Risale-i Nur

اللمعات
— 4 —

من كُلِّياتِ رَسَائِل النُّور

اللَّمَعَات
تأليف
بَدِيع الزَّمَان سَعِيد النُّورْسِيّ
ترجمة
إحسَان قَاسِم الصَّالِحِي
— 5 —
فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٭ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ٭ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٭ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ٭ لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلّا بالله العَلِيِّ العَظِيمِ ٭ يا باقي أَنتَ الباقي.. يا باقي أَنتَ الباقي ٭ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ
هذا القِسْمُ الأَوَّلُ مِنَ "المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثين"، يَتَضمَّنُ سِتَّ لَمَعاتٍ تُبيِّنُ كلُّ لَمْعةٍ مِنها نُورًا مِن أَنوارٍ كَثِيرةٍ لِلكَلِماتِ المُبارَكةِ المَذكُورةِ الَّتي لِقِراءَتِها ثَلاثًا وثَلاثِينَ مَرّةً في كلِّ وَقْتٍ فَضائِلُ كَثِيرةٌ، ولا سِيَّما بينَ المَغرِبِ والعِشاءِ.
— 6 —

اللمعة الأولى

إنَّ مُناجاةَ سَيِّدِنا يُونُسَ بنِ مَتَّى یی على نَبِيِّنا وعلَيه الصَّلاةُ والسَّلام یی هي مِن أَعظَمِ أَنواعِ المُناجاةِ وأَرْوَعِها، ومِن أَبْلَغِ الوَسائِلِ لِاستِجابةِ الدُّعاءِ وقَبُولِه.(٧)
تَتَلخَّصُ قِصَّتُه المَشهُورةُ بأنَّه عَلَيهِ السَّلَام قد أُلقِيَ به في البَحْرِ، فالْتَقَمَه الحُوتُ، وغَشِيَتْه أَمْواجُ البَحْرِ الهائجةُ، وأَسدَلَ اللَّيلُ البَهِيمُ سِتارَه المُظلِمَ علَيه، فداهَمَتْه الرَّهبةُ والخَوفُ مِن كلِّ مَكانٍ، وانقَطَعَت أَمامَه أَسبابُ الرَّجاءِ وانسَدَّت أَبوابُ الأَمَل.. وإذا بمُناجاتِه الرَّقيقةِ وتَضَرُّعِه الخالِصِ الزَّكيِّ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ يُصبِحُ له في تلك الحالةِ واسِطةَ نَجاةٍ ووَسِيلةَ خَلاصٍ.
والسِّرُّ العَظِيمُ في هذه المُناجاةِ هو أنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ قد هَوَت كُلِّیيًّا في ذلك الوَضْعِ المُرْعِبِ، وسَقَطَت نِهائيًّا فلم تُحَرِّك ساكِنًا ولم تَتْرُك أثَرًا، ذلك لأنَّ الَّذي يَستَطِيعُ أن يُنقِذَه مِن تلك الحالة، ليس إلّا ذلك الَّذي تَنفُذُ قُدرَتُه في الحُوتِ، وتُهَيْمِنُ على البَحْرِ، وتَسْتَولي على اللَّيلِ وجَوِّ السَّماءِ؛ حيثُ إنَّ كُلًّا مِنَ اللَّيلِ الحالِكِ والبَحْرِ الهائِجِ والحُوتِ الهائِلِ قدِ اتَّفَق على الِانقِضاضِ علَيه، فلا يُنَجِّيه سَبَبٌ، ولا يُخَلِّصُه أَحَدٌ، ولا يُوصِلُه إلى ساحِلِ السَّلامةِ بأَمانٍ إلّا مَن بِيَدِه مَقالِيدُ اللَّيلِ وزِمامُ البَحْرِ والحُوتِ معًا،
— 7 —
ومَن يُسَخِّرُ كلَّ شَيءٍ تحتَ أَمرِه.. حتى لو كان الخَلْقُ أجمَعُون تحتَ خِدْمَتِه عَلَيهِ السَّلَام ورَهْنَ إشارَتِه في ذلك المَوْقِفِ الرَّهِيبِ، ما كانُوا يَنفَعُونه بشَيءٍ!
أَجَل، لا تَأْثيرَ للأَسبابِ قَطُّ.. فما إن رَأَى عَلَيهِ السَّلَام بعَيْنِ اليَقِينِ أنْ لا مَلْجَأَ له مِن أَمْرِه تَعالَى إلّا اللِّواذُ إلى كَنَفِ مُسبِّبِ الأَسبابِ، انكَشَف له سِرُّ الأَحَدِيّةِ مِن خِلالِ نُورِ التَّوحِيدِ السّاطِعِ، حتَّى سَخَّرَتْ له تلك المُناجاةُ الخالِصةُ اللَّيلَ والبَحْرَ والحُوتَ معًا، بل تَحَوَّل له بنُورِ التَّوحِيدِ الخالِصِ بَطْنُ الحُوتِ المُظلِمُ إلى ما يُشْبِهُ جَوْفَ غَوّاصةٍ أَمِينةٍ هادِئةٍ تَسِيرُ تحتَ البَحْرِ، وأَصْبَحَ ذلك البَحْرُ الهائِجُ بالأَمواجِ المُتَلاطِمةِ ما يُشْبِهُ المُتَنَزَّهَ الآمِنَ الهادِئَ، وانقَشَعَتِ الغُيُومُ عن وَجْهِ السَّماءِ بتلك المُناجاةِ، وكَشَفَ القَمَرُ عن وَجْهِه المُنِيرِ كأنَّه مِصْباحٌ وَضِيءٌ يَتَدَلَّى فَوْقَ رَأْسِه..
وهكَذا غَدَت تلك المَخلُوقاتُ الَّتي كانَت تُهَدِّدُه وتُرْعِبُه مِن كلِّ صَوْبٍ وتُضَيِّقُ علَيه الخِناقَ، غَدَتِ الآن تُسْفِرُ له عن وَجْهِ الصَّداقةِ، وتَتَقرَّبُ إلَيه بالوُدِّ والحَنانِ، حتَّى خَرَج إلى شاطِئِ السَّلامةِ، وشاهَدَ لُطْفَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ تحتَ شَجَرةِ اليَقْطِينِ.
فلْنَنْظُرْ بنُورِ تلك المُناجاةِ إلى أَنفُسِنا.. فنحنُ في وَضْعٍ مُخِيفٍ ومُرْعِبٍ أَضْعافَ أَضْعافِ ما كان فيه سَيِّدُنا يُونُسُ عَلَيهِ السَّلَام، حيثُ إنَّ:
لَيْلَنا الَّذي يُخَيِّمُ علَيْنا، هو المُستَقبَلُ.. فمُستَقبَلُنا إذا نَظَرْنا إليه بنَظَرِ الغَفْلةِ يَبدُو مُظْلِمًا مُخِيفًا، بل هو أَحْلَكُ ظَلامًا وأَشَدُّ عَتامةً مِنَ اللَّيلِ الَّذي كان فيه سَيِّدُنا يُونُسُ عَلَيهِ السَّلَام بمِئةِ مَرّةٍ.
وبَحْرَنا، هو الكُرةُ الأَرضِيّةُ، فكُلُّ مَوْجةٍ مِن أَمواجِ هذا البَحْرِ المُتَلاطِمِ تَحْمِلُ آلافَ الجَنائِزِ، فهُو إذًا بَحْرٌ مُرْعِبٌ رَهِيبٌ بمِئةِ ضِعْفِ رَهْبةِ البَحْرِ الَّذي أُلقِيَ فيه عَلَيهِ السَّلَام.
وحُوتَنا، هو ما نَحمِلُه مِن نَفْسٍ أَمّارةٍ بالسُّوء، فهي حُوتٌ يُرِيدُ أن يَلْتَقِمَ حَياتَنا الأَبَديّةَ ويَمْحَقَها؛ هذا الحُوتُ أَشَدُّ ضَراوةً مِنَ الحُوتِ الَّذي ابْتَلَع سَيِّدَنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام؛ إذ كان يُمكِنُه أن يَقْضِيَ على حَياةٍ أَمَدُها مِئةُ سَنةٍ، بَينَما حُوتُنا نحنُ يُحاوِلُ إِفناءَ مِئاتِ المَلايِينِ مِن سِنِيْ حَياةٍ خالِدةٍ هَنِيئةٍ رَغِيدةٍ.
فما دامَت هذه حَقِيقةَ وَضْعِنا، فما علَيْنا إذًا إلّا الِاقتِداءُ بسَيِّدِنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام والسَّيرُ على هَدْيِه، مُعْرِضِين عنِ الأَسبابِ جَمِيعًا، مُقْبِلِين كُلِّیيًّا على رَبِّنا الَّذي هو مُسَبِّبُ الأَسبابِ، مُتَوجِّهِين إلَيْه بقُلُوبِنا وجَوارِحِنا، مُلْتَجِئِين إلَيه سُبحانَه قائِلِينَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، مُدْرِكِين بعَيْنِ اليَقِينِ أنْ
— 8 —
قدِ ائْتَمَر علَيْنا یی بسَبَبِ غَفْلَتِنا وضَلالِنا یی مُستَقبَلُنا الَّذي يَرْتَقِبُنا، ودُنيانا الَّتي تَضُمُّنا، ونُفُوسُنا الأَمّارةُ بالسُّوءِ الَّتي بينَ جَنْبَيْنا، مُوقِنين كذلك أنَّه لا يَقْدِرُ أن يَدْفَع عنّا مَخاوِفَ المُستَقبَلِ وأَوْهامَه، ولا أن يُزِيلَ عنّا أَهوالَ الدُّنيا ومَصائِبَها، ولا أن يُبعِدَ عنّا أَضْرارَ النَّفْسِ الأَمّارةِ بالسُّوء ودَسائِسَها، إلّا مَن كان المُستَقبَلُ تحتَ أَمْرِه، والدُّنيا تحتَ حُكْمِه، وأَنفُسُنا تحتَ إِدارَتِه.
تُرَى مَن غَيرُ خالِقِ السَّماواتِ والأَرَضِينَ يَعرِفُ خَلَجاتِ قُلُوبِنا، ومَن غَيرُه يَعْلَمُ خَفايا صُدُورِنا، ومَن غَيرُه قادِرٌ على إنارةِ المُستَقبَلِ لَنا بخَلْقِ الآخِرةِ، ومَن غَيرُه يَستَطِيعُ أن يُنقِذَنا مِن بَينِ أُلُوفِ أَمواجِ الدُّنيا المُتَلاطِمةِ بالأَحداثِ؟!. حاشَ للهِ وكلّا أن يكُونَ لنا مُنْجٍ غَيرُه ومُخَلِّصٌ سِواه، فهُو الَّذي لَوْلا إِرادَتُه النّافِذةُ ولَوْلا أَمْرُه المُهَيْمِنُ لَما تَمَكَّن شَيءٌ یی أَينَما كانَ وكَيفَما كانَ یی أن يَمُدَّ يَدَه لِيُغيثَ أَحَدًا بشَيءٍ!
فما دامَت هذه حَقِيقةَ وَضْعِنا، فما عَلَيْنا إلّا أن نَرْفَعَ أَكُفَّ الضَّراعةِ إلَيه سُبحانَه مُتَوَسِّلِين، مُستَعْطِفِين نَظَرَ رَحْمَتِه الرَّبّانيّةِ إلَيْنا، اقْتِداءً بسِرِّ تلك المُناجاةِ الرّائِعةِ الَّتي سَخَّرَتِ الحُوتَ لِسَيِّدنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام كأنَّه غَوّاصةٌ تَسِيرُ تحتَ البَحْرِ، وحَوَّلَتِ البَحْرَ مُتَنَیزَّهًا جَمِيلًا، وأَلْبَسَتِ اللَّيلَ جِلْبابَ النُّور الوَضِيءَ بالبَدْرِ السّاطِعِ. فنَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.. فنَلفِتَ بها نَظَرَ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ إلى مُستَقبَلِنا بقَوْلِنا: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ونَلْفِتَها إلى دُنيانا بكَلِمةِ: سُبْحَانَكَ، ونَرْجُوَها أن تَنظُرَ إلى أَنفُسِنا بنَظَرِ الرَّأْفةِ والشَّفَقةِ بجُمْلةِ: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، كي يَعُمَّ مُستَقبَلَنا نُورُ الإيمانِ وضِياءُ بَدْرِ القُرآنِ، ويَنقَلِبَ رُعْبُ لَيْلِنا ودَهْشَتُه إلى أَمْنِ الأُنسِ وطُمَأْنِينةِ البَهْجةِ؛ ولِتَنتَهِيَ مُهِمّةُ حَياتِنا ونَخْتَتِمَ وَظِيفَتَها بالوُصُولِ إلى شاطِئِ الأَمْنِ والأَمانِ دُخُولًا في رِحابِ حَقِيقةِ الإسلامِ، تلك الحَقِيقةِ الَّتي هي سَفِينةٌ مَعْنَوِيّةٌ أَعَدَّها القُرآنُ العَظِيمُ، فنُبْحِرَ بها عُبابَ الحَياةِ، فَوْقَ أَمْواجِ السِّنِينَ والقُرُونِ الحامِلةِ لِجَنائِزَ لا يَحْصُرُها العَدُّ، ويَقذِفُها إلى العَدَمِ بتَبَدُّلِ المَوْتِ والحَياةِ وتَناوُبِهِما الدّائِبَينِ في دُنيانا وأَرْضِنا.
— 9 —
فنَنظُرُ إلى هذا المَشهَدِ الرَّهِيبِ بمِنظارِ نُورِ القُرآنِ الباهِرِ، وإذا هو مَناظِرُ مُتَبَدِّلةٌ، مُتَجَدِّدة، يُحَوِّل تَجَدُّدُها المُستَمِرُّ تلك الوَحْشةَ الرَّهِيبةَ النّابِعةَ مِن هُبُوبِ العَواصِفِ وحُدُوثِ الزَّلازِلِ للبَحْرِ إلى نَظَرٍ تَقْطُرُ مِنه العِبْرةُ، ويَبْعَثُ على التَّأَمُّل والتَّفَكُّرِ في خَلْقِ الله.. فتَسْتَضِيءُ وتَتَألَّقُ ببَهْجةِ التَّجَدُّدِ ولَطافةِ التَّجْدِيدِ؛ فلا تَقوَى عِندَها نُفُوسُنا الأَمّارةُ على قَهْرِنا، بل نكُونُ نحنُ الَّذين نَقهَرُها بما منَحَنا القُرآنُ الكَرِيمُ مِن ذلك السِّرِّ اللَّطِيفِ، بل نَمْتَطيها بتلك التَّرْبِيةِ المُنبَثِقةِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، فتُصْبِحُ النَّفْسُ الأَمّارةُ طَوْعَ إرادَتِنا، وتَغدُو وَسِيلةً نافِعةً وواسِطةَ خَيرٍ للفَوْزِ بحَياةٍ خالِدةٍ.
الخُلاصةُ: إنَّ الإنسانَ بما يَحْمِلُ مِن ماهِيّةٍ جامِعةٍ يَتأَلَّمُ مِنَ الحُمَّى البَسِيطةِ كما يَتَألَّمُ مِن زَلْزَلةِ الأَرضِ وهَزّاتِها، ومِن زِلْزالِ الكَوْنِ العَظِيمِ عِندَ قِيامِ السّاعةِ، ويَخافُ مِن جُرثُومةٍ صَغِيرةٍ كما يَخافُ مِنَ المُذَنَّباتِ الظّاهِرةِ في الأَجرامِ السَّماوِيّةِ، ويُحِبُّ بَيْتَه ويَأْنَسُ به كما يُحِبُّ الدُّنيا العَظِيمةَ، ويَهْوَى حَدِيقَتَه الصَّغِيرةَ ويَتَعلَّقُ بها كما يَشْتاقُ إلى الجَنّةِ الخالِدةِ ويَتُوقُ إلَيْها.
فما دامَ أَمْرُ الإنسانِ هكَذا، فلا مَعْبُودَ له ولا رَبَّ ولا مَولَى ولا مَنْجَى ولا مَلْجَأَ إلّا مَن بِيَدِه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرضِ وزِمامُ الذَّرّاتِ والمَجَرّاتِ، وكلُّ شَيءٍ تحتَ حُكْمِه، وطَوْعُ أَمْرِه.. فلا بُدَّ أنَّ هذا الإنسانَ بحاجةٍ ماسّةٍ دائمًا إلى التَّوَجُّهِ إلى بارِئِه الجَلِيلِ والتَّضَرُّعِ إلَيه اقْتِداءً بسَيِّدنا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَام. فيقُولُ:
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 10 —

اللمعة الثانية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
هذه المُناجاةُ اللَّطِيفةُ الَّتي نادَى بها رائِدُ الصّابِرِين سَيِّدُنا أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلَام مُجَرَّبةٌ، وذاتُ مَفعُولٍ مُؤَثِّرٍ، فيَنبَغِي أن نَقتَبِسَ مِن نُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ ونَقُولَ في مُناجاتِنا: «رَبِّ إنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ».
وقِصّةُ سَيِّدِنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام المَشهُورةُ، نُلَخِّصُها بما يَأْتي:
إنَّه عَلَيهِ السَّلَام ظَلَّ صابِرًا رَدْحًا مِنَ الزَّمَنِ يُكابِدُ أَلَمَ المَرَضِ العُضالِ، حتَّى سَرَتِ القُرُوحُ والجُرُوحُ إلى جِسْمِه كُلِّه، ومعَ ذلك كان صابِرًا جَلْدًا يَرجُو ثَوابَه العَظِيمَ مِنَ العَلِيِّ القَدِيرِ؛ وحِينَما أَصابَتِ الدِّيدانُ النّاشِئةُ مِن جُرُوحِه قَلْبَه ولِسانَه اللَّذَينِ هُما مَحَلُّ ذِكْرِ اللهِ ومَوْضِع مَعْرِفَتِه، تَضَرَّع إلى رَبِّه الكَرِيمِ بهذه المُناجاةِ الرَّقِيقةِ: "رَبِّ إنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ، فأَخلَّ بذِكرِ لِساني وعُبُوديّةِ قَلبِي"، ولم يَتَضَرَّعْ إلَيه طَلَبًا للرّاحةِ قَطُّ؛ فاسْتَجابَ اللهُ العَلِيُّ القَدِيرُ لِتلك المُناجاةِ الخالِصةِ الزَّكِيّةِ استِجابةً خارِقةً بما هو فَوْقَ المُعْتادِ، وكَشَف عنه ضُرَّه وأَحْسَنَ إلَيْه العافِيةَ التّامّةَ، وأَسْبَغَ علَيه أَلْطافَ رَحْمَتِه العَمِيمة.
في هذه اللَّمْعةِ خَمْسُ نِكاتٍ:

النُّكْتةُ الأُولَى:

إنَّه إِزاءَ تلك الجُرُوحِ الظّاهِرةِ الَّتي أَصابَتْ سَيِّدَنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام، تُوجَدُ فينا أَمْراضٌ باطِنِيّةٌ وعِلَلٌ رُوحِيّةٌ وأَسْقامٌ قَلْبِيّةٌ، فنَحنُ مُصابُون بكُلِّ هذا؛ فلَوِ انقَلَبْنا ظاهِرًا بِباطِنٍ
— 11 —
وباطِنًا بظاهِرٍ، لَظَهَرْنا مُثْقَلِين بجُرُوحٍ وقُرُوحٍ بَلِيغةٍ، ولَبَدَت فِينا أَمْراضٌ وعِلَلٌ أَكثَرُ بكَثِيرٍ مِمّا عِندَ سَيِّدِنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام، ذلك لِأَنَّ كُلَّ ما تَكْسِبُه أَيدِينا مِن إِثْمٍ، وكُلَّ ما يَلِجُ إلى أَذهانِنا مِن شُبْهةٍ، يَشُقُّ جُرُوحًا غائِرةً في قُلُوبِنا، ويُفَجِّرُ قُرُوحًا دامِيةً في أَرْواحِنا.. ثمَّ إنَّ جُرُوحَ سَيِّدِنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام كانَت تُهَدِّدُ حَياتَه الدُّنيا القَصِيرةَ بِخَطَرٍ، أمّا جُرُوحُنا المَعنَوِيّةُ نحنُ فهي تُهَدِّدُ حَياتَنا الأُخرَوِيّةَ المَدِيدةَ بِخَطَرٍ.. فنَحنُ إذًا مُحتاجُونَ أَشَدَّ الحاجةِ إلى تلك المُناجاةِ الأَيُّوبِيّةِ الكَرِيمةِ بأَضْعافِ أَضْعافِ حاجَتِه عَلَيهِ السَّلَام إلَيْها، وبِخاصّةٍ أنَّ الدِّيدانَ المُتَولِّدةَ مِن جُرُوحِه عَلَيهِ السَّلَام مِثلَما أَصابَتْ قَلْبَه ولِسانَه، فإنَّ الوَساوِسَ والشُّكُوكَ ییی نَعُوذُ باللهِ یی المُتَولِّدةَ عِندَنا مِن جُرُوحِنا النّاشِئةِ مِنَ الآثامِ والذُّنُوبِ تُصِيبُ باطِنَ القَلْبِ الَّذي هو مُستَقَرُّ الإيمانِ فتُزَعْزِعُ الإيمانَ فيه، وتَمَسُّ اللِّسانَ الَّذي هو مُتَرجِمُ الإيمانِ فتَسْلُبُه لَذّةَ الذِّكْرِ ومُتْعَتَه الرُّوحِيّةَ، ولا تَزالُ تُنَفِّرُه مِن ذِكْرِ اللهِ حتَّى تُسْكِتَه كُلِّیيًّا.
نعم، الإِثمُ يَتَوغَّلُ في القَلْبِ ويَمُدُّ جُذُورَه في أَعماقِه، وما يَنفَكُّ يَنكُتُ فيه نُكَتًا سَوْداءَ حتَّى يَتَمكَّنَ مِن إخراجِ نُورِ الإيمانِ مِنه، فيَبقَى مُظْلِمًا مُقْفِرًا، فيَغْلُظُ ويَقْسُو.
نعم، إنَّ في كُلِّ إثمٍ وخَطِيئةٍ طَرِيقًا مُؤَدِّيًا إلى الكُفْرِ، فإن لم يُمْحَ ذلك الإثمُ فَوْرًا بالِاستِغْفارِ يَتَحَوَّلْ إلى دُودةٍ مَعنَوِيّةِ، بل إلى حَيّةٍ مَعنَوِيّةٍ تَعَضُّ القَلْبَ وتُؤْذِيه.
ولْنُوَضِّحْ ذلك بما يَأْتِي:
مَثلًا: إنَّ الَّذي يَرتَكِبُ یی سِرًّا یی إِثْمًا يُخجَلُ مِنه، عِندَما يَسْتَحِي كَثِيرًا مِنِ اطِّلاعِ الآخَرِين علَيه، يَثقُلُ علَيْه وُجُودُ المَلائِكةِ والرُّوحانِيّاتِ، ويَرغَبُ في إنكارِهِم بأَمارةٍ تافِهةٍ.
ومَثلًا: إنَّ الَّذي يَقْتَرِفُ كَبِيرةً تُفضِي إلى عَذابِ جَهَنَّم، إنْ لم يَتَحصَّنْ تِجاهَها بالِاستِغفارِ، فما إنْ يَسْمَعْ نَذِيرَ جَهَنَّمَ وأَهْوالَها يَرْغَبْ مِن أَعماقِه في عَدَمِ وُجُودِها، فتَتَوَلَّدُ لَدَيه جُرْأةٌ لإِنكارِ جَهَنَّمَ مِن أَمارةٍ بَسِيطةٍ أو شُبْهةٍ تافِهةٍ.
ومَثلًا: إنَّ الَّذي لا يُقِيمُ الفَرائِضَ ولا يُؤَدِّي وَظِيفةَ العُبُودِيّةِ حَقَّ الأَداءِ وهُو يَتَأَلَّمُ مِن تَوْبِيخِ آمِرِه البَسِيطِ لِتَقاعُسِه عن واجِبٍ بَسِيطٍ، فإنَّ تَكاسُلَه عن أَداءِ الفَرائِضِ
— 12 —
إزاءَ الأَوامِرِ المُكَرَّرةِ الصّادِرةِ مِنَ اللهِ العَظِيمِ، يُوْرِثُه ضِيقًا شَدِيدًا وظُلْمةً قاتِمةً في رُوحِه، ويَسُوقُه هذا الضِّيقُ إلى الرَّغبةِ في أن يَتَفوَّه ويَقُولَ ضِمْنًا: "لَيْتَه لم يَأْمُرْ بتلك العِبادةِ!"، وتُثِيرُ هذه الرَّغبةُ فيه الإنكارَ الَّذي يُشَمُّ مِنه عِداءٌ مَعنَوِيٌّ تِجاهَ أُلُوهِيَّتِه سُبحانَه! فإذا ما وَرَدَت شُبْهةٌ تافِهةٌ إلى القَلْبِ حَوْلَ وُجُودِه سُبحانَه، فإنَّه يَمِيلُ إلَيْها كأَنَّها دَلِيلٌ قاطِعٌ، فيَنفَتِحُ أَمامَه بابٌ عَظِيمٌ لِلهَلاكِ والخُسْرانِ المُبِينِ؛ ولَكِن لا يُدْرِكُ هذا الشَّقِيُّ أنَّه قد جَعَل نَفسَه یی بهذا الإِنكارِ یی هَدَفًا لِضِيقٍ مَعنَوِيٍّ أَرْهَبَ وأَفْظَعَ بِمَلايِينِ المَرّاتِ مِن تلك المَشَقّةِ الضَّئِيلةِ الَّتي تَحصُلُ مِنَ العِبادةِ، كمَن يَفِرُّ مِن لَسْعِ بَعُوضةٍ إلى عَضِّ حَيّةٍ!
فلْيُفهَمْ في ضَوءِ هذه الأَمثِلةِ الثَّلاثةِ سِرُّ الآيةِ الكَرِيمةِ: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ.

النُّكتةُ الثّانية:

مِثلَما وُضِّحَ في "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشْرِين" الخاصّةِ بالقَدَرِ: إنَّ الإنسانَ ليس لَه حَقُّ الشَّكْوَى مِنَ البَلاءِ والمَرَضِ بثَلاثةِ وُجُوهٍ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه يَجعَلُ ما أَلبَسَه الإنسانَ مِن لِباسِ الوُجُودِ دَلِيلًا على صَنْعَتِه المُبدَعةِ، حيثُ خَلَقَه على صُورةِ نَمُوذَجٍ (مُودِيل) يُفَصِّل علَيه لِباسَ الوُجُودِ، يُبَدِّلُه ويَقُصُّه ويُغيِّرُه، مُبَيِّنًا بهذا التَّصَرُّفِ تَجَلِّياتٍ مُختَلِفةً لِأَسمائِه الحُسنَى؛ فمِثْلَما يَستَدْعِي اسمُ "الشَّافي" المَرَضَ، فإنَّ اسمَ "الرَّزَّاقِ" أَيضًا يَقتَضِي الجُوعَ.. وهكَذا فهُو سُبحانَه مالِكُ المُلْكِ، يَتَصرَّفُ في مُلْكِه كيفَ يَشاءُ.
الوَجهُ الثّاني: أنَّ الحَياةَ تَتَصفَّى بالمَصائِبِ والبَلايا، وتَتَزكَّى بالأَمراضِ والنَّوائِبِ، وتَجِدُ بها الكَمالَ وتَتَقوَّى وتَتَرقَّى وتَسمُو وتُثْمِرُ وتُنْتِجُ وتَتَكامَلُ وتَبلُغُ هَدَفَها المُرادَ لَها، فتُؤَدِّي مُهِمَّتَها الحَياتيّةَ؛ أمّا الحَياةُ الرَّتِيبةُ الَّتي تَمْضِي على نَسَقٍ واحِدٍ وتَمُرُّ على فِراشِ الرّاحةِ، فهِي أَقْرَبُ إلى العَدَمِ الَّذي هو شَرٌّ مَحْضٌ مِنها إلى الوُجُودِ الَّذي هو خَيرٌ مَحْضٌ، بل هي تُفْضِي إلى العَدَمِ.
— 13 —
الوَجهُ الثّالثُ: أنَّ دارَ الدُّنيا هذه ما هي إلّا مَيْدانُ اختِبارٍ وابتلاءٍ، وهي دارُ عَمَلٍ ومَحَلُّ عِبادةٍ، ولَيسَت مَحَلَّ تَمَتُّعٍ وتَلَذُّذٍ ولا مَكانَ تَسَلُّمِ الأُجْرةِ ونَيلِ الثَّوابِ.
فما دامَتِ الدُّنيا دارَ عَمَلٍ ومَحَلَّ عِبادةٍ، فالأَمراضُ والمَصائِبُ ییی عَدا الدِّينِيّةِ مِنها وبِشَرْطِ الصَّبْرِ علَيْها یی تكُونُ مُلائِمةً جِدًّا معَ ذلك العَمَلِ، بل مُنسَجِمةً تَمامًا معَ تلك العِبادةِ، حيثُ إنَّها تُمِدُّ العَمَلَ بقُوّةٍ وتَشُدُّ مِن أَزْرِ العِبادةِ، فلا يَجُوزُ التَّشَكِّي مِنها، بل يَجِبُ التَّحَلِّي بالشُّكْرِ للهِ بها، حيثُ إنَّ تلك الأَمراضَ والنَّوائِبَ تُحَوِّلُ كلَّ ساعةٍ مِن حَياةِ المُصابِ إلى عِبادةِ يَومٍ كامِلٍ.
نعم، إنَّ العِبادةَ قِسْمانِ: قِسمٌ إيجابيٌّ وقِسمٌ سَلْبِيٌّ..
فالقِسمُ الأَوَّلُ مَعلُومٌ لَدَى الجَمِيعِ، أمّا القِسمُ الآخَرُ فإنَّ البَلايا والضُّرَّ والأَمراضَ تَجعَلُ صاحِبَها يَشْعُرُ بعَجْزِه وضَعْفِه، فيَلْتَجِئُ إلى رَبِّه الرَّحِيمِ، ويَتَوجَّهُ إلَيه ويَلُوذُ به، فيُؤَدِّي بهذا عِبادةً خالِصةً؛ وهذِه العِبادةُ خالِصةٌ زَكِيّةٌ لا يَدخُلُ فيها الرِّياءُ قَطُّ.. فإذا ما تَجَمَّل المُصابُ بالصَّبْر وفَكَّر في ثَوابِ ضُرِّه عِندَ اللهِ وجَمِيلِ أَجْرِه عِندَه، وشَكَر رَبَّه علَيْها، تَحَوَّلَت عِندَئذٍ كلُّ ساعةٍ مِن ساعاتِ عُمُرِه كأَنَّها يَومٌ مِنَ العِبادةِ، فيَغدُو عُمُرُه القَصِيرُ جِدًّا مَدِيدًا طَوِيلًا، بل تَتَحوَّلُ یی عِندَ بَعضِهم یی كلُّ دَقِيقةٍ مِن دَقائِقِ عُمُرِه بمَثابةِ يَومٍ مِنَ العِبادةِ.
ولَقد كُنتُ أَقْلَقُ كَثِيرًا على ما أَصابَ أَحَد إِخوَتِي في الآخِرةِ وهُو الحافِظُ "أَحمَدُ المُهاجِرُ" بمَرَضٍ خَطِيرٍ، فخَطَرَ إلى القَلْبِ ما يَأْتِي: "بَشِّرْه، هَنِّئْه، فإنَّ كلَّ دَقِيقةٍ مِن دَقائِقِ عُمُرِه تَمْضِي كأَنَّها يَومٌ مِنَ العِبادةِ".. حَقًّا إنَّه كان يَشكُرُ رَبَّه الرَّحِيمَ مِن ثَنايا الصَّبْرِ الجَمِيلِ.

النُّكتةُ الثّالثة:

مِثلَما بَيَّنّا في "الكَلِماتِ" السّابِقةِ أنَّه إذا ما فَكَّر كُلُّ إنسانٍ فيما مَضَى مِن حَياتِه، فسَيَرِدُ إلى قَلْبِه ولِسانِه "وا أَسَفاهْ"، أو: "الحَمدُ لله"، أي: إمّا أنَّه يَتَأَسَّفُ ويَتَحسَّرُ، أو يَحمَدُ رَبَّه ويَشكُرُه؛ فالَّذي يُقَطِّرُ الأَسَفَ والأَسَى إنَّما هو الآلامُ المَعنَوِيّةُ النّاشِئةُ مِن #14
زَوالِ اللَّذائِذِ السّابِقةِ وفِراقِها، ذلك لأنَّ زَوالَ اللَّذّةِ أَلَمٌ، بل قد تُورِثُ لَذّةٌ زائِلةٌ طارِئةٌ آلامًا دائِمةً مُستَمِرّةً، فالتَّفَكُّرُ فيها يَعصِرُ ذلك الأَلَمَ ويُقَطِّرُ مِنه الأَسَفَ والأَسَى، بَينَما اللَّذّةُ المَعنَوِيّةُ والدّائِمةُ النّاشِئةُ مِن زَوالِ الآلامِ المُؤَقَّتةِ الَّتي قَضاها المَرءُ في حَياتِه الفائِتةِ، تَجعَلُ لِسانَه ذاكِرًا بالحَمْدِ والثَّناءِ للهِ تَعالَى.. هذه حالةٌ فِطْرِيّةٌ يَشعُرُ بها كلُّ إنسانٍ، فإذا ما فَكَّرَ المُصابُ یی عَلاوةً على هذا یی بما ادَّخَر له رَبُّه الكَرِيمُ مِن ثَوابٍ جَمِيلٍ وجَزاءٍ حَسَنٍ في الآخِرةِ، وتَأَمَّلَ في تَحَوُّلِ عُمُرِه القَصِيرِ بالمَصائِبِ إلى عُمُرٍ مَدِيدٍ، فإنَّه لا يَصبِرُ على ما انتابَه مِن ضُرٍّ وَحْدَه، بل يَرْقَى أَيضًا إلى مَرتَبةِ الشُّكْرِ للهِ والرِّضا بقَدَرِه، فيَنطَلِقُ لِسانُه حامِدًا رَبَّه وقائِلًا: "الحَمدُ للهِ على كلِّ حالٍ سِوَى الكُفْرِ والضَّلالِ".
ولقد سارَ مَثلًا عِندَ النّاسِ: "ما أَطْوَلَ زَمَنَ النَّوائِبِ!"، نعم، هو كذلك ولَكِن ليس بالمَعنَى الَّذي في عُرْفِ النّاسِ وظَنِّهِم مِن أنَّه طَوِيلٌ بما فيه مِن ضِيقٍ وأَلَمٍ، بل هو طَوِيلٌ مَدِيدٌ بما يُثْمِرُ مِن نَتائِجَ حَياتِيّةٍ عَظِيمةٍ كالعُمُرِ الطَّوِيلِ.

النُّكتةُ الرّابعة:

لقد بَيَّنّا في "المَقامِ الأَوَّلِ لِلكَلِمةِ الحادِيةِ والعِشرِين": أنَّ الإنسانَ إنْ لم يُشَتِّت ما وَهَبَه البارِئُ سُبحانَه مِن قُوّةِ الصَّبْرِ، ولم يُبَعْثِرْها في شِعابِ الأَوْهامِ والمَخاوِفِ، فإنَّ تلك القُوّةَ يُمكِنُ أن تكُونَ كافِيةً للثَّباتِ حِيالَ كلِّ مُصِيبةٍ وبَلاءٍ، ولَكِنَّ هَيْمَنةَ الوَهْمِ وسَيْطَرةَ الغَفْلةِ علَيْه، والِاغتِرارَ بالحَياةِ الفانِيةِ كأنَّها دائِمةٌ، يُؤَدِّي إلى الفَتِّ مِن قُوّةِ صَبْرِه وتَفْرِيقِها إلى آلامِ الماضِي ومَخاوِفِ المُستَقبَلِ، فلا يَكْفِيه ما أَوْدَعَه اللهُ مِنَ الصَّبْرِ على تَحَمُّلِ البَلاءِ النّازِلِ به والثَّباتِ دُونَه، فيَبْدَأُ بِبَثِّ الشَّكْوَى حتَّى كأَنَّه يَشكُو اللهَ لِلنّاسِ، مُبْدِيًا مِن قِلّةِ الصَّبْرِ ونَفادِه ما يُشْبِهُ الجُنُونَ؛ فَضْلًا عن أنَّه لا يَحِقُّ له أن يَجْزَعَ جَزَعَه هذا أَبدًا، ذلك لأنَّ كلَّ يومٍ مِن أَيّامِ الماضِي یی إن كان قد مَضَى بالبَلاءِ یی فقد ذَهَب عُسْرُه ومَشَقَّتُه وتَرَكَ راحَتَه، وقد زالَ تَعَبُه وأَلَمُه وتَرَك لَذَّتَه، وقد ذَهَب ضَنْكُه وضِيقُه وثَبَتَ أَجْرُه، فلا يَجُوزُ إذًا الشَّكْوَى مِنه، بل يَنبَغِي الشُّكْرُ للهِ تَعالَى علَيْه بِشَوْقٍ ولَهْفةٍ؛ ولا يَجُوزُ كذلك الِامتِعاضُ مِنَ المُصِيبةِ والسُّخْطُ علَيْها، بل يَنبَغِي رَبْطُ أَواصِرِ
— 15 —
الحُبِّ بها، لِأنَّ عُمُرَ الإنسانِ الفاني الَّذي قد مَضَى يَتَحوَّلُ عُمُرًا سَعِيدًا باقِيًا مَدِيدًا بما يُعاني فيه مِنَ البَلاءِ، فمِنَ البَلاهةِ والجُنُونِ أن يُبَدِّدَ الإنسانُ قِسْمًا مِن صَبْرِه ويُهْدِرَه بالأَوْهامِ والتَّفكُّرِ في البَلايا الَّتي مَضَت والآلامِ الَّتي وَلَّت.
أمّا الأَيّامُ المُقبِلةُ، فحيثُ إنَّها لم تَأْتِ بَعدُ ومَجهُولةٌ مُبهَمةٌ، فمِنَ الحَماقةِ التَّفكُّرُ فيها مِنَ الآنَ والجَزَعُ عَمّا يُمكِنُ أن يُصِيبَ الإنسانَ فيها مِن مَرَضٍ وبَلاءٍ؛ فكَما أنَّه حَماقةٌ أن يَأْكُلَ الإِنسانُ اليَومَ كَثِيرًا مِنَ الخُبْزِ ويَشْرَبَ كَثِيرًا مِنَ الماءِ لِما يُمكِنُ أن يُصِيبَه مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ في الغَدِ أو بَعدَ غَدٍ، كذلك التَّألُّمُ والتَّضَجُّرُ مِنَ الآنَ لِما يُمكِنُ أن يُبتَلَى به في المُستَقبَلِ مِن أَمراضٍ ومَصائِبَ هي الآنَ في حُكْمِ العَدَمِ، وإظهارُ الجَزَعِ نَحوَها دُونَ أن يكُونَ هُناك مُبَرِّرٌ واضْطِرارٌ، هو بَلاهةٌ وحَماقةٌ إلى حَدٍّ يَسلُبُ استِحقاقَ العَطْفِ على صاحِبِها والإشفاقِ علَيْه، فَوقَ أنَّه قد ظَلَم نَفسَه بِنَفسِه.
الخُلاصةُ: إنَّ الشُّكْرَ مِثلَما يَزِيدُ النِّعمةَ، فالشَّكْوَى تَزِيدُ المُصِيبةَ وتَسلُبُ استِحقاقَ التَّرَحُّمِ والإشفاقِ على صاحِبِها.
لقدِ ابتُلِيَ رَجُلٌ صالِحٌ مِن مَدِينةِ "أَرْضُرُّوم" بِمَرَضٍ خَطِيرٍ وَبِيلٍ، وذلك في السَّنةِ الأُولَى مِنَ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، فذَهَبتُ لِعِيادَتِه فبَثَّ لي شَكْواه قائِلًا: لم أَذُقْ طَعْمَ النَّومِ مُنذُ مِئةِ يَومٍ.
تَأَلَّمتُ لِشَكْواه الأَلِيمةِ هذه، ولكن تَذَكَّرتُ حِينَها مُباشَرةً وقُلتُ: "أَخِي، إنَّ الأَيّامَ المِئةَ الماضِيةَ لِكَونِها قد وَلَّت ومَضَت فهي الآنَ بمَثابةِ مِئةِ يَومِ مَسَرّةٍ مُفْرِحةٍ لك، فلا تُفَكِّرْ فيها ولا تَشْتَكِ مِنها، بلِ انظُرْ إلَيْها شاكِرًا للهِ؛ أمّا الأَيّامُ المُقبِلةُ فلِأَنَّها لم تَأْتِ بَعدُ، فتَوَكَّل على رَحْمةِ رَبِّك الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ واطْمَئِنَّ إلَيْها، فلا تَبْكِ قَبلَ أن تُضْرَبَ، ولا تَخَفْ مِن غيرِ شَيءٍ، ولا تَمنَحِ العَدَمَ صِبْغةَ الوُجُودِ. اصْرِفْ تَفْكِيرَك في هذه السّاعةِ بالذّاتِ، فإنَّ ما تَمْلِكُه مِن قُوّةِ الصَّبْرِ تَكْفِي لِلثَّباتِ لِهَذه السّاعةِ. ولا تَكُن مِثلَ ذلك القائِدِ الأَحمَقِ الَّذي شَتَّت قُوَّتَه في المَرْكَزِ يَمِينًا وشِمالًا في الوَقْتِ الَّذي الْتَحَقَت مَيْسَرةُ
— 16 —
العَدُوِّ بصُفُوفِ مَيْمَنةِ جَيْشِه فأَمَدَّتْها، وفي الوَقتِ الَّذي لم تَصِل مَيمَنةُ العَدُوِّ بَعدُ.. فما إن عَلِمَ العَدُوُّ مِنه هذا حتَّى سَدَّد قُوّةً ضَئِيلةً إلى المَركَزِ وقَضَى على جَيْشِه.
فيا أَخِي، لا تَكُن كَهَذا، بل حَشِّد كلَّ قُوَّتِك لِهذه السّاعةِ فقط، وتَرَقَّب رَحْمةَ اللهِ الواسِعةَ، وتَأَمَّلْ في ثَوابِ الآخِرةِ، وتَدَبَّرْ في تَحوِيلِ المَرَضِ لِعُمُرِك الفاني القَصِيرِ إلى عُمُرٍ مَدِيدٍ باقٍ، فقَدِّمِ الشُّكرَ الوافِرَ المُسِرَّ إلى العَلِيِّ القَدِيرِ بَدَلًا مِن هذه الشَّكْوَى المَرِيرةِ".
انشَرَح ذلك الشَّخصُ المُبارَكُ مِن هذا الكَلامِ وانْبَسَطَت أَسارِيرُه، حتَّى شَرَع بالقَوْلِ: "الحَمْدُ للهِ! لقد تَضاءَلَ أَلَمِي كَثِيرًا".

النُّكتةُ الخامسة:

وهي ثَلاثُ مَسائِلَ:
المَسأَلةُ الأُولَى: إنَّ المُصِيبةَ الَّتي تُعَدُّ مُصِيبةً حَقًّا والَّتي هي مُضِرّةٌ فِعْلًا، هي الَّتي تُصِيبُ الدِّينَ، فلا بُدَّ مِنَ الِالْتِجاءِ إلى اللهِ سبُحانَه والِانطِراحِ بينَ يَدَيه والتَّضَرُّعِ إلَيْه دُونَ انقِطاعٍ؛ أمّا المَصائِبُ الَّتي لا تَمَسُّ الدِّينَ فهي في حَقِيقةِ الأَمرِ لَيسَت بِمَصائِبَ، لأنَّ قِسْمًا مِنها:
تَنبِيهٌ رَحْمانِيٌّ يَبعَثُه اللهُ سُبحانَه إلى عَبْدِه لِيُوقِظَه مِن غَفْلَتِه، بمِثلِ تَنبِيهِ الرّاعِي لِشِياهِه عِندَما تَتَجاوَزُ مَرْعاها، فيَرمِيها بِحَجَرٍ، والشِّياهُ بِدَوْرِها تَشعُرُ أنَّ راعِيَها يُنبِّهُها بذلك الحَجَرِ ويُحَذِّرُها مِن أَمرٍ خَطِيرٍ مُضِرٍّ، فتَعُودُ إلى مَرعاها برِضًا واطْمِئْنانٍ. وهكَذا النَّوائِبُ الظّاهِرةُ فإنَّ الكَثِيرَ مِنها تَنبِيهٌ إِلٰهِيٌّ، وإيقاظٌ رَحْمانِيٌّ للإنسانِ.
أمّا القِسمُ الآخَرُ مِنَ المَصائِبِ فهُو كَفَّارةٌ للذُّنُوبِ.
وقِسمٌ آخَرُ أَيضًا مِنَ المَصائِبِ هو مِنْحةٌ إِلٰهِيّةٌ لِتَطْمِينِ القَلبِ وإفراغِ السَّكِينةِ فيه، وذلك بدَفْعِ الغَفْلةِ الَّتي تُصِيبُ الإنسانَ، وإشعارِه بعَجْزِه وفَقْرِه الكامِنَينِ في جِبِلَّتِه.
أمّا المُصِيبةُ الَّتي تَنتابُ الإنسانَ عِندَ المَرَضِ، فكَما ذَكَرْنا آنِفًا هي لَيسَت بمُصِيبةٍ حَقِيقيّةٍ، بل هي لُطْفٌ رَبّانِيٌّ لِأَنَّه تَطْهِيرٌ للإنسانِ مِنَ الذُّنُوبِ وغَسْلٌ لَه مِن
— 17 —
أَدْرانِ الخَطايا، كما وَرَد في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، إِلَّا حَاتَّ اللهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ».
وهكذا، فإنَّ سَيِّدَنا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَام لم يَدْعُ في مُناجاتِه لِأَجْلِ نَفسِه وتَطْمِينًا لِراحَتِه، وإنَّما طَلَب كَشْفَ الضُّرِّ مِن رَبِّه عِندَما أَصبَحَ المَرَضُ مانِعًا لِذِكْرِ اللهِ لِسانًا، وحائِلًا للتَّفكُّرِ في مَلَكُوتِ اللهِ قَلْبًا، فطَلَب الشِّفاءَ لِأَجْلِ القِيامِ بوَظائِفِ العُبُودِيّةِ خالِصةً كامِلةً؛ فيَجِبُ علَيْنا نحنُ أَيضًا أن نَقْصِدَ بتلك المُناجاةِ أَوَّلَ ما نَقصِدُ: شِفاءَ جُرُوحِنا المَعنَوِيّةِ وشُرُوخِنا الرُّوحِيّةِ القادِمةِ مِنِ ارْتِكابِ الآثامِ واقْتِرافِ الذُّنُوبِ، ولَنا أن نَلتَجِئَ إلى اللهِ القَدِيرِ عِندَما تَحُولُ الأَمراضُ المادِّيّةُ دُونَ قِيامِنا بالعِبادةِ كامِلةً، فنَتَضرَّعُ إلَيه عِندَئِذٍ بكُلِّ ذُلٍّ وخُضُوعٍ ونَستَغِيثُه دُونَ أن يَبدُرَ مِنّا أَيُّ اعتِراضٍ أو شَكْوَى، إذْ ما دُمْنا راضِينَ كلَّ الرِّضَا برُبُوبيَّتِه الشّامِلةِ فعَلَيْنا الرِّضَا والتَّسلِيمُ المُطْلَقُ بما يَمنَحُه سُبحانَه لَنا برُبُوبِيَّتِه.. أمّا الشَّكْوَى الَّتي تُومِئُ إلى الِاعتِراضِ على قَضائِه وقَدَرِه، وإِظهارُ التَّأَفُّفِ والتَّحَسُّرِ، فهي أَشْبَهُ ما تكُونُ بنَقْدٍ للقَدَرِ الإِلٰهِيِّ العادِلِ واتِّهامٍ لِرَحْمَتِه الواسِعةِ.. فمَن يَنقُدِ القَدَرَ كَمَن يُناطِحُ الجَبَلَ، ومَن يَتَّهِمِ الرَّحْمةَ يُحْرَمْ مِنها؛ فكما أنَّ استِعمالَ اليَدِ المَكْسُورةِ لِلثَّأْرِ يَزِيدُها كَسْرًا، فإنَّ مُقابَلةَ المُبتَلَى مُصِيبَتَه بالشَّكْوَى والتَّضَجُّرِ والِاعتِراضِ والقَلَقِ تُضاعِفُ البَلاءَ.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: كُلَّما استَعْظَمْتَ المَصائِبَ المادِّيّةَ عَظُمَت، وكلَّما استَصْغَرْتَها صَغُرَت. فمَثلًا: كُلَّما اهتَمَّ الإنسانُ بما يَتَراءَى لَه مِن وَهْمٍ لَيْلًا يَضْخُمُ ذلك في نَظَرِه، بَينَما إذا أَهْمَلَه يَتَلاشَى؛ وكُلَّما تَعَرَّضَ الإنسانُ لِوَكْرِ الزَّنابِيرِ ازْدادَ هُجُومُها، وإذا أَهْمَلَها تَفَرَّقَت.
فالمَصائِبُ المادِّيّةُ كذلك، كُلَّما تَعاظَمَها الإنسانُ واهْتَمَّ بها وقَلِقَ علَيْها تَسَرَّبَت مِن نافِذةِ الجَسَدِ إلى القَلْبِ واستَقَرَّت فيه، وعِندَها تَتَنامَى مُصِيبةٌ مَعنَوِيّةٌ في القَلْبِ وتكُونُ رَكِيزةً لِلمادِّيّةِ مِنها فتَستَمِرُّ الأَخِيرةُ وتَطُولُ؛ ولكن مَتَى ما أَزالَ الإنسانُ القَلَقَ والوَهْمَ مِن جُذُورِه بالرِّضا بقَضاءِ اللهِ، وبالتَّوَكُّلِ على رَحْمَتِه، تَضْمَحِلُّ المُصِيبةُ المادِّيّةُ تَدْرِيجِيًّا وتَذْهَبُ، كالشَّجَرةِ الَّتي تَمُوتُ وتَجِفُّ أَوْراقُها بانقِطاعِ جُذُورِها.
— 18 —
ولقد عَبَّرتُ عن هذه الحَقِيقةِ يَوْمًا بما يَأْتِي:
ومِنَ الشَّكْوَى بَلاء..
دَعْها يا مِسْكِينُ وتَوَكَّلْ..
نَجْواكَ للوَهّابِ فسَلمْ..
فإذا الكُلُّ عَطاء..
وإذا الكُلُّ صَفاء..
فبِغَيرِ اللهِ، دُنياك مَتاهاتٌ وخَوْف!
أَفَيَشْكُو مَن على كاهِلِه يَحمِلُ كُلَّ الرّاسِيات..
حَبّةَ رَمْلٍ ضَئِيلةٍ؟
إنَّما الشَّكْوَى بَلاءٌ في بَلاء..
وآثامٌ في آثامٍ وعَناء!
أنتَ إنْ تَبْسُمْ في وَجْهِ البَلاء..
عادَتِ الأَرْزاءُ تَذْوِي وتَذُوب..
تَحتَ شَمسِ الحَقِّ حَبَّاتِ بَرَد!
فإذا دُنياك بَسْمة..
بَسْمةٌ مِن ثَغْرِها يَنسابُ يَنبُوعُ اليَقِين..
بَسْمةٌ نَشْوَى بإشراقِ اليَقِين..
بَسْمةٌ حَيْرَى بأَسرارِ اليَقِين..
نعم..! إنَّ الإنسانَ مِثلَما يُخَفِّفُ حِدَّةَ خَصْمِه باستِقبالِه بالبِشْرِ والِابتِسامةِ؛ فتَتَضاءَلُ سَوْرةُ العَداوةِ وتَنْطَفِئُ نارُ الخُصُومةِ، بل قد تَنقَلِبُ صَداقةً ومُصالَحةً، كذلك الأَمرُ في استِقبالِ البَلاءِ بالتَّوَكُّلِ على القَدِيرِ يُذهِبُ أَثَرَه.
المَسأَلةُ الثّالثةُ: أنَّ لِكُلِّ زَمانٍ حُكْمَه، وقد غَيَّر البَلاءُ شَكْلَه في زَمَنِ الغَفْلةِ هذا، فلا يَكُونُ البَلاءُ بَلاءً عِندَ البَعضِ دَوْمًا، بل إِحسانًا إِلٰهِيًّا ولُطْفًا مِنه سُبحانَه؛ وأَرَى المُبتَلَيْنَ بالضُّرِّ في هذا الوَقْتِ مَحظُوظِين سُعَداءَ بِشَرطِ ألّا يَمَسَّ دِينَهم، وفي نَظَرِي أنَّ المَرَضَ والبَلاءَ لا يُوَلِّدانِ ما يَجعَلُهُما مُضِرَّيْنِ حتَّى أُعادِيَهُما، ولا يُوْرِثانِني الإشْفاقَ والتَّأَلُّمَ على صاحِبِهما، ذلك أنَّه ما أَتاني شَابٌّ مَرِيضٌ إلَّا وأَراه أَكثَرَ ارتِباطًا بالدِّينِ مِن أَمثالِه، وأَكثَرَ تَعَلُّقًا مِنهُم بالآخِرةِ.. فأَفْهَمُ مِن هذا أنَّ المَرَضَ بحَقِّ هَؤُلاءِ ليس بَلاءً، بل هو نِعْمةٌ مِن نِعَمِه سُبحانَه الَّتي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، حيثُ إنَّ ذلك المَرَضَ يُمِدُّ صاحِبَه بمَنافِعَ غَزِيرةٍ مِن حَيثُ حَياتُه الأُخْرَوِيّةُ، ويكُونُ لَه ضَرْبًا مِنَ العِبادةِ، معَ أنَّه يَمَسُّ حَياتَه الدُّنيا الفانِيةَ الزّائِلةَ بشَيءٍ مِنَ المَشَقّةِ.
— 19 —
نعم، قد لا يَستَطِيعُ هذا الشّابُّ أن يُحافِظَ على ما كان علَيْه في مَرَضِه مِنَ الِالتِزامِ بالأَوامِرِ الإِلٰهِيّةِ فيما إذا وَجَد العافِيةَ، بل قد يَنجَرِفُ إلى السَّفاهةِ بطَيْشِ الشَّبابِ ونَزَواتِه وبالسَّفاهةِ المُسْتَشْرِيةِ في هذا الزَّمانِ.

خاتِمةٌ

إنَّ اللهَ سُبحانَه قد أَدْرَج في الإنسانِ عَجْزًا لا حَدَّ لَه، وفَقْرًا لا نِهايةَ لَه، إظهارًا لِقُدْرَتِه المُطلَقةِ، وإبرازًا لِرَحْمَتِه الواسِعةِ؛ وقد خَلَقَه على صُورةٍ مُعَيَّنةٍ بحَيثُ يَتَألَّمُ بما لا يُحصَى مِنَ الجِهاتِ، كما أنَّه يَتَلذَّذُ بما لا يُعَدُّ مِنَ الجِهاتِ، إِظهارًا لِلنُّقُوشِ الكَثِيرةِ لِأَسمائِه الحُسْنَى؛ فأَبْدَعَه سُبحانَه على صُورةِ ماكِينةٍ عَجِيبةٍ تَحْوِي مِئاتِ الآلاتِ والدَّوالِيبِ، لِكُلٍّ مِنها آلامُها ولَذائِذُها ومُهِمَّتُها وثَوابُها وجَزاؤُها، فكَأَنَّ الأَسماءَ الإِلٰهِيّةَ المُتَجَلِّيةَ في العالَمِ الَّذي هو إنسانٌ كَبِيرٌ تَتَجلَّى أَكثَرُها أيضًا في هذا الإنسانِ الَّذي هو عالَمٌ أَصْغَرُ.
وكما أنَّ ما فيه مِن أُمُورٍ نافِعةٍ یی كالصِّحّةِ والعافِيةِ واللَّذائذِ وغَيرِها یی تَدْفَعُه إلى الشُّكْرِ وتَسُوقُ تلك الماكِينةَ إلى القِيامِ بوَظائِفِها مِن عِدّةِ جِهاتٍ، حتَّى يَغْدُوَ الإنسانُ كأنَّه ماكينةُ شُكْرٍ؛ كذلك الأَمرُ في المَصائِبِ والأَمراضِ والآلامِ وسائِرِ المُؤَثِّراتِ المُهَيِّجةِ والمُحَرِّكةِ، تَسُوقُ الدَّوالِيبَ الأُخرَى لِتِلك الماكِينةِ إلى العَمَلِ والحَرَكة وتُثِيرُها مِن مَكْمَنِها، فتُفَجِّرُ كُنُوزَ العَجْزِ والضَّعْفِ والفَقْرِ المُنْدَرِجةَ في الماهِيّةِ الإنسانيّةِ، فلا تَمْنَحُ المَصائِبُ الإنسانَ الِالْتِجاءَ إلى البارِئِ بلِسانٍ واحِدٍ، بل تَجْعَلُه يَلْتَجِئُ إلَيه ويَستَغِيثُه بلِسانِ كلِّ عُضْوٍ مِن أَعضائِه، وكأنَّ الإنسانَ بتلك المُؤَثِّراتِ والعِلَلِ والعَقَباتِ والعَوارِضِ يَغدُو قَلَمًا يَتَضمَّنُ آلافَ الأَقلامِ، فيَكتُبُ مُقَدَّراتِ حَياتِه في صَحِيفةِ حَياتِه أو في اللَّوْحِ المِثالِيِّ، ويَنسُجُ لَوْحةً رائِعةً لِلأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى، ويُصْبِحُ بمَثابةِ قَصِيدةٍ عَصْماءَ ولَوْحةِ إِعلانٍ.. فيُؤَدِّي وَظِيفةَ فِطْرَتِه.
٭ ٭ ٭
— 20 —

اللمعة الثالثة

(لقد مازَجَ هذه اللَّمعةَ شيءٌ مِنَ الأَذواقِ والمشاعِرِ، فأَرجُو عَدَمَ تَقيِيمِها بمَوازِينِ المَنطِقِ؛ لأنَّ ما تَجِيشُ به المَشاعِرُ لا يُراعي كَثِيرًا قَواعِدَ العَقْلِ، ولا يُعِيرُ سَمْعًا إلى مَوازِينِ الفِكْرِ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
هذه الآيةُ العَظِيمةُ تُفسِّرُها جُملَتانِ تُعَبِّرانِ عن حَقِيقتَينِ مُهِمَّتَينِ بحَيثُ اتَّخَذَهُما قِسمٌ مِن شُيُوخِ الطَّرِيقةِ النَّقْشَبَندِيّةِ بمَثابةِ زُبدةِ الأَوْرادِ لَدَيْهِم، يُؤَدُّون بهما خَتْمَتَهُمُ الخاصّةَ. والجُمْلَتانِ هُما: «يا باقي أنت الباقي.. يا باقي أنت الباقي».
ولَمّا كانَت هاتانِ الجُمْلَتانِ تَنطَوِيانِ على مَعانٍ جَلِيلةٍ لِتِلك الآيةِ الكَرِيمةِ، فسنَذْكُرُ بِضْعَ نِكاتٍ لِبَيانِ الحَقِيقَتَينِ اللَّتَينِ تُعَبِّرانِ عَنهُما:

النُّكتةُ الأُولى:

إنَّ تَرْدِيدَ «يا باقي أنت الباقي» للمَرّةِ الأُولَى، يُجَرِّدُ القَلْبَ مِمّا سِوَى اللهِ تَعالَى، فيُجْرِي ما يُشْبِهُ عَمَلِيّةً جِراحِيّةً فيه، ويَقْطَعُه عَمّا سِواه سُبحانَه. وتَوضِيحُ هذا:
إنَّ الإنسانَ بما أَوْدَع اللهُ فيه مِن ماهِيّةٍ جامِعةٍ يَرتَبِط معَ أَغلَبِ المَوجُوداتِ بأَواصِرَ ووَشائجَ شَتَّى. ففي تلك الماهِيّةِ الجامِعةِ مِنَ الِاستِعدادِ غيرِ المَحدُودِ لِلمَحبّة ما يَجعَلُه يُكِنُّ حُبًّا عَمِيقًا تِجاهَ المَوجُوداتِ عامّةً، فيُحِبُّ الدُّنيا العَظِيمةَ كما يُحِبُّ بَيتَه، ويُحِبُّ الجَنّةَ الخالِدةَ كما يُحِبُّ حَدِيقَتَه؛ بَينَما المَوجُوداتُ الَّتي وَجَّه الإنسانُ
— 21 —
حُبَّه نَحوَها لا تَدُومُ، بل لا تَلبَثُ أن تَزُولَ، لِذا يَذُوقُ الإنسانُ دائِمًا عَذابَ أَلَمِ الفِراقِ، فتُصبِحُ تلك المَحَبّةُ الَّتي لا مُنتَهَى لَها مَبْعَثَ عَذابٍ مَعنَويٍّ لا مُنتَهَى لَه، لِتَقْصِيرِه بحَقِّها؛ فالآلامُ الَّتي يَتَجرَّعُها ناشِئةٌ مِن تَقصِيرِه هو، حيثُ لم يُودَعْ فيه استِعدادُ المَحبّةِ إلّا لِيُوجِّهَه إلى مَن لَه جَمالٌ خالِدٌ مُطلَقٌ.. بَينَما الإنسانُ لم يُحسِنِ استِعمالَ مَحبَّتِه فوَجَّهها إلى مَوجُوداتٍ فانِيةٍ زائِلةٍ، فيَذُوقُ وَبالَ أَمرِه بآلامِ الفِراقِ.
فعِندَما يُردِّدُ الإنسانُ: «يا باقي أنت الباقي» ، يَعنِي بها: البَراءةَ الكامِلةَ مِن هذا التَّقصِيرِ، وقَطْعَ العَلاقاتِ معَ تلك المَحبُوباتِ الفانِيةِ، والتَّخلِّيَ عنها كُلِّیيًّا قَبلَ أن تَتَخلَّى هي عنه، ثمَّ تَسدِيدَ النَّظَرِ في المَحبُوبِ الباقي وهُو اللهُ سُبحانَه دُونَ سِواه.
أي: يقُولُ بها: "لا باقيَ بَقاءً حَقِيقيًّا إلّا أنتَ يا إِلٰهِي، فما سِواكَ فانٍ زائِلٌ، والزّائِلُ غيرُ جَدِيرٍ بالمَحَبّةِ الباقِيةِ ولا العِشقِ الدّائِمِ، ولا بأنْ يُشَدَّ معَه أَواصِرُ قَلْبٍ خُلِق أَصْلًا للأَبَدِ والخُلُودِ".. وحيثُ إنَّ المَوجُوداتِ فانِيةٌ وستَتْرُكُني ذاهِبةً إلى شَأْنِها، فسأَترُكُها أنا قَبلَ أن تَتْرُكَني، بتَردِيدِي: «يا باقي أنت الباقي» ، أي: أُؤمِنُ وأَعتَقِدُ يَقِينًا أنَّه لا باقيَ إلَّا أنتَ يا إِلٰهِي، وبَقاءُ المَوجُوداتِ مَوكُولٌ بإبقائِك إيّاها، فلا تُوَجَّهُ إلَيْها المَحَبّةُ إذًا إلّا مِن خِلالِ نُورِ مَحَبَّتِك، وضِمنَ مَرْضاتِك، وإلّا فإنَّها غيرُ جَدِيرةٍ برَبْطِ القَلبِ معَها.
فهذه الحالةُ تَجعَلُ القَلبَ يَتَخلَّى عن مَحبُوباتِه غَيرِ المَحْدُودةِ، حيثُ يُبصِرُ خَتْمَ الفَناءِ ويُشاهِدُ طابَعَ الزَّوالِ على ما أُضفِيَ علَيْها مِن جَمالٍ وبَهاءٍ، فتَتَقطَّعُ عِندَئذٍ تلك الوَشائِجُ الَّتي كانَت تَربِطُ القَلبَ بالمَوجُوداتِ؛ وبخِلافِ هذا الأَمرِ، أي: إن لم يَتَخلَّ القَلبُ عن مَحبُوباتِه، فإنَّ جِراحاتٍ وآلامًا وحَسَراتٍ تَتَفجَّرُ مِن أَعماقِه بقَدْرِ تلك المَحبُوباتِ الفانِيةِ.
أمّا الجُملةُ الثّانيةُ: "يا باقي أنت الباقي" فهي كالمَرهَمِ الشّافي والبَلْسَم النّاجِع يُمَرَّر على العَمَليّةِ الجِراحيّةِ الَّتي أَجْرَتْها الجُملةُ الأُولَى على القَلبِ ورَوابِطِه، حيثُ إنَّها تَعنِي: "كَفَى بك يا إِلٰهِي باقيًا، فبَقاؤُك بَدِيلٌ عن كلِّ شيءٍ.. وحيثُ إنَّك مَوجُودٌ فكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ إذًا".
— 22 —
نعم، إنَّ ما يَبدُو على المَوجُوداتِ مِنَ الحُسْنِ والإحسانِ والكَمالِ یی والَّذي يَبعَثُ على مَحَبَّتِها یی ما هو إلّا إشاراتٌ لِحُسْنِ الباقي الحَقِيقيِّ وإحسانِه وكَمالِه، وما هو إلّا ظِلالٌ خافِتةٌ لِذلك الحُسْنِ والإحسانِ والكَمالِ، نَفَذَت مِن وَراءِ حُجُبٍ كَثِيرةٍ وأَستارٍ عِدّة، بل هو ظِلالٌ لظِلالِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى جلَّ جَلالُه.

النُّكتة الثانية:

في فِطْرةِ الإنسانِ عِشقٌ شَدِيدٌ نَحوَ البَقاءِ، حتَّى إنَّه يَتَوهَّمُ نَوْعًا مِنَ البَقاءِ في كُلِّ ما يُحِبُّه، بل لا يُحِبُّ شَيْئًا إلّا بَعدَ تَوَهُّمِه البَقاءَ فيه، ولكِن حالَما يَتَفكَّرُ في زَوالِه أو يُشاهِدُ فَناءَه يُطلِقُ علَيْه الزَّفَراتِ والحَسَراتِ مِنَ الأَعماقِ.
نعم، إنَّ جَمِيعَ الآهاتِ والحَسَراتِ النّاشئةِ مِن أَنواعِ الفِراقِ، إنَّما هي تَعابِيرُ حَزِينةٌ تَنطَلِق مِن عِشقِ البَقاءِ، ولَوْلا تَوَهُّمُ البَقاءِ لَمَا أَحَبَّ الإنسانُ شَيئًا.
بل يَصِحُّ القَولُ: إنَّ سَبَبًا مِن أَسبابِ وُجُودِ عالَمِ البَقاءِ والجَنّةِ الخالِدةِ هو الرَّغبةُ المُلِحّةُ للبَقاءِ المَغرُوزةُ في فِطْرةِ الإنسانِ، والدُّعاءُ العامُّ الشّامِلُ الَّذي يَسأَلُه بشِدّةٍ للخُلُودِ.. فاستَجابَ الباقي ذُو الجَلالِ لِتلك الرَّغبةِ المُلِحّة، ولِذلك الدُّعاءِ العامِّ المُؤثِّرِ، فخَلَق سُبحانَه عالَمًا باقِيًا خالِدًا لِهذا الإنسانِ الفاني الزّائِلِ؛ إذ هل يُمكِنُ ألّا يَستَجيبَ الفاطِرُ الكَرِيمُ والخالِقُ الرَّحِيمُ لِدُعاءٍ تَسألُه البَشَريّةُ قاطِبةً بلِسانِ حالِها ومَقالِها، ذلك الدُّعاءِ الكُلِّيِّ الدّائِمِ الحَقِّ والخالِصِ النّابِعِ مِن صَمِيمِ حاجَتِها الفِطرِيّةِ، ومِن أَعماقِ رَغبَتِها المُلِحّةِ، معَ أنَّه يَستَجِيبُ لِدُعاءِ مَعِدةٍ صَغِيرةٍ، تَسألُه بلِسانِ حالِها، فيَخلُق لَها أَنواعًا مِنَ الأَطعِمةِ اللَّذِيذةِ ويُشبِعُ بها رَغبَتَها الجُزئِيّةَ للبَقاءِ المُؤَقَّت؟ حاشَ للهِ وكلّا.. أَلفُ أَلفِ مَرّةٍ كَلّا. إنّ رَدَّ هذا الدُّعاءِ للخُلُودِ مُحالٌ قَطْعًا، لأنَّ عَدَمَ استِجابَتِه جلَّ وعَلا يُنافي حِكْمَتَه الخالِدةَ وعَدالَتَه الكامِلةَ ورَحْمَتَه الواسِعةَ وقُدْرَتَه المُطلَقةَ.
وما دام الإنسانُ عاشِقًا للبَقاءِ، فلا بُدَّ أنَّ جَمِيعَ كَمالاتِه وأَذواقِه تابِعةٌ للبَقاءِ أَيضًا؛ ولَمّا كان البَقاءُ صِفةً خاصّةً للباقي ذي الجَلالِ، وأنَّ أَسماءَه الحُسنَى باقِيةٌ، وأنَّ المَرايا العاكِسةَ لتَجَلِّياتِ تلك الأَسماءِ تَنصَبِغُ بصِبغَتِها وتَأْخُذُ حُكْمَها، أي: تَنالُ
— 23 —
نَوْعًا مِنَ البَقاءِ، فلا بُدَّ أنَّ أَلْزمَ شَيءٍ لِهذا الإنسانِ وأَجلَّ وَظِيفةٍ لَه هو شَدُّ الأَواصِرِ ورَبْطُ العَلاقاتِ معَ ذلك الباقي ذِي الجَلالِ، والِاعتِصامُ التّامُّ بأَسمائِه الحُسنَى، لأنَّ ما يُصرَف في سَبِيلِ الباقي يَنالُ نَوْعًا مِنَ البَقاءِ.
هذه الحَقِيقةُ تُعبِّرُ عَنها الجُملةُ الثَّانيةُ: «يا باقي أنت الباقي» ، فتُضَمِّدُ جِراحاتِ الإنسانِ المَعنَوِيّةَ الغائِرةَ، كما تُطَمْئِنُ رَغْبَتَه المُلِحّةَ للبَقاءِ المُودَعةَ في فِطْرَتِه.

النُّكتة الثالثة:

يَتَفاوَتُ في هذه الدُّنيا تَأْثيرُ الزَّمانِ في فَناءِ الأَشياءِ وزَوالِها تَفاوُتًا كَبِيرًا، فمَعَ أنَّ المَوجُوداتِ مُكتَنِفٌ بعضُها ببعضٍ كالدَّوائرِ المُتَداخِلةِ، إلّا أنَّ حُكْمَها مِن حيثُ الزَّوالُ والفَناءُ مُختَلِفٌ جِدًّا.
فكما أنَّ دَوائِرَ حَرَكةِ عَقارِبِ السّاعةِ العادّةِ للثَّواني والدَّقائقِ والسّاعاتِ تَختَلِفُ في السُّرعةِ رَغمَ تَشابُهِها الظّاهِرِيّ، كذلك الأَمرُ في الإنسانِ، حيثُ إنَّ حُكمَ الزَّمَن مُتَفاوِتٌ في دائِرةِ جِسمِه، ودائِرةِ نَفسِه، ودائِرةِ قَلبِه، ودائِرةِ رُوحِه؛ فبَينَما تَرَى حَياةَ الجِسمِ وبَقاءَه ووُجُودَه مَحصُورةً في اليَومِ الَّذي يَعِيشُ فيه أو في ساعَتِه، ويَنعَدِمُ أَمامَه الماضِي والمُستَقبَلُ، إذا بكَ تَرَى دائِرةَ حَياةِ قَلبِه ومَيدانَ وُجُودِه يَتَّسِعُ ويَتَّسِعُ حتَّى يَضُمَّ أَيَّامًا عِدّةً قَبلَ حاضِرِه وأَيامًا بَعدَه، بل إنَّ دائِرةَ حَياةِ الرُّوح ومَيدانَها أَعظَمُ وأَوسَعُ بكَثِيرٍ حيثُ تَسَعُ سِنينَ قَبلَ يَوْمِها الحاضِرِ وسِنِينَ بَعدَه.
وهكذا، بِناءً على هذا الِاستِعدادِ، فإنَّ عُمُرَ الإنسانِ الفاني يَتَضَمَّنُ عُمُرًا باقِيًا مِن حيثُ حَياتُه القَلبِيّةُ والرُّوحِيّةُ القائِمةُ بالمَعرِفةِ الإِلٰهِيّة، والمَحَبّةِ الرَّبّانيةِ، والعُبُودِيّةِ السُّبْحانيّة، والمَرْضِيّاتِ الرَّحْمانيّة، بل يُنتِجُ عُمُرًا باقِيًا خالِدًا في دارِ الخُلُودِ والبَقاءِ، فيكُونُ هذا العُمُرُ الفاني بمَثابةِ عُمُرٍ أَبَدِيٍّ.
أجل، إنَّ ثانِيةً واحِدةً يَقْضِيها الإنسانُ في سَبِيلِ اللهِ الباقي الحَقِّ، وفي سَبِيلِ مَحَبَّتِه، وفي سَبِيلِ مَعرِفَتِه وابتِغاءَ مَرْضاتِه، تُعَدُّ سَنةً كامِلةً، بل هي باقِيةٌ دائِمةٌ لا يَعتَرِيها
— 24 —
الفَناءُ؛ بَينَما سَنةٌ مِنَ العُمُرِ إنْ لم تَكُن مَصرُوفةً في سَبِيلِه سُبحانَه فهي زائِلةٌ حَتْمًا، وهي في حُكْمِ لَحْظةٍ خاطِفةٍ، فمَهما تَطُلْ حَياةُ الغافِلِين فهي بمَثابةِ لَحَظاتٍ عابِرةٍ لا تُجاوِزُ ثانيةً واحدةً.
وهُناك قَولٌ مَشهُورٌ هو: «سِنَةُ الفِرَاقِ سَنَةٌ، وَسَنَةُ الوِصَالِ سِنَةٌ».
أي: إنَّ ثانِيةً واحِدةً مِنَ الفِراقِ طَوِيلةٌ جِدًّا كأنَّها سَنةٌ واحِدةٌ، بَينَما سَنةٌ كامِلةٌ مِنَ الوِصالِ تَبدُو قَصِيرةً كالثّانيةِ الواحِدةِ.
بَيْدَ أنِّي أُخالِفُ هذا القَولَ المَشهُورَ فأَقولُ: "إنَّ ثانِيةً واحِدةً يَقضِيها الإنسانُ ضِمنَ مَرضاةِ الله سُبحانَه وفي سَبِيلِ الباقي ذِي الجَلالِ ولِوَجْهِه الكَرِيمِ، أي: ثانيةً واحِدةً مِن هذا الوِصالِ لَيسَت كسَنةٍ وَحْدَها، بل كنافِذةٍ مُطِلّةٍ على حَياةٍ دائِمةٍ باقِيةٍ؛ أمّا الفِراقُ النّابِعُ مِن نَظَرِ الغَفْلةِ والضَّلالةِ فلا يَجعَلُ السَّنةَ الواحِدةَ كالثّانِيةِ، بل يَجعَلُ أُلُوفَ السِّنينَ كأنَّها ثانِيةٌ واحِدةٌ".
وهُناك مَثَلٌ آخَرُ أَكثَرُ شُهْرةً مِنَ السّابِقِ يُؤَيِّدُ ما نُقَرِّرُه وهو:
أَرْضُ الفَلَاةِ مَعَ الأَعْدَاءِ فِنْجَانُ سَمُّ الخِيَاطِ مَعَ الأَحْبَابِ مَيْدَانُ
أمّا إذا أَرَدْنا أن نُبيِّنَ وَجْهًا صَحِيحًا للمَثَلِ السّابِقِ فسيَكُونُ كالآتي:
إنَّ وِصالَ المَوجُوداتِ الفانيةِ قَصِيرٌ جدًّا لأنَّه فانٍ، فمَهما طالَ فهو يَمضِي في لَمْحةٍ، ويَغدُو خَيالًا ذا حَسْرةٍ، ورُؤيا عابِرةً تُورِثُ الأَسَى؛ فالقَلبُ الإنسانِيُّ التَّوّاقُ للبَقاءِ لا يَستَمتِعُ مِن سَنةٍ مِن هذا الوِصالِ إلّا بمِقدارِ ما في الثّانيةِ الواحِدةِ مِن لَذّةٍ، بَينَما الفِراقُ طَوِيلٌ ومَيدانُه واسِعٌ فَسيحٌ، فثانِيةٌ واحِدةٌ مِنه تَستَجمِعُ أَلوانًا مِنَ الفِراقِ ما يَستَغرِقُ سَنةً كامِلةً، بل سِنينَ؛ فالقَلبُ المُشتاقُ إلى الخُلُودِ يَتَأذَّى مِن فِراقٍ يَمضِي في ثانِيةٍ واحِدةٍ، كأنَّه يَنسَحِقُ تَحتَ آلامِ فِراقِ سِنِينَ عِدّةٍ، حيثُ يُذَكِّرُه ذلك الفِراقُ بما لا يُعَدُّ مِن أَنواعِ الفِراقِ.. وهكَذا، فماضِي جَمِيعِ أَشكالِ المَحَبّةِ المادِّيّةِ والهابِطةِ ومُستَقبَلُها مَلِيءٌ بأَلوانٍ مِنَ الفِراقِ.
— 25 —
ولِلمُناسَبة نَقُولُ:
أيُّها النّاسُ.. أَتُرِيدُون تَحوِيلَ عُمُرِكُمُ القَصِيرِ الفاني إلى عُمُرٍ باقٍ طَوِيلٍ مَدِيدٍ، بل مُثْمِرٍ بالمَغانِمِ والمَنافِعِ؟
فما دامَ الجَوابُ: أنْ نعم. وهو مُقْتَضَى الإنسانيّةِ، فاصْرِفوا إذًا عُمُرَكم في سَبِيلِ الباقي، لأنَّ أيَّما شَيءٍ يَتَوجَّهُ إلى الباقي يَنالُ تَجَلِّيًا مِن تَجَلِّياتِه الباقِيةِ.
ولَمّا كان كلُّ إنسانٍ يَطلُبُ بإلحاحٍ عُمُرًا طَوِيلًا وهو مُشتاقٌ إلى البَقاءِ، وثَمّةَ وَسِيلةٌ أَمامَه لِتَحْوِيلِ هذا العُمُرِ الفاني إلى عُمُرٍ باقٍ، ويُمكِنُ تَبدِيلُه إلى عُمُرٍ طَوِيلٍ مَعنًى، فلا بُدَّ أنَّه یی إنْ لم تَسقُطْ إنسانِيَّتُه یی سيَبحَثُ عن تلك الوَسِيلةِ ويُنَقِّبُ عنها، ولا بُدَّ أنَّه سيَسعَى حَثِيثًا لِتَحْوِيلِ ذلك المُمْكِنِ إلى فِعلٍ مَلْمُوسٍ، ولا بُدَّ أنَّه سيَصْبُو إلى ذلك الهَدَفِ بأَعمالِه وحَرَكاتِه كافّةً.
فدُونَكُمُ الوَسِيلةَ:
اعمَلُوا للهِ.. الْتَقُوا لِوَجهِ اللهِ.. اسْعَوا لِأَجْلِ الله.. ولْتَكُن حَرَكاتُكُم كلُّها ضِمنَ مَرْضاةِ اللهِ "لله.. لِوَجهِ الله.. لِأَجْلِ الله.."، وعِندَها تَرَون أنَّ دَقائقَ عُمُرِكُمُ القَصِيرِ قد أَصبَحَت بحُكْمِ سِنِينَ عِدّةٍ.
تُشِيرُ إلى هذه الحَقِيقةِ "لَيلةُ القَدْرِ"، فمَعَ أنَّها لَيلةٌ واحِدةٌ إلّا أنَّها خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ یی بنَصِّ القُرآنِ الكَرِيمِ یی أي: في حُكْمِ ثَمانِين ونَيِّفٍ مِنَ السِّنينَ.
وهناك إشارةٌ أُخرَى إلى الحَقِيقةِ نَفسِها، وهي القاعِدةُ المُقرَّرةُ لَدَى أَهلِ الوِلايةِ والحَقيقةِ، تلك هي "بَسْطُ الزَّمانِ" الَّذي يُثبِتُه ويُظهِرُه فِعلًا المِعراجُ النَّبوِيُّ، فقدِ انبَسَطَت فيه دَقائِقُ مَعدُودةٌ إلى سِنينَ عِدّةٍ، فكانَ لِساعاتِ المِعراجِ مِنَ السَّعةِ والإحاطةِ والطُّولِ ما لِأُلُوفِ السِّنِينَ، إذ دَخَل (ص) بالمِعراج إلى عالَمِ البَقاءِ، فدَقائقُ مَعدُودةٌ مِن عالَمِ البَقاءِ تَضُمُّ أُلُوفًا مِن سِنِيْ هذه الدُّنيا.
ومِمّا يُثبِتُ حَقيقةَ "بَسْطِ الزَّمانِ" هذا، ما وَقَع مِن حَوادِثَ غَزِيرةٍ لِلأَولياءِ الصّالِحِين، فقد كان بعضُهم يُؤَدِّي في دَقِيقةٍ واحِدةٍ ما يُنجَزُ مِنَ الأَعمالِ في يَومٍ كامِلٍ،
— 26 —
وبعضُهم أَنجَزُوا في ساعةٍ واحِدةٍ مِنَ المُهِمّاتِ ما يُنجَزُ في سَنةٍ كامِلةٍ، وبعضُهم خَتَمُوا القُرآنَ في دَقيقةٍ.
وهكذا، فهذه الرِّواياتُ عنهم وأَمثالُها لا تَرقَى إلَيْها الشُّبُهاتُ، لأنَّ الرُّواةَ صادِقُون صالِحُون، يَتَرفَّعُون عنِ الكَذِبِ، فَضْلًا عن أنَّ الحَوادِثَ مُتَواتِرةٌ وكَثِيرةٌ جِدًّا، ويَروُونَها رِوايةَ شُهُودٍ، فلا شَكَّ فيها؛ فبَسْطُ الزَّمانِ حَقِيقةٌ ثابِتةٌ (حاشية): قال تعالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا. فهاتانِ الآيتانِ الكَرِيمَتانِ تَدُلّانِ على "طَيِّ الزَّمانِ" كما أنَّ الآيةَ الآتِيةَ تَدُلُّ على "بَسْطِ الزَّمانِ": وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ... وهناك نَوعٌ مِنه يُصَدِّقُه كلُّ النّاسِ، وهو ما يَراه الإنسانُ مِن رُؤْيا في المَنامِ، إذ قد يَرَى رُؤْيا لا تَستَغرِقُ دَقِيقةً واحِدةً، بَينَما يَقضِي فيها مِنَ الأَحوالِ ويَتَكلَّمُ مِنَ الكَلامِ ويَستَمتِعُ مِنَ اللَّذائذِ ويَتأَلَّمُ مِنَ العَذابِ ما يَحتاجُ إلى يَومٍ كامِلٍ في اليَقَظةِ، ورُبَّما إلى أيّامٍ عِدّةٍ.
حاصِلُ الكَلامِ: معَ أنَّ الإنسانَ فانٍ إلّا أنَّه مَخلُوقٌ للبَقاءِ، خَلَقَه البارِئُ الكَرِيمُ بمَثابةِ مِرآةٍ عاكِسةٍ لِتَجَلِّياتِه الباقِيةِ، وكَلَّفَه بالقِيامِ بمُهِمّاتٍ تُثمِرُ ثِمارًا باقِيةً، وصَوَّرَه على أَحْسَنِ صُورةٍ حتَّى أَصبَحَت صُورَتُه مَدارَ نُقُوشِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى الباقيةِ، لِذا فسَعادةُ هذا الإنسانِ ووَظِيفتُه الأَساسُ إنَّما هي التَّوَجُّهُ إلى ذلك الباقي بكامِلِ جُهُودِه وجَوارِحِه، وبجَمِيعِ استِعداداتِه الفِطْرِيّةِ، سائِرًا قُدُمًا في سَبِيلِ مَرْضاتِه، مُتَمَسِّكًا بأَسمائِه الحُسنَى، مُرَدِّدًا بجَمِيعِ لَطائِفِه یی مِن قَلبٍ ورُوحٍ وعَقلٍ یی ما يُرَدِّدُه لِسانُه: "يا باقي أنت الباقي":
هو الباقي.. هو الأَزَليُّ الأَبَديُّ.. هو السَّرْمَدِيُّ.. هو الدّائِمُ.. هو المَطلُوبُ.. هو المَحبُوبُ.. هو المَقصُودُ.. هو المَعبُودُ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
٭ ٭ ٭
— 27 —

اللمعة الرابعة

لقد ارْتُؤِي أن يُطلَق على هذه الرِّسالة اسمُ "منهاج السُّنّة"
(إنَّ "مسألةَ الإمامة" مع كَونِها مسألةً فَرعيةً إلّا أنّ كَثرةَ الاهتمامِ بها جَعَلَتْها تَدخُل ضِمنَ مَباحثِ الإيمان في كُتُب عِلمِ الكلام وأصول الدِّين، وغَدَت من هذه الجِهة ذاتَ علاقةٍ بخِدْمَتِنا الأساسية، خِدمةِ القرآنِ والإيمان، فبُحِثَتْ بَحثًا جُزئيًّا)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ٭ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
سنُشِيرُ إلى جُملةٍ مِنَ الحَقائِقِ العَظِيمةِ الَّتي تَزْخَرُ بها هذه الآياتُ الجَلِيلةُ، وذلك ضِمْنَ مَقامَينِ اثنَينِ.

المقام الأول عبارةٌ عن أربعِ نِكاتٍ

النُّكتة الأولَى:
وهي تُعبِّرُ عن كَمالِ رَأْفةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص)، وغايةِ رَحْمَتِه على بأُمَّتِه.
نعم، لقد وَرَدَت رِواياتٌ صَحِيحةٌ تُبيِّنُ مَدَى رَأْفتِه الكامِلةِ وشَفَقَتِه التّامّةِ بأُمَّتِه، بأنَّه (ص) يَدعُو يَومَ الحَشْرِ الأَعظَمِ بی"أُمَّتي أُمَّتي" في الوَقتِ الَّذي يَدعُو كلُّ أَحَدٍ، بل
— 28 —
حتَّى الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام بی"نَفسِي نَفسِي" مِن هَوْلِ ذلك اليَومِ ورَهْبَتِه. فكما تُبيِّنُ هذه الرِّواياتُ عَظِيمَ شَفَقَتِه على أُمَّتِه فقد سَمِعَتْ والِدَتُه مِنه عِندَ وِلادَتِه أنَّه يُناجِي: "أُمَّتي أُمَّتي"، كما هو مُصَدَّقٌ لَدَى أَهلِ الكَشْفِ مِنَ الأَوْلياءِ الصّالِحِين. وكذا إنَّ سِيرَتَه العَطِرةَ كلَّها، وما نَشَرَه في الآفاقِ مِن مَكارِمِ الأَخلاقِ المُكَلَّلةِ بالشَّفَقةِ والرَّحْمةِ، تُبيِّنُ كَمالَ رَأْفَتِه وشَفَقَتِه، كما أنَّه أَظْهَر عَظِيمَ شَفَقَتِه على أُمَّتِه بإِظهارِ حاجَتِه الَّتي لا تُحَدُّ إلى صَلَواتِ أُمَّتِه علَيْه، فطَلَبُه تلك الصَّلَواتِ الَّتي لا تُحَدُّ يُبيِّنُ مَدَى عَلاقَتِه الرَّؤُوفةِ بجَمِيعِ سَعاداتِ أُمَّتِه.
ففي ضَوءِ هذه الرَّأْفةِ الشّامِلةِ وهذه الرَّحْمةِ الواسِعةِ لِهذا المُرْشِدِ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ (ص)، كم يكُونُ الإِعراضُ عن سُنَّتِه السَّنِيّة كُفْرانًا عَظِيمًا، بل مَوتًا للوِجْدانِ! قِسْ ذلك بنَفسِك وقَدِّرْ.

النُّكتة الثانية:

إنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) قد أَبدَى رَأْفةً عَظِيمةً تِجاهَ أُمُورٍ ومَوادَّ جُزئِيّةٍ خاصّةٍ، ضِمنَ مُهِمَّتِه النَّبَويّةِ العامّةِ الشّامِلةِ؛ فيَبدُو أنَّ صَرْفَ تلك الشَّفَقةِ العَظِيمةِ والرَّأفةِ الواسِعةِ إلى تلك الأُمُورِ الجُزئيّةِ والمَوادِّ الخاصّةِ لا يُناسِبُ یی في ظاهِرِ الأَمرِ یی عِظَمَ وَظِيفةِ النُّیبُوّة، ولا يُلائِمُها.. ولكِنَّ الواقِعَ والحَقِيقةَ أنَّ تلك المادّةَ الجُزئيّةَ والأَمْرَ الخاصَّ يُمَثِّلُ طَرَفَ سِلسِلةٍ تَتَولَّى في المُستَقبَل مُهِمّةً نَبَوِيّةً كُلِّيّةً، لِذا أُعطِيَ لِمُمَثِّلِها تلك الأَهَمِّيّةُ البالِغةُ.
مثالُ ذلك: إنَّ إِظهارَ الرَّسولِ (ص) شَفَقةً فائِقةً وأَهَمِّيّةً بالِغةً للحَسَنِ والحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُمَا في صِباهُما، لَيسَت هي شَفَقةً فِطرِيّةً ومَحَبّةً نابِعةً مِنَ الإِحساسِ بصِلةِ القُربَى وَحْدَها، بل نابِعةً أَيضًا مِن أَنَّهُما بِدايةُ سِلسِلةٍ نُورانيّةٍ تَتَولَّى مُهِمّةً مِن مُهِمّاتِ النُّبوّةِ العَظِيمةِ، وأنَّ كُلًّا مِنهُما مَنشَأُ جَماعةٍ عَظِيمةٍ مِن وارِثي النُّبوّةِ، ومُمَثِّلٌ عَنها وقُدوةٌ لَها.
نعم.. إنَّ حَمْلَ الرَّسُولِ (ص) الحَسَنَ رَضِيَ الله عَنهُ في حِضْنِه وتَقبِيلَه رَأْسَه بكَمالِ الشَّفَقة والرَّحْمةِ، هو لِأَجلِ الكَثِيرينَ مِن وَرَثةِ النُّبوّةِ الشَّبِيهِينَ بالمَهدِيِّ الحامِلِين للشَّرِيعةِ الغَرّاءِ المُتَسلْسِلِين مِن سُلالةِ الحَسَنِ المُنحَدِرِين مِن نَسلِه النُّورانِيِّ المُبارَك أَمثالَ
— 29 —
الشَّيخِ الكَيلانِيِّ؛ فلَقد شاهَدَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) ببَصِيرةِ النُّبوّةِ ما يَضطَلِعُ به هؤلاء الأَكارِمُ في المُستَقبَلِ مِن مَهامَّ مُقَدَّسةٍ جَلِيلةٍ، فاستَحْسَن خِدْماتِهم وقَدَّر أَعمالَهم، فقَبَّل رَأْسَ الحَسَنِ رَضِيَ الله عَنهُ عَلامةً على التَّقدِيرِ والتَّشجِيعِ.
ثمَّ إنَّ الِاهتِمامَ العَظِيمَ الَّذي أَوْلاه الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) بالحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُ وعَطْفَه الشَّدِيدَ نَحوَه إنَّما هو لِلَّذِين يتَسَلسَلُون مِن نَسْلِه النُّورانِيِّ مِن أَئِمّةٍ عِظامٍ وارِثِينَ للنُّبوّةِ بحَقٍّ، وشَبِيهِينَ بالمَهْدِيِّ مِن أَمثالِ زَينِ العابِدِين وجَعفَرٍ الصّادِقِ.. نعم، فقد قَبَّل (ص) عُنُقَ الحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُ، وأَظْهَر له بالِغَ شَفَقَتِه وكَمالَ اهتِمامِه لِأَجْلِ أُولَئِك الَّذين سيَرفَعُون شَأْنَ الإسلامِ، ويُؤَدُّون وَظِيفةَ الرِّسالةِ مِن بَعدِه.
نعم، إنَّ نَظَرَ الرَّسولِ (ص) الَّذي يُشاهِدُ بقَلبِه الأَنِيسِ بالغَيبِ مَيدانَ الحَشرِ المُمتَدَّ في الأَبَديةِ وهو ما زالَ في الدُّنيا، في خَيرِ القُرونِ، والَّذي يَرَى الجَنّةَ في السّماواتِ العُلا، ويَنظُرُ إلى المَلائِكةِ هناك وهُو في الأَرضِ.. والَّذي يَرَى الأَحداثَ المُستَتِرةَ بحُجُبِ الماضِي المُظلِمةِ مُنذُ زَمَنِ سَيِّدِنا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام، بل حَظِيَ برُؤيَتِه تَعالَى.. إنَّ هذا النَّظَرَ النُّورانِيَّ والبَصِيرةَ النّافِذةَ للمُستَقبَلِ، لا رَيبَ أنَّه قد رَأَى الأَقطابَ العِظامَ وأَئِمّةَ وَرَثةِ النُّبوّةِ والمَهدِيِّين المُتَسَلسِلِين وَراءَ الحَسَنِ والحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُمَا، فقَبَّل رَأْسَيْهما باسمِ أُولَئِك جَمِيعًا.
نعم، إنَّ في تَقبِيلِه (ص) رَأْسَ الحَسَنِ رَضِيَ الله عَنهُ حِصّةً عَظِيمةً للشَّيخِ الكَيلانِيِّ.

النُّكتة الثالثة:

إنَّ مَعنَى قَولِه تَعالَى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى یی على قَولٍ یی هو: أنَّ الرَّسُولَ الأَكرَمَ (ص) لَدَى قِيامِه بمُهِمّةِ الرِّسالةِ لا يَسأَلُ أَجْرًا مِن أَحَدٍ، إلّا مَحَبّةَ آلِ بَيتهِ فحَسْبُ.
وإذا قِيلَ: إنَّ أَجْرًا مِن حيثُ قَرابةُ النَّسْلِ قد أُخِذ بنَظَرِ الِاعتِبارِ حَسَبَ هذا المَعنَى، بَينَما الآيةُ الكَرِيمةُ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ تَدُلُّ على أنَّ وَظيفةَ الرِّسالةِ تَستَمِرُّ مِن حيثُ التَّقَرُّبُ إلى اللهِ بالتَّقوَى لا مِن حَيثُ قَرابةُ النَّسْلِ.
— 30 —
الجَوابُ: إنَّ الرَّسُولَ (ص) قد شاهَدَ بنَظَرِ النُّبوّةِ الأَنِيسِ بالغَيبِ: أنَّ آلَ بَيتِه سيَكُونُون بمَثابةِ شَجَرةٍ نُورانِيّةٍ عَظِيمةٍ تَمتَدُّ أَغصانُها وفُرُوعُها في العالَمِ الإِسلامِيّ، وأنَّ الغالِبِيّةَ العُظمَى مِمَّن سيُؤَدُّونَ وَظِيفةَ الإِرشادِ والهِدايةِ في دائِرةِ الكَمالاتِ الإِنسانِيّةِ لمُختَلِفِ طَبَقاتِ العالَمِ الإِنسانِيِّ سيَكُونُونَ مِن آلِ البَيتِ، وسيَظهَرُونَ بأَكثَرِيَّتِهِمُ المُطْلَقةِ مِنهُم.
وقد كَشَف عن قَبُولِ دُعاءِ أُمَّتِه بحَقِّ آلِ البَيتِ الوارِدِ في التَّشهُّدِ وهو: «اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيتَ عَلى إبرَاهِيمَ وعَلى آلِ إبراهِيمَ، في العالَمِين، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» ، أي: كما أنَّ مُعظَمَ المُرشِدِين الهادِين النُّورانيِّين مِن مِلّةِ إبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام هم أَنبِياءُ مِن نَسْلِه وآلِه، كذلك رَأَى (ص) أنَّ أَقطابَ آلِ بَيتِه يكُونُون كأَنبِياءِ بني إِسرائيلَ في الأُمّةِ المُحَمَّديّة، يُؤَدُّون وَظِيفةَ خِدمةِ الإسلامِ العَظِيمةِ في شَتَّى طُرُقِها ومَسالِكِها. ولِأَجْلِ هذا أُمِرَ (ص) أن يقُولَ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وطَلَب مَوَدّةَ أُمَّتِه لآلِ بَيتِه.
والَّذي يُؤَيِّدُ هذه الحَقِيقةَ هو ما جاء في رِواياتٍ أُخرَى أنَّه (ص) قال: «يا أيُّها النّاسُ.. إنِّي قد تَرَكْتُ فيكُم ما إنْ أَخَذتُم به لن تَضِلُّوا: كِتابَ اللهِ وعِتْرَتي أَهلَ بَيتِي» ، ذلك لأنَّ آلَ البَيتِ هم مَنبَعُ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ، والمُحافِظُون علَيْها، والمُكَلَّفون أوَّلًا بالِالتِزامِ بها.
وهكذا وضَحَتْ حَقِيقةُ هذا الحَدِيثِ بِناءً على ما ذُكِر آنِفًا، أي: بالِاتِّباع التّامِّ للكِتابِ والسُّنّة الشَّرِيفةِ. أي: أنَّ المُرادَ مِن آلِ البَيتِ مِن حيثُ وَظيفةُ الرِّسالةِ هو اتِّباعُ السُّنّة النَّبوِيّةِ؛ فالَّذي يَدَعُ السُّنّةَ الشَّرِيفةَ لا يكُونُ مِن آلِ البَيتِ حَقِيقةً، كما لا يُمكِنُ أن يكُونَ مُوالِيًا حَقِيقِيًّا لآلِ البَيتِ.
ثمَّ إنَّ الحِكْمةَ في إرادَتِه (ص) في جَمْعِ الأُمّةِ حَولَ آلِ البَيتِ هي: أنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) قد عَلِم بإِذنٍ إِلٰهِيٍّ أنَّ آلَ البَيتِ سيَكثُرُ نَسْلُهُم بمُرُورِ الزَّمَن، بَينَما الإسلامُ سيَؤُولُ إلى الضَّعْفِ، فيَلزَمُ والحالةُ هذه وُجُودُ جَماعةٍ مُتَرابِطةٍ مُتَسانِدةٍ في مُنتَهَى القُوّةِ
— 31 —
والكَثْرةِ، لِتكُونَ مَرْكَزًا ومِحْوَرًا لِرُقيِّ العالَمِ الإسلاميِّ المَعنَويِّ، وقد تَفَكَّر (ص) في هذا بإِذنٍ إِلٰهِيٍّ، فرَغِبَ في جَمْعِ أُمَّتِه حَولَ آلِ بَيتِه.
نعم، إنَّ أَفرادَ آلِ البَيتِ وإن لم يكُونُوا سابِقِين ومُتَقدِّمِين على غيرِهم في الإيمانِ والِاعتِقادِ كَثِيرًا، إلّا أنَّهم يَسبِقُونَهم كَثِيرًا في التَّسلِيمِ والِالتِزامِ والوَلاءِ للإسلامِ، لأنَّهم يُوالُون الإسلامَ فِطْرةً وطَبْعًا ونَسْلًا؛ فالمُوالاةُ الطَّبْعيةُ لا تُتْرَك ولو كانَت في ضَعفٍ وعَدَمِ شُهْرةٍ أو حتَّى على باطِلٍ، فكيف بالمُوالاةِ لِحَقيقةٍ ارتَبَطَت بها سِلسِلةُ أَجدادِه الَّذين ضَحَّوا بأَرواحِهم رَخِيصةً في سَبِيلِها فنالُوا الشَّرَفَ بها، فتلك الحَقِيقةُ هي في مُنتَهَى القُوّةِ وذِروةِ الشَّرفِ وعلى الحَقِّ المُبِينِ، أفيَستَطِيعُ مَن يَشعُرُ بَداهةً بمَدَى أَصالةِ هذه المُوالاةِ الفِطْرِيّةِ أن يَتْرُكَها؟!
فأَهلُ البَيتِ بهذا الِالتِزامِ الشَّدِيدِ للإسلامِ یی وهو التِزامٌ فِطرِيٌّ یی يَرَون الأَمارةَ البَسِيطةَ بجانِبِ الإسلامِ بُرهانًا قَوِيًّا، لِأَنَّهم يُوالُون الإسلامَ فِطْرةً، بَينَما غيرُهم لا يَلتَزِمُ إلّا بعدَ اقتِناعِه بالبُرهانِ القَوِيّ.

النُّكتةُ الرابعة:

لِمُناسَبةِ النُّكتةِ الثّالثةِ نُشِيرُ إشارةً قَصِيرةً إلى مَسأَلةٍ ضُخِّمَت إلى دَرَجةٍ كبيرةٍ بحَيثُ دَخَلَت كُتُبَ العَقائدِ وتَسَلْسَلَت معَ أُسُسِ الإيمانِ، تلك هي مَسأَلةُ النِّزاعِ بينَ أَهلِ السُّنّة والشِّيعةِ؛ والمَسأَلةُ هي أنَّ أَهلَ السُّنّةِ والجَماعةِ يقُولُون: "إنَّ سَيِّدَنا عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ هو رابِعُ الخُلَفاء الرّاشِدِين، وإنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ الله عَنهُ هو أَفضَلُ مِنه وأَحَقُّ بالخِلافةِ، فتَسَلَّم الخِلافةَ أوَّلًا".
والشِّيعةُ يقُولُون: "إنَّ حَقَّ الخِلافةِ كان لِعَليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ إلّا أنَّه ظُلِمَ، وعليٌّ رَضِيَ الله عَنهُ أَفضَلُ مِنَ الكُلِّ"، وخُلاصةُ ما يُورِدُونه مِن أَدِلّةٍ لِدَعواهم هي أنَّهم يقُولُون: إنَّ وُرُودَ أَحاديثَ شَرِيفةٍ كَثِيرةٍ في فَضائِلِ سَيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وكَونَه مَرجِعًا للأَكثَرِيّةِ المُطلَقةِ مِنَ الأَولياءِ والطُّرُقِ الصُّوفيّة، حتَّى لُقِّبَ بسُلطانِ الأَولياءِ، معَ ما يَتَّصِفُ به مِن صِفاتٍ فائِقةٍ في العِلمِ والشَّجاعةِ والعَبادةِ، فَضْلًا عنِ العَلاقةِ القَوِيّةِ الَّتي يُظهِرُها الرَّسُولُ (ص)
— 32 —
به وبآلِ البَيتِ الَّذين يَأتُون مِن نَسْلِه.. كلُّ ذلك يَدُلُّ على أنَّه الأَفضَلُ، فالخِلافةُ كانَت مِن حَقِّه ولكِن اغتُصِبَت مِنه.
الجَوابُ: إنَّ إقرارَ سَيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ نَفسِه مِرارًا وتَكرارًا، واتِّباعَه الخُلَفاءَ الثَّلاثةَ طَوالَ عِشرِين سَنةً وأَكثرَ، وتَوَلِّيَه وَظِيفةً أَشبَهَ بوَظِيفةِ "شَيخِ الإِسلامِ".. كلُّ ذلك يَجْرَحُ دَعوَى الشِّيعةِ.
ثمَّ إنَّ الفُتُوحاتِ الإسلاميّةَ وجِهادَ الأَعداءِ زَمَنَ الخُلَفاءِ الثَّلاثةِ، بخِلافِ ما حَدَث زَمَنَ خِلافةِ عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ مِن حَوادِثَ وفِتَنٍ، تَجْرَحُ أيضًا دَعوَى الشِّيعةِ مِن جِهةِ الخِلافةِ، أي: إنَّ دَعوَى أَهلِ السُّنّة والجَماعةِ حَقٌّ.
فإن قِيلَ: إنَّ الشِّيعةَ قِسمانِ: أَحَدُهما شِيعةُ الوِلايةِ، والآخَرُ شِيعةُ الخِلافةِ، فلْيَكُن هذا القِسمُ الثاني غيرَ مُحِقٍّ باختِلاطِ السِّياسةِ والأَغراضِ في دَعاواهم، ولكن لا أَغراضَ ولا أَطماعَ سِياسيّةً في القِسمِ الأوَّل؛ إلّا أنَّ شِيعةَ الوِلايةِ قد الْتَحَقَت بشِيعةِ الخِلافة، أي: إنَّ قِسمًا مِنَ الأَولياءِ في الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ يَرَوْن أنَّ سَيِّدَنا علِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ هو الأَفضَلُ، فيُصَدِّقُون دَعوَى شِيعةِ الخِلافةِ الَّذين هم بجانِبِ السِّياسةِ.
الجَوابُ: إنَّه يَنبَغي النَّظَرُ إلى سَيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ مِن زاوِيَتَينِ أو مِن جِهَتَينِ:
الجِهةُ الأُولَى: زاوِيةُ فَضائلِه الشَّخصِيّةِ ومَقامِه الشَّخصِيِّ الرَّفيعِ.
الجِهةُ الثّانيةُ: زاوِيةُ تَمثِيلِه الشَّخصَ المَعنَويَّ لآلِ البَيتِ، والشَّخصُ المَعنَويُّ لآلِ البَيتِ يَعكِسُ نَوعًا مِن ماهِيّةِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص).
فبِاعتِبارِ الجِهةِ الأُولَى: إنَّ جَمِيعَ أَهلِ الحَقِيقةِ وفي مُقدِّمَتِهم سَيِّدُنا عليٌّ رَضِيَ الله عَنهُ يُقَدِّمُون سَيِّدَنا أبا بَكرٍ وعُمرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا، فقد رَأَوا مَقامَهُما أَكثَرَ رِفعةً في خِدمةِ الإسلامِ والقُرْبِ الإِلٰهِيِّ.
ومِن حيثُ الجِهةُ الثّانيةُ أي: كَونُ سَيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ مُمَثِّلًا عنِ الشَّخصِ المَعنَويِّ لآلِ البَيتِ، فالشَّخصُ المَعنَويُّ لآلِ البَيتِ مِن حيثُ كَونُه مُمَثِّلًا للحَقِيقةِ المُحَمَّديّةِ، لا
— 33 —
يُقارَنُ ولا يُوازَنُ بِشَيءٍ؛ وكَثرةُ الأَحادِيثِ النَّبَويّةِ الوارِدةِ في الثَّناءِ على سَيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وبَيانِ فَضائِلِه هي لِأَجْلِ هذه الجِهةِ الثّانيةِ؛ ومِمّا يُؤيِّدُ هذه الحَقِيقةَ رِوايةٌ صَحِيحةٌ بهذا المَعنَى: «إنَّ نَسْلَ كلِّ نبيٍّ مِنه، وأنا نَسْلي مِن عَلِيٍّ».
أمّا سَبَبُ كَثْرةِ انتِشارِ الأَحادِيثِ بحَقِّ شَخْصِيّةِ سيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ والثَّناءِ علَيْه أَكثَرَ مِن سائِرِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِين، فهو: أنَّ أَهلَ السُّنّةِ والجَماعةِ وهم أَهلُ الحَقِّ، قد نَشَروا الرِّواياتِ الوارِدةَ بحَقِّ سيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ تِجاهَ هُجُومِ الأُمَويِّين والخَوارِجِ علَيْه، وتَنقِيصِهم مِن شَأْنِه ظُلْمًا، بَينَما الخُلَفاءُ الرّاشِدُون الآخَرُون لم يَكُونوا عُرْضةً لِهذه الدَّرَجةِ مِنَ النَّقْدِ والجَرْحِ، لِذا لم يَرَوا داعِيًا لنَشْرِ الأَحادِيثِ الذّاكِرةِ لفَضائِلِهم.
ثمَّ إنَّه (ص) قد رَأَى بنَظَرِ النُّبوّةِ أنَّ سَيِّدَنا عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ سيَتَعرَّضُ لِحَوادثَ أَلِيمةٍ وفِتَنٍ داخِلِيّةٍ، فسَلّاه، وأَرْشَدَ الأُمّةَ بأَحادِيثَ شَرِيفةٍ مِن أَمثالِ: «مَن كُنتُ مَوْلاه فعَلِيٌّ مَوْلاه» ، وذلك لِيُنقِذَ سَيِّدَنا عَلِيًّا مِنَ اليَأْسِ، ويُنجِيَ الأُمّةَ مِن سُوءِ الظَّنِّ به.
إنَّ المَحَبّةَ المُفرِطةَ الَّتي يُوْلِيها شِيعةُ الوِلايةِ لِسَيِّدنا علِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وتَفضِيلَهم لَه مِن جِهةِ الطَّرِيقةِ لا يَجعَلُهم مَسؤُولين بمِثلِ مَسؤُوليّةِ شِيعةِ الخِلافةِ، لأنَّ أَهلَ الوِلايةِ يَنظُرُون نَظَرَ المَحَبّةِ إلى مُرشِدِيهم حَسَبَ مَسْلَكِهم؛ ومِن شَأْنِ المُحِبِّ الغُلُوُّ والإِفراطُ والرَّغبةُ في أن يَرَى مَحبُوبَه أَعلَى مِن مَقامِه؛ فهُم يَرَوْن الأَمرَ هكذا فِعلًا.. فأَهلُ الأَحوالِ القَلبِيّةِ يُمكِن أن يُعذَروا في أَثناءِ غَلَيانِ المَحبّةِ لَدَيهِم وغَلَبَتِها علَيهِم، ولكِن بِشَرطِ ألّا يَتَعدَّى تَفضِيلُهمُ النّاشِئُ مِنَ المَحبّةِ إلى ذَمِّ الخُلَفاءِ الرّاشِدِين وعَداوَتِهم، وألّا يَخرُجَ عن نِطاقِ الأُصُولِ الإسلامِيّةِ.
أمّا شِيعةُ الخِلافةِ فنَظَرًا لِدُخُولِ الأَغْراضِ السِّياسِيّةِ فيها، فلا يُمكِنُهم أن يَنجُوا مِنَ العَداءِ والأَغراضِ الشَّخْصِيّة، فيَفقِدُون حَقَّ الِاعتِذارِ لَهُم، ويُحرَمُون مِنه؛ حتَّى إنَّهم يُظهِرُون انتِقامَهُم مِن "عُمَرَ" في صُورةِ حُبِّ "عَلِيٍّ"، وذلك لأنَّ القَومِيّةَ الإِيرانيّةَ قد جُرِحَت بِيَدِ سَيِّدِنا عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ، حتَّى أَصبَحُوا مِصْداقَ القَولِ: "لا لِحُبِّ عَلِيٍّ، بل لِبُغْضِ عُمَرَ"؛ وإنَّ خُرُوجَ عَمْرِو بنِ العاصِ على سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ وقِتالَ عُمَرَ بنِ سَعْدٍ
— 34 —
سَيِّدَنا الحُسَينَ رَضِيَ الله عَنهُ في المَعرَكةِ الفَجِيعةِ المُؤْلِمةِ.. كلُّ ذلك أَوْرَث الشِّيعةَ غَيظًا شَدِيدًا وعَداءً مُفرِطًا لِاسمِ "عُمَرَ".
أمّا شِيعةُ الوِلايةِ فليس لَهُم حَقُّ انتِقادِ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ، لأنَّ أَهلَ السُّنّة كما لا يَنتَقِصُون مِن شَأْنِ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ فهُم يُحِبُّونه حُبًّا خالِصًا جادًّا، ولَكِنَّهُم يَحْتَرِزُون مِنَ الإفراطِ في الحُبِّ الوارِدِ ضَرَرُه وخَطَرُه في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ.
فإِنَّ الثَّناءَ النَّبَوِيَّ لِشِيعةِ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ كما وَرَد في أَحادِيثَ نَبَويّةٍ، إنَّما يَعُود إلى أَهْلِ السُّنّةِ والجَماعةِ، لأنَّهُم هُمُ المُتَّبِعُون لِسَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ، على وَفْقِ الِاستِقامةِ، لِذا فهُم شِيعةُ سيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ.
وقد جاءَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ صَراحةً: أنَّ خُطُورةَ الغُلُوِّ في مَحَبّة سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ كخُطُورةِ الغُلُوِّ في مَحَبّةِ سَيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام على النَّصارَى.
فإن قالَت شِيعةُ الوِلايةِ: إنَّه بَعدَ قَبُولِ فَضائِلَ خارِقةٍ لِسَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ لا يُمكِنُ قَبُولُ تَفضِيلِ سَيِّدِنا الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ علَيْه.
الجَوابُ: إذا ما وُضِعَ في كِفّةِ مِيزانٍ الفَضائِلُ الشَّخصِيّةُ لِسَيِّدِنا أبي بَكرٍ رَضِيَ الله عَنهُ أو فَضائِلُ سَيِّدِنا عُمَرَ الفارُوقِ رَضِيَ الله عَنهُ، وما قامَ به كلٌّ مِنهُما مِن خِدْماتٍ جَلِيلةٍ مِن حَيثُ وِراثةُ النُّبوّةِ زَمَنَ خِلافَتِهما؛ ووُضِعَ في الكِفّةِ الأُخرَى المَزايا الخارِقةُ لِسَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ ومُجاهَداتُ الخِلافةِ في زَمانِه وما اضْطُرَّ إلَيْه مِن مَعارِكَ داخِلِيّةٍ دامِيةٍ أَلِيمةٍ، وما تَعرَّضَ لَه بهذا مِن سُوءِ الظَّنِّ، فلا رَيبَ أنَّ كِفّةَ سَيِّدِنا الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ أو كِفّةَ سَيِّدِنا عُمَرَ الفارُوقِ رَضِيَ الله عَنهُ أو كِفّةَ سَيِّدِنا ذِي النُّورَينِ رَضِيَ الله عَنهُ هي الَّتي تكُونُ راجِحةً؛ وهذا الرُّجْحانُ هو الَّذي شاهَدَه أَهلُ السُّنّةِ والجَماعةِ، وبَنَوا تَفضِيلَهم علَيْه.
ثمَّ إنَّ رُتبةَ النُّبوّةِ أَسْمَى وأَرْفَعُ بكَثِيرٍ مِن دَرَجةِ الوِلايةِ، بحَيثُ إنَّ جَلْوةً بوَزْنِ دِرْهَمٍ مِنَ النُّبوّةِ تَفْضُلُ رِطْلًا مِن جَلْوةِ الوِلايةِ، كما أَثبَتْناه في "الكَلِمةِ الثّانِيةَ عَشْرةَ والكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِين" مِنَ "الكَلِماتِ"، فمِن زاوِيةِ النَّظَرِ هذه، فإنَّ حِصّةَ كلٍّ مِنَ
— 35 —
الصِّدِّيقِ والفارُوقِ رَضِيَ الله عَنهُمَا مِن حَيثُ وِراثةُ النُّبوّةِ وتَأْسِيسُ أَحكامِ الرِّسالةِ قد زِيدَت مِنَ الجانِبِ الإِلٰهِيِّ، فالتَّوفِيقُ الَّذي حالَفَهُما في زَمَنِ خِلافَتِهما قد صارَ دَلِيلًا على هذا لَدَى أَهلِ السُّنّة والجَماعةِ؛ وحيثُ إنَّ فَضائِلَ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ الشَّخصِيّةَ لا تُسقِطُ مِن حُكْمِ تلك الحِصّةِ الزّائِدةِ الكَثِيرةِ الآتِيةِ مِن وِراثةِ النُّبوّة، فقد أَصْبَحَ سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ "شَيْخًا لِلإِسلامِ" للشَّيْخَينِ المُكَرَّمَينِ زَمَنَ خِلافَتِهما، وكان في طاعَتِهِما.
إنَّ أَهلَ الحَقِّ، أَهلَ السُّنّةِ والجَماعةِ الَّذين يُحِبُّون سَيِّدَنا عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ ويُوَقِّرُونه، كيف لا يُحِبُّون مَن كان سَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ نَفسُه يُحِبُّهما ويُجِلُّهما؟!
لِنُوضِّحْ هذه الحَقِيقةَ بمِثالٍ: رَجُلٌ ثَرِيٌّ جِدًّا وُزِّع مِيراثُه وأَمْوالُه الطّائِلةُ على أَوْلادِه، فأُعطِيَ لأَحَدِهِم عِشرُونَ رِطلًا مِنَ الفِضّةِ وأَربَعةُ أَرطالٍ مِنَ الذَّهَبِ، وأُعطِيَ لِآخَرَ خَمْسةُ أَرطالٍ مِنَ الفِضّةِ وخَمْسةُ أَرطالٍ مِنَ الذَّهَبِ، وأُعطِيَ لِآخَرَ ثَلاثةُ أَرطالٍ مِنَ الفِضّةِ وخَمْسةُ أَرطالٍ مِنَ الذَّهَبِ؛ فلا شَكَّ أنَّ الأَخِيرَينِ رَغمَ أنَّهما قد قَبَضا أَقَلَّ مِنَ الأَوَّلِ كَمِيّةً إلّا أنَّهما قَبَضا أَعلَى مِنه نَوعِيّةً.
وهكذا في ضَوءِ هذا المِثالِ، إنَّ الزِّيادةَ القَلِيلةَ في حِصّةِ الشَّيخَينِ مِن ذَهَبِ حَقِيقةِ الأَقرَبِيّةِ الإِلٰهِيّةِ المُتَجلِّيةِ مِن وِراثةِ النُّبوّةِ وتَأْسِيسِ أَحكامِ الرِّسالةِ، تَرْجَحُ على الكَثِيرِ مِنَ الفَضائلِ الشَّخصِيّةِ وجَواهِرِ الوِلايةِ والقُرْبِ الإِلٰهِيِّ لِسَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ؛ فيَنبَغِي في المُوازَنةِ النَّظَرُ مِن هذه الزّاوِيةِ وأَخْذُها بنَظَرِ الِاعتِبارِ، وإلّا تَتغَيَّرُ صُورةُ الحَقِيقةِ إن كانَتِ المُوازَنةُ تُعقَدُ معَ الشَّجاعةِ والعِلمِ الشَّخصِيِّ وجانِبِ الوِلايةِ.
ثمَّ إِنَّه لا يُمكِنُ المُقارَنةُ مِن حَيثُ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّة لِآلِ البَيتِ المُتَمثِّلةِ في شَخصِ سَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ، والحَقِيقةِ المُحَمَّدِيّةِ الَّتي تَتَجَلَّى في تلك الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّة مِن حيثُ الوِراثةُ المُطلَقةُ؛ وذلك لأنَّ السِّرَّ العَظِيمَ للرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) في هذا الجانِبِ.
أمَّا شِيعةُ الخِلافةِ فلا حَقَّ لَهُم غيرُ الخَجَلِ أَمامَ أَهلِ السُّنّة والجَماعةِ، لأنَّ هَؤُلاء يَنتَقِصُون من شَأْنِ سَيِّدِنا عليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ في دَعواهُمُ الحُبَّ المُفرِطَ له، بل يُفضِي مَذهَبُهم إلى وَصْمِه بسُوءِ الخُلُق یی حاشاه یی حيثُ يَقُولُون: إنَّ سَيِّدَنا عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ قد ماشَى سَيِّدَنا
— 36 —
الصِّدِّيقَ والفارُوقَ رَضِيَ الله عَنهُمَا مع أنَّهما غيرُ مُحِقَّينِ، واتَّقَى مِنهُما تُقاةً، وباصْطِلاحِ الشِّيعةِ: إنَّه عَمِلَ بی"التَّقِيّةِ"، بمَعنَى أنَّه كان يَخافُهُما وكان يُرائِيهِما في أَعمالِه! إنَّ وَصْفَ مِثلِ هذا البَطَلِ الإسلاميِّ العَظِيمِ الَّذي نالَ اسمَ "أَسَدُ اللهِ"، وأَصبَحَ قائِدًا لِلصِّدِّيقِينَ ودَلِيلًا لَهُما.. أَقُولُ: إنَّ وَصْفَه بأنَّه كان يُرائي ويَخافُ ويَتَصنَّعُ بالحُبِّ لِمَن لا يُحِبُّهم حَقًّا، واتِّباعِه لِغَيرِ المُحِقِّين أَكثَرَ مِن عِشرِين عامًا ومُسايَرَتِهما تحتَ سَطْوةِ الخَوْفِ، ليس مِنَ المَحَبّةِ في شَيءٍ، وسَيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ يَتَبَرَّأُ مِن مِثلِ هذه المَحَبّةِ.
وهكَذا، فإنَّ مَذهَبَ أَهلِ الحَقِّ لا يَنقُصُ مِن شَأْنِ سَيِّدنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ بأَيّةِ جِهةٍ كانَت، ولا يَتَّهِمُه في أَخْلاقِه قَطْعًا، ولا يُسنِدُ إلى مِثلِ هذا البَطَلِ المِقْدامِ الخَوفَ، ويَقُولُون: لو لم يَكُن سيِّدُنا عَلِيٌّ رَضِيَ الله عَنهُ يَرَى الحَقَّ في الخُلَفاءِ الرَّاشِدِين لَمَا كان يُعطِيهمُ الوَلاءَ لِدَقيقةٍ واحِدةٍ، وما كان يَنقادُ لِحُكمِهم أَصْلًا.
بمَعنَى أنَّه رَضِيَ الله عَنهُ قد عَرَف أنَّهُم على حَقٍّ، وأَقَرَّ بفَضْلِهم، فبَذَل شَجاعَتَه الفائِقةَ في سَبِيلِ مَحَبّةِ الحَقِّ.
نُحَصِّلُ ممّا سَبَق: أنَّه لا خَيرَ في الإفراطِ والتَّفرِيطِ في كلِّ شَيءٍ، وإنَّ الِاستِقامةَ هي الحَدُّ الوَسَطُ الَّذي اختارَه أَهلُ السُّنّة والجَماعةِ، ولكِن معَ الأَسَفِ كما تَسَتَّرَت بعضُ أَفكارِ الخَوارِجِ والوَهّابيّةِ بسِتارِ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ، فإنَّ قِسمًا مِنَ المَفتُونِين بالسِّياسة أيضًا والمُلحِدِين يَنتَقِدُون سَيِّدَنا عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ ويقُولُون: "إنَّه لم يُوَفَّق كامِلًا في إدارةِ دَفّةِ الخِلافةِ لِجَهلِه یی حاشاه یی بالسِّياسةِ، فلم يَقْدِر على إدارةِ الأُمّةِ في زَمانِه"، فإِزاءَ هذا الِاتِّهامِ الباطِلِ مِن هؤلاء اتَّخَذ الشِّيعةُ طَوْرَ الغَيظِ والِاستِياءِ مِن أَهلِ السُّنّة؛ والحالُ أنَّ دَساتِيرَ أَهلِ السُّنّة وأُسُسَ مَذهَبِهم لا تَستَلزِمُ هذه الأَفكارَ بل تُثبِتُ عَكْسَها، لِذا لا يُمكِنُ إِدانةُ أَهلِ السُّنّةِ بأَفكارٍ تَرِدُ مِنَ الخَوارِجِ ومِنَ المُلحِدِين قَطْعًا، بل إنَّ أَهلَ السُّنّةِ هم أَكثرُ وَلاءً وحُبًّا مِنَ الشِّيعةِ لِسَيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُ، فهُم في جَمِيعِ خُطَبِهِم ودَعَواتِهم يَذكُرُون سَيِّدَنا عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ بما يَستَحِقُّه مِنَ الثَّناءِ وعُلُوِّ الشَّأْنِ ولا سِيَّما الأَوْلِياءُ والأَصْفِياءُ الَّذين هُم بأَكثَرِيَّتِهمُ المُطلَقةِ على مَذْهَبِ أَهلِ السُّنّة والجَماعةِ،
— 37 —
فهُم يَتَّخِذُونه مُرشِدَهم وسَيِّدَهم.. فما يَنبَغِي للشِّيعةِ أن يُجابِهوا أَهلَ السُّنّةِ بالعَداءِ تارِكِين الخَوارِجَ والمُلحِدِين الَّذين هُم أَعداءُ الشِّيعةِ وأَهلِ السُّنّة معًا، حتَّى يَترُكُ قِسمٌ مِنَ الشِّيعةِ السُّنّةَ النَّبیَويةَ عِنادًا لِأَهلِ السُّنّة!
وعلى كلِّ حالٍ فقد أَسْهَبْنا في هذه المَسأَلةِ حيثُ إنَّها قد بُحِثَت كَثِيرًا بينَ العُلَماء.
فيا أَهلَ الحَقِّ الَّذين هُم أَهلُ السُّنّةِ والجَماعةِ..
ويا أيُّها الشِّيعةُ الَّذين اتَّخَذْتُم مَحَبّةَ أَهلِ البَيتِ مَسْلَكًا لكُم..
ارْفَعُوا فَوْرًا هذا النِّزاعَ فيما بَينَكُم، هذا النِّزاعَ الَّذي لا مَعنَى له ولا حَقِيقةَ فيه، وهُو باطِلٌ ومُضِرٌّ في الوَقْتِ نَفسِه؛ وإن لم تُزِيلُوا هذا النِّزاعَ فإنَّ الزَّندَقةَ الحاكِمةَ الآنَ حُكْمًا قَوِيًّا تَستَغِلُّ أَحَدَكُما ضِدَّ الآخَرِ وتَستَعمِلُه أَداةً لإِفناءِ الآخَرِ، ومِن بَعدِ إفنائِه تُحَطَّمُ تلك الأَداةُ أيضًا.
فيَلزَمُكُم نَبْذُ المَسائِلِ الجُزئيّةِ الَّتي تُثِيرُ النِّزاعَ، لأنَّكُم أَهلُ التَّوحِيدِ، بَينَكُم مِئاتُ الرَّوابِطِ المُقدَّسةِ الدّاعِيةِ إلى الأُخُوّةِ والِاتِّحادِ.
٭ ٭ ٭
المقام الثاني
سيُخَصَّصُ لِبَيانِ الحَقِيقةِ الثّانِيةِ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: (٭): هذا المقامُ الثّاني قد أُلّفَ مُستَقِلًّا، وهو "اللَّمْعةُ الحادِيةَ عَشْرةَ".
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
٭ ٭ ٭
— 38 —

اللمعة الخامسة

كانَ مِنَ المُقرَّرِ أن تكُونَ هذه اللَّمْعةُ رِسالةً تُبيِّنُ حَقِيقةً جَلِيلةً لِلآيةِ الكَرِيمةِ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (حاشية ١-٢): حَولَ هاتَينِ الجُملَتَينِ يقُولُ أُستاذُنا في حاشِيةِ البابِ السّادِسِ لِلَّمْعةِ العَرَبِيّةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ: "إِنَّ مَراتِبَ هاتَينِ الكَلِمَتَينِ المُبارَكَتَينِ هي عِبارةٌ عن ذِكرٍ وفِكرٍ، أَكثَرَ مِن كَونِها عِلمًا، لِذا ورَدَت بِالعَرَبِيّةِ". القَائِمون عَلى خِدمَته ضِمنَ خَمسَ عَشْرةَ مَرتَبةً، إلّا أنَّ تَأليفَها قد تَأَجَّلَ في الوَقتِ الحاضِرِ لِكَونِها ذاتَ عَلاقةٍ بالتَّفكُّرِ والذِّكرِ أَكثَرَ مِن عَلاقَتِها بالعِلمِ والحَقِيقةِ؛ كما أنَّ اللَّمْعةَ الحادِيةَ عَشْرةَ المَعرُوفةَ بِاسمِ "مِرقاةُ السُّنّةِ وتِرياقُ مَرَضِ البِدعةِ" قد أُلِّفَت في بادِئِ الأَمرِ على أنَّها "اللَّمْعةُ الخامِسةُ"، إلّا أنَّها انقَسَمَت إلى إِحدَى عَشْرةَ نُكتةً مُهِمّةً، لِذا دَخَلَت في عِدادِ اللَّمْعةِ الحادِيةَ عَشْرةَ، وبَقِيَ مَوضِعُ "اللَّمْعةِ الخامِسةِ" فارِغًا.
٭ ٭ ٭

اللمعة السادسة

كانَ مِنَ المُقرَّرِ أن تكُونَ هذه اللَّمْعةُ في بَيانِ «لا حَوْلَ ولا قُوّةَ إلّا باللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» (حاشية ١-٢) الَّتي تُعبِّرُ عن حَقِيقةٍ جَلِيلةٍ تَنبُعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ، تُوَضِّحُها هذه اللَّمْعةُ في مَراتِبَ فِكْرِيّةٍ تَقرُبُ مِن عِشرِينَ مَرتَبةً، والَّتي كُنتُ أَستَشعِرُها في نَفسِي وأُشاهِدُها في سَيْرِي الرُّوحِيِّ في أَثناءِ الذِّكرِ والتَّفكُّرِ كما في "اللَّمْعةِ الخامِسةِ"، ولكِن لِكَونِها ذاتَ عَلاقةٍ بالذَّوقِ الرُّوحِيِّ والحالِ القَلبِيِّ أَكثَرَ مِن تَعَلُّقِها بالعِلمِ والحَقِيقةِ، ارْتُؤِيَ وَضعُها في خِتامِ "اللَّمَعاتِ" ولَيسَ في بِدايَتِها.
٭ ٭ ٭
— 39 —

اللمعة السَّابعة

(تَخُصُّ سبعةَ أَنواعٍ مِن إخبارِ الآياتِ التي في خِتامِ سُورةِ الفَتحِ بالغَيبِ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ٭ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ٭ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
هذه الآياتُ الثَّلاثُ في سُورةِ الفَتحِ لها وُجُوهٌ إعجازِيّةٌ كَثيرةٌ جِدًّا. فوَجهٌ مِنَ الوُجُوهِ الكُلِّيّةِ العَشَرةِ لإعجازِ القُرآنِ هو الإخبارُ عنِ الغَيبِ الَّذي يَظهَرُ في هذه الآياتِ الكَرِيمةِ بسَبعةِ أو ثَمانيةِ وُجُوهٍ:
— 40 —

الوَجهُ الأوَّلُ:

قَولُه تَعالَى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا.. إلى آخِر الآية: تُخبِرُ إخبارًا قاطِعًا عن فَتحِ مَكّةَ قبلَ وُقُوعِه، وقد فُتِحَت فِعلًا بعدَ سَنَتَينِ كما أَخبَرَت هذه الآيةُ.

الوَجهُ الثَّاني:

قَولُه تَعالَى: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا: تُنبِئُ هذه الآيةُ أنَّ صُلحَ الحُدَيبِيّةِ وإن بَدا ظاهِرًا أنَّه ليس في صالِحِ المُسلِمين وأنَّ لِقُرَيشٍ ظُهُورًا على المُسلِمين إلى حَدٍّ مّا، إلّا أنَّه سيكُونُ بمَثابةِ فَتْحٍ مَعنَوِيٍّ مُبِينٍ، ومِفتاحًا لِبَقيّةِ الفُتُوحاتِ، والحَقُّ أنَّ السُّيُوفَ المادِّيّةَ وإن دَخَلَت أَغمادَها مُؤَقَّتًا، إلّا أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد سَلَّ سَيفَه الأَلْماسِيَّ البارِقَ وفَتَحَ القُلُوبَ والعُقُولَ، إذ بسَبَبِ الصُّلحِ اندَمَجَتِ القَبائلُ فيما بَينَها واختَلَطَت فاستَوْلَت فَضائلُ الإسلامِ على العِنادِ، فمَزَّقَت أَنوارُ القُرآنِ حُجُبَ التَّعَصُّبِ القَومِيِّ الذَّميمِ.
فمَثلًا: إنَّ داهِيةَ الحَربِ خالِدَ بنَ الوَليدِ وداهِيةَ السِّياسةِ عَمْرَو بنَ العاصِ اللَّذَينِ يَأبَيانِ أن يُغلَبا، غَلَبَهما سَيفُ القُرآنِ الَّذي سَطَع في صُلحِ الحُدَيبِيّةِ، حتَّى سارا معًا إلى المَدِينةِ المُنَوَّرةِ وسَلَّما الإسلامَ رِقابَهما، وانقادا إلَيه انقِيادَ خُضُوعٍ وطاعةٍ حتَّى أَصبَحَ خالِدُ بنُ الوَليدِ سَيفَ اللهِ المَسلُولَ تُفتَحُ به الفُتُوحاتُ الإسلاميّةُ.
سُؤالٌ مُهِمٌّ: إنَّ صَحابةَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ، وهو حَبِيبُ رَبِّ العالَمِين وسَيِّدُ الكَونَينِ (ص)، قد غُلِبُوا أَمامَ المُشرِكين في نِهايةِ مَعرَكةِ أُحُدٍ وبِدايةِ مَعرَكةِ حُنَينٍ، فما الحِكمةُ في هذا؟
الجَوابُ: لأنَّه حِينَذاك كان بينَ المُشرِكين كَثيرُون مِن أَمثالِ خالِدِ بنِ الوَليدِ، مِمَّن سيَكُونُون في المُستَقبَلِ مِثلَ كِبارِ الصَّحابةِ في ذلك الزَّمانِ، فلِأَجلِ ألّا تُكْسَرَ عِزَّتُهم كُلِّیيًّا اقتَضَت حِكمةُ اللهِ أنْ تُكافِئَهم مُكافَأةً عاجِلةً لِحَسَناتِهِمُ المُستَقبَليّةِ، بمَعنَى أنَّ صَحابةً في الماضِي غُلِبُوا أَمامَ صَحابةٍ في المُستَقبَلِ، لِئَلّا يَدخُلَ هؤلاء یی أي: صَحابةُ
— 41 —
المُستَقبَلِ یی في الإسلامِ خَوْفًا مِن بَرِيقِ السُّيُوفِ، بل شَوْقًا إلى بارِقةِ الحَقيقةِ، ولِئَلّا تَذُوقَ شَهامَتُهمُ الفِطرِيّةُ الهَوانَ كَثِيرًا.

الوَجهُ الثّالثُ:

إنَّ الآيةَ الكَريمةَ تُخبِرُ بقَيدِ لَا تَخَافُونَ بأنَّكم ستَدخُلُون البَيتَ الحَرامَ وتَطُوفُون حَولَ الكَعبةِ بأَمانٍ تامٍّ، عِلْمًا أنَّ مُعظَمَ قَبائلِ الجَزِيرةِ العَرَبيّةِ ومَن هم حَوالَي مَكّةَ المُكَرَّمةِ وغالبِيّةَ قُرَيشٍ كلَّهم أَعداءٌ للمُسلِمين، فهذا الإخبارُ يَدُلُّ على أنَّیكم تَدخُلُون في أَقرَبِ وَقْتٍ المَسجِدَ وتَطُوفُون دُونَ أن يُداخِلَكمُ الخَوفُ، وأنَّ الجَزِيرةَ ستَدِينُ لكم بالطّاعةِ، وأنَّ قُريشًا تكُونُ في حَظِيرةِ الإسلامِ ويَعُمُّ الأَمنُ والأَمانُ. فوَقَع كما أَخبَرَتِ الآيةُ.

الوَجهُ الرّابعُ:

قَولُه تَعالَى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ: هذه الآيةُ تُخبِرُ إخبارًا قاطِعًا أنَّ الدِّينَ الَّذي جاءَ به الرَّسُولُ الكَريمُ (ص) سيَظهَرُ على الأَديانِ كُلِّها، عِلْمًا أنَّ النَّصرانيّةَ واليَهُودِيّةَ والمَجُوسِيّةَ الَّتي يَعتَنِقُها مِئاتُ المَلايِينِ مِنَ النّاسِ كانَت أَديانًا رَسمِيّةً لِدُوَلٍ كُبْرَى كالصِّينِ وإيرانَ ورُوما، والرَّسُولَ الكَريمُ (ص) لم يَظهَرْ بَعدُ ظُهُورًا تامًّا على قَبِيلَتِه نَفسِها؛ فالآيةُ الكَريمةُ تُخبِرُ عن ظُهُورِ دِينِه على الأَديانِ كافّةً وعلى الدُّوَلِ كافّةً، بل تُخبِرُ عن هذا الظُّهُورِ بكلِّ يَقينٍ وجَزْمٍ إخبارًا قاطِعًا؛ ولقد صَدَّقَ المُستَقبَلُ هذا الخَبَرَ الغَيبيَّ بامتِدادِ سَيفِ الإسلامِ مِن بَحرِ المُحِيطِ الشَّرقيِّ (الهادِي) إلى بَحرِ المُحِيطِ الغَربيِّ (الأَطلَسِيّ).

