Risale-i Nur

اللمعات
— 363 —
يَسعَى لِخِدمَتِي وتَسلِيَتِي.. نعم، لقد كُنتُ في أَمَسِّ الحاجةِ یی ولا سِيَّما في الشَّيخُوخةِ هذه یی إلى مَن هو مِثلُ "عَبدِ الرَّحمَنِ".. ذلك الفِدائِيِّ الصّادِقِ..
وذاتَ يَومٍ وفَجْأةً سَلَّمَني أَحَدُهُم رِسالةً، ما إن فَتَحتُها حتَّى تَبيَّنَ لي أنَّها رِسالةٌ تُظهِرُ شَخصِيّةَ "عَبدِ الرَّحمَنِ" تَمامًا، وقد أُدرِجَ قِسمٌ مِن تلك الرِّسالةِ ضِمنَ فِقْراتِ "المَكتُوبِ السّابِعِ والعِشرِينَ" بما يُظهِرُ ثَلاثَ كَراماتٍ واضِحة.
لقد أَبكَتْنِي تلك الرِّسالةُ كَثِيرًا ولا تَزالُ تُبكِينِي، حَيثُ يُبيِّنُ فيها "عبدُ الرَّحمَنِ" بكُلِّ صِدقٍ وجِدٍّ أنَّه قد عَزَف عُزُوفًا تامًّا عنِ الأَذْواقِ الدُّنيَوِيّةِ وعن لَذائِذِها، وأنَّ أَقصَى ما يَتَمنّاه هو الوُصُولُ إِلَيَّ لِيَقُومَ برِعايَتِي في شَيخُوخَتِي هذه مِثلَما كُنتُ أَرعاه في صِغَرِه، وأن يُساعِدَنِي بقَلَمِه السَّيّالِ في وَظِيفَتِي ومُهِمَّتِي الحَقِيقيّةِ في الدُّنيا، وهِي نَشرُ أَسرارِ القُرآنِ الكَرِيمِ، حتَّى إنَّه كانَ يقُولُ في رِسالَتِه: ابْعَثْ إِلَيَّ ما يَقرُبُ مِن ثَلاثِينَ رِسالةً كي أَكتُبَ وأَستَكْتِبَ مِن كلٍّ مِنها ثَلاثِينَ نُسخةً.
لقد شَدَّتْنِي هذه الرِّسالةُ إلى الدُّنيا بأَمَلٍ قَوِيٍّ شَدِيدٍ، فقُلتُ في نَفسِي: ها قد وَجَدتُ تِلمِيذِي المُخلِصَ الشُّجاعَ، ذا الذَّكاءِ الخارِقِ، وذا الوَفاءِ الخالِصِ، والِارتِباطِ الوَثيقِ الَّذي يَفُوقُ وَفاءَ الِابنِ الحِقِيقيِّ وارتِباطَه بوالِدِه! فسَوفَ يَقُومُ یی بإِذنِ اللهِ یی برِعايَتِي وخِدْمَتِي، بل حتَّى إِنَّني بهذا الأَمَلِ نَسِيتُ ما كُنتُ فيه مِنَ الأَسْرِ المُؤلِمِ ومِن عَدَمِ وُجُودِ مُعِينٍ لي، بل نَسِيتُ حتَّى الغُرْبةَ والشَّيخُوخةَ! وكأَنَّ "عَبدَ الرَّحْمَنِ" قد كَتَب تلك الرِّسالةَ بإِيمانٍ في مُنتَهَى القُوّةِ وفي غايةِ اللَّمَعانِ وهُو يَنتَظِرُ أَجَلَه، إذِ استَطاعَ أن يَحصُلَ على نُسخةٍ مَطبُوعةٍ مِنَ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" الَّتي كُنتُ قد طَبَعتُها وهِي تَبحَثُ عنِ الإِيمانِ بالآخِرةِ؛ فكانَت تلك الرِّسالةُ بَلْسَمًا شافِيًا له حَيثُ ضَمَّدَت جَمِيعَ جِراحاتِه المَعنَوِيّةِ الَّتي عاناها عَبْرَ سَبعِ سَنَواتٍ خَلَت.
وبَعدَ مُضِيِّ حَوالَيْ شَهرَينِ وأنا أَعِيشُ في ذلك الأَمَلِ لِنَعِيشَ مَعًا حَياةً دُنيَوِيّةً سَعِيدةً، إذا بي أُفاجَأُ بنَبَأِ وَفاتِه! فيا أَسَفاهْ.. ويا حَسْرَتاهْ.. لقد هَزَّني هذا الخَبَرُ هَزًّا عَنِيفًا، حتَّى إِنَّني لا أَزالُ تَحتَ تَأثِيرِه مُنذُ خَمسِ سَنَواتٍ، وأَوْرَثَني حُزنًا شَدِيدًا وأَلَمًا
— 364 —
عَمِيقًا لِلفِراقِ المُؤلِمِ، يَفُوقُ ما كُنتُ أُعانِيه مِن أَلَمِ الأَسْرِ المُعَذِّبِ وأَلَمِ الِانفِرادِ والغُربةِ المُوحِشةِ، وأَلَمِ الشَّيخُوخةِ والمَرَضِ.
كُنتُ أَقُولُ: إنَّ نِصفَ دُنيايَ الخاصّةِ قدِ انهَدَّ بوَفاةِ أُمِّي، بَيْدَ أَنِّي رَأَيتُ أنَّ النِّصفَ الآخَرَ قد تُوُفِّي أَيضًا بوَفاةِ "عَبدِ الرَّحمَنِ"، فلم تَبقَ لي إِذًا عَلاقةٌ معَ الدُّنيا.. نعم، لو ظَلَّ "عَبدُ الرَّحمَنِ" مَعِي في الدُّنيا لَأَصبَحَ مِحْوَرًا تَدُورُ حَولَه وَظِيفَتِي الأُخرَوِيّةُ في الدُّنيا، ولَغَدا خَيرَ خَلَفٍ لي، ولَحَلَّ مَكانِي مِن بَعدِي، ولَكانَ صَدِيقًا وَفِيًّا بل مَدارَ سُلْوانٍ لي وأُنْسٍ، ولَبَاتَ أَذكَى تِلمِيذٍ لِرَسائِلِ النُّورِ، والأَمِينَ المُخلِصَ المُحافِظَ علَيْها.. فضَياعٌ مِثلُ هذا الضَّياعِ یی باعتِبارِ الإِنسانيّةِ یی لَهُو ضَياعٌ مُحرِقٌ مُؤلِمٌ لِأَمثالِي، ورَغمَ أنَّني كُنتُ أَبذُلُ الوُسْعَ لِأَتصَبَّرَ وأَتحَمَّلَ ما كُنتُ أُعانيه مِنَ الآلامِ، إلّا أنَّه كانَت هُنالِك عاصِفةٌ قَوِيّةٌ جِدًّا تَعصِفُ بأَقطارِ رُوحِي، فلَوْلا ذلك السُّلْوانُ النّابِعُ مِن نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ يَفِيضُ عَلَيَّ أَحيانًا لَمَا كانَ لِمِثلِي أن يَتَحمَّلَ ويَثبُتَ.
كُنتُ أَذهَبُ وأَسْرَحُ في وِدْيانِ "بارْلا"، وأَجُولُ في جِبالِها وَحِيدًا مُنفَرِدًا، أَجلِسُ في أَماكِنَ خاليةٍ مُنعَزِلةٍ، حامِلًا تلك الهُمُومَ والآلامَ المُحزِنةَ، فكانَت تَمُرُّ مِن أَمامِي لَوْحاتُ الحَياةِ السَّعِيدةِ ومَناظِرُها اللَّطِيفةُ الَّتي كُنتُ قد قَضَيتُها مَعَ طُلّابِي یی أَمثالَ "عَبدِ الرَّحمَنِ" یی كالفِيلمِ السِّينِمائِيِّ، فكُلَّما مَرَّت تلك اللَّوحاتُ أَمامَ خَيالِي، سَلَبَتْ مِن شِدّةِ مُقاوَمَتِي، وفَتَّت في عَضُدِي سُرعةُ التَّأثُّرِ النّابِعةُ مِنَ الشَّيخُوخةِ والغُرْبةِ.
ولكِن على حِينِ غِرّةٍ انكَشَف سِرُّ الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ انكِشافًا بَيِّنًا بحَيثُ جَعَلَني أُرَدِّدُ: يا باقِي أنتَ الباقِي، يا باقِي أنتَ الباقِي.. وبه أَخَذتُ السُّلوانَ الحَقِيقيَّ.
أجل، رَأَيتُ نَفسِي بسِرِّ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وعَبْرَ تلك الوِدْيانِ الخالِيةِ، ومعَ تلك الحالةِ المُؤْلِمةِ، رَأَيتُها على رَأْسِ ثَلاثِ جَنائِزَ كُبرَى كما أَشَرتُ إلَيْها في رِسالةِ "مِرقاةُ السُّنّةِ":
— 365 —
الأُولَى: رَأَيتُ نَفسِي كشاهِدِ قَبْرٍ يَضُمُّ خَمسًا وخَمسِينَ سَعِيدًا ماتُوا ودُفِنُوا في حَياتِي وضِمنَ عُمُرِي الَّذي يُناهِزُ الخامِسةَ والخَمسِينَ سَنةً.
الثّانِيةُ: رَأَيتُ نَفسِي كالكائِنِ الحَيِّ الصَّغِيرِ جِدًّا یی كالنَّمْلةِ یی يَدِبُّ على وَجْهِ هذا العَصْرِ الَّذي هو بمَثابةِ شاهِدِ قَبْرٍ لِلجِنازةِ العُظمَى لِمَن هُم بَنُو جِنسِي ونَوعِي، والَّذِينَ دُفِنُوا في قَبْرِ الماضِي مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام.
أمّا الثّالِثةُ: فقد تَجَسَّمَ أَمامَ خَيالِي یی بسِرِّ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ یی مَوتُ هذه الدُّنيا الضَّخْمةِ، مِثلَما تَمُوتُ دُنيا سَيّارةٌ مِن على وَجْهِ الدُّنيا كلَّ سَنةٍ كما يَمُوتُ الإِنسانُ..
وهكَذا فقد أَغاثَنِي المَعنَى الإِشارِيُّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وأَمَدَّنِي بنُورٍ لا يَخبُو، فبَدَّدَ ما كُنتُ أُعانِيه مِنَ الحُزنِ النّابِعِ مِن وَفاةِ "عَبدِ الرَّحمَنِ"، واهِبًا لي التَّسرِيةَ والتَّسلِيةَ الحَقِيقيّةَ.
نعم، لقد عَلَّمَتْني هذه الآيةُ الكَرِيمةُ أنَّه ما دامَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى مَوجُودًا فهُو البَدِيلُ عن كُلِّ شَيءٍ، وما دامَ باقِيًا فهُو كافٍ عَبْدَه، حَيثُ إنَّ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ عِنايَتِه سُبحانَه يَعدِلُ العالَمَ كُلَّه، وإنَّ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ نُورِه العَمِيمِ يَمنَحُ تلك الجَنائِزَ الثَّلاثَ حَياةً مَعنَوِيّةً أَيَّما حَياةٍ، بحَيثُ تَظهَرُ أنَّها لَيسَت جَنائِزَ، بل مِمَّن أَنهَوْا مَهامَّهُم ووَظائِفَهُم على هذه الأَرضِ فارْتَحَلُوا إلى عالَمٍ آخَرَ.
ولَمَّا كُنّا قد أَوْضَحْنا هذا السِّرَّ والحِكْمةَ في "اللَّمْعةِ الثَّالِثةِ" أَرانِي هنا في غَيرِ حاجةٍ إلى مَزِيدٍ مِنَ التَّوضِيحِ، إلّا أنَّني أَقُولُ:
إنَّ الَّذي نَجّانِي مِن تلك الحالةِ المُحزِنةِ المُؤْلِمةِ، تَكرارِي لی"يا باقِي أَنتَ الباقِي.. يا باقِي أَنتَ الباقِي" مَرَّتَينِ، والَّذي هو مَعنَى الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وتَوضِيحُ ذلك: أنَّني عِندَما قُلتُ: "يا باقِي أَنتَ الباقِي" لِلمَرَّةِ الأُولَى، بَدَأ التَّداوِي والضِّمادُ بما يُشبِهُ العَمَلِيّاتِ الجِراحِيّةَ على تلك الجُرُوحِ المَعنَوِيّةِ غَيرِ المَحدُودةِ النّاشِئةِ مِن زَوالِ الدُّنيا وزَوالِ مَن فيها مِنَ الأَحِبّةِ یی مِن أَمثالِ "عُبدِ
— 366 —
الرَّحمَنِ" یی والمُتَوَلِّدةِ مِنِ انفِراطِ عِقدِ الرَّوابِطِ الَّتي أَرتَبِطُ بها مَعَهُم؛ أمّا في المَرّةِ الثَّانيةِ فقد أَصبَحَت جُملةُ «يا باقِي أَنتَ الباقِي» مَرْهَمًا لِجَمِيعِ تلك الجُرُوحِ المَعنَوِيّةِ، وبَلْسَمًا شافِيًا لها، وذلك بالتَّأَمُّلِ في المَعنَى الآتِي:
لِيَرْحَلْ مَن يَرْحَلُ يا إِلٰهِي، فأَنتَ الباقِي وأَنتَ الكافِي، وما دُمتَ باقِيًا فلَتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحْمَتِك كافٍ بَدَلًا عن كُلِّ شَيءٍ يَزُولُ، وما دُمتَ مَوجُودًا فكُلُّ شَيءٍ إِذًا مَوجُودٌ لِمَن يُدرِكُ مَعنَى انتِسابِه إلَيْك بالإِيمانِ بوُجُودِك ويَتَحرَّكُ على وَفقِ ذلك الِانتِسابِ بسِرِّ الإِسلامِ؛ فلَيسَ الفَناءُ والزَّوالُ ولا المَوتُ والعَدَمُ إلّا سَتائِرَ لِلتَّجدِيدِ، وإلّا وَسِيلةً لِلتَّجَوُّلِ في مَنازِلَ مُختَلِفةٍ والسَّيرِ فيها.. فانقَلَبَتْ بهذا التَّفكِيرِ تلك الحالةُ الرُّوحِيّةُ المُحرِقةُ الحَزِينةُ، وتلك الحالةُ المُظلِمةُ المُرعِبةُ إلى حالةٍ مُسِرّةٍ بَهِيجةٍ ولَذِيذةٍ، وإلى حالةٍ مُنَوَّرةٍ مُحبُوبةٍ مُؤنِسةٍ، فأَصبَحَ لِسانِي وقَلبِي بل كلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ جِسمِي يُرَدِّدُ بلِسانِ الحالِ: الحَمدُ للهِ.
ولَقَد تَجَلَّى جُزءٌ مِن أَلفِ جُزءٍ مِن ذلك التَّجَلِّي لِلرَّحْمةِ بهذه الصُّورةِ:
عِندَما رَجَعتُ مِن مَوطِنِ حُزنِي.. مِن تلك الوِدْيانِ، ومِن تلك الحالةِ المُحزِنةِ، إلى "بارْلا"، رَأَيتُ شابًّا يُدعَى مُصطَفَى مِن "قُولَه أُونُو" قد أَتانِي مُستَفسِرًا عن بَعضِ ما يَشغَلُه مِن مَسائِلِ الفِقهِ والوُضُوءِ والصَّلاةِ.. فرَغمَ أنَّني لم أَكُن أَستَقبِلُ الضُّيُوفَ في تلك الحِقْبةِ، إلّا أنَّ رُوحِي كأنَّها قد قَرَأَت ما في رُوحِ ذلك الشّابِّ مِنَ الإِخلاصِ، وكأنَّها شَعَرَت یی بحِسٍّ قَبلَ الوُقُوع یی ما سَوفَ يُؤَدِّيه هذا الشّابُّ مِن خِدْماتٍ لِرَسائِلِ النُّورِ في المُستَقبَلِ، (حاشية-١): وهكذا، فإنَّ الأخَ الصَّغيرَ لهذا الشَّابِّ "مُصطَفى" يُدعَى "عليّ الصغير" قد أَثبَت أنه "عبدُ الرحمَن" حقًّا، بكِتابتِه أكثرَ مِن سبعِ مِئةِ نُسخةٍ من رسائل النُّور بقَلَمِه الطّاهر، بل قد ربَّى عَدِيدًا من عِبادِ الرَّحمٰن. لِذا لم أَرُدَّه وقَبِلتُه ضَيْفًا،
(حاشية -٢): نعم، فقد أَظهَر هذا الشّابُّ أنه ليس أهلًا للقَبُول فحَسْبُ، بل هو أهلٌ للِاستقبالِ كذلك.
هذه حادثةٌ أَروِيها تصديقًا لحُكْم أُستاذي من أن مُصطَفى یی وهو أوَّل تِلمِيذٍ لرسائل النُّور یی أهلٌ للِاستقبال: "كان الأُستاذُ يَرغَب في التجوُّل في اليوم السّابق ليومِ عَرَفة، فأَرسَلَني لأُهيِّئ له الفَرَس، قلتُ: لا تَنیزِل يا أُستاذي لِغَلْق البابِ فأنا سأُقفِلُه وسأَخرُج من الباب الخلفيّ، قال لي: بلِ اخرُج من الباب.. فنَزَل وأَغلَق البابَ بالمِزْلاجِ مِن وَرَائي، وصَعِد إلى غُرفتِه يَضطَجِع... وبعد ذلك قَدِم مُصطَفى من "قُولَه أُونو" بصُحبةِ الحاجّ عثمان. وكان الأُستاذُ لا يَقبَل يَومَها أحَدًا عنده بَلْهَ أن يَقبَل في ذلك الوَقتِ شَخصَينِ معًا! فلا مَحالةَ أنه يَرُدُّهما.. ولكنَّ مُصطَفى هذا المَذكُورَ في هذا البَحثَ مَا إن أَتَى إلى بَاب الأُستاذِ مع الحاجِّ عُثمانَ حتى كأنَّ الباب قد رَحَّب به بلِسانِ الحَال قائلًا: إن أُستاذَك لن يَقبَلَك، ولكنِّي سأَنفتِحُ لك. فانفَتَح له البابُ المُغلَق.
نعم، إنَّ ما قالَه الأُستاذُ حقٌّ حَولَ مُصطَفى مِن أنَّه يَستَحِقُّ الِاستقبالَ والقَبُولَ، مِثلَما أَظهَر المُستقبَلُ ذلك بوُضُوح فإن بَابَ بيتِه قد شَهِد على ذلك أيضًا..
خُسرَو
"نعم إن ما كَتَبه "خُسرَو" صِدقٌ، فأنا أُصدِّقه.. فبابُ البَيت الذي أَسكُنُه قد قَبِل مُصطَفى واستَقبَله بَدَلًا عنِّي". سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ ثمَّ تَبيَّنَ لي أنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى قد
— 367 —
عَوَّضَنِي بهذا الشّابِّ عن "عَبدِ الرَّحمَنِ" الَّذي هو خَيرُ خَلَفٍ لي، ويَفِي بمُهِمّةِ الوارِثِ الحَقِيقيِّ في خِدْمةِ رِسالةِ النُّور؛ وبَعَث سُبحانَه وتَعالَى إِلَيَّ "مُصطَفَى" كنَمُوذَجٍ، وكأنَّه يقُولُ: أَخَذتُ مِنك عَبدًا لِلرَّحمَنِ واحِدًا وسأُعَوِّضُك عنه بثَلاثِينَ "عَبدِ الرَّحمَنِ" كهذا الشّابِّ "مُصطَفَى" مِمَّن يَسْعَوْنَ في تلك الوَظِيفةِ الدِّينيّةِ، وسيَكُونُونَ لك طُلّابًا أَوْفِياءَ، وأَبناءَ أَخٍ كُرَماءَ، وأَوْلادًا مَعنَوِيِّينَ، وإِخوةً طَيِّبِينَ، وأَصدِقاءَ فِدائيِّينَ مُضَحِّينَ..
نعم.. وللهِ الحَمدُ فقد وهَبَنِي البارِئُ عزَّ وجَلَّ ثَلاثِينَ عَبدًا لِلرَّحمَنِ، وعِندَها خاطَبتُ قَلبِي: ما دُمتَ يا قَلبِي الباكِيَ المَكلُومَ قد رَأَيتَ هذا النَّمُوذَجَ وهذا المِثالَ وشُفِيَ به أَهَمُّ جُرحٍ مِن تلك الجُرُوحِ المَعنَوِيّةِ، فعَلَيْك أن تَسكُنَ وتَطمَئِنَّ بأنَّ اللهَ سُبحانَه سيُضَمِّدُ الجُرُوحَ الباقِيةَ الَّتي تُقلِقُك وتَتَألَّمُ مِنها..
فيا أَيُّها الإِخوةُ الشُّيُوخُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ.. ويا مَن فَقَدتُم مِثلِي أَحَبَّ وَلَدِه إلَيْه زَمنَ الشَّيخُوخةِ أو فارَقَه أَحَدُ أَقارِبِه.. ويا مَن يُثقِلُ كاهِلَه وَطْأةُ الشَّيخُوخةِ ويَحمِلُ مَعَها على رَأْسِه الهُمُومَ الثَّقِيلةَ النّاشِئةَ مِنَ الفِراقِ.. لقد عَلِمتُم وَضْعِي وعَرَفتُم حالِي، فإنَّه رَغمَ شِدَّتِه بأَضعافِ ما عِندَكُم مِن أَوْضاعٍ وحالاتٍ، إلّا أنَّ هذه الآيةَ الكَرِيمةَ قد ضَمَّدَته وأَسعَفَتْه فشَفَتْه بإِذنِ اللهِ، فلا شَكَّ في أنَّ صَيدَليّةَ القُرآنِ المُقَدَّسةَ زاخِرةٌ
— 368 —
بعِلاجِ كُلِّ مَرَضٍ مِن أَمراضِكُم ودَواءُ كلِّ سَقَمٍ مِن أَسقامِكُم.. فإذا استَطَعتُم مُراجَعَتَها بالإِيمانِ، وقُمتُم بالتَّداوِي والعِلاجِ بالعِبادةِ، فلا بُدَّ أن تَخِفَّ وَطْأةُ ما تَحمِلُونَ على كاهِلِكُم مِن أَثقالِ الشَّيخُوخةِ وما يُثقِلُ رُؤُوسَكُم مِن هُمُومٍ.
هذا، وإنَّ سَبَبَ كِتابةِ هذا البَحثِ كِتابةً مُطَوَّلةً هو رَجاءُ الإِكثارِ مِن طَلَبِ الدُّعاءِ لِلمَرحُومِ "عَبدِ الرَّحمَنِ"، فلا تَمَلُّوا ولا تَسأَمُوا مِن طُولِه؛ وإنَّ قَصدِي مِن إِظهارِ جُرحِي المُخِيفِ بهذه الصُّورةِ المُفجِعةِ المُؤلِمةِ، ممَّا قد يُؤَدِّي إلى زِيادةِ آلامِكُم وأَحزانِكُم فتَنفِرُونَ مِنه، لَيسَ إلّا لِبَيانِ ما في البَلسَمِ القُرآنِيِّ المُقدَّسِ مِن شِفاءٍ خارِقٍ ومِن نُورٍ باهِرٍ ساطِعٍ.

الرَّجاءُ الثَّالثَ عشَرَ

(حاشية): إنَّ حادثة المدرسة التي يَذكُرُها الرجاءُ الثالثَ عشَرَ قد حدَثَت قبل ثلاثَ عشْرةَ سنةً... إنه تَوافُقٌ لطيفٌ!!.
سأَتحَدثُ في هذا الرَّجاءِ عن لَوْحةٍ مُهِمّةٍ مِن لَوْحاتِ وَقائِعِ حَياتِي، فالرَّجاءُ ألّا تَسأَمُوا وتَضْجَرُوا مِن طُولِها..
بَعدَما نَجَوتُ مِن أَسْرِ الرُّوسِ في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، لَبِثتُ في إسطَنبُولَ لِخِدمةِ الدِّينِ في "دارِ الحِكْمةِ الإِسلامِيةِ" حَوالَيْ ثَلاثِ سَنَواتٍ، ولكِن بإِرشادِ القُرآنِ الكَرِيمِ وبهِمَّةِ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ، وبانتِباهِي بالشَّيخُوخةِ، تَوَلَّد عِندِي سَأَمٌ ومَلَلٌ مِنَ الحَياةِ الحَضَارِيّةِ في إسطَنبُولَ، وبِتُّ أَنفِرُ مِن حَياتِها الِاجتِماعِيّةِ البَهِيجةِ، فساقَنِي الشَّوقُ والحَنِينُ المُسَمَّى بی"داءِ الغُرْبةِ" إلى بَلْدَتِي، إذ كُنتُ أَقُولُ: ما دُمتُ سأَمُوتُ فلْأَمُتْ إِذًا في بَلْدَتِي.. فتَوَجَّهتُ إلى مَدِينةِ "وان".
وهُناك قَبلَ كلِّ شَيءٍ ذَهَبتُ لِزِيارةِ مَدرَستِي المُسَمّاةِ بی"خُورْخُور"، فرَأَيتُ أنَّ الأَرمَنَ قد أَحرَقُوها مِثلَما أَحرَقُوا بَقِيّةَ البُيُوتِ المَوجُودةِ في "وان" في أَثناءِ الِاحتِلالِ الرُّوسِيِّ.. صَعِدتُ إلى القَلْعةِ المَشهُورةِ في "وان" وهِي كُتلةٌ مِن صَخْرةٍ صَلْدةٍ تَضُمُّ
— 369 —
تَحتَها مَدرَسَتِي المُلاصِقةَ لها تَمامًا، وكانَت تَمُرُّ مِن أَمامِي أَشباحُ أُولَئِك الأَصدِقاءِ الحَقِيقيِّينَ والإِخوةِ المُؤنِسِينَ مِن طُلّابِي في مَدرَسَتِي الَّذِينَ فارَقتُهُم قَبلَ حَوالَيْ سَبعِ سَنَواتٍ خَلَت، فعَلَى إِثرِ هذه الكارِثةِ أَصبَحَ قِسمٌ مِن أُولَئِك الأَصدِقاءِ الفِدائيِّينَ شُهَداءَ حَقِيقيِّينَ وآخَرُونَ شُهَداءَ مَعنَوِيِّينَ، فلم أَتَمالَك نَفسِي مِنَ البُكاءِ والنَّحِيبِ.. صَعِدتُ إلى قِمّةِ القَلعةِ وارتَقَيتُها وهِي بعُلُوِّ المَنارَتَينِ ومَدرَسَتِي تَحتَها، وجَلَستُ علَيْها أَتأَمَّلُ، فذَهَب بي الخَيالُ إلى ما يَقرُبُ مِن ثَمانِي سَنَواتٍ خَلَت، وجالَ بي الخَيالُ في ذلك الزَّمانِ، لِما لِخَيالِي مِن قُوّةٍ ولِعَدَمِ وُجُودِ مانِعٍ يَحُولُ بَينِي وبَينَ ذلك الخَيالِ ويَصرِفُنِي عن ذلك الزَّمانِ، إذ كُنتُ وَحِيدًا مُنفَرِدًا.
شاهَدتُ تَحَوُّلًا هائِلًا جِدًّا قد جَرَى خِلالَ ثَمانِي سَنَواتٍ حتَّى إنَّني كُلَّما كُنتُ أَفتَحُ عَينَيَّ أَرَى كأنَّ عَصْرًا قد وَلَّى ومَضَى بأَحداثِه.. رَأَيتُ أنَّ مَركَزَ المَدِينةِ المُحِيطةِ بمَدرَسَتِي یی الَّذي هو بجانِبِ القَلْعةِ یی قد أُحرِقَ مِن أَقصاه إلى أَقصاه ودُمِّر تَدمِيرًا كامِلًا؛ فنَظَرتُ إلى هذا المَنظَرِ نَظْرةَ حُزنٍ وأَسًى.. إذ كُنتُ أَشعُرُ الفَرقَ الهائِلَ بَينَ ما كُنتُ فيه وبَينَ ما أَراه الآنَ، وكأنَّ مِئَتَيْ سَنةٍ قد مَرَّت على هذه المَدِينةِ.. كانَ أَغلَبُ الَّذِينَ يَعمُرُونَ هذه البُيُوتَ المُهَدَّمةَ أَصدقائِي، وأَحِبّةً أَعِزّاءَ عَلَيَّ.. فلَقَد تُوُفِّي أَكثَرُهُم بالهِجْرةِ مِنَ المَدِينةِ وذاقُوا مَضاضَتَها، تَغَمَّدَهُمُ اللهُ جَمِيعًا برَحْمَتِه، ورَأَيتُ أنَّه قد دُمِّرَت بُيُوتُ المُسلِمِينَ في المَدِينةِ كُلِّیيًّا ولم تَبقَ إلّا "مَحَلّةُ الأَرمَنِ"، فتَألَّمتُ مِنَ الأَعماقِ، وحَزِنتُ حُزنًا شَدِيدًا بحَيثُ لو كانَ لي أَلفُ عَينٍ لَكانَت تَسكُبُ الدُّمُوعَ مِدْرارًا.
كُنتُ أَظُنُّ أنَّني قد نَجَوتُ مِنَ الِاغتِرابِ حَيثُ رَجَعتُ إلى مَدِينَتِي، ولكِن یی ويا لَلأَسَفِ یی لقد رَأَيتُ أَفجَعَ غُربةٍ في مَدِينَتِي نَفسِها، إذ رَأَيتُ مِئاتٍ مِن طُلّابِي وأَحِبَّتِي الَّذِينَ أرْتَبِطُ بهم رُوحِيًّا یی كعَبدِ الرَّحمَنِ المارِّ ذِكرُه في الرَّجاءِ الثّانِيَ عَشَرَ یی رَأَيتُهُم قد أُهِيلَ علَيْهِمُ التُّرابُ والأَنقاضُ، ورَأَيتُ أنَّ مَنازِلَهُم أَصبَحَت أَثَرًا بَعدَ عَينٍ، وأَمامَ هذه اللَّوحةِ الحَزِينةِ تَجَسَّد مَعنَى هذه الفِقْرةِ لِأَحَدِهِم، والَّتي كانَت في ذاكِرَتِي مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، إلّا أنَّني لم أَكُن أَفهَمُ مَعناها تَمامًا:
— 370 —
لَوْلَا مُفَارَقَةُ الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ لَهَا المَنَايَا إلى أَرْوَاحِنَا سُبُلَا
أي: أنَّ أَكثَرَ ما يَقضِي على الإِنسانِ ويُهلِكُه إنَّما هو مُفارَقةُ الأَحبابِ.
نعم، إنَّه لم يُؤلِمْنِي شَيءٌ ولم يُبكِنِي مِثلُ هذه الحادِثةِ، فلو لم يَأتِنِي مَدَدٌ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ ومِنَ الإِيمانِ لَكانَ ذلك الغَمُّ والحُزنُ والهَمُّ يُؤَثِّرُ فِيَّ إلى دَرَجةٍ كافِيةٍ لِسَلْبِ الرُّوحِ مِنِّي.. لقد كانَ الشُّعَراءُ مُنذُ القَدِيمِ يَبكُونَ على مَنازِلِ أَحِبَّتِهِم عِندَ مُرُورِهِم على أَطلالِها، فرَأَيتُ بعَينَيَّ لَوْحةَ الفِراقِ الحَزِينةَ هذه.. فبَكَت رُوحِي وقَلبِي معَ عَينِي بحُزنٍ شَدِيدٍ كمَن يَمُرُّ بَعدَ مِئتَيْ سَنةٍ على دِيارِ أَحِبَّتِه وأَطلالِها..
عِندَ ذلك مَرَّتِ الصَّفَحاتُ اللَّطِيفةُ اللَّذِيذةُ لِحَياتِي أَمامَ عَينِي وخَيالِي واحِدةً تِلْوَ الأُخرَى بكُلِّ حَيَويّةٍ، كمُرُورِ مَشاهِدِ الفِيلمِ السِّينِمائِيِّ.. تلك الحَياةِ السّارّةِ الَّتي قَضَيتُها في تَدرِيسِ طُلّابِي النُّجَباءِ بما يَقرُبُ مِن عِشرِينَ سَنةً، وفي هذه الأَماكِنِ نَفسِها الَّتي كانَت عامِرةً بَهِيجةً وذاتَ نَشْوةٍ وسُرُورٍ، فأَصبَحَتِ الآنَ خَرائِبَ وأَطلالًا.. قَضَيتُ وَقتًا طَوِيلًا أَمامَ هذه اللَّوحاتِ مِن حَياتِي، وعِندَها بَدَأتُ أَستَغرِبُ مِن حالِ أَهل الدُّنيا، كَيفَ يَخدَعُونَ أَنفُسَهُم! فالوَضْعُ هذا يُبيِّنُ بَداهةً أنَّ الدُّنيا لا مَحالةَ فانِيةٌ، وأنَّ الإِنسانَ فيها لَيسَ إلّا عابِرَ سَبِيلٍ، وضَيْفًا راحِلًا.. وشاهَدتُ بعَيْنَيَّ مَدَى صِدْقِ ما يَقُولُه أَهلُ الحَقِيقةِ: "لا تَنخَدِعُوا بالدُّنيا فإنَّها غَدّارةٌ.. مَكّارةٌ.. فانيةٌ.."، ورَأَيتُ كَذلِك أنَّ الإِنسانَ ذُو عَلاقةٍ معَ مَدِينَتِه وبَلْدَتِه بل معَ دُنياه مِثلَما له عَلاقةٌ معَ جِسمِه وبَيتِه، فبَينَما كُنتُ أُرِيدُ أن أَبكِيَ بِعَينَيَّ لِشَيخُوخَتِي یی باعتِبارِ وُجُودِي یی كُنتُ أُرغَبُ أن أُجهِشَ بالبُكاءِ بعَشَرةِ عُيُونٍ لا لِمُجَرَّدِ شَيخُوخةِ مَدرَسَتِي، بل لِوَفاتِها، بل كُنتُ أَشعُرُ أنَّني بحاجةٍ إلى البُكاءِ بمِئةِ عَينٍ على مَدِينَتِي الحُلْوةِ الشَّبِيهةِ بالمَيْتةِ.
لقد وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أنَّ مَلَكًا يُنادِي كلَّ صَباحٍ: «لِدُوا لِلمُوتِ وابنُوا لِلخَرابِ» كُنتُ أَسمَعُ هذه الحَقِيقةَ، أَسمَعُها بعَينَيَّ لا بأُذُنِي، ومِثلَما أَبكانِي وَضْعِي في ذلك الوَقتِ، فإنَّ خَيالِي مُنذُ عِشرِينَ سَنةً يَذرِفُ الدُّمُوعَ أَيضًا كُلَّما مَرَّ على ذلك الحالِ.
— 371 —
نعم، إنَّ دَمارَ تلك البُيُوتِ في قِمّةِ القَلْعةِ الَّتي عُمِّرَت آلافَ السِّنِينَ، واكتِهالَ المَدِينةِ الَّتي تَحتَها خِلالَ ثَمانِي سَنَواتٍ، كأنَّه قد مَرَّت علَيْها ثَمانُ مِئةِ سَنةٍ، ووَفاةَ مَدرَسَتِي یی أَسفَلَ القَلْعةِ یی الَّتي كانَت تَنبِضُ بالحَياةِ والَّتي كانَت مَجْمَعَ الأَحبابِ.. تُشِيرُ إلى وَفاةِ جَمِيعِ المَدارِسِ الدِّينِيّةِ في الدَّوْلةِ العُثمانيّةِ؛ وتَبيِّنُ العَظَمةَ المَعنَوِيّةَ لِجِنازَتِها الكُبْرَى، حتَّى كأنَّ القَلْعةَ الَّتي هي صَخْرةٌ صَلْدةٌ واحِدةٌ، قد أَصبَحَت شاهِدةَ قَبْرِها؛ ورَأَيتُ أنَّ طُلّابِي یی رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعًا یی الَّذِينَ كانُوا مَعِي في تلك المَدرَسةِ قَبلَ ثَمانِي سَنَواتٍ وهُم راقِدُونَ في قُبُورِهِم، رَأَيتُهُم كأنَّهُم يَبكُونَ مَعِي، بل تُشارِكُني البُكاءَ والحُزنَ حتَّى بُيُوتُ المَدِينةِ المُدَمَّرةُ، بل حتَّى جُدْرانُها المُنهَدّةُ وأَحجارُها المُبَعثَرةُ.
نعم، إنَّني رَأَيتُ كُلَّ شَيءٍ وكأنَّه يَبكِي، وعِندَئذٍ عَلِمتُ أنَّني لا أَستَطِيعُ أن أَتَحمَّلَ هذه الغُرْبةَ في مَدِينَتِي، ففَكَّرتُ: إمَّا أن أَذهَبَ إلَيْهِم إلى القَبْرِ، أو عَلَيَّ أن أَنسَحِبَ إلى مَغارةٍ في الجَبَلِ مُنتَظِرًا أَجَلِي، وقُلتُ: ما دامَ في الدُّنيا مِثلُ هذه الفِراقاتِ والِافتِراقاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن يُصبَرَ علَيْها، ولا يُمكِنُ أن تُقاوَمَ، وهِي مُؤلِمةٌ ومُحرِقةٌ إلى هذه الدَّرَجةِ، فلا شَكَّ أنَّ المَوتَ أَفضَلُ مِن هذه الحَياةِ، ويُرَجَّحُ على مِثلِ هذه الأَوضاعِ الَّتي لا تُطاقُ.. لِذا وَلَّيتُ وَجهِي سارِحًا بنَظَرِي إلى الجِهاتِ السِّتِّ.. فما رَأَيتُ فيها إلّا الظَّلامَ الدّامِسَ، فالغَفْلةُ النّاشِئةُ مِن ذلك التَّألُّمِ الشَّدِيدِ والتَّأثُّرِ العَمِيقِ أَرَتْنِي الدُّنيا مُخِيفةً مُرعِبةً، وأنَّها خالِيةٌ جَرْداءُ وكأنَّها ستَنقَضُّ على رَأسِي!
فبَينَما كانَت رُوحِي تَبحَثُ عن نُقطةِ استِنادٍ ورُكنٍ شَدِيدٍ أَمامَ البَلايا والمَصائِبِ غَيرِ المَحدُودةِ الَّتي اتَّخَذَت صُورةَ أَعداءٍ أَلِدّاءَ، وكانَت تَبحَثُ أَيضًا عن نُقطةِ استِمدادٍ أَمامَ رَغَباتِها الكامِنةِ غَيرِ المَحدُودةِ والَّتي تَمتَدُّ إلى الأَبَدِ؛ وتَنتَظِرُ السُّلوانَ والتَّسرِيةَ مِنَ الهُمُومِ والأَحزانِ المُتَولِّدةِ مِنَ الفِراقاتِ والِافتِراقاتِ غَيرِ المَحدُودةِ والتَّخرِيباتِ والوَفَياتِ الهائِلةِ، إذا بحَقِيقةِ آيةٍ واحِدةٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ المُعجِزِ وهِي: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٭ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَتَجلَّى أَمامِي بوُضُوحٍ وتُنقِذُنِي مِن ذلك الخَيالِ الأَلِيمِ المُرعِبِ،
— 372 —
وتُنجِينِي مِن أَلَمِ الفِراقِ والِافتِراقِ، فاتِحةً عَينِي وبَصِيرَتِي، فالْتَفَتُّ إلى الأَثْمارِ المُعَلَّقةِ على الأَشجارِ المُثمِرةِ وهِي تَنظُرُ إِلَيَّ مُبتَسِمةً ابتِسامةً حُلْوةً وتقُولُ لي: "لا تَحصُرَنَّ نَظَرَك في الخَرائِبِ وَحْدَها.. فهَلّا نَظَرتَ إلَيْنا، وأَنعَمْتَ النَّظَرَ فينا؟".
نعم، إنَّ حَقِيقةَ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ تُنبِّهُ بقُوّةٍ مُذَكِّرةً وتقُولُ: لِمَ يُحزِنُك إلى هذا الحَدِّ سُقُوطُ رِسالةٍ عامِرةٍ شُيِّدَت بِيَدِ الإِنسانِ الضَّيفِ على صَحِيفةِ مَفازةِ "وان"، حتَّى اتَّخَذَت صُورةَ مَدِينةٍ مَأْهُولةٍ؟ فلِمَ تَحزَنُ مِن سُقُوطِها في السَّيلِ الجارِفِ المُخِيفِ المُسَمَّى بالِاحتِلالِ الرُّوسِيِّ الَّذي مَحَا آثارَها وأَذهَبَ كِتابَتَها؟ ارْفَعْ بَصَرَك إلى البارِئِ المُصَوِّرِ الَّذي هُو رَبُّ كلِّ شَيءٍ ومالِكُه الحَقِيقيُّ، فإنَّ كِتاباتِه سُبحانَه على صَحِيفةِ "وان" تُكتَبُ مُجَدَّدًا باستِمرارٍ بكَمالِ التَّوهُّجِ والبَهجةِ، بِمِثلِ ما شاهَدتَه في الغابِرِ.. فالبُكاءُ والنَّحِيبُ على خُلُوِّ تلك الأَماكِنِ وعلى دَمارِها وبَقائِها مُقْفِرةً إنَّما هو مِنَ الغَفْلةِ عن مالِكِها الحَقِيقيِّ، ومِن تَوَهُّمِ الإِنسانِ یی خَطَأً یی أنَّه هو المالِكُ لها، ومِن عَدَمِ تَصَوُّرِه أنَّه عابِرُ سَبِيلٍ وضَيفٌ لَيسَ إلّا..
ولَكِنِ انفَتَح مِن ذلك الوَضْعِ المُحرِقِ، ومِن ذلك الخَطَأِ في التَّصَوُّرِ بابٌ لِحَقِيقةٍ عَظِيمةٍ، وتَهَيَّأَتِ النَّفسُ لِتَقبَلَها یی كالحَدِيدِ الَّذي يُدخَلُ في النَّارِ لِيَلِينَ ويُعطَى شَكلًا مُعَيَّنًا نافِعًا یی إذ أَصبَحَت تلك الحالةُ المُحزِنةُ وذلك الوَضعُ المُؤلِمُ نارًا مُتَأجِّجةً أَلانَتِ النَّفسَ.. فأَظهَرَ القُرآنُ الكَرِيمُ لها فَيضَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ بجَلاءٍ ووُضُوحٍ تامٍّ مِن خِلالِ حَقِيقةِ تلك الآيةِ المَذكُورةِ حتَّى جَعَلَها تَقبَلُ وتَرضَخُ.
نعم، فكَما أَثبَتْنا في "المَكتُوبِ العِشرِينَ" وأَمثالِه مِنَ الرَّسائِلِ، فإنَّ حَقِيقةَ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ یی وللهِ الحَمدُ یی قد وَهَبَت بفَيضِ الإِيمانِ نُقطةَ استِنادٍ وارتِكازٍ هائِلةً، وَهَبَتْها لِلرُّوحِ ومَنَحَتْها إلى القَلبِ، فتَتَنامَى لِكُلِّ أَحَدٍ حَسَبَ ما يَملِكُه مِن قُوّةِ الإِيمانِ، بحَيثُ تَستَطِيعُ أن تَتَصدَّى لِتِلك المَصائِبِ والحالاتِ المُرعِبةِ حتَّى لو تَضاعَفَت مِئةَ مَرّةٍ، ذلك لِأنَّها ذَكَّرَت بأنَّ كلَّ شَيءٍ مُسَخَّرٌ لِأَمرِ خالِقِك الَّذي هو المالِكُ الحَقِيقيُّ لِهَذِه المَملَكةِ، فمَقالِيدُ كلِّ شَيءٍ بِيَدِه، وحَسْبُك أن تَنتَسِبَ إلَيْه سُبحانَه.
— 373 —
فبَعدَما عَرَفتُ خالِقِي، وتَوَكَّلتُ علَيْه، تَخَلَّى كُلُّ مَن يُعادِيني عَمّا يُضمِرُه مِنَ العِداءِ نَحْوِي، حتَّى بَدَأَتِ الآن الحالاتُ الَّتي كانَت تُحزِنُنِي وتُؤلِمُنِي، تُسعِدُنِي وتَسُرُّنِي.
وكما أَثبَتْنا في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ ببَراهِينَ قاطِعةٍ، فإنَّ النُّورَ القادِمَ مِنَ "الإِيمانِ بالآخِرةِ" كَذلِك أَعطَى "نُقطةَ استِمدادٍ" هائِلةً جِدًّا تِجاهَ الآمالِ والرَّغَباتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بحَيثُ إنَّها تَكفِي لا لِتِلك المُيُولِ والرَّغَباتِ الصَّغِيرةِ المُؤَقَّتةِ والقَصِيرةِ، ولا لِتِلك الرَّوابِطِ معَ أَحِبَّتِي في الدُّنيا وَحْدَها، بل تَكفِي أَيضًا لِرَغَباتِي غَيرِ المُتَناهِيةِ في دارِ الخُلُودِ وعالَمِ البَقاءِ وفي السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، ذلك لِأنَّه بتَجَلٍّ واحِدٍ مِن تَجَلِّياتِ رَحْمةِ "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ" يُنشَرُ على مائِدةِ الرَّبِيعِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن نِعَمِه اللَّذِيذةِ البَدِيعةِ على سَطْحِ الأَرضِ الَّتي هي مَنزِلٌ مِن مَنازِلِ دارِ ضِيافةِ الدُّنيا المُؤَقَّتةِ، فيَمنَحُها یی سُبحانَه یی في كلِّ رَبِيعٍ إلى أُولَئِك الضُّيُوفِ، ويُنعِمُ بها علَيْهِم، كي يُدخِلَ في قُلُوبِهِمُ السُّرُورَ لِبِضْعِ ساعاتٍ، وكأنَّه يُطعِمُهُم فَطُورَ الصَّباحِ، ثمَّ يَأخُذُهُم إلى مَساكِنِهِمُ الأَبدِيّةِ الَّتي أَعَدَّها لِعِبادِه، في ثَمانِي جَنّاتٍ خالِداتٍ مَلْأَى بنِعَمٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِزَمَنٍ غَيرِ مَحدُودٍ.
فلا رَيبَ أنَّ الَّذي يُؤمِنُ برَحْمةِ هذا "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ" ويَطْمَئِنُّ إلَيْها مُدرِكًا انتِسابَه إلَيْه ا محانَه، لا بُدَّ أنَّه يَجِدُ نُقطةَ استِمدادٍ عَظِيمةً بحَيثُ إنَّ أَدنَى دَرَجاتِها تُمِدُّ آمالًا غَيرَ مَحدُودةٍ وتُدِيمُها.
هذا، وإنَّ النُّورَ الصَّادِرَ مِن ضِياءِ الإِيمانِ یی بحَقِيقةِ تلك الآيةِ یی قد تَجَلَّى كَذلِك تَجَلِّيًا باهِرًا ساطِعًا حتَّى إنَّه نَوَّر تلك الجِهاتِ السِّتَّ المُظلِمةَ تَنوِيرًا كالنَّهارِ، ونَوَّر حالَتِي المُؤسِفةَ المُبكِيةَ على مَدرَسَتِي هذه وعلى طُلّابِي وأَحِبَّتِي الرّاحِلِينَ تَنوِيرًا كافِيًا، حَيثُ نبَّهَنِي إلى أنَّ العالَمَ الَّذي يَرحَلُ إلَيْه الأَحبابُ لَيسَ هو بعالَمٍ مُظلِمٍ، بل بَدَّلُوا المَكانَ لَيسَ إلّا، فستَتَلاقَوْنَ مَعًا وستَجتَمِعُونَ ببَعضِكُم.. وبذَلكِ قَطَعَ دابِرَ البُكاءِ قَطْعًا كامِلًا، وأَفهَمَنِي كَذلِك أنَّني سأَجِدُ في الدُّنيا أَمثالَهُم ومَن يَحُلُّ مَحَلَّهُم.
— 374 —
فلِلَّهِ الحَمدُ والمِنّةُ الَّذي أَحْيَا مَدرَسةَ "إِسبارْطةَ" عِوَضًا عن مَدرَسةِ "وان" المُتَوفّاةِ والمُتَحوِّلةِ إلى أَطلالٍ، وأَحْيَا أُولَئِك الأَحِبّةَ مَعنًى بأَكثَرَ وأَفضَلَ مِنهُم مِنَ الطُّلّابِ النُّجَباءِ والأَحِبّةِ الكِرامِ، وعَلَّمَنِي كَذلِك أنَّ الدُّنيا لَيسَت خاوِيةً مُقفِرةً، وأنَّها لَيسَت مَدِينةً خَرِبةً مُدَمَّرةً، كما كُنتُ أَتَصوَّرُها خَطَأً، بل إنَّ المالِكَ الحَقِيقيَّ یی كما تَقتَضِي حِكْمَتُه یی يُبَدِّلُ اللَّوْحاتِ المُؤَقَّتةَ والمَصنُوعةَ مِن قِبَلِ الإِنسانِ بلَوْحاتٍ أُخرَى ويُجَدِّدُ رَسائِلَه، فكَما تَحُلُّ ثِمارٌ جَدِيدةٌ كُلَّما قُطِعَتِ الثِّمارُ فكَذلِك الزَّوالُ والفِراقُ في البَشَرِيّةِ إنَّما هو تَجَدُّدٌ وتَجدِيدٌ، فلا يَبعَثُ حُزْنًا أَلِيمًا لِانعِدامِ الأَحبابِ نِهائيًّا، بل يَبعَثُ مِن زاوِيةِ الإِيمانِ حُزنًا لَذِيذًا نابِعًا مِن فِراقٍ لِأَجلِ لِقاءٍ في دارٍ أُخرَى بَهِيجةٍ.
وكذا نَوَّر تلك الحالةَ المُدهِشةَ الَّتي كُنتُ فيها، ونَوَّر ما يَتَراءَى لي مِنَ الوَجْهِ المُظلِمِ لِمَوجُوداتِ الكَونِ كُلِّها؛ فأَرَدتُ إِبداءَ الحَمدِ والشُّكرِ على تلك الحالةِ المُنَوَّرةِ في وَقْتِه، فأَتَتْنِي الفِقْرةُ التّالِيةُ باللُّغةِ العَرَبيّةِ مُصَوِّرةً لِتِلك الحَقِيقةِ كامِلةً:
(الحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ المُصَوِّرِ ما يُتَوَهَّمُ أَجانِبَ أَعداءً أَمواتًا مُوحِشِينَ أَيتامًا باكِينَ، أَوِدَّاءَ إِخوانًا أَحياءً مُؤنِسِينَ مُرَخَّصِينَ مَسرُورِينَ ذاكِرِينَ مُسَبِّحِينَ).
وهِي تَعنِي: أنَّني أُقَدِّمُ إلى الخالِقِ ذِي الجَلالِ حَمْدًا لا نِهايةَ له، على ما وَهَبَني مِن نُورِ الإِيمانِ الَّذي هو مَنبَعُ جَمِيعِ هذه النِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ غَيرِ المَحدُودةِ، بما حَوَّل تلك اللَّوْحةَ المُرعِبةَ الَّتي أُظهِرَت لِنَفسِي الغافِلةِ فأَوهَمَتْها الغَفْلةُ یی المُتَولِّدةُ مِن شِدّةِ التَّأثُّرِ على تلك الحالةِ المُؤلِمةِ یی أنَّ قِسمًا مِن مَوجُوداتِ الكَوْنِ أَعداءٌ أو أَجانِبُ، (حاشية): مثل الزلازل والعواصف والطوفان والطاعون والحريق. وقِسمًا آخَرَ جَنائِزُ مُدهِشةٌ مُفزِعةٌ، وقِسمًا آخَرَ أَيتامٌ باكُونَ حَيثُ لا مُعِينَ لَهُم ولا مَولَى.. حَوَّل ذلك النُّورُ كلَّ شَيءٍ حتَّى شاهَدتُ بعَينِ اليَقِينِ أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَبدُونَ أَجانِبَ وأَعداءً إنَّما هُم إِخوةٌ وأَصدِقاءُ، وأنَّ ما كانَ يَظهَرُ كالجَنائِزِ المُرعِبةِ: قِسمٌ مِنهُم أَحياءٌ مُؤنِسُونَ، أو هُم مِمَّن أَنهَوْا وَظائِفَهُم ومُهِمّاتِهِم، وأنَّ ما يُتوَهَّمُ أنَّه نُواحُ الأَيتامِ
— 375 —
الباكِينَ، تَرانِيمُ ذِكرٍ وتَراتِيلُ تَسبِيحٍ.. فإِنَّني أُقدِّمُ الحَمدَ للهِ معَ جَمِيعِ المَوجُوداتِ الَّتي تَملَأُ دُنيايَ الخاصّةَ الَّتي تَسَعُ الدُّنيا كلَّها، فأُشرِكُها مَعِي في ذلك الحَمدِ والتَّسبِيحِ للهِ سُبحانَه، نِيّةً وتَصَوُّرًا، حَيثُ لي الحَقُّ في ذلك، فنَقُولُ مَعًا بلِسانِ حالِ كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ المَوجُوداتِ وبلِسانِ حالِ الجَمِيعِ أَيضًا: "الحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ".
ثمَّ إنَّ لَذائِذَ الحَياةِ وأَذْواقَها الَّتي تَلاشَت على إِثرِ تلك الحالةِ المُدهِشةِ الباعِثةِ على الغَفْلةِ، والآمالَ الَّتي انسَحَبَت نِهائيًّا وانكَمَشَت ونَضَبَ مَعِينُها، والنِّعَمَ واللَّذائِذَ الخاصّةَ بي الَّتي ظَلَّت مَحصُورةً في أَضيَقِ دائِرةٍ ورُبَّما فَنِيَت، كلُّ ذلك قد تَحوَّلَ وتَبدَّلَ بنُورِ الإِيمانِ یی كما أَثبَتْنا ذلك في رَسائِلَ أُخرَى یی فوَسَّع ذلك النُّورُ تلك الدّائِرةَ الضَّيِّقةَ المُطَوَّقةَ حَولَ القَلبِ إلى دائِرةٍ واسِعةٍ جِدًّا حتَّى انطَوَى فيها الكَونُ كُلُّه، وجَعَل دارَ الدُّنيا ودارَ الآخِرةِ سُفْرَتَينِ مَملُوءَتَينِ بالنِّعَم، وحَوَّلَهُما إلى مائِدَتَينِ مُمدُودَتَينِ للرَّحْمةِ، بَدَلًا مِن تلك النِّعَمِ الَّتي يَبِسَت وفَقَدَت لَذَّتَها في حَدِيقةِ "خُورْخُورَ"؛ ولم يَقتَصِر على ذلك فَقَط، بل جَعَل كُلًّا مِنَ العَينِ والأُذُنِ والقَلبِ وأَمثالِها مِنَ الحَواسِّ بل مِئةً مِن أَجهِزةِ الإِنسانِ، يَدًا مُمتَدّةً حَسَبَ دَرَجاتِ المُؤمِنِ إلى السُّفرَتَينِ المَملُوءَتَينِ بالنِّعَمِ بحَيثُ تَتَمكَّنُ مِن أن تَأخُذَ النِّعَمَ وتَلتَقِطَها مِن جَمِيعِ أَقطارِها؛ لِذا قُلتُ أَمامَ هذه الحَقِيقةِ الكُبرَى یی شُكرًا للهِ على تلك النِّعَمِ غَيرِ المَحدُودةِ یی ما يَأتِي:
(الحَمدُ للهِ على نُورِ الإِيمانِ المُصَوِّرِ لِلدّارَينِ كسُفرَتَينِ مَملُوءَتَينِ مِنَ النِّعمةِ والرَّحْمةِ، لِكُلِّ مُؤمِنٍ حَقٌّ أن يَستَفِيدَ مِنهُما بحَواسِّه الكَثِيرةِ المُنكَشِفةِ بإِذنِ خالِقِه).
وهذا يَعنِي: الحَمدُ للهِ الَّذي وَهَب لي ذلك الإِيمانَ الَّذي يُرِي بنَعمةِ نُورِه أنَّ الدُّنيا والآخِرةَ مَملُوءَتانِ بالنِّعَمِ والرَّحْمةِ، ويَضمَنُ الِاستِفادةَ مِن تَينِكَ السُّفرَتَينِ العَظِيمَتَينِ بأَيدِي جَمِيعِ الحَواسِّ المُنكَشِفةِ بنُورِ الإِيمانِ والمُنبَسِطةِ بنُورِ الإِسلامِ لِلمُؤمِنِينَ الحَقِيقيِّينَ، فلَوِ استَطَعتُ تَقدِيمَ الحَمدِ والشُّكرِ للهِ خالِقِي تِجاهَ ذلك الإِيمانِ بجَمِيعِ ذَرّاتِ كِيانِي وبمِلْءِ الدُّنيا والآخِرةِ لَفَعَلتُ.
— 376 —
فما دامَ الإِيمانُ يَفعَلُ فِعْلَه في هذا العالَمِ بمِثلِ هذه الآثارِ العَظِيمةِ، فلا بُدَّ أنَّ له في دارِ البَقاءِ والخُلُودِ ثَمَراتٍ أَعظَمَ وفُيُوضاتٍ أَوسَعَ، بحَيثُ لا يُمكِنُ أن تَستَوعِبَها عُقُولُنا الدُّنيَوِيّةُ وتَصِفَها.
فيا إِخوَتِي الشُّيُوخَ، ويا أَخَواتِي العَجائِزَ، ويا مَن تَتَجرَّعُونَ مِثلِي الآلامَ المُرّةَ بفِراقِ كَثِيرٍ مِنَ الأَحِبّةِ بسَبَبِ الشَّيخُوخةِ.. إِنِّي إِخالُ نَفسِي أَكثَرَ مِنكُم شَيْبًا مَعنًى، وإن كانَ يَبدُو أنَّ فِيكُم مَن هو أَكبَرُ مِنِّي سِنًّا، ذلك لِأنَّنِي أَتألَّمُ یی فَضْلًا عن آلامِي یی بآلامِ آلافٍ مِن إِخوانِي، لِمَا أَحمِلُه في فِطْرَتِي مِنَ الرِّقّةِ والشَّفَقةِ الزّائِدَتَينِ إلى بَنِي جِنسِي؛ فأَتألَّمُ كأنَّني شَيخٌ يُناهِزُ المِئاتِ مِنَ السِّنِينَ، أمّا أَنتُم فمَهْما تَجَرَّعتُم مِن آلامِ الفِراقِ لم تَتَعرَّضُوا لِمِثلِ ما تَعَرَّضتُ له مِنَ تلك المُصِيبةِ! لِأنَّه لَيسَ لي ابنٌ كي أَحصُرَ فِكرِي فيه فَقَط، بل إِنَّني أَشعُرُ برِقّةٍ وأَلَمٍ یی بسِرِّ الشَّفَقةِ الكامِنةِ في فِطْرَتِي یی مُتَوجِّهةً إلى آلامِ آلافٍ مِن أَبناءِ الإِسلامِ ومَصائِبِهم، بل أَشعُرُها حتَّى لِآلامِ الحَيَواناتِ البَرِيئةِ.
ولَستُ أَملِكُ دارًا خاصّةً كي أَحصُرَ ذِهنِي فيها، بل أَنا ذُو صِلةٍ وَثِيقةٍ یی مِن جِهةِ الغَيرةِ على الإِسلامِ یی بِهذِه البِلادِ، بل بالعالَمِ الإِسلامِيِّ، وأَرْتَبِطُ بهما كأنَّهُما دارِي، لِذا فإِنَّني أَتألَّمُ بآلامِ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ هُم في هاتَينِ الدّارَينِ وأَحزَنُ كَثِيرًا لِفِراقِهِم.
ولَمّا كانَ نُورُ الإِيمانِ قد كَفانِي كِفايةً تامّةً وأَتَى على جَمِيعِ تَأثُّراتِي النّاشِئةِ مِن شَيخُوخَتِي كُلِّها ومِن بَلايا الفِراقاتِ، ووَهَب لي رَجاءً لا يَخِيبُ، وأَمَلًا لا يَنفَصِمُ، وضِياءً لا يَنطَفِئُ، وسُلْوانًا لا يَنفَدُ، فلا بُدَّ أنَّ الإِيمانَ سيكُونُ كافِيًا ووافِيًا لَكُم أَيضًا إِزاءَ الظُّلُماتِ النّاشِئةِ مِنَ الشَّيخُوخةِ، وإِزاءَ الغَفْلةِ الوارِدةِ مِنها، وإِزاءَ التَّأثُّراتِ والتَّألُّماتِ الصّادِرةِ مِنها.. وحَقًّا إنَّ أَعتَمَ شَيخُوخةٍ إنَّما هي شَيخُوخةُ أَهلِ الضَّلالةِ والسَّفاهةِ وأنَّ أَقسَى الفِراقاتِ وأَشَدَّها إِيلامًا إنَّما هي فِراقاتُهُم!!
نعم، إنَّ تَذَوُّقَ الإِيمانِ الَّذي يَبعَثُ الرَّجاءَ ويُشِيعُ النُّورَ ويَنشُرُ السَّلْوَى، وإنَّ الشُّعُورَ بسُلْوانِه والتَّلذُّذَ به هو في التَّمثُّلِ الشُّعُورِيِّ لِلعُبُودِيّةِ اللّائِقةِ بالشَّيخُوخةِ والمُوافِقةِ لِلإِسلامِ، ولَيسَ هو بتَناسِي الشَّيخُوخةِ واللَّهاثِ وَراءَ التَّشَبُّهِ بالشَّبابِ
— 377 —
واقتِحامِ غَفْلَتِهِمُ المُسكِرةِ.. تَفَكَّرُوا دائِمًا وتَأمَّلُوا في الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ: «خَيرُ شَبابِكُم مَن تَشَبَّه بكُهُولِكُم، وشَرُّ كُهُولِكُم مَن تَشَبَّه بشَبابِكُم» أو كما قالَ (ص)، أي: خَيرُ شَبابِكُم مَن تَشَبَّه بالكُهُولِ في التَّأنِّي والرَّزانةِ وتَجَنُّبِهِمُ السَّفاهةَ، وشَرُّ كُهُولِكُم مَن تَشَبَّه بالشَّبابِ في السَّفاهةِ والِانغِماسِ في الغَفْلةِ.
فيا إِخْوَتِي الشُّيُوخَ ويا أَخَواتِي العَجائِزَ.. لقد وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناهُ: «أنَّ الرَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ لَتَستَحِي مِن أن تَرُدَّ يَدًا ضارِعةً مِن شَيخٍ مُؤمِنٍ أو عَجُوزٍ مُؤمِنةٍ». فما دامَتِ الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ تَحتَرِمُكُم هكَذا، فعَظِّمُوا إِذًا احتِرامَها بعُبُودِيَّتِكُم للهِ.

الرَّجاءُ الرَّابعَ عشَرَ

جاءَ في مُستَهَلِّ "الشُّعاعِ الرّابِعِ" الَّذي هو تَفسِيرٌ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ما خُلاصَتُه:

حِينَما جَرَّدَني أَربابُ الدُّنيا مِن كلِّ شَيءٍ، وَقَعتُ في خَمْسةِ أَلوانٍ مِنَ الغُرْبةِ، ولم أَلتَفِت إلى ما في "رَسائِلِ النُّورِ" مِن أَنوارٍ مُسَلِّيةٍ مُمِدّةٍ، جَرّاءَ غَفْلةٍ أَوْرَثَها الضَّجَرُ والضِّيقُ، وإنَّما نَظَرتُ مُباشَرةً إلى قَلبِي وتَحَسَّستُ رُوحِي، فرَأَيتُ أنَّه يُسَيطِرُ عَلَيَّ عِشقٌ في مُنتَهَى القُوّةِ لِلبَقاءِ، وتُهَيمِنُ عَلَيَّ مَحَبّةٌ شَدِيدةٌ لِلوُجُودِ، ويَتَحكَّمُ فِيَّ شَوقٌ عَظِيمٌ لِلحَياةِ.. مع ما يَكمُنُ فِيَّ مِن عَجزٍ لا حَدَّ له، وفَقرٍ لا نِهايةَ له.. غَيرَ أنَّ فَناءً مَهُولً)9Vُدهِشًا، يُطفِئُ ذلك البَقاءَ ويُزِيلُه، فقُلتُ مِثلَما قالَ الشّاعِرُ المُحتَرِقُ الفُؤادِ:

حِكْمةُ الإِلٰهِ تَقضِي فَناءَ الجَسَدْ والقَلبُ تَوّاقٌ إلى الأَبَدْ
لَهْفَ نَفسِي مِن بَلاءٍ وكَمَدْ حارَ لُقْمانُ في إِيجادِ الضَّمَدْ
فطَأطَأتُ رَأسِي يائِسًا.. وإذا بالآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ تُغِيثُني قائِلةً: اقْرَأْنِي جَيِّدًا بتَدَبُّرٍ وإِمعانٍ، فقَرَأتُها بدَوْرِي خَمسَ مِئةِ مَرّةٍ في كلِّ يَومٍ،
— 378 —
فكُلَّما كُنتُ أَتلُوها كانَت تَكشِفُ عن بَعضٍ مِن أَنوارِها وفُيُوضاتِها الغَزِيرةِ، فرَأَيتُ مِنها بعَينِ اليَقِينِ یی ولَيسَ بعِلمِ اليَقِينِ یی تِسعَ مَراتِبَ حَسْبِيّةٍ:
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الأُولَى:
إنَّ ما فِيَّ مِن عِشقِ البَقاءِ، لَيسَ مُتَوجِّهًا إلى بَقائِي أنا، بل إلى وُجُودِ ذلك الكامِلِ المُطلَقِ وإلى كَمالِه وبَقائِه، إلّا أنَّ هذه المَحَبّةَ الفِطْرِيّةَ ضَلَّت سَبِيلَها وتاهَت بسَبَبِ الغَفْلةِ، فتَشَبَّثَت بالظِّلِّ وعَشِقَت بَقاءَ المِرآةِ؛ وذلك لِوُجُودِ ظِلٍّ لِتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمٍ مِن أَسماءِ الجَلِيلِ والجَمِيلِ المُطلَقِ ذِي الكَمالِ المُطلَقِ، وهُو المَحبُوبُ لِذاتِه یی أي: دُونَ داعٍ إلى سَبَبٍ یی في ماهِيَّتِي.
فجاءَت حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حتَّى رَفَعَتِ السِّتارَ، فأَحسَسْتُ وشاهَدْتُ وتَذَوَّقْتُ بحَقِّ اليَقينِ أنَّ لَذّةَ البَقاءِ وسَعادَتَه، مَوجُودةٌ بنَفسِها، بل بِوجهٍ أَفضَلَ وأَكمَلَ مِنها، في إِيمانِي وإِذعانِي وإِيقانِي ببَقاءِ الباقِي ذِي الكَمالِ، وبأنَّه رَبِّي وإِلٰهِي؛ وقد وُضِّحَت دَلائِلُ هذا بعُمقٍ ودِقّةٍ مُتَناهِيةٍ في الرِّسالةِ "الحَسْبِيّة" في اثنَتَيْ عَشْرةَ "كذا.. كذا.. كذا..."، وبُيِّنَ الِاستِشعارُ الإِيمانِيُّ بما يَجعَلُ كلَّ ذي حِسٍّ وشُعُورٍ في تَقدِيرٍ وإِعجابٍ!
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الثّانيةُ:
إنَّه معَ عَجزِي غَيرِ المُتَناهِي الكامِنِ في فِطْرَتِي، ومعَ الشَّيخُوخةِ المُستَقِرّةِ في كِيانِي، ومعَ تلك الغُربةِ الَّتي لَفَّتْنِي، ومعَ عَدَمِ وُجُودِ المُعِينِ لي، وقد جُرِّدتُ مِن كلِّ شَيءٍ، ويُهاجِمُني أَهلُ الدُّنيا بدَسائِسِهِم وبجَواسِيسِهِم.. في هذا الوَقتِ بالذّاتِ خاطَبتُ قَلبِي قائِلًا:
"إنَّ جُيُوشًا كَثِيفةً عارِمةً تُهاجِمُ شَخصًا واحِدًا ضَعِيفًا مَرِيضًا مُكبَّلَ اليَدَينِ.. أوَلَيسَ له یی أي: لي یی مِن نُقطةِ استِنادٍ؟".
— 379 —
فراجَعتُ آيةَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فأَعلَمَتْني:
إنَّك تَنتَسِبُ بهُويّةِ الِانتِسابِ الإِيمانِيِّ إلى سُلطانٍ عَظِيمٍ ذِي قُدرةٍ مُطلَقةٍ، بحَيثُ يُعطِي بانتِظامٍ تامٍّ في الرَّبِيعِ جَمِيعَ ما تَحتاجُه جُيُوشُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ المُنتَشِرةِ على سَطْحِ الأَرضِ مِن مُعَدّاتٍ، فيُزَوِّدُ جَمِيعَ تلك الجُيُوشِ المُتَشكِّلةِ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ، ويُوزِّعُ جَمِيعَ أَرزاقِ الجَيشِ الهائِلِ لِلأَحياءِ یی وفي مُقدِّمَتِها الإِنسانُ یی لا بشَكلِ ما اكتَشَفَه الإِنسانُ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ مِن مُستَخلَصاتِ اللَّحمِ والسُّكَّرِ وغَيرِهِما، بل بصُورةِ مُستَخلَصاتٍ أَكمَلَ وأَفضَلَ بكَثِيرٍ بل تَفُوقُها مِئةَ مَرّةٍ، فهِي مُستَخلَصاتٌ مُتَضمِّنةٌ جَمِيعَ أَنواعِ الأَطعِمةِ، بل هي مُستَخلَصاتٌ رَحمانيّةٌ.. تلك الَّتي تُسمَّى البُذُورَ والنُّوَى.
زِدْ على ذلك فإنَّه يُغلِّفُ أَيضًا تلك المُستَخلَصاتِ بأَغلِفةٍ قَدَرِيّةٍ تَتَناسَبُ معَ نُضجِها وانبِساطِها ونُمُوِّها، ويَحفَظُها في عُلَيْباتٍ وصُنَيدِقاتٍ صَغِيرةٍ وصَغِيرةٍ جِدًّا، وهذه الصُنَيدِقاتُ أَيضًا تُصنَعُ بسُرعةٍ مُتَناهِيةٍ جِدًّا، وبسُهُولةٍ مُطلَقةٍ لِلغايةِ، وبوَفْرةٍ هائِلةٍ، وذلك في مَعمَل "الكافِ والنُّونِ" المَوجُودِ في أَمرِ "كُنْ"، حتَّى إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يقُولُ: فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فما دُمتَ قد ظَفِرتَ بنُقطةِ استِنادٍ مِثلِ هذه بهُويّةِ الِانتِسابِ الإِيمانِيِّ، فيُمكِنُك الِاستِنادُ والِاطمِئْنانُ إِذًا إلى قُوّةٍ عَظِيمةٍ وقُدْرةٍ مُطلَقةٍ.. وحَقًّا لقد كُنتُ أُحِسُّ بقُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ عَظِيمةٍ كُلَّما كُنتُ أَتلَقَّى ذلك الدَّرسَ مِن تلك الآيةِ الكَرِيمةِ، فكُنتُ أَشعُرُ أنَّني أَملِكُ قُوّةً يُمكِنُني أن أَتَحدَّى بها العالَمَ أَجمَعَ ولَيسَ الأَعداءَ الماثِلِينَ أَمامِي وَحْدَهُم، لِذا رَدَّدتُ مِن أَعماقِ رُوحِي: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الثّالثةُ:
حِينَما اشتَدَّ خِناقُ الأَمراضِ وأَلوانُ الغُربةِ وأَنواعُ الظُّلمِ عَلَيَّ، وَجَدتُ أنَّ عَلاقاتِي تَنفَصِمُ معَ الدُّنيا، وأنَّ الإِيمانَ يُرشِدُني بأنَّني مُرَشَّحٌ لِسَعادةٍ دائِمةٍ في مَمْلَكةٍ
— 380 —
باقِيةٍ وفي عالَمٍ دائِمٍ؛ ففي هذه الأَثناءِ تَرَكتُ كلَّ شَيءٍ تَقطُرُ مِنه الحَسْرةُ ويَجعَلُنِي أَتأوَّهُ وأَتأفَّفُ، وأَبدَلتُه بكُلِّ ما يُبشِّرُ بالخَيرِ والفَرَحِ ويَجعَلُنِي في حَمْدٍ دائِمٍ، ولكِن أنَّى لِهذه الغايةِ أن تَتَحقَّقَ وهِي غايةُ المُنَى ومُبتَغَى الخَيالِ وهَدَفُ الرُّوحِ ونَتِيجةُ الفِطْرةِ، إلّا بقُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يَعرِفُ جَمِيعَ حَرَكاتِ مَخلُوقاتِه وسَكَناتِهِم قَوْلًا وفِعْلًا، بل يَعرِفُ جَمِيعَ أَحوالِهِم وأَعمالِهِم ويُسَجِّلُها كَذلِك.. وأنَّى لها أن تَحصُلَ إلّا بعِنايتِه الفائِقةِ غَيرِ المَحدُودةِ لِهذا الإِنسانِ الصَّغِيرِ الهَزِيلِ المُتَقلِّبِ في العَجزِ المُطلَقِ، حتَّى كَرَّمَه، واتَّخَذَه خَلِيلًا مُخاطَبًا، واهِبًا له المَقامَ السّامِيَ بَينَ مَخلُوقاتِه!
نعم، حِينَما كُنتُ أُفكِّرُ في هاتَينِ النَّقطَتَينِ، أي: في فَعّاليّةِ هذه القُدرةِ غَيرِ المَحدُودةِ، وفي الأَهَمِّيّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي أَوْلاها البارِئُ سُبحانَه لِهذا الإِنسانِ الَّذي يَبدُو حَقِيرًا.. أَرَدتُ إِيضاحًا في هاتَينِ النَّقطَتَينِ يَنكَشِفُ به الإِيمانُ ويَطمَئِنُّ به القَلبُ، فراجَعتُ بدَوْرِي تلك الآيةَ الكَرِيمةَ أَيضًا، فقالَت لي: دَقِّقِ النَّظَرَ في "نا" الَّتي في "حَسْبُنا"، وانظُرْ مَنْ هُم أُولاءِ يَنطِقُونَ "حَسْبُنا" مَعَك، سَواءٌ كانُوا يَنطِقُونَها بلِسانِ الحالِ، أو بلِسانِ المَقالِ، أَنصِتْ إلَيْهِم.. نعم، هكذا أَمَرَتْني الآيةُ!
فنَظَرتُ.. فإذا بي أَرَى طُيُورًا مُحَلِّقةً لا تُحَدُّ، وطُوَيراتٍ صَغِيرةً صَغِيرةً جِدًّا كالذُّبابِ لا تُحصَى، وحَيَواناتٍ لا تُعَدُّ ونَباتاتٍ لا تَنتَهِي وأَشجارًا لا آخِرَ لها ولا نِهايةَ.. كلُّ ذلك يُرَدِّدُ مِثلِي بلِسانِ الحالِ مَعنَى حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، بل يُذَكِّرُ الآخَرِينَ بأنَّ لَهُم وَكِيلًا یی نِعمَ الوَكِيلُ یی تكَفَّلَ بجَمِيعِ شَرائِطِ حَياتِهِم، حتَّى إنَّه يَخلُقُ مِنَ البُيُوضِ المُتَشابِه بَعضُها معَ بَعضٍ وهِي المُتَركِّبةُ مِنَ المَوادِّ نَفسِها، ويَخلُقُ مِنَ النُّطَفِ الَّتي هي مِثلُ بَعضِها، ويَخلُقُ مِنَ الحُبُوبِ الَّتي يَطابِقُ بَعضُها بَعضًا، ويَخلُقُ مِنَ البُذُورِ المُتَماثِلِ بَعضُها معَ بَعضٍ مِئةَ ألفِ طِرازٍ مِنَ الحَيَواناتِ ومِئةَ أَلفِ شَكلٍ مِنَ الطُّيُورِ ومِئةَ أَلفِ نَوعٍ مِنَ النَّباتاتِ، ومِئةَ أَلفِ صِنفٍ مِنَ الأَشجارِ، يَخلُقُها بلا خَطَأٍ وبلا نَقصٍ وبلا الْتِباسٍ، يَخلُقُها مُزَيَّنةً جَمِيلةً ومَوزُونةً مُنَظَّمةً، معَ تَمَيُّزِ بَعضِها عن بَعضٍ واختِلافِ بَعضِها عن بَعضٍ، يَخلُقُها باستِمرارٍ ولا سِيَّما أَيّامَ كلِّ رَبِيعٍ أَمامَ أَعيُنِنا
— 381 —
في مُنتَهَى الكَثْرةِ، وفي مُنتَهَى السُّهُولةِ، وفي مُنتَهَى السَّعةِ، وفي مُنتَهَى الوَفْرةِ.. فخَلْقُ جَمِيعِ هذه المَخلُوقاتِ مُتَشابِهةً ومُتَداخِلةً ومُجتَمِعةً على النَّمَطِ نَفسِه والأَشكالِ عَينِها، ضِمنَ عَظَمةِ هذه القُدْرةِ المُطلَقةِ وحِشْمَتِها، يُظهِرُ لنا بوُضُوحٍ: وَحْدانيَّتَه سُبحانَه وتَعالَى وأَحَدِيَّتَه.
وقد أَفهَمَتْني الآيةُ أنَّه لا يُمكِنُ التَّدَخُّلُ مُطلَقًا ولا المُداخَلةُ قَطْعًا في مِثلِ هذا الفِعلِ لِلرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ وفي تَصَرُّفِ هذه الخَلّاقيّةِ، اللَّتَينِ تُبْرِزانِ هذه المُعجِزاتِ غَيرَ المَحدُودةِ وتَنشُرانِها.
فالَّذِينَ يُرِيدُونَ أن يَفهَمُوا هُوِيَّتي الشَّخصِيّةَ وماهِيَّتي الإِنسانيّةَ كما هي لِكُلِّ مُؤمِنٍ.. والَّذِينَ يَرغَبُونَ أن يكُونُوا مِثلِي، علَيْهِم أن يَنظُرُوا إلى تَفسِيرِ نَفسِي "أنا" في جَمْعِ "نا" في حَسْبُنَا؛ ولِيَفهَمُوا ما وُجُودِي وجِسمِي الَّذي يَبدُو ضَئِيلًا وفَقِيرًا لا أَهَمِّيّةَ له یی كوُجُودِ كلِّ مُؤمِنٍ یی؟! ولِيَعلَمُوا ما الحَياةُ نَفسُها بل ما الإِنسانيّةُ؟! وما الإِسلامُ؟! وما الإِيمانُ التَّحقِيقيُّ؟ وما مَعرِفةُ اللهِ؟ وكَيفَ يَنبَغِي أَن تكُونَ المَحَبّةُ؟ فلْيَفهَمُوا.. ولْيَتَلقَّوْا دَرْسًا في ذلك!
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الرّابِعةُ:
وافَقَتِ العَوارِضُ المُزَلزِلةُ لِكِيانِي أَمثالَ الشَّيبِ والغُربةِ والمَرَضِ وكَوْنِي مَغلُوبًا على أَمرِي، وافَقَت تلك العَوارِضُ فَتْرةَ غَفْلَتي، فكَأنَّ وُجُودِي الَّذي أَتعَلَّقُ به بشِدّةٍ يَذهَبُ إلى العَدَمِ، بل وُجُودُ المَخلُوقاتِ كلِّها يَفنَى ويَنتَهِي إلى الزَّوالِ، فوَلَّد عِندِي ذَهابُ الجَمِيعِ إلى العَدَمِ قَلَقًا شَدِيدًا واضْطِرابًا أَلِيمًا، فراجَعتُ الآيةَ الكَرِيمةَ أَيضًا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فقالَت لي: "تَدَبَّرْ في مَعانِيَّ، وانظُرْ إلَيْها بمِنظارِ الإِيمانِ"، وأنا بدَوْرِي نَظَرتُ إلى مَعانِيها بعَينِ الإِيمانِ..
فرَأَيتُ أنَّ وُجُودِي الَّذي هو ذَرّةُ صَغِيرةٌ جِدًّا یی كوُجُودِ كلِّ مُؤمِنٍ یی مِرآةٌ لِوُجُودٍ غَيرِ مَحدُودٍ، ووَسِيلةٌ لِلظَّفَرِ بأَنواعٍ مِن وُجُودٍ غَيرِ مَحدُودٍ بانبِساطٍ غَيرِ مُتَناهٍ.. وهُو بمَثابةِ كَلِمةٍ حَكِيمةٍ تُثمِرُ مِن أَنواعِ الوُجُودِ الكَثِيرةِ الباقِيةِ ما هو أَكثَرُ قِيمةً مِن وُجُودِي،
— 382 —
حتَّى إنَّ لَحْظةَ عَيشٍ له مِن حَيثُ انتِسابُه الإِيمانِيُّ ثَمِينٌ جِدًّا، وله قِيمةٌ عالِيةٌ كقِيمةِ وُجُودٍ أَبدِيٍّ دائِمٍ، فعَلِمتُ كلَّ ذلك بعِلمِ اليَقِينِ، لِأنَّ مَعرِفَتِي بالشُّعُورِ الإِيمانِيِّ بأنَّ وُجُودِي هذا أَثَرٌ مِن آثارِ واجِبِ الوُجُودِ وصَنْعةٌ مِن صَنْعَتِه وجَلْوةٌ مِن جَلَواتِه جَعَلَتْني أَنجُو مِن ظُلُماتٍ لا حَدَّ لها تُورِثُها أَوْهامٌ مُوحِشةٌ، وأَتَخلَّصُ مِن آلامٍ لا حَدَّ لها نابِعةٍ مِنِ افتِراقاتٍ وفِراقاتٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ، ودَفَعَتْنِي لِأَمُدَّ رَوابِطَ أُخُوّةٍ وَثِيقةٍ إلى جَمِيعِ المَوجُوداتِ یی ولا سِيَّما ذَوِي الحَياةِ یی بعَدَدِ الأَفعالِ والأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ المُتَعلِّقةِ بالمَوجُوداتِ، وعَلِمتُ أنَّ هُنالِك وِصالًا دائِمًا بهذه الرَّوابِطِ معَ جَمِيعِ ما أُحِبُّه مِنَ المَوجُوداتِ مِن خِلالِ فِراقٍ مُؤَقَّتٍ.
وهكَذا، فإنَّ وُجُودِي كوُجُودِ كلِّ مُؤمِنٍ، قد ظَفِرَ بالإِيمانِ والِانتِسابِ الَّذي فيه بأَنوارِ أَنواعِ وُجُودٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لا افتِراقَ فيها.. فحَتَّى لو ذَهَب وُجُودِي فإنَّ بَقاءَ تلك الأَنواعِ مِنَ الوُجُودِ مِن بَعدِه يُطَمْئِنُ وُجُودِي وكأنَّه قد بَقِي بنَفسِه كامِلًا.
والخُلاصةُ: أنَّ المَوتَ لَيسَ فِراقًا، بل هو وِصالٌ وتَبدِيلُ مَكانٍ وإِثمارٌ لِثَمَرةٍ باقِيةٍ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الخامِسةُ:
لقد تَصَدَّعَتْ حَياتِي حِينًا تَحتَ أَعباءٍ ثَقِيلةٍ جِدًّا، حتَّى لَفَتَت نَظَرِي إلى العُمُرِ وإلى الحَياةِ، فرَأَيتُ أنَّ عُمُرِي يَمضِي مُسرِعًا واقتَرَبَ مِنَ الآخِرةِ، وأنَّ حَياتِي قد تَوَجَّهَت نَحوَ الِانطِفاءِ تَحتَ المُضايَقاتِ العَدِيدةِ، ولكِنَّ الوَظائِفَ المُهِمّةَ لِلحَياةِ ومَزاياها الرّاقِيةَ وفَوائِدَها الثَّمِينةَ لا تَلِيقُ بهذا الِانطِفاءِ السَّرِيعِ، بل تَلِيقُ بحَياةٍ طَوِيلةٍ، مَدِيدةٍ؛ ففَكَّرتُ في هذا بكُلِّ أَلَمٍ وأَسًى، وراجَعتُ أُستاذِي الآيةَ الكَرِيمةَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فقالَت لي: انظُرْ إلى الحَياةِ مِن حَيثُ "الحَيُّ القَيُّومُ" الَّذي وَهَب لك الحَياةَ. فنَظَرتُ إلَيْها بهذا المِنظارِ وشاهَدتُ أنَّه: إنْ كانَ لِلحَياةِ وَجْهٌ واحِدٌ مُتَوجِّهُ إلَيَّ أنا، فإنَّ لها مِئةَ وَجهٍ مُتَوجِّهٍ إلى "الحَيِّ المُحْيِي"؛ وإن كانَت لها نَتِيجةٌ واحِدةٌ تَعُودُ إلَيَّ أنا، فإنَّ لها أَلفًا مِنَ النَّتائِجِ تَعُودُ إلى خالِقِي؛ لِذا فإنَّ لَحْظةً واحِدةً مِنَ الحَياةِ، أو آنًا مِنَ الوَقتِ ضِمنَ هذه الجِهةِ كافٍ جِدًّا، فلا حاجةَ إلى زَمانٍ طَوِيلٍ.
— 383 —
هذه الحَقِيقةُ تَتَوضَّحُ بأَربَعِ مَسائِلَ، فلْيُفَتِّشْ أُولَئِك الَّذِينَ لَيسُوا أَمواتًا أوِ الَّذِينَ يَنشُدُونَ الحَياةَ.. لِيُفتِّشُوا عن ماهِيّةِ الحَياةِ وعن حَقِيقَتِها وعن حُقُوقِها الحَقِيقيّةِ ضِمنَ تلك المَسائِلِ الأَربَعِ، فلْيَظفَرُوا.. ولْيَحْيَوْا..
وخُلاصَتُها هي: أنَّ الحَياةَ كُلَّما تَتَوجَّهُ إلى الحَيِّ القَيُّومِ وتَتَطلَّعُ إلَيْه، وكُلَّما كانَ الإِيمانُ حَياةً لِلحَياةِ ورُوحًا لها، فإنَّها تَجِدُ البَقاءَ بل تُعطِي ثِمارًا باقِيةً كَذلِك، بل إنَّها تَرقَى وتَعلُو إلى دَرَجةٍ تَكتَسِبُ تَجَلِّيَ السَّرمَدِيّةِ، وعِندَها لا يُنظَرُ إلى قِصَرِ العُمُرِ وطُولِه.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ السّادِسةُ:
مِن خِلالِ الشَّيبِ الَّذي يُذَكِّرُ بفِراقِي الخاصِّ، ومِن خِلالِ حَوادِثِ آخِرِ الزَّمانِ الَّتي تُنبِئُ عن دَمارِ الدُّنيا ضِمنَ الفِراقاتِ العامَّةِ الشّامِلةِ، ومِن خِلالِ الِانكِشافِ الواسِعِ فَوقَ العادةِ في أَواخِرِ عُمُرِي لِأَحاسِيسِ الِافتِتانِ بِالجَمالِ والعِشقِ له والِافتِتانِ بالكَمالِ المَغرُوزِ في فِطْرَتِي.. مِن خِلالِ كلِّ هذا رَأَيتُ أنَّ الزَّوالَ والفَناءَ اللَّذَينِ يُدَمِّرانِ دائِمًا، وأنَّ المَوتَ والعَدَمَ اللَّذَينِ يُفَرِّقانِ باستِمرارٍ، رَأَيتُهُما يُفسِدانِ بشَكلٍ مُرعِبٍ ومُخِيفٍ، جَمالَ هذه الدُّنيا الرّائِعةِ الجَمالِ ويُشَوِّهانِها بتَحطِيمِهِما لها، ويُتلِفانِ لَطافةَ هذه المَخلُوقاتِ.. فتَألَّمتُ مِن أَعماقِي بالِغَ التَّألُّمِ لِما رَأَيتُ، ففارَ ما في فِطْرَتِي مِن عِشقٍ مَجازِيٍّ فَوَرانًا شَدِيدًا، وبَدَأ يَتَأجَّجُ بالرَّفضِ والعِصيانِ أَمامَ هذه الحالةِ المُفجِعةِ، فلم يَكُ لي بُدٌّ مِن مُراجَعةِ الآيةِ الكَرِيمةِ أَيضًا لِأَجِدَ المُتَنفَّسَ والسُّلوانَ، فقالَت: "اقْرَأْنِي جَيِّدًا، أَنعِمِ النَّظَرَ في مَعانِيَّ".
وأنا بدَوْرِي دَخَلتُ إلى مَركَزِ الإِرصادِ لِسُورةِ النُّورِ لِآيةِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فنَظَرتُ مِن هُناك "بمِنظارِ" الإِيمانِ إلى أَبعَدِ طَبَقاتِ الآيةِ الحَسْبِيّةِ، وفي الوَقتِ نَفسِه نَظَرتُ "بمِجْهَرِ" الشُّعُورِ الإِيمانِيِّ إلى أَدَقِّ أَسرارِها.. فرَأَيتُ أنَّه مِثلَما تُظهِرُ المَرايا والزُّجاجُ والمَوادُّ الشَّفّافةُ وحتَّى حَبابُ البَحرِ الجَمالَ المَخفِيَّ المُتَنوِّعَ لِضَوءِ الشَّمسِ، فيُظهِرُ كلٌّ مِنها مُختَلِفَ الجَمالِ لِلأَلوانِ السَّبعةِ لِذلِك الضَّوءِ، ومِثلَما يَتَجدَّدُ ذلك الجَمالُ وذلك الحُسنُ بتَجَدُّدِ تلك المَوادِّ وبتَحَرُّكِها وحَسَبَ قابلِيَّتِها
— 384 —
المُختَلِفةِ ووَفْقَ انكِساراتِها المُتَنوِّعةِ، أي: مِثلَما أنَّها تُظهِرُ الجَمالَ المَخفِيَّ لِلشَّمسِ ولِضَوئِها ولِأَلوانِها السَّبعةِ بشَكلٍ جَمِيلٍ جَذّابٍ، فكَذلِك الأَمرُ في هذه المَصنُوعاتِ الجَمِيلةِ وهذه المَخلُوقاتِ اللَّطِيفةِ والمَوجُوداتِ الجَمِيلةِ الَّتي تَقُومُ مَقامَ مَرايا عاكِسةٍ لِذلِك الجَمالِ المُقدَّسِ لِلجَمِيلِ ذِي الجَلالِ الَّذي هو "نُورُ الأَزَلِ والأَبدِ"، فهذه المَخلُوقاتُ لا تَلبَثُ أن تَذهَبَ دُونَ تَوَقُّفٍ، مُجَدِّدةً بذلك تَجَلِّياتٍ لِأَسمائِه الحُسنَى جَلَّ وعَلا؛ فالجَمالُ الظّاهِرُ في هذه المَخلُوقاتِ والحُسنُ البارِزُ فيها إِذًا لَيسَ هو مُلكَ ذاتِها، وإنَّما هو إِشاراتٌ إلى ذلك الجَمالِ المُقَدَّسِ السَّرمَدِيِّ الَّذي يُرِيدُ الظُّهُورَ، وعَلاماتٌ وإِشاراتٌ وتَجَلِّياتٌ لِذلِك الحُسنِ المُجَرَّدِ والجَمالِ المُنزَّهِ المُتَجلِّي دائِمًا، والَّذي يُرِيدُ المُشاهَدةَ والإِشهادَ.
وقد وُضِّحَتْ دَلائِلُ هذا مُفَصَّلًا في "رَسائِلِ النُّورِ"، أَمَّا هُنا فقد ذُكِرَ مِن تلك البَراهِينِ شَيءٌ مُوجَزٌ بِأُسلُوبٍ مُقنِعٍ، فنَشرَعُ في بَيانِ تلك البَراهِينِ؛ فأيُّما إِنسانٍ مِن أَصحابِ الذَّوقِ السَّلِيمِ نَظَر إلى هذه الرِّسالةِ لا يُمكِنُ أن يَتَمالَك نَفسَه دونَ الإِعجابِ والتَّقدِيرِ، بل سيَرَى أنَّ علَيْه أن يَسعَى لِإِفادةِ الآخَرِينَ بَعدَما أَفادَ نَفسَه، ولا سِيَّما النِّقاطُ الخَمسُ المَذكُورةُ في البُرهانِ الثّاني.. فلا بُدَّ أنَّ مَن لم يَفسُد عَقْلُه ولم يَصْدَأ قَلبُه يقُولُ مُستَحسِنًا ومُستَصوِبًا: ما شاءَ اللهُ.. بارَكَ اللهُ.. ويَجعَلُ وُجُودَه الَّذي يَبدُو فَقِيرًا حَقِيرًا يَسمُو ويَتَعالَى.. ويُدرِكُ مُصَدِّقًا أنَّه: مُعجِزةٌ خارِقةٌ حَقًّا!!

الرَّجاءُ الخامِسَ عشَر

(حاشية): كُتِب هذا الرَّجاءُ الخامسَ عشَرَ كي يكون مَصدَرَ تكمِلةِ "رسالةِ الشُّيوخ" وتأليفِها مِن قِبَل أَحَدِ طلّاب النُّور، حيث إنَّ مُدّة تأليفِ "رسائل النور" قدِ انتَهَت قبلَ ثلاثِ سنَواتٍ.
عِندَما كُنتُ نَزِيلَ غُرفةٍ في "أَمِيرْداغ" تَحتَ الإِقامةِ الجَبْرِيّةِ وَحِيدًا فَرِيدًا، كانَت عُيُونُ التَّرَصُّدِ تَتَعقَّبُني وتُضايِقُني دائِمًا، فأَتَعذَّبُ مِنها أَشَدَّ العَذابِ، حتَّى مَلَلتُ الحَياةَ نَفسَها وتَأَسَّفتُ لِخُرُوجِي مِنَ السِّجنِ، بل رَغِبتُ مِن كلِّ قَلبِي في أن أَعُودَ إلى سِجنِ "دَنِيزْلي" أو أَن أدخُلَ القَبْرَ، حَيثُ السِّجنُ أوِ القَبْرُ أَفضَلُ مِن هذا اللَّونِ مِنَ الحَياةِ.
— 385 —
فأَتَتْني العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ مُغِيثةً، إذ وَهَبَتْ آلةَ الرُّونيُو الَّتي ظَهَرَت حَدِيثًا لِطُلّابِ "مَدرَسةِ الزَّهراءِ"، وهُم يَحمِلُونَ أَقلامًا ماسِيّةً كآلةِ الرُّونيُو، فباتَت "رَسائِلُ النُّورِ" تَظهَرُ خَمسَ مِئةِ نُسخةٍ بقَلَمٍ واحِدٍ.. فتِلك الفُتُوحاتُ الَّتي هَيَّأَتْها العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ لِرَسائِلِ النُّورِ جَعَلَتْني أُحِبُّ تلك الحَياةَ الضَّجِرةَ القَلِقةَ المُضطَرِبةَ، بل جَعَلَتْني أُرَدِّدُ أَلفَ شُكرٍ وشُكرٍ لِلبارِئِ سُبحانَه وتَعالَى.
ولكِن بَعدَ مُرُورِ مُدّةٍ وَجِيزةٍ لم يَتَمكَّن أَعداءُ "رَسائِلِ النُّورِ" المُتَستِّیرُونَ أن يَتَحمَّلُوا تلك الفُتُوحاتِ النُّورِيّةَ، فنبَّهُوا المَسؤُولِينَ في الدَّوْلةِ ضِدَّنا وأَثارُوهُم علَيْنا، فأَصبَحَتِ الحَياةُ یی مَرّةً أُخرَى یی ثَقِيلةً مُضجِرةً، إلّا أنَّ العِنايةَ الإِلٰهِيّةَ تَجَلَّت على حِينِ غِرّةٍ، حَيثُ إنَّ المَسؤُولِينَ أَنفُسَهُم یی وهُم أَحوَجُ النَّاسِ إلى "رَسائِلِ النُّورِ" یی بَدَؤُوا فِعلًا بقِراءةِ الرَّسائِلِ المُصادَرةِ بشَوقٍ واهتِمامٍ، وذلك بحُكْمٍ وَظِيفَتِهِم، واستَطاعَت تلك الرَّسائِلُ بفَضلِ اللهِ أن تُلَيِّنَ قُلُوبَهُم وتَجعَلَها تَجنَحُ إلى جانِبِها؛ فتَوَسَّعَت بذلك دائِرةُ مَدارِسِ النُّورِ، حَيثُ إنَّهُم بَدَؤُوا بتَقدِيرِها والإِعجابِ بها بَدَلًا مِن جَرحِها ونَقدِها. فأَكسَبَتْنا هذه النَّتِيجةُ مَنافِعَ جَمّةً، أَزْيَدَ مِئةَ مَرّةٍ مِمّا تَعَرَّضْنا إِلَيْه مِنَ الأَضرارِ المادِّيّةِ، وجَعَلَت ما نُعانِيه مِنِ اضطِرابٍ وقَلَقٍ في حُكمِ العَدَمِ.
ولكِن ما إِن مَرَّت مُدّةٌ وَجِيزةٌ، حتَّى حَوَّل المُنافِقُونَ یی وهُم الأَعداءُ المُتَستِّرُونَ یی نَظَرَ الحُكُومةِ إلى شَخصِي أنا، ولَفَتُوا انتِباهَها إلى حَياتِي السِّياسِيّةِ السّابِقةِ، فأَثارُوا الأَوْهامَ والشُّكُوكَ، وبَثُّوا المَخاوِفَ مِن حَوْلي في صُفُوفِ دَوائِرِ العَدلِ والمَعارِفِ (التَّربِيةِ) والأَمنِ ووِزارةِ الدَّاخِلِيّةِ.. ومِمّا وَسَّع تلك المَخاوِفَ لَدَيهِم ما يَجرِي مِنَ المُشاحَناتِ بَينَ الأَحزابِ السِّياسِيّةِ، وما أَثارَه الفَوضَوِيُّونَ والإِرهابِيُّونَ یی وهُم واجِهةُ الشُّيُوعِيِّينَ یی حتَّى إنَّ الحُكُومةَ قامَت إِثرَ ذلك بحَمْلةِ تَوقِيفٍ وتَضيِيقٍ شَدِيدٍ علَيْنا، وبمُصادَرةِ ما تَمَكَّنَت مِنَ الحُصُولِ علَيْه مِنَ الرَّسائِلِ، فتَوَقَّفَ نَشاطُ طُلّابِ النُّورِ وفَعّاليّاتُهُم.
وبالرَّغمِ مِن أنَّ بَعضَ المُوَظَّفِينَ المَسؤُولينَ أَشاعُوا دِعاياتٍ مُغرِضةً عَجِيبةً لِجَرحِ شَخصِيَّتِي وذَمِّها یی مِمّا لا يُمكِنُ أن يُصَدِّقَها أَحَدٌ یی إلّا أنَّهُم باؤُوا بالإِخفاقِ
— 386 —
الذَّرِيعِ، فلم يَستَطِيعُوا أن يُقنِعُوا أَحَدًا بها؛ ومَعَ ذلك اعتَقَلُونِي بِحُجَجٍ رَخِيصةٍ تافِهةٍ جِدًّا، ووَضَعُونِي رَهْنَ التَّحقِيقِ في رُدهةٍ واسِعةٍ جِدًّا وَحِيدًا بِدُونَ مِدْفَأةٍ طَوالَ يَومَينِ، في تلك الأَيَّامِ الشَّدِيدةِ البَردِ كالزَّمْهَرِيرِ، عِلْمًا أنَّني ما كُنتُ أَتَحمَّلُ البَردَ في بَيتِي إلّا على مَضَضٍ، وكُنتُ أُقاوِمُه بشِدّةٍ بإِشعالِ المَوقِدِ دائِمًا وبإِشعالِ المِدْفَأةِ عِدّةَ مَرّاتٍ يَومِيًّا، وذلك لِما أُعانِيه مِن ضَعفٍ ومَرَضٍ.
فبَينَما كُنتُ أَتقَلَّبُ مِن شِدّةِ الحُمَّى المُتَولِّدةِ مِنَ البَردِ، وأَتمَلمَلُ مِن حالَتِي النَّفسِيّةِ المُتَضايِقةِ جِدًّا، انكَشَفَت في قَلبِي حَقِيقةُ عِنايةٍ إِلٰهِيّةٍ، ونُبِّهتُ إلى ما يَأتِي:
"إنَّك قد أَطلَقتَ على السِّجنِ اسمَ "المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ"، وقد وَهَب لكُم "سِجنُ دَنِيزْلي" مِنَ النَّتائِجِ والفَوائِدِ أَضعافَ أَضعافِ ما أَذاقَكُم مِنَ الضِّيقِ والشِّدّةِ، ومنَحَكُم فَرَحًا شَدِيدًا وسُرُورًا عَظِيمًا وغَنائِمَ مَعنَوِيّةً كَثِيرةً: كاستِفادةِ المَساجِينِ مَعَكُم مِن "رَسائِلِ النُّورِ"، وقِراءةِ "رَسائِلِ النُّورِ" في الأَوْساطِ الرَّسمِيّةِ العُلْيا، وغَيرِها مِنَ الفَوائِدِ، حتَّى جعَلَتْكُم في شُكرٍ دائِمٍ مُستَمِرٍّ بَدَلَ التَّشَكِّي والضَّجَرِ، مُحَوِّلةً كلَّ ساعةٍ مِن ساعاتِ السِّجنِ والضِّيقِ إلى عَشرِ ساعاتٍ مِنَ العِبادةِ، فخَلَّدَت تلك السّاعاتِ الفانيةَ.
فهَذِه "المَدرَسةُ اليُوسُفيّةُ الثَّالثةُ" كَذلِك ستُعطِي یی بإِذنِ اللهِ یی مِنَ الحَرارةِ الكافِيةِ ما يُدفِئُ هذا البَردَ الشَّدِيدَ، وستَمنَحُ مِنَ الفَرَحِ والبَهجةِ ما يَرفَعُ هذا الضِّيقَ الثَّقِيلَ، باستِفادةِ أَهلِ المَصائِبِ والبَلاءِ مَعَكُم مِن "رَسائِلِ النُّورِ" ووِجْدانِهِمُ السُّلوانَ فيها؛ أمَّا الَّذِينَ غَضِبتَ واحتَدَّيتَ علَيْهِم، فإن كانُوا مِنَ المُغَرَّرِ بهم ومِنَ المَخدُوعِينَ، فلا يَستَحِقُّونَ الغَضَبَ والحِدّةَ، إذ إِنَّهُم يَظلِمُونَك دُونَ عِلمٍ، وإن كانُوا يُعذِّبُونَك ويُشَدِّدُونَ علَيْك الخِناقَ وهُم يقُومُونَ بهذا عن عِلمٍ وعن حِقدٍ دَفينٍ إِرضاءً لِأَهلِ الضَّلالةِ، فإنَّهُم سيُعَذَّبُون عن قَرِيبٍ بالمَوتِ الَّذي يَتَصوَّرُونَه إِعدامًا أَبدِيًّا، وسيَرَونَ الضِّيقَ الشَّدِيدَ الدّائِمَ المُقِيمَ في السِّجنِ المُنفَرِدِ وهُو القَبْرُ.. وأَنتَ بدَوْرِك تَكسِبُ ثَوابًا عَظِيمًا نَتِيجةَ ظُلمِهِم، وتَظفَرُ بخُلُودِ ساعاتِك الفانيةِ، وتَغنَمُ لَذائِذَ رُوحِيّةً مَعنَوِيّةً فَضلًا عن قِيامِك بمُهِمَّتِك العِلمِيّةِ والدِّينيّةِ بإِخلاصٍ.
— 387 —
هكَذا وَرَد إلى رُوحِي هذا المَعنَى، فقُلتُ بكُلِّ ما أُوتِيتُ مِن قُوّةٍ: "الحَمدُ للهِ"، وأَشفَقتُ على أُولَئِك الظَّلَمةِ بحُكْمِ إِنسانيَّتِي، ودَعَوتُ: يا رَبِّ أَصلِح شَأْنَ هَؤُلاءِ..
ولقد أَثبَتُّ في إِفادَتِي التي كَتَبتُها إلى وِزارةِ الدّاخِلِيّةِ: أنَّ هذه الحادِثةَ الجَدِيدةَ غَيرُ قانُونيّةٍ بعَشَرةِ أَوجُهٍ، بل إنَّ هَؤُلاءِ الظَّلَمةَ الَّذِينَ يَخرِقُونَ القانُونَ بِاسمِ القانُونِ هُمُ المُجرِمُونَ حَقًّا، حَيثُ بَدَؤُوا بالبَحثِ عن حُجَجٍ واهِيةٍ جِدًّا، وتَتبَّعُوا افتِراءاتٍ مُختَلَقةً إلى حَدِّ أنَّها جَلَبَت سُخرِيةَ السّامِعِينَ وأَبكَوا أهلَ الحَقِّ المُنصِفِينَ، وأَظهَرُوا لِأَهلِ الإِنصافِ أنَّهُم لا يَجِدُونَ بِاسمِ القانُونِ والحَقِّ أيَّ مُسَوِّغٍ لِلتَّعرُّضِ لِرَسائِلِ النُّورِ ومَسِّ طُلّابِها بسُوءٍ، فيَزِلُّونَ إلى البَلاهةِ والجُنُونِ ويَتَخبَّطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ.
مِثالُ ذلك: لم يَجِدِ الجَواسِيسُ الَّذِينَ راقَبُونا لِمُدّةِ شَهرٍ شَيئًا علَيْنا، لِذا لَفَّقُوا التَّقرِيرَ الآتِيَ: "إنَّ خادِمَ "سَعِيدٍ" قدِ اشتَرَى له الخَمرَ مِن حانُوتٍ"، إلّا أنَّهُم لم يَجِدُوا أَحَدًا يُوَقِّعُ على هذا التَّقرِيرِ تَصدِيقًا لَهُم، إلّا شَخصًا غَرِيبًا وسِكِّيرًا في الوَقتِ نَفسِه، فطَلَبُوا مِنه یی تَحتَ الضَّغطِ والتَّهدِيدِ یی أن يُوَقِّعَ مُصَدِّقًا على ذلك التَّقرِيرِ، فرَدَّ علَيْهِم: "أَستَغفِرُ اللهَ! مَن يَستَطِيعُ أن يُوَقِّعَ مُصَدِّقًا هذا الكَذِبَ العَجِيبَ؟!"، فاضْطُرُّوا إلى إِتلافِ التَّقرِيرِ.
مِثالٌ آخَرُ: لِحاجَتِي الشَّدِيدةِ لِاستِنشاقِ الهَواءِ النَّقِيِّ، ولِمَا يُعلَمُ مِنِ اعتِلالِ صِحَّتِي، فقد أَعارَنِي شَخصٌ لا أَعرِفُه یی ولم أَتَعرَّف علَيْه لِحَدِّ الآنَ یی عَرَبةً ذاتَ حِصانٍ، لِأَتنَیزَّهَ بها خارِجَ البَلْدةِ، فكُنتُ أَقضِي ساعةً أو ساعَتَينِ في هذه النُّزهةِ؛ وكُنتُ قد وَعَدتُ صاحِبَ العَرَبةِ والحِصانِ بأن أُوَفِّيَ أُجرَتَها كُتُبًا تُثمَّنُ بخَمسِينَ لَيرةً، لِئَلّا أَحِيدَ عن قاعِدَتِي الَّتي اتَّخَذتُها لِنَفسِي، ولِئَلَّا أَظَلَّ تَحتَ مِنّةِ أَحَدٍ مِنَ النّاسِ وأَذاه.. فهَل هُناك احتِمالٌ لِأَن يَنجُمَ ضَرَرٌ مّا مِن هذا العَمَلِ؟! غَيرَ أنَّ دائِرةَ الشُّرطةِ ودائِرةَ العَدلِ والأَمنِ الدّاخِلِيِّ وحتَّى المُحافِظَ نَفسَه استَفسَرَ بأَكثَرَ مِن خَمسِينَ مَرّةً: لِمَنْ هذا الحِصانُ؟ ولِمَن هذه العَرَبةُ؟ وكأنَّه قد حَدَثَت حادِثةٌ سِياسِيّةٌ خَطِيرةٌ لِلإِخلالِ بالأَمنِ والنِّظامِ! مِمّا اضْطَرَّ أَحَدَ الأَشخاصِ أن يَتَطوَّعَ لِقَطع دابِرِ هذه الِاستِفساراتِ السَّخِيفةِ المُتَتالِيةِ فيَدَّعِيَ أنَّ الحِصانَ مِلكُه، وادَّعَى آخَرُ بأنَّ العَرَبةَ له، فصَدَرَ الأَمرُ بالقَبضِ
— 388 —
علَيْهِما وأُودِعا مَعِي في السِّجنِ.. فبِمِثلِ هذه النَّماذِجِ أَصبَحْنا مِنَ المُتَفرِّجِينَ على لَعِبِ الصِّبيانِ ودُماهُم، فبَكَيْنا ضاحِكِينَ وحَزِنّا ساخِرِينَ، وعَرَفْنا أنَّ كلَّ مَن يَتَعرَّضُ لِرَسائِلِ النُّورِ ولِطُلّابِها يُصبِحُ أُضحُوكةً ومَوضِعَ هُزءٍ وسُخْرِيةٍ.
وإلَيْك مُحاوَرةً لَطِيفةً مِن تلك النَّماذِجِ: لقد قُلتُ لِلمُدَّعِي العامِّ یی قَبلَ أن أَطَّلِعَ على ما كُتِبَ في مَحضَرِ اتِّهامِي مِنَ الإِخلالِ بالأَمنِ یی قُلتُ له: لقَدِ اغْتَبتُك البارِحةَ إذ قُلتُ لِأَحَدِ أَفرادِ الشُّرطةِ الَّذي استَجْوَبَنِي نِيابةً عن مُدِيرِ الأَمنِ: "لِيُهلِكْنِي اللهُ یی ثَلاثَ مَرّاتٍ یی إن لم أَكُن قد خَدَمتُ الأَمنَ العامَّ لِهَذا البَلَدِ أَكثَرَ مِن أَلفِ مُدِيرِ أَمنٍ وأَكثَرَ مِن أَلفِ مُدَّعٍ عامٍّ..".
ثمَّ إنَّني في الوَقتِ الَّذي كُنتُ في أَمَسِّ الحاجةِ إلى الإِخلادِ إلى الرّاحةِ وعَدَمِ الِاهتِمامِ بهُمُومِ الدُّنيا والِابتِعادِ نِهائيًّا عنِ البَردِ، فإنَّ قِيامَ هَؤُلاءِ بنَفيِي یی في هذا الوَقتِ مِنَ البَردِ بالذّاتِ یی وتَهجِيرِي مِن مَدِينةٍ لِأُخرَى بما يَفُوقُ تَحَمُّلِي، ومِن ثَمَّ تَوقِيفِي والتَّضيِيقِ علَيَّ بأَكثَرَ مِن طاقَتِي وبما يُشعِرُ أنَّه حِقْدٌ دَفِينٌ وأَمرٌ مُتَعمَّدٌ مَقصُودٌ.. كلُّ ذلك وَلَّد عِندِي غَيْظًا وامتِعاضًا غَيرَ اعتِيادِيٍّ تِجاهَ هَؤُلاءِ؛ ولكِنَّ العِنايةَ الإِلٰهِيّةَ أغاثَتْنِي فنَیبَّهَتَ القَلبَ إلى هذا المَعنَى:
إنَّ لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ یی الَّذي هو عَدلٌ مَحضٌ یی حِصّةً عَظِيمةً جِدًّا فيما يُسَلِّطُه علَيْك هَؤُلاءِ البَشَرُ مِنَ الظُّلمِ البَيِّنِ، وإنَّ رِزقَك في السِّجنِ هو الَّذي دَعاك إلى السِّجنِ، فيَنبَغِي إِذًا أن تُقابِلَ هذه الحِصّةَ بالرِّضَا والتَّسلِيمِ.
وإنَّ لِلحِكْمةِ الرَّبّانيّةِ والرَّحمةِ حَظًّا وافِرًا أَيضًا كفَتْحِ طَرِيقِ النُّورِ والهِدايةِ إلى قُلُوبِ المَساجِينِ وبَثِّ السُّلْوانِ والأَمَلِ فِيهِم، ومِن ثَمَّ إِحرازِ الثَّوابِ لَكُم؛ لِذا يَنبَغِي تَقدِيمُ آلافِ الحَمدِ والشُّكرِ للهِ یی مِن خِلالِ الصَّبْرِ یی تِجاهَ هذا الحَظِّ العَظِيمِ.
وكَذا، فإنَّ لِنَفسِك أَنتَ أَيضًا حِصَّتَها حَيثُ إنَّ لها ما لا تَعرِفُ مِنَ التَّقصِيراتِ.. فيَنبَغِي مُقابَلةُ هذه الحِصّةِ أَيضًا بالِاستِغفارِ والتَّوبةِ والإِنابةِ إلى اللهِ، وتَأنِيبِ النَّفسِ بأنَّها مُستَحِقّةٌ لِهَذِه الصَّفْعةِ.
— 389 —
وكَذا الأَعداءُ المُتَستِّرُونَ الَّذِينَ يَخدَعُونَ بَعضَ المُوَظَّفِينَ السُّذَّجِ والجُبَناءِ، فيَسوقُونَهُم نَحوَ ذلك الظُّلمِ، لَهُم مِنه حِصّةٌ ونَصِيبٌ؛ فرَسائِلُ النُّورِ قد ثَأَرَت لك ثَأْرًا كامِلًا مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بما أَنزَلَت بهم مِن صَفَعاتِها المَعنَوِيّةِ المُدهِشةِ؛ فحَسْبُهُم تلك الضَّرَباتُ.
أمّا الحِصَّةُ الأَخِيرةُ فهِي لِأُولَئِك المُوَظَّفِينَ الَّذِينَ هُم وَسائِطُ فِعلِيّةٌ، ولكِن لِكَونِهِم مُنتَفِعِينَ حَتْمًا مِن جِهةِ الإِيمانِ یی سَواءٌ أَرادُوا أم لم يُرِيدُوا یی عِندَ نَظَرِهِم إلى "رَسائِلِ النُّورِ" وقِراءَتِهِم لها بنِيّةِ النَّقدِ أوِ الجَرحِ، فإنَّ العَفوَ والتَّجاوُزَ عَنهُم وَفقَ دُستُورِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ هو شَهامةٌ ونَجابةٌ.
وبَعدَ أن تَلَقَّيتُ هذا التَّنبِيهَ والتَّحذِيرَ الَّذي كُلُّه حَقٌّ وحَقِيقةٌ، قَرَّرتُ أن أَظلَّ صابِرًا وشاكِرًا جَذْلًا في هذه المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ الجَدِيدةِ؛ بل قَرَّرتُ أن أُعاقِبَ نَفسِي بتَقصِيرٍ لا ضَرَرَ فيه، فأُساعِدَ حتَّى أُولَئِك الَّذِينَ يُسِيئُونَ إلَيَّ ويُخاصِمُونَنِي وأُعاوِنَهم.
ثمّ إنَّ مَن كانَ مِثلِي في الخامِسةِ والسَّبعِينَ مِن عُمُرِه، وقدِ انقَطَعَت عَلاقاتُه معَ الدُّنيا ولم يَبقَ مِن أَحبابِه في الدُّنيا إلّا خَمسٌ مِن كلِّ سَبعِينَ شَخْصًا، وتَقُومُ سَبعُونَ أَلفَ نُسخةٍ مِن "رَسائِلِ النُّورِ" بمُهِمَّتِه النُّورِيّةِ بكُلِّ حُرِّيّةٍ، وله مِنَ الإِخوانِ ومِنَ الوَرَثةِ مَن يُؤَدُّونَ وَظِيفةَ الإِيمانِ بآلافِ الأَلسِنةِ بَدَلًا مِن لِسانِ واحِدٍ.. فالقَبْرُ لِمِثلِي إِذًا خَيرٌ وأَفضَلُ مِئةَ مَرّةٍ مِن هذا السِّجنِ؛ كما أنَّ هذا السِّجنَ هو أَكثرُ نَفْعًا وأَكثرُ راحةً بمِئةِ مَرّةٍ مِنَ الحُرِّيّةِ المُقَيَّدةِ في الخارِجِ، ومِنَ الحَياةِ تَحتَ تَحَكُّمِ الآخَرِينَ وسَيطَرَتِهِم، لِأنَّ المَرءَ يَتَحمَّلُ مُضطَرًّا معَ مِئاتِ المَساجِينِ تَحَكُّمًا مِن بَعضِ المَسؤُولِينَ، أَمثالِ المُدِيرِ ورَئِيسِ الحُرّاسِ بحُكْمِ وَظِيفَتِهِم، فيَجِدُ سُلْوانًا وإِكرامًا أَخَوِيًّا مِن أَصدِقاءَ كَثِيرِينَ مِن حَوْلِه، بَينَما يَتَحمَّلُ وَحْدَه في الخارِجِ سَيطَرةَ مِئاتِ المُوَظَّفِينَ والمَسؤُولِينَ.
وكَذلِك الرَّأفةُ الإِسلامِيّةُ والفِطْرةُ البَشَرِيّةُ تَسعَيَانِ بالرَّحْمةِ لِلشُّيُوخِ ولا سِيَّما مَن هُم في هذه الحالةِ، فتُبَدِّلانِ مَشَقّةَ السِّجنِ وعَذابَه إلى رَحْمةٍ أيضًا.. لِأَجلِ كلِّ ذلك فقد رَضِيتُ بالسِّجنِ..
— 390 —
وحِينَما قَدِمتُ إلى هذه المَحكَمةِ الثَّالثةِ جَلَستُ على كُرسِيٍّ خارِجَ بابِ المَحكَمةِ لِمَا كُنتُ أُحِسُّ مِنَ النَّصَبِ والضِّيقِ في الوُقُوفِ لِشِدَّةِ ضَعفِي وشَيخُوخَتِي ومَرَضِي؛ وفَجْأةً أَتَى قاضٍ وقالَ مُغاضِبًا معَ إِهانةٍ وتَحقِيرٍ: لِمَ لا يَنتَظِرُ هذا واقِفًا؟!
ففارَ الغَضَبُ في أَعماقِي على انعِدامِ الرَّحْمةِ لِلشَّيبِ، والْتَفَتُّ وإذا بجَمْعٍ غَفِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ قدِ احتَشَدُوا حَوْلَنا يَنظُرُونَ إلَيْنا بعُيُونٍ مِلْؤُها الرَّأفةُ، بقُلُوبٍ مِلْؤُها الرَّحْمةُ والأُخُوّةُ، حتَّى لم يَستَطِع أَحَدٌ صَرْفَهُم عن هذا التَّجَمُّعِ؛ وهُنا ورَدَت إلى القَلبِ هاتانِ الحَقِيقَتانِ:
الأُولَى: إنَّ أَعدائِي، وأَعداءَ النُّورِ المُتَستِّرِينَ قد خَدَعُوا بَعضَ المُوَظَّفِينَ الغافِلِينَ وساقُوهُم إلى مِثلِ هذه المُعامَلاتِ المُهِينةِ كي يُحَطِّمُوا شَخصِيَّتي أَمامَ أَنظارِ النَّاسِ، ويَصرِفُوا ما لا أَرغَبُه أَبدًا مِن تَوَجُّهِ النَّاسِ وإِقبالِهِم علَيَّ، ظَنًّا مِنهُم أنَّهُم يَتَمكَّنُونَ بذلك مِن إِقامةِ سَدٍّ مَنِيعٍ أَمامَ سَيلِ فُتُوحاتِ النُّورِ؛ فتِجاهَ تلك الإِهانةِ الصّادِرةِ مِن رَجُلٍ واحِدٍ، صَرَفَتِ العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ نَظَرِي إلى هَؤُلاءِ "المِئةِ" إِكرامًا مِنها لِلخِدمةِ الإِيمانيّةِ الَّتي تُقَدِّمُها "رَسائِلُ النُّورِ" وطُلّابُها قائِلةً: "انظُرْ إلى هَؤُلاءِ، فقد أَتَوْا لِلتَّرحِيبِ بكُم لِخِدمَتِكُم تلك، بقُلُوبٍ مَلْأَى بالرَّأفةِ والشَّفَقةِ والإِعجابِ والِارتِباطِ الوَثِيقِ".
بل حتَّى في اليَومِ الثَّاني عِندَما كُنتُ أُجِيبُ على أَسئِلةِ قاضِي التَّحقِيقِ؛ احتَشَد أَلفٌ مِنَ النّاسِ في السّاحةِ المُقابِلةِ لِنَوافِذِ المَقَرِّ.. فكانَ يُشاهَدُ مِن أَحوالِهِم أَنَّهُم يُعبِّرُونَ بِلِسانِ الحالِ قائِلِينَ: "لا تُضايِقُوا هَؤُلاءِ"، ولِشِدَّةِ ارتِباطِهِم بِنا، عَجَزَتِ الشُّرطةُ عن أن تُفرِّقَهم، وعِندَ ذلك وَرَد إلى القَلبِ:
"إنَّ هَؤُلاءِ النَّاسَ في هذا الوَقتِ العَصِيبِ، يَنشُدُونَ سُلْوانًا كامِلًا، ونُورًا لا يَنطَفِئُ، وإِيمانًا راسِخًا، وبِشارةً صادِقةً بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ، بل يَبحَثُون عَنْها بفِطْرَتِهِم، وقد طَرَق سَمْعَهُم أنَّ ما يَبحَثُونَ عنه مَوجُودٌ فِعلًا في "رَسائِلِ النُّورِ"، لِذا يُبدُونَ هذا الِاحتِرامَ والتَّقدِيرَ لِشَخصِي یی الَّذي لا أَهَمِّيّةَ له یی بما يَفُوقُ حَدِّي، مِن مَوقِعِ كَوْنِي خادِمًا لِلإِيمانِ، وعَسَى أن أَكُونَ قد قُمتُ بشَيءٍ مِنَ الخِدمةِ له".
— 391 —
الحَقِيقةُ الثَّانيةُ: لقد وَرَد إلى القَلبِ: أنَّه حِيالَ إِهانَتِنا والِاستِخفافِ بِنا بحُجّةِ إِخلالِنا بالأَمنِ العامِّ، وإِزاءَ صَرفِ إِقبالِ النّاسِ عَنّا بالمُعامَلاتِ الدَّنِيئةِ الَّتي يَقُومُ بها أَشخاصٌ مَعدُودُونَ مِنَ المُغَرَّرِ بهم.. فإنَّ هُنالِك التَّرحِيبَ الحارَّ والتَّقدِيرَ اللّائِقَ لنا مِن قِبَلِ أَهلِ الحَقِيقةِ وأَبناءِ الجِيلِ القادِمِ..
نعم، في الوَقتِ الَّذي تَنشَطُ فيه الفَوضَى والإِرهابُ المُتَستِّرُ بسِتارِ الشُّيُوعِيّةِ لِلإِخلالِ بالأَمنِ العامِّ، فإنَّ طُلّابَ "رَسائِلِ النُّورِ" يُوقِفُونَ ذلك الإِفسادَ المُرعِبَ في جَمِيعِ أَرجاءِ البِلادِ ويَكسِرُونَ شَوْكَتَه بقُوّةِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، ويَسعَوْنَ حَثِيثًا لِإِحلالِ الأَمنِ والنِّظامِ مَكانَ الخَوفِ والفَوضَى؛ فلم تَظهَر في العِشرِينَ سَنةً السّابِقةِ أيّةُ حادِثةٍ كانَت حَولَ إِخلالِهِم بالأَمنِ، رَغمَ كَثْرةِ طُلّابِ النُّورِ وانتِشارِهِم في جَمِيعِ أَنحاءِ البِلادِ، فلم يَجِد ولم يُسَجِّل علَيْهِم أَحَدٌ مِنَ الضُّبّاطِ المَسؤُولِينَ حَدَثًا، في عَشرِ وِلاياتٍ وعَبرَ حَوالَيْ أَربَعِ مَحاكِمَ ذاتِ عَلاقةٍ، بل لقد قال ضُبّاطٌ مُنصِفُونَ لِثَلاثِ وِلاياتٍ: "إنَّ طُلّابَ النُّورِ ضُبّاطٌ مَعنَوِيُّونَ لِلأَمنِ في البِلادِ، إنَّهُم يُساعِدُونَنا في الحِفاظِ على الأَمنِ والنِّظامِ لِمَا يَجعَلُونَ في فِكرِ كُلِّ مَن يَقرَأُ "رَسائِلَ النُّورِ" بالإِيمانِ التَّحقِيقيِّ حارِسًا ورَقِيبًا علَيْه، فيَسعَوْنَ بذَلِك لِلحِفاظِ على الأَمنِ العامِّ".
وسِجنُ "دَنِيزْلي" مِثالٌ واضِحٌ ونَمُوذجٌ جَيِّدٌ لِهذا الكَلامِ، فما إِن دَخَل طُلّابُ النُّورِ ورِسالةُ "الثَّمَرةِ" الَّتي كُتِبَت لِلمَسجُونِينَ حتَّى تابَ أَكثَرُ مِن مِئتَيْ سَجِينٍ وتَحَلَّوْا بالطّاعةِ والصَّلاحِ، وذلك في غُضُونِ ثَلاثةِ أَشهُرٍ أو تَزِيدُ.. حتَّى إنَّ قاتِلًا لِأَكثَرَ مِن ثَلاثةِ أَشخاصٍ كانَ يَتَحاشَى أن يَقتُلَ بَقّةَ الفِراشِ، فلم يَعُد عُضْوًا غَيرَ ضارٍّ فحَسْبُ، بل أَصبَحَ نافِعًا رَحِيمًا بالبِلادِ والعِبادِ.
فكانَ المُوَظَّفُونَ المَسؤُولُونَ يَنظُرُونَ إلى هذا الوَضعِ بحَيرةٍ وإِعجابٍ، حتَّى صَرَّحَ بَعضُ الشَّبابِ قَبلَ أن يَستَلِمُوا قَرارَ المَحكَمةِ: "إذا لَبِثَ طُلَّابُ النُّورِ في السِّجنِ فسنَحكُمُ على أَنفُسِنا ونُدِينُها لِنَظَلَّ مَعَهُم ونَتَتلْمَذَ علَيْهِم ونُصلِحَ أَنفُسَنا بإِرشاداتِهِم لِنَكُونَ أَمثالَهُم"، فالَّذِينَ يَتَّهِمُونَ طُلّابَ النُّورِ الَّذِينَ لَهُم هذه الخَصائِصُ والخِصالُ
— 392 —
بإِخلالِ الأَمنِ لا مَحالةَ قدِ انخَدَعُوا بشَكلٍ مُفجِعٍ، أو خُدِعُوا، أو أنَّهُم يَستَغفِلُونَ أَركانَ الحُكُومةِ في سَبِيلِ الفَوضَى والإِرهابِ یی مِن حَيثُ يَعلَمُونَ أو لا يَعلَمُونَ یی لِذا يَسعَوْنَ لِإِبادَتِنا وإِقحامِنا في العَذابِ.
فنَحنُ نَقُولُ لِهَؤُلاءِ: "ما دامَ المَوتُ لا يُقتَلُ والقَبْرُ لا يُغلَقُ بابُه، وقَوافِلُ البَشَرِيّةِ في دارِ ضِيافةِ الدُّنيا تَغِيبُ وتَتَوارَى فِيما وَراءَ التُّرابِ بسُرعةٍ مُذهِلةٍ.. فلا مَناصَ أنَّنا سنَفتَرِقُ في أَقرَبِ وَقتٍ، وستَرَوْنَ جَزاءَ ظُلمِكُم جَزاءً رَهِيبًا، وفي الأَقلِّ ستَذُوقُونَ المَوتَ الَّذي هو رُخصةٌ مِنَ الحَياةِ عِندَ أَهلِ الإِيمانِ المَظلُومِينَ، ستَذُوقُونَه إِعدامًا أَبدِيًّا لَكُم، فالأَذْواقُ الفانِيةُ الَّتي تَكسِبُونَها بتَوَهُّمِكُمُ الخُلُودَ في الدُّنيا ستَنقَلِبُ إلى آلامٍ باقِيةٍ مُؤلِمةٍ دائِمةٍ..
إنَّ حَقِيقةَ الإِسلامِ الَّتي ظَفِرَت بها هذه الأُمّةُ المُتَديِّنةُ وحافَظَت علَيْها بدِماءِ مِئاتِ المَلايِينِ مِن شُهَدائِها الَّذِينَ هم بمَرتَبةِ الأَوْلِياءِ وسُيُوفِ أَبطالِها المُجاهِدِينَ، يُطلِقُ علَيْها اليَومَ یی معَ الأَسَفِ یی أَعداؤُنا المُنافِقُونَ المُتَستِّیرُونَ اسمَ "الطَّرِيقةِ الصُّوفيّةِ" أَحيانًا، ويُظهِرُونَ الطَّرِيقةَ الصُّوفيّةَ الَّتي هي شُعاعٌ واحِدٌ مِن أَشِعّةِ تلك الشَّمسِ المُنِيرةِ أنَّها الشَّمسُ نَفسُها لِيُمَوِّهُوا على بَعضِ المُوَظَّفِينَ السَّطحِيِّينَ، مُطلِقِينَ على طُلّابِ النُّورِ الَّذِينَ يَسعَوْنَ بجِدٍّ ونَشاطٍ لِإبرازِ حَقِيقةِ القُرآنِ وحَقائقِ الإِيمانِ اسمَ "أَهلِ الطَّرِيقةِ الصُّوفيّةِ" أو "جَمعِيّةٍ سِياسِيّةٍ"، ولا يَبغُونَ مِن وَرائِها إلّا التَّشوِيهَ والتَّحرِيضَ علَيْنا.. فنَحنُ نَقُولُ لِهَؤُلاءِ ولِكُلِّ مَن يُصغِي إلَيْهِم قَولَتَنا الَّتي قُلناها أَمامَ مَحكَمةِ "دَنِيزْلي" العادِلةِ:
«إنَّ الحَقِيقةَ المُقدَّسةَ الَّتي افتَدَتْها مَلايِينُ الرُّؤُوسِ فِداءٌ لها رَأسُنا أَيضًا، فلو أَشعَلتُمُ الدُّنيا على رُؤُوسِنا نارًا فلن تَرضَخَ تلك الرُّؤُوسُ الَّتي افتَدَتِ الحَقِيقةَ القُرآنيَّةَ، ولن تُسَلِّمَ القِيادةَ لِلزَّندَقةِ، ولن تَتَخلَّى عن مُهِمَّتِها المُقدَّسةِ بإِذنِ اللهِ».
وهكَذا، فلا أَستَبدِلُ بسَنةٍ واحِدةٍ مِن شَيخُوخَتِي الَّتي أَنشَأَت حَوادِثُها اليَأسَ والأَعباءَ الثَّقِيلةَ، والَّتي أَسعَفَها السُّلْوانُ النَّزِيهُ النّابِعُ مِنَ الإِيمانِ والقُرآنِ یی معَ ما فيها مِن مُعاناةٍ وضِيقٍ یی عَشرَ سَنَواتٍ بَهِيجةٍ سارّةٍ مِن حَياةِ شَبابِي، وبالأَخَصِّ إذا كانَت كلُّ
— 393 —
ساعةٍ مِن ساعاتِ التّائِبِ المُقِيمِ لِفَرائِضِه في السِّجنِ بحُكْمِ عَشْرِ ساعاتٍ له مِنَ العِبادةِ، وأنَّ كُلَّ يَومٍ يَمُرُّ بالمَرِيضِ وهُو مَظلُومٌ يَجعَلُ صاحِبَه يَفُوزُ بثَوابِ عَشَرةِ أَيّامٍ خالِدةٍ، فكَم يكُونُ مِثلُ هذه الحَياةِ مَبعَثَ شُكرٍ وامتِنانٍ للهِ لِمِثلِي الَّذي يَتَرقَّبُ دَوْرَه وهُو على شَفِيرِ القَبْرِ!
نعم، هذا ما فَهِمتُه مِن ذلك التَّنبِيهِ المَعنَوِيِّ، فقُلتُ: شُكرًا للهِ بلا نِهايةٍ.. وفَرِحتُ بشَيخُوخَتِي ورَضِيتُ بالسِّجنِ؛ حَيثُ إنَّ العُمُرَ لا يَتَوقَّفُ بل يَمضِي مُسرِعًا، فإنْ مَضَى باللَّذّةِ والفَرَحِ فإنَّه يُورِثُ الحُزنَ والأَسَى، لِأنَّ زَوالَ اللَّذّةِ يُورِثُ الأَلَمَ، وإن مَضَى مُشبَعًا بالغَفْلةِ خاوِيًا مِنَ الشُّكرِ فإنَّه يَتْرُكُ بَعضَ الآثامِ ويَفنَى هو ويَمضِي؛ ولكِن إذا مَضَى العُمُرُ بالعَناءِ والسِّجنِ، فلِكَونِ زَوالِ الأَلَمِ يُورِثُ لَذّةً مَعنَوِيّةً، وأنَّ مِثلَ هذا العُمُرِ يُعَدُّ نَوعًا مِنَ العِبادةِ، لِذا يَظَلُّ باقِيًا مِن جِهةٍ، فيَجعَلُ صاحِبَه يَفُوزُ بعُمُرٍ خالِدٍ بثَمَراتٍ خالِدةٍ خَيِّرةٍ، ومِن جِهةٍ أُخرَى يكُونُ كَفّارةً لِلذُّنُوبِ السّابِقةِ وتَزكِيةً لِلأَخطاءِ الَّتي سَبَّبَتِ السِّجنَ.. فمِن زاوِيةِ النَّظَرِ هذه على المَسجُونِينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الفَرائِضَ أن يَشكُرُوا الله تَعالَى ضِمنَ الصَّبْرِ.

