— 543 —
الفهرس
اللَّمْعة الأولى: ٥
تُبيِّنُ سِرًّا مُهِمًّا وحَقِيقةً عَظِيمةً لِمُناجاةِ سَيِّدِنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام المَشهُورةِ، والَّتي تُصَرِّحُ بها الآيةُ: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، وتُؤكِّدُ أنَّ كلَّ إِنسانٍ في هذه الدُّنيا على الحالِ نَفسِها الَّتي مرَّ بِها سَيِّدُنا يُونُسُ عَلَيهِ السَّلَام لكِن بمِقياسٍ أَكبَرَ، وأنَّ ما يَعنِيهِ الحُوتُ والبَحرُ واللَّيلُ بالنِّسبةِ إلى سَيِّدِنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام نَظِيرُ ما تَعنِيه النَّفسُ والدُّنيا والمُستَقبَلُ لِكُلِّ إِنسانٍ.
اللَّمْعة الثانية: ١٠
خَمْسُ نِكاتٍ تُفَسِّرُ سِرًّا جَلِيلًا وحَقِيقةً سامِيةً لِمُناجاةِ سَيِّدِنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام المَشهُورةِ، والَّتي تُصَرِّحُ بها الآيةُ: نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وهذه الرِّسالةُ بمَثابةِ دَواءٍ نافِعٍ وتَرْياقٍ مَعنَوِيٍّ لِجَمِيعِ المَرضَى والمُبتَلَيْنَ بِالمَصائِبِ، وتَرفَعُ عنِ المَصائِبِ المادِّيّةِ الَّتي تَحُلُّ بِأَهلِ الإِيمانِ صِفةَ المُصِيبةِ.
كما تُوضِّحُ أنَّ المُصِيبةَ العُظمَى هي مُصِيبةُ الضَّلالةِ الَّتي تُصِيبُ القَلبَ والرُّوحَ، وأنَّ دَقائِقَ عُمُرِ الصّابِرِينَ الشّاكِرِينَ مِنَ المُصابِينَ بمَثابةِ ساعاتِ عِبادةٍ؛ فتُغلَقُ بِها أَبوابُ الشَّكوَى وتُفتَحُ أَبوابُ الشُّكرِ الدّائِمِ.
اللَّمْعة الثالثة: ٢٠
تُفسِّرُ حَقِيقَتَينِ مُهِمَّتَينِ مِن حَقائِقِ الآيةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وذلك مِن خِلالِ قَضِيَّتَينِ رَفِيعَتَينِ تُعَبِّرُ عَنهُما الجُملَتانِ
— 544 —
الشَّهِيرَتانِ «يا باقي أنتَ الباقي.. يا باقي أنتَ الباقي» ؛ وهِي رِسالةٌ جَلِيلةٌ تُثبِتُ أنَّ رُوحَ الإِنسانِ قد خُلِقَت لِلبَقاءِ وأنَّها مِن عُشّاقِ البَقاءِ، لكِنَّها لو عَرَفَتِ المُناسَبةَ الحَقِيقيّةَ تِجاهَ الباقي ذِي الجَلالِ لَتَبدَّلَ عُمُرُها الفاني عُمُرًا باقِيًا، ولَأَصبَحَت ثَوانيها بحُكمِ السِّنِينَ، أمّا رُوحُ الإِنسانِ الَّتي لم تَعرِفِ الباقيَ ذا الجَلالِ فتَغدُو سَنَواتُها بحُكمٍ ثَوانٍ مَعدُوداتٍ.
وكُلُّ مَنِ استاءَ مِنَ الفَناءِ، ولَدَيْه فُضُولٌ لِمَعرِفةِ حَقِيقةِ البَقاءِ، فعَلَيْه مُطالَعةُ هذه الرِّسالةِ بدِقّةٍ وتَمَعُّنٍ.
اللَّمْعة الرابعة: ٢٧
رِسالةٌ مُهِمّةٌ تَحمِلُ عُنوانَ "مِنهاجُ السُّنّةِ"، تُعالِجُ بِصُورةٍ قَطعِيّةٍ وتَحُلُّ بِطَرِيقةٍ جَلِيَّةٍ أَهَمَّ مَسأَلةٍ خِلافيّةٍ بَينَ أَهلِ السُّنّةِ والشِّيعةِ، وهِي "مَسأَلةُ الإِمامةِ".
وتُفَسِّرُ ضِمنَ أَربَعِ نِكاتٍ حَقِيقَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِنَ الحَقائِقِ الكَثِيرةِ لِلآياتِ الجَلِيلةِ:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ٭ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾
إنَّها رِسالةٌ قيِّمةٌ ومُفِيدةٌ لِلجَمِيعِ، سَواءٌ كانُوا مِن أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ أو مِنَ الطّائِفةِ العَلَوِيّةِ؛ إنَّها بِحَقٍّ مِنهاجٌ للسُّنّةِ، تُوضِّحُ بالتَّفصِيلِ مَوقِفَ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ مِن هذه المَسأَلةِ.
اللَّمْعة الخامسة: ٣٨
كانَ مِنَ المُقرَّرِ أن تكُونَ هذه اللَّمْعةُ رِسالةً تَضُمُّ خَمسَ عَشْرةَ مَرتَبةً تُبيِّنُ حَقِيقةً جَلِيلةً لِلآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، إِلّا أنَّ تَألِيفَها قد تَأَجَّلَ في الوَقتِ الحاضِرِ لِكَونِها ذاتَ عَلاقةٍ بالتَّفكُّرِ والذِّكرِ أَكثَرَ مِن
— 545 —
عَلاقَتِها بالعِلمِ والحَقِيقةِ؛ كما أنَّ اللَّمْعةَ الحادِيةَ عَشْرةَ المَعرُوفةَ بِاسمِ "مِرقاةُ السُّنّةِ وتِرياقُ مَرَضِ البِدعةِ" قد أُلِّفَت في بادِئِ الأَمرِ على أنَّها "اللَّمْعةُ الخامِسةُ"، إلّا أنَّها انقَسَمَت إلى إِحدَى عَشْرةَ نُكتةً مُهِمّةً، لِذا دَخَلَت في عِدادِ اللَّمْعةِ الحادِيةَ عَشْرةَ، وبَقِيَ مَوضِعُ "اللَّمْعةِ الخامِسةِ" فارِغًا.
اللَّمْعة السادسة: ٣٨
كانَ مِنَ المُقرَّرِ في بَيانِ «لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلّا باللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» الَّتي تُعبِّرُ عن حَقِيقةٍ جَلِيلةٍ تَنبُعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ، أَن تُوَضِّحَها هذه اللَّمْعةُ في مَراتِبَ فِكْرِيّةٍ تَقرُبُ مِن عِشرِينَ مَرتَبةً، وقد كُنتُ أَستَشعِرُها في نَفسِي وأُشاهِدُها في سَيْرِي الرُّوحِيِّ في أَثناءِ الذِّكرِ والتَّفكُّرِ كما في "اللَّمْعةِ الخامِسةِ"، ولكِن لِكَونِها ذاتَ عَلاقةٍ بالذَّوقِ الرُّوحِيِّ والحالِ القَلبِيِّ أَكثَرَ مِن تَعَلُّقِها بالعِلمِ والحَقِيقةِ، ارْتُؤِيَ وَضْعُها في خِتامِ "اللَّمَعاتِ" ولَيسَ في بِدايَتِها.
اللَّمْعة السابعة: ٣٩
تَعرِضُ ثَمانَ إِخباراتٍ غَيبِيّةٍ على سَبِيلِ الإِخبارِ بالغَيبِ مِن بَينِ الوُجُوهِ الإِعجازِيّةِ العَشَرةِ لِلآياتِ الثَّلاثةِ الأَخِيرةِ مِن سُورةِ الفَتحِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ٭ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٭ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وتُثبِتُ أنَّ هذه الآياتِ الثَّلاثةَ بحَدِّ ذاتِها مُعجِزةٌ باهِرةٌ.
— 546 —
وتَتَحدَّثُ في تَتِمَّتِها عن نُكتةٍ إِعجازِيّةٍ جَلِيلةٍ مِن بَينِ نِكاتِ الآيةِ: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، وتُشِيرُ إلى إِخباراتِها الغَيبِيّةِ الشَّبِيهةِ تَمامًا بالإِخباراتِ الَّتي أَشارَت إِلَيْها الآياتُ الأَواخِرُ مِن سُورةِ الفَتحِ.
وفي خاتِمَتِها تُوَضِّحُ نُكتةً إِعجازِيّةً ساطِعةً مِن نُكَتِ إِعجازِ القُرآنِ الحَكِيمِ الخاصّةِ بالتَّوافُقاتِ، وتُؤكِّدُ أنَّ القُرآنَ قد أُدرِجَ یی بدَرَجةٍ ما یی في سُورةِ الفاتِحةِ، والفاتِحةُ في البَسمَلةِ، والبَسمَلةُ في الٓمٓ.
ومِنَ التَّوافُقاتِ اللَّطِيفةِ الإِعجازِيّةِ لِلَفظِ (الله) في مَصاحِفِ (الدّارْكَنارِ) (أي التي تَبدَأُ كلُّ صَفحةٍ مِنها بآيةٍ وتنتهي بآية) الأَكثَرِ تَداوُلًا وانتِشارًا: أنَّ لَفظَ الجَلالةِ في السَّطرِ قَبلَ الأَخِيرِ مِن كُلِّ صَحِيفةٍ في جَمِيعِ القُرآنِ تُساوِي ثَمانِينَ لَفظًا، وفي الأَسفَلِ مِنها تَتَوافَقُ أَلفاظُ الجَلالةِ فَوقَ بَعضِها في ثَمانِينَ لَفظًا كَذلِك، ويُظهِرُ كلُّ واحِدٍ الآخَرَ بالتَّوافُقِ، وكأنَّ ثَمانِينَ لَفظَ جَلالةٍ تُشَكِّلُ لَفظًا واحِدًا؛ وكَذلِك في وَسَطِ السَّطرِ الأَخِيرِ تَمامًا تُساوِي خَمسًا وخَمسِين، وفي بِدايَتِه خَمسًا وعِشرِينَ، فيَكُونُ المَجمُوعُ ثَمانِينَ، ويَتَوافَقُ في العَدَدِ معَ العَدَدَينِ (٨٠) المَذكُورَينِ، كما أنَّ في السَّطرِ الأَخِيرِ وَحْدَه مِئتَينِ وأَربَعِينَ تَوافُقًا لَطِيفًا.
فيُبيِّنُ هذا الأَمرُ أنَّ آياتِ القُرآنِ العَظِيمِ الشَّأنِ وكَلِماتِه وحُرُوفَه مِثلَما هي مَبعَثُ إِعجازٍ في كلٍّ مِنها على حِدةٍ، كَذلِك نَقشُ كَلِماتِه وخَطُّه مَظهَرُ شُعلةٍ إِعجازِيّةٍ أُخرَى.
اللَّمْعة الثامنة: ٥٠
نُشِرَت ضِمنَ مُجلَّدٍ آخَرَ فلم تُدرَج هنا.
اللَّمْعة التاسعة: ٥٠
نُشِرَت ضِمنَ مُجلَّدٍ آخَرَ فلم تُدرَج هنا.
— 547 —
اللَّمْعة العاشرة: ٥١
تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، وذلِك بذِكرِ لَطَماتِ تَأْدِيبٍ رَحِيمةٍ تَلَقّاها أَصحابِي العامِلُونَ في خِدمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، نَتِيجةَ أَخطاءٍ ونِسيانٍ وغَفْلةٍ وَقَعُوا فيها بمُقتَضَى جِبِلَّتِهِمُ البَشَرِيّةِ.
أجل، لَقَد كُتِبَت هذه الرِّسالةُ في قِسمَينِ: الأوَّلُ يَذكُرُ لَطَماتِ تَنبِيهٍ رَحِيمةً تَلَقّاها العامِلُونَ الخَواصُّ الصّادِقُونَ في خِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وذَلِك مِن جَرّاءِ أَخطاءٍ ونِسيانٍ وغَفْلةٍ وَقَعُوا فيها.
والقِسمُ الثّانِي يتَحَدَّثُ عن صَفَعاتِ الزَّجرِ الَّتي تَلَقّاها أُولَئِك الَّذِينَ يَبدُونَ أَصحابًا في الظّاهِرِ، ولكِنَّهم يَحمِلُونَ عَداوةً في قُلُوبِهِم نَتِيجةَ ما أَلحَقُوا مِن أَضرار، غَيرَ أَنَّه لم يُؤلَّف في الوقت الحالي؛ لِذلِك سنَتَحدَّثُ عن خَمْسَ عَشْرةَ حادِثةً فَقَط في القِسمِ الأوَّل مِن بَينِ مِئاتِ الحَوادِثِ، ولم نُكثِرْ مِنها كَيْلا نَكسِرَ خَواطِرَ بَعضٍ مِنهُم مِن غَيرِ ضَرُورةٍ.
فمَن كَتبَ يَتَحدَّثُ عنِ الصَّفْعةَ التي تَلَقَّاها فإِنَّما كَتَبَ بِناءً على قَبُولِه وتَصدِيقِه وتَوقِيعِه، وأَنا كَتَبتُ ما تَلَقَّيتُه مِن صَفَعاتٍ خَمْسٍ، كما كَتَبتُ نِيابةً عن عَبدِ المَجِيدِ وخُلُوصِي لِأنَّني أَعُدُّهُما مِثلَ نَفسِي، أَمّا الآخَرُونَ فبَعضُهُم كَتَبَ بِنَفسِه، وآخَرُونَ رَأَوْا ما كُتِبَ عنهم وصادَقُوا علَيْه.. واكتَفَيْنا بِذَلِك كنَماذِجَ، وإِلّا فثَمّةَ الكَثِيرُ مِنَ الوَقائِعِ.
وقد أَوْرَثَتْنا هذه الحَوادِثُ قَناعةً تامّةً أَنَّنا لَسْنا هَمَلًا في خِدمَتِنا هذه، بل نَحنُ تَحتَ رَقابةٍ فائِقةٍ وعِنايةٍ دَقِيقةٍ، وفي كَنَفِ حِمايةٍ عاليةٍ وحِفظٍ مَتِينٍ.
وفي نِهايةِ هذه الرِّسالةِ تَوضِيحُ حَقِيقةٍ مُهِمّةٍ حَولَ سِرِّ: «الظُّلمُ لا يَدُومُ، والكُفرُ يَدُومُ» ، وأنَّ أُولَئِك المُلحِدِينَ الَّذِينَ يتَعرَّضُونَ لِخِدمَتِنا ظُلمًا وجَوْرًا سيَتَلَقَّوْنَ
— 548 —
الصَّفَعاتِ في الدُّنيا یی وقد تَلَقَّوْا بَعضًا مِنها یی، كما وَضَّحَتِ السَّبَبَ في إِمهالِ الَّذِينَ يتَعرَّضُونَ لنا انتِصارًا لِلزَّندَقةِ والضَّلالةِ، والحِكْمةَ مِن عَدَمِ تَلقِّيهِمُ الصَّفَعاتِ في الدُّنيا.
اللَّمْعة الحاديةَ عشرة: ٦٤
رِسالةٌ مُهِمّةٌ جِدًّا تَحمِلُ عُنوانَ: "مِرقاةُ السُّنّةِ وتِرياقُ مَرَضِ البِدعةِ"، تُفسِّرُ في إِحدَى عَشْرةَ نُكتةً حَقِيقَتَينِ شَرِيفَتَينِ مِن حَقائِقِ الآيتَينِ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
النُّیكتة الأُولَى: تَشرَحُ مَعنَى الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «مَن تَمَسَّك بسُنَّتي عِندَ فَسادِ أُمَّتي فلَه أَجْرُ مِئةِ شَهِيدٍ».
النُّیكتةُ الثّانيةُ: حَولَ قَولِ الإِمامِ الرَّبّانِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ: "إِنَّ اتِّباعَ السُّنّةِ السَّنِيّةِ أَكثَرُ الطُّرُقِ سَلامةً ولَطافةً وهَيْبةً".
النُّیكتة الثالثةُ: تُقدِّمُ تَصدِيقًا لِحِكَمِ الإِمامِ الرَّبّانِيِّ فِيما يَخُصُّ أَهَمِّيّةَ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ.
النُّیكتة الرّابعةُ: تَعرِضُ سِياحةً رُوحِيّةً تَخُصُّ عالَمًا مَعنَوِيًّا عَجِيبًا لِلغايةِ، وذَلِك مِن بابِ حَقِيقةِ "المَوتُ حَقٌّ".
النُّیكتة الخامسةُ: تُبيِّنُ بقِياسٍ مَنطِقِيٍّ قَطعِيٍّ أنَّ مَحَبّةَ اللهِ تُفضِي لِاتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ كما تُصَرِّحُ بِذَلِك الآيةُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
النُّیكتة السادسةُ: تُفَسِّرُ سِرًّا جَلِيلًا مِن أَسرارِ الحَدِيثِ: «كُلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ، وكُلُّ ضَلالةٍ في النّارِ» ، وتُوضِّحُ حَقِيقةً مِن حَقائِقِ الآيةِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
النُّیكتة السّابِعةُ: تُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ مَسائِلِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ تَنطَوِي على آدابٍ وأَنوارٍ
— 549 —
عَظيمةٍ، وتُجِيبُ بأُسلُوبٍ بَدِيعٍ على السُّؤالِ: كَيفَ نَتأَدَّبُ معَ عَلّامِ الغُيُوبِ، وماذا يَعنِي هذا التَّأدُّبُ؟
النُّیكتة الثامنةُ: تُفِيدُ أنَّ بَعضَ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ هي تَرَشُّحاتُ الشَّفَقةِ والرَّأفةِ الأَحمَدِيّةِ (ص)، وتَكشِفُ مَدَى ما تَتَحلَّى به الذّاتُ الأَحمَدِيّةُ (ص) مِن مَنابِعِ الشَّفَقةِ والرَّأفةِ.
النُّیكتة التاسعةُ: تُبيِّنُ أنَّه قد يَتَعَذَّرُ اتِّباعُ كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ اتِّباعًا فِعلِيًّا كامِلًا إِلّا لِأَخَصِّ الخَواصِّ، ولَكِن يُمكِنُ لِكُلِّ أَحَدٍ الِاتِّباعُ عن طَرِيقِ النِّيّةِ والقَصْدِ والرَّغبةِ في الِالتِزامِ والقَبُولِ؛ وأنَّ الأَوْرادَ والأَذكارَ والمَشارِبَ الَّتي في الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ لَيسَت ببِدعةٍ شَرِيطةَ عَدَمِ مُخالَفَتِها أَساساتِ السُّنّةِ؛ وإن كانَ لا بُدَّ من تَسمِيَتِها فهِي بِدعةٌ حَسَنةٌ.
النُّیكتة العاشرةُ: حَولَ الآيةِ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، فتُوضِّحُ یی بِبَيانٍ جَمِيلٍ وجَلِيلٍ ومُثِيرٍ لِلإِعجابِ في ثَلاثِ نِقاطٍ یی حَقِيقةَ المَحَبّةِ الإِلٰهِيّةِ، وكَيفَ تُفضِي هذه المَحَبّةِ إلى اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ؛ كما تَعرِضُ شُعاعًا مِن كَرامةِ هذه النُّكتةِ مِن خِلالِ التَّوافُقِ الَّذي حَصَل في نَقْشِ الكِتابِ ونَسخِه.
النُّیكتةُ الحاديةَ عَشْرةَ: تُبيِّنُ أنَّ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) ثَلاثةَ مَنابِیعَ، هي: أَقوالُه، وأَفعالُه، وأَحوالُه (ص)؛ وهذه الأَقسامُ الثَّلاثةُ هي كَذلِك ثَلاثةُ أَقسامٍ: الفَرائضُ، والنَّوافلُ، وعاداتُه (ص).
وتُثبِتُ أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ فَردٌ فَرِيدٌ أُوجِدَ في أَعدَلِ نُقطةٍ بَينَ النَّوعِ البَشَرِيِّ مِن جِهةِ المِزاجِ الجِسمانِيِّ مِثلَما هو مَعنًى ورُوحًا، وهُو كَذلِك في أَوْسَطِ وأَكمَلِ نُقطةِ اعتِدالٍ لِلقُوَى الجِسمانيّةِ والنَّفسِيّةِ، وذلك بسِرِّ الآيةِ القُرآنيّةِ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وإنَّ هذه الرِّسالةَ تِرياقٌ نافِعٌ وإِكسِيرٌ عَظِيمٌ كما أَشَرْنا في البِدايةِ.
— 550 —
اللَّمْعة الثانيةَ عَشْرةَ: ٨٢
تُفَسِّرُ في نُكتتَينِ حَقِيقَتَينِ مِن حَقائِقِ الآيتَينِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقد باتَت هاتانِ الحَقِيقَتانِ هَدَفًا لِانتِقاداتِ العُلَماءِ، إِضافةً إلى الجُغرافِيِّينَ وعُلَماءِ الفَلَكِ المُعاصِرِينَ.
النُّیكتة الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ الأَرزاقِ بِيَدِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ وَحْدَه، وتَخرُجُ مِن خَزِينةِ رَحْمَتِه دُونَ واسِطةٍ؛ وتُثبِتُ أنَّه لا يَمُوتُ أَحَدٌ جُوعًا.
النُّیكتة الثانيةُ: تُثبِتُ بسَبعةِ أَوجُهٍ أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ سَبعُ طَبَقاتٍ رَغْمَ أَنفِ الفَلاسِفةِ الجُغرافِيِّينَ المُنكِرِينَ، وكَذلِك السَّماواتُ سَبعُ طَبَقاتٍ بسَبعةِ أَوجُهٍ رَغْمًا عنِ الفَلاسِفةِ الفَلَكيِّينَ.
وإِنَّ هذه الرِّسالةَ تُلجِمُ أَفواهَ هَؤُلاءِ المُلحِدِينَ الثَّرثارِينَ وأَمثالِهِم.
اللَّمْعة الثالثةَ عَشْرةَ: ٩٤
رِسالةٌ قَيِّمةٌ وقَوِيّةٌ وصائِبةٌ، عُرِفَت بِاسمِ: "حِكمةُ الِاستِعاذةِ".
تُفسِّرُ ضِمنَ ثَلاثَ عشْرةَ إِشارةً أَهَمَّ حَقِيقةٍ مِن حَقائِقِ سُورة: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ٭ مَلِكِ النَّاسِ ٭ إِلَهِ النَّاسِ ٭ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٭ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٭ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، وتُوضِّحُ حِكمةً عالِيةً مِن حِكَمِ الآيةِ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، وأَهَمَّ سِرٍّ مِن أَسرارِ: «أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ» ، وتَفتَحُ بِثَلاثةَ عشَرَ مِفتاحًا بابَ دُخُولِ القَلعةِ الحَصِينةِ لی: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مُسَلِّطةً الضَّوءَ على ذلك الحِصْنِ.
الإشارةُ الأُولَى: جَوابٌ واضِحٌ قَطعِيٌّ على السُّؤالِ: إِنَّ الشَّياطِينَ ليس لَهُم
— 551 —
تَدَخُّلٌ في شُؤُونِ الخَلقِ والإِيجادِ في الكَونِ، وإِنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى یی برَحْمَتِه وعِنايتِه یی ظَهِيرٌ لِأَهلِ الحَقِّ، فَضْلًا عن أنَّ جَمالَ الحَقِّ وحُسْنَه يُشَوِّقُ أَهلَه ويُؤيِّدُهُم، بعَكسِ الضَّلالةِ المُستَهجَنةِ بقُبحِها المُنفِّرِ، فما الحِكْمةُ في أنَّ حِزبَ الشَّيطانِ هو الغالِبُ في أَكثَرِ الأَحوالِ؟
الإشارةُ الثانيةُ: جَوابٌ قَوِيٌّ ومُقنِعٌ على السُّؤالِ: إِنَّ خَلْقَ الشَّياطِينِ یی وهُمُ الشَّرُّ المَحضُ یی وتَسلِيطَهُم على أَهلِ الإِيمانِ، وسَوْقَهُم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إلى الكُفرِ، ودُخُولَهُمُ النّارَ بمَكايِدِهِم، هو قُبْحٌ ظاهِرٌ، وأَمرٌ مُرعِبٌ؛ فيا تُرَى كَيفَ تَرضَى رَحْمةُ ذلك الرَّحِيمِ المُطلَقِ، وكَيفَ يَسمَحُ جَمالُ ذلك الجَمِيلِ المُطلَقِ یی وهُو الرَّحمٰنُ ذُو الجَمالِ یی بهذا القُبحِ غَيرِ المُتَناهِي والمُصِيبةِ العُظمَى؟!
الإشارةُ الثالثةُ: جَوابٌ قَطعِيٌّ وسَنِيٌّ جِدًّا على السُّؤالِ: أَينَ يَكْمُنُ السِّرُّ والحِكْمةُ في وَعِيدِ القُرآنِ المُرعِبِ وتَهدِيدِه لِأَهلِ الضَّلالةِ تِجاهَ عَمَلٍ جُزئيٍّ صَدَر مِنهُم، مِمّا لا يَتَناسَبُ بظاهِرِ العَقلِ معَ بَلاغَتِه الَّتي تَتَّسِمُ بالعَدالةِ والِانسِجامِ وأُسلُوبِه المُعجِزِ الرَّزِينِ، إذ كأنَّه يَحشُدُ الجُيُوشَ الهائِلةَ تِجاهَ شَخصٍ عاجِزٍ لا حَظَّ له في المُلكِ، فيُكسِبُه مَنزِلةَ شَرِيكٍ مُتَجاوِزٍ حَدَّه؟
الإشارةُ الرابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ العَدَمَ شَرٌّ مَحْضٌ والوُجُودَ خَيرٌ مَحْضٌ، لِذا فإنَّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ تَستَنِدُ إلى الوُجُودِ، وإنَّ المَصائِبَ والبَلايا تَرتَكِزُ إلى العَدَمِ وتَنبُعُ مِنه.
الإشارةُ الخامسةُ: جَوابٌ مُقنِعٌ على السُّؤالِ المُرَوِّعِ: إنَّه على الرَّغمِ مِن تَوَفُّرِ أَسبابِ الهِدايةِ والِاستِقامةِ ووَسائِلِ الإِرشادِ أَمامَ أَهلِ الإِيمانِ بما بَيَّنه اللهُ سُبحانَه لَهُم في كُتُبِه المُقدَّسةِ كافّةً مِن مَثُوبةٍ وهِي نَعِيمُ الجَنّةِ، ومِن عِقابٍ أَلِيمٍ وهُو نارُ جَهَنَّمَ، ومعَ ما كَرَّرَه سُبحانَه مِن تَوجِيهٍ وتَنبِيهٍ وتَرغِيبٍ وتَحذِيرٍ.. كَيْفَ يُغلَبُ أَهلُ الإِيمانِ أَمامَ الدَّسائِسِ الدَّنيئةِ والضَّعيفةِ التّافِهةِ الصَّادِرةِ عن حِزبِ الشَّيْطانِ؟
— 552 —
الإشارةُ السادسةُ: جَوابٌ عِلمِيٌّ ومَنطِقيٌّ وصائِبٌ مُقابِلَ أَخطَرَ الدَّسائِسِ الشَّيطانيّةِ، وذلك أنَّ الشَّيطانَ يُوهِمُ بَعضَ ذَوِي القُلُوبِ الصّافِيةِ والحِسِّ المُرهَفِ أنَّ تَخَيُّلَ الكُفرِ تَصدِيقٌ لِلكُفرِ، ويُظهِرُ لَهُم تَصَوُّرَ الضَّلالةِ تَصدِيقًا لِلضَّلالةِ نَفسِها.
الإشارةُ السابعةُ: إِنَّ أَئِمّةَ المُعتَزِلةِ الَّذِينَ لم يَرُدُّوا إلى اللهِ سُبحانَه خَلْقَ الكُفرِ والضَّلالةِ، لِاعتِقادِهِم أنَّ إِيجادَ الشَّرِّ شَرٌّ، كأَنَّهُم بِهذا يُنزِّهُونَه سُبحانَه ويُقدِّسُونَه؛ فهَذِه الإِشارةُ جَوابٌ قَوِيٌّ ومَنطِقيٌّ على هذه التَّصَوُّراتِ، وعلى اعتِقادِ المَجُوسِ بوُجُودِ خالِقٍ لِلشَّرِّ؛ ورَدٌّ عقليٌّ مُقنِعٌ على المُعتَزِلةِ وبَعضِ الخَوارِجِ القائِلِينَ: "يَزُولُ إِيمانُ مَنِ ارتَكَب الكَبائِرَ".
الإشارةُ الثامنةُ: جَوابٌ قَطعِيٌّ ومَنطِقيٌّ ومُعجِبٌ على السُّؤالِ: أَوْرَدْتَ في بَعضِ الرَّسائِلِ دَلائِلَ قَطعِيّةً على أنَّ طَرِيقَ الكُفرِ والضَّلالةِ فيها مِنَ الصُّعُوبةِ والمُشكِلاتِ ما لا يُمكِّنُ أَحَدًا من سُلُوكِها، وأنَّ طَرِيقَ الإِيمانِ والهِدايةِ فيها مِنَ السُّهُولةِ والوُضُوحِ ما يُوجِبُ على الجَمِيعِ سُلُوكَها؛ بَينَما تَقُولُ في رِسالةِ "حِكمةُ الِاستِعاذةِ" أنَّ طَرِيقَ الضَّلالةِ تَجاوُزٌ وتَعَدٍّ وتَخرِيبٌ، وسُلُوكَها سَهلٌ ومَيسُورٌ لِلكَثِيرِينَ، فكَأنَّ الأَمرَينِ مُخالِفانِ لِبَعضِهِما، فما وَجْهُ التَّوفِيقِ بَينَهُما؟!
وبِمثالٍ بَدِيعٍ مُقنِعٍ تُقدِّمُ جَوابًا على السُّؤالِ: لَمّا كانَ في الكُفرِ هذا الأَلَمُ الشَّدِيدُ وهذا الخَوفُ الدّاهِمُ، كَيفَ لا يَتفَطَّرُ قَلبُ الكافِرِ ولا يَنسَحِقُ تَحتَ ضَغطِ هذا الأَلَمِ؟ بل كَيفَ يَسمَحُ له كُفرُه أن يَتَمتَّعَ بالحَياةِ ويَتَذوَّقَها؟ وما السِّرُّ في أن يَعُدَّ نَفسَه مَسرُورًا وسَعِيدًا في الحَياةِ أَكثَرَ مِن أَهلِ الإِيمانِ؟
الإشارةُ التاسعةُ: جَوابٌ بَهِيٌّ وقويٌّ ويَخُصُّ الجَمِيعَ على السُّؤالِ: لِمَ غُلِبَ أَهلُ الهِدايةِ یی وهُم حِزبُ اللهِ یی في بَعضِ الأَحيانِ أَمامَ أَهلِ الضَّلالةِ الَّذِينَ هُم حِزبُ الشَّيطانِ؟ برَغمِ أنَّهُم مُحاطُونَ بعِنايةٍ إِلٰهِيّةٍ ورَحْمةٍ رَبّانيّةٍ، ويَتَقدَّمُ صُفُوفَهُمُ الأَنبِياءُ الكِرامُ عَلَيهِم السَّلَام ويَقُودُ الجَمِيعَ فَخرُ الكائِناتِ مُحمَّدٌ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ؟
— 553 —
وما بالُ قِسمٍ مِن أَهلِ المَدِينةِ المُنَوَّرةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ وأَصَرُّوا على الضَّلالةِ ولم يَسلُكُوا الصِّراطَ السَّوِيَّ، رَغمَ أنَّهُم كانُوا يُجاوِرُونَ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) الَّذي تَسطَعُ نُبوَّتُه ورِسالتُه كالشَّمسِ؟
الإشارةُ العاشرة: تُمزِّقُ دَسِيسةً كُبْرَى مِن دَسائِسِ إِبلِيسَ، وهِي أنَّه يَجعَلُ الَّذِينَ اتَّبعُوه يُنكِرُونَ وُجُودَه؛ فتَكشِفُ عن وَجهِه القَبِيحِ المُلَوَّثِ، وتُثبِتُ وُجُودَه.
الإشارةُ الحادِيةَ عَشرةَ: بَيانٌ يَبعَثُ على الإِعجابِ بأنَّ القُرَآنَ الكَرِيمَ يُعَبِّیرُ بأُسلُوبٍ مُعجِزٍ عن غَضَبِ الكائِناتِ وتَغَيُّظِ عَناصِرِ الكَونِ جَمِيعِها وتَهَيُّجِ المَوجُوداتِ كافّةً مِن شَرِّ أَهلِ الضَّلالةِ.
الإشارةُ الثانيةَ عَشْرةَ: أَربَعةُ أَجوِبةٍ قَصِيرةٍ وقَوِيّةٍ على أَربَعةِ أَسئِلةٍ هي:
أَينَ وَجْهُ العَدالةِ في عَذابٍ مُقِيمٍ في جَهَنَّمَ لِذُنُوبٍ مَحدُودةٍ في حَياةٍ مَحدُودةٍ؟
ما الحِكْمةُ فيما جاءَ في الشَّرعِ: إنَّ جَهَنَّمَ جَزاءُ عَمَلٍ، أمّا الجَنّةُ فهِي فَضْلٌ إِلٰهِيٌّ؟
لَمّا كانَتِ السَّيِّئاتُ تَتَعدَّدُ بالتَّجاوُزِ والِانتِشارِ، كانَ المَفرُوضُ أن تُكتَبَ كلُّ سَيِّئةٍ بأَلفٍ، وتُكتَبَ الحَسَناتُ حَسَنةً واحِدةً؛ فلِمَ تُكتَبُ السَّيِّئةُ بمِثلِها والحَسَنةُ بعَشرِ أَمثالِها؟
الِانتِصاراتُ الَّتي يُحرِزُها أَهلُ الضَّلالةِ، والقُوّةُ والصَّلابةُ الَّتي يُظهِرُونَها، هل هِي نَتِيجةُ ضَعْفِ أَهلِ الهِدايةِ ووَهْنِهِم؟
الإشارةُ الثّالثةَ عشْرةَ: ثلاثُ نِقاط:
الأُولَى: جَوابٌ مُخرِسٌ لِشَياطِينِ الإِنسِ والجِنِّ رَدًّا على أَعظَمِ كَيدٍ لَهُم، وهُو خِداعُهُم لِضَيِّقي الصَّدرِ وقاصِرِي الفِكرِ مِنَ النّاسِ، فيما يتعلق بعَظَمةِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ.
النُّقطةُ الثّانيةُ: جَوابٌ مُقنِعٌ لِلجَمِيعِ رَدًّا على دَسِيسةٍ خَطِيرةٍ لِلشَّيطانِ وهِي: دَفعُ الإِنسانِ إلى عَدَمِ الِاعتِرافِ بتَقصِيرِه، كي يَسُدَّ علَيْه طَرِيقَ الِاستِغفارِ
— 554 —
والِاستِعاذةِ، مُثِيرًا فيه أَنانيّةَ النَّفسِ لِتُدافِعَ كالمُحامِي عن ذاتِها، وتُنزِّهَها عن كلِّ نَقصٍ.
وتُبيِّنُ أنَّ النَّقصَ الأَعظَمَ هو ألّا يَعتَرِفَ المَرءُ بنَقصِه، وأنَّ الذي يُبصِرُ عَيبَه وتَقصِيرَه فقدِ انتَفَى عنه العَيبُ.
النُّقطةُ الثَّالثةُ: جَوابٌ مَتِينٌ جَلِيلٌ، وخِطابٌ مُحكَمٌ صائِبٌ، يَحتاجُه الجَمِيعُ خُصُوصًا مَن كانَ سَرِيعَ الغَضَبِ ومَن لا يَكادُ يُعجِبُه شَيءٌ، حِرصًا علَيْهِم مِمّا يُفسِدُ حَياتَهُمُ الِاجتِماعِيّةَ من الدَّسِيسةِ الشَّيطانيّةِ المُتَمثِّلةِ في التَّغافُلِ عن جَمِيعِ حَسَناتِ المُؤمِنِ بسَبَبِ سَيِّئةٍ واحِدةٍ، فالَّذِينَ يُلقُونَ السَّمعَ إلى هذا الكَيدِ الشَّيطانِيِّ مِن غَيرِ المُنصِفِينَ يُعادُونَ المُؤمِنَ؛ لكِن كانَ مِنَ الواجِبِ أَن يُراعَى دُستُورُ الحقِّ سُبحانَه وتَعالَى الذي يَزِنُ أَعمالَ المُكلَّفِينَ بمِيزانِه الأَكبَرِ وبعَدالَتِه المُطلَقةِ يَومَ الحَشرِ.