الوَجهُ الخامِسُ:

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا.. إلى آخِر الآية: هذه الآيةُ صَرِيحةٌ في مَعناها مِن أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ هم أَفضَلُ بَني الإنسانِ بعدَ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام لِمَا يَتَحَلَّون به مِن سَجايا سامِيةٍ ومَزايا راقيةٍ، وفي الوَقتِ
— 42 —
نَفسِه تُبيِّنُ ما تَتَّصِفُ به طَبَقاتُ الصَّحابةِ في المُستَقبَلِ مِن صِفاتٍ مُمتازةٍ مُختَلِفةٍ خاصّةٍ بهم، كما تُومِئُ بالمَعنَى الإشارِيِّ یی لَدَى أَهلِ التَّحقيقِ یی إلى تَرتِيبِ الخُلَفاءِ الَّذين سيَخلُفُون مَقامَ النَّبيِّ (ص) بعدَ وَفاتِه، فَضْلًا عن إخبارِها عن أَبرَزِ صِفةٍ خاصّةٍ بكلٍّ مِنهم مِمّا اشتَهَرُوا به.
وذلك أنَّ قَولَه تَعالَى: وَالَّذِينَ مَعَهُ يَدُلُّ على سيِّدِنا الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ المُتَّصِفِ بالمَعِيّةِ المَخصُوصةِ والصُّحبةِ الخاصّةِ، بل بوَفاتِه أوَّلًا دَخَل ضِمنَ مَعِيَّتِه أيضًا.
كما أنَّ قَولَه تَعالَى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ يَدُلُّ على سيِّدِنا عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي سيَهُزُّ دُوَلَ العالَمِ ويُرعِبُهم بفُتُوحاتِه، وسيَشتَهِرُ بعَدالَتِه على الظّالِمِين كالصَّاعِقةِ.
وتُخبِرُ الآيةُ بلَفظِ: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ عن سيِّدِنا عُثمانَ رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي لم يَرْضَ بإِراقةِ الدِّماءِ بينَ المُسلِمين حِينَما كانَت تَتَهيَّأُ أَعظَمُ فِتنةٍ في التّارِيخِ، ففَضَّلَ بكَمالِ رَحمَتِه ورَأفَتِه أن يُضَحِّيَ برُوحِه ويُسَلِّمَ نَفسَه للمَوتِ، واستُشهِدَ مَظلُومًا وهو يَتلُو القُرآنَ الكَريمَ.
كما أنَّ قَولَه تَعالَى: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا يُشِيرُ إلى أَوضاعِ سيِّدِنا عَليٍّ رَضِيَ الله عَنهُ في المُستَقبَلِ الَّذي باشَرَ مَهامَّ الخِلافةِ بكَمالِ الِاستِحقاقِ والأَهلِيّةِ وهو في كَمالِ الزُّهدِ والعِبادةِ والفَقرِ والِاقتِصادِ، واختارَ الدَّوامَ على السُّجُودِ والرُّكُوعِ كما هو مُصَدَّقٌ عندَ النّاسِ.. فَضْلًا عن إخبارِها أنَّه لا يكُونُ مَسؤُولًا عن حُرُوبِه الَّتي خاضَها في تلك الفِتَنِ، والَّتي كان يَبتَغِي فيها فَضْلًا مِنَ اللهِ ورِضْوانًا.

الوَجهُ السّادسُ:

ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ: هذه الفِقرةُ فيها إخبارٌ غَيبيٌّ بجِهَتَينِ:
الجِهةُ الأُولى: أنَّها تُخبِرُ عن أَوصافِ الصَّحابةِ الوارِدةِ في التَّوراةِ، وهي في حُكمِ الغَيبِ بالنِّسبةِ لرَسُولٍ أُمِّيٍّ (ص)، إذ قد وُضِّحَ في "المَكتُوبِ التّاسِعَ عَشَرَ" أنَّ في التَّوراةِ وَصْفًا لِصَحابةِ الرَّسُولِ الَّذي سيَأتي في آخِرِ الزَّمانِ "معَه أُلُوفُ الأَطهارِ"، في يَمِينِه أو
— 43 —
"معَه راياتُ القِدِّيسِين" بمَعنَى أنَّ أَصحابَه مُطِيعُون وعُبّادٌ صالِحُون وأَولياءُ للهِ حتَّى يُوصَفُون بالقِدِّيسِين الأَطهارِ.
فبِرَغمِ ما طَرَأَ مِن تَحرِيفاتٍ كَثيرةٍ على التَّوراةِ بسَبَبِ تَرجَماتِها العَديدةِ لِأَلسِنةٍ مُتَنوِّعةٍ، فإنَّها ما زالَتْ تُصَدَّقُ بآياتٍ كَثيرةٍ مِنها هذه الآيةُ الكَريمةُ في خِتامِ سُورةِ الفَتحِ.. ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.
الجِهةُ الثّانية مِن الإخبارِ الغَيبيِّ هي أنَّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ تُخبِرُ أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ والتّابِعِين سيَبلُغُون مَرتَبةً مِنَ العِبادةِ بحيثُ إنَّ ما في أَرواحِهم مِن نُورٍ سيُشِعُّ على وُجُوهِهم، وستَظهَرُ على جِباهِهم عَلامةُ وِلايَتِهم وصَلاحِهم بكَثرةِ السُّجُودِ للهِ.
نعم، فلَقد صَدَّقَ المُستَقبَلُ هذا بكلِّ يَقينٍ ووُضُوحٍ وجَلاءٍ، فإنَّ زَينَ العابِدِين رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي كان يُصَلِّي أَلفَ رَكعةٍ لَيلًا ونَهارًا، وطاوُوسًا اليَمانِي رَضِيَ الله عَنهُ الَّذي صَلَّى الفَجرَ بوُضُوءِ العِشاءِ طَوالَ أَربَعين سَنةً، رَغمَ التَّقَلُّباتِ السِّياسِيّةِ والأَوضاعِ المُضطَرِبةِ، وكَثيرِين كَثيرِين أَمثالَهما قد بَيَّنُوا سِرًّا مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.

الوَجهُ السّابعُ:

وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ: هذه الفِقرةُ أيضًا فيها إخبارٌ غَيبيٌّ بجِهَتَينِ:
الجِهةُ الأُولَى: إخبارٌ بأَخبارِ الإنجِيلِ عن أَوْصافِ الصَّحابةِ الكِرامِ الَّذي هو في حُكمِ الغَيبِ بالنِّسبةِ لِنَبِيٍّ أُمِّيٍّ (ص).
نعم، لقد وَرَدَت آياتٌ في الإنجِيلِ تَصِفُ الرَّسُولَ الَّذي سيَأتي في آخِرِ الزَّمانِ، مِثلُ: "ومعَه قَضِيبٌ مِن حَديدٍ وأُمَّتُه كذلك" بمَعنَى أنَّه صاحِبُ سَيفٍ ومَأْمُورٌ بالجِهادِ، وأَصحابُه كذلك أَصحابُ سُيُوفٍ ومَأمُورُون بالجِهادِ، وليس كسيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام الَّذي لم يَكُ صاحِبَ سَيفٍ؛ فَضْلًا عن أنَّ ذلك المَوصُوفَ بی"معَه قَضِيبٌ مِن حَديدٍ" سيُصبِحُ سَيِّدَ العالَمِ، لأنَّ آيةً في الإنجِيلِ تقُولُ: "سأَذهَبُ كي يَجِيءَ سَيِّدُ العالَمِ".
— 44 —
فنَفهَمُ مِن هاتَينِ الفِقْرَتَينِ مِنَ الإنجِيلِ: أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ وإن بَدَا علَيهم في بادِئِ الأَمرِ ضَعْفٌ وقِلّةٌ، إلّا أنَّهم سيَنمُون نُمُوَّ البِذْرةِ النّابِتةِ، وسيَعْلُون كالنَّباتِ النّامِي النّاشِئِ ويَقْوَوْن حتَّى يَغتاظَ مِنهُمُ الكُفّارُ، بل يُخضِعُونَ العالَمَ بسُيُوفِهم فيُثبِتُون أنَّ سَيِّدَهمُ الرَّسُولَ الكَريمَ هو سَيِّدُ العالَمِ.. وهذا المَعنَى الَّذي تُفِيدُه آيةُ الإنجِيلِ هو مَعنَى الآيةِ في خِتامِ سُورةِ الفَتحِ.
الوَجهُ الثّاني: تُفِيدُ هذه الفِقْرةُ أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ وإن كانُوا قد قَبِلُوا بصُلْحِ الحُدَيبِيّةِ، لِقِلَّتِهم وضَعْفِهم آنَذاك، فإنَّهم بعدَ مُدّةٍٍ وَجيزةٍ يَكسِبُون بسُرعةٍ قُوّةً رَهيبةً بحيثُ إنَّ البَشَرِيّةَ الَّتي أَنبَتَتْها يَدُ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ في مَزرَعةِ الأَرضِ تكُونُ سَنابِلُها قَصِيرةً وناقِصةً ومَمحُوقةً بسَبَبِ غَفْلَتِهم إزاءَ سَنابِلِهمُ العاليةِ الشَّامِخةِ القَوِيّةِ المُثمِرةِ المُبارَكةِ، حتَّى إنَّهم يكُونُون مِنَ القُوّةِ والكَثْرةِ بحيثُ يَتْرُكُون دُوَلًا كُبْرَى تَتَلظَّى بنارِ غَيظِها وحَسَدِها.. نعم، إنَّ المُستَقبَلَ قد بَيَّن هذا الإخبارَ الغَيبيَّ بأَسْطَعِ صُورةٍ.
وفي هذا الإخبارِ الغَيبيِّ إيماءٌ خَفِيٌّ أيضًا، وهو أنَّه لَمّا أَثنَى على الصَّحابةِ الكِرامِ بِمَا يَتَحَلَّون به مِن خِصالٍ فاضِلةٍ مُهِمّةٍ، كان المَقامُ يَقتَضِي الوَعْدَ بثَوابٍ عَظِيمٍ ومُكافَأةٍ جَليلةٍ لهم، إلّا أنَّه يُشِيرُ بكَلِمةِ "مَغفِرةً" إلى أنَّه ستَقَعُ أَخطاءٌ وهَفَواتٌ مُهِمّةٌ مِن جَرّاءِ فِتَنٍ تَحدُثُ بينَ الصَّحابةِ، إذِ المَغفِرةُ تَدُلُّ على وُجُودِ تَقصِيرٍ في شَيءٍ، وحِينَذاك سيَكُونُ أَعظَمُ مَطلُوبٍ لهم وأَفضَلُ إحسانٍ علَيهم هو المَغفِرةَ، وأَعظَمُ إثابةٍ هي العَفوَ وعَدَمَ العِقابِ.
فكما أنَّ كَلِمةَ "مَغفِرةٌ" تَدُلُّ على هذا الإيماءِ اللَّطيفِ، كذلك فهي ذاتُ عَلاقةٍ مع ما في بِدايةِ السُّورةِ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فالمَغفِرةُ هنا لَيسَت مَغفِرةَ ذُنُوبٍ حَقيقيّةً لِأَنَّ في النُّبوّةِ العِصمةَ، فليس ثَمّةَ ذَنْبٌ، وإنَّما هي بُشرَى المَغفِرةِ بما يُناسِبُ مَقامَ النُّبوّةِ؛ وما في خِتامِ السُّورةِ مِن تَبشِيرِ الصَّحابةِ الكِرامِ بالمَغفِرةِ يَضُمُّ لَطافةً أُخرَى إلى ذلك الإِيماءِ.
— 45 —
وهكذا، فوُجُوهُ الإعجازِ العَشَرةُ للآياتِ الكَرِيمةِ الثَّلاثِ في خِتامِ سُورةِ الفَتحِ، لم نَبحَثْ فيها إلّا عن وَجهِ الإعجازِ في إخبارِها الغَيبيِّ، بل لم نَبحَثْ إلَّا في سَبْعِ وُجُوهٍ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرةِ جِدًّا عن هذا النَّوعِ مِنَ الإخبارِ.
وقد أُشِيرَ إلى لَمْعةِ إعجازٍ مُهِمّةٍ في أَوضاعِ حُرُوفِ هذه الآيةِ الأَخيرةِ في خِتامِ "الكَلِمةِ السَّادِسةِ والعِشرِين" الخاصّةِ بالقَدَرِ والجُزءِ الِاختِيارِيِّ، فهذه الآيةُ مُوَجَّهةٌ بجُمَلِها إلى الصَّحابةِ الكِرامِ كما تَشمَلُ بقُيُودِها أَحوالَهم أيضًا؛ ومِثلَما تُفِيدُ بأَلفاظِها أَوصافَ الصَّحابةِ فهي تُشِيرُ بحُرُوفِها وتَكرارِ أَعدادِها إلى أَصحابِ بَدْرٍ وأُحُدٍ وحُنَينٍ وأَصحابِ الصُّفّةِ وبَيعةِ الرِّضوانِ وأَمثالِهم مِن طَبَقاتِ الصَّحابةِ الكِرامِ؛ كما تُفيدُ أَسرارًا كَثيرةً بحِسابِ الحُرُوفِ الأَبجَدِيّةِ والتَّوافُقِ الَّذي يُمَثِّلُ نَوعًا مِن عِلمِ الجَفْرِ ومِفتاحَه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
إنَّ الإخبارَ الغَيبيَّ الَّذي تُخبِرُ به آياتُ خِتامِ سُورةِ الفَتحِ بالمَعنَى الإشارِيِّ، تُخبِرُ به كذلك هذه الآيةُ الآتيةُ وتُشِيرُ إلى المَعنَى نَفسِه، لِذا نَتَطرَّقُ إلَيها هنا.
تَتِمّةٌ
... وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ٭ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
نُشِيرُ إلى نُكتَتَينِ فَقَط مِن بينِ أُلُوفِ نِكاتِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ:
النُّكتةُ الأُولَى: إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ مِثلَما يُبيِّنُ الحَقائقَ بمَفاهِيمِه وبمَعناه الصَّرِيحِ يُفيدُ كذلك مَعانِيَ إشارِيّةً كَثيرةً بأَساليبِه وهَيْئاتِه، فلِكُلِّ آيةٍ طَبَقاتٌ كَثيرةٌ مِنَ المَعاني؛
— 46 —
ولِأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد نَزَل مِنَ العِلمِ المُحِيطِ، فيُمكِنُ أن تكُونَ جَميعُ مَعانيه مُرادةً، إذ مَعاني القُرآنِ لا تَنحَصِرُ في واحِدٍ أوِ اثنَينِ مِنَ المَعاني كما يَنحَصِرُ كَلامُ الإنسانِ الحاصِلُ بإرادَتِه الشَّخصِيّةِ وبفِكْرِه الجُزئيِّ المَحدُودِ.
وبِناءً على هذا السِّرِّ فقد بَيَّن المُفَسِّرُون ما لا يُحَدُّ مِنَ الحَقائقِ لِآياتِ القُرآنِ.
وهناك حَقائقُ كَثيرةٌ جِدًّا لم يُبَيِّنْها المُفَسِّرُون بَعدُ، ولا سِيَّما حُرُوفُ القُرآنِ وإشاراتُه، ففيها عُلُومٌ مُهِمّةٌ سِوَى مَعانيه الصَّرِيحةِ..
النُّكتةُ الثّانية: تُبيِّنُ هذه الآيةُ الكَرِيمةُ: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا أنَّ أَهلَ الصِّراطِ المُستَقِيمِ والمُنعَمَ علَيهم بالنِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ حَقًّا هم طائِفةُ الأَنبِياءِ وقافِلةُ الصِّدِّيقين وجَماعةُ الشُّهَداءِ وأَصنافُ الصّالِحِين وأَنواعُ التّابِعِين؛ فكما تُبيِّنُ الآيةُ هذه الحَقيقةَ فهي تُفِيدُ صَراحةً أَكمَلَ مَن في تلك الأَقسامِ الخَمسةِ في عالَمِ الإسلامِ، وتَدُلُّ على أَئمّةِ تلك الأَقسامِ الخَمسةِ وعلى رُؤَسائِهِمُ المُتَقدِّمين بذِكرِ صِفاتِهِمُ المَشهُورةِ، ثمَّ تُعيِّنُ بجِهةٍ من خلال لَمعةِ إعجازٍ أَئمّةَ تلك الأَقسامِ في المُستَقبَلِ وأَوضاعَهُم بنَوعٍ مِن إخبارٍ غَيبيٍّ.
نعم، كما أنَّ لَفظَ مِنَ النَّبِيِّينَ يَنظُرُ صَراحةً إلى الرَّسُولِ الكَريمِ (ص)، فإنَّ فِقْرةَ وَالصِّدِّيقِينَ تَنظُرُ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، مُشِيرةً إلى أنَّه الشَّخصُ الثَّاني بعدَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، وأَوَّلُ مَن يَخلُفُه؛ وأنَّ اسمَ الصِّدِّيقِ عُنوانُه الخاصُّ الَّذي لُقِّبَ به وهو المَعرُوفُ لَدَى الأُمّةِ جَميعًا، وأنَّه سيَكُونُ على رَأسِ الصِّدِّيقين.
كما تُشِيرُ بكَلِمةِ وَالشُّهَدَاءِ إلى عُمَرَ وعُثمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنهُم أَجمَعِين، وتُفِيدُ إفادةً غَيبِيّةً أنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثةَ سيَنالُون الخِلافةَ بعدَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ، وأنَّهم سيُستَشْهَدُون.. مِمّا يَزِيدُ فَضِيلةً إلى فَضائِلِهم.
وكما تُشِيرُ بكَلِمةِ وَالصَّالِحِينَ إلى أَصحابِ الصُّفّةِ وبَدْرٍ، وبَيعةِ الرِّضوانِ، وتُشَوِّقُ بجُملةِ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا بمَعناها الصَّرِيحِ على اتِّباعِهِم، وتُبيِّنُ جَمالَ
— 47 —
اتِّباعِ التّابِعين لهم وحُسْنَه مُشِيرةً بالمَعنَى الإشارِيِّ إلى الحَسَنِ رَضِيَ الله عَنهُ أنَّه خامِسُ الخُلَفاءِ الأَربَعةِ، مُصادِقًا على حُكمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «الخِلافةُ بَعدِي في أُمَّتي ثَلاثُون سَنةً» ، فمعَ قِصَرِ مُدّةِ خِلافَتِه فهي عَظِيمةُ الشَّأْنِ.
الحاصِلُ: أنَّ الآيةَ الأَخيرةَ مِن سُورةِ الفَتحِ تَنظُرُ إلى الخُلَفاءِ الأَربَعةِ، كما تَنظُرُ هذه الآيةُ وتُشِيرُ إلى مُستَقبَلِ أَوضاعِهم وتُؤَيِّدُها بنَوعٍ مِنَ الإخبارِ الغَيبِيِّ.
فالإخبارُ الغَيبِيُّ الَّذي هو أَحَدُ أَنواعِ إعجازِ القُرآنِ له لَمَعاتٌ إعجازِيّةٌ كَثيرةٌ وكَثيرةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، فإنَّ حَصْرَ أَهلِ الظَّاهِرِ تلك الإخباراتِ الغَيبِيّةَ في أَربَعِين أو خَمسِين آيةً فَقَط إنَّما هو ناشِئٌ مِن نَظَرٍ ظاهِرِيٍّ سَطْحِيٍّ، بَينَما في الحَقيقةِ هناك ما يَربُو على الأَلفِ مِنها، بل قد تكُونُ في آيةٍ واحِدةٍ فقط أَربَعةُ أو خَمسةُ إِخباراتٍ غَيبِيّةٍ.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭

توضيحٌ ثانٍ لهذه التَّتمّة

(حاشية): لقد وَجَد إخواني أنَّ كِلا التَّوضِيحَينِ مُفيدٌ، فأَدرَجُوا الِاثنَينِ معًا، علمًا أنَّ أيًّا مِنهما كافٍ.
إنَّ آيةَ: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا تُؤيِّدُ الإِشارةَ الغَيبِيّةَ الورِادَ ذِكرُها في خِتامِ سُورةِ الفَتحِ، وتُعرِّفُ أَصحابَ الصِّراطِ المُستَقِيمِ في الفاتِحةِ الشَّرِيفةِ، وتُبيِّنُ المَقصُودِينَ بِالآيةِ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ؛ وتُظهِرُ قافِلةَ الرِّفاقِ النُّورانيِّينَ الأَشَدَّ أُنسًا والأَكثَرَ عَدَدًا ورَغْبةً في طَرِيقِ أَبدِ الآبادِ، وتَدفَعُ أَهلَ الإِيمانِ وأَصحابَ الشُّعُورِ وتَسُوقُهُم بشَكلٍ مُعجِزٍ لِاتِّباعِ هذه القافِلةِ والِالتِحاقِ برَكْبِها؛ كما أنَّها تُشِيرُ یی كما في آخِر آيةٍ مِن سُورةِ
— 48 —
الفَتحِ یی بما يُعبَّرُ عنه في عِلمِ البَلاغةِ بی"مَعارِيضِ الكَلامِ" و"مُستَتبَعاتِ التَّراكِيبِ" إلى مَعانٍ مُغايِرةٍ لِمَعانِيها المَقصُودةِ، أي: تُشِيرُ بمَعانٍ رَمزِيّةٍ إِشارِيّةٍ إلى الخُلَفاءِ الأَربَعةِ، وإلى الخَلِيفةِ الخامِسِ "الحَسَنِ" رَضِيَ الله عَنهُ، وتُخبِرُ عن أُمُورٍ غَيبِيّةٍ مِن جِهاتٍ عِدّةٍ، هي على النَّحوِ التّالي:
تُعرِّفُ الآيةُ الكَرِيمةُ بمَنطُوقِها الصَّرِيحِ بأَصحابِ الصِّراطِ المُستَقِيمِ وبالمُنعَمِ علَيهِم بالنِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ مِن بَينِ بَنِي البَشَرِ، مِن قافِلةِ الأَنبِياءِ، وطائِفةِ الصِّدِّيقِينَ، وجَماعةِ الشُّهَداءِ، وأَنواعِ الصّالِحِينَ، وأَصنافِ التّابِعِينَ (المُحسِنِينَ)؛ وهِي إذ تُعبِّرُ عن هذه الحَقيقةِ، تُشِيرُ كَذلِك بإِخبارٍ غَيبِيٍّ إلى وُجُودِ أَكمَلِهِم وأَفضَلِهِم في العالَمِ الإِسلامِيِّ، وهُم طائِفةُ وَرَثةِ الأَنبِياءِ المُتَسَلسِلِينَ مِن سِرِّ نُبوّةِ نَبِيِّ آخِرِ الزَّمانِ (ص)، وقافِلةُ الصِّدِّيقِينَ المُتَسَلسِلِينَ مِن مَعدِنِ صِدِّيقيِّةِ الصِّدِّيقِ الأَكبَرِ رَضِيَ الله عَنهُ، وقافِلةُ الشُّهَداءِ المُتَّصِلِينَ بمَرتَبةِ شَهادةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثِ، وجَماعةُ الصّالِحِينَ المُرتَبِطِينَ بسِرِّ: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ؛ وأَصنافُ التّابِعِينَ المُمتَثِلِينَ أَمرَ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه والماضِينَ برُفقةِ الصَّحابةِ والخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ.
كما تُخبِرُ بإِشارةٍ مَعنَوِيّةٍ بكَلِمةِ: وَالصِّدِّيقِينَ عن أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وأنَّه الرَّجُلُ الثَّاني بَعدَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، وأَوَّلُ مَن يَخلُفُه، وأنَّ اسمَ الصِّدِّيقِ عُنوانُه الخاصُّ الَّذي لُقِّبَ به وعُرِف لَدَى الأُمّةِ جَمِيعًا، وأنَّه سيَكُونُ على رَأسِ الصِّدِّيقِينَ.
كما تُخبِرُ بكَلِمةِ: وَالشُّهَدَاءِ عنِ استِشهادِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ الثَّلاثِ، وأنَّهُم سيَتَقلَّدُون الخِلافةَ بعدَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ، لِأنَّ كَلِمةَ "شُهَداء" جَمْعٌ، وأَقلُّ الجَمعِ ثَلاثٌ، ما يَعنِي أنَّ عُمَرَ وعُثمانَ وعَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُم سيَتَولَّوْن خِلافةَ المُسلِمِينَ بَعدَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عَنهُ، وسيَرتَقُونَ شُهَداءَ؛ وقد حَصَل هذا الإِخبارُ الغَيبِيُّ تَمامًا.
وتُخبِرُ بقَيدِ: وَالصَّالِحِينَ إلى كَثْرةِ أَهلِ الصَّلاحِ والتَّقوَى والعِبادةِ في المُستَقبَلِ أَمثالَ أَصحابِ الصُّفّةِ الَّذين أَثنَتْ علَيهِمُ التَّوراةُ على طاعَتِهِم وعِبادَتِهِم.
— 49 —
وتُشِيرُ بجُملةِ: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا إلى جَمالِ أَتْباعِ التّابِعِينَ الَّذين صاحَبُوا الصَّحابةَ واتَّبعُوهُم في العِلمِ والعَمَلِ، كما تُبيِّنُ مَحاسِنَ وجَمالَ رُفْقةِ هذه القَوافِلِ الأَربَعةِ في طَرِيقِ الأَبدِ.
ولِتَصدِيقِ الإِخبارِ النَّبوِيِّ الغَيبِيِّ كانَت خِلافةُ الحَسَنِ رَضِيَ الله عَنهُ في الظّاهِرِ مُدّةً قَصِيرةً لا تَتَجاوَزُ بِضْعةَ أَشهُرٍ قَلِيلةٍ، وذلك بمُوجَبِ حُكمِ: «الخِلافةُ بَعدِي في أُمَّتي ثَلاثُون سَنةً» ؛ ومِصداقًا للإِخبارِ النَّبوِيِّ الغَيبِيِّ الوارِدِ في حَدِيثِ: «إنَّ ابنِي حَسَنٌ هذَا سَيِّدٌ، سَيُصلِحُ اللهُ بِهِ بَينَ فِئَتَينِ عَظِيمَتَينِ» ، قامَ الحَسَنُ رَضِيَ الله عَنهُ بالإِصلاحِ بَينَ جَيشَينِ وجَماعَتَينِ إِسلامِيَّتَينِ عَظِيمَتَينِ، وأَزالَ الخِلافَ الواقِعَ بَينَهُما، فكانَت خِلافَتُه القَصِيرةُ هذه ذاتَ أَهَمِّيّةٍ عَظِيمةٍ؛ ومِن خِلالِ السِّرِّ المُعبَّرِ عنه في عِلمِ البَلاغةِ بی"مُستَتبَعاتِ التَّراكِيبِ" أَرشَدَت بالمَعنَى الإِشارِيِّ إلى اسمِ الخَلِيفةِ الخامِسِ، وذلِك بكَلِمةِ: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، لِتُومِئَ بإِخبارٍ غَيبِيٍّ إلى أنَّه الخَلِيفةُ الخامِسُ بعدَ الخُلَفاءِ الأَربَعةِ.
إنَّ ثَمّةَ أَسرارًا كَثِيرةً مِن أَمثالِ الأَخبارِ الإِشارِيّةِ المَذكُورةِ، لكِنْ لم يُفتَحِ البابُ لَنا لِأنَّ ذلك لا يُناسِبُ مَوضُوعَنا؛ وفي القُرآنِ الحَكِيمِ آياتٌ كَثِيرةٌ تَنطَوِي كلُّ آيةٍ مِنها على نَوعٍ مِنَ الإِخبارِ الغَيبِيِّ بجِهاتٍ عِدّةٍ، وإنَّ الأَخبارَ الغَيبِيّةَ القُرآنيّةَ الَّتي مِن هذا القَبِيلِ تُعَدُّ بالآلافِ.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭

خاتمة

لم تترجم
٭ ٭ ٭
— 50 —

اللمعة الثامنة

نُشِرَت في مَجمَوعَتَيْ "سِكَّة التَّصدِيقِ الغَيبِيِّ" و"اللَّمَعات" باللُّغةِ العُثمانيّةِ.
٭ ٭ ٭

اللمعة التاسعة

نُشِرَت في مَجمُوعةِ "اللَّمَعات" باللُّغةِ العُثمانيّةِ.
٭ ٭ ٭
— 51 —

اللمعة العاشرة

رسالة "لَطَماتُ الرأفة وصَفَعاتُ الرحمة"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
هذه اللَّمْعةُ تُفسِّرُ سِرًّا مِن أَسرارِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وذلك بذِكرِ لَطَماتِ تَأدِيبٍ رَحِيمةٍ وصَفَعاتِ عِتابٍ رَؤُوفةٍ تَلَقّاها إِخوَتِي الأَحِبّةُ العامِلُونَ في خِدمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وذلك مِن جَرّاءِ أَخطاءٍ ونِسيانٍ وغَفْلةٍ وَقَعُوا فيها بمُقتَضَى جِبِلَّتِهِمُ البَشَرِيّةِ.
وستُبيَّنُ سِلسِلةٌ مِن كَراماتٍ يُجرِيها اللهُ سُبحانَه في خِدْمةِ قُرآنِه العَظِيمِ.. معَ بَيانِ نَوعٍ مِن كَرامةِ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ الَّذي يَمُدُّ هذه الخِدْمةَ المُقَدَّسةَ بدُعائِه وهِمَّتِه، ويُراقِبُها بإِذنٍ إِلٰهِيٍّ.
نبُيِّنُ هذه الكَراماتِ لَعَلَّ العامِلِينَ في سَبِيلِ القُرآنِ يَزدادُونَ ثَباتًا وإِقدامًا وجِدِّيّةً وإِخلاصًا.
نعم، إنَّ كَرامةَ العَمَلِ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ یی هذه الخِدمةِ المُقَدَّسةِ یی ثَلاثةُ أَنواعٍ:
النَّوعُ الأوَّل: تَهيِئةُ وَسائِلِ العَمَلِ والخِدمةِ، وسَوقُ العامِلِينَ فيها إلى الخِدمةِ.
النَّوعُ الثّاني: رَدُّ المَوانِعِ مِن حَوْلِها، ودَفعُ الأَضرارِ عنها، وتَأدِيبُ مَن يُعِيقُ سَيرَها، بإِنزالِ عُقُوباتٍ بهم..
— 52 —
هُناك حَوادِثُ كَثِيرةٌ جِدًّا حَولَ هَذَينِ القِسمَينِ، ويَطُولُ الحَدِيثُ عَنْهُما. (٭): فمثلًا: لقد لاقى حزبُ الشَّعب في الدنيا جزاءَ ما فعلوه بطلاب النور من إهانة وتضييق نهااب، بل قاسُوا ما هو أشدُّ.
لِذا نُؤَجِّلُ الكَلامَ فِيهِما إلى وَقتٍ آخَرَ خَشْيةَ السَّأَمِ، ونَشرَعُ في البَحثِ عنِ النَّوعِ الثّالِثِ الَّذي هو أَخَفُّها تَناوُلًا وأَبسَطُها فَهْمًا.
النَّوعُ الثّالثُ: هو أنَّ العامِلِينَ المُخلِصِينَ في هذه الخِدمةِ القُرآنيّةِ، حِينَما يَعتَرِيهِمُ الفُتُورُ والإِهمالُ في العَمَلِ يَأتيهِمُ التَّحذِيرُ والتَّنبِيهُ، فيَتَلقَّوْنَ لَطْمةً ذاتَ رَأْفةٍ وعَطْفٍ، ويَنتَبِهُونَ مِن غَفْلَتِهِم، ويُسرِعُونَ بجِدٍّ لِلخِدمةِ مَرّةً أُخرَى.. إنَّ حَوادِثَ هذا القِسمِ تَربُو على المِئةِ، إلّا أنَّنا نَسُوقُ هنا ما يَقرُبُ مِن عِشرِينَ حادِثةً جَرَت على إِخوانِنا، عَشَرةٌ ونيِّفٌ مِنهُم تَلَقَّوْا لَطْمةَ حَنانٍ رَؤُوفةً، بَينَما تَلَقَّى حَوالَيْ سَبعةٍ مِنهُم لَطْمةَ زَجرٍ عَنِيفةً.
فالأوَّلُ مِنهُم: هو هذا المِسكِينُ "سَعِيدٌ"، فكُلَّما أَصابَني الفُتُورُ في عَمَلِي لِلقُرآنِ بِسَبَبِ انْهِماكِي بأُمُورِي الخاصّةِ، وقُلتُ: ما لي ولِلآخَرِينَ! أَتانِي التَّحذِيرُ وجاءَتنِي اللَّطْمةُ؛ لِذا بِتُّ على يَقِينٍ أنَّ هذه العُقُوبةَ لم تَنزِل إلّا نَتِيجةَ إِهمالِي وفُتُورِي في خِدمةِ القُرآنِ، لِأنَّنِي كُنتُ أَتلَقَّى اللَّطْمةَ بخِلافِ المَقصَدِ الَّذي ساقَنِي إلى الغَفْلةِ.. ثمَّ بَدَأْنا معَ الإِخوةِ المُخلِصِينَ نُتابِعُ الحَوادِثَ ونُلاحِظُ التَّنبِيهاتِ الرَّبّانيّةَ والصَّفَعاتِ الَّتي نَزَلَت بإِخوَتِي الآخَرِينَ.. فأَمْعَنّا النَّظَرَ فيها، وتَقَصَّيْنا كُلًّا مِنها، فوَجَدْنا أنَّ اللَّطْمةَ قد أَتَتهُم مِثلِي حَيثُما أَهمَلُوا العَملَ لِلقُرآنِ وتَلقَّوْها بضِدِّ ما كانُوا يَقصِدُونَه، لِذا حَصَلَتْ لَدَينا القَناعةُ التَّامّةُ بأنَّ تلك الحَوادِثَ والعُقُوباتِ إنَّما هي كَرامةٌ مِن كَراماتِ خِدمةِ القُرآنِ.
فمَثلًا: هذا السَّعِيدُ الفَقِيرُ إلى اللهِ تَعالَى.. عِندَما كُنتُ مُنشَغِلًا بإِلقاءِ دُرُوسٍ في حَقائِقِ القُرآنِ على طُلّابِي في مَدِينةِ "وان"، كانَت حَوادِثُ "الشَّيخِ سَعِيدٍ" تُقلِقُ بالَ المَسؤُولِينَ في الدَّوْلةِ؛ وعلى الرَّغمِ مِنِ ارْتِيابِهِم مِن كلِّ شَخصٍ، لم يَمَسُّونِي بسُوءٍ، ولم يَجِدُوا عَلَيَّ حُجّةً ما دُمتُ مُستَمِرًّا في خِدمةِ القُرآنِ.. ولكِن ما إِن قُلتُ في نَفسِي:
— 53 —
"ما لي ولِلآخَرِينَ!"، وفكَّرتُ في نَفسِي فحَسْبُ، وانسَحَبتُ إلى جَبَلِ "أَرَك" لِأَنزَوِيَ في مَغاراتِه الخَرِبةِ، وأَنجُوَ بنَفسِي في الآخِرةِ، إذا بهم يَأخُذُونَنِي مِن تلك المَغارةِ ويَنفُونَنِي مِن وِلايةٍ شَرقيّةٍ إلى أُخرَى غَربِيّةٍ.. إلى "بُورْدُور".
كانَ المَسؤُولُونَ في هذه المَدِينةِ يُراقِبُونَ المَنفِيِّينَ مُراقَبةً شَدِيدةً، وكانَ على المَنفِيِّينَ إِثباتُ وُجُودِهِم بحُضُورِهِم مَساءَ كلِّ يَومٍ لَدَى الشُّرْطةِ، إلّا أنَّني وطُلّابي المُخلِصِينَ استُثْنِينا مِن هذا الأَمرِ ما دُمتُ قائِمًا بخِدمةِ القُرآنِ، فلم أَذهَب لِإثباتِ الحُضُورِ ولم أَعرِف أَحَدًا مِنَ المَسؤُولينَ هُناك.. حتَّى إنَّ الواليَ شَكَا مِن عَمَلِنا هذا لَدَى "فَوْزِي باشا" عِندَ قُدُومِه إلى المَدِينةِ، فأَوْصاه: "احتَرِمُوه! لا تَتَعرَّضُوا له!"، إنَّ الَّذي أَنطَقَه بهذا الكَلامِ هو كَرامةُ العَمَلِ القُرآنِيِّ ليس إلّا، وحِينَما استَوْلَت عَلَيَّ الرَّغبةُ في إِنقاذِ نَفسِي وإِصلاحِ آخِرَتِي، وفَتَرتُ عنِ العَمَلِ لِلقُرآنِ یی مُؤَقَّتًا یی جاءَتْنِي العُقُوبةُ بخِلافِ ما كُنتُ أَقصِدُه وأتَوَقَّعُه، أي: نُفِيتُ مِن "بُورْدُور" إلى مَنفًى آخَرَ.. إلى "إِسبارْطةَ".
تَوَلَّيتُ هُناك العَمَلَ لِلقُرآنِ العَظِيمِ كَذلِك.. ولكِن بَعدَ مُرُورِ عِشرِينَ يَومًا على الخِدمةِ القُرآنيّةِ كَثُرَت عَلَيَّ التَّنبِيهاتُ مِن بَعضِ المُتَخوِّفينَ، حَيثُ قالُوا: رُبَّما لا يُحَبِّذُ مَسؤُولُو هذه البَلْدةِ عَمَلَك هذا! فهَلّا أَخَذتَ الأَمرَ بالتَّأنِّي والتَّرَيُّثِ؟! سَيْطَرَ عَلَيَّ الِاهتِمامُ بخاصّةِ نَفسِي وبمَصِيرِي فحَسْبُ، فأَوْصَيتُ الأَصدِقاءَ بتَركِ مُقابَلَتي، وانسَحَبتُ مِن مَيدانِ العَمَلِ.. فجاءَ النَّفيُ مَرّةً أُخرَى، نُفِيتُ إلى مَنفًى ثالِثٍ.. إلى "بارْلا".
وكُنتُ فيها كُلَّما أَصابَني الفُتُورُ في العَمَلِ لِلقُرآنِ، واستَوْلَى عَلَيَّ التَّفكِيرُ بخاصّةِ نَفسِي وإِصلاحِ آخِرَتِي، كانَ أَحَدُ ثَعابِينِ أَهلِ الدُّنيا يَتَسلَّطُ عَلَيَّ، وأَحَدُ المُنافِقِينَ يَتَعرَّضُ لي؛ وأنا على استِعدادٍ الآنَ لِأَن أَسرُدَ على مَسامِعِكُم ثَمانِينَ حادِثةً مِن هذا النَّوعِ خِلالَ ثَمانِي سَنَواتٍ قَضَيتُها في "بارْلا"، ولكِن خَشْيةَ المَلَلِ أَقتَصِرُ على ما ذَكَرتُ.
فيا إِخوَتِي، لقد ذَكَرتُ لَكُم ما أَصابَنِي مِن لَطَماتِ الرَّأفةِ وصَفَعاتِ الشَّفَقةِ والحَنانِ، فإذا سَمَحتُم بأَن أَسرُدَ ما تَلقَّيتُمُوه أَنتُم مِن لَطَماتٍ رَؤُوفةٍ أَيضًا فسأَذكُرُها، وأَرجُو ألّا تَستاؤُوا، وإن كانَ فِيكُم مَن لا يَرغَبُ في ذِكرِها فلن أُصَرِّحَ بِاسمِه.
— 54 —
الثَّاني: هو أَخِي "عَبدُ المَجِيدِ"، وهُو مِن طُلَّابي العامِلِينَ المُخلِصِينَ المُضَحِّينَ.. كانَ يَملِكُ دارًا أَنِيقةً جَمِيلةً في "وان"، وحالَتُه المَعاشِيّةُ على ما يُرامُ، فَضْلًا عن أنَّه كانَ يُزاوِلُ مِهْنةَ التَّدرِيسِ.. فعِندَما استَوجَبَتْ خِدمةُ القُرآنِ ذَهابِي إلى مَكانٍ بَعِيدٍ عنِ المَدِينةِ، على الحُدُودِ، لم يُوافِق على ذلك، وكانَ رَأْيُه أنَّ مِنَ الأَفضَلِ عَدَمَ ذَهابِي، ظَنًّا مِنه أنَّ العَمَلَ لِلقُرآنِ قد يَشُوبُه شَيءٌ مِنَ السِّياسةِ وقد يُعَرِّضُ لِلنَّفيِ.. ولكِن جاءَتْه اللَّطْمةُ الرَّحمانيّةُ بما هو ضِدَّ مَقصُودِه، وعلى غَيرِ تَوَقُّعٍ مِنه، إذ أُخرِجَ مِنَ المَدِينةِ وأُبعِدَ عن مَنزِلِه الجَمِيلِ، وأُرغِمَ على الذَّهابِ إلى "أَرْغانِي".
الثّالثُ: وهُو "خُلُوصِي"، وهُو مِنَ البارِزِينَ في خِدمةِ القُرآنِ، فعِندَما سافَرَ مِن قَضاءِ "أَكَرِيدِر" إلى بَلدَتِه، تَيسَّرَت له أَسبابُ التَّمتُّعِ بمَباهِجِ الدُّنيا وسَعادَتِها، مِمّا دفَعَه إلى شَيءٍ مِنَ الفُتُورِ عن خِدْمةِ القُرآنِ الخالِصةِ للهِ.. حَيث الْتَقَى والِدَيه اللَّذَينِ كان قد فارَقَهُما مُنذُ مُدّةٍ مَدِيدةٍ، وحَلَّ في مَدِينَتِه وهُو بكامِلِ بِزَّتِه العَسكَرِيّةِ ورُتبَتِه العالِيةِ، فبَدَتِ الدُّنيا له حُلْوةً خَضِرةً.
نعم، إنَّ العامِلِينَ في خِدمةِ القُرآنِ إمّا أن يُعرِضُوا عنِ الدُّنيا أوِ أن تُعرِضَ عَنهُمُ الدُّنيا، كي يَنهَضُوا في خِدمةِ القُرآنِ بجِدٍّ ونَشاطٍ وإِخلاصٍ.. وهكذا، فعَلَى الرَّغمِ مِن أنَّ قَلبَ "خُلُوصِي" ثابِتٌ لا يَتزَعزَعُ، وهُو رابِطُ الجَأْشِ، فقد ساقَه هذا الوَضْعُ الجَمِيلُ الَّذي ابتَسَم له إلى الفُتُورِ.. فجاءَتْه لَطْمةٌ ذاتُ رَأْفةٍ، إذ تَعَرَّض له عَدَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ طَوالَ سَنَتَينِ مُتَوالَيتَينِ، فسَلَبُوه لَذّةَ الدُّنيا وأَفقَدُوه طَعْمَها، حتَّى جَعَلُوه يَمتَعِضُ مِنها ويَعزِفُ عنها، والدُّنيا تَمتَعِضُ مِنه وتَعزِفُ عنه، وعِندَها الْتَفَّ حَولَ رايةِ العَمَلِ القُرآنِيِّ، واستَمْسَك بها بجِدٍّ ونَشاطٍ.
الرَّابعُ: هو "الحافِظُ أَحمَدُ المُهاجِرُ"، وسيَقُصُّ علَيْكُم ما وَقَع له بِنَفسِه..
نعم، لقد أَخطَأتُ في اجتِهادِي في خِدمةِ القُرآنِ، مِن حَيثُ آخِرَتِي، إِذ رَغِبتُ في شَيءٍ يُسَبِّبُ الفُتُورَ في العَمَلِ لِلقُرآنِ، فأَتتْني لَطْمةٌ رَؤُوفةٌ، رَغمَ ما فيها مِن قُوّةٍ وشِدّةٍ،
— 55 —
بل كانَت في الحَقِيقةِ صَفْعةً شَدِيدةً وزَجْرًا عَنِيفًا، أَرجُو اللهَ تَعالَى أن تكُونَ كَفّارةً عَمّا بَدَر مِنِّي مِن غَفْلةٍ.. والحادِثةُ كانَت كالآتي:
كانَ الأُستاذُ لا يُوافِقُ على مُحدَثاتِ الأُمُور، (٭) أمثالِ البِدع المُخالفة للشعائر الإسلامية كرفعِ الأذان باللغة التركية. وحَيثُ إنَّ الجامِعَ الَّذي أُؤَدِّي فيه الصَّلاةَ إِمامًا يَقَعُ بجِوارِ مَسكَنِ الأُستاذِ، والشُّهُورُ المُبارَكةُ یی رَجَبٌ شَعْبانُ رَمَضانُ یی مُقبِلةٌ علَيْنا، فقد حَدَّثتْنِي نَفسِي بالآتي:
إنْ لم أُؤَدِّ الصَّلاةَ على الوَجهِ البِدْعِيِّ، أُمنَعُ مِن عَمَلِي، وإن تَرَكتُ الجامِعَ ولم أُصَلِّ فيه إِمامًا لِلجَماعةِ، يَضِيعُ مِنِّي ثَوابٌ عَظِيمٌ ولا سِيَّما في هذه الشُّهُورِ الثَّلاثةِ، فَضْلًا عن أنَّ أَهلَ المَحَلّةِ سيَعْتادُونَ على تَركِ الصَّلاةِ.. فرَغِبتُ في نَفسِي أن لو يُغادِرُ الأُستاذُ القَريةَ "بارْلا" یی وهُو أَحَبُّ إِلَيَّ مِن رُوحِي یی بشَكلٍ مُؤَقَّتٍ إلى قَريةٍ أُخرَى كي أُؤدِّيَ الصَّلاةَ وَفقَ الأُمُورِ المُحدَثةِ؛ ولكِن فاتَنِي شَيءٌ هو أنْ لو غادَرَ الأُستاذُ هذا المَكانَ فسَوفَ يَفتُرُ العَمَلُ لِلقُرآنِ ولو مُؤَقَّتًا، فجاءَتْني العُقُوبةُ في هذه الأَثناءِ، وكانَت لَطْمةً قَوِيّةً جِدًّا معَ ما فِيها مِن حَنانٍ ورَأْفةٍ، حتَّى إِنَّني لم أُفِقْ مِن شِدَّتِها مُنذُ ثَلاثةَ شُهُورٍ.
فأَمَلِي عَظِيمٌ في سَعةِ رَحْمَتِه تَعالَى أن يَجعَلَ كلَّ دَقِيقةٍ مِن دَقائِقِ تلك المُصِيبةِ بمَثابةِ عِبادةِ يَومٍ كامِلٍ یی كما أَخبَرَني به الأُستاذُ بما أَلْهَمَه اللهُ یی حَيثُ إنَّ ذلك الخَطَأَ لم يَكُن قد بَدَر مِنِّي لِدَوافِعَ شَخصِيّةٍ، وإنَّما هو خَطَأٌ اجتِهادِي في التَّفكِيرِ، ولم يَنجُم إلّا عن تَفكِيرِي بآخِرَتي وَحْدَها.
الخامِسُ: هو "السَّيِّدُ حَقِّي"، وحَيثُ إنَّه ليس حاضِرًا مَعَنا، فسأَنُوبُ عنه كما نُبْتُ عن "خُلُوصِي" فأَقُولُ:
كانَ "السَّيِّدُ حَقِّي" يُؤَدِّي مُهِمَّتَه في العَمَلِ لِلقُرآنِ حَقَّ الأَداءِ، ولكِن عِندَما عُيِّن "قائِمّقامٌ" سَفِيهٌ لِلقَضاءِ، فكَّر "السَّيِّدُ حَقِّي" أن يُخَبِّئَ ما لَدَيه مِن "رَسائِلَ" خَشْيةَ أن يُصِيبَه وأُستاذَه أَذًى مِنه، فتَرَك خِدمةِ النُّورِ مُؤَقَّتًا، وإذا بلَطْمةٍ ذاتِ رَحْمةٍ وحَنانٍ تُواجِهُه، إذ فُتِحَت علَيْه دَعْوَى كادَت تُلجِئُه إلى دَفعِ أَلفِ لَيرةٍ كي يَبْرَأَ منها، فباتَ
— 56 —
تَحتَ وَطْأةِ التَّهدِيدِ طَوالَ سَنةٍ كامِلةٍ.. حتَّى أَتانا عائِدًا إلى وَظِيفَتِه طالِبًا في خِدمةِ القُرآنِ، فأَنقَذَه اللهُ مِن تلك الوَرْطةِ ورُفِعَ عنه الحُكْمُ، وبَرِئَت ساحَتُه.
ثمَّ عِندَما فُتِح أَمامَ الطُّلّابِ مَيدانُ عَمَلٍ جَدِيدٌ لِلقُرآنِ یی وهُو كِتابَتُه بنَمَطٍ جَدِيدٍ یی (حاشية): أي: على نمطٍ تَظهرُ فيه مُعجزةُ التَوافُقات. أُعطِيَ لِلسَّيِّدِ حَقِّي حِصَّتُه مِنَ الكِتابةِ، فأَجادَ القِيامَ بما كُلِّف، وكَتَب جُزءًا كامِلًا مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ أَحسَنَ كِتابةٍ، ولكِن لِأنَّه كانَ يَرَى نَفسَه في حالِ اضطِرارٍ مِن حَيثُ ضَرُورِيّاتُ العَيشِ، فقد لَجَأ إلى القِيامِ بوَكالةِ الدَّعاوَى أَمامَ المَحاكِمِ، مِن دُونِ عِلْمِنا، وإذا به يَتَلقَّى لَطْمةً أُخرَى فيها الرَّأْفةُ والرَّحْمةُ له، إذِ انثَنَتْ إِصبَعُه الَّتي كانَ يَكتُبُ بها القُرآنَ الكَرِيمَ؛ وحَيثُ إنَّنا لم نَیكُن نَعلَمُ اشتِغالَه بهذا العَمِلِ فقد كُنّا حائِرِينَ أَمامَ ما نَزَل بإِصبَعِه مِن بَأْسٍ، وعَجْزِه عنِ الِاستِمرارِ في كِتابةِ القُرآنِ.
ثمَّ عَلِمْنا أنَّ الخِدمةَ المُقَدَّسةَ هذه لا تَقبَلُ أن تَخُوضَ تلك الأَصابِعُ الطّاهِرةُ في أُمُورٍ مُلَوَّثةٍ، فكَأنَّ الإِصبَعَ تقُولُ بهذا الِانثِناءِ: لا يَجُوزُ لك أن تَغمِسَني في نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ ثمَّ تُغرِقَني في ظُلمةِ الدَّعاوَى. فنَبَّهَتْه..
وعلى كلِّ حالٍ، فقد وَضَعتُ نَفسِي مَوضِعَ "خُلُوصِي"، وتكَلَّمتُ بَدَلًا مِنه، فالسَّيِّدُ حَقِّي أَيضًا مِثلُه تَمامًا.. فإن لم يَرْضَ بوَكالَتِي عنه فلْيَكتُب بنَفسِه اللَّطْمةَ الَّتي تَلَقّاها.
السّادِسُ: هو "السَّيِّدُ بَكرٌ"، وسأَتَولَّى مُهِمّةَ الكَلامِ عنه لِعَدَمِ حُضُورِه مَعَنا مِثلَما تكَلَّمتُ بَدَلًا عن أَخِي عَبدِ المَجِيدِ، فهُو مِثلُه أَيضًا، أَتَوكَّلُ عنه مُعتَمِدًا على إِخلاصِه ووَفائِه وصَداقَتِه الصَّمِيمةِ وثَباتِه في الخِدمةِ، واستِنادًا إلى ما نقَلَه "السَّيِّدُ سُلَيمانُ" و"الحافِظُ تَوفيقٌ الشّامِيُّ" وأَمثالُهُم مِنَ الإِخوةِ الأَحِبّةِ:
تَوَلَّى "السَّيِّد بَكر" مُهِمّةَ طَبعِ "الكَلِمةِ العاشِرةِ" في إِسطَنبُولَ، فأَرَدْنا طَبعَ "رِسالةِ المُعجِزاتِ القُرآنيّةِ" أَيضًا هُناك قبلَ إِحداثِ الحُرُوفِ اللّاتِينيّةِ الحَدِيثةِ، أَرسَلتُ رِسالةً كَتَبتُ له فيها: سنُرسِلُ لك ثَمَنَ طَبعِ هذه الرِّسالةِ مِثلَما أَرسَلْنا ثَمَنَ الرِّسالةِ السّابِقةِ؛ ولكِنَّه عِندَما لاحَظَ أنَّ الطَّبعَ يُكلِّفُ أَربَعَ مِئةِ لَيرةٍ، وهُو يَعلَمُ ما أنا فيه مِن فَقرٍ، أَرادَ هو
— 57 —
أن يَدفَعَ المَبلَغَ مِن خالِصِ مالِه، وخَطَر بِبالِه أنَّني قد لا أَرضَى بهذا العَمَلِ، فخَدَعَتْه نَفسُه فلم يُباشِر بالطَّبعِ، فأَصابَ الخِدمةَ القُرآنيّةَ مِن جَرّاءِ تَقصِيرِه هذا ضَرَرٌ بالِغٌ.. وبَعدَ مُرُورِ شَهرَينِ سُرِقَت مِنه تِسعُ مِئةِ لَيرةٍ، فكانَت لَطْمةً رَؤُوفةً وشَدِيدةً تِجاهَ ما أَصابَ العَمَلَ مِن فُتُورٍ.. نَسأَلُ اللهَ أن يَجعَلَ تلك الأَموالَ الضّائِعةَ بمَثابةِ صَدَقةٍ عن نَفسِه.
السّابعُ: هو "الحافِظُ تَوفِيق" المُلَقَّبُ بالشّاميِّ، وسيُورِدُ بنَفسِه الحادِثةَ:
نعم، لقد قُمتُ بأَعمالٍ ساقَتْني إلى الفُتُورِ في خِدمةِ القُرآنِ، فأَتَتْني لَطْمةٌ مِن جَرّائِها، وتَيقَّنتُ بما لا يَقبَلُ الشَّكَّ أنَّ هذه اللَّطْمةَ لَيسَت إلّا مِن تلك الجِهةِ، إذ كانَت نَتِيجةَ خَطَأٍ مِنِّي في التَّفكِيرِ وجَهْلٍ مِنِّي في التَّقدِيرِ.
اللَّطْمةُ الأُولَى: عِندَما وَزَّع الأُستاذُ أَجزاءَ القُرآنِ الكَرِيمِ علَيْنا، كانَ حَظِّي مِنها كِتابةَ ثَلاثةِ أَجزاءٍ، حَيثُ قد أَنعَمَ اللهُ عَلَيَّ قُدرةً على كِتابةِ الحُرُوفِ العَرَبيّةِ وتَجوِيدِها كخَطِّ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ فالشَّوقُ إلى كِتابةِ كِتابِ اللهِ العَزِيزِ وَلَّد فِيَّ فُتُورًا عن كِتابةِ مُسَوَّداتِ الرَّسائِلِ وتَبيِيضِها، فَضْلًا عن أنَّه قد أَصابَني مِنه شَيءٌ مِنَ الغُرُورِ، حَيثُ كُنتُ أَعُدُّ نَفسِي فائِقًا على أَقْرانِي في هذا العَمَلِ، بما أَجِدُه في نَفسِي مِن كِفايةٍ في حُسنِ الخَطِّ العَرَبيِّ، حتَّى إنَّه عِندَما أَرادَ الأُستاذُ إِرشادِي إلى أُمُورٍ تَخُصُّ الكِتابةَ العَرَبيّةَ، قُلتُ بشَيءٍ مِنَ الغُرُورِ: "هذا الأَمرُ يَعُودُ لي، أَعرِفُ هذا فلا أَحتاجُ إلى تَوصِيةٍ!"، فتَلَقَّيتُ لَطْمةَ عَطْفٍ ورَأفةٍ نَتِيجةَ خَطَئي هذا، وهِي أنَّني عَجَزتُ عن بُلُوغِ أَقرانِي في الكِتابةِ، فسَبَقُونِي في الجَوْدةِ.. فكُنتُ أَحارُ مِن أَمرِي هذا، لِماذا تَخَلَّفتُ عَنهُم رَغمَ تَمَيُّزِي علَيْهِم؟! ولكِنِ الآنَ أَدرَكتُ أنَّ ذلك كانَ لَطْمةً رَحْمانيّةً، ضَرَبَتْني بها كَرامةُ خِدمةِ القُرآنِ، حَيثُ لا تَقبَلُ الغُرُورَ!
ثانيَتُها: كانَت لَدَيَّ حالَتانِ تُخِلّانِ بصَفاءِ العَمَلِ لِلقُرآنِ، تَلَقَّيتُ على إِثرِهِما لَطْمةً شَدِيدةً. والحالَتانِ هُما:
كُنتُ أَعُدُّ نَفسِي غَرِيبًا عنِ البَلَدِ، بل كُنتُ غَرِيبًا حَقًّا، فلِأَجلِ تَبدِيدِ وَحْشةِ الغُرْبةِ جالَستُ أُناسًا مَغرُورِينَ بالدُّنيا، فتَعَلَّمتُ مِنهُمُ الرِّياءَ والتَّمَلُّقَ، عَلاوةً على تَعرُّضِي
— 58 —
لِفَقرِ الحالِ یی ولا أَشكُو یی حَيثُ لم أُراعِ الِاقتِصادَ والقَناعةَ الَّذي هو أَهَمُّ دُستُورٍ لِأُستاذِي، رَغمَ تَنبِيهِ الأُستاذِ وتَحذِيرِه لي بِشَأنِ هذه الأُمُورِ، بل تَوبِيخِي أَحيانًا.. فلم أَستَطِع یی معَ الأَسَفِ یی إِنقاذَ نَفسِي مِن هذه الوَرْطةِ! نَسأَلُ اللهَ العَفوَ والمَغفِرةَ.. فهاتانِ الحالَتانِ كانَ يَستَغِلُّهُما شَياطِينُ الجِنِّ والإِنسِ، وكانَ يُصِيبُ العَمَلَ لِلقُرآنِ الفُتُورُ، فتَلقَّيتُ لَطْمةً قَوِيّةً، إلّا أنَّها كانَت لَطْمةَ حَنانٍ ورَأفةٍ، فأَيقَنتُ بما لا يَدَعُ مَجالًا لِلشَّكِّ أنَّ هذه اللَّطْمةَ إنَّما هي مِن ذلك الوَضْعِ. وكانَت على الوَجْهِ الآتِي:
على الرَّغمِ مِن أنَّني كُنتُ مَوضِعَ خِطابِ الأُستاذِ وكاتِبَ مُسَوَّداتِ رَسائِلِه وتَبيِيضِها طَوالَ ثَمانِي سَنَواتٍ، فلم أَنَل معَ الأَسَفِ مِن نُورِها ما كانَ يَفِيضُ على غَيرِي في ثَمانيةِ شُهُورٍ؛ فكُنتُ أنا والأُستاذُ حائِرَينِ أَمامَ هذا الوَضعِ! ونَتَساءَلُ: لِماذا؟ أي: لِماذا لا يَدخُلُ نُورُ حَقائِقِ القُرآنِ شَغافَ قَلبِي؟! بَحَثْنا عنِ الأَسبابِ كَثِيرًا، حتَّى عَلِمْنا الآنَ عِلمًا جازِمًا أنَّ تلك الحَقائِقَ إنَّما هي نُورٌ وضِياءٌ، ولا يَجتَمِعُ النُّورُ معَ ظُلُماتِ الرِّياءِ والتَّصَنُّعِ والتَّزلُّفِ لِلآخَرِينَ.. لِذا ابتَعَدَتْ مَعانِي حَقائِقِ هذه الأَنوارِ عَنِّي، وغَدَت كأَنَّها غَرِيبةٌ عَنِّي.. أَسأَلُه سُبحانَه وتَعالَى أن يَرزُقَني الإِخلاصَ الكامِلَ اللّائِقَ لِلعَمَلِ، ويُنقِذَني مِنَ الرِّياءِ والتَّذَلُّلِ لِأَهلِ الدُّنيا، وأَرجُوكُم جَمِيعًا یی وفي المُقدِّمةِ أَرجُو الأُستاذَ یی أن تَجهَدُوا في الدُّعاءِ لي.
العَبدُ المُقصِّرُ الحافِظُ: تَوفيقٌ الشّامِيُّ
الثّامِنُ: هو "سِيرانِي": هذا الأخُ كانَ مِثلَ "خُسرَو" مِنَ المُشتاقِينَ لِرَسائِلِ النُّورِ، ومِن طُلّابِي الأَذكِياءِ المُجِدِّينَ.
استَطْلَعتُ ذاتَ يَومٍ رَأيَ طُلّابِ "إِسبارْطةَ" حَولَ التَّوافُقِ الَّذي يُعَدُّ مِفتاحًا مُهِمًّا لِأَسرارِ القُرآنِ ولِعِلمِ الحُرُوفِ.. وافَقَ الجَمِيعُ على الِاقتِراحِ بِكُلِّ شَوقٍ عَدا هذا الشَّخصِ، ولم يَكتَفِ بِذَلِك فحَسْبُ، بل أَرادَ أن يَصرِفَني عَمّا أنا أَعلَمُه مِن حَقائِقَ عِلْمًا يَقِينًا، إذ كانَ له تَفكِيرٌ مُغايِرٌ وتَوَجُّهٌ مُختَلِفٌ، ثمَّ بَعَث إِلَيَّ رِسالةً جارِحةً جِدًّا، أَصابَتْني في الصَّمِيمِ، فقُلتُ: وا أَسَفاهْ! لقد ضَيَّعتُ هذا الطّالِبَ النّابِهَ، فعَلَى الرَّغمِ مِن
— 59 —
مُحاوَلَتي تَوضِيحَ الأَمرِ له، إلّا أنَّ شَيئًا آخَرَ قد خالَطَ المَوضُوعَ؛ فأَتَتْه اللَّطْمةُ الرَّؤُوفةُ.. ودَخَل السِّجنَ زُهاءَ سَنةٍ.
التّاسِعُ: هو "الحافِظُ زُهدِي الكَبِيرُ".
كانَ هذا الأَخُ يُشرِفُ على عَمَلِ طُلّابِ النُّورِ في قَصَبةِ "أَغرُوس"، ولكِن كأنَّه لم يَكتَفِ بالمَنزِلةِ المَعنَوِيّةِ الرَّفيعةِ والشَّرَفِ السّامِي الَّذي يَتَمتَّعُ به طُلّابُ النُّورِ، بِاتِّباعِهِمُ السُّنّةَ الشَّرِيفةَ واجتِنابِهِمُ البِدَعَ، فرَغِبَ في العُثُورِ على مَنزِلةٍ لَدَى أَهلِ الدُّنيا فتَسَلَّم وَظِيفةَ القِيامِ بتَعلِيمِ بِدعةٍ سَيِّئةٍ، مُرتَكِبًا خَطَأً جَسِيمًا مُنافِيًا لِمَسلَكِنا الَّذي هو اتِّباعُ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ.. فتَلَقَّى لَطْمةً رَهِيبةً جِدًّا، إذ تَعرَّضَ لِحادِثةٍ كادَت تَمحُو شَرَفَه وشَرَفَ أَهلِه، وقد مَسَّتِ الحادِثةُ "الحافِظَ زُهدِي الصَّغِيرَ" أَيضًا لِلأَسَفِ معَ أنَّه لا يَستَحِقُّ اللَّطْمةَ.. نَسأَلُ اللهَ أن تكُونَ تلك الحادِثةُ المُؤلِمةُ بمَثابةِ عَمَلِيّةٍ جِراحِيّةٍ لِتَصرِفَ قَلبَه عنِ الدُّنيا، وتَدفَعَه لِلإقبالِ على العَمَلِ القُرآنِيِّ الخالِصِ لِوَجهِ اللهِ تعالى.
العاشِرُ: هو "الحافِظُ أَحمَدُ".
كانَ هذا الأَخُ يَستَنسِخُ الرَّسائِلَ ويَنهَلُ مِن أَنوارِها طَوالَ ثَلاثِ سَنَواتٍ، وهُو دَؤُوبٌ شَغُوفٌ في عَمَلِه، ثمَّ خالَطَ أَهلَ الدُّنيا لَعلَّه يَدفَعُ أَذاهُم عنه، ويَتَمكَّنُ مِن إِبلاغِ الكَلامِ الطَّيِّبِ لَهُم، ولِيَكسِبَ شَيئًا مِنَ المَنزِلةِ لَدَيهِم، فَضْلًا عن أنَّه كانَ يَرغَبُ في أن يُوَسِّعَ ما ضاقَ علَيْه مِن أُمُورِ الدُّنيا وهُمُومِ العَيشِ، ففَتَر شَوْقُه؛ واستَغَلَّ أَهلُ الدُّنيا ضَعْفَه بهذا الجانِبِ، فأَصابَه فُتُورٌ في عَمَلِه القُرآنِيِّ جَرّاءَ تلك الأَوضاعِ، فأَتَتْه لَطْمَتانِ مَعًا:
أُولاهُما: ضُمَّ إلى عائِلَتِه خَمْسةُ أَشخاصٍ آخَرِينَ بالرَّغمِ مِن ضِيقِ مَعِيشَتِه، فأَصبَحَ حَقًّا في رَهَقٍ شَدِيدٍ مِنَ العَيشِ.
ثانَيتُهما: على الرَّغمِ مِن أنَّه كانَ مُرهَفَ الحِسِّ ولا يَتَحمَّلُ شَيئًا مِنَ الكَلامِ مِن أَحَدٍ، فقد أَصبَحَ وَسِيلةً لِدَسّاسِينَ مِن حَيثُ لا يَعلَمُ، حتَّى فَقَد مَوقِعَه ومَنزِلَتَه كُلِّیيًّا، وأَصبَحَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَهجُرُونَه، ففَقَد صَداقَتَهُم بل عادَوْه.. وعلى كلِّ حالٍ: نَسأَلُ اللهَ أن يَغفِرَ له، ونَسأَلُه أن يُوَفِّقَه لِلإفاقةِ مِن غَفلَتِه ويَعِيَ الأُمُورَ ويَعُودَ إلى مُهِمَّتِه في خِدمةِ القُرآنِ.
— 60 —
الحادِيَ عَشَرَ: لم يُسَجِّل.. رُبَّما لا يَرضَى!
الثّانِيَ عَشَرَ: هو "المُعَلِّمُ غالِبٌ" لقد خَدَم هذا الأَخُ بإِخلاصٍ وصِدقٍ في تَبيِيضِ الرَّسائِلِ، فقامَ بخِدْماتٍ جَلِيلةٍ كَثِيرةٍ، ولم يَبْدُ مِنه ضَعْفٌ أَمامَ أيّةِ مُشكِلةٍ مِنَ المَشاكِلِ مَهْما كانَت.
كانَ يَحضُرُ الدَّرسَ في أَغلَبِ الأَوقاتِ ويُنصِتُ بكُلِّ اهتِمامٍ وشَوقٍ، ويَستَنسِخُ الرَّسائِلَ لِنَفسِه أَيضًا، حتَّى استَكتَبَ لِنَفسِه جَمِيعَ "الكَلِماتِ" و"المَكتُوباتِ" لِقاءَ أُجرةٍ قَدْرُها ثَلاثُونَ لَيرةً.. كانَ يَقصِدُ مِن وَراءِ هذا الِاستِنساخِ نَشرَ الرَّسائِلِ في مَدِينَتِه، وإِرشادَ أَبناءِ مَدِينَتِه، وبَعدَ ذلك فَتَرَ عنِ العَمَلِ ولم يَقُم بنَشرِ الرَّسائِلِ كما تَصَوَّر، وذلك بسَبَبِ ما ساوَرَه مِنَ الهَواجِسِ، فحَجَبَ نُورَ هذه الرَّسائِلِ عنِ الأَنظارِ، فأَصابَتْه على حِينِ غِرّةٍ حادِثةٌ أَلِيمةٌ جِدًّا، تَجَرَّعَ مِن جَرّائِها العَذابَ غُصَصًا مُدّةَ سَنةٍ كامِلةٍ، فوَجَد أَمامَه عَدَدًا غَفِيرًا مِن أَعداءٍ ظالِمِينَ بَدَلًا مِن عَداوةِ بِضْعةِ مُوَظَّفِينَ لِقِيامِه بنَشرِ الرَّسائِلِ، وفَقَد أَصدِقاءَ أَعِزّاءَ علَيْه.
الثَّالِثَ عَشَرَ: هو "الحافِظُ خالِدٌ"، وسيَذكُرُ لَكُمُ الحادِثةَ بنَفسِه:
عِندَما كُنتُ أَعمَلُ بشَوقٍ وحَماسةٍ في كِتابةِ مُسَوَّداتِ "رَسائِلِ النُّورِ"، كانَت هُناك وَظِيفةٌ شاغِرةٌ، وهِي إِمامةُ المَسجِدِ في مَحَلَّتِنا.. ورَغبةً مِنِّي یی رَغبةً شَدِيدةً یی لِأَلبَسَ جُبَّتي العِلمِيّةَ القَدِيمةَ وعِمامَتَها فَتَرتُ مُؤَقَّتًا عنِ العَمَلِ وضَعُفَتْ هِمَّتي وشَوْقي في خِدمةِ القُرآنِ، فانسَحَبتُ مِن ساحةِ العَمَلِ القُرآنِيِّ جَهْلًا مِنِّي، فإذا بي أَتَلقَّى لَطْمةً ذاتَ رَأفةٍ بخِلافِ ما كُنتُ أَقصِدُه، إذ رَغمَ الوُعُودِ الكَثِيرةِ الَّتي قَطَعَها المُفتِي على نَفسِه بتَعيِيني، ورَغمَ أنِّي تَوَلَّيتُ هذه الوَظِيفةَ لِمَا يَقرُبُ مِن تِسعةِ أَشهُرٍ، إلّا أنَّني حُرِمتُ مِن لُبسِ الجُبّةِ والعِمامةِ.
فأَيقَنتُ أنَّ هذه اللَّطْمةَ إنَّما هي مِن ذلك التَّقصِيرِ في العَمَلِ لِلقُرآنِ، إذ كانَ الأُستاذُ يُخاطِبُني بالذّاتِ في الدَّرسِ فَضْلًا عن قِيامِي بكِتابةِ المُسَوَّدةِ، فانسِحابِي مِنَ العَمَلِ، ولا سِيَّما مِن كِتابةِ المُسَوَّدةِ، أَوقَعَه في حَرَجٍ وضِيقٍ.. وعلى كلِّ حالٍ فالشُّكرُ
— 61 —
للهِ وَحْدَه الَّذي جعَلَنا نَفهَمُ فَداحةَ تَقصِيرِنا ونَعلَمُ مَدَى سُمُوِّ هذه الخِدمةِ، ونَثِقُ بأُستاذٍ مُرشِدٍ كالشَّيخِ الكَيْلانِيِّ ظَهِيرًا لنا كالمَلائِكةِ الحَفَظةِ.
أَضعَفُ العِبادِ: الحافِظُ خالِدٌ
الرَّابعَ عَشَرَ: لَطَماتُ حَنانٍ ثَلاثٌ صَغِيرةٌ، أَصابَت ثَلاثةَ أَشخاصٍ كلٌّ مِنهُم يُسَمَّى "مُصطَفَى".
أوَّلُهُم: "مُصطَفَى چاوِيش"، كانَ هذا الأَخُ يَتَولَّى خِدمةَ الجامِعِ الصَّغِيرِ، وتَزوِيدَ مِدْفَأَتِه بالنِّفطِ، بل حتَّى عُلْبةُ الكِبْرِيتِ كانَ يُوفِّرُها لِلجامِعِ، فخَدَم طَوالَ ثَمانِي سَنَواتٍ، وكان يَدفَعُ كلَّ ما تَحتاجُه هذه الأُمُورُ مِن خالِصِ مالِه یی كما عَلِمْنا بَعدَئِذٍ یی ولم يَكُن يَتَخلَّفُ عنِ الجَماعةِ أَبدًا، ولا سِيَّما في لَيالِي الجُمَعِ المُبارَكةِ إلّا إذا اضطُرَّ إلى ذلك بعَمَلٍ ضَرُورِيٍّ جِدًّا.
أَخبَرَه في أَحَدِ الأَيّام بَعضُ أَهلِ الدُّنيا مُستَغِلِّينَ صَفاءَ قَلبِه: بَلِّغِ الحافِظَ فُلانًا یی وهُو مِن كُتّابِ رَسائِلِ النُّورِ یی أن يَنزِعَ عِمامَتَه قَبلَ أن يَتَأذَّى ويُجبَرَ على نَزعِها، وبَلِّغِ الجَماعةَ أن يَتْرُكُوا الأَذانَ السِّرِّيَّ مُؤَقَّتًا. ولم يَعلَم هذا الدُّنيَوِيُّ الغافِلُ أنَّ تَبلِيغَ هذا الكَلامِ ثَقِيلٌ جِدًّا على شَخصٍ مِن ذَوِي الأَرواحِ العاليةِ مِثلِ مُصطَفَى چاوِيش، ولكِن لِصَفاءِ سَرِيرَتِه بَلَّغ صاحِبَه الخَبَرَ، فرَأَيتُ تلك اللَّيلةَ في المَنامِ أنَّ يَدَيْ مُصطَفَى چاوِيش مُلَطَّخَتانِ وهُو يَسِيرُ خَلفَ "القائِمَّقام" ويَدخُلانِ مَعًا غُرفَتي..! قُلتُ له في اليَومِ التّالِي: أَخِي مُصطَفَى، مَن قابَلتَ اليَومَ؟ لقد رَأَيتُك في المَنامِ وأَنتَ مُلَطَّخُ اليَدَينِ سائِرًا خَلفَ "القائِمَّقام"! قال: وا أَسَفاهْ، لقد أَبلَغَني المُختارُ كَلامًا وأنا بَلَّغتُه الحافِظَ الكاتِبَ، ولم أَعلَم ما وَراءَه مِن كَيدٍ.
ثمَّ حَدَث في اليَومِ نَفسِه أنْ جاءَ بكَمِّيّةٍ مِنَ النِّفطِ لِلمَسجِدِ، وعلى غَيرِ المُعتادِ فقد ظَلَّ بابُ المَسجِدِ مَفتُوحًا، فدَخَل عَناقٌ (صَغِيرُ العَنْزِ) إلى حَرَمِ المَسجِدِ، فلَوَّثَ قَرِيبًا مِن سَجَّادَتِي، وجاءَ أَحَدُهُم فأَرادَ تَنظِيفَ المَكانِ فلم يَجِد غَيرَ إِناءِ النِّفطِ، وحَسِبَه ماءً، فرَشَّ ما في الإِناءِ إلى أَطرافِ المَسجِدِ، والعَجِيبُ أنَّه لم يَشَمَّ رائِحَتَه.. فكأنَّ المَسجِدَ
— 62 —
يقُولُ بلِسانِ حالِه لی"مُصطَفَى چاوِيش": "لا حاجةَ لنا إلى نِفْطِك بَعدَ الآنَ، لقدِ ارتَكَبتَ خَطَأً جَسِيمًا"، وإِشارةً لِهذا الكَلامِ المَعنَوِيِّ لم يَشعُر ذلك الشَّخصُ برائِحةِ النِّفطِ، بل لم يَتَمكَّن مُصطَفَى مِنَ الِاشتِراكِ في صَلاةِ الجَماعةِ في ذلك الأُسبُوعِ ولَيلةِ الجُمُعةِ المُبارَكةِ بالرَّغمِ مِن مُحاوَلاتِه، ثمَّ نَدِمَ نَدَمًا خالِصًا للهِ، واستَغفَرَ اللهَ كَثِيرًا، فرَجَع إلَيْه صَفاءُ قَلبِه وخُلُوصُ عِبادَتِه، والحَمدُ للهِ.
الشَّخصانِ الآخَرانِ المُسَمَّى كلٌّ مِنهُما بی"مُصطَفَى": أوَّلُهُما: مُصطَفَى مِن قَريةِ "قُولَه أونو"، وهُو مِنَ الطُّلّابِ المُجِدِّينَ؛ والآخَرُ صَدِيقُه الوَفِيُّ هو "الحافِظُ مُصطَفَى"..
كُنتُ قد بَلَّغتُ طُلّابِي بألّا يَأتُوا حالِيًّا لِزِيارَتِي عَقِبَ العِيدِ لِئَلّا يَفتُرَ العَمَلُ لِلقُرآنِ مِن جَرّاءِ مُراقَبةِ أَهلِ الدُّنيا ومُضايَقاتِهِم، واستَثنَيتُ مِن ذلك مَن كانَ يَأتِي فَرْدًا فلا بَأسَ به، وإذا بي أُفاجَأُ بثَلاثةِ أَشخاصٍ مَعًا يَأتُونَ لِزِيارَتِي لَيلًا، ويُزمِعُونَ السَّفَرَ قَبلَ الفَجرِ إذا سَمَحَت أَحوالُ الجَوِّ، فلم نتَّخِذْ تَدابِيرَ الحَذَرِ، لا أنا ولا سُلَيْمانُ ولا مُصطَفَى چاوِيش، بل نَسِيناها حَيثُ أَلقَى كلٌّ مِنّا مَسؤُوليّةَ اتِّخاذِها على عاتِقِ الآخَر.. وعلى كلِّ حالٍ غادَرُونا قَبلَ الفَجرِ، فجاءَتهُمُ اللَّطْمةُ بعاصِفةٍ شَدِيدةٍ لم نكُن قد رَأَينا مِثلَها في هذا الشِّتاءِ.. استَمرَّت ساعَتَينِ مُتَوالِيَتَينِ، فقَلِقْنا علَيهِم كَثِيرًا، وقُلنا: لن يَنجُوا مِنها، وتَألَّمتُ علَيهِم أَلَمًا ما تَألَّمتُ مِثلَه على أَحَدٍ حتَّى الآنَ، حتَّى هَمَمتُ أن أَبعَثَ سُلَيمانَ یی لِعَدَمِ أَخذِه بالحَذَرِ یی لِيَتَلقَّى أَخبارَهُم ويُبَلِّغَنا عن سَلامةِ وُصُولِهِم؛ ولكِنَّ مُصطَفَى چاوِيش قالَ: إذا ذَهَب سُلَيمانُ فسيَبقَى هُناك أَيضًا، ولن يَتَمكَّنُ مِنَ العَودةِ، وسأَتبَعُه أنا أَيضًا، وسيَتبَعُني عَبدُ اللهِ چاوِيش، وهكَذا.. ولِهذا وَكَلْنا الأَمرَ إلى العَلِيِّ القَدِيرِ قائِلِينَ جَمِيعًا: تَوَكَّلنا على اللهِ. وفَوَّضْنا الأَمرَ إلَيْه.
سُؤالٌ: إنَّك تَعُدُّ المَصائِبَ الَّتي تُصِيبُ إِخوانَك الخَواصَّ وأَصدِقاءَك تَأدِيبًا رَبّانيًّا ولَطْمةَ عِتابٍ لِفُتُورِهِم عنِ خِدمةِ القُرآنِ، بَينَما الَّذِينَ يُعادُونَ خِدمةَ القُرآنِ ويُعادُونكُم يَعِيشُونَ في بَحبُوحةٍ مِنَ العَيشِ وفي سَلامٍ وأَمانٍ! فلِمَ يَتَعرَّضُ الصَّدِيقُ لِلَّطْمةِ ولا يَتَعرَّضُ العَدُوُّ لِشَيءٍ؟!
— 63 —
الجَوابُ: يقُولُ المَثَلُ الحَكِيمُ: "الظُّلمُ لا يَدُومُ والكُفرُ يَدُومُ"، فأَخطاءُ العامِلِينَ في صُفُوفِ خِدمةِ القُرآنِ هي مِن قَبِيلِ الظُّلمِ تِجاهَ الخِدمةِ، لِذا يَتَعرَّضُونَ بسُرعةٍ لِلعِقابِ ويُجازَوْنَ بالتَّأدِيبِ الرَّبّانِيِّ، فإن كانوا واعِينَ فإنَّهُم يَرجِعُونَ إلى صَوابِهِم.
أمّا العَدُوُّ فإنَّ صُدُودَه عنِ القُرآنِ وعِداءَه لِخِدمَتِه إنَّما هو لِأَجلِ الضَّلالةِ، وإنَّ تَجاوُزَه على خِدمةِ القُرآنِ یی سَواءٌ شَعَر به أم لم يَشعُر یی إنَّما هو مِن قَبِيلِ الكُفرِ والزَّندَقةِ، وحَيثُ إنَّ الكُفرَ يَدُومُ، فلا يَتَلقَّى مُعظَمُهُمُ الصَّفَعاتِ بذاتِ السُّرعةِ، إذ كَما يُعاقَبُ مَن يَرتَكِبُ أَخطاءً طَفِيفةً في القَضاءِ أوِ النّاحِيةِ، بَينَما يُساقُ مُرتكِبُو الجَرائِمِ الكَبِيرةِ إلى مَحاكِمِ الجَزاءِ الكُبْرَى، كَذلِك الأَخطاءُ الصَّغِيرةُ والهَفَواتُ الَّتي يَرتكِبُها أَهلُ الإِيمانِ والأَصدِقاءُ الخَواصُّ يَتَلقَّونَ على إِثرِها جَزاءً مِنَ العِقابِ بسُرعةٍ في الدُّنيا لِيُكفَّرَ عن سَيِّئاتِهِم ويَتَطهَّرُوا مِنها، أمّا جَرائِمُ أَهل الضَّلالةِ فهِي كَبِيرةٌ وجَسِيمةٌ إلى حَدٍّ لا تَسَعُ هذه الحَياةُ الدُّنيا القَصِيرةُ عِقابَهُم، فيُمهَلُونَ إلى عالَمِ البَقاءِ والخُلُودِ، وإلى المَحكَمةِ الكُبْرَى لِتَقتَصَّ مِنهُمُ العَدالةُ الإِلٰهِيّةُ القِصاصَ العادِلَ، لِذا لا يَلقَوْنَ غالِبًا عِقابَهُم في هذه الدُّنيا.
وفي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «الدُّنيا سِجنُ المُؤمِنِ وجَنّةُ الكافِرِ» إِشارةٌ إلى هذه الحَقِيقةِ الَّتي ذَكَرناها أَيضًا، أي: أنَّ المُؤمِنَ يَنالُ نَتِيجةَ تَقصِيراتِه قِسمًا مِن جَزائِه في الدُّنيا، فتكُونُ بحَقِّه كأنَّها مَكانُ جَزاءٍ وعِقابٍ، فَضْلًا عن أنَّ الدُّنيا بالنِّسبةِ لِما أَعَدَّه اللهُ له مِن نَعِيمِ الآخِرةِ سِجنٌ وعَذابٌ.. أمّا الكُفَّارُ فلِأَنَّهُم مُخَلَّدُونَ في النّارِ، يَنالُونَ قِسمًا مِن ثَوابِ حَسَناتِهِم في الدُّنيا، وتُمهَلُ سَيِّئاتُهُمُ العَظِيمةُ إلى الآخِرةِ الخالِدةِ، فتكُونُ الدُّنيا بالنِّسبةِ إلَيْهِم دارَ نَعِيمٍ لِما سيُلاقُونَه مِن عَذابِ الآخِرةِ؛ وإلّا فالمُؤمِنُ يَجِدُ مِنَ النَّعِيمِ المَعنَوِيِّ في هذه الدُّنيا أَيضًا ما لا يَنالُه أَسعَدُ إِنسانٍ، فهُو أَسعَدُ بكَثِيرٍ مِنَ الكافِرِ مِن زاوِيةِ نَظَرِ الحَقِيقةِ.. وكَأنَّ إِيمانَ المُؤمِنِ بمَثابةِ جَنّةٍ مَعنَوِيّةٍ في رُوحِه، وكُفْرَ الكافِرِ يَستَعِرُ جَحِيمًا في ماهِيَّتِه.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 64 —

اللمعة الحادية عشرة

مرقاة السُّنَّة وتِرياق مَرَض البدعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
(المَقام الأوَّل لهذه الآية عبارةٌ عن "منهاج السُّنّة"
والمَقام الثاني هو "مِرقاةُ السُّنّة")
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
سنُبيِّن إِحدَى عَشْرةَ نُكتةً دَقِيقةً، بَيانًا مُجمَلًا، مِن بينِ مِئاتِ المَسائِلِ الدَّقِيقةِ الَّتي تَتَضمَّنُها هاتانِ الآيَتانِ العَظِيمتانِ.

النُّكتة الأُولى:

قال الرَّسُولُ (ص): «مَن تَمَسَّك بسُنَّتي عِندَ فَسادِ أُمَّتي فلَه أَجْرُ مِئةِ شَهِيدٍ». أَجَلْ، إنَّ اتِّباعَ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ لَهُو حَتْمًا ذُو قِيمةٍ عالِيةٍ، ولا سِيَّما اتِّباعَها عِندَ استِيلاءِ البِدَعِ وغلَبَتِها، فإنَّ له قِيمةً أَعلَى وأَسمَى، وبالأَخَصِّ عِندَ فَسادِ الأُمّةِ، إذ تُشعِرُ مُراعاةُ أَبسَطِ الآدابِ النَّبَوِيّةِ بتَقوَى عَظِيمةٍ وإيمانٍ قَوِيٍّ راسِخٍ؛ ذلك لأنَّ الِاتِّباعَ المُباشَرَ للسُّنّةِ
— 65 —
المُطَهَّرة يُذَكِّرُ بالرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، فهذا التَّذَكُّرُ النّاشِئُ مِن ذلك الِاتِّباعِ يَنقلِبُ إلى استِحضارِ الرَّقابةِ الإِلٰهِيّةِ، بل تَتَحوَّلُ في الدَّقائِقِ الَّتي تُراعَى فيها السُّنّةُ الشَّرِيفةُ أَبسَطُ المُعامَلاتِ العُرفيّةِ والتَّصَرُّفاتِ الفِطْرِيّةِ یی كآدابِ الأَكلِ والشُّربِ والنَّومِ وغيرِها یی إلى عَمَلٍ شَرعِيٍّ وعِبادةٍ مُثابٍ علَيْها، لأنَّ الإنسانَ يُلاحِظُ بذلك العَمَلِ المُعتادِ اتِّباعَ الرَّسُولِ (ص)، فيَتصَوَّرُ أنَّه يقُومُ بأَدَبٍ مِن آدابِ الشَّرِيعةِ، ويَتَذكَّرُ أنَّه (ص) صاحِبُ الشَّرِيعةِ، ومِن ثَمَّ يَتَوجَّهُ قَلبُه إلى الشَّارِعِ الحَقِيقيِّ وهو اللهُ سُبحانَه وتَعالَى، فيَغنَمُ سَكِينةً واطْمِئْنانًا ونَوْعًا مِنَ العِبادةِ.
وهكذا في ضَوْءِ ما تَقَدَّم، فإنَّ مَن يَجعَلُ اتِّباعَ السُّنّة السَّنِيّةِ عادَتَه، فقد حَوَّل عاداتِه إلى عِباداتٍ، ويُمكِنُه أن يَجعَلَ عُمُرَه كُلَّه مُثمِرًا، ومُثابًا علَيْه.

النُّكتة الثانية:

لقد قال الإمامُ الرَّبّانِيُّ أَحمَدُ الفارُوقيُّ رَحِمَه اللهُ: "بَينَما كُنتُ أَقطَعُ المَراتِبَ في السَّيرِ والسُّلُوكِ الرُّوحانِيِّ، رَأَيتُ أنَّ أَسطَعَ ما في طَبَقاتِ الأَولياءِ، وأَرقَى مَن في مَراتِبِها وأَلطَفَهم وآمَنَهم وأَسلَمَهم هم أُولئِك الَّذين اتَّخَذُوا اتِّباعَ السُّنّة الشَّرِيفةِ أَساسًا للطَّرِيقةِ، حتَّى كان الأَولِياءُ العَوامُّ لتِلك الطَّبَقةِ يَظهَرُون أَكثَرَ بَهاءً واحتِشامًا مِنَ الأَولياءِ الخَواصِّ لِسائِرِ الطَّبَقاتِ".
نعم، إنَّ الإمامَ الرَّبّانِيَّ مُجدِّدَ الأَلفِ الثّاني يَنطِقُ بالحَقِّ، فالَّذي يَتمَسَّكُ بالسُّنّة الشَّرِيفةِ ويَتَّخِذُها أَساسًا لَه، لَهُو أَهلٌ لِمَقامِ المَحبُوبِيّةِ في ظِلِّ حَبِيبِ اللهِ (ص).

النُّكتة الثالثة:

عِندَما كان يَسعَى هذا السَّعِيدُ الفَقِيرُ إلى اللهِ، للخُرُوجِ مِن حالةِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" ارتَجَّ عَقْلِي وقَلْبِي وتَدَحْرَجا ضِمنَ الحَقائِقِ إزاءَ إِعصارٍ مَعنَوِيٍّ رَهِيبٍ، فقد شَعَرتُ كأنَّهما يَتدَحْرَجانِ هُبُوطًا تارةً مِنَ الثُّرَيّا إلى الثَّرَى وتارةً صُعُودًا مِنَ الثَّرَى إلى الثُّرَيّا، وذلك لِانعِدامِ المُرشِدِ، ولِغُرورِ النَّفْسِ الأَمّارةِ.
— 66 —
فشاهَدتُ حِينَئذٍ أنَّ مَسائِلَ السُّنّة النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ بل حتَّى أَبسَطَ آدابِها، كلٌّ مِنها في حُكمِ مُؤَشِّرِ البُوصِلةِ الَّذي يُبيِّنُ اتِّجاهَ الحَرَكةِ في السُّفُنِ؛ وكلٌّ مِنها في حُكْمِ مِفتاحِ مِصباحٍ يُضِيءُ ما لا يُحصَرُ مِنَ الطُّرُقِ المُظلِمةِ المُضِرّةِ.
وبَينَما كُنتُ أَرَى نَفسِي في تلك السِّياحةِ الرُّوحِيّةِ أَرْزَحُ تحتَ ضَغطِ مُضايَقاتٍ كَثِيرةٍ وتَحتَ أَعباءِ أَثقالٍ هائِلةٍ، إذا بي أَشعُرُ بخِفّةٍ كلَّما تَتَبَّعتُ مَسائِلَ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ المُتَعلِّقةِ بتلك الحالاتِ، وكأنَّها كانَت تَحمِلُ عنِّي جَمِيعَ الأَثقالِ وتَرفَعُ عن كاهِلِي تلك الأَعباءَ، فكُنتُ أَنجُو باستِسْلامٍ تامٍّ للسُّنّةِ مِن هُمُومِ التَّرَدُّدِ والوَساوِسِ مِثلِ: "هل في هذا العَمَلِ مَصلَحةٌ؟ تُرَى هل هُو حَقٌّ؟"، وكُنتُ أَرَى متَى كَفَفتُ يَدِي عنِ السُّنّةِ تَشتَدُّ مَوْجاتُ المُضايَقاتِ وتَكثُرُ، والطُّرُقُ المَجهُولةُ تَتَوعَّرُ وتَغمُضُ، والأَحمالُ تَثقُلُ.. وأنا عاجِزٌ في غايةِ العَجْزِ ونَظَري قَصِيرٌ، والطَّرِيقُ مُظلِمةٌ؛ بَينَما كُنتُ أَشعُرُ متَى اعتَصَمتُ بالسُّنّةِ، وتَمَسَّكتُ بها، تتَنوَّرُ الطَّرِيقُ مِن أَمامي، وتَظهَرُ الطَّرِيقُ الآمِنةُ السَّالِمةُ والأَثقالُ تَخِفُّ والعَقَباتُ كَأَنَّها تَزُولُ.
نعم، هكذا أَحسَسْتُ في تلك المَرحَلةِ، فصَدَّقتُ حُكْمَ الإمامِ الرَّبّانِيّ بالمُشاهَدةِ.

النُّكتة الرابعة:

غَمَرتْني یی في مَرحَلةٍ مّا یی حالةٌ رُوحِيّةٌ نَبَعَت مِنَ التَّأَمُّلِ في "رابِطةِ المَوتِ" ومِنَ الإيمانِ بقَضِيّةِ "المَوتُ حَقٌّ"، ومِن طُولِ التَّفَكُّرِ بزَوالِ العالَمِ وفَنائِه؛ فرَأَيتُ نَفسِي في عالَمٍ عَجِيبٍ، إذ نَظَرتُ فإذا أنا جَنازةٌ واقِفةٌ على رَأْسِ ثَلاثِ جَنائِزَ مُهِمّةٍ وعَظِيمةٍ:
الأُولَى: الجَنازةُ المَعنَوِيّةُ لمَجمُوعِ الأَحياءِ الَّتي لَها ارتِباطٌ بحَياتي الشَّخْصِيّةِ، والَّتي ماتَتْ ومَضَت ودُفِنَت في قَبْرِ الماضِي.. وما أنا إلّا كشاهِدِ قَبْرِها مَوضُوعًا على جُثَّتِها.
الثّانيةُ: جَنازةٌ عَظِيمةٌ تَطوِي مَجمُوعَ أَنواعِ الأَحياءِ المُتَعلِّقةِ بحَياةِ البَشَرِيّةِ قاطِبةً، والَّتي ماتَت ودُفِنَت في قَبْرِ الماضِي الَّذي يَسَعُ الكُرةَ الأَرضِيّةَ.. وما أنا إلّا نُقْطةٌ تُمحَى
— 67 —
عاجِلًا، ونَملةٌ صَغِيرةٌ تَمُوتُ سَرِيعًا على وَجْهِ هذا العَصْرِ الَّذي هو شاهِدُ قَبْرِ تلك الجَنازةِ.
الثَّالثةُ: الجَنازةُ الضَّخْمةُ الَّتي تَطوِي هذا الكَونَ عِندَ قِيامِ السّاعةِ، وحَيثُ إنَّ مَوتَه عِندَئذٍ أَمرٌ مُحَقَّقٌ لا مَناصَ مِنه، فقد أَصبَحَ في نَظَرِي في حُكْمِ الواقِعِ الآنَ، فأَخَذَتِ الحَيرةُ جَوانِبَ نَفسِي، وبُهِتُّ مِن هَوْلِ سَكَراتِ تلك الجَنازةِ المَهُولةِ، وبَدَت وَفاتي الَّتي هي الأُخرَى آتِيةٌ لا مَحالةَ كأنَّها تَحدُثُ الآن، فأَدارَت جَمِيعُ المَوجُوداتِ وجَمِيعُ المَحبُوباتِ ظَهْرَها لي ومَضَت، وتَرَكَتْني وَحِيدًا فَرِيدًا، مِثلَما جاءَت في الآيةِ الكَرِيمةِ: فَإِنْ تَوَلَّوْا...، وأَحْسَسْتُ كأنَّ رُوحِي تُساقُ إلى المُستَقبَلِ المُمتَدِّ نَحوَ الأَبَدِ الَّذي اتَّخَذ صُورةَ بَحرٍ عَظِيمٍ لا ساحِلَ لَه.. وكان لا بُدَّ مِن إِلقاءِ النَّفْسِ في خِضَمِّ ذلك البَحرِ العَظِيمِ طَوْعًا أو كَرْهًا.
وبَينَما أنا في هذا الذُّهُولِ الرُّوحِيِّ، والحُزنُ الشَّدِيدُ يَعصِرُ قَلبِي، إذا بمَدَدٍ يَأْتِيني مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ والإيمانِ، فمَدَّتْني الآيةُ الكَرِيمةُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ حتَّى غَدَت هذه الآيةُ بمَثابةِ سَفِينةِ أَمانٍ في مُنتَهَى السَّلامِ والِاطمِئْنانِ؛ فدَخَلَتِ الرُّوحُ آمِنةً مُطمَئِنّةً في حِمَى هذه الآيةِ الكَرِيمةِ.. وفَهِمتُ في حِينِها أنَّ هُنالِك مَعنًى غيرَ المَعنَى الصَّرِيحِ لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ، وهُو المَعنَى الإشارِيُّ. فلَقد وَجَدتُ فيه سُلْوانًا لِرُوحِي، حيثُ وَهَب لي الِاطمِئْنانَ والسَّكِينةَ.

نعم، إنَّ المَعنَى الصَّرِيحَ للآيةِ الكَرِيمةِ يقُولُ للرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص): "إذا تَوَلَّى أَهلُ الضَّلالةِ عن سَماعِ القُرآنِ، وأَعرَض &O عن شَرِيعَتِك وسُنَّتِك، فلا تَحزَنْ ولا تَغْتَمَّ، وقُل: حَسْبيَ اللهُ، فهو وَحْدَه كافٍ لي، وأنا أَتَوكَّلُ علَيْه؛ إذ هو الكَفِيلُ بأن يُقيِّضَ مَن يَتَّبِعُني بَدَلًا مِنكُم، فعَرشُه العَظِيمُ يُحِيطُ بكلِّ شَيءٍ، فلا العاصُون يُمكِنُهم أن يَهرُبُوا مِنه، ولا المُستَعِينُون به يَظلُّون بغَيرِ مَدَدٍ وعَوْنٍ مِنه".

فكما أنَّ المَعنَى الصَّرِيحَ لِهذه الآيةِ الكَرِيمةِ يقُولُ هذا، فالمَعنَى الإشارِيُّ للآيةِ الكَرِيمةِ يقُولُ: "أيُّها الإنسانُ، ويا مَن يَتَولَّى قِيادةَ الإنسانِ وإرشادَه؛ لَئِن وَدَّعَتْك
— 68 —
المَوجُوداتُ كلُّها وانعدَمَت ومَضَتْ في طَرِيقِ الفَناءِ.. وإن فارَقَتْك الأَحياءُ وجَرَت في طَرِيقِ المَوتِ.. وإن تَرَكَك النّاسُ وسَكَنُوا المَقابِرَ.. وإن أَعرَض أَهلُ الغَفلةِ والضَّلالةِ ولم يُصْغُوا إلَيْك وتَرَدَّوا في الظُّلُماتِ.. فلا تُبالِ بهم، ولا تَغْتَمَّ، وقُل: حَسْبيَ اللهُ. فهو الكافي، فإذ هو مَوجُودٌ فكلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ..
وعلى هذا، فإنَّ أُولَئِك الرَّاحِلين لم يَذهَبُوا إلى العَدَم، وإنَّما يَنطَلِقُون إلى مَمْلَكةٍ أُخرَى لِرَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، وسيُرسِلُ بَدَلًا مِنهُم ما لا يُعدُّ ولا يُحصَى مِن جُنُودِه المُجَنَّدِين.. وإنَّ أُولَئِك الَّذين سَكَنُوا المَقابِرَ لم يَفنَوا أَبدًا، وإنَّما يَنتَقِلُون إلى عالَمٍ آخَرَ، وسيَبْعثُ بَدَلًا مِنهُم مُوَظَّفين آخَرِين يَعمُرُون الدُّنيا.. وهو القادِرُ على أن يُرسِلَ مَن يُطِيعُه ويَسلُكُ الطَّرِيقَ المُستَقِيمَ بَدَلًا مِمَّن وَقَعُوا في الضَّلالةِ..
فما دامَ الأَمرُ هكذا، فهو الكَفِيلُ، وهو الوَكِيلُ، وهو البَدِيلُ عن كلِّ شَيءٍ، ولن تُعوِّضَ جَمِيعُ الأَشياءِ عنه، ولن تكُونَ بَدِيلًا عن تَوَجُّهٍ واحِدٍ مِن تَوَجُّهاتِ لُطْفِه ورَحْمَتِه لِعِبادِه..
وهكذا انقَلَبَت بهذا المَعنَى الإِشاريِّ صُوَرُ الجَنازاتِ الثَّلاثِ الَّتي راعَتْني إلى شَكْلٍ آخَرَ مِن أَشكالِ الأُنسِ والجَمالِ وهو: أنَّ الكائِناتِ تَتَهادَى جِيئةً وذَهابًا في مَسِيرةٍ كُبْرَى، إنهاءً لِخِدْماتٍ مُستَمِرّةٍ، وإشغالًا لِواجِباتٍ مُجَدَّدةٍ دائِمةٍ، عَبرَ رِحْلةٍ ذاتِ حِكْمةٍ، وجَوْلةٍ ذاتِ عِبرةٍ، وسِياحةٍ ذاتِ مَهامَّ، في ظِلِّ إدارةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ العادِلِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وضِمنَ رُبُوبيَّتِه الجَلِيلةِ وحِكْمَتِه البالِغةِ ورَحْمَتِه الواسِعةِ.

النُّكتة الخامسة:

قال تَعالَى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه، تُعلِنُ هذه الآيةُ العَظِيمةُ إعلانًا قاطِعًا عن مَدَى أَهَمِّيّةِ اتِّباع السُّنّةِ النَّبوِيّةِ ومَدَى ضَرُورَتِها.
نعم، إنَّ هذه الآيةَ الكَرِيمةَ أَقوَى قِياسٍ وأَثبَتُه مِن قِسمِ القِياسِ الِاستِثْنائِيِّ، ضِمنَ القياساتِ المَنطِقِيّة، إذ يَرِدُ فيه على وَجهِ المِثالِ: "إذا طَلَعَتِ الشَّمسُ فسيكُونُ
— 69 —
النَّهارُ"، ويَرِد مِثالًا للنَّتِيجةِ الإيجابيّةِ: "طَلَعتِ الشَّمسُ فالنَّهارُ إذًا مَوجُودٌ"، ويَرِدُ مِثالًا للنَّتِيجةِ السَّلبِيّة: "لا نَهارَ فالشَّمسُ إذًا لم تَطلُعْ"، فهاتانِ النَّتِيجتانِ الإيجابيةُ والسلبيةُ ثابِتَتانِ وقاطِعَتانِ في المَنطِقِ.
وكذلك الأَمرُ في الآيةِ الكَرِيمةِ، فتَقُولُ: إنْ كان لَدَيكُم مَحَبّةُ اللهِ، فلا بُدَّ مِنَ الِاتِّباعِ لحَبِيبِ اللهِ (ص)، وإن لم يكُن هُناك اتِّباعٌ، فلَيس لَدَيكُم إذًا مَحَبّةُ اللهِ، إذ لو كانَت هُناك مَحَبّةٌ حَقًّا فإنَّها تُوَلِّدُ حَتْمًا اتِّباعَ السُّنّة الشَّرِيفةِ لی"حَبِيبِ اللهِ".
أَجَل، إنَّ مَن يُؤْمِنُ باللهِ يُطِيعُه، ولا رَيبَ أنَّ أَقصَرَ طَرِيقٍ إلَيْه وأَكثَرَها قَبُولًا لَدَيه، وأَقوَمَها استِقامةً یی ضِمنَ طُرُقِ الطَّاعةِ المُؤَدِّيةِ إلَيْه یی لَهِي الطَّرِيقُ الَّتي سَلَكَها وبَيَّنها حَبِيبُ اللهِ (ص).
نعم، إنَّ الكَرِيمَ ذا الجَمالِ الَّذي مَلَأ هذا الكَونَ بنِعَمِه وآلائِه إلى هذا المَدَى، بَدِيهِيٌّ یی بل ضَرُورِيٌّ یی أن يَطلُبَ الشُّكْرَ مِن ذَوِي المَشاعِرِ تِجاهَ تلك النِّعَمِ.
وإنَّ الحَكِيمَ ذا الجَلالِ الَّذي زَيَّن هذا الكَونَ بمُعجِزاتِ صَنْعَتِه إلى هذا الحَدِّ، سيَجعَلُ بالبَداهةِ مَن هو المُختارُ المُمتازُ مِن أَربابِ الشُّعُورِ مُخاطَبًا لَه، وتَرجُمانًا لِأَوامِرِه، ومُبَلِّغًا لِعِبادِه، وإمامًا لَهُم.
وإنَّ الجَمِيلَ ذا الكَمالِ الَّذي جَعَل هذا الكَونَ مَظهَرًا لِما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِن تَجلِّياتِ جَمالِه وكَمالِه سَيَهَبُ بالبَداهةِ لِمَن هُو أَجمَعُ نَمُوذَجٍ لِبَدائِعِ صَنْعَتِه، وأَكمَلُ مَن يُظهِر ما يُحِبُّه ويُرِيدُ إِظهارَه مِن جَمالٍ وكَمالٍ وأَسماءٍ حُسنَى.. سَيَهبُ لَه أَكمَلَ حالةٍ للعُبُودِيّةِ، جاعِلًا مِنه أُسْوةً حَسَنةً للآخَرِين ويَحُثُّهُم على اتِّباعِه، لِيَظهَرَ عِندَهم ما يُماثِلُ تلك الحالةَ اللَّطِيفةَ الجَمِيلةَ.
الخُلاصةُ: أنَّ مَحَبّةَ اللهِ تَستَلزِمُ اتِّباعَ السُّنّة المُطَهَّرةِ وتُنتِجُه.. فطُوبَى لِمَن كان حَظُّه وافِرًا مِن ذلك الِاتِّباعِ، ووَيْلٌ لِمَن لا يَقدُرُ السُّنّةَ الشَّرِيفةَ حَقَّ قَدْرِها فيَخُوضَ في البِدَعِ.
— 70 —

النُّكتة السادسة:

قال الرَّسُولُ (ص): «كُلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ، وكُلُّ ضَلالةٍ في النّارِ» ، أي: بعدَ أن كَمَلَتْ قَواعِدُ الشَّرِيعةِ الغَرّاءِ ودَساتِيرُ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ، وأَخَذَت تَمامَ كَمالِها، بدَلالةِ الآيةِ الكَرِيمةِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فإنَّ عَدَم استِحْسانِ تلك الدَّساتِيرِ بِمُحدَثاتِ الأُمُورِ، أو إيجادِ البِدَعِ الَّتي تُشعِرُ كأنَّ تلك القَواعِدَ ناقِصةٌ یی حاشَ لله یی ضَلالٌ ليس له مُستَقَرٌّ إلّا النّارَ.
إنَّ للسُّنّةِ المُطَهَّرةِ مَراتِبَ:
قِسمٌ مِنها "واجِبٌ" لا يُمكِنُ تَركُه، وهو مُبيَّنٌ في الشَّرِيعةِ الغَرّاءِ مُفَصَّلًا، وهو مِنَ المُحكَماتِ، أي: لا يُمكِنُ بأَيّةٍ جِهةٍ كانَت أن تَتَبدَّلَ.
وقِسمٌ مِنها هو مِن قَبِيلِ "النَّوافِلِ"، وهذا بدَوْرِه قِسمانِ:
قِسمٌ مِنه هو السُّنَن الَّتي تَخُصُّ العِباداتِ، وهي مُبيَّنةٌ أَيضًا في كُتُبِ الشَّرِيعةِ. وتَغِييرُ هذه السُّنَنِ بِدعةٌ.
أمّا القِسمُ الآخَرُ فهو الَّذي يُطلَقُ علَيه "الآدابُ"، وهي المَذكُورةُ في كُتُب السِّيَرِ الشَّرِيفةِ، ومُخالَفتُها لا تُسمَّى بِدْعةً، إلّا أنَّها مِن نَوعِ مُخالَفةِ الآدابِ النَّبوِيّةِ، وعَدَمِ الِاستِفاضةِ مِن نُورِها، وعَدَمِ التَّأَدُّبِ بالأَدَبِ الحَقِيقيِّ. فهذا القِسمُ هو اتِّباعُ أَفعالِ الرَّسُولِ (ص) المَعلُومةِ بالتَّواتُرِ في العُرفِ والعاداتِ والمُعامَلاتِ الفِطْرِيّةِ، ككَثِيرٍ مِنَ السُّنَنِ الَّتي تُبيِّنُ قَواعِدَ أَدَبِ المُخاطَبة، وتُظهِرُ حالاتِ الأَكل والشُّرْبِ والنَّوم، أو الَّتي تَتَعلَّقُ بالمُعاشَرةِ؛ فمَنْ يَتَحرَّى أَمثالَ هذه السُّنَنِ الَّتي يُطلَقُ علَيْها "الآدابُ" ويتَّبِعُها، فإنَّه يُحَوِّلُ عاداتِه إلى عِباداتٍ، ويَستَفِيضُ مِن نُورِ ذلك الأَدَبِ النَّبَوِيِّ، لأنَّ مُراعاةَ أَبسَطِ الآدابِ وأَصغَرِها تُذَكِّرُ بالرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، مِمّا يَسكُبُ النُّورَ في القَلبِ.
إنَّ أَهَمَّ ما في السُّنّة المُطَهَّرة هي تلك السُّنَنُ الَّتي هي مِن نَوعِ عَلاماتِ الإسلامِ والمُتَعلِّقةُ بالشَّعائِرِ، إذِ الشَّعائِرُ هي عِبادةٌ مِن نَوعِ الحُقُوقِ العامّة الَّتي تَخُصُّ المُجتَمَعَ؛
— 71 —
فكَما أنَّ قِيامَ فَرْدٍ بها يُؤَدِّي إلى استِفادةِ المُجتَمَعِ كُلِّه، فإنَّ تَرْكَها يَجعَلُ الجَماعةَ كلَّها مَسؤُولةً. فمِثلُ هذه الشَّعائِرِ يُعلَنُ عنها، وهي أَرفَعُ مِن أن تَنالَها أَيدِي الرِّياءِ، وأَهَمُّ مِنَ الفَرائِضِ الشَّخْصِيّةِ ولو كانَت مِن نَوعِ النَّوافِلِ.

النُّكتة السابعة:

إنَّ السُّنّة النبويِّة المُطهَّرة في حَقِيقةِ أَمْرِها لَهِيَ أدَبٌ عَظِيمٌ، فليس فيها مَسأَلةٌ إلَّا وتَنطَوِي على أَدَبٍ ونُورٍ عَظيمٍ؛ وصَدَق رسولُ الله (ص) حين قال: «أدَّبَني ربِّي فأحسَنَ تأديبي» ، نعم، فمن يُمْعِنِ النَّظَرَ في السِّيرة النَّبويّة ويُحِطْ عِلمًا بالسُّنّة المُطهَّرة، يُدرِكْ يقينًا أنَّ الله سبحانه وتعالى قد جَمَع أُصولَ الآداب وقَواعدَها في حَبيبه (ص)؛ فالذي يَهجُرُ سُنَّتَه المُطَهَّرةَ ويُجافِيها فقد هَجَر مَنابِعَ الأَدَبِ وأُصُولَه، فيَحرِمُ نَفسَه مِن خَيرٍ عَظِيمٍ، ويَظلُّ مَحرُومًا مِن لُطفِ الرَّبِّ الكَرِيمِ، ويَقَعُ في سُوءِ أَدَبٍ وَبِيلٍ، ويكُون مِصداقَ القاعِدةِ:
بِى أَدَبْ مَحْرُومْ بَاشَدْ أَزْ لُطْفِ رَبْ
سُؤالٌ: كَيفَ نَتأَدَّبُ معَ عَلّامِ الغُيُوبِ، البَصِيرِ العَلِيمِ، الَّذي لا يَخفَى علَيْه شَيءٌ، فثَمّةَ حالاتٌ تَدعُو الإِنسانَ إلى الخَجَلِ، ولا يُمكِنُ إِخفاؤُها عنه سُبحانَه، ولا التَّسَتُّرُ مِنه، بَينَما سَتَرُ مِثلِ هذه الحالاتِ المُستَكْرَهةِ أَحَدُ أَنواعِ الأَدَبِ؟
الجَوابُ: أَوَّلًا: كما أنَّ الصّانِعَ ذا الجَلالِ يُظهِرُ صَنْعَتَه إِظهارًا جَمِيلًا في نَظَرِ مَخلُوقاتِه، ويَأْخُذُ الأُمُورَ المُستَكرَهةَ تحتَ أَستارٍ وحُجُبٍ، ويُزيِّنُ نِعَمَه ويُجمِّلُها حتى تَشتاقَها الأَبصارُ؛ كذلك يَطلُب سُبحانَه مِن مَخلُوقاتِه وعِبادِه أن يَظهَرُوا أَمامَ ذَوِي الشُّعُورِ بأَجمَلِ صُوَرِهم وأَكثَرِها حُسْنًا، إذ إنَّ ظُهُورَهم للمَخلُوقاتِ في حالاتٍ مُزرِيةٍ قَبِيحةٍ، وأَوضاعٍ مُستَهْجَنةٍ، يكُونُ مُنافِيًا للأَدَبِ، ونَوْعًا مِنَ العِصيانِ تِجاهَ قُدْسِيّةِ أَسمائِه أَمثالَ: "الجَمِيلِ، المُزَيِّنِ، اللَّطِيأفِ، الحَكِيمِ"، وهكذا فالأَدَبُ الَّذي في السُّنّة النَّبَوِيّةِ الطّاهِرةِ إنَّما هو تَأَدُّبٌ بالأَدَبِ المَحْضِ الَّذي هو ضِمْنَ الأَسماءِ الحُسنَى للصّانِعِ الجَلِيلِ.
— 72 —
ثانيًا: إنَّ الطَّبِيبَ لَه أن يَنظُرَ إلى أَشَدِّ الأَماكِنِ حُرْمةً لِمَن يَحْرُمُ علَيْه، مِن زاوِيةِ نَظَرِ الطِّبِّ والعِلاجِ، بل يَكشِفُ لَه یی في حالاتِ الضَّرُورةِ یی تلك الأَماكِنَ ولا يُعَدُّ ذلك خِلافًا للأَدَبِ، وإنَّما يُعتبَرُ ذلك مِن مُقتَضَياتِ الطِّبِّ، إلّا أنَّ ذلك الطَّبِيبَ نَفسَه لا يَجُوزُ لَه أن يَنظُرَ إلى تلك الأَماكِنِ المُحرَّمةِ مِن حيثُ كَونُه رَجُلًا أو واعِظًا أو عالِمًا، فلا يَسمَحُ الأَدَبُ قَطْعًا بإِظهارِها له بتلك العَناوِينِ والصِّفاتِ، بل يُعَدُّ ذلك انعِدامًا للحَياءِ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فإنَّ لِلصّانِعِ الجَلِيلِ أَسماءً حُسنَى كَثِيرةً، ولِكلِّ اسمٍ تَجَلِّيَه، فمَثلًا:
كما يَقتَضي اسمُ "الغَفّارِ" وُجُودَ الذُّنُوبِ، واسمُ "السَّتّار" وُجُودَ التَّقصِيراتِ، فإنَّ اسمَ "الجَمِيلِ" لا يَرضَى برُؤْيةِ القُبْحِ؛ وإنَّ الأَسماءَ الجَماليّةَ والكَماليّةَ، أَمثالَ: "اللَّطِيفِ، الكَرِيمِ، الحَكِيمِ، الرَّحِيمِ"، تَقتَضي أن تكُونَ المَوجُوداتُ في أَحسَنِ الصُّوَر، وفي أَفضَلِ الأَوضاعِ المُمْكِنة.. فتلك الأَسماءُ الجَماليّةُ والكَماليّةُ تَقتَضِي إِظهارَ جَمالِها بالأَوضاعِ الجَمِيلةِ للمَوجُوداتِ بِتأَدُّبِها بالآدابِ الحَسَنةِ، أَمامَ أَنظارِ المَلائِكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ والجِنِّ والإنسِ.
وهكذا، فالآدابُ الَّتي تَتَضَمَّنُها السُّنّة المُطَهَّرةُ إشارةٌ إلى هذه الآدابِ السّامِيةِ، ولَفْتةٌ إلى دَساتِيرِها ونَماذِجِها.

النُّكتة الثامنة:

تُبيِّنُ الآيةُ الكَرِيمةُ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ.. إلخ الآية كَمالَ شَفَقةِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) ومُنتَهَى رَأْفَتِه نحوَ أُمَّتِه، أمّا الَّتي تَعقُبُها: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ.. فهي تقُولُ:
"أيُّها النّاسُ.. أيُّها المُسلِمُون.. اعْلَمُوا كم هو انعِدامٌ للوِجْدانِ وفِقْدانٌ للعَقلِ إعراضُكُم عن سُنّةِ هذا النَّبيِّ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ، وعمّا بَلَّغ مِن أَحكامٍ، لِحَدِّ إِنكارِكُم
— 73 —
شَفَقَتَه البَدِيهِيّةَ، واتِّهامِ رَأْفَتِه المُشاهَدةِ، وهو الَّذي أَرشَدَكُم برَأْفَتِه الواسِعةِ، وبَذَل كلَّ ما أُوتِيَ لِأَجلِ مَصالِحِكُم، مُداوِيًا جِراحاتِكُمُ المَعنَوِيّةَ ببَلْسَمِ سُنَنِه الطّاهِرةِ والأَحكامِ الَّتي أَتَى بها.
وأنتَ أيُّها الرَّسُولُ الحَبِيبُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ.. إن لم يَعرِفْ هَؤُلاء شَفَقتَك العَظِيمةَ هذه لِبَلاهَتِهِم، ولم يُقَدِّرُوا رَأْفَتَك الواسِعةَ هذه، فأَدارُوا لك ظُهُورَهم، ولم يُعِيرُوا لك سَمْعًا.. فلا تُبالِ ولا تَهتَمَّ، فإنَّ رَبَّ العَرشِ العَظِيمِ الَّذي لَه جُنُودُ السَّماواتِ والأَرضِ، والَّذي تُهَيمِنُ رُبُوبِيَّتُه على العَرشِ الأَعظَمِ المُحِيطِ بكلِّ شَيءٍ، لَهُو كافٍ لك، وسيَجمَعُ حَوْلَك المُطِيعِين حقًّا، ويَجعَلُهم يُصغُون إلَيْك، ويَرضَوْن بأَحْكامِك".
نعم، إنَّه لَيسَت في الشَّرِيعةِ المُحمَّديّةِ والسُّنّةِ الأَحمَديّة مَسأَلةٌ إلّا وفيها حِكَمٌ عَدِيدةٌ، فأنا هذا الفَقِيرُ إلى الله أَدَّعي هذا، رَغمَ كلِّ عَجْزِي وقُصُورِي؛ وأنا على استِعدادٍ لإثباتِ هذه الدَّعوَى، فما كَتَبتُه لِحَدِّ الآنَ مِن أَكثَرَ مِن سَبعِينَ رِسالةً مِن "رَسائِلِ النُّورِ" إنَّما هو بمَثابةِ سَبعِينَ شاهِدًا صادِقًا على مَدَى الحِكْمةِ والحَقِيقةِ الَّتي تَنطَوِي علَيْها السُّنّةُ الأَحمَدِيّةُ والشَّرِيعةُ المُحمَّدِيّةُ، فلو قُدِّر وكُتِب هذا المَوضُوعِ فلا تَكفِي سَبعُون رِسالةً ولا سَبعةُ آلافِ رِسالةٍ لإيفاءِ تلك الحِكَمِ حَقَّها.
ثمَّ إنِّي قد شاهَدتُ شَخْصِيًّا، وتَذَوَّقْتُ بنَفسِي، بل لي أَلفُ تَجرِبةٍ وتَجرِبةٍ: أنَّ دَساتِيرَ المَسائِلِ الشَّرعِيّةِ والسُّنّةِ النَّبوِيّةِ أَفضَلُ دَواءٍ وأَنفَعُه لِلأَمراضِ الرُّوحِيّةِ والعَقْلِيّةِ والقَلبِيّةِ، ولا سِيَّما الِاجتِماعيّةِ مِنها، فأنا أُعلِنُ بمُشاهَدَتي وإحساسِي هذا، وقد أَشعَرتُ الآخَرِين بشَيءٍ مِنها في الرَّسائِلِ بأنَّه: لا يُمكِنُ أن تَسُدَّ مَسَدَّ تلك المَسائِلِ أيّةُ حُلُولٍ فَلسَفِيّةٍ ولا أيّةُ مَسأَلةٍ حَكِيمةٍ، فعلى الَّذين يَرتابُون في ادِّعائي هذا مُراجَعةُ أَجزاءِ "رَسائِلِ النُّورِ".
فلْيُقَدَّرْ إذًا مَدَى الرِّبحِ العَظِيمِ في السَّعيِ لِاتِّباعِ سُنّةِ هذه الذّاتِ المُبارَكةِ والجِدِّ في طَلَبِها على قَدْرِ الِاستِطاعةِ، ومَدَى السَّعادةِ للحَياةِ الأَبدِيّةِ، ومَدَى النَّفعِ في الحَياةِ الدُّنيا.
— 74 —

النُّكتة التاسعة:

قد لا يَتَيسَّرُ اتِّباعُ كلِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ اتِّباعًا فِعليًّا كامِلًا إلّا لِأَخَصِّ الخَواصِّ، ولكِن يُمكِنُ لِكُلِّ واحِدٍ الِاتِّباعُ عن طَرِيقِ النِّيّةِ والقَصْدِ والرَّغبةِ في الِالتِزامِ والقَبُولِ؛ ومِنَ المَعلُومِ أنَّه يَنبغَي الِالتِزامُ بأَقسامِ الفَرْضِ والواجِبِ، أمّا السُّنَنُ المُستَحَبَّةُ في العِبادةِ فتَرْكُها وإِهمالُها وإن لم يكُن فيه إثمٌ إلّا أنَّه ضَياعٌ لِثَوابٍ عَظِيمٍ، وفي تَغيِيرِها خَطَأٌ كَبِيرٌ؛ أمّا السُّنَنُ النَّبوِيّةُ في العاداتِ والمُعامَلاتِ فإنَّها تُصَيِّرُ العادةَ عِبادةً رَغمَ أنَّ تارِكَها لا يُلامُ، إلّا أنَّ استِفادَتَه تَقِلُّ وتَتَضاءَلُ مِن نُورِ الآدابِ الحَياتيّةِ لِحَبِيبِ اللهِ (ص).
أمّا البِدَعُ فهِي: إِحداثُ أُمُورٍ في الأَحكامِ التَّعَبُّديّةِ، وهي مَرفُوضةٌ، حيثُ إنَّها تُنافي الآيةَ الكَرِيمةَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، غيرَ أنَّ تلك الأُمُورَ المُستَحدَثةَ إن كانَت مِن قَبِيلِ الأَوْرادِ والأَذكارِ والمَشارِبِ یی كالَّتي في الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ یی فهي لَيسَت ببِدعةٍ ما دامَتْ أُصولُها مُستَقاةً مِنَ الكِتابِ والسُّنّة، ولو كانَت على أَشكالٍ مُختَلِفةٍ وأَنماطٍ مُتَبايِنةٍ، إلّا أنَّها مَشرُوطةٌ بِعَدَمِ مُخالَفَتِها لِلأُصُولِ والأُسُسِ المُقرَّرةِ للسُّنّةِ النَّبوِيّةِ وبِعَدَمِ تَغيِيرِها لَها؛ وعلى الرَّغمِ مِن ذلك فقد أَدخَلَ قِسمٌ مِن أَهلِ العِلمِ بَعضًا مِن هذه الأُمُورِ ضِمنَ البِدَع، إلّا أنَّهم أَطلَقُوا علَيْها: "البِدعةُ الحَسَنةُ"، ولكنَّ الإمامَ الرَّبّانِيَّ يقُولُ: "كُنتُ أَرَى في سَيرِي عَبْرَ السُّلُوكِ الرُّوحانِيِّ أنَّ الكَلِماتِ المَرْوِيّةَ عنِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) مُنوَّرةٌ مُتألِّقة بشُعاعِ السُّنّةِ المُطَهَّرةِ، في حينِ كنتُ أَرَى الأَوْرادَ العَظِيمةَ والحالاتِ الباهِرةَ غيرَ المَروِيّةِ عنه ليس علَيْها ذلك النُّورُ والتَّألُّقُ؛ فما كان يَبلُغُ أَسْطَعُ ما في هذا القِسمِ الأَخِيرِ إلى أَقَلِّ القَلِيلِ لِما في السُّنّة.. ففَهِمتُ مِن هذا: أنَّ شُعاعَ السُّنّةِ المُطهَّرةِ لَهُو الإكسِيرُ النّافِذُ، فالسُّنّةُ المُطَهَّرةُ كافِيةٌ ووافِيةٌ لِمَن يَبتَغِي النُّورَ، فلا داعِيَ للبَحثِ عن نُورٍ خارِجَها...".
إنَّ هذا الحُكْمَ الصَّادِرَ مِن هذا الرّائِدِ البَطَلِ مِن أَبطالِ الحَقِيقةِ والشَّرِيعةِ لَيُظهِرُ لَنا أنَّ السُّنّةَ السَّنِيّةَ هي الحَجَرُ الأَساسُ لِسَعادةِ الدّارَينِ ومَنبَعُ الكَمالِ والخَيرِ.
اللَّهُمَّ ارزُقْنا اتِّباعَ السُّنّة السَّنِيّةِ
رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ
— 75 —

النُّكتة العاشرة:

قال تَعالَى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه.
في هذه الآيةِ الكَرِيمةِ إيجازٌ مُعجِزٌ، حيثُ إنَّ مَعانِيَ كَثِيرةً قدِ اندَرَجَت في هذه الجُمَلِ الثَّلاثِ:
تقُولُ الآيةُ الكَرِيمةُ: "إن كُنتُم تُؤمِنُون باللهِ، فإنَّكم تُحِبُّونه، فما دُمتُم تُحِبُّونه فستَعمَلُون وَفْقَ ما يُحِبُّه، وما ذاك إلَّا تَشَبُّهكُم بمَن يُحِبُّه؛ وتَشَبُّهكُم بمَحبُوبِه ليس إلّا في اتِّباعِه، فمَتَى اتَّبَعتُمُوه يُحبُّیكمُ اللهُ، ومِنَ المَعلُومِ أنَّیكم تُحِبُّون اللهَ كي يُحِبَّیكُمُ اللهُ".
وهكذا، فهذه الجُمَلُ ما هي إلّا بعضُ المَعاني المُختَصَرةِ المُجمَلةِ للآيةِ، لِذا يَصِحُّ القَولُ: إنَّ أَسمَى مَقصَدٍ للإنسانِ وأَعلاه هو أن يكُونَ أَهلًا لِمَحبّةِ اللهِ.. فنَصُّ هذه الآيةِ يُبيِّنُ لَنا أنَّ طَرِيقَ ذلك المَقصَدِ الأَسنَى إنَّما هو في اتِّباعِ حَبِيبِ اللهِ والِاقتِداءِ بسُنَّتِه المُطهَّرةِ.. فإذا ما أَثبَتْنا في هذا المَقامِ ثَلاثَ نِقاطٍ فستَتَبيَّنُ الحَقِيقةُ المَذكُورةُ بوُضُوحٍ:
النُّقطةُ الأُولَى: لقد جُبِلَ هذا الإنسانُ على مَحَبّةٍ غيرِ مُتَناهِيةٍ لِخالقِ الكَونِ، وذلك لأنَّ الفِطْرةَ البَشَريّةَ تُكِنُّ حُبًّا للجَمالِ، ووُدًّا للكَمالِ، وافتِتانًا بالإحسانِ، وتَتَزايَدُ تلك المَحَبّةُ بحَسَبِ دَرَجاتِ الجَمالِ والكَمالِ والإحسانِ حتى تَصِلَ إلى أَقصَى دَرَجاتِ العِشقِ ومُنتَهاه.
نعم، يَستَقِرُّ في القَلبِ الصَّغِيرِ لِهذا الإنسانِ الصَّغِيرِ عِشقٌ بكِبَرِ الكَونِ، إذ إنَّ نَقْلَ مُحتَوَياتِ ما في مَكتَبةٍ كَبِيرةٍ مِن كُتُبٍ، وخَزْنَها في القُوّةِ الحافِظةِ للقَلبِ یی وهي بحَجْمِ حَبّةِ عَدَسٍ یی يُبيِّنُ أنَّ قَلبَ الإنسانِ يُمكِنُه أن يَضُمَّ الكَوْنَ، ويَستَطِيعُ أن يَحمِلَ حُبًّا بقَدْرِ الكَوْنِ.
فما دامَتِ الفِطْرةُ البَشَرِيّةُ تَملِكُ استِعدادًا غيرَ مَحدُودٍ للمَحبّةِ تِجاهَ الإحسانِ والجَمالِ والكَمالِ.. وأنَّ لِخالِقِ الكَونِ جَمالًا مُقدَّسًا غيرَ مُتَناهٍ، ثُبُوتُه مُتَحَقِّقٌ بَداهةً
— 76 —
بآثارِه الظّاهِرةِ في الكائِناتِ.. وأنَّ لَه كَمالًا قُدسِيًّا لا حُدُودَ له، ثُبُوتُه مُحَقَّقٌ ضَرُورةً بنُقُوشِ صَنعَتِه الظّاهِرةِ في هذه المَوجُوداتِ.. وأنَّ له إِحسانًا غيرَ مَحدُودٍ ثابِتَ الوُجُودِ يَقِينًا، يُمكِنُ لَمْسُه ومُشاهَدَتُه ضِمنَ إنعامِه وآلائِه الظّاهِرةِ في جَمِيعِ أَنواعِ الأَحياءِ.. فلا بُدَّ أنَّه سُبحانَه يَطلُبُ مَحَبّةً لا حَدَّ لها مِنَ الإنسانِ الَّذي هو أَجمَعُ ذَوِي الشُّعُورِ صِفةً، وأَكثَرُهم حاجةً، وأَعظَمُهم تَفَكُّرًا، وأَشَدُّهم شَوْقًا.
نعم، كما أنَّ كلَّ إنسانٍ يَملِكُ استِعدادًا غيرَ مَحدُودٍ مِنَ المَحَبّةِ تِجاهَ ذلك الخالِقِ ذِي الجَلالِ، كذلك الخالِقُ سُبحانَه هو أَهلٌ لِيكُونَ مَحبُوبًا، لِأَجلِ جَمالِه وكَمالِه وإِحسانِه أَكثَرَ مِن أَيِّ أَحَدٍ كان، حتَّى إنَّ ما في قَلبِ الإنسانِ المُؤمنِ مِن أَنواعِ المَحَبّةِ ودَرَجاتِها للَّذِين يَرتَبِطُ بهم بعَلاقاتٍ مُعَيَّنة، ولا سِيَّما ما في قَلبِه مِن حُبٍّ تِجاهَ حَياتِه وبَقائِه، وتِجاهَ وُجُودِه ودُنياه، وتِجاهَ نَفسِه والمَوجُوداتِ بأَسْرِها، إنَّما هي تَرَشُّحاتٌ مِن تلك الِاستِعداداتِ للمَحبّة الإِلٰهِيّةِ؛ بل حتَّى أَشكالُ الإحساساتِ العَمِيقةِ عِندَ الإنسانِ ما هي إلّا تَحَوُّلاتٌ لِذلك الِاستِعدادِ، وما هي إلّا رَشَحاتُه الَّتي اتَّخَذَت أَشكالًا مُختَلِفةً.
ومِنَ المَعلُومِ أنَّ الإنسانَ مِثلَما يَتَلذَّذ بسَعادَتِه الذّاتيّةِ، فهو يَتَلذَّذ أيضًا بسَعادةِ الَّذين يَرتَبِطُ بهم بعَلاقةٍ ومَحَبّةٍ، ومِثلَما يُحِبُّ مَن يُنقِذُه مِنَ البَلاءِ، فهو يُحِبُّ مَن يُنجي مُحِبِّيه مِنَ المَصائِبِ أَيضًا.
وهكذا، فإذا ما فكَّرَ الإنسانُ ورُوحُه مُفعَمةٌ بالِامتِنانِ لله، في إحسانٍ واحِدٍ فقط مِمّا لا يُعَدُّ ولا يُحصَى مِنَ الإحساناتِ العَظِيمةِ الَّتي قد غَمَر بها اللهُ سُبحانَه وتَعالَى الإنسانَ وشَمِلَه بها، فإنَّه سيُفَكِّرُ على النَّحوِ الآتي:
إنَّ خالِقِي الَّذي أَنقَذَني مِن ظُلُماتِ العَدَمِ الأَبدِيّةِ، ومَنَحَني مِنحةَ الخَلْق والوُجُودِ، ووَهَب لي دُنيا جَمِيلةً أَستَمتِعُ بجَمالِها هنا على هذه الأَرضِ، فإنَّ عِنايتَه أَيضًا ستَمتَدُّ إلَيَّ حينَ يَحِينُ أَجَلي، فيُنقِذُني كذلك مِن ظُلُماتِ العَدَمِ الأَبدِيِّ والفَناءِ السَّرمَدِيِّ، وسيَهَبُ لي مِن فَضْلِ إِحسانِه عالَمًا أَبدِيًّا باهِرًا زاهِرًا في عالَمِ البَقاءِ في
— 77 —
الآخِرةِ، وسيُنعِمُ علَيَّ سُبحانَه بحَواسَّ ومَشاعِرَ ظاهِرةٍ وباطِنةٍ لِتَستَمتِعَ وتَتَلذَّذ في تَنقُّلِها بينَ أَنواعِ مَلَذّاتِ ذلك العالَمِ الجَمِيلِ الطَّاهِرِ.. كما أنَّه سُبحانَه سيَجعَلُ جَمِيعَ الأَقارِبِ، وجَمِيعَ الأَحِبّة مِن بني جِنسِي الَّذين أُكِنُّ لَهُم حُبًّا عَمِيقًا وأَرتَبِطُ معَهُم بعَلاقةٍ وَثِيقةٍ، سيَجعَلُهم أَهلًا لِهذه الآلاءِ والإحساناتِ غيرِ المَحدُودةِ.. وهذا الإِحسانُ یی مِن جِهةٍ یی يَعُود علَيَّ كذلك، إذ إنَّني أَتلَذَّذُ بسَعادةِ أُولَئك، وأُسعَدُ بها..
فما دامَ في كلِّ فَردٍ حُبٌّ عَمِيقٌ وافتِتانٌ بالإِحسانِ كما في المَثَلِ: "الإنسانُ عَبدُ الإحسانِ" فلا بُدَّ أنَّ الإنسانَ أَمامَ هذا الإِحسانِ الأَبدِيِّ غيرِ المَحدُودِ سيقُولُ: لو كان لي قَلبٌ بسَعةِ الكَونِ لَاقْتَضَى أن يُملَأَ حُبًّا وعِشقًا تِجاهَ ذلك الإحسانِ الإِلٰهِيِّ، وأنا مُشتاقٌ لِمَلْئِه، ولكِن رَغمَ أنَّني لَستُ على مُستَوَى تلك المَحَبّةِ فِعلًا، إلّا أنَّني أَهلٌ لَها بالِاستِعدادِ والإيمانِ، وبالنِّيّةِ والقَبُولِ، وبالتَّقدِيرِ والِاشتِياقِ، وبالِالتِزامِ والإِرادةِ.
وهكذا، يَنبَغي قِياسُ ما يُظهِرُه الإنسانُ مِنَ المَحَبّة تِجاهَ "الجَمالِ" وتِجاهَ "الكَمالِ" بمِقياسِ ما أَشَرْنا إلَيْه مُجْمَلًا مِنَ المَحَبّةِ تِجاهَ "الإِحسانِ".
أمّا الكافِرُ المُلحِدُ، فإنَّه يَحمِلُ عَداءً لا حَدَّ لَه، فهو يَستَخِفُّ بالمَوجُوداتِ مِن حَوْلِه، ويَستَهِينُ بها، ويَمتَهِنُها، ويُناصِبُها العَداءَ والكَراهِيةَ.
النُّقطة الثّانية: إنَّ مَحَبّةَ اللهِ تَستَلزِمُ اتِّباعَ السُّنّةِ الطّاهِرةِ لِمُحمَّد (ص)، لأنَّ حُبَّ اللهِ هو العَمَلُ بمَرضِيّاتِه، وإنَّ مَرضاتَه تَتَجلَّى بأَفضَلِ صُوَرِها في ذاتِ مُحمَّدٍ (ص)؛ والتَّشبُّهُ بذاتِه المُبارَكةِ في الحرَكاتِ والأَفعالِ يَأْتي مِن جِهَتَينِ:
إحداهُما: جِهةُ حُبِّ اللهِ سُبحانَه وإطاعةُ أَوامِرِه، والحَرَكةُ ضِمنَ دائِرةِ مَرضاتِه، وهذه الجِهةُ تَقتَضي ذلك الِاتِّباعَ، حيثُ إنَّ أَكمَلَ إمامٍ وأَمثَلَ قُدْوةٍ في هذا الأَمرِ هو مُحمَّدٌ (ص).
وثانِيَتُهما: جِهةُ ذاتِه المُبارَكةِ (ص) الَّتي هي أَسمَى وَسِيلةٍ للإِحسانِ الإِلٰهِيِّ غيرِ المَحدُودِ للبَشَرِيّةِ، فهي إذًا أَهلٌ لِمَحبّةٍ غيرِ مَحدُودةٍ لِأَجلِ اللهِ وفي سَبِيلِه.
— 78 —
والإنسانُ يَرغَبُ فِطْرةً في التَّشَبُّهِ بالمَحبُوبِ ما أَمكَنَ، لِذا فالَّذين يَسعَون في سَبِيلِ حُبِّ حَبِيبِ الله علَيهِم أن يَبذُلُوا جُهدَهم للتَّشَبُّه به باتِّباعِ سُنَّتِه الشَّرِيفةِ.
النُّقطة الثالثة: كما أنَّ لله سُبحانَه وتَعالَى رَحْمةً غيرَ مُتَناهِيةٍ، فلَه سُبحانَه كذلك مَحَبّةٌ غيرُ مُتَناهِيةٍ؛ وكما أنَّه يُحبِّبُ نَفسَه إلى مَخلُوقاتِه یی بصُورةٍ غيرِ مَحدُودةٍ یی بمَحاسِنِ الكائِناتِ جَمِيعًا وبجَمالِها وزِينَتِها، فإنَّه كذلك يُحِبُّ مَخلُوقاتِه، ولا سِيَّما أَصحابَ الشُّعُورِ مِنهُمُ الَّذين يُقابِلُون تَحَبُّبَه لهم بالحُبِّ والتَّعظِيمِ. لِذا فإنَّ أَسمَى مَقصَدٍ لِلإِنسانِ هو أن يَسعَى لِيَكُونَ مَوْضِعَ نَظَرِ مَحَبّةِ اللهِ الَّذي خَلَق الجَنّةَ بلَطائِفِها ومَحاسِنِها ولَذائِذِها ونِعَمِها بتَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ رَحْمَتِه.
وبما أنَّ أَحَدًا لا يُمكِنُه أن يكُونَ أَهلًا لِمَحبَّتِه سُبحانَه إلّا باتِّباعِ السُّنّة الأَحمَدِيّةِ كما نَصَّ علَيْه كَلامُه العَزِيزُ، إذًا فاتِّباعُ السُّنّةِ المُحمَّديّةِ هو أَعظَمُ مَقصَدٍ إنسانِيٍّ وأَهَمُّ وَظِيفةٍ بَشَريّةٍ.