الرَّجاءُ السَّادسَ عَشَرَ

عِندَما ساقُونِي مَنفِيًّا إلى "قَسطَمُونِي" بَعدَ أن أَكمَلتُ سَنةَ حُكْمِي في سِجنِ "أَسكِي شَهِر" وأنا الشَّيخُ الهَرِمُ، مَكَثتُ مَوقُوفًا هُناك في مَركَزِ الشُّرطةِ حَوالَيْ ثَلاثةِ أَشهُرٍ؛ ولا يَخفَى علَيكُم مَدَى الأَذَى الَّذي يَلحَقُ بمِثلِي في مِثلِ هذه الأَماكِنِ، وقدِ انعَزَل عنِ النّاسِ، ولا يَتَحمَّلُ البَقاءَ حتَّى معَ أَصدِقائِه الأَوفِياءِ، ولا يُطِيقُ أن يُبَدِّلَ زِيَّه الَّذي اعتادَ علَيْه.. فبَينَما كانَ اليَأسُ يُحِيطُ بي مِن كلِّ جانِبٍ، إذا بالعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ تُغِيثُ شَيخُوخَتِي، إذ أَصبَحَ أَفرادُ الشُّرطةِ المَسؤُولُونَ في ذلك المَخفَرِ بمَثابةِ أَصدِقاءَ أَوْفِياءَ، حتَّى كانُوا يُخرِجُونَنِي مَتَى شِئتُ لِلِاستِجمامِ والتَّجوالِ في سِياحةٍ حَولَ المَدِينةِ وقامُوا بخِدمَتِي كأَيِّ خادِمٍ خاصٍّ، فَضْلًا عن أنَّهُم لم يُصِرُّوا علَيَّ بلُبسِ القُبَّعةِ مُطلَقًا.
— 394 —
ثمَّ انتَقَلتُ إلى المَدرَسةِ النُّورِيّةِ الَّتي كانَت مُقابِلَ ذلك المَخفَرِ في "قَسطَمُونِي" وبَدَأتُ بتَألِيفِ الرَّسائِلِ، وبَدَأَ كلٌّ مِن "فَيضِي وأَمِين وحِلْمِي وصادِق ونَظِيف وصَلاحِ الدِّينِ" وأَمثالِهِم مِن أَبطالِ النُّورِ يُداوِمُونَ في تلك المَدرَسةِ لِأَجلِ نَشرِ الرَّسائِلِ وتَكثِيرِها، وأَبدَوْا في مُذاكَراتِهِمُ العِلمِيّةِ القَيِّمةِ الَّتي أَمضَوْها هُناك جَدارةً تَفُوقُ ما كُنتُ قَضَيتُه أَيّامَ شَبابِي معَ طُلّابِي السَّابِقِينَ.
ثمَّ بَدَأ أَعداؤُنا المُتَستِّرُونَ يُحَرِّضُونَ علَيْنا بَعضًا مِنَ المَسؤُولِينَ وبَعضًا مِمَّن يَعتَدُّونَ بأَنفُسِهِم والمَغرُورِينَ مِنَ العُلَماءِ ومَشايِخِ الصُّوفيّةِ، فأَصبَحُوا الوَسِيلةَ في جَمْعِنا في المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ "سِجنِ دَنِيزْلي" معَ طُلّابِ النُّورِ القادِمِينَ مِن عِدّةِ وِلاياتٍ.
هذا، وإنَّ تَفاصِيلَ هذا الرَّجاءِ السَّادِسَ عَشَرَ هي في تلك الرَّسائِلِ الَّتي أَرسَلتُها سِرًّا مِن "قَسطَمُونِي" والَّتي ضُمَّت في كِتابِ "مُلحَق قَسطَمُونِي"، وفي الرَّسائِلِ المُقتَضَبةِ السِّرِّيّةِ الَّتي كُنتُ قد أَرسَلتُها إلى إِخوانِي مِن سِجنِ "دَنِيزْلي"، ويَرِدُ تَفاصِيلُها أَيضًا في "الدِّفاعِ" المَرفُوعِ أَمامَ مَحكَمةِ "دَنِيزْلي".. فحَقِيقةُ هذا الرَّجاءِ تَظهَرُ بوُضُوحٍ في ذلك، نُحِيلُ إلى تلك التَّفاصِيلِ المَذكُورةِ في "المُلحَقِ" و"الدِّفاعِ"، ونُشِيرُ هنا إِشارةً مُختَصَرةً إلَيْها:
لقد خَبَّأتُ بَعضَ الرَّسائِلِ الخاصّةِ والمَجمُوعاتِ المُهِمّةِ ولا سِيَّما الَّتي تَتَحَدَّثُ عن دَجّالِ المُسلِمِينَ (السُّفيانِيِّ)، وعن كَراماتِ "رَسائِلِ النُّورِ"، خَبَّأتُها تَحتَ أَكوامٍ مِنَ الحَطَبِ والفَحْمِ لِأَجلِ أن تُنشَرَ بَعدَ وَفاتِي، أو بَعدَ أن تُصغِيَ آذانُ الرُّؤَساءِ وتَعِيَ رُؤُوسُهُمُ الحَقِيقةَ ويَرجِعُوا إلى صَوابِهِم.. كُنتُ مُطمَئِنَّ البالِ مِن هذا العَمَلِ، ولكِن فَجْأةً داهَمَ مُوَظَّفُو التَّحَرِّياتِ ومُعاوِنُ المُدَّعِي العامِّ البَيتَ، وأَخرَجُوا تلك الرَّسائِلَ المُهِمّةَ المَخبُوءةَ مِن تَحتِ أَكوامِ الفَحْمِ والحَطَبِ، وتَمَّ تَوقِيفِي وإِحالَتِي إلى سِجنِ "إِسبارْطةَ"، وأنا أُعانِي مِنِ اعتِلالِ صِحَّتِي ما أُعانِي.
وبَينَما كُنتُ مُتَألِّمًا بالِغَ الأَلَمِ ومُستَغرِقًا في التَّفكِيرِ حَولَ ما أَصابَ "رَسائِلَ النُّورِ" مِن أَضرارٍ، إذا بالعِنايةِ الرَّبّانيّةِ تَأتِي لِإِغاثَتِنا جَمِيعًا، حَيثُ بَدَأ المَسؤُولُونَ الَّذِينَ هُم
— 395 —
في أَمَسِّ الحاجةِ إلى قِراءةِ تلك الرَّسائِلِ المَخبُوءةِ القَيِّمةِ، بَدَؤُوا بدِراسَتِها بكلِّ اهتِمامٍ ولَهْفةٍ، فتَحَوَّلَت تلك المَحافِلُ الرَّسمِيّةُ إلى ما يُشبِهُ المَدارِسَ النُّورِيّةَ، إذِ انقَلَبَ النَّقدُ والجَرحُ عِندَهُم إلى نَظْرةِ الإِعجابِ والتَّقدِيرِ.. حتَّى إنَّه في "دَنِيزْلي" قَرَأ الكَثِيرُونَ سَواءٌ مِنَ المَسؤُولِينَ أو غَيرِهِم یی دُونَ عِلمِنا یی رِسالةَ "الآيةُ الكُبْرَى" المَطبُوعةَ بسِرِّيّةٍ تامّةٍ، فازْدادُوا إِيمانًا وأَصبَحُوا سَبَبًا لِجَعلِ مُصِيبَتِنا كأَنْ لم تكُنْ.
ثمَّ ساقُونا إلى سِجنِ "دَنِيزْلي" وزَجُّونِي في رُدْهةٍ كَبِيرةٍ ذاتِ عُفُونةٍ ورُطُوبةٍ شَدِيدَتَينِ فَوقَ ما فيها مِن بَردٍ شَدِيدٍ، فاعتَرانِي حُزنٌ وأَلَمٌ شَدِيدانِ مِن جَرَّاءِ ابتِلاءِ أَصدِقائِي الأَبرِياءِ بسَبَبِي، فَضْلًا عنِ الحُزنِ النَّابِعِ مِمّا أَصابَ انتِشارَ "النُّورِ" مِن عُطْلٍ ومُصادَرةٍ معَ ما كُنتُ أُعانِيه مِنَ الشَّيبِ والمَرَضِ.. كلُّ ذلك جَعَلَنِي أَتَقلَّبُ مُضطَرِبًا في ضَجَرٍ وسَأَم.. حتَّى أَغاثَتْنِي العِنايةُ الرَّبّانيّةُ فحَوَّلَت ذلك السِّجنَ الرَّهِيبَ إلى مَدرَسةٍ نُورِيّةٍ؛ فحَقًّا إنَّ السِّجنَ مَدرَسةٌ يُوسُفِيّةٌ! وبَدَأَت "رَسائِلُ النُّورِ" بالِانتِشارِ والتَّوَسُّعِ حَيثُ بَدَأ أَبطالُ "مَدرَسةِ الزَّهراءِ" بكِتابةِ تلك الرَّسائِلِ بأَقلامِهِمُ الأَلْماسِيّةِ، حتَّى إنَّ بَطَلَ النُّورِ قدِ استَنسَخَ أَكثَرَ مِن عِشرِينَ نُسخةً مِن رِسالَتَيِ "الثَّمَرة" و"الدِّفاع" خِلالَ مُدّةٍ لم تَتَجاوَزْ أَربَعةَ أَشهُرٍ، معَ ضَراوةِ تلك الظُّرُوفِ المُحِيطةِ، فكانَت تلك النُّسَخُ سَبَبًا لِلفُتُوحاتِ في السِّجنِ وفي خارِجِه، فحَوَّلَ ضَرَرَنا في تلك المُصِيبةِ إلى مَنافِعَ، وبَدَّل ضَجَرَنا وحُزنَنا إلى أَفراحٍ، مُبدِيًا مَرّةً أُخرَى سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
ثمَّ وُزِّعَ ضِدَّنا بَيانٌ شَدِيدُ اللَّهْجةِ بِناءً على التَّقرِيرِ السَّطْحِيِّ الخَطَأِ المُقَدَّمِ مِن قِبَلِ "الخُبَراءِ الأَوَّلينَ" وشَنَّ وَزِيرُ التَّربِيةِ هُجُومًا عَنِيفًا علَيْنا، مِمَّا حَدا بالبَعضِ أن يُطالِبَ بإِعدامِنا، بل قد سَعَوْا في الأَمرِ.
وفي هذا الوَقتِ العَصِيبِ بالذَّاتِ جاءَتْنا العِنايةُ الرَّبَّانيّةُ فأَسعَفَتْنا أَيضًا، إذ بَيْنا نَنتَظِرُ انتِقاداتٍ لاذِعةً عَنِيفةً مِن "خُبَراءِ أَنقَرةَ"، إذا بتَقارِيرِهِمُ المُتَضمِّنةِ لِلإِعجابِ والتَّقدِيرِ برَسائِلِ النُّورِ، وإذا بهم لم يَجِدُوا مِن مَجمُوعِ خَمْسةِ صَنادِيقَ مِن "رَسائِلِ النُّورِ" إلَّا
— 396 —
بِضْعةَ أَخطاءٍ لا تَتَجاوَزُ العَشَرةَ؛ وقد وَضَّحْنا أَمامَ المَحْكَمةِ وأَثبَتْنا كَذلِك أنَّ هذه الأَخطاءَ الَّتي أَوْرَدُوها لَيسَت أَخطاءً، بلِ الحَقِيقةُ بعَينِها، وأنَّ الخُبَراءَ هم أَنفُسُهُم على خَطَأٍ فيما يَدَّعُونَ، وبَيَّنّا أنَّ في تَقرِيرِهِم المُتَكوِّنِ مِن خَمسِ أَوْراقٍ حَوالَيْ عَشَرةِ أَخطاءٍ.
وبَينَما كُنَّا نَنتَظِرُ التَّهدِيدَ والأَوامِرَ المُشَدَّدةَ مِنَ الدَّوائِرِ الرَّسمِيّةِ السَّبعِ الَّتي أُرْسِلَتْ إلَيْها رِسالَتا "الثَّمَرة" و"الدِّفاع" كما أُرسِلَت إلى دائِرةِ العَدلِ جَمِيعُ الرَّسائِلِ، ولا سِيَّما تلك الرَّسائِلُ الخاصّةُ المُتَضَمِّنةُ لِلصَّفَعاتِ الشَّدِيدِةِ والتَّعرُّضِ لِأَهلِ الضَّلالةِ.. أَجَل، بَينَما كُنّا نَنتَظِرُ التَّهدِيدَ العَنِيفَ مِنهُم، إذا بتَقارِيرِهِمُ تَبُثُّ السُّلوانَ وفي مُنتَهَى اللِّينِ والرِّقّةِ یی الشَّبِيهةِ بتلك الرِّسالةِ الَّتي بَعَثَها رَئيسُ الوُزَراءِ إِلَيْنا یی وكأَنَّهُم يُبدُونَ رَغبَتَهُم في المُصالَحةِ مَعَنا.
فأَثبَتَ كلُّ هذا إِثباتًا قاطِعًا أنَّ حَقائِقَ "رَسائِلِ النُّورِ" بفَضلِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ وكَرامَتِها قد غلَبَتْهُم وانتَصَرَت علَيْهِم حتَّى جَعَلَتْهُم يَقرَؤُونَها ويَستَرشِدُونَ بها، وحَوَّلَت تلك الدَّوائِرَ الرَّسمِيّةَ الواسِعةَ إلى ما يُشبِهُ المَدارِسَ النُّورِيّةَ، وأَنقَذَت كَثِيرًا مِنَ الحَيارَى والمُتَردِّدِينَ وشَدَّت مِن إِيمانِهِم، مِمّا مَلَأَنا بَهْجةً وسُرُورًا هو أَضعافُ أَضعافِ ما كُنّا نُعانِيه مِن ضِيقٍ وضَجَرٍ.
ثمَّ دَسَّ الأَعداءُ المُتَستِّرُونَ السُّمَّ في طَعامِي، ونُقِل بَطَلُ النُّورِ الشَّهِيدُ "الحافِظُ عَلِيٌّ" على إِثرِها إلى المُستَشفَى بَدَلًا عني، ومِن ثَمَّ ارْتَحَل إلى عالَمِ البَرزَخِ أَيضًا عِوَضًا عَنِّي، مِمّا جَعَلَنا نَحزَنُ كَثِيرًا ونَبكِي بُكاءً حارًّا علَيْه.
لقد قُلتُ يَوْمًا یی قَبلَ نُزُولِ هذه المُصِيبةِ بنا یی وأنا على جَبَلِ قَسطَمُونِي، بل صَرَختُ مِرارًا: "يا إِخوانِي، لا تُلقُوا اللَّحمَ أَمامَ الحِصانِ ولا العُشبَ أَمامَ الأَسَدِ" بمَعنَى: لا تُعطُوا أيًّا كانَ كلَّ رِسالةٍ حَذَرًا مِن أن يَتَعرَّضُوا لنا بسُوءٍ؛ وكأنَّ الأَخَ "الحافِظ عَلِيّ" قد سَمِعَ بهاتِفِه المَعنَوِيِّ كَلامِي هذا (وهُو على بُعدِ مَسِيرةِ سَبعةِ أَيَّامٍ)، فكَتَب إلَيَّ یی في الوَقتِ نَفسِه یی يقُولُ: "نَعَم يا أُستاذِي.. إنَّها مِن إِحدَى كَراماتِ "رَسائِلِ النُّورِ" وخَصائِصِها، أنَّها لا تُعطِي اللَّحمَ الحِصانَ ولا العُشبَ الأَسَدَ، بل تُعطِي العُشبَ
— 397 —
الحِصانَ واللَّحمَ الأَسَدَ!، حَيثُ أَعطَت ذلك العالِمَ الجَلِيلَ رِسالةَ الإِخلاصِ"، وبَعدَ سَبعةِ أيّامٍ تَسَلَّمْنا رِسالَتَه هذه، وبَدَأْنا بالعَدِّ والحِسابِ، فعَلِمْنا أنَّه قد كَتَب تلك العِبارةَ الغَرِيبةَ نَفسَها في الوَقتِ الَّذي كُنتُ أُرَدِّدُها مِن فَوقِ جَبَلِ "قَسطَمُونِي".
فوَفاةُ بَطَلٍ مَعنَوِيٍّ مِثلِ هذا البَطَلِ مِن أَبطالِ النُّورِ، والمُنافِقُونَ يَسعَوْنَ لِإدانَتِنا وإِنزالِ العُقُوبةِ بِنا، عَلاوةً على قَلَقِي المُستَمِرِّ مِن أَن يَأْخُذُوني بأَمرٍ رَسمِيٍّ إلى المُستَشفَى لِمَرَضِي النّاشِئِ مِنَ التَّسمِيمِ في هذا الوَقتِ وجَمِيعُ هذه المُضايَقاتِ تُحِيطُ بنا، إذا بالعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ تَأتِي لِإمدادِنا؛ فلَقَد أَزالَ الدُّعاءُ الخالِصُ المَرفُوعُ مِن قِبَلِ إِخوانِي الطَّيِّبِينَ خَطَرَ التَّسمِيمِ.. وهُنالِك أَماراتٌ قَوِيّةٌ جِدًّا تَدُلُّ على أنَّ ذلك البَطَلَ الشَّهِيدَ مُنهَمِكٌ في قَبْرِه برَسائِلِ النُّورِ، وأنَّه يُجِيبُ بها على أَسئِلةِ المَلائِكةِ، وأنَّ بَطَلَ "دَنِيزْلي" "حَسَن فَيضِي" (تَغَمَّدَه اللهُ برَحمَتِه) وأَصدِقاءَه الأَوفِياءَ سيَحُلُّونَ مَحَلَّه فيَقُومُونَ بمُهِمَّتِه في خِدمةِ النُّورِ سِرًّا.. وأنَّ أَعداءَنا قدِ انضَمُّوا إلى الرَّأيِ القائِلِ بضَرُورةِ إِخراجِنا مِنَ السِّجنِ خَوفًا مِن سَعَةِ انتِشارِ الرَّسائِلِ بَينَ المَساجِينِ وسُرعةِ استِجابَتِهِم لها لِيَحُولُوا بَينَنا وبَينَ السُّجَناءِ، وقد حَوَّل تَلامِيذُ النُّورِ تلك الخَلْوةَ المُزعِجةَ إلى ما يُشبِهُ كَهْفَ أصَحابِ الكَهفِ، أُولَئِك الفَتيةِ المُؤمِنِينَ، أو ما يُشبِهُ مَغاراتِ المُنزَوِينَ مِنَ الزُّهَّادِ، وسَعَوْا بكُلِّ اطْمِئْنانٍ وسَكِينةٍ في كِتابةِ الرَّسائِلِ ونَشرِها.. كلُّ ذلك أَثبَتَ أنَّ العِنايةَ الإِلٰهِيّةَ كانَت تُمِدُّنا وتُغِيثُنا.
ولقد خَطَر لِلقَلبِ: ما دامَ الإِمامُ الأَعظَمُ "أَبُو حَنِيفةَ النُّعمانُ" وأَمثالُه مِنَ الأَئِمّةِ المُجتَهِدِينَ قد أُوذُوا بالسَّجنِ وتَحَمَّلُوا عَذابَه، وأنَّ الإِمامَ "أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ" وأَمثالَه مِنَ المُجاهِدِينَ العِظامِ قد عُذِّبُوا كَثِيرًا لِأَجلِ مَسأَلةٍ واحِدةٍ مِن مَسائِلِ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ وقد ثَبَت الجَمِيعُ أَمامَ تلك المِحَنِ القاسِيةِ وكانُوا في قِمّةِ الصَّبْرِ والجَلَدِ، فلم يُبدِ أَحَدُهُمُ الضَّجَرَ والشَّكْوَى، ولم يَتَراجَع عن مَسأَلَتِه الَّتي قالَها؛ وكذا عُلَماءُ عِظامٌ كَثِيرُونَ وأَئِمّةٌ عَدِيدُونَ لم يَتَزلزَلُوا قَطُّ أَمامَ الآلامِ والأَذَى الَّذي نَزَل بهم، بل صَبَرُوا شاكِرِينَ للهِ تَعالَى، معَ أنَّ البَلاءَ الَّذي نَزَل بهم كانَ أَشَدَّ مِمّا هو نازِلٌ بكُم، فلا بُدَّ أنَّ في أَعناقِكُم دَينَ الشُّكرِ
— 398 —
للهِ تَبارَك وتَعالَى شُكرًا جَزِيلًا على ما تَتَحمَّلُونَه مِنَ العَذابِ القَلِيلِ والمَشَقّةِ اليَسِيرةِ النّازِلةِ بكُم في سَبِيلِ حَقائِقَ عَدِيدةٍ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ معَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والأَجرِ العَمِيمِ.
وسأُبيِّنُ هنا باختِصارٍ إِحدَى تَجَلِّياتِ العِنايةِ الرَّبّانيّةِ مِن خِلالِ الظُّلمِ الَّذي يَقتَرِفُه البَشَرُ:
كُنتُ أُكرِّرُ وأَقُولُ في العِشرِينَ مِن عُمُرِي: سأَنزَوِي في أُخرَيَاتِ حَياتِي في مَغارةٍ، مُبتَعِدًا عنِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ كما كان يَنزَوِي الزُّهّادُ في الجِبالِ، وكَذلِك قَرَّرتُ عِندَما كُنتُ أَسِيرًا في شَمالِ شَرقيِّ رُوسْيا في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى أن أَقضِيَ بَقِيّةَ أَيّامِ عُمُرِي في الكُهُوفِ والمَغاراتِ مُنسَلًّا عنِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والسِّياسِيّةِ.. كَفانِي تَدَخُّلًا! فتَجَلَّتِ العِنايةُ الرَّبّانيّةُ وعَدالةُ القَدَرِ یی رَحْمةً بشَيخُوخَتِي یی وحَوَّلَتا تلك المَغاراتِ الَّتي كُنتُ أَتَصوَّرُها إلى ما هو خَيرٌ وأَفضَلُ مِنها، وبما يَفُوقُ كَثِيرًا رَغبَتِي وقَرارِي.. حَوَّلَتاها إلى سُجُونِ انزِواءٍ وانفِرادٍ، ومَنَحَتا لي "مَدارِسَ يُوسُفِيّةً" بَدَلًا عن تلك المَغاراتِ في الجِبالِ لِلمُنزَوِينَ وأَهلِ الرِّياضةِ الرُّوحِيّةِ، لِئَلّا تَضِيعَ أَوقاتُنا سُدًى، حَيثُ مَنَحَتْنا الفَوائِدَ الأُخرَوِيّةَ المَوجُودةَ في المَغاراتِ زِيادةً عَمّا فيها مِن أَداءِ مُهِمّةِ الجِهادِ لِأَجلِ حَقائِقِ الإِيمانِ والقُرآنِ.
حتَّى عَزَمتُ یی بَعدَ الإِفراجِ عن إِخوانِي وتَبْرِئَتِهِم یی أن أُظهِرَ شَيئًا يُدِينُنِي ويُبقِينِي في زِنزانةِ السِّجنِ معَ "خُسرَو وفَيضِي" وأَمثالِهِم مِنَ المُجاهِدِينَ المُخلِصِينَ المُتَفرِّغِينَ لِلخِدمةِ لِأَتَّخِذَها حُجّةً تُغنِينِي عنِ الِاختِلاطِ بالنّاسِ، ولِئَلّا أُضَيِّعَ شَيئًا مِن وَقتِي فيما لا يَعنِي مِنَ الأُمُورِ وبالتَّصَنُّعِ وحُبِّ الظُّهُورِ، حَيثُ البَقاءُ في رُدْهاتِ السِّجنِ أَفضَلُ، إلّا أنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ وما قَسَم اللهُ لنا مِن رِزقٍ قد ساقَنِي إلى مَحَلِّ انزِواءٍ آخَرَ، فحَسَبَ مَضمُونِ: «الخَيرُ فِيما اختارَه اللهُ» ، وبسِرِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، ورَحْمةً بشَيخُوخَتِي، ولِأَجلِ أن نَسعَى بشَوقٍ أَكثَرَ في الخِدمةِ الإِيمانيّةِ، فقد وُهِبَتْ لنا مُهِمّةٌ، وأُوكِلَت إلَيْنا وَظِيفةٌ، هي خارِجَ إِرادَتِنا وطَوْقِنا في هذه "المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ الثّالثةِ".
— 399 —
نعم، إنَّ في تَحوِيلِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ مَغاراتِ عَهدِ الشَّبابِ القَوِيِّ، والَّذي لم يَكُن له أَعداءٌ شَرِسُونَ، إلى رُدْهاتِ السِّجنِ المُنفَرِدِ، ثَلاثَ حِكَمٍ وثَلاثَ فَوائِدَ مُهِمّةٍ لِخِدمةِ النُّورِ:
الحِكْمةُ والفائِدةُ الأُولَى:
اجتِماعُ طُلَّابِ النُّورِ في هذا الوَقتِ بدُونِ ضَرَرٍ مِنهُم أَحَدٌ إنَّما يكُونُ في "المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ"، حَيثُ إنَّ اللِّقاءَ فيما بَينَهُم في الخارِجِ قد يُثِيرُ الشُّبْهةَ ويَحتاجُ إلى مَصارِيفَ، إذ كانَ بَعضُهُم يُنفِقُ حَوالَيْ خَمسِينَ لَيرةً لِأَجلِ لِقائِي مُدّةً لا تَزِيدُ عن عِشرِينَ دَقِيقةً، أو كانَ يَرجِعُ دُونَ أن يَتَمكَّنَ مِن مُقابَلَتِي.. لِذا فأنا أَتَحمَّلُ ضِيقَ السِّجنِ بل أَتقبَّلُه مَسرُورًا لِأَجلِ اللِّقاءِ عن قُربٍ معَ بَعضِ إِخوَتِي الأَوفِياءِ، فالسِّجنُ بالنِّسبةِ لنا إِذًا نِعمةٌ ورَحْمةٌ.
الحِكْمةُ والفائِدةُ الثَّانيةُ:
إنَّه لا بُدَّ مِنَ الإِعلانِ والتَّبلِيغِ في كلِّ جِهةٍ في وَقْتِنا هذا عن خِدْمةِ الإِيمانِ برَسائِلِ النُّورِ، ولَفْتِ أَنظارِ المُحتاجِينَ إلَيْها في كلِّ مَكانٍ؛ فدُخُولُنا السُّجُونَ يَلفِتُ الأَنظارَ إلى الرَّسائِلِ، فيكُونُ إِذًا بمَثابةِ إِعلانٍ عَنْها، فيَجِدُها أَعتَى المُعانِدِينَ والمُحتاجِينَ فتُكسَرُ بها شَوْكةُ عِنادِهِم ويُنقِذُونَ بها إِيمانَهُم، ويَنجُونَ مِنَ المَهالِكِ، وتَتَوسَّعُ دائِرةُ مَدارِسِ النُّورِ.
الحِكْمةُ والفائِدةُ الثَّالثةُ:
إنَّ طُلَّابَ النُّورِ الَّذِينَ دَخَلُوا السِّجنَ يَتَعرَّفُ كلٌّ مِنهُم على أَحوالِ الآخَرِ، ويَتَعلَّمُ كلٌّ مِنهُم مِنَ الآخَرِ السَّجايا الحَمِيدةَ والإِخلاصَ والتَّضحِيةَ، فلا يُبالُونَ بَعدَئِذٍ بالمَنافِعِ الدُّنيَوِيّةِ في الخِدْمةِ النُّورِيّةِ.
نعم، إنَّهُم يُوَفَّقُونَ بالظَّفَرِ بالإِخلاصِ الكامِلِ لِمَا يَجِدُونَ ويَرَوْنَ مِن أَماراتٍ كَثِيرةٍ تَدُلُّ على أنَّ كلَّ ضِيقٍ ومَشَقّةٍ في "المَدرَسةِ اليُوسُفِيّةِ" لها عَشَرةُ أَضعافِها مِنَ الفَوائِدِ المَعنَوِيّةِ والمادِّيّةِ، ومِنَ النَّتائِجِ اللَّطِيفةِ، ومِنَ الخِدْماتِ الواسِعةِ الخالِصةِ لِلإِيمانِ، بل قد تَصِلُ إلى مِئةِ ضِعفٍ، وعِندَئِذٍ لا يَتَنازَلُونَ لِكَسبِ المَنافِعِ الخاصّةِ الجُزئيّةِ.
— 400 —
وبالنِّسبةِ لي فإنَّ لِأَماكِنِ الِانزِواءِ والمُعتَكَفاتِ هذه لَطافةً حَزِينةً إلّا أنَّها لَذِيذةٌ وهِي كما يَأتِي:
إنِّي أَجِدُ هنا مِنَ الأَوْضاعِ والأَحوالِ ما كُنتُ أَجِدُه في أيّامِ شَبابِي في بَلدَتِي وفي مَدرَسَتِي القَدِيمةِ، حَيثُ كانَ طَعامُ قِسمٍ مِن طُلّابِ المَدارِسِ یی حَسَبَ عادةِ الوِلاياتِ الشَّرقِيّةِ یی يَأتِيهِم مِن خارِجِ المَدرَسةِ وقِسمٌ آخَرُ يَطبُخُونَه فِيما بَينَهُم في المَدرَسةِ، فكُلَّما نَظَرتُ هنا یی معَ حالاتٍ أُخرَى مُشابِهةٍ یی تَذَكَّرتُ تلك الحالةَ أيّامَ شَبابِي مِن خِلالِ حَسْرةٍ لَذِيذةٍ، فأَذهَبُ خَيالًا إلى تلك الأَيّامِ، وأَنسَى حالاتِ شَيخُوخَتِي.
٭ ٭ ٭

ذيل اللمعة السادسة والعشرين

هو المَكتُوبُ الحادِي والعِشرُونَ، نُشِرَ ضِمنَ "المَكتُوباتِ"، ولم يُدرَج هنا.
٭ ٭ ٭

اللمعة السابعة والعشرون

هي دفاعُ الأستاذ النورسي أمام محكمة "أسكي شهر"،
نُشرت في مجموعة "اللَّمعات" باللغة العثمانية،
ونُشِر بعضٌ منه في "سيرة حياة الأستاذ"
٭ ٭ ٭
— 401 —
اللمعة الثامنة والعشرون
نُشِرَت هذه الرِّسالةُ كامِلةً في مَجمُوعةِ "اللَّمَعات" بِاللُّغةِ العُثمانيّةِ، وقد أُدرِجَ هنا بَعضٌ مِنها.

النُّیكتة الثانية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٭ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٭ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
إنَّ ظاهِرَ مَعنَى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ یی بِحَسَبِ ما وَرَد في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ یی لا يُبيِّنُ الأُسلُوبَ الرَّفيعَ المُنسَجِمَ معَ بَلاغةِ القُرآنِ المُعجِزةِ؛ لِذا كانَ يَشغَلُ فِكرِي في كَثِيرٍ مِنَ الأَحيانِ.. فنُبيِّنُ ثَلاثةَ أَوجُهٍ إِجمالًا، مِن بَينِ المَعانِي الجَمِيلةِ الرَّفيعةِ الَّتي ورَدَت مِن فَيضِ القُرآنِ الكَرِيمِ.
الوَجهُ الأوَّلُ:
إنَّ اللهَ سُبحانَه يُسنِدُ أَحيانًا إلى نَفسِه ما يُمكِنُ أن يَعُودَ إلى رَسُولِه الكَرِيمِ (ص) مِن حالاتٍ، وذلك تَكرِيمًا له وتَشرِيفًا؛ فها هُنا كَذلِك، إذِ المَعنَى المُرادُ مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ، لا بُدَّ أن يكُونَ الإِطعامَ والإِرزاقَ الَّذي يَعُودُ إلى الرَّسُولِ (ص)، أي: إنَّ رَسُولي في أَدائِه مُهِمّةَ الرِّسالةِ وتَبلِيغِه العُبُودِيّةَ للهِ، لا يُرِيدُ مِنكُم أَجرًا ولا أُجرةً ولا
— 402 —
جَزاءً ولا إِطعامًا.. وإلّا إن لم يَكُنِ المُرادُ هذا المَعنَى لَكانَ إِعلامًا لِمَعلُومٍ في مُنتَهَى البَداهةِ، مِمّا لا يَنسَجِمُ وبَلاغةَ القُرآنِ المُعجِزةَ.
الوَجهُ الثَّاني:
الإِنسانُ مُغرَمٌ بالرِّزقِ كَثِيرًا، ويَتَوهَّمُ أنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ يَمنَعُه عنِ العُبُودِيّةِ، فلِأَجلِ دَفعِ هذا التَّوَهُّمِ، ولِكَيلا يُتَّخَذَ ذَرِيعةً لِتَركِ العِبادةِ تقُولُ الآيةُ الكَرِيمةُ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وتَحصُرُ الغايةَ مِنَ الخَلقِ في العُبُودِيّةِ للهِ، وأنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ یی مِن حَيثُ الأَمرُ الإِلٰهِيُّ یی عُبُودِيّةٌ للهِ أَيضًا.
أمَّا إِحضارُ الرِّزقِ لِمَخلُوقاتِي ولِأَنفُسِكُم وأَهلِيكُم وحتَّى رِزقُ حَيَواناتِكُم، فأَنا الكَفِيلُ به، فأَنتُم لم تُخلَقُوا له، فكُلُّ ما يَخُصُّ الرِّزقَ والإِطعامَ يَخُصُّني أنا وأنا الرَّزّاقُ ذُو القُوّةِ المَتِينُ.. فلا تَتْرُكُوا العِبادةَ بِهذِه الذَّرِيعةِ، فأَنا الَّذي أُرسِلُ رِزقَ مَن يَتَعلَّقُ بكُم مِن عِبادِي..
ولو لم يَكُن هذا المَعنَى هو المُرادَ، لَكانَ مِن قَبِيلِ إِعلامِ المَعلُومِ، لِأنَّ رِزقَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى وإِطعامَه مُحالٌ بَدِيهِيٌّ ومَعلُومٌ واضِحٌ.. وهُنالِك قاعِدةٌ مُقرَّرةٌ في عِلمِ البَلاغةِ تُفِيدُ:
إنْ كانَ مَعنَى الكَلامِ مَعلُومًا وبَدِيهِيًّا، فلا يكُونُ هذا المَعنَى مُرادًا، بلِ المُرادُ لازِمُه أو تابِعٌ مِن تَوابِعِه.
فمَثلًا: إنْ قُلتَ لِأَحَدِهِم وهُو حافِظٌ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ: أنت حافِظٌ. فهذا الكَلامُ إِعلامٌ بما هو مَعلُومٌ لَدَيْه، فإِذًا المُرادُ مِنه هو: إِنَّني أَعلَمُ أنَّك حافِظٌ لِلقُرآنِ، أي: أُعلِمُه بما لا يَعلَمُه، وهُو عِلمِي أنَّه حافِظٌ لِلقُرآنِ.
فبِناءً على هذه القاعِدةِ يكُونُ مَعنَى الآيةِ الَّتي هي كِنايةٌ عن نَفيِ رِزقِ اللهِ وإِطعامِه هو:
— 403 —
إنَّكُم لم تُخلَقُوا لِإِيصالِ الرِّزقِ إلى مَخلُوقاتِي الَّتي تَعَهَّدتُ أنا برِزقِهِم، فالرِّزقُ أنا به زَعِيمٌ؛ فواجِبُكُمُ الأَساسُ هو العُبُودِيّةُ، والسَّعيُ على وَفقِ أَوامِرِي لِلحُصُولِ على الرِّزقِ، هو بذاتِه نَوعٌ مِنَ العِبادةِ.
الوَجهُ الثَّالثُ:
إنَّ المَعنَى الظَّاهِرِيَّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ في سُورةِ الإِخلاصِ، مَعلُومٌ وبَدِيهِيٌّ؛ فيكُونُ المَقصُودُ لَازِمًا مِن لَوازِمِ ذلك المَعنَى، أي: أنَّ الَّذِينَ لَهُم والِدةٌ ووَلَدٌ لا يكُونُونَ إِلٰهًا قَطْعًا.
فيَقضِي سُبحانَه وتَعالَى بقَولِه: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ الَّذي هو بَدِيهِيٌّ ومَعلُومُ ويَعنِي أنَّه أَزَليٌّ وأَبدِيٌّ، لِأَجلِ نَفيِ الأُلُوهِيّةِ عن سَيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام وعُزَيرٍ عَلَيهِ السَّلَام والمَلائِكةِ والنُّجُومِ والمَعبُوداتِ الباطِلةِ.
فكَما أنَّ هذه الآيةَ هكَذا، فهُنا أَيضًا يكُونُ مَعنَى الآيةِ الكَرِيمةِ: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ: أنَّ كلَّ ما يُرزَقُ ويُطعَمُ وله استِعدادٌ لِلرِّزقِ والإِطعامِ لا يُمكِنُ أن يكُونَ إِلٰهًا، فلا تَلِيقُ الأُلُوهِيّةُ بمَن هو مُحتاجٌ إلى الرِّزقِ والإِطعامِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَوْ هُمْ قَائِلُونَ
لَقدِ اهتَمَّ "رَأفَت" بمَعنَى كَلِمةِ قَائِلُونَ الوارِدةِ في الآيةِ الكَرِيمةِ: أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فكُتِبَ هذا البَحثُ لِمُناسَبةِ استِفسارِه عنها، ولِئَلّا يُعَطِّلَ قلَمَه الأَلماسِيَّ بما يُصِيبُه مِنِ خُمُولٍ في الجِسمِ بسَبَبِ نَومِه بعدَ صَلاةِ الفَجرِ كالآخَرِينَ مَعَه في السِّجنِ.
— 404 —
النَّومُ على أَنواعٍ ثَلاثةٍ:
الأوَّلُ: الغَيلُولةُ: وهِي النَّومُ بعدَ الفَجرِ حتَّى انتِهاءِ وَقتِ الكَراهةِ. هذا النَّومُ مُخالِفٌ لِلسُّنّةِ المُطَهَّرةِ، إذ يُورِثُ نُقصانَ الرِّزقِ، وزَوالَ بَرَكتِه، كما هو وارِدٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛ حَيثُ إنَّ أَفضَلَ وَقتٍ لِتَهيِئةِ مُقدِّماتِ السَّعيِ لِكَسبِ الرِّزقِ هو في الجَوِّ اللَّطِيفِ، عَقِبَ الفَجرِ؛ ولكِن بعدَ مُضِيِّه يَطرَأُ على الإِنسانِ خُمُولٌ وانحِلالٌ، مِمّا يَضُرُّ بسَعيِه في ذلك اليَومِ، وبِدَورِه يَضُرُّ بالرِّزقِ، كما يُسَبِّبُ زَوالَ بَرَكتِه.. وقد ثَبَت هذا بتَجارِبَ كَثِيرةٍ.
الثَّاني: الفَيلُولةُ: وهِي النَّومُ بعدَ صَلاةِ العَصرِ حتَّى المَغرِبِ، هذا النَّومُ يُسبِّبُ نُقصانَ العُمُرِ، أي: يَتَناقَصُ عُمُرُ الإِنسانِ مادِّيًّا في اليَومِ الَّذي يَشُوبُه النَّومُ المُوَرِّثُ لِلغَفْلةِ، إذْ يَبدُو ذلك اليَومُ قَصِيرًا ناقِصًا مِثلَما يكُونُ قَضاءُ وَقتِ العَصرِ بالنَّومِ في حُكمِ عَدَمِ رُؤيةِ نَتائِجَ مَعنَوِيّةٍ لِذَلِك اليَومِ، تلك النَّتائِجِ الَّتي تَتَظاهَرُ على الأَغلَبِ في ذلك الوَقتِ.. فيكُونُ الإِنسانُ كأنَّه لم يَعِشْ ذلك اليَومَ.
الثَّالثُ: القَيلُولةُ: وهي سُنّةٌ نَبوِيّةٌ شَرِيفةٌ، ويَبدَأُ وَقتُها مِنَ الضُّحَى إلى ما بَعدَ الظُّهرِ بقَلِيلٍ؛ ومعَ كَونِ هذا النَّومِ مِنَ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ، فإنَّه يُعِينُ على قِيامِ اللَّيلِ، وقد رَسَّخَت هذه السُّنّةُ النَّبوِيّةُ ما اعتادَ علَيْه أَهلُ الجَزِيرةِ العَرَبيّةِ مِن تَعطِيلٍ نِسبِيٍّ لِلأَعمالِ عِندَ اشتِدادِ الحَرِّ مِنَ الظُّهرِ حَسَبَ مُحِيطِهِم؛ وهذا النَّومُ يُطِيلُ العُمُرَ ويَزِيدُ الرِّزقَ، لِأنَّ نِصفَ ساعةٍ مِنَ القَيلُولةِ يُعادِلُ ساعَتَينِ مِن نَومِ اللَّيلِ، أي: إنَّه يَزِيدُ عُمُرَ يَومِه ساعةً ونِصفَ السّاعةِ، ويُنقِذُ ساعةً ونِصفَ السَّاعةِ أَيضًا مِنَ النَّومِ الَّذي هو صِنْوُ المَوتِ، ويُحيِيها بتَزيِيدِ وَقتِ عَمَلِه كَسْبًا لِلرِّزقِ، فيُطِيلُ زَمَنَ السَّعيِ والعَمَلِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
— 405 —

وهذه خاطرة جميلة

حِينَما كُنتُ أَقرَأُ جُملةَ «أَلفُ أَلفِ صَلاةٍ وأَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ» عَقِبَ الصَّلاةِ، تَراءَت لي مِن بَعِيدٍ خاطِرةٌ لَطِيفةٌ انكَشَفَت مِن تلك الصَّلَواتِ، إلّا أنَّني لم أَتمَكَّن مِنِ اقتِناصِها كامِلةً، ولكِن سأُشِيرُ إلى بَعضِ جُمَلِها:
رَأَيتُ أنَّ عالَمَ اللَّيلِ شَبِيهٌ بمَنزِلٍ جَدِيدٍ يُفتَحُ لِدارِ الدُّنيا.. دَخَلتُ ذلك العالَمَ في صَلاةِ العِشاءِ، ومِنِ انبِساطٍ فَوقَ العادةِ لِلخَيالِ وبحُكمِ ارتِباطِ ماهِيّةِ الإِنسانِ معَ الدُّنيا قاطِبةً، رَأَيتُ أنَّ هذه الدُّنيا العَظِيمةَ قد أَصبَحَت في ذلك اللَّيلِ مَنزِلًا صَغِيرًا جِدًّا حتَّى لا يَكادُ يُرَى ما فيه مِن بَشَرٍ وذَوِي حَياةٍ؛ ورَأَيتُ یی خَيالًا یی أنْ ليس هُنالِك مَن يُنوِّرُ ذلك المَنزِلَ إلَّا الشَّخصِيّةُ المَعنَوِيّةُ لِلرَّسُولِ (ص) حتَّى امتَلَأَت أَرجاؤُه بَهْجةً وأُنسًا وسُرُورًا.
وكَما يَبدَأُ الشَّخصُ بالسَّلامِ عِندَ دُخُولِه المَنزِلَ، كَذلِك وَجَدتُ في نَفسِي شَوْقًا هائِلًا ورَغبةً جَيَّاشةً إلى القَولِ: أَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيْك يا رَسُولَ الله.. (حاشية): ذلك لِأنَّ الرَّحمةَ النّازِلةَ على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) هي مُتَوجِّهةٌ لِحاجةِ الأُمّةِ قاطِبةً في زَمَنٍ أَبدِيٍّ، لِذا فالصَّلاةُ غيرُ المُتَناهِيةِ الَّتي تُهدَى إلَيْه مُنسَجِمةٌ جِدًّا.
فلو دَخَل شَخصٌ بَيتًا خاليًا مُظلِمًا مُوحِشًا كالدُّنيا المُظلِمةِ المُوحِشةِ بالغَفلةِ، كم سيَأخُذُه الرُّعبُ والدَّهشةُ والِاضطِرابُ؟ ولكِن كم يَسُرُّه ويُؤنِسُه ويُفرِحُه ويُنوِّرُه لو أنَّه رَأَى شَخصًا قد تَصَدَّر ذلك البَيتَ يُعَرِّفُه بجَمِيعِ ما فيه؟ فما بالُك لو كانَ هذا الشَّخصُ هو الحَبِيبَ المَحبُوبَ والأَنيسَ المَأنُوسَ وهُو الرَّسُولُ العَظِيمُ (ص)، مُتَصدِّرُ بَيتِ العالَمِ، يُعرِّفُ لنا المالِكَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ بما فيه یی أي: بَيتِ العالَمِ یی مِن أَشياءَ؟!
قِسْ هكذا لِكَي تُقدِّرَ بنَفسِك قِيمةَ الصَّلَواتِ علَيْه ولَذَّتَها. ومِن هُنا وَجَدتُ نَفسِي كأنَّني أُسَلِّمُ علَيْه بعَدَدِ الإِنسِ والجِنِّ، وأُعبِّرُ بسَلامِي هذا عن تَجدِيدِ البَيعةِ له والرِّضا برِسالَتِه وقَبُولِها مِنه وإِطاعةِ القَوانِينِ الَّتي أَتَى بها، والتَّسلِيمِ لِأَوامِرِه وسَلامَتِه مِن بَلايانا.. أي: كأنَّني أُقدِّمُ هذا السَّلامَ یی ناطِقًا بتلك المَعانِي یی بِاسمِ كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ عالَمِي وهُم ذَوُو الشُّعُورِ مِن جِنٍّ وإِنسٍ، وجَمِيعِ المَخلُوقاتِ.
— 406 —
وكَذا، فإنَّ ما جاءَ به مِنَ النُّورِ العَظِيم والهَدِيّةِ الغالِيةِ يُنَوِّرُ عالَمِي الخاصَّ هذا كما يُنَوِّرُ العالَمَ الخاصَّ لِكُلِّ أَحَدٍ في هذه الدُّنيا، فيُحَوِّلُ عالَمَنا إلى عالَمٍ زاخِرٍ بالنِّعَمِ. فقُلتُ تِجاهَ هذه النِّعمةِ الهائِلةِ: "اللَّهُمَّ أَنزِل أَلفَ صَلاةٍ علَيْه" عَلَّها تكُونُ شُكرانًا وعِرْفانًا لِلجَمِيلِ على ذلك النُّورِ الحَبِيبِ والهَدِيّةِ الغالِيةِ، إذ إِنَّنا لا نَستَطِيعُ أن نَرُدَّ جَمِيلَه وإِحسانَه إلَيْنا أَبدًا، فأَظهَرْنا تَضَرُّعَنا إلى اللهِ جَلَّ وعَلا بالدُّعاءِ والتَّوَسُّلِ كي يُنزِلَ مِن خَزائِنِ رَحمَتِه رَحمةً علَيْه بعَدَدِ أَهلِ السَّماواتِ جَمِيعًا.. هكذا أَحسَسْتُ خَيالًا.
فهُو (ص) يَطلُبُ "صَلاةً" بمَعنَى الرَّحمةِ مِن حَيثُ إنَّه "عَبدٌ" ومُتَوجِّهٌ مِنَ الخَلقِ إلى الحَقِّ سُبحانَه. ويَستَحِقُّ "السَّلامَ" مِن حَيثُ إنَّه "رَسُولٌ" مِنَ الحَقِّ سُبحانَه إلى الخَلقِ.
وكما أنَّنا نَرفَعُ إلَيْه سَلامًا بعَدَدِ الإِنسِ والجِنِّ، ونُجَدِّدُ له البَيعةَ العامّةَ بعَدَدِها أَيضًا، فإنَّه (ص) يَستَحِقُّ أَيضًا صَلاةً مِن خَزائِنِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ بعَدَدِ أَهلِ السَّماواتِ، وبِاسمِ كلِّ واحِدٍ مِنهُم، ذلك لِأنَّ النُّورَ الَّذي جاءَ به هو الَّذي يُظهِرُ كَمالَ كلِّ شَيءٍ في الوُجُودِ، ويُبْرِزُ قِيمةَ كلِّ مَوجُودٍ، وتُشاهَدُ به الوَظِيفةُ الرَّبّانيّةُ لِكُلِّ مَخلُوقٍ، وتَتَجلَّى به المَقاصِدُ الإِلٰهِيّةُ مِن كلِّ مَصنُوعٍ.. لِذلِك لو كانَ لِكُلِّ شَيءٍ لِسانٌ لَكانَ يُرَدِّدُ قَولًا كما يُرَدِّدُ حالًا: الصَّلاةُ والسَّلامُ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ.. فنَحنُ بدَوْرِنا نقُولُ بَدَلًا عنِ المَخلُوقاتِ كافّةً:
أَلفُ أَلفِ صَلاةٍ وأَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيك يا رَسُولَ اللهِ، بعَدَدِ الإِنسِ والجِنِّ، وبعَدَدِ المَلَكِ والنُّجُومِ.
فيَكْفِيكَ أنَّ اللهَ صَلَّى بنَفْسِه وأَمْلاكَهُ صَلَّتْ عَلَيْه وسَلَّمَتْ
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
— 407 —

أَخِي العَزِيزَ:

تَطلُبُونَ شَيئًا مِنَ الإِيضاحِ حَولَ "وَحْدةِ الوُجُودِ"، ففي إِحدَى لَمَعاتِ "المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ" جَوابٌ شافٍ وقَوِيٌّ واضِحٌ إِزاءَ رَأيِ "مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ" في هذه المَسأَلةِ.
أمَّا هُنا فنَكتَفِي بهذا القَدْرِ ونقُولُ: إنَّ تَلقِينَ مَسأَلةِ "وَحْدةِ الوُجُودِ" في الوَقتِ الحاضِرِ لِلنّاسِ يَضُرُّهُم ضَرَرًا بالِغًا، إذ كما أنَّ التَّشبِيهاتِ والتَّمثِيلاتِ (حاشية): كالمَلَكَينِ العَظِيمَينِ المُسَمَّيَينِ بالثَّورِ والحُوتِ، انقَلَبا بسِرِّ التَّشبِيهِ عِندَ العَوامِّ إلى صُورةِ ثَورٍ ضَخمٍ وحُوتٍ كَبِيرٍ. إذا خَرَجَت مِن أَيدِي الخَواصِّ ودَخَلَت أَيدِيَ العَوامِّ وسَرَت مِن يَدِ العِلمِ إلى يَدِ الجَهلِ تُتَلَقَّى حَقائِقَ؛ كَذلِك حَقائِقُ وَحْدةِ الوُجُودِ وأَمثالُها مِنَ الحَقائِقِ العالِيةِ، إذا ما دَخَلَت بينَ العَوامِّ الغافِلِينَ السّارِحِينَ في تَأثِيرِ الأَسبابِ، يَتَلقَّونَها "طَبِيعةً"، وتُولِّدُ ثَلاثَ مَضارَّ مُهِمّةٍ.
الأوَّلُ: أنَّ مَشرَبَ وَحْدةِ الوُجُودِ، معَ أنَّه في حُكمِ إِنكارِ وُجُودِ الكائِناتِ إِزاءَ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه، إلَّا أنَّه كُلَّما دَخَل بينَ العَوامِّ يَمضِي بهم إلى أن يَصِلَ في فِكرِ الغافِلِينَ مِنهُم یی ولا سِيَّما المُلَوَّثينَ بالمادِّيّاتِ یی إلى إِنكارِ الأُلُوهِيّةِ إِزاءَ الكَونِ والمادِّيّاتِ.
الثَّاني: أنَّ مَشرَبَ وَحْدةِ الوُجُودِ، يَرُدُّ رَدًّا شَدِيدًا رُبُوبيّةَ ما سِوَى اللهِ تَعالَى، حتَّى إنَّه يُنكِرُ ما سِواه تَعالَى ويَرفَعُ الثُّنائيّةَ، فلا يَرَى وُجُودًا مُستَقِلًّا لِلنَّفسِ الأَمّارةِ ولا لِأَيِّ شَيءٍ كانَ، ولكِن في هذا الزَّمانِ الَّذي استَوْلَت فيه مَفاهِيمُ الطَّبِيعةِ وتَفَرعَنَت نُفُوسٌ أَمّارةٌ وبخاصّةٍ مَن له استِعدادٌ لِيَتَّخِذَ نَفسَه مَعبُودَه مِن دُونِ اللهِ، ونَفَخَ الغُرُورُ والأَنانيّةُ في أَوْداجِه، فَضْلًا عن نِسيانِ الخالِقِ والآخِرةِ إلى حَدٍّ مّا.. فتَلقِينُ هَؤُلاءِ وَحْدةَ الوُجُودِ يُطْغِي نُفُوسَهُم حتَّى لا يَسَعَها شَيءٌ، والعِياذُ باللهِ.
الثّالثُ: أنَّه يُورِثُ أَفكارًا وتَصَوُّراتٍ لا تَلِيقُ بوُجُوبِ وُجُودِ الذّاتِ الجَلِيلةِ، المُنَزَّهةِ المُبَرَّأةِ المُتَعالِيةِ المُقَدَّسةِ عنِ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ والتَّجَزُّؤِ والتَّحَيُّزِ، ولا تُلائِمُ تَنَزُّهَه وتَقَدُّسَه سُبحانَه بحالٍ؛ فيَكُونُ بذلك سَبَبًا لِتَلقِيناتٍ باطِلةٍ.
— 408 —
نعم، إنَّ مَن يَتَكلَّمُ عن وَحْدةِ الوُجُودِ، علَيْه أن يَعرُجَ فِكْرًا مِنَ الثَّرَى إلى الثُّرَيّا، تارِكًا الكائِناتِ وَراءَه ظِهْرِيًّا، مُحَدِّقًا بنَظَرِه إلى العَرشِ الأَعلَى، عادًّا الكائِناتِ مَعدُومةً في حالةِ الِاستِغراقِ، فيُمكِنُه أن يَرَى بقُوّةِ الإِيمانِ أنَّ كلَّ شَيءٍ مِنَ الواحِدِ الأَحَدِ سُبحانَه مُباشَرةً؛ وإلّا فإنَّ مَن يَقِفُ وَراءَ الكائِناتِ ويَنظُرُ إلَيْها ويَرَى الأَسبابَ أَمامَه ويَنظُرُ مِنَ الأَرضِ، فإنَّه يَحتَمِلُ أن يَغرَقَ في تَأثِيرِ الأَسبابِ ويَقَعَ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ؛ بَينَما الَّذي يَعرُجُ فِكْرًا إلى العَرشِ كجَلالِ الدِّينِ الرُّومِيِّ يَستَطِيعُ أن يقُولَ: "افْتَحْ سَمْعَك فإنَّك تَستَطِيعُ أن تَسمَعَ مِن كلِّ أَحَدٍ یی كأنَّه حاكٍ فِطْرِيٌّ یی ما تَسمَعُه مِنَ الحَقِّ تَعالَى"، وإلّا فمَن لا يَستَطِيعُ العُرُوجَ مِثلَه إلى هذه المَرتَبةِ الرَّفيعةِ ولا يَرَى المَوجُوداتِ مِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ على صُورةِ مَرايا (لِتَجَلِّياتِه) إن قُلتَ له: "أَصْغِ إلى كلِّ أَحَدٍ، تَسمَعْ مِنه كَلامَ اللهِ"، فإنَّه يُبتَلَى بتَصَوُّراتٍ باطِلةٍ مُخالِفةٍ لِلحَقِيقةِ كَمَن يَهوِي مَعنًى مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ.
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
ما لِلتُّرابِ ولِرَبِّ الأَربابِ!
سُبحانَ مَن تَقَدَّسَت عنِ الأَشباهِ ذاتُه، وتَنَزَّهَت عن مُشابَهةِ الأَمثالِ صِفاتُه، وشَهِدَ على رُبُوبيَّتِه آياتُه، جَلَّ جَلالُه ولا إِلٰهَ إلّا هُو.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
"جواب عن سؤال"
لا يَسَعُنِي الوَقتُ الكافِي لِعَقدِ مُوازَنةٍ بينَ أَفكارِ كلٍّ مِن "مُصطَفَى صَبْرِي" و"مُوسَى باكُوف"، إلّا أنَّني أَكتَفِي بالقَولِ الآتِي:
إنَّ أَحَدَهُما قد أَفْرَط والآخَرَ يُفَرِّطُ.. فمَعَ أنَّ مُصطَفَى صَبْرِي مُحِقٌّ في دِفاعاتِه بالنِّسبةِ إلى "مُوسَى باكُوف"، إلّا أنَّه ليس له حَقُّ تَزيِيفِ شَخصِ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ الَّذي هو خارِقةٌ مِن خَوارِقِ العُلُومِ الإِسلامِيّةِ.
— 409 —
نعم، إنَّ مُحيِيَ الدِّينِ بنَ عَرَبيٍّ مُهتَدٍ ومَقبُولٌ، ولكِنَّه ليس بمُرشِدٍ ولا هادٍ وقُدوةٍ في جَمِيعِ كِتاباتِه، إذ يَمضِي غالِبًا دُونَ مِيزانٍ في الحَقائِقِ، فيُخالِفُ القَواعِدَ الثّابِتةَ لِأَهلِ السُّنّةِ، ويُفِيدُ بَعضُ أَقوالِه یی ظاهِرًا یی الضَّلالةَ غيرَ أنَّه بَرِيءٌ مِنَ الضَّلالةِ، إذِ الكَلامُ قد يَبدُو كُفرًا بظاهِرِه، إلّا أنَّ قائِلَه لا يكُونُ كافِرًا.
فمُصطَفَى صَبْرِي لم يُراعِ هذه النِّقاطَ بنَظَرِ الِاعتِبارِ، ففَرَّط في بَعضِ النِّقاطِ لِتَعَصُّبِه لِقَواعِدِ أَهلِ السُّنّة، أمّا مُوسَى باكُوف فهُو يُخطِئُ كَثِيرًا بأَفكارِه الَّتي تُماشِي التَّمَدُّنَ والمُنحازةِ شَدِيدًا لِلتَّجَدُّدِ، إذ يُحَرِّفُ بعضَ الحَقائِقِ الإِسلامِيّةِ بتَأوِيلاتٍ خاطِئةٍ، ويَتَّخِذُ شَخْصًا مَردُودًا كأَبي العَلاءِ المَعَرِّي في مُستَوًى أَعلَى مِن عُلَماءِ الإِسلامِ المُحَقِّقِينَ، وقد غالَى كَثِيرًا لِانحِيازِه الشَّدِيدِ إلى تلك المَسائِلِ الَّتي خالَفَ فيها مُحيِي الدِّينِ أَهلَ السُّنّةِ والَّتي تَنسَجِمُ معَ أَفكارِه.
ولَقَد قال مُحيِي الدِّينِ: "تَحرُمُ مُطالَعةُ كُتُبِنا على مَن ليس مِنّا" أي: على مَن لا يَعرِفُ مَقامَنا. نعم، إنَّ قِراءةَ كُتُبِ مُحيِي الدِّينِ یی ولا سِيَّما مَسائِلِه الَّتي تَبحَثُ في وَحْدةِ الوُجُودِ یی مُضِرّةٌ في هذا الزَّمانِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عِندَما كُنتُ أَنظُرُ مِن نافِذةِ السِّجنِ إلى ضَحِكاتِ البَشَرِيّةِ المُبكِيةِ، في مِهرَجانِ اللَّيلِ البَهِيجِ، أَنظُرُ إلَيْها مِن خِلالِ عَدَسةِ التَّفكُّرِ في المُستَقبَلِ والقَلَقِ علَيْه، انكَشَف أَمامَ نَظَرِ خَيالي هذا الوَضعُ الَّذي أُبيِّنُه:
مِثلَما تُشاهَدُ في السِّينِما أَوْضاعُ الحَياةِ لِمَن هُمُ الآنَ راقِدُونَ في القَبرِ، كَأنَّني شاهَدتُ أَمامِي الجَنائِزَ المُتَحرِّكةَ لِمَن سيَكُونُونَ في المُستَقبَلِ القَرِيبِ مِن أَصحابِ القُبُورِ.. بَكَيتُ على أُولَئِك الضّاحِكِينَ الآنَ، فانتابَنِي شُعُورٌ بالوَحشةِ والأَلَمِ.. راجَعتُ عَقلِي، وسَأَلتُ عنِ الحَقِيقةِ قائِلًا: ما هذا الخَيالُ؟ قالَتِ الحَقِيقةُ: إنَّ خَمْسةً مِن كلِّ
— 410 —
خَمسِينَ مِن هَؤُلاءِ البائِسِينَ الضّاحِكِينَ الآنَ والَّذِينَ يَمرَحُونَ في نَشْوةٍ وبَهْجةٍ سيَكُونُونَ كُهُولًا بعدَ خَمسِينَ عامًا، وقدِ انحَنَت مِنهُمُ الظُّهُورُ وناهَزَ العُمُرُ السَّبعِينَ، وإنَّ الخَمْسةَ والأَربَعِينَ الباقِينَ يَرِمُّونَ في القُبُورِ؛ فتِلك الوُجُوهُ المِلاحُ، وتلك الضَّحِكاتُ البَهِيجةُ، تَنقَلِبُ إلى أَضدادِها؛ وحَسَبَ قاعِدةِ "كلُّ آتٍ قَرِيبٌ" فإنَّ مُشاهَدةَ ما سيَأتِي كأنَّه آتٍ الآنَ تَنطَوِي على حَقِيقةٍ، فما شاهَدتُه إِذًا ليس خَيالًا.
فما دامَت ضَحِكاتُ الدُّنيا المُتَّسِمةُ بالغَفْلةِ مُؤَقَّتةً ومُعَرَّضةً لِلزَّوالِ، وهِي تَستُرُ مِثلَ هذه الأَحوالِ المُؤلِمةِ المُبكِيةِ، فلا بُدَّ أنَّ ما يَسُرُّ قَلبَ الإِنسانِ البائِسِ العاشِقِ لِلخُلُودِ، ويُفرِحُ رُوحَه الوَلْهانَ بعِشقِ البَقاءِ، هو ذلك اللَّهوُ البَرِيءُ والمُتعةُ النَّزِيهةُ وأَفراحٌ ومَسَرَّاتٌ تَخلُدُ مِن جِهةِ الثَّوابِ، ضِمنَ نِطاقِ الشَّرعِ، معَ أَداءِ الشُّكرِ بِاطمِئنانِ القَلبِ وحُضُورِه بَعِيدًا عنِ الغَفْلةِ؛ ولِئَلّا تَقْوَى الغَفْلةُ في النُّفُوسِ في الأَعيادِ، وتَدفَعَ الإِنسانَ إلى الخُرُوجِ عن دائِرةِ الشَّرعِ، وَرَد في الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ تَرغِيبٌ قَوِيٌّ وكَثِيرٌ في الشُّكرِ وذِكرِ اللهِ في تلك الأَيّامِ، وذلك لِتَنقَلِبَ نِعَمُ الفَرَحِ والسُّرُورِ إلى شُكرٍ يُدِيمُ تلك النِّعمةَ ويَزِيدُها، إذِ الشُّكرُ يَزِيدُ النِّعَمَ ويُزِيلُ الغَفْلةَ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نُكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (حاشية): لهذه الفقرة أيضًا فائدة للجميع. والحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «أَعدَى أَعدائِك نَفسُك الَّتي بينَ جَنبَيْك».
نعم، إنَّ الَّذي يُحِبُّ نَفسَه الأَمَّارةَ بالسُّوءِ غَيرَ المُزَكَّاةِ ويُعجَبُ بها، هو في الحَقِيقةِ لا يُحِبُّ أَحَدًا غَيرَها، وحتَّى لو أَبدَى لِلغَيرِ حُبًّا فلا يُحِبُّه مِن صَمِيمِ قَلبِه، بل رُبَّما يُحِبُّ مَنفَعَتَه ولَذَّتَه الَّتي يَراها عِندَه، ولِما يَتَوقَّعُ مِنه مِن مَتاعٍ؛ فهُو في مُحاوَلةٍ دائِمةٍ لِتَحبِيبِ نَفسِه لِلآخَرِينَ، وفي سَعيٍ مُتَواصِلٍ لِإِثارةِ إِعجابِهِم به، يَصرِفُ كلَّ
— 411 —
قُصُورٍ عن نَفسِه فلا يُحَمِّلُها أيَّ نَقصٍ كانَ، بل يُدافِعُ دِفاعَ المُحامِي المُخلِصِ لِإِبراءِ ساحَتِها، ويَمدَحُها بمُبالَغاتٍ بل بِأَكاذِيبَ لِيُنزِّهَها عن كلِّ عَيبٍ أو قُصُورٍ، حتَّى يُقرِّبُها إلى التَّقدِيسِ، بل يَبلُغُ به الأَمرُ أن يكُونَ مِصداقَ الآيةِ الكَرِيمةِ: مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ.
عِندَها تَتَوالَى علَيْه صَفَعاتُ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ حَسَبَ دَرَجَتِه، فيَنقَلِبُ مَدحُه إلى إِعراضِ النّاسِ عنه، ويَتَحوَّلُ تَحبِيبُ نَفسِه إلَيْهِم إلى استِثقالِهِم له، فيَجِدُ عَكْسَ ما كانَ يَرُومُ، فَضْلًا عن أنَّه يُضَيِّعُ الإِخلاصَ، لِما يَخلِطُ مِن رِياءٍ وتَصَنُّع في أَعمالِه الأُخرَوِيّةِ، فيَكُونُ مَغلُوبًا على أَمرِه أَمامَ شَهَواتِه وهَواه ومَشاعِرِه، تلك الَّتي لا تُبصِرُ العُقبَى ولا تُفكِّرُ في النَّتائِجِ، والمُغرَمةُ بالتَّلَذُّذِ الآنِيِّ.. بل قد تُبَیرِّرُ له أَهواؤُه الضّالّةُ أُمُورًا يَرتَكِبُها لِأَجلِ مُتعةٍ لا تَدُومُ ساعةً تُفضِي به أن يُلقَى في السِّجنِ لِسَنةٍ كامِلةٍ؛ وقد يُقاسِي عَشرَ سَنَواتٍ مِنَ الجَزاءِ العادِلِ لِأَجلِ تَسكِينِ رُوحِ الثَّأرِ لَدَيْه وشَهْوةِ الغُرُورِ الَّتي لا تَستَغرِقُ دَقِيقةً واحِدةً.
فيَكُونُ مَثَلُه كمَثَلِ ذلك الطِّفلِ الأَبلَهِ الَّذي لا يُقدِّرُ قِيمةَ جُزءِ المُصحَفِ الشَّرِيفِ الَّذي يَتلُوه ويَدرُسُه، فيَبِيعُه بقِطْعةِ حَلْوَى رَخِيصةٍ، إذ يَصرِفُ حَسَناتِه الَّتي هي أَغلَى مِنَ الأَلماسِ ويُبَدِّلُها بما يُشبِهُ في تَفاهَتِها قِطَعَ الزُّجاجِ، تلك هي حِسِّيّاتُه وهَواه وغُرُورُه.. فيَخسَرُ خَسارةً جَسِيمةً فيما كانَ يَنبَغِي له أن يَربَحَ رِبحًا عَظِيمًا.
اللَّهُمَّ احْفَظْنا مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن شَرِّ الجِنِّ والإِنسانِ.
٭ ٭ ٭

"سؤال"

كيفَ يكُونُ البَقاءُ في سِجنِ جَهَنَّمَ بَقاءً خالِدًا جَزاءً عادِلًا لِكُفرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ؟
الجَوابُ: إنَّ القَتلَ الَّذي يَحصُلُ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ يُعاقَبُ علَيْه بسَبعِ مَلايِينَ وثَمانِ مِئةٍ وأَربَعٍ وثَمانِينَ أَلفًا مِنَ الدَّقائِقِ یی على اعتِبارِ أنَّ السَّنةَ ثَلاثُ مِئةٍ وخَمسةٌ وسِتُّونَ يَومًا یی فإِنْ كانَ هذا قانُونًا عَدْلًا، فالَّذي يَقضِي عِشرِينَ سَنةً مِن عُمُرِه في أَحضانِ الكُفرِ ويَمُوتُ
— 412 —
علَيْه يَستَحِقُّ جَزاءً بمُقتَضَى هذا القانُونِ العادِلِ لِلبَشَرِ سِجْنًا يَدُومُ سَبعةً وخَمسِينَ ترِلْيُونًا وواحِدًا ومِئَتَيْ مِلْيارٍ ومِئَتَيْ مِليُونٍ مِنَ السِّنِينَ، باعتِبارِ أنَّ دَقِيقةً مِنَ الكُفرِ تُعادِلُ أَلفَ قَتلٍ؛ ويُمكِنُ أن يُفهَمَ مِن هذا وَجْهُ الِانسِجامِ معَ عَدالةِ قَولِه تَعالَى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
إنَّ سِرَّ العَلاقةِ بَينَ العَدَدَينِ المُتَباعِدَينِ جِدًّا عن بَعضِهِما، هو أنَّ الكُفرَ والقَتلَ تَخرِيبٌ وتَعَدٍّ على الآخَرِينَ، ولَهُما تَأثِيرٌ في الآخَرِينَ، فالقَتلُ الَّذي يَحصُلُ في دَقِيقةٍ واحِدةٍ يَسلُبُ خَمسَ عَشْرةَ سَنةً في الأَقَلِّ مِن حَياةِ المَقتُولِ، حَسَبَ ظاهِرِ الحالِ، لِذا يُسجَنُ القاتِلُ بَدَلًا مِنه؛ فدَقِيقةٌ واحِدةٌ في الكُفرِ الَّذي هو إِنكارٌ لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى وتَزيِيفٌ لِنُقُوشِها البَدِيعةِ، واعتِداءٌ على حُقُوقِ الكائِناتِ، وإِنكارٌ لِكَمالاتِها، وتَكذِيبٌ لِدَلائِلِ الوَحْدانيّةِ الَّتي لا تُحَدُّ ورَدٌّ لِشَهاداتِها.. تُلقِي بالكافِرِ في أَسفَلِ سافِلِينَ لِأَكثَرَ مِن أَلفِ سَنةٍ، فتَسجُنُه في قَولِه تَعالَى: خَالِدِينَ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭

"توافقٌ لطيف ذو مغزًى"

إنَّ المادّةَ (١٦٣) مِنَ القانُونِ الَّتي يُتَّهَمُ بمُوجَبِها طُلّابُ النُّورِ، ويُطالَبُ بها إِنزالُ العُقُوبةِ علَيْهِم. هذا الرَّقْمُ يَتَوافَقُ معَ عَدَدِ النُّوّابِ الَّذِينَ وافَقُوا على لائِحةِ البَرلَمانِ الخاصّةِ بمَنحِ مِئةٍ وخَمسِينَ أَلفَ لَيرةٍ لِبِناءِ مَدرَسةِ مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ، وقد كانُوا (١٦٣) نائِبًا مِن بَينِ (٢٠٠) نائِبًا في مَجلِسِ الأُمّةِ التُّركِيِّ.
هذا التَّوافُقُ يقُولُ مَعنًى: إنَّ تَواقِيعَ (١٦٣) نائِبًا مِن نُوّابِ حُكُومةِ الجُمهُورِيّةِ على وَجهِ التَّقدِيرِ والإِعجابِ بخِدمَتِه، يُبطِلُ حُكمَ المادّةِ (١٦٣) بحَقِّه.
وكذا مِن بَينِ التَّوافُقاتِ اللَّطِيفةِ ذاتِ المَغزَى: أنَّه كانَ القَبضُ على مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ وطُلّابِه واعتِقالُهُم في ٢٧/نَيسانَ/١٩٣٥، بَينَما كانَ قَرارُ المَحكَمةِ بحَقِّهِم في ١٩/آب/١٩٣٥، أي: بَعدَ (١١٥) يَومًا.. هذا الرَّقْمُ يَتَوافَقُ معَ عَدَدِ كُتُبِ رَسائِلِ النُّورِ وهُو (١١٥) كِتابًا يَضُمُّ (١٢٨) رِسالةً.
— 413 —
كما أنَّه يُوافِقُ عَدَدَ المُتَّهَمِينَ المِئةِ والخَمسةَ عَشَرَ مِن طُلّابِ النُّورِ الَّذِينَ استُجْوِبُوا واتُّهِمُوا.
فهذا التَّوافُقُ يَدُلُّ على أنَّ المُصِيبةَ الَّتي ابتُلِيَ بها مُؤلِّفُ رَسائِلِ النُّورِ وطُلّابُها، إنَّما تُنَظَّمُ بِيَدٍ مِنَ العِنايةِ (الإِلٰهِيّةِ). (حاشية): إنَّه جَدِيرٌ بالمُلاحَظةِ أنَّه بَدَأ القَبضُ على قِسمٍ مِن طُلّابِ النُّورِ واعتُقِلُوا في ٢٥/نيسان/١٩٣٥، وكان عددُ الَّذين اتُّهِمُوا بقَرارِ المَحكَمةِ (١١٧) شَخصًا حيثُ كُرِّر اسمُ اثنَينِ مِنهُم، فيَتَوافَقُ بهذا عددُ الطُّلّابِ (١١٧) طالبًا معَ عددِ أيّامِ الِاعتِقالِ البالِغِ (١١٧) يومًا اعتِبارًا مِنِ اعتِقالِ ذلك القِسمِ مِنَ الطُّلّابِ إلى يومِ قَرارِ المَحكَمةِ؛ فيَمزُجُ هذا التَّوافُقُ لَطافةً أُخرَى إلى لَطافةِ التَّوافُقاتِ السّابِقةِ.
٭ ٭ ٭
لَمّا كانَ الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ قد أَشارَ في مُقدِّمةِ هذه اللَّمْعةِ إلى رَسائِلِ النُّورِ، فإِنَّ أَحَدَ إِخوانِنا مِن شِدّةِ فَرَحِه وسُرُورِه قامَ بإِطلاقِ اسمِ "النُّور والأَلماس والجَواهِر" على رَسائِلِ النُّورِ، وذَكَر ذلك مَرَّاتٍ عِدّةً في رِسالَتِه، لِذا وَجَدْنا مِنَ المُناسِبِ إِدراجَها في نِهايةِ هذه اللَّمْعةِ:
كَيفَ يُمكِنُ لِطالِبٍ بَلَغ مَرتَبةَ التَّقوَى أن يُفارِق رَسائِلَ النُّورِ ويَتَخلَّى عن نُورِ أَلماساتِها الثَّمِينةِ حتَّى لو كانَ مَجنُونًا؟! لا أَظُنُّ أنَّ أَحَدًا حَظِي بكَرامةِ رَسائِلِ النُّورِ ونالَ مِن فَضلِها وذاقَ لَذائِذَها وجَنَى ثَمَراتِها الطَّيبةَ مِثلَ طالِبِكُمُ العاجِزِ هذا.
إِنَّني أَشكُر فَضِيلَتَكم على حُسنِ تَوَجُّهِكُم لِي أنا العَبدَ العاجِزَ رَغمَ عَدَمِ التِزامِي بخِدمةِ رَسائِلِ النُّورِ، وبِناءً على هذا التَّوجُّهِ لا يُمكِنُني بل لا يُمكِنُ لِأَحَدٍ مِن طُلّابِكُم أن يُفارِقَ رَسائِلَ النُّورِ، وأن يَهجُرَ هذا الأَلماسَ وتلك اللَّذائِذَ المُبارَكةَ.
اسمَحُوا لي أن أَتَحدَّثَ عن ظُهُورِ كَرامَتَينِ لِرَسائِلِ النُّورِ أَثناءَ حَمْلةِ التَّفتِيشِ الأَخِيرةِ:
عِندَما أَجْرَت قُوَى الأَمنِ والشُّرطةُ العَسكَرِيّةُ وحُرّاسُ السِّجنِ تَفتِيشًا دَقِيقًا داخِلَ السِّجنِ، قامَ ابنُ أُختِي یی وهُو ابنُ سَبعٍ أو ثَمانِ سَنَواتٍ یی في تلك الأَثناءِ ودُونَ
— 414 —
أن يَراه أَحَدٌ بوَضْعِ نُسَخِ رَسائِلِ النُّورِ في حَقِيبَتِه المَدرَسِيّةِ وإِبعادِها؛ ففي أَثناءِ تَفتِيشِ غُرفَتِي دَخَل الغُرفةَ، ورَأَى الِاضطِرابَ الحاصِلَ فِيها، فتَناوَلَ رَسائِلَ النُّورِ المَوضُوعةَ في جانِبٍ مِن غُرفَتِي على حِدَةٍ، وأَدرَجَها في حَقِيبَتِه دُونَ أن يَراه القائِمُونَ على التَّفتِيشِ أو يُخاطِبُوه بشَيءٍ، وانطَلَق هذا الطِّفلُ الشُّجاعُ مُسرِعًا بها إلى والِدَتِه، وخاطَبَها قائِلًا: "لقد أَحضَرتُ رَسائِلَ النُّورِ الَّتي كانَ خالِي يَقرَؤُها لنا على الدَّوام، كانُوا يُرِيدُونَ أَخْذَها، فالتَقَطْتُها في زَحْمةِ انشِغالِهِم بتَفتِيشِ الكُتُبِ والرَّسائِلِ الأُخرَى دُونَ أن يَتَنبَّهُوا، وأَخفَيتُها في حَقِيبَتِي، فاحتَفِظِي بها في مَكانٍ (آمِنٍ)، واعتَنِي بها.. إِنَّني أُحِبُّ مُطالَعةَ هذه الكُتُبِ، فقد كُنتُ أَشعُرُ كُلَّما قَرَأَها خالي لنا بتَغيُّرِ أَحوالِي!"، ثُمَّ عادَ إلى مَدرَسَتِه! وبِهذِه الوَسِيلةِ فَشِلَت مُحاوَلةُ مُصادَرةِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ.
فإِن لم تَكُن هذه كَرامةً فما هيَ إِذًا؟ وإِن لم تَكُن تلك مُعجِزةً قُرآنيّةً فما تَكُونُ إِذًا؟ وفي أَيِّ مُؤَلَّفٍ يُوجَدُ هذا القَدْرُ مِنَ الفَضِيلةِ واللَّذّةِ والجَواهِرِ والأَلماسِ؟ وأيُّ شَخصٍ فاضِلٍ ذاك الَّذي نَطَق بمِثلِ هذا النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ؟! إِنَّني على استِعدادٍ في كلِّ لَحْظةٍ وفي كُلِّ دَقِيقةٍ وبِكامِلِ السُّرُورِ، لا لِدُخُولِ السِّجنِ فحَسْبُ، بل لِلقِيامِ بتَضحِياتٍ كَثِيرةٍ في سَبِيلِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ؛ وإِنَّ ابنِي "أَمِين" على استِعدادٍ لِلتَّضحِيةِ مِن بَعدِي بحَياتِه كُلِّها في سَبِيلِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ.
أمّا الكَرامةُ الثَّانيةُ لِلنُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ، فلَسَوفَ أُثبِتُ حِينَ حَدِيثي عنها استِعدادَ وَلَدِي وأَقارِبِي مِن سِنِّ الثَّالِثةِ حتَّى الثّامِنةِ یی ودُونَ أَيِّ تَرَدُّدٍ أو تَفكِيرٍ یی لِلتَّضحِيةِ بحَياتِهِم في سَبِيلِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ..
كُنتُ يَومًا أَقرَأُ النُّورَ والأَلماسَ والجَواهِرَ، فإِذا بالأَطفالِ يَجتَمِعُونَ حَوْلِي، فما كانَ مِنِّي إِلّا أَن لَاطَفتُهُم قَلِيلًا وقَدَّمتُ لَهُمُ الشّايَ، ثُمَّ أَكمَلتُ قِراءةَ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ، وإِذا بالكُلِّ يَسأَلُونَ مَعًا: ما هذا؟ ما هذه الكِتابةُ الغَرِيبةُ؟ فقُلتُ لَهُم: إِنَّها النُّورُ والأَلماسُ والجَواهِرُ. وشَرَعتُ بقِراءَتِها لَهُم، ومَضَتِ السّاعاتُ وأَنا أَقرَأُ لَهُمُ "الكَلِمةَ العاشِرةَ"، وكانَ الأَطفالُ يَسأَلُونَنِي عنِ المَواضِعِ الَّتي يُشكِلُ فَهمُها علَيهِم،
— 415 —
فكُنتُ أَشرَحُها لَهُم بطَرِيقةٍ تُمَكِّنُهُم مِن فَهمِ النُّورِ والأَلماسِ والجَواهِرِ، وكُنتُ أَجِدُ وُجُوهَهُم تَتَغيَّرُ أَلوانُها إلى أَلوانٍ أُخرَى، وكُلَّما نَظَرتُ في مُحَيَّاهُم أَجِدُ في وَجْهِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم وَجْهَ "سَعِيدٍ" المُنَوَّرِ!
كانُوا يَتَساءَلُونَ: أَينَ النُّورُ؟ وأَينَ الأَلماسُ؟ وأَينَ الجَواهِرُ؟ فأُجِيبُهُم: أَجَل، النُّورُ أَن تَقرَؤُوا هذا الكِتابَ، انظُرُوا، لقد ظَهَرَت حُسنًا وجَمالًا ورَوْنَقًا على وُجُوهِكُم. فنَظَر كلُّ واحِدٍ في وَجهِ الآخَرِ وصادَقُوا الأَمرَ.
وأَمّا الأَلماسُ فهِي في كِتابةِ هذه الكَلِماتِ، فحِينَ كِتابَتِها تُصبِحُ كِتاباتُكُم ثَمِينةً كالأَلماسِ. فصادَقُوا على ذلك أَيضًا.
وأَمّا الجَواهِرُ فهِي الإِيمانُ الَّذي تَنالُونَه مِن هذا المُؤلَّفِ. فإِذا بِهِم جَمِيعًا يَنطِقُونَ كَلِمَتَيِ الشَّهادةِ! وقدِ استَغرَقَ مَجلِسُنا هذا ثَلاثَ أو أَربَعَ ساعاتٍ دُونَ أن نَشعُرَ بذلك! فهذه هيَ النُّورُ والأَلماسُ والجَواهِرُ. فصادَقُوا الأَمرَ.
وكانُوا جَمِيعًا يَنظُرُونَ إِلَيَّ ويَسأَلُونَ: مَن أَلَّف هذا الكِتابَ؟!
طالبُكُم العاجِزُ: شَفِيق
٭ ٭ ٭

رُؤيا ذَكائي

رَأَيتُ هذا الصَّباحَ في المَنامِ أَنَّني على شاطِئِ بَحرٍ نَظِيفٍ صافٍ أَشبَهَ بساحِلِ "طُوب خانَهْ" في إِسطَنبُولَ.. والوَقتُ یی في تَقدِيرِي یی وَقتُ الضُّحَى، فضِياءُ الشَّمسِ يُضفِي بَرِيقًا ولَمَعانًا جَمِيلًا على وَجهِ ذلك البَحرِ الكَبِيرِ، وكُنتُ مُستَقبِلًا جِهةَ البَحرِ.. وإِذا بشابٍّ يَقتَرِبُ سِباحةً مِن وَسَطِ البَحرِ وجَنُوبِه إلى الشّاطِئِ، فرَفَع المِحراثَ الَّذي كانَ يَحمِلُه على كاهِلِه، ورَمَى به في السّاحِلِ.. وبَينَما كانُوا يَستَقبِلُونَ جَمِيعَ إِخوانِي بَعدَ الإِفراجِ عَنهُم إِذا برَجُلَينِ يَمتَطِيانِ الفَرَسَ قادِمَينِ بسُرعةٍ مِن جِهةِ الغَربِ، فقالُوا:
— 416 —
"الأُستاذُ قادِمٌ"، فشَقَّ هذان الفارِسانِ المَهِيبانِ الأَسمَرانِ الِازدِحامَ وانطَلَقا بَعِيدًا في جِهةِ الشَّرقِ مُسرِعَينِ دُونَ تَوَقُّفٍ.. وحِينَ هَمَمتُ بخَوضِ البَحرِ استَيقَظتُ مِن مَنامِي.
ذَكائي
٭ ٭ ٭
رَدًّا على الكلمات الموجَّهة ضد رسائل النور والتي تنمُّ عن التحيُّز والمنافسة:
إن كانَ قَصدُكُم مَدْحَ أَنفُسِكُم والمُفاخَرةَ..
فأَنتُم بالكادِ ذَيلُ أَخفَتِ شُهُبِ رَسائِلِ النُّورِ ضياءً..
لا تَظُننَّ رَسائِلَ النُّورِ مُجَرَّدَ كَوكَبٍ يَظهَرُ في النَّهارِ..
فحَتَّى الشَّمسُ یی ولَيسَ الأَرضُ فَقَط یی تَستَمِدُّ مِن ضِيائِها النُّورَ..
عَمَّا قَرِيبٍ ستَسطَعُ شَمسُ رَسائِلِ النُّورِ على وَجْهِ الأَرضِ..
فهِي لا تَنطَفِئُ، بل تَختَفِي، إِذ هِي نُورٌ على نُورٍ..
هي نُورٌ أَشبَهُ ببَحرِ الحَقِيقةِ ومَحضِ الهِدايةِ..
اِقرَأْ: مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى..
لا يَجُوزُ التَّشَكِّي مِنَ اللهِ، بل مَقصَدُنا التَّحَدُّثُ..
فعِندَما كانَت الشَّرِيعةُ تُهاجَمُ كانَ اللهُ على عِلمٍ..
أنَّ رَسائِلَ النُّورِ كانَت على رَأسِ الخِدمةِ..
رَسائِلُ النُّورِ مَعلُومةٌ لَدَى عَلِيٍّ المُرتَضَى والغَوثِ الأَعظَمِ..
أَشارا إِلَيْها في القَصِيدةِ البَدِيعِيّةِ وغَيرِها مِنَ القَصائِدِ..
رَسائِلُ النُّورِ عُرْوةٌ وُثقَى لا انفِصامَ لَها..
تَمَسَّكتُ بها لِأنَّها الهِدايةُ وعَينُ الحَقِيقةِ..
فأَلقَوْا بِنا حَيثُ كانَ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَام..
وكانَ حَضْرةُ الأُستاذِ مَعَنا..
خليل إبراهيم
٭ ٭ ٭
— 417 —

النُّكتة الثامنة والعِشرون

للَّمعة الثّامنة والعشرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ٭ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ٭ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ
سنُبيِّنُ نُكتةً مُهِمّةً مِن نِكاتِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ لِمُناسَبةِ اعتِراضٍ يَرِدُ مِن أَهلِ الضَّلالةِ على وَجهِ النَّقدِ:
تُفِيدُ هذه الآياتُ الكَرِيمةُ أنَّ جَواسِيسَ الجِنِّ والشَّياطِينِ يَستَرِقُونَ السَّمْعَ إلى أَخبارِ السَّماواتِ، ويَجلُبُونَ مِنها الأَخبارَ الغَيبِيّةَ إلى الكُهّانِ والمادِّيِّينَ، والَّذِينَ يَعمَلُونَ في تَحضِيرِ الأَرواحِ؛ فحِيلَ بَينَ هذه الأَخبارِ وبَينَ التَّجَسُّسِ الدّائِمِيِّ لِأُولَئِك الجَواسِيسِ، ورُجِمُوا بالشُّهُبِ في تلك الحِقْبةِ بِدايةَ الوَحيِ أَزيَدَ مِن سائِرِ الأَوقاتِ، وذلك لِئَلّا يَلتَبِسَ شَيءٌ على الوَحيِ.
نُبيِّنُ جَوابًا في غايةِ الِاختِصارِ عن سُؤالٍ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، وهُو ذُو ثُلاثِ شُعَبٍ.
سُؤالٌ: يُفهَمُ مِن أَمثالِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ أنَّه لِأَجلِ استِراقِ السَّمعِ وتَلقِّي الخَبَرِ الغَيبِيِّ حتَّى في الحَوادِثِ الجُزئيّةِ یی بل حَوادِثَ شَخصِيّةٍ أَحيانًا یی تَقتَحِمُ جَواسِيسُ الشَّياطِينِ مَملَكةَ السَّماواتِ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ.. لَكَأنَّ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ هي مَوضِعُ بَحثٍ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ تلك المَملَكةِ الواسِعةِ، ويُمكِنُ لِأَيِّ
— 418 —
شَيطانٍ كان، ومِن أيِّ مَكانٍ دَخَل إلى السَّماواتِ، التَّصَنُّتُ یی ولو بصُورةٍ مُرَقَّعةٍ یی إلى ذلك الخَبَرِ، وجَلبُه هكذا إلى الأَرضِ.. هذا المَعنَى الَّذي يُفهَمُ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ لا يَقبَلُ به العَقلُ والحِكمةُ.
ثمَّ إنَّ قِسمًا مِنَ الأَنبِياءِ یی وهُم أَهلُ الرِّسالةِ یی والأَولِياءِ یی وهُم أَهلُ الكَرامةِ یی تَسَلَّمُوا ثِمارَ الجَنّةِ الَّتي هي فَوقَ السَّماواتِ العُلا یی بنَصِّ الآيةِ یی وكَأنَّهُم يَأخُذُونَها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وأَحيانًا يُشاهِدُونَ الجَنّةَ مِن قَرِيبٍ. هذه المَسأَلةُ تَعنِي: نِهايةَ البُعدِ في نِهايةِ القُربِ بحَيثُ لا يَسَعُها عَقلُ هذا العَصرِ.
ثمَّ إنَّ حالةً مِن أَحوالٍ جُزئيّةٍ لِشَخصٍ جُزئيٍّ يكُونُ مَوضِعَ ذِكرٍ وكَلامٍ لَدَى المَلَأِ الأَعلَى في السَّماواتِ العُلا الواسِعةِ جِدًّا، هذه المَسأَلةُ لا تُوافِقُ إِدارةَ الكَونِ الَّتي تَسِيرُ في مُنتَهَى الحِكمةِ.
عِلْمًا أنَّ هذه المَسائِلَ الثَّلاثَ تُعَدُّ مِنَ الحَقائِقِ الإِسلامِيّةِ.
الجَوابُ:
أوَّلًا: إنَّ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ تُفِيدُ أنَّ جَواسِيسَ الشَّياطِينِ الَّتي تُحاوِلُ الصُّعُودَ إلى السَّماواتِ لِلتَّجَسُّسِ تُطرَدُ بِالنُّجُومِ.. فقد بُحِثَت هذه المَسأَلةُ بَحْثًا جَيِّدًا في "الكَلِمةِ الخامِسةَ عَشْرةَ"، وأُثبِتَت إِثباتًا يُقنِعُ حتَّى أَعتَى المادِّيِّينَ، بل يُلجِئُهُم إلى السُّكُوتِ والقَبُولِ، وذلك بسَبعِ مُقدِّماتٍ قاطِعةٍ هي بمَثابةِ سَبعِ مَراتِبَ لِلصُّعُودِ إلى فَهمِ الآيةِ الكَرِيمةِ.
ثانيًا: نُشِيرُ إلى هذه الحَقائِقِ الإِسلامِيّةِ الثَّلاثِ الَّتي يُظَنُّ أنَّها بَعِيدةٌ (عنِ العَقلِ) بِتَمثِيلٍ، وذلك لِتَقرِيبِها إلى الأَذهانِ القاصِرةِ الضَّيِّقةِ.
هَبْ أنَّ الدّائِرةَ العَسكَرِيّةَ لِحُكُومةٍ تَقَعُ في شَرقِيِّ البِلادِ، ودائِرَتَها العَدْليّةَ في الغَربِ، ودائِرةَ المَعارِفِ في الشَّمالِ، ودائِرةَ الشُّؤُونِ الدِّينيّةِ (المَشْيَخةَ) في الجَنُوبِ، ودائِرةَ المُوَظَّفِينَ الإِدارِيِّينَ في الوَسَطِ، وهكذا.. فعَلَى الرَّغمِ مِنَ البُعدِ بينَ دَوائِرِ هذه
— 419 —
الحُكُومةِ، إلّا أنَّ كلَّ دائِرةٍ لوِ استَخبَرَتِ الأَوضاعَ فيما بَينَها بالهاتِفِ أوِ المُراسَلةِ ارتِباطًا تامًّا: عِندَها تكُونُ البِلادُ كُلُّها كأنَّها دائِرةٌ واحِدةٌ هي دائِرةُ العَدْلِ، أوِ الدّائِرةُ العَسكَرِيّةُ أوِ الدِّينيّةُ، أوِ الإِدارِيّةُ، وهكذا.
مِثالٌ آخَرُ: يَحدُثُ أَحيانًا أنَّ دُوَلًا مُتَعدِّدةً ذاتَ عَواصِمَ مُختَلِفةٍ، تَشتَرِكُ معًا في مَملَكةٍ واحِدةٍ، بسُلُطاتٍ مُتَبايِنةٍ، مِن حَيثُ مَصالِحُها الِاستِعمارِيّةُ فيها، أو لِوُجُودِ امتِيازاتٍ خاصّةٍ بها، أو مِن حَيثُ المُعامَلاتُ التِّجارِيّةُ وغَيرُها؛ فكُلُّ حُكُومةٍ عِندَئِذٍ تَرتَبِطُ بعَلاقةٍ معَ تلك الرَّعِيّةِ مِن حَيثُ امتِيازاتُها.. فرَغمَ أنَّها رَعِيّةٌ واحِدةٌ وأُمّةٌ واحِدةٌ، إلّا أنَّ مُعامَلاتِ تلك الحُكُوماتِ المُتَبايِنةَ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ، تَتَماسُّ وتَتَقارَبُ كُلٌّ مِنها معَ الأُخرَى في البَيتِ الواحِدِ، بل تَشتَرِكُ في كلِّ إِنسانٍ، حتَّى تُشاهَدُ مَسائِلُها الجُزئيّةُ في الدَّوائِرِ الجُزئيّةِ وهِي نِقاطُ التَّماسِّ والتَّقارُبِ، ولا تُؤخَذُ كلُّ مَسأَلةٍ جُزئيّةٍ مِنَ الدّائِرةِ الكُلِّيّةِ؛ ولكِن عِندَما تُبحَثُ تلك المَسائِلُ الجُزئيّةُ، تُبحَثُ كأنَّها أُخِذَت مِنَ الدّائِرةِ الكُلِّيّةِ، وذلك لِارتِباطِها بالقَوانِينِ الكُلِّيّةِ لِتِلك الدّائِرةِ، وتُعطَى لها صُورةٌ كأنَّها مَسأَلةٌ أَصبَحَت مَوضِعَ بَحثٍ في تلك الدّائِرةِ الكُلِّيّةِ.
وهكَذا، ففي ضَوءِ هذَينِ المِثالَينِ:
إنَّ مَملَكةَ السَّماواتِ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ، مِن حَيثُ العاصِمةُ والمَركَزُ، لها هَواتِفُ مَعنَوِيّةٌ تَمتَدُّ مِنها إلى قُلُوبِ النّاسِ في مَملَكةِ الأَرضِ؛ فَضْلًا عن أنَّ عالَمَ السَّماواتِ لا يُشرِفُ على العالَمِ الجِسمانِيِّ وَحْدَه، بل يَتَضمَّنُ عالَمَ الأَرْواحِ وعالَمَ المَلَكُوتِ؛ لِذا فعالَمُ السَّماواتِ يُحِيطُ بجِهةٍ بعالَمِ الشَّهادةِ تَحتَ سِتارٍ.
وكَذلِك الجَنّةُ الَّتي هي مِنَ العَوالِمِ الباقِيةِ، وهِي دارُ البَقاءِ؛ فمَعَ أنَّها في غايةِ البُعدِ، إلّا أنَّ دائِرةَ تَصَرُّفاتِها تَمتَدُّ امتِدادًا نُورانِيًّا، وتَنتَشِرُ إلى كلِّ جِهةٍ تَحتَ سِتارِ عالَمِ الشَّهادةِ.
فكَما أنَّ حَواسَّ الإِنسانِ الَّتي أَوْدَعَها الصّانِعُ الحَكِيمُ الجَلِيلُ بحِكمَتِه وبقُدرَتِه في رَأسِ الإِنسانِ، رَغمَ أنَّ مَراكِزَها مُختَلِفةٌ، إلّا أنَّ كُلًّا مِنها تُسَيطِرُ على الجِسمِ كُلِّه،
— 420 —
وتَأخُذُه ضِمنَ دائِرةِ تَصَرُّفِها.. كَذلِك الكَونُ الَّذي هو إِنسانٌ أَكبَرُ يَضُمُّ أُلُوفَ العَوالِمِ الشَّبِيهةِ بالدَّوائِرِ المُتَداخِلةِ؛ فالأَحوالُ الجارِيةُ في تلك العَوالِمِ، والحَوادِثُ الَّتي تَقَعُ فيها، تكُونُ مَوضِعَ النَّظَرِ مِن حَيثُ جُزئيّاتُها وكُلِّيّاتُها، وخُصُوصِيّاتُها وعَظَمَتُها، بمَعنَى أنَّ الجُزئيّاتِ تُشاهَدُ في الأَماكِنِ الجُزئيّةِ والقَرِيبةِ، بَينَما الكُلِّيّاتُ والأُمُورُ العَظِيمةُ تُرَى في المَقاماتِ الكُلِّيّةِ والعَظِيمةِ.
ولكِن قد تَستَولِي حادِثةٌ جُزئيّةٌ خُصُوصِيّةٌ على عالَمٍ عَظِيمٍ، فأَينَما يُلقَى السَّمْعُ تُسمَعُ تلك الحادِثةُ؛ وأَحيانًا تُحَشَّدُ الجُنُودُ الهائِلةُ إِظهارًا لِلعَظَمةِ والهَيْبةِ ولَيسَ لِقُوّةِ العَدُوِّ؛ فمَثلًا: إنَّ حادِثةَ الرِّسالةِ المُحَمَّدِيّةِ، ونُزُولِ الوَحيِ القُرآنِيِّ، لِكَونِها حادِثةً جَلِيلةً، فإنَّ عالَمَ السَّماواتِ كُلَّه، بل حتَّى كلُّ زاوِيةٍ مِن زَواياه مُتَأَهِّبٌ، وقد صُفَّت فيه الحُرّاسُ، في تلك البُرُوج العَظِيمةِ، مِن تلك السَّماواتِ العالِيةِ الرَّفِيعةِ والبَعِيدةِ بُعْدًا عَظِيمًا؛ ويَقذِفُونَ مِنَ النُّجُومِ بالمَجانِيقِ، طَرْدًا لِجَواسِيسِ الشَّياطِينِ ودَفْعًا بِهِم عنِ السَّماواتِ؛ فالآيةُ الكَرِيمةُ عِندَما تُبرِزُ المَسأَلةَ هكذا بِرَجْمِ الشَّياطِينِ بكَثرةٍ هائِلةٍ والقَذفِ بالشُّهُبِ ولا سِيَّما في بِدايةِ الوَحيِ في ذلك الوَقتِ.. تُبيِّنُ إِشارةً رَبّانيّةً إلى الإِعلانِ عن دَرَجةِ عَظَمةِ الوَحيِ القُرآنِيِّ وشَعْشَعةِ سُلطانِه، وإلى دَرَجةِ أَحَقِّيَّتِه وصَوابِه الَّذي لا يَأتِيه الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيْه ولا مِن خَلفِه.. وهكَذا يُتَرجِمُ القُرآنُ الكَرِيمُ ذلك الإِعلانَ الكَونِيَّ العَظِيمَ ويُشِيرُ إلى هذه الإِشاراتِ السَّماوِيّةِ.
نعم، إنَّ إِظهارَ هذه الإِشاراتِ العَظِيمةِ السَّماوِيّةِ، وإِبرازَ مُبارَزةِ الشَّياطِينِ لِلمَلائِكةِ، معَ إِمكانِ طَردِ جَواسِيسِ الشَّياطِينِ بنَفخٍ مِن مَلَكٍ، إنَّما هو لِإِظهارِ عَظَمةِ الوَحيِ القُرآنِيِّ وعُلُوِّه ورِفعَتِه.. ثمَّ إنَّ هذا البَيانَ القُرآنِيَّ المَهِيبَ، وإِظهارَ الحُشُودِ السَّماوِيّةِ العَظِيمةِ، ليس تَعبِيرًا عن أنَّ لِلجِنِّ والشَّياطِينِ قُوّةً واقتِدارًا بحَيثُ تَسُوقُ أَهلَ السَّماواتِ إلى المُبارَزةِ والمُدافَعةِ مَعَهُم، بل هي إِشارةٌ إلى أنَّه لا دَخْلَ لِلشَّياطِينِ والجِنِّ في أيِّ مَوضِعٍ مِن مَواضِعِ هذا الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ المُمتَدِّ مِن قَلبِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) إلى عالَمِ السَّماواتِ إلى العَرشِ الأَعظَمِ.
— 421 —
وبهذا يُعبِّیرُ القُرآنُ الكَرِيمُ عن أنَّ الوَحيَ القُرآنِيَّ حَقِيقةٌ جَلِيلةٌ حَقِيقٌ أن يكُونَ مَوضِعَ ذِكرٍ وبَحثٍ لَدَى المَلَأِ الأَعلَى والمَلائِكةِ كُلِّهِم في تلك السَّماواتِ الهائِلةِ، بحَيثُ يُضطَرُّ الشَّياطِينُ إلى الصُّعُودِ إلى السَّماواتِ لِيَنالُوا شَيئًا مِن أَخبارِها، فيُرجَمُونَ ولا يَنالُونَ شَيئًا.. فيُشِيرُ القُرآنُ الكَرِيمُ بهذا الرَّجْمِ إلى أنَّ الوَحيَ القُرآنِيَّ النّازِلَ على قَلبِ مُحمَّدٍ (ص)، وجِبْرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام الَّذي نَزَل إلى مَجلِسِه، والحَقائِقَ الغَيبِيّةَ المَشهُودةَ لِنَظَرِه، سَلِيمةٌ، صائِبةٌ، صَحِيحةٌ، لا تَدخُلُ فيها شُبْهةٌ قَطُّ وفي أيِّ جِهةٍ مِنها قَطُّ.. وهكَذا يُعبِّیرُ القُرآنُ الكَرِيمُ عن هذه المَسأَلةِ بإِعجازِه البَلِيغِ.
أمّا مُشاهَدةُ الجَنّةِ في أَقرَبِ الأَماكِنِ وقَطْفُ الثِّمارِ مِنها أَحيانًا، معَ كَونِها بَعِيدةً كلَّ البُعدِ عَنّا وكَونِها مِن عالَمِ البَقاءِ، فبِدَلالةِ التَّمثِيلَينِ السّابِقَينِ يُفهَمُ: أنَّ هذا العالَمَ الفانِيَ یی عالَمَ الشَّهادةِ یی حِجابٌ لِعالَمِ الغَيبِ وعالَمِ البَقاءِ.. وأنَّه يُمكِنُ رُؤيةُ الجَنّةِ في كلِّ جِهةِ معَ أنَّ مَركَزَها العَظِيمَ في مَكانٍ بَعِيدٍ جِدًّا، وذلك بواسِطةِ مِرآةِ عالَمِ المِثالِ؛ ويُمكِنُ أَيضًا بواسِطةِ الإِيمانِ البالِغِ دَرَجةَ حَقِّ اليَقِينِ أن تكُونَ لِلجَنّةِ دَوائِرُ ومُستَعمَراتٌ (لا مُشاحّةَ في الأَمثالِ) في هذا العالَمِ الفانِي، ويُمكِنُ أن تكُونَ هُناك مُخابَراتٌ واتِّصالاتٌ مَعَها بالأَرواحِ الرَّفِيعةِ وبِهاتِفِ القَلبِ، ويُمكِنُ أن تَرِدَ مِنها الثِّمارُ.
أمّا انشِغالُ دائِرةٍ كُلِّيّةٍ بحادِثةٍ شَخصِيّةٍ جُزئيّةٍ، أي: ما وَرَد في التَّفاسِيرِ مِن أنَّ الشَّياطِينَ يَصعَدُونَ إلى السَّماواتِ ويَستَرِقُونَ السَّمْعَ هُناك ويَأتُونَ بأَخبارٍ غَيبِيّةٍ مُلَفَّقةٍ لِلكُهّانِ، فيَنبَغِي أن تكُونَ حَقِيقَتُه هكَذا: إنَّه لا صُعُودَ إلى عاصِمةِ عالَمِ السَّماواتِ لِتَلَقِّي ذلك الخَبَرِ الجُزئِيِّ، بل هو صُعُودٌ إلى بَعضِ المَواقِعِ الجُزئيّةِ في جَوِّ الهَواءِ یی الَّذي يَشمَلُه مَعنَى السَّماواتِ یی والَّذي فيه مَواضِعُ بمَثابةِ مَخافِرَ (لا مُشاحّةَ في الأَمثالِ) لِلسَّماواتِ، وتَقَعُ عَلاقاتٌ في هذه المَواقِعِ الجُزئيّةِ معَ مَملَكةِ الأَرضِ.. فالشَّياطِينُ يَستَرِقُونَ السَّمْعَ في تلك المَواقِعِ الجُزئيّةِ لِتَلَقِّي الأَحداثِ الجُزئيّةِ، حتَّى إنَّ قَلبَ الإِنسانِ هو أَحَدُ تلك المَقاماتِ حَيثُ يُبارِزُ فيه مَلَكُ الإِلهامِ الشَّيطانَ الخاصَّ.
— 422 —
أمّا حَقائِقُ القُرآنِ والإِيمانِ وحَوادِثُ الرَّسُولِ (ص)، فمَهْما كانَت جُزئيّةً فهِي بمَثابةِ أَعظَمِ حادِثةٍ وأَجَلِّها في دائِرةِ السَّماواتِ وفي العَرشِ الأَعظَمِ.. حتَّى كأنَّها تُنشَرُ في الصُّحُفِ المَعنَوِيّةِ لِلمُقَدَّراتِ الإِلٰهِيّةِ الكَونيّةِ (لا مُشاحّةَ في الأَمثالِ) بحَيثُ يُتَحدَّثُ عن مَسائِلِها في كلِّ زاوِيةٍ مِن زَوايا السَّماواتِ، حَيثُ إنَّه ابتِداءً مِن قَلبِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) وانتِهاءً إلى دائِرةِ العَرشِ الأَعظَمِ، مَصُونٌ مِن أيِّ تَدَخُّلٍ كانَ مِنَ الشَّياطِينِ.
فإنَّ القُرآنَ معَ بَيانِه لِهذا إنَّما يُعبِّرُ بتلك الآياتِ الجَلِيلةِ أنَّه: لا حِيلةَ ولا وَسِيلةَ لِلشَّيطانِ لِتَلَقِّي أَخبارِ السَّماواتِ إلّا استِراقُ السَّمْعِ.
فيُبيِّنُ القُرآنُ بهذا بَيانًا مُعجِزًا بَلِيغًا: ما أَعظَمَ الوَحيَ القُرآنِيَّ وما أَعظَمَ قَدَرَه! وما أَصدَقَ نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) وما أَصْوَبَها! حتَّى لا يُمكِنُ الدُّنُوُّ إلَيْهِما بأيِّ شُبهةٍ كانَت وبأيِّ شَكلٍ مِنَ الأَشكالِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
— 423 —