فهَذِه الرِّسالةُ بإِشاراتِها الثَلاثَ عَشْرةَ تَقفُ سَدًّا منيعًا أمامَ ثَلاثَ عَشْرةَ هُجْمةً من هَجَماتِ شَياطِينِ الإِنسِ والجِنِّ، وتُقَدِّمُ لِأَهلِ الإِيمانِ ثَلاثةَ عَشَرَ مِفتاحًا لِثَلاثةَ عَشَرَ بابًا مِن أَبوابِ قَلعةِ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ المَتِينةِ لِيَتَحَصَّنُوا فيها ويَحتَمُوا بكَنَفِها.
وإنَّ لِهذِه الرِّسالةِ "حِكمةُ الِاستِعاذةِ" أَخَوَينِ مُهِمَّينِ: أَحَدُهُما: «الهَجَماتُ السِّتّةُ» ، وهِي الرِّسالةُ السّادِسةُ لِلمَكتُوبِ التّاسِعِ والعِشرِينَ، والآخَرُ: رِسالةُ «حُجّةُ القرآنِ على الشَّيطانِ وحِزبِه» إِحدَى رَسائِلِ المَكتُوبِ السَّادِسِ والعِشرِينَ، فالأَوَّلُ قَلعةٌ والآخَرُ حِصنٌ حَصِينٌ.
وهذه الرَّسائِلُ الثَّلاثُ ذاتُ صِلةٍ بِبَعضِها، وأُؤَكِّدُ على لُزُومِها وضَرُورَتِها لِلمُؤمِنِينَ في هذا الزَّمانِ؛ لكِن يُمكِنُ تَقدِيمُها لِمَن يَحمِلُ صِدْقًا تامًّا تِجاهَ القُرآنِ، ولا يَنبَغِي إِعطاؤُها لِمُمالِئي البِدَعِ والضَّلالاتِ، أوِ المُصابِينَ بمَرَضِ السِّياسةِ؛ خُصُوصًا رِسالةَ «الهَجَماتُ السِّتّةُ» ، فهِي خاصّةٌ ومَخصُوصةٌ بِأَخَصِّ وأَصدَقِ
— 555 —
إِخوانِي، لِأنَّ فيها نَبرةَ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" الحادّةَ.. كما أَنصَحُ بأَلَّا تُعرَضَ الآنَ لِمَن لا يَحمِلُ استِعدادًا وقابِلِيّةً لِلإِصغاءِ لِلحَقِّ أو تَقَبُّلِه، وكَذلِك «الإِشاراتُ السَّبعةُ» هي مِثلُ «الهَجَماتُ السِّتّةُ» مُخصَّصةٌ لِلخَواصِّ في المَرحَلةِ الحاليّةِ.
اللَّمْعة الرابعةَ عَشْرةَ: ١٢٣
تَضُمُّ مَقامَينِ.
المَقامُ الأوَّلُ: "سُئِلَ الرَّسُولُ (ص): على أيِّ شَيءٍ تَقُومُ الأَرضُ؟ فأَجابَ: على الثَّورِ والحُوتِ"، وثَمّةَ أَقاوِيلُ كَثِيرةٌ حَولَ هذا الحَدِيثِ، في حِينِ يُنكِرُه عُلَماءُ الجُغْرافيا یی وحاشاه یی.
فيَعرِضُ هذا المَقامُ ثَلاثةَ أَوجُهٍ يُبيِّنُ مِن خِلالِها المَعنَى الحقيقيَّ لِهذا الحَدِيثِ بأُسلُوبٍ رائِعٍ، يَحمِلُ كلَّ مَن يَملِكُ مِقدارَ ذَرّةِ إِنصافٍ وإِذعانٍ لِلحَقِّ مِن أُولَئِك المُنكِرِينَ والجُغرافيِّينَ على الإِقرارِ بِأنَّ هذا الحَدِيثَ مُعجِزةٌ أَحمَدِيّةٌ باهِرةٌ، لِأَجلِ ما تَضَمَّنَته أَجوِبَتُه الثَّلاثةُ مِن حَقائِقَ قَطْعِيّةٍ ومَعانٍ غَزِيرةٍ.
المَقامُ الثّاني: يُفَسِّرُ سِتًّا مِن أَهَمِّ أَسرارِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ويُبيِّنُ أنَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" خُلاصةُ القُرآنِ وفِهرِسُه ومِفتاحُه، وأنَّها خَطٌّ قُدسِيٌّ نُورانِيٌّ مُمتَدٌّ مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ، ومِفتاحُ بابِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، ومَنبَعُ أَنوارٍ يَمنَحُ كلَّ مُبارَكٍ فَيضًا وبَرَكةً.
ويَتَوجَّهُ هذا المَقامُ الثّاني إلى الرِّسالةِ الأُولَى، أي: "الكَلِمةُ الأُولَى"، فكَأنَّ أَجزاءَ رَسائِلِ النُّورِ دائِرةٌ يتَّحِدُ مَبدَؤُها بمُنتَهاها عَبرَ خَطِّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" المُبارَكِ.
كانَ مُقرَّرًا أن يُكتَبَ في هذا المَقامِ ثَلاثُونَ سِرًّا بَدَلًا مِن سِتّةٍ، لكِنَّها بَقِيَتِ الآنَ سِتّةً، وبِرَغمِ قِصَرِه إِلّا أنَّه يتَضَمَّنُ حَقائِقَ جَلِيلةً؛ فمَن قَرَأَه بتَمَعُّنٍ أَدرَكَ كم أنَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" خَزِينةٌ قُدسِيّةٌ جَلِيلةٌ.
— 556 —
اللَّمْعةُ الخامسةَ عشْرةَ: ١٤١
هِي فَهارِسُ كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ: الكَلِماتُ، المَكتُوباتُ، واللَّمَعاتُ یی إلى اللَّمْعةِ الرّابِعةَ عَشْرةَ یی وحَيثُ إنَّ كلَّ مَجمُوعةٍ خُصَّت بفِهْرِسِها في نِهايَتِها، لِذا لم تُدرَجْ هُنا.
اللَّمْعةُ السّادسةَ عشْرةَ: ١٤٢
تَحتَوِي إِجاباتٍ على أَربَعةِ أَسئِلةٍ مُثِيرةٍ لِلفُضُولِ تَتَناوَلُ بَعضَ المَسائِلِ المُهِمّةِ، وهِي:
الأوَّلُ: جَوابٌ جَمِيلٌ على السُّؤالِ: إنَّ أَهلَ الكَشْفِ قد أَخبَرُوا بحُدُوثِ فَرَجٍ وفُتُوحاتٍ لِأَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ، فلِماذا لم يَظهَر شَيءٌ مِن هذا القَبِيلِ؟
الثاني: جَوابٌ لَطِيفٌ على السُّؤالِ: كانَ يَلزَمُ مُؤلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ أن يُعادِيَ أَهلَ الدُّنيا الَّذِينَ يُضيِّقُونَ الخِناقَ علَيْه، فما السَّببُ في عَدَمِ تَعَرُّضِه لَهُم بشَكلٍ حِسِّيٍّ؟
الثالث: جَوابٌ لَطِيفٌ على السُّؤالِ: إنَّ هُجُومَ الأَجانِبِ كإِنكِلتِرا وإِيطاليا على هذه الحُكُومةِ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ يُؤَدِّي إلى إِثارةِ الحَمِيّةِ الإِسلامِيّةِ، وهِي رَكِيزةٌ حَقِيقيّةٌ ومَنبَعُ قُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ لِلأُمّةِ، ووَسِيلةٌ لِإحياءِ الشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ یی إلى حَدٍّ مّا یی ولِدَفعِ شَيءٍ مِنَ البِدَعِ.. فلِمَ عارَضتَ هذه الحَربَ بِشِدّةٍ؟
الرابع: جَوابٌ حَسَنٌ وبَدِيعٌ على السُّؤال: لِمَ تُوصُونَ أَصدِقاءَكُم بأَخذِ الحَذَرِ مِنِ اطِّلاعِ عُمُومِ النّاسِ على الرَّسائِلِ المُنَوَّرةِ الَّتي بَينَ أَيدِيكُم، فتَحرِمُوا النّاسَ مِن فُيُوضاتِ هذه الأَنوارِ؟
الخاتِمةُ: جَوابٌ مُقنِعٌ يُزِيلُ الشُّبُهاتِ حَولَ سُؤالٍ عنِ اللِّحيةِ الشَّرِيفةِ.
وبَعدَها ثَلاثةُ أَجوِبةٍ على أَسئِلةٍ تَتَناوَلُ ثَلاثَ مَسائِلَ يَعتَرِضُ علَيْها المُلحِدُون مُنذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ:
— 557 —
السُّؤالُ الأوَّلُ: إِنَّ المَعنَى الظّاهِرِيَّ لِقَولِه تَعالَى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أنَّه رَأَى غُرُوبَ الشَّمسِ في ماءِ عَينٍ ذِي طِينٍ وحَرارةٍ؟
السُّؤالُ الثاني: أَينَ يَقَعُ سَدُّ ذِي القَرنَينِ؟ ومَن هم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ؟
السُّؤالُ الثالث: حَولَ نُزُولِ سَيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام وقَتلِه الدَّجّالَ في آخِرِ الزَّمانِ.
وقد أُجِيبَ على هذه الأَسئِلةِ بأَجوِبةٍ سامِيةٍ تُقَوِّي إِيمانَ المُؤمِنِينَ، وتُسكِتُ بِبَلاغَتِها الأُدَباءَ والفُصَحاءَ، وتُوَجِّهُ الصَّفَعاتِ لِلمُلحِدِينَ بإِقامةِ الحُجّةِ علَيْهِم.
وفي خاتِمَتِها جَواب مُهِمٌّ على سُؤالٍ مُهِمٍّ حَولَ مُغيَّبتَينِ فقط مِن بَينِ المُغَيَّباتِ الخَمْسِ.
رُشدِي
اللَّمْعة السابعةَ عشْرةَ: ١٥٧
هي خَمْسَ عَشْرةَ مُذَكِّرةً تألَّقَت مِنَ "الزُّهرةِ".
المُذكِّرة الأُولَى: تُعرِّفُ حَقِيقةَ الأَشياءِ الآفِلةِ والزّائِدةِ عنِ اللُّزُومِ في أَطوارِ العالَمِ، تلك الأَشياءُ الَّتي ابتُلِيَت بِها النَّفسُ الإِنسانيّةُ؛ فتَقطَعُ رابِطةَ القَلبِ بِها، وتُوَجِّهُ وَجْهَه نَحوَ الآخِرةِ.
المُذكِّرةُ الثّانيةُ: تَنهَى عنِ التَّكبُّرِ، وتَأمُرُ بالتَّواضُعِ الَّذي هو أَحَدُ دَساتِيرِ القُرآنِ الكَرِيمِ.
المُذكِّرةُ الثالثةُ: تُوَضِّحُ حَقِيقةَ المَوتِ بسِرِّ "كلُّ آتٍ قَرِيبٌ"، وذَلِك بمِثالٍ جَمِيلٍ تَتَجلَّى فيه عَينُ الحَقِيقةِ، فتَقطَعُ السَّبِيلَ أَمامَ الآمالِ والآلامِ الطَّوِيلةِ الأَمَدِ، وتُحِيلُ جَمِيعَ الأُمُورِ إلى الحَيِّ القَيُّومِ الباقِي الدّائِمِ، الَّذي بِيَدِه الخَيرُ.
المُذَكِّرةُ الرّابِعةُ: تُثبِتُ بشَكلٍ قاطِعٍ أنَّه مِثلَما تُعادُ أَكثَرُ الأَشياءِ وتُجَدَّدُ بتَبَدُّلِ العُصُورِ والمَواسِمِ وَفقَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ الجارِيةِ، كَذلِك الإِنسانُ الَّذي هو أَكمَلُ ثَمَراتِ الكَونِ سيُعادُ بعَينِه في فَصلِ الحَشرِ الأَكبَرِ.
— 558 —
المُذَكِّرةُ الخامِسةُ: تَكشِفُ القِناعَ عن وَجهِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ الَّتي تُودِي إلى الإِلحادِ الَّذي هُو أَكبَرُ مَصائِبِ هذا العَصرِ عَصرِ الهَلاكِ، وتُسَلِّطُ الضَّوءَ یی وَفْقَ هُدَى القُرآنِ وبمُقارَنةٍ بَدِيعةٍ یی على وَجهِ المَدَنيّةِ الحَقِيقيِّ وماهِيَّتِها الَّتي هي أَشبَهُ بِنُسخةٍ مُصَغَّرةٍ عن جَهَنَّمَ، فتُنفِّرُ أَهلَ الإِيمانِ مِنها وتَصرِفُهُم عنها، وتُشَخِّصُ هذا الوَباءَ السّارِيَ، وتَصِفُ أَدْوِيةً أَشبَهَ بِعافِيةِ زَمزَمَ، مِن صَيْدَليّةِ القُرآنِ.
المُذَكِّرةُ السّادِسةُ: إِكسِيرٌ نُوارنِيٌّ مُجَرَّبٌ، يَسقِي طُوبَى الجَنّةِ: (شَجَرةَ الإِيمانِ)، ويَقطَعُ جُذُورَ شُبُهاتِ الكُفَّارِ وإِهمالَهُم لِقَضايا الدِّينِ، ويَعرِضُ في هذا السِّياقِ مِثالًا هو الحَقُّ وعَينُ الحَقِيقةِ، ويَكشِفُ اللِّثامَ عنِ الوَجهِ الحَقِيقيِّ لِأَكبَرِ دَسائِسِ النَّفسِ والشَّيطانِ، وهِي: التَّلبِيسُ على النّاسِ بِدَعْوَى كَثْرةِ أَعدادِ الكُفّارِ، وبِاتِّفاقِهِم في إِنكارِ بَعضِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ.
المُذكِّرةُ السّابعةُ: تَقتُلُ بِسَيفِ القُرآنِ الأَلماسِيِّ أَهلَ الزَّيفِ مِمَّن تَأخُذُهُمُ الحَمِيّةُ وتَدفَعُهُمُ الغَيْرةُ لِيَحْمِلُوا أَهلَ الإِيمانِ على الحِرصِ على حُطامِ الدُّنيا بما فِيه مِن ظُلمٍ وظُلُماتٍ، ويَدَّعُونَ أنَّ السَّعادةَ الحَقِيقيّةَ فِيما يَشهَدُه الأَجانِبُ مِنَ الرُّقيِّ، وهُم لَيسُوا إِلّا فَيرُوسًا مُضِرًّا في حَياةِ المُجتَمَعِ الإِسلامِيِّ؛ كما تَأخُذُ هذه المُذَكِّرةُ بِيَدِ أَهلِ الإِيمانِ الَّذِينَ أَوشَكُوا على الِارتِدادِ أو سَقَطُوا في أَوْحالِ الفِسقِ، فتُوصِلُهُم إلى المَشفَى القُرآنِيِّ الحَكِيمِ وتَتَولَّى عِلاجَهُم.
المُذكِّرةُ الثّامنةُ: تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وحَقِيقةً مِن حَقائِقِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه، ودُستُورًا مِن دَساتيرِ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ونُكتةً مِن نِكاتِ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وتُثبِتُ أنَّه ما مِن شَيءٍ في الكَونِ مِنَ الذَّرّةِ حتَّى المَجَرّةِ إِلّا وهُو مُوَكَّلٌ بوَظِيفةٍ مُعَيَّنةٍ، وأنَّ جَمِيعَ سَعيِهم وحَرَكاتِهم تَدُورُ ضِمنَ قانُونِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ؛ ومُكافَأةً لَهُم قد أَدْرَجَ الحَقُّ سُبحانَه ضِمنَ عَمَلِهِم هذا لَذّةً، كَرَمًا مِنه وجُودًا.
— 559 —
وتُنبِّهُ إلى أنَّ الإِنسانَ الَّذي هو رَئِيسُ ذَوِي الحَياةِ وأَكمَلُ المَوجُوداتِ وخَلِيفةُ الأَرضِ: إِن تَكاسَلَ ووَقَعَ في الغَفْلةِ، أَصبَحَ جامِدًا أَكثَرَ مِنَ الجَماداتِ، وأَدنَى مَرتَبةً مِنَ الذُّبابِ والجَرادِ.. فتَسُوقُ بِذَلِك البَشَرَ إلى وَظِيفَتِهِمُ الفِطرِيّةِ، وتُثبِتُ الأُلُوهِيّةَ المُطلَقةَ.
المُذَكِّرةُ التّاسِعةُ: تَسُوقُ بَيانًا أَشبَهَ بحَقِّ اليَقِينِ أنَّ مِن جُودِ الحَقِّ سُبحانَه وكَرَمِه أَنْ أَدرَجَ أَصغَرَ الأَشياءِ في أَكبَرِها، فأَظهَرَ الخَيراتِ والكَمالاتِ المَوجُودةَ في الكَونِ في الأَنبِياءِ الَّذِينَ يَحمِلُونَ حَقِيقةَ البَشَرِيّةِ الَّتي هي ثَمَرةُ شَجَرةِ الكائِناتِ وبِذْرَتُها؛ ومَن يَنتَسِبُ إلى هَؤُلاءِ الأَنبِياءِ سيَنالُ الخَيرَ والكَمالَ، وسيَبلُغُ النُّورَ والسُّرُورَ.
وأَمَّا مِن جِهةِ العُبُودِيّةِ فبِرَغمِ أنَّه إِنسانٌ مَخلُوقٌ صَغِيرٌ بقَدْرِ ذَرّةٍ، لكِن بِاعتِبارِه فِهرِسًا لِلكَونِ ومِن جِهةِ انتِسابِه إلى اللهِ سُبحانَه، فإِنَّ كَلِمةَ "اللهُ أَكبَرُ" الَّتي يَنطِقُ بِها تُصبِحُ بمَثابةِ "اللهُ أَكبَرُ" الَّتي تَنطِقُ بها الكُرةُ الأَرضِيّةُ.
وتُظهِرُ بالبَداهةِ أنَّ التِزامَ الحَقِّ والإِيمانِ يُورِثُ سَعادةً وحُسنًا وكَمالًا، كما تُثبِتُ أنَّ في مُخالَفةِ أُمُورِ الدِّينِ مَحْضَ الضَّلالةِ والشَّرِّ والخَسارةِ.
المُذكِّرةُ العاشِرةُ: تُبيِّنُ أنَّ بُلُوغَ نُورِ مَعرِفةِ الحَقِّ سُبحانَه ومُشاهَدةِ تَجَلِّياتِه في مَرايا الآياتِ والشَّواهِدِ يكُونُ على ثَلاثةِ أَقسامٍ: الأَوَّلُ كالماءِ، والقِسمُ الثّاني كالهَواءِ، والقِسمُ الثّالِثُ كالنُّورِ؛ كما تُبيِّنُ كَيفِيّةَ التَّقرُّبِ مِنَ اللهِ ووَرَطاتِ البُعدِ عنه سُبحانَه.
المُذكِّرةُ الحادِيةَ عَشْرةَ: تُوضِّحُ الحِكمةَ فِيما تَنطَوِي علَيْه التَّعبِيراتُ القُرآنيّةُ مِن مَعاني الشَّفَقةِ والرَّحمةِ في آياتِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وما تتَضَمَّنُه آياتُ القُرآنِ مِن جَزالةِ البَيانِ وسَلاسةِ الأُسلُوبِ والفِطْرِيةِ.
المُذكِّرةُ الثّانيةَ عَشْرةَ: هي دُستُورُ حَقِيقةٍ، إذ تُظهِرُ ماهِيّةَ المَوتِ والقَبْرِ بِسِرِّ: "كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ"، وامتِثالًا لِلقَولِ الشَّرِيفِ: "مُوتُوا قَبلَ أن تَمُوتُوا"، فتَضبِطُ
— 560 —
بذَلِك قِيادَ النَّفسِ الجَمُوحةِ؛ وتُبيِّنُ أنَّ أَكثَرَ الثَّوابِ دَوامًا وأَكثَرَ الخِدْماتِ قَبُولًا وأَفضَلَ الأَعمالِ نَفْعًا یی تلك الَّتي تُفضِي إلى السَّعادةِ الأَبدِيّةِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ وفي هذه الحَياةِ المُؤَقَّتةِ وهذا العُمُرِ القَصِيرِ یی هو العَمَلُ على تَلَقِّي العُلُومِ الإِيمانيّةِ الَّتي تُقَوِّي الإِيمانَ، على غِرارِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ، وتُوقِظُ یی في الوَقتِ نَفسِه یی العُلَماءَ وتُرشِدُ المُؤلِّفِينَ وأَهلَ الأَقلامِ.
المُذكِّرةُ الثّالثةَ عَشْرةَ: تَتَناوَلُ خَمسَ مَسائِلَ أَضحَت مَدارَ الِالتِباسِ.
أُولَاها: مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تَخُصُّ الجَمِيعَ، تُبيِّنُ أنَّ الَّذِينَ يَعمَلُونَ في طَرِيقِ الحَقِّ، ويُجاهِدُونَ في سَبِيلِه، يَنبَغِي أن يُفكِّرُوا في واجِبِهم وعَمَلِهم فقط، وأَلّا يَشغَلُوا فِكرَهم فيما يَخُصُّ شُؤُونَ اللهِ سُبحانَه وتَدبِيرَه، وذلك بِسِرِّ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ؛ وتُميِّیزُ وَظِيفةَ العُبُودِيّةِ والمَأمُورِيّةِ معَ الآمِرِيّةِ والمَعبُودِيّةِ لِمَنِ اختَلَط الأَمرُ عِندَهُم بِسَبَبِ شِدّةِ الحِرصِ، فتُوقِفُ المُتَجاوِزِينَ عِندَ حُدُودِهِم.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: مَسأَلةٌ ضَرُورِيّةٌ ومُهِمّةٌ تُعَلِّمُ حِكْمةَ سِرِّ العِبادةِ مِن خِلالِ بَيانِها أنَّ غايةَ العِبادةِ امتِثالُ أَمرِ اللهِ ونَيلُ رِضاه، فالدّاعِي إلى العِبادةِ هو الأَمرُ الإِلٰهِيُّ، ونَتِيجَتُها نَيلُ رِضاه سُبحانَه؛ أمّا ثَمَرتُها وفَوائِدُها فأُخرَوِيّةٌ؛ لكِن إذا صارَتِ الفَوائِدُ الدُّنيَوِيّةُ أو مَنافِعُها أو ثَمَراتُها عِلّةً أو جُزءًا مِنَ العِلّةِ لِتِلك العِبادةِ أو لِذلِك الوِردِ أوِ الذِّكرِ، فإنَّها تُبطِلُ قِسمًا مِن تلك العِبادةِ.
الثّالثةُ: مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تُوضِّحُ بِمِثالٍ جَمِيلٍ الدُّستُورَ المُقَدَّسَ لِلحَدِيثِ القُدسِيِّ: «طُوبَى لِمَن عَرَفَ حَدَّه ولَم يَتَجاوَز طَوْرَه» ، وتُفِيدُ أنَّ الواجِبَ على المَرءِ الأَخذُ بأَساسِ العِبادةِ المُتَمثِّلِ في العَجزِ والفَقرِ وإِدراكِ تَقصِيرِه ونَقصِه أَمامَ بارِئِه القَدِيرِ، والتَّضَرُّعِ أَمامَ عَتَبةِ أُلُوهِيَّتِه سُبحانَه؛ ولأنَّ الإِخلاصَ مُتَعيِّنٌ في كلِّ شَيءٍ لِذا علَيْه الِانصِرافُ إلى ما يُنِيلُه الرِّضا الإِلٰهِيَّ وَحْدَه، وعَدَمُ التَدَخُّلِ في الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ، وأنَّه بِهذا يَبلُغُ مَرتَبةَ أَعلَى عِلِّيِّينَ.
— 561 —
المَسأَلةُ الرّابعة: تُؤَكِّدُ بحَسَبِ المَعنَى الإِشارِيِّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أنَّه لا يَجُوزُ لك تَناوُلُ نِعمةٍ لم يُذكَر علَيْها اسمُ مالِكِها الحَقِيقيِّ وهُو اللهُ، ولم تُسلَّم إلَيْك بِاسمِه؛ فإن كُنتَ مُضطَرًّا لِأَخذِها فاذكُرْ أنتَ اسمَ اللهِ، ولكِنِ ارفَعْ بصَرَك عالِيًا فوقَ رَأسِ المُعطِي، وانظُرْ إلى يَدِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ.. كما أنَّها تُوضِّحُ بِبَيانٍ بَدِيعٍ لا يُقاوَمُ أنَّ الَّذي يُوهِمُ عَبَدةَ الأَسبابِ ويَخدَعُهُم هو: اعتِبارُ أَحَدِ الشَّيئَينِ عِلّةً لِلآخَرِ عِندَ مَجِيئِهِما مَعًا، أو عِندَ وُجُودِهِما معًا؛ وهذا هو الَّذي يُسَمَّى بی"الِاقتِرانِ"؛ فتَلفِتُ الأَنظارَ إلى المُنعِمِ الحَقِيقيِّ.
المَسأَلةُ الخامِسةُ: تَفتَحُ نافِذةً على إِحدَى الحَقائِقِ، وتُثبِتُها بمِثالٍ جَمِيلٍ، وذلك أنَّ مِنَ الظُّلمِ العَظِيمِ أن يُنسَبَ إلى رَئيسِ جَماعةٍ ما أو أُستاذِهم أو مُرشِدِهم ما تَحصَّلَ مِنَ المَكرُماتِ والنَّتائِجِ المُشرِقةِ بمَساعِي أَفرادِ الجَماعةِ وعَمَلِهِم، وكما يكُونُ هذا الأَمرُ ظُلمًا واضِحًا بحَقِّ الجَماعةِ، كَذلِك هو ظُلمٌ بيِّنٌ بحَقِّ الأُستاذِ أوِ الرَّئيسِ نَفسِه، وأنَّه يَجِبُ ألّا يُنظَرَ إلى الأُستاذِ الَّذي هو مَعكَسٌ ووَسِيلةٌ وواسِطةٌ لِنُورِ فَيضِ الحَقِّ سُبحانَه على أنَّه هو المَنبَعُ أوِ المَصدَرُ أو المُقتَدِرُ.
المُذكِّرةُ الرّابعةَ عَشْرةَ: تَتَضمَّنُ أَربَعةَ رُمُوزٍ صَغِيرةٍ تَخُصُّ التَّوحِيدَ:
الرَّمزُ الأوَّلُ: يُوجِّهُ أَنظارَ البَشَرِ ذَوِي النَّظَرِ المَحدُودِ والفِكرِ القاصِرِ والعَقلِ غَيرِ المُتَوازِنِ مِن عُبَّادِ الأَسبابِ إلى أَدِلّةِ الوَحْدانيّةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُثبِتُ بمِثالٍ جَمِيلٍ حَقِيقةَ: "لا إلٰهَ إلّا اللهُ وَحدَه لا شَرِيكَ له"، ويُحَقِّقُ التَّوحِيدَ.
الرَّمزُ الثّاني: يُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ "يا باقي أنت الباقي"، فيُرِي الإِنسانَ المُصابَ بِالعِشقِ المَجازِيِّ العِشقَ الحَقِيقيَّ والمَعبُودَ بِحَقٍّ.
الرَّمزُ الثّالثُ: رَأسٌ صَغِيرٌ لِحَقِيقةٍ عَظِيمةٍ تُنبِّهُ الإِنسانَ وتُوقِظُه لِتَوَخِّي الحَذَرِ، ذلك أنَّ الِاستِعداداتِ واللَّطائِفَ الإِنسانيّةَ الَّتي خُلِقَت في أَعلَى مَرتَبةٍ، والَّتي
— 562 —
هي مُرَشَّحةٌ لِنَيلِ الحَياةِ الباقِيةِ ومُشاهَدةِ المَناظِرِ السَّرمَدِيّةِ، قد تَقَعُ أَحيانًا أَسِيرةً لِهَوَى النَّفسِ الفانِيةِ الزّائِلةِ.
الرَّمزُ الرّابعُ: يُنقِذُ یی بمِثالٍ جَمِيلٍ یی الرُّوحَ والقَلبَ مِنَ الآمالِ الطَّوِيلةِ والآلامِ الماضِيةِ والقادِمةِ، ويُودِعُهُما بِيَدِ خَزِينةِ كَلِمةِ "لا إِلٰه إِلّا اللهُ" القُدسِيّةِ الشّافِيةِ الرَّحِيمةِ.
المُذكِّرةُ الخامسةَ عَشْرةَ: وهِي ثَلاثُ مَسائِلَ:
الأُولى: تُثبِتُ مِن خِلالِ حَقِيقةِ الآيتَينِ الكَرِيمَتَينِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ اللَّتَينِ تُشِيرانِ إلى التَّجَلِّي الأَتَمِّ لِاسمِ اللهِ "الحَفِيظِ"، أنَّ الحافِظَ ذا الجَلالِ مِثلَما يَخلُقُ البُذُورَ بعِلمِه الأَزَلِيِّ، ويَزرَعُها في بُستانِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ، ومَعَ أنَّه يُودِعُها في تُرابٍ كَثِيفٍ وهِي في ضَعْفٍ شَدِيدٍ وحَجمٍ صَغِيرٍ لا تَملِكُ المُقاوَمةَ لِلبُرُودةِ الشَّدِيدةِ، إِلّا أنَّه سُبحانَه يَحفَظُها ويَأتِي بِها وَقتَ الحَشرِ الرَّبِيعيِّ، وكأَنَّها أَتَت مِن عالَمٍ آخَرَ مُمتَثِلةً أَوامِرَه التَّكوِينيّةَ؛ كَذلِك سيَحفَظُ أَفعالَ خُلَفاءِ الأَرضِ وآثارَهُم، وأَعمالَ حَمَلةِ الأَمانةِ وأَقوالَهُم، وحَسَناتِ عَبَدةِ الواحِدِ الأَحَدِ وسَيِّئاتِهِم؛ ويَنشُرُها غَداةَ الحَشرِ في مَيدانِ الحِسابِ.
فهَذِه المَسأَلةُ تُثبِتُ هذا الأَمرَ وتُظهِرُ مِثالَه المَشهُودَ لِمَن يَرَى الحَشرَ بَعِيدًا نَتِيجةَ تَأثِيرَ بَعضِ الأَسبابِ.
الحافظ علي
اللَّمْعة الثامنةَ عشرةَ: ١٩٥
أُدرِجَت ضِمنَ مَجمُوعةٍ أُخرَى، فلم تُوضَع هنا.
اللَّمْعة التاسعةَ عشرةَ: ١٩٦
رِسالةٌ جَلِيلةٌ ومُبارَكةٌ تُفسِّرُ في سَبْعِ نِكاتٍ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا، وتَأمُرُ بالِاقتِصادِ وتَنهَى عنِ الإِسرافِ والتَّبذِيرِ، وتُلَقِّنُ دَرْسًا حَكِيمًا في غايةِ الأَهَمِّيّةِ لِلبَشَرِ خاصّةً في هذا العَصرِ.
— 563 —
النُّیكتةُ الأُولى: تُبيِّنُ أنَّ الخالِقَ الرَّحِيمَ سُبحانَه يَطلُبُ مِنَ البَشَرِيّةِ شُكْرًا وحَمْدًا إِزاءَ ما أَغدَقَ علَيْها مِنَ النِّعَمِ والآلاءِ، وكما أنَّ الِاقتِصادَ شُكْرٌ مَعنَوِيٌّ، كَذلِك هُو تَوْقِيرٌ لِلرَّحْمةِ الإِلٰهيّةِ الكامِنةِ في النِّعَمِ وسَبَبٌ حاسِمٌ لِلبَرَكةِ.. أمّا الإِسرافُ فهُو استِخْفافٌ خاسِرٌ ووَخِيمٌ لِنِعَمِ المُنعِمِ الحَقِيقيِّ، وله عَواقِبُ وَخِيمةٌ.
النُّیكتةُ الثانيةُ: تُبيِّنُ أنَّ جِسمَ الإِنسانِ أَشبَهُ بالقَصْرِ، والمَعِدةَ كالسِّيِّدِ، وحاسّةَ الذَّوْقِ المَغرُوزةَ في فَمِه كالبَوّابِ، واللَّذائِذَ والأَطعِمةَ بِمَثابةِ المِنَحِ والعَطايا؛ وتُؤكِّدُ أنَّ إِدارةَ جِسمِ الإِنسانِ إنَّما تكُونُ بالِاقتِصادِ، أمّا الإِسرافُ فيُولِّدُ الأَمراضَ والِاضطِراباتِ.
النُّیكتةُ الثالثةُ: بِما أنَّ القُوّةَ الذّائِقةَ تَتَوجَّهُ إلى العَقلِ والرُّوحِ والقَلبِ أَكثَرَ مِنِ انحِصارِها في الجَسَدِ المادِّيِّ، لِذا يُمكِنُ تَفضِيلُ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ وطَلَبُها شَرِيطةَ عَدَمِ الإِسرافِ فيها وعَدَمِ التَّذَلُّل والِاستِجداءِ عِندَ طَلَبِها، واستِعمالِ اللِّسانِ الَّذي يَحمِلُ القُوّةَ الذّائِقةَ في الشُّكرِ؛ فتُوَضِّحُ هذه الحَقِيقةَ بكَرامةٍ عَظِيمةٍ یی كَرامةِ إِحياءِ الأَمواتِ یی مِن كَراماتِ صاحِبِ القُوّةِ القُدسِيّةِ الكَبِيرةِ سَيِّدِنا الشَّيخِ الكَيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّه؛ وتُؤكِّدُ إِمكانيّةَ بُلُوغِ الدَّرَجاتِ العُلا في الشُّكرِ بعدَ حُكمِ الرُّوحِ على الجَسَدِ وهَيمَنةِ القَلبِ على النَّفسِ وسِيادةِ العَقلِ على المَعِدةِ.
النُّیكتةُ الرابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ الِاقتِصادَ سَبَبٌ جازِمٌ لِإِنزالِ البَرَكةِ، وأنَّ المُقتَصِدِينَ يُمضُونَ حَياةً كَرِيمةً، وأنَّ المُسرِفَ مُشرِفٌ على السُّقُوطِ في مَهاوِي الذِّلّةِ، ومُعَرَّضٌ لِلِانزِلاقِ إلى الِاستِجْداءِ والهَوانِ، بل قد تُدفَعُ الكَرامةُ والشَّرَفُ أَحيانًا ثَمَنًا ورِشْوةً، بل قد تُسلَبُ المُقَدَّساتُ الدِّينِيّةُ أيضًا.. فتُبيِّنُ بِذَلِك مَنافِعَ الِاقتِصادِ العَظِيمةَ وأَضرارَ الإِسرافِ الجَسِيمةَ، كما تُبيِّنُ عَظَمةَ الِاقتِصادِ وقِيمَتَه في ثَنايا الجُودِ والكَرَمِ، مِن خِلالِ إِيرادِ مِثالِ استِغناءِ شَيْخٍ فَقِيرٍ يَحمِلُ الحَطَبَ، وبِذَلِك تَأخُذُ بِساعِدِ الِاقتِصادِ وتَرفَعُه عاليًا فَوقَ الجُودِ والسَّخاءِ.
— 564 —
النُّیكتة الخامسةُ: تُبيِّنُ بصُورةٍ حَقِيقيّةٍ سِرَّ العِزّةِ والبَرَكةِ الكامِنةِ في الِاقتِصادِ، وسِرَّ الِاستِجداءِ والفاقةِ وَراءَ الإِسرافِ، مِن خِلالِ حادِثةِ العَسَلِ المُثِيرةِ لِلِاهتِمامِ.
النُّیكتة السادسةُ: تُبيِّنُ خَصْلةَ الِاقتِصادِ المَمدُوحةَ والمُختَلِفةَ عنِ الخِسّةِ، مِن خِلالِ واقِعةِ سَيِّدِنا عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا، وتُظهِرُ دَرَجةَ كَمالِ السَّخاءِ الَّتي تَختَلِفُ عنِ الإِسرافِ، وتُوضِّحُ أنَّ الِاقتِصادَ لَيسَ خِسّةً.
النُّیكتة السابعةُ: تُبيِّنُ یی عَبْرَ أَمثِلةٍ باهِرةٍ لَيسَ بَعدَها بَيانٌ یی أنَّ الإِسرافَ يُنتِجُ الحِرْصَ، والحِرْصَ يُولِّدُ عَدَمَ القَناعةِ، وعَدَمَ القَناعةِ يُؤَدِّي إلى ثَلاثةِ نَتائِجَ وَخِيمةٍ هي الخَيْبةُ والخُسْرانُ وإِفسادُ العَمَلِ الأُخرَوِيِّ نَتِيجةَ فَواتِ الإِخلاصِ؛ كما تُبيِّنُ أنَّ أُدَباءَ مَشهُورِينَ قد بَلَغ لَدَيهِمُ الأَمرُ مَبْلَغَ التَّسَوُّلِ بسَبَبِ ذَكائِهِم، وأنَّ بَعضًا مِنَ العُلَماءِ قدِ ابتُلُوا بالفَقْر المُدقِعِ والعَيشِ الكَفافِ نَتِيجةَ حِرصِهِم.