النُّكتة الحاديةَ عَشْرةَ:

وهي ثلاثُ مسائلَ:
المسألةُ الأُولى: إنَّ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص) ثلاثةَ مَنابِعَ، هي:
أَقوالُه، وأَفعالُه، وأَحوالُه (ص).
وهذه الأَقسامُ الثَّلاثةُ هي كذلك ثَلاثةُ أَقسامٍ:
الفَرائضُ، النَّوافلُ، عاداتُه (ص).
ففي قِسمِ الفَرائِضِ والواجِبِ لا مَناصَ مِنَ الِاتِّباعِ، والمُؤمِنُ مُجْبَرٌ على هذا الِاتِّباعِ بحُكْمِ إيمانِه؛ والجَمِيعُ بلا استِثْناءٍ مُكَلَّفون بأَداءِ الفَرْضِ والواجِبِ، ويَتَرتَّبُ على إهمالِه أو تَركِه عَذابٌ وعِقابٌ.
وأمّا في قِسمِ النَّوافِلِ فأَهلُ الإيمانِ هم مُكَلَّفُون به أَيضًا حَسَبَ الأَمرِ الِاستِحبابيِّ،
— 79 —
ولكِن ليس في تَرْكِ النَّوافِلِ عَذابٌ ولا عِقابٌ؛ غيرَ أنَّ القِيامَ بها واتِّباعَها فيه أَجْرٌ عَظِيمٌ؛ وتَغيِيرَ النَّوافِلِ وتَبدِيلَها بِدعةٌ وضَلالةٌ وخَطَأٌ كَبِيرٌ.
وأمّا عاداتُه (ص) وحَرَكاتُه وسَكَناتُه السّامِيةُ فمِنَ الأَفضَلِ والمُستَحْسَنِ جِدًّا تَقلِيدُها واتِّباعُها حِكْمةً ومَصْلَحةً سَواءٌ في الحَياةِ الشَّخصِيّةِ أوِ النَّوعِيّةِ أوِ الِاجتِماعيّةِ، لأنَّ في كلِّ حَرَكةٍ مِن حَرَكاتِه الِاعتِياديّةِ مَنافِعَ حَياتِيّةً كَثِيرةً جِدًّا، فَضْلًا عن أنَّه بالمُتابَعةِ تَصِيرُ تلك الآدابُ والعاداتُ بحُكْمِ العِبادةِ.
نعم، ما دامَ یی علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ یی مُتَّصِفًا بأَسمَى مَراتِبِ مَحاسِنِ الأَخلاقِ، باتِّفاقِ الأَولياءِ والأَعداءِ.. وأنَّه (ص) هو المُصطَفى المُختارُ مِن بينِ بَني البَشَرِ، وهو أَشهَرُ شَخصِيّةٍ فيهم باتِّفاقِ الجَمِيعِ.. وما دامَ هو أَكمَلَ إِنسانٍ، بل أَكمَلَ قُدوةٍ ومُرشِدٍ بدَلالةِ آلافِ المُعجِزاتِ، وبشَهادةِ العالَمِ الإسلامِيِّ الَّذي كوَّنَه، وبكَمالاتِه الشَّخصِيّةِ وبتَصدِيقِ حَقائِقِ ما بلَّغَه مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ.. وما دامَ مَلايِينُ مِن أَهلِ الكَمالِ قد سَمَوْا في مَراتِبِ الكَمالاتِ، وتَرَقَّوا فيها بثَمَراتِ اتِّباعِه، فوَصَلُوا إلى سَعادةِ الدّارَينِ... فلا بُدَّ أنَّ سُنّةَ هذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) وحَرَكاتِه هي أَفضَلُ نَمُوذَجٍ للِاقتِداءِ، وأَكمَلُ مُرشِدٍ لِلِاتِّباعِ والسُّلُوكِ، وأَحكَمُ دُستُورٍ، وأَعظَمُ قانُونٍ، يَتَّخِذُه المُسلِمُ أَساسًا في تَنظِيمِ حَياتِه.
فالسَّعِيدُ المَحظُوظُ هو مَن له أَوفَرُ نَصِيبٍ من هذا الاتِّباعِ للسُّنّةِ الشَّرِيفةِ.
ومَن لم يتَّبِعِ السُّنّةَ فهو في خُسرانٍ مُبِينٍ إن كان مُتَكاسِلًا عنها، وفي جِنايةٍ كُبرَى إن كان غيرَ مُكتَرِثٍ بها، وفي ضَلالةٍ عَظِيمةٍ إن كان مُنتَقِدًا لها بما يُومِئُ التَّكذِيبَ بها.
المَسأَلةُ الثّانية: لقد وَصَف اللهُ سُبحانَه وتَعالَى الرَّسُولَ (ص) في القُرآنِ الحَكِيمِ بقَولِه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
ووَصَفَه الصَّحْبُ الكِرامُ كما وَصَفَتْه الصَّحابِيّةُ الجَلِيلةُ الصِّدِّيقةُ عائِشةُ رَضِيَ الله عَنهَا قائِلةً: «كان خُلُقُه القُرآنَ» ، أي: "إنَّ مُحمَّدًا (ص) هو المِثالُ النَّمُوذجُ لِما بَيَّنَه القُرآنُ
— 80 —
الكَرِيمُ مِن مَحاسِنِ الأَخلاقِ، وهو أَفضَلُ مَن تَمثَّلَت فيه تلك المَحاسِنُ، بل إنَّه خُلِقَ فِطْرةً على تلك المَحاسِنِ"، وإذ كان الواجِبُ أن يكُونَ كلٌّ مِن أَفعالِ هذا النَّبيِّ العَظِيمِ (ص) وأَقوالِه وأَحوالِه، وكلٌّ مِن حَرَكاتِه نَمُوذَجَ اقْتِداءٍ للبَشَرِيّةِ، نُدرِكُ مَدَى تَعاسةِ أُولَئِك المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّتِه الَّذين غَفَلُوا عن سُنَّتِه (ص) مِمَّن لا يُبالُون بها أو يُرِيدُون تَغيِيرَها، فما أَتعَسَهم وما أَشْقاهُم!
المَسأَلةُ الثّالثةُ: لَمّا كان الرَّسُولُ (ص) قد خُلِق في أَفضَلِ وَضْعٍ وأَعدَلِه وفي أَكمَلِ صُورةٍ وأَتمِّها، فحَرَكاتُه وسَكَناتُه قد سارَت على وَفْقِ الِاعتِدالِ والِاستِقامةِ، وسِيرَتُه الشَّرِيفةُ تُبيِّنُ هذا بَيانًا قاطِعًا وبوُضُوحٍ تامٍّ، بأنَّه قد مَضَى وَفْقَ الِاعتِدالِ والِاستِقامةِ في كلِّ حَرَكةٍ مِن حَرَكاتِه مُتَجَنِّبًا الإفراطَ والتَّفْريطَ.
نعم لَمّا كان الرَّسُولُ (ص) قدِ امْتَثَل امتِثالًا كامِلًا قَولَه تَعالَى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، فالِاستِقامةُ تَظهَرُ في جَمِيعِ أَفعالِه وأَقوالِه وأَحوالِه ظُهُورًا لا لَبْسَ فيه.
فمَثلًا: إنَّ قُوَّتَه العَقْلِيّةَ قد سارَت دائِمًا ضِمنَ الحِكْمةِ الَّتي هي مِحْوَرُ الِاستِقامةِ والحَدُّ الوَسَطُ، مُبَرَّأةً عَمّا يُفسِدُها ويَكبِتُها مِن إفراطٍ وتَفرِيطٍ، أي: الغَباءِ والخِبِّ.
وإنَّ قُوَّتَه الغَضَبِيّةَ قد سارَت دائِمًا ضِمنَ الشَّجاعةِ السّامِيةِ الَّتي هي مِحْورُ الِاستِقامةِ والحَدُّ الوَسَطُ، مُنزَّهةً عمّا يُفسِدُها مِن إفراطٍ وتَفرِيطٍ، أي: الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ.
وإنَّ قُوَّتَه الشَّهَوِيّةَ قدِ اتَّخَذَت مِحْورَ الِاستِقامةِ دائِمًا، وهي العِفّة، واستَقامَت علَيْها بأَسمَى دَرَجاتِ العِصْمةِ، فصَفَت مِن فَسادِ تلك القُوّةِ مِن إِفراطٍ وتَفرِيطٍ، أي: الخُمُودِ والفُجُورِ.
وهكذا، فإنَّه (ص) قدِ اختارَ حَدَّ الِاستِقامةِ في جَمِيعِ سُنَنِه الشَّرِيفةِ الطّاهِرةِ، وفي جَمِيعِ أَحْوالِه الفِطْرِيّةِ، وفي جَمِيعِ أَحْكامِه الشَّرعِيّة، واجتَنبَ كُلِّیيًّا الظُّلمَ والظُّلُماتِ، أي: الإِفْراطَ والتَّفريطَ، والإسرافَ والتَّبذِيرَ، حتَّى إنَّه قدِ اتَّخَذ الِاقتِصادَ لَه دَلِيلًا مُتَجنِّیبًا الإسرافَ نِهائيًّا، في كَلامِه وفي أَكْلِه وفي شُرْبِه.
— 81 —
وقد أُلِّفَت في تَفْصِيلِ هذه الحَقِيقةِ آلافُ المُجَلَّداتِ، إلّا أنَّنا اكْتَفَيْنا بهذه القَطْرةِ مِنَ البَحْرِ، إذِ "العارِفُ تَكفِيه الإشارةُ".
اللَّهُمَّ صَلِّ على جامِعِ مَكارِمِ الأَخلاقِ، ومَظهَرِ سِرِّ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، الَّذي قالَ: "مَن تَمَسَّك بسُنَّتي عِندَ فَسادِ أُمَّتي فلَه أَجْرُ مِئة شَهِيدٍ".
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 82 —

اللمعة الثانية عشرة

تَخُصُّ نُكتتَينِ قُرآنيَّتينِ لمُناسبةِ سُؤالَينِ جُزئيَّينِ سألَهُما السيِّد رَأفَت
بِاسمِهِ سُبحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم وعلى إِخوانِكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه..
أَخِي الصَّادِقَ العَزِيزَ السَّيِّدَ رَأفَت، إنَّ أَسئِلَتَك في هذا الوَقتِ العَصِيبِ الَّذي أَعِيشُه، تَجعَلُني في وَضْعٍ مُحرِجٍ، لِأنَّ سُؤالَيْك یی في هذه المَرّةِ یی وإن كانا جُزئيَّينِ، إلّا أنَّني رَأَيتُهُما على جانِبٍ مِنَ الأهَمِّيّةِ، لِما لَهُما مِن عَلاقةٍ معَ نُكتَتَينِ قُرآنيَّتَينِ، ولِأنَّ سُؤالَكُم حَولَ الكُرةِ الأَرضِيّةِ يَتَعرَّضُ لِلشُّبُهاتِ الَّتي تَرِدُ مِن عِلمَيِ الجُغْرافيةِ والفَلَكِ حَولَ طَبَقاتِ الأَرضِ السَّبعِ والسَّبعِ الطِّباقِ.. لِذا نُبيِّنُ هُنا بَيانًا عِلْمِيًّا وكُلِّیيًّا ومُجمَلًا نُكتَتَينِ قُرآنيَّتَينِ بِغَضِّ النَّظَرِ عن جُزئيّةِ السُّؤالِ، وأنت بِدَوْرِك تَأخُذُ حِصَّتَك مِنه إِزاءَ سُؤالَيْك الجُزئيَّينِ.
النُّكتة الأولى: وهي عبارةٌ عن نقطتَينِ:
النُّقطة الأُولى:
قالَ تَعالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
— 83 —
بدَلالةِ هاتَينِ الآيتَينِ الكَرِيمَتَينِ: الرِّزقُ بِيَدِ القَدِيرِ الجَلِيلِ وَحْدَه، ويَخرُجُ مِن خَزِينةِ رَحْمَتِه دُونَ واسِطةٍ؛ فرِزقُ كلِّ ذِي حَياةٍ بعُهدةِ رَبِّه، فيَلزَمُ ألّا يَمُوتَ أَحَدٌ جُوعًا، ولكِن يَبدُو أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ جُوعًا، أو مِن فِقْدانِ الرِّزقِ كَثِيرُونَ.. إنَّ حَلَّ هذا السِّرِّ وكَشفَ هذه الحَقِيقةِ هو:
إنَّ التَّعَهُّدَ الرَّبّانِيَّ بالرِّزقِ وتكَفُّلَه له بنَفسِه حَقِيقةٌ ثابِتةٌ، فلا أَحَدَ يَمُوتُ مِن عَدَمِ الرِّزقِ، لِأنَّ الحَكِيمَ ذا الجَلالِ يَدَّخِرُ قِسمًا مِنَ الرِّزقِ الَّذي يُرسِلُه إلى جِسمِ الكائِنِ الحَيِّ احتِياطًا على هَيْئةِ الشُّحُومٍ والدُّهُونِ؛ بل يُدَّخَرُ قِسمًا مِنَ الرِّزقِ المُرسَلِ في زَوايا حُجَيراتِ الجِسمِ كي يُصرَفَ مِنه في واجِباتِ الجِسمِ عِندَ عَدَمِ مَجِيءِ الرِّزقِ مِنَ الخارِجِ.
فالَّذِينَ يَمُوتُونَ إنَّما يَمُوتُونَ قَبلَ نَفادِ هذا الرِّزقِ الِاحتِياطِيِّ المُدَّخَرِ، أي: إنَّ ذلك المَوتَ لا يَنجُمُ مِن عَدَمِ وُجُودِ الرِّزقِ، وإنَّما مِن مَرَضٍ ناشِئٍ مِن تَركِ عادةٍ اتَّخَذَها بسُوءِ الِاختِيارِ.
نعم، إنَّ الرِّزقَ الفِطْرِيَّ المُدَّخَرَ بصُورةِ شُحُومٍ في جِسمِ الكائِنِ الحَيِّ، إنَّما يَدُومُ ويَستَمِرُّ بمُعَدَّلِ أَربَعِينَ يَومًا كامِلًا، بل قد يَستَمِرُّ ضِعفَ ذلك، إِثرَ مَرَضٍ أوِ استِغراقٍ رُوحانِيٍّ، حتَّى كَتَبتِ الصُّحُفُ قَبلَ ثَلاثَ عَشْرةَ سَنةً یی أصبح اليوم تِسعًا وثَلاثِينَ سَنةً یی أنَّ رَجُلًا قد أَمضَى مُتَحدِّيًا سَبعِينَ يَومًا في سِجنِ لُندُن دُونَ أن يَذُوقَ شَيئًا وظَلَّ على صِحّةٍ وعافِيةٍ.
فما دامَ الرِّزقُ الفِطْرِيُّ يَدُومُ أَربَعِينَ يَومًا بل سَبعِينَ وثَمانِينَ يَومًا، وأنَّ تَجَلِّيَ اسمِ الرَّزّاقِ ظاهِرٌ على مَدِّ البَسِيطةِ بجَلاءٍ، وأنَّ الرِّزقَ يَتَدفَّقُ مِن حَيثُ لا يُحتَسَبُ مِنَ الأَثداءِ ويَخرُجُ مِنَ الأَكْمامِ؛ فلا بُدَّ أنَّ ذلك الِاسمَ يَمُدُّ الكائِنَ ويُسعِفُه ويَحُولُ بَينَه وبَينَ المَوتِ جُوعًا قبلَ انتِهاءِ الرِّزقِ الفِطْرِيِّ، ما لم يَتَدخَّلِ البَشَرُ المُتَلبِّسُ بالشَّرِّ بسُوءِ عَمَلِه.
ولِهذا فالَّذِينَ يَمُوتُونَ جُوعًا قَبلَ أَربَعِينَ يَومًا، لا يَمُوتُونَ بسَبَبِ عَدَمِ الرِّزقِ قَطْعًا، بل مِن عادةٍ ناشِئةٍ مِن سُوءِ الِاختِيارِ ومِن مَرَضٍ ناشِئٍ مِن تَركِ العادةِ، إذ: "تَركُ العاداتِ مِنَ المُهلِكاتِ" قاعِدةٌ مُطَّرِدةٌ.
— 84 —
فيَصِحُّ القَولُ إِذًا: أنَّه لا مَوتَ مِنَ الجُوعِ.
نعم، إنَّه مُشاهَدٌ أَمامَ الأَنظارِ أنَّ الرِّزقَ يَتَناسَبُ تَناسُبًا عَكسِيًّا معَ الِاقتِدارِ والِاختِيارِ، فمَثلًا: إنَّ الطِّفلَ قَبلَ أن يُولَدَ، ولَيسَ له مِنَ الِاختِيارِ والِاقتِدارِ شَيءٌ، ساكِنٌ في رَحِمِ الأُمِّ، يَسِيلُ إلَيْه رِزقُه دُونَ أن يَحتاجَ حتَّى إلى حَرَكةِ شَفَتَيه؛ وحِينَما يَفتَحُ عَينَيه لِلدُّنيا، ولا يَملِكُ اقتِدارًا ولا اختِيارًا، إلّا شَيئًا مِنَ القابِلِيّاتِ، وحِسًّا كامِنًا فيه، فإنَّه لا يَحتاجُ إلّا إلى حَرَكةِ إِلصاقِ فَمِه بالثَّدْيِ فحَسْبُ، وإذا بمَنابِیعِ الثَّدْيِ تَتَدفَّقُ برِزقٍ هو أَكمَلُ غِذاءٍ وأَسهَلُه هَضْمًا، وبأَلطَفِ صُورةٍ وأَعجَبِ فِطْرةٍ؛ ثمَّ كُلَّما نَما لَدَيه الِاقتِدارُ والِاختِيارُ احتَجَبَ عنه ذلك الرِّزقُ المَيسُورُ الجَمِيلُ شَيئًا فشَيئًا، حتَّى يَنقَطِعَ النَّبعُ ويَغُورَ، فيُرسَلُ إلَيْه رِزقُه مِن أَماكِنَ أُخرَى.. ولكِن لِأنَّ اقتِدارَه واختِيارَه لَيْسَا على استِعدادٍ بَعدُ لِتَتبُّعِ الرِّزقِ، فإنَّ الرَّزّاقَ الكَرِيمَ يَجعَلُ شَفَقةَ والِدَيه ورَحْمَتَهُما مُمِدّةً لِاختِيارِه ومُسعِفةً لِاقتِدارِه، ثمَّ عِندَما يَتَكامَلُ الِاقتِدارُ والِاختِيارُ، فلا يَعدُو الرِّزقُ نَحوَه، ولا يُساقُ إلَيْه، بل يَسكُنُ قائِلًا: تَعالَ اطْلُبْني، فَتِّشْ عنِّي وخُذنِي.
فالرِّزقُ إِذًا مُتَناسِبٌ تَناسُبًا عَكسِيًّا معَ الِاقتِدارِ والِاختِيارِ، بل إنَّ حَيَواناتٍ لا اقتِدارَ لَها ولا اختِيارَ تَعِيشُ أَفضَلَ وأَحسَنَ مِن غَيرِها كما أَوْضَحْنا ذلك في رَسائِلَ عِدّةٍ.
النُّقطةُ الثَّانيةُ:
لِلإِمكانِ أَنواعٌ وأَقسامٌ هي: الإِمكانُ العَقلِيُّ، والإِمكانُ العُرفِيُّ، والإِمكانُ العادِيُّ.. فإن لم تَكُنِ الحادِثةُ الواقِعةُ ضِمنَ الإِمكانِ العَقلِيِّ، فإنَّها تُرَدُّ وتُرفَضُ؛ وإن لم تَكُن ضِمنَ الإِمكانِ العُرفِيِّ أَيضًا فإنَّها تكُونُ مُعجِزةً، ولا تكُونُ كَرامةً بيُسْرٍ؛ وإن لم يَكُن لها نَظِيرٌ عُرفًا وقاعِدةً فلا تُقبَلُ إلّا ببُرهانٍ قاطِعٍ بدَرَجةِ الشُّهُودِ.
فبِناءً على هذا، فإنَّ الأَحوالَ الخارِقةَ لِلعادةِ المَروِيّةَ عنِ السَّيِّدِ أَحمَدَ البَدَوِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) الَّذي لم يَذُق طَعامًا طَوالَ أَربَعِينَ يَومًا، إنَّما هي ضِمنَ دائِرةِ الإِمكانِ العُرفِيِّ، وتكُونُ كَرامةً له، بل رُبَّما هي عادةٌ خارِقةٌ له.
— 85 —
نعم، إنَّ رِواياتٍ مُتَواتِرةً تُنقَلُ عنِ السَّيِّدِ أَحمَدَ البَدَوِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) أنَّه في أَثناءِ استِغراقِه الرُّوحانِيِّ كانَ يَأكُلُ كلَّ أَربَعِينَ يَومًا مَرّةً واحِدةً؛ فالحادِثةُ وقَعَت فِعلًا، ولكِن لَيسَت دائِمًا، وإنَّما حَدَثَت بَعضَ الأَحيانِ مِن قَبِيلِ الكَرامةِ.. وهُناك احتِمالٌ أنَّ حالَتَه الِاستِغراقِيّةَ كانَت غَيرَ مُحتاجةٍ إلى طَعامٍ، لِذا أَصبَحَت بالنِّسبةِ إلَيْه في حُكمِ العادةِ.
وقد رُوِيَت حَوادِثُ كَثِيرةٌ مَوثُوقةٌ مِن هذا النَّوعِ مِنَ الأَعمالِ الخارِقةِ عن أَوْلِياءَ كَثِيرِينَ مِن أَمثالِ السَّيِّدِ أَحمَدَ البَدَوِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه).
فإن كانَ الرِّزقُ المُدَّخَرُ يَدُومُ أَكثَرَ مِن أَربَعِينَ يَومًا یی كما أَثبَتْنا في النُّقطةِ الأُولَى یی وأنَّ الِانقِطاعَ عنِ الطَّعامِ طَوالَ تلك المُدّةِ مِنَ الأُمُوِر المُمكِنةِ عادةً، وأنَّه قد رُوِيَتْ تلك الحالاتُ رِوايةً مَوثُوقةً مِن أَشخاصٍ أَفذاذٍ، فلا بُدَّ ألّا تُنكَرَ قَطْعًا.
السُّؤالُ الثّاني: لِمُناسَبةِ هذا السُّؤالِ نُبيِّنُ مَسأَلتَينِ مُهِمَّتَينِ لِأنَّه: لَمّا عَجَز أَصحابُ عُلُومِ الجُغْرافيةِ والفَلَكِ بقَوانِينِها القاصِرةِ ودَساتِيرِها الضَّيِّقةِ ومَوازِينِها الصَّغِيرةِ عن أن يَرقَوْا إلى سَماواتِ القُرآنِ، وأن يَكشِفُوا عنِ الطَّبَقاتِ السَّبعِ لِمَعانِي نُجُومِ آياتِه الجَلِيلةِ، بَدَؤُوا يُحاوِلُونَ الِاعتِراضَ على الآيةِ الكَرِيمةِ وإِنكارَها بحَماقةٍ وبَلاهةٍ.
المَسأَلةُ المُهِمّةُ الأُولَى:
تَخُصُّ كَونَ الأَرضِ ذاتَ سَبعِ طَبَقاتٍ كالسَّماواتِ.
هذه المَسأَلةُ تَبدُو لِفَلاسِفةِ العَصرِ الحَدِيثِ غَيرَ ذاتِ حَقِيقةٍ، لا تَقبَلُها عُلُومُهُمُ الَّتي تَخُصُّ الأَرضَ والسَّماواتِ، فيتَّخِذُونَ مِن هذه المَسأَلةِ ذَرِيعةً لِلِاعتِراضِ على بَعضِ الحَقائِقِ القُرآنيّةِ، لِذا نَكتُبُ بِضعَ إِشاراتٍ مُختَصَرةً تَخُصُّ هذه المَسأَلةَ.
الأُولَى:
أوَّلًا: إنَّ مَعنَى الآيةِ شَيءٌ، وأَفرادَ ذلك المَعنَى وما يَشتَمِلُ علَيْه مِن تلك المَعانِي مِنَ الجُزئيّاتِ شَيءٌ آخَرُ؛ فإن لم يُوجَد فَردٌ مِن أَفرادٍ كَثِيرةٍ لِذلِك المَعنَى الكُلِّيِّ فلا
— 86 —
يُنكَرُ ذلك المَعنَى الكُلِّيُّ.. عِلْمًا أنَّ هُنالِك سَبعةَ أَفرادٍ ظاهِرةٍ مُصَدِّقةٍ لِلأَفرادِ الكَثِيرةِ لِلمَعنَى الكُلِّيِّ لِلسَّماواتِ السَّبعِ والأَرَضِينَ السَّبعِ.
ثانيًا: إنَّ صَراحةَ الآيةِ الكَرِيمةِ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ... لا تَذكُرُ أنَّ الأَرضَ سَبعُ طَبَقاتٍ، بل ظاهِرُها يُفِيدُ: أنَّ اللهَ خَلَق الأَرضَ جاعِلًا مِنها مَسكَنًا لِمَخلُوقاتِه كالسَّماواتِ السَّبعِ، فلا تَقُولُ الآيةُ: خُلِقَتِ الأَرضُ سَبعَ طَبَقاتٍ.. أمّا المِثلِيّةُ (لِلسَّماواتِ) فهِي تَشبِيهٌ بها مِن حَيثُ كَونُها مَخلُوقةً ومَسكَنًا لِلمَخلُوقاتِ.
الإشارةُ الثّانيةُ:
إنَّ الأَرضَ مَهْما كانَت صَغِيرةً جِدًّا بالنِّسبةِ لِلسَّماواتِ، إلّا أنَّها تَعدِلُها وتُوازِيها مِن حَيثُ إنَّها في حُكمِ مَعرِضٍ لِلمَصنُوعاتِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي لا تُحَدُّ ومَوضِعِ إِشهارِها ومَركَزِها؛ فهِي بهذا تَعدِلُ السَّماواتِ العَظِيمةَ وتُوازِيها كما يَعدِلُ قَلبُ الإِنسانِ الجَسَدَ، إذ هي كالقَلبِ والمَركَزِ المَعنَوِيِّ لِلسَّماواتِ.
ولِهذا فقد فُهِمَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ أنَّ الأَرضَ سَبعُ طَبَقاتٍ:
إذِ الأَرضُ سَبعةُ أَقالِيمَ مُنذُ القَدِيمِ بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ.
ثمَّ هي سَبعُ قارّاتٍ وهِي المَعرُوفةُ باسمِ أَورُوبّا وإِفريقيا وأُوقْيانُوسيا (أُستُراليا) وآسِيَتَينِ وأَمرِيكيَّتَنِ.
ثمَّ هي سَبعُ قِطَعٍ مَعرُوفةٍ في هذا الوَجهِ وفي الوَجهِ الآخَرِ: العالَمِ الجَدِيدِ، وهِي الشَّرقُ والغَربُ والشَّمالُ والجَنُوبُ معَ البِحارِ.
ثمَّ هي سَبعُ طَبَقاتٍ مُتَّصِلةٍ مُتَبايِنةٍ ابتِداءً مِن مَركَزِها إلى قِشرَتِها الظّاهِرةِ، كما هو ثابِتٌ عِلْمًا.
ثمَّ هي ذاتُ عَناصِرَ سَبعةٍ مَشهُورةٍ يُعبَّرُ عنها بالطَّبَقاتِ السَّبعِ والمُتَضمِّنةِ لِسَبعِينَ عُنصُرًا مِنَ العَناصِرِ الجُزئيّةِ البَسِيطةِ الَّتي أَصبَحَت هي مَدارَ الحَياةِ.
— 87 —
ثمَّ الطَّبَقاتُ السَّبعُ والعَوالِمُ السَّبعةُ المُتَكوِّنةُ مِنَ العَناصِرِ الأَربَعةِ یی الماءِ والهَواءِ والنّارِ والتُّرابِ یی والمَوالِيدُ الثَّلاثةُ وهِي المَعادِنُ والنَّباتاتُ والحَيَواناتُ.
ثمَّ عَوالِمُ طَبَقاتِ الأَرضِ السَّبعِ، الثّابِتةُ بشَهادةِ كَثِيرٍ مِن أَهلِ الكَشفِ وأَصحابِ الشُّهُودِ والَّتي هي مَساكِنُ الجِنِّ والعَفارِيتِ ومَقَرّاتُ مَخلُوقاتٍ مُختَلِفةٍ أُخرَى ذَواتِ شُعُورٍ وحَياةٍ.
ثمَّ إنَّها سَبعُ طَبَقاتٍ إِشارةً إلى وُجُودِ سَبعِ كُراتٍ أُخرَى شَبِيهةٍ بكُرَتِنا الأَرضِيّةِ، هي مَساكِنُ ذَوِي الحَياةِ ومَقَرّاتٌ لها، أي: إنَّ كُرةَ الأَرضِ سَبعُ طَبَقاتٍ إِشارةً إلى وُجُودِ سَبعِ كُراتٍ أَرضِيّةٍ.
هكَذا فُهِمَ مِنَ الآياتِ هذه المَعانِي، فإذًا يَتَحقَّقُ وُجُودُ سَبعِ طَبَقاتٍ لِلأَرضِ في سَبعةِ أَنواعٍ مِنَ الطَّبَقاتِ وفي سَبعةِ أَشكالٍ وأَنماطٍ مِنها.
أمّا المَعنَى الثّامِنُ وهُو الأَخِيرُ فلَيسَ داخِلًا في المَعانِي السَّبعةِ المَعدُودةِ، وإنَّما له أَهَمِّيّةٌ مِن ناحِيةٍ أُخرَى.
الإشارةُ الثّالثةُ:
لَمّا كانَ الخالِقُ الحَكِيمُ لا يُسرِفُ في شَيءٍ، ولا يَخلُقُ عَبَثًا، وأنَّ المَوجُوداتِ إنَّما وُجِدَت لِذَوِي الشُّعُورِ، وتَجِدُ كَمالَها بذَوِي الشُّعُورِ، بل تَعْمُرُ بِذَوِي الشُّعُورِ، لِتُنقَذَ مِنَ العَبَثِ؛ وأنَّ ذلك الحَكِيمَ المُطلَقَ والقَدِيرَ الجَلِيلَ يَعمُرُ عُنصُرَ الهَواءِ وعالَمَ الماءِ وطَبَقاتِ التُّرابِ بما لا يُحَدُّ مِن ذَوِي الحَياةِ، كما هو مُشاهَدٌ؛ وكما أنَّ الهَواءَ والماءَ لا يَحُولانِ دُونَ جَوَلانِ الحَيَواناتِ كَذلِك لا تَمنَعُ المَوادُّ الكَثِيفةُ كالتُّرابِ والحَجَرِ سَيرَ الكَهرَباءِ والأَشِعّةِ السِّينيّةِ (رُونتكِن).. فلا بُدَّ أنَّ ذلك الحَكِيمَ ذا الكَمالِ والصّانِعَ الباقِيَ لا يَتْرُكُ طَبَقاتِ الأَرضِ السَّبعَ الكُلِّيّةَ المُتَّصِلةَ ببَعضِها، ولا كُهُوفَها ومَيادِينَها الواسِعةَ وعَوالِمَها، خالِيةً خاوِيةً، ابتِداءً مِن مَركَزِها إلى قِشرَتِها الظّاهِرةِ الَّتي هي مَسكَنُنا.
فلا جَرَمَ أنَّه قد عَمَرَ تلك العَوالِمَ وخَلَق لها مَخلُوقاتٍ ذَواتَ شُعُورٍ تُناسِبُها وتُلائِمُها وأَسكَنَهُم فيها، ويَلزَمُ أن تكُونَ هذه المَخلُوقاتُ مِن أَجناسِ المَلائِكةِ
— 88 —
والرُّوحانيّاتِ الَّتي تكُونُ أَكثَفَ الطَّبَقاتِ وأَصلَبَها بالنِّسبةِ إلَيْها كالبَحرِ إلى السَّمَكِ والهَواءِ إلى الطَّيرِ، بل يَقتَضِي أن تكُونَ نِسبةُ النّارِ الهائِلةِ المُرعِبةِ في مَركَزِ الأَرضِ إلى تلك المَخلُوقاتِ الشّاعِرةِ كنِسبةِ حَرارةِ الشَّمسِ إلَيْنا، وحَيثُ إنَّ الرُّوحانيّاتِ الشّاعِرةَ مَخلُوقاتٌ مِن نُورٍ، فالنَّارُ تكُونُ كالنُّورِ لَهُم.
الإشارةُ الرّابعةُ:
لقد ذُكِرَ في "المَكتُوبِ الثّامِنَ عَشَرَ" مِثالٌ حَولَ تَصوِيراتٍ خارِجةٍ عن نِطاقِ العَقلِ بَيَّنَها أَهلُ الكَشفِ فيما يَخُصُّ عَجائِبَ طَبَقاتِ الأَرضِ، وخُلاصَتُه:
أنَّ كُرةَ الأَرضِ بِذْرةٌ في عالَمِ الشَّهادةِ، بَينَما هي في عالَمِ المِثالِ والبَرزَخِ كشَجَرةٍ ضَخْمةٍ تُضارِعُ عَظَمَتُها السَّماواتِ، فمُشاهَدةُ أَهلِ الكَشفِ لِطَبَقةِ الأَرضِ الخاصّةِ بالعَفارِيتِ في كُرةِ الأَرضِ بمَسافةِ أَلفِ سَنةٍ لَيسَت مُشاهَدَتُهُم لها في بِذْرةِ الأَرضِ الَّتي تَخُصُّ عالَمَ الشَّهادةِ، بل هي تَظاهُرٌ لِطَبَقاتِ الأَرضِ وفُرُوعِها المُمتَدّةِ في عالَمِ المِثالِ.
فإن كانَت طَبَقةٌ واحِدةٌ مِن طَبَقاتِ الأَرضِ لا أَهَمِّيةَ لها ظاهِرًا، قد حازَت هذه الأَهَمِّيّةَ العُظمَى في عالَمٍ آخَرَ، ألا يَصِحُّ أن يُقالَ إِذًا: إنَّ الأَرضَ هي سَبعُ طَبَقاتٍ تُقابِلُ سَبعَ سَماواتٍ؟ فالآياتُ الكَرِيمةُ تُشِيرُ بإِيجازٍ مُعجِزٍ إلى تلك النِّقاطِ المَذكُورةِ وتُنبِّهُ علَيْها، وذلك بإِظهارِها هذه الأَرضَ الصَّغِيرةَ جِدًّا مُكافِئةً لِطَبَقاتِ السَّماواتِ السَّبعِ.
المَسأَلةُ المُهِمّةُ الثّانيةُ:
قَولُه تَعالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ و ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
هاتانِ الآيَتانِ وأَمثالُهُما مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ تُبيِّنُ أنَّ السَّماواتِ سَبعٌ، نَرَى مِنَ الأَنسَبِ اختِصارَ ما ذَكَرناه في تَفسِيرِ "إِشاراتِ الإِعجازِ" الَّذي أُلِّف في جَبْهةِ القِتالِ في
— 89 —
السَّنةِ الأُولَى مِنَ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى، إذ جاءَت فيه هذه المَسأَلةُ في غايةِ الإِجمالِ والِاختِصارِ الشَّدِيدِ بسَبَبِ ظُرُوفِ الحَربِ.
إنَّ الحِكْمةَ القَدِيمةَ قد تَصَوَّرَت أنَّ السَّماواتِ تَسَعُ سَماواتٍ، فزادَت على السَّماواتِ السَّبعِ: العَرشَ والكُرسِيَّ الوارِدَينِ في الشَّرعِ، فكانَ تَصوِيرًا عَجِيبًا لها؛ ولقدِ استَوْلَت على البَشَرِيّةِ طَوالَ عُصُورٍ مَدِيدةٍ تلك التَّعابِيرُ الرَّنّانةُ لِفَلاسِفةِ الحِكْمةِ القَدِيمةِ وحُكَمائِها، حتَّى إنَّ مُفَسِّرِينَ كَثِيرِينَ اضطُرُّوا إلى إِمالةِ ظَواهِرِ الآياتِ إلى مَذهَبِهِم مِمّا أَدَّى إلى إِسدالِ سِتارٍ على إِعجازِ القُرآنِ، إلى حَدٍّ مّا.
أمّا الحِكْمةُ الجَدِيدةُ المُسَمّاةُ بالفَلسَفةِ الحَدِيثةِ فتَقُولُ بما يُفِيدُ إِنكارَ السَّماواتِ إِزاءَ ما كانَت تَدَّعِيه الفَلسَفةُ القَدِيمةُ مِن أنَّ السَّماواتِ غَيرُ قابِلةٍ لِلِاختِراقِ والِالتِئامِ، فقد فَرَّط هَؤُلاءِ كما أَفرَطَ أُولَئِك، وعَجَز الِاثنانِ عن بَيانِ الحَقِيقةِ بَيانًا شافِيًا.
أمّا حِكْمةُ القُرآنِ الكَرِيمِ المُقَدَّسةُ فإنَّها تَدَعُ ذلك الإِفراطَ والتَّفرِيطَ، مُتَّخِذةً الحَدَّ الوَسَطَ، فهِي تقُولُ:
إنَّ الصَّانِعَ جلَّ جَلالُه خَلَق سَبعَ سَماواتٍ طِباقًا، أمّا النُّجُومُ السَّيّارةُ فهِي تَسبَحُ وتُسَبِّحُ في السَّماءِ كالأَسماكِ في البَحرِ؛ وقد جاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إنَّ السَّماءَ مَوجٌ مَكفُوفٌ» أي: كبَحرٍ استَقَرَّت أَمواجُه.. هذه الحَقِيقةُ نُثبِتُها بسَبعِ قَواعِدَ وبسَبعةِ وُجُوهٍ مِنَ المَعانِي، وباختِصارٍ شَدِيدٍ:
القاعِدةُ الأُولَى: إنَّه قد ثَبَت عِلْمًا وحِكْمةً "فَلسَفةً" أنَّ الفَضاءَ الوَسِيعَ هذا الَّذي لا حَدَّ له مَملُوءٌ بمادّةٍ تُسَمَّى الأَثِيرَ، ولَيسَ فراغًا غَيرَ مُتَناهٍ.
الثّانيةُ: إنَّه ثابِتٌ عِلْمًا وعَقلًا بل مُشاهَدةً: أنَّ رابِطةَ قَوانِينِ الأَجرامِ العُلوِيّةِ یی كالجاذِبِيّةِ والدّافِعةِ یی وناشِرةَ القُوَى المَوجُودةِ في المادّةِ یی كالضِّياءِ والحَرارةِ والكَهرَباءِ یی وناقِلَتَها إنَّما هي مادّةٌ مَوجُودةٌ في ذلك الفَضاءِ مالِئةٌ له.
— 90 —
الثّالثةُ: إنَّه ثابِتٌ بالتَّجارِبِ أنَّ مادّةَ الأَثيرِ یی معَ بَقائِها أَثِيرًا یی لها أَنماطٌ مُختَلِفةٌ مِنَ الأَشكالِ، ولها صُوَرٌ مُتَنوِّعةٌ كسائِرِ المَوادِّ، فكما يَحصُلُ ثَلاثةُ أَنواعٍ مِن أَشكالِ المَوادِّ: الغازِيَّةِ والسَّائِلةِ والصُّلبةِ مِنَ المادّةِ نَفسِها كالبُخارِ والماءِ والثَّلجِ، كَذلِك لا مانِعَ عَقلًا مِن أن تكُونَ سَبعةُ أَنواعٍ مِنَ الطَّبَقاتِ مِن مادّةٍ أَثيرِيّةٍ، ولا اعتِراضَ علَيْه.
الرّابعةُ: إنَّه لو أُنعِمَ النَّظَرُ في الأَجرامِ العُلْويّةِ يُرَى في طَبَقاتِها تَخالُفٌ، فكَما أنَّ الطَّبَقةَ الَّتي تَحوِي دَربَ التَّبّانةِ المُشاهَدَ كسَحابٍ، لا تُشبِهُ طَبَقةَ النُّجُومِ الثَّوابِتِ البَتّةَ، حتَّى كأنَّ نُجُومَ طَبَقةِ الثَّوابِتِ ثِمارٌ ناضِجةٌ مُكتَمِلةٌ كفَواكِهِ الصَّيفِ، بَينَما نُجُومٌ لا تُحَدُّ لِدَربِ التَّبّانةِ المُشاهَدِ كسَحابٍ تَنعَقِدُ مُجَدَّدًا وتَتَكامَلُ؛ وطَبَقةُ الثَّوابِتِ نَفسُها لا تُشبِهُ أَيضًا المَنظُومةَ الشَّمسِيّةَ بحَدْسٍ صادِقٍ.. وهكَذا يُدرَكُ بالحَدْسِ والحِسِّ تَخَالُفُ المَنظُوماتِ السَّبعِ والطَّبَقاتِ السَّبعِ.
الخامِسةُ: لقد ثَبَت حَدْسًا وحِسًّا واستِقراءً وتَجرِبةً أنَّه إذا وَقَع التَّشكُّلُ والتَّنظِيمُ في مادّةٍ وصُنِعَت مِنها مَصنُوعاتٌ أُخرَى فإنَّها تَأخُذُ أَشكالًا مُختَلِفةً وطَبَقاتٍ مُتَباينةً.
فمَثلًا: حِينَما تَبدَأُ التَّشَكُّلاتُ في مَعدِنِ الأَلماسِ يَتَولَّدُ مِنه الرَّمادُ والفَحمُ والأَلماسُ، وحِينَما تَبدَأُ النّارُ بالتَّشَكُّلِ تَتَميَّزُ جَمْرًا ولَهَبًا ودُخانًا، وعِندَما يُمزَجُ مُولِّدُ الماءِ ومُوَلِّدُ الحُمُوضةِ يَتَشكَّلُ مِنهُما الماءُ والثَّلجُ والبُخارُ.
يُفهَمُ مِن هذا أنَّه إذا وَقَع التَّشَكُّلُ في مادّةٍ مّا تَنقَسِمُ إلى طَبَقاتٍ، لِذا فالقُدرةُ الفاطِرةُ لَمّا شَرَعَت بالتَّشكِيلِ في مادّةِ الأَثيرِ خَلَقَت مِنها سَبعةَ أَنواعٍ مِن سَماواتٍ على طَبَقاتٍ مُختَلِفةٍ كما جاءَ في قَولِه تَعالَى: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ.
السَّادِسةُ: إنَّ هذه الأَماراتِ المَذكُورةَ تَدُلُّ بالضَّرُورةِ على وُجُودِ السَّماواتِ وعلى تَعَدُّدِها، فما دامَتِ السَّماواتُ مُتَعدِّدةً قَطْعًا، وحَيثُ إنَّ المُخبِرَ الصَّادِقَ قد قالَ بلِسانِ القُرآنِ: هي سَبعةٌ، فهِي سَبعةٌ قَطْعًا.
— 91 —
السَّابعةُ: أنَّ التَّعابِيرَ: (سَبعةٌ، وسَبعُونَ وسبعُ مِئةٍ) وأَمثالَها تُفِيدُ الكَثْرةَ في أَسالِيبِ اللُّغةِ العَرَبيّةِ، أي: يُمكِنُ أن يَضُمَّ تلك الطَّبَقاتِ السَّبعَ الكُلِّيّةَ طَبَقاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا.
حاصِلُ الكَلامِ: إنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ خَلَق سَبعَ سَماواتٍ طِباقًا مِن مادّةِ الأَثِيرِ، وسَوّاها ونَظَّمَها بنِظامٍ عَجِيبٍ دَقِيقٍ، وزَرَع فيها النُّجُومَ؛ ولَمّا كانَ القُرآنُ الكَرِيمُ خِطابًا أَزلِيًّا لِلجِنِّ والإِنسِ بطَبَقاتِهِم كافّةً، فكُلُّ طَبَقةٍ مِنَ البَشَرِ تَأخُذُ إِذًا حِصَّتَها مِن كلِّ آيةٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، وكلُّ آيةٍ أَيضًا تُشبِعُ أَفهامَ كلِّ طَبَقةٍ مِنَ النّاسِ، أي: لِكُلِّ آيةٍ مَعانٍ مُتَنوِّعةٌ مُتَعدِّدةٌ ضِمْنًا وإِشارةً.
نعم، إنَّ سَعةَ خِطابِ القُرآنِ وشُمُولَ مَعانِيه وإِشاراتِه، ومُراعاتَه دَرَجاتِ أَفهامِ الطَّبَقاتِ عامّةً ومَداركِهِم یی مِن أَدنَى العَوامِّ إلى أَخَصِّ الخَواصِّ یی تُبيِّنُ أنَّ كلَّ آيةٍ لها وَجْهٌ مُتَوجِّهٌ إلى كلِّ طَبَقةٍ مِنَ النّاسِ.
ولِأَجلِ هذا فقد فَهِمَتْ سَبعُ طَبَقاتٍ بَشَرِيّةٍ سَبعَ طَبَقاتٍ مُختَلِفةٍ مِنَ المَعانِي ضِمنَ المَعنَى الكُلِّيِّ لِلآيةِ الكَرِيمةِ: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ كالآتي:
يَفهَمُ ذَوُو النَّظَرِ القاصِرِ والفِكرِ المَحدُودِ مِنَ النّاسِ أنَّها: طَبَقاتُ الهَواءِ النَّسِيمِيّةُ.
والَّذِينَ اغتَرُّوا بعِلمِ الفَلَكِ يَفهَمُونَها: النُّجُومَ المَعرُوفةَ بالسَّيّاراتِ السَّبعِ ومَداراتِها لَدَى النّاسِ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَفهَمُها: سَبعَ كُراتٍ سَماوِيّةٍ أُخرَى شَبِيهةٍ بأَرضِنا الَّتي هي مَقَرُّ ذَوِي الحَياةِ.
وتَفهَمُها طائِفةٌ مِنَ البَشَرِ: سَبعَ مَنظُوماتٍ شَمسِيّةٍ أُولَاها مَنظُومَتُنا هذه، وانقِسامَ المَنظُومةِ الشَّمسِيّةِ إلى سَبعِ طَبَقاتٍ.
وطائِفةٌ أُخرَى مِنَ البَشَرِ تَفهَمُها: انقِسامَ تَشَكُّلاتِ الأَثِيرِ إلى سَبعِ طَبَقاتٍ.
— 92 —
وطَبَقةٌ أُخرَى واسِعةُ الإِدراكِ والفَهمِ، تَفهَمُ: أنَّ السَّماواتِ المَرئِيّةَ كلَّها، المُرَصَّعةَ بالنُّجُومِ لَيسَت إلّا سَماءً واحِدةً وهِي السَّماءُ الدُّنيا، وهُناك سِتُّ سَماواتٍ أُخرَى فَوقَها لا تُرَى.
وطَبَقةٌ سامِيةٌ مِنَ النّاسِ وهُمُ الطَّبَقةُ السّابِعةُ ذَوُو إِدراكٍ عالٍ لا يَرَونَ انحِصارَ سَبعِ سَماواتٍ في عالَمِ الشَّهادةِ فقط، بل هي سَبعُ سَماواتٍ تَسْقُفُ وتُحِيطُ بالعَوالِمِ الأُخرَوِيّةِ والغَيبِيّةِ والدُّنيَوِيّةِ والمِثاليّةِ.
وهكَذا، ففي كُلِّیيّةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ مَعانٍ جُزئيّةٌ أُخرَى كَثِيرةٌ جِدًّا مِثلُ هذه الطَّبَقاتِ السَّبعِ المَذكُورةِ مِنَ المَعانِي الَّتي تُراعِي أَفهامَ سَبعِ طَبَقاتٍ مِنَ النّاسِ؛ فكُلٌّ يَستَفِيضُ بقَدْرِ استِعدادِه مِن فَيضِ القُرآنِ، ويَأخُذُ رِزقَه مِنَ المائِدةِ السَّماوِيّةِ العامِرةِ.
فما دامَت هذه الآيةُ الكَرِيمةُ تَحوِي مَعانِيَ مُصادِقةً لها إلى هذا الحَدِّ، فإنَّ إِنكارَ الفَلاسِفةِ الحاليِّينَ المَحرُومِينَ مِنَ العَقلِ، وجُحُودَ عُلَماءِ الفَلَكِ المَخمُورِينَ السَّماواتِ، واتِّخاذَ هذا الإِنكارِ وَسِيلةَ تَعَرُّضٍ لِأَمثالِ هذه الآيةِ الجَلِيلةِ، إن هو إلّا كرَمْيِ الصِّبيانِ الفاسِدِي المِزاجِ النُّجُومَ العَواليَ بالحِجارةِ بُغيةَ إِسقاطِ واحِدةٍ مِنها! ذلك:
لِأنَّ مَعنًى واحِدًا لِهذِه الآيةِ مِن بينِ تلك المَعانِي الكَثِيرةِ إنْ كان صِدْقًا فإنَّ المَعنَى الكُلِّيَّ يكُونُ صِدْقًا وصَوابًا، حتَّى لو كان فَردٌ واحِدٌ مِن تلك المَعانِي، وليس له وُجُودٌ في الواقِعِ إلّا في أَلْسِنةِ النّاسِ، لَصَحَّ أن يكُونَ داخِلًا ضِمنَ ذلك المَعنَى الكُلِّيِّ، رِعايةً لِأَفكارِ العامّةِ؛ فكَيفَ ونَحنُ نَرَى كَثِيرًا جِدًّا مِن أَفرادِه صِدْقًا وحَقِيقةً.
ألا تَرَى هَؤُلاءِ المَغمُورِينَ بسُكْرِ الجُغْرافيةِ وعِلمِ الفَلَكِ الَّذِينَ لا يُنصِفُونَ، كَيفَ يَقَعُونَ في خَطَأٍ فيُغمِضُونَ عُيُونَهُم عنِ المَعنَى الكُلِّيِّ الَّذي هو حَقٌّ وحَقِيقةٌ وصِدْقٌ، فلا يَرَوْنَ مُصَدِّقاتِ الآيةِ الكَثِيرةِ جِدًّا، ويَتَوهَّمُونَ مَعنَى الآيةِ مُنحَصِرًا في فَردٍ خَياليٍّ عَجِيبٍ؛ فرَشَقُوا الآيةَ الكَرِيمةَ بالحِجارةِ، فارتَدَّت على رُؤُوسِهِم فكَسَرَتْها، ففَقَدُوا صَوابَهُم وإِيمانَهُم.
— 93 —
مُحَصَّلُ الكَلامِ: لَمّا عَجَز أَربابُ الأَفكارِ المادِّيّةِ المُلحِدةِ كالشَّياطِينِ والجِنِّ، مِنَ الصُّعُودِ إلى الطَّبَقاتِ السَّبعِ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ النَّازِلِ على القِراءاتِ السَّبعِ والوُجُوهِ السَّبعةِ والمُعجِزاتِ السَّبعِ والحَقائِقِ السَّبعِ والأَركانِ السَّبعةِ، جَهِلُوا ما في الآياتِ مِن مَعانٍ، فيُخبِرُونَ أَخبارًا كاذِبةً خاطِئةً، فيَنزِلُ على رُؤُوسِهِم شِهابٌ رَصَدٌ مِن نُجُومِ تلك الآياتِ كالتَّحقِيقاتِ العِلمِيّةِ المَذكُورةِ فتُحرِقُهُم.
نعم، إنَّه لا يُمكِنُ الرُّقيُّ إلى تلك السَّماواتِ القُرآنيّةِ بفَلسَفةِ فَلاسِفةٍ يَحمِلُونَ أَفكارًا شَيْطانيّةً خَبِيثةً، وإنَّما يُمكِنُ الصُّعُودُ إلى نُجُومِ تلك الآياتِ بمِعراجِ الحِكْمةِ الحَقِيقيّةِ، ويُمكِنُ الطَّيَرانُ إلَيْها بجَناحِ الإِيمانِ والإِسلامِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ على شَمسِ سَماءِ الرِّسالةِ وقَمَرِ فَلَكِ النُّبوّةِ، وعلى آلِه وصَحبِه نُجُومِ الهُدَى لِمَنِ اهتَدَى.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ يا رَبَّ السَّماواتِ والأَرَضِينَ، زَيِّنْ قُلُوبَ كاتِبِ هذه الرِّسالةِ ورُفَقائِه بنُجُومِ حَقائِقِ القُرآنِ والإِيمانِ... آمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 94 —

اللمعة الثالثة عشرة

تَخُصُّ حِكْمةَ "أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
هذا البَحثُ يَخُصُّ حِكْمةَ الِاستِعاذةِ مِنَ الشَّيطانِ. ستُكتَبُ ثَلاثَ عَشْرةَ إِشارةً بشَكلٍ مُجمَلٍ، حَيثُ إنَّ قِسمًا مِنه قد أُثبِتَ ووُضِّح في "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرِينَ"، وفي رَسائِلَ أُخرَى بصُورةٍ مُتَفرِّقةٍ.

الإشارةُ الأُولَى:

سُؤالٌ: إنَّ الشَّياطِينَ ليس لَهُم تَدَخُّلٌ في شُؤُونِ الخَلقِ والإِيجادِ في الكَونِ، وإنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى یی برَحْمَتِه وعِنايتِه یی ظَهِيرٌ لِأَهلِ الحَقِّ، فَضْلًا عن أنَّ جَمالَ الحَقِّ وحُسْنَه يُشَوِّقُ أَهلَه ويُؤيِّدُهُم، بعَكسِ الضَّلالةِ المُستَهجَنةِ بقُبحِها المُنفِّرِ، فما الحِكْمةُ في أنَّ حِزبَ الشَّيطانِ هو الغالِبُ في أَكثَرِ الأَحوالِ، وما السِّرُّ في استِعاذةِ أَهلِ الحَقِّ في كُلِّ حِينٍ باللهِ سُبحانَه مِن شَرِّ الشَّيطانِ؟
الجَوابُ: السِّرُّ والحِكْمةُ هُما كما يَأتِي:
إنَّ الضَّلالةَ والشَّرَّ بأَكثَرِيَّتِها المُطلَقةِ شَيءٌ عَدَميٌّ وسَلبِيٌّ وغَيرُ أَصِيلٍ، وهِي إِخلالٌ وتَخرِيبٌ؛ أمّا الهِدايةُ والخَيرُ فهِي بأَكثَرِيَّتِها المُطلَقةِ ذاتُ وُجُودٍ وشَيءٌ إِيجابيٌّ
— 95 —
وأَصِيلٌ، وهِي إِعمارٌ وبِناءٌ؛ ومِنَ المَعلُومِ أنَّه يَتَمكَّنُ رَجُلٌ واحِدٌ في يَومٍ واحِدٍ أن يَهدِمَ ما بَناه عِشرُونَ رَجُلًا في عِشرِينَ يَومًا؛ وأنَّ حَياةَ الإِنسانِ الَّتي تَبقَى باستِمرارِ أَعضائِه الأَساسِ ضِمنَ شَرائِطِ الحَياةِ، معَ أنَّها تَخُصُّ قُدْرةَ الخالِقِ جَلَّ وعَلا، إلّا أنَّها تَتَعرَّضُ لِلمَوتِ الَّذي هو عَدَمٌ بالنِّسبةِ إلَيْها، إذا ما قَطَع ظالِمٌ عُضوًا مِن جِسمِ ذلك الإِنسانِ، ولِهذا سارَ المَثَلُ: "التَّخرِيبُ أَسهَلُ مِنَ التَّعمِيرِ".
فهذا هو السِّرُّ في أنَّ أَهلَ الضَّلالةِ بقُدرَتِهِمُ الضَّعِيفةِ حَقًّا يَغلِبُونَ أَحيانًا أَهلَ الحَقِّ الأَقوِياءَ جِدًّا.
ولكِن لِأَهلِ الحَقِّ قَلْعةٌ مَنِيعةٌ ما إن يَتَحصَّنُونَ بها ويَلُوذُونَ بها، فلا يَجرُؤُ أنْ يَتَقرَّبَ إلَيْهِم أُولَئِك الأَعداءُ المُخِيفُونَ، ولا يُمكِنُهُم أن يَمَسُّوهُم بسُوءٍ؛ ولَئِن أَصابَهُم شَيءٌ مِنهُم یی مُؤقَّتًا یی فالفَوزُ والثَّوابُ الأَبدِيُّ الَّذي يَنتَظِرُهُم في بُشرَى القُرآنِ الكَرِيمِ: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يُذهِبُ أَثَرَ ذلك الضُّرِّ والقَرْحِ.
وتلك القَلْعةُ الشَّامِخةُ، وذلك الحِصنُ المَنِيعُ هو الشَّرِيعةُ الإِلٰهِيّةُ وسُنّةُ النَّبِيِّ (ص).

الإشارة الثانية:

وهِي المَسأَلةُ الَّتي تَخطُرُ في أَذهانِ الكَثِيرِينَ:
إنَّ خَلْقَ الشَّياطِينِ وهُمُ الشَّرُّ المَحضُ وتَسلِيطَهُم على أَهلِ الإِيمانِ، وسَوْقَهُم كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إلى الكُفرِ، ودُخُولَهُمُ النّارَ بمَكايِدِهِم، هو قُبحٌ ظاهِرٌ، وأَمرٌ مُرعِبٌ؛ فيا تُرَى كَيفَ تَرضَى رَحْمةُ ذلك الرَّحِيمِ المُطلَقِ، ويَسمَحُ جَمالُ ذلك الجَمِيلِ المُطلَقِ وهُو الرَّحمٰنُ ذُو الجَمالِ، بهذا القُبحِ غَيرِ المُتَناهِي والمُصِيبةِ العُظمَى؟!.
الجَوابُ: إنَّه إِزاءَ الشُّرُورِ الجُزئيّةِ لِلشَّياطِينِ، يَكمُنُ في وُجُودِهِم كَثِيرٌ مِنَ المَقاصِدِ الخَيِّرةِ الكُلِّيّةِ وكَمالاتٌ تَرقَى بالإِنسانِ في سُلَّمِ الكَمالِ.
نعم، كما أنَّ هُنالِك مَراتِبَ كَثِيرة بَدْءًا مِنَ البِذْرةِ إلى الشَّجَرةِ الباسِقةِ، كَذلِك لِلاستِعداداتِ الفِطْرِيّةِ الكامِنةِ في ماهِيّةِ الإِنسانِ مِنَ المَراتِبِ والدَّرَجاتِ ما يَفُوقُ
— 96 —
ذلك، بل قد تَصِلُ إلى المَراتِبِ المَوجُودةِ بَينَ الذَّرّةِ والشَّمسِ؛ ولِكَي تَظهَرَ هذه الِاستِعداداتُ وتَنبَسِطَ لا بُدَّ لها مِن حَرَكةٍ، ولا بُدَّ لها مِن تَفاعُلٍ وتَعامُلٍ، فحَرَكةُ لَوْلَبِ الرُّقيِّ ونابِضِ السُّمُوِّ في ذلك التَّعامُلِ هي "المُجاهَدةُ"، ولا تَحصُلُ هذه "المُجاهَدةُ" إلّا بوُجُودِ الشَّياطِينِ والأَشياءِ المُضِرّةِ، إذ لولا تلك "المُجاهَدةُ" لَظَلَّت مَرتَبةُ الإِنسانِ ثابِتةً كالمَلائِكةِ، وعِندَها ما كانَت لِتَظهَرَ تلك الأَصنافُ السّامِيةُ مِنَ النّاسِ الَّتي هي بحُكْمِ الآلافِ مِنَ الأَنواعِ في النَّوعِ الإِنسانِيِّ؛ وحَيثُ إنَّه ليس مِنَ الحِكْمةِ والعَدالةِ بشَيءٍ أن يُترَكَ الخَيرُ الكَثِيرُ جِدًّا تَجَنُّیبًا لِحُصُولِ شَرٍّ جُزئيٍّ، فإنَّ انزِلاقَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ باتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيطانِ، لا يَحمِلُ أَهَمِّيّةً كَبِيرةً ما دامَ التَّقوِيمُ والأَهَمِّيّةُ يَأخُذُ "النَّوعِيّةَ" بنَظَرِ الِاعتِبارِ ولا يَنظُرُ إلى الكَمِّيّةِ إلّا قَلِيلًا، بل قد لا يَنظُرُ إلَيْها.
مِثالُ ذلك: شَخصٌ لَدَيه أَلفٌ وعَشْرٌ مِنَ البُذُورِ، زَرَعَها في التُّرابِ، فجَعَلَها تَتَعرَّضُ لِلتَّفاعُلاتِ الكِيمياوِيّةِ؛ فإذا أَنبَتَت عَشَرةٌ مِن تلك البُذُورِ وأَينَعَت، فإنَّ المَنافِعَ الحاصِلةَ مِنها تَفُوقُ یی بلا شَكٍّ یی خَسارةَ الأَلفِ بِذْرةٍ الَّتي تَعَرَّضَت لِلتَّلَفِ والفَسادِ.
وهكَذا، فإنَّ المَنافِعَ والمَنزِلةَ والأَهَمِّيّةَ الَّتي حازَتْها البَشَرِيّةُ مِن عَشَرةِ أَشخاصٍ كامِلِينَ يَتَلألَؤُونَ كالنُّجُومِ في سَمائِها، والَّذِينَ أَخَذُوا بِيَدِ الإِنسانيّةِ إلى مَراقِي الفَلاحِ، وأَضاؤُوا السُّبُلَ أَمامَهُم وأَخرَجُوهُم إلى النُّورِ بمُجاهَدَتِهِم لِلنَّفسِ والشَّيطانِ.. لا شَكَّ أنَّها تَحجُبُ ما يَلحَقُ بها مِن أَثَرِ الضَّرَرِ النّاجِمِ مِن كَثرةِ الدّاخِلِينَ في حَمْأةِ الكُفرِ مِنَ الضَّالِّينَ الَّذِينَ يُعَدُّونَ مِن جِنسِ الحَشَراتِ لِتَفاهَتِهِم ودَناءَتِهِم.. لِهذا فقد سَمَحَتِ العَدالةُ الإِلٰهِيّةُ والحِكْمةُ و الرَّحْمةُ الرَّبّانيّةُ بوُجُودِ الشَّياطِينِ وتَسَلُّطِها.
فيا مَعشَرَ أَهلِ الإِيمانِ، إنَّ دِرعَكُمُ المَنِيعَ لِصَدِّ أُولَئِك الأَعداءِ، هو التَّقوَى المَصنُوعةُ في دَوْحةِ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ وإنَّ خَنادِقَكُمُ الحَصِينةَ هي سُنّةُ نَبِيِّكُم علَيْه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.. وأمّا سِلاحُكُم فهُو الِاستِعاذةُ والِاستِغفارُ والِالتِجاءُ إلى الحِرزِ الإِلٰهِيِّ.
— 97 —

الإشارة الثالثة:

سُؤالٌ: أَينَ يَكمُنُ السِّرُّ والحِكْمةُ في وَعِيدِ القُرآنِ المُرعِبِ وتَهدِيدِه لِأَهلِ الضَّلالةِ تِجاهَ عَمَلٍ جُزئيٍّ صَدَر مِنهُم، مِمّا لا يَتَناسَبُ بظاهِرِ العَقلِ معَ بَلاغَتِه الَّتي تَتَّسِمُ بالعَدالةِ والِانسِجامِ وأُسلُوبِه المُعجِزِ الرَّزِينِ، إذ كأنَّه يَحشُدُ الجُيُوشَ الهائِلةَ تِجاهَ شَخصٍ عاجِزٍ لا حَظَّ له في المُلكِ، فيُكسِبُه مَنزِلةَ شَرِيكٍ مُتَجاوِزٍ حَدَّه ويَشتَكي مِنه؟
الجَوابُ: إنَّ سِرَّ ذلك وحِكْمَتَه أنَّ في وُسْعِ الشَّياطِينِ ومَن تَبِعَهُم أن يقُومُوا بتَخرِيبٍ مُدَمِّرٍ بحَرَكةٍ بَسِيطةٍ تَصدُرُ مِنهُم، لِأنَّهُم يَسلُكُونَ طَرِيقَ الضَّلالةِ، فيُلحِقُونَ بفِعلٍ جُزئيٍّ يَصدُرُ مِنهُم خَسائرَ جَسِيمةً بحُقُوقِ الكَثِيرِ مِنَ المَخلُوقاتِ، مَثَلُهُم في هذا كمَثَلِ رَجُلٍ رَكِبَ سَفِينةً تِجارِيّةً عامِرةً لِلمَلِكِ ثمَّ خَرَقَها خَرْقًا بَسِيطًا، أو تَرَك واجِبًا كان علَيْه أن يُؤَدِّيَه، فأَهدَرَ بفِعلِه هذا جُهدَ مَن في السَّفِينةِ، وأَفسَدَ علَيْهِم جَنْيَ ثِمارِ عَمَلِهِم فيها، وأَبطَلَ نَتائِجَ أَعمالِ كلِّ مَن له عَلاقةٌ بها، لذا سيُهَدِّدُه المَلِكُ الَّذي يَملِكُ السَّفِينةَ تَهدِيداتٍ عَنِيفةً، بِاسمِ جَمِيعِ رَعاياه في السَّفِينةِ وجَمِيعِ المُتَضرِّرِينَ فيها، وسيُعاقِبُه أَشَدَّ العِقابِ حَتْمًا، لا لِحَرَكَتِه الجُزئيّةِ أو تَركِه الواجِبَ، وإنَّما لِلنَّتائِجِ المُتَرتِّبةِ على تلك الحَرَكةِ أوِ التَّركِ البَسِيطِ، ولَيسَ لِتَجاوُزِه حِمَى المَلِكِ، وإنَّما لِتَعَدِّيه على حُقُوقِ الرَّعِيّةِ جَمِيعِها.
وكَذلِك سَفِينةُ الأَرضِ، ففيها معَ المُؤمِنِينَ أَهلُ الضَّلالِ مِن حِزبِ الشَّيطانِ مِمَّن يُشَكِّلُونَ سَبَبًا لإِلغاءِ نَتائِجِ الوَظائِفِ الحَكِيمةِ لِلمَوجُوداتِ الرّائِعةِ، فيُحَقِّرُونَ بذلك جَمِيعَها، مِمّا يُشَكِّلُ بخَطِيئاتِهِم ومَعاصِيهِمُ الجُزئيّةِ في الظّاهِرِ تَجاوُزًا واضِحًا وتَعَدِّيًا صارِخًا على حُقُوقِ المَوجُوداتِ كافّةً؛ لِذا فإنَّ اللهَ سُبحانَه وهُو مَلِكُ الأَزَلِ والأَبدِ يَحشُدُ التَّهدِيداتِ المُرَوِّعةَ ضِدَّ ذلك التَّدمِيرِ الصّادِرِ مِن أَهلِ الضَّلالةِ.. وهذا هو الِانسِجامُ التّامُّ في أُسلُوبِ القُرآنِ الكَرِيمِ والتَّوافُقُ الرّائِعُ، وهُو الحِكْمةُ البالِغةُ الخالِصةُ المُستَتِرةُ في رُوحِ البَلاغةِ الَّتي هي مُطابَقةُ الكَلامِ لِمُقتَضَى الحالِ، وهِي بَعِيدةٌ كلَّ البُعدِ ومُنزَّهةٌ كلَّ التَّنزِيهِ عنِ المُبالَغةِ الَّتي هي الإِسرافُ في الكَلامِ.
— 98 —
فيا هَلاكَ ويا ضَياعَ مَن لا يُحَصِّنُ نَفسَه بحِصنٍ مَنِيعٍ مِن أُولَئِك الأَعداءِ الأَلِدّاءِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بتَخرِيبٍ مُرَوِّعٍ وتَدمِيرٍ هائِلٍ بحَرَكاتِهِمُ الجُزئيّةِ.
فيا أَهلَ الإِيمانِ، أَمامَكُمُ الحِصْنُ السَّماوِيُّ المَنِيعُ.. إنَّه القُرآنُ الكَرِيمُ.. ادخُلُوا فيه، وأَنقِذُوا أَنفُسَكُم..

الإشارة الرابعة:

لقدِ اتَّفقَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ وأَهلُ الكَشفِ على أنَّ العَدَمَ شَرٌّ مَحضٌ.. والوُجُودَ خَيرٌ مَحضٌ.
نعم، إنَّ الخَيرَ والمَحاسِنَ والكَمالاتِ یی بأَكثَرِيَّتِها المُطلَقةِ یی تَستَنِدُ إلى الوُجُودِ وتعُودُ إلَيْه، فأَساسُها إِيجابيٌّ ووُجُوديٌّ، وإن بَدَت ظاهِرًا سَلبِيّةً وعَدَميّةً.
وإنَّ أَساسَ الضَّلالةِ والشَّرِّ والمَعاصِي وأَصلَ المَصائِبِ والبَلايا وأَمثالِها مِنَ المَكارِهِ هو عَدَمٌ وسَلبِيٌّ، وما فيها مِنَ القُبحِ والسُّوءِ فناجِمانِ مِن عَدَميَّتِها، وإن بَدَت ظاهِرًا إِيجابيّةً ووُجُودًا، إِلّا أنَّ أَساسَها عَدَمٌ ونَفيٌ، أي: بلا أَساسٍ وبلا فِعلٍ إِيجابيٍّ.
ثمَّ إنَّ وُجُودَ البِناءِ يَتَقرَّرُ بوُجُودِ جَمِيعِ أَجزائِه كما هو ثابِتٌ بالمُشاهَدةِ، بَينَما عَدَمُه ودَمارُه يُمكِنُ أن يَحصُلَ بتَهَدُّمِ أَحَدِ أَركانِه وعَدَمِه.
وإنَّ الوُجُودَ يَحتاجُ إلى عِلّةٍ مَوجُودةٍ، ولا بُدَّ أن يَستَنِدَ إلى سَبَبٍ حَقِيقيٍّ، بَينَما العَدَمُ يُمكِنُ أن يَستَنِدَ إلى أُمُورٍ عَدَميّةٍ، ويكُونَ الأَمرُ العَدَميُّ عِلّةً لِشَيءٍ مَعدُومٍ.
فبِناءً على هاتَينِ القاعِدَتَينِ: فإنَّ شَياطِينَ الإِنسِ والجِنِّ ليس لَهُم ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ واحِدةٍ نَصِيبٌ في الخَلقِ والإِيجادِ وما تكُونُ لَهُم أيّةُ حِصّةٍ في المُلكِ الإِلٰهِيِّ، معَ أنَّ لَهُم آثارًا مُخِيفةً وأَنواعًا مِنَ الكُفرِ والضَّلالةِ وأَعمالًا شِرِّيرةً ودَمارًا هائِلًا، إذ لا يقُومُونَ بتلك الأُمُورِ بقُدُراتِهِم وقُوَّتِهِمُ الذّاتيّةِ، بل إنَّ أَغلَبَ أَعمالِهِم ليس فيها فِعلٌ وقُدرةٌ حَقِيقيّةٌ، وإنَّما هي مِن نَوعِ تَركِ الفِعلِ، وتَعطِيلِ العَمَلِ، وصَدِّ الخَيرِ، فيَعمَلُونَ الشَّرَّ بالصَّرفِ عنِ الخَيرِ، فتَحصُلُ الشُّرُورُ؛ لِأنَّ الشُّرُورَ والمَهالِكَ هي مِن نَوعِ الهَدْمِ
— 99 —
والتَّخرِيبِ، فلا يَلزَمُ أن تكُونَ عِلَّتُها إِيجادًا فاعِلًا، ولا قُدْرةً مُوجِدةً، إذ يُمكِنُ التَّخرِيبُ الهائِلُ بأَمرٍ عَدَميٍّ، وبإِفسادِ شَرطٍ..
ولِعَدَمِ وُضُوحِ هذا السِّرِّ عِندَ المَجُوسِ فقدِ اعتَقَدُوا بوُجُودِ خالِقٍ لِلخَيرِ وأَسمَوْه "يَزدانَ"، وخالِقٍ لِلشَّرِّ وأَسمَوْه "أَهرِيمانَ"، بَينَما لا يَعدُو هذا الإلٰهُ المَوهُومُ لِلشَّرِّ سِوَى الشَّيطانِ الَّذي يكُونُ سَبَبًا لِلشُّرُورِ ووَسِيلةً لها، بالإِرادةِ الجُزئيّةِ وبالكَسبِ، دُونَ الإِيجادِ.
فيا أَهلَ الإِيمانِ، إنَّ أَمضَى سِلاحِكُم ضِدَّ هذه المَهالِكِ المُفزِعةِ لِلشَّياطِينِ وأَهَمَّ وَسِيلَتِكُم لِلإِصلاحِ والتَّرمِيمِ هو الِاستِغفارُ والِالتِجاءُ إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى بقَولِكُم: "أَعُوذُ باللهِ".. واعْلَمُوا أنَّ قَلعَتَكُم هي سُنّةُ رَسُولِكُم علَيْه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.

الإشارة الخامسة:

إنَّه على الرَّغمِ مِن تَوَفُّرِ أَسبابِ الهِدايةِ والِاستِقامةِ ووَسائِلِ الإِرشادِ أَمامَ أَهلِ الإِيمانِ بما بَيَّنه اللهُ سُبحانَه لَهُم في كُتُبِه المُقدَّسةِ كافّةً مِن مَثُوبةٍ وهِي نَعِيمُ الجَنّةِ ومِن عِقابٍ أَلِيمٍ وهُو نارُ جَهَنَّمَ ومعَ ما كَرَّرَه سُبحانَه مِن تَوجِيهٍ وتَنبِيهٍ وتَرغِيبٍ وتَحذِيرٍ.. يُغلَبُ أَهلُ الإِيمانِ أَمامَ الدَّسائِسِ الدَّنيئةِ والضَّعيفةِ التّافِهةِ الصّادِرةِ عن حِزبِ الشَّيطانِ.
كان هذا يَأخُذُ قِسطًا كَبِيرًا مِن تَفكِيرِي، إذ كَيفَ لا يَهتَمُّ صاحِبُ الإِيمانِ بذلك الوَعِيدِ المُخِيفِ مِن رَبِّ العالَمِينَ؟! وكَيفَ لا يَزُولُ إِيمانُه وهُو يَعصِي رَبَّه مُتَّبِعًا خُطُواتِ الشَّيطانِ ومَكايِدَه الضَّعِيفةَ كما في قَولِه تَعالَى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا؟! حتَّى إنَّ بَعضًا مِن أَصدِقائي المُقرَّبِينَ بَعدَ أن سَمِع مِنِّي مِئةً مِن دُرُوسِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ وصَدَّق بها تَصدِيقًا قَلبِيًّا، ومعَ شِدّةِ عَلاقَتِه وحُسنِ ظَنِّه بي فقدِ انجَرَف لِثَناءٍ تافِهٍ ورَخِيصٍ مِن رَجُلٍ فاسِدٍ مَيِّتِ القَلبِ، فانجَذَب إلَيْه، مِمّا دَفَعَه لِيَكُونَ في الصَّفِّ المُعادِي لي؛ فقُلتُ في نَفسِي: يا سُبحانَ اللهِ! هل يُمكِنُ لِلإِنسانِ أن يَهوِيَ إلى هذا الدَّرَكِ؟ كم كانَ هذا الرَّجُلُ ذا مَعدِنٍ رَخِيصٍ! فأَثِمتُ مِنِ اغتِيابِ هذا المِسكِينِ.
— 100 —
ثمَّ انكَشَفَت وللهِ الحَمدُ حَقائِقُ الإِشاراتِ السّابِقةِ فأَنارَت كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ الغامِضةِ.. فعَلِمتُ بذلك النُّورِ أن تَكرارَ التَّرغِيبِ والحَثِّ في القُرآنِ الكَرِيمِ ضَرُورِيٌّ جِدًّا، ومُناسِبٌ ومُلائِمٌ لِلحالِ.. وأنَّ انخِداعَ أَهلِ الإِيمانِ بمَكايِدِ الشَّيطانِ لا يَنجُمُ عن عَدَمِ الإِيمانِ، ولا مِن ضَعفِه.. وأنَّه لا يُكَفَّرُ مَنِ ارتَكَبَ الكَبائِرَ؛ فالمُعتَزِلةُ وقِسمٌ مِنَ الخَوارِجِ قد أَخطَؤُوا حِينَ كَفَّرُوا مُرتَكِبَ الكَبائِرِ أو جَعَلُوه في مَنزِلةٍ بَينَ المَنزِلَتَينِ.. وأنَّ صَدِيقي المِسكِينَ الَّذي ضَحَّى بتلك الدُّرُوسِ الإِيمانيّةِ بثَناءِ شَخصٍ تافِهٍ، لم يَسقُط في الهاوِيةِ كَثِيرًا، ولم يَنحَطَّ إلى الحَضِيضِ كُلِّیيًّا كما تَصَوَّرتُ، فشَكَرتُ اللهَ سُبحانَه الَّذي أَنقَذَني مِن تلك الوَرْطةِ.
ذلك لِأنَّ الشَّيطانَ یی كما قُلنا سابِقًا یی بأَمرٍ سَلبِيٍّ جُزئيٍّ مِنه يُورِدُ الإِنسانَ المَهالِكَ الخَطِيرةَ.. وإنَّ النَّفسَ الَّتي بَينَ جَنبَيِ الإِنسانِ دائِمةُ الإِنصاتِ إلى الشَّيطانِ.. وإنَّ قُوَّتَه الشَّهْوانيّةَ والغَضَبِيّةَ هُما بمَثابةِ جِهازٍ لاقِطٍ وجِهازِ تَوصِيلٍ لِمَكايِدِ الشَّيطانِ؛ ولِذلِك فقد خَصَّصَ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى اسمَينِ مِن أَسمائِه الحُسنَى "الغَفُورُ، الرَّحِيمُ" لِيتَجَلَّيا بالتَّجَلِّي الأَعظَمِ ويَتَوجَّها إلى أَهلِ الإِيمانِ، وأَوضَحَ في القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ أَعظَمَ إِحسانٍ له لِلأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام هو: المَغفِرةُ.. فدَعاهُم إلى: الِاستِغفارِ؛ وأنَّه سُبحانَه بتَكرارِه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وجَعْلِها بَدْءًا لِكُلِّ سُورةٍ ولِكُلِّ أَمرٍ ذِي بالٍ، جَعَل رَحْمَتَه الَّتي وَسِعَت كلَّ شَيءٍ هي المَلاذَ والمَلجَأَ لِأَهلِ الإِيمانِ، وهِي الأَمانَ والنَّجاةَ لَهُم مِنَ الشَّيطانِ؛ وجَعَل الحاجِزَ المانِعَ لَهُم مِنَ الشَّيطانِ ودَسائِسِه هو "أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ"، وذلك بأَمرِه: فَاسْتَعِذْ.

الإشارة السّادسة:

إنَّ أَخطَرَ دَسائِسِ الشَّيطانِ هو أنَّه يُلبِسُ على بَعضِ ذَوِي القُلُوبِ الصّافِيةِ والحِسِّ المُرهَفِ: تَخَيُّلَ الكُفرِ بتَصدِيقِ الكُفرِ، ويُظهِرُ لَهُم تَصَوُّرَ الضَّلالةِ تَصدِيقًا لِلضَّلالةِ نَفسِها، ويَجلُبُ إلى خَيالِهِم خَواطِرَ قَبِيحةً في حَقِّ الأَشخاصِ والأُمُورِ المُنزَّهةِ المُقَدَّسةِ، ويُوهِمُهُم بالشَّكِّ في بَعضِ يَقِينيّاتِ الإِيمانِ بجَعلِ "الإِمكانِ الذّاتِيِّ"
— 101 —
في صُورةِ "الإِمكانِ العَقلِيِّ"؛ وعِندَئِذٍ يَظُنُّ هذا المِسكِينُ المُرهَفُ الحِسِّ أنَّه قد هَوَى في الكُفرِ والضَّلالةِ، ويَتَوهَّمُ أنَّه قد زالَ يَقِينُه الإِيمانِيُّ، فيَقَعُ في اليَأسِ والقُنُوطِ، ويكُونُ بِيَأسِه هذا أُضحُوكةً لِلشَّيطانِ الَّذي يَنفُثُ في يَأسِه القاتِلِ، ويَضرِبُ دَومًا على وَتَرِه الحَسّاسِ، ويَنفُخُ في التِباساتِه ويُثِيرُها، فإمّا أن يَختَلَّ عَقلُه أو يقُولَ: قُضِيَ الأمرُ ولا يُمكِنُ فِعلُ شَيءٍ. فيَدفَعُ بِنَفسِه إلى هاوِيةِ الضَّلالةِ.
وقد بَحَثْنا في بَعضِ الرَّسائِلِ مَدَى تَفاهةِ هذه الهَمَزاتِ والوَساوِسِ، وكَيفَ أنَّها لا سَنَدَ لها ولا أَساسَ، أمّا هنا فسنُجمِلُها بما يَأتِي:
كما أنَّ صُورةَ الحَيّةِ في المِرآةِ لا تَلدَغُ، وانعِكاسَ النّارِ فيها لا يُحرِقُ، وظِلَّ النَّجَسِ فيها لا يُنَجِّسُ، كَذلِك ما يَنعَكِسُ على مِرآةِ الخَيالِ أوِ الفِكرِ مِن صُوَرِ الكُفرِ والشِّركِ، وظِلالِ الضَّلالةِ، وخَيالاتِ الكَلِماتِ النّابِيةِ والشَّتمِ، لا تُفسِدُ العَقِيدةَ واليَقِينَ ولا تُغيِّرُ الإِيمانَ، ولا تَثلُمُ أَدَبَ التَّوقِيرِ والِاحتِرامِ، ذلك لِأنَّه مِنَ القَواعِدِ المُقرَّرةِ: "تَخَيُّلُ الشَّتمِ ليس شَتْمًا، وتَخَيُّلُ الكُفرِ لَيسَ كُفرًا، وتَصَوُّرُ الضَّلالةِ ليس ضَلالةً".
أمّا مَسأَلةُ الشَّكِّ في الإِيمانِ، فإنَّ الِاحتِمالاتِ النّاشِئةَ مِنَ "الإِمكانِ الذّاتِيِّ" لا تُنافِي اليَقِينَ وتُخِلُّ به، إذ مِنَ القَواعِدِ المُقرَّرةِ في عِلمِ أُصُولِ الدِّينِ: "أنَّ الإِمكانَ الذّاتِيَّ لا يُنافِي اليَقِينَ العِلمِيَّ".
فمَثلًا: نَحنُ على يَقِينٍ مِن أنَّ بُحَيرةَ "بارْلا" مَملُوءةٌ بالماءِ ومُستَقِرّةٌ في مَكانِها، إلّا أنَّه يُمكِنُ أن تُخسَفَ في هذه اللَّحْظةِ؛ فهَذا إِمكانٌ ذاتِيٌّ واحتِمالٌ، وهُو مِنَ المُمكِناتِ؛ ولكِن لِأنَّه لم يَنشَأ مِن أَمارةٍ، أو دَليلٍ، فلا يكُونُ "إِمكانًا ذِهنِيًّا" حتَّى يُوجِبَ الشَّكَّ، لِأنَّ القاعِدةَ المُقَرَّرةَ في عِلمِ أُصُولِ الدِّينِ أنَّه: "لا عِبرةَ لِلِاحتِمالِ غَيرِ النّاشِئِ عن دَليلٍ" بمَعنَى: لا يكُونُ الِاحتِمالُ الذّاتِيُّ الَّذي لم يَنشَأ عن أَمارةٍ إِمكانًا ذِهنِيًّا، فلا أَهَمِّيّةَ له كي يُوجِبَ الشَّكَّ..
فبِمِثلِ هذه الإِمكاناتِ والِاحتِمالاتِ الذَّاتيّةِ يَظُنُّ المِسكِينُ المُبتَلَى أنَّه قد فَقَد يَقِينَه بالحَقائِقِ الإِيمانيّةِ، فتَخطُرُ بِبالِه مَثلًا خَواطِرُ كَثِيرةٌ مِنَ الإِمكانِ الذّاتِيِّ مِن جِهةِ
— 102 —
بَشَرِيّةِ الرَّسُولِ (ص)، ولا شَكَّ أنَّها لا تُخِلُّ بيَقِينِه وجَزمِه الإِيمانِيِّ، ولكِنَّ ظَنَّه أن هذا يَضُرُّ هو الَّذي يُسَبِّبُ له الضَّرَرَ.
وأَحيانًا أُخرَى تُلقِي لَمَّةُ الشَّيطانِ یی الَّتي هي على القَلبِ یی كَلامًا لا يَلِيقُ بجَلالِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى، فيَظُنُّ صاحِبُه أنَّ قَلبَه هو الَّذي فَسَد فصَدَر عنه هذا الكَلامُ، فيَضطَرِبُ ويَتَألَّمُ.. والحالُ أنَّ اضطِرابَه وخَوفَه وعَدَمَ رِضاه دَليلٌ على أنَّ تلك الكَلِماتِ لم تكُن صادِرةً مِن قَلبِه، وإنَّما هي مِنَ اللَّمّةِ الشَّيطانيّةِ، أو أنَّ الشَّيطانَ يُخَيِّلُها إلَيْه ويُذَكِّرُه بها.
وكَذلِك فإِنَّ مِن بَينِ اللَّطائِفِ الإِنسانيّةِ یی وهِي بِضعُ لَطائِفَ لم أَستَطِع تَشخِيصَها یی ما لا تَرضَخُ لِلإِرادةِ والِاختِيارِ، ولا تَدخُلُ تَحتَ وَطْأةِ المَسؤُوليّةِ، فتَتَحكَّمُ أَحيانًا وتُسَيطِرُ دُونَ أن تُنصِتَ لِنِداءِ الحَقِّ، وتَلِجُ في أُمُورٍ خاطِئةٍ، وعِندَئِذٍ يُلقِي الشَّيطانُ في رَوْعِ هذا الإِنسانِ المُبتَلَى: "إنَّ فِطْرَتَك فاسِدةٌ لا تَنسَجِمُ معَ الإِيمانِ والحَقِّ، ألا تَرَى أنَّك تَلِجُ بلا إِرادةٍ في مِثلِ هذه الأُمُورِ الباطِلةِ؟ إذًا فقد حَكَم علَيْك قَدَرُك بالتَّعاسةِ وقَضَى علَيْك بالشَّقاءِ!"، فيَهلِكُ ذلك المِسكِينُ في هذا اليَأسِ المُدَمِّرِ.
وهكَذا، فإنَّ حِصنَ المُؤمِنِ الحَصِينَ مِنَ الدَّسائِسِ الشَّيطانيّةِ المُتَقدِّمةِ هي المُحْكَماتُ القُرآنيّةُ والحَقائِقُ الإِيمانيّةُ المَرسُومةُ حُدُودُها بدَساتِيرِ العُلَماءِ المُحَقِّقينَ والأَصفِياءِ الصّالِحِينَ؛ أمّا الدَّسائِسُ الأَخِيرةُ فإنَّها تُرَدُّ بالِاستِعاذةِ باللهِ سُبحانَه وتَعالَى وبإِهمالِها، لِأنَّ مِن طَبِيعةِ الوَساوِسِ أنَّها تَكبُرُ وتَتَضخَّمُ كُلَّما زادَ الِاهتِمامُ بها، فالسُّنّةُ المُحَمَّدِيّةُ لِلمُؤمِنِ هي البَلسَمُ الشَّافي لِمِثلِ هذه الجِراحاتِ الرُّوحِيّةِ.

الإشارة السابعة:

سُؤالٌ: إنَّ أَئِمّةَ المُعتَزِلةِ عِندَما اعتَبَرُوا أنَّ إِيجادَ الشَّرِّ شَرٌّ، لم يَرُدُّوا إلى اللهِ سُبحانَه خَلْقَ الكُفرِ والضَّلالةِ، فكأَنَّهُم بهذا يُنزِّهُونَه سُبحانَه ويُقدِّسُونَه، فقالُوا: "إنَّ البَشَر هو خالِقٌ لِأَفعالِه"، فضَلُّوا بذلك؛ وكَذلِك قالُوا: "يَزُولُ إِيمانُ مَنِ ارتَكَب
— 103 —
الكَبائِرَ لِأنَّ صِدقَ العَقِيدةِ في اللهِ لا يَتَلاءَمُ وارتِكابَ مِثلِ هذه الخَطايا والذُّنُوبِ، حَيثُ إنَّ الإِنسانَ الَّذي يَحذَرُ مُخالَفةَ القَوانِينِ في الدُّنيا رَهبةً مِنَ السِّجنِ الوَقتِيِّ، إنِ ارتَكَب الكَبائِرَ دُونَ أن يُبالِيَ بغَضَبِ الخالِقِ العَظِيمِ، ولا بعَذابِ جَهَنَّمَ الأَبدِيِّ، لا بُدَّ أن يكُونَ ذلك دَليلَ عَدَمِ إِيمانِه".
جَوابُ الشِّقِّ الأَوَّلِ مِنَ السُّؤالِ: هو ما أَوْضَحْناه في "رِسالةِ القَدَرِ" وهُو:
أنَّ خَلقَ الشَّرِّ ليس شَرًّا، وإنَّما كَسْبُ الشَّرِّ شَرٌّ، لِأنَّ الخَلقَ والإِيجادَ يَنظُرُ إلى جَمِيعِ النَّتائِجِ، فوُجُودُ شَرٍّ واحِدٍ، إنْ كانَ مُقدِّمةً لِنَتائِجَ خَيِّرةٍ كَثِيرةٍ، فإنَّ إِيجادَه يُصبِحُ خَيرًا باعتِبارِ نَتائِجِه، أي: يَدخُلُ في حُكمِ الخَيرِ.
فمَثلًا: النّارُ لها فَوائِدُ ومَنافِعُ كَثِيرةٌ جِدًّا، فلا يَحِقُّ لِأَحدٍ أن يقُولَ: إنَّ إِيجادَ النّارِ شَرٌّ إذا ما أَساءَ استِعمالَها باختِيارِه وجَعَلَها شَرًّا ووَبالًا على نَفسِه.
وكَذلِك خَلقُ الشَّياطِينِ وإِيجادُهُم فيه نَتائِجُ كَثِيرةٌ ذاتُ حِكمةٍ لِلإِنسانِ، كسُمُوِّه في سُلَّمِ الكَمالِ والرُّقيِّ؛ فلا يَسِيغُ لِمَنِ استَسلَمَ لِلشَّيطانِ یی باختِيارِه وكَسْبِه الخاطِئِ یی أن يقُولَ: إن خَلْقَ الشَّيطانِ شَرٌّ، إذ هو الَّذي جَعَلَه شَرًّا لِنَفسِه بكَسْبِه الذّاتِيِّ.
أمّا الكَسْبُ الَّذي هو مُباشَرةٌ جُزئيّةٌ لِلأَمرِ، فإنَّه يُصبِحُ شَرًّا لِأنَّه وَسِيلةٌ تُفضِي إلى شَرٍّ خاصٍّ مُعَيَّنٍ، فيَكُونُ كَسْبُ الشَّرِّ بذلك شَرًّا، بَينَما لا يكُونُ الإِيجادُ شَرًّا، بل يكُونُ خَيرًا، لِأنَّه يَنظُرُ إلى جَمِيعِ النَّتائِجِ، فلا يكُونُ إِذًا خَلقُ الشَّرِّ شَرًّا.
وهكَذا، ولِعَدَمِ إِدراكِ المُعتَزِلةِ هذا السِّرَّ ضَلُّوا، إذ قالُوا: "إنَّ خَلْقَ الشَّرِّ شَرٌّ، وإِيجادَ القُبحِ قُبحٌ"، فلم يَرُدُّوا الشَّرَّ إلى اللهِ سُبحانَه وتَعالَى تَقدِيسًا وتَنزِيهًا له، وتَأوَّلُوا الرُّكنَ الإِيمانِيَّ: "وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ تَعالَى".
أمّا الشِّقُّ الثّاني: وهُو كَيفَ يَبقَى مُؤمِنًا مَنِ ارتَكَب الكَبائِرَ؟
فجَوابُه:
أوَّلًا: لقد أَوْضَحَتِ الإِشاراتُ السّابِقةُ أَخطاءَهُم بصُورةٍ قاطِعةٍ فلا حاجةَ لِلإِعادةِ.
— 104 —
ثانيًا: إنَّ النَّفسَ الإِنسانيّةَ تُفَضِّلُ دِرهَمًا مِنَ اللَّذّةِ الحاضِرةِ المُعَجَّلةِ على رِطْلٍ مِنَ اللَّذّةِ الغائِبةِ المُؤَجَّلةِ، وهِي تَتَحاشَى صَفْعةً حاضِرةً أَكثَرَ مِن تَحاشِيها سَنةً مِن عَذابٍ في المُستَقبَلِ؛ وعِندَما تَهِيجُ أَحاسِيسُ الإِنسانِ لا تَرضَخُ لِمَوازِينِ العَقلِ، بلِ الهَوَى هو الَّذي يَتَحكَّمُ، فيُرَجِّحُ عِندَئذٍ لَذّةً حاضِرةً ضَئِيلةً جِدًّا على ثَوابٍ عَظِيمٍ في العُقبَى، ويَتَجنَّبُ ضِيقًا جُزئيًّا حاضِرًا أَكثَرَ مِن تَجَنُّبِه عَذابًا أَلِيمًا مُؤَجَّلًا؛ إِذِ الدَّوافِعُ النَّفسانيّةُ لا تَرَى المُستَقبَلَ بل قد تُنكِرُه، وإن كانَ ثمّةً حَثٌّ لها مِنَ النَّفسِ وعَوْنٌ، فإنَّ القَلبَ والعَقلَ اللَّذَينِ هُما مَحَلُّ الإِيمانِ، يَسكُتانِ، فيُغلَبُ على أَمرِهِما، فلا يكُونُ عِندَئذٍ ارتِكابُ الكَبائِرِ ناتِجًا مِن عَدَمِ الإِيمانِ، بل مِن غَلَبةِ الهَوَى وسَيطَرةِ الوَهْمِ والحِسِّ المادِّيِّ، وانهِزامِ العَقلِ والقَلبِ وغَلَبةِ كلِّ أُولَئِك علَيْهِما.
ولقد فُهِم مِنَ الإِشاراتِ السّابِقةِ أنَّ طَرِيقَ الفَسادِ والهَوَى سَهلةٌ جِدًّا، لِأنَّها تَخرِيبٌ وهَدمٌ، لِذا يَسُوقُ شَيطانُ الإِنسِ والجِنِّ الإِنسانَ إلَيْها بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ.
وإنَّه لَمُحَيِّرٌ جِدًّا أن تَرَى قِسمًا مِنَ النّاسِ الضُّعَفاءِ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِ الشَّيطانِ لِتَفضِيلِهِم لَذّةً زائِلةً یی بمِقدارِ جَناحِ بَعُوضةٍ یی في هذه الدُّنيا الفانِيةِ، على لَذائِذِ ذلك النَّعِيمِ الخالِدِ؛ في حِينِ يَفُوقُ نُورٌ أَبدِيٌّ بمِقدارِ جَناحِ بَعُوضةٍ مِن ذلك العالِمِ السَّرمَدِيِّ الخالِدِ جَمِيعَ اللَّذّاتِ والنِّعَمِ الَّتي اكتَسَبَها الإِنسانُ طَوالَ حَياتِه، كما هو ثابِتٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ. وهكَذا، مِن أَجلِ هذه الحِكَم والأَسرارِ، كَرَّر القُرآنُ الكَرِيمُ التَّرغِيبَ والتَّرهِيبَ وأَعادَهُما لِيَزجُرَ المُؤمِنَ ويُجَنِّبَه الذُّنُوبَ والآثامَ ويَحُثَّه على الخَيرِ والصَّلاحِ.
ولقد جالَ في ذِهنِي يَومًا سُؤالٌ حَولَ هذا التَّكرارِ في التَّوجِيهِ والإِرشادِ القُرآنِيِّ وهُو: ألَا تكُونُ هذه التَّنبِيهاتُ المُستَمِرّةُ مَدْعاةً لِجَرحِ شُعُورِ المُؤمِنِينَ في ثَباتِهِم وأَصالَتِهِم، وإِظهارِهِم في مَوقِفٍ لا يَلِيقُ بكَرامةِ الإِنسانِ؟ لِأنَّ تَكرارَ الأَمرِ الواحِدِ على المُوظَّفِ مِن آمِرِه يَجعَلُه في مَوقِفٍ يَظُنُّ كأنَّه مُتَّهمٌ في إِخلاصِه ووَلائِه، بَينَما القُرآنُ الكَرِيمُ يُكرِّرُ أَوامِرَه بإِصرارٍ على المُؤمِنِينَ المُخلِصِينَ.
— 105 —
وحِينَما كانَ هذا السُّؤالُ يَعصِرُ ذِهنِي، كانَ معِي جَمعٌ مِنَ الأَصدِقاءِ المُخلِصِينَ، فكُنتُ أُذكِّرُهُم وأُنبِّهُهُم باستِمرارٍ كَيْلا تَغُرَّهُم دَسائِسُ شَياطِينِ الإِنسِ، فلم أَرَ امتِعاضًا أوِ اعتِراضًا مِنهُم قَطُّ، ولم يَقُل أَحَدٌ مِنهُم: إنَّك تتَّهِمُنا في إِخلاصِنا.. ولكِنِّي كُنتُ أُخاطِبُ نَفسِي وأَقُولُ: أَخشَى أنَّني قد أَسخَطتُهُم بتَوجِيهاتِي المُتَكرِّرةِ لَهُم وكأنِّي اتَّهَمتُهُم في وَفائِهِم وثَباتِهِم. وبَينَما أنا في هذه الحالةِ انكَشَفَتِ الحَقائِقُ المُثبَتةُ والمُوضَّحةُ في الإِشاراتِ السّابِقةِ، فعَلِمتُ أنَّ أُسلُوبَ القُرآنِ الحَكِيمِ في تَكرارِ التَّنبِيهِ مُطابِقٌ لِمُقتَضَى الحالِ، وضَرُورِيٌّ جِدًّا، ولَيسَ فيه أيّةُ مُبالَغةٍ ولا إِسرافٍ قَطُّ، ولا اتِّهامٍ لِلمُخاطَبِينَ، حاشَ للهِ، بل هو حِكْمةٌ خالِصةٌ، وبَلاغةٌ مَحْضةٌ.. وعَلِمتُ كَذلِك لِمَ لَمْ يَمتَعِضْ ويَتَكدَّرْ أُولَئِك الأَصدِقاءُ الأَعِزّاءُ مِن تَردِيدِي النُّصحَ لَهُم؟
وخُلاصةُ تلك الحَقِيقةِ: أنَّ الفِعلَ الجُزئيَّ القَلِيلَ الَّذي يَصدُرُ عنِ الشَّياطِينِ يكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ شُرُورٍ كَثِيرةٍ، لِأنَّه تَخرِيبٌ وهَدمٌ، لِذا كانَ لا بُدَّ لِأُولَئِك الَّذِينَ يَسلُكُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والهِدايةِ أن يُجَنَّیبُوا ويُنَبَّهُوا كَثِيرًا، ويَأخُذُوا حِذْرَهُم وتُمَدَّ لَهُم يَدُ العَونِ دائِمًا لِكَثرةِ حاجَتِهِم إلَيْها.. لِهذا يُقَدِّمُ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى في ذلك التَّیكرارِ عَوْنًا وتَأيِيدًا لَهُم بعَدَدِ أَلفِ اسمٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى، ويَمُدُّهُم بآلافٍ مِن أَيادِي الرَّحْمةِ والشَّفَقةِ لِإسنادِهِم وإِمدادِهِم، فلا يَقدَحُ به كَرامةَ المُؤمِنِ بل يَقِيه ويَحفَظُه، ولا يُهَوِّنُ شَأنَ الإِنسانِ بل يُظهِرُ ضَخامةَ شَرِّ الشَّيطانِ.
فيا أَهلَ الحَقِّ وأَهلَ الهِدايةِ.. دُونَكُم سَبِيلَ النَّجاةِ والخَلاصِ مِن مَكايِدِ شَيطانِ الجِنِّ والإِنسِ المَذكُورةِ فاسلُكُوها.. اجْعَلُوا مُستَقَرَّكُم طَرِيقَ الحَقِّ وهُو طَرِيقُ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ.. وادْخُلُوا القَلعةَ الحَصِينةَ لِمُحكَماتِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ.. واجْعَلُوا رائِدَكُمُ السُّنّةَ النَّبوِيّةَ الشَّرِيفةَ، تَسلَمُوا وتَنجُوا بإِذنِ اللهِ..

الإشارة الثامنة:

سُؤالٌ: لقد أَثبَتَّ في الإِشاراتِ السَّابِقةِ أنَّ طَرِيقَ الضَّلالةِ تَجاوُزٌ وتَعَدٍّ وتَخرِيبٌ، وسُلُوكَها سَهلٌ ومَيسُورٌ لِلكَثِيرِينَ، بَينَما أَورَدتَ في رَسائِلَ أُخرَى دَلائِلَ قَطعِيّةً على أنَّ
— 106 —
طَرِيقَ الكُفرِ والضَّلالةِ فيها مِنَ الصُّعُوبةِ والمُشكِلاتِ ما لا يُمكِنُ أن يَسلُكَها أَحَدٌ، وطَرِيقَ الإِيمانِ والهِدايةِ فيها مِنَ السُّهُولةِ والوُضُوحِ بحَيثُ يَنبَغِي أن يَسلُكَها الجَمِيعُ؟!
الجَوابُ: إنَّ الكُفرَ والضَّلالةَ قِسمانِ:
الأوَّلُ: هو نَفيٌ لِلأَحكامِ الإِيمانيّةِ نَفْيًا عَمَلِيًّا وفَرعِيًّا، فهذا الطِّرازُ مِنَ الضَّلالةِ سَهلٌ سُلُوكُه وقَبُولُه لِأنَّه "عَدَمُ قَبُولِ الحَقِّ"، فهُو تَركٌ وعَدَمٌ ليس إلّا، وهذا القِسمُ هو الَّذي وَرَد بَيانُ سُهُولةِ قَبُولِه في الرَّسائِلِ.
أمّا القِسمُ الثَّاني: فهُو حُكمٌ اعتِقادِيٌّ وفِكرِيٌّ ولَيسَ بعَمَليٍّ ولا فَرعِيٍّ، ولا نَفيٌ لِلإِيمانِ وَحْدَه، بل سُلُوكٌ لِطَرِيقٍ مُضادٍّ لِلإِيمانِ، وقَبُولٌ لِلباطِلِ وإِثباتُ نَقِيضِ الحَقِّ.. فهذا هو خِلافُ الإِيمانِ وضِدُّه، لِذا فهُو ليس "بعَدَمِ قَبُولٍ" كي يكُونَ سَهلًا، وإنَّما هو "قَبُولٌ لِلعَدَم".. وحَيثُ إنَّه لا يَتِمُّ إلّا بَعدَ الإِثباتِ، أي: إِثباتِ العَدَمِ، و"العَدَمُ لا يَثبُتُ" قاعِدةٌ أَساسِيّةٌ، فلَيسَ مِنَ السَّهلِ إِذًا إِثباتُه وقَبُولُه.
وهكَذا، فإنَّ هذا القِسمَ مِن طَرِيقِ الكُفرِ والضَّلالةِ هو الَّذي بُيِّنَ في سائِرِ الرَّسائِلِ أنَّه عَسِيرٌ وذو إِشكالٍ، بل مُمتَنِعٌ سُلُوكُه بحَيثُ لا يَسلُكُه مَن له أَدنَى شُعُورٍ.
وكَذلِك أُثبِتَ في الرَّسائِلِ إِثباتًا قاطِعًا أنَّ في هذه الطَّرِيقِ مِنَ الآلامِ المُخِيفةِ والظُّلُماتِ الخانِقةِ ما لا يُمكِنُ أن يَطلُبَه مَن عِندَه ذَرّةٌ مِنَ العَقلِ والإِدراكِ.
وإذا قِيلَ: إن كانَت هذه الطَّرِيقُ المُلتَوِيةُ مُظلِمةً ومُؤلِمةً وعَوِيصةً إلى هذا الحَدِّ، فلِمَ يَسلُكُها الكَثِيرُونَ؟
فالجَوابُ: إنَّهُم ساقِطُون فيها، فلا يُمكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنها، ولا يَرغَبُونَ في الخُرُوجِ مِمّا هُم فيه، فيَتَسلَّوْن بلَذّةٍ حاضِرةٍ مُؤَقَّتةٍ، لِأنَّ قُوَى الإِنسانِ النَّباتيّةَ والحَيَوانيّةَ لا تُفكِّرُ في العاقِبةِ ولا تَراها، وإنَّها تَتَغلَّبُ على لَطائِفِه الإِنسانيّةِ.
سُؤالٌ: لَمّا كانَ في الكُفرِ هذا الأَلَمُ الشَّدِيدُ وهذا الخَوفُ الدّاهِمُ، وإنَّ الكافِرَ یی باعتِبارِه إِنسانًا یی حَرِيصٌ على حَياتِه ومُشتاقٌ إلى ما لا يُحصَى مِنَ الأَشياءِ وهُو يَرَى
— 107 —
بكُفرِه: أنَّ مَوتَه عَدَمٌ وفِراقٌ أَبدِيٌّ، ويَرَى دَوْمًا بعَينِه أنَّ المَوجُوداتِ وجَمِيعَ أَحِبّائِه سائِرُونَ إلى العَدَمِ والفِراقِ الأَبدِيِّ؛ فكُلُّ شَيءٍ أَمامَه یی بهذا الكُفرِ یی إِذًا إلى زَوالٍ.. فالَّذي يَرَى بالكُفرِ هذا، كَيفَ لا يَتفَطَّرُ قَلبُه ولا يَنسَحِقُ تَحتَ ضَغطِ هذا الأَلَمِ؟ بل كَيفَ يَسمَحُ له كُفرُه أن يَتَمتَّعَ بالحَياةِ ويَتَذوَّقَها؟
الجَوابُ: إنَّه يَعِيشُ مُخادِعًا نَفسَه بمُغالَطةٍ شَيطانيّةٍ عَجِيبةٍ، ظانًّا نَفسَه في لَذَّةٍ صُورِيَّةٍ، وسنُشِيرُ إلى ماهِيَّتِها بمِثالٍ مُتَداوَلٍ:
يُحكَى أنَّه قِيلَ لِلنَّعامةِ "طائرِ الجَمَلِ": لِماذا لا تَطِيرِينَ؟ فإنَّكِ تَملِكِينَ الجَناحَ، فقَبَضَت جَناحَيْها وطَوَتْهُما قائِلةً: أنا لَستُ بطائِرٍ بل جَمَلٌ، فوَقَعَت في فَخِّ الصَّيّادِ، فأَدخَلَت رَأسَها في الرَّملِ تارِكةً جَسَدَها الضَّخمَ لِلصَّيّادِ فاستَهدَفَها.. ثمَّ قالُوا لها: فاحْمِلي لنا إِذًا هذا الحِمْلَ إن كُنتِ جَمَلًا كما تَدَّعِينَ! فعِندَها صَفَّت جَناحَيْها ونَشَرَتهُما قائِلةً: أنا طائِرٌ. وتَفلَّتَت مِن تَعَبِ الحَمْلِ.. ولكِن ظَلَّت فَرِيدةً وَحِيدةً دُونَ غِذاءٍ ولا حِمايةٍ مِن أَحَدٍ وهَدَفًا لِلصَّيّادِينَ.
وهكَذا الكافِرُ، بَعدَ أن تَزَحزَحَ مِن كُفرِه المُطلَقِ أَمامَ النُّذُرِ السَّماوِيّةِ القُرآنيّةِ تَرَدَّى في كُفرٍ مَشكُوكٍ، فإذا سُئِلَ: كَيفَ تَستَطِيعُ العَيشَ وأَمامَك المَوتُ والزَّوالُ اللَّذانِ تَدَّعِي أنَّهُما انعِدامٌ أَبدِيٌّ؟ فهل يَتَمكَّنُ مِنَ الحَياةِ ويَتَمتَّعُ بها مَن كانَ يَسِيرُ بخُطاه إلى حَبلِ المِشنَقةِ؟ يُجِيبُ: لا، ليس المَوتُ عَدَمًا، بل هُنالِك احتِمالٌ لِلبَقاءِ بَعدَه، ذلك بَعدَما أَخَذ حَظَّه مِن شُمُولِ نُورِ القُرآنِ لِلعالَمِينَ ورَحْمَتِه لَهُم، فبَدَأ يَتَشكَّكُ في كُفرِه المُطلَقِ، أو أنَّه يَدُسُّ رَأسَه في رَمْلِ الغَفْلةِ كالنَّعامةِ، كَيْلا يَراه الأَجَلُ ولا يَنظُرَ إلَيْه القَبْرُ، ولا يَرمِيَه الزَّوالُ بسَهمٍ!
والخُلاصةُ: إنَّ الكافِرَ شَأنُه شَأنُ النَّعامةِ، فهُو حِينَما يَرَى المَوتَ والزَّوالَ عَدَمًا يُحاوِلُ أن يُنقِذَ نَفسَه مِن تلك الآلامِ بالتَّمَسُّكِ والتَّشَبُّثِ بما أَخبَر به القُرآنُ الكَرِيمُ والكُتُبُ السَّماوِيّةُ جَمِيعهُا إِخبارًا قاطِعًا مِنَ "الإِيمانِ بالآخِرةِ" والَّذي وَلَّد عِندَه احتِمالًا لِلحَياةِ بَعدَ المَوتِ.. وإذا ما قِيلَ له: فما دامَ المَصِيرُ إلى عالَمِ البَقاءِ،
— 108 —
فيَتَوجَّبُ إذًا تَحَمُّلُ ثِقَلِ الواجِباتِ الدِّينيّةِ كي تُسعَدَ في ذلك العالَمِ؟ يُجِيبُ مِن زاوِيةِ كُفرِه المَشكُوكِ: رُبَّما ليس هُناك عالَمٌ آخَرُ، فلِمَ إِذًا أُرهِقُ نَفسِي؟! بمَعنَى أنَّه يُنقِذُ نَفسَه مِن آلامِ الإِعدامِ الأَبدِيِّ في المَوتِ بما وَعَد القُرآنُ بالحَياةِ الباقِيةِ، فعِندَما تُواجِهُه مَشَقّةُ التَّكالِيفِ الدِّينيّةِ، يَتَراجَعُ ويَتَشبَّثُ باحتِمالاتِ كُفرِه المَشكُوكِ ويَتَخلَّصُ مِن تلك التَّكالِيفِ.
أي: إنَّ الكافِرَ یی مِن هذه الزّاوِيةِ یی يَظُنُّ أنَّه يَتَمتَّعُ أَكثَرَ مِنَ المُؤمِنِ في حَياتِه الدُّنيا، لِأنَّه يُفلِتُ مِن عَناءِ التَّكالِيفِ الدِّينيّةِ باحتِمالاتِ كُفرِه؛ وفي الوَقتِ نَفسِه لا يَدخُلُ تَحتَ قَساوةِ الآلامِ الأَبدِيّةِ باحتِمالِه الإِيمانِيِّ.. والحالُ أنَّ هذه المُغالَطةَ الشَّيطانِيّةَ سَطحِيّةٌ ومُؤَقَّتةٌ وتافِهةٌ بلا فائِدةٍ.
ومِن هنا يَتَّضِحُ كَيفَ أنَّ هُنالِك جانِبًا مِنَ الرَّحْمةِ الشَّامِلةِ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ حتَّى على الكُفَّارِ، وذلك بتَشكِيكِه إيّاهُم في كُفرِهِمُ المُطلَقِ؛ فنَجّاهُم یی إلى حَدٍّ مّا یی مِن حَياةٍ كالجَحِيمِ وجَعَلَهُم يَستَطِيعُونَ العَيشَ في الحَياةِ الدُّنيا بنَوعٍ مِنَ الشَّكِّ في كُفرِهِمُ المُطلَقِ، وإلّا كانُوا يُقاسُونَ آلامًا مَعنَوِيّةً تُذَكِّرُ بعَذابِ الجَحِيمِ وقد تَدفَعُهُم إلى الِانتِحارِ.
فيا أَهلَ الإِيمانِ، احتَمُوا بحِمايةِ القُرآنِ الكَرِيمِ الَّذي أَنقَذَكُم مِنَ العَدَمِ المُطلَقِ ومِن جَحِيمِ الدُّنيا والآخِرةِ بكُلِّ يَقِينٍ وثِقةٍ واطمِئْنانٍ، وادخُلُوا بالتَّسلِيمِ الكامِلِ في الظِّلالِ الوارِفةِ لِلسُّنّةِ المُحمَّدِيّةِ بكُلِّ استِسلامٍ وإِعجابٍ.. وأَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن شَقاءِ الدُّنيا وعَذابِ الآخِرةِ..

الإشارة التاسعة:

سُؤالٌ: لِمَ غُلِبَ أَهلُ الهِدايةِ وهُم حِزبُ اللهِ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحيانِ أَمامَ أَهلِ الضَّلالةِ الَّذِينَ هُم حِزبُ الشَّيطانِ؟ برَغمِ أنَّهُم مُحاطُونَ بعِنايةٍ إِلٰهِيّةٍ ورَحْمةٍ رَبّانيّةٍ، ويَتَقدَّمُ صُفُوفَهُمُ الأَنبِياءُ الكِرامُ عَلَيهِم السَّلَام ويَقُودُ الجَمِيعَ فَخرُ الكائِناتِ مُحمَّدٌ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ؟
وما بالُ قِسمٍ مِن أَهلِ المَدِينةِ المُنَوَّرةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ وأَصَرُّوا على الضَّلالةِ ولم يَسلُكُوا الصِّراطَ السَّوِيَّ، رَغمَ أنَّهُم كانُوا يُجاوِرُونَ الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) الَّذي
— 109 —
تَسطَعُ نُبوَّتُه ورِسالتُه كالشَّمسِ، وهو يُذَكِّرُهُم بالقُرآنِ المُعجِزِ الَّذي يُؤثِّرُ في النُّفُوسِ كالإِكسِيرِ الأَعظَمِ، ويُرشِدُهُم بحَقائِقِه الَّتي تَشُدُّ الجَمِيعَ بقُوّةٍ أَعظَمَ مِن جاذِبِيّةِ الكَونِ؟
الجَوابُ: لِلإجابةِ عن شِقَّيْ هذا السُّؤالِ المُحَيِّرِ، علَيْنا أوَّلًا أن نُبيِّنَ أَساسًا راسِخًا مَتِينًا وهُو: أنَّ خالِقَ الكَونِ جَلَّ وعَلا له مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى أَسماءٌ جَلاليّةٌ وأَسماءٌ جَماليّةٌ؛ وحَيثُ إنَّ كُلًّا مِنها يُظهِرُ حُكمَه بتَجَلِّياتٍ مُختَلِفةٍ عنِ الأُخرَى، لِذا فإنَّ الخالِقَ سُبحانَه وتَعالَى قد مَزَجَ الأَضدادَ ببَعضِها وجَعَل كُلًّا مِنها يُقابِلُ الآخَرَ، وأَعطَى كُلًّا مِنها صِفةَ التَّدافُعِ والتَّجاوُزِ، فأَوْجَد بذلك مُبارَزةً حَكِيمةً ذاتَ مَنافِعَ، بما أَوجَدَ مِنَ الِاختِلافاتِ والتَّغيُّراتِ النّاشِئةِ مِن تَجاوُزِ تلك الأَضدادِ لِحُدُودِ بَعضِها بَعضًا.
فاقْتَضَت حِكْمَتُه سُبحانَه أن يُسَيِّرَ هذا الكَونَ ضِمنَ دُستُورِ السُّمُوِّ والكَمالِ وحَسَبَ قانُونِ التَّغيُّرِ والتَّحوُّلِ؛ لِذا جَعَل الإِنسانَ یی وهُو الثَّمَرةُ الجامِعةُ لِشَجَرةِ الخَلِيقةِ یی يَتَّبِعُ ذلك القانُونَ، أي: قانُونَ التَّدافُعِ والمُبارَزةِ، اتِّباعًا شَدِيدَ الغَرابةِ، حَيثُ فَتَح أَمامَه بابَ "المُجاهَدةِ" الَّتي يَدُورُ علَيْها رُقيُّ جَمِيعِ الكَمالاتِ الإِنسانيّةِ؛ فمِن أَجلِ هذا أَعطَى الحَقُّ سُبحانَه وتَعالَى حِزبَ الشَّيطانِ شَيئًا مِنَ الأَجهِزةِ والوَسائِلِ لِيَتَمكَّنَ مِن مُواجَهةِ حِزبِ اللهِ ويُقابِلَه في مَيدانِ المَعرَكةِ.. وهذا هو السَّبَبُ في تَمَكُّنِ أَهلِ الضَّلالةِ یی وهُم في أَشَدِّ الضَّعفِ والوَهنِ والعَجزِ یی مِن مُقاوَمةِ أَهلِ الحَقِّ الأَقوِياءِ مَعنَوِيًّا الَّذِينَ يَتَقدَّمُهُمُ الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام والتَّغلُّبِ علَيْهِم تَغلُّبًا مُؤقَّتًا.
أمّا سِرُّ الحِكْمةِ في هذه المُقاوَمةِ الغَرِيبةِ فهِي: أنَّ في الضَّلالةِ والكُفرِ عَدَمًا وتَركًا، وهُو سَهلٌ لا يَحتاجُ إلى دَفعٍ ولا إلى تَحرِيكٍ.. وفيها تَخرِيبٌ كَذلِك، وهُو سَهلٌ وهَيِّنٌ أَيضًا، إذ تَكفِيه حَرَكةٌ قَلِيلةٌ.. وفيها تَجاوُزٌ وتَعَدٍّ، فعَمَلٌ قَلِيلٌ ويَسِيرٌ مِنه يُؤَدِّي إلى ضَرَرٍ بالكَثِيرِينَ، فيُوهِمُ الآخَرِينَ أنَّهُم على شَيءٍ، فيَستَخِفُّونَ بهم ويَستَعْلُونَ علَيْهِم بإِرهابِهِم وفِرعَونيَّتِهِم.. وفيها تَطمِينٌ لِما في الإِنسانِ مِن حَواسَّ مادِّيّةٍ وقُوًى نَباتيّةٍ وحَيَوانيّةٍ لا تَرَى العاقِبةَ ولا تُفكِّرُ فيها، وهِي مَفتُونةٌ بالتَّذَوُّقِ الآنِيِّ والتَّلذُّذِ الحاضِرِ.. فتَلَذُّذُ هذه القُوى، وإِشباعُ نَهَمِها وانطِلاقُها مِن عِقالِها وتَحَرُّرُها يَجعَلُ
— 110 —
اللَّطائِفَ الإِنسانيّةَ كالعَقلِ والقَلبِ تَعدِلُ عن وَظائِفِها الأَساسِ الَّتي هي المَشاعِرُ الإِنسانيّةُ السّامِيةُ السّاعِيةُ لِلعُقبَى.
أمّا طَرِيقُ أَهلِ الهِدايةِ والمَسلَكِ السّامِي لِلأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام یی وفي المُقدِّمةِ حَبِيبُ رَبِّ العالَمِينَ: الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) یی فهِي: وُجُودِيّةٌ وإِيجابِيّةٌ وتَعمِيرٌ، كما أنَّها حَرَكةٌ واستِقامةٌ على الطَّرِيقِ والحُدُودِ، وهِي تَفَكُّرٌ بالعُقبَى، وعُبُودِيّةٌ خالِصةٌ للهِ، كما أنَّها سَحْقٌ لِفِرعَوْنيّةِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ وكَبْحٌ لِجِماحِها؛ لِذا أَصبَحَ مُنافِقُو المَدِينةِ المُنَوَّرةِ في ذلك الوَقتِ أَمامَ هذه الأُسُسِ الإِيجابيّةِ المَتِينةِ وأَمثالِها كالخَفافِيشِ أَمامَ تلك الشَّمسِ السّاطِعةِ والسِّراجِ المُنِيرِ فأَغمَضُوا أَعيُنَهُم عنها، فارْتَمَوْا في أَحضانِ القُوّةِ الدّافِعةِ الشَّيطانيّةِ، وظَلُّوا في الضَّلالةِ.
وإذا قِيلَ: لَمّا كانَ الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) حَبِيبَ رَبِّ العالَمِينَ ولا يَنطِقُ إلّا بالحَقِّ ولا يَملِكُ إلّا الحَقِيقةَ، وقد أَمَدَّه اللهُ في غَزَواتِه بمَلائِكةٍ جُنُودًا مُسَوِّمِينَ، وارتَوَى جَيشٌ كامِلٌ مِن غَرْفةٍ مِن ماءٍ تَفَجَّر مِن بَينِ أَصابِعِه، وشَبِعَ أَلفٌ مِنَ النّاسِ بشاةٍ مَطبُوخةٍ وحَفَناتٍ مِن قَمحٍ، وهَزَم الكُفّارَ بقَبْضةٍ مِن تُرابٍ رَماها على عُيُونِهِم، ودَخَلَت تلك القَبضةُ مِنَ التُّرابِ في عَينِ كلِّ كافِرٍ.. إنَّ قائِدًا رَبّانيًّا يَملِكُ أَمثالَ هذه المُعجِزاتِ الباهِرةِ وكَثِيرًا غَيرَها، كَيفَ يُغلَبُ في نِهايةِ "أُحُدٍ" وبِدايةِ "حُنَينٍ" ؟!
الجَوابُ: إنَّ الرَّسُولَ (ص) قد أُرسِلَ إلى البَشَرِيّةِ كافّةً، قُدْوةً وإِمامًا ورائِدًا، كي تَتَعلَّمَ مِنه مَناهِجَ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والشَّخصِيّةِ ودَساتِيرَها، وتَتَعوَّدَ على الِانقِيادِ لِقَوانِينِ الإِرادةِ الإِلٰهِيّةِ الحَكِيمةِ وتَنسَجِمَ معَ دَساتِيرِها الرَّبّانيّةِ.. فلو كانَ الرَّسُولُ (ص) مُستَنِدًا إلى المُعجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ في جَمِيعِ أَفعالِه الشَّخصِيّةِ مِنها والِاجتِماعِيّةِ لَمَا تَسَنَّى له أن يكُونَ إِمامًا مُطلَقًا ولا قُدْوةً كامِلةً حَسَنةً لِلبَشَرِيّةِ قاطِبةً.
ولِهذا السَّبَبِ لم يُظهِر (ص) المُعجِزاتِ إلّا تَصدِيقًا لِدَعْواه، بشَكلٍ مُتَفرِّقٍ، عِندَ الحاجةِ، لِكَسرِ عِنادِ المُنكِرينَ؛ أمّا في سائِرِ الأَوْقاتِ فقد كانَ (ص) مُراعِيًا بكلِّ دِقّةٍ لِقَوانِينِ عادةِ اللهِ ولِسُنَنِه الجارِيةِ، ومُطِيعًا طاعةً كامِلةً لِنَوامِيسِه المُؤسَّسةِ على الحِكْمةِ
— 111 —
الرَّبَّانيّةِ والمَشِيئةِ الإِلٰهِيّةِ، كطاعَتِه ومُراعاتِه لِلأَوامِرِ الإِلٰهِيّةِ؛ لِذا كانَ (ص) يَلبَسُ الدِّرعَ في الحُرُوبِ، ويَأمُرُ الجُنُودَ بالتَّتْرُّسِ بالمَوانِعِ ضِدَّ الأَعداءِ، ويُجرَحُ ويَتَأذَّى ويَتَحمَّلُ المَشَقّاتِ.. كلُّ ذلك لِكَي يُبيِّنَ مَدَى طاعَتِه الكامِلةِ ومُراعاتِه لِلقَوانِينِ الإِلٰهِيّةِ الحَكِيمةِ، وانقِيادِه التّامِّ لِشَرِيعةِ الفِطْرةِ الكَونيّةِ ونَوامِيسِها.

الإشارة العاشرة:

إنَّ لِإبلِيسَ دَسِيسةً كُبْرَى هي أنَّه يَجعَلُ الَّذِينَ اتَّبعُوه يُنكِرُونَ وُجُودَه. سنَذكُرُ شَيئًا حَولَ هذه المَسأَلةِ البَدِيهِيّةِ: وُجُودُ الشَّياطِينِ، حَيثُ يَتَردَّدُ في عَصرِنا هذا في قَبُولِها أُولَئِك الَّذِينَ تَلوَّثَت أَفكارُهُم بالفَلسَفةِ المادِّيّةِ، فنقُولُ:
أوَّلًا: مِثلَما هو ثابِتٌ بالمُشاهَدةِ ثُبُوتًا قَطعِيًّا وُجُودُ أَرواحٍ خَبِيثةٍ في أَجسادٍ بَشَرِيّةٍ في عالَمِ الإِنسانِ، تُنجِزُ وَظِيفةَ الشَّيطانِ وأَعمالَه؛ كَذلِك ثابِتٌ ثبُوتًا قَطعِيًّا وُجُودُ أَرواحٍ خَبِيثةٍ بلا أَجسادٍ في عالَمِ الجِنِّ، فلو أنَّ هَؤُلاءِ أُلبِسُوا أَجسادًا مادِّيّةً لَأَصبَحُوا تَمامًا مِثلَ أُولَئِك البَشَرِ الأَشرارِ؛ وكَذلِك لو تَمَكَّن شَياطِينُ الإِنسِ الَّذِينَ هم على صُوَرٍ بَشَرِيّةٍ مِن نَزعِ أَجسادِهِم لَأَصبَحُوا أَبالِسةَ الجِنِّ.
فبِناءً على هذه العَلاقةِ الوَطِيدةِ ذَهَب أَحَدُ المَذاهِبِ الباطِلةِ الفاسِدةِ إلى "أنَّ الأَرواحَ الخَبِيثةَ الشِّرِّيرةَ المُتَجسِّدةَ بصُورةِ أَناسِيَّ تَتَحوَّلُ إلى شَياطِينَ بَعدَ مَوتِها"!
ومِنَ المَعلُومِ أنَّه إذا ما فَسَد الشَّيءُ الثَّمِينُ يكُونُ فَسادُه أَشَدَّ مِن فَسادِ الشَّيءِ الرَّخِيصِ، كما هو في فَسادِ اللَّبَنِ أوِ الحَلِيبِ حَيثُ يُمكِنُ أن يُؤكَلا، أمّا إذا فَسَدَ الدُّهنُ فلا يُمكِنُ أَكلُه، إذ قد يكُونُ كالسُّمِّ؛ وهكَذا الإِنسانُ الَّذي هو أَكرَمُ المَخلُوقاتِ بل ذِروَتُها وقِمَّتُها، إذا فَسَد فإنَّه يكُونُ أَفسَدَ وأَحَطَّ مِنَ الحَيَوانِ الفاسِدِ نَفسِه، فيكُونُ كالحَشَراتِ الَّتي تَأنَسُ بالعُفُونةِ وتُرِيحُها الرَّوائِحُ الكَرِيهةُ، وكالحَيّاتِ الَّتي تَلْتَذُّ بلَدْغِ الآخَرِينَ؛ بل يَتَباهَى بتَلَذُّذِه بالأَخلاقِ الدَّنِيئةِ النّابِتةِ في مُستَنقَعِ الضَّلالةِ، ويَستَمرِئُ الأَضرارَ والجَرائِمَ النَّاجِمةَ في ظُلُماتِ الظُّلمِ، فيكُونُ إِذًا قَرِينًا لِلشَّيطانِ ومُتَقمِّصًا لِماهِيَّتِه.
نعم، إنَّ الدَّليلَ القاطِعَ على وُجُودِ شَياطِينِ الجِنِّ هو وُجُودُ شَياطِينِ الإِنسِ.
— 112 —
ثانيًا: إنَّ مِئاتِ الدَّلائِلِ القَطعِيّةِ في "الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِينَ" لِإثباتِ وُجُودِ المَلائِكةِ والعالَمِ الرُّوحانِيِّ، هي بدَوْرِها دَلائِلُ لِإثباتِ وُجُودِ الشَّياطِينِ أَيضًا.. نُحِيلُ إلَيْها.
ثالثًا: إنَّ وُجُودَ المَلائِكةِ الَّذِينَ هم بحُكمِ المُمثِّلِينَ والمُشرِفِينَ على ما في أُمُورِ الخَيرِ المَوجُودةِ في الكَونِ مِن قَوانِينَ، كما أنَّه ثابِتٌ باتِّفاقِ الأَديانِ، كَذلِك وُجُودُ الشَّياطِينِ والأَرواحِ الخَبِيثةِ الَّذِينَ هم مُمثِّلُو الأُمُورِ الشِّرِّيرةِ ومُنَفِّذُوها وتَدُورُ حَولَهُم قَوانِينُها، فإِنَّه قَطعِيُّ الثُّبُوتِ حِكْمةً وحَقِيقةً، بل وُجُودُ سَبَبٍ وسِتارٍ مِن كائِنٍ ذِي شُعُورٍ في مُمارَسةِ الأُمُورِ الشِّرِّيرةِ أَكثَرُ ضَرُورةً، وذلك لِعَجزِ كلِّ شَخصٍ عن أن يَرَى الحُسنَ الحَقِيقيَّ لِجَمِيعِ الأُمُورِ، كما ذَكَرنا في مُستَهَلِّ "الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِينَ"، فلِأَجلِ ألّا تُحَدِّثَه نَفسُه باعتِراضٍ على أُمُورِ الخالِقِ سُبحانَه بما يَتَوهَّمُ مِن نَقصٍ أو شَرٍّ ظاهِرِيَّينِ، ويَتَّهِمَ رَحْمَتَه أو يَنتَقِدَ حِكْمَتَه أو يَشكُوَ بغَيرِ حَقٍّ، جَعَل الخالِقُ الكَرِيمُ الحَكِيمُ العَلِيمُ وَسائِطَ وأَسبابًا ظاهِرِيّةً مادِّيّةً سِتارًا لِأُمُورِ قَدَرِه، وحُجُبًا لِتَتَوجَّهَ إلَيْها الِاعتِراضاتُ والِانتِقاداتُ والشَّكاوَى، ولا تَتَوجَّهَ إلَيْه سُبحانَه وتَعالىَ.. فقد جَعَل الأَمراضَ والمَصائِبَ مَثلًا أَسبابًا وسِتارًا لِلأَجَلِ، لكَيْلا تَتَوجَّه الِاعتِراضاتُ وتَصِلَ إلى مَلَك المَوتِ "عَزْرائِيلَ عَلَيهِ السَّلَام"؛ وجَعَل مَلَكَ المَوتِ نَفسَه حِجابًا لِقَبضِ الأَرواحِ، لِئَلّا تَتَوجَّه الشَّكاوَى والِانتِقاداتُ یی النَّاتِجةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتي يُتَوهَّمُ أنَّها بغَيرِ رَحْمةٍ یی إلَيْه سُبحانَه وتَعالَى.. وهكَذا وبقَطْعِيّةٍ أَكثَرَ اقتَضَتِ الحِكْمةُ الرَّبّانيّةُ وُجُودَ الشَّياطِينِ لِتَتَوجَّه إلَيْهِمُ الِاعتِراضاتُ النّاشِئةُ مِنَ الشُّرُورِ والأَضرارِ والفَسادِ.
رابِعًا: كما أنَّ الإِنسانَ عالَمٌ صَغِيرٌ، كَذلِك العالَمُ إِنسانٌ كَبِيرٌ، فهذا الإِنسانُ يُمَثِّلُ خُلاصةَ الإِنسانِ الكَبِيرِ وفِهرِسَه، فالنَّماذِجُ المُصَغَّرةُ في الإِنسانِ لا بُدَّ أنَّ أُصُولَها الكَبِيرةَ المُعَظَّمةَ مَوجُودةٌ في الإِنسانِ الأَكبَرِ بالضَّرُورةِ.
فمَثلًا: إنَّ وُجُودَ القُوّةِ الحافِظةِ في الإِنسانِ دَليلٌ قَطعِيٌّ على وُجُودِ اللَّوحِ المَحفُوظِ في العالَمِ، وكَذلِك يَشعُرُ كلٌّ مِنّا ويُحِسُّ أنَّ في قَرارةِ نَفسِه وفي زاوِيةٍ مِن زَوايا
— 113 —
قَلبِه آلةً وعُضْوًا لِلوَسوَسةِ وهِي اللَّمّةُ الشَّيطانيّةُ الَّتي هي لِسانٌ شَيطانِيٌّ يَتَكلَّمُ بتَلقِيناتِ القُوّةِ الواهِمةِ، هذه القُوّةُ قد تَحَوَّلَت بفَسادِها إلى شَيطانٍ مُصَغَّرٍ، لِأنَّها لا تَتَحرَّكُ إلّا ضِدَّ اختِيارِ الإِنسانِ وإِرادَتِه وخِلافَ رَغَباتِه الحَقِيقيّةِ.. إنَّ هذا الَّذي يَشعُرُ به كلُّ إِنسانٍ حِسًّا وحَدْسًا في نَفسِه دَليلٌ قَطعِيٌّ على وُجُودِ الشَّياطِينِ الكَبِيرةِ في العالَمِ الكَبِيرِ.. ثمَّ إنَّ هذه اللَّمّةَ الشَّيطانيّةَ وتلك القُوّةَ الواهِمةَ لِكَونِهِما أُذُنًا ولِسانًا تُشعِرانِ بوُجُودِ نَفسٍ شِرِّيرةٍ خارِجِيّةٍ تَنفُثُ في الأُولَى وتَستَنطِقُ الثّانيةَ.

الإشارة الحاديةَ عشرةَ:

يُعَبِّرُ القُرآنُ الكَرِيمُ بأُسلُوبٍ مُعجِزٍ عن غَضَبِ الكائِناتِ وتَغَيُّظِ عَناصِرِ الكَونِ جَمِيعِها وتَهَيُّجِ المَوجُوداتِ كافّةً مِن شَرِّ أَهلِ الضَّلالةِ، عِندَما يَصِفُ اشتِراكَ السَّماءِ والأَرضِ بالهُجُومِ على قَومِ "نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَام" في الطُّوفانِ، وعَصْفَ الرِّياحِ بقَومِ "عادٍ"، والصَّيحةَ على "ثَمُودَ"، وهَيَجانَ الماءِ على قَومِ فِرعَونَ، ونِقْمةَ الأَرضِ على قارُونَ.. عِندَ رَفضِهِمُ الإِيمانَ حتَّى إنَّ جَهَنَّمَ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ.. وهكَذا يُبيِّنُ القُرآنُ الكَرِيمُ غَضَبَ المَوجُوداتِ وحِدَّتَها على أَهلِ الضَّلالةِ والعِصيانِ ويَزجُرُهُم بهذا الأُسلُوبِ الإِعجازِيِّ الفَرِيدِ.
سُؤالٌ: لِمَ تَجلُبُ هذه الأَعمالُ التّافِهةُ الصّادِرةُ عن أَشخاصٍ لا وَزْنَ لَهُم باقتِرافِهِم ذُنُوبًا شَخصِيّةً، سَخَطَ الكَونِ وغَضَبَه؟
الجَوابُ: لقد أَثبَتْنا في الإِشاراتِ السَّابِقةِ وفي رَسائِلَ مُتَفرِّقةٍ أُخرَى:
أنَّ الكُفرَ والضَّلالةَ تَجاوُزٌ شَنِيعٌ وتَعَدٍّ رَهِيبٌ، وجَرِيمةٌ تَتَعلَّقُ بجَمِيعِ المَوجُوداتِ، ذلك لِأنَّ أَهلَ الكُفرِ والضَّلالةِ يَرفُضُونَ الغايةَ السّامِيةَ لِخَلقِ الكائِناتِ ونَتِيجَتَها العُظمَى، أَلا وهي عُبُودِيّةُ الإِنسانِ وتَوَجُّهُه بالإِيمانِ والطّاعةِ والِانقِيادِ لِلرُّبُوبيّةِ الإِلٰهِيّةِ؛ فإِنكارُهُم هذه النَّتيجةَ العُظمَى لِلكَونِ یی الَّتي هي العِلّةُ الغائِيّةُ وسَبَبُ بَقاءِ المَوجُوداتِ یی نَوعٌ مِن تَعَدٍّ على حُقُوقِ جَمِيعِ المَخلُوقاتِ.
— 114 —
وحَيثُ إنَّ المَوجُوداتِ قاطِبةً تَتَجلَّى فيها الأَسماءُ الإِلٰهِيّةُ الحُسنَى وكأنَّ كلَّ جُزءٍ مِنها مِرآةٌ تَعكِسُ تَجَلِّياتِ أَنوارِ تلك الأَسماءِ المُقَدَّسةِ، فيَكتَسِبُ ذلك الجُزءُ أَهَمِّيّةً بها ويَرتَفِعُ مَنزِلةً، فإنَّ إِنكارَ الكافِرِ لِتِلك الأَسماءِ الحُسنَى ولِتِلك المَنزِلةِ الرَّفيعةِ لِلمَوجُوداتِ وأَهَمِّيَّتِها هو إِهانةٌ عَظِيمةٌ وتَحقِيرٌ شَدِيدٌ فَوقَ كَونِه تَشوِيهًا ومَسْخًا وتَحرِيفًا إِزاءَ تلك الأَسماءِ.
وكَذلِك فإنَّ كلَّ مَخلُوقٍ في هذا الكَونِ قد أُوكِلَ إلَيْه وَظِيفةٌ، وكلَّ جُزءٍ أُنِيطَ به أَمرٌ، أي: إنَّ لِكُلِّ شَيءٍ في الوُجُودِ مَهامَّ مُعَيَّنةً، فهُو إِذًا بمَثابةِ مَأمُورٍ ومُوَظَّفٍ رَبّانِيٍّ؛ فالكافِرُ بكُفرِه يَسلُبُه تلك الوَظِيفةَ المُهِمّةَ ويَجعَلُه جامِدًا لا مَعنَى له، وفانِيًا لا غايةَ له، فيُهِينُه بذلك ويُحَقِّرُه.. وهكَذا يَظهَرُ تَعَدِّي الكُفرِ ويَتبيَّنُ تَجاوُزُه على حُقُوقِ المَوجُوداتِ جَمِيعِها.
ولَمَّا كانَتِ الضَّلالةُ بأَنواعِها المُختَلِفةِ یی كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِها یی تُنكِرُ الحِكْمةَ الرَّبَّانيّةَ في خَلقِ الكائِناتِ، وتَرفُضُ المَقاصِدَ الإِلٰهِيّةَ في بَقاءِ العالَمِ، فإنَّ المَوجُوداتِ بدَوْرِها تَتَهيَّجُ، والمَخلُوقاتِ تَثُورُ، والكائِناتِ تَغضَبُ على الكُفرِ وأَهلِه.
فيا أَيُّها الإِنسانُ العاجِزُ المِسكِينُ، ويا مَن جِسمُه صَغِيرٌ وذَنْبُه جَسِيمٌ وظُلْمُه عَظِيمٌ.. إنْ كُنتَ راغِبًا في النَّجاةِ مِن غَضْبةِ العالَمِ ونُفُورِ المَخلُوقاتِ وثَوْرةِ المَوجُوداتِ، فدُونَك سَبِيلَ النَّجاةِ، وهُو الدُّخُولُ في دائِرةِ القُرآنِ الحَكِيمِ المُقَدَّسةِ.. واتِّباعُ المُبَلِّغِ الأَمِينِ (ص) في سُنَّتِه المُطَهَّرةِ.. ادْخُلْ.. واتَّبِعْ.

الإشارة الثانيةَ عشْرةَ:

جَوابٌ على أَربَعةِ أَسئِلةٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أَينَ وَجْهُ العَدالةِ في عَذابٍ مُقِيمٍ في جَهَنَّمَ لِذُنُوبٍ مَحدُودةٍ في حَياةٍ مَحدُودةٍ؟
الجَوابُ: لقد فُهِم بشَكلٍ واضِحٍ مِنَ الإِشاراتِ السّابِقةِ ولا سِيَّما الإشارةِ الحادِيةَ عَشْرةَ: أنَّ جَرِيمةَ الكُفرِ والضَّلالةِ لَيسَت مَحدُودةً، وإنَّما هي جِنايةٌ لا نِهايةَ لها واعتِداءٌ على حُقُوقٍ لا حَدَّ لها.
— 115 —
السُّؤالُ الثّاني: ما سِرُّ الحِكْمةِ فيما جاءَ في الشَّرعِ: إنَّ جَهَنَّمَ جَزاءُ عَمَلٍ، أمّا الجَنّةُ فهِي فَضْلٌ إِلٰهِيٌّ؟
الجَوابُ: لقد تَبيَّنَ في الإِشاراتِ السَّابِقةِ: أنَّ الإِنسانَ يكُونُ سَبَبًا لِتَدمِيرٍ هائِلٍ وشُرُورٍ كَثِيرةٍ بإِرادةٍ جُزئيّةٍ بلا إِيجادٍ، وبكَسْبٍ جُزئيٍّ، وبتَشكِيلِه أَمرًا عَدَمِيًّا أوِ اعتِبارِيًّا وإِعطاءِ الثُّبُوتِ له؛ ولِأنَّ نَفسَه وهَواه يَمِيلانِ إلى الأَضرارِ والشُّرُورِ دائِمًا، لِذا يَتَحمَّلُ هو مَسؤُوليّةَ السَّيِّئاتِ النّاتِجةِ مِن ذلك الكَسْبِ الجُزئيِّ اليَسِيرِ، ذلك لِأنَّ نَفسَه هي الَّتي أَرادَت، وكَسْبَه الذّاتِيَّ هو المُسَبِّبُ، ولِأنَّ ذلك الشَّرَّ عَدَمِيٌّ أَصبَحَ العَبدُ فاعِلًا له، واللهُ سُبحانَه خَلَقَه فصارَ الإِنسانُ مُستَحِقًّا لِتَحَمُّلِ مَسؤُوليّةِ تلك الجَرِيمةِ غَيرِ المَحدُودةِ بعَذابٍ غَيرِ مَحدُودٍ.
أمّا الحَسَناتُ فما دامَت وُجُودِيّةً أَصِيلةً، لا يكُونُ الكَسْبُ الإِنسانِيُّ والإِرادةُ الجُزئيّةُ عِلّةً مُوجِدةً لها، فالإِنسانُ ليس فاعِلًا حَقِيقيًّا لها، وإِنَّ نَفسَ الإِنسانِ الأَمّارةَ بالسُّوءِ لا تَمِيلُ إلى الحَسَناتِ، بلِ الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ هي الَّتي تُرِيدُها، وقُدرَتُه سُبحانَه هي الَّتي تَخلُقُها، إلّا أنَّ الإِنسانَ يُمكِنُ أن يكُونَ مالِكًا لِتِلك الحَسَناتِ بالإِيمانِ وبالرَّغبةِ وبالنِّيّةِ؛ وأمّا بَعدَ تَمَلُّكِها فإنَّ تلك الحَسَناتِ هي بذاتِها شُكرٌ لِلنِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ غَيرِ المَحدُودةِ الَّتي أَسبَغَها اللهُ سُبحانَه وتَعالَى على الإِنسانِ، وفي مُقدِّمَتِها نِعمةُ الوُجُودِ ونِعمةُ الإِيمانِ؛ أي: إنَّ تلك الحَسَناتِ شُكرٌ لِلنِّعَمِ السّابِقةِ، لِذا فالجَنّةُ الَّتي وَعَدَها اللهُ لِعِبادِه تُوهَبُ بفَضْلٍ رَحْمانِيٍّ خالِصٍ، فهِي وإن كانَت ظاهِرًا مُكافَأةً لِلمُؤمِنِ، إلّا أنَّها في حَقِيقَتِها تَفَضُّلٌ مِنه سُبحانَه وتَعالَى.
إِذًا فالنَّفسُ الإِنسانيّةُ لِكَونِها المُسَبِّبةَ لِلسَّيِّئاتِ، فهِي الَّتي تَستَحِقُّ الجَزاءَ؛ أمّا في الحَسَناتِ فلَمّا كانَ السَّبَبُ مِنَ اللهِ سُبحانَه وكَذلِك العِلّةُ مِنه وامتَلَكَها الإِنسانُ بالإِيمانِ وَحْدَه، فلا يُمكِنُه أن يُطالِبَ بثَوابِها، بل يَرجُو الفَضْلَ مِنه سُبحانَه.
السُّؤالُ الثّالثُ: لَمّا كانَتِ السَّيِّئاتُ تَتَعدَّدُ بالتَّجاوُزِ والِانتِشارِ كما تَبيَّنَ فيما سَبَق، كانَ المَفرُوضُ أن تُكتَبَ كلُّ سَيِّئةٍ بأَلفٍ، أمّا الحَسَناتُ فلِأَنَّها إِيجابِيّةٌ ووُجُودِيّةٌ فلا
— 116 —
تَتَعدَّدُ مادِّيًّا، ولِأنَّها لا تَحصُلُ بإِيجادِ العَبدِ ولا برَغبةِ النَّفسِ، فكانَ يَجِبُ ألّا تُكتَبَ، أو تُكتَبَ حَسَنةً واحِدةً؛ فلِمَ تُكتَبُ السَّيِّئةُ بمِثلِها والحَسَنةُ بعَشرِ أَمثالِها أو أَحيانًا بأَلفٍ؟
الجَوابُ: إنَّ اللهَ جَلَّ وعَلا يُبيِّنُ لنا یی بهذه الصُّورةِ یی كَمالَ رَحْمَتِه وسَعَتَها وجَمالَ رَحِيمِيَّتِه بعِبادِه.
السُّؤالُ الرّابعُ: إنَّ الِانتِصاراتِ الَّتي يُحرِزُها أَهلُ الضَّلالةِ والقُوّةَ والصَّلابةَ الَّتي يُظهِرُونَها، وتَغَلُّبَهُم على أَهلِ الهِدايةِ تُظهِرُ لنا أنَّهُم يَستَنِدُونَ إلى حَقِيقةٍ ويَركَنُونَ إلى قُوّةٍ، فإمّا أنَّ هُنالِك ضَعْفًا ووَهْنًا في أَهلِ الهِدايةِ، أو أنَّ في هَؤُلاءِ الضّالِّينَ حَقِيقةً وأَصالةً!
الجَوابُ: كلَّا ثمَّ كلَّا.. فلَيسَ في أَهلِ الهِدايةِ ضَعفٌ ولا في أَهلِ الضَّلالةِ حَقِيقةٌ، ولكِن معَ الأَسَفِ يُبتَلَى جَمْعٌ مِن قَصِيرِي النَّظَرِ یی مِنَ السُّذَّجِ الَّذِينَ لا يَملِكُونَ مَوازِينَ یی بالتَّردُّدِ والِانْهِزامِ، فيُصِيبُ عَقِيدَتَهُمُ الخَلَلُ بقَولِهِم: لو أنَّ أَهلَ الحَقِّ على صِدقٍ وصَوابٍ لَمَا كانَ يَنبَغِي أن يُغلَبُوا ولا يُذَلُّوا إلى هذا الحَدِّ، إذِ الحَقِيقةُ قَوِيّةٌ، وإنَّ القاعِدةَ الأَساسِيّةَ هي: «الحَقُّ يَعلُو ولا يُعلَى علَيْه» ، ولو لم يَكُن أَهلُ الباطِلِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ ويَغلِبُونَ أَهلَ الحَقِّ على قُوّةٍ حَقِيقيّةٍ وقاعِدةٍ رَصِينةٍ ونُقطةِ استِنادٍ مَتِينةٍ، لَمَا كانُوا يَغلِبُونَ أَهلَ الحَقِّ ويَتَفوَّقُونَ علَيْهِم إلى هذه الدَّرَجةِ.
وجَوابُ ذلك: لقد أَثبَتْنا في الإِشاراتِ السَّابِقةِ إِثباتًا قاطِعًا أنَّ انْهِزامَ أَهلِ الحَقِّ أَمامَ أَهلِ الباطِلِ لا يَتَأتَّى مِن أنَّهُم لَيسُوا على حَقِيقةٍ ولا مِن أنَّهُم ضُعَفاءُ، وأنَّ انتِصارَ أَهلِ الضَّلالةِ وتَغَلُّبَهم ليس ناشِئًا مِن قُوَّتِهِم ولا مِن وُجُودِ مُستَنَدٍ لَهُم. فمَضمُونُ تلك الإِشاراتِ السّابِقةِ بأَجمَعِها هو جَوابُ هذا السُّؤالِ، ولكِنَّنا نَكتَفِي هنا بالإِشارةِ إلى دَسائِسِهِم وشَيءٍ مِن أَسلِحَتِهِمُ المُستَعمَلةِ.
لقد شاهَدتُ مِرارًا بنَفسِي أنَّ عَشَرةً في المِئةِ مِن أَهلِ الفَسادِ يَغلِبُونَ تِسعِينَ في المِئةِ مِن أَهل الصَّلاحِ، فكُنتُ أَحارُ في هذا الأَمرِ، ثمَّ بإِمعانِ النَّظَرِ فيه، فَهِمتُ يَقِينًا أنَّ ذلك التَّغلُّبَ والسَّيطَرةَ لم يَكُونا نَتِيجةَ قُوّةٍ ولا قُدْرةٍ يَمتَلِكُها أَهلُ الباطِلِ، وإنَّما
— 117 —
مِن طَرِيقَتِهِمُ الفاسِدةِ، وسَفالَتِهِم ودَناءَتِهِم، وعَمَلِهِمُ التَّخرِيبِيِّ، واغتِنامِهِمُ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ وإِلقاءَ الخِلافاتِ والحَزازاتِ فيما بَينَهُم، واستِغلالِ نِقاطِ الضَّعفِ عِندَهُم والنَّفْثِ فيها، وإِثارةِ الغَرائِزِ الحَيَوانِيّةِ والنَّفسانِيّةِ والأَغراضِ الشَّخصِيّةِ عِندَهُم، واستِخدامِهِمُ الِاستِعداداتِ المُضِرّةَ الَّتي هي كالمَعادِنِ الفاسِدةِ الكامِنةِ في سَبِيكةِ فِطْرةِ الإِنسانِ، والتَّربِيتِ على فِرعَونيّةِ النَّفسِ بِاسمِ الشُّهرةِ والرُّتبةِ والنُّفُوذِ.. وخَوْفِ النّاسِ مِن تَخرِيباتِهِمُ الظّالِمةِ المُدَمِّرةِ.. وأَمثالُ هذه الدَّسائِسِ الشَّيطانيّةِ يَتَغلَّبُونَ بها على أَهلِ الحَقِّ تَغَلُّبًا مُؤَقَّتًا، ولكِن هذا الِانتِصارُ الوَقتِيُّ لَهُم لا قِيمةَ له ولا أَهَمِّيّةَ أَمامَ بُشرَى اللهِ تَعالَى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.. والسِّرُّ الكامِنُ في «الحَقُّ يَعلُو ولا يُعلَى علَيْه» ، إذ يُصبِحُ سَبَبًا لِدُخُولِهِمُ النّارَ وفَوزِ أَهلِ الحَقِّ بالجَنّةِ.
فلِأَجلِ ظُهُورِ الضَّعِيفِ الهَزِيلِ في الضَّلالةِ بمَظهَرِ القُوّةِ، واكتِسابَ التَّافِهِينَ فيها شُهرةً وصِيتًا، يَسلُكُها كلُّ أَنانِيٍّ مُراءٍ مُولَعٍ بالشُّهرةِ، فيقُومُ بإِرهابِ الآخَرِينَ والِاعتِداءِ علَيْهِم وإِضرارِهِم، لِلحُصُولِ على مَنزِلةٍ وكَسْبِ شُهرةٍ، فيَقِفُ في صَفِّ المُعادِينَ لِأَهلِ الحَقِّ لِيَستَرعِيَ انتِباهَ النّاسِ ويَجلُبَ أَنظارَهُم، ولِيَذكُرُوه بإِسنادِهِم أَعمالَ التَّخرِيبِ إلَيْه، تلك الَّتي لم تَنشَأ مِن قُوّةٍ وقُدرةٍ له، بل مِن تَركِه الخَيرَ وتَعطِيلِه له، حتَّى سارَ مَثَلًا: أنَّ أَحَدَ المُغرَمِينَ بالشُّهرةِ قد لَوَّث المَسجِدَ الطّاهِرَ حتَّى يَذكُرَه النّاسُ، وقد ذَكَرُوه فِعلًا.. ولكِن باللَّعنةِ، إلّا أنَّ حُبَّه الشَّدِيدَ لِلشُّهرةِ زَيَّن له هذا الذِّكرَ اللَّعِينَ فرَآه حَسَنًا.
فيا أَيُّها الإِنسانُ المِسكِينُ المَخلُوقُ لِعالَمِ الخُلُودِ والمُبتَلَى بهذه الدُّنيا الفانِيةِ.. أَمعِنِ النَّظَرَ في الآيةِ الكَرِيمةِ وأَنصِتْ إلَيْها: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وانظُرْ ماذا تُفِيدُ؟ إنَّها تُعلِنُ صَراحةً أنَّ السَّماواتِ والأَرضَ الَّتي لها عَلاقةٌ بالإِنسانِ لا تَبكِي على جِنازةِ أَهلِ الضَّلالةِ عِندَ مَوتِهِم.. أي: إنَّها راضِيةٌ بفِراقِهِم مُرتاحةٌ بمَوتِهِم؛ وإنَّها تُشِيرُ ضِمْنًا أنَّ السَّماواتِ والأَرضَ تَبكِي على جِنازةِ أَهلِ الهِدايةِ عِندَ مَوتِهِم، فلا تَتَحمَّلُ فِراقَهُم، إذ إنَّ الكائِناتِ جَمِيعًا مُرتَبِطةٌ معَ أَهلِ الإِيمانِ، وذاتُ عَلاقةٍ بهم، وإنَّها راضِيةٌ
— 118 —
عَنهُم، لِأنَّهُم يَعرِفُونَ یی بالإِيمانِ یی رَبَّ العالَمِينَ فيَحمِلُونَ حُبًّا لِلمَوجُوداتِ ويُقَدِّرُونَ قِيمَتَها، ولَيسُوا كأُولَئِك الضّالِّينَ الَّذِينَ يُضمِرُونَ العَداءَ لِلمَوجُوداتِ ويُحَقِّرُونَها.
فيا أيُّها الإِنسانُ، تَأمَّل في عاقِبَتِك، وفَكِّر في مَصِيرِك، فأَنتَ لا مَحالةَ صائِرٌ إلى المَوتِ، فإن كُنتَ مِمَّن جَعَل هَواه تَبَعًا لِلشَّيطانِ، فإنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ حَوْلَك مِنَ الجِيرانِ حتَّى الأَقارِبَ سيُسَرُّونَ بنَجاتِهِم مِن شُرُورِك، وإن كُنتَ مُستَعِيذًا باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ ومُتَّبِعًا لِأَوامِرِ القُرآنِ الكَرِيمِ وسُنّةِ حَبِيبِ رَبِّ العالَمِينَ (ص) فستَحزَنُ علَيْك السَّماواتُ والأَرضُ، وتَبكِي مَعنًى لِفِراقِك المَوجُوداتُ جَمِيعُها، فيُشَيِّعُونَك بهذا المَأْتَمِ العُلوِيِّ والنَّعْيِ الشّامِلِ إلى بابِ القَبْرِ، مُعبِّرِينَ بذلك عمّا أُعِدَّ لك مِن حُسنِ الِاستِقبالِ حَسَبَ دَرَجَتِك في عالَمِ البَقاءِ.

الإشارة الثَّالثةَ عشْرةَ:

تَتَضمَّنُ ثَلاثَ نِقاطٍ:
النُّقطةُ الأُولَى: إنَّ أَعظَمَ كَيدٍ لِلشَّيطانِ هو خِداعُه لِضَيِّقي الصَّدرِ، وقاصِرِي الفِكرِ مِنَ النّاسِ، مِن جِهةِ عَظَمةِ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ بقَولِه: كَيفَ يُمكِنُ تَصدِيقُ ما يُقالُ: أنَّ واحِدًا أَحَدًا هو الَّذي يُدَبِّرُ ضِمنَ رُبُوبيَّتِه شُؤُونَ جَمِيعِ الذَّرّاتِ والنُّجُومِ والسَّيّاراتِ وسائِرِ المَوجُوداتِ ويُدِيرُ أُمُورَها بأَحوالِها كافّةً؟ فكَيفَ تُصَدَّقُ وتَقَرُّ في القَلبِ هذه المَسأَلةُ العَجِيبةُ العَظِيمةُ؟ وكَيفَ يَقنَعُ بها الفِكرُ؟.. مُثِيرًا بذلك حِسًّا إِنكارِيًّا مِن نُقطةِ عَجزِ الإِنسانِ وضَعفِه.
الجَوابُ: "اللهُ أَكبَرُ" هو الجَوابُ الحَقِيقيُّ المُلجِمُ لِهذِه الدَّسِيسةِ الشَّيطانيّةِ وهُو المُسكِتُ لها.
نعم، إنَّ كَثرةَ تَكرارِ «اللهُ أَكبَرُ» وإِعادَتِها في جَمِيعِ الشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ، هو لِأَجلِ القَضاءِ على هذا الكَيدِ الشَّيطانِيِّ، لِأنَّ الإِنسانَ بقُوَّتِه العاجِزةِ وقُدرَتِه الضَّعِيفةِ وفِكرِه المَحدُودِ يَرَى تلك الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ غَيرَ المَحدُودةِ ويُصَدِّقُها بنُورِ «اللهُ أَكبَرُ» ، ويَحمِلُ تلك الحَقائِقَ بقُوّةِ «اللهُ أَكبَرُ» ، وتَستَقِرُّ عِندَه ضِمنَ دائِرةِ «اللهُ أَكبَرُ» فيُخاطِبُ
— 119 —
قَلبَه المُبتَلَى بالوَسوَسةِ قائِلًا: إنَّ تَدبِيرَ شُؤُونِ هذه الكائِناتِ وإِدارَتَها بهذا النِّظامِ الرَّائِعِ الَّذي يَراه كلُّ ذِي بَصَرٍ لا تُفسَّرُ إلّا بطَرِيقَتَينِ:
الأُولَى: وهِي المُمكِنةُ، ولكِنَّها مُعجِزةٌ خارِقةٌ، لِأنَّ أَثَرًا كهَذا الأَثَرِ المُعجِزِ لا شَكَّ أنَّه ناتِجٌ مِن عَمَلٍ خارِقٍ وبطَرِيقةٍ مُعجِزةٍ أَيضًا؛ وهذه الطَّرِيقةُ هي أنَّ المَوجُوداتِ قاطِبةً لم تُخلَق إلّا برُبُوبيّةِ الأَحَدِ الصَّمَدِ وبإِرادَتِه وقُدرَتِه، وهِي شاهِدةٌ على وُجُودِه سُبحانَه بعَدَدِ ذَرّاتِها.
الثّانيةُ: وهِي طَرِيقُ الكُفرِ والشِّركِ، المُمتَنِعةُ والصَّعبةُ مِن جَمِيعِ النَّواحِي، وغَيرُ المَعقُولةِ إلى دَرَجةِ الِاستِحالةِ، لِأنَّه يَلزَمُ أن يكُونَ لِكُلِّ مَوجُودٍ في الكَونِ، بل في كلِّ ذَرّةٍ فيه، أُلُوهِيّةٌ مُطلَقةٌ وعِلمٌ مُحِيطٌ واسِعٌ، وقُدرةٌ شامِلةٌ غَيرُ مُتَناهِيةٍ كي تَظهَرَ إلى الوُجُودِ نُقُوشُ الصَّنعةِ البَدِيعةِ المُتَكامِلةِ بهذا النِّظامِ والإِتقانِ الرّائِعَينِ المُشاهَدَينِ، وبهذا التَّقدِيرِ والتَّمَيُّزِ الدَّقيقَينِ.. وتلك هي ما بَيَّنّا امتِناعَها واستِحالَتَها وأَثبَتْناها بدَلائِلَ قاطِعةٍ كما في "المَكتُوبِ العِشرِينَ" و"الكَلِمةِ الثّانيةِ والعِشرِينَ" وفي رَسائِلَ أُخرَى كَثِيرةٍ.
والخُلاصةُ: لو لم تَكُن رُبُوبيّةٌ ذاتُ عَظَمةٍ وكِبْرِياءَ لائِقةٌ لِتَدبِيرِ الشُّؤُونِ، لَوَجَب حِينَئذٍ سُلُوكُ طَرِيقٍ مُمتَنِعٍ وغَيرِ مَعقُولٍ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ؛ فحتَّى الشَّيطانُ نَفسُه لن يُكلِّفَ أَحَدًا الدُّخُولَ في هذا المُحالِ المُمتَنِعِ بتَركِ تلك العَظَمةِ والكَبْرِياءِ اللّائِقةِ المُستَحَقّةِ الضَّرُورِيّةِ.
النُّقطةُ الثّانيةُ: إنَّ دَسِيسةً مُهِمّةً لِلشَّيطانِ هي: دَفعُ الإِنسانِ إلى عَدَمِ الِاعتِرافِ بتَقصِيرِه، كي يَسُدَّ علَيْه طَرِيقَ الِاستِغفارِ والِاستِعاذةِ، مُثِيرًا فيه أَنانيّةَ النَّفسِ لِتُدافِعَ كالمُحامِي عن ذاتِها، وتُنزِّهَها عن كلِّ نَقصٍ.
نعم، إنَّ نَفْسًا تُصغِي إلى الشَّيطانِ لا تَرغَبُ في أنْ تَنظُرَ إلى تَقصِيرِها وعُيُوبِها، حتَّى إذا رَأَتْها فإنَّها تُؤَوِّلُها بتَأوِيلاتٍ عَدِيدةٍ، فتَنظُرُ إلى ذاتِها وأَعمالِها بعَينِ الرِّضا، كما قالَ الشّاعِرُ:
وعَيْنُ الرِّضا عَن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلةٌ...
— 120 —
فلا تَرَى عَيْبًا، لِذا لا تَعتَرِفُ بتَقصِيرِها، ومِن ثَمَّ فلا تَستَغفِرُ اللهَ ولا تَستَعِيذُ به، فتكُونُ أُضحُوكةً لِلشَّيطانِ.. وكَيفَ يُوثَقُ بهذه النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ ويُعتَمَدُ علَيْها وقد ذَكَرَها القُرآنُ الكَرِيمُ بلِسانِ نَبِيٍّ عَظِيمٍ: يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، فمَن يَتَّهِمُ نَفسَه يَرَى عُيُوبَها وتَقصِيرَها، ومَنِ اعتَرَفَ بتَقصِيرِ نَفسِه يَستَغفِرُ رَبَّه، ومَن يَستَغفِرُ رَبَّه يَستَعِيذُ به مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ، وعِندَها يَنجُو مِن شُرُورِه.. وإنَّه لَتَقصِيرٌ أَكبَرُ ألّا يَرَى الإِنسانُ تَقصِيرَه، وإنَّه لَنَقصٌ أَعظَمُ كَذلِك ألّا يَعتَرِفَ بنَقصِه.. ومَن يَرَى عَيبَه وتَقصِيرَه فقدِ انتَفَى عنه العَيبُ، حتَّى إذا ما اعتَرَف يُصبِحُ مُستَحِقًّا لِلعَفوِ.
النُّقطةُ الثّالثةُ: إنَّ ما يُفسِدُ الحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ لِلإِنسانِ هي الدَّسِيسةُ الشَّيطانيّةُ الآتِيةُ:
إنَّه يَحجُبُ بسَيِّئةٍ واحِدةٍ لِلمُؤمِنِ جَمِيعَ حَسَناتِه، فالَّذِينَ يُلقُونَ السَّمعَ إلى هذا الكَيدِ الشَّيطانِيِّ مِن غَيرِ المُنصِفِينَ يُعادُونَ المُؤمِنَ؛ بَينَما اللهُ سُبحانَه وتَعالَى عِندَما يَزِنُ أَعمالَ المُكلَّفِينَ بمِيزانِه الأَكبَرِ وبعَدالَتِه المُطلَقةِ يَومَ الحَشرِ فإنَّه يَحكُمُ مِن حَيثُ رُجْحانُ الحَسَناتِ أوِ السَّيِّئاتِ؛ وقد يَمحُو بحَسَنةٍ واحِدةٍ ويُذهِبُ ذُنُوبًا كَثِيرةً، حَيثُ إنَّ ارتِكابَ السَّيِّئاتِ والآثامِ سَهلٌ ويَسِيرٌ ووَسائِلُها كَثِيرةٌ.. فيَنبَغِي إِذًا التَّعامُلُ في هذه الدُّنيا والقِياسُ بمِثلِ مِيزانِ العَدلِ الإِلٰهِيِّ، فإن كانَت حَسَناتُ شَخصٍ أَكثَرَ مِن سَيِّئاتِه كَمِّيّةً أو نَوعِيّةً فإنَّه يَستَحِقُّ المَحَبّةَ والِاحتِرامَ، بل يَنبَغِي أَن يُنظَرَ إلى كَثِيرٍ مِن سَيِّئاتِه بعَينِ العَفوِ والمَغفِرةِ والتَّجاوُزِ لِحَسَنةٍ واحِدةٍ ذاتِ نَوعِيّةٍ خاصّةٍ.
غَيرَ أنَّ الإِنسانَ يَنسَى بتَلقِينٍ مِنَ الشَّيطانِ، وبما يَكمُنُ مِنَ الظُّلمِ في جِبِلَّتِه، مِئاتٍ مِن حَسَناتِ أَخِيه المُؤمِنِ لِأَجلِ سَيِّئةٍ واحِدةٍ بَدَرَت مِنه فيَبدَأُ بمُعاداتِه، ويَدخُلُ في الآثامِ؛ فكما أنَّ وَضْعَ جَناحِ بَعُوضةٍ أَمامَ العَينِ مُباشَرةً يَحجُبُ رُؤيةَ جَبَلٍ شاهِقٍ، فالحِقدُ كَذلِك يَجعَلُ السَّيِّئةَ الَّتي هي بحَجمِ جَناحِ بَعُوضةٍ، تَحجُبُ رُؤيةَ حَسَناتٍ
— 121 —
كالجَبَلِ الشّامِخِ، فيَنسَى الإِنسانُ حِينَذاك ذِكرَ الحَسَناتِ ويَبدَأُ بعَداءِ أَخِيه المُؤمِنِ، ويُصبِحُ عُضوًا فاسِدًا وآلةَ تَدمِيرٍ في حَياةِ المُؤمِنِينَ الِاجتِماعِيّةِ.
وهُناك دَسِيسةٌ أُخرَى مُشابِهةٌ لِهذه ومُماثِلةٌ لها في إِفسادِ سَلامةِ تَفكِيرِ المُؤمِنِ والإِخلالِ باستِقامَتِها وبصِحّةِ النَّظْرةِ إلى الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ، وهِي أنَّه يُحاوِلُ إِبطالَ حُكمِ مِئاتِ الدَّلائِلِ الثُّبُوتيّةِ یی حَولَ حَقِيقةٍ إِيمانيّةٍ یی بشُبهةٍ تَدُلُّ على نَفيِها.. عِلْمًا أنَّ القاعِدةَ هي: أنَّ مُثبِتًا واحِدًا يُرَجَّحُ على الكَثِيرِ مِنَ النّافِينَ، وأنَّ حُكمَ شاهِدٍ مُثبِتٍ لِقَضِيّةٍ ما يُقدَّمُ على مِئاتِ النّافِينَ.
ولْنُوَضِّحْ هذه الحَقِيقةَ في ضَوءِ هذا المِثالِ:
قَلعةٌ عَظِيمةٌ لها مِئاتٌ مِنَ الأَبوابِ المُقفَلةِ، يُمكِنُ الدُّخُولُ فيها بفَتحِ بابٍ واحِدٍ مِنها، وعِندَها تُفتَحُ بَقِيّةُ الأَبوابِ، ولا يَمنَعُ بقاءُ قِسمٍ مِنَ الأَبوابِ مُقفَلًا مِنَ الدُّخُولِ في القَلعةِ؛ فالحَقائِقُ الإِيمانيّةُ هي كتِلك القَلعةِ العَظِيمةِ، وكلُّ دَليلٍ ثُبُوتِيٍّ هو مِفتاحٌ يَفتَحُ بابًا مُعَيَّنًا، فلا يُمكِنُ إِنكارُ تلك الحَقِيقةِ الإِيمانيّةِ أو العُدُولُ عنها بمُجَرَّدِ بَقاءِ بابٍ واحِدٍ مَسدُودٍ مِن بَينِ تلك المِئاتِ مِنَ الأَبوابِ المَفتُوحةِ.. ولكِنَّ الشَّيطانَ يُقنِعُ جَماعةً مِنَ النّاسِ بقَولِه لَهُم: لا يُمكِنُ الدُّخُولُ إلى هذه القَلعةِ، مُشِيرًا إلى أَحَدِ تلك الأَبوابِ المَسدُودةِ بِأَسبابٍ كالجَهلِ أوِ الغَفْلةِ، ليُسقِطَ مِنَ الِاعتِبارِ جَمِيعَ الأَدِلّةِ الثُّبوتِيّةِ، فيُغرِيهِم بقَولِه: إنَّ هذا القَصرَ لا يُمكِنُ الدُّخُولُ فيه أَبدًا، فأَنتَ تَحسَبُه قَصرًا وهُو ليس بقَصرٍ، وليس فيه شَيءٌ!
فيا أَيُّها الإِنسانُ المِسكِينُ، المُبتَلَى بدَسائِسِ الشَّيطانِ وكَيدِه.. إن كُنتَ تَرجُو سَلامةَ حَياتِك الدِّينيّةِ وحَياتِك الشَّخصِيّةِ وحَياتِك الِاجتِماعِيّةِ، وتَطلُبُ صِحّةَ الفِكرِ واستِقامةَ الرُّؤيةِ وسَلامةَ القَلبِ، فزِنْ أَعمالَك وخَواطِرَك بمَوازِينِ القُرآنِ المُحكَمةِ والسُّنّةِ المُحَمَّدِيّةِ الشَّرِيفةِ، واجْعَلْ رائِدَك القُرآنَ الكَرِيمَ ومُرشِدَك السُّنّةَ النَّبوِيّةَ الشَّرِيفةَ، وتَضَرَّعْ إلى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ بقَولِك: "أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ".
— 122 —
فتِلك ثَلاثَ عَشْرةَ إِشارةً، وهِي ثَلاثةَ عَشَرَ مِفتاحًا لِتَفتَحَ بها القَلعةَ المَتِينةَ والحِصنَ الحَصِينَ لِآخِرِ سُورةٍ مِنَ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ في المُصحَفِ الشَّرِيفِ.. وهِي كَنزُ الِاستِعاذةِ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ وشَرحٌ مُفَصَّلٌ لها.. فافتَحْها بهذه المَفاتِيحِ.. وادْخُل فيها تَجِدِ السَّلامةَ والِاطمِئْنانَ والأَمانَ.
أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ٭ مَلِكِ النَّاسِ ٭ إِلَهِ النَّاسِ ٭ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٭ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٭ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
٭ ٭ ٭
— 123 —

اللمعة الرابعة عشرة

عبارة عن مقامَينِ

المقام الأول

جوابٌ عن سؤالين
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيْكُم ورَحْمةُ اللهِ وبَرَكاتُه.
أَخِي العَزِيزَ الصّادِقَ الوَفِيَّ السَّيِّدَ رَأفَت..
إنَّ ما سَأَلتُمُوه مِن سُؤالٍ حَولَ "الثَّورِ والحُوتِ" قد وَرَد جَوابُه في بَعضِ الرَّسائِلِ، وقد ذُكِر في "الغُصنِ الثّالِثِ مِنَ الكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِينَ" اثنا عَشَرَ قاعِدةً مُهِمّةً ضِمنَ اثنَيْ عشَرَ أَصلًا حَولَ هذا النَّوعِ مِنَ الأَسئِلةِ.. تلك القَواعِدُ تُمثِّلُ أُسُسًا مُهِمّةً لِدَفعِ الشُّبُهاتِ والأَوهامِ الوارِدةِ على الأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ، فكلُّ قاعِدةٍ مِنها مَحَكٌّ جَيِّدٌ لِبَيانِ التَّأوِيلاتِ المُختَلِفةِ حَولَ الأَحادِيثِ النَّبوِيّةِ.
أَخِي.. هُناك حالاتٌ طارِئةٌ في الوَقتِ الحاضِرِ تَحُولُ معَ الأَسَفِ دُونَ اشتِغالي بالمَسائلِ العِلمِيّة یی عَدا السَّوانِحِ القَلبِيّةِ یی لِذلِك لا أَستَطِيعُ الإِجابةَ على سُؤالِكُم بجَوابٍ شافٍ؛ وإنْ وَفَّق اللهُ وفَتَح علَيْنا سَوانِحَ قَلبِيّةً أُضطَرُّ إلى الِانشِغالِ بها.. ورُبَّما يُجابُ عن أَسئِلةٍ لِتَوافُقِها مع السَّوانِحِ، فلا تَتَضايَقُوا، إذ لا أَستَطِيعُ الإِجابةَ عن كلٍّ مِن أَسئِلَتِكُم إِجابةً وافِيةً.. فلْأُجِبْ هذه المَرّةَ عن سُؤالِكُم:
— 124 —
تَذكُرُونَ يا أَخِي في سُؤالِكُم: أنَّ عُلَماءَ الدِّينِ يقُولُونَ: الأَرضُ تَقُومُ على الحُوتِ والثَّورِ، عِلمًا أنَّ الجُغْرافية تَراها كَوكبًا مُعَلَّقًا يَدُورُ في السَّماءِ كأَيِّ كَوكَبٍ آخَرَ، فلا ثَورَ ولا حُوتَ!
الجَوابُ: هُنالِك رِوايةٌ صَحِيحةٌ تُسنَدُ إلى ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُمَا تقُولُ: سُئِلَ الرَّسُولُ (ص): على أيِّ شَيءٍ تَقُومُ الأَرضُ؟ أَجابَ: على الثَّورِ والحُوتِ. وفي رِوايةٍ أُخرَى قال مَرّةً: على الثَّورِ. ومَرّةً: على الحُوتِ. ولكِنَّ عَدَدًا مِنَ المُحَدِّثينَ طَبَّقوا هذه الرِّوايةَ على حِكاياتٍ خُرافيّةٍ وقَدِيمةٍ وَرَدَت مِنَ الإِسرائيلِيّاتِ، ولا سِيَّما مِن عُلَماءِ بَنِي إِسرائِيلَ الَّذِينَ أَسلَمُوا، فهَؤُلاءِ غيَّرُوا مَعنَى الحَدِيثِ وحَوَّلُوه إلى مَعنًى عَجِيبٍ غَرِيبٍ جِدًّا، حَيثُ طَبَّقُوا الحَدِيثَ على ما شاهَدُوه مِن حِكاياتٍ حَولَ الثَّورِ والحُوتِ في الكُتُبِ السّابِقةِ.
ونَحنُ هنا نُشِيرُ باختِصارٍ شَدِيدٍ إلى "ثَلاثةِ أُسُسٍ" و"ثَلاثةِ وُجُوهٍ" لَدَى الإِجابةِ على سُؤالِكُم:
الأَساسُ الأوَّلُ: لقد حَمَل قِسمٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إِسرائِيلَ بَعدَ إِسلامِهِم مَعلُوماتِهِمُ السّابِقةَ معَهُم إلى الإِسلامِ، فأَصبَحَت مِلكَ الإِسلامِ، أي: ضِمنَ المَعارِفِ الإِسلامِيّةِ، عِلمًا أنَّ مَعلُوماتِهِم السّابِقةَ تَحوِي أَخطاءً، فتلك الأَخطاءُ بلا شَكٍّ تَعُودُ إلَيْهِم لا إلى الإِسلامِ.
الأَساسُ الثّاني: إنَّ التَّشبِيهاتِ والتَّمثِيلاتِ كلَّما انتَقَلَت مِنَ الخَواصِّ إلى العَوامِّ، أي: كلَّما سَرَت من يَدِ العِلمِ إلى يَدِ الجَهلِ عُدَّت حَقائِقَ مَلمُوسةً بمُرُورِ الزَّمَنِ.
فمَثلًا: حِينَما كُنتُ صَبِيًّا خُسِفَ القَمَرُ، فسَأَلتُ والِدَتي: ما هذا الَّذي حَدَث لِلقَمَرِ؟ قالَت: ابتَلَعَتْه الحَيّةُ. قُلتُ: ولكِنَّه يتَبيَّنُ! قالَت: إنَّ الحيَّاتِ في السَّماءِ شفّافةٌ كالزُّجاجِ تَشُفُّ عمّا في بَطنِها..
كُنتُ أَتَذكَّرُ هذه الحادِثةَ كَثِيرًا وأُسائِلُ نَفسِي: كَيفَ تَدُورُ خُرافةٌ بَعِيدةٌ عنِ الحَقِيقةِ إلى هذه الدَّرَجةِ على لِسانِ والِدَتِي الحَصِيفةِ الجادّةِ في كَلامِها؟
— 125 —
ولكِن حِينَما طالَعتُ عِلمَ الفَلَكِ، رَأَيتُ أنَّ الَّذِينَ يقُولُونَ كما تقُولُ والِدَتِي، قد تلَقَّوُا التَّشبِيهَ كحَقِيقةٍ واقِعيّةٍ، إِذ شَبَّهُوا القَوسَينِ النّاشِئَينِ مِن تَداخُلِ دائِرةِ الشَّمسِ، وهي مَنطِقةُ البُرُوجِ ومَدارُ دَرَجاتِها، معَ دائِرةِ القَمَرِ، وهِي مَيلُ القَمَرِ ومَدارُ مَنازِلِه، شبَّهُوهُما تَشبِيهًا لَطِيفًا بِحَيَّتَينِ ضَخمَتَينِ، وسمَّوْهُما تِنِّينَينِ، وأَطلَقُوا على إِحدَى نُقطتَي تَقاطُعِ تلك الدّائِرَتَينِ "الرَّأسَ" والأُخرَى "الذَّنَبَ"؛ فحِينَما يَبلُغُ القَمَرُ الرَّأسَ والشَّمسُ الذَّنَبَ تَحصُلُ حَيلُولةُ الأَرضِ یی كما يَصطَلِحُ علَيْها الفَلَكِيُّونَ یی أي: تَقَعُ الأَرضُ بَينَهُما تَمامًا، وعِندَها يُخسَفُ القَمَرُ، أي: كأنَّ القَمَرَ يَدخُلُ في فَمِ التِّنِّينِ، حَسَبَ التَّشبِيهِ السّابِقِ.
وهكَذا عِندَما سَرَى هذا التَّشبِيهُ العِلميُّ الرّاقي بمُرُورِ الزَّمَنِ إلى كَلامِ العَوامِّ غَدا التَّشبِيهُ تِنِّينًا عَظِيمًا مُجسَّمًا يَبتَلِعُ القَمرَ!
وكَذلِك المَلَكانِ العَظِيمانِ المُسَمَّيانِ بالثَّورِ والحُوتِ، قد أُطلِق علَيْهِما هذانِ الِاسمانِ في تَشبِيهٍ لَطِيفٍ سامٍ، وفي إِشارةٍ ذاتِ مَغزًى؛ ولكِن لَمّا انتَقَلَ التَّشبِيهُ اللَّطِيفُ مِن لِسانِ النُّبوّةِ البَلِيغِ السّامِي إلى لِسانِ العَوامِّ، بمُرُورِ الزَّمَن، انقَلَبَ التَّشبِيهُ إلى حَقِيقةٍ واقِعةٍ، فاتَّخَذ المَلَكانِ صُورةَ ثَورٍ ضَخمٍ وحُوتٍ هائِلٍ.
الأَساسُ الثّالثُ: كما أنَّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ مُتَشابِهاتٍ، يُوَضِّحُ المسائلَ الدَّقيقة العميقةَ للعَوامِّ بالتشبيهِ والتَّمثيل، كذلك للحديث الشريف مُتَشابِهاتٌ، فيُعبِّرُ عن الحَقائقِ الواسعة بتَشبيهاتٍ مأنوسةٍ لدى العَوامّ.
مثالُ ذلك ما ذكرناه في رسائلَ أُخرَى:
أنَّه عِندَما سُمِع دَوِيٌّ في مَجلِس الرَّسُولِ (ص) قالَ: «هذا حَجَرٌ يَتدَحرَجُ مُنذُ سَبعِينَ سَنةً في جَهَنَّمَ، فالآنَ حِينَ وَصَل إلى قَعْرِها» ، وبَعدَ مُضِيِّ دَقائِقَ جاءَ أَحَدُهُم وقالَ: "إنَّ المُنافِقَ الفُلانِيَّ المَعلُومَ الَّذي يَبلُغُ سَبعِينَ سَنةً مِنَ العُمُرِ قد ماتَ"، فأَعلَن عن الحَقِيقةِ الواقِعةِ بالتَّشبِيهِ البَلِيغِ الَّذي ذَكَرَه الرَّسُولُ (ص).
— 126 —
أمّا عن سُؤالِك يا أَخِي، فسنَذكُرُ له ثَلاثةَ وُجُوهٍ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه قد عَيَّن أَربَعةً مِنَ المَلائِكةِ العِظامِ في العَرشِ والسَّماواتِ لِلإِشرافِ على سَلْطَنةِ رُبُوبيَّتِه، اسمُ واحِدٍ مِنهُم: "النَّسرُ"، واسمُ آخَرَ: "الثَّورُ" .
أمّا الأَرضُ الَّتي هي شَقِيقةٌ صَغِيرةٌ لِلسَّماواتِ ورَفِيقةٌ أَمِينةٌ لِلسَّيّاراتِ، فقد عُيِّن لها مَلَكانِ مُشرِفانِ يَحمِلانِها، يُطلَقُ على أَحَدِهِما: "الثَّورُ"، وعلى الآخَرِ: "الحُوتُ"؛ والحِكمةُ في تَسمِيَتِهما بهذَينِ الِاسمَينِ هي أنَّ الأَرضَ قِسمانِ: البَرُّ والبَحرُ، أي: اليابِسةُ والماءُ، فالَّذي يَعْمُرُ البَحرَ أوِ الماءَ هو الحُوتُ أوِ السَّمَكُ، أمّا الَّذي يَعْمُرُ البَرَّ والتُّرابَ فهُو الثَّورُ، حَيثُ إنَّ مَدارَ حَياةِ الإِنسانِ على الزِّراعةِ المَحمُولةِ على كاهِلِ الثَّورِ.
فالمَلَكانِ المُوكَّلانِ بالأَرضِ لِأنَّهُما قائِدانِ لها ومُشرِفانِ علَيْها، لِذا لَهُما تَعَلُّقٌ وارتِباطٌ ومُناسَبةٌ یی مِن جِهةٍ یی معَ طائِفةِ الحُوتِ ونَوعِ الثَّورِ؛ ولَرُبَّما یی والعِلمُ عِندَ اللهِ یی يَتَمثَّلانِ في عالَمِ المَلَكوتِ وفي عالَمِ المِثالِ على صُورةِ الحُوتِ والثَّورِ..
(حاشية): نعم: إن الكُرةَ الأرضِيّةَ إنَّما هي كسَفِينةٍ تَمخَر عُبابَ بحرِ الفَضاءِ، فالذي يُجرِي هذه السَّفينةَ الضَّخمةَ التي لا شُعُورَ لها بانتِظامٍ دقيقٍ ويَسُوقُها لحِكمةٍ مُعيَّنة بالأمرِ الإِلٰهِيّ، أي: إنَّ قائدَ تلك السَّفينةِ ورُبّانَها إنَّما هو المَلَك الذي يُطلَق عليه اسمُ "الحُوت". وهي أيضًا یی أي: الأرضُ یی كمَزرَعةٍ للآخِرة كما هو ثابتٌ في الحديثِ الشَّريفِ، فالذي يُشرِفُ على تلك المَزرَعة مِن الملائكةِ بالإذنِ الإِلٰهِيّ هو المَلَك الذي يُطلَق عليه اسمُ "الثَّورِ"، ولا يَخفَى ما لهذا الإطلاقِ الجَميلِ من انسِجامٍ لَطِيف.
فإِشارةً إلى هذه المُناسَبةِ والعَلاقةِ، وإِيماءً إلى ذَينِك النَّوعَينِ مِن مَخلُوقاتِ الأَرضِ، قال الَّذي أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ (ص): "الأَرضُ على الثَّورِ والحُوتِ"، فأَفادَ بجُملةٍ واحِدةٍ وَجِيزةٍ بَلِيغةٍ عن حَقِيقةٍ عَظِيمةٍ عَمِيقةٍ قد لا يُعَبَّرُ عنها في صَحِيفةٍ كامِلةٍ.
الوَجهُ الثَّاني: لو قِيلَ: بِمَ تقُومُ هذه الدَّولةُ؟ فالجَوابُ: على السَّيفِ والقَلَمِ: أي تَستَنِدُ إلى قُوّةِ سَيفِ الجَيشِ وشَجاعَتِه وإِقدامِه، وعلى دِرايةِ قَلَمِ المُوَظَّفِينَ وعَدالَتِه.
— 127 —
وحَيثُ إِنَّ الأَرضَ مَسكَنُ الأَحياءِ، وسَيِّدُ الأَحياءِ الإِنسانُ، والقِسمُ الأَعظَمُ مِنَ النَّاسِ يَقطُنُونَ السَّواحِلَ ومَعِيشَتُهُم على السَّمَكِ، والباقُونَ تَدُورُ مَعِيشَتُهُم على الزِّراعةِ الَّتي هي على عاتِقِ الثَّورِ ومِحْوَرُ تِجارَتِهِم على السَّمَكِ؛ فمِثلَما يُمكِنُ القَولُ: إنَّ الدَّوْلةَ تَقُومُ على السَّيفِ والقَلَمِ، يُمكِنُ كَذلِك القَولُ: إِنَّ الأَرضَ تَقُومُ على الثَّورِ والحُوتِ؛ لِأنَّه متى أَحجَمَ الثَّورُ عنِ العَمَلِ، ولم يُلْقِ السَّمَكُ مَلايِينَ البُيُوضِ دَفعةً واحِدةً، فلا عَيشَ لِلإِنسانِ، وتَنهارُ الحَياةُ، ويُدمِّرُ الخالقُ الحَكِيمُ سُبحانَه الأَرضَ.
وهكَذا أَجابَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) عنِ السُّؤالِ بحِكمةٍ سامِيةٍ وببَلاغةٍ مُعجِزةٍ وبكَلِمتَينِ اثنتَينِ مُبيِّنًا حَقِيقةً واسِعةً تَتَعلَّقُ بمَدَى ارتِباطِ حَياةِ الإِنسانِ بالحَيَوانِ، فقال (ص): «الأَرضُ على الثَّورِ والحُوتِ».
الوَجهُ الثَّالثُ: إنَّ الشَّمسَ في نَظَرِ عُلَماءِ الفَلَكِ القَدِيمِ تَدُورُ والأَرضُ ثابِتةٌ، وعَبَّرُوا عن كلِّ ثَلاثِينَ دَرَجةً مِن دَرَجاتِ الشَّمسِ بی"البُرجِ"، فلو مُدَّت خُطُوطٌ افتِراضِيّةٌ بينَ نُجُومِ تلك البُرُوجِ لَحَصَل ما يُشبِهُ صُورةَ الأَسَدِ أَحيانًا، أو صُورةَ المِيزانِ، أو صُورةَ الثَّورِ، أو صُورةَ الحُوتِ.. لذا بَيَّنوا تلك البُرُوجَ بتلك الأَسماءِ.
أمّا عِلمُ الفَلَكِ الحاضِرُ فيَرَى أنَّ الشَّمسَ لا تَدُورُ حَولَ الأَرضِ، بلِ الأَرضُ تَدُورُ حَولَها، أي: يُعطِّلُ العَمَلَ في تلك البُرُوجِ، فلا بُدَّ أنَّ لِتِلك البُرُوجِ العاطِلةِ عنِ العَمَلِ والدَّوائرِ الهائِلةِ دَوائِرَ بمِقياسٍ أَصغَرَ في مَدارِ الأَرضِ السَّنَويِّ، أي: أَصبَحَتِ البُروجُ السَّماوِيّةُ تَتَمثَّلُ في مَدارِ الأَرضِ السَّنَويِّ، وعِندَئِذٍ تَدخُلُ الأَرضُ كلَّ شَهرٍ في ظِلِّ أَحَدِ البُرُوجِ، وتكُونُ ضِمنَ انعِكاسِه، فكأنَّ مَدارَ الأَرضِ السَّنَويَّ مِرآةٌ تَتَمثَّلُ فيها صُورةُ البُرُوجِ السَّماوِيّةِ.
وهكَذا بِناءً على هذا الوَجهِ یی مِنَ المَسأَلةِ یی فقد قالَ الرَّسُولُ الأَعظَمُ (ص) كما ذَكَرنا سابِقًا: "على الثَّور" مرّةً و"على الحُوتِ" مرّةً أُخرَى.
نعم، إنه حَرِيٌّ بلِسانِ ذلك النَّبِيِّ الكَرِيمِ المُعجِزِ أنْ يقُولَ مرّةً: "على الثَّورِ" مُشِيرًا به إلى حَقِيقةٍ عَمِيقةٍ لا تُدرَكُ إلّا بعدَ قُرُونٍ عَدِيدةٍ، حَيثُ إنَّ الأَرضَ في ذلك
— 128 —
الوَقتِ یی أي: وَقتِ السُّؤالِ یی كانَت في الصُّورةِ المِثاليّةِ لبُرجِ الثَّورِ، بَينَما عِندَما سُئلَ (ص) السُّؤالَ نَفسَه بعدَ شَهرٍ قال: "على الحُوتِ"، لِأنَّ الأَرضَ كانَت في ظِلِّ بُرجِ الحُوتِ.
وهكَذا أَشارَ (ص) بقَولِه: "على الثَّورِ والحُوتِ" إلى هذه الحَقِيقةِ العَظِيمةِ الَّتي ستَظهَرُ في المُستَقبَلِ وتَتَوضَّحُ.. وأَشارَ به إلى حَرَكةِ الأَرضِ وسِياحَتِها.. ورَمَزَ به إلى أنَّ البُرُوجَ السَّماوِيّةَ الحَقِيقيّةَ والعامِلةَ هي الَّتي في مَدارِ الأَرضِ السَّنَويِّ، والأَرضُ هي القائِمةُ بالوَظِيفةِ والسِّياحةِ في تلك البُرُوجِ، بَينَما الَّتي بالنِّسبةِ إلى الشَّمسِ عاطِلةٌ دُونَ أَجرامٍ سَيّارةٍ فيها. واللهُ أَعلَمُ بالصَّوابِ.
وأمّا ما جاءَ مِن حِكاياتٍ خارِجةٍ عن طَورِ العَقلِ في بَعضِ الكُتُبِ الإسلامِيّةِ حَولَ الثَّورِ والحُوتِ، فإمّا أنَّها مِنَ الإِسرائِيليّاتِ، أو هي تَشبِيهاتٌ وتَمثِيلاتٌ، أو أنَّها تَأوِيلاتُ بَعضِ الرُّواةِ، حَسِبَها الَّذِينَ لا يَتَحرَّونَ الدِّقّةَ مِنَ الحَدِيثِ نَفسِه، وأَسَندُوها إلى كَلامِ الرَّسُولِ (ص).
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
السُّؤالُ الثّاني: يَخُصُّ أَهلَ العَباءِ.
أَخِي.. سنَذكُرُ حِكْمةً واحِدةً فقط مِنَ الحِكَمِ الكَثِيرةِ الَّتي يَنطَوِي علَيْها سُؤالُكُم حَولَ "أَهلِ العَباءِ" الَّذي ظَلَّ بلا جَوابٍ، وهِي: أنَّ أَسرارًا وحِكَمًا كَثِيرةً في إِلقاءِ الرَّسُولِ (ص) عَباءَتَه المُبارَكةَ الَّتي كانَ يَلبَسُها على عَلِيٍّ وفاطِمةَ والحَسَنِ والحُسَينِ رَضِيَ الله عَنهُم أَجمَعِينَ، ثمَّ دُعائِه لَهُم في هذا الوَضعِ وبهذه الآيةِ الكَرِيمةِ: ... لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا، ولكِنَّنا لا نَخُوضُ في أَسرارِه، ولا نَذكُرُ إلّا حِكْمةً مِن حِكَمِه الَّتي تَتَعلَّقُ بمُهِمّةِ الرِّسالةِ وهِي:
أنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ (ص) قد رَأَى بنَظَرِ النُّبوّةِ الأَنِيسِ بالغَيبِ، النّافِذِ إلى المُستَقبَلِ: أنَّه بَعدَ نَحوِ ثَلاثِينَ أو أَربَعِينَ سَنةً ستَقَعُ فِتَنٌ عَظِيمةٌ في صُفُوفِ الصَّحابةِ والتّابِعِينَ،
— 129 —
وستُراقُ الدِّماءُ الزَّكيّةُ؛ فشاهَدَ أنَّ أَبرَزَ مَن فيها هُمُ الأَشخاصُ الثَّلاثةُ الَّذِينَ ستَرَهُم تَحتَ عَباءَتِه، فلِأَجلِ الإِعلانِ عن تَبْرِئةِ عَلِيٍّ في نَظَرِ الأُمّةِ.. وتَسلِيةِ الحُسَينِ وعَزائِه.. وتَهنِئةِ الحَسَنِ وإِظهارِ شَرَفِه ومَكانَتِه وعَظِيمِ نَفعِه لِلأُمّةِ برَفعِه فِتنةً كَبِيرةً بالصُّلحِ.. وطَهارةِ نَسلِ فاطِمةَ وشَرَفِهِم وأَهلِيَّتِهِم بلَقَبِ أَهلِ البَيتِ، ذلك العُنوانِ الشَّرِيفِ الرَّفيعِ.. لِأَجلِ كلِّ ذلك سَتَر (ص) أُولَئِك الأَربَعةَ معَ نَفسِه تَحتَ تلك العَباءةِ الَّتي وَهَبَت لَهُم ذلك العُنوانَ المُشَرَّفَ: آلُ العَباءِ الخَمسةُ.
نعم، إنَّ سَيِّدَنا عَلِيًّا كانَ خَلِيفةً لِلمُسلِمِينَ بحَقٍّ، ولكِن لِأنَّ الدِّماءَ الزَّكِيّةَ الَّتي أُرِيقَت جَلِيلةٌ، فإنَّ بَراءَتَه مِنها وتَبْرِئَتَه في نَظَرِ الأُمّةِ لها أَهَمِّيَّتُها مِن حَيثُ وَظِيفةُ الرِّسالةِ؛ لذا يُبَرِّئُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) ساحَتَه بتِلك الصُّورةِ، فيَدعُو إلى السُّكُوتِ بحَقِّه كلَّ مَن يَنتَقِدُه ويُخَطِّئُه ويُضَلِّلُه مِنَ الخَوارِجِ والمُوالِينَ لِلأُمَويِّينَ المُتَجاوِزِينَ علَيْه.
نعم، إنَّ تَفرِيطَ الخَوارِجِ وأَتباعِ الأُمَويِّينَ المُغالِينَ في حَقِّ سَيِّدِنا عَلِيٍّ وتَضلِيلَهُم له، وإِفراطَ الشِّيعةِ وغُلُوَّهُم وبِدَعَهُم وتَبَرِّيَهُم مِنَ الشَّيخَينِ معَ وُقُوعِ الفاجِعةِ الأَلِيمةِ على الحُسَينِ، قد أَضَرَّ أَهلَ الإِسلامِ أيَّما ضَرَرٍ؛ فالرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص) يُنجِي بهذا الدُّعاءِ والعَباءِ عَلِيًّا والحُسَينَ مِنَ المَسؤُوليّةِ والتُّهَمِ، ويُنقِذُ أُمَّتَه مِن سُوءِ الظَّنِّ في حَقِّهِما كما يُهَنِّئُ یی مِن حَيثُ مُهِمّةُ الرِّسالةِ یی الحَسَنَ الَّذي أَحسَنَ إلى الأُمّةِ بالصُّلحِ الَّذي قامَ به، ويُعلِنُ أنَّ النَّسلَ المُبارَكَ الَّذي يَتَسَلسَلُ مِن فاطِمةَ سيَنالُونَ شَرَفًا رَفِيعًا، وأنَّ فاطِمةَ ستكُونُ كَرِيمةً مِن حَيثُ ذُرِّيَّتُها كما قالَت أُمُّ مَريَمَ في قَولِه تَعالَى:
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعلى آلِه الطَّيِّبِينَ الطّاهِرِينَ الأَبرارِ وعلى أَصحابِه المُجاهِدِينَ المُكرَمِينَ الأَخيارِ. آمِينَ.
٭ ٭ ٭
— 130 —

المقامُ الثاني

يَضُمُّ هذا المقامُ سِتّةً من أُلوف أَسرارِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَنبِيهٌ
لقد ظَهَر عن بُعدٍ لِعَقلِي الخامِدِ نُورٌ ساطِعٌ أَشرَقَ مِن أُفُقِ رَحْمةِ اللهِ في البَسمَلةِ، فأَرَدتُ تَسجِيلَه في صُورةِ مُلاحَظاتٍ ومُذكِّراتٍ خاصّةٍ بي، وقُمتُ بمُحاوَلةِ اقتِناصِ ذلك النُّورِ الباهِرِ بإِحاطَتِه بسُوْرٍ مِن أَسرارِه البالِغةِ نحوَ ثَلاثِينَ سِرًّا، كي يَسهُلَ حَصرُه ويَتيَسَّرَ تَدوِينُه، إلّا أنَّني معَ الأَسَفِ لم أُوَفَّق تَمامًا الآنَ في مَسْعايَ، فانحَسَرَتِ الأَسرارُ إلى سِتّةٍ فقط.
والخِطابُ في هذا المَقامِ مُوَجَّهٌ إلى نَفسِي بالذّاتِ، فحِينَما أَقُولُ: "أيُّها الإِنسانُ" فأَعنِي به نَفسِي.
فهذا الدَّرسُ معَ كَونِه خاصًّا بي، إلّا أنَّني أَعرِضُه لِلأَنظارِ الصّائِبةِ لِإخوَتي المُدَقِّقِينَ لِيَكُونَ "المَقامَ الثّانِيَ مِنَ اللَّمْعةِ الرّابِعةَ عَشْرةَ"، وعَلَّه يكُونُ مَوضِعَ فائِدةٍ لِمَنِ ارتَبَط بي برِباطٍ رُوحِيٍّ، والَّذي نَفسُه أَكثَرُ يَقَظةً مِنِّي وانتِباهًا.
هذا الدَّرسُ مُتَوجِّهٌ إلى القَلبِ أَكثَرَ مِنه إلى العَقلِ، ومُتَطلِّعٌ إلى الذَّوقِ الرُّوحِيِّ أَكثَرَ مِنه إلى الدَّلِيلِ المَنطِقِيِّ.
— 131 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ٭ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سنَذكُرُ في هذا المَقامِ بِضْعةً مِنَ الأَسرارِ:
السِّرُّ الأوَّلُ:
في أَثناءِ تَأمُّلِي في البَسمَلةِ رَأَيتُ نُورًا مِن أَنوارِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ على الصُّورةِ الآتِيةِ:

إنَّ هُنالِك ثَلاثَ عَلاماتٍ نيِّرةٍ ساطِعةٍ لِلرُّبُوبيّةِ عل49Bِيماءِ الكائِناتِ، وعلى قَسَماتِ وَجهِ الأَرضِ، وعلى مَلامِحِ وَجهِ الإِنسانِ.. هذه العَلاماتُ الزّاهِرةُ والآياتُ السَّاطِعةُ مُتَداخِلٌ بَعضُها في البَعضِ الآخَرِ، حتَّى إنَّ كُلًّا مِنها يُبيِّنُ نَمُوذجَ الآخَرِ ومِثالَه.

فالعَلامةُ الأُولَى: هي عَلامةُ الأُلُوهِيّةِ، تلك الآيةُ الكُبْرَى، السَّاطِعةُ مِنَ التَّعاوُنِ والتَّسانُدِ والتَّعانُقِ والتَّجاوُبِ الجارِي في أَجزاءِ الكَونِ كُلِّه، بحَيثُ يَتَوجَّهُ بِسْمِ اللَّهِ إلَيْها ويَدُلُّ علَيْها.
العَلامةُ الثَّانيةُ: هي عَلامةُ الرَّحْمانيّةِ، تلك الآيةُ العُظمَى، الزَّاهِرةُ مِنَ التَّشابُهِ والتَّناسُبِ والِانتِظامِ والِانسِجامِ واللُّطفِ والرَّحْمةِ السَّارِي في تَربِيةِ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ، بحَيثُ يَتَوجَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ إلَيْها ويَدُلُّ علَيْها.
ثمَّ العَلامةُ الثّالثةُ: وهِي عَلامةُ الرَّحِيمِيّةِ، تلك العَلامةُ السّامِيةُ، الظّاهِرةُ مِن لَطائِفِ رَأْفةِ اللهِ ودَقائِقِ شَفَقَتِه وأَشِعّةِ رَحْمَتِه المُنطَبِعةِ على سِيماءِ الماهِيّةِ الجامِعةِ لِلإِنسانِ، بحَيثُ يَتَوجَّهُ اسمُ "الرَّحِيمِ" الَّذي في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلَيْها ويَدُلُّ علَيْها.
أي: إنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عُنوانٌ قُدسِيٌّ وخَطٌّ ساطِعٌ وخَيطٌ قَوِيٌّ لِثَلاثةٍ مِن أَختامِ الأَحَدِيّةِ الَّتي تُشَكِّلُ سَطرًا نُورانيًّا في صَحِيفةِ العالَمِ، أي: أنَّ
— 132 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نُزُولًا مِنَ المَلَإِ الأَعلَى يَرتَبِطُ طَرَفُه ونِهايَتُه بالإِنسانِ الَّذي هو ثَمَرةُ الكائِناتِ ونُسخةُ العالَمِ المُصَغَّرةُ، فيَربِطُ الفَرشَ بالعَرشِ الأَعظَمِ، ويكُونُ سَبِيلًا مُمَهِّدًا لِعُرُوجِ الإِنسانِ إلى عَرشِ كَمالاتِه.
السِّرُّ الثَّاني:
إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يُبيِّنُ دَومًا تَجَلِّيَ "الأَحَدِيّةِ" ضِمنَ تَجَلِّي "الواحِدِيّةِ"، لِيَحُولَ دُونَ غَرَقِ العُقُولِ وتَشَتُّتِها في تلك "الواحِدِيّةِ" الظّاهِرةِ في مَخلُوقاتٍ كَثِيرةٍ لا يَحصُرُها العَدُّ.
ولنُوَضِّحْ ذلك بمِثالٍ:
الشَّمسُ تُحِيطُ بضِيائِها بما لا يُحَدُّ مِنَ الأَشياءِ، فلِأَجلِ مُلاحَظةِ ذاتِ الشَّمسِ في مَجمُوعِ ضِيائِها يَلزَمُ أن يكُونَ هُناك تَصَوُّرٌ واسِعٌ جِدًّا ونَظَرٌ شامِلٌ؛ لذا تُظهِرُ الشَّمسُ ذاتَها بواسِطةِ انعِكاسِ ضَوئِها في كلِّ شَيءٍ شَفّافٍ، أي: يُظهِرُ كلُّ لَمَّاعٍ حَسَبَ قابِليَّتِه جَلْوةَ الشَّمسِ الذّاتيّةَ معَ خَواصِّها كالضِّياءِ والحَرارةِ، وذلك لِئَلَّا تُنسَى ذاتُ الشّمسِ.. ومِثلَما يُظهِرُ كلُّ لَمّاعٍ الشَّمسَ بجَمِيعِ صِفاتِها حَسَبَ قابِلِيَّتِه، تُحِيطُ أَيضًا كلُّ صِفةٍ مِن صِفاتِ الشَّمسِ كالحَرارةِ والضِّياءِ وأَلوانِه السَّبعةِ بكُلِّ ما يُقابِلُها مِن أَشياءَ.
ولا مُشاحّةَ في الأَمثالِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فكما أنَّ للهِ سُبحانَه الأَحَدِ الصَّمَدِ تَجَلِّيًا في كلِّ شَيءٍ بجَمِيعِ أَسمائِه الحُسنَى، ولا سِيَّما في الأَحياءِ، وبخاصّةٍ في مِرآةِ ماهِيّةِ الإِنسانِ؛ كَذلِك كلُّ اسمٍ مِن أَسمائِه الحُسنَى المُتَعلِّقةِ بالمَوجُوداتِ يُحِيطُ بالمَوجُوداتِ جَمِيعًا مِن حَيثُ الوَحْدةُ والواحِدِيّةُ، فيَضَعُ سُبحانَه وتَعالَى طابَعَ الأَحَدِيّةِ في الواحِدِيّةِ نُصْبَ عَينِ الإِنسانِ وأَمامَ نَظَرِه كَيْلا تَغرَقَ العُقُولُ وتَغِيبَ في سَعةِ الواحِدِيّةِ، ولِئَلّا تَنسَى القُلُوبُ وتُذهَلَ عنِ الذّاتِ الإِلٰهِيّةِ المُقَدَّسةِ.
فی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ على ثَلاثٍ مِنَ العُقَدِ المُهِمّةِ لِذلِك الطَّابَعِ المُمَيَّزِ ويُبيِّنُها.
— 133 —
السِّرُّ الثّالثُ:
إنَّه بَدِيهِيٌّ، بل مُشاهَدٌ أنَّ الرَّحْمةَ الإِلٰهِيّةَ هي الَّتي أَبهَجَتِ الكائِناتِ الَّتي لا يَحُدُّها حُدُودٌ..
وأنَّ الرَّحْمةَ نَفسَها هي الَّتي أَنارَت هذه المَوجُوداتِ المَغشِيّةَ بالظُّلُماتِ..
وأنَّ الرَّحْمةَ أَيضًا هي الَّتي رَبَّت في أَحضانِها هذه المَخلُوقاتِ المُتَقلِّبةَ في حاجاتٍ لا حَدَّ لها..
وأنَّ الرَّحْمةَ أَيضًا هي الَّتي وَجَّهَتِ الكائِناتِ مِن كلِّ صَوْبٍ وحَدْبٍ، وساقَتْها نَحوَ الإِنسانِ وسَخَّرَتْها له، بل جَعَلَتْها تَتَطلَّعُ إلى مُعاوَنَتِه وتَسعَى لِإمدادِه، كما تَتَوجَّهُ أَجزاءُ الشَّجَرةِ إلى ثَمَرتِها..
وأنَّ الرَّحْمةَ أَيضًا هي الَّتي عَمَرَت هذا الفَضاءَ الواسِعَ وزَيَّنَت هذا العالَمَ الخالِيَ..
وأنَّ الرَّحْمةَ نَفسَها هي الَّتي جَعَلَت هذا الإِنسانَ الفانِيَ مُرَشَّحًا لِلخُلُودِ والبَقاءِ، وأَهَّلَتْه لِتَلقِّي خِطابِ رَبِّ العالَمِينَ، ومَنَحَتْه فَضْلَ وِلايَتِه سُبحانَه.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. ما دامَتِ الرَّحْمةُ مَحبُوبةً، ولها مِنَ القُوّةِ والجاذِبِيّةِ والإِمدادِ إلى هذا الحَدِّ، فاستَعصِمْ بتلك الحَقِيقةِ بقَولِك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأَنقِذْ نَفسَك مِن هَولِ الوَحْشةِ المُطلَقةِ، وخَلِّصْها مِن آلامِ حاجاتٍ لا نِهايةَ لها، وتَقرَّبْ إلى ذِي العَرشِ المَجِيدِ، وكُن مُخاطَبًا أَمِينًا وخَلِيلًا صادِقًا له، بأَنوارِ تلك الرَّحْمةِ ورَأْفَتِها.
نعم، إنَّ حَشْدَ الكائِناتِ وجَمْعَها حَولَ الإِنسانِ ضِمنَ حِكْمةٍ مُقدَّرةٍ، وجَعْلَ كلٍّ مِنها يَمُدُّ يَدَ العَونِ إلَيْه لِدَفعِ حاجاتِه المُتَزايِدةِ، نابِعٌ بلا شَكٍّ مِن إِحدَى حالَتَينِ اثنَتَينِ: فإِمّا أنَّ كلَّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الكائِناتِ يَعرِفُ الإِنسانَ ويَعلَمُ به فيُطِيعُه ويَسعَى لِخِدمَتِه، أي: أنَّ هذا الإِنسانَ الغارِقَ في عَجزٍ مُطلَقٍ يَملِكُ قُدرةَ سُلطانٍ مُطلَقٍ (وهذا بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن مَنطِقِ العَقلِ فَضْلًا عَمّا فيه مِن مُحالاتٍ لا تُحَدُّ).. أو أنَّ هذا التَّعاوُنَ والإِمدادَ إنَّما يَتِمُّ بعِلمٍ مُحِيطٍ لِقادِرٍ مُطلَقٍ مُحتَجِبٍ وَراءَ الكائِناتِ.. إِذًا فأَنواعُ الكائِناتِ لا تَعرِفُ
— 134 —
هذا الإِنسانَ لِتَمُدَّ له يَدَ العَونِ، وإنَّما هي دَلائِلُ على مَن يَعرِفُ هذا الإِنسانَ ويَرحَمُه، ويَعلَمُ بحالِه.. وهُو الخالِقُ الرَّحِيمُ.
فيا أيُّها الإِنسانُ، عُدْ إلى رُشْدِك.. أوَيُمكِنُ ألّا يَعلَمَ بك ولا يَراك هذا الرَّبُّ الرَّحِيمُ، وهُو الَّذي دَفَع المَخلُوقاتِ لِمُعاوَنَتِك مُلَبِّيةً جَمِيعَ حاجاتِك؟
فما دامَ سُبحانَه يَعلَمُ بك ويُعلِمُك بعِلمِه هذا بإِسباغِ رَحْمَتِه علَيْك، فما علَيْك إلّا بَذلُ الجُهدِ لِمَعرِفَتِه، والسِّعيُ لِإظهارِ مَعرِفَتِك له بتَوقيرِ أَوامِرِه.
واعْلَمْ يَقِينًا أنَّه لَيسَت إلّا حَقِيقةُ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّة یی الَّتي تَسَعُ الحِكْمةَ والعِنايةَ والعِلمَ والقُدرةَ یی قد سَخَّرَتْ لك هذه الكائِناتِ، وجَعَلَتْها طَوعَ إِرادَتِك، وأَنتَ المَخلُوقُ الضَّعِيفُ الصَّغِيرُ العاجِزُ الفَقِيرُ الفانِي.
فرَحْمةٌ عَظِيمةٌ إلى هذا الحَدِّ، واسِعةٌ إلى هذا القَدْرِ.. لا شَكَّ أنَّها تَطلُبُ مِنك شُكرًا كُلِّیيًّا خالِصًا، وتَعظِيمًا لا يَشوبُه شَيءٌ.
فاعْلَمْ أنَّه لا يُتَرجِمُ لك ذلك الشُّكرَ الكُلِّيَّ والتَّعظِيمَ الخالِصَ إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقُلْه، واتَّخِذْه وَسِيلةً لِبُلُوغِك تلك الرَّحْمةَ الواسِعةَ، واجْعَلْه شَفِيعًا لك لَدَى الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ.
حقًّا! إنَّ وُجُودَ الرَّحْمةِ وظُهُورَها أَظهَرُ مِنَ الشَّمسِ في كَبِدِ السَّماءِ، إذ كما يَحصُلُ نَسْجُ نَقْشٍ جَمِيلٍ في المَركَزِ مِن تَناسُقِ لُحْمَتِه وسَداه ومِنِ انتِظامِ أَوْضاعِ خُيُوطٍ تَمتَدُّ مِن كلِّ جِهةٍ نَحوَ المَركَزِ.. فإنَّ خُيُوطَ شُعاعِ النُّورِ النّابِعِ مِن تَجَلِّي أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، والمُمتَدّةِ إلى هذا الكَونِ الشّاسِعِ تَنسُجُ على سِيمائِه نَسِيجًا في غايةِ الرَّوْعةِ والجَمالِ ضِمنَ إِطارِ الرَّحْمةِ السّابِغةِ، حتَّى يُظهِرَ لِلعُقُولِ یی أَوضَحَ مِنَ الشَّمسِ لِلعُيُونِ یی خَتْمًا واضِحًا لِلرَّحِيمِيّةِ، ونَقْشًا رائِعًا لِلشَّفَقةِ والرَّأفةِ، وشِعارًا بَدِيعًا لِلعِنايةِ.
نعم، إنَّ الَّذي يُنَظِّمُ الشَّمسَ والقَمَرَ والعَناصِرَ والمَعادِنَ والنَّباتاتِ والحَيَواناتِ، ويُنَسِّقُها جَمِيعًا بأَشِعّةِ أَلفِ اسمٍ واسمٍ، كأنَّها لُحْمةُ نَقشٍ بَدِيعٍ وسَداه، وخُيُوطُه النُّورانيّةُ،
— 135 —
ويُسَخِّرُها جَمِيعًا في خِدمةِ الحَياةِ.. والَّذي يُظهِرُ رَأفَتَه وشَفَقَتَه على الخَلقِ أَجمَعِينَ بما أَوْدَع في الوالِداتِ یی مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ یی تلك الشَّفَقةَ الحُلْوةَ اللَّذِيذةَ تِجاهَ صِغارِها.. والَّذي أَظهَرَ أَسطَعَ تَجَلِّياتِ رَحْمَتِه، وأَجمَلَ نُقُوشِ رُبُوبيَّتِه سُبحانَه، بتَسخِيرِه الأَحياءَ لِحَياةِ الإِنسانِ، مُبيِّنًا به مَنزِلةَ الإِنسانِ لَدَيه وأَهَمِّيَّتَه عِندَه.. هو الرَّحمٰنُ ذُو الجَمالِ الَّذي جَعَل رَحْمَتَه الواسِعةَ هذه شَفِيعةً مَقبُولةً مَأنُوسةً لَدَى غِناه المُطلَقِ، يَتَشفَّعُ بها ذَوُو الحَياةِ والإِنسانُ المُفتَقِرُ فَقْرًا مُطلَقًا إلى تلك الرَّحْمةِ.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. إنْ كُنتَ إِنسانًا حَقًّا، فقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِتَظفَرَ بذلك الشَّفِيعِ.
إنَّه بَدِيهِيٌّ، بل مُشاهَدٌ أنَّ الرَّحْمةَ هي الَّتي تُرَبِّي طَوائِفَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ الَّتي تَربُو على أَربَعِ مِئةِ أَلفِ طائِفةٍ، رَغمَ تَبايُنِها وتَنَوُّعِها.. وهِي الَّتي تُدِيرُ أُمُورَها جَمِيعًا بلا التِباسٍ ولا نِسيانٍ ولا اختِلاطٍ، وفي أَنسَبِ وَقتٍ وأَكمَلِ نِظامٍ وأَتَمِّ حِكْمةٍ وأَوفَقِ عِنايةٍ، حتَّى وَضَعَتْ بهذه الإِدارةِ والتَّربِيةِ طابَعَ الأَحَدِيّةِ وخَتْمَها على سِيماءِ الأَرضِ.
نعم، إنَّ وُجُودَ تلك الرَّحْمةِ ثابِتٌ وقَطعِيٌّ كوُجُودِ المَوجُوداتِ المَبثُوثةِ على الأَرضِ، كما أنَّ دَلائِلَ تَحَقُّقِها بعَدَدِ تلك المَوجُوداتِ.
ومِثلَما نُشاهِدُ على وَجهِ الأَرضِ آيةَ الأَحَدِيّةِ وسِمَتَها وخَتْمَ الرَّحْمةِ وطابَعَها، فإنَّ على سِيماءِ الماهِيّةِ المَعنَوِيّةِ الإِنسانيّةِ أَيضًا طابَعَ الرَّحْمةِ.. هذا الطَّابَعُ والخَتْمُ ليس بأَقلَّ وُضُوحًا مِن ذلك الَّذي على وَجهِ الأَرضِ، ولا مِن ذلك الَّذي على وَجهِ الكائِناتِ.. بل إنَّ سِمَة هذه الرَّحْمةِ لها مِنَ الجامِعِيّةِ والشُّمُولِ حتَّى كأنَّها بُؤْرةٌ لَامّةٌ لِأَنوارِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. إنَّ الَّذي وَهَب لك هذه السِّيماءَ، ووَضَع علَيْها الرَّحْمةَ وخَتَمَها بخَتْمِ الأَحَدِيّةِ، أَمِنَ المُمكِنِ أن يَتْرُكَك سُدًى، ولا يَكتَرِثَ بك ولا يَهتَمَّ ولا يُراقِبَ أَعمالَك وحَرَكاتِك؟ أوَمِنَ المُمكِنِ أن يَجعَلَ حَرَكةَ جَمِيعِ الكائِناتِ المُتَوجِّهةِ إلَيْك عَبَثًا لا طائِلَ مِن وَرائِها؟ أو يَجعَلَ شَجَرةَ الخِلْقةِ العَظِيمةَ شَجَرةً تافِهةً، وثَمَرتَها
— 136 —
ثَمَرةً فاسِدةً؟ أم هل يُمكِنُ أن يَضَع رَحْمَتَه الظّاهِرةَ ظُهُورَ الشَّمسِ یی والَّتي لا تَحتَمِلُ شَكًّا ولا رَيْبًا یی ويَضَعَ حِكْمَتَه الواضِحةَ وُضُوحَ النُّورِ، مَوضِعَ الإِنكارِ والجُحُودِ؟ كلَّا.. ثمَّ كلَّا.. تَعالَى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا.
فيا أيُّها الإِنسانُ.. اعْلَمْ أنَّ لِبُلُوغِ عَرشِ تلك الرَّحْمةِ مِعراجًا.. ذلك المِعراجُ هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فإن شِئتَ أن تَعرِفَ مَدَى أَهَمِّيّةِ هذا المِعراجِ ومَدَى عَظَمَتِه ومَكانَتِه، فانظُرْ إلى مُستَهَلِّ سُوَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ البالِغةِ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ سُورةً، وانظُرْ بِداياتِ كلِّ كِتابٍ قَيِّمٍ، ولاحِظْ بَدْءَ كلِّ أَمرٍ ذِي بالٍ.. حتَّى إنَّه يُعَدُّ حُجّةً قاطِعةً على عَظَمةِ البَسمَلةِ وعُلُوِّ قَدْرِها ما قالَه الإِمامُ الشّافِعِيُّ وأَمثالُه مِنَ المُجتَهِدِينَ العِظامِ: "إنَّ البَسمَلةَ رَغمَ أنَّها آيةٌ واحِدةٌ فإنَّها نَزَلَت في القُرآنِ مِئةً وأَربَعَ عَشْرةَ مَرّةً".
السِّرُّ الرّابعُ:
إنَّ تَجَلِّيَ الواحِدِيّةِ في مَخلُوقاتٍ لا حَدَّ لها، لا يُحِيطُ به كلُّ مَن يقُولُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، حَيثُ يَتَشتَّتُ الفِكرُ ويَتِيهُ في تلك الكَثْرةِ، إذ يَلزَمُ لِمُلاحَظةِ ذاتِ اللهِ الأَحَدِ مِن خِلالِ مَجمُوعِ المَخلُوقاتِ لَدَى خِطابِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وُجُودُ قَلبٍ واسِعٍ يَسَعُ الأَرضَ كُلَّها.
فبِناءً على هذا السِّرِّ الدَّقِيقِ فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُبيِّنُ بجَلاءٍ طابَعَ الأَحَدِيّةِ في كُلِّ جُزءٍ مِثلَما يُظهِرُه في كلِّ نَوعٍ، وذلك لِتُشَدَّ الأَنظارُ إلى ذاتِ اللهِ الأَحَدِ، ولِيَتَمكَّنَ كلُّ شَخصٍ یی مَهْما بَلَغَتْ مَرتَبَتُه یی مِنَ التَّوجُّهِ المُباشَرِ في خِطابِه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إلى ذاتِ اللهِ الأَقدَسِ سُبحانَه مِن دُونِ تَكَلُّفٍ أو صُعُوبةٍ.
فتِبيانًا لِهذا السِّرِّ العَظِيمِ فإنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ عِندَما يَبحَثُ في آياتِ اللهِ في أَجواءِ الآفاقِ وفي أَوسَعِ الدَّوائِرِ إذا به يَذكُرُ أَصغَرَ دائِرةٍ مِن دَوائِرِ المَخلُوقاتِ وأَدَقَّ جُزئيّةٍ مِن جُزئيّاتِها، إِظهارًا لِطابَعِ الأَحَدِيّةِ بوُضُوحٍ في كلِّ شَيءٍ.
— 137 —
مِثالُ ذلك: عِندَما يُبيِّنُ القُرآنُ الكَرِيمُ آياتِ خَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ يُعقِبُها بآياتِ خَلقِ الإِنسانِ وبَيانِ دَقائِقِ النِّعمةِ في صَوتِه وبَدائِعِ الحِكْمةِ في مَلامِحِه، كَيْلا يَتَشتَّتَ الفِكرُ في آفاقٍ شاسِعةٍ، ولا يَغرَقَ القَلبُ في كَثْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ، ولِتَبلُغَ الرُّوحُ مَعبُودَها الحَقَّ دُونَ واسِطةٍ.
فالآيةُ الكَرِيمةُ الآتِيةُ تُبيِّنُ الحَقِيقةَ السَّابِقةَ بَيانًا مُعجِزًا: وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ.
نعم، إِنَّ آياتِ الوَحْدانيّةِ وأَختامَها معَ أنَّها قد وُضِعَت في المَخلُوقاتِ بكَثْرةٍ غَيرِ مُتَناهِيةٍ، ابتِداءً مِن أَوسَعِ الأَختامِ وأَكثَرِها كُلِّيّةً إلى أَصغَرِها جُزئيّةً، في دَوائِرَ مُتَداخِلةٍ وفي مَراتِبَ مُتَنوِّعةٍ وأَنواعٍ شَتَّى، إلّا أنَّ وُضُوحَ هذه الأَختامِ لِلوَحْدانيّةِ یی مَهْما بَلَغ مِنَ الظُّهُورِ یی فهُو وُضُوحٌ ضِمنَ كَثْرةٍ مِنَ المَخلُوقاتِ لا يُوفِي حَقَّ الوَفاءِ حَقِيقةَ الخِطابِ في إِيَّاكَ نَعْبُدُ، لِذا يَلزَمُ وُجُودُ طابَعِ الأَحَدِيّةِ في ثَنايا خَتْمِ الوَحْدانيّةِ، كي يَفتَحَ الطَّرِيقَ أَمامَ القَلبِ لِلوُصُولِ إلى ذاتِ اللهِ الأَقدَسِ مِن دُونِ أن يُذَكِّرَه بالكَثْرةِ.
ثمَّ، لِأَجلِ لَفْتِ الأَنظارِ إلى طابَعِ الأَحَدِيّةِ، وجَلْبِ القُلُوبِ نَحوَها، فقد وُضِعَ فَوقَ تلك السِّمةِ لِلأَحَدِيّةِ نَقشٌ بَدِيعٌ في مُنتَهَى الجاذِبِيّةِ، ونُورٌ باهِرٌ في مُنتَهَى السُّطُوعِ، وحَلاوةٌ لَذِيذةٌ في مُنتَهَى الذَّوقِ، وجَمالٌ مَحبُوبٌ في مُنتَهَى الحُسنِ، وحَقِيقةٌ رَصِينةٌ في مُنتَهَى القُوّةِ، تلك هي سِمَةُ الرَّحْمةِ وخَتْمُ الرَّحِيمِيّةِ.
نعم، إنَّ قُوّةَ تلك الرَّحْمةِ هي الَّتي تَجلُبُ أَنظارَ ذَوِي الشُّعُورِ نَحوَها فتُوصِلُها إلى طابَعِ الأَحَدِيّةِ، وتَجعَلُها تُلاحِظُ ذاتَ الأَحَدِ الأَقدَسِ، حتَّى تَجعَلُ الإِنسانَ يَحظَى بالخِطابِ الحَقِيقيِّ في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
وهكَذا، فی بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِن حَيثُ إنَّه فِهرِسٌ لِفاتِحةِ الكِتابِ المُبِينِ وخُلاصةٌ مُجمَلةٌ له، قد أَصبَحَ عُنوانًا لِهذا السِّرِّ العَظِيمِ المَذكُورِ، وتَرجُمانًا له، فالَّذي يَتَمكَّنُ مِن أن يَنالَ هذا العُنوانَ يَستَطِيعُ أن يَجُولَ في طَبَقاتِ الرَّحْمةِ، والَّذي يَستَنطِقُ هذا التَّرجُمانَ يَتَعرَّفُ على أَسرارِ الرَّحْمةِ ويَتَعلَّمُها ويُشاهِدُ أَنوارَ الرَّحِيمِيّةِ والرَّأفةِ.
— 138 —
السِّرُّ الخامِسُ:
لقد وَرَد في حَدِيثٍ شَرِيفٍ: «إنَّ اللهَ خَلَق آدَمَ على صُورةِ الرَّحمٰنِ» أو كما قالَ (ص).
فسَّرَ قِسمٌ مِن أَهلِ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ هذا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ تَفسِيرًا عَجِيبًا لا يَلِيقُ بالعَقائِدِ الإِيمانيّةِ، ولا يَنسَجِمُ معَها؛ بل بَلَغ بِبَعضٍ مِن أَهلِ العِشقِ أن نَظَرُوا إلى السِّيماءِ المَعنَوِيِّ لِلإِنسانِ نَظْرَتَهُم إلى صُورةِ الرَّحمٰنِ! ولَمّا كانَ في أَغلَبِ أَهلِ العِشقِ حالةٌ استِغراقيّةٌ ذاهِلةٌ والْتِباسٌ في الأُمُورِ، فلَرُبَّما يُعذَرُونَ في تَلَقِّياتِهِمُ المُخالِفةِ لِلحَقِيقةِ.. إلّا أنَّ أَهلَ الصَّحْوِ وأَهلَ الوَعْيِ والرَّشادِ يَرفُضُونَ رَفْضًا باتًّا تلك المَعانِيَ المُنافِيةَ لِأُسُسِ عَقائِدِ الإِيمانِ، ولا يَقبَلُونَها قَطْعًا؛ ولو رَضِيَ بها أَحَدٌ فقد سَقَط في خَطَأٍ وجانَبَ الصَّوابَ.
نعم، إنَّ الَّذي يُدَبِّرُ أُمُورَ الكَونِ ويُهَيمِنُ على شُؤُونِه بسُهُولةٍ ويُسرٍ كإِدارةِ قَصرٍ أو بَيتٍ.. والَّذي يُحَرِّكُ النُّجُومَ وأَجرامَ السَّماءِ كالذَّرّاتِ بمُنتَهَى الحِكْمةِ والسُّهُولةِ.. والَّذي تَنقادُ إلَيْه الذَّرّاتُ وتَأتَمِرُ بأَمرِه وتَخضَعُ لِحُكْمِه.. إنَّ الَّذي يَفعَلُ هذا كُلَّه هو اللهُ القُدُّوسُ سُبحانَه.. فكما أنَّه مُنَزَّهٌ ومُقَدَّسٌ عنِ الشِّركِ، فلا شَرِيكَ له، ولا نَظِيرَ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ، فلَيسَ له قَطْعًا مَثِيلٌ ولا مِثالٌ ولا شَبِيهٌ ولا صُورةٌ أَيضًا، وذلك بنَصِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.. إلّا أنَّ شُؤُونَه الحَكِيمةَ وصِفاتِه الجَلِيلةَ وأَسماءَه الحُسنَى يُنظَرُ إلَيْها بمِنظارِ التَّمثِيلِ والمَثَلِ حَسَبَ مَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، أي: إنَّ المَثَلَ والتَّمثِيلَ وارِدٌ في النَّظَرِ إلى شُؤُونِه الحَكِيمةِ سُبحانَه.
ولِهذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ مَقاصِدُ جَلِيلةٌ كَثِيرةٌ، مِنها:
أنَّ الإِنسانَ مَخلُوقٌ على صُورةٍ تُظهِرُ تَجَلِّيَ اسمِ اللهِ "الرَّحمٰنِ" إِظهارًا تامًّا، فلَقد بَيَّنّا في الأَسرارِ السّابِقةِ أنَّه مِثلَما يَتَجلَّى اسمُ "الرَّحمٰنِ" مِن شُعاعاتِ مَظاهِرِ أَلفِ اسمٍ واسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى على وَجْهِ الكَونِ، ومِثلَما يُعْرَضُ اسمُ "الرَّحمٰنِ" بتَجَلِّياتٍ
— 139 —
لا تُحَدُّ لِلرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ على سِيماءِ الأَرضِ، كَذلِك يُظهِرُ سُبحانَه التَّجَلِّيَ الأَتَمَّ لِذلِك الِاسمِ "الرَّحمٰنِ" في الصُّورةِ الجامِعةِ لِلإِنسانِ، يُظهِرُه بمِقياسٍ مُصَغَّرٍ بمِثلِ ما يُظهِرُه في سِيماءِ الأَرضِ وسِيماءِ الكَونِ بمِقياسٍ أَوسَعَ وأَكبَرَ.
وفي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ إِشارةٌ كَذلِك إلى أنَّ في الإِنسانِ والأَحياءِ مِنَ المَظاهِرِ الدّالّةِ على "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ" ما هو بمَثابةِ مَرايا عاكِسةٍ لِتَجَلِّياتِه سُبحانَه، فدَلالةُ الإِنسانِ علَيْه سُبحانَه ظاهِرةٌ قاطِعةٌ جَلِيّةٌ، تُشبِهُ في قَطعِيَّتِها وجَلائِها دَلالةَ المِرآةِ السّاطِعةِ بصُورةِ الشَّمسِ وانعِكاسِها على الشَّمسِ نَفسِها.. فكما يُمكِنُ أن يُقالَ لِتِلك المِرآةِ: إنَّها الشَّمسُ، إِشارةً إلى مَدَى سُطُوعِها ووُضُوحِ دَلالَتِها علَيْها، كَذلِك يَصِحُّ أن يُقالَ یی وقد قِيلَ في الحَدِيثِ یی: إنَّ في الإِنسانِ صُورةَ "الرَّحمٰنِ"، إِشارةً إلى وُضُوحِ دَلالَتِه على اسمِ "الرَّحمٰنِ" وكَمالِ مُناسَبَتِه معَه ووُثُوقِ عَلاقَتِه به..
هذا، وإنَّ المُعتَدِلِينَ مِن أَهلِ وَحْدةِ الوُجُودِ قد قالُوا: "لا مَوجُودَ إلّا هُو" بِناءً على هذا السِّرِّ مِن وُضُوحِ الدَّلالةِ، وعُنوانًا على كَمالِ المُناسَبةِ.
اللَّهُمَّ يا رَحمٰنُ يا رَحِيمُ بحَقِّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ارْحَمْنا كما يَلِيقُ بِرَحِيمِيَّتِك، وفَهِّمْنا أَسرارَ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" كما يَلِيقُ برَحْمانِيَّتِك.. آمِينَ.
السِّرُّ السّادسُ:
أيُّها الإِنسانُ المُتقلِّبُ في خِضَمِّ عَجْزٍ لا نِهايةَ له وفَقرٍ لا حَدَّ له، إذا أَرَدتَ أن تَفْهَم كَيفَ أنَّ الرَّحمةَ أَعظَمُ وَسيلةٍ وأَرجَى شَفيعٍ، فاعْلَم:
أنَّ الرَّحمةَ أَقوَى وَسيلةٍ للوُصُولِ إلى سُلطانٍ عَظِيمٍ ذي جَلالٍ، تَنقادُ له النُّجُومُ والذَّرّاتُ مَعًا جُنُودًا مُطيعِينَ طاعةً تامّةً في انتِظامٍ تامٍّ.. ذلك السُّلطانُ ذُو الجَلالِ والإكرامِ، رَبُّ العالَمِينَ المُستَغنِي عنِ الخَلْقِ أَجمَعِينَ، الكَبِيرُ المُتَعالي عنِ
— 140 —
المَوجُوداتِ، فلا حاجةَ له أَصلًا إلى المَوجُوداتِ، بل كلُّ شَيءٍ قد تَواضَعَ لِعَظَمَتِه واستَسْلَم لقُدرَتِه وذَلَّ لِعِزَّتِه وخَضَع لِهَيْبةِ جَلالِه.. فالرَّحمةُ أيُّها الإِنسانُ تَرفَعُك إلى دِيوانِ حُضُورِ ذلك الغَنِيِّ المُطلَقِ، وتَجعَلُك خَلِيلًا لِذلِك السُّلطانِ السَّرمَدِيِّ الأَعظَمِ، بل تَعرُجُ بك إلى مَقامِ خِطابِه الجَلِيلِ، وتَجعَلُك عَبْدًا مُكَرَّمًا مَحبُوبًا عندَه.
ولكِن، كما أنَّك لا تَصِلُ إلى الشَّمسِ لِبُعدِك عنها، بل لا يُمكِنُك الاقتِرابُ مِنها بحالٍ، فإنَّ ضَوْءَها يُسلِّمُ إلَيْك تَجَلِّيَها وصُورَتَها بواسِطةِ مِرآةِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فنَحنُ على الرَّغمِ مِن بُعدِنا المُطلَقِ عنِ اللهِ سُبحانَه وتعالَى، فإن نُورَ رَحمَتِه يُقرِّبُه إلَيْنا.
فيا أيُّها الإنسانُ، إنَّ مَن يَظفَرُ بهذه الرَّحمةِ فقد ظَفِرَ بكَنزٍ عَظِيمٍ لا يَفنَى، كَنزٍ مِلْؤُه النُّورُ؛ أمَّا طَرِيقُ الوُصولِ إلى ذلك الكَنزِ العَظِيمِ فاعْلَمْ: أنَّ أَسْطَعَ مِثالٍ للرَّحمةِ، وأَفضَلَ مَن يُمَثِّلُها، وأَبلَغَ لِسانٍ ناطِقٍ بها، وأَكرَمَ داعٍ إلَيْها، هو الَّذي سُمِّيَ في القُرآنِ الكَرِيمِ: رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وهُو رَسُولُنا الحَبِيبُ (ص).. فالطَّرِيقُ الأَمثَلُ لِبُلُوغِ تلك الخَزِينةِ الأَبَديّةِ هو اتِّباعُ سُنَّتِه المُطهَّرةِ.
ولكِن كَيفَ الوُصُولُ إلى الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص)، وما الوَسِيلةُ إلَيْه؟
فاعْلَم أنَّ الوَسِيلةَ هي الصَّلاةُ علَيْه... نعم، الصَّلاةُ علَيْه تَعني الرَّحمةَ، فالصَّلاةُ علَيْه دُعاءٌ بالرَّحمةِ لِتِلك الرَّحمةِ المُجَسَّمةِ الحَيّةِ، وهِي وَسِيلةُ الوُصُولِ إلى مَن هو رَحمةٌ لِلعالَمِينَ.
فيا أيُّها الإنسانُ، اجْعَلِ الصَّلاةَ علَيْه وَسِيلةَ الوُصُولِ إلَيْه، ثمَّ استَمْسِكْ به لِيُبَلِّغَك رَحمةَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، فإنَّ الأُمّةَ جَمِيعَها بدُعائِها وصَلَواتِها على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) إنَّما تُثبِتُ بوُضُوحٍ مَدَى قِيمةِ هذه الرَّحمةِ، ومَدَى أَهَمِّيّةِ هذه الهَدِيّةِ الإِلٰهِيّةِ، ومَدَى سَعَتِها وعَظَمَتِها.
الخُلاصةُ: إنَّ حاجِبَ خَزِينةِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيةِ وأَكرَمَ داعٍ إلَيْها هو الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص)، كما أنَّ أَسمَى مِفتاحٍ لِتِلك الخَزِينةِ هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأَسْلَسَ ما يَفتَحُها هو الصَّلَواتُ على الرَّسُولِ الحَبِيبِ (ص).
— 141 —
اللَّهُمَّ بِحَقِّ أَسرَارِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، صَلِّ وَسَلِّم عَلَى مَن أَرسَلتَه رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، كَمَا يَلِيقُ بِرَحمَتِكَ وبِحُرمَتِه، وعَلَى آلِهِ وأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ؛ وارحَمنَا رَحمَةً تُغنِينَا بِهَا عَن رَحمَةِ مَن سِوَاكَ مِن خَلقِكَ.. آمِينَ..
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭

اللمعة الخامسة عشرة

وهِي فَهارِسُ كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ: الكَلِماتِ، المَكتُوباتِ، واللَّمَعاتِ یی إلى اللَّمْعةِ الرّابِعةَ عَشْرةَ یی وحَيثُ إنَّ كلَّ مَجمُوعةٍ خُصَّت بفِهْرِسْتِها، لِذا لم تُدرَجْ هُنا.
٭ ٭ ٭
— 142 —

اللمعة السادسة عشرة

بِاسمِهِ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
إِخوَتي الأَعِزّاءَ الصِّدِّيقِينَ: العالِمَ صَبْرِي، الحافِظَ عَلِيّ، مَسعُود.
المُصطَفَونَ، خُسرَو، رَأفَت، بَكْر بِك، رُشدِي.
لُطفِيُّونَ، الحافِظُ أَحمَد، الشَّيخُ مُصطَفَى وآخَرُونَ.
لقد أَحسَستُ إِحساسًا قَلبِيًّا أن أُبيِّنَ لكُم باختِصارٍ أَربَعَ مَسائِلَ صَغِيرةٍ ولكِنَّها مُهِمّةٌ، تلك الَّتي أَصبَحَت مَوضِعَ تَساؤُلٍ.. أُبيِّنُها لكُم لِلعِلمِ والِاطِّلاعِ.

السُّؤالُ الأوَّل المُثِيرُ:

أَخبَرَ أَحَدُ إِخوانِنا وهُو السَّيِّدُ "عبدُ اللهِ چابرا زاده" كما أَخبَرَ أُناسٌ آخَرُونَ أَيضًا: أنَّ أَهلَ الكَشفِ قد قالُوا بحُدُوثِ بِشاراتٍ وفُتُوحٍ لِأَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ وكَشفِ الغُمَّةِ عَنهُم في رَمَضانَ الماضِي، ولكِن لم يَظهَر شَيءٌ مِن هذا القَبِيلِ.
فسَألُونِي: كَيفَ يُخبِرُ أَمثالُ هَؤُلاءِ مِن أَهلِ الوِلايةِ والكَشفِ عَمَّا هو خِلافُ الواقِعِ؟
وخُلاصةُ ما أَجَبتُهُم مُباشَرةً، وهُو مِن سَوانِحِ القَلبِ، هي:
أنَّه وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناه: أنَّ البَلاءَ يَنزِلُ وتُقابِلُه الصَّدَقةُ فتَرُدُّه.
يَتبيَّنُ مِن هذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: أنَّ المُقَدَّراتِ عِندَما تَأتِي مِنَ الغَيبِ لِلوُقُوعِ، تَأتِي مُرتَبِطةً بِبَعضِ الشُّرُوطِ، فتَتأَخَّرُ عنِ الوُقُوعِ بتَأخُّرِ الشُّرُوطِ؛ فتَتأَخَّرُ أَيضًا المُقَدَّراتُ
— 143 —
الَّتي اطَّلَع علَيْها الأَولِياءُ مِن أَصحابِ الكَشفِ، إذ لَيسَت مُقَدَّراتٍ مُطلَقةً، بل مُقيَّدةً بِبَعضِ الشُّرُوطِ، فلِعَدَمِ حُدُوثِ تلك الشُّرُوطِ لا تَقَعُ تلك الحادِثةُ، لكن تلك الحادِثةُ كالأَجَلِ المُعَلَّقِ، قد كُتِبَت في لَوحِ المَحوِ والإِثباتِ، الَّذي هو نَوعٌ مِن أَنواعِ سِجِلِّ اللَّوحِ الأَزَليِّ؛ فالكَشفُ قَلَّما يَرقَى إلى اللَّوحِ الأَزَليِّ، بل لا يَستَطِيعُ مُعظَمُ الكُشُوفِ الرُّقيَّ إلى هُناك.. فبِناءً على هذا:
إنَّ الأَخبارَ الَّتي أُخبِرَ عنها في شَهرِ رَمَضانَ الفائِتِ وعِيدِ الأَضحَى وفي أَوقاتٍ أُخرَى، وبِناءً على الِاستِنباطِ أو بنَوعٍ مِنَ الكَشفِيّاتِ، لم تَجِد شُرُوطَها المُعَلَّقةَ بها، لِذا لم تَأتِ إلى مَيدانِ الواقِعِ؛ فالمُخبِرُونَ عنها لا يُكذَّبُونَ، لِأنَّ تلك الحَوادِثَ كانَت مُقَدَّرةً، إلّا أنَّها لا تَقَعُ إلّا بمَجِيءِ شُرُوطِها، وإذ لم تَأتِ الشُّرُوطُ فلا تَقَعُ الحادِثةُ.
نعم، إنَّ الدُّعاءَ الخالِصَ الَّذي يَرفَعُه مُعظَمُ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ في رَمَضانَ المُبارَكِ دَفْعًا لِلبِدَعِ، كانَ شَرطًا وسَبَبًا مُهِمًّا له، ولكِنَّ دُخُولَ البِدَعِ في الجَوامِعِ في الشَّهرِ المُبارَكِ معَ الأَسَفِ حَجَبَتِ الِاستِجابةَ والقَبُولَ، فلم تُفرَّجِ الكُربةُ ولم تُكشَفِ الغُمّةُ، إذ كما تَدفَعُ الصَّدَقةُ البَلاءَ یی بدَلالةِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ یی فالدُّعاءُ الخالِصُ مِنَ الأَكثَرِينَ يَجذِبُ الفَرَجَ العامَّ الشّامِلَ.. ولكِن لِأنَّ القُوّةَ الجاذِبةَ لم تَأتِ إلى الوُجُودِ، فلم يُكتَبْ لَها الفَتحُ.

السُّؤال الثَّاني المُثِيرُ:

بَينَما كانَ يَنبَغِي القِيامُ بمُحاوَلةٍ، والشُّرُوعُ بتَدبِيرٍ، إِزاءَ وَضعٍ سِياسِيٍّ مُهَيِّجٍ، في غُضُونِ هذَينِ الشَّهرَينِ، إذ كانَت تُؤَدِّي تلك المُحاوَلةُ یی باحتِمالٍ قَوِيٍّ یی إلى ما يُفرِحُني ويُدخِلُ البَهْجةَ في قُلُوبِ الكَثِيرِينَ مِن إِخوَتِي المُقرَّبِينَ؛ لم أَعبَأْ بذلك الوَضعِ، بل قُمتُ یی خِلافًا له یی أَحمِلُ فِكرًا في صالِحِ أَهلِ الدُّنيا الَّذِينَ يُضايِقُونَني! فظَلَّ البَعضُ في حَيرةٍ مُضاعَفةٍ مِن أَمرِي، إذ قالُوا: كَيفَ تَجِدُ السِّياسةَ الَّتي يَتَّبِعُها هَؤُلاءِ المُبتَدِعُونَ وثُلّةٌ مِمَّنَ يُقاسِيك العَذابَ مِنَ الرُّؤَساءِ المُنافِقِينَ، كَيفَ تَجِدُها حتَّى لا تُهاجِمَها؟!
— 144 —
وخُلاصةُ جَوابِي:
إِنَّ أَعظَمَ خَطَرٍ على المُسلِمِينَ في هذا الزَّمانِ هو فَسادُ القُلُوبِ وتَزَعزُعُ الإِيمانِ بضَلالٍ قادِمٍ مِنَ الفَلسَفةِ والعُلُومِ، وإنَّ العِلاجَ الوَحِيدَ لِإصلاحِ القَلبِ وإِنقاذِ الإِيمانِ إنَّما هو النُّورُ وإِراءةُ النُّورِ؛ فلو عُمِل بِهِراوةِ السِّياسةِ وصَوْلَجانِها وأُحرِزَ النَّصرُ، تَدَّنى أُولَئِك الكُفَّارُ إلى دَرَكِ المُنافِقِينَ.. والمُنافِقُ یی كما هو مَعلُومٌ یی أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الكافِرِ وأَفسَدُ مِنه، فصَوْلَجانُ السِّياسةِ إِذًا لا يُصلِحُ القَلبَ في مِثلِ هذا الوَقتِ، حَيثُ يُنزِلُ الكُفرَ إلى أَعماقِ القَلبِ ويَتَستَّرُ هُناك ويَنقَلِبُ نِفاقًا.
ثمَّ إنَّ شَخصًا عاجِزًا مِثلِي، لا يُمكِنُه أن يَستَعمِلَ النُّورَ والهِراوةَ مَعًا في هذا الوَقتِ، لِذا فأَنا مُضطَیرٌّ إلى الِاعتِصامِ بالنُّورِ بما أَملِكُ مِن قُوّةٍ، فيَلزَمُ عَدمُ الِالتِفاتِ إلى هِراوةِ السِّياسةِ أيًّا كانَ نَوعُها؛ أمّا ما يَقتَضِيه الجِهادُ المادِّيُّ، فتِلك الوَظِيفةُ لَيسَت مُناطةً بِنا حاليًّا.. نعم، إنَّ الهِراوةَ هي لِوَقفِ تَجاوُزِ الكافِرِ أوِ المُرتَدِّ عِندَ حَدِّه، ولكِن لا نَملِكُ سِوَى يَدَينِ، بل لو كانَت لنا مِئةٌ مِنَ الأَيدِي ما كانَت تَكفِي إلّا لِلنُّورِ فلا يَدَ لَنا تُمسِكُ بِهِراوةِ السِّياسةِ.

السُّؤالُ الثّالثُ المُثِيرُ:

إنَّ هُجُومَ الأَجانِبِ كإِنكِلتِرا وإِيطاليا على هذه الحُكُومةِ في الآوِنةِ الأَخِيرةِ يُؤَدِّي إلى إِثارةِ الحَمِيّةِ الإِسلامِيّةِ، وهِي رَكِيزةٌ حَقِيقيّةٌ ومَنبَعُ قُوّةٍ مَعنَوِيّةٍ لِحُكُوماتٍ خَلَت في هذا الوَطَنِ مُنذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ، وستُصبِحُ وَسِيلةً لِإحياءِ الشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ یی إلى حَدٍّ مّا یی ولِدَفعِ شَيءٍ مِنَ البِدَعِ.. فلِمَ عارَضْتَ هذه الحَربَ بِشِدّةٍ وسَأَلتَ اللهَ أن تُحَلَّ القَضِيّةُ بسَلامٍ وأَمانٍ، فقد أَصبَحتَ مُنحازًا لِحُكُومةِ المُبتَدِعِينَ، وهذا بذاتِه وبنَتائِجِه مُوالاةٌ لِلبِدَعِ؟
الجَوابُ: نَحنُ نَسأَلُ اللهَ الفَرَجَ والبِشارةَ والسُّرُورَ والفَتحَ، ولكِن لَيسَ بسَيفِ الكُفّارِ.. فسُحقًا لِسُيُوفِهِم ولتَكُن وَبالًا علَيهِم.. نَحنُ لَسنا بِحاجةٍ ولا نَرجُو الفائِدةَ
— 145 —
مِن سُيُوفِهِم، لِأنَّ أُولَئِك الأَجانِبَ المُتَمرِّدِينَ هُمُ الَّذِينَ سَلَّطُوا المُنافِقِينَ على أَهلِ الإِيمانِ، وهُمُ الَّذِينَ رَبَّوُا الزَّنادِقةَ في أَحضانِهِم.
أمّا مُصِيبةُ الحَربِ وبَلاؤُها، فهِي ضَرَرٌ بالِغٌ لِخِدمَتِنا القُرآنيّةِ، لِأنَّ مُعظَمَ إِخوانِنا العامِلِينَ المُضَحِّينَ الفُضَلاءِ لا تَتَجاوَزُ أَعمارُهُمُ الخامِسةَ والأَربَعِينَ، فيُضطَیرُّونَ إلى الذَّهابِ لِلحَربِ تارِكِينَ الخِدمةَ القُرآنيّةَ المُقدَّسةَ.. ولو أنَّ لي مَبلَغًا مِنَ المالِ، لَكُنتُ أَدفَعُه یی بكُلِّ رِضايَ یی لِأَجلِ إِنقاذِ هَؤُلاءِ الإِخوةِ الأَكارِمِ، حتَّى لو كانَ البَدَلُ النَّقدِيُّ أَلفَ لَيرةٍ! إنَّ انخِراطَ مِئاتٍ مِن إِخوانِنا العامِلِينَ في الجُندِيّةِ، ومُزاوَلَتَهُمُ الجِهادَ المادِّيَّ خَسارةٌ فادِحةٌ لِخِدمَتِنا، أَشعُرُ أنَّها تَعدِلُ أَكثَرَ مِن مِئةِ أَلفِ لَيرةٍ، بل إنَّ ذَهابَ "ذَكائي" إلى الجُندِيّةِ خِلالَ السَّنَتَينِ الماضِيَتَينِ، أَفقَدَنا أَكثَرَ مِن أَلفِ لَيرةٍ مِنَ الفَوائِدِ المَعنَوِيّةِ.
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ الَّذي يُطَهِّرُ وَجهَ السَّماءِ المُلَبَّدَ بالغُيُومِ، ويُبْرِزُ الشَّمسَ السّاطِعةَ في وَجهِ السَّماءِ اللّامِعِ خِلالَ دَقِيقةٍ واحِدةٍ، هو القادِرُ أَيضًا على أن يُزِيلَ هذه الغُيُومَ السَّوداءَ المُظلِمةَ الفاقِدةَ لِلرَّحمةِ، ويُظهِرَ حَقائِقَ الشَّرِيعةِ كالشَّمسِ المُنِيرةِ بكُلِّ يُسرٍ وسُهُولةٍ وبغَيرِ خَسارةٍ.
إنَّنا نَرجُو هذا مِن رَحمَتِه الواسِعةِ، ونَسأَلُه سُبحانَه ألّا يُكَلِّفَنا ذلك ثَمَنًا غالِيًا، وأن يَمنَحَ رُؤُوسَ الرُّؤَساءِ العَقلَ، ويَهَبَ لِقُلُوبِهِمُ الإِيمانَ.. وهذا حَسْبُنا، وحِينَها تَتَعدَّلُ الأُمُورُ بنَفسِها وتَستَقِيمُ.

السُّؤالُ الرّابعُ المُثِيرُ:

يقُولُونَ: ما دامَ الَّذي في أَيدِيكُم نُورًا، ولَيسَ هِراوةً وصَوْلَجانًا، فالنُّورُ لا يُعارَضُ ولا يُهرَبُ مِنه، ولا يَنجُمُ مِن إِظهارِه ضَرَرٌ؛ فلِمَ إذًا تُوصُونَ أَصدِقاءَكُم بأَخذِ الحَذَرِ وتَمنَعُونَهُم مِن إِبرازِ رَسائِلَ نيِّرةٍ كَثِيرةٍ لِلنّاسِ كافّةً؟
مَضمُونُ جَوابِ هذا السُّؤالِ باختِصارٍ هو: أنَّ رُؤُوسَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّؤَساءِ مَخمُورةٌ، لا يَقرَؤُونَ، وإذا قَرَؤُوا لا يَفهَمُونَ، فيُؤوِّلُونَه إلى مَعنًى خَطَأٍ، ويَعتَرِضُونَ ويُهاجِمُونَ..
— 146 —
ولِسَدِّ الطَّرِيقِ في وَجهِ هُجُومِهِم يَنبَغِي عَدَمُ إِظهارِ النُّورِ لَهُم لِحِينِ إِفاقَتِهِم واستِرجاعِ رُشدِهِم.. ثمَّ إنَّ هُنالك غَيرَ مُنصِفِينَ كَثِيرينَ، يُنكِرُونَ النُّورَ، أو يُغمِضُونَ أَعيُنَهُم دُونَه، لِأَغراضٍ شَخصِيّةٍ خاصّةٍ، أو خَوفًا أو طَمَعًا. ولِأَجلِ هذا أُوصِي إِخوَتِي أَيضًا لِيَأخُذُوا حِذْرَهُم ويَحتاطُوا لِلأَمرِ، وعلَيهِم ألّا يُعطُوا الحَقائِقَ أَحَدًا مِن غَيرِ أَهلِها، وألّا يَقُومُوا بعَمَلٍ يُثِيرُ أَوهامَ أَهلِ الدُّنيا وشُبُهاتِهِم علَيهِم.
(حاشية): حادثةٌ لَطيفةٌ يُمكن أن تكونَ وسيلةً لِمسألةٍ جادّةٍ:
جاءَني أوَّلَ أمسِ السَّيِّد محمَّد وهو صِهرُ أحدِ أَصدِقائي، وقال مَسرُورًا ومُبشِّرًا: لقد طَبَعوا في إِسبارطةَ كتابًا مِن كتُبِك، وكثيرٌ مِن النّاسِ يقرَؤُونه! قلتُ: ذلك ليس طَبعةً مَحظُورةً، وإنَّما هو ما أُخِذ مِن النُّسَخ، فلا تَعتَرِضُ عليه الدَّولةُ. وقلتُ له أيضًا: إيّاك أن تُحدِّثَ بهذا الخبَرِ صَدِيقَيك المُنافِقَينِ، إذ هما يَتَحرَّيانِ أمثالَ هذه الأُمُورِ لِيَجعلُوها وسيلةً لِلهُجُوم.
وهكذا فيا إِخوتي، على الرَّغمِ مِن أنَّ هذا الشَّخصَ صِهرُ أحدِ أَصدِقائي، فيُعَدُّ مِن أَحبابي بهذه العلاقةِ، إلّا أنَّه بحُكمِ مِهنَتِه (الحِلاقة) صَدِيقٌ للمُعلِّم الفاقِد لِلوِجدانِ ولِلمُديرِ المُنافقِ. وقد أَخبَرَه بهذا الخَبَر أحدُ إِخوانِنا هناك دُونَ عِلمٍ مِنه. وحَسَنًا فَعَل أن أَخبَرَني أوَّلًا فنبَّهتُه، وبدَورِي نبَّهتُ الإخوةَ أيضًا، وسَدَّ بذلك الفَسادَ. ونشَرَت آلةُ الرُّونيُو أُلُوفَ النُّسَخ تحتَ هذا السِّتارِ.
٭