اللمعة التاسعة والعشرون

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إفادة المرام
لَقَدِ امتَزَجَ قَلبِي بعَقلِي مُنذُ ثَلاثةَ عَشَرَ عامًا ضِمنَ انتِهاجِ مَسلَكِ التَّفكُّرِ الَّذي يَأمُرُ به القُرآنُ المُعجِزُ البَيانِ كقَولِه تَعالَى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وأَمثالِها مِنَ الآياتِ الَّتي تَحُثُّ على التَّفكُّرِ مِثلَما يَحُثُّ علَيْه حَثًّا عَظِيمًا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ كقَولِه (ص): «تَفكُّرُ ساعةٍ خَيرٌ مِن عِبادةِ سَنةٍ».
ولَقَد تَوارَدَت في غُضُونِ هذه السَّنَواتِ الثَّلاثِينَ على عَقلِي وقَلبِي یی ضِمنَ انتِهاجِ مَسلَكِ التَّفكُّرِ یی أَنوارٌ عَظِيمةٌ وحَقائِقُ مُتَسَلسِلةٌ طَوِيلةٌ، فوَضَعتُ بِضْعَ كَلِماتٍ مِن قَبِيلِ الإِشاراتِ، لا لِلدَّلالةِ على تلك الأَنوارِ، بل لِلإمُ رةِ إلى وُجُودِها ولِتَسهِيلِ التَّفكُّرِ فيها ولِلمُحافَظةِ على انتِظامِها.
وكُنتُ أُرَدِّدُ بَينِي وبينَ نَفسِي تلك الكَلِماتِ لِسانًا بعِباراتٍ عَرَبيّةٍ في غايةِ الِاختِلافِ، وعلى الرَّغمِ مِن تَكرارِي لها آلافَ المَرّاتِ خِلالَ هذه المُدّةِ الطَّوِيلةِ وأنا أَنتَهِجُ هذا التَّفكُّرَ، لم يَطْرَأ عَلَيَّ السَّأَمُ، ولم يَعتَرِ تَذَوُّقَها النَّقصُ، ولم تَنتَفِ حاجةُ الرُّوحِ إلَيْها، لِأنَّ ذلك التَّفكُّرَ لَمَعاتٌ تَلَمَّعَت مِن آياتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فتَمَثَّلَت فيه جَلْوةٌ مِن خَصائِصِ الآياتِ، تلك هي عَدَمُ الِاستِشعارِ بالسَّأَمِ والمَلَلِ، والحِفاظُ على حَلاوَتِها وطَراوَتِها.
— 424 —
وقد رَأَيتُ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ أنَّ العُقدةَ الحَياتيّةَ القَوِيّةَ والأَنوارَ السّاطِعةَ الَّتي تَحتَوِيها أَجزاءُ "رَسائِلِ النُّورِ" ما هِي إلّا لَمَعاتُ سِلسِلةِ ذلك التَّفكُّرِ، فنَوَيتُ كِتابةَ مَجمُوعِها في أُخرَياتِ أَيّامِ عُمُرِي، على أَمَلِ تَأثِيرِها في غَيرِي مِثلَما أَثَّرَت فِيَّ.. وسيَكُونُ لِمَجمُوعِها قُوّةٌ وقِيمةٌ أُخرَى وإِن أُدرِجَت أَهَمُّ أَجزائِها في الرَّسائِلِ.
ولَمّا كانَ آخِرُ المَطافِ في رِحلةِ العُمُرِ غَيرَ مُعيَّنٍ، وأنَّ أَوْضاعِي في سِجنِ "أَسكِي شَهِر" قد بَلَغَت حَدًّا أَشَدَّ مِنَ المَوتِ بكَثِيرٍ، فقد كَتَبتُ تلك السِّلسِلةَ مِنَ التَّفكُّرِ دُونَ انتِظارٍ لِآخِرِ الحَياةِ، ودُونَ تَغيِيرٍ فيها، وبِناءً على رَغبةِ إِخوةِ النُّورِ وإِصرارِهِم بقَصدِ استِفادَتِهِم.. وجَعَلتُها في سَبعةِ أَبوابٍ.
(باقِي الأَبوابِ السِّتّةِ لِهذِه اللَّمْعةِ نُشِرَت في مَجمُوعةِ "اللَّمَعات" بِاللُّغةِ العُثمانيّةِ).
الباب الثالث
في مراتب "الله أكبر"
"سنَذكُرُ سَبْعًا مِن ثَلاثٍ وثَلاثِينَ مَرتَبةً لِهذا البابِ، حَيثُ قد ذُكِرَ قِسمٌ مُهِمٌّ مِن تلك المَراتِبِ في المَقامِ الثّاني مِنَ المَكتُوبِ العِشرِينَ، وفي نِهايةِ المَوقِفِ الثّاني مِنَ الكَلِمةِ الثّانِيةِ والثَّلاثِينَ، وفي بِدايةِ المَوقِفِ الثّالِثِ مِنها.. فمَن شاءَ أن يَطَّلِعَ على حَقِيقةِ هذه المَراتِبِ، فليُراجِعْ تلك الرَّسائِلَ".
المَرتبةُ الأُولَى:
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا. لَبَّيك وسَعْدَيك..
جلَّ جَلالُه اللهُ أَكْبَرُ مِن كُلِّ شيءٍ قُدرةً وعِلمًا، إذ هُوَ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ الَّذي صَنَعَ الإنسانَ بقُدرَتِه كالكائِناتِ، وكَتَبَ الكائِناتِ بقَلَمِ قَدَرِه كَما كَتَبَ الإنسانَ
— 425 —
بذَلِك القَلَمِ؛ إذ ذاك العالَمُ الكَبِيرُ كهَذا العالَمِ الصَّغِيرِ مَصنُوعُ قُدرَتِه مَكتُوبُ قَدَرِهِ. إبداعُه لِذاك صَيَّیرَه مَسْجِدًا. إِيجادُه لهذا صَيَّیرَه ساجِدًا. إنْشاؤُه لِذاك صَيَّیرَ ذاك مُلكًا. بِناؤُه لِهذا صَيَّیرَه مَمْلُوكًا. صَنْعَتُه في ذاك تَظاهَرَتْ كِتابًا. صِبْغَتُه في هَذا تَزاهَرَتْ خِطابًا. قُدرَتُه في ذاك تُظهِرُ حِشمَتَهُ. رَحْمَتُه في هَذا تَنظِمُ نِعْمَتَهُ. حِشمَتُه في ذاك تَشْهَدُ هُوَ الواحِدُ. نِعْمَتُه في هَذا تُعلِنُ هُوَ الأَحَدُ. سِكَّتُه في ذاك في الكُلِّ والأَجْزاءِ سُكُونًا حَرَكةً. خاتَمُه في هَذا في الجِسمِ والأَعْضاءِ حُجَيْرةً ذَرّةً.
فانْظُرْ إلى آثارِه المُتَّسِقةِ كَيفَ تَرَى كالفَلَقِ سَخاوةً مُطْلَقةً مَعَ انْتِظامٍ مُطْلَقٍ، في سُرْعةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ اتِّزانٍ مُطْلَقٍ، في سُهُولةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ إتْقانٍ مُطْلَقٍ، في وُسْعةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ حُسْنِ صُنْعٍ مُطْلَقٍ، في بُعْدةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ اتِّفاقٍ مُطْلَقٍ، في خِلْطةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ امْتِيازٍ مُطْلَقٍ، في رُخْصةٍ مُطْلَقةٍ مَعَ غُلُوٍّ مُطْلَقٍ.. فهَذِه الكَيْفيّةُ المَشْهُودةُ شاهِدةٌ للعاقِلِ المُحَقِّقِ، مُجْبِرةٌ لِلأَحْمَقِ المُنافِقِ على قَبُولِ الصَّنْعةِ والوَحْدةِ لِلحَقِّ ذِي القُدْرةِ المُطْلَقةِ، وهُوَ العَلِيمُ المُطْلَقُ.
وفي الوَحْدةِ سُهُولةٌ مُطْلَقةٌ، وفي الكَثْرةِ والشِّرْكةِ صُعُوبةٌ مُنغَلِقةٌ:
إنْ أُسْنِدَ كُلُّ الأَشياءِ لِلواحِدِ، فالكائِناتُ كالنَّخْلةِ، والنَّخْلةُ كالثَّمَرةِ سُهُولةً في الِابْتِداعِ؛ وإنْ أُسْنِدَ للِكَثْرةِ فالنَّخْلةُ كالكائِناتِ، والثَّمَرةُ كالشَّجَراتِ صُعُوبةً في الامْتِناعِ، إذِ الواحِدُ بِالفِعْلِ الواحِدِ يُحَصِّلُ نَتِيجةً ووَضْعِيّةً لِلكَثيرِ بِلا كُلْفةٍ ولا مُباشَرةٍ؛ لَوْ أُحِيلَتْ تِلْك الوَضْعيّةُ والنَّتِيجةُ إلى الكَثْرةِ لا يُمكِنُ أن تَصِلَ إلَيْها إلّا بِتَكَلُّفاتٍ ومُباشَراتٍ ومُشاجَراتٍ كالأَمِيرِ مَعَ النَّفَراتِ، والبانِي مَعَ الحَجَراتِ، والأَرضِ مَعَ السَّيّاراتِ، والفَوّارةِ مَعَ القَطَراتِ، ونُقطةِ المَرْكَزِ مَعَ النُّقَطِ في الدّائِرةِ.
بِسِرِّ أنَّ في الوَحْدةِ يَقُومُ الِانتِسابُ مَقامَ قُدْرةٍ غَيْرِ مَحْدُودةٍ، ولا يَضْطَرُّ السَّبَبُ لِحَمْلِ مَنابعِ قُوَّتِه، ويَتَعاظَمُ الأثَرُ بالنِّسْبةِ إلى المُسْنَدِ إلَيهِ.. وفي الشِّرْكةِ يَضْطَرُّ كُلُّ سَبَبٍ لِحَمْلِ مَنابعِ قُوَّتِهِ؛ فيَتَصاغَرُ الأثَرُ بِنِسْبةِ جِرْمِهِ. ومِن هُنا غَلَبَتِ النَّمْلةُ والذُّبابةُ على الجَبابِرةِ، وحَمَلَتِ النُّواةُ الصَّغِيرةُ شَجَرةً عَظِيمةً.
— 426 —
وبِسِرِّ أنَّ في إِسنادِ كُلِّ الأَشياءِ إلى الواحِدِ لا يَكُونُ الإِيجادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، بل يَكُونُ الإِيجادُ عَيْنَ نَقلِ المَوجُودِ العِلمِيِّ إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ، كنَقْلِ الصُّورةِ المُتَمَثِّلةِ في المِرآةِ إلى الصَّحِيفةِ الفُوطُوغْرافِيّةِ لِتَثْبِيتِ وُجُودٍ خارِجِيٍّ لَها بِكَمالِ السُّهُولةِ، أو إِظهارِ الخَطِّ المَكتُوبِ بِمِدادٍ لا يُرى، بِواسِطةِ مادّةٍ مُظهِرةٍ للِكِتابةِ المَسْتُورةِ؛ وفي إِسنادِ الأَشياءِ إلى الأَسبابِ والكَثْرةِ يَلْزَمُ الإِيجادُ مِنَ العَدَمِ المُطْلَقِ، وهُوَ إنْ لَم يَكُنْ مُحالًا يَكُونُ أَصْعَبَ الأَشْياءِ.. فالسُّهُولةُ في الوَحْدةِ واصِلةٌ إلى دَرَجةِ الوُجُوبِ، والصُّعُوبةُ في الكَثْرةِ واصِلةٌ إلى دَرَجةِ الِامتِناعِ، وبِحِكْمةِ أنَّ في الوَحْدةِ يُمْكِنُ الإِبْداعُ وإِيجادُ "الأَيْسِ مِنَ اللَّيْسِ" (حاشية): الأَيْس: أي مَوجُود. واللَّيْس: أي: عدم صرف. يَعْنِي إِبْداعَ المَوْجُودِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مُدّةٍ ولا مادّةٍ، وإِفراغَ الذَّرّاتِ في القالَبِ العِلْمِيِّ بلا كُلْفةٍ ولا خِلْطةٍ. وفي الشِّرْكةِ والكَثْرةِ لا يُمْكِنُ الإِبْداعُ مِنَ العَدَمِ بِاتِّفاقِ كُلِّ أَهلِ العَقْلِ.
فلا بُدَّ لِوُجودِ ذي حَياةٍ جَمْعُ ذَرَّاتٍ مُنْتَشِرةٍ في الأَرضِ والعَناصِرِ؛ وبِعَدَمِ القالَبِ العِلْميِّ يَلْزَمُ لِمُحافَظةِ الذَّرَّاتِ في جِسْمِ ذِي الحَياةِ وُجُودُ عِلْمٍ كُلِّيٍّ، وإِرادةٍ مُطْلَقةٍ في كُلِّ ذَرّةٍ؛ ومَعَ ذلِك إنَّ الشُّركاءَ مُسْتَغْنِيةٌ عنها ومُمْتَنِعةٌ بالذَّاتِ وتَحَكُّمِيّةٌ مَحْضةٌ، لا أَمارةَ علَيْها ولا إِشارةَ إلَيْها في شَيءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ، إذ خِلْقةُ السَّماواتِ والأَرضِ تَسْتَلْزِمُ قُدْرةً كامِلةً غَيْرَ مُتَناهِيةٍ بالضَّرُورةِ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ الشُّرَكاءِ؛ وإلَّا لَزِمَ تَحْدِيدُ وانْتِهاءُ قُدْرةٍ كامِلةٍ غَيْرِ مُتَناهِيةٍ في وَقْتِ عَدَمِ التَّناهِي بِقُوّةٍ مُتَناهِيةٍ بِلا ضَرُورةٍ، مَعَ الضَّرُورةِ في عَكْسِه؛ وهُوَ مُحالٌ في خَمْسةِ أَوْجُهٍ.. فامْتَنَعَتِ الشُّرَكاءُ، مَعَ أنَّ الشُّرَكاءَ المُمتَنِعةَ بِتِلك الوُجُوه لا إِشارةَ إلى وُجُودِها، ولا أَمارةَ على تَحَقُّقِها في شَيءٍ مِنَ المَوجُوداتِ.
فقدِ استَفسَرْنا عن هذه المَسأَلةِ في "المَوقِفِ الأَوَّلِ مِنَ الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثِينَ" مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ، وفي "المَوقِفِ الثّاني" مِنَ السَّماواتِ إلى التَّشَخُّصاتِ الوَجْهِيّةِ، فأَعطَت جَمِيعُها جَوابَ رَدِّ الشِّركِ بإِراءةِ سِكّةِ التَّوحِيدِ.
— 427 —
فكَما لا شُرَكاءَ لَه، كذَلِك لا مُعِينَ ولا وُزَراءَ لَهُ؛ وما الأَسبابُ إلّا حِجابٌ رَقِيقٌ على تَصَرُّفِ القُدْرةِ الأَزَلِيّةِ، فلَيسَ لَها تاثِيرٌ إِيجادِيٌّ في نَفسِ الأَمرِ، إذ أَشْرَفُ الأَسبابِ وأَوْسَعُها اختِيارًا هُوَ الإِنسانُ، مَعَ أنَّه لَيسَ في يَدِه مِن أَظْهَرِ أَفْعالِه الِاختِياريّةِ كَی"الأَكْلِ والكَلامِ والفِكْرِ" مِن مِئاتِ أَجْزاءٍ إلّا جُزْءٌ واحِدٌ مَشْكُوكٌ.. فإذا كانَ السَّبَبُ الأَشْرَفُ والأَوْسَعُ اختِيارًا مَغْلُولَ الأَيْدِي عَنِ التَّصَرُّفِ الحَقِيقيِّ كَما تَرَى؛ فكَيفَ يُمكِنُ أن تَكُونَ البَهِيماتُ والجَماداتُ شَرِيكةً في الإِيجادِ والرُّبُوبِيّةِ لِخالِقِ الأَرضِ والسَّماواتِ؟! فكَما لا يُمكِنُ أن يَكُونَ الظَّرْفُ الَّذي وَضَعَ السُّلطانُ فيه الهَدِيّةَ، أوِ المِندِيلُ الَّذي لَفَّ فيه العَطِيّةَ، أوِ النَّفَرُ الَّذي أَرسَلَ على يَدِه النِّعْمةَ إلَيْك، شُرَكاءَ للِسُّلْطانِ في سَلْطَنَتِهِ؛ كذَلِك لا يُمكِنُ أن تَكُونَ الأَسبابُ المُرْسَلةُ على أَيْدِيها النِّعَمُ إلَيْنا، والظُرُوفُ الَّتي هي صَنادِيقُ للِنِّعَمِ المُدَّخَرةِ لَنا، والأَسْبابُ الَّتي الْتَفَّتْ على عَطايا إِلٰهِيّةٍ مُهْداةٍ إلَيْنا، شُرَكاءَ أَعْوانًا أو وَسائِطَ مُؤَثِّرةً.
المَرتبةُ الثّانيةُ:
جَلَّ جَلالُه اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدْرةً وعِلْمًا، إذ هُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ الصّانِعُ الحَكِيمُ الرَّحمٰنُ الرَّحِيمُ الَّذي هذِه المَوجُوداتُ الأَرضِيّةُ والأَجْرامُ العُلوِيّةُ في بُسْتانِ الكائِناتِ مُعجِزاتُ قُدْرةِ خَلّاقٍ عَلِيمٍ بِالبَداهةِ، وهذه النَّباتاتُ المُتَلَوِّنَة المُتَزَيِّنةُ المَنْثُورةُ، وهَذِه الحَيَواناتُ المُتَنَوِّعةُ المُتَبَرِّجةُ المَنْشُورةُ في حَدِيقةِ الأَرضِ خَوارِقُ صَنْعةِ صانِعٍ حَكِيمٍ بِالضَّرُورةِ، وهذه الأَزْهارُ المُتَبَسِّمةُ والأَثْمارُ المُتَزَيِّنةُ في جِنانِ هذِه الحَديقةِ هَدايا رَحْمةِ رَحْمٰنٍ رَحِيمٍ بالمُشاهَدةِ.. تَشْهَدُ هاتِيك وتُنادِي تاك وتُعْلِنُ هذِه بِأَنَّ خَلّاقَ هاتيك ومُصَوِّرَ تاك وواهِبَ هذِه على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ وبِكُلِّ شيءٍ عَليمٌ، قَد وسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمةً وعِلْمًا، تَتَساوَى بِالنِّسْبةِ إلى قُدْرَتِه الذَّرّاتُ والنُّجُومُ والقَلِيلُ والكَثِيرُ والصَّغِيرُ والكَبِيرُ والمُتَناهِي وغَيرُ المُتَناهِي.. وكُلُّ الوُقُوعاتِ الماضِيةِ وغَرائِبُها مُعْجِزاتُ صَنْعةِ صانِعٍ حَكِيمٍ تَشْهَدُ على أنَّ ذلك الصَّانِعَ قَدِيرٌ على كُلِّ الإِمْكاناتِ الِاستِقبالِيّةِ وعَجائِبِها، إذ هُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ والعَزِيزُ الحَكِيمُ.
— 428 —
فسُبْحانَ مَن جَعَلَ حَدِيقةَ أَرضِه مَشْهَرَ صَنْعَتِه، مَحْشَرَ فِطْرَتِه، مَظْهَرَ قُدرَتِه، مَدارَ حِكْمَتِه، مَزْهَرَ رَحْمَتِه، مَزْرَعَ جَنَّتِه؛ مَمَرَّ المَخْلُوقاتِ، مَسِيلَ المَوجُوداتِ، مَكِيلَ المَصْنُوعاتِ.
فمُزَيَّنُ الحَيَواناتِ مُنَقَّشُ الطُّيوراتِ مُثَمَّرُ الشَّجَراتِ مُزَهَّرُ النَّباتاتِ مُعْجِزاتُ عِلمِه؛ خَوارِقُ صُنْعِه، هَدايا جُودِه، بَراهِينُ لُطْفِه.
تَبَسُّمُ الأَزهارِ مِن زِينةِ الأَثْمارِ، تَسَجُّعُ الأَطيارِ في نَسَمةِ الأَسْحارِ، تَهَزُّجُ الأَمطارِ على خُدُودِ الأزهارِ، تَرَحُّمُ الوالِداتِ على الأَطفالِ الصِّغارِ.. تَعَرُّفُ وَدُودٍ، تَوَدُّدُ رَحمٰنٍ، تَرَحُّمُ حَنَّانٍ، تَحَنُّنُ مَنَّانٍ لِلجِنِّ والإِنسانِ، والرُّوحِ والحَيَوانِ، والمَلَكِ والجانِّ.
والبُذُورُ والأَثْمارُ، والحُبُوبُ والأَزهارُ، مُعجِزاتُ الحِكمةِ، خَوارِقُ الصَّنْعةِ، هَدايا الرَّحْمةِ، بَراهِينُ الوَحْدةِ، شَواهِدُ لُطْفِه في دارِ الآخِرةِ، شَواهِدُ صادِقةٌ بأنَّ خَلّاقَها على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، وبِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.. قد وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ بِالرَّحْمةِ والعِلْمِ والخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والصُّنْعِ والتَّصْوِيرِ؛ فالشَّمْسُ كالبِذْرةِ والنَّجْمُ كالزَّهْرةِ والأَرضُ كالحَبّةِ لا تَثْقُلُ علَيْه بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والصُّنعِ والتَّصْوِيرِ؛ فالبُذُورُ والأَثْمارُ مَرايا الوَحْدةِ في أَقطارِ الكَثْرةِ؛ إِشاراتُ القَدَرِ، رُمُوزاتُ القُدْرةِ بِأنَّ تِلك الكَثْرةَ مِن مَنْبَعِ الوَحْدةِ، تَصْدُرُ شاهِدةً لِوَحْدةِ الفاطِرِ في الصُّنْعِ والتَصْويرِ.. ثُمَّ إلى الوَحْدةِ تَنْتَهي ذاكِرةً لِحِكْمةِ الصّانِعِ في الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ.. وتَلْوِيحاتُ الحِكْمةِ بأنَّ خالِقَ الكُلِّ بِكُلِّيّةِ النَّظَرِ إلى الجُزْئيِّ يَنْظُرُ، ثُمَّ إلى جُزْئِه؛ إذْ إنْ كانَ ثَمَرًا فهُوَ المَقْصُودُ الأَظهَرُ مِن خَلقِ هَذا الشَّجَرِ، فالبَشَرُ ثَمَرٌ لِهَذِه الكائِناتِ، فهُوَ المَقْصُودُ الأَظْهَرُ لِخالِقِ المَوْجُوداتِ، والقَلبُ كالنَّواةِ، فهُوَ المِرآةُ الأَنْوَرُ لِصانِعِ المَخْلُوقاتِ، ومِن هذِه الحِكْمةِ فالإِنسانُ الأَصْغَرُ في هذِه الكائِناتِ هُوَ المَدارُ الأَظْهَرُ لِلنَّشْرِ والمَحشْرِ في هذِه المَوجُوداتِ، والتَّخْرِيبِ والتَّبْدِيلِ والتَّحوِيلِ والتَّجْدِيدِ لِهَذِه الكائِناتِ.
اللهُ أَكبَرُ يا كَبِيرُ، أَنتَ الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِكُنْهِ عَظَمَتِه.
كِه لا إِلٰهَ إلّا هُوَ بَرابَرْ مِيزَنَنْدْ هَرْ شيء
دَمادَم جُو يَدَنْدْ: "ياحَقْ" سَراسَرْ كُوَيَدَنْدْ: "يا حَيّ"
— 429 —
المَرتبةُ الثّالثة: (٭) هذه المَرتَبةُ الثّالثةُ تَأخُذ بعَينِ الِاعتِبارِ زَهرةً جُزئيّةً وحَسناءَ جَمِيلةً، فالرَّبيعُ الزّاهرُ كتلك الزَّهرةِ والجَنّةُ العَظِيمةُ مِثلُها، إذ هُما مَظهَرانِ مِن مَظاهِرِ تلك المَرتَبةِ، كما أنَّ العالَمَ إِنسانٌ جَمِيلٌ وعَظِيمٌ، وكذا الحُورُ العِينُ والرُّوحانيّاتُ وجِنسُ الحَيَوانِ وصِنفُ الإِنسانِ.. كلٌّ مِنها كأنَّه في هَيْئةِ إِنسانٍ جَمِيلٍ يَعكِسُ بصَفَحاتِه هذه الأَسماءَ الَّتي تَعكِسُها هذه المَرتَبةُ.
إِيضاحُها في رَأسِ "المَوقِفِ الثّالِثِ" مِنَ "الرِّسالةِ الثّانِيةِ والثَّلاثِينَ".
اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدْرةً وعِلمًا، إذ هُوَ القَدِيرُ المُقَدِّرُ العَلِيمُ الحَكِيمُ المُصَوِّرُ الكَرِيمُ اللَّطِيفُ المُزَيِّنُ المُنْعِمُ الوَدُودُ المُتَعَرِّفُ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ المُتَحَنِّنُ الجَمِيلُ ذُو الجَمالِ والكَمالِ المُطْلَقِ، النَّقّاشُ الأَزَليُّ الَّذي ما حَقائِقُ هَذِه الكائِناتِ كُلًّا وأَجزاءً وصَحائِفَ وطَبَقاتٍ، وما حَقائِقُ هذِه المَوجُوداتِ كُلِّیيًّا وجُزئِيًّا ووُجُودًا وبَقاءً:
إلّا خُطُوطُ قَلَمِ قَضائِه وقَدَرِه بِتَنْظِيمٍ وتَقدِيرٍ وعِلْمٍ وحِكْمةٍ.
وإلّا نُقُوشُ بَرْكارِ عِلْمِه وحِكْمَتِه بِصُنْعٍ وتَصوِيرٍ.
وإلّا تَزْيِيناتُ يَدِ بَيْضاءِ صُنْعِه وتَصوِيرِه وتَزْيِينِه وتَنْوِيرِه بِلُطْفٍ وكَرَمٍ.
وإلّا أَزاهِيرُ لَطائِفِ لُطْفِه وكَرَمِه وتَعَرُّفِه وتَوَدُّدِه بِرَحْمةٍ ونِعْمةٍ.
وإلّا ثَمَراتُ فيّاضِ عَيْنِ رَحْمَتِه ونِعْمَتِه وتَرَحُّمِه وتَحَنُّنِه بِجَمالٍ وكَمالٍ.
وإلّا لَمَعاتُ جَمالٍ سَرْمَديٍّ وكَمالٍ دَيْمُومِيٍّ بِشَهادةِ تَفانِيةِ المَرايا وسَيّالِيّةِ المَظاهِرِ، مَعَ دوام تَجَلِّي الجَمالِ على مَرِّ الفُصُولِ والعُصُورِ والأَدْوارِ، ومَعَ دَوامِ الإِنعامِ على مَرِّ الأَنامِ والأَيّامِ والأَعْوامِ.
نَعَم، تَفانِي المِرْآةِ زَوالُ المَوجُوداتِ مَعَ التَّجَلِّي الدّائِم مَعَ الفَيضِ المُلازِمِ مِن أَظْهَرِ الظَّواهِرِ مِن أَبْهَرِ البَواهِرِ على أنَّ الجَمالَ الظّاهِرَ أنَّ الكَمالَ الزّاهِرَ لَيْسَا مُلْكَ المَظاهِرِ مِن أَفصَحِ تِبيانٍ مِن أَوضَحِ بُرْهانٍ للِجَمالِ المُجَرَّدِ لِلإِحسانِ المُجَدَّدِ لِلواجِبِ الوُجُودِ لِلباقِي الوَدُودِ.
— 430 —
نَعَم، فالأَثَرُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بالبَداهةِ على الفِعْلِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الفِعْلُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِالضَّرُورةِ على الِاسمِ المُكَمَّلِ والفاعِلِ المُكَمَّل، ثمَّ الِاسمُ المُكمَّلُ يَدُلُّ بِلا رَيبٍ على الوَصْفِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الوَصْفُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِلا شَكٍّ على الشَّأنِ المُكَمَّلِ، ثُمَّ الشَّأنُ المُكَمَّلُ يَدُلُّ بِاليَقينِ على كَمالِ الذّاتِ بِما يَلِيقُ بِالذّاتِ وهُوَ الحَقُّ اليَقِينُ.
المَرتبةُ الرّابعةُ:
جَلَّ جَلالُه اللهُ أَكبَرُ إذ هُوَ العَدْلُ العادِلُ الحَكَمُ الحاكِمُ الحَكِيمُ الأزَليُّ الَّذي أَسَّسَ بُنْيانَ شَجَرةِ هذِه الكائِناتِ في سِتّةِ أَيّامٍ بِأُصُولِ مَشِيئَتِه وحِكْمَتِه، وفَصَّلَها بِدَساتِيرِ قَضائِه وقَدَرِه، ونَظَّمَها بِقَوانِينِ عادَتِه وسُنَّتِه، وزَيَّنَها بِنَوامِيسِ عِنايَتِه ورَحْمَتِه، ونَوَّرَها بِجَلَواتِ أَسمائِه وصِفاتِه بِشَهاداتِ انْتِظاماتِ مَصنُوعاتِه وتَزَيُّناتِ مَوجُوداتِه وتَشابُهِها وتَناسُبِها وتَجاوُبِها وتَعاوُنِها وتَعانُقِها، وإِتقانِ الصَّنعةِ الشُّعُورِيّةِ في كُلِّ شَيءٍ على مِقْدارِ قامةِ قابِلِيَّتِه المُقَدَّرةِ بِتَقْدِيرِ القَدَرِ.
فالحِكْمةُ العامّةُ في تَنْظِيماتِها.. والعِنايةُ التّامّةُ في تَزيِيناتِها.. والرَّحْمةُ الواسِعةُ في تَلطِيفاتِها.. والأَرزاقُ والإِعاشةُ الشّامِلةُ في تَربِيَتِها.. والحَياةُ العَجِيبةُ الصَّنعةِ بِمَظْهَرِيَّتِها للِشُّؤونِ الذّاتِيّةِ لِفاطِرِها.. والمَحاسِنُ القَصْدِيّةُ في تَحْسِيناتِها.. ودَوامُ تَجَلِّي الجَمالِ المُنْعَكِسِ مَعَ زَوالِها.. والعِشْقُ الصّادِقُ في قَلْبِها لِمَعبُودِها.. والِانجِذابُ الظّاهِرُ في جَذْبَتِها.. واتِّفاقُ كُلِّ كُمَّلِها على وَحْدةِ فاطِرِها.. والتَّصَرُّفُ لِمَصالِحَ في أَجزائِها.. والتَّدْبِيرُ الحَكِيمُ لِنَباتاتِها.. والتَّربِيةُ الكَرِيمةُ لِحَيَواناتِها.. والِانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغيُّراتِ أَركانِها.. والغاياتُ الجَسِيمةُ في انتِظامِ كُلِّیيَّتِها.. والحُدُوثُ دَفْعةً مَعَ غايةِ كَمالِ حُسنِ صَنْعَتِها بِلا احتِياجٍ إلى مُدّةٍ ومادّةٍ.. والتَّشَخُّصاتُ الحَكِيمةُ مَعَ عَدَمِ تَحْدِيدِ تَرَدُّدِ إِمكاناتِها.. وقَضاءُ حاجاتِها على غايةِ كَثْرَتِها وتَنَوُّعِها في أَوْقاتِها اللّائِقةِ المُناسِبةِ، مِن حَيثُ لا يُحتَسَبُ ومِن حَيثُ لا يُشْعَرُ مَعَ قِصَرِ أَيْدِيها عن أَصغَرِ مَطالِبِها.. والقُوّةُ المُطلَقةُ في مَعْدِنِ ضَعْفِها.. والقُدْرةُ المُطلَقةُ في مَنبَعِ عَجْزِها.. والحَياةُ الظّاهِرةُ في جُمُودِها.. والشُّعُورُ المُحِيطُ في جَهْلِها.. والِانتِظامُ المُكَمَّلُ في تَغَيُّراتِها المُسْتَلزِمُ
— 431 —
لِوُجُودِ المُغَيِّرِ الغَيرِ المُتَغَيِّر.. والِاتِّفاقُ في تَسْبِيحاتِها كالدَّوائِرِ المُتَداخِلةِ المُتَّحِدةِ المَرْكَزِ.. والمَقبُولِيّةُ في دَعَواتِها الثَّلاثِ "بِلِسانِ استِعدادِها، وبِلِسانِ احتِياجاتِها الفِطْرِيّةِ، وبِلِسانِ اضْطِرارِها".. والمُناجاةُ والشُّهوداتُ والفُيُوضاتُ في عِباداتِها.. والِانتظامُ في قَدَرَيْها.. والِاطْمِئْنانُ بِذِكرِ فاطِرِها.. وكَونُ العِبادةِ فيها خَيْطَ الوُصْلةِ بَينَ مُنْتَهاها ومَبْدَئِها.. وسَببَ ظُهُورِ كَمالِها ولِتَحَقُّقِ مَقاصِدِ صانِعِها..
وهكَذا بِسائِرِ شُؤُوناتِها وأَحْوالِها وكَيفِيّاتِها شاهِداتٌ بِأنَّها كُلَّها بِتَدبِيرِ مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ واحِدٍ.. وفي تَربِيةِ مُرَبٍّ كَرِيمٍ أَحَدٍ صَمَدٍ.. وكُلُّها خُدّامُ سَيِّدٍ واحِدٍ.. وتَحتَ تَصَرُّفِ مُتَصَرِّفٍ واحِدٍ.. ومَصدَرُها قُدْرةُ واحِدٍ الَّذي تَظاهَرَتْ وتَكاثَرَتْ خَواتِيمُ وَحْدَتِه على كُلِّ مَكتُوبٍ مِن مَكتُوباتِه في كُلِّ صَفْحةٍ مِن صَفَحاتِ مَوجُوداتِه.
نَعَمْ: فكُلُّ زَهرةٍ وثَمَرٍ، وكُلُّ نَباتٍ وشَجَرٍ، بَل كُلُّ حَيَوانٍ وحَجَرٍ، بَل كُلُّ ذَرٍّ ومَدَرٍ، في كُلِّ وادٍ وجَبَلٍ، وكُلِّ بادٍ وقَفْرٍ خاتَمٌ بَيِّنُ النَّقشِ والأثَر، يُظْهِرُ لِدِقّةِ النَّظرِ بِأنَّ ذا ذاك الأَثرَ هُوَ كاتِبُ ذاك المَكانِ بِالعِبَرِ؛ فهُوَ كاتِبُ ظَهْرِ البَرِّ وبَطْنِ البَحْرِ؛ فهُوَ نَقّاشُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في صَحيفةِ السَّماواتِ ذاتِ العِبَرِ. جَلَّ جَلالُ نَقّاشِها! الله أكْبَرُ!
كِه لا إِلٰهَ إلّا هُو بَرابَرْ مِيزَنَدْ عالَم
المَرتبةُ الخامِسةُ: (٭) لقد وُضِّحَت هذه المَرتَبةُ في ذَيلِ المَوقِفِ الأوَّلِ مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والثَّلاثِينَ"، وفي المَقامِ الثّاني مِنَ "المَكتُوبِ العِشرِينَ".
اللهُ أَكبَرُ إذ هُوَ الخَلّاقُ القَدِيرُ المُصَوِّرُ البَصِيرُ الَّذي هذِه الأَجرامُ العُلوِيّةُ والكَواكِبُ الدُّرِّيّةُ نَيِّراتُ بَراهِينِ أُلُوهِيَّتِه وعَظَمَتِه، وشُعاعاتُ شَواهِدِ رُبُوبِيَّتِه وعِزَّتِهِ؛ تَشْهَدُ وتُنادِي على شَعْشَعةِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِه، وتُنادِي على وُسْعةِ حُكْمِه وحِكْمَتِه، وعلى حِشْمةِ عَظَمةِ قُدْرَتِه.. فاسْتَمِعْ إلى آيةِ:
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ
— 432 —
ثُمَّ انظُرْ إلى وَجْهِ السَّماءِ، كَيفَ تَرَى سُكُوتًا في سُكُونةٍ، حَرَكةً في حِكْمةٍ، تَلَألُؤًا في حِشْمةٍ، تَبَسُّمًا في زِينةٍ مَعَ انتَظامِ الخِلقةِ مَعَ اتِّزانِ الصَّنْعةِ.
تَشَعْشُعُ سِراجِها لِتَبدِيل المَواسِمِ، تَهَلهُلُ مِصْباحِها لِتَنوِيرِ المَعالِمِ، تَلألُؤُ نُجُومِها لِتَزيِينِ العَوالِمِ.. تُعْلِنُ لِأَهلِ النُّهَى سَلْطَنةً بلا انتِهاءٍ لِتَدبيرِ هذا العالَمِ.
فذَلِك الخَلّاقُ القَديرُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، ومُرِيدٌ بِإِرادةٍ شامِلةٍ ما شاءَ كانَ وما لَم يَشَأْ لَم يَكُنْ؛ وهُوَ قَدِيرٌ على كُلِّ شَيءٍ بِقُدْرةٍ مُطْلَقةٍ مُحِيطةٍ ذاتِيّةٍ.. وكَما لا يُمكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ هذِه الشَّمسِ في هذا اليَومِ بِلا ضِياءٍ ولا حَرارةٍ، كذَلِك لا يُمْكِنُ ولا يُتَصوَّرُ وُجُودُ إلٰهٍ خالِقٍ للِسَّماواتِ بِلا عِلْمٍ مُحِيطٍ، وبِلا قُدرةٍ مُطلَقةٍ، فهُوَ بِالضَّرُورةِ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ بِعِلمٍ مُحِيطٍ لازِمٍ ذاتِيٍّ لِلذّاتِ، يَلزَمُ تَعَلُّقُ ذلِك العِلمِ بِكُلِّ الأَشياءِ لا يُمكِنُ أن يَنْفَكَّ عَنْه شَيءٌ بِسِرِّ الحُضُورِ والشُّهُودِ والنُّفُوذِ والإِحاطةِ النُّورانِيّةِ.
فما يُشاهَدُ في جَمِيعِ المَوجُوداتِ مِنَ الِانْتِظاماتِ المَوزُونةِ، والِاتِّزاناتِ المَنْظُومةِ، والحِكَمِ العامّةِ، والعِناياتِ التّامّةِ، والأَقْدارِ المُنْتَظَمةِ، والأَقْضِيةِ المُثْمِرةِ، والآجالِ المُعَيَّنةِ، والأَرزاقِ المُقَنَّنةِ، والإِتقاناتِ المُفَنَّنةِ، والِاهتِماماتِ المُزَيَّنةِ، وغايةِ كَمالِ الِامتِيازِ والِاتِّزانِ والِانتِظامِ والإِتقانِ، والسُّهُولةِ المُطلَقةِ، شاهِداتٌ على إِحاطةِ عِلمِ عَلّامِ الغُيُوبِ بِكُلِّ شَيءٍ.
وإنَّ آيةَ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ تَدُلُّ على أنَّ الوُجُودَ في الشَّيءِ يَسْتَلزِمُ العِلمَ بِه، ونُورَ الوُجُودِ في الأَشياءِ يَستَلزِمُ نُورَ العِلمِ فيها.
فنِسبةُ دَلالةِ حُسنِ صَنْعةِ الإِنسانِ على شُعُورِه، إلى نِسبةِ دَلالةِ خِلْقةِ الإِنسانِ على عِلمِ خالِقِه، كنِسبةِ لُمَيْعةِ نُجَيْمةِ الذُّبَيْبةِ في اللَّيلةِ الدَّهْماءِ إلى شَعشَعةِ الشَّمْسِ في نِصفِ النَّهارِ على وَجهِ الغَبْراءِ.
وكَما أنَّه عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ فهُو مُرِيدٌ لكُلِّ شَيءٍ لا يُمكِنُ أن يَتَحَقَّقَ شَيءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِه، وكما أنَّ القُدْرةَ تُؤَثِّرُ، وأنَّ العِلمَ يُمَيِّیزُ؛ كذَلِك أنَّ الإِرادةَ تُخَصِّصُ، ثُمَّ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ الأَشياءِ.
— 433 —
فالشَّواهِدُ على وُجُودِ إِرادَتِه تَعالَى واختِيارِه سُبحانَه بِعَدَدِ كَيفِيّاتِ الأَشياءِ وأَحوالِها وشُؤُوناتِها.
نَعَم، فتَنْظِيمُ المَوجُوداتِ وتَخْصِيصُها بِصِفاتِها مِن بَينِ الإِمكاناتِ الغَيرِ المَحْدُودةِ، ومِن بَينِ الطُّرُقِ العَقِيمةِ، ومِن بَينِ الِاحتِمالاتِ المُشَوَّشةِ، وتَحتَ أَيدِي السُّيُولِ المُتَشاكِسةِ، بِهَذا النِّظامِ الأَدَقِّ الأَرَقِّ، وتَوْزِينُها بِهذا المِيزانِ الحَسّاسِ الجَسّاسِ المَشْهُودَينِ؛ وأنَّ خَلْقَ المَوجُوداتِ المُختَلِفاتِ المُنتَظَماتِ الحَيَويّةِ مِنَ البَسائِطِ الجامِدةِ یی كالإِنسانِ بِجِهازاتِه مِنَ النُّطفةِ، والطَّيْرِ بِجَوارِحِه مِنَ البَيضةِ، والشَّجَرِ بأَعْضائِه المُتَنَوِّعةِ مِنَ النَّواةِ یی تَدُلُّ على أنَّ تَخَصُّصَ كُلِّ شَيءٍ وتَعَيُّنَه بإرادَتِه واختِيارِه ومَشِيئَتِه سُبْحانَهُ. فكما أنَّ تَوافُقَ الأَشياءِ مِن جِنْسٍ، والأَفرادِ مِن نَوعٍ في أَساساتِ الأَعْضاءِ، يَدُلُّ بالضَّرُورةِ على أنَّ صانِعَها واحِدٌ أَحَدٌ؛ كَذلِك أنَّ تَمايُزَها في التَّشَخُّصاتِ الحَكِيمةِ المُشتَمِلةِ على عَلاماتٍ فارِقةٍ مُنْتَظَمةٍ، تَدُلُّ على أنَّ ذلك الصّانِعَ الواحِدَ الأَحَدَ هُوَ فاعِلٌ مُختارٌ مُرِيدٌ يَفعَلُ ما يَشاءُ ويَحكُمُ ما يُريدُ.. جَلَّ جَلالُهُ.
وكما أنَّ ذلِك الخَلّاقَ العَلِيمَ المُرِيدَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، ومُرِيدٌ لِكُلِّ شَيءٍ، لَه عِلمٌ مُحِيطٌ، وإِرادةٌ شامِلةٌ، واختِيارٌ تامٌّ؛ كَذلِك لَه قُدرةٌ كامِلةٌ ضَرُوريّةٌ ذاتِيّةٌ ناشِئةٌ مِنَ الذّاتِ ولازِمةٌ للِذّاتِ.. فمُحالٌ تَداخُلُ ضِدِّها، وإلّا لَزِمَ جَمْعُ الضِّدَّيْنِ المُحالُ بالِاتِّفاقِ.
فلا مَراتِبَ في تِلك القُدْرةِ، فتَتَساوَى بِالنِّسبةِ إلَيْها الذَّرّاتُ والنُّجُومُ، والقَلِيلُ والكَثِيرُ، والصَّغِيرُ والكَبِيرُ، والجُزئيُّ والكُلِّيُّ، والجُزءُ والكُلُّ، والإِنسانُ والعالَمُ، والنَّواةُ والشَّجَرُ:
بِسِرِّ النُّورانيّةِ والشَّفّافيّةِ والمُقابَلةِ والمُوازَنةِ والِانتِظامِ والِامتِثالِ.
بِشَهادةِ الِانتِظامِ المُطلَقِ والِاتِّزانِ المُطلَقِ والِامتِيازِ المُطلَقِ في السُّرعةِ والسُّهُولةِ والكَثرةِ المُطلَقاتِ.
بِسِرِّ إِمدادِ الواحِديّةِ ويُسْرِ الوَحْدةِ وتَجَلِّي الأَحَديّةِ.
— 434 —
بِحِكمةِ الوُجُوبِ والتَّجَرُّدِ ومُبايَنةِ الماهِيّةِ.
بِسِرِّ عَدَمِ التَّقَيُّدِ وعَدَمِ التَّحَيُّزِ وعَدَمِ التَّجَزُّءِ.
بِحِكمةِ انقِلابِ العَوائِقِ والمَوانِع إلى الوَسائِلِ في التَّسْهيلِ إنِ احْتيجَ إلَيْه، والحالُ أنَّه لا احتِياجَ، كأَعْصابِ الإِنسانِ، والخُطُوطِ الحَدِيدِيّةِ لِنَقلِ السَّيّالاتِ اللَّطِيفةِ.
بِحِكْمةِ أنَّ الذَّرّةَ والجُزءَ والجُزئيَّ والقَلِيلَ والصَّغِيرَ والإِنسانَ والنَّواةَ لَيسَتْ بِأَقَلَّ جَزالةً مِنَ النَّجْمِ والنَّوعِ والكُلِّ والكُلِّيِّ والكَثِيرِ والكَبِيرِ والعالَمِ والشَّجَرِ.
فمَن خَلَقَ هَؤُلاءِ لا يُسْتَبعَدُ مِنه خَلْقُ هذِه، إذِ المُحاطاتُ كالأَمثِلةِ المَكتُوبةِ المُصَغَّرةِ، أو كالنُّقَطِ المَحلُوبةِ المُعَصَّرةِ.. فلا بُدَّ بالضَّرُورةِ أن يَكُونَ المُحِيطُ في قَبْضةِ تَصَرُّفِ خالِقِ المُحاطِ، لِيُدْرِجَ مِثالَ المُحِيطِ في المُحاطاتِ بِدَساتِيرِ عِلمِه، وأن يَعْصُرَها مِنه بِمَوازِينِ حِكْمَتِه.. فالقُدرةُ الَّتي أَبرَزَت هاتِيكَ الجُزئيّاتِ لا يَتَعسَّرُ علَيْها إِبرازُ تاكَ الكُلِّيّاتِ.
فكما أنَّ نُسخةَ قُرآنِ الحِكْمةِ المَكتُوبةَ على الجَوهَرِ الفَردِ بِذَرّاتِ الأَثِيرِ لَيسَت بِأَقَلَّ جَزالةً مِن نُسْخةِ قُرآنِ العَظَمةِ المَكتُوبةِ على صَحائِفِ السَّماواتِ بِمِدادِ النُّجُومِ والشُّمُوسِ، كذَلِك لَيسَتْ خِلْقةُ نَحْلةٍ ونَمْلةٍ بِأقَلَّ جَزالةً مِن خِلقةِ النَّخلةِ والفِيلِ؛ ولا صَنْعةُ وَردِ الزَّهْرةِ بِأَقَلَّ جَزالةً مِن صَنْعةِ دُرِّيِّ نَجمِ الزُّهْرةِ.. وهكَذا فقِسْ.
فكَما أنَّ غايةَ كَمالِ السُّهُولةِ في إِيجادِ الأَشياءِ أَوْقَعَتْ أَهلَ الضَّلالةِ في الْتِباسِ التَّشكِيلِ بالتَّشَكُّلِ المُستَلزِمِ لِلمُحالاتِ الخُرافِيّةِ الَّتي تَمُجُّها العُقُولُ، بَل تَتَنَفَّرُ عَنْها الأَوْهامُ؛ كَذلِك أَثْبَتَتْ بِالقَطْعِ والضَّرُورةِ لِأَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ تَساوِيَ السَّيّاراتِ مَعَ الذَّرّاتِ بالنِّسبةِ إلى قُدْرةِ خالِقِ الكائِناتِ.
جَلَّ جَلالُه وعَظُمَ شأنُه ولا إِلٰهَ إلّا هُوَ.
— 435 —
المَرتَبةُ السّادسةُ: (٭) لو كُتِبَت هذه المَرتَبةُ السّادِسةُ كسائِرِ المَراتِبِ لَطالَت جِدًّا، لِأنَّ "الإِمامَ المُبِينَ" و"الكِتابَ المُبِينَ" لا يُمكِنُ بَيانُهُما باختِصارٍ، وحيثُ إنَّنا ذَكَرْنا نُبذةً مِنهُما في "الكَلِمةِ الثَّلاثِينَ" فقد أَجمَلْنا هنا، إلّا أنَّنا سَرَدْنا بعضَ الإِيضاحاتِ أَثناءَ الدَّرسِ.
جَلَّ جَلالُه وعَظُمَ شَأْنُه اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدْرةً وعِلمًا، إذ هُوَ العادِلُ الحَكِيمُ القادِرُ العَلِيمُ الواحِدُ الأَحَدُ السُّلطانُ الأَزَليُّ الَّذي هذِه العَوالِمُ كُلُّها في تَصَرُّفِ قَبْضَتَيْ نِظامِه ومِيزانِه وتَنْظِيمِه وتَوزِينِه وعَدْلِه وحِكْمَتِه وعِلمِه وقُدرَتِه، ومَظهَرُ سِرِّ واحِدِيَّتِه وأَحَديَّتِه بِالحَدْسِ الشُّهُوديِّ بَل بِالمُشاهَدةِ، إذْ لا خارِجَ في الكَونِ مِن دائِرةِ النِّظامِ والمِيزانِ والتَّنظِيمِ والتَّوزِينِ، وهُما بابانِ مِنَ "الإِمامِ المُبِينِ" و"الكِتابِ المُبِينِ"، وهُما عُنوانانِ لِعِلمِ العَلِيمِ الحَكِيمِ وأَمْرِه وقُدْرةِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ وإِرادَتِه.. فذَلِك النِّظامُ مَعَ ذلك المِيزانِ، في ذلك الكِتابِ مَعَ ذلك الإِمامِ بُرهانانِ نَيِّرانِ لِمَن لَه في رَأسِه إذعانٌ، وفي وَجْهِه العَينانِ، أنْ لا شَيْءَ مِنَ الأَشياءِ في الكَونِ والزَّمانِ يَخرُجُ مِن قَبْضةِ تَصَرُّفِ رَحمٰنٍ، وتَنْظِيمِ حَنّانٍ، وتَزيِينِ مَنّانٍ، وتَوزِينِ دَيّانٍ.
الحاصِلُ: أنَّ تَجَلِّيَ الِاسمِ "الأَوَّلِ والآخِرِ" في الخَلّاقِيّةِ، النّاظِرَينِ إلى المَبدَأِ والمُنتَهَى والأَصلِ والنَّسلِ والماضِي والمُستَقبَلِ والأَمرِ والعِلمِ، مُشِيرانِ إلى "الإِمامِ المُبِينِ"؛ وتَجَلِّيَ الِاسمِ "الظّاهِرِ والباطِنِ" على الأَشياءِ في ضِمنِ الخَلّاقِيّةِ يُشِيرانِ إلى "الكِتابِ المُبِينِ".
فالكائِناتُ كشَجَرةٍ عَظِيمةٍ، وكُلُّ عالَمٍ مِنها أَيضًا كالشَّجَرةِ.. فنُمَثِّلُ شَجَرةً جُزئِيّةً لِخِلقةِ الكائِناتِ وأَنواعِها وعَوالِمِها؛ وهَذِه الشَّجَرةُ الجُزئِيّةُ لها أَصلٌ ومَبدَأٌ وهُوَ النَّواةُ الَّتي تَنبُتُ عَلَيْها، وكَذا لها نَسْلٌ يُدِيمُ وَظِيفَتَها بَعدَ مَوتِها وهُوَ النَّواةُ في ثَمَراتِها.
فالمَبدَأُ والمُنتَهَى مَظْهَرانِ لِتَجَلِّي الِاسمِ "الأَوَّلِ والآخِرِ"، فكَأنَّ المَبدَأَ والنَّواةَ الأَصلِيّةَ بِالِانتِظامِ والحِكمةِ، فِهرِستةٌ وتَعرِفةٌ مُرَكَّبةٌ مِن مَجمُوعِ دَساتِيرِ تَشَكُّلِ الشَّجَرةِ.. والنَّواتاتِ في ثَمَراتِها الَّتي في نِهاياتِها مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الِاسمِ "الآخِرِ".
— 436 —
فتِلك النَّواتاتُ في الثَّمَراتِ بِكَمالِ الحِكْمةِ، كأنَّها صُنَيدِقاتٌ صَغِيرةٌ أُودِعَتْ فيها فِهرِستةٌ وتَعرِفةٌ لتَشَكُّلِ ما يُشابِه تِلك الشَجَرةَ، وكأنَّها كُتِبَ فيها بِقَلَمِ القَدَرِ دَساتِيرُ تَشكُّلِ شَجَراتٍ آتِيةٍ.
وظاهِرُ الشَّجَرةِ مَظْهَرٌ لِتَجَلِّي الِاسمِ "الظَّاهِرِ"، فظاهِرُها بِكَمالِ الِانتِظامِ والتَّزيِينِ والحِكمةِ، كأنَّها حُلّةٌ مُنتَظَمةٌ مُزَيَّنةٌ مُرَصَّعةٌ قد قُدَّتْ على مِقدارِ قامَتِها بِكَمالِ الحِكمةِ والعِنايةِ.
وباطِنُ تِلك الشَّجَرةِ مَظهَرٌ لِتَجَلِّي الِاسمِ "الباطِنِ"، فبِكَمالِ الِانتِظامِ والتَّدبِيرِ المُحَيِّرِ للِعُقُولِ، وتَوزِيعِ مَوادِّ الحَياةِ إلى الأَعضاءِ المُختَلِفةِ بِكَمالِ الِانتِظامِ، كأنَّ باطِنَ تِلك الشَّجَرةِ ماكِينةٌ خارِقةٌ في غايةِ الِانتِظامِ والِاتِّزانِ.
فكَما أنَّ أَوَّلَها تَعرِفةٌ عَجِيبةٌ، وآخِرَها فِهرِستةٌ خارِقةٌ تُشِيرانِ إلى "الإِمامِ المُبِينِ"؛ كذَلِك إنَّ ظاهِرَها كحُلّةٍ عَجِيبةِ الصَّنْعةِ، وباطِنَها كَماكِينةٍ في غايةِ الِانتِظامِ، تُشِيرانِ إلى "الكِتابِ المُبِينِ".
فكَما أنَّ القُوَّاتِ الحافِظاتِ في الإِنسانِ تُشِيرُ إلى "اللَّوحِ المَحفُوظِ" وتَدُلُّ عَلَيهِ، كَذلِك إنَّ النَّواتاتِ الأَصلِيّةَ والثَّمَراتِ تُشِيرانِ في كُلِّ شَجَرةٍ إلى "الإِمامِ المُبِينِ"؛ و"الظَّاهِرُ والباطِنُ" يَرمُزانِ إلى "الكِتابِ المُبِينِ"، فقِسْ على هذِه الشَّجَرةِ الجُزئِيّةِ شَجَرةَ الأَرضِ بِماضِيها ومُستَقبَلِها، وشَجَرةَ الكائِناتِ بِأوائِلِها وآتِيها، وشَجَرةَ الإِنسانِ بِأَجْدادِها وأَنسالِها. وهَكَذا...
جَلَّ جَلالُ خالِقِها ولا إِلٰهَ إلّا هُوَ!
يا كَبِيرُ أنتَ الَّذي لا تَهدِي العُقُولُ لِوَصفِ عَظَمَتِه، ولا تَصِلُ الأَفْكارُ إلى كُنْهِ جَبَرُوتِه.
— 437 —
المَرتَبةُ السّابعةُ:
جَلَّ جَلالُه اللهُ أَكبَرُ مِن كُلِّ شَيءٍ قُدرةً وعِلمًا، إذ هُوَ (٭) يُمكِنُ الِانتِقالُ إلى المُسمَّى ذِي الجَلالِ والإِكرامِ إذا ما نُظِر بمِنظارِ هذه الأَسماءِ المُبارَكةِ إلى مَظاهِرِ الأَفعالِ والآثارِ الإِلٰهِيّةِ وَراءَ هذه المَوجُوداتِ. الخَلّاقُ الفَتّاحُ الفَعّالُ العَلّامُ الوَهّابُ الفَيّاضُ شَمسُ الأزَلِ الَّذي هذِه الكائِناتُ بِأنواعِها ومَوجُوداتِها ظِلالُ أَنوارِه، وآثارُ أَفعالِه، وأَلوانُ نُقُوشِ أَنواعِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه، وخُطُوطُ قَلَمِ قَضائِه وقَدَرِه، ومَرايا تَجَلِّياتِ صِفاتِه وجَمالِه وجَلالِه وكَمالِه..
بِإجماعِ الشَّاهِدِ الأَزَليِّ بِجَمِيعِ كُتُبِه وصُحُفِه وآياتِه التَّكوِينيّةِ والقُرآنيّةِ..
وبإِجماعِ الأَرضِ مَعَ العالَمِ بِافتِقاراتِها واحتِياجاتِها في ذاتِها وذَرّاتِها مَعَ تَظاهُرِ الغَناءِ المُطلَقِ والثَّروةِ المُطلَقةِ عَلَيْها..
وبإِجماعِ كُلِّ أَهلِ الشُّهُودِ مِن ذَوِي الأَرواحِ النَّیيِّرةِ والقُلُوبِ المُنَوَّرةِ والعُقُولِ النُّورانيّةِ مِنَ الأنبِياءِ والأولِياءِ والأَصفياءِ بِجَمِيعِ تَحقِيقاتِهِم وكُشُوفاتِهِم وفُيُوضاتِهِم ومُناجاتِهِم..
قَدِ اتَّفَقَ الكُلُّ مِنهُم، ومِنَ الأَرضِ والأَجرامِ العُلوِيّةِ والسُّفلِيّةِ بِما لا يُحَدُّ مِن شَهاداتِهِمُ القَطْعِيّةِ وتَصدِيقاتِهِمُ اليَقِينيّةِ بِقَبُولِ شَهاداتِ الآياتِ التَّكْوِينيّةِ والقُرآنيّةِ وشَهاداتِ الصُّحُفِ والكُتُبِ السَّماوِيّةِ الَّتي هيَ شَهادةُ الواجِبِ الوُجُودِ على أنَّ هذِه المَوجُوداتِ آثارُ قُدْرَتِه ومَكْتُوباتُ قَدَرِه ومَرايا أَسمائِه وتَمَثُّلاتُ أَنوارِه.
جَلَّ جَلالُه ولا إِلٰهَ إلّا هُوَ!
٭ ٭ ٭
— 438 —

اللمعة الثلاثون

مِنَ المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ، وثَمَرةٌ مِن ثِمارِ سِجنِ "أَسكِي شَهِر"، وهِي عِبارةٌ عن سِتِّ نِكاتٍ.
هذا الدَّرسُ القَيِّمُ ثَمَرةٌ مِن ثِمارِ سِجنِ "أَسكِي شَهِر"، وحَصِيلةُ مَدرَسَتِها اليُوسُفِيّةِ، مِثلَما كانَت "رِسالةُ الثَّمَرةِ" ثَمَرةً أَينَعَها سِجنُ "دَنِيزْلي"، وكما كانَت "رِسالةُ الحُجّةِ الزَّهراءِ" دَرسًا بَلِيغًا أَزهَرَ في سِجنِ "آفيُونَ".
تَضُمُّ هذه الرِّسالةُ یی وهِي اللَّمْعةُ الثَّلاثُونَ یی نِكاتٍ دَقِيقةً لِسِتّةٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى.
قد لا يَستَطِيعُ كلُّ أَحَدٍ لِلوَهْلةِ الأُولَى أن يَستَوعِبَ المَسائِلَ العَمِيقةَ والواسِعةَ جِدًّا في القِسمِ الَّذي يَخُصُّ اسمَ اللهِ "الحَيَّ" و"القَيُّومَ" مِنَ الِاسمِ الأَعظَمِ، ويَتَذوَّقَها جَمِيعًا، إلّا أنَّه لا يَبقَى أَحَدٌ دُونَ نَصِيبٍ مِنها وفائِدةٍ يَغنَمُها.
— 439 —

النُّكتة الأولى

تَخُصُّ إِحدَى نِكاتِ اسمِ الله
القُدُّوسُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ
لقد تَجَلَّت لي نُكتةٌ مِن نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ "القُدُّوسِ"، وهُو الِاسمُ الأَعظَمُ أو أَحَدُ أَنورِاه السِّتّةِ، وأنا نَزِيلُ سِجنِ "أَسكِي شَهِر" أَواخِرَ شَهرِ شَعبانَ المُبارَكِ؛ فبَيَّنَ لي: الوُجُودَ الإِلٰهِيَّ بوُضُوحٍ تامٍّ، وكَشَف لي: الوَحْدانيّةَ الرَّبّانيّةَ بجَلاءٍ، كما يَأتِي:
لقد تَراءَى لي هذا الكَونُ وهذه الكُرةُ الأَرضِيّةُ كمَعمَلٍ عَظِيمٍ دائِبِ الحَرَكةِ، وشَبِيهةً بفُندُقٍ واسِعٍ، أو دارِ ضِيافةٍ تُمْلَأُ وتُخلَى بلا انقِطاعٍ، عِلمًا أنَّ مَصنَعًا ودارَ ضِيافةٍ بهذه السَّعةِ وبهذه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الغادِينَ والرّائِحِينَ، تَمتَلِئُ بالنِّفاياتِ والأَنقاضِ، ويُصابُ كلُّ شَيءٍ بالتَّلوُّثِ، وتَضِيقُ فيها أَسبابُ الحَياةِ.. فإن لم تَعمَلْ يدُ التَّنظِيفِ والتَّنسِيقِ فيها عَمَلًا دائِمًا أَدَّت تلك الأَوساخُ إلى اختِناقِ الإِنسانِ واستِحالةِ عَيشِه.
بَيْدَ أنَّنا لا نَكادُ نَرَى في مَعمَلِ الكَونِ العَظِيمِ هذا، وفي دارِ ضِيافةِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ هذه أَثرًا لِلنِّفاياتِ، كما أنَّه لا تُوجَدُ في أيّةِ زاوِيةٍ مِن زَواياهُما مادّةٌ غَيرُ نافِعةٍ، أو غَيرُ ضَرُورِيّةٍ، أو أُلقِيَت عَبَثًا، حتَّى إن ظَهَرَت مادّةٌ كهذه فسَرْعانَ ما تُرمَى في مَكائِنِ تَحوِيلٍ بمُجَرَّدِ ظُهُورِها، تُحِيلُها إلى مادّةٍ نَظِيفةٍ.
— 440 —
فهذا الأَمرُ الدّائِبُ يَدُلُّنا على: أنَّ الَّذي يُراقِبُ هذا المَعمَلَ إنَّما يُراقِبُه بكُلِّ عِنايةٍ وإِتقانٍ، وأنَّ مالِكَه يَقُومُ بتَنظِيفِه وتَنسِيقِه وتَزيِينِه على الدَّوامِ حتَّى لا يُرَى فيه یی رَغمَ ضَخامَتِه یی أَثرٌ لِلقاذُوراتِ والنِّفاياتِ الَّتي تكُونُ مُتَناسِبةً معَ كِبَرِ المَعمَلِ وضَخامَتِه.. فالمُراعاةُ بالتَّطهِيرِ إِذًا مُستَمِرّةٌ، والعِنايةُ بالتَّنظِيفِ دائِمةٌ ومُتَناسِبةٌ معَ ضَخامةِ المَعمَلِ وسَعَتِه، لِأنَّ الإِنسانَ الفَردَ إن لم يَستَحِمَّ ولم يَقُم بتَنظِيفِ غُرفَتِه(2 لالَ شِهرٍ، لَضاقَت علَيْه الحَياةُ.. فكَيفَ بنَظافةِ قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ؟!
إِذًا فالطُّهرُ والنَّقاءُ والصَّفاءُ والبَهاءُ المُشاهَدُ في قَصرِ العالَمِ البَدِيعِ هذا، ما هُو إلّا نابِعٌ مِن تَنظِيفٍ حَكِيمٍ مُستَمِرٍّ، ومِن تَطهِيرٍ دَقِيقٍ دائِمٍ.. فلَوْلا هذه المُراقَبةُ المُستَدِيمةُ لِلنَّظافةِ، والعِنايةُ المُستَمِرّةُ بالطُّهرِ، لَكانَت تَختَنِقُ على سَطْحِ الأَرضِ یی بأَجْوائِها المَوبُوءةِ یی مِئاتُ الآلافِ مِنَ الأَحياءِ خِلالَ سَنةٍ.. ولَوْلا تلك المُراقَبةُ الدَّقِيقةُ والعِنايةُ الفائِقةُ في أَرجاءِ الفَضاءِ الزّاخِرةِ بالكَواكِبِ والنُّجُوم والتَّوابِعِ المُعَرَّضةِ لِلمَوتِ والِاندِثارِ، لَكانَت أَنقاضُها المُتَطايِرةُ في الفَضاءِ تُحَطِّمُ رُؤُوسَنا ورُؤُوسَ الأَحياءِ الأُخرَى، بل رَأسَ الدُّنيا! ولَكانَت تُمطِرُ علَيْنا كُتَلًا هائِلةً بحَجمِ الجِبالِ، وتُرغِمُنا على الفِرارِ مِن وَطَنِنا الدُّنيَوِيِّ! بَينَما لم تَسقُط مُنذُ دُهُورٍ سَحِيقةٍ مِنَ الفَضاءِ الخارِجِيِّ یی نَتِيجةَ الِاندِثارِ یی سِوَى بِضْعةِ نَيازِكَ، ولم تُصِب أَحَدًا مِنَ النّاسِ، بل كانَت عِبْرةً لِمَن يَعتَبِرُ! ولَوْلا التَّنظِيفُ الدّائِبُ والتَّطِهيرُ الدّائِمُ في سَطحِ الأَرضِ، لَكانَتِ جَنائِزُ مِئاتِ الأُلُوفِ مِن أُمَمِ الحَيَواناتِ وأَنقاضُ مِئَتَي أَلفٍ مِن طَوائِفِ النَّباتاتِ، النّاتِجةُ مِن تَعاقُبِ المَوتِ والحَياةِ، تَملَأُ البَرَّ والبَحرَ مَعًا، ولَكانَتِ القَذارةُ تَصِلُ إلى حَدٍّ يَنفِرُ كلُّ مَن له شُعُورٌ أن يَنظُرَ إلى وَجْهِ الأَرضِ الدَّمِيمِ، بل كانَ يَسُوقُه إلى الفِرارِ مِنها إلى المَوتِ والعَدَمِ، ناهِيك عن حُبِّه وعِشقِه.
نعم، مِثلَما يُنظِّفُ الطَّيرُ أَجنِحَتَه بسُهُولةٍ تامّةٍ، أو يُطهِّرُ الكاتِبُ صَحائِفَ كِتابِه بيُسرٍ كامِلٍ، فإنَّ أَجنِحةَ هذه الأَرضِ الطاّئِرةِ یی معَ الطُّيُورِ السَّماوِيّةِ في الفَضاءِ یی وصَحائِفَ هذا الكِتابِ العَظِيمِ یی أَعنِي الكَونَ یی يُنَظَّفانِ ويُطَهَّرانِ ويُجَمَّلانِ ويُزَيَّنانِ بمِثلِ تلك السُّهُولةِ واليُسرِ؛ بل إنَّ تَطهِيرَ سَطحِ الأَرضِ هذا وتَنظِيفَه وتَنسِيقَه وتَزيِينَه هو مِن كَمالِ
— 441 —
الإِتقانِ بحَيثُ يَجعَلُ الَّذِينَ لا يَرَوْن یی بإِيمانِهِم یی جَمالَ الآخِرةِ يَعشَقُونَ هذا الجَمالَ وهذه النَّظافةَ لِهَذا العالَمِ الدُّنيَوِيِّ، بل قد يَعبُدُونَه!
إِذًا فقَصرُ العالَمِ الباذِخُ هذا، ومَعمَلُ الكَونِ الهائِلُ هذا، قد حَظِيَ بتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ "القُدُّوسِ" علَيْه، حتَّى إنَّه عِندَما تَصدُرُ الأَوامِرُ الإِلٰهِيّةُ المُقدَّسةُ الخاصّةُ بالتَّطهِيرِ والتَّنظِيفِ، لا تَصدُرُ لِلحَيَواناتِ البَحرِيّةِ الكَبِيرةِ المُفتَرِسةِ المُؤَدِّيةِ وَظِيفةَ التَّنظِيفِ، والصُّقُورِ البَرِّيّةِ الجارِحةِ وَحْدَها، بل يَستَمِعُ لها أَيضًا أَنواعُ الدِّيدانِ والنَّملِ الَّتي تَجمَعُ الجَنائِزَ وتقُومُ بمُهِمّةِ مُوَظَّفِي الصِّحّةِ العامّةِ الرّاعِينَ لها في هذا العالَمِ، بل تَستَمِعُ لِهذه الأَوامِرِ التَّنظِيفِيّةِ حتَّى الكُرَيّاتُ الحُمْرُ والبِيضُ الجارِيةُ في الدَّمِ فتَقُومُ بمُهِمّةِ التَّنظِيفِ والتَّنقِيةِ في حُجَيراتِ البَدَنِ كما يقُومُ التَّنفُّسُ بتَصفِيةِ الدَّمِ، بل حتَّى الأَجفانُ الرَّقيقةُ تَستَمِعُ لها فتُطَهِّرُ العَينَ باستِمرارٍ، بل حتَّى الذُّبابُ يَستَمِعُ لها فيَقُومُ بتَنظِيفِ أَجنِحَتِه دائِمًا..
ومِثلَما يَستَمِعُ كلُّ ما ذَكَرْناه لِتِلك الأَوامِرِ القُدسِيّةِ بالتَّنظِيفِ، تَستَمِعُ لها أَيضًا الرِّياحُ الهُوجُ والسُّحُبُ الثِّقالُ، فتِلك تُطهِّرُ وَجهَ الأَرضِ مِنَ النِّفاياتِ، والأُخرَى تَرُشُّ رَوْضَتَها بالماءِ الطّاهِرِ فتُسَكِّنُ الغُبارَ والتُّرابَ، ثمَّ تَنسَحِبُ بسُرعةٍ ونِظامٍ حامِلةً أَدَواتِها لِيَعُودَ الجَمالُ السّاطِعُ إلى وَجهِ السَّماءِ صافِيًا مُتَلَألِئًا.
ومِثلَما تَستَمِعُ لتِلك الأَوامِرِ الصّادِرةِ بالتَّطهِيرِ والتَّنظِيفِ النُّجُومُ، والعَناصِرُ، والمَعادِنُ، والنَّباتاتُ، بأَشكالِها وأَنواعِها، تَستَمِعُ لها الذَّرّاتُ جَمِيعًا، حتَّى إنَّها تُراعِي النَّقاوةَ والصَّفاءَ في دَوّاماتِ تَحَوُّلاتِها المُحَيِّرةِ لِلأَلبابِ، فلا تَجتَمِعُ في زاوِيةٍ دُونَ فائِدةٍ، ولا تَزدَحِمُ في رُكنٍ دُونَ نَفعٍ، بل إن تَلوَّثَت تُنظَّفُ فَورًا وتُساقُ سَوْقًا مِن لَدُن قُدْرةٍ حَكِيمةٍ إلى أَخذِ أَطهَرِ الأَوْضاعِ وأَنظَفِها وأَسطَعِها وأَصْفاها، وأَخذِ أَجمَلِ الصُّوَرِ وأَنقاها وأَلطَفِها.
وهكَذا، فإِنَّ فِعلَ التَّطهِيرِ هذا الَّذي هو فِعلٌ واحِدٌ، ويُعَبِّرُ عن حَقِيقةٍ واحِدةٍ، هو تَجَلٍّ أَعظَمُ، مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "القُدُّوسِ" الأَعظَمِ، يُرَى ذلك التَّجَلِّي الأَعظَمُ حتَّى
— 442 —
في أَعظَمِ دَوائِرِ الكَونِ وأَوسَعِها، بحَيثُ يُبيِّنُ الوُجُودَ الرَّبّانِيَّ، ويُظهِرُ وَحْدانيّةَ اللهِ معَ أَسمائِه الحُسنَى ظُهُورًا جَلِيًّا كالشَّمسِ المُنِيرةِ، فتُبصِرُه العُيُونُ النّافِذةُ النَّظَرِ.
وقد ثَبَت ببَراهِينَ دامِغةٍ في أَغلَبِ أَجزاءِ "رَسائِلِ النُّورِ": أنَّ فِعلَ التَّنظِيمِ والنِّظامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ"، وأنَّ فِعلَ الوَزنِ والمِيزانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "العَدْلِ والعادِلِ"، وأنَّ فِعلَ التَّزيِينِ والإِحسانِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الجَمِيلِ والكَرِيمِ"، وأنَّ فِعلَ التَّربِيةِ والإِنعامِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الرَّبِّ والرَّحِيمِ".. كلُّ فِعلٍ مِن هذه الأَفعالِ، هو فِعلٌ واحِدٌ، وحَقِيقةٌ واحِدةٌ، تُشاهَدُ بوُضُوحٍ في آفاقِ الكَونِ كُلِّه، فكُلٌّ مِنها يُشِيرُ إلى وُجُوبِ وُجُودِ واحِدٍ أَحَدٍ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّتَه بجَلاءٍ.
كَذلِك فِعلُ التَّنظِيفِ والتَّطهِيرِ الَّذي هو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "القُدُّوسِ" يَدُلُّ على وُجُودِ ذلك الواجِبِ، كالشَّمسِ، ويُبيِّنُ وَحْدانيَّتَه كالنَّهارِ.. وكما أنَّ الأَفعالَ المَذكُورةَ مِن تَنظِيمٍ وتَقدِيرٍ وتَزيِينٍ وتَنظِيفٍ وأَمثالِها مِنَ الأَفعالِ الحَكِيمةِ تُبيِّنُ خالِقًا واحِدًا أَحَدًا، بوَحْدَتِها النَّوعِيّةِ، وبظُهُورِها في أَوسَعِ الآفاقِ الكَونِيّةِ، كَذلِك أَكثَرُ الأَسماءِ الحُسنَى، بل كلُّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى له تَجَلٍّ أَعظَمُ في أَوسَع دائِرةٍ مِن دَوائِرِ الكَونِ كهَذا.. فيُظهِرُ الفِعلُ النّاتِجُ مِن ذلك التَّجَلِّي الواحِدَ الأَحَدَ ظُهُورًا جَلِيًّا يُناسِبُ سَعَةَ ذلك الفِعلِ ووُضُوحَه.
نعم، إنَّ الحِكمةَ العامّةَ الَّتي تُخضِعُ كلَّ شَيءٍ لِقانُونِها ونِظامِها، والعِنايةَ الشّامِلةَ الَّتي تُجَمِّلُ كلَّ شَيءٍ وتُزيِّنُه، والرَّحْمةَ الواسِعة الَّتي تُدخِلُ السُّرُورَ والبَهجةَ على كلِّ شَيءٍ وتَجعَلُه في حَمْدٍ دائِمٍ، والرِّزقَ العامَّ الَّذي يَعتاشُ علَيْه كلُّ ذِي حَياةٍ ويَتَمتَّعُ بلَذائِذِه، والحَياةَ والإِحياءَ الَّتي تَربِطُ كلَّ شَيءٍ بالأَشياءِ الأُخرَى، وتَجعَلُ الشَّيءَ يَنتَفِعُ مِن كلِّ شَيءٍ كأنَّه مالِكٌ لِلأَشياءِ.. هذه الحَقائِقُ وأَمثالُها، المَشهُودةُ بالبَداهةِ، والمُتَّسِمةُ بالوَحْدةِ، والجاعِلةُ وَجهَ الكَونِ يُشرِقُ بَهاءً، ويَستَهِلُّ بِشرًا وسُرُورًا، تَدُلُّ بَداهةً على: "الحَكِيمِ، الكَرِيمِ، الرَّحِيمِ، الرَّزّاقِ، الحَيِّ المُحيِي"، كما يَدُلُّ الضَّوءُ على
— 443 —
الشَّمسِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى؛ فكُلُّ فِعلٍ مِن هذه الأَفعالِ الواسِعةِ الَّتي تَربُو على المِئاتِ، دَليلٌ باهِرُ الوُضُوحِ على الوَحْدانيّةِ، إن لم يُسنَد إلى "الواحِدِ الأَحَدِ" سُبحانَه، لَنَتَجَت إِذًا مِئاتُ المُحالاتِ بمِئاتٍ مِنَ الأَوْجُهِ.
فمَثلًا: إنَّه لَيسَتِ الأَفعالُ كلُّها كالحِكْمةِ والعِنايةِ والرَّحْمةِ والإِعاشةِ والإِحياءِ الَّتي هي مِنَ الحَقائِقِ البَدِيهِيّةِ ومِن دَلائِلِ التَّوحِيدِ، بل حتَّى فِعلٌ واحِدٌ فقط مِنها وهُو فِعلُ التَّطهِيرِ، لو لم يُسنَد إلى رَبِّ العالَمِينَ لَلَزِمَ یی في طَرِيقِ الكُفرِ والضَّلالةِ یی أن يكُونَ كلُّ شَيءٍ له عَلاقةٌ بالتَّنظِيفِ ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ، إلى الحَشَراتِ، إلى العَناصِرِ، إلى النُّجُومِ، على عِلمٍ ومَعرِفةٍ بتَنظِيفِ هذا الكَونِ العَظِيمِ وتَزيِينِه وتَجمِيلِه ومُوازَنةِ ما فيه!! وأن يُلاحِظَ الأُمُورَ وَفْقَها، ويَقدِرَ على التَّحَرُّكِ.. أو يَلزَمُ أن يتَّصِفَ كلٌّ مِنها بالصِّفاتِ القُدسِيّةِ الجَلِيلةِ لِرَبِّ العالَمِينَ!! أو يَلزَمُ أن يكُونَ هُنالِك مَجلِسُ شُورَى واسِعٌ سَعَةَ الكَونِ كلِّه لِتَنظِيمِ جَمِيعِ تَزيِيناتِ الكَونِ وتَطهِيرِه وتَقدِيرِ كلِّ ما يَلِجُ فيه وما يَخرُجُ مِنه ومُوازَنَتِه، وأن يُشَكِّل هذا المَجلِسَ ما لا يُحَدُّ مِنَ الذَّرّاتِ والحَشَراتِ والنُّجُومِ!!
وهكَذا يَصِلُ سالِكُ طَرِيقِ الكُفرِ إلى مِئاتٍ مِن أَمثالِ هذه الخُرافاتِ السَّخِيفةِ والمُحالاتِ السُّوفْسَطائيّةِ كي يَظهَرَ التَّزيِينُ المُحِيطُ والتَّنظِيفُ الشّامِلُ الظّاهِرُ في الأَرجاءِ كافّةً. أي: لا يَنشَأُ مُحالٌ واحِدٌ بل مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المُحالاتِ.
نعم، إن لم يُسنَد ضَوءُ النَّهارِ والشُمَيْساتُ المُتَألِّقةُ المِثاليّةُ في كلِّ شَيءٍ على سَطحِ الأَرضِ، إلى الشَّمسِ الواحِدةِ، ولم تُفسَّر على أنَّها انعِكاساتٌ لِتَجَلِّي تلك الشَّمسِ الواحِدةِ، لَلَزِمَ وُجُودُ شَمسٍ حَقِيقيّةٍ في كلِّ قَطْرةِ ماءٍ لَمّاعةٍ، وفي كلِّ قِطعةِ زُجاجٍ شَفّافةٍ، وفي كلِّ بِلَّوْرةِ ثَلجٍ مُشِعّةٍ، حتَّى في كلِّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِ الهَواءِ، كي يَظهَرَ ذلك الضَّوءُ الَّذي يَعُمُّ الوُجُودَ!!
وهكَذا، فالحِكْمةُ ضِياءٌ، والرَّحْمةُ الواسِعةُ ضِياءٌ، والتَّزيِينُ والمُوازَنةُ والتَّنظِيمُ والتَّنظِيفُ كلٌّ مِنها ضِياءٌ شامِلٌ مُحِيطٌ وشُعاعٌ مِن أَشِعّةِ ذلك النُّورِ الأَزَليِّ سُبحانَه.
— 444 —
فانظُرِ الآنَ بنُورِ هذا الإِيمانِ لِتَرَى كَيفَ يَسقُطُ أَهلُ الكُفرِ والضَّلالةِ في مُستَنقَعٍ آسِنٍ لا يُمكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنه، وشاهِدْ مَدَى حَماقةِ أَهلِ الضَّلالةِ وجَهالَتِهِم! واحْمَدِ اللهَ قائِلًا: "الحَمدُ للهِ على دِينِ الإِسلامِ وكَمالِ الإِيمانِ".
نعم، إنَّ هذا التَّنظِيفَ السّامِيَ الشّامِلَ المُشاهَدَ الَّذي يَجعَلُ قَصرَ العالَمِ طاهِرًا نَقِيًّا نَظِيفًا لَهُو تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "القُدُّوس" ومُقتَضًى مِن مُقتَضَياتِه.. وكما تَتَوجَّهُ تَسبِيحاتُ المَخلُوقاتِ جَمِيعِها إلى اسمِ "القُدُّوسِ" وتَرنُو إلَيْه، كَذلِك يَستَدعِي اسمُ "القُدُّوسِ" نَظافةَ تلك المَخلُوقاتِ وطَهارَتَها، (حاشية): يَجِبُ ألّا نَنسَى أنَّ الخِصالَ القَبِيحةَ، والِاعتِقاداتِ الباطِلةَ، والذُّنُوبَ والآثامَ، والبِدَعَ، كلُّها مِنَ الأَوساخِ المَعنَوِيّةِ. حتَّى عَدَّ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ: "النَّظافةُ مِنَ الإِيمانِ" الطُّهُورَ نُورًا مِن أَنوارِه لِارتِباطِه القُدسِيِّ هذا، وأَظهَرَتِ الآيةُ الكَرِيمةُ أنَّ الطُّهرَ مَدْعاةٌ إلى المَحَبّةِ الإِلٰهِيّةِ ومَدارٌ لها، في قَولِه تَعالَى:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
٭ ٭ ٭
— 445 —

النُّكتة الثانية للَّمْعة الثلاثين

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
لقد تَراءَت لي نُكتةٌ لَطِيفةٌ مِن نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ: "العَدْلِ" الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو هو نُورٌ مِن أَنوارِه السِّتّةِ.. تَراءَى لي ذلك النُّورُ مِن بَعِيدٍ یی كما هي الحالُ في النُّكتةِ الأُولَى یی وأنا نَزِيلُ سِجنِ "أَسكِي شَهِر"، ولِأَجلِ تَقرِيبِه إلى الأَفهامِ نَسلُكُ أَيضًا طَرِيقَ ضَربِ الأَمثالِ، فنَقُولُ:
هذا الكَونُ قَصرٌ بَدِيعٌ يَضُمُّ مَدِينةً واسِعةً تَتَداوَلُها عَوامِلُ التَّخرِيبِ والتَّعمِيرِ، وفي تلك المَدِينةِ مَملَكةٌ واسِعةٌ تَغلِي باستِمرارٍ مِن شِدّةِ مَظاهِرِ الحَربِ والهِجْرةِ، وبَينَ جَوانِحِ تلك المَملَكةِ عالَمٌ عَظِيمٌ يَسبَحُ كلَّ حِينٍ في خِضَمِّ المَوتِ والحَياةِ.. ولكِن على الرَّغمِ مِن كلِّ مَظاهِرِ الِاضطِرابِ، فإنَّ مُوازَنةً عامّةً ومِيزانًا حَسّاسًا، وعَمَلِيّةَ وَزنٍ دَقِيقٍ تُسَيطِرُ في كلِّ جَوانِبِ القَصرِ ونَواحِي المَدِينةِ وتَسُودُ في كلِّ أَرجاءِ المَملَكةِ وأَطرافِ العالَمِ، وتُهَيمِنُ علَيْها هَيْمَنةً، بحَيثُ تَدُلُّ بَداهةً على: أنَّ ما يَحدُثُ ضِمنَ هذه المَوجُوداتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ مِن تَحَوُّلاتٍ، وما يَلِجُ فيها وما يَخرُجُ مِنها لا يُمكِنُ أن يكُونَ إلّا بعَمَلِيّةِ وَزنٍ وكَيلٍ، وبِمِيزانِ مَن يَرَى أَنحاءَ الوُجُودِ كلَّها في آنٍ واحِدٍ، ومَن تَجرِي المَوجُوداتُ جَمِيعُها أَمامَ نَظَرِ مُراقَبَتِه في كلِّ حِينٍ.. ذلِكُمُ الواحِدُ الأَحَدُ سُبحانَه.
وإلّا فلو كانَتِ الأَسبابُ السّاعِيةُ إلى اختِلالِ التَّوازُنِ، سائِبةً أو مُفَوَّضةً إلى المُصادَفةِ العَشواءِ أوِ القُوّةِ العَمْياءِ أوِ الطَّبِيعةِ المُظلِمةِ البَلْهاءِ، لَكانَت بُوَيضاتُ
— 446 —
سَمَكةٍ واحِدةٍ یی وهِي تَزِيدُ على الأُلُوفِ یی تُخِلُّ بتِلك المُوازَنةِ، بل بُذَيراتُ زَهرةٍ واحِدةٍ یی كالخَشْخاشِ یی الَّتي تَزِيدُ على عِشرِينَ أَلفًا تُخِلُّ بها؛ ناهِيك عن تَدَفُّقِ العَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ، والِانقِلاباتِ الهائِلةِ والتَّحَوُّلاتِ الضَّخْمةِ الَّتي تَحدُثُ في أَرجاءِ الكَونِ.. كلٌّ مِنها لو كانَ سائِبًا لَكانَ قَمِينًا أن يُخِلَّ بتلك المُوازَنةِ الدَّقِيقةِ المَنصُوبةِ بَينَ المَوجُوداتِ، ويُفسِدَ التَّوازُنَ الكامِلَ بَينَ أَجزاءِ الكائِناتِ خِلالَ سَنةٍ واحِدةٍ، بل خِلالَ يَومٍ واحِدٍ؛ ولَكُنتَ تَرَى العالَمَ وقد حَلَّ فيه الهَرْجُ والمَرْجُ.. وتَعَرَّض لِلِاضطِراباتِ والفَسادِ.. فكانَتِ البِحارُ تَمتَلِئُ بالأَنقاضِ والجُثَثِ، وتَتَعفَّنُ.. والهَواءُ يَتَسمَّمُ بالغازاتِ المُضِرّةِ الخانِقةِ، ويَفسُدُ؛ والأَرضُ تُصبِحُ مَزبَلةً ومَسلَخةً، وتَغدُو مُستَنقَعًا آسِنًا لا تُطاقُ فيه الحَياةُ.
فإن شِئتَ فأَنعِمِ النَّظَرَ في المَوجُوداتِ كُلِّها، ابتِداءً مِن حُجَيراتِ الجِسمِ إلى الكُرَيّاتِ الحُمْرِ والبِيضِ في الدَّمِ، ومِن تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ إلى التَّناسُبِ والِانسِجامِ بَينَ أَجهِزةِ الجِسمِ، ومِن وارِداتِ البِحارِ ومَصارِيفِها إلى مَوارِدِ المِياهِ الجَوْفيّةِ وصَرفِيّاتِها، ومِن تَوَلُّداتِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ ووَفَيَاتِها إلى تَخرِيباتِ الخَرِيفِ وتَعمِيراتِ الرَّبِيعِ، ومِن وَظائِفِ العَناصِرِ وحَرَكاتِ النُّجُومِ إلى تَبَدُّلِ المَوتِ والحَياةِ، ومِن تَصادُمِ النُّورِ والظَّلامِ إلى تَعارُضِ الحَرارةِ والبُرُودةِ.. وما شابَهَها مِن أُمُورٍ، كي تَرَى أنَّ الكُلَّ: يُوزَنُ ويُقدَّرُ بمِيزانٍ خارِقِ الحَساسِيّةِ، وأنَّ الجَمِيعَ يُكالُ بمِكيالٍ غايةٍ في الدِّقّةِ، بحَيثُ يَعجِزُ عَقلُ الإِنسانِ أن يَرَى إِسرافًا حَقِيقيًّا في مَكانٍ وعَبَثًا في جُزءٍ.. بل يَلمَسُ عِلمُ الإِنسانِ ويُشاهِدُ أَكمَلَ نِظامٍ وأَتقَنَه في كلِّ شَيءٍ فيُحاوِلُ أن يُظهِرَه، ويَرَى أَرْوَعَ تَوازُنٍ وأَبدَعَه في كلِّ مَوجُودٍ فيَسعَى لِإبرازِه.. فما العُلُومُ الَّتي تَوَصَّل إلَيْها الإِنسانُ إلّا تَرجَمةٌ لِذلِك النِّظامِ البَدِيعِ وتَعبِيرٌ عن ذلك التَّوازُنِ الرّائِعِ.
فتَأَمَّلْ في المُوازَنةِ الرّائِعةِ بَينَ الشَّمسِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ الِاثنَتَيْ عَشْرةَ الَّتي كلٌّ مِنها مُختَلِفةٌ عنِ الأُخرَى، ألا تَدُلُّ هذه المُوازَنةُ دَلالةً واضِحةً وُضُوحَ الشَّمسِ نَفسِها على اللهِ سُبحانَه الَّذي هو "العَدْلُ القَدِيرُ"؟
— 447 —
ثمَّ تَأمَّلْ في الأَرضِ یی وهِي إِحدَى الكَواكِبِ السَّيّارةِ یی هذه السَّفِينةِ الجارِيةِ السّابِحةِ في الفَضاءِ الَّتي تَجُولُ في سَنةٍ واحِدةٍ مَسافةً يُقَدَّرُ طُولُها بأَربَعٍ وعِشرِينَ أَلفَ سَنةٍ؛ ومعَ هذه السُّرعةِ المُذهِلةِ لا تُبَعثِرُ المَوادَّ المُنَسَّقةَ على سَطْحِها ولا تَضطَرِبُ بها ولا تُطلِقُها إلى الفَضاءِ.. فلو زِيدَ شَيءٌ قَلِيلٌ في سُرعَتِها أو أُنقِصَ مِنها لكانَت تَقذِفُ بقاطِنِيها إلى الفَضاءِ، ولو أَخَلَّت بمُوازَنَتِها لِدَقِيقةٍ، بل لِثانيةٍ واحِدةٍ، لَتَعثَّرَت في سَيْرِها واضْطَرَبَت، ولَرُبَّما اصْطَدَمَت بغَيرِها مِنَ السَّيّاراتِ، ولَقامَتِ القِيامةُ.
ثمَّ تَأمَّلْ في تَوَلُّداتِ ووَفَيَاتِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ وإِعاشَتِهِما وحَياتِهِما على الأَرضِ، والَّتي يَزِيدُ عَدَدُ أَنواعِها على الأَربَعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ، تَرَ مُوازَنةً رائِعةً ذاتَ رَحْمةٍ، تَدُلُّك دَلالةً قاطِعةً على الخالِقِ العادِلِ الرَّحِيمِ جَلَّ جَلالُه، كدَلالةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ.
ثمَّ تَأمَّلْ في أَعضاءِ كائِنٍ حَيٍّ مِنَ الأَحياءِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، ودَقِّقْ في أَجهِزَتِه وفي حَواسِّه.. تَرَ فيها مِنَ الِانسِجامِ التّامِّ والتَّناسُقِ الكامِلِ والمُوازَنةِ الدَّقِيقةِ ما يَدُلُّك بَداهةً على الصّانِعِ الَّذي هو "العَدْلُ الحَكِيمُ".
ثمَّ تَأمَّلْ في حُجَيراتِ جِسمِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَوعِيةِ الدَّمِ، وفي الكُرَيّاتِ السّابِحةِ في الدَّمِ، وفي ذَرّاتِ تلك الكُرَيّاتِ، تَجِدْ مِنَ المُوازَنةِ الخارِقةِ البَدِيعةِ ما يُثبِتُ لك إِثباتًا قاطِعًا أنَّه لا تَحصُلُ هذه المُوازَنةُ الرّائِعةُ ولا إِدارَتُها الشّامِلةُ، ولا تَربِيَتُها الحَكِيمةُ إلّا بمِيزانٍ حَسّاسٍ وبقانُونٍ نافِذٍ وبنِظامٍ صارِمٍ لِلخالِقِ الواحِدِ الأَحَدِ "العَدْلِ الحَكِيمِ" الَّذي بِيَدِه ناصِيةُ كلِّ شَيءٍ، وعِندَه مَفاتِيحُ كلِّ شَيءٍ، لا يُحجَبُ عنه شَيءٌ ولا يَعزُبُ، ويُدِيرُ كلَّ شَيءٍ بسُهُولةِ إِدارةِ شَيءٍ واحِدٍ.
إنَّ الَّذي لا يَعتَقِدُ أنَّ أَعمالَ الجِنِّ والإِنسِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ تُوزَنُ بمِيزانِ العَدلِ الإِلٰهِيِّ، ويَستَغرِبُ تلك المُوازَنةَ ويَستَبعِدُها ولا يُؤمِنُ بها، أَقُولُ: لو تَمَكَّن أن يَتَأمَّلَ فيما هو ظاهِرٌ مُشاهَدٌ مِن أَنواعِ المُوازَنةِ الكُبرَى أَمامَه في هذه الدُّنيا لَزالَ استِبعادُه واستِنكارُه حَتْمًا.
— 448 —
أيُّها الإِنسانُ المُسرِفُ الظّالِمُ الوَسِخُ!!
اِعْلَمْ، أنَّ "الِاقتِصادَ والطُّهرَ والعَدالةَ" سُنَنٌ إِلٰهِيّةٌ جارِيةٌ في الكَونِ، ودَساتِيرُ إِلٰهِيّةٌ شامِلةٌ تَدُورُ رَحَى المَوجُوداتِ علَيْها، لا يُفلِتُ مِنها شَيءٌ إلّا أنت أيُّها الشَّقِيُّ، وأنت بمُخالَفَتِك المَوجُوداتِ كُلَّها في سَيْرِها وَفقَ هذه السُّنَنِ الشّامِلةِ تَلقَى النَّفْرةَ مِنها والغَضَبَ علَيْك وأنت تَستَحِقُّها.. فعَلامَ تَستَنِدُ حتَّى تُثِيرَ غَضَبَ المَوجُوداتِ كلِّها علَيْك، فتَقتَرِفُ الظُّلمَ والإِسرافَ، ولا تَكتَرِثُ لِلمُوازَنةِ والنَّظافةِ؟
نعم، إنَّ الحِكمةَ العامّةَ المُهَيمِنةَ في الكَونِ، والَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ "الحَكِيمِ" إنَّما تَدُورُ حَولَ مِحْوَرِ الِاقتِصادِ وعَدَمِ الإِسرافِ، فتَأمُرُ بالِاقتِصادِ.
وإنَّ العَدالةَ العامّةَ الجارِيةَ في الكَونِ النّابِعةَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "العَدْلِ" إنَّما تُدِيرُ مُوازَنةَ عُمُومِ الأَشياءِ، وتَأمُرُ البَشَرِيّةَ بإِقامةِ العَدْلِ؛ وإنَّ ذِكرَ المِيزانِ أَربَعَ مَرّاتٍ في سُورةِ الرَّحمٰنِ إِشارةٌ إلى أَربَعةِ أَنواعٍ مِنَ المَوازِينِ في أَربَعِ مَراتِبَ، وبَيانٌ لِأَهَمِّيّةِ المِيزانِ البالِغةِ ولِقِيمَتِه العُظمَى في الكَونِ، وذلك في قَولِه تَعالَى: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ٭ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ٭ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ نعم، فكما لا إِسرافَ في شَيءٍ، فلا ظُلمَ كَذلِك ظُلمًا حَقِيقيًّا في شَيءٍ، ولا بَخْسَ في المِيزانِ قَطُّ.
وإنَّ التَّطهِيرَ والطُّهرَ الصّادِرَ مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القُدُّوسِ" يَعرِضُ المَوجُوداتِ بأَبهَى صُورَتِها وأَبدَعِ زِينَتِها، فلا تَرَى ثَمّةَ قَذارةً في مَوجُودٍ، ولا تَجِدُ قُبحًا أَصِيلًا في شَيءٍ ما لم تَمَسَّه يَدُ البَشَرِ الوَسِخةُ.
فاعْلَمْ مِن هذا أنَّ "العَدالةَ والِاقتِصادَ والطُّهرَ" الَّتي هي مِن حَقائِقِ القُرآنِ ودَساتيرِ الإِسلامِ، ما أَشَدَّها إِيغالًا في أَعماقِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ! وما أَشَدَّها عَراقةً وأَصالةً! وأَدْرِكْ مِن هذا مَدَى قُوّةِ ارتِباطِ أَحكامِ القُرآنِ بالكَونِ، وكَيفَ أنَّها مَدَّت جُذُورًا عَمِيقةً في أَغوارِ الكَونِ، فأَحاطَتْه بعُرًى وَثِيقةٍ لا انفِصامَ لها، ثمَّ افْهَمْ مِنها أنَّ إِفسادَ تلك الحَقائِقِ مُمتَنِعٌ كامتِناعِ إِفسادِ نِظامِ الكَونِ والإِخلالِ به وتَشوِيهِ صُورَتِه.
— 449 —
ومِثلَما تَستَلزِمُ هذه الحَقائِقُ المُحِيطةُ بالكَونِ، وهذه الأَنوارُ العَظِيمةُ الثَّلاثةُ "العَدالةُ والِاقتِصادُ والطُّهرُ" الحَشرَ والآخِرةَ، فإنَّ حَقائِقَ مُحِيطةً معَها: كالرَّحْمةِ والعِنايةِ والحِفظِ، وأَمثالَها مِن مِئاتِ الحَقائِقِ المُحِيطةِ والأَنوارِ العَظِيمةِ تَستَلزِمُ الحَشرَ وتَقتَضِي الحَياةَ الآخِرةَ، إذ هل يُمكِنُ أن تَنقَلِبَ مِثلُ هذه الحَقائِقِ المُهَيمِنةِ على المَوجُوداتِ والمُحِيطةِ بالكَونِ إلى أَضدادِها بعَدَمِ مَجِيءِ الحَشرِ وبعَدَمِ إِقامةِ الآخِرةِ؟! أي: أن تَنقَلِبَ الرَّحْمةُ إلى ضِدِّها وهو الظُّلمُ، وتَنقَلِبَ الحِكمةُ والِاقتِصادُ إلى ضِدِّهِما وهو فِقدانُ الحِكمةِ والإِسرافُ، ويَنقَلِبَ الطُّهرُ إلى ضِدِّه وهو العَبَثُ والفَسادُ. حاشَ للهِ!
إنَّ الرَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ، والحِكمةَ الرَّبّانيّةَ اللَّتَينِ تُحافِظانِ على حَقِّ حَياةِ بَعُوضةٍ ضَعِيفةٍ مُحافَظةً تَتَّسِمُ بالرَّحْمةِ الواسِعةِ، لا يُمكِنُ أن تُضَيِّعا یی بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ یی حُقُوقَ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ غَيرِ المَحدُودِينَ وتَهضِما حُقُوقًا غَيرَ مُتَناهِيةٍ لِمَوجُوداتٍ غَيرِ مَحصُورةٍ.. وإنَّ عَظَمةَ الرُّبُوبيّةِ الَّتي تُظهِرُ دِقّةً مُتَناهِيةً وحَساسِيّةً فائِقةً یی إذا جازَ التَّعبِيرُ یی في الرَّحْمةِ والشَّفَقةِ والعَدالةِ والحِكمةِ، وكذا الأُلُوهِيّةُ الباسِطةُ سُلْطانَها على الوُجُودِ كُلِّه، والَّتي تُرِيدُ إِظهارَ كَمالاتِها وتَعرِيفَ نَفسِها وتَحبِيبَها بتَزيِيناتِها الكائِناتِ ببَدائِعِ صَنائِعِها وبِما أَسبَغَت علَيْها مِن نِعَمٍ، هل يُمكِنُ أن تَسمَحَ یی هذه الرُّبُوبيّةُ العَظِيمةُ والأُلُوهِيّةُ الجَلِيلةُ یی بعَدَمِ إِقامةِ الحَشرِ الَّذي يُسَبِّبُ الحَطَّ مِن قِيمةِ جَمِيعِ كَمالاتِها ومِن قِيمةِ مَخلُوقاتِها قاطِبةً؟ تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا! فمِثلُ هذا الجَمالِ المُطلَقِ لا يَرضَى یی بالبَداهةِ یی بمِثلِ هذا القُبحِ المُطلَقِ.
فالَّذي يُرِيدُ أن يُنكِرَ الآخِرةَ علَيْه أن يُنكِرَ وُجُودَ هذا الكَونِ أَوَّلًا بجَمِيعِ ما فيه مِن حَقائِقَ، وإلّا فالكائِناتُ معَ حَقائِقِها المُتَأَصِّلةِ فيها تُكَذِّبُه بأُلُوفٍ مِنَ الأَلسِنةِ، وتُثبِتُ له أنَّه الكَذّابُ الأَشِرُ.. وقد أَثبَتَت "رِسالةُ الحَشرِ" بدَلائِلَ قاطِعةٍ: أنَّ وُجُودَ الآخِرةِ ثابِتٌ وقاطِعٌ لا رَيبَ فيه كوُجُودِ هذه الدُّنيا.
٭ ٭ ٭
— 450 —

النُّیكتة الثالثة

التي تُشير إلى النور الثالث من الأنوار السِّتّة للِاسم الأعظم
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
لقد تَراءَت لي نُكتةٌ مِنَ النِّكاتِ الدَّقِيقةِ لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، ونُورٌ مِن أَنوارِ تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ «الحَكَمِ» الَّذي هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، أو أَحَدُ أَنوارِه، في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، فكُتِبَت هذه النُّكتةُ المُشتَمِلةُ على خَمسِ نِقاطٍ على عَجَلٍ، فأَثبَتُّها على حالِها في المُسَوَّدةِ دُونَ تَنقِيحٍ أو تَغيِيرٍ.
النُّقطة الأولى للنُّكتة الثالثة:
مِثلَما ذُكِرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الحَكَمِ" جَعَل هذا الكَونَ بمَثابةِ كِتابٍ عَظِيمٍ كُتِبَت في كلِّ صَحِيفةٍ مِن صَحائِفِه مِئاتُ الكُتُبِ، وأُدرِجَت في كلِّ سَطرٍ مِنه مِئاتُ الصَّفَحاتِ، وخُطَّت في كلِّ كَلِمةٍ مِنه مِئاتُ الأَسطُرِ، وتُقرَأُ تَحتَ كلِّ حَرفٍ فيه مِئاتُ الكَلِماتِ، وحُفِظَ في كلِّ نُقطةٍ مِن نِقاطِه فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ صَغِيرٌ يُلَخِّصُ مُحتَوَياتِ الكِتابِ كُلِّه.. فهذا الكِتابُ بصَحائِفِه وأَسطُرِه بل بنِقاطِه يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً ساطِعةً یی بمِئاتِ الأَوجُهِ یی على مُصَوِّرِه وكاتِبِه؛ حتَّى إنَّ مُشاهَدةَ الكِتابِ الكَونِيِّ العَظِيمِ هذا وَحْدَها كافِيةٌ لِلدَّلالةِ على وُجُودِ كاتِبِه، بل تَسُوقُنا إلى مَعرِفةِ وُجُودِه ووَحْدانيَّتِه بما يَفُوقُ دَلالةَ الكِتابِ على نَفسِه أَضعافًا مُضاعَفةً، إذ بَينَما يَدُلُّ حَرفٌ على وُجُودِه ويُعَبِّرُ عن نَفسِه بمِقدارِ حَرفٍ، فإنَّه يُعَبِّرُ عن أَوْصافِ كاتِبِه بمِقدارِ سَطرٍ..
نعم، إنَّ سَطْحَ الأَرضِ "صَحِيفةٌ" مِن هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، هذه الصَّحِيفةُ تَضُمُّ كُتُبًا بعَدَدِ طَوائِفِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَنظارِنا في مَوسِمِ الرَّبِيعِ في غايةِ الكَمالِ والإِتقانِ، مِن دُونِ خَطَأٍ، كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، في آنٍ واحِدٍ.
— 451 —
والبُستانُ "سَطْرٌ" مِن هذه الصَّحِيفةِ، نُشاهِدُ فيه قَصائِدَ مَنظُومةً بعَدَدِ الأَزهارِ والأَشجارِ والنَّباتاتِ وهِي تُكتَبُ أَمامَ أَعيُنِنا كِتابةً مُتَداخِلةً، جَنبًا إلى جَنبٍ، مِن دُونِ خَطَأٍ.
والشَّجَرةُ النّامِيةُ الزّاهِيةُ أَوْراقُها، المُفَتَّحةُ أَزهارُها، وقد أَوْشَكَت أن تَخرُجَ أَثمارُها مِن أَكمامِها، هذه الشَّجَرةُ "كَلِمةٌ" مِن ذلك السَّطرِ، فهذه الكَلِمةُ تُمَثِّلُ فِقْرةً كامِلةً ذاتَ مَغزًى تُعَبِّرُ تَعبِيرًا بَلِيغًا عن ثَنائِها وحَمْدِها ودَلالَتِها على "الحَكَمِ" ذِي الجَلالِ، بعَدَدِ أَوْراقِها المُنتَظِمةِ وأَزهارِها المُزَيَّنةِ وأَثمارِها المَوزُونةِ، حتَّى لَكَأنَّ تلك الشَّجَرةَ المُفَتَّحةَ الأَزهارِ قَصِيدةٌ عَصْماءُ تَتَغنَّى بالمَدحِ والثَّناءِ على آلاءِ بارِئِها المُصَوِّرِ الجَلِيلِ.
وكأنَّ "الحَكمَ" ذا الجَلالِ يُرِيدُ أن يَنظُرَ إلى ما عَرَضَه مِن بَدائِعِ آثارِه وعَجائِبِ مَخلُوقاتِه في مَعرِضِ الأَرضِ البَدِيع بأُلُوفٍ مِنَ العُيُونِ؛ وكَأنَّ تلك الهَدايا الثَّمِينةَ والأَوْسِمةَ الغالِيةَ والشّاراتِ اللَّطِيفةَ الَّتي مَنَحَها اللهُ تَعالَى لتلك الشَّجَرةِ قد أَعطَتْها مِنَ الشَّكلِ الجَمِيلِ المُزَيَّنِ، والهَيْئةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ، والإِبانةِ الحَكِيمةِ البَلِيغةِ ما يُهَيِّئُها لِلعَرضِ أَمامَ أَنظارِ المَلِكِ العَظِيمِ في الرَّبِيعِ الَّذي هو عِيدُها الخاصُّ وعَرْضُها العامُّ.. فتَنطِقُ بالشَّهادةِ على وُجُودِ البارِئِ المُصَوِّرِ والدَّلالةِ على أَسمائِه الحُسنَى أَلسِنةٌ عَدِيدةٌ ووُجُوهٌ كَثِيرةٌ مُتَداخِلةٌ، مِن كلِّ زَهرةٍ مِن أَزهارِ الشَّجَرةِ، ومِن كلِّ ثَمَرةٍ مِن ثِمارِها.
فمَثلًا: إنَّ في كلِّ زَهرةٍ وثَمَرةٍ مِيزانٌ دَقِيقٌ، وذلك المِيزانُ مُقَدَّرٌ وَفقَ تَناسُقٍ بَدِيعٍ، وذلك التَّناسُقُ يَسِيرُ مُنسَجِمًا معَ تَنظِيمٍ ومُوازَنةٍ يَتَجدَّدانِ، وذلك التَّنظِيمُ والمُوازَنةُ يَجرِيانِ في ثَنايا زِينةٍ فاخِرةٍ وصَنْعةٍ مُتقَنةٍ، وتلك الزِّينةُ والإِتقانُ يَظهَرانِ برَوائِحَ ذاتِ مَغزًى وبمَذاقاتٍ ذاتِ حِكْمةٍ.. وهكَذا تُشِيرُ كلُّ زَهرةٍ إلى الحَكَمِ ذِي الجَلالِ إِشاراتٍ، وتَدُلُّ علَيْه دَلالاتٍ، بعَدَدِ أَزهارِ تلك الشَّجَرةِ.
والشَّجَرةُ الَّتي هي بمَثابةِ كَلِمةٍ، وثِمارُها الَّتي هي بحُكمِ حُرُوفِ تلك الكَلِمةِ، وبُذُورُ الثَّمَرِ كأنَّها نِقاطُ تلك الحُرُوفِ الَّتي تَضُمُّ فِهرِسَ الشَّجَرةِ كامِلًا وتَحمِلُ خُطّةَ أَعمالِها.. هذه الشَّجَرةُ إذا أَخَذْناها مِثالًا وقِسْنا علَيْها كِتابَ الكَونِ الكَبِيرِ، نَرَى سُطُورَه وصَحائِفَه قد صارَت بتَجَلِّي أَنوارِ اسمِ "الحَكِيم الحَكَمِ" مُعجِزةً باهِرةً، بل غَدَت كلُّ
— 452 —
صَحِيفةٍ مِنه، وكلُّ سَطرٍ مِنه، وكلُّ كَلِمةٍ، وكلُّ حَرفٍ، وكلُّ نُقطةٍ، مُعجِزةٌ تَبلُغُ مِنَ العَظَمةِ ما لوِ اجتَمَعَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ كلُّها على أن تَأتِيَ بمِثلِ تلك النُّقطةِ یی أي: البِذرةِ یی أو بنَظِيرِها لا تَأتِي بمِثلِها، بل تَعجِزُ الأَسبابُ جَمِيعُها عَجْزًا مُطلَقًا عن مُعارَضَتِها.
نعم، إنَّ كلَّ آيةٍ كَونيّةٍ مِن آياتِ قُرآنِ الكَونِ العَظِيمِ المَنظُورِ تَعرِضُ لِلأَنظارِ مُعجِزاتٍ نَيِّراتٍ هي بعَدَدِ نِقاطِها وحُرُوفِها، فلا جَرَمَ أنَّ المُصادَفةَ العَشواءَ والقُوّةَ العَمْياءَ، والطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ البَلْهاءَ الَّتي لا هَدَفَ لها ولا مِيزانَ، لا يُمكِنُها أن تَتَدخَّلَ یی في أيّةِ جِهةٍ كانَت یی في هذا المِيزانِ المُتقَنِ الخاصِّ، وفي هذا الِانتِظامِ الدَّقِيقِ البَدِيعِ المُتَّسِمَينِ بالحِكمةِ والبَصِيرةِ؛ فلَوِ افتُرِضَ تَدَخُّلُها یی جَدَلًا یی لَظَهَر أَثَرُ التَّدخُّلِ، بَينَما لا يُشاهَدُ في أيِّ مَكانٍ تَفاوُتٌ ولا خَللٌ قَطُّ.
النُّقطة الثانية للنُّیكتة الثالثة: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: مِثلَما وُضِّحَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" أنَّه مِنَ القَواعِدِ الأَساسِيّةِ الرَّصِينةِ: أنَّ الجَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الكَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ جَمالَه، وأنَّ الكَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الجَمالِ لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ كَمالَه؛ فبِناءً على هذا الدُّستُورِ العامِّ فإنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه الَّذي أَبدَع كِتابَ الكَونِ العَظِيمِ هذا يُعرِّفُ جَمالَ كَمالِه وكَمالَ جَمالِه ويُحَبِّبُه بأَلسِنةِ مَخلُوقاتِه یی ابتِداءً مِن أَصغَرِ جُزئيٍّ إلى أَكبَرِ كُلِّيٍّ یی فيُعرِّفُ سُبحانَه ذاتَه المُقدَّسةَ، ويُفهِّمُ كَمالَه السّامِيَ، ويُظهِرُ جَمالَه البَدِيعَ: بهذا الكَونِ الرّائِعِ، وبكُلِّ صَحِيفةٍ فيه، وبكُلِّ سَطرٍ فيه، وبكُلِّ كَلِمةٍ فيه، بل حتَّى بكُلِّ حَرفٍ وبكُلِّ نُقطةٍ مِن كِتابِه العَظِيمِ هذا.
فيا أيُّها الغافِلُ، إنَّ هذا "الحَكِيمَ الحَكَمَ الحاكِمَ" ذا الجَلالِ والجَمالِ، إذ يُعرِّفُ نَفسَه لك ويُحَبِّبُها إلَيْك بكُلِّ مَخلُوقٍ مِن مَخلُوقاتِه، وبهذه الصُّورةِ الرّائِعةِ وبهذه الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الوَسائِلِ البَدِيعةِ، إن لم تُقابِل تَعرِيفَه هذا بالإِيمانِ به ولم تَعرِفه، وإن لم تُقابِل تَحبِيبَه هذا بالعِبادةِ له ولم تُحَبِّب نَفسَك إلَيْه، فما أَعظَمَ جَهْلَك إِذًا، وما أَفدَحَ خَسارَتَك!. اِحذَرْ!. اِنتَبِهْ!.. وأَفِقْ مِن غَفلَتِك!
— 453 —
المَسأَلةُ الثَّانيةُ: إنَّه لا مَكانَ لِلشِّركِ قَطُّ في هذا الكَونِ الشّاسِعِ العَظِيمِ الَّذي أَبدَعَه الصّانِعُ القَدِيرُ الحَكِيمُ بقُدرَتِه وحِكمَتِه، لِأنَّ وُجُودَ مُنتَهَى النِّظامِ في كلِّ شَيءٍ لن يَسمَحَ بالشِّركِ أَبدًا، فلو تَدَخَّلَت أَيدٍ مُتَعدِّدةٌ في خَلقِ شَيءٍ ما لَبَانَ التَّفاوُتُ والِاختِلالُ في ذلك الشَّيءِ، مِثلَما تَختَلِطُ الأُمُورُ إذا ما وُجِدَ سُلطانانِ في بلَدٍ، ومَسؤُولانِ في مَدِينةٍ، ومُدِيرانِ في قَصَبةٍ، ومِثلَما يَرفُضُ أَبسَطُ مُوَظَّفٍ تَدَخُّلَ أَحَدٍ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِه الَّتي تَخُصُّ وَظِيفَتَه..
كلُّ ذلك دَلالةٌ على أنَّ الخاصّةَ الأَساسِيّةَ لِلحاكِمِيّةِ إنَّما هي: "الِاستِقلالُ" و"الِانفِرادُ"، فالِانتِظامُ يَقتَضِي الوَحْدةَ كما أنَّ الحاكِمِيّةَ تَقتَضِي الِانفِرادَ؛ فإذا كانَ ظِلٌّ باهِتٌ زائِلٌ لِلحاكِمِيّةِ لَدَى هذا الإِنسانِ العاجِزِ المُحتاجِ إِلى العَونِ يَرُدُّ المُداخَلةَ بقُوّةٍ، فكيف بالحاكِمِيّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي هي في مَرتَبةِ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ لَدَى القَدِيرِ المُطلَقِ سُبحانَه؟ ألا تَرُدُّ الشِّركَ وتَرفُضُه رَفضًا باتًّا؟
فلوِ افتُرِضَ التَّدخُّلُ یی ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ یی لَاختَلَطَ الِانتِظامُ والتَّناسُقُ واختَلَّ النِّظامُ والمِيزانُ! معَ العِلمِ أنَّ هذا الكَونَ قد أُبدِعَ إِبداعًا رائِعًا إلى حَدٍّ يَلزَمُ لِخَلقِ بِذرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ على خَلقِ شَجَرةٍ كامِلةٍ، ويَلزَمُ لِخَلقِ شَجَرةٍ واحِدةٍ قُدرةٌ قادِرةٌ لِإبداعِ الكَونِ كُلِّه؛ وإذا ما افتُرِضَ وُجُودُ شَرِيكٍ في الكَونِ كُلِّه وَجَب أن يُظهِرَ نَصِيبَهُ في التَّدخُّلِ لِخَلقِ أَصغَرِ بِذرةٍ أيضًا، إذِ البِذرةُ نَمُوذَجُ الكائِناتِ، وعِندَئِذٍ يَلزَمُ استِقرارُ رُبُوبيَّتَينِ یی لا يَسَعُهُما الكَونُ العَظِيمُ یی في بِذرةٍ صَغِيرةٍ، بل في ذَرّةٍ!! وهذا مِن أَسخَفِ المُحالاتِ والخَيالاتِ الباطِلةِ وأَبعَدِها عنِ المَنطِقِ والعَقلِ.
فاعْلَمْ مِن هذا: ما أَتفَهَ الشِّركَ والكُفرَ مِن خُرافةٍ! وما أَكذَبَهُما مِن كَلِمةٍ! وما أَفظَعَهُما مِنِ افتِراءٍ! إذ يَقتَضِيانِ عَجْزَ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يُمسِكُ السَّماواتِ والأَرضَ أن تَزُولا، والَّذي بِيَدِه مَقاليدُ السَّماواتِ والأَرضِ يُدِيرُهُما بمِيزانِ عَدلِه ونِظامِ حِكمَتِه.. يَقتَضِيانِ عَجْزَه سُبحانَه حتَّى في بِذرةٍ صَغِيرةٍ!! واعْلَمْ! ما أَصوَبَ التَّوحِيدَ مِن حَقٍّ وحَقِيقةٍ! وما أَعدَلَه مِن صِدقٍ وصَوابٍ! أَدْرِكْ هذا وذاك وقُلِ: الحَمدُ للهِ على الإِيمانِ.
— 454 —
النُّقطةُ الثَّالثةُ:
إنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ بِاسمِه "الحَكَمِ والحَكِيمِ" قد أَدرَجَ في هذا العالَمِ أُلُوفَ العَوالِمِ المُنتَظِمةِ البَدِيعةِ، وبَوَّأ الإِنسانَ یی الَّذي هو أَكثَرُ مَن يُمَثِّلُ الحِكَمَ المَقصُودةَ في الكَونِ وأَفضَلُ مَن يُظهِرُها یی مَوقِعَ الصَّدارةِ، وجَعَلَه بمَثابةِ مَركَزِ تلك العَوالِمِ ومِحوَرِها؛ إذ يَتَطلَّعُ أَهَمُّ ما فيها مِن حِكَمٍ ومَصالِحَ إلى الإِنسانِ.. وجَعَل الرِّزقَ بمَثابةِ المَركَزِ في دائِرةِ حَياةِ الإِنسانِ، فتَجِدُ أنَّ مُعظَمَ الحِكَمِ والغاياتِ وأَغلَبَ المَصالِحِ والفَوائِدِ یی ضِمنَ عالَمِ الإِنسانِ یی تَتَوجَّهُ إلى ذلك الرِّزقِ وتَتَّضِحُ به، لِذا فإنَّ تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكِيمِ" تَبدُو واضِحةً بأَبْهَرِ صُوَرِها وأَسطَعِها مِن خِلالِ مَشاعِرِ الإِنسانِ، والذَّوقِ في الرِّزقِ، حتَّى غَدا كلُّ عِلمٍ یی مِن مِئاتِ العُلُومِ الَّتي تَوَصَّل الإِنسانُ إلى كَشْفِها بما يَملِكُ مِن شُعُورٍ یی يُعرِّفُ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكَمِ" في نَوعٍ مِنَ الأَنواعِ.
فمَثلًا: لو سُئِلَ عِلمُ الطِّبِّ: ما هذه الكائِناتُ؟ لَأَجابَ بأنَّها صَيدَليّةٌ كُبْرَى أُحضِرَت فيها بإِتقانٍ جَمِيعُ الأَدوِيةِ وادُّخِرَت.
وإذا ما سُئِل عِلمُ الكِيمياءِ: ما هذه الكُرةُ الأَرضِيّةُ؟ لَأَجابَ بأنَّها مُختَیبَیرُ كِيمياءٍ مُنتَظِمٌ بَدِيعٌ كامِلٌ.
على حِينِ يُجِيبُ عِلمُ المَكائِنِ: بأنَّها مَعمَلٌ مُنسَّقٌ كامِلٌ لا تَرَى فيه نَقصًا.
كما يُجِيبُ عِلمُ الزِّراعةِ: بأنَّها حَدِيقةٌ غَنَّاءُ ومَزرَعةٌ مِعطاءُ، تُستَنبَتُ فيها أَنواعُ المَحاصِيلِ، كلٌّ في أَوانِه.
ولَأَجابَ عِلمُ التِّجارةِ: بأنَّها مَعرِضٌ تِجارِيٌّ فَخمٌ، وسُوقٌ في غايةِ الرَّوعةِ والنِّظامِ، ومَحَلٌّ تِجارِيٌّ يَحوِي أَنفَسَ البَضائِعِ المَصنُوعةِ وأَجوَدَها.
ولَأَجابَ عِلمُ الإِعاشةِ: بأنَّها مُستَودَعٌ ضَخمٌ يَضُمُّ الأَرزاقَ كُلَّها بأَنواعِها وأَصنافِها.
ولَأَجابَ عِلمُ التَّغذِيةِ: بأنَّها مَطبَخٌ رَبّانِيٌّ وقِدْرٌ رَحمانِيٌّ تُطبَخُ فيه مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ الأَطعِمةِ الشَّهِيّةِ اللَّذِيذةِ جَنبًا إلى جَنبٍ بنِظامٍ في غايةِ الإِتقانِ والكَمالِ.
— 455 —
ولو سُئِلَ عِلمُ العَسكَرِيّةِ عنِ الأَرضِ لَأَجابَ: بأنَّها مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ يُساقُ إلَيْه في كلِّ رَبِيعٍ جُنُودٌ مُسَلَّحُون جُدُدٌ يُؤَلِّفُون أُمَمًا مُختَلِفةً مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ يَبلُغُ تَعدادُها أَكثَرَ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفِ أُمّةٍ، فتُنصَبُ خِيَمُهُم في أَرجاءِ سَطحِ الأَرضِ.. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ أَرزاقَ كلِّ أُمّةٍ تَختَلِفُ عنِ الأُخرَى، ومَلابِسَها مُتَغايِرةٌ وأَسلِحَتَها مُتَبايِنةٌ، وتَعلِيماتِها مُختَلِفةٌ، ورُخَصَها مُتَفاوِتةٌ، إلّا أنَّ أُمُورَ الجَمِيعِ تَسِيرُ بانتِظامٍ رائِعٍ، ولَوازِمَ الجَمِيعِ تُهَيَّأُ دُونَ نِسيانٍ ولا التِباسٍ، وذلك بأَمرٍ مِنَ اللهِ تعالى وبفَضلِ رَحمَتِه السّابِغةِ صادِرًا مِن خَزِينَتِه الواسِعةِ.
وإذا ما سُئِلَ عِلمُ الكَهرَباءِ لَأَجابَ: بأنَّ سَقفَ قَصرِ الكَونِ البَدِيعِ هذا قد زُيِّن بمَصابِيحَ مُتَلألِئةٍ لا حَدَّ لِكَثرَتِها ولا مُنتَهَى لِرَوعَتِها وتَناسُقِها، حتَّى إنَّ النِّظامَ البَدِيعَ والتَّناسُقَ الرّائِعَ الَّذي فيها يَحُولانِ دُونَ انفِجارِ تلك المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَوهِّجةِ دَوْمًا یی وهِي تَكبُرُ الأَرضَ أَلفَ مَرّةٍ وفي مُقدِّمَتِها الشَّمسُ یی ودُونَ انتِقاصِ تَوازُنِها أو نُشُوبِ حَرِيقٍ فيما بَينَها..
تُرَى! مِن أيِّ مَصدَرٍ تُغَذَّى تلك المَصابِيحُ ذاتُ الِاستِهلاكِ غَيرِ المَحدُودِ ولِمَ لا يَنفَدُ وَقُودُها؟! ولِمَ لا يَختَلُّ تَوازُنُ الِاحتِراقِ؟ عِلمًا أنَّ مِصباحًا زَيتِيًّا صَغِيرًا إن لم يُراعَ ويُعتَنَ به باستِمرارٍ يَنطَفِئْ نُورُه ويَخْبُ.. فسُبحانَه مِن قَدِيرٍ حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ! كيف يُوقِدُ الشَّمسَ الَّتي هي أَضخَمُ مِنَ الأَرضِ بمِليُونِ مَرّةٍ ومَضَى على عُمُرِها أَكثَرُ مِن مِليُونِ سَنةٍ یی حَسَبَ ما تَوَصَّل إلَيْه عِلمُ الفَلَكِ یی دُونَ أن تَنطَفِئَ ومِن دُونِ وَقُودٍ أو زَيتٍ!! (حاشية): إذا ما حُسِبَ ما يَلزَمُ مِدفأةَ قَصرِ الكَونِ ومِصباحَه وهو الشَّمسُ، كم تَحتاجُ يوميًّا مِنَ الوَقُودِ ومِن الزَّيتِ؟ نَرَى أنَّها بحِسابِ الفلَكيِّين بحاجةٍ إلى مِليونِ ضِعفِ حَجمِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ مِنَ الوَقُودِ وأُلُوفِ الأَضعافِ مِن حَجمِ البِحارِ مِن الزُّيُوتِ.
فتَأمَّلْ في عَظَمةِ الخالقِ القَدِيرِ ذي الجَلالِ الذي يُوقِدُ تلك المِدْفأةَ ويُشعِلُ ذلك السِّراجَ الوَهّاجَ مِن دُونِ وَقُودٍ ولا زَيتٍ، ويُشعِلُها بلا انقِطاعٍ.. تَدبَّیرْ في سَعةِ حِكمَتِه وطَلاقةِ قُدرَتِه، وقُلْ: سُبحانَ اللهِ.. ما شاءَ اللهُ.. تَبارَك اللهُ!! بعَدَدِ ذَرّاتِ الشَّمسِ. تَأمَّلْ في هذا وسَبِّح بِاسمِ ربِّك العَظِيمِ وقُل: "ما شاءَ اللهُ، تَبارَك اللهُ،
— 456 —
لا إِلٰهَ إلّا اللهُ".. قُلْها بعَدَدِ عاشِراتِ الدَّقائِقِ الَّتي مَرَّت على عُمُرِ الشَّمسِ.. فلا شَكَّ أنَّ نِظامًا بَدِيعًا صارِمًا هو الَّذي يُهَيمِنُ على هذه المَصابِيحِ السَّماوِيّةِ المُتَلألِئةِ، ولا بُدَّ أنَّ رِعايَتَها ومُراقبَتَها دَقِيقةٌ، حتَّى كأنَّ مَصدَرَ الحَرارةِ والمِرجَلَ البُخارِيَّ لِتلك الكُتَلِ النّارِيّةِ الَّتي هي في مُنتَهَى الضَّخامةِ وفي غايةِ الكَثْرةِ، إنَّما هي جَهَنَّمُ لا تَنفَدُ حَرارَتُها، وتُرسِلُها إلى الكُلِّ مُظلِمةً قاتِمةً بلا نُورٍ.. وكأنَّ ماكِينةَ تلك المَصابِيحِ المُنَوَّرةِ والقَنادِيلِ المُضِيئةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى هي جَنّةٌ دائِمةٌ تَمنَحُها النُّورَ والضِّياءَ، فيَستَمِرُّ اشتِعالُها المُنتَظِمُ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ".
وهكذا قِياسًا على هذه الأَمثِلةِ، فإنَّ كلَّ عِلمٍ مِن مِئاتِ العُلُومِ يَشهَدُ قَطعًا: أنَّ هذا الكَونَ قد زُيِّن بحِكَمٍ ومَصالِحَ شَتَّى ضِمنَ انتِظامٍ كامِلٍ لا نَقصَ فيه، وأنَّ تلك الأَنظِمةَ البَدِيعةَ والحِكَمَ السّامِيةَ النّابِعةَ مِن تلك الحِكمةِ المُعجِزةِ المُحِيطةِ بالكَونِ قد أُدرِجَت بمِقياسٍ أَصغَرَ، حتَّى في أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ وفي أَصغَرِ بِذْرةٍ..
ومِنَ المَعلُومِ بَداهةً أنَّ تَتبُّعَ الغاياتِ وإِردافَ الحِكَمِ والفَوائِدِ بانتِظامٍ، لا يَحصُلُ إلّا بالإِرادةِ والِاختِيارِ والقَصدِ والمَشِيئةِ، وإلّا فلا؛ فكما أنَّ هذا العَمَلَ البَدِيعَ ليس هو مِن شَأنِ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ یی اللَّتَينِ لا تَملِكانِ إِرادةً ولا اختِيارًا ولا قَصْدًا ولا شُعُورًا یی فلن يكُونَ لَهُما تَدَخُّلٌ فيه كَذلِك؛ لِذا فما أَجهَلَ مَن لا يَعرِفُ أو لا يُؤمِنُ بالفاعِلِ المُختارِ وبالصّانِعِ الحَكِيمِ الَّذي تَدُلُّ علَيْه هذه الأَنظِمةُ البَدِيعةُ والحِكَمُ الرَّفيعةُ الَّتي لا حَدَّ لها وهِي مَبثُوثةٌ في مَوجُوداتِ الكَونِ قاطِبةً.
نعم، إنْ كانَ هناك شَيءٌ يُستَغرَبُ مِنه ويُثيرُ عِندَ الإِنسانِ العَجَبَ في هذه الدُّنيا، فإنَّما هو: إِنكارُ وُجُودِه سُبحانَه، لِأنَّ الِانتِظامَ بأَنواعِه البَدِيعةِ الَّتي لا تُعَدُّ، والحِكَمَ بأَشكالِها السّامِيةِ الَّتي لا تُحصَى، والمُندَرِجةَ في كلِّ مَوجُودٍ في الكَونِ، شَواهِدُ صادِقةٌ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه وعلى وَحْدانيَّتِه.. فبُعدًا لِعَمًى ما بَعدَه عَمًى! وسُحقًا لِجَهلٍ ما بَعدَه جَهلٌ لِمَن لا يَرَى هذا الرَّبَّ الحَكِيمَ سُبحانَه! حتَّى يُمكِنُني القَولُ: إنَّ السُّوفْسَطائيِّينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ حَمْقَى لِإنكارِهِم وُجُودَ الكَونِ، هم أَعقَلُ أَهلِ الكُفرِ، لِأنَّ
— 457 —
الِاعتِقادَ بوُجُودِ الكَونِ ومِن بَعدِه إِنكارَ خالِقِه یی وهُو اللهُ سُبحانَه یی غَيرُ مُمكِنٍ قَطعًا، ولا يُقبَلُ أَصلًا، لِذا بَدَؤُوا بإِنكارِ الكَونِ وأَنكَرُوا وُجُودَهُم أَيضًا، وقالُوا: لا شَيءَ مَوجُودٌ على الإِطلاقِ. فأَبطَلُوا عُقُولَهُم، وأَنقَذُوا أَنفُسَهُم باقتِرابِهِم شَيئًا إلى العَقلِ مِن مَتاهةِ الحَماقةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِلمُنكِرِينَ الجاحِدِينَ الحَمقَى المُتَستِّرِينَ تَحتَ سِتارِ العَقلِ!
النُّقطةُ الرَّابعة:
مِثلَما أُشِيرَ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" إلى أنَّه: إذا ما شَيَّد مِعمارِيٌّ بارِعٌ حَكِيمٌ قَصرًا مُنِيفًا، وأَوْدَع في كلِّ حَجَرٍ مِن أَحجارِه مِئاتِ الحِكَمِ والمَصالِحِ والفَوائِدِ، فلا يَتَصوَّرُ مَن له شُعُورٌ ألّا يَبنِيَ له سَقفًا يَحفَظُه مِنَ البِلَى والفَسادِ، لِأنَّ هذا يَعنِي تَعرِيضَ البِناءِ لِلعَدَمِ والتَّلَفِ، وضَياعَ تلك الفَوائِدِ والحِكَمِ الَّتي كانَ يَرعاها ويَتَولّاها؛ وهذا ما لا يَرضَى به ذُو شُعُورٍ.. أو أنَّ حَكِيمًا مُطلَقًا يُنشِئُ مِن دِرهَمٍ مِنَ البُذُورِ مِئاتِ الأَطنانِ مِنَ الفَوائِدِ والحِكَمِ والغاياتِ، ويَتَعقَّبُها ويُدِيرُها، لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له عَقلٌ صُدُورَ العَبَثِ والإِسرافِ المُنافيَينِ كُلِّیيًّا لِلحِكمةِ المُطلَقةِ مِن ذلك الحَكِيمِ المُطلَقِ، بِأَن يُقَلِّدَ الشَّجَرةَ الضَّخمةَ فائِدةً جُزئيّةً وغايةً تافِهةً وثَمَرةً قَلِيلةً، عِلمًا أنَّه يُنفِقُ لِإنشائِها وإِثمارِها الكَثِيرَ!
نعم، فكما لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّر هذا أو ذاك عاقِلٌ قَطُّ، كَذلِك لا يُمكِنُ أن يَتَصوَّرَ مَن له مُسكةُ عَقلٍ أن يَصدُرَ مِنَ الصَّانِعِ الحَكِيمِ العَبَثُ والإِسرافُ بعَدَمِ إِتيانِ الآخِرةِ وبعَدَمِ إِقامَتِه الحَشرَ والقِيامةَ بعدَ أن قلَّدَ كلَّ مَوجُودٍ في قَصرِ الكَونِ هذا مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وجَهَّزَه بمِئاتِ الوَظائِفِ یی حتَّى إنَّه قلَّدَ كلَّ شَجَرةٍ حِكَمًا بعَدَدِ ثِمارِها ووَظائِفَ بعَدَدِ أَزهارِها یی فلا يُمكِنُ أن يَتَوارَد على خاطِرِ عاقِلٍ أن يُضَيِّع هذا الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَمِيعَ هذه الحِكَمِ والمَقاصِدِ وجَمِيعَ هذه الوَظائِفِ بعَدَمِ إِقامَتِه القِيامةَ والآخِرةَ، إذ يَعنِي هذا إِسنادَ العَجزِ التّامِّ إلى قُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ، وتَنسِيبَ العَبَثِ والضَّياعِ إلى الحِكمةِ البالِغةِ لِلحَكِيمِ المُطلَقِ، وإِرجاعَ القُبحِ المُطلَقِ إلى جَمالِ رَحمةِ الرَّحِيمِ المُطلَقِ، وإِسنادَ الظُّلمِ المُطلَقِ إلى العَدالةِ التّامّةِ لِلعادِلِ المُطلَقِ، أي: إِنكارَ
— 458 —
كلٍّ مِنَ الحِكمةِ والرَّحمةِ والعَدالةِ الظّاهِرةِ المُشاهَدةِ، إِنكارَها كُلِّیيًّا مِنَ الوُجُودِ! وهذا مِن أَعجَبِ المُحالاتِ وأَشَدِّها سُخفًا وأَكثَرِها بُطلانًا!
فلْيَأْتِ أَهلُ الضَّلالةِ، ولْيَنظُرُوا إلى ضَلالَتِهِم كيف أنَّها مُظلِمةٌ مَلِيئةٌ بالعَقارِبِ والحَيَّاتِ كقُبُورِهِمُ الَّتي سيَصِيرُونَ إلَيْها! ولْيُدرِكُوا أنَّ طَرِيقَ الإِيمانِ بالآخِرةِ مُنوَّرٌ جَمِيلٌ كالجَنّةِ فلْيَسلُكُوه وليَنعَمُوا بالإِيمانِ.
النُّقطةُ الخامسةُ: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: إنَّ تَعَقُّبَ الصّانِعِ الجَلِيلِ یی بمُقتَضَى اسمِ "الحَكِيمِ" یی لِأَلطَفِ صُورةٍ في كلِّ شَيءٍ وأَقصَرِ طَرِيق، وأَسهَلِ طِرازٍ، وأَنفَعِ شَكلٍ.. يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ الفِطرةَ لا إِسرافَ فيها قَطُّ ولا عَبَثَ، فما مِن شَيءٍ إلّا وفيه نَفعُه وجَدْواه، وأنَّ الإِسرافَ مِثلَما يُنافِي اسمَ "الحَكِيمِ" فالِاقتِصادُ لازِمُه ومُقتَضاه ودُستُورُه الأَساسُ.
فيا أيُّها المُسرِفُ المُبَذِّرُ، اِعلَمْ مَدَى مُجانَبَتِك الحَقِيقةَ بقُعُودِك عن تَطبِيقِ أَعظَمِ دُستُورٍ لِلكَونِ أَلا وهُو الِاقتِصادُ، وتَدَبَّرِ الآيةَ الكَرِيمةَ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا لِتَعلَمَ مَدَى رُسُوخِ الدُّستُورِ الواسِعِ الشّامِلِ الَّذي تُرشِدُ إلَيْه.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ اسمَ اللهِ "الحَكَمُ والحَكِيمُ" يَقتَضِيانِ بَداهةً نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) ورِسالَتَه، ويَدُلّانِ علَيْها ويَستَلزِمانِها.
نعم، ما دامَ الكِتابُ البَلِيغُ بمَعانِيه ومَرامِيه، يَقتَضِي بالضَّرُورةِ مُعَلِّمًا بارِعًا لِتَدرِيسِه.. والجَمالُ الفائِقُ يَقتَضِي مِرآةً يَتَراءَى فيها، ويُرِي بها جَمالَه وحُسنَه.. والصَّنعةُ البَدِيعةُ تَستَدعِي مُنادِيًا داعِيًا إلَيْها.. فلا بُدَّ أن يُوجَد بينَ بَنِي البَشَرِ الَّذي هو مَوضِعُ خِطابِ كِتابِ الكَونِ الكَبِيرِ المُتَضمِّنِ مِئاتِ المَعانِي البَلِيغةِ والحِكَمِ الدَّقِيقةِ في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه، أَقُولُ: لا بُدَّ أن يُوجَدَ رائِدٌ أَكمَلُ، ومُعلِّمٌ أَكبَرُ، لِيُرشِدَ النّاسَ إلى ما في ذلك الكِتابِ الكَبِيرِ مِن حِكَمٍ مُقَدَّسةٍ حَقِيقيّةٍ.. ولِيُعلِّمَ وُجُودَ الحِكَمِ المَبثُوثةِ في أَرجائِه ويَدُلَّ علَيْها.. ولِيَكُونَ مَبعَثَ ظُهُورِ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ في خَلقِ الكَونِ، بلِ السَّببَ
— 459 —
في حُصُولِها.. ولِيُرشِدَ إلى ما يُرِيدُ الخالِقُ إِظهارَه مِن كَمالِ صَنعَتِه البَدِيعةِ، وجَمالِ أَسمائِه الحُسنَى، فيكُونَ كالمِرآةِ الصّافِيةِ لِذلِك الكَمالِ البَدِيعِ والجَمالِ الفائِقِ.. ولِيَنهَضَ بعُبُودِيّةٍ واسِعةٍ یی بِاسمِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً یی تِجاهَ مَظاهِرِ الرُّبُوبيّةِ الواسِعةِ، مُثِيرًا الشَّوقَ وناثِرًا الوَجْدَ في الآفاقِ بَرًّا وبَحرًا، لافِتًا أَنظارَ الجَمِيعِ إلى الصّانِعِ الجَلِيلِ بدَعوةٍ ودُعاءٍ، وتَهلِيلٍ وتَسبِيحٍ وتَقدِيسٍ، تَرِنُّ به أَرجاءُ السَّماواتِ والأَرضِ.. ولِيَقرَعَ أَسماعَ جَمِيعِ أَربابِ العُقُولِ بما يُلَقِّنُه مِن دُرُوسٍ مُقدَّسةٍ سامِيةٍ وإِرشاداتٍ حَكِيمةٍ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ.. ولِيُبيِّنَ بأَجمَلِ صُورةٍ وأَجلاها بالقُرآنِ العَظِيمِ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ لِذلِك الصّانِعِ الحَكَمِ الحَكِيمِ.. ولِيَستَقبِلَ بأَكمَلِ مُقابَلةٍ وأَتَمِّها مَظاهِرَ الحِكْمةِ البالِغةِ والجَمالِ والجَلالِ المُتَجَلِّيةَ في الآفاقِ.. فإِنسانٌ هذه مُهِمَّتُه، ضَرُورِيٌّ وُجُودُه، بل يَستَلزِمُه هذا الكَونُ، كضَرُورةِ الشَّمسِ ولُزُومِها له.
فالَّذي يُؤَدِّي هذه المُهِمّاتِ، ويُنجِزُ هذه الوَظائِفَ على أَتَمِّ صُورةٍ ليس إلّا الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) كما هو مُشاهَدٌ، لِذا فكما تَستَلزِمُ الشَّمسُ الضَّوءَ، ويَستَلزِمُ الضَّوءُ النَّهارَ، فالحِكَمُ المَبثُوثةُ في آفاقِ الكَونِ وجَنَباتِه تَستَلزِمُ نُبُوّةَ مُحمَّدٍ (ص) ورِسالَتَه.
نعم، مِثلَما يَقتَضِي التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ "الحَكَمِ والحَكِيمِ" یی في أَوسَعِ مَداه یی الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ، فإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى مِثلَ: "اللهُ، الرَّحمٰنُ، الرَّحِيمُ، الوَدُودُ، المُنعِمُ، الكَرِيمُ، الجَمِيلُ، الرَّبُّ"، يَستَلزِمُ كُلٌّ مِنها الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ في أَعظَمِ تَجَلِّياتِها وإِحاطَتِها بالكَونِ كُلِّه، استِلزامًا قاطِعًا لا رَيبَ فيه.
فمَثلًا: إنَّ الرَّحمةَ الواسِعةَ الَّتي هي تَجَلِّي اسمِ "الرَّحمٰنِ" تَظهَرُ بوُضُوحٍ بمَن هو رَحمةٌ لِلعالَمِينَ.. وإنَّ التَّحَبُّبَ الإِلٰهِيَّ والتَّعرُّفَ الرَّبّانِيَّ یی اللَّذَينِ هما مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الوَدُودِ" یی يُفضِيانِ إلى نَتِيجَتِهِما ويَجِدانِ المُقابَلةَ بحَبِيبِ رَبِّ العالَمِينَ.. وإنَّ جَمِيعَ أَنواعِ الجَمالِ یی جَمالِ الذّاتِ وجَمالِ الأَسماءِ، وجَمالِ الصَّنعةِ والإِتقانِ، وجَمالِ المَصنُوعاتِ والمَخلُوقاتِ.. كلِّ أَنواعِ الجَمالِ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ الجَمِيلِ یی تُشاهَدُ في تلك المِرآةِ الأَحمَدِيّةِ، وتُشهَدُ بها.. بل حتَّى تَجَلِّياتُ عَظَمةِ
— 460 —
الرُّبُوبيّةِ، وهَيمَنةُ سَلطَنةِ الأُلُوهِيّةِ إنَّما تُعرَفُ برِسالةِ هذا الدّاعِيةِ العَظِيمِ إلى سُلطانِ الرُّبُوبيّةِ وتَتَبيَّنُ بها، وتُفهَمُ عنها، وتُصَدَّقُ بها.. وهكذا فأَغلَبُ الأَسماءِ الحُسنَى إنَّما هي بُرهانٌ باهِرٌ على الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ كما مَرَّ آنِفًا..
نَحصُلُ مِمّا سَبَق: أنَّه ما دامَ الكَونُ مَوجُودًا بالفِعلِ ولا يُمكِنُ إِنكارُه، فلا يُمكِنُ أن يُنكَر كَذلِك ما هو بمَثابةِ أَلوانِه وزِينَتِه، وضِيائِه وإِتقانِه، وأَنواعِ حَياتِه، وأَشكالِ رَوابِطِه مِنَ الحَقائِقِ المَشهُودةِ، كالحِكمةِ، والعِنايةِ، والرَّحمةِ، والجَمالِ، والنِّظامِ، والمِيزانِ، والزِّينةِ، وأَمثالِها مِنَ الحَقائِقِ.. فما دامَ لا يُمكِنُ إِنكارُ هذه الصِّفاتِ والأَفعالِ، فلا يُمكِنُ إِنكارُ مَوصُوفِ تلك الصِّفاتِ، ولا يُمكِنُ إِنكارُ فاعِلِ تلك الأَفعالِ وشَمسِ تلك الأَضواءِ، أَعنِي ذاتَ اللهِ الأَقدَسِ جَلَّ جَلالُه الواجِبِ الوُجُودِ، الَّذي هو "الحَكِيمُ، الرَّحِيمُ، الجَمِيلُ، الحَكَمُ، العَدْلُ".. وكذا لا يُمكِنُ إِنكارُ مَن هو مَدارٌ لِظُهُورِ تلك الصِّفاتِ والأَفعالِ، بل مَن هو مَدارٌ لِعَرضِ كَمالاتِها، بل تَحَقُّقِ تَجَلِّياتِها، ذلِكُمُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ مُحَمَّدٌ (ص)، الرّائِدُ الأَكبَرُ، والمُعلِّمُ الأَكمَلُ، والدّاعِيةُ الأَعظَمُ، وكَشّافُ طِلَّسمِ الكائِناتِ، والمِرآةُ الصَّمَدانيّةُ، وحَبِيبُ الرَّحمٰنِ.. فلا يُمكِنُ إِنكارُ رِسالَتِه قَطْعًا، لِأنَّها أَسطَعُ نُورٍ في هذا الكَونِ كسُطُوعِ ضِياءِ عالَمِ الحَقِيقةِ ونُورِ حَقِيقةِ الكائِناتِ.
علَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بعَدَدِ عاشِراتِ الأَيَّامِ وذَرَّاتِ الأَنامِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 461 —

النُّكتة الرابعة للَّمْعة الثلاثين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
بَينَما أنا نَزِيلُ سِجنِ "أَسكِي شَهِر" في شَهرِ شَوّالٍ، إذ تَراءَت لي نُكتةٌ دَقيقةٌ مِنَ النِّكاتِ اللَّطِيفةِ لِهذه الآيةِ الجَلِيلةِ، ولَاح لي قَبَسٌ مِن أَنوارِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ: «الفَرْدُ» أو هو أَحَدُ أَنوارِه السِّتّةِ یی الَّذي يَتَضمَّنُ اسمَيِ "الواحِدِ والأَحَدِ" مِنَ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى.
سنُبيِّنُ هنا باختِصارٍ شَدِيدٍ التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ الَّذي يُظهِرُه التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ: «الفَرْدُ» ، وذلك في سَبعِ إِشاراتٍ مُوجَزةً، ونُحِيلُ تَفاصِيلَ الجَلْوةِ الأَعظَمِ إلى رَسائِلِ النُّورِ.
الإشارةُ الأُولَى:
لقد وَضَع اسمُ اللهِ الأَعظَمُ "الفَرْدُ" بتَجَلِّيه الأَعظَمِ على الكَونِ كلِّه بَصَماتِ التَّوحِيدِ، وأَختامَ الوَحدانيّةِ الواضِحةِ، على مَجمُوعِ الكَونِ، وعلى كلِّ نَوعٍ فيه، وعلى كلِّ فَردٍ فيه؛ ولَمّا كانَتِ "الكَلِمةُ الثّانيةُ والعِشرُونَ" و"المَكتُوبُ الثّالثُ والثَّلاثُونَ" قد تَناوَلا بَيانَ ذلك التَّجَلِّي بشَيءٍ مِنَ التَّفصِيلِ، نَكتَفِي بالإِشارةِ فقط إلى ثَلاثِ بَصَماتٍ وأَختامٍ مِنها دالّةٍ على التَّوحِيدِ:
الخَتمُ الأوَّلُ: إنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِلفَردِيّةِ قد طَبَع على وَجهِ "الكَونِ" كلِّه خَتْمًا واضِحًا لِلوَحدانيّةِ وُضُوحًا حَوَّل الكَونَ كلَّه بحُكمِ "الكُلِّ" الَّذي لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ
— 462 —
مُطلَقًا، بحَيثُ إنَّ مَن لا يَقْدِر على أن يَتَصرَّفَ في الكَونِ كلِّه لا يُمكِنُ أن يكُونَ مالِكًا مُلكًا حَقِيقيًّا لِأَيِّ جُزءٍ مِنه.. ولْنُوَضِّحْ هذا الخَتْمَ:
إنَّ مَوجُوداتِ الكَونِ بأَنواعِها المُختَلِفةِ، تَتعَاوَنُ فيما بَينَها تَعاوُنًا وَثيقًا، ويَسعَى كلُّ جُزءٍ مِنها لِتَكمِلةِ مُهِمّةِ الآخَرِ، وكأنَّها تُمَثِّلُ بمَجمُوعِها وأَجزائِها تُرُوسَ مَعمَلٍ بَدِيعٍ ودَوالِيبَه یی الَّذي يُشاهَدُ فيه هذا التَّعاوُنُ بوُضُوحٍ یی فهذا التَّسانُدُ، وهذا التَّعاوُنُ بينَ الأَجزاءِ، وهذه الِاستِجابةُ في إِسعافِ كلٍّ مِنها لِطَلَبِ الآخَرِ، وإِمدادُ كلِّ جُزءٍ لِلجُزءِ الآخَرِ، بل هذا التَّعانُقُ والِاندِماجُ بينَ الأَجزاءِ، يَجعَلُ مِن أَجزاءِ الكَونِ كُلِّه وَحْدةً مُتَّحِدةً تَستَعصِي على الِانقِسامِ والِانفِكاكِ، يُشبِهُ في هذا وَحْدةَ أَعضاءِ جِسمِ الإِنسانِ الَّذي لا يُمكِنُ فَكُّ بَعضِها عنِ بَعضٍ.
فالَّذي يُمسِكُ زِمامَ عُنصُرٍ واحِدٍ في الوُجُودِ، إنْ لم يَكُن زِمامُ جَمِيعِ العَناصِرِ بِيَدِه لا يَستَطِيعُ أن يُسَيطِرَ على ذلك العُنصُرِ الواحِدِ أَيضًا.. إِذًا فی"التَّعاوُنُ" و"التَّسانُدُ" و"التَّجاوُبُ" و"التَّعانُقُ" الواضِحةُ على وَجهِ الكَونِ، إنَّما هي أَختامٌ كُبرَى وبَصَماتٌ ساطِعةٌ لِلتَّوحِيدِ.
الخَتمُ الثّاني: إنَّ التَّجَلِّيَ الباهِرَ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدِ" يَجعَلُنا نُشاهِدُ یی على وَجهِ الأَرضِ ولا سِيَّما في الرَّبِيعِ یی خَتمًا لامِعًا لِلأَحَدِيّةِ، وآيةً جَلِيّةً لِلوَحدانيّةِ بحَيثُ إنَّ مَن لا يُدِيرُ جَمِيعَ الأَحياءِ على وَجهِ الأَرضِ كُلِّها بأَفرادِها وأَحوالِها وشُؤُونِها كافّةً، والَّذي لا يَرَى ولا يَخلُقُ ولا يَعلَمُ جَمِيعَها معًا، لا يُمكِنُ أن يكُونَ له تَدَخُّلٌ في أيِّ شَيءٍ مِن حَيثُ الإِيجادُ. فلنُوَضِّحْ هذا الخَتمَ:
تَأمَّلْ في هذه البُسُطِ المَفرُوشةِ على الأَرضِ الَّتي لُحْمَتُها وسَداها مِئَتا أَلفِ طائِفةٍ ونَوعٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ وطَوائِفِ النَّباتاتِ بأَفرادِها المُتَنوِّعةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، والَّتي تُضفِي الزِّينةَ وتَنثُرُ البَهجةَ على نَسِيجِ الحَياةِ على سَطحِ الأَرضِ یی وبخاصّةٍ في الرَّبِيعِ یی تَأمَّلْها جَيِّدًا وأَدِمِ النَّظَرَ فيها، فإنَّها معَ اختِلافِ أَشكالِها، وتَبايُنِ وَظائِفِها، واختِلافِ أَرزاقِها وتَنَوُّعِ أَجهِزَتِها، وامتِزاجِ بَعضِها ببَعضٍ تُشاهِدُ: أنَّ رِزقَ كلِّ ذِي
— 463 —
حَياةٍ يَأتِيه رَغَدًا مِن كلِّ مَكانٍ ومِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ، بلا سَهوٍ ولا نِسيانٍ، بلا انشِغالٍ ولا ارتِباكٍ، بلا خَطَأٍ ولا التِباسٍ.. فيُعطَى بمِيزانٍ دَقِيقٍ حَسّاسٍ كلَّ ما يَحتاجُه الفَردُ، في وَقتِه المُناسِبِ، مِن دُونِ تكَلُّفٍ ولا تَكلِيفٍ، معَ تَميِيزٍ لِكُلٍّ مِنها، وهُو يَمُوجُ في هذا الِامتِزاجِ الهائِلِ وفي هذا الخِضَمِّ مِنَ المَوجُوداتِ المُتَداخِلةِ، فَضْلًا عمّا يُخَبِّئُ باطِنُ الأَرضِ مِن آياتِ التَّوحِيدِ الرّائِعةِ المُتَلمِّعةِ مِنِ انتِظامِ المَعادِنِ والعَناصِرِ الجامِدةِ.
لِذا فإنَّ هذا "التَّدبِيرَ والإِدارةَ" المُشاهَدَ في هذا الأَمرِ الدّائِبِ على وَجهِ الأَرضِ وباطِنِها إنَّما هو آيةٌ ساطِعةٌ لِلأَحَدِيّةِ، وخَتمٌ واضِحٌ لِلوَحدانيّةِ، بحَيثُ إنَّ مَن لم يَكُن خالِقًا لِجَمِيعِ تلك المَوجُوداتِ مِنَ العَدَمِ، ومُدَبِّرًا لِجَمِيعِ شُؤُونِها في آنٍ واحِدٍ، لا يَقدِرُ على التَّدَخُّلِ یی مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ والإِيجادُ یی في شَيءٍ مِنها، لِأنَّه لو تَدَخَّلَ لَأَفسَدَ تلك الإِدارةَ المُتَوازِنةَ الواسِعةَ.. إلّا ما يُؤَدِّيه الإِنسانُ مِن وَظِيفةٍ ظاهِرِيّةٍ یی بإِذنٍ إِلٰهِيٍّ أَيضًا یی لِحُسنِ سَيرِ تلك القَوانينِ الرَّبّانيّةِ.
الخَتمُ الثَّالثُ: في وَجهِ الإنسانِ:
إنَّ شِعارَ التَّوحِيدِ وخَتمَه واضِحٌ وُضُوحًا بَيِّنًا لِكُلِّ مَن يَتَأمَّلُ وَجهَ أيِّ إِنسانٍ كانَ، وذلك: أنَّ لِكُلِّ إِنسانٍ عَلامةً فارِقةً في وَجهِه تُمَيِّزُه عن غَيرِه.. فالَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَضَع تلك العَلاماتِ في كلِّ وَجهٍ، ولا يكُونُ مُطَّلِعًا على جَمِيعِ الوُجُوهِ السّابِقةِ واللّاحِقةِ مُنذُ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام إلى يَومِ القِيامةِ، لا يُمكِنُه أن يَمُدَّ يَدَه مِن حَيثُ الخَلقُ والإِيجادُ لِيَضَعَ تلك الفَوارِقَ المُمَيِّزةَ الهائِلةَ في ذلك الوَجهِ الصَّغِيرِ لِإنسانٍ واحِدٍ.
نعم، إنَّ الَّذي وَضَع في وَجهِ الإِنسانِ ذلك الطّابَعَ المُمَيِّیزَ وتلك الآيةَ الجَلِيّةَ بتلك العَلاماتِ الفاِرقةِ، لا بُدَّ أنَّ أَفرادَ البَشَرِ كافّةً هم تحتَ نَظَرِه وشُهُودِه، وضِمنَ دائِرةِ عِلمِه حتَّى يَضَعَ ذلك الخَتمَ للتَّوحِيدِ في ذلك الوَجهِ، بحَيثُ إنَّه معَ التَّشابُهِ الظّاهِرِ بينَ الأَعضاءِ الأَساسِ یی كالعُيُونِ والأُنُوفِ وغَيرِها مِنَ الأَعضاءِ یی لا تَتَشابَهُ تَشابُهًا تامًّا، بسَبَبِ عَلاماتٍ فارِقةٍ في كلٍّ مِنها؛ فكَما أنَّ تَشابُهَ الأَعضاءِ یی مِن عُيُونٍ وأُنُوفٍ یی في وُجُوهِ البَشَرِ كافّةً دَلِيلٌ قاطِعٌ على وَحدانيّةِ خالِقِ البَشَرِ سُبحانَه وتَعالَى،
— 464 —
كَذلِك فإنَّ العَلاماتِ الفارِقةَ المَوضُوعةَ على كلِّ وَجهٍ یی لِصِيانةِ حُقُوقِ كلِّ فَردٍ في المُجتَمَعِ، ولِمَنعِ الِالتِباسِ، ولِلتَّميِيزِ، ولِحِكَم أُخرَى كَثِيرةٍ یی هي الأُخرَى دَلِيلٌ واضِحٌ على الإِرادةِ المُطلَقةِ والمَشِيئةِ الكامِلةِ لِذلِك الخالِقِ الواحِدِ سُبحانَه وتَعالَى، وآيةٌ بَدِيعةٌ جَلِيّةٌ أَيضًا لِلأَحَدِيّةِ، بحَيثُ إنَّ مَن لا يَقدِرُ على خلَقِ جَمِيعِ البَشَرِ والحَيَواناتِ والنَّباتاتِ بل جَمِيعِ الكَونِ لا يُمكِنُه أن يَضَع تلك السِّمةَ المُمَيِّزةَ في أَحَدٍ.
الإشارةُ الثَّانية:
إنَّ عَوالِمَ الكائِناتِ المُختَلِفةَ وأَنواعَها المُتَنوِّعةَ وعَناصِرَها المُتَبايِنةَ قدِ اندَمَجَتِ اندِماجًا كُلِّیيًّا وتَداخَلَ بَعضُها معَ بَعضٍ، بحَيثُ إنَّ مَن لم يكُن مالِكًا لِجَمِيعِ الكَونِ لا يُمكِنُه أن يَتَصرَّفَ بنَوعٍ مِنه أو عُنصُرٍ فيه تَصَرُّفًا حَقِيقيًّا، لِأنَّ تَجَلِّيَ نُورِ التَّوحِيدِ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدِ" قد أَضاءَ أَرجاءَ الكَونِ كُلِّه، فضَمَّ أَجزاءَها كافّةً في وَحدةٍ مُتَّحِدةٍ، وجَعَل كلَّ جُزءٍ مِنه يُعلِنُ تلك الوَحدانيّةَ.
فمَثلًا: كما أنَّ كَونَ الشَّمسِ مِصباحًا واحِدًا لِهذه الكائِناتِ يُشِيرُ إلى أنَّ الكائِناتِ بأَجمَعِها مُلكٌ لِواحِدٍ، فإنَّ كَونَ الهَواءِ هَواءً واحِدًا يَسعَى لِخِدمةِ الأَحياءِ كلِّها، وكَونَ النّارِ نارًا واحِدةً تُوقَدُ بها الحاجاتُ كلُّها، وكَونَ السَّحابِ واحِدًا يَسقِي الأَرضَ، وكَونَ الأَمطارِ واحِدةً تَأتِي لِإغاثةِ الأَحياءِ كافّةً، وانتِشارَ أَغلَبِ الأَحياءِ مِن نباتاتٍ وحَيَواناتٍ انتِشارًا طَلِيقًا في أَرجاءِ الأَرضِ كافّةً معَ وَحدةِ نَوعِيَّتِها، ووَحدةِ مَسكَنِها.. كلُّ ذلك إِشاراتٌ قاطِعةٌ وشَهاداتٌ صادِقةٌ على أنَّ تلك المَوجُوداتِ ومَساكِنَها ومَواضِعَها إنَّما هي مُلكٌ لِمالِكٍ واحِدٍ أَحَدٍ.
ففي ضَوءِ هذا وقِياسًا علَيْه نَرَى: أنَّ تَداخُلَ الأَنواعِ المُختَلِفةِ لِلكائِناتِ واندِماجَها الشَّدِيدَ ببَعضِها قد جَعَل مَجمُوعَها بمَثابةِ كلٍّ واحِدٍ لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ قَطعًا مِن حَيثُ الإِيجادُ؛ فالَّذي لا يَستَطِيعُ أن يُنفِذَ حُكمَه على جَمِيعِ الكَونِ لا يُمكِنُه یی مِن حَيثُ الخَلقُ والرُّبُوبيّةُ یی أن يُخضِعَ لِرُبُوبيَّتِه أيَّ شَيءٍ فيه، حتَّى لو كانَ ذلك الشَّيءُ ذَرّةً أو أَصغَرَ مِنها.
— 465 —
الإشارةُ الثَّالثة:
لقد تَحَوَّل الكَونُ كلُّه بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدِ" إلى ما يُشبِهُ رَسائِلَ صَمَدانيّةٍ ومَكاتِيبَ رَبّانيّةٍ مُتَداخِلٍ بَعضُها في بَعضٍ، تَزخَرُ كلُّ رِسالةٍ مِنها بآياتِ الوَحدانيّةِ وأَختامِ التَّوحِيدِ، وتَحمِلُ كلُّ رِسالةٍ بَصَماتِ الأَحَدِيّةِ بعَدَدِ كَلِماتِها، بل إنَّ كلَّ كَلِمةٍ فيها تُفصِحُ عن وَحدانيّةِ كاتِبِها، إذ كما يَدُلُّ الخَتمُ أوِ التَّوقِيعُ في الرِّسالةِ على كاتِبِها، فإنَّ كلَّ زَهرةٍ وكلَّ ثَمَرةٍ، وكلَّ عُشبٍ، وكلَّ حَيَوانٍ، وكلَّ شَجَرٍ، إنَّما يُمثِّلُ خَتمَ الأَحَدِيّةِ وطُغْراءَ الصَّمَدانيّةِ وكأنَّها أَختامٌ لِمَواضِعِها الَّتي تَتَّخِذُ هَيئةَ الرَّسائِلِ فتُبيِّنُ كاتِبَها.
فزَهرةٌ صَفراءُ یی مَثلًا یی في حَدِيقةٍ مّا، هذه الزَّهرةُ هي بمَثابةِ خَتمٍ يَدُلُّ بوُضُوحٍ على مُصَوِّرِ الحَدِيقةِ، فمَن كانَ مالِكًا لِذلِك الخَتمِ یی الزَّهرةِ یی فهُو مالِكٌ لِجَمِيعِ أَنواعِ تلك الزَّهرةِ ومَثِيلاتِها المَبثُوثةِ على الأَرضِ كافّةً، ويَدُلُّ أَيضًا على أنَّ تلك الحَدِيقةَ كِتابتُه؛ أي: إنَّ كلَّ شَيءٍ يُسنِدُ جَمِيعَ الأَشياءِ إلى خالِقِه ويُشِيرُ إلى تَجَلٍّ باهِرٍ عَظِيمٍ لِوَحدانيَّتِه سُبحانَه.
الإشارةُ الرّابعة:
لقد أَوضَحَت "رَسائِلُ النُّورِ" في أَجزائِها الكَثِيرةِ ببَراهِينَ مُتَعدِّدةٍ أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدِ" معَ أنَّه واضِحٌ وُضُوحَ الشَّمسِ، فهُو مَقبُولٌ في الأَعماقِ إلى حَدِّ السُّهُولةِ المُطلَقةِ، وهُو مُستَساغٌ عَقلًا ومَنطِقًا إلى حَدِّ الوُجُوبِ والبَداهةِ؛ وبعَكسِه الشِّركُ المُنافِي لِذلِك التَّجَلِّي، فهُو مُعَقَّدٌ إلى أَقصَى حُدُودِ التَّعقِيدِ، وغَيرُ مَنطِقِيٍّ إِطلاقًا، وهُو بَعِيدٌ جِدًّا عنِ المَعقُولِ إلى حَدِّ المُحالِ والِامتِناعِ.. سنُبيِّنُ هنا ثَلاثَ نِقاطٍ مِن تلك الأَدِلّةِ فقط، ونُحِيلُ تَفاصِيلَها إلى الرَّسائِلِ الأُخرَى.
النُّقطةُ الأُولَى: لقد أَثبَتْنا ببَراهِينَ قاطِعةٍ في خِتامِ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" وخِتامِ "الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ" إِثباتًا مُجمَلًا، وفي خِتامِ "المَكتُوبِ العِشرِينَ" مُفَصَّلًا
— 466 —
أنَّه: مِنَ السُّهُولةِ واليُسرِ على قُدرةِ "الأَحَدِ الفَردِ" سُبحانَه، خَلقُ أَعظَمِ جِرمٍ، وخَلقُ أَصغَرِ شَيءٍ على حَدٍّ سَواءٍ، فهُو سُبحانَه يَخلُقُ الرَّبِيعَ الشّاسِعَ بيُسرِ خَلقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، ويُحدِثُ في كلِّ رَبِيعٍ بسُهُولةٍ بالِغةٍ آلافًا مِن نَماذِجِ الحَشرِ والنُّشُورِ یی كما هو مُشاهَدٌ یی ويَرعَى ويُدِيرُ شَجَرةً ضَخْمةً باسِقةً بيُسرِ رِعايَتِه وإِدارَتِه فاكِهةً صَغِيرةً.. فلو أُسنِد أيٌّ مِن ذلك إلى الأَسبابِ المُتَعدِّدةِ، لَأَصبَحَ في خَلقِ كلِّ زَهرةٍ فيه مِنَ المُشكِلاتِ ما لِلرَّبِيعِ الشّاسِعِ، وخَلقِ كلِّ ثَمَرةٍ فيه مِنَ الصُّعُوباتِ ما لِلشَّجَرةِ الباسِقةِ.
نعم، إِنَّ تَجهِيزَ جَيشٍ بأَكمَلِه بالمُؤَنِ والعَتادِ بأَمرٍ إِن صَدَرَ مِن قائِدٍ واحِدٍ، مِن مَصدَرٍ واحِدٍ، يَكُونُ سَهلًا وبَسِيطًا كتَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ، بَينَما يكُونُ صَعبًا بل مُمتَنِعًا إِن جُهِّزَ كلُّ جُندِيٍّ مِن مَعامِلَ مُتَفرِّقةٍ وتَلَقَّى الأَوامِرَ مِن إِداراتٍ مُتَعدِّدةٍ كَثِيرةٍ، إذ عِندَئِذٍ يَحتاجُ كلُّ جُندِيٍّ إلى مَعامِلَ بِقَدْرِ أَفرادِ الجَيشِ بأَكمَلِه!!
فكما أنَّ الأَمرَ يَسهُلُ بالوَحدةِ ويَصعُبُ بالكَثرةِ هكذا، كَذلِك إذا أُسنِد الخَلقُ والإِيجادُ إلى "الفَرْدِ الأَحَدِ" جَلَّ وعَلا، فإنَّ خَلقَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِنَوعٍ واحِدٍ يكُونُ سَهلًا كخَلقِ فَردٍ واحِدٍ، بَينَما لو أُسنِدَ إلى الأَسبابِ، فإنَّ خَلقَ كلِّ فَردٍ يكُونُ مُعضِلًا وصَعبًا كخَلقِ النَّوعِ الواسِعِ الكَثِيرِ.
أَجَل، إنَّ الوَحْدانيّةَ والتَّفرُّدَ تَجعَلُ كلَّ شَيءٍ مُنتَسِبًا ومُستَنِدًا إلى الذّاتِ الإِلٰهِيّةِ الواحِدةِ، ويُصبِحُ هذا الِانتِسابُ والِاستِنادُ قُوّةً لا حَدَّ لها لِذلِك الشَّيءِ، حتَّى يُمكِنُه أن يُنجِزَ مِنَ الأَعمالِ الجَسِيمةِ، ويُوَلِّدَ مِنَ النَّتائِجِ العَظِيمةِ ما يَفُوقُ قُوَّتَه الذّاتيّةَ أُلُوفَ المَرّاتِ مُعتَمِدًا على سِرِّ ذلك الِاستِنادِ والِانتِسابِ.. أمّا الَّذي لا يَستَنِدُ ولا يَنتَسِبُ إلى صاحِبِ تلك القُوّةِ العُظمَى ومالِكِها "الفَردِ الأَحَدِ" فسيُنجِزُ مِنَ الأَعمالِ ما تَتَحمَّلُه قُوَّتُه الذّاتيّةُ المَحدُودةُ جِدًّا، وتَنحَسِرُ نَتائِجُه تَبَعًا لِذلِك.
فمَثلًا: إنَّ الَّذي انتَسَب إلى قائِدٍ عَظِيمٍ واستَنَد إلَيْه بصِفةِ الجُندِيّةِ، يُصبِحُ له هذا الِانتِسابُ والِاستِنادُ بمَثابةِ قُوّةٍ مُمِدّةٍ لا تَنفَدُ، فلا يُضطَرُّ إلى حَملِ ذَخِيرَتِه وعَتادِه مَعَه، لِذا قد يُقدِمَ على أَسرِ قائِدِ جَيشِ العَدُوِّ المَغلُوبِ معَ آلافٍ مِمَّن مَعَه؛ بَينَما السّائِبُ
— 467 —
الَّذي لم يَنخَرِط في الجُندِيّةِ، مُضطَرٌّ إلى حَملِ ذَخِيرَته وعَتادِه مَعَه، ومَهْما بَلَغ مِنَ الشَّجاعةِ فلا يَستَطِيعُ أن يُقاوِمَ بتلك القُوّةِ إلّا بِضعةَ أَفرادٍ مِنَ العَدُوِّ، وقد لا يَثبُتُ أَمامَهُم إلّا لِبُرهٍة قَلِيلةٍ.
ومِن هنا نَرَى أنَّ قُوّةَ الِاستِنادِ والِانتِسابِ یی الَّتي في الفَردِيّةِ والوَحدانيّةِ یی تَجعَلُ النَّملةَ الصَّغِيرةَ تُقدِمُ على إِهلاكِ فِرعَونٍ عَنِيدٍ، وتَجعَلُ البَعُوضةَ الرَّقيقةَ تُجهِزُ على نُمرُودٍ طاغِيةٍ، وتَجعَلُ المَيكرُوبَ البَسِيطَ يُدَمِّرُ باغِيًا أَثِيمًا.. كما تُمِدُّ البِذْرةَ الصَّغِيرةَ لِتَحمِلَ على ظَهرِها شَجَرةَ صَنَوبَرٍ باسِقةً شاهِقةً.. كلُّ ذلك بِقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ وبسِرِّ ذلك الِاستِنادِ.
نعم، إنَّ قائِدًا عَظِيمًا شَهْمًا يَستَطِيعُ أن يَستَنفِرَ جَمِيعَ جُنُودِه ويَحشُدَهُم لِإنقاذِ جُندِيٍّ واحِدٍ وإِمدادِه، والجُندِيُّ بدَورِه يَستَشعِرُ كأنَّ جَيشًا جَرّارًا يُسنِدُه ويَمُدُّه بقُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ عالِيةٍ حتَّى تُمَكِّنَه مِن أن يَنهَضَ بأَعمالٍ جِسامٍ بِاسمِ القائِدِ؛ فاللهُ سُبحانَه وتَعالَى وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى لِأنَّه فَردٌ واحِدٌ أَحَدٌ، يَستَنفِرُ المَوجُوداتِ كلَّها لِإِمدادِ كُلِّ شَيءٍ وإِسنادِه یی إِنِ افتُرِضَتِ الحاجةُ، والحالُ أنَّه لا ا حتِياجَ یی ويَحشُدُ سُبحانَه الكَونَ كلَّه لِأَجلِه، ويَستَنِدُ كلُّ شَيءٍ إلى قُوّةٍ عَظِيمةٍ هائِلةٍ تَملِكُ مَقالِيدَ الكَونِ بأَسرِه، ويَغدُو كُلُّ شَيءٍ في حُكمِ قُوّةِ ذلك السُّلطانِ الفَردِ تِجاهَ أَيِّ شَيءٍ كانَ، إِنِ افتُرِضَتِ الحاجةُ لِذَلِك.
فلَوْلا "الفَردِيّةُ" لَفَقَد كلُّ شَيءٍ هذه القُوّةَ الجَبّارةَ، ولَسَقَط إلى العَدَمِ وتَلاشَت نَتائِجُه؛ فما تَراه مِن ظُهُورِ نَتائِجَ عَظِيمةٍ هائِلةٍ مِن أَشياءَ بَسِيطةٍ تافِهةٍ، تُرشِدُنا بالبَداهةِ إلى الفَردِيّةِ والأَحَدِيّةِ؛ ولَوْلاها لَبَقِيَت نَتائِجُ كلِّ شَيءٍ وثِمارُه مُنحَصِرةً في قُوَّتِه ومادَّتِه الضَّئِيلةِ، وتَصغُرُ عِندَئذٍ النَّتائِجُ بل تَزُولُ.. ألا تَرَى الأَشياءَ الثَّمِينةَ النَّفِيسةَ كالفَواكِهِ والخُضَرِ وغَيرِها مَبذُولةً ومُتَوافِرةً أَمامنا؟ ما ذلك إلّا بسِرِّ الفَردِيّةِ والأَحَدِيّةِ، فلَوْلا "الفَردِيّةُ" لَمَا كُنّا نُحَصِّلُ بآلافِ الدَّراهِمِ ما نُحَصِّلُه اليَومَ مِن بِطِّيخٍ أو رُمّانٍ بدَراهِمَ مَعدُودةٍ.. فكُلُّ ما نُشاهِدُه مِن بَساطةِ الأُمُورِ والأَشياءِ وسُهُولَتِها ورُخْصِها وتَوَفُّرِها إنَّما هي مِن نَتائِجِ الوَحدانيّةِ وتَشهَدُ بالفَردِيّةِ.
— 468 —
النُّقطةُ الثّانية: إنَّ المَوجُوداتِ تُخلَقُ وتَظهَرُ إلى الوُجُودِ بوَجهَينِ:
الأوَّل: الخَلقُ مِنَ العَدَمِ، وهُو ما يُعَبَّرُ عنه بی"الإِبداعِ والِاختِراعِ".
الثّاني: إِنشاؤُها مِن عَناصِرَ مَوجُودةٍ، وتَركِيبُها ومَنحُ الوُجُودِ لها مِن أَشياءَ حاضِرةٍ، أي: بی"التَّركِيبِ والإِنشاءِ".
فإذا نَظَرْنا إلى المَوجُوداتِ مِن زاوِيةِ سِرِّ الأَحَدِيّةِ وتَجَلِّي الفَردِيّةِ، نَرَى أنَّ خَلْقَها وإِيجادَها يكُونُ سَهلًا وهَيِّنًا إلى حَدِّ الوُجُوبِ والبَداهةِ، بَينَما إن لم يُفوَّض أَمرُ الخَلقِ والإِيجادِ إلى الفَردِيّةِ والوَحدانيّةِ، فستَتَعقَّدُ الأُمُورُ وتَتَشابَكُ، وتَظهَرُ أُمُورٌ غَيرُ مَعقُولةٍ وغَيرُ مَنطِقِيّةٍ إلى حَدِّ المُحالِ والِامتِناعِ؛ وحَيثُ إنَّنا نَرَى المَوجُوداتِ قاطِبةً تَظهَرُ إلى الوُجُودِ مِن دُونِ صُعُوبةٍ وتَكَلُّفٍ، ومِن غَيرِ عَناءٍ، وعلى أَتَمِّ صُورةٍ وكَيفِيّةٍ، يَثبُتُ لنا بَداهةً إِذًا تَجَلِّي الفَردِيّةِ، ويَتَبيَّنُ لنا: أنَّ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ إنَّما هو مِن إِبداعِ "الأَحَدِ الفَرْدِ" ذِي الجَلالِ والإِكرامِ.
نعم، إنْ أُسنِدَ أَمرُ الخَلقِ إلى "الفَردِ الواحِدِ الأَحَدِ" يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ مِنَ العَدَمِ بِسُهُولةٍ ويُسْرٍ كلَمْحِ البَصَرِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ العَظِيمةِ بآثارِها المَشهُودةِ؛ ويُقدِّرُ لِكُلِّ شَيءٍ بعِلمِه المُحِيطِ المُطلَقِ ما يُشبِهُ قَوالِبَ مَعنَوِيّةً وتَصامِيمَ غَيبِيّةً.. فكُلُّ شَيءٍ عِندَه بمِقْدارٍ.
فكما أنَّ الجُنُودَ المُطِيعِينَ في الجَيشِ المُنَظَّمِ يُساقُونَ لِأَخذِ مَواضِعِهِم بأَمرٍ مِنَ القائِدِ وحَسَبَ خُطَّتِه المَوضُوعةِ في عِلمِه، كَذلِك الذَّرّاتُ المُطِيعةُ لِلأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ فإنَّها تُساقُ بالقُدرةِ الرَّبّانيّةِ یی بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ یی لِتَأخُذَ مَواقِعَها وتُحافِظَ علَيْها حَسَبَ تَصمِيمٍ مَوجُودٍ، وصُورةٍ مَوجُودةٍ، في مِرآةِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ الأَزَليِّ؛ حتَّى لو لَزِمَ جَمعُ الذَّرّاتِ مِنَ الأَنحاءِ المُختَلِفةِ، فإنَّ جَمِيعَ الذَّرّاتِ المُرتَبِطةِ بقانُونِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ المُحِيطِ، والمَوثُوقةِ الصِّلةِ بدَساتِيرِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، تُصبِحُ بمَثابةِ الجُنُودِ المُنقادِينَ في الجَيشِ المُنَظَّمِ، فتَأتِي مُسرِعةً بذلك القانُونِ وبسَوقِ القُدرةِ لِأَخذِ مَواقِعِها في ذلك القالَبِ العِلمِيِّ والمِقدارِ القَدَرِيِّ المُحِيطَينِ بوُجُودِ ذلك الشَّيءِ.
— 469 —
بل كما تَظهَرُ الصُّورةُ المِثاليّةُ المُتَمثِّلةُ في المِرآةِ على الوَرَقةِ الحَسّاسةِ في آلةِ التَّصوِيرِ، وتَلبَسُ وُجُودًا مَحسُوسًا خارِجِيًّا؛ وكما تَظهَرُ وتُشاهَدُ الكِتابةُ المَخفِيّةُ السِّرِّيّةُ بإِمرارِ مادّةٍ كِيماوِيّةٍ علَيْها.. كَذلِك الأَمرُ في صُورةِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ، وماهِيّةِ جَمِيعِ الأَشياءِ المَوجُودةِ في مِرآةِ العِلمِ الأَزَلِيِّ لِلفَردِ الأَحَدِ، فإنَّ القُدرةَ الإِلٰهِيّةَ المُطلَقةَ تُلبِسُها یی بكلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ یی وُجُودًا خارِجِيًّا مَحسُوسًا، فتَظهَرُ لِلعِيانِ في عالَمِ الشَّهادةِ، بعدَ أن كانَت في عالَمِ المَعنَى والغَيبِ.
ولكِن إن لم يُسنَد أَمرُ الخَلقِ إلى الفَردِ الأَحَدِ فعِندَئِذٍ يَلزَمُ لِخَلقِ ذُبابةٍ واحِدةٍ مَسحُ سَطحِ الأَرضِ وتَفتِيشُها وغَربَلةُ عَناصِرِها جَمِيعًا وذَرّاتِها المُعَيَّنةَ لِوُجُودٍ مُعَيَّنٍ ثمَّ وَزنُها بمِيزانٍ دَقِيقٍ حَسّاسٍ، لِوَضعِ كلِّ ذَرّةٍ في مَوضِعِها المُخَصَّصِ لها، حَسَبَ قَوالِبَ مادِّيّةٍ بعَدَدِ أَجهِزَتِها وأَعضائِها المُتقَنةِ، وذلك لِكَي يَأخُذَ كلُّ شَيءٍ مَكانَه اللّائِقَ به، فَضلًا عن جَلبِ المَشاعِرِ والأَحاسِيسِ الرُّوحِيّةِ الدَّقِيقةِ واللَّطائِفِ المَعنَوِيّةِ مِنَ العَوالِمِ المَعنَوِيّةِ والرُّوحِيّةِ بعدَ وَزنِها أَيضًا بمِيزانٍ دَقِيقٍ حَسَبَ حاجةِ الذُّبابةِ!!
ألا يكُونُ یی بهذا الِاعتِبارِ یی خَلقُ ذُبابةٍ واحِدةٍ صَعبًا مُمتَنِعًا كإِيجادِ جَمِيعِ الكائِناتِ؟! أَلَيسَ فيه الصُّعُوباتُ تِلْوَ الصُّعُوباتِ والمُحالاتُ ضِمنَ المُحالاتِ؟! ذلك أنَّه قدِ اتَّفَق جَمِيعُ أَهلِ الإِيمانِ والعِلمِ: أنَّه لا يَخلُقُ مِنَ العَدَمِ إلّا الخالِقُ الفَردُ سُبحانَه وتَعالَى.. ولِهذا لو فُوِّضَ الأَمرُ إلى الأَسبابِ والطَّبِيعةِ لَاستَلزَمَ لِوُجُودِ شَيءٍ واحِدٍ الجَمعُ مِن أَكثَرِ الأَشياءِ.
النُّقطةُ الثَّالثة: لقد أَوْرَدْنا أَمثِلةً كَثِيرةً في رَسائِلَ شَتَّى تُشِيرُ إلى: أنَّ إِسنادَ الخَلقِ إلى "الفَردِ الواحِدِ الأَحَدِ" يَجعَلُ خَلقَ جَمِيعِ الأَشياءِ سَهلًا كالشَّيءِ الواحِدِ، وبعَكسِه إذا أُسنِدَ إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فخَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ يكُونُ صَعبًا مُمتَنِعًا كخَلقِ جَمِيعِ الأَشياءِ.
نَقتَصِرُ مِنها هنا على ثَلاثةِ أَمثِلةٍ فقط:
المِثالُ الأوَّلُ: إذا أُحِيلَت إِدارةُ أَلفِ جُندِيٍّ إلى ضابِطٍ واحِدٍ، وأُحِيلَت إِدارةُ جُندِيٍّ واحِدٍ إلى عَشَرةِ ضُبّاطٍ، فإنَّ إِدارةَ هذا الجُندِيِّ تكُونُ ذاتَ مُشكِلاتٍ وصُعُوباتٍ
— 470 —
بمِقدارِ عَشَرةِ أَضعافِ إِدارةِ تلك الفِرقةِ مِنَ الجُنُودِ، وذلك: لِأنَّ الأُمَراءَ العَدِيدِينَ سيُعادِي بَعضُهُم بَعضًا، وستَتَعارَضُ أَوامِرُهُم حَتْمًا، فلا يَجِدُ ذلك الجُندِيُّ راحةً بينَ مُنازَعةِ أُمَرائِه.. بعَكسِه تَمامًا ذلك الضَّابِطُ الَّذي يُدِيرُ بأَوامِرِه فِرقةً كامِلةً مِنَ الجُنُودِ وكأنَّه يُدِيرُ جُندِيًّا واحِدًا، ويُنَفِّذُ خُطَّتَه وما يُرِيدُه مِنَ الفِرقةِ بتَدبِيرِه كلَّ شَيءٍ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ، عِلْمًا أنَّ الوُصُولَ إلى هذه النَّتِيجةِ إذا تُرِك الأَمرُ إلى جُنُودٍ سائِبِينَ لا قادةَ لَهُم، لا يتَحَقَّقُ إلّا بشَكلٍ يَسِيرٍ وبَعدَ نِقاشاتٍ طَوِيلةٍ وبصُورةٍ ناقِصةٍ.
المِثالُ الثَّاني: إذا سُلِّم أَمرُ بِناءِ قُبّةِ جامِعِ "أَيا صُوفْيا" إلى بَنّاءٍ ماهِرٍ، فإنَّه يقُومُ به بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، بَينَما إذا سُلِّم بِناؤُها إلى أَحجارِها، لَزِمَ أن يكُونَ كلُّ حَجَرٍ حاكِمًا مُطلَقًا على سائِرِ الأَحجارِ، ومَحكُومًا لها في الوَقتِ نَفسِه كي تَأخُذَ القُبّةُ المُعَلَّقةُ الشّامِخةُ شَكلَها! فبَينَما كانَ البَنّاءُ الماهِرُ يَصرِفُ جُهدًا قَلِيلًا یی لِسُهُولةِ الأَمرِ لَدَيْه یی يَصرِفُ الآنَ مِئاتٌ مِنَ البَنّائِينَ یی الأَحجارِ یی أَضعافَ أَضعافِ ذلك الجُهدِ، وبالكادِ يَحصُلُونَ على ذاتِ النَّتِيجةِ!!
المِثالُ الثَّالثُ: إنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ مَأمُورةٌ ومُوَظَّفةٌ مِن لَدُنِ "الفَرْدِ الواحِدِ" سُبحانَه، وهِي كالجُندِيِّ المُطِيعِ للهِ الواحِدِ الأَحَدِ، فحِينَما تَستَلِمُ الأَمرَ الواحِدَ، الصّادِرَ مِن آمِرِها الأَحَدِ، تَهُبُّ مُنتَشِيةً بِأَمرِ مَوْلاها وتَنغَمِرُ في جَذَباتِ وَظِيفَتِها في شَوقٍ عارِمٍ، وتَدُورُ كالمُرِيدِ المَولَوِيِّ العاشِقِ یی عِندَ قِيامِه لِلسَّماعِ یی فتكُونُ وَسِيلةً لِحُصُولِ المَواسِمِ الأَربَعةِ، واختِلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وظُهُورِ الحَرَكاتِ الرَّفِيعةِ العَظِيمةِ، والكَشفِ عن مَناظِرَ خَلّابةٍ لِقُبّةِ السَّماءِ المَهِيبةِ وتَبدِيلِها باستِمرارٍ كتَبَدُّلِ المَشاهِدِ السِّينِمائيّةِ.. وتكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ أَمثالِ هذه النَّتائِجِ الجَلِيلةِ، حتَّى لَكَأنَّ الأَرضَ هي القائِدُ لِتِلك المُناوَرةِ العَسكَرِيّةِ المَهِيبةِ بينَ نُجُومِ الكَونِ.
ولكِن إنْ لم يُسنَدِ الأَمرُ إلى "الفَردِ الأَحَدِ" الَّذي أَحاطَ بحاكِمِيّةِ أُلُوهِيَّتِه وسُلطانِ رُبُوبيَّتِه الكَونَ كُلَّه، والَّذي يَنفُذُ حُكمُه وأَمرُه في كلِّ صَغِيرةٍ وكَبِيرةٍ في الوُجُودِ، فعِندَئذٍ يَلزَمُ أن تَسِيرَ مَلايِينُ النُّجُومِ الَّتي تَكبُرُ الأَرضَ بأُلُوفِ المَرّاتِ في مَدارٍ أَكبَرَ وأَوسَعَ بمَلايِينِ المَرّاتِ مِن مَدارِ الأَرضِ كي تَظهَرَ تلك المُناوَرةُ السَّماوِيّةُ
— 471 —
والأَرضِيّةُ وتلك النَّتائِجُ نَفسُها الَّتي تَتَولَّدُ مِن حَرَكَتَيِ الأَرضِ السَّنَوِيّةِ واليَومِيّةِ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ.
وهكذا، فإنَّ حُصُولَ هذه النَّتائِجِ الجَلِيلةِ النّاشِئةِ مِن حَرَكَتَيِ الأَرضِ حَولَ مِحوَرِها ومَدارِها یی حَرَكةً تُشبِهُ حَرَكاتِ المَوْلَوِيِّ العاشِقِ یی يُظهِرُ لنا مَدَى السُّهُولةِ والفِطرِيّةِ والبَساطةِ في "الأَحَدِيّةِ والفَردِيّةِ"، ويُبيِّنُ لنا في الوَقتِ نَفسِه أنَّ طَرِيقَ الشِّركِ والكُفرِ كم هي مَملُوءةٌ بالمُحالاتِ الَّتي لا حَدَّ لها وبالأُمُورِ الباطِلةِ غَيرِ المَعقُولةِ.
وبَعدُ.. فانظُرْ إِلى عُبّادِ الأَسبابِ و المُتَشدِّقِينَ بالطَّبِيعةِ مِن خِلالِ هذا المِثالِ: إِنَّ الظَّنَّ أَنَّ صانِعًا يُعِدُّ بِصَنعَتِه الفائِقةِ تُرُوسَ مَصنَعٍ أو ساعةٍ، وأَركانَ قَصرٍ مَشِيدٍ، أو كِتابٍ رائِعٍ، بِصُورةٍ مُنتَظِمةٍ لِأَقصَى حَدٍّ، ثُمَّ لا يُرَكِّبُ هو بِنَفسِه الأَجزاءَ والتُّرُوسَ، ولا يُشَغِّلُها بِسُهُولةٍ، بل يَجعَلُ كُلَّ جُزءٍ وكُلَّ تُرسٍ مِنها حتَّى الوَرَقَ والقَلَمَ ماكِينةً بَدِيعةً بِنَفَقاتٍ طائِلةٍ، لِتَعمَلَ تلك الأَجزاءُ والتُّرُوسُ بِنَفسِها، وتَبنِيَ المَصنَعَ والقَصرَ، وتُرَكِّبَ السّاعةَ، وتَكتُبَ الكِتابَ، بَدَلًا عنِ الصّانِعِ، فيُحِيلُ إلى تلك الأَجزاءِ والتُّرُوسِ مَهارَتَه وصَنعَتَه اللَّتَينِ هُما وَسِيلَتانِ لِإظهارِ جَمِيعِ بَراعَتِه وكَمالاتِه الَّتي يَتُوقُ كَثِيرًا لِإشهارِها.. حِينَئذٍ تُدرِكُ كم هو جَهلٌ وبُعدٌ عنِ العَقلِ مِثلُ هذا الظَّنِّ!
فالَّذِينَ يُحِيلُونَ أَمرَ الخَلقِ والإِيجادِ في هذا الكَونِ البَدِيعِ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ يَهوُونَ في جَهلٍ مُرَكَّبٍ سَحِيقٍ كهذا، وذلك لِأنَّ مَظاهِرَ الإِبداعِ واضِحةٌ على الأَسبابِ والطَّبِيعةِ نَفسِها، فهِي مَخلُوقةٌ كسائِرِ المَخلُوقاتِ؛ فالَّذي خَلَقها یی على هذه الصُّورةِ البَدِيعةِ یی هو الَّذي يَخلُقُ آثارَها ونَتائِجَها أَيضًا، ويُظهِرُها معًا.. فالَّذي خَلَق البِذْرةَ هو الَّذي أَنشَأ علَيْها شَجَرَتَها، وهُو الَّذي يُخرِجُ أَثمارَها وأَزهارَها مِن أَكمامِها.. بَينَما إن لم يُسنَد خَلقُ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ معَ آثارِهِما إلى "الواحِدِ الأَحَدِ"، يَلزَمْ لِوُجُودِ أَنواعِ الأَسبابِ وأَنماطِ الطَّبِيعةِ المُختَلِفةِ، أَنواعٌ مِنَ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ المُنتَظِمةِ المُنَسَّقةِ المُختَلِفةِ.. وهكذا تَستَمِرُّ سِلسِلةٌ مَوهُومةٌ مُمتَنِعةٌ لا مَعنَى لها ولا نِهايةَ! وهذا مِن أَعجَبِ عَجائِبِ الجَهلِ وأَتعَسِه!!
— 472 —
الإشارةُ الخامسةُ:
لقد أَثبَتْنا في مَواضِعَ مُتَعدِّدةٍ مِنَ الرَّسائِلِ وببَراهِينَ دامِغةٍ: أنَّ الِاستِقلالَ والِانفِرادَ مِن أَخَصِّ خَصائِصِ الحاكِمِيّةِ، حتَّى إنَّ هذا الإِنسانَ الَّذي هو عاجِزٌ عَجْزًا شَدِيدًا، ولا يَملِكُ مِنَ الحاكِمِيّةِ سِوَى ظِلٍّ باهِتٍ، نَراه يَرُدُّ بكُلِّ قُوّةٍ أيَّ فُضُولٍ كانَ مِنَ الآخَرِينَ، ويَرفُضُ بكُلِّ شِدّةٍ أيَّ تَدَخُّلٍ كانَ مِنهُم في شُؤُونِه، صَوْنًا مِنه لِاستِقلالِه وانفِرادِه في الأَمرِ.. بل ذُكِر في التّارِيخِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلاطِينِ قد سَفَكُوا دِماءً زَكِيّةً لِأَبنائِهِمُ الأَبرِياءِ وإِخوانِهِمُ الطَّيِّبِينَ حِينَما شَعَرُوا بتَدَخُّلٍ مِنهُم في شُؤُونِهِم.
إذًا، فالِاستِقلالُ والِانفِرادُ ورَفضُ مُداخَلةِ الآخَرِينَ هي مِن أَخَصِّ خَصائِصِ الحاكِمِيّةِ الحَقّةِ، لا فِكاكَ لها عنها، بل هي لازِمُها ومُقتَضاها الدّائِمُ؛ فالحاكِمِيّةُ الإِلٰهِيّةُ الَّتي هي بِدَرَجةِ الرُّبُوبِيّةِ المُطلَقةِ تَرُدُّ بكلِّ شِدّةٍ الشِّركَ والِاشتِراكَ مَهْما كانَ نَوعُه، ولا تَقبَلُ تَدَخُّلًا مِن سِواها قَطُّ؛ ومِن هنا نَرَى القُرآنَ الكَرِيمَ يُفِيضُ في بَيانِ التَّوحِيدِ الخالِصِ ويَرُدُّ الشِّركَ والمُشارَكةَ بأُسلُوبٍ شَدِيدٍ وبتَهدِيدٍ مُرَوِّعٍ.. فكما اقتَضَتِ الحاكِمِيّةُ الإِلٰهِيّةُ في الرُّبُوبيّةِ التَّوحِيدَ والوَحْدانيّةَ بقَطْعِيّةٍ تامّةٍ، وأَظهَرَت مُقتَضًى شَدِيدًا وداعِيًا قَوِيًّا لها، كَذلِك النِّظامُ المُتقَنُ والِانسِجامُ البَدِيعُ المُشاهَدانِ في الكَونِ یی ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ والنَّباتاتِ والحَيَواناتِ والأَرضِ والمَعادِنِ، وانتِهاءً بالجُزئيّاتِ والأَفرادِ والذَّرّاتِ یی كلٌّ مِنهُما شاهِدُ عَدْلٍ، وبُرهانٌ باهِرٌ على تلك الوَحْدانيّةِ والفَردِيّةِ، فلا يُسمَحُ قَطُّ لِرِيبةٍ أو لِشُبهةٍ، إذ لو كانَ ثمّةَ تَدَخُّلٌ مِمّا سِوَى الواحِدِ الأَحَدِ، لَفَسَد هذا النِّظامُ البَدِيعُ الرَّصِينُ، واختَلَّ هذا التَّوازُنُ المُحكَمُ المُشاهَدُ في جَمِيعِ أَجزاءِ الكَونِ، فصَدَقَ اللهُ العَظِيمُ الَّذي قال: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.
نعم، لو كانَ هُنالِك أيُّ تَدَخُّلٍ مَهْما كانَ لَظَهَرَت آثارُه بادِيةً، إلّا أنَّ الدَّعوةَ الصَّرِيحةَ في الآيةِ الكَرِيمةِ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ تُرِيك هذا النِّظامَ البَدِيعَ بكُلِّ وُضُوحٍ وجَلاءٍ حتَّى لا تَرَى ثَغرةً ولا لَبْسًا ولا نَقْصًا في جِهةٍ مِنَ الجِهاتِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ.
— 473 —
إذًا، فالنِّظامُ الرَّصِينُ في الكَونِ، والِانتِظامُ الرّائِعُ في المَخلُوقاتِ كافّةً، والمُوازَنةُ الدَّقِيقةُ بينَ المَوجُوداتِ.. تُظهِرُ لنا التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ الفَردِ، وتَشهَدُ شَهادةً واضِحةً على الوَحْدانيّةِ.
ثمَّ إنَّ أيَّ مَخلُوقٍ مَهْما كانَ صَغِيرًا، إنَّما هو مِثالٌ مُصَغَّرٌ لِلكَونِ كُلِّه ونَمُوذَجُه، وفِهرِسُه المُختَصَرُ، بمُقتَضَى تَجَلِّي الأَحَدِيّةِ؛ فلا يكُونُ مالِكًا لِذلِك المَخلُوقِ الحَيِّ الصَّغِيرِ إلّا مَن كانَ بِيَدِه زِمامُ الكَونِ كُلِّه وله الأَمرُ جَمِيعًا.. وحَيثُ إنَّ كلَّ بِذْرةٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ لَيسَت بأَقلَّ إِبداعًا في الخَلقِ مِن شَجَرةٍ ضَخْمةٍ، وكلَّ شَجَرةٍ باسِقةٍ تُضاهِي في خَلقِها خَلقَ الكائِناتِ، وكلَّ كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ إنَّما هو بحُكمِ عالَمٍ مُصَغَّرٍ وكَونٍ صَغِيرٍ، فإنَّ تَجَلِّيَ الأَحَدِيّةِ هذا يَجعَلُ الشِّركَ والِاشتِراكَ مُحالًا مُمتَنِعًا.
فهَذا الكَونُ في ضَوءِ هذا السِّرِّ یی سِرِّ الأَحَدِيّةِ یی ليس كُلًّا يَستَعصِي على التَّجزِئةِ وَحْدَها، بل أَيضًا هو كُلِّيٌّ مِن حَيثُ الماهِيّةُ، لا يَقبَلُ الِانقِسامَ والِاشتِراكَ والتَّجزِئةَ وتَدَخُّلَ الأَيدِي المُتَعدِّدةِ قَطُّ؛ فإنَّ كلَّ جُزءٍ فيه بحُكمِ جُزئِيٍّ وفَردٍ مِنه، وكلَّ الكَونِ هو بحُكمِ الكُلِّيِّ، فلَيسَ فيه مَوضِعٌ لِلِاشتِراكِ في أيّةِ جِهةٍ كانَت.
فهذا التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِاسمِ "الفَرْدِ" يُثبِتُ حَقِيقةَ التَّوحِيدِ بهذا السِّرِّ لِلأَحَدِيَّةِ، بدَرَجةِ البَداهةِ.
نعم، كما أنَّ اندِماجَ أَنواعِ الكائِناتِ واندِغامَها فيما بَينَها، وتَوَجُّهَ وَظِيفةِ كلٍّ مِنها إلى عُمُومِ الكائِناتِ، مِثلَما يَجعَلُ الكَونَ كُلًّا واحِدًا يَستَعصِي على التَّجزِئةِ قَطعًا، مِن حَيثُ الخَلقُ والرُّبُوبيّةُ، كَذلِك الأَفعالُ العُمُومِيّةُ المُحِيطةُ بالكائِناتِ والَّتي تَظهَرُ آثارُها وفَعّاليّاتُها في الكائِناتِ عُمُومًا، تَجعَلُ الكَونَ أَيضًا كُلًّا واحِدًا یی مِن حَيثُ تَداخُلُها ببَعضِها یی حتَّى يَرفُضَ التَّجزِئةَ ويَرُدَّها رَدًّا قَوِيًّا.. ولِتَوضِيحِ ذلك نَسُوقُ المِثالَ الآتِيَ:
حالَما تُوهَبُ الحَياةُ لِلكائِنِ يَظهَرُ فِعلُ الإِعاشةِ والإِرزاقِ فيه مُباشَرةً، وضِمنَ أَفعالِ الإِعاشةِ والإِحياءِ هذه، يُشاهَدُ مُباشَرةً فِعلُ تَنظِيمِ جَسَدِ ذلك الكائِنِ وتَنسِيقِ
— 474 —
أَعضائِه، وتَجهِيزِه بما يَحتاجُ.. وحِينَما تَظهَرُ أَفعالُ الإِعاشةِ والإِحياءِ والتَّنظِيمِ والتَّجهِيزِ يَفعَلُ التَّصوِيرُ والتَّربِيةُ والتَّدبِيرُ فِعلَه في الوَقتِ نَفسِه.. وهكذا.
فتَداخُلُ أَمثالِ هذه الأَفعالِ المُحِيطِ بَعضُها ببَعضٍ عامّةً، واتِّحادُها ببَعضِها، وامتِزاجُها كامتِزاجِ الأَلوانِ السَّبعةِ في الطَّيفِ الشَّمسِيِّ، ثمَّ إِحاطةُ كلِّ فِعلٍ مِن تلك الأَفعالِ وشُمُولُه یی معَ وَحْدَتِه مِن حَيثُ الماهِيّةُ یی لِلمَوجُوداتِ كلِّها في وَحْدةٍ واحِدةٍ، وكَونُ كلِّ فِعلٍ مِنها فِعلًا وَحْدانيًّا.. يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ فاعِلَه واحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ..
وكما أنَّ استِيلاءَ كلِّ فِعلٍ یی مِن تلك الأَفعالِ یی وهَيمَنَتَه على الكائِناتِ قاطِبةً، واتِّحادَه معَ سائِرِ الأَفعالِ في تَعاوُنٍ وَثِيقٍ، يَجعَلُ الكَونَ كُلًّا غَيرَ قابِلٍ لِلتَّجزِئةِ.. كَذلِك فإنَّ كلَّ مَخلُوقٍ حَيٍّ مِن حَيثُ كَونُه بمَثابةِ بِذْرةِ الكَونِ وفِهرِسِه ونَمُوذَجِه يَجعَلُ الكَونَ كُلِّیيًّا غَيرَ قابِلٍ لِلِانقِسامِ والتَّجزِئةِ یی مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ یی بل يَجعَلُ انقِسامَه مُحالًا وخارِجًا عنِ الإِمكانِ، أي: أنَّ الكَونَ بهذا هو كُلٌّ لا يَتَجَزَّأُ، فلا يكُونُ إِذًا رَبُّ الجُزءِ إلّا مَن كانَ رَبًّا لِلكُلِّ، وهُو كُلِّيٌّ أَيضًا بحَيثُ يكُونُ كلُّ جُزءٍ مِنه بحُكمِ فَردٍ، فلا يكُونُ رَبًّا لِلفَردِ الواحِدِ إلّا مَن كانَ زِمامُ ذلك الكُلِّيِّ بِيَدِه.
الإشارةُ السَّادسةُ:
كما أنَّ الفَردِيّةَ الرَّبّانِيّةَ والوَحْدةَ الإِلٰهِيّةَ هي أَساسُ جَمِيعِ الكَمالاتِ (حاشية): حتَّى إنَّ التَّوحيدَ هو نَفسُه أَوضَحُ بُرهانٍ، وأَسطَعُ دليلٍ على الكَمالِ والجَمالِ الإِلٰهِيِّ، لِأنَّه إذا عُرِف أنَّ صانِعَ الكَونِ واحدٌ أَحَدٌ، فستُعرَفُ جَمِيعُ أَنواعِ الكَمالِ والجَمالِ المُشاهَدةِ في الوُجُودِ، بأنَّها ظِلالٌ وتَجَلِّياتٌ وعَلاماتٌ لِأنواعِ الكَمالِ المُقدَّسِ وأَنماطِ الجَمالِ المُنزَّهِ لذلك الصَّانِع الواحِدِ الأَحَدِ لذلك الكَمالِ المُقدَّسِ والجَمالِ المُنزَّه، بينما إذا لم يُعرَفِ الصّانِعُ الواحِدُ، فستُحالُ تلك الكمالاتُ وأنواعُ الجَمالِ إلى الأسبابِ التي لا شُعُورَ لها وإلى مَخلُوقاتٍ عاجِزةٍ، وعِندَها يَحارُ العَقلُ البَشَرِيُّ أمامَ خَزائِنِ الكَمالِ والجَمالِ السَّرمَدِيَّينِ، لِأنَّه فَقَدَ مِفتاحَ تلك الكُنُوزِ الخالِدةِ. ومَنشَأُ المَقاصِدِ السّامِيةِ، ومَنبَعُ الحِكَمِ المُودَعةِ في خَلقِ الكَونِ، كَذلِك هي المَنبَعُ الأَصلِيُّ والوَسِيلةُ الوَحِيدةُ لِحُصُولِ رَغَباتِ كُلِّ ذِي شُعُورٍ وذِي عَقلٍ ولا سِيَّما الإِنسانِ، فلَوْلا
— 475 —
"الفَردِيّةُ" لَانطَفَأَت شُعلةُ رَغَباتِه ومَطالِبِه كلِّها، وانمََّ جَمِيعُ الحِكَمِ المُودَعةِ في خَلقِ الكَونِ، وتَلاشَت أَكثَرُ الكَمالاتِ المَوجُودةِ والثّابِتةِ وانعَدَمَت.
فمَثلًا: إنَّ رَغبةَ حُبِّ البَقاءِ بل عِشقَه، عَمِيقةٌ في الإِنسانِ.. هذه الرَّغبةُ العَرِيقةُ لا يُحَقِّقُها ولا يُسَكِّنُها ويُطَمْئِنُها إلّا مَن هو مالِكٌ لِمَقالِيدِ الكَونِ، الَّذي يَفتَحُ بابَ البَقاءِ السَّرمَدِيِّ أَمامَ الإِنسانِ بالآخِرةِ، بعدَ أن يُنهِيَ هذه الدُّنيا الفانيةَ ويُغلِقَ أَبوابَها كسُهُولةِ غَلقِ غُرفةٍ وفَتحِ أُخرَى.
وهُنالِك رَغَباتٌ أُخرَى كَثِيرةٌ جِدًّا لِلإِنسانِ أَمثالَ هذه الرَّغبةِ، كلُّها مُمتَدّةٌ إلى غَيرِ نِهايةٍ مَعلُومةٍ، ومُتَشعِّبةٌ في ثَنايا الكائِناتِ جَمِيعًا.. فهذه الرَّغَباتُ جَمِيعُها مُرتَبِطةٌ ارتِباطًا وَثِيقًا بحَقِيقةِ التَّوحِيدِ، ومَشدُودةٌ معَ سِرِّ "الفَردِيّةِ"؛ فلَوْلا ذلك السِّرُّ لَبَقِيَت هذه الرَّغَباتُ عَقِيمةً دُونَ نَتائِجَ، قاصِرةً عن بُلُوغِ مَداها، مَبتُورةً مُنكَمِشةً؛ ولَوْلا تَصَرُّفُ الواحِدِ الأَحَدِ في الكَونِ كُلِّه لَمَا اطمَأَنَّت ولا حَصَلَت تلك الرَّغَباتُ، ولو حَصَلَت حَصَلَت مَبتُورةً.
فالإِيمانُ بالوَحْدانيّةِ، وبقُدرةِ "الفَردِ الواحِدِ الأَحَدِ" المُطلَقةِ هو وَحْدَه الكَفِيلُ بإِحلالِ الطُّمَأنينةِ والسُّكُونِ في تلك الرَّغَباتِ المُتَأجِّجةِ لَدَى الإِنسانِ؛ مِن أَجلِ هذا السِّرِّ العَظِيمِ نَرَى القُرآنَ الكَرِيمَ يَذكُرُ التَّوحِيدَ والوَحدانيّةَ بكلِّ حَرارةٍ وشَوقٍ، ويُكرِّرُها بكلِّ حَلاوةٍ وذَوقٍ، وأنَّ الأَنبِياءَ عَلَيهِم السَّلَام والأَصفِياءَ والعُلَماءَ والأَولِياءَ الصَّالِحِينَ يَجِدُونَ بُغيَتَهُم وذَوقَهُمُ السّامِيَ، بل مُنتَهَى سَعادَتِهِم في أَفضَلِ ما قالُوه: "لا إِلٰهَ إلّا هُو".
الإشارةُ السَّابعةُ:
إنَّ هذا التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ بجَمِيعِ مَراتِبِه، وبِأَتَمِّ صُورَتِه الكامِلةِ، قد أَثبَتَه وأَعلَنَه وفَهَّمَه وبَلَّغَه مُحَمَّدٌ (ص)، فلا بُدَّ أنَّ رِسالَتَه ثابِتةٌ وقاطِعةٌ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ التَّوحِيدِ نَفسِه، لِأنَّه: لَمّا كانَ التَّوحِيدُ هو أَعظَمَ حَقِيقةٍ في عالَمِ الوُجُودِ، وأنَّ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) هو الَّذي تَوَلَّى تَبلِيغَه وتَعلِيمَه بجَمِيعِ حَقائِقِه، فلا بُدَّ أنَّ جَمِيعَ البَراهِينِ الَّتي تُثبِتُ التَّوحِيدَ، تكُونُ بدَوْرِها بَراهِينَ لِإثباتِ رِسالَتِه، وأَدِلّةً على صِدقِ نُبُوَّتِه وأَحَقِّيّةِ دَعوَتِه (ص)، فرِسالةٌ
— 476 —
كهذه الرِّسالةِ العُظمَى الَّتي تَضُمُّ أُلُوفًا مِن أَمثالِ هذه الحَقائِقِ السّامِيةِ، وتَكشِفُ عن حَقِيقةِ التَّوحِيدِ وتُرشِدُ إلَيْه وتُلَقِّنُه، لا شَكَّ أنَّها رِسالةٌ يَقتَضِيها ذلك التَّوحِيدُ وتلك الفَردِيّةُ.. فمَن ذا غَيرُ مُحَمَّدٍ (ص) الَّذي أَدَّى الأَمانَة على أَفضَلِ وَجهٍ وبَلَّغ الرِّسالةَ على أَجمَلِ صُورةٍ؟!
سنَذكُرُ ثَلاثةَ نَماذِجَ، مِثالًا لِتِلك الأَدِلّةِ الكَثِيرةِ والأَسبابِ العَدِيدةِ الَّتي تَشهَدُ على عَظَمةِ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ لِهذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، وتَدُلُّ على عُلُوِّ مَنزِلَتِه الرَّفِيعةِ، وتُبيِّنُ أنَّه السِّراجُ المُنِيرُ لِهذه الكائِناتِ وشَمسُها السّاطِعةُ.
الدَّليلُ الأوَّلُ: إنَّ ثَوابَ جَمِيعِ الحَسَناتِ الَّتي يَنالُها جَمِيعُ أَفرادِ الأُمّةِ، وعلى مَدَى جَمِيع العُصُورِ، مَكتُوبٌ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه (ص)، إذ هو السَّبَبُ في نَيلِ كلِّ ثَوابٍ تَنالُه أُمَّتُه إلى يَومِ القِيامةِ، حَيثُ "السَّبَبُ كالفاعِلِ"..
تَأَمَّلْ في هذا ثمَّ فَكِّرْ في المَقامِ المُعَظَّمِ اللّائِقِ الَّذي يَقتَضِيه مَجمُوعُ الأَدعِيةِ غَيرِ المَحدُودةِ مِنَ الصَّلَواتِ المَقبُولةِ المَرفُوعةِ يَومِيًّا مِنَ الأُمّةِ كافّةً.. تُدرِكْ عِندَئِذٍ دَرَجَتَه العالِيةَ الرَّفيعةَ، وتَفْهَمْ أنَّ شَخصِيَّتَه المَعنَوِيّةَ شَمسُ الكائِناتِ والسِّراجُ المُنِيرُ لِلخَلقِ أَجمَعِينَ.
الدَّليلُ الثَّاني: إنَّ بِذْرةَ الشَّجَرةِ الوارِفةِ لِلإِسلامِ، ومَنشَأَها، وحَياتَها، ومَنبَعَها إنَّما هي حَقِيقةُ الماهِيّةِ المُحَمَّدِيّةِ، بما تَملِكُ مِن فِطرةٍ سامِيةٍ، وخِلقةٍ كامِلةٍ؛ فتَذَكَّرْ هذا ثمَّ فَكِّرْ في الرُّقيِّ الرُّوحِيِّ لِهذا الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص) النَّابِعِ مِنِ استِشعارِه الكامِلِ الأَتَمِّ لِجَمِيعِ مَعانِي العِباداتِ، والأَذكارِ، والكَلِماتِ الشَّرِيفةِ ومَراتِبِها، والَّتي تُمَثِّلُ بمَجمُوعِها رُوحَ الإِسلامِ وحَقِيقَتَه، لِتَعلَمَ مَدَى عُلُوِّ مَرتَبةِ وِلايةِ عُبُودِيَّتِه (ص) المُرتَقِيةِ إلى الدَّرَجةِ الرَّفِيعةِ، دَرَجةِ الحَبِيبِيّةِ، وافْهَمْ مَبلَغَ سُمُوِّها.
ولقد فَتَح اللهُ عَلَيَّ يَومًا في سَجدةٍ في صَلاةٍ، بَعضَ المَعانِي والأَنوارِ المُشِعّةِ مِن كَلِمةِ "سُبحانَ رَبِّي الأَعلَى" بما يَقرُبُ مِن فَهمِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ مِن هذه الكَلِمةِ المُقَدَّسةِ، فتَبيَّنَ لي يَقِينًا أنَّها خَيرٌ مِن عِبادةِ شَهرٍ، فأَدرَكتُ بها المَنزِلةَ العَظِيمةَ والدَّرَجةَ العاليةَ الَّتي يَحظَى بها الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ علَيْهِم أَجمَعِينَ.
— 477 —
نعم، إنَّ الأَنوارَ الَّتي تُشِعُّها الكَلِماتُ المُقدَّسةُ، وفُيُوضاتُها في بَدءِ الإِسلامِ لها مَزايا خاصّةٌ، وذلك لِجِدَّتِها، ولها مِنَ اللَّطافةِ والطَّراوةِ واللَّذّةِ ما يَتَناقَصُ بمُرُورِ الزَّمَنِ وتَتَستَّرُ تَحتَ سِتارِ الغَفْلةِ.
والآنَ، وفي ضَوءِ ما سَبَق، تَأمَّلْ مَكانةَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) الَّذي تَناوَلَ الكَلامَ المُقدَّسَ، ورَشَفَه مِنَ المَنبَعِ الأَقدَسِ، واستَوعَبَ أَنوارَه بالوَحيِ الإِلٰهِيِّ بكامِلِ جِدَّتِه وطَراوَتِه ولَطافَتِه، بِما فُطِرَ علَيْه مِنِ استِعدادٍ كامِلٍ.. فالأَنوارُ والفُيُوضاتُ الكامِنةُ في تَسبِيحةٍ واحِدةٍ مِنه (ص) هي خَيرٌ وأَعَمُّ مِن جَمِيعِ الأَنوارِ الَّتي تَملَأُ أَرجاءَ عِبادةِ سَنةٍ كامِلةٍ عِندَ غَيرِه.!
قِسْ على هذا المِنوالِ، كي تَعلَمَ كم بَلَغ رَسُولُنا الحَبِيبُ (ص) مِن دَرَجاتِ الكَمالِ الَّتي لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.
الدَّليلُ الثَّالثُ: إنَّ الإِنسانَ يُمثِّلُ أَعظَمَ مَقصَدٍ مِنَ المَقاصِدِ الإِلٰهِيّةِ في الكَونِ، وهُو المُؤهَّلُ لِإدراكِ الخِطابِ الرَّبّانِيِّ، وقدِ اختارَه سُبحانَه مِن بينِ مَخلُوقاتِه، واصطَفَى مِن بينِ الإِنسانِ المُكَرَّمِ مَن هو أَكمَلُ وأَفضَلُ وأَعظَمُ إِنسانٍ بأَعمالِه وآثارِه الكامِلةِ، لِيَكُونَ مَوضِعَ خِطابِه الجَلِيلِ بِاسمِ النَّوعِ الإِنسانِيِّ كافّةً، بل بِاسمِ الكائِناتِ جَمِيعًا.. فلا رَيبَ أنَّ اللهَ سُبحانَه الفَرْدَ الجَلِيلَ الَّذي هَيَّأ رَسُولَه الحَبِيبَ (ص) لِهذه المَرتَبةِ قد مَنَحَه مِنَ الأَنوارِ والكَمالاتِ ما لا يُحَدُّ بحُدُودٍ.
وهكذا، وبمِثلِ هذه الدَّلائِلِ الثَّلاثةِ ودَلائلَ أُخرَى كَثِيرةٍ يَثبُتُ لَدَيْنا يَقِينًا: أنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ لِلرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، شَمسٌ مَعنَوِيّةٌ ساطِعةٌ لِلكائِناتِ، وسِراجٌ مُنِيرٌ لامِعٌ لها، كما أنَّها الآيةُ العُظمَى مِن قُرآنِ الكَونِ، والِاسمُ الأَعظَمُ لِذلِك الفُرَقانِ الأَعظَمِ، ومِرآةٌ صافِيةٌ لِلتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِأَنوارِ اسمِ "الفَرْدِ" عَزَّ وجَلَّ.
فاللَّهُمَّ يا أَحَدُ، يا فَردُ، يا صَمَدُ، أَنزِلْ مِن بَرَكاتِ خَزِينةِ رَحمَتِك الَّتي لا تَنفَدُ، صَلَواتٍ وسَلامًا على تلك الذّاتِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ، بعَدَدِ ذَرّاتِ الكَونِ مَضرُوبًا بعَدَدِ عاشِراتِ جَمِيعِ أَزمِنةِ الكَونِ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
— 478 —

النُّكتة الخامسة للَّمْعة الثلاثين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ
لقد تَراءَت في أُفُقِ عَقلِي نُكتةٌ مِنَ النِّكاتِ الدَّقيقةِ لِلآيتَينِ المَذكُورَتَينِ، وتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ نُورِ الِاسمِ الأَعظَمِ "الحَيِّ" أو أَحَدِ نُورَيه، أو أَحَدِ أَنوارِه السِّتّةِ، وذلك في شَهرِ شَوّالٍ عِندَما كُنتُ في سِجنِ "أَسكِي شَهِر"، فلم أَتَمكَّن مِن تَوثِيقِها في حِينِه، ولم أَستَطِع أن أَقتَنِصَ ذلك الطّائِرَ السّامِيَ، ولكِن بَعدَما تَباعَد ذلك القَبَسُ الوَضِيءُ اضطُرِرتُ إلى الإِشارةِ إلَيْه بوَضعِ رُمُوزٍ تَرمُزُ إلى أَشِعّةِ تلك الحَقِيقةِ الكُبْرَى، وذلك النُّورِ الأَعظَمِ.
وسأُشِيرُ إلَيْها هنا باختِصارٍ:
الرَّمزُ الأوَّلُ:
ما الحَياةُ الَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ اللهِ الحَيِّ المُحيِي؟ وما ماهِيَّتُها؟ وما مُهِمَّتُها؟
جَوابُ هذا السُّؤالِ نُدرِجُه على صُورةِ فِهرِسٍ، على النَّحوِ الآتِي:
الحَياةُ هي لِهذه الكائِناتِ:
أَهَمُّ غايةٍ..
وأَعظَمُ نَتِيجةٍ..
وأَسطَعُ نُورٍ..
— 479 —
وأَلطَفُ خَمِيرةٍ..
وأَصفَى خُلاصةٍ..
وأَكمَلُ ثَمَرةٍ..
وأَسمَى كَمالٍ..
وأَزهَى جَمالٍ..
وأَبهَى زِينةٍ..
وهِي سِرُّ وَحدَتِها..
ورابِطةُ اتِّحادِها..
ومَنشَأُ كَمالاتِها..
وهِي أَبدَعُ ذاتِ رُوحٍ فيها، مِن حَيثُ الإِتقانُ والماهِيّةُ..
وهِي حَقِيقَتُها المُعجِزةُ، تُصَيِّرُ أَصغَرَ مَخلُوقٍ عالَمًا بحَدِّ ذاتِه..
وهِي أَروَعُ مُعجِزاتِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، بجَعلِها الكائِنَ الحَيَّ بمَثابةِ كَونٍ مُصَغَّرٍ، فكَأنَّها یی أي: الحَياةَ یی وَسِيلةٌ لِانطِواءِ الكائِناتِ في ذلك الكائِنِ الحَيِّ الصَّغِيرِ؛ بما تُظهِر فيه ما يُشبِهُ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ، كما تَجعَلُه في رِباطٍ وَثِيقٍ معَ مُعظَمِ المَوجُوداتِ..
وهِي صَنعةٌ إِلٰهِيّةٌ خارِقةٌ، تُكبِّرُ الجُزءَ الضَّئِيلَ إلى أَكبَرِ كُلٍّ، حتَّى إنَّها تَجعَلُ الفَردَ بحُكمِ العالَمِ وكأنَّه كُلِّيٌّ؛ وتَعرِضُ الكَونَ یی مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ یی في حُكمِ الكُلِّ والكُلِّيِّ الَّذي لا يَقبَلُ التَّجزِئةَ والِاشتِراكَ والِانقِسامَ..
وهِي أَسطَعُ بُرهانٍ ضِمنَ ماهِيَّاتِ الكائِناتِ، وأَثبَتُه وأَكمَلُه، يَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِه سُبحانَه، وعلى أنَّه "الحَيُّ القَيُّومُ"، ويَدُلُّ على وَحْدَتِه وأَحَدِيَّتِه جلَّ وعَلا..
وهِي أَبلَغُ صُورةٍ لِصَنعةٍ رَبّانيّةٍ حَكِيمةٍ یی ضِمنَ المَصنُوعاتِ الإِلٰهِيّةِ یی وأَخفاها وأَظهَرُها وأَثمَنُها وأَزهَدُها وأَنزَهُها وأَلمَعُها..
وهِي أَلطَفُ تَجَلٍّ لِلرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ وأَرَقُّها وأَدَقُّها، تَجعَلُ المَوجُوداتِ خادِمةً لها..
— 480 —
وهِي أَجمَعُ مِرآةٍ تَعكِسُ الشُّؤُونَ الإِلٰهِيّةَ لِلأَنظارِ..
وهِي أُعجُوبةُ الخِلقةِ الرَّبّانيّةِ، إذ تَجمَعُ تَجَلِّياتِ اسمِ "الرَّحمٰنِ، الرَّزّاقِ، الرَّحِيمِ، الكَرِيمِ، الحَكِيمِ" وأَمثالِها مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وتَجعَلُ الحَقائِقَ الكَثِيرةَ والمُشاهَدةَ كالرِّزقِ والحِكمةِ والعِنايةِ والرَّحمةِ تابِعةً لها، فتَقُودُها، مِثلَما هي مَنشَأُ جَمِيعِ المَشاعِرِ ومَعدِنُ جَمِيعِ الحَواسِّ كالبَصَرِ والسَّمعِ والشُّعُورِ..
وهِي ماكِينةُ تَنظِيفٍ عَظِيمةٌ، وجِهازُ استِحالةٍ عَجِيبٌ في مَصنَعِ الكائِناتِ، حيثُ تَقُومُ بالتَّصفِيةِ والتَّطهيرِ في كلِّ نَواحِيه، فتُطَهِّرُ الشَّيءَ وتَمنَحُه الرُّقِيَّ وتُنَوِّرُه، وكأنَّ الجَسَدَ یی الَّذي هو عُشُّ الحَياةِ یی دارُ ضِيافةٍ لِقَوافِلِ الذَّرّاتِ ومَدرَسَتُها ومُعَسكَرُها؛ تَتَعلَّمُ فيه وَظائِفَها، وتَتَدرَّبُ على أَعمالِها، فتَتَنوَّرُ وتُضِيءُ..
وهِي وَسِيلةٌ يُنوِّرُ بها "الحَيُّ المُحيِي" سُبحانَه عالَمَ الدُّنيا المُظلِمَ الفانِيَ السّافِلَ ويَمنَحُه نَوعًا مِنَ البَقاءِ، ويَجعَلُه بماكِينةِ الحَياةِ لَطِيفًا مُهَيَّأً لِلمُضِيِّ إلى العالَمِ الباقِي..
ثمَّ إنَّ وَجهَيِ الحَياةِ یی أي: المُلكَ والمَلَكُوتَ یی صافِيانِ طاهِرانِ لا نَقصَ فِيهِما، سامِيانِ؛ وهِي مَخلُوقٌ خاصٌّ مُتَميِّزٌ عن كلِّ خَلقٍ آخَرَ، لم تُوضَع لها الأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ حُجُبًا لِتَصَرُّفاتِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ یی كما هي في سائِرِ الأَشياءِ یی وذلك لِيَكُونَ أَمرُ صُدُورِها مِن يَدِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ مُباشَرةً دُونَ حُجُبٍ أو وَسائِطَ..
وحَقِيقةُ الحَياةِ تَتَطلَّعُ إلى الأَركانِ الإِيمانيّةِ السِّتّةِ وتُثبِتُها مَعنًى ورَمزًا، أي: إنَّها تُثبِتُ وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه وحَياتَه السَّرمَدِيّةَ؛ والدّارَ الآخِرةَ وحَياتَها الدّائِمةَ؛ ووُجُودَ المَلائِكةِ.. وتَتَوجَّهُ تَوَجُّهًا كامِلًا إلى إِثباتِ سائِرِ الأَركانِ الإِيمانيّةِ وتَقتَضِيها..
وهِي أَصفَى خُلاصةٍ مُتَرشِّحةٍ مِنَ الكائِناتِ كُلِّها، كما أنَّها أَعظَمُ سِرٍّ يُولِّدُ الشُّكرَ والعِبادةَ والحَمدَ والمَحَبّةَ الَّتي هي أَهَمُّ المَقاصِدِ الإِلٰهِيّةِ في الكَونِ، وأَهَمُّ نَتِيجةٍ لِخَلقِ العالَمِ هذا.
— 481 —
تَأمَّلْ هذه الخَصائِصَ المُهِمّةَ القَيِّمةَ لِلحَياةِ، والبالِغةَ تِسعًا وعِشرِينَ خاصِّيّةً، ودَقِّقِ النَّظَرَ في مُهِمّاتِها السّامِيةِ الشّامِلةِ، ثمَّ انظُرْ مِن وَراءِ اسمِ "المُحيِي" إلى عَظَمةِ اسمِ "الحَيِّ"، وأَدرِكْ كيف أنَّ اسمَ "الحَيِّ" هو اسمُ اللهِ الأَعظَمُ مِن حَيثُ هذه الخَصائِصُ العَظِيمةُ لِلحَياةِ، ومِن حَيثُ ثِمارُها ونَتائِجُها؛ وافْهَمْ أَيضًا أنَّه لا بُدَّ أَن تكُونَ لِهَذِه الحَياةِ غايةٌ كُبْرَى كِبَرَ الكَونِ ونَتِيجةً عُظمَى بعَظَمَتِه ما دامَت هي أَعظَمَ نَتِيجةٍ لِهذه الكائِناتِ وأَعظَمَ غايةٍ وأَثمَنَ ثَمَرةٍ؟ لِأنَّ الثَّمَرةَ مِثلَما هي نَتِيجةُ الشَّجَرةِ، فنَتِيجةُ الثَّمَرةِ شَجَرةٌ قادِمةٌ بواسِطةِ بِذْرَتِها.
نعم، إنَّ غايةَ هذه الحَياةِ ونَتيجَتَها هي الحَياةُ الأَبدِيّةُ، كما أنَّ ثَمَرةً مِن ثِمارِها هي الشُّكرُ والعِبادةُ والحَمدُ والمَحَبّةُ تِجاهَ واهِبِ الحَياةِ "الحَيِّ المُحيِي"، وإنَّ هذا الشُّكرَ والمَحَبّةَ والحَمدَ والعِبادةَ هي ثَمَرةُ الحَياةِ كما أنَّها غايةُ الكائِناتِ.
فاعْلَمْ مِن هذا: أنَّ الَّذِينَ يَحصُرُونَ غايةَ هذه الحَياةِ في: "عَيشٍ بِرَفاهٍ، وتَمَتُّعٍ بغَفْلةٍ، وتَنَعُّمٍ بِهَوًى" إنَّما يَستَخِفُّونَ یی بجَهلٍ مُستَهجَنٍ قَبِيحٍ یی بهذه النِّعمةِ الغالِيةِ الكُبْرَى، نِعمةِ الحَياةِ، وهَدِيّةِ الشُّعُورِ، وإِحسانِ العَقلِ، ويُحَقِّرُونَها ويُنكِرُونَها، بل يَكفُرُونَ بها، فيَرتَكِبُونَ كُفرانًا عَظِيمًا وإِثمًا مُبِينًا.
الرَّمزُ الثَّاني:
الحَياةُ الَّتي هي أَعظَمُ تَجَلٍّ لِاسمِ اللهِ "الحَيِّ" وأَلطَفُ تَجَلٍّ لِاسمِ اللهِ "المُحيِي" يُحتاجُ في بَيانِ مَراتِبِها وصِفاتِها ووَظائِفِها یی المَذكُورِ فِهرِسْتُها في الرَّمزِ الأوَّلِ یی إلى كِتابةِ رَسائِلَ عِدّةٍ بعَدَدِ تلك المَزايا والخَصائِصِ؛ لِذا سنُشِيرُ إِشارةً مُختَصَرةً إلى بِضعٍ مِنها مُحِيلِينَ تَفاصِيلَها إلى أَجزاءِ "رَسائِلِ النُّورِ"، حَيثُ بَيَّنَت قِسمًا مِن تلك الخَصائِصِ والمَراتِبِ والمُهِمّاتِ.. فلَقَد ذُكرِ في الخاصِّيّةِ الثّالثةِ والعِشرِينَ مِنَ الخَصائِصِ التِّسعةِ والعِشرِينَ لِلحَياةِ: أنَّ وَجْهَيِ الحَياةِ صافِيانِ، شَفّافانِ، رائِقانِ.. فلم تَضَعِ القُدرةُ الرَّبّانيّةُ أَسبابًا ظاهِرِيّةً لِتَصرُّفاتِها فيها؛ وسِرُّ هذه الخاصِّيّةِ هو ما يَأتِي:
— 482 —
إنَّ كلَّ شَيءٍ في الكَونِ يَنطَوِي على خَيرٍ، وفيه جَمالٌ وحُسنٌ، أمّا الشَّرُّ والقُبحُ فهُما جُزئيّانِ جِدًّا، وهُما بحُكمِ وَحْدَتَينِ قِياسِيَّتَينِ، أي: إنَّهُما وُجِدا لِإظهارِ ما في الخَيرِ وما في الجَمالِ مِن مَراتِبَ كَثِيرةٍ وحَقائِقَ عَدِيدةٍ؛ لِذا يُعَدُّ الشرُّ خَيرًا والقُبحُ حُسنًا مِن هذه الزّاوِيةِ، أي: مِن زاوِيةِ كَونِهِما وَسائِلَ لِإبرازِ المَراتِبِ والحَقائِقِ، ولكِن ما يَبدُو لِذَوِي الشُّعُورِ مِن مَظاهِرِ القُبحِ والشَّرِّ والبَلاءِ والمَصائِبِ، قد تَدفَعُهُم إلى السُّخطِ والشَّكوَى والِامتِعاضِ، فوُضِعَتِ الأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ سِتارًا لِتَصَرُّفِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، لِئَلّا تَتَوجَّه تلك الشَّكاوَى الظَّالِمةُ والسُّخطُ الباطِلُ إلى "الحَيِّ القَيُّومِ" جلَّ وعَلا..
زِدْ على ذلك: فإنَّ العَقلَ أَيضًا بنَظَرِه الظّاهِرِيِّ القاصِرِ، قد يَرَى مُنافاةً بينَ أُمُورٍ يَراها خَسِيسةً، خَبِيثةً، قَبِيحةً، وبينَ مُباشَرةِ يَدِ القُدرةِ المُنَزَّهةِ المُقَدَّسةِ لها، فوُضِعَتِ الأَسبابُ الظّاهِرِيّةُ سِتارًا لِتَصَرُّفِ القُدرةِ الرَّبّانيّةِ لِتُنَزِّهَ عِزّةَ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ عن تلك المُنافاةِ الظّاهِرِيّةِ.
عِلمًا أنَّ تلك الأَسبابَ لا يُمكِنُها أن تُوجِدَ شَيئًا بحَدِّ ذاتِها قَطُّ، بل هي مَوضُوعةٌ لِصِيانةِ عِزّةِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ وتَنزِيهِها، ولِتَظَلَّ هي هَدَفًا مُباشَرًا لِلشَّكاوَى الظّالِمةِ والِاعتِراضاتِ الباطِلةِ.
ولقد ذَكَرْنا في مُقدِّمةِ المَقامِ الثّاني مِنَ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِينَ" أنَّ مَلَكَ المَوتِ "عَزرائِيلَ" عَلَيهِ السَّلَام وَجَد أنَّ مُهِمّةَ قَبضِ الأَرواحِ الَّتي أُوكِلَت إلَيْه مُهِمّةٌ بَغِيضةٌ لِبَني آدَمَ، وسيَكُونُ مِن جَرّائِها مَوضِعَ سُخْطِهِم ومَثارَ امتِعاضِهِم، فناجَى رَبَّ العِزّةِ بشَأنِ مُهِمَّتِه قائِلًا:
يا رَبِّ إنَّ عِبادَك سيَسخَطُونَ عَلَيَّ!
وجاءَه الجَوابُ:
سأَضَعُ سِتارَ الأَمراضِ وحِجابَ المَصائِبِ بينَ مُهِمَّتِك وبَينَهُم، فلا تُصَوَّبُ سِهامُ الشَّكاوَى والِاعتِراضاتِ إلَيْك، بل إلى الحُجُبِ.
فحَسَبَ مَضمُونِ هذه المُناجاةِ نقُولُ:
— 483 —
إنَّ الَّذِينَ لا يَرَونَ الوَجهَ الصَّبُوحَ الحَقِيقيَّ لِلمَوتِ المُتَوجِّهِ إلى أَهلِ الإِيمانِ، ولا يُدرِكُونَ ما فيه مِن رَحمةٍ مُدَّخَرةٍ، يُبدُونَ اعتِراضاتٍ وشَكاوَى، فتَبْرُزُ أَمامَهُم مُهِمّةُ عَزرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام حِجابًا وسِتارًا، فلا تَتَوجَّهُ تلك الشَّكاوَى الباطِلةُ والِاعتِراضاتُ المُجحِفةُ إلى الذّاتِ المُقدَّسةِ لِلحَيِّ القَيُّومِ.. ومِثلَما أنَّ مُهِمّةَ عَزرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام سِتارٌ، فإنَّ الأَسبابَ الظّاهِرِيّةَ الأُخرَى هي أَيضًا حُجُبٌ وأَستارٌ.
نعم، إنَّ العِزّةَ والعَظَمةَ تَقتَضِيانِ أن تكُونَ الأَسبابُ حُجُبًا بينَ يَدَيِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ أَمامَ نَظَرِ العَقلِ، إلّا أنَّ الجَلالَ والوَحدانيّةَ يَقتَضِيانِ أن تَسحَبَ الأَسبابُ أَيدِيَها وتَرفَعَها عنِ التَّأثيرِ الحَقِيقيِّ.
أمّا وَجْهَا الحَياةِ الظَّاهِرُ والباطِنُ: المُلكُ والمَلَكُوتُ، فهُما صافِيانِ كامِلانِ مُبَرَّآن مِنَ النَّقصِ والتَّقصِيرِ، فمِثلَما لا يُوجَدُ فِيهِما ما يَستَدعِي الشَّكوَى أوِ الِاعتِراضَ، فلَيسَ فِيهِما كَذلِك ما يُنافِي عِزّةَ القُدرةِ ونَزاهَتَها مِن دَنَسٍ مُستَهجَنٍ أو قُبحٍ ظاهِرٍ؛ لِذا فقد سُلِّمَ وَجْهاها مُباشَرةً إلى اسمِ "المُحيِي" لِذاتِ اللهِ "الحَيِّ القَيُّومِ" مِن دُونِ إِسدالِ أَستارِ الأَسبابِ وحُجُبِها.
ومِثلُ الحَياةِ: النُّورُ، وكَذلِك الوُجُودُ والإِيجادُ.. وعلَيْه نَرَى أنَّ الإِيجادَ والخَلقَ يَتَوجَّهانِ مُباشَرةً مِن دُونِ حُجُبٍ وأَستارٍ إلى قُدرةِ الخالِقِ سُبحانَه، بل حتَّى المَطَرُ یی وهُو نَوعٌ مِنَ الحَياةِ ورَحمةٌ مُهداةٌ مِنه سُبحانَه یی فلا يَحكُمُه قانُونٌ مُطَّرِدٌ يُحَدِّدُ وَقتَ نُزُولِه، وذلك لِئَلّا تُحرَمَ أَكُفُّ الضَّراعةِ أَمامَ بابِ الرَّحمةِ مِنَ الرَّجاءِ والِاستِرحامِ وَقتَ الحاجةِ، إذ لو كانَ المَطَرُ يَنزِلُ حَسَبَ قانُونٍ مُطَّرِدٍ یی بمِثلِ شُرُوقِ الشَّمسِ وغُرُوبِها یی لَمَا كانَ الخَلقُ يَتَوسَّلُونَ ويَستَغِيثُونَ كلَّ حِينٍ استِنزالًا لِنِعمةِ الحَياةِ تلك.
الرَّمزُ الثَّالثُ:
لقد ذُكِرَ في الخاصِّيّةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ: كما أنَّ الحَياةَ نَتِيجةُ الكائِناتِ، كَذَلِك الشُّكرُ والعِبادةُ هما نَتِيجةُ الحَياةِ، وسَبَبُ خَلقِ الكائِناتِ، وعِلَّتُها الغائِيّةُ، ونَتِيجَتُها المَقصُودةُ.
— 484 —
نعم، إنَّ خالِقَ الكَونِ سُبحانَه "الحَيُّ القَيُّومُ" إذ يُعَرِّفُ نَفسَه لِذَوِي الحَياةِ ويُحَبِّبُها إلَيْهِم بنِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، يَطلُبُ مِنهُم شُكرَهُم تِجاهَ تلك النِّعَمِ، ومَحَبَّتَهُم إِزاءَ تَحَبُّبِه إِلَيْهِم، وثَناءَهُم واستِحسانَهُم مُقابِلَ بَدائِعِ صُنعِه، وطاعَتَهُم وعُبُودِيَّتَهُم تِجاهَ أَوامِرِه الرَّبّانيّةِ؛ فيكُونُ الشُّكرُ والعِبادةُ یی حَسَبَ سِرِّ الرُّبُوبيّةِ هذا یی أَعظَمَ غايةٍ لِجَمِيعِ أَنواعِ الحَياةِ، ومِن ثَمَّ أَعظَمَ غايةٍ لِلكَونِ بأَسْرِه.. ومِن هنا نَرَى أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَحُثُّ بحَرارةٍ ويَسُوقُ برِفقٍ وعُذُوبةٍ إلى الشُّكرِ والعِبادةِ؛ فيُكَرِّرُ كَثِيرًا ويُبيِّنُ ويُوضِّحُ أنَّ العِبادةَ خاصّةٌ للهِ وَحدَه، وأنَّ الشُّكرَ والحَمدَ لا يَلِيقانِ حَقًّا إلّا به سُبحانَه، وأنَّ ما في الحَياةِ مِن شُؤُونٍ وأُمُورٍ هي في قَبْضةِ تَصَرُّفِه وَحدَه، فيَنفِي بهذا وبِصَراحةٍ تامّةٍ الوَسائِطَ والأَسبابَ، مُسَلِّمًا الحَياةَ بما فِيها إلى يَدِ القُدرةِ لِلحَيِّ القَيُّومِ، فيقُولُ مَثلًا:
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
نعم، إنَّ الَّذي يَدعُو إلى الشُّكرِ والحَمدِ والِامتِنانِ، والَّذي يُثِيرُ الشُّعُورَ إلى المَحَبّةِ والثَّناءِ یی بَعدَ نِعمةِ الحَياةِ یی إنَّما هو الرِّزقُ والشِّفاءُ والغَيثُ، وأَمثالُها مِن دَواعِي الشُّكرِ والحَمدِ.. فهَذِه الوَسائِلُ أَيضًا مَحصُورةٌ كُلِّیيًّا بِيَدِ الرَّزّاقِ الشّافِي سُبحانَه، فلَيسَتِ الأَسبابُ إلّا أَستارًا وحُجُبًا ووَسائِطَ فحَسْبُ، إذ إنَّ عَلامةَ الحَصرِ والتَّخصِيصِ یی حَسَبَ قَواعِدِ اللُّغةِ العَرَبيّةِ یی "هو الرَّزّاقُ"، "هو الَّذي"، واضِحةٌ في الآياتِ الكَرِيمةِ الآتِيةِ:
هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا
فهذه الآياتُ الكَرِيمةُ وأَمثالُها تُبيِّنُ: أنَّ الرِّزقَ والشِّفاءَ والغَيثَ خاصّةٌ به سُبحانَه وتَعالَى، وتَنحَصِرُ كُلِّیيًّا بِيَدِ قُدرةِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ فالَّذي وَهَب خَواصَّ الأَدوِيةِ والعِلاجِ هو ذلك الشّافِي الحَقِيقيُّ سُبحانَه الَّذي خَلَقَها وليس غَيرُه.
— 485 —
الرَّمزُ الرّابع:
لقد بَيَّنتُ في الخاصّةِ الثّامِنةِ والعِشرِينَ مِنَ الحَياةِ:
أنَّ الحَياةَ تُثبِتُ أَركانَ الإيمانِ السِّتّةَ، وتَتَوَجَّهُ نَحوَها وتُشِيرُ إلى تَحقِيقِها.
نعم، فما دامَتِ "الحَياةُ" هي حِكمةَ خَلْقِ الكائناتِ، وأَهَمَّ نَتِيجَتِها وجَوهَرَها، فلا تَنحَصِرُ تلك الحَقيقةُ السّامِيةُ في هذه الحَياةِ الدُّنيا الفانِيةِ القَصيرةِ النّاقِصةِ المُؤلِمةِ، بل إنَّ الخَواصَّ التِّسعَ والعِشرِين للحَياةِ وعَظَمةَ ماهِيَّتِها، وما يُفهَمُ مِن غايةِ شَجَرَتِها ونَتيجَتِها، وثَمَرتِها الجَديرةِ بعَظَمةِ تلك الشَّجَرةِ، ما هي إلَّا الحَياةُ الأَبَديّةُ والحَياةُ الآخِرةُ والحَياةُ الحَيّةُ بحَجَرِها وتُرابِها وشَجَرِها في دار السَّعادةِ الخالِدةِ؛ وإلَّا يَلزَمُ أن تَظَلَّ شَجَرةُ الحَياةِ المُجَهَّزةُ بهذه الأَجهِزةِ الغَزِيرةِ المُتَنوِّعةِ دُونَ حَقِيقةٍ ولا ثَمَرةٍ ولا فائِدةٍ تَعُودُ إلى ذَوِي الشُّعُورِ، ولا سِيَّما الإنسانِ، ولَظَلَّ الإنسانُ تَعِسًا وشَقِيًّا وذَليلًا وأَحَطَّ مِنَ العُصفُورِ بعِشرين دَرَجةً، مِن حَيثُ سَعادةُ الحَياةِ، معَ أنَّه أَسمَى مَخلُوقٍ وأَكرَمُ ذَوِي الحَياةِ وأَرفَعُ مِنَ العُصفُورِ بعِشرِين دَرَجةً، بلِ العَقلُ الَّذي هو أَثمَنُ نِعمةٍ يُصبِحُ بَلاءً ومُصيبةً على الإنسانِ بتَفَكُّرِه في أَحزانِ الزَّمانِ الغابِرِ ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ، فيُعذِّبُ قَلْبَه دائمًا مُعَكِّرًا صَفْوَ لَذّةٍ واحِدةٍ بتِسعةِ آلامٍ!. ولا شَكَّ أنَّ هذا باطلٌ بمِئةِ دَرَجةٍ.
فهذه الحَياةُ الدُّنيا إذًا تُثبِتُ رُكْنَ "الإيمانِ بالآخِرةِ" إثباتًا قاطِعًا، وتُظهِرُ لنا في كلِّ رَبيعٍ أَكثَرَ مِن ثلاثِ مِئةِ أَلفِ نَمُوذَجٍ مِن نَماذِجِ الحَشرِ.
فيا تُرَى هل يُمكِنُ لِرَبٍّ قَديرٍ، يُهيِّئُ ما يَلزَمُ حَياتَك مِنَ الحاجاتِ المُتَعلِّقةِ بها جَميعًا، ويُوَفِّرُ لك أَجهِزَتَها كلَّها سَواءٌ في جِسمِك أو في حَدِيقَتِك أو في بلَدِك، ويُرسِلُه في وَقتِه المُناسِبِ بحِكمةٍ وعِنايةٍ ورَحمةٍ، حتَّى إنَّه يَعلَمُ رَغبةَ مَعِدَتِك فيما يَكفُلُ لك العَيشَ والبَقاءَ، ويَسمَعُ ما تَهتِفُ به مِنَ الدُّعاءِ الخاصِّ الجُزئيِّ للرِّزقِ، مُبدِيًا قَبُولَه لذلك الدُّعاءِ بما بَثَّ مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ غيرِ المَحدُودةِ ليُطَمْئِنَ تلك المَعِدةَ! فهل يُمكِنُ لِهذا المُدَبِّرِ القَديرِ ألّا يَعْرِفَك؟ ولا يَراك؟ ولا يُهيِّئَ الأَسبابَ الضَّرُورِيّةَ لِأَعظَمِ
— 486 —
غايةٍ للإنسانِ وهي الحَياةُ الأَبَديّةُ؟ ولا يَستَجِيبَ لِأَعظَمِ دُعاءٍ وأَهَمِّه وأَعَمِّه، وهو دُعاءُ البَقاءِ والخُلُودِ؟ ولا يَقبَلَه بإنشاءِ الحَياةِ الآخِرةِ وإيجادِ الجَنّةِ؟ ولا يَسمَعَ دُعاءَ هذا الإنسانِ وهو أَسمَى مَخلُوقٍ في الكَونِ بل هو سُلطانُ الأَرضِ ونَتيجَتُها.. ذلك الدُّعاءَ العامَّ القَوِيَّ الصَّادِرَ مِنَ الأَعماقِ، والَّذي يَهُزُّ العَرْشَ والفَرْشَ! فهل يُمكِنُ ألّا يَهتَمَّ به اهتِمامَه بدُعاءِ المَعِدةِ الصَّغيرةِ ولا يُرضِيَ هذا الإنسانَ؟ ويُعَرِّضَ حِكمَتَه الكامِلةَ ورَحمَتَه المُطلَقةَ للإنكارِ؟! كلَّا.. ثمَّ كلَّا أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ كلَّا.
وهل يُعقَلُ أن يَسمَعَ أَخْفَتَ صَوْتٍ لِأَدنَى جُزئيٍّ مِنَ الحَياةِ فيَستَمِعَ لِشَكواه ويُسعِفَه، ويَحْلُمَ عليه ويُرَبِّيَه بعِنايةٍ كامِلةٍ ورِعايةٍ تامّةٍ وباهتِمامٍ بالِغٍ، مُسَخِّرًا له أَكبَرَ مَخلُوقاتِه في الكَوْنِ، ثمَّ لا يَسمَعَ صَوتًا كهَزِيمِ السَّماءِ لِأَعظَمِ حَياةٍ وأَسماها وأَلطَفِها وأَدْوَمِها؟ وهل يُعقَلُ ألَّا يَهتَمَّ بدُعائِه المُهِمِّ وهو دُعاءُ البَقاءِ، وألَّا يَنظُرَ إلى تَضَرُّعِه ورَجائِه وتَوَسُّلِه؟ ويكونَ كمَن يُجَهِّزُ بعِنايةٍ كامِلةٍ جُندِيًّا واحِدًا بالعَتادِ، ولا يَرعَى الجَيشَ الجَرّارَ المُوالِيَ له!! وكمَن يَرَى الذَّرّةَ ولا يَرَى الشَّمسَ! أو كمَن يَسمَعُ طَنِينَ الذُّبابِ ولا يَسمَعُ رُعُودَ السَّماءِ! حاشَ لله مِئةَ أَلفِ مرّةٍ حاشَ للهِ.
وهل يَقبَلُ العَقلُ یی بوَجهٍ مِنَ الأَوجُهِ یی أنَّ القَديرَ الحَكِيمَ ذا الرَّحمةِ الواسِعةِ وذا المَحَبّةِ الفائِقةِ وذا الرَّأْفةِ الشّامِلةِ والَّذي يُحِبُّ صَنْعَتَه كَثيرًا، ويُحَبِّبُ نَفسَه بها إلى مَخلُوقاتِه وهو أَشَدُّ حُبًّا لِمَن يُحِبُّونه.. فهل يُعقَلُ أن يُفنِيَ حَياةَ مَن هو أَكثَرُ حُبًّا له، وأَهلٌ للحُبِّ، وعابِدٌ لِخالِقِه فِطرةً؟ ويُفنيَ كذلك لُبَّ الحَياةِ وجَوْهَرَها وهو الرُّوحُ، بالمَوتِ الأَبَدِيِّ والإعدامِ النِّهائيِّ، ويُوَلِّدَ جَفْوةً بينَه وبينَ مُحِبِّيه ويُؤْلِمَهم أشَدَّ الإيلامِ، فيَجعَلَ سِرَّ رَحمَتِه ونُورَ مَحَبَّتِه مُعَرَّضًا للإنكارِ! حاشَ لله أَلفَ مَرّةٍ حاشَ لله..
فالجَمالُ المُطلَقُ الَّذي زَيَّن بتَجَلِّيه هذا الكَونَ وجَمَّلَه، والرَّحمةُ المُطلَقةُ الَّتي أَبهَجَتِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً وزَيَّنَتها، لا شكَّ أنَّهما مُنَزَّهَتانِ ومُقَدَّسَتانِ بلا نهايةٍ ولا حَدٍّ عن هذه القَساوةِ، وعن هذا القُبحِ المُطلَقِ والظُّلمِ المُطلَقِ.
النتيجةُ: ما دامَت في الدُّنيا حَياةٌ، فلا بُدَّ أنَّ الَّذين يَفهَمُون سِرَّ الحَياةِ مِنَ البَشَرِ، ولا يُسِيئُون استِعمالَ حَياتِهم، يكُونُون أَهلًا لِحَياةٍ باقِيةٍ، في دارٍ باقِيةٍ، وفي جَنّةٍ باقِيةٍ.. آمَنّا.
— 487 —
ثمَّ، إنَّ تَلَأْلُؤَ المَوادِّ اللَّمَّاعةِ على سَطْحِ الأَرضِ، وتَلَمُّعَ الفُقاعاتِ والحَبابِ والزَّبَدِ على سَطْحِ البَحْرِ، ثمَّ انطِفاءَ ذلك التَّلَألُؤِ والبَريقِ بزَوالِ الفُقاعاتِ، ولَمَعانَ الَّتي تَعقُبُها كأنَّها مَرايا لشُمَيْساتٍ خَيالِيّةٍ، يُظهِرُ لنا بَداهةً أنَّ تلك اللَّمَعاتِ ما هي إلَّا تَجَلِّي انعِكاسِ شَمْسٍ واحِدةٍ عالِيةٍ؛ وتَذكُرُ بمُختَلِفِ الأَلسِنةِ وُجُودَ الشَّمسِ، وتُشِيرُ إلَيها بأَصابِعَ مِن نُورٍ.. وكذلك الأَمرُ في تَلَألُؤِ ذَوِي الحَياةِ على سَطْحِ الأَرضِ وفي البَحْرِ، بالقُدرةِ الإِلٰهِيّةِ، وبتَجَلِّي اسمِ "المُحيِي" للحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُه، واختِفائِها وَراءَ سِتارِ الغَيبِ لِفَسْحِ المَجالِ للَّذي يَخلُفُها بعدَ أن رَدَّدَت: "يا حَيُّ"، ما هي إلَّا شَهاداتٌ وإشاراتٌ للحَياةِ السَّرمَدِيّةِ، ولِوُجُوبِ وُجُودِ الحَيِّ القَيُّومِ سُبحانَه وتَعالَى.
وكذا، فإنَّ جَميعَ الدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ على العِلمِ الإِلٰهِيِّ الَّذي تُشاهَدُ آثارُه مِن تَنظِيمِ المَوجُوداتِ، وجَميعَ البَراهِينِ الَّتي تُثبِتُ القُدرةَ المُتَصرِّفةَ في الكَوْنِ، وجَميعَ الحُجَجِ الَّتي تُثبِتُ الإرادةَ والمَشِيئةَ المُهَيمِنةَ على إدارةِ الكَونِ وتَنظِيمِه، وجَميعَ العَلاماتِ والمُعجِزاتِ الَّتي تُثبِتُ الرِّسالاتِ الَّتي هي مَدارُ الكَلامِ الرَّبّانيِّ والوَحْيِ الإِلٰهِيِّ.. جَميعَ هذه الدَّلائلِ الَّتي تَشهَدُ وتَدُلُّ على الصِّفاتِ الإِلٰهِيّةِ السَّبعِ الجَلِيلةِ، تَدُلُّ وتَشهَدُ أيضًا بالاتِّفاقِ على حَياةِ "الحَيِّ القَيُّومِ" سُبحانَه؛ لأنه لو وُجِدَتِ الرُّؤيةُ في شيءٍ فلا بُدَّ أنَّ له حياةً أيضًا، ولو كان له سَمْعٌ فذلك عَلامةُ الحَياةِ، ولو وُجِدَ الكَلامُ فهو إشارةٌ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ولو كان هناك الِاختِيارُ والإرادةُ فتلك مَظاهِرُ الحَياةِ.. وهكذا، فإنَّ جَميعَ دَلائلِ الصِّفاتِ الجَليلةِ الَّتي تُشاهَدُ آثارُها ويُعلَمُ بَداهةُ وُجُودِها الحَقيقيِّ، أَمثالَ القُدرةِ المُطلَقةِ، والإرادةِ الشَّامِلةِ، والعِلمِ المُحِيطِ، تَدُلُّ على حَياةِ "الحَيِّ القَيُّومِ"، ووُجُوبِ وُجُودِه، وتَشهَدُ على حَياتِه السَّرمَدِيّةِ الَّتي نَوَّرَتْ بشُعاعٍ مِنها جَميعَ الكَوْنِ، وأَحْيَت بتَجَلٍّ مِنها الدّارَ الآخِرةَ كُلَّها بذَرّاتِها معًا..
والحَياةُ كذلك تَنظُرُ وتَدُلُّ على الرُّكنِ الإيمانِيِّ: «الإيمانُ بالمَلائكةِ» ، وتُثْبِتُه رَمْزًا.
إذ ما دامَتِ الحَياةُ هي أَهَمَّ نَتِيجةٍ للكَوْنِ، وأنَّ ذَوِي الحَياةِ لِنَفاسَتِهم هم أَكثَرُ انتِشارًا وتَكاثُرًا، وهُمُ الَّذين يَتَتابَعُون إلى دارِ ضِيافةِ الأَرضِ قافِلةً إِثْرَ قافِلةٍ، فتَعْمُرُ بهم وتَبتَهِجُ؛ وما دامَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ هي مَحَطُّ هذا السَّيلِ مِن ذَوِي الحَياةِ، فتُملَأُ وتُخلَى
— 488 —
بحِكمةِ التَّجدِيدِ والتَّكاثُرِ باستِمرارٍ، ويُخلَقُ في أَخَسِّ الأَشياءِ والعُفُوناتِ ذَوُو حَياةٍ بغَزارةٍ، حتَّى أَصبَحَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ مَعرِضًا عامًّا للأَحياءِ؛ وما دامَ يُخلَقُ بكَثرةٍ هائلةٍ على الأَرضِ أَصفَى خُلاصةٍ لِتَرَشُّحِ الحَياةِ وهو الشُّعورُ والعَقلُ وجَوهَرُها اللَّطيفُ الثّابتُ وهو الرُّوحُ، فكأَنَّ الأَرضَ تَحيا وتَتَجمَّلُ بالحَياةِ والعَقلِ والشُّعورِ والأَرواحِ.. فلا يُمكِنُ أن تكُونَ الأَجرامُ السَّماوِيّةُ الَّتي هي أَكثَرُ لَطافةً وأَكثَرُ نُورًا وأَعظَمُ أَهَمِّيّةً مِنَ الأَرضِ جامِدةً بلا حَياةٍ وبلا شُعُورٍ. فالَّذين سيَعْمُرُون السَّماواتِ إذًا يَعْمُرُونها ويُبهِجُون الشُّمُوسَ والنُّجُومَ، ويَهَبُون لها الحَيَويّةَ، ويُمَثِّلون نَتيجةَ خَلْقِ السَّماواتِ وثَمَرَتَها، والَّذين سيَتَشرَّفُون بالخِطاباتِ السُّبحانيّةِ، هم ذَوُو شُعُورٍ وذَوُو حَياةٍ مِن سُكّانِ السَّماواتِ وأَهالِيها المُتَلائِمِين معَها حيثُ يُوجَدُون هناك بسِرِّ الحَياةِ، وهُمُ المَلائكةُ.
وكذلك يَنظُرُ سِرُّ الحَياةِ وماهِيَّتُها ويَتَوَجَّهُ إلى «الإيمانِ بالرُّسُلِ» ويُثْبِتُه رَمْزًا.
نعم، ما دامَ الكَونُ قد خُلِقَ لِأَجلِ الحَياةِ، وأنَّ الحَياةَ هي أَعظَمُ تَجَلٍّ وأَكمَلُ نَقْشٍ وأَجمَلُ صَنْعةٍ للحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُه، وما دامَت حَياتُه السَّرمَدِيّةُ الخالِدةُ تُظهِرُ وتَكشِفُ عن نَفسِها بإرسالِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُب، إذ لو لم تَكُن هناك "رُسُلٌ" ولا "كُتُبٌ" لَما عُرِفَت تلك الحَياةُ الأَزَليّةُ، فكما أنَّ تَكَلُّمَ الفَرْدِ يُبيِّنُ حَيَويَّتَه وحَياتَه، كذلك الأَنبِياءُ والرُّسُلُ عَلَيهِم السَّلَام والكُتُبُ المُنزَّلةُ عليهم يُبيِّنُون ويَدُلُّون على ذلك المُتكَلِّمِ الحَيِّ الَّذي يَأمُرُ ويَنهَى بكَلِماتِه وخِطاباتِه مِن وَراءِ الغَيبِ المَحجُوبِ وَراءَ سِتارِ الكَونِ؛ فلا بُدَّ أنَّ الحَياةَ الَّتي في الكَوْنِ كما تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على "الحَيِّ الأَزَليِّ" سُبحانَه وتَعالَى، وعلى وُجُوبِ وُجُودِه، كَذلِك تَدُلُّ أَركانُ الإيمانِ مِثلَ "إرسالِ الرُّسُلِ" و"إنزالِ الكُتُبِ"، تلك الأَركانُ الَّتي هي شُعاعاتُ الحَياةِ الأَزَليّةِ وتَجَلِّياتُها وتُثبِتُهما رَمْزًا، ولا سيَّما "الرِّسالةُ المُحمَّديّةُ" و"الوَحْيُ القُرآنِيُّ"، إذ يَصِحُّ القَولُ: إنَّهما ثابِتانِ قاطِعانِ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ الحَياةِ، حيث إنَّهما بمَثابةِ رُوحِ الحَياةِ وعَقلِها.
نعم، كما أنَّ الحَياةَ هي خُلاصةٌ مُتَرَشِّحةٌ مِن هذا الكَونِ، والشُّعُورَ والحِسَّ مُتَرَشِّحانِ مِنَ الحَياةِ، فهما خُلاصَتُها، والعَقلَ مَتَرَشِّحٌ مِنَ الشُّعُورِ والحِسِّ، فهو
— 489 —
خُلاصةُ الشُّعُورِ، والرُّوحَ هي الجَوهَرُ الخالِصُ الصّافي للحَياةِ، فهي ذاتُها الثّابِتةُ المُستَقِلّةُ؛ كذلك الحَياةُ المُحَمَّديّةُ المادِّيّةُ والمَعنَويّةُ مُتَرَشِّحةٌ مِنَ الحَياةِ ومِن رُوحِ الكَونِ، فهي خُلاصةُ خُلاصَتِها، والرِّسالةُ المُحمَّديّةُ مُتَرَشِّحةٌ مِن حِسِّ الكَونِ وشُعُورِه وعَقلِه، فهي أَصفَى خُلاصَتِه، بل إنَّ حَياةَ مُحمَّدٍ (ص) المادِّيّةَ والمَعنَويّةَ بشَهادةِ آثارِها حَياةٌ لِحَياةِ الكَونِ، والرِّسالةَ المُحمَّديّةَ شُعُوٌر لِشُعُورِ الكَونِ ونُورٌ له؛ والوَحْيَ القُرآنِيَّ بشَهادةِ حَقائقِه الحَيَويّةِ رُوحٌ لِحَياةِ الكَونِ وعَقلٌ لِشُعُورِه.. أجل.. أجل.. أجل.
فإذا ما فارَقَ نُورُ الرِّسالةِ المُحمَّديّةِ الكَونَ وغادَرَه، ماتَ الكَونُ وتُوُفِّيَتِ الكائِناتُ، وإذا ما غابَ القُرآنُ وفارَقَ الكَونَ، جُنَّ جُنُونُه وفَقَدَتِ الكُرةُ الأَرضِيّةُ صَوابَها، وزُلزِلَ عَقلُها، وظَلَّت بلا شُعُورٍ، واصطَدَمَت بإحدَى سَيّاراتِ الفَضاءِ، وقامَتِ القِيامةُ.
والحَياةُ كذلك، تَنظُرُ إلى الرُّكنِ الإيمانِيِّ «القَدَر» ، وتَدُلُّ عليه وتُثبِتُه رَمْزًا.
إذ ما دامَتِ الحَياةُ ضِياءً لِعالَمِ الشَّهادةِ وقدِ استَوْلَت عليه وأَحاطَت به، وهي نَتِيجةُ الوُجُودِ وغايَتُه، وأَوسَعُ مِرآةٍ لِتَجَلِّياتِ خالِقِ الكَونِ، وأَتَمُّ فِهرِسٍ ونَمُوذَجٍ للفَعّالِيّةِ الرَّبّانيّةِ، حتَّى كأنَّها بمَثابةِ نَوعٍ مِن خُطَّتِها ومَنهَجِها یی إذا جازَ التَّشبيهُ یی فلا بُدَّ أنَّ سِرَّ الحَياةِ يَقتَضي أن يكُونَ عالَمُ الغَيبِ أيضًا یی وهو بمَعنَى الماضي والمُستَقبَلِ، أي: المَخلُوقاتُ الماضِيةُ والقابِلةُ یی في نِظامٍ وانتِظامٍ، وأن يكُونَ مَعلُومًا ومَشهُودًا ومُتَعيِّنًا ومُتَهَيِّئًا لِامتِثالِ الأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ، أي: كأَنَّه في حَياةٍ مَعنَويّةٍ؛ مَثَلُها كمَثَلِ تلك البِذرةِ الأَصليّةِ للشَّجَرةِ وأُصُولِها، والنَّوَى في أَثمارِها الَّتي في مُنتَهاها، الَّتي تَتَميَّزُ بمَزايا نَوْعٍ مِنَ الحَياةِ كالشَّجرةِ نَفسِها، بل قد تَحمِلُ تلك البُذُورُ قَوانينَ حَياتيّةً أَدَقَّ مِن قَوانينِ حَياةِ الشَّجَرةِ.
فكما أنَّ البُذُورَ والأُصُولَ الَّتي خَلَّفَها الخَريفُ الماضي وسيَخْلُفُها هذا الرَّبيعُ، تَحمِلُ نُورَ الحَياةِ وتَسِيرُ وَفْقَ قَوانينَ حَياتيّةٍ، مِثلَ ما يَحمِلُه هذا الرَّبيعُ مِن حَياةٍ، كذلك شَجَرةُ الكائناتِ، وكلُّ غُصْنٍ مِنها وكلُّ فَرْع له ماضِيه ومُستقبَلُه، وله سِلسِلةٌ مُؤلَّفةٌ مِنَ الأَطوارِ والأَوضاعِ، القابِلةِ والماضِيةِ، ولكلِّ نَوعٍ ولِكلِّ جُزءٍ مِنه وُجُودٌ مُتَعدِّدٌ بأَطوارٍ
— 490 —
مُختَلِفةٍ في العِلمِ الإِلٰهِيِّ، مُشَكِّلًا بذلك سِلسِلةَ وُجُودٍ عِلْمِيٍّ؛ والوُجُودُ العِلمِيُّ هذا یی كالوُجُودِ الخارِجِيِّ یی مَظهَرٌ لِتَجَلٍّ مَعنَوِيٍّ للحَياةِ العامّةِ، حيثُ تُؤخَذُ المُقَدَّراتُ الحَياتيّةُ مِن تلك الأَلواحِ القَدَرِيّةِ الحَيّةِ ذاتِ المَغزَى العَظيمِ.
نعم، إنَّ امتِلاءَ عالَمِ الأَرواحِ یی وهو نَوعٌ مِن عالَمِ الغَيبِ یی بالأَرواحِ الَّتي هي عَينُ الحَياةِ ومادَّتُها، وجَوهَرُها وذَواتُها، يَستَلزِمُ أن يكُونَ الماضي والمُستَقبَلُ یی وهما نَوعانِ مِن عالَمِ الغَيبِ وقِسمٌ ثانٍ مِنه یی مُتَجَلِّيةً فيهما الحَياةُ.. وكذا فإنَّ الِانتِظامَ التّامَّ والتَّناسُقَ الكامِلَ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ لِأَوْضاعٍ ذاتِ مَعانٍ لَطِيفةٍ لِشَيءٍ مّا ونَتائجَه وأَطوارَه الحَيَوِيّةَ، لَيُبيِّنُ أنَّ له أَهلِيّةً لِنَوعٍ مِنَ الحَياةِ المَعنَويّةِ.
نعم، إنَّ مِثلَ هذا التَّجَلِّي یی تَجَلِّي الحَياةِ الَّذي هو ضِياءُ شَمسِ الحَياةِ الأَزَليّةِ یی لن يَنحَصِرَ في عالَمِ الشَّهادةِ هذا فقط، ولا في هذا الزَّمانِ الحاضِرِ، ولا في هذا الوُجُودِ الخارِجِيِّ، بل لا بُدَّ أنَّ كُلَّ عالَمٍ مِنَ العَوالِمِ مَظهَرٌ مِن مَظاهِرِ تَجَلِّي ذلك الضِّياءِ حَسَبَ قابِلِيَّتِه؛ فالكَوْنُ إذًا بجَميعِ عَوالِمِه حَيٌّ ومُشِعٌّ مُضِيءٌ بذلك التَّجَلِّي، وإلَّا لَأَصبَحَ كُلٌّ مِنَ العَوالِمِ یی كما تَراه عَينُ الضَّلالةِ یی جِنازةً هائلةً مُخِيفةً تحتَ هذه الحَياةِ المُؤقَّتةِ الظّاهِرةِ، وعالَمًا خَرِبًا مُظلِمًا.
وهكذا يُفهَمُ وَجهٌ مِن أَوْجُهِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ مِن سِرِّ الحَياةِ ويَثبُتُ به ويَتَّضِحُ، أي: كما تَظهَرُ حَيَويّةُ عالَمِ الشَّهادةِ والمَوجُوداتِ الحاضِرةِ بانتِظامِها وبنَتائِجِها، كذلك المَخلُوقاتُ الماضِيةُ والآتِيةُ الَّتي تُعَدُّ مِن عالَمِ الغَيبِ لها وُجُودٌ مَعنَوِيٌّ، ذُو حَياةٍ مَعنًى، ولها ثُبُوتٌ عِلمِيٌّ ذُو رُوحٍ بحَيثُ يَظهَرُ باسمِ المُقَدَّراتِ أَثَرُ تلك الحَياةِ المَعنَويّةِ بوَساطةِ لَوْحِ القَضاءِ والقَدَرِ.
الرَّمزُ الخامِسُ:
لقد ذُكِر في الخاصِّيّةِ السّادِسةَ عَشْرةَ مِن خَصائِصِ الحَياةِ: أنَّه ما إن تَنفُذُ الحَياةُ في شَيءٍ حتَّى تُصَيِّرَه عالَمًا بحَدِّ ذاتِه، إذ تَمنَحُه مِنَ الجامِعِيّةِ ما يَجعَلُه كُلًّا
— 491 —
إن كانَ جُزءًا، وما يَجعَلُه كُلِّیيًّا إن كانَ جُزئِيًّا؛ فالحَياةُ لها مِنَ الجامِعِيّةِ بحَيثُ تَعرِضُ في نَفسِها أَغلَبَ الأَسماءِ الحُسنَى المُتَجلِّيةِ على الكائِناتِ كُلِّها، وكأنَّها مِرآةٌ جامِعةٌ تَعكِسُ تَجَلِّياتِ الأَحَدِيّةِ، فحالَما تَدخُلُ الحَياةُ في جِسمٍ تَعمَلُ على تَحوِيلِه إلى عالَمٍ مُصَغَّرٍ، لَكَأنَّها تُحِيلُه بمَثابةِ بِذْرةٍ حامِلةٍ لِفِهرِسِ شَجَرةِ الكائِناتِ، وكما لا يُمكِنُ أن تكُونَ البِذرةُ إلّا أَثَرَ قُدرةِ خالِقِ شَجَرتِها، كَذلِك الَّذي خَلَق أَصغَرَ كائِنٍ حَيٍّ لا بُدَّ أنَّه هو خالِقُ الكَونِ كُلِّه.
فهذه الحَياةُ بجامِعِيَّتِها هذه تُظهِرُ في نَفسِها أَخفَى أَسرارِ الأَحَدِيّةِ وأَدَقَّها، أي: كما أنَّ الشَّمسَ العَظِيمةَ تُوجَدُ بضِيائِها وأَلوانِها السَّبعةِ وانعِكاساتِها فيما يُقابِلُها مِن قَطرةِ ماءٍ أو قِطعةِ زُجاجٍ، كَذلِك الأَمرُ في كلِّ ذِي حَياةٍ الَّذي تَتَجلَّى فيه جَمِيعُ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى وأَنوارُ الصِّفاتِ الإِلٰهِيّةِ المُحِيطةِ بالكَونِ؛ فالحَياةُ یی مِن هذه الزّاوِيةِ یی تَجعَلُ الكَونَ مِن حَيثُ الرُّبُوبيّةُ والإِيجادُ بحُكمِ الكُلِّ الَّذي لا يَقبَلُ الِانقِسامَ والتَّجزِئةَ، وتَجعَلُه بحُكمِ الكُلِّيِّ الَّذي تَمتَنِعُ علَيْه التَّجزِئةُ والِاشتِراكُ.
نعم، إنَّ الخَتمَ الَّذي وَضَعَه الخالِقُ سُبحانَه على وَجهِك يَدُلُّ بالبَداهةِ على أنَّ الَّذي خَلَقَك هو خالِقُ بَنِي جِنسِك كلِّهِم، ذلك لِأنَّ الماهِيّةَ الإِنسانيّةَ واحِدةٌ، فانقِسامُها غَيرُ مُمكِنٍ؛ وكَذلِك الأَمرُ في أَجزاءِ الكائِناتِ، إذ تَتَحوَّلُ بواسِطةِ الحَياةِ كأنَّها أَفرادُ الكائِناتِ، والكائِناتُ كأنَّها نَوعٌ لِتِلك الأَفرادِ.. فكما تُظهِرُ الحَياةُ خَتمَ الأَحَدِيّةِ على مَجمُوعِ الكَونِ، فإنَّها تَرُدُّ الشِّركَ والِاشتِراكَ وتَرفُضُه رَفضًا باتًّا بإِظهارِها خَتمَ الأَحَدِيّةِ نَفسِه وخَتمَ الصَّمَدِيّةِ على كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ الكَونِ.
ثمَّ إنَّ في الحَياةِ مِن خَوارِقِ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ ومُعجِزاتِ الإِبداعِ الباهِرِ بحَيثُ إنَّه مَن لم يكُن قادِرًا على خَلقِ الكَونِ يَعجِزُ كُلِّیيًّا عن خَلقِ أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ فيه.
نعم، إنَّ القَلَمَ الَّذي كَتَب فِهرِسَ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخمةِ ومُقَدَّراتِها في بِذرَتِها الصَّغِيرةِ یی ككِتابةِ القُرآنِ مَثلًا على حَبّةِ حِمِّصٍ یی هو ذلك القَلَمُ نَفسُه الَّذي رَصَّع صَحائِفَ السَّماءِ بلَآلِئِ النُّجُومِ؛ وإنَّ الَّذي أَدرَج في رَأسِ النَّحلِ الصَّغِيرِ استِعدادًا
— 492 —
يُمَكِّنُها مِن مَعرِفةِ أَزهارِ حَدائِقِ العالَمِ كُلِّه، وتَقدِرُ على الِارتِباطِ معَ أَغلَبِها بوَشائِجَ، ويَجعَلُها قادِرةً على تَقدِيمِ أَلَذِّ هَدِيّةٍ مِن هَدايا الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ یی وهِي العَسَلُ یی ويَدفَعُها إلى مَعرِفةِ شَرائِطِ حَياتِها مُنذُ أوَّلِ قُدُومِها إلى الحَياةِ، لا شَكَّ أنَّه هو خالِقُ الكَونِ كُلِّه، وهُو الَّذي أَودَع هذا الِاستِعدادَ الواسِعَ والقابِلِيّةَ العَظِيمةَ والأَجهِزةَ الدَّقيقةَ فيها.
الخُلاصةُ: إنَّ الحَياةَ آيةُ تَوحِيدٍ ساطِعةٌ تَسطَعُ على وَجهِ الكائِناتِ، وإنَّ كلَّ ذِي رُوحٍ یی مِن جِهةِ حَياتِه یی آيةٌ لِلأَحَدِيّةِ، وإنَّ الصَّنعةَ المُتقَنةَ المَوجُودةَ على كلِّ فَردٍ مِنَ الأَحياءِ خَتمٌ لِلصَّمَدِيّةِ؛ وبهذا فجَمِيعُ ذَوِي الحَياةِ يُصَدِّقُونَ ببَصَماتِ حَياتِهِم رِسالةَ الكَونِ هذه، ويُعلِنُونَ أنَّها مِنَ "الحَيِّ القَيُّومِ الواحِدِ الأَحَدِ".. فكُلٌّ مِنها خَتمٌ لِلوَحْدانيّةِ في تلك الرِّسالةِ فَضْلًا عن أنَّها خَتمٌ لِلأَحَدِيّةِ وعَلامةُ الصَّمَدِيّةِ، فكما أنَّ الأَمرَ هكذا في الحَياةِ، فكُلُّ كائِنٍ حَيٍّ أَيضًا خَتمٌ لِلوَحدانيّةِ في كِتابِ الكَونِ؛ كما قد وُضِع على وَجهِه وسِيماه خَتمُ الأَحَدِيّةِ.
وكَما أنَّ الحَياةَ یی بعَدَدِ جُزئيّاتِها وبعَدَدِ أَفرادِها الحَيّةِ یی أَختامٌ وبَصَماتٌ حَيّةٌ تَشهَدُ على وَحدانيّةِ "الحَيِّ القَيُّومِ"، فكَذَلِك فِعلُ البَعثِ یی الإِحياءُ یی أَيضًا يَختِمُ بأَختامِ التَّصدِيقِ على التَّوحِيدِ بعَدَدِ أَفرادِهِ؛ فإِحياءُ الأَرضِ الَّذي هو مِثالٌ واحِدٌ على البَعثِ هو شاهِدُ صِدقٍ ساطِعٌ على التَّوحِيدِ كالشَّمسِ، لِأنَّ بَعْثَ الأَرضِ في الرَّبِيعِ وإِحياءَها يَعنِي بَعثَ أَفرادٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى لِأَنواعِ الأَحياءِ الَّتي تَربُو على ثَلاثِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ، فتُبعَثُ جَمِيعًا مَعًا مِن دُونِ نَقصٍ ولا قُصُورٍ بَعثًا مُتَداخِلًا مُتَكامِلًا مُنتَظِمًا.. فالَّذي يَفعَلُ بهذا الفِعلِ أَفعالًا مُنتَظِمةً لا حُدُودَ لها فإنَّه هو خالِقُ المَخلُوقاتِ جَمِيعِها، وإنَّه "الحَيُّ القَيُّومُ" الَّذي يُحيِي ذَوِي الحَياةِ قاطِبةً، وأنَّه الواحِدُ الأَحَدُ الَّذي لا شَرِيكَ له في رُبُوبيَّتِه قَطُّ.
اكتَفَيْنا بهذا القَدْرِ القَلِيلِ المُختَصَرِ مِن بَسطِ خَواصِّ الحَياةِ، مُحِيلِينَ بَيانَ الخَواصِّ الأُخرَى وتَفصِيلاتِها إلى أَجزاءِ "رَسائِلِ النُّورِ" وفي وَقتٍ آخَرَ.
٭ ٭ ٭
— 493 —
الخاتِمةُ
إنَّ الِاسمَ الأَعظَمَ ليس واحِدًا لِكُلِّ أَحَدٍ، بل يَختَلِفُ ويَتَبايَنُ، فمَثلًا: هو لَدَى الإمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ سِتّةُ أَسماءٍ حُسنَى هي: "فَردٌ، حَيٌّ، قَيُّومٌ، حَكَمٌ، عَدْلٌ، قُدُّوسٌ"، ولَدَى أَبي حَنِيفةَ النُّعمانِ رَضِيَ الله عَنهُ اسمانِ هُما: "حَكَمٌ عَدْلٌ"، ولَدَى الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّه هو اسمٌ واحِدٌ: "يا حَيُّ"، ولَدَى الإمامِ الرَّبّانِيِّ أَحمَدَ الفارُوقيِّ السِّرهِندِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ هو: "القَيُّومُ"، وهكذا.. فلَدَى الكَثِيرِينَ مِنَ العُظَماءِ الأَفذاذِ أَسماءٌ أُخرَى هي الِاسمُ الأَعظَمُ عِندَهُم.
ولَمَّا كانَت هذه النُّیكتةُ الخامِسةُ تَخُصُّ اسمَ اللهِ "الحَيَّ"، وقد أَظهَر الرَّسُولُ الأَعظَمُ (ص) في مُناجاتِه الرَّفيعةِ المُسَمّاةِ بی"الجَوشَنِ الكَبِيرِ" مَعرِفَتَه الجامِعةَ السّامِيةَ للهِ إِظهارًا يَلِيقُ به وَحدَه؛ لِذا نَذكُرُ مِن تلك المُناجاةِ شاهِدًا ودَليلًا وحُجّةً، وتَبَیرُّكًا ودُعاءً مَقبُولًا، وخاتِمةً حَسَنةً لِهذه الرِّسالةِ، فنَذهَبُ خَيالًا إلى ذلك الزَّمانِ ونقُولُ: آمِينَ.. آمِينَ، على ما يَقُولُه الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص)، فنُرَدِّدُ المُناجاةَ نَفسَها على أَصداءِ ذلك القَولِ النَّبوِيِّ الكَرِيمِ:
يَا حَيُّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ ٭ يَا حَيُّ بَعدَ كُلِّ حَيٍّ
يَا حَيُّ الَّذي لا يُشْبِهُهُ شَيءٌ ٭ يَا حَيُّ الَّذي لَيسَ كَمِثلِهِ حَيٌّ
يَا حَيُّ الَّذي لا يُشَارِكُهُ حَيٌّ ٭ يَا حَيُّ الَّذي لا يَحتَاجُ إلى حَيٍّ
يَا حَيُّ الَّذي يُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ ٭ يَا حَيُّ الَّذي يَرْزُقُ كُلَّ حَيٍّ
يَا حَيُّ الَّذِي يُحْيِي المَوتَى ٭ يَا حَيُّ الَّذي لا يَمُوتُ
سُبْحَانَكَ يَا لَا إِلٰهَ إلّا أنْتَ.. الأَمَانَ الأَمَانَ.. نَجِّنَا مِنَ النَّارِ آمِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 494 —

النُّیكتة السَّادسة للَّمْعة الثلاثين

تتطلَّع إلى اسم الله
القَيُّوم
لقد أَصبَحَتِ الخُلاصةُ المُقتَضَبةُ لِاسمِ اللهِ "الحَيِّ" ذَيلًا لِرسالة "مَنبَع النُّورِ"، كما ارْتُئِيَ أن تكُونَ هذه النُّكتةُ الَّتي تَخُصُّ اسمَ اللهِ "القَيُّومَ" ذَيلًا لِلكَلِمةِ الثَّلاثِينَ.
اعتِذارٌ
إنَّ هذه المَسائِلَ البالِغةَ الأَهَمِّيّةِ، والتَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ" العَمِيقِ الواسِعِ، لم تَتَوارَد إلى القَلبِ تَوارُدًا مُتَعاقِبًا مُنتَظِمًا، الواحِدةَ تِلوَ الأُخرَى، بل سَطَعَت على صُورةِ لَمَعاتٍ مُتَفرِّقةٍ، فدَوَّنتُها كما خَطَرَت لي ولم أُجْرِ علَيْها أيَّ تَعدِيلٍ أو تَغيِيرٍ أو تَشذِيبٍ.. فلا جَرَمَ أن يَعتَوِرَها شَيءٌ مِنَ الخَلَلِ في الأَداءِ البَيانِيِّ والسَّبكِ البَلاغِيِّ.. فأَرجُو أن تَتَكرَّمُوا بالصَّفحِ عمّا تُشاهِدُونَه مِن قُصُورٍ في الشَّكلِ لِأَجلِ جَمالِ المَضمُونِ وحُسنِ مُحتَواه.
تنبيهٌ
إنَّ المَسائِلَ اللَّطِيفةَ والنِّكاتِ الدَّقيقةَ الَّتي تَخُصُّ الِاسمَ الأَعظَمَ هي عَظِيمةُ السَّعةِ، عَمِيقةُ الأَغوارِ، ولا سِيَّما المَسائِلُ الَّتي تَخُصُّ اسمَ "الحَيِّ القَيُّومِ"،
— 495 —
وبخاصّةٍ الشُّعاعَ الأوَّلَ مِنها، الَّذي وَرَد وُرُودًا أَعمَقَ مِن غَيرِه لِتَوجُّهِه مُباشَرةً إلى المادِّيِّينَ. (حاشية): إن لم يكُن قارِئُ هذه الرِّسالةِ على اطِّلاعٍ واسعٍ على العُلُومِ، فعلَيْه ألّا يَقرَأ هذا الشُّعاعَ، أو أن يَقرَأَه في الخِتامِ، وليَشرَع مِنَ الشُّعاعِ الثّاني. لِذا فلَيسَ الجَمِيعُ سَواءً في إِدراكِهِم لِمَسائِلِه كُلِّها، ورُبَّما صَعُب على البَعضِ الإِحاطةُ ببَعضٍ مِنها، وفاتَه إِدراكُ جُزءٍ هنا وجُزءٍ هُناك، إلّا أنَّنا مُطمَئِنُّونَ إلى أنَّ أَحَدًا لن يَخرُجَ مِنَ النَّظَرِ فيها، مِن غَيرِ أن يَستَفِيدَ شَيئًا، بل سيَنالُ یی بلا شَكٍّ یی حَظَّه المَقسُومَ له مِن كلِّ مَسأَلةٍ مِنها، "فما لا يُدرَكُ كُلُّه، لا يُتْرَكُ كُلُّه" كما تَقُولُ القاعِدةُ السَّارِيةُ؛ فلَيسَ صَوابًا أن يَدَعَ أَحَدٌ هذه الرَّوضةَ المَعنَوِيّةَ المَلِيئةَ بالثَّمَراتِ بحُجّةِ عَجزِه عن جَنيِ جَمِيعِ ثَمَراتِها! فما قَطَفَه مِنها وحَصَل علَيْه فهُو كَسْبٌ ومَغنَمٌ.
ومِثلَما أنَّ مِنَ المَسائِلِ الَّتي تَخُصُّ الِاسمَ الأَعظَمَ ما هو واسِعٌ جِدًّا لِدَرَجةٍ تَتَعذَّرُ معَها الإحاطةُ الكُلِّيّة به، فإنَّ فيها أَيضًا مَسائِلَ لها مِنَ الدِّقّةِ ما تَنِدُّ بها عن بَصَرِ العَقلِ، ولا سِيَّما رُمُوزُ الحَياةِ إلى أَركانِ الإِيمانِ الَّتي هي في اسمِ اللهِ "الحَيِّ"، وإِشاراتُ الحَياةِ فيه إلى الإِيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، والشُّعاعُ الأوَّلُ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ".. ولكِن معَ هذا لا يَبقَى أَحَدٌ دُونَ الأَخذِ بحَظٍّ مِنها، بل تَشُدُّ إِيمانَه وتَزِيدُه سَعةً ومَدًى على أَقَلِّ تَقدِيرٍ، ولا غَرْوَ فإنَّ زِيادةَ الإِيمانِ الَّذي هو مِفتاحُ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ إنَّما هو على جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الأَهَمِّيّةِ، فزِيادَتُه ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ كَنزٌ عَظِيمٌ، كما يقُولُ الإمامُ الرَّبّانِيُّ أَحمَدُ الفارُوقِيُّ السِّرهِندِيُّ:
"إنَّ انكِشافَ مَسأَلةٍ صَغِيرةٍ مِن مَسائِلِ الإِيمانِ لَهُو أَفضَلُ في نَظَرِي مِن مِئاتٍ مِنَ الأَذواقِ والكَراماتِ".
٭ ٭ ٭
— 496 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا
لقد تَراءَى لِعَقلِي في شَهرِ ذِي القَعدةِ وأنا نَزِيلُ سِجنِ "أَسكِي شَهِر" تَجَلٍّ عَظِيمٌ مِن أَنوارِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القَيُّومِ" الَّذي هو الِاسمُ الأَعظَمُ وثانِي اثنَينِ مِن نُورَيهِ، أوِ السّادِسُ مِنَ الأَنوارِ السِّتّةِ لِلِاسمِ الأَعظَمِ؛ كما تَراءَت نُكتةٌ مِن نِكاتِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ المُشِيرةِ إلى القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ.
بَيدَ أنَّ ظُرُوفَ السِّجنِ المُحِيطةَ بي تَحُولُ دُونَ أن أُوفِيَ حَقَّ هذه الأَنوارِ مِنَ البَيانِ، وحَيثُ إنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ قد أَبرَزَ الِاسمَ الأَعظَمَ في قَصِيدَتِه المُسَمّاةِ بأُرجُوزةِ "السَّكِينةِ" لَدَى بَيانِه لِسائِرِ الأَسماءِ الجَلِيلةِ مِن قَصِيدَتِه "البَدِيعِيّةِ"، يُولِي أَهَمِّيّةً خاصّةً لِتِلك الأَسماءِ السِّتّةِ، فَضلًا عَمّا يَمنَحُه لنا یی بكَرامةٍ مِنَ اللهِ یی مِنَ السُّلوانِ والعَزاءِ أَثناءَ بَحثِه لِتِلك الأَسماءِ، لِذا سنُشِيرُ بإِشاراتٍ مُختَصَرةٍ إلى بَيانِ هذا النُّورِ الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ" یی كما فَعَلْنا معَ الأَسماءِ الخَمسةِ الأُخرَى یی وسنَجعَلُ تلك الإِشاراتِ في خَمسةِ أَشِعّةٍ.
الشُّعاعُ الأوَّلُ:
إنَّ خالِقَ هذا الكَونِ ذا الجَلالِ قَيُّومٌ، أي: إنَّه قائِمٌ بذاتِه، دائِمٌ بذاتِه، باقٍ بذاتِه، وجَمِيعُ الأَشياءِ والمَوجُوداتِ قائِمةٌ به، تَدُومُ به، تَبقَى في الوُجُودِ به، وتَجِدُ البَقاءَ به؛ فلَوِ انقَطَع هذا الِانتِسابُ لِلقَيُّومِيّةِ مِنَ الكَونِ بأَقَلَّ مِن طَرفةِ عَينٍ يُمحَى الكَونُ كُلُّه.
ثمَّ إنَّ ذلك الجَلِيلَ معَ قَيُّومِيَّتِه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كما وَصَفَه القُرآنُ الكَرِيمُ، أي: لا نَظِيرَ له ولا مَثِيلَ ولا شَبِيهَ ولا شَرِيكَ: في ذاتِه.. في صِفاتِه.. وفي أَفعالِه.
— 497 —
نعم، إنَّ الَّذي يُمسِكُ الكَونَ كلَّه أن يَزُولَ في قَبضةِ رُبُوبيَّتِه، ويُدِيرُ جَمِيعَ شُؤُونِه، ويُدَبِّرُ جَمِيعَ أَحوالِه وكَيفِيّاتِه بكَمالِ الِانتِظامِ ومُنتَهَى التَّدبِيرِ وغايةِ الرِّعايةِ، وفي سُهُولةٍ مُطلَقةٍ كإِدارةِ قَصرٍ أو بَيتٍ.. مُحالٌ أن يكُونَ له مِثلٌ أو مَثِيلٌ أو شَرِيكٌ أو شَبِيهٌ.
نعم، إنَّ مَن كانَ خَلْقُ النُّجُومِ سَهلًا علَيْه وهَيِّنًا كخَلقِ الذَّرّاتِ، ويُسَخِّرُ أَعظَمَ شَيءٍ في الوُجُودِ كأَصغَرِه ضِمنَ قُدرَتِه المُطلَقةِ، ولا يَمنَعُ شَيءٌ شَيئًا عنه، ولا فِعلٌ فِعلًا، فالأَفرادُ غَيرُ المَحدُودِينَ نُصْبَ نَظَرِه كالفَردِ الواحِدِ، والأَصواتُ جَمِيعُها يَسمَعُها مَعًا، ويُوفِي حاجاتِ الكُلِّ في آنٍ واحِدٍ ودُفعةً واحِدةً، ولا يَخرُجُ شَيءٌ مَهْما كانَ ولا حالةٌ مَهْما كانَت مِن دائِرةِ مَشِيئَتِه ونِطاقِ إِرادَتِه، بشَهادةِ الأَنظِمةِ والمَوازِينِ الجارِيةِ في الكَونِ، وكما أنَّه لا يَحُدُّه مَكانٌ فهُو بقُدرَتِه وبعِلمِه حاضِرٌ في كلِّ مَكانٍ، وكما أنَّ كلَّ شَيءٍ بَعِيدٌ عنه بُعدًا مُطلَقًا، فهُو أَقرَبُ إلَيْه مِن أيِّ شَيءٍ.. فهذا "الحَيُّ القَيُّومُ" ذُو الجَلالِ، لا بُدَّ أنَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فلا نَظِيرَ له ولا شَرِيكَ ولا وَزِيرَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ.. بل مُحالٌ في حَقِّه كلُّ ذلك.
أمّا شُؤُونُه المُنزَّهةُ الحَكِيمةُ، فيُمكِنُ أن يُنظَرَ إلَيْها بمِنظارِ المَثَلِ والتَّمثِيلِ (وجَمِيعُ أَنواعِ الأَمثالِ والتَّمثِيلاتِ والتَّشبِيهاتِ الوارِدةِ في "رَسائِلِ النُّورِ" إنّما هي مِن هذا النَّوعِ مِنَ المَثَلِ والتَّمثِيلِ).
فهذا الذَّاتُ الأَقدَسُ الَّذي لا مَثِيلَ له، وهُو الواجِبُ الوُجُودِ، والمُجَرَّدُ عنِ المادّةِ، المُنزَّهُ عنِ المَكانِ، المُحالُ علَيْه التَّجَزُّؤُ والِانقِسامُ، والمُمتَنِعُ علَيْه التَّغيُّیرُ والتَّبدُّلُ، والَّذي لا يُمكِنُ أن يُتَصوَّرَ عَجزُه واحتِياجُه أَبدًا.. هذا الذّاتُ الأَقدَسُ قد أَعطَى قِسمٌ مِن أَهلِ الضَّلالةِ أَحكامَ أُلُوهِيَّتِه العَظِيمةِ إلى بَعضِ مَخلُوقاتِه، وذلك بتَوَهُّمِهِم أنَّ تَجَلِّياتِه سُبحانَه المُتَجلِّيةَ في صَفَحاتِ الكَونِ وطَبَقاتِ المَوجُوداتِ هي الذّاتُ الأَقدَسُ نَفسُه، ففَوَّضَ قِسمٌ مِن هَؤُلاءِ بعضَ آثارِ تَجَلِّياتِه سُبحانَه إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، والحالُ أنَّه قد ثَبَت ببَراهِينَ مُتَعدِّدةٍ ناصِعةٍ وفي عَدِيدٍ مِن "رَسائِل النُّورِ" أنَّ الطَّبِيعةَ ما هي إلّا صَنعةٌ إِلٰهِيّةٌ ولا تكُونُ صانِعًا، وهِي كِتابٌ رَبّانِيٌّ ولا تكُونُ كاتِبًا،
— 498 —
وهِي نَقْشٌ بَدِيعٌ ومُحالٌ أن تكُونَ نَقَّاشًا مُبدِعًا، وهِي كُرَّاسٌ ولا تكُونُ واضِعةَ القَوانِينِ وصاحِبةَ الكُرَّاسِ، وهِي قانُونٌ ولا تكُونُ قُدرةً، وهِي مِسطَرٌ ولا تكُونُ مَصدَرًا لِلوُجُودِ، وهِي شَيءٌ مُنفَعِلٌ ولا تكُونُ فاعِلًا، وهِي نِظامٌ ومُحالٌ أن تكُونَ ناظِمًا، وهِي شَرِيعةٌ فِطرِيّةٌ ومُمتَنِعٌ أن تكُونَ شارِعًا مُشَرِّعًا.
ولوِ افتُرِضَ مُحالًا وأُحِيلَ خَلقُ أَصغَرِ كائِنٍ حَيٍّ إلى الطَّبِيعةِ، وقِيلَ لها فَرْضًا: هَيّا أَوجِدِي هذا الكائِنَ یی مَثلًا یی فيَنبَغِي لِلطَّبِيعةِ عِندَئِذٍ أن تُهيِّئَ قَوالِبَ یی مادِّيّةً ومَكائِنَ یی بعَدَدِ أَعضاءِ ذلك الكائِنِ لِكَي تَستَطِيعَ أن تُؤدِّيَ ذلك العَمَلَ!! وقد أَثبَتْنا مُحاليّةَ هذا الفَرْضِ في مَواضِعَ كَثِيرةٍ مِن "رَسائِلِ النُّورِ".
ثمَّ إنَّ قِسمًا مِن أَهلِ الضَّلالةِ الَّذِينَ يُطلَقُ علَيْهِمُ "المادِّيُّونَ" يَشعُرُونَ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِلخَلّاقيّةِ الإِلٰهِيّةِ والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ في تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ المُنتَظِمةِ، ولكِنَّهُم يَجهَلُونَ مَصدَرَ ذلك التَّجَلِّي، ويَعجِزُونَ عن أن يُدرِكُوا مِن أَينَ تُدارُ تلك القُوّةُ العامّةُ النَّابِعةُ مِن تَجَلِّي القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ.. فلِأَنَّهُم يَجهَلُونَ كلَّ ذلك فقد شَرَعُوا بإِسنادِ آثارِ الأُلُوهِيّةِ إلى الذَّرّاتِ نَفسِها وإلى حَرَكاتِها، فتَوَهَّمُوا أَزَليّةَ المادّةِ والقُوّةِ.
فسُبحانَ اللهِ!! أَفيُمكِنُ لِإنسانٍ أن يَتَردَّى إلى هذا الدَّرَكِ السَّحِيقِ مِنَ الجَهالةِ والخُرافةِ المَحضةِ، فيُسنِدَ الآثارَ البَدِيعةَ لِلخالِقِ البَدِيعِ والأَفعالَ الحَكِيمةَ لِلعَلِيمِ البَصِيرِ، والَّتي يُظهِرُها ويقُومُ بِها بِهَيئةٍ ووَضعِيّةٍ تَنِمُّ عن مَعرِفَتِه ورُؤيَتِه وإِدارَتِه لِكُلِّ شَيءٍ عِندَ خَلقِ وإِيجادِ أَيِّ مَخلُوقٍ في أَيِّ مَكانٍ معَ تَنَزُّهِه عنِ المَكانِ.. يُسنِدَها إلى ذَرّاتٍ مُضطَرِبةٍ بتَيّاراتِ المُصادَفاتِ، جامِدةٍ عَمْياءَ غَيرِ شاعِرةٍ، لا حَولَ لها ولا قُوّةَ، وإلى حَرَكاتِها!!
أَفيُمكِنُ أن يُقِرَّ بهذا أَحَدٌ؟! فمَن كانَ له مُسكةٌ مِن عَقلٍ لا بُدَّ أن يَحكُمَ بأنَّ هذا جَهلٌ ما بَعدَه جَهلٌ، وخُرافةٌ ما بَعدَها خُرافةٌ.. إنَّ هَؤُلاءِ التُّعَساءَ قد وَقَعُوا في عِبادةِ آلِهةٍ كَثِيرةٍ لِأنَّهُم أَعرَضُوا عنِ الوَحدانيّةِ المُطلَقةِ؛ أي: لِأنَّهُم لم يُؤمِنُوا بإلٰهٍ واحِدٍ، أَصبَحُوا مُضطَرِّينَ إلى قَبُولِ ما لا نِهايةَ له مِنَ الآلِهةِ!
— 499 —
أي: لِأنَّهُم لم يَستَوعِبُوا بعُقُولِهِمُ القاصِرةِ أَزِليّةَ الذّاتِ الأَقدَسِ وخَلّاقيَّتَه یی وهُما صِفَتانِ لازِمَتانِ ذاتيَّتانِ له سُبحانَه یی فقد أَصبَحُوا بحُكمِ مَسلَكِهِمُ الضّالِّ مُضطَرِّينَ إلى قَبُولِ أَزَليّةِ ذَرّاتٍ جامِدةٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ، بل إلى قَبُولِ أُلُوهِيّةِ الذَّرّاتِ! فتَأمَّلْ مَبلَغَ الحَضِيضِ الَّذي سَقَطُوا فيه، وسَحِيقَ الدَّرَكِ الأَسفَلِ مِنَ الجَهلِ الَّذي تَرَدَّوا فيه!
نعم، إنَّ التَّجَلِّيَ الظّاهِرَ "لِلحَيِّ القَيُّومِ" في الذَّرّاتِ قد حَوَّلَها إلى ما يُشبِهُ الجَيشَ المَهِيبَ المُنَظَّمَ بحَولِ اللهِ وقُوَّتِه وأَمرِه، فلو سُحِبَ أَمرُ القائِدِ الأَعظَمِ لِأَقلَّ مِن طَرْفةِ عَينٍ مِن تلك الَّتي لا تُحَدُّ مِنَ الذَّرّاتِ الجامِدةِ الَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، لَظَلَّت سائِبةً، بل مُحِيَت نِهائيًّا مِنَ الوُجُودِ.
ثمَّ إنَّ هُنالِك مَن يَتَظاهَرُونَ بِبُعدِ النَّظَرِ، فيَسُوقُونَ فِكرًا أَجهَلَ مِنَ السَّابِقِ وأَوغَلَ في الخُرافةِ مِنه، حَيثُ يَتَوهَّمُونَ أنَّ مادّةَ الأَثيرِ هي المَصدَرُ وهِي الفاعِلُ، لقِيامِها بمُهِمّةِ المِرآةِ العاكِسةِ لِتَجَلِّياتِ رُبُوبيّةِ الخالِقِ سُبحانَه! عِلمًا أنَّها أَلطَفُ وأَرَقُّ وأَطوَعُ صَحِيفةٍ مِن صَحائِفِ إِجراءاتِ الصّانِعِ الجَلِيلِ وأَكثَرُها تَسخِيرًا وانقِيادًا، وهِي وَسِيلةٌ لِنَقلِ أَوامِرِه الجَلِيلةِ، وهِي المِدادُ اللَّطِيفُ لِكِتاباتِه، والحُلّةُ القَشِيبةُ الشَّفِيفةُ لِإيجاداتِه، والخَمِيرةُ الأَساسُ لِمَصنُوعاتِه، والأَرضُ الخِصبةُ لِحَبّاتِه.

فلا شَكَّ أنَّ هذا الجَهلَ العَجِيبَ المُرعِبَ يَستَلزِمُ مُحالاتٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ، وذلك لِأنَّ مادّةَ الأَثيرِ هي أَلطَفُ مِن مادّةِ الذَّرّاتِ الَّتي غَرِق بها المادِيُّونَ في مُستَنقَعِ الضَّلالةِ، وهِي أَكثَفُ مِنَ الهَيُولَى الَّتي ضَلَّ فيها الفَلاسِفةُ القُدَماءُ وتاهُوا؛ وهِي مادّةٌ جامِدةٌ لا إِرادةَ لها ولا اختِيارَ ولا شُعُورَ، فإِسنادُ الأَفعالِ والآثارِ إلى هذه المادّةِ القابِلةِ لِلِانقِسامِ والتَّجَزُّؤِ والمُجَهَّزةِ لِلقِيامِ بوَظِيفةِ النَّقل وخاصّةً الِانفِعالَ، وإلى ذَرّاتِها الَّتي هي أَصغَرُ مِنَ الذَّرّاتِ، لا شَك iNأنَّه جَرِيمةٌ وخَطَأٌ فاحِشٌ بعَدَدِ ذَرّاتِ الأَثيرِ، لِأنَّ تلك الأَفعالَ والآثارَ الرَّبّانيّةَ لا يُمكِنُ أن تَحدُثَ إلّا بإِرادةِ مَن يَقدِرُ على رُؤيةِ كلِّ شَيءٍ في أيِّ شَيءٍ كانَ، ومَن يَملِكُ عِلمًا مُحِيطًا بكلِّ شَيءٍ.

— 500 —
نعم، إنَّ فِعلَ الإِيجادِ المَشهُودَ في المَوجُوداتِ يتَّسِمُ بكَيفِيّةٍ مُعيَّنةٍ وأُسلُوبٍ مُنفَرِدٍ، بحَيثُ يَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على أنَّ المُوجِدَ هو صاحِبُ قُدرةٍ قادِرةٍ واختِيارٍ طَلِيقٍ، يَرَى أَكثَرَ الأَشياءِ، بلِ الكَونَ كُلَّه لَدَى إِيجادِه أيَّ شَيءٍ كانَ، ولا سِيَّما الكائِنَ الحَيَّ، ويَعلَمُ كلَّ ما يَرتَبِطُ به مِنَ الأَشياءِ، أي: إنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ الجاهِلةَ لا يُمكِنُ أن تكُونَ بحالٍ مِنَ الأَحوالِ فاعِلًا له.
نعم، إنَّ فِعلًا إِيجادِيًّا یی مَهْما كانَ جُزئيًّا یی يَدُلُّ دَلالةً عَظِيمةً یی بسِرِّ القَيُّوميّةِ یی على أنَّه فِعلُ خالِقِ الكَونِ فِعلًا مُباشَرًا؛ فالفِعلُ المُتَوجِّهُ إلى إِيجادِ نَحلةٍ یی مَثلًا یی يَدُلُّنا بجِهَتَينِ على أنَّه يَخُصُّ خالِقَ الكَونِ ورَبَّ العالَمِينَ.
الجِهةُ الأُولَى: أنَّ مَظهَرِيّةَ تلك النَّحلةِ معَ مَثِيلاتِها في جَمِيعِ الأَرضِ لِلفِعلِ نَفسِه في الوَقتِ نَفسِه يَدُلُّنا على أنَّ هذا الفِعلَ الجُزئيَّ الَّذي نُشاهِدُه في نَحلةٍ واحِدةٍ إنَّما هو طَرَفٌ لِفِعلٍ يُحِيطُ بسَطحِ الأَرضِ كلِّه، أي: أنَّ مَن كانَ فاعِلًا لِذلِك الفِعلِ العَظِيمِ الواسِعِ ومالِكًا له فهُو صاحِبُ ذلك الفِعلِ الجُزئيِّ.
الجِهةُ الثّانيةُ: لِأَجلِ أن يكُونَ أَحَدٌ فاعِلًا لِهذا الفِعلِ الجُزئيِّ المُتَوجِّهِ إلى خَلقِ هذه النَّحلةِ الماثِلةِ أَمامَنا، يَنبَغِي أن يكُونَ الفاعِلُ عالِمًا بشُرُوطِ حَياةِ تلك النَّحلةِ، وأَجهِزَتِها، وعَلاقاتِها معَ الكائِناتِ الأُخرَى، وكَيفِيّةِ ضَمانِ حَياتِها ومَعِيشَتِها؛ فيَلزَمُ إِذًا أن يكُونَ ذا حُكمٍ نافِذٍ على الكَونِ كلِّه كي يتَمَكَّنَ مِنَ القِيامِ بِذَلِك الفِعلِ على أَ كمَلِ وَجْهٍ، أي: إنَّ أَصغَرَ فِعلٍ جُزئيٍّ يَدُلُّ مِن جِهَتَينِ على أنَّه يَخُصُّ خالِقَ كلِّ شَيءٍ..
ولكِن أَكثَرُ ما يُحَيِّرُ الإنسانَ ويَجلُبُ انتِباهَه هو: أنَّ الأَزَليّةَ والسَّرمَدِيّةَ الَّتي هي مِن أَخَصِّ خَصائِصِ الأُلُوهِيّةِ، وأَلزَمُ صِفةٍ لِلذّاتِ الأَقدَسِ المالِكِ لِأَقوَى مَرتَبةٍ في الوُجُودِ وهُو الوُجُوبُ، وأَثبَتِ دَرَجةٍ في الوُجُودِ وهُو التَّجرُّدُ مِنَ المادّةِ، وأَبعَدِ طَوْرٍ عنِ الزَّوالِ وهُو التَّنزُّهُ عنِ المَكانِ، وأَسلَمِ صِفةٍ مِن صِفاتِ الوُجُودِ وأَقدَسِها عنِ التَّغيُّرِ والعَدَمِ وهُو الوَحْدةُ.. أَقُولُ: إنَّ الَّذي يُحيِّرُ الإنسانَ ويُثيرُ قَلَقَه، ويَجلُبُ انتِباهَه إنَّما هو إِسنادُ صِفةِ الأَزَليّةِ والسَّرمَدِيّةِ إلى الأَثيرِ والذَّرّاتِ وما شابَهَها مِنَ المَوادِّ
— 501 —
المادِّيّةِ الَّتي لها أَضعَفُ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ، وأَدَقُّ دَرَجةٍ فيه، وأَكثَرُ أَطوارِه تَغيُّرًا وتَحَوُّلًا، وأَعمُّها انتِشارًا في المَكانِ، ولها الكَثرةُ الَّتي لا تُحَدُّ.. فإِسنادُ الأَزَليّةِ إلى هذه المَوادِّ وتَصَوُّرُها أَزَليّةً، وتَوَهُّمُ نُشُوءِ قِسمٍ مِنَ الآثارِ الإِلٰهِيّةِ مِنها، ما هو إلّا مُجافاةٌ وأيُّ مُجافاةٍ لِلحَقِيقةِ وأَمرٌ مُنافٍ أيَّ مُنافاةٍ لِلواقِعِ، وبَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن مَنطِقِ العَقلِ، وباطِلٌ واضِحُ البُطلانِ.. وقد أَثبَتْنا هذا في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ ببَراهِينَ رَصِينةٍ.
الشُّعاعُ الثّاني: وهو مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى:
قالَ تَعالَى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وأَمثالُها مِنَ الآياتِ الَّتي تَتَضمَّنُ حَقِيقةً عُظمَى تُشِيرُ إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ".. سنُورِدُ وَجهًا واحِدًا مِن تلك الحَقِيقةِ، وهُو الآتي:
إنَّ قِيامَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ في هذا الكَونِ ودَوامَها وبَقاءَها إنَّما هو مَشدُودٌ بسِرِّ القَيُّوميّةِ، فلو صَرَف سِرُّ القَيُّوميّةِ وتَجَلِّيه وَجهَه یی ولو لِأقلَّ مِن دَقيقةٍ یی لَتَبعثَرَت تلك الأَجرامُ الَّتي تَفُوقُ ضَخامةُ بَعضِها ضَخامةَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، ولَانتَثَرَت مَلايِينُ الأَجرامِ في فَضاءٍ غَيرِ مُتَناهٍ، ولَاصطَدَم بَعضُها ببعضٍ، ولَهَوَت إلى سَحِيقِ العَدَمِ؛ لِنُوضِّح ذلك بمِثالٍ:
إنَّنا مِثلَما نَفهَمُ قُدرةَ قَيُّوميّةِ مَن يُسَيِّرُ أُلُوفَ قُصُورٍ ضَخمةٍ في السَّماءِ بَدَلَ الطّائِراتِ بمِقدارِ ثَباتِ تلك الكُتَلِ الهائِلةِ الَّتي في السَّماءِ ودَوامِها، وبمَدَى انتِظامِ دَوَرانِها وانقِيادِها في جَريِها.. نَفهَمُ أَيضًا: تَجَلِّيَ الِاسمِ الأَعظَمِ: "القَيُّومِ" مِن مَنحِ القَيُّومِ ذِي الجَلالِ قِيامًا وبَقاءً ودَوامًا یی بسِرِّ القَيُّوميّةِ یی لِأَجرامٍ سَماوِيّةٍ لا حَدَّ لها في أَثيرِ الفَضاءِ الواسِعِ، وجَرَيانِها في مُنتَهَى الِانقِيادِ والنِّظامِ والتَّقدِيرِ، وإِسنادِها وإِدامَتِها وإِبقائِها دُونَ عَمَدٍ ولا سَنَدٍ، معَ أنَّ قِسمًا مِنها أَكبَرُ مِنَ الأَرضِ أُلُوفَ المَرّاتِ، وقِسمًا مِنها مَلايِينَ المَرّاتِ، فَضلًا عن تَسخِيرِ كلٍّ مِنها وتَوظِيفِها في مُهِمّةٍ خاصّةٍ، وجَعلِها
— 502 —
جَمِيعًا كالجَيشِ المَهِيبِ، مُنقادةً خاضِعةً خُضُوعًا تامًّا لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِمَّن يَملِكُ أَمرَ كُن فيكُونُ.. فكما أنَّ ذلك يُمكِنُ أن يكُونَ مِثالًا قِياسِيًّا لِلتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القَيُّومِ"، كَذلِك ذَرّاتُ كلِّ مَوجُودٍ یی الَّتي هي كالنُّجُومِ السّابِحةِ في الفَضاءِ یی فإنَّها قائِمةٌ أَيضًا بسِرِّ القَيُّوميّةِ، وتَجِدُ دَوامَها وبَقاءَها بذلك السِّرِّ.
نعم، إنَّ بَقاءَ ذَرَّاتِ جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ دُونَ أن تَتَبعثَرَ، وتَجَمُّعَها على هَيئةٍ مُعيَّنةٍ وتَركِيبٍ مُعَيَّنٍ وشَكلٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما يُناسِبُ كلَّ عُضوٍ مِن أَعضائِه، عَلاوةً على احتِفاظِها بكِيانِها وهَيئَتِها أَمامَ سَيلِ العَناصِرِ الجارِفةِ دُونَ أن تَتَشتَّتَ، واستِمرارِها على نِظامِها المُتقَنِ.. كلُّ ذلك لا يَنشَأُ یی كما هو مَعلُومٌ بَداهةً یی مِنَ الذَّرّاتِ نَفسِها، بل هو مِن سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي يَنقادُ لها كلُّ فَردٍ حَيٍّ انقِيادَ الطّابُورِ في الجَيشِ، ويَخضَعُ لها كلُّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الأَحياءِ خُضُوعَ الجَيشِ المُنَظَّمِ.. فمِثلَما يُعلِنُ بَقاءُ الأَحياءِ والمُرَكَّباتِ ودَوامُها على سَطحِ الأَرضِ وسِياحةُ النُّجُومِ وتَجْوالُها في الفَضاءِ سِرَّ القَيُّوميّةِ، تُعلِنُه هذه الذَّرّاتُ أَيضًا بألسِنةٍ غَيرِ مَعدُودةٍ.
المَسأَلةُ الثّانيةُ:
هذا المَقامُ يَقتَضِي الإِشارةَ إلى قِسمٍ مِن فَوائِدِ الأَشياءِ وحِكَمِها المُرتَبِطةِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ:
إنَّ حِكمةَ وُجُودِ كلِّ شَيءٍ، وغايةَ فِطرَتِه، وفائِدةَ خَلقِه، ونَتِيجةَ حَياتِه، إنَّما هي على أَنواعٍ ثَلاثةٍ:
النَّوعُ الأوَّل: يتَوَجَّهُ إلى نَفسِه وإلى الإِنسانِ ومَصالِحِه.
النَّوعُ الثّاني: (وهُو الأَهَمُّ مِنَ الأوَّلِ): هو أنَّ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ بمَثابةِ آيةٍ جَلِيلةٍ، ومَكتُوبٍ رَبّانِيٍّ، وكِتابٍ بَلِيغ، وقَصِيدةٍ رائِعةٍ، يَستَطِيعُ كلُّ ذِي شُعُورٍ أن يُطالِعَها ويَتَعرَّفَ مِن خِلالِها على تَجَلِّي أَسماءِ الفاطِرِ الجَلِيلِ؛ أي: إنَّ كلَّ شَيءٍ يُعبِّرُ عن مَعانِيه الغَزِيرةِ لِقُرّائِه الَّذِينَ لا يُحصِيهِمُ العَدُّ.
— 503 —
النَّوعُ الثّالثُ: يَخُصُّ الصّانِعَ الجَلِيلَ، ويتَوَجَّهُ إلَيْه سُبحانَه، فلو كانَت فائِدةُ خَلقِ الشَّيءِ المُتَوَجِّهةِ إلى نَفسِه واحِدةً، فالَّتي تَتَطلَّعُ مِنها إلى البارِي الجَلِيلِ هي مِئاتٌ مِنَ الفَوائِدِ، حَيثُ إنَّه سُبحانَه يَجعَلُه مَوضِعَ نَظَرِه إلى بَدائِعِ صُنعِه، ومَحَطَّ مُشاهَدةِ تَجَلِّي أَسمائِه الحُسنَى فيه.. فضِمنَ هذا النَّوعِ الثّالِثِ العَظِيمِ مِن حِكمةِ الوُجُودِ يَكفِي العَيشُ لِثانيةٍ واحِدةٍ.. هذا وسيُوضَّحُ في الشُّعاعِ الثّالِثِ سِرٌّ مِن أَسرارِ القَيُّوميّةِ يَقتَضِي وُجُودَ كلِّ شَيءٍ.
تَأمَّلتُ ذاتَ يَومٍ في فَوائِدِ المَوجُوداتِ وحِكَمِها مِن زاوِيةِ انكِشافِ طِلَّسمِ الكائِناتِ ولُغزِ الخَلقِ، فقُلتُ في نَفسِي: لِماذا يا تُرَى، تَعرِضُ هذه الأَشياءُ نَفسَها وتُظهِرُها ثمَّ لا تَلبَثُ أن تَختَفِيَ وتَرحَلَ مُسرِعةً؟.. أَنظُرُ إلى أَجسامِها وشُخُوصِها، فإذا كلٌّ مِنها مُنَظَّمٌ مُنَسَّقٌ قد أُلبِسَ وُجُودًا على قَدِّه وقَدْرِه بحِكمةٍ واضِحةٍ، وزُيِّنَ بأَجمَلِ زِينةٍ وأَلطَفِها، وأُرسِلَ بشَخصِيّةٍ ذاتِ حِكمةٍ وجِسمٍ مُنَسَّقٍ لِيُعرَضَ أَمامَ المُشاهِدِينَ في هذا المَعرِضِ الواسِعِ.. ولكِن ما إن تَمُرُّ بِضْعةُ أيّامٍ یی أو بِضعُ دَقائِقَ یی إلّا وتَراه يَتَلاشَى ويَختَفِي مِن دُونِ أن يَترُكَ فائِدةً أو نَفعًا!! فقُلتُ: تُرَى! ما الحِكمةُ وَراءَ هذا الظُّهُورِ لنا لِمُدّةٍ قَصِيرةٍ كهذه؟..كُنتُ في لَهْفةٍ شَدِيدةٍ لِلوُصُولِ إلى مَعرِفةِ السِّرِّ.
فأَدرَكَنِي لُطفُ الرَّبِّ الجَلِيلِ سُبحانَه.. فوَجَدتُ في ذلك الوَقتِ حِكمةً مُهِمّةً مِن حِكَمِ مَجِيءِ المَوجُوداتِ یی ولا سِيَّما الأَحياءِ یی إلى مَدرَسةِ الأَرضِ.. والحِكمةُ هي: أنَّ كلَّ شَيءٍ یی ولا سِيَّما الأَحياءُ یی إنَّما هي كَلِمةٌ إِلٰهِيّةٌ ورِسالةٌ رَبّانيّةٌ وقَصِيدةٌ عَصْماءُ، وإِعلانٌ صَرِيحٌ في مُنتَهَى البَلاغةِ والحِكمةِ، فبَعدَ أن يُصبِحَ ذلك الشَّيءُ مَوضِعَ مُطالَعةِ جَمِيعِ ذَوِي الشُّعُورِ، ويَفِيَ بجَمِيعِ مَعانيه لهم ويَستَنفِدَ أَغراضَه، تَتَلاشَى صُورَتُه الجَسَدِيّةُ وتَختَفِي مادَّتُه، تلك الَّتي هي بحُكمِ لَفظِ الكَلِمةِ وحُرُوفِها، تارِكةً مَعانيَها في الوُجُودِ..
لقد كَفَتْنِي مَعرِفةُ هذه الحِكمةِ طَوالَ سَنةٍ، ولكِن بعدَ مُضِيِّها انكَشَفَت أَمامِي المُعجِزاتُ الدَّقيقةُ في المَصنُوعاتِ والإِتقانُ البَدِيعُ فيها ولا سِيَّما الأَحياءِ؛ فتَبيَّنَ لي: أنَّ هذا الإِتقانَ البَدِيعَ جِدًّا والدَّقيقَ جِدًّا في جَمِيعِ المَصنُوعاتِ ليس لِمُجَرَّدِ إِفادةِ
— 504 —
المَعنَى أَمامَ أَنظارِ ذَوِي الشُّعُورِ، إذ رَغمَ أنَّ ما لا يُحَدُّ مِن ذَوِي الشُّعُورِ يُطالِعُونَ كلَّ مَوجُودٍ، إلّا أنَّ مُطالَعَتَهُم یی مَهْما كانَت یی هِي مَحدُودةٌ، فَضلًا عن أنَّه لا يَستَطِيعُ كلُّ ذِي شُعُورٍ أن يَنفُذَ إلى دَقائِقِ الصَّنعةِ وإِبداعِها في الكائِنِ الحَيِّ، ولا يَقدِرُ على اكتِناهِ جَمِيعِ أَسرارِها.
فأَهَمُّ نَتِيجةٍ إِذًا في خَلقِ الأَحياءِ، وأَعظَمُ غايةٍ لِفِطرَتِها إنَّما هي: عَرْضُ بَدائِعِ صُنعِ القَيُّومِ الأَزَليِّ أَمامَ نَظَرِه سُبحانَه، وإِبرازُ هَدايا رَحمَتِه وآلائِه العَمِيمةِ الَّتي وَهَبَها لِلأَحياءِ، أَمامَ شُهُودِه جَلَّ وعَلا.. لقد مَنَحَتْنِي هذه الغايةُ اطمِئْنانًا كافِيًا واقتِناعًا تامًّا لِزَمَنٍ مَدِيدٍ، وأَدرَكتُ مِنها: أنَّ وُجُودَ دَقائِقِ الصُّنعِ وبَدائِعِ الخَلقِ في كلِّ مَوجُودٍ یی ولا سِيَّما الأَحياءِ یی بما يَفُوقُ الحَدَّ، إنَّما هو لِعَرْضِها أَمامَ القَيُّومِ الأَزَليِّ، أي: أنَّ حِكمةَ الخَلقِ هي: مُشاهَدةُ القَيُّومِ الأَزَليِّ لِبَدائِعِ خَلقِه بنَفسِه.. وهذه المُشاهَدةُ تَستَحِقُّ هذا البَذْلَ العَمِيمَ وهذه الوَفْرةَ الهائِلةَ في المَخلُوقاتِ.
ولكِن بعدَ مُضِيِّ مُدّةٍ.. رَأَيتُ أنَّ دَقائِقَ الصُّنعِ والإِتقانِ البَدِيعِ في شُخُوصِ المَوجُوداتِ وفي صُورَتِها الظّاهِرةِ لا تَدُومُ ولا تَبقَى، بل تَتَجدَّدُ بسُرعةٍ مُذهِلةٍ، وتَتَبدَّلُ آنًا بعدَ آنٍ، وتَتَحوَّلُ ضِمنَ خَلقٍ مُستَمِرٍّ مُتَجدِّدٍ وفَعّاليّةٍ مُطلَقةٍ.. فأَخَذتُ أُوغِلُ في التَّفكِيرِ مُدّةً مِنَ الزَّمَنِ، وقُلتُ: لا بُدَّ أنَّ حِكمةَ هذه الخَلّاقيّةِ والفَعّاليّةِ عَظِيمةٌ عِظَمَ تلك الفَعّاليّةِ نَفسِها.. وعِندَها بَدَتِ الحِكمَتانِ السّابِقَتانِ ناقِصَتَينِ وقاصِرَتَينِ عنِ الإِيفاءِ بالغَرَضِ، وبَدَأتُ أَتَحرَّى حِكمةً أُخرَى بِلَهفةٍ عارِمةٍ، وأَبحَثُ عنها باهتِمامٍ بالِغٍ..
وبعدَ مُدّةٍ یی وللهِ الحَمدُ والمِنّةُ یی تَراءَت لي حِكمةٌ عَظِيمةٌ لا حَدَّ لِعَظَمَتِها وغايةٌ جَلِيلةٌ لا مُنتَهَى لِجَلالِها، تَراءَت لي مِن خِلالِ فَيضِ نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ ونَبَعَت مِن سِرِّ القَيُّوميّةِ.. فأَدرَكتُ بها سِرًّا إِلٰهِيًّا عَظِيمًا في الخَلقِ، ذلك الَّذي يُطلَقُ علَيْه طِلَّسمُ الكائِناتِ ولُغزُ المَخلُوقاتِ!
سنَذكُرُ في الشُّعاعِ الثَّالثِ هنا بِضعَ نِقاطٍ مِن هذا السِّرِّ ذِكرًا مُجمَلًا، حَيثُ إنَّه قد فُصِّلَ تَفصِيلًا كافِيًا في "المَكتُوبِ الرّابِعِ والعِشرِينَ" مِنَ "المَكتُوباتِ".
— 505 —
نعم، اُنظُرُوا إلى تَجَلِّي سِرِّ القَيُّوميّةِ مِن هذه الزَّاوِيةِ وهي: أنَّ اللهَ أَخرَج المَوجُوداتِ مِن ظُلُماتِ العَدَمِ ووَهَب لها الوُجُودَ، ومَنَحَها القِيامَ والبَقاءَ في هذا الفَضاءِ الواسِعِ، وبَوَّأ المَوجُوداتِ مَوقِعًا لائِقًا لِتَنالَ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِ سِرِّ القَيُّوميّةِ كما بَيَّنَتْه الآيةُ الكَرِيمةُ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، فلَوْلا هذه الرَّكِيزةُ العَظِيمةُ وهذا المُستَنَدُ الرَّصِينُ لِلمَوجُوداتِ، فلا بَقاءَ لِشَيءٍ، بل لَتَدَحرَجَ كلُّ شَيءٍ في خِضَمِّ فَراغٍ لا حَدَّ له، ولَهَوَى إلى العَدَمِ.
وكما تَستَنِدُ جَمِيعُ المَوجُوداتِ إلى القَيُّومِ الأَزَليِّ ذِي الجَلالِ في وُجُودِها وفي قِيامِها وبَقائِها، وكما أنَّ قِيامَ كلِّ شَيءٍ به سُبحانَه.. كَذلِك جَمِيعُ أَحوالِ المَوجُوداتِ قاطِبةً وأَوضاعُها كافّةً وكَيفِيّاتُها المُتَسَلسِلةُ كلُّها مُرتَبِطةٌ بِداياتُها ارتِباطًا مُباشَرًا بسِرِّ القَيُّوميّةِ، كما تُوضِّحُها الآيةُ الكَرِيمةُ: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، إذ لَوْلا استِنادُ كلِّ شَيءٍ إلى تلك النُّقطةِ النُّورانيّةِ، لَنَتَج ما هو مُحالٌ لَدَى أَربابِ العَقلِ مِن أُلُوفِ الدَّورِ والتَّسَلسُلِ، بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ.. ولنُوَضِّح ذلك بمِثالٍ:
إنَّ الحِفظَ، أوِ النُّورَ، أوِ الوُجُودَ، أوِ الرِّزقَ أو ما شابَهَه مِن أيِّ شَيءٍ كانَ، إنَّما يَستَنِدُ یی مِن جِهةٍ یی إلى شَيءٍ آخَرَ، وهذا يَستَنِدُ إلى آخَرَ، وهذا إلى آخَرَ وهكذا.. فلا بُدَّ مِن نِهايةٍ له، إذ لا يُعقَلُ ألّا يَنتَهِيَ بشَيءٍ؛ فمُنتَهَى أَمثالِ هذه السَّلاسِلِ كلِّها إنَّما هو في سِرِّ القَيُّوميّةِ، وبعدَ إِدراكِ هذا السِّرِّ سِرِّ القَيُّوميّةِ لا يَبقَى مَعنًى لِاستِنادِ أَفرادِ تلك السَّلاسِلِ المَوهُومةِ بَعضِها إلى بَعضٍ، بل تُرفَعُ نِهائيًّا وتُزالُ، فيكُونُ كلُّ شَيءٍ مُتَوجِّهًا تَوَجُّهًا مُباشَرًا إلى سِرِّ القَيُّوميّةِ.
الشُّعاعُ الثّالثُ:
سنُشِيرُ في مُقدِّمةٍ أو مُقدِّمتَينِ إلى طَرَفٍ مِنِ انكِشافِ سِرِّ القَيُّوميّةِ الَّذي تَتَضمَّنُه الخَلَّاقيّةُ الإِلٰهِيّةُ والفَعَّاليّةُ الرَّبّانيّةُ كما تُشِيرُ إلَيْها أَمثالُ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ:
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
— 506 —
حِينَما نَنظُرُ إلى الكائِناتِ بعَينِ التَّأمُّلِ، نَرَى: أنَّ المَخلُوقاتِ تَضطَرِبُ في خِضَمِّ سَيلِ الزَّمانِ وتَتَعاقَبُ قافِلةً إِثرَ قافِلةٍ؛ فقِسمٌ مِنها لا يَلبَثُ ثانيةً ثمَّ يَغِيبُ، وطائِفةٌ مِنها تَأتِي لِدَقيقةٍ واحِدةٍ ثمَّ تَمضِي إلى شَأنِها، ونَوعٌ مِنها يَمُرُّ إلى عالَمِ الشَّهادةِ مَرَّ الكِرامِ، ثمَّ يَلِجُ في عالَمِ الغَيبِ بعدَ ساعةٍ، وقِسمٌ مِنها يَحُطُّ رَحْلَه في يَومٍ ثمَّ يُغادِرُ، وقِسمٌ مِنها يَمكُثُ سَنةً ثمَّ يَمضِي، وقِسمٌ يَمضِي عَصرًا ثمَّ يَرحَلُ، وآخَرُ يَقضِي عُصُورًا ثمَّ يَتْرُكُ هذا العالَمَ.. وهكذا، فكُلٌّ يَأتِي ثمَّ يُغادِرُ بعدَ أَداءِ مُهِمَّتِه المَوكُولةِ إلَيْه.
فهذه السِّياحةُ المُذهِلةُ لِلعُقُولِ، وذلك السَّيلُ الجارِي لِلمَوجُوداتِ والسَّفَرُ الدَّائِبُ لِلمَخلُوقاتِ، إنَّما تَتِمُّ بنِظامٍ مُتقَنٍ ومِيزانٍ دَقِيقٍ وحِكمةٍ تامّةٍ، والَّذي يَقُودُ هذه الرِّحلةَ المُستَمِرّةَ ويُمسِكُ بزِمامِها، يَقُودُها ببَصِيرةٍ ويُسَيِّیرُها بحِكمةٍ، ويَسُوقُها بتَدبِيرٍ، بحَيثُ لوِ اتَّحَدَت جَمِيعُ العُقُولِ وأَصبَحَت عَقلًا واحِدًا لَمَا بَلَغ مَعرِفةَ كُنهِ هذه الرِّحلةِ، ولا يَصِلُ إلى إِدراكِ حِكمَتِها، ناهِيك عن أن يَجِدَ فيها نَقصًا أو قُصُورًا.
وهكذا ضِمنَ هذه الخَلّاقيّةِ الرَّبّانيّةِ يَسُوقُ الخالِقُ تلك المَصنُوعاتِ اللَّطِيفةَ المَحبُوبةَ إلَيْه یی ولا سِيَّما الأَحياءُ یی إلى عالَمِ الغَيبِ دُونَ أن يُمهِلَها لِتَتَفسَّحَ في هذا العالَمِ، ويُعفِيها مِن مُهِمّاتِها في حَياتِها الدُّنيَوِيّةِ دُونَ أن يَدَعَها تَنشَرِحُ وتَنبَسِطُ؛ فيَملَأُ دارَ ضِيافَتِه هذه بالضُّيُوفِ ويُخْلِيها مِنهُم باستِمرارٍ دُونَ رِضاهم، جاعِلًا مِنَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ ما يُشبِهُ لَوحةَ كِتابةٍ یی كالسُّبُّورةِ یی يَكتُبُ فيها باستِمرارٍ قَلمُ القَضاءِ والقَدَرِ كِتاباتِه ويُجَدِّدُها، ويُبدِّلُها، بتَجَلِّياتِ مَن: يُحْيِي وَيُمِيتُ.
وهكذا، فإنَّ سِرًّا مِن أَسرارِ هذه الفَعّاليّةِ الرَّبّانيّةِ وهذه الخَلّاقيّةِ الإِلٰهِيّةِ، ومُقتَضِيًا أَساسًا مِن مُقتَضِياتِها وسَبَبًا مِنَ الأَسبابِ الدَّاعِيةِ لها إنَّما هو حِكمةٌ عَظِيمةٌ لا حَدَّ لها ولانِهايةَ؛ هذه الحِكمةُ تَتَشعَّبُ إلى ثَلاثِ شُعَبٍ مُهِمّةٍ:
فالشُّعبةُ الأُولَى مِن تلك الحِكمةِ هي: أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الفَعّاليّةِ یی جُزئيًّا كانَ أم كُلِّیيًّا یی يُورِثُ لَذّةً، بل إنَّ في كلِّ فَعّاليّةٍ لَذّةً، بلِ الفَعّاليّةُ نَفسُها هي عَينُ اللَّذّةِ، بلِ
— 507 —
الفَعّاليّةُ هي تَظاهُرُ الوُجُودِ الَّذي هو عَينُ اللَّذّةِ، وهُو انتِفاضةٌ بالتَّباعُدِ عنِ العَدَمِ الَّذي هو عَينُ الأَلَمِ.
أَجَل، إنَّ صاحِبَ كلِّ قابِلِيّةٍ يَرقُبُ بلَهْفةٍ ولَذّةٍ انكِشافَ قابِلِيّاتِه بفَعّاليّةٍ ما، وإنَّ تَظاهُرَ كلِّ استِعدادٍ بفَعّاليّةٍ إنَّما هو ناشِئٌ مِن لَذّةٍ مِثلَما يُوَلِّدُ لَذّةً، وإنَّ صاحِبَ كلِّ كَمالٍ أَيضًا يُتابعُ بلَهْفةٍ ولَذّةٍ تَظاهُرَ كَمالاتِه بالفَعّاليّةِ، فإذا كانَ في كلِّ فَعّاليّةٍ لَذّةٌ كامِنةٌ مَطلُوبةٌ كَهذِه وكَمالٌ مَحبُوبٌ كهذا، والفَعّاليّةُ نَفسُها كَمالٌ، وتُشاهَدُ في عالَمِ الأَحياءِ تَجَلِّياتٌ أَزَليّةٌ لِرَحمةٍ واسِعةٍ ومَحَبّةٍ لا نِهايةَ لها نابِعةٍ مِن حَياةٍ سَرمَدِيّةٍ.. فلا شَكَّ أنَّ تلك التَّجَلِّياتِ تَدُلُّ على: أنَّ الَّذي يُحَبِّبُ نَفسَه إلى مَخلُوقاتِه، ويُحِبُّهُم ويَرحَمُهُم بإِسباغِ نِعَمِه وأَلطافِه علَيْهِم على هذه الصُّورةِ المُطلَقةِ، تَقتَضِي حَياتُه السَّرمَدِيّةُ عِشقًا مُطلَقًا لاهُوتيًّا (إذا جازَ التَّعبِيرُ) ومَحَبّةً مُقدَّسةً مُطلَقةً، ولَذّةً مُنزَّهةً سامِيةً.. وأَمثالَها مِنَ الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ اللَّائِقةِ بقُدسِيَّتِه والمُناسِبةِ لِوُجُوبِ وُجُودِه.. فتلك الشُّؤُونُ الإِلٰهِيّةُ بِهذِه الفَعَّاليّةِ الَّتي لا حَدَّ لها، وبِهذِه الخَلّاقيّةِ الَّتي لا نِهايةَ لها، تُجَدِّدُ العالَمَ وتُبدِّلُه وتَخُضُّه خَضًّا.
الشُّعبة الثّانية مِن حِكمة الفَعّاليّة الإِلٰهِيّة المُطلَقة المُتَوجِّهةِ إلى سِرِّ القَيُّوميّة: هذه الحِكمةُ تُطِلُّ على الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى.
مِنَ المَعلُومِ أنَّ صاحِبَ كلِّ جَمالٍ يَرغَبُ أن يَرَى جَمالَه ويُرِيَه الآخَرِينَ، ويَوَدُّ صاحِبُ المَهارةِ أن يَلفِتَ الأَنظارَ إلَيْها بعَرضِ مَهاراتِه وإِعلانِه عنها؛ والحَقِيقةُ الجَمِيلةُ الكامِنةُ، والمَعنَى الجَمِيلُ المَخبُوءُ يَتَطلَّعانِ إلى الِانطِلاقِ واستِقطابِ الأَنظارِ.
ولَمّا كانَت هذه القَواعِدُ الرَّصِينةُ سارِيةً في كلِّ شَيءٍ، كلٌّ حَسَبَ دَرَجتِه، فلا بُدَّ أنَّ كلَّ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى لِلجَمِيلِ المُطلَقِ ولِلقَيُّومِ ذِي الجَلالِ، يَنطَوِي على حُسنٍ حَقِيقيٍّ، وكَمالٍ حَقِيقيٍّ، وجَمالٍ حَقِيقيٍّ، وحَقِيقةٍ جَمِيلةٍ باهِرةٍ بشَهادةِ الكائِناتِ كُلِّها، وتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ الظّاهِرةِ
— 508 —
علَيْها، وإِشاراتِ نُقُوشِها البَدِيعةِ فيها، بل إنَّ كلَّ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى فيها مِنَ الحُسنِ والجَمالِ والحَقائِقِ الجَمِيلةِ ما لا يَحصُرُه حَدٌّ.
وحَيثُ إنَّ هذه المَوجُوداتِ وهذه الكائِناتِ هي مَرايا عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ جَمالِ هذه الأَسماءِ المُقدَّسةِ.. وهِي لَوْحاتٌ بَدِيعةٌ تُعرَضُ فيها نُقُوشُ تلك الأَسماءِ الجَمِيلةِ.. وهِي صَحائِفُها الَّتي تُعبِّرُ عن حَقائِقِها الجَمِيلةِ؛ فلا بُدَّ أنَّ تلك الأَسماءَ الدّائِمةَ الخالِدةَ ستَعرِضُ تَجَلِّياتِها غَيرَ المَحدُودةِ، وتُبْرِزُ نُقُوشَها الحَكِيمةَ غَيرَ المَعدُودةِ، وتُشهِرُ صَحائِفَ كُتُبِها أَمامَ نَظَرِ مُسَمَّاها الحَقِّ وهُو "القَيُّومُ" ذُو الجَلالِ؛ فَضْلًا عن عَرضِها أَمامَ أَنظارِ ما لا يُعَدُّ مِن ذَوِي الأَرواحِ وذَوِي الشُّعُورِ لِمُطالَعَتِها والتَّأمُّلِ فيها؛ ولا بُدَّ أنَّها تُجَدِّدُ الكائِناتِ عامّةً وعلى الدَّوامِ بتَجَلِّياتِها وتُبدِّلُها استِنادًا إلى ذلك العِشقِ الإِلٰهِيِّ المُقدَّسِ، وبِناءً على سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ، وذلك لِأَجلِ إِبرازِ لَوْحاتٍ لا نِهايةَ لها مِن شَيءٍ مَحدُودٍ، وعَرضِ شُخُوصٍ لا حَدَّ لها مِن شَخصٍ واحِدٍ، وإِظهارِ حَقائِقَ كَثِيرةٍ جِدًّا مِن حَقِيقةٍ واحِدةٍ.
الشُّعاع الرّابع:
الشُّعبةُ الثَّالثةُ مِن حِكْمةِ الفَعّاليّةِ الدّائِمةِ المُحَيِّرةِ في الكَونِ:
هي أنَّ كلَّ ذِي رَحْمةٍ يُسَرُّ بإِرضاءِ الآخَرِينَ، وكلَّ ذِي رَأفةٍ يَنشَرِحُ إذا ما أَدخَلَ السُّرُورَ إلى قُلُوبِ الآخَرِينَ، وهكذا يَبتَهِجُ ذُو المَحَبّةِ بإِبهاجِ مَخلُوقاتِه الجَدِيرةِ بالبَهْجةِ، كما يَسعَدُ كلُّ ذِي هِمّةٍ عاليةٍ وصاحِبِ غَيرةٍ وشَهامةٍ بإِسعادِه الآخَرِينَ، ومِثلَما يَفرَحُ كلُّ عادِلٍ بجَعلِ أَصحابِ الحُقُوقِ يَنالُونَ حَقَّهُم ويَشكُرُونَه لِوَضعِ الحَقِّ في نِصابِه وإِنزالِ العِقابِ على المُقَصِّرِينَ، يَزهُو كلُّ صَنّاعٍ ماهِرٍ ويَفتَخِرُ بعَرضِ صَنْعَتِه وإِشهارِ مَهارَتِه لَدَى قِيامِ مَصنُوعاتِه بإِنتاجِ ما كان يَتَوقَّعُه على أَتَمِّ وَجهٍ يَتَصوَّرُه.. فكُلٌّ مِن هذه الدَّساتيرِ المَذكُورةِ آنِفًا، قاعِدةٌ أَساسِيّةٌ عَمِيقةٌ راسِخةٌ جارِيةٌ في الكَونِ كُلِّه مِثلَما تَجرِي في عالَمِ الإِنسانِ.
— 509 —
ولقد وَضَّحْنا في "المَوقِفِ الثَّاني مِنَ الكَلِمةِ الثَّانيةِ والثَّلاثِينَ" أَمثِلةً ثَلاثةً تُبيِّنُ جَرَيانَ هذه القَواعِدِ الأَساسِيّةِ في تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى، نَرَى مِنَ المُناسِبِ اختِصارَها هنا فنَقُولُ:
إنَّ الَّذي يَملِكُ رَحمةً فائِقةً وهِمّةً عاليةً معَ مُنتَهَى الكَرَمِ والسَّخاءِ، يُسعِدُه جِدًّا أن يُغدِقَ على فُقَراءَ مُدقِعِينَ ومَحاوِيجَ مُضطَرِّينَ، ويَتَفضَّلَ علَيْهِم بكَرَمِه وجُودِه، فيُعِدُّ لَهُم مَوائِدَ وَلائِمَ فاخِرةٍ ومَأكُولاتٍ نَفِيسةٍ على مَتنِ سَفِينةٍ عامِرةٍ تَجرِي بهم في بِحارِ الأَرضِ لِيُدخِلَ البَهجةَ والسُّرُورَ في قُلُوبِهم ضِمنَ سِياحةٍ جَمِيلةٍ ونُزهةٍ لَطِيفةٍ.. فهذا الشَّخصُ يَستَمتِعُ مِن مَظاهِرِ الشُّكرِ المُنبَعِثةِ مِن أُولَئِك الفُقَراءِ، ويَنشَرِحُ صَدرُه انشِراحًا عَظِيمًا وهُو يُشاهِدُ تَمَتُّعَهُم بمَباهِجِ النِّعمِ والآلاءِ، ويَفتَخِرُ بسُرُورِهِم ويَزهُو بفَرَحِهِم.. كلُّ ذلك بمُقتَضَى ما أَوْدَع اللهُ في فِطْرَتِه مِن سَجايا سامِيةٍ وصِفاتٍ رَفيعةٍ.
فالإِنسانُ الَّذي هو بمَثابةِ أَمِينٍ على وَدائِعِ الخالِقِ الكَرِيمِ ومُوَظَّفٍ لِلتَّوزِيعِ ليس إلّا، إذا كان يَستَمتِعُ ويَنشَرِحُ ويَتَلذَّذُ إلى هذا القَدْرِ لَدَى إِكرامِه الآخَرِينَ في ضِيافةٍ جُزئيّةٍ، فكَيفَ إِذًا يا تُرَى بی"الحَيِّ القَيُّومِ" یی وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى یی الَّذي تَنطَلِقُ إلَيْه آياتُ الحَمدِ والشُّكرِ، وتُرفَعُ إلَيْه أَكُفُّ الثَّناءِ والرِّضَا بالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ مِن مَخلُوقاتٍ لا حَدَّ لَهُم مِنَ الأَحياءِ إلى الإِنسانِ والمَلائِكةِ والجِنِّ والأَرواحِ، الَّذِينَ حَمَلَهُم في سَفِينةِ الرَّحمٰنِ یی الأَرضِ یی وأَسبَغَ علَيْهِم نِعَمَه ظاهِرةً وباطِنةً بأَنواعِ مَطعُوماتِه المُنسَجِمةِ تَمامًا معَ ما غَرَز فِيهِم مِن أَذواقٍ وأَرزاقٍ، وتَفَضَّل علَيْهِم بهذه السِّياحةِ الرَّبّانيّةِ في أَرجاءِ الكَونِ.
فَضْلًا عن جَعلِه كلَّ جَنّةٍ مِن جِنانِه في دار الخُلُودِ دارَ ضِيافةٍ دائِمةٍ، مُعَدًّا فيها كلُّ ما تَشتَهِيه الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعيُنُ... فجَمِيعُ آياتِ الشُّكرِ والحَمدِ والرِّضَا المُنطَلِقةِ مِن جَمِيعِ المَخلُوقاتِ قاطِبةً، والمُنبَعِثةِ مِن سُرُورِهِم وفَرَحِهِم وابتِهاجِهِم بالنِّعَمِ والآلاءِ العَمِيمةِ علَيْهِم، والمُتَوجِّهةِ كلِّها إلى "الحَيِّ القَيُّومِ"، تُولَّدُ مِنَ الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ الَّتي تَقتَضِي هذه الفَعّاليّةَ الدّائِمةَ والخَلّاقيّةَ المُستَمِرّةَ، تلك الشُّؤُونِ الَّتي يَعجِزُ التَّعبِيرُ
— 510 —
عنها ولم يُؤذَن لنا بالإِفصاحِ عنها، بل رُبَّما يُشارُ إلَيْها بأَسماءِ: الرِّضَا المُقَدَّسِ والِافتِخارِ المُقَدَّسِ واللَّذّةِ المُقَدَّسةِ وما شابَهَها مِنَ الأَسماءِ الَّتي نُعبِّرُ بها یی نَحنُ البَشَرَ یی عن مَعانِي الرُّبُوبيّةِ المُنزَّهةِ.
ومِثالٌ آخَرُ: إذا قامَ صَنّاعٌ ماهِرٌ، بصُنعِ حاكٍ یی بلا أُسطُوانةٍ یی يُعَبِّرُ عَمّا يُرِيدُه مِنه، ويَعمَلُ على أَفضَلِ صُورةٍ يَرغَبُها هو، كم يكُونُ ذلك الصَّنّاعُ مُفتَخِرًا؟ وكم يكُونُ مُتَلذِّذًا مِن رُؤيةِ صَنْعتِه على هذه الصُّورةِ؟ وكم يكُونُ مَسرُورًا؟ حتَّى يُرَدِّدُ في نَفسِه: "ما شاءَ الله!"؟
فإذا كانَت صَنْعةٌ صَغِيرةٌ صُورِيّةٌ یی مِن دُونِ إِيجادٍ حَقِيقيٍّ یی تُثِيرُ في رُوحِ صانِعِها إلى هذه الدَّرَجةِ مِن مَشاعِرِ الِافتِخارِ والرِّضَا، فكَيفَ بالصّانِعِ الحَكِيمِ الَّذي أَوْجَد هذه المَوجُوداِت كُلَّها، وجَعَلَها مُوسِيقَى إِلٰهِيّةً تُعبِّرُ عن شُكرِها وتَسبِيحِها وتَقدِيسِها بأَنواعٍ مِنَ النَّغَماتِ وأَنواعٍ مِنَ الكَلامِ، كما جَعَلَها مَصْنَعًا عَجِيبًا، فَضْلًا عمّا أَسبَغ على كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الكائِناتِ، وكلِّ عالَمٍ مِن عَوالِمِ الكَونِ مِن صَنعةٍ مُتقَنةٍ بَدِيعةٍ مُتَبايِنةٍ مُعجِزةٍ بخَوارِقِها.. أَضِف إلى ذلك المَكائِنَ الكَثِيرةَ الَّتي أَودَعَها في رُؤُوسِ ذَوِي الحَياةِ الشَّبِيهةِ بالحاكِي وآلاتِ التَّصوِيرِ وأَجهِزةِ البَثِّ والِاستِقبالِ، بل أَودَعَ أَعجَبَ مِن هذه الأَجهِزةِ المُعجِزةِ حتَّى في رَأسِ أَصغَرِ حَيَوانٍ! بل لم يُوْدِعْ في رَأسِ الإِنسانِ مُجَرَّدَ حاكٍ بلا أُسطُوانةٍ، ولا آلةَ تَصوِيرٍ بلا عَدَسةٍ، ولا هاتِفًا بلا سِلكٍ، بل مَكائِنَ أَعجَبَ بكَثِيرٍ وخَوارِقَ أَعظَمَ وأَعظَمَ مِمّا ذُكِر بكَثِيرٍ.
فما يُنشِئُه عَمَلُ هذه المَكائِنِ یی العامِلةِ وَفقَ إِرادَتِه، والمُودَعةِ في رَأسِ الإِنسانِ المَخلُوقِ في أَحسَنِ تَقوِيمٍ یی مِن مَعانِي الِافتِخارِ المُقدَّسِ والرِّضَا المُقدَّسِ، وأَمثالِها مِنَ المَعانِي الجَلِيلةِ والشُّؤونِ المُقدَّسةِ لِلرُّبُوبيّةِ یی الَّتي هي مِن هذا النَّوعِ یی يَستَلزِمُ حَتْمًا هذه الفَعّاليّةَ الدّائِمةَ المُشاهَدةَ.
ومَثلًا: إنَّ الحاكِمَ العادِلَ يَجِدُ لَذّةً ومُتعةً ورِضًا عِندَما يَأخُذُ حَقَّ المَظلوُمِ مِنَ الظَّالِمِ ويُوفِي الحَقَّ نِصابَه، ويَفتَخِرُ لَدَى صِيانَتِه الضُّعَفاءَ مِن شُرُورِ الأَقوِياءِ، ويُسَرُّ لَدَى مَنحِه كلَّ فَردٍ ما يَستَحِقُّه مِن حُقُوقٍ.. كلُّ ذلك مِن مُقتَضَياتِ الحاكِمِيّةِ والعَدالةِ
— 511 —
وقَواعِدِهِما الأَساسِ؛ فلا بُدَّ أنَّ الحاكِمَ الحَكِيمَ العادِلَ الَّذي هو "الحَيُّ القَيُّومُ" بمَنحِه شَرائِطَ الحَياةِ في صُورةِ حُقُوقِ الحَياةِ لِلمَخلُوقاتِ كافّةً ولا سِيَّما الأَحياءِ.. وبإِحسانِه إلَيْهِم بأَجهِزةٍ تُحافِظُ على حَياتِهِم.. وبحِمايَتِه الضُّعَفاءَ مِن شُرُورِ الأَقوِياءِ بكُلِّ رَحمةٍ ورَأفةٍ.. وبتَوَلِّيه إِظهارَ سِرِّ العَدالةِ في الكَونِ بإِعطاءِ كلِّ ذِي حَقٍّ مِنَ الأَحياءِ حَقَّه كامِلًا.. وبإِنزالِ شَيءٍ مِنَ العُقُوبةِ بالظّالِمِينَ یی في هذه الدُّنيا یی وبخاصّةٍ ما يَحصُلُ مِنَ التَّجَلِّي الكامِلِ لِلعَدالةِ العُظمَى في المَحكَمةِ الكُبرَى لِيَومِ الحَشرِ الأَعظَمِ.. يَحصُلُ مِن كلِّ هذا ما نَعجِزُ عنِ التَّعبِيرِ عنه مِن شُؤُونٍ رَبّانيّةٍ ومَعانٍ قُدسِيّةٍ جَلِيلةٍ هي الَّتي تَقتَضِي هذه الفَعّاليّةَ الدّائِمةَ في الكَونِ.
وهكذا في ضَوءِ هذه الأَمثِلةِ الثَّلاثةِ.. فإنَّ الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ عامّةً، وكلَّ اسم مِنها خاصّةً، يَقتَضِي هذه الخَلّاقيّةَ الدّائِمةَ، حَيثُ يكُونُ مِحْوَرًا لِقِسمٍ مِن هذه الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ المُقدَّسةِ وأَمثالِها ضِمنَ هذه الفَعّاليّةِ الدّائِمةِ.
وحَيثُ إنَّ كلَّ قابِليّةٍ وكلَّ استِعدادٍ يُورِثُ فَرَحًا وانشِراحًا ولَذّةً، بمَنحِها الثِّمارَ والفَوائِدَ لَدَى انبِساطِها وانكِشافِها.. وإنَّ كلَّ مُوَظَّفٍ يَشعُرُ یی عِندَ إِتمامِ الوَظِيفةِ وإِنهائِها على الوَجهِ المَطلُوبِ یی براحةٍ وأَيِّ راحةٍ.. وإنَّ جَنْيَ ثَمَراتٍ كَثِيرةٍ مِن بِذْرةٍ واحِدةٍ، واغتِنامَ رِبحِ مِئاتِ الدَّراهِمِ مِن دِرهَمٍ واحِدٍ، هي حالاتٌ مُفرِحةٌ جِدًّا لِأَصحابِها، وتُعَدُّ تِجارةً رابِحةً لَهُم..
فلا بُدَّ أن يُفهَم مَدَى أَهَمِّيّةِ المَعانِي المُقدَّسةِ، وشُؤُونِ الرُّبُوبيّةِ الإِلٰهِيّةِ النّاشِئةِ مِنَ الفَعّاليّةِ الدّائِمةِ، والخَلّاقيّةِ الرَّبّانيّةِ الَّتي تَكشِفُ عن جَمِيعِ الِاستِعداداتِ الَّتي لا تُحَدُّ، وجَمِيعِ القابِلِيّاتِ الَّتي لا تُعَدُّ، لِجَمِيعِ المَخلُوقاتِ غَيرِ المَحدُودةِ.. والَّتي تُنهِي وَظِيفةَ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ بَعدَ أن تَستَخدِمَها في وَظائِفَ جَسِيمةٍ وتُرَقِّيَها بهذا التَّسرِيحِ إلى مَراتِبَ أَسمَى وأَعلَى یی كَأَن تُرَقِّيَ العَناصِرَ إلى مَرتَبةِ المَعادِنِ، والمَعادِنَ إلى حَياةِ النَّباتاتِ، والنَّباتاتِ إلى دَرَجةِ حَياةِ الحَيَواناتِ بِواسِطةِ الرِّزقٍ، والحَيَواناتِ إلى مَرتَبةِ الإِنسانِ الشّاعِرةِ والعاليةِ بالشُّكرِ والحَمدِ یی والَّتي تَجعَلُ كلَّ كائِنٍ يُخَلِّفُ أَنواعًا مِنَ
— 512 —
الوُجُودِ كرُوحِه وماهِيَّتِه وهُوِيَّتِه وصُورَتِه بَعدَ زَوالِ ظاهِرِ وُجُودِه لِتُؤدِّيَ المُهِمّةَ نَفسَها كما وُضِّحَ في "المَكتُوبِ الرّابعِ والعِشرِينَ".
جَوابٌ قاطِعٌ على سُؤالٍ مُهِمٍّ:
يقُولُ قِسمٌ مِن أَهلِ الضَّلالةِ: إنَّ الَّذي يُغَيِّرُ الكائِناتِ بفَعّاليّةٍ دائِمةٍ ويُبَدِّلُها، يَلزَمُ أن يكُونَ هو مُتَغيِّرًا ومُتَحوِّلًا أَيضًا.
الجَوابُ: كلَّا ثمَّ كلَّا. حاشَ للهِ أَلفَ أَلفِ مَرّةٍ حاشَ للهِ!
إنَّ تَغيُّرَ أَوجُهِ المَرايا في الأَرضِ، لا يَدُلُّ على تَغيُّرِ الشَّمسِ في السَّماءِ، بل يَدُلُّ على إِظهارِ تَجَدُّدِ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ؛ فكَيفَ بالَّذي هو أَزَليٌّ وأَبدِيٌّ وسَرمَدِيٌّ وفي كَمالٍ مُطلَقٍ وفي استِغناءٍ مُطلَقٍ (عنِ الخَلقِ) وهُو الكَبِيرُ المُتَعالِ المُقَدَّسُ عنِ المادّةِ والمَكانِ والحُدُودِ، والمُنزَّهُ عنِ الإِمكانِ والحُدُوثِ، فتَغيُّرُ هذا الذّاتِ الأَقدَسِ مُحالٌ بالمَرّةِ.
ثمَّ إنَّ تَغيُّرَ الكائِناتِ، ليس دَلِيلًا على تَغيُّرِه هو، بل هو دَلِيلٌ على عَدَمِ تَغيُّرِه، وعَدَمِ تَحَوُّلِه سُبحانَه وتَعالَى، لِأنَّ الَّذي يُحَرِّكُ أَشياءَ عَدِيدةً بانتِظامٍ دَقِيقٍ ويُغيِّرُها لا بُدَّ ألّا يكُونَ مُتَغيِّرًا وألّا يَتَحرَّكَ..
مِثالُ ذلك: أنَّك إذا كُنتَ تُحرِّكُ كُراتٍ كَثِيرةً مُرتَبِطةً بعِدّةِ خُيُوطٍ، حَرَكةً مُنتَظِمةً ودائِمةً، وتَضَعُها في أَوضاعٍ مُنتَظِمةٍ، يَنبَغِي أن تكُونَ أنت ثابِتًا في مَكانِك دُونَ أن تَتَحوَّلَ عنه، وإلّا اختَلَّ الِانتِظامُ.
ومِنَ القَواعِدِ المَشهُورةِ: "إنَّ الَّذي يُحَرِّكُ بانتِظامٍ لا يَنبَغِي أن يَتَحرَّك، والَّذي يُغيِّرُ باستِمرارٍ لا يَنبَغِي أن يكُونَ مُتَغيِّرًا"، كي يَستَمِرَّ ذلك العَمَلُ في انتِظامِه.
ثانيًا: إنَّ التَّغيُّیرَ والتَّبدُّلَ ناشِئٌ مِنَ الحُدُوثِ، ومِنَ التَّجدُّدِ بقَصدِ الوُصُولِ إلى الكَمالِ، ومِنَ الحاجةِ، ومِنَ المادِّيّةِ، ومِنَ الإِمكانِ؛ أمّا الذَّاتُ الأَقدَسُ، فهُو قَدِيمٌ أَزَليٌّ، وفي كَمالٍ مُطلَقٍ، وفي استِغناءٍ مُطلَقٍ، مُنزَّهٌ عنِ المادّةِ، وهُو الواجِبُ الوُجُودِ، فلا بُدَّ أنَّ التَّبدُّلَ والتَّغيُّیرَ مُحالٌ في حَقِّه وغَيرُ مُمكِنٍ أَصلًا.
— 513 —
الشُّعاع الخامس:
المَسأَلةُ الأُولَى: إذا أَرَدْنا أن نَرَى التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ"، فما عَلَيْنا إلّا أن نَجعَلَ خَيالَنا واسِعًا جِدًّا بحَيثُ يُمكِنُه أن يُشاهِدَ الكَونَ بأَسرِه، فنَجعَلَ مِنه نَظّارَتَينِ إِحداهُما تَرَى أَبعَدَ المَسافاتِ كالمَرصَدِ، والأُخرَى تُشاهِدُ أَصغَرَ الذَّرّاتِ؛ فإذا ما نَظَرْنا بالمِنظارِ الأَوَّلِ نَرَى: أنَّ مَلايِينَ الكُراتِ الضَّخْمةِ والكُتَلِ الهائِلةِ الَّتي مِنها ما هو أَكبَرُ مِنَ الأَرضِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، قد رُفِعَت بتَجَلِّي اسمِ "القَيُّومِ" بغَيرِ عَمَدٍ نَراها، وهِي تَجرِي ضِمنَ أَثِيرٍ لَطِيفٍ أَلطَفَ مِنَ الهَواءِ، وتُسَخَّرُ لِأَجلِ القِيامِ بمَهامَّ عَظِيمةٍ في حَرَكاتِها وفي ثَباتِها الظّاهِرِ.
لِنَرجِعِ الآنَ إلى المِنظارِ الآخَرِ.. لِنَرَى أَصغَرَ الأَشياءِ، فإذا بِنا أَمامَ ذَرّاتٍ مُتَناهِيةٍ في الصِّغَرِ تُشكِّلُ أَجسامَ الأَحياءِ یی بسِرِّ القَيُّومِيّةِ یی وهِي تَأخُذُ أَوْضاعًا مُنتَظِمةً جِدًّا كالنُّجُومِ، وتَتَحرَّكُ وَفقَ نِظامٍ مُعَيَّنٍ وتَناسُقٍ مُخَصَّصٍ، مُنجِزةً بها وَظائِفَ جَمّةً، فإن شِئتَ فانظُر إلى الكُرَيَّاتِ الحُمْرِ والبِيضِ تَرَهُما تَتَحرَّكانِ حَرَكاتٍ خاصّةً شَبِيهةً بحَرَكاتِ المَوْلَوِيّةِ لِإنجازِ مُهِمّاتٍ جَسِيمةٍ في الجِسمِ وهُما تَجرِيانِ في السَّيلِ الدّافِقِ لِلدَّمِ.
خُلاصة الخُلاصة
(حاشية): هذه الخُلاصةُ هي الأَساسُ الَّذي تَستَنِد إليه الرَّسائلُ الصَّغيرةُ لِلَّمعةِ الثَّلاثينَ، وهي زُبدةُ مَوضُوعاتِها الَّتي تَحمِلُ أَسرارَ الأَسماءِ السِّتّة الحُسنَى لِلِاسمِ الأَعظَم.
لقدِ ارْتَأَينا أن نُدرِجَ هنا خُلاصةً تُبيِّنُ الضِّياءَ المُقدَّسَ الحاصِلَ مِنِ امتِزاجِ أَنوارِ الأَسماءِ السِّتّةِ لِلِاسمِ الأَعظَمِ، كامتِزاجِ الأَلوانِ السَّبعةِ لِضَوءِ الشَّمسِ یی وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى یی ولِأَجلِ مُشاهَدةِ هذا النُّورِ المُقدَّسِ نَسُوقُ هذه الخُلاصةَ:
تَأمَّلْ في مَوجُوداتِ الكَونِ كلِّه، وانظُرْ إلَيْها مِن وَراءِ هذا التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القَيُّومِ" الَّذي مَنَحَ البَقاءَ والدَّوامَ والقِيامَ لها، تَرَ: أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الحَيِّ" قد
— 514 —
جَعَل تلك المَوجُوداتِ الحَيّةَ ساطِعةً مُنَوَّرةً بتَجَلِّيه الباهِرِ، وجَعَل الكائِناتِ كلَّها مُنَوَّرةً بنُورِه الزّاهِرِ، حتَّى يُمكِنُ مُشاهَدةُ لَمَعانِ نُورِ الحَياةِ على الأَحياءِ كافّةً.
والآنَ انظُرْ إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "الفَرْدِ" مِن وَراءِ اسمِ "الحَيِّ"، تَرَه قد ضَمَّ جَمِيعَ الكائِناتِ بأَنواعِها وأَجزائِها ضِمنَ وَحْدةٍ واحِدةٍ، فهُو يَطبَعُ على جَبْهةِ كلِّ شَيءٍ خَتْمَ الوَحدانيّةِ، ويَضَعُ على وَجهِ كلِّ شَيءٍ خَتْمَ الأَحَدِيّةِ، فيَجعَلُ كلَّ شَيءٍ يُعلِنُ تَجَلِّيَه بأَلسِنةٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.
ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ اسمِ "الفَرْدِ" إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "الحَكَمِ"، تَرَ أنَّه قد ضَمَّ المَوجُوداتِ كلَّها مِن أَعظَمِ دائِرةٍ فيها إلى أَصغَرِها كُلِّیيًّا كانَ أم جُزئيًّا یی ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ وانتِهاءً بالذَّرّاتِ یی مَنَحَ كلَّ مَوجُودٍ ما يَستَحِقُّ مِن نِظامٍ مُثمِرٍ، وما يُلائِمُه مِنِ انتِظامٍ حَكِيمٍ، وما يُوافِقُه مِنِ انسِجامٍ مُفِيدٍ.. فلَقَد زَيَّن اسمُ "الحَكَمِ" الأَعظَمُ المَوجُوداتِ كُلَّها ورَصَّعَها بتَجَلِّيه السَّاطِعِ.
ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "الحَكَمِ" إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "العَدْلِ" یی كما أَوْضَحْناه في النُّكتةِ الثّانيةِ یی تَرَه يُدِيرُ جَمِيعَ الكائِناتِ بمَوجُوداتِها ضِمنَ فَعّاليّةٍ دائِمةٍ، بمَوازِينِه الدَّقيقةِ ومَقايِيسِه الحَسّاسةِ ومَكايِيلِه العادِلةِ، بحَيثُ يَجعَلُ العُقُولَ في حَيرةٍ وإِعجابٍ، فلو فَقَدَ نَجمٌ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ تَوازُنَه لِثانيةٍ واحِدةٍ، أي: إذا انفَلَت مِن تَجَلِّي اسمِ "العَدْلِ" لَحَلَّ الهَرْجُ والمَرْجُ في النُّجُومِ كلِّها، ولَأَدَّى یی لا مَحالةَ یی إلى حُدُوثِ القِيامةِ.
وهكذا، فكُلُّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ الوُجُودِ وكلُّ مَوجُودٍ مِن مَوجُوداتِها ابتِداءً مِنَ الدَّوائِرِ العَظِيمةِ یی المُسَمّاةِ بدَرْبِ التَّبّانةِ یی إلى حَرَكاتِ أَصغَرِ المَوجُوداتِ في الجِسمِ مِن كُرَيّاتٍ حُمْرٍ وبِيضٍ، كلٌّ مِنها قد فُصِّلَ تَفصِيلًا خاصًّا، وقُدِّر تَقدِيرًا دَقِيقًا، وقِيسَ بمَقايِيسَ حَسّاسةٍ، ومُنِحَ شَكلًا مُعيَّنًا ووَضْعًا مَخصُوصًا بحَيثُ يُظهِرُ یی كلٌّ مِنها یی الطّاعةَ التّامّةَ والِانقِيادَ المُطلَقَ لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِنَ الَّذي يَملِكُ أَمرَ "كُن فيكُونُ"، ابتِداءً مِن جُيُوشِ النُّجُومِ الهائِلةِ المُتَلَألِئةِ في الفَضاءِ، إلى جُيُوشِ الذَّرّاتِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ.
— 515 —
فانظُرِ الآنَ مِن خَلفِ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ "العَدْلِ" ومِن خِلالِه، وشاهِدِ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "القُدُّوسِ" یی الَّذي وَضَّحْناه في النُّكتةِ الأُولَى یی تَرَ: أنَّ هذا التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "القُدُّوسِ" قد جَعَل مَوجُوداتِ الكائِناتِ نَظِيفةً، نَقِيّةً طاهِرةً، بَرّاقةً، صافيةً، زَكِيّةً، مُزَيَّنةً، وجَمِيلةً؛ وحَوَّلَها إلى ما يُشبِهُ مَرايا جَمِيلةً مَجلُوّةً لائِقةً لِإظهارِ الجَمالِ البَدِيعِ المُطلَقِ، وتُناسِبُ عَرْضَ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.
نَحصُلُ مِمّا تَقدَّمَ: أنَّ هذه الأَسماءَ والأَنوارَ السِّتّةَ لِلِاسمِ الأَعظَمِ، قد عَمَّتِ الكَونَ كُلَّه وغَطَّتِ المَوجُوداتِ قاطِبةً، ولَفَّعَتْها بأَستارٍ مُزَرْكَشةٍ مُلَوَّنةٍ بأَزهَى الأَلوانِ المُتَنوِّعةِ وأَبدَعِ النُّقُوشِ المُختَلِفةِ وأَروَعِ الزِّيناتِ المُتَبايِنةِ.
المَسألةُ الثّانيةُ مِن الشُّعاع الخامِس:
إنَّ جَلْوةً مِن تَجَلِّياتِ القَيُّوميّةِ على الكَونِ، وشُعاعًا مِن نُورِها مِثلَما يَعُمُّ الكَونَ بمَظاهِرِ الواحِدِيّةِ والجَلالِ، فإنَّه يُبْرِزُ على هذا الإِنسانِ یی الَّذي يُمَثِّلُ مِحوَرَ الكَونِ وقُطْبَه وثَمَرَتَه الشّاعِرةَ یی مَظاهِرَ الأَحَدِيّةِ والجَمالِ؛ وهذا يَعنِي: أنَّ الكائِناتِ الَّتي هي قائِمةٌ بسِرِّ القَيُّوميّةِ، تَقُومُ هي أَيضًا یی مِن جِهةٍ یی بالإِنسانِ الَّذي يُمَثِّلُ أَكمَلَ مَظهَرٍ مِن مَظاهِرِ تَجَلِّي اسمِ "القَيُّومِ"، أي: إنَّ القَيُّوميّةَ تَتَجلَّى في الإِنسانِ تَجَلِّيًا يَجعَلُ مِنه عَمُودًا سانِدًا لِلكائِناتِ جَمِيعًا، بمَعنَى أنَّ مُعظَمَ الحِكَمِ الظّاهِرةِ في الكائِناتِ وأَغلَبَ مَصالِحِها وغاياتِها تَتَوجَّهُ إلى الإِنسانِ.
نعم، يَصِحُّ أن يُقالَ: إنَّ "الحَيَّ القَيُّومَ" سُبحانَه قد أَرادَ وُجُودَ الإِنسانِ في هذا الكَونِ، فخَلقَ الكَونَ لِأَجلِه، وذلك لِأنَّ الإِنسانَ يُمكِنُه أن يُدرِكَ جَمِيعَ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى ويَتَذوَّقَها بما أَودَعَ اللهُ فيه مِن مَزايا وخَصائِصَ جامِعةٍ؛ فهُو يُدرِكُ یی مَثلًا یی كَثِيرًا مِن مَعانِي تلك الأَسماءِ بما يَتَذوَّقُ مِن لَذائِذِ الأَرزاقِ المُنهَمِرةِ علَيْه، بَينَما لا تَبلُغُ المَلائِكةُ إِدراكَ تلك الأَسماءِ بتلك الأَذْواقِ الرِّزقيّةِ.
فلِأَجلِ جامِعِيّةِ الإِنسانِ المُهِمّةِ يُشعِرُ "الحَيُّ القَيُّومُ" الإِنسانَ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، ويُعرِّفُه بجَمِيعِ أَنواعِ إِحسانِه، ويُذِيقُه طُعُومَ آلائِه، فمَنَحَه مَعِدةً مادِّيّةً يَستَطِيعُ
— 516 —
بها أن يَتَذوَّقَ ما أَغدَق علَيْه مِن نِعمٍ لَذِيذةٍ قد بَسَطَها في سُفرةٍ واسِعةٍ سَعةَ الأَرضِ؛ ثمَّ وَهَب له حَياةً، وجَعَل هذه الحَياةَ كتِلك المَعِدةِ المادِّيّةِ تَستَطِيعُ أن تَتَنعَّمَ بأَنواعٍ مِنَ النِّعَمِ المُعَدّةِ على سُفرةٍ واسِعةٍ مَفرُوشةٍ أَمامَها وتَتَلذَّذُ بها بما زَوَّدَها یی سُبحانَه یی مِن مَشاعِرَ وحَواسَّ لها القُدرةُ أن تَمتَدَّ یی كالأَيدِي یی إلى كلِّ نِعمةٍ مِن تلك النِّعَمِ، فتُؤدِّي عِندَ ذلك حَقَّها مِن أَنواعِ الشُّكرِ والحَمدِ؛ ثمَّ وَهَب له یی فَوقَ مَعِدةِ الحَياةِ هذه یی مَعِدةَ الإِنسانيّةِ، وهذه المَعِدةُ تَطلُبُ رِزقًا ونِعَمًا أَيضًا.. فجَعَل العَقلَ والفِكرَ والخَيالَ بمَثابةِ أَيدِي تلك المَعِدةِ، لها القُدرةُ على بُلُوغِ آفاقٍ أَوسَعَ مِن مَيادِينِ الحَياةِ المَشهُودةِ، وعِندَها تَستَطِيعُ الحَياةُ الإِنسانيّةُ أن تُؤَدِّيَ ما علَيْها مِن شُكرٍ وحَمدٍ تِجاهَ بارِئِها، حَيثُ تَمتَدُّ أَمامَها سُفرةُ النِّعَمِ العامِرةُ الَّتي تَسَعُ السَّماواتِ والأَرضَ.
ثمَّ لِأَجلِ أن يَمُدَّ أَمامَ الإِنسانِ سُفرةَ نِعَمٍ أُخرَى عَظِيمةً، جَعَل عَقائِدَ الإِسلامِ والإِيمانِ بمَثابةِ مَعِدةٍ مَعنَوِيّةٍ تَطلُبُ أَرزاقًا مَعنَوِيّةً كَثِيرةً، فمَدَّ سُفرةً مَلِيئةً بالرِّزقِ المَعنَوِيِّ لِهذه المَعِدةِ الإِيمانيّةِ، وبَسَطَها خارِجَ المُمكِناتِ المُشاهَدةِ، فضَمَّ الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ في تلك السُّفرةِ العَظِيمةِ.. ولِهذا يَستَشعِرُ الإِنسانُ یی بتلك المَعِدةِ المَعنَوِيّةِ یی ويَتَمتَّعُ بأَذواقٍ رَفِيعةٍ لا مُنتَهَى لها، نابِعةٍ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الرَّحمٰنِ" واسمِ "الحَكِيمِ" حتَّى يُرَدِّدُ: "الحَمدُ للهِ على رَحمانيَّتِه وحَكِيميَّتِه"..
وهكذا مَكَّن الخالقُ المُنعِمُ الإِنسانَ بهذه المَعِدةِ المَعنَوِيّةِ العُظمَى لِيَستَفِيدَ ويَغنَمَ نِعَمًا إِلٰهِيّةً لا حَدَّ لها، ولا سِيَّما أَذواقُ المَحَبّةِ الإِلٰهِيّةِ، في تلك المَعِدةِ، لها آفاقٌ لا تُحَدُّ ومَيادِينُ لا تُحصَرُ.
وهكذا جَعَل "الحَيُّ القَيُّومُ" سُبحانَه الإِنسانَ مَركَزًا لِلكَونِ، ومِحوَرًا له، بل سَخَّر الكَونَ له، فمَدَّ أَمامَه سُفرةً عَظِيمةً عِظَمَ الكَونِ لِتَتلَذَّذ أَنواعُ مَعِداتِه المادِّيةُ والمَعنَوِيّةُ.
أمَّا حِكمةُ قِيام الكَونِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ الَّذي نالَه بِالإِنسانِ یی مِن جِهةٍ یی فهِي الوَظائِفُ المُهِمّةُ الثَّلاثُ الَّتي أُنِيطَت بالإِنسانِ:
— 517 —
الأُولَى: تَنظِيمُ جَمِيعِ أَنواعِ النِّعَمِ المَبثُوثةِ في الكائِناتِ بالإِنسانِ، ورَبطُها بأَواصِرِ المَنافِعِ الَّتي تَخُصُّ الإِنسانَ، كما تُنظَمُ خَرَزاتُ المِسبَحةِ بالخَيطِ، فتُربَطُ رُؤُوسُ خُيُوطِ النِّعَمِ بالإِنسانِ ومَصالِحِه ومَنافِعِه، فيكُونُ الإِنسانُ بما يُشبِهُ فِهرِسًا لِأَنواعِ ما في خَزائِنِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ ونَمُوذَجًا لِمُحتَوَياتِها.
الوَظيفةُ الثّانيةُ: كَونُ الإنسانِ مَوضِعَ خِطابِه سُبحانَه بما أَودَعَ فيه مِن خَصائِصَ جامِعةٍ أَهَّلَتْه لِيَكُونَ مَوضِعَ خِطابِه سُبحانَه وتَعالَى، ومُقَدِّرًا لِبَدائِعِ صَنائِعِه ومُعجَبًا بها، ونُهُوضُه بتَقدِيمِ جَمِيعِ أَنواعِ الشُّكرِ والثَّناءِ والحَمدِ الشُّعُورِيِّ على ما بُسِطَ أَمامَه مِن أَنواعِ النِّعَمِ والآلاءِ العَمِيمةِ.
الوَظيفةُ الثّالثةُ: قِيامُ الإِنسانِ بحَياتِه بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِشُؤُونِ "الحَيِّ القَيُّومِ" ولِصفاتِه الجَلِيلةِ المُحِيطةِ، وذلك بثَلاثةِ وُجُوهٍ:
الوَجهُ الأوَّلُ: هو شُعُورُ الإِنسانِ بقُدرةِ خالِقِه سُبحانَه المُطلَقةِ ودَرَجاتِها غَيرِ المَحدُودةِ بما هو علَيْه مِن عَجزٍ مُطلَقٍ، فيُدرِكُ مَراتِبَ تلك القُدرةِ المُطلَقةِ بما يَحمِلُ مِن دَرَجاتِ العَجزِ؛ ويُدرِكُ كَذلِك رَحمةَ خالِقِه الواسِعةِ ودَرَجاتِها بما لَدَيْه مِن فَقرٍ؛ ويَفهَمُ أَيضًا قُوّةَ خالِقِه العَظِيمةِ بما يَكمُنُ فيه مِن ضَعفٍ.. وهكذا.
وبذلك يكُونُ الإِنسانُ مُؤَدِّيًا مُهِمّةَ مِرآةٍ قِياسِيّةٍ صَغِيرةٍ لِإِدراكِ صِفاتِ خالِقِه الكامِلةِ، وذلك بما يَملِكُ مِن صِفاتٍ قاصِرةٍ ناقِصةٍ؛ إذ كما أنَّ الظَّلامَ كُلَّما اشتَدَّ سَطَعَ النُّورُ أَكثَرَ، فيُؤدِّي هذا الظَّلامُ مُهِمّةَ إِراءةِ المَصابِيحِ، فالإِنسانُ أَيضًا يُؤدِّي مُهِمّةَ إِراءةِ كَمالاتِ صِفاتِ بارِئِه سُبحانَه بما لَدَيْه مِن صِفاتٍ ناقِصةٍ مُظلِمةٍ.
الوَجهُ الثّاني: إنَّ ما لَدَى الإِنسانِ مِن إِرادةٍ جُزئيّةٍ وعِلمٍ قَلِيل وقُدرةٍ ضَئِيلةٍ وتَمَلُّكٍ في ظاهِرِ الحالِ، وقابِليّةٍ على إِعمارِ بَيتِه بنَفسِه، يَجعَلُه يُدرِكُ بهذه الصِّفاتِ الجُزئيّةِ خالِقَ الكَونِ العَظِيمِ، ويَفهَمُ مَدَى مالِكِيَّتِه الواسِعةِ وعَظِيمِ إِتقانِه وسَعةِ إِرادتِه وهَيمَنِة قُدرَتِه وإِحاطةِ عِلمِه.. فيُدرِكُ أنَّ كُلًّا مِن تلك الصِّفاتِ إنَّما هي صِفاتٌ مُطلَقةٌ
— 518 —
وعَظِيمةٌ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.. وبهذا يكُونُ الإِنسانُ مُؤَدِّيًا مُهِمّةَ مِرآةٍ لِإظهارِ تلك الصِّفاتِ وإِدراكِها.
أمَّا الوَجهُ الثَّالثُ: مِن قِيامِ الإِنسانِ بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِكَمالاتِ الصِّفاتِ الإِلٰهِيّةِ فله وَجهانِ:
إِظهارُه بَدائِعَ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى المُتَنوِّعةِ وتَجَلِّياتِها المُختَلِفةَ في ذاتِه، لِأنَّ الإِنسانَ بمَثابةِ فِهرِسٍ مُصَغَّرٍ لِلكَونِ كلِّه یی بما يَملِكُ مِن صِفاتٍ جامِعةٍ یی وكأنَّه مِثالُه المُصَغَّرُ، لِذا فتَجَلِّياتُ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ في الكَونِ عامّةً نَراها تَتَجلَّى في الإِنسانِ بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ.
الوَجهُ الثّاني: أَداؤُه مُهِمّةَ المِرآةِ العاكِسةِ لِلشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ، أي: أنَّ الإِنسانَ كما يُشِيرُ بحَياتِه إلى حَياةِ "الحَيِّ القَيُّومِ"، فإنَّه بواسِطةِ ما يَنكَشِفُ في حَياتِه الذّاتيّةِ مِن حَواسَّ كالسَّمعِ والبَصَرِ وأَمثالِها يَفهَمُ یی ويُبيِّنُ لِلآخَرِينَ یی صِفاتِ السَّمعِ والبَصَرِ وغَيرَها مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ المُطلَقةِ "لِلحَيِّ القَيُّومِ".
ثمَّ إنَّ الإِنسانَ يَملِكُ مَشاعِرَ دَقِيقةً جِدًّا وكَثِيرةً جِدًّا غَيرَ مُنكَشِفةٍ، وإِنَّما تَفُورُ في صُورةِ حَواسَّ ومَشاعِرَ، فتَظهَرُ تلك المَشاعِرُ بأَشكالٍ مُتَنوِّعةٍ وانفِعالاتٍ مُختَلِفةٍ، فإنَّه بواسِطةِ هذه المَشاعِرِ الدَّقِيقةِ والمَعانِي العَمِيقةِ يُؤَدِّي مُهِمّةَ عَرضِ الشُّؤُونِ الذّاتيّةِ "لِلحَيِّ القَيُّومِ"؛ فمَثلًا: الحَبُّ والِافتِخارُ والرِّضا والِانشِراحُ والسُّرُورُ وما شابَهَها مِنَ المَعانِي الَّتي تَتَفجَّرُ لَدَى الإِنسانِ في ظُرُوفٍ خاصّةٍ، يُؤَدِّي الإِنسانُ بها مُهِمّةَ الإِشارةِ إلى هذه الأَنواعِ مِنَ الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ بما يُناسِبُ قُدسِيّةَ الذّاتِ الإِلٰهِيّةِ وغِناه المُطلَقَ، وبما يَلِيقُ به سُبحانَه وتَعالَى.
وكما أنَّ الإِنسانَ وَحْدةُ قِياسٍ یی بما يَملِكُ مِن جامِعِيّةِ حَياتِه یی لِمَعرِفةِ صِفاتِ اللهِ الجَلِيلةِ، وشُؤُونِه الحَكِيمةِ، وفِهرِسٌ لِتَجَلِّي أَسمائِه الحُسنَى، ومِرآةٌ ذاتُ شُعُورٍ بجِهاتٍ عِدّةٍ لِذاتِ "الحَيِّ القَيُّومِ".. كَذلِك الإِنسانُ هو وَحْدةُ قِياسٍ أَيضًا لِمَعرِفةِ حَقائِقِ الكَونِ هذا، وفِهرِسٌ له ومِقياسٌ ومِيزانٌ؛ فمَثلًا: إنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ على
— 519 —
وُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظِ في الكَونِ يَتَمثَّلُ في نَمُوذَجِه المُصَغَّرِ وهو القُوّةُ الحافِظةُ لَدَى الإِنسانِ.. والدَّلِيلُ القاطِعُ على وُجُودِ عالَمِ المِثالِ نَلمَسُه في نَمُوذَجِه المُصَغَّرِ، وهُو قُوّةُ الخَيالِ لَدَى الإِنسانِ، (حاشية): نعم، إنَّ عَناصِرَ الإنسانِ مِثلَما تُشِيرُ إلى عَناصِر الكَونِ وعِظامِه تُنبِئُ عن أَحجارِه وصُخُورِه، وأَشعارُه تُوحِي إلى نَباتاتِه وأَشجاِره، والدَّمُ الجاري في جِسمِه والسَّوائلُ المُختلِفةُ المُتَرشِّحةُ مِن عُيُونِه وأَنفِه وفَمِه تُخبِرُ عن عُيُونِ الأرضِ ويَنابِيعِها ومِياهِها المَعدِنيّة، كذلك تُخبِرُ رُوحُ الإنسانِ عن عالَمِ الأَرواحِ وحافِظتُه عن اللَّوحِ المَحفُوظِ وقُوّةُ خَيالِه عن عالَمِ المِثالِ.. وهكذا يُخبِرُ كلُّ جِهازٍ عن عالَمٍ ويَشهَدُ على وُجُودِه شَهادةً قاطِعةً. والدَّلِيلُ القاطِعُ على وُجُودِ الرُّوحانيّاتِ في الكَونِ نُدرِكُه ضِمنَ نَمُوذَجِها المُصَغَّرِ، وهُو لَطائِفُ الإِنسانِ وقُواه.. وهكَذا يكُونُ الإِنسانُ مِقياسًا مُصَغَّرًا يُظهِرُ عِيانًا الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ في الكَونِ بدَرَجةِ الشُّهُودِ.
وهُناك مُهِمّاتٌ ووَظائِفُ وخِدْماتٌ كَثِيرةٌ أُخرَى لِلإِنسانِ فَضْلًا عَمّا ذَكَرناه، إذ هو: مِرآةٌ لِتَجَلِّي الجَمالِ الباقِي، وداعٍ إلى الكَمالِ السَّرمَدِيِّ ودالٌّ علَيْه، ومُحتاجٌ شاكِرٌ لِأَنعُمِ الرَّحمةِ الواسِعةِ الأَبدِيّةِ.
فما دامَ الجَمالُ باقِيًا والكَمالُ سَرمَدِيًّا والرَّحمةُ أَبدِيّةً، فلا بُدَّ أنَّ الإِنسانَ الَّذي هو المِرآةُ المُشتاقةُ لِذلِك الجَمالِ الباقِي والدّاعِي العاشِقُ لِذلِك الكَمالِ السَّرمَدِيِّ والمُحتاجُ الشّاكِرُ لِتِلك الرَّحمةِ الأَبدِيّةِ سيُبعَثُ إلى دارِ بَقاءٍ أَبدِيّةٍ لِيَخلُدَ فيها دائِمًا، ولا بُدَّ أنَّه سيَذهَبُ إلى الأَبدِ لِيُرافِقَ الباقِينَ الخالِدِينَ هناك، ويُرافِقَ ذلك الجَمالَ الباقِيَ وذلك الكَمالَ السَّرمَدِيَّ وتلك الرَّحمةَ الأَبدِيّةَ في أَبَدِ الآبادِ؛ بل يَلزَمُ ذلك قَطْعًا لِأنَّ: الجَمالَ الأَبدِيَّ لا يَرضَى بمُشتاقٍ فانٍ ومُحِبٍّ زائِلٍ، إذِ الجَمالُ يَطلُبُ مَحَبّةً تِجاهَه مِثلَما يُحِبُّ نَفسَه، بَينَما الزَّوالُ والفَناءُ يَحُولانِ دُونَ تلك المَحَبّةِ ويُبدِلانِها إلى عَداءٍ.
فلو لم يَرحَلِ الإِنسانُ إلى الأَبدِ، ولم يَبقَ هُناك خالِدًا مُخَلَّدًا، فسيَجِدُ في فِطْرَتِه عَداءً شَدِيدًا لِما يَحمِلُ مِن سِرٍّ مَغرُوزٍ فيه وهُو المَحَبّةُ العَمِيقةُ نحوَ الجَمالِ السَّرمَدِيِّ؛ مِثلَما بَيَّنّا ذلك في حاشِيةٍ في "الكَلِمةِ العاشِرةِ" (رِسالةِ الحَشرِ): أنَّ حَسناءَ بارِعةَ الجَمالِ عِندَما طَرَدَت یی ذاتَ يَومٍ یی أَحَدَ عُشّاقِها مِن مَجلِسِها، انقَلَب عِشقُ الجَمالِ
— 520 —
لَدَى العاشِقِ المَطرُودِ قُبحًا وكُرهًا حتَّى بَدَأ يُسَلِّي نَفسَه بقَولِه: تَبًّا لها ما أَقبَحَها! فأَنكَرَ الجَمالَ وسَخِطَ علَيْه.
نعم، فكما أنَّ الإِنسانَ يُعادِي ما يَجهَلُه، فإنَّه يَتَحرَّى النَّقصَ والقُصُورَ فيما تَقصُرُ يَدُه عنه، ويَعجِزُ عنِ الِاحتِفاظِ به ومَسْكِه.. بل تَراه يَتَحرَّى فيه عنِ القُصُورِ بشَيءٍ مِن عَداءٍ وحِقدٍ يُضمِرُه، بل يَتَّخِذُ ما يُشبِهُ العَداءَ له.
فما دامَ الكَونُ يَشهَدُ بأنَّ المَحبُوبَ الحَقِيقيَّ والجَمِيلَ المُطلَقَ سُبحانَه يُحَبِّبُ نَفسَه إلى الإِنسانِ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، ويَطلُبُ مِنه مُقابِلَ ذلك حُبًّا عَظِيمًا له؛ فلا بُدَّ أنَّه سُبحانَه لا يَدَعُ هذا الإِنسانَ الَّذي هو مَحبُوبُه وحَبِيبُه يَسخَطُ علَيْه، فلا يُودِعُ في فِطرَتِه ما يُثيرُ عَداءً نَحوَه یی أي: بعَدَمِ إِحداثِ الآخِرةِ یی ولا يَغرِزُ في فِطرةِ هذا المَخلُوقِ یی المُكَرَّمِ المُمتازِ المَحبُوبِ لَدَى الرَّبِّ الرَّحِيمِ والمَخلُوقِ أَصلًا لِلقِيامِ بعِبادَتِه یی ما هو مُنافٍ كُلِّیيًّا لِفِطرَتِه مِن عَداءٍ خَفِيٍّ، ولا يُمكِنُ أن يُحَمِّلَ رُوحَه سَخَطًا علَيْه سُبحانَه قَطُّ، لِأنَّ الإِنسانَ لا يُمكِنُه أن يُداوِيَ جُرحَه الغائِرَ النّاشِئَ مِن فِراقِه الأَبدِيِّ عن جَمالٍ مُطلَقٍ يُحِبُّه ويُقدِّرُه إلّا بالعَداءِ نَحوَه، أوِ السَّخَطِ علَيْه، أو إِنكارِه.. وكَونُ الكُفّارِ أَعداءَ اللهِ نابِعٌ مِن هذه الزّاوِيةِ.. لِأَجلِ هذا فسيَجعَلُ ذلك الجَمالُ الأَزليُّ حَتْمًا هذا الإِنسانَ الَّذي هو مِرآةٌ مُشتاقةٌ إلَيْه مَبعُوثًا إلى طَرِيقِ أَبَدِ الآبادِ، لِيُرافِقَ ذلك الجَمالَ المُطلَقَ والبَقاءَ والخُلُودَ، ولا رَيبَ أنْ سيَجعَلُه يَنالُ حَياةً باقِيةً في دارٍ باقِيةٍ خالِدةٍ.
وما دامَ الإِنسانُ مُشتاقًا فِطرةً لِجَمالٍ باقٍ وقد خُلقَ مُحِبًّا لِذلِك الجَمالِ.. وأنَّ الجَمالَ الباقِيَ لا يَرضَى بمُشتاقٍ زائِلٍ.. وأنَّ الإِنسانَ يُسَكِّنُ آلامَه وأَحزانَه النّاجِمةَ عَمّا لا تَصِلُ إلَيْه يَدُه أو يَعجِزُ عنِ الِاحتِفاظِ به أو يَجهَلُه بتَحَرِّي القُصُورِ فيه، بل يُسَكِّنُها بعَداءٍ خَفِيٍّ نَحوَه، مُسَلِّيًا نَفسَه بهذا العَداءِ.. وما دامَ الكَونُ قد خُلِقَ لِأَجلِ هذا الإِنسانِ، والإِنسانُ مَخلُوقًا لِلمَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ ولِمَحَبَّتِه سُبحانَه وتَعالَى.. وما دام خالِقُ الكَونِ سَرمَدِيًّا بأَسمائِه الحُسنَى وتَجَلِّياتُه باقِيةً دائِمةً.. فلا بُدَّ أنَّ هذا الإِنسانَ سيُبعَثُ إلى دارِ البَقاءِ والخُلُودِ، ولا بُدَّ أن يَنالَ حَياةً باقِيةً دائِمةً.
— 521 —
هذا، وإنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) وهُو الإِنسانُ الأَكمَلُ والدَّليلُ الأَعظَمُ على اللهِ قد أَظهَر جَمِيعَ ما بَيَّنّاه مِن كَمالاتِ الإِنسانِ وقِيمَتِه ومُهِمَّتِه ومُثُلِه، فأَظهَر تلك الكَمالاتِ في نَفسِه، وفي دِينِه، بأَوضَحِ صُورةٍ وأَكمَلِها، مِمّا يَدُلُّنا على: أنَّ الكائِناتِ مِثلَما خُلِقَت لِأَجلِ الإِنسانِ، أي: أنَّه المَقصُودُ الأَعظَمُ مِن خَلقِها والمُنتَخَبُ مِنها، فإنَّ أَجَلَّ مَقصُودٍ مِن خَلقِ الإِنسانِ أَيضًا وأَفضَلَ مُصطَفًى مِنه، بل أَروَعَ وأَسطَعَ مِرآةٍ لِلأَحَدِ الصَّمَدِ إنَّما هو مُحمَّدٌ علَيْه وعلى آلِه وأَصحابِه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعَدَدِ حَسَناتِ أُمَّتِه...
فيا اَللهُ يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ، يا فَردُ يا حَيُّ ياقَيُّومُ، يا حَكَمُ يا عَدْلُ يا قُدُّوسُ.
نَسأَلُك بحَقِّ فُرقانِك الحَكِيمِ، وبحُرمةِ حَبِيبِك الأَكرَمِ (ص) وبحَقِّ أَسمائِك الحُسنَى، وبحُرمةِ اسمِك الأَعظَمِ احفَظَنا مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن شَرِّ الجِنِّ والإِنسانِ. آمِينَ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 522 —

اللمعة الحادية والثلاثون

انقَسَمَت إلى شُعاعاتٍ، وقد أُلِّفَ مِنها ثَلاثةَ عَشَرَ شُعاعًا، ولمّا يُؤلِّفِ الباقي بَعدُ؛ وسوف تُنشَرُ في مُجلَّدٍ مُستَقِلٍّ بِاسمِ "الشُّعاعاتِ". (حاشية): بِناءً على رَغبةِ الأُستاذِ فيما بَعدُ، أُطلِقَ على "الشُّعاعِ الرّابِعَ عَشَرَ" عُنوانُ: "دِفاعاتُ مَحكَمةِ أَفيُونَ ومُراسَلاتُها"، وسُمِّيَ "الشُّعاعُ الخامِسَ عَشَرَ" بی"الحُجّةِ الزَّهراءِ"، ونُشِرَ بهذا الشَّكلِ. القَائِمون عَلى خِدمةِ بديعِ الزَّمان
٭ ٭ ٭

اللمعة الثانية والثلاثون

وهي "اللَّوامِعُ" الَّتي هي آخِرُ ما أَلَّفَه "سَعِيدٌ القَدِيمُ" في غُضُونِ عِشرِينَ يَومًا مِن شَهرِ رَمَضانَ، وجاءَت مَنظُومةً نَظْمًا عَفْوِيًّا.. نُشِرَت مُلحَقةً بمَجمُوعةِ "الكَلِماتِ".
٭ ٭ ٭

اللمعة الثالثة والثلاثون

هي الحَقائِقُ الَّتي ظَهَرَت على قَلبِ "سَعِيدٍ الجَدِيدِ" بدَرَجةِ الشُّهُودِ، وسَطَّرَها باللُّغةِ العَرَبِيّةِ في رَسائِلَ مَوسُومةٍ بی"قَطْرةٌ مِن بَحرِ التَّوحِيدِ"، "حَبّةٌ مِن جِنانِ القُرآنِ"، "شَمّةٌ مِن نَسِيمِ هِدايةِ القُرآنِ" "ذَرّةٌ مِن شُعاعاتِ هِدايةِ القُرآنِ"، "حَبابٌ مِن عُمانِ القُرآنِ"، "زَهرةٌ مِن رِياضِ القُرآنِ"، "شُعلةٌ مِن أَنوارِ القُرآنِ" معَ ذُيُولِ هذه الرَّسائِلِ؛ وقد نُشِرَت كُلُّها تَحتَ عُنوانِ: "المَثنَوِيُّ العَرَبيُّ النُّورِيُّ".
٭ ٭ ٭
— 523 —

المناجاة

يا إِلٰهِي ويا رَبِّي..
إِنِّي أَرَى بِبَصِيرةِ الإِيمانِ، وبِتَعلِيمِ القُرآنِ ونُورِه، وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، وبِما يُرِيه اسمُ اللهِ «الحَكِيمُ» أنَّه:
لَيسَ في السَّماواتِ مِن دَوَرانٍ وحَرَكةٍ إِلّا ويُشِيرُ إلى وُجُودِك ويَدُلُّ علَيْه، بِانتِظامِه البَدِيعِ هذا.. وما مِن جِرْمٍ مِنَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على رُبُوبِيَّتِكَ ويُشِيرُ إِشارةً إلى وَحْدَتِكَ، بِسُكُونِها في أَداءِ وَظِيفَتِها بِلا ضَوْضاءٍ، وبِبَقائِها بِلا عَمَدٍ.. وما مِن نَجْمٍ إِلّا ويَشهَدُ على عَظَمةِ أُلُوهِيَّتِكَ، ويُشِيرُ إلى وَحْدانِيَّتِكَ، بخِلقَتِه المَوزُونةِ وبِوَضْعِه المُنتَظِمِ وبِتَبَسُّمِه النُّورانِيِّ، وبِمُمَاثَلَتِه ومُشابَهَتِه لِلنُّجُومِ كافّةً.. وما مِن كَوكَبٍ سَيَّارٍ مِنَ الكَواكِبِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِلّا ويَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك، ويُشِيرُ إِلى سَلْطَنةِ أُلُوهِيَّتِك، بِحَرَكَتِه الحَكِيمةِ وتَذَلُّلِه المُطِيعِ ووَظِيفَتِه المُنتَظِمةِ وتَوابِعِه المُهِمّةِ.
نعم، مِثْلَما تَشهَدُ السَّماواتُ مع ساكِنِيها، وكُلُّ سَماءٍ بِحَدِّ ذاتِها، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًا تَشهَدُ بالبَداهةِ شَهادةً ظاهِرةً جَلِيَّةً على وُجُوبِ وُجُودِك يا خالِقَ السَّماواتِ والأَرضِ، وتَشهَدُ شَهادةً قَوِيّةً صادِقةً على وَحْدَتِك وفَردِيَّتِك، يا مَن تُدِيرُ الذَّرّاتِ بمُرَكَّباتِها المُنَظَّمةِ وتُدَبِّرُها، ويا مَن تُجرِي الكَواكِبَ السَّيّارةَ معَ تَوابِعِها المُنَظَّمةِ وتُسَخِّرُها لِطاعَتِك.. شَهادةً ظاهِرةً قَوِيّةً تُصَدِّقُها بَراهِينُ نُورانِيَّةٌ، ودَلائِلُ باهِرةٌ، عَدَدَ النُّجُومِ الَّتي في وَجهِ السَّماءِ.
فهَذِه السَّماواتُ الصَّافِيةُ الطّاهِرةُ الجَمِيلةُ تَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعَظَمةِ قُدرَتِك المُبدِعةِ؛ وتُشِيرُ إِشارةً قَوِيّةً إلى سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُحِيطةِ بالسَّماواتِ
— 524 —
الشّاسِعةِ، وإلى رَحْمَتِك الواسِعةِ المُحتَضِنةِ لِكُلِّ ذِي حَياةٍ؛ وتَشهَدُ بلا رَيبٍ على شُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ فِعلٍ وعلى إِحاطةِ عِلْمِك بكُلِّ شَيءٍ، المُنَظِّمانِ في قَبضَتِهِما جَمِيعَ شُؤُونِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ السَّماوِيّةِ وكَيفِيّاتِها، بِأَجْرامِها الَّتي هي في غايةِ الضَّخامةِ وفي غايةِ السُّرعةِ، وبِإِظهارِها أَوْضاعَ جَيشٍ مُنَظَّمٍ ومِهرَجانٍ مَهِيبٍ مُزَيَّنٍ بِمَصابِيحَ وَضَّاءةٍ.. فتِلكُما الشَّهادةُ والدَّلالةُ ظاهِرَتانِ جَلِيَّتانِ كأَنَّ النُّجُومَ كَلِماتُ شَهادةٍ لِلسَّماواتِ الشّاهِدةِ ودَلائِلُها المُتَجَسِّمةُ النُّورانِيّةُ.. أمّا النُّجُومُ السّابِحةُ في بَحرِ السَّماواتِ وفي فَضائِها، فإِنَّها تُظهِرُ شَعْشَعةَ سُلطانِ أُلُوهِيَّتِك، بِأَوْضاعِها المُماثِلةِ لِجُنُودٍ مُنْصاعِينَ وسُفُنٍ مُنتَظِمةٍ وطائِراتٍ خارِقةٍ ومَصابِيحَ عَجِيبةٍ، ورَفِيقاتُ شَمْسِنا الَّتي هِي نَجْمةٌ مِن ذلك الجَيشِ تَرنُو إلى عَوالِمِ الآخِرةِ، ولَيسَت مُعَطَّلةً، بِدَلالةِ وَظائِفِ الشَّمسِ في سَيّاراتِها وفي أَرضِنا، ولَرُبَّما هِي شُمُوسُ عَوالِمَ باقِيةٍ.
يا واجِبَ الوُجُودِ، يا واحِدُ، يا أَحَدُ..
إِنَّ هذه النُّجُومَ الخارِقةَ وهذه الشُّمُوسَ الضَّخْمةَ والأَقمارَ العَجِيبةَ قد سُخِّرَت ونُظِّمَت ووُظِّفَت في مُلكِكَ أَنتَ، وفي سَماواتِكَ أَنتَ، بِأَمرِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وبِقُدرَتِكَ أَنتَ، وبِإِدارَتِكَ وتَدبِيرِكَ أَنتَ.. فجَمِيعُ تلك الأَجرامِ العُلوِيّةِ تُسَبِّحُ وتُكَبِّرُ لِلخالِقِ الواحِدِ الَّذِي خَلَقَها ويُجرِيها ويُدِيرُها، وتَقُولُ بِلِسانِ الحالِ: سُبْحَانَ اللهِ.. اللهُ أَكبَرُ. وأَنا مَعَها أُقَدِّسُك بِجَمِيعِ تَسبِيحاتِها.
يا من اختفى بشدَّة الظُهور! يا من احتجبَ بعَظمة الكِبرياء! يا قديرُ يا ذا الجلال!
٭
يا قادرُ يا ذا القُدرةِ المُطلَقةِ!
لَقَد أَدرَكتُ بِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما تَشْهَدُ السَّماواتُ والنُّجُومُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، يَشهَدُ جَوُّ السَّماءِ كَذلِك على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدَتِك بِسَحابِه وبُرُوقِه ورُعُودِه ورِياحِه وأَمطارِه.
— 525 —
نعم، إِنَّ إِرسالَ السَّحابِ الجامِدِ بِلا شُعُورٍ المَطَرَ الباعِثَ لِلحَياةِ، إِغاثةً لِلمُضطَرِّينَ مِنَ الأَحياءِ، لَيسَ إلّا بِرَحمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، فلا دَخْلَ فيه لِلمُصادَفةِ العَشْواءِ قَطُّ.
وكَذا البَرقُ الَّذي هو طاقةٌ كَهرَبائِيّةٌ عُظمَى، يُشَوِّقُ بِسَناه إلى فَوائِدِه النُّورانِيّةِ، ويُنَوِّرُ قُدرَتَك الفاعِلةَ في الفَضَاءِ على أَفضَلِ وَجْهٍ.
وكَذا الرَّعدُ المُبَشِّرُ بِقُدُومِ المَطَرِ، والَّذِي يُنطِقُ الفَضَاءَ الواسِعَ بِتَسبِيحاتِه، فيُدَوِّي في أَرجاءِ السَّماواتِ، يُسَبِّحُك ويُقَدِّسُك ويَشهَدُ بِلِسانِ المَقالِ على رُبُوبِيَّتِك.
وكَذا الرِّياحُ المُسَخَّرةُ بِوَظائِفَ عِدّةٍ كحَمْلِ أَكثَرِ الأَرزاقِ ضَرُورةً لِمَعِيشةِ الأَحياءِ وأَسهَلِها تَناوُلًا وفائِدةً، ومَنحِ الأَنفاسِ وتَروِيحِ الأَنفُسِ، وغَيرُها كَثِيرٌ یی تُشِيرُ إلى فَعّاليّةِ قُدرَتِك أَنتَ، وتَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِك، بِتَبدِيلِها الجَوَّ یی لِحِكمةٍ یی كأَنَّه "لَوحُ المَحْوِ والإِثباتِ"، فتَكتُبُ ما يُفِيدُ وتَمحُو ما أَفادَ.. كما أنَّ "الرَّحمةَ" المُسَتَدَرَّةَ بِرَحمَتِك مِنَ السَّحابِ والمُرسَلةَ إِلى الأَحياءِ تَشهَدُ هي أَيضًا على سَعَةِ رَحمَتِك، ووُسْعةِ رَأْفَتِك، بِكَلِماتِ قَطَراتِها العَذْبةِ اللَّطِيفةِ المَوزُونةِ المُنتَظِمةِ.
يا مُصَرِّفُ يا فَعَّالُ.. يا فَيَّاضُ يا مُتعَالُ..
مِثلَما شَهِد السَّحَابُ والبَرقُ والرَّعدُ والرِّياحُ والمَطَرُ یی كُلٌّ على حِدَةٍ یی على وُجُوبِ وُجُودِك، فإِنَّ جَمِيعَها مَعًا تُشِيرُ إِشارةً قَوِيَّةً جِدًّا إلى وَحْدَتِك، وإِلى فَرْدِيَّتِكَ؛ بِخَاصِّيّةِ الِاتِّفاقِ والمَعِيَّةِ والتَّداخُلِ وشَدِّ بَعضِها أَزْرَ البَعضِ، رَغْمَ البُعدِ في النَّوعِيَّةِ والِاختِلافِ في الماهِيَّةِ.
ومِثلَما تَشهَدُ تلك العَناصِرُ الجَوِّيّةُ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجاعِلةِ مِنَ الفَضاءِ الفَسِيحِ مَحْشَرًا لِلعَجائِبِ، بِمَلْئِه وإِفراغِه مَرَّاتٍ عِدَّةً ورُبَّما في اليَومِ الواحِدِ، فإِنَّها تَشهَدُ على عَظَمةِ قُدرَتِك المُصَرِّفةِ وشُمُولِها كُلَّ شَيءٍ، والَّتي تَكتُبُ ذلك الجَوَّ الواسِعُ وتُبَدِّلُه كأنَّهُ "لَوْحةُ كِتابةٍ"، وتَعصِرُ المُعصَراتِ لِتَسْقِيَ رَوْضةَ الأَرضِ ماءً غَدَقًا..
— 526 —
فَضْلًا عن دَلالَتِها على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحْمَتِك ولِحاكِمِيَّتِكَ ونُفُوذِهِما في كُلِّ شَيءٍ، وتَدوِيرِهِما كُرةَ الأَرضِ كافّةً والمَخلُوقاتِ كافّةً تَحتَ غِطاءِ الجَوِّ.
وكَذا الهَواءُ المُنبَثُّ في الفَضاءِ يُستَخدَمُ في وَظائِفَ عِدّةٍ استِخْدامًا حَكِيمًا، والغُيُومُ والأَمطارُ تُستَعمَلانِ في فَوائِدَ جَمّةٍ استِعمالًا عَلِيمًا.. بِحَيثُ لَوْلا عِلمٌ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ وحِكْمةٌ شامِلةٌ كُلَّ شَيءٍ، لَمَا أَمكَنَ أن يَكُونَ ذلك الِاستِعمالُ ولا ذلك الِاستِخدامُ.
يا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ..
إِنَّ إِظهارَ نَمُوذَجِ الحَشرِ والقِيامةِ كُلَّ وَقتٍ بِفَعّالِيَّتِكَ في جَوِّ الفَضاءِ، وتَبدِيلَ الصَّيفِ إِلى شِتاءٍ والشِّتاءِ إلى صَيفٍ خِلالَ سَاعةٍ، وإِتيانَ عالَمٍ وإِرسالَ آخَرَ إِلى الغَيبِ وأَمثالَها مِن شُؤُونِ قُدْرَتِك المُتَجَلِّيةِ.. تُشِيرُ إِلى تَبدِيلِها الدُّنيا إلى آخِرةٍ، وستُظهِرُ شُؤُونًا سَرمَدِيَّةً في الآخِرةِ.
يا قَدِيرُ يا ذا الجَلالِ..
إِنَّ الهَواءَ والرِّياحَ والسَّحابَ والمَطَرَ والبَرْقَ والرَّعدَ في جَوِّ السَّماءِ لَمُسَخَّرةٌ كُلُّها ومُوَظَّفةٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِأَمْرِك وحَوْلَك أَنتَ، وبِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِك أَنتَ.. فمَخلُوقاتُ هذا الفَضاءِ رَغمَ البُعدِ في ماهِيَّاتِها تُسَبِّحُ بِحَمْدِ آمِرِها وتُثْنِي على حاكِمِها الَّذِي يُخضِعُها لِأَوامِرَ آنِيَّةٍ في مُنتَهَى السُّرعةِ، ولِتَوجِيهاتٍ عاجِلةٍ سَرِيعةٍ.
٭
يا خالِقَ الأَرضِ والسَّماواتِ.. يا ذا الجَلالِ..
لَقَد آمَنتُ وعَلِمتُ بِتَعلِيمِ قُرآنِك الحَكِيمِ وبِدَرسِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ بِنُجُومِها، وجَوُّ الفَضاءِ بِما فيه، تَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك.. كَذلِك الأَرضُ بِجَمِيعِ مَخلُوقاتِها، وبِأَحوالِها، تَشهَدُ شَهاداتٍ وتُشِيرُ إِشاراتٍ، عَدَدَ مَوجُوداتِها، على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
— 527 —
نعم، فما مِن تَحَوُّلٍ في الأَرضِ، ولا مِن تَبَدُّلٍ فيها یی كتَبدِيلِ الأَشجارِ والحَيَواناتِ مَلابِسَها سَنَوِيًّا یی كُلِّیيًّا كانَ أم جُزئِيًّا، إِلّا ويُشِيرُ بِانتِظامِه وتَناسُقِه، إِلى وُجُودِك ووَحْدَتِكَ.
وما مِن حَيَوانٍ إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً على وُجُودِكَ ووَحْدَتِك، بِالرِّزقِ الَّذِي يُساقُ إِلَيْه بِرَحْمةٍ، وبِأَجهِزَتِه الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِه والمُودَعةِ فيه بِحِكْمةٍ، كُلٌّ حَسَبَ ضَعْفِه واحتِياجِهِ.
وما مِن نَباتٍ أو حَيَوانٍ يَتِمُّ إِيجادُه أَمامَ ناظِرَيْنا في كُلِّ رَبِيعٍ، إِلّا ويُعَرِّفُك، بِصَنْعَتِه العَجِيبةِ وبِزِينَتِه اللَّطِيفةِ وبتَمَيُّزِه التّامِّ وبِانتِظامِه وبِمَوزُونيَّتِه.. فخَلقُ ما يَمْلَأُ وَجْهَ الأَرضِ مِن مُعجِزاتِ قُدرَتِك المُسَمّاةِ بِالنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، مِن بُيُوضٍ وبُوَيْضاتٍ وقَطَراتٍ ونُطَفٍ وحُبُوبٍ وحُبَيْباتٍ، رَغمَ أنَّ مادَّتَها مَحدُودةٌ وواحِدةٌ ومُتَشابِهةٌ، خَلْقًا كامِلًا سَوِيًّا ومُزَيَّنًا بِزِينةٍ، ومُتَمَيِّزًا بعَلَاماتٍ فارِقةٍ.. شَهادةٌ أَقوَى مِن شَهادةِ الضِّياءِ على الشَّمسِ وأَسطَعُ مِنها على وُجُودِ صانِعِها الحَكِيمِ، وعلى وَحْدَتِه وحِكْمَتِه وقُدْرَتِه المُطلَقةِ.
وما مِن عُنصُرٍ كالهَواءِ والماءِ والنُّورِ والنّارِ والتُّرابِ إِلّا ويَمْلِكُ شَهادةً على وَحْدَتِكَ وعلى وُجُودِك، بِأَدائِها لِوَظائِفَ مُكَمَّلةٍ بِشُعُورٍ بالِغٍ، رَغمَ خُلُوِّها مِنَ الشُّعُورِ، وبِجَلْبِها لِأَثْمارٍ ومَحاصِيلَ مُتَنوِّعةٍ في غايةِ الِانتِظامِ مِن خَزِينةِ الغَيبِ، رَغمَ بَساطَتِها وتَجاوُزِ بَعضِها لِلبَعضِ الآخَرِ وعَدَمِ انتِظامِها وتَشَتُّتِها في كُلِّ مَكانٍ.
يا فاطِرُ يا قَدِيرُ يا فَتَّاحُ يا عَلَّامُ يا فَعَّالُ يا خَلَّاقُ..
كما أَنَّ الأَرضَ تَشهَدُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها على كَونِ خالِقِها واجِبًا لِلوُجُودِ، فهِي تَشهَدُ كَذلِك على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك یی يا واحِدُ يا أَحَدُ يا حَنّانُ يا مَنّانُ يا وَهّابُ يا رَزّاقُ یی بِسِكَّتِها الَّتي على وَجْهِها، وبِالسِّكَكِ الَّتي على وُجُوهِ ساكِنِيها، وبِجِهةِ الوَحْدةِ والِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والتَّعاوُنِ فيما بَينَها، ووَحْدةِ أَسماءِ الرُّبُوبيّةِ وأَفعالِها النّاظِرةِ إِلَيْها جَمِيعًا.. فتَشهَدُ شَهاداتٍ یی بِدَرَجةِ البَداهةِ بل بعَدَدِ المَوجُوداتِ یی على وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك.
— 528 —
وكَذا فكَما تَدُلُّ الأَرضُ بِوَضْعِها المُشابِهِ لِمُعَسكَرٍ ومَعرِضٍ ومَيدانِ تَدرِيبٍ، وبِمَنحِ أَجهِزةٍ مُختَلِفةٍ مُتَنوِّعةٍ بِانتِظامٍ إلى أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ الَّتي تَضُمُّها فِرقةُ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى نَفاذِ قُدْرَتِك في كُلِّ شَيءٍ.. كَذلِك الأَرزاقُ المُتَنوِّعةُ لِأَحياءٍ غَيرِ مَحْدُودةٍ، والنَّاشِئةُ مِن تُرابٍ يابِسٍ بَسِيطٍ، وإِرسالُها بِكُلِّ كَرَمٍ ورَحْمةٍ إلى كُلِّ حَيٍّ فَرْدًا فَرْدًا في أَوانِها، وانقِيادُ تلك الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ وإِطاعَتُها إِطاعةً تامّةً لِلأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ ودَينُونَتُها التّامّةُ لَها، تُظهِرُ شُمُولَ رَحْمَتِك كُلَّ شَيءٍ وإِحاطةَ حَاكِمِيَّتِك بِكُلِّ شَيءٍ.
وكذا فإِنَّ إِدارةَ قَوافِلِ المَخلُوقاتِ المُعَرَّضةِ دَوْمًا لِلتَّغَيُّرِ والتَّبدُّلِ في الأَرضِ، وسَوْقَها ومُناوَبَتَها بِالمَوتِ والحَياةِ.. وإِدارةَ وتَدبِيرَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَتِمَّ إِلّا بِعِلمٍ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيءٍ، وبحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ تَتَحَكَّمُ في كُلِّ شَيءٍ.. تَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك وحِكْمَتِك.
وكذا فإِنَّ هذه الأَهَمِّيّةَ العُظمَى، وهذا البَذْلَ والصَّرفَ غَيرَ المَحدُودِ، وهذه التَّجَلِّياتِ الرَّبّانيّةَ المُطلَقةَ، وهذه الخِطاباتِ السُّبحانيّةَ غَيرَ المَحدُودةِ، وهذه الإِحساناتِ الإِلٰهِيّةَ غَيرَ المُتَناهِيةِ لِهذا الإِنسانِ الَّذي يَتَصرَّفُ في مَوجُوداتِ الأَرضِ وهُو المُكَلَّفُ بِوَظائِفَ غَيرِ مَحدُودةٍ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ والمُزَوَّدُ باستِعداداتٍ وأَجهِزةٍ مَعنَوِيّةٍ تُهَيِّئُه لِمَعِيشةٍ مَدِيدةٍ في زَمَنٍ غَيرِ مَحدُودٍ.. لا مَحالةَ أنَّها لا تَنحَصِرُ في مَدرَسةِ الدُّنيا هذه، وفي ثُكْنةِ الأَرضِ المُؤَقَّتةِ هذه، وفي مَعرِضِ العالَمِ المُؤَقَّتِ هذا، ولا تَنحَصِرُ في هذا العُمُرِ القَصِيرِ الحَزِينِ المُكَدَّرِ، ولا في هذه الحَياةِ العَكِرةِ المُنَغِّصةِ، ولا في هذا العالَمِ الفانِي المَلِيءِ بالبَلايا والنَّوائِبِ. بل كُلُّ ذلك يُشِيرُ بِلا شَكٍّ إلى عُمُرٍ آخَرَ أَبدِيٍّ وسَعادةٍ باقِيةٍ خالِدةٍ، ويُشِيرُ إِلى إِحساناتٍ أُخرَوِيّةٍ في عالَمِ البَقاءِ، بل يَشهَدُ علَيْها.
فيا خالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ جَمِيعَ مَخلُوقاتِ الأَرضِ تُدارُ مُسَخَّرةً في مُلكِكَ أَنتَ، وفي أَرضِك أَنتَ، وبِحَوْلِك وقُوَّتِك أَنتَ، وبِقُدْرَتِك وإِرادَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.
— 529 —
وإِنَّ رُبُوبِيّةً تُشاهَدُ فَعّالِيَّتُها على وَجْهِ الأَرضِ لَتُبدِي إِحاطةً وشُمُولًا، لِأنَّ إِدارَتَها وتَدبِيرَها وتَربِيَتَها هِي مِنَ الحَساسِيّةِ في غايةِ الكَمالِ.. وإِنَّ إِجراءاتِها المُنتَشِرةَ في كُلِّ جِهةٍ هِي في وَحْدةٍ ومَعِيّةٍ ومُشابَهةٍ.. بِحَيثُ تُعلَمُ أنَّها رُبُوبِيّةٌ كُلِّيّةٌ وتَصَرُّفٌ كُلِّيٌّ لا تَقبَلُ تَجزِئةً قَطُّ؛ وهِيَ في حُكمٍ كُلِّيٍّ لا يُمكِنُ انقِسامُه قَطُّ، فتُسَبِّحُ الأَرضُ بِجَمِيعِ ساكِنِيها وتُقَدِّسُ خالِقَها بِأَلسِنةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ فَصِيحةٍ أَبْيَنَ مِن لِسانِ المَقالِ، فتَحْمَدُ رَزَّاقَها الجَلِيلَ وتُثنِي عَلَيْه بِأَلسِنةِ أَحوالٍ بِعَدَدِ نِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ.. سُبحانَكَ يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ..
إِنِّي أُقدِّسُكَ وأُسَبِّحُكَ بِجَمِيعِ تَقدِيساتِ الأَرضِ وتَسبِيحاتِها مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ والشَّرِيكِ، وإِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي علَيْك بِجَمِيعِ تَحْمِيداتِ الأَرضِ وأَثْنِيَتِها علَيْك.
٭
يا رَبَّ البَرِّ والبَحرِ..
لَقَد تَعَلَّمتُ بِدَرسِ القُرآنِ وبِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) أنَّه: مِثلَما السَّماواتُ والفَضاءُ والأَرضُ تَشهَدُ على وَحْدانيَّتِك وعلى وُجُودِك، فالبِحارُ والأَنهارُ والجَداوِلُ والعُيُونُ أَيضًا تَشهَدُ شَهادةً یی بِدَرَجةِ البَداهةِ یی على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك.
نعم، فما مِن مَوجُودٍ بل ما مِن قَطْرةِ ماءٍ في بِحارِ دُنيانا هذه وهِي مَنبَعُ العَجائِبِ یی كأَنَّها مَراجِلُ بُخارٍ یی إِلّا تُعَرِّفُ خالِقَها: بِوُجُودِها وبِانتِظامِها وبِمَنافِعِها وبِحالِها.
وما مِن مَخلُوقٍ مِنَ المَخلُوقاتِ الغَرِيبةِ الَّتي تُرسَلُ إِلَيْها أَرزاقُها إِرسالًا كامِلًا في رَملٍ بَسِيطٍ وماءٍ بَسِيطٍ، ولا حَيَوانٍ مِنَ الحَيَواناتِ البَحرِيّةِ الَّتي هي في غايةِ كَمالِ الخِلْقةِ وبِخاصّةٍ الأَسماكُ الَّتي تُجَمِّلُ البِحارَ بما تَقذِفُ إِحداها مِليُونًا مِنَ البُوَيضاتِ.. إِلّا ويُشِيرُ إِلى خالِقِه، ويَشهَدُ على رَزَّاقِه: بِخِلقَتِه وبِوَظائِفِه وبِإِدارَتِه وبإِعاشَتِه وبِتَدبِيرِ أُمُورِه وبِتَربِيَتِه.
— 530 —
وكذا لَيسَ في البَحرِ مِن جَوْهَرةٍ مِن تِلك الجَواهِرِ القَيِّمةِ واللَّآلِئِ المُزَيَّنةِ الثَّمِينةِ ذاتِ الخَواصِّ النَّفِيسةِ لا تَعرِفُك ولا تُعَرِّفُك: بِخِلقَتِها الجَمِيلةِ وبِفِطْرَتِها الجَذّابةِ وبِخاصِّيَّتِها النّافِعةِ.
نعم، فكَما تَشهَدُ كلُّ جَوهَرةٍ فَرْدةٍ، فإِنَّ تلك الجَواهِرَ بِمَجمُوعِها مَعًا تَشهَدُ بِوَحدَتِك كَذلِك، بِما فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ والتَّداخُلِ والِاختِلاطِ ووَحْدةِ سِكّةِ الخِلْقةِ وغايةِ السُّهُولةِ في الإِيجادِ وغايةِ الكَثرةِ في الأَفرادِ.
وإِنَّ جَعْلَ البِحارِ المُحِيطةِ بِالأَرضِ مُعَلَّقةً في السَّماءِ معَ بَرِّها الشَّاسِعِ، وهِي سابِحةٌ حَولَ الشَّمسِ دُونَ أَن تَنسَكِبَ انسِكابًا، ودُونَ أن تَتَشتَّتَ فائِضةً، ودُونَ أن تَستَولِيَ على اليابِسةِ.. وخَلْقَ حَيَواناتِها المُتَنوِّعةِ وجَواهِرِها المُنتَظِمةِ مِن رَملِها البَسِيطِ ومائِها البَسِيطِ.. وإِدارةَ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ وسائِرِ أُمُورِها إِدارةً كُلِّيّةً تامّةً.. والقِيامَ بِتَدبِيرِها وتَطهِيرِ سَطْحِها مِن جَنائِزَ غَيرِ مَحدُودةٍ لا بُدَّ مِنها.. تَشهَدُ بإِشاراتٍ بِعَدَدِ مَوجُوداتِها على أنَّك مَوجُودٌ وواجِبُ الوُجُودِ.
وكما أنَّها تَدُلُّ دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً على جَلالِ سَلْطَنةِ رُبُوبِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك المُحِيطةِ بكُلِّ شَيءٍ، فهِي تَدُلُّ كَذلِك على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك ولِحاكِمِيَّتِك اللَّتَينِ تُهَيمِنانِ على كُلِّ شَيءٍ، وتُسعِفانِ كُلَّ شَيءٍ، ابتِداءً مِنَ النُّجُومِ الضَّخْمةِ والمُنتَظِمةِ في أَعالي السَّماواتِ إلى الأَسماكِ الصَّغِيرةِ المُنتَظَمةِ الإِعاشةِ في أَعماقِ البِحارِ، وتُشِيرُ إلى عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ وإلى حِكْمَتِك الشّامِلةِ لِكُلِّ شَيءٍ؛ بِانتِظامِها وبِفَوائِدِها وبحِكَمِها وبِمِيزانِها وبِمَوزُونيَّتِها.
وإِنَّ إِيجادَ حِياضِ رَحْمةٍ كَهذِه لِلإِنسانِ القادِمِ ضَيفًا إلى مَضِيفِ الدُّنيا هذه، وتَسخِيرَها لِسَيرِه وسِياحَتِه ولِسَفِينَتِه ولِمَنافِعِه، يُشِيرُ إلى أنَّ الَّذِي يُكرِمُ ضُيُوفَه في لَيْلةٍ واحِدةٍ، في دارِ استِراحةٍ شَيَّدَها لَهُم على طَرِيقِ سَفَرِهِم، بِهذا الكَرَمِ العَظِيمِ مِن هَدايا البِحارِ وعَطاياها، لا بُدَّ أنَّه قد أَحضَرَ في مَقَرِّ سَلطَنَتِه الأَبدِيّةِ بِحارَ رَحْمةٍ أَبدِيّةً واسِعةً بِحَيث خِِنَّ المَشهُودةَ مِنها هنا لَيسَت إِلّا نَماذِجَ فانِيةً وصَغِيرةً أَمامَ تلك الأَبدِيّةِ.
— 531 —
وهَكَذا فإِنَّ وُجُودَ البِحارِ بِهذا الطِّرازِ الخارِقِ وبِوَضعِها العَجِيبِ في أَطرافِ الأَرضِ وإِدارةَ مَخلُوقاتِها والقِيامَ بِتَربِيَتِها في غايةِ الِانتِظامِ، يُظهِرُ یی بَداهةً یی أنَّ جَمِيعَها مُسَخَّرةٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وبِقُوَّتِك وبِقُدرَتِك وبإِدارَتِك وبتَدبِيرِك وَحْدَك، فهِي تُقدِّسُ خالِقَها بأَلسِنةِ حالِها هاتِفةً: اللهُ أَكبَرُ!
٭
يا قَادِرُ يا ذا الجَلالِ.. يا مَن جَعَل الجِبالَ أَوتادًا ذاتَ خَزائِنَ لِسَفِينةِ الأَرضِ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرِمِ (ص) وبِدَرسِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما البِحارُ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك بِعَجائِبِها وغَرائِبِها، كَذلِك الجِبالُ تَعرِفُك وتُعرِّفُك، بِخِدْماتِها وبحِكَمِها، بِتَأْمِينِ سُكُونِ الأَرضِ مِن تَأثِيرِ الزَّلازِلِ ودَمارِها، وبِتَهدِئةِ الأَرضِ مِن غَوائِلِ الِانقِلاباتِ الجارِيةِ في جَوْفِها، وبِإِنقاذِ الأَرضِ مِن فَيَضانِ البِحارِ وطُغيانِ عَوارِمِها، وبِتَصفِيةِ الهَواءِ مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ، وبِمُحافَظَتِها المِياهَ وضَمانِ ادِّخارِها، وبِخَزْنِها المَعادِنَ المُستَلزِمةَ لِحاجاتِ الأَحياءِ.
نعم، فما مِن نَوعٍ مِن أَنواعِ الصُّخُورِ الَّتي في الجِبالِ، ولا قِسمٍ مِن أَقسامِ المَوادِّ الَّتي هي عِلاجاتٌ لِمُختَلِفِ الأَمراضِ والعاهاتِ، ولا جِنسٍ مِن أَجناسِ المَعادِنِ المُتَنوِّعةِ جِدًّا والَّتي تَلزَمُ الأَحياءَ ولا سِيَّما الإِنسانَ، ولا صِنفٍ مِن أَصنافِ النَّباتاتِ المُزيِّنةِ بِأَزهارِها الجِبالَ وبأَثمارِها القِفارَ.. إِلّا وتَشهَدُ یی بَداهةً یی على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ ذِي قُدْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وحِكْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ ورَحْمةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ وكَرَمٍ غَيرِ مُتَناهٍ؛ بِما فيها مِنَ الحِكَم والِانتِظامِ وحُسْنِ الخِلْقةِ والفَوائِدِ، مِمّا لا يُمكِنُ نِسبَتُها إلى المُصادَفةِ.. وبِما فِيها مِنَ الِاختِلافِ الشَّدِيدِ في المَذاقاتِ، رَغمَ التَّشابُهِ الظّاهِرِيِّ یی وبِخاصّةٍ في المَعدِنيّاتِ كالمِلحِ ومِلحِ اللَّيمُونِ والسُّلفاتِ والشَّبِّ یی ولا سِيَّما النَّباتاتِ، بِأَنواعِها المُتَبايِنةِ العَدِيدةِ النّاشِئةِ مِن تُرابٍ بَسِيطٍ، وبِأَزهارِها وأَثمارِها المُتَنوِّعةِ.. فَضْلًا عن أنَّها تَشهَدُ على وَحْدةِ الصّانِعِ وعلى أَحَدِيَّتِه؛ بِما في هَيْئَتِها العامّةِ مِن وَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ التَّدبِيرِ ووَحْدةِ المَنشَأِ والمَسْكَنِ والخَلْقِ، والتَّساوِي في الإِتقانِ، معَ الرُّخْصِ واليُسْرِ والوَفْرةِ والسُّرعةِ في الخِلْقةِ.
— 532 —
وكَذا فإِنَّ خَلقَ كُلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ المَصنُوعاتِ المَوجُودةِ على سَطْحِ الجِبالِ وفي جَوْفِها، والمُنتَشِرةِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ الأَرضِ، وإِيجادَها في آنٍ واحِدٍ وبِنَمَطٍ واحِدٍ بِلا خَطَأٍ وبِلا اختِلاطٍ، رَغمَ التَّداخُلِ ضِمنَ سائِرِ الأَنواعِ، في غايةِ الكَمالِ والسُّرعةِ ومِن دُونِ أن يَشغَلَك فِعلٌ عن فِعلٍ.. يَدُلُّ على هَيْبةِ رُبُوبِيَّتِك وعلى عَظَمةِ قُدرَتِك الَّتي لا يُعجِزُها شَيءٌ.
وكذا فإِنَّ مَلْءَ سُطُوحِ الجِبالِ بالأَشجارِ والنَّباتاتِ، وبُطُونِها بِالمَعادِنِ المُنتَظِمةِ وتَسخِيرَها تَلبِيةً لِحاجاتِ الأَحياءِ كافّةً تَسخِيرًا يَضمَنُ حتَّى أَمْراضَها المُتَنوِّعةَ بل أَذْواقَها المُختَلِفةَ، ويُشبِعُ شَهِيّاتِها المُتَبايِنةَ، يَدُلُّ على السَّعةِ المُطلَقةِ لِرَحمَتِك وعلى الوُسْعةِ غَيرِ المُتَناهِيةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وكذا إِحضارُ كُلِّ ما هو خَفِيٌّ ومُختَلِطٌ، وفي ظُلْمةِ طَبَقاتِ التُّرابِ، إِحضارًا مُنتَظِمًا بِعِلمٍ وبِبَصِيرةٍ ودُونَ حَيْرةٍ وحَسَبَ الحاجةِ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك المُتَعلِّقِ بكُلِّ شَيءٍ، وعلى حِكْمَتِك المُنَظِّمةِ لِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِها جَمِيعَ الأَشياءِ.
وكذا إِحضارُ الأَدْوِيةِ وادِّخارُ المَوادِّ المَعدِنيّةِ يُشِيرُ بِوُضُوحٍ ويَدُلُّ بِجَلاءٍ على مَحاسِنِ تَدابِيرِ رُبُوبِيَّتِك الرَّحِيمةِ والكَرِيمةِ، وعلى لَطائِفِ مُدَّخَراتِ عِنايَتِك.
وكذا جَعْلُ الجِبالِ الشَّوامِخِ مَخازِنَ احتِياطِيّةً مُنتَظِمةً ومُستَودَعاتٍ مُكَمِّلةً لِكُنُوزٍ ضَرُورِيّةٍ لِحَياةِ الضُّيُوفِ القادِمِينَ إِلى مَضِيفِ الأَرضِ ولِسَدِّ حاجاتِهِم في المُستَقبَلِ.. يُشِيرُ ويَدُلُّ بل ويَشهَدُ على أنَّ صانِعًا له هذا الكَرَمُ الواسِعُ ومُكرِمًا وحَكِيمًا رَؤُوفًا، وقَدِيرًا ومُرَبِّيًا.. لا بُدَّ له خَزائِنُ أَبدِيّةٌ لِآلائِه الأَبدِيّةِ في عالَمٍ أَبدِيٍّ لِأُولَئِك المُسافِرِينَ الضُّيُوفِ المَحبُوبِينَ عِندَه.. فتَقُومُ النُّجُومُ هُناك بِمُهِمّةٍ ما تَقُومُ الجِبالُ بِها هاهُنا.
يا قَادِرُ على كُلِّ شَيءٍ..
إِنَّ الجِبالَ وما فِيهَا مِنَ المَخلُوقاتِ مُسَخَّراتٌ ومُدَّخَراتٌ في مُلكِكَ أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدرَتِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ. إِنَّها تُسَبِّحُ وتُقَدِّسُ لِفاطِرِها الَّذي وَظَّفَها وسَخَّرَها على هذه الصُّورةِ.
— 533 —
يا خالِقُ ويا رَحمٰنُ.. ويا رَبُّ ويا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ أنَّه: مِثلَما تَعرِفُك السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَحرُ والجَبَلُ وتُعَرِّفُك بِما فِيها وبِمَخلُوقاتِها، كَذلِك جَمِيعُ الأَشجارِ والنَّباتاتِ في الأَرضِ تَعرِفُك وتُعَرِّفُك یی بدَرَجةِ البَداهةِ یی بِأَوراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها.. فكُلُّ وَرَقةٍ مِن أَوْراقِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ المُهتَزَّةِ بِجَذَباتِ الذِّكرِ وشَوْقِه.. وكُلُّ زَهْرةٍ مِنَ الأَزهارِ الواصِفةِ والمُعَرِّفةِ بِزِينَتِها لِأَسماءِ صانِعِها.. وكُلُّ ثَمَرةٍ مِنَ الأَثمارِ المُتَبَسِّمةِ مِن لَطافَتِها بِتَجَلِّي الرَّحْمةِ فِيها.. تَشهَدُ كُلُّها: بِالنِّظامِ الَّذِي في صَنْعَتِها الخارِقةِ، وبالمِيزانِ الَّذِي في النِّظامِ، وبِالزِّينةِ الَّتي في المِيزانِ، وبِالنُّقُوشِ المَوجُودةِ في الزِّينةِ، وبِالعَبَقِ الطَّيِّبِ المُتَنَوِّعِ المَمزُوجِ بِالنُّقُوشِ، وبِالطُّعُومِ المُختَلِفةِ في العَبَقِ الفَوّاحِ لِلأَثمارِ.. شَهادةً بِدَرَجةِ البَداهةِ یی لا يُمكِنُ نِسْبَتُها إِلى المُصادَفةِ یی على وُجُوبِ وُجُودِ صانِعٍ لا نِهايةَ لِرَحمَتِه ولا نِهايةَ لِكَرَمِه.
فكَما أنَّ الأَمرَ هكذا في كُلِّ فَردٍ، فكُلُّ الأَشجارِ والنَّباتاتِ مَعًا تَشهَدُ كَذلِك بِالبَداهةِ على وَحْدةِ ذلك الصّانِعِ الواجِبِ وُجُودُه وعلى أَحَدِيَّتِه: بِوَحْدَتِها واتِّفاقِها ومَعِيَّتِها على سَطْحِ الأَرضِ كافّةً، وبِتَشابُهِها على سِكّةِ الخِلْقةِ وبِارتِباطِها في التَّدبِيرِ والإِدارةِ، وبِتَوافُقِها فِيما يَتَعلَّقُ بِها مِن أَفعالِ الإِيجادِ والأَسماءِ الرَّبّانيّةِ، وبِإِدارةِ الأَفرادِ غَيرِ المَحدُودةِ لِمِئةِ أَلفِ نَوعٍ مَعَ تَداخُلِها إِدارةً مُباشِرةً دُونَ حَيْرةٍ ولا خَطَأٍ.
وكَذا مِثلَما يَشهَدُ أُولَئِك على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى وَحْدَتِكَ، فإِنَّ إِعاشةَ وإِدارةَ أَفرادٍ غَيرِ مَحدُودةٍ لِجَحْفَلِ الأَحياءِ مِنَ الجَيشِ الهائِلِ المُتَشَكِّلِ مِن أَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِنَ الأُمَمِ على وَجْهِ الأَرضِ إِدارةً بِكَمالِ الإِتقانِ وبِمِئاتِ الآلافِ مِن أَنماطِ الإِعاشةِ والإِدارةِ الَّتي تَتِمُّ بِكَمالِ الِانتِظامِ دُونَ سَهْوٍ ولا خَلْطٍ.. تَدُلُّ على جَلالِ رُبُوبِيَّتِك وهَيْبَتِها في وَحْدانِيَّتِك، وعلى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تَخلُقُ الرَّبِيعَ بِيُسْرِ إِيجادِ زَهْرةٍ وتَعَلُّقِها بِكُلِّ شَيءٍ، وتَدُلُّ قَطْعًا على سَعةِ رَحْمَتِك المُطلَقَةِ الَّتي تُهَيِّئُ أَقسامَ الأَطعِمةِ المُتَنوِّعةِ المُختَلِفةِ وغَيرِ المَحدُودةِ، وتُحضِرُها لِحَيَواناتٍ غَيرِ مَحدُودةٍ ولِلإِنسانِ في كُلِّ جِهةٍ مِن جِهاتِ هذه الأَرضِ الضَّخْمةِ.
— 534 —
وإِنَّ جَرَيانَ تلك الأُمُورِ والإِنعاماتِ وأَشكالِ الإِدارةِ وأَنواعِ الإِعاشةِ والإِجراءاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بِكَمالِ الِانتِظامِ، وإِنَّ انقِيادَ كُلِّ شَيءٍ وخُضُوعَه حَتَّى الذَّرّاتِ لِتِلك الأَوامِرِ والإِجراءاتِ.. تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على السَّعةِ المُطلَقةِ لِحاكِمِيَّتِك.
وإِنَّ عَمَلَ كُلِّ شَيءٍ لِكُلِّ وَرَقةٍ وزَهْرةٍ وثَمَرةٍ، ولِكُلِّ جَذْرٍ وغُصْنٍ وفَرْعٍ، مِن تِلك الأَشجارِ والنَّباتاتِ، عَمَلًا بِعِلمٍ وبَصِيرةٍ وَفقَ ما تَقتَضِيه الفَوائِدُ والمَصالِحُ والحِكَمُ.. يَدُلُّ على إِحاطةِ عِلمِك بكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ، دَلالةً ظاهِرةً جَلِيّةً، وتُشِيرُ إِلَيْهِما بِأَصابِعِها الَّتي لا تُحَدُّ.. وإِنَّها تَحمَدُ وتُثنِي بِأَلسِنَتِها غَيرِ المَحدُودةِ على جَمالِ صَنْعَتِك وهِي في مُنتَهَى الكَمالِ، وعلى كَمالِ نِعمَتِك وهِي في مُنتَهَى الجَمالِ.
وكَذا فإِنَّ هه الإِحساناتِ الثَّمِينةَ والنِّعَمَ القَيِّمةَ العَمِيمةَ، وهَذِه المَصارِفَ والإِكراماتِ الَّتي تَفُوقُ الحَدَّ، تَصِلُنا بِأَيادِي الأَشجارِ والنَّباتاتِ في هذه الدّارِ المُؤَقَّتةِ والمَضِيفِ الفانِي، وفي زَمَنٍ قَصِيرٍ وعُمُرٍ قَلِيلٍ.. تُشِيرُ بل تَشهَدُ على أنَّ الرَّحِيمَ ذا القُدْرةِ والكَرَمِ الَّذي ساقَ هُنا لِضُيُوفِه كُلَّ هذه الرَّحْمةِ، لا بُدَّ أنَّه قد أَعَدَّ أَشجارًا مُثمِرةً ونَباتاتٍ مُزهِرةً خالِدةً بِما يَلِيقُ بِالجَنّةِ الخالِدةِ في عالَمٍ خالِدٍ في مَمْلَكةٍ خالِدةٍ، لِعِبادِه الَّذِينَ سيُخَلِّدُهُم أَبَدَ الآبِدِينَ.. لِكَيْ يَحُولَ دُونَ انقِلابِ نَتائِجِ مَصارِيفِه وآلائِه الَّتي صَرَفَها لِلتَّوَدُّدِ والتَّعَرُّفِ إلى ضِدِّها یی أَيْ: لِئَلَّا تَقُولَ جَمِيعُ الخَلائِقِ: لَقَد أَذاقَنا تِلك النِّعَمَ وأَعدَمَنا قَبلَ أن نَتَناوَلَها یی ولِكَي يَحُولَ دُونَ إِسقاطِ هَيْبةِ أُلُوهِيَّتِه، ودُونَ إِنكارِ سَعةِ رَحْمَتِه، ودُونَ تَحَوُّلِ جَمِيعِ أَحِبَّتِه المُشتاقِينَ إِلَيْه أَعداءً بِحِرمانِهِم.. أَجَلْ، لَقَد أَحْضَرَها مِن خَزائِنِ الرَّحْمةِ الخالِدةِ وفي جَنّاتِه الخالِدةِ. وما الَّتي هاهُنا إِلّا نَماذِجُ عَرْضٍ لِلزَّبائِنِ فحَسْبُ.
وكَما أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ كافّةً تُقَدِّسُك وتُسَبِّحُك وتَحمَدُك بِكَلِماتِ أَوْراقِها وأَزهارِها وأَثمارِها، كَذلِك كُلُّ كَلِمةٍ مِن تِلك الكَلِماتِ بِحَدِّ ذاتِها تُقَدِّسُك أَيضًا، وبِخاصّةٍ خَلْقُ الأَثمارِ خَلْقًا بَدِيعًا ولُبابِها المُتَنوِّعةِ، وصَنْعَتِها العَجِيبةِ وبُذُورِها الخارِقةِ، وإِيداعُ صِحافِ الطَّعامِ تِلك إِلى أَيدِي الأَشجارِ، ووَضْعُها على رُؤُوسِ النَّباتاتِ،
— 535 —
وإِرسالُها هكَذا إِلى ضُيُوفِه الأَحياءِ، مِمّا يَجعَلُ تَسبِيحاتِ أَلسِنةِ حالَاتِها ظاهِرةً وجَلِيّةً تَبلُغُ دَرَجةَ لِسانِ المَقالِ.
فجَمِيعُ أُولَئِك مُسَخَّراتٌ في مُلكِك أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وإِحساناتِك أَنتَ، وبِرَحْمَتِك وحِكْمَتِك أَنتَ، وإِنَّها مُنقادةٌ مُطِيعةٌ لِكُلِّ أَمرٍ صادِرٍ مِنك.
فيا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ، ويا مَنِ احتَجَب بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ.. يا صانِعُ، يا حَكِيمُ.. يا خَالِقُ يا رَحِيمُ.. إِنِّي أَحمَدُك وأُثْنِي عَلَيْك مُقَدِّسًا إِيّاكَ مِنَ القُصُورِ والعَجزِ والشَّرِيكِ، بِأَلسِنةِ جَمِيعِ الأَشجارِ والنَّباتاتِ وجَمِيعِ الأَوْراقِ والأَزهارِ والأَثمارِ وبِعَدَدِها.
٭
يا فاطِرُ يا قادِرُ.. يا مُدَبِّرُ يا حَكِيمُ.. يا مُرَبِّي يا رَحِيمُ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ بِأنَّه: كَما أنَّ النَّباتاتِ والأَشجارَ تُعَرِّفُك وتُعَلِّمُ صِفاتِك القُدْسِيّةَ وأَسماءَك الحُسنَى، فلَيسَ في الأَحياءِ المالِكةِ لِلرُّوحِ كالإِنسانِ والحَيَواناتِ مِن فَرْدٍ لا يَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِك، وعلى تَحَقُّقِ صِفاتِك: بِأَعضاءِ جِسمِه الدّاخِلِيّةِ مِنها والخارِجِيّةِ، العامِلةِ والمُساقةِ إلى العَمَلِ یی كالسَّاعاتِ المُنتَظِمةِ یی وبِآلاتِه وحواسِّه المَوضُوعةِ في بَدَنِه بِنِظامٍ في مُنتَهَى الدِّقّةِ وبِمِيزانٍ في مُنتَهَى الحَسَاسِيّةِ وبِفَوائِدَ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ، وبِأَجهِزَتِه البَدَنِيّةِ المَخلُوقةِ في غايةِ الإِتقانِ، والمَفرُوشةِ في غايةِ الحِكْمةِ والمَوضُوعةِ في غايةِ المُوازَنةِ.. لِأَنَّ هذه الصَّنْعةَ الدَّقِيقةَ بِبَصِيرةٍ، والحِكْمةَ اللَّطِيفةَ بِشُعُورٍ، والمُوازَنةَ التّامّةَ بِتَدبِيرٍ، لا يُمكِنُ أن تَتَدخَّلَ فيها القُوّةُ العَمْياءُ ولا الطَّبِيعةُ الصَّمّاءُ ولا المُصادَفةُ العَشْواءُ، فلا يُمكِنُ أن تكُونَ هذه الأُمُورُ مِن أَعمالِها.. أَمَّا تَشَكُّلُها بِنَفسِها فهُو مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ، لِأنَّه يَنبَغِي أن تَعرِفَ كُلُّ ذَرّةٍ مِن ذَرّاتِها وتَرَى وتَعمَلَ كُلَّ ما يَخُصُّ تَركِيبَ جَسَدِهَا، بل كُلَّ شَيءٍ يَتَعلَّقُ بِها في الدُّنيا، فتَملِكَ عِلمًا وقُدْرةً مُحِيطَينِ كأَنَّها إِلٰهٌ، ثُمَّ يُمكِنَ أن يُحالَ تَشكِيلُ الجَسَدِ إِلَيْها ويُقالَ: إِنَّها تَشَكَّلَت بِنَفسِها!
— 536 —
وكذا لَيسَت هُناك كَيفِيّةٌ لِلأَحياءِ عامّةً، مِن وَحْدةِ التَّدبِيرِ ووَحْدةِ الإِدارةِ ووَحْدةِ النَّوعِ ووَحْدةِ الجِنسِ ووَحْدةِ سِكّةِ الفِطْرةِ یی المُشاهَدِ اتِّفاقُها في أَوْجُهِها عامّةً مِن عَينٍ وأُذُنٍ وفَمِ وغَيرِها یی ومِنَ الِاتِّحادِ في سِكّةِ الحِكْمةِ یی الظّاهِرةِ في سِيماءِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أَفرادِ النَّوعِ الواحِدِ یی ومِنَ المَعِيّةِ في الإِعاشةِ والإِيجادِ مَعَ تَداخُلِ بَعضِها في بَعضٍ.. إِلّا وتَتَضمَّنُ شَهادةً قاطِعةً على وَحْدَتِك، وإِشارةً إِلى أَحَدِيَّتِك في الواحِدِيّةِ بِما يَملِكُ كُلُّ فَرْدٍ مِن أَفرادِها مِن تَجَلِّياتِ جَمِيعِ الأَسماءِ النّاظِرةِ إِلى الكَونِ.
وكذا فكَما أنَّ تَسخِيرَ مِئاتِ الآلافِ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ المُنتَشِرةِ معَ الإِنسانِ على وَجهِ البَسِيطةِ كافّةً وتَجهِيزَها وتَدرِيبَها وجَعْلَها مُطِيعةً ومُسَخَّرةً كأَنَّها جَيشٌ مُنَظَّمٌ، وجَرَيانَ أَوامِرِ الرُّبُوبِيّةِ فيها بِانتِظامٍ بالِغٍ، يَدُلُّ على دَرَجةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك تلك. فإِنَّ القِيمةَ الغالِيةَ لِتِلك المَخلُوقاتِ معَ أنَّها في غايةِ الكَثْرةِ، وإِيجادَها في مُنتَهَى السُّرعةِ معَ أنَّها في غايةِ الكَمالِ، وخَلْقَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ معَ أنَّها في غايةِ الإِتقانِ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على عَظَمةِ قُدْرَتِك.
وكَذا إِيصالُ أَرزاقِ تلك المَخلُوقاتِ المُنبَثَّةِ في أَقاصِي الشَّرقِ والغَربِ والشَّمالِ والجَنُوبِ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ مِيكرُوبٍ وانتِهاءً بِأَضخَمِ حَيَوانٍ، ومِن أَصغَرِ حَشَرةٍ إلى أَضخَمِ طَيرٍ.. يَدُلُّ على سَعةِ رَحْمَتِك المُطلَقةِ.
وكَذا تَحَوُّلُ وَجهِ الأَرضِ كُلَّ رَبِيعٍ إلى مُعَسكَرٍ لِتِلك المَخلُوقاتِ بَدَلًا مِن تلك الَّتي أُنْهِيَت خِدْماتُها في الخَرِيفِ، وأَداءُ كُلٍّ مِنها مُهِمَّتَها الفِطْرِيّةَ كأَنَّها جُندِيٌّ مُطِيعٌ يُستَنفَرُ مِن جَدِيدٍ.. يَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على سَعةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ.
وكَذا فكَما أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يُشِيرُ إِشاراتٍ بِعَدَدِ الحَيَواناتِ إلى إِحاطةِ عِلمِك بِكُلِّ شَيءٍ، وشُمُولِ حِكْمَتِك لِكُلِّ شَيءٍ.. بِخَلْقِها كَنُسخةٍ مُصَغَّرةٍ لِلكائِناتِ، بِعِلمٍ في غايةِ العُمقِ، وحِكْمةٍ في غايةِ الدِّقّةِ، بِلا خَلْطٍ بَينَ الأَجزاءِ المُختَلِطةِ، وبِلا تَحَيُّرٍ بَينَ الصُّوَرِ المُتَبايِنةِ لِلحَيَواناتِ كافّةً، وبِلا خَطَأٍ ولا سَهوٍ ولا نَقصٍ.. فإِنَّ خَلْقَ كُلٍّ مِنها كَذلِك خَلْقًا في رَوْعةِ الإِتقانِ والجَمالِ، مِمّا يَجعَلُه مُعجِزةً في الصَّنعةِ وخارِقةً في الحِكْمةِ..
— 537 —
يُشِيرُ إلى كَمالِ حُسْنِ صَنْعَتِك الرَّبانيّةِ، وإِلى غايةِ جَمالِها، تِلك الصَّنعةِ الَّتي تُحِبُّها وتَرغَبُ في عَرْضِها ونَشْرِها.
وكذا تَربِيةُ كُلٍّ مِنها یی وبِخاصّةٍ الصِّغارُ یی تَربِيةً في غايةِ الرِّقّةِ واللُّطْفِ، وتَلبِيةُ جَمِيعِ رَغَباتِها وآمالِها.. تُشِيرُ إِشاراتٍ غَيرَ مَحدُودةٍ إِلى الجَمالِ الرّائِعِ لِعِنايَتِك.
يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ.. يا صادِقَ الوَعدِ الأَمِينَ.. يا مَالِكَ يَومِ الدِّينِ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ رَسُولِك الأَكرَمِ (ص) وبِإِرشادِ قُرآنِك الحَكِيمِ أنَّه:
ما دامَتِ الحَياةُ أَعظَمَ نَتِيجةٍ مُنتَخَبةٍ مِنَ الكَونِ، والرُّوحُ هِي الخُلاصةُ المُختارةُ مِنَ الحَياةِ، وأُولُو المَشاعِرِ هُمُ النَّتِيجةُ الخالِصةُ مِن بَينِ أَقسامِ ذَوِي الأَرواحِ، والإِنسانُ هو أَجمَعُ أُولِي المَشاعِرِ، وجَمِيعُ الكائِناتِ بِدَوْرِها مُسَخَّرةٌ وساعِيةٌ لِأَجلِ الحَياةِ، وذَوُو الحَياةِ مُسَخَّرُونَ لِذَوي الأَرواحِ وقد بُعِثُوا إِلى الدُّنيا لِأَجلِهِم، وذَوُو الأَرواحِ مُسَخَّرُونَ لِلإِنسانِ وفي عَوْنِه دائِمًا، والنّاسُ يُحِبُّونَ خالِقَهُم مَحَبّةً خالِصةً بِفِطْرَتِهم، وخالِقُهم يُحِبُّهُم ويُحَبِّبُ نَفسَه إِلَيهِم بِكُلِّ وَسِيلةٍ، واستِعدادُ الإِنسانِ وأَجهِزَتُه المَعنَوِيّةُ تَتَطلَّعُ إلى عالَمٍ آخَرَ باقٍ وإِلى حَياةٍ أُخرَى أَبدِيّةٍ، وأَنَّ قَلبَه وشُعُورَه يَطلُبانِ البَقاءَ ويَتُوقانِ إِلَيْه، وأَنَّ لِسانَه يَتَوسَّلُ إِلى خالِقِه بِأَدعِيةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ طالِبًا البَقاءَ.. فلا يُمكِنُ مُطلقًا إِغضابُ النّاسِ المُحِبِّينَ المَحبُوبِينَ وإِسخاطُهُم بِعَداوةٍ أَبدِيّةٍ بِعَدَمِ بَعْثِهِم بَعدَ إِماتَتِهِم، وهُم قد خُلِقُوا أَصلًا لِمَحَبّةٍ خالِدةٍ، وأُرسِلُوا إِلى هذه الدُّنيا بِحِكْمةٍ لِنَيلِ عَيْشٍ سَعِيدٍ في عالَمٍ أَبدِيٍّ آخَرَ.
ثُمَّ إِنَّ الأَسماءَ الحُسنَى المُتَجَلِّيةَ على الإِنسانِ تُشِيرُ إِلى أنَّ الَّذي هُو مِرآةٌ عاكِسةٌ لِتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ في هذه الحَياةِ القَصِيرةِ الفانِيةِ سيَحْظَى بِتَجَلِّياتِها الأَبدِيّةِ في عالَمِ البَقاءِ. نَعَم، إِنَّ الخَلِيلَ الصَّادِقَ لِلخالِدِ يكُونُ خالِدًا، وإِنَّ المِرآةَ الشّاعِرةَ لِلباقِي يَستَلزِمُ بَقاءَها. وكَما يُفهَمُ مِنَ الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ: أنَّ أَرواحَ الحَيَواناتِ ستَبقَى دائِمةً، وأنَّ أَرواحَ بَعضِ أَفرادٍ خاصّةٍ مِنَ الحَيَواناتِ ستَمضِي إِلى عالَمِ البَقاءِ معَ أَجسادِها، كهُدْهُدِ ونَمْلِ سُلَيْمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وناقةِ صالِحٍ عَلَيهِ السَّلَام، وكَلبِ أَصحابِ الكَهْفِ، وأنَّ كُلَّ نَوعٍ
— 538 —
مِنها سيَتَجَسَّدُ بِجَسَدٍ لِاستِعمالِه أَحيانًا.. فالحِكْمةُ والحَقِيقةُ وكَذا الرَّحْمةُ والرُّبُوبِيّةُ تَقتَضِي كُلُّها ذلك.
يا قادِرُ يا قَيُّومُ.. إِنَّ جَمِيعَ ذَوِي الحَياةِ وذَوِي الأَرواحِ وذَوِي الشُّعُورِ قد وُظِّفُوا بِوَظائِفَ فِطْرِيّةٍ في مُلْكِك أَنتَ، وسُخِّرُوا لِأَوامِرِ رُبُوبِيَّتِك أَنتَ، وبِقُوَّتِك وقُدْرَتِك وَحْدَك، وبإِرادَتِك وتَدبِيرِك ورَحْمَتِك وحِكْمَتِك. وإِنَّ قِسمًا مِنها قد سُخِّرَت وذُلِّلَت لِلإِنسانِ مِن لَدُنْ رَحْمَتِك، لا بِقُوَّتِه وغَلَبَتِه بل لِضَعْفِه وعَجْزِه فِطْرةً.. فكُلُّ حَيَوانٍ يُؤَدِّي عِبادَتَه الخاصّةَ به، بِلِسانِ الحالِ والمَقالِ، مُسَبِّحًا خالِقَه وبارِئَه ومَعبُودَه، مُقَدِّسًا إِيّاه مِنَ القُصُورِ والشِّركِ، حامِدًا شاكِرًا لِأَنعُمِه وآلائِهِ.
سُبحانَك يا مَنِ اختَفَى بِشِدّةِ الظُّهُورِ! سُبحانَك يا مَنِ احتَجَبَ بِعَظَمةِ الكِبْرِياءِ! إِنِّي أُقَدِّسُك بِتَسبِيحاتِ جَمِيعِ ذَوِي الأَرواحِ مُنادِيًا: سُبحانَك.. يا مَن جَعَل مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ..
٭
يا رَبَّ العالَمِينَ.. يا إِلٰهَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ.. يا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ..
لَقَد عَلِمتُ بِتَعلِيمِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) وبِدَرسِ القُرآنِ الحَكِيمِ وآمَنتُ أنَّه: مِثلَما السَّماءُ والفَضاءُ والأَرضُ والبَرُّ والبَحرُ والشَّجَرُ والنَّباتُ والحَيَوانُ.. تَعرِفُك بِأَفرادِها وأَجزائِها وذَرّاتِها، وتَشهَدُ على وُجُودِك وعلى وَحْدَتِك، وتَدُلُّ علَيْهِما وتُشِيرُ؛ فإِنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ والأَصفِياءَ الَّذِينَ هُم خُلاصةُ نَوعِ الإِنسانِ الَّذي هو خُلاصةُ ذَوِي الحَياةِ الَّذِينَ هم خُلاصةُ الكَونِ، يَشهَدُونَ ويُخبِرُونَ بِوُجُوبِ وُجُودِك ووَحْدانِيَّتِك وأَحَدِيَّتِك، إِخبارًا قاطِعًا بِقُوّةِ مِئاتِ الإِجماعِ ومِئاتِ التَّواتُرِ المُستَنِدةِ إِلى مُشاهَداتِ قُلُوبِهِم وعُقُولِهِم وكَشْفِيّاتِها وإِلهاماتِها واستِخراجاتِها وبِقَطْعِيَّتِها، ويُثبِتُونَ إِخباراتِهِم بمُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وبَراهِينِهِمُ اليَقِينيّةِ.
نَعَم، لَيسَت في القُلُوبِ خاطِرةٌ غَيبِيّةٌ تُومِئُ إِلى الذَّاتِ المُخبِرةِ بِها في سِتارِ الغَيبِ، ولَيسَ فِيها إِلهامٌ صادِقٌ يَسُوقُ الرُّؤيةَ إِلى الذّاتِ المُلهِمةِ فيها، ولَيسَت فيها عَقِيدةٌ يَقِينيّةٌ
— 539 —
تَكشِفُ عن صِفاتِك القُدسِيّةِ وأَسمائِك الحُسنَى كَشْفًا بِحَقِّ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَنبِياءِ والأَولِياءِ قَلبٌ نُورانِيٌّ يُشاهِدُ أَنوارَ واجِبِ الوُجُودِ بِعَينِ اليَقِينِ، ولَيسَ في الأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ عَقلٌ مُنَوَّرٌ يُصَدِّقُ آياتِ وُجُوبِ وُجُودِ خالِقٍ لِكُلِّ شَيءٍ ويُثبِتُ بَراهِينَ وَحْدَتِه بِعِلمِ اليَقِينِ.. إِلّا ويَشهَدُ شَهادةً ويَملِكُ دَلالةً ويَعرِضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى.
ولَيسَت هُناك مُعجِزةٌ مِنَ المُعجِزاتِ الباهِرةِ المُصَدِّقةِ لِأَخبارِ سَيِّدِ جَمِيعِ الأَنبِياءِ والأَولِياءِ والأَصفِياءِ والصِّدِّيقِينَ ورَئِيسِهِم وخُلاصَتِهِم ذلك الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، ولا حَقِيقةٌ مِن حَقائِقِه السّامِيةِ المُظهِرةِ لِحَقّانِيَّتِه، ولا آيةٌ مِن آياتِ التَّوحِيدِ القاطِعةِ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ الَّذِي يُلَخِّصُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُقَدَّسةِ الحَقّةِ، ولا مَسأَلةٌ إِيمانيّةٌ مِن مَسائِلِه القُدسِيّةِ.. إِلّا وتَشهَدُ شَهادةً وتَملِكُ دَلالةً وتَعرِضُ إِشارةً على وُجُوبِ وُجُودِك وعلى صِفاتِك المُقَدَّسةِ وعلى وَحْدَتِك وعلى أَحَدِيَّتِك وعلى أَسمائِك الحُسنَى وعلى صِفاتِك الجَلِيلةِ.
ومِثلَما يَشهَدُ جَمِيعُ أُولَئِك المُخبِرِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ بِمِئاتِ الآلافِ یی مُستَنِدِينَ إلى مُعجِزاتِهِم وكَراماتِهِم وحُجَجِهِم یی على وُجُودِك وعلى وَحْدانِيَّتِك.. فإِنَّهُم يُخبِرُونَ یی ويُثبِتُونَ بالإِجماعِ والِاتِّفاقِ یی عن مَدَى عَظَمةِ جَلالِ رُبُوبِيَّتِك الجارِيةِ ابتِداءً مِن إِدارةِ الأُمُورِ الكُلِّيّةِ لِلعَرشِ الأَعظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، إِلى مَعرِفةِ أَخفَى الخَلَجاتِ والخَواطِرِ الجُزئِيّةِ لِلقَلبِ وسَرائِرِه وآمالِه وأَدعِيَتِه والِاستِماعِ إِلَيْه وإِدارَتِه.. ويُعلِنُونَ مَدَى عَظَمةِ قُدْرَتِك الَّتي تُوجِدُ الأَشياءَ المُختَلِفةَ غَيرَ المَحدُودةِ یی أَمامَ أَعيُنِنا یی دُفعةً واحِدةً، وتَخلُقُ أَكبَرَ شَيءٍ بِسُهُولةِ خَلقِ أَصغَرِ حَشَرةٍ، دُونَ أَن يَمنَعَ فِعلٌ فِعلًا.
ومِثلَما أنَّهُم يُخبِرُونَ یی ويُثبِتُونَ ذلك بِمُعجِزاتِهِم وحُجَجِهِم یی عن سَعَةِ رَحمَتِك المُطلَقةِ الَّتي صَيَّیرَتِ الكَونَ في حُكمِ قَصرٍ مُنِيفٍ لِذَوِي الأَرواحِ وبِخاصّةٍ لِلإِنسانِ، والَّتي أَعَدَّتِ الجَنّةَ والسَّعادةَ الأَبدِيّةَ لِلجِنِّ والإِنسِ، والَّتي لا تَنسَى مُطلَقًا أَصغَرَ كائِنٍ حَيٍّ وتَسعَى لِتَطْمِينِ أَعجَزِ قَلبٍ وتَلطِيفِه.. وعن سَعَةِ حاكِمِيَّتِك المُطلَقةِ الَّتي تُسَخِّرُ
— 540 —
وتُوَظِّفُ وتُخضِعُ لِأَوامِرِها جَمِيعَ أَنواعِ المَخلُوقاتِ مِنَ الذَّرّاتِ إِلى السَّيّاراتِ.. فإِنَّهُم يَشهَدُونَ ويَدُلُّونَ ويُشِيرُونَ كَذلِك یی بِالإِجماعِ والِاتِّفاقِ یی إِلى إِحاطةِ عِلمِك المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، الَّذي جَعَل الكَونَ بِحُكْمِ كِتابٍ كَبِيرٍ يَضُمُّ رَسائِلَ بِعَدَدِ أَجزائِه، والَّذِي سَجَّلَ جَمِيعَ حَوادِثِ المَوجُوداتِ في "إِمامٍ مُبِينٍ" وفي "كِتابٍ مُبِينٍ"، وهُما سِجِلَّا "اللَّوحِ المَحفُوظِ"، والَّذي أَوْدَع البُذُورَ فَهارِسَ الأَشجارِ ومَناهِجَها كافّةً، والَّذي أَملَى في جَمِيعِ القُوَى الحافِظةِ في رُؤُوسِ أُولي المَشاعِرِ تَوارِيخَ حَياتِهِم بِانتِظامٍ ودُونَ خَطَأٍ..
ويَشهَدُونَ كَذلِك على شُمُولِ حِكْمَتِك المُقَدَّسةِ كُلَّ شَيءٍ، الَّتي قَلَّدَت كُلَّ مَوجُودٍ حِكَمًا كَثِيرةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّها أَعطَت بِما تَمُدُّ كُلَّ شَجَرةٍ نَتائِجَ بِعَدَدِ أَثمارِها، والَّتي أَردَفَت في كُلِّ ذِي حَياةٍ مَصالِحَ بِعَدَدِ أَعضائِه، بل بِعَدَدِ أَجزائِه وخَلاياه، حَتَّى إِنَّها معَ تَوظِيفِها لِسانَ الإِنسانِ بِوَظائِفَ عِدّةٍ فقد جَهَّزَتْه أَيضًا بِمَوازِينَ ذَوْقِيّةٍ بِعَدَدِ أَذْواقِ الأَطعِمةِ..
وهُم يَشهَدُونَ أَيضًا على استِمرارِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الجَلالِيّةِ والجَمالِيّةِ یی الظّاهِرةِ آثارُها في هذه الدُّنيا یی ودَوامِها بِأَسطَعِ صُورةٍ وأَبهَرِها في أَبَدِ الآبادِ، وعلى استِمرارِ آلائِك المُشاهَدةِ أَمثالُها في هذه الدُّنيا الفانِيةِ وبَقائِها أَكثَرَ بَهاءً ولَمَعانًا في دار السَّعادةِ، وعلى مُرافَقَتِها المُشتاقِينَ الَّذِينَ حَظُوا بِها في هذه الدُّنيا ومُصاحَبَتِها لَهُم في الخُلُودِ.
فالرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی في المُقَدِّمةِ یی مُستَنِدًا إلى مِئاتٍ مِن مُعجِزاتِه الباهِرةِ، والقُرآنُ الكَرِيمُ مُستَنِدًا إِلى آياتِه الجازِمةِ، ثُمَّ جَمِيعُ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام وهُم ذَوُو الأَرواحِ النَّیيِّرةِ، وجَمِيعُ الأَولِياءِ وهُم أَقطابُ ذَوِي القُلُوبِ النُّورانيّةِ، وجَمِيعُ الأَصفِياءِ وهُم أَربابُ العُقُولِ المُنَوَّرةِ.. يُبَشِّرُونَ الجِنَّ والإِنسَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ ويُنذِرُونَ الضَّالِّينَ بِجَهَنَّمَ یی وهُم يُؤمِنُونَ بِهذا ويَشهَدُونَ عَلَيْه یی استِنادًا إِلى ما ذَكَرْتَه مِرارًا وتَكرارًا مِنَ الوَعدِ والوَعِيدِ في جَمِيع الكُتُبِ السَّماوِيّةِ والصُّحُفِ المُقَدَّسةِ، واعتِمادًا على صِفاتِك وشُؤُونِك القُدسِيّةِ كالقُدْرةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ والحِكْمةِ والجَلالِ والجَمالِ، ووُثُوقًا بعِزّةِ جَلالِك وسُلطانِ رُبُوبِيَّتِك، ويُبَشِّرُونَ بِكَشْفِيّاتِهِم ومُشاهَداتِهِم وبِعَقِيدَتِهِمُ الرّاسِخةِ بِعِلمِ اليَقِينِ.
— 541 —
يا قادِرُ يا حَكِيمُ، يا رَحْمٰنُ يا رَحِيمُ، يا صادِقَ الوَعدِ الكَرِيمَ، يا قَهَّارُ يا ذا الجَلالِ، ويا ذا العِزَّةِ والعَظَمةِ والجَلالِ..
إِنَّك مُقَدَّسٌ مُطلَقٌ، وأَنتَ مُتَعالٍ مُنَزَّهٌ مُطلَقٌ عن أن تُوصِمَ بِالكَذِبِ كُلَّ هذا العَدَدِ مِن أَولِيائِك الصّادِقِينَ ووُعُودِك العَدِيدةِ وصِفاتِك الجَلِيلةِ وشُؤُونِك المُقَدَّسةِ.. فتَحجُبَ ما تَقتَضِيه حَتمًا سَلْطَنةُ رُبُوبِيَّتِك، وتَرُدَّ ما لا يُحَدُّ مِن أَدعِيةٍ ودَعَواتٍ صادِرةٍ مِمَّن لا يُعَدُّ مِن عِبادِك المَقبُولِينَ الَّذِينَ أَحبَبتَهُم وأَحَبُّوك وحَبَّبُوا أَنفُسَهُم إِلَيْك بِالإِيمانِ والتَّصدِيقِ والطّاعة.. فأَنتَ مُنَیزَّهٌ وأَنتَ مُتَعالٍ مُطلَقٌ مُستَغنٍ عن تَصدِيقِ أَهلِ الضَّلالةِ والكُفرِ الَّذِينَ يَتَعرَّضُونَ لِعَظَمةِ كِبْرِيائِك في إِنكارِهِم الحَشرَ، ويَتَسَبَّبُونَ في التَّجاوُزِ على عِزّةِ جَلالِك، ويَمَسُّونَ هَيْبةَ أُلُوهِيَّتِك ورَأْفةَ رُبُوبِيَّتِك بكُفرِهِمُ وعِصيانِهِم وبِتَكذِيبِهِم إِيّاك في وَعْدِك.
فأَنا أُقَدِّسُ عَدالَتَك وجَمالَك ورَحْمَتَك غَيرَ المُتَناهِيةِ یی بِلا حَدٍّ ولانِهايةٍ یی وأُنزِّهُها عن هذا الظُّلمِ والقُبحِ غَيرِ المُتَناهِيَينِ وأَرغَبُ أن أَتلُوَ بِعَدَدِ ذَرّاتِ وُجُودِي الآيةَ الكَرِيمةَ: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بل إِنَّ رُسُلَك الصّادِقِينَ یی أُولَئِك الَّذِينَ هُم دُعاةُ سَلْطَنَتِك الحَقِيقِيُّونَ یی يَشهَدُونَ ويُبَشِّرُونَ ويُشِيرُونَ بِحَقِّ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ وعِلمِ اليَقِينِ إِلى خَزائِنِ رَحْمَتِك الأُخرَوِيّةِ وكُنُوزِ آلائِك في عالَمِ البَقاءِ، وإِلى انكِشافِ تَجَلِّياتِ أَسمائِك الحُسنَى تَجَلِّيًا تامًّا خارِقًا في دارِ السَّعادةِ، ويُرشِدُونَ عِبادَك المُؤمِنِينَ بِأَنَّ أَعظَمَ شُعاعٍ لِاسمِ "الحَقِّ" الَّذي هو مَرجِعُ جَمِيعِ الحَقائِقِ وشَمْسُها وحامِيها هو حَقِيقةُ الحَشرِ الكُبْرَى.
يا رَبَّ الأَنبِياءِ والصِّدِّيقِينَ..
إِنَّ أُولَئِك جَمِيعًا مُسَخَّرُونَ ومُوَظَّفُونَ في مُلكِك أَنتَ، وبِأَمرِك وقُدْرَتِك أَنتَ، وبإِرادَتِك وتَدبِيرِك أَنتَ، وبِعِلمِك وحِكْمَتِك أَنتَ.. وقد أَظهَرُوا الكُرةَ الأَرضِيّةَ بِالتَّقدِيسِ والتَّسبِيحِ والتَّیكبِيرِ والتَّحمِيدِ والتَّهلِيلِ في حُكْمِ أَعظَمِ مَكانٍ لِلذِّكرِ، وأَبرَزُوا الكَونَ في حُكْمِ أَكبَرِ مَسجِدٍ لِلعِبادةِ.
— 542 —
يا رَبِّي، ويا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ.. يا خَالِقِي، ويا خَالِقَ كُلِّ شَيءٍ..
بِحَقِّ قُدرَتِك وإِرادَتِك وحِكْمَتِك وحاكِمِيَّتِك ورَحْمَتِك الَّتي سَخَّرتَ بِها السَّمَاواتِ بِنُجُومِها، والأَرضَ بمُشتَمَلاتِها، وجَمِيعَ المَخلُوقاتِ بِجَمِيعِ كَيفِيّاتِها وأَنواعِها:
سَخِّرْ لي نَفسِي، وسَخِّرْ لي مَطلُوبِي، وسَخِّر قُلُوبَ النّاسِ لِرَسائِلِ النُّورِ لِيَخدُمُوا القُرآنَ والإِيمانَ.. وهَبْ لي ولِإِخوانِي إِيمانًا كامِلًا وحُسنَ الخاتِمةِ؛ وكما سَخَّرتَ البَحرَ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ النّارَ لِإِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الجِبالَ والحَدِيدَ لِداوُدَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الإِنسَ والجِنَّ لِسُلَيمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الشَّمسَ والقَمَرَ لِمُحَمَّدٍ علَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَخِّرِ القُلُوبَ والعُقُولَ لِرَسائِلِ النُّورِ؛ واحْفَظْنِي واحْفَظْ طَلَبةَ رَسائِلِ النُّورِ مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن عَذابِ القَبرِ ومِن نارِ جَهَنَّمَ، وأَسعِدْنا في فِردَوسِ الجَنّةِ. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
هَذا هُو الدَّرسُ الَّذي تَعَلَّمتُه مِنَ القُرآنِ الكَرِيم ومِنَ المُناجاةِ النَبَوِيّةِ المُسمَّاةِ الجَوْشَنَ الكَبِيرَ، فإِنْ كُنتُ قصَّرتُ في تَقدِيمِه عِبادةً تَفكُّرِيّةً بَينَ يَدَيْ رَبِّي الرَّحِيمِ، فإِنِّي أَضْرَعُ إلى رحْمَتِه سُبْحانَه مُستَشفِعًا بالقُرآنِ والجَوْشَنِ الكَبيرِ لِيَعفُوَ عَنِّي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 543 —

الفهرس

اللَّمْعة الأولى: ٥
تُبيِّنُ سِرًّا مُهِمًّا وحَقِيقةً عَظِيمةً لِمُناجاةِ سَيِّدِنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام المَشهُورةِ، والَّتي تُصَرِّحُ بها الآيةُ: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، وتُؤكِّدُ أنَّ كلَّ إِنسانٍ في هذه الدُّنيا على الحالِ نَفسِها الَّتي مرَّ بِها سَيِّدُنا يُونُسُ عَلَيهِ السَّلَام لكِن بمِقياسٍ أَكبَرَ، وأنَّ ما يَعنِيهِ الحُوتُ والبَحرُ واللَّيلُ بالنِّسبةِ إلى سَيِّدِنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام نَظِيرُ ما تَعنِيه النَّفسُ والدُّنيا والمُستَقبَلُ لِكُلِّ إِنسانٍ.
اللَّمْعة الثانية: ١٠
خَمْسُ نِكاتٍ تُفَسِّرُ سِرًّا جَلِيلًا وحَقِيقةً سامِيةً لِمُناجاةِ سَيِّدِنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام المَشهُورةِ، والَّتي تُصَرِّحُ بها الآيةُ: نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وهذه الرِّسالةُ بمَثابةِ دَواءٍ نافِعٍ وتَرْياقٍ مَعنَوِيٍّ لِجَمِيعِ المَرضَى والمُبتَلَيْنَ بِالمَصائِبِ، وتَرفَعُ عنِ المَصائِبِ المادِّيّةِ الَّتي تَحُلُّ بِأَهلِ الإِيمانِ صِفةَ المُصِيبةِ.
كما تُوضِّحُ أنَّ المُصِيبةَ العُظمَى هي مُصِيبةُ الضَّلالةِ الَّتي تُصِيبُ القَلبَ والرُّوحَ، وأنَّ دَقائِقَ عُمُرِ الصّابِرِينَ الشّاكِرِينَ مِنَ المُصابِينَ بمَثابةِ ساعاتِ عِبادةٍ؛ فتُغلَقُ بِها أَبوابُ الشَّكوَى وتُفتَحُ أَبوابُ الشُّكرِ الدّائِمِ.
اللَّمْعة الثالثة: ٢٠
تُفسِّرُ حَقِيقَتَينِ مُهِمَّتَينِ مِن حَقائِقِ الآيةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وذلك مِن خِلالِ قَضِيَّتَينِ رَفِيعَتَينِ تُعَبِّرُ عَنهُما الجُملَتانِ
— 544 —
الشَّهِيرَتانِ «يا باقي أنتَ الباقي.. يا باقي أنتَ الباقي» ؛ وهِي رِسالةٌ جَلِيلةٌ تُثبِتُ أنَّ رُوحَ الإِنسانِ قد خُلِقَت لِلبَقاءِ وأنَّها مِن عُشّاقِ البَقاءِ، لكِنَّها لو عَرَفَتِ المُناسَبةَ الحَقِيقيّةَ تِجاهَ الباقي ذِي الجَلالِ لَتَبدَّلَ عُمُرُها الفاني عُمُرًا باقِيًا، ولَأَصبَحَت ثَوانيها بحُكمِ السِّنِينَ، أمّا رُوحُ الإِنسانِ الَّتي لم تَعرِفِ الباقيَ ذا الجَلالِ فتَغدُو سَنَواتُها بحُكمٍ ثَوانٍ مَعدُوداتٍ.
وكُلُّ مَنِ استاءَ مِنَ الفَناءِ، ولَدَيْه فُضُولٌ لِمَعرِفةِ حَقِيقةِ البَقاءِ، فعَلَيْه مُطالَعةُ هذه الرِّسالةِ بدِقّةٍ وتَمَعُّنٍ.
اللَّمْعة الرابعة: ٢٧
رِسالةٌ مُهِمّةٌ تَحمِلُ عُنوانَ "مِنهاجُ السُّنّةِ"، تُعالِجُ بِصُورةٍ قَطعِيّةٍ وتَحُلُّ بِطَرِيقةٍ جَلِيَّةٍ أَهَمَّ مَسأَلةٍ خِلافيّةٍ بَينَ أَهلِ السُّنّةِ والشِّيعةِ، وهِي "مَسأَلةُ الإِمامةِ".
وتُفَسِّرُ ضِمنَ أَربَعِ نِكاتٍ حَقِيقَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِنَ الحَقائِقِ الكَثِيرةِ لِلآياتِ الجَلِيلةِ:
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ٭ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
إنَّها رِسالةٌ قيِّمةٌ ومُفِيدةٌ لِلجَمِيعِ، سَواءٌ كانُوا مِن أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ أو مِنَ الطّائِفةِ العَلَوِيّةِ؛ إنَّها بِحَقٍّ مِنهاجٌ للسُّنّةِ، تُوضِّحُ بالتَّفصِيلِ مَوقِفَ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ مِن هذه المَسأَلةِ.
اللَّمْعة الخامسة: ٣٨
كانَ مِنَ المُقرَّرِ أن تكُونَ هذه اللَّمْعةُ رِسالةً تَضُمُّ خَمسَ عَشْرةَ مَرتَبةً تُبيِّنُ حَقِيقةً جَلِيلةً لِلآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، إِلّا أنَّ تَألِيفَها قد تَأَجَّلَ في الوَقتِ الحاضِرِ لِكَونِها ذاتَ عَلاقةٍ بالتَّفكُّرِ والذِّكرِ أَكثَرَ مِن
— 545 —
عَلاقَتِها بالعِلمِ والحَقِيقةِ؛ كما أنَّ اللَّمْعةَ الحادِيةَ عَشْرةَ المَعرُوفةَ بِاسمِ "مِرقاةُ السُّنّةِ وتِرياقُ مَرَضِ البِدعةِ" قد أُلِّفَت في بادِئِ الأَمرِ على أنَّها "اللَّمْعةُ الخامِسةُ"، إلّا أنَّها انقَسَمَت إلى إِحدَى عَشْرةَ نُكتةً مُهِمّةً، لِذا دَخَلَت في عِدادِ اللَّمْعةِ الحادِيةَ عَشْرةَ، وبَقِيَ مَوضِعُ "اللَّمْعةِ الخامِسةِ" فارِغًا.
اللَّمْعة السادسة: ٣٨
كانَ مِنَ المُقرَّرِ في بَيانِ «لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلّا باللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» الَّتي تُعبِّرُ عن حَقِيقةٍ جَلِيلةٍ تَنبُعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ، أَن تُوَضِّحَها هذه اللَّمْعةُ في مَراتِبَ فِكْرِيّةٍ تَقرُبُ مِن عِشرِينَ مَرتَبةً، وقد كُنتُ أَستَشعِرُها في نَفسِي وأُشاهِدُها في سَيْرِي الرُّوحِيِّ في أَثناءِ الذِّكرِ والتَّفكُّرِ كما في "اللَّمْعةِ الخامِسةِ"، ولكِن لِكَونِها ذاتَ عَلاقةٍ بالذَّوقِ الرُّوحِيِّ والحالِ القَلبِيِّ أَكثَرَ مِن تَعَلُّقِها بالعِلمِ والحَقِيقةِ، ارْتُؤِيَ وَضْعُها في خِتامِ "اللَّمَعاتِ" ولَيسَ في بِدايَتِها.
اللَّمْعة السابعة: ٣٩
تَعرِضُ ثَمانَ إِخباراتٍ غَيبِيّةٍ على سَبِيلِ الإِخبارِ بالغَيبِ مِن بَينِ الوُجُوهِ الإِعجازِيّةِ العَشَرةِ لِلآياتِ الثَّلاثةِ الأَخِيرةِ مِن سُورةِ الفَتحِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ٭ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٭ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وتُثبِتُ أنَّ هذه الآياتِ الثَّلاثةَ بحَدِّ ذاتِها مُعجِزةٌ باهِرةٌ.
— 546 —
وتَتَحدَّثُ في تَتِمَّتِها عن نُكتةٍ إِعجازِيّةٍ جَلِيلةٍ مِن بَينِ نِكاتِ الآيةِ: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، وتُشِيرُ إلى إِخباراتِها الغَيبِيّةِ الشَّبِيهةِ تَمامًا بالإِخباراتِ الَّتي أَشارَت إِلَيْها الآياتُ الأَواخِرُ مِن سُورةِ الفَتحِ.
وفي خاتِمَتِها تُوَضِّحُ نُكتةً إِعجازِيّةً ساطِعةً مِن نُكَتِ إِعجازِ القُرآنِ الحَكِيمِ الخاصّةِ بالتَّوافُقاتِ، وتُؤكِّدُ أنَّ القُرآنَ قد أُدرِجَ یی بدَرَجةٍ ما یی في سُورةِ الفاتِحةِ، والفاتِحةُ في البَسمَلةِ، والبَسمَلةُ في الٓمٓ.
ومِنَ التَّوافُقاتِ اللَّطِيفةِ الإِعجازِيّةِ لِلَفظِ (الله) في مَصاحِفِ (الدّارْكَنارِ) (أي التي تَبدَأُ كلُّ صَفحةٍ مِنها بآيةٍ وتنتهي بآية) الأَكثَرِ تَداوُلًا وانتِشارًا: أنَّ لَفظَ الجَلالةِ في السَّطرِ قَبلَ الأَخِيرِ مِن كُلِّ صَحِيفةٍ في جَمِيعِ القُرآنِ تُساوِي ثَمانِينَ لَفظًا، وفي الأَسفَلِ مِنها تَتَوافَقُ أَلفاظُ الجَلالةِ فَوقَ بَعضِها في ثَمانِينَ لَفظًا كَذلِك، ويُظهِرُ كلُّ واحِدٍ الآخَرَ بالتَّوافُقِ، وكأنَّ ثَمانِينَ لَفظَ جَلالةٍ تُشَكِّلُ لَفظًا واحِدًا؛ وكَذلِك في وَسَطِ السَّطرِ الأَخِيرِ تَمامًا تُساوِي خَمسًا وخَمسِين، وفي بِدايَتِه خَمسًا وعِشرِينَ، فيَكُونُ المَجمُوعُ ثَمانِينَ، ويَتَوافَقُ في العَدَدِ معَ العَدَدَينِ (٨٠) المَذكُورَينِ، كما أنَّ في السَّطرِ الأَخِيرِ وَحْدَه مِئتَينِ وأَربَعِينَ تَوافُقًا لَطِيفًا.
فيُبيِّنُ هذا الأَمرُ أنَّ آياتِ القُرآنِ العَظِيمِ الشَّأنِ وكَلِماتِه وحُرُوفَه مِثلَما هي مَبعَثُ إِعجازٍ في كلٍّ مِنها على حِدةٍ، كَذلِك نَقشُ كَلِماتِه وخَطُّه مَظهَرُ شُعلةٍ إِعجازِيّةٍ أُخرَى.
اللَّمْعة الثامنة: ٥٠
نُشِرَت ضِمنَ مُجلَّدٍ آخَرَ فلم تُدرَج هنا.
اللَّمْعة التاسعة: ٥٠
نُشِرَت ضِمنَ مُجلَّدٍ آخَرَ فلم تُدرَج هنا.
— 547 —
اللَّمْعة العاشرة: ٥١
تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، وذلِك بذِكرِ لَطَماتِ تَأْدِيبٍ رَحِيمةٍ تَلَقّاها أَصحابِي العامِلُونَ في خِدمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، نَتِيجةَ أَخطاءٍ ونِسيانٍ وغَفْلةٍ وَقَعُوا فيها بمُقتَضَى جِبِلَّتِهِمُ البَشَرِيّةِ.
أجل، لَقَد كُتِبَت هذه الرِّسالةُ في قِسمَينِ: الأوَّلُ يَذكُرُ لَطَماتِ تَنبِيهٍ رَحِيمةً تَلَقّاها العامِلُونَ الخَواصُّ الصّادِقُونَ في خِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وذَلِك مِن جَرّاءِ أَخطاءٍ ونِسيانٍ وغَفْلةٍ وَقَعُوا فيها.
والقِسمُ الثّانِي يتَحَدَّثُ عن صَفَعاتِ الزَّجرِ الَّتي تَلَقّاها أُولَئِك الَّذِينَ يَبدُونَ أَصحابًا في الظّاهِرِ، ولكِنَّهم يَحمِلُونَ عَداوةً في قُلُوبِهِم نَتِيجةَ ما أَلحَقُوا مِن أَضرار، غَيرَ أَنَّه لم يُؤلَّف في الوقت الحالي؛ لِذلِك سنَتَحدَّثُ عن خَمْسَ عَشْرةَ حادِثةً فَقَط في القِسمِ الأوَّل مِن بَينِ مِئاتِ الحَوادِثِ، ولم نُكثِرْ مِنها كَيْلا نَكسِرَ خَواطِرَ بَعضٍ مِنهُم مِن غَيرِ ضَرُورةٍ.
فمَن كَتبَ يَتَحدَّثُ عنِ الصَّفْعةَ التي تَلَقَّاها فإِنَّما كَتَبَ بِناءً على قَبُولِه وتَصدِيقِه وتَوقِيعِه، وأَنا كَتَبتُ ما تَلَقَّيتُه مِن صَفَعاتٍ خَمْسٍ، كما كَتَبتُ نِيابةً عن عَبدِ المَجِيدِ وخُلُوصِي لِأنَّني أَعُدُّهُما مِثلَ نَفسِي، أَمّا الآخَرُونَ فبَعضُهُم كَتَبَ بِنَفسِه، وآخَرُونَ رَأَوْا ما كُتِبَ عنهم وصادَقُوا علَيْه.. واكتَفَيْنا بِذَلِك كنَماذِجَ، وإِلّا فثَمّةَ الكَثِيرُ مِنَ الوَقائِعِ.
وقد أَوْرَثَتْنا هذه الحَوادِثُ قَناعةً تامّةً أَنَّنا لَسْنا هَمَلًا في خِدمَتِنا هذه، بل نَحنُ تَحتَ رَقابةٍ فائِقةٍ وعِنايةٍ دَقِيقةٍ، وفي كَنَفِ حِمايةٍ عاليةٍ وحِفظٍ مَتِينٍ.
وفي نِهايةِ هذه الرِّسالةِ تَوضِيحُ حَقِيقةٍ مُهِمّةٍ حَولَ سِرِّ: «الظُّلمُ لا يَدُومُ، والكُفرُ يَدُومُ» ، وأنَّ أُولَئِك المُلحِدِينَ الَّذِينَ يتَعرَّضُونَ لِخِدمَتِنا ظُلمًا وجَوْرًا سيَتَلَقَّوْنَ
— 548 —
الصَّفَعاتِ في الدُّنيا یی وقد تَلَقَّوْا بَعضًا مِنها یی، كما وَضَّحَتِ السَّبَبَ في إِمهالِ الَّذِينَ يتَعرَّضُونَ لنا انتِصارًا لِلزَّندَقةِ والضَّلالةِ، والحِكْمةَ مِن عَدَمِ تَلقِّيهِمُ الصَّفَعاتِ في الدُّنيا.
اللَّمْعة الحاديةَ عشرة: ٦٤
رِسالةٌ مُهِمّةٌ جِدًّا تَحمِلُ عُنوانَ: "مِرقاةُ السُّنّةِ وتِرياقُ مَرَضِ البِدعةِ"، تُفسِّرُ في إِحدَى عَشْرةَ نُكتةً حَقِيقَتَينِ شَرِيفَتَينِ مِن حَقائِقِ الآيتَينِ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
النُّیكتة الأُولَى: تَشرَحُ مَعنَى الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «مَن تَمَسَّك بسُنَّتي عِندَ فَسادِ أُمَّتي فلَه أَجْرُ مِئةِ شَهِيدٍ».
النُّیكتةُ الثّانيةُ: حَولَ قَولِ الإِمامِ الرَّبّانِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ: "إِنَّ اتِّباعَ السُّنّةِ السَّنِيّةِ أَكثَرُ الطُّرُقِ سَلامةً ولَطافةً وهَيْبةً".
النُّیكتة الثالثةُ: تُقدِّمُ تَصدِيقًا لِحِكَمِ الإِمامِ الرَّبّانِيِّ فِيما يَخُصُّ أَهَمِّيّةَ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ.
النُّیكتة الرّابعةُ: تَعرِضُ سِياحةً رُوحِيّةً تَخُصُّ عالَمًا مَعنَوِيًّا عَجِيبًا لِلغايةِ، وذَلِك مِن بابِ حَقِيقةِ "المَوتُ حَقٌّ".
النُّیكتة الخامسةُ: تُبيِّنُ بقِياسٍ مَنطِقِيٍّ قَطعِيٍّ أنَّ مَحَبّةَ اللهِ تُفضِي لِاتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ كما تُصَرِّحُ بِذَلِك الآيةُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
النُّیكتة السادسةُ: تُفَسِّرُ سِرًّا جَلِيلًا مِن أَسرارِ الحَدِيثِ: «كُلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ، وكُلُّ ضَلالةٍ في النّارِ» ، وتُوضِّحُ حَقِيقةً مِن حَقائِقِ الآيةِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
النُّیكتة السّابِعةُ: تُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ مَسائِلِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ تَنطَوِي على آدابٍ وأَنوارٍ
— 549 —
عَظيمةٍ، وتُجِيبُ بأُسلُوبٍ بَدِيعٍ على السُّؤالِ: كَيفَ نَتأَدَّبُ معَ عَلّامِ الغُيُوبِ، وماذا يَعنِي هذا التَّأدُّبُ؟
النُّیكتة الثامنةُ: تُفِيدُ أنَّ بَعضَ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ هي تَرَشُّحاتُ الشَّفَقةِ والرَّأفةِ الأَحمَدِيّةِ (ص)، وتَكشِفُ مَدَى ما تَتَحلَّى به الذّاتُ الأَحمَدِيّةُ (ص) مِن مَنابِعِ الشَّفَقةِ والرَّأفةِ.
النُّیكتة التاسعةُ: تُبيِّنُ أنَّه قد يَتَعَذَّرُ اتِّباعُ كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ اتِّباعًا فِعلِيًّا كامِلًا إِلّا لِأَخَصِّ الخَواصِّ، ولَكِن يُمكِنُ لِكُلِّ أَحَدٍ الِاتِّباعُ عن طَرِيقِ النِّيّةِ والقَصْدِ والرَّغبةِ في الِالتِزامِ والقَبُولِ؛ وأنَّ الأَوْرادَ والأَذكارَ والمَشارِبَ الَّتي في الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ لَيسَت ببِدعةٍ شَرِيطةَ عَدَمِ مُخالَفَتِها أَساساتِ السُّنّةِ؛ وإن كانَ لا بُدَّ من تَسمِيَتِها فهِي بِدعةٌ حَسَنةٌ.
النُّیكتة العاشرةُ: حَولَ الآيةِ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، فتُوضِّحُ یی بِبَيانٍ جَمِيلٍ وجَلِيلٍ ومُثِيرٍ لِلإِعجابِ في ثَلاثِ نِقاطٍ یی حَقِيقةَ المَحَبّةِ الإِلٰهِيّةِ، وكَيفَ تُفضِي هذه المَحَبّةِ إلى اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ؛ كما تَعرِضُ شُعاعًا مِن كَرامةِ هذه النُّكتةِ مِن خِلالِ التَّوافُقِ الَّذي حَصَل في نَقْشِ الكِتابِ ونَسخِه.
النُّیكتةُ الحاديةَ عَشْرةَ: تُبيِّنُ أنَّ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) ثَلاثةَ مَنابِیعَ، هي: أَقوالُه، وأَفعالُه، وأَحوالُه (ص)؛ وهذه الأَقسامُ الثَّلاثةُ هي كَذلِك ثَلاثةُ أَقسامٍ: الفَرائضُ، والنَّوافلُ، وعاداتُه (ص).
وتُثبِتُ أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ فَردٌ فَرِيدٌ أُوجِدَ في أَعدَلِ نُقطةٍ بَينَ النَّوعِ البَشَرِيِّ مِن جِهةِ المِزاجِ الجِسمانِيِّ مِثلَما هو مَعنًى ورُوحًا، وهُو كَذلِك في أَوْسَطِ وأَكمَلِ نُقطةِ اعتِدالٍ لِلقُوَى الجِسمانيّةِ والنَّفسِيّةِ، وذلك بسِرِّ الآيةِ القُرآنيّةِ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
وإنَّ هذه الرِّسالةَ تِرياقٌ نافِعٌ وإِكسِيرٌ عَظِيمٌ كما أَشَرْنا في البِدايةِ.
— 550 —
اللَّمْعة الثانيةَ عَشْرةَ: ٨٢
تُفَسِّرُ في نُكتتَينِ حَقِيقَتَينِ مِن حَقائِقِ الآيتَينِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقد باتَت هاتانِ الحَقِيقَتانِ هَدَفًا لِانتِقاداتِ العُلَماءِ، إِضافةً إلى الجُغرافِيِّينَ وعُلَماءِ الفَلَكِ المُعاصِرِينَ.
النُّیكتة الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ جَمِيعَ الأَرزاقِ بِيَدِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ وَحْدَه، وتَخرُجُ مِن خَزِينةِ رَحْمَتِه دُونَ واسِطةٍ؛ وتُثبِتُ أنَّه لا يَمُوتُ أَحَدٌ جُوعًا.
النُّیكتة الثانيةُ: تُثبِتُ بسَبعةِ أَوجُهٍ أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ سَبعُ طَبَقاتٍ رَغْمَ أَنفِ الفَلاسِفةِ الجُغرافِيِّينَ المُنكِرِينَ، وكَذلِك السَّماواتُ سَبعُ طَبَقاتٍ بسَبعةِ أَوجُهٍ رَغْمًا عنِ الفَلاسِفةِ الفَلَكيِّينَ.
وإِنَّ هذه الرِّسالةَ تُلجِمُ أَفواهَ هَؤُلاءِ المُلحِدِينَ الثَّرثارِينَ وأَمثالِهِم.
اللَّمْعة الثالثةَ عَشْرةَ: ٩٤
رِسالةٌ قَيِّمةٌ وقَوِيّةٌ وصائِبةٌ، عُرِفَت بِاسمِ: "حِكمةُ الِاستِعاذةِ".
تُفسِّرُ ضِمنَ ثَلاثَ عشْرةَ إِشارةً أَهَمَّ حَقِيقةٍ مِن حَقائِقِ سُورة: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ٭ مَلِكِ النَّاسِ ٭ إِلَهِ النَّاسِ ٭ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٭ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٭ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، وتُوضِّحُ حِكمةً عالِيةً مِن حِكَمِ الآيةِ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ، وأَهَمَّ سِرٍّ مِن أَسرارِ: «أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ» ، وتَفتَحُ بِثَلاثةَ عشَرَ مِفتاحًا بابَ دُخُولِ القَلعةِ الحَصِينةِ لی: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مُسَلِّطةً الضَّوءَ على ذلك الحِصْنِ.
الإشارةُ الأُولَى: جَوابٌ واضِحٌ قَطعِيٌّ على السُّؤالِ: إِنَّ الشَّياطِينَ ليس لَهُم
— 551 —
تَدَخُّلٌ في شُؤُونِ الخَلقِ والإِيجادِ في الكَونِ، وإِنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى یی برَحْمَتِه وعِنايتِه یی ظَهِيرٌ لِأَهلِ الحَقِّ، فَضْلًا عن أنَّ جَمالَ الحَقِّ وحُسْنَه يُشَوِّقُ أَهلَه ويُؤيِّدُهُم، بعَكسِ الضَّلالةِ المُستَهجَنةِ بقُبحِها المُنفِّرِ، فما الحِكْمةُ في أنَّ حِزبَ الشَّيطانِ هو الغالِبُ في أَكثَرِ الأَحوالِ؟
الإشارةُ الثانيةُ: جَوابٌ قَوِيٌّ ومُقنِعٌ على السُّؤالِ: إِنَّ خَلْقَ الشَّياطِينِ یی وهُمُ الشَّرُّ المَحضُ یی وتَسلِيطَهُم على أَهلِ الإِيمانِ، وسَوْقَهُم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إلى الكُفرِ، ودُخُولَهُمُ النّارَ بمَكايِدِهِم، هو قُبْحٌ ظاهِرٌ، وأَمرٌ مُرعِبٌ؛ فيا تُرَى كَيفَ تَرضَى رَحْمةُ ذلك الرَّحِيمِ المُطلَقِ، وكَيفَ يَسمَحُ جَمالُ ذلك الجَمِيلِ المُطلَقِ یی وهُو الرَّحمٰنُ ذُو الجَمالِ یی بهذا القُبحِ غَيرِ المُتَناهِي والمُصِيبةِ العُظمَى؟!
الإشارةُ الثالثةُ: جَوابٌ قَطعِيٌّ وسَنِيٌّ جِدًّا على السُّؤالِ: أَينَ يَكْمُنُ السِّرُّ والحِكْمةُ في وَعِيدِ القُرآنِ المُرعِبِ وتَهدِيدِه لِأَهلِ الضَّلالةِ تِجاهَ عَمَلٍ جُزئيٍّ صَدَر مِنهُم، مِمّا لا يَتَناسَبُ بظاهِرِ العَقلِ معَ بَلاغَتِه الَّتي تَتَّسِمُ بالعَدالةِ والِانسِجامِ وأُسلُوبِه المُعجِزِ الرَّزِينِ، إذ كأنَّه يَحشُدُ الجُيُوشَ الهائِلةَ تِجاهَ شَخصٍ عاجِزٍ لا حَظَّ له في المُلكِ، فيُكسِبُه مَنزِلةَ شَرِيكٍ مُتَجاوِزٍ حَدَّه؟
الإشارةُ الرابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ العَدَمَ شَرٌّ مَحْضٌ والوُجُودَ خَيرٌ مَحْضٌ، لِذا فإنَّ الخَيْراتِ والكَمالاتِ تَستَنِدُ إلى الوُجُودِ، وإنَّ المَصائِبَ والبَلايا تَرتَكِزُ إلى العَدَمِ وتَنبُعُ مِنه.
الإشارةُ الخامسةُ: جَوابٌ مُقنِعٌ على السُّؤالِ المُرَوِّعِ: إنَّه على الرَّغمِ مِن تَوَفُّرِ أَسبابِ الهِدايةِ والِاستِقامةِ ووَسائِلِ الإِرشادِ أَمامَ أَهلِ الإِيمانِ بما بَيَّنه اللهُ سُبحانَه لَهُم في كُتُبِه المُقدَّسةِ كافّةً مِن مَثُوبةٍ وهِي نَعِيمُ الجَنّةِ، ومِن عِقابٍ أَلِيمٍ وهُو نارُ جَهَنَّمَ، ومعَ ما كَرَّرَه سُبحانَه مِن تَوجِيهٍ وتَنبِيهٍ وتَرغِيبٍ وتَحذِيرٍ.. كَيْفَ يُغلَبُ أَهلُ الإِيمانِ أَمامَ الدَّسائِسِ الدَّنيئةِ والضَّعيفةِ التّافِهةِ الصَّادِرةِ عن حِزبِ الشَّيْطانِ؟
— 552 —
الإشارةُ السادسةُ: جَوابٌ عِلمِيٌّ ومَنطِقيٌّ وصائِبٌ مُقابِلَ أَخطَرَ الدَّسائِسِ الشَّيطانيّةِ، وذلك أنَّ الشَّيطانَ يُوهِمُ بَعضَ ذَوِي القُلُوبِ الصّافِيةِ والحِسِّ المُرهَفِ أنَّ تَخَيُّلَ الكُفرِ تَصدِيقٌ لِلكُفرِ، ويُظهِرُ لَهُم تَصَوُّرَ الضَّلالةِ تَصدِيقًا لِلضَّلالةِ نَفسِها.
الإشارةُ السابعةُ: إِنَّ أَئِمّةَ المُعتَزِلةِ الَّذِينَ لم يَرُدُّوا إلى اللهِ سُبحانَه خَلْقَ الكُفرِ والضَّلالةِ، لِاعتِقادِهِم أنَّ إِيجادَ الشَّرِّ شَرٌّ، كأَنَّهُم بِهذا يُنزِّهُونَه سُبحانَه ويُقدِّسُونَه؛ فهَذِه الإِشارةُ جَوابٌ قَوِيٌّ ومَنطِقيٌّ على هذه التَّصَوُّراتِ، وعلى اعتِقادِ المَجُوسِ بوُجُودِ خالِقٍ لِلشَّرِّ؛ ورَدٌّ عقليٌّ مُقنِعٌ على المُعتَزِلةِ وبَعضِ الخَوارِجِ القائِلِينَ: "يَزُولُ إِيمانُ مَنِ ارتَكَب الكَبائِرَ".
الإشارةُ الثامنةُ: جَوابٌ قَطعِيٌّ ومَنطِقيٌّ ومُعجِبٌ على السُّؤالِ: أَوْرَدْتَ في بَعضِ الرَّسائِلِ دَلائِلَ قَطعِيّةً على أنَّ طَرِيقَ الكُفرِ والضَّلالةِ فيها مِنَ الصُّعُوبةِ والمُشكِلاتِ ما لا يُمكِّنُ أَحَدًا من سُلُوكِها، وأنَّ طَرِيقَ الإِيمانِ والهِدايةِ فيها مِنَ السُّهُولةِ والوُضُوحِ ما يُوجِبُ على الجَمِيعِ سُلُوكَها؛ بَينَما تَقُولُ في رِسالةِ "حِكمةُ الِاستِعاذةِ" أنَّ طَرِيقَ الضَّلالةِ تَجاوُزٌ وتَعَدٍّ وتَخرِيبٌ، وسُلُوكَها سَهلٌ ومَيسُورٌ لِلكَثِيرِينَ، فكَأنَّ الأَمرَينِ مُخالِفانِ لِبَعضِهِما، فما وَجْهُ التَّوفِيقِ بَينَهُما؟!
وبِمثالٍ بَدِيعٍ مُقنِعٍ تُقدِّمُ جَوابًا على السُّؤالِ: لَمّا كانَ في الكُفرِ هذا الأَلَمُ الشَّدِيدُ وهذا الخَوفُ الدّاهِمُ، كَيفَ لا يَتفَطَّرُ قَلبُ الكافِرِ ولا يَنسَحِقُ تَحتَ ضَغطِ هذا الأَلَمِ؟ بل كَيفَ يَسمَحُ له كُفرُه أن يَتَمتَّعَ بالحَياةِ ويَتَذوَّقَها؟ وما السِّرُّ في أن يَعُدَّ نَفسَه مَسرُورًا وسَعِيدًا في الحَياةِ أَكثَرَ مِن أَهلِ الإِيمانِ؟
الإشارةُ التاسعةُ: جَوابٌ بَهِيٌّ وقويٌّ ويَخُصُّ الجَمِيعَ على السُّؤالِ: لِمَ غُلِبَ أَهلُ الهِدايةِ یی وهُم حِزبُ اللهِ یی في بَعضِ الأَحيانِ أَمامَ أَهلِ الضَّلالةِ الَّذِينَ هُم حِزبُ الشَّيطانِ؟ برَغمِ أنَّهُم مُحاطُونَ بعِنايةٍ إِلٰهِيّةٍ ورَحْمةٍ رَبّانيّةٍ، ويَتَقدَّمُ صُفُوفَهُمُ الأَنبِياءُ الكِرامُ عَلَيهِم السَّلَام ويَقُودُ الجَمِيعَ فَخرُ الكائِناتِ مُحمَّدٌ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ؟
— 553 —
وما بالُ قِسمٍ مِن أَهلِ المَدِينةِ المُنَوَّرةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ وأَصَرُّوا على الضَّلالةِ ولم يَسلُكُوا الصِّراطَ السَّوِيَّ، رَغمَ أنَّهُم كانُوا يُجاوِرُونَ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) الَّذي تَسطَعُ نُبوَّتُه ورِسالتُه كالشَّمسِ؟
الإشارةُ العاشرة: تُمزِّقُ دَسِيسةً كُبْرَى مِن دَسائِسِ إِبلِيسَ، وهِي أنَّه يَجعَلُ الَّذِينَ اتَّبعُوه يُنكِرُونَ وُجُودَه؛ فتَكشِفُ عن وَجهِه القَبِيحِ المُلَوَّثِ، وتُثبِتُ وُجُودَه.
الإشارةُ الحادِيةَ عَشرةَ: بَيانٌ يَبعَثُ على الإِعجابِ بأنَّ القُرَآنَ الكَرِيمَ يُعَبِّیرُ بأُسلُوبٍ مُعجِزٍ عن غَضَبِ الكائِناتِ وتَغَيُّظِ عَناصِرِ الكَونِ جَمِيعِها وتَهَيُّجِ المَوجُوداتِ كافّةً مِن شَرِّ أَهلِ الضَّلالةِ.
الإشارةُ الثانيةَ عَشْرةَ: أَربَعةُ أَجوِبةٍ قَصِيرةٍ وقَوِيّةٍ على أَربَعةِ أَسئِلةٍ هي:
أَينَ وَجْهُ العَدالةِ في عَذابٍ مُقِيمٍ في جَهَنَّمَ لِذُنُوبٍ مَحدُودةٍ في حَياةٍ مَحدُودةٍ؟
ما الحِكْمةُ فيما جاءَ في الشَّرعِ: إنَّ جَهَنَّمَ جَزاءُ عَمَلٍ، أمّا الجَنّةُ فهِي فَضْلٌ إِلٰهِيٌّ؟
لَمّا كانَتِ السَّيِّئاتُ تَتَعدَّدُ بالتَّجاوُزِ والِانتِشارِ، كانَ المَفرُوضُ أن تُكتَبَ كلُّ سَيِّئةٍ بأَلفٍ، وتُكتَبَ الحَسَناتُ حَسَنةً واحِدةً؛ فلِمَ تُكتَبُ السَّيِّئةُ بمِثلِها والحَسَنةُ بعَشرِ أَمثالِها؟
الِانتِصاراتُ الَّتي يُحرِزُها أَهلُ الضَّلالةِ، والقُوّةُ والصَّلابةُ الَّتي يُظهِرُونَها، هل هِي نَتِيجةُ ضَعْفِ أَهلِ الهِدايةِ ووَهْنِهِم؟
الإشارةُ الثّالثةَ عشْرةَ: ثلاثُ نِقاط:
الأُولَى: جَوابٌ مُخرِسٌ لِشَياطِينِ الإِنسِ والجِنِّ رَدًّا على أَعظَمِ كَيدٍ لَهُم، وهُو خِداعُهُم لِضَيِّقي الصَّدرِ وقاصِرِي الفِكرِ مِنَ النّاسِ، فيما يتعلق بعَظَمةِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ.
النُّقطةُ الثّانيةُ: جَوابٌ مُقنِعٌ لِلجَمِيعِ رَدًّا على دَسِيسةٍ خَطِيرةٍ لِلشَّيطانِ وهِي: دَفعُ الإِنسانِ إلى عَدَمِ الِاعتِرافِ بتَقصِيرِه، كي يَسُدَّ علَيْه طَرِيقَ الِاستِغفارِ
— 554 —
والِاستِعاذةِ، مُثِيرًا فيه أَنانيّةَ النَّفسِ لِتُدافِعَ كالمُحامِي عن ذاتِها، وتُنزِّهَها عن كلِّ نَقصٍ.
وتُبيِّنُ أنَّ النَّقصَ الأَعظَمَ هو ألّا يَعتَرِفَ المَرءُ بنَقصِه، وأنَّ الذي يُبصِرُ عَيبَه وتَقصِيرَه فقدِ انتَفَى عنه العَيبُ.
النُّقطةُ الثَّالثةُ: جَوابٌ مَتِينٌ جَلِيلٌ، وخِطابٌ مُحكَمٌ صائِبٌ، يَحتاجُه الجَمِيعُ خُصُوصًا مَن كانَ سَرِيعَ الغَضَبِ ومَن لا يَكادُ يُعجِبُه شَيءٌ، حِرصًا علَيْهِم مِمّا يُفسِدُ حَياتَهُمُ الِاجتِماعِيّةَ من الدَّسِيسةِ الشَّيطانيّةِ المُتَمثِّلةِ في التَّغافُلِ عن جَمِيعِ حَسَناتِ المُؤمِنِ بسَبَبِ سَيِّئةٍ واحِدةٍ، فالَّذِينَ يُلقُونَ السَّمعَ إلى هذا الكَيدِ الشَّيطانِيِّ مِن غَيرِ المُنصِفِينَ يُعادُونَ المُؤمِنَ؛ لكِن كانَ مِنَ الواجِبِ أَن يُراعَى دُستُورُ الحقِّ سُبحانَه وتَعالَى الذي يَزِنُ أَعمالَ المُكلَّفِينَ بمِيزانِه الأَكبَرِ وبعَدالَتِه المُطلَقةِ يَومَ الحَشرِ.
فهَذِه الرِّسالةُ بإِشاراتِها الثَلاثَ عَشْرةَ تَقفُ سَدًّا منيعًا أمامَ ثَلاثَ عَشْرةَ هُجْمةً من هَجَماتِ شَياطِينِ الإِنسِ والجِنِّ، وتُقَدِّمُ لِأَهلِ الإِيمانِ ثَلاثةَ عَشَرَ مِفتاحًا لِثَلاثةَ عَشَرَ بابًا مِن أَبوابِ قَلعةِ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ المَتِينةِ لِيَتَحَصَّنُوا فيها ويَحتَمُوا بكَنَفِها.
وإنَّ لِهذِه الرِّسالةِ "حِكمةُ الِاستِعاذةِ" أَخَوَينِ مُهِمَّينِ: أَحَدُهُما: «الهَجَماتُ السِّتّةُ» ، وهِي الرِّسالةُ السّادِسةُ لِلمَكتُوبِ التّاسِعِ والعِشرِينَ، والآخَرُ: رِسالةُ «حُجّةُ القرآنِ على الشَّيطانِ وحِزبِه» إِحدَى رَسائِلِ المَكتُوبِ السَّادِسِ والعِشرِينَ، فالأَوَّلُ قَلعةٌ والآخَرُ حِصنٌ حَصِينٌ.
وهذه الرَّسائِلُ الثَّلاثُ ذاتُ صِلةٍ بِبَعضِها، وأُؤَكِّدُ على لُزُومِها وضَرُورَتِها لِلمُؤمِنِينَ في هذا الزَّمانِ؛ لكِن يُمكِنُ تَقدِيمُها لِمَن يَحمِلُ صِدْقًا تامًّا تِجاهَ القُرآنِ، ولا يَنبَغِي إِعطاؤُها لِمُمالِئي البِدَعِ والضَّلالاتِ، أوِ المُصابِينَ بمَرَضِ السِّياسةِ؛ خُصُوصًا رِسالةَ «الهَجَماتُ السِّتّةُ» ، فهِي خاصّةٌ ومَخصُوصةٌ بِأَخَصِّ وأَصدَقِ
— 555 —
إِخوانِي، لِأنَّ فيها نَبرةَ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" الحادّةَ.. كما أَنصَحُ بأَلَّا تُعرَضَ الآنَ لِمَن لا يَحمِلُ استِعدادًا وقابِلِيّةً لِلإِصغاءِ لِلحَقِّ أو تَقَبُّلِه، وكَذلِك «الإِشاراتُ السَّبعةُ» هي مِثلُ «الهَجَماتُ السِّتّةُ» مُخصَّصةٌ لِلخَواصِّ في المَرحَلةِ الحاليّةِ.
اللَّمْعة الرابعةَ عَشْرةَ: ١٢٣
تَضُمُّ مَقامَينِ.
المَقامُ الأوَّلُ: "سُئِلَ الرَّسُولُ (ص): على أيِّ شَيءٍ تَقُومُ الأَرضُ؟ فأَجابَ: على الثَّورِ والحُوتِ"، وثَمّةَ أَقاوِيلُ كَثِيرةٌ حَولَ هذا الحَدِيثِ، في حِينِ يُنكِرُه عُلَماءُ الجُغْرافيا یی وحاشاه یی.
فيَعرِضُ هذا المَقامُ ثَلاثةَ أَوجُهٍ يُبيِّنُ مِن خِلالِها المَعنَى الحقيقيَّ لِهذا الحَدِيثِ بأُسلُوبٍ رائِعٍ، يَحمِلُ كلَّ مَن يَملِكُ مِقدارَ ذَرّةِ إِنصافٍ وإِذعانٍ لِلحَقِّ مِن أُولَئِك المُنكِرِينَ والجُغرافيِّينَ على الإِقرارِ بِأنَّ هذا الحَدِيثَ مُعجِزةٌ أَحمَدِيّةٌ باهِرةٌ، لِأَجلِ ما تَضَمَّنَته أَجوِبَتُه الثَّلاثةُ مِن حَقائِقَ قَطْعِيّةٍ ومَعانٍ غَزِيرةٍ.
المَقامُ الثّاني: يُفَسِّرُ سِتًّا مِن أَهَمِّ أَسرارِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، ويُبيِّنُ أنَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" خُلاصةُ القُرآنِ وفِهرِسُه ومِفتاحُه، وأنَّها خَطٌّ قُدسِيٌّ نُورانِيٌّ مُمتَدٌّ مِنَ العَرشِ إلى الفَرشِ، ومِفتاحُ بابِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ، ومَنبَعُ أَنوارٍ يَمنَحُ كلَّ مُبارَكٍ فَيضًا وبَرَكةً.
ويَتَوجَّهُ هذا المَقامُ الثّاني إلى الرِّسالةِ الأُولَى، أي: "الكَلِمةُ الأُولَى"، فكَأنَّ أَجزاءَ رَسائِلِ النُّورِ دائِرةٌ يتَّحِدُ مَبدَؤُها بمُنتَهاها عَبرَ خَطِّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" المُبارَكِ.
كانَ مُقرَّرًا أن يُكتَبَ في هذا المَقامِ ثَلاثُونَ سِرًّا بَدَلًا مِن سِتّةٍ، لكِنَّها بَقِيَتِ الآنَ سِتّةً، وبِرَغمِ قِصَرِه إِلّا أنَّه يتَضَمَّنُ حَقائِقَ جَلِيلةً؛ فمَن قَرَأَه بتَمَعُّنٍ أَدرَكَ كم أنَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" خَزِينةٌ قُدسِيّةٌ جَلِيلةٌ.
— 556 —
اللَّمْعةُ الخامسةَ عشْرةَ: ١٤١
هِي فَهارِسُ كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ: الكَلِماتُ، المَكتُوباتُ، واللَّمَعاتُ یی إلى اللَّمْعةِ الرّابِعةَ عَشْرةَ یی وحَيثُ إنَّ كلَّ مَجمُوعةٍ خُصَّت بفِهْرِسِها في نِهايَتِها، لِذا لم تُدرَجْ هُنا.
اللَّمْعةُ السّادسةَ عشْرةَ: ١٤٢
تَحتَوِي إِجاباتٍ على أَربَعةِ أَسئِلةٍ مُثِيرةٍ لِلفُضُولِ تَتَناوَلُ بَعضَ المَسائِلِ المُهِمّةِ، وهِي:
الأوَّلُ: جَوابٌ جَمِيلٌ على السُّؤالِ: إنَّ أَهلَ الكَشْفِ قد أَخبَرُوا بحُدُوثِ فَرَجٍ وفُتُوحاتٍ لِأَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ، فلِماذا لم يَظهَر شَيءٌ مِن هذا القَبِيلِ؟
الثاني: جَوابٌ لَطِيفٌ على السُّؤالِ: كانَ يَلزَمُ مُؤلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ أن يُعادِيَ أَهلَ الدُّنيا الَّذِينَ يُضيِّقُونَ الخِناقَ علَيْه، فما السَّببُ في عَدَمِ تَعَرُّضِه لَهُم بشَكلٍ حِسِّيٍّ؟
الثالث: جَوابٌ لَطِيفٌ على السُّؤالِ: إنَّ هُجُومَ الأَجانِبِ كإِنكِلتِرا وإِيطاليا على هذه الحُكُومةِ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ يُؤَدِّي إلى إِثارةِ الحَمِيّةِ الإِسلامِيّةِ، وهِي رَكِيزةٌ حَقِيقيّةٌ ومَنبَعُ قُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ لِلأُمّةِ، ووَسِيلةٌ لِإحياءِ الشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ یی إلى حَدٍّ مّا یی ولِدَفعِ شَيءٍ مِنَ البِدَعِ.. فلِمَ عارَضتَ هذه الحَربَ بِشِدّةٍ؟
الرابع: جَوابٌ حَسَنٌ وبَدِيعٌ على السُّؤال: لِمَ تُوصُونَ أَصدِقاءَكُم بأَخذِ الحَذَرِ مِنِ اطِّلاعِ عُمُومِ النّاسِ على الرَّسائِلِ المُنَوَّرةِ الَّتي بَينَ أَيدِيكُم، فتَحرِمُوا النّاسَ مِن فُيُوضاتِ هذه الأَنوارِ؟
الخاتِمةُ: جَوابٌ مُقنِعٌ يُزِيلُ الشُّبُهاتِ حَولَ سُؤالٍ عنِ اللِّحيةِ الشَّرِيفةِ.
وبَعدَها ثَلاثةُ أَجوِبةٍ على أَسئِلةٍ تَتَناوَلُ ثَلاثَ مَسائِلَ يَعتَرِضُ علَيْها المُلحِدُون مُنذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ:
— 557 —
السُّؤالُ الأوَّلُ: إِنَّ المَعنَى الظّاهِرِيَّ لِقَولِه تَعالَى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أنَّه رَأَى غُرُوبَ الشَّمسِ في ماءِ عَينٍ ذِي طِينٍ وحَرارةٍ؟
السُّؤالُ الثاني: أَينَ يَقَعُ سَدُّ ذِي القَرنَينِ؟ ومَن هم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ؟
السُّؤالُ الثالث: حَولَ نُزُولِ سَيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام وقَتلِه الدَّجّالَ في آخِرِ الزَّمانِ.
وقد أُجِيبَ على هذه الأَسئِلةِ بأَجوِبةٍ سامِيةٍ تُقَوِّي إِيمانَ المُؤمِنِينَ، وتُسكِتُ بِبَلاغَتِها الأُدَباءَ والفُصَحاءَ، وتُوَجِّهُ الصَّفَعاتِ لِلمُلحِدِينَ بإِقامةِ الحُجّةِ علَيْهِم.
وفي خاتِمَتِها جَواب مُهِمٌّ على سُؤالٍ مُهِمٍّ حَولَ مُغيَّبتَينِ فقط مِن بَينِ المُغَيَّباتِ الخَمْسِ.
رُشدِي
اللَّمْعة السابعةَ عشْرةَ: ١٥٧
هي خَمْسَ عَشْرةَ مُذَكِّرةً تألَّقَت مِنَ "الزُّهرةِ".
المُذكِّرة الأُولَى: تُعرِّفُ حَقِيقةَ الأَشياءِ الآفِلةِ والزّائِدةِ عنِ اللُّزُومِ في أَطوارِ العالَمِ، تلك الأَشياءُ الَّتي ابتُلِيَت بِها النَّفسُ الإِنسانيّةُ؛ فتَقطَعُ رابِطةَ القَلبِ بِها، وتُوَجِّهُ وَجْهَه نَحوَ الآخِرةِ.
المُذكِّرةُ الثّانيةُ: تَنهَى عنِ التَّكبُّرِ، وتَأمُرُ بالتَّواضُعِ الَّذي هو أَحَدُ دَساتِيرِ القُرآنِ الكَرِيمِ.
المُذكِّرةُ الثالثةُ: تُوَضِّحُ حَقِيقةَ المَوتِ بسِرِّ "كلُّ آتٍ قَرِيبٌ"، وذَلِك بمِثالٍ جَمِيلٍ تَتَجلَّى فيه عَينُ الحَقِيقةِ، فتَقطَعُ السَّبِيلَ أَمامَ الآمالِ والآلامِ الطَّوِيلةِ الأَمَدِ، وتُحِيلُ جَمِيعَ الأُمُورِ إلى الحَيِّ القَيُّومِ الباقِي الدّائِمِ، الَّذي بِيَدِه الخَيرُ.
المُذَكِّرةُ الرّابِعةُ: تُثبِتُ بشَكلٍ قاطِعٍ أنَّه مِثلَما تُعادُ أَكثَرُ الأَشياءِ وتُجَدَّدُ بتَبَدُّلِ العُصُورِ والمَواسِمِ وَفقَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ الجارِيةِ، كَذلِك الإِنسانُ الَّذي هو أَكمَلُ ثَمَراتِ الكَونِ سيُعادُ بعَينِه في فَصلِ الحَشرِ الأَكبَرِ.
— 558 —
المُذَكِّرةُ الخامِسةُ: تَكشِفُ القِناعَ عن وَجهِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ الَّتي تُودِي إلى الإِلحادِ الَّذي هُو أَكبَرُ مَصائِبِ هذا العَصرِ عَصرِ الهَلاكِ، وتُسَلِّطُ الضَّوءَ یی وَفْقَ هُدَى القُرآنِ وبمُقارَنةٍ بَدِيعةٍ یی على وَجهِ المَدَنيّةِ الحَقِيقيِّ وماهِيَّتِها الَّتي هي أَشبَهُ بِنُسخةٍ مُصَغَّرةٍ عن جَهَنَّمَ، فتُنفِّرُ أَهلَ الإِيمانِ مِنها وتَصرِفُهُم عنها، وتُشَخِّصُ هذا الوَباءَ السّارِيَ، وتَصِفُ أَدْوِيةً أَشبَهَ بِعافِيةِ زَمزَمَ، مِن صَيْدَليّةِ القُرآنِ.
المُذَكِّرةُ السّادِسةُ: إِكسِيرٌ نُوارنِيٌّ مُجَرَّبٌ، يَسقِي طُوبَى الجَنّةِ: (شَجَرةَ الإِيمانِ)، ويَقطَعُ جُذُورَ شُبُهاتِ الكُفَّارِ وإِهمالَهُم لِقَضايا الدِّينِ، ويَعرِضُ في هذا السِّياقِ مِثالًا هو الحَقُّ وعَينُ الحَقِيقةِ، ويَكشِفُ اللِّثامَ عنِ الوَجهِ الحَقِيقيِّ لِأَكبَرِ دَسائِسِ النَّفسِ والشَّيطانِ، وهِي: التَّلبِيسُ على النّاسِ بِدَعْوَى كَثْرةِ أَعدادِ الكُفّارِ، وبِاتِّفاقِهِم في إِنكارِ بَعضِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ.
المُذكِّرةُ السّابعةُ: تَقتُلُ بِسَيفِ القُرآنِ الأَلماسِيِّ أَهلَ الزَّيفِ مِمَّن تَأخُذُهُمُ الحَمِيّةُ وتَدفَعُهُمُ الغَيْرةُ لِيَحْمِلُوا أَهلَ الإِيمانِ على الحِرصِ على حُطامِ الدُّنيا بما فِيه مِن ظُلمٍ وظُلُماتٍ، ويَدَّعُونَ أنَّ السَّعادةَ الحَقِيقيّةَ فِيما يَشهَدُه الأَجانِبُ مِنَ الرُّقيِّ، وهُم لَيسُوا إِلّا فَيرُوسًا مُضِرًّا في حَياةِ المُجتَمَعِ الإِسلامِيِّ؛ كما تَأخُذُ هذه المُذَكِّرةُ بِيَدِ أَهلِ الإِيمانِ الَّذِينَ أَوشَكُوا على الِارتِدادِ أو سَقَطُوا في أَوْحالِ الفِسقِ، فتُوصِلُهُم إلى المَشفَى القُرآنِيِّ الحَكِيمِ وتَتَولَّى عِلاجَهُم.
المُذكِّرةُ الثّامنةُ: تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وحَقِيقةً مِن حَقائِقِ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه، ودُستُورًا مِن دَساتيرِ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ونُكتةً مِن نِكاتِ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وتُثبِتُ أنَّه ما مِن شَيءٍ في الكَونِ مِنَ الذَّرّةِ حتَّى المَجَرّةِ إِلّا وهُو مُوَكَّلٌ بوَظِيفةٍ مُعَيَّنةٍ، وأنَّ جَمِيعَ سَعيِهم وحَرَكاتِهم تَدُورُ ضِمنَ قانُونِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ؛ ومُكافَأةً لَهُم قد أَدْرَجَ الحَقُّ سُبحانَه ضِمنَ عَمَلِهِم هذا لَذّةً، كَرَمًا مِنه وجُودًا.
— 559 —
وتُنبِّهُ إلى أنَّ الإِنسانَ الَّذي هو رَئِيسُ ذَوِي الحَياةِ وأَكمَلُ المَوجُوداتِ وخَلِيفةُ الأَرضِ: إِن تَكاسَلَ ووَقَعَ في الغَفْلةِ، أَصبَحَ جامِدًا أَكثَرَ مِنَ الجَماداتِ، وأَدنَى مَرتَبةً مِنَ الذُّبابِ والجَرادِ.. فتَسُوقُ بِذَلِك البَشَرَ إلى وَظِيفَتِهِمُ الفِطرِيّةِ، وتُثبِتُ الأُلُوهِيّةَ المُطلَقةَ.
المُذَكِّرةُ التّاسِعةُ: تَسُوقُ بَيانًا أَشبَهَ بحَقِّ اليَقِينِ أنَّ مِن جُودِ الحَقِّ سُبحانَه وكَرَمِه أَنْ أَدرَجَ أَصغَرَ الأَشياءِ في أَكبَرِها، فأَظهَرَ الخَيراتِ والكَمالاتِ المَوجُودةَ في الكَونِ في الأَنبِياءِ الَّذِينَ يَحمِلُونَ حَقِيقةَ البَشَرِيّةِ الَّتي هي ثَمَرةُ شَجَرةِ الكائِناتِ وبِذْرَتُها؛ ومَن يَنتَسِبُ إلى هَؤُلاءِ الأَنبِياءِ سيَنالُ الخَيرَ والكَمالَ، وسيَبلُغُ النُّورَ والسُّرُورَ.
وأَمَّا مِن جِهةِ العُبُودِيّةِ فبِرَغمِ أنَّه إِنسانٌ مَخلُوقٌ صَغِيرٌ بقَدْرِ ذَرّةٍ، لكِن بِاعتِبارِه فِهرِسًا لِلكَونِ ومِن جِهةِ انتِسابِه إلى اللهِ سُبحانَه، فإِنَّ كَلِمةَ "اللهُ أَكبَرُ" الَّتي يَنطِقُ بِها تُصبِحُ بمَثابةِ "اللهُ أَكبَرُ" الَّتي تَنطِقُ بها الكُرةُ الأَرضِيّةُ.
وتُظهِرُ بالبَداهةِ أنَّ التِزامَ الحَقِّ والإِيمانِ يُورِثُ سَعادةً وحُسنًا وكَمالًا، كما تُثبِتُ أنَّ في مُخالَفةِ أُمُورِ الدِّينِ مَحْضَ الضَّلالةِ والشَّرِّ والخَسارةِ.
المُذكِّرةُ العاشِرةُ: تُبيِّنُ أنَّ بُلُوغَ نُورِ مَعرِفةِ الحَقِّ سُبحانَه ومُشاهَدةِ تَجَلِّياتِه في مَرايا الآياتِ والشَّواهِدِ يكُونُ على ثَلاثةِ أَقسامٍ: الأَوَّلُ كالماءِ، والقِسمُ الثّاني كالهَواءِ، والقِسمُ الثّالِثُ كالنُّورِ؛ كما تُبيِّنُ كَيفِيّةَ التَّقرُّبِ مِنَ اللهِ ووَرَطاتِ البُعدِ عنه سُبحانَه.
المُذكِّرةُ الحادِيةَ عَشْرةَ: تُوضِّحُ الحِكمةَ فِيما تَنطَوِي علَيْه التَّعبِيراتُ القُرآنيّةُ مِن مَعاني الشَّفَقةِ والرَّحمةِ في آياتِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وما تتَضَمَّنُه آياتُ القُرآنِ مِن جَزالةِ البَيانِ وسَلاسةِ الأُسلُوبِ والفِطْرِيةِ.
المُذكِّرةُ الثّانيةَ عَشْرةَ: هي دُستُورُ حَقِيقةٍ، إذ تُظهِرُ ماهِيّةَ المَوتِ والقَبْرِ بِسِرِّ: "كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ"، وامتِثالًا لِلقَولِ الشَّرِيفِ: "مُوتُوا قَبلَ أن تَمُوتُوا"، فتَضبِطُ
— 560 —
بذَلِك قِيادَ النَّفسِ الجَمُوحةِ؛ وتُبيِّنُ أنَّ أَكثَرَ الثَّوابِ دَوامًا وأَكثَرَ الخِدْماتِ قَبُولًا وأَفضَلَ الأَعمالِ نَفْعًا یی تلك الَّتي تُفضِي إلى السَّعادةِ الأَبدِيّةِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ وفي هذه الحَياةِ المُؤَقَّتةِ وهذا العُمُرِ القَصِيرِ یی هو العَمَلُ على تَلَقِّي العُلُومِ الإِيمانيّةِ الَّتي تُقَوِّي الإِيمانَ، على غِرارِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ، وتُوقِظُ یی في الوَقتِ نَفسِه یی العُلَماءَ وتُرشِدُ المُؤلِّفِينَ وأَهلَ الأَقلامِ.
المُذكِّرةُ الثّالثةَ عَشْرةَ: تَتَناوَلُ خَمسَ مَسائِلَ أَضحَت مَدارَ الِالتِباسِ.
أُولَاها: مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تَخُصُّ الجَمِيعَ، تُبيِّنُ أنَّ الَّذِينَ يَعمَلُونَ في طَرِيقِ الحَقِّ، ويُجاهِدُونَ في سَبِيلِه، يَنبَغِي أن يُفكِّرُوا في واجِبِهم وعَمَلِهم فقط، وأَلّا يَشغَلُوا فِكرَهم فيما يَخُصُّ شُؤُونَ اللهِ سُبحانَه وتَدبِيرَه، وذلك بِسِرِّ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ؛ وتُميِّیزُ وَظِيفةَ العُبُودِيّةِ والمَأمُورِيّةِ معَ الآمِرِيّةِ والمَعبُودِيّةِ لِمَنِ اختَلَط الأَمرُ عِندَهُم بِسَبَبِ شِدّةِ الحِرصِ، فتُوقِفُ المُتَجاوِزِينَ عِندَ حُدُودِهِم.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: مَسأَلةٌ ضَرُورِيّةٌ ومُهِمّةٌ تُعَلِّمُ حِكْمةَ سِرِّ العِبادةِ مِن خِلالِ بَيانِها أنَّ غايةَ العِبادةِ امتِثالُ أَمرِ اللهِ ونَيلُ رِضاه، فالدّاعِي إلى العِبادةِ هو الأَمرُ الإِلٰهِيُّ، ونَتِيجَتُها نَيلُ رِضاه سُبحانَه؛ أمّا ثَمَرتُها وفَوائِدُها فأُخرَوِيّةٌ؛ لكِن إذا صارَتِ الفَوائِدُ الدُّنيَوِيّةُ أو مَنافِعُها أو ثَمَراتُها عِلّةً أو جُزءًا مِنَ العِلّةِ لِتِلك العِبادةِ أو لِذلِك الوِردِ أوِ الذِّكرِ، فإنَّها تُبطِلُ قِسمًا مِن تلك العِبادةِ.

الثّالثةُ: مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ تُوضِّحُ بِمِثالٍ جَمِيلٍ الدُّستُورَ المُقَدَّسَ لِلحَدِيثِ القُدسِيِّ: «طُوبَى لِمَن عَرَفَ حَدَّه ولَم يَتَجاوَز طَوْرَه» ، وتُفِيدُ أنَّ الواجِبَ على المَرءِ الأَخذُ بأَساسِ العِبادةِ المُتَمثِّلِ في العَجزِ والفَقرِ وإِدراكِ تَقصِيرِه ونَقصِه أَمامَ بارِئِه القَدِيرِ، والتَّضَرُّعِ أَمامَ عَتَبةِ أُلُوهِيَّتِه سُبحانَه؛ ولأنَّ الإِخلاصَ مُتَعيِّنٌ في كلِّ شَيءٍ لِذا علَيْه الِانصِرافُ إلى ما يُنِيلُه الرِّضا الإِلٰهِيَّ وَحْدَه، وعَدَ0oNالتَدَخُّلِ في الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ، وأنَّه بِهذا يَبلُغُ مَرتَبةَ أَعلَى عِلِّيِّينَ.

— 561 —
المَسأَلةُ الرّابعة: تُؤَكِّدُ بحَسَبِ المَعنَى الإِشارِيِّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أنَّه لا يَجُوزُ لك تَناوُلُ نِعمةٍ لم يُذكَر علَيْها اسمُ مالِكِها الحَقِيقيِّ وهُو اللهُ، ولم تُسلَّم إلَيْك بِاسمِه؛ فإن كُنتَ مُضطَرًّا لِأَخذِها فاذكُرْ أنتَ اسمَ اللهِ، ولكِنِ ارفَعْ بصَرَك عالِيًا فوقَ رَأسِ المُعطِي، وانظُرْ إلى يَدِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ.. كما أنَّها تُوضِّحُ بِبَيانٍ بَدِيعٍ لا يُقاوَمُ أنَّ الَّذي يُوهِمُ عَبَدةَ الأَسبابِ ويَخدَعُهُم هو: اعتِبارُ أَحَدِ الشَّيئَينِ عِلّةً لِلآخَرِ عِندَ مَجِيئِهِما مَعًا، أو عِندَ وُجُودِهِما معًا؛ وهذا هو الَّذي يُسَمَّى بی"الِاقتِرانِ"؛ فتَلفِتُ الأَنظارَ إلى المُنعِمِ الحَقِيقيِّ.
المَسأَلةُ الخامِسةُ: تَفتَحُ نافِذةً على إِحدَى الحَقائِقِ، وتُثبِتُها بمِثالٍ جَمِيلٍ، وذلك أنَّ مِنَ الظُّلمِ العَظِيمِ أن يُنسَبَ إلى رَئيسِ جَماعةٍ ما أو أُستاذِهم أو مُرشِدِهم ما تَحصَّلَ مِنَ المَكرُماتِ والنَّتائِجِ المُشرِقةِ بمَساعِي أَفرادِ الجَماعةِ وعَمَلِهِم، وكما يكُونُ هذا الأَمرُ ظُلمًا واضِحًا بحَقِّ الجَماعةِ، كَذلِك هو ظُلمٌ بيِّنٌ بحَقِّ الأُستاذِ أوِ الرَّئيسِ نَفسِه، وأنَّه يَجِبُ ألّا يُنظَرَ إلى الأُستاذِ الَّذي هو مَعكَسٌ ووَسِيلةٌ وواسِطةٌ لِنُورِ فَيضِ الحَقِّ سُبحانَه على أنَّه هو المَنبَعُ أوِ المَصدَرُ أو المُقتَدِرُ.
المُذكِّرةُ الرّابعةَ عَشْرةَ: تَتَضمَّنُ أَربَعةَ رُمُوزٍ صَغِيرةٍ تَخُصُّ التَّوحِيدَ:
الرَّمزُ الأوَّلُ: يُوجِّهُ أَنظارَ البَشَرِ ذَوِي النَّظَرِ المَحدُودِ والفِكرِ القاصِرِ والعَقلِ غَيرِ المُتَوازِنِ مِن عُبَّادِ الأَسبابِ إلى أَدِلّةِ الوَحْدانيّةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُثبِتُ بمِثالٍ جَمِيلٍ حَقِيقةَ: "لا إلٰهَ إلّا اللهُ وَحدَه لا شَرِيكَ له"، ويُحَقِّقُ التَّوحِيدَ.
الرَّمزُ الثّاني: يُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ "يا باقي أنت الباقي"، فيُرِي الإِنسانَ المُصابَ بِالعِشقِ المَجازِيِّ العِشقَ الحَقِيقيَّ والمَعبُودَ بِحَقٍّ.
الرَّمزُ الثّالثُ: رَأسٌ صَغِيرٌ لِحَقِيقةٍ عَظِيمةٍ تُنبِّهُ الإِنسانَ وتُوقِظُه لِتَوَخِّي الحَذَرِ، ذلك أنَّ الِاستِعداداتِ واللَّطائِفَ الإِنسانيّةَ الَّتي خُلِقَت في أَعلَى مَرتَبةٍ، والَّتي
— 562 —
هي مُرَشَّحةٌ لِنَيلِ الحَياةِ الباقِيةِ ومُشاهَدةِ المَناظِرِ السَّرمَدِيّةِ، قد تَقَعُ أَحيانًا أَسِيرةً لِهَوَى النَّفسِ الفانِيةِ الزّائِلةِ.
الرَّمزُ الرّابعُ: يُنقِذُ یی بمِثالٍ جَمِيلٍ یی الرُّوحَ والقَلبَ مِنَ الآمالِ الطَّوِيلةِ والآلامِ الماضِيةِ والقادِمةِ، ويُودِعُهُما بِيَدِ خَزِينةِ كَلِمةِ "لا إِلٰه إِلّا اللهُ" القُدسِيّةِ الشّافِيةِ الرَّحِيمةِ.
المُذكِّرةُ الخامسةَ عَشْرةَ: وهِي ثَلاثُ مَسائِلَ:
الأُولى: تُثبِتُ مِن خِلالِ حَقِيقةِ الآيتَينِ الكَرِيمَتَينِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ اللَّتَينِ تُشِيرانِ إلى التَّجَلِّي الأَتَمِّ لِاسمِ اللهِ "الحَفِيظِ"، أنَّ الحافِظَ ذا الجَلالِ مِثلَما يَخلُقُ البُذُورَ بعِلمِه الأَزَلِيِّ، ويَزرَعُها في بُستانِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ، ومَعَ أنَّه يُودِعُها في تُرابٍ كَثِيفٍ وهِي في ضَعْفٍ شَدِيدٍ وحَجمٍ صَغِيرٍ لا تَملِكُ المُقاوَمةَ لِلبُرُودةِ الشَّدِيدةِ، إِلّا أنَّه سُبحانَه يَحفَظُها ويَأتِي بِها وَقتَ الحَشرِ الرَّبِيعيِّ، وكأَنَّها أَتَت مِن عالَمٍ آخَرَ مُمتَثِلةً أَوامِرَه التَّكوِينيّةَ؛ كَذلِك سيَحفَظُ أَفعالَ خُلَفاءِ الأَرضِ وآثارَهُم، وأَعمالَ حَمَلةِ الأَمانةِ وأَقوالَهُم، وحَسَناتِ عَبَدةِ الواحِدِ الأَحَدِ وسَيِّئاتِهِم؛ ويَنشُرُها غَداةَ الحَشرِ في مَيدانِ الحِسابِ.
فهَذِه المَسأَلةُ تُثبِتُ هذا الأَمرَ وتُظهِرُ مِثالَه المَشهُودَ لِمَن يَرَى الحَشرَ بَعِيدًا نَتِيجةَ تَأثِيرَ بَعضِ الأَسبابِ.
الحافظ علي
اللَّمْعة الثامنةَ عشرةَ: ١٩٥
أُدرِجَت ضِمنَ مَجمُوعةٍ أُخرَى، فلم تُوضَع هنا.
اللَّمْعة التاسعةَ عشرةَ: ١٩٦
رِسالةٌ جَلِيلةٌ ومُبارَكةٌ تُفسِّرُ في سَبْعِ نِكاتٍ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا، وتَأمُرُ بالِاقتِصادِ وتَنهَى عنِ الإِسرافِ والتَّبذِيرِ، وتُلَقِّنُ دَرْسًا حَكِيمًا في غايةِ الأَهَمِّيّةِ لِلبَشَرِ خاصّةً في هذا العَصرِ.
— 563 —
النُّیكتةُ الأُولى: تُبيِّنُ أنَّ الخالِقَ الرَّحِيمَ سُبحانَه يَطلُبُ مِنَ البَشَرِيّةِ شُكْرًا وحَمْدًا إِزاءَ ما أَغدَقَ علَيْها مِنَ النِّعَمِ والآلاءِ، وكما أنَّ الِاقتِصادَ شُكْرٌ مَعنَوِيٌّ، كَذلِك هُو تَوْقِيرٌ لِلرَّحْمةِ الإِلٰهيّةِ الكامِنةِ في النِّعَمِ وسَبَبٌ حاسِمٌ لِلبَرَكةِ.. أمّا الإِسرافُ فهُو استِخْفافٌ خاسِرٌ ووَخِيمٌ لِنِعَمِ المُنعِمِ الحَقِيقيِّ، وله عَواقِبُ وَخِيمةٌ.
النُّیكتةُ الثانيةُ: تُبيِّنُ أنَّ جِسمَ الإِنسانِ أَشبَهُ بالقَصْرِ، والمَعِدةَ كالسِّيِّدِ، وحاسّةَ الذَّوْقِ المَغرُوزةَ في فَمِه كالبَوّابِ، واللَّذائِذَ والأَطعِمةَ بِمَثابةِ المِنَحِ والعَطايا؛ وتُؤكِّدُ أنَّ إِدارةَ جِسمِ الإِنسانِ إنَّما تكُونُ بالِاقتِصادِ، أمّا الإِسرافُ فيُولِّدُ الأَمراضَ والِاضطِراباتِ.
النُّیكتةُ الثالثةُ: بِما أنَّ القُوّةَ الذّائِقةَ تَتَوجَّهُ إلى العَقلِ والرُّوحِ والقَلبِ أَكثَرَ مِنِ انحِصارِها في الجَسَدِ المادِّيِّ، لِذا يُمكِنُ تَفضِيلُ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ وطَلَبُها شَرِيطةَ عَدَمِ الإِسرافِ فيها وعَدَمِ التَّذَلُّل والِاستِجداءِ عِندَ طَلَبِها، واستِعمالِ اللِّسانِ الَّذي يَحمِلُ القُوّةَ الذّائِقةَ في الشُّكرِ؛ فتُوَضِّحُ هذه الحَقِيقةَ بكَرامةٍ عَظِيمةٍ یی كَرامةِ إِحياءِ الأَمواتِ یی مِن كَراماتِ صاحِبِ القُوّةِ القُدسِيّةِ الكَبِيرةِ سَيِّدِنا الشَّيخِ الكَيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّه؛ وتُؤكِّدُ إِمكانيّةَ بُلُوغِ الدَّرَجاتِ العُلا في الشُّكرِ بعدَ حُكمِ الرُّوحِ على الجَسَدِ وهَيمَنةِ القَلبِ على النَّفسِ وسِيادةِ العَقلِ على المَعِدةِ.
النُّیكتةُ الرابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ الِاقتِصادَ سَبَبٌ جازِمٌ لِإِنزالِ البَرَكةِ، وأنَّ المُقتَصِدِينَ يُمضُونَ حَياةً كَرِيمةً، وأنَّ المُسرِفَ مُشرِفٌ على السُّقُوطِ في مَهاوِي الذِّلّةِ، ومُعَرَّضٌ لِلِانزِلاقِ إلى الِاستِجْداءِ والهَوانِ، بل قد تُدفَعُ الكَرامةُ والشَّرَفُ أَحيانًا ثَمَنًا ورِشْوةً، بل قد تُسلَبُ المُقَدَّساتُ الدِّينِيّةُ أيضًا.. فتُبيِّنُ بِذَلِك مَنافِعَ الِاقتِصادِ العَظِيمةَ وأَضرارَ الإِسرافِ الجَسِيمةَ، كما تُبيِّنُ عَظَمةَ الِاقتِصادِ وقِيمَتَه في ثَنايا الجُودِ والكَرَمِ، مِن خِلالِ إِيرادِ مِثالِ استِغناءِ شَيْخٍ فَقِيرٍ يَحمِلُ الحَطَبَ، وبِذَلِك تَأخُذُ بِساعِدِ الِاقتِصادِ وتَرفَعُه عاليًا فَوقَ الجُودِ والسَّخاءِ.
— 564 —
النُّیكتة الخامسةُ: تُبيِّنُ بصُورةٍ حَقِيقيّةٍ سِرَّ العِزّةِ والبَرَكةِ الكامِنةِ في الِاقتِصادِ، وسِرَّ الِاستِجداءِ والفاقةِ وَراءَ الإِسرافِ، مِن خِلالِ حادِثةِ العَسَلِ المُثِيرةِ لِلِاهتِمامِ.
النُّیكتة السادسةُ: تُبيِّنُ خَصْلةَ الِاقتِصادِ المَمدُوحةَ والمُختَلِفةَ عنِ الخِسّةِ، مِن خِلالِ واقِعةِ سَيِّدِنا عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا، وتُظهِرُ دَرَجةَ كَمالِ السَّخاءِ الَّتي تَختَلِفُ عنِ الإِسرافِ، وتُوضِّحُ أنَّ الِاقتِصادَ لَيسَ خِسّةً.
النُّیكتة السابعةُ: تُبيِّنُ یی عَبْرَ أَمثِلةٍ باهِرةٍ لَيسَ بَعدَها بَيانٌ یی أنَّ الإِسرافَ يُنتِجُ الحِرْصَ، والحِرْصَ يُولِّدُ عَدَمَ القَناعةِ، وعَدَمَ القَناعةِ يُؤَدِّي إلى ثَلاثةِ نَتائِجَ وَخِيمةٍ هي الخَيْبةُ والخُسْرانُ وإِفسادُ العَمَلِ الأُخرَوِيِّ نَتِيجةَ فَواتِ الإِخلاصِ؛ كما تُبيِّنُ أنَّ أُدَباءَ مَشهُورِينَ قد بَلَغ لَدَيهِمُ الأَمرُ مَبْلَغَ التَّسَوُّلِ بسَبَبِ ذَكائِهِم، وأنَّ بَعضًا مِنَ العُلَماءِ قدِ ابتُلُوا بالفَقْر المُدقِعِ والعَيشِ الكَفافِ نَتِيجةَ حِرصِهِم.
خسرو
اللَّمْعة العشرون: ٢١١
تُوضِّحُ وتُفَسِّرُ یی في خَمْسِ نِقاطٍ فقط مِن بَينِ النُّیكَتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها یی سِرًّا مِنَ الأَسرارِ الشَّرِيفةِ الَّتي تُؤَكِّدُ على أَهَمِّيّةِ الإِخلاصِ في الإِسلامِ، ومَدَى عَظَمَتِه أَساسًا، وذلك بمُوجَبِ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... إلى آخِرِ الآيةِ، والحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ: «هَلَكَ النَّاسُ إلّا العَالِمُونَ، وهَلَكَ العَالِمُونَ إلّا العَامِلُونَ، وهَلَكَ العَامِلُونَ إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ».
النُّقطةُ الأُولى: تُجِيبُ ضِمنَ سَبعةٍ مِنَ أَسبابٍ عَدِيدةٍ على سُؤالٍ مُهِمٍّ ومُثِيرٍ للدَّهْشةِ ويَقُضُّ مَضاجِعَ الغَيارَى الشُّهُومِ، وهُو: لِماذا يَختَلِفُ أَهلُ الحَقِّ وأَهلُ الهِدايةِ بالتَّنافُسِ والتَّزاحُمِ، في حِينِ يَتَّفِقُ أَهلُ الدُّنيا والغَفْلةِ، بل أَهلُ الضَّلالةِ والنِّفاقِ مِن دُونِ مُزاحَمةٍ ولا حَسَدٍ فيما بَينَهُم؟!
— 565 —
وتُجِيبُ علَيْه بأُسلُوبٍ راقٍ وبعِباراتٍ صائِبةٍ، مُبيِّنةً أنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ غيرُ نابِعٍ مِن فِقْدانِ الحَقِيقةِ، ولا مِنِ انحِطاطِ الهِمّةِ وانعِدامِ الحَمِيّةِ، ولا مِن عَدَمِ تَفَكُّرِهِم في مَصِيرِهِم ولا مِن قِصَرِ نَظَرِهِم ولا مِنَ الغَيْرةِ فيما بَينَهُم ولا مِنَ الحِرصِ على حُطامِ الدُّنيا، كما أنَّ الِاتِّفاقَ القَوِيَّ فيما بَينَ أَهلِ الغَفْلةِ وأَهلِ الضَّلالةِ ليس نابِعًا مِن رُكُونِهِم إلى الحَقِيقةِ، ولا مِن سُمُوِّ نَظَرِهِم وعُمْقِ رُؤْيَتِهِم.
وهذا البَيانُ الرّائِعُ يَدفَعُ المَرءَ إلى التَّساؤُلِ: يا سُبحانَ اللهِ! ثَلاثُ مِئةِ مِليُونِ مُجاهِدٍ مِن مُجاهِدِي الإسلامِ السَّامِي، هم مُستَعِدُّونَ لِلتَّضحِيةِ بأَنفُسِهِم في سَبِيلِه كلَّ لَحظةٍ، كَيفَ يَقَعُ جَمِيعُهُم أَسارَى بِيَدِ ثَلاثِ أو أَربَعِ حُكُوماتٍ أَجنَبِيّةٍ لا يَتَجاوَزُ عَدَدُ أَفرادِها مِئةً وخَمسِينَ مِليُونًا وتَرتَعِدُ فَرائِصُهُم مِنَ المَوتِ؟!
والتَّوضِيحُ الَّذي تُقدِّمُه هذه النُّقطةُ الأُولَى مِن تِلكُمُ الرِّسالةِ القيِّمةِ قِيمةَ خَزِينةٍ أَلماسِيّةٍ، يُفهَمُ مِن نَتائِجِه إِجاباتٌ على جُملةِ أَسئِلةٍ قد تَرِدُ إلى الأَذهانِ، وهِي: لِماذا كُبِّل المُسلِمُونَ الأَبرِياءُ بقُيُودِ أَسرٍ رَهِيبٍ؟ ولِمَ مُورِسَ ضِدَّهُم في كُلِّ فُرصةٍ سانِحةٍ ظُلمٌ شَنِيعٌ يَهُونُ لِهَوْلِه ظُلمُ مَحاكِمِ التَّفتِيشِ؟ ولِماذا أُزهِقَت دِماؤُهُم بِاستِمرارٍ كما تُذرَفُ الدُّمُوعُ؟ وضُرِبَت رُؤُوسُ الغَيارَى مِنهُم على يَدِ الظَّلَمةِ الغَدَّارِينَ؟ لِماذا نُصِبَ بَعضُ أَهلِ الحَمِيّةِ مِنَ المُسلِمِينَ على أَعوادِ المَشانِقِ وفارَقُوا الحَياةَ ومُثِّل بِهِم في ساحاتِ العالَمِ، فدُمِّرَت حَياتُهُمُ الدُّنيَوِيّةُ، وأُفسِدَت حَياتُهُمُ الأُخرَوِيّةُ، بل لقد قُضِي على نَوْعَيِ الحَياةِ لَدَى بَعضِهِم؟
وبَيانُ ذلك: لَقَد كانَ هَؤُلاءِ المُسلِمُونَ ماضِينَ في مَسلَكِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، لكِن فَسَدَ إِخلاصُهُم نَتِيجةَ أَخطاءٍ وَقَعُوا فِيها، وحَصَلَت بَينَهُمُ المُنافَسةُ والتَّزاحُمُ، ووَلَجَت إلى أَذهانِهِم أَمراضُ الِافتِراقِ والِاختِلافِ بَدَلَ الِاتِّفاقِ والِاتِّحادِ، ولم يَتَدارَكُوا الأَمرَ بمُعالَجةِ هذه الأَمراضِ فتَوَسَّعَت وانتَشَرَت؛ فلَمّا لاحَظَ أَهلُ الضَّلالةِ ما وَقَع بَينَ المُسلِمِينَ مِن تَفرِقةٍ واختِلافٍ، اغتَنَمُوا هذه الفُرصةَ
— 566 —
فهاجَمُوهُم بدَسائِسِهِم، وكَبَّلُوا هَؤُلاءِ الأَبرِياءَ بإِسارٍ رَهِيبٍ، وعَمِلُوا على القَضاءِ علَيْهِم.
فشَرَحَت هذه النُّقطةُ الأُولَى بشَكلٍ جَلِيٍّ أَسبابَ تَكبِيلِ ثلاثِ مِئةِ مِليُونِ مُسلِمٍ مُنذُ عُصُورٍ، وتَعذِيبِهِم كُلَّ يَومٍ وكُلَّ ساعةٍ وكُلَّ لَحظةٍ.. لكِن وا أَسَفاهُ على الزَّمانِ والمَكانِ! إذ لم تَكُنِ الأَوضاعُ والظُّرُوفُ سانِحةً، فكانَ أن أُلِّفَت نُقطةٌ واحِدةٌ فقط مِن بَينِ النِّقاطِ الخَمسِ، وتَمَّ تَأجِيلُ البَواقِي فلم تُكتَبْ.
خسرو
اللَّمْعة الحادية والعِشرون: ٢٢٨
رِسالةٌ لَطِيفةٌ وجَلِيلةٌ وقيِّمةٌ ومُبارَكةٌ ومُنقَطِعةُ النَّظِيرِ ويَحتاجُها الجَمِيعُ، فهِي تُبيِّنُ أنَّ الإِخلاصَ أَهَمُّ أَساسٍ في جَمِيعِ الأَعمالِ الخَيِّرةِ، ولا سِيَّما الخِدماتِ الأُخرَوِيّةِ مِنها، كما تُفَسِّرُ الآياتِ:
وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا
وتُخاطِبُ هذه الرِّسالةُ خُدَّامَ القُرآنِ في هذا العَصرِ العَجِيبِ أَوَّلًا، وتتَحَدَّثُ إِلَيْهِم قائِلةً: ما دامَ الإِحسانُ الإِلٰهِيُّ قد أَلقَى على كَواهِلِكُم مُهِمّةً سامِيةً ثَقِيلةً، وخِدْمةً عامّةً جَلِيلةً، تلك هي وَظِيفةُ الإِيمانِ وخِدمةِ القُرآنِ، وأَنتُم في غايةِ القِلّةِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، وتُواجِهُونَ أَعداءً أَلِدّاءَ ومُضايَقاتٍ شَدِيدةً، وتُحِيطُ بِكُمُ البِدَعُ والضَّلالاتُ الَّتي تَصُولُ وتَجُولُ في هذا العَصْرِ العَصِيبِ.. فلا مَناصَ لَكُم مِن بَذْلِ كلِّ ما في وُسْعِكُم مِن جُهدٍ وطاقةٍ كي تَظْفَرُوا بالإِخلاصِ، فأَنتُم مُضطَرُّون إلَيْه، بل مُكَلَّفُون به تَكْلِيفًا، وعَلَيكُم تَجَنُّبُ الأَسبابِ الَّتي تَقْدَحُ بالإِخلاصِ وتَثْلِمُه.
تُخبِرُ الرِّسالةُ بذَلِك، وتَذكُرُ أَربَعةَ دَساتِيرَ لِنَيلِ الإِخلاصِ:
— 567 —
الدُّستُورُ الأوَّل: تَنُصُّ فيه على وُجُوبِ ابتِغاءِ مَرْضاةِ اللهِ وَحْدَه في الأَعمَالِ.
الدُّستُورُ الثَّاني: تُوَجِّهُ فيه الخِطابَ التّاليَ: يَجِبُ أن تكُونُوا كتُرُوسِ المَعْمَلِ ودَوالِيبِه، لا يَتَقدَّمُ بَعضُها على بَعضٍ، ولا يَتَحَكَّمُ أَحَدٌ مِنها، ولا يَدْفَعُ أَحَدُها الآخَرَ إلى التَّعَطُّلِ بالنَّقْدِ والتَّجْرِيحِ وتَتَبُّعِ العَوْراتِ والنَّقائِصِ، ولا يُثَبِّطُ شَوْقَه إلى السَّعْيِ، بل يُعاوِنُ كُلٌّ مِنها الآخَرَ بكُلِّ ما لَدَيْه مِن طاقةٍ، مُوَجِّهًا حَرَكاتِ التُّرُوسِ والدَّوالِيبِ إلى غايَتِها المَرْجُوّةِ.. ثُمَّ تُلقِي الأَمرَ التّاليَ: علَيْكُم بالتَّمَسُّكِ بالإِخلاصِ والِاتِّفاقِ والتَّسانُدِ، لِأنَّكُم خُدَّامٌ عامِلُونَ في سَفِينةٍ رَبّانيّةٍ تَسِيرُ بالأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ إلى شاطِئِ السَّلامةِ، وتُفضِي إلى السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ.
الدُّستُورُ الثّالثُ: تُبيِّنُ فيه سِرًّا مُهِمًّا لِلإِخلاصِ مِن خِلالِ بِضعةِ أَمثِلةٍ، وتُؤكِّدُ أنَّ أَبطالًا أَجِلّاءَ كالإِمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ والشَّيخِ الكَيلانِيِّ یی قُدِّسَ سِرُّه یی قائِمُونَ على رُؤُوسِ طُلّابِ النُّورِ، ومُعاوِنُونَ لَهُم في كُلِّ آنٍ.
الدُّستُورُ الرّابعُ: تُوضِّحُ فيه سرَّ التَّفانِي بَينَ الإِخوانِ، أي: أن يَفنَى كلُّ أَخٍ في الآخَرِ.
وتُؤكِّدُ أنَّ أَحَدَ أَهَمِّ الأَسبابِ في تَقوِيةِ الإِخلاصِ هو: "رابِطةُ المَوتِ"، وأنَّ الخِصالَ الذَّمِيمةَ أَمثالَ الرِّياءِ وطُولِ الأَمَلِ هي أَسبابُ فَسادِه واختِرامِه.
وتُبيِّنُ أنَّ السَّبَبَ الثّانِيَ لِنَيل الإِخلاصِ هو أن يُفكِّرَ المَرءُ أنَّه تَحتَ الرَّقابةِ الإِلٰهِيّةِ بشَكلٍ دائِمٍ، فيتَخَلَّصُ بِهذِه الوَسِيلةِ مِنَ الرِّياءِ.. كما تُفِيدُ أنَّ في الإِخلاصِ مَراتِبَ كَثِيرةً.
وتُبيِّنُ بَعدَها أنَّ أوَّلَ الأَسبابِ العَدِيدةِ المُخِلّة بالإِخلاصِ هو المَنافِعُ المادِّيّةُ، وأنَّ الِاشتِراكَ في الأَعمالِ الأُخرَوِيّةِ ليس كالِاشتِراكِ في الأَعمالِ الدُّنيوِيّةِ، إِذ يَدخُلُ في صَحِيفةِ أَعمالِ كلِّ فَردٍ مِنَ الأَفرادِ المُشتَرِكِينَ ثَوابٌ تامٌّ دُونَ تَجَزُّؤٍ ولا انقِسامٍ ولا نَقصٍ، بل هو تَراكُمِيٌّ بفَضلِ اللهِ.. كما تُوصِي بعَدَمِ إِفسادِ هذا الرِّبحِ بالمُنافَسةِ والمُزاحَمةِ وإِخلالِ الإِخلاصِ.
— 568 —
وحِيالَ المانِعِ الثّاني الماحِقِ لِلإِخلاصِ تَأمُرُ بِاجتِنابِ هذا الدّاءِ الرُّوحِيِّ الوَبِيلِ الَّذي يَفتَحُ البابَ لی"الشِّرْكِ الخَفِيِّ"، ألا وهُو حُبُّ إِقبالِ النّاسِ وطَلَبُ تَوَجُّهِهِم بِشِدّةٍ، كما تَأمُرُ بعَدَمِ إِعطاءِ أَهَمِّيّةٍ لِمِثلِ هذه الأَمراضِ.
وفي المانِعِ الثَّالِثِ تُفِيدُ أنَّ الأَضرارَ النّاجِمةَ عنِ الخَوْفِ والطَّمَعِ يُمكِنُ أن تُفسِدَ الإِخلاصَ، وتُختَمُ هذه الرِّسالةُ بإِحالةِ تَوضِيحِ أَمرِ المانِعِ الأَخِيرِ إلى "الهَجَماتِ السِّتّةِ"، حَيثُ شُرِحَ معَ مَوانِعَ أُخْرَى في تلك الرِّسالةِ الجَلِيلةِ بوُضُوحٍ تامٍّ.
خسرو
رسالةٌ خاصّة إلى قسمٍ من إخواني:
رِسالةٌ جَلِيلةٌ تُبيِّنُ أَهَمِّيّةَ اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ في زَمَنِ سَوادِ البِدَعِ، وتُبيِّنُ كَذلِك أنَّ كِتابةَ "رَسائِلِ النُّورِ" عِبادةٌ بخَمسِ جِهاتٍ.
اللَّمْعة الثانية والعشرون: ٢٤٢
تُجِيبُ إِجابةً بَدِيعةً على سُؤالٍ مُهِمٍّ يَخُصُّ "رَسائِلَ النُّورِ" ومُؤلِّفَها، إذ يقُولُ كَثِيرُونَ: لِمَ يَتَدخَّلُ أَهلُ الدُّنيا بأُمُورِ آخِرَتِك كلَّما وَجَدُوا لَهُم فُرصةً، معَ أنَّك لا تَتَدخَّلُ في شُؤُونِ دُنياهُم؟ عِلمًا أنَّ قانُونَ أَيّةِ حُكُومةٍ كانَت لا يَمَسُّ شُؤُونَ من تَرَكُوا الدُّنيا واعتَزَلُوا النَّاسَ! فتُجِيبُ هذه اللَّمْعةُ على هذا السُّؤالِ مِن خِلالِ بَعضِ الآياتِ أمثالَ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، إِضافةً إلى ثَلاثِ إِشاراتٍ:
الإشارةُ الأُولى: تُؤكِّدُ بشَكلٍ قَطعِيٍّ أنَّ الَّذي يَجِبُ علَيْه الإِجابةُ على هذا السُّؤالِ هُمُ البَشَرِيّةُ جَمْعاءُ وخاصّةً أَهالي وِلايةِ "إِسبارْطةَ"، لِأنَّهُم مُكَلَّفُونَ بِاسمِ الدِّينِ والشَّرِيعةِ بالدِّفاعِ عن رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها أَمامَ المُلحِدِينَ، ومُضْطَرُّونَ لِحِمايةِ حُقُوقِهِم، لِأنَّ لَهُم (أي: رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها) الفَضْلَ في
— 569 —
تَمكِينِ إِيمانِ جَمِيعِ أَهلِ الإِيمانِ یی وخاصّةً أَهالِيَ وِلايةِ "إِسبارْطةَ" یی ورُقيِّهِمُ المَعنَوِيِّ.
الإشارةُ الثَّانية: جَوابٌ على أَسئِلةٍ تَتَّسِمُ بالنَّقدِ تَرِد مِن جانِبِ المَدَنِيّةِ الدَّنِيّةِ: لِمَ اسْتَأْتَ مِنَّا فلا تُراجِعُنا؟ فنَحنُ أَصحابُ مَبدَأٍ، لنا دَساتِيرُنا الخاصّةُ نَسِيرُ في ضَوْئِها على وَفقِ ما يَتَطلَّبُه هذا العَصرُ، بَينَما أَنتَ لا تُنفِّذُ هذه الدَّساتِيرَ على نَفسِك وعلى أَهلِ الإِيمانِ؛ وفي عَهدِ الجُمهُورِيّاتِ يَجرِي دُستُورُ رَفعِ الإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ، بَينَما أنتَ تَكسِبُ إِقبالَ النَّاسِ نَحوَك، وتَلفِتُ أَنظارَهُم إلَيْك تارةً بزِيِّ العِلمِ وأُخرَى بالتَّزَهُّدِ، فتُحاوِلُ السَّيرَ خِلافَ الدَّولةِ، هذا ما يَدُلُّنا علَيْه مَجرَى حَياتِك! فهَذِه الحالةُ رُبَّما تُستَصوَبُ في نِطاقِ تَحَكُّمِ البُرْجوازِيِّينَ، إلّا أنَّ صَحْوةَ طَبَقةِ العَوامِّ وتَغَلُّبَها جَعَلَت جَمِيعَ دَساتِيرِ الِاشتِراكيّةِ والبَلشَفِيّةِ تُسَيطِرُ وتُهَيمِنُ، وهِي الَّتي تُلائِمُ أُمُورَنا أَكثَرَ مِن غَيرِها؛ فيَصعُبُ علَيْنا قَبُولُ العَدالةِ المَحضةِ خِلافًا لِمَبادِئِنا وتَحتَ تَسَلُّطِ واستِبدادِ البُرْجوازِيِّينَ، أي: طَبَقةِ الخَواصِّ.
فتُجِيبُ على هذه الأَسئِلةِ جَوابًا جَمِيلًا مِن خِلالِ دُستُورِ: "لا يُمكِنُ مَحْوُ الحَقِيقةِ بالظُّلمِ والجَورِ، اِرفَعِ القَلبَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!".
وتُقدِّمُ بَعضَ الأَمثِلةِ الجَلِيلةِ على أنَّ مِن عَمِيمِ فَضلِ اللهِ وكَرَمِه أَنِ امْتَنَّ على مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ بمَكرُمةِ فَهمِ العُلُومِ الإِيمانِيّةِ والقُرآنِيّةِ، وأنَّ الَّذِينَ يَسعَوْنَ لِرَفعِ هذا الإِحسانِ ما هُم إِلّا شَياطِينُ على هَيئةِ أَناسِيَّ أو مُلحِدُونَ أو مِن جُمْلةِ المُنافِقِينَ، وأنَّ حُكُومةَ الجُمهُورِيّةِ لن تَسمَحَ بِهذا التَّصَرُّفِ وبِهذِه المُعامَلةِ غيرِ القانُونيّةِ الَّتي لا يَرضاها أَيُّ فَردٍ أو أَيّةُ حُكُومةٍ؛ وإِنَّ هذا الأَمرَ لن يُضايِقَ مُؤَلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ فحَسْبُ، بل ستَستاءُ مِنه البَشَرِيّةُ جَمْعاءُ إِن هي أَدْرَكَتِ الحَقِيقةَ، وسيُغضِبُ عَناصِرَ الطَّبِيعةِ.
الإشارةُ الثالثةُ: جَوابٌ على سُؤالَينِ:
— 570 —
الأوَّلُ: يَسأَلُ أَهلُ الفَلسَفةِ بِاسمِ الزَّندَقةِ: ما دُمتَ قائِمًا في هذه البِلادِ، فعَلَيْك الِانقِيادُ لِقَوانِينِ الجُمهُورِيّةِ الصّادِرةِ فيها، فلِماذا تَتَقلَّدُ صِفةَ مَن يُرِيدُ جَلْبَ الإِعجابِ لِنَفسِه معَ أنَّه لا وَظِيفةَ لك في الدَّولةِ؟ فتُجِيبُ هذه الإِشارةُ جَوابًا مُسكِتًا يَكشِفُ خِداعَهُم وزَيْفَ أَمرِهِم.
السُّؤالُ الثاني: إِنَّ الِاحتِرامَ والمَقامَ والإِقبالَ الَّذي يُولِيه النّاسُ، إنَّما هو خاصٌّ بالمُوَظَّفِينَ وأَثناءَ مُزاوَلَتِهِم مِهنَتَهُم، بَينَما أنتَ لا وَظِيفةَ لك! فلَيسَ لك أن تَقبَلَ احتِرامَ الشَّعبِ كالمُوَظَّفِينَ.
فتُجِيبُ على هذا السُّؤالِ بإِيضاحٍ مُشتَمِلٍ على مِثالَينِ نَفِيسَينِ لَطِيفَينِ وَفقَ التَّالِي: "لو أَصبَحَ الإِنسانُ مُجَرَّدَ جَسَدٍ فقط، وظَلَّ في الدُّنيا خالِدًا مُخَلَّدًا، وأُغلِقَ بابُ القَبْرِ، وقُتِلَ المَوتُ، لَانحَصَرَتِ الوَظائِفُ حِينَها في العَسكَرِيّةِ والمُوَظَّفِينَ الإِدارِيِّينَ فقط.. فإِنكارُ وَظِيفةٍ مَعنَوِيّةٍ ومُهِمّةٍ جِدًّا، وتَخُصُّ البَشَرِيّةَ جَمْعاءَ، لا يَكُونُ إِلّا بِتَیكذِيبِ شَهادةِ ثَلاثِينَ أَلفَ جِنازةٍ يَومِيًّا كُلُّها تُصَدِّقُ دَعوَى: أنَّ المَوتَ حَقٌّ.. فما دامَ إِنكارُ ذلك وتَكذِيبُه مستَحِيلًا، إِذًا ثَمَّةَ وَظائِفُ مَعنَوِيّةٌ كَثِيرةٌ تَستَنِدُ إلى حاجاتٍ ضَرُورِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ".
وتَضَمَّنَت خاتِمةُ هذه الرِّسالةِ تَنبِيهًا على مَقُولةِ: "إِنَّ لِأَهلِ الدُّنيا حَساسِيّةً شَدِيدةً في كلِّ أَعمالِهِم ومُعامَلاتِهِم، بحَيثُ لو كانَت تلك المُعامَلةُ بشُعُورٍ مِنهُم لَكانَت تُعَدُّ دَهاءً عَظِيمًا"، فتَنصَحُ أَهلَ الإِيمانِ بِأَلّا يَغتَرُّوا بِهذِه الحَساسِيّةِ وتلك الدَّسائِسِ، وأنَّ أَمرَهُم هذا عِبارةٌ عنِ استِدراجٍ لَهُم لَيسَ إِلّا.
عليٌّ الصغير
اللَّمْعة الثالثة والعشرون: ٢٥٤
"رِسالةُ الطَّبِيعةِ" وهِي اللَّمْعةُ الثّالِثةُ والعِشرُونَ لِلمَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثِينَ، وهِي رِسالةٌ قَيِّمةٌ سامِيةٌ تُبِيد تَيّارَ الكُفرِ النّابِعِ مِن مَفهُومِ "الطَّبِيعةِ" إِبادةً تامّةً،
— 571 —
وتُفتِّتُ حَجَرَ زاويةِ الكُفرِ، وتُحَطِّمُ رَكِيزَتَه الأَساسَ، وتَطرُدُ الأَفكارَ القَبِيحةَ والمُستَكرَهةَ والمُضِلّةَ وغَيرَ المَعقُولةِ مِن بَينِ قَوافِلِ المُنصِفِينَ، وتَصرِفُها بَعِيدًا عَنهُم، وتُثبِتُ السَّعادةَ الأَبدِيّةَ بِالأَدِلّةِ والبَراهِينِ، وتَشرَعُ السُّبُلَ المُؤَدِّيةَ إِلَيْها بأُسلُوبٍ لَطِيفٍ وجَمِيلٍ، كما أنَّها وَسِيلةٌ لِاستِمطارِ الرَّحمةِ الأَبدِيّةِ لِمُؤَلِّفِها.
هذه الرِّسالةُ تَفسِيرٌ واضِحٌ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فتُؤَكِّدُ عَدَمَ إِمكانِ الشَّكِّ في الحَقِّ سُبحانَه، وتَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على وُجُودِ اللهِ ووَحْدانيَّتِه بوُضُوحٍ وجَلاءٍ بدَرَجةِ البَداهةِ.
وقَبلَ أَن تَشرَعَ في بَيانِ هذا السِّرِّ، تَلفِتُ الأَنظارَ إلى أنَّه خِلالَ فَرَحِ المُؤمِنينَ وابتِهاجِهِم بِاندِحارِ اليُونانِ أَمامَ الجَيشِ الإِسلاميِّ سنةَ (١٣٣٨)، كانَت هُنالِك مَوجةُ زَندَقةٍ رَهِيبةٌ تَتَسلَّلُ بمَفاهِيمِها الفاسِدةِ إلى عَقائِدِ أَهلِ الإِيمانِ الرّاسِخةِ، فكُتِبَت هذه الرِّسالةُ باللُّغةِ العَرَبيّةِ كي تَقْطَعَ رَأْسَ تلك الزَّندَقةِ، وطُبِعَت في أَنقَرةَ، ثُمَّ تُرجِمَت فيما بَعدُ إلى اللُّغةِ التُّركِيّةِ كما هي.
المُقدِّمةُ: تُبيِّنُ ثَلاثًا مِنَ الكَلِماتِ الرَّهِيبةِ الَّتي تَخرُجُ مِن أَفواهِ النّاسِ وتَفُوحُ مِنها رائِحةُ الكُفرِ النَّتِنةُ، وتُرَدِّدُها أَلسِنةُ أَهلِ الإِيمانِ دُونَ عِلمِهِم بخُطُورةِ مَعنَى ما يقُولُونَ.
الكلمة الأولى: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: أنَّ الأَسبابَ هي الَّتي تُوجِدُ الشَّيءَ المُعيَّنَ.
الكلمة الثانية: "تَشَكَّلَ بنَفسِه" أي: أنَّ الشَّيءَ يَتَشكَّلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه.
الكلمة الثالثة: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ" أي: أنَّ الطَّبِيعةَ هي الَّتي اقتَضَتْه فأَوْجَدَتْه.
فتَقطَعُ هذه اللَّمعةُ الطُّرُقَ الثَّلاثَ الَّتي فتَحَتْها هذه الكَلِماتُ الثَّلاثةُ الرَّهِيبةُ قَطْعًا تامًّا مِن خِلالِ ثَلاثِ مُحالاتٍ في كُلِّ طَرِيقٍ، أي: بِمَجمُوعِ تِسعةِ مُحالاتٍ، إِلّا أنَّها تَحتَوِي تِسعِينَ مُحالًا؛ وتُثبِتُ بِأَمثِلةٍ لَطِيفةٍ حَقِيقِيّةٍ أنَّ المَوجُوداتِ تَجِد الوُجُودَ بِقُدرةِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ عَبْرَ الطَّرِيقِ الرّابِعِ، وهُو طَرِيقُ وَحْدانيّةِ الخالِقِ.
— 572 —
الكلمةُ الأولى: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: القَولُ بأنَّ "اجتِماعَ أَسبابِ العالَمِ يَخلُقُ المَوجُوداتِ ويُوجِدُها، ويُؤَدِّي إلى تَشكِيلِ الأَشياءِ"، وتذكُرُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ فقط، مِن بَينِ مُحالاتِه الكَثِيرةِ جِدًّا:
الأول: يُبيِّنُ مُحاليّةَ اعتِقادِ إِسنادِ وُجُودِ الأَشياءِ إلى الأَسبابِ مِن خِلالِ المِثالِ التّالِي: إِنَّ إِيجادَ أَيٍّ مِن ذَوِي الحَياةِ لو طُلِبَ مِنَ الأَسبابِ ولم يُسنَدْ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، لَأَشبَه هذا الأَمرُ كَمِيّةَ مَوادَّ مَوجُودةٍ داخِلَ قَوارِيرَ في صَيدَليّةٍ كَبِيرةٍ وَقَعَت صُدْفةً أو نَتِيجةَ عَواصِفَ فانكَسَرَت وسالَت مِنها واجتَمَعَت.
المُحالُ الثَّاني: هو أنَّه إِنْ لم يُسنَد خَلقُ ذُبابةٍ مِنَ المَوجُوداتِ إلى الواجِبِ الوُجُودِ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، لَلَزِمَ لِتَثبِيتِ كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذُّبابِ في عَينِه وأُذُنِه وقَلبِه وجَسَدِه یی وهُو ذُو عَلاقةٍ معَ أَغلَبِ عَناصِرِ الكائِناتِ یی تَشغِيلُ أَركانِ العالَمِ وعَناصِرِه معَ طَبائِعِها المُتَبايِنةِ في ظاهِرِ تلك الذُّبابةِ وباطِنِها! يَخجَلُ مِن هذا المُحالِ ويَستَحِي مِنه حتَّى أَشَدُّ السُّوفسَطائيِّينَ بَلاهةً!
المُحالُ الثَّالثُ: حَسَبَ قاعِدةِ: "الواحِدُ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ"، فالمَوجُودُ الَّذي هو في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وفي مُنتَهَى الدِّقّةِ والإِتقانِ، هو مالِكٌ لِحَياةٍ جامِعةٍ، إن لم يُقبَل أنَّه صادِرٌ مِن يَدِ واحِدٍ أَحَدٍ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجامِدةِ غَيرِ المُنضَبِطةِ، والَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، وهِي في اختِلاطٍ شَدِيدٍ، ثمَّ الِادِّعاءُ بأنَّ تلك الأَسبابَ هي الَّتي تَقُومُ بخَلقِ ذلك المَوجُودِ البَدِيعِ واختِيارِه مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ لا حَدَّ لها.. إنَّ قَبُولَ هذا الإِسنادِ والِادِّعاءِ هو قَبُولٌ لِمِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ! إذ هو بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن جَمِيعِ مَقايِيسِ العَقلِ ومَوازِينِه!
الكلمةُ الثّانيةُ: وهِي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّل بنَفسِه"، وتتَناوَلُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ یی مِن بَينِ مُحالاتٍ كَثِيرةٍ یی لَيسَت سِوَى نَماذِجَ لتوضيحِ بُطلانِ هذا المُحالِ:
الأوَّلُ: يُثبِتُ أنَّ كُلَّ مَوجُودٍ لَيسَ مُجرَّدَ مادّةٍ بَسِيطةٍ وجامِدةٍ تَأبَى التَّغَيُّیرَ، بل هو
— 573 —
مَعمَلٌ عَظِيمٌ مُتقَنُ الصُّنعِ، وقَصرٌ مُنِيفٌ تَشَكَّلَ مِنَ الذَّرّاتِ، ويَرتَبِطُ بوَشائِجَ وأَواصِرَ معَ الكَونِ مِن حَوْلِه، لِأنَّه مُجَهَّزٌ بِأَحاسِيسَ ظاهِرِيّةٍ وباطِنِيّةٍ.. فإِن لم يُسنَد كُلُّ مَوجُودٍ إلى خالِقِ كُلِّ شَيءٍ، وقِيلَ عنه: "تَشَكَّل بنَفسِه"، لَزِمَ حِينَها أن يكُونَ لِكُلِّ ذَرّةٍ في كُلِّ مَوجُودٍ عِلمٌ وشُعُورٌ وعَقلٌ بِقَدْرِ عِلمِ أَلفِ رَجُلٍ مِثلَ أَفلاطُونَ بَدَلًا عن أَفلاطُونٍ واحِدٍ، وما هذا إِلّا وُقُوعٌ في هاوِيةِ خُرافةٍ خَرْقاءَ، وبَلاهةٍ بَلْهاءَ.
الثّاني: يُبيِّنُ أنَّ كُلَّ مَوجُودٍ وخاصّةً الإِنسانَ يُشبِهُ قَصْرًا فَخْمًا عامِرًا، له مِنَ القِبابِ أَلفُ قُبّةٍ وقُبّةٍ، وكُلُّ قُبّةٍ مِن قِبابِه مُعَلَّقةٌ فيها الأَحجارُ، ومَرصُوصٌ بَعضُها إلى بَعضٍ في بِناءٍ مُحكَمٍ؛ فلو قِيلَ: (إِنَّ هذه المَصنُوعاتِ لَيسَت مَخلُوقاتِ صانِعٍ واحِدٍ، وتَشَكَّلَت بِنَفسِها) لَظَهَر حِينَها مُحالاتٌ بِعَدَدِ ذَرّاتِ الوُجُودِ الَّتي لا تُحَدُّ ولا تُحصَى؛ ولَجُعِلَ أَصحابُ هذه الأَفكارِ في ذِرْوةِ قِمَمِ الجَهالةِ.
المُحالُ الثّالثُ: يَقُولُ: إِنْ لم يَكُن كلُّ مَصنُوعٍ یی وهُو مِن خَلقِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ یی مَكتُوبًا لِقَلَمِ القَدَرِ الأَزَليِّ، وقِيلَ عنه: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ"، لَلَزِمَ حِينَها أن تكُونَ لِتِلك الأَسبابِ قَوالِبُ طَبِيعيّةٌ وأَقلامٌ وحُرُوفٌ حَدِيدِيّةٌ، بل حتَّى مَصانِعُ كَثِيرةٌ لِسَكْبِ هذه الأَقلامِ والحُرُوفِ والقَوالِبِ الحَدِيدِيّةِ، وكذا مَصانِعُ لِإِنشاءِ هذه المَصانِعِ.. وهكذا هَلُمَّ جرًّا بعَدَدِ خَلايا جِسمِ ذلك المَصنُوعِ، بل حتَّى بِعَدَدِ آلافِ المَوادِّ المُرَكَّبةِ! فمَن يَقبَلُ هذه الأَفكارَ الَّتي تُؤَدِّي إلى مُحالاتٍ لا نِهايةَ لها؟! يَجِبُ علَيْهِم أن يَصْحُوا بِهذِه الصَّفْعةِ الَّتي تَلَقَّوْها مِن هذه الحَقِيقةِ، وأَن يَنبِذُوا هذه الأَفكارَ بَعِيدًا.
الكلمةُ الثّالثة: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ"، هذا الحُكْمُ الضّالُّ المُضِلُّ له مُحالاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا، نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها:
المُحالُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّ الإِتقانَ والإِيجادَ المُتَّسِمَينِ بالبَصِيرةِ والحِكْمةِ الظّاهِرَينِ في المَوجُوداتِ ظُهُورًا جَلِيًّا، إنْ لم يُسنَدا إلى قَلَمِ القَدَرِ والقُدْرةِ
— 574 —
للمصور الأَزَليِّ، وأُسنِدا إلى "الطَّبِيعةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجاهِلةِ، لَلَزِمَ أن تُوجِدَ الطَّبِيعةُ یی مِن أَجلِ الخَلقِ یی مَطابِیعَ ومَكائِنَ مَعنَوِيّةً لا حَدَّ لها في كلِّ شَيءٍ، أو أن تُدرِجَ في كلِّ شَيءٍ قُدْرةً قادِرةً على خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وحِكْمةً مُدَبِّرةً لِإدارةِ شُؤُونِه كُلِّها، ولَلَزِمَ الِاعتِقادُ بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً وإِرادةً لا حدَّ لَهُما معَ عِلمٍ وحِكْمةٍ لا نِهايةَ لَهُما في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، أو لَلَزِمَ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ.. فهذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكِيرِ المُعْوَجِّ لَهُو أَشَدُّ بُطْلانًا مِن أَيِّ مُحالٍ آخَرَ، وأَكثَرُ خُرافةً مِنه؛ فالَّذي يُسنِدُ ما أَبدَعَه الخالِقُ العَظِيمُ إلى يَدِ الطَّبِيعةِ لا شَكَّ أنَّه يَتَردَّى بفِكْرِه إلى دَرَكٍ أَضَلَّ مِنَ الحَيَوانِ.
الثَّاني: أنَّ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ وكَمالِ الحِكْمةِ، إنْ لم تُسنَد إلى مَن هو قَدِيرٌ مُطلَقُ القُدرةِ والحِكْمةِ، وأُسنِدَت إلى الطَّبِيعةِ، لَلَزِمَ أنْ تُحضِرَ الطَّبِيعةُ في كلِّ حَفْنةِ تُرابٍ یی وهو مَنشَأُ ومَسكَنُ النَّباتاتِ ويَقُومُ بِمُهِمّةِ الأَصِيصِ لها یی مَعامِلَ ومَطابِعَ بعَدَدِ المِلياراتِ، كي تَتَمكَّنَ تلك الحَفْنةُ مِن أن تكُونَ مَنْشَأَ الأَزهارِ والأَثمارِ الجَمِيلةِ اللَّطِيفةِ، وتُؤَمِّنَ ضِمنَ مَقادِيرَ مُعَيَّنةٍ شَتَّى حاجاتِهِمُ الضَّرُورِيّةِ لِحَياتِهِم.
فيَتَوجَّهُ هذا المُحالُ إلى استِحمارِ أُولَئِك الَّذِينَ يَحمِلُونَ هذه الأَفكارَ المُنتِجةَ لِخُرافاتٍ ومُحالاتٍ لا حَدَّ لها، ويَبصُقُ في وُجُوهِهِم، ويُخاطِبُهُم بِالقَولِ: إِنْ كانَ لَدَيكُم تَساؤُلٌ: كَيفَ انقَلَبَت هذه المُحالاتُ العَجِيبةُ الصَّعبةُ إلى وُجُودٍ سَهْلٍ؟ فقد أُجِيبَ عَنْها بِجَوابٍ مَعقُولٍ وحَقِيقيٍّ.
الثَّالث: يتَضَمَّنُ مِثالَينِ:
الأوَّلُ: يُوضِّحُ حَقِيقةً مِن خِلالِ مِثالٍ لِرَجُلٍ بِدائيٍّ يَدخُلُ قَصرًا مُزَيَّنًا بَدِيعًا قد شُيِّد في صَحْراءَ خالِيةٍ، وهُو على النَّحوِ التَّالِي: يَدلِفُ البِدائيُّونَ یی مِمَّن يَدِينُونَ بفِكْرةِ الطَّبِيعةِ ويُنكِرُونَ الأُلُوهِيّةَ یی إلى قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ الَّذي يَحمِلُ نِظامًا دقيقًا وإِتقانًا أَكمَلَ، وكُلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه تُشِعُّ مُعجِزاتٍ وحِكَمًا، يَدلِفُون
— 575 —
إِلَيْه واضِعِينَ في أَذهانِهِم یی مُسبَقًا یی الإِعراضَ عن إِسنادِ ما هُو مَبثُوثٌ أَمامَهُم مِن بَدائِعِِ الصَّنْعةِ إِلى الحقِّ سُبحانَه المُنَزَّهِ عنِ المَخلُوقاتِ، المُتَعالِي عنِ المُمكِناتِ.! فيَرَون قَوانِينَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ، وفَهارِسَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، والَّتي يُطلَقُ علَيْها خَطَأً اسمُ "الطَّبِيعةِ" الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ شَبِيهةً بصَفْحةٍ مِن كُرّاسةِ قَوانِينِ إِجراءاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ المُتَغيِّرةِ المُتَبدِّلةِ وهِي ضِمنَ دائِرةِ المُمكِناتِ؛ فيُحَمِّلُونَها مُهِمّةَ إِيجادِ الأَشياءِ، ويَدخُلُون بِهَذا یی بَلاهةً وحَماقةً یی سَبِيلًا باطِلًا، ويُقَلِّدُونَ أَنفُسَهُم بِأَنفُسِهِم أَعلَى أَوْسِمةِ الحَماقةِ الكائِنةِ في ذِرْوةِ قِمَمِها.
المِثالُ الثَّاني للمُحالِ الثّالثِ: وهُو حَقِيقةٌ ثانيةٌ تُوضَّحُ بمِثالِ رَجُلٍ بِدائيٍّ يَدخُل جامِعًا عَظِيمًا ومُعَسكَرًا مَهِيبًا على النَّحوِ الآتِي: يَأتِي مُلحِدُونَ يَحمِلُونُ فِكرةَ "الطَّبِيعةِ" إلى هذا العالَمِ الَّذي هُو مَسجِدٌ عَظِيمٌ ومُعَسكَرٌ مَهِيبٌ رائِعٌ لِجُنُودِ سُلطانِ الأَزَلِ والأَبدِ الَّذِينَ لا يَحصُرُهُمُ العَدُّ، فيَجِدُونَ جَمِيعَ المَوجُوداتِ على رَأسِ عَمَلِها، وكُلَّ واحِدٍ مُوَكَّلًا بمُهِمّةٍ.
ولِأَنَّهُم مُوَلُّونَ وُجُوهَهُم عنِ الصّانِعِ ذِي الجَلالِ، يتَلَقَّوْنَ قُوّةَ الحَقِّ سُبحانَه الَّتي هِي جَلْوةٌ رَبّانيّةٌ لِلخالِقِ ذِي الجَلالِ بصُورةِ قَدِيرٍ مُستَقِلٍّ، كما يتَصَوَّرُونَ قَوانِينَه المَعنَوِيّةَ مَوادَّ مادِّيّةً، ويُمَلِّكُونَها الخَلقَ والإِيجادَ، ويُطلِقُونَ علَيْها اسمَ "الطَّبِيعةِ"؛ لِذا تَجِدُهُم يُسنِدُونَ جَمِيعَ المَوجُوداتِ الَّتي يُشاهِدُونَها إلى الطَّبِيعةِ، ويُصَنِّفُونَ أَنفُسَهُم في أَوائِلِ صُفُوفِ البِدائيِّينَ.
ما دامَ العَقلُ يَعجِزُ عن تَصَوُّرِ أَكثَرَ مِن أَربَعةِ طُرُقٍ لِلوُصُولِ إلى حُدُوثِ المَوجُودِ، وما دامَت ثَلاثةٌ مِن تلك الطُّرُقِ الأَربَعةِ قد أُغلِقَت بِتِسعةِ مُحالاتٍ تُوجِبُ مُحالاتٍ لا حَدَّ لها ولا حِسابَ؛ فلا بُدَّ وبالضَّرُورةِ والبَداهةِ أن يَثبُتَ بِشَكلٍ مُطلَقٍ الطَّرِيقُ الرّابِعُ، وهُو طَرِيقُ الوَحْدانيّةِ، ويَظهَرَ أنَّ صُدُورَ كُلِّ شَيءٍ مِن يَدِ قُدرَةِ واجِبِ الوُجُودِ، وأنَّ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِه سُبحانَه وتَعالَى.
بَعدَ هذا البَيانِ اللَّطِيفِ الجَمِيلِ المُفصَّلِ يَظهَرُ الوَجهُ الحَقِيقيُّ لِلطَّرِيقِ الَّذي
— 576 —
يَسلُكُه عُبَّادُ الأَسبابِ والواقِعُونَ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ ولا يَستَطِيعُونَ رُؤْيةَ حَقِيقَتِه، فيَدعُوهُم إلى العَدلِ والإِنصافِ، ويَدفَعُهُم لِلتَّخَلِّي عن مَسلَكِهِم، ويُجِيبُ جَوابًا بَدِيعًا على سُؤالَينِ مَشبُوهَينِ مَطرُوحَينِ؛ فيُجِيبُ على أَحَدِهِما عن طَرِيقِ مُقتَضَى قَوانِينِ رَدِّ المُداخَلةِ ومَنعِ الِاشتِراكِ؛ وعلى الآخَرِ بی: لا يَرضَى أَنْ تُحالَ عِبادةُ المَخلُوقاتِ وبخاصّةٍ عُبُودِيّةُ البَشَرِ وشُكرُهُم إلى الغَيرِ، ولا يَسمَحُ بِذَلِك، لِأنَّه مُخالَفةٌ لِحِكْمةِ الخالِقِ ذِي الجَلالِ، وتَحوِيلٌ لنَتِيجةِ الخِلقةِ وثَمَرةِ الكَونِ إلى العَبَثِيّةِ.. إلى غَيرِ ذلك مِنَ الأُمُورِ الَّتي تَدفَعُ المَرءَ لِإنكارِ حِكْمةِ الرُّبُوبِيّةِ.
وفي خاتِمَتِه يَسرُدُ دَلائِلَ عَقلِيّةً دَقِيقةً وعَمِيقةً، وعالِيةً وواسِعةً، ومُقنِعةً ومُسكِتةً، ويَرُدُّ بِأَجوِبةٍ صائِبةٍ جَمِيلةٍ يُنقِذُ بِها عُبّادَ الأَسبابِ والواقِعِينَ في مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، ويُخجِلُ الَّذِينَ ما زالُوا حتَّى يَومِنا هذا مُصِرِّينَ على مَسلَكِهِم.. يُجِيبُ على ثَلاثةِ أَسئِلةٍ مُثِيرةٍ لِلفُضُولِ طَرَحَها الرَّجُلُ الَّذي تَرَك فِكْرَ الطَّبِيعةِ الكُفرِيَّ، ودَخَل حَظِيرةَ الإِيمانِ:
الأوَّل: ما سَبَبُ تَهدِيدِ تارِكِي الصَّلاةِ تَكاسُلًا بعَذابٍ جَهَنَّمِيٍّ أَليمٍ؟
الثّاني: إِنَّنا نُطالِعُ عِيانًا وَفْرةً مُتَناهِيةً مِنَ المَوجُوداتِ، وسُرعةً مُنتَظِمةً في خَلقِ الأَشياءِ، والسُّهُولةَ المُطلَقةَ في سَبِيلِ الوَحْدانيّةِ، وقد أُقِرَّت هذه السُّهُولةُ المُطلَقةُ صَراحةً في آياتٍ كَرِيمةٍ كَثِيرةٍ أَمثالَ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، فأَينَ يَكمُنُ سِرُّ هذه السُّهُولةِ يا تُرَى؟! وما الحِكْمةُ مِن وَرائِها؟
الثَّالث: ما بالُ بَعضِ الفَلاسِفةِ يُطلِقُونَ مَقُولةَ: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ، ولا يَفنَى شَيءٌ مِنَ الوُجُودِ، وإِنَّ إِدارةَ مَصنَعِ هذا الكَونَ إِنَّما هو نَتِيجةُ التَّركِيبِ والتَّحلِيلِ"؟!
حسين
— 577 —
اللَّمْعة الرابعة والعشرون: ٢٨٦
تتَضَمَّنُ أَربَعَ حِكَمٍ:
يَأمُرُ القُرآنُ الكَرِيمُ بالحِجابِ في أَمثالِ الآيةِ الكَرِيمةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ... إلخ الآيةِ، بَينَما تَذهَبُ المَدَنيّةُ الدَّنِيَّةُ صاحِبةُ الأَخلاقِ الرَّذِيلةِ إلى خِلافِ حُكمِ القُرآنِ هذا، فلا تَرَى الحِجابَ أَمرًا فِطْرِيًّا لِلنِّساءِ، بل تَعُدُّه أَسْرًا وقَيدًا لَهُنَّ.
فتَرُدُّ هذه اللَّمْعةُ على هذا السُّؤالِ الإِلحادِيِّ، وتُوضِّحُ وتُثبِتُ بِكَثِيرٍ مِنَ التَّجارِبِ والأَمثِلةِ صَوابَ الحُكمِ القُرآنِيِّ، وأنَّ فِطْرةَ النِّساءِ تَقتَضِيه، وأنَّ الحِجابَ ليس بأَسْرٍ لَهُنَّ؛ فتُسكِتُ المُلحِدِينَ وتَأمُرُ بالحِجابِ.
الحِكمةُ الأُولى: تُجِيبُ جَوابًا رائعًا يُسكِتُ المَدَنيّةَ الخائِنةَ بِبَيانِ أَنَّ فِطْرةَ النِّساءِ تَقتَضِي الحِجابِ، لِأنَّ النِّساءَ جُبِلْنَ على الرِّقّةِ والضَّعفِ، فيَجِدْنَ في أَنفُسِهِنَّ حاجةً إلى حِمايةِ أَوْلادِهِنَّ الَّذِينَ يُؤْثِرْنَهُم على أَنفُسِهِنَّ، فهُنَّ مَسُوقاتٌ فِطْريًّا نَحوَ تَحبِيبِ أَنفُسِهِنَّ لِلَّذِي يَحمِيهِنَّ، وإلى عَدَمِ جَلبِ نَفرَتِهِم وتَجَنُّبِ جَفائِهِم واستِثْقالِهِم.. ثُمَّ إنَّ ما يَقرُبُ مِن سِتّةِ أو سَبعةِ أَعشارِ النِّساءِ إِمّا مُتَقدِّماتٌ في العُمُرِ، أو دَمِيماتٌ لا يَرغَبْنَ في إِظهارِ شَيْبِهِنَّ أو دَمامَتِهِنَّ، ولا يَتَجاوَزُ الِاثنَتَينِ أوِ الثَّلاثَ مِن كلِّ عَشرٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ: شابّاتٌ وحَسْناواتٌ ولا يَتَضايَقنَ مِن إِبداءِ مَفاتِنِهنَّ، أَمّا الباقِي فيَستَثقِلنَ ويَنزَعِجْنَ مِن نَظَراتِ البَشَرِ الخَبِيثةِ الشَّهْوانيّةِ الثَّقِيلةِ، فلا يَرْغَبْنَ بإِظهارِ أَنفُسِهِنَّ.
وتُوضِّحُ أنَّ أَمرَ القُرآنِ الحَكِيمِ أَمرٌ فِطرِيٌّ، إِذ يُنقِذُ بِالحِجابِ تلك المَخلُوقةَ الضَّعِيفةَ الرَّقِيقةَ مِنَ المَذَلّةِ الظّاهِرِيّةِ والباطِنِيّةِ، ومِن قُيُودِ أَسارةٍ مَعنَوِيّةٍ حتَّى تكُونَ رَفِيقةً أَبدِيّةً.
— 578 —
الحِكمةُ الثانيةُ: تَرُدُّ على المَدَنيّةِ الخائِنةِ ذاتِ الأَخلاقِ الرَّذِيلةِ، والَّتي تَزعُمُ أنَّ الحِجابَ أَمرٌ غَيرُ فِطرِيٍّ، وتَعُدُّه أَسْرًا لِلمَرأةِ، وبَيانُ ذلك أنَّ الحُبَّ العَمِيقَ بينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ لَيسَ ناشِئًا عَمّا تَتَطلَّبُه الحَياةُ الدُّنيا مِنَ الحاجاتِ فحَسْبُ، فالمَرأةُ لَيسَت صاحِبةَ زَوجِها في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ وَحْدَها، بل هي رَفِيقَتُه أَيضًا في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ، وتَمتَدُّ هذه المَحَبّةُ یی ويَجِبُ أن تَمتَدَّ یی إلى نِهايةِ العُمُرِ حتَّى يكُونُوا رُفَقاءَ في الحَياةِ الأَبدِيّةِ؛ فلِئَلّا تَحرِمَ المَرْأةُ نَفسَها مِن صُحْبةِ زَوْجِها ورَفِيقِها الأَبدِيِّ تَجِدُ نَفسَها مُضطَرّةً بشَكلٍ قَطعِيٍّ وفِطرِيٍّ لِلحِجابِ.
الحِكمةُ الثّالثةُ: تُثبِتُ بشَكلٍ قَطعِيٍّ أَنَّ سَعادةَ الحَياةِ العائِليةِ واستِمرارَها إنَّما هي بالثِّقةِ المُتَبادَلةِ بينَ الزَّوجَينِ، والِاحتِرامِ اللّائِقِ والوُدِّ الصَّادِقِ بَينَهُما، إلّا أنَّ التَّبَرُّجَ والتَّكشُّفَ يُخِلُّ بتِلك الثِّقةِ، ويُفسِدُ ذلك الِاحتِرامَ والمَحَبّةَ المُتَبادَلةَ، إذ لا تَرَى غَيرُ واحِدةٍ مِن عَشْرِ مُتَبَرِّجاتٍ مَن هو أَكثَرُ جَمالًا مِن زَوجِها ولا تُحَبِّبُ نَفسَها إِلَيْه؛ والأَمرُ كَذلِك في الرِّجالِ، فلا يَرَى إلّا واحِدٌ مِن كلِّ عِشرِينَ مِنهُم مَن هي أَكثَرُ جَمالًا مِن زَوجَتِه.
فالتَّبَرُّجُ والنَّظَراتُ الحَيَوانيّةُ تُزِيلانِ ذلك الحُبَّ وتُفقِدانِ ذلك الِاحتِرامَ، حتَّى إِنَّ التَّكشُّفَ الحَيَوانِيَّ الدَّنِيءَ الخَبِيثَ وكَشْفَ ما لا يَجُوزُ كَشْفُه معَ الأَقارِبِ أَيضًا كالسّاقِ، يُفقِدُ تلك الثِّقةَ؛ وإِنَّ كَشْفَ تلك المَواضِعِ مِنَ الجَسَدِ يَتَساوَى فيه المَحْرَمُ وغَيرُه.
الحِكمةُ الرَّابعةُ: تُثبِتُ الكَثِيرَ مِنَ الحِكَمِ، مِن مِثلِ بَيانِ أَنَّ كَثْرةَ النَّسلِ أَمرٌ مَرغُوبٌ فيه لَدَى الجَمِيعِ، فلَيسَ هُنالِك أُمّةٌ ولا دَوْلةٌ لا تَحُثُّ على كَثْرةِ النَّسلِ، وقد قالَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص): «تَناكَحُوا تَكثُرُوا، فإنِّي أُباهِي بكُمُ الأُمَمَ يَومَ القِيامةِ» ، بَيْدَ أنَّ التَّبَرُّجَ والتَّكشُّفَ يَحُدُّ مِنَ الزَّواجِ بل ويُقلِّلُ، لِأنَّ الشّابَّ مَهْما بَلَغ فُسُوقُه وتَحَلُّلُه، فإنَّه يَرغَبُ في أن تكُونَ رفيقتُه في الحَياةِ مَصُونةً عَفِيفةً، والمَرأةُ مِن حَيثُ كَونُها مَأمُورةً بالحِفاظِ على أَولادِ زَوجِها وأَموالِه
— 579 —
وكلِّ ما يَخُصُّه، فإنَّ أَعظَمَ خِصالِها: الوَفاءُ والثِّقةُ؛ إلّا أنَّ تَبَرُّجَها وتَكشُّفَها يُفسِدُ هذا الوَفاءَ ويُزَعزِعُ ثِقةَ الزَّوجِ بها، فتُجَرِّعُ الزَّوجَ آلامًا مَعنَوِيّةً وعَذابًا وِجْدانيًّا.. ناهِيكَ عن أنَّ الشَّجاعةَ والسَّخاءَ تُخِلَّان بتِلك الثِّقةِ والوَفاءِ..
كما أنَّ بِلادَنا لا تُقاسُ بِبُلدانِ أَورُوبّا، وإِنْ هي قُورِنَت بِها فسَيُؤدِّي ذلك إلى ضَعفِ النَّسلِ وانْهِيارِ القُوَى.. ثُمَّ إنَّ أَهلَ المُدُنِ لا يَنبَغِي لَهُم أن يُقَلِّدُوا أَهلَ القُرَى والأَريافِ في حَياتِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ، لِأنَّ أَهلَ القُرَى يَشغَلُهُم شاغِلُ العَيشِ، أَمّا أَهلُ المُدُنِ فيَعمَلُونَ في الحِرَفِ، لِهَذا لا يُقاسُ أَهلُ المُدُنُ على أَهلِ القُرَى والأَريافِ.
رُشدِي
حِوارٌ مع المؤمنات، أخَواتي في الآخرة:
رِسالةٌ جَلِيلةٌ تُبيِّنُ أنَّه: لَمّا كانَتِ "الشَّفَقةُ" إِحدَى الأُسُسِ الأَصِيلةِ في رَسائلِ النُّورِ، والنِّساءُ هُنَّ رائِداتُ الشَّفَقةِ وبَطَلاتُ الحَنانِ، فقد أَصبَحْنَ أَكثَرَ ارتِباطًا برَسائِلِ النُّورِ فِطْرةً؛ إلّا أنَّ تَيّاراتٍ فاسِدةً تُسِيءُ استِعمالَ هذه السَّجِيّةِ القَيِّمةِ، وإنَّ العِلاجَ النّاجِعَ لِإنقاذِ سَعادةِ النِّساءِ مِنَ الإِفسادِ في دُنياهُنَّ وأُخراهُنَّ مَعًا، هو تَربِيَتُهُنَّ تَربِيةً دِينِيّةً ضِمنَ نِطاقِ الإِسلامِ الشّامِلِ.
اللَّمْعة الخامسة والعشرون: ٣٠٠
وهِي خَمسةٌ وعِشرُونَ دَواءً:
هذه الرِّسالةُ تَفسِيرٌ مُقنِعُ يُفِيدُ أنَّ آياتٍ مِثلَ: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ تُؤكِّدُ أنَّ المَصائِبَ الَّتي تَحُلُّ بِأَهلِ الإِيمانِ لَيسَت مَصائِبَ على الحَقِيقةِ، بل هي تَنبِيهٌ سُبحانِيٌّ ولُطفٌ رَبّانِيٌّ.
كما تُؤَكِّدُ أنَّها صَيْدَليّةٌ نافِعةٌ ودَواءٌ ناجِعٌ لِأَهلِ البَلاءِ والمَصائِبِ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ عُشْرَ أَهلِ الإِيمانِ، بل إِنَّ كُلًّا مِن أَدوِيَتِها بمَثابةِ صَيْدَليّةٍ تَحتَوِي آلافَ
— 580 —
الأَدوِيةِ؛ وهِي كَذلِك مَعكِسٌ مُبارَكٌ لِمِئاتِ آياتِ صَيْدَليّةِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ فيما يَخُصُّ الشِّفاءَ، مِثلَ: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٭ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وبِمَثابةِ ماءِ زَمزَمٍ قُرآنِيٍّ.
الدَّواءُ الأوَّلُ: دَواءٌ رائِعٌ جِدًّا يُبيِّنُ أنَّ مَرَضَ الإِنسانِ هو عِلّةٌ مِن حَيثُ الظّاهِرُ، إِلّا أنَّه في حَقِيقَتِه نَوعٌ مِنَ الدَّواءِ، ذلك أنَّ العُمُرَ رَأسُ مالٍ يَتَلاشَى ويَضِيعُ بالغَفْلةِ النّاجِمةِ عنِ الِاستِغناءِ والرّاحةِ والعافِيةِ؛ فالمَرَضُ يُحَوِّلُ هذه الخَسارةَ إلى عُمُرٍ مُثمِرٍ.
الدَّواءُ الثّاني: دَواءٌ راقٍ يُخبِرُ أنَّ العِبادةَ عِبادَتانِ: الأُولَى: العِبادةُ الإِيجابِيّةُ المُتَجَسِّدةُ في الصَّلاةِ وأَمثالِها مِنَ العِباداتِ المَعرُوفةِ. والثّانيةُ: العِبادةُ السَّلبِيّةُ وهِي الأَمراضُ والمَصائِبُ الَّتي تُشعِرُ بعَجْزِ المُبتَلَى بِها وضَعْفِه، فيَنالُ بذَلِك عِبادةً مَعنَوِيّةً خالِصةً مُتَجرِّدةً مِن كلِّ أَنواعِ الرِّياءِ. كما يُخبِرُ یی وَفْقًا لِما وَرَد في رِواياتٍ صَحِيحةٍ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ یی أنَّ دَقِيقةً واحِدةً مِن مَرَضِ البَعضِ بحُكْمِ ساعةٍ كامِلةٍ مِنَ العِبادةِ شَرِيطةَ عَدَمِ الشَّكوَى، وأنَّ دَقِيقةً مِنه بِالنِّسبةِ إلى بَعضِ الكُمَّلِ تَعدِلُ عِبادةَ يَومٍ كامِلٍ.
الدَّواءُ الثّالثُ: دَواءٌ مُبارَكٌ يُفِيدُ أنَّ الإِنسانَ لم يَأْتِ إلى هذه الدُّنيا لِأَجلِ التَّمتُّعِ والتَّلذُّذِ، وشاهِدُ ذلك: رَحِيلُ كلِّ آتٍ، ومَشِيبُ الشَّبابِ، وتَدَحْرُجُ الجَمِيعِ في دَوّامةِ الزَّوالِ والفِراقِ؛ وبَيْنا تَرَى الإِنسانَ أَكمَلَ الأَحياءِ وأَسماها وأَغناها أَجهِزةً بل هو السَّيِّدُ علَيْها جَمِيعًا، إِذا به یی بالتَّفكُّرِ في لَذّاتِ الماضِي وبَلايا المُستَقبَلِ یی يَقضِي حَياتَه في كَدَرٍ ومَشَقّةٍ؛ فالمَرَضُ لا يُورِثُ الغَفْلةَ كالصِّحّةِ والعافِيةِ، ولا يُظهِرُ الدُّنيا حُلْوةً خَضِرةً لَذِيذةً، ويَدْفَعُ لِلتَّخَلِّي عن آلامِ ذلك التَّفَكُّر؛ فهُوَ إِذًا يَقُومُ بدَورِ مُرشِدٍ ومُوقِظٍ ناصِحٍ أَمِينٍ.
الدَّواءُ الرَّابعُ: يُفِيدُ أنَّ على الإِنسانِ الصَّبْرَ على المَرَضِ لا الشَّكوَى، لِأنَّه لم يَصنَعْ أَجهِزَتَه وأَعضاءَه بنَفسِه ولم يَبتَعْها مِن أَيِّ مَكانٍ؛ وأنَّ صاحِبَ البُستانِ
— 581 —
يَجنِي مَحصُولًا جَيِّدًا عِندَما يُؤْذِي الأَرضَ بالحَرْثِ والرَّفْشِ والأَشجارَ بالتَّقلِيمِ؛ ولِأنَّ هذا الضَّرَرَ بالبُستانِ سَبَبٌ لِجَنْيِ الثَّمَراتِ، فلَيسَ لِلبُستانِ أَيُّ حَقٍّ في التَّشَكِّي؛ وكَذلِك الأَفعالُ الَّتي تُجرَى على الإِنسانِ بالمَرَضِ لا يَحِقُّ له التَّشَكِّي مِنها، وإنْ هو اشتَدَّ علَيْه الأَمرُ فعَلَيْه التَّجَمُّلُ بالصَّبْرِ قائِلًا: "يا صَبُورُ".
الدَّواءُ الخامِسُ: دَواءٌ لَطِيفٌ ولَذِيذٌ يُخبِرُ أنَّ المَرَض في هذا الزَّمانِ صِحّةٌ وعافِيةٌ مَعنَوِيّةٌ؛ وخاصّةً لِلشَّبابِ إذ يَمنَعُهُم مِن طَيشِ الشَّبِيبةِ وغَفلَتِها.
الدَّواءُ السّادسُ: دَواءٌ مُهِمٌّ يُبشِّرُ بِأَنَّ زَوالَ المَرَضِ يَعقُبُه اللَّذّةُ، لِأنَّ زَوالَ الأَلَمِ يُولِّدُ اللَّذّةَ؛ ويُخبِرُ أنَّ زَوالَ المَصائِبِ الأَلِيمةِ يَتْرُكُ في الرُّوحِ نَفَحاتِ اللَّذّةِ.. ولِأَهَمِّيّةِ هذا الدَّواءِ تكَرَّرَ رَقْمُه مرَّتَينِ، ودُوِّن كما هو، مِمّا يُؤَكِّدُ على مَدَى أَهَمِّيَّتِه.
الدَّواءُ السّابعُ: دَواءٌ لَطِيفٌ وعَقْلانيٌّ، يُبيِّنُ أنَّ المَرَضَ لا يَذهَبُ بلَذّةِ النِّعمةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي في الصِّحّة، بل على العَكسِ، إِنَّه يُذِيقُها ويُطَيِّبُها ويَزِيدُها لَذّةً، ذلك أنَّ أيَّ شيءٍ إذا دامَ واستَمَرَّ على حالِه فإِنَّه يَفقِدُ طَعْمَه وتَأثِيرَه.. حتَّى اتَّفَق أَهلُ الحَقِّ على القَولِ: "إِنَّما الأَشياءُ تُعرَفُ بأَضدادِها.."، فمَثَلًا: لَوْلا البُرُودةُ لَما عُرِفَتِ الحَرارةُ.
الدَّواءُ الثّامنُ: يُبيِّنُ أنَّ المَرَضَ لا يَضُرُّ بِآخِرَةِ الإِنسانِ المُؤمِنِ، بل يَنفَعُها، لِأنَّ لِلمَرَضِ مَفعُولًا كمِثلِ الصّابُونِ، يَمسَحُ الذُنُوبَ ويُنقِّيه؛ وقد ثَبَت أنَّ الأَمراضَ كَفّاراتٌ لِلذُّنُوبِ حَسَبَ ما وَرَد في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، كما أنَّها تُنقِذُ المُؤمِنَ مِنَ الأَمراضِ المَعنَوِيّةِ، إِذ إِنَّه بأَخطاءِ شَخصِه الظّاهِرِيِّ يَمرَضُ شَخصُه المَعنَوِيُّ، فيُبعِدُ عنه هذا المَرَضُ الظّاهِرِيُّ الأَخطاءَ، ويَغدُو سَبَبًا لِلِاستِغفارِ المَعنَوِيِّ، فيَكُونُ هذا المَرَضُ خَزِينةً عَظِيمةً.
الدَّواءُ التّاسِعُ: دَواءٌ جَمِيلٌ يُبيِّنُ أنَّ الإِنسانَ الَّذي يَعرِفُ اللهَ لا يَنبَغِي أَن يَخافَ مِنَ المَرَضِ الَّذي يكُونُ وَسِيلةً لِلمَوتِ، لِأَنَّ المَوتَ بِالنِّسبةِ إِلَيْه وِصالٌ ولِقاءُ
— 582 —
الأَحِبّةِ والخُلّانِ مِن أَهلِ الإِيمانِ؛ كما أنَّ الأَجَل مُقَدَّرٌ لا يَتَغيَّرُ، فقد حَدَث أَنْ ماتَ أُولَئِك الباكُونَ عِندَ المُحتَضَرِينَ في مَرَضِهِم، وشُفِيَ أُولَئِك المَرضَى وعاشُوا بَعدَ ذلك أَحياءً يُرزَقُونَ؛ وأنَّ المَوتَ إِعفاءٌ وإِنهاءٌ مِن كُلفةِ وَظِيفةِ الحَياةِ، وظَلامٌ أَبدِيٌّ لِأَهلِ الضَّلالةِ.
الدَّواءُ العاشِرُ: دَواءٌ مُهِمٌّ يُخبِرُ أنَّ القَلَقَ يَزِيدُ ثِقَلَ المَرَضِ، لا سِيَّما إِنْ كانَ المَرِيضُ صاحِبَ وَسْوَسةٍ، فيُضاعَفُ حِينَها مَرَضُه الظّاهِرِيُّ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرةِ، كما أنَّ القَلَق مَرَضٌ في حَدِّ ذاتِه.
الدَّواءُ الحادِيَ عَشَرَ: دَواءٌ رَفِيعٌ يُخبِرُ بأنَّ المَرَضَ يُشعِرُ الإِنسانَ بأَلَمٍ حاضِرٍ، لكِنَّه في الوَقتِ نَفسِه يَمنَحُه لَذّةً مُستَدَرّةً مِن زَوالِ مَرَضِه السّابِقِ؛ وإنَّ التفكُّرَ بِدَوامِ لَذَّتِه حتَّى الوَقتِ الحاضِرِ يَزِيلُ أَلَمَ المَرَضِ الحاليِّ.. كما يُخبِرُ بأَنَّ الواجِبَ عَدَمُ الخَوفِ مِنَ الزَّمانِ القابِلِ لِأنَّه لا يُعرَفُ أَمرُه، فإِذًا لا مَعنَى لِإِعطاءِ صِبْغةَ الوُجُودِ لِزَمانٍ لم يَأْتِ، ولا لِأَلَمٍ لم يَحضُر، ولا لِمَرَضٍ لم يَحصُل؛ وأنَّ تَشتِيتَ صَبْرِه يَمِينًا وشِمالًا لا طائِلَ مِن وَرائِه، بل يَلزَمُه حَشْدُه جَمِيعًا بِكُلِّ ما يَملِكُ مِنَ القُوّةِ لِلوَقتِ الحاضِرِ.
الدَّواءُ الثّانِيَ عَشَرَ: يُؤَكِّدُ أنَّه يَجِبُ على الإِنسانِ ألّا يَأْسَفَ لِحِرمانِه مِنَ العِبادةِ والأَوْرادِ بسَبَبِ المَرَض، لِأنَّه ثَبَتَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّ المَرِيضَ إِن هو تَحَلَّى بالصَّبْرِ والتَّوكُّلِ وأَقامَ الفَرائِضَ فسَيَنالُ ثَوابَ العِبادةِ والأَوْرادِ بِعَينِها وبصُورةٍ أَكثَرَ إِخلاصًا، وأَنَّ الإِنسانَ يَشعُرُ بعَجزِه وضَعفِه أَثناءَ المَرَضِ، فيَتَضرَّعُ بالدُّعاءِ حالًا وقَولًا في دِيوانِ الحَضرةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُبيِّنُ سِرَّ: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، ولِكَونِ المَرَضِ سَبَبًا لِدُّعاءٍ خالِصٍ مِثلَ هذا فلا تَصِحُّ الشَّكوَى مِنه، بل يَتوَجَّبُ شُكرُ اللهِ تَعالَى.
الدَّواءُ الثّالثَ عَشَرَ: دَواءٌ مُهِمٌّ يَحُثُّ على عَدَمِ الشَّكوَى مِنَ المَرَضِ، ويُخبِرُ بأنَّ المَرَضَ قد يَغدُو كَنزًا عَظِيمًا لِبَعضِ النّاسِ، وأنَّه يَلزَمُ التَّقَلُّبُ دَومًا بَينَ
— 583 —
الخَوفِ والرَّجاءِ لِأنَّ وَقتَ حُلُولِ الأَجَلِ مَجهُولٌ؛ وبِما أنَّ مِنَ المُتَوقَّعِ أن يُباغِتَ الإِنسانَ وهُو سادِرٌ في غَفْلَتِه، فإِنَّ المَرَضَ يَغدُو ناصِحًا أَمِينًا له، إِذ يَدفَعُه لِلتَّفكِيرِ في آخِرَتِه أَكثَرَ.
الدَّواءُ الرّابعَ عَشَرَ: يُبيِّنُ أنَّ هُنالِك نُورًا، وأَيُّ نُورٍ! وعَينًا مَعنَوِيّةً تَحتَ الحِجابِ المُسدَلِ على أَعيُنِ أَهلِ الإِيمانِ یی أي: عَماها یی وأَنَّ الأَولَى بِهِم أن يُمنَحُوا یی بَدَلَ عَينٍ واحِدةٍ يُطالِعُونَ بِها لِبِضعِ سِنِينَ جَمالَ الدُّنيا الحَزِينَ الفانِيَ وبِصُورةٍ فانِيةٍ یی أَعيُنًا أَبدِيّةً بِقُوّةِ أَربَعِينَ عَينًا، يُشاهِدُونَ بِها الجِنانَ ونَعِيمَها بِصُورةٍ أَبدِيّةٍ في الجِنّةِ.
(حاشية): ومِن قوةِ تأثيرِ هذا الدَّواءِ: كنتُ قد حلَلتُ ضَيفًا على إِحدَى القُرَى، فوَجَدتُ فيها رَجُلًا فاضِلًا فاقِدَ البَصَرِ يُدعَى مُحمَّد آغا، فاشتَكَى لي مِن مَرَضِ عَينِه، فقَرأتُ له الدَّواءَ الرّابعَ عشَرَ مِن "رسالة المرضى" التي كانَت بحَوْزتي، فتأثَّر ذلك الفاضلُ بما يَحمِلُه هذا الدَّواءُ مِنَ سُلوانٍ، ثمَّ قال: "ليتني لم أَشْتَكِ مَرَضي الذي فَتَح لي بابَ هذا الثَّوابِ وهذه المَكاسِبِ المعنويّة!"، فنَدِم على فِعلَتِه هذه، وعاوَد الشُّكرَ والحَمدَ لله على حاله، وأَدرَك بشكلٍ قَطعِيٍّ أنَّ هذا المَرَضَ إنَّما هو رحمة إِلٰهِية في حقِّه.
الدَّواءُ الخامِسَ عَشَرَ: يُخبِرُ بِصُورةٍ جَمِيلةٍ أنَّ التَّأوُّهَ والأَنِينَ غَيرُ جائِزٍ، إِذ هو قَصْرٌ لِلنَّظَرِ على صُورةِ المَرَضِ، بلِ يَجِبُ النَّظَرُ إلى مَعناه كي تتَقَطَّرَ مِنه لَذائِذُ مَعنَوِيّةٌ، ويَنطِقَ اللِّسانُ بقَولِ: الحَمدُ للهِ.. فلو لم يَكُن للمَرَضِ مَعنًى جَمِيلٌ لَمَا كانَ الخالِقُ الرَّحِيمُ يَبتَلِي أَحَبَّ أَحِبّائِه مِن عِبادِه بالأَمراضِ والأَسقامِ، كما وردَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثمَّ الأَولياءُ، ثمَّ الأَمثَلُ فالأَمثَلُ» أو كما قال (ص).
كما أنَّ ثَمّةَ أَمراضًا يُكَلَّلُ أَصحابُها بالشَّهادةِ، لا سيَّما الأَمراضُ الَّتي تَتَمخَّضُ عنِ الوِلادةِ، فإذا ماتَت بها خِلالَ أَربَعِينَ يَومًا، فإنَّها ستَرقَى إلى مَرتَبةِ الشَّهادةِ.
الدَّواءُ السّادِسَ عَشَرَ: دَواءٌ جَمِيلٌ ولَطِيفٌ وشَهِيٌّ، يُبيِّنُ أنَّ المَرَضَ يُلقِّنُ صاحِبَه أَهَمَّ عُرَى الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والإِنسانيّةِ، وهُما الِاحتِرامُ والمَحَبّةُ، لِأنَّ الصِّحّةَ والعافِيةَ تَدفَعانِ النَّفسَ الأَمّارةَ لِلوُقُوعِ في شِباكِ الِاستِغناءِ، أمّا المَرَضُ
— 584 —
فيُشعِرُ صاحِبَه بالرَّحمةِ والرَّأفةِ بَدَلَ الِاستِغناءِ، ويكُونُ وَسِيلةً لِجَلبِ الشَّفَقةِ تِجاهَ بَنِي جِنسِه.
الدَّواءُ السّابِعَ عَشَرَ: يُفِيدُ أنَّه لا يَجُوزُ لِلمَرِيضِ الحُزنُ لعَجزِه عنِ القِيامِ بأَعمالِ البِرِّ، لِأنَّ المَرَضَ نَفسَه مِن أَعظَمِ الخَيراتِ، بل إنَّ رِعايةَ المَرضَى لَهِيَ مِن أَعظَمِ الخَيراتِ وأَفضَلِ الصَّدَقاتِ، فَضْلًا عن أنَّ زِيارةَ مَرِيضٍ مُؤمِنٍ والسُّؤالَ عن صِحَّتِهِ وراحَتِهِ وبَثَّ السُّلوانِ في قَلبِه یی وبخاصّةٍ إن كانَ والِدًا أو والِدةً یی والفَوزَ بِدُعائِه، هو في حُكْمِ صَدَقةٍ عَزِيزةٍ.
الدَّواءُ الثّامِنَ عَشَر: يُبيِّنُ أنَّه لا يَحِقُّ لِلإِنسانِ تَركُ الشُّكرِ والِاستِسلامُ لِلشَّكوَى، ولا الشَّكوَى مِن ضَياعِ أَحَدِ حُقُوقِه سُدًى، لِأنَّ لِلحَقِّ سُبحانَه عِندَه نِعَمًا كَثِيرةً لم يُؤَدِّ بَعدُ شُكرَها، وهُو بِهذا يَرتَكِبُ ظُلمًا في حَقِّه.. ويُؤكِّدُ أنَّ علَيْه النَّظَرَ یی مِن زاوِيةِ الصِّحّةِ یی إلى أُولَئِك العاجِزِينَ مِنَ المَرضَى الَّذِينَ هُم أَدنَى مِنه دَرَجةً، فإِن كانَ فاقِدَ أُصبُعٍ أو يَدٍ أو عَينٍ واحِدةٍ فليَنظُر إلى مَن فَقَد أُصبُعَيْه أو يَدَيْه أو عَينَيْه.
ناهِيك عن أنَّ هذا الإِنسانَ جاءَ الوُجُودَ مِنَ العَدَمِ، ولم يُخلَق حَجَرًا ولا شَجَرًا ولا حَيَوانًا، بل إِنسانًا مُسلِمًا، وتَمَتَّع بالصِّحّةِ والعافِيةِ، ونالَ دَرَجةً سامِيةً مِنَ النِّعمِ.. لِذا فإِنَّ مِن كُفرانِ النِّعمةِ أن يُظهِرَ الشَّكوَى وعَدَمَ التَّحَمُّل لعَدَمِ تَمَتُّعِه بالصِّحّةِ والعافِيةِ نَتِيجةَ بَعضِ العَوارِضِ، أو لِإضاعَتِه النِّعَمَ بسُوءِ اختِيارِه، أو مِن سُوءِ الِاستِعمالِ، أو لِعَجْزِه عنِ الوُصُولِ إلَيْها.
الدَّواءُ التّاسِعَ عشَرَ: يُبيِّنُ أنَّ التَّعبِيرَ الصَّمَدانِيَّ بإِطلاقِ "الأَسماءِ الحُسنَى" على جَمِيعِ أَسماءِ اللهِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ يَدُلُّ على أنَّ تلك الأَسماءَ جَمِيلةٌ كُلُّها، وأنَّ الحَياةَ هي أَجمَلُ مِرآةٍ صَمَدانيّةٍ وأَلطَفُها وأَجمَعُها في المَوجُوداتِ، وأنَّ مِرآةَ الجَمِيلِ جَمِيلةٌ أَيضًا، وأنَّ المِرآةَ الَّتي تَعكِسُ مَحاسِنَ الجَمِيلِ تُصبِحُ جَمِيلةً أَيضًا، وأنَّ كلَّ شَيءٍ يُصِيبُ تلك المِرآةَ مِن ذلك الجَمِيلِ هو جَمِيلٌ كَذلِك؛ وأنَّ الحَياةَ لو مَضَت بالصِّحّةِ والعافيةِ على نَسَقٍ واحِدٍ، لَأَصبَحَت
— 585 —
مِرآةً ناقِصةً، وأنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ يُوَجِّهُ الأَجهِزةَ الإِنسانيّةَ الأُخرَى إلى مُعاوَنةِ العُضوِ العَلِيلِ، وأنَّه يُرسِلُ هذا المَرَضَ ضَيْفًا حتَّى يُبْرِزَ نُقُوشَ الأَسماءِ، وعِندَما يَنتَهِي مِن وَظِيفَتِه يَمضِي إلى شَأْنِه تارِكًا مَكانَه لِلصِّحّةِ والعافِيةِ.
الدَّواءُ العِشرُونَ: يُخبِرُ أنَّ المَرَضَ قِسمانِ: قِسمٌ حَقِيقيٌّ وقِسمٌ آخَرُ وَهْمِيٌّ. أمّا القِسمُ الحَقِيقيُّ: فقد جَعَل الشّافي الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَلَّ وعَلا لِكُلِّ داءٍ دَواءً، وخَزَّنَه في صَيْدليَّتِه الكُبرَى الَّتي هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، فتِلك الأَدوِيةُ تَستَدعِي الأَدْواءَ، واستِعمالُها وتَناوُلُها بِغَرَضِ التَّداوِي مَشرُوعٌ أَصلًا؛ ولكِن يَجِبُ العِلمُ بأنَّ الشِّفاءَ وتَأثِيرَ الدَّواءِ لَيْسا إلّا بِأَمرِ الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى.
ويُثبِتُ بمِثالٍ بَدِيعٍ أنَّ عِلاجَ القِسمِ الوَهمِيِّ مِنَ المَرَضِ هو: «الإِهمالُ» ، إذ يَكبُرُ الوَهْمُ بالِاهتِمامِ ويَنتَفِشُ، وإِن لم يُعبَأ به فإنَّه يَصغُرُ ويَنزَوِي ويَتَلاشَى.
الدَّواءُ الحادِي والعِشرُون: يُوضِّحُ أنَّ في المَرَضِ أَلَمًا مادِّيًّا، إلّا أنَّ لَذّةً مَعنَوِيّةً غامِرةً تُحِيطُ به تَمحُو كلَّ آثارِ ذلك الأَلَمِ المادِّيِّ، ألا وهِي الرَّأْفةُ والشَّفَقةُ اللَّذِيذةُ الَّتي تَتَفجَّرُ مِن جَدِيدٍ في أَكبادِ والِدَيه وأَقارِبِه نَحوَه بِسَبَبِ ذلك المَرَضِ، مِمّا يُنسِيه تلك الآلامَ الأَليمةَ.. كما يُؤكِّدُ أنَّه سيُسَخَّر له الكَثِيرُ مِنَ المُعاوِنِينَ المادِّيِّينَ والمَعنَوِيِّينَ، فلِذا يتَوَجَّبُ علَيْه الشُّكرُ لا الشَّكوَى.
الدَّواءُ الثّاني والعِشرُونَ: يُثبِتُ ويُبَرهِنُ أنَّ الدّاءَ العُضالَ یی مِثلَ الشَّلَلِ یی يُعَدُّ في حقِّ المُؤمِنِ مِنَ الأَمراضِ المُبارَكةِ، ويَشهَدُ على بَرَكَتِه الأَوْلياءُ الصّالِحُونَ؛ كما يُفِيدُ أنَّ الوُصُولَ إلى الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى له أَساسانِ، وأنَّ دَوْرَ الدّاءِ العُضالِ یی كالشَّلَلِ یی أن يُحقِّقَ خواصَّ هذَينِ الأَساسَينِ: أوَّلُهُما: رابِطةُ المَوتِ، فكما أنَّه يُعْلِمُ بفَناءِ الدُّنيا، كَذلِك يُظهِر نَفسَه فانيًا وضَيفًا يُستَخدَمُ في الِوَظائِفِ. وثانِيهِما: أنَّ بَعضَ أَهلِ الإِيمانِ اشتَغَلُوا بإِماتةِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ بالمُجاهَداتِ لِأَجلِ الخَلاصِ مِن مَهالِكِها، ومِنَ الأَحاسِيسِ والمَشاعِرِ الَّتي لا تَهتَمُّ بالعُقبَى، وبِهذِه الطَّرِيقةِ ظَفِرُوا بِحَياتِهِمُ الأَبدِيّةِ؛ فكَذلِك الدّاءُ العُضالُ
— 586 —
یی كالشَّلَلِ یی يَتمَتَّعُ بالخاصّةِ ذاتِها، وبِذا يَغدُو المَرَضُ رَخِيصًا جِدًّا أَمامَ هذا الرِّبحِ العَظِيمِ.
الدَّواءُ الثّالِثُ والعِشرُونَ: يَلفِتُ الأَنظارَ إلى قَضِيّةٍ مُهِمّةٍ، وهِي أنَّ المَرَضَ إِن نَزَل في الغُربةِ والوَحْدةِ فسيَكُونُ یی مِن جِهةِ الوَحْدةِ یی سَببًا في لَفْتِ أَشَدِّ القُلُوبِ قَساوةً نَحوَ المَرِيضِ وامتِلائِها بالرِّقّةِ علَيْه؛ وأنَّ اللهَ الَّذي يُعَرِّفُ نَفسَه إلَيْنا في بَدءِ سُوَرِ القُرآنِ بصِفَتِه الجَلِيلةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَجعَلُ جَمِيعَ الأُمَّهاتِ یی بلَمْعةٍ مِن لَمَعاتِ شَفَقَتِه ورَأْفَتِه الباهِرةِ یی يَقُمْنَ بتَربِيةِ أَوْلادِهِنَّ، وأنَّه يَملَأُ وَجْهَ الدُّنيا ويَصبُغُه في كلِّ رَبِيعٍ بتَجَلٍّ مِن رَحْمَتِه ويَملَؤُه بأَنواعِ نِعَمِه وفَضْلِه، وأنَّ نَيلَ هذه النِّعمِ يَكُونُ بِمَعرِفَتِه والإِيمانِ به والِانتِسابِ إلَيْه.. وأنَّ المَرَضَ في الوَحْدَةِ والغُربةِ يَجلُبُ نَظَرَ الرَّحْمةِ تِجاهَ المَرِيضِ.
الدَّواءُ الرّابعُ والعِشرُونَ: يُثبِتُ بشَكلٍ قاطِعٍ أنَّ تِجارةً أُخرَوِيّةً غاليةً بَينَ أَيدِي المُمَرِّضِينَ المُعتَنِينَ بالأَطفالِ المَرضَى الأَبرِياءِ وبالشُّيُوخِ الَّذِينَ هم بحُكْمِ الأَطفالِ عَجْزًا وضَعْفًا، وأنَّ أَمراضَ الأَطفالِ الأَبرِياءِ هي حُقْناتُ رَبّانيّةٌ لِأَجسادِهِمُ الرَّقيقةِ للِاعتِيادِ على مَشَقّاتِ الحَياةِ في المُستَقبَلِ؛ وأنَّ ثَوابَ هذه الحُقْناتِ وأَمْثالِها يُدرَجُ في صَحِيفةِ أَعمالِ المُعتَنِينَ لا سِيَّما صَحِيفةِ أَعمالِ الأُمَّهاتِ؛ وهذا أمرٌ ثابِتٌ لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ.
كما يُؤكِّد أنَّ الظَّفَر بدُعاءِ الشُّيُوخِ یی وخاصّةً الوالِدَينِ والأَقرَبِينَ یی هو مَبعَثُ سَعادةِ الآخِرةِ، وأنَّه ثابِتٌ بحَوادِثَ كَثِيرةٍ أن الوَلَد السَّعِيدَ البارَّ بوالِدَيه العاجِزَينِ سيَرَى الطّاعةَ نَفسَها مِن أَبنائِه، بَينَما الوَلَدُ العاقُّ المُؤْذِي لِأَبَوَيْه فمعَ مَصِيرِه إلى العَذابِ الأُخرَوِيِّ، سيَجِدُ في الدُّنيا مَهالِكَ كَثِيرةً، وأنَّ الدِّينَ الإِسلامِيَّ يَحُثُّ لا على رِعايةِ الشُّيُوخِ مِنَ الأَقرَبِينَ فحَسْبُ، بل حتَّى مَن لَيسُوا مِنَ الأَقرَبِينَ.
الدَّواءُ الخامِسُ والعِشرُونَ: يُثبِتُ بشَكلٍ قَطعِيٍّ وظاهِرٍ لِلعِيانِ أنَّ الدَّواءَ المَعنَوِيَّ النّافِعَ جِدًّا لِجَمِيعِ الأَمراضِ، وأنَّ العِلاجَ الحَقِيقيَّ والقُدسِيَّ، هو
— 587 —
التَّرقِّي الإِيمانِيُّ، وأنَّه يَجِبُ استِعمالُ هذا العِلاجِ القُدسِيِّ المُتَمثِّلِ في الإِيمانِ وتَناوُلُ الدَّواءِ المُستَخلَصِ مِنه بالتَّوبةِ والِاستِغفارِ والصَّلاةِ والعِبادةِ؛ وأنَّ مُعالَجةَ دُنيا الغافِلِينَ العَلِيلةِ بضَرَباتِ الزَّوالِ والفِراقِ إنما يكُونُ بِاستِعمالِ الدَّواءِ الَّذي يَمنَحُه التِّرياقُ القُدسِيُّ أي: الإِيمانُ؛ وأنَّ عِلاجَ الإِيمانِ هذا يَتبَيَّنُ تَأثِيرُه بأَداءِ الفَرائِضِ، وأنَّ الغَفْلةَ والسَّفاهةَ وهَوَى النَّفسِ واللَّهْوَ غَيرَ المَشرُوعِ يُبطِلُ مَفعُولَ هذا العِلاجِ وتَأثِيرَه.
الحافظ مصطفى (رَحِمَهُ اللهُ)
اللَّمْعة السادسة والعشرون: ٣٢٨
كهيعص ٭ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ٭ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ٭ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
تَحتَوِي اللَّمْعةُ على سِتّةٍ وعِشرِينَ رَجاءً:
الرَّجاءُ الأوَّل: رَجاءٌ قيِّمٌ وَجِيزٌ، يُبيِّنُ أنَّ أَصلَ كلِّ شَيءٍ ونُورَه وضِياءَه ومَنبَعَه ومَعدِنَه ومَصدَرَه هو الإِيمانُ، وأنَّ الأَلزَمَ قَبلَ كلِّ شَيءٍ السَّعيُ لِنَيلِ هذا النُّورِ القُدسِيِّ المُبَجَّلِ المُنزَّهِ.
الرَّجاءُ الثّاني: رَجاءٌ باعِثٌ لِلنُّورِ، يُبشِّرُ أنَّ الشُّيُوخَ الَّذِينَ هم في الحَقِيقةِ بحُكمِ الصِّبيانِ إِنِ انتَسَبُوا زَمَنَ الشَّيخُوخةِ إلى الخالِقِ الرَّحِيمِ بالإِيمانِ والطَّاعةِ، فسيَكُونُونَ مَظهَرًا لِاسمَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَثَلهُم في ذلك مَثَلُ الصِّبيانِ تمامًا.
الرَّجاءُ الثّالثُ: يُبيِّنُ أنَّ السَّبِيلَ الأَسلَمَ لِلأَمانِ في الِانقِلاباتِ الأُخرَوِيّةِ والسَّوقِ نَحوَ البَرزَخِ الَّذي ابتُلِيَ به النَّوعُ البَشَرِيُّ شاءَ أم أَبَى، إِنَّما يَتَحَقَّقُ باتِّباعِ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ، سُنَّةِ حبيبِ اللهِ ونَبِيِّنا المُعَظَّمِ (ص)، وقائِدِ العَالَمِينَ وسَيِّدِ الأَنبِياءِ والمُرسَلِينَ، ومَظهَرِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ.
— 588 —
الرَّجاءُ الرّابعُ: يَفتَحُ بابَ رَجاءٍ عَظِيمٍ، ويُبشِّرُ الشُّيُوخَ والعَجائِزَ الَّذِينَ بَدَأَت تَنفَصِمُ عَلاقتُهُم بالدُّنيا، وباتُوا يُفكِّرُونَ بالقَبْرِ الَّذي أَضْحَوْا على شَفِيرِه.. بِأنَّ القُرآنَ المُعجِزَ البَيانِ يُنيرُ تلك العَوالِمَ الَّتي تَبدُو مُظلِمةً في الظّاهِرِ، ويُكسِبُ الإِنسانَ بِحَرفٍ واحِدٍ عَشَرةَ حَسَناتٍ یی ورُبَّما مِئةً أو أَلفًا في بَعضِ الأَحيانِ یی وأنَّه مِفتاحُ خَزِينةِ الرَّحمةِ.. فإِن هم أَطاعُوه بِنُورِ الإِيمانِ واتَّبَعُوا أَوامِرَه واجتَنَبُوا نَواهِيَه فسيَحظَوْنَ بالسَّعادةِ الأَبدِيّةِ في الآخِرةِ.
الرَّجاءُ الخامِسُ: يُفِيدُ بِأنَّ سُلوانَ الإِيمانِ بالآخِرةِ الَّذي يَظهَرُ تَأثِيرُه في كُلِّ فَردٍ وفي كُلِّ شَخصٍ بِصُورةٍ جُزئيّةٍ أو كُلِّيّةٍ، يكُونُ تَأثِيرُه عِندَ الشُّيُوخِ أَقوَى وأَعظَمُ وأَرجَى، لِذا يُوصِيهِم أن يَعلَمُوا أنَّ الشَّيخُوخةَ سَفِينةٌ رَبّانيّةٌ أَمِينةٌ، وأن يَرتَضُوها ويَحمَدُوا اللهَ على حالِهِم ويَشكُرُوه.
الرَّجاءُ السّادِسُ: يُبيِّنُ أنَّه بِنُورِ الإِيمانِ تَغدُو طَبَقاتُ الكَونِ ومَوجُوداتُ الأَرضِ ومَخلُوقاتُه أَصدِقاءَ مُؤنِسِينَ، يَشهَدُونَ على وُجُودِ الخالِقِ الرَّحِيمِ، فيُزِيلُونَ الغُربةَ والوَحْشةَ والظُّلُماتِ؛ وأنَّ في مَرحَلةِ الشَّيخُوخةِ وزَمَنِ مُفارَقةِ الأَشياءِ الَّتي تُرافِقُ الإِنسانَ في مَسِيرةِ حَياتِه يكُونُ العَجزُ والضَّعفُ أَرجَى شَفِيعَينِ عِندَ بابِ الخالِقِ الرَّحِيمِ، الَّذي تَشهَدُ على وُجُودِه شَواهِدُ بِعَدَدِ حُرُوفِ كِتابِ العالَمِ، وتَدُلُّ علَيْه دَلائِلُ رَحمةٍ بعَدَدِ النِّعَمِ والأَطعِمةِ والأَجهِزةِ المُخَصَّصةِ لِذَوِي الأَرواحِ الَّتي هي مَدارُ الشَّفَقةِ والرَّحمةِ والعِنايةِ؛ لِذا يَجِبُ أن يَوَدَّ الشَّيخُوخةَ ويُحِبَّها لا أَن يَضجَرَ مِنْها.
الرَّجاءُ السَّابعُ: رَجاءٌ قَوِيٌّ دَمَّر مِن سِتِّ جِهاتٍ بِناءَ الأَوْهامِ الَّتي شُوهِدَت في العاصِمةِ، وأَسبَغَت بالبَلاهةِ على الدُّنيا الفانِيةِ قِناعَ البَقاءِ؛ وبَدَّد بِنُورِ القُرآنِ وسِرِّ الإِيمانِ الظُّلُماتِ القادِمةَ مِنَ الضَّلالةِ؛ وأَخرَج الشُّيُوخَ المَساكِينَ المُبتَلَينَ مِن وِدْيانِ الأَوْهامِ والشُّبُهاتِ؛ وبَلَغ بِهِم ساحِلَ السَّلامةِ ورَحْمةَ الرَّحمٰنِ.
— 589 —
الرَّجاءُ الثّامِنُ: يُبيِّنُ أنَّ الحَقَّ سُبحانَه الَّذي خَلَق البَشَرِيّةَ یی بِكَمالِ كَرَمِه ورَأفَتِه وشَفَقَتِه غَيرِ المُتَناهِيةِ یی لِأَجلِ حَياةٍ أَبدِيّةٍ باقِيةٍ، يُخبِرُ في القُرآنِ العَظِيمِ الشَّأنِ عَبْرَ دُستُورٍ سَماوِيٍّ بِأَنَّ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ لِأَجلِ أَن يُنقِذَه مِنَ النِّسيانِ المُطلَقِ؛ كَما يُوقِظُه بِسِرِّ الإِيمانِ ونُورِ القُرآنِ مِن نَومِ الغَفْلةِ، فيَضَعُ بَينَ يَدَيه دُستُورَ رَجاءٍ قَوِيًّا، وذلك مِن خِلالِ الشَّيبِ الَّذي هو أَمارةُ المَوتِ والمُبَشِّرُ به، وصاحِبُ الإِنسانِ المُلازِمُ له، وأُستاذُه في مَرحَلةٍ بَدَأَت فِيها مَسِيرةُ حَياتِه بالتَّدَرُّجِ نَحوَ الأَسفَلِ، وأَضْحَى ذا مُيُولٍ دائِمٍ لِلغَفْلةِ والتَّعلُّقِ بالفانِياتِ.
الرَّجاءُ التّاسِعُ: يَفتَحُ بابَ الرِّضا بالشَّيخُوخةِ، إذِ الشَّيخُوخةُ الَّتي تَتذَوَّقُ العَجزَ والضَّعفَ بِشَكلٍ فِعلِيٍّ، مِثلَما تُصبِحُ یی مِن حَيثُ الأَحاسِيسُ والمَشاعِرُ بِحُكمِ الأَطفالِ والصِّغارِ یی وَسِيلةً لِجَلبِ الرَّحمةِ والعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ؛ كَذلِك تُصبِحُ وَسِيلةً لِتَوَجُّهِ الخالِقِ الكَرِيمِ ومَدِّ يَدِ العَونِ مِنَ البَشَرِ، كما أَنَّها تَجمَعُ بِالأَمرِ القُرآنِيِّ والإِشارةِ النَّبوِيّةِ الصِّغارَ حَوْلَه كالجُنُودِ المُطِيعِينَ له في غايةِ الِاحتِرامِ والشَّفَقةِ والرَّأفةِ.
الرَّجاءُ العاشِرُ: رَجاءٌ قَوِيٌّ مُفرِحٌ، يُبشِّرُ بِأَنَّ الشَّيخُوخةَ الماضِيةَ ضِمنَ دائِرةِ الإِيمانِ نِعمةٌ إِلٰهِيّةٌ عَظِيمةٌ، وأنَّها قد تَرتَقِي بالإِنسانِ لِمَقاماتٍ عالِيةٍ كمَراتِبِ الأَولِياءِ الحاصِلةِ بالسَّيرِ والسُّلُوكِ؛ إذ شُوهِدَ بِعُيُونِ الشَّيخُوخةِ المُؤمِنةِ: أنَّه مِثلَما يُحَبُّ المَوتُ الَّذي هو حَقِيقةٌ وأَمرٌ واقِعٌ بِنُورِ القُرآنِ الحَكِيمِ، ويُرَجَّحُ على الحَياةِ، فكَذلِك الأَمواتُ الَّذِينَ هم في عالَمِ البَرزَخِ يَستَحِقُّونَ الأُنسَ والأُلفةَ أَكثَرَ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ هم ضُيُوفٌ مُؤَقَّتُونَ في الدُّنيا، وسيَمضُونَ إِلَيْها لا مَحالةَ.
الرَّجاءُ الحادِيَ عشَرَ: بِتَنبِيهِ المَشِيبِ الَّذي يُعَدُّ مُبَلِّغًا لا يَسكُتُ، وبِفَناءِ الجَسَدِ الَّذي يُتوَهَّمُ أنَّه أَبدِيٌّ، ومُيُولِه لِعالَمٍ آخَرَ، وبضَرَباتِ بَعضِ الغادِرِينَ الَّذِينَ يُظَنُّ فِيهِمُ الوَفاءُ؛ لُوحِظَ أنَّ جَمِيعَ ما يُرتَبَطُ بِه لا يَستَحِقُّ التَّعَلُّقَ به قَلبًا؛ وعَقِبَ البَحثِ والتَّحَرِّي عن مَلجَأٍ ومُستَندٍ يُؤوَى إِلَيْه هُرِعَ لِلنَّجدةِ الدُّستُورُ القُدسِيُّ:
— 590 —
"لا إِلٰهَ إلّا هُو" الصّادِرُ مِن لِسانِ القُرآنِ الحَكِيمِ، ومِن خِلالِ مِثالَينِ هُما عَينُ الحَقِيقةِ أُثبِتَ عَدَمُ تَأْثيرِ الأَسبابِ، وزَيفُ مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ الَّذي أَضَلَّ سَبِيلَ العَصرِ، وأُثبِتَ وُجُوبُ وُجُودِ قَدِيرٍ أَزَليٍّ كلُّ شَيءٍ بِيَدِ قُدرَتِه وتَصَرُّفِه وعِلمِه المُحِيطِ، مِنَ الفَلَكِ إلى المَلَكِ، ومِنَ الذُّبابِ إلى السَّمَكِ، ومِنَ الخَيالِ إلى الحَياةِ.. هكذا يَفتَحُ هذا الرَّجاءُ بابَ رَجاءٍ قويٍّ يَغدُو وَسِيلةً لِنُورِ الإِيمانِ.
الرَّجاءُ الثّانِيَ عشَرَ: إِثرَ وَفاةِ المَرحُومِ عَبدِ الرَّحمَنِ، إذا بِسِرِّ الآيةِ القُدسِيّةِ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وبحَقِيقةِ: "يا باقِي أَنتَ الباقِي، يا باقِي أَنتَ الباقِي" وبِآيةِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ تُهرَعُ لِبَثِّ السُّلوانِ وتَقُولُ: إِنَّ جَلْوةَ عِنايةٍ مِنه تَزِنُ الدُّنيا وما فِيها، وجَلْوةَ نُورٍ مِنه تُزِيلُ جَمِيعَ الظُّلُماتِ، فما دامَ باقِيًا تَوَجُّهُ هذا الباقِي ذِي الجَلالِ، والسَّرمَدِيِّ ذِي الكَمالِ، والرَّحِيمِ ذِي الجَمالِ، فهُو كافٍ.
هذا الرَّجاءُ أَشبَهُ بالكَهرَباءِ، إذ يَمنَحُ القُلُوبَ الإِيمانَ، ويُبَدِّلُ الظُّلُماتِ نُورًا، ويُحَوِّل وَجْهَ الشُّيُوخِ إلى الباقِي ذِي الجَلالِ یی وأَغلَبُهُم مُبتَلَونَ بمُصِيبةِ الفِراقِ والِافتِراقِ والحَسرةِ یی ويُبيِّنُ مِن خِلالِ حَقِيقةٍ واقِعِيّةٍ أنَّ الرّاحِلِينَ يَمضُونَ إلى مُلكِه الباقِي، ويُبعَثُ مَحَلَّهُم آخَرُونَ، وكَذلِك في المُستَقبَلِ ثَمّةَ مَن سيُبعَثُونَ.
الرَّجاءُ الثّالثَ عشَرَ: بَعدَ احتِلالِ الرُّوسِ مَدِينةَ "وان" في الحَربِ العالَمِيّةِ وإِحراقِها وتَحويلِها إلى أَطلالٍ، وإِثرَ تَغيِيبِ أَكثَرِ سُكّانِها بالمَوتِ والشَّهادةِ أوِ التَّهجِيرِ، وإِبّانَ دَمارِ مَدرَسةِ "خُورْخُور" ووَفاتِها وظُهُورِ قَلعةِ "وان" المُتَربِّعةِ على رَأسِ "خُورْخُور" مُكَوَّنةً مِن كُتلةٍ صَخْرِيّةٍ واحِدةٍ أَشبَهَ بحَجَرِ اللَّحدِ لِقَبْرِ المَدارِسِ التَّقلِيدِيّةِ الَّتي أُغلِقَت وأُمِيتَت، وبَينَما أَنا على هذه الحالةِ على قِمّةِ قَلعةِ "وان" يُخَيِّمُ عَلَيَّ يَأْسٌ شَدِيدٌ، إذا بِحَقِيقةٍ تَتَجَلَّى مِن مَعِينِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ في قَولِه تَعالَى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
— 591 —
٭ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وتُنقِذُ مِن هذه الحالةِ الحَزِينةِ الأَلِيمةِ، وتَلفِتُ الأَنظارَ إلى الآفاقِ وإلى آياتِ الكَونِ، فتُبيِّنُ أَنَّ النَّقَّاشَ الأَزَلِيَّ يَكتُبُ یی بَدَلَ رِسالةٍ كُتِبَت ومُحِيَت بِيَدِ الضُّيُوفِ مِنَ البَشَرِ یی كِتابَ الكَونِ الَّذي لا يُمحَى ولا يَبلَى، ويُدرِجُ في كُلِّ حَرفٍ مِنه كِتابًا كامِلًا، ويُسْدِي عِوَضًا عن مَدرَسةِ "خُورْخُور" مَدِينةَ "إِسبارْطةَ" كمَدرَسةٍ، ويُبدِلُ بِضْعَ طُلّابٍ وأَصحابٍ مِمَّن فارَقُونا بطُلّابٍ وأَصحابٍ كُثْرٍ.
يَتوَجَّهُ هذا الرَّجاءُ القَيِّمُ إلى الشُّيُوخِ المُؤمِنِينَ المُقتَرِبِينَ مِن لِقاءِ حَضرةِ رَبٍّ رَحِيمٍ يُظهِرُ سِرَّ الحِكْمةِ والرَّحمةِ والرَّأفةِ هذه، وهُم عِبادٌ مَقبُولُونَ عِندَه، ويُوصِيهِم بِألَّا يَهابُوا أَحوالَ الدُّنيا المَخُوفةَ المَهُولةَ، وألَّا يَقَعُوا في اليَأسِ والقُنُوطِ، بلِ الواجِبُ تَحفِيزُ الأَرواحِ لِلعُبُودِيّةِ والطّاعةِ، وتَشجِيعُ أَذواقِ اللِّسانِ على الحَمدِ والشُّكرِ لِهذا المُحسِنِ الكَرِيمِ، الَّذي أَحسَنَ بِهَذا الإِيمانِ القُدسِيِّ والإِسلامِ المُسَلِّمِ.
الحافظُ مُصطَفَى (رَحمةُ الله عَليهِ رَحمةً واسعةً)
الرَّجاءُ الرَّابعَ عشَرَ: حِينَما جَرَّدَ أَربابُ الدُّنيا أُستاذَنا مِن كلِّ شَيءٍ، ووَقَعَ في خَمْسةِ أَلوانٍ مِنَ الغُرْبةِ، وسَيطَرَ عَلَيه عِشقٌ لِلبَقاءِ في مُنتَهَى القُوّةِ، وهَيمَنَت عَلَيْه مَحَبّةٌ لِلوُجُودِ شَدِيدةٌ، وتَحَكَّمَ فِيه شَوقٌ لِلحَياةِ عَظِيمٌ.. معَ ما يَكمُنُ فِيه مِن عَجزٍ لا حَدَّ له، وفَقرٍ لا نِهايةَ له، طَأطَأَ رَأسَه يائِسًا؛ وإِذا بِالآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ تُغِيثُه قائِلةً: "اقْرَأْنِي جَيِّدًا بتَدَبُّرٍ وإِمعانٍ"، فقَرَأَها بدَوْرِه خَمسَ مِئةِ مَرّةٍ في كلِّ يَومٍ، وكُلَّما كان يَتلُوها كانَت تَكشِفُ عن بَعضٍ مِن أَنوارِها وفُيُوضاتِها الغَزِيرةِ، فرَأَى مِنها بعَينِ اليَقِينِ یی ولَيسَ بعِلمِ اليَقِينِ یی تِسعَ مَراتِبَ حَسْبِيّةٍ:
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الأُولَى: يُبيِّنُ فِيها أنَّ ما بِأُستاذِنا مِن عِشقِ البَقاءِ، في اللَّحظةِ الَّتي تَشَبَّثَ فِيها بظِلِّ تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمٍ مِن أَسماءِ الجَلِيلِ والجَمِيلِ المُطلَقِ
— 592 —
ذِي الكَمالِ المُطلَقِ، جاءَتِ الآيةُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ورَفَعَتِ السِّتارَ، فأَحَسَّ وتَذَوَّق بحَقِّ اليَقينِ أنَّ لَذّةَ البَقاءِ وسَعادَتَه مَوجُودةٌ بنَفسِها یی بل بأَفضَلَ وأَكمَلَ مِنها یی في بَقاءِ الباقِي ذِي الكَمالِ، وفي الإِيمانِ والإِذعانِ والإِيقانِ به.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسبِيّةُ الثّانيةُ: تَتحَدَّثُ أنَّه في الوَقتِ الَّذي كانَ فيه أُستاذُنا في عَجزٍ وشَيخُوخةٍ وغُربةٍ، وَحِيدًا بِدُونِ مُعِينٍ، مجُرَّدًا مِن كلِّ شَيءٍ، هاجَمَه أَهلُ الدُّنيا بدَسائِسِهِم وجَواسِيسِهِم.. عِندَها خاطَبَ قَلبَه قائِلًا: "إِنَّ جُيُوشًا كَثِيفةً عارِمةً تُهاجِمُ شَخصًا واحِدًا ضَعِيفًا مَرِيضًا مُكبَّلَ اليَدَينِ! أَوَلَيسَ لي مِن نُقطةِ استِنادٍ؟"، فراجَعَ قَولَ اللهِ تَعالَى: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فأَعلَمَه دَرسًا مَعنَوِيًّا مُفادُه:
"إنَّك تَنتَسِبُ بِهُويّةِ الِانتِسابِ الإِيمانِيِّ إلى سُلطانٍ عَظِيمٍ ذِي قُوّةٍ وقُدرةٍ مُطلَقةٍ، لَدَيْه جَيشٌ مُكَوَّنٌ مِن أَربعِ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأُمَمِ المُختَلِفةِ مِن جُيُوشِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، كُلٌّ تَحتَ أَمرِه وطاعَتِه".
ومِن خِلالِ هذا الدَّرسِ شَعَر أُستاذُنا بِقُوّةٍ إِيمانيّةٍ عَظِيمةٍ يُمكِنُه أن يتَحَدَّى بِها جَمِيعَ العالَمِ ولَيسَ أَعداءَه الماثِلِينَ أَمامَه اليَومَ، ورَدَّد مِن أَعماقِ رُوحِه: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الثّالثةُ: تُبيِّنُ أنَّ الأُستاذَ عِندَما كانَ يُفكِّرُ بأنَّه مُرَشَّحٌ لِدُنيا أُخرَى أَبدِيّةٍ، ومُؤَهَّلٌ لِمَمْلَكةٍ باقِيةٍ وسَعادةٍ دائِمةٍ؛ لكِن أنَّى لِهذِه الغايةِ أن تَتَحقَّقَ یی وهِي غايةُ المُنَى ومُبتَغَى الخَيالِ وهَدَفُ الرُّوحِ ونَتِيجةُ الفِطْرةِ یی إلّا بقُدرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ الَّذي يَعرِفُ جَمِيعَ حَرَكاتِ مَخلُوقاتِه وسَكَناتِهِم ويُسَجِّلُها؟! فأَرَاد إِيضاحًا يَطمَئِنُّ به القَلبُ، فراجَعَ بدَوْرِه تلك الآيةَ الكَرِيمةَ أَيضًا، فقالَت له: دَقِّقِ النَّظَرَ في "نا" الَّتي في «حَسْبُنا» ، وانظُرْ مَنْ هُم أُولاءِ الَّذِينَ يَنطِقُونَ "حَسْبُنا" مَعَك، سَواءٌ يَنطِقُونَها بلِسانِ الحالِ، أو بلِسانِ المَقالِ، أَنصِتْ إلَيْهِم.. نعم، هكذا أَمَرَتْه الآيةُ!
— 593 —
فنَظَرَ.. فإِذا به يَرَى جَمِيعَ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ تُرَدِّدُ بلِسانِ الحالِ مَعنَى حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، كما لَاحَظَ كَيفَ تتَجَلَّى عَظَمةُ القُدْرةِ وحِشْمَتُها في المَوجُوداتِ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الرّابِعةُ: تُبيِّنُ أنَّه حِينَ كانَ في قَلَقٍ شَدِيدٍ وأَلِيمٍ مِن أَنَّ وُجُودَه ماضٍ إلى العَدَمِ، بل حتَّى وُجُودُ المَخلُوقاتِ كلِّها يَفنَى ويَنتَهِي إلى الزَّوالِ، راجَعَ الآيةَ الحَسْبِيّةَ أَيضًا، وعِندَما نَظَرَ بمِنظارِ الإِيمانِ وَجَد أنَّ المَوتَ لَيسَ فِراقًا، بل هو وِصالٌ وتَبدِيلُ مَكانٍ وإِثمارٌ لِثَمَرةٍ باقِيةٍ.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ الخامِسةُ: عِندَما تَوَجَّهَت حَياتُه نَحوَ الِانطِفاءِ السَّرِيعِ، فَكَّر في هذا بِكُلِّ أَلَمٍ وأَسًى، فقالَ بِالمَدَدِ الَّذي تلَقّاه مِنَ الآيةِ الحَسْبِيّةِ: إِنَّ الحَياةَ كُلَّما تَتَوجَّهُ إلى الحَيِّ القَيُّومِ وتَتَطلَّعُ إلَيْه، وكُلَّما كانَ الإِيمانُ حَياةً لِلحَياةِ ورُوحًا لها، فإنَّها تَكسِبُ البَقاءَ، بل تُعطِي ثِمارًا باقِيةً كَذلِك، عِندَها لا يُنظَرُ إلى قِصَرِ العُمُرِ وطُولِه.
فمَن كانُوا غَيرَ أَمواتٍ، أو يَرغَبُونَ بِالبَقاءِ أَحياءً، ويَتمَنَّونَ إِدراكَ ماهِيّةِ الحَياةِ وحَقِيقَتِها، فليُراجِعُوا المَسائِلَ الأَربَعةَ لِهَذِه المَرتَبةِ المُدرَجةِ في "الشُّعاعِ الرّابِعِ"، وليُرْعُوها أَسماعَهُم.
المَرتَبةُ النُّورِيّةُ الحَسْبِيّةُ السّادِسةُ: تُخبِرُ أنَّه رَأَى الزَّوالَ والفَناءَ اللَّذَينِ يُدَمِّرانِ دائِمًا، والمَوتَ والعَدَمَ اللَّذَينِ يُفَرِّقانِ باستِمرارٍ، رَآهما يُفسِدانِ بشَكلٍ مُرعِبٍ ومُخِيفٍ جَمالَ هذه الدُّنيا الرّائِعةِ الجَمالِ ويُشَوِّهانِه بتَحطِيمِهِما لها، ويُتلِفانِ لَطافةَ هذه المَخلُوقاتِ.. فهاجَ ما في فِطْرَتِه مِن عِشقٍ مَجازِيٍّ، وفارَ فَوَرانًا شَدِيدًا، وبَدَأ يَتَأجَّجُ بالرَّفضِ والعِصيانِ أَمامَ هذه الحالةِ المُفجِعةِ، فلم يَكُن له بُدٌّ مِن مُراجَعةِ الآيةِ الحَسْبِيّةِ، لِتَقُولَ له: "اقْرَأْنِي جَيِّدًا، أَنعِمِ النَّظَرَ في مَعانِيَّ".
فقام بدَوْرِه ودَخَل إلى مَركَزِ الإِرصادِ لِسُورةِ النُّورِ عِندَ آيةِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فنَظَر مِن هُناك "بمِنظارِ" الإِيمانِ إلى أَبعَدِ طَبَقاتِ الآيةِ الحَسْبِيّةِ، وذَكَر
— 594 —
الأَسرارَ الَّتي طالَعَها، وأَفادَ أنَّ هذه المَصنُوعاتِ الجَمِيلةَ وهذه المَخلُوقاتِ اللَّطِيفةَ والمَوجُوداتِ البَهِيّةَ تَقُومُ مَقامَ مَرايا عاكِسةٍ للجَمالِ المُقدَّسِ لِلجَمِيلِ ذِي الجَلالِ ولِلجَمالِ السَّرمَدِيِّ لِجَمالِ أَسمائِه الحُسنَى وهِي مُتَناهِيةُ الجَمالِ، وقد وُضِّحَتْ تَفصِيلًا مِن خِلالِ دَلائِلَ قَوِيّةٍ في أَجزاءِ "رَسائِلِ النُّورِ".
الرَّجاءُ الخامِسَ عشَرَ: يُبيِّنُ بِشَكلٍ جَمِيلٍ جِدًّا أنَّه بَعدَ سِجنِ "دَنِيزْلي" بَدَأ انتِشارُ رَسائِلِ النُّورِ مِن خِلالِ طِباعَتِها عَبْرَ آلةِ التَّكثِيرِ، وأنَّ فُتُوحاتِ النُّورِ هذه لم تَرُقْ لِلأَعداءِ المُتَستِّرِينَ مِنَ المُنافِقِينَ، فحَرَّضُوا الحُكُومةَ ضِدَّ رَسائِلِ النُّورِ مِن خِلالِ دَسائِسَ وافتِراءاتٍ شَتَّى، ودَفَعُوها لِمُصادَرَتِها وتَدقِيقِها، وفي النَّتِيجةِ لم يَصدُر مِنها أيُّ نَقدٍ أَو عَداءٍ لِلرَّسائلِ، بل فَتَحَت قُلُوبَ المُوَظَّفِينَ المُدَقِّقِينَ، فأَخَذُوا يَمتَدِحُونَها ويَصِفُونَها بِعِباراتِ التَّقدِيرِ بَدَلَ نَقدِها واتِّهامِها، وكانَت هذه الحادِثةُ سَببًا لِتَوَسُّعِ المَدارِسِ النُّورِيّةِ.
لكِن بَعدَ مُدّةٍ دَفَعَ أَعداءُ الدِّينِ المُتَستِّرِينَ الحُكُومةَ لِاعتِقالِ أُستاذِنا في أَشِّدِ أَيّامِ الشِّتاءِ بُرُودةً وزَمهَرِيرًا، وبذَرائِعَ واهِيةٍ جِدًّا، وسَجَنُوه في غُرفةٍ كَبِيرةٍ وبارِدةٍ لا مِدْفَأةَ فِيها، فكانَ أن تَجَلَّت لَدَيْه حَقِيقةٌ في هذا السِّجنِ بفَضلِ اللهِ وحُسنِ عِنايَتِه، إِذِ انتَشَرَتِ الأَنوارُ داخِلَ السِّجنِ وخارِجَه، فحَمِدَ الأُستاذُ اللهَ آلافَ المَرّاتِ، وأُخطِرَ إلى رُوحِه الأَمرُ الآتِي: "إِنَّك تَكسِبُ ثَوابًا عَظِيمًا نَتِيجةَ ظُلمِهِم، وتَظفَرُ بخُلُودِ ساعاتِك الفانيةِ، وتَغنَمُ لَذائِذَ رُوحِيّةً مَعنَوِيّةً فَضلًا عن قِيامِك بمُهِمَّتِك العِلمِيّةِ والدِّينيّةِ بإِخلاصٍ"، فتَوَجَّه إلى اللهِ تَعالَى بالحَمدِ والشُّكرِ على ذلك بكُلِّ ما أُوتِيَ مِن قُوّةٍ.
وفي نِهايةِ هذا الرَّجاءِ يُبيِّنُ أنَّ طُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ قد أَوقَفُوا یی بقُوّةِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ یی الفَوضَوِيّةَ في جَمِيعِ أَنحاءِ هذا الوَطَنِ، وحافَظُوا على الأَمنِ والِاستِقرارِ العامِّ، وأنَّه لم تَصدُر مِنهُم على مَدَى عِشرِينَ عامًا أيّةُ حادِثةٍ تُخِلُّ بالأَمنِ، وهُم مَوجُودُونَ في شَتَّى أَنحاءِ البِلادِ، بل أَقرَّ بَعضُ ضُبّاطِ الأَمنِ
— 595 —
المُنصِفِينَ بالقَولِ: "إِنَّ طُلّابَ النُّورِ ضُبّاطٌ مَعنَوِيُّونَ لِلأَمنِ، إِنَّهُم يُساعِدُونَنا في الحِفاظِ على الأَمنِ والنِّظامِ، لِمَا يَجعَلُونَ مِن فِكرِ كُلِّ مَن يَقرَأُ رَسائِلَ النُّورِ بالإِيمانِ التَّحقِيقيِّ حارِسًا ورَقِيبًا علَيْه".
ويُذَكِّرُ بِقَولِ الأُستاذِ لِأُؤلَئِك الَّذِينَ يَسعَونَ لِوَضعِ السُّدُودِ والعَراقِيلِ أَمامَ نُورِ الإِيمانِ والقُرآنِ مِن خِلالِ أَكاذِيبَ وافتِراءاتٍ باطِلةٍ شَتَّى: «إِنَّ هذه الحَقِيقةَ المُقدَّسةَ الَّتي افتَدَتْها مَلايِينُ الرُّؤُوسِ فِداءٌ لَها رَأسُنا أَيضًا، فلَو أَشعَلتُمُ الدُّنيا على رُؤُوسِنا نارًا فلَن تَرضَخَ تلك الرُّؤُوسُ الَّتي افتَدَتِ الحَقِيقةَ القُرآنيّةَ، ولن تُسَلِّمَ القِيادةَ لِلزَّندَقةِ، ولن تَتَخلَّى عن مُهِمَّتِها المُقدَّسةِ بإِذنِ اللهِ».
الرَّجاءُ السّادسَ عَشَرَ: رَجاءٌ مُهِمٌّ يُبيِّنُ أنَّه بِرَغمِ قِيامِ الأُستاذِ بِتَخبِئةِ بَعضِ الرَّسائِلِ الخاصّةِ وإِخفاءِ المَجمُوعاتِ المُهِمّةِ، ولا سِيَّما الَّتي تَتَحَدَّثُ عن دَجّالِ المُسلِمِينَ (السُّفيانِيِّ) وعن كَراماتِ "رَسائِلِ النُّورِ"، على أَن تُنشَرَ حِينَ يَأتِي وَقتُ نَشرِها.. إِلّا أنَّها أُخرِجَت مِن مَخبَئِها، وتَمَّ تَوقِيفُ الأُستاذِ وهُو مَرِيضٌ وإِحالَتُه إلى السِّجنِ، وبَينَما كانَ مُتَألِّمًا بالِغَ الأَلَمِ، ومُستَغرِقًا في التَّفكِيرِ حَولَ ما أَصابَ "رَسائِلَ النُّورِ" مِن أَضرارٍ، إذا بالعِنايةِ الرَّبّانيّةِ تَهُبُّ لِإِغاثَتِه، فتُحَوِّلُ تلك المَحافِلَ الرَّسمِيّةَ الَّتي قَرَأَت تلك الرَّسائِلَ الخاصّةَ إلى ما يُشبِهُ المَدارِسَ النُّورِيّةَ، ونالَت مِنها كُلَّ إِعجابٍ وتَقدِيرٍ.
وكذا عِندَما كانَ في سِجنِ "دَنِيزْلي" واعتَراه الحُزنُ والأَلَمُ الشَدِيدانِ جَرّاءَ ابتِلاءِ أَصدِقائِه الأَبرِياءِ، فَضْلًا عنِ الشَّيبِ والمَرَضِ.. أَغاثَتْه العِنايةُ الرَّبّانيّةُ مَرّةً أُخرَى، فحَوَّلَت ذلك السِّجنَ الرَّهِيبَ إلى مَدرَسةٍ نُورِيّةٍ، وأَثبَتَت أنَّه مَدرَسةٌ يُوسُفِيّةٌ حقًّا، وبَدَأَت "رَسائِلُ النُّورِ" بالِانتِشارِ والتَّوَسُّعِ حَيثُ بَدَأ أَبطالُ "مَدرَسةِ الزَّهراءِ" بكِتابةِ تلك الرَّسائِلِ بأَقلامِهِمُ الأَلْماسِيّةِ.
ويَتَحدَّثُ هذا الرَّجاءُ أَنَّ الأَعداءَ المُتَستِّرِينَ قد سَمَّمُوا أُستاذَنا، واستُشهِدَ "الحافِظُ عَلِيٌّ" بَدَلًا عنه، ومِن ثَمَّ ارْتَحَل إلى عالَمِ البَرزَخِ عِوَضًا عَنه، الأَمرُ
— 596 —
الَّذي أَدخَلَهُم في حُزنٍ شَدِيدٍ وأَلَمٍ جَسِيمٍ، حتَّى جاءَتِ العِنايةُ الإِلٰهِيّةُ بِالمَدَدِ، وأَزالَت خَطَرَ التَّسمُّمِ عن أُستاذِنا.
ويُخبِرُ بِانشِغالِ المَرحُومِ "الحافِظِ عَلِيٍّ" في قَبْرِه بِرَسائِلِ النُّورِ، وإِجابَتِه على أَسئِلةِ المَلائِكةِ مِن رَسائِلِ النُّورِ؛ ويُبشِّرُ بِدُخُولِ بَطَلِ "دَنِيزْلي" المَرحُومِ "حَسَن فَيضِي" وأَصدِقائِه دائِرةَ الخِدمةِ عِوَضًا مِنه، وبإِصلاحِ المَساجِينِ لِأَحوالِهِم مِن خِلالِ الأَنوارِ.. إلى غَيرِ ذلك مِنَ الأَماراتِ الكَثِيرةِ الدّالّةِ على إِمدادِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ.
وبَعدَ أن يُعَبِّرَ عن هذا كُلِّه، يُبيِّنُ أنَّ الأُستاذَ كانَ يَرغَبُ في شَبابِه أن يَنزَوِيَ آخِرَ عُمُرِه في أَحَدِ الكُهُوفِ، إِلّا أنَّ هذه الكُهُوفَ قد تَحَوَّلَتِ اليَومَ إلى سُجُونٍ وزَنازِينَ انفِرادِيّةِ ومَحَطّاتٍ لِلتَّعذِيبِ؛ وخَدَمَت هذه الأَماكِنُ حَقائِقَ الإِيمانِ والقُرآنِ على صُورةِ مَدارِسَ يُوسُفِيّةٍ؛ ثُمَّ يَذكُرُ في الخِتامِ ثَلاثَ حِكَمٍ وثَلاثَ فَوائِدَ نَفِيسةٍ لِخِدمةِ النُّورِ في رُدْهاتِ السِّجنِ المُؤلِمةِ.
اللَّمْعة السابعة والعشرون: ٤٠٠
نُشِرت في مُجَلَّدٍ آخَرَ، لِذا لم تُدرَجْ هُنا.
اللَّمْعة الثامنة والعشرون: ٤٠١
تَضُمُّ هذه اللَّمْعةُ ثَمانِيًا وعِشرِينَ نُكتةً، أُدرِجَ بعضٌ مِنها هنا، أمّا باقِي النِّكاتِ فلم تُدرَجْ لِأَنَّها نُشِرَت في مُجَلَّدٍ آخَرَ.
النُّیكتةُ الثّانيةُ مِن النُّیكتَتَينِ: تُوضِّحُ على سَبِيلِ الإِجمالِ ثَلاثةَ أَوجُهٍ مِن بَينِ المَعانِي الجَمِيلةِ الرَّفيعةِ الَّتي وَرَدَت مِن فَيضِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٭ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٭ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ:
— 597 —
الوَجهُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّ الإِطعامَ والإِرزاقَ الَّذي في الآيةِ الكَرِيمةِ يَعُودُ إلى الرَّسُولِ الأَكرَمِ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الوَجهُ الثّاني: جَوابٌ جَمِيلٌ جِدًّا لِمَن يَتَوهَّمُ أَنَّ السَّعيَ إلى الرِّزقِ يَمنَعُه عنِ العُبُودِيّةِ، ويتَّخِذُه ذَرِيعةً لِتَركِ العِبادةِ، فتُخبِرُ الآيةُ الكَرِيمةُ بما مُفادُه: أَنا الكَفِيلُ بإِحضارِ الرِّزقِ لِمَخلُوقاتِي فأَنتُم لم تُخلَقُوا له، فواجِبُكُمُ الأَساسُ هو العُبُودِيّةُ، والسَّعيُ وَفقَ أَوامِرِي لِلحُصُولِ على الرِّزقِ، وهو بِذاتِه نَوعٌ مِنَ العِبادةِ.
الوَجهُ الثّالثُ: يُبيِّنُ أنَّ كلَّ ما يُرزَقُ ويُطعَمُ وله استِعدادٌ لِلرِّزقِ والإِطعامِ لا يُمكِنُ أن يكُونَ إِلٰهًا ومَعبُودًا، فلا تَلِيقُ بِهِمُ الأُلُوهِيّةُ؛ مُورِدًا الآيةَ الكَرِيمةَ الوارِدةَ في سُورةِ الإِخلاصِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ مِثالًا على ذلك.
مَكتُوبٌ عَزِيزٌ يُفصِّلُ الكَلامَ على أَنواعِ النَّومِ وأَوقاتِه، وعلى أَوقاتِ النَّومِ المُوافِقةِ والمُخالِفةِ لِلسُّنّةِ النَّبوِيّةِ.
مَكتُوبٌ لَطِيفٌ جِدًّا يُوضِّحُ كَيفَ شاهَدَ الأُستاذُ الشَّخصِيّةَ المُحَمَّدِيّةَ المَعنَوِيّةَ الَّتي أَنارَتِ الدُّنيا وعَمَرَتْها وآنَسَتْها، وذلك عِندَما كانَ يَقرَأُ بَعدَ تَسابِيحِ صَلاةِ العِشاءِ جُملةَ: «أَلفُ أَلفِ صَلاةٍ وأَلفُ أَلفِ سَلامٍ علَيْك يا رَسُولَ اللهِ» ؛ ويُبيِّنُ أنَّه يَجِبُ على الإِنسِ والجِنِّ قِراءةُ الصَّلاةِ والسَّلامِ علَيْه حتَّى يُؤَدُّوا الشُّكرَ والحَمدَ لِما أَتاهُم بِه مِنَ النُّورِ والهِدايةِ.
مَكتُوبٌ سامٍ جِدًّا يُبيِّنُ أنَّ هُنالِك ثَلاثةَ أَضرارٍ جَسِيمةٍ وَراءِ تَلقِينِ مَشرَبِ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ حَولَ "وَحْدةِ الوُجُودِ" لِلنّاسِ في الوَقتِ الحاضِرِ.
جَوابٌ عِلمِيٌّ مُختَصَرٌ لِسُؤالٍ أَصبَحَ مَوضِعَ نِقاشٍ حَولَ مُحيِي الدِّينِ بنِ عَرَبيٍّ و"وَحْدةِ الوُجُودِ".
لَوحةٌ جَمِيلةٌ ذاتُ عِبرةٍ، تُبيِّنُ كَيفَ شاهَدَ الأُستاذُ مَساكِينَ يَفرَحُونَ ويَمرَحُونَ في مِهرَجانٍ أُقِيمَ في دائِرةٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ، وكَيفَ أَصبَحَت أَحوالُهُم بَعدَ خَمسِينَ سَنةً.
— 598 —
كِتابةٌ مُؤَثِّرةٌ على صُورةِ صَفْعةٍ قَوِيّةٍ لِلنَّفسِ الأَمّارةِ بَعدَ أَن تُعَدِّدَ أَضرارَ إِطاعةِ النَّفسِ الأَمّارةِ.
جَوابٌ مُقنِعٌ يُفصِحُ عنِ العَدالةِ الحَقِيقِيّةِ وَراءَ العَذابِ الجَهَنَّمِيِّ الَّذي لا يُحَدُّ جَزاءً لِكُفرٍ في زَمَنٍ قَصِيرٍ.
تَوافُقٌ لَطِيفٌ ذُو مَغزًى حَولَ نَيلِ رَسائِلِ النُّورِ القَبُولَ، وكَونِها مَظهَرًا لِلعِنايةِ الإِلٰهِيّةِ.
مَكتُوبٌ مُخلِصٌ نُورانِيٌّ يُبيِّنُ كَيفَ انعَكَسَتِ الأَنوارُ على القُلُوبِ البَرِيئةِ.
رُؤيةُ زَكائي: رُؤيةٌ مُبشِّرةٌ وذاتُ مَغزًى.
رَدٌّ على ما يُشاعُ حَولَ رَسائِلِ النُّورِ على سَبِيلِ المُنافَسةِ وبِطَرِيقةٍ غَيرِ مُنصِفةٍ، وهُو قَصِيدةٌ شِعرِيّةٌ تُبيِّنُ مَكانةَ رَسائِلِ النُّور وقَبُولِها.
النُّیكتة الثامنةُ والعِشرونَ مِن اللَّمْعة الثّامنة والعشرين:
لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ٭ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ٭ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ
يُفهَمُ مِن أَمثالِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ المُتَصدِّرةِ أنَّه لِأَجلِ استِراقِ السَّمعِ وتَلَقِّي الخَبَرِ الغَيبِيِّ حتَّى في الحَوادِثِ الجُزئيّةِ یی بل الحَوادِثِ الشَّخصِيّةِ أَحيانًا یی تَقتَحِمُ جَواسِيسُ الشَّياطِينِ مَملَكةَ السَّماواتِ الَّتي هي في غايةِ البُعدِ.. لَكَأنَّ تلك الحادِثةَ الجُزئيّةَ هي مَوضِعُ بَحثٍ في كلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ تلك المَملَكةِ الواسِعةِ، ويُمكِنُ لِأَيِّ شَيطانٍ كانَ، ومِن أيِّ مَكانٍ دَخَل إلى السَّماواتِ، التَّصَنُّتُ یی ولو بصُورةٍ مُرَقَّعةٍ یی إلى ذلك الخَبَرِ، وجَلبُه إلى الأَرضِ.
هذا المَعنَى الَّذي يُفهَمُ مِن بَعضِ الآياتِ الكَرِيمةِ، فكَيفَ يَقبَلُ به العَقلُ والحِكمةُ؟
— 599 —
كما يُفهَمُ مِن أَمثالِ هذه الآياتِ الكَرِيمةِ أنَّ قِسمًا مِنَ الأَنبِياءِ والأَولِياءِ تَسَلَّمُوا ثِمارَ الجَنّةِ الَّتي هي فَوقَ السَّماواتِ العُلا وكَأنَّهُم يَأخُذُونَها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وأَحيانًا يُشاهِدُونَ الجَنّةَ مِن قَرِيبٍ؛ فكَيفَ يَستَوعِبُ عَقلُ هذا العَصرِ هذِه المَسأَلةَ، أي: نِهايةَ البُعدِ في نِهايةِ القُربِ؟
ثمَّ إنَّ حالةً مِن أَحوالٍ جُزئيّةٍ لِشَخصٍ جُزئيٍّ يكُونُ مَوضِعَ ذِكرٍ وكَلامٍ لَدَى المَلَأِ الأَعلَى في السَّماواتِ العُلا الواسِعةِ جِدًّا، فكَيفَ تَتَوافَقُ هذه المَسأَلةُ معَ إِدارةِ الكَونِ الَّتي تَسِيرُ في مُنتَهَى الحِكمةِ؟
فتَتَضمَّنُ هذه النُّیكتةُ أَجوِبةً عِلمِيّةً وعَقلِيّةً ومُقنِعةً لِهَذا السُّؤالِ المُضَمَّنِ المَواضِيعَ الثَّلاثةَ.
اللَّمْعة التاسعةُ والعِشرون: ٤٢٣
لَمْعةٌ ضِمنَ رَسائِلِ النُّورِ أُحسِنَ بِها من قِبَلِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ، وحَمَلَتِ اسمَ: "رِسالةُ التَّفكُّر"، وقد كُتِبَت بلُغةِ الجَنّةِ وأُسلُوبِ مُحمَّدٍ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ وطِرازِ القُرآنِ؛ وقد أُدرِجَ بعضٌ مِنها هنا كعَيِّنةٍ، وهِي بِتَمامِها في مَجمُوعةِ "اللَّمَعاتِ" بالخَطِّ القُرآنِيِّ (العُثمانِيِّ).
اللَّمْعة الثلاثون: ٤٣٨
تُعَدُّ هذه اللَّمْعةُ القيِّمةُ مِن رَوائِعِ مُؤَلَّفاتِ رَسائِلِ النُّورِ، وتتَحَدَّثُ عن بِضعةٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، وهِي الأَسماءُ الشَّرِيفةُ: "الفَرْدُ، الحَيُّ، القيُّومُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، القُدُّوسُ" الَّتي يُعَدُّ كلُّ واحِدٍ مِنها أو هي بِتَمامِها مُجتَمِعةً اسمًا أَعظَمَ؛ ويُطلَقُ علَيْها اسمُ: «السَّكِينة».
وقد أُلِّفَت هذه اللَّمْعةُ بعِباراتٍ راقِيةٍ وحَقائِقَ رَفِيعةٍ، ووُضِّحَت فِيها مَسائِلُ الوَحْدانيّةِ العَمِيقةُ والواسِعةُ؛ كما عُرِّفَ فيها بالتَّدبِيرِ الرَّبّانِيِّ والفَعّاليّةِ المُحَيِّرةِ لِلعُقُولِ، مِمّا يَدُلُّ على وُجُودِ اللهِ بشَكلٍ ظاهِرٍ، وذلك في تَوضِيحٍ بَدِيعٍ جِدًّا
— 600 —
يَدفَعُ المَرءَ إلى القَولِ: لَيتَنِي أَتمَكَّنُ مِنَ الِاطِّلاعِ على ظَواهِرِ حَقائِقِها فحَسْبُ، فَضْلًا عنِ الغَوْصِ في أَعماقِها.. لكِن هَيْهاتَ! أنَّى لِلمَرءِ ذلك؟!
معَ الرَّجاءِ بِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى فَهمِي القاصِرِ، فقد كانَت هذه الرِّسالةُ مِن نَصِيبِ أخٍ آخَرَ لَنا، إِلّا أنَّه طُلِب في النَّفِيرِ العامِّ، لِذا أُرسِلَت إِلَيَّ؛ ومعَ أنَّ حالَتِي المُضطَرِبةَ غَيرُ مُستَعِدّةٍ لِتَلخِيصِ مُؤَلَّفٍ رائِعٍ كهذا وإدراجِه في الفِهرِسِ یی فَضْلًا عن عَدَمِ لَياقَتِي لِهذا الأَمرِ أَصلًا یی إِلّا أنَّني أَطَعتُ الأَوامِرَ خَجَلًا.
هذه اللَّمْعةُ القَيِّمةُ تَوَزَّعَت على سِتِّ نِكاتٍ جَلِيلةٍ:
النُّیكتة الأُولَى: هِي نُكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ، وتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القُدُّوسُ"، تُثبِتُ الوُجُودَ الإِلٰهِيَّ بوُضُوحٍ تامٍّ، وتُعَرِّفُ الوَحْدانيّةَ الرَّبّانيّةَ بجَلاءٍ.
أَجَل، هذا الكَونُ المُنتَظِمُ، وهذا المَعمَلُ الكَبِيرُ العَظِيمُ، في نَشاطٍ دائِمٍ وحَرَكةٍ دائِبةٍ بِجَمِيعِ مَوجُوداتِه، وفَضْلًا عن هذا فإِنَّ كلَّ المَوجُوداتِ یی بَدْءًا مِنَ المَجَرّاتِ العَظِيمةِ حتَّى الذَّرّاتِ یی مُستَعِدّةٌ لِتَلَقِّي الأَوامِرِ الصّادِرةِ مِنِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القُدُّوسُ" ومُنقادةٌ لها، كأنَّها آلةُ تَدوِيرٍ عَجِيبةٌ ونَشِيطةٌ جِدًّا، إذ تَجعَلُ كُلَّ زاوِيةٍ مِن زَوايا الكَونِ نَظِيفةً، ولا تُبقِي أيَّ شَيءٍ مِنَ المَوادِّ المُتَّسِخةِ والمُلَوِّثةِ في أيِّ مَكانٍ دُونَ لُزُومٍ، فتَعرِضُ لِلنّاظِرِينَ الكَونَ العَظِيمَ نَفسَه معَ عَناصِرِه جَمِيعًا على أَنَّه نَمُوذَجٌ مِنَ الجَنّةِ.
وكذا الجَمالُ والحُسنُ المُشاهَدُ في قَسَماتِ مَصنُوعاتِ قَصرِ العالَمِ هذا، ونَظافَتُها الرّائِعةُ، إِذ تَلفِتُ لِنَفسِها أَنظارَ الِاستِحسانِ، وتَدفَعُ الآخَرِينَ إلى تَقدِيرِ خالِقِها واستِحسانِ صَنعَتِه ومَدحِه والثَّناءِ علَيْه.
انظُرْ إلى فَصلِ الرَّبِيعِ الَّذي يَأتِي بَعدَ الشِّتاءِ القارِسِ الخَشِنِ، إنَّه يُظهِرُ بِصُورةٍ مُبَهرَجةٍ مُزَوَّقةٍ جَلْوةً صَغِيرةً مِنَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ الأَعظَمِ "القُدُّوسُ"، كَيفَ تَفتَّحَت فيه الأَزهارُ، وتَجَمَّلَت ولَبِسَت ثِيابًا أَشبَهَ بِحُورِ العِينِ، وأَصبَحَتِ
— 601 —
الأَشجارُ نَظِيفةً، وباتَ وَجْهُ الأَرضِ أَخضَرَ أَشبَهَ بالزُّمُرُّدِ، وتَعرِضُ نَفسَها بِكُلِّ ما عِندَها لِلأَنظارِ.
وتَقُومُ المَوادُّ الجامِدةُ الَّتي لا تَحمِلُ أَيَّ شُعُورٍ بِتَقدِيمِ أَنفُسِها لِخالِقِها بحُسْنِها الأَشْبَهِ بالسُّندُسِ، بَعدَ أن تَحَوَّلَت في مَرحَلةٍ قَصِيرةٍ وارتَفَعَت عن وَجهِ الأَرضِ، وتَزَيَّنَت بِنُورِ الحَياةِ.. وأَمامَ هذا المَشهَدِ العَظِيمِ يتَمَلَّكُ الإِنسَ والجِنَّ والأَرواحَ والمَلائِكةَ العَجَبُ، بل يقُولُونَ: ما شاءَ اللهُ! تَبارَكَ اللهُ! ما هذا الجَمالُ المُحَيِّرُ والنَّظافةُ النَّقِيّةُ؟! فيُقدِّسُونَ خالِقَهُم ذا الجَلالِ ويَحْمَدُونَه ويُمَجِّدُونَه، ويَركَعُونَ ويَسجُدُونَ لِعَظَمَتِه.
إِنَّ فِعلَ التَّنظِيفِ هذا كسائِرِ الشُّؤُوناتِ الإِلٰهِيّةِ يُؤكِّدُ وُجُودَ اللهِ ووَحْدَتَه ويُثبِتُه بِدَرَجةِ البَداهةِ.
النُّیكتة الثّانيةُ: هِي نُكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وجَلْوةٌ مِن جَلَواتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ: "العَدْلُ"، وهِي على النَّحوِ الآتِي:
هذا الكَونُ تَتَداوَلُه عَوامِلُ التَّخرِيبِ والتَّعمِيرِ، ويَغلِي باستِمرارٍ مِن شِدّةِ مَظاهِرِ الحَربِ والهِجْرةِ، ويَسبَحُ كلَّ حِينٍ في خِضَمِّ المَوتِ والحَياةِ.. وهذه التَّبدُّلاتُ والتَّحوُّلاتُ المُحَيِّرةُ لِلعُقُولِ هي الحَرَكاتُ المُنتَظِمةُ لِلأَجرامِ السَّماوِيّةِ الضَّخْمةِ، والتَّربِيةُ والإِعاشةُ المُنتَظِمةُ لِذَوِي الحَياةِ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ البالِغِ عَدَدُها أَربَعَ مِئةِ أَلفٍ على وَجهِ الأَرضِ، والوَظائِفُ المُنتَظِمةُ لِلعَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ، والِانقِلاباتُ الهائِلةُ والتَّحَوُّلاتُ الضَّخْمةُ الَّتي تُحدِثُها، وصِراعاتُ النُّورِ والظَّلامِ والبُرُودةِ والحَرارةِ والحَياةِ والمَماتِ؛ هذه الأَشياءُ كُلُّها نَجِدُ ها تَأتِي بِمِيزانِ عَدالةٍ دَقِيقٍ مِنَ المُستَقبَلِ، وتَمُرُّ بالوَقتِ الحاضِرِ، وتَمضِي بِاتِّجاهِ الماضِي، فكُلُّ فَردٍ مِن بَنِي البَشَرِ لو نَظَر في قَصرِ العالَمِ هذا بدِقّةٍ وإِنصافٍ، لا بُدَّ له أن يَقُولَ:
— 602 —
"إِنَّ خالِقَ قَصرِ العالَمِ هذا جَعَلَه مَظهَرًا لِاسمِ اللهِ الأَعظَمِ "العَدْلِ"، وهُو فَردٌ واحِدٌ، ويتَصَرَّفُ ضِمنَ مَوازِينِ العَدالةِ الدَّقِيقةِ، حتَّى إِنَّه لا يَدَعُ مَجالًا لمَوضِعِ شِرْكٍ في أَصغَرِ الأَشياءِ وأَتفَهِها، ولا يَسمَحُ ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ أن يُدخَلَ الشِّركُ ضِمنَ مِيزانِ العَدالةِ هذا.. كما أنَّ مِيزانَ العَدالةِ الدَّقِيقَ جِدًّا ضِمنَ كَمالِ الِانتِظامِ الخارِقِ لن يتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنَ التَّدخُّلِ فيه سِوَى خالِقِ هذا الكَونِ ذِي الجَلالِ"، وسيُدرِكُ أنَّ جَمِيعَ الأَسبابِ ما هي إِلّا حُجُبٌ لِيَدِ قُدرةِ ذلك الخالِقِ ذِي الجَلالِ، وسيُؤمِنُ أنَّ الخالِقَ ذَا الجَمالِ واحِدٌ ومَوجُودٌ كوُجُودِ الشَّمسِ في وَضَحِ النَّهارِ.
النُّیكتة الثالثةُ: نُیكتةٌ مِن نِكاتِ الآيةِ الكَرِيمةِ: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ، وجَلْوةٌ مِن جَلَواتِ اسمِ اللهِ الأعظمِ: "الحَكَمُ"، وقد فُصِّلَت مِن خِلالِ خَمسِ نِقاطٍ:
النُّقطة الأُولَى: إِنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الحَكَمُ" جَعَل هذا الكَونَ بمَثابةِ كِتابٍ عَظِيمٍ.. إِذ خَلَق سَطْحَ الأَرضِ "صَحِيفةً" مِن هذا الكِتابِ الكَبِيرِ، وجَعَل كلَّ بُستانٍ مُزَيَّنٍ "سَطْرًا" مِن هذه الصَّحِيفةِ، وكلَّ زَهرٍ مُزَيَّنٍ وشَجَرةٍ مُورِقةٍ "كَلِمةً" مِن ذلك السَّطرِ.. ما يَعنِي أنَّ الكَونَ مِن مَبدَئِه حتَّى مُنتَهاه قد زُيِّنَ بحُلَلِ الحكِيمِ ذِي الجَلالِ.
كما أنَّه شاهَدَ مَخلُوقاتِه بنَفسِه، وجَعَلَهُم يُشاهِدُونَ بَعضَهُم بَعضًا بِأَعيُنٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ في العَدَدِ، ويَشهَدُونَ على وُجُودِ خالِقِهِم مِن خِلالِ أَوجُهٍ وأَدِلّةِ مُتَداخِلةٍ، ويتَجَدَّدُونَ بشَكلٍ مُطَّرِدٍ ضِمنَ نِظامٍ ومِيزانٍ مُعَيَّنٍ، وأَدرَجَ في كلِّ بِذْرةٍ صَغِيرةٍ شَجَرةً ضَخْمةً، ووَضَع في كلِّ شَجَرةٍ فِهرِسَ الكَونِ العَظِيمِ، وزَيَّنَ صَحِيفةَ كلِّ رَبِيعٍ بأَوسِمةٍ مُرَصَّعةٍ وهَدايا مُنَقَّشةٍ، وجَعَلَهُم يَمُرُّونَ مِن أَمامِه ضِمنَ استِعراضٍ رَسمِيٍّ، وجَعَل مَخلُوقاتِه تَتَغنَّى بِمَدحِه والثَّناءِ علَيْه كُلَّ آنٍ وحِينٍ.. فأنَّى لِلصُّدفةِ أن تَتَدَخَّلَ في قُدرةٍ عَظِيمةٍ حَكِيمةٍ كَهذِه؟!
— 603 —
النُّقطة الثانيةُ: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: تُعَلِّمُنا أنَّ الجَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الكَمالِ، و الكَمالَ الَّذي هو في مُنتَهَى الجَمالِ، لا بُدَّ أن يَشهَدَ ويُشهِدَ نَفسَه ويُعرِّفَها ويُحَبِّبَها؛ ومُقابِلَ هذا لا بُدَّ لِلإِنسانِ مِن مَعرِفَتِه بالإِيمانِ وتَحبِيبِ نَفسِه إِلَيْه بِالعِبادةِ.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: تُوضِّحُ أنَّ هذا الِانتِظامَ التّامَّ الحَكِيمَ يَرفُضُ یی بكُلِّ ما يَملِكُ مِن قُوّةٍ یی الشِّركَ ولا يَقبَلُه، ويَقتَضِي الوَحْدةَ والِاستِقلالَ والِانفِرادَ؛ ويُبيِّنُ أنَّ إِسنادَ العَجزِ یی بالكُفرِ والشِّركِ یی لِقَدِيرٍ مُطلَقٍ يُمسِكُ زِمامَ الكَونِ العَظِيمِ بِجَمِيعِ أَحوالِه ومُشتَمَلاتِه بمِيزانِ عَدلِه ونِظامِ حِكمَتِه، يُعَدُّ خَطَأً جَسِيمًا جِدًّا، وأَنَّ الإِيمانَ بِه وَحْدَه يُعَدُّ صَوابًا وحَقًّا وحَقِيقةً.
النُّقطةُ الثّالثةُ: تُبيِّنُ أنَّ الصّانِعَ القَدِيرَ بِاسمِه "الحَكَمُ والحَكِيمُ" قد مَنَح الإِنسانَ أَكثَرَ الحِكَمِ المَقصُودةِ في الكَونِ، وجعَلَه أَفضَلَ مَن يُظهِرُها، وصَيَّره بمَثابةِ مَركَزِ تلك العَوالِمِ ومِحوَرِها، وجَعَل الرِّزقَ بمَثابةِ المَركَزِ في دائِرةِ حَياةِ الإِنسانِ؛ وتُوضِّحُ أنَّ تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكِيمِ" تَبدُو واضِحةً بأَبْهَرِ صُوَرِها وأَسطَعِها في مَشاعِرِ الإِنسانِ ومَذاقاتِ الرِّزقِ، وأنَّ كلَّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ يُعرِّفُ تَجَلِّيًا واحِدًا مِن تَجَلِّياتِ اسمِ "الحَكَمِ".. فمَثلًا: يَشهَدُ كُلٌّ مِن عِلمِ الطِّبِّ، وعِلمِ الكِيمياءِ، وعِلمِ الزِّراعةِ، وعِلمِ التِّجارةِ، وغَيرُها مِنَ العُلُومِ شَهادةً قاطِعةً أنَّ هذه الحِكَمَ والِانتِظاماتِ الَّتي لا تُحَدُّ والَّتي تُظهِرُ الِاختِيارَ والإِرادةَ والقَصدَ والمَشِيئةَ قد منَحَها الصّانِعُ الحَكِيمُ لِجَمِيعِ الكَونِ، وأَدرَجَها في أَصغَرِ الأَحياءِ وفي أَصغَرِ بُذَيرةٍ؛ وأنَّ الذّاتَ الأَقدَسَ سُبحانَه فاعِلٌ مُختارٌ، وكُلَّ شَيءٍ يُخلَقُ بِأَمرِه، وأنَّ عَدَمَ مَعرِفَتِه والتَّعَرُّفِ إلَيْه لَجَهلٌ ما بَعدَه جَهلٌ وجُنُونٌ ما بَعدَه جُنُونٌ.
النُّقطةُ الرّابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ قد قَلَّدَ كلَّ مَوجُودٍ مِئاتٍ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وجَهَّزَه تَجهِيزًا دَقِيقًا بمِئاتِ الوَظائِفِ، وأَرادَ مِنها الكَثِيرَ مِنَ الغاياتِ والفَوائِدِ؛ وبَعدَ هذا كُلِّه لن يَسمَحَ بِعَدَمِ مَجِيءِ الحَشرِ مِمّا يُعَدُّ أَمرًا
— 604 —
مُخالِفًا لِجَمالِ رَحمَتِه وكَمالِ عَدالَتِه ولِحِكمَتِه غَيرِ المُتَناهِيةِ، وإِنكارًا لِرَحمَتِه وعَدالَتِه.
النُّقطةُ الخامسةُ: وهِي مَسأَلتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: تُهَدِّدُ غَيرَ المُقتَصِدِ مِن خِلالِ الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا، لِأنَّ الفِطرةَ لا إِسرافَ فيها قَطُّ ولا عَبَثَ، وما مِن شَيءٍ إلّا فيه نَفعٌ وجَدْوَى.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: تُوضِّحُ بِشَكلٍ جَلِيٍّ أنَّ اسمَ اللهِ "الحَكَمُ والحَكِيمُ" يَدُلّانِ بَداهةً على رِسالةِ مُحَمَّدٍ (ص) ويَستَلزِمانِها.. كَذلِك كَثِيرٌ مِن الأَسماءِ الحُسنَى يَستَلزِمُ كلُّ واحِدٍ مِنها یی نَوعًا ما یی الرِّسالةَ الأَحمَدِيّةَ (ص) وبأَعظَمِ تَجَلِّياتِها ودَرَجاتِها وأَكثَرِ مَراتِبِها قَطعِيّةً.
النُّیكتةُ الرابعةُ: نُكتةٌ مِنَ نكاتِ الآيةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وعِبارةٌ عن سَبعِ إِشاراتٍ تُوَضِّحُ التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ حَولَ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ اللهِ: "الفَرْدُ" الَّذي يَتَضمَّنُ اسمَيِ "الواحِدُ والأَحَدُ".
الإِشارةُ الأُولَى: تُشِيرُ إلى ثَلاثةِ أَختامٍ مِن بَينِ الأَختامِ الَّتي لا تُعَدُّ، والَّتي مَهَر بِها اسمُ اللهِ الأَعظَمُ "الفَرْدُ" بتَجَلِّيه الأَعظَمِ على الكَونِ كلِّه.
الخَتمُ الأوَّلُ: وهُو خَتْمُ "التَّعاوُنِ" و"التَّسانُدِ" و"التَّجاوُبِ" و"التَّعانُقِ" المُشاهَدُ بَينَ مَوجُوداتِ الكَونِ وأَنواعِها، خَتْمٌ أَ كْبَرُ لِلتَّوحِيدِ.
الخَتمُ الثّاني: وهُو خَتمُ الوَحْدانيّةِ المُشاهَدُ في كلِّ فَصلِ رَبِيعٍ على وَجهِ البَسِيطةِ، والمَنسُوجُ بِخُيُوطِ النَّسِيجِ اللُّحْمةِ (الخُيُوطِ العَرْضِيّةِ) لِأَربَعِ مِئةِ أَلفٍ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ.
الخَتمُ الثّالثُ: خَتمُ الوَحْدانيّةِ على وَجهِ جَمِيعِ البَشَرِ یی مَعَ التَّشابُهِ الظّاهِرِ بَينَ المَلامِحِ الأَساسِ لِسائِرِ الوُجُوهِ یی مِن زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام حتَّى قِيامِ السّاعةِ.
— 605 —
الإِشارةُ الثّانيةُ: تُبيِّنُ أَنَّ تَجَلِّيَ الوَحْدةِ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدُ" قد ضَمَّ عَوالِمَ الكَونِ المُختَلِفةِ وأَنواعَها وعَناصِرَها في وَحْدةٍ مُتَّحِدةٍ، ودَمَجَهُم ضِمنَ بَعضِهِم بَعضًا، حتَّى جَعَل الكَونَ جَمِيعَه ككُلٍّ لا يَقبَلُ التَّجَزُّؤَ، ويُعلِنُ الوَحْدانيّةَ بواحِداتٍ (وَحَداتٍ) كَثِيرةٍ.
الإِشارةُ الثَّالثةُ: تُبيِّنُ أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدُ" قد جَعَل الكَونَ يُشبِهُ رَسائِلَ ومَكاتِيبَ صَمَدانيّةً كَثِيرةً مُتَداخِلًا بَعضُها في بَعضٍ، بِحَيثُ وَضَع على كُلِّ رِسالةٍ مِنها أَختامَ وَحْدانيّةٍ لا تُحَدُّ، كما يَحمِلُ كلُّ مَكتُوبٍ أَختامَ أَحَدِيّةٍ تُعَرِّف كاتِبَه بِعَدَدِ كَلِماتِه.
الإِشارةُ الرّابِعةُ: تُثبِتُ بِثَلاثةِ بَراهِينَ وبيِّناتٍ مِن بَينِ البَراهِينِ المُتَعدِّدةِ: أنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "الفَرْدُ" واضِحٌ وُضُوحَ الشَّمسِ، وهُو مَعقُولٌ ومَقبُولٌ إلى حَدِّ السُّهُولةِ المُطلَقةِ؛ وبعَكسِه الشِّركُ، فهُو مُحالٌ وبَعِيدٌ جِدًّا عنِ العَقلِ.
الأُولى: تُثبِتُ معَ الأَمثِلةِ أنَّه: مِنَ السُّهُولةِ واليُسرِ على قُدرةِ "الأَحَدِ الفَردِ" سُبحانَه، خَلقُ أَعظَمِ جِرمٍ، وخَلقُ أَصغَرِ شَيءٍ على حَدٍّ سَواءٍ، فهُو سُبحانَه يَخلُقُ الرَّبِيعَ بِيُسرِ خَلقِ زَهرةٍ واحِدةٍ، ويَرعَى ويُدِيرُ شَجَرةً ضَخْمةً باسِقةً بِيُسرِ رِعايَتِه وإِدارَتِه فاكِهةً صَغِيرةً.. فلو أُسنِد أيٌّ مِن ذلك إلى الأَسبابِ المُتَعدِّدةِ، فتَنتَقِلُ حِينَها كَيفِيّةُ الإِيجادِ مِنَ الوَحْدةِ إلى الكَثْرةِ، ويُصبِحُ خَلقُ أَصغَرِ الأَشياءِ مُكْلِفًا وصَعْبًا ومُشْكِلًا كخَلقِ أَعظَمِها.
الثّانية: تُبيِّنُ أنَّ المَوجُوداتِ تَظهَرُ إلى الوُجُودِ بأَحَدِ وَجهَينِ: إِمّا الخَلقُ مِنَ العَدَمِ، وهُو ما يُعَبَّیرُ عنه بی"الإِبداعِ والِاختِراعِ"؛ أو تَجمِيعُها مِن العَناصِر والأَشياءِ، أي: بی"التَّركِيبِ والإِنشاءِ".. ووَفقَ هَذَينِ الوَجْهَينِ إن لم يُفَوَّض أَمرُ إِيجادِ الأَشياءِ إلى الفَردِ الواحِدِ وطُلِبَ مِنَ الأَسبابِ، فستَتَعقَّدُ الأُمُورُ وتَتَشابَكُ، وتَظهَرُ أُمُورٌ غَيرُ مَعقُولةٍ وغَيرُ مَنطِقِيّةٍ إلى حَدِّ المُحالِ والِامتِناعِ؛ بَينَما لو أُعطِيَ لِسِرِّ الأَحَدِيّةِ وتَجَلِّي الفَردِيّةِ، لَرَأَينا أنَّ إِيجادَها يكُونُ سَهلًا
— 606 —
بِحَيثُ يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ مِنَ العَدَمِ في لَمْحِ البَصَرِ وبقُدرَتِه المُطلَقةِ العَظِيمةِ بِآثارِها المَشهُودةِ؛ ويُقدِّرُ لِكُلِّ شَيءٍ بعِلمِه المُحِيطِ المُطلَقِ ما يُشبِهُ قَوالِبَ مَعنَوِيّةً وتَصامِيمَ غَيبِيّةً.
الثَّالثة: تُوضِّحُ في ثَلاثةِ أَمثِلةٍ لَطِيفةٍ أنَّه إذا أُسنِدَ خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ إلى "الفَردِ الواحِدِ"، كانَ خَلقُها سَهلًا كالشَّيءِ الواحِدِ، بَينَما إِن أُسنِدَ إلى الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فخَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ يكُونُ صَعبًا مُمتَنِعًا كخَلقِ جَمِيعِ الأَشياءِ.
المِثالُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّه إِذا أُحِيلَت إِدارةُ أَلفِ جُندِيٍّ إلى ضابِطٍ واحِدٍ، وأُحِيلَت إِدارةُ جُندِيٍّ واحِدٍ إلى عَشَرةِ ضُبّاطٍ، فإنَّ إِدارةَ هذا الجُندِيِّ تكُونُ ذاتَ مُشكِلاتٍ وصُعُوباتٍ بمِقدارِ عَشَرةِ أَضعافِ إِدارةِ تلك الفِرقةِ مِنَ الجُنُودِ.
المِثالُ الثّاني: يُبيِّنُ أنَّه إِن سُلِّمَ أَمرُ بِناءِ قُبّةِ جامِعٍ ذاتِ قِبابٍ كجامِعِ "أَيا صُوفْيا" إلى بَنّاءٍ ماهِرٍ، فإِنَّه يقُومُ بالأَمرِ بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، بَينَما إذا طُلِبَ تَعلِيقُ الأَحجارِ الَّتي تُشَكِّلُ القُبّةَ وأَخذُ هذه الوَضعِيّةِ مِنَ الأَحجارِ نَفسِها فإِنَّ ذلك يكُونُ صَعْبًا جِدًّا.
المِثالُ الثّالثُ: يُبيِّنُ أنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ إِن تَحَرَّكَت على أنَّها مَأمُورةٌ ومُوَظَّفةٌ مِن لَدُنِ "الفَرْدِ الواحِدِ"، فإنَّها تكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ نَتائِجَ جَلِيلةٍ مِن هذه الحَرَكاتِ وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ، وتَظهَرُ السُّهُولةُ الواضِحةُ في الوَحْدةِ؛ بَينَما لِلحُصُولِ على ذاتِ النَّتائِجِ في سَبِيلِ الشِّركِ والكُفرِ يَلزَمُ تَسيِيرُ ما لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ مِنَ النُّجُومِ الَّتي تَكبُرُ الأَرضَ بِمَلايِينِ المَرّاتِ، في مَدارٍ أَكبَرَ وأَوسَعَ بمَلايِينِ المَرّاتِ مِن مَدارِ الأَرضِ كدَوَرانِ الأَرضِ حَولَ نَفسِها وعلى مِحوَرِها اليَومِيِّ مَرّةً كلَّ (٢٤) ساعةً، ودَوَرانِها على مِحوَرِها السَّنَوِيِّ مَرّةً كلَّ سَنةٍ؛ ويَلزَمُ كَذلِك قَبُولُ صُعُوبةٍ ومُشكِلاتٍ عَوِيصةٍ كَهذِه.
كما يُبيِّنُ أَنَّ الَّذي يُعطِي الإِيجادَ إلى الطَّبِيعةِ يَرتَكِبُ جَهلًا عَظِيمًا، ويُوَضِّحُ ذلك بِأَمثِلةٍ هي: الكِتابُ والسّاعةُ والمَعمَلُ والقَصرُ.
— 607 —
الإِشارةُ الخامسةُ: وهِي الحاكِمِيّةُ الإِلٰهِيّةُ الَّتي تَرفُضُ بِشِدّةٍ تَدَخُّلَ الغَيرِ.
إِنَّ عَدَمَ وُجُودِ أَيِّ نَقصٍ أو فُطُورٍ أو ثَغْرةٍ أو لَبْسٍ في أَيّةِ جِهةٍ، بَدْءًا مِنَ الذَّرّاتِ إلى السَّيّاراتِ، ومِنَ الفَرشِ إلى العَرشِ، وذلك بِسِرِّ الآيةِ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا، وبإِشارةِ الآيةِ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، يُظهِرُ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ "الفَرْدِ"، ويَشهَدُ على التَّوحِيدِ.
الإِشارةُ السّادسةُ: وهِي أَنَّ انفِرادَ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى بالرُّبُوبِيّةِ، وتَوحِيدَه بالأُلُوهِيّةِ هو أَساسُ جَمِيعِ الكَمالاتِ ومَنشَأُ جَمِيعِ المَقاصِدِ، ومَنبَعُ الحِكَمِ المُودَعةِ في خَلقِ الكَونِ، كَذلِك هو المَنبَعُ الأَصلِيُّ والوَسِيلةُ الوَحِيدةُ لِتَحقِيقِ رَغَباتِ كلِّ ذِي شُعُورٍ وذِي عَقلٍ ولا سِيَّما الإِنسانِ..
الإشارةُ السّابعةُ: تُبيِّنُ أنَّ التَّوحِيدَ الحَقِيقيَّ بجَمِيعِ مَراتِبِه، وبِأَتَمِّ صُورَتِه الكامِلةِ، قد أَثبَتَتْه وأَعلَنَتْه وفَهَّمَتْه وبَلَّغَتْه الرِّسالةُ المُحَمَّديةُ، فلا بُدَّ أنَّ هذه الرِّسالةَ ثابِتةٌ وقاطِعةٌ كقَطعِيّةِ ثُبُوتِ التَّوحِيدِ؛ كما تَذكُرُ ثَلاثةَ نَماذِجَ تَشهَدُ على عَظَمةِ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ لِهذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص)، وتَدُلُّ على عُلُوِّ مَنزِلَتِه:
الأوَّلُ: يُخبِرُ أنَّ ثَوابَ جَمِيعِ الحَسَناتِ الَّتي يَنالُها جَمِيعُ أَفرادِ الأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ، وعلى مَدَى جَمِيعِ العُصُورِ، مَكتُوبٌ مِثلُه في صَحِيفةِ حَسَناتِه (ص)، حَيثُ "السَّبَبُ كالفاعِلِ"؛ وأنَّه تُدرَكُ شَخصِيَّتُه المَعنَوِيّةُ كشَمسٍ بَينَ الكَونِ بِالتَأَمُّلِ في المَقامِ المُعَظَّمِ اللّائِقِ الَّذي يَقتَضِيه مَجمُوعُ الأَدعِيةِ غَيرِ المَحدُودةِ مِنَ الصَّلَواتِ المَقبُولةِ المَرفُوعةِ يَومِيًّا مِنَ الأُمّةِ كافّةً.
الثّاني: يُفِيدُ أنَّ بِذْرةَ الشَّجَرةِ الوارِفةِ لِلإِسلامِ، ومَنشَأَها، وحَياتَها، ومَنبَعَها إِنَّما هي حَقِيقةُ الماهِيّةِ المُحَمَّدِيّة، بما تَملِكُ مِن فِطرةٍ سامِيةٍ، وخِلقةٍ كامِلةٍ؛ ويَدعُو إلى التَّفَكُّرِ في الرُّقيِّ الرُّوحِيِّ لِهذا الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص) النّابِعِ مِنِ استِشعارِه الكامِلِ الأَتَمِّ لِجَمِيعِ مَعانِي العِباداتِ والأَذكارِ والكَلِماتِ الشَّرِيفةِ ومَراتِبِها، والَّتي تُمَثِّلُ بمَجمُوعِها رُوحَ الإِسلامِ، حتَّى يُعرَفَ مَدَى عُلُوِّ مَرتَبةِ
— 608 —
وِلايةِ عُبُودِيَّتِه (ص) المُرتَقِيةِ إلى الدَّرَجةِ الرَّفِيعةِ، دَرَجةِ الحَبِيبِيّةِ، ويُفْهَمَ مَبلَغُ سُمُوِّها ودَرَجةُ ما بَلَغ (ص) مِن مَراقِي الكَمالِ الَّتي لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ.
الثّالثُ: يُعَلِّمُ أنَّ الفَرْدُ الجَلِيلَ سُبحانَه قدِ اصطَفَى الذّاتَ المُحَمَّدِيَّة یی على صاحِبِها الصَّلاةُ والسَّلامُ یی مِن بَينِ بَنِي البَشَرِ لِيَكُونَ مَوضِعَ خِطابِه الجَلِيلِ بِاسمِ النَّوعِ الإِنسانِيِّ كافّةً، بل بِاسمِ الكائِناتِ جَمِيعًا.. فلا رَيبَ أنْ قد مَنَحَه مِنَ الأَنوارِ والكَمالاتِ ما لا يُحَدُّ بحُدُودٍ، وأنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ المُحَمَّدِيةَ یی على صاحِبِها الصَّلاةُ والسَّلامُ یی شَمسٌ مَعنَوِيّةٌ ساطِعةٌ لِلكَونِ، وآيةٌ عُظمَى لِلقُرآنِ العَظِيمِ الَّذي يُدعَى "الكَونَ"، ومِرآةٌ صافِيةٌ لِأُمُورٍ ثَلاثةٍ هي: التَّجَلِّي الأَعظَمُ لِأَنوارِ اسمِ "الفَرْدِ"، والِاسمُ الأَعظَمُ، وهذا الفُرقانُ الأَعظَمُ.
النُّیكتةُ الخامسةُ: هي نُیكتةٌ مِن نِكاتِ الآيتَينِ العَظِيمَتَينِ: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وجَلُوةٌ مِن جَلَواتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ "الحَيّ"، وقد وُضِّحَت بشَكلٍ مُختَصَرٍ ضِمنَ خَمسةِ رُمُوزٍ:
الرَّمزُ الأوَّلُ: يَرُدُّ بِشَكلٍ رائِعٍ في صَحِيفَتَينِ وضِمنَ تِسعٍ وعِشرِينَ مَرتَبةً بِما يُشبِهُ الفِهْرِسَ على السُّؤالِ: "ما الحَياةُ الَّتي هي تَجَلٍّ أَعظَمُ لِاسمِ اللهِ الحَيِّ واسمِ اللهِ المُحيِي؟ وما ماهِيَّتُها؟ وما مُهِمَّتُها؟"، ويُعَدُّ جَوابًا واضِحًا وفَصِيحًا يتَضَمَّنُ بَياناتٍ جَمِيلةً وعِباراتٍ عَجِيبةً لم يُرَ لَها مَثِيلٌ.. وإنَّ الإِنسانَ لَيَعشَقُ هذه الحَقائِقَ الجَمِيلةَ ويَعَضُّ أَنامِلَه مِن شِدّةِ إِعجابِه، ولا يَتَصَوَّرُ وَصْفًا أَحسَنَ مِنه، ويَغُوصُ في التَّأمُّلِ بِمَعانِيه مُقَدِّرًا ومُستَحسِنًا.
الرَّمزُ الثّاني: يُوضِّحُ سِرَّ الخَصِيصةِ الثّالثةِ والعِشرِينَ مِنَ الخَصائِصِ التِّسعِ والعِشرِينَ لِلحَياةِ، وهِي: "إنَّ وَجْهَيِ الحَياةِ صافِيانِ، شَفّافانِ، رائِقانِ.. فلم تَضَعِ القُدرةُ الرَّبّانيّةُ أَسبابًا ظاهِرِيّةً لِتَصرُّفاتِها فِيها".
— 609 —
الرَّمزُ الثّالثُ: يُبيِّنُ الأَمرَ التّاليَ: كَما أنَّ الحَياةَ نَتِيجةُ الكائِناتِ، فإِنَّ نَتِيجةَ الحَياةِ یی الَّتي هي الشُّكرُ والعِبادةُ یی هي سَبَبُ خَلقِ الكائِناتِ، ونَتِيجَتُها المَقصُودةُ؛ وأنَّ خالِقَ الكَونِ سُبحانَه "الحَيُّ القَيُّومُ" إذ يُعَرِّفُ نَفسَه لِذَوِي الحَياةِ ويُحَبِّبُها إلَيْهِم بنِعَمِه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، يَطلُبُ مِنهُم شُكرَهُ تِجاهَ تلك النِّعَمِ، ومَحَبَّتَهُم إِزاءَ تَحَبُّبِه إليهم، وثَناءَهُم واستِحسانَهُم مُقابِلَ بَدائِعِ صُنعِه؛ وأنَّ حَياةَ كلِّ ذِي حَياةٍ بِيَدِ قُدرةِ "الحَيِّ القَيُّومِ" بشَكلٍ مُباشَرٍ ودُونَ وَسائِطَ.
الرَّمزُ الرّابعُ: يُبيِّنُ أَنَّ الحَياةَ تُثبِتُ أَركانَ الإِيمانِ السِّتّةَ الَّتي هي: "آمَنتُ بِاللهِ ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه وبِاليَومِ الآخِرِ وبِالقَدَرِ" وتَنظُرُ إِلَيْها وتَتَوجَّهُ نَحوَها، ويُوضِّحُ ذلك بِعِباراتٍ جَمِيلةٍ تَجعَلُ الحَلِيمَ حَيْرانَ.
الرَّمزُ الخامِسُ: يُبيِّنُ أنَّه ذُكِر في الخَصِيصةِ السّادِسةَ عَشْرةَ ضِمنَ الرَّمزِ الأَوَّلِ: "أنَّه ما إِنْ تَنفُذُ الحَياةُ في شَيءٍ حتَّى تُصَيِّرَه عالَمًا بِحَدِّ ذاتِه، إِذ تَمنَحُه مِنَ الجامِعِيّةِ ما يَجعَلُه كُلًّا إِن كانَ جُزءًا، وما يَجعَلُه كُلِّیيًّا إِن كانَ جُزئِيًّا"؛ ويُوضِّحُ هذا بشَكلٍ جَمِيلٍ ورائِعٍ؛ ويُؤَكِّدُ في الخاتِمةِ أنَّ الِاسمَ الأَعظَمَ يَختَلِفُ مِن وَلِيٍّ إلى آخَرَ.
النُّیكتةُ السّادسةُ: تُشِيرُ بشَكلٍ مُختَصَرٍ في خَمسةِ أَشِعّةٍ إلى نُیكتةٍ مِن نِكاتِ الآياتِ الَّتي تَتَوجَّهُ إلى القَيُّومِيّةِ الإِلٰهِيّةِ، وتتَطَلَّعُ إلى تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ اسمِ اللهِ الأَعظَمِ «القَيُّوم»:
الشُّعاعُ الأوَّلُ: يُبيِّنُ أنَّ خالِقَ هذا الكَونِ ذا الجَلالِ: قَيُّومٌ، دائِمٌ، باقٍ بِذاتِه، وأنَّ جَمِيعَ الأَشياءِ والمَوجُوداتِ قائِمةٌ به، تَدُومُ به، وتَبقَى في الوُجُودِ به، وتَجِدُ البَقاءَ به؛ فلَوِ انقَطَع هذا الِانتِسابُ لِلقَيُّومِيّةِ مِنَ الكَونِ بأَقَلَّ مِن طَرفةِ عَينٍ يُمحَى الكَونُ كُلُّه؛ وهُو الذّاتُ الأَقدَسُ لا شَرِيكَ له ولا شَبِيهَ، مُجَرَّدٌ عنِ المادّةِ، مُنزَّهٌ عنِ المَكانِ، مُحالٌ علَيْه التَّجَزُّؤُ والِانقِسامُ، مُمتَنِعٌ علَيْه التَّغيُّرُ والتَّبدُّلُ، لا يُمكِنُ أن يُتَصوَّرَ عَجزُه واحتِياجُه أَبدًا.
— 610 —
ثُمَّ يُؤَكِّدُ أنَّ قِسمًا مِن أَهلِ الضَّلالةِ يَشعُرُونَ بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِلخَلّاقيّةِ الإِلٰهِيّةِ والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ في تَحَوُّلاتِ الذَّرّاتِ المُنتَظِمةِ، ولكِنَّهُم يَجهَلُونَ مَصدَرَ ذلك التَّجَلِّي، ويَعجِزُونَ عن أن يُدرِكُوا مِن أَينَ تُدارُ تلك القُوّةُ العامّةُ النّابِعةُ مِن تَجَلِّي القُدرةِ الصَّمَدانيّةِ؟ فلِأَنَّهُم يَجهَلُونَ ذلك تَوَهَّمُوا أَزَليّةَ المادّةِ والقُوّةِ، وفَتَحُوا سَبِيلًا لِمَسلَكِ إِنكارِ الأُلُوهِيّةِ.
فيَكشِفُ هذا الشُّعاعُ بعِباراتٍ دَقِيقةٍ وعَمِيقةٍ وشامِلةٍ حَقِيقةَ هذا السَّبِيلِ، ويُظهِرُ مِن خِلالِ تَجَلِّي سِرِّ القَيُّومِيّةِ الوَجْهَ المَلِيحَ لِمَسلَكِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، ويُبرِزُه لِلعِيانِ بكُلِّ ما يَملِكُ مِن حُسنٍ وجَمالٍ، ويُبطِلُ مَسلَكَ المادِّيِّينَ ويُجَهِّلُهُم ويُخجِلُهم.
الشُّعاعُ الثّاني: وهو مَسأَلتانِ:
الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ قِيامَ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى في هذا الكَونِ، وأنَّ دَوامَها وبَقاءَها إِنَّما هو مَشدُودٌ بسِرِّ القَيُّوميّةِ، وكَذلِك أَمرُ خُضُوعِها خُضُوعًا تامًّا لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِمَّن يَملِكُ أَمرَ (كُن فيكُونُ).. فكَما أنَّ هذا يُمكِنُ أن يكُونَ مِثالًا قِياسِيًّا لِلتَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ "القَيُّومِ"، كَذلِك ذَرّاتُ كلِّ مَوجُودٍ، فإِنَّ بَقاءَها في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ دُونَ أن تَتَبعثَرَ، وتَجَمُّعَها على هَيئةٍ مُعيَّنةٍ وتَركِيبٍ مُعَيَّنٍ وشَكلٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما يُناسِبُ كلَّ عُضوٍ مِن أَعضائِه، عَلاوةً على احتِفاظِها بكِيانِها وهَيئَتِها أَمامَ سَيلِ العَناصِرِ الجارِفةِ دُونَ أن تَتَشتَّتَ، واستِمرارِها على نِظامِها المُتقَنِ وانقِيادِها لِلأَمرِ الإِلٰهِيِّ.. كلُّ هذا شَواهِدُ وأَدِلّةٌ لا تُحَدُّ على سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: تُشِيرُ إلى ثَلاثةِ أَنواعٍ مِنَ الأَنواعِ الكَثِيرةِ المُشِيرةِ بِدَورِها إلى فَوائِدِ الأَشياءِ وحِكَمِها المُرتَبِطةِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ:
النَّوعُ الأوَّل: يتَوَجَّهُ إلى نَفسِه وإلى الإِنسانِ ومَصالِحِه.
النَّوعُ الثّاني: يتَوَجَّهُ إلى مُطالَعةِ كلُّ ذِي شُعُورٍ ويتَوجَّهُ إلى تَعبِيرِه لِقُرّائِه الَّذِينَ لا يُحصِيهِمُ العَدُّ أنَّه آيةٌ وقَصِيدةٌ تُبيِّنُ أَسماءَ فاطِرِها.
— 611 —
النَّوعُ الثّالثُ: يتَوَجَّهُ إلى الصّانِعِ الجَلِيلِ بِشَكلٍ مُباشَرٍ، فالحَياةُ في هذا النَّوعِ ولو لِثانيةٍ واحِدةٍ فقط كافِيةٌ؛ وبإِشارةِ الآيةِ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا فإنَّ القَيُّومِيّةَ الإِلٰهِيّةَ رَكِيزةٌ لِأَجرامٍ لا تُعَدُّ ولِذَرّاتٍ لا تُحصَى، وكَذلِك بإِشارةِ الآيةِ: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فإِنَّ جَمِيعَ أَحوالِ المَوجُوداتِ قاطِبةً وأَوضاعَها كافّةً وكَيفِيّاتِها المُتَسَلسِلةَ كلَّها مُرتَبِطةٌ بِداياتُها ارتِباطًا مُباشَرًا بسِرِّ القَيُّوميّةِ.
الشُّعاعُ الثّالثُ: وهُو المُقدِّمةُ الأُولَى مِنَ المُقدِّماتِ الَّتي تُشِيرُ إلى طَرَفٍ مِنِ انكِشافِ سِرِّ القَيُّوميّةِ الَّذي تَتَضمَّنُه الخَلّاقيّةُ الإِلٰهِيّةُ والفَعّاليّةُ الرَّبّانيّةُ، تُبيِّنُ هذه المُقَدِّمةُ: أنَّ المَخلُوقاتِ تَضطَرِبُ في خِضَمِّ سَيلِ الزَّمانِ، وتُساقُ بِسُرعةٍ وتَمُرُّ إلى عالَمِ الشَّهادةِ ثُمَّ تَلِجُ في عالَمِ الغَيبِ؛ فهَذِه السِّياحةُ والتَّجوالُ إِنَّما تكُونُ بحِكمةٍ لا حَدَّ لها ولا نِهايةَ، وتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ شُعَبٍ مُهِمّةٍ:
فالشُّعبةُ الأُولَى مِن تلك الحِكمةِ هي: أنَّه بِسِرِّ أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الفَعّاليّةِ یی جُزئيًّا كانَ أم كُلِّیيًّا یی يُورِثُ لَذّةً، فإِنَّ شُؤُونَ العِشقِ المُطلَقِ اللّاهُوتِيِّ یی إذا جازَ التَّعبِيرُ یی المَوجُودِ في ذاتِه المُقَدَّسِ والمَحَبّةِ المُقدَّسةِ، واللَّذّةِ المُنزَّهةِ، هذه الشُّؤُونُ الإِلٰهِيّةُ بالفَعّاليّةِ الَّتي لا حَدَّ لها، وبالخَلّاقيّةِ الَّتي لا نِهايةَ لها، تُجَدِّدُ العالَمَ وتُبدِّلُه وتَخُضُّه خَضًّا.
الشُّعبة الثّانية: بِناءً على قاعِدةِ: أنَّ صاحِبَ كلِّ جَمالٍ يَرغَبُ أن يَرَى جَمالَه ويُرِيَه الآخَرِينَ، ويَوَدُّ صاحِبُ المَهارةِ أن يَلفِتَ الأَنظارَ إلَيْها بعَرضِ مَهاراتِه وإِعلانِه عنها؛ وبِناءً على أنَّ كلَّ مَرتَبةٍ مِن مَراتِبِ كلِّ اسمٍ مِن أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى لِلجَمِيلِ المُطلَقِ ولِلقَيُّومِ ذِي الجَلالِ، يَنطَوِي على حُسنٍ حَقِيقيٍّ، وجَمالٍ حَقِيقيٍّ، فلا بُدَّ أنَّه يُجَدِّدُ الكائِناتِ على الدَّوامِ ويُبدِّلُها استِنادًا إلى ذلك العِشقِ الإِلٰهِيِّ المُقدَّسِ، وبِناءً على سِرِّ القَيُّوميّةِ الإِلٰهِيّةِ.
الشُّعاع الرّابع: وهُو الشُّعبةُ الثّالثةُ: يُبيِّنُ أنَّ كلَّ ذِي رَحْمةٍ يُسَرُّ بإِرضاءِ الآخَرِينَ، وكلَّ ذِي رَأْفةٍ يَنشَرِحُ إذا ما أَدخَلَ السُّرُورَ إلى قُلُوبِ الآخَرِينَ، ويَسعَدُ كلُّ
— 612 —
ذِي هِمّةٍ عاليةٍ وصاحِبِ غَيرةٍ وشَهامةٍ بإِسعادِه الآخَرِينَ، ويَفرَحُ كلُّ عادِلٍ بجَعلِ أَصحابِ الحُقُوقِ يَنالُونَ حَقَّهُم، ويَزهُو كلُّ صَنّاعٍ ماهِرٍ ويَفتَخِرُ بعَرضِ صَنْعَتِه وإِشهارِ مَهارَتِه لَدَى قِيامِ مَصنُوعاتِه بإِنتاجِ ما كان يَتَوقَّعُه على أَتَمِّ وَجهٍ يَتَصوَّرُه.
بِناءً على هذه الدَّساتيرِ المَذكُورةِ، فإنَّ خالِقَ الكَونِ الحَكِيمَ يُجَدِّدُ هذه المَوجُوداتِ بشَكلٍ دائِمٍ ومُطَّرِدٍ، بِسِرِّ القَيُّومِيّةِ مِن خِلالِ خَلّاقيّةٍ دائِمةٍ عَجِيبةٍ وفَعّاليّةٍ سَرمَدِيّةٍ مُحَيِّرةٍ لِلعُقُولِ، لِيَجعَلَها مَظهَرًا لِلجَمالِ غَيرِ المُتَناهِي لِأَلفِ اسمٍ واسمٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى.
فيُبيِّنُ هذا الشُّعاعُ هذا الأَمرَ بِعِباراتٍ عَجِيبةٍ ولَطِيفةٍ ومُستَحسَنةٍ وشَهِيّةٍ.
ويَرُدُّ على سُؤالِ بَعضِ أَهلِ الضَّلالةِ القائِلِ: "إنَّ الَّذي يُغَيِّرُ الكائِناتِ بفَعّاليّةٍ دائِمةٍ ويُبَدِّلُها، يَلزَمُ أن يكُونَ هو مُتَغيِّرًا ومُتَحوِّلًا أَيضًا"، يَرُدُّ علَيْهِم بجَوابٍ قاطِعٍ يُؤَكِّدُ فيه أنَّ الأَمرَ على العَكسِ تَمامًا، أي: يَلزَمُ ألّا يكُونَ ذُو الجَلالِ سُبحانَه مُتَغيِّرًا ولا مُتَحوِّلًا.
الشُّعاع الخامِسُ: وهُو مَسأَلَتانِ:
المَسأَلةُ الأُولَى: إِذا أَرَدْنا أن نَرَى التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ "القَيُّومِ"، فما عَلَيْنا إلّا أن نَجعَلَ الخَيالَ نَظّارَتَينِ: إِحداهُما تُرِي مَلايِينَ الأَجرامِ الضَّخْمةِ في أَبعَدِ المَسافاتِ قد رُفِعَت بتَجَلِّي اسمِ "القَيُّومِ" ضِمنَ أَثِيرٍ لَطِيفٍ بَعضُها يَتحَرَّكُ وبَعضُها ثابِتٌ، والأُخْرَى تُرِي حَرَكاتِ وأَوضاعَ الذَّرّاتِ الَّتي تُشَكِّلُ أَجسامَ الأَحياءِ على وَجهِ المَعمُورةِ.
الخُلاصةُ: لقد تَداخَلَت وامتَزَجَتِ الأَسماءُ السِّتّةُ لِلِاسمِ الأَعظَمِ بَعضُها في بَعضٍ، فمَثلًا: انظُرْ إلَى المَوجُوداتِ مِن وَراءِ التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ «القَيُّومِ» الَّذي مَنَحَ البَقاءَ والدَّوامَ والقِيامَ لها، تَرَ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ «الحَيِّ» قد نَوَّر تلك المَوجُوداتِ بالحَياةِ؛ ثُمَّ انظُرْ إلى التَّجَلِّي الأَعظَمِ لِاسمِ «الفَرْدِ» مِن
— 613 —
وَراءِ اسمِ «الحَيِّ» ، تَرَه قد ضَمَّ جَمِيعَ الكائِناتِ ضِمنَ وَحْدةٍ واحِدةٍ، ووَضَعَ على وَجهِ كلِّ واحِدٍ خَتْمَ الأَحَدِيّةِ؛ ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ اسمِ «الفَرْدِ» إلى تجَلِّي اسمِ «الحَكَمِ» ، تَرَ أنَّه قد ضَمَّ المَوجُوداتِ كلَّها ضِمنَ نِظامٍ مُثمِرٍ وانتِظامٍ حَكِيمٍ وانسِجامٍ مُفِيدٍ وزَيَّنها؛ ثمَّ انظُرْ مِن خَلفِ اسمِ «الحَكَمِ» إلى تَجَلِّي اسمِ «العَدْلِ» تَرَه يُمسِكُ جَمِيعَ الكائِناتِ ابتِداءً مِن جُيُوشِ النُّجُومِ إلى جُيُوشِ الذَّرّاتِ بِيَدِ مِيزانٍ عَدْلٍ دَقِيقٍ جِدًّا.. وكُلُّهُم في طاعةٍ تامّةٍ لِلأَوامِرِ الصّادِرةِ مِنَ الَّذي يَملِكُ أَمرَ "كُن فيكُونُ"؛ ثم انظُرِ الآنَ مِن خَلفِ اسمِ اللهِ «العَدْلِ» وشاهِدِ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ «القُدُّوسِ» قد جَعَل المَوجُوداتِ مَرايا جَمِيلةً مَجلُوّةً لائِقةً لِإظهارِ الجَمالِ البَدِيعِ المُطلَقِ، وتُناسِبُ عَرْضَ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.
المَسألةُ الثّانيةُ: تُعَبِّرُ بلِسانٍ فَصِيحٍ مُبِينٍ يَجعَلُ عَباقِرةَ البَشَرِ في حَيرةٍ وعَجَبٍ أَمامَ هذه الحَقائِقِ، بِأنَّ جَلْوةً مِن تَجَلِّياتِ القَيُّوميّةِ مِثلَما تَعُمُّ الكَونَ بمَظاهِرِ الواحِدِيّةِ والجَلالِ، فإنَّها تُبْرِزُ كَذلِك على هذا الإِنسانِ مَظاهِرَ الأَحَدِيّةِ والجَمالِ؛ وأنَّه مِن خِلالِ هذا التَّجَلِّي يُظهِرُ ذُو الجَمالِ سُبحانَه ما أَغدَقَه على الإِنسانِ مِن إِحسانٍ أَكثَرَ مِمّا أَحسَنَه على المَلائِكةِ، ويُبيِّنُ جامِعِيّةَ هذا الإِحسانِ وعَظَمَتَه وسَعَتَه، وأنَّه جَعَل الكَونَ مائِدةً لِلنِّعَمِ وسَخَّرَه لِلإِنسانِ.
وتُبيِّنُ الحِكمةَ مِن قِيامِ الكَونِ بسِرِّ القَيُّوميّةِ على الإِنسانِ یی مِن جِهةٍ یی أنَّها مِن أَجل الوَظائِفِ المُهِمّةِ الثَّلاثِ الَّتي أُنِيطَت به، وتُعَدِّدُ هذه الوَظائِفِ؛ وتُبيِّنُ في الوَظِيفةِ الثّالِثةِ مِنَ الوَظائِفِ الثَّلاثِ قِيامَ الإِنسانِ بحَياتِه بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِشُؤُونِ "الحَيِّ القَيُّومِ" بثَلاثةِ وُجُوهٍ؛ وتُبيِّنُ أنَّ في الوَجهِ الثّالثِ مِن قِيامِ الإِنسانِ بمُهِمّةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ وَجهَينِ: الأَوَّلُ: إِظهارُه الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ الحُسنَى. والثّاني: أَداؤُه مُهِمّةَ المِرآةِ العاكِسةِ لِلشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ.
خسرو
— 614 —
المُناجاةُ: ٥٢٣
هذه المُناجاةُ المُنقَطِعةُ النَّظِيرِ مُستَقاةٌ مِن سَبعِ مِئةِ آيةٍ قُرآنيّةٍ مِن آياتِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، المُتَعلِّقةِ بالتَّسبِيحِ والتَّحمِيدِ والثَّناءِ والدُّعاءِ، ومِن مُناجاةِ نَبِيِّنا الأَكرَمِ علَيْه أَكمَلُ التَّحِيّاتِ، الَّذي عَرَف الحَقَّ سُبحانَه عِلمَ اليَقِينِ بل حَقَّ اليَقِينِ، وأَظهَر العَجْزَ والفَقْرَ التامَّ اللّائِقَ بالعُبُودِيّةِ، فعَلَّم حَقَّ التَّعلِيمِ المَزايا الإِنسانيّةَ كالِالتِجاءِ إلى دِيوانِ الأُلُوهِيّةِ والِاقتِرابِ مِن حُضُورِ الرَّحمٰنِ وهُو مالِكُ الدُّنيا وما فِيها والمُتَصرِّفُ في الكَنزِ المَخفِيِّ.
والمَنبَعُ المَعنَوِيُّ لِهذِه المُناجاةِ هو: أوَّلًا: الآياتُ المُحكَمةُ والآياتُ الجَلِيلةُ حَولَ خَلقِ العالَمِ، ثانيًا: أَسماءُ الجَوْشَنِ الكَبِيرِ البالِغِ أَلفَ اسمٍ واسمٍ، وبَعضُ عُقَدِه المُتَعلِّقةِ بخَلقِ المَوجُوداتِ، ثالثًا: خِطابٌ جَلِيلٌ لِلحائِزِ على المَدحِ النَّبَوِيِّ: "بابِ العِلمِ" أي: الإمامِ عَلِيٍّ كَرَّم اللهُ وَجْهَه، يُثبِتُ فيه رَضِيَ الله عَنهُ واجِبَ الوُجُودِ والواحِدَ الأَحَدَ مِن خِلالِ الأَجرامِ السَّماوِيّةِ والمَوجُوداتِ الأَرضِيّةِ.
فتَتَّخِذُ هذه المُناجاةُ كُلَّ هذه قُدْوةً لها، وتَتعَمَّقُ بالمَواضِيعِ والمَقاصِدِ المَرجُوّةِ وتُوَزِّعُها لِدَرَجةٍ عَظِيمةٍ جِدًّا بحَيثُ إِنْ أَرَدْنا مَدْحَها والثَّناءَ علَيْها لا يُمكِنُنا ذلك إِلّا بكَلِماتِ مُؤَلِّفِها نَفسِه وقَلَمِه وعِباراتِه الجَمِيلةِ الرَّنّانةِ.
إِلّا أَنَّنا نَقُولُ: في هذا الفِهْرِسِ الَّذي شُرِعَ في تَألِيفِه إِطاعةً لِلأَمرِ الصّادِرِ لِمَرّاتٍ عِدّةٍ ما يلي:
الفِقرةُ الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ الدَّوَرانَ الحاصِلَ في السَّماواتِ والنَّشاطَ التّامَّ العَجِيبَ فيه معَ السُّكُونِ رَغمَ الكَثرةِ الكاثِرةِ يَدُلُّ على الواحِدِ الأَحَدِ الواجِبِ الوُجُودِ، المَعبُودِ بِالحَقِّ.
الفِقرةُ الثّانيةُ: تُبيِّنُ أنَّ نَشاطَ الفَضاءِ وإِجراءاتِه المُحيِّرةَ لِلعُقُولِ والأَلبابِ مِن خِلالِ الغُيُومِ والرُّعُودِ والبُرُوقِ والرِّياحِ والأَمطارِ يَدُلُّ على الواحِدِ الأَحَدِ الواجِبِ الوُجُودِ المَذكُورِ بكُلِّ لِسانٍ.
— 615 —
الفِقرةُ الثّالثةُ: تُبيِّنُ دَلالةَ العَناصِرِ معَ سائِرِ مُشتَمَلاتِها والكُرةِ الأَرضِيّةِ معَ جَمِيعِ مَخلُوقاتِها وفُرُوعِها.
الفِقرةُ الرّابِعةُ: تُبيِّنُ مِثلَ الأَدِلّةِ السّابِقةِ أنَّ البِحارَ والأَنهارَ واليَنابِيعَ تَدُلُّ على الواحِدِ الأَحَدِ الواجِبِ الوُجُودِ المَعرُوفِ بكُلِّ إِحسانٍ.
الفِقرةُ الخامِسةُ: تُبيِّنُ یی مِثلَ الشَّهاداتِ السّابِقةِ یی شَهادةَ الجِبالِ على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ ووَحْدَتِه مِن خِلالِ الحِكَم والوَظائِفِ الَّتي تَقُومُ بِها كاستِقرارِ الأَرضِ، وحِمايَتِها مِن طُغيانِ الزَّلازِلِ، وسَلامَتِها مِنَ الِانقِلاباتِ الحاصِلةِ في جَوفِها، وحِمايَتِها مِنِ استِيلاءِ البِحارِ، وتَصْفِيةِ الهَواءِ مِنَ الغازاتِ المُضِرّةِ، وادِّخارِ المِياهِ، وتَخزِينِها المَوادَّ اللّازِمةَ لِذَوِي الحَياةِ.
الفِقرةُ السّادِسةُ: تُبيِّنُ مِثلَ الأَدِلّةِ السّابِقةِ أنَّ الأَشجارَ والنَّباتاتِ تَدُلُّ بالبَداهةِ على وُجُوبِ وُجُودِ البارِئِ سُبحانَه ووَحْدَتِه مِن خِلالِ حَرَكاتِ أَوْراقِها وأَزْهارِها وثَمَراتِها الذّاكِراتِ، ومِن خِلالِ حُلَلِها وأَجهِزَتِها الَّتي أُلبِسَت بِسُهُولةٍ تامّةٍ.
الفِقرةُ السّابِعةُ: تُبيِّنُ أنَّ الأَعضاءَ الدّاخِلِيّةَ والخارِجِيّةَ لِذَوِي الأَرواحِ وخاصّةً البَشَرَ وجَوارِحَهُم وحَواسَّهُمُ الخَمْسةَ الظّاهِرةَ المَوجُودةَ في أَجسادِهِم، والَّتي تَعمَلُ جَمِيعًا كالسّاعاتِ والآلاتِ، وأَحاسِيسَهُمُ الَّتي تَعمَلُ بكَمالِ النَّشاطِ، تَشهَدُ جَمِيعًا على الوَحْدانيّةِ الإِلٰهِيّةِ.
الفِقرةُ الثّامِنةُ: تُبيِّنُ تَمامَ البَيانِ أنَّ الإِنسانَ الَّذي هو خُلاصةُ الكَونِ، وأنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ والأَصفِياءَ الَّذِينَ هم زُبدةُ البَشَرِ، وأنَّ مُشاهَداتِ وكَشْفِيّاتِ وإِلهاماتِ واستِخراجاتِ القُلُوبِ والعُقُولِ الَّتي هي خُلاصةُ هَؤُلاءِ السّادةِ، تَشهَدُ بِقُوّةِ وقَطعِيّةِ مِئاتِ الإِجماعاتِ والتَّواتُراتِ على وُجُوبِ الوُجُودِ والوَحْدةِ الإِلٰهِيّةِ.
— 616 —
كما أَنَّها تُصلِح القُلُوبَ المُتَحَجِّرةَ، وهِي في الوَقتِ نَفسِه مُناجاةٌ لِلحَقِّ سُبحانَه صاحِبِ الكِبْرِياءِ؛ فرَوْضةُ الحَقِيقةِ هذه تَختِمُ التَّضَرُّعَ والالتِجاءَ على النَّحوِ التّالي:
يا رَبِّي ورَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ، ويا خالِقِي وخالِقَ كُلِّ شَيءٍ، بِحَقِّ قُدرَتِك وإِرادَتِك وحِكْمَتِك وحاكِمِيَّتِك ورَحْمَتِك الَّتي سَخَّرَتِ السَّماواتِ بِنُجُومِها والأَرضَ بمُشتَمَلاتِها وجَمِيعَ المَخلُوقاتِ بِجَمِيعِ كَيْفِيّاتِها، سَخِّر لي نَفسِي، وسَخِّر لي مَطلُوبِي، وسَخِّر لِرَسائِلِ النُّورِ قُلُوبَ النّاسِ لِخِدمةِ القُرآنِ والإِيمانِ، وارْزُقْني وإِخوانِي الإِيمانَ الكامِلَ وحُسنَ الخاتِمةِ؛ وكما سَخَّرتَ البَحرَ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ النّارَ لِإِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام وسَخَّرتَ الجِبالَ والحَدِيدَ لِداوُدَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الجِنَّ والإِنسَ لِسُلَيْمانَ عَلَيهِ السَّلَام، وسَخَّرتَ الشَّمسَ والقَمَرَ لِمُحَمَّدٍ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَخِّرِ القُلُوبَ والعُقُولَ لِرَسائِلِ النُّورِ، واحفَظْنِي وطُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ مِن شُرُورِ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ ونارِ جَهَنَّمَ، وارْزُقْنا السَّعادةَ في الفِردَوْسِ الأَعلَى في الجَنّةِ.. آمِينَ.. آمِينَ..
فتَلقَى هذه المُناجاةُ الخِتامَ بِهَذِه الكَلِماتِ التَّضَرُّعِيّةِ، ومِنَ الواضِحِ جِدًّا أنَّها مُناجاةٌ ضَرُورِيّةٌ لِأَهلِ الإِيمانِ، لِذا لم تكُن هُنالِك حاجةٌ لِلتَّفصِيلِ أَكثَرَ مِن هذا.
م. صبري
(رحمة الله عليه)
٭ ٭ ٭
— 617 —
قطعة من فهرس اللمعة الثامنة
تقريظ وتقييد حول الإشارات الغيبية
تُفَسِّرُ مِن خِلالِ كَرامةٍ غَيبِيّةٍ لِلغَوثِ الأَعظَمِ السَّيِّدِ عَبدِ القادِرِ الكَيْلانِيِّ نُكتةً غَيبِيّةً مِن نِكاتِ الآيتَينِ: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ.
فسُلطانُ الأَولِياءِ هذا مَظهَرٌ لِكَراماتٍ خارِقةٍ ومُتَواتِرةٍ، وقد أَقَرَّ أَهلُ الكَشْفِ وأَهلُ الوِلايةِ أنَّه على عَلاقةٍ واهتِمامٍ بمُرِيدِيه بَعدَ وَفاتِه كما هي الحالُ تَمامًا في حَياتِه.. فهَذا الرَّجُلُ الفاضِلُ قَبلَ ثَمانِي مِئةِ عامٍ قد شاهَدَ بإِذنِ اللهِ أو أُرِيَ هذا الزَّمانَ.
فيُخبِرُ في هذا الزَّمانِ الَّذي تَسُودُ فيه الِاضطِراباتُ والفِتَنُ عن أَمرٍ بِعَينِه، يُخبِرُ به مِن خَمْسَ عَشْرةَ جِهةً ضِمنَ خَمْسةِ أَسطُرٍ في نِهاياتِ قَصِيدةٍ مَشهُورةٍ له، وذلك بُغْيةَ تَشجِيعِ وتَحفِيزِ وبَثِّ السُّلوانِ في نُفُوسِ بَعضِ مُنتَسِبِيه مِن خُدّامِ القُرآنِ؛ كما أَخبَرَ عِلمُ الجَفْرِ عن الحادِثةِ ذاتِها مِن خِلالِ ثَلاثةِ أو أَربَعةِ أَوجُهٍ، مُستَدِلًّا على ذلك بِتَأيِيدِ مَعانِي الأَسطُرِ الخَمْسةِ تلك وكَلِماتِه وحُرُوفِه بَعضِها بَعضًا، مِمّا أَوْرَث مَن دَقَّق فيه التَّيقُّنَ بأنَّه حادِثةٌ واقِعةٌ.
مِنَ المَعلُومِ أنَّ الأَنبِياءَ والأَولِياءَ یی تَأَدُّبًا أَمامَ دُستُورِ: "لا يَعلَمُ الغَيبَ إِلّا اللهُ"، واحتِرامًا له یی قد اكتَفَوْا في الأُمُورِ الغَيبِيّةِ الَّتي أَخبَرُوا عنها بالإِشارةِ والرَّمزِ فقط، فأَخبَرُوا عنِ الحادِثةِ نَفسِها أَحيانًا بإِشارةٍ واحِدةٍ وأَحيانًا بإِشارَتَينِ، وأَقواهُم مَن أَخبَر مِن خِلالِ خَمسِ أو سِتِّ إِشاراتٍ؛ ولكِنَّ الغَوثَ الأَعظَمَ قد أَخبَر عن هَيْئةِ الخِدْمةِ القُرآنيّةِ في هذا الزَّمانِ وأَشارَ صَراحةً إلى خادِمٍ مَوجُودٍ بَينَهُم.
فكَما وَضَح في هذه الرِّسالةِ مِن خِلالِ التَّواقِيعِ أنَّ لي أَيضًا سَهْمًا معَ رِفاقِي في الخِدمةِ القُرآنيّةِ: بَعضُه مِن خِلالِ تَوقِيعِي، وبَعضٌ مِنه كانَ مِن خِلالِ تَصوِيبِهِم
— 618 —
واستِخراجِهِم وتَصدِيقِهِم، لِذا اضطُرِرتُ إلى قَبُولِ السَّهمِ الَّذي مِن نَصِيبِي یی والَّذي يَفُوقُ حَدِّي بِكَثِيرٍ یی جَبْرًا لِخَواطِرِهِم، وإِلّا فكَما قُلتُ في بِدايةِ هذه الرِّسالةِ: لَيسَ لي أَيُّ سَهمِ شَرَفٍ في هذا.
لقد طالَعتُ تلك القَصِيدةَ الغَيبِيّةَ قَبلَ عَشَرةِ أَعوامٍ، وكانَ يُراوِدُ قَلبِي ما هو أَشبَهُ بِإِخطارٍ مَعنَوِيٍّ: "دَقِّقْ.."، ولكِن ما كُنتُ أُلقِي بالًا لِهَذا الإِخطارِ مِن جِهَتَينِ:
الأُولَى: لقد بَذَلتُ جُزءًا كَبِيرًا مِن حَياتِي في سَبِيلِ الشَّأنِ والشَّرَفِ، وتَسَمَّمَتْ بسُمِّ حُبِّ الجاهِ وماتَتْ، فما كُنتُ أَرغَبُ أن أَفتَحَ بِهذِه الصُّورةِ على نَفسِي الأَمّارةِ بالسُّوءِ بابًا آخَرَ مِن أَبوابِ الشَّأنِ والشَّرَفِ.
الجِهةُ الثّانيةُ: ما كانَ يُعجِبُني في هذا الزَّمانِ الَّذي يَسُودُه التَّعنُّتُ والتَّعَصُّبُ أَن أُظهِرَ هذه الإِشاراتِ الغَيبِيّةَ مُفتَخِرًا لِمَن لا يَقبَلُونَ یی أَصلًا یی قَضايا بَدِيهِيّةً وحُجَجًا ظاهِرةً جَلِيّةً، لكِن في النِّهايةِ وفي السَّنةِ الثّامِنةِ مِن سِنِيْ أَسرِي وفي أَشَدِّ الأَوقاتِ ظُلمًا وتَضيِيقًا وحاجةً إلى التَّشجِيعِ والتَّحفِيزِ، إِذا بي أُخطَرُ: "أَظهِرْ هذا الأَمرَ مِن قَبِيلِ التَّحَدُّثِ بالنِّعمةِ والشُّكرِ المَعنَوِيِّ، ولا تَخَفْ فهِي قَوِيّةٌ لِدَرَجةِ الإِقناعِ".
فكَما قُلتُ في مُقدِّمةِ تلك الرِّسالةِ: إِنَّ غايَتِي الأَهَمَّ و مَقصَدِي الأَوَّلَ مِن إِظهارِ هذا الأَمرِ هو بَيانُ إِمضاءِ الغَوثِ الأَعظَمِ على مَقبُوليّةِ الرَّسائِلِ العائِدةِ لِلأَسرارِ القُرآنيّةِ.
مَقصَدِي الثَّاني: إِظهارُ كَرامةِ أُستاذِي الجَلِيلِ، وبالتّالي إِسكاتُ المُلحِدِينَ الَّذِينَ يُنكِرُونَ كَراماتِ الأَولِياءِ، وتَمكِينُ قُوّةِ أَصحابِي المَعنَوِيّةِ وتَشجِيعُهُم واستِنهاضُ هِمَمِهِم وهُم المُعَرَّضُونَ لِعَوائِقَ وعَراقِيلَ كَثِيرةٍ وأَسبابٍ شَتَّى تُورِثُهُمُ الفُتُورَ في الخِدمةِ القُرآنِيّةِ.
ولِأنَّ هذا الإِظهارَ كانَ مِن قَبِيلِ الفَخرِ بِالنِّسبةِ إِلَيَّ، كانَ فيه ضَرَرٌ كَبِيرٌ؛ إِلّا أَنَّني قَبِلتُ ورَضِيتُ به لِأَجلِ أُستاذِي وأَصحابِي.
— 619 —
لقدِ استُخرِجَت هذه الرِّسالةُ: "رِسالةُ الكَراماتِ الغَوثِيّةِ" بشَكلٍ تَدرِيجِيٍّ، لِذا انقَسَمَت إلى عِدّةِ أَقسامٍ، وانتَهَت بالِانقِسامِ إلى تَتِمّاتٍ؛ وهِي كُلَّما تقَدَّمَت ونَوَّر وأَيَّد بَعضُها بَعضًا تَوَضَّحَت أَكثَرَ وأَكثَرَ؛ وحتَّى لو كانَ في بَعضِ الإِشاراتِ شَيءٌ مِنَ الضَّعفِ إِلّا أنَّ القُوّةَ الَّتي تَكْسِبُها بالِاتِّفاقِ معَ رِفاقِها الآخَرِينَ تُزِيلُ ذلك الضَّعفَ.
ومِمّا يُثِيرُ العَجَبَ أنَّها تُشِيرُ في نِهايةِ تلك الأَسطُرِ الخَمْسةِ إلى أَكثَرَ مِن خَمْسةَ عَشَرَ مِن إِخوانِي ذَوِي الشَّأنِ في الخِدمةِ القُرآنيّةِ مِن خِلالِ الإِيماءِ إلى مَرتَبةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم وصِفةٍ خاصّةٍ مِن صِفاتِه؛ كما تُوَضِّحُ هذه الرِّسالةُ بَعضَ المَسائِلِ المُهِمّةِ وبَعضَ الحَقائِقِ الجَلِيلةِ بِمُناسَبةِ الكَراماتِ الغَوْثيّةِ.
لا أَنصَحُ كُلَّ أَحَدٍ بالِاطِّلاعِ على هذه الرِّسالةِ كما لا أَسمَحُ بِذَلِك، إِنَّما أَسمَحُ لِإخوانِي الخَواصِّ المُخلِصِينَ المُنصِفِينَ أَنقِياءِ السَّرِيرةِ فَقَطْ.. كما يَجِبُ مُطالَعَتُها معَ التَّفكُّرِ بالمَقصَدَينِ المَذكُورَينِ مُقَدَّمًا، وأَلّا يُنظَر إليَّ نَظْرةَ رَجُلٍ يُحِبُّ إِظهارَ الكَراماتِ.
٭ ٭ ٭
— 620 —
قطعة من فِهرس اللمعة الثامنة والعشرين
النُّیكتةُ الأُولَى: يَقُولُ الإِمامُ عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ في قَصِيدَتِه الأُرجُوزةِ: «أَحرُفُ عُجْمٍ سُطِّرَت تَسطِيرَا» فيُشاهِدُ الأَحرُفَ اللّاتِينِيّةَ الَّتي عُمِّمَت في زَمانِنا هذا، ويُشِيرُ إلى تَيّارِ الكُفرِ الجارِي مِن خِلالِ حِساباتِ الجَفْرِ والأَبجَدِ لِهذِه الجُملةِ.. كما يُورِدُ في قَصِيدَتِه "الأُرجُوزةِ" وفي قَصِيدَتِه "البَدِيعِيّةِ" المُؤَيِّدةِ والمُقَوِّيةِ لِلأُرجُوزةِ فِقْرةَ: «تُقَادُ سِرَاجُ النُّورِ سِرًّا بَيَانَةً ٭ تُقَادُ سِرَاجُ السُّرْجِ سِرًّا تَنَوَّرَتْ» يُشِيرُ بِها إلى رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها ويُلاطِفُهُم.. تلك الرَّسائِلُ الَّتي يُدرَكُ وُجُودُها مِن خِلالِ ضِيائِها المُقاوِمِ لِتِلك الظُّلُماتِ، ولا تَنطَفِئُ أَمامَ أَعتَى الظُّلُماتِ شِدّةً وقَسْوةً وحُلْكةً، وتَعمَلُ جاهِدةً لِتَمزِيقِ غُيُومِ تلك الظُّلُماتِ وإِنارةِ الدُّنيا بِرُمَّتِها؛ ثُمَّ يقُولُ أَيضًا: «أَقِدْ كَوكَبِي بِالِاسمِ نُورًا وبَهجَةً.. مَدَى الدَّهرِ والأَيَّامِ يَا نُورُ جَلجَلَتْ» ، فيَدعُو بِهذا ويتَضَرَّعُ أن يَدُومَ نُورُ رَسائِلِ النُّورِ وتَنوِيرُها وضِياؤُها بِشَكلٍ أَبدِيٍّ إلى آخِرِ الزَّمانِ.
وكما أنَّ الإِمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ یی وهُو مِن أَهَمِّ تَلامِيذِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وأَوَّلُ ناشِرٍ لِعُلُومِه یی قدِ اتَّخَذَ الِاسمَ الأَعظَمَ المُبارَكَ شَفِيعًا له أَمامَ الجَبَهاتِ الَّتي فُتِحَت ضِدَّ القُرآنِ في بِداياتِ دِينِ الإِسلامِ، وسَعَى بِكُلِّ شَجاعةٍ وبَسالةٍ لِلحِفاظِ على حَقائِقِ الشَّرِيعةِ والأُسُسِ الإِسلامِيّةِ؛ فمِن شَأنِه أَن يَرَى في آخِرِ الزَّمانِ تلك الرَّسائِلَ الَّتي اتَّخَذَتِ الِاسمَ الأَعظَمَ نَفسَه شَفِيعًا ومَلْجَأً ومَنجًى لها في مُواجَهةِ تَيّاراتِ الزَّندَقةِ المُخالِفةِ لِلقُرآنِ تَمامًا، والَّتي قاوَمَت بِبَسالةٍ على لِسانِ رَسائِلِ النُّورِ الَّذي لا يَصمُتُ ونُورِها الَّذي لا يَنطَفِئُ، والَّتي نَبَعَت مِن إِعجازِ القُرآنِ الَّذي لا يُنتَقَدُ، وأَظهَرَت خاتِمةَ المُعجِزاتِ.
ومِن مُقتَضَياتِ مَقامِ وِلايةِ الإِمامِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ أن يَرَى رَسائِلَ النُّورِ ويَنظُرَ إِلَيْها بكَرامةٍ وشَفَقةٍ، ويَمْنَحَها السُّلوانَ.. تلك الرَّسائِلَ الَّتي أَطْفَأَت نارَ الزَّندَقةِ التي أَحرَقَت
— 621 —
وَجْهَ الأَرضِ وأَبادَتِ الوُرُودَ والزُّهُورَ، أَطْفَأَتْها بِنُورِ الِاسمِ الأَعظَمِ العَظِيمِ الجَلِيلِ، وبِماءِ الحَياةِ النّابِعِ مِنَ التَّجَلِّياتِ الشَّفِيقةِ الرَّؤُومةِ لِاسمَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وزَرَعَت في الجِبالِ والبَرارِي بَدَلَ أَزهارِ البَساتِينِ والأَنهارِ الَّتي جَفَّت في أَماكِنِ الحَرِيقِ أَزهارًا مُقاوِمةً لِشِدّةِ الحَرارةِ والبُرُودةِ، وسَقَتْها بِأَمطارِ السَّماءِ ورَحَماتِها.
ومِنَ الأَماراتِ والأَدِلّةِ القَوِيّةِ الَّتي تُعَدُّ مِن كَراماتِ القَصِيدةِ البَدِيعِيّةِ والَّتي تَبدَأُ بی: «فيَا حَامِلَ الِاسمِ الَّذي جَلَّ قَدْرُهُ» ، وضِمنَ ثَلاثةِ أو أَربَعةِ أَسطُرٍ:
الأَمارةُ الأُولَى: تُبيِّنُ أنَّ الحِسابَ الجِفْرِيَّ والأَبجَدِيَّ لِجُملةِ: «فيَا حَامِلَ الِاسمِ الَّذِي جَلَّ قَدْرُهُ» يُساوِي (١٣٥٣)، ويَتَوافَقُ معَ أَكثَرِ أَزمِنةِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ شِدّةً وضِيقًا، ومعَ أَسماءِ مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ الَّذي اتَّخَذ لِنَفسِه في ذلك الزَّمانِ الِاسمَ الأَعظَمَ الَّذي يُسَمَّى "السَّكِينةَ" معَ (٧١) آيةً وِردًا يُرَدِّدُه كلَّ يَومٍ (١٧١) مَرّةً؛ كما تُبيِّنُ خَصائِصَ مُؤلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ حامِلِ الِاسمِ الأَعظَمِ في ذلك الزَّمانِ، وتُبشِّرُ بِأَنَّهُم سوف يَنجُونَ مِنها بِخَيرٍ وسَلامةٍ؛ وأنَّ نَجاتَهُم بِحَمْدِ الله تُصَدِّقُ الكَرامةَ العَلَوِيّةَ.
الأَمارةُ الثّانيةُ: تُخبِرُ بِفِقْرةِ: «فقَاتِل ولَا تَخْشَ، وحَارِب ولَا تَخَفْ» أنَّ مُؤَلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ سيَشتَرِكُ في الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، وسيُجرَحُ ويتَعَرَّضُ لِمَخاوِفَ لا حَدَّ لها، وفي النِّهايةِ سيُقتادُ أَسِيرًا إلى رُوسْيا، وسيُكلَّفُ بمُهِمّةٍ جَلِيلةٍ في أَثناءِ حَربٍ عالَمِيّةٍ تَقَعُ آخِرَ الزَّمانِ، وسيُنقَلُ إلى بَلْدةٍ فيها عَقارِبُ أَشَدُّ تَسمِيمًا مِنَ الأَفاعِي، وسيُحارِبُ الأَفاعِيَ لَيْلَ نَهارَ؛ فتُلاطِفُه بی: «فقَاتِل ولَا تَخشَ، وحَارِب ولَا تَخَفْ» ، وتُشِيرُ إلى ما يتَلَقّاه مِنَ الحِفْظِ المَعنَوِيِّ والحِراسةِ ومَدِّ يَدِ العَوْنِ له.
الأَمارةُ الثَّالثةُ: ثَلاثُ كَراماتٍ باعِثةٍ على السُّلوانِ في ثَلاثةِ فُصُولٍ مِن فُصُولِ الخَرِيفِ:
الأُولَى: نَظَرُ الغَوثِ الأَعظَمِ رَضِيَ الله عَنهُ بِقَولِه: «يا مُرِيدِي، كُنْ قَادِرِيَّ الوَقتِ، للهِ مُخلِصًا، تَعيشُ سَعِيدًا» ، معَ خَمْسَ عَشْرةَ أَمارةً قَوِيّةً، إلى مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ.
— 622 —
في الخَرِيفِ الثَّاني مِنَ الفَصلِ نَفسِه: نَظَرَ سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ بِقَولِه: «ويَا مُدرِكًا لِذَلِكَ الزَّمَانِ» ودَلالاتِه القَوِيّةِ إلى مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ.
في الخَرِيفِ الثّالِثِ: نَظَر سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ أَيضًا بِعَينِ الكَرامةِ إلى مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ بِقَولِه: «فيَا حَامِلَ الِاسْمِ الَّذي.. . إلخ» ؛ إِذ إِنَّ التَّألِيفَ القَوِيَّ الإِعجازِيَّ لِرَسائِلِ اللَّمَعاتِ: "الثّامِنةِ، الثّامِنةَ عَشْرةَ، الثّامِنةِ والعِشرِينَ" يُزيلُ الخَوفَ مِن نُفُوسِ تَلامِيذِ رَسائِلِ النُّورِ، ويَبُثُّ السُّلوانِ في نُفُوسِهِم، فيُزِيلُ الإِمامُ رَوْعَهُم بكَلِمةِ: "لا تَخشَ" الَّتي يُكَرِّرُها سِتَّ أو سَبعَ مَرّاتٍ، ويُبيِّنُ أنَّ هذا الأَمرَ إِكرامٌ إِلٰهِيٌّ لِخُدّامِ القُرآنِ.. ولِأنَّ المُخاطَبَ في فِقْرةِ: "وأَقْبِلْ ولَا تَهْرُبْ" كما في الفِقْراتِ السّابِقةِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ، فيُشَجِّعُه ويُحَفِّزُه بِقَولِه: "يا سَعِيدُ النُّورْسِيُّ، استَقبِلْ ولا تَهرُبْ".
النَّتيجةُ: إِنَّ الحَقائِقَ التِّسعَ الَّتي تَسُوقُها الجُمَلُ التِّسعُ المُبتَدأَةُ بی(وكَذلِك، وكَذلِك،..) قد ظَهَرَت في رَسائِلِ النُّورِ ومُؤَلِّفِها وشُوهِدَت بِعَينِها، كما ثَبَت ذلك حتَّى بِتَصدِيقِ الأَعداءِ أي: أنَّ الَّذي قَصَدَه سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ في قَصِيدَتَيه الأُرجُوزةِ والبَدِيعِيّةِ واهتَمَّ به اهتِمامًا جادًّا هو الوَارِثُ النَّبوِيُّ ومُمَكِّنُ الدِّينِ وحامِلُ الِاسمِ الأَعظَمِ: (رَسائِلُ النُّورِ ومُؤلِّفُها)؛ لِأنَّ كلَّ شَيءٍ واضِحٌ وصَرِيحٌ وبارِزٌ لِلعِيانِ، ونَسمَعُ بكُلِّ القَضايا ونَرَى جَمِيعَ الحَرَكاتِ الدِّينِيّةِ، فتَتَولَّد لَدَيْنا القَناعةُ دُونَ شَكٍّ أو شُبْهةٍ أنَّ الَّذي لا يَزِيغُ عن طَرِيقِ الحَقِّ والحَقِيقةِ ويَسعَى لِلحِفاظِ على حُقُوقِ القُرآنِ كما أُمِرَ حَرفِيًّا دُونَ تَأوِيلٍ أو تَحرِيفٍ هو رَسائِلُ النُّورِ لَيسَ إِلّا، مِمّا يُثبِتُ أنَّها هي المُخاطَبُ بِكَلامِ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ.
الحافظُ عليٌّ
(رحمة الله عليه)
٭ ٭ ٭
— 623 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يا اَللهُ، يا رَحْمٰنُ، يا رَحِيمُ، يا فَردُ، يا حَيُّ، يا قَيُّومُ، يا حَكَمُ، يا عَدْلُ، يا قُدُّوسُ
بِحَقِّ الِاسمِ الأَعظَمِ، وبحُرمةِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، وبِكَرامةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، أَدخِلِ الَّذِينَ قامُوا بطَبعِ هذه المَجمُوعةِ ومُعاوِنِيهِمُ المَيامِينَ جَنّةَ الفِردَوسِ والسَّعادةِ الأَبدِيّةِ.. آمِينَ.. ووَفِّقْهُم في خِدمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ دَوْمًا وأَبدًا.. آمِينَ..
واكْتُبْ في صَحِيفةِ حَسَناتِهِم أَلفَ حَسَنةٍ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ كِتابِ "اللَّمَعاتِ".. آمِينَ.. وأَحسِنْ إلَيْهِم بالثَّباتِ والدَّوامِ والإِخلاصِ في نَشرِ رَسائِلِ النُّورِ.. آمِينَ..
يا أَرحَمَ الرّاحِمِينَ.. آتِ جَمِيعَ طُلّابِ النُّورِ في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخِرةِ حَسَنةً.. آمِينَ. واحْفَظْهُم مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإِنسِ.. آمِينَ.. واعْفُ عن ذُنُوبِ هذا العَبدِ العاجِزِ الضَّعِيفِ: سَعِيدٍ.. آمِينَ..
بِاسمِ جَمِيعِ طُلَّابِ النُّورِ
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