خسرو
اللَّمْعة العشرون: ٢١١
تُوضِّحُ وتُفَسِّرُ یی في خَمْسِ نِقاطٍ فقط مِن بَينِ النُّیكَتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها یی سِرًّا مِنَ الأَسرارِ الشَّرِيفةِ الَّتي تُؤَكِّدُ على أَهَمِّيّةِ الإِخلاصِ في الإِسلامِ، ومَدَى عَظَمَتِه أَساسًا، وذلك بمُوجَبِ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... إلى آخِرِ الآيةِ، والحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ: «هَلَكَ النَّاسُ إلّا العَالِمُونَ، وهَلَكَ العَالِمُونَ إلّا العَامِلُونَ، وهَلَكَ العَامِلُونَ إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ».
النُّقطةُ الأُولى: تُجِيبُ ضِمنَ سَبعةٍ مِنَ أَسبابٍ عَدِيدةٍ على سُؤالٍ مُهِمٍّ ومُثِيرٍ للدَّهْشةِ ويَقُضُّ مَضاجِعَ الغَيارَى الشُّهُومِ، وهُو: لِماذا يَختَلِفُ أَهلُ الحَقِّ وأَهلُ الهِدايةِ بالتَّنافُسِ والتَّزاحُمِ، في حِينِ يَتَّفِقُ أَهلُ الدُّنيا والغَفْلةِ، بل أَهلُ الضَّلالةِ والنِّفاقِ مِن دُونِ مُزاحَمةٍ ولا حَسَدٍ فيما بَينَهُم؟!
— 565 —
وتُجِيبُ علَيْه بأُسلُوبٍ راقٍ وبعِباراتٍ صائِبةٍ، مُبيِّنةً أنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ غيرُ نابِعٍ مِن فِقْدانِ الحَقِيقةِ، ولا مِنِ انحِطاطِ الهِمّةِ وانعِدامِ الحَمِيّةِ، ولا مِن عَدَمِ تَفَكُّرِهِم في مَصِيرِهِم ولا مِن قِصَرِ نَظَرِهِم ولا مِنَ الغَيْرةِ فيما بَينَهُم ولا مِنَ الحِرصِ على حُطامِ الدُّنيا، كما أنَّ الِاتِّفاقَ القَوِيَّ فيما بَينَ أَهلِ الغَفْلةِ وأَهلِ الضَّلالةِ ليس نابِعًا مِن رُكُونِهِم إلى الحَقِيقةِ، ولا مِن سُمُوِّ نَظَرِهِم وعُمْقِ رُؤْيَتِهِم.
وهذا البَيانُ الرّائِعُ يَدفَعُ المَرءَ إلى التَّساؤُلِ: يا سُبحانَ اللهِ! ثَلاثُ مِئةِ مِليُونِ مُجاهِدٍ مِن مُجاهِدِي الإسلامِ السَّامِي، هم مُستَعِدُّونَ لِلتَّضحِيةِ بأَنفُسِهِم في سَبِيلِه كلَّ لَحظةٍ، كَيفَ يَقَعُ جَمِيعُهُم أَسارَى بِيَدِ ثَلاثِ أو أَربَعِ حُكُوماتٍ أَجنَبِيّةٍ لا يَتَجاوَزُ عَدَدُ أَفرادِها مِئةً وخَمسِينَ مِليُونًا وتَرتَعِدُ فَرائِصُهُم مِنَ المَوتِ؟!
والتَّوضِيحُ الَّذي تُقدِّمُه هذه النُّقطةُ الأُولَى مِن تِلكُمُ الرِّسالةِ القيِّمةِ قِيمةَ خَزِينةٍ أَلماسِيّةٍ، يُفهَمُ مِن نَتائِجِه إِجاباتٌ على جُملةِ أَسئِلةٍ قد تَرِدُ إلى الأَذهانِ، وهِي: لِماذا كُبِّل المُسلِمُونَ الأَبرِياءُ بقُيُودِ أَسرٍ رَهِيبٍ؟ ولِمَ مُورِسَ ضِدَّهُم في كُلِّ فُرصةٍ سانِحةٍ ظُلمٌ شَنِيعٌ يَهُونُ لِهَوْلِه ظُلمُ مَحاكِمِ التَّفتِيشِ؟ ولِماذا أُزهِقَت دِماؤُهُم بِاستِمرارٍ كما تُذرَفُ الدُّمُوعُ؟ وضُرِبَت رُؤُوسُ الغَيارَى مِنهُم على يَدِ الظَّلَمةِ الغَدَّارِينَ؟ لِماذا نُصِبَ بَعضُ أَهلِ الحَمِيّةِ مِنَ المُسلِمِينَ على أَعوادِ المَشانِقِ وفارَقُوا الحَياةَ ومُثِّل بِهِم في ساحاتِ العالَمِ، فدُمِّرَت حَياتُهُمُ الدُّنيَوِيّةُ، وأُفسِدَت حَياتُهُمُ الأُخرَوِيّةُ، بل لقد قُضِي على نَوْعَيِ الحَياةِ لَدَى بَعضِهِم؟
وبَيانُ ذلك: لَقَد كانَ هَؤُلاءِ المُسلِمُونَ ماضِينَ في مَسلَكِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، لكِن فَسَدَ إِخلاصُهُم نَتِيجةَ أَخطاءٍ وَقَعُوا فِيها، وحَصَلَت بَينَهُمُ المُنافَسةُ والتَّزاحُمُ، ووَلَجَت إلى أَذهانِهِم أَمراضُ الِافتِراقِ والِاختِلافِ بَدَلَ الِاتِّفاقِ والِاتِّحادِ، ولم يَتَدارَكُوا الأَمرَ بمُعالَجةِ هذه الأَمراضِ فتَوَسَّعَت وانتَشَرَت؛ فلَمّا لاحَظَ أَهلُ الضَّلالةِ ما وَقَع بَينَ المُسلِمِينَ مِن تَفرِقةٍ واختِلافٍ، اغتَنَمُوا هذه الفُرصةَ
— 566 —
فهاجَمُوهُم بدَسائِسِهِم، وكَبَّلُوا هَؤُلاءِ الأَبرِياءَ بإِسارٍ رَهِيبٍ، وعَمِلُوا على القَضاءِ علَيْهِم.
فشَرَحَت هذه النُّقطةُ الأُولَى بشَكلٍ جَلِيٍّ أَسبابَ تَكبِيلِ ثلاثِ مِئةِ مِليُونِ مُسلِمٍ مُنذُ عُصُورٍ، وتَعذِيبِهِم كُلَّ يَومٍ وكُلَّ ساعةٍ وكُلَّ لَحظةٍ.. لكِن وا أَسَفاهُ على الزَّمانِ والمَكانِ! إذ لم تَكُنِ الأَوضاعُ والظُّرُوفُ سانِحةً، فكانَ أن أُلِّفَت نُقطةٌ واحِدةٌ فقط مِن بَينِ النِّقاطِ الخَمسِ، وتَمَّ تَأجِيلُ البَواقِي فلم تُكتَبْ.
خسرو
اللَّمْعة الحادية والعِشرون: ٢٢٨
رِسالةٌ لَطِيفةٌ وجَلِيلةٌ وقيِّمةٌ ومُبارَكةٌ ومُنقَطِعةُ النَّظِيرِ ويَحتاجُها الجَمِيعُ، فهِي تُبيِّنُ أنَّ الإِخلاصَ أَهَمُّ أَساسٍ في جَمِيعِ الأَعمالِ الخَيِّرةِ، ولا سِيَّما الخِدماتِ الأُخرَوِيّةِ مِنها، كما تُفَسِّرُ الآياتِ:
﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾
﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾
وتُخاطِبُ هذه الرِّسالةُ خُدَّامَ القُرآنِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ أَوَّلًا، وتتَحَدَّثُ إِلَيْهِم قائِلةً: ما دامَ الإِحسانُ الإِلٰهِيُّ قد أَلقَى على كَواهِلِكُم مُهِمّةً سامِيةً ثَقِيلةً، وخِدْمةً عامّةً جَلِيلةً، تلك هي وَظِيفةُ الإِيمانِ وخِدمةِ القُرآنِ، وأَنتُم في غايةِ القِلّةِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، وتُواجِهُونَ أَعداءً أَلِدّاءَ ومُضايَقاتٍ شَدِيدةً، وتُحِيطُ بِكُمُ البِدَعُ والضَّلالاتُ الَّتي تَصُولُ وتَجُولُ في هذا العَصْرِ العَصِيبِ.. فلا مَناصَ لَكُم مِن بَذْلِ كلِّ ما في وُسْعِكُم مِن جُهدٍ وطاقةٍ كي تَظْفَرُوا بالإِخلاصِ، فأَنتُم مُضطَرُّون إلَيْه، بل مُكَلَّفُون به تَكْلِيفًا، وعَلَيكُم تَجَنُّبُ الأَسبابِ الَّتي تَقْدَحُ بالإِخلاصِ وتَثْلِمُه.
تُخبِرُ الرِّسالةُ بذَلِك، وتَذكُرُ أَربَعةَ دَساتِيرَ لِنَيلِ الإِخلاصِ:
— 567 —
الدُّستُورُ الأوَّل: تَنُصُّ فيه على وُجُوبِ ابتِغاءِ مَرْضاةِ اللهِ وَحْدَه في الأَعمَالِ.
الدُّستُورُ الثَّاني: تُوَجِّهُ فيه الخِطابَ التّاليَ: يَجِبُ أن تكُونُوا كتُرُوسِ المَعْمَلِ ودَوالِيبِه، لا يَتَقدَّمُ بَعضُها على بَعضٍ، ولا يَتَحَكَّمُ أَحَدٌ مِنها، ولا يَدْفَعُ أَحَدُها الآخَرَ إلى التَّعَطُّلِ بالنَّقْدِ والتَّجْرِيحِ وتَتَبُّعِ العَوْراتِ والنَّقائِصِ، ولا يُثَبِّطُ شَوْقَه إلى السَّعْيِ، بل يُعاوِنُ كُلٌّ مِنها الآخَرَ بكُلِّ ما لَدَيْه مِن طاقةٍ، مُوَجِّهًا حَرَكاتِ التُّرُوسِ والدَّوالِيبِ إلى غايَتِها المَرْجُوّةِ.. ثُمَّ تُلقِي الأَمرَ التّاليَ: علَيْكُم بالتَّمَسُّكِ بالإِخلاصِ والِاتِّفاقِ والتَّسانُدِ، لِأنَّكُم خُدَّامٌ عامِلُونَ في سَفِينةٍ رَبّانيّةٍ تَسِيرُ بالأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ إلى شاطِئِ السَّلامةِ، وتُفضِي إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ.
الدُّستُورُ الثّالثُ: تُبيِّنُ فيه سِرًّا مُهِمًّا لِلإِخلاصِ مِن خِلالِ بِضعةِ أَمثِلةٍ، وتُؤكِّدُ أنَّ أَبطالًا أَجِلّاءَ كالإِمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ والشَّيخِ الكَيلانِيِّ یی قُدِّسَ سِرُّه یی قائِمُونَ على رُؤُوسِ طُلّابِ النُّورِ، ومُعاوِنُونَ لَهُم في كُلِّ آنٍ.
الدُّستُورُ الرّابعُ: تُوضِّحُ فيه سرَّ التَّفانِي بَينَ الإِخوانِ، أي: أن يَفنَى كلُّ أَخٍ في الآخَرِ.
وتُؤكِّدُ أنَّ أَحَدَ أَهَمِّ الأَسبابِ في تَقوِيةِ الإِخلاصِ هو: "رابِطةُ المَوتِ"، وأنَّ الخِصالَ الذَّمِيمةَ أَمثالَ الرِّياءِ وطُولِ الأَمَلِ هي أَسبابُ فَسادِه واختِرامِه.
وتُبيِّنُ أنَّ السَّبَبَ الثّانِيَ لِنَيل الإِخلاصِ هو أن يُفكِّرَ المَرءُ أنَّه تَحتَ الرَّقابةِ الإِلٰهِيّةِ بشَكلٍ دائِمٍ، فيتَخَلَّصُ بِهذِه الوَسِيلةِ مِنَ الرِّياءِ.. كما تُفِيدُ أنَّ في الإِخلاصِ مَراتِبَ كَثِيرةً.
وتُبيِّنُ بَعدَها أنَّ أوَّلَ الأَسبابِ العَدِيدةِ المُخِلّة بالإِخلاصِ هو المَنافِعُ المادِّيّةُ، وأنَّ الِاشتِراكَ في الأَعمالِ الأُخرَوِيّةِ ليس كالِاشتِراكِ في الأَعمالِ الدُّنيوِيّةِ، إِذ يَدخُلُ في صَحِيفةِ أَعمالِ كلِّ فَردٍ مِنَ الأَفرادِ المُشتَرِكِينَ ثَوابٌ تامٌّ دُونَ تَجَزُّؤٍ ولا انقِسامٍ ولا نَقصٍ، بل هو تَراكُمِيٌّ بفَضلِ اللهِ.. كما تُوصِي بعَدَمِ إِفسادِ هذا الرِّبحِ بالمُنافَسةِ والمُزاحَمةِ وإِخلالِ الإِخلاصِ.
— 568 —
وحِيالَ المانِعِ الثّاني الماحِقِ لِلإِخلاصِ تَأمُرُ بِاجتِنابِ هذا الدّاءِ الرُّوحِيِّ الوَبِيلِ الَّذي يَفتَحُ البابَ لی"الشِّرْكِ الخَفِيِّ"، ألا وهُو حُبُّ إِقبالِ النّاسِ وطَلَبُ تَوَجُّهِهِم بِشِدّةٍ، كما تَأمُرُ بعَدَمِ إِعطاءِ أَهَمِّيّةٍ لِمِثلِ هذه الأَمراضِ.
وفي المانِعِ الثَّالِثِ تُفِيدُ أنَّ الأَضرارَ النّاجِمةَ عنِ الخَوْفِ والطَّمَعِ يُمكِنُ أن تُفسِدَ الإِخلاصَ، وتُختَمُ هذه الرِّسالةُ بإِحالةِ تَوضِيحِ أَمرِ المانِعِ الأَخِيرِ إلى "الهَجَماتِ السِّتّةِ"، حَيثُ شُرِحَ معَ مَوانِعَ أُخْرَى في تلك الرِّسالةِ الجَلِيلةِ بوُضُوحٍ تامٍّ.
خسرو
رسالةٌ خاصّة إلى قسمٍ من إخواني:
رِسالةٌ جَلِيلةٌ تُبيِّنُ أَهَمِّيّةَ اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ في زَمَنِ سَوادِ البِدَعِ، وتُبيِّنُ كَذلِك أنَّ كِتابةَ "رَسائِلِ النُّورِ" عِبادةٌ بخَمسِ جِهاتٍ.
اللَّمْعة الثانية والعشرون: ٢٤٢
تُجِيبُ إِجابةً بَدِيعةً على سُؤالٍ مُهِمٍّ يَخُصُّ "رَسائِلَ النُّورِ" ومُؤلِّفَها، إذ يقُولُ كَثِيرُونَ: لِمَ يَتَدخَّلُ أَهلُ الدُّنيا بأُمُورِ آخِرَتِك كلَّما وَجَدُوا لَهُم فُرصةً، معَ أنَّك لا تَتَدخَّلُ في شُؤُونِ دُنياهُم؟ عِلمًا أنَّ قانُونَ أَيّةِ حُكُومةٍ كانَت لا يَمَسُّ شُؤُونَ من تَرَكُوا الدُّنيا واعتَزَلُوا النَّاسَ! فتُجِيبُ هذه اللَّمْعةُ على هذا السُّؤالِ مِن خِلالِ بَعضِ الآياتِ أمثالَ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، إِضافةً إلى ثَلاثِ إِشاراتٍ:
الإشارةُ الأُولى: تُؤكِّدُ بشَكلٍ قَطعِيٍّ أنَّ الَّذي يَجِبُ علَيْه الإِجابةُ على هذا السُّؤالِ هُمُ البَشَرِيّةُ جَمْعاءُ وخاصّةً أَهالي وِلايةِ "إِسبارْطةَ"، لِأنَّهُم مُكَلَّفُونَ بِاسمِ الدِّينِ والشَّرِيعةِ بالدِّفاعِ عن رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها أَمامَ المُلحِدِينَ، ومُضْطَرُّونَ لِحِمايةِ حُقُوقِهِم، لِأنَّ لَهُم (أي: رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها) الفَضْلَ في
— 569 —
تَمكِينِ إِيمانِ جَمِيعِ أَهلِ الإِيمانِ یی وخاصّةً أَهالِيَ وِلايةِ "إِسبارْطةَ" یی ورُقيِّهِمُ المَعنَوِيِّ.
الإشارةُ الثَّانية: جَوابٌ على أَسئِلةٍ تَتَّسِمُ بالنَّقدِ تَرِد مِن جانِبِ المَدَنِيّةِ الدَّنِيّةِ: لِمَ اسْتَأْتَ مِنَّا فلا تُراجِعُنا؟ فنَحنُ أَصحابُ مَبدَأٍ، لنا دَساتِيرُنا الخاصّةُ نَسِيرُ في ضَوْئِها على وَفقِ ما يَتَطلَّبُه هذا العَصرُ، بَينَما أَنتَ لا تُنفِّذُ هذه الدَّساتِيرَ على نَفسِك وعلى أَهلِ الإِيمانِ؛ وفي عَهدِ الجُمهُورِيّاتِ يَجرِي دُستُورُ رَفعِ الإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ، بَينَما أنتَ تَكسِبُ إِقبالَ النَّاسِ نَحوَك، وتَلفِتُ أَنظارَهُم إلَيْك تارةً بزِيِّ العِلمِ وأُخرَى بالتَّزَهُّدِ، فتُحاوِلُ السَّيرَ خِلافَ الدَّولةِ، هذا ما يَدُلُّنا علَيْه مَجرَى حَياتِك! فهَذِه الحالةُ رُبَّما تُستَصوَبُ في نِطاقِ تَحَكُّمِ البُرْجوازِيِّينَ، إلّا أنَّ صَحْوةَ طَبَقةِ العَوامِّ وتَغَلُّبَها جَعَلَت جَمِيعَ دَساتِيرِ الِاشتِراكيّةِ والبَلشَفِيّةِ تُسَيطِرُ وتُهَيمِنُ، وهِي الَّتي تُلائِمُ أُمُورَنا أَكثَرَ مِن غَيرِها؛ فيَصعُبُ علَيْنا قَبُولُ العَدالةِ المَحضةِ خِلافًا لِمَبادِئِنا وتَحتَ تَسَلُّطِ واستِبدادِ البُرْجوازِيِّينَ، أي: طَبَقةِ الخَواصِّ.
فتُجِيبُ على هذه الأَسئِلةِ جَوابًا جَمِيلًا مِن خِلالِ دُستُورِ: "لا يُمكِنُ مَحْوُ الحَقِيقةِ بالظُّلمِ والجَورِ، اِرفَعِ القَلبَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!".
وتُقدِّمُ بَعضَ الأَمثِلةِ الجَلِيلةِ على أنَّ مِن عَمِيمِ فَضلِ اللهِ وكَرَمِه أَنِ امْتَنَّ على مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ بمَكرُمةِ فَهمِ العُلُومِ الإِيمانِيّةِ والقُرآنِيّةِ، وأنَّ الَّذِينَ يَسعَوْنَ لِرَفعِ هذا الإِحسانِ ما هُم إِلّا شَياطِينُ على هَيئةِ أَناسِيَّ أو مُلحِدُونَ أو مِن جُمْلةِ المُنافِقِينَ، وأنَّ حُكُومةَ الجُمهُورِيّةِ لن تَسمَحَ بِهذا التَّصَرُّفِ وبِهذِه المُعامَلةِ غيرِ القانُونيّةِ الَّتي لا يَرضاها أَيُّ فَردٍ أو أَيّةُ حُكُومةٍ؛ وإِنَّ هذا الأَمرَ لن يُضايِقَ مُؤَلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ فحَسْبُ، بل ستَستاءُ مِنه البَشَرِيّةُ جَمْعاءُ إِن هي أَدْرَكَتِ الحَقِيقةَ، وسيُغضِبُ عَناصِرَ الطَّبِيعةِ.
الإشارةُ الثالثةُ: جَوابٌ على سُؤالَينِ:
— 570 —
الأوَّلُ: يَسأَلُ أَهلُ الفَلسَفةِ بِاسمِ الزَّندَقةِ: ما دُمتَ قائِمًا في هذه البِلادِ، فعَلَيْك الِانقِيادُ لِقَوانِينِ الجُمهُورِيّةِ الصّادِرةِ فيها، فلِماذا تَتَقلَّدُ صِفةَ مَن يُرِيدُ جَلْبَ الإِعجابِ لِنَفسِه معَ أنَّه لا وَظِيفةَ لك في الدَّولةِ؟ فتُجِيبُ هذه الإِشارةُ جَوابًا مُسكِتًا يَكشِفُ خِداعَهُم وزَيْفَ أَمرِهِم.
السُّؤالُ الثاني: إِنَّ الِاحتِرامَ والمَقامَ والإِقبالَ الَّذي يُولِيه النّاسُ، إنَّما هو خاصٌّ بالمُوَظَّفِينَ وأَثناءَ مُزاوَلَتِهِم مِهنَتَهُم، بَينَما أنتَ لا وَظِيفةَ لك! فلَيسَ لك أن تَقبَلَ احتِرامَ الشَّعبِ كالمُوَظَّفِينَ.
فتُجِيبُ على هذا السُّؤالِ بإِيضاحٍ مُشتَمِلٍ على مِثالَينِ نَفِيسَينِ لَطِيفَينِ وَفقَ التَّالِي: "لو أَصبَحَ الإِنسانُ مُجَرَّدَ جَسَدٍ فقط، وظَلَّ في الدُّنيا خالِدًا مُخَلَّدًا، وأُغلِقَ بابُ القَبْرِ، وقُتِلَ المَوتُ، لَانحَصَرَتِ الوَظائِفُ حِينَها في العَسكَرِيّةِ والمُوَظَّفِينَ الإِدارِيِّينَ فقط.. فإِنكارُ وَظِيفةٍ مَعنَوِيّةٍ ومُهِمّةٍ جِدًّا، وتَخُصُّ البَشَرِيّةَ جَمْعاءَ، لا يَكُونُ إِلّا بِتَیكذِيبِ شَهادةِ ثَلاثِينَ أَلفَ جِنازةٍ يَومِيًّا كُلُّها تُصَدِّقُ دَعوَى: أنَّ المَوتَ حَقٌّ.. فما دامَ إِنكارُ ذلك وتَكذِيبُه مستَحِيلًا، إِذًا ثَمَّةَ وَظائِفُ مَعنَوِيّةٌ كَثِيرةٌ تَستَنِدُ إلى حاجاتٍ ضَرُورِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ".
وتَضَمَّنَت خاتِمةُ هذه الرِّسالةِ تَنبِيهًا على مَقُولةِ: "إِنَّ لِأَهلِ الدُّنيا حَساسِيّةً شَدِيدةً في كلِّ أَعمالِهِم ومُعامَلاتِهِم، بحَيثُ لو كانَت تلك المُعامَلةُ بشُعُورٍ مِنهُم لَكانَت تُعَدُّ دَهاءً عَظِيمًا"، فتَنصَحُ أَهلَ الإِيمانِ بِأَلّا يَغتَرُّوا بِهذِه الحَساسِيّةِ وتلك الدَّسائِسِ، وأنَّ أَمرَهُم هذا عِبارةٌ عنِ استِدراجٍ لَهُم لَيسَ إِلّا.
عليٌّ الصغير
اللَّمْعة الثالثة والعشرون: ٢٥٤
"رِسالةُ الطَّبِيعةِ" وهِي اللَّمْعةُ الثّالِثةُ والعِشرُونَ لِلمَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ، وهِي رِسالةٌ قَيِّمةٌ سامِيةٌ تُبِيد تَيّارَ الكُفرِ النّابِعِ مِن مَفهُومِ "الطَّبِيعةِ" إِبادةً تامّةً،
— 571 —
وتُفتِّتُ حَجَرَ زاويةِ الكُفرِ، وتُحَطِّمُ رَكِيزَتَه الأَساسَ، وتَطرُدُ الأَفكارَ القَبِيحةَ والمُستَكرَهةَ والمُضِلّةَ وغَيرَ المَعقُولةِ مِن بَينِ قَوافِلِ المُنصِفِينَ، وتَصرِفُها بَعِيدًا عَنهُم، وتُثبِتُ السَّعادةَ الأَبدِيّةَ بِالأَدِلّةِ والبَراهِينِ، وتَشرَعُ السُّبُلَ المُؤَدِّيةَ إِلَيْها بأُسلُوبٍ لَطِيفٍ وجَمِيلٍ، كما أنَّها وَسِيلةٌ لِاستِمطارِ الرَّحمةِ الأَبدِيّةِ لِمُؤَلِّفِها.
هذه الرِّسالةُ تَفسِيرٌ واضِحٌ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فتُؤَكِّدُ عَدَمَ إِمكانِ الشَّكِّ في الحَقِّ سُبحانَه، وتَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على وُجُودِ اللهِ ووَحْدانيَّتِه بوُضُوحٍ وجَلاءٍ بدَرَجةِ البَداهةِ.
وقَبلَ أَن تَشرَعَ في بَيانِ هذا السِّرِّ، تَلفِتُ الأَنظارَ إلى أنَّه خِلالَ فَرَحِ المُؤمِنينَ وابتِهاجِهِم بِاندِحارِ اليُونانِ أَمامَ الجَيشِ الإِسلاميِّ سنةَ (١٣٣٨)، كانَت هُنالِك مَوجةُ زَندَقةٍ رَهِيبةٌ تَتَسلَّلُ بمَفاهِيمِها الفاسِدةِ إلى عَقائِدِ أَهلِ الإِيمانِ الرّاسِخةِ، فكُتِبَت هذه الرِّسالةُ باللُّغةِ العَرَبيّةِ كي تَقْطَعَ رَأْسَ تلك الزَّندَقةِ، وطُبِعَت في أَنقَرةَ، ثُمَّ تُرجِمَت فيما بَعدُ إلى اللُّغةِ التُّركِيّةِ كما هي.
المُقدِّمةُ: تُبيِّنُ ثَلاثًا مِنَ الكَلِماتِ الرَّهِيبةِ الَّتي تَخرُجُ مِن أَفواهِ النّاسِ وتَفُوحُ مِنها رائِحةُ الكُفرِ النَّتِنةُ، وتُرَدِّدُها أَلسِنةُ أَهلِ الإِيمانِ دُونَ عِلمِهِم بخُطُورةِ مَعنَى ما يقُولُونَ.
الكلمة الأولى: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: أنَّ الأَسبابَ هي الَّتي تُوجِدُ الشَّيءَ المُعيَّنَ.
الكلمة الثانية: "تَشَكَّلَ بنَفسِه" أي: أنَّ الشَّيءَ يَتَشكَّلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه.
الكلمة الثالثة: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ" أي: أنَّ الطَّبِيعةَ هي الَّتي اقتَضَتْه فأَوْجَدَتْه.
فتَقطَعُ هذه اللَّمعةُ الطُّرُقَ الثَّلاثَ الَّتي فتَحَتْها هذه الكَلِماتُ الثَّلاثةُ الرَّهِيبةُ قَطْعًا تامًّا مِن خِلالِ ثَلاثِ مُحالاتٍ في كُلِّ طَرِيقٍ، أي: بِمَجمُوعِ تِسعةِ مُحالاتٍ، إِلّا أنَّها تَحتَوِي تِسعِينَ مُحالًا؛ وتُثبِتُ بِأَمثِلةٍ لَطِيفةٍ حَقِيقِيّةٍ أنَّ المَوجُوداتِ تَجِد الوُجُودَ بِقُدرةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ عَبْرَ الطَّرِيقِ الرّابِعِ، وهُو طَرِيقُ وَحْدانيّةِ الخالِقِ.
— 572 —
الكلمةُ الأولى: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: القَولُ بأنَّ "اجتِماعَ أَسبابِ العالَمِ يَخلُقُ المَوجُوداتِ ويُوجِدُها، ويُؤَدِّي إلى تَشكِيلِ الأَشياءِ"، وتذكُرُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ فقط، مِن بَينِ مُحالاتِه الكَثِيرةِ جِدًّا:
الأول: يُبيِّنُ مُحاليّةَ اعتِقادِ إِسنادِ وُجُودِ الأَشياءِ إلى الأَسبابِ مِن خِلالِ المِثالِ التّالِي: إِنَّ إِيجادَ أَيٍّ مِن ذَوِي الحَياةِ لو طُلِبَ مِنَ الأَسبابِ ولم يُسنَدْ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، لَأَشبَه هذا الأَمرُ كَمِيّةَ مَوادَّ مَوجُودةٍ داخِلَ قَوارِيرَ في صَيدَليّةٍ كَبِيرةٍ وَقَعَت صُدْفةً أو نَتِيجةَ عَواصِفَ فانكَسَرَت وسالَت مِنها واجتَمَعَت.
المُحالُ الثَّاني: هو أنَّه إِنْ لم يُسنَد خَلقُ ذُبابةٍ مِنَ المَوجُوداتِ إلى الواجِبِ الوُجُودِ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، لَلَزِمَ لِتَثبِيتِ كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذُّبابِ في عَينِه وأُذُنِه وقَلبِه وجَسَدِه یی وهُو ذُو عَلاقةٍ معَ أَغلَبِ عَناصِرِ الكائِناتِ یی تَشغِيلُ أَركانِ العالَمِ وعَناصِرِه معَ طَبائِعِها المُتَبايِنةِ في ظاهِرِ تلك الذُّبابةِ وباطِنِها! يَخجَلُ مِن هذا المُحالِ ويَستَحِي مِنه حتَّى أَشَدُّ السُّوفسَطائيِّينَ بَلاهةً!
المُحالُ الثَّالثُ: حَسَبَ قاعِدةِ: "الواحِدُ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ"، فالمَوجُودُ الَّذي هو في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وفي مُنتَهَى الدِّقّةِ والإِتقانِ، هو مالِكٌ لِحَياةٍ جامِعةٍ، إن لم يُقبَل أنَّه صادِرٌ مِن يَدِ واحِدٍ أَحَدٍ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجامِدةِ غَيرِ المُنضَبِطةِ، والَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، وهِي في اختِلاطٍ شَدِيدٍ، ثمَّ الِادِّعاءُ بأنَّ تلك الأَسبابَ هي الَّتي تَقُومُ بخَلقِ ذلك المَوجُودِ البَدِيعِ واختِيارِه مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ لا حَدَّ لها.. إنَّ قَبُولَ هذا الإِسنادِ والِادِّعاءِ هو قَبُولٌ لِمِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ! إذ هو بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن جَمِيعِ مَقايِيسِ العَقلِ ومَوازِينِه!
الكلمةُ الثّانيةُ: وهِي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّل بنَفسِه"، وتتَناوَلُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ یی مِن بَينِ مُحالاتٍ كَثِيرةٍ یی لَيسَت سِوَى نَماذِجَ لتوضيحِ بُطلانِ هذا المُحالِ:
الأوَّلُ: يُثبِتُ أنَّ كُلَّ مَوجُودٍ لَيسَ مُجرَّدَ مادّةٍ بَسِيطةٍ وجامِدةٍ تَأبَى التَّغَيُّیرَ، بل هو
— 573 —
مَعمَلٌ عَظِيمٌ مُتقَنُ الصُّنعِ، وقَصرٌ مُنِيفٌ تَشَكَّلَ مِنَ الذَّرّاتِ، ويَرتَبِطُ بوَشائِجَ وأَواصِرَ معَ الكَونِ مِن حَوْلِه، لِأنَّه مُجَهَّزٌ بِأَحاسِيسَ ظاهِرِيّةٍ وباطِنِيّةٍ.. فإِن لم يُسنَد كُلُّ مَوجُودٍ إلى خالِقِ كُلِّ شَيءٍ، وقِيلَ عنه: "تَشَكَّل بنَفسِه"، لَزِمَ حِينَها أن يكُونَ لِكُلِّ ذَرّةٍ في كُلِّ مَوجُودٍ عِلمٌ وشُعُورٌ وعَقلٌ بِقَدْرِ عِلمِ أَلفِ رَجُلٍ مِثلَ أَفلاطُونَ بَدَلًا عن أَفلاطُونٍ واحِدٍ، وما هذا إِلّا وُقُوعٌ في هاوِيةِ خُرافةٍ خَرْقاءَ، وبَلاهةٍ بَلْهاءَ.
الثّاني: يُبيِّنُ أنَّ كُلَّ مَوجُودٍ وخاصّةً الإِنسانَ يُشبِهُ قَصْرًا فَخْمًا عامِرًا، له مِنَ القِبابِ أَلفُ قُبّةٍ وقُبّةٍ، وكُلُّ قُبّةٍ مِن قِبابِه مُعَلَّقةٌ فيها الأَحجارُ، ومَرصُوصٌ بَعضُها إلى بَعضٍ في بِناءٍ مُحكَمٍ؛ فلو قِيلَ: (إِنَّ هذه المَصنُوعاتِ لَيسَت مَخلُوقاتِ صانِعٍ واحِدٍ، وتَشَكَّلَت بِنَفسِها) لَظَهَر حِينَها مُحالاتٌ بِعَدَدِ ذَرّاتِ الوُجُودِ الَّتي لا تُحَدُّ ولا تُحصَى؛ ولَجُعِلَ أَصحابُ هذه الأَفكارِ في ذِرْوةِ قِمَمِ الجَهالةِ.
المُحالُ الثّالثُ: يَقُولُ: إِنْ لم يَكُن كلُّ مَصنُوعٍ یی وهُو مِن خَلقِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ یی مَكتُوبًا لِقَلَمِ القَدَرِ الأَزَليِّ، وقِيلَ عنه: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ"، لَلَزِمَ حِينَها أن تكُونَ لِتِلك الأَسبابِ قَوالِبُ طَبِيعيّةٌ وأَقلامٌ وحُرُوفٌ حَدِيدِيّةٌ، بل حتَّى مَصانِعُ كَثِيرةٌ لِسَكْبِ هذه الأَقلامِ والحُرُوفِ والقَوالِبِ الحَدِيدِيّةِ، وكذا مَصانِعُ لِإِنشاءِ هذه المَصانِعِ.. وهكذا هَلُمَّ جرًّا بعَدَدِ خَلايا جِسمِ ذلك المَصنُوعِ، بل حتَّى بِعَدَدِ آلافِ المَوادِّ المُرَكَّبةِ! فمَن يَقبَلُ هذه الأَفكارَ الَّتي تُؤَدِّي إلى مُحالاتٍ لا نِهايةَ لها؟! يَجِبُ علَيْهِم أن يَصْحُوا بِهذِه الصَّفْعةِ الَّتي تَلَقَّوْها مِن هذه الحَقِيقةِ، وأَن يَنبِذُوا هذه الأَفكارَ بَعِيدًا.
الكلمةُ الثّالثة: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ"، هذا الحُكْمُ الضّالُّ المُضِلُّ له مُحالاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا، نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها:
المُحالُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّ الإِتقانَ والإِيجادَ المُتَّسِمَينِ بالبَصِيرةِ والحِكْمةِ الظّاهِرَينِ في المَوجُوداتِ ظُهُورًا جَلِيًّا، إنْ لم يُسنَدا إلى قَلَمِ القَدَرِ والقُدْرةِ
— 574 —
للمصور الأَزَليِّ، وأُسنِدا إلى "الطَّبِيعةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجاهِلةِ، لَلَزِمَ أن تُوجِدَ الطَّبِيعةُ یی مِن أَجلِ الخَلقِ یی مَطابِیعَ ومَكائِنَ مَعنَوِيّةً لا حَدَّ لها في كلِّ شَيءٍ، أو أن تُدرِجَ في كلِّ شَيءٍ قُدْرةً قادِرةً على خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وحِكْمةً مُدَبِّرةً لِإدارةِ شُؤُونِه كُلِّها، ولَلَزِمَ الِاعتِقادُ بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً وإِرادةً لا حدَّ لَهُما معَ عِلمٍ وحِكْمةٍ لا نِهايةَ لَهُما في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، أو لَلَزِمَ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ.. فهذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكِيرِ المُعْوَجِّ لَهُو أَشَدُّ بُطْلانًا مِن أَيِّ مُحالٍ آخَرَ، وأَكثَرُ خُرافةً مِنه؛ فالَّذي يُسنِدُ ما أَبدَعَه الخالِقُ العَظِيمُ إلى يَدِ الطَّبِيعةِ لا شَكَّ أنَّه يَتَردَّى بفِكْرِه إلى دَرَكٍ أَضَلَّ مِنَ الحَيَوانِ.