خاتمة

تَسَلَّمتُ اليَومَ رِسالةً مِنَ السَّيِّدِ "رَأفَت"، ولِمُناسَبةِ سُؤالِه عنِ اللِّحيةِ النَّبوِيّةِ الشَّرِيفةِ أَقُولُ: إنَّه ثابِتٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: أنَّ عَدَدَ الشَّعَراتِ الَّتي سقَطَت مِن لِحيَتِه الشَّرِيفةِ (ص) مَحدُودٌ، وهُو عَدَدٌ قَلِيلٌ، يَتَراوَحُ بينَ ثَلاثِينَ إلى أَربَعِينَ، أو لا يَتَجاوَزُ الخَمسِينَ والسِّتِّينَ مِنَ الشَّعَراتِ، ولكِنَّ وُجُودَ الشَّعَراتِ في أُلُوفِ الأَماكِنِ، استَوقَفَنِي ودَفَعَنِي إلى التَّأمُّلِ والتَّفكُّرِ في حِينِه، فوَرَد إلى خاطِرِي في ذلك الوَقتِ:
إنَّ شَعَراتِ اللِّحيةِ الشَّرِيفةِ المَوجُودةَ الآنَ في كلِّ مكانٍ، لَيسَت هي شَعَراتِ اللِّحيةِ الشَّرِيفةِ وَحْدَها، بل رُبَّما شَعَراتٌ مِن رَأسِه المُبارَكِ (ص)، إذِ الصَّحابةُ الكِرامُ
— 147 —
الَّذِينَ ما كانُوا لِيُضيِّعُوا شَيئًا مِنه (ص) قد حافَظُوا على تلك الشَّعَراتِ المُنَوَّرةِ المُبارَكةِ كُلَّما حَلَقَ، والَّتي تَبقَى دائِمًا، فتِلك الشَّعَراتُ تَربُو على الأُلُوفِ، وهذا يُمكِنُ أن يكُونَ مُكافِئًا لِلمَوجُودِ الحاضِرِ.
ووَرَد أَيضًا إلى خاطِرِي: تُرَى! هلِ الشَّعرُ المَوجُودُ في كلِّ جامِعٍ بسَنَدٍ صَحِيحٍ هو ثابِتٌ أَيضًا أنَّه مِن شَعرِه (ص) حتَّى تكُونَ زِيارَتُنا له مَقبُولةً؟
فسَنَح بِبالِي فَجْأةً: أنَّ زِيارةَ تلك الشَّعَراتِ إنَّما هي وَسِيلةٌ، وهِي سَبَبٌ لِقِراءةِ الصَّلَواتِ على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص)، وهِي مَدارُ مَحَبَّتِه وتَوقِيرِه؛ فلا يُنظَرُ إلى ذاتِ الوَسِيلةِ، وإنَّما إلى جِهةِ كَونِها وَسِيلةً، لِذا فإن لم تكُن هي شَعرةً حَقِيقيّةً مِن شَعَراتِه (ص) فهِي تُؤدِّي وَظِيفةَ تلك الوَسِيلةَ ما دامَت تُحسَبُ یی في الظّاهِرِ یی هكذا، وتَلَقّاها النّاسُ شَعرةً مِن شَعَراتِه (ص)؛ فتكُونُ تلك الشَّعرةُ وَسِيلةً لِتَوقِيرِه (ص) ومَحَبَّتِه وأَداءِ الصَّلَواتِ علَيْه، فلا يَلزَمُ السَّنَدُ القَطعِيُّ لِتَشخِيصِ ذاتِ الشَّعرِ وتَعيِينِه، بل يَكفِي ألّا يكُونَ هُناك دَليلٌ قاطِعٌ على خِلافِه، لِأنَّ ما يَتَلقّاه النّاسُ وما قَبِلَتْه الأُمّةُ ورَضِيَت به يكُونُ في حُكمِ نَوعٍ مِنَ الحُجّةِ.
وحتَّى لَوِ اعتَرَض بَعضُ أَهلِ التَّقوَى على مِثلِ هذه الأُمُورِ سَواءٌ مِن جِهةِ التَّقوَى أوِ الأَخذِ بالأَحوَطِ أوِ العَمَلِ بالعَزِيمةِ، فإنَّما يَعتَرِضُونَ بِصُورةٍ خُصُوصِيّةٍ، ولو قِيلَ: إنَّها بِدعةٌ. فإنَّها داخِلةٌ ضِمنَ البِدعةِ الحَسَنةِ، لِأنَّها الوَسِيلةُ لِلصَّلَواتِ على الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص).
ويقُولُ السَّيِّدُ "رَأفَت" في رِسالَتِه: "إنَّ هذه المَسأَلةَ قد أَصبَحَت مَثارَ المُناقَشةِ بَينَ الإِخوانِ"، فأُوصِي إِخوانِي: أَلّا يخُوضُوا في نِقاشٍ يُمكِنُ أن يَنجُمَ عنه الِانشِقاقُ والِافتِراقُ، وإنَّما علَيْهِم أن يَتَعلَّمُوا بَحثَ الأُمُورِ مِن دُونِ نِزاعٍ، وعلى نَمَطِ تَداوُلٍ في الأَفكارِ.
٭ ٭ ٭
— 148 —
بِاسمِهِ سُبحَانَه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ علَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه..
إِخوَتي الأَعِزّاءَ مِن "سِنِرْكَنْت" السَّادة: إِبراهيم، شُكري، الحافِظ بَكْر، الحافِظ حُسَين، الحافِظ رَجَب.
إنَّ المَسائلَ الثَّلاثَ الَّتي أَرسَلتُمُوها بيَدِ الحافِظِ تَوفيق، يَعتَرِضُ علَيها المُلحِدُون مُنذُ أَمَدٍ بَعيدٍ:
أُولاها: إنَّ المَعنَى الظَّاهِرِيَّ لِقَولِه تَعالَى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ هو: أنَّه رَأَى غُرُوبَ الشَّمسِ في ماءِ عَينٍ ذِي طِينٍ وحَرارةٍ.
ثانيَتُها: أينَ يَقَعُ سَدُّ ذِي القَرنَينِ؟
ثالثَتُها: نُزُولُ سيِّدِنا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام وقَتلُه الدَّجَّالَ في آخِرِ الزَّمانِ.
إنَّ أَجوِبةَ هذه الأَسئِلةِ طَوِيلةٌ، إلّا أنَّنا نُشِيرُ إلَيها باختِصارٍ فنقُولُ:
إنَّ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ مَبنِيّةٌ على أَساليبِ اللُّغةِ العَرَبيّةِ، وبوَجهٍ يَفهَمُه عُمُومُ النّاسِ بظاهِرِ النَّظَرِ، لِذا كَثيرًا ما بَيَّنَتِ المَسائِلَ بالتَّشبِيهِ والتَّمثِيلِ.
فقَولُه تَعالَى: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ يعني: أنَّ ذا القَرنَينِ قد شاهَدَ الشَّمسَ تَغرُبُ فيما يُشبِهُ عَينًا مُوحِلةً وحامِيةً، عندَ ساحِلِ البَحرِ المُحيطِ الغَربيِّ، أو شاهَدَ غُرُوبَها في عَينِ جَبَلٍ بُركانِيٍّ ذِي لَهِيبٍ ودُخانٍ.
أي: إنَّه شاهَدَ في ظاهِرِ النَّظَرِ غُرُوبَها في سَواحِلِ البَحرِ المُحِيطِ الغَربيِّ، وفي جُزءٍ مِنه الَّذي تَراءَى له مِن بَعيدٍ كأنَّه بِرْكةٌ أو حَوْضُ عَينٍ واسِعةٌ، فشاهَدَ غُرُوبَها الظّاهِرِيَّ خَلفَ الأَبخِرةِ الكَثيفةِ المُتَصاعِدةِ مِن مِياهِ المُستَنقَعاتِ الواقِعةِ عندَ سَواحِلِ البَحرِ المُحيطِ الغَربيِّ، لِشِدّةِ حَرارةِ شَمسِ الصَّيفِ؛ أو شاهَدَ اختِفاءَ الشَّمسِ الَّتي هي عَينُ
— 149 —
السَّماءِ في عَينٍ مُلتَهِبةٍ انفَلَقَت حَدِيثًا على قِمّةِ جَبَلٍ بُركانِيٍّ تَقذِفُ بحُمَمِها مازِجةً التُّرابَ والصُّخُورَ والمَعادِنَ السّائِلةَ.
نعم، إنَّ تَعابِيرَ القُرآنِ الكَريمِ البَليغةَ المُعجِزةَ تُرشِدُ بهذه الجُملةِ إلى مَسائِلَ كَثيرةٍ:
فأوًّلًا: إنَّ سِياحةَ ذِي القَرنَينِ إلى جِهةِ الغَربِ كانَت في وَقتٍ عَزَّ فيه الحَرُّ، ونَحوَ المُستَنقَعاتِ، ومُوافَقَتُها أَوانَ غُرُوبِ الشَّمسِ، وحِينَ انفِلاقِ جَبَلٍ بُركانِيٍّ.. كلُّ هذا تُشِيرُ به الآيةُ الكَرِيمةُ إلى مَسائِلَ مَلِيئةٍ بالعِبَرِ، مِنها استِيلاءُ ذِي القَرنَينِ على إفرِيقِيّةَ استِيلاءً تامًّا.
ومِنَ المَعلُومِ أنَّ الحَرَكةَ المَشهُودةَ للشَّمسِ إنَّما هي حَرَكةٌ ظاهِرِيّةٌ، وهي دَليلٌ على حَرَكةِ الأَرضِ الخَفِيّةِ غيرِ المَحسُوسِ بها وهي تُخبِرُ عن تلك الحَرَكةِ. وليس المُرادُ حَقيقةَ الغُرُوبِ.
ثمَّ إنَّ كَلِمةَ عَيْنٍ إنَّما هي للتَّشبِيهِ، إذِ البَحرُ العَظِيمُ يُرَى مِن بَعيدٍ كحَوضٍ صَغِيرٍ، فتَشبِيهُ البَحرِ المُشاهَدِ مِن خَلفِ الضَّبابِ والأَبخِرةِ المُتَولِّدةِ مِنَ المُستَنقَعاتِ والبِرَكِ بلَفْحِ الحَرارةِ بی عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي: عَينٍ تَنبُعُ مِن طِينٍ، وكذا استِعمالُ كَلِمةِ عَيْنٍ الَّتي تَعني في اللُّغةِ العَرَبيّةِ: اليُنبُوعَ والشَّمسَ والبَصَرَ، يَنطَوِي على سِرٍّ بَلاغِيٍّ دَقيقٍ وعَلاقةٍ وَثيقةٍ. (حاشية): إنَّ التَّعبيرَ بی عَيْنٍ في قولِه تعالى: عَيْنٍ حَمِئَةٍ يُذَكِّر برَمزٍ إلى مَعنًى لَطيفٍ وسِرٍّ دقيقٍ مِن أَسرارِ البَلاغةِ، وهو: أنَّ وَجهَ السَّماءِ بعدَ مُشاهَدَتِه بعَينِ الشَّمسِ جَمالَ رَحمَتِه تَعَالى عَلى وَجهِ الأَرضِ، وأنَّ وَجهَ الأَرضِ عَقِبَ رُؤيَتِه بعَينِ البَحرِ عَظَمَتَه تَعَالى في السَّماء، فعندما تُطبِقُ العَينانِ إحدَاهُما في الأُخرَى، تُغمَضُ العُيُونُ التي عَلى وَجهِ الأَرضِ.. فالآيةُ الكريمةُ تُذكِّرُ بكَلِمةٍ واحِدةٍ وبإعجازٍ جَميلٍ هذا المَعنَى اللَّطيفَ مُشِيرةً إلى ما يُنهي وَظيفة العُيُونِ. فكما بَدا الغُرُوبُ لِنَظَرِ ذِي القَرنَينِ مِن بُعدٍ هكذا، فإنَّ الخِطابَ القُرآنِيَّ النّازِلَ مِنَ العَرشِ الأَعظَمِ المُهَيمِنِ على الأَجرامِ السَّماوِيّةِ، حَرِيٌّ بهذا الخِطابِ السَّماوِيِّ، ومُنسَجِمٌ معَ عَظَمَتِه ورِفعَتِه قَولُه بأنَّ الشَّمسَ المُسَخَّرةَ سِراجًا في مَضِيفٍ رَحمانِيٍّ، تَختَفي في "عَينٍ" رَبّانيّةٍ وهي البَحرُ
— 150 —
المُحِيطُ الغَربيُّ، مُعَبِّرًا بأُسلُوبِه المُعجِزِ أنَّ البَحرَ "عَينٌ" حامِيةٌ. نعم هكذا يَبدُو البَحرُ للعُيُونِ السَّماوِيّةِ.
حاصِلُ الكَلامِ: إنَّ التَّعبِيرَ بی عَيْنٍ حَمِئَةٍ للبَحرِ المُحِيطِ الغَربيِّ إنَّما هو بالنِّسبةِ لِذِي القَرنَينِ الَّذي رَأَى مِن بُعدٍ ذلك البَحرَ العَظيمَ كأنَّه عَينُ ماءٍ؛ أمّا النَّظَرُ القُرآنِيُّ الَّذي هو قَرِيبٌ إلى كلِّ شيءٍ، فلا يَنظُرُ نَظَرَ ذِي القَرنَينِ مِن بَعيدٍ الَّذي يُداخِلُه خِداعُ البَصَرِ، بل لِأنَّه نَزَل مِنَ السَّماءِ مُطَّلعًا علَيها، ولِأنَّه يَرَى الأَرضَ مَيدانًا أو قَصْرًا وأَحيانًا مَهْدًا أو صَحِيفةً، فإنَّ تَعبِيرَه بی عَيْنٍ للبَحرِ العَظِيمِ وهو المُحِيطُ الأَطلَسِيُّ الغَربيُّ المُغَطَّى بالضَّبابِ والأَبخِرةِ إنَّما يُبيِّنُ عُلُوَّه ورِفعَتَه وسُمُوَّه وعَظَمَتَه.
سُؤالُكُم الثَّاني:
أَينَ يَقَعُ سَدُّ ذِي القَرنَينِ؟ ومَن يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ؟
الجَوابُ: لَقَد كَتَبتُ سابِقًا رِسالةً حَولَ هذه المَسأَلةِ، فأَلزَمْتُ الحُجّةَ مَلاحِدةَ ذلك الوَقتِ؛ إلّا أنَّني الآنَ لا أَملِكُ تلك الرِّسالةَ، فَضْلًا عن أنَّ حافِظَتِي لا تُمِدُّني بشَيءٍ فقد أَصابَها شَيءٌ مِن العَطَلِ؛ عَلاوةً على أنَّ هذه المَسأَلةَ قد تَطَرَّق إلَيْها "الغُصنُ الثّالِثُ مِنَ الكَلِمةِ الرّابِعةِ والعِشرِينَ"، لِهذا نُشِيرُ إِشارةً في غايةِ الِاختِصارِ إلى نُكتَتَينِ أو ثَلاثٍ فحَسْبُ، تَعُودُ إلى هذه المَسأَلةِ وهِي:
أنَّه بِناءً على ما بَيَّنَه أَهلُ العِلمِ المُحَقِّقُونَ، وابتِداءِ أَسماءِ عَدَدٍ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ بكَلِمةِ "ذِي" یی كی"ذِي يَزَنَ" یی وما يُشِيرُ إلَيْه عُنوانُ "ذِي القَرنَينِ"، فإنَّ ذا القَرنَينِ هذا لَيسَ هو الإِسكَندَرَ الرُّومِيَّ (المَقدُونِيَّ) وإنَّما هو أَحَدُ مُلُوكِ اليَمَنِ الَّذي عاصَرَ سَيِّدَنا إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام وتَلقَّى الدَّرسَ مِن سَيِّدِنا الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَام. بَينَما جاءَ "الإِسكَندَرُ الرُّومِيُّ" قَبلَ المِيلادِ بحَوالَيْ ثَلاثِ مِئةِ سَنةٍ ودَرَس على يَدِ "أَرِسْطُو".
إنَّ التّارِيخَ الَّذي دَوَّنَه الإِنسانُ يَضبِطُ الحَوادِثَ إلى حَدِّ ما قَبلَ ثَلاثةِ آلافِ عامٍ، لِذا فإنَّ نَظَرَ هذا التّارِيخِ النَّاقِصِ القاصِرِ لا يَستَطِيعُ أن يَحكُمَ بصَوابٍ على حَوادِثِ
— 151 —
ما قَبلَ زَمَنِ سَيِّدِنا إِبراهِيمَ عَلَيهِ السَّلَام، فإمّا يَذكُرُها مَشُوبةً بالخُرافاتِ، أو يُنكِرُها أو يُورِدُها باختِصارٍ شَدِيدٍ.
أمّا سَبَبُ اشتِهارِ "ذِي القَرنَينِ" اليَمانِي هذا في التَّفاسِيرِ بالإِسكَندَرِ، فيَعُودُ إلى: أنَّ أَحَدَ أَسماءِ ذِي القَرنَينِ هو الإِسكَندَرُ، فهُو الإِسكَندَرُ الكَبِيرُ، والإِسكَندَرُ القَدِيمُ؛ أو نَظَرًا لِأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ لَدَى ذِكرِه لِحَوادِثَ جُزئيّةِ يَذكُرُها لِكَونِها طَرَفًا لِحَوادِثَ كُلِّيّةٍ، فإنَّ الإِسكَندَرَ الكَبِيرَ الَّذي هو ذُو القَرنَينِ؛ مِثلَما أَسَّسَ سَدَّ الصِّينِ الشَّهِيرَ بإِرشاداتِه النَّبوِيّةِ بينَ الأَقوامِ الظّالِمةِ والمَظلُومةِ، ولِيَصُدَّ عَنهُم غاراتِهِم، فإنَّ قُوّادًا عِظامًا عَدِيدِينَ كالإِسكَندَرِ الرُّومِيِّ ومُلُوكًا أَقوِياءَ اقتَدَوا بِذِي القَرنَينِ في الجِهةِ المادِيّةِ، وأنَّ قِسمًا مِنَ الأَنبِياءِ والأَقطابِ الأَولِياءِ یی وهُمُ مُلُوكٌ مَعنَوِيُّونَ لِلإِنسانيّةِ یی سارُوا على أَثَرِه في الجِهةِ المَعنَوِيّةِ والإِرشادِ.. فهَؤُلاءِ أَسَّسُوا السُّدُودَ بينَ الجِبالِ، ثُمَّ بَنَوُا القِلاعَ في قِمَمِ الجِبالِ، (حاشية): هُنالِك سُدُودٌ اصطِناعيّةٌ على وَجهِ الأَرضِ تَحَوَّلَت بمُرُورِ الزَّمَنِ إلى هَيئةِ جِبالٍ حتَّى لا تُعرَفُ أنَّها كانَت سُدُودًا. الَّتي هي مِنَ الوَسائِلِ المُهِمّةِ لِإنقاذِ المَظلُومِينَ مِن شَرِّ الظّالِمِينَ؛ فشَيَّدُوا تلك المَوانِعَ إمّا بقُوَّتِهِمُ المادِّيّةِ الذّاتيّةِ أو بإِرشاداتِهِم وتَوجِيهاتِهِم وتَدابِيرِهِم، حتى بَنَوُا الأَسوارَ حَولَ المُدُنِ والحُصُونِ في أَواسِطِها، إلى أن بَلَغ الأَمرُ استِعمالَ وَسِيلةٍ أَخِيرةٍ هي المَدافِعُ الثَّقِيلةُ والمُدَرَّعاتُ الشَّبِيهةُ بالقِلاعِ السَّيّارةِ.
فذَلِك السَّدُّ الَّذي بَناه ذُو القَرنَينِ وهُو أَشهَرُ سَدٍّ في العالَمِ، ويَبلُغُ طُولُه مَسِيرةَ أَيّام، إنَّما بَناه لِيَصُدَّ به هَجَماتِ أَقوامٍ شِرِّيرةٍ أَطلَقَ علَيهِمُ القُرآنُ الكَرِيمُ اسمَ "يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ"، ويُعبِّیرُ عَنهُمُ التّارِيخُ بقَبائِلِ المانَجُورِ والمَغُولِ الَّذِينَ دَمَّرُوا الحَضارةَ البَشَرِيّةَ مَرّاتٍ ومَرّاتٍ؛ وظَهَرُوا مِن وَراءِ جِبالِ "هَمَالايا"، فأَهلَكُوا العِبادَ وخَرَّبُوا البِلادَ شَرقًا وغَربًا.. فصارَ ذلك السَّدُّ المَبنِيُّ بينَ جَبَلَينِ قَرِيبَينِ مِن سِلسِلةِ "همالايا" مانِعًا أَمامَ هَجَماتِ هَؤُلاءِ الأَقوامِ الهَمَجِيّةِ، وحائِلًا دُونَ غاراتِهِمُ العَدِيدةِ على المَظلُومِينَ في الصِّينِ والهِندِ.. ومِثلَما أَسَّسَ ذُو القَرنَينِ هذا السَّدَّ، فقد بُنِيَت سُدُودٌ كَثِيرةٌ أُخرَى
— 152 —
بِهِمّةِ مُلُوكِ إِيرانَ القُدَماءِ في جِبالِ القَفْقاسِ في مَنطِقةِ المَضِيقِ صَدًّا لِلنَّهبِ والسَّلبِ والغاراتِ الَّتي امتَهَنَتْها أَقوامُ التَّتارِ. وهُنالِك سُدُودٌ كَثِيرةٌ مِن هذا النَّوعِ.
فالقُرآنُ الكَرِيمُ لِأنَّه يُخاطِبُ البَشَرِيّةَ كافّةً، فإنَّه يَذكُرُ ظاهِرًا حادِثةً جُزئيّةً ويُذَكِّرُ بها أَحداثًا مُشابِهةً لها.
فمِن زاوِيةِ النَّظَرِ هذه تَختَلِفُ الرِّواياتُ وأَقوالُ المُفسِّرِينَ حَولَ السَّدِّ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
ثمَّ إنَّ القُرآنَ الحَكِيمَ قد يَنتَقِلُ مِن حادِثةٍ إلى أُخرَى بَعِيدةٍ عَنْها، وذلك مِن حَيثُ المُناسَباتُ الكَلاميّةُ وعَلاقاتُها؛ فالَّذي لا يَعرِفُ هذه العَلاقاتِ يَظُنُّ أنَّ زَمانَيِ الحادِثَتَينِ قَرِيبانِ.. وهكذا فإِخبارُ القُرآنِ عن قِيامِ السّاعةِ عَقِبَ خَرابِ السَّدِّ، ليس هو لِقُربِ الزَّمانِ، وإنَّما لِأَجلِ نُكتَتَينِ مِن حَيثُ المُناسَباتُ الكَلاميّةُ، أي: كما أنَّ هذا السَّدَّ سيُدَمَّرُ فستُدَمَّرُ الدُّنيا كَذلِك.
وكما أَنَّ الجِبالَ الَّتي هي سُدُودٌ فِطْرِيّةٌ إِلٰهِيّةٌ راسِخةٌ وقَوِيّةٌ لا تُنسَفُ إلّا بقِيامِ السَّاعةِ، فهذا السَّدُّ أَيضًا قَوِيٌّ كالجِبالِ لا يُدَكُّ إلّا بقِيامِ السَّاعةِ، وسيَبقَى الكَثِيرُ مِنه ويَدُومُ حتَّى لو عَمِلَت فيه عَوامِلُ التَّغيِيرِ على مَدَى الزَّمانِ مِن خَرابٍ وهَدْمٍ.
نعم، إنَّ سَدَّ الصِّينِ الَّذي هو فَردٌ مِن كُلِّيّةِ سَدِّ ذِي القَرنَينِ ما زالَ باقِيًا مُشاهَدًا على الرَّغمِ مِن مُرُورِ أُلُوفِ السِّنِينَ، وإنَّه يُقرَأُ كسَطْرٍ طَوِيلٍ كُتِب بِيَدِ الإِنسانِ على صَحِيفةِ الأَرضِ، يُقرَأُ سَطْرًا مُجَسَّمًا مُتَحجِّرًا ذا مَغزًى مِنَ التَّارِيخِ القَدِيمِ.
سُؤالُكُم الثّالِثُ:
وهُو حَولَ قَتلِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَام لِلدَّجَّالِ، ففي "المَكتُوبِ الأوَّلِ والخامِسَ عَشَرَ" جَوابٌ شافٍ لَكُم وهُما في غايةِ الِاختِصارِ.
٭ ٭ ٭
— 153 —
بِاسمِهِ.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه..
أَخَوَيَّ الوَفيَّينِ الصِّدِّيقَينِ المُضَحِّيَينِ العَزِيزَينِ: العالِمَ صَبْرِي، والحافظَ عَلِيّ.
إنَّ سُؤالَكُما المُهِمَّ حَولَ المُغَيَّباتِ الخَمسةِ المَوجُودةِ في خِتامِ سُورةِ لُقْمانَ، يَحتاجُ إلى جَوابٍ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، إلّا أنَّني یی معَ الأَسَفِ یی أُعانِي مِن حالةٍ رُوحِيّةٍ وأَحوالٍ مادِّيّةٍ تَحُولُ بَينِي وبَينَ الجَوابِ الشَّافي؛ ومعَ هذا سأُشِيرُ إِشارةً فحَسْبُ في غايةِ الإِجمالِ إلى بِضعِ نِقاطٍ يَتَعلَّقُ بها سُؤالُكُما:
إنَّ فَحْوَى سُؤالِكُما هذا هو أنَّ المُلحِدِينَ يَعتَرِضُونَ على كَونِ وَقتِ نُزُولِ الغَيثِ ونَوعِيّةِ الجَنِينِ في الرَّحِمِ مِنَ المُغَيَّباتِ الخَمسِ فيَنتَقِدُونَ قائِلِينَ: إنَّ وَقتَ نُزُولِه يُكشَف عنه في المَراصِدِ الجَوِّيّةِ، فإِذًا يَعْلَمُه كَذلِك غَيرُ اللهِ، وإنَّ جِنسَ الجَنِينِ في رَحِمِ الأُمِّ يُمكِنُ مَعرِفَتُه، ذَكَرًا كانَ أم أُنثَى بأَشِعّةِ ( رُونْتكِن). بمَعنَى أنَّه يُمكِنُ الِاطِّلاعُ على المُغَيَّباتِ الخَمسِ!
الجَوابُ: لَمَّا كانَ وَقتُ نُزُولِ الغَيثِ غَيرَ مُرتَبِطٍ بقاعِدةٍ مُطَّرِدةٍ، فإنَّه يَرتَبِطُ مُباشَرةً بالمَشِيئةِ الإِلٰهِيّةِ الخاصَّةِ، ويَتبَعُ الإِرادةَ الإِلٰهِيّةَ الخاصَّةَ، فيَنزِلُ مِن خَزِينةِ رَحمَتِه تَعالَى دُونَ واسِطةٍ؛ وإنَّ سِرَّ حِكمَتِه هو الآتي:
إنَّ أَهَمَّ حَقِيقةٍ في الكَونِ وأَثمَنَ ماهِيّةٍ فيه هي الوُجُودُ، الحَياةُ، النُّورُ، الرَّحمةُ. وإنَّ هذه الأَربَعةَ مُتَوجِّهةٌ مُباشَرةً ودُونَ وَسائِطَ وحُجُبٍ إلى القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ ومَشِيئَتِها الخاصّةِ، بَينَما تَحجُبُ الأَسبابُ الظّاهِرةُ في المَصنُوعاتِ الإِلٰهِيّةِ الأُخرَى تَصَرُّفَ القُدرةِ الإِلٰهِيّة، وتَستُرُ القَوانِينُ المُطَّرِدةُ والقَواعِدُ الثّابِتةُ یی إلى حَدٍّ مّا یی الإِرادةَ الإِلٰهِيّةَ ومَشِيئَتَها، إلّا أنَّ تلك الحُجُبَ والأَستارَ لم تُوضَعْ أَمامَ الوُجُودِ والحَياةِ والنُّورِ والرَّحمةِ، لِعَدَمِ جَرَيانِ حِكمةِ وُجُودِها في تلك الأُمُورِ.
— 154 —
وحَيثُ إنَّ الرَّحمةَ والحَياةَ أَهَمُّ حَقِيقتَينِ في الوُجُودِ، وإنَّ الغَيثَ مَنشَأُ الحَياةِ ومَدارُ الرَّحمةِ، بل هو عَينُ الرَّحمةِ، فلا بُدَّ ألّا تكُونَ الوَسائِطُ حُجُبًا أَمامَها، ولا بُدَّ ألّا تَستُرَ القاعِدةُ المُطَّرِدةُ المَشِيئةَ الإِلٰهِيّةَ الخاصّةَ، وذلك لِيُضطَرَّ كلُّ فَردٍ في كلِّ وَقتٍ، وفي كلِّ أَمرٍ إلى الشُّكرِ وإِظهارِ العُبُودِيّةِ وإلى السُّؤالِ والتَّضرُّعِ والدُّعاءِ؛ إذ لو كانَت تلك الأُمُورُ على وَفقِ قاعِدةٍ مُعيَّنةٍ، لَانسَدَّ بابُ الشُّكرِ والرُّجاءِ مِنه تَعالَى استِنادًا إلى القاعِدةِ المُطَّرِدةِ؛ فطُلُوعُ الشَّمسِ معَ ما فيه مِن مَنافِعَ مَعلُومةٍ، لِأنَّه مُرتَبِطٌ بقاعِدةٍ مُعيَّنةٍ، فلا يُسأَلُ اللهُ سُبحانَه طُلُوعَها ولا يُشكَرُ علَيْه شُكرًا خاصًّا ولا يُعَدُّ ذلك مِن أُمُورِ الغَيبِ، لِأنَّ البَشَرَ يَعرِفُونَ بالعِلمِ الَّذي تَوصَّلُوا إلَيْه وبواسِطةِ تلك القاعِدةِ مَوعِدَ شُرُوقِ الشَّمسِ غَدًا.
ولكِنَّ جُزئيّاتِ الغَيثِ لَيسَت مُرتَبِطةً بقاعِدةٍ مُعيَّنةٍ، لِذا يَضطَرُّ النّاسُ في كلِّ وَقتٍ إلى التَّضرُّعِ والتَّوسُّلِ إلى رَحمَتِه تَعالَى؛ ولَمّا كانَ عِلمُ البَشَرِ لا يَستَطِيعُ أن يُحدِّدَ وَقتَ نُزُولِ الغَيثِ، فقد تَلَقّاه النّاسُ نِعمةً خاصّةً لا تَصدُرُ إلّا مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّة، فيَشكُرُونَ رَبَّهُم شُكرًا حَقِيقيًّا علَيْها..
وهكذا، فهذه الآيةُ الكَرِيمةُ تُدخِلُ وَقتَ نُزُولِ الغَيثِ بينَ المُغيَّباتِ الخَمسِ مِن هذه الزّاوِيةِ الَّتي ذَكَرْناها؛ أمّا الإِحساسُ بالأَجهِزةِ في المَراصِدِ عن مُقدِّماتِ وَقتِ نُزُولِه، ومِن ثَمَّ تَعيِينُ وَقتِه، فهذا ليس عِلمًا بالغَيبِ، بل هو عِلمٌ بالِاطِّلاعِ على بَعضِ مُقدِّماتِ نُزُولِه حِينَما يَقتَرِبُ إلى عالَمِ الشَّهادةِ بعدَ صُدُورِه مِنَ الغَيبِ، مِثلَما يُعلَمُ بنَوعٍ مِن إِحساسٍ مُسبَقٍ أَخفَى الأُمُور الغَيبِيّةِ حِينَما تَحصُلُ، أو بعدَ قُربِها مِنَ الحُصُولِ، ولا يُعَدُّ ذلك مَعرِفةً بالغَيبِ، وإنَّما هو مَعرِفةٌ بذلك المَوجُودِ، أو بالمُقرَّبِ إلى الوُجُودِ.
حتَّى إنَّني أَشعُرُ أَحيانًا بشُعُورٍ مُرهَفٍ في أَعصابِي، بما سيَأتِي مِنَ الغَيثِ قبلَ مَجِيئِه بأَربعٍ وعِشرِينَ ساعةً؛ بمَعنَى أنَّ لِلغَيثِ مُقدِّماتٍ ومَبادِئَ، فتلك المَبادِئُ تُبدِي نَفسَها على صُورةِ رُطُوبةٍ تُشعِرُ بما وَراءَها مِنَ الغَيثِ، فتكُونُ هذه الحالُ وَسِيلةً لِوُصُولِ عِلمِ البَشَرِ كالقاعِدةِ المُطَّرِدةِ إلى أُمُورٍ قد صَدَرَت عنِ الغَيبِ وخَرَجَت مِنه، ولَمّا تَدخُلْ بعدُ إلى عالَمِ الشَّهادةِ.
— 155 —
أمّا مَعرِفةُ نُزُولِ الغَيثِ الَّذي لم تَطَأ قَدَمُه عالَمَ الشَّهادةِ، ولم يَخرُج بَعدُ مِنَ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ الخاصّةِ والمَشِيئةِ الرَّبّانِيّةِ الخاصّةِ، فإنَّما هو خاصٌّ بعِلمِ عَلّامِ الغُيُوبِ.
بَقِيَتِ المَسأَلةُ الثّانيةُ الَّتي هي: مَعرِفةُ جِنسِ الجَنِينِ في رَحِمِ الأُمِّ بأَشِعّةِ رُونْتكِن، هذه المَعرِفةُ لا تُنافِي قَطعًا ما تُفِيدُه الآيةُ الكَرِيمةُ: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِن مَعنَى الغَيبِ، لِأنَّ المُرادَ مِنَ العِلمِ المَذكُورِ فيها لا يَنحَصِرُ في ذُكُورةِ الجَنِينِ وأُنُوثَتِه، وإنَّما المُرادُ مِنه مَعرِفةُ الِاستِعداداتِ البَدِيعةِ الخاصًّةِ بذلك الطِّفلِ والَّتي هي مَبادِئُ المُقدَّراتِ الحَياتيّةِ، وهِي مَدارُ ما سيَكسِبُه في المُستَقبَلِ مِن أَوضاعٍ، وحتَّى مَعرِفةُ خَتمِ الصَّمَدِيّةِ وسِكَّتِها الرّائِعة البادِيةِ على سِيماه.. كلُّها مُرادةٌ في ذلك المَعنَى بحَيثُ إنَّ العِلمَ بالطِّفلِ وبهذه الوُجُوهِ مِنَ الأُمُورِ خاصٌّ بعِلمِ عَلّامِ الغُيُوبِ وَحدَه، فلوِ اتَّحَدَت مِئاتُ الأُلُوفِ مِن أَفكارِ البَشَرِ النّافِذةِ كأَشِعّةِ رُونْتكِن لَمَا كَشَفَت أَيضًا عن مَلامِحِ الطِّفلِ الحَقِيقيّةِ في وَجهِه وَحدَه، تلك المَلامِحِ الَّتي تَحمِلُ مِنَ العَلاماتِ الَّتي تُفرِّقُه وتُميِّیزُه عن كلِّ فَردٍ مِن أَفرادِ البَشَرِيّةِ قاطِبةً، فكَيفَ إِذًا يُمكِنُ كَشفُ السِّيماءِ المَعنَوِيّةِ في استِعداداتِه وقابِلِيّاتِه الَّتي هي خارِقةٌ بمِئاتِ الأُلُوفِ مِنَ المَرّاتِ عن مَلامِحِ الوَجهِ!
ولقد قُلنا في المُقدِّمةِ: إنَّ الوُجُودَ والحَياةَ والرَّحمةَ مِن أَهَمِّ حَقائِقِ الكَونِ، ولها أَعلَى مَقامٍ ومَرتَبةٍ فيه، لِذا تَتَوجَّهُ تلك الحَقِيقةُ الحَياتيّةُ الجامِعةُ بجَمِيعِ دَقائِقِها ولَطائِفِها إلى إِرادةِ اللهِ الخاصّةِ ورَحمَتِه الخاصّةِ ومَشِيئَتِه الخاصّةِ.
وأَحَدُ أَسرارِ ذلك هو أنَّ الحَياةَ بجَمِيعِ أَجهِزَتِها وجِهاتِها مَنشَأٌ لِلشُّكرِ، ومَدارٌ لِلعِبادةِ والتَّسبِيحِ، ولِذلِك لم تُوضَع دُونَها القاعِدةُ المُطَّرِدةُ الَّتي تَحجُبُ رُؤيةَ الإِرادةِ الإِلٰهِيّةِ الخاصّةِ ولا الوَسائِطُ الظّاهِرِيّةُ الَّتي تَستُرُ رَحمَتَه الخاصّةَ سُبحانَه.
إنَّ للهِ سُبحانَه وتَعالَى تَجَلِّيَينِ اثنَينِ في سِيماءِ الجَنِينِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ:
الأوَّلُ: يَدُلُّ على وَحدَتِه سُبحانَه وأَحَدِيَّتِه وصَمَديَّتِه، إذِ الجَنِينُ يَشهَدُ على وَحدانيّةِ خالِقِه وصانِعِه بتَطابُقِ أَعضائِه الأَساسِ وتَوافُقِ أَجهِزَتِه الإِنسانيّةِ معَ سائِرِ البَشَرِ؛ فذلك الجَنِينُ يُنادِي بصَراحةِ هذا اللِّسانِ قائِلًا: إنَّ الَّذي وَهَب لي هذه السِّيماءَ
— 156 —
في الأَعضاءِ هو ذلك الصَّانِعُ الَّذي وَهَب لِجَمِيعِ البَشَرِ الَّذِينَ يُشبِهُونَنِي في أَساساتِ الأَعضاءِ، وهُو سُبحانَه صانِعُ جَمِيعِ ذَوِي الحَياةِ.
فهذا اللِّسانُ الَّذي يَدُلُّ به الجَنِينُ على الصَّانِعِ الجَلِيلِ ليس لِسانًا غَيبِيًّا، بل هو مَعلُومٌ يُمكِنُ مَعرِفَتُه والوُصُولُ إلَيْه، حَيثُ إنَّه يَتبَعُ قاعِدةً مُطَّرِدةً ويَسِيرُ على وَفقِ نِظامٍ مُعَيَّنٍ ويَستَنِدُ إلى نَوعِيّةِ الجَنِينِ، فهذا العِلمُ لِسانٌ ناطِقٌ وغُصنٌ قد تَدَلَّى مِن عالَمِ الغَيبِ إلى عالَمِ الشَّهادةِ.
الجِهةُ الثَّانيةُ: وهِي أنَّ الجَنِينَ يُنادِي بلِسانِ سِيماءِ استِعداداتِه الخاصَّةِ وسِيماءِ وَجهِه الشَّخصِيّةِ فيَدُلُّ على اختِيارِ صانِعِه ومَشِيئتِه المُطلَقةِ وإِرادَتِه الخاصّةِ ورَحمَتِه الخاصَّةِ؛ فهذا اللِّسانُ لِسانٌ غَيبِيٌّ آتٍ مِن هُناك، فلا يَستَطِيعُ أن يَراه أَحَدٌ قَبلَ وُجُودِه غَيرُ العِلمِ الأَزليِّ، ولا يُمكِنُ أن يُحِيطَ به سِواه. ولا يُعلَمُ هذا اللِّسانُ بمُجَرَّدِ مُشاهَدةِ جِهازٍ مِن أَلفِ جِهازٍ مِن سِيماءِ جَنِينِه.
الحاصِلُ: أنَّ في سِيماءِ استِعداداتِ الجَنِينِ، وفي سِيماءِ وَجهِه دَليلُ الوَحدانيّةِ وحُجّةُ الِاختِيارِ والإِرادةِ الإِلٰهِيّةِ.
وستُكتَبُ إن وَفَّق اللهُ تَعالَى بِضعُ نِكاتٍ حَولَ المُغيَّباتِ الخَمسِ، إذ لا يَسمَحُ الوَقتُ الحاضِرُ ولا حالَتِي بأَكثَرَ مِن هذا. وأَختِمُ كَلامِي.
الباقي هو الباقي
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 157 —

اللمعة السابعة عشرة

(عِبارة عن خمس عشرةَ مذكِّرةً تألَّقت مِن الزُّهرة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

قبلَ اثنَتَي عَشْرةَ سَنةً (٭): أي: في سنة ١٣٤٠ هی (١٩٢١م). مِن تَألِيفِ هذه اللَّمْعةِ وَفَّقَني المَولَى الكَرِيمُ وشَمِلَني بعِنايَتِه ولُطفِه، فكَتَبتُ بَعضَ ما تَألَّق مِن مَسائِلِ التَّوحِيدِ وبَعضَ ما تَظاهَرَ مِنها في أَثناءِ تَأمُّلٍ فِكرِيٍّ، وتَجوالٍ قَلبِيٍّ، وانكِشافٍ رُوحِيٍّ عَبْرَ العُرُوجِ في مَراتِبِ المَعرِفةِ الإِلٰهِيّةِ، كَتَبتُها باللُّغةِ العَرَبيّةِ على صُورةِ مُذَكِّراتٍ في رَسائِلَ مَوسُومةٍ بی"زُهرَة" و"شُعلَة" و"حَبّة" و"شَمّة" و"ذَرّة" و"قَطْرة" وأَمثالِها.
وحَيثُ إنَّ تلك المُذكِّراتِ قد كُتِبَت لِأَجلِ إِراءةِ بِدايةِ حَقِيقةٍ عَظِيمةٍ واسِعةٍ، وإِبرازِ مُقَدِّمَتِها فحَسْبُ، ولِأَجلِ إِظهارِ شُعاعٍ مِن أَشِعّةِ نُورٍ ساطِعٍ باهِرٍ، فقد جاءَت على شَكلِ خَواطِرَ ومَلحُوظاتٍ وتَنبِيهاتٍ، سَجَّلتُها لِنَفسِي وَحدَها، الأَمرُ الَّذي جَعَل الِاستِفادةَ مِنها مَحدُودةً، خُصُوصًا وأنَّ القِسمَ الأَعظَمَ مِن أَخلَصِ إِخوانِي وأَخَصِّهِم لم يَدرُسُوا اللُّغةَ العَرَبيّةَ، فاضطُرِرتُ إِزاءَ إِصرارِهِم وإِلحاحِهِم إلى كِتابةِ إِيضاحاتٍ باللُّغةِ التُّركيّةِ لِقِسمٍ مِن تلك المُذَكِّراتِ واللَّمَعاتِ. وأَكتَفِي بتَرجَمةِ القِسمِ الآخَرِ مِنها.
— 158 —
ولقد جاءَتِ التَّرجَمةُ إلى التُّركيّةِ نَصًّا دُونَ تَغيِيرٍ، حَيثُ تَراءَت "لِسَعِيدٍ الجَدِيدِ" هذه الخَواطِرُ الوارِدةُ في الرَّسائِلِ العَرَبيّةِ رُؤيةً أَشبَهَ ما تكُونُ بالشُّهُودِ، وذلك حِينَما شَرَع بالِاغتِرافِ مِن مَنهَلِ عِلمِ "الحَقِيقةِ".. ولِأَجلِ هذا فقد ذُكِرَت بَعضُ الجُمَلِ بالرَّغمِ مِن أنَّها مَذكُورةٌ في رَسائِلَ أُخرَى بَينَما ذُكِرَ البَعضُ الآخَرُ في غايةِ الإِجمالِ ولم يُوَضَّحِ التَّوضِيحَ المَطلُوبَ، وذلك لِئَلّا يَفقِدَ لَطافَتَه الأَصلِيّةَ.

المذكِّرة الأولى

كُنتُ قد خاطَبتُ نَفسِي قائِلًا:
اِعلَمْ أيُّها السَّعِيدُ الغافِلُ، إنَّه لا يَلِيقُ بك أن تَربِطَ قَلبَك وتُعَلِّقَه بما لا يُرافِقُك بعدَ فَناءِ هذا العالَمِ، بل يُفارِقُك بخَرابِ الدُّنيا! فلَيسَ مِنَ العَقلِ في شَيءِ رَبطُ القَلبِ بأَشياءَ فانيةٍ! فكَيفَ بما يَتْرُكُك بانقِراضِ عَصرِك ويُدِيرُ ظَهرَه لك؟ بل فكَيفَ بما لا يُصاحِبُك في سَفَرِ البَرزَخِ؟ بل فكَيفَ بما لا يُشَيِّعُك إلى بابِ القَبْرِ؟ بل فكَيفَ بما يُفارِقُك خِلالَ سَنةٍ أو سَنَتَينِ فِراقًا أَبدِيًّا، مُوَرِّثًا إِثمَه ذِمَّتَك، مُحَمِّلًا خَطاياه على ظَهرِك؟ بل فكَيفَ بما يَتْرُكُك على رَغمِك في لِحْظةِ وُصُولِه وحُصُولِه؟
فإن كُنتَ فَطِنًا عاقِلًا فلا تَهتَمَّ ولا تَغتَمَّ، واترُكْ ما لا يَقتَدِرُ أن يُرافِقَك في سَفَرِ الأَبدِ والخُلُودِ، بل يَضمَحِلُّ ويَفنَى تحتَ مُصادَماتِ الدُّنيا وانقِلاباتِها، وتَحتَ تَطَوُّراتِ البَرزَخِ، وتَحتَ انفِلاقاتِ الآخِرةِ.
ألا تَرَى أنَّ فيك لَطِيفةً لا تَرضَى إلّا بالأَبدِ والأَبدِيِّ، ولا تَتَوجَّهُ إلّا إلى ذلك الخالِدِ، ولا تَتَنزَّلُ لِما سِواه؟ حتَّى إذا ما أُعطِيَتِ الدُّنيا كُلَّها، فلا تُطَمْئِنُ تلك الحاجةَ الفِطرِيّةَ.. تلك هي سُلطانُ لَطائِفِك ومَشاعِرِك.. فأَطِعْ سُلطانَ لَطائِفِك المُطِيعِ لِأَمرِ فاطِرِه الحَكِيمِ جَلَّ جَلالُه، وانجُ بنَفسِك..
— 159 —

المذكِّرة الثانية

لقد رَأَيتُ في رُؤْيا صادِقةٍ ذاتِ حَقِيقةٍ: أَنَّني أُخاطِبُ النّاسَ: أيُّها الإِنسانُ، إنَّ مِن دَساتيرِ القُرآنِ الكَرِيمِ وأَحكامِه الثّابِتةِ: ألّا تَحسَبَنَّ ما سِوَى اللهِ تَعالَى أَعظَمَ مِنك فتَرفَعَه إلى مَرتَبةِ العِبادةِ، ولا تَحسَبَنَّ أنَّك أَعظَمُ مِن شَيءٍ مِنَ الأَشياءِ بحَيثُ تَتَكبَّرُ علَيْه، إذ يَتَساوَى ما سِواه تَعالَى في البُعدِ عنِ المَعبُودِيّةِ وفي نِسبةِ المَخلُوقيّةِ.

المذكِّرة الثالثة

اِعلَمْ أَيُّها السَّعِيدُ الغافِلُ: أنَّك تَرَى الدُّنيا الزّائِلةَ سَرِيعًا، كأَنَّها دائِمةٌ لا تَمُوتُ، فعِندَما تَنظُرُ إلى ما حَوْلَك مِنَ الآفاقِ تَراها ثابِتةً مُستَمِرّةً یی إلى حدٍّ مّا یی نَوعًا وجُمْلةً، ومِن ثَمَّ تَرجِعُ بالمِنظارِ نَفسِه فتَنظُرُ إلى نَفسِك الفانِيةِ، تَظُنُّها ثابِتةً أَيضًا، وعِندَها لا تَندَهِش إلّا مِن هَولِ القِيامةِ، وكأنَّك تَدُومُ إلى أن تَقُومَ السّاعةُ!
عُدْ إلى رُشْدِك، فأَننَ ودُنياك الخاصَّةُ بك مُعرَّضانِ في كلِّ آنٍ إلى ضَرَباتِ الزَّوالِ والفَناءِ.. إنَّ مَثَلَك في خَطَأِ شُعُورِك وغَلَطِ حِسِّك هذا، مَثَلُ مَن في يَدِه مِرآةٌ تُواجِهُ قَصْرًا أو بَلَدًا أو حَدِيقةً، وتَرتَسِمُ الصُّورةُ المِثاليّةُ لِلقَصرِ أوِ البَلَدِ أوِ الحَدِيقةِ فيها، فإذا ما تَحَرَّكَتِ المِرآةُ أَدنَى حَرَكةٍ، وتَغيَّرَت أَقلَّ تَغَيُّرٍ، فسيَحدُثُ الهَرْجُ والمَرْجُ في تلك الصُّورةِ المِثاليّةِ، فلا يُفِيدُك بَعدُ البَقاءُ والدَّوامُ الخارِجِيّانِ في نَفسِ القَصرِ أوِ البَلَدِ أوِ الحَدِيقةِ، إذ ليس لك مِنها إلّا ما تُعطِيك مِرآتُك بمِقياسِها ومِيزانِها.
فاعْلَمْ أَنَّ حَياتَك وعُمُرَك مِرآةٌ، وأنَّها عِمادُ دُنياك وسَنَدُها ومِرآتُها ومَركَزُها؛ فتَأمَّلْ في مِرآتِك، وإِمكانِ مَوتِها، وخَرابِ ما فيها في كلِّ دَقِيقةٍ، فهِي في وَضعٍ يُشعِرُ كأَنَّ قِيامَتَك ستَقُومُ في كلِّ دَقِيقةٍ.. فما دامَ الأَمرُ هكذا فلا تُحمِّلْ حَياتَك ودُنياك ما لا طاقةَ لَهُما به.
— 160 —

المذكِّرة الرابعة

اِعلَمْ أنَّ مِن سُنّةِ الفاطِرِ الحَكِيمِ یی في الأَكثَرِ یی ومِن عاداتِه الجارِيةِ إِعادةُ ما له أَهَمِّيّةٌ وقِيمةٌ غالِيةٌ بِعَينِه لا بمِثلِه، فعِندَما يُجَدِّدُ أَكثرَ الأَشياءِ بمِثلِها عِندَ تَبَدُّلِ الفُصُولِ وتَغَيُّرِ العُصُورِ، يُعِيدُ تلك الأَشياءَ الثَّمِينةَ بعَينِها؛ فانظُرْ إلى الحَشرِ اليَومِيِّ یی أي: الَّذي يَتِمُّ في كلِّ يَومٍ یی وإلى الحَشرِ السَّنَوِيِّ، وإلى الحَشرِ العَصرِيِّ، تَرَ قاعِدةَ السُّنّةِ الكَونِيّةِ هذه مُطَّرِدةً. وبِناءً على هذه القاعِدةِ الثَّابِتةِ نقُولُ:
قدِ اتَّفَقتِ الفُنُونُ وشَهِدَتِ العُلُومُ على أَنَّ الإِنسانَ هو أَكمَلُ ثَمَرةٍ في شَجَرةِ الخَلِيقةِ، وأنَّه أَهَمُّ مَخلُوقٍ بينَ المَخلُوقاتِ، وأَغلَى مَوجُودٍ بينَ المَوجُوداتِ، وأنَّ فَرْدًا مِنه بمَثابةِ نَوعٍ مِن سائِرِ الأَحياءِ، لِذا يُحكَمُ بالحَدْسِ القَطعِيِّ على أنَّ كلَّ فَردٍ مِن أَفرادِ البَشَرِ سيُعادُ في الحَشرِ الأَعظَمِ والنَّشرِ الأَكبَرِ بعَينِه وجِسمهِ واسمِه ورَسمِه.

المذكِّرة الخامسة

حِينَما سارَ "سَعِيدٌ الجَدِيدُ" في طَرِيقِ التَّأمُّل والتَّفكُّرِ، انقَلَبَت تلك العُلُومُ الأَورُوبِّيةُ الفَلسَفِيّةُ وفُنُونُها الَّتي كانَت مُستَقِرّةً إلى حَدٍّ مّا في أَفكارِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" إلى أَمراضٍ قَلبِيّةٍ، نَشَأَت مِنها مَصاعِبُ ومُعضِلاتٌ كَثِيرةٌ في تلك السِّياحةِ القَلبِيّةِ؛ فما كانَ مِن "سَعِيدٍ الجَدِيدِ" إلّا القِيامُ بتَمخِيضِ فِكرِه والعَمَلِ على نَفضِه مِن أَدرانِ الفَلسَفةِ المُزَخرَفةِ ولَوْثاتِ الحَضارةِ السَّفِيهةِ، فرَأَى نَفسَه مُضطَرًّا إلى إِجراءِ المُحاوَرةِ الآتِيةِ معَ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ لِأَورُوبّا لِكَبحِ جِماحِ ما في رُوحِه مِن أَحاسِيسَ نَفسانيّةٍ مُنحازةٍ لِصالِحِ أَورُوبّا، فهِي مُحاوَرةٌ مُقتَضبةٌ مِن ناحِيةٍ ومُسهَبةٌ مِن ناحِيةٍ أُخرَى.
ولِئَلّا يُساءَ الفَهمُ لا بُدَّ أنْ نُنبِّهَ: أنَّ أَورُوبّا اثنَتانِ:
إِحداها: هي أَورُوبّا النّافِعةُ لِلبَشَرِيّةِ، بما استَفاضَت مِنَ النَّصرانيّةِ الحَقّةِ، وأَدَّت خِدْماتٍ لِحَياةِ الإِنسانِ الِاجتِماعِيّةِ، بما تَوَصَّلَت إلَيْه مِن صِناعاتٍ وعُلُومٍ تَخدُمُ العَدْلَ
— 161 —
والإِنصافَ، فلا أُخاطِب یی في هذه المُحاوَرةِ یی هذا القِسمَ مِن أَورُوبّا، وإنَّما أُخاطِبُ أَورُوبّا الثّانيةَ الفاسِدةَ، تلك الَّتي تَعَفَّنَت بظُلُماتِ الفَلسَفةِ الطَّبِيعيّةِ، وحَسِبَت سَيِّئاتِ الحَضارةِ حَسَناتٍ لها، وتَوَهَّمَت مَساوِئَها فَضائِلَ، فساقَتِ البَشَرِيّةَ إلى السَّفاهةِ وأَرْدَتْها في الضَّلالةِ والتَّعاسةِ.
خاطَبتُ في تلك السِّياحةِ الرُّوحِيّةِ الشَّخصِيّةِ المَعنَوِيّةِ الأَورُوبِّيّةِ بعدَ أنِ استَثنَيتُ مَحاسِنَ الحَضارةِ وفَوائِدَ العُلُومِ النّافِعةِ، فوَجَّهتُ خِطابِي إلى تلك الشَّخصِيّةِ الَّتي أَخَذَت بِيَدِها الفَلسَفةُ المُضِرّةُ التّافِهةُ والحَضارةُ الفاسِدةُ السَّفِيهةُ.. وخاطَبتُها قائِلًا:
يا أَورُوبّا الثَّانيةُ، اِعلَمِي جَيِّدًا أنَّكِ قد أَخَذتِ بيَمِينِكِ الفَلسَفةَ المُضِلّةَ السَّقِيمةَ، وبشِمالِكِ المَدَنيّةَ المُضِرّةَ السَّفِيهةَ، فتَدَّعِينَ أنَّ سَعادةَ الإِنسانِ بهما.. ألَا شَلَّت يَداكِ، وبِئسَتِ الهَدِيّةُ هَدِيَّتُكِ، ولتَكُن وَبالًا علَيكِ، وستكُونُ.
أيَّتُها الرُّوحُ الخَبِيثةُ الَّتي تَنشُرُ الكُفرَ وتَبُثُّ الجُحُودَ، تُرَى! هل يُمكِنُ أن يَسعَدَ إِنسانٌ بمُجَرَّدِ تَمَلُّكِه ثَروةً طائِلةً، وتَرَفُّلِه في زِينةٍ ظاهِرةٍ خادِعةٍ، وهُو المُصابُ في رُوحِه وفي وِجْدانِه وفي عَقلِه وفي قَلبِه بمَصائِبَ هائِلةٍ؟ وهل يُمكِنُ أن نُطلِقَ علَيْه أنَّه سَعِيدٌ؟ ألَا تَرَينَ أنَّ مَن يَئِس مِن أَمرٍ جُزئيٍّ، وانقَطَع رَجاؤُه مِن أَمَلٍ وَهمِيٍّ، وخابَ ظَنُّه مِن عَمَلٍ تافِهٍ، كيفَ يَتَحوَّلُ خَيالُه العَذْبُ مُرًّا عَلْقمًا، وكَيفَ يَتَعذَّبُ مِمّا حَولَه مِن أَوضاعٍ لَطِيفةٍ، فتَضِيقُ علَيْه الدُّنيا كالسِّجنِ بما رَحُبَت! فكَيفَ بمَن أُصِيبَ بشُؤْمِكِ بضَرَباتِ الضَّلالةِ في أَعمَقِ أَعماقِ قَلبِه، وفي أَغوارِ رُوحِه، حتَّى انقَطَعَت یی بتِلك الضَّلالةِ یی جَمِيعُ آمالِه، فانشَقَّت عنها جَمِيعُ آلامِه، فأَيُّ سَعادةٍ يُمكِنُكِ أن تَضمَنِي لِمِثلِ هذا المِسكِينِ الشَّقِيِّ؟ وهل يُمكِنُ أن يُطلَقَ على مَن رُوحُه وقلبُه يُعذَّبانِ في جَهَنَّمَ، وجِسمُه فقط في جَنّةٍ كاذِبةٍ زائِلةٍ.. أنَّه سَعِيدٌ؟!
لقد أَفسَدْتِ یی أيَّتُها الرُّوحُ الخَبِيثةُ یی البَشَرِيّةَ حتَّى طاشَتْ بتَعالِيمِكِ، فتُقاسِي مِنكِ العَذابَ المَرِيرَ، بإِذاقَتِكِ إيّاها عَذابَ الجَحِيمِ في نَعِيمِ جَنّةٍ كاذِبةٍ.
— 162 —
أيَّتُها النَّفسُ الأَمّارةُ لِلبَشَرِيّةِ، تَأمَّلي في هذا المِثالِ وافْهَمِي مِنه إلى أَينَ تَسُوقِينَ البَشَرِيّةَ؟
اِفتَرِضِي أنَّ أَمامَنا طَرِيقَينِ، فسَلَكْنا أَحَدَهُما، وإذا بنا نَرَى في كلِّ خُطْوةٍ نَخطُوها في الطَّرِيقِ الأوَّلِ مَساكِينَ عَجَزةً يَهجُمُ علَيْهِمُ الظّالِمُونَ، يَغصِبُونَ أَموالَهُم ومَتاعَهُم، يُخرِبُونَ بُيُوتَهُم وأَكواخَهُم، بل قد يَجرَحُونَهُم جَرحًا بَلِيغًا حتَّى تكادُ السَّماءُ تَبكِي على حالَتِهِمُ المُفجِعةِ؛ فأَينَما يُمَدُّ النَّظَرُ تُرَى الحالةُ نَفسُها، فلا يُسمَعُ في هذا الطَّرِيقِ إلّا ضَوْضاءُ الظَّالِمِينَ وصَخَبُهُم، وأَنينُ المَظلُومِينَ ونُواحُهُم، فكَأنَّ مَأْتَمًا عامًّا قد خَيَّم على الطَّرِيقِ.
ولَمَّا كانَ الإِنسانُ یی بمُقتَضَى إِنسانيَّتِه یی يَتَألَّمُ بأَلَمِ الآخَرِينَ، فلا يَستَطِيعُ أن يَتَحمَّلَ ما يَراه في هذا الطَّرِيقِ مِن أَلَمٍ غيرِ مَحدُودٍ، إذِ الوِجْدانُ لا يُطِيقُ أَلَمًا إلى هذا الحَدِّ، لِذا يُضطَرُّ سالِكُ هذا الطَّرِيقِ إلى أَحَدِ أَمرَينِ: إمّا أن يَتَجرَّدَ مِن إِنسانيَّتِه، ويَحمِلَ قَلبًا قاسِيًا غارِقًا في مُنتَهَى الوَحشةِ لا يَتَألَّمُ بِهَلاكِ الجَمِيعِ طالَما هو سالِمٌ مُعافًى، أو يُبطِلَ ما يَقتَضِيه القَلبُ والعَقلُ!
فيا أَورُوبّا الَّتي نَأَتْ عنِ النَّصرانيّةِ وابتَعَدَت عَنْها، وانغَمَسَت في السَّفاهةِ والضَّلالةِ.. لقد أَهدَيتِ بدَهائِكِ الأَعوَرِ كالدَّجَّالِ لِرُوحِ البَشَرِ حالةً جَهَنَّمِيّةً، ثمَّ أَدرَكتِ أنَّ هذه الحالةَ داءٌ عُضالٌ لا دَواءَ له، إذ يَهوِي بالإِنسانِ منِ ذِروةِ أَعلَى عِلِّيِّينَ إلى دَرَكِ أَسفَلِ سافِلِينَ، وإلى أَدنَى دَرَجاتِ الحَيَوانِ وحَضِيضِها، ولا عِلاجَ لكِ أَمامَ هذا الدّاءِ الوَبِيلِ إلّا مَلاهِيكِ الجَذّابةُ الَّتي تَدفَعُ إلى إِبطالِ الحِسِّ وتَخدِيرِ الشُّعُورِ مُؤقَّتًا، وكَمالِيّاتُكِ المُزَخرَفةُ وأَهواؤُكِ المُنوِّمةُ... فتَعْسًا لكِ ولِدَوائِكِ الَّذي يكُونُ هو القاضِيَ علَيْكِ.. نعم، إنَّ ما فَتَحتِيه أَمامَ البَشَرِيّةِ مِن طَرِيقٍ، يُشبِهُ هذا المِثالَ المَذكُورَ.
أمّا الطَّرِيقُ الثَّاني فهُو ما أَهداه القُرآنُ الكَرِيمُ مِن هَدِيّةٍ إلى البَشَرِيّةِ، فهَداهُم إلى الصِّراطِ السَّوِيِّ، فنَحنُ نَرَى في كلِّ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِ هذا الطَّرِيقِ، وفي كلِّ مَوضِعٍ مِن مَواضِعِه، وفي كلِّ مَدِينةٍ تَقَعُ علَيْه، جُنُودًا مُطِيعِينَ أُمَناءَ لِسُلطانٍ عادِلٍ، يَتَجوَّلُونَ
— 163 —
في كلِّ جِهةٍ يَنتَشِرُونَ في كلِّ ناحِيةٍ، وبينَ فَيْنةٍ وأُخرَى يَأتِي قِسمٌ مِن مَأْمُورِي ذلك المَلِكِ العادِلِ ومُوَظَّفِيه، فيُعفِي بَعضَ أُولَئِك الجُنُودِ مِن وَظائِفِهِم بأَمرِ السُّلطانِ نَفسِه، ويَتَسلَّمُ مِنهُم أَسلِحَتَهُم ودَوابَّهُم ومُعَدّاتِهِمُ الخاصّةَ بالدَّولةِ، ويُسَلِّمُ إلَيْهِم بِطاقةَ الإِعفاءِ.
وهَؤُلاءِ المُعفَوْنَ يَبتَهِجُونَ ويَفرَحُونَ یی مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ یی بإِعفائِهِم فَرَحًا عَظِيمًا لِرُجُوعِهِم إلى السُّلطانِ وعَودَتِهِم إلى دارِ قَرارِ سَلطَنَتِه، والمُثُولِ بزِيارَتِه الكَرِيمةِ، معَ أنَّهُم يَحزَنُونَ في ظاهِرِ الأَمرِ على ما أُخِذ مِنهُم مِن دابّةٍ ومُعَدّاتٍ أَلِفُوها.. ونَرَى أَيضًا أنَّه قد يَلتَقِي أُولَئِك المَأمُورُونَ مَن لا يَعرِفُهُم مِنَ الجُنُودِ، فعِندَما يُخاطِبُونَه: أَنْ سَلِّمْ سِلاحَك. يَرُدُّ علَيْهِمُ الجُندِيُّ: أنا جُندِيٌّ لَدَى السُّلطانِ العَظِيمِ وتَحتَ أَمرِه وفي خِدمَتِه، وإلَيْه مَصِيرِي ومَرجِعِي، فمَن أَنتُم حتَّى تَسلُبُوا مِنِّي ما وهَبَني السُّلطانُ العَظِيمُ؟ فإن كُنتُم قد جِئتُم بإِذنِه ورِضاه فعَلَى العَينِ والرَّأسِ، فأَرُونِي أَمرَه الكَرِيمَ، وإلّا تَنَحَّوا عَنِّي، فلَأُقاتِلَنَّیكُم ولو كُنتُ وَحْدِي وأَنتُم أُلُوفٌ، إذ لا أُقاتِلُ لِنَفسِي لِأنَّها لَيسَت لي، بل أُقاتِلُ حِفاظًا على أَمانةِ مالِكِي ومَوْلاي، وصِيانةً لِعِزَّتِه وعَظَمَتِه.. فأَنا لا أَرضَخُ لَكُم!
فدُونَكِ مِثالًا واحِدًا مِن أُلُوفِ الأَمثِلةِ على ما في هذا الطَّرِيقِ الثَّاني مِن مَصدَرِ فَرَحٍ ومَدارِ سَعادةٍ، فانسُجِي على مِنوالِه.
وعلى طُولِ الطَّرِيقِ الثَّاني، وطَوالَ مُدّةِ السَّفْرةِ كُلِّها نَرَى سَوقًا إلى الجُندِيّةِ، يَتِمُّ في فَرَحٍ وابتِهاجٍ وسُرُورٍ.. تلك هي الَّتي تُسَمَّى بی"المَوالِيدِ"؛ وهُنالِك إِعفاءاتٌ ورُخَصٌ مِنَ الجُندِيّةِ، تَتِمُّ في فَرَحٍ وحُبُورٍ أَيضًا، وَسَطَ تَهلِيلٍ وتَكبِيرٍ.. تلك هي الَّتي تُسَمَّى بی"الوَفَياتِ".
هذا هو الَّذي أَهداه القُرآنُ الكَرِيمُ لِلبَشَرِيّةِ، فمَنِ اهتَدَى به فقد سَعِدَ في الدّارَينِ، ويَمضِي في طَرِيقِه یی الثّاني یی على هذه الصُّورةِ اللَّطِيفةِ بلا حُزنٍ وكَدَرٍ على ما فاتَ مِنه، وبلا خَوفٍ ووَجَلٍ مِمّا سيَأتِي علَيْه.
— 164 —
يا أَورُوبَّا الثَّانيةُ الفاسِدةُ، إنَّكِ تَستَنِدِينَ إلى أُسُسٍ واهِيةٍ نَخِرةٍ، فتَزعُمِينَ: أنَّ كلَّ كائِنٍ حيٍّ مالِكٌ لِنَفسِه، ابتِداءً مِن أَعظَمِ مَلَكٍ وانتِهاءً بأَصغَرِ سَمَكٍ يَعمَلُ لِذاتِه فقط، ولِأَجلِ ذاتِه فحَسْبُ، له حَقُّ الحَياةِ؛ فغايةُ هِمَّتِه وهَدَفُ قَصدِه هو ضَمانُ بَقائِه واستِمرارُ حَياتِه.. ثمَّ إنَّكِ تَرَينَ "قانُونَ التَّعاوُنِ" جارِيًا فيما بينَ المَخلُوقاتِ امتِثالًا لِأَمرِ الخالِقِ الكَرِيمِ الَّذي هو واضِحٌ جَلِيٌّ في أَرجاءِ الكَونِ كلِّه كإِمدادِ النَّباتاتِ لِلحَيَواناتِ والحَيَواناتِ لِلإِنسانِ، ثمَّ تَحسَبِينَ هذا القانُونَ والسُّنّةَ الإِلٰهِيّةَ وتلك التَّجَلِّياتِ الكَرِيمةَ الرَّحِيمةَ المُنبَعِثةَ مِن ذلك التَّعاوُنِ العامِّ جِدالًا وخِصامًا وصِراعًا، حتَّى حَكَمْتِ ببَلاهةٍ أنَّ الحَياةَ جِدالٌ وصِراعٌ!!
فيا سُبحانَ اللهِ!! كيفَ يكُونُ إِمدادُ ذَرّاتِ الطَّعامِ إِمدادًا بكَمالِ الشَّوقِ لِتَغذِيةِ خَلايا الجِسمِ جِدالًا وخِصامًا؟ بل ما هو إلّا سُنّةُ التَّعاوُنِ، ولا يَتِمُّ إلّا بأَمرِ رَبٍّ حَكِيمٍ كَرِيمٍ.
وإنَّ ما تَستَنِدِينَ إلَيْه مِن "أنَّ كلَّ شَيءٍ مالِكٌ لِنَفسِه" واضِحُ البُطلانِ، وأَوْضَحُ دَليلٍ علَيْه هو أنَّ أَشرَفَ الأَسبابِ وأَوسَعَها إِرادةً واختِيارًا هو الإِنسانُ؛ والحالُ ليس في يَدِ اختِيارِه ولا في دائِرةِ اقتِدارِه مِن أَظهَرِ أَفعالِه الِاختِيارِيّةِ یی كالأَكلِ والكَلامِ والتَّفكُّرِ یی إلّا جُزءٌ واحِدٌ مُبهَمٌ مِن بينِ المِئةِ.. فالَّذي لا يَملِكُ واحِدًا مِنَ المِئةِ مِن مِثلِ هذا الفِعلِ الظَّاهِرِ، كيف يكُونُ مالِكًا لِنَفسِه؟! وإذا كان الأَشرَفُ والأَوسَعُ اختِيارًا مَغلُولَ الأَيدِي عنِ التَّملُّكِ الحَقِيقيِّ والتَّصَرُّفِ التّامِّ فكَيفَ بسائِرِ الحَيَواناتِ والجَماداتِ؟ أَليسَ الَّذي يُطلِقُ هذا الحُكمَ "بأنَّ الحَيَواناتِ والجَماداتِ مالِكةُ نَفسِها" أَضَلَّ مِنَ الأَنعامِ وأَفقَدَ لِلشُّعُورِ مِنَ الجَماداتِ؟
فيا أَورُوبّا، ما وَرَّطَكِ في هذا الخَطأِ المُشِينِ إلّا دَهاؤُكِ الأَعوَرُ، أي: ذَكاؤُكِ المَنحُوسُ الخارِقُ، فلَقَد نَسِيتِ بذَكائِكِ هذا رَبَّ كلِّ شَيءٍ وخالِقَه، إذْ أَسنَدتِ آثارَه البَدِيعةَ إلى الأَسبابِ والطَّبِيعةِ المَوهُومةِ! وقسَّمتِ مُلكَ ذلك الخالِقِ الكَرِيمِ على الطَّواغِيتِ الَّتي تُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ.. فانطِلاقًا مِن هذه الزّاوِيةِ الَّتي يَنظُرُ مِنها دَهاؤُكِ الأَعوَرُ يَضطَرُّ كلُّ ذِي حَياةٍ وكلُّ إِنسانٍ أن يُصارِعَ وَحْدَه ما لا يُعَدُّ مِنَ الأَعداءِ، ويَحصُلَ بنَفسِه
— 165 —
على ما لا يُحَدُّ مِنَ الحاجاتِ، بما يَملِكُ مِنِ اقتِدارٍ كذَرّةٍ، واختِيارٍ كشَعرةٍ، وشُعُورٍ كلَمْعةٍ تَزُولُ، وحَياةٍ كشُعْلةٍ تَنطَفِئُ، وعُمُرٍ كدَقِيقةٍ تَنقَضِي، معَ أنَّه لا يَكفِي كلُّ ما في يَدِه لِواحِدٍ مِن مَطالِبِه؛ فعِندَما يُصابُ یی مَثلًا یی بمُصِيبةٍ فإنَّه لا يَرجُو الدَّواءَ لِدائِه إلّا مِن أَسبابٍ صُمٍّ عُمْيٍ، حتَّى يكُونُ مِصداقَ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ.
إنَّ دَهاءَكِ المُظلِمَ قد قَلَب نَهارَ البَشَرِيّةِ لَيلًا، ذلك اللَّيلَ البَهِيمَ بالجَورِ والمَظالِمِ، ثمَّ تُرِيدِينَ أن تُنوِّرِي ذلك الظَّلامَ المُخِيفَ بمَصابِيحَ كاذِبةٍ مُؤقَّتةٍ! هذه المَصابِيحُ لا تَبتَسِمُ بوَجهِ الإِنسانِ، بل تَستَهزِئُ به، وتَستَخِفُّ مِن ضَحِكاتِه الَّتي يُطلِقُها بِبَلاهةٍ وهُو مُتَمرِّغٌ في أَوْحالِ أَوْضاعٍ مُؤلِمةٍ مُبكِيةٍ! فكُلُّ ذِي حَياةٍ في نَظَرِ تَلامِيذِكِ: مِسكِينٌ مُبتَلًى بمَصائِبَ ناجِمةٍ مِن هُجُومِ الظَّلَمةِ؛ والدُّنيا مَأْتَمٌ عُمُوميٌّ، والأَصواتُ الَّتي تَنطَلِقُ مِنها نَعَياتُ المَوتِ، وأَنّاتُ الآلامِ، ونِياحاتُ اليَتامَى.
إنَّ الَّذي يَتَلقَّى الدَّرسَ مِنكِ ويَستَرشِدُ بِهَديِكِ يُصبِحُ "فِرعَونًا" طاغِيةً.. ولِكنَّه فِرعونٌ ذَليلٌ، إذ يَعبُدُ أَخَسَّ الأَشياءِ، ويَتَّخِذُ كلَّ شَيءٍ يَنتَفِعُ مِنه رَبًّا له.
وتِلمِيذُكِ هذا "مُتَمرِّدٌ" أَيضًا، ولكِنَّه مُتَمرِّدٌ مِسكِينٌ، إذ لِأَجلِ لَذّةٍ تافِهةٍ يُقبِّلُ قَدَمَ الشَّيطانِ، ولِأَجلِ مَنفَعةٍ خَسِيسةٍ يَرضَى بمُنتَهَى الذُّلِّ والهَوانِ.
وهُو "جَبّارٌ" ولكِنَّه جَبّارٌ عاجِزٌ في ذاتِه، لِأنَّه لا يَجِدُ مُرتَكَزًا في قَلبِه يَأوِي إلَيْه.
إنَّ غايةَ ما يَصبُو إلَيْه تِلمِيذُكِ وذِروةَ هِمَّتِه: تَطمِينُ رَغَباتِ النَّفسِ وإِشباعُ هَواها، حتَّى إنَّه دَسّاسٌ يَبحَثُ تَحتَ سِتارِ الحَمِيّةِ والتَّضحِيةِ والفِداءِ عن مَنافِعِه الذّاتيّةِ، فيُطَمْئِنُ بدَسِيسَتِه وخُبثِه حِرْصَه ويُشبِیعُ نَهَمَ غُرُورِه، إذ لا يُحِبُّ حَقًّا إلّا نَفسَه، بل يُضَحِّي بكلِّ شَيءٍ في سَبِيلِها.
أمّا التِّلمِيذُ المُخلِصُ الخالِصُ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ فهُو "عَبدٌ"، ولكِنَّه لا يَتَنزَّلُ لِعِبادةِ أَعظَمِ مَخلُوقٍ، فهُو "عَبدٌ عَزِيزٌ" لا يَرضَى حتَّى بالجَنّةِ یی تلك النِّعمةِ العُظمَى یی غايةً لِعُبُودِيَّتِه للهِ.
— 166 —
وهُو "لَيِّنٌ هَيِّنٌ"، ولكِنَّه لا يَتَذلَّلُ لِغَيرِ فاطِرِه الجَلِيلِ، ولِغَيرِ أَمرِه وإِذنِه، فهُو صاحِبُ هِمّةٍ عُلْيا وعَزِيمةٍ صادِقةٍ.
وهُو "فَقِيرٌ"، ولكِنَّه مُستَغنٍ عن كلِّ شَيءٍ بما ادَّخَر له مالِكُه الكَرِيمُ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ.
وهُو "ضَعِيفٌ"، ولكِنَّه يَستَنِدُ إلى قُوّةِ سَيِّدِه المُطلَقةِ، فالقُرآنُ الكَرِيمُ لا يَرضَى لِتِلمِيذِه الخالِصِ حتَّى بالجَنّةِ الخالِدةِ مَقصَدًا وغايةً، فكَيفَ بهذه الدُّنيا الزّائِلةِ؟
فافْهَمِي مِن هذا مَدَى التَّفاوُتِ الكَبِيرِ والبَونِ الشّاسِعِ بينَ هِمّةِ هذَينِ التِّلمِيذَينِ!
وكَذلِك يُمكِنُكُم أن تَقِيسُوا مَدَى الفَرقِ الهائِلِ بينَ تَلامِيذِ الفَلسَفةِ السَّقِيمةِ وتَلامِيذِ القُرآنِ الحَكِيمِ مِن حَيثُ مَدَى التَّضحِيةِ والفِداءِ في كلٍّ مِنهُما بما يَأتِي:
إنَّ تِلمِيذَ الفَلسَفةِ يَفِرُّ مِن أَخِيه إِيثارًا لِنَفسِه، ويُقِيمُ علَيْه الدَّعوَى؛ أمّا تِلمِيذُ القُرآنِ فإنَّه يَرَى جَمِيعَ عِبادِ اللهِ الصَّالِحِينَ في الأَرضِ والسَّماواتِ إِخوانًا له، ويَشعُرُ مِن أَعماقِ رُوحِه بأَواصِرِ شَوقٍ تَشُدُّه نَحوَهُم، فيَدعُو لَهُم دُعاءً خالِصًا نابِعًا مِن صَمِيمِ قَلبِه: "اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُؤمِنِينَ والمُؤمِناتِ"، فهُو يَسعَدُ بسَعادَتِهِم، حتَّى إنَّه يَرَى ما هو أَعظَمُ الأَشياءِ یی كالعَرشِ الأَعظَمِ والشَّمسِ الضَّخْمةِ یی مَأمُورًا مُسَخَّرًا مِثلَه.
ثمَّ يُمكِنُیكُم قِياسُ سُمُوِّ الرُّوحِ وانبِساطِها لَدَى التِّلمِيذَينِ بما يَأتِي:
إنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَمنَحُ تَلامِيذَه نَماءً سامِيًا لِلرُّوحِ وانبِساطًا واسِعًا لها، إذ يُسَلِّمُ إلى أَيدِيهِم بَدَلًا مِن تِسعٍ وتِسعِينَ حَبّةً مِن حَبّاتِ المِسبَحةِ، سِلسِلةً مُرَكَّبةً مِن ذَرّاتِ تِسعٍ وتِسعِينَ عالَمًا مِن عَوالِمِ الكَونِ الَّتي يَتَجلَّى فيها تِسعٌ وتِسعُونَ اسمًا مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى، ويُخاطِبُهُم: هاؤُمُ اقرَؤُوا أَوْرادَكُم بهذه السِّلسِلةِ. وهُم بدَوْرِهِم يَقرَؤُونَ أَوْرادَهُم بتلك المِسبَحةِ العَجِيبةِ، ويَذكُرُونَ رَبَّهُمُ الكَرِيمَ بأَعدادِها غيرِ المَحدُودةِ.
فإن شِئتَ فانظُرْ إلى تَلامِيذِ القُرآنِ مِنَ الأَولِياءِ الصّالِحِينَ أَمثالِ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ والشَّيخِ الرِّفاعيِّ والشَّيخِ الشّاذِليِّ رَضِيَ الله عَنهُم، وأَنصِتْ إلَيْهِم حِينَما يَقرَؤُونَ أَوْرادَهُم،
— 167 —
وانظُرْ كيفَ أَخَذُوا في أَيادِيهِم سَلاسِلَ الذَّرّاتِ، وعَدَدَ القَطَراتِ، وأَنفاسَ المَخلُوقاتِ، فيَذكُرُونَ اللهَ بها ويُسَبِّحُونَه ويُقَدِّسُونَه.. تَأمَّلْ كيفَ يَتَعالَى ذلك الإنسانُ الهَزِيلُ الصَّغِيرُ الَّذي يُصارِعُه أَصغَرُ مَيكرُوبٍ ويَصرَعُه أَدنَى كَرْبٍ! وكيفَ يَتَسامَى في التَّربِيةِ القُرآنيّةِ الخارِقةِ فتَنبَسِطُ لَطائِفُه وتَسطَعُ بفَيضِ إِرشاداتِ القُرآنِ حتَّى إنَّه يَستَصغِرُ أَضخَمَ مَوجُوداتِ الدُّنيا مِن أن يكُونَ مِسبَحةً لِأَورادِه، بل يَستَقِلُّ الجَنّةَ العُظمَى أن تكُونَ غايةَ ذِكرِه للهِ سُبحانَه، معَ أنَّه لا يَرَى لِنَفسِه فَضْلًا على أَدنَى شَيءٍ مِن خَلقِ اللهِ.. إنَّه يَجمَعُ مُنتَهَى التَّواضُعِ في مُنتَهَى العِزّةِ.. فيُمكِنُك قِياسًا على هذا أن تُقدِّرَ مَدَى انحِطاطِ تَلامِيذِ الفَلسَفةِ ومَدَى دَناءَتِهِم.
وهكذا، فالحَقائِقُ الَّتي تَراها الفَلسَفةُ السَّقِيمةُ الأَورُوبِّيّةُ بدَهائِها الأَعوَرِ مُشَوَّهةً زائِفةً، يَراها الهَدْيُ القُرآنِيُّ واضِحةً جَلِيّةً، ذلك النُّورُ الَّذي يَنظُرُ إلى كِلا العالَمَينِ مَعًا بعَينَينِ برَّاقَتَينِ نافِذَتَينِ إلى الغَيبِ، ويُشِيرُ بكِلْتا يَدَيه إلى السَّعادَتَينِ، ويُخاطِبُ البَشَرِيّةَ:
أيُّها الإِنسانُ، إنَّ ما تَملِكُه مِن نَفسٍ ومالٍ ليس مُلكًا لك، بل هو أَمانةٌ لَدَيك، فمالِكُ تلك الأَمانةِ قَدِيرٌ على كلِّ شَيءٍ، عَلِيمٌ بكلِّ شَيءٍ، رَحِيمٌ كَرِيمٌ، يَشتَرِي مِنك مُلكَه الَّذي عِندَك لِيَحفَظَه لك، لِئَلّا يَضِيعَ في يَدِك، وسيُكافِئُك به ثَمَنًا عَظِيمًا، فأَنتَ لَستَ إلّا جُندِيًّا مُكَلَّفًا بوَظِيفةٍ، فاعْمَلْ لِأَجلِه واسْعَ بِاسمِه، فهُو الَّذي يُرسِلُ إلَيْك رِزقَك الَّذي تَحتاجُه، ويَحفَظُك مِمّا لا تَقدِرُ علَيْه.
إنَّ غايةَ حَياتِك هذه ونَتِيجَتَها هي أن تكُونَ مَظهَرًا لِتَجلِّياتِ أَسماءِ ذلك المالِكِ، ومَعكَسًا لِشُؤُونِه الحَكِيمةِ.. وإذا ما أَصابَتْك مُصِيبةٌ فقُلْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أي: أنا طَوْعُ أَمرِ مَوْلايَ، فإن كُنتِ قادِمةً أيَّتُها المُصِيبةُ بإِذنِه وبِاسمِه، فأَهلًا ومَرحَبًا بكِ، فنَحنُ لا مَحالةَ راجِعُونَ إلَيْه لا مَناصَ مِن ذلك، وسنَحظَى بالمُثُولِ بينَ يَدَيه، فنَحنُ حَقًّا مُشتاقُونَ إلَيْه.. فما دامَ سيُعتِقُنا يَومًا مِن تَكالِيفِ الحَياةِ فلْيَكُن ذلك على يَدَيكِ أيَّتُها المُصِيبةُ.. أنا مُستَسلِمٌ راضٍ؛ ولكِن إن كانَ الأَمرُ والإِرادةُ قد صَدَر إلَيْكِ مِنه سُبحانَه لِأَجلِ الِابتِلاءِ والِاختِبارِ لِمَدَى مُحافَظَتِي على الأَمانةِ ولِمَدَى قِيامِي
— 168 —
بواجِباتِي، فلا أُسَلِّمُ ما استَطَعتُ أَمانةَ مالِكِي لِأَيدٍ غَيرِ أَمِينةٍ، ولا أَستَسلِمُ لِغَيرِ أَمرِه ورِضاه سُبحانَه.
فدُونَكِ مِثالًا واحِدًا مِن بينِ الأُلُوفِ مِنه على مَعرِفةِ قِيمةِ ما يُلقِّنُه دَهاءُ الفَلسَفةِ، ومَرتَبةِ ما يُرشِدُه هَدْيُ القُرآنِ مِن دُرُوسٍ.
نعم، إنَّ الوَضْعَ الحَقِيقيَّ لِكِلا الطَّرَفَينِ هو على هذا المِنوالِ، بَيْدَ أنَّ دَرَجاتِ النّاسِ مُتَفاوِتةٌ في الهِدايةِ والضَّلالةِ، ومَراتِبَ الغَفْلةِ مُختَلِفةٌ مُتَبايِنةٌ، فلا يَشعُرُ كلُّ واحِدٍ بهذه الحَقِيقةِ في كلِّ مَرتَبةٍ، إذِ الغَفْلةُ تُبطِلُ الحِسَّ والشُّعُورَ وتُخَدِّرُهُما، وقد أَبطَلَتْ في هذا الزَّمانِ الحِسَّ والشُّعُورَ إلى حَدٍّ لم يَعُد يَشعُرُ بأَلَمِ هذا العَذابِ الأَلِيمِ ومَرارَتِه أُولَئِك السّائِرُونَ في رِكابِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ، ولكِنَّ سِتارَ الغَفْلةِ يَتَمزَّقُ بتَزايُدِ الإِحساسِ العِلمِيِّ، عَلاوةً على نَذِيرِ المَوتِ الَّذي يَعرِضُ جِنازةَ ثَلاثِينَ أَلفَ شَخصٍ يَومِيًّا.
فيا أَسفَى! ويا وَيلَ مَن ضَلَّ بطَواغِيتِ الأَجانِبِ وعُلُومِهِمُ المادِّيّةِ الطَّبِيعيّةِ! ويا خَسارةَ أُولَئِك الَّذِينَ يُقلِّدُونَهُم تَقلِيدًا أَعمَى، ويَتَّبِعُونَهُم شِبْرًا بشِبْرٍ وذِراعًا بذِراعٍ.
فيا أَبناءَ هذا الوَطَنِ، لا تُحاوِلُوا تَقلِيدَ الإِفرَنجِ! وهل بعدَ كلِّ ما رَأَيتُم مِن ظُلمِ أَورُوبّا الشَّنِيعِ وعَداوَتِهِمُ اللَّدُودِ، تَتَّبِعُونَهُم في سَفاهَتِهِم، وتَسِيرُونَ في رِكابِ أَفكارِهِمُ الباطِلةِ؟! وتَلتَحِقُونَ بصُفُوفِهِم، وتَنضَمُّونَ تَحتَ لِوائِهِم بلا شُعُورٍ؟! فأَنتُم بهذا تَحكُمُونَ على أَنفُسِكُم وعلى إِخوانِكُم بالإِعدامِ.. كُونُوا راشِدِينَ فَطِنِينَ! إنَّكُم كُلَّما اتَّبَعتُمُوهُم في سَفاهَتِهِم وضَلالِهِمُ ازدَدتُم كَذِبًا وافتِراءً في دَعوَى الحَمِيّةِ والتَّضحِيةِ، لِأنَّ هذا الِاتِّباعَ استِخفافٌ بأُمَّتِكُم واستِهزاءٌ بمِلَّتِكُم!
هَدانا اللهُ وإيّاكُمُ إلى الصِّراطَ المُستَقِيمَ
— 169 —

المذكِّرة السادسة

يا مَن يَضطَرِبُ ويَقلَقُ مِن كَثرةِ عَدَدِ الكُفّارِ، ويَتَزلزَلُ باتِّفاقِهِم على إِنكارِ بَعضِ حَقائِقِ الإِيمانِ.. اِعلَمْ أيُّها المِسكِينُ:
أنَّ القِيمةَ والأَهَمِّيّةَ لَيسَتا في وَفرةِ الكَمِيّةِ وكَثرةِ العَدَدِ، إذِ الإِنسانُ إن لم يَكُن إِنسانًا حَقًّا انقَلَب حَيَوانًا شَيْطانًا، لِأنَّ الإِنسانَ يَكسِبُ حَيَوانيّةً هي أَشَدُّ مِنَ الحَيَوانِ نَفسِه كُلَّما تَوَغَّلَ في النَّوازِعِ الحَيَوانيّةِ، كبَعضِ الأَجانِبِ أوِ السَّائِرِينَ في رِكابِهِم؛ فبَينَما تَرَى قِلّةَ عَدَدِ الإِنسانِ قِياسًا إلى كَثرةِ عَدَدِ الحَيَواناتِ إذا بك تَراه قد أَصبَحَ سُلطانًا وسَيِّدًا على جَمِيعِ أَنواعِها، وصارَ خَلِيفةً في الأَرضِ.
فالكُفَّارُ المُنكِرُونَ والَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خُطُواتِهِم في السَّفاهةِ، هم نَوعٌ خَبِيثٌ مِن أَنواعِ الحَيَواناتِ الَّتي خَلَقَها الفاطِرُ الحَكِيمُ سُبحانَه لِعِمارةِ الدُّنيا، وجَعَلَهُم "وَحْدةَ قياسٍ" لِمَعرِفةِ دَرَجاتِ النِّعمةِ الَّتي أَسبَغَها على عِبادِه المُؤمِنِينَ، وسوفَ يُسَلِّمُهُم إلى جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصِيرُ الَّذي يَستَحِقُّونَه، حِينَما يَرِثُ الأَرضَ ومَن علَيْها.
ليس في إِنكارِ الكُفّارِ والضَّالِّينَ لِحَقِيقةٍ مِنَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ قُوّةٌ، ولا في نَفيِهِم لها سَنَدٌ، ولا في اتِّفاقِهِم أَهَمِّيّةٌ، لِأنَّه نَفيٌ؛ فأَلفٌ مِنَ النّافِينَ هم في حُكمِ نافٍ واحِدٍ فقط.
مِثالُ ذلك: إذا نَفَى أَهلُ إسطَنبُولَ جَمِيعُهم رُؤيَتَهُم لِلهِلالِ في بِدايةِ رَمَضانَ المُبارَكِ، فإنَّ إِثباتَ اثنَينِ مِنَ الشُّهُودِ، يُسقِطُ قِيمةَ اتِّفاقِ كلِّ ذلك الجَمعِ الغَفِيرِ.. فلا قِيمةَ إِذًا في اتِّفاقِ الكُفّارِ الكَثِيرِينَ ما دامَت ماهِيّةُ الكُفرِ والضَّلالةِ نَفْيًا، وإِنكارًا، وجَهْلًا، وعَدَمًا.. ومِن هُنا يُرجَّحُ حُكمُ مُؤمِنَينِ اثنَينِ يَستَنِدانِ إلى الشُّهُودِ في المَسائِلِ الإِيمانيّةِ الثّابِتةِ إِثباتًا قاطِعًا على اتِّفاقِ ما لا يُحَدُّ مِن أَهلِ الضَّلالةِ والإِنكارِ ويَتَغلَّبُ علَيْهِم.
وسِرُّ هذه الحَقِيقةِ هو ما يَأتِي:
إنَّ دَعاوَى النَّافِينَ مُتَعدِّدةٌ، رَغمَ أنَّها تَبدُو واحِدةً في الظّاهِرِ، إذ لا يَتَّحِدُ بَعضُها معَ البَعضِ الآخَرِ كي يُعزِّزَه ويَشُدَّ مِن عَضُدِه؛ بَينَما دَعاوَى المُثبِتِينَ تَتَّحِدُ وتَتَسانَدُ
— 170 —
ويَمُدُّ بَعضُها بَعضًا ويُقَوِّيه ويَدعَمُه، فالَّذي لا يَرَى هِلالَ رَمَضانَ في السَّماءِ يقُولُ: إنَّ الهِلالَ في نَظَرِي غيرُ مَوجُودٍ، وعِندِي غيرُ مَوجُودٍ.. والآخَرُ يقُولُ مِثلَه، فكُلٌّ مِنهُم يَنفِي مِن زاوِيةِ نَظَرِه، ولَيسَ مِن واقِعِ الحالِ، ومِنَ الأَمرِ بِذاتِه، لِذا فاختِلافُ نَظَرِهِم وتَنَوُّعُ الأَسبابِ الدّاعِيةِ إلى حَجْبِ الرُّؤيةِ، وتَعَدُّدُ مَوانِعِ النَّظَرِ لَدَى الأَشخاصِ، يَجعَلُ دَعاواهُم مُتَبايِنةً ومُختَلِفةً لا تَسنُدُ إِحداها الأُخرَى.
أمّا المُثبِتُونَ فلا يقُولُ أَحَدُهُم: الهِلالُ مَوجُودٌ في نَظَرِي، أو عِندِي، بل يقُولُ: إنَّ الهِلالَ مَوجُودٌ فِعلًا، وهُو في السَّماءِ بذاتِه.. والمُشاهِدُونَ جَمِيعًا يُصَدِّقُونَه في دَعواه هذه، ويُؤيِّدُونَه في الأَمرِ نَفسِه قائِلِينَ: الهِلالُ مَوجُودٌ في واقِعِ الحالِ.. أي: إنَّ جَمِيعَ الدَّعاوَى واحِدةٌ.
ولَمّا كانَ نَظَرُ النَّافِينَ مُختَلِفًا، فقد أَصبَحَت دَعاواهُم كَذلِك مُختَلِفةً، فلا يَسرِي حُكمُهُم على الأَمرِ بِذاتِه، لِأنَّه لا يُمكِنُ إِثباتُ النَّفيِ في الحَقِيقةِ، إذ يَلزَمُ الإِحاطةُ. ومِن هُنا صارَت مِنَ القَواعِدِ الأُصُوليّةِ: أنَّ "العَدَمَ المُطلَقَ لا يُثبَتُ إلّا بمُشكِلاتٍ عَظِيمةٍ".
نعم، إذا قُلتَ: إنَّ شَيئًا مّا مَوجُودٌ في الدُّنيا. فيَكفِي لِإثباتِه إِراءَتُه فقط؛ ولكِن إنْ قُلتَ: إنَّه مَعدُومٌ، غيرُ مَوجُودٍ في الدُّنيا. أي: إذا نَفَيتَ وُجُودَه، فيَنبَغِي لِإثباتِ هذا النَّفيِ أوِ العَدَمِ أنْ تَبحَثَ عنه في أَطرافِ الدُّنيا كافّةً وإِراءَةُ عَدَمِه.
وبِناءً على هذا السِّرِّ: يَتَساوَى في إِنكارِ الكُفّارِ لِحَقِيقةٍ واحِدةٍ الواحِدُ معَ الأَلفِ، لِعَدَمِ وُجُودِ التَّسانُدِ فيه؛ يُشبِهُ ذلك: حَلَّ مَسأَلةٍ ذِهنِيّةٍ، أوِ المُرُورَ مِن ثُقبٍ، أوِ القَفزَ مِن فَوقِ الخَندَقِ، ممّا لا تَسانُدَ فيه.
أمّا المُثبِتُونَ فلِأنَّهُم يَنظُرُونَ إلى الأَمرِ نَفسِه، أي: إلى واقِعِ الحالِ، فإنَّ دَعاواهُم تَتَّحِدُ وتَتَعاوَنُ ويَمُدُّ بَعضُهُم البَعضَ الآخَرَ قُوّةً، بمِثلِ التَّعاوُنِ الحاصِل في رَفعِ صَخْرةٍ عَظِيمةٍ، فكُلَّما تَكاثَرَتِ الأَيدِي علَيْها، سَهُل رَفْعُها أكثَرَ، حَيثُ يَستَمِدُّ كلٌّ مِنهُمُ القُوّةَ مِنَ الآخَرِ.
— 171 —

المذكِّرة السابعة

يا مَن يَحُثُّ المُسلِمِينَ ويُشَوِّقُهُم على حُطامِ الدُّنيا، ويَسُوقُهُم قَسْرًا إلى صَنائِعِ الأَجانِبِ والتَّمَسُّكِ بأَذيالِ رُقيِّهِم.. ويا مُدَّعِي الحَمِيّةِ، أيُّها الشَّقِيُّ.. تَمَهَّل، وتَأمَّل! واحْذَرْ مِنِ انقِطاعِ عُرَى الدِّينِ لِبَعضِ أَفرادِ هذه الأُمّةِ وانفِصامِ رَوابِطِهِم مَعَه، لِأنَّه إذا انقَطَعَت تلك الرَّوابِطُ لَدَى البَعضِ تَحتَ سَطْوةِ مَطارِقِ التَّقلِيدِ الأَعمَى والسُّلوكِ الأَرعَنِ، فسيَكُونُونَ مُلحِدِينَ مُضِرِّينَ بالمُجتَمَعِ، مُفسِدِينَ لِلحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ كالسُّمِّ القاتِلِ، إذِ المُرتَدُّ سُمٌّ زُعافٌ لِلمُجتَمَعِ، حيثُ قد فَسَد وِجْدانُه وتَعَفَّنَت طَوِيَّتُه كُلِّیيًّا؛ ومِن هُنا وَرَد في عِلمِ الأُصُولِ: "المُرتَدُّ لا حَقَّ له في الحَياةِ، خِلافًا لِلكافِرِ الذِّمِّيِّ أوِ المُعاهَدِ فإنَّ له حَقًّا في الحَياةِ"، وأنَّ شَهادةَ الكافِرِ مِن أَهلِ الذِّمّةِ مَقبُولةٌ عِندَ الأَحنافِ، بَينَما الفاسِقُ مَردُودُ الشَّهادةِ لِأنَّه خائِنٌ.
أيُّها الفاسِقُ الشَّقِيُّ، لا تَغْتَیرَّ بكَثْرةِ الفُسَّاقِ، ولا تَقُل: إنَّ أَفكارَ أَكثَرِيّةِ النّاسِ تُسانِدُني وتُؤيِّدُني، ذلك لِأنَّه لم يَدخُلِ الفِسقَ فاسِقٌ برَغبةٍ فيه وطَلَبًا لِذاتِ الفِسقِ، بل وَقَع فيه ولا يَستَطِيعُ الخُرُوجَ مِنه، إذ ما مِن فاسِقٍ إلّا ويَتَمنَّى أن يكُونَ تَقِيًّا صالِحًا، وأن يكُونَ رَئِيسُه وآمِرُه ذا دِينٍ وصَلاحٍ، اللَّهُمَّ إلّا مَن أُشرِبَ قَلبُه بالرِّدّةِ یی والعِياذُ باللهِ یی ففَسَد وِجدانُه بها، وأَصبَحَ يَلتَذُّ بِلَدْغِ الآخَرِينَ وإِيذائِهِم كالحَيّةِ.
أيُّها العَقلُ الأَبلَهُ والقَلبُ الفاسِدُ، أتَظُنُّ أنَّ المُسلِمِينَ لا يَرغَبُونَ في الدُّنيا، ولا يُفكِّرُونَ فيها، حتَّى أَصبَحُوا فُقَراءَ مُعْدِمِينَ، فتَراهُم بحاجةٍ إلى مَن يُوقِظُهُم مِن رَقْدَتِهِم كَيْلا يَنسَوْا نَصِيبَهُم مِنَ الدُّنيا؟
كلّا.. إنَّ ظَنَّك خَطَأٌ.. بل لَقدِ اشتَدَّ الحِرصُ، فهُم يَقَعُونَ في قَبضةِ الفَقرِ وشِباكِ الحِرمانِ نَتِيجةَ الحِرصِ، إذِ الحِرصُ لِلمُؤمِنِ سَبَبُ الخَيبةِ وقائِدُ الحِرمانِ والسَّفالةِ؛ وقد ذَهَب مَثلًا: الحَرِيصُ خائِبٌ خاسِرٌ.
نعم، إنَّ الأَسبابَ الدّاعِيةَ إلى الدُّنيا كَثِيرةٌ، والوَسائِلَ السّائِقةَ إلَيْها وَفِيرةٌ، وفي مُقدِّمَتِها ما يَحمِلُه كلُّ إِنسانٍ مِن نَفسٍ أَمّارةٍ بالسُّوءِ، وما يَكمُنُ فيه مِن هَوًى وحاجةٍ
— 172 —
وحَواسَّ ومَشاعِرَ وشَيطانٍ عَدُوٍّ وحَلاوةٍ ظاهِرِيّةٍ لِلدُّنيا؛ فَضْلًا عن أَقرانِ السُّوءِ مِن أَمثالِك.. وغَيرِها الكَثيرِ مِنَ الدُّعاةِ إلَيْها، بَينَما الدُّعاةُ إلى الآخِرةِ وهِي الخالِدةُ والمُرشِدُونَ إلى الحَياةِ الأَبدِيّةِ قَلِيلُونَ.
فإن كانَ لَدَيك ذَرَّةٌ مِنَ الحَمِيّةِ والشَّهامةِ تِجاهَ هذه الأُمّةِ، وإن كُنتَ صادِقًا في دَعواك إلى التَّضحِيةِ والفِداءِ والإِيثارِ، فعَلَيك بمَدِّ يَدِ المُساعَدةِ إلى أُولَئِك القِلّةِ مِنَ الدَّاعِينَ إلى الحَياةِ الباقِيةِ؛ وإلَّا فإن عاوَنتَ الكَثْرةَ، وكَمَّمتَ أَفواهَ أُولَئِك الدُّعاةِ القِلَّةِ، فقد أَصبَحتَ لِلشَّيطانِ قَرِينًا، فساءَ قَرِينًا!
أوَتَظُنُّ أنَّ فَقْرَنا ناجِمٌ عن زُهدٍ نابِعٍ مِنَ الدِّينِ أو مِن كَسَلٍ ناشِئٍ مِن تَركِ الدُّنيا؟ إنَّك مُخطِئٌ في ظَنِّك أَشَدَّ الخَطَأِ.. ألا تَرَى أنَّ المَجُوسَ والبَراهِمةَ في الصِّينِ والهِندِ والزُّنُوجَ في إِفريقِيّةَ وأَمثالَهُم مِنَ الشُّعُوبِ المَغلُوبِ على أَمرِها والواقِعةِ تَحتَ سَطْوةِ أَورُوبّا، هُم أَفقَرُ مِنّا حالًا؟!
أوَلَا تَرَى أنَّه لا يَبقَى بأَيدِي المُسلِمِينَ سِوَى ما يَسُدُّ رَمَقَهُم ويُقِيمُ أَوَدَهُم، حَيثُ يَغصِبُه كُفّارُ أَورُوبَّا الظَّالِمُونَ مِنهُم أو يَسرِقُه مُنافِقُو آسِيا بما يَحِيكُونَ مِن دَسائِسَ خَبِيثةٍ؟!
إن كانَت غايَتُكُم مِن سَوقِ المُؤمِنِينَ قَسْرًا إلى المَدَنيّةِ الَّتي هي الدَّنيّةُ (أي: بلا مِيمٍ) تَسهِيلًا لِإدارةِ دَفّةِ النِّظامِ وبَسطِ الأَمنِ في رُبُوعِ المَمْلكةِ، فاعْلَمُوا جَيِّدًا أنَّكُم على خَطَأٍ جَسِيمٍ، إذ تَسُوقُونَ الأُمَّةَ إلى هاوِيةِ طَرِيقٍ فاسِدٍ، لِأنَّ إِدارةَ مِئةٍ مِنَ الفاسِقِينَ الفاسِدِينَ أَخلاقِيًّا والمُرتابِينَ في اعتِقادِهِم وإِيمانِهِم، وجَعْلَ الأَمْنِ والنِّظامِ يَسُودُ فيما بَينَهُم لَهُو أَصعَبُ بكَثِيرٍ مِن إِدارةِ أُلُوفٍ مِنَ الصَّالِحِينَ المُتَّقِينَ ونَشرِ الأَمنِ فيما بَينَهُم.
وبِناءً على ما تَقدَّمَ مِنَ الأُسُسِ فلَيسَ بالمُسلِمِينَ حاجةٌ إلى تَرغِيبِهِم وحَثِّهِم على حُبِّ الدُّنيا والحِرصِ علَيْها، فلا يَحصُلُ الرُّقيُّ والتَّقدُّمُ ولا يُنشَرُ الأَمنُ والنِّظامُ في رُبُوعِ البِلادِ بهذا الأُسلُوبِ، بل هم بحاجةٍ إلى تَنظِيم مَساعِيهِم، وبَثِّ الثِّقةِ فيما بَينَهُم، وتَسهِيلِ وَسائِطِ التَّعاوُنِ فيما بَينَهُم، ولا تَتِمُّ هذه الأُمُورُ إلّا باتِّباعِ الأَوامِرِ المُقدَّسةِ في الدِّينِ، والثَّباتِ علَيْها، معَ التِزامِ التَّقوَى مِنَ اللهِ سُبحانَه وابتِغاءِ مَرضاتِه.
— 173 —

المذكِّرة الثامنة

يا مَن لا يُدرِكُ مَدَى اللَّذّةِ والسَّعادةِ في السَّعيِ والعَمَلِ.. أيُّها الكَسلانُ! اِعلَمْ أنَّ الحَقَّ تَبارَك وتَعالَى قد أَدرَجَ لِكَمالِ كَرَمِه جَزاءَ الخِدمةِ في الخِدمةِ نَفسِها، وأَدمَجَ ثَوابَ العَمَلِ في العَمَلِ نَفسِه.
ولِأَجلِ هذا كانَتِ المَوجُوداتُ قاطِبةً بما فيها الجَماداتُ یی مِن زاوِيةِ نَظَرٍ مُعيَّنةٍ یی تَمتَثِلُ الأَوامِرَ الرَّبّانيّةَ بشَوقٍ كامِلٍ، وبنَوعٍ مِنَ اللَّذّةِ، عِندَ أَدائِها لِوَظائِفِها الخاصّةِ بها، والَّتي يُطلَقُ علَيْها: "الأَوامِرُ التَّكوِينيّةُ"، فكُلُّ شَيءٍ ابتِداءً مِنَ النَّحلِ والنَّمل والدَّجاجِ، وانتِهاءً بالشَّمسِ والقَمَرِ، كلٌّ مِنها يَسعَى بِلَذّةٍ تامّةٍ في أَداءِ مَهامِّه؛ أي: اللَّذّةُ كامِنةٌ في ثَنايا وَظائِفِ المَوجُوداتِ، حَيثُ إنَّها تقُومُ بها على وَجهٍ مِنَ الإِتقانِ التّامِّ، رَغمَ أنَّها لا تَعقِلُ ما تَفعَلُ، ولا تُدرِكُ نَتائِجَ ما تَعمَلُ.
فإن قُلتَ: إنَّ وُجُودَ اللَّذّةِ في الأَحياءِ مُمكِنٌ، ولكِن كَيفَ يكُونُ الشَّوقُ واللَّذّةُ مَوجُودَينِ في الجَماداتِ؟
فالجَوابُ: أنَّ الجَماداتِ تَطلُبُ شَرَفًا ومَقامًا وكَمالًا وجَمالًا وانتِظامًا، بل تَبحَثُ عن كلِّ ذلك وتُفتِّشُ عنه لِأَجلِ إِظهارِ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ المُتَجلِّيةِ فيها، لا لِذاتِها؛ لِذا فهِي تَتَنوَّرُ وتَتَرقَّى وتَعلُو أَثناءَ امتِثالِها تلك الوَظِيفةَ الفِطْريّةَ، حَيثُ إنَّها تكُونُ بمَثابةِ مَرايا ومَعاكِسَ لِتَجَلِّياتِ أَسماءِ: "نُورِ الأَنوارِ".
فمَثلًا: قَطْرةٌ مِنَ الماءِ یی وقِطْعةٌ مِنَ الزُّجاج یی رَغمَ أنَّها تافِهةٌ وقاتِمةٌ في ذاتِها، فإذا ما تَوَجَّهَت بقَلبِها الصّافي إلى الشَّمسِ، تَتَحوَّلُ إلى نَوعٍ مِن عَرشٍ لِتِلك الشَّمسِ، فتَلْقاك بوَجهٍ مُضِيءٍ!
وكَذلِك یی على غِرارِ هذا المِثالِ یی الذَّرّاتُ والمَوجُوداتُ مِن حَيثُ قِيامُها بوَظِيفةِ مَرايا عاكِسةٍ لِتَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى لِذِي الجَلالِ والجَمالِ والكَمالِ المُطلَقِ، فإنَّها تَسمُو وتَعلُو إلى مَرتَبةٍ مِنَ الظُّهُورِ والجَلاءِ والتَّنوُّرِ هي غايةٌ في العُلُوِّ والسُّمُوِّ، إذ تَرتَفِعُ
— 174 —
تلك القَطْرةُ وتلك القِطْعةُ مِن حَضِيضِ الخُمُودِ والظُّلمةِ إلى ذِرْوةِ الظُّهُورِ والتَّنوُّرِ.. وبِما أنَّها تَكتَسِبُ یی مِن حَيثُ الوَظِيفةُ یی مَرتَبةً نُورانيّةً سامِيةً، فإِن كانَتِ اللَّذّةُ مُمكِنةً یی أي: إن كانَ لها حِصّةٌ مِنَ الحَياةِ العامّةِ یی أَمكَنَ القَولُ بأنَّ المَوجُوداتِ تقُومُ بأَداءِ وَظائِفِها في غايةِ اللَّذّةِ والمُتعةِ؛ وأَظهَرُ دَليلٍ على أنَّ اللَّذّةَ كامِنةٌ في ثَنايا الوَظِيفةِ نَفسِها هو ما يَأتِي:
تَأمَّلْ في وَظائِفِ أَعضائِك وحَواسِّك.. تَرَ أنَّ كُلًّا مِنها يَجِدُ لَذائِذَ مُتَنوِّعةً أثناءَ قِيامِه بمَهامِّه یی في سَبِيل بَقاءِ الشَّخصِ أوِ النَّوعِ یی فالخِدمةُ نَفسُها، والوَظِيفةُ عَينُها تكُونُ بمَثابةِ ضَربٍ مِنَ التَّلَذُّذِ والمُتعةِ بالنِّسبةِ إلَيْه، بل يكُونُ تَركُ الوَظِيفةِ والعَمَلِ عَذابًا مُؤلِمًا لِذلِك العُضوِ.
وهُناك دَليلٌ ظاهِرٌ آخَرُ هو: أنَّ الدِّيكَ یی مَثلًا یی يُؤْثِرُ الدَّجاجاتِ على نَفسِه، فيَتیرُكُ ما يَلتَقِطُه مِن حُبُوبِ رِزقِه إلَيهِنَّ دُونَ أن يَأكُلَ مِنها؛ ويُلاحَظُ أنَّه يقُومُ بهذه المُهِمّةِ وهُو في غايةِ الشَّوقِ وعِزِّ الِافتِخارِ وذِروةِ اللَّذّةِ؛ فهُنالِك إِذًا لَذّةٌ في تلك الخِدمةِ أَعظَمُ مِن لَذّةِ الأَكلِ.. وكذا الحالُ معَ الدَّجاجةِ الرّاعِيةِ لِأَفراخِها، فهِي تُؤْثرُها على نَفسِها، إذ تَدَعُ نَفسَها جائِعةً في سَبِيلِ إِشباعِ الصِّغارِ، بل تُضَحِّي بنَفسِها في سَبِيلِ الأَفراخِ، فتُهاجِمُ الكَلبَ المُغِيرَ علَيْها لِأَجلِ الحِفاظِ على الصِّغارِ.. ففي الخِدمةِ إِذًا لَذّةٌ تَفُوقُ كلَّ شَيءٍ، حتَّى إنَّها تَفُوقُ مَرارةَ الجُوعِ وتَرجَحُ على أَلَمِ المَوتِ.
فالوالِداتُ مِنَ الحَيَواناتِ تَجِدُ مُنتَهَى اللَّذّةِ في حِمايَتِها لِصِغارِها ما دامَت صَغِيرةً، ولكِن ما إن يَكبَرُ الصَّغِيرُ حتَّى تَنتَهِيَ مُهِمّةُ الأُمِّ فتَذهَبُ اللَّذّةُ أَيضًا، وتَبدَأُ الأُمُّ بضَربِ الَّذي كانَت تَرعاه، بل تَأخُذُ الحَبَّ مِنه.. هذه السُّنّةُ الإِلٰهِيّةُ جارِيةٌ في الحَيَواناتِ إلّا في الإِنسانِ، إذ تَستَمِرُّ مُهِمّةُ الأُمِّ نَوعًا مّا، لِأنَّ شَيئًا مِنَ الطُّفُولةِ يَظَلُّ في الإِنسانِ حَيثُ الضَّعفُ والعَجزُ يُلازِمانِه طَوالَ حَياتِه، فهُو بحاجةٍ إلى الشَّفَقةِ والرَّأفةِ كلَّ حِينٍ.
وهكذا، تَأمَّلْ في جَمِيعِ الذُّكُورِ مِنَ الحَيَواناتِ كالدِّيكِ، وجَمِيعِ الوالِداتِ مِنها كالدَّجاجِ، وافْهَمْ أنَّها لا تقُومُ بتلك الوَظِيفةِ ولا تُنجِزُ أيَّ شَيءٍ لِأَجلِ نَفسِها ولا لِكَمالِها
— 175 —
بالذّاتِ حَيثُ تَفدِي نَفسَها إذا احتاجَ الأَمرُ؛ بل إنَّها تقُومُ بتلك المُهِمّةِ بِاسمِ المُنعِمِ الكَرِيمِ الَّذي أَنعَمَ علَيْها، وفي سَبِيلِ الفاطِرِ الجَلِيلِ الَّذي وَظَّفَها في تلك الوَظِيفةِ، فأَدرَجَ برَحمَتِه الواسِعةِ لَذّةً ضِمنَ وَظِيفَتِها، ومُتعةً ضِمنَ خِدمَتِها.
وهُناك دَليلٌ آخَرُ على أنَّ في العَمَلِ نَفسِه أُجرةً، وهُو أنَّ النَّباتاتِ والأَشجارَ تَمتَثِلُ أَوامِرَ فاطِرِها الجَلِيلِ على نَحوٍ يُشعِرُ بالشَّوْقِ واللَّذّةِ، لِأنَّ ما تَنشُرُه مِن رَوائِحَ طَيِّبةٍ، وما تَتَزيَّنُ به مِن زِينةٍ فاخِرةٍ تَستَهوِي الأَنظارَ، وما تُقدِّمُه مِن تَضحِياتٍ وفِداءٍ حتَّى الرَّمَقِ الأَخِيرِ لِأَجلِ سَنابِلِها وثِمارِها.. كلُّ ذلك يُعلِنُ لِأَهلِ الفِطْنةِ: أنَّ النَّباتاتِ تَجِدُ لَذّةً فائِقةً في امتِثالِها الأَوامِرَ الإِلٰهِيّةَ بما يَفُوقُ أيّةَ لَذّةٍ أُخرَى، حتَّى إنَّها تَمحُو نَفسَها وتُهلِكُها لِأَجلِ تلك اللَّذّةِ.. ألا تَرَى شَجَرةَ جَوزِ الهِندِ وشَجَرةَ التِّينِ كيف تُطعِمُ ثَمَرَتَها لَبنًا خالِصًا تَطلُبُه مِن خَزِينةِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ بلِسانِ حالِها وتَتَسلَّمُه مِنها، وتَظَلُّ هي لا تُطعِمُ نَفسَها غيرَ الطِّينِ؟ وشَجَرةَ الرُّمانِ تَسقِي ثَمَرتَها شَرابًا صافِيًا، وَهَبَها رَبُّها إِيّاه، وهِي تَرضَى قانِعةً بِشُربِ ماءٍ عَكِرٍ؟ حتَّى إنَّك تَرَى ذلك في الحُبُوبِ كَذلِك، فهِي تُظهِرُ شَوقًا هائِلًا لِلتَّسَنبُلِ، بمِثلِ اشتِياقِ السَّجِينِ إلى رَحبِ الحَياةِ.
ومِن هذا السِّرِّ الجارِي في الكائِناتِ المُسَمَّى بی"سُنّةِ اللهِ"، ومِن هذا الدُّستُورِ العَظِيمِ، يكُونُ العاطِلُ الكَسلانُ الطَّرِيحُ على فِراشِ الرّاحةِ أَشقَى حالًا وأَضيَقَ صَدرًا مِنَ السّاعِي المُجِدِّ، ذلك لِأنَّ العاطِلَ يكُونُ شاكِيًا مِن عُمُرِه، يُرِيدُ أن يَمضِيَ بسُرعةٍ في اللَّهوِ والمَرَحِ؛ بَينَما السّاعِي المُجِدُّ شاكِرٌ للهِ وحامِدٌ له، لا يُرِيدُ أن يَمضِيَ عُمُرُه سَرِيعًا، لِذا أَصبَحَ دُستُورًا عامًّا في الحَياةِ: "المُستَرِيحُ العاطِلُ شاكٍ مِن عُمُرِه، والسّاعِي المُجِدُّ شاكِرٌ"، وذَهَب مَثلًا: "الرّاحةُ مُندَمِجةٌ في الزَّحمةِ، والزَّحمةُ مُندَمِجةٌ في الرّاحةِ".
نعم، إذا ما أُمعِنَ النَّظَرُ في الجَماداتِ، فإنَّ السُّنّة الإِلٰهِيّةَ المَذكُورةَ تَظهَرُ بوُضُوحٍ؛ فالجَماداتُ الَّتي لم تَتَكشَّفِ استِعداداتُها وباتَت ناقِصةً مِن هذه النّاحِيةِ، تَراها تَسعَى بشِدّةٍ، وتَبذُلُ جُهدًا عَظِيمًا لِكَي تَنبَسِطَ وتَنتَقِلَ مِن طَورِ "القُوّةِ" الكامِنةِ إلى طَورِ
— 176 —
"الفِعلِ"؛ وعِندَها يُشاهَدُ علَيْها ما يُشِيرُ إلى أنَّ في تلك الوَظِيفةِ الفِطْرِيّةِ شَوقًا، وفي ذلك التَّحَوُّلِ لَذّةً، جَرْيًا بدُستُورِ سُنّةِ اللهِ، فإن كانَت لِذلِك الجامِدِ حِصّةٌ في الحَياةِ العامّةِ، فالشَّوقُ يَعُودُ إلَيْه، وإلّا فهُو يَعُودُ إلى الَّذي يُمثِّلُ ذلك الجامِدَ ويُشرِفُ علَيْه، بل يُمكِنُ أن يُقالَ بِناءً على هذا السِّرِّ: إنَّ الماءَ اللَّطِيفَ الرَّقراقَ ما إن يَتَسلَّمُ أَمرًا بالِانجِمادِ، حتَّى يَمتَثِلَ ذلك الأَمرَ بشِدّةٍ وشَوقٍ إلى حَدِّ أنَّه يَكسِرُ الحَدِيدَ ويُحَطِّمُه.. فإِذًا عِندَما تُبَلِّغُ البُرُودةُ بِدَرَجةِ الِانجِمادِ أَمرًا رَبّانيًّا بالتَّوَسُّعِ، إلى الماءِ في آنِيةٍ حَدِيديّةٍ مُغلَقةٍ، فإنَّ الماءَ يَمتَثِلُ الأَمرَ بشِدّةٍ وشَوقٍ بحَيثُ يُحَطِّمُ ذلك الحَدِيدَ، ويَنجَمِدُ.
وعلى هذا فقِسْ جَمِيعَ ما في الكَونِ مِن سَعيٍ وحَرَكةٍ، ابتِداءً مِن دَوَرانِ الشُّمُوسِ في أَفلاكِها، وانتِهاءً إلى دَوَرانِ الذَّرّاتِ یی كالمَوْلَوِيِّ العاشِقِ یی ودَوْراتِها واهتِزازاتِها.. فلا تَجِدُ أَحَدًا إلّا ويَجرِي على قانُونِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ، ويَظهَرُ إلى الوُجُودِ بالأَمرِ التَّكوِينيِّ الصّادِرِ مِن يَدِ القُدرةِ الإِلٰهِيّةِ والمُتَضمِّنِ الإِرادةَ والأَمرَ والعِلمَ الإِلٰهِيَّ.. حتَّى إنَّ كلَّ ذَرّةٍ، وكلَّ مَوجُودٍ، وكلَّ ذِي حَياةٍ، إنَّما هو كالجُندِيِّ الَّذي له عَلاقاتٌ مُتَبايِنةٌ ووَظائِفُ مُختَلِفةٌ، وارتِباطاتٌ مُتَنوِّعةٌ معَ كلِّ دائِرةٍ في الجَيشِ؛ فالذَّرّةُ المَوجُودةُ في عَينَيك یی مَثلًا یی لها عَلاقةٌ معَ خَلايا العَينِ، ومعَ أَعصابِ العَينِ في الوَجهِ، ومعَ الشَّرايِينِ والأَوْرِدةِ في الجِسمِ، وعلى أَساسِ هذه العَلاقاتِ والرَّوابِطِ تُعَيَّنُ لها وَظِيفةٌ، وعلى ضَوْئِها تُنتِجُ فَوائِدَ ومَصالِحَ، وهكذا..
فقِسْ على هذا المِنوالِ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ.
وعلى هذا الأَساسِ فإنَّ كلَّ شَيءٍ في الوُجُودِ يَشهَدُ على وُجُوبِ وُجُودِ القَدِيرِ المُطلَقِ مِن جِهَتَينِ:
الأُولَى: قِيامُه بوَظائِفَ تَفُوقُ طاقَتَه المَحدُودةَ بآلافِ المَرّاتِ، معَ أنَّه عاجِزٌ عن ذلك، فيَشهَدُ بلِسانِ عَجزِه على وُجُودِ ذلك القَدِيرِ المُطلَقِ.
الثّانيةُ: تَوافُقُ حَرَكَتِه معَ الدَّساتِيرِ الَّتي تُكوِّنُ نِظامَ العالَمِ، وانسِجامُ عَمَلِه معَ القَوانِينِ الَّتي تُدِيمُ تَوازُنَ المَوجُوداتِ، فيَشهَدُ بهذا الِانسِجامِ والتَّوافُقِ على وُجُودِ
— 177 —
ذلك العَلِيمِ القَدِيرِ؛ ذلك لِأنَّ جَمادًا كالذَّرّةِ أو حَشَرةً كالنَّحلةِ، لا تَستَطِيعُ أن تَعرِفَ النِّظامَ والمُوازَنةَ اللَّذَينِ هُما مِنَ المَسائِلِ الدَّقِيقةِ المُهِمّةِ المَسطُورةِ في الكِتابِ المُبِينِ، إذ أَينَ الذَّرّةُ والنَّحلةُ مِن قِراءةِ ذلك الكِتابِ الَّذي هو في يَدِ مَن يقُولُ: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ؟ فلا يَجرُؤُ أَحَدٌ أن يَرُدَّ هذه الشَّهادةَ لِلذَّرّةِ إلّا مَن يَتَوهَّمُ بحَماقةٍ مُتَناهِيةٍ أنَّها تَملِكُ عَينًا بَصِيرةً تُمَكِّنُها مِن قِراءةِ الحُرُوفِ الدَّقيقةِ لِذلِك الكِتابِ المُبِينِ.
نعم، إنَّ الفاطِرَ الحَكِيمَ يُدرِجُ دَساتِيرَ الكِتابِ المُبِينِ وأَحكامَه دَرجًا في غايةِ الجَمالِ، ويُجمِلُها في غايةِ الِاختِصارِ، ضِمنَ لَذّةٍ خاصّةٍ لِذلِك الشَّيءِ، وفي ثَنايا حاجةٍ مَخصُوصةٍ له؛ فإذا ما عَمِل الشَّيءُ وَفقَ تلك اللَّذّةِ الخاصّةِ والحاجةِ المَخصُوصةِ، فإنَّه يَمتَثِلُ یی مِن حَيثُ لا يَشعُرُ یی أَحكامَ ذلك الكِتابِ المُبِينِ.
فمَثلًا: إنَّ البَعُوضةَ في حِينِ مَولِدِها ومَجِيئِها إلى الدُّنيا تَنطَلِقُ مِن بَيتِها وتُهاجِمُ وَجهَ الإِنسانِ وتَضرِبُه بعَصاها الطَّوِيلةِ وخُرطُومِها الدَّقِيقِ وتُفجِّرُ به السّائِلَ الحَيَوِيَّ، وتَمَصُّه مَصًّا، وهي في هذا الهُجُومِ تُظهِرُ بَراعةً عَسكَرِيّةً فائِقةً..
تُرَى! مَن عَلَّم هذا المَخلُوقَ الصَّغِيرَ الَّذي أَتَى حَدِيثًا إلى الدُّنيا ولَيسَ له مِن تَجرِبةٍ سابِقةٍ، هذه المَهارةَ البارِعةَ، وهذه الفُنُونَ الحَربِيّةَ الدَّقِيقةَ، وهذا الإِتقانَ في التَّفجِيرِ؟ فمِن أَينَ اكتَسَب هذه المَعرِفةَ؟! فأَنا هذا السَّعِيدُ المِسكِينُ أَعتَرِفُ بأنِّي لو كُنتُ بَدَلًا مِنه، لَمَا كُنتُ أَتعَلَّمُ تلك المَهارةَ، وتلك الفُنُونَ العَسكَرِيّةَ مِن كَرٍّ وفَرٍّ، وتلك الأُمُورَ الدَّقِيقةَ في استِخراجِ السّائِلِ الحَيَوِيِّ إلّا بعدَ تَجارِبَ طَوِيلةٍ، ودُرُوسٍ عَدِيدةٍ، ومُدّةٍ مَدِيدةٍ.
فقِسْ على البَعُوضةِ النَّحلةَ المُلهَمةَ والعَنكَبُوتَ والبُلبُلَ النّاسِجَ لِعُشِّه نَسجًا بَدِيعًا، بل يُمكِنُك قِياسُ النَّباتاتِ على الحَيَواناتِ أَيضًا.
نعم، إنَّ الجَوادَ المُطلَقَ جَلَّ جَلالُه قد سَلَّم بِيَدِ كلِّ فَردٍ مِنَ الأَحياءِ "بِطاقةَ تَذكِرةٍ" مَكتُوبةً بمِدادِ اللَّذّةِ وحِبْرِ الِاحتِياجِ، فأَوْدَع سُبحانَه فيها مِنهاجَ أَوامِرِه التَّكوِينيّةِ،
— 178 —
وفِهرِسَ ما يَقُومُ به الفَردُ مِن وَظائِفَ.. فسُبحانَه مِن حَكِيمٍ ذِي جَلالٍ، كَيفَ أَدرَج ما يَخُصُّ النَّحلَ مِن دَساتِيرِ الكِتابِ المُبِينِ في تلك "التَّذكِرةِ" الصَّغِيرةِ وسَطَّرَها في رَأسِ النَّحلةِ، وجَعَل مِفتاحَها لَذّةً خاصّةً بالنَّحلةِ الدّائِبةِ، لِتَفتَح به تلك "التَّذكِرةَ" المُودَعةَ في دِماغِها وتَقرَأَ مِنهاجَ عَمَلِها فيها وتُدرِكَ وَظِيفَتَها، وتَسعَى وتَجِدَّ وَفْقَها، وتُبْرِزَ حِكمةً مِنَ الحِكَمِ المَكنُونةِ في الآيةِ الكَرِيمةِ: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
فيا مَن يَقرَأُ أو يَسمَعُ هذه المُذكِّرةَ الثّامِنةَ، إنْ كُنتَ قد فَهِمتَها حَقَّ الفَهمِ فقد فَهِمتَ إِذًا سِرًّا مِن أَسرارِ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
وأَدرَكتَ حَقِيقةً مِن حَقائِقِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه
وتَوَصَّلتَ إلى دُستُورٍ مِن دَساتيرِ: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وتَعَلَّمتَ مَسأَلةً لَطِيفةً مِن مَسائِلِ: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

المذكِّرة التاسعة

اِعلَمْ أنَّ النُّبوّةَ في البَشَرِيّةِ فَذْلَكةُ الخَيرِ وخُلاصةُ الكَمالِ وأَساسُه، وأنَّ الدِّينَ الحَقَّ فِهرِسُ السَّعادةِ، وأنَّ الإِيمانَ حُسنٌ مُنزَّهٌ وجَمالٌ مُجَرَّدٌ؛ وحَيثُ إنَّ حُسنًا ساطِعًا، وفَيضًا واسِعًا سامِيًا، وحَقًّا ظاهِرًا، وكَمالًا فائِقًا مُشاهَدٌ في هذا العالَمِ، فبِالبَداهةِ يكُونُ الحَقُّ والحَقِيقةُ في جانِبِ النُّبوّةِ، وفي يَدِ الأَنبِياءِ عَلَيهِم السَّلَام، وتكُونُ الضَّلالةُ والشَّرُّ والخَسارةُ في مُخالِفِيهِم.
فإن شِئتَ فانظُرْ إلى مِثالٍ واحِدٍ مِن بَينِ أُلُوفِ الأَمثِلةِ على مَحاسِنِ العُبُودِيّةِ الَّتي جاءَ بها النَّبيُّ (ص) وهُو: أنَّ النَّبيَّ (ص) يُوَحِّدُ بالعِبادةِ قُلُوبَ المُوَحِّدِينَ في صَلاةِ العِيدِ والجُمُعةِ والجَماعةِ، ويَجمَعُ أَلسِنَتَهُم جَمِيعًا على كَلِمةٍ واحِدةٍ، حتَّى يُقابِلَ هذا
— 179 —
الإِنسانُ عَظَمةَ الخِطابِ الصّادِرِ مِنَ المَعبُودِ الحَقِّ سُبحانَه بأَصواتِ قُلُوبٍ وأَلسِنةٍ لا تُحَدُّ وبدَعَواتِها، معَ تَمامِ التَّعاوُنِ والتَّسانُدِ، بحَيثُ يُظهِرُ الجَمِيعُ عُبُودِيّةً واسِعةً جِدًّا إِزاءَ عَظَمةِ أُلُوهِيّةِ المَعبُودِ الحَقِّ، فكأَنَّ كُرةَ الأَرضِ برُمَّتِها هي الَّتي تَنطِقُ بذلك الذِّكرِ، وتَدعُو بذلك الدُّعاءِ، وتُصَلِّي للهِ بأَقطارِها، وتَمتَثِلُ بأَرجائِها الأَمرَ النّازِلَ بالعِزّةِ والعَظَمةِ مِن فَوقِ السَّماواتِ السَّبعِ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ. وبِهذا الِاتِّحادِ صارَ الإِنسانُ یی وهُو المَخلُوقُ الضَّعِيفُ الصَّغِيرُ الَّذي هو كالذَّرّةِ في هذه العَوالِمِ یی عَبدًا مَحبُوبًا لَدَى خالِقِ السَّماواتِ والأَرضِ مِن جِهةِ عَظَمةِ عُبُودِيَّتِه له، وأَصبَحَ خَلِيفةَ الأَرضِ وسُلطانَها، وسَيِّدَ الحَيَواناتِ ورَئيسَها، وغايةَ خَلقِ الكائِناتِ ونَتِيجَتَها..
أَرأَيتَ لوِ اجتَمَعَت في عالَمِ الشَّهادةِ أَيضًا یی كما هُو في عالَمِ الغَيبِ یی أَصواتُ المُكَبِّرِينَ البالِغِينَ مِئاتِ المَلايِينِ مِنَ المُؤمِنِينَ بی"اللهُ أَكبَرُ" عَقِبَ الصَّلَواتِ ولا سِيَّما صَلاةِ العِيدِ، واتَّحَدَت جَمِيعُها في آنٍ واحِدٍ، أمَا كانَت مُساوِيةً لِصَوتِ تَكبِيرةِ "اللهُ أَكبَرُ" تُطلِقُها كُرةُ الأَرضِ ومُتَناسِبةً معَ ضَخامَتِها والَّتي أَصبَحَت كأنَّها إِنسانٌ ضَخمٌ، إذ باتِّحادِ تَكبِيراتِ أُولَئِك المُوَحِّدِينَ في آنٍ واحِدٍ يكُونُ هُنالِك تَكبِيرةٌ عَظِيمةٌ جِدًّا كأنَّ الأَرضَ تُطلِقُها، بل كأنَّ الأَرضَ تَتَزلزَلُ زِلزالَها في صَلاةِ العِيدِ! إذ تُكبِّیرُ اللهَ بتَكبِيرِ العالَمِ الإِسلامِيِّ بأَقطارِه وأَوْتادِه، وتُسبِّحُه بتَسبِيحِهِم وأَذكارِهِم، فتَنوِي مِن صَمِيمِ قَلبِ كَعبَتِها المُشَرَّفةِ الَّتي هي قِبلَتُها، وتُكبِّیرُ بی"اللهُ أَكبَرُ" بلِسانِ عَرَفةَ مِن فَمِ مَكّةَ المُكَرَّمةِ، فبِتَمَوُّجِ صَدَى "اللهُ أَكبَرُ" مُتَمثِّلًا في هَواءِ كُهُوفِ أَفواهُواَمِيعِ المُؤمِنِينَ المُنتَشِرِينَ في العالَمِ بمِثلِ تَمَوُّجِ ما لا يُحَدُّ مِنَ الصَّدَى في كَلِمةٍ واحِدةٍ مِن "اللهُ أَكبَرُ"، بل تَتَموَّجُ تلك التَّكبِيراتُ والأَذكارُ في أَقطارِ السَّماواتِ وعَوالِمِ البَرزَخِ..
فالحَمدُ للهِ الَّذي جَعَل هذه الأَرضَ ساجِدةً عابِدةً له، وهَيَّأَها لِتَكُونَ مَسجِدًا لِعِبادِه ومَهْدًا لِمَخلُوقاتِه؛ فنَحمَدُه سُبحانَه ونُسَبِّحُه ونُكبِّیرُه بعَدَدِ ذَرّاتِ الأَرضِ، ونَرفَعُ إلَيْه حَمْدًا بعَدَدِ مَوجُوداتِه، أن جَعَلَنا مِن أُمّةِ مُحمَّدٍ (ص) الَّذي عَلَّمَنا هذا النَّوعَ مِنَ العُبُودِيّةِ.
— 180 —

المذكِّرة العاشرة

أيُّها السَّعِيدُ الغافِلُ المُتَخبِّطُ بسُوءِ حالِه.. اِعلَمْ أنَّ الوُصُولَ إلى نُورِ مَعرِفةِ الحَقِّ سُبحانَه، وإلى مُشاهَدةِ تَجَلِّياتِه في مَرايا الآياتِ والشَّواهِدِ والنَّظَرِ إلَيْه مِن مَساماتِ البَراهِينِ والدَّلائِلِ، يَقتَضِي ألّا تَتَفحَّصَ بأَصابعِ التَّنقِيدِ كلَّ نُورٍ جَرَى علَيْك، ووَرَد إلى قَلبِك، وتَظاهَرَ إلى عَقلِك، وألّا تَنقُدَه بِيَدِ التَّرَدُّد؛ فلا تَمُدَّنَّ يَدَك لِأَخذِ نُورٍ أَضاءَ لك، بل تَجَرَّدْ مِن أَسبابِ الغَفْلةِ، وتَعرَّضْ لِذَلِك النُّورِ، وتَوَجَّهْ إلَيْه، فإنِّي قد شاهَدتُ أنَّ شَواهِدَ مَعرِفةِ اللهِ وبَراهِينَها ثلاثةُ أَقسامٍ:
قِسمٌ مِنها: كالماءِ، يُرَى ويُحَسُّ، ولكِن لا يُمسَكُ بالأَصابعِ؛ ففي هذا القِسمِ علَيْك بالتَّجَرُّدِ عنِ الخَيالاتِ، والِانغِماسِ فيه بكُلِّيَّتِك، فلا تَتَجسَّس بأُصبُعِ التَّنقِيدِ، فإنَّه يَسِيلُ ويَذهَبُ، إذ لا يَرضَى ماءُ الحَياةِ ذاك بالأُصبُعِ مَحَلًّا.
القِسمُ الثّاني: كالهَواءِ، يُحَسُّ ولكِن لا يُرَى، ولا يُتَّخَذُ ولا يُمسَكُ، فتَوَجَّهْ لِنَفَحاتِ تلك الرَّحمةِ، وتَعَرَّضْ لها، وقابِلْها بوَجهِك وفَمِك ورُوحِك، فإنْ نَظَرتَ إلى هذا القِسمِ بِيَدِ التَّرَدُّدِ والرَّيبِ، ومَدَدتَ إلَيْه يَدَ التَّنقِيدِ، بَدَلًا مِنَ الِانتِعاشِ رُوحِيًّا، فإنَّه يَنطَلِقُ، إذ لا يَتَّخِذُ يَدَك مَسكَنًا له ولا يَرضَى بها مَنزِلًا.
القِسمُ الثَّالِثُ: فهُو كالنُّورِ، يُرَى ولكِن لا يُحَسُّ، ولا يُؤخَذُ ولا يُمسَكُ، فتَعَرَّضْ له وقابِلْه ببَصِيرةِ قَلبِك ونَظَرِ رُوحِك، وتَوَجَّهْ إلَيْه ببَصَرِك، ثمَّ انتَظِرْ، فلَرُبَّما يَأتِي بِذاتِه ومِن نَفسِه، لِأنَّ النُّورَ لا يُؤخَذُ باليَدِ، ولا يُصادُ بالأَصابعِ، بل بِنُورِ البَصِيرةِ؛ فإذا مَدَدتَ إلَيْه يَدًا مادِّيّةً حَرِيصةً، ووَزَنتَه بمَوازِينَ مادِّيّةٍ، فإنَّه يَختَفِي وإنْ لم يَنطَفِئْ، لِأنَّ نُورًا كهَذا مِثلَما أنَّه لا يَرضَى بالمادِّيِّ حَبْسًا، ولا يَدخُلُ بالقَيدِ أَبدًا، فإنَّه لا يَرضَى بالكَثِيفِ مالِكًا وسَيِّدًا علَيْه.
— 181 —

المذكِّرة الحاديةَ عشْرةَ

اُنظُرْ إلى دَرَجةِ رَحمةِ القُرآنِ الواسِعةِ وشَفَقَتِه العَظِيمةِ على جُمهُورِ العَوامِّ ومُراعاتِه لِبَساطةِ أَفكارِهِم ونَظَرِهِم غَيرِ الثَّاقِبِ إلى أُمُورٍ دَقِيقةٍ، اُنظُرْ كيفَ يُكرِّرُ ويُكثِرُ الآياتِ الواضِحةَ المَسطُورةَ في جِباهِ السَّماواتِ والأَرضِ، فيُقرِئُهُمُ الحُرُوفَ الكَبِيرةَ الَّتي تُقرَأُ بكَمالِ السُّهُولةِ، كخَلقِ السَّماواتِ والأَرضِ وإِنزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وإِحياءِ الأَرضِ.. وأَمثالِها مِنَ الآياتِ؛ ولا يُوجِّهُ الأَنظارَ إلى الحُرُوفِ الدَّقيقةِ المَكتُوبةِ في الحُرُوفِ الكَبِيرةِ إلّا نادِرًا، كَيْلا يَصْعُبَ علَيهِم فَهْمُ الأَمرِ.
ثمَّ انظُرْ إلى جَزالةِ بَيانِ القُرآنِ وسَلاسةِ أُسلُوبِه وفِطْرِيَّتِه، وكَأَنَّ القُرآنَ حافِظٌ يَتلُو ما كَتَبتْهُ القُدْرةُ الإِلٰهِيّةُ في صَحائِفِ الكائِناتِ مِن آياتٍ، حتَّى كأنَّ القُرآنَ قِراءةٌ لِكِتابِ الكائِناتِ وتِلاوةٌ لِأَنظِمَتِها، يَقرَأُ شُؤُونَ بارِئِها المُصَوِّرِ ويَكتُبُ أَفعالَه الحَكِيمةَ.. فإِن شِئتَ استَمِع بقَلبٍ شَهِيدٍ لِقَولِه تَعالَى: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ و قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ وأَمثالِهِما مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ.

المذكِّرة الثانيةَ عَشْرةَ

يا أَحِبّائي المُستَمِعِينَ لِهذه المُذكِّراتِ، اعلَمُوا أنِّي قد أَكتُبُ تَضَرُّعَ قَلبِي إلى رَبِّي معَ أنَّ مِن شَأنِه أن يُستَرَ ولا يُسطَرَ، رَجاءً مِن رَحمَتِه تَعالَى أن يَقبَلَ نُطقَ كِتابِي بَدَلًا عنِّي إذا أَسكَتَ المَوتُ لِسانِي.. نعم، لا تَسَعُ تَوبةُ لِساني في عُمُرِي القَصِيرِ كَفّارةً لِذُنُوبِي الكَثِيرةِ، فنُطقُ الكِتابِ الثّابِتِ الدّائِمِ أَوفَى لها؛ فقَبلَ ثَلاثَ عَشْرةَ سَنةً (حاشية): قبلَ ثلاثَ عشرةَ سنةً من تأليفِ هذه الرِّسالة.) وأَثناءَ اضطِرابٍ رُوحِيٍّ عارِمٍ وفي غَمْرةِ تَحَوُّلِ ضَحِكاتِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" إلى بُكاءِ "سَعِيدٍ الجَدِيدِ" أَفَقتُ مِن لَيلِ الشَّبابِ على صُبحِ المَشِيبِ، فسَطَّرتُ هذه المُناجاةَ باللُّغةِ العَرَبِيّةِ، أُورِدُها كما هي:
— 182 —
يا رَبِّي الرَّحِيمَ ويا إِلٰهِي الكَرِيمَ..
قد ضاعَ بسُوءِ اختِيارِي عُمُرِي وشَبابِي، وما بَقِيَ مِن ثَمَراتِه في يَدِي إلّا آثامٌ مُؤلِمةٌ مُذِلّةٌ، وآلامٌ مُضِرّةٌ مُضِلّةٌ، ووَساوِسُ مُزعِجةٌ مُعجِزةٌ؛ وأنا بهذا الحِملِ الثَّقِيلِ، والقَلبِ العَلِيلِ، والوَجهِ الخَجِيلِ مُتَقرِّبٌ بالمُشاهَدةِ بكَمالِ السُّرعةِ، بلا انحِرافٍ وبلا اختِيارٍ كآبائي وأَحبابِي وأَقارِبِي وأَقراني إلى بابِ القَبْرِ، بَيتِ الوَحْدةِ والِانفِرادِ في طَرِيقِ أَبدِ الآبادِ، لِلفِراقِ الأَبدِيِّ مِن هذه الدّارِ الفانيةِ الهالِكةِ باليَقِينِ، والآفِلةِ الرّاحِلةِ بالمُشاهَدةِ، ولا سِيَّما الغَدّارةِ المَكّارةِ لِمِثلي ذِي النَّفسِ الأَمّارةِ.
فيا رَبِّي الرَّحِيمَ، ويا رَبِّي الكَرِيمَ..
أُرانِي عن قَرِيبٍ لَبِستُ كَفَني ورَكِبتُ تابُوتِي، ووَدَّعتُ أَحبابِي، وتَوَجَّهتُ إلى بابِ قَبْرِي، فأُنادِي في بابِ رَحمَتِك: الأَمانَ الأَمانَ.. يا حَنَّانُ يا مَنَّانُ.. نَجِّنِي مِن خَجالةِ العِصيانِ.
آهٍ.. كَفَني على عُنُقي، وأنا قائِمٌ عِندَ رَأسِ قَبْرِي، أَرفَعُ رَأسِي إلى بابِ رَحمَتِك أُنادِي: الأَمانَ الأَمانَ.. يا رَحمٰنُ يا حَنَّانُ.. خَلِّصْني مِن ثِقَلِ حِملِ العِصيانِ.
آهٍ.. أنا مُلتَفٌّ بكَفَني، وساكِنٌ في قَبْرِي، وتَرَكَني المُشَيِّعُونَ، وأنا مُنتَظِرٌ لِعَفوِك ورَحمَتِك.. ومُشاهِدٌ أنْ لا مَلجَأَ ولا مَنجَا إلّا إلَيْك؛ وأُنادِي: الأَمانَ الأَمانَ.. مِن ضِيقِ المَكانِ، ومِن وَحشةِ العِصيانِ، ومِن قُبحِ وَجهِ الآثامِ.. يا رَحمٰنُ، يا حَنّانُ، يا مَنّان، ويا دَيّانُ.. نَجِّني مِن رَفاقةِ الذُّنُوبِ والعِصيانِ..
إِلٰهِي.. رَحمَتُك مَلجَئِي ووَسِيلَتِي، وإلَيْك أَرفَعُ بَثِّي وحُزنِي وشِكايَتي.
يا خالِقي الكَرِيمَ، ويا رَبِّي الرَّحِيمَ، ويا سَيِّدِي، ويا مَولايَ.. مَخلُوقُك، ومَصنُوعُك وعَبدُك العاصِي العاجِزُ، الغافِلُ، الجاهِلُ العَلِيلُ الذَّلِيلُ المُسِيءُ المُسِنُّ الشَّقِيُّ الآبِقُ، قد عادَ بعدَ أَربَعِينَ سَنةً إلى بابِك مُلتَجِئًا إلى رَحمَتِك، مُعتَرِفًا بالذُّنُوبِ والخَطِيئاتِ، مُبتَلًى بالأَوهامِ والأَسقامِ، مُتَضرِّعًا إلَيْك.. فإن تَقبَلْ وتَغفِرْ
— 183 —
وتَرحَمْ فأَنتَ لِذاك أَهلٌ وأَنتَ أَرحَمُ الرّاحِمِينَ، وإلّا فأَيُّ بابٍ يُقصَدُ غيرُ بابِك.. وأَنتَ الرَّبُّ المَقصُودُ والحَقُّ المَعبُودُ، ولا إلٰهَ إلّا أنتَ وَحدَك لا شَرِيكَ لك؟!
آخِرُ الكَلامِ في الدُّنيا وأوَّلُ الكَلامِ في الآخِرةِ وفي القَبْرِ: "أَشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ، وأَشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ اللهِ (ص)".

المذكِّرة الثالثةَ عشْرةَ

عِبارةٌ عن خَمسِ مَسائِلَ قد صارَت مَدارَ الِالتِباسِ.
أُولَاها: أنَّ الَّذِينَ يَعمَلُونَ في طَرِيقِ الحَقِّ، ويُجاهِدُونَ في سَبِيلِه، في الوَقتِ الَّذي يَنبَغِي لَهُم أن يَحصُرُوا تَفكِيرَهُم في واجِبِهم وعَمَلِهم، إِلّا أنَّهُم يَشغَلُونَ أَنفُسَهُم فيما يَخُصُّ شُؤُونَ اللهِ سُبحانَه وتَدبِيرَه، ويَبنُونَ أَعمالَهُم علَيْه فيُخطِئُونَ.
وَرَد في كِتابِ "أَدَبُ الدُّنيا والدِّينِ" أنَّ إِبليسَ یی لَعنةُ اللهِ علَيْه یی حِينَ ظَهَر لِعِيسَى ابنِ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَام قال: أَلَستَ تقُولُ: إنَّه لن يُصِيبَك إلّا ما كَتَبه اللهُ علَيْك؟ قال: نعم. قال: فارْمِ نَفسَك مِن ذِروةِ هذا الجَبَلِ، فإنَّه إن يُقدِّر لك السَّلامةَ تَسلَمْ. فقال له: يا مَلعُونُ! إنَّ للهِ أن يَختَبِر عَبدَه ولَيسَ لِلعَبدِ أن يَختَبِرَ رَبَّه! أي: إنَّ اللهَ سُبحانَه هو الَّذي يَختَبِرُ عَبدَه ويقُولُ له: إذا عَمِلتَ هكذا سأُوافِيك بكَذا، أَرأَيتَك تَستَطِيعُ القِيامَ به؟ ولكِنَّ العَبدَ ليس له الحَقُّ ولا في طَوْقِه أَصلًا أن يَختَبِرَ رَبَّه ويقُولَ: إذا قُمتُ بالعَمَلِ هكذا فهل تَعمَلُ لي كذا؟ فهذا الأُسلُوبُ مِنَ الكَلامِ الَّذي يُومِئُ بالِاختِبارِ سُوءُ أَدَبٍ تِجاهَ الرُّبُوبيّةِ، وهُو مُنافٍ لِلعُبُودِيّةِ؛ فما دامَ الأَمرُ هكذا، فعلى المَرءِ أن يُؤدِّيَ واجِبَه ولا يَتَدخَّلَ بتَدبِيرِ اللهِ سُبحانَه وقَدَرِه.
كانَ جَلالُ الدِّينِ خُوارَزْم شاه وهُو أَحَدُ أَبطالِ الإِسلامِ الَّذي انتَصَر على جَيشِ جِنكِيزخان انتِصاراتٍ عَدِيدةً، كان يَتَقدَّمُ جَيشَه إلى الحَربِ، فخاطَبَه وُزَراؤُه ومُقرَّبُوه: سيُظهِرُك اللهُ على عَدُوِّك، وتَنتَصِرُ علَيْهِم!
— 184 —
فأَجابَهُم: "عَلَيَّ الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ اتِّباعًا لِأَمرِه سُبحانَه، ولا حَقَّ لي فيما لم أُكلَّف به مِن شُؤُونِه، فالنَّصرُ والهَزِيمةُ مِن تَقدِيرِه سُبحانَه"، ولِبُلُوغِ هذا البَطَلِ العَظِيمِ إِدراكَ هذا السِّرِّ الدَّقيقِ في الِاستِسلامِ إلى أَمرِ اللهِ والِانقِيادِ إلَيْه، كان النَّصرُ حَلِيفَه في أَغلَبِ الأَحيانِ نَصرًا خارِقًا.
نعم، إنَّ الإِنسانَ الَّذي يَقُومُ بِأَفعالِه المُخَصَّصةِ بما لَدَيْه مِنَ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ، لا يَنبَغِي له أن يُفكِّرَ بالنَّتائِجِ الَّتي يَتَولَّى اللهُ سُبحانَه شُؤُونَها.
فمَثلًا: يَزدادُ حَماسُ بَعضِ الإِخوةِ وشَوقُهُم إلى "رَسائِلِ النُّورِ" باستِجابةِ النّاسِ لها، فيَنشَطُونَ أَكثَرَ.. ولكِن عِندَما لا يَستَجِيبُ لها النّاسُ، تَفتُرُ قُوّةُ الضُّعَفاءِ المَعنَوِيّةُ وتَنطَفِئُ جَذْوةُ شَوقِهِم! والحالُ أنَّ سَيِّدَنا الرَّسُولَ الأَعظَمَ (ص) وهُو الأُستاذُ الأَعظَمُ ومُقتَدَى الكُلِّ والرّائِدُ الأَعلَى قدِ اتَّخَذ الأَمرَ الإِلٰهِيَّ: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ دَليلًا ومُرشِدًا له، فكُلَّما أَعرَض النّاسُ عنِ الإِصغاءِ وتَوَلَّوْا عنه ازْدادَ جِهادًا وسَعْيًا في سَبِيلِ التَّبلِيغِ، لِأنَّه عَلِم يَقِينًا أنَّ جَعْلَ النّاسِ يُصغُونَ ويَهتَدُونَ إنَّما هو مِن شُؤُونِ اللهِ سُبحانَه، وَفقَ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، فما كانَ يَتَدخَّلُ (ص) في شُؤُونِه سُبحانَه.
لِذا فيا إِخوَتِي، لا تَتَدخَّلُوا في أَعمالٍ وشُؤُونٍ لا تَعُودُ إلَيْكُم، ولا تَبنُوا علَيْها أَعمالَكُم، ولا تَتَّخِذُوا طَورَ الِاختِبارِ تِجاهَ خالِقِكُم.
المَسأَلةُ الثّانيةُ: إنَّ غايةَ العُبُودِيّةِ امتِثالُ أَمرِ اللهِ ونَيلُ رِضاه، فالدَّاعِي إلى العُبُودِيّةِ هو الأَمرُ الإِلٰهِيُّ، ونَتِيجَتُها نَيلُ رِضاه سُبحانَه؛ أمّا ثَمَرتُها وفَوائِدُها فأُخرَوِيّةٌ.. إلَّا أنَّه لا تُنافِي العُبُودِيّةَ إذا مُنِحَت ثَمَراتٌ تَعُودُ فائِدَتُها إلى الدُّنيا، بشَرطِ ألّا تكُونَ عِلَّتَها الغائيّةَ، وألّا يُقصَد في طَلَبِها، فالفَوائِدُ الَّتي تَعُودُ إلى الدُّنيا والثَّمَراتُ الَّتي تَتَرتَّبُ علَيْها مِن نَفسِها وتُمنَحُ مِن دُونِ طَلَبٍ لا تُنافِي العُبُودِيّةَ، بل تكُونُ بمَثابةِ حَثٍّ وتَرجِيحٍ لِلضُّعَفاءِ، ولكِن إذا صارَتِ الفَوائِدُ الدُّنيَوِيّةُ أو مَنافِعُها عِلّةً، أو جُزءًا
— 185 —
مِنَ العِلّةِ لِتِلك العُبُودِيّةِ أو لِذلِك الوِردِ أوِ الذِّكرِ، فإنَّها تُبطِلُ قِسمًا مِن تلك العُبُودِيّةِ، بل تَجعَلُ ذلك الوِردَ الَّذي له خَصائِصُ عِدّةٌ عَقِيمًا دُونَ نَتِيجةٍ.
فالَّذِينَ لا يَفهَمُونَ هذا السِّرَّ، ويَقرَؤُونَ "الأَورادَ القُدسِيّةَ لِلشّاهِ النَّقْشَبَندِ" مَثلًا الَّتي لها مِئةٌ مِنَ المَزايا والخَواصِّ، أو يَقرَؤُونَ "الجَوشَنَ الكَبِيرَ" الَّذي له أَلفٌ مِنَ المَزايا والفَضائِلِ، وهُم يَقصِدُونَ بعضَ تلك الفَوائِدِ بالذّاتِ، لا يَجِدُونَ تلك الفَوائِدَ، بل لن يَجِدُوها ولن يُشاهِدُوها، وليس لَهُمُ الحَقُّ لِمُشاهَدَتِها البَتّةَ، لِأنَّه لا يُمكِنُ أن تكُونَ تلك الفَوائِدُ عِلّةً لِتِلك الأَورادِ، فلا تُطلَبُ مِنها تلك الفَوائِدُ قَصْدًا، لِأنَّ تلك الفَوائِدَ تَتَرتَّبُ بصُورةِ فَضْلٍ إِلٰهِيٍّ على ذلك الوِردِ الَّذي يُقرَأُ قِراءةً خالِصةً دُونَ طَلَبِ شَيءٍ؛ فأمّا إذا نَواها القارِئُ فإنَّ نيَّتَها تُفسِدُ إِخلاصَه جُزئيًّا، بل تُخرِجُها مِن كَونِها عُبُودِيّةً، فتَسقُطُ قِيمَتُها.
بَيْدَ أنَّ هُنالِك أَمرًا آخَرَ، هو أنَّ أَشخاصًا ضُعَفاءَ بحاجةٍ إلى مُشَوِّقٍ ومُرجِّحٍ، فإذا ما قَرَأ الأَورادَ قِراءةً خالِصةً لله، مُتَذكِّرًا تلك الفَوائِدَ، فلا بَأسَ في ذلك، بل هو مَقبُولٌ.
ولِعَدَمِ إِدراكِ هذه الحِكْمةِ، يَقَعُ الكَثِيرُونَ فَرِيسةَ الرَّيبِ والشَّكِّ عِندَ عَدَمِ وِجدانِهِم تلك الفَوائِدَ الَّتي رُوِيَت عنِ الأَقطابِ والسَّلَفِ الصّالِحِينَ، بل قد يُنكِرُونَها.
المَسألةُ الثّالثةُ: "طُوبَى لِمَن عَرَفَ حَدَّه ولَم يَتَجاوَز طَوْرَه":
إنَّ هُنالِك تَجَلِّياتٍ لِلشَّمسِ على كلِّ شَيءٍ، ابتِداءً مِن ذَرّةٍ وزُجاج وقَطرةِ ماءٍ ومِنَ الحَوضِ الكَبِيرِ والبَحرِ العَظِيمِ، وانتِهاءً بالقَمَرِ والكَواكِبِ السَّيّارةِ، كلٌّ مِنها يَطبَعُ على نَفسِه انعِكاسَ الشَّمسِ وصُورَتَها حَسَبَ قابِلِيَّتِه، ويَعرِفُ حَدَّه؛ فتَستَطِيعُ قَطْرةُ ماءٍ أن تقُولَ: عِندِي انعِكاسٌ لِلشَّمسِ، وذلك حَسَبَ قابِلِيَّتِها، ولكِن لا تَجرُؤُ على القَولِ: أنا مِرآةٌ لِلشَّمسِ كالبَحرِ.
كَذلِك الأَمرُ في مَقاماتِ الأَولياءِ، ففِيها مَراتِبُ عِدّةٌ، حَسَبَ تَنوُّعِ تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى، فكُلُّ اسمٍ مِنَ الأَسماءِ الحُسنَى له تَجَلِّياتٌ یی كالشَّمسِ في
— 186 —
المِثالِ یی ابتِداءً مِنَ القَلبِ وانتِهاءً بالعَرشِ؛ فالقَلبُ عَرشٌ، ولكِن لا يَستَطِيعُ أن يقُولَ: "أنا كالعَرشِ الأَعظَمِ"؛ ومِن هُنا كان السَّالِكُ في سَبِيلِ الفَخرِ والغُرُورِ يَلتَبِسُ علَيْه الأَمرُ فيَجعَلُ قَلبَه الصَّغِيرَ جِدًّا كالذَّرّةِ مُساوِيًا لِلعَرشِ الأَعظَمِ، ويَعتَبِرُ مَقامَه الَّذي هو كالقَطْرةِ كُفُؤًا معَ مَقامِ الأَولياءِ العِظامِ الَّذي هو كالبَحرِ؛ فبَدَلًا مِن أن يَصرِفَ هَمَّه لِمَعرِفةِ أَساسِ العُبُودِيّةِ الَّذي هو العَجزُ والفَقرُ وإِدراكُ تَقصِيرِه ونَقصِه أَمامَ بارِئِه القَدِيرِ، والتَّضَرُّعُ أَمامَ عَتَبةِ أُلُوهِيَّتِه سُبحانَه، والسُّجُودُ عِندَها بكلِّ ذُلٍّ وخُضُوعٍ، تَراه يَبدُرُ مِنه التَّصَنُّعُ والتَّكلُّفُ لِأَجلِ أن يُلائِمَ نَفسَه ويُحافِظَ علَيْها معَ مُستَوَى تلك المَقاماتِ السّامِيةِ، فيَقَعُ فيما لا طائِلَ وَراءَه مِنَ الغُرُورِ والأَنانيّةِ والمَشاكِلِ العَوِيصةِ.
الخُلاصةُ: لقد وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «هَلَكَ النّاسُ إلّا العَالِمُونَ، وهَلَكَ العَالِمُونَ إلَّا العَامِلُونَ، وهَلَكَ العَامِلوُنَ إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ» ، أي: إنَّ مِحوَرَ النَّجاةِ ومَدارَها الإِخلاصُ، فالفَوزُ به إِذًا أَمرٌ في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، لِأنَّ ذَرّةً مِن عَمَلٍ خالِصٍ أَفضَلُ عِندَ اللهِ مِن أَطنانٍ مِنَ الأَعمالِ المَشُوبةِ؛ فالَّذي يَجعَلُ الإِنسانَ يُحرِزُ الإِخلاصَ هو تَفَكُّرُه في أنَّ الدّافِعَ إلى العَمَلِ هو الأَمرُ الإِلٰهِيُّ لا غَيرُ، ونَتِيجَتَه كَسْبُ رِضاه وَحْدَه، ثمَّ عَدَمُ تَدَخُّلِه في الشُّؤُونِ الإِلٰهِيّةِ.
إنَّ هُنالِك إِخلاصًا في كلِّ شَيءٍ، حتَّى إنَّ ذَرّةً مِن حُبٍّ خالِصٍ تَفضُلُ على أَطنانٍ مِنَ الحُبِّ الصُّورِيِّ الشَّكليِّ؛ وقد عَبَّر أَحَدُهُم شِعرًا عن هذا النَّوعِ مِنَ الحُبِّ:
ومَا أنَا بِالبَاغِي عَلَى الحُبِّ رِشْوَةً ضَعِيفُ هَوًى يُبْغَى عَلَيْهِ ثَوَابُ
أي: لا أَطلُبُ على الحُبِّ رِشوةً ولا أُجرةً ولا عِوَضًا ولا مُكَافأةً، لِأنَّ الحُبَّ الَّذي يَطلُبُ ثَوابًا ومُكافأةً حُبٌّ ضَعِيفٌ لا يَدُومُ؛ فهذا الحُبُّ الخالِصُ قد أَودَعَه اللهُ سُبحانَه في فِطْرةِ الإِنسانِ ولا سِيَّما الوالِداتِ عامّةً، فشَفَقةُ الوالِدةِ مِثالٌ بارِزٌ على هذا الحُبِّ الخالِصِ.
والدَّليلُ على أنَّ الوالِداتِ لا يَطلُبنَ تِجاهَ مَحَبَّتِهِنَّ لِأَولادِهِنَّ مُكافأةً ولا رِشوةً قَطُّ هو جُودُهُنَّ بأَنفُسِهِنَّ لِأَجلِ أَولادِهِنَّ، بل فِداؤُهُنَّ حتَّى بآخِرتِهِنَّ لِأَجلِهِم؛ حتَّى
— 187 —
تَرَى الدَّجاجَ تُهاجِمُ الكَلبَ إِنقاذًا لِأَفراخِها مِن فَمِه یی كما شاهَدَها "خُسرَو" یی عِلمًا أنَّ حَياتَها هي كلُّ ما لَدَيْها مِن رَأسِ مالٍ.
المَسألةُ الرَّابعة: لا يَنبَغِي أن تُؤخَذَ النِّعَمُ الَّتي تَرِدُ بأَسبابٍ ووَسائِلَ ظاهِرِيّةٍ على حِسابِ تلك الأَسبابِ والوَسائِلِ، لِأنَّ ذلك السَّبَبَ وتلك الوَسِيلةَ: إمّا له اختِيارٌ أو لا اختِيارَ له؛ فإن لم يَكُن له اختِيارٌ یی كالحَيَوانِ والنَّباتِ یی فلا رَيبَ أنَّه يُعطِيك بحِسابِ اللهِ وبِاسمِه؛ وحَيثُ إنَّه يَذكُرُ اللهَ بلِسانِ حالِه، أي: يقُولُ: بِاسمِ اللهِ. ويُسَلِّمُك النِّعمةَ، فخُذْها بِاسمِ اللهِ وكُلْها.
ولكِن إن كانَ ذلك السَّبَبُ له اختِيارٌ، فعَلَيْه أن يَذكُرَ اللهَ ويقُولَ: بِاسمِ اللهِ. فلا تَأخُذْ مِنه إلّا بعدَ ذِكرِه اسمَ اللهِ، لِأنَّ المَعنَى الإِشارِيَّ یی فَضْلًا عنِ المَعنَى الصَّرِيحِ یی لِلآيةِ الكَرِيمةِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَرمُزُ إلى: لا تَأكُلُوا مِن نِعمةٍ لم يُذكَرِ اسمُ مالِكِها الحَقِيقيِّ علَيْها وهُو اللهُ، ولم تُسلَّم إلَيْك بِاسمِه.
وعلى هذا: فعَلَى المُعطِي أن يَذكُرَ اسمَ اللهِ، وعلى الآخِذِ أن يَذكُرَ اسمَ اللهِ؛ فإن كانَ المُعطِي لا يَذكُرُ اسمَ اللهِ، وأنتَ في حاجةٍ إلى الأَخذِ، فاذكُرْ أنتَ اسمَ اللهِ، ولكِنِ ارفَعْ بصَرَك عالِيًا فوقَ رَأسِ المُعطِي، وانظُرْ إلى يَدِ الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي أَنعَمَت علَيْه وعلَيْك مَعًا، وقَبِّلها بالشُّكرِ، وتَسَلَّمْ مِنها النِّعمةَ. أي: انظُرْ إلى الإِنعامِ مِن خِلالِ النِّعمةِ، وتَذَكَّرِ المُنعِمَ الحَقِيقيَّ مِن خِلالِ الإِنعامِ، فهذا النَّظَرُ والتَّذكُّرُ شُكرٌ؛ ومِن ثَمَّ ارجِعْ بَصَرَك یی إن شِئتَ یی وانظُرْ إلى السَّبَبِ أوِ الوَسِيلةِ، وادْعُ له بالخَيرِ، وأَثْنِ علَيْه، لِوُرُودِ النِّعمةِ على يَدَيه.
إنَّ الَّذي يُوهِمُ عَبَدةَ الأَسبابِ ويَخدَعُهُم هو: اعتِبارُ أَحَدِ الشَّيئَينِ عِلّةً لِلآخَرِ عِندَ مَجِيئِهِما مَعًا، أو عِندَ وُجُودِهِما معًا؛ وهذا هو الَّذي يُسَمَّى بی"الِاقتِرانِ".
وحَيثُ إنَّ عَدَمَ وُجُودِ شَيءٍ مّا، يُصبِحُ عِلّةً لِعَدَمِ وُجُودِ نِعمةٍ، لِذا يَتَوهَّمُ المَرءُ أنَّ وُجُودَ ذلك الشَّيءِ هو عِلّةٌ لِوُجُودِ تلك النِّعمةِ، فيَبدَأُ بتَقدِيمِ شُكرِه وامتِنانِه إلى ذلك
— 188 —
الشَّيءِ فيُخطِئُ، لِأنَّ وُجُودَ نِعمةٍ مّا يَتَرتَّبُ على مُقدِّماتٍ كَثِيرةٍ وشَرائِطَ عَدِيدةٍ، بَينَما انعِدامُ تلك النِّعمةِ يَحدُثُ بمُجَرَّدِ انعِدامِ شَرطٍ واحِدٍ فقط.
مَثلًا: إنَّ الَّذي لا يَفتَحُ مَجرَى السَّاقِيةِ المُؤَدِّيةِ إلى الحَدِيقةِ يُصبِحُ سَبَبًا وعِلّةً لِجَفافِ الحَدِيقةِ ووَسِيلةً لِمَوتِها، وبالتَّالي إلى انعِدامِ النِّعَمِ الَّتي فيها؛ ولكِنَّ وُجُودَ النِّعَمِ في تلك الحَدِيقةِ لا يَتَوقَّفُ على عَمَلِ ذلك الشَّخصِ وَحْدَه، بل يَتَوقَّفُ أَيضًا على مِئاتٍ مِنَ الشَّرائِطِ الأُخرَى، بل لا تَحصُلُ تلك النِّعَمُ كلُّها إلّا بالعِلَّةِ الحَقِيقيّةِ الَّتي هي القُدرةُ الرَّبّانيّةُ والإِرادةُ الإِلٰهِيّةُ.
فافْهَمْ مِن هذا مَدَى الخَطَأِ في هذه المُغالَطةِ، واعْلَمْ فَداحةَ خَطَأِ عَبَدةِ الأَسبابِ.
نعم، إنَّ الِاقتِرانَ شَيءٌ والعِلّةَ شَيءٌ آخَرُ، فالنِّعمةُ الَّتي تَأتِيك وقدِ اقتَرَنَت بنِيّةِ إِحسانٍ مِن أَحَدِهِم إلَيْك، عِلَّتُها الرَّحمةُ الإِلٰهِيّةُ؛ ولَيسَ لِذاك الشَّخصِ إلّا الِاقتِرانُ دُونَ العِلّةِ.
نعم، لو لم يَنوِ ذلك الشَّخصُ تلك النِّيّةَ في الإِحسانِ إلَيْك لَمَا كانَت تَأتِيك تلك النِّعمةُ، أي: إنَّ عَدَمَ نِيَّتِه كانَ عِلّةً لِعَدَم مَجِيءِ النِّعمةِ، ولكِنَّ ذلك المَيلَ لِلإِحسانِ لا يكُونُ عِلّةً لِوُجُودِ النِّعمةِ أَبدًا، بل رُبَّما يكُونُ مُجَرَّدَ شَرطٍ واحِدٍ مِن بينِ مِئاتِ الشُّرُوطِ الأُخرَى.
ولَقدِ الْتَبَس الأَمرُ على بَعضِ "طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ" مِمَّن أَفاضَ اللهُ علَيْهِم مِن نِعَمِه (أَمثالَ خُسرَو ورَأفَت..) فالْتَبَس علَيهِمُ الِاقتِرانُ بالعِلّةِ، فكانُوا يُبْدُونَ الرِّضَا بأُستاذِهِم ويُثنُونَ علَيْه ثَناءً مُفرِطًا! والحالُ أنَّ اللهَ سُبحانَه قد قَرنَ نِعمةَ استِفادَتِهِم مِنَ الدُّرُوسِ القُرآنيّةِ معَ إِحسانِه إلى أُستاذِهِم مِن نِعمةِ الإِفادةِ، فالأَمرُ اقتِرانٌ ليس إلّا.
فهُم يقُولُونَ: لو لم يَقدَمْ أُستاذُنا إلى هُنا، ما كُنّا لِنَأخُذَ هذا الدَّرسَ الإِيمانِيَّ، فإِفادَتُه إِذًا هي عِلّةٌ لِاستِفادَتِنا نحنُ. وأنا أَقُولُ: يا إِخوَتِي الأَحِبّةَ، إنَّ الحَقَّ سُبحانَه
— 189 —
وتَعالَى قد قَرَن النِّعمةَ الَّتي أَنعَمَها عَلَيَّ بالَّتي أَنعَمَها علَيْكُم، فالعِلّةُ في كِلْتا النِّعمَتَينِ هي الرَّحمةُ الإِلٰهِيّةُ.
وقد كُنتُ يَومًا أَشعُرُ بامتِنانٍ بالِغٍ نحوَ طُلَّابٍ يَملِكُونَ قَلَمًا سَيَّالًا مِثلَكُم، ويَسعَوْنَ إلى خِدمةِ النُّورِ، فالْتَبَس عَلَيَّ الِاقتِرانُ بالعِلّةِ، فكُنتُ أَقُولُ: تُرَى! كيفَ كانَ يَنهَضُ في أَداءِ خِدمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ مَن كانَ مِثلِي في رَداءةِ الخَطِّ، لَوْلا هَؤُلاءِ الطَّلَبةُ؟! ولكِن فَهِمتُ بَعدَئذٍ أنَّ الحَقَّ سُبحانَه وتَعالَى بعدَما أَنعَم علَيكُمُ النِّعمةَ المُقدَّسةَ بجَوْدةِ الكِتابةِ، مَنَّ عَلَيَّ بالتَّوفِيقِ في السَّيرِ في هذه الخِدمةِ القُرآنيّةِ؛ فاقتَرَن الأَمرانِ مَعًا، فلا يكُونُ أَحَدُهُما عِلّةً لِلآخَرِ قَطُّ، لِذا فلا أُقدِّمُ شُكرِي وامتِنانِي لكُم، بل أُبشِّرُكُم وأُهنِّئكُم.. وعلَيكُم أَنتُم كَذلِك أن تَدْعُوا لي وتُهَنِّیئُوني بَدَلًا مِنَ الِامتِنانِ والثَّناءِ.
ففي هذه المَسأَلةِ مِيزانٌ دَقِيقٌ تُعرَفُ به دَرَجاتُ الغَفْلةِ.
المَسألةُ الخامِسةُ: كما أنَّه ظُلمٌ عَظِيمٌ إذا ما أُعطِيَ لِشَخصٍ واحِدٍ ما تَملِكُه الجَماعةُ، ويكُونُ الشَّخصُ مُرتَكِبًا ظُلمًا قَبِيحًا إذا ما غَصَبَ ما هو وَقْفٌ على الجَماعةِ، كَذلِك الأَمرُ في النَّتائِجِ الَّتي تَتَحصَّلُ بمَساعِي الجَماعةِ وعَمَلِهِم؛ والشَّرَفُ والمَنزِلةُ المُتَرتِّبةُ على مَحاسِنِ الجَماعةِ وفَضائِلِها، إذا ما أُسنِدَ إلى رَئيسِها أو أُستاذِها أو مُرشِدِها يكُونُ ظُلمًا واضِحًا بحَقِّ الجَماعةِ، كما هو ظُلمٌ بيِّنٌ بحَقِّ الأُستاذِ أوِ الرَّئيسِ نَفسِه، لِأنَّ ذلك يُداعِبُ أَنانيَّتَه المُستَتِرةَ فيه ويَسُوقُه إلى الغُرُورِ؛ فبَينَما هو حارِسٌ بَوّابٌ لِلجَماعةِ، إذا به يَتَزيّا بزِيِّ السُّلطانِ ويُوهِمُ الآخَرِينَ بزِيِّه، وأَيضًا يَظلِمُ نَفسَه، بل رُبَّما يَفتَحُ له هذا طَرِيقًا إلى نَوعٍ مِن شِركٍ خَفِيٍّ.. نعم، إنَّه لا يَحِقُّ لِآمِرِ طابُورٍ أَن يَحُوزَ الغَنائِمَ الَّتي حَصَل علَيْها الجُنُودُ مِن فَتحِهِم قَلعةً حَصِينةً، ولا يُمكِنُه أن يُسنِدَ انتِصارَهُم إلى نَفسِه.
لِأَجلِ هذا يَجِبُ ألّا يُنظَرَ إلى الأُستاذِ أوِ المُرشِدِ على أنَّه المَنبَعُ أوِ المَصدَرُ، بل يَنبَغِي اعتِبارُه والنَّظَرُ إلَيْه على أنَّه مَعكَسٌ ومَظهَرٌ فحَسْبُ، كالمِرآةِ الَّتي تَعكِسُ إلَيْك حَرارةَ الشَّمسِ وضَوْءَها، فمِنَ البَلاهةِ أن تَتَلقَّى المِرآةَ كأنَّها مَصدَرٌ لَهُما فتَنسَى الشَّمسَ نَفسَها، ومِن ثَمَّ تُولِي اهتِمامَك ورِضاك إلى المِرآةِ بَدَلًا عنِ الشَّمسِ!
— 190 —
نعم، إنَّه لا بُدَّ مِنَ الحِفاظِ على المِرآةِ لِأنَّها مَظهَرٌ يُظهِرُ تلك الصِّفاتِ، فرُوحُ المُرشِدِ وقَلبُه مِرآةٌ، تُصبِحُ مَعكَسًا لِلفُيُوضاتِ الرَّبّانيّةِ الَّتي يُفِيضُها الحَقُّ سُبحانَه علَيْها، فيُصبِحُ المُرشِدُ وَسِيلةً لِانعِكاسِ تلك الفُيُوضاتِ إلى مُرِيدِه.
لِذا يَجِبُ ألّا يُسنَدَ إلَيْه مَقامٌ أَعلَى مِن مَقامِ الوَسِيلةِ مِن حَيثُ الفُيُوضاتُ، بل يَحتَمِلُ ألّا يكُونَ ذلك الأُستاذُ الَّذي يُنظَرُ إلَيْه كأنَّه مَصدَرٌ مَظهَرًا ولا مَصدَرًا، وإنَّما يَرَى مُرِيدُه ما أَخَذَه مِن فُيُوضاتٍ یی في طَرِيقٍ آخَرَ یی يَراها في مِرآةِ رُوحِ شَيخِه، وذلك لِمَا يَحمِلُ مِن صَفاءِ الإِخلاصِ نَحوَه وشِدّةِ العَلاقةِ به ودُنُوِّ صِلَتِه به وحَصْرِ نَظَرِه فيه؛ مَثَلُه في هذا كمَثَلِ المُنوَّمِ مِغناطِيسِيًّا إذ يَنفَتِحُ في خَيالِه نافِذةٌ إلى عالَمِ المِثالِ بعدَ إِمعانِه النَّظَرَ في المِرآةِ، فيُشاهِدُ فيها مَناظِرَ غَرِيبةً عَجِيبةً، عِلْمًا أنَّ تلك المَناظِرَ لَيسَت في المِرآةِ وإنَّما فيما وَراءَ المِرآةِ مِمّا يَتَراءَى له مِن نافِذةٍ خَياليّةٍ انفَتَحَت نَتِيجةَ إِمعانِ النَّظَرِ في المِرآةِ.
لِهذا يُمكِنُ أن يكُونَ مُرِيدٌ مُخلِصٌ لِشَيخٍ غيرِ كامِلٍ أَكمَلَ مِن شَيخِه، فيَنبَرِي إلى إِرشادِ شَيخِه، ويُصبِحُ شَيخًا لِشَيخِه.

المذكِّرة الرابعةَ عَشْرةَ

تَتَضمَّنُ أَربَعةَ رُمُوزٍ صَغِيرةٍ تَخُصُّ التَّوحِيدَ:
الرَّمزُ الأوَّلُ: يا مَن يَستَمِدُّ مِنَ الأَسبابِ، إذا رَأَيتَ یی مثَلًا یی قَصرًا عَجِيبًا يُبنَى مِن جَواهِرَ غَرِيبةٍ، لا يُوجَدُ وَقتَ البِناءِ بَعضُ تلك الجَواهِرِ إلّا في الصِّينِ، وبَعضُها إلّا في الأَندَلُسِ، وبَعضُها إلّا في اليَمَنِ، وبَعضُها إلّا في سَيبِيرْيا.. وإذا شاهَدتَ أنَّ البِناءَ يَتِمُّ على أَحسَنِ ما يكُونُ، وتُجلَبُ له تلك الأَحجارُ الكَرِيمةُ مِنَ الشَّرقِ والغَربِ والشَّمالِ والجَنُوبِ بأَسرَعِ وَقتٍ وبسُهُولةٍ تامّةٍ وفي اليَومِ نَفسِه.. فهل يَبقَى لَدَيك رَيبٌ في أنَّ بَنّاءَ ذلك القَصرِ باسِطٌ هَيمَنَتَه على الكُرةِ الأَرضِيّةِ؟
وهكَذا كلُّ كائِنٍ حَيٍّ بِمَثابةِ قَصرٍ إِلٰهِيٍّ، ولا سِيَّما الإِنسانُ، فهُو مِن أَجمَلِ تلك القُصُورِ ومِن أَعجَبِها، لِأنَّ قِسمًا مِنَ الأَحجارِ الكَرِيمةِ لِهذا القَصرِ البَدِيعِ مِن عالَمِ
— 191 —
الأَرواحِ، وقِسمًا مِنها مِن عالَمِ المِثالِ واللَّوحِ المَحفُوظِ، وقِسمًا آخَرَ مِن عالَمِ الهَواءِ، ومِن عالَمِ النُّورِ، ومِن عالَمِ العَناصِرِ؛ كما امتَدَّت حاجاتُه إلى الأَبدِ، وانتَشَرَت آمالُه في أَقطارِ السَّماواتِ والأَرضِ، وشَرَّعَت رَوابِطُه وعَلاقاتُه في طَبَقاتِ الدُّنيا والآخِرةِ.
فيا هذا الإِنسانُ الَّذي يَحسِبُ نَفسَه إِنسانًا، أنتَ قَصرٌ عَجِيبٌ جِدًّا، وعِمارةٌ غَرِيبةٌ جِدًّا؛ فما دامَت ماهِيَّتُك هكَذا، فلا يكُونُ خالِقُك إِذًا إلّا ذلك الَّذي يَتَصرَّفُ في الدُّنيا والآخِرةِ بيُسرِ التَّصَرُّفِ في مَنزِلَينِ اثنَينِ، ويَتَصرَّفُ في الأَرضِ والسَّماءِ كتَصَرُّفِه في صَحِيفَتَينِ، ويَتَصرَّفُ في الأَزَلِ والأَبَدِ كأنَّهُما الأَمسُ والغَدُ، فلا مَعبُودَ يَلِيقُ بك، ولا مَلجَأَ لك، ولا مُنقِذَ إلّا ذلك الَّذي يَحكُمُ على الأَرضِ والسَّماءِ ويَملِكُ أَزِمّةَ الدُّنيا والعُقبَى.
الرَّمزُ الثّاني: هُنالِك بَعضُ الحَمقَى يَتَوجَّهُ بحُبِّه إلى المِرآةِ إذا ما رَأَى الشَّمسَ فيها، وذلك لِعَدَمِ مَعرِفَتِه بالشَّمسِ نَفسِها، فيُحافِظُ على المِرآةِ بحِرصٍ شَدِيدٍ لِاستِبقاءِ الشَّمسِ، ولِكَيْلا تَضِيعَ! ولكِن إذا تَفَطَّن أنَّ الشَّمسَ لا تَمُوتُ بمَوتِ المِرآةِ، ولا تَفنَى بانكِسارِها تَوَجَّه بمَحَبَّتِه كُلِّها إلى الشَّمسِ الَّتي في السَّماءِ، وعِندَئذٍ يُدرِكُ أنَّ الشَّمسَ الَّتي تُشاهَدُ في المِرآةِ لَيسَت تابِعةً لِلمِرآةِ، ولا يَتَوقَّفُ بَقاؤُها ببَقاءِ المِرآةِ، بل إنَّ بَقاءَ حَيَويّةِ المِرآةِ وتَلَألُئِها إنَّما هو بِبَقاءِ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ ومُقابَلَتِها؛ فبَقاءُ المِرآةِ تابِعٌ لِبَقاءِ الشَّمسِ.
فيا أيُّها الإِنسانُ، إنَّ قَلبَك وهُوِيَّتَك وماهِيَّتَك مِرآةٌ، وما في فِطْرَتِك مِن حُبِّ البَقاءِ ليس لِأَجلِها، بل لِأَجلِ ما فيها مِن تَجَلٍّ لِاسمِ الباقِي ذِي الجَلالِ، الَّذي يَتَجلَّى فيها حَسَبَ استِعدادِ كلِّ إِنسانٍ؛ ولكِن صُرِفَ وَجهُ تلك المَحَبّةِ إلى جِهةٍ أُخرَى نَتِيجةَ البَلاهةِ.. فما دامَ الأَمرُ هكَذا فقُل: يا باقِي أنت الباقِي. فإذْ أنتَ مَوجُودٌ وباقٍ، فلْيَفعَلِ الفَناءُ بنا ما شاءَ، فلا نُبالي بما نُلاقِي.
الرَّمزُ الثّالثُ: أيُّها الإِنسانُ، إنَّ مِن غَرائِبِ ما أَوْدَع الفاطِرُ الحَكِيمُ في ماهِيَّتِك أنَّه: بَينَما لا تَسَعُك الدُّنيا أَحيانًا فتقُولُ ضَجَرًا: أُفٍّ! أُفٍّ! كالمَسجُونِ المَخنُوقِ، وتَبحَثُ
— 192 —
عن مَكانٍ أَوسَعَ مِنها، إذا بك تَسَعُك خَرْدَلةٌ مِن عَمَلٍ، مِن خاطِرةٍ، مِن دَقيقةٍ، حتَّى تَفنَى فيها.. فقَلبُك وفِكرُك اللَّذانِ لا تَسَعُهُما الدُّنيا الضَّخْمةُ، تَسَعُهُما الذَّرّةُ الصَّغِيرةُ، فتَجُولُ بأَشَدِّ أَحاسِيسِك ومَشاعِرِك في دَقيقةٍ وخاطِرةٍ صَغِيرةٍ.
وقد أَودَع البارِئُ سُبحانَه في ماهِيَّتِك أَجهِزةً ولَطائِفَ مَعنَوِيّةً دَقيقةً، إذا ابتَلَع بَعضُها الدُّنيا فلا يَشبَعُ، ويَضِيقُ بَعضُها ذَرْعًا عن ذَرّةٍ ولا يَتَحمَّلُ شُعِيرةً، كالعَينِ الَّتي لا تَتَحمَّلُ شَعرةً والرَّأسِ الَّذي يَتَحمَّلُ أَثقالًا هائِلةً؛ فتِلك اللَّطِيفةُ لا تَتَحمَّلُ ثِقَلًا كالشَّعرةِ الدَّقيقةِ، أي: لا تَتَحمَّلُ حالةً هَيِّنةً جِدًّا نَشَأَت مِنَ الضَّلالةِ ونَجَمَت مِنَ الغَفْلةِ، بل قد تَنطَفِئُ جَذْوَتُها وتَمُوتُ.
فاحْذَرْ! وخَفِّفِ الوَطْءَ، وخَفْ مِنَ الغَرَقِ، فيَغرَقُ مَعَك أَلطَفُ لَطائِفِك الَّتي تَبتَلِعُ الدُّنيا في أَكْلةٍ، أو كَلِمةٍ، أو لَمْعةٍ، أو إِشارةٍ، أو بَقْلةٍ، أو قُبْلةٍ.. فهُنالِك أَشياءُ صَغِيرةٌ جِدًّا تَتَمكَّنُ یی في جِهةٍ یی أن تَستَوعِبَ ما هو ضَخمٌ جِدًّا.. فانظُرْ إن شِئتَ كيفَ تَغرَقُ السَّماءُ بنُجُومِها في مِرآةٍ صَغِيرةٍ، وكيفَ كَتَب الحَقُّ سُبحانَه في خَرْدَلةِ حافِظَتِك أَكثَرَ ما في صَحِيفةِ أَعمالِك وأَغلَبَ ما في صَحائِفِ أَعمارِك! فهُناك أَشياءُ جُزئيّةٌ صَغِيرةٌ تَبتَلِعُ یی بجِهةٍ ما یی تلك الأَشياءَ الكَبِيرةَ وتَستَوعِبُها.
الرَّمزُ الرّابعُ: يا عابِدَ الدُّنيا، إنَّ دُنياك الَّتي تَتَصوَّرُها واسِعةً فَسِيحةً ما هي إلّا كمَنزِلٍ ضَيِّقٍ أَشبَهَ بِالقَبْرِ، ولكِنَّ جُدْرانَه مِن مِرآةٍ تَتَعاكَسُ فيها الصُّوَرُ، فتَراه فَسِيحًا رَحْبًا واسِعًا مَدَّ البَصَرِ، فبَينَما مَنزِلُك هذا هو كالقَبْرِ تَراه كالمَدِينةِ الشَّاسِعةِ، ذلك لِأنَّ الجِدارَ الأَيمَنَ والأَيسَرَ لِتِلك الدُّنيا واللَّذَينِ يُمَثِّلانِ الماضِيَ والمُستَقبَلَ یی رَغمَ أنَّهُما مَعدُومانِ وغيرُ مَوجُودَينِ یی فإنَّهُما كالمِرآةِ تَعكِسانِ الصُّوَرَ في بَعضِهِما بَعضًا، فتُوسِّعانِ وتَبسُطانِ أَجنِحةَ زَمانِ الحالِ الحاضِرةِ الَّذي هو قَصِيرٌ جِدًّا وضَيِّقٌ جِدًّا، فتَختَلِطُ الحَقِيقةُ بالخَيالِ، فتَرَى الدُّنيا المَعدُومةَ مَوجُودةً.
فكما أنَّ خَطًّا مُستَقِيمًا یی وهُو في حَقِيقَتِه رَفِيعٌ جِدًّا یی إذا ما تَحَرَّك بسُرعةٍ يَظهَرُ واسِعًا كأنَّه سَطحٌ كَبِيرٌ، كَذلِك دُنياك أنتَ، هي في حَقِيقَتِها ضَيِّقةٌ جِدًّا، إِلّا أَنَّ جُدرانَها
— 193 —
قد تَوَسَّعَت ومُدَّت بغَفْلَتِك وتَوَهُّمِ خَيالِك، حتَّى إذا ما تَحَرَّك رَأسُك مِن جَرَّاءِ مُصِيبةٍ أَصابَتْك، تَراه يَصدُمُ ذلك الجِدارَ الَّذي كُنتَ تَتَصوَّرُه بَعِيدًا جِدًّا، فيُطَيِّیرُ ما تَحمِلُه مِن خَيالٍ، ويَطرُدُ نَومَك.. وعِندَئِذٍ تَجِدُ دُنياك الواسِعةَ أَضيَقَ مِنَ القَبْرِ، وتَرَى زَمانَك وعُمُرَك يَمضِي أَسرَعَ مِنَ البَرقِ، وتَنظُرُ إلى حَياتِك تَراها تَسِيلُ أَسرَعَ مِنَ النَّهرِ.

فما دامَتِ الحَياةُ الدُّنيا والعَيشُ المادِّيُّ والحَياةُ الحَيَوانيّةُ هكذا، فانْسَلَّ إِذًا مِنَ الحَيَوانيّةِ، ودَعِ المادِّيّةَ، وادْخُلْ مَدارِجَ حَياةِ القَلبِ.. تَجِدْ مَي 8Wَ حَياةٍ أَرحَبَ، وعالَمَ نُورٍ أَوسَعَ مِمّا كُنتَ تَتَوهَّمُه مِن تلك الدُّنيا الواسِعةِ.

وما مِفتاحُ ذلك العالَمِ الأَرحَبِ إلّا إِنطاقُ القَلبِ، وتَشغِيلُ الرُّوحِ بالكَلِمةِ المُقدَّسةِ: «لا إلٰهَ إلّا اللهُ» الَّتي تَدُلُّ على مَعرِفةِ الله وعلى أَسرارِ التَّوحِيدِ.

المذكِّرة الخامِسةَ عَشْرةَ

وهِي ثَلاثُ مَسائِلَ:
المَسألةُ الأُولى: يا مَن يُرِيدُ أن يَرَى دَليلًا على حَقِيقةِ الآيتَينِ الكَرِيمَتَينِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٭ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ اللَّتَينِ تُشِيرانِ إلى التَّجَلِّي الأَتَمِّ لِاسمِ اللهِ "الحَفِيظِ".
إنَّ التَّجَلِّيَ الأَعظَمَ لِاسمِ اللهِ الحَفِيظِ، ومِثالَ الحَقِيقةِ الكُبْرَى لِهاتَينِ الآيتَينِ: مَبثُوثٌ في الأَرجاءِ كافَّةً، يُمكِنُك أن تَجِدَه بالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ في صَحائِفِ كِتابِ الكائِناتِ، ذلك الكِتابِ المَكتُوبِ على مِسطَرِ الكِتابِ المُبِينِ وعلى مَوازِينِه ومَقايِيسِه.
خُذْ یی مَثلًا یی غَرْفةً بقَبضَتِك مِن أَشتاتِ بُذُورِ الأَزهارِ والأَشجارِ، تلك البُذَيراتِ المُختَلِطةِ والحَبّاتِ المُختَلِفةِ الأَجناسِ والأَنواعِ وهِي المُتَشابِهةُ في الأَشكالِ والأَجرامِ، اِدفِنْ هذه البُذَيراتِ في ظُلُماتِ تُرابٍ بَسِيطٍ جامِدٍ، ثمَّ اسْقِها بالماءِ الَّذي لا مِيزانَ له ولا يُميِّزُ بينَ الأَشياءِ، فأَينَما تُوَجِّهُه يَسِيلُ ويَذهَبُ؛ ثمَّ عُدْ إلَيْه عِندَ الرَّبِيعِ الَّذي هو مَيدانُ الحَشرِ السَّنَوِيِّ، وانظُرْ وتَأمَّلْ كيفَ أنَّ مَلَك "الرَّعدِ" يَنفُخُ في صُورِه في الرَّبِيعِ
— 194 —
كنَفخِ إِسرافِيلَ، مُنادِيًا المَطَرَ ومُبَشِّرًا البُذَيراتِ المَدفُونةَ تَحتَ الأَرضِ بالبَعثِ بعدَ المَوتِ؛ فأَنتَ تَرَى أنَّ تلك البُذَيراتِ الَّتي هي في مُنتَهَى الِاختِلاطِ والِامتِزاجِ معَ غايةِ التَّشابُهِ تَمتَثِلُ تحتَ أَنوارِ تَجَلِّي اسمِ "الحَفِيظِ"، امتِثالًا تامًّا بلا خَطَأِ الأَوامِرِ التَّكوِينيّةِ الآتِيةِ إلَيْها مِن بارِئِها الحَكِيمِ، فتُلائِمُ أَعمالَها وتُوافِقُ حَرَكاتِها معَ تلك الأَوامِرِ بحَيثُ تَستَشِفُّ مِنها لَمَعانَ الكَمالِ والحِكمةِ والعِلمِ والإِرادةِ والقَصدِ والشُّعُورِ والبَصِيرةِ.
ألا تَرَى كيفَ تَتَمايَزُ تلك البُذَيراتُ المُتَماثِلةُ، ويَفتَرِقُ بَعضُها عنِ البَعضِ الآخَرِ، فهذه البُذَيرةُ قد صارَت شَجَرةَ تِينٍ تَنشُرُ نِعَمَ الفاطِرِ الحَكِيمِ فَوقَ رُؤُوسِنا، وتَنثُرُها علَيْنا وتَمُدُّها إلَيْنا بأَيدِي أَغصانِها.. وهاتانِ البُذَيرَتانِ المُتَشابِهتانِ بها قد صارَتا زَهرةَ الشَّمسِ وزَهرةَ البَنَفسَجِ.. وأَمثالُها كَثِيرٌ مِنَ الأَزهارِ الجَمِيلةِ الَّتي تَتَزيَّنُ لِأَجلِنا وتُواجِهُنا بوَجهٍ طَلِيقٍ مُبتَسِمٍ مُتَودِّدةً إلَيْنا..
وهُنالِك بُذَيراتٌ أُخرَى قد صارَت فَواكِهَ طَيِّبةً نَشتَهِيها، وسَنابِلَ مَلْأَى، وأَشجارًا يافِعةً، تُثِيرُ شَهِيَّتَنا بطُعُومِها الطَّيِّبةِ، ورَوائِحِها الزَّكِيّةِ، وأَشكالِها البَدِيعةِ، فتَدعُونا إلى أَنفُسِها، وتَبذُلُها لِأَجْلِنا، كي تَصعَدَ مِن مَرتَبةِ الحَياةِ النَّباتيّةِ إلى مَرتَبةِ الحَياةِ الحَيَوانيّةِ.. حتَّى نَمَت تلك البُذَيراتُ نُمُوًّا واسِعًا إلى حَدٍّ صارَت تلك الغُرفةُ مِنها یی بإِذنِ خالِقِها یی حَدِيقةً غَنّاءَ وجَنّةً فَيْحاءَ، مُزدَهِرةً بالأَزهارِ المُتَنوِّعةِ والأَشجارِ المُختَلِفةِ، فانظُرْ: هل تَرَى خَطَأً أو فُطُورًا فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ؟
لقد أَظهَرَت كُلُّ بِذْرةٍ بتَجَلِّي اسمِ اللهِ "الحَفِيظِ" وإِحسانِه ما وَرِثَته مِن مِيراثِ أَبِيها وأَصلِها بلا نُقصانٍ وبلا الْتِباسٍ.
فالحَفِيظُ الَّذي يَفعَلُ هذا الحِفظَ المُعجِزَ يُشِيرُ به إلى إِظهارِ التَّجَلِّي الأَكبَرِ لِلحَفِيظِيّةِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ والقِيامةِ العُظمَى.
نعم، إنَّ إِظهارَ كَمالِ الحِفظِ والعِنايةِ في مِثلِ هذه الأُمُورِ الزّائِلةِ التّافِهةِ بلا قُصُورٍ، لَهُو حُجّةٌ بالِغةٌ على مُحافَظةِ ومُحاسَبةِ ما لَه أهَمِّيّةٌ عَظِيمةٌ وتَأثيرٌ أَبدِيٌّ كأَفعالِ
— 195 —
خُلَفاءِ الأَرضِ وآثارِهِم، وأَعمالِ حَمَلةِ الأَمانةِ وأَقوالِهِم، وحَسَناتِ عَبَدةِ الواحِدِ الأَحَدِ وسَيِّئاتِهِم..
أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى؟! بلَى، إنَّه لَمَبعُوثٌ إلى الأَبدِ، ومُرَشَّحٌ لِلسَّعادةِ الأَبدِيّةِ أوِ الشَّقاءِ الدّائِمِ، فيُحاسَبُ على السَّبَدِ واللَّبَدِ فإمّا الثَّوابُ وإمّا العِقابُ.
وهكَذا، فهُنالِك ما لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ مِنَ الشَّواهِدِ على التَّجَلِّي الأَكبَرِ لِاسمِ اللهِ "الحَفِيظُِ" وعلى حَقِيقةِ الآيةِ المَذكُورةِ.
فهذا المِثالُ الَّذي تَنسُجُ على مِنوالِه ليس إلّا قَبْضةً مِن صُبْرةٍ، أو غَرْفةً مِن بَحرٍ، أو حَبّةً مِن رِمالِ الدَّهناء، ونُقطةً مِن تِلالِ الفَيْفاءِ، وقَطْرةً مِن زُلالِ السَّماءِ.. فسُبحانَه مِن حَفِيظٍ رَقِيبٍ وشَهِيدٍ حَسِيبٍ!
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭

اللمعة الثامنة عشرة

نُشرت في مجموعتي "سكة التصديق الغيبي" و"اللَّمعات" بالأحرف القرآنية (العثمانية).
٭ ٭ ٭
— 196 —

اللمعة التاسعة عشرة

رسالة الاقتصاد
"هذه الرِّسالةُ تَحُضُّ على الِاقتِصادِ والقَناعةِ، وتُحَذِّرُ مِن مَغَبّةِ الإسرافِ والتَّبذِيرِ"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا
(هذه الآيةُ الكَرِيمةُ تُلَقِّنُ دَرْسًا في غايةِ الأَهَمِّيّةِ، وتُرشِدُ إِرشادًا حَكِيمًا بَلِيغًا بصِيغةِ الأَمرِ الجازِمِ إلى الِاقتِصادِ، والنَّهيِ الصَّرِيحِ عنِ الإِسرافِ. تَتَضمَّنُ هذه المَسأَلةُ سَبْعَ نِكاتٍ).

النُّكتة الأُولى

إنَّ الخالِقَ الرَّحِيمَ سُبحانَه يَطلُبُ مِنَ البَشَرِيّةِ شُكْرًا وحَمْدًا إِزاءَ ما أَغدَقَ علَيْها مِنَ النِّعَمِ والآلاءِ، إلّا أَنَّ الإِسرافَ مُنافٍ لِلشُّكرِ، وهُو استِخْفافٌ خاسِرٌ ووَخِيمٌ تِجاهَ النِّعْمةِ، بَينَما الِاقتِصادُ تَوْقيرٌ مُربِحٌ إِزاءَ النِّعْمةِ.
أَجَل، إنَّ الِاقتِصادَ كما هو شُكْرٌ مَعنَوِيٌّ، فهُو تَوْقِيرٌ لِلرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ الكامِنةِ في النِّعَمِ والإِحسانِ.. وهُو سَبَبٌ حاسِمٌ لِلبَرَكةِ.. وهُو مَدارُ صِحّةِ الجَسَدِ كالحِمْيةِ.. وهُو سَبِيلٌ إلى العِزّةِ بالِابتِعادِ عن ذُلِّ الِاستِجْداءِ المَعنَوِيِّ.. وهُو وَسِيلةٌ قَوِيّةٌ لِلإِحساسِ بما في النِّعَمِ والآلاءِ مِن لَذّةٍ.. وهُو سَبَبٌ مَتِينٌ لِتَذَوُّقِ اللَّذائِذِ المُخَبَّأَةِ في ثَنايا نِعَمٍ تَبدُو غَيرَ لَذِيذةٍ.. ولِكَوْنِ الإِسرافِ يُخالِفُ الحِكَمَ المَذكُورةَ آنِفًا باتَت عَواقِبُه وَخِيمةً.
— 197 —

النُّكتة الثانية

لقد خَلَق الفاطِرُ الحَكِيمُ جِسمَ الإِنسانِ بما يُشبِهُ قَصْرًا كامِلَ التَّقوِيمِ، وبما يُماثِلُ مَدِينةً مُنتَظِمةَ الأَجزاءِ، وجَعَل حاسّةَ الذَّوْقِ المَغرُوزةَ في فَمِه كالبَوّابِ الحارِسِ، والأَعصابَ والأَوْعِيةَ بمَثابةِ أَسْلاكِ هاتِفٍ وتِلغرافٍ، تَتِمُّ خِلالَها دَوْرةُ المُخابَرةِ الحَسّاسةِ بَينَ القُوّةِ الذّائِقةِ والمَعِدةِ الَّتي هي في مَركَزِ كِيانِ الإِنسانِ، بحَيثُ تَقُومُ حاسّةُ الذَّوقِ تلك بإِبلاغِ ما حَلَّ في الفَمِ مِنَ المَوادِّ، وتَحْجُزُ عنِ البَدَنِ والمَعِدةِ الأَشياءَ الَّتي لا حاجةَ لِلجِسمِ لَها قائِلةً: "مَمنُوعٌ الدُّخُولُ" نابِذةً إِيَّاها، أَمّا إِذا كانَت ضارّةً ومُرّةً وغَيرَ نافِعةٍ لِلبَدَنِ كما يَحدُثُ أَحيانًا، فإِنَّها تَنبِذُها وتَمُجُّها فَورًا إلى الخارِج، وتَبْصُقُ في وَجْهِها.
ولَمّا كانَتِ القُوّةُ الذّائِقةُ في الفَمِ تُؤَدِّي دَوْرَ البَوّابِ، والمَعدِةُ هي سَيِّدةُ الجَسَدِ وحاكِمَتُه مِن حَيثُ الإِدارةُ، فلو بَلَغَت قِيمةُ هَدِيّةٍ تُقَدَّمُ إلى حاكِمِ القَصرِ مِئةَ دَرَجةٍ، فإنَّ خُمُسًا مِنها فقط يَجُوزُ أن يُعطَى هِبةً لِلبَوّابِ لا أَكثَرُ، كيلا يَختالَ الحارِسُ ويَنسَى وَظِيفَتَه ويُقحِمَ في القَصرِ كلَّ مُخِلٍّ عابِثٍ يَرشُوه قِرْشًا أَكثَرَ.
وهكذا، بِناءً على هذا السِّرِّ، نَفتَرِضُ الآنَ أَمامَنا لُقْمَتانِ: لُقْمةٌ مِنها مِن مادّةٍ مُغَذِّيةٍ یی كالجُبنِ والبَيضِ مَثلًا یی يُقَدَّرُ ثَمَنُها بقِرشٍ واحِدٍ، واللُّقْمةُ الأُخرَى حَلْوَى مِن نَوعٍ فاخِرٍ يُقَدَّرُ ثَمَنُها بعَشَرةِ قُرُوشٍ؛ فهاتانِ اللُّقْمَتانِ مُتَساوِيَتانِ قَبلَ دُخُولِهِما الفَمَ ولا فَرقَ بَينَهُما، وهُما مُتَساوِيَتانِ كذلك مِن حَيثُ إِنماءُ الجِسمِ وتَغذِيَتُه بَعدَ مُرُورِهِما مِنَ البُلْعُوم؛ بل قد يُغَذِّي الجُبنُ الَّذي هُو بقِرشٍ واحِدٍ تَغذِيةً أَفضَلَ وتَنمِيةً أَقوَى مِنَ اللُّقْمةِ الأُخرَى.. إِذًا لَيسَ هُنالِك مِن فَرقٍ إلّا مُلاطَفةُ القُوّةِ الذّائِقةِ في الفَمِ الَّتي لا تَستَغرِقُ سِوَى نِصفِ دَقِيقةٍ، فلْيُقَدَّرْ إِذًا مَدَى ضَرَرِ الإِسرافِ ومَدَى التَّفاهةِ في صَرْفِ عَشَرةِ قُرُوشٍ بَدَلًا عن قِرشٍ واحِدٍ في سَبِيلِ الحُصُولِ على لَذّةٍ تَستَغرِقُ نِصفَ دَقِيقةٍ!
— 198 —
وهكذا، فإنَّ إِثابةَ البَوّابِ تِسعةَ أَضعافِ ما يُقَدَّمُ إلى حاكِمِ القَصرِ مِن هَدايا تُفضِي به لا مَحالةَ إلى الغُرُورِ والجَشَعِ، وتَدفَعُه بالتّالي إلى القَوْلِ: إنَّما أنا الحاكِمُ. فمَن كافَأَه بِهِبةٍ أَكثَرَ ولَذّةٍ أَزْيَدَ دَفَعَه إلى الدّاخِلِ، مُسَبِّبًا إِخلالَ النِّظامِ القائِمِ هُناك، مُضْرِمًا فيه نارًا مُستَعِرةً ومُلزِمًا صاحِبَه الِاستِغاثةَ صارِخًا: هَيّا أَسرِعُوا إليَّ بالطَّبِيبِ حالًا لِيُخَفِّفَ شِدّةَ حَرارَتي ويُطفِئَ لَظَى نارِها.
فالِاقتِصادُ والقَناعةُ مُنسَجِمانِ انسِجامًا تامًّا معَ الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ، إذ يَتَعامَلانِ معَ القُوّةِ الذّائِقةِ مُعامَلةَ البَوّابِ، ويُوقِفانِها عِندَ حَدِّها ويُكافِئانِها حَسَبَ تلك الوَظِيفةِ؛ أمّا الإِسرافُ فلِأَنَّه يَسلُكُ سُلُوكًا مُخالِفًا لِتِلك الحِكْمةِ، فسَرْعانَ ما يَتَلقَّى المُسْرِفُ صَفَعاتٍ مُوجِعةً، إذ تَحدُثُ الِاختِلاطاتُ المُؤْلِمةُ في المَعِدةِ الَّتي تُؤَدِّي إلى فِقْدانِ الشَّهِيّةِ الحَقِيقيّةِ نَحوَ الأَكلِ، فيَأكُلُ بشَهِيّةٍ كاذِبةٍ مُصْطَنَعةٍ بتَنوِيعِ الأَطعِمةِ، مِمّا يُسَبِّبُ عُسْرًا في الهَضْمِ، فيُسَبِّبُ المَرَضَ.

النُّكتة الثالثة

قُلنا في النُّكْتةِ الثّانيةِ آنِفًا: إنَّ القُوّةَ الذّائِقةَ تُؤَدِّي دَوْرَ البَوّابِ. نعم، هي كَذلِك عِندَ الغافِلِينَ الَّذين لم يَسْمُوا بَعدُ رُوحِيًّا، والَّذين لم يَتَقدَّمُوا في مِضْمارِ الشُّكْرِ ولم يَعرُجُوا في مَدارِجِه.
نعم، إنَّه لا يَنبَغِي اللُّجُوءُ إلى الإِسرافِ یی كصَرْفِ عَشَرةِ أَضعافِ الثَّمَنِ یی لِأَجلِ تَلَذُّذِ تلك الحاسّةِ البَوّابةِ، ولكِنَّ القُوّةَ الذّائِقةَ لَدَى الشّاكِرِينَ حَقًّا ولَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ وأَهلِ القُلُوبِ وأُولي الأَبصارِ بمَثابةِ راصِدةٍ وناظِرةٍ مُفَتِّشةٍ لِمَطابِخِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ (كما وُضِّحَ ذلك في المُقارَنةِ المَعقُودةِ في الكَلِمةِ السّادِسةِ)، وإنَّ ما يَتِمُّ في تلك القُوّةِ الذَّائِقةِ مِن عَمَلِيّةِ تَقدِيرِ قِيمةِ النِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ ومِنَ التَّعَرُّفِ علَيْها بأَنواعِها المُختَلِفةِ بما فيها مِن مَوازِينَ دَقِيقةٍ حَسّاسةٍ عَدِيدةٍ بعَدَدِ الأَطعِمةِ، إنَّما هو لِإِبلاغِ الجَسَدِ والمَعِدةِ بما يَنُمُّ عن شُكْرٍ مَعنَوِيٍّ.
— 199 —
فلا تَقتَصِرُ وَظِيفةُ القُوّةِ الذّائِقةِ على رِعايةِ الجَسَدِ رِعايةً مادِّيّةً وَحْدَها، بل هي أَيضًا تَتَوَجَّهُ إلى القَلبِ والرُّوحِ والعَقلِ، فلَها حُكمٌ ولها مَقامٌ أَرقَى مِن َ المَعِدةِ، عِلْمًا أنَّها تَستَطِيعُ أن تَمضِيَ في سَبِيلِ الحُصُولِ على لَذَّتِها بشَرطِ عَدَمِ الإِسرافِ یی إِنجازًا لِمُهِمّةِ الشُّكْرِ الخالِصِ المُقَدَّرةِ لَها، وبِنِيّةِ التَّعَرُّفِ والِاطِّلاعِ على أَنواعِ النِّعَمِ الإِلٰهِيّةِ بتَذَوُّقِها والشُّعُورِ بها بِشَرطِ مَشرُوعِيَّتِها وعَدَمِ كَوْنِها وَسِيلةً لِلتَّذَلُّل والِاستِجداءِ، أي: يُمكِنُه أن يُفَضِّلَ الأَطعِمةَ اللَّذِيذةَ لِأَجلِ استِعمالِ ذلك اللِّسانِ الحامِلِ لِلقُوّةِ الذّائِقةِ في الشُّكْرِ.
وإِشارةً إلى هذه الحَقِيقةِ: إلَيْكُم هذه الحادِثةَ، وهي كَرامةٌ مِن كَراماتِ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ "قُدِّسَ سِرُّه":
كان لِعَجُوزٍ رَقِيقةٍ لَطِيفةٍ ابنٌ وَحِيدٌ يَتَربَّى على يَدِ الشَّيخِ، دَخَلَت تلك العَجُوزُ المُوَقَّرةُ ذاتَ يَوْمٍ على ابنِها فوَجَدَته يَأْكُلُ مِن كِسرةِ خُبزٍ يابِسٍ أَسمَرَ، مُزاوِلًا رِياضةً رُوحِيّةً حتَّى ضَعُفَ ونَحُلَ جِسمُه؛ أَثارَت هذه الحالةُ شَفَقةَ والِدَتِه الرَّؤُومِ ورَقَّت لِحالِه، فذَهَبَت لِتَشتَكِيَه إلى الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ، وإذا بها تَرَى الشَّيخَ يَأْكُلُ دَجاجًا مَشوِيًّا، ولِشِدّةِ رِقَّتِها ولَطافَتِها قالَت: أيُّها الشَّيخُ، إن ابْنِي يَكادُ يَمُوتُ جُوعًا، وها أَنتَ ذا تَأْكُلُ الدَّجاجَ! فخاطَبَ الشَّيخُ الدَّجاجَ قائِلًا: "قُمْ بإِذنِ اللهِ"، فوَثَب ذلك الدَّجاجُ المَطْبُوخُ إلى خارِجِ الوِعاءِ بَعدَ أَنِ اكتَمَل دَجاجًا حَيًّا بالْتِئامِ عِظامِه.. لقد نَقَل هذا الخَبَرَ بالتَّواتُرِ المَعنَوِيِّ ثِقاتٌ كَثِيرُونَ إِظهارًا لِكَرامةٍ واحِدةٍ مِن صاحِبِ الكَراماتِ المَشهُورةِ في العالَمِ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّه؛ ومِمّا قالَه الشَّيخُ لِتِلك العَجُوزِ: مَتَى بَلَغ ابنُكِ هذه الدَّرَجةَ، فلْيَأْكُلِ الدَّجاجَ هُو الآخَرُ.
فمَغْزَى هذا الأَمرِ الصَّادِرِ مِنَ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ هُو: مَتَى حَكَمَت رُوحُ ابنِك جَسَدَه، وهَيْمَنَ قَلبُه على نَفسِه، وسادَ عَقْلُه مَعِدَتَه، والْتَمَسَ اللَّذّةَ لِأَجلِ الشُّكْرِ.. عِندَئِذٍ يُمكِنُه أن يَتَناوَلَ ما لَذَّ وطابَ مِنَ الأَطعِمةِ.
— 200 —

النُّكتة الرابعة

إنَّ المُقتَصِدَ لا يُعاني فاقةَ العائِلةِ وعَوَزَها كما هو مَفهُومُ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «ما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ» ، أَجَل، هُنالك دَّلائِلُ قاطِعةٌ لا يَحصُرُها العَدُّ بأنَّ الِاقتِصادَ سَبَبٌ جازِمٌ لِإِنزالِ البَرَكةِ، وأَساسٌ مَتِينٌ لِلعَيشِ الأَفضَلِ.. أَذكُرُ مِنها ما رَأَيتُه في نَفسِي وبِشَهادةِ الَّذين عاوَنُوني في خِدْمَتِي وصادَقُوني بإِخلاصٍ، فأَقُولُ:
لقد حَصَلتُ أَحيانًا وحَصَل أَصدِقائي على عَشَرةِ أَضعافٍ مِنَ البَرَكةِ بسَبَبِ الِاقتِصادِ، حتَّى إنَّه قَبلَ تِسعِ سَنَواتٍ عِندَما أَصَرَّ عَلَيَّ قِسمٌ مِن رُؤَساءِ العَشائِرِ المَنفِيِّين مَعِي إلى "بُورْدُورَ" على قَبُولِ زَكاتِهِم كي يَحُولُوا بَيني وبَينَ وُقُوعي في الذِّلّةِ والحاجةِ لِقِلّةِ ما كانَ لَدَيَّ مِنَ النُّقُودِ، فقُلتُ لِأُولَئِك الرُّؤَساءِ الأَثرِياءِ: رَغمَ أنَّ نُقُودِي قَلِيلةٌ جِدًّا إلّا أَنَّني أَملِكُ الِاقتِصادَ، وقد تَعَوَّدتُ على القَناعةِ، فأنا أَغنَى مِنكُم بكَثِيرٍ. فرَفَضتُ تَكلِيفَهُمُ المُتكَرِّرَ المُلِحَّ.
ومِنَ الجَدِيرِ بالمُلاحَظةِ أنَّ قِسمًا مِن أُولَئِك الَّذين عَرَضُوا علَيَّ زَكاتَهُم قد غَلَبَهُمُ الدَّينُ بَعدَ سَنَتَينِ، لِعَدَمِ الْتِزامِهِم بالِاقتِصادِ، وأَنَّ تلك النُّقُودَ الضَّئِيلةَ قد كَفَتْني یی وللهِ الحَمْدُ یی بِبَرَكةِ الِاقتِصادِ إلى ما بَعدَ سَبعِ سَنَواتٍ، فلم يُرَقْ مِنِّي ماءُ الوَجْهِ، ولم يَدفَعْنِي لِعَرْضِ حاجَتِي على النّاسِ، ولم يُفسِدْ علَيَّ ما اتَّخَذتُه دُستُورًا لِحَياتي، وهُو "الِاستِغناءُ عنِ النَّاسِ".
نعم، إنَّ مَن لا يَقتَصِدُ، مَدعُوٌّ لِلسُّقُوطِ في مَهاوِي الذِّلّةِ، ومُعَرَّضٌ لِلِانزِلاقِ إلى الِاستِجْداءِ والهَوانِ مَعنًى.
إنَّ المالَ الَّذي يُستَعمَلُ في الإِسرافِ في زَمانِنا هذا لَهُو مالٌ غالٍ وباهِظٌ جِدًّا، حَيثُ تُدفَعُ أَحيانًا الكَرامةُ والشَّرَفُ ثَمَنًا ورِشْوةً له، بل قد تُسلَبُ المُقَدَّساتُ الدِّينِيّةُ لِأَجلِ الحُصُول على نُقُودٍ مَنحُوسةٍ مَشؤُومةٍ، أي: يَقبِضُ الإِنسانُ بِضْعةَ قُرُوشٍ مِن نُقُودٍ مادِّيّةٍ، على حِسابِ مِئاتِ اللَّيراتِ مِنَ النُّقُودِ المَعنَوِيّةِ؛ بَينَما لوِ اقتَصَر على
— 201 —
الحاجاتِ الضَّرُورِيّةِ واختَصَرَها وحَصَر هَمَّه فيها، فسيَجِدُ رِزْقًا يَكْفُلُ عَيْشَه مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ، وذلك بمَضْمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وإنَّ صَراحةَ الآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا تَتَعهَّدُ بذلك تَعَهُّدًا قاطِعًا.
نعم، إنَّ الرِّزقَ قِسمانِ:
القِسمُ الأَوَّلُ: وهُو الرِّزقُ الحَقِيقيُّ الَّذي تَتَوقَّفُ علَيْه حَياةُ المَرْءِ، وهُو تَحتَ التَّعَهُّدِ الرَّبّانِيِّ بحُكْمِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، فيَستَطِيعُ المَرْءُ الحُصُولَ على ذلك الرِّزقِ الضَّرُورِيِّ مَهْما كانَتِ الأَحوالُ إنْ لم يَتَدَخَّل سُوءُ اختِيارِ البَشَرِ دُونَ أن يُضطَرَّ إلى فِداءِ دِينِه ولا التَّضحِيةِ بشَرَفِه وعِزَّتِه.
القِسمُ الثّاني: هُو الرِّزقُ المَجازِيُّ، فالَّذي يُسِيءُ استِعمالَه لا يَستَطِيعُ أن يَتَخلَّى عنِ الحاجاتِ غيرِ الضَّرُورِيّةِ الَّتي غَدَت ضَرُورِيّةً عِندَه نَتِيجةَ الِابتِلاءِ بِبَلاءِ التَّقلِيدِ؛ وثَمَنُ الحُصُولِ على هذا الرِّزقِ باهِظٌ جِدًّا ولا سِيَّما في هذا الزَّمانِ، حَيثُ لا يَدخُلُ ضِمنَ التَّعَهُّدِ الرَّبّانِيِّ، إذ قد يَتَقاضَى ذلك المالَ لِقاءَ تَضحِيَتِه بعِزَّتِه سَلَفًا راضِيًا بالذُّلِّ، بل قد يَصِلُ به حَدَّ السُّقُوطِ في هاوِيةِ الِاستِجداءِ المَعنَوِيِّ، والتَّنازُلِ إلى تَقبِيلِ أَقدامِ أُناسٍ مُنحَطِّينَ وَضِيعِينَ، لا بل قد يَحصُلُ على ذلك المالِ المَنحُوسِ المَمحُوقِ بالتَّضحِيةِ بمُقَدَّساتِه الدِّينيّةِ الَّتي هي نُورُ حَياتِه الخالِدةِ.
ثمَّ إنَّ الأَلَمَ الَّذي يَنْتابُ ذَوِي الوِجْدانِ مِن حَيثُ العاطِفةُ الإِنسانيّةُ یی بما يَرَوْنَه مِن آلامٍ يُقاسِيها المُحتاجُونَ البائِسُونَ في هذا الزَّمانِ الَّذي خَيَّم علَيْه الفَقرُ والحاجةُ یی يَشُوبُ لَذَّتَهُمُ الَّتي يُحَصِّلُونَها بأَموالٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ، إن كانَت لَهُم ضَمائِرُ..
إنَّه يَنبَغِي في هذا الزَّمانِ العَجِيبِ الِاكتِفاءُ بحَدِّ الضَّرُورةِ في الأَموالِ المُرِيبةِ، لِأَنَّه حَسَبَ قاعِدةِ "الضَّرُورةُ تُقَدَّرُ بقَدْرِها" يُمكِنُ أن يُؤْخَذَ بِاضطِرارٍ مِنَ المالِ الحَرامِ حَدُّ الضَّرُورةِ، ولَيسَ أَكثَرُ مِن ذلك، نعم، لَيسَ لِلمُضطَرِّ أن يَأْكُلَ مِنَ المَيْتةِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ،
— 202 —
بل له أن يَأْكُلَ بمِقْدارِ ما يَحُولُ بَينَه وبَينَ المَوْتِ؛ وكذا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ بشَراهةٍ أَمامَ مِئةٍ مِنَ الجائِعِينَ.
نُورِدُ هُنا حادِثةً واقِعِيّةً لِلدَّلالةِ على كَوْنِ الِاقتِصادِ سَبَبَ العِزّةِ والكَمالِ:
أَقامَ "حاتِمٌ الطّائيُّ" المَشهُورُ بِكَرَمِه وسَخائِه ضِيافةً عَظِيمةً ذاتَ يَومٍ، وأَغدَقَ هَدايا ثَمِينةً على ضُيُوفِه؛ ثمَّ خَرَج لِلتَّجْوالِ في الصَّحْراءِ، فرَأَى شَيْخًا فَقِيرًا يَحمِلُ على ظَهْرِه حِمْلًا ثَقِيلًا مِنَ الحَطَبِ والكَلَأِ والشَّوْكِ، والدَّمُ يَسِيلُ مِن بَعضِ جِسْمِه.. فخاطَبَه قائِلًا:
أَيُّها الشَّيخُ، إنَّ حاتِمًا الطّائيَّ يُقِيمُ اليَومَ ضِيافةً كَرِيمةً، ويُوَزِّعُ هَدايا ثَمِينةً، بادِرْ إلَيْه لَعَلَّك تَنالُ مِنه أَموالًا أَضعافَ أَضعافِ ما تَنالُه مِن هذا الحِمْلِ!
قال له ذلك الشَّيخُ المُقتَصِدُ: سأَحْمِلُ حِمْلي هذا بعِزّةِ نَفسِي وعَرَقِ جَبِينِي، ولا أَرضَى أن أَقَع تَحتَ مِنّةِ حاتِمٍ الطّائيِّ.
ولَمّا سُئِلَ حاتِمٌ الطّائيُّ يَوْمًا:
مَنْ مِنَ النّاسِ وَجَدتَه أَعَزَّ مِنك وأَكرَمَ؟
قال: ذلك الشَّيخُ المُقتَصِدُ الَّذي لَقِيتُه في المَفازةِ ذاتَ يَومٍ، لقد رَأَيتُه حَقًّا أَعَزَّ مِنِّي وأَكرَمَ.

النُّكتة الخامسة

إنَّ مِن كَمالِ كَرَمِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى: أنَّه يُذِيقُ لَذّةَ نِعَمِه لِأَفقَرِ النّاسِ، كما يُذِيقُها أَغناهُم، فالفَقِيرُ يَستَشعِرُ اللَّذّةَ ويَتَذَوَّقُها كالسُّلطانِ.
نعم، إنَّ اللَّذّةَ الَّتي يَنالُها فَقِيرٌ مِن كِسْرةِ خُبزٍ أَسوَدَ يابِسٍ بسَبَبِ الجُوعِ والِاقتِصادِ تَفُوقُ ما يَنالُه السُّلطانُ أوِ الثَّرِيُّ مِن أَكلِه الحَلْوَى الفاخِرةَ بالمَلَلِ وعَدَمِ الشَّهِيّةِ النّابِعَينِ مِنَ الإِسرافِ.
— 203 —
ومِنَ العَجَبِ حَقًّا أن يَجْرُؤَ بَعضُ المُسرِفِينَ والمُبَذِّرِينَ على اتِّهامِ المُقتَصِدِينَ بالخِسّةِ.. حاشَ للهِ، بلِ الِاقتِصادُ هو العِزّةُ والكَرَمُ بعَينِه، بَينَما الخِسّةُ والذِّلّةُ هُما حَقِيقةُ ما يَقُومُ به المُسرِفُونَ والمُبَذِّرُونَ مِن سَخاءٍ ظاهِرِيٍّ.
وثَمَّ حادِثةٌ جَرَت في غُرفَتِي في "إِسبارْطةَ" في السَّنةِ الَّتي تَمَّ فيها تَأْليفُ هذه الرِّسالةِ، تُؤَيِّدُ هذه الحَقِيقةَ، وهي أنَّه أَصَرَّ أَحَدُ طُلّابي إِصرارًا شَدِيدًا على أن أَقْبَلَ هَدِيَّتَه الَّتي تَزِنُ أُوقيَّتَينِ ونِصفَ الأُوقِيّةِ مِنَ العَسَلِ، خَرْقًا لِدُستُورِ حَياتي، ورَغمَ مُحاوَلاتٍ عِدّةٍ لبَيانِ ضَرُورةِ التَّمَسُّكِ بقاعِدَتي، إلّا أنَّه لم يَقْنَعْ، فاضطُرِرْتُ إلى قَبُولِها مُرغَمًا على نِيّةِ أن يَشتَرِكَ ثَلاثةُ إِخوةٍ مَعِي في الغُرفةِ فيها، ويَأْكُلُوا مِنه باقتِصادٍ طَوالَ أَربَعِينَ يَوْمًا مِن شَهرَيْ شَعْبانَ ورَمَضانَ المُبارَكِ، لِيَكسِبَ صاحِبُه المُهدِي ثَوابًا، ولا يَبقَوْا دُونَ حَلاوةٍ، لِذا أَوْصَيتُهُم بقَبُولِ الهَدِيّةِ لَهُم، عِلْمًا أنَّه كانَ عِندِي أُوقِيّةٌ مِنَ العَسَلِ.
ورَغمَ أنَّ أَصدِقائي الثَّلاثةَ كانُوا على استِقامةٍ حَقًّا، ومِمَّن يَقدُرُونَ الِاقتِصادَ حَقَّ قَدْرِه، فإنَّهُم على كُلِّ حالٍ یی نَسُوه نَتِيجةَ قِيامِهِم بإِكرامِ بَعضِهِم بَعْضًا ومُراعاتِهِم شُعُورَ الآخَرِينَ والإِيثارَ فيما بَينَهُم، وأَمثالَها مِنَ الخِصالِ الحَمِيدةِ، فأَنفَدُوا ما عِندَهُم مِنَ العَسَلِ في ثَلاثِ لَيالٍ فقط، فقُلتُ مُبتَسِمًا:
لقد كانَت نِيَّتي أن أَجعَلَكُم تَتَذوَّقُونَ طَعْمَ العَسَلِ ثَلاثِينَ يَوْمًا أو أَكثَرَ، ولَكِنَّكُم أَنفَدْتُمُوه في ثَلاثةِ أَيّامٍ فقط، فهَنِيئًا لكُم.. في حِينِ أَنَّني بِتُّ أَصرِفُ ما كُنتُ أَملِكُه مِنَ العَسَلِ بالِاقتِصادِ، فتَناوَلتُه طَوالَ شَهرَيْ شَعبانَ ورَمَضانَ، فَضْلًا عن أنَّه أَصبَحَ یی وللهِ الحَمدُ یی سَبَبًا لِثَوابٍ عَظِيمٍ، حَيثُ أَعطَيتُ كُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِك الإِخوةِ مِلْعَقةً واحِدةً مِنه (حاشية): أي: مِلعَقةَ شايٍ كبيرةً. وَقتَ الإِفطارِ.
ولَرُبَّما حَسِبَ الَّذين شاهَدُوا حالي تلك أنَّها خِسّةٌ، واعتَبَرُوا أَوْضاعَ أُولَئِك الإِخوةِ في اللَّيالي الثَّلاثِ حالةً عَزِيزةً مِنَ الكَرَمِ، ولكِن شاهَدْنا تَحتَ تلك الخِسّةِ الظّاهِرِيّةِ عِزّةً عالِيةً وبَرَكةً واسِعةً وثَوابًا عَظِيمًا مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ، وتَحتَ ذلك الكَرَمِ
— 204 —
والإِسرافِ إن لم يَكُن قد تُرِك یی استِجْداءً وتَرَقُّبًا لِما في أَيدِي الآخَرِينَ بطَمَعٍ.. وأَمثالِها مِنَ الحالاتِ الَّتي هي أَدنَى بكَثِيرٍ مِنَ الخِسّةِ.

النُّكتة السّادسة

هُنالك بَوْنٌ شاسِعٌ وفَرقٌ هائِلٌ بَينَ الِاقتِصادِ والخِسّةِ، فكما أنَّ التَّواضُعَ الَّذي هُو مِنَ الأَخلاقِ المَحمُودةِ يُخالِفُ مَعنَى التَّذَلُّلِ الَّذي هُو مِنَ الأَخلاقِ المَذمُومةِ معَ أنَّه يُشابِهُه صُورةً؛ وكما أنَّ الوَقارَ الَّذي هُو مِنَ الخِصالِ الحَمِيدةِ يُخالِفُ مَعنَى التَّكَبُّرِ الَّذي هُو مِنَ الأَخلاقِ السَّيِّئةِ معَ أنَّه يُشابِهُه صُورةً..
فكذا الحالُ في الِاقتِصادِ الَّذي هُو مِنَ الأَخلاقِ النَّبوِيّةِ السّامِيةِ، بل هُو مِنَ المَحاوِرِ الَّتي يَدُورُ علَيْها نِظامُ الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ المُهَيمِنُ على الكَوْنِ، لا عَلاقةَ له أَبدًا بالخِسّةِ الَّتي هي مَزِيجٌ مِنَ السَّفالةِ والبُخْلِ والجَشَعِ والحِرْصِ، بل لَيسَت هُنالك مِن رابِطةٍ بَينَهُما قَطْعًا، إلّا ذلك التَّشابُهَ الظّاهِرِيَّ.. وإلَيْكُم هذا الحَدَثَ المُؤيِّدَ لِهذه الحَقِيقةِ:
دَخَل عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ رَضِيَ الله عَنهُمَا وهُو أَكبَرُ أَبناءِ الفارُوقِ الأَعظَمِ خَلِيفةِ رَسُولِ اللهِ (ص)، وأَحَدُ العَبادِلةِ السَّبعةِ المَشهُورِينَ، ومِنَ البارِزِينَ بَينَ عُلَماءِ الصَّحابةِ الأَجِلّاءِ، دَخَل هذا الصَّحابيُّ الجَلِيلُ يَوْمًا في مُناقَشةٍ حادّةٍ لَدَى تَعامُلِه في السُّوقِ على شَيءٍ لا يُساوِي قِرْشًا واحِدًا، حِفاظًا على الِاقتِصادِ وصَوْنًا لِلأَمانةِ والِاستِقامةِ اللَّتَينِ تَدُورُ علَيْهِما التِّجارةُ.
في هذه الأَثناءِ رَآه صَحابيٌّ آخَرُ، فظَنَّ فيه شَيْئًا مِن خِسّةٍ، فاستَعْظَمَها مِنه، إذ كَيفَ يَصدُرُ هذا الأَمرُ مِنِ ابنِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وخَلِيفةِ الأَرضِ؟! فتَبِعَه إلى بَيتِه لِيَفهَمَ شَيْئًا مِن أَحوالِه، فوَجَد أنَّه قَضَى بَعضَ الوَقتِ معَ فَقِيرٍ عِندَ البابِ، ثُمَّ انصَرَف، ثمَّ خَرَج مِنَ البابِ الثّاني وتَجاذَبَ أَطرافَ الحَدِيثِ معَ فَقِيرٍ آخَرَ هُناك وانصَرَف. أَثارَ هذا الأَمرُ لَهْفةَ ذلك الصَّحابيِّ، فأَسرَعَ إلى الفَقِيرَينِ لِلِاستِفسارِ مِنهُما:
— 205 —
هَلّا تُفهِمانِني ماذا فَعَل ابنُ عُمَرَ حِينَما وَقَف مَعَكُما؟
لقد أَعطَى كُلًّا مِنّا قِطْعةَ ذَهَبٍ.
فراعَه الأَمرُ وقال دَهِشًا: يا سُبحانَ اللهِ! ما أَعجَبَ هذا الأَمرَ! إنَّه يَخُوضُ في السُّوقِ في نِقاشٍ شَدِيدٍ لِأَجلِ قِرشٍ واحِدٍ، ثمَّ ها هُو ذا يُغدِقُ في بَيتِه مِئاتِ أَضعافِه على مُحتاجَينِ اثنَينِ عن رِضًا دُونَ أن يَشعُرَ به أَحَدٌ! فسارَ نَحوَ ابنِ عُمرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا لِيَسأَلَه:
أَيُّها الإِمامُ: ألا تَحُلُّ لي مُعضِلَتي هذه؟ لقد فَعَلْتَ في السُّوقِ كذا وكذا، وفي البَيتِ كذا وكذا؟! فرَدَّ علَيْه قائِلًا:
إنَّ ما حَدَث في السُّوقِ هو نَتِيجةُ الِاقتِصادِ والحَصافةِ، فَعَلْتُه صَوْنًا لِلأَمانةِ وحِفْظًا لِلصِّدْقِ اللَّذَينِ هُما أَساسُ المُبايَعةِ ورُوحُها، ولَيسَ هو بخِسّةٍ ولا ببُخْلٍ، وإنَّ ما بَدَر مِنِّي في البَيتِ نابِعٌ مِن رَأْفةِ القَلبِ ورِقَّتِه ومِن سُمُوِّ الرُّوحِ واكْتِمالِها.. فلا ذاك خِسّةٌ ولا هذا إِسرافٌ.
وإِشارةً إلى هذا السِّرِّ قال الإِمامُ الأَعظَمُ "أَبُو حَنِيفةَ النُّعمانُ" رَضِيَ الله عَنهُ:
«لا إِسرافَ في الخَيرِ، كما لا خَيرَ في الإِسرافِ»
أي: كما لا إِسرافَ في الخَيرِ والإِحسانِ لِمَن يَستَحِقُّه، كذلك لا خَيرَ في الإِسرافِ قَطُّ.

النُّكتة السابعة

إنَّ الإِسرافَ يُنتِجُ الحِرْصَ، والحِرْصُ يُوَلِّدُ ثَلاثَ نَتائِجَ:
أُوْلاها: عَدَمُ القَناعةِ.
وعَدَمُ القَناعةِ هذا يَثْنِي الشَّوْقَ عنِ السَّعيِ وعنِ العَمَلِ، بما يَبُثُّ في نَفسِ الحَرِيصِ مِنَ الشَّكْوَى بَدَلًا مِنَ الشُّكْرِ، قاذِفًا به إلى أَحضانِ الكَسَلِ، فيَتْرُكُ المالَ
— 206 —
الزَّهِيدَ النّابِعَ مِنَ الكَسْبِ الحَلالِ، (حاشية): إذ بسَبَبِ الِابتِعادِ عنِ الِاقتِصادِ، يَكثُرُ المُستَهلِكُونَ، ويَقِلُّ المُستَحصِلُونَ، ويَبدَأُ الجَمِيعُ يَشُدُّونَ نَظَرَهُم إلى بابِ الحُكُومةِ، وحِينَها تَنتَكِسُ وتَتَناقَصُ الصِّناعةُ والتِّجارةُ والزِّراعةُ الَّتي هي مِحْوَرُ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ ومَدارُها، ويَنهارُ المُجتَمَعُ ويَتَدنَّى بدَوْرِه ويَغدُو فَقِيرًا مُعدِمًا. ويُبادِرُ بالبَحثِ عَمّا لا مَشَقّةَ ولا تَكْلِيفَ فيه مِن مالٍ غَيرِ مَشرُوعٍ، فيُهدِرُ في هذه السَّبِيلِ عِزَّتَه بل كَرامَتَه.
النَّتِيجةُ الثَّانيةُ لِلحِرصِ: الخَيْبةُ والخُسْرانُ.
إذ يَفُوتُ مَقصُودُ الحَرِيصِ ويَتَعرَّضُ لِلِاستِثْقالِ، ويُحْرَمُ مِنَ التَّيسِيرِ والمُعاوَنةِ حتَّى يكُونَ مِصْداقَ القَوْلِ المَشهُورِ: «الحَرِيصُ خائِبٌ خاسِرٌ».
إنَّ تَأْثِيرَ الحِرْصِ والقَناعةِ يَجْرِي في عالَمِ الأَحْياءِ على وَفْقِ دُستُورٍ شامِلٍ وسُنّةٍ مُطَّرِدةٍ، فمَثَلًا: كما أنَّ القَناعَةَ الفِطْرِيّةَ تَسُوقُ الرِّزقَ إلى الأَشجارِ المُحتاجةِ إِلَيْه، فإِنَّ سَعْيَ الحَيَواناتِ بنَفْسِها بالحِرْصِ وَراءَ الحُصُولِ على رِزْقِها في عَناءٍ ونَقْصٍ، يُبدِيانِ مَدَى الضَّرَرِ الجَسِيمِ الكامِنِ في الحِرْصِ، ومَدَى النَّفْعِ العَظِيمِ الكامِنِ في القَناعةِ.
وإنَّ سَيَلانَ الحَلِيبِ یی ذلك الغِذاءِ اللَّطِيفِ یی إلى أَفْواهِ الصِّغارِ الضُّعَفاءِ عامّةً ومِن حَيثُ لا يَحتَسِبُونَ بما يُبدُونَه مِن قَناعةٍ يَنطِقُ بها لِسانُ حالِهِم؛ وانقِضاضَ الوُحُوشِ بحِرْصٍ وجَشَعٍ على أَرزاقِها النّاقِصةِ المُلَوَّثةِ، يُثبِتُ ما نَدَّعِيه إِثباتًا ساطِعًا.
وإِنَّ أَوْضاعَ الأَسماكِ البَدِينةِ البَلِيدةِ الَّتي تَنُمُّ عنِ القَناعةِ الباعِثةِ لِوُصُولِ أَرزاقِها إلَيْها كامِلةً، وعَجْزَ الحَيَواناتِ الذَّكِيّةِ كالثَّعالِبِ والقِرَدةِ عن تَحصِيلِ غِذائِها كامِلًا معَ حِرْصِها سَعْيًا وَراءَها، وبَقاءَها هَزِيلةً نَحِيفةً، لَيُبيِّنُ كذلك مَدَى ما يُسَبِّبُه الحِرْصُ مِنَ المَشَقّةِ والعَناءِ، ومَدَى ما تُسَبِّبُه القَناعةُ مِنَ الرّاحةِ والهَناءِ.
ثُمَّ إِنَّ حُصُولَ اليَهُودِ على أَرْزاقِهِم كَفافًا بطُرُقٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ مَمْزُوجًا بالذُّلِّ والمَسْكَنةِ بِسَبَبِ حِرْصِهِم وتَعامُلِهِم بالرِّبا واتِّباعِهِم أَسالِيبَ المَكْرِ والخِداعِ،
— 207 —
وحُصُولَ البَدَوِيِّينَ المُتَحَلِّينَ بالقَناعةِ على رِزْقِهِمُ الكافي وعَيْشِهِمُ العَيشَ الكَرِيمَ العَزِيزَ يُؤيِّدُ دَعْوانا أَيضًا تَأْيِيدًا كامِلًا.
ثُمِّ إنَّ تَرَدِّيَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ (حاشية - ١): سَأَل أَنُوشِروانُ حاكِمُ إِيرانَ العادِلُ الحَكِيمَ بُزُرْجُمِهْرَ: لِماذا يُشاهَدُ العُلَماءُ بأَبوابِ الأُمَراءِ ولا يُشاهَدُ الأُمَراءُ بأَبوابِ العُلَماءِ، والعِلمُ يَفُوقُ الإمارةَ؟ فأَجابَ: ذلك مِن عِلمِ العُلَماءِ، وجَهلِ الأُمَراءِ. أي: إنَّ الأُمَراءَ لا يَعلَمُون قَدْرَ العِلمِ، فلا يَأْتُونَ أَبوابَ العُلَماءِ لِطَلَبِه، بَينَما العُلَماءُ يَعلَمُون قَدْرَه، فيَطلُبُون قِيمَتَه بأَبواب الأُمَراءِ. فهذا الجَوابُ اللَّطِيفُ تَأْويلٌ ظَرِيفٌ لِحِرصِ العُلَماءِ النّابعِ مِن ذَكائِهِم المُؤَدِّي بهم إلى الذُّلِّ والفَقرِ. (خُسْرَوْ). والأُدَباءِ (حاشية - ٢): هُنالك حادِثةٌ تُؤيِّد هذا الحُكْمَ.. إنَّ الأُدَباءَ في فَرَنسا يُمنَحُون وَثيقةَ التَّسَوُّلِ لِإجادَتِهم له. (سُلَيمان رُشدي) بما يَمنَحُهُم ذَكاؤُهُم ودَهاؤُهُم مِنَ الحِرْصِ في فَقْرٍ مُدقِعٍ وعَيشٍ كَفافٍ، وغَناءَ أَكثَرِ الأَغبِياءِ العاجِزِينَ وإِثراءَهُم لِما لَهُم مِن حالةٍ فِطْرِيّةٍ قَنُوعةٍ، لَيُثبِتُ إِثباتًا قاطِعًا: أنَّ الرِّزقَ الحَلالَ يَأْتي حَسَبَ العَجْزِ والِافتِقارِ لا بالِاقْتِدارِ والِاختِيارِ، بل هُو يَتَناسَبُ تَناسُبًا عَكْسِيًّا معَ الِاقتِدارِ والِاختِيارِ، ذلك أنَّ أَرْزاقَ الأَطفالِ تَتَضاءَلُ وتَبتَعِدُ ويَصعُبُ الوُصُولُ إلَيْها كُلَّما ازْدادُوا اختِيارًا وإِرادةً واقتِدارًا.
نعم، إنَّ القَناعةَ كَنزٌ لِلعَيشِ الهَنِيءِ الرَّغِيدِ، ومَبعَثُ الرّاحةِ في الحَياةِ، بَينَما الحِرصُ مَعدِنُ الخُسْرانِ والسَّفالةِ كما يَتَبيَّنُ ذلك مِنَ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
«القَنَاعةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى»
النَّتِيجةُ الثّالثةُ: إنَّ الحِرْصَ يُتلِفُ الإِخلاصَ ويُفسِدُ العَمَلَ الأُخرَوِيَّ، لِأَنَّه لو وُجِدَ حِرْصٌ في مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ لَرَغِبَ في تَوَجُّهِ النّاسِ وإِقبالِهِم علَيْه، ومَن يَرقُبُ تَوَجُّهَ النّاسِ ويَنتَظِرُه لا يَبْلُغُ الإخلاصَ التّامَّ قَطْعًا، ولا يُمكِنُه الحُصُولُ علَيْه.. فهذه النَّتِيجةُ ذاتُ أَهَمِّيّةٍ عُظْمَى، وجَدِيرةٌ بالدِّقّةِ والمُلاحَظةِ.
— 208 —
مُحَصَّلُ الكَلامِ: إنَّ الإِسرافَ يُنتِجُ عَدَمَ القَناعةِ، وعَدَمُ القَناعةِ يُخْبِتُ وَهْجَ الشَّوْقِ والتَّطَلُّعِ إلى العَمَلِ، ويَقذِفُ بالإِنسانِ إلى التَّقاعُسِ والكَسَلِ، ويَفتَحُ أَمامَه أَبوابَ الشَّكْوَى والحَسْرةِ في حَياتِه حتَّى لَيَجْعَلُه يَئِنُّ دَوْمًا تَحتَ مَضَضِ الشَّكْوَى والسَّأَمِ؛ (حاشية): نعم، إذا قابَلتَ مُسرِفًا فستَسمَعُ مِنه حَتْمًا الشَّكاوَى العَرِيضةَ، ومهما كان غَنِيًّا فلِسانُه يَشكُو لا محالة، بَينَما إذا قابَلتَ فَقِيرًا قانِعًا فلا تَسمَعُ مِنه إلّا الحَمْدَ والشُّكرَ لله. كما أنَّه يُفسِدُ إِخلاصَه ويَفتَحُ دُونَه بابًا لِلرِّياءِ والتَّصَنُّعِ، بل ويَكسِرُ عِزَّتَه ويُرِيه طَرِيقَ الِاستِجداءِ والِاستِخذاءِ.
أمّا الِاقتِصادُ فإنَّه يُثمِرُ القَناعةَ، والقَناعةُ تُنتِجُ العِزّةَ، استِنادًا إلى الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «عَزَّ مَن قَنَعَ، وذَلَّ مَن طَمِعَ» ؛ كما أنَّه يَشحَذُ الشَّوْقَ لِلسَّعْيِ والعَمَلِ، ويَحُثُّ علَيْهِما ويَسُوقُ سَوْقًا إلى الكَدِّ وبَذْلِ الجُهْدِ فيهِما؛ لِأَنَّه إذا ما سَعَى المَرءُ في يَومٍ مّا وتَقاضَى أَجْرَه مَساءً، فسَيَسْعَى في اليَومِ التّالي له بسِرِّ القَناعةِ الَّتي تَوافَرَت لَدَيه؛ أمّا المُسْرِفُ فإنَّه لا يَسعَى في يَوْمِه الثّاني لِعَدَمِ قَناعَتِه، وحتَّى إذا سَعَى فإِنَّه يَسعَى دُونَ شَوْقٍ.
وكذا، فإنَّ القَناعةَ المُستَفاضةَ مِنَ الِاقتِصادِ تَفتَحُ بابَ الشُّكْرِ وتُوصِدُ بابَ الشَّكْوَى، فيَظَلُّ الإِنسانُ في شُكْرٍ وحَمْدٍ مَدَى حَياتِه؛ وبالقَناعةِ لا يَلتَفِتُ إلى تَوَجُّه النّاسِ إلَيْه لِاستِغْنائِه عَنهُم، فيَنفَتِحُ أَمامَه بابُ الإِخلاصِ ويَنغَلِقُ بابُ الرِّياءِ.
ولقد شاهَدتُ الأَضرارَ الجَسِيمةَ والخَسائِرَ الفادِحةَ الَّتي تُسفِرُ عنِ الإِسرافِ وعَدَمِ الِاقتِصادِ، شاهَدتُها مُتَجسِّدةً في نِطاقٍ واسِعٍ مُمتَدٍّ، وهي كما يَأْتي:
جِئْتُ إلى مَدِينةٍ مُبارَكةٍ قَبلَ تِسعِ سَنَواتٍ یی كان المَوْسِمُ شِتاءً، فلم أَتَمكَّنْ مِن رُؤْيةِ مَنابِعِ الثَّرْوةِ وجَوانِبِ الإِنتاجِ في تلك المَدِينةِ، فقال لي مُفْتِيها رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ أَهاليَنا فُقَراءُ مَساكِينُ. أَعادَ قَوْلَه هذا مِرارًا.. أَثَّر فِيَّ هذا القَولُ تَأْثيرًا بالِغًا مِمّا أَجاشَ عَطْفِي، فبِتُّ أَستَرْحِمُ وأَتأَلَّم لِأَهالي تلك المَدِينةِ فيما يَقرُبُ مِن سِتِّ سَنَواتٍ؛ وبَعدَ ثَماني سَنَواتٍ عُدتُ إلَيْها وهي في أَجْواءِ الصَّيْفِ، وأَجَلْتُ نَظَرِي في بَساتِينِها، فتَذَكَّرتُ قَوْلَ المُفْتِي رَحِمَهُ اللهُ، وقُلتُ مُتَعجِّبًا:
— 209 —
سُبحانَ اللهِ! إنَّ مَحاصِيلَ هذه البَساتِينِ وغَلّاتِها تَفُوقُ حاجةَ المَدِينةِ بِأَسْرِها كَثِيرًا، وكان حَرِيًّا بأَهالِيها أن يَكُونُوا أَثْرِياءَ جِدًّا! بَقِيتُ في حَيْرةٍ مِن هذا الأَمرِ.. ولكِن أَدْرَكتُ بحَقِيقةٍ لا تَخدَعُني أَستَرشِدُ بها في إِدْراكِ الحَقائِقِ: أنَّ البَرَكةَ قد رُفِعَت مِن هذه المَدِينةِ بسَبَبِ الإِسرافِ وعَدَمِ الِاقتِصادِ؛ مِمّا حَدا بالمُفتِي رَحِمَهُ اللهُ إلى القَوْلِ: "إنَّ أَهاليَنا فُقَراءُ ومَساكِينُ"، رَغمَ هذا القَدْرِ الواسِعِ مِن مَنابِعِ الثَّرْوةِ وكُنُوزِ المَوارِدِ.
نعم، إنَّه ثابِتٌ بالتَّجْرِبةِ وبالرُّجُوعِ إلى وَقائِعَ لا تُحَدُّ: أنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ والأَخْذَ بالِاقتِصادِ سَبَبانِ لِبَرَكةِ المالِ واستِزادتِه، بَينَما الإِسرافُ ومَنعُ الزَّكاةِ يَرْفَعانِ البَرَكةَ.
ولقد فَسَّر "ابنُ سِينا" وهُو أَفْلاطُونُ فَلاسِفةِ المُسلِمِينَ وشَيخُ الأَطِبّاءِ وأُستاذُ الفَلاسِفةِ یی هذه الآيةَ الكَرِيمةَ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا مِن زاوِيةِ نَظَرِ الطِّبِّ فقط بالأَبياتِ الآتيةِ:
جَمَعْتُ الطِّبَّ في بَيْتَيْنِ جَمْعًاوحُسْنُ القَوْلِ في قَصْرِ الكَلامِ
فقَلِّلْ إنْ أَكَلْتَ وبَعْدَ أَكْلٍتَجَنَّبْ، والشِّفَاءُ في الِانْهِضامِ
ولَيسَ عَلَى النُّفُوسِ أَشَدُّ حَالًامِنِ ادْخَالِ الطَّعامِ عَلَى الطَّعام
(حاشية): أي: إنَّ أَضَرَّ شَيءٍ للجِسمِ هو عَدَمُ إِعطاءِ مُهلةٍ بين وَجَباتِ الطَّعامِ تَتَراوَحُ بينَ أَربعِ أو خَمسِ ساعاتٍ، أو ملْءُ المَعِدةِ بإدخالِ الطَّعامِ بالتَّعاقُبِ لِأَجلِ التَّلَذُّذِ.
٭ ٭ ٭
— 210 —
وإلَيْكُم هذا التَّوافُقَ الغَرِيبَ الباعِثَ على الحَيْرةِ والجالِبَ لِلعِبْرةِ
إنَّه مَعَ قِيامِ خَمْسةٍ وسِتّةٍ مِنَ المُستَنسِخِينَ المُختَلِفِينَ ثَلاثةٌ مِنهُم لا يُتقِنُونَ الكِتابةَ یی باستِنساخِ "رِسالةِ الِاقتِصادِ"، فقد تَوافَقَ كلُّ (واحِدٍ وخَمسِينَ) أَلِفًا مِن أَلِفاتِ كُلِّ نُسخةٍ خاليةً مِنَ الدُّعاءِ یی وكلُّ (ثَلاثةٍ وخَمسِينَ) أَلِفًا مَعَ دُعاءٍ یی رَغمَ اختِلافِ أَمكِنةِ أُولَئِك المُستَنسِخِينَ واختِلافِ النُّسَخِ الَّتي كانُوا يَنقُلُونَ مِنها واختِلافِ خَطِّهِم في الكِتابةِ، ومَعَ عَدَمِ التَّفَكُّرِ في تِلكُمُ الأَلِفاتِ إِطلاقًا! فإنَّ تَوافُقَ عَدَدِ الأَلِفاتِ مَعَ تارِيخِ تَأْلِيفِ "رِسالةِ الِاقتِصادِ" واستِنساخِها وهُو بالتَّارِيخِ الرُّوميِّ واحِدٌ وخَمسُونَ (١٣٥١)، وبالتَّارِيخِ الهِجْرِيِّ ثَلاثٌ وخَمسُونَ (١٣٥٣)، لا يُمكِنُ أن يُحالَ ذلك إلى الصُّدْفةِ دُونَ رَيبٍ، بل هُو إِشارةٌ إلى صُعُودِ البَرَكةِ الكامِنةِ في الِاقتِصادِ إلى دَرَجةِ الكَرامةِ.. وإنَّه لَحَرِيٌّ حَقًّا أن يُطلَقَ على هذا العامِ: "عامُ الِاقتِصادِ".
نعم، لقد أَثبَتَ الزَّمانُ فِعْلًا هذه الكَرامةَ الِاقتِصادِيّةَ، وذلك عِندَما شَهِدَتِ البَشَرِيّةُ بَعدَ عامَينِ الحَرْبَ العالَمِيّةَ الثّانيةَ، تلك الحَربَ الَّتي بَثَّتِ الجُوعَ والتَّخرِيبَ وضُرُوبَ الإِسرافِ المَقِيتِ في كُلِّ أَنحاءِ العالَمِ مِمّا أَرغَمَ البَشَرِيّةَ على التَّشَبُّثِ بالِاقتِصادِ والِالتِفافِ حَوْلَه عَنْوةً.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 211 —

اللمعة العشرون

تَخُصُّ الإخلاص
أَحْرَزَ هذا البَحثُ أَهمِّيّةً خاصّةً أَهَّلَتْه لِيَكُونَ "اللَّمْعةَ العِشْرِين" بعدَ أن كان النُّقطةَ الأُولَى مِن خَمسِ نِقاطٍ مِنَ المَسأَلةِ الثّانيةِ مِنَ المَسائِلِ السَّبْعِ لِلمُذَكِّرةِ السَّابِعةَ عَشْرةَ مِنَ "اللَّمْعةِ السّابِعةَ عَشْرةَ".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ٭ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ
وقال الرَّسُولُ الأَعظَمُ (ص): «هَلَكَ النَّاسُ إلّا العَالِمُونَ، وهَلَكَ العَالِمُونَ إلّا العَامِلُونَ، وهَلَكَ العَامِلوُنَ إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ» أو كما قال.
تَدُلُّنا هذه الآيةُ الكَرِيمةُ والحَدِيثُ النَّبوِيُّ الشَّرِيفُ مَعًا على مَدَى أَهَمِّيّةِ الإخلاصِ في الإسلامِ، ومَدَى عَظَمَتِه.
فمِن بينِ النُّكَتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها لِمَبْحَثِ «الإخلاص» نُبيِّنُ باختِصارٍ خَمْسَ نِقاطٍ فقط:
تنبيه: إنَّ ما يُوجِبُ الشُّكْرَ على هذه البَلْدةِ الطَّيِّبة "إسبارطة" أن قد آتاها اللهُ حَظًّا عظيمًا، فلا يَبدُو بينَ مَن فيها مِن المُتَّقين والصّالِحِين وأهلِ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ والعُلَماءِ اختِلافٌ مَشُوبٌ بالحَسَدِ، حتى لو ظَهَر فهو أَخَفُّ بكثيرٍ مِمّا هو عليه في سائرِ المَناطِقِ. وعلى الرَّغمِ مِن أنَّ المَحَبّةَ الخالِصةَ والِاتِّفاقَ التّامَّ غيرُ مَوجُودَينِ كما يَنبَغي، فإنَّ الِاختِلافَ المُضِرَّ والحَسَدَ المَمقُوتَ مَفقُودانِ أيضًا بالنِّسبة إلى المَناطِقِ الأُخرَى.
— 212 —

النُّقطة الأُولى

سؤالٌ مُهِمٌّ ومُثِيرٌ للدَّهْشةِ: لِماذا يَختَلِفُ أَصحابُ الدِّينِ والعُلَماءُ وأَربابُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ وهُم أَهلُ حَقٍّ ووِفاقٍ ووِئامٍ بالتَّنافُسِ والتَّزاحُمِ، في حِينِ يَتَّفِقُ أَهلُ الدُّنيا والغَفْلةِ بل أَهلُ الضَّلالةِ والنِّفاقِ مِن دُونِ مُزاحَمةٍ ولا حَسَدٍ فيما بَينَهُم؛ معَ أنَّ الِاتِّفاقَ هُو مِن شَأْنِ أَهلِ الوِفاقِ والوِئامِ، والخِلافَ مُلازِمٌ لِأَهلِ النِّفاقِ والشِّقاقِ؛ فكيف استَبْدَلَ الحَقُّ والباطِلُ مَكانَهُما، فأَصْبَحَ الحَقُّ بجانِبِ هؤلاءِ، والباطِلُ بجانِبِ أُولَئِك؟!
الجَوابُ: سنُبيِّنُ سَبعةً مِنَ الأَسبابِ العَدِيدةِ لِهذه الحالةِ المُؤْلِمةِ الَّتي تَقُضُّ مَضْجَعَ الغَيارَى الشُّهُومِ.
السَّببُ الأوَّل:
إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ غيرُ نابِعٍ مِن فِقْدانِ الحَقِيقةِ، كما أنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الغَفْلةِ ليس نابِعًا مِن رُكُونِهم إلى الحَقِيقةِ؛ بل إنَّ وَظائِفَ أَهل الدُّنيا والسِّياسةِ والمُثقَّفِين وأَمثالِهم مِن طَبَقاتِ المُجتَمَعِ قد تَعَيَّنَت وتَمَيَّزَت، فلِكُلِّ طائِفةٍ وجَماعةٍ وجَمْعِيّةٍ مُهِمّةٌ خاصّةٌ تَنشَغِلُ بها، وما يَنالُونَه مِن أُجْرةٍ مادِّيّةٍ لِقاءَ خِدْماتِهِم ولِإِدامةِ مَعِيشَتِهم هي كذلك مُتَميِّزةٌ ومُتَعيِّنةٌ، كما أنَّ ما يَكسِبُونَه مِن أُجْرةٍ مَعنَوِيّةٍ كحُبِّ الجاهِ وذُيُوعِ الصِّيتِ والشُّهْرةِ، هي الأُخرَى مُتَعيِّنةٌ ومُخَصَّصةٌ ومُتَميِّزةٌ.
(حاشية): تَحذِيرٌ: إنَّ إقبالَ النّاسِ وتَوَجُّهَهم لا يُطلَبُ، بل يُوهَبُ، ولو حَصَل الإقبالُ فلا يُسَرُّ به. وإذا ما ارتاحَ المَرءُ لِتَوجُّهِ النّاسِ إلَيْه فقد ضَيَّعَ الإخلاصَ ووَقَع في الرِّياءِ. أمّا التَّطَلُّعُ إلى نَيلِ الشُّهْرةِ والصِّيتِ مِمّا يَتَضمَّنُ تَوَجُّهَ النّاسِ والرَّغبةَ في إِقبالِهم فهُو ليس بأُجْرةٍ ولا ثَوابٍ، بل عِتابٌ وعِقابٌ نابِعانِ مِن فِقْدانِ الإخلاصِ. نعم، إنَّ تَوَجُّهَ النّاسِ وإِقبالَهُم لا يُرادُ، لأنَّ ما فيه مِن لَذّةٍ جُزْئيّةٍ تَضُرُّ بالإخلاصِ الَّذي هو رُوحُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ، ثمَّ إنَّه لا يَستَمِرُّ إلَّا إلى حَدِّ بابِ القَبْرِ. فَضْلًا عن أنَّه يَكتَسِبُ ما وَراءَ القَبْرِ صُورةً أَلِيمةً مِن عَذابِ القَبْرِ. فلا يُرغَبُ في تَوَجُّهِ النّاسِ ونَيلِ رِضاهُم إذًا، بل يَلْزَمُ الفِرارُ والتَّهَيُّبُ مِنه. فلْيُصْغِ إلى هذا عُبَّادُ الشُّهْرةِ والمُتَلهِّفُون على كَسْبِ رِضَا النّاسِ.
فليس هُناك إذًا ما
— 213 —
يُولِّدُ مُنافَسةً أو مُزاحَمةً أو حَسَدًا فيما بَينَهُم، وليس هُناك ما يُوجِبُ المُناقَشةَ والجِدالَ، لِذا تَراهُم يَتَمكَّنُون مِنَ الِاتِّفاقِ مَهْما سَلَكُوا مِن طُرُقِ الفَسادِ.
أمّا أَهلُ الدِّينِ وأَصحابُ العِلمِ وأَربابُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ فإنَّ وَظِيفةَ كلٍّ مِنهُم مُتَوجِّهةٌ إلى الجَمِيعِ، وأنَّ أُجْرَتَهُمُ العاجِلةَ غيرُ مُتَعيِّنةٍ وغيرُ مُتَخصِّصةٍ، كما أنَّ حَظَّهُم مِنَ المَقامِ الِاجتِماعيِّ وتَوَجُّهِ النَّاسِ إلَيْهِم والرِّضَا عَنهُم لم يَتَخصَّصْ أَيضًا؛ فهُناك مُرَشَّحُون كَثِيرُون لِمَقامٍ واحِدٍ، وقد تَمتَدُّ أَيْدٍ كَثِيرةٌ جِدًّا إلى أَيّةِ أُجْرةٍ مادِّيّةً كانَت أو مَعنَوِيّةً. ومِن هُنا تَنشَأُ المُزاحَمةُ والمُنافَسةُ والحَسَدُ والغَيْرةُ، فيَتَبدَّلُ الوِفاقُ نِفاقًا والِاتِّفاقُ اختِلافًا وتَفَرُّقًا.
فلا يَشْفِي هذا المَرَضَ العُضالَ إلّا بَلْسَمُ الإخلاصِ النّاجِعُ، أي: أن يَنالَ المَرءُ شَرَفَ امتِثالِ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ بإيثارِ الحَقِّ والهُدَى على اتِّباعِ النَّفْسِ والهَوَى، وبِتَرجِيحِ الحَقِّ على أَثَرةِ النَّفْسِ.. وأن يَحصُلَ لَه امتِثالٌ بالآيةِ الكَرِيمةِ: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ باستِغْنائِه عنِ الأَجْرِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ المُقْبِلَينِ مِنَ النّاسِ، (حاشية): لا بُدَّ مِن جَعْلِ شِيمةِ "الإيثارِ" الَّتي تَحَلَّى بها الصَّحابةُ الكِرامُ رِضوانُ اللهِ تَعالَى علَيْهم ونالُوا بها ثَناءَ القُرآنِ الكَرِيمِ نُصْبَ العَينِ، واتِّخاذِها دَليلًا ومُرشِدًا، وهذا يَعنِي: تَفْضِيلَ الآخَرِين على النَّفسِ عِندَ قَبُولِ الهَدايا والصَّدَقاتِ، وعَدَمَ قَبُولِ شَيءٍ مُقابِلَ ما يقُومُ به المَرءُ مِن خِدْماتٍ في سَبِيلِ الدِّينِ، بل لا يَطلُبُه قَلْبًا. وإذا حَصَل شَيءٌ مِن هذا القَبِيلِ فلْيَعُدَّه إِحسانًا إِلٰهِيًّا مَحْضًا، مِن دُونِ البَقاءِ تَحتَ مِنّةِ النّاسِ، إذ ما يَنبَغِي أن يُسأَلَ شَيءٌ في الدُّنيا لِقاءَ خِدْماتٍ في سَبِيلِ الدِّينِ، لِئلَّا يَضِيعَ الإخلاصُ؛ فالأُمّةُ وإن كان علَيْها أن تَضْمَنَ مَعاشَ هَؤُلاءِ، كما أنَّهم يَستَحِقُّون الزَّكاةَ، إلّا أنَّ هَؤُلاء العامِلِين لا يَسأَلُون النّاسَ شَيْئًا ورُبَّما يُوهَبُ لَهُم، حتَّى لو وُهِبَ لَهُم شَيءٌ فلا يَأْخُذُونَه لِقِيامِهم في خِدْمةِ الدِّينِ. فالأَفضَلُ إيثارُ مَن هُم أَهلٌ لَها على النَّفْسِ، والرِّضَا بما قَسَم اللهُ مِن رِزقٍ والقَناعةُ به، كي يَحظَى المَرءُ بالثَّناءِ القُرآنِيِّ العَظِيمِ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وعِندَئِذٍ يكُونُ ظافِرًا بالإخلاصِ ومُنقِذًا نَفسَه مِن شُرُورِ هذه التَّهلُكةِ الخَطِرة. مُدرِكًا أَنَّ استِحْسانَ النّاسِ كَلامَه وحُسْنَ تَأْثيرِه فيهم ونَيْلَ تَوَجُّهِهِم إلَيْه هُو مِمّا يَتَولّاه اللهُ سُبحانَه وتَعالَى ومِن إحسانِه وفَضْلِه وَحْدَه، وليس داخِلًا ضِمْنَ
— 214 —
وَظِيفَتِه الَّتي هي مُنحَصِرةٌ في التَّبلِيغِ فحَسْبُ، بل لا يَلْزَمُه ذلك ولا هُو مُكَلَّفٌ به أَصْلًا؛ فمَن وَفَّقَه اللهُ إلى ما ذُكِرَ آنِفًا يَجِدُ لَذّةَ الإخلاصِ، وإلّا يَفُوتُه الخَيرُ الكَثِيرُ.
السَّببُ الثّاني:
إنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الضَّلالةِ نابِعٌ مِن ذِلَّتِهِم، بَينَما اختِلافُ أَهلِ الهِدايةِ نابِعٌ مِن عِزَّتِهم، إذ لَمّا كان أَهلُ الدُّنيا والضَّلالةِ الغافِلُون لا يَستَنِدُون إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ فهُم ضُعَفاءُ وأَذِلّاءُ، يَشعُرُون بحاجةٍ ماسّةٍ إلى اكتِسابِ القُوّةِ، فيَتَشبَّثُون بشِدّةٍ بِأمرِ مُعاوَنةِ الآخَرِين والِاتِّفاقِ مَعَهُم، ويَحرِصُون على هذا الِاتِّفاقِ ولو كان مَسلَكُهُم ضَلالةً، فكأنَّهم يَعمَلُون حَقًّا في تَسانُدِهِم على الباطِلِ، ويُخلِصُون في ضَلالِهِم، ويُبدُون ثَباتًا وإِصرارًا على إِلْحادِهم، ويَتَّفِقُون في نِفاقِهم؛ فلِأَجْلِ هذا يُوَفَّقُون في عَمِلِهم، لأنَّ الإخلاصَ التّامَّ ولو كان في الشَّرِّ لا يَذهَبُ سُدًى، ولا يكُونُ دُونَ نَتِيجةٍ. فما مِن سائِلٍ يَسأَلُ بإِخلاصٍ أَمْرًا إلّا قَضاه اللهُ لَه. (حاشية): نعم، إنَّ دُستُور "مَن طَلَب وَجَدَّ وَجَدَ" مِن دَساتيرِ الحَقِيقةِ، لَه مِنَ السَّعةِ والشُّمُولِ ما يَشمَلُ مَسْلَكَنا أَيضًا.
أَمّا أَهلُ الهِدايةِ والدِّينِ وأَصحابُ العِلمِ والطَّرِيقةِ فلِأَنَّهم يَستَنِدُون إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، ولِأَنَّ كُلًّا مِنهُم أَثناءَ سَيرِه في طَرِيقِ الحَقِّ لا يَرجُو إلّا رِضَا رَبِّه الكَرِيمِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْه كُلَّ الِاطمِئْنانِ، يَنالُ عِزّةً مَعنَوِيّةً في مَسْلَكِه نَفسِه، إذ حالَما يَشعُرُ بضَعْفٍ يُنِيبُ إلى رَبِّه دُونَ النّاسِ، ويَستَمِدُّ مِنه وَحْدَه القُوّةَ، زِدْ على ذلك يَرَى أَمامَه اختِلافَ المَشارِبِ معَ ما هُو علَيْه، لِذا تَراه لا يَستَشْعِرُ بدَواعِي التَّعاوُنِ معَ الآخَرِينَ، بل لا يَتَمكَّنُ مِن رُؤْيةِ جَدْوَى الِاتِّفاقِ معَ مَن يُخالِفُ ظاهِرَ مَشرَبِه، ولا يَجِدُ في نَفسِه الحاجةَ إلَيْه. وإذا ما كان ثَمَّةَ غُرُورٌ وأَنانيّةٌ في النَّفْسِ يَتَوهَّمُ المَرءُ نَفْسَه مُحِقًّا ومُخالِفِيه على باطِل، فيَقَعُ الِاختِلافُ والمُنافَسةُ بَدَلَ الِاتِّفاقِ والمَحَبّةِ، وعِندَها يَفُوتُه الإِخلاصُ ويَحبَطُ عَمَلُه ويكُونُ أَثَرًا بعدَ عَينٍ.
— 215 —
والعِلاجُ الوَحِيدُ لِهَذه الحالةِ والحَيْلُولةِ دُونَ رُؤيةِ نَتِيجَتِها الوَخِيمةِ هو في تِسْعةِ أُمُورٍ آتِيةٍ:
١یی العَمَلُ الإيجابيُّ البَنّاءُ، وهو: عَمَلُ المَرْءِ بمُقتَضَى مَحَبَّتِه لِمَسْلَكِه فحَسْبُ، مِن دُونِ أن يَرِد إلى تَفْكِيرِه، أو يَتَدخَّلَ في عِلْمِه عَداءُ الآخَرِينَ أوِ التَّهْوِينُ مِن شَأْنِهم، أي: لا يَنشَغِلَ بهم أَصْلًا.
٢یی بل علَيْه أن يَتَحرَّى رَوابِطَ الوَحْدةِ الكَثِيرةِ الَّتي تَربِطُ المَشارِبَ المَعرُوضةَ في ساحةِ الإِسلام مَهْما كان نَوعُها، تلك الرَّوابِطُ الَّتي هي مَنابِعُ مَحَبّةٍ ووَسائِلُ أُخُوّةٍ واتِّفاقٍ بَينَ المَشارِبِ، فيَتَّفِقَ مَعَها.
٣یی واتِّخاذُ دُستُورِ الإِنصافِ دَليلًا ومُرشِدًا، وهو: أنَّ صاحِبَ كلِّ مَسْلَكٍ حَقٍّ يَستَطِيعُ القَولَ: "إنَّ مَسلَكِي حَقٌّ وهو أَفضَلُ وأَجمَلُ" مِن دُونِ أن يَتَدخَّلَ في أَمرِ مَسالِكِ الآخَرِين، ولكن لا يَجُوزُ له أن يقُولَ: "الحَقُّ هُو مَسْلَكِي فحَسْبُ"، أو "أنَّ الحُسْنَ والجَمالَ في مَسْلَكِي وَحْدَه"، ممّا يَقْضِي ببُطْلانِ المَسالِكِ الأُخرَى وفَسادِها.
٤یی العِلمُ بأنَّ الِاتِّفاقَ معَ أَهلِ الحَقِّ هو أَحَدُ وَسائِلِ التَّوفيقِ الإِلٰهِيِّ وأَحَدُ مَنابعِ العِزّةِ الإسلاميّةِ.
٥یی الحِفاظُ على الحَقِّ والعَدْلِ بإيجادِ شَخصٍ مَعنَوِيٍّ، وذلك بالِاتِّفاقِ معَ أَهلِ الحَقِّ لِلوُقُوفِ تِجاهَ أَهلِ الضَّلالةِ والباطِلِ الَّذين أَخَذُوا يُغِيرُون بِدَهاءِ شَخصٍ مَعنَوِيٍّ قَوِيٍّ في صُورةِ جَماعةٍ على أَهلِ الحَقِّ بما يَتَمتَّعُون به مِن تَسانُدٍ واتِّفاقٍ، معَ الإِدراكِ بأنَّ أَيّةَ مُقاوَمةٍ فَردِيّةٍ یی مَهْما كانَت قَوِيّةً یی مَغلُوبةٌ على أَمرِها تِجاهَ ذلك الشَّخصِ المَعنَوِيِّ للضَّلالةِ.
٦یی ولِأَجْلِ إِنقاذِ الحَقِّ مِن صَوْلةِ الباطِلِ:
٧یی تَركُ غُرُورِ النَّفسِ وحُظُوظِها.
٨یی وتَركُ ما يُتَصَوَّرُ خَطَأً أنَّه مِنَ العِزّةِ والكَرامةِ.
— 216 —
٩یی وتَركُ دَواعِي الحَسَدِ والمُنافَسةِ والأَحاسِيسِ النَّفسانيّةِ التّافِهةِ.
بهذه النِّقاطِ التِّسْعِ يَظفَرُ الإنسانُ بالإخلاصِ، ويُوفِّي وَظِيفَتَه حَقَّ الوَفاءِ، ويُؤَدِّيها على الوَجْهِ المَطلُوبِظ.
(حاشية): لقد ثَبَت في الحَدِيثِ الصَّحيحِ أنَّ المُتَديِّنين الحَقِيقيِّين مِنَ النَّصارَى سيَتَّفِقُون في آخِرِ الزَّمانِ مُستَنِدِين إلى أَهلِ القُرآنِ لِلوُقُوفِ معًا تِجاهَ عَدُوِّهِمُ المُشتَرَكِ: الزَّندَقةِ، لِذا فأَهلُ الإيمانِ والحَقِيقةِ في زَمانِنا هذا لَيسُوا بحاجةٍ إلى الِاتِّفاقِ الخالِصِ وَحْدَه فيما بَينَهُم، بل مَدْعُوُّون أَيضًا إلى الِاتِّفاقِ حتَّى معَ الرُّوحانيِّين المُتَديِّنين الحَقِيقيِّين مِنَ النَّصارَى، فيَتْرُكُوا مُؤَقَّتًا كلَّ ما يُثِيرُ الخِلافاتِ والمُناقَشاتِ دَفْعًا لِعَدُوِّهِمُ المُشتَرَكِ المُلحِدِ المُتَعدِّي.
السَّببُ الثّالثُ:
إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ ليس ناشِئًا عنِ الوَضاعةِ وفِقْدانِ الهِمّةِ، كما أنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الضَّلالةِ ليس ناشِئًا عن عُلُوِّ الهِمّةِ، بل إنَّ اختِلافَ أَهلِ الهِدايةِ نابعٌ مِن سُوءِ استِعمالِ عُلُوِّ الهِمّةِ والإِفراطِ فيه، واتِّفاقَ أَهلِ الضَّلالةِ مَرَدُّه الضَّعفُ والعَجْزُ الحاصِلانِ مِنِ انعِدامِ الهِمّةِ.
والَّذي يَسُوقُ أَهلَ الهِدايةِ إلى سُوءِ استِعمالِ عُلُوِّ الهِمّةِ وبالتّالي إلى الِاختِلافِ والغَيْرةِ والحَسَدِ، إنَّما هو المُبالَغةُ في الحِرْصِ على الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ الَّذي هو في حَدِّ ذاتِه خَصْلةٌ مَمْدُوحةٌ یی وطَلَبُ الِاستِزادةِ مِنها دُونَ قَناعةٍ وحَصْرُها على النَّفْسِ. وهذا يَستَدْرِجُ الحَرِيصَ شَيْئًا فشَيْئًا حتَّى يَصِلَ به الأَمرُ إلى أن يَتَّخِذَ وَضْعًا مُنافِسًا إِزاءَ أَخِيه الحَقِيقيِّ الَّذي هو بأَمَسِّ الحاجةِ إلى مَحَبَّتِه ومُعاوَنَتِه وأُخُوَّتِه والأَخْذِ بِيَدِه؛ كأَنْ يقُولَ مَثلًا: لِأَغْنَمْ أَنا هذا الثَّوابَ، ولْأُرْشِدْ أَنا هَؤُلاءِ النّاسَ، ولْيَسْمَعُوا مِنِّي وَحْدِي الكَلامَ.. وأَمثالَها مِن طَلَبِ المَزِيدِ مِنَ الثَّوابِ لِنَفسِه. أو يقُولَ: لِماذا يَذهَبُ تَلامِيذِي إلى فُلانٍ وعَلّانٍ؟ ولِماذا لا يَبلُغُ تَلامِيذِي عَدَدَ تَلامِيذِه وزِيادةً؟ فتَجِدُ رُوحُ الأَنانيّةِ لَدَيه یی بهذا الحِوارِ الدّاخِلِيِّ یی الفُرصةَ سانِحةً لِتَرفَعَ رَأْسَها وتَبْرُزَ، فتَسُوقُه تَدرِيجِيًّا إلى التَّلَوُّثِ بصِفةٍ مَذمُومةٍ، تلك هي التَّطَلُّعُ إلى حُبِّ الجاهِ، فيَفُوتُه الإخلاصُ ويَنسَدُّ دُونَه بابُه، بَينَما يَنفَتِحُ بابُ الرِّياءِ لَه على مِصْراعَيه.
— 217 —
إنَّ عِلاجَ هذا الخَطَأِ الجَسِيمِ والجُرحِ البَلِيغِ والمَرَضِ الرُّوحِيِّ العُضالِ هو:
العِلمُ بأنَّ رِضَا اللهِ لا يُنالُ إلّا بالإخلاصِ، فرِضاه سُبحانَه ليس بكَثْرةِ التّابِعِين ولا باطِّرادِ النَّجاحِ والتَّوفِيقِ في الأَعمالِ، ذلك لأنَّ تَكْثِيرَ التّابِعِين والتَّوفِيقَ في الأَعمالِ هو مِمّا يَتَولّاه اللهُ سُبحانَه بفَضْلِه وكَرَمِه، فلا يُسأَلُ ولا يُطلَبُ، بل يُؤتِيه اللهُ سُبحانَه مَن يَشاءُ.
نعم، رُبَّ كَلِمةٍ واحِدةٍ تكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِِ، وتُصبِحُ مَوْضِعَ رِضا اللهِ سُبحانَه، ورُبَّ إِرشادِ شَخْصٍ واحِدٍ يكُونُ مَوْضِعَ رِضا اللهِ سُبحانَه بِقَدْرِ إِرشادِ أَلفٍ مِنَ النّاسِ؛ فلا يَنبَغِي أن تُؤخَذَ الكَمِيّةُ بنَظَرِ الِاعتِبارِ كَثِيرًا.
ثمَّ إنَّ الإخلاصَ في العَمَلِ ونُشدانَ الحَقِّ فيه إنَّما يُعرَفُ بصِدْقِ الرَّغبةِ في إِفادةِ المُسلِمِين عامّةً أَيًّا كان مَصدَرُ الِاستِفادةِ ومِن أيِّ شَخْصٍ صَدَر، وإلّا فحَصْرُ النَّظَرِ بأن يُؤخَذَ الدَّرسُ والإرشادُ مِنِّي فقط لِأَفُوزَ بالثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ هو حِيلةُ النَّفسِ وخَدِيعةُ الأَنانيّةِ.
فيا مَن يَحرِصُ على المَزِيدِ مِنَ الثَّوابِ ولا يَقْنَعُ بما قامَ به مِن أَعمالٍ لِلآخِرةِ..
اِعْلَمْ أنَّ اللهَ سُبحانَه قد بَعَث أَنبِياءَ كِرامًا، وما آمَنَ مَعَهُم إلّا قَلِيلٌ، ومعَ ذلك نالُوا ثَوابَ النُّبوّةِ العَظِيمِ كامِلًا غيرَ مَنقُوصٍ، فلَيسَ السَّبْقُ والفَضْلُ إذًا في كَثْرةِ التّابِعِين، وإنَّما في نَيْلِ شَرَفِ رِضَا اللهِ سُبحانَه؛ فمَنْ أَنتَ أيُّها الحَرِيصُ حتَّى تَتَدخَّلَ في تَدبِيرِ اللهِ وتَقْدِيرِه، مُتَغافِلًا عن واجِبِك قائِلًا: "فلْيَسمَعْنِي الكُلُّ"؟! قُمْ بأَداءِ واجِبِك، ولا تُحاوِلْ أن تَتَدخَّلَ في تَدبِيرِ اللهِ وتَقدِيرِه.. اِعْلَمْ أنَّ تَصْدِيقَ النّاسِ كَلامَك وقَبُولَهُم دَعْوَتَك وتَجَمُّعَهُم حَوْلَك إنَّما هُو مِن فَضْلِ اللهِ يُؤْتيه مَن يَشاءُ، فلا تَشْغَلْ نَفْسَك فيما يَخُصُّه سُبحانَه مِن تَقدِيرٍ وتَدبِيرٍ، بلِ اجْمَعْ هَمَّك في القِيامِ بما أُنِيطَ بك مِن واجِبٍ.
ثمَّ إنَّ الإِصغاءَ إلى الحَقِّ والحَقِيقةِ، ونَوالَ المُتَكلِّمِ بِهما الثَّوابَ ليس مُنحَصِرًا في الجِنسِ البَشَرِيِّ وَحْدَه، بل للهِ عِبادٌ مِن ذَوِي الشُّعُورِ ومِنَ الرُّوحانيِّين والمَلائِكةِ قد مَلَؤُوا أَركانَ الكَوْنِ وعَمَرُوها. فإن كُنتَ تُرِيدُ مَزِيدًا مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ فاسْتَمْسِكْ
— 218 —
بالإِخلاصِ واتَّخِذْه أَساسًا لِعَمَلِك، واجْعَلْ مَرْضاةَ اللهِ وَحْدَها الهَدَفَ والغايةَ في عَمَلِك، كي تَحْيا أَفرادُ تلك الكَلِماتِ الطَّيِّبةِ المَنطُوقةِ مِن شَفَتَيْك مُنتَشِرةً في جَوِّ السَّماءِ بالإخلاصِ وبالنِّیيّةِ الخالِصةِ، لِتَصِلَ إلى أَسماعِ مَخلُوقاتٍ مِن ذَوِي المَشاعِرِ الَّذين لا يَحصُرُهُمُ العَدُّ، فتُنوِّرَهم، وتَنالَ بها الثَّوابَ العَظِيمَ أَضْعافًا مُضاعَفةً.
ذلك لِأنَّك إذا قُلتَ: "الحَمْدُ للهِ" مَثلًا فستُكْتَبُ بأَمرِ اللهِ على إِثْرِ نُطْقِك بهذه الكَلِمةِ مَلايِينُ المَلايِينِ مِنَ "الحَمْدُ للهِ" صَغِيرةً وكَبِيرةً في الفَضاءِ؛ فلَقد خَلَق سُبحانَه ما لا يُعَدُّ مِنَ الآذانِ والأَسماعِ تُصْغِي إلى تلك الكَلِماتِ الكَثِيرةِ الطَّيِّبةِ، حيثُ لا عَبَثَ ولا إِسرافَ في عَمَلِ البارِئِ الحَكِيمِ، فإذا ما بَعَث الإخلاصُ والنِّيّةُ الصّادِقةُ الحَياةَ في تلك الكَلِماتِ المُنتَشِرةِ في ذَرّاتِ الهَواءِ فستَدْخُلُ أَسماعَ أُولَئِك الرُّوحانيِّين لَذِيذةً طَيِّبةً كلَذّةِ الفاكِهةِ الطَّيِّبةِ، ولكن إذا لم يَبْعَثْ رِضا اللهِ والإخلاصُ الحَياةَ في تلك الكَلِماتِ، فلا تُستَساغُ، بل تَنبُو عَنها الأَسماعُ، ويَبقَى ثَوابُها مُنحَصِرًا فيما تَفَوَّه به الفَمُ.. فلْيُصْغِ إلى هذا قُرّاءُ القُرآنِ الكَرِيمِ الَّذين يَتَضايَقُون مِنِ افْتِقارِ أَصْواتِهم إلى الجَوْدةِ والإِحسانِ، فيَشْكُون مِن قِلّةِ السّامِعِين لَهُم.
السَّببُ الرّابعُ:
إنَّ اختِلافَ أَهلِ الهِدايةِ وتَحاسُدَهُم ليس كائِنًا مِن عَدَمِ التَّفكُّرِ في مَصِيرِهم ولا مِن قِصَرِ نَظَرِهم، كما أنَّ الِاتِّفاقَ الجادَّ بينَ أَهلِ الضَّلالةِ ليس ناشِئًا مِنَ القَلَقِ على المَصِيرِ ولا مِن سُمُوِّ نَظَرِهم وعُمْقِ رُؤْيَتِهم؛ بل إنَّ عَجْزَ أَهلِ الهِدايةِ عنِ الثَّباتِ على الِاستِقامةِ في السَّيْرِ، وتَقْصِيرَهُم عنِ الإخلاصِ في العَمَلِ يَحرِمُهُم مِنَ التَّمتُّعِ بمَزايا ذلك المُستَوَى الرَّفيعِ، فيَسقُطُون في هُوّةِ الِاختِلافِ رَغمَ كَوْنِهم يَستَرشِدُون بالعَقْلِ والقَلْبِ البَصِيرَيْنِ لِلعاقِبةِ، ويَستَفِيضُون مِنَ الحَقِّ والحَقِيقةِ، ولا يَمِيلُون معَ شَهَواتِ النَّفْسِ ولا معَ أَحاسِيسِهِمُ الكَلِيلةِ عن رُؤْيةِ العُقْبَى.
أمّا أَهلُ الضَّلالةِ فبِإغراءِ النَّفْسِ والهَوَى، وبمُقتَضَى المَشاعِرِ الشَّهَوِيّةِ والأَحاسِيسِ النَّفْسانيّةِ الكَلِيلةِ عن رُؤْيةِ العُقْبَى، والَّتي تُفَضِّلُ دِرْهَمًا مِن لَذّةٍ عاجِلةٍ
— 219 —
على أَرْطالٍ مِنَ الآجِلةِ، تَراهُم يَتَّفِقُون فيما بَينَهُمُ اتِّفاقًا جادًّا، ويَجْتَمِعُون حَولَ الحُصُولِ على مَنفَعةٍ عاجِلةٍ ولَذّةٍ حاضِرةٍ.
نعم، إنَّ عَبِيدَ النَّفْسِ السَّفَلةَ مِن ذَوِي القُلُوبِ المَيتةِ والهائِمِين في الشَّهَواتِ الدَّنِيئةِ يَتَّحِدُون ويَتَّفِقُون فيما بَينَهُم على مَنافِعَ دُنيَوِيّةٍ عاجِلةٍ.. بَينَما يَنبَغِي لِأَهلِ الهِدايةِ الِاتِّفاقُ الجادُّ والِاتِّحادُ الكامِلُ والتَّضْحِيةُ المُثْمِرةُ والِاستِقامةُ الرَّصِينةُ فيما بَينَهُم، حيثُ إنَّهم يَتَوجَّهُون بنُورِ العَقْلِ وضِياءِ القَلْبِ إلى جَنْيِ كَمالاتٍ وثَمَراتٍ أُخْرَوِيّةٍ خالِدةٍ آجِلةٍ، ولكِن لِعَدَمِ تَجَرُّدِهم مِنَ الغُرُورِ والكِبْرِ والإِفْراطِ والتَّفْرِيطِ يُضَيِّعُون مَنْبَعًا عَظِيمًا ثَرًّا يُمِدُّهُم بالقُوّةِ، ألا وهُو الِاتِّفاقُ؛ فيَضِيعُ بدَوْرِه الإِخلاصُ ويَتَحطَّمُ، وتَتَضَعْضَعُ الأَعمالُ الأُخْرَوِيّةُ وتَذْهَبُ سُدًى، ويَصْعُبُ الوُصُولُ إلى نَيْلِ رِضَا اللهِ سُبحانَه.
وعِلاجُ هذا المَرَضِ الوَبِيلِ ودَواؤُه هو:
الِافتِخارُ بصُحْبةِ السّالِكِين في مَنهَجِ الحَقِّ، ورَبْطُ عُرَى المَحَبّةِ معَهُم تَطْبِيقًا لِلحَدِيثِ الشَّرِيفِ: "الحُبُّ في اللهِ"، ثمَّ السَّيرُ مِن خَلْفِهِم وتَرْكُ شَرَفِ الإِمامةِ لَهُم، وتَرْكُ الإِعجابِ بالنَّفْسِ والغُرُورِ، بِناءً على احتِمالِ كَوْنِ سالِكِ الحَقِّ یی أَيًّا كان یی هو خَيْرًا مِنه وأَفْضَلَ، وذلك لِيَسْهُلَ نَيْلُ الإِخلاصِ؛ ثمَّ العِلمُ بأنَّ دِرْهَمًا مِن عَمَلٍ خالِصٍ لِوَجْهِ اللهِ أَوْلَى وأَرْجَحُ مِن أَرْطالِ أَعمالٍ مَشُوبةٍ لا إِخْلاصَ فيها؛ ثمَّ إِيثارُ البَقاءِ في مُستَوَى التّابِعِ دُونَ التَّطَلُّعِ إلى تَسَلُّمِ المَسؤُولِيّةِ الَّتي قَلَّما تَسْلَمُ مِنَ الأَخْطارِ.
بهذه الأُمُورِ يُعالَجُ هذا المَرَضُ الوَبِيلُ ويُعافَى مِنه، ويَظفَرُ المُؤْمِنُ بالإِخلاصِ، ويكُونُ مِمَّن أَدَّى أَعمالَه الأُخْرَوِيّةَ حَقَّ الأَداءِ.
السَّببُ الخامِسُ:
إنَّ اختِلافَ أَهلِ الهِدايةِ وعَدَمَ اتِّفاقِهِم ليس نابِعًا مِن ضَعْفِهِم، كما أنَّ الِاتِّفاقَ الصّارِمَ بينَ أَهلِ الضَّلالةِ ليس نابِعًا مِن قُوَّتِهم؛ بل إنَّ عَدَمَ اتِّفاقِ أَهلِ الهِدايةِ ناجِمٌ عن
— 220 —
عَدَمِ شُعُورِهِم بالحاجةِ إلى القُوّةِ، لِمَا يُمِدُّهُم به إيمانُهُمُ الكامِلُ مِن مُرتَكَزٍ قَوِيٍّ. وإنَّ اتِّفاقَ أَهلِ الغَفْلةِ والضَّلالةِ ناجِمٌ عنِ الضَّعْفِ والعَجْزِ، حيثُ لا يَجِدُون في وِجْدانِهم مُرَتَكَزًا يَستَنِدُون إلى قُوَّتِه، فلِفَرْطِ احتِياجِ الضُّعَفاءِ إلى الِاتِّفاقِ تَجِدُهُم يَتَّفِقُون اتِّفاقًا قَوِيًّا، ولِضَعْفِ شُعُورِ الأَقْوِياءِ بالحاجةِ إلى الِاتِّفاقِ يكُونُ اتِّفاقُهُم ضَعِيفًا؛ مَثَلُهُم في هذا كمَثَلِ الأُسُودِ والثَّعالِبِ الَّتي لا تَشعُرُ بالحاجةِ إلى الِاتِّفاقِ، فتَعِيشُ فُرادَى، بَينَما الوَعْلُ والماعِزُ الوَحْشِيُّ تَعِيشُ قُطْعانًا خَوْفًا مِنَ الذِّئابِ. أي: إنَّ جَمْعِيّةَ الضُّعَفاءِ والشَّخْصَ المَعنَوِيَّ المُمَثِّلَ لَهُم قَوِيٌّ، كما أنَّ جَمْعِيّةَ الأَقْوِياءِ والشَّخْصَ المَعنَوِيَّ المُمَثِّلَ لَهُم ضَعِيفٌ. (حاشية): إنَّ ما يُؤيِّدُ دَعْوانا هذه هو أنَّ أَقوَى المُنَظَّماتِ الأَورُوبِّيةِ وأَكثَرَها تَأْثِيرًا في المُجتَمَعِ وأَشَدَّها مِن جِهةٍ، هي مُنَظَّماتُ النِّساءِ یی وهُنَّ الجِنسُ اللَّطِيفُ یی في أَمرِيكا الَّتي تُطالِبُ بحُقُوقِ المَرأةِ وحُرِّيَّتِها.. وكذلك مُنَظَّماتُ الأَرْمَنِ الَّذين هُم أَقَلِّيّةٌ وضُعَفاءُ بينَ الأُمَمِ، إلّا أنَّهم يُبدُون تَضْحِيةً وبَسالةً فائِقةً.
وهُناك إِشارةٌ لَطِيفةٌ إلى هذا السِّرِّ في نُكْتةٍ قُرآنيّةٍ ظَرِيفةٍ، وهي إِسنادُ الفِعْلِ "قالَ" بِصِيغةِ المُذَكَّرِ إلى جَماعةِ الإِناثِ معَ كَوْنِها مُؤَنَّثةً مُضاعَفةً، وذلك في قَوْلِه تَعالَى: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ، بَينَما جاءَ الفِعلُ "قالَت" بصِيغةِ المُؤَنَّثِ في قَوْلِه تَعالَى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ وهُم جَماعةٌ مِنَ الذُّكُورِ، مِمّا يُشِيرُ إِشارةً لَطِيفةً إلى أنَّ جَماعةَ النِّساءِ الضَّعِيفاتِ اللَّطِيفاتِ تَتَخاشَنُ وتَتَقوَّى وتَكْسِبُ نَوْعًا مِنَ الرُّجُولةِ، فاقْتَضَتِ الحالُ صِيغةَ المُذَكَّرِ، فجاءَ فِعلُ "قالَ" مُناسِبًا وفي غايةِ الجَمالِ؛ أمّا الرِّجالُ الأَقْوِياءُ فلِأَنَّهُم يَعتَمِدُون على قُوَّتِهم ولا سِيَّما الأَعْرابُ البَدَوِيُّون فتكُونُ جَماعَتُهم ضَعِيفةً كأنَّها تَكْسِبُ نَوْعًا مِن خاصِّيّةِ الأُنُوثةِ مِن تَوَجُّسٍ وحَذَرٍ ولُطْفٍ ولِينٍ، فجاءَت صِيغةُ التَّأْنِيثِ لِلفِعْلِ مُلائِمةً جِدًّا في قَوْلِه تَعالَى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ.
نعم، إنَّ الَّذين يَنشُدُون الحَقَّ لا يَرَوْن وَجْهَ الحاجةِ إلى مُعاوَنةِ الآخَرِين لِما يَحْمِلُون في قُلُوبِهِم مِن إِيمانٍ قَوِيٍّ يُمِدُّهُم بسَنَدٍ عَظِيمٍ، ويَبْعَثُ فِيهِمُ التَّوَكُّلَ والتَّسْلِيمَ، حتَّى لوِ احتاجُوا إلى الآخَرِين فلا يَتَشبَّثُون بهم بقُوّةٍ؛ أمّا الَّذين جَعَلُوا الدُّنيا هَمَّهُم، فلِغَفْلَتِهم عن نُقطةِ استِنادِهِم ومُرتَكَزِهِمُ الحَقِيقيِّ يَجِدُون في أَنفُسِهِمُ الضَّعْفَ والعَجْزَ
— 221 —
في إِنجازِ أُمُورِ الدُّنيا، فيَشْعُرُون بحاجةٍ مُلِحّةٍ إلى مَن يَمُدُّ لَهُم يَدَ التَّعاوُنِ، فيَتَّفِقُون مَعَهُمُ اتِّفاقًا جادًّا لا يَخْلُو مِن تَضْحِيةٍ وفِداءٍ.
وهكذا، فلِأنَّ طُلّابَ الحَقِّ لا يُقَدِّرُون قُوّةَ الحَقِّ الكامِنةَ في الِاتِّفاقِ ولا يُبالُون بها، يَنساقُون إلى نَتِيجةٍ باطِلةٍ وَخِيمةٍ تلك هي الِاختِلافُ؛ بَينَما أَهلُ الباطِلِ والضَّلالةِ فلِأَنَّهم يَشعُرُون یی بسَبَبِ عَجْزِهم وضَعْفِهم یی بما في الِاتِّفاقِ مِن قُوّةٍ عَظِيمةٍ، فقد نالُوا أَمْضَى وَسِيلةٍ تُوصِلُهم إلى أَهْدافِهم، تلك هي الِاتِّفاقُ.
وطَرِيقُ النَّجاةِ مِن هذا الواقِعِ الباطِلِ الأَلِيمِ والتَّخَلُّصِ مِن هذا المَرَضِ الفَتّاكِ یی مَرَضِ الِاختِلافِ الَّذي أَلَمَّ بأَهْلِ الحَقِّ یی هو اتِّخاذُ النَّهْيِ الإِلٰهِيِّ في الآيةِ الكَرِيمةِ: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، واتِّخاذُ الأَمرِ الرَّبّانِيِّ في الآيةِ الكَرِيمةِ: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى دُسْتُورَينِ لِلعَمَلِ في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ.. ثمَّ العِلمُ بمَدَى ما يُسَبِّبُه الِاختِلافُ مِن ضَرَرٍ بَلِيغٍ في الإِسلامِ والمُسلِمِين، وبِمَدَى ما يُيَسِّرُ السَّبِيلَ أَمامَ أَهلِ الضَّلالةِ لِيَبسُطُوا أَيدِيَهُم على أَهلِ الحَقِّ.. ثمَّ الِالْتِحاقُ بقافِلةِ الإِيمانِ الَّتي تَنشُدُ الحَقَّ، والِانخِراطُ في صُفُوفِها بِتَضْحِيةٍ وفِداءٍ وبشُعُورٍ نابِعٍ مِن عَجْزٍ كامِلٍ وضَعْفٍ تامٍّ، وذلك معَ نُكْرانِ الذّاتِ والنَّجاةِ مِنَ الرِّياءِ ابتِغاءَ الوُصُولِ إلى نَيْلِ شَرَفِ الإِخلاصِ.
السَّببُ السّادس:
إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ ليس ناشِئًا مِن فِقْدانِ الشَّهامةِ والرُّجُولةِ، ولا مِنِ انحِطاطِ الهِمّةِ وانعِدامِ الحَمِيّةِ؛ كما أنَّ الِاتِّفاقَ الجادَّ بينَ الغافِلِين الضّالِّين الَّذين يَبغُون الدُّنيا في أُمُورِهِم ليس ناشِئًا مِنَ الشَّهامةِ والرُّجُولةِ، ولا مِنَ الحَمِيّةِ وعُلُوِّ الهِمّةِ؛ بل إنَّ أَهلَ الحَقِّ وَجَّهُوا نَظَرَهُم إلى ثَوابِ الآخِرةِ على الأَكْثَرِ، فتَوَزَّعَ ما لَدَيهِم مِن حَمِيّةٍ وهِمّةٍ وشَهامةٍ إلى تلك المَسائِلِ المُهِمّةِ والكَثِيرةِ، ونَظَرًا لِكَوْنِهم لا يَصْرِفُون أَكثَرَ وَقْتِهمُ الَّذي هو رَأْسُ مالِهِمُ الحَقِيقِيُّ إلى مَسأَلةٍ مُعَيَّنةٍ واحِدةٍ، فلا يَنعَقِدُ اتِّفاقُهُم عَقْدًا مُحْكَمًا معَ السّالِكِين في نَهْجِ الحَقِّ، حيثُ إنَّ المَسائِلَ كَثِيرةٌ والمَيْدانَ واسِعٌ جِدًّا.
— 222 —
أمّا الدُّنيَوِيُّون الغافِلُون، فلِكَوْنِهم يَحصُرُون نَظَرَهم حَصْرًا في الحَياةِ الدُّنيا یی فهِيَ أَكبَرُ هَمِّهِم ومَبلَغُ عِلْمِهم یی تَراهُم يَرتَبِطُون معَها بأَوْثَقِ رِباطٍ وبكُلِّ ما لَدَيهِم مِن مَشاعِرَ ورُوحٍ وقَلْبٍ؛ فأَيُّما شَخْصٍ يَمُدُّ لَهُم يَدَ المُساعَدةِ يَستَمْسِكُون بها بقُوّةٍ، فهُم يَحصُرُون وَقْتَهُمُ الثَّمِينَ جِدًّا في قَضايا دُنيَوِيّةٍ لا تُساوِي شَيْئًا في الحَقِيقةِ لَدَى أَهلِ الحَقِّ، مَثَلُهُم في هذا كمَثَلِ ذلك الصّائِغ اليَهُودِيِّ المَجنُونِ الَّذي اشتَرَى قِطَعًا زُجاجِيّةً تافِهةً بأَثْمانِ الأَحجارِ الكَرِيمةِ الباهِظةِ. فابتِياعُ الشَّيءِ بأَثْمانٍ باهِظةٍ، وصَرْفُ المَشاعِرِ كُلِّها نَحوَه يُؤَدِّي حَتْمًا إلى النَّجاحِ والتَّوفيقِ ولو كان في طَرِيقٍ باطِلٍ، لأنَّ فيه إِخلاصًا جادًّا.
ومِن هُنا يَتَغلَّبُ أَهلُ الباطِل على أَهلِ الحَقِّ، فيَفقِدُ أَهلُ الحَقِّ الإخلاصَ، ويَسقُطُون في مَهاوِي الذُّلِّ والتَّصَنُّعِ والرِّياءِ، ويُضطَرُّون إلى التَّمَلُّقِ والتَّزَلُّفِ إلى أَربابِ الدُّنيا المَحرُومِين مِن كُلِّ مَعاني الشَّهامةِ والهِمّةِ والغَيْرةِ.
فيا أَهلَ الحَقِّ، ويا أَهلَ الشَّرِيعةِ والحَقِيقةِ والطَّرِيقةِ، ويا مَن تَنشُدُون الحَقَّ لِأَجلِ الحَقِّ.. اِسْعَوْا في دَفْعِ هذا المَرَضِ الرَّهِيبِ یی مَرَضِ الِاختِلافِ یی بِتَأَدُّبِكُم بالأَدَبِ الفُرقانِيِّ العَظِيمِ، ألا وهُو: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا، فاعْفُوا عن هَفَواتِ إِخوانِكُم واصْفَحُوا عن تَقْصِيراتِهم، وغُضُّوا أَبصارَكُم عن عُيُوبِ بَعضِكُم بَعضًا، ودَعُوا المُناقَشاتِ الدّاخِلِيّةَ جانِبًا، فالأَعداءُ الخارِجِيُّون يُغِيرُون علَيكُم مِن كُلِّ صَوْبٍ.
واجْعَلُوا إِنقاذَ أَهلِ الحَقِّ مِنَ السُّقُوطِ والذِّلّةِ مِن أَهَمِّ واجِباتِكُمُ الأُخرَوِيّةِ وأَوْلاها بالِاهتِمامِ، وامْتَثِلُوا لما تَأْمُرُكُم به مِئاتُ الآياتِ الكَرِيمةِ والأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ مِنَ التَّآخِي والتَّحابُبِ والتَّعاوُنِ، واسْتَمْسِكُوا بكُلِّ مَشاعِرِكُم بعُرَى الِاتِّفاقِ والوِفاقِ معَ إِخوانِكُم في الدِّينِ ونَهْجِ الحَقِّ المُبِينِ بأَشَدَّ مِمّا يَستَمْسِكُ به الدُّنيَوِيُّون الغافِلُون، واحْذَرُوا دائِمًا مِنَ الوُقُوعِ في شِباكِ الِاختِلاِف.
ولا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: "سأَصْرِفُ وَقْتِي الثَّمِينَ في قِراءةِ الأَوْرادِ والأَذكارِ وفي التَّأَمُّلِ، بَدَلًا مِن أن أَصْرِفَه في مِثلِ هذه الأُمُورِ الجُزئيّةِ"، فيَنسَحِبَ مِنَ المَيْدانِ ويُصْبِحَ وَسِيلةً في تَوْهِينِ الِاتِّفاقِ والِاتِّحادِ، وسَبَبًا في إِضْعافِ الجَماعةِ المُسلِمةِ، ذلك لِأَنَّ
— 223 —
المَسائِلَ الَّتي تَظُنُّونَها جُزئيّةً وبَسِيطةً رُبَّما هي على جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الأَهَمِّيّةِ في هذا الجِهادِ المَعنَوِيِّ.
فكما أنَّ مُرابَطةَ جُندِيٍّ في ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ الإسلامِيّةِ یی ضِمنَ شَرائِطَ خاصّةٍ مُهِمّةٍ یی لِساعةٍ مِنَ الوَقتِ قد تكُونُ بمَثابةِ سَنةٍ مِنَ العِبادةِ، فإنَّ يَوْمَك الثَّمِينَ هذا الَّذي تَصْرِفُه في مَسأَلةٍ جُزئِيّةٍ مِن مَسائِلِ الجِهادِ المَعنَوِيِّ یی ولا سِيَّما في هذا الوَقتِ العَصِيبِ الَّذي غُلِبَ أَهلُ الحَقِّ فيه على أَمْرِهِم یی أَقُولُ: إنَّ يَوْمَك هذا رُبَّما يَأْخُذُ حُكْمَ ساعةٍ مِن مُرابَطةِ ذلك الجُندِيِّ، أي: يكُونُ ثَوابُه عَظِيمًا، بل رُبَّما يكُونُ يَومُك هذا كأَلفِ يَوْمٍ، إذ ما دامَ العَمَلُ لِوَجْهِ اللهِ وفي سَبِيلِه فلا يُنظَرُ إلى صِغَرِه وكِبَرِه ولا إلى سُمُوِّه وتَفاهَتِه، فالذَّرَّة في سَبِيلِ رِضاه سُبحانَه معَ الإِخلاصِ تُصبِحُ نَجْمةً مُتَلَأْلِئةً، فلا تُؤْخَذُ ماهِيّةُ الوَسِيلةِ بنَظَرِ الِاعتِبارِ، وإنَّما العِبْرةُ في النَّتِيجةِ والغايةِ، وحيثُ إنَّها رِضَا اللهِ سُبحانَه، وأنَّ أَساسَ العَمَلِ هو الإخلاصُ، فلَن تكُونَ تلك المَسأَلةُ إذًا مَسأَلةً صَغِيرةً، بل هي كَبِيرةٌ وعَظِيمةٌ.
السَّببُ السّابعُ:
إنَّ اختِلافَ أَهلِ الحَقِّ والحَقِيقةِ ومُنافَسَتَهُم ليس ناشِئًا مِنَ الغَيْرةِ فيما بَينَهُم ولا مِنَ الحِرصِ على حُطامِ الدُّنيا، كما أنَّ اتِّفاقَ الدُّنيَوِيِّين الغافِلِين ليس مِن كَرامَتِهِم وشَهامَتِهِم؛ بل إنَّ أَهلَ الحَقِيقةِ لم يَتَمكَّنُوا مِنَ الحِفاظِ على الفَضائِلِ والمَكارِمِ الَّتي يَحصُلُون علَيْها مِن تَمَسُّكِهِم بالحَقِيقةِ ولم يَستَطِيعُوا البَقاءَ والثَّباتَ ضِمْنَ مُنافَسةٍ شَرِيفةٍ نَزِيهةٍ في سَبِيلِ الحَقِّ، بِتَسَلُّلِ القاصِرِين مِنهُم في هذا المَيدانِ؛ لِذا فقد أَساؤُوا بعضَ الإِساءةِ إلى تلك الصِّفاتِ المَحمُودةِ، وسَقَطُوا في الِاختِلافِ والخِلافِ نَتِيجةَ التَّحاسُدِ، فأَضَرُّوا بأَنفُسِهِم وبجَماعةِ المُسلِمِين أَيَّما ضَرَرٍ.
أمّا الضَّالُّون والغافِلُون فنَظَرًا لِفِقْدانِهِمُ المُرُوءةَ والحَمِيّةَ لِعَجْزِهِم وذِلَّتِهِم، فقد مَدُّوا أَيدِيَهُم واتَّحَدُوا اتِّحادًا صادِقًا معَ أُناسٍ أيًّا كانُوا، بل معَ الدَّنِيئِين الوَضِيعِين مِنَ النّاسِ كَيْلا تَفُوتَهُم مَنافِعُ يَلْهَثُون وَراءَها، ولا يُسخِطُوا أَصدِقاءَهم ورُؤَساءَهُمُ الَّذين
— 224 —
يَأْتَمِرُون بأَوامِرِهِم إلى حَدِّ العِبادةِ، لِذا اتَّفَقُوا معَ مَن يُشارِكُهُم في الأَمرِ اتِّفاقًا جادًّا، واجْتَمَعُوا معَ مَن يَجْتَمِعُ حَوْلَ تلك المَنافِعِ بأيِّ شَكْلٍ مِن أَشكالِ الِاجتِماعِ، فبَلَغُوا إلى ما يَصبُون إلَيْه مِن جَرَّاءِ هذا الجِدِّ والحَزْمِ في الأَمرِ.
فيا أَهلَ الحَقِّ وأَصحابَ الحَقِيقةِ، ويا مَنِ ابتُلِيتُم بِبَلْوَى الِاختِلافِ.. لقد ضَيَّعتُمُ الإِخلاصَ في هذا الظَّرْفِ العَصِيبِ، ولم تَجعَلُوا رِضَا اللهِ الغايةَ الوَحِيدةَ لِمَسْعاكُم، فمَهَّدتُّمُ السُّبُلَ لِإِسقاطِ أَهلِ الحَقِّ مَغلُوبِين على أَمرِهِم، وجَرَّعتُمُوهُم مَرارةَ الذُّلِّ والهَوانِ.
اِعْلَمُوا أنَّه ما يَنبَغِي أن يكُونَ حَسَدٌ ولا مُنافَسةٌ ولا غَيْرةٌ ولا غِبطةٌ في أُمُورِ الدِّينِ والآخِرةِ، فلَيس فيها في نَظَرِ الحَقِيقةِ أَمثالُ هذه الأُمُورِ، ذلك لأنَّ مَنشَأَ الحَسَدِ والمُنافَسةِ إنَّما هُو مِن تَطاوُلِ الأَيدِي الكَثِيرةِ على شَيءٍ واحِدٍ، وحَصْرِ الأَنظارِ إلى مَقامٍ واحِدٍ، واشْتِهاءِ المَعِداتِ الكَثِيرةِ طَعامًا واحِدًا، فتَؤُولُ إلى الغِبطةِ وبَعدَها إلى الحَسَدِ وذلك بسَبب المُسابَقةُ والمُزاحَمةُ. ولَمّا كانَتِ الدُّنيا ضَيِّقةً ومُؤَقَّتةً ولا تُشبِعُ رَغَباتِ الإنسانِ ومَطالِبَه الكَثِيرةَ، وحَيثُ إنَّ الكَثِيرِين يَتَهالَكُون على شَيءٍ واحِدٍ، فالنَّتِيجةُ إذًا السُّقُوطُ في هاوِيةِ الحَسَدِ والمُنافَسةِ؛ أمّا في الآخِرةِ الفَسِيحةِ فلِكُلِّ مُؤْمِنٍ جَنّةٌ عَرْضُها السَّماواتُ والأَرضُ، تَمتَدُّ إلى مَسافةِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ،
(حاشية): سؤالٌ مُهِمٌّ وارِدٌ مِن جانِبٍ عَظِيمِ الأَهَمِّيّة: كيف تَستَوعِبُ عُقُولُنا الدُّنيَوِيّةُ القاصِرةُ حَقِيقةَ ما رُوِي أنَّ المُؤمِنَ يُمنَحُ جَنّةً عَرضُها خَمسُ مِئةِ سَنةٍ؟
الجَوابُ: كما أنَّ لِكُلِّ شَخصٍ في هذه الدُّنيا دُنيا مُؤَقَّتةً خاصَّةً به، قِوامُها حَياتُه يَستَمتِعُ بها بحَواسِّه الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، حتَّى يُمكِنُه أن يقُولَ: الشَّمسُ مِصباحٌ لي والنُّجُومُ قَنادِيلُ لي، فلا يُنازِعُه في مُلكِيَّتِه هذه وُجُودُ سائِرِ المَخلُوقاتِ وذَوِي الأَرواحِ، بل يَعمُرُون دُنياه الخاصَّةَ ويُجَمِّلُونها.. كذلك الأَمرُ في الجَنّةِ، معَ فارِقٍ عَظِيمٍ، فكُلُّ مُؤمِنٍ یی فَضْلًا عن رَوْضَتِه الخاصّةِ الَّتي تَضُمُّ أُلُوفَ القُصُورِ والحُورِ العِينِ یی لَه جَنّةٌ خاصّةٌ به بِسَعةِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ مِنَ الجَنّةِ العامّةِ، يَستَمتِعُ بها استِمتاعًا يَلِيقُ بالجَنّةِ والخُلُودِ بما يَنكَشِفُ مِن حَواسِّه ويَنبَسِطُ مِن مَشاعِرِه حَسَبَ دَرَجةِ كلِّ مُؤْمِنٍ، فلا يَنقُصُ وُجُودُ الآخَرِين مَعَه ومُشارَكَتُهم لَه شَيئًا مِن تَنَعُّمِه وتَلَذُّذِه وتَمَلُّكِه، بل يَعمُرُون جَنَّتَه الخاصَّةَ والواسِعةَ ويُزَيِّنُونها.
نعم، فكما يَتَمتَّعُ الإنسانُ في الدُّنيا بفَمِه وأُذُنِه وعَينِه وأَذْواقِه الأُخرَى ومَشاعِرِه وحَواسِّه كُلِّها في مَسافةِ ساعةٍ يَقْضِيها في حَدِيقةٍ، أو في مَسافةِ يَومٍ يُمضِيه في سِياحةٍ، أو في مَسِيرةِ شَهر كامِلٍ في مَمْلَكةٍ، أو في سَنةٍ مِن عُمُرِه يَستَجِمُّ بها في رِحْلةٍ وسَفْرةٍ.. كذلك الأَمرُ هُناك في الجَنّةِ، تَتَمتَّعُ حاسّةُ الذَّوْقِ والشَّمِّ في تلك المَمْلَكةِ الخالِدةِ في مَسافةِ سَنةٍ كامِلةٍ بمثل ما كانَت تَتَمتَّعُ في هذه الحَياةِ الفانِيةِ في ساعةٍ مِن حَدِيقةٍ غَنّاءَ، وتَتَمتَّعُ حاسّةُ الإِبصارِ والسَّمْعِ في تلك المَمْلَكةِ الأَبدِيّةِ الزّاهِيةِ مِن أَقْصاها إلى أَقْصاها ضِمنَ رِحلةٍ أَمَدُها خَمسُ مِئةِ سَنةٍ تَمَتُّعًا يُلائِمُ خُلُودَها، ما تَتَمتَّعُ به مِن سِياحةٍ وتَجْوالٍ ورِحْلاتٍ يُمضِيها الإنسانُ في سَنةٍ في هذه الدُّنيا؛ فلِكُلِّ مُؤْمِنٍ حَسَبَ دَرَجَتِه وحَسَبَ ما نالَه مِن ثَوابٍ على أَعمالِه الدُّنيوِيّةِ وحَسَبَ كَمِيّةِ حَسَناتِه، تَنكَشِفُ مَشاعِرُه وتَنبَسِطُ حَواسُّه، فتَستَمتِعُ تلك المَشاعِرُ والحَواسُّ هُناك في الجَنّةِ بما يُلائِمُ خُلُودَها.
ولِكُلٍّ مِنهُم سَبعُون أَلْفًا
— 225 —
مِنَ الحُورِ والقُصُورِ، فلا مُوجِبَ هُناك إذًا لِلحَسَدِ والمُنافَسةِ قَطُّ. فيَدُلُّنا هذا على أنَّه لا حَسَدَ ولا مُشاحَنةَ في الأَعمالِ الصّالِحةِ المُتَوجِّهةِ إلى الآخِرةِ، أي: لا مَجالَ للمُنافَسةِ والتَّحاسُدِ فيها، فمَن تَحاسَدَ فهو لا شَكَّ مُراءٍ. أي: إنَّه يَتَحرَّى مَغانِمَ دُنيَوِيّةً تَحتَ سِتارِ الدِّينِ، ويَبحَثُ عن مَنافِعَ باسمِ العَمَلِ الصَّالِحِ؛ أو إنَّه صَدِيقٌ جاهِلٌ لا يَعلَمُ أَينَ وِجهةُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ، ولم يُدرِكْ بَعدُ أنَّ الإِخلاصَ رُوحُ الأَعمالِ الصَّالِحةِ وأَساسُها، فيَتَّهِمُ سَعةَ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ كأنَّها لا تَسَعُه، ويَبدَأُ بالحَسَدِ والمُنافَسةِ والمُزاحَمةِ مُنطَوِيًا في قَرارةِ نَفسِه على نَوعٍ مِنَ العَداءِ معَ أَوْلِياءِ اللهِ الصَّالِحِين الصَّادِقِين.
وسأَذكُرُ هُنا حادِثةً تُؤيِّدُ هذه الحَقِيقةَ:
كان أَحَدُ أَصدِقائِنا السَّابِقِين يَحمِلُ في قَلْبِه ضَغِينةً وعَداءً نَحوَ شَخصٍ مُعَيَّنٍ، وعِندَما أُثنِيَ على هذا الشَّخصِ أَمامَه في مَجلِسٍ وقِيلَ في حَقِّه: "إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ، إنَّه وَلِيٌّ مِن أَوْلِياءِ اللهِ" رَأَيْنا أنَّ هذا الكَلامَ لم يُحرِّكْ فيه شَيْئًا، فلم يُبْدِ ضِيقًا مِنَ الثَّناءِ على عَدُوِّه؛ ولَكِن عِندَما قال أَحَدُهم: "إنَّه قَوِيٌّ وشُجاعٌ" رَأَيْناه قدِ انتَفَضَ عِرْقُ الحَسَدِ والغَيْرةِ لَدَيْه، فقُلْنا له: "يا هَذا إنَّ مَرتَبةَ الوِلايةِ والتَّقوَى مِن أَعظَمِ المَراتِبِ في الآخِرةِ، فلا يُقاسُ علَيْها شَيءٌ آخَرُ، فأَينَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيّا؟! لقد شاهَدْنا أنَّ ذِكْرَ هذه المَرتَبةِ لم يُحَرِّك فيك ساكِنًا، بَينَما ذِكْرُ القُوّةِ العَضَلِيّةِ الَّتي تَملِكُها حتَّى الثِّيرانُ والشَّجاعةُ الَّتي تَملِكُها السِّباعُ قد أَثارَتَا فيك نَوازِعَ الحَسَدِ"! أَجابَ: "لقدِ استَهْدَفْنا كِلانا هَدَفًا
— 226 —
ومَقامًا مُعَيَّنًا في هذه الدُّنيا، فالقُوّةُ والشَّجاعةُ وأَمثالُهُما هي مِن وَسائِلِ الوُصُولِ إلى ما استَهْدَفْناه مِن مَرتَبةٍ دُنيَوِيّةٍ، فلِأَجلِ هذا شَعَرتُ بدَواعِي المُنافَسةِ والحَسَدِ؛ أمَّا مَنازِلُ الآخِرةِ ومَراتِبُها فلا تُحَدُّ بحُدُودٍ، ورُبَّما يُصبِحُ هُناك مَن كان عَدُوًّا لي أَحَبَّ صَدِيقٍ وأَعَزَّه".
فيا أَهْلَ الحَقِيقةِ والطَّرِيقةِ، إنَّ خِدْمةَ الحَقِّ ليس شَيْئًا هَيِّنًا، بل هي أَشْبَهُ ما تكُونُ بحَمْلِ كَنزٍ عَظِيمٍ ثَقِيلٍ والحِفاظِ علَيْه، فكُلَّما سارَعَت أَيدٍ قَوِيّةٌ وسَواعِدُ مَتِينةٌ لِمُساعَدةِ حامِلِيه وتَخفِيفِ العِبْءِ عن كَواهِلِهِم، كانَ ذلك أَدعَى لِفَرَحِهِم وسُرُورِهِم وامتِنانِهِم لا لِغَيرَتِهِم؛ ومُوجِبًا لِأَن يُقابِلُوا هَؤُلاءِ الأَعوانَ الجُدُدَ بِخالِصِ المَحَبّةِ الصّادِقةِ، ويُرَحِّبُوا بِهِم بِحَماسٍ، ويَفخَرُوا بِانضِمامِ إِخوةٍ لَهُم يَفُوقُونَهُم قُوَّةً وعَوْنًا وتَأْثِيرًا.
أَجَل، هذا هو اللَّازِمُ، فلِمَ إذًا يُنظَرُ إلَيْهِم نَظَرَ المُنَافَسة، فيَفسُدُ الإِخلاصُ نَتِيجةَ هذه الحالةِ، وتكُونُ أَعمالُكُم ومُهِمَّتُیكُم مَوْضِعَ تُهَمِ الضَّالِّين، فيَضَعُونَیكُم في مُستَوًى أَقَلَّ مِنكُم وأَوْطَأَ مِن مَسلَكِكُم بكَثِيرٍ، بل يَقرِنُونَیكُم معَ أُولَئِك الَّذين يَأْكُلُون الدُّنيا بالدِّينِ، ويُضَمِّنُون عَيْشَهُم تَحتَ سِتارِ عِلْمِ الحَقِيقةِ، ويَجعَلُونَیكُم مِنَ المُتَنافِسِين الحَرِيصِين على حُطامِ الدُّنيا، وأَمثالِها مِنَ الِاتِّهاماتِ الظّالِمةِ؟!
إنَّ العِلاجَ الوَحِيدَ لِهَذا المَرَضِ هو اتِّهامُ المَرءِ نَفسَه، والِانحِيازُ إلى جِهةِ رَفيقِه في نَهْجِ الحَقِّ الِّذي إِزاءَه، وعَدَمُ الِانحِرافِ عن دُستُورِ الإِنصافِ وابتِغاءِ الحَقِّ الَّذي ارْتَضاه عُلَماءُ فَنِّ الآدابِ والمُناظَرةِ وهو: "إذا أَرادَ المَرءُ أن يَظهَرَ الحَقُّ على لِسانِه دُونَ غيرِه یی في مُناظَرةٍ مُعَيَّنةٍ یی وانسَرَّ لِذلِك واطْمَأَنَّ أن يكُونَ خَصْمُه على باطِلٍ وخَطَأٍ فهُو ظالِمٌ غيرُ مُنصِفٍ"، فَضْلًا عن أنَّه يَتَضرَّرُ نَتِيجةَ ذلك لِأَنَّه لم يَتَعلَّم شَيْئًا جَدِيدًا یی مِن تلك المُناظَرةِ یی بظُهُورِ الحَقِّ على لِسانِه، بل قد يَسُوقُه ذلك إلى الغُرُورِ فيَتَضَرَّرُ.. بَينَما إذا ظَهَر الحَقُّ على لِسانِ خَصْمِه فلا يَضُرُّه شَيءٌ ولا يَبعَثُ فيه الغُرُورَ، بل يَنتَفِعُ بتَعَلُّمِه شَيئًا جَدِيدًا. أي: إنَّ طالِبَ الحَقِّ المُنصِفَ يُسخِطُ نَفسَه لِأَجْلِ الحَقِّ، وإذا ما رَأَى الحَقَّ لَدَى خَصْمِه رَضِيَ به وارتاحَ إلَيْه.
— 227 —
فلَوِ اتَّخَذَ أَهلُ الدِّينِ والحَقِيقةِ والطَّرِيقةِ والعِلْمِ هذا الدُّستُورَ دَلِيلًا لَهُم في حَياتِهِم وعَمَلِهم، فإنَّهُم سيَظْفَرُون بالإِخلاصِ بإِذنِ اللهِ، ويُفلِحُون في أَعمالِهِمُ الأُخرَوِيّةِ، ويَنجُون برَحْمةٍ مِنه سُبحانَه وفَضْلٍ مِن هذه المُصِيبةِ الكُبْرَى الَّتي أَلَمَّت بهم وأَحاطَت بهم مِن كُلِّ جانِبٍ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 228 —

اللمعة الحادية والعشرون

تَخُصُّ الإخلاصَ
كانت هذه اللَّمعةُ المَسألةَ الرَّابعةَ مِنَ المَسائلِ السَّبْعِ لِلمُذكِّرة السّابعةَ عَشْرةَ مِن "اللَّمْعة السّابِعةَ عَشْرةَ" إلّا أنها أَصبَحَت النُّقطةَ الثَّانية مِن "اللَّمْعة العِشرين" لِمُناسَبة مَوضُوعِها یی الإخلاص یی وبِناءً على نُورانيَّتِها صارَتِ "اللَّمْعةَ الحادِيةَ والعِشرِين"، فدَخَلَت في كِتابِ "اللَّمَعات".
(تُقرَأُ هذه اللَّمْعةُ كلَّ خَمسةَ عَشَرَ يَوْمًا في الأَقَلِّ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٭ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا
يا إِخوةَ الآخِرةِ، ويا أَصحابي في خِدْمةِ القُرآنِ.. اِعْلَمُوا یی وأَنتُم تَعلَمُون یی أنَّ الإِخلاصَ في الأَعمالِ ولا سِيَّما الأُخرَوِيّةِ مِنها، هو أَهَمُّ أَساسٍ، وأَعظَمُ قُوّةٍ، وأَرجَى شَفِيعٍ، وأَثبَتُ مُرتَكَزٍ، وأَقصَرُ طَرِيقٍ لِلحَقِيقةِ، وأَبَرُّ دُعاءٍ مَعنَوِيٍّ، وأَكرَمُ وَسِيلةٍ للمَقاصِدِ، وأَسمَى خَصْلةٍ، وأَصْفَى عُبُودِيّةٍ.
فما دامَ في الإِخلاصِ أَنوارٌ مُشِعَّةٌ، وقُوًى رَصِينةٌ كَثِيرةٌ أَمثالَ هذه الخَواصِّ.. وما دامَ الإِحسانُ الإِلٰهِيُّ قد أَلقَى على كاهِلِنا مُهِمَّةً مُقَدَّسةً ثَقِيلةً، وخِدْمةً عامّةً جَلِيلةً، تلك هي وَظِيفةُ الإيمانِ وخِدمةُ القُرآنِ.. ونَحنُ في غايةِ القِلَّةِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، ونُواجِهُ
— 229 —
أَعداءً أَلِدّاءَ ومُضايَقاتٍ شَدِيدةً، وتُحِيطُ بِنا البِدَعُ والضَّلالاتُ الَّتي تَصُولُ وتَجُولُ في هذا العَصْرِ العَصِيبِ.. فلا مَناصَ لَنا إلّا بِبَذْلِ كلِّ ما في وُسْعِنا مِن جُهدٍ وطاقةٍ كي نَظْفَرَ بالإِخلاصِ. فنحنُ مُضطَرُّون إلَيْه، بل مُكَلَّفُون به تَكْلِيفًا، وأَحْوَجُ ما نكُونُ إلى تَرسِيخِ سِرِّ الإِخلاصِ في ذَواتِنا، إذ لو لم نَفُزْ به لَضاعَ مِنّا بعضُ ما كَسَبناه مِنَ الخِدْمةِ المُقَدَّسةِ یی لِحَدِّ الآنَ یی ولَمَا دامَت ولا استَمَرَّت خِدْمَتُنا، ثمَّ نُحاسَبُ علَيْها حِسابًا عَسِيرًا، حيثُ نكُونُ مِمَّن يَشمَلُهُمُ النَّهْيُ الإِلٰهِيُّ وتَهدِيدُه الشَّدِيدُ في قَوْلِه تَعالَى: وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، وبإِخْلالِنا بالإِخلاصِ على حِسابِ السَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، لِأَجْلِ مَطامِعَ دُنيَوِيّةٍ دَنِيئةٍ، مَقِيتةٍ، مُضِرّةٍ، مُكَدِّرةٍ، لا طائِلَ مِن وَرائِها ولا فائِدةَ، إِرضاءً لِمَنافِعَ شَخصِيّةٍ جُزئيّةٍ تافِهةٍ، أَمثالَ الإِعجابِ بالنَّفْسِ والرِّياءِ، ونكُونُ أَيضًا مِنَ المُتجاوِزِين على حُقُوقِ إِخوانِنا في هذه الخِدْمةِ ومِنَ المُتَعَدِّين على نَهْجِ الخِدْمةِ القُرآنيّةِ، ومِنَ الَّذين أَساؤُوا الأَدَبَ فلم يَقدُرُوا قُدسِيَّةَ الحَقائِقِ الإِيمانيّةِ وسُمُوَّها حَقَّ قَدْرِها.
فيا إِخْوَتِي، إنَّ الأُمُورَ المُهِمّةَ لِلخَيرِ والدُّرُوبَ العَظِيمةِ للصَّلاحِ، تَعتَرِضُها مَوانِعُ وعَقَباتٌ مُضِرّةٌ كَثِيرةٌ؛ فالشَّياطِينُ يُجهِدُونَ أَنفُسَهُم لِكَيْدِ خُدَّامِ تلك الدَّعوةِ المُقَدَّسةِ، لِذا يَنبَغِي الِاستِنادُ إلى الإِخلاصِ والِاطمِئْنانُ إلَيْه، لِدَفْعِ تلك المَوانِعِ وصَدِّ تلك الشَّياطِينِ. فاجْتَنِبُوا یی يا إِخْوَتِي یی الأَسبابَ الَّتي تَقْدَحُ بالإِخلاصِ وتَثْلِمُه كما تَجتَنِبُون العَقارِبَ والحَيَّاتِ، فلا وُثُوقَ بالنَّفْسِ الأَمّارةِ ولا اعتِمادَ علَيْها قَطُّ، كما جاءَ في القُرآنِ الكَرِيمِ على لِسانِ سَيِّدِنا يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَام: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، فلا تَخْدَعَنَّیكُمُ الأَنانِيّةُ والغُرُورُ ولا النَّفْسُ الأَمّارةُ بالسُّوءِ أَبَدًا.
ولِأَجْلِ الوُصُولِ إلى الظَّفَرِ بالإِخلاصِ ولِلحِفاظِ علَيْه، ولِدَفْعِ المَوانِعِ وإِزالَتِها، اجْعَلُوا الدَّساتِيرَ الآتِيةَ رائِدَكُم:
دُستُورُكُم الأوَّل:
اِبتِغاءُ مَرْضاةِ اللهِ في عَمَلِكُم، فإذا رَضِيَ هُو سُبحانَه فلا قِيمةَ لِإِعراضِ العالَمِ أَجْمَعَ ولا أَهَمِّيّةَ له، وإذا ما قَبِل هُو سُبحانَه فلا تَأْثِيرَ لِرَدِّ النّاسِ أَجمَعِينَ، وإذا أَرادَ هُو
— 230 —
سُبحانَه واقْتَضَتْه حِكْمَتُه بَعدَما رَضِيَ وقَبِلَ العَمَلَ، جَعَلَ النَّاسَ يَقبَلُونَه ويَرضَوْن به وإن لم تَطْلُبُوه أَنتُم، لِذا يَنبَغِي جَعْلُ رِضَا اللهِ وَحْدَه دُونَ سِواه القَصْدَ الأَساسَ في هذه الخِدْمةِ.. خِدْمةِ الإِيمانِ والقُرآنِ.
دُستُورُكُم الثَّاني:
هُو عَدَمُ انتِقادِ إِخوانِكُمُ العامِلِين في هذه الخِدْمةِ القُرآنِيّةِ، وعَدَمُ إِثارةِ نَوازِعِ الغِبطة بالتَّفاخُرِ والِاستِعلاءِ، لِأَنَّه كما لا تَحاسُدَ في جِسْمِ الإِنسانِ بَينَ اليَدَينِ، ولا انتِقادَ بَينَ العَيْنَينِ، ولا يَعتَرِضُ اللِّسانُ على الأُذُنِ، ولا يَرَى القَلْبُ عَيْبَ الرُّوحِ، بل يُكَمِّلُ كُلٌّ مِنها نَقْصَ الآخَرِ ويَستُرُ تَقْصِيرَه ويَسعَى لِحاجَتِه، ويُعاوِنُه في خِدْمَتِه؛ وإلّا انْطَفَأَت حَياةُ ذلك الجَسَدِ، ولَغادَرَتْه الرُّوحُ وتَمَزَّقَ الجِسْمُ..
وكما لا تَنافُسَ بَينَ تُرُوسِ المَعْمَلِ ودَوالِيبِه، ولا يَتَقدَّمُ بَعضُها على بَعضٍ ولا يَتَحَكَّمُ، ولا يَدْفَعُ أَحَدُها الآخَرَ إلى التَّعَطُّل بالنَّقْدِ والتَّجْرِيحِ وتَتَبُّعِ العَوْراتِ والنَّقائِصِ، ولا يُثَبِّطُ شَوْقَه إلى السَّعْيِ، بل يُعاوِنُ كُلٌّ مِنها الآخَرَ بكُلِّ ما لَدَيْه مِن طاقةٍ، مُوَجِّهًا حَرَكاتِ التُّرُوسِ والدَّوالِيبِ إلى غايَتِها المَرْجُوّةِ، فيَسِيرُ الجَمِيعُ إلى ما أُوجِدُوا لِأَجْلِه، بالتَّسانُدِ التّامِّ والِاتِّفاقِ الكامِل، بحَيثُ أنَّه لو تَدَخَّلَ شَيءٌ غَرِيبٌ أو تَحَكَّم في الأَمرِ یی ولو بمِقْدارِ ذَرّةٍ یی لَاخْتَلَّ المَعْمَلُ وأَصابَه العَطَبُ، ولَقامَ صاحِبُه بدَوْرِه بتَشْتِيتِ أَجْزائِه وتَقْوِيضِه مِنَ الأَساسِ.
فيا طُلّابَ رَسائِلِ النُّورِ ويا خُدَّامَ القُرآنِ، نحنُ جَمِيعًا أَجزاءٌ وأَعضاءٌ في شَخْصِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ جَدِيرةٍ بأن يُطْلَق علَيْها: "الإنسانُ الكامِلُ".. ونحنُ جَمِيعًا بمَثابةِ تُرُوسِ ودَوالِيبِ مَعْمَلٍ يَنسُجُ السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ في حَياةٍ خالِدةٍ، ونَحنُ خُدَّامٌ عامِلُون في سَفِينةٍ رَبّانيّةٍ تَسِيرُ بالأُمّةِ المُحَمَّدِيّةِ إلى شاطِئِ السَّلامةِ وهي دارُ السَّلامِ.
فنَحنُ إذًا بحاجةٍ ماسّةٍ بل مُضْطَرُّون إلى الِاتِّحادِ والتَّسانُدِ التّامِّ وإلى الفَوْزِ بسِرِّ الإِخلاصِ الَّذي يُهَيِّئُ قُوّةً مَعنَوِيّةً بمِقْدارِ أَلفٍ ومِئةٍ وأَحَدَ عَشَرَ "١١١١" ناتِجةٍ مِن أَربَعةِ أَفرادٍ. نعم، إنْ لم تَتَّحِدْ ثَلاثُ "أَلِفاتٍ" فستَبْقَى قِيمَتُها ثَلاثًا فقط، أمّا إذا
— 231 —
اتَّحَدَت وتَسانَدَت بسِرِّ العَدَدِيّةِ، فإنَّها تَكْسِبُ قِيمةَ مِئةٍ وأَحَدَ عَشَرَ "١١١"، وكذا الحالُ في أَربَعِ "أَرْبَعاتٍ" عِندَما تُكتَبُ كلُّ "٤" مُنفَرِدةً عنِ البَقِيّةِ فإنَّ مَجمُوعَها "١٦"، أمّا إذا اتَّحَدَت هذه الأَرقامُ واتَّفَقَت بسِرِّ الأُخُوّةِ ووَحْدةِ الهَدَفِ والمُهِمّةِ الواحِدةِ على سَطْرٍ واحِدٍ، فعِندَها تَكْسِبُ قِيمةَ أَربَعةِ آلافٍ وأَربَعِ مِئةٍ وأَربَع وأَربَعِين "٤٤٤٤" وقُوَّتَها. هُناك شَواهِدُ ووَقائِعُ تارِيخِيّةٌ كَثِيرةٌ جِدًّا أَثبَتَت أنَّ سِتّةَ عَشَرَ شَخْصًا مِنَ المُتَآخِين المُتَّحِدِين المُضَحِّين بسِرِّ الإِخلاصِ التّامِّ تَزِيدُ قُوَّتُهُمُ المَعنَوِيّةُ وقِيمَتُهُم على أَربَعةِ آلافِ شَخْصٍ.
أمَّا حِكْمةُ هذا السِّرِّ فهي أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن عَشَرةِ أَشخاصٍ مُتَّفِقِين حَقِيقةً يُمكِنُه أن يَرَى بعُيُونِ سائِرِ إِخوانِه ويَسْمَعَ بآذانِهِم. أي: إنَّ كُلًّا مِنهُم يكُونُ لَه مِنَ القُوّةِ المَعنَوِيّةِ والقِيمةِ ما كأَنَّه يَنظُرُ بعِشْرِين عَيْنًا ويُفَكِّرُ بعَشَرةِ عُقُولٍ ويَسمَعُ بعِشْرِين أُذُنًا ويَعمَلُ بعِشْرِين يَدًا. (حاشية): نعم، كما أنَّ تَسانُدًا حَقِيقيًّا، واتِّحادًا تامًّا، نابِعًا مِنَ "الإِخلاصِ" هو مِحْوَرٌ تَدُورُ علَيْه مَنافِعُ لا تَنتَهِي، كذلك فهُو تُرْسٌ عَظِيمٌ، ومُرتَكَزٌ قَوِيٌّ للوُقُوفِ تِجاهَ المَخاوِفِ العَدِيدةِ، بل أَمامَ المَوتِ، لِأَنَّ المَوتَ لا يَسلُبُ إلّا رُوحًا واحِدةً، فالَّذي ارتَبَط بإِخوانِه بسِرِّ الأُخُوّةِ الخالِصةِ في الأُمُورِ المُتَعلِّقةِ بالآخِرةِ وفي سَبِيلِ مَرضاةِ اللهِ، يَحمِلُ أَرواحًا بعَدَدِ إِخوانِه، فيَلْقَى المَوْتَ مُبتَسِمًا وقائِلًا: "لِتَسْلَمْ أَرواحِي الأُخرَى.. ولْتَبْقَ مُعافاةً، فإنَّها تُدِيمُ لي حَياةً مَعنَوِيّةً بكَسْبِها الثَّوابَ لي دائِمًا. فأَنا لم أَمُتْ إِذًا". ويُسْلِمُ رُوحَه وهو قَرِيرُ العَينِ، ولِسانُ حالِه يقُولُ: "أنا أَعِيشُ بتلك الأَرواحِ مِن حَيثُ الثَّوابُ، ولا أَمُوتُ إلّا مِن حَيثُ الذُّنُوبُ والآثامُ".
دُستُورُكُمُ الثّالثُ:
اِعْلَمُوا أنَّ قُوَّتَكُم جَمِيعًا في الإِخلاصِ والحَقِّ.
نعم، إنَّ القُوّةَ في الحَقِّ والإِخلاصِ، حتَّى إنَّ أَهلَ الباطِلِ يُحرِزُون القُوّةَ لِما يُبْدُون مِن ثَباتٍ وإِخلاصٍ في باطِلِهِم.
نعم، إنَّ خِدْمَتَنا هذه في سَبِيل الإيمانِ والقُرآنِ هي دَليلٌ بذاتِها على أنَّ القُوّةَ في الحَقِّ والإِخلاصِ، فشَيءٌ يَسِيرٌ مِنَ الإِخلاصِ في سَبِيلِ هذه الخِدْمةِ يُثبِتُ دَعْوانا هذه
— 232 —
ويكُونُ دَليلًا على نَفسِه، ذلك لِأَنَّ ما قُمْنا به في أَزْيَدَ مِن عِشرِين سَنةً في مَدِينَتِي وفي إِستانبُولَ مِن خِدْمةٍ في سَبِيلِ الدِّينِ والعُلُومِ الشَّرعِيّةِ، قد قُمْنا معَكُم بأَضعافِه مِئةَ مَرّةٍ هُنا في غُضُونِ ثَماني سَنَواتٍ، عِلْمًا بأنَّ الَّذين كانُوا يُعاوِنُونَني هُناك هُم أَكثَرُ مِئةَ مَرّةٍ بل أَلْفَ مَرّةٍ مِمَّن يُعاوِنُونَني هُنا.
إنَّ خِدْماتِنا هُنا في ثَماني سَنَواتٍ معَ أنَّني وَحِيدٌ غَرِيبٌ شِبْهُ أُمِّيٍّ وتَحتَ رَقابةِ مُوَظَّفِين لا إِنصافَ لَهُم وتَحتَ مُضايَقاتِهم قد أَكْسَبَتْنا بفَضْلِ اللهِ قُوّةً مَعنَوِيّةً أَظهَرَتِ التَّوفِيقَ والفَلاحَ بمِئةِ ضِعْفٍ مِمّا كان علَيْه سابِقًا، لِذا حَصَلَت لَدَيَّ قَناعةٌ تامّةٌ أنَّ هذا التَّوفِيقَ الإِلٰهِيَّ ليس إلّا مِن صَمِيمِ إِخلاصِكُم؛ وإنَّني أَعتَرِفُ بأنَّكُم أَنقَذْتُمُوني بإِخلاصِكُمُ التّامِّ مِنَ الرِّياءِ بدَرَجةٍ مّا، ذلك الدّاءِ الوَبِيلِ الَّذي يُداعِبُ النَّفْسَ تَحتَ سِتارِ الشُّهْرةِ والصِّيتِ.. نَسأَلُ اللهَ أن يُوَفِّقَكُم جَمِيعًا إلى الإِخلاصِ الكامِلِ وتُدْخِلُوني فيه مَعَكُم.
تَعلَمُون أنَّ الإمامَ عَلِيًّا رَضِيَ الله عَنهُ والشَّيخَ الكَيلانِيَّ (قَدَّسَ اللهُ سِرَّه)، قد تَوَجَّها إلَيْكُم ونَظَرا بعَيْنِ اللُّطْفِ والِاهتِمامِ والتَّسلِيةِ في كَراماتِهِما الخارِقةِ، ويُبارِكانِ خِدْماتِكُم مَعنًى؛ فلا يُساوِرَنَّیكُمُ الشَّكُّ في أنَّ ذلك التَّوَجُّهَ والِالتِفاتَ والتَّسْلِيةَ ليس إلّا بما تَتَمتَّعُون به مِن إِخلاصٍ، فإن أَفْسَدتُم هذا الإِخلاصَ مُتَعمِّدِين، تَستَحِقُّون إذًا لَطَماتِهما..
تَذَكَّرُوا دائِمًا "لَطَماتِ الرَّأْفةِ والرَّحْمةِ" الَّتي في "اللَّمْعةِ العاشِرةِ"، ولو أَرَدتُم أن يَظَلَّ هذانِ الفاضِلانِ أُستاذَينِ وظَهِيرَينِ مَعنَوِيَّينِ لَكُم فاظْفَرُوا بالإِخلاصِ الأَتَمِّ بامتِثالِكُمُ الآيةَ الكَرِيمةَ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أي: علَيكُم أن تُفَضِّلُوا إِخوانَكُم على أَنفُسِكُم في المَراتِبِ والمَناصِبِ والتَّیكْرِيمِ والتَّوَجُّه، حتَّى في المَنافِعِ المادِّيّةِ الَّتي تَهَشُّ لَها النَّفسُ وتَرْتاحُ إلَيْها، بل في تلك المَنافِعِ الَّتي هي خالِصةٌ زَكِيّةٌ كتَبلِيغِ حَقِيقةٍ إِيمانِيّةٍ لِمُؤمِنٍ يَحتاجُها، فلا تَتَطَلَّعُوا ما استَطعْتُم أن يَتِمَّ ذلك بأَيدِيكُم، بلِ ارْضَوْا واطْمَئِنُّوا أن يَتِمَّ ذلك بِيَدِ صَدِيقٍ آخَرَ لا يتَطَلَّعُ إلى ذلك، لِئَلّا يَتَسرَّبَ الإِعجابُ إلى أَنفُسِكُم؛ ورُبَّما يكُونُ لَدَى أَحَدِكُمُ التَّطَلُّعُ للفَوْزِ بالثَّوابِ وَحْدَه، فيُحاوِلُ أن يُبيِّنَ أَمْرًا مُهِمًّا في الإِيمانِ بنَفْسِه، فرَغْمَ أنَّ هذا لا إِثْمَ فيه ولا ضَرَرَ، إِلّا أنَّه قد يُعَكِّرُ صَفْوَ الإِخلاصِ فيما بَينَكُم.
— 233 —
دُستُورُكُم الرَّابعُ:
هو الِافتِخارُ شاكِرِين بمَزايا إِخْوانِكُم، وتَصَوُّرُها في أَنفُسِكُم، وعَدُّ فَضائِلِهم في ذَواتِكُم.
هُنالِك اصطِلاحاتٌ تَدُورُ بينَ المُتَصوِّفةِ أَمثالَ: "الفَناءِ في الشَّيخِ"، "الفَناءِ في الرَّسُولِ"، وأنا لَستُ صُوفِيًّا، ولكنَّ «الفَناءَ في الإِخوانِ» دُستُورٌ جَمِيلٌ يُناسِبُ مَسْلَكَنا ومَنهَجَنا تَمامًا، أي: أن يَفنَى كلٌّ في الآخَرِ، أي: أن يَنسَى كلُّ أَخٍ أَحاسِيسَه النَّفسانيّةَ، ويَعِيشَ فِكْرًا معَ مَزايا إِخوانِه وأَحاسِيسِهِم، حَيثُ إنَّ أَساسَ مَسْلَكِنا ومَنهَجِنا هو "الأُخُوّةُ" في اللهِ، وأنَّ العَلاقاتِ الَّتي تَربِطُنا هي الأُخُوّةُ الحَقِيقيّةُ، ولَيسَت عَلاقةَ الأَبِ معَ الِابنِ ولا عَلاقةَ الشَّيخِ معَ المُرِيدِ؛ وإن كان لا بُدَّ فمُجَرَّدُ العَلاقةِ بالأُستاذِ.
وما دامَ مَسْلَكُنا هو "الخَلِيليّةَ" فمَشْرَبُنا إذًا "الخُلَّة"، والخُلّةُ تَقتَضِي صَدِيقًا صَدُوقًا، ورَفِيقًا مُضَحِّيًا، وأَخًا شَهْمًا غَيُورًا.. وأُسُّ الأَساسِ لِهذه الخُلّةِ هو الإِخلاصُ التَّامُّ؛ فمَن يُقَصِّر فيه فقد هَوَى مِن على بُرْج الخُلّةِ العالِي، ولَرُبَّما يَتَردَّى في وادٍ سَحِيقٍ، إذ لا مَوْضِعَ في المُنتَصَفِ. نعم، إنَّ الطَّرِيقَ طَرِيقانِ، فمَن يُفارِقُنا الآنَ في مَسْلَكِنا هذا یی وهُو الجادّةُ الكُبْرَى للقُرآنِ الكَرِيمِ یی فرُبَّما يكُونُ مِنَ الَّذِين يَخدُمُون الإِلحادَ أَعداءَ القُرآنِ دُونَ أن يَشعُرَ.
فالَّذِين دَخَلُوا مَيْدانَ خِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ القُدْسِيّةِ بواسِطةِ "رَسائِلِ النُّورِ" لا يَسْقُطُون بإذنِ اللهِ في مِثلِ تلك الهاوِيةِ، بل سيُمِدُّون دائِمًا النُّورَ والإِخلاصَ والإِيمانَ قُوّةً.
فيا إِخْوَتي في خِدْمةِ القُرآنِ..
إنَّ أَهَمَّ سَبَبٍ لِكَسْبِ الإِخلاصِ وأَعظَمَ وَسِيلةٍ مُؤَثِّرةٍ للمُحافَظةِ علَيْه: "رابِطةُ المَوْتِ"، فكما أنَّ طُولَ الأَمَلِ يَثْلِمُ الإخلاصَ ويُفسِدُه، ويَسُوقُ إلى حُبِّ الدُّنيا وإلى الرِّياءِ، فإنَّ «رابِطةَ المَوْتِ» تُنفِّرُ مِنَ الرِّياءِ، وتَجعَلُ المَرءَ يُحرِزُ الإِخلاصَ، إذ تُخَلِّصُه مِن دَسائِسِ النَّفسِ الأَمَّارةِ، وذلك بتَذَكُّرِ مَوْتِه وبمُلاحَظةِ فَناءِ الدُّنيا وزَوالِها.
— 234 —
هذا، ولقدِ اتَّخَذ المُتَصوِّفةُ وأَهلُ الحَقِيقةِ العِلْمِيّةِ "رابِطةَ المَوْتِ" أَساسًا في مَنهَجِ سُلُوكِهم، وذلك بما تَعَلَّمُوه مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، و إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، فأَزالُوا بتلك الرّابِطةِ تَوَهُّمَ البَقاءِ وحُلْمَ الأَبدِيّةِ الَّذي يُوَلِّدُ طُولَ الأَمَلِ، حيثُ افْتَرَضُوا خَيالًا وتَصَوَّرُوا أَنفُسَهُم أَمواتًا.. فالآنَ يُغَسَّلُون.. والآنَ يُوضَعُون في القَبْرِ.. وحِينَما يَتَفكَّرُون بهذه الصُّورةِ تَتَأَثَّرُ النَّفسُ الأَمّارةُ بهذا التَّخَيُّلِ أَكثَرَ، فتَتَخلَّى شَيْئًا فشَيْئًا عن آمالِها العَرِيضةِ.
فلِهَذه الرَّابِطةِ إذًا فَوائِدُ جَمّةٌ ومَنافِعُ شَتَّى، ويَكفِي أنَّ الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يُرشِدُنا إلَيْها بقَوْلِه (ص): «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذّاتِ» ؛ وحَيثُ إنَّ مَسْلَكَنا حَقِيقةٌ عِلْمِيّةٌ ولَيسَ طَرِيقةً صُوفِيّةً، فلا نَرَى أَنفُسَنا مُضطَرِّين مِثْلَهُم إلى مُباشَرةِ تلك الرّابِطةِ بالِافتِراضِ والخَيالِ؛ فَضْلًا عن أنَّ هذا الأُسلُوبَ لا يُلائِمُ مَنهَجَ الحَقِيقةِ، فأُسلُوبُنا في رابِطةِ المَوتِ ليس بِجَلْبِ المُستَقبَلِ إلى الحاضِرِ خَيالًا، بلِ بالذَّهابِ فِكْرًا مِنَ الحاضِرِ إلى المُستَقبَلِ، ومُشاهَدةِ المُستَقبَلِ مِن خِلالِ الحاضِرِ الواقِعِ كما الحَقِيقةُ، فلا حاجةَ إلى الخَيالِ، ولا يَلْزَمُ الِافتِراضُ، إذِ الإنسانُ يُمكِنُه مُشاهَدةُ جِنازَتِه وهي ثَمَرةٌ مَحمُولةٌ على شَجَرةِ عُمُرِه القَصِيرِ، وإذا ما حَوَّلَ نَظَرَه قَلِيلًا لا يَرَى مَوْتَه وَحْدَه، بل يَرَى أيضًا مَوْتَ عَصْرِه، حتَّى إذا جالَ بِنَظَرِه أَكثَرَ يَرَى مَوْتَ الدُّنيا ودَمارَها، وعِندَها يَنفَتِحُ أَمامَه الطَّرِيقُ إلى الإِخلاصِ التّامِّ.
والسَّبَبُ الثَّاني في إِحرازِ الإِخلاصِ هو: أن يَكسِبَ المَرءُ حُضُورًا وسَكِينةً بالإيمانِ التَّحقِيقيِّ وباللَّمَعاتِ الوارِدةِ عنِ "التَّفَكُّرِ الإيمانِيِّ في المَخلُوقاتِ"، هذا التَّأمُّلُ يَسُوقُ صاحِبَه إلى مَعرِفةِ الخالِقِ سُبحانَه، فتَنسَكِبُ الطُّمَأْنينةُ والسَّكِينةُ في القَلبِ.. حَقًّا إنَّ تَلَمُّعَ هذا النَّوعِ مِنَ التَّأَمُّلِ في فِكْرِ الإنسانِ يَجعَلُه يُفَكِّرُ دائِمًا في حُضُورِ الخالِقِ الرَّحِيمِ سُبحانَه ورُؤْيَتِه لَه، أي: أنَّه حاضِرٌ وناظِرٌ إلَيْه دائِمًا، فلا يَلْتَفِتُ عِندَئذٍ إلى غَيرِه، ولا يَستَمِدُّ مِن سِواه؛ حَيثُ إنَّ النَّظَرَ والِالتِفاتَ إلى ما سِواه في حُضُورِه يُخِلُّ بأَدَبِ ذلك الحُضُورِ.. وبهذا يَنجُو الإنسانُ مِنَ الرِّياءِ ويَتَخلَّصُ مِنه، فيَظْفَرُ بالإخلاصِ بإِذنِ اللهِ.
— 235 —
وعلى كلِّ حالٍ ففي هذا "التَّأَمُّلِ" دَرَجاتٌ كَثِيرةٌ ومَراتِبُ عِدّةٌ. وحَظُّ كلِّ شَخْصٍ ما يَكسِبُه، ورِبْحُه ما يَستَفِيدُ مِنه حَسَبَ قابِلِيّاتِه وقُدُراتِه.
نَكتَفِي بهذا القَدْرِ ونُحِيلُ إلى "رَسائِلِ النُّورِ" حيثُ ذَكَرَت كَثِيرًا مِنَ الحَقائِقِ حَوْلَ النَّجاةِ مِنَ الرِّياءِ وإِحرازِ الإخلاصِ.

سنُبيِّنُ باختِصارٍ بَعْضًا مِنَ الأَسبابِ العَدِيدةِ الَّتي تُخِلُّ بالإِخلاصِ وتَمنَعُه، وتَسُوقُ إلى الرِّياءِ وتَدْفَعُ إلَيْه:

المانِعُ الأَوَّلُ للإِخلاصِ:
التَّنافُسُ النّاشِئُ مِنَ المَنافِعِ المادِّيّةِ.. هذا التَّنافُسُ يُفسِدُ الإِخلاصَ تَدرِيجِيًّا، بل يُشَوِّهُ نَتائِجَ العَمَلِ، بل يُفَوِّتُ حتَّى تلك المَنافِعَ المادِّيّةَ أَيضًا.
نعم، لقد حَمَلَت هذه الأُمّةُ دائِمًا التَّوقِيرَ والتَّقدِيرَ للعامِلِين بِجِدٍّ للحَقِيقةِ والآخِرةِ، ومَدَّت لَهُم يَدَ العَوْنِ فِعْلًا، وذلك بنِيّةِ مُشارَكَتِهِم في تلك الأَعمالِ والخِدْماتِ الصَّادِقةِ الخالِصةِ لِوَجْهِ اللهِ، فقَدَّمَت لَهُم هَدايا وصَدَقاتٍ لِدَفْعِ حاجاتِهِمُ المادِّيّةِ ولِئَلَّا يَنشَغِلُوا بها عن خِدْماتِهِمُ الجَلِيلةِ، فأَظهَرُوا بذلك ما يُكِنُّونَه مِنِ احتِرامٍ للعامِلِين في سَبِيلِ اللهِ؛ إلَّا أنَّ هذه المُساعَداتِ والمَنافِعَ يَجِبُ ألّا تُطلَبَ قَطُّ، بل أن تُوهَبَ، فلا تُسألُ حتَّى بلِسانِ الحالِ كمَن يَنتَظِرُها قَلْبًا، وإنَّما تُعطَى مِن حَيثُ لا يُحتَسَبُ، وإلّا اختَلَّ إِخلاصُ المَرءِ وانتَقَضَ، وكادَ يَدخُلُ ضِمْنَ النَّهيِ الإِلٰهِيِّ في قَولِه تَعالَى: وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، فيَحبَطُ قِسمٌ مِن أَعمالِه.. فالرَّغبةُ في هذه المَنافِعِ المادِّيّةِ وتَرَقُّبُها بدافِعٍ مِن أَثَرةِ النَّفسِ الأَمّارةِ وحِرصِها على كَسْبِ المَنافِعِ لِذاتِها، تُثِيرُ عِرْقَ المُنافَسةِ وتُحَرِّكُ نَوازِعَه تِجاهَ أَخِيه الحَقِيقيِّ وصاحِبِه المُخلِصِ في الخِدْمةِ الإيمانيّةِ، فيَفسُدُ إِخلاصُه ويَفقِدُ قُدسِيّةَ دَعْوَتِه للهِ، ويَتَّخِذُ طَوْرًا مُنَفِّرًا لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ، بل يَفقِدُ المَنافِعَ المادِّيّةَ أَيضًا.. وعلى كُلِّ حالٍ فالمَسأَلةُ طَوِيلةٌ.
— 236 —
وسأَذكُرُ ما يَزِيدُ سِرَّ الإخلاصِ ويُدِيمُ الوِفاقَ الصَّادِقَ بينَ إِخوَتِي الصّادِقِين، أَذكُرُه ضِمْنَ مِثالَينِ:
المِثالُ الأوَّلُ لإدامةِ الإخلاصِ: لقدِ اتَّخَذ أَربابُ الدُّنيا "الِاشتِراكَ في الأَموالِ" قاعِدةً يَستَرشِدُون بها لِأَجلِ الحُصُولِ على ثَرْوةٍ طائِلةٍ أو قُوّةٍ شَدِيدةٍ، بلِ اتَّخَذ مَن لَهُمُ التَّأثيرُ في الحَياةِ الِاجتِماعيّةِ یی مِن أَشخاصٍ أو جَماعاتٍ أو بَعضِ السَّاسةِ یی هذه القاعِدةَ رائِدًا لَهُم، وكَسَبُوا نَتِيجةَ اتِّباعِهِم هذه القاعِدةَ قُوّةً هائِلةً وانتَفَعُوا مِنها نَفْعًا عَظِيمًا، علمًا أَنَّ ماهِيّةَ الأَموالِ لا تَتَغيَّرُ بالِاشتِراكِ یی معَ ما فيه مِن أَضْرارٍ واستِعمالاتٍ سَيِّئةٍ یی فرَغمَ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ يَحسَبُ نَفسَه بمَثابةِ المالِكِ لِجَمِيعِ الأَموالِ مِن جِهةِ مُراقَبَتِه وإِشرافِه علَيْها، لكن لا يُمكِنُه أن يَنتَفِعَ مِنها جَمِيعًا.. وعلى كُلِّ حالٍ فإنَّ هذه القاعِدةَ إذا دَخَلَت في الأَعمالِ الأُخْرَوِيّةِ فستَكُونُ مِحْوَرًا لِمَنافِعَ جَلِيلةٍ بلا مَساوِئَ ولا ضَرَرٍ، لِأَنَّ جَمِيعَ تلك الأَموالِ الأُخرَوِيّةِ تَحمِلُ سِرَّ الدُّخُولِ بتَمامِها في حَوْزةِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أُولَئِك الأَفرادِ المُشتَرِكِين فيها، دُونَ نُقْصانٍ أو تَجْزِئةٍ.
ولْنَفْهَمْ هذا بمِثالٍ: اشْتَرَك خَمْسةُ أَشخاصٍ في إِشعالِ مِصْباحٍ زَيْتيٍّ، فوَقَع على أَحَدِهم إِحضارُ النِّفْطِ، وعلى الآخَرِ الفَتِيلةُ، وعلى الثّالِثِ زُجاجةُ المِصْباحِ، وعلى الرّابعِ المِصْباحُ نَفسُه، وعلى الأَخِيرِ عُلْبةُ الكِبْرِيتِ.. فعِندَما أَشعَلُوا المِصْباحَ أَصبَحَ كُلٌّ مِنهُم مالِكًا لِمِصْباحٍ كامِلٍ؛ فلَو كان لِكُلٍّ مِن أُولَئِك المُشتَرِكِين مِرآةٌ كَبِيرةٌ مُعَلَّقةٌ بحائِطٍ، إذًا لَأَصبَحَ مُنعَكِسًا في مِرآتِه مِصْباحٌ كامِلٌ یی معَ ما في الغُرفةِ یی مِن دُونِ تَجَزُّؤٍ أو نَقْصٍ..
وهكذا الأَمرُ في الِاشتِراكِ في الأُمُورِ الأُخْرَوِيّةِ بسِرِّ الإِخلاصِ، والتَّسانُدِ بسِرِّ الأُخُوّةِ، وضَمِّ المَساعِي بسِرِّ الِاتِّحادِ؛ إذ سيَدْخُلُ مَجمُوعُ أَعمالِ المُشتَرِكِين، وجَمِيعُ النُّورِ النَّابعِ مِنها، سيَدْخُلُ بتَمامِه في دَفتَرِ أَعمالِ كُلٍّ مِنهُم.. وهذا أَمرٌ مَشهُودٌ وواقِعٌ بينَ أَهلِ الحَقِيقةِ، وهو مِن مُقتَضَياتِ سَعةِ رَحْمةِ اللهِ سُبحانَه وكَرَمِه المُطلَقِ.
فيا إِخْوَتي، آمُلُ ألَّا تَسُوقَكُمُ المَنافِعُ المادِّيّةُ إلى الحَسَدِ فيما بَينَكُم إن شاءَ اللهُ تَعالَى، إلّا أنَّكُم قد تَنخَدِعُون كما انخَدَع قِسْمٌ مِن أَهلِ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ، مِن بابِ
— 237 —
المَنافِعِ الأُخرَوِيّةِ؛ ولكِن تَذَكَّرُوا.. أينَ الثَّوابُ الشَّخْصِيُّ والجُزئيُّ مِن ذلك الثَّوابِ العَظِيمِ النّاشِئِ في أُفُقِ الِاشتِراكِ في الأَعمالِ المَذكُورةِ في المِثالِ؟ وأينَ النُّورُ الجُزئيُّ مِن ذلك النُّورِ الباهِرِ؟
المِثالُ الثَّاني لِإدامةِ الإخلاصِ: يَحصُلُ الصِّناعِيُّون وأَهلُ الحِرَفِ على الإِنتاجِ الوَفيرِ وعلى ثَرْوةٍ هائِلةٍ نَتِيجةَ اتِّباعِهِم قاعِدةَ "المُشارَكةِ في الصَّنْعةِ والمَهارةِ"، وإلَيْك المِثالَ:
قامَ عَشَرةٌ مِن صَنّاعِي إِبَرِ الخِياطةِ بعَمَلِهم، كُلٌّ على انفِرادٍ، فكانَتِ النَّتِيجةُ ثَلاثَ إِبَرٍ فقط لِكُلٍّ مِنهُم في اليَوْمِ الواحِدِ.. ثمَّ اتَّفَق هَؤُلاءِ الأَشخاصُ حَسَبَ قاعِدةِ "تَوحِيدِ المَساعِي وتَوزِيعِ الأَعمالِ"، فأَتَى أَحَدُهُم بالحَدِيدِ والآخَرُ بالنّارِ، وقامَ الثّالِثُ بثَقْبِ الإِبْرةِ والآخَرُ بإِدخالِها النّارَ والرّابِعُ بَدَأَ يَحُدُّها.. وهكذا، فلَم يَذهَبْ وَقْتُ أَحَدٍ مِنهُم سُدًى، حَيثُ انصَرَف كُلٌّ مِنهُم إلى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ وأَنجَزَه بسُرعةٍ، لأَنَّه عَمَلٌ جُزْئيٌّ بَسِيطٌ أَوَّلًا ولِاكتِسابِه الخِبْرةَ والمَهارةَ فيه ثانيًا.. وحِينَما وَزَّعُوا حَصِيلةَ جُهُودِهِم رَأَوْا أنَّ نَصِيبَ كُلٍّ مِنهُم في يَومٍ واحِدٍ ثَلاثُ مِئةِ إِبرةٍ بَدَلًا مِن ثَلاثِ إِبَرٍ.. فذَهَبَت هذه الحادِثةُ أُنشُودةً يَتَرنَّمُ بها أَهلُ الصِّناعةِ والحِرَفِ الَّذين يَدْعُون إلى تَوحِيدِ المَساعِي وتَوزِيعِ الأَعمالِ.
فيا إِخْوَتِي، ما دامَت تَحصُلُ مِثلُ هذه الفَوائِدِ العَظِيمةِ نَتِيجةَ الِاتِّحادِ والِاتِّفاقِ في أُمُورٍ دُنيَوِيّةٍ وفي مَوادَّ كَثِيفةٍ، فكم يكُونُ ثَوابُ أَعمالٍ أُخرَوِيّةٍ ونُورانيّةٍ! وكم يكُونُ الثَّوابُ المُنعَكِسُ مِن أَعمالِ الجَماعةِ كُلِّها بالفَضْلِ الإِلٰهِيِّ في مِرآةِ كُلِّ فَرْدٍ مِنها! تلك الأَعمالِ الَّتي لا تَحتاجُ إلى تَجْزِئةٍ ولا انقِسامٍ.. فلَكُم أن تُقَدِّرُوا ذلك الرِّبْحَ العَظِيمَ، فإنَّ مِثْلَ هذا الرِّبحِ العَظِيمِ لا يُفَوَّتُ بالحَسَدِ وعَدَمِ الإخلاصِ..!
المانِعُ الثّاني للإخلاصِ:
هو إِعطاءُ ما يُداعِبُ أَنانيّةَ النَّفْسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ وما تَستَشْرِفُه مِن مَنزِلةٍ ومَكانةٍ تَتَوجَّهُ إلَيْها الأَنظارُ، وحُبِّ إِقبالِ النّاسِ وطَلَبِ تَوَجُّهِهِم، بدافِعٍ مِن حُبِّ الشُّهْرةِ وذِياعِ
— 238 —
الصِّيتِ النّاشِئِ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى الجاهِ وحُبِّه؛ فكما أنَّ هذا داءٌ رُوحِيٌّ وَبِيلٌ، فهو بابٌ إلى "الشِّرْكِ الخَفِيِّ" الَّذي هو الرِّياءُ والإِعجابُ بالنَّفْسِ الماحِقُ للإِخلاصِ.
يا إِخوَتي..
لَمَّا كان مَسلَكُنا في خِدْمةِ القُرآنِ الكَرِيمِ مَبْنِيًّا على الحَقِيقةِ وعلى الأُخُوّةِ، وسِرُّ الأُخُوّةِ مُتحقِّقًا في إِفْناءِ الفَرْدِ شَخْصِيَّتَه في شَخْصِيّةِ إِخْوانِه (حاشية): نعم، إنَّ السَّعِيدَ هو مَن يَرمِي شَخْصِيَّتَه، ويُذِيبُ أَنانيَّتَه الَّتي هي كقِطْعةِ ثَلْجٍ في الحَوْضِ العَظِيمِ اللَّذِيذِ المُتَرشِّحِ مِن كَوْثَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ كي يَغنَمَ ذلك الحَوْضَ. وإِيثارِهِم على نَفْسِه، فما يَنبَغِي أن يُؤَثِّرَ فِينا مِثلُ هذا التَّنافُسِ النَّاجِمِ مِن حُبِّ الجاهِ، حَيثُ هو مُنافٍ كُلِّیيًّا لِمَسْلَكِنا، إذ ما دامَت كَرامةُ جَمِيعِ الإِخوانِ وشَرَفُهُم يَعُودانِ إلى كُلِّ أَخٍ في الجَماعةِ، فلا يُمكِنُ أن يُضَحَّى بتلك المَنزِلةِ الرَّفيعةِ والكَرامةِ الفائِقةِ والشَّرَفِ المَعنَوِيِّ السّامِي للجَماعةِ، لِأَجْلِ شُهْرةٍ جُزْئيّةٍ وعِزّةٍ شَخْصِيّةٍ ناجِمةٍ مِنَ الأَنانيّةِ والتَّنافُسِ.. فأَنا على ثِقةٍ وأَمَلٍ أنَّ ذلك بَعِيدٌ كُلَّ البُعْدِ عن طُلّابِ النُّورِ.
نعم، إنَّ قُلُوبَ طُلَّابِ النُّورِ وعُقُولَهُم وأَرواحَهُم لا تَنحَدِرُ إلى مِثل هذه الأُمُورِ السَّافِلةِ، إلّا أنَّه ما مِن أَحَدٍ إلّا يَحْمِلُ نَفْسًا أَمّارةً بالسُّوءِ، وقد تَسْرِي أُمُورٌ ونَوازِعُ نَفْسانيّةٌ في العُرُوقِ وتَتَعلَّقُ بالأَعصابِ وتُنفِذُ حُكمَها رَغمًا عن العَقْل والقَلْبِ والرُّوح؛ فاعتِمادًا على ما تَتْرُكُه "رَسائِلُ النُّورِ" فيكُم مِن آثارٍ، فلا أَتَّهِمُ قُلُوبَكُم وعُقُولَكُم وأَرْواحَكُم، إلّا أنَّ النَّفْسَ والهَوَى والحِسَّ والوَهْمَ قد تَخدَعُ؛ لِذا يَأْتِيكُمُ التَّحْذِيرُ والتَّنبِيهُ أَحْيانًا بشِدّةٍ وعُنْفٍ، فتِلك الشِّدّةُ مُوَجَّهةٌ إلى النَّفْسِ والهَوَى والحِسِّ والوَهْمِ، فكُونُوا على حَذَرٍ دائِمًا.
نعم، لو كان مَسْلَكُنا طَرِيقةً خاصّةً ومَشْيَخةً، لَكان إِذًا مَقامٌ واحِدٌ، أو عَدَدٌ مَحْدُودٌ مِنه، ولَكان مُرَشَّحُون كَثِيرُون لِذَلِك المَقامِ، وعِندَها كان يُمكِنُ أن تَحْدُثَ الأَنانيّةُ المَشُوبةُ بالغِبطةِ في النُّفُوسِ؛ ولكِنَّ مَسْلَكَنا هُو الأُخُوّةُ، لا غَيرُ، فلا يُمكِنُ لِلأَخِ أن يَدَّعِيَ على أَخِيه الأُبُوّةَ، ولا أن يَتَزَيَّا بِزِيِّ المُرشِدِ لَه، فالمَقامُ هُنا في الأُخُوّةِ فَسِيحٌ
— 239 —
واسِعٌ، لا مَجالَ فيه لِلمُزاحَمةِ بالغِبطةِ، وإن كان لا بُدَّ فالأَخُ مُعاوِنٌ لِأَخِيه مُكَمِّلٌ لِعَمَلِه، وظَهِيرٌ لَه.
ومِمّا يَدُلُّ على أنَّ في المَسالِكِ الَّتي فيها مَقامُ الأُبُوّةِ والإِرشادِ والأُستاذِيّةِ نَتائِجَ خَطِرةً مُهْلِكةً تَنجُمُ مِنَ الغِبطةِ حِرْصًا على الثَّوابِ وتَطَلُّعًا إلى عُلُوِّ الهِمّةِ، أَقُولُ: إنَّ الدَّلِيلَ على ذلك هو تلك الِاختِلافاتُ والمُشاحَناتُ الدَّائِرةُ في ثَنايا المَزايا الجَلِيلةِ والمَنافِع العَظِيمةِ الَّتي يَتَمتَّعُ بها أَهلُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ، والَّتي أَدَّت بهم إلى نَتائِجَ وَخِيمةٍ جَعَلَت قُواهُمُ السّامِيةَ الهائِلةَ لا تَثبُتُ أَمامَ أَعاصِيرِ البِدَعِ.
المانِعُ الثّالثُ:
هو الخَوْفُ والطَّمَعُ. نُحِيلُ إلى رِسالةِ "الهَجَماتِ السِّتِّ" حَيثُ شَرَحَت هذا المانِعَ معَ مَوانِعَ أُخْرَى بوُضُوحٍ تامٍّ.
نَسأَلُ اللهَ الرَّحمٰنَ الرَّحِيمَ سُبحانَه مُشَفِّعِينَ جَمِيعَ أَسمائِه الحُسنَى أن يُوَفِّقَنا إلى الإِخلاصِ التَّامِّ. آمِينَ.
اللَّهُمَّ بِحَقِّ سُورَةِ الإِخْلاصِ اجْعَلنَا مِن عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ المُخْلَصِينَ. آمِينَ.. آمِينَ.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 240 —

رسالةٌ خاصّة إلى قسمٍ من إخواني

سأَذكُرُ نُكتةً لَطِيفةً لِحَدِيثَينِ شَرِيفَينِ لِأُولَئِك الإِخوةِ الَّذِينَ يَمَلُّونَ مِن كِتابةِ "رَسائِلِ النُّورِ"، والَّذِينَ يُفَضِّلُونَ قِراءةَ الأَورادِ في الشُّهُورِ الثَّلاثة یی وهِي شُهُورُ العِباداتِ یی على كِتابةِ "رَسائِلِ النُّورِ" الَّتي تُعَدُّ عِبادةً بخَمسِ جِهاتٍ. (حاشية): لقد سأَلْنا أُستاذَنا عنِ الأنواعِ الخَمسةِ مِن العِبادةِ الَّتي أشارَ إليها في هذه الرِّسالةِ القيِّمةِ، نُدرِجُ إيضاحَه أدناه:
١ی إنَّها جهادٌ معنويٌّ تجاهَ أهلِ الضَّلالة، ذلك الجِهادُ الأهَمُّ.
٢ی إنَّها خِدمةٌ لِأستاذِه ومُعاونةٌ له على نَشرِ الحقيقةِ.
٣ی إنَّها خدمةٌ لِلمُسلِمين كافّةً مِن حيثُ الإيمانُ.
٤ی إنَّها تَحصِيلٌ للعِلمِ بالكِتابة.
٥ی إنَّها عِبادةٌ فِكرية قد تكُونُ ساعةٌ مِنها بمَثابة سنةٍ مِن العِبادة.
رُشدي، خُسرَو، رأفت
الحَدِيثُ الأوَّلُ:
«يُوزَنُ مِدادُ العُلَماءِ بدِماءِ الشُّهَداءِ» أو كما قال (ص)
أي: إنَّ ما يَصرِفُه عُلَماءُ الحَقِيقةِ مِن حِبْرٍ يُوزَنُ يَومَ القِيامةِ معَ دِماءِ الشُّهَداءِ ويُعادِلُها.
الحَدِيثُ الثَّاني:
«مَن تَمَسَّكَ بسُنَّتي عِندَ فَسادِ أُمَّتِي فلَه أَجرُ مِئةِ شَهِيدٍ» أو كما قال (ص).
أي: إنَّ مَن يَتَمسَّكُ بالسُّنّةِ الشَّرِيفةِ والحَقائِقِ القُرآنيّةِ ويَعمَلُ لِأَجلِها عِندَ استِيلاءِ البِدَعِ وتَغَلُّبِ الضَّلالةِ، فلَه أَجرُ مِئةِ شَهِيدٍ.
— 241 —
فيا مَن يَمَلُّ تَكاسُلًا عنِ الكِتابةِ، ويا أيُّها الإِخوةُ الَّذِينَ يَنحُونَ مَنحَى التَّصَوُّفِ.. إنَّ حَصِيلةَ مَفهُومَيِ الحَدِيثَينِ الشَّرِيفَينِ هي أنَّ دِرهمًا مِمّا يَقطُرُ مِن نُورٍ أَسوَدَ وماءٍ باعِثٍ لِلحَياةِ مِنَ الأَقلامِ المُبارَكةِ الزَّكِيّةِ الَّتي تَخدُمُ حَقائِقَ الإِيمانِ وأَسرارَ الشَّرِيعةِ والسُّنّةَ النَّبوِيّةَ الشَّرِيفةَ في مِثلِ هذه الظُّرُوفِ يُمكِنُ أن يُفِيدَكُم كمِئةِ دِرهَمٍ مِن دَمِ الشُّهَداءِ يَومَ الحَشرِ الأَكبَرِ.
فاسْعَوْا يا إِخوَتِي لِتَظفَرُوا بهذا الثَّوابِ العَظِيمِ.
فإن قُلتُم: إنَّ ما وَرَد في الحَدِيثِ هو بخُصُوصِ العالِمِ، بَينَما قِسمٌ مِنّا كُتّابٌ فحَسْبُ؟
الجَوابُ: إنَّ الَّذي يَقرَأُ هذه الرَّسائِلَ وهذه الدُّرُوسَ في غُضُونِ سَنةٍ واحِدةٍ ويَفهَمُها ويَقبَلُ بها، يُمكِنُ أن يكُونَ عالِمًا مُهِمًّا ذا حَقِيقةٍ لِهذا الزَّمانِ؛ وإن هو قَرَأَها ولم يَفهَمْها، فإنَّ طُلّابَ النُّورِ الَّذِينَ لَهُم شَخصِيّةٌ مَعنَوِيّةٌ، لا شَكَّ أنَّ هذه الشَّخصِيّةَ هي بمَثابةِ عالِمٍ مِن عُلَماءِ هذا الزَّمانِ.
أمّا أَقلامُكُم فهِي أَصابعُ تلك الشَّخصِيّةِ الحَقِيقيّةِ، وهَبْ أنَّكُم قدِ ارتَبَطتُم بهذا الفَقِيرِ ومَنَحتُمُوه بحُسنِ ظَنِّكُم مَكانةَ عالِمٍ وأُستاذٍ في نَظَرِكُم وإن كُنتُ أَرَى أنَّني لا أَستَحِقُّها، ولكِن لَمّا كُنتُ أُمِّيًّا لا أُجِيدُ الكِتابةَ، فإنَّ أَقلامَكُم تُعَدُّ أَقلامِي أنا، فتُثابُونَ بالأَجرِ المُبَيَّنِ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
— 242 —

اللمعة الثانية والعشرون

بِاسمِهِ سُبحَانَه
هذه الرِّسالةُ الصَّغِيرةُ الَّتي كَتَبتُها قبلَ اثنَتَينِ وعِشرِينَ سَنةً، وأنا نَزِيلُ ناحِيةِ "بارْلا" التَّابِعةِ لِوِلايةِ "إِسبارْطة"، هي رِسالةٌ خاصّةٌ لِأَخلَصِ إِخوَتِي وأَخَصِّهِم؛ وقد كَتَبتُها في غايةِ السِّرِّيّةِ ومُنتَهَى الكِتْمانِ، ولكِن لَمَّا كانَت ذاتَ عَلاقةٍ بأَهالي "إِسبارْطة" والمَسؤُولِينَ فيها، فإنِّي أُقدِّمُها إلى والِيها العادِلِ وإلى مَسؤُولي دَوائِرِ العَدلِ والأَمنِ والِانضِباطِ فيها.
وإذا ما ارْتُؤِيَ أنَّها تَستَحِقُّ الطَّبعَ، فلْتُطبَعْ مِنها نُسَخٌ مَعدُودةٌ بالحُرُوفِ القَدِيمةِ أوِ الحَدِيثةِ بالآلةِ الطّابِعةِ كي يَعرِفَ أُولَئِك المُتَرصِّدُونَ الباحِثُونَ عن أَسرارِي مُنذُ أَكثَرَ مِن خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً: أنَّه لا سِرَّ لنا في الخَفاءِ، وأنَّ أَخفَى أَسرارِنا هو هذه الرِّسالةُ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
الإشارات الثلاث
كانَت هذه الرِّسالة "المَسألةُ الثّالِثةُ مِنَ المُذكِّرةِ السّابِعةَ عَشْرةَ لِلَّمْعة السّابِعةَ عَشْرةَ" إلّا أنَّ قوّةَ أسئِلتِها وشُمُولَها وسُطُوعَ أجوِبتِها وسَدادَها جَعَلَتها "اللَّمْعة الثانيةَ والعِشرِينَ" مِنَ "المَكتُوبِ الحادِي والثَّلاثينَ"، فدَخَلَت ضِمنَ "اللَّمَعات" وامتَزَجَت بها.. وعلى "اللَّمَعات" أَن تُفسِح لها مَوضِعًا بَينَها، فهِي رِسالةٌ سِرِّيّةٌ خاصّةٌ لِأَخصِّ إِخوانِنا وأَخلَصِهم وأَصدَقِهم.
— 243 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
هذه المسألة ثلاث إشارات

الإشارةُ الأولى:

سُؤالٌ مُهِمٌّ يَخُصُّني بالذّاتِ ويَخُصُّ "رَسائِلَ النُّورِ".. يقُولُ كَثِيرُونَ:
لِمَ يَتَدخَّلُ أَهلُ الدُّنيا بأُمُورِ آخِرَتِك كلَّما وَجَدُوا لَهُم فُرصةً، معَ أنَّك لا تَتَدخَّلُ في شُؤُونِ دُنياهُم؟ عِلمًا أنَّه لا يَمَسُّ قانُونُ أيّةِ حُكُومةٍ كانَت شُؤُونَ تارِكِي الدُّنيا المُعتَزِلينَ النّاسَ!
الجَوابُ: إنَّ جَوابَ "سَعِيدٍ الجَدِيدِ" عن هذا السُّؤالِ هو: السُّكُوتُ، إذ يقُولُ: لِيُجِبْ عنِّي القَدَرُ الإِلٰهِيُّ. ومعَ هذا يقُولُ بعَقلِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" الَّذي اضطُرَّ إلى استِعارَتِه: إنَّ الَّذي يُجِيبُ على هذا السُّؤالِ هو حُكُومةُ مُحافَظةِ "إِسبارْطةَ" وأَهالي هذه المُحافَظةِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ یی المَسؤُولينَ والنّاسَ كافّةً یی أَكثَرُ عَلاقةً مِنِّي بالمَعنَى الَّذي يَنطَوِي علَيْه السُّؤالُ.
وما دامَت حُكُومةٌ أَفرادُها يَربُونَ على الأُلُوفِ، وأَهلُونَ يَزِيدُونَ على مِئاتِ الأُلُوفِ مُضطَرِّينَ إلى التَّفكِيرِ والدِّفاعِ عِوَضًا عنِّي، فلِمَ إِذًا أُحاوِرُ یی دُونَ جَدوَى یی المُدَّعِينَ دِفاعًا عن نَفسِي؟!
فها أَنَذا مُنذُ تِسعِ سَنَواتٍ في هذه المُحافَظةِ، وكلَّما مَرَّ الزَّمانُ أَدَرتُ ظَهرِي إلى دُنياهُم، ولم تَبقَ حالٌ مِن أَحوالِي مَخفِيّةً عَنهُم مَستُورةً علَيهِم، بل حتَّى أَخَصُّ رَسائِلِي وأَكثَرُها سِرِّيّةً يَتَداوَلُها المَسؤُولُونَ في الدَّولةِ وهِي في مُتَناوَلِ عَدَدٍ مِنَ النُّوّابِ؛ فلو كانَ لي شَيءٌ مِن تَدَخُّلٍ أو مُحاوَلةٍ مّا لِتَعكِيرِ صَفوِ دُنياهُم والإِخلالِ بها، أو حتَّى التَّفكِيرِ
— 244 —
في هذا الأَمرِ، لَمَا آثَرَ المَسؤُولُونَ في هذه المُحافَظةِ والأَقضِيةِ السُّكُوتَ تِجاهِي وعَدَمَ الِاعتِراضِ عَلَيَّ على الرَّغمِ مِن مُراقَبَتِهِم إيّايَ وتَرَصُّدِهِم لي وتَجَسُّسِهِم عَلَيَّ طَوالَ تِسعِ سَنَواتٍ، وعلى الرَّغمِ مِن أنَّني أَبُوحُ دُونَ تَرَدُّدٍ بأَسرارِي إلى مَن يَزُورُني.
فإن كانَ لي عَمَلٌ مُخِلٌّ بسَعادةِ الأُمّةِ وسَلامةِ الوَطَنِ ويُلحِقُ الضَّرَرَ بمُستَقبَلِها، فالمَسؤُولُ عنه جَمِيعُ أَفرادِ الحُكُومةِ طَوالَ تِسعِ سَنَواتٍ ابتِداءً مِنَ المُحافِظِ إلى أَصغَرِ مُوَظَّفٍ في مَخفَرِ القَريةِ.
فعَلَى هَؤُلاءِ جَمِيعًا يَقَعُ الدِّفاعُ عنِّي، وعلَيْهِم أن يَستَصغِرُوا ما اسْتَهْوَلَه واسْتَعظَمَه الآخَرُونَ، وذلك لِيَنجُوا مِن تَبِعاتِ المَسؤُوليّةِ.. ولِأَجلِ ذلك أُحِيلُ جَوابَ هذا السُّؤالِ إلَيهِم.
أمّا ما يَدفَعُ مُواطِنِي هذه المُحافَظةِ عامّةً لِلدِّفاعِ عنِّي أَكثَرَ مِن نَفسِي فهُو: أنَّ هذه تِسعُ سَنَواتٍ، ومِئاتُ الرَّسائِلِ الَّتي نَسعَى لِنَشرِها، قد أَثبَتَت تَأثِيرَها في هذا الشَّعبِ الأَخِ الصَّدِيقِ المُبارَكِ الطَّيِّبِ، وأَظهَرَت مَفعُولَها الفِعلِيَّ والمادِّيَّ في حَياتِه الأَبدِيّةِ وفي دَعمِ قُوّةِ إِيمانِه وسَعادةِ حَياتِه، ومِن غَيرِ أن تَمَسَّ أَحَدًا بسُوءٍ أو تُوَلِّدَ أيَّ اضطِرابٍ أو قَلَقٍ كانَ، إذ لم يُشاهَد مِنها ما يُومِئُ إلى غَرَضٍ سِياسِيٍّ ونَفعٍ دُنيَوِيٍّ مَهْما كانَ، حتَّى إنَّ هذه المُحافَظةَ "إِسبارْطة" قدِ اكتَسَبَت وللهِ الحَمدُ بواسِطةِ "رَسائِلِ النُّورِ" مَقامَ البَرَكةِ مِن حَيثُ قُوّةُ الإِيمانِ والصَّلابةُ في الدِّينِ، مِن نَوعِ البَرَكةِ الَّتي نالَتْها بَلْدةُ الشّامِ الطَّيِّبةُ في السّابِقِ، ومِن نَوعِ بَرَكةِ الجامِعِ الأَزهَرِ الَّذي هو مَدرَسةُ العالَمِ الإِسلاميِّ عامّةً.
فهذه المُحافَظةُ لَها فَضلٌ ومَزِيّةٌ على المُحافَظاتِ الأُخرَى، حَيثُ كَسَبَت مِن "رَسائِلِ النُّورِ" التَّمَسُّكَ بأَذيالِ الدِّينِ، فهَيمَنَت فيها قُوّةُ الإِيمانِ على الإِهمالِ، وسَيطَرَت فيها الرَّغبةُ في العِبادةِ على السَّفَهِ والغَيِّ؛ ولِهذا كُلِّه فالنّاسُ كُلُّهُم في هذه المُحافَظةِ، حتَّى لو كانَ فيهِم مُلحِدٌ (فَرْضًا) مُضطَرُّونَ إلى الدِّفاعِ عَنِّي وعن "رَسائِلِ النُّورِ".
وهكذا لا يَسُوقُني حَقِّي الجُزئيُّ الَّذي لا أَهَمِّيّةَ له ضِمنَ حُقُوقِ دِفاعٍ ذاتِ أَهَمِّيّةٍ إلى هذا الحَدِّ: أن أُدافِعَ عن نَفسِي، لا سِيَّما وقد أَنهَيتُ خِدْماتِي وللهِ الحَمدُ، ويَسعَى
— 245 —
لها أُلُوفٌ مِنَ الطُّلّابِ عِوَضًا عن هذا العاجِزِ.. فمَن كانَ له وُكَلاءُ دَعوَى ومُحامُونَ يَربُونَ على الأُلُوفِ، لا يُدافِعُ عن دَعواه بنَفسِه.

الإشارة الثانية:

جَوابٌ عن سُؤالٍ يَتَّسِمُ بالنَّقدِ:
يُقالُ مِن جانِبِ أَهلِ الدُّنيا: لِمَ اسْتَأْتَ مِنّا وسَكَتَّ فلا تُراجِعُنا ولو لِمَرّةٍ واحِدةٍ! ثمَّ تَشكُو مِنّا شِكايةً شَدِيدةً قائِلًا: "أَنتُم تَظلِمُونَنِي"؟! فنَحنُ أَصحابُ مَبدَأٍ، لنا دَساتِيرُنا الخاصّةُ نَسِيرُ في ضَوْئِها على وَفقِ ما يَتَطلَّبُه هذا العَصرُ، بَينَما أَنتَ تَرفُضُ تَطبِيقَ هذه الدَّساتِيرِ على نَفسِك، عِلْمًا أنَّ مَن يُنفِّذُ القانُونَ لا يكُونُ ظالِمًا، بَينَما الرّافِضُ له يكُونُ عاصِيًا.. ففي عَصرِنا هذا یی عَصرِ الحُرِّيّةِ یی مَثلًا، وفي عَهدِ الجُمهُورِيّاتِ الَّذي بَدَأْنا به حَدِيثًا يَجرِي دُستُورُ رَفعِ الإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ، إذِ المُساواةُ قانُونٌ أَساسٌ لَدَيْنا، بَينَما أنتَ تَكسِبُ إِقبالَ النّاسِ نَحوَك وتَلفِتُ أَنظارَهُم إلَيْك تارةً بزِيِّ العِلمِ وأُخرَى بالتَّزَهُّدِ، فتُحاوِلُ تَكوِينَ قُوّةٍ وكَسبَ مَقامٍ خارِجَ نِطاقِ نُفُوذِ الدَّولةِ.
هكذا يُفهَمُ مِن ظاهِرِ حالِك، وهكذا يَدُلُّنا مَجرَى حَياتِك السّابِقةِ؛ فهذه الحالةُ رُبَّما تُستَصوَبُ في نِطاقِ تَحَكُّمِ البُرْجوازِيِّينَ یی بالتَّعبِيرِ الحَدِيثِ یی إلّا أنَّ صَحْوةَ طَبَقةِ العَوامِّ وتَغَلُّبَها جَعَلَت جَمِيعَ دَساتِيرِ الِاشتِراكيّةِ والبَلشَفِيّةِ تُسَيطِرُ وتُهَيمِنُ، وهِي الَّتي تُلائِمُ أُمُورَنا أَكثَرَ مِن غَيرِها؛ فنَحنُ في الوَقتِ الَّذي رَضِينا فيه بدَساتِيرِ الِاشتِراكِيّةِ نَشمَئِزُّ مِن أَوْضاعِك، إذ هي تُخالِفُ مَبادِئَنا، لِذا لا حَقَّ لك في الِاستِياءِ مِنّا ولا الشَّكوَى مِن مُضايَقاتِنا لك.
الجَوابُ: إنَّ مَن يَشُقُّ طَرِيقًا في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ ويُؤسِّسُ حَرَكةً، لن يَستَثمِرَ مَساعِيَه ولن يكُونَ النَّجاحُ حَلِيفَه في أُمُورِ الخَيرِ والرُّقيِّ ما لم تكُنِ الحَرَكةُ مُنسَجِمةً معَ القَوانينِ الفِطْرِيّةِ الَّتي تَحكُمُ الكَونَ، بل تكُونُ جَمِيعُ أَعمالِه في سَبِيلِ التَّخرِيبِ والشَّرِّ.
فما دامَ الِانسِجامُ معَ قانُونِ الفِطْرةِ ضَرُورِيًّا، فإنَّ تَنفِيذَ قانُونِ المُساواةِ المُطلَقةِ لا يُمكِنُ إلّا بتَغيِيرِ فِطْرةِ البَشَرِ ورَفعِ الحِكْمةِ الأَساسِيّةِ في خَلقِ النَّوعِ البَشَرِيِّ.
— 246 —
نعم، إنَّني یی مِن حَيثُ النَّسَبُ ونَمَطُ مَعِيشةِ الحَياةِ یی مِن طَبَقةِ العَوامِّ، ومِنَ الرّاضِينَ بالمُساواةِ في الحُقُوقِ فِكْرًا ومَشرَبًا، ومِنَ العامِلِينَ على رَفضِ سَيْطَرةِ طَبَقةِ الخَواصِّ المُسَمَّينَ بالبُرْجوازِيِّينَ واستِبدادِهِم مُنذُ السّابِقِ، وذلك بمُقتَضَى الرَّحمةِ وبمُوجَبِ العَدالةِ النَّاشِئةِ مِنَ الإِسلامِ؛ لِذا فأَنا بكلِّ ما أُوتِيتُ مِن قُوّةٍ بجانِبِ العَدالةِ التّامّةِ، وضِدَّ الظُّلمِ والسَّيطَرةِ والتَّحَكُّمِ والِاستِبدادِ.. بَيْدَ أنَّ فِطْرةَ النَّوعِ البَشَرِيِّ وحِكْمةَ خَلقِه تُخالِفانِ قانُونَ المُساواةِ المُطلَقةِ، إذِ الفاطِرُ الحَكِيمُ سُبحانَه كما يَستَحصِلُ مِن شَيءٍ قَلِيلٍ مَحاصِيلَ كَثِيرةً، ويَكتُبُ في صَحِيفةٍ واحِدةٍ كُتُبًا كَثِيرةً، ويُجرِي بشَيءٍ واحِدٍ وَظائِفَ جَمّةً، كَذلِك يُنجِزُ بنَوعِ البَشَرِ وَظائِفَ أُلُوفِ الأَنواعِ، وذلك إِظهارًا لِقُدرَتِه الكامِلةِ وحِكْمَتِه التّامّةِ.
فلِأَجلِ تلك الحِكْمةِ العَظِيمةِ، خَلَق سُبحانَه الإِنسانَ على فِطْرةٍ جامِعةٍ، لها مِنَ القُدرةِ ما يُثمِرُ أُلُوفَ سَنابِلِ الأَنواعِ، وما يُعطِي طَبَقاتٍ كَثِيرةً بعَدَدِ أَنواعِ سائِرِ الحَيَواناتِ؛ إذ لم يُحَدِّد سُبحانَه قُوَى الإِنسانِ ولَطائِفَه ومَشاعِرَه كما هي الحالُ في الحَيَواناتِ، بل أَطلَقَها واهِبًا له استِعدادًا يَتَمكَّنُ به مِنَ السِّياحةِ والجَوَلانِ ضِمنَ مَقاماتٍ لا تُحَدُّ، فهُو في حُكمِ أُلُوفِ الأَنواعِ، وإن كانَ نَوعًا واحِدًا.
ومِن هُنا أَصبَحَ الإِنسانُ في حُكمِ خَلِيفةِ الأَرضِ، ونَتِيجةِ الكَونِ، وسُلطانِ الأَحياءِ.. وهكَذا، فإنَّ أَجَلَّ خَمِيرةٍ لِتَنَوُّعِ النَّوعِ البَشَرِيِّ وأَهَمَّ نابِضٍ مُحَرِّكٍ له هو التَّسابُقُ لِإِحرازِ الفَضِيلةِ المُتَّسِمةِ بالإِيمانِ الحَقِيقيِّ.. فلا يُمكِنُ رَفعُ الفَضِيلةِ إلّا بتَبدِيلِ الماهِيّةِ البَشَرِيّةِ وإِخمادِ العَقلِ وقَتلِ القَلبِ وإِفناءِ الرُّوحِ.
لا يُمكِنُ بالظُّلمِ والجَورِ مَحْوُ الحُرِّيّةِ
اِرفَعِ الإِدراكَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!
هذا الكَلامُ الرَّصِينُ أُثِيرَ خَطَأً في وَجهِ رَجُلٍ ذِي شَأْنٍ ما كان يَلِيقُ به مِثلُ هذه الصَّفْعةِ، بل جَدِيرٌ بهذا الكَلامِ أن يُصفَعَ به الوَجهُ الغَدّارُ لِهذا العَصرِ الحامِلِ لِاستِبدادٍ رَهِيبٍ يَتَستَّرُ بهذه الحُرِّيّةِ.
— 247 —
فأَنا أَقُولُ بَدَلًا مِن هذا الكَلامِ:
لا يُمكِنُ بالظُّلمِ والجَورِ مَحْوُ الحَقِيقةِ
اِرفَعِ القَلبَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!
أو أَقُولُ:
لا يُمكِنُ بالظُّلمِ والجَورِ مَحْوُ الفَضِيلةِ
اِرفَعِ الوِجْدانَ إن كُنتَ مُقتَدِرًا مِنَ الإِنسانيّةِ!
نعم، إنَّ الفَضِيلةَ المُتَّسِمةَ بالإِيمانِ، كما لا تكُونُ وَسِيلةً لِلإِكراهِ، لا تكُونُ سَبَبًا لِلِاستِبدادِ قَطْعًا؛ إذِ الإِكراهُ والقَسْرُ والتَّسَلُّطُ على الآخَرِينَ، رَذِيلةٌ ليسَ إلّا، بل إنَّ أَهَمَّ مَشرَبٍ لَدَى أَهلِ الفَضِيلةِ هو الِاندِماجُ في المُجتَمَعِ بالعَجزِ والفَقرِ والتَّواضُعِ.. ولَقد مَضَت حَياتُنا وللهِ الحَمدُ وما زالَت كَذلِك تَمضِي على وَفقِ هذا المَشرَبِ، فأَنا لا أَدَّعِي مُتَفاخِرًا أنَّني صاحِبُ فَضِيلةٍ، ولكِن أَقُولُ تَحَدُّثًا بنِعمةِ اللهِ عَلَيَّ وبنِيّةِ الشُّكرِ له سُبحانَه: قد أَحْسَنَ إِليَّ جَلَّ وعَلا بفَضلِه وكَرَمِه فوَفَّقَني إلى العَمَلِ لِلعُلُومِ الإِيمانيّةِ والقُرآنيّةِ وإِدراكِها وفَهْمِها، فصَرَفتُ طَوالَ حَياتِي یی للهِ الحَمدُ یی هذا الإِحسانَ الإِلٰهِيَّ بتَوفِيقٍ مِنه تَعالَى، في مَصالِحِ هذه الأُمّةِ المُسلِمةِ، وبَذَلتُه في سَبِيلِ سَعادَتِها، ولم يَكُ في أيِّ وَقتٍ وَسِيلةً لِلإِكراهِ والتَّسَلُّطِ على الآخَرِينَ.
كما أنَّنِي یی بِناءً على سِرٍّ مُهِمٍّ یی أَنفِرُ مِن إِقبالِ النَّاسِ وجَلبِ استِحسانِهِمُ المَرغُوبَينِ لَدَى أَهلِ الغَفْلةِ، إذ قد ضَيَّعا عَلَيَّ عِشرِينَ سَنةً مِن عُمُري السّابِقِ، فلِهذا أَعُدُّهُما مُضِرَّينِ لي؛ إلّا أنَّني أَراهُما أَمارةً على إِقبالِ النّاسِ على رَسائِلِ النُّورِ فلا أُسخِطُهُم.
فيا أَهلَ الدُّنيا..
بما أنَّني لا أَتَدخَّلُ في دُنياكُم قَطُّ، ولا عَلاقةَ لي بأَيّةِ جِهةٍ كانَت بمَبادِئِكُم، ولَستُ عازِمًا على التَّدَخُّلِ مُجَدَّدًا بالدُّنيا، بل ولا لي رَغبةٌ فيها أَصلًا كما تَشهَدُ بذلك حَياتِي هذه الَّتي قَضَيتُها أَسِيرَ المَنفَى طَوالَ تِسعِ سَنَواتٍ.. فلِماذا تَنظُرُونَ إِليَّ وكأنَّني مُتَجبِّیرٌ
— 248 —
سابِقٌ، يُضمِرُ التَّسَلُّطَ على الآخَرِينَ، ويَتَحيَّنُ الفُرَصَ لِذلِك؟! بأَيِّ قانُونٍ يُجرَى وعلى أيّةِ مَصلَحةٍ يُبنَى هذا المَدَى مِنَ التَّرَصُّدِ والمُراقَبةِ والعَنَتِ؟!
فلا تُوجَدُ في العالَمِ كُلِّه حُكُومةٌ تَسمَحُ بهذه المُعامَلةِ القاسِيةِ الَّتي أُعامَلُ بها فَوقَ القانُونِ، والَّتي لا يَرضَى بها فَردٌ مَهْما كانَ.
فهذه المُعامَلاتُ السَّيِّئةُ الَّتي تُعامِلُونَني بها لا تُوَلِّدُ سَخَطِي وَحْدَه، بل سَخَطَ نَوعِ الإِنسانِ یی إن أَدرَك یی بل سَخَطَ الكائِناتِ.

الإشارة الثالثة:

سُؤالٌ يَرِدُ على وَجهِ البَلاهةِ والجُنُونِ، ويَنطَوِي على مُغالَطةٍ:
يقُولُ قِسمٌ مِن أَفرادِ الدَّولةِ وأَهلِ الحُكمِ:
ما دُمتَ قائِمًا في هذه البِلادِ، فعَلَيْك الِانقِيادُ لِقَوانِينِ الجُمهُورِيّةِ الصّادِرةِ فيها، فلِماذا تُعفِي نَفسَك مِن تلك القَوانِينِ تَحتَ سِتارِ العُزلةِ عنِ النّاسِ؟
فمَثلًا: إنَّ مَن يُجرِي نُفُوذَه على الآخَرِينَ خارِجَ وَظِيفةِ الدَّولةِ، مُتَقلِّدًا فَضِيلةً ومَزِيّةً لِنَفسِه، يُنافي قانُونَ الحُكُومةِ الحاضِرةِ ودُستُورَ الجُمهُورِيّةِ المَبنِيَّ على أَساسِ المُساواةِ؛ فلِماذا تَتَقلَّدُ صِفةَ مَن يُرِيدُ جَلبَ الإِعجابِ بنَفسِه وكأنَّ على النّاسِ الِانقِيادَ له وطاعَتَه، وتَجعَلُهُم يُقبِّلُونَ يَدَك معَ أنَّك لا وَظِيفةَ لك في الدَّولةِ؟
الجَوابُ: إنَّ على مُنَفِّذِي القانُونِ تَنفِيذَه على أَنفُسِهِم أوَّلًا، ثمَّ يُمكِنُهُم إِجراؤُه على الآخَرِينَ؛ فإِجراءُ دُستُورٍ على الآخَرِينَ دُونَ أَنفُسِكُم يَعنِي مُناقَضَتَكُم لِدُستُورِكُم وقانُونِكُم قَبلَ كلِّ أَحَدٍ، لِأنَّكُم تَطلُبُونَ إِجراءَ قانُونِ المُساواةِ المُطلَقةِ هذا عَلَيَّ، بَينَما لم تُطَبِّقُوه أَنتُم على أَنفُسِكُم.
وأَنا أقُولُ: مَتَى ما صَعِدَ جُندِيٌّ اعتِيادِيٌّ إلى مَقامِ المُشِيرِ الِاجتِماعيِّ، وشارَكَ المُشِيرَ فيما يُولِيه النّاسُ مِنِ احتِرامٍ وإِجلالٍ، ونالَ مِثلَه ذلك الإِقبالَ والِاحتِرامَ.. أو مَتَى ما صارَ المُشِيرُ جُندِيًّا اعتِيادِيًّا وتَقَلَّد أَحوالَه الخامِدةَ، وفَقَد أَهَمِّيَّتَه كلَّها خارِجَ
— 249 —
وَظِيفَتِه.. وأَيضًا مَتَى ما تَساوَى رَئِيسٌ ذَكِيٌّ لِأَركانِ الجَيشِ قادَهُم إلى النَّصرِ معَ جُندِيٍّ بَلِيدٍ في إِقبالِ النَّاسِ عامّةً والِاحتِرامِ والمَحَبّةِ له، فلَكُم أن تقُولُوا حِينَذاك حَسَبَ قانُونِكُم یی قانُونِ المُساواةِ یی: لا تُسَمِّ نَفسَك عالِمًا. اُرفُضِ احتِرامَ النّاسِ لك. أَنكِرْ فَضِيلَتَك. اُخدُمْ خادِمَك. رافِقِ المُتَسَوِّلِينَ!
فإن قُلتُم: إنَّ هذا الِاحتِرامَ والمَقامَ والإِقبالَ الَّذي يُولِيه النّاسُ، إنَّما هو خاصٌّ بالمُوَظَّفِينَ وأَثناءَ مُزاوَلَتِهِم مِهنَتَهُم، بَينَما أنتَ إِنسانٌ لا وَظِيفةَ لك، فلَيسَ لك أن تَقبَلَ احتِرامَ الأُمّةِ كالمُوَظَّفِينَ!
فالجَوابُ: لو أَصبَحَ الإِنسانُ مُجَرَّدَ جَسَدٍ فقط، وظَلَّ في الدُّنيا خالِدًا مُخَلَّدًا، وأُغلِقَ بابُ القَبْرِ، وقُتِلَ المَوتُ، وانحَصَرَتِ الوَظائِفُ في دائِرةِ الأَعمالِ العَسكَرِيّةِ والإِدارِيّةِ.. فكَلامُكُم حِينَها يَعنِي شَيئًا؛ ولكِن لَمَّا كانَ الإِنسانُ ليس مُجَرَّدَ جَسَدٍ، ولا يُجَرَّدُ مِنَ القَلبِ واللِّسانِ والعَقلِ لِيُعطَى غِذاءً لِلجَسَدِ، فلا يُمكِنُ إِفناءُ تلك الجَوارِحِ، فكُلٌّ مِنها يَطلُبُ التَّغذِيةَ والعِنايةَ.
ولَمَّا كانَ بابُ القَبْرِ لا يُغلَقُ، بل إنَّ أَجَلَّ مَسأَلةٍ لَدَى كلِّ فَردٍ هي قَلَقُه على ما وَراءَ القَبْرِ، لِذا لا تَنحَصِرُ الوَظائِفُ الَّتي تَستَنِدُ إلى احتِرامِ النّاسِ وطاعَتِهِم في وَظائِفَ اجتِماعِيّةٍ وسِياسِيّةٍ وعَسكَرِيّةٍ تَخُصُّ حَياةَ الأُمّةِ الدُّنيَوِيّةِ؛ إذ كما أنَّ تَزوِيدَ المُسافِرِينَ بتَذاكِرِ سَفَرٍ وجَوازِ مُرُورِ هو وَظِيفةٌ، فإنَّ مَنْحَ وَثيقةِ سَفَرٍ لِلمُسافِرِينَ إلى دِيارِ الأَبدِ ومُناوَلَتَهُم نُورًا لِتَبدِيدِ ظُلُماتِ الطَّرِيقِ وَظِيفةٌ جَلِيلةٌ، بحَيثُ لا تَرقَى أيّةُ وَظِيفةٍ أُخرَى إلى أَهَمِّيَّتِها.. فإِنكارُ وَظِيفةٍ جَلِيلةٍ كهذه لا يُمكِنُ إلّا بإِنكارِ المَوتِ، وبتَكذِيبِ شَهادةِ ثَلاثِينَ أَلفَ جِنازةٍ يَومِيًّا تُصَدِّقُ دَعوَى: أنَّ المَوتَ حَقٌّ.
فما دامَت هُنالِك وَظائِفُ مَعنَوِيّةٌ تَستَنِدُ إلى حاجاتٍ ضَرُورِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ، وأنَّ أَهَمَّ تلك الوَظائِفِ هي الإِيمانُ وتَقوِيَتُه والإِرشادُ إلَيْه، إذ هو جَوازُ سَفَرٍ في طَرِيقِ الأَبدِيّةِ ومِصباحُ القَلبِ في ظُلُماتِ البَرزَخِ، ومِفتاحُ دارِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ.. فلا شَكَّ أنَّ الَّذي يُؤَدِّي تلك الوَظِيفةَ یی وَظِيفةَ الإِيمانِ یی مِن أَهلِ المَعرِفةِ لا يَبخَسُ قِيمةَ النِّعمةِ الَّتي أَنعَمَ
— 250 —
اللهُ علَيْه كُفْرانًا بها، ولا يُهَوِّنُ مِن فَضِيلةِ الإِيمانِ الَّتي مَنَحَه اللهُ إيّاها، ولا يَتَردَّى إلى دَرَكِ السُّفَهاءِ والفَسَقةِ، ولا يُلَوِّثُ نَفسَه بسَفاهةِ السّافِلِينَ وبِدَعِهِم؛ فالِانزِواءُ واعتِزالُ النّاسِ الَّذي لا يَرُوقُ لكُم وحَسِبتُمُوه مُخالِفًا لِلمُساواةِ إنَّما هو لِأَجلِ هذا.
ومعَ هذه الحَقِيقةِ، فلا أُخاطِبُ بكَلامِي هذا أُولَئِك الَّذِينَ يُذِيقُونَنِي العَنَتَ بتَعذِيبِهِم إِيّايَ، مِن أَمثالِكُمُ المُتَكبِّرِينَ المُغتَرِّينَ بنُفُوسِهِم كَثِيرًا حتَّى بلَغُوا الفِرعَونيّةَ في نَقضِ هذا القانُونِ: قانُونِ المُساواةِ، إذ يَنبَغِي عَدَمُ التَّواضُعِ أَمامَ المُتَكبِّرِينَ لِمَا يُظَنُّ تَذَلُّلًا لَهُم، وإنَّما أُخاطِبُ المُنصِفِينَ المُتَواضِعِينَ العادِلِينَ مِن أَهلِ الحُكمِ فأَقُولُ:
إنَّني یی وللهِ الحَمدُ یی على مَعرِفةٍ بقُصُورِي وعَجزِي، فلا أَدَّعِي مُستَعلِيًا على المُسلِمِينَ مَقامًا لِلِاحتِرامِ! بل أُبصِرُ بفَضلِ اللهِ تَقصِيراتِي الَّتي لا تُحَدُّ، وأَعلَمُ يَقِينًا أنِّي لَستُ على شَيءٍ يُذكَرُ، فأَجِدُ السُّلوانَ والعَزاءَ في الِاستِغفارِ ورَجاءِ الدُّعاءِ مِنَ النّاسِ، لا الْتِماسِ الِاحتِرامِ مِنهُم؛ وأَعتَقِدُ أنَّ سُلُوكي هذا مَعرُوفٌ لَدَى أَصدِقائي كُلِّهِم.. إلّا أنَّ هُنالِك أَمرًا، وهُو أنَّني أَتقَلَّدُ مُوَقَّتًا وَضْعًا عَزِيزًا يَتَطلَّبُه مَقامُ عِزّةِ العِلمِ ووَقارِه، وذلك أَثناءَ القِيامِ بخِدمةِ القُرآنِ ودَرسِ حَقائِقِ الإِيمانِ، أَتقَلَّدُه مُوَقَّتًا في سَبِيلِ تلك الحَقائِقِ وشَرَفِ القُرآنِ، ولِأَجلِ أَلّا أَحنِيَ رَأسِي لِأَهلِ الضَّلالةِ.. أَعتَقِدُ أنَّه ليس في طَوقِ قَوانِينِ أَهلِ الدُّنيا مُعارَضةُ هذه النِّقاطِ.
مُعامَلةٌ تَجلُبُ الحَيرةَ:
إنَّ أَهلَ العِلمِ والمَعرِفةِ في كلِّ مَكانٍ یی كما هو مَعلُومٌ یی يَزِنُونَ الأُمُورَ بمِيزانِ العِلمِ والمَعرِفةِ، فأَينَما وَجَدُوا مَعرِفةً وفي أيِّ شَخصٍ تَلَمَّسُوا عِلمًا، يُولُونَ له الِاحتِرامَ ويَعقِدُونَ معَه الصَّداقةَ باعتِبارِ مَسلَكِ العِلمِ؛ بل حتَّى لو قَدِمَ عالِمٌ یی برُوفِّسُور یی لِدَوْلةٍ عَدُوّةٍ لنا إلى هذه البِلادِ، لَزارَه أَهلُ المَعرِفةِ وأَصحابُ العُلُومِ، وقَدَّرُوه واحتَرَمُوه لِعِلمِه ومَعرِفَتِه.
والحالُ أنَّه عِندَما طَلَب أَعلَى مَجلِسٍ عِلمِيٍّ كَنَسِيٍّ إِنكليزِيٍّ مِنَ المَشْيَخةِ الإِسلامِيّةِ الإِجابةَ عن سِتّةِ أَسئِلةٍ بسِتِّ مِئةِ كَلِمةٍ، قامَ أَحَدُ أَهلِ العِلمِ یی الَّذي تَلَقَّى عَدَمَ
— 251 —
الِاحتِرامِ مِن قِبَلِ أَهلِ العِلمِ في هذه البِلادِ یی بالإِجابةِ عن تلك الأَسئِلةِ بسِتِّ كَلِماتٍ حتَّى نالَت إِجابَتُه التَّقدِيرَ والإِعجابَ.. وهُو الَّذي قاوَمَ بالعِلمِ الحَقِيقيِّ والمَعرِفةِ الصَّائِبةِ أَهَمَّ دَساتِيرِ الأَجانِبِ وأُسُسَ حُكَمائِهِم وتَغَلَّبَ علَيْهِم.
وهُو الَّذي تَحَدَّى فَلاسِفةَ أَورُوبّا استِنادًا إلى ما اسْتَلهَمَه مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ مِن قُوّةِ المَعرِفةِ والعِلمِ.
وهُو الَّذي دَعا العُلَماءَ وأَهلَ المَدارِسِ الحَدِيثةِ في إسطَنبُولَ یی قَبلَ إِعلانِ الحُرِّيّةِ بسِتّةِ شُهُورٍ یی إلى المُناظَرةِ والمُناقَشةِ، فأَجابَ عن جَمِيعِ استِفساراتِهِم إِجابةً شافِيةً صائِبةً دُونَ أن يَسأَلَ أَحَدًا شَيئًا. (حاشية): يقولُ "سَعِيدٌ الجَدِيدُ": أنا لا أُشارِكُ "سَعِيدًا القَدِيمَ" في أَقوالِه هذه الَّتي يقُولُها في هذا المَقامِ مُفتَخِرًا، بَيْدَ أنِّي لا أَستَطِيعُ أن أُسكِتَه لِأنِّي قد أَعطَيتُه حقَّ الكَلامِ في هذه الرِّسالةِ، بل أُوثِرُ جانِبَ الصَّمتِ نحوَه كي يُبدِيَ شَيئًا مِن فَخرِه أَمامَ المُتكبِّرينَ.
وهُو الَّذي وَقَفَ حَياتَه لِإسعادِ هذه الأُمّةِ، فنَشَر مِئاتِ الرَّسائِلِ بِلُغَتِها یی اللُّغةِ التُّركِيّةِ یی ونَوَّرَهُم بها.
هذا الَّذي قامَ بهذه الأَعمالِ، وهُو ابنُ هذا الوَطَنِ، والصَّدِيقُ لِأَهلِه، والأَخُ في الدِّينِ، فقابَلَه قِسمٌ مِن مُوَظَّفِي وِزارةِ المَعارِفِ معَ عَدَدٍ مِن عُلَماءِ الدِّينِ الرَّسمِيِّينَ بالِاضطِهادِ وإِضمارِ العَداءِ نَحوَه، بل أُهِينَ.
فتَعالَ، وتَأَمَّلْ هذه الحالةَ! ماذا تُسَمِّيها؟ أهِي مَدَنيّةٌ وحَضارةٌ؟ أم هي مَحَبّةٌ لِلعِلمِ والمَعرِفةِ؟ أم هي وَطَنِيّةٌ؟ أم هي قَومِيّةٌ؟ أم هي دَعوةٌ إلى التَّمَسُّكِ بأَهدافِ الجُمهُورِيّةِ؟!
حاشَ للهِ وكَلّا.. لا شَيءَ مِن هذا قَطُّ!
بل هي قَدَرٌ إِلٰهِيٌّ عادِلٌ أَظهَرَ مِن أَهلِ العِلمِ العَداءَ لِذلِك الشَّخصِ فيما كان يَتَوقَّعُ الصَّداقةَ مِنهُم لِكَيْلا يَدخُلَ في عِلمِه الرِّياءُ بسَبَبِ تَوَقُّعِ الِاحتِرامِ، ولِيَفُوزَ بالإِخلاصِ.
— 252 —

الخاتمة

اعتِداءٌ مُحَيِّرٌ لي يُوجِبُ الشُّكرانَ!
إنَّ أَهلَ الدُّنيا المُتَكبِّرِينَ المَغرُورِينَ غُرُورًا فَوقَ المُعتادِ، لَهُم حَساسِيّةٌ شَدِيدةٌ في مَعرِفةِ الأَنانيّةِ والغُرُورِ، بحَيثُ لو كانَت تلك المُعامَلةُ بشُعُورٍ مِنهُم لَكانَت تُعَدُّ كَرامةً أو دَهاءً عَظِيمًا.. وهِي كالآتِي:
إنَّ ما لا تَشعُرُ به نَفسِي وعَقلِي مِن حالةِ غُرُورٍ جُزئيّةٍ مُتَلَبِّسةٍ بالرِّياءِ، كأنَّهُم يَشعُرُونَ بها بمِيزانِ غُرُورِهِم وتَكبُّرِهِم الحَسّاسِ، فيُجابِهُونَ غُرُورِي الَّذي لا أَشعُرُ به.
ففي غُضُونِ هذه السِّنِينَ التِّسعِ تَقرِيبًا لي ما يُقارِبُ التِّسعَ مِنَ التَّجارِبِ، إذ إنَّني عَقِبَ مُعامَلَتِهِمُ الجائِرةِ نَحوِي، كُنتُ أُفكِّرُ في القَدَرِ الإِلٰهِيِّ وأقُولُ: لِماذا سَلَّط القَدَرُ الإِلٰهِيُّ هَؤُلاءِ عَلَيَّ؟ فأَتَحرَّى بهذا السُّؤالِ عن دَسائِسِ نَفسِي؛ ففي كلِّ مَرّةٍ كُنتُ أَفهَمُ: أنَّ نَفسِي إمّا أنَّها مالَت فِطْرِيًّا إلى الغُرُورِ والتَّكبُّرِ مِن غَيرِ شُعُورٍ مِنِّي، أو أنَّها غَرَّتْني على عِلمٍ.. فكُنتُ أَقُولُ حِينَذاك: إنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ قد عَدَل في حَقِّي مِن خِلالِ ظُلمِ أُولَئِك الظّالِمِينَ. فمِنها:
أنَّه في هذا الصَّيفِ، أَركَبَني أَصدِقائِي حِصانًا جَمِيلًا، فذَهَبتُ به إلى مُتَنَزَّهٍ، وما إن تَنبَّهَت رَغبةٌ في نَفسِي نَحوَ أَذواقٍ دُنيَوِيّةٍ مَشُوبةٍ بالغُرُورِ مِن غَيرِ شُعُورٍ مِنِّي حتَّى تَعَرَّضَ أَهلُ الدُّنيا لِتِلك الرَّغبةِ بشِدّةٍ، بحَيثُ قَطَعُوا دابِرَها بل دابِرَ كَثِيرٍ مِن رَغَباتٍ أُخرَى في النَّفسِ.
وفي هذه المَرّةِ، بعدَ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ، وفي جَوٍّ مِن إِخلاصِ الإِخوةِ الكِرامِ وتَقْواهُم واحتِرامِ الزّائِرِينَ وحُسنِ ظَنِّهِم، عَقِبَ الِالتِفاتِ الَّذي أَوْلاه إِمامٌ عَظِيمٌ سامٍ مِنَ السَّابِقِينَ نَحوَنا بكَرامةٍ غَيبِيّةٍ، رَغِبَتْ نَفسِي في أن تَتَقلَّدَ یی دُونَ شُعُورٍ مِنِّي یی حالةَ
— 253 —
غُرُورٍ مَمزُوجٍ بالرِّياءِ، فأَبدَتْ رَغْبَتَها مُفتَخِرةً تَحتَ سِتارِ الشُّكرِ، وفي هذه الأَثناءِ تَعَرَّض لي فَجْأةً أَهلُ الدُّنيا بحَساسِيّةٍ شَدِيدةٍ، حتَّى كأنَّها تَتَحسَّسُ ذَرّاتِ الرِّياءِ.
فإِلى المَولَى القَدِيرِ أَبتَهِلُ شاكِرًا لِأَنعُمِه، إذ أَصبَحَ ظُلمُ هَؤُلاءِ وَسِيلةً لِلإِخلاصِ.
رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٭ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
اللَّهُمَّ يا حافِظُ يا حَفِيظُ يا خَيرَ الحافِظِينَ، احفَظْني واحْفَظْ رُفَقائِي مِن شَرِّ النَّفسِ والشَّيطانِ، ومِن شَرِّ الجِنِّ والإِنسانِ، ومِن شَرِّ أَهلِ الضَّلالةِ وأَهلِ الطُّغيانِ. آمين.. آمين.. آمين.
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 254 —

اللمعة الثالثة والعشرون

رسالة الطبيعة
كانت هذه الرِّسالة هي المُذكِّرةَ السادسةَ عَشْرةَ من "اللمعة السابعة عشرة" إلّا أن أهمِّيتها الفائقة جعلَتها "اللَّمعة الثالثةَ والعشرين"، فهي تُبِيد تيّارَ الكفر النابع من مفهوم "الطبيعة" إبادةً تامّةً، وتُفتِّتُ حَجَرَ زاويةِ الكفر، وتُحطِّم ركيزتَه الأساس.
تنبيه: لقد بيَّنَت هذه المُذَكِّرةُ ماهِيّةَ المَذهَبِ الَّذي يَسلُكُه الجاحِدُونَ مِنَ الطَّبِيعيِّينَ، وأَوضَحَت مَدَى بُعدِ مَسلَكِهِم عن مَوازِينِ العَقلِ، ومَدَى سَماجَتِه وخُرافيَّتِه، وذلك مِن خِلالِ تِسعةِ مُحالاتٍ تتَضَمَّنُ تِسعِينَ مُحالًا في الأَقلِّ.. ولَمّا كان قِسمٌ مِن تلك المُحالاتِ قد وُضِّح في رَسائِلَ أُخرَى فقد طُوِيَت هُنا بَعضُ المَدارِج اختِصارًا.
والسُّؤالُ الَّذي يَرِدُ لِلخاطِرِ هو: كَيفَ ارتَضَى فَلاسِفةٌ مَشهُورُونَ وعُلَماءُ مَعرُوفُونَ بهذه الخُرافةِ الفاضِحةِ وسَلَّمُوا لها زِمامَ عُقُولِهِم؟!
والجَوابُ: إنَّ أُولَئِك لم يَتَبيَّنُوا حَقِيقةَ مَسلَكِهِم، (حاشية): إنَّ الدّاعيَ الأَشَدَّ إِلحاحًا إلى تأليفِ هذه الرِّسالةِ هو ما لَمَستُه مِن هُجُومٍ صارِخٍ على القُرآنِ الكَرِيمِ، وتَجاوُزٍ شَنيع على الحَقائقِ الإِيمانيّةِ بتَزيِيفِها، ورَبطِ أَواصِرِ الإِلحادِ بالطَّبِيعةِ، وإِلصاقِ نَعتِ "الخُرافةِ" على كلِّ ما لا تُدرِكُه عُقُولُهمُ القاصِرةُ العَفِنةُ.. وقد أَثارَ هذا الهُجُومُ غَيظًا شَدِيدًا في القَلبِ ففَجَّر فيه حُمَمًا سَرَت إلى أُسلُوبِ الرِّسالةِ، فأَنزَلَت صَفَعاتٍ شَدِيدةً على أُولَئِك المُلحِدِينَ وذَوِي المَذاهِبِ الباطِلةِ المُعرِضِينَ عنِ الحَقِّ، وإلّا فليس مِن دَأْبِ "رسائِلِ النُّورِ" إلّا القَولُ اللَّيِّنُ في الخِطابِ والرِّفقُ في الكَلامِ. ولا باطِنَ مَذهَبِهِم، ولم يُدرِكُوا ما يَقتَضِيه مَسلَكُهُم مِن "مُحالاتٍ"، وما يَستَلزِمُه مَذهَبُهُم مِن أُمُورٍ فاسِدةٍ ومُمتَنِعةٍ عَقلًا، والَّتي ذُكِرَت في بِدايةِ كلِّ مُحالٍ يَرِدُ في هذه الرِّسالةِ.
وأنا على استِعدادٍ كامِلٍ لِإقامةِ البَراهِين الدّامِغةِ ونَصْبِ الحُجَجِ البَدِيهِيّةِ الواضِحةِ لِإثباتِ ذلك لِكُلِّ مَن يُساوِرُه الشَّكُّ، وأُبيِّنُها لَهُم بإِسهابٍ وتَفصِيلٍ.
— 255 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
هذه الآيةُ الكَرِيمةُ بما فيها مِنِ استِفهامٍ إِنكارِيٍّ تَدُلُّ دَلالةً قاطِعةً على أنَّ وُجُودَ اللهِ ووَحْدانيَّتَه هو مِنَ الوُضُوحٍ والجَلاءِ بدَرَجةِ البَداهةِ.
وقَبلَ أن نُوضِّحَ هذا السِّرَّ نَوَدُّ أن نُنبِّهَ إلى ما يَأتِي:
دُعِيتُ لزِيارةِ "أَنقَرة" سنةَ ١٣٣٨ (١٩٢٢م) وشاهَدتُ فَرَحَ المُؤمِنينَ وابتِهاجَهُم باندِحارِ اليُونانِ أَمامَ الجَيشِ الإِسلاميِّ، إلّا أنَّني أَبصَرتُ یی خِلالَ مَوجةِ الفَرَحِ هذه یی زَندَقةً رَهِيبةً تَدِبُّ بخُبثٍ ومَكرٍ، وتَتَسلَّلُ بمَفاهِيمِها الفاسِدةِ إلى عَقائِدِ أَهلِ الإِيمانِ الرّاسِخةِ بُغيةَ إِفسادِها وتَسمِيمِها.. فتَأسَّفتُ مِن أَعماقِ رُوحِي، وصَرَختُ مُستَغِيثًا باللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ ومُعتَصِمًا بسُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ، مِن هذا الغُولِ الرَّهِيبِ الَّذي يُرِيدُ أن يَتَعرَّضَ لِأَركانِ الإِيمانِ؛ فكَتَبتُ بُرهانًا قَوِيًّا حادًّا يَقطَعُ رَأسَ تلك الزَّندَقةِ، في رِسالةٍ باللُّغةِ العَرَبيّةِ، واستَقَيتُ مَعانيَها وأَفكارَها مِن نُورِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ لِإثباتِ بَداهةِ وُجُودِ اللهِ سُبحانَه ووُضُوحِ وَحْدانيَّتِه؛ وقد طَبَعتُها في مَطبَعةِ "يِني كُون" في أَنقَرة.. إلّا أنَّني لم أَلمَس آثارَ البُرهانِ الرَّصِينِ في مُقاوَمةِ الزَّندَقةِ وإِيقافِ زَحفِها إلى أَذهانِ النّاسِ.. وسَبَبُ ذلك كَونُه مُختَصَرًا ومُجمَلًا جِدًّا، فَضلًا عن قِلّةِ الَّذِينَ يُتقِنُونَ العَرَبيّةَ في تُركِيّا ونُدرةِ المُهتَمِّينَ بها آنَذاك، لِذا فقدِ انتَشَرَت أَوهامُ ذلك الإِلحادِ واستَشْرَت في صُفُوفِ النّاسِ معَ الأَسَفِ الشَّدِيدِ، مِمّا اضطَرَّني إلى إِعادةِ كِتابةِ تلك الرِّسالةِ ببَراهِينِها بالتَّركِيّةِ، معَ شَيءٍ مِنَ البَيانِ والتَّوضِيحِ، فكانَت هذه الرِّسالةُ.
— 256 —
ولَمّا كانَ بَعضُ أَقسامِ ذلك البُرهانِ قد وُضِّحَت تَوضِيحًا كافِيًا في بَعضِ "رَسائِلِ النُّورِ" فسنَذكُرُها هنا مُجمَلةً، فالبَراهِينُ المُتَعدِّدةُ المَبثُوثةِ في ثَنايا رَسائِلَ أُخرَى تتَّحِدُ في هذه الرِّسالةِ، وكأنَّ كلَّ بُرهانٍ مِنها جُزءٌ مِن هذه الرِّسالةِ.
المُقدِّمة
أيُّها الإِنسانُ.. اِعلَمْ أنَّ هُنالِك كَلِماتٍ رَهِيبةً تَفُوحُ مِنها رائِحةُ الكُفرِ النَّتِنةُ، تَخرُجُ مِن أَفواهِ النّاسِ، وتُرَدِّدُها أَلسِنةُ أَهلِ الإِيمانِ دُونَ عِلمِهِم بخُطُورةِ مَعنَى ما يقُولُونَ، وسنُبيِّنُ ثَلاثًا مِنها هي الغايةُ في الخُطُورةِ:
أُولاها: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "أَوْجَدَتْه الأَسبابُ" أي: إنَّ الأَسبابَ هي الَّتي تُوجِدُ الشَّيءَ المُعيَّنَ.
ثانيَتُها: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّلَ بنَفسِه" أي: إنَّ الشَّيءَ يَتَشكَّلُ مِن تِلقاءِ نَفسِه، ويُوجِدُ نَفسَه بنَفسِه، ويَنتَهِي إلى صُورَتِه الَّتي انتَهَى إلَيْها كما هي.
ثالثَتُها: قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ" أي: إنَّ الشَّيءَ طَبِيعيٌّ، والطَّبِيعةُ هي الَّتي أَوْجَدَتْه واقتَضَتْه.
نعم، ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً وقائِمةً أَمامَنا بحَيثُ لا يُمكِنُ إِنكارُها مُطْلَقًا، وأنَّ كلَّ مَوجُودٍ يَأتِي إلى الوُجُودِ في غايةِ الإِتقانِ والحِكْمةِ، وهُو ليس بقَدِيمٍ أَزَليٍّ، بل هو مُحدَثٌ جَدِيدٌ.. فيا أَيُّها المُلحِدُ، إمّا أنَّك تقُولُ: إنَّ هذا المَوجُودَ یی ولْيَكُن هذا الحَيَوانَ مَثلًا یی تُوجِدُه أَسبابُ العالَمِ، أي: أنَّه يَكتَسِبُ الوُجُودَ نَتِيجةَ اجتِماعِ الأَسبابِ المادِّيّةِ، أو أنَّه يتَشَكَّلُ بنَفسِه، أو أنَّه يَرِدُ إلى الوُجُودِ بمُقتَضَى الطَّبِيعةِ ويَظهَرُ بتَأثيرِها! أو علَيْك أن تقُولَ: إنَّ قُدْرةَ الخالِقِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ هي الَّتي تُوجِدُه.
وما دامَ حُدُوثُه بغَيرِ هذه الطُّرُقِ الأَربَعةِ لا سَبِيلَ إلَيْه حَسَبَ مَوازِينِ العَقلِ، فإِذا ما أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا أنَّ الطُّرُقَ الثَّلاثةَ الأُولَى مُحالةٌ، باطِلةٌ مُمتَنِعةٌ، غيرُ مُمكِنةٍ، فبِالضَّرُورةِ والبَداهةِ يَثبُتُ الطَّرِيقُ الرّابعُ، وهُو طَرِيقُ وَحْدانيّةِ الخالِقِ بيَقِينٍ جازِمٍ لا رَيبَ فيه.
— 257 —

أمّا الطَّرِيقُ الأوَّلُ

وهُو القَولُ بأنَّ: "اجتِماعَ أَسبابِ العالَمِ يَخلُقُ المَوجُوداتِ ويُوجِدُها، ويُؤَدِّي إلى تَشكِيلِ الأَشياءِ"، نَذكُرُ ثَلاثةَ مُحالاتٍ فقط، مِن بَينِ مُحالاتِه الكَثِيرةِ جِدًّا.
المُحالُ الأوَّلُ: ولْنُوَضِّحْه بهذا المِثالِ:

تَحوِي صَيدَليّةٌ مِئاتِ الدَّوارِقِ والقَنانِي المَمْلُوءةِ بمَوادَّ كِيمياوِيّةٍ مُتَنوِّعةٍ، وقدِ احتَجْنا یی لِسَبَبٍ مّا یی إلى مَعجُونٍ حَيَوِيٍّ مِن تلك الأَدوِيةِ والمَوادِّ، ولَزِمَ تَركِيبُ مادّةٍ حَيَوِيّةٍ خارِقةٍ مُضادّةٍ لِلسُّمُومِ.. فلَمَّا دَخَلْنا الصَّيدَليّةَ وَجَدْنا فيها أَعدادًا هائِلةً مِن أَنواعِ ذلك المَعجُونِ الحَيَوِيِّ، ومِن تلك المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادّةِ لِلسُّمُومِ، وعِندَما بَدَأْنا بتَحلِيلِ كلِّ مَعجُونٍ رَأَيناه مُرَكَّبًا مُستَحضَرًا بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ مِن مَوادَّ مُختَلِفةٍ طِبقَ مَوازِينَ مَحسُوبةٍ، فقد أُخِذَ مِن تلك القَنانِي دِرهَمٌ (غرامٌ واحِدٌ) مِن هذه.. وثَلاثةُ غراماتٍ مِن تلك.. وعَشَرةُ غراماتٍ مِنَ الأُخرَى.. وهكذا، فقد أُخِذَ مِن كلٍّ مِنها مَقادِيرُ مُختَلِفةٌ، بحَيثُ لو كانَ ما أُخِذَ مِن هذه المَقادِيرِ أَقلَّ مِ1'O بجُزءٍ مِن الغرامِ، أو أَزيَدَ، لَفَقد المَعجُونُ خَواصَّه الحَيَوِيّةَ...

والآنَ جِئْنا إلى "المادّةِ الحَيَوِيّةِ المُضادَّةِ لِلسُّمُومِ" ودَقَّقنا فيها نَظَرًا كِيمياوِيًّا، فرَأَيناها قد رُكِّبَت بمَقادِيرَ مُعيَّنةٍ أُخِذَت مِن تلك القَنانِي على وَفْقِ مَوازِينَ حَسّاسةٍ بحَيثُ إنَّها تَفقِدُ خاصِّيَّتَها لو غَلِطنا في الحِسابِ فزادَتِ المَوادُّ المُرَكَّبةُ مِنها أو نَقَصَت بمِقْدارِ ذَرّةٍ واحِدةٍ.. فوَجَدْنا أنَّ المَوادَّ المُتَنوِّعةَ قدِ استُحضِرَت بمَقادِيرَ مُختَلِفةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في تلك القَنانِي، وهِي أَكثَرُ مِن خَمسِينَ قِنِّينةً.
فهل يُمكِنُ أو يُعقَلُ أن يَتكَوَّنَ ذلك المَعجُونُ المَحسُوبُ كلُّ جُزءٍ مِن أَجزائِه حِسابًا دَقِيقًا مِن جَرَّاءِ مُصادَفةٍ غَرِيبةٍ، أو مِن نَتِيجةِ تَصادُمِ القَنانِيِّ بحُدُوثِ زِلزالٍ عاصِفٍ في الصَّيدليّةِ يُؤَدِّي إلى سَيَلانِ تلك المَقادِيرِ بمَوازِينِها المُعيَّنةِ، واتِّحادِ بَعضِها ببَعضٍ آخَرَ، مُكوِّنةً مَعجُونًا حَيَوِيًّا؟! فهل هُناك مُحالٌ أَغرَبُ مِن هذا وأَكثَرُ بُعدًا عنِ
— 258 —
العَقلِ والمَنطِقِ؟! وهل هُناك خُرافةٌ أَخرَقُ مِنها؟! وهل هُناك باطِلٌ أَوضَحُ بُطْلانًا مِن هذا؟! والحِمارُ نَفسُه لو تَضاعَفَت حَماقَتُه ونَطَق لَقالَ: يا لَحَماقةِ مَن يقُولُ بهذا القَولِ!
وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنَّ كلَّ كائِنٍ حَيٍّ هو مُرَكَّبٌ حَيَوِيٌّ، ومَعجُونٌ ذُو حَياةٍ؛ وإنَّ كلَّ نَباتٍ شَبِيهٌ بتِرياقٍ حَيَوِيٍّ مُضادٍّ لِلسُّمُومِ إذ رُكِّبَ مِن أَجزاءٍ مُختَلِفةٍ ومِن مَوادَّ مُتَبايِنةٍ، على وَفقِ مَوازِينَ دَقِيقةٍ في مُنتَهَى الحَساسِيّةِ.. فلا رَيبَ أنَّ إِسنادَ خَلقِ هذا الكائِنِ البَدِيعِ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ والعَناصِرِ، والقَولَ بأنَّ "الأَسبابَ أَوْجَدَته" باطِلٌ ومُحالٌ وبَعِيدٌ عن مَوازِينِ العَقلِ بمِثلِ بُعدِ وبُطلانِ ومُحاليّةِ تَكَوُّنِ المَعجُونِ الحَيَوِيِّ بنَفسِه مِن سَيَلانِ تلك المَوادِّ مِنَ القَنانِيِّ.
وحَصِيلةُ الَّذي قُلناه آنِفًا: هي أنَّ المَوادَّ الحَيَوِيّةَ المُستَحضَرةَ بمِيزانِ القَضاءِ والقَدَرِ لِلحَكِيمِ العَلِيمِ في هذا العالَمِ الكَبِيرِ الَّذي هو صَيْدليّةٌ ضَخْمةٌ رائِعةٌ لا يُمكِنُ أن تُوجَدَ إلّا بحِكْمةٍ لا حَدَّ لها، وبعِلمٍ لانِهايةَ له، وبإِرادةٍ تَشمَلُ كلَّ شَيءٍ وتُحِيطُ بكلِّ شَيءٍ، وإلّا فما أَشقاه مَن يَتَوهَّمُ "أنَّ هذه المَوجُوداتِ هي نِتاجُ عَناصِرِ الكَونِ الكُلِّيّةِ" وهِي العَمْياءُ الصَّمّاءُ في جَرَيانِها وتَدَفُّقِها، أو هي "مِن شُؤُونِ طَبائِعِ المَوادِّ" أو "مِن عَمَلِ الأَسبابِ المادِّيّةِ"!.
لا شَكَّ أنَّ صاحِبَ هذا الوَهْمِ هو أَشقَى أَشقِياءِ العالَمِ، وأَعظَمُهُم حَماقةً، وأَشَدُّ هَذَيانًا مِن هَذَيانِ مَخمُورٍ فاقِدٍ لِلوَعيِ عِندَما يَخطُرُ بِبالِه أنَّ ذلك التِّرياقَ العَجِيبَ قد أَوجَد نَفسَه بنَفسِه مِن جَرّاءِ تَصادُمِ القَنانِيِّ وسَيَلانِ ما فيها!
نعم، إنَّ ذلك الكُفرَ هَذَيانُ أَحمَقَ وجُنُونُ سَكْرانَ!
المُحالُ الثّاني: هو أنَّه إنْ لم يُسنَد خَلقُ كلِّ شَيءٍ إلى الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ ذِي الجَلالِ، وأُسنِدَ إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، يَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِأَغلَبِ عَناصِرِ العالَمِ وأَسبابِه دَخْلٌ وتَأثِيرٌ في وُجُودِ كلِّ ذِي حَياةٍ.
— 259 —
والحالُ أنَّ اجتِماعَ الأَسبابِ المُتَضادّةِ والمُتَبايِنةِ فيما بَينَها، بانتِظامٍ تامٍّ، وبمِيزانٍ دَقِيقٍ وباتِّفاقٍ كامِلٍ في جِسمِ مَخلُوقٍ صَغِيرٍ یی كالذُّبابِ مَثلًا یی هو مُحالٌ ظاهِرٌ إلى حَدٍّ يَرفُضُه مَن له عَقلٌ بمِقدارِ جَناحِ ذُبابةٍ، ويَرُدُّه قائِلًا: هذا مُحالٌ.. هذا باطِلٌ.. هذا غَيرُ مُمكِنٍ..!
ذلك لِأنَّ جِسمَ الذُّبابِ الصَّغِيرَ ذُو عَلاقةٍ معَ أَغلَبِ عَناصِرِ الكائِناتِ، ومعَ أَسبابِها المادِّيّةِ، بل هو خُلاصةٌ مُستَخلَصةٌ مِنها؛ فإن لم يُسنَد إِيجادُه إلى القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ المُطلَقةِ، يَلزَمُ أن تكُونَ تلك الأَسبابُ المادِّيّةُ حاضِرةً ومُحتَشِدةً جَنبَ ذلك الجِسمِ مُباشَرةً عِندَ إِيجادِه، بل يَلزَمُ أن تَدخُلَ في جِسمِه الضَّئِيلِ، بل يَجِبُ دُخُولُها في حُجَيرةِ العَينِ الَّتي تُمثِّلُ نَمُوذَجَ الجِسمِ، ذلك لِأنَّ الأَسبابَ إنْ كانَت مادِّيّةً فيَلزَمُ أنْ تكُونَ قُربَ المُسَبَّبِ وداخِلةً فيه، وعِندَئذٍ يَقتَضِي قَبُولَ دُخُولِ جَمِيعِ العَناصِرِ وجَمِيعِ أَركانِ العالَمِ معَ طَبائِعِها المُتَبايِنةِ في ذلك المُسَبَّبِ دُخُولًا مادِّيًّا، وعَمَلِها في تلك الحُجَيرةِ المُتَناهِيةِ في الصِّغَرِ بمَهارةٍ وإِتقانٍ!! أفَلا يَخجَلُ ويَستَحِي مِن هذا القَولِ حتَّى أَشَدُّ السُّوفسَطائيِّينَ بَلاهةً؟!
المُحالُ الثّالثُ: هو أنَّ المَوجُودَ إنْ كانَت له وَحْدةٌ واحِدةٌ، فلا بُدَّ أن يكُونَ صادِرًا مِن مُؤَثِّرٍ واحِدٍ، ومِن يَدٍ واحِدةٍ، حَسَبَ مَضمُونِ القاعِدةِ البَدِيهِيّةِ المُقَرَّرةِ: "الواحِدُ لا يَصدُرُ إلّا عنِ الواحِدِ"، ولا سِيَّما إن كانَ ذلك المَوجُودُ في غايةِ الِانتِظامِ والمِيزانِ، وفي مُنتَهَى الدِّقّةِ والإِتقانِ، وكانَ مالِكًا لِحَياةٍ جامِعةٍ، فمِنَ البَداهةِ أنَّه لم يَصدُر مِن أَيدٍ مُتَعدِّدةٍ قَطُّ یی الَّتي هي مَدْعاةُ الِاختِلافِ والمُنازَعةِ یی بل لا بُدَّ أنَّه صادِرٌ مِن يَدٍ واحِدةٍ لِواحِدٍ أَحَدٍ قَدِيرٍ حَكِيمٍ.
لِذا فإنَّ إِسنادَ المَوجُودِ، المُنتَظِمِ، المُتَناسِقِ، المَوزُونِ، الواحِدِ، إلى أَيدِي الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ العَمْياءِ الصَّمَّاءِ الجامِدةِ غَيرِ المُنضَبِطةِ، والَّتي لا شُعُورَ لها ولا عَقلَ، وهِي في اختِلاطٍ شَدِيدٍ يَزِيدُ مِن عَماها وصَمَمِها، ثمَّ الِادِّعاءَ بأنَّ تلك الأَسبابَ هي الَّتي تَقُومُ بخَلقِ ذلك المَوجُودِ البَدِيعِ واختِيارِه مِن بَينِ إِمكاناتٍ واحتِمالاتٍ
— 260 —
لا حَدَّ لها، أَقُولُ: إنَّ قَبُولَ هذا الإِسنادِ والِادِّعاءِ هو یی في الحَقِيقةِ یی قَبُولٌ لِمِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ، إذ هو بَعِيدٌ كلَّ البُعدِ عن جَمِيعِ مَقايِيسِ العَقلِ ومَوازِينِه..
دَعْنا نَتْرُكُ هذا المُحالَ ونَتَجاوَزُه مُؤَقَّتًا، لِنَنظُرَ إلى تَأثِيرِ "الأَسبابِ المادِّيّةِ" الَّذي يَتِمُّ بِالتَّماسِّ والمُباشَرةِ؛ فبَينَما نَرَى أنَّ تَماسَّ تلك الأَسبابِ الطَّبِيعيّةِ هو تَماسٌّ بظاهِرِ الكائِنِ الحَيِّ فحَسْبُ، ونَرَى أنَّ باطِنَ ذلك الكائِنِ الَّذي لا تَصِلُ إلَيْه أَيدِي تلك الأَسبابِ المادِّيّةِ ولا يُمكِنُها أن تَمَسَّه بشَيءٍ، هو أَدَقُّ نِظامًا، وأَكثَرُ انسِجامًا، مِنَ الظّاهِرِ، بل أَلطَفُ مِنه خَلْقًا وأَكمَلُ إِتقانًا؛ بلِ الأَحياءُ الصَّغِيرةُ والمَخلُوقاتُ الدَّقِيقةُ الَّتي لا يُمكِنُ أن تَستَوعِبَ تلك الأَسبابَ المادِّيّةَ قَطْعًا ولا تَصِلُ إلَيْها أَيدِيها ولا وَسائِلُها هي أَعجَبُ إِتقانًا مِن أَضخَمِ المَخلُوقاتِ وأَبدَعُ خَلْقًا مِنها.
فلا يكُونُ إِذًا إِسنادُ خَلقِها إلى تلك الأَسبابِ العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجامِدةِ الجاهِلةِ الغَلِيظةِ المُتَباعِدةِ المُتَضادّةِ إلّا عَمًى ما بَعدَه عَمًى، وصَمَمًا ليس وَراءَه صَمَمٌ.

أمّا المَسأَلةُ الثّانيةُ

وهِي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "تَشَكَّلَ بنَفسِه"، فهِي تَنطَوِي على مُحالاتٍ كَثِيرةٍ، ويَتَّضِحُ بُطلانُها ومُحاليَّتُها مِن نَواحٍ كَثِيرةٍ جِدًّا، إلّا أنَّنا نَتَناوَلُ هنا ثَلاثةَ مُحالاتٍ مِنها كنَماذِجَ ليس إلّا:
الأوَّلُ: أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ، إنَّ طُغْيانَ غُرُورِك، جَعَلَك تَتَردَّى في أَحضانِ حَماقةٍ مُتَناهِيةٍ، فتُقْدِمُ على قَبُولِ مِئةِ مُحالٍ ومُحالٍ!
إنَّك أيُّها الجاحِدُ العَنِيدُ مَوجُودٌ بلا شَكٍّ، وإنَّك لَستَ مادّةً بَسِيطةً وجامِدةً تَأبَى التَّغَيُّیرَ، بل أَنتَ مَعمَلٌ عَظِيمٌ مُتقَنُ الصُّنعِ، أَجهِزَتُه دائِمةُ التَّجَدُّدِ؛ وأَنتَ كالقَصرِ المُنِيفِ، أَنحاؤُه دائِمةُ التَّحَوُّلِ.. فذَرَّاتُ وُجُودِك أَنتَ تَعمَلُ دَوْمًا وتَسعَى دُونَ تَوَقُّفٍ، وتَرتَبِطُ بوَشائِجَ وأَواصِرَ معَ الكائِناتِ، فهِي في أَخذٍ وعَطاءٍ مَعَها، وبخاصَّةٍ مِن حَيثُ الرِّزقُ، ومِن حَيثُ بَقاءُ النَّوعِ.
— 261 —
إنَّ الذَّرَّاتِ العامِلةَ في جَسَدِك تَحتاطُ مِن أن تُخِلَّ بتلك الرَّوابِطِ، وتَتَحاشَى أن تَنفَصِمَ تلك العَلاقاتُ، فهِي حَذِرةٌ في تَصَرُّفِها هذا، وتَتَّخِذُ مَوقِفًا مُلائِمًا لها على وَفقِ تلك العَلاقاتِ كأنَّها تَنظُرُ إلى جَمِيعِ الكائِناتِ وتُشاهِدُها، ثمَّ تُراقِبُ مَوقِعَك أَنتَ مِنها، وأَنتَ بدَوْرِك تَستَفِيدُ حَسَبَ ذلك الوَضعِ الخارِقِ لِتِلك الذَّرَّاتِ وتَنتَفِعُ وتَتَمتَّعُ بمَشاعِرِك وحَواسِّك الظَّاهِرةِ والباطِنةِ.
فإن لم تَعتَقِد أنَّ تلك الذَّرَّاتِ مُوَظَّفاتٌ صَغِيراتٌ لَدَى القَدِيرِ الأَزَليِّ، ومَأْمُوراتٌ مُسَخَّراتٌ مُنقاداتٌ لِقَوانِينِه سُبحانَه، أو هي جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ في جَيشِه المُنَظَّمِ، أو هي نِهاياتُ قَلَمِ القَدَرِ الإِلٰهِيِّ، أو هي نِقاطٌ يَنقُطُها قَلَمُ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ.. لَزِمَك أن تقُولَ: إنَّ لِكُلِّ ذَرّةٍ عامِلةٍ یی في عَينِك مَثلًا یی عَينًا واسِعةً بَصِيرةً، تَرَى جَمِيعَ أَجزاءِ جَسَدِك ونَواحِيه، وتُشاهِدُ جَمِيعَ الكائِناتِ الَّتي تَرتَبِطُ بها، وتَعلَمُ جَمِيعَ ماضِيك ومُستَقبَلِك، وتَعرِفُ أَصلَك وآباءَك وأَجدادَك معَ نَسلِك وأَحفادِك، وتُدرِكُ مَنابِعَ عَناصِرِك، وكُنُوزَ رِزقِك.. فهِي إِذًا ذاتُ عَقلٍ جَبّارٍ!!
فمَنحُ عِلمٍ وشُعُورٍ بِقَدرِ أَلفِ "أَفلاطُونَ" لِذَرّةٍ مِثلِك لا تَملِكُ ذَرّةً مِن عَقلٍ في هذه المَسائِلِ لَيُعَدُّ خُرافةً خَرْقاءَ، وبَلاهةً حَمْقاءَ؟!
المُحالُ الثَّاني: إنَّ جِسمَك أيُّها الإِنسانُ يُشبِهُ قَصْرًا فَخْمًا عامِرًا، له مِن القِبابِ أَلفُ قُبّةٍ وقُبّةٍ، وكلُّ قُبّةٍ مِن قِبابِه مُعَلَّقةٌ فيها الأَحجارُ، ومَرصُوصٌ بَعضُها إلى البَعضِ الآخَرِ في بِناءٍ مُحكَمٍ دُونَ عَمْدٍ؛ بل إنَّ وُجُودَك یی لو فَكَّرتَ یی هو أَعجَبُ مِن هذا القَصرِ بأُلُوفِ المَرّاتِ، لِأنَّ قَصرَ جِسمِك أَنتَ في تَجَدُّدٍ مُستَمِرٍّ يَبلُغُ الكَمالَ في الِانتِظامِ والرَّوْعةِ.
فلو صَرَفْنا النَّظَرَ عَمّا تَحمِلُه مِن رُوحٍ ومِن قَلبٍ ومِن لَطائِفَ مَعنَوِيّةٍ وهِي مُعجِزةٌ بِذاتِها، وأَخَذْنا بنَظَرِ الِاعتِبارِ والتَّفكُّرِ عُضْوًا واحِدًا فَقَط مِن أيِّ عُضوٍ كانَ مِن بَينِ أَعضاءِ جَسَدِك، نَراه شَبِيهًا بمَنزِلٍ ذِي قِبابٍ.. فالذَّرّاتُ الَّتي فيه قد تَعاوَنَت وتَعانَقَت بَعضُها معَ بَعضٍ، في انتِظامٍ تامٍّ، ومُوازَنةٍ كامِلةٍ یی كالأَحجارِ في تلك القِبابِ یی
— 262 —
وكَوَّنَت بِناءً خارِقًا، وصَنْعةً رائِعةً بَدِيعة، فأَظهَرَت لِلعِيانِ مُعجِزةً عَجِيبةً مِن مُعجِزاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ "كالعَينِ واللِّسانِ" مَثلًا.
فلو لم تكُن هذه الذَّرّاتُ مَأمُورةً مُنقادةً لِأَمرِ الصّانِعِ القَدِيرِ، فإنَّ كلَّ ذَرّةٍ مِنها إِذًا لا بُدَّ أن تكُونَ حاكِمةً حُكْمًا مُطلَقًا على بَقِيّةِ ذَرّاتِ الجَسَدِ ومَحكُومةً لها حُكْمًا مُطلَقًا كَذلِك، وأن تكُونَ مِثلَ كُلٍّ مِنها، وضِدَّ كلٍّ مِنها یی مِن حَيثُ الحاكِمِيّةُ یی في الوَقتِ نَفسِه، وأن تكُونَ مَناطَ أَغلَبِ الصِّفاتِ الجَلِيلةِ الَّتي لا يَتَّصِفُ بها إلّا اللهُ سُبحانَه وتَعالَى، وأن تكُونَ مُقيَّدةً كُلِّیيًّا، وطَلِيقةً كُلِّیيًّا في الوَقتِ نَفسِه..
فالمَصنُوعُ الواحِدُ المُنتَظِمُ والمُنَسَّقُ الَّذي لا يُمكِنُ أن يكُونَ یی بسِرِّ الوَحْدةِ یی إلّا أَثرًا مِن آثارِ الواحِدِ الأَحَدِ، مُحالٌ أن يُسنَدَ إلى تلك الذَّرّاتِ غَيرِ المَحدُودةِ، بل هو مِئةُ مُحالٍ في مُحالٍ! يُدرِكُ ذلك كلُّ مَن له مُسكةٌ مِن عَقلٍ!
المُحالُ الثّالثُ: إنْ لم يكُن وُجُودُك هذا قد كُتِبَ بقَلَمِ الواحِدِ الأَحَدِ القَدِيرِ الأَزَليِّ، وكانَ مَطبُوعًا بمَطابعِ الطَّبِيعةِ والأَسبابِ، فيَلزَمُ عِندَئذٍ وُجُودُ قَوالِبَ طَبِيعيّةٍ بعَدَدِ أُلُوفِ الأُلُوفِ مِنَ المُرَكَّباتِ المُنتَظِمةِ العامِلةِ في جِسمِك، والَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ، ابتِداءً مِن أَصغَرِ الخَلايا العامِلةِ بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ، وانتِهاءً بأَوسَعِ الأَجهِزةِ العامِلةِ فيه.
ولِفَهْمِ هذا المُحالِ نَأخُذُ الكِتابَ الَّذي بَينَ أَيدِينا مِثالًا، فنقُولُ:
إنِ اعتَقَدتَ أنَّ هذا الكِتابَ مُستَنسَخٌ باليَدِ، فيَكفِي إِذًا لِاستِنساخِه قَلَمٌ واحِدٌ، يُحَرِّكُه عِلْمُ كاتِبِه لِيُدَوِّنَ به ما يَشاءُ، ولكِن إن لم يُعتَقَد أنَّه مُستَنسَخٌ باليَدِ ولم يُسنَد إلى قَلَمِ الكاتِبِ، وافتُرِضَ أنَّه قد تَشَكَّل بنَفسِه، أو أُسنِدَت كِتابَتُه إلى الطَّبِيعةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه قَلَمٌ مَعدِنِيٌّ خاصٌّ به، ويكُونَ عَدَدُ الأَقلامِ بعَدَدِ تلك الحُرُوفِ یی بمِثلِ وُجُودِ الحُرُوفِ المَعدِنيّةِ في المَطبَعةِ والَّتي هي بعَدَدِ الحُرُوفِ وأَنماطِها یی أي: يَلزَمُ وُجُودُ أَقلامٍ بعَدَدِ الحُرُوفِ بَدَلًا مِن قَلَمٍ واحِدٍ لِلِاستِنساخِ، وربَّما كان في تلك الحُرُوفِ حُرُوفٌ كَبِيرةٌ مَكتُوبٌ فيها بخَطٍّ دَقِيقٍ ما في صَحِيفةٍ كامِلةٍ، فيَلزَمُ إِذًا لِكِتابةِ مِثلِ هذه الحُرُوفِ الكَبِيرةِ أُلُوفُ الأَقلامِ الدَّقِيقةِ.
— 263 —
والآنَ، ماذا تقُولُ لو كانَت تلك الحُرُوفُ مُتَداخِلةً بَعضُها ببَعضٍ بانتِظامٍ كامِلٍ، مُتَّخِذةً هَيْئةَ جَسَدِك وشَكْلَه؟! فيَلزَمُ عِندَئذٍ أن يكُونَ لِكُلِّ جُزءٍ مِن أَجزاءِ كلِّ دائِرةٍ مِن دَوائِرِه المَذكُورةِ قَوالِبُ عَدِيدةٌ بعَدَدِ تلك المُرَكَّباتِ الَّتي لا يَحصُرُها العَدُّ!
هَبْ أنَّك تقُولُ لِهذه الحالةِ المُتَضمِّنةِ لِمِئةِ مُحالٍ في مُحالٍ: إنَّها مُمكِنةُ الحُدُوثِ! فحَتَّى في هذه الحالةِ یی على فَرْضِ إِمكانِها یی أفَلا يَلزَمُ لِصُنعِ تلك الأَقلامِ وعَمَلِ تلك القَوالِبِ والحُرُوفِ المَعدِنِيّةِ أَقلامٌ وقَوالِبُ وحُرُوفٌ بعَدَدِها لِتُصَبَّ وتُسكَبَ فيها إنْ لم يُسنَد صُنعُها جَمِيعًا إلى قَلِمٍ واحِدٍ؟ ذلك لِأنَّ جَمِيعَها مَصنُوعةٌ ومُحْدَثةٌ مُنتَظِمةٌ، ومُفتَقِرةٌ إلى صانِعٍ لِيَصنَعَها، ومُحدِثٍ لِيُحدِثَها، وهكذا الأَمرُ يَتَسَلسَلُ كُلَّما أَوْغَلْتَ فيه.. فافْهَمْ مِن هذا مَدَى سُقْمِ هذا الفِكرِ الَّذي يَتَضمَّنُ مُحالاتٍ وخُرافاتٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ جِسمِك!
فيا أيُّها الجاحِدُ.. عُدْ إلى عَقلِك، وانبِذْ هذه الضَّلالةَ المُشِينةَ!

الكلمةُ الثَّالثة

والَّتي هي قَولُهُم عنِ الشَّيءِ: "اقتَضَتْه الطَّبِيعةُ"، فهذا الحُكْمُ له مُحالاتٌ كَثِيرةٌ جِدًّا، نَذكُرُ ثَلاثةً مِنها على سَبِيلِ المِثالِ:
المُحالُ الأوَّل: هو الإِتقانُ والإِيجادُ المُتَّسِمَينِ بالبَصِيرةِ والحِكْمةِ، الظّاهِرَينِ في المَوجُوداتِ ظُهُورًا جَلِيًّا، ولا سِيَّما في الأَحياءِ.. إنْ لم يُسنَدا إلى قَلَمِ القَدَرِ والقُدْرةِ لِلمُصَوِّرِ الأَزَليِّ، وأُسنِدا إلى "الطَّبِيعةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ الجاهِلةِ وإلى "القُوّةِ"، لَلَزِمَ أن تُوجِدَ الطَّبِيعةُ یی مِن أَجلِ الخَلقِ یی مَطابِعَ ومَكائِنَ مَعنَوِيّةً لا حَدَّ لها في كلِّ شَيءٍ، أو تُدرِجَ في كلِّ شَيءٍ قُدْرةً قادِرةً على خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وحِكْمةً مُدَبِّرةً لِإدارةِ شُؤُونِه كُلِّها.
مِثالُ ذلك: إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها الضَّوئِيّةَ، وبَرِيقَ لَمَعانِها المُشاهَدَ على قَطَراتِ الماءِ الرَّقْراقةِ المُتَلَألِئةِ، أو على القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ المُتَناثِرةِ هُنا وهُناك على سَطْحِ الأَرضِ؛ فإن لم تُنسَبْ هذه الِانعِكاساتُ والشُّمَيْساتِ المِثالِيّةِ إلى الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ الَّتي تُطالِعُنا بشُعاعِها الغامِرِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ بشَمسٍ طَبِيعيّةٍ فِطْرِيّةٍ صَغِيرةٍ
— 264 —
ظاهِرِيّةٍ تَملِكُ صِفاتِ الشَّمسِ وتَتَّصِفُ بخَصائِصِها، مَوجُودةٍ وُجُودًا فِعْليًّا في تلك القِطْعةِ الزُّجاجِيّةِ الصَّغِيرةِ الَّتي لا تَسَعُ لِأَدنَى شَيءٍ، أي: يَلزَمُ الِاعتِقادُ بوُجُودِ شُمُوسٍ بعَدَدِ ذَرّاتِ القِطَعِ الزُّجاجِيّةِ!
وفي ضَوءِ هذا المِثالِ نقُولُ: إنْ لم يُسنَد خَلْقُ المَوجُوداتِ والأَحياءِ إِسنادًا مُباشَرًا إلى تَجَلِّياتِ أَسماءِ اللهِ الحُسنَى الَّذي هو نُورُ السَّماواتِ والأَرضِ، لَلَزِمَ الِاعتِقادُ إِذًا بوُجُودِ طَبِيعةٍ وقُوّةٍ تَملِكانِ قُدْرةً مُطلَقةً وإِرادةً مُطلَقةً معَ عِلمٍ مُطلَقٍ وحِكْمةٍ مُطلَقةٍ في كلِّ مَوجُودٍ مِنَ المَوجُوداتِ، ولا سِيَّما الأَحْياءِ، أي: يَلزَمُ قَبُولُ أُلُوهِيّةٍ ورُبُوبيّةٍ في كلِّ مَوجُودٍ!
فهذا النَّمَطُ مِنَ التَّفكِيرِ المُعْوَجِّ لَهُو أَشَدُّ بُطْلانًا مِن أيِّ مُحالٍ آخَرَ، وأَكثَرُ خُرافةً مِنه؛ فالَّذي يُسنِدُ ما أَبدَعَه الخالِقُ العَظِيمُ مِن صَنْعةٍ رائِعةٍ دَقِيقةٍ، ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ حتَّى في أَصغَرِ مَخلُوقٍ، إلى يَدِ الطَّبِيعةِ المَوهُومةِ التّافِهةِ الَّتي لا تَملِكُ شُعُورًا، لا شَكَّ أنَّه يَتَردَّى بفِكْرِه إلى دَرَكٍ أَضَلَّ مِنَ الحَيَوانِ.
المُحالُ الثَّاني: هو أنَّ هذه المَوجُوداتِ الَّتي هي في غايةِ الِانتِظامِ، وفي مُنتَهَى الرَّوْعةِ والمِيزانِ، وفي تَمامِ الإِتقانِ، وكَمالِ الحِكْمةِ والِاتِّزانِ؛ إنْ لم تُسنَد إلى مَن هو قَدِيرٌ مُطلَقُ القُدرةِ، وحَكِيمٌ مُطلَقُ الحِكْمةِ، وأُسنِدَت إلى الطَّبِيعةِ، لَلَزِمَ الطَّبِيعةَ أنْ تُحضِرَ في كلِّ حَفْنةِ تُرابٍ مَعامِلَ ومَطابِعَ بعَدَدِ مَعامِلِ أَورُوبَّا ومَطابِعِها، كي تَتَمكَّن تلك الحَفْنةُ مِن أن تكُونَ مَنْشَأَ الأَزهارِ والأَثمارِ الجَمِيلةِ اللَّطِيفةِ، لِأنَّ تلك الحَفْنةَ مِنَ التُّرابِ الَّتي تَقُومُ بمُهِمّةِ مَشتَلٍ صَغِيرٍ لِلأَزهارِ تُظهِرُ قابِلِيّةً فِعلِيّةً لِاستِنباتِ وتَصوِيرِ ما يُلقَى فيها بالتَّناوُبِ مِن بُذُورِ جَمِيعِ أَزهارِ العالَمِ وثِمارِه، وبأَشكالِها، وهَيْئاتِها المُتَنوِّعةِ، وأَلوانِها الزّاهِيةِ..
فإن لم تُسنَد هذه القابِلِيّةُ إلى قُدْرةِ الفاطِرِ الجَلِيل القادِرِ على كلِّ شَيءٍ، فلا بُدَّ إِذًا أن تُوجَد في تلك الحَفْنةِ ماكِينةٌ مَعنَوِيّةٌ طَبِيعيّةٌ خاصّةٌ لِكُلِّ زَهْرةٍ مِن أَزهارِ العالَمِ، وإلّا لا يُمكِنُ أن يَظهَرَ ما نُشاهِدُه مِن أَنواعِ الأَزهارِ والثِّمارِ إلى الوُجُودِ!
— 265 —
إذِ البُذُورُ یی كالنُّطَفِ والبُيُوضِ أَيضًا یی مَوادُّها مُتَشابِهةٌ، اختَلَط وعُجِنَ بَعضُها ببَعضٍ بلا شَكلٍ مُعَيَّنٍ، وهِي: مُولِّدُ الماءِ ومُولِّدُ الحُمُوضةِ والكَربُونِ والآزُوتِ.. عِلمًا أنَّ كُلًّا مِنَ الهَواءِ والماءِ والحَرارةِ والضَّوءِ أَشياءُ بَسِيطةٌ لا تَملِكُ عَقلًا أو شُعُورًا، وهِي تَتَدفَّقُ كالسَّيلِ في كلِّ شَيءٍ دُونَما ضابِطٍ.
فتَشكِيلُ تلك الأَزهارِ الَّتي لا تُحَدُّ مِن تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ بصُوَرِها المُتَنوِّعةِ البَدِيعةِ وأَشكالِها المُختَلِفةِ الزّاهِيةِ وبِهَيْئاتِها المُتَبايِنةِ الرّائِعةِ، وهِي في مُنتَهَى الِانتِظامِ والإِتقانِ، تَقتَضِي بالبَداهةِ وبالضَّرُورةِ أنْ تُوجَد في تلك الحَفْنةِ مِنَ التُّرابِ مَصانِعُ ومَطابِعُ مَعنَوِيّةٌ بمَقايِيسَ صَغِيرةٍ جِدًّا أَكثَرَ مِمّا في أَورُوبّا مِن مَصانِعَ ومَطابِعَ، كي تَتَمكَّن أن تَنسُجَ تلك المَنسُوجاتِ الحَيّةَ الَّتي لا تُعَدُّ، وتُطَرِّزَ تلك النُّقُوشَ الزّاهِيةَ المُتَنوِّعةَ الَّتي لا تُحصَى.
فيا لَبُعْدِ ما يَحمِلُه الطَّبِيعيُّونَ مِن فِكرٍ إِلحادِيٍّ عن جادّةِ العَقلِ السَّلِيمِ! اِعلَمْ هذا، وقِسْ مَدَى بُعْدِ الحَمقَى السَّكارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهُم عُقَلاءُ وعِلْمِيُّونَ عن مَوازِينِ العَقلِ والعِلمِ بتَوَهُّمِهِم أنَّ الطَّبِيعةَ مُوجِدةٌ لِلأَشياءِ.. وكَيفَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا خُرافةً مُمتَنِعةً وغَيرَ مُمكِنةٍ إِطلاقًا، مَسلَكًا لَهُم.. فاسْخَرْ مِنهُم، واحتَقِرْهُم.
ولِسائِلٍ أنْ يَسأَلَ:
صَحِيحٌ أنَّ مُحالاتٍ كَثِيرةً، ومُعضِلاتٍ عَظِيمةً تَنجُمُ عِندَما يُسنَدُ خَلقُ المَوجُوداتِ إلى الطَّبِيعةِ، ولكِن كَيفَ تَزُولُ هذه المُشكِلاتُ، وتَنحَلُّ هذه المُعضِلاتُ عِندَما نُسنِدُ عَمَلِيّةَ الخَلقِ برُمَّتِها إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ؟ وكَيفَ يَنقَلِبُ ذلك الِامتِناعُ الصَّعبُ إلى الوُجُوبِ السَّهلِ؟
الجَوابُ:
إنَّ تَجَلِّياتِ الشَّمسِ وانعِكاساتِها یی كما ذُكِرَ في المُحالِ الأَوَّلِ یی أَظهَرَت نَفسَها بكُلِّ سُهُولةٍ، ومِن دُونِ تكَلُّفٍ أو صُعُوبةٍ في جَمِيعِ المَوادِّ، ابتِداءً مِنَ الجامِدِ الصَّغِيرِ المُتَناهِي في الصِّغَرِ یی كقِطَعِ الزُّجاجِ یی إلى أَوسَعِ السُّطُوحِ لِلبِحارِ والمُحِيطاتِ،
— 266 —
فأَظهَرَت على الكُلِّ فَيضَها وأَثَرَها في مُنتَهَى السُّهُولةِ، وكأنَّ كُلًّا مِنها شُمَيْساتٌ مِثاليّةٌ.. فلو قُطِعَت نِسبةُ تلك الِانعِكاساتِ عنِ الشَّمسِ الحَقِيقيّةِ، فلا بُدَّ مِنَ الِاعتِقادِ بوُجُودِ شَمسٍ طَبِيعيّةٍ في كلِّ ذَرّةٍ مِنَ الذَّرّاتِ وُجُودًا ذاتِيًّا خارِجِيًّا.. وهذا ما لا يَقبَلُه عَقلٌ، بل هو مُمتَنِعٌ ومُحالٌ.
فكَما أنَّ الأَمرَ في المِثالِ هو هكَذا، كَذلِك إِسنادُ خَلقِ كلِّ مَوجُودٍ إِسنادًا مُباشَرًا إلى الواحِدِ الأَحَدِ الفَردِ الصَّمَدِ فيه مِنَ السُّهُولةِ المُتَناهِيةِ بدَرَجةِ الوُجُوبِ، إذ يُمكِنُ إِيصالُ ما يَلزَمُ أيَّ مَوجُودٍ إلَيْه، بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ، وذلك بالِانتِسابِ وبالتَّجَلِّي.. بَينَما إذا ما قُطِعَ ذلك الِانتِسابُ، وانقَلَب الِاستِخدامُ والتَّوظِيفُ والطّاعةُ إلى الِانفِلات مِنَ الأَوامِرِ والعِصيانِ، وتُرِكَ كلُّ مَوجُودٍ طَلِيقًا يَسرَحُ كَيفَما يَشاءُ، أو أُسنِدَ الأَمرُ إلى الطَّبِيعةِ، فستَظهَرُ مِئاتُ الأُلُوفِ مِنَ المُشكِلاتِ والمُعضِلاتِ بدَرَجةِ الِامتِناعِ، حتَّى نَرَى أنَّ خَلْقَ ذُبابةٍ صَغِيرةٍ يَقتَضِي أنْ تكُونَ الطَّبِيعةُ العَمْياءُ الَّتي فيها مالِكةً لِقُدرةٍ مُطلَقةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن خَلقِ الكَونِ كُلِّه، وأن تكُونَ یی معَ ذلك یی ذاتَ حِكْمةٍ بالِغةٍ تَتَمكَّنُ بها مِن إِدارَتِه، حَيثُ إنَّ الذُّبابةَ یی رَغمَ صِغَرِها یی بَدِيعةُ الصُّنعِ، تَنطَوِي على أَغلَبِ مُكَوِّناتِ الكائِناتِ وكأَنَّها فِهْرِسٌ مُختَصَرٌ لها..
وهذا ليس بمُحالٍ واحِدٍ فحَسْبُ، بل أَلفُ مُحالٍ ومُحالٍ..!
الخُلاصةُ: كما أنَّه مُحالٌ ومُمتَنِعٌ وُجُودُ نَظِيرٍ أو شَرِيكٍ للهِ سُبحانَه وتَعالَى في أُلُوهِيَّتِه، كَذلِك مُمتَنِعٌ ومُحالٌ مِثلُه أنْ تكُونَ هُنالِك مُداخَلةٌ مِن غَيرِه في رُبُوبِيَّتِه، أو مُشارَكةٌ له مِن أَحَدٍ في إِيجادِه الأَشياءَ وخَلْقِها..
أمّا المُشكِلاتُ الَّتي في "المُحالِ الثّاني" فكَما أَثبَتْنا في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ أنَّه إذا ما نُسِبَ خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ إلى الواحِدِ الأَحَدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كَخَلقِ شَيءٍ واحِدٍ؛ بَينَما إذا ما نُسِبَ الخَلقُ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ يُصبِحُ خَلقُ الشَّيءِ الواحِدِ وإِيجادُه مُشكِلًا وصَعْبًا كخَلقِ الجَمِيعِ. وحَيثُ إِنَّنا سَبَق أن أَثبَتْنا هذا ببَراهِينَ دامِغةٍ، نُورِدُ هنا مُلَخَّصَ بُرهانٍ واحِدٍ فقط:
— 267 —
إذا انتَسَب أَحَدٌ إلى السُّلطانِ بالجُندِيّةِ أو بالوَظِيفةِ الحُكُومِيّةِ، فإنَّه يَتَمكَّنُ مِن أن يُنجِزَ مِنَ الأُمُورِ والأَعمالِ أَضعافَ أَضعافِ ما يُمكِنُه إِنجازُه بقُدرَتِه الشَّخصِيّةِ، وذلك بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ السُّلطانِيِّ؛ فمَثلًا: يَستَطِيعُ أن يَأسِرَ قائِدًا كَبِيرًا باسمِ سُلطانِه، معَ أنَّه جُندِيٌّ، حَيثُ تَحمِلُ خَزائِنُ السُّلطانِ وقِطْعاتُ الجَيشِ الأَجهِزةَ والأَعتِدةَ لِما يَقُومُ به مِن أَعمالٍ، فلا يَحمِلُها هو وَحْدَه، كما أنَّه ليس مُضطَرًّا إلى حَمْلِها.. كلُّ ذلك بفَضلِ انتِسابِه إلى السُّلطانِ، لِذا تَظهَرُ مِنه أَعمالٌ خارِقةٌ كأنَّها أَعمالُ سُلطانٍ عَظِيمٍ، وتَبدُو له آثارٌ یی فَوقَ ما تَبدُو مِنه عادةً یی وكأنَّها آثارُ جَيشٍ كَبِيرٍ رَغمَ أنَّه فَردٌ.
فالنَّملةُ یی مِن حَيثُ تلك الوَظِيفةُ یی تَتَمكَّنُ مِن تَدمِيرِ قَصرِ فِرعَونٍ طاغٍ، والبَعُوضةُ تَستَطِيعُ أن تُهلِكَ نَمرُودًا جَبَّارًا بقُوّةِ ذلك الِانتِسابِ، والبِذْرةُ الصَّغِيرةُ لِلصَّنَوبَرِ الشَّبِيهةُ بحَبَّةِ الحِنطةِ تُنشِئُ بذلك الِانتِسابِ جَمِيعَ أَجهِزةِ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ. (حاشية): نعم، إذا حَصَل الِانتِسابُ، فإنَّ تلك البِذرةَ تَتَسلَّمُ أَمرًا مِن القَدَر الإِلٰهِيِّ، وتَنالُ شَرَفَ النُّهوضِ بتلك الأَعمالِ الخارِقةِ، ولكِن إذا انقَطَع ذلك الِانتِسابُ فإنَّ خَلقَ تلك البِذرةِ يَقتَضِي أَجهِزةً وقُدرةً ومَهارةً هي أَكثَرُ بكَثِيرٍ مِمّا يَحتاجُ خَلقُ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخمةِ، وذلك لِأنَّ جَمِيعَ أَعضاءِ شَجَرةِ الصَّنَوبرِ الَّتي تَكسُو الجِبالَ وتُضفِي عليها الجَمالَ والرَّوْعةَ والَّتي تُمثِّیلُ أَثَرًا مُجَسَّمًا واضِحًا لِلقُدرةِ الإِلٰهِيّة، يَلزَمُ أن تكُونَ مَوجُودةً في الشَّجَرةِ المَعنَوِيّةِ الَّتي هي أَثَرُ القَدَرِ والمُندَمِجةُ في تلك البِذرةِ، لِأنَّ مَصنَع تلك الشَّجَرةِ الضَّخْمةِ يَكمُنُ في تلك البِذرةِ، وأنَّ ما في تلك البِذرةِ مِن شَجَرةٍ قَدَرِيّةٍ تَتَظاهَرُ بالقُدرةِ الإِلٰهِيّةِ في الخارِجِ، وتَتَشكَّلُ شَجَرةَ صَنَوبَرٍ مُجَسَّمةً.
فلَوِ انقَطَع ذلك الِانتِسابُ، وأُعفِيَ المَوجُودُ مِن تلك الوَظِيفةِ، فعَلَيْه أنْ يَحمِلَ على كَتِفِه قُوّةَ ما يُنجِزُه مِن أَعمالٍ، ويَنُوءَ كاهِلُه بلَوازِمِها ومُعَدّاتِها.. وبذلك لا يُمكِنُه القِيامُ بأَعمالٍ سِوَى أَعمالٍ تَتَناسَبُ معَ تلك القُوّةِ الضَّئِيلةِ المَحدُودةِ المَحمُولةِ على ذِراعِه، وبما يُناسِبُ كَمِيّةَ المُعَدّاتِ واللَّوازِمِ البَسِيطةِ الَّتي يَحمِلُها على ظَهرِه، فلو طُلِبَ مِنه أنْ يَقُومَ بأَعمالٍ كانَ يقُومُ بها بسُهُولةٍ ويُسرٍ في الحالةِ الأُولَى، لَأَظهَرَ عَجْزَه، إلّا إذا استَطاعَ أنْ يُحمِّلَ ذِراعَه قُوّةَ جَيشٍ كامِلٍ، ويُردِفَ على ظَهْرِه مَعامِلَ أَعتِدةِ الدَّولةِ الحَربِيّةِ!! فهذا خَيالٌ يَخجَلُ مِنه حتَّى المُهَرِّجُونَ الَّذِينَ يَروُونَ الخُرافاتِ والأَساطِيرَ العَجِيبةَ لِإِضحاكِ النّاسِ.
— 268 —
نَخلُصُ مِن كلِّ ما تَقَدَّم إلى:
أنَّ تَسلِيمَ أَمرِ كلِّ مَوجُودٍ وإِسنادَه إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه فيه السُّهُولةُ التّامّةُ بدَرَجةِ الوُجُوبِ. أمّا إِسنادُ إِيجادِه إلى الطَّبِيعةِ فهُو مُعضِلٌ إلى حَدِّ الِامتِناعِ وخارِجٌ عن دائِرةِ العَقلِ.
المُحالُ الثَّالثُ: نُوضِّحُ هذا المُحالَ بمِثالَينِ قد بَيَّنّاهُما في بَعضِ الرَّسائِلِ، هُما:
المِثالُ الأوَّلُ: إِنسانٌ بِدائِيٌّ ساذَجُ التَّفكِيرِ، لم يَكُن يَملِكُ أيَّ تَصَوُّرٍ حَضارِيٍّ مُسبَقٍ؛ يَدخُلُ قَصْرًا فَخْمًا بَدِيعًا، يَزهُو بزِينَتِه، ويَختالُ بأَرقَى ما وَصَلَت إلَيْه الحَضارةُ مِن وَسائِلِ الأُبَّهةِ والرّاحةِ، ويَتَلَألَأُ بأَضوائِه في عَتَمةِ فَلاةٍ خالِيةٍ مُوحِشةٍ؛ فيَدلِفُ إلَيْه، ويَدُورُ في أَرجائِه؛ فتُدهِشُه بَراعةُ بِنائِه، ونُقُوشُ جُدْرانِه، ورَوْعةُ إِتقانِه.. وبكُلِّ سَذاجةِ تَصَوُّرِه وبَلاهَتِه يَمنَحُ القَصرَ حَياةً، ويُعطِيه قُدْرةَ تَشيِيدِ نَفسِه بغُرَفِه ومُحتَوَياتِه، وصُوَرِه الجَمِيلةِ، ونُقُوشِه الأَخّاذةِ؛ لا لِشَيءٍ سِوَى كَونِه قاصِرًا عن تَصَوُّرِ وُجُودِ أَحَدٍ خارِجَ هذا القَصرِ وفي هذه الفَلاةِ يُمكِنُه أن يَنسُبَ إلَيْه بِناءَ هذا القَصرِ، لِذا فقد طَفِقَ يُفتِّشُ عنِ "الباني" داخِلَ القَصرِ لَعَلَّه يَعثُرُ علَيْه بَينَ أَشياءِ القَصرِ، فما مِن شَيءٍ وَقَع علَيْه بَصَرُه إلّا وتَرَدَّد فيه وشَكَّ في كَوْنِه قادِرًا على إِيجادِ مِثلِ هذا القَصرِ الَّذي يَملَأُ أَقطارَ النَّفسِ والعَقلِ برَوْعةِ صُنعِه، وجَمالِ بِنائِه؛ وتَقُودُه قَدَماه إلى زاوِيةٍ مِن زَوايا القَصرِ، ويَعثُرُ فيها فَجْأةً على دَفتَرِ مُلاحَظاتٍ كانَ قد دُوِّنَت فيه خُطّةٌ مُفَصَّلةٌ لِعَمَلِيّةِ بِناءِ القَصرِ، وخُطَّ فيه أَيضًا فِهرِسُ مَوجُوداتِه وقَوانِينُ إِدارةِ مُمتَلَكاتِه.
ورَغمَ أنَّ ذلك الدَّفتَرَ كمُحتَوَياتِه، لَيسَ مِن شَأنِه تَشيِيدُ القَصرِ وتَزيِينُه، إذ لا يَملِكُ يَدًا يَعمَلُ بها، ولا بَصِيرةً يُبصِرُ بها، إلّا أنَّه تَعَلَّق به إذ وَجَدَه مُتَطابِقًا بمُحتَوَياتِه معَ مَجامِيعِ أَشياءِ القَصرِ، ومُنسَجِمًا معَ سَيرِ العَمَلِ فيه یی إذ هُو عُنوانُ القَوانِينِ العِلمِيّةِ یی لِذا قال مُضطَرًّا: "إنَّ هذا الدَّفتَرَ هو الَّذي شَيَّد هذا القَصرَ ونَظَّمَه وزَيَّنَه، وهُو الَّذي أَوْجَد الأَشياءَ فيه ورَتَّبَها هذا التَّرتِيبَ ونَسَّقَها هذا التَّنسِيقَ".. فكَشَف بهذا الكَلامِ عن مَدَى عُمْقِ جَهْلِه، وتَأَصُّلِ حَماقَتِه.
— 269 —
وعلى غِرارِ هذا المِثالِ تَمامًا، يَدلِفُ إلى قَصرِ العالَمِ العَظِيمِ یی الَّذي هُو أَدَقُّ نِظامًا وأَكمَلُ إِتقانًا، وأَجمَلُ صُنعًا، وأَزهَى جَمالًا، مِن ذلك القَصرِ الصَّغِيرِ المَحدُودِ المَذكُورِ آنِفًا في المِثالِ، حَيثُ لا يَقبَلُ المُقايَسةَ والمُوازَنةَ مَعَه، فكُلُّ ناحِيةٍ مِن نَواحِيه تُشِعُّ مُعجِزاتٍ بَدِيعةً وحِكَمًا سامِيةً یی يَدلِفُ واحِدٌ مِمَّن يَدِينُونَ بفِكْرةِ الطَّبِيعةِ ويُنكِرُونَ عَظَمةَ الأُلُوهِيّةِ إلى هذا القَصرِ، واضِعًا في ذِهْنِه یی مُسبَقًا یی الإِعراضَ عن إِسنادِ ما هو مَبثُوثٌ أَمامَه مِن البَدائِعِ إلى صَنْعةِ اللهِ سُبحانَه المُنَزَّهِ عنِ المَخلُوقاتِ، المُتَعالِي عنِ المُمكِناتِ.. ويَبدَأُ بالبَحثِ والتَّحَرِّي عنِ السَّبَبِ "المُوجِدِ" ضِمنَ المُمكِناتِ والمَخلُوقاتِ! فيَرَى قَوانِينَ السُّنَنِ الإِلٰهِيّةِ، وفَهارِسَ الصَّنعةِ الرَّبّانيّةِ، والَّتي يُطلَقُ علَيْها خَطَأً یی وخَطَأً جَسِيمًا یی اسمُ الطَّبِيعةِ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ شَبِيهةً بصَفْحةٍ مِن كُرّاسةِ "التَّغيِيرِ والتَّبدِيلِ" لِقَوانِينِ إِجراءاتِ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، وبمَثابةِ لَوْحةِ "المَحْوِ والإِثباتِ" لِلقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، ولكِنَّه يَنبَرِي إلى القَولِ:
ما دامَتْ هذه الأَشياءُ مُفتَقِرةً إلى عِلّةٍ مُوجِدةٍ، ولا شَيءَ أَعظَمُ ارتِباطًا بها مِن هذه "الكُرَّاسةِ"، فإنِّي أَخلُصُ مِن ذلك إلى أنَّ هذه "الكُرّاسةَ" یی بما تَتَضمَّنُه مِن قَوانِينِ المَحوِ والإِثباتِ یی هي الَّتي أَوجَدَتِ الأَشياءَ، ما دامَ لا يَطِيبُ لي الِاعتِقادُ والإِيمانُ بالصّانِع الجَلِيلِ سُبحانَه؛ رَغمَ أنَّ العَقلَ المُنَزَّهَ عنِ الهَوَى يَرفُضُ كُلِّیيًّا یی ضِمنَ مَنطِقِه یی أن يَنسُبَ شُؤُونَ الرُّبُوبيّةِ المُطلَقةِ الَّتي تَقتَضِي قُدرةً مُطلَقةً، إلى هذه "الكُرّاسةِ" العَمْياءِ الصَّمّاءِ العاجِزةِ.
ونَحنُ نقُولُ: يا أَحمَقَ مِن "هَبَنَّقة"! أَطِلَّ برَأسِك مِن تَحتِ مُستَنقَعِ الطَّبِيعةِ، لِتَرَى الصّانِعَ الجَلِيلَ الَّذي تَشهَدُ له جَمِيعُ المَوجُوداتِ، مِنَ الذَّرّاتِ إلى المَجَرّاتِ، بأَلسِنةٍ مُتَنوِّعةٍ، وتُشِيرُ إلَيْه إِشاراتٍ مُختَلِفةً.. وشاهِدْ تَجَلِّياتِ ذلك المُصَوِّرِ الجَلِيلِ الَّذي شَيَّد قَصرَ العالَمِ الباذِخَ، ودَوَّن خُطَّتَه وبَرنامَجَه وقَوانِينَه في تلك الكُرّاسةِ.. وأَنقِذْ نَفسَك مِن ذلك الهَذَيانِ الآثِمِ الرَّخِيصِ!
المِثالُ الثّاني: يَدخُلُ إِنسانٌ مَعزُولٌ عن عالَمِ المَدَنيّةِ والحَضارةِ، وَسَطَ مُعَسكَرٍ مَهِيبٍ، فيُبهِرُه ما يُشاهِدُ مِن تَدرِيباتٍ مُتَنوِّعةٍ يُؤَدِّيها یی بغايةِ الِانتِظامِ والإِتقانِ ومُنتَهَى
— 270 —
الطّاعةِ والِانقِيادِ یی جُنُودُ هذا المُعَسكَرِ، فيُلاحِظُ حَرَكاتِهِمُ المُنَسَّقةَ إذْ يَتَحرَّكُ الجَمِيعُ یی فَوْجًا ولِواءً وفِرقةً یی بحَرَكةِ فَردٍ واحِدٍ مِنهُم، ويَسكُنُ الجَمِيعُ بسُكُونِه، يُطلِقُ الجَمِيعُ النَّارَ إِطلاقًا واحِدًا إِثرَ أَمرٍ يُصدِرُه ذلك الفَردُ.. فحارَ في أَمرِه، ولم يَكُن عَقلُه السَّاذَجُ لِيُدرِكَ أنَّ قائِدًا عَظِيمًا هو الَّذي يتَحَكَّمُ بِالأَمرِ مِن خِلالِ قَوانِينِ الدَّوْلةِ وأَوامِرِ السُّلطانِ، فتَخَيَّلَ حَبْلًا يَربِطُ أُولَئِك الجُنُودَ بَعضَهُم بِبَعضٍ.. ثمَّ بَدَأ يَتَأمَّلُ خَيالًا مَدَى أُعجُوبةِ هذا الحَبلِ المَوهُومِ؛ فزادَت حَيرَتُه واشْتَدَّ ارتِباكُه.. ثمَّ يَمضِي إلى شَأْنِه.
ويَدخُلُ جامِعَ "آيا صُوفْيا" العَظِيمَ يَومَ الجُمُعةِ، ويُشاهِدُ جُمُوعَ المُصَلِّينَ خَلفَ رَجُلٍ واحِدٍ يَمتَثِلُونَ لِنِدائِه في قِيامِهِم وقُعُودِهِم وسُجُودِهِم ورُكُوعِهِم، ولَمّا لم يَكُن يَعرِفُ شَيئًا عنِ الشَّرِيعةِ الإِلٰهِيّةِ، والدَّساتِيرِ المَعنَوِيّةِ لِأَوامِرِ صاحِبِ الشَّرِيعةِ، فإنَّه يَتَصوَّرُ بأنَّ هذه الجَماعةَ مُرتَبِطٌ بَعضُها ببَعضٍ بحِبالٍ مادِّيّةٍ، وأنَّ هذه الحِبالَ قد قَيَّدَت حَرَكةَ الجَماعةِ وأَسَرَتهُم، وهِي الَّتي تُحَرِّكُهُم وتُوقِفُهُم عنِ الحَرَكةِ.
وهكذا يَمضِي إلى سَبِيلِه وقدِ امتَلَأ ذِهنُه بأَخطاءِ تَصَوُّراتِه الَّتي تَكادُ تُثِيرُ الهُزْءَ والسُّخْرِيةَ حتَّى لَدَى أَشَدِّ النّاسِ وَحْشِيّةً وهَمَجِيّةً.
ففي ضَوءِ هذا المِثالِ: يَأتِي مُلحِدٌ إلى هذا العالَمِ الَّذي هو مُعَسكَرٌ مَهِيبٌ رائِعٌ لِجُنُودِ السُّلطانِ الجَلِيلِ، وهُو مَسجِدٌ عَظِيمٌ بارِعٌ يُعَظَّمُ فيه ذلك المَعبُودُ الأَزَليُّ ويُقدَّسُ؛ يَأتِيه وهُو يَحمِلُ فِكرةَ "الطَّبِيعةِ" الجاحِدةَ، ذلك الجَهلَ المُطبِقَ..
فيَتَصوَّرُ "القَوانِينَ المَعنَوِيّةَ" الَّتي يُشاهِدُ آثارَها في رَبطِ أَنظِمةِ الكَونِ البَدِيعِ، والنّابِعةَ مِنَ "الحِكْمةِ" البالِغةِ لِلبارِئِ المُصَوِّرِ سُبحانَه، يَتَصوَّرُها كأنَّها قَوانِينُ مادِّيّةٌ، فيَتَعامَلُ مَعَها في أَبحاثِه كما يَتَعامَلُ معَ الأَشياءِ المادِّيّةِ..
ويَتَخيَّلُ أَحكامَ قَوانِينِ الرُّبُوبيّةِ الَّتي هي قَوانِينُ اعتِبارِيّةٌ ودَساتِيرُ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيةِ الكَونِيّةِ لِلمَعبُودِ الأَزَليِّ، والَّتي هي بمَجمُوعِها مَعنَوِيّةٌ بَحْتةٌ، ولَيسَ لها وُجُودٌ سِوَى وُجُودٍ عِلمِيٍّ، يَتَخيَّلُها كأَنَّها مَوجُوداتٌ خارِجِيّةٌ ومَوادُّ مادِّيّةٌ..
— 271 —
ويُقِيمُ تلك القَوانِينَ الصَّادِرةَ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ والكَلامِ الرَّبّانِيِّ الَّتي لها وُجُودٌ عِلمِيٌّ فقط مَقامَ القُدْرةِ الإِلٰهِيّةِ، ويُمَلِّكُها الخَلقَ والإِيجادَ، ويُطلِقُ علَيْها اسمَ "الطَّبِيعةِ"، مُتَصوِّرًا القُوّةَ الَّتي هي تَجَلٍّ مِن تَجَلِّياتِ القُدْرةِ الرَّبّانيّةِ أنَّها صاحِبةُ قُدْرةٍ فاعِلةٍ، وقَدِيرةٌ مُستَقِلّةٌ بِذاتِها في القُدْرةِ..
أَفَبَعدَ هذا جَهالةٌ وغَباءٌ؟ أوَلَيسَ هذا جَهْلًا بأَضعافِ أَضعافِ ما في المِثالِ؟!
الخُلاصةُ: إِنَّ الطَّبِيعةَ الَّتي يَتَعلَّقُ بها الطَّبِيعِيُّونَ یی ذلك الأَمرَ المَوهُومَ الَّذي ليس له حَقِيقةٌ یی إنْ كانَ ولا بُدَّ أنَّها مالِكةٌ لِوُجُودٍ حَقِيقِيٍّ خارِجِيٍّ، فإنَّ هذا "الوُجُودَ" إنَّما هو صَنْعةُ صانِعٍ ولن يكُونَ صانِعًا، وهُو نَقْشٌ ولن يكُونَ نَقّاشًا، ومَجمُوعةُ أَحكامٍ ولن يكُونَ حاكِمًا، وشَرِيعةٌ فِطْرِيّةٌ ولن يكُونَ شارِعًا، وسِتارٌ مَخلُوقٌ لِلعِزّةِ ولن يكُونَ خالِقًا، وفِطْرةٌ مُنفَعِلةٌ ولن يكُونَ فاطِرًا فاعِلًا، ومَجمُوعةُ قَوانِينَ ولن يكُونَ قادِرًا، ومِسطَرٌ ولن يكُونَ مَصدَرًا.
وحاصِلُ الكَلامِ: ما دامَتِ المَوجُوداتُ مَوجُودةً فِعلًا، والعَقلُ يَعجِزُ عن تَصَوُّرِ أَكثَرَ مِن أَربَعةِ طُرُقٍ لِلوُصُولِ إلى حُدُوثِ المَوجُودِ یی كما ذَكَرْنا ذلك في المُقدِّمةِ یی وقد أُثبِتَ إِثباتًا قاطِعًا بُطْلانُ ثَلاثةٍ مِن تلك الطُّرُقِ الأَربَعةِ، وذلك بِبَيانِ ثَلاثةِ مُحالاتٍ ظاهِرةٍ جَلِيّةٍ في كُلٍّ مِنها، فلا بُدَّ وبالضَّرُورةِ والبَداهةِ أن يَثبُتَ بيَقِينٍ لا سَبِيلَ مُطْلقًا إلى الشَّكِّ فيه: الطَّرِيقُ الرّابِعُ، وهُو طَرِيقُ الوَحْدانيّةِ، ذلك الطَّرِيقُ الَّذي تُنِيرُه الآيةُ الكَرِيمةُ: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..؟! والَّتي تَدُلُّ بَداهةً ويَقِينًا على وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، وعلى أُلُوهِيَّتِه المُهَيمِنةِ، وعلى صُدُورِ كلِّ شَيءٍ مِن يَدِ قُدرَتِه، وعلى أنَّ مَقالِيدَ السَّماواتِ والأَرضِ بِيَدِه سُبحانَه وتَعالَى.
فيا عابِدَ الأَسبابِ، أيُّها المِسكِينُ المَفتُونُ بالطَّبِيعةِ!
ما دامَتْ طَبِيعةُ كلِّ شَيءٍ مَخلُوقةً كالشَّيءِ نَفسِه، لِأنَّ تَكَوُّنَها مُحدَثٌ غَيرُ قَدِيمٍ، وعلَيْها عَلامةُ الصَّنْعةِ والإِتقانِ، وأنَّ سَبَب وُجُودِ هذا الشَّيءِ الظَّاهِرِيِّ هو أَيضًا مَصنُوعٌ حادِثٌ؛ ولَمَّا كانَ وُجُودُ أيِّ شَيءٍ مُفتَقِرًا إلى وَسائِلَ وآلاتٍ وأَجهِزةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا..
— 272 —
فلا بُدَّ مِن قَدِيرٍ مُطلَقِ القُدْرةِ لِيَخلُقَ تلك الطَّبِيعةَ في الشَّيءِ، ويُوجِدَ ذلك السَّبَبَ له، ولا بُدَّ أن يكُونَ یی هذا القَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ یی مُستَغْنِيًا غَناءً مُطلَقًا، فلا يُشرِكَ الوَسائِطَ العاجِزةَ في إِيجادِه لِلشَّيءِ، وفي هَيْمَنةِ رُبُوبيَّتِه علَيْه.
فحاشَ للهِ أنْ يكُونَ سِواه القَدِيرَ المُستَغنِيَ المُتَعالِيَ، بل هو سُبحانَه وتَعالَى يَخلُقُ المُسَبَّبَ والسَّبَبَ مَعًا خَلْقًا مُباشَرًا، ويُوجِدُ بَينَهُما سَبَبِيّةً ظاهِرِيّةً وصُورِيّةً، ويَقرِنُ بَينَهُما مِن خِلالِ تَرتِيبٍ وتَنظِيمٍ، جاعِلًا مِنَ الأَسبابِ والطَّبِيعةِ سِتارًا لِيَدِ قُدْرَتِه الجَلِيلةِ، وحِجابًا لِعَظَمَتِه وكِبْرِيائِه، ولِتَبقَى عِزَّتُه مُنَزَّهةً مُقَدَّسةً في عَلْيائِها، ويَجعَلُ تلك الأَسبابَ مَوضِعَ الشَّكْوَى لِما يَتَراءَى مِن نَقائِصَ، ولِما يُتَصَوَّرُ مِن ظُلمٍ ظاهِرِيٍّ في الأَشياءِ.
أَيُّهُما أَسهَلُ على الفَهْمِ، وأَقرَبُ مَعقُوليّةً إلى الذِّهنِ: تَصَوُّرُ "ساعاتِيٍّ" يَصنَعُ تُرُوسَ السّاعةِ ومُعَدّاتِها، ثمَّ يُنَظِّمُها على وَفقِ تَرتِيبِ تُرُوسِها، ويُوازِنُ بَينَ حَرَكاتِ عَقارِبِها بدِقّةٍ مُتَناهِيةٍ؛ أم أن نَتَصَوَّرَ السَّاعاتِيَّ يَصنَعُ في تُرُوسِ السَّاعةِ وعَقارِبِها ودَقِيقِ آلاتِها ماكِينةً خارِقةَ الفِعالِ يُسَلِّمُ صُنعَ السّاعةِ إلى جَمادِيّةِ أَيدِيها؟! قُل مَعِي: أَلَيسَ هذا كَلامًا فارِغًا ومُحالًا وخارِجًا عن حُدُودِ الإِمكانِ؟! فهَيّا خاطِبْ أَنتَ عَقْلَك المُجْحِفَ وكُنْ أَنتَ القاضِيَ والحَكَمَ.
وأَيُّهُما يكُونُ مُستَساغًا ومَقبُولًا في مَنطِقِ العَقلِ: تَصَوُّرُ كاتِبٍ يَخُطُّ كِتابًا بنَفسِه بَعدَ أن يُحضِرَ لَوازِمَ الكِتابةِ، مِن مِدادٍ وقَلَمٍ ووَرَقٍ، أم تَصَوُّرُ إِيجادِ ذلك الكاتِبِ مَطبَعةً خاصّةً بذلك الكِتابِ یی وهِي أَعقَدُ وأَدَقُّ مِنَ الكِتابِ نَفسِه یی يَتْرُكُ لها أَمرَ كِتابةِ هذا الكِتابِ فيُخاطِبُها قائِلًا: هَيّا اشْرَعِي أَنتِ بكِتابةِ الكِتابِ.. مِن دُونِ تَدَخُّلٍ مِن قِبَلِه؟
أَلَيسَ مِثلُ هذا التَّصَوُّرِ السَّقِيمِ مُعضِلًا عَقلًا؟ ومُشكِلًا بأَضعافِ أَمرِ الكِتابةِ نَفسِها؟!
وإذا قُلتَ: إِنَّ إِيجادَ مَطبَعةٍ لِطَبعِ الكِتابِ أَعقَدُ وأَصعَبُ مِنَ الكِتابِ نَفسِه، إِلّا أنَّ ماكِينةَ المَطبَعةِ، قادِرةٌ على إِصدارِ آلافِ النُّسَخِ مِنَ الكِتابِ في مُدّةٍ قَصِيرةٍ؛ وهذا وَسِيلةُ التَّيسِيرِ.
— 273 —
الجَوابُ: إنَّ البارِئَ المُصَوِّرَ سُبحانَه لِأَجلِ تَجدِيدِ تَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى وإِظهارِها على أَشكالٍ مُختَلِفةٍ، قد خَلَق بقُدْرَتِه المُطلَقةِ تَشَخُّصاتِ الأَشياءِ ومَلامِحَها الخاصّةَ بها، بحَيثُ لا يُشبِهُ مَخلُوقٌ مَخلُوقًا آخَرَ تَشابُهًا تامًّا، وهُو كِتابٌ صَمَدانِيٌّ، ومَكتُوبٌ رَبّانِيٌّ.
نعم، إنَّه لِأَجلِ أن يَفِيَ كلُّ مَخلُوقٍ بمَعانٍ مُختَلِفةٍ لوُجُودِه، لا بُدَّ أن يَملِكَ سِيماءً يُعرَفُ بها ويُخالِفُ بها الآخَرِينَ، ومَلامِحَ تُبايِنُ مَلامِحَ غَيرِه؛ فانظُرْ ودَقِّقِ النَّظَرَ في وَجْهِ الإِنسانِ، تَرَ أنَّ عَلاماتٍ فارِقةً قدِ احتَشَدَت في هذا الوَجْهِ الصَّغِيرِ، بحَيثُ تُمَيِّیزُ هذه العَلاماتُ صاحِبَها عن جَمِيعِ الوُجُوهِ الأُخرَى المُتَتابِعةِ مُنذُ زَمَنِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَام حتَّى اليَومِ، وإلى الأَبَدِ، رَغمَ التَّشابُهِ والِاتِّفاقِ في الماهِيّةِ الإِنسانيّةِ، والكَينُونةِ البَشَرِيّةِ، وهذا واضِحٌ جَلِيٌّ وثابِتٌ قَطْعًا.
فمَلامِحُ كلِّ وَجْهٍ كِتابٌ خاصٌّ بالوَجهِ نَفسِه، وهُو كِتابٌ مُستَقِلٌّ بذاتِه عن غَيرِه.. فلِأَجلِ إِخراجِ هذا الكِتابِ الخاصِّ، وإِتقانِ صُنْعِه وتَنظِيمِه، يَستَوجِبُ الأَمرُ وُجُودَ مَجمُوعةٍ أَبجَدِيّةٍ كامِلةٍ مِنَ الحُرُوفِ، ومُناسِبةٍ حَجْمًا له، ويَتَطلَّبُ تَنضِيدَ هذه الحُرُوفِ في مَواضِعِها مِن لَوْحةِ التَّنضِيدِ، لِيَتِمَّ بَعدَ ذلك مُؤَلَّفٌ خاصٌّ بهذا الوَجهِ يُخالِفُ تَألِيفَ الآخَرِينَ.
ويَستَلزِمُ هذا الأَمرُ جَلْبَ مَوادِّ صُنعِه الخاصّةِ به، ثمَّ وَضْعَها في أَماكِنِها المُخَصَّصةِ لها، ثمَّ إِدراجَ كلِّ ما يَلزَمُ وُجُودَ هذا الوَجْهِ یی في الوَجْهِ نَفسِه یی مِن عَناصِرِ البِناءِ.. وهذا كُلُّه لا شَكَّ يَحتاجُ إلى مَصنَعٍ مُستَقِلٍّ خاصٍّ به، أي: إلى مَطبَعةٍ خاصّةٍ في كلِّ أَشيائِها لِكُلِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ثمَّ أَلَا تَحتاجُ هذه المَطبَعةُ الخاصّةُ یی على فَرْضِ وُجُودِها یی إلى تَنظِيمٍ مُعَيَّنٍ، وتَنسِيقٍ مَخصُوصٍ؟ فأَمرُ الطَّبعِ نَفسُه یی دَعْ عَنك تَنسِيقَ الحُرُوفِ وتَرتِيبَها وتَنظِيمَها یی هو أَيضًا بحاجةٍ إلى تَنظِيمٍ.
فالمَوادُّ المَوجُودةُ في جِسمِ كلِّ كائِنٍ حَيٍّ هي أَكثَرُ تَعقِيدًا وأَدَقُّ تَنظِيمًا مِن مَوادِّ المَطبَعةِ وتَنظِيمِها بمِئاتِ الأَضعافِ، فجَلبُ هذه المَوادِّ مِن أَقطارِ العالَمِ، ضِمنَ
— 274 —
حِساباتٍ مُعَيَّنةٍ، ومَوازِينَ دَقِيقةٍ، ثمَّ تَنضِيدُها حَسَبَ مُقتَضَياتِ الحاجةِ إلَيْها، وأَخِيرًا وَضْعُها تَحتَ يَدِ تلك المَطبَعةِ... هذه السِّلسِلةُ الطَّوِيلةُ مِنَ الإِجراءاتِ تَحتاجُ یی أَوَّلًا وقَبلَ كلِّ شَيءٍ یی إلى مُوجِدٍ يُوجِدُ تلك المَطبَعةَ المُفتَرَضةَ، ولَيسَ هو إلّا القُدْرةَ الفاطِرةَ لِلخالِقِ القَدِيرِ وإِرادَتَه النّافِذةَ.
إِذًا فاحتِمالُ كَونِ الطَّبِيعةِ كأَنَّها مَطبَعةٌ، خُرافةٌ فاضِحةٌ لا مَعنَى لها على الإِطلاقِ!
وهكذا على غِرارِ ما شاهَدْناه في مِثالِ "السَّاعةِ والكِتابِ": إنَّ الصَّانِعَ ذا الجَلالِ وهُو القادِرُ على كلِّ شَيءٍ، هو نَفسُه خالِقُ الأَسبابِ، وخالِقُ المُسَبَّباتِ، وهُو الَّذي يَربِطُ المُسَبَّباتِ بالأَسبابِ بحِكْمَتِه سُبحانَه؛ وقد عَيَّن بإِرادَتِه طَبِيعةَ الأَشياءِ، وجَعَلَها مِرآةً عاكِسةً لِتَجَلِّياتِ الشَّرِيعةِ الفِطْرِيّةِ الكُبْرَى الَّتي فَطَر علَيْها الكَوْنَ، والَّتي هي قَوانِينُ اللهِ وسُنَنُه الجارِيةُ الَّتي تَخُصُّ تَنظِيمَ شُؤُونِ الكَونِ، وقد أَوْجَدَ بقُدْرَتِه وَجْهَ "الطَّبِيعةِ" الَّذي حَظِيَ بالوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثمَّ خَلَق الأَشياءَ وأَنشَأَها على تلك الطَّبِيعةِ ومازَجَ بَينَهُما بتَمامِ الحِكْمةِ.
والآنَ نُحِيلُ الأَمرَ إلى إِنصافِ عَقْلِك المُجْحِفِ لِيَرَى: أَيُّهُما يَستَسِيغُه عَقْلُك ويَسهُلُ علَيْه الِاعتِقادُ به؟ أَهذِه الحَقِيقةُ المَعقُولةُ النَّابِعةُ مِن بَراهِينَ دامِغةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ یی وهِي مُلزِمةٌ إلى حَدِّ الوُجُوبِ یی أم إِعطاءُ ما يَلزَمُ لِلأَشياءِ مِن أَجهِزةٍ وأَعضاءٍ لا تُحَدُّ، وإِسنادُ أَعمالٍ تَتَّسِمُ بالحِكْمةِ والبَصِيرةِ إلى الشَّيءِ نَفسِه؟! أو نِسبَتُها إلى ما تُسَمُّونَه بی"الطَّبِيعةِ" والأَسبابِ الَّتي هي مَوادُّ جامِدةٌ خالِيةٌ مِنَ الشُّعُورِ وهِي مَخلُوقةٌ مَصنُوعةٌ؟ ألَيسَت هذه خُرافةً مُمتَنِعةً وخارِجةً عن نِطاقِ الإِمكانِ؟
يُجِيبُ عابِدُ الطَّبِيعةِ یی ذلك الجاحِدُ یی قائِلًا: ما دُمتَ تَدعُونِي إلى الإِنصافِ فأنا أَعتَرِفُ: بأنَّ ما سَلَكْناه مِن طَرِيقٍ مُضِلٍّ إلى الآنَ مِثلَما أنَّه مُحالٌ بمِئةِ مُحالٍ، فهُو مُضِرٌّ أيَّما ضَرَرٍ، وهُو في مُنتَهَى القُبحِ والفَسادِ.. إنَّ مَن كانَ له مُسكةٌ مِن عَقلٍ يُدرِكُ مِن مُحاكَماتِكُمُ العَقلِيّةِ، وتَحقِيقاتِكُمُ العِلمِيّةِ المُسنَدةِ بالبَراهِينِ والمَذكُورةِ آنِفًا: أنَّ إِسنادَ
— 275 —
الإِيجادِ والخَلقِ إلى الأَسبابِ وإلى الطَّبِيعةِ مُمتَنِعٌ عَقلًا ومُحالٌ قَطْعًا، بل الواجِبُ والضَّرُورِيُّ المُلزِمُ لِلعَقلِ هو إِسنادُ كلِّ شَيءٍ مُباشَرةً إلى واجِبِ الوُجُودِ سُبحانَه، فأَحْمَدُ اللهَ الَّذي هَدانِي إلى هذا الإِيمانِ.
ولكِن بَقِيَتْ لَدَيَّ شُبهةٌ واحِدةٌ فقط، وهِي: أنَّني أُؤْمِنُ باللهِ رَبًّا وأنَّه خالِقُ كلِّ شَيءٍ، ولكِنِّي أَتَساءَلُ: ماذا يَضُرُّ عَظَمَتَه سُبحانَه، وماذا يَضُرُّ سُلطانَه جَلَّ وعَلا، أن نَتَوجَّه ببَعضِ المَدحِ والثَّناءِ إلى بَعضِ الأَسبابِ الجُزئيّةِ في إِيجادِها الأَشياءَ الصَّغِيرةَ التّافِهةَ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيئًا مِن سُلطانِه سُبحانَه وتَعالَى؟!
والجَوابُ: كما أَثبَتْنا في قِسمٍ مِنَ الرَّسائِلِ إِثباتًا قاطِعًا: أنَّ شَأْنَ الحاكِمِيّةِ "رَدُّ المُداخَلةِ" ورَفْضُها كُلِّیيًّا، بل إنَّ أَدنَى حاكِمٍ، أو أيَّ مُوَظَّفٍ بَسِيطٍ لا يَقبَلُ تَدَخُّلًا حتَّى مِنِ ابنِه ضِمنَ حُدُودِ حاكِمِيَّتِه، بل إنَّ تَوَهُّمَ التَّدَخُّلِ في الحاكِمِيّةِ قد دَفَع بَعضَ السَّلاطِينِ إلى قَتلِ أَولادِهِمُ الأَبرِياءِ رَغمَ أنَّهُم كانُوا على شَيءٍ مِنَ التَّقوَى والصَّلاحِ، مِمّا يُظهِرُ مَدَى أَصالةِ هذا القانُونِ یی قانُونِ رَدِّ المُداخَلةِ یی في الحاكِمِيّةِ، فهُو سارٍ في كلِّ شَيءٍ، ابتِداءً مِن مُتَخاصِمَينِ في تَسَنُّمِ إِدارةِ ناحِيةٍ صَغِيرةٍ، إلى سُلطانَينِ يَتَنازَعانِ لِلتَّفَرُّدِ بالسُّلطةِ في البِلادِ؛ وكَذلِك فقد أَظهَر یی بما لا يَقبَلُ الشَّكَّ یی ما يَقتَضِيه استِقلالُ الحاكِمِيّةِ مِن قانُونِ "مَنعِ الِاشتِراكِ"، وأَوضَحَ نُفُوذَه وقُوَّتَه خِلالَ تارِيخِ البَشَرِيّةِ الطَّوِيلِ، وما أَدَّى إلَيْه مِنِ اضطِرابٍ وقَتلٍ وتَشرِيدٍ وأَنهارٍ مِنَ الدِّماءِ المُهْراقةِ.
تَأَمَّلْ في الإِنسانِ الَّذي هو عاجِزٌ عن إِدارةِ نَفسِه ومُفتَقِرٌ إلى التَّعاوُنِ معَ الآخَرِينَ، ولا يَملِكُ مِنَ الحاكِمِيّةِ والآمِرِيّةِ إلّا ظِلًّا باهِتًا، فهُو يَرُدُّ المُداخَلةَ إلى هذه الدَّرَجةِ، ويَمنَعُ تَدَخُّلَ الآخَرِينَ إلى هذا الحَدِّ، ويَرفُضُ مُشارَكةَ الآخَرِينَ في حاكِمِيَّتِه، ويَسعَى بما لَدَيْه مِن قُوّةٍ لِلتَّشَبُّثِ باستِقلاليّةِ مَقامِه.. تَأَمَّلْ في هذا، ثمَّ انظُرْ إلى مَن يتَّصِفُ بِالحاكِمِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الرُّبُوبِيّةِ، والآمِرِيّةِ المُطلَقةِ بِدَرَجةِ الأُلُوهِيّةِ، والِاستِقلالِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ الأَحَدِيّةِ، والِاستِغناءِ المُطلَقِ بِدَرَجةِ القادِرِيّةِ المُطلَقةِ.. ذلِكُمُ اللهُ رَبُّنا ذُو الجَلالِ..
— 276 —
فكَم يكُونُ لازِمًا وضَرُورِيًّا "رَدُّ المُداخَلةِ" هذه بالنِّسبةِ إلَيْه، ومَنعُ الِاشتِراكِ وطَردُ الشَّرِيكِ في حاكِمِيَّتِه المُطلَقةِ، وكَم هو مِن لَوازِمِ هذه الحاكِمِيّةِ ومِن أَوجَبِ وجائِبِها؟
فقارِنِ الآنَ ووازِنْ بَينَ حاكِمِيّةِ الإِنسانِ المَحدُودةِ الضَّيِّقةِ المُفتَقِرةِ إلى الآخَرِينَ، وحاكِمِيّةِ اللهِ المُطلَقةِ الغَنِيّةِ المُهَيمِنةِ الشّامِلةِ.
أمّا الشِّقُّ الثّاني مِن شُبهَتِك وهُو أنَّه: إذا قُصِدَ "بَعضُ الأَسبابِ" ببَعضِ العِبادةِ مِن بَعضِ الأَفرادِ، فهل يَنقُصُ ذلك شَيْئًا مِن عِبادةِ المَخلُوقاتِ المُتَوجِّهةِ جَمِيعًا إلى اللهِ القَدِيرِ، ابتِداءً مِنَ الذَّرّاتِ وانتِهاءً بالسَّيّاراتِ والمَجَرَّاتِ؟!
فالجَوابُ: أنَّ الخالِقَ الحَكِيمَ العَلِيمَ سُبحانَه، قد خَلَق هذا الكَونَ بمَثابةِ شَجَرةٍ، وجَعَل أَربابَ الشُّعُورِ ثِمارَها الكامِلةَ، وكَرَّم الإِنسانِ باعتِبارِه أَجمَعَ ثَمَرةٍ لِأَربابِ المَشاعِرِ، وجَعَل الشُّكرَ والعِبادةَ أَفضَلَ ما تُثمِرُه حَياةُ الإِنسانِ، بل هُما یی الشُّكرُ والعِبادةُ یی نَتِيجةُ خَلقِه وغايةُ فِطْرَتِه وثَمَرةُ حَياتِه.
فهل يُمكِنُ عَقلًا لِهذا الحاكِمِ المُطلَقِ والآمِرِ الفَردِ، وهُو الواحِدُ الأَحَدُ، أن يُسَلِّمَ أَمرَ الإِنسانِ الَّذي هو ثَمَرةُ الكَونِ كُلِّه إلى غَيرِه، ويُسَلِّمَ ثَمَرةَ حَياتِه یی وهِي الشُّكرُ والعِبادةُ یی إلى الآخَرِينَ، بَعدَما خَلَق الكَونَ كُلَّه لِمَعرِفةِ أُلُوهِيَّتِه، ولِمَحَبّةِ رُبُوبيَّتِه، فهل يُمكِنُ أن يَجعَلَ نَتِيجةَ الخَلقِ وثَمَرةَ الكَونِ تَسقُطُ بَينَ أَشداقِ عُفُونةِ العَبَثِ؟! حاشَ للهِ وكَلّا، سُبحانَ اللهِ عَمّا يُشرِكُونَ!
ثمَّ هل يُمكِنُ أن يَرضَى سُبحانَه بما يُخالِفُ حِكْمَتَه ورُبُوبيَّتَه بجَعلِ بَعضِ الأَسبابِ مَقصُودَ عِبادةِ المَخلُوقاتِ؟ عِلْمًا بأنَّه سُبحانَه وتَعالَى قد أَظهَرَ بأَفعالِه أنَّه يُحَبِّبُ نَفسَه ويُعَرِّفُها بِدَرَجةٍ غَيرِ مَحدُودةٍ.
فكَيفَ يَرضَى سُبحانَه یی بَعدَ هذا كُلِّه یی أنْ يَدَع تَحَبُّبَ أَفضَلِ مَخلُوقاتِه وأَكمَلِهِم عُبُودِيّةً وشُكرًا وحَمْدًا إلى غَيرِه مِنَ الأَسبابِ؟! وكَيفَ يَسمَحُ لِمَخلُوقاتِه أن تَنساه بَعدَ
— 277 —
أن أَظهَرَ بأَفعالِه مَقاصِدَه السّامِيةَ في الكَونِ: وهِي مَعِرفَتُه، ثمَّ عِبادَتُه؟! حاشا وكَلّا، فسُبحانَ اللهِ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ماذا تَقُولُ أيُّها الصَّدِيقُ بالَّذي سَمِعتَه آنِفًا؟
وإذا به يُجِيبُ فيَقُولُ: الحَمدُ للهِ الَّذي سَهَّل لي حَلَّ هاتَينِ الشُّبهَتَينِ، فقد أَظهَرْتَ لي في وَحْدانيّةِ اللهِ یی المَعبُودِ الحَقِّ والمُستَحِقِّ لِلعِبادةِ وَحْدَه یی دَليلَينِ قَوِيَّينِ ساطِعَينِ لا يُمكِنُ إِنكارُهُما، وهل يُنكِرُ ضَوءَ الشَّمسِ والنَّهارِ إلّا مُكابِرٌ مُعانِدٌ؟!
٭ ٭ ٭

الخاتمة

يقُولُ الرَّجُلُ الَّذي تَرَك فِكرةَ الطَّبِيعةِ الكُفرِيّةِ ودَخَل حَظِيرةَ الإِيمانِ:
الحَمدُ للهِ.. أَشهَدُ أنَّ شُبُهاتِي قد زالَت كُلُّها، ولكِن ما زالَ في النَّفسِ ما يُحَيِّرُني ويُثِيرُ المَزِيدَ مِن هَواجِسِي، مِمّا يَرِدُ على خاطِرِي مِن أَسئِلةٍ لا أَعرِفُ جَوابًا عَلَيْها!
السُّؤالُ الأوَّلُ: نَسمَعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكُسالَى المُتَقاعِسِينَ عنِ العِباداتِ، ومِن تارِكِي الصَّلاةِ بخاصّةٍ، أنَّهُم يَقُولُونَ:
ما حاجةُ الرَّبِّ الغَنِيِّ بِذاتِه یی سُبحانَه وتَعالَى یی إلى عِبادَتِنا حتَّى يَزجُرَنا في مُحْكَمِ كِتابِه الكَرِيمِ، ويَتَوعَّدَنا بأَشَدِّ العَذابِ في نارِ جَهَنَّمَ؟ فكَيفَ يَتَساوَقُ هذا الأُسلُوبُ التَّهدِيدِيُّ الصّاعِقُ في مِثلِ هذا الخَطَأِ الجُزئِيِّ التّافِهِ، معَ أُسلُوبِه الإِعجازِيِّ اللَّيِّنِ الهادِئِ الرَّقِيقِ في المَواضِعِ الأُخرَى؟
الجَوابُ: حَقًّا إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى الغَنِيَّ بِذاتِه لا حاجةَ له قَطُّ إلى عِبادَتِك أَنتَ أيُّها الإِنسانُ، بل لا حاجةَ له سُبحانَه إلى شَيءٍ قَطُّ، ولكِنَّك أَنتَ المُحتاجُ إلى
— 278 —
العِبادةِ، وأَنتَ المُفتَقِرُ إلَيْها.. فأَنتَ مَرِيضٌ مَعنًى، والعِبادةُ هي البَلْسَمُ الشّافي لِجِراحاتِ رُوحِك، وأَوْجاعِ ذاتِك، وقد أَثبَتْنا هذا الكَلامَ في عَدِيدٍ مِنَ الرَّسائِلِ.
تُرَى! لو خاطَبَ مَرِيضٌ طَبِيبًا رَحِيمًا يُشفِقُ علَيْه ويُصِرُّ علَيْه لِيَتَناوَلَ دوَاءً شافِيًا يَخُصُّ مَرَضَه، لو خاطَبَه تِجاهَ إِصرارِه علَيْه قائِلًا: ما حاجَتُك أَنتَ إلى هذا الدَّواءِ حتَّى تُلِحَّ علَيَّ هذا الإِلحاحَ الشَّدِيدَ بِتَناوُلِ الدَّواءِ؟ ألا يُفهَمُ مِن كَلامِه مَدَى تَفاهَتِه وسُخْفِه وغَباءِ مَنطِقِه؟
أمّا نَذِيرُ القُرآنِ الكَرِيمِ فيما يَخُصُّ تَركَ العِبادةِ وتَهدِيدُه المُخِيفُ بعِقابٍ أَلِيمٍ، فإِلَيْك تَفسِيرَه: فكَما أنَّ سُلْطانًا يُعاقِبُ شَخْصًا سافِلًا يَرتَكِبُ جَرِيمةً تَمَسُّ حُقُوقَ الآخَرِينَ بعِقابٍ صارِمٍ لِأَجلِ الحِفاظِ على حُقُوقِ رَعاياه، كَذلِك سُلْطانُ الأَزَلِ والأَبَدِ يُعاقِبُ تارِكَ العِبادةِ والصَّلاةِ عِقابًا صارِمًا، لِأنَّه يَتَجاوَزُ تَجاوُزًا صارِخًا حُقُوقَ المَوجُوداتِ، ويَظلِمُها ظُلْمًا مَعنَوِيًّا بَشِعًا، ويَهضِمُ حُقُوقَها هَضْمًا مُجحِفًا، تلك المَوجُوداتِ الَّتي هي رَعاياه وخَلقُه.
وذلك لِأنَّ كَمالاتِها تَتَظاهَرُ على صُورةِ تَسبِيحٍ وعِبادةٍ في وَجْهِها المُتَوجِّه إلى البارِئِ الحَكِيمِ سُبحانَه، فتارِكُ العِبادةِ لا يَرَى عِبادةَ المَوجُوداتِ ولن يَراها، بل يُنكِرُها، وفي هذا بَخْسٌ عَظِيمٌ لِقِيمةِ المَوجُوداتِ الَّتي كلٌّ مِنها مَكتُوبٌ سامٍ صَمَدانِيٌّ، قد خُطَّ بآياتِ العِبادةِ والتَّسبِيحِ، وهُو مُتَوجِّهٌ بآياتِه وتَسبِيحِه نَحوَ المُوجِدِ الخالِقِ جَلَّ وعَلا.. وكُلٌّ مِنها یی أَيضًا یی مِرآةٌ لِتَجَلِّي الأَسماءِ الرَّبّانيّةِ المُشِعّةِ بالأَنوارِ.. فيُنزِلُ هذه المَوجُوداتِ یی بهذا الإِنكارِ یی مِن مَقامِها الرَّفِيعِ السّامِي، ولا يَرَى في وُجُودِها سِوَى العَبَثِ الخالِي مِنَ المَعنَى، ويُجَرِّدُها مِن وَظائِفِها الخَلْقِيّةِ، ويَظُنُّها شَيْئًا هامِدًا ضائِعًا لا أَهَمِّيّةَ له، فيكُونُ بذلك قدِ استَهانَ بالمَوجُوداتِ واستَخَفَّ بها، وأَهانَ كَرامَتَها وأَنكَرَ كَمالاتِها، وتَعَدَّى على مِصْداقيّةِ وُجُودِها.
نعم، إنَّ كلَّ إِنسانٍ إنَّما يَنظُرُ إلى الكَونِ بمِنظارِه الخاصِّ، وعلى وَفقِ ما تُصَوِّرُه له مِرآتُه الخاصّةُ، فلَقَد خَلَقه البارِئُ المُصَوِّرُ سُبحانَه على صُورةٍ يَستَطِيعُ قِياسَ الكَونِ
— 279 —
علَيْها، ويَزِنُه بمِيزانِها، فمَنَحَه عالَمًا خاصًّا به مِن هذا العالَمِ العَظِيمِ، فيَصطَبِغُ عالَمُه الخاصُّ بحَسَبِ ما يَعتَقِدُه الإِنسانُ مِن عَقِيدةٍ في قَلبِه.
فالإِنسانُ الحَزِينُ اليائِسُ الباكِي يَرَى المَوجُوداتِ باكِيةً بائِسةً، بَينَما السَّعِيدُ الجَذْلانُ يَراها مُبتَسِمةً ضاحِكةً ومَسرُورةً.
كَذلِك الَّذي يُؤَدِّي العِبادةَ والأَذكارَ بصُورةٍ جادّةٍ وبشُعُورٍ تامٍّ وبتَفَكُّرٍ وتَأَمُّلٍ، فإنَّه يَكشِفُ شَيئًا مِن عِبادةِ المَوجُوداتِ وتَسابِيحِها، بل قد يَراها وهِي حَقِيقةٌ مَوجُودةٌ ثابِتةٌ، أمَّا الَّذي يَتْرُكُ العِبادةَ غافِلًا أو مُنكِرًا لها فإنَّه يَتَوهَّمُ المَوجُوداتِ تَوَهُّمًا خاطِئًا جِدًّا ومُنافِيًا كُلِّیيًّا ومُخالِفًا مُخالَفةً تامّةً لِحَقِيقةِ كَمالاتِها، فيَكُونُ مُتَعدِّيًا على حُقُوقِها مَعنًى.
زِدْ على ذلك: فإنَّ تارِكَ الصَّلاةِ يَظلِمُ نَفسَه كَذلِك بتَركِه الصَّلاةَ، حَيثُ إنَّه غَيرُ مالِكٍ لِذاتِ نَفسِه، فهِي یی أي: النَّفسُ یی عَبدٌ مَملُوكٌ لَدَى مالِكِها ومَوْلاها وخالِقِها وفاطِرِها، لِذا يُنذِرُه مَوْلاه الحَقُّ إِنذارًا شَدِيدًا ويُهَدِّدُه بعُنفٍ لِيَأخُذَ حَقَّ عَبدِه ذاك مِن نَفسِه الأَمَّارةِ بالسُّوءِ، فَضْلًا عن أنَّه عِندَما تَرَك العِبادةَ الَّتي هي نَتِيجةُ خِلْقَتِه وغايةُ فِطْرَتِه يكُونُ مُتَجاوِزًا حَدَّه تِجاهَ الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ والمَشِيئةِ الرَّبّانيّةِ، لِذا يُعاقَبُ على هذا عِقابًا شَدِيدًا.
نَحصُلُ مِمّا تَقَدَّمَ: أنَّ تارِكَ العِبادةِ مِثلَما أنَّه يَظلِمُ نَفسَه، والنَّفسُ مَملُوكُ الحَقِّ سُبحانَه وعَبدُه، فهُو يَتَعدَّى على حُقُوقِ كَمالاتِ الكائِناتِ ويَظلِمُها أَيضًا.. نعم، فكَما أنَّ الكُفرَ استِهانةٌ بالمَوجُوداتِ واستِخفافٌ بها، فتَركُ العِبادةِ إِنكارٌ لِكَمالاتِ الكائِناتِ، وتَجاوُزٌ على الحِكْمةِ الإِلٰهِيّةِ، لِذا يَستَحِقُّ تارِكُها تَهدِيدًا عَنِيفًا، وعِقابًا صارِمًا.
ومِن هُنا يَختارُ القُرآنُ الكَرِيمُ أُسلُوبَ الشِّدّةِ في التَّهدِيدِ والإِنذارِ ليُعَبِّرَ عن هذا الِاستِحقاقِ وعن هذه الحَقِيقةِ المَذكُورةِ آنِفًا، فيَكُونُ الأُسلُوبُ حَقًّا ومُطابِقًا تَمامًا لِمُقتَضَى الحالِ الَّذي هو البَلاغةُ بعَينِها.
— 280 —
السُّؤالُ الثّاني: يقُولُ صاحِبُنا الَّذي نَبَذ فِكْرةَ "الطَّبِيعةِ" وتَبَرَّأ مِنها، وشَرُفَ بالإِيمانِ باللهِ:
إنَّ انقِيادَ كلِّ مَوجُودٍ، في كلِّ شَأْنٍ مِن شُؤُونِه، وفي كلِّ أَمرٍ مِن أُمُورِه، وفي كلِّ ما يقُومُ به ويُنجِزُه، انقِيادًا مُطلَقًا لِلمَشِيئةِ الإِلٰهِيّةِ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، هو حَقِيقةٌ عَظِيمةٌ جَلِيلةٌ، فهِي لِعَظَمَتِها وسَعَتِها لا تَستَوعِبُها أَذهانُنا الكَلِيلةُ القاصِرةُ، عِلْمًا أنَّنا نُطالِعُ عِيانًا وَفْرةً مُتَناهِيةً مِنَ المَوجُوداتِ، وسُهُولةً مُطلَقةً في خَلقِ الأَشياءِ، وقد تَحَقَّق أنَّ "السُّهُولة في الإِيجادِ" هي مِن مُستَلزَماتِ "الوَحْدانيّةِ" بما أَقمتُمُوه مِن بَراهِينَ وحُجَجٍ قاطِعةٍ، فَضْلًا عن أنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ قد قَرَّرَ السُّهُولةَ المُطلَقةَ صَراحةً في آياتٍ كَرِيمةٍ كَثِيرةٍ أَمثالَ:
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
كلُّ ذلك يُظهِرُ تلك الحَقِيقةَ العَظِيمةَ "سُهُولةُ الإِيجادِ" مَسأَلةً مَقبُولةً جِدًّا ومُستَساغةً عَقْلًا، فأَينَ يَكمُنُ سِرُّ هذه السُّهُولةِ يا تُرَى؟! وما الحِكْمةُ مِن وَرائِها؟
الجَوابُ: لقد وُضِّحَ ذلك السِّرُّ وُضُوحًا تامًّا ومُقنِعًا في الكَلِمةِ العاشِرةِ لی"المَكتُوبِ العِشرِينَ" أي: «وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ» بما يَفِي بالغَرَضِ، وبخاصّةٍ في ذَيلِه، حَيثُ جاءَ التَّوضِيحُ وافِيًا وشافِيًا جِدًّا، ومُقنِعًا بالدَّليلِ والبُرهانِ والإثباتِ القاطِعِ، وخُلاصَتُه:
أنَّه عِندَما يُسنَدُ إِيجادُ المَوجُوداتِ جَميعِها إلى الصّانِعِ الواحِدِ، يَسهُلُ الأَمرُ كسُهُولةِ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ، بَينَما إذا أُسنِدَ لِلكَثرةِ فإنَّه يَصعُبُ على هذه الكَثْرةِ أَمرُ إِيجادِ مَخلُوقٍ واحِدٍ بقَدْرِ صُعُوبةِ إِيجادِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ.. فيكُونُ خَلقُ بِذْرةٍ واحِدةٍ صَعْبًا ومُشكِلًا كخَلقِ شَجَرةٍ.. ولكِن إذا أُسنِدَ "الإِيجادُ" إلى صانِعِه الحَقِّ سُبحانَه، يَسهُلُ الأَمرُ حتَّى يُصبِحُ إِيجادُ الكائِناتِ كُلِّها كإِيجادِ شَجَرةٍ واحِدةٍ، والشَّجَرةِ كالبِذْرةِ، والجَنّةِ كالرَّبِيعِ، والرَّبِيعِ كالزَّهرةِ.. فالأَمرُ يَسهُلُ ويكُونُ هَيِّنًا.
— 281 —
وسنُشِيرُ هنا إِشارةً مُختَصَرةً إلى دَليلٍ أو دَليلَينِ مِن بَينِ مِئاتِ الأَدِلّةِ الَّتي أَوْضَحْناها بالتَّفصِيلِ في رَسائِلَ أُخرَى، تلك الأَدِلّةِ الَّتي تُبيِّنُ ما يَدُورُ مِنَ الأَسرارِ والحِكَمِ الكامِنةِ فيما نُشاهِدُه مِن وَفْرةِ المَوجُوداتِ الَّتي لا حَصْرَ لَها ورُخْصِها، وكَثْرةِ أَفرادِ كلِّ نَوعٍ مِنها، ووُرُودِها إلى الوُجُودِ مُنتَظِمةً، مُتقَنةً، وبكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ.
مِثالُ هذا: إنَّ إِدارةَ مِئةِ جُندِيٍّ تَحتَ إِمرةِ ضابِطٍ واحِدٍ، أَسهَلُ بمِئةِ ضِعفٍ مِن إِدارةِ جُندِيٍّ واحِدٍ تَحتَ إِمرةِ مِئةِ ضابِطٍ؛ وعِندَما يُوكَلُ أَمرُ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ، مِن مَركَزٍ واحِدٍ، وبقانُونٍ واحِدٍ، ومِن مَصنَعٍ واحِدٍ، إلى أَمرٍ يُصدِرُه قائِدٌ واحِدٌ، فإنَّ ذلك يكُونُ سَهلًا وهَيِّنًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ، بسُهُولةِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ؛ بَينَما يكُونُ إِيكالُ أَمرِ تَجهِيزِ جُندِيٍّ واحِدٍ باللَّوازِمِ العَسكَرِيّةِ الكامِلةِ مِن مَراكِزَ ومَصانِعَ مُتَعدِّدةٍ، إلى قُوّادٍ عَدِيدِينَ، مُشكِلًا وصَعبًا مِن حَيثُ الكَمِيّةُ والوَفْرةُ أَيضًا بصُعُوبةِ تَجهِيزِ جَيشٍ كامِلٍ، إذ يَنبَغِي عِندَئِذٍ وُجُودُ مَصانِعَ كَثِيرةٍ لِلتَّجهِيزاتِ بعَدَدِ ما يَلزَمُ جَيشًا كامِلًا، لِأَجلِ تَجهِيزِ الجُندِيِّ الواحِدِ.
ويُشاهَدُ أَيضًا أنَّ الشَّجَرةَ الواحِدةَ الَّتي تُثمِرُ أُلُوفَ الثَّمَراتِ، إذا تَزَوَّدَت بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لها، مِن جَذْرٍ واحِدٍ، ومِن مَركَزٍ واحِدٍ، وعلى وَفقِ قانُونٍ واحِدٍ، يَتِمُّ ذلك بسُهُولةٍ ويُسْرٍ كأنَّها ثَمَرةٌ واحِدةٌ؛ بَينَما إذا استُبدِلَتِ الكَثْرةُ بالوَحْدةِ، وسُلِكَ طَرِيقُ الكَثْرةِ عِوَضًا عن طَرِيقِ الوَحْدةِ، وزُوِّدَت كلُّ ثَمَرةٍ بالمَوادِّ الضَّرُورِيّةِ لِلحَياةِ مِن مَراكِزَ مُختَلِفةٍ، وجُذُورٍ مُتَبايِنةٍ، يكُونُ إِيجادُ ثَمَرةٍ واحِدةٍ مُشكِلًا وصَعْبًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، بل قد يكُونُ إِيجادُ البِذْرةِ یی الَّتي هي أُنمُوذَجُ الشَّجَرةِ وفِهرِسْتُها یی صَعْبًا ومُعضِلًا كإِيجادِ الشَّجَرةِ نَفسِها، لِأنَّ ما يَلزَمُ حَياةَ الشَّجَرةِ مِن مَوادَّ ضَرُورِيّةٍ يَلزَمُ البِذْرةَ أَيضًا.
فهُناك المِئاتُ مِن أَمثالِ هذه الأَمثِلةِ، وكُلُّها تُبيِّنُ أنَّ وُرُودَ أُلُوفِ المَوجُوداتِ بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ إلى الوُجُودِ یی في الوَحْدةِ یی أَسهَلُ مِن وُرُودِ مَوجُودٍ واحِدٍ إلى الوُجُودِ بالتَّعَدُّدِ والكَثْرةِ.
— 282 —
ولَمّا كُنّا قد أَثبَتْنا هذه الحَقِيقةَ في رَسائِلَ أُخرَى بيَقِينٍ قاطِعٍ نُحِيلُ إلَيْها، ولكِنَّنا نُبيِّنُ هنا فقط سِرًّا عَظِيمًا يَتَعلَّقُ بهذه السُّهُولةِ واليُسرِ مِن زاوِيةِ نَظَرِ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، والقَدَرِ الإِلٰهِيِّ، والقُدرةِ الرَّبّانيّةِ، وهذا السِّرُّ هو:
أَنتَ مَوجُودٌ مِنَ المَوجُوداتِ، فإذا سَلَّمتَ نَفسَك إلى يَدِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدرةِ، فإنَّه يَخلُقُك بأَمرٍ واحِدٍ كَلَمحِ البَصَرِ، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ مِنَ العَدَمِ، مِن غَيرِ شَيءٍ؛ ولكِن إنْ لم تُسَلِّم نَفسَك إلَيْه، بل أَسنَدتَها إلى "الطَّبِيعةِ"، وأَسلَمتَها إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، فيَلزَمُ عِندَئِذٍ لِإيجادِك أَنتَ عَمَليّةُ بَحثٍ دَقيقٍ یی لِجَمعِ جَمِيعِ المَوادِّ الَّتي في وُجُودِك یی في أَقطارِ العالَمِ كُلِّه، والتَّفتِيشُ عنها في زَوايا الكَونِ كُلِّه، وإِمرارُها في مَصَافٍ واختِباراتٍ دَقِيقةٍ جِدًّا، ووَزْنُها بمَوازِينَ حَسّاسةٍ، ذلك لِأنَّك خُلاصةٌ مُنتَظِمةٌ لِلكَونِ، وثَمَرَتُه اليانِعةُ، وفِهرِسْتُه المُصَغَّرُ، ومِحْفَظَتُه المُنطَوِيةُ على مَوادِّ الكَونِ كُلِّه.
لِأنَّ الأَسبابَ المادِّيّةَ ليس لها إلّا التَّركِيبُ والجَمعُ، إذ هو ثابِتٌ لَدَى أَربابِ العُقُولِ أنَّه لا يُمكِنُ لِلأَسبابِ المادِّيّةِ إِيجادُ ما لا يُوجَدُ فيها، مِنَ العَدَمِ ومِن غَيرِ شَيءٍ، لِذا فهِي مُضطَرّةٌ إلى جَمعِ المَوادِّ اللّازِمةِ لِجِسمِ كائِنٍ حَيٍّ صَغِيرٍ مِن أَقطارِ العالَمِ كُلِّه.
فافْهَمْ مِن هذا مَدَى السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ، ومَدَى الصُّعُوباتِ والمُشكِلاتِ في الشِّركِ والضَّلالةِ.
ثانيها: أنَّ هُنالِك سُهُولةً مُطلَقةً في الخَلقِ والإِيجادِ تَنبَعُ مِن زاوِيةِ نَظَرِ "العِلمِ الإِلٰهِيِّ"، وتَفصِيلُها كالآتي:
إنَّ القَدَرَ الإِلٰهِيَّ هو نَوعٌ مِنَ العِلمِ الإِلٰهِيِّ، يُعيِّنُ مِقدارَ كلِّ شَيءٍ كأنَّه قالَبٌ مَعنَوِيٌّ له وخاصٌّ به، فيَكُونُ ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ بمَثابةِ خُطّةٍ لِذلِك الشَّيءِ، وبحُكمِ "مُودِيل" أُنمُوذَجٍ له، فعِندَما تُوجِدُه "القُدرةُ الإِلٰهِيّةُ" تُوجِدُه على ذلك المِقدارِ القَدَرِيِّ بكلِّ سُهُولةٍ ويُسرٍ.
فإن لم يُنسَب إِيجادُ ذلك الشَّيءِ إلى مَن له عِلمٌ مُحِيطٌ مُطلَقٌ أَزَليٌّ وهُو اللهُ القَدِيرُ ذُو الجَلالِ، لا تَحصُلُ أُلُوفُ المُشكِلاتِ فحَسْبُ، بل تَقَعُ مِئاتُ المُحالاتِ
— 283 —
أَيضًا یی كما ذُكِر آنِفًا یی لِأنَّه إن لم يَكُن هُناك ذلك المِقدارُ القَدَرِيُّ، والمِقدارُ العِلمِيُّ، يَلزَمُ استِعمالُ أُلُوفِ القَوالِبِ المادِّيّةِ والخارِجِيّةِ لِلجِسمِ الصَّغِيرِ لِلحَيَوانِ!
فافْهَمْ مِن هذا سِرًّا مِن أَسرارِ السُّهُولةِ المُطلَقةِ في الوَحْدةِ والتَّوحِيدِ وكَثْرةِ المُشكِلاتِ غَيرِ المُتَناهِيةِ في التَّعَدُّدِ والكَثْرةِ والشِّركِ، واعْلَمْ مَدَى صِدقِ الحَقِيقةِ الَّتي تُعبِّیرُ عنها الآيةُ الكَرِيمةُ:
وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
السُّؤال الثّالثُ: يقُولُ الَّذي كانَ يُعادِي سابِقًا ووُفِّق إلى الإِيمانِ الآنَ واهتَدَى: ما بالُ بَعضِ الفَلاسِفةِ المُغالِينَ في عَصرِنا هذا يُطلِقُونَ مَقُولةَ: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ، ولا يَفنَى شَيءٌ مِنَ الوُجُودِ، وإنَّ ما يُدِيرُ هذا الكَونَ إنَّما هو تَركِيبُ المادّةِ وتَحلِيلُها ليس إلّا؟!".
الجَوابُ: إنَّ الفَلاسِفةَ الَّذِينَ لم يَتَسنَّ لَهُمُ النَّظَرُ إلى المَوجُوداتِ بنُورِ القُرآنِ المُبِينِ، عِندَما نَظَرُوا إلَيْها بمِنظارِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" تَوَصَّلُوا إلى أنَّ وُجُودَ هذه المَوجُوداتِ، وافتِراضَ تَشَكُّلِها بعَوامِلِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" مَسأَلةٌ تَطرَحُ مُشكِلاتٍ عَوِيصةً بدَرَجةِ الِامتِناعِ یی على غِرارِ ما ذَكَرْناه في بَيانِ الِاحتِمالاتِ ومُحالاتِها یی فانقَسَم هَؤُلاءِ الفَلاسِفةُ إِزاءَ هذه العَقَبةِ الكَأْداءِ إلى قِسمَينِ:
قِسمٌ مِنهُم صارُوا سُوفْسطائيِّينَ وعافُوا العَقلَ الَّذي هو خاصّةُ الإِنسانِ، وسَقَطُوا إلى دَرَكٍ أَدنَى مِنَ الحَيَواناتِ، إذ وَصَل بهم أَمرُ فِكرِهِم إلى إِنكارِ الوُجُودِ عُمُومًا، بل حتَّى إِنكارِ وُجُودِهِم، وذلك عِندَما رَأَوْا أنَّ هذا الإِنكارَ أَجدَى على العى سِ وأَيسَرُ علَيْه وأَسلَمُ مِن تَصَوُّرِ "الطَّبِيعةِ" و"الأَسبابِ" مالِكةً لِزِمامِ الإِيجادِ، فأَنكَرُوا وُجُودَ أَنفُسِهِم ووُجُودَ المَوجُوداتِ جَمِيعًا، فسَقَطُوا في هاوِيةِ الجَهلِ المُطلَقِ.
أمّا القِسمُ الثّاني: فقد نَظَرُوا إلى المَوجُوداتِ أنَّها لو سُلِّم إِيجادُها إلى "الأَسبابِ" و"الطَّبِيعةِ" كما هو شَأْنُ أَهلِ الضَّلالةِ، فإنَّ إِيجادَ شَيءٍ صَغِيرٍ جِدًّا كالبَعُوضةِ أوِ البِذْرةِ،
— 284 —
فيه مِنَ المُشكِلاتِ ما لا يُحَدُّ، ويَقتَضِي قُدْرةً عَظِيمةً لا يَبلُغُ مَداها العَقلُ، فوَجَدُوا أَنفُسَهُم مُضطَرِّينَ إلى إِنكارِ "الإِيجادِ" نَفسِه، فقالُوا: "لا يُستَحدَثُ شَيءٌ مِنَ العَدَمِ"، ورَأَوْا أنَّ إِعدامَ الشَّيءِ مُحالٌ أَيضًا، فقَرَّرُوا أنَّه "لا يَفنَى المَوجُودُ"، وتَخَيَّلُوا جُملةً مِنَ الأَوْضاعِ الِاعتِبارِيّةِ سارِيةً ما بَينَ تَحلِيلٍ وتَركِيبٍ وتَفرِيقٍ وتَجمِيعٍ، ناتِجةً عن حَرَكاتِ الذَّرّاتِ، وسَيلِ المُصادَفاتِ!
فتَأَمَّلْ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنفُسَهُم في ذِرْوةِ العَقلِ، قد سَقَطُوا في حَضِيضٍ مِنَ الحَماقةِ والجَهلِ، واعْلَمْ مِن هذا كَيفَ تَضَعُ الضَّلالةُ هذا الإِنسانَ المُكَرَّمَ یی حِينَ يُلغِي إِيمانَه یی مَوضِعَ سُخْرِيةٍ وازدِراءٍ مِن كلِّ أَحَدٍ..
وبِدَوْرِنا نَسأَلُ هَؤُلاءِ: تُرَى! كُيفَ يُمكِنُ استِبعادُ إِيجادِ شَيءٍ مّا مِنَ القُدْرةِ المُطلَقةِ الَّتي تُوجِدُ على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ سَنةٍ أَربَعَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ الأَحياءِ؟ والَّتي خَلَقَتِ السَّماواتِ والأَرضَ في سِتّةِ أَيّامٍ؟ والَّتي تُنشِئُ في كلِّ رَبِيعٍ تَحتَ بَصَرِ الإِنسانِ وسَمْعِه، على سَطْحِ الأَرضِ كَوْنًا حَيًّا مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ هو أَظهَرُ إِتقانًا وأَجلَى حِكْمةً مِنَ الكَونِ كُلِّه، في سِتّةِ أَسابِيعَ؟ كَيفَ يُستَبعَدُ مِنها أن تَخلُقَ المَوجُوداتِ العِلمِيّةَ یی الَّتي تَعَيَّنَت خُطَطُها ومَقادِيرُها ضِمنَ دائِرةِ العِلمِ الأَزَليِّ یی فتَخلُقَها بسُهُولةٍ مُطلَقةٍ سُهُولةَ إِظهارِ الكِتابةِ غَيرِ المَنظُورةِ بإِمرارِ مادّةٍ كِيمياوِيّةٍ علَيْها؟ فاستِبعادُ إِضفاءِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ على المَوجُوداتِ العِلمِيّةِ یی والَّتي هي مَعدُوماتٌ خارِجِيًّا یی مِن تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ، ثمَّ إِنكارُ الإِيجادِ نَفسِه لَهُو حَماقةٌ وجَهالةٌ أَشَدُّ مِن حَماقةِ السُّوفْسَطائيِّينَ المَعرُوفِينَ وجَهالَتِهِم!
وحَيثُ إنَّ نُفُوسَ هَؤُلاءِ التُّعَساءِ المُتَفرعِنةَ العاجِزةَ عَجْزًا مُطلَقًا، والَّتي لا تَملِكُ إلّا جُزءًا يَسِيرًا مِنَ الِاختِيارِ، غَيرُ قادِرةٍ على إِفناءِ أيِّ شَيءٍ كانَ وإِعدامِه، وإِيجادِ أيّةِ ذَرّةٍ كانَت أو مادّةٍ مِن غَيرِ شَيءٍ ومِنَ العَدَمِ.. ولَمّا كانَتِ الطَّبِيعةُ والأَسبابُ الَّتي يَفخَرُونَ بعُبُودِيَّتِهِم لها عاجِزةً هي الأُخرَى ولَيسَ في طَوْقِها أَمرُ "الإِيجادِ" مِن غَيرِ شَيءٍ.. نَراهُم يُصدِرُونَ حُكْمًا عامًّا: "أنَّ المادَّةَ لا تُفنَى ولا تُستَحدَثُ"، ويُحاوِلُونَ أن يُعَمِّمُوا حُكْمَ هذه القاعِدةِ الباطِلةِ الخاطِئةِ حتَّى على قُدْرةِ القَدِيرِ المُطلَقِ القُدْرةِ سُبحانَه.
— 285 —
نعم، إنَّ القَدِيرَ ذا الجَلالِ له طِرازانِ مِنَ الإِيجادِ:
الأوَّلُ: بالِاختِراعِ والإِبداعِ، أي: أنَّه سُبحانَه يُبْدِعُ الوُجُودَ مِنَ العَدَمِ إِبداعًا مِن غَيرِ شَيءٍ، ويُوجِدُ كلَّ ما يَلزَمُ یی هذا الوُجُودَ یی مِن أَشياءَ مِنَ العَدَمِ ويُسَلِّمُها إيّاه.
الآخَرُ: بالإِنشاءِ والصَّنْعةِ والإِتقانِ. أي: يُنشِئُ قِسمًا مِنَ المَوجُوداتِ مِن عَناصِرِ الكَونِ نَفسِه، إِظهارًا لِكَمالِ حِكْمَتِه، وتِبيانًا لِتَجَلِّياتِ أَسمائِه الحُسنَى.. وأَمثالَها مِنَ الحِكَمِ الدَّقِيقةِ، فيُرسِلُ إلى تلك المَوجُوداتِ الذَّرّاتِ والمَوادَّ المُنقادةَ إلى أَوامِرِه ضِمنَ سُنَنِ الرَّزّاقِيّةِ الكَونيّةِ، ويُسَخِّرُها لها لِيُكمِلَ إِنشاءَ هذا الوُجُودِ.. وهكَذا فالقَدِيرُ المُطلَقُ القُدْرةِ له أُسلُوبانِ مِنَ الإِيجادِ:
الإِبداعُ.. والإِنشاءُ..
فإِفناءُ المَوجُودِ، وإِيجادُ المَعدُومِ، أَمرٌ سَهلٌ جِدًّا لَدَيْه، وهَيِّنٌ جِدًّا، بل هو قانُونُه الدّائِمُ العامُّ.
فالَّذي يَستَبعِدُ مِنَ القُدرةِ الفاطِرةِ الَّتي تَخلُقُ مِنَ العَدَمِ ثَلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِنَ المَخلُوقاتِ والأَحياءِ، وتَمنَحُها أَشكالَها وصِفاتِها وكَيفِيّاتِها وأَحوالَها مِمّا سِوَى ذَرّاتِها، ويقُولُ: "إنَّها لن تَقدِرَ على إِيجادِ المَعدُومِ"، لا بُدَّ أن يَهوِيَ في ظُلْمةِ العَدَمِ.
يقُولُ الَّذي نَبَذَ "الطَّبِيعةَ" ونَفَذَ إلى طَرِيقِ الحَقِيقةِ:
الحَمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا بعَدَدِ الذَّرّاتِ، الَّذي وَفَّقَني لِلفَوزِ بكَمالِ الإِيمانِ، وأَنقَذَني مِنَ الأَوْهامِ والضَّلالاتِ، فزالَ بفَضْلِه جَمِيعُ ما لَدَيَّ مِن شُبُهاتٍ ورِيَبٍ.
الحَمدُ للهِ على دِينِ الإِسلامِ وكَمالِ الإِيمانِ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٭ ٭ ٭
— 286 —

اللمعة الرابعة والعشرون

رسالة الحجاب
كانت هذه هي المسألةَ الثانية والثالثة من "المُذكِّرة الخامسةَ عَشْرةَ" إلّا أن أهمِّيتَها جعلَتْها "اللَّمْعةَ الرابعةَ والعِشرينَ".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ... إلى آخر الآية
هذه الآيةُ الكَرِيمةُ تَأمُرُ بالحِجابِ، بَينَما تَذهَبُ المَدَنيّةُ الزّائِفةُ إلى خِلافِ هذا الحُكمِ الرَّبّانِيِّ، فلا تَرَى الحِجابَ أَمرًا فِطْرِيًّا لِلنِّساءِ، بل تَعُدُّه أَسْرًا وقَيدًا لَهُنَّ.
(٭) هذه فِقرةٌ مِن اللّائحةِ المَرفُوعةِ إلى مَحكمةِ التَّميِيز، أُلقِيَت أمامَ المَحكَمة، فأَسكَتَتْها، وأَصبَحَت حاشِيةً لِهذا المَقامِ: "وأنا أقولُ لِمَحكمةِ العَدْل!:
إنَّ إدانةَ مَن يُفسِّر أقدسَ دُستُورٍ إِلٰهِيٍّ وهو الحقُّ بعَينِه، ويَحتَكِمُ إليه ثلاثُ مِئةٍ وخمسُون مِليُونًا مِن المُسلِمِين في كلِّ عصرٍ في حياتِهِم الِاجتماعيّة، خِلالَ ألفٍ وثلاثِ مِئةٍ وخَمسِين عامًا.. هذا المُفسِّرُ استَنَد في تفسِيرهِ إلى ما اتَّفَق عليه وصَدَّق به ثلاثُ مئةٍ وخَمسُون ألفَ مُفسِّر، واقتَدَى بالعَقائدِ التي دانَ بها أجدادُنا السّابقُونَ في ألفٍ وثلاثِ مئةٍ وخمسِين سنةً.. أقولُ: إنَّ إِدانةَ هذا المُفسِّر قرارٌ ظالمٌ، لا بُدَّ أن تَرفُضَه العَدالةُ، إن كانَت هُنالك عدالةٌ على وجهِ الأرضِ، ولا بُدَّ أن تَرُدَّ ذلك الحُكمَ الصّادِرَ بحَقِّه وتَنقُضَه".
وسنُبيِّنُ جَوابًا أَربعًا مِنَ الحِكَمِ فقط مِن بَينِ حِكَمٍ غَزِيرةٍ دالّةٍ على كَونِ هذا الحُكمِ القُرآنِيِّ تَقتَضِيه فِطْرةُ النِّساءِ، وخِلافِه غَيرَ فِطْرِيٍّ.
— 287 —
الحِكمةُ الأُولى:
إنَّ الحِجابَ أَمرٌ فِطْرِيٌّ لِلنِّساءِ، تَقتَضِيه فِطْرَتُهُنَّ، لِأنَّ النِّساءَ جُبِلْنَ على الرِّقّةِ والضَّعفِ، فيَجِدْنَ في أَنفُسِهِنَّ حاجةً إلى رَجُلٍ يقُومُ بحِمايَتِهِنَّ وحِمايةِ أَوْلادِهِنَّ الَّذِينَ يُؤْثِرْنَهُم على أَنفُسِهِنَّ، فهُنَّ مَسُوقاتٌ فِطْريًّا نحوَ تَحبِيبِ أَنفُسِهِنَّ لِأَزواجِهِنَّ وعَدَمِ جَلبِ نَفرَتِهِم وتَجَنُّبِ جَفائِهِم واستِثْقالِهِم.
ثمَّ إنَّ ما يَقرُبُ مِن سَبعةِ أَعشارِ النِّساءِ: إمّا مُتَقدِّماتٌ في العُمُرِ، أو دَمِيماتٌ لا يَرغَبْنَ في إِظهارِ شَيبِهِنَّ أو دَمامَتِهِنَّ، أو أنَّهُنَّ يَحمِلْنَ غَيرةً شَدِيدةً في ذَواتِهِنَّ يَخشَيْنَ أن تَفضُلَ علَيهِنَّ ذَواتُ الحُسنِ والجَمالِ، أو أنَّهُنَّ يَتَوجَّسنَ خِيفةً مِنَ التَّجاوُزِ علَيهِنَّ وتَعَرُّضِهِنَّ لِلتُّهَمِ.. فهَؤُلاءِ النِّساءُ يَرغَبنَ فِطْرةً في الحِجابِ حَذَرًا مِنَ التَّعَرُّضِ والتَّجاوُزِ علَيهِنَّ وتَجَنُّبیًا مِن أن يكُنَّ مَوضِعَ تُهمةٍ في نَظَرِ أَزواجِهِنَّ، بل نَجِدُ أنَّ المُسِنّاتِ أَحرَصَ على الحِجابِ مِن غَيرِهِنَّ.
ورُبَّما لا يَتَجاوَزُ الِاثنَتَينِ أوِ الثَّلاثَ مِن كلِّ عَشرٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ: شابّاتٌ وحَسْناواتٌ ولا يَتَضايَقنَ مِن إِبداءِ مَفاتِنِهنَّ! إذ مِنَ المَعلُومِ أنَّ الإنسانَ يَتَضايَقُ مِن نَظَراتِ مَن لا يُحِبُّه؛ وحتَّى لو فَرَضْنا أنَّ حَسناءَ جَمِيلةً تَرغَبُ في أن يَراها اثنانِ أو ثَلاثةٌ مِن غَيرِ المَحارِمِ، فهِي حَتْمًا تَستَثقِلُ وتَنزَعِجُ مِن نَظَراتِ سَبعةٍ أو ثَمانيةٍ مِنهُم، بل تَنفِرُ مِنها.
فالمَرأةُ لِكَونِها رَقِيقةَ الطَّبعِ سَرِيعةَ التَّأثُّرِ تَنفِرُ حَتْمًا یی ما لم تَفسُد أَخلاقُها وتَتَبذَّلْ یی مِن نَظَراتٍ خَبِيثةٍ تُصَوَّبُ إلَيْها والَّتي لها تَأثِيرٌ مادِّيٌّ كالسُّمِّ كما هو مُجَرَّبٌ؛ حتَّى إنَّنا نَسمَعُ أنَّ كَثِيرًا مِن نِساءِ أَورُوبّا وهِي مَوطِنُ التَّكشُّفِ والتَّبَرُّجِ، يَشتَكِينَ إلى الشُّرطةِ مِن مُلاحَقةِ النَّظَراتِ إلَيهِنَّ قائِلاتٍ: إنَّ هَؤُلاءِ السَّفَلةَ يَزُجُّونَنا في سِجنِ نَظَراتِهِم!
نَخلُصُ مِمّا تَقدَّمَ: أنَّ رَفعَ المَدَنيّةِ السَّفِيهةِ الحِجابَ وإِفساحَها المَجالَ لِلتَّبَرُّجِ يُناقِضُ الفِطْرةَ الإِنسانيّةَ، وأنَّ أَمرَ القُرآنِ الكَرِيمِ بالحِجابِ یی فَضْلًا عن كَونِه فِطْرِيًّا یی يَصُونُ النِّساءَ مِنَ المَهانةِ والسُّقُوطِ، ومِنَ الذِّلّةِ والأَسرِ المَعنَوِيِّ ومِنَ الرَّذِيلةِ والسَّفالةِ، وهُنَّ مَعدِنُ الرَّأفةِ والشَّفَقةِ، والرَّفيقاتُ العَزِيزاتُ لِأَزواجِهِنَّ في الأَبدِ.
— 288 —
والنِّساءُ یی فَضْلًا عَمّا ذَكَرْناه یی يَحمِلْنَ في فِطْرَتِهنَّ تَخَوُّفًا مِنَ الرِّجالِ الأَجانِبِ، وهذا التَّخَوُّفُ يَقتَضِي فِطْرةً التَّحَجُّبَ وعَدَمَ التَّكشُّفِ، حَيثُ تَتَنغَّصُ لَذّةٌ غَيرُ مَشرُوعةٍ لِتِسعِ دَقائِقِ بتَحَمُّلِ أَذَى حَملِ جَنِينٍ لِتِسعةِ أَشهُرٍ، ومِن بَعدِه القِيامِ بتَربِيةِ وَلَدٍ لا حامِيَ له زُهاءَ تِسعِ سِنِينَ! ولِوُقُوعِ مِثل هذه الِاحتِمالاتِ بكَثْرةٍ تَتَخوَّفُ النِّساءُ فِطرةً خَوْفًا حَقِيقيًّا مِن غَيرِ المَحارِمِ، وتَتَجنَّیبُهُم جِبِلّةً، فتُنبِّهُها خِلقَتُها الضَّعِيفةُ تَنبِيهًا جادًّا إلى التَّحَفُّظِ، وتَدفَعُها إلى التَّسَتُّرِ، لِيَحُولَ دُونَ إِثارةِ شَهْوةِ غَيرِ المَحارِمِ، ولِيَمنَعَ التَّجاوُزَ علَيْها؛ وتَدُلُّها فِطْرَتُها على أنَّ حِجابَها هو قَلعَتُها الحَصِينةُ وخَندَقُها الأَمِينُ.
ولَقَد طَرَق سَمْعَنا: أنَّ صَبّاغَ أَحذِيةٍ قد تَعَرَّضَ لِزَوجةِ رَجُلٍ ذِي مَنصِبٍ دُنيَوِيٍّ كَبِيرٍ، كانَت مَكشُوفةَ المَفاتِنِ، وراوَدَها نَهارًا جِهارًا في قَلبِ العاصِمةِ "أَنقَرة"! أَلَيسَ هذا الفِعلُ الشَّنِيعُ صَفْعةً قَوِيّةً على وُجُوهِ أُولَئِك الَّذِينَ لا يَعرِفُونَ مَعنَى الحَياءِ مِن أَعداءِ العِفّةِ والحِجابِ؟!
الحِكمةُ الثانيةُ:
إنَّ العَلاقةَ الوَثِيقةَ والحُبَّ العَمِيقَ بينَ الرَّجُلِ والمَرأةِ لَيسَا ناشِئَينِ عَمّا تَتَطلَّبُه الحَياةُ الدُّنيا مِنَ الحاجاتِ فحَسْبُ، فالمَرأةُ لَيسَت صاحِبةَ زَوجِها في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ وَحْدَها، بل هي رَفِيقَتُه أَيضًا في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ.
فما دامَت هي صاحِبَتَه في حَياةٍ باقِيةٍ، فلا يَنبَغِي لها أن تَلفِتَ نَظَرَ غيرِ رَفيقِها الأَبدِيِّ وصَدِيقِها الخالِدِ إلى مَفاتِنِها، ولا تُزعِجَه، ولا تَحمِلَه على الغَضَبِ والغَيرةِ.
وحَيثُ إنَّ زَوجَها المُؤمِنَ یی بحُكم إِيمانِه یی لا يَحصُرُ مَحَبَّتَه لها في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ فقط، ولا يُولِيها مَحَبّةً حَيَوانيّةً قاصِرةً على وَقتِ جَمالِها وزَمَنِ حُسنِها، وإنَّما يُكِنُّ لها حُبًّا واحتِرامًا خالِصَينِ دائِمَينِ لا يَقتَصِرانِ على وَقتِ شَبابِها وجَمالِها، بل يَدُومانِ إلى وَقتِ شَيخُوخَتِها وزَوالِ حُسنِها، لِأنَّها رَفِيقَتُه في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ.. فإِزاءَ هذا لا بُدَّ لِلمَرأةِ أَيضًا أن تَخُصَّ زَوجَها وَحْدَه بجَمالِها ومَفاتِنِها، وتَقصُرَ مَحَبَّتَها به، كما هو مُقتَضَى الإِنسانيّةِ، وإِلّا ستَفقِدُ الكَثِيرَ ولا تَكسِبُ إلّا القَلِيلَ.
— 289 —
ثمَّ إنَّ ما هو مَطلُوبٌ شَرعًا: أن يكُونَ الزَّوجُ كُفُؤًا لِلمَرأةِ، وهذا يَعنِي مُلاءَمةَ الواحِدِ لِلآخَرِ ومُماثَلَتَهُما، وأَهَمُّ ما في الكَفاءةِ هذه هي كَفاءةُ الدِّينِ كما هو مَعلُومٌ.
فما أَسعَدَ ذلك الزَّوجَ الَّذي يُلاحِظُ تَدَيُّنَ زَوجَتِه ويقُومُ بتَقلِيدِها، ويُصبِحُ ذا دِينٍ، لِئَلّا يَفقِدَ صاحِبَتَه الوَفيّةَ في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ!
وكم هي مَحظُوظةٌ تلك المَرأةُ الَّتي تُلاحِظُ تَدَيُّنَ زَوجِها وتَخشَى أن تُفرِّطَ برَفيقِ حَياتِها الأَمِينِ في حَياةٍ خالِدةٍ، فتَتَمسَّكُ بالإِيمانِ والتَّقوَى!
والوَيلُ ثمَّ الوَيلُ لِذلِك الرَّجُلِ الَّذي يَنغَمِسُ في سَفاهةٍ تُفقِدُه زَوجَتَه الطَّيِّبةَ الصَّالِحةَ!
ويا لَتَعاسةِ تلك المَرأةِ الَّتي لا تُقلِّدُ زَوجَها التَّقِيَّ الوَرِعَ، فتَخسَرُ رَفِيقَها الكَرِيمَ الأَبدِيَّ السَّعِيدَ!
والوَيلُ والثُّبُورُ لِذَينِك الزَّوجَينِ الشَّقِيَّينِ اللَّذَينِ يُقلِّدانