حاجة الفطرة، فالكائنات الحية جميعُها تطلب مطاليبها وتسأل حاجاتِها -الخارجة عن طوقها واختيارها- من خالقها الرحيم وتُستجاب لها مطاليبُها وحاجاتُها في أنسب وقت ومن حيث لا تَحتسب، إذ إن أيديها قاصرةٌ عن أن تصل إلى ما تريد أو دفع حاجة لها، فإرسال كل ما تطلبه إذن مما هو خارجٌ عن طوقها واختيارها وفي أنسب وقت ومن حيث لا تُحتسب إنما هو من قِبَل حكيم رحيم. وإغداقُ هذا الإحسان والإنعام ما هو إلّا استجابةٌ لدعاء فطري.
نحصل من هذا: أنَّ هذا النوع من الدعاء الفطري تنطلق به ألسنةُ حاجةِ الفطرة لجميع الكائنات فتسأل الخالق القدير مطاليبَها، والتي هي من قبيل الأسباب تسأل القدير العليم المسببات.
النوع الثالث من الدعاء: هو الدعاء الذي يسأله ذوو الشعور لتلبية حاجاتهم. وهذا الدعاء نوعان أيضًا:
فالقسم الأول: مستجاب على الأغلب إنْ كان قد بلغ درجةَ الاضطرار، أو كان ذا علاقة قوية مع حاجة الفطرة ومتوافقًا معها، أو كان قريبًا من لسان الاستعداد والقابلية، أو كان خالصًا صافيًا نابعًا من صميم القلب.
إن ما أحرزه الإنسان من رقيٍّ، وما نال من كشوفات ما هو إلّا نتيجة هذا النوع من الدعاء، إذ ما يطلقون عليه من خوارق الحضارة والأمور التي يحسبونها مدار افتخار اكتشافاتهم ما هو إلّا ثمرةُ هذا الدعاء المعنوي الذي سألته البشريةُ بلسان استعداد خالص فاستُجيب لها. فما من دعاء يُسأل بلسان الاستعداد وبلسان حاجة الفطرة إلّا استُجيب إن لم يكن هناك مانع، وكان ضمن شرائطه المعينة.
أما القسم الثاني: فهو الدعاء المعروف لدينا. وهذا أيضًا فرعان:
أحدهما:
فعلي والآخر: قولي.
فمثلا: حرثُ الأرض نوعٌ من دعاء فعلي، يطلب الإنسان الرزقَ من رزّاقه الحكيم،
— 375 —
يطلبه منه، لا من التراب، فالتراب بابٌ لخزينة رحمته الواسعة ليس إلّا، يطرقه الإنسان بالمحراث.
سنطوي تفاصيلَ الأقسام الأخرى ونذكر بضعةَ أسرار للدعاء "القولي" وذلك في بضع نكات آتية:
النكتة الثانية
اعلم أن تأثير الدعاء عظيم، ولا سيما إذا دام واكتسب الكلّية. فهذا الدعاء يُثمر على الأغلب ويُستجاب دائمًا. حتى يصح أن يقال: إن سبب خلق العالم إنما هو دعاء، حيث إن الدعاء العظيم للرسول الأعظم (ص) وهو يتقدم العالم الإسلامي الذي يدعو الدعاء نفسه، وهم يتقدمون البشرية جمعاء التي تسأل الدعاء نفسه.. ذلك الدعاء هو: السعادة الأبدية، وهو سبب من أسباب خلق العالم. أي أن رب العالمين قد علم بعلمِه الأزلي أن ذلك الرسول الكريم (ص) سيسأله السعادةَ الأبدية والحظوة بتجلٍ من تجليات أسمائه الحسنى، سيسأله باسم البشرية قاطبة بل باسم الموجودات.. فاستجاب سبحانه وتعالى لذلك الدعاء العظيم فخلق هذا العالم.
فما دام الدعاء قد اكتسب هذه الأهمية العظيمة والسعة الشاملة فهل يمكن ألّا يستجاب؟ وهل يمكن لدعاء يلهج به مئاتُ الملايين من البشر -في الأقل- ومنذ ألف وثلاث مائة سنة، يدعونه متفقين، في كل حين، بل يدعو معهم كل الطيبين من الجن والملك والروحانيات ممن لا يحصون ولا يعدون.. هل يمكن ألّا يستجابَ هذا الدعاء الذي يدعونه للرسول الكريم (ص) لينال الرحمة الإلهية العظيمة والسعادة الخالدة.
فما دام قد اكتسب هذا الدعاءُ الكليةَ والسعةَ والدوام إلى هذا الحد حتى بلغ درجة لسان الاستعداد وحاجة الفطرة، فلابد أن ذلك الرسول الكريم محمد بن عبد اللّٰه (ص) قد اعتلى -نتيجة الدعاء- مرتبةً رفيعة عالية بحيث لو اجتمعت العقولُ جميعًا للإحاطة بحقيقة تلك المرتبة لعجزت عجزًا تامًا.
فبُشراك أيها المسلم! إن لك شفيعًا كريمًا في يوم الحشر الأعظم، هو هذا الرسول الحبيب (ص)... فاسعَ لنيل شفاعته باتباع سنته المطهرة.
— 376 —
فإن قلت: ما حاجة الرسول الكريم (ص) وهو حبيب رب العالمين إلى هذه الكثرة من الدعاء والصلوات عليه؟
الجواب: إنه (ص) ذو علاقة قوية مع سعادة أمته قاطبة، فله حصتُه مما ينالُه كل فرد من أفراد أمته من أنواع السعادة، وهو يحزن أيضًا ويتألم لكل مصيبة تُصيبهم.
فعلى الرغم من أن مراتب الكمال والسعادة بحقّه لا حدَّ لها، فإن الذي يرغب رغبة شديدة في أن ينال أفرادُ أمته الذين لا يحدّون أنواعًا لا تُحد من السعادة وفي أزمان لا تُحد، ويتألم بأنواع لا حدّ لها من شقائهم ومصائبهم، لابد أنه محتاج وحريٌّ به صلواتٌ لا حدّ لها وأدعية لا حدّ لها ورحمة لا حدّ لها.
فإن قلت: يُدعى أحيانًا بدعاء خالص لأمور تقع قطعًا، كالدعاء في صلاة الكسوف والخسوف، وقد يدعى أحيانًا لأمور لا يمكن وقوعها..
الجواب: لقد أوضحنا في "كلمات أخرى": أنَّ الدعاء نوعٌ من العبادة، حيث يعلن الإنسان عجزَه وفقره بالدعاء. أما المقاصد الظاهرية فهي أوقاتُ تلك الأدعية والعبادة الدعائية، وهي ليست نتائج الأدعية وفوائدها الحقيقية، لأن فائدة العبادة وثمرتَها متوجهةٌ إلى الآخرة، أي يجنيها الداعي في الآخرة، لذا لو لم تحصل المقاصدُ الدنيوية التي يتضمنها الدعاء فلا يجوز القول: إن الدعاء لم يُستجب، وإنما يصح القول: إنه لم ينقضِ بعدُ وقتُ الدعاء.
فهل يمكن يا ترى ألّا يُستجاب دعاء للسعادة الخالدة، يسألها جميعُ أهل الإيمان في جميع الأزمنة، يسألونه بإلحاح وخلوص نية وباستمرار. فهل يمكن ألّا يَقبل الرحيمُ المطلق والكريم المطلق -التي تشهد الكائناتُ بسِعَة رحمته وشمول كرمه- هذا الدعاء، وهل يمكن ألّا تتحقق تلك السعادة الأبدية!؟ كلّا ثم كلّا..
— 377 —

النكتة الثالثة

إن استجابة "الدعاء القولي الاختياري" تكون بجهتين:
فإما أن يُستجاب الدعاء بعينه، أو بما هو أفضل منه وأولى.
فمثلًا: يدعو أحدهم أن يرزقه اللّٰه مولودًا ذكرًا، فيرزقه اللّٰه تعالى مولودةً، كمريم عليها السلام، فلا يُقال عندئذ: أن دعاءه لم يستجب، بل قد استُجيب بما هو أفضل من دعائه.
ثم إنَّ الإنسان قد يدعو لنيل سعادة دنيوية، فيستجيب اللّٰه له لسعادة أخروية، فلا يقال: أن دعاءه لم يستجب، بل قد استجيب بما هو أنفع له... وهكذا.
فنحن إذن ندعوه سبحانه ونسأل منه وحدَه، وهو يستجيب لنا، إلّا أنه يتعامل معنا على وفق حكمته لأنه حكيم عليم.. فلا ينبغي للمريض أن يتهم حكمةَ الطبيب الذي يعالجه، إذ ربما يطلب منه أن يداويه بالعسل، فلا يعطيه الطبيب إلّا دواء مرًّا علقمًا، لعلمه أنه مصاب بالحمى. فلا يحق للمريض أن يقول: الطبيب لا يستجيب لدعائي، بل قد استمع لأناته وصراخه، وأجابه فعلًا، وبأفضل منه.

النكتة الرابعة

إنَّ أطيبَ ثمرة حاضرة يجنيها المرءُ من الدعاء وألذَّها، وإن أجملَ نتيجة آنية يحصل عليها المرء من الدعاء وألطفَها هي الآتي:
إنَّ الداعي يعلم يقينًا أن هناك من يسمعه، ويترحّم عليه ويسعفه بدوائه، وقدرتُه تصل إلى كل شيء. وعندها يستشعر في نفسه أنه ليس وحيدًا فريدًا في هذه الدنيا الواسعة بل هناك كريمٌ ينظر إليه بنظر الكرم والرحمة، فيدخل الأنسُ إلى قلب الداعي، ويتصور أنه في كنف الرحيم المقتدر على قضاء حاجاته غير المحدودة ودفع أعدائه غير المعدودة. وفي حضور دائم أمامه، فيغمره الفرحُ والانشراح، ويشعر أنه قد ألقى عن كاهله عبئًا ثقيلًا، فيحمد اللّٰه قائلًا:
الحمد للّٰه رب العالمين
— 378 —

النكتة الخامسة

إنَّ الدعاء روحُ العبادة ومخُّها، وهو نتيجة إيمان خالص، لأن الداعي يُظهر بدعائه أن الذي يهيمن على العالم كله ويطّلع على أخفى أموري ويحيط بكل شيء علمًا هو القادر على إغاثتي وإسعاف أبعدِ مقاصدي وهو البصير بجميع أحوالي والسميع لندائي، لذا فلا أطلب إلّا منه وحده، فهو يسمع أصوات الموجودات كلها، ولابد أنه يسمع صوتي وندائي أيضًا.. وهو الذي يدير الأمور كلها فلا أنتظر تدبير أدق أموري إلّا منه وحده.
وهكذا فيا أيها المسلم! تأمل في سعة التوحيد الخالص الذي يهبه الدعاءُ للمرء، وانظر مدى ما يظهره الدعاءُ من حلاوة خالصة لنور الإيمان وصفائه، وافهم منه حكمة قوله تعالى:
قُلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبّي لوْلا دُعَآؤُكْم
(الفرقان: ٧٧) واستمع إلى قوله تعالى:
وقال ربكم ادعوني استجب لكم
(غافر: ٦٠).. وإنه لحقٌّ ما قيل: (اَگَرْ نَه خَواهِى دَادْ نَه دَادِى خَواهْ) أي لو لم يُرِد القضاءَ ما ألهَم الدعاءَ.
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
اَللّٰهمَّ صَلِّ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ عَدَدَ مَا في عِلْمِ اللّٰه وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه وَسَلِّمْ. سَلِّمْنَا وَسَلِّمْ دينَنَا. أمينَ . وَالْحَمْدُ للّٰه رَبِّ الْعَالَمينَ.
— 379 —

الذيل الثاني

"يخص المعراج النبوي"
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
ولقد رآه نزلةً أخرى ٭ عند سدرة المنتهى٭ عندها جنة المأوى ٭ اذ يغشى السدرة ما يغشى ٭ ما زاغ البصر وما طغى ٭ لقد رأى من آيات ربّه الكبرى
(النجم:١٣-١٨).
سنبين خمس نكات تدور حول قسم المعراج من قصيدة المولد النبوي.

النكتة الأولى

إن "السيد سليمان أفندي" الذي كتب قصيدة حول المولد النبوي الشريف، يبين فيها أحداث عشق حزين حول البُراق الذي جِيءَ به من الجنة. ولأنه من الأولياء الصالحين ويستند في قصيدته إلى روايات في السيرة، لا شك أنه يعبّر بتلك الصورة عن حقيقة معينة. والحقيقة هي الآتية:
إن لمخلوقات عالم البقاء علاقة قوية بنور رسول اللّٰه (ص)، إذ بالنور الذي أتى به ستعمّر الجنة ودار الآخرة بالجن والإنس، ولولاه لمَا كانت تلك السعادة الأبدية، ولمَا عمرت الجن والإنس الجنةَ، ولا تنعّموا بجميع أنواع مخلوقات الجنة، أي لولاه لبقيت الجنة خاوية وخالية من سكنتها.
ولقد ذكرنا في "الغصن الرابع من الكلمة الرابعة والعشرين":
— 380 —
لقد انتخب من كل نوع من الأنواع بلبلًا، خطيبًا، يعبّر عن طائفته، وفي مقدمة أولئك الخطباء، البلبل العاشق للورد، الذي يعلن عن حاجات طائفة الحيوانات البالغة حدّ العشق، إزاء قافلة النباتات الآتية من خزينة الرحمة الإلهية والحاملة لأرزاق الحيوانات.. تعلنها هذه البلابل بنغماتها الرقيقة على رؤوس أجمل النباتات تعبيرًا عن حسن الاستقبال المفعم بالتسبيح والتهليل.
فالرسول الكريم محمد الأمين (ص) الذي هو سببُ خلق الأفلاك، ووسيلةُ سعادة الدارين، وحبيب رب العالمين، فكما كان سيدنا جبريل عليه السلام ممثلًا عن نوع الملائكة، في طاعته وخدمته بكمال المحبة مبينًا سرّ سجود الملائكة وانقيادهم لسيدنا آدم عليه السلام.. فأهل الجنة كذلك، بل حتى حيواناتها لها علاقات بذلك الرسول الكريم (ص). وقد عبّر "السيد سليمان أفندي" عن هذه الحقيقة بمشاعر الحب والعشق التي أطلقها البراق الذي ركبه الرسول (ص).
النكتة الثانية
إنَّ أحد أحداث "قصيدة المعراج النبوي" هو أن "السيد سليمان" قد عبّر عن المحبة النیزيهة للّٰه سبحانه وتعالى تجاه الرسول الكريم (ص) بجملة: "قد عشقتُك".
فهذه التعابير بمعانيها العُرفية لا تليق بقدسيته وتعاليه سبحانه، ولكن لأن "السيد سليمان أفندي" من أهل الولاية وأهل الحقيقة، حيث إن قصيدته هذه لقيت القبول والرضى لدى عامة المسلمين، فلا شك أن المعنى الذي أظهره صحيح، وهو هذا:
أن للّٰه سبحانه وتعالى جمالًا وكمالًا مطلقَين، لأن جميع أنواع الجمال والكمال المنقسمة على الكائنات جميعِها، هي أماراتٌ على جماله وكماله وإشارات إليهما وعلامات عليهما.
وحيث إن كل صاحب جمال وكمال، يحب جمالَه وكماله بالبداهة، فاللّٰه سبحانه وتعالى يحب جماله [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ١٤٧؛ ابن ماجه، الدعاء، ١٠؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٣٣، ١٣٤، ١٥١. بحبٍ يليق بذاته الجليلة. وأنه يحب أيضًا أسماءه التي هي شعاعات جماله جلّ وعلا.
— 381 —
وإذ إنه يحب أسماءه، فإنه يحب إذن صنعتَه التي تُظهر جمالَ أسمائه.
ويحب إذن مصنوعاته التي هي مرايا لجماله وكماله.
وإذ إنه يحب ما يبيّن جماله وكماله، فإنه يحب محاسن مخلوقاته التي تشير إلى جمال أسمائه وكمالها.
ويشير القرآن الحكيم في آياته إلى هذه الأنواع الخمسة من المحبة.
وهكذا فالرسول الكريم (ص) الذي هو أكمل فرد في مصنوعات اللّٰه، وأبرز شخصية في مخلوقاته.. وهو الذي يقدّر ويعلن عن الصنعة الإلهية بذكرٍ جذاب وتسبيح وتهليل.. وهو الذي فتح بلسان القرآن خزائن جمال الأسماء الحسنى وكمالها.. وهو الذي يبيّن بيانًا ساطعًا -بلسان القرآن- الآيات الكونية الدالة على كمال صانعها.. وهو الذي أدّى وظيفة المرآة للربوبية الإلهية بعبوديته الكلية، حتى حظي بأتم تجليات الأسماء الحسنى كلها، بجامعية ماهيته.
فلأجل ما سبق يصح أن يقال:
أن الجميل ذا الجلال لمحبته جمالَه يحبّ محمدًا (ص) الذي هو أكمل مرآةٍ ذات شعور لذلك الجمال.
وأنه سبحانه لمحبته أسماءه يحب محمدًا (ص) الذي هو أجلى مرآة تعكس تلك الأسماء الحسنى. ويحب مَنْ يتشبهون بمحمد (ص) أيضًا، كل حسب درجته.
وأنه سبحانه لمحبته صنعته يحب محمدًا (ص) الذي أعلن عن تلك الصنعة في أرجاء الكون برمته حتى جعله في نشوة وشوق يرنّ به سمع السماوات ويثير به البرَّ والبحر شوقًا إليه.. ويحب أيضًا من يتبعونه.
وأنه سبحانه لمحبته مصنوعاته يحب محمدًا (ص)، إذ هو أفضل الناس طُرًّا الذين هم أكمل ذوي الشعور، الذين هم أكمل ذوي الحياة، الذين هم أكمل مصنوعاته سبحانه.
وأنه سبحانه لحبه أخلاق مخلوقاته يحب محمدًا (ص)، إذ هو في ذروة الأخلاق الحميدة، كما اتفق عليها الأولياء والأعداء، ويحب كذلك من يتشبهون به في الأخلاق، كل حسب درجته.
— 382 —
بمعنى أن محبة اللّٰه قد أحاطت بالكون كما أحاطت به رحمتُه، ولهذا فإن أعلى مقام في الوجوه الخمسة المذكورة ضمن المحبوبين الذين لا حصر لهم هو مقام خصّ بمحمد (ص)، ولأجله مُنح اسم "حبيب اللّٰه".
ولقد عبّر "سليمان أفندي" عن هذا المقام الرفيع، مقام المحبوبية، بقوله: "قد عشقتك" علمًا أن هذا التعبير، مرصاد للتفكر ليس إلّا، وإشارة إلى هذه الحقيقة من بعيد. ومع ذلك فإن هذا التعبير لكونه يوهم للخيال معنى لا يليق بشأن الربوبية الجليلة، فمن الأولى القول: "قد رضيتُ عنك".
النكتة الثالثة
إنَّ المحاورات الجارية في "قصيدة المعراج" عاجزةٌ عن التعبير عن تلك الحقائق المقدسة بالمعاني المعروفة لدينا، بل إن تلك المحاورات عناوينُ تأمل وملاحظة، ومراصد تفكر ليس إلّا، وإشارات إلى الحقائق السامية العميقة، وتنبيهات إلى قسم من حقائق الإيمان وكنايات عن بعض المعاني التي لا يمكن التعبير عنها.
وإلّا، فليست تلك محاورات وأحداث كالمحاورات الجارية في القصص كي تكون بالمعاني المعروفة لدينا. إذ نحن لا نستطيع أن نستلهم بخيالنا تلك الحقائق، من تلك المحاورات، بل يمكننا أن نستلهم منها بقلوبنا ذوقًا إيمانيًا مثيرًا، ونشوة روحانية نورانية، لأن اللّٰه سبحانه كما لا نظير ولا شبيه ولا مثيل له في ذاته وصفاته كذلك لا مثيل له في شؤون ربوبيته، وكما لا تشبه صفاتُه تعالى صفات مخلوقاته، كذلك لا تشبه محبتُه محبة مخلوقاته.
فهذه التعابير الواردة في "قصيدة المعراج" تعدّ من التعابير المتشابهة. ولهذا نقول:
إن للّٰه سبحانه شؤونًا -كمحبته تعالى- تلائم وجوب وجوده وقدسيته، وتناسب غناه الذاتي وكماله المطلق. أي أن القصيدة المذكورة تنبه إلى تلك الشؤون بأحداث المعراج.
ولقد أوضحت "الكلمة الحادية والثلاثون" الخاصة بالمعراج النبوي، حقائق المعراج ضمن أصول الإيمان. لذا نختصر هنا مكتفين بذاك.
— 383 —

النكتة الرابعة

سؤال: إن عبارة: "إنه (ص) قد رأى ربَّه وراء سبعين ألف حجاب" [٭]: انظر: أبويعلى، المسند ١٣/٥٢٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٢٧٨، ٨/٣٨٢؛ الروياني، المسند ٢/٢١٢؛ ابن أبي عاصم، السنة ٢/٣٦٧؛ الطبري، جامع البيان ١٦/٩٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ١/٧٩. تعبّر عن بُعد المكان، والحال أن اللّٰه سبحانه منیزّه عن المكان، فهو أقرب إلى كل شيء من أي شيء كان. فما المراد إذن من هذه العبارة؟!.
الجواب: لقد وُضّحت تلك الحقيقة في "الكلمة الحادية والثلاثين" وبُيّنت بيانًا شافيًا مفصلًا مدعمًا بالبراهين، إلّا أننا نقول هنا:
إن اللّٰه سبحانه قريب إلينا غايةَ القرب، ونحن بعيدون عنه غاية البُعد.
مثال: إن الشمس قريبة منا بوساطة المرآة التي في أيدينا. بل كل ما هو شفاف يكون نوعًا من عرشٍ للشمس ومنیزل لها. فلو أن للشمس شعورًا، لكانت تحاورنا بما في أيدينا من المرآة. ولكننا بعيدون عنها أربعة آلاف سنة.
وهكذا فشمسُ الأزل (بلا تشبيه ولا تمثيل) وللّٰه المثل الاعلى أقرب إلى كل شيء من أي شيء كان، لأنه واجب الوجود، ومنیزّه عن المكان، ولا يحجبه شيء، بينما كل شيء بعيد عنه بعدًا مطلقًا.
ومن هذا تفهم: سر المسافة الطويلة جدًّا في المعراج مع عدم وجود المسافة التي تعبر عنها الآية الكريمة:
ونحن أقرب اليه من حبل الوريد
(ق: ١٦)
وكذا ينبع من هذا السر: ذهاب الرسول (ص) وطيّه المسافات الطويلة جدًّا ومجيئه في آن واحد إلى موضعه.
فمعراج الرسول (ص) هو؛ سيرُه وسلوكه، وهو عنوان ولايتِه، إذ كما يعرج الأولياء إلى درجة حق اليقين من درجات الإيمان رقيًا معنويًّا بالسير والسلوك الروحاني بدءًا من أربعين يومًا إلى أربعين سنة، كذلك الرسول (ص) وهو سلطان جميع الأولياء وسيدُهم عُرج بجسمه وحواسه ولطائفه جميعًا لا بقلبِه وروحه وحدهما فاتحًا صراطًا سويًا وجادة كبرى حتى بلغ أعلى مراتب حقائق الإيمان وأسماها بالمعراج الذي هو كرامةُ ولايته الكبرى في أربعين دقيقة
— 384 —
بدلًا من أربعين سنة، ورقي إلى العرش بسلّم المعراج وشاهد ببصره بعين اليقين -في مقام قاب قوسين أو أدنى- أعظم حقائق الإيمان، وهو الإيمان باللّٰه، والإيمان باليوم الآخر، ودخل الجنة وشاهد السعادة الأبدية وفتح باب الجادة الكبرى وتركه مفتوحًا ليمضي جميعُ أولياء أمته بالسير والسلوك الروحاني أي بسير روحاني وقلبي في ظل ذلك المعراج، كل حسب درجته.
النكتة الخامسة
إن قراءة المولد النبوي و "قصيدة المعراج" عادة إسلامية مستحسنة، ونافعة جدًّا، بل هي مدار مجالسة ومؤانسة لطيفة في الحياة الاجتماعية الإسلامية. وهي درس في غاية اللذة والطيب للتذكير بالحقائق الإيمانية. وهي أقوى وسيلة مؤثرة ومهيجة؛ لإظهار أنوار الإيمان، وتحريك محبة اللّٰه، وعشق الرسول (ص).
نسأل اللّٰه أن يديم هذه العادة إلى الأبد، ويرحم كاتبَها "السيد سليمان أفندي" وأمثاله من الكتّاب، ويجعل جنة الفردوس مثواهم.. آمين.
خاتمة
لما كان خالق هذا الكون، يخلق من كل نوع فردًا ممتازًا كاملًا جامعًا، ويجعله مناط فخر وكمال ذلك النوع، فلاشك أنه يخلق فردًا ممتازًا وكاملًا -بالنسبة للكائنات قاطبة- وذلك بتجلي الاسم الأعظم من أسمائه الحسنى. وسيكون في مصنوعاته فردٌ أكمل كالاسم الأعظم في أسمائه. فيجمع كمالاته المنتشرة في الكائنات في ذلك الفرد الأكمل، ويجعله محط نظره.
ولا ريب أن ذلك الفرد سيكون من ذوي الحياة، لأن أكمل أنواع الكائنات هم ذوو الحياة، ويكون من ذوي الشعور، لأن أكمل أنواع ذوي الحياة هم ذوو الشعور، وسيكون ذلك الفرد الفريد من الإنسان، لأن الإنسان هو المؤهل لما لا يحد من الرقي. وسيكون ذلك الفرد حتمًا محمدًا الأمين (ص)، لأنه لم يظهر أحد في التاريخ كله مثله منذ زمن آدم عليه السلام وإلى الآن، ولن يظهر. لأن ذلك النبي الكريم (ص) قد ضم نصف الكرة الأرضية وخمس البشرية ضمن سلطانه المعنوي وحاكميته التي دامت ألفًا وثلاثمائة وخمسين عامًا بكمال هيبتها وعظمتها. وأصبح أستاذًا لجميع أهل الكمال في جميع أنواع الحقائق، ونال أرقى المراتب في
— 385 —
السجايا الحميدة باتفاق الأصدقاء والأعداء، وتحدى العالم أجمع وحده -في أول أمره- وأظهر القرآن الكريم الذي يتلوه أكثر من مائة مليون من الناس في كل دقيقة..
فلابد أن نبيًا كريمًا كهذا النبي (ص) هو ذلك الفرد الفريد لا أحد غيره أبدًا. فهو نواة هذا العالم وثمرته. عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام بعدد أنواع الكائنات وموجوداتها.
واعلم أن الاستماع إلى المولد النبوي ومعراجه (ص) أي الاستماع إلى مبدأ رقيّه ومنتهاه. أي معرفة تاريخ حياته المعنوية.. لذيذ، ونوراني، ومبعث فخر لأمته واعتزاز لهم، ومسامرة علوية رفيعة للمؤمنين الذين اتخذوه رئيسًا وسيدًا وإمامًا وشفيعًا لهم.
يا رب
بحرمة الحبيب الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبحق الاسم الأعظم.. اجعل قلوب ناشري هذه الرسالة ورفقاءهم مظهرًا لأنوار الإيمان. واجعل أقلامهم ناشرةً لأسرار القرآن واهدهم إلى سواء السبيل. آمين
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
المكتوب الخامس والعشرون
(لم يؤلف)
— 386 —

المكتوب السادس والعشرون

(هذا المكتوب السادس والعشرون عبارة عن أربعة مباحث ذات علاقات بسيطة فيما بينها).

المبحث الأول

بِاِسْمِهِ سُبحَانَهُ
وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
وإما يَنْزَغنّك من الشيطانِ نَزغٌ فاستَعِذ باللّٰه إنه هو السميعُ العليمُ
(فصلت: ٣٦)
حجة القرآن على الشيطان وحِزبه
إنَّ هذا المبحث الأول الذي يُلزم إبليسَ ويُفحم الشيطانَ ويُسكت أهلَ الطغيان، نتيجة حادثة وقعت فعلًا، ردًّا على دسيسة شيطانية رهيبة، ساقها ضمن محاكمة عقلية حيادية. وقد كتبتُ تلك الحادثة قبل عشر سنوات كتابة مُجملة في كتاب "اللوامع" وأذكرها الآن:
قبل تأليف هذه الرسالة بإحدى عشرة سنة كنتُ أنصت يومًا إلى القرآن الكريم من حفّاظ كرام في جامع بايزيد بإسطنبول، وذلك في أيام شهر رمضان المبارك، وإذا بي أسمع
— 387 —
كأن صوتًا معنويًّا، صرفَ ذهني إليه، دون أن أرى شخصَه بالذات، فأعرتُ له السمع خيالًا، ووجدتُه يقول:
- إنك ترى القرآن ساميًا جدًّا ولامعًا جدًّا، فهلّا نظرتَ إليه نظرة حيادية، ووازنتَه بميزان محاكمة عقلية حيادية. أعنى: افرض القرآنَ قول بشر، ثم انظر إليه بعد هذا الفرض هل تجد فيه تلك المزايا والمحاسن؟!
اغتررت به -في الحقيقة- فافترضت القرآن قولَ بشر، ونظرت إليه من تلك الزاوية، وإذا بي أرى نفسي في ظلام دامس. فقد انطفأت أضواءُ القرآن الساطعة، وعمّ الظلام الأرجاءَ كما يعم الجامع كلَّه إذا مس أحدُهم مفتاح الكهرباء.
فعلمت عندها أنَّ المتكلم معي هو شيطانٌ يريد أن يوقعني في هاوية. فاستعصمتُ بالقرآن الكريم نفسه، وإذا بنور يقذفه اللّٰه سبحانه في قلبي، أجد نفسي به، قويًا قادرًا على الدفاع. وحينها بدأت المناظرةُ مع الشيطان على النحو الآتي:
قلت: أيها الشيطان! إن المحاكمة الحيادية، دون انحياز إلى أحد الطرفين، هي التزام موضعٍ وسط بينهما، بيد أن المحاكمة الحيادية التي تدعو إليها -أنت وتلاميذك من الإنس- إنما هي التزامُ الطرف المخالف. فهي ليست حيادية، بل خروجٌ عن الدين مؤقتًا، ذلك لأن النظر إلى القرآن أنه كلامُ بشر وإجراء محاكمة عقلية في ضوء هذا الفرض ما هو إلّا اتخاذ الطرف المخالف أساسًا، والتزامٌ للباطل أصلًا. وليس أمرًا حياديًا، بل هو انحياز للباطل وموالاة له.
فقال الشيطان: إذن افرضه كلامًا وسطًا، لا تقل أنه كلام اللّٰه، ولا كلام بشر.
قلت: وهذا أيضًا لا يمكن أن يكون قطعًا. لأنه إذا وُجِد مالٌ منازَع فيه، وكان المدّعيان متقاربَين أي قريبين بعضهما من بعض مكانًا، حينئذٍ يوضعُ ذلك المال لدى شخص غيرِهما. أو في مكان تناله أيديهُما. فأيّما الطرفَين أقام الحجةَ على الآخر، وأثبتَ دعواه، أخذ المالَ. ولكن لو كان المدّعيان متباعدَين، أحدهما عن الآخر غايةَ البعد، كأن يكون أحدُهما في المشرق والآخر في المغرب، عندئذٍ يُترك المالُ لدى "ذي اليد" [٭]: ذو اليد: هو الذي وضع يده على عين بالفعل، أو الذي ثبت تصرفه تصرف المُلاك.(المجلة م ١٦٧٩). منهما، حسب القاعدة المعروفة. ذلك لأنه لا يمكن تركَ المال في موضعٍ وسط بينهما. [٭]: انظر: السرخسي، المبسوط ١١/٨؛ الكاساني، بدائع الصنائع ٦/٢٠٢؛ المرغاني، الهدايا ٢/١٧٧.
— 388 —
وهكذا فالقرآن الكريم، متاعٌ ثمين وبضاعةٌ سامية ومالٌ رفيع للّٰه والبُعد بين الطرفين، بعدٌ مطلق لا يحدّه حدّ، إذ هو البُعد ما بين كلام رب العالمين وكلام بشر. ولهذا لا يمكن وضعُ المال وسط الطرفين، إذ لا وسطَ بينهما إطلاقًا. لأنهما كالوجود والعدم، فلا وسط بينهما. لذا فإن صاحب اليد للقرآن هو الطرف الإلهي. ولهذا ينبغي أن يقبل الأمر هكذا وسَوق الأدلة في ضوئها أي أنه بيده سبحانه. إلّا إذا استطاع الطرفُ الآخر دحضَ جميع البراهين المشيرة إلى أنه كلام اللّٰه، وتفنيدها الواحد تلو الآخر، عندئذٍ يمكنه أن يمدّ يدَه إليه، وإلّا فلا.
هيهات! من ذا يستطيع أن يزحزح تلك الدرّة الغالية المثبتة بالعرش الأعظم بآلاف من مثبتات البراهين الدامغة، وأنّى لأحدٍ الجرأة على هدم دلائل الأعمدة القائمة، ليسقط تلك الدرّة النفيسة من العرش السامي.
فيا أيها الشيطان! إن أهل الحق والإنصاف يحاكمون الأمور محاكمة عقلية سليمة على هذه الصورة رغم أنفك. بل يزدادون إيمانًا بالقرآن بأصغر دليل.
أما الطريق الذي تدل عليه أنت وتلاميذك، أي لو افترض القرآن كلام بشر، ولو لمرة واحدة، أي لو أسقطت تلك الدرة العظيمة الثابتة بالعرش، إلى الأرض، فيلزم وجود برهان قوي وعظيم بقوة جميع البراهين ويتسع لجميع الدلائل، كي يقوى على الارتفاع بها من الأرض ويثبتها في العرش المعنوي، وبذلك وحده ينجو من ظلمات الكفر وأوهامه ويبلغ نور الإيمان ويدركه، وهذا أمر عسير قلّما يوفق المرءُ إليه في هذا الزمان، ومن هنا يفقد الكثيرون في هذا الزمان إيمانَهم بدسيستك الملفعة باسم المحاكمة العقلية الحيادية.
انبرى الشيطان قائلًا: إنَّ سياق الكلام في القرآن شبيهٌ بكلام البشر، فهو يجري محاوراته في أسلوب محاورة البشر، فإذن هو كلامُ بشر! إذ لو كان كلامُ اللّٰه، لكان خارقًا للعادة في كل جهاته، بما يليق باللّٰه، ولا يشبه كلامَ البشر، مثلما لا تشبه صنعةُ اللّٰه صنعةَ بشر!
فقلت جوابًا: إنَّ رسولنا الأعظم (ص) ظَلَّ في طور بشريته في أفعاله وأحواله وأطواره كلِّها -فيما سوى معجزاته وخصائصه- فانقادَ انقياد طاعةٍ لسنن اللّٰه وأوامِره التكوينية، كأي إنسان آخر. فكان يقاسي البردَ ويعاني الألم.. وهكذا لم يُوهب له خوارقُ غير عادية في أحواله وأطواره كلِّها، وذلك ليكون قدوةً للامة بأفعاله، ومرشدًا لهم بأطواره، وهاديًا للناس كافة
— 389 —
بحركاته وسكناته. إذ لو كان خارقًا للعادة في كل أطواره لَمَا تسنّى له أن يكون إمامًا للناس كافة، وقدوةً لهم في جميع شؤونه بالذات، ولَمَا كان مرشدًا للناس كافة، ولَمَا كان رحمةً للعالمين في جميع أحواله.
كذلك الأمر في القرآن الحكيم، إذ هو إمامُ أرباب الشعور ومرشدُ الجن والإنس وهادي الكاملين ومعلمُ أهل الحقيقة، [٭]: انظر: الدارمي، المقدمة ٥٧؛ البيهقي، شعب الإيمان ٢/٣٩٨. فالضرورة تقتضي أن يكون على نمط محاورة البشر وأسلوبه، لأن الإنس والجن يستلهمون مناجاتهم منه، ويتعلمون دعواتِهم منه، ويذكرون مسائلهم بلسانه، ويتعرّفون منه آداب معاشرتهم.. وهكذا يتخذه كل مؤمن به، إمامًا له ومرجعًا يرجع إليه.
فلو كان القرآنُ على نمط الكلام الإلهي الذي سمعه سيدُنا موسى عليه السلام في "جبل الطور" لما أطاق البشرُ سماعَه ولا قَدَر على الإنصات إليه، ولا استطاع أن يجعله مرجعًا لشؤونه كافة. فسيدُنا موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، ما استطاع أن يتحمل إلّا سماع بعضٍ من كلامه سبحانه، حيث قال: أهكذا كلامك؟ قال اللّٰه: لي قوة جميع الألسنة. [٭]: أحمد بن حنبل، الردّ على الزنادقة والجهمية ٣٦؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٦/٢١٠؛ الطبري، جامع البيان ٦/٣٠.
ولكن الشيطان عاد قائلًا: كثير من الناس يذكرون مسائل دينية شبيهة بما في القرآن، ألا يمكن لبشر أن يأتي بشيء شبيه بالقرآن باسم الدين؟
فقلت مستلهمًا من فيض القرآن الكريم:
أولا: إن ذا الیدين يبيّن الحق ويقول: الحق كذا، الحقيقة هكذا، وأمرُ اللّٰه هذا.. يقوله بدافع حبِّه للدين، ولا يتكلم باسم اللّٰه حسب هواه، ولا يتجاوز طورَه بما لا حدّ له، بأن يدّعي أنه يتكلم باسم اللّٰه أو يتكلم عنه فيقلّده في كلامه سبحانه، بل ترتعد فرائصُه أمام الدستور الإلهي
فمن أظلمُ ممن كَذبَ على اللّٰه
(الزمر: ٣٢).
ثانيًا: إنَّه لا يمكن بحال من الأحوال أن يقوم بشرٌ بهذا العمل ثم يوفّق فيه، بل هذا محال في مائة محال. لأن أشخاصًا متقاربين يمكنهم أن يقلد أحدُهم الأخر. وربما يمكن لمن هم من جنس واحد أو صنف واحد أن يتقمّص أحدُهم شخصية الآخر، فيستغفلوا الناس مؤقتًا.
— 390 —
ولكن لا يمكن أن يستغفل أحدُهم الناس بصورة دائمة. إذ سيظهر لأهل العلم والمعرفة مدى التصنع والتكلف في أطواره وأفعاله لا محالة. ولابد أن ينكشف كذبُه يومًا، فلا تدوم حيلتُه قط. وإن كان الذي يريد التقليد بعيدًا غاية البعد، كأن يكون شخصًا اعتياديًا يريد أن يقلد ابن سينا في العلم، أو راعيًا يريد أن يظهر بمظهر السلطان في مُلكه، فلا يتمكن أن يخدع أحدًا من الناس، بل يكون موضع استهزاء وسخرية، إذ كل حال من أحواله ستصرخ: إن هذا خدّاع.
وكما أنه محال ظهور اليراعة (ذبابة الليل) لأهل الرصد والفلك بمظهر نجم حقيقي، طوال ألف سنة، دون تكلف! وكما أنه محال ظهور الذباب بمظهر الطاووس لذوي الأبصار، طوال ألف سنة دون تصنع! وكما أنه محال تقمص جندي اعتيادي طور مشير في الجيش واعتلاء مقامه، مدة مديدة، من دون أن يكشف أحدٌ خداعه. وكما أنه محال ظهور مفترٍ كاذب لا إيمان له في طور أصدق الناس وأكثرهم إيمانًا وأرسخهم عقيدة، طوال حياته، أمام أنظار المتفحصين المدققين، بلا تردد ولا اضطراب، ويخفي تصنعه عن أنظار الدهاة..
فكما أن هذه الأمثلة محالة في مائة محال، ولا يمكن أن يصدقها من يملك مسكة من عقل، بل لابد أن يحكم أنها هذيان وجنون.. كذلك افتراض القرآن كلام بشر -حاش للّٰه ألف ألف مرة حاش للّٰه- إذ يستلزم عدّ ماهية الكتاب المبين الذي هو نجم الحقيقة اللامع، بل شمسُ الكمالات الساطعة، تشع دومًا أنوارَ الحقائق في سماء عالم الإسلام، كما هو مشاهد.. يستلزم الفرض عدّ ذلك النور الساطع بصيصًا يحمله متصنع، يصوغه من عند نفسه بالخرافات (حاش للّٰه ألف ألف مرة) والأقربون منه والمدققون لأحواله لا يميزون ذلك، بل يرونه نجمًا عاليًا ومنبعًا ثرًا للحقائق! وما هذا إلّا محال في مائة محال. فضلًا عن ذلك فإنك أيها الشيطان، إن تماديت في خبثك ودسائسك أضعاف أضعاف ما أنت عليه الآن، فلن تستطيع أن تجعل هذا المحال ممكنًا، ولن تقنع به عقلًا سليمًا قط. ولكنك تغرر بالناس بإراءتهم الأمور من بعيد فتريهم النجم اللامع صغيرًا كاليراعة.
ثالثًا: إنَّ افتراض القرآن كلام بشر يستلزم أن تكون حقائق وأسرار الفرقان الحكيم ذي المزايا السامية والبيان المعجز، الجامع لكل رطب ويابس، الذي له آثار جليلة في عالم الإنسانية، وتجليات باهرة وتأثيرات طيبة مباركة ونتائج قيمة -كما هو مشاهد- إذ هو الذي
— 391 —
ينفث في البشرية الروح ويبعث فيها الحياة ويوصلها إلى السعادة الخالدة.. يستلزم الفرض أن يكون هذا الفرقان الحكيم وحقائقه الجليلة من اختلاق وافتراء إنسان لا علم له ولا معين، ويلزم ألّا يشاهِد عليه أولئك الدهاة الفطنون القريبون منه المتفحصون لأحواله، أية علامة من علائم الخداع والتمويه بل يرون دائمًا إخلاصه وثباته وجدّيته. وهذا محال في مائة محال فضلًا عن أن الذي أظهر في أحواله وأقواله وحركاته كلها طوال حياته الأمانة والإيمان والأمان والإخلاص والصدق والاستقامة، وأرشد إليها وربّى الصديقين على تلك الصفات السامية والخصال الرفيعة.. يلزم أن يكون -بذلك الافتراض- ممن لا يوثق به، ولا إخلاص له ولا يحمل عقيدة.. وما ذلك إلّا رؤية المحال في المحال المضاعف حقيقة واقعة! وما ذلك إلّا هذيان فكري يخجل منه حتى الشيطان نفسه.. ذلك لأن المسألة لا وسط لها. إذ لو لم يكن القرآن الكريم -بفرض محال- كلام اللّٰه، فإنه يهوى ساقطًا من العرش الأعظم إلى الأرض. ولا يبقى في الوسط، فيكون منبع الخرافات، وهو مجمع الحقائق المحضة، وكذا فإن الذي أظهر ذلك الأمر الرباني الخالد لو لم يكن رسولًا -حاشَ للّٰه ثم حاش للّٰه- يلزم بهذا الافتراض - أنْ يهوي من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ومن درجة منبع الكمالات والفضائل إلى معدن الدسائس، ولا يبقى في الوسط. ذلك لأنَّ الذي يفتري على اللّٰه ويكذب عليه يسقط إلى أدنى الدركات.
إنَّ رؤية الذباب طاووسًا رؤية دائمة، ومشاهدة أوصاف الطاووس الرفيعة في ذلك الذباب كم هي محال فهذه المسألة أيضًا محال مثله، ولا يمكن أن يعطيها احتمالًا قط إلّا من كان سكيرًا فاقد العقل.
رابعًا: إنَّ افتراض القرآن الكريم كلام بشر يلزم أنْ يكون القرآن الذي هو القائد المقدس والنور الهادي للامة المحمدية، الممثلة لأعظم جماعة وجيش في بنى آدم، والذي يستطيع بقوانينه الرصينة ودساتيره الراسخة وأوامره النافذة أن يغزو بذلك الجيش العظيم كلا العالَمين ويفتح الدنيا والآخرة، بما أعطاهم من نظام لتسيير أحوالهم وتنسيق شؤونهم، وبما جهّزهم بأعتدة معنوية ومادية، وعلّم عقولَ الأفراد -كل حسب درجته- وربّى قلوبَهم وسخّر أرواحهم وطهّر وجدانهم واستخدم جوارحهم -كما هو مشاهد- فيلزم بذلك الافتراض أن يكون كلامًا ملفقًا لا قوة له ولا أهمية ولا أصل -حاش للّٰه ثم حاش للّٰه- أي يلزم قبول مائة محال في محال. فضلًا عن أن يكون الذي أمضى حياتَه منقادًا لقوانين اللّٰه ومرشدًا
— 392 —
إليها، وعلّم البشرية دساتير الحقيقة، بأفعاله الخالصة وأظهر أصول الاستقامة وطريق السعادة بأقواله الطيبة المعقولة، وكان أخشى الناس للّٰه وأعرفهم به، وأكثر من عرّفهم به بشهادة سيرته العطرة حتى انضوى تحت لوائه خُمس البشرية ونصف الكرة الأرضية طوال ألف وثلائمائة وخمسين عامًا، فكان فيها قائدًا رائدًا للأمة، حتى إنه هزّ العالم أجمع وأصبح حقًا فخر البشرية، بل فخر العالمين.. فيلزم بهذا الافتراض أن يكون غير عارف باللّٰه ولا يخشى عذابه وفي مستوى إنسان عادي، أي يلزم ارتكاب محال في مائة محال. لأن المسألة لا وسط لها، إذ لو لم يكن القرآن الكريم كلام اللّٰه، وسقط من العرش الأعظم، لا يقدر أن يظل في الوسط بل يلزم أن يكون بضاعة أحد الكذابين في الأرض.
ومن هنا فيا أيها الشيطان لو تضاعفت دسائسك مائة ضعف لَمَا أقنعت بهذا الافتراض من يملك عقلًا لم يفسد وقلبًا لم يتفسخ.
انبرى الشيطان قائلًا: كيف لا أستطيع أن أغويهم؟ فلقد دفعتُ كثيرًا من الناس والعقلاء المشهورين منهم خاصة إلى إنكار القرآن وإنكار نبوة محمد!
الجواب:
أولًا: إذا نُظر إلى أكبر شيء من مسافة بعيدة، يظهر كأنه شيء صغير للغاية. حتى يمكن لمن ينظر إلى نجم أن يقول: إن ضوءه كالشمعة.
ثانيًا: إنَّ النظر التبعي أو السطحي يرى المحالَ كالممكن. يروى أنَّ شيخًا كبيرًا نظر إلى السماء لرؤية هلال رمضان، وقد نیزلت شعرةٌ بيضاء من حاجبه أمام عينه، فظنها الهلال، فقال: لقد شاهدتُ الهلال!!
وهكذا فمن المحال أنْ تكون تلك الشعرة هلالًا. ولكن لأنه قد قصد في رؤيته الهلال بالذات وتراءت تلك الشعرة أمامه فظهرت له ظهورًا تبعيًا -أي ثانويًا- لذا تلقّى ذلك المحال ممكنًا.
ثالثًا: إنَّ الإنكار شيء وعدمَ القبول أو الرفضَ شيء آخر. إذ إنَّ عدم القبول هو عدمُ مبالاة، فهو إغماض العين أمام الحقائق ونفيٌ بجهالة، وليس بحُكم. وبهذا يمكن أن يستتر كثيرٌ من المحالات تحت هذا الستار، إذ لا يُشغل عقلَه بتلك الأمور.
— 393 —
أما الإنكار فهو ليس بعدمِ قبول، بل هو قبولُ العدم، فهو حُكم، يضطر صاحبُه إلى إشغال عقله وإعمال فكره.
وعلى هذا يمكن لشيطان مثلك أن يسلب منه العقلَ، ثم يخدعه بالإنكار.
ثم إنك أيها الشيطان قد خدعت أولئك الشقاة من الأنعام الذين هم في صور الأناسي فمهّدت لهم الكفرَ والإنكار اللذين يولدان كثيرًا جدًّا من المحالات، بالغفلة والضلالة والسفسطة والعناد والمغالطة والمكابرة والإغفال والتقليد وأمثالها من الدسائس التي تُري الباطل حقًا والمحال ممكنًا.
رابعًا: إنَّ افتراض القرآن الكريم كلام بشر يستلزم أن يُتصور كتابًا يرشد -كما هو مشاهد- الأصفياء والصديقين والأقطاب الذين يتلألأون كالنجوم في سماء الإنسانية، ويعلّم بالبداهة الحق والعدل والصدق والاستقامة والأمن والأمان لجميع أهل الكمال، ويحقق سعادة الدارين بحقائق أركان الإيمان ودساتير أركان الإسلام، وهو الكتاب الحق المبين والحقيقة الزكية الطاهرة، وهو الصدق بعينه والقول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. يستلزم أن يُتصور -بهذا الافتراض- خلاف أوصافه وتأثيراته وأنواره، أي يستلزم تصوُّره أنه افتراء من خدّاع.. وما هذا إلّا محال شنيع يخجل منه حتى السوفسطائيون والشياطين أنفسهم، إذ هو هذيان فكري ترتعد منه الفرائصُ. زد على ذلك يلزم بذلك الافتراض، أن يكون من هو أرسخ عقيدة وأمتن إيمانًا وأصدق كلامًا وآمن قلبًا، بشهادة الشريعة الغراء التي أتى بها وبدلالة ما أظهره -بالاتفاق- من التقوى الخارقة، والعبودية الخالصة، وبمقتضى أخلاقه الفاضلة المتفق عليها بين الأولياء والأعداء، وبتصديق من ربّاهم من أهل العلم والتحقيق وأهل الحقيقة وأرباب الكمال.. يلزم -بذلك الافتراض- أن يكون فاقدًا للعقيدة، لا يوثق به، ولا يخشى اللّٰه (حاش للّٰه ثم ألف ألف مرة حاش للّٰه) وما هذا إلّا ارتكاب لأقبحِ محال ممجوج وضلالة موغلة في الظلم والظلمات.
نحصل مما سبق: مثلما ذكر في "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر"، أن الذي لا يملك إلّا قدرة الاستماع في فهم إعجاز القرآن قد قال: إذا قيس القرآنُ مع جميع ما سمعتُه من كتب، نراه لا يشبه أيًا منها، وليس في مستوى تلك الكتب. لذا فالقرآن: إما
— 394 —
أنه تحت الجميع، أو فوق الجميع. أما الشق الأول، فمع كونه محالًا لا يستطيع حتى الأعداء -بل حتى الشيطان نفسه أن يقوله- لذا فالقرآن أرفع وأسمى من جميع تلك الكتب. أي أنه معجزة.
وعلى غرار هذا نقول مستندين إلى حجة قاطعة وهي التي تسمى (بالسبر والتقسيم) [٭]: السَّبر والتقسيم: حصر الأوصاف التي يظن أنها علة الحكم، ثم إبطالها الواحد تلو الآخر إلّا واحدًا منها حيث يتعيّن كونه عِلة. حسب علم الأصول وعلم المنطق:
أيها الشيطان ويا تلاميذ الشيطان!
إنَّ القرآن الكريم إما أنه كلامُ اللّٰه آتٍ من العرش الأعظم، من الاسم الأعظم، أو أنه افتراءُ شخص لا يخشى اللّٰه ولا يتقيه ولا يعتقد به ولا يعرفه (حاش للّٰه ألف ألف مرة حاش للّٰه) وهذا الكلام لا تقدر أن تقوله ولن تقوله قطعًا حسب الحجج السابقة القاطعة. لذا وبالضرورة وبلا أدنى شبهة يكون القرآن الكريم كلام رب العالمين، ذلك لأنه ليس هناك وسطٌ في المسألة، إذ هو محال لا يمكن أن يحدث قط، كما أثبتناه إثباتًا قاطعًا، وقد شاهدتَه بنفسك واستمعت إليه.
وكذا فإن محمدًا (ص) إما أنه رسولُ اللّٰه وسيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين، أو يلزم افتراضه (حاش للّٰه ثم حاش للّٰه) بشرًا مفتريًا على اللّٰه لا يعرفه ولا يعتقد به ولا يؤمن بعذابه، فسقط إلى أسفل سافلين
(٭): اضطررت إلى استعمال هذه التعابير بفرض المحال وفرائصي ترتعد، وذلك إظهارًا لمحالية فكر أهل الضلال الكفري وبيان فساده بالمرة، استنادًا إلى ذكر القرآن الكريم لكفريات الكافرين، وتعابيرهم الغليظة الممجوجة، لأجل دحضها. (المؤلف).
وهذا ما لا تقدر على قوله يا إبليس، لا أنت ولا من تعتز بهم من فلاسفة أوروبا ومنافقي آسيا، لأنه ليس هناك أحد في العالم يسمع منك هذا الكلام ثم يصدّقه قط.
لأجل هذا فإن أشد الفلاسفة فسادًا وأفسد أولئك المنافقين وجدانًا يعترفون بأنَّ محمدًا (ص) كان فذًا في العقل وآية في الأخلاق.
فما دامت المسألة منحصرة في شقين فقط، وأنَّ الشق الثاني محال قطعًا، لا يدّعيه أحد، وأنَّ المسألة لا وسط فيها -كما أثبتنا ذلك بحجج قاطعة- فلابد وبالضرورة ورغم أنفك ورغم
— 395 —
أنف حزبك أيها الشيطان، وبالبداهة وبحق اليقين فإنَّ محمدًا (ص) رسولُ اللّٰه وسيد المرسلين وفخر العالمين وأفضل الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام بعدد الملك والإنس والجان.
اعتراضٌ ثانٍ تافهٌ للشيطان
ما يَلفظُ من قولٍ الّا لَديه رقيبٌ عتيدٌ٭ وجاءتْ سكرةُ الموتِ بالحق ذلك ما كنتَ منه تحيد٭ ونُفخَ في الصور ذلك يومُ الوعيد٭ وجاءت كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشَهيد٭ لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليومَ حديد٭ وقال قرينُه هذا ما لديّ عتيدٌ٭ ألقيا في جهنمَ كلَّ كفّارٍ عنيد
(ق: ١٨-٢٤)
عندما كنت أتلو هذه الآيات الكريمة من سورة (ق) قال الشيطان:
- إنكم ترون سلاسة القرآن ووضوحَه أهم ركن في فصاحته، بينما النقلات بعيدة والطفرات هائلة في هذه الآيات. فترى الآية تعبُر من سكرات الموت إلى القيامة، وتنتقل من نفخ الصُور إلى ختام المحاسبة، ومن هناك تذكر الإلقاء في جهنم.. أيبقى للسلاسة موضع ضمن هذه النقلات العجيبة؟ وفي القرآن في أغلب مواضعه نرى مجموعة من هذه المسائل البعيدة الواحدة عن الأخرى، فأين موقع السلاسة والفصاحة من هذا؟.
الجواب: إنَّ أهم أساس في إعجاز القرآن المبين هو الإيجاز بعد بلاغته الفائقة، فالإيجاز أهم أساس لإعجاز القرآن وأقواه، فهذا الإيجاز المعجز في القرآن الكريم كثير ولطيف جدًّا في الوقت نفسه، بحيث ينبهر أمامَه أهلُ العلم والتدقيق.
فمثلًا قوله تعالى:
وقيلَ يا ارضُ ابلعي ماءك ويا سماءُ أقلعي وغيضَ الماءُ وقیُیضي الأمر واستوتْ على الجودي وقيل بُعدًا للقوم الظالمين
(هود: ٤٤)
فهذه الآية الكريمة تبيّن في بضع جمل قصيرة حادثة الطوفان العظيمة ونتائجها، وتوضحها بإيجاز معجز في الوقت نفسه، حتى ساقت الكثيرين من أهل البلاغة إلى السجود لروعة بلاغتها.
وكذا قوله تعالى:
كذّبتْ ثمود بطغواها٭ اذ انبعثَ اشقاها٭ فقال لهم رسولُ اللّٰه ناقةَ اللّٰه وسقياها٭ فكذّبوه فَعَقَروها فدمْدَم عليهم ربُّهم بذَنْبهم فسوّاها٭ ولا يخافُ عُقباها
(الشمس: ١١-١٥)
— 396 —
تبين هذه الآيات بيانًا معجزًا، في إيجاز بليغ، في بضع جمل قصيرة، الحوادثَ العجيبة التي حدثت لقوم ثمود وعاقبة أمرهم، تبيّنها بإيجاز من دون إخلال بالفهم وفي سلاسة ووضوح.
ومثلًا قوله تعالى:
وذا النونِ اذ ذهبَ مُغاضبًا فظنَّ أنْ لن نقدِر عليه فنادى في الظُلماتِ ان لا اله الّا انت سُبحانك إني كنتُ من الظالمين
(الأنبياء: ٨٧)
إن ما بين قوله تعالى: أنْ لن نقدِر عليه إلى جملة: فنادى في الظُلماتِ هناك كثير من الجمل المطوية. فتلك الجمل غير المذكورة لا تخل بالفهم ولا تسيء إلى سلاسة الآية، إذ تذكر الآية الكريمة الحوادث المهمة في قصة سيدنا يونس عليه السلام وتحيل البقية إلى العقل.
وكذلك في سورة يوسف، فإن ما بين كلمة فارسلون إلى يوسف ايها الصديق هناك ما يقرب من ثماني جمل قد انطوت، ولكن دون إخلال بالمعنى ولا إفساد لسلاسة الآية.
وأمثال هذه الأنماط من الإيجاز المعجز كثيرة جدًّا في القرآن الكريم، وهي لطيفة جدًّا في الوقت نفسه.
أما الآيات المتصدرة، التي هي في سورة (ق) فإن إيجازها عجيب ومعجِز، إذ تشير إلى مستقبل الكفار الرهيب جدًّا والمديد جدًّا، حتى إن يومًا منه خمسون ألف سنة، فتذكر الآية ما تحدث فيه من انقلابات وتحولات وحوادث جليلة تصيب الكفار في مستقبلهم، حتى إنها تسيّر الفكر بسرعة مذهلة كالبرق فوق تلك الحوادث الرهيبة وتجعل ذلك الزمان الطويل جدًّا كأنه صحيفة حاضرة أمام الإنسان. وتحيل الحوادث غير المذكورة إلى الخيال، فتبيّنها بسلاسة فائقة.
واذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون
(الأعراف: ٢٠٤) فيا أيها الشيطان! قل ما بدا لك!
يقول الشيطان: إنني لا أستطيع أن أقاوم هذه الدلائل والبراهين ولا أتمكن من الدفاع تجاهها. ولكن هناك حمقى كثيرون ينصتون إليّ وكثيرون من شياطين الإنس يمدونني ويعاونونني ومعظم الفلاسفة المتفرعنين المغرورين يتلقّون مني الدروس التي تلاطف غرورهم وتنفخ فيه. فيحولون دون نشر مثل كلماتك هذه.
ولهذا لا استسلم، ولا أسلّم لك السلاح!
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم
— 397 —

المبحث الثاني

كُتب هذا المبحث بناء على الحيرة الناشئة لدى الذين يخدمونني دائمًا مما يرونه من اختلاف عجيب في أخلاقي. وكُتب أيضًا لتعديل ما لا استحقه من حسن ظن مفرط يحمله إثنان من تلاميذي). أرى أنَّ قسمًا من الفضائل التي تعود إلى حقائق القرآن تُمنَح للوسائل التي تقوم بدور الدعاة والدالّين على تلك الحقائق.
والحال أن هذا خطأ، لأن قداسة المصدر وسموَّه هو الذي يولد تأثيرًا يفوق تأثير براهين كثيرة. وعوام الناس إنما ينقادون للأحكام بهذه القدسية.
ومتى ما أبدى الدلّال والداعي وجودًا لنفسه، أي متى ما توجَّهَت الأنظار إليه -دون الحقائق- يتلاشى تأثيرُ قدسية المصدر.
ولأجل هذا السر أبيّن الحقيقة الآتية لإخواني الذين يتوجهون إليّ توجهًا يفوق حدّي بكثير. فأقول:
إنَّ الإنسان قد يحمل شخصيات عدة، وتلك الشخصيات ذات أخلاق متمايزة متباينة، فمثلًا:
إنَّ الموظف الكبير له شخصيةٌ خاصة به أثناء إشغاله مهمته من موقعه الرفيع ومقام وظيفته. هذا المقام يتطلب وقارًا وأطوارًا ليصون كرامةَ موقعه وعزة مقام المسؤولية. فإظهارُ التواضع لكل زائر، فيه تذلل وتهوين من شأن المقام. ولكن هذا الشخص نفسَه يملك شخصية أخرى خاصة به في بيته وبين أهله، وذلك يتطلب منه أخلاقًا مباينةً لما في الوظيفة، بحيث كلما تواضع أكثر كان أفضل وأجمل، في الوقت الذي إذا أبدى شيئًا من الوقار يعدّ ذلك تكبّرًا منه.
— 398 —
أي أنَّ هناك شخصية خاصة بالإنسان باعتبار وظيفته، هذه الشخصية تخالف شخصيته الحقيقية في نقاط كثيرة. فإن كان ذلك الموظف أهلًا لوظيفته وكفوًا لها ويملك استعدادًا كاملًا لإدارة عمله، فإن كلتا الشخصيتين تتقاربان بعضهما من بعض بينما لو لم يكن أهلًا لوظيفته وفقيرًا في قابلياته، كأن يكون جنديًا نُصب في مقام مشير، فالشخصيتان تتباعدان بعضهما عن بعض. إذ صفاتُ الجندي الاعتيادية وأحاسيسُه البسيطة لا تنسجم مع ما يقتضيه مقام المشير من أخلاق رفيعة.
وهكذا فإن في أخيكم هذا الفقير ثلاثَ شخصياتٍ كُلّ منها بعيدة عن الأخرى كل البعد، بل بُعدًا شاسعًا جدًّا.
أولاها: شخصية مؤقتة خاصة خالصة لخدمة القرآن وحده، بكوني دلّالًا لخزينة القرآن الحكيم السامية. فما تقتضيه وظيفة الدعوة إلى القرآن والدلالة عليه من أخلاق رفيعة سامية ليست لي، ولا أنا أملكها. وإنما هي سجايا رفيعة يقتضيها ذلك المقام الرفيع وتلك الوظيفة الجليلة. فكل ما ترونَه من أخلاق وفضائل من هذا النوع فهي ليست لي، وإنما هي خاصةٌ بذلك المقام، فلا تنظروا إليّ من خلالها.
الشخصية الثانية: حينما أتوجّه إلى بابه تعالى وأتضرع إليه، يُنعم علي سبحانه بشخصية خاصة في أوقات العبادة بحيث إن تلك الشخصية تولد آثارًا ناشئة من أساس معنى العبودية، وذلك الأساس هو معرفة الإنسان تقصيرَه أمام اللّٰه وإدراك فقرِه نحوه وعجزِه أمامه والالتجاء إليه بذلّ وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز وأفقر وأكثر تقصيرًا أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالح وفاضل.
ثالثتها: هي شخصيتي الحقيقية، أي شخصيتي الممسوخة من "سعيد القديم" وهي عروق ظلت في ميراث "سعيد القديم". فتبدي أحيانًا رغبةً في الرياء وحبّ الجاه وتبدي فيّ أخلاقًا وضيعة مع خسة في الاقتصاد حيث إنني لست سليل عائلة ذات جاه وحسب.
فيا أيها الإخوة!
لن أبوح بكثير من مساوئ هذه الشخصية ومن أحوالها السيئة، لئلا أنفّركم عني كليًا.
— 399 —
فيا أخوتي! لست أهلًا لمقام رفيع ولا أملك استعدادًا له، فشخصيتي هذه بعيدةٌ كل البعد عن أخلاق وظائف الدعوة وآثار مهمة العبودية.
وقد أظهر سبحانه وتعالى قدرتَه الرحيمة فيّ حسب قاعدة:
"دَادِ حَقْ رَا قَابِلِيَّتْ شَرْطْ نِيسْتْ"
أي أنَّ الفضل الإلهي لا يشترط القابلية في ذات الشخص. فهو الذي يسخر شخصيتي التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها.
فالنفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى من الكل.
فألف شكر وشكر للّٰه سبحانه.
الحمد للّٰه هذا من فضل ربي
— 400 —

المبحث الثالث

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
يا ايها الناس إناّ خلقناكُم مِن ذَكَرٍ واُنثى وجَعَلناكُم شُعوبًا وقبائلَ لِتعارفوا
(الحجرات: ١٣)
أي خلقناكم طوائفَ وقبائل وأممًا وشعوبًا كي يعرف بعضكم بعضًا وتتعرفوا على علاقاتكم الاجتماعية، لتتعارفوا فيما بينكم، ولم نجعلكم قبائل وطوائف لتتناكروا فتتخاصموا.
في هذا المبحث سبع مسائل:
المسألة الأولى: إنَّ الحقيقة الرفيعة التي تفيدها هذه الآية الكريمة تخص الحياة الاجتماعية، لذا اضطررتُ إلى كتابة هذا المبحث بنية خدمة القرآن العظيم، وعلى أمل إنشاء سدٍّ أمام الهجمات الظالمة. فكتبتُه بلسان "سعيد القديم" الذي له علاقة بالحياة الاجتماعية الإسلامية، وليس بلسان "سعيد الجديد" الذي يريد اجتناب الحياة الاجتماعية. [٭]: المقصود الأمور الاجتماعية التي تمس السياسة.
المسألة الثانية: نقول بيانًا لدستور التعارف والتعاون الذي تشير إليه هذه الآية الكريمة أنه: يُقسّم الجيشُ إلى فيالق وإلى فرق وإلى ألوية وإلى أفواج وإلى سرايا وإلى فصائل وإلى حظائر، وذلك ليَعرف كلُّ جندي واجباته حسب تلك العلاقات المختلفة المتعددة، وليؤدي أفرادُ ذلك الجيش تحت دستور التعاون وظيفةً حقيقية عامة لتُصان حياتهم الاجتماعية من هجوم الأعداء. وإلّا فليس هذا التقسيم والتمييز إلى تلك الأصناف، لجعل المنافسة بين فوجين أو إثارة الخصام بين سريتين أو وضع التضاد بين فرقتين.
وكذلك الأمر في المجتمع الإسلامي الشبيه بالجيش العظيم، فقد قُسّم إلى قبائل وطوائف، مع أن لهم ألف جهة وجهة من جهات الوحدة ؛ إذ خالقُهم واحد، ورازقُهم واحد،
— 401 —
ورسولُهم واحد، وقبلتُهم واحدة، وكتابُهم واحد، ووطنُهم واحد.. وهكذا واحد، واحد.. إلى الألوف من جهات الوحدة التي تقتضي الأخوةَ والمحبة والوحدة. بمعنى أن الانقسام إلى طوائف وقبائل -كما تعلنه الآية الكريمة- ما هو إلّا للتعارف والتعاون لا للتناكر والتخاصم.
المسألة الثالثة: لقد انتشر الفكر القومي وترسّخ في هذا العصر. ويثير ظالمو أوروبا الماكرون بخاصة هذا الفكر بشكله السلبي في أوساط المسلمين ليمزّقوهم ويسهل لهم ابتلاعهم. ولما كان في الفكر القومي ذوقٌ للنفس، ولذةٌ تُغفِل، وقوةٌ مشؤومة، فلا يُقال للمشتغلين بالحياة الاجتماعية في هذا الوقت: دعوا القومية!
ولكن القومية نفسها على قسمين:
قسم منها سلبي مشؤوم مضر، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر. وهذا يولد المخاصمة والنیزاع. ولهذا ورد في الحديث الشريف: (إنَّ الإسلام يَجُبّ ما قبله) ويرفض العصبية الجاهلية. [٭]: سبق تخريج الأحاديث المتعلقة بالعصبية الجاهلية في المكتوب الخامس عشر. وأمر القرآن الكريم بی
إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فانزلَ اللّٰه سكينتهُ على رسولهِ وعلى المؤمنين وألزمهم كلمةَ التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان اللّٰه بكل شيء عليمًا
(الفتح: ٢٦). فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يرفضان رفضًا قاطعًا القومية السلبية وفكر العنصرية.لأن الغيرة الإسلامية الإيجابية المقدسة لا تدع حاجة إليها.
تُرى أي عنصر في العالم تعداده ثلاثمائة وخمسون مليونًا ويُكسب فكر المرء -بدل الإسلام- هذا العدد من الإخوان، بل إخوانًا خالدين؟
ولقد ظهرت طوال التاريخ أضرار كثيرة نجمت عن القومية السلبية، نذكر منها:
إن الأمويين خلطوا شيئًا من القومية في سياساتهم، فأسخطوا العالم الإسلامي فضلًا عما ابتلوا به من بلايا كثيرة من جراء الفتن الداخلية.
وكذلك شعوب أوروبا، لما دعوا إلى العنصرية وأوغلوا فيها في هذا العصر نجم العداءُ التاريخي المليء بالحوادث المريعة بين الفرنسيين والألمان كما أظهر الدمار الرهيب الذي أحدثته الحرب العالمية، مبلغ الضرر الذي يلحقه هذا الفكر السلبي للبشرية.
— 402 —
وكذلك الحال فينا؛ ففي بداية عهد الحرية (أي إعلان الدستور) تشكلت جمعياتٌ مختلفة للّاجئين وفي المقدمة الروم و الأرمن، تحت أسماء أندية كثيرة، وسبّبت تفرقةَ القلوب -كما تشتتت الأقوامُ بانهدام برج بابل، وتفرقوا أيدي سبأ في التاريخ- حتى كان منهم من أصبح لقمة سائغة للأجانب، ومنهم من تردّى وضل ضلالًا بعيدًا.
كل ذلك يبين نتائجَ القومية السلبية وأضرارَها.
أما الآن فإن التباغض والتنافر بين عناصر الإسلام وقبائله -بسبب من الفكر القومي- هلاكٌ عظيم، وخطبٌ جسيم، إذ إن تلك العناصر أحوج ما يكون بعضهم لبعض، لكثرة ما وقع عليهم من ظلم وإجحاف ولشدة الفقر الذي نیزل بهم ولسيطرة الأجانب عليهم، كل ذلك يسحقهم سحقًا؛ لذا فإن نظر هؤلاء بعضهم لبعض نظرة العداء مصيبة كبرى لا توصف، بل إنه جنون أشبه ما يكون بجنون من يهتم بلسع البعوض ولا يعبأ بالثعابين الماردة التي تحوم حوله.
نعم، إنَّ أطماع أوروبا التي لا تفتر ولا تشبع هي كالثعابين الضخمة الفاتحة أفواهها للابتلاع. لذا فإن عدمَ الاهتمام بهؤلاء الأوروبيين، بل معاونتُهم معنًى بالفكر العنصري السلبي، وإنماءَ روح العداء إزاء المواطنين القاطنين في الولايات الشرقية أو إخواننا في الدين في الجنوب، هلاكٌ وأيّ هلاك وضررٌ وبيل.
إذ ليس بين أفراد الجنوب من يستحق أن يُعادى حقًا، بل ما أتى من الجنوب إلّا نورُ القرآن وضياءُ الإسلام، الذي شعّ نورُه فينا وفي كل مكان.
فالعداء لأولئك الإخوان في الدين هؤلاء يمس الإسلام والقرآن، والعداء للإسلام والقرآن هو عداء للحياة الدنيوية والأخروية لجميع هذه المواطنين، ولحياتَيهم، الدنيوية والأخروية.
فهدم حجر الأساس للحياتين بزعم الخدمة للحياة الاجتماعية باسم الحمية والشهامة ليس حمية ولا شهامة وإنما هو حماقة وبلادة.
المسألة الرابعة: القومية الإيجابية نابعة من حاجة داخلية للحياة الاجتماعية، وهي سبب للتعاون والتساند، وتحقِّق قوةً نافعة للمجتمع، وتكون وسيلة لإسناد أكثر للأخوة الإسلامية.
— 403 —
هذا الفكر الإيجابي القومي، ينبغي أن يكون خادمًا للإسلام، وأن يكون قلعة حصينة له، وسورًا منيعًا حوله، لا أن يحل محل الإسلام، ولا بديلًا عنه، لأن الأخوة التي يمنحها الإسلام تتضمن ألوف أنواع الأخوة. وإنها تبقى خالدة في عالم البقاء وعالم البرزخ.
ولهذا فلا تكون الأخوة القومية مهما كانت قوية إلّا ستارًا من أستار الأخوة الإسلامية. وبخلافه، أي إقامة القومية بديلًا عن الإسلام جنايةٌ خرقاء أشبه ما يكون بوضع أحجار القلعة في خزينة ألماس فيها وطرح الألماسات خارج القلعة.
يا أبناء هذا الوطن من أهل القرآن !
لقد تحدّيتم العالمَ أجمع منذ ستمائة سنة بل منذ ألف سنة من زمن العباسيين، وأنتم حاملو راية القرآن والناشرون له في العالم أجمع. وقد جعلتم قوميتَكم حصنًا للقرآن وقلعة للإسلام، وألزمتم العالم إزاءكم الصمت والانقياد. ودفعتم المهالك العظيمة التي كادت تودي بحياة العالم الإسلامي حتى أصبحتم مصداقًا حسنًا للآية الكريمة:
فسوفَ يأتي اللّٰه بقومٍ يُحبُّهم ويُحبّونَهُ أذلّةٍ على المؤمنين أعزّةٍ على الكافرين يجاهدونَ في سبيل اللّٰه
(المائدة: ٥٤).
فلا تنخدعوا ولا تميلوا إلى مكايد الأوروبيين ودسائس المتفرنجين. واحذروا حذرًا شديدًا أن تكونوا مصداقَ بداية هذه الآية الكريمة. [٭]: وهو قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللّٰه بقوم يحبهم ...)
حالة تثير الانتباه:
إنَّ الشعب التركي هو أكثر عددًا من أي قوم من الأقوام الإسلامية الأخرى، وإنهم مسلمون في كل بقاع العالم، بينما الأقوامُ الأخرى، فيهم المسلمون وغير المسلمين معًا، لذا لم تنقسم الأمة التركية كبقية الأقوام، فأينما توجد طائفةٌ من الأتراك فهم مسلمون، والذين ارتدّوا عن الإسلام أو الذين لم يسلموا أصلًا، قد خرجوا عن وصف الترك كالمجر. علمًا أن الأقوام الأخرى حتى الصغيرة منها فيهم المسلمون وغير المسلمين.
— 404 —
أيها الأخ التركي !
احذر وانتبه ! أنت بالذات، فإن قوميتك امتزجت بالإسلام امتزاجًا لا يمكن فصلها عن الإسلام، ومتى ما حاولتَ عزلها عن الإسلام فقد هلكتَ إذن وانتهى أمرُك. ألا ترى أن جميع مفاخرك في الماضي قد سُجّل في سجل الإسلام، وأن تلك المفاخر لا يمكن أن تُمحى من الوجود قطعًا فلا تمحُها أنت من قلبك بالاستماع إلى الشبهات التي تثيرها شياطينُ الإنس.
المسألة الخامسة: إنَّ الأقوام المتيقظة في آسيا، قد تمسّكوا بالقومية، وحذَوا حذو أوروبا في كل النواحي. حتى ضحّوا بكثير من مقدساتهم في سبيل ذلك التقليد.
والحال أن كل قوم يلائمه لباس على قدّه وقامته، وحتى لو كان نوعُ القماش واحدًا فإنه يلزم الاختلاف في الطراز. إذ لا يمكن إلباس المرأةِ ملابس الشرطي، ولا يمكن إلباس العالم الديني ملابس الخليعات.
فالتقليد الأعمى يؤدي في كثير من الأحيان إلى حالة من الهزء والسخرية كهذه.. لأن:
أولا: إن كانت أوروبا حانوتًا، أو ثكنة عسكرية، فإن آسيا تكون بمثابة مزرعة أو جامع. وإن صاحب الحانوت قد يذهب إلى المسرح، بينما الفلاح لا يكترث به. وكذلك تتباين أوضاعُ الثكنة العسكرية والمسجد أو الجامع.
ثم إنَّ ظهور أكثر الأنبياء في آسيا، وظهور أغلب الحكماء والفلاسفة في أوروبا، رمزٌ للقدر الإلهي وإشارة منه إلى أن الذي يوقظ أقوامَ آسيا ويدفعهم إلى الرقي ويحقِّق إدامة إدارتهم هو الدينُ والقلب. أما الفلسفة والحكمة فينبغي أن تعاونا الدين والقلب لا أن تحلا محلهما.
ثانيًا: لا يقاس الدين الإسلامي بالنصرانية، إذ إن تقليد الأوروبيين في إهمالهم دينَهم تقليدًا أعمى خطأ جسيم؛ لأن الأوروبيين متمسكون بدينهم أولًا، والشاهید على هیذا، في المقیدمة (ولسن) و(لويد جورج) و(فينزيلوس) وأمثالهم من عظماء الغرب، فهم متمسكون بدينهم كأي قَسٍّ متعصب. فهؤلاء شهود إثبات أن أوروبا مالكةٌ لدينها بل تعدّ متعصبة.
— 405 —
ثالثًا: إنَّ قياس الإسلام بالنصرانية، قياسٌ مع الفارق، وهو قياس خطأ محض. لأن أوروبا عندما كانت متمسكةً بل متعصبة لدينها، لم تكن متحضرة، وعندما تركت التعصب والالتزام بدينها تحضّرت.
ولقد أثار التعصب الديني لدى أوروبا نیزاعات داخلية دامت ثلاثمائة سنة، وكان الحكام المستبدون يتخذون الدين وسيلةً في سحق العوام وفقراء الناس و أهل الفكر والعلم منهم، حتى تولد لدى عامة الناس نوع من السخط على الدين.
أما في الإسلام -والتاريخ شاهد- فلم يُصبح الدين سببًا للنیزاع الداخلي إلّا مرة واحدة فقط، وقد ترقى المسلمون -بالنسبة لذلك الوقت- رقيًا عظيمًا ما ملكوا الدين واعتصموا به. والشاهد على هذا؛ الدولةُ الإسلامية في الأندلس التي غدت أستاذة عظيمة لأوروبا. ولكن متى ما أهمل المسلمون دينهم تخلّفوا وتردّوا.
ثم إن الإسلام حامي الفقراء والعوام من الناس، وذلك بوجوب الزكاة وحرمة الربا، وأمثالهما من ألوف المسائل التي ترأف بحال العوام.
ثم إن الإسلام يحمي أهل العلم، ويستشهد بالعقل والعلم ويوقظهما في النفوس بمثل هذه الآيات الكريمة:
.. أفلا يتدبرون.. أفلا تتفكرون ..أفلا يعقلون
لذا كان الإسلام دومًا قلعةَ الفقراء وحصن العلماء وملجأهم، فلا داعي في الإسلام قطعًا لمثل هذه المجافاة.
وسرّ الحكمة والفرق الأساس بين الإسلام وسائر الأديان، ومنها النصرانية هو الآتي:
إنَّ أساس الإسلام هو التوحيد الخالص، فلا يسند التأثير الحقيقي إلى الأسباب أو الوسائط ولا قيمة لها في الإسلام من حيث الإيجاد والخلق.
أما في النصرانية، فإن فكرة البنوة التي ارتضوها، تعطي أهمية للوسائط وقيمة للأسباب، فلا تكسر الغرور والتكبر بل يسند قسطًا من الربوبية الإلهية إلى الأحبار والرهبان، حتى صدق عليهم قوله تعالى:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّٰه
(التوبة: ٣١).
— 406 —
ومن هذا فإن عظماء النصارى يكونون متعصبين لدينهم، مع أنهم يحافظون على غرورهم وأنانيتهم رغم ما يتسنّمون من مهام دنيوية كبيرة، مثال ذلك: رئيس أمريكا (ولسن) الذي كان رجل دين متعصبًا.
بينما في الإسلام الذي هو دين التوحيد الخالص، ينبغي للمتقلدين للوظائف الكبيرة في الدولة أن يدَعوا غرورَهم ويتركوا أنانيتهم، أو لا يبلغون التدين الحق، ولهذا يظل قسمٌ منهم مهملين أمور الدين، بل قد يكون منهم خارجين عن الدين.
المسألة السادسة: نقول لأولئك الذين يغالون في العنصرية وفي القومية السلبية.
أولًا: لقد حدثت هجراتٌ كثيرة جدًّا في بقاع الأرض كلِّها ولاسيما في بلادنا هذه، منذ سالف العصور. وتعرضت أقوامٌ كثيرة إلى تغيرات وتبدلات كثيرة، وازدادت تلك الهجرات إلى بلادنا بعد أن أصبحت مركزًا للحكومة الإسلامية حتى حامت سائر الأقوام كالفراش حولها، وألقتْ بنفسها فيها واستوطنتها. فلا يمكن -والحال هذه- تمييز العناصر الحقيقية بعضها عن بعض إلّا بانفتاح اللوح المحفوظ.
لذا فبناء المرء أعمالَه وحميتَه على العنصرية لا معنى له البتة، فضلًا عن أضرارها.
ولأجل هذا اضطرّ أحدُ دعاة العنصرية والقومية السلبية -الذي لا يقيم وزنًا للدين- أن يقول: إذا اتحد الدين واللغة فالأمة واحدة.
ولما كان الأمر هكذا فلابد من النظر إلى اللغة والدين والروابط الوطنية لا إلى العنصرية الحقيقية. فإن اتحدت هذه الثلاثة، فالأمة قوية إذن بذاتها. وإن نقص أحد هذه الثلاثة فهو داخل أيضًا ضمن القومية.
ثانيًا: نبين فائدتين -على سبيل المثال- من مئات الفوائد التي تكسبها الحَمية الإسلامية المقدسة للحياة الاجتماعية لأبناء هذا الوطن.
الفائدة الأولى: إنَّ الذي حافظ على حياة الدولة الإسلامية وكيانها -رغم أن تعدادها عشرون أو ثلاثون مليونًا- تجاه جميع دول أوروبا العظيمة، هو هذا المفهوم النابع من القرآن الذي يحمله جيشُها: "إذا متُّ فأنا شهيد وإن قتَلتُ فأنا مجاهد".. هذا المفهوم دفع أبناء هذا الوطن إلى استقبال الموت باسمين، مما هزّ قلوبَ الأوروبيين وأرهبَهم.
— 407 —
تُرى أي شيء يمكن أن يبرز في الميدان ويبعث في روح الجنود مثل هذه التضحية والفداء وهم ذوو أفكار بسيطة وقلوب صافية؟.
أية عنصرية يمكن أن تحل محلّ هذا المفهوم العلوي؟ وأيُّ فكر غيره يمكن أن يجعل المرء يضحي بحياته وبدنياه كلِّها طوعًا في سبيله ؟.
ثانيًا: ما آذت الدول الأوروبية الكبرى وثعابينها المَرَدة هذه الدولة الإسلامية وتوالت عليها بضرباتها، إلّا وأبكت ثلاثمائة وخمسين مليونًا من المسلمين في أنحاء العالم، وجعلتهم يئنّون لأذاها، حتى سحبت تلك الدول الاستعمارية يدَها عن الأذى والتعدي لتحُول دون إثارة عواطف المسلمين عامة، فتخلّت عن الأذى.
فهل تُستصغَر هذه القوة الظهيرة المعنوية والدائمة لهذه الدولة، وهل يمكن إنكارها؟
تُرى أية قوة أخرى يمكن أن تحلّ محلَّها؟ فهذا ميدان التحدي فليُظهروا تلك القوة؟ لذا لا ينبغي أن نجعل تلك القوة الظهيرة العظمى تعرِض عنّا لأجل التمسك بقومية سلبية وحَمية مستغنية عن الدين.
المسألة السابعة: نقول للذين يبدون حماسةً شديدة للقومية السلبية:
إنْ كنتم حقًا تحبّون هذه الأمة حبًّا جادًا خالصًا، وتشفقون عليها، فعليكم أن تحملوا في قلوبكم غَيرة تسعُ الإشفاق على غالبية هذه الأمة لا على قلة قليلة منها، إذ إن خدمة هؤلاء خدمة اجتماعية مؤقتة غافلةً عن اللّٰه -وهم ليسوا بحاجة إلى الرأفة والشفقة- وعدم الرأفة بالغالبية العظمى منهم ليس من الحمية والغيرة في شيء.
إذ الحمية بمفهوم العنصرية يمكن أن تجلب النفعَ والفائدة لاثنين من كل ثمانية أشخاص من الناس، فائدةً مؤقتة، فينالون مما لا يستحقونه من الحَمية، أما الستة الباقون فهم إما شيخ أو مريض أو مبتلى ببلاء، أو طفل، أو ضعيف جدًّا، أو متقٍ يخشى اللّٰه ويرجو الآخرة.. فهؤلاء يبحثون عن سلوان ونور يبعث فيهم الأمل، حيث إنهم يتوجهون إلى حياة برزخية وأخروية. فهم محتاجون إلى أيدي اللطف والرحمة تمتد إليهم. فأيةُ حميةٍ تسمح بإطفاء نورِ الأمل لدى هؤلاء والتهوين من سلوانهم؟
— 408 —
هيهات ! أين الإشفاق على الأمة وأين التضحية في سبيلها!.
إننا لا نيأس من روح اللّٰه قطعًا، فلقد سخّر سبحانه أبناء هذا الوطن وجماعاته المعظمة وجيشَه المهيب منذ ألف سنة في خدمة القرآن وجعلَهم رافعي رايته. لذا فأملُنا عظيم في رحمته تعالى ألّا يُهلِكَهم بعوارض مؤقتة إن شاء اللّٰه، وسيمد سبحانه ذلك النور ويجعله أسطع وأبهر إشراقًا فيديم وظيفتهم المقدسة.
— 409 —

المبحث الرابع

تنبيه: كما أن المباحث الأربعة للمكتوب "السادس والعشرين" غير مترابطة، كذلك هذه المسائل العشر لهذا المبحث غير مترابطة أيضًا، لذا لا يُتحرى عن الارتباط والعلاقة فيما بينها. فقد كُتبت كما وردت.
فهذا المبحث جزء من رسالته التي بعثها إلى أحد طلابه المهمين، تتضمن إجابات عن خمسة أو ستة من الأسئلة.
المسألة الأولى
ثانيًا: إنك تقول يا أخي في رسالتك: إن المفسرين قالوا لدى تفسيرهم رب العالمين أنَّ هناك ثمانية عشر ألف عالَم، [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/٦٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١/١٣٨؛ البغوي، معالم التنزيل ١/٤٠. وتستفسر عن حكمة ذلك العدد؟.
أخي! إنني الآن لا أعلم حكمةَ ذلك العدد، ولكني اكتفي بالآتي:
إنَّ جُمل القرآن الحكيم لا تنحصر في معنًى واحد، بل هي في حُكم كلّي يتضمن معانيَ لكلِّ طبقة من طبقات البشرية، وذلك لكون القرآن الكريم خطابًا لعموم طبقات البشر. لذا فالمعاني المبيّنة هي في حُكم جزئيات لتلك القاعدة الكلية، فيذكر كلُّ مفسّر، وكلُّ عارف باللّٰه جزءًا من ذلك المعنى الكلي. ويستند في تفسيره هذا إما إلى كشفياته أو إلى دليله أو إلى مشربه، فيرجّح معنًى من المعاني. وقد كشفت طائفةٌ في هذا أيضًا معنًى موافقًا لذلك العدد.
فمثلًا: يذكر الأولياء في أورادهم ويكررون باهتمام بالغ قوله تعالى:
مَرجَ البحرين يلتقيان٭ بينهما برزخ لايبغيان
(الرحمن:١٩-٢٠) ولهذه الآية الكريمة معانٍ جزئية ابتداءً من بحر الربوبية في دائرة الوجوب وبحر العبودية في دائرة الإمكان، وانتهاءً إلى بحرَي الدنيا والآخرة، وإلى بحرَي عالم الشهادة وعالم الغيب، وإلى البحار المحيطة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، إلى بحر الروم و بحر فارس والبحر الأبيض والأسود -وإلى المضيق بينهما الذي يخرج منه السمك المسمى بالمرجان- وإلى البحر الأبيض والبحر الأحمر و قناة السويس،
— 410 —
وإلى بحار المياه العذبة والمالحة، وإلى بحار المياه الجوفية العذبة المتفرقة والبحار المالحة التي على ظهر الأرض المتصل بعضها ببعض وما يسمى بالبحار الصغيرة العذبة من الأنهار الكبيرة كالنيل و دجلة و الفرات، والبحار المالحة التي يختلط بها.
كلُّ هذه الجزئيات موجودة ضمن معاني تلك الآية الكريمة، وجميعُ هذه الجزئيات تصح أن تكون مرادةً ومقصودة، فهي معانٍ حقيقية للآية الكريمة ومعانٍ مجازية.
وهكذا فإن الحمد للّٰه رب العالمين أيضًا جامعةٌ لحقائق كثيرة جدًّا مثلما ذُكر، وإن أهل الكشف والحقيقة يبينونها بيانات متباينة حسب كشفياتهم.
وأنا أفهم من الآية الكريمة الآتي:
إنَّ في السماوات ألوفًا من العوالم، ويمكن أن يكون كلُّ نجم في مجموعته، عالَمًا بذاته، وإن في الأرض أيضًا كلَّ جنس من المخلوقات كذلك عالَم بذاته، حتى إنَّ كل إنسان عالمٌ صغير، فكلمة رب العالمين تعني: أنَّ كل عالَم يُدار ويُربىّ ويدبّر شؤونُه بربوبيته سبحانه وتعالى مباشرةً.
ثالثًا:
لقد قال الرسول (ص): (اِذَا أرَادَ اللّٰه بِقَوْمٍ خَيْرًا أبْصَرَهُمْ بِعُيوُبِ أنْفُسِهِمْ)[٭]: الديلمي، المسند ١/٢٤٢؛ ابن أبي شيبة ، المصنف ٦/٢٤٠؛ ابن المبارك، الزهد ٩٦. وقد قال سيدنا يوسف عليه السلام في القرآن الكريم:
وما أُبرىء نفسي ان النفس لأمارة بالسوء
(يوسف: ٥٣).
نعم، إنَّ من يُعجَب بنفسه ويعتدّ بها شقيٌّ، بينما الذي يرى عيبَ نفسه محظوظٌ سعيد، لذا فأنت سعيد يا أخي. ولكن قد يحدث أحيانًا أن تنقلب النفس الأمارة إلى نفسٍ لوّامة أو مطمئنة، إلّا أنها تسلّم أسلحتَها وأعتدتها إلى الأعصاب والعروق فتؤدي الأعصابُ والعروق هذه تلك الوظيفة إلى نهاية العمر، ورغم موت النفس الأمارة منذ مدة طويلة فإنَّ آثارَها تظهر أيضًا، فهناك كثير من الأولياء والأصفياء العظام شكَوا من النفس الأمارة رغم أن نفوسَهم مطمئنة، واستغاثوا باللّٰه من أمراض القلب رغم أن قلوبَهم سليمة ومنوّرة جدًّا. فهؤلاء الأفاضل لا يشكون من النفس الأمارة، بل من وظيفتها التي أُودعت إلى الأعصاب. أما المرض فليس قلبيًا، بل مرضٌ خيالي. والذي يشن عليكم الهجوم يا أخي ليس نفسَك ولا أمراضَ قلبك، بل
— 411 —
هي حالة كما ذكرناها انتقلت إلى الأعصاب لأجل دوام المجاهدة واستمرارها إلى نهاية العُمُر -حسب مقتضى البشرية- والتي تسبّب رقيًا دائمًا.
المسألة الثانية
إنَّ أجزاء "رسائل النور" تتضمن الإجابة عن ثلاث مسائل، كان العالِمُ القديم قد سأل عنها وفيها إيضاحاتها، إلا أننا نشير هنا إليها بإجمال فحسب:
السؤال الأول: ماذا يعني محي الدين بن عربي عندما قال في رسالته الموجهة إلى فخر الدين الرازي: "...وأن العلم باللّٰه خلاف العلم بوجوده". [٭]: انظر: الفتوحات المكية، الجزء الأول ص ٢٤١ في الباب الثاني والأربعين. وما قصده منه؟
أولًا: إن ما قرأتَ له من المثال الموجود في الفرق بين التوحيد الحقيقي والتوحيد العامي المذكور في "الكلمة الثانية والعشرين" يشير إلى المقصود من السؤال، ويوضّحه أكثر ما جاء في "الموقف الثاني والثالث من الكلمة الثانية والثلاثين".
ثانيًا: إن الذي دعا محي الدين بن عربي إلى أن يقول هذا الكلام لفخر الدين الرازي وهو إمام من أئمة الكلام هو: أنَّ ما بيّنه أئمةُ أصول الدين وعلماءُ الكلام فيما يخص العقائد ووجود اللّٰه سبحانه وتوحيدَه غيرُ كافٍ في نظر ابن عربي.
حقًا! إنَّ معرفة اللّٰه المستنبَطة بدلائل علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة، ولا تورث الاطمئنان القلبي، في حين أن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجِز، تصبح معرفةً تامة وتَسكب الاطمئنانَ الكامل في القلب. نسأل اللّٰه العلي القدير أن يجعل كلَّ جزء من أجزاء "رسائل النور" بمثابة مصباح يضيء السبيل القويم النوراني للقرآن الكريم.
ثم إن معرفة اللّٰه التي استقاها الرازي من علم الكلام كما تبدو ناقصةً وقاصرةً في نظر ابن عربي، فإن المعرفة الناتجة عن طريق التصوف أيضًا ناقصةٌ ومبتورةٌ بالنسبة نفسها أمام المعرفة التي استقاها ورثةُ الأنبياء من القرآن الكريم مباشرة. ذلك لأن ابن عربي يقول: "لا موجود إلّا هو" لأجل الحصول على الحضور القلبي الدائم أمام اللّٰه سبحانه وتعالى، حتى وصل به الأمر إلى إنكار وجود الكائنات.
— 412 —
أما الآخرون فلأجل الحصول على الحضور القلبي أيضًا قالوا: "لا مشهود إلّا هو" وألقوا ستارَ النسيان المطلق على الكائنات واتخذوا طورًا عجيبًا.
بينما المعرفةُ المستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضورَ القلبي الدائم، فضلًا عن أنها لا تقضي على الكائنات بالعدم ولا تسجنها في سجن النسيان المطلق، بل تنقذها من الإهمال والعبثية وتستخدمها في سبيل اللّٰه سبحانه، جاعلةً من كل شيء مرآةً تعكس المعرفة الإلهية، وتفتح في كل شيء نافذةً إلى المعرفة الإلهية، كما عبّر عنها سعدي الشيرازي شعرًا:
دَرْ نَظَرِ هُوشِيَارْ هَرْ وَرَقِى دَفْتَرِيسْتْ اَزْ مَعْرِفَتِ گِرْدِگَارْ
ولقد شبّهنا في كلمات أخرى من "رسائل النور" لبيان الفروق بين الذين يستلهمون نهجهم من القرآن الكريم، ذلك المنهج الأقوم، والذين يسلكون نهجَ علماء الكلام بمثال هو:
إنه لأجل الحصول على الماء، هناك من يأتي به بوساطة أنابيب من مكان بعيد يحفره في أسفل الجبال. وآخرون يجدون الماء أينما حفروا ويفجرونه أينما كانوا. فالأول سيرٌ في طريق وعرٍ وطويل والماءُ معرّض فيه للانقطاع والشّحة. بينما الذين هم أهلٌ لحفر الآبار فإنهم يجدون الماء أينما حلوا دونما صعوبة ومتاعب.
فعلماء الكلام يقطعون سلسلة الأسباب بإثبات استحالة الدَور والتسلسل [٭]: الدور: تعريف شيء أو البرهنة عليه بشيء آخر لا يمكن تعريفه أو البرهنة عليه إلا بالأول (المعجم الفلسفي). التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية. (التعريفات للجرجاني). في نهاية العالم، ومن بعده يثبتون وجود واجب الوجود.
أما المنهج الحقيقي للقرآن الكريم فيجد الماء في كل مكان ويحفره أينما كان. فكلُّ أية من آياته الجليلة كعصا موسى تفجّر الماء أينما ضربت. وتستقرئ كلَّ شيء القاعدة الآتية:
وَفِى كُلِّ شىْءٍ لَهُ ايَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ وَاحِدٌ
[٭]: انظر: الأصفهاني، الأغاني ٤/٣٩؛ القلقشندي، صبح الأعشى ١٢/٤١٣؛ الأبشيهي، المستطرف ١/١٦، ٢/٢٨٠.
ثم إنَّ الإيمان لا يحصل بالعلم وحدَه، إذ إن هناك لطائف كثيرة للإنسان لها حظها من الإيمان فكما أنَّ الأكل إذا ما دخل المعدة ينقسم ويتوزع إلى مختلف العروق حسب كل عضو من الأعضاء، كذلك المسائل الإيمانية الآتية عن طريق العلم إذا ما دخلت معدة العقل
— 413 —
والفهم، فإن كل لطيفة من اللطائف -كالروح والقلب والسر والنفس وأمثالها- تأخذ منها وتمصّها حسب درجاتها. فإن فقدتْ لطيفةٌ من اللطائف غذاءها المناسب وظلت محرومة منها، فالمعرفة إذن ناقصة مبتورة، وتظل تلك اللطيفة محرومة منها.
وهكذا ينبّه ابن عربي فخر الدين الرازي إلى هذه النقطة ويلفت نظره إليها.
المسألة الثالثة
سؤال: ما وجه التوفيق بين الآية الكريمة: ولقد كرّمنا بني آدم (الإسراء: ٧٠) والآية الكريمة: انه كان ظلومًا جَهولًا (الأحزاب: ٧٢).
الجواب: إن إيضاح هذا السؤال موجود في كل من الكلمات "الحادية عشرة" و"الثالثة والعشرين"، والثمرة الثانية من الغصن الخامس من الكلمة "الرابعة والعشرين". ومجمله هو الآتي:
إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى يخلق بقدرته الكاملة أشياءَ كثيرة جدًّا من شيء واحد كما يسوق شيئًا واحدًا إلى القيام بوظائف كثيرة جدًّا. فيكتب ألفَ كتاب وكتاب في صحيفة واحدة.
وقد خلق سبحانه وتعالى الإنسان أيضًا نوعًا جامعًا لكثير من الأنواع. أي أنه قد أراد أن يُنجز بنوع الإنسان ما تنجزه الدرجاتُ المختلفة لجميع أنواع الحيوانات. بحيث لم يحدّد قوى الإنسان ورغباته بحدودٍ وقيود فطرية، بل جعلها حرةً طليقة، بينما حدّد قوى سائر الحيوانات ورغباتها، أي أنها تحت قيود فطرية. بمعنى أن كل قوةٍ من قوى الإنسان تتجول في ميدان فسيح واسع جدًّا، لا تتناهى، لأنَّ الإنسان مرآةٌ لتجليات لانهاية لها لأسماء رب العالمين، لذا فقد مُنحت قواه استعدادًا لانهاية له.
فمثلا: لو أُعطي الإنسان الدنيا برمّتها، لطلب المزيد بحرصه، وإنه يرضى بإلحاق الضرر بألوف من الناس في سبيل منفعة ذاتية!.
وهكذا تنكشف أمامَ الإنسان درجات لا حدّ لها من الأخلاق السيئة، حتى توصله إلى دركات النماردة والفراعنة. فيكون مصداقَ صفة "ظلومًا" بحق (بالصيغة المبالغة)، كما تنفتح أمامَه درجاتُ الرقي التي لا منتهى لها في الخصال الحميدة حتى يبلغ مرتبة الأنبياء والصديقين.
— 414 —
ثم إنَّ الإنسان -بخلاف الحيوان- جاهلٌ بكلّ ما يخص الحياة ويلزمها ومضطر إلى تعلم كل شيء، فهو (جهول) بالصيغة المبالغة لأنه محتاج إلى ما لا يحدّ من الأشياء.
أما الحيوان؛ فعندما يفتح عيونه على الحياة، فإنه لا يحتاج إلّا إلى أشياء قليلة، فضلًا عن أنه يتعلم شروط حياته في شهر أو شهرين أو في يوم أو يومين بل ربما في ساعة أو ساعتين، وكأنه قد اكتمل في عالم آخر ثم أتى إلى هنا. بينما الإنسان لا يتمكن من أن يقف منتصبًا معتمدًا على نفسه إلّا بعد سنة أو سنتين، ولا يعرف نفعَه من ضرِّه إلّا بعد خمس عشرة سنة.
فالمبالغة في جَهولًا تشير إلى هذا أيضًا.
المسألة الرابعة
تسألون يا أخي عن حكمة الحديث الشريف: (جددوا إيمانكم بی لا إله إلّا اللّٰه) [٭]: الترمذي، نوادر الأصول ٢/٢٠٤؛ وانظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٥٩؛ عبد بن حميد، المسند ١/٤١٧. فقد ذكرناها في كثير من "الكلمات". والآن نذكر حكمةً منها:
إنَّ الإنسان لكونه يتجدد بشخصه وبعالَمه الذي يحيط به فهو بحاجة إلى تجديد إيمانه دائمًا، لأنَّ الإنسان الفرد ما هو إلّا أفرادٌ عديدة، فهو فردٌ بعدد سني عمره، بل بعدد أيامه، بل بعدد ساعاته حيث إنَّ كل فرد يُعدّ شخصًا آخر، ذلك لأنَّ الفرد الواحد عندما يجري عليه الزمنُ يُصبح بحكم النموذج، يلبس كلَّ يوم شكل فرد جديد آخر.
ثم إنَّ الإنسان مثلما يتعدد ويتجدد هكذا. فإنَّ العالَم الذي يسكنه سيارٌ أيضًا لا يبقى على حال. فهو يمضي ويأتي غيرُه مكانه، فهو في تنوع دائم، فكل يوم يفتح بابُ عالم جديد.
فالإيمان نورٌ لحياة كل فرد من أفراد ذلك الشخص من جهة كما أنه ضياءٌ للعوالم التي يدخلها. وما "لا اله إلّا اللّٰه" إلّا مفتاحٌ يفتح ذلك النور.
ثم إنَّ الإنسان تتحكم فيه النفسُ والهوى والوهم والشيطان وتستغل غفلتَه وتحتال عليه لتضيق الخناق على إيمانه، حتى تسد عليه منافذَ النور الإيماني بنثر الشبهات والأوهام. فضلًا عن أنه لا يخلو عالم الإنسان من كلمات وأعمال منافية لظاهر الشريعة، بل تعد لدى قسم من الأئمة في درجة الكفر.
— 415 —
لذا فهناك حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت، بل في كل ساعة، في كل يوم.
سؤال: إنَّ علماء الكلام يثبتون التوحيد بعد ظهورهم ذهنًا على العالم كله الذي جعلوه تحت عنوان الإمكان والحدوث. وان قسمًا من أهل التصوف لأجل أنْ يغنموا بحضور القلب واطمئنانه قالوا: "لا مشهود إلّا هو" بعد أن ألقوا ستار النسيان على الكائنات. وقسم آخر منهم قالوا: "لا موجود إلّا هو" وجعلوا الكائنات في موضع الخيال وألقوها في العدم ليظفروا بعد ذلك بالاطمئنان وسكون القلب. ولكنك تسلك مسلكًا مخالفًا لهذه المشارب وتبين منهجًا قويمًا من القرآن الكريم وقد جعلت شعار هذا المنهج: "لا مقصود إلّا هو.. لا معبود إلّا هو". فالرجاء أنْ توضح لنا باختصار برهانًا واحدًا يخص التوحيد في هذا المنهج القرآني.
الجواب: إنَّ جميع ما في "الكلمات" و "المكتوبات" يبين ذلك المنهج القويم.
أما الآن فأشير إشارة مختصرة جدًّا نیزولًا عند رغبتكم إلى حجة واحدة من حججه العظيمة وإلى برهان واسع طويل من براهينه الدامغة.
إنَّ كل شيء في العالم، يُسند جميعَ الأشياء إلى خالقه.. وإنَّ كل أثر في الدنيا يدل على أنَّ جميع الآثار هي من مؤثره هو.. وإنَّ كل فعل إيجادي في الكون يثبت أنَّ جميع الأفعال الإيجادية إنما هي من أفعال فاعله هو.. وإنَّ كل اسم من الأسماء الحسنى الذي يتجلى على الموجودات يشير إلى أن جميع الأسماء إنما هي لمسمّاه هو.. أي أن كل شيء هو برهانُ وحدانية واضح، ونافذةٌ مطلة على المعرفة الإلهية.
نعم، إنه ما من أثر، ولاسيما الكائن الحي، إلّا هو مثالٌ مصغر للكائنات، وبمثابة نواةٍ للعالم، وثمرةٍ للكرة الأرضية. لذا فخالق ذلك المثال المصغر والنواة والثمرة لابد أن يكون هو أيضًا خالقُ الكائنات برمّتها، ذلك لأنه لا يمكن أن يكون موجدُ الثمرة غيرَ موجد شجرتها.
لذا فإنَّ كل أثر مثلما يُسند جميعَ الآثار إلى مؤثّره، فإنَّ كل فعل أيضًا يُسند جميع الأفعال إلى فاعله. لأننا نرى أن أي فعل إيجادي كان، وهو يبرز طرفًا من قانون خلاقية يسَع الكون كله ويمتد حكمُه وطولُه من الذرات إلى المجرات. أي أنَّ مَن كان صاحب ذلك الفعل الإيجادي الجزئي وفاعله لابد أن يكون هو أيضًا فاعلَ جميع الأفاعيل التي ترتبط بالقانون الكلي المحيط بالكون الواسع من الذرات إلى الشموس.
— 416 —
فالذي يحيي بعوضةً لابد أن يكون هو المحيي لجميع الحشرات بل جميع الحيوانات بل محيي الأرض كلها.
ثم إنَّ الذي يجعل الذرات تدور بجذبة حبٍّ كالمريد المولوي لابد أن يكون هو أيضًا ذلك الذي يحرك الموجودات جميعًا تحريكًا متسلسلًا حتى الشمس بسياراتها. لأن القانون الساري في الموجودات هو سلسلة والأفعال مرتبطة به.
بمعنى كما أن كل أثر يسند جميع الآثار إلى مؤثره هو وأن كل فعل إيجادي يسند جميع الأفعال إلى فاعله هو كذلك أن كل اسم يتجلى على الكائنات يُسند جميع الأسماء إلى مسمّاه ويثبت أنها جميعًا عناوينُه. ذلك لأنَّ الأسماء المتجلية في الكون متداخلٌ بعضها في بعض كالدوائر المتداخلة وألوان الضوء السبعة. كلٌّ منها يسند الآخر ويمدّه، كل منها يكمل أثر الآخر ويزيّنه.
فمثلا: إنَّ اسم "المحيي" عندما يتجلى لشيء وحالما يمنح شيئًا الحياةَ يتجلى اسم "الحكيم" أيضًا فينظّم جسد ذلك الكائن الحي الذي هو مأوى روحه، وفي الوقت نفسه يتجلى اسم "الكريم" فيزيّن ذلك العش والمأوى، وآنئذ يتجلى اسم "الرحيم" أيضًا فيهيئ حاجات ذلك الجسد، وفي الوقت نفسه يتجلى اسم "الرزاق" فيمنح ما يلزم ذلك الحي من أرزاق مادية ومعنوية ومن حيث لا يحتسب، وهكذا...
أي لمن يعود اسم "المحيي" فإن له أيضًا اسمَ "الحكيم" الذي ينير الكون ويحيط به، وإن له أيضًا اسمَ "الرحيم" الذي يربي الكائنات بالرحمة والشفقة. وإن له أيضًا اسمَ "الرزاق" الذي يغدق على الكائنات.. وهكذا...
بمعنى أن كل اسم ، وكل فعل، وكل أثر، برهانُ وحدانية، وختمُ توحيد، وخاتمُ أحدية بحيث يدل على أن الكلمات التي هي الموجودات المسطورة في صحائف الكون وفي سطور العصور إنما هي كتابةُ قلم نقاشه ومصوِّره جل وعلا.
اللّٰهمَّ صَلِّ على من قال: (أفْضَلُ مَا قُلْتُ أنَا وَالنَّبِيُّیونَ مِنْ قَبْلي لاَ إلٰهَ إلَّا اللّٰه)
[٭]: الموطأ، القرآن ٣٢، الحج ٢٤٦؛ البيهقي، السنن الكبرى ٤/٢٨٤ وانظر: الترمذي، الدعوات ١٢٣.
وعلى آله وصحبه وسلم.
— 417 —

المسألة الخامسة

ثانيًا: تسألون يا أخي في رسالتكم عن كفاية "لا اله إلّا اللّٰه" فحسب، أي من دون ذكر "محمد رسول اللّٰه" في جعلِ المرء من أهل النجاة.
إن جواب هذا السؤال طويل، إلّا أننا نقول الآن:
إنَّ كلمتَي الشهادة لا تنفك إحداهما عن الأخرى ولا تفترقان، بل تثبت إحداهما الأخرى وتتضمنها، فلا تكون إحداهما إلّا بالأخرى.
وحيث إن الرسول (ص) هو خاتم الأنبياء عليهم السلام، ووارث جميع المرسلين، فلاشك أنه في مقدمة كل الطرق الموصلة إلى اللّٰه وفي رأسها، فليست هناك طريق حقة ولا سبيل نجاة غير جادته الكبرى وصراطه المستقيم.
ويقول جميع أئمة أهل المعرفة والتحقيق ما يعبّر عنه سعدي الشيرازي شعرًا:
مُحَالَسْتْ سَعْدِى بَرَاهِ نَجَاتْ ظَفَرْ بُرْدَنْ جُزْ دَرْ پَىِ مُصْطَفَى
[٭]: وفي الترجمة العربية لمكتوبات الإمام الرباني (المكتوب ٧٨ ج١): ومن المحال المشي في طرق الصفا يا سعد من غير اتباع المصطفى.
أي (من المحال أن يظفر أحد بطريق السلامة والصفاء من دون اتباع المصطفى (ص)).. وكذا قالوا: "كُلُّ الطُّرُقِ مَسْدُودٌ اِلَّا الْمِنْهَاجَ الْمُحَمَّدِىَّ". ولكن قد يكون أحيانًا أن بعضهم يسلكون الجادة الأحمدية ولكنهم لا يعلمون أنها جادة أحمدية أو أنها داخلة ضمنها.
وقد يكون أحيانًا أنهم لا يعرفون النبي (ص) ولكن الطريق التي يسلكونها هي جزء من الجادة الأحمدية.
وقد يكون أحيانًا أنهم لا يفكرون في الجادة المحمدية مكتفين: بی"لا اله إلّا اللّٰه" إما بسبب من حالة الجذب أو الاستغراق، أو بسبب وضع من أوضاع الانیزواء والعزلة.
ومع هذا فإن أهم جهة في هذه الأمور هي:
إنَّ عدم القبول شيء وقبول العدم شيء آخر. فإن أمثال هؤلاء من أهل الجذب والعزلة أو ممن لم يسمع أو لا يعلم وأمثالهم ممن لا يعرفون النبي (ص) أو لا يتفكرون فيه ليقبلوه ويرضوا
— 418 —
به فإنهم يظلون جاهلين في تلك النقطة ولا يعرفون غير «لا إله إلّا اللّٰه» في معرفة اللّٰه، فهؤلاء ربما يكونون من أهل النجاة، ولكن الذين سمعوا بالنبي (ص) وعرفوا دعوته، إن لم يصدّقوه فلا يكونون من الذين يعرفون اللّٰه ولا يؤمنون به، لأنَّ قول: «لا إله إلّا اللّٰه» لا يفيد لأمثال هؤلاء التوحيد الذي هو سبب النجاة، حيث إن تلك الحالة ليست بعدم قبول نابع من الجهل والذي يُعدّ عذرًا، بل هو قبول العدم، وهو إنكار. فالذي ينكر محمدًا عليه الصلاة والسلام وهو مدار فخر الكون وشرف البشرية بمعجزاته وآثاره الجليلة، لاشك أنه لا ينال نورًا قط ولا يكون مؤمنًا باللّٰه.
وعلى كل حال نكتفي بهذا القدر.
المسألة السادسة
ثالثًا: لقد جاءت تعابير ممجوجة تخص مسلك الشيطان، وذلك في المحاورة الجارية مع الشيطان في "المبحث الأول". وعلى الرغم من تعديلها وتخفيفها بكلمة "حاش للّٰه، وكلا..." وإبرازها على صورة فرض محال فإن فرائصي ارتعدت من هولها.
ثم إنَّ هناك تعديلات طفيفة في القسم الذي أُرسل إليكم، فهل صححتم نسختكم في ضوئه؟ فإني أنيبكم وأُوكل ذلك إليكم، فتستطيعون حذف تعابير ترونها زائدة.
أخي العزيز !
إن ذلك المبحث مهم للغاية، لأن أستاذ الزنادقة هو الشيطان، فإن لم يُلزَم الشيطان الحجة ولم يُفحم بالبينة، لا يقنع مقلّدوه ولا يرضخون.. ولقد استعمل القرآن الحكيم بعض تعابير الكفار القبيحة في معرض الردّ عليها، مما أعطاني الجرأة لإظهار تفاهة هذا المسلك الشيطاني وفساده كليًا. وقد استعملت -وأنا ارتعد- تلك التعابير التي تنمّ عن الحماقة التي اضطر حزبُ الشيطان إلى قبولها واستعمالها بمقتضى مسلكهم، والتي يتفوهون بها لا محالة بلسان مسلكهم، فذكرتُها في صورة فرض المحال لبيان فساد مسلك الشيطان فسادًا كليًا. وقد حصرتُهم بذلك الاستعمال في قعر البئر واستولينا على الميدان كله وجعلناه ملكًا للقرآن وفي سبيله. وكشفنا عن خباياهم وأباطيلِهم فانظر إلى هذا الفوز من خلال هذا التمثيل:
— 419 —
نفرض أن هناك منارة عالية تناطح السماء، وتحتها مباشرة بئرٌ عميقة قعرها في مركز الأرض، وثمة فريقان من الناس يتناقشان حول إثبات موقع المؤذن الذي يبلغ صوتُه إلى الناس كافة في البلاد كلها. أي في أي مرتبة من درجات سلّم المنارة يقف المؤذن، اعتبارًا من السماء إلى مركز الأرض؟.
يقول الفريق الأول: إن المؤذن في قمة المنارة، يرفع الأذان من هناك. ويُسمع العالمَ أجمع. لأننا نسمع ذلك الأذان العلوي الندي، وعلى الرغم من أن كل واحد منا لا يستطيع رؤيته هناك فإن كلًا منا يراه حسب درجته أثناء صعوده ونیزوله من المنارة.
ومن ذلك يُعلم أن ذلك المؤذن يصعد المنارة، وأينما كان موقعُه فهو صاحب مقام عالٍ.
أما الفريق الآخر، وهو فريق الشيطان الأحمق، فيقول:
- كلّا، إن موقع المؤذن في قعر البئر وليس في قمة المنارة، أينما شوهد. علمًا أنه لم يشاهده أحدٌ أصلًا في قعر البئر ولا يستطيع رؤيته هناك. فلو كان ثقيلا بلا اختيار كالحجر - افتراضًا - لكان في قعر البئر ولرآه أحدهم.
وبعد، فإن ميدان نقاش وصراع هاتين الفئتين المتعارضتين، هو المسافة الممتدة من قمة المنارة إلى قعر البئر.
فجماعةُ أهل النور وهم حزب اللّٰه؛ يبيّنون موقع ذلك المؤذن في قمة المنارة لمن كان نظره يرقى إلى هناك، ويبينون أن له مرتبة رفيعة في درجات سلم المنارة لقاصري النظر الذين لا يرقى نظرُهم إلى الدرجات الرفيعة. أي يبينون مرتبته الرفيعة لِكلٍ حسب أُفق نظره ومداه. لذا فإنّ أمارةً صغيرة تكفيهم وتثبت لهم أن ذلك المؤذن الفاضل ليس جسمًا كالحجر الجامد، بل هو إنسان كامل يستطيع أن يصعد إلى أعلى المراتب وأن يشاهد وهو يرفع الأذان من هناك.
أما الفئة الأخرى؛ وهم حزب الشيطان، فيقولون: إما أن تُظهروه لنا وهو في قمة المنارة، أو أن مقامه في قعر البئر. فيحكمون هذا الحكم بحماقة غير متناهية.
فهم لا يعلمون -لحماقتهم- أن عدم ظهوره لكل الناس في قمة المنارة ناشئ من عجز
— 420 —
نظر الناس عن الارتفاع إلى تلك المرتبة، ثم إنهم يريدون أن يغالطوا ليسيطروا على المسافة كلها باستثناء قمة المنارة.
ولأجل فض المناقشة بين الفئتين، اندفع أحدهم في الميدان وخاطب حزب الشيطان قائلًا:
أيتها الجماعة المشؤومة، إن كان مقامُ ذلك المؤذن العظيم في قعر البئر للزم أن يكون جامدًا كالحجر لا حياة فيه ولا قوة، ولمَا كان يشاهَد في أية مرتبة من مراتب المنارة أو البئر. ولكن وما دمتم تشاهدونه في كل المراتب، فلاشك ألّا يكون جامدًا لا حقيقة له ولا حياة، بل لابد أن يكون مقامه قمة المنارة. لذا فإما أن تظهروه في قعر البئر -وهذا ما لا تقدرون عليه قطعًا ولا تستطيعون أن تقنعوا به أحدًا أبدًا- أو ألزموا الصمت، فإن ميدان دفاعكم محصور في قعر البئر. أما بقيةُ الميدان والمسافة الطويلة فإنها تخص هذه الجماعة، الجماعة المباركة فإنهم أينما أظهروه، سوى قعر البئر، فهم يكسبون القضية.
وهكذا فإن مبحث المناظرة مع الشيطان شبيه بهذا التمثيل، فإنه يأخذ الميدان الممتد من العرش إلى الفرش، من يد حزب الشيطان ويحصرهم في أضيق مكان وهو قعر البئر، ويقحمهم في أضيق ثقب لا يمكنهم الدخول فيه، بل هو محال وغير معقول قطعًا، وفي الوقت نفسه يستولي على المسافة كلها باسم القرآن الكريم.
فإن قيل لهم: كيف ترون مرتبة القرآن؟
فسيقولون: كتاب إنساني يرشد إلى الأخلاق الحسنة، وعندها يقال لهم:
إذن هو كلام اللّٰه، إذ أنتم مضطرون إلى قبول هذا، لأنكم لا تستطيعون القول بی "حسن" حسب مسلككم.
وكذا إن قيل لهم: كيف تعرفون الرسول (ص) ؟
فسيقولون: إنه إنسان ذو أخلاق حسنة وعقل راجح، وعندها يقال لهم:
إذن عليكم الإيمان به، لأنه إن كان ذا أخلاق حسنة، وعقل راجح فإنه رسول اللّٰه، لأن قولكم "حسن" لا يوجد في مسلككم..
— 421 —
وهكذا يمكن تطبيق سائر جهات الحقيقة على بقية إشارات التمثيل.
فبناءً على هذا: فإن ذلك "المبحث الأول" الذي يتضمن المناظرة مع الشيطان ينجي إيمانَ أهل الإيمان بأدنى أمارة وأصغر دليل دون أن يكونوا بحاجة إلى معرفة المعجزات الأحمدية ببراهينها القاطعة. إذ إن كلّ حال من الأحوال الأحمدية، وكلّ خصلة من الخصال المحمدية، وكلّ طور من الأطوار النبوية بمثابة معجزة من معجزاته (ص) تبين وتثبت أن مقامه في أعلى عليين وليس في قعر البئر البتة.
المسألة السابعة
مسألة ذات عبرة: لقد اضطررت إلى بيان إكرام رباني وحماية إلهية يخصان خدمة القرآن وحدَها بدلالة سبع أمارات تشدّ القوة المعنوية لقسمٍ من أصحابي الذين تعرّضوا للشبهات وأصابهم الفتورُ في العمل للقرآن. وذلك لكي أنقذ بعضَ أصحابي من مرهفي الأعصاب الذين يتأثرون بسرعة.
فالأمارات السبعة، أربعةٌ منها تعود لأشخاص كانوا أصدقاء وأصحابا اتخذوا طورَ العداء لكوني خادمًا للقرآن وليس لشخصي بالذات. وتلبّسوا بهذا الطور لمقاصد دنيوية، فتلقَوا الصفعات خلافَ مقصودهم.

أما الأمارات الثلاث الباقية فتعود لأفراد كانوا أصدقاء ومخلصين حقيقيين، وهم لا يزالون كذلك. إلّا أنهم لم يُظهروا طورَ الرجولة والشهامة -الذي يقتضيه الوفاء والأخوة- كسبًا لودّ أهل الدنيا وإعجابهم بهم، وليغنَمو)9Vغنمًا دنيويًا ويسلَموا من المصائب والبلايا. ولكن أصحابي الثلاثة هؤلاء تلقَّوا عتابًا -مع الأسف- خلاف مقصودهم.

الشخص الأول: ممن كانوا أصدقاء في الظاهر ثم بدر منهم طورُ العداء، هو مدير مسؤول، طلب مني نسخة من كتاب "الكلمة العاشرة" بتوسل وإلحاح وبعدة وسائط، فأعطيتُه إياها، إلّا أنه تقلّد طور العداء وترك صداقتي علّه يترقى في الوظيفة، وسلّم الرسالة
— 422 —
إلى الوالي في صورة شكوى وإخبار عني. ولكنه عُزل من الوظيفة بدلًا من الترقي فيها، كأثرٍمن آثار الإكرام الإلهي لخدمة القرآن.
الثاني: مدير مسؤول آخر، كان صديقًا، ولكنه اتخذ طور العداء والمنافس لا لشخصي بالذات، وإنما لكوني خادمًا للقرآن الكريم، وذلك ليُرضي رؤساءه، وليكسب إقبال أهل الدنيا وتوجههم نحوه، إلّا أنه قوبل بلطمةٍ خلافَ مقصوده، فحوكم في قضية لم تخطر له على بال، ثم رجا دعاءً من خادم للقرآن، فلعل اللّٰه ينجيه، فلقد دُعي له.
الثالث: معلم مدرسة، كان صديقًا لنا في الظاهر، فأظهرتُ له وجه الصداقة الخالصة. إلّا أنه اتخذ طورَ العداء ليُنقَل إلى "بارلا" فتلقى لطمة، خلاف مقصوده، إذ سيق إلى الجندية فأُبعد عن "بارلا".
الرابع: معلم مدرسة، كنت أراه متدينًا وحافظًا للقرآن الكريم فأظهرتُ له وجه الصداقة الخالصة، لعل اللّٰه يرزقه العمل للقرآن، إلّا أنه -بمجرد كلام من موظف مسؤول- اتخذ موقفًا متخاذلًا ومجافيًا لنا لينال توجّه أهل الدنيا له، فجاءته لطمة تأديب خلاف مقصوده، إذ وبّخه مفتشُه توبيخًا شديدًا، ثم عُزل عن الوظيفة.
إن هؤلاء الأربعة ذاقوا لطمةَ تأديب لاتخاذهم طور العداء لخدمة القرآن.
أما الثلاثة الآخرون من أصدقائي الحقيقيين فقد تلقَوا تنبيهًا -لا لطمة- لعدم اتخاذهم طور الرجولة والشهامة التي تقتضيها الصداقة والوفاء.
الأول: هو أحد طلابي الجادين المخلصين الحقيقيين الذين حازوا أهمية (في الخدمة القرآنية) وهو شخص موقر فاضل كان يكتب "الكلمات" باستمرار وينشرها، إلّا أنه خبأ "الكلمات" التي كتبها وترك الاستنساخ مؤقتًا بسبب مجيء مسؤول كبير غريب الأطوار ولوقوع حادثة معينة، وذلك لئلا يُجابِهَ عنتًا من أهل الدنيا ولا يجد الضيق منهم، وليأمن شرَّهم. والحال أن التقصير الناجم عن تعطيل العمل للقرآن أورثه أن يوضَع نصب عينيه دفع غرامة ألف ليرة لسنة كاملة، إلّا أنه حالما نوى الاستنساخ وعاد إلى وضعه السابق، تبرأ من تلك الدعوى المقامة عليه، وبُرئت ساحتُه وللّٰه الحمد، ونجا عن دفع ألف ليرة، وهو فقير الحال.
— 423 —
الثاني: صديق وفيّ شجاع شهم كان جاري منذ خمس سنوات، إلّا أنه لم يلقني لبضعة أشهر، ولم يزرني حتى في شهر رمضان والعيد تهاونًا منه، وذلك لكسب توجه أهل الدنيا له ونيل رضاهم عنه، ولاسيما المسؤول الذي أتى حديثًا، لكن خاب أملُه، ولقي خلاف مقصوده، إذ إن قضية القرية إنتهت بعكس مراده وضعف نفوذه.
الثالث: حافظ للقرآن، كان يزورني مرة أو مرتين في الأسبوع، عيّن إمامًا في جامع، وتركني ليتمكن من لبس العمامة، ولم يأتني حتى في العيد، إلّا أنه لم يلبسها -خلافًا للعادة- وبعكس مقصوده، رغم أنه أدّى الإمامة زهاء ثمانية شهور.
وأمثال هذه الحوادث كثيرة جدًّا، لا أذكرها لئلا أجرح شعور البعض، ولكنها مهما كانت حوادث منفردة قد تُعد أمارات ضعيفة إلّا أن اجتماعها يُشعر بالقوة ويورث القناعة والاطمئنان؛ بأننا نعمل في ظل إكرام إلهي وتحت رعاية ربانية من حيث خدمة القرآن الكريم، وليس من جهة شخصي بالذات، إذ لا أجد في نفسي ما يليق بأي إكرام إلهي مهما كان.
فعلى أصحابي الأحباب أن يدركوا هذا جيدًا، وألّا يبالوا بالشبهات والأوهام. وإني أبينها لهم خاصة لأن الإكرام إكرام إلهي من حيث الخدمة القرآنية، وإن الأمر ليس للفخر بل هو شكر للّٰه. فالأمر الإلهي صريح في قوله تعالى:
وأما بنعمة ربك فحدّث
(الضحى: ١١).
المسألة الثامنة
حاشية المثال الثالث من النقطة الثالثة للسبب الخامس من الأسباب المانعة للاجتهاد في الوقت الحاضر من "الكلمة السابعة والعشرين".
سؤال مهم: يقول بعض أهل العلم والتحقيق:
لما كانت الألفاظ القرآنية، والأذكار المأثورة، والتسبيحات الواردة، تنوّر شتى جوانب اللطائف المعنوية للإنسان وتغذيه روحيًا، ألا يكون من الأفضل أن يصوغ كلُّ قوم تلك الألفاظ وفق لسانهم الخاص حتى تُفهم معانيها؟ إذ الألفاظ وحدها لا تفي بالغرض المطلوب إذ هي في حقيقتها ألبسة وقوالب للمعاني؟
— 424 —
الجواب: إنَّ ألفاظ الكلمات القرآنية، والتسبيحات النبوية، ليست لباسًا جامدًا يقبل التبديل والتغيير وإنما مثَله مثل الجلد الحي للجسد، بل إنها أصبحت فعلًا جلدًا حيًا بمرور الزمن، ولا جدال في أنَّ تبديل الجلد وتغييرَه يضر الجسم.
ثم إنَّ تلك الكلمات المباركة في الصلاة، والذكر، والأذان، أصبحت اسمًا و عَلَما لمعانيها العُرفية والشرعية ولا يمكن تبديل الاسم والعلَم.
ولقد توصلتُ إلى هذه الحقيقة، بعد التأمل والإمعان في حالة مرت عليَّ، وهي:
عندما كنت أقرأ يوم عرفة "سورة الإخلاص" مئة مرة مكررًا إياها باستمرار لاحظت: أنَّ قسمًا من حواسي الروحية اللطيفة، بعدما أخذت غذاءها بالتكرار قد ملّت وتوقفت؛ وأن قوة التفكير فيّ قد توجهت إلى المعنى، فأخذتْ حظَّها، ثم توقفت وملّت. وأن القلب الذي يتذوق المعاني الروحية ويدركها، هو أيضًا قد سكت، بعدما أخذ نصيبه من التكرار.
بينما بالمواظبة والتكرار المستمر على القراءة رأيت أنَّ قسمًا من اللطائف في الكيان الإنساني لا يملّ بسرعة، فلا تضره الغفلةُ التي تضر قوةَ التفكير، بل إنه يستمر ويداوم في أخذ حظه بحيث لا يدع حاجةً إلى التدقيق والتفكر في المعنى، إذ يكفيه المعنى العرفي الذي هو اسمٌ وعلَم، ويكفيه اللفظ والمعنى الإجمالي لتلك الألفاظ الغنية المشبعة. بل ربما يورث سآمةً ومللًا حينما يبدأ التفكر يتوجه إلى المعنى، ذلك لأن تلك اللطائف لا تحتاج إلى تعلّم وتفهيم بقدر ما هي بحاجة إلى التذكر والتوجيه والحث.
لذا فإن اللفظ الذي هو أشبه بالجلد يكفي لتلك اللطائف وفي أداء وظيفة المعنى، وخاصة أنَّ تلك الألفاظ العربية هي مبعث فيض دائم، إذ تذكِّر بالكلام الإلهي والتكلم الرباني.
فهذه الحالة التي جربتُها بنفسي تبين لنا:
أنَّ التعبير بأي لغةٍ كانت غير اللغة العربية، عن حقائق الأذان وتسبيحات الصلاة، وسورة الإخلاص والفاتحة التي تتكرر دائما، ضارٌ جدًّا. ذلك لأن اللطائف الدائمة تبقى محرومةً من نصيبها الدائم بعد ما تفقد المنابع الحقيقية الدائمية التي هي الألفاظ الإلهية
— 425 —
والنبوية. فضلًا عن أنه يضيع في الأقل عشر حسنات لكل حرف. ولعدم دوام الطمأنينة والحضور القلبي لكل واحد في الصلاة، تبعث التعابيرُ البشرية المترجَمة عند الغفلة ظلمتَها في الروح.. وأمثالها من الأضرار الأخرى.
نعم، فكما قال الإمام أبو حنيفة رضي اللّٰه عنه إنَّ: (لا إله إلّا اللّٰه) عَلَمٌ للتوحيد. كذلك نقول: أنَّ الأكثرية المطلقة لكلمات التسبيحات والأذكار وخاصة كلمات الأذان والصلاة والذكر، أصبحت بمثابة الاسم والعَلَم، فيُنظر إلى معانيها العرفية الشرعية أكثر من النظر إلى معانيها اللغوية، لذا لا يمكن شرعًا تبديلها مطلقًا.
أما معانيها التي لابد أن يفهمها كل مؤمن، فإن أي شخص عامي يمكنه أن يفهم ويتعلم مجمل معانيها في أقصر وقت. فكيف يُعذر ذلك المسلم الذي يقضي عمره مالئًا فكرَه وعقله بما لا يعنيه من الأمور ولا يصرف جزءًا ضئيلًا من وقته لفهم تلك المعاني التي هي مفاتيحُ حياته الأبدية وسعادته الدائمة. بل كيف يعتبر من المسلمين وكيف يقال عنه أنه إنسان عاقل!!
فهل من العقل في شيء أن تفسد تلك الألفاظ التي هي مستودع منابع تلك الأنوار لأجل تقاعس هؤلاء الكسالى؟!
ثم إنه عندما يقول أي مؤمن، بأي لغةٍ يتكلم: "سبحان اللّٰه" فإنه يعلم أنه يقدس ربَّه جل وعلا.. ألا يكفي هذا القدر؟! بينما إذا حصر اهتمامَه بالمعنى المجرد، بلسانه الخاص، فإنه لا يتعلم إلَّا حسب تفكيره وعقله، الذي يأخذ حظَّه ويفهم مرة واحدة، والحال أنه يكرر تلك الكلمة المباركة أكثر من مائة مرة يوميًّا ففضلًا عن ذلك الفهم العقلي فإن المعنى الإجمالي الذي سَرى في اللفظ وامتزج معه هو مبعث أنوار وفيوضات كثيرة جدًّا، ولاسيما أن تلك الألفاظ العربية لها أهميتُها وقداستُها وأنوارها وفيوضاتها، حيث إنها كلام إلهي.
ومجمل القول: إنه لا يمكن أن يقومَ مقام الألفاظ القرآنية التي هي محافظ ومنابع للضروريات الدينية أيُّ لفظ آخر، ولا يمكن لأي لفظ آخر أن يحلّ محلها قطعًا، ولا يمكن أن يؤدي وظيفتها، حتى لو أدي مؤقتًا فإنه لا يستطيع أن يؤدي دائما عاليًا ساميًا قدسيًا. أما الأمور الدينية من غير الضروريات فليس هناك حاجة إلى تبديل ألفاظها أيضًا لأن تلك الحاجة تندفع بالمواظبة على النصيحة والإرشاد والوعظ.
— 426 —
والنتيجة: إن شموليةَ اللغة العربية الفصحى وسعتَها، والبيان المعجز في الألفاظ القرآنية، تحولان دون ترجمة تلك الألفاظ، ولذلك لا يمكن ترجمتها قطعًا، بل إنه محال. ومن كان يساوره الشك في هذا فليراجع "الكلمة الخامسة والعشرين" في المعجزات القرآنية ليرى منیزلة الآية الكريمة بإعجازها وتشعبها وشمولها وجمالها ومعناها الرفيع وأين منها "الترجمة" التي هي معنى مبتور بل ناقص وقاصر.
المسألة التاسعة
مسألة مهمة خاصة تكشف سرًا من أسرار الولاية.
إن أهل الحق والاستقامة الذين يُطلق عليهم «أهل السنة والجماعة» ، وهم يمثلون الغالبية العظمى في العالم الإسلامي، قد قاموا بحفظ حقائق القرآن والإيمان كما هي على محجّتها البيضاء الناصعة، وذلك باتباعهم السنة الشريفة بحذافيرها كما هي، دون نقص أو زيادة، فنشأت الأكثريةُ المطلقة من الأولياء الصالحين من هذه الجماعة. ولكن شوهد أولياءُ آخرون في طريق تخالف أصولَ أهل السنة والجماعة، وخارجة عن قسم من دساتيرهم، فانقسم الناظرون في شأن هؤلاء الأولياء إلى قسمين:
الأول: هم الذين أنكروا ولايتَهم وصلاحَهم، وذلك لمخالفتهم أصول أهل السنة والجماعة بل قد ذهبوا إلى أبعد من الإنكار، حيث كفّروا عددًا منهم.
أما الآخر: فهم الذين اتبعوهم وأقروا ولايتَهم، ورضوا عنهم، لذا قالوا: إنَّ الحق ليس محصورًا في سبيل أهل السنة والجماعة. فشكّلوا بهذا القول فرقة مبتدعة وانساقوا إلى الضلال ناسين أن المهتدي لنفسه ليس من الضروري أن يكون هاديًا لغيره، ولئن كان شيوخُهم يُعذرون على ما ارتكبوا من أَخطاء لأنهم مجذوبون، إلّا أنهم لا يُعذَرون في اتباعهم لهم.
وهناك قسم ثالث: سلكوا طريقًا وسطًا، حيث لم ينكروا ولاية أولئك الأولياء وصلاحهم، إلّا أنهم لم يرضوا بطريقتهم ومنهجهم، وقالوا: إن ما تفوّهوا به من الأقوال المخالفة للأصول الشرعية، إما أنها ناشئة عن غلبة الأحوال عليهم مما جعلهم يخطئون، أو أنها شطحات شبيهة بالمتشابهات التي لا تعرف معانيها ولا تفهم مراميها.