الثَّاني: أنَّ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ وكَمالِ الحِكْمةِ، إنْ لم تُسنَد إلى مَن هو قَدِيرٌ مُطلَقُ القُدرةِ والحِكْمةِ، وأُسنِدَت إلى الطَّبِيعةِ، لَلَزِمَ أنْ تُحضِرَ الطَّبِيعةُ في كلِّ حَفْنةِ تُرابٍ یی وهو مَنشَأُ ومَسكَنُ النَّباتاتِ ويَقُومُ بِمُهِمّةِ الأَصِيصِ لها یی مَعامِلَ ومَطابِعَ بعَدَدِ المِلياراتِ، كي تَتَمكَّنَ تلك الحَفْنةُ مِن أن تكُونَ مَنْشَأَ الأَزهارِ والأَثمارِ الجَمِيلةِ اللَّطِيفةِ، وتُؤَمِّنَ ضِمنَ مَقادِيرَ مُعَيَّنةٍ شَتَّى حاجاتِهِمُ الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِهِم.
فيَتَوجَّهُ هذا المُحالُ إلى استِحمارِ أُولَئِك الَّذِينَ يَحمِلُونَ هذه الأَفكارَ المُنتِجةَ لِخُرافاتٍ ومُحالاتٍ لا حَدَّ لها، ويَبصُقُ في وُجُوهِهِم، ويُخاطِبُهُم بِالقَولِ: إِنْ كانَ لَدَيكُم تَساؤُلٌ: كَيفَ انقَلَبَت هذه المُحالاتُ العَجِيبةُ الصَّعبةُ إلى وُجُودٍ سَهْلٍ؟ فقد أُجِيبَ عَنْها بِجَوابٍ مَعقُولٍ وحَقِيقيٍّ.
الثَّالث: يتَضَمَّنُ مِثالَينِ:
الأوَّلُ: يُوضِّحُ حَقِيقةً مِن خِلالِ مِثالٍ لِرَجُلٍ بِدائيٍّ يَدخُلُ قَصرًا مُزَيَّنًا بَدِيعًا قد شُيِّد في صَحْراءَ خالِيةٍ، وهُو على النَّحوِ التَّالِي: يَدلِفُ البِدائيُّونَ یی مِمَّن يَدِينُونَ بفِكْرةِ الطَّبِيعةِ ويُنكِرُونَ الأُلُوهِيّةَ یی إلى قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ الَّذي يَحمِلُ نِظامًا دقيقًا وإِتقانًا أَكمَلَ، وكُلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه تُشِعُّ مُعجِزاتٍ وحِكَمًا، يَدلِفُون
— 575 —
إِلَيْه واضِعِينَ في أَذهانِهِم یی مُسبَقًا یی الإِعراضَ عن إِسنادِ ما هُو مَبثُوثٌ أَمامَهُم مِن بَدائِعِِ الصَّنْعةِ إِلى الحقِّ سُبحانَه المُنَزَّهِ عنِ المَخلُوقاتِ، المُتَعالِي عنِ المُمكِناتِ.! فيَرَون قَوانِينَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ، وفَهارِسَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، والَّتي يُطلَقُ علَيْها خَطَأً اسمُ "الطَّبِيعةِ" الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ شَبِيهةً بصَفْحةٍ مِن كُرّاسةِ قَوانِينِ إِجراءاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ المُتَغيِّرةِ المُتَبدِّلةِ وهِي ضِمنَ دائِرةِ المُمكِناتِ؛ فيُحَمِّلُونَها مُهِمّةَ إِيجادِ الأَشياءِ، ويَدخُلُون بِهَذا یی بَلاهةً وحَماقةً یی سَبِيلًا باطِلًا، ويُقَلِّدُونَ أَنفُسَهُم بِأَنفُسِهِم أَعلَى أَوْسِمةِ الحَماقةِ الكائِنةِ في ذِرْوةِ قِمَمِها.
المِثالُ الثَّاني للمُحالِ الثّالثِ: وهُو حَقِيقةٌ ثانيةٌ تُوضَّحُ بمِثالِ رَجُلٍ بِدائيٍّ يَدخُل جامِعًا عَظِيمًا ومُعَسكَرًا مَهِيبًا على النَّحوِ الآتِي: يَأتِي مُلحِدُونَ يَحمِلُونُ فِكرةَ "الطَّبِيعةِ" إلى هذا العالَمِ الَّذي هُو مَسجِدٌ عَظِيمٌ ومُعَسكَرٌ مَهِيبٌ رائِعٌ لِجُنُودِ سُلطانِ الأَزَلِ والأَبدِ الَّذِينَ لا يَحصُرُهُمُ العَدُّ، فيَجِدُونَ جَمِيعَ المَوجُوداتِ على رَأسِ عَمَلِها، وكُلَّ واحِدٍ مُوَكَّلًا بمُهِمّةٍ.
ولِأَنَّهُم مُوَلُّونَ وُجُوهَهُم عنِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ، يتَلَقَّوْنَ قُوّةَ الحَقِّ سُبحانَه الَّتي هِي جَلْوةٌ رَبّانيّةٌ لِلخالِقِ ذِي الجَلالِ بصُورةِ قَدِيرٍ مُستَقِلٍّ، كما يتَصَوَّرُونَ قَوانِينَه المَعنَوِيّةَ مَوادَّ مادِّيّةً، ويُمَلِّكُونَها الخَلقَ والإِيجادَ، ويُطلِقُونَ علَيْها اسمَ "الطَّبِيعةِ"؛ لِذا تَجِدُهُم يُسنِدُونَ جَمِيعَ المَوجُوداتِ الَّتي يُشاهِدُونَها إلى الطَّبِيعةِ، ويُصَنِّفُونَ أَنفُسَهُم في أَوائِلِ صُفُوفِ البِدائيِّينَ.
ما دامَ العَقلُ يَعجِزُ عن تَصَوُّرِ أَكثَرَ مِن أَربَعةِ طُرُقٍ لِلوُصُولِ إلى حُدُوثِ المَوجُودِ، وما دامَت ثَلاثةٌ مِن تلك الطُّرُقِ الأَربَعةِ قد أُغلِقَت بِتِسعةِ مُحالاتٍ تُوجِبُ مُحالاتٍ لا حَدَّ لها ولا حِسابَ؛ فلا بُدَّ وبالضَّرُورةِ والبَداهةِ أن يَثبُتَ بِشَكلٍ مُطلَقٍ الطَّرِيقُ الرّابِعُ، وهُو طَرِيقُ الوَحْدانيّةِ، ويَظهَرَ أنَّ صُدُورَ كُلِّ شَيءٍ مِن يَدِ قُدرَةِ واجِبِ الوُجُودِ، وأنَّ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِه سُبحانَه وتَعالَى.
بَعدَ هذا البَيانِ اللَّطِيفِ الجَمِيلِ المُفصَّلِ يَظهَرُ الوَجهُ الحَقِيقيُّ لِلطَّرِيقِ الَّذي
— 576 —
يَسلُكُه عُبَّادُ الأَسبابِ والواقِعُونَ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ ولا يَستَطِيعُونَ رُؤْيةَ حَقِيقَتِه، فيَدعُوهُم إلى العَدلِ والإِنصافِ، ويَدفَعُهُم لِلتَّخَلِّي عن مَسلَكِهِم، ويُجِيبُ جَوابًا بَدِيعًا على سُؤالَينِ مَشبُوهَينِ مَطرُوحَينِ؛ فيُجِيبُ على أَحَدِهِما عن طَرِيقِ مُقتَضَى قَوانِينِ رَدِّ المُداخَلةِ ومَنعِ الِاشتِراكِ؛ وعلى الآخَرِ بی: لا يَرضَى أَنْ تُحالَ عِبادةُ المَخلُوقاتِ وبخاصّةٍ عُبُودِيّةُ البَشَرِ وشُكرُهُم إلى الغَيرِ، ولا يَسمَحُ بِذَلِك، لِأنَّه مُخالَفةٌ لِحِكْمةِ الخالِقِ ذِي الجَلالِ، وتَحوِيلٌ لنَتِيجةِ الخِلقةِ وثَمَرةِ الكَونِ إلى العَبَثِيّةِ.. إلى غَيرِ ذلك مِنَ الأُمُورِ الَّتي تَدفَعُ المَرءَ لِإنكارِ حِكْمةِ الرُّبُوبِيّةِ.
وفي خاتِمَتِه يَسرُدُ دَلائِلَ عَقلِيّةً دَقِيقةً وعَمِيقةً، وعالِيةً وواسِعةً، ومُقنِعةً ومُسكِتةً، ويَرُدُّ بِأَجوِبةٍ صائِبةٍ جَمِيلةٍ يُنقِذُ بِها عُبّادَ الأَسبابِ والواقِعِينَ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، ويُخجِلُ الَّذِينَ ما زالُوا حتَّى يَومِنا هذا مُصِرِّينَ على مَسلَكِهِم.. يُجِيبُ على ثَلاثةِ أَسئِلةٍ مُثِيرةٍ لِلفُضُولِ طَرَحَها الرَّجُلُ الَّذي تَرَك فِكْرَ الطَّبِيعةِ الكُفرِيَّ، ودَخَل حَظِيرةَ الإِيمانِ:
الأوَّل: ما سَبَبُ تَهدِيدِ تارِكِي الصَّلاةِ تَكاسُلًا بعَذابٍ جَهَنَّمِيٍّ أَليمٍ؟
الثّاني: إِنَّنا نُطالِعُ عِيانًا وَفْرةً مُتَناهِيةً مِنَ المَوجُوداتِ، وسُرعةً مُنتَظِمةً في خَلقِ الأَشياءِ، والسُّهُولةَ المُطلَقةَ في سَبِيلِ الوَحْدانيّةِ، وقد أُقِرَّت هذه السُّهُولةُ المُطلَقةُ صَراحةً في آياتٍ كَرِيمةٍ كَثِيرةٍ أَمثالَ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، فأَينَ يَكمُنُ سِرُّ هذه السُّهُولةِ يا تُرَى؟! وما الحِكْمةُ مِن وَرائِها؟
الثَّالث: ما بالُ بَعضِ الفَلاسِفةِ يُطلِقُونَ مَقُولةَ: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ، ولا يَفنَى شَيءٌ مِنَ الوُجُودِ، وإِنَّ إِدارةَ مَصنَعِ هذا الكَونَ إِنَّما هو نَتِيجةُ التَّركِيبِ والتَّحلِيلِ"؟!
حسين
— 577 —
اللَّمْعة الرابعة والعشرون: ٢٨٦
تتَضَمَّنُ أَربَعَ حِكَمٍ:
يَأمُرُ القُرآنُ الكَرِيمُ بالحِجابِ في أَمثالِ الآيةِ الكَرِيمةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ... إلخ الآيةِ، بَينَما تَذهَبُ المَدَنيّةُ الدَّنِيَّةُ صاحِبةُ الأَخلاقِ الرَّذِيلةِ إلى خِلافِ حُكمِ القُرآنِ هذا، فلا تَرَى الحِجابَ أَمرًا فِطْرِيًّا لِلنِّساءِ، بل تَعُدُّه أَسْرًا وقَيدًا لَهُنَّ.
فتَرُدُّ هذه اللَّمْعةُ على هذا السُّؤالِ الإِلحادِيِّ، وتُوضِّحُ وتُثبِتُ بِكَثِيرٍ مِنَ التَّجارِبِ والأَمثِلةِ صَوابَ الحُكمِ القُرآنِيِّ، وأنَّ فِطْرةَ النِّساءِ تَقتَضِيه، وأنَّ الحِجابَ ليس بأَسْرٍ لَهُنَّ؛ فتُسكِتُ المُلحِدِينَ وتَأمُرُ بالحِجابِ.
الحِكمةُ الأُولى: تُجِيبُ جَوابًا رائعًا يُسكِتُ المَدَنيّةَ الخائِنةَ بِبَيانِ أَنَّ فِطْرةَ النِّساءِ تَقتَضِي الحِجابِ، لِأنَّ النِّساءَ جُبِلْنَ على الرِّقّةِ والضَّعفِ، فيَجِدْنَ في أَنفُسِهِنَّ حاجةً إلى حِمايةِ أَوْلادِهِنَّ الَّذِينَ يُؤْثِرْنَهُم على أَنفُسِهِنَّ، فهُنَّ مَسُوقاتٌ فِطْريًّا نَحوَ تَحبِيبِ أَنفُسِهِنَّ لِلَّذِي يَحمِيهِنَّ، وإلى عَدَمِ جَلبِ نَفرَتِهِم وتَجَنُّبِ جَفائِهِم واستِثْقالِهِم.. ثُمَّ إنَّ ما يَقرُبُ مِن سِتّةِ أو سَبعةِ أَعشارِ النِّساءِ إِمّا مُتَقدِّماتٌ في العُمُرِ، أو دَمِيماتٌ لا يَرغَبْنَ في إِظهارِ شَيْبِهِنَّ أو دَمامَتِهِنَّ، ولا يَتَجاوَزُ الِاثنَتَينِ أوِ الثَّلاثَ مِن كلِّ عَشرٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ: شابّاتٌ وحَسْناواتٌ ولا يَتَضايَقنَ مِن إِبداءِ مَفاتِنِهنَّ، أَمّا الباقِي فيَستَثقِلنَ ويَنزَعِجْنَ مِن نَظَراتِ البَشَرِ الخَبِيثةِ الشَّهْوانيّةِ الثَّقِيلةِ، فلا يَرْغَبْنَ بإِظهارِ أَنفُسِهِنَّ.
وتُوضِّحُ أنَّ أَمرَ القُرآنِ الحَكِيمِ أَمرٌ فِطرِيٌّ، إِذ يُنقِذُ بِالحِجابِ تلك المَخلُوقةَ الضَّعِيفةَ الرَّقِيقةَ مِنَ المَذَلّةِ الظّاهِرِيّةِ والباطِنِيّةِ، ومِن قُيُودِ أَسارةٍ مَعنَوِيّةٍ حتَّى تكُونَ رَفِيقةً أَبدِيّةً.
— 578 —
الحِكمةُ الثانيةُ: تَرُدُّ على المَدَنيّةِ الخائِنةِ ذاتِ الأَخلاقِ الرَّذِيلةِ، والَّتي تَزعُمُ أنَّ الحِجابَ أَمرٌ غَيرُ فِطرِيٍّ، وتَعُدُّه أَسْرًا لِلمَرأةِ، وبَيانُ ذلك أنَّ الحُبَّ العَمِيقَ بينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ لَيسَ ناشِئًا عَمّا تَتَطلَّبُه الحَياةُ الدُّنيا مِنَ الحاجاتِ فحَسْبُ، فالمَرأةُ لَيسَت صاحِبةَ زَوجِها في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ وَحْدَها، بل هي رَفِيقَتُه أَيضًا في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ، وتَمتَدُّ هذه المَحَبّةُ یی ويَجِبُ أن تَمتَدَّ یی إلى نِهايةِ العُمُرِ حتَّى يكُونُوا رُفَقاءَ في الحَياةِ الأَبدِيّةِ؛ فلِئَلّا تَحرِمَ المَرْأةُ نَفسَها مِن صُحْبةِ زَوْجِها ورَفِيقِها الأَبدِيِّ تَجِدُ نَفسَها مُضطَرّةً بشَكلٍ قَطعِيٍّ وفِطرِيٍّ لِلحِجابِ.
الحِكمةُ الثّالثةُ: تُثبِتُ بشَكلٍ قَطعِيٍّ أَنَّ سَعادةَ الحَياةِ العائِليةِ واستِمرارَها إنَّما هي بالثِّقةِ المُتَبادَلةِ بينَ الزَّوجَينِ، والِاحتِرامِ اللّائِقِ والوُدِّ الصَّادِقِ بَينَهُما، إلّا أنَّ التَّبَرُّجَ والتَّكشُّفَ يُخِلُّ بتِلك الثِّقةِ، ويُفسِدُ ذلك الِاحتِرامَ والمَحَبّةَ المُتَبادَلةَ، إذ لا تَرَى غَيرُ واحِدةٍ مِن عَشْرِ مُتَبَرِّجاتٍ مَن هو أَكثَرُ جَمالًا مِن زَوجِها ولا تُحَبِّبُ نَفسَها إِلَيْه؛ والأَمرُ كَذلِك في الرِّجالِ، فلا يَرَى إلّا واحِدٌ مِن كلِّ عِشرِينَ مِنهُم مَن هي أَكثَرُ جَمالًا مِن زَوجَتِه.
فالتَّبَرُّجُ والنَّظَراتُ الحَيَوانيّةُ تُزِيلانِ ذلك الحُبَّ وتُفقِدانِ ذلك الِاحتِرامَ، حتَّى إِنَّ التَّكشُّفَ الحَيَوانِيَّ الدَّنِيءَ الخَبِيثَ وكَشْفَ ما لا يَجُوزُ كَشْفُه معَ الأَقارِبِ أَيضًا كالسّاقِ، يُفقِدُ تلك الثِّقةَ؛ وإِنَّ كَشْفَ تلك المَواضِعِ مِنَ الجَسَدِ يَتَساوَى فيه المَحْرَمُ وغَيرُه.
الحِكمةُ الرَّابعةُ: تُثبِتُ الكَثِيرَ مِنَ الحِكَمِ، مِن مِثلِ بَيانِ أَنَّ كَثْرةَ النَّسلِ أَمرٌ مَرغُوبٌ فيه لَدَى الجَمِيعِ، فلَيسَ هُنالِك أُمّةٌ ولا دَوْلةٌ لا تَحُثُّ على كَثْرةِ النَّسلِ، وقد قالَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص): «تَناكَحُوا تَكثُرُوا، فإنِّي أُباهِي بكُمُ الأُمَمَ يَومَ القِيامةِ» ، بَيْدَ أنَّ التَّبَرُّجَ والتَّكشُّفَ يَحُدُّ مِنَ الزَّواجِ بل ويُقلِّلُ، لِأنَّ الشّابَّ مَهْما بَلَغ فُسُوقُه وتَحَلُّلُه، فإنَّه يَرغَبُ في أن تكُونَ رفيقتُه في الحَياةِ مَصُونةً عَفِيفةً، والمَرأةُ مِن حَيثُ كَونُها مَأمُورةً بالحِفاظِ على أَولادِ زَوجِها وأَموالِه
— 579 —
وكلِّ ما يَخُصُّه، فإنَّ أَعظَمَ خِصالِها: الوَفاءُ والثِّقةُ؛ إلّا أنَّ تَبَرُّجَها وتَكشُّفَها يُفسِدُ هذا الوَفاءَ ويُزَعزِعُ ثِقةَ الزَّوجِ بها، فتُجَرِّعُ الزَّوجَ آلامًا مَعنَوِيّةً وعَذابًا وِجْدانيًّا.. ناهِيكَ عن أنَّ الشَّجاعةَ والسَّخاءَ تُخِلَّان بتِلك الثِّقةِ والوَفاءِ..
كما أنَّ بِلادَنا لا تُقاسُ بِبُلدانِ أَورُوبّا، وإِنْ هي قُورِنَت بِها فسَيُؤدِّي ذلك إلى ضَعفِ النَّسلِ وانْهِيارِ القُوَى.. ثُمَّ إنَّ أَهلَ المُدُنِ لا يَنبَغِي لَهُم أن يُقَلِّدُوا أَهلَ القُرَى والأَريافِ في حَياتِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ، لِأنَّ أَهلَ القُرَى يَشغَلُهُم شاغِلُ العَيشِ، أَمّا أَهلُ المُدُنِ فيَعمَلُونَ في الحِرَفِ، لِهَذا لا يُقاسُ أَهلُ المُدُنُ على أَهلِ القُرَى والأَريافِ.
رُشدِي
حِوارٌ مع المؤمنات، أخَواتي في الآخرة:
رِسالةٌ جَلِيلةٌ تُبيِّنُ أنَّه: لَمّا كانَتِ "الشَّفَقةُ" إِحدَى الأُسُسِ الأَصِيلةِ في رَسائلِ النُّورِ، والنِّساءُ هُنَّ رائِداتُ الشَّفَقةِ وبَطَلاتُ الحَنانِ، فقد أَصبَحْنَ أَكثَرَ ارتِباطًا برَسائِلِ النُّورِ فِطْرةً؛ إلّا أنَّ تَيّاراتٍ فاسِدةً تُسِيءُ استِعمالَ هذه السَّجِيّةِ القَيِّمةِ، وإنَّ العِلاجَ النّاجِعَ لِإنقاذِ سَعادةِ النِّساءِ مِنَ الإِفسادِ في دُنياهُنَّ وأُخراهُنَّ مَعًا، هو تَربِيَتُهُنَّ تَربِيةً دِينِيّةً ضِمنَ نِطاقِ الإِسلامِ الشّامِلِ.
اللَّمْعة الخامسة والعشرون: ٣٠٠
وهِي خَمسةٌ وعِشرُونَ دَواءً:
هذه الرِّسالةُ تَفسِيرٌ مُقنِعُ يُفِيدُ أنَّ آياتٍ مِثلَ: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ تُؤكِّدُ أنَّ المَصائِبَ الَّتي تَحُلُّ بِأَهلِ الإِيمانِ لَيسَت مَصائِبَ على الحَقِيقةِ، بل هي تَنبِيهٌ سُبحانِيٌّ ولُطفٌ رَبّانِيٌّ.
كما تُؤَكِّدُ أنَّها صَيْدَليّةٌ نافِعةٌ ودَواءٌ ناجِعٌ لِأَهلِ البَلاءِ والمَصائِبِ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ عُشْرَ أَهلِ الإِيمانِ، بل إِنَّ كُلًّا مِن أَدوِيَتِها بمَثابةِ صَيْدَليّةٍ تَحتَوِي آلافَ
— 580 —
الأَدوِيةِ؛ وهِي كَذلِك مَعكِسٌ مُبارَكٌ لِمِئاتِ آياتِ صَيْدَليّةِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ فيما يَخُصُّ الشِّفاءَ، مِثلَ: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٭ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وبِمَثابةِ ماءِ زَمزَمٍ قُرآنِيٍّ.
الدَّواءُ الأوَّلُ: دَواءٌ رائِعٌ جِدًّا يُبيِّنُ أنَّ مَرَضَ الإِنسانِ هو عِلّةٌ مِن حَيثُ الظّاهِرُ، إِلّا أنَّه في حَقِيقَتِه نَوعٌ مِنَ الدَّواءِ، ذلك أنَّ العُمُرَ رَأسُ مالٍ يَتَلاشَى ويَضِيعُ بالغَفْلةِ النّاجِمةِ عنِ الِاستِغناءِ والرّاحةِ والعافِيةِ؛ فالمَرَضُ يُحَوِّلُ هذه الخَسارةَ إلى عُمُرٍ مُثمِرٍ.
الدَّواءُ الثّاني: دَواءٌ راقٍ يُخبِرُ أنَّ العِبادةَ عِبادَتانِ: الأُولَى: العِبادةُ الإِيجابِيّةُ المُتَجَسِّدةُ في الصَّلاةِ وأَمثالِها مِنَ العِباداتِ المَعرُوفةِ. والثّانيةُ: العِبادةُ السَّلبِيّةُ وهِي الأَمراضُ والمَصائِبُ الَّتي تُشعِرُ بعَجْزِ المُبتَلَى بِها وضَعْفِه، فيَنالُ بذَلِك عِبادةً مَعنَوِيّةً خالِصةً مُتَجرِّدةً مِن كلِّ أَنواعِ الرِّياءِ. كما يُخبِرُ یی وَفْقًا لِما وَرَد في رِواياتٍ صَحِيحةٍ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ یی أنَّ دَقِيقةً واحِدةً مِن مَرَضِ البَعضِ بحُكْمِ ساعةٍ كامِلةٍ مِنَ العِبادةِ شَرِيطةَ عَدَمِ الشَّكوَى، وأنَّ دَقِيقةً مِنه بِالنِّسبةِ إلى بَعضِ الكُمَّلِ تَعدِلُ عِبادةَ يَومٍ كامِلٍ.
الدَّواءُ الثّالثُ: دَواءٌ مُبارَكٌ يُفِيدُ أنَّ الإِنسانَ لم يَأْتِ إلى هذه الدُّنيا لِأَجلِ التَّمتُّعِ والتَّلذُّذِ، وشاهِدُ ذلك: رَحِيلُ كلِّ آتٍ، ومَشِيبُ الشَّبابِ، وتَدَحْرُجُ الجَمِيعِ في دَوّامةِ الزَّوالِ والفِراقِ؛ وبَيْنا تَرَى الإِنسانَ أَكمَلَ الأَحياءِ وأَسماها وأَغناها أَجهِزةً بل هو السَّيِّدُ علَيْها جَمِيعًا، إِذا به یی بالتَّفكُّرِ في لَذّاتِ الماضِي وبَلايا المُستَقبَلِ یی يَقضِي حَياتَه في كَدَرٍ ومَشَقّةٍ؛ فالمَرَضُ لا يُورِثُ الغَفْلةَ كالصِّحّةِ والعافِيةِ، ولا يُظهِرُ الدُّنيا حُلْوةً خَضِرةً لَذِيذةً، ويَدْفَعُ لِلتَّخَلِّي عن آلامِ ذلك التَّفَكُّر؛ فهُوَ إِذًا يَقُومُ بدَورِ مُرشِدٍ ومُوقِظٍ ناصِحٍ أَمِينٍ.
الدَّواءُ الرَّابعُ: يُفِيدُ أنَّ على الإِنسانِ الصَّبْرَ على المَرَضِ لا الشَّكوَى، لِأنَّه لم يَصنَعْ أَجهِزَتَه وأَعضاءَه بنَفسِه ولم يَبتَعْها مِن أَيِّ مَكانٍ؛ وأنَّ صاحِبَ البُستانِ
— 581 —
يَجنِي مَحصُولًا جَيِّدًا عِندَما يُؤْذِي الأَرضَ بالحَرْثِ والرَّفْشِ والأَشجارَ بالتَّقلِيمِ؛ ولِأنَّ هذا الضَّرَرَ بالبُستانِ سَبَبٌ لِجَنْيِ الثَّمَراتِ، فلَيسَ لِلبُستانِ أَيُّ حَقٍّ في التَّشَكِّي؛ وكَذلِك الأَفعالُ الَّتي تُجرَى على الإِنسانِ بالمَرَضِ لا يَحِقُّ له التَّشَكِّي مِنها، وإنْ هو اشتَدَّ علَيْه الأَمرُ فعَلَيْه التَّجَمُّلُ بالصَّبْرِ قائِلًا: "يا صَبُورُ".
الدَّواءُ الخامِسُ: دَواءٌ لَطِيفٌ ولَذِيذٌ يُخبِرُ أنَّ المَرَض في هذا الزَّمانِ صِحّةٌ وعافِيةٌ مَعنَوِيّةٌ؛ وخاصّةً لِلشَّبابِ إذ يَمنَعُهُم مِن طَيشِ الشَّبِيبةِ وغَفلَتِها.
الدَّواءُ السّادسُ: دَواءٌ مُهِمٌّ يُبشِّرُ بِأَنَّ زَوالَ المَرَضِ يَعقُبُه اللَّذّةُ، لِأنَّ زَوالَ الأَلَمِ يُولِّدُ اللَّذّةَ؛ ويُخبِرُ أنَّ زَوالَ المَصائِبِ الأَلِيمةِ يَتْرُكُ في الرُّوحِ نَفَحاتِ اللَّذّةِ.. ولِأَهَمِّيّةِ هذا الدَّواءِ تكَرَّرَ رَقْمُه مرَّتَينِ، ودُوِّن كما هو، مِمّا يُؤَكِّدُ على مَدَى أَهَمِّيَّتِه.
الدَّواءُ السّابعُ: دَواءٌ لَطِيفٌ وعَقْلانيٌّ، يُبيِّنُ أنَّ المَرَضَ لا يَذهَبُ بلَذّةِ النِّعمةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي في الصِّحّة، بل على العَكسِ، إِنَّه يُذِيقُها ويُطَيِّبُها ويَزِيدُها لَذّةً، ذلك أنَّ أيَّ شيءٍ إذا دامَ واستَمَرَّ على حالِه فإِنَّه يَفقِدُ طَعْمَه وتَأثِيرَه.. حتَّى اتَّفَق أَهلُ الحَقِّ على القَولِ: "إِنَّما الأَشياءُ تُعرَفُ بأَضدادِها.."، فمَثَلًا: لَوْلا البُرُودةُ لَما عُرِفَتِ الحَرارةُ.
الدَّواءُ الثّامنُ: يُبيِّنُ أنَّ المَرَضَ لا يَضُرُّ بِآخِرَةِ الإِنسانِ المُؤمِنِ، بل يَنفَعُها، لِأنَّ لِلمَرَضِ مَفعُولًا كمِثلِ الصّابُونِ، يَمسَحُ الذُنُوبَ ويُنقِّيه؛ وقد ثَبَت أنَّ الأَمراضَ كَفّاراتٌ لِلذُّنُوبِ حَسَبَ ما وَرَد في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، كما أنَّها تُنقِذُ المُؤمِنَ مِنَ الأَمراضِ المَعنَوِيّةِ، إِذ إِنَّه بأَخطاءِ شَخصِه الظّاهِرِيِّ يَمرَضُ شَخصُه المَعنَوِيُّ، فيُبعِدُ عنه هذا المَرَضُ الظّاهِرِيُّ الأَخطاءَ، ويَغدُو سَبَبًا لِلِاستِغفارِ المَعنَوِيِّ، فيَكُونُ هذا المَرَضُ خَزِينةً عَظِيمةً.
الدَّواءُ التّاسِعُ: دَواءٌ جَمِيلٌ يُبيِّنُ أنَّ الإِنسانَ الَّذي يَعرِفُ اللهَ لا يَنبَغِي أَن يَخافَ مِنَ المَرَضِ الَّذي يكُونُ وَسِيلةً لِلمَوتِ، لِأَنَّ المَوتَ بِالنِّسبةِ إِلَيْه وِصالٌ ولِقاءُ
— 582 —
الأَحِبّةِ والخُلّانِ مِن أَهلِ الإِيمانِ؛ كما أنَّ الأَجَل مُقَدَّرٌ لا يَتَغيَّرُ، فقد حَدَث أَنْ ماتَ أُولَئِك الباكُونَ عِندَ المُحتَضَرِينَ في مَرَضِهِم، وشُفِيَ أُولَئِك المَرضَى وعاشُوا بَعدَ ذلك أَحياءً يُرزَقُونَ؛ وأنَّ المَوتَ إِعفاءٌ وإِنهاءٌ مِن كُلفةِ وَظِيفةِ الحَياةِ، وظَلامٌ أَبدِيٌّ لِأَهلِ الضَّلالةِ.
الدَّواءُ العاشِرُ: دَواءٌ مُهِمٌّ يُخبِرُ أنَّ القَلَقَ يَزِيدُ ثِقَلَ المَرَضِ، لا سِيَّما إِنْ كانَ المَرِيضُ صاحِبَ وَسْوَسةٍ، فيُضاعَفُ حِينَها مَرَضُه الظّاهِرِيُّ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرةِ، كما أنَّ القَلَق مَرَضٌ في حَدِّ ذاتِه.
الدَّواءُ الحادِيَ عَشَرَ: دَواءٌ رَفِيعٌ يُخبِرُ بأنَّ المَرَضَ يُشعِرُ الإِنسانَ بأَلَمٍ حاضِرٍ، لكِنَّه في الوَقتِ نَفسِه يَمنَحُه لَذّةً مُستَدَرّةً مِن زَوالِ مَرَضِه السّابِقِ؛ وإنَّ التفكُّرَ بِدَوامِ لَذَّتِه حتَّى الوَقتِ الحاضِرِ يَزِيلُ أَلَمَ المَرَضِ الحاليِّ.. كما يُخبِرُ بأَنَّ الواجِبَ عَدَمُ الخَوفِ مِنَ الزَّمانِ القابِلِ لِأنَّه لا يُعرَفُ أَمرُه، فإِذًا لا مَعنَى لِإِعطاءِ صِبْغةَ الوُجُودِ لِزَمانٍ لم يَأْتِ، ولا لِأَلَمٍ لم يَحضُر، ولا لِمَرَضٍ لم يَحصُل؛ وأنَّ تَشتِيتَ صَبْرِه يَمِينًا وشِمالًا لا طائِلَ مِن وَرائِه، بل يَلزَمُه حَشْدُه جَمِيعًا بِكُلِّ ما يَملِكُ مِنَ القُوّةِ لِلوَقتِ الحاضِرِ.
الدَّواءُ الثّانِيَ عَشَرَ: يُؤَكِّدُ أنَّه يَجِبُ على الإِنسانِ ألّا يَأْسَفَ لِحِرمانِه مِنَ العِبادةِ والأَوْرادِ بسَبَبِ المَرَض، لِأنَّه ثَبَتَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ المَرِيضَ إِن هو تَحَلَّى بالصَّبْرِ والتَّوكُّلِ وأَقامَ الفَرائِضَ فسَيَنالُ ثَوابَ العِبادةِ والأَوْرادِ بِعَينِها وبصُورةٍ أَكثَرَ إِخلاصًا، وأَنَّ الإِنسانَ يَشعُرُ بعَجزِه وضَعفِه أَثناءَ المَرَضِ، فيَتَضرَّعُ بالدُّعاءِ حالًا وقَولًا في دِيوانِ الحَضرةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُبيِّنُ سِرَّ: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، ولِكَونِ المَرَضِ سَبَبًا لِدُّعاءٍ خالِصٍ مِثلَ هذا فلا تَصِحُّ الشَّكوَى مِنه، بل يَتوَجَّبُ شُكرُ اللهِ تَعالَى.
الدَّواءُ الثّالثَ عَشَرَ: دَواءٌ مُهِمٌّ يَحُثُّ على عَدَمِ الشَّكوَى مِنَ المَرَضِ، ويُخبِرُ بأنَّ المَرَضَ قد يَغدُو كَنزًا عَظِيمًا لِبَعضِ النّاسِ، وأنَّه يَلزَمُ التَّقَلُّبُ دَومًا بَينَ
— 583 —
الخَوفِ والرَّجاءِ لِأنَّ وَقتَ حُلُولِ الأَجَلِ مَجهُولٌ؛ وبِما أنَّ مِنَ المُتَوقَّعِ أن يُباغِتَ الإِنسانَ وهُو سادِرٌ في غَفْلَتِه، فإِنَّ المَرَضَ يَغدُو ناصِحًا أَمِينًا له، إِذ يَدفَعُه لِلتَّفكِيرِ في آخِرَتِه أَكثَرَ.
الدَّواءُ الرّابعَ عَشَرَ: يُبيِّنُ أنَّ هُنالِك نُورًا، وأَيُّ نُورٍ! وعَينًا مَعنَوِيّةً تَحتَ الحِجابِ المُسدَلِ على أَعيُنِ أَهلِ الإِيمانِ یی أي: عَماها یی وأَنَّ الأَولَى بِهِم أن يُمنَحُوا یی بَدَلَ عَينٍ واحِدةٍ يُطالِعُونَ بِها لِبِضعِ سِنِينَ جَمالَ الدُّنيا الحَزِينَ الفانِيَ وبِصُورةٍ فانِيةٍ یی أَعيُنًا أَبدِيّةً بِقُوّةِ أَربَعِينَ عَينًا، يُشاهِدُونَ بِها الجِنانَ ونَعِيمَها بِصُورةٍ أَبدِيّةٍ في الجِنّةِ.
(حاشية): ومِن قوةِ تأثيرِ هذا الدَّواءِ: كنتُ قد حلَلتُ ضَيفًا على إِحدَى القُرَى، فوَجَدتُ فيها رَجُلًا فاضِلًا فاقِدَ البَصَرِ يُدعَى مُحمَّد آغا، فاشتَكَى لي مِن مَرَضِ عَينِه، فقَرأتُ له الدَّواءَ الرّابعَ عشَرَ مِن "رسالة المرضى" التي كانَت بحَوْزتي، فتأثَّر ذلك الفاضلُ بما يَحمِلُه هذا الدَّواءُ مِنَ سُلوانٍ، ثمَّ قال: "ليتني لم أَشْتَكِ مَرَضي الذي فَتَح لي بابَ هذا الثَّوابِ وهذه المَكاسِبِ المعنويّة!"، فنَدِم على فِعلَتِه هذه، وعاوَد الشُّكرَ والحَمدَ لله على حاله، وأَدرَك بشكلٍ قَطعِيٍّ أنَّ هذا المَرَضَ إنَّما هو رحمة إِلٰهِية في حقِّه.
الدَّواءُ الخامِسَ عَشَرَ: يُخبِرُ بِصُورةٍ جَمِيلةٍ أنَّ التَّأوُّهَ والأَنِينَ غَيرُ جائِزٍ، إِذ هو قَصْرٌ لِلنَّظَرِ على صُورةِ المَرَضِ، بلِ يَجِبُ النَّظَرُ إلى مَعناه كي تتَقَطَّرَ مِنه لَذائِذُ مَعنَوِيّةٌ، ويَنطِقَ اللِّسانُ بقَولِ: الحَمدُ للهِ.. فلو لم يَكُن للمَرَضِ مَعنًى جَمِيلٌ لَمَا كانَ الخالِقُ الرَّحِيمُ يَبتَلِي أَحَبَّ أَحِبّائِه مِن عِبادِه بالأَمراضِ والأَسقامِ، كما وردَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثمَّ الأَولياءُ، ثمَّ الأَمثَلُ فالأَمثَلُ» أو كما قال (ص).
كما أنَّ ثَمّةَ أَمراضًا يُكَلَّلُ أَصحابُها بالشَّهادةِ، لا سيَّما الأَمراضُ الَّتي تَتَمخَّضُ عنِ الوِلادةِ، فإذا ماتَت بها خِلالَ أَربَعِينَ يَومًا، فإنَّها ستَرقَى إلى مَرتَبةِ الشَّهادةِ.
الدَّواءُ السّادِسَ عَشَرَ: دَواءٌ جَمِيلٌ ولَطِيفٌ وشَهِيٌّ، يُبيِّنُ أنَّ المَرَضَ يُلقِّنُ صاحِبَه أَهَمَّ عُرَى الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والإِنسانيّةِ، وهُما الِاحتِرامُ والمَحَبّةُ، لِأنَّ الصِّحّةَ والعافِيةَ تَدفَعانِ النَّفسَ الأَمّارةَ لِلوُقُوعِ في شِباكِ الِاستِغناءِ، أمّا المَرَضُ
— 584 —
فيُشعِرُ صاحِبَه بالرَّحمةِ والرَّأفةِ بَدَلَ الِاستِغناءِ، ويكُونُ وَسِيلةً لِجَلبِ الشَّفَقةِ تِجاهَ بَنِي جِنسِه.
الدَّواءُ السّابِعَ عَشَرَ: يُفِيدُ أنَّه لا يَجُوزُ لِلمَرِيضِ الحُزنُ لعَجزِه عنِ القِيامِ بأَعمالِ البِرِّ، لِأنَّ المَرَضَ نَفسَه مِن أَعظَمِ الخَيراتِ، بل إنَّ رِعايةَ المَرضَى لَهِيَ مِن أَعظَمِ الخَيراتِ وأَفضَلِ الصَّدَقاتِ، فَضْلًا عن أنَّ زِيارةَ مَرِيضٍ مُؤمِنٍ والسُّؤالَ عن صِحَّتِهِ وراحَتِهِ وبَثَّ السُّلوانِ في قَلبِه یی وبخاصّةٍ إن كانَ والِدًا أو والِدةً یی والفَوزَ بِدُعائِه، هو في حُكْمِ صَدَقةٍ عَزِيزةٍ.
الدَّواءُ الثّامِنَ عَشَر: يُبيِّنُ أنَّه لا يَحِقُّ لِلإِنسانِ تَركُ الشُّكرِ والِاستِسلامُ لِلشَّكوَى، ولا الشَّكوَى مِن ضَياعِ أَحَدِ حُقُوقِه سُدًى، لِأنَّ لِلحَقِّ سُبحانَه عِندَه نِعَمًا كَثِيرةً لم يُؤَدِّ بَعدُ شُكرَها، وهُو بِهذا يَرتَكِبُ ظُلمًا في حَقِّه.. ويُؤكِّدُ أنَّ علَيْه النَّظَرَ یی مِن زاوِيةِ الصِّحّةِ یی إلى أُولَئِك العاجِزِينَ مِنَ المَرضَى الَّذِينَ هُم أَدنَى مِنه دَرَجةً، فإِن كانَ فاقِدَ أُصبُعٍ أو يَدٍ أو عَينٍ واحِدةٍ فليَنظُر إلى مَن فَقَد أُصبُعَيْه أو يَدَيْه أو عَينَيْه.
ناهِيك عن أنَّ هذا الإِنسانَ جاءَ الوُجُودَ مِنَ العَدَمِ، ولم يُخلَق حَجَرًا ولا شَجَرًا ولا حَيَوانًا، بل إِنسانًا مُسلِمًا، وتَمَتَّع بالصِّحّةِ والعافِيةِ، ونالَ دَرَجةً سامِيةً مِنَ النِّعمِ.. لِذا فإِنَّ مِن كُفرانِ النِّعمةِ أن يُظهِرَ الشَّكوَى وعَدَمَ التَّحَمُّل لعَدَمِ تَمَتُّعِه بالصِّحّةِ والعافِيةِ نَتِيجةَ بَعضِ العَوارِضِ، أو لِإضاعَتِه النِّعَمَ بسُوءِ اختِيارِه، أو مِن سُوءِ الِاستِعمالِ، أو لِعَجْزِه عنِ الوُصُولِ إلَيْها.
الدَّواءُ التّاسِعَ عشَرَ: يُبيِّنُ أنَّ التَّعبِيرَ الصَّمَدانِيَّ بإِطلاقِ "الأَسماءِ الحُسنَى" على جَمِيعِ أَسماءِ اللهِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ يَدُلُّ على أنَّ تلك الأَسماءَ جَمِيلةٌ كُلُّها، وأنَّ الحَياةَ هي أَجمَلُ مِرآةٍ صَمَدانيّةٍ وأَلطَفُها وأَجمَعُها في المَوجُوداتِ، وأنَّ مِرآةَ الجَمِيلِ جَمِيلةٌ أَيضًا، وأنَّ المِرآةَ الَّتي تَعكِسُ مَحاسِنَ الجَمِيلِ تُصبِحُ جَمِيلةً أَيضًا، وأنَّ كلَّ شَيءٍ يُصِيبُ تلك المِرآةَ مِن ذلك الجَمِيلِ هو جَمِيلٌ كَذلِك؛ وأنَّ الحَياةَ لو مَضَت بالصِّحّةِ والعافيةِ على نَسَقٍ واحِدٍ، لَأَصبَحَت
— 585 —
مِرآةً ناقِصةً، وأنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ يُوَجِّهُ الأَجهِزةَ الإِنسانيّةَ الأُخرَى إلى مُعاوَنةِ العُضوِ العَلِيلِ، وأنَّه يُرسِلُ هذا المَرَضَ ضَيْفًا حتَّى يُبْرِزَ نُقُوشَ الأَسماءِ، وعِندَما يَنتَهِي مِن وَظِيفَتِه يَمضِي إلى شَأْنِه تارِكًا مَكانَه لِلصِّحّةِ والعافِيةِ.
الدَّواءُ العِشرُونَ: يُخبِرُ أنَّ المَرَضَ قِسمانِ: قِسمٌ حَقِيقيٌّ وقِسمٌ آخَرُ وَهْمِيٌّ. أمّا القِسمُ الحَقِيقيُّ: فقد جَعَل الشّافي الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَلَّ وعَلا لِكُلِّ داءٍ دَواءً، وخَزَّنَه في صَيْدليَّتِه الكُبرَى الَّتي هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، فتِلك الأَدوِيةُ تَستَدعِي الأَدْواءَ، واستِعمالُها وتَناوُلُها بِغَرَضِ التَّداوِي مَشرُوعٌ أَصلًا؛ ولكِن يَجِبُ العِلمُ بأنَّ الشِّفاءَ وتَأثِيرَ الدَّواءِ لَيْسا إلّا بِأَمرِ الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى.
ويُثبِتُ بمِثالٍ بَدِيعٍ أنَّ عِلاجَ القِسمِ الوَهمِيِّ مِنَ المَرَضِ هو: «الإِهمالُ» ، إذ يَكبُرُ الوَهْمُ بالِاهتِمامِ ويَنتَفِشُ، وإِن لم يُعبَأ به فإنَّه يَصغُرُ ويَنزَوِي ويَتَلاشَى.
الدَّواءُ الحادِي والعِشرُون: يُوضِّحُ أنَّ في المَرَضِ أَلَمًا مادِّيًّا، إلّا أنَّ لَذّةً مَعنَوِيّةً غامِرةً تُحِيطُ به تَمحُو كلَّ آثارِ ذلك الأَلَمِ المادِّيِّ، ألا وهِي الرَّأْفةُ والشَّفَقةُ اللَّذِيذةُ الَّتي تَتَفجَّرُ مِن جَدِيدٍ في أَكبادِ والِدَيه وأَقارِبِه نَحوَه بِسَبَبِ ذلك المَرَضِ، مِمّا يُنسِيه تلك الآلامَ الأَليمةَ.. كما يُؤكِّدُ أنَّه سيُسَخَّر له الكَثِيرُ مِنَ المُعاوِنِينَ المادِّيِّينَ والمَعنَوِيِّينَ، فلِذا يتَوَجَّبُ علَيْه الشُّكرُ لا الشَّكوَى.
الدَّواءُ الثّاني والعِشرُونَ: يُثبِتُ ويُبَرهِنُ أنَّ الدّاءَ العُضالَ یی مِثلَ الشَّلَلِ یی يُعَدُّ في حقِّ المُؤمِنِ مِنَ الأَمراضِ المُبارَكةِ، ويَشهَدُ على بَرَكَتِه الأَوْلياءُ الصّالِحُونَ؛ كما يُفِيدُ أنَّ الوُصُولَ إلى الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى له أَساسانِ، وأنَّ دَوْرَ الدّاءِ العُضالِ یی كالشَّلَلِ یی أن يُحقِّقَ خواصَّ هذَينِ الأَساسَينِ: أوَّلُهُما: رابِطةُ المَوتِ، فكما أنَّه يُعْلِمُ بفَناءِ الدُّنيا، كَذلِك يُظهِر نَفسَه فانيًا وضَيفًا يُستَخدَمُ في الِوَظائِفِ. وثانِيهِما: أنَّ بَعضَ أَهلِ الإِيمانِ اشتَغَلُوا بإِماتةِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ بالمُجاهَداتِ لِأَجلِ الخَلاصِ مِن مَهالِكِها، ومِنَ الأَحاسِيسِ والمَشاعِرِ الَّتي لا تَهتَمُّ بالعُقبَى، وبِهذِه الطَّرِيقةِ ظَفِرُوا بِحَياتِهِمُ الأَبدِيّةِ؛ فكَذلِك الدّاءُ العُضالُ
— 586 —
یی كالشَّلَلِ یی يَتمَتَّعُ بالخاصّةِ ذاتِها، وبِذا يَغدُو المَرَضُ رَخِيصًا جِدًّا أَمامَ هذا الرِّبحِ العَظِيمِ.
الدَّواءُ الثّالِثُ والعِشرُونَ: يَلفِتُ الأَنظارَ إلى قَضِيّةٍ مُهِمّةٍ، وهِي أنَّ المَرَضَ إِن نَزَل في الغُربةِ والوَحْدةِ فسيَكُونُ یی مِن جِهةِ الوَحْدةِ یی سَببًا في لَفْتِ أَشَدِّ القُلُوبِ قَساوةً نَحوَ المَرِيضِ وامتِلائِها بالرِّقّةِ علَيْه؛ وأنَّ اللهَ الَّذي يُعَرِّفُ نَفسَه إلَيْنا في بَدءِ سُوَرِ القُرآنِ بصِفَتِه الجَلِيلةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَجعَلُ جَمِيعَ الأُمَّهاتِ یی بلَمْعةٍ مِن لَمَعاتِ شَفَقَتِه ورَأْفَتِه الباهِرةِ یی يَقُمْنَ بتَربِيةِ أَوْلادِهِنَّ، وأنَّه يَملَأُ وَجْهَ الدُّنيا ويَصبُغُه في كلِّ رَبِيعٍ بتَجَلٍّ مِن رَحْمَتِه ويَملَؤُه بأَنواعِ نِعَمِه وفَضْلِه، وأنَّ نَيلَ هذه النِّعمِ يَكُونُ بِمَعرِفَتِه والإِيمانِ به والِانتِسابِ إلَيْه.. وأنَّ المَرَضَ في الوَحْدَةِ والغُربةِ يَجلُبُ نَظَرَ الرَّحْمةِ تِجاهَ المَرِيضِ.
الدَّواءُ الرّابعُ والعِشرُونَ: يُثبِتُ بشَكلٍ قاطِعٍ أنَّ تِجارةً أُخرَوِيّةً غاليةً بَينَ أَيدِي المُمَرِّضِينَ المُعتَنِينَ بالأَطفالِ المَرضَى الأَبرِياءِ وبالشُّيُوخِ الَّذِينَ هم بحُكْمِ الأَطفالِ عَجْزًا وضَعْفًا، وأنَّ أَمراضَ الأَطفالِ الأَبرِياءِ هي حُقْناتُ رَبّانيّةٌ لِأَجسادِهِمُ الرَّقيقةِ للِاعتِيادِ على مَشَقّاتِ الحَياةِ في المُستَقبَلِ؛ وأنَّ ثَوابَ هذه الحُقْناتِ وأَمْثالِها يُدرَجُ في صَحِيفةِ أَعمالِ المُعتَنِينَ لا سِيَّما صَحِيفةِ أَعمالِ الأُمَّهاتِ؛ وهذا أمرٌ ثابِتٌ لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ.
كما يُؤكِّد أنَّ الظَّفَر بدُعاءِ الشُّيُوخِ یی وخاصّةً الوالِدَينِ والأَقرَبِينَ یی هو مَبعَثُ سَعادةِ الآخِرةِ، وأنَّه ثابِتٌ بحَوادِثَ كَثِيرةٍ أن الوَلَد السَّعِيدَ البارَّ بوالِدَيه العاجِزَينِ سيَرَى الطّاعةَ نَفسَها مِن أَبنائِه، بَينَما الوَلَدُ العاقُّ المُؤْذِي لِأَبَوَيْه فمعَ مَصِيرِه إلى العَذابِ الأُخرَوِيِّ، سيَجِدُ في الدُّنيا مَهالِكَ كَثِيرةً، وأنَّ الدِّينَ الإِسلامِيَّ يَحُثُّ لا على رِعايةِ الشُّيُوخِ مِنَ الأَقرَبِينَ فحَسْبُ، بل حتَّى مَن لَيسُوا مِنَ الأَقرَبِينَ.
الدَّواءُ الخامِسُ والعِشرُونَ: يُثبِتُ بشَكلٍ قَطعِيٍّ وظاهِرٍ لِلعِيانِ أنَّ الدَّواءَ المَعنَوِيَّ النّافِعَ جِدًّا لِجَمِيعِ الأَمراضِ، وأنَّ العِلاجَ الحَقِيقيَّ والقُدسِيَّ، هو
— 587 —
التَّرقِّي الإِيمانِيُّ، وأنَّه يَجِبُ استِعمالُ هذا العِلاجِ القُدسِيِّ المُتَمثِّلِ في الإِيمانِ وتَناوُلُ الدَّواءِ المُستَخلَصِ مِنه بالتَّوبةِ والِاستِغفارِ والصَّلاةِ والعِبادةِ؛ وأنَّ مُعالَجةَ دُنيا الغافِلِينَ العَلِيلةِ بضَرَباتِ الزَّوالِ والفِراقِ إنما يكُونُ بِاستِعمالِ الدَّواءِ الَّذي يَمنَحُه التِّرياقُ القُدسِيُّ أي: الإِيمانُ؛ وأنَّ عِلاجَ الإِيمانِ هذا يَتبَيَّنُ تَأثِيرُه بأَداءِ الفَرائِضِ، وأنَّ الغَفْلةَ والسَّفاهةَ وهَوَى النَّفسِ واللَّهْوَ غَيرَ المَشرُوعِ يُبطِلُ مَفعُولَ هذا العِلاجِ وتَأثِيرَه.
الحافظ مصطفى (رَحِمَهُ اللهُ)
اللَّمْعة السادسة والعشرون: ٣٢٨
كهيعص ٭ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ٭ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ٭ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
تَحتَوِي اللَّمْعةُ على سِتّةٍ وعِشرِينَ رَجاءً:
الرَّجاءُ الأوَّل: رَجاءٌ قيِّمٌ وَجِيزٌ، يُبيِّنُ أنَّ أَصلَ كلِّ شَيءٍ ونُورَه وضِياءَه ومَنبَعَه ومَعدِنَه ومَصدَرَه هو الإِيمانُ، وأنَّ الأَلزَمَ قَبلَ كلِّ شَيءٍ السَّعيُ لِنَيلِ هذا النُّورِ القُدسِيِّ المُبَجَّلِ المُنزَّهِ.
الرَّجاءُ الثّاني: رَجاءٌ باعِثٌ لِلنُّورِ، يُبشِّرُ أنَّ الشُّيُوخَ الَّذِينَ هم في الحَقِيقةِ بحُكمِ الصِّبيانِ إِنِ انتَسَبُوا زَمَنَ الشَّيخُوخةِ إلى الخالِقِ الرَّحِيمِ بالإِيمانِ والطَّاعةِ، فسيَكُونُونَ مَظهَرًا لِاسمَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَثَلهُم في ذلك مَثَلُ الصِّبيانِ تمامًا.
الرَّجاءُ الثّالثُ: يُبيِّنُ أنَّ السَّبِيلَ الأَسلَمَ لِلأَمانِ في الِانقِلاباتِ الأُخرَوِيّةِ والسَّوقِ نَحوَ البَرزَخِ الَّذي ابتُلِيَ به النَّوعُ البَشَرِيُّ شاءَ أم أَبَى، إِنَّما يَتَحَقَّقُ باتِّباعِ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ، سُنَّةِ حبيبِ اللهِ ونَبِيِّنا المُعَظَّمِ (ص)، وقائِدِ العَالَمِينَ وسَيِّدِ الأَنبِياءِ والمُرسَلِينَ، ومَظهَرِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ.
— 588 —
الرَّجاءُ الرّابعُ: يَفتَحُ بابَ رَجاءٍ عَظِيمٍ، ويُبشِّرُ الشُّيُوخَ والعَجائِزَ الَّذِينَ بَدَأَت تَنفَصِمُ عَلاقتُهُم بالدُّنيا، وباتُوا يُفكِّرُونَ بالقَبْرِ الَّذي أَضْحَوْا على شَفِيرِه.. بِأنَّ القُرآنَ المُعجِزَ البَيانِ يُنيرُ تلك العَوالِمَ الَّتي تَبدُو مُظلِمةً في الظّاهِرِ، ويُكسِبُ الإِنسانَ بِحَرفٍ واحِدٍ عَشَرةَ حَسَناتٍ یی ورُبَّما مِئةً أو أَلفًا في بَعضِ الأَحيانِ یی وأنَّه مِفتاحُ خَزِينةِ الرَّحمةِ.. فإِن هم أَطاعُوه بِنُورِ الإِيمانِ واتَّبَعُوا أَوامِرَه واجتَنَبُوا نَواهِيَه فسيَحظَوْنَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ في الآخِرةِ.
الرَّجاءُ الخامِسُ: يُفِيدُ بِأنَّ سُلوانَ الإِيمانِ بالآخِرةِ الَّذي يَظهَرُ تَأثِيرُه في كُلِّ فَردٍ وفي كُلِّ شَخصٍ بِصُورةٍ جُزئيّةٍ أو كُلِّيّةٍ، يكُونُ تَأثِيرُه عِندَ الشُّيُوخِ أَقوَى وأَعظَمُ وأَرجَى، لِذا يُوصِيهِم أن يَعلَمُوا أنَّ الشَّيخُوخةَ سَفِينةٌ رَبّانيّةٌ أَمِينةٌ، وأن يَرتَضُوها ويَحمَدُوا اللهَ على حالِهِم ويَشكُرُوه.
الرَّجاءُ السّادِسُ: يُبيِّنُ أنَّه بِنُورِ الإِيمانِ تَغدُو طَبَقاتُ الكَونِ ومَوجُوداتُ الأَرضِ ومَخلُوقاتُه أَصدِقاءَ مُؤنِسِينَ، يَشهَدُونَ على وُجُودِ الخالِقِ الرَّحِيمِ، فيُزِيلُونَ الغُربةَ والوَحْشةَ والظُّلُماتِ؛ وأنَّ في مَرحَلةِ الشَّيخُوخةِ وزَمَنِ مُفارَقةِ الأَشياءِ الَّتي تُرافِقُ الإِنسانَ في مَسِيرةِ حَياتِه يكُونُ العَجزُ والضَّعفُ أَرجَى شَفِيعَينِ عِندَ بابِ الخالِقِ الرَّحِيمِ، الَّذي تَشهَدُ على وُجُودِه شَواهِدُ بِعَدَدِ حُرُوفِ كِتابِ العالَمِ، وتَدُلُّ علَيْه دَلائِلُ رَحمةٍ بعَدَدِ النِّعَمِ والأَطعِمةِ والأَجهِزةِ المُخَصَّصةِ لِذَوِي الأَرواحِ الَّتي هي مَدارُ الشَّفَقةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ؛ لِذا يَجِبُ أن يَوَدَّ الشَّيخُوخةَ ويُحِبَّها لا أَن يَضجَرَ مِنْها.
الرَّجاءُ السَّابعُ: رَجاءٌ قَوِيٌّ دَمَّر مِن سِتِّ جِهاتٍ بِناءَ الأَوْهامِ الَّتي شُوهِدَت في العاصِمةِ، وأَسبَغَت بالبَلاهةِ على الدُّنيا الفانِيةِ قِناعَ البَقاءِ؛ وبَدَّد بِنُورِ القُرآنِ وسِرِّ الإِيمانِ الظُّلُماتِ القادِمةَ مِنَ الضَّلالةِ؛ وأَخرَج الشُّيُوخَ المَساكِينَ المُبتَلَينَ مِن وِدْيانِ الأَوْهامِ والشُّبُهاتِ؛ وبَلَغ بِهِم ساحِلَ السَّلامةِ ورَحْمةَ الرَّحمٰنِ.
— 589 —
الرَّجاءُ الثّامِنُ: يُبيِّنُ أنَّ الحَقَّ سُبحانَه الَّذي خَلَق البَشَرِيّةَ یی بِكَمالِ كَرَمِه ورَأفَتِه وشَفَقَتِه غَيرِ المُتَناهِيةِ یی لِأَجلِ حَياةٍ أَبدِيّةٍ باقِيةٍ، يُخبِرُ في القُرآنِ العَظِيمِ الشَّأنِ عَبْرَ دُستُورٍ سَماوِيٍّ بِأَنَّ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ لِأَجلِ أَن يُنقِذَه مِنَ النِّسيانِ المُطلَقِ؛ كَما يُوقِظُه بِسِرِّ الإِيمانِ ونُورِ القُرآنِ مِن نَومِ الغَفْلةِ، فيَضَعُ بَينَ يَدَيه دُستُورَ رَجاءٍ قَوِيًّا، وذلك مِن خِلالِ الشَّيبِ الَّذي هو أَمارةُ المَوتِ والمُبَشِّرُ به، وصاحِبُ الإِنسانِ المُلازِمُ له، وأُستاذُه في مَرحَلةٍ بَدَأَت فِيها مَسِيرةُ حَياتِه بالتَّدَرُّجِ نَحوَ الأَسفَلِ، وأَضْحَى ذا مُيُولٍ دائِمٍ لِلغَفْلةِ والتَّعلُّقِ بالفانِياتِ.
الرَّجاءُ التّاسِعُ: يَفتَحُ بابَ الرِّضا بالشَّيخُوخةِ، إذِ الشَّيخُوخةُ الَّتي تَتذَوَّقُ العَجزَ والضَّعفَ بِشَكلٍ فِعلِيٍّ، مِثلَما تُصبِحُ یی مِن حَيثُ الأَحاسِيسُ والمَشاعِرُ بِحُكمِ الأَطفالِ والصِّغارِ یی وَسِيلةً لِجَلبِ الرَّحمةِ والعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ؛ كَذلِك تُصبِحُ وَسِيلةً لِتَوَجُّهِ الخالِقِ الكَرِيمِ ومَدِّ يَدِ العَونِ مِنَ البَشَرِ، كما أَنَّها تَجمَعُ بِالأَمرِ القُرآنِيِّ والإِشارةِ النَّبوِيّةِ الصِّغارَ حَوْلَه كالجُنُودِ المُطِيعِينَ له في غايةِ الِاحتِرامِ والشَّفَقةِ والرَّأفةِ.
الرَّجاءُ العاشِرُ: رَجاءٌ قَوِيٌّ مُفرِحٌ، يُبشِّرُ بِأَنَّ الشَّيخُوخةَ الماضِيةَ ضِمنَ دائِرةِ الإِيمانِ نِعمةٌ إِلٰهِيّةٌ عَظِيمةٌ، وأنَّها قد تَرتَقِي بالإِنسانِ لِمَقاماتٍ عالِيةٍ كمَراتِبِ الأَولِياءِ الحاصِلةِ بالسَّيرِ والسُّلُوكِ؛ إذ شُوهِدَ بِعُيُونِ الشَّيخُوخةِ المُؤمِنةِ: أنَّه مِثلَما يُحَبُّ المَوتُ الَّذي هو حَقِيقةٌ وأَمرٌ واقِعٌ بِنُورِ القُرآنِ الحَكِيمِ، ويُرَجَّحُ على الحَياةِ، فكَذلِك الأَمواتُ الَّذِينَ هم في عالَمِ البَرزَخِ يَستَحِقُّونَ الأُنسَ والأُلفةَ أَكثَرَ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ هم ضُيُوفٌ مُؤَقَّتُونَ في الدُّنيا، وسيَمضُونَ إِلَيْها لا مَحالةَ.
الرَّجاءُ الحادِيَ عشَرَ: بِتَنبِيهِ المَشِيبِ الَّذي يُعَدُّ مُبَلِّغًا لا يَسكُتُ، وبِفَناءِ الجَسَدِ الَّذي يُتوَهَّمُ أنَّه أَبدِيٌّ، ومُيُولِه لِعالَمٍ آخَرَ، وبضَرَباتِ بَعضِ الغادِرِينَ الَّذِينَ يُظَنُّ فِيهِمُ الوَفاءُ؛ لُوحِظَ أنَّ جَمِيعَ ما يُرتَبَطُ بِه لا يَستَحِقُّ التَّعَلُّقَ به قَلبًا؛ وعَقِبَ البَحثِ والتَّحَرِّي عن مَلجَأٍ ومُستَندٍ يُؤوَى إِلَيْه هُرِعَ لِلنَّجدةِ الدُّستُورُ القُدسِيُّ:
— 590 —
"لا إِلٰهَ إلّا هُو" الصّادِرُ مِن لِسانِ القُرآنِ الحَكِيمِ، ومِن خِلالِ مِثالَينِ هُما عَينُ الحَقِيقةِ أُثبِتَ عَدَمُ تَأْثيرِ الأَسبابِ، وزَيفُ مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ الَّذي أَضَلَّ سَبِيلَ العَصرِ، وأُثبِتَ وُجُوبُ وُجُودِ قَدِيرٍ أَزَليٍّ كلُّ شَيءٍ بِيَدِ قُدرَتِه وتَصَرُّفِه وعِلمِه المُحِيطِ، مِنَ الفَلَكِ إلى المَلَكِ، ومِنَ الذُّبابِ إلى السَّمَكِ، ومِنَ الخَيالِ إلى الحَياةِ.. هكذا يَفتَحُ هذا الرَّجاءُ بابَ رَجاءٍ قويٍّ يَغدُو وَسِيلةً لِنُورِ الإِيمانِ.
الرَّجاءُ الثّانِيَ عشَرَ: إِثرَ وَفاةِ المَرحُومِ عَبدِ الرَّحمَنِ، إذا بِسِرِّ الآيةِ القُدسِيّةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وبحَقِيقةِ: "يا باقِي أَنتَ الباقِي، يا باقِي أَنتَ الباقِي" وبِآيةِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ تُهرَعُ لِبَثِّ السُّلوانِ وتَقُولُ: إِنَّ جَلْوةَ عِنايةٍ مِنه تَزِنُ الدُّنيا وما فِيها، وجَلْوةَ نُورٍ مِنه تُزِيلُ جَمِيعَ الظُّلُماتِ، فما دامَ باقِيًا تَوَجُّهُ هذا الباقِي ذِي الجَلالِ، والسَّرمَدِيِّ ذِي الكَمالِ، والرَّحِيمِ ذِي الجَمالِ، فهُو كافٍ.
هذا الرَّجاءُ أَشبَهُ بالكَهرَباءِ، إذ يَمنَحُ القُلُوبَ الإِيمانَ، ويُبَدِّلُ الظُّلُماتِ نُورًا، ويُحَوِّل وَجْهَ الشُّيُوخِ إلى الباقِي ذِي الجَلالِ یی وأَغلَبُهُم مُبتَلَونَ بمُصِيبةِ الفِراقِ والِافتِراقِ والحَسرةِ یی ويُبيِّنُ مِن خِلالِ حَقِيقةٍ واقِعِيّةٍ أنَّ الرّاحِلِينَ يَمضُونَ إلى مُلكِه الباقِي، ويُبعَثُ مَحَلَّهُم آخَرُونَ، وكَذلِك في المُستَقبَلِ ثَمّةَ مَن سيُبعَثُونَ.
الرَّجاءُ الثّالثَ عشَرَ: بَعدَ احتِلالِ الرُّوسِ مَدِينةَ "وان" في الحَربِ العالَمِيّةِ وإِحراقِها وتَحويلِها إلى أَطلالٍ، وإِثرَ تَغيِيبِ أَكثَرِ سُكّانِها بالمَوتِ والشَّهادةِ أوِ التَّهجِيرِ، وإِبّانَ دَمارِ مَدرَسةِ "خُورْخُور" ووَفاتِها وظُهُورِ قَلعةِ "وان" المُتَربِّعةِ على رَأسِ "خُورْخُور" مُكَوَّنةً مِن كُتلةٍ صَخْرِيّةٍ واحِدةٍ أَشبَهَ بحَجَرِ اللَّحدِ لِقَبْرِ المَدارِسِ التَّقلِيدِيّةِ الَّتي أُغلِقَت وأُمِيتَت، وبَينَما أَنا على هذه الحالةِ على قِمّةِ قَلعةِ "وان" يُخَيِّمُ عَلَيَّ يَأْسٌ شَدِيدٌ، إذا بِحَقِيقةٍ تَتَجَلَّى مِن مَعِينِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ في قَولِه تَعالَى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
— 591 —
٭ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وتُنقِذُ مِن هذه الحالةِ الحَزِينةِ الأَلِيمةِ، وتَلفِتُ الأَنظارَ إلى الآفاقِ وإلى آياتِ الكَونِ، فتُبيِّنُ أَنَّ النَّقَّاشَ الأَزَلِيَّ يَكتُبُ یی بَدَلَ رِسالةٍ كُتِبَت ومُحِيَت بِيَدِ الضُّيُوفِ مِنَ البَشَرِ یی كِتابَ الكَونِ الَّذي لا يُمحَى ولا يَبلَى، ويُدرِجُ في كُلِّ حَرفٍ مِنه كِتابًا كامِلًا، ويُسْدِي عِوَضًا عن مَدرَسةِ "خُورْخُور" مَدِينةَ "إِسبارْطةَ" كمَدرَسةٍ، ويُبدِلُ بِضْعَ طُلّابٍ وأَصحابٍ مِمَّن فارَقُونا بطُلّابٍ وأَصحابٍ كُثْرٍ.
يَتوَجَّهُ هذا الرَّجاءُ القَيِّمُ إلى الشُّيُوخِ المُؤمِنِينَ المُقتَرِبِينَ مِن لِقاءِ حَضرةِ رَبٍّ رَحِيمٍ يُظهِرُ سِرَّ الحِكْمةِ والرَّحمةِ والرَّأفةِ هذه، وهُم عِبادٌ مَقبُولُونَ عِندَه، ويُوصِيهِم بِألَّا يَهابُوا أَحوالَ الدُّنيا المَخُوفةَ المَهُولةَ، وألَّا يَقَعُوا في اليَأسِ والقُنُوطِ، بلِ الواجِبُ تَحفِيزُ الأَرواحِ لِلعُبُودِيّةِ والطّاعةِ، وتَشجِيعُ أَذواقِ اللِّسانِ على الحَمدِ والشُّكرِ لِهذا المُحسِنِ الكَرِيمِ، الَّذي أَحسَنَ بِهَذا الإِيمانِ القُدسِيِّ والإِسلامِ المُسَلِّمِ.
الحافظُ مُصطَفَى (رَحمةُ الله عَليهِ رَحمةً واسعةً)
الرَّجاءُ الرَّابعَ عشَرَ: حِينَما جَرَّدَ أَربابُ الدُّنيا أُستاذَنا مِن كلِّ شَيءٍ، ووَقَعَ في خَمْسةِ أَلوانٍ مِنَ الغُرْبةِ، وسَيطَرَ عَلَيه عِشقٌ لِلبَقاءِ في مُنتَهَى القُوّةِ، وهَيمَنَت عَلَيْه مَحَبّةٌ لِلوُجُودِ شَدِيدةٌ، وتَحَكَّمَ فِيه شَوقٌ لِلحَياةِ عَظِيمٌ.. معَ ما يَكمُنُ فِيه مِن عَجزٍ لا حَدَّ له، وفَقرٍ لا نِهايةَ له، طَأطَأَ رَأسَه يائِسًا؛ وإِذا بِالآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ تُغِيثُه قائِلةً: "اقْرَأْنِي جَيِّدًا بتَدَبُّرٍ وإِمعانٍ"، فقَرَأَها بدَوْرِه خَمسَ مِئةِ مَرّةٍ في كلِّ يَومٍ، وكُلَّما كان يَتلُوها كانَت تَكشِفُ عن بَعضٍ مِن أَنوارِها وفُيُوضاتِها الغَزِيرةِ، فرَأَى مِنها بعَينِ اليَقِينِ یی ولَيسَ بعِلمِ اليَقِينِ یی تِسعَ مَراتِبَ حَسْبِيّةٍ:
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الأُولَى: يُبيِّنُ فِيها أنَّ ما بِأُستاذِنا مِن عِشقِ البَقاءِ، في اللَّحظةِ الَّتي تَشَبَّثَ فِيها بظِلِّ تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمٍ مِن أَسماءِ الجَلِيلِ والجَمِيلِ المُطلَقِ
— 592 —
ذِي الكَمالِ المُطلَقِ، جاءَتِ الآيةُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ورَفَعَتِ السِّتارَ، فأَحَسَّ وتَذَوَّق بحَقِّ اليَقينِ أنَّ لَذّةَ البَقاءِ وسَعادَتَه مَوجُودةٌ بنَفسِها یی بل بأَفضَلَ وأَكمَلَ مِنها یی في بَقاءِ الباقِي ذِي الكَمالِ، وفي الإِيمانِ والإِذعانِ والإِيقانِ به.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسبِيّةُ الثّانيةُ: تَتحَدَّثُ أنَّه في الوَقتِ الَّذي كانَ فيه أُستاذُنا في عَجزٍ وشَيخُوخةٍ وغُربةٍ، وَحِيدًا بِدُونِ مُعِينٍ، مجُرَّدًا مِن كلِّ شَيءٍ، هاجَمَه أَهلُ الدُّنيا بدَسائِسِهِم وجَواسِيسِهِم.. عِندَها خاطَبَ قَلبَه قائِلًا: "إِنَّ جُيُوشًا كَثِيفةً عارِمةً تُهاجِمُ شَخصًا واحِدًا ضَعِيفًا مَرِيضًا مُكبَّلَ اليَدَينِ! أَوَلَيسَ لي مِن نُقطةِ استِنادٍ؟"، فراجَعَ قَولَ اللهِ تَعالَى: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فأَعلَمَه دَرسًا مَعنَوِيًّا مُفادُه:
"إنَّك تَنتَسِبُ بِهُويّةِ الِانتِسابِ الإِيمانِيِّ إلى سُلطانٍ عَظِيمٍ ذِي قُوّةٍ وقُدرةٍ مُطلَقةٍ، لَدَيْه جَيشٌ مُكَوَّنٌ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ مِن جُيُوشِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، كُلٌّ تَحتَ أَمرِه وطاعَتِه".
ومِن خِلالِ هذا الدَّرسِ شَعَر أُستاذُنا بِقُوّةٍ إِيمانيّةٍ عَظِيمةٍ يُمكِنُه أن يتَحَدَّى بِها جَمِيعَ العالَمِ ولَيسَ أَعداءَه الماثِلِينَ أَمامَه اليَومَ، ورَدَّد مِن أَعماقِ رُوحِه: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الثّالثةُ: تُبيِّنُ أنَّ الأُستاذَ عِندَما كانَ يُفكِّرُ بأنَّه مُرَشَّحٌ لِدُنيا أُخرَى أَبدِيّةٍ، ومُؤَهَّلٌ لِمَمْلَكةٍ باقِيةٍ وسَعادةٍ دائِمةٍ؛ لكِن أنَّى لِهذِه الغايةِ أن تَتَحقَّقَ یی وهِي غايةُ المُنَى ومُبتَغَى الخَيالِ وهَدَفُ الرُّوحِ ونَتِيجةُ الفِطْرةِ یی إلّا بقُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يَعرِفُ جَمِيعَ حَرَكاتِ مَخلُوقاتِه وسَكَناتِهِم ويُسَجِّلُها؟! فأَرَاد إِيضاحًا يَطمَئِنُّ به القَلبُ، فراجَعَ بدَوْرِه تلك الآيةَ الكَرِيمةَ أَيضًا، فقالَت له: دَقِّقِ النَّظَرَ في "نا" الَّتي في «حَسْبُنا» ، وانظُرْ مَنْ هُم أُولاءِ الَّذِينَ يَنطِقُونَ "حَسْبُنا" مَعَك، سَواءٌ يَنطِقُونَها بلِسانِ الحالِ، أو بلِسانِ المَقالِ، أَنصِتْ إلَيْهِم.. نعم، هكذا أَمَرَتْه الآيةُ!
— 593 —
فنَظَرَ.. فإِذا به يَرَى جَمِيعَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ تُرَدِّدُ بلِسانِ الحالِ مَعنَى حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، كما لَاحَظَ كَيفَ تتَجَلَّى عَظَمةُ القُدْرةِ وحِشْمَتُها في المَوجُوداتِ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الرّابِعةُ: تُبيِّنُ أنَّه حِينَ كانَ في قَلَقٍ شَدِيدٍ وأَلِيمٍ مِن أَنَّ وُجُودَه ماضٍ إلى العَدَمِ، بل حتَّى وُجُودُ المَخلُوقاتِ كلِّها يَفنَى ويَنتَهِي إلى الزَّوالِ، راجَعَ الآيةَ الحَسْبِيّةَ أَيضًا، وعِندَما نَظَرَ بمِنظارِ الإِيمانِ وَجَد أنَّ المَوتَ لَيسَ فِراقًا، بل هو وِصالٌ وتَبدِيلُ مَكانٍ وإِثمارٌ لِثَمَرةٍ باقِيةٍ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الخامِسةُ: عِندَما تَوَجَّهَت حَياتُه نَحوَ الِانطِفاءِ السَّرِيعِ، فَكَّر في هذا بِكُلِّ أَلَمٍ وأَسًى، فقالَ بِالمَدَدِ الَّذي تلَقّاه مِنَ الآيةِ الحَسْبِيّةِ: إِنَّ الحَياةَ كُلَّما تَتَوجَّهُ إلى الحَيِّ القَيُّومِ وتَتَطلَّعُ إلَيْه، وكُلَّما كانَ الإِيمانُ حَياةً لِلحَياةِ ورُوحًا لها، فإنَّها تَكسِبُ البَقاءَ، بل تُعطِي ثِمارًا باقِيةً كَذلِك، عِندَها لا يُنظَرُ إلى قِصَرِ العُمُرِ وطُولِه.
فمَن كانُوا غَيرَ أَمواتٍ، أو يَرغَبُونَ بِالبَقاءِ أَحياءً، ويَتمَنَّونَ إِدراكَ ماهِيّةِ الحَياةِ وحَقِيقَتِها، فليُراجِعُوا المَسائِلَ الأَربَعةَ لِهَذِه المَرتَبةِ المُدرَجةِ في "الشُّعاعِ الرّابِعِ"، وليُرْعُوها أَسماعَهُم.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ السّادِسةُ: تُخبِرُ أنَّه رَأَى الزَّوالَ والفَناءَ اللَّذَينِ يُدَمِّرانِ دائِمًا، والمَوتَ والعَدَمَ اللَّذَينِ يُفَرِّقانِ باستِمرارٍ، رَآهما يُفسِدانِ بشَكلٍ مُرعِبٍ ومُخِيفٍ جَمالَ هذه الدُّنيا الرّائِعةِ الجَمالِ ويُشَوِّهانِه بتَحطِيمِهِما لها، ويُتلِفانِ لَطافةَ هذه المَخلُوقاتِ.. فهاجَ ما في فِطْرَتِه مِن عِشقٍ مَجازِيٍّ، وفارَ فَوَرانًا شَدِيدًا، وبَدَأ يَتَأجَّجُ بالرَّفضِ والعِصيانِ أَمامَ هذه الحالةِ المُفجِعةِ، فلم يَكُن له بُدٌّ مِن مُراجَعةِ الآيةِ الحَسْبِيّةِ، لِتَقُولَ له: "اقْرَأْنِي جَيِّدًا، أَنعِمِ النَّظَرَ في مَعانِيَّ".
فقام بدَوْرِه ودَخَل إلى مَركَزِ الإِرصادِ لِسُورةِ النُّورِ عِندَ آيةِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فنَظَر مِن هُناك "بمِنظارِ" الإِيمانِ إلى أَبعَدِ طَبَقاتِ الآيةِ الحَسْبِيّةِ، وذَكَر
— 594 —
الأَسرارَ الَّتي طالَعَها، وأَفادَ أنَّ هذه المَصنُوعاتِ الجَمِيلةَ وهذه المَخلُوقاتِ اللَّطِيفةَ والمَوجُوداتِ البَهِيّةَ تَقُومُ مَقامَ مَرايا عاكِسةٍ للجَمالِ المُقدَّسِ لِلجَمِيلِ ذِي الجَلالِ ولِلجَمالِ السَّرمَدِيِّ لِجَمالِ أَسمائِه الحُسنَى وهِي مُتَناهِيةُ الجَمالِ، وقد وُضِّحَتْ تَفصِيلًا مِن خِلالِ دَلائِلَ قَوِيّةٍ في أَجزاءِ "رَسائِلِ النُّورِ".
الرَّجاءُ الخامِسَ عشَرَ: يُبيِّنُ بِشَكلٍ جَمِيلٍ جِدًّا أنَّه بَعدَ سِجنِ "دَنِيزْلي" بَدَأ انتِشارُ رَسائِلِ النُّورِ مِن خِلالِ طِباعَتِها عَبْرَ آلةِ التَّكثِيرِ، وأنَّ فُتُوحاتِ النُّورِ هذه لم تَرُقْ لِلأَعداءِ المُتَستِّرِينَ مِنَ المُنافِقِينَ، فحَرَّضُوا الحُكُومةَ ضِدَّ رَسائِلِ النُّورِ مِن خِلالِ دَسائِسَ وافتِراءاتٍ شَتَّى، ودَفَعُوها لِمُصادَرَتِها وتَدقِيقِها، وفي النَّتِيجةِ لم يَصدُر مِنها أيُّ نَقدٍ أَو عَداءٍ لِلرَّسائلِ، بل فَتَحَت قُلُوبَ المُوَظَّفِينَ المُدَقِّقِينَ، فأَخَذُوا يَمتَدِحُونَها ويَصِفُونَها بِعِباراتِ التَّقدِيرِ بَدَلَ نَقدِها واتِّهامِها، وكانَت هذه الحادِثةُ سَببًا لِتَوَسُّعِ المَدارِسِ النُّورِيّةِ.
لكِن بَعدَ مُدّةٍ دَفَعَ أَعداءُ الدِّينِ المُتَستِّرِينَ الحُكُومةَ لِاعتِقالِ أُستاذِنا في أَشِّدِ أَيّامِ الشِّتاءِ بُرُودةً وزَمهَرِيرًا، وبذَرائِعَ واهِيةٍ جِدًّا، وسَجَنُوه في غُرفةٍ كَبِيرةٍ وبارِدةٍ لا مِدْفَأةَ فِيها، فكانَ أن تَجَلَّت لَدَيْه حَقِيقةٌ في هذا السِّجنِ بفَضلِ اللهِ وحُسنِ عِنايَتِه، إِذِ انتَشَرَتِ الأَنوارُ داخِلَ السِّجنِ وخارِجَه، فحَمِدَ الأُستاذُ اللهَ آلافَ المَرّاتِ، وأُخطِرَ إلى رُوحِه الأَمرُ الآتِي: "إِنَّك تَكسِبُ ثَوابًا عَظِيمًا نَتِيجةَ ظُلمِهِم، وتَظفَرُ بخُلُودِ ساعاتِك الفانيةِ، وتَغنَمُ لَذائِذَ رُوحِيّةً مَعنَوِيّةً فَضلًا عن قِيامِك بمُهِمَّتِك العِلمِيّةِ والدِّينيّةِ بإِخلاصٍ"، فتَوَجَّه إلى اللهِ تَعالَى بالحَمدِ والشُّكرِ على ذلك بكُلِّ ما أُوتِيَ مِن قُوّةٍ.
وفي نِهايةِ هذا الرَّجاءِ يُبيِّنُ أنَّ طُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ قد أَوقَفُوا یی بقُوّةِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ یی الفَوضَوِيّةَ في جَمِيعِ أَنحاءِ هذا الوَطَنِ، وحافَظُوا على الأَمنِ والِاستِقرارِ العامِّ، وأنَّه لم تَصدُر مِنهُم على مَدَى عِشرِينَ عامًا أيّةُ حادِثةٍ تُخِلُّ بالأَمنِ، وهُم مَوجُودُونَ في شَتَّى أَنحاءِ البِلادِ، بل أَقرَّ بَعضُ ضُبّاطِ الأَمنِ
— 595 —
المُنصِفِينَ بالقَولِ: "إِنَّ طُلّابَ النُّورِ ضُبّاطٌ مَعنَوِيُّونَ لِلأَمنِ، إِنَّهُم يُساعِدُونَنا في الحِفاظِ على الأَمنِ والنِّظامِ، لِمَا يَجعَلُونَ مِن فِكرِ كُلِّ مَن يَقرَأُ رَسائِلَ النُّورِ بالإِيمانِ التَّحقِيقيِّ حارِسًا ورَقِيبًا علَيْه".
ويُذَكِّرُ بِقَولِ الأُستاذِ لِأُؤلَئِك الَّذِينَ يَسعَونَ لِوَضعِ السُّدُودِ والعَراقِيلِ أَمامَ نُورِ الإِيمانِ والقُرآنِ مِن خِلالِ أَكاذِيبَ وافتِراءاتٍ باطِلةٍ شَتَّى: «إِنَّ هذه الحَقِيقةَ المُقدَّسةَ الَّتي افتَدَتْها مَلايِينُ الرُّؤُوسِ فِداءٌ لَها رَأسُنا أَيضًا، فلَو أَشعَلتُمُ الدُّنيا على رُؤُوسِنا نارًا فلَن تَرضَخَ تلك الرُّؤُوسُ الَّتي افتَدَتِ الحَقِيقةَ القُرآنيّةَ، ولن تُسَلِّمَ القِيادةَ لِلزَّندَقةِ، ولن تَتَخلَّى عن مُهِمَّتِها المُقدَّسةِ بإِذنِ اللهِ».
الرَّجاءُ السّادسَ عَشَرَ: رَجاءٌ مُهِمٌّ يُبيِّنُ أنَّه بِرَغمِ قِيامِ الأُستاذِ بِتَخبِئةِ بَعضِ الرَّسائِلِ الخاصّةِ وإِخفاءِ المَجمُوعاتِ المُهِمّةِ، ولا سِيَّما الَّتي تَتَحَدَّثُ عن دَجّالِ المُسلِمِينَ (السُّفيانِيِّ) وعن كَراماتِ "رَسائِلِ النُّورِ"، على أَن تُنشَرَ حِينَ يَأتِي وَقتُ نَشرِها.. إِلّا أنَّها أُخرِجَت مِن مَخبَئِها، وتَمَّ تَوقِيفُ الأُستاذِ وهُو مَرِيضٌ وإِحالَتُه إلى السِّجنِ، وبَينَما كانَ مُتَألِّمًا بالِغَ الأَلَمِ، ومُستَغرِقًا في التَّفكِيرِ حَولَ ما أَصابَ "رَسائِلَ النُّورِ" مِن أَضرارٍ، إذا بالعِنايةِ الرَّبّانيّةِ تَهُبُّ لِإِغاثَتِه، فتُحَوِّلُ تلك المَحافِلَ الرَّسمِيّةَ الَّتي قَرَأَت تلك الرَّسائِلَ الخاصّةَ إلى ما يُشبِهُ المَدارِسَ النُّورِيّةَ، ونالَت مِنها كُلَّ إِعجابٍ وتَقدِيرٍ.
وكذا عِندَما كانَ في سِجنِ "دَنِيزْلي" واعتَراه الحُزنُ والأَلَمُ الشَدِيدانِ جَرّاءَ ابتِلاءِ أَصدِقائِه الأَبرِياءِ، فَضْلًا عنِ الشَّيبِ والمَرَضِ.. أَغاثَتْه العِنايةُ الرَّبّانيّةُ مَرّةً أُخرَى، فحَوَّلَت ذلك السِّجنَ الرَّهِيبَ إلى مَدرَسةٍ نُورِيّةٍ، وأَثبَتَت أنَّه مَدرَسةٌ يُوسُفِيّةٌ حقًّا، وبَدَأَت "رَسائِلُ النُّورِ" بالِانتِشارِ والتَّوَسُّعِ حَيثُ بَدَأ أَبطالُ "مَدرَسةِ الزَّهراءِ" بكِتابةِ تلك الرَّسائِلِ بأَقلامِهِمُ الأَلْماسِيّةِ.
ويَتَحدَّثُ هذا الرَّجاءُ أَنَّ الأَعداءَ المُتَستِّرِينَ قد سَمَّمُوا أُستاذَنا، واستُشهِدَ "الحافِظُ عَلِيٌّ" بَدَلًا عنه، ومِن ثَمَّ ارْتَحَل إلى عالَمِ البَرزَخِ عِوَضًا عَنه، الأَمرُ
— 596 —
الَّذي أَدخَلَهُم في حُزنٍ شَدِيدٍ وأَلَمٍ جَسِيمٍ، حتَّى جاءَتِ العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ بِالمَدَدِ، وأَزالَت خَطَرَ التَّسمُّمِ عن أُستاذِنا.
ويُخبِرُ بِانشِغالِ المَرحُومِ "الحافِظِ عَلِيٍّ" في قَبْرِه بِرَسائِلِ النُّورِ، وإِجابَتِه على أَسئِلةِ المَلائِكةِ مِن رَسائِلِ النُّورِ؛ ويُبشِّرُ بِدُخُولِ بَطَلِ "دَنِيزْلي" المَرحُومِ "حَسَن فَيضِي" وأَصدِقائِه دائِرةَ الخِدمةِ عِوَضًا مِنه، وبإِصلاحِ المَساجِينِ لِأَحوالِهِم مِن خِلالِ الأَنوارِ.. إلى غَيرِ ذلك مِنَ الأَماراتِ الكَثِيرةِ الدّالّةِ على إِمدادِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ.
وبَعدَ أن يُعَبِّرَ عن هذا كُلِّه، يُبيِّنُ أنَّ الأُستاذَ كانَ يَرغَبُ في شَبابِه أن يَنزَوِيَ آخِرَ عُمُرِه في أَحَدِ الكُهُوفِ، إِلّا أنَّ هذه الكُهُوفَ قد تَحَوَّلَتِ اليَومَ إلى سُجُونٍ وزَنازِينَ انفِرادِيّةِ ومَحَطّاتٍ لِلتَّعذِيبِ؛ وخَدَمَت هذه الأَماكِنُ حَقائِقَ الإِيمانِ والقُرآنِ على صُورةِ مَدارِسَ يُوسُفِيّةٍ؛ ثُمَّ يَذكُرُ في الخِتامِ ثَلاثَ حِكَمٍ وثَلاثَ فَوائِدَ نَفِيسةٍ لِخِدمةِ النُّورِ في رُدْهاتِ السِّجنِ المُؤلِمةِ.
اللَّمْعة السابعة والعشرون: ٤٠٠
نُشِرت في مُجَلَّدٍ آخَرَ، لِذا لم تُدرَجْ هُنا.
اللَّمْعة الثامنة والعشرون: ٤٠١
تَضُمُّ هذه اللَّمْعةُ ثَمانِيًا وعِشرِينَ نُكتةً، أُدرِجَ بعضٌ مِنها هنا، أمّا باقِي النِّكاتِ فلم تُدرَجْ لِأَنَّها نُشِرَت في مُجَلَّدٍ آخَرَ.
النُّیكتةُ الثّانيةُ مِن النُّیكتَتَينِ: تُوضِّحُ على سَبِيلِ الإِجمالِ ثَلاثةَ أَوجُهٍ مِن بَينِ المَعانِي الجَمِيلةِ الرَّفيعةِ الَّتي وَرَدَت مِن فَيضِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٭ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٭ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ:
— 597 —
الوَجهُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّ الإِطعامَ والإِرزاقَ الَّذي في الآيةِ الكَرِيمةِ يَعُودُ إلى الرَّسُولِ الأَكرَمِ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الوَجهُ الثّاني: جَوابٌ جَمِيلٌ جِدًّا لِمَن يَتَوهَّمُ أَنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ يَمنَعُه عنِ العُبُودِيّةِ، ويتَّخِذُه ذَرِيعةً لِتَركِ العِبادةِ، فتُخبِرُ الآيةُ الكَرِيمةُ بما مُفادُه: أَنا الكَفِيلُ بإِحضارِ الرِّزقِ لِمَخلُوقاتِي فأَنتُم لم تُخلَقُوا له، فواجِبُكُمُ الأَساسُ هو العُبُودِيّةُ، والسَّعيُ وَفقَ أَوامِرِي لِلحُصُولِ على الرِّزقِ، وهو بِذاتِه نَوعٌ مِنَ العِبادةِ.
الوَجهُ الثّالثُ: يُبيِّنُ أنَّ كلَّ ما يُرزَقُ ويُطعَمُ وله استِعدادٌ لِلرِّزقِ والإِطعامِ لا يُمكِنُ أن يكُونَ إِلٰهًا ومَعبُودًا، فلا تَلِيقُ بِهِمُ الأُلُوهِيّةُ؛ مُورِدًا الآيةَ الكَرِيمةَ الوارِدةَ في سُورةِ الإِخلاصِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ مِثالًا على ذلك.
مَكتُوبٌ عَزِيزٌ يُفصِّلُ الكَلامَ على أَنواعِ النَّومِ وأَوقاتِه، وعلى أَوقاتِ النَّومِ المُوافِقةِ والمُخالِفةِ لِلسُّنّةِ النَّبوِيّةِ.
مَكتُوبٌ لَطِيفٌ جِدًّا يُوضِّحُ كَيفَ شاهَدَ الأُستاذُ الشَّخصِيّةَ المُحَمَّدِيّةَ المَعنَوِيّةَ الَّتي أَنارَتِ الدُّنيا وعَمَرَتْها وآنَسَتْها، وذلك عِندَما كانَ يَقرَأُ بَعدَ تَسابِيحِ صَلاةِ العِشاءِ جُملةَ: «أَلفُ أَلفِ صَلاةٍ وأَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ» ؛ ويُبيِّنُ أنَّه يَجِبُ على الإِنسِ والجِنِّ قِراءةُ الصَّلاةِ والسَّلامِ علَيْه حتَّى يُؤَدُّوا الشُّكرَ والحَمدَ لِما أَتاهُم بِه مِنَ النُّورِ والهِدايةِ.
مَكتُوبٌ سامٍ جِدًّا يُبيِّنُ أنَّ هُنالِك ثَلاثةَ أَضرارٍ جَسِيمةٍ وَراءِ تَلقِينِ مَشرَبِ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ حَولَ "وَحْدةِ الوُجُودِ" لِلنّاسِ في الوَقتِ الحاضِرِ.
جَوابٌ عِلمِيٌّ مُختَصَرٌ لِسُؤالٍ أَصبَحَ مَوضِعَ نِقاشٍ حَولَ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ و"وَحْدةِ الوُجُودِ".
لَوحةٌ جَمِيلةٌ ذاتُ عِبرةٍ، تُبيِّنُ كَيفَ شاهَدَ الأُستاذُ مَساكِينَ يَفرَحُونَ ويَمرَحُونَ في مِهرَجانٍ أُقِيمَ في دائِرةٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ، وكَيفَ أَصبَحَت أَحوالُهُم بَعدَ خَمسِينَ سَنةً.
— 598 —
كِتابةٌ مُؤَثِّرةٌ على صُورةِ صَفْعةٍ قَوِيّةٍ لِلنَّفسِ الأَمّارةِ بَعدَ أَن تُعَدِّدَ أَضرارَ إِطاعةِ النَّفسِ الأَمّارةِ.
جَوابٌ مُقنِعٌ يُفصِحُ عنِ العَدالةِ الحَقِيقِيّةِ وَراءَ العَذابِ الجَهَنَّمِيِّ الَّذي لا يُحَدُّ جَزاءً لِكُفرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ.
تَوافُقٌ لَطِيفٌ ذُو مَغزًى حَولَ نَيلِ رَسائِلِ النُّورِ القَبُولَ، وكَونِها مَظهَرًا لِلعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ.
مَكتُوبٌ مُخلِصٌ نُورانِيٌّ يُبيِّنُ كَيفَ انعَكَسَتِ الأَنوارُ على القُلُوبِ البَرِيئةِ.
رُؤيةُ زَكائي: رُؤيةٌ مُبشِّرةٌ وذاتُ مَغزًى.
رَدٌّ على ما يُشاعُ حَولَ رَسائِلِ النُّورِ على سَبِيلِ المُنافَسةِ وبِطَرِيقةٍ غَيرِ مُنصِفةٍ، وهُو قَصِيدةٌ شِعرِيّةٌ تُبيِّنُ مَكانةَ رَسائِلِ النُّور وقَبُولِها.
النُّیكتة الثامنةُ والعِشرونَ مِن اللَّمْعة الثّامنة والعشرين:
﴿ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ٭ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ٭ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ﴾
يُفهَمُ مِن أَمثالِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ أنَّه لِأَجلِ استِراقِ السَّمعِ وتَلَقِّي الخَبَرِ الغَيبِيِّ حتَّى في الحَوادِثِ الجُزئيّةِ یی بل الحَوادِثِ الشَّخصِيّةِ أَحيانًا یی تَقتَحِمُ جَواسِيسُ الشَّياطِينِ مَملَكةَ السَّماواتِ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ.. لَكَأنَّ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ هي مَوضِعُ بَحثٍ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ تلك المَملَكةِ الواسِعةِ، ويُمكِنُ لِأَيِّ شَيطانٍ كانَ، ومِن أيِّ مَكانٍ دَخَل إلى السَّماواتِ، التَّصَنُّتُ یی ولو بصُورةٍ مُرَقَّعةٍ یی إلى ذلك الخَبَرِ، وجَلبُه إلى الأَرضِ.
هذا المَعنَى الَّذي يُفهَمُ مِن بَعضِ الآياتِ الكَرِيمةِ، فكَيفَ يَقبَلُ به العَقلُ والحِكمةُ؟
— 599 —
كما يُفهَمُ مِن أَمثالِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ أنَّ قِسمًا مِنَ الأَنبِياءِ والأَولِياءِ تَسَلَّمُوا ثِمارَ الجَنّةِ الَّتي هي فَوقَ السَّماواتِ العُلا وكَأنَّهُم يَأخُذُونَها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وأَحيانًا يُشاهِدُونَ الجَنّةَ مِن قَرِيبٍ؛ فكَيفَ يَستَوعِبُ عَقلُ هذا العَصرِ هذِه المَسأَلةَ، أي: نِهايةَ البُعدِ في نِهايةِ القُربِ؟
ثمَّ إنَّ حالةً مِن أَحوالٍ جُزئيّةٍ لِشَخصٍ جُزئيٍّ يكُونُ مَوضِعَ ذِكرٍ وكَلامٍ لَدَى المَلَأِ الأَعلَى في السَّماواتِ العُلا الواسِعةِ جِدًّا، فكَيفَ تَتَوافَقُ هذه المَسأَلةُ معَ إِدارةِ الكَونِ الَّتي تَسِيرُ في مُنتَهَى الحِكمةِ؟
فتَتَضمَّنُ هذه النُّیكتةُ أَجوِبةً عِلمِيّةً وعَقلِيّةً ومُقنِعةً لِهَذا السُّؤالِ المُضَمَّنِ المَواضِيعَ الثَّلاثةَ.
اللَّمْعة التاسعةُ والعِشرون: ٤٢٣
لَمْعةٌ ضِمنَ رَسائِلِ النُّورِ أُحسِنَ بِها من قِبَلِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ، وحَمَلَتِ اسمَ: "رِسالةُ التَّفكُّر"، وقد كُتِبَت بلُغةِ الجَنّةِ وأُسلُوبِ مُحمَّدٍ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ وطِرازِ القُرآنِ؛ وقد أُدرِجَ بعضٌ مِنها هنا كعَيِّنةٍ، وهِي بِتَمامِها في مَجمُوعةِ "اللَّمَعاتِ" بالخَطِّ القُرآنِيِّ (العُثمانِيِّ).
اللَّمْعة الثلاثون: ٤٣٨
تُعَدُّ هذه اللَّمْعةُ القيِّمةُ مِن رَوائِعِ مُؤَلَّفاتِ رَسائِلِ النُّورِ، وتتَحَدَّثُ عن بِضعةٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وهِي الأَسماءُ الشَّرِيفةُ: "الفَرْدُ، الحَيُّ، القيُّومُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، القُدُّوسُ" الَّتي يُعَدُّ كلُّ واحِدٍ مِنها أو هي بِتَمامِها مُجتَمِعةً اسمًا أَعظَمَ؛ ويُطلَقُ علَيْها اسمُ: «السَّكِينة».
وقد أُلِّفَت هذه اللَّمْعةُ بعِباراتٍ راقِيةٍ وحَقائِقَ رَفِيعةٍ، ووُضِّحَت فِيها مَسائِلُ الوَحْدانيّةِ العَمِيقةُ والواسِعةُ؛ كما عُرِّفَ فيها بالتَّدبِيرِ الرَّبّانِيِّ والفَعّاليّةِ المُحَيِّرةِ لِلعُقُولِ، مِمّا يَدُلُّ على وُجُودِ اللهِ بشَكلٍ ظاهِرٍ، وذلك في تَوضِيحٍ بَدِيعٍ جِدًّا
— 600 —
يَدفَعُ المَرءَ إلى القَولِ: لَيتَنِي أَتمَكَّنُ مِنَ الِاطِّلاعِ على ظَواهِرِ حَقائِقِها فحَسْبُ، فَضْلًا عنِ الغَوْصِ في أَعماقِها.. لكِن هَيْهاتَ! أنَّى لِلمَرءِ ذلك؟!
معَ الرَّجاءِ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى فَهمِي القاصِرِ، فقد كانَت هذه الرِّسالةُ مِن نَصِيبِ أخٍ آخَرَ لَنا، إِلّا أنَّه طُلِب في النَّفِيرِ العامِّ، لِذا أُرسِلَت إِلَيَّ؛ ومعَ أنَّ حالَتِي المُضطَرِبةَ غَيرُ مُستَعِدّةٍ لِتَلخِيصِ مُؤَلَّفٍ رائِعٍ كهذا وإدراجِه في الفِهرِسِ یی فَضْلًا عن عَدَمِ لَياقَتِي لِهذا الأَمرِ أَصلًا یی إِلّا أنَّني أَطَعتُ الأَوامِرَ خَجَلًا.
هذه اللَّمْعةُ القَيِّمةُ تَوَزَّعَت على سِتِّ نِكاتٍ جَلِيلةٍ:
النُّیكتة الأُولَى: هِي نُكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ، وتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القُدُّوسُ"، تُثبِتُ الوُجُودَ الإِلٰهِيَّ بوُضُوحٍ تامٍّ، وتُعَرِّفُ الوَحْدانيّةَ الرَّبّانيّةَ بجَلاءٍ.
أَجَل، هذا الكَونُ المُنتَظِمُ، وهذا المَعمَلُ الكَبِيرُ العَظِيمُ، في نَشاطٍ دائِمٍ وحَرَكةٍ دائِبةٍ بِجَمِيعِ مَوجُوداتِه، وفَضْلًا عن هذا فإِنَّ كلَّ المَوجُوداتِ یی بَدْءًا مِنَ المَجَرّاتِ العَظِيمةِ حتَّى الذَّرّاتِ یی مُستَعِدّةٌ لِتَلَقِّي الأَوامِرِ الصّادِرةِ مِنِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القُدُّوسُ" ومُنقادةٌ لها، كأنَّها آلةُ تَدوِيرٍ عَجِيبةٌ ونَشِيطةٌ جِدًّا، إذ تَجعَلُ كُلَّ زاوِيةٍ مِن زَوايا الكَونِ نَظِيفةً، ولا تُبقِي أيَّ شَيءٍ مِنَ المَوادِّ المُتَّسِخةِ والمُلَوِّثةِ في أيِّ مَكانٍ دُونَ لُزُومٍ، فتَعرِضُ لِلنّاظِرِينَ الكَونَ العَظِيمَ نَفسَه معَ عَناصِرِه جَمِيعًا على أَنَّه نَمُوذَجٌ مِنَ الجَنّةِ.
وكذا الجَمالُ والحُسنُ المُشاهَدُ في قَسَماتِ مَصنُوعاتِ قَصرِ العالَمِ هذا، ونَظافَتُها الرّائِعةُ، إِذ تَلفِتُ لِنَفسِها أَنظارَ الِاستِحسانِ، وتَدفَعُ الآخَرِينَ إلى تَقدِيرِ خالِقِها واستِحسانِ صَنعَتِه ومَدحِه والثَّناءِ علَيْه.
انظُرْ إلى فَصلِ الرَّبِيعِ الَّذي يَأتِي بَعدَ الشِّتاءِ القارِسِ الخَشِنِ، إنَّه يُظهِرُ بِصُورةٍ مُبَهرَجةٍ مُزَوَّقةٍ جَلْوةً صَغِيرةً مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القُدُّوسُ"، كَيفَ تَفتَّحَت فيه الأَزهارُ، وتَجَمَّلَت ولَبِسَت ثِيابًا أَشبَهَ بِحُورِ العِينِ، وأَصبَحَتِ
— 601 —
الأَشجارُ نَظِيفةً، وباتَ وَجْهُ الأَرضِ أَخضَرَ أَشبَهَ بالزُّمُرُّدِ، وتَعرِضُ نَفسَها بِكُلِّ ما عِندَها لِلأَنظارِ.
وتَقُومُ المَوادُّ الجامِدةُ الَّتي لا تَحمِلُ أَيَّ شُعُورٍ بِتَقدِيمِ أَنفُسِها لِخالِقِها بحُسْنِها الأَشْبَهِ بالسُّندُسِ، بَعدَ أن تَحَوَّلَت في مَرحَلةٍ قَصِيرةٍ وارتَفَعَت عن وَجهِ الأَرضِ، وتَزَيَّنَت بِنُورِ الحَياةِ.. وأَمامَ هذا المَشهَدِ العَظِيمِ يتَمَلَّكُ الإِنسَ والجِنَّ والأَرواحَ والمَلائِكةَ العَجَبُ، بل يقُولُونَ: ما شاءَ اللهُ! تَبارَكَ اللهُ! ما هذا الجَمالُ المُحَيِّرُ والنَّظافةُ النَّقِيّةُ؟! فيُقدِّسُونَ خالِقَهُم ذا الجَلالِ ويَحْمَدُونَه ويُمَجِّدُونَه، ويَركَعُونَ ويَسجُدُونَ لِعَظَمَتِه.
إِنَّ فِعلَ التَّنظِيفِ هذا كسائِرِ الشُّؤُوناتِ الإِلٰهِيّةِ يُؤكِّدُ وُجُودَ اللهِ ووَحْدَتَه ويُثبِتُه بِدَرَجةِ البَداهةِ.
النُّیكتة الثّانيةُ: هِي نُكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وجَلْوةٌ مِن جَلَواتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ: "العَدْلُ"، وهِي على النَّحوِ الآتِي:
هذا الكَونُ تَتَداوَلُه عَوامِلُ التَّخرِيبِ والتَّعمِيرِ، ويَغلِي باستِمرارٍ مِن شِدّةِ مَظاهِرِ الحَربِ والهِجْرةِ، ويَسبَحُ كلَّ حِينٍ في خِضَمِّ المَوتِ والحَياةِ.. وهذه التَّبدُّلاتُ والتَّحوُّلاتُ المُحَيِّرةُ لِلعُقُولِ هي الحَرَكاتُ المُنتَظِمةُ لِلأَجرامِ السَّماوِيّةِ الضَّخْمةِ، والتَّربِيةُ والإِعاشةُ المُنتَظِمةُ لِذَوِي الحَياةِ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ البالِغِ عَدَدُها أَربَعَ مِئةِ أَلفٍ على وَجهِ الأَرضِ، والوَظائِفُ المُنتَظِمةُ لِلعَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ، والِانقِلاباتُ الهائِلةُ والتَّحَوُّلاتُ الضَّخْمةُ الَّتي تُحدِثُها، وصِراعاتُ النُّورِ والظَّلامِ والبُرُودةِ والحَرارةِ والحَياةِ والمَماتِ؛ هذه الأَشياءُ كُلُّها نَجِدُ ها تَأتِي بِمِيزانِ عَدالةٍ دَقِيقٍ مِنَ المُستَقبَلِ، وتَمُرُّ بالوَقتِ الحاضِرِ، وتَمضِي بِاتِّجاهِ الماضِي، فكُلُّ فَردٍ مِن بَنِي البَشَرِ لو نَظَر في قَصرِ العالَمِ هذا بدِقّةٍ وإِنصافٍ، لا بُدَّ له أن يَقُولَ:
— 602 —
"إِنَّ خالِقَ قَصرِ العالَمِ هذا جَعَلَه مَظهَرًا لِاسمِ اللهِ الأَعظَمِ "العَدْلِ"، وهُو فَردٌ واحِدٌ، ويتَصَرَّفُ ضِمنَ مَوازِينِ العَدالةِ الدَّقِيقةِ، حتَّى إِنَّه لا يَدَعُ مَجالًا لمَوضِعِ شِرْكٍ في أَصغَرِ الأَشياءِ وأَتفَهِها، ولا يَسمَحُ ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ أن يُدخَلَ الشِّركُ ضِمنَ مِيزانِ العَدالةِ هذا.. كما أنَّ مِيزانَ العَدالةِ الدَّقِيقَ جِدًّا ضِمنَ كَمالِ الِانتِظامِ الخارِقِ لن يتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ التَّدخُّلِ فيه سِوَى خالِقِ هذا الكَونِ ذِي الجَلالِ"، وسيُدرِكُ أنَّ جَمِيعَ الأَسبابِ ما هي إِلّا حُجُبٌ لِيَدِ قُدرةِ ذلك الخالِقِ ذِي الجَلالِ، وسيُؤمِنُ أنَّ الخالِقَ ذَا الجَمالِ واحِدٌ ومَوجُودٌ كوُجُودِ الشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ.
النُّیكتة الثالثةُ: نُیكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ، وجَلْوةٌ مِن جَلَواتِ اسمِ اللهِ الأعظمِ: "الحَكَمُ"، وقد فُصِّلَت مِن خِلالِ خَمسِ نِقاطٍ:
النُّقطة الأُولَى: إِنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الحَكَمُ" جَعَل هذا الكَونَ بمَثابةِ كِتابٍ عَظِيمٍ.. إِذ خَلَق سَطْحَ الأَرضِ "صَحِيفةً" مِن هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، وجَعَل كلَّ بُستانٍ مُزَيَّنٍ "سَطْرًا" مِن هذه الصَّحِيفةِ، وكلَّ زَهرٍ مُزَيَّنٍ وشَجَرةٍ مُورِقةٍ "كَلِمةً" مِن ذلك السَّطرِ.. ما يَعنِي أنَّ الكَونَ مِن مَبدَئِه حتَّى مُنتَهاه قد زُيِّنَ بحُلَلِ الحكِيمِ ذِي الجَلالِ.
كما أنَّه شاهَدَ مَخلُوقاتِه بنَفسِه، وجَعَلَهُم يُشاهِدُونَ بَعضَهُم بَعضًا بِأَعيُنٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ في العَدَدِ، ويَشهَدُونَ على وُجُودِ خالِقِهِم مِن خِلالِ أَوجُهٍ وأَدِلّةِ مُتَداخِلةٍ، ويتَجَدَّدُونَ بشَكلٍ مُطَّرِدٍ ضِمنَ نِظامٍ ومِيزانٍ مُعَيَّنٍ، وأَدرَجَ في كلِّ بِذْرةٍ صَغِيرةٍ شَجَرةً ضَخْمةً، ووَضَع في كلِّ شَجَرةٍ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ، وزَيَّنَ صَحِيفةَ كلِّ رَبِيعٍ بأَوسِمةٍ مُرَصَّعةٍ وهَدايا مُنَقَّشةٍ، وجَعَلَهُم يَمُرُّونَ مِن أَمامِه ضِمنَ استِعراضٍ رَسمِيٍّ، وجَعَل مَخلُوقاتِه تَتَغنَّى بِمَدحِه والثَّناءِ علَيْه كُلَّ آنٍ وحِينٍ.. فأنَّى لِلصُّدفةِ أن تَتَدَخَّلَ في قُدرةٍ عَظِيمةٍ حَكِيمةٍ كَهذِه؟!
— 603 —
النُّقطة الثانيةُ: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: تُعَلِّمُنا أنَّ الجَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الكَمالِ، و الكَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الجَمالِ، لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ نَفسَه ويُعرِّفَها ويُحَبِّبَها؛ ومُقابِلَ هذا لا بُدَّ لِلإِنسانِ مِن مَعرِفَتِه بالإِيمانِ وتَحبِيبِ نَفسِه إِلَيْه بِالعِبادةِ.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: تُوضِّحُ أنَّ هذا الِانتِظامَ التّامَّ الحَكِيمَ يَرفُضُ یی بكُلِّ ما يَملِكُ مِن قُوّةٍ یی الشِّركَ ولا يَقبَلُه، ويَقتَضِي الوَحْدةَ والِاستِقلالَ والِانفِرادَ؛ ويُبيِّنُ أنَّ إِسنادَ العَجزِ یی بالكُفرِ والشِّركِ یی لِقَدِيرٍ مُطلَقٍ يُمسِكُ زِمامَ الكَونِ العَظِيمِ بِجَمِيعِ أَحوالِه ومُشتَمَلاتِه بمِيزانِ عَدلِه ونِظامِ حِكمَتِه، يُعَدُّ خَطَأً جَسِيمًا جِدًّا، وأَنَّ الإِيمانَ بِه وَحْدَه يُعَدُّ صَوابًا وحَقًّا وحَقِيقةً.
النُّقطةُ الثّالثةُ: تُبيِّنُ أنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ بِاسمِه "الحَكَمُ والحَكِيمُ" قد مَنَح الإِنسانَ أَكثَرَ الحِكَمِ المَقصُودةِ في الكَونِ، وجعَلَه أَفضَلَ مَن يُظهِرُها، وصَيَّره بمَثابةِ مَركَزِ تلك العَوالِمِ ومِحوَرِها، وجَعَل الرِّزقَ بمَثابةِ المَركَزِ في دائِرةِ حَياةِ الإِنسانِ؛ وتُوضِّحُ أنَّ تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكِيمِ" تَبدُو واضِحةً بأَبْهَرِ صُوَرِها وأَسطَعِها في مَشاعِرِ الإِنسانِ ومَذاقاتِ الرِّزقِ، وأنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ يُعرِّفُ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكَمِ".. فمَثلًا: يَشهَدُ كُلٌّ مِن عِلمِ الطِّبِّ، وعِلمِ الكِيمياءِ، وعِلمِ الزِّراعةِ، وعِلمِ التِّجارةِ، وغَيرُها مِنَ العُلُومِ شَهادةً قاطِعةً أنَّ هذه الحِكَمَ والِانتِظاماتِ الَّتي لا تُحَدُّ والَّتي تُظهِرُ الِاختِيارَ والإِرادةَ والقَصدَ والمَشِيئةَ قد منَحَها الصّانِعُ الحَكِيمُ لِجَمِيعِ الكَونِ، وأَدرَجَها في أَصغَرِ الأَحياءِ وفي أَصغَرِ بُذَيرةٍ؛ وأنَّ الذّاتَ الأَقدَسَ سُبحانَه فاعِلٌ مُختارٌ، وكُلَّ شَيءٍ يُخلَقُ بِأَمرِه، وأنَّ عَدَمَ مَعرِفَتِه والتَّعَرُّفِ إلَيْه لَجَهلٌ ما بَعدَه جَهلٌ وجُنُونٌ ما بَعدَه جُنُونٌ.
النُّقطةُ الرّابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ قد قَلَّدَ كلَّ مَوجُودٍ مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وجَهَّزَه تَجهِيزًا دَقِيقًا بمِئاتِ الوَظائِفِ، وأَرادَ مِنها الكَثِيرَ مِنَ الغاياتِ والفَوائِدِ؛ وبَعدَ هذا كُلِّه لن يَسمَحَ بِعَدَمِ مَجِيءِ الحَشرِ مِمّا يُعَدُّ أَمرًا
— 604 —
مُخالِفًا لِجَمالِ رَحمَتِه وكَمالِ عَدالَتِه ولِحِكمَتِه غَيرِ المُتَناهِيةِ، وإِنكارًا لِرَحمَتِه وعَدالَتِه.
النُّقطةُ الخامسةُ: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: تُهَدِّدُ غَيرَ المُقتَصِدِ مِن خِلالِ الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا، لِأنَّ الفِطرةَ لا إِسرافَ فيها قَطُّ ولا عَبَثَ، وما مِن شَيءٍ إلّا فيه نَفعٌ وجَدْوَى.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: تُوضِّحُ بِشَكلٍ جَلِيٍّ أنَّ اسمَ اللهِ "الحَكَمُ والحَكِيمُ" يَدُلّانِ بَداهةً على رِسالةِ مُحَمَّدٍ (ص) ويَستَلزِمانِها.. كَذلِك كَثِيرٌ مِن الأَسماءِ الحُسنَى يَستَلزِمُ كلُّ واحِدٍ مِنها یی نَوعًا ما یی الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ (ص) وبأَعظَمِ تَجَلِّياتِها ودَرَجاتِها وأَكثَرِ مَراتِبِها قَطعِيّةً.
النُّیكتةُ الرابعةُ: نُكتةٌ مِنَ نكاتِ الآيةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وعِبارةٌ عن سَبعِ إِشاراتٍ تُوَضِّحُ التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ حَولَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ: "الفَرْدُ" الَّذي يَتَضمَّنُ اسمَيِ "الواحِدُ والأَحَدُ".
الإِشارةُ الأُولَى: تُشِيرُ إلى ثَلاثةِ أَختامٍ مِن بَينِ الأَختامِ الَّتي لا تُعَدُّ، والَّتي مَهَر بِها اسمُ اللهِ الأَعظَمُ "الفَرْدُ" بتَجَلِّيه الأَعظَمِ على الكَونِ كلِّه.
الخَتمُ الأوَّلُ: وهُو خَتْمُ "التَّعاوُنِ" و"التَّسانُدِ" و"التَّجاوُبِ" و"التَّعانُقِ" المُشاهَدُ بَينَ مَوجُوداتِ الكَونِ وأَنواعِها، خَتْمٌ أَ كْبَرُ لِلتَّوحِيدِ.
الخَتمُ الثّاني: وهُو خَتمُ الوَحْدانيّةِ المُشاهَدُ في كلِّ فَصلِ رَبِيعٍ على وَجهِ البَسِيطةِ، والمَنسُوجُ بِخُيُوطِ النَّسِيجِ اللُّحْمةِ (الخُيُوطِ العَرْضِيّةِ) لِأَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ.
الخَتمُ الثّالثُ: خَتمُ الوَحْدانيّةِ على وَجهِ جَمِيعِ البَشَرِ یی مَعَ التَّشابُهِ الظّاهِرِ بَينَ المَلامِحِ الأَساسِ لِسائِرِ الوُجُوهِ یی مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام حتَّى قِيامِ السّاعةِ.
— 605 —
الإِشارةُ الثّانيةُ: تُبيِّنُ أَنَّ تَجَلِّيَ الوَحْدةِ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدُ" قد ضَمَّ عَوالِمَ الكَونِ المُختَلِفةِ وأَنواعَها وعَناصِرَها في وَحْدةٍ مُتَّحِدةٍ، ودَمَجَهُم ضِمنَ بَعضِهِم بَعضًا، حتَّى جَعَل الكَونَ جَمِيعَه ككُلٍّ لا يَقبَلُ التَّجَزُّؤَ، ويُعلِنُ الوَحْدانيّةَ بواحِداتٍ (وَحَداتٍ) كَثِيرةٍ.
الإِشارةُ الثَّالثةُ: تُبيِّنُ أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدُ" قد جَعَل الكَونَ يُشبِهُ رَسائِلَ ومَكاتِيبَ صَمَدانيّةً كَثِيرةً مُتَداخِلًا بَعضُها في بَعضٍ، بِحَيثُ وَضَع على كُلِّ رِسالةٍ مِنها أَختامَ وَحْدانيّةٍ لا تُحَدُّ، كما يَحمِلُ كلُّ مَكتُوبٍ أَختامَ أَحَدِيّةٍ تُعَرِّف كاتِبَه بِعَدَدِ كَلِماتِه.
الإِشارةُ الرّابِعةُ: تُثبِتُ بِثَلاثةِ بَراهِينَ وبيِّناتٍ مِن بَينِ البَراهِينِ المُتَعدِّدةِ: أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدُ" واضِحٌ وُضُوحَ الشَّمسِ، وهُو مَعقُولٌ ومَقبُولٌ إلى حَدِّ السُّهُولةِ المُطلَقةِ؛ وبعَكسِه الشِّركُ، فهُو مُحالٌ وبَعِيدٌ جِدًّا عنِ العَقلِ.
الأُولى: تُثبِتُ معَ الأَمثِلةِ أنَّه: مِنَ السُّهُولةِ واليُسرِ على قُدرةِ "الأَحَدِ الفَردِ" سُبحانَه، خَلقُ أَعظَمِ جِرمٍ، وخَلقُ أَصغَرِ شَيءٍ على حَدٍّ سَواءٍ، فهُو سُبحانَه يَخلُقُ الرَّبِيعَ بِيُسرِ خَلقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، ويَرعَى ويُدِيرُ شَجَرةً ضَخْمةً باسِقةً بِيُسرِ رِعايَتِه وإِدارَتِه فاكِهةً صَغِيرةً.. فلو أُسنِد أيٌّ مِن ذلك إلى الأَسبابِ المُتَعدِّدةِ، فتَنتَقِلُ حِينَها كَيفِيّةُ الإِيجادِ مِنَ الوَحْدةِ إلى الكَثْرةِ، ويُصبِحُ خَلقُ أَصغَرِ الأَشياءِ مُكْلِفًا وصَعْبًا ومُشْكِلًا كخَلقِ أَعظَمِها.
الثّانية: تُبيِّنُ أنَّ المَوجُوداتِ تَظهَرُ إلى الوُجُودِ بأَحَدِ وَجهَينِ: إِمّا الخَلقُ مِنَ العَدَمِ، وهُو ما يُعَبَّیرُ عنه بی"الإِبداعِ والِاختِراعِ"؛ أو تَجمِيعُها مِن العَناصِر والأَشياءِ، أي: بی"التَّركِيبِ والإِنشاءِ".. ووَفقَ هَذَينِ الوَجْهَينِ إن لم يُفَوَّض أَمرُ إِيجادِ الأَشياءِ إلى الفَردِ الواحِدِ وطُلِبَ مِنَ الأَسبابِ، فستَتَعقَّدُ الأُمُورُ وتَتَشابَكُ، وتَظهَرُ أُمُورٌ غَيرُ مَعقُولةٍ وغَيرُ مَنطِقِيّةٍ إلى حَدِّ المُحالِ والِامتِناعِ؛ بَينَما لو أُعطِيَ لِسِرِّ الأَحَدِيّةِ وتَجَلِّي الفَردِيّةِ، لَرَأَينا أنَّ إِيجادَها يكُونُ سَهلًا
— 606 —
بِحَيثُ يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ مِنَ العَدَمِ في لَمْحِ البَصَرِ وبقُدرَتِه المُطلَقةِ العَظِيمةِ بِآثارِها المَشهُودةِ؛ ويُقدِّرُ لِكُلِّ شَيءٍ بعِلمِه المُحِيطِ المُطلَقِ ما يُشبِهُ قَوالِبَ مَعنَوِيّةً وتَصامِيمَ غَيبِيّةً.
الثَّالثة: تُوضِّحُ في ثَلاثةِ أَمثِلةٍ لَطِيفةٍ أنَّه إذا أُسنِدَ خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ إلى "الفَردِ الواحِدِ"، كانَ خَلقُها سَهلًا كالشَّيءِ الواحِدِ، بَينَما إِن أُسنِدَ إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فخَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ يكُونُ صَعبًا مُمتَنِعًا كخَلقِ جَمِيعِ الأَشياءِ.
المِثالُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّه إِذا أُحِيلَت إِدارةُ أَلفِ جُندِيٍّ إلى ضابِطٍ واحِدٍ، وأُحِيلَت إِدارةُ جُندِيٍّ واحِدٍ إلى عَشَرةِ ضُبّاطٍ، فإنَّ إِدارةَ هذا الجُندِيِّ تكُونُ ذاتَ مُشكِلاتٍ وصُعُوباتٍ بمِقدارِ عَشَرةِ أَضعافِ إِدارةِ تلك الفِرقةِ مِنَ الجُنُودِ.
المِثالُ الثّاني: يُبيِّنُ أنَّه إِن سُلِّمَ أَمرُ بِناءِ قُبّةِ جامِعٍ ذاتِ قِبابٍ كجامِعِ "أَيا صُوفْيا" إلى بَنّاءٍ ماهِرٍ، فإِنَّه يقُومُ بالأَمرِ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، بَينَما إذا طُلِبَ تَعلِيقُ الأَحجارِ الَّتي تُشَكِّلُ القُبّةَ وأَخذُ هذه الوَضعِيّةِ مِنَ الأَحجارِ نَفسِها فإِنَّ ذلك يكُونُ صَعْبًا جِدًّا.
المِثالُ الثّالثُ: يُبيِّنُ أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ إِن تَحَرَّكَت على أنَّها مَأمُورةٌ ومُوَظَّفةٌ مِن لَدُنِ "الفَرْدِ الواحِدِ"، فإنَّها تكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ نَتائِجَ جَلِيلةٍ مِن هذه الحَرَكاتِ وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ، وتَظهَرُ السُّهُولةُ الواضِحةُ في الوَحْدةِ؛ بَينَما لِلحُصُولِ على ذاتِ النَّتائِجِ في سَبِيلِ الشِّركِ والكُفرِ يَلزَمُ تَسيِيرُ ما لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ مِنَ النُّجُومِ الَّتي تَكبُرُ الأَرضَ بِمَلايِينِ المَرّاتِ، في مَدارٍ أَكبَرَ وأَوسَعَ بمَلايِينِ المَرّاتِ مِن مَدارِ الأَرضِ كدَوَرانِ الأَرضِ حَولَ نَفسِها وعلى مِحوَرِها اليَومِيِّ مَرّةً كلَّ (٢٤) ساعةً، ودَوَرانِها على مِحوَرِها السَّنَوِيِّ مَرّةً كلَّ سَنةٍ؛ ويَلزَمُ كَذلِك قَبُولُ صُعُوبةٍ ومُشكِلاتٍ عَوِيصةٍ كَهذِه.
كما يُبيِّنُ أَنَّ الَّذي يُعطِي الإِيجادَ إلى الطَّبِيعةِ يَرتَكِبُ جَهلًا عَظِيمًا، ويُوَضِّحُ ذلك بِأَمثِلةٍ هي: الكِتابُ والسّاعةُ والمَعمَلُ والقَصرُ.
— 607 —
الإِشارةُ الخامسةُ: وهِي الحاكِمِيّةُ الإِلٰهِيّةُ الَّتي تَرفُضُ بِشِدّةٍ تَدَخُّلَ الغَيرِ.
إِنَّ عَدَمَ وُجُودِ أَيِّ نَقصٍ أو فُطُورٍ أو ثَغْرةٍ أو لَبْسٍ في أَيّةِ جِهةٍ، بَدْءًا مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ، ومِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ، وذلك بِسِرِّ الآيةِ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا، وبإِشارةِ الآيةِ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، يُظهِرُ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الفَرْدِ"، ويَشهَدُ على التَّوحِيدِ.
الإِشارةُ السّادسةُ: وهِي أَنَّ انفِرادَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى بالرُّبُوبِيّةِ، وتَوحِيدَه بالأُلُوهِيّةِ هو أَساسُ جَمِيعِ الكَمالاتِ ومَنشَأُ جَمِيعِ المَقاصِدِ، ومَنبَعُ الحِكَمِ المُودَعةِ في خَلقِ الكَونِ، كَذلِك هو المَنبَعُ الأَصلِيُّ والوَسِيلةُ الوَحِيدةُ لِتَحقِيقِ رَغَباتِ كلِّ ذِي شُعُورٍ وذِي عَقلٍ ولا سِيَّما الإِنسانِ..
الإشارةُ السّابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ بجَمِيعِ مَراتِبِه، وبِأَتَمِّ صُورَتِه الكامِلةِ، قد أَثبَتَتْه وأَعلَنَتْه وفَهَّمَتْه وبَلَّغَتْه الرِّسالةُ المُحَمَّديةُ، فلا بُدَّ أنَّ هذه الرِّسالةَ ثابِتةٌ وقاطِعةٌ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ التَّوحِيدِ؛ كما تَذكُرُ ثَلاثةَ نَماذِجَ تَشهَدُ على عَظَمةِ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ لِهذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، وتَدُلُّ على عُلُوِّ مَنزِلَتِه:
الأوَّلُ: يُخبِرُ أنَّ ثَوابَ جَمِيعِ الحَسَناتِ الَّتي يَنالُها جَمِيعُ أَفرادِ الأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ، وعلى مَدَى جَمِيعِ العُصُورِ، مَكتُوبٌ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه (ص)، حَيثُ "السَّبَبُ كالفاعِلِ"؛ وأنَّه تُدرَكُ شَخصِيَّتُه المَعنَوِيّةُ كشَمسٍ بَينَ الكَونِ بِالتَأَمُّلِ في المَقامِ المُعَظَّمِ اللّائِقِ الَّذي يَقتَضِيه مَجمُوعُ الأَدعِيةِ غَيرِ المَحدُودةِ مِنَ الصَّلَواتِ المَقبُولةِ المَرفُوعةِ يَومِيًّا مِنَ الأُمّةِ كافّةً.
الثّاني: يُفِيدُ أنَّ بِذْرةَ الشَّجَرةِ الوارِفةِ لِلإِسلامِ، ومَنشَأَها، وحَياتَها، ومَنبَعَها إِنَّما هي حَقِيقةُ الماهِيّةِ المُحَمَّدِيّة، بما تَملِكُ مِن فِطرةٍ سامِيةٍ، وخِلقةٍ كامِلةٍ؛ ويَدعُو إلى التَّفَكُّرِ في الرُّقيِّ الرُّوحِيِّ لِهذا الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص) النّابِعِ مِنِ استِشعارِه الكامِلِ الأَتَمِّ لِجَمِيعِ مَعانِي العِباداتِ والأَذكارِ والكَلِماتِ الشَّرِيفةِ ومَراتِبِها، والَّتي تُمَثِّلُ بمَجمُوعِها رُوحَ الإِسلامِ، حتَّى يُعرَفَ مَدَى عُلُوِّ مَرتَبةِ
— 608 —
وِلايةِ عُبُودِيَّتِه (ص) المُرتَقِيةِ إلى الدَّرَجةِ الرَّفِيعةِ، دَرَجةِ الحَبِيبِيّةِ، ويُفْهَمَ مَبلَغُ سُمُوِّها ودَرَجةُ ما بَلَغ (ص) مِن مَراقِي الكَمالِ الَّتي لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.
الثّالثُ: يُعَلِّمُ أنَّ الفَرْدُ الجَلِيلَ سُبحانَه قدِ اصطَفَى الذّاتَ المُحَمَّدِيَّة یی على صاحِبِها الصَّلاةُ والسَّلامُ یی مِن بَينِ بَنِي البَشَرِ لِيَكُونَ مَوضِعَ خِطابِه الجَلِيلِ بِاسمِ النَّوعِ الإِنسانِيِّ كافّةً، بل بِاسمِ الكائِناتِ جَمِيعًا.. فلا رَيبَ أنْ قد مَنَحَه مِنَ الأَنوارِ والكَمالاتِ ما لا يُحَدُّ بحُدُودٍ، وأنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ المُحَمَّدِيةَ یی على صاحِبِها الصَّلاةُ والسَّلامُ یی شَمسٌ مَعنَوِيّةٌ ساطِعةٌ لِلكَونِ، وآيةٌ عُظمَى لِلقُرآنِ العَظِيمِ الَّذي يُدعَى "الكَونَ"، ومِرآةٌ صافِيةٌ لِأُمُورٍ ثَلاثةٍ هي: التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِأَنوارِ اسمِ "الفَرْدِ"، والِاسمُ الأَعظَمُ، وهذا الفُرقانُ الأَعظَمُ.
النُّیكتةُ الخامسةُ: هي نُیكتةٌ مِن نِكاتِ الآيتَينِ العَظِيمَتَينِ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وجَلُوةٌ مِن جَلَواتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "الحَيّ"، وقد وُضِّحَت بشَكلٍ مُختَصَرٍ ضِمنَ خَمسةِ رُمُوزٍ:
الرَّمزُ الأوَّلُ: يَرُدُّ بِشَكلٍ رائِعٍ في صَحِيفَتَينِ وضِمنَ تِسعٍ وعِشرِينَ مَرتَبةً بِما يُشبِهُ الفِهْرِسَ على السُّؤالِ: "ما الحَياةُ الَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ اللهِ الحَيِّ واسمِ اللهِ المُحيِي؟ وما ماهِيَّتُها؟ وما مُهِمَّتُها؟"، ويُعَدُّ جَوابًا واضِحًا وفَصِيحًا يتَضَمَّنُ بَياناتٍ جَمِيلةً وعِباراتٍ عَجِيبةً لم يُرَ لَها مَثِيلٌ.. وإنَّ الإِنسانَ لَيَعشَقُ هذه الحَقائِقَ الجَمِيلةَ ويَعَضُّ أَنامِلَه مِن شِدّةِ إِعجابِه، ولا يَتَصَوَّرُ وَصْفًا أَحسَنَ مِنه، ويَغُوصُ في التَّأمُّلِ بِمَعانِيه مُقَدِّرًا ومُستَحسِنًا.
الرَّمزُ الثّاني: يُوضِّحُ سِرَّ الخَصِيصةِ الثّالثةِ والعِشرِينَ مِنَ الخَصائِصِ التِّسعِ والعِشرِينَ لِلحَياةِ، وهِي: "إنَّ وَجْهَيِ الحَياةِ صافِيانِ، شَفّافانِ، رائِقانِ.. فلم تَضَعِ القُدرةُ الرَّبّانيّةُ أَسبابًا ظاهِرِيّةً لِتَصرُّفاتِها فِيها".
— 609 —
الرَّمزُ الثّالثُ: يُبيِّنُ الأَمرَ التّاليَ: كَما أنَّ الحَياةَ نَتِيجةُ الكائِناتِ، فإِنَّ نَتِيجةَ الحَياةِ یی الَّتي هي الشُّكرُ والعِبادةُ یی هي سَبَبُ خَلقِ الكائِناتِ، ونَتِيجَتُها المَقصُودةُ؛ وأنَّ خالِقَ الكَونِ سُبحانَه "الحَيُّ القَيُّومُ" إذ يُعَرِّفُ نَفسَه لِذَوِي الحَياةِ ويُحَبِّبُها إلَيْهِم بنِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، يَطلُبُ مِنهُم شُكرَهُ تِجاهَ تلك النِّعَمِ، ومَحَبَّتَهُم إِزاءَ تَحَبُّبِه إليهم، وثَناءَهُم واستِحسانَهُم مُقابِلَ بَدائِعِ صُنعِه؛ وأنَّ حَياةَ كلِّ ذِي حَياةٍ بِيَدِ قُدرةِ "الحَيِّ القَيُّومِ" بشَكلٍ مُباشَرٍ ودُونَ وَسائِطَ.
الرَّمزُ الرّابعُ: يُبيِّنُ أَنَّ الحَياةَ تُثبِتُ أَركانَ الإِيمانِ السِّتّةَ الَّتي هي: "آمَنتُ بِاللهِ ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه وبِاليَومِ الآخِرِ وبِالقَدَرِ" وتَنظُرُ إِلَيْها وتَتَوجَّهُ نَحوَها، ويُوضِّحُ ذلك بِعِباراتٍ جَمِيلةٍ تَجعَلُ الحَلِيمَ حَيْرانَ.
الرَّمزُ الخامِسُ: يُبيِّنُ أنَّه ذُكِر في الخَصِيصةِ السّادِسةَ عَشْرةَ ضِمنَ الرَّمزِ الأَوَّلِ: "أنَّه ما إِنْ تَنفُذُ الحَياةُ في شَيءٍ حتَّى تُصَيِّرَه عالَمًا بِحَدِّ ذاتِه، إِذ تَمنَحُه مِنَ الجامِعِيّةِ ما يَجعَلُه كُلًّا إِن كانَ جُزءًا، وما يَجعَلُه كُلِّیيًّا إِن كانَ جُزئِيًّا"؛ ويُوضِّحُ هذا بشَكلٍ جَمِيلٍ ورائِعٍ؛ ويُؤَكِّدُ في الخاتِمةِ أنَّ الِاسمَ الأَعظَمَ يَختَلِفُ مِن وَلِيٍّ إلى آخَرَ.
النُّیكتةُ السّادسةُ: تُشِيرُ بشَكلٍ مُختَصَرٍ في خَمسةِ أَشِعّةٍ إلى نُیكتةٍ مِن نِكاتِ الآياتِ الَّتي تَتَوجَّهُ إلى القَيُّومِيّةِ الإِلٰهِيّةِ، وتتَطَلَّعُ إلى تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ «القَيُّوم»:
الشُّعاعُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّ خالِقَ هذا الكَونِ ذا الجَلالِ: قَيُّومٌ، دائِمٌ، باقٍ بِذاتِه، وأنَّ جَمِيعَ الأَشياءِ والمَوجُوداتِ قائِمةٌ به، تَدُومُ به، وتَبقَى في الوُجُودِ به، وتَجِدُ البَقاءَ به؛ فلَوِ انقَطَع هذا الِانتِسابُ لِلقَيُّومِيّةِ مِنَ الكَونِ بأَقَلَّ مِن طَرفةِ عَينٍ يُمحَى الكَونُ كُلُّه؛ وهُو الذّاتُ الأَقدَسُ لا شَرِيكَ له ولا شَبِيهَ، مُجَرَّدٌ عنِ المادّةِ، مُنزَّهٌ عنِ المَكانِ، مُحالٌ علَيْه التَّجَزُّؤُ والِانقِسامُ، مُمتَنِعٌ علَيْه التَّغيُّرُ والتَّبدُّلُ، لا يُمكِنُ أن يُتَصوَّرَ عَجزُه واحتِياجُه أَبدًا.
— 610 —
ثُمَّ يُؤَكِّدُ أنَّ قِسمًا مِن أَهلِ الضَّلالةِ يَشعُرُونَ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِلخَلّاقيّةِ الإِلٰهِيّةِ والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ في تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ المُنتَظِمةِ، ولكِنَّهُم يَجهَلُونَ مَصدَرَ ذلك التَّجَلِّي، ويَعجِزُونَ عن أن يُدرِكُوا مِن أَينَ تُدارُ تلك القُوّةُ العامّةُ النّابِعةُ مِن تَجَلِّي القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ؟ فلِأَنَّهُم يَجهَلُونَ ذلك تَوَهَّمُوا أَزَليّةَ المادّةِ والقُوّةِ، وفَتَحُوا سَبِيلًا لِمَسلَكِ إِنكارِ الأُلُوهِيّةِ.
فيَكشِفُ هذا الشُّعاعُ بعِباراتٍ دَقِيقةٍ وعَمِيقةٍ وشامِلةٍ حَقِيقةَ هذا السَّبِيلِ، ويُظهِرُ مِن خِلالِ تَجَلِّي سِرِّ القَيُّومِيّةِ الوَجْهَ المَلِيحَ لِمَسلَكِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، ويُبرِزُه لِلعِيانِ بكُلِّ ما يَملِكُ مِن حُسنٍ وجَمالٍ، ويُبطِلُ مَسلَكَ المادِّيِّينَ ويُجَهِّلُهُم ويُخجِلُهم.
الشُّعاعُ الثّاني: وهو مَسأَلتانِ:
الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ قِيامَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى في هذا الكَونِ، وأنَّ دَوامَها وبَقاءَها إِنَّما هو مَشدُودٌ بسِرِّ القَيُّوميّةِ، وكَذلِك أَمرُ خُضُوعِها خُضُوعًا تامًّا لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِمَّن يَملِكُ أَمرَ (كُن فيكُونُ).. فكَما أنَّ هذا يُمكِنُ أن يكُونَ مِثالًا قِياسِيًّا لِلتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القَيُّومِ"، كَذلِك ذَرّاتُ كلِّ مَوجُودٍ، فإِنَّ بَقاءَها في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ دُونَ أن تَتَبعثَرَ، وتَجَمُّعَها على هَيئةٍ مُعيَّنةٍ وتَركِيبٍ مُعَيَّنٍ وشَكلٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما يُناسِبُ كلَّ عُضوٍ مِن أَعضائِه، عَلاوةً على احتِفاظِها بكِيانِها وهَيئَتِها أَمامَ سَيلِ العَناصِرِ الجارِفةِ دُونَ أن تَتَشتَّتَ، واستِمرارِها على نِظامِها المُتقَنِ وانقِيادِها لِلأَمرِ الإِلٰهِيِّ.. كلُّ هذا شَواهِدُ وأَدِلّةٌ لا تُحَدُّ على سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: تُشِيرُ إلى ثَلاثةِ أَنواعٍ مِنَ الأَنواعِ الكَثِيرةِ المُشِيرةِ بِدَورِها إلى فَوائِدِ الأَشياءِ وحِكَمِها المُرتَبِطةِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ:
النَّوعُ الأوَّل: يتَوَجَّهُ إلى نَفسِه وإلى الإِنسانِ ومَصالِحِه.
النَّوعُ الثّاني: يتَوَجَّهُ إلى مُطالَعةِ كلُّ ذِي شُعُورٍ ويتَوجَّهُ إلى تَعبِيرِه لِقُرّائِه الَّذِينَ لا يُحصِيهِمُ العَدُّ أنَّه آيةٌ وقَصِيدةٌ تُبيِّنُ أَسماءَ فاطِرِها.
— 611 —
النَّوعُ الثّالثُ: يتَوَجَّهُ إلى الصّانِعِ الجَلِيلِ بِشَكلٍ مُباشَرٍ، فالحَياةُ في هذا النَّوعِ ولو لِثانيةٍ واحِدةٍ فقط كافِيةٌ؛ وبإِشارةِ الآيةِ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا فإنَّ القَيُّومِيّةَ الإِلٰهِيّةَ رَكِيزةٌ لِأَجرامٍ لا تُعَدُّ ولِذَرّاتٍ لا تُحصَى، وكَذلِك بإِشارةِ الآيةِ: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فإِنَّ جَمِيعَ أَحوالِ المَوجُوداتِ قاطِبةً وأَوضاعَها كافّةً وكَيفِيّاتِها المُتَسَلسِلةَ كلَّها مُرتَبِطةٌ بِداياتُها ارتِباطًا مُباشَرًا بسِرِّ القَيُّوميّةِ.
الشُّعاعُ الثّالثُ: وهُو المُقدِّمةُ الأُولَى مِنَ المُقدِّماتِ الَّتي تُشِيرُ إلى طَرَفٍ مِنِ انكِشافِ سِرِّ القَيُّوميّةِ الَّذي تَتَضمَّنُه الخَلّاقيّةُ الإِلٰهِيّةُ والفَعّاليّةُ الرَّبّانيّةُ، تُبيِّنُ هذه المُقَدِّمةُ: أنَّ المَخلُوقاتِ تَضطَرِبُ في خِضَمِّ سَيلِ الزَّمانِ، وتُساقُ بِسُرعةٍ وتَمُرُّ إلى عالَمِ الشَّهادةِ ثُمَّ تَلِجُ في عالَمِ الغَيبِ؛ فهَذِه السِّياحةُ والتَّجوالُ إِنَّما تكُونُ بحِكمةٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ، وتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ شُعَبٍ مُهِمّةٍ:
فالشُّعبةُ الأُولَى مِن تلك الحِكمةِ هي: أنَّه بِسِرِّ أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الفَعّاليّةِ یی جُزئيًّا كانَ أم كُلِّیيًّا یی يُورِثُ لَذّةً، فإِنَّ شُؤُونَ العِشقِ المُطلَقِ اللّاهُوتِيِّ یی إذا جازَ التَّعبِيرُ یی المَوجُودِ في ذاتِه المُقَدَّسِ والمَحَبّةِ المُقدَّسةِ، واللَّذّةِ المُنزَّهةِ، هذه الشُّؤُونُ الإِلٰهِيّةُ بالفَعّاليّةِ الَّتي لا حَدَّ لها، وبالخَلّاقيّةِ الَّتي لا نِهايةَ لها، تُجَدِّدُ العالَمَ وتُبدِّلُه وتَخُضُّه خَضًّا.
الشُّعبة الثّانية: بِناءً على قاعِدةِ: أنَّ صاحِبَ كلِّ جَمالٍ يَرغَبُ أن يَرَى جَمالَه ويُرِيَه الآخَرِينَ، ويَوَدُّ صاحِبُ المَهارةِ أن يَلفِتَ الأَنظارَ إلَيْها بعَرضِ مَهاراتِه وإِعلانِه عنها؛ وبِناءً على أنَّ كلَّ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى لِلجَمِيلِ المُطلَقِ ولِلقَيُّومِ ذِي الجَلالِ، يَنطَوِي على حُسنٍ حَقِيقيٍّ، وجَمالٍ حَقِيقيٍّ، فلا بُدَّ أنَّه يُجَدِّدُ الكائِناتِ على الدَّوامِ ويُبدِّلُها استِنادًا إلى ذلك العِشقِ الإِلٰهِيِّ المُقدَّسِ، وبِناءً على سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ.
الشُّعاع الرّابع: وهُو الشُّعبةُ الثّالثةُ: يُبيِّنُ أنَّ كلَّ ذِي رَحْمةٍ يُسَرُّ بإِرضاءِ الآخَرِينَ، وكلَّ ذِي رَأْفةٍ يَنشَرِحُ إذا ما أَدخَلَ السُّرُورَ إلى قُلُوبِ الآخَرِينَ، ويَسعَدُ كلُّ
— 612 —
ذِي هِمّةٍ عاليةٍ وصاحِبِ غَيرةٍ وشَهامةٍ بإِسعادِه الآخَرِينَ، ويَفرَحُ كلُّ عادِلٍ بجَعلِ أَصحابِ الحُقُوقِ يَنالُونَ حَقَّهُم، ويَزهُو كلُّ صَنّاعٍ ماهِرٍ ويَفتَخِرُ بعَرضِ صَنْعَتِه وإِشهارِ مَهارَتِه لَدَى قِيامِ مَصنُوعاتِه بإِنتاجِ ما كان يَتَوقَّعُه على أَتَمِّ وَجهٍ يَتَصوَّرُه.
بِناءً على هذه الدَّساتيرِ المَذكُورةِ، فإنَّ خالِقَ الكَونِ الحَكِيمَ يُجَدِّدُ هذه المَوجُوداتِ بشَكلٍ دائِمٍ ومُطَّرِدٍ، بِسِرِّ القَيُّومِيّةِ مِن خِلالِ خَلّاقيّةٍ دائِمةٍ عَجِيبةٍ وفَعّاليّةٍ سَرمَدِيّةٍ مُحَيِّرةٍ لِلعُقُولِ، لِيَجعَلَها مَظهَرًا لِلجَمالِ غَيرِ المُتَناهِي لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى.
فيُبيِّنُ هذا الشُّعاعُ هذا الأَمرَ بِعِباراتٍ عَجِيبةٍ ولَطِيفةٍ ومُستَحسَنةٍ وشَهِيّةٍ.
ويَرُدُّ على سُؤالِ بَعضِ أَهلِ الضَّلالةِ القائِلِ: "إنَّ الَّذي يُغَيِّرُ الكائِناتِ بفَعّاليّةٍ دائِمةٍ ويُبَدِّلُها، يَلزَمُ أن يكُونَ هو مُتَغيِّرًا ومُتَحوِّلًا أَيضًا"، يَرُدُّ علَيْهِم بجَوابٍ قاطِعٍ يُؤَكِّدُ فيه أنَّ الأَمرَ على العَكسِ تَمامًا، أي: يَلزَمُ ألّا يكُونَ ذُو الجَلالِ سُبحانَه مُتَغيِّرًا ولا مُتَحوِّلًا.
الشُّعاع الخامِسُ: وهُو مَسأَلَتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: إِذا أَرَدْنا أن نَرَى التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ"، فما عَلَيْنا إلّا أن نَجعَلَ الخَيالَ نَظّارَتَينِ: إِحداهُما تُرِي مَلايِينَ الأَجرامِ الضَّخْمةِ في أَبعَدِ المَسافاتِ قد رُفِعَت بتَجَلِّي اسمِ "القَيُّومِ" ضِمنَ أَثِيرٍ لَطِيفٍ بَعضُها يَتحَرَّكُ وبَعضُها ثابِتٌ، والأُخْرَى تُرِي حَرَكاتِ وأَوضاعَ الذَّرّاتِ الَّتي تُشَكِّلُ أَجسامَ الأَحياءِ على وَجهِ المَعمُورةِ.
الخُلاصةُ: لقد تَداخَلَت وامتَزَجَتِ الأَسماءُ السِّتّةُ لِلِاسمِ الأَعظَمِ بَعضُها في بَعضٍ، فمَثلًا: انظُرْ إلَى المَوجُوداتِ مِن وَراءِ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ «القَيُّومِ» الَّذي مَنَحَ البَقاءَ والدَّوامَ والقِيامَ لها، تَرَ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ «الحَيِّ» قد نَوَّر تلك المَوجُوداتِ بالحَياةِ؛ ثُمَّ انظُرْ إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ «الفَرْدِ» مِن
— 613 —
وَراءِ اسمِ «الحَيِّ» ، تَرَه قد ضَمَّ جَمِيعَ الكائِناتِ ضِمنَ وَحْدةٍ واحِدةٍ، ووَضَعَ على وَجهِ كلِّ واحِدٍ خَتْمَ الأَحَدِيّةِ؛ ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ اسمِ «الفَرْدِ» إلى تجَلِّي اسمِ «الحَكَمِ» ، تَرَ أنَّه قد ضَمَّ المَوجُوداتِ كلَّها ضِمنَ نِظامٍ مُثمِرٍ وانتِظامٍ حَكِيمٍ وانسِجامٍ مُفِيدٍ وزَيَّنها؛ ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ اسمِ «الحَكَمِ» إلى تَجَلِّي اسمِ «العَدْلِ» تَرَه يُمسِكُ جَمِيعَ الكائِناتِ ابتِداءً مِن جُيُوشِ النُّجُومِ إلى جُيُوشِ الذَّرّاتِ بِيَدِ مِيزانٍ عَدْلٍ دَقِيقٍ جِدًّا.. وكُلُّهُم في طاعةٍ تامّةٍ لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِنَ الَّذي يَملِكُ أَمرَ "كُن فيكُونُ"؛ ثم انظُرِ الآنَ مِن خَلفِ اسمِ اللهِ «العَدْلِ» وشاهِدِ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ «القُدُّوسِ» قد جَعَل المَوجُوداتِ مَرايا جَمِيلةً مَجلُوّةً لائِقةً لِإظهارِ الجَمالِ البَدِيعِ المُطلَقِ، وتُناسِبُ عَرْضَ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.
المَسألةُ الثّانيةُ: تُعَبِّرُ بلِسانٍ فَصِيحٍ مُبِينٍ يَجعَلُ عَباقِرةَ البَشَرِ في حَيرةٍ وعَجَبٍ أَمامَ هذه الحَقائِقِ، بِأنَّ جَلْوةً مِن تَجَلِّياتِ القَيُّوميّةِ مِثلَما تَعُمُّ الكَونَ بمَظاهِرِ الواحِدِيّةِ والجَلالِ، فإنَّها تُبْرِزُ كَذلِك على هذا الإِنسانِ مَظاهِرَ الأَحَدِيّةِ والجَمالِ؛ وأنَّه مِن خِلالِ هذا التَّجَلِّي يُظهِرُ ذُو الجَمالِ سُبحانَه ما أَغدَقَه على الإِنسانِ مِن إِحسانٍ أَكثَرَ مِمّا أَحسَنَه على المَلائِكةِ، ويُبيِّنُ جامِعِيّةَ هذا الإِحسانِ وعَظَمَتَه وسَعَتَه، وأنَّه جَعَل الكَونَ مائِدةً لِلنِّعَمِ وسَخَّرَه لِلإِنسانِ.
وتُبيِّنُ الحِكمةَ مِن قِيامِ الكَونِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ على الإِنسانِ یی مِن جِهةٍ یی أنَّها مِن أَجل الوَظائِفِ المُهِمّةِ الثَّلاثِ الَّتي أُنِيطَت به، وتُعَدِّدُ هذه الوَظائِفِ؛ وتُبيِّنُ في الوَظِيفةِ الثّالِثةِ مِنَ الوَظائِفِ الثَّلاثِ قِيامَ الإِنسانِ بحَياتِه بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِشُؤُونِ "الحَيِّ القَيُّومِ" بثَلاثةِ وُجُوهٍ؛ وتُبيِّنُ أنَّ في الوَجهِ الثّالثِ مِن قِيامِ الإِنسانِ بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ وَجهَينِ: الأَوَّلُ: إِظهارُه الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ الحُسنَى. والثّاني: أَداؤُه مُهِمّةَ المِرآةِ العاكِسةِ لِلشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ.
خسرو
— 614 —
المُناجاةُ: ٥٢٣
هذه المُناجاةُ المُنقَطِعةُ النَّظِيرِ مُستَقاةٌ مِن سَبعِ مِئةِ آيةٍ قُرآنيّةٍ مِن آياتِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، المُتَعلِّقةِ بالتَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ والثَّناءِ والدُّعاءِ، ومِن مُناجاةِ نَبِيِّنا الأَكرَمِ علَيْه أَكمَلُ التَّحِيّاتِ، الَّذي عَرَف الحَقَّ سُبحانَه عِلمَ اليَقِينِ بل حَقَّ اليَقِينِ، وأَظهَر العَجْزَ والفَقْرَ التامَّ اللّائِقَ بالعُبُودِيّةِ، فعَلَّم حَقَّ التَّعلِيمِ المَزايا الإِنسانيّةَ كالِالتِجاءِ إلى دِيوانِ الأُلُوهِيّةِ والِاقتِرابِ مِن حُضُورِ الرَّحمٰنِ وهُو مالِكُ الدُّنيا وما فِيها والمُتَصرِّفُ في الكَنزِ المَخفِيِّ.
والمَنبَعُ المَعنَوِيُّ لِهذِه المُناجاةِ هو: أوَّلًا: الآياتُ المُحكَمةُ والآياتُ الجَلِيلةُ حَولَ خَلقِ العالَمِ، ثانيًا: أَسماءُ الجَوْشَنِ الكَبِيرِ البالِغِ أَلفَ اسمٍ واسمٍ، وبَعضُ عُقَدِه المُتَعلِّقةِ بخَلقِ المَوجُوداتِ، ثالثًا: خِطابٌ جَلِيلٌ لِلحائِزِ على المَدحِ النَّبَوِيِّ: "بابِ العِلمِ" أي: الإمامِ عَلِيٍّ كَرَّم اللهُ وَجْهَه، يُثبِتُ فيه رَضِيَ الله عَنهُ واجِبَ الوُجُودِ والواحِدَ الأَحَدَ مِن خِلالِ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ والمَوجُوداتِ الأَرضِيّةِ.
فتَتَّخِذُ هذه المُناجاةُ كُلَّ هذه قُدْوةً لها، وتَتعَمَّقُ بالمَواضِيعِ والمَقاصِدِ المَرجُوّةِ وتُوَزِّعُها لِدَرَجةٍ عَظِيمةٍ جِدًّا بحَيثُ إِنْ أَرَدْنا مَدْحَها والثَّناءَ علَيْها لا يُمكِنُنا ذلك إِلّا بكَلِماتِ مُؤَلِّفِها نَفسِه وقَلَمِه وعِباراتِه الجَمِيلةِ الرَّنّانةِ.
إِلّا أَنَّنا نَقُولُ: في هذا الفِهْرِسِ الَّذي شُرِعَ في تَألِيفِه إِطاعةً لِلأَمرِ الصّادِرِ لِمَرّاتٍ عِدّةٍ ما يلي:
الفِقرةُ الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ الدَّوَرانَ الحاصِلَ في السَّماواتِ والنَّشاطَ التّامَّ العَجِيبَ فيه معَ السُّكُونِ رَغمَ الكَثرةِ الكاثِرةِ يَدُلُّ على الواحِدِ الأَحَدِ الواجِبِ الوُجُودِ، المَعبُودِ بِالحَقِّ.
الفِقرةُ الثّانيةُ: تُبيِّنُ أنَّ نَشاطَ الفَضاءِ وإِجراءاتِه المُحيِّرةَ لِلعُقُولِ والأَلبابِ مِن خِلالِ الغُيُومِ والرُّعُودِ والبُرُوقِ والرِّياحِ والأَمطارِ يَدُلُّ على الواحِدِ الأَحَدِ الواجِبِ الوُجُودِ المَذكُورِ بكُلِّ لِسانٍ.
— 615 —
الفِقرةُ الثّالثةُ: تُبيِّنُ دَلالةَ العَناصِرِ معَ سائِرِ مُشتَمَلاتِها والكُرةِ الأَرضِيّةِ معَ جَمِيعِ مَخلُوقاتِها وفُرُوعِها.
الفِقرةُ الرّابِعةُ: تُبيِّنُ مِثلَ الأَدِلّةِ السّابِقةِ أنَّ البِحارَ والأَنهارَ واليَنابِيعَ تَدُلُّ على الواحِدِ الأَحَدِ الواجِبِ الوُجُودِ المَعرُوفِ بكُلِّ إِحسانٍ.
الفِقرةُ الخامِسةُ: تُبيِّنُ یی مِثلَ الشَّهاداتِ السّابِقةِ یی شَهادةَ الجِبالِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ ووَحْدَتِه مِن خِلالِ الحِكَم والوَظائِفِ الَّتي تَقُومُ بِها كاستِقرارِ الأَرضِ، وحِمايَتِها مِن طُغيانِ الزَّلازِلِ، وسَلامَتِها مِنَ الِانقِلاباتِ الحاصِلةِ في جَوفِها، وحِمايَتِها مِنِ استِيلاءِ البِحارِ، وتَصْفِيةِ الهَواءِ مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ، وادِّخارِ المِياهِ، وتَخزِينِها المَوادَّ اللّازِمةَ لِذَوِي الحَياةِ.
الفِقرةُ السّادِسةُ: تُبيِّنُ مِثلَ الأَدِلّةِ السّابِقةِ أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ تَدُلُّ بالبَداهةِ على وُجُوبِ وُجُودِ البارِئِ سُبحانَه ووَحْدَتِه مِن خِلالِ حَرَكاتِ أَوْراقِها وأَزْهارِها وثَمَراتِها الذّاكِراتِ، ومِن خِلالِ حُلَلِها وأَجهِزَتِها الَّتي أُلبِسَت بِسُهُولةٍ تامّةٍ.
الفِقرةُ السّابِعةُ: تُبيِّنُ أنَّ الأَعضاءَ الدّاخِلِيّةَ والخارِجِيّةَ لِذَوِي الأَرواحِ وخاصّةً البَشَرَ وجَوارِحَهُم وحَواسَّهُمُ الخَمْسةَ الظّاهِرةَ المَوجُودةَ في أَجسادِهِم، والَّتي تَعمَلُ جَمِيعًا كالسّاعاتِ والآلاتِ، وأَحاسِيسَهُمُ الَّتي تَعمَلُ بكَمالِ النَّشاطِ، تَشهَدُ جَمِيعًا على الوَحْدانيّةِ الإِلٰهِيّةِ.
الفِقرةُ الثّامِنةُ: تُبيِّنُ تَمامَ البَيانِ أنَّ الإِنسانَ الَّذي هو خُلاصةُ الكَونِ، وأنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ والأَصفِياءَ الَّذِينَ هم زُبدةُ البَشَرِ، وأنَّ مُشاهَداتِ وكَشْفِيّاتِ وإِلهاماتِ واستِخراجاتِ القُلُوبِ والعُقُولِ الَّتي هي خُلاصةُ هَؤُلاءِ السّادةِ، تَشهَدُ بِقُوّةِ وقَطعِيّةِ مِئاتِ الإِجماعاتِ والتَّواتُراتِ على وُجُوبِ الوُجُودِ والوَحْدةِ الإِلٰهِيّةِ.
— 616 —
كما أَنَّها تُصلِح القُلُوبَ المُتَحَجِّرةَ، وهِي في الوَقتِ نَفسِه مُناجاةٌ لِلحَقِّ سُبحانَه صاحِبِ الكِبْرِياءِ؛ فرَوْضةُ الحَقِيقةِ هذه تَختِمُ التَّضَرُّعَ والالتِجاءَ على النَّحوِ التّالي:
يا رَبِّي ورَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ، ويا خالِقِي وخالِقَ كُلِّ شَيءٍ، بِحَقِّ قُدرَتِك وإِرادَتِك وحِكْمَتِك وحاكِمِيَّتِك ورَحْمَتِك الَّتي سَخَّرَتِ السَّماواتِ بِنُجُومِها والأَرضَ بمُشتَمَلاتِها وجَمِيعَ المَخلُوقاتِ بِجَمِيعِ كَيْفِيّاتِها، سَخِّر لي نَفسِي، وسَخِّر لي مَطلُوبِي، وسَخِّر لِرَسائِلِ النُّورِ قُلُوبَ النّاسِ لِخِدمةِ القُرآنِ والإِيمانِ، وارْزُقْني وإِخوانِي الإِيمانَ الكامِلَ وحُسنَ الخاتِمةِ؛ وكما سَخَّرتَ البَحرَ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ النّارَ لِإِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام وسَخَّرتَ الجِبالَ والحَدِيدَ لِداوُدَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الجِنَّ والإِنسَ لِسُلَيْمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الشَّمسَ والقَمَرَ لِمُحَمَّدٍ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَخِّرِ القُلُوبَ والعُقُولَ لِرَسائِلِ النُّورِ، واحفَظْنِي وطُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ مِن شُرُورِ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ ونارِ جَهَنَّمَ، وارْزُقْنا السَّعادةَ في الفِردَوْسِ الأَعلَى في الجَنّةِ.. آمِينَ.. آمِينَ..
فتَلقَى هذه المُناجاةُ الخِتامَ بِهَذِه الكَلِماتِ التَّضَرُّعِيّةِ، ومِنَ الواضِحِ جِدًّا أنَّها مُناجاةٌ ضَرُورِيّةٌ لِأَهلِ الإِيمانِ، لِذا لم تكُن هُنالِك حاجةٌ لِلتَّفصِيلِ أَكثَرَ مِن هذا.
م. صبري
(رحمة الله عليه)
٭ ٭ ٭
— 617 —
قطعة من فهرس اللمعة الثامنة
تقريظ وتقييد حول الإشارات الغيبية
تُفَسِّرُ مِن خِلالِ كَرامةٍ غَيبِيّةٍ لِلغَوثِ الأَعظَمِ السَّيِّدِ عَبدِ القادِرِ الكَيْلانِيِّ نُكتةً غَيبِيّةً مِن نِكاتِ الآيتَينِ: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ.
فسُلطانُ الأَولِياءِ هذا مَظهَرٌ لِكَراماتٍ خارِقةٍ ومُتَواتِرةٍ، وقد أَقَرَّ أَهلُ الكَشْفِ وأَهلُ الوِلايةِ أنَّه على عَلاقةٍ واهتِمامٍ بمُرِيدِيه بَعدَ وَفاتِه كما هي الحالُ تَمامًا في حَياتِه.. فهَذا الرَّجُلُ الفاضِلُ قَبلَ ثَمانِي مِئةِ عامٍ قد شاهَدَ بإِذنِ اللهِ أو أُرِيَ هذا الزَّمانَ.
فيُخبِرُ في هذا الزَّمانِ الَّذي تَسُودُ فيه الِاضطِراباتُ والفِتَنُ عن أَمرٍ بِعَينِه، يُخبِرُ به مِن خَمْسَ عَشْرةَ جِهةً ضِمنَ خَمْسةِ أَسطُرٍ في نِهاياتِ قَصِيدةٍ مَشهُورةٍ له، وذلك بُغْيةَ تَشجِيعِ وتَحفِيزِ وبَثِّ السُّلوانِ في نُفُوسِ بَعضِ مُنتَسِبِيه مِن خُدّامِ القُرآنِ؛ كما أَخبَرَ عِلمُ الجَفْرِ عن الحادِثةِ ذاتِها مِن خِلالِ ثَلاثةِ أو أَربَعةِ أَوجُهٍ، مُستَدِلًّا على ذلك بِتَأيِيدِ مَعانِي الأَسطُرِ الخَمْسةِ تلك وكَلِماتِه وحُرُوفِه بَعضِها بَعضًا، مِمّا أَوْرَث مَن دَقَّق فيه التَّيقُّنَ بأنَّه حادِثةٌ واقِعةٌ.
مِنَ المَعلُومِ أنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ یی تَأَدُّبًا أَمامَ دُستُورِ: "لا يَعلَمُ الغَيبَ إِلّا اللهُ"، واحتِرامًا له یی قد اكتَفَوْا في الأُمُورِ الغَيبِيّةِ الَّتي أَخبَرُوا عنها بالإِشارةِ والرَّمزِ فقط، فأَخبَرُوا عنِ الحادِثةِ نَفسِها أَحيانًا بإِشارةٍ واحِدةٍ وأَحيانًا بإِشارَتَينِ، وأَقواهُم مَن أَخبَر مِن خِلالِ خَمسِ أو سِتِّ إِشاراتٍ؛ ولكِنَّ الغَوثَ الأَعظَمَ قد أَخبَر عن هَيْئةِ الخِدْمةِ القُرآنيّةِ في هذا الزَّمانِ وأَشارَ صَراحةً إلى خادِمٍ مَوجُودٍ بَينَهُم.
فكَما وَضَح في هذه الرِّسالةِ مِن خِلالِ التَّواقِيعِ أنَّ لي أَيضًا سَهْمًا معَ رِفاقِي في الخِدمةِ القُرآنيّةِ: بَعضُه مِن خِلالِ تَوقِيعِي، وبَعضٌ مِنه كانَ مِن خِلالِ تَصوِيبِهِم
— 618 —
واستِخراجِهِم وتَصدِيقِهِم، لِذا اضطُرِرتُ إلى قَبُولِ السَّهمِ الَّذي مِن نَصِيبِي یی والَّذي يَفُوقُ حَدِّي بِكَثِيرٍ یی جَبْرًا لِخَواطِرِهِم، وإِلّا فكَما قُلتُ في بِدايةِ هذه الرِّسالةِ: لَيسَ لي أَيُّ سَهمِ شَرَفٍ في هذا.
لقد طالَعتُ تلك القَصِيدةَ الغَيبِيّةَ قَبلَ عَشَرةِ أَعوامٍ، وكانَ يُراوِدُ قَلبِي ما هو أَشبَهُ بِإِخطارٍ مَعنَوِيٍّ: "دَقِّقْ.."، ولكِن ما كُنتُ أُلقِي بالًا لِهَذا الإِخطارِ مِن جِهَتَينِ:
الأُولَى: لقد بَذَلتُ جُزءًا كَبِيرًا مِن حَياتِي في سَبِيلِ الشَّأنِ والشَّرَفِ، وتَسَمَّمَتْ بسُمِّ حُبِّ الجاهِ وماتَتْ، فما كُنتُ أَرغَبُ أن أَفتَحَ بِهذِه الصُّورةِ على نَفسِي الأَمّارةِ بالسُّوءِ بابًا آخَرَ مِن أَبوابِ الشَّأنِ والشَّرَفِ.
الجِهةُ الثّانيةُ: ما كانَ يُعجِبُني في هذا الزَّمانِ الَّذي يَسُودُه التَّعنُّتُ والتَّعَصُّبُ أَن أُظهِرَ هذه الإِشاراتِ الغَيبِيّةَ مُفتَخِرًا لِمَن لا يَقبَلُونَ یی أَصلًا یی قَضايا بَدِيهِيّةً وحُجَجًا ظاهِرةً جَلِيّةً، لكِن في النِّهايةِ وفي السَّنةِ الثّامِنةِ مِن سِنِيْ أَسرِي وفي أَشَدِّ الأَوقاتِ ظُلمًا وتَضيِيقًا وحاجةً إلى التَّشجِيعِ والتَّحفِيزِ، إِذا بي أُخطَرُ: "أَظهِرْ هذا الأَمرَ مِن قَبِيلِ التَّحَدُّثِ بالنِّعمةِ والشُّكرِ المَعنَوِيِّ، ولا تَخَفْ فهِي قَوِيّةٌ لِدَرَجةِ الإِقناعِ".
فكَما قُلتُ في مُقدِّمةِ تلك الرِّسالةِ: إِنَّ غايَتِي الأَهَمَّ و مَقصَدِي الأَوَّلَ مِن إِظهارِ هذا الأَمرِ هو بَيانُ إِمضاءِ الغَوثِ الأَعظَمِ على مَقبُوليّةِ الرَّسائِلِ العائِدةِ لِلأَسرارِ القُرآنيّةِ.
مَقصَدِي الثَّاني: إِظهارُ كَرامةِ أُستاذِي الجَلِيلِ، وبالتّالي إِسكاتُ المُلحِدِينَ الَّذِينَ يُنكِرُونَ كَراماتِ الأَولِياءِ، وتَمكِينُ قُوّةِ أَصحابِي المَعنَوِيّةِ وتَشجِيعُهُم واستِنهاضُ هِمَمِهِم وهُم المُعَرَّضُونَ لِعَوائِقَ وعَراقِيلَ كَثِيرةٍ وأَسبابٍ شَتَّى تُورِثُهُمُ الفُتُورَ في الخِدمةِ القُرآنِيّةِ.
ولِأنَّ هذا الإِظهارَ كانَ مِن قَبِيلِ الفَخرِ بِالنِّسبةِ إِلَيَّ، كانَ فيه ضَرَرٌ كَبِيرٌ؛ إِلّا أَنَّني قَبِلتُ ورَضِيتُ به لِأَجلِ أُستاذِي وأَصحابِي.
— 619 —
لقدِ استُخرِجَت هذه الرِّسالةُ: "رِسالةُ الكَراماتِ الغَوثِيّةِ" بشَكلٍ تَدرِيجِيٍّ، لِذا انقَسَمَت إلى عِدّةِ أَقسامٍ، وانتَهَت بالِانقِسامِ إلى تَتِمّاتٍ؛ وهِي كُلَّما تقَدَّمَت ونَوَّر وأَيَّد بَعضُها بَعضًا تَوَضَّحَت أَكثَرَ وأَكثَرَ؛ وحتَّى لو كانَ في بَعضِ الإِشاراتِ شَيءٌ مِنَ الضَّعفِ إِلّا أنَّ القُوّةَ الَّتي تَكْسِبُها بالِاتِّفاقِ معَ رِفاقِها الآخَرِينَ تُزِيلُ ذلك الضَّعفَ.
ومِمّا يُثِيرُ العَجَبَ أنَّها تُشِيرُ في نِهايةِ تلك الأَسطُرِ الخَمْسةِ إلى أَكثَرَ مِن خَمْسةَ عَشَرَ مِن إِخوانِي ذَوِي الشَّأنِ في الخِدمةِ القُرآنيّةِ مِن خِلالِ الإِيماءِ إلى مَرتَبةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم وصِفةٍ خاصّةٍ مِن صِفاتِه؛ كما تُوَضِّحُ هذه الرِّسالةُ بَعضَ المَسائِلِ المُهِمّةِ وبَعضَ الحَقائِقِ الجَلِيلةِ بِمُناسَبةِ الكَراماتِ الغَوْثيّةِ.
لا أَنصَحُ كُلَّ أَحَدٍ بالِاطِّلاعِ على هذه الرِّسالةِ كما لا أَسمَحُ بِذَلِك، إِنَّما أَسمَحُ لِإخوانِي الخَواصِّ المُخلِصِينَ المُنصِفِينَ أَنقِياءِ السَّرِيرةِ فَقَطْ.. كما يَجِبُ مُطالَعَتُها معَ التَّفكُّرِ بالمَقصَدَينِ المَذكُورَينِ مُقَدَّمًا، وأَلّا يُنظَر إليَّ نَظْرةَ رَجُلٍ يُحِبُّ إِظهارَ الكَراماتِ.
٭ ٭ ٭
— 620 —
قطعة من فِهرس اللمعة الثامنة والعشرين
النُّیكتةُ الأُولَى: يَقُولُ الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ في قَصِيدَتِه الأُرجُوزةِ: «أَحرُفُ عُجْمٍ سُطِّرَت تَسطِيرَا» فيُشاهِدُ الأَحرُفَ اللّاتِينِيّةَ الَّتي عُمِّمَت في زَمانِنا هذا، ويُشِيرُ إلى تَيّارِ الكُفرِ الجارِي مِن خِلالِ حِساباتِ الجَفْرِ والأَبجَدِ لِهذِه الجُملةِ.. كما يُورِدُ في قَصِيدَتِه "الأُرجُوزةِ" وفي قَصِيدَتِه "البَدِيعِيّةِ" المُؤَيِّدةِ والمُقَوِّيةِ لِلأُرجُوزةِ فِقْرةَ: «تُقَادُ سِرَاجُ النُّورِ سِرًّا بَيَانَةً ٭ تُقَادُ سِرَاجُ السُّرْجِ سِرًّا تَنَوَّرَتْ» يُشِيرُ بِها إلى رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها ويُلاطِفُهُم.. تلك الرَّسائِلُ الَّتي يُدرَكُ وُجُودُها مِن خِلالِ ضِيائِها المُقاوِمِ لِتِلك الظُّلُماتِ، ولا تَنطَفِئُ أَمامَ أَعتَى الظُّلُماتِ شِدّةً وقَسْوةً وحُلْكةً، وتَعمَلُ جاهِدةً لِتَمزِيقِ غُيُومِ تلك الظُّلُماتِ وإِنارةِ الدُّنيا بِرُمَّتِها؛ ثُمَّ يقُولُ أَيضًا: «أَقِدْ كَوكَبِي بِالِاسمِ نُورًا وبَهجَةً.. مَدَى الدَّهرِ والأَيَّامِ يَا نُورُ جَلجَلَتْ» ، فيَدعُو بِهذا ويتَضَرَّعُ أن يَدُومَ نُورُ رَسائِلِ النُّورِ وتَنوِيرُها وضِياؤُها بِشَكلٍ أَبدِيٍّ إلى آخِرِ الزَّمانِ.
وكما أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ یی وهُو مِن أَهَمِّ تَلامِيذِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وأَوَّلُ ناشِرٍ لِعُلُومِه یی قدِ اتَّخَذَ الِاسمَ الأَعظَمَ المُبارَكَ شَفِيعًا له أَمامَ الجَبَهاتِ الَّتي فُتِحَت ضِدَّ القُرآنِ في بِداياتِ دِينِ الإِسلامِ، وسَعَى بِكُلِّ شَجاعةٍ وبَسالةٍ لِلحِفاظِ على حَقائِقِ الشَّرِيعةِ والأُسُسِ الإِسلامِيّةِ؛ فمِن شَأنِه أَن يَرَى في آخِرِ الزَّمانِ تلك الرَّسائِلَ الَّتي اتَّخَذَتِ الِاسمَ الأَعظَمَ نَفسَه شَفِيعًا ومَلْجَأً ومَنجًى لها في مُواجَهةِ تَيّاراتِ الزَّندَقةِ المُخالِفةِ لِلقُرآنِ تَمامًا، والَّتي قاوَمَت بِبَسالةٍ على لِسانِ رَسائِلِ النُّورِ الَّذي لا يَصمُتُ ونُورِها الَّذي لا يَنطَفِئُ، والَّتي نَبَعَت مِن إِعجازِ القُرآنِ الَّذي لا يُنتَقَدُ، وأَظهَرَت خاتِمةَ المُعجِزاتِ.
ومِن مُقتَضَياتِ مَقامِ وِلايةِ الإِمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ أن يَرَى رَسائِلَ النُّورِ ويَنظُرَ إِلَيْها بكَرامةٍ وشَفَقةٍ، ويَمْنَحَها السُّلوانَ.. تلك الرَّسائِلَ الَّتي أَطْفَأَت نارَ الزَّندَقةِ التي أَحرَقَت
— 621 —
وَجْهَ الأَرضِ وأَبادَتِ الوُرُودَ والزُّهُورَ، أَطْفَأَتْها بِنُورِ الِاسمِ الأَعظَمِ العَظِيمِ الجَلِيلِ، وبِماءِ الحَياةِ النّابِعِ مِنَ التَّجَلِّياتِ الشَّفِيقةِ الرَّؤُومةِ لِاسمَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وزَرَعَت في الجِبالِ والبَرارِي بَدَلَ أَزهارِ البَساتِينِ والأَنهارِ الَّتي جَفَّت في أَماكِنِ الحَرِيقِ أَزهارًا مُقاوِمةً لِشِدّةِ الحَرارةِ والبُرُودةِ، وسَقَتْها بِأَمطارِ السَّماءِ ورَحَماتِها.
ومِنَ الأَماراتِ والأَدِلّةِ القَوِيّةِ الَّتي تُعَدُّ مِن كَراماتِ القَصِيدةِ البَدِيعِيّةِ والَّتي تَبدَأُ بی: «فيَا حَامِلَ الِاسمِ الَّذي جَلَّ قَدْرُهُ» ، وضِمنَ ثَلاثةِ أو أَربَعةِ أَسطُرٍ:
الأَمارةُ الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ الحِسابَ الجِفْرِيَّ والأَبجَدِيَّ لِجُملةِ: «فيَا حَامِلَ الِاسمِ الَّذِي جَلَّ قَدْرُهُ» يُساوِي (١٣٥٣)، ويَتَوافَقُ معَ أَكثَرِ أَزمِنةِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ شِدّةً وضِيقًا، ومعَ أَسماءِ مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ الَّذي اتَّخَذ لِنَفسِه في ذلك الزَّمانِ الِاسمَ الأَعظَمَ الَّذي يُسَمَّى "السَّكِينةَ" معَ (٧١) آيةً وِردًا يُرَدِّدُه كلَّ يَومٍ (١٧١) مَرّةً؛ كما تُبيِّنُ خَصائِصَ مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ حامِلِ الِاسمِ الأَعظَمِ في ذلك الزَّمانِ، وتُبشِّرُ بِأَنَّهُم سوف يَنجُونَ مِنها بِخَيرٍ وسَلامةٍ؛ وأنَّ نَجاتَهُم بِحَمْدِ الله تُصَدِّقُ الكَرامةَ العَلَوِيّةَ.
الأَمارةُ الثّانيةُ: تُخبِرُ بِفِقْرةِ: «فقَاتِل ولَا تَخْشَ، وحَارِب ولَا تَخَفْ» أنَّ مُؤَلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ سيَشتَرِكُ في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، وسيُجرَحُ ويتَعَرَّضُ لِمَخاوِفَ لا حَدَّ لها، وفي النِّهايةِ سيُقتادُ أَسِيرًا إلى رُوسْيا، وسيُكلَّفُ بمُهِمّةٍ جَلِيلةٍ في أَثناءِ حَربٍ عالَمِيّةٍ تَقَعُ آخِرَ الزَّمانِ، وسيُنقَلُ إلى بَلْدةٍ فيها عَقارِبُ أَشَدُّ تَسمِيمًا مِنَ الأَفاعِي، وسيُحارِبُ الأَفاعِيَ لَيْلَ نَهارَ؛ فتُلاطِفُه بی: «فقَاتِل ولَا تَخشَ، وحَارِب ولَا تَخَفْ» ، وتُشِيرُ إلى ما يتَلَقّاه مِنَ الحِفْظِ المَعنَوِيِّ والحِراسةِ ومَدِّ يَدِ العَوْنِ له.
الأَمارةُ الثَّالثةُ: ثَلاثُ كَراماتٍ باعِثةٍ على السُّلوانِ في ثَلاثةِ فُصُولٍ مِن فُصُولِ الخَرِيفِ:
الأُولَى: نَظَرُ الغَوثِ الأَعظَمِ رَضِيَ الله عَنهُ بِقَولِه: «يا مُرِيدِي، كُنْ قَادِرِيَّ الوَقتِ، للهِ مُخلِصًا، تَعيشُ سَعِيدًا» ، معَ خَمْسَ عَشْرةَ أَمارةً قَوِيّةً، إلى مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ.
— 622 —
في الخَرِيفِ الثَّاني مِنَ الفَصلِ نَفسِه: نَظَرَ سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ بِقَولِه: «ويَا مُدرِكًا لِذَلِكَ الزَّمَانِ» ودَلالاتِه القَوِيّةِ إلى مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ.
في الخَرِيفِ الثّالِثِ: نَظَر سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ أَيضًا بِعَينِ الكَرامةِ إلى مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ بِقَولِه: «فيَا حَامِلَ الِاسْمِ الَّذي.. . إلخ» ؛ إِذ إِنَّ التَّألِيفَ القَوِيَّ الإِعجازِيَّ لِرَسائِلِ اللَّمَعاتِ: "الثّامِنةِ، الثّامِنةَ عَشْرةَ، الثّامِنةِ والعِشرِينَ" يُزيلُ الخَوفَ مِن نُفُوسِ تَلامِيذِ رَسائِلِ النُّورِ، ويَبُثُّ السُّلوانِ في نُفُوسِهِم، فيُزِيلُ الإِمامُ رَوْعَهُم بكَلِمةِ: "لا تَخشَ" الَّتي يُكَرِّرُها سِتَّ أو سَبعَ مَرّاتٍ، ويُبيِّنُ أنَّ هذا الأَمرَ إِكرامٌ إِلٰهِيٌّ لِخُدّامِ القُرآنِ.. ولِأنَّ المُخاطَبَ في فِقْرةِ: "وأَقْبِلْ ولَا تَهْرُبْ" كما في الفِقْراتِ السّابِقةِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ، فيُشَجِّعُه ويُحَفِّزُه بِقَولِه: "يا سَعِيدُ النُّورْسِيُّ، استَقبِلْ ولا تَهرُبْ".
النَّتيجةُ: إِنَّ الحَقائِقَ التِّسعَ الَّتي تَسُوقُها الجُمَلُ التِّسعُ المُبتَدأَةُ بی(وكَذلِك، وكَذلِك،..) قد ظَهَرَت في رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها وشُوهِدَت بِعَينِها، كما ثَبَت ذلك حتَّى بِتَصدِيقِ الأَعداءِ أي: أنَّ الَّذي قَصَدَه سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ في قَصِيدَتَيه الأُرجُوزةِ والبَدِيعِيّةِ واهتَمَّ به اهتِمامًا جادًّا هو الوَارِثُ النَّبوِيُّ ومُمَكِّنُ الدِّينِ وحامِلُ الِاسمِ الأَعظَمِ: (رَسائِلُ النُّورِ ومُؤلِّفُها)؛ لِأنَّ كلَّ شَيءٍ واضِحٌ وصَرِيحٌ وبارِزٌ لِلعِيانِ، ونَسمَعُ بكُلِّ القَضايا ونَرَى جَمِيعَ الحَرَكاتِ الدِّينِيّةِ، فتَتَولَّد لَدَيْنا القَناعةُ دُونَ شَكٍّ أو شُبْهةٍ أنَّ الَّذي لا يَزِيغُ عن طَرِيقِ الحَقِّ والحَقِيقةِ ويَسعَى لِلحِفاظِ على حُقُوقِ القُرآنِ كما أُمِرَ حَرفِيًّا دُونَ تَأوِيلٍ أو تَحرِيفٍ هو رَسائِلُ النُّورِ لَيسَ إِلّا، مِمّا يُثبِتُ أنَّها هي المُخاطَبُ بِكَلامِ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ.
الحافظُ عليٌّ
(رحمة الله عليه)
٭ ٭ ٭
— 623 —
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
يا اَللهُ، يا رَحْمٰنُ، يا رَحِيمُ، يا فَردُ، يا حَيُّ، يا قَيُّومُ، يا حَكَمُ، يا عَدْلُ، يا قُدُّوسُ
بِحَقِّ الِاسمِ الأَعظَمِ، وبحُرمةِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وبِكَرامةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، أَدخِلِ الَّذِينَ قامُوا بطَبعِ هذه المَجمُوعةِ ومُعاوِنِيهِمُ المَيامِينَ جَنّةَ الفِردَوسِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ.. آمِينَ.. ووَفِّقْهُم في خِدمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ دَوْمًا وأَبدًا.. آمِينَ..
واكْتُبْ في صَحِيفةِ حَسَناتِهِم أَلفَ حَسَنةٍ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ كِتابِ "اللَّمَعاتِ".. آمِينَ.. وأَحسِنْ إلَيْهِم بالثَّباتِ والدَّوامِ والإِخلاصِ في نَشرِ رَسائِلِ النُّورِ.. آمِينَ..
يا أَرحَمَ الرّاحِمِينَ.. آتِ جَمِيعَ طُلّابِ النُّورِ في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخِرةِ حَسَنةً.. آمِينَ. واحْفَظْهُم مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإِنسِ.. آمِينَ.. واعْفُ عن ذُنُوبِ هذا العَبدِ العاجِزِ الضَّعِيفِ: سَعِيدٍ.. آمِينَ..
بِاسمِ جَمِيعِ طُلَّابِ النُّورِ
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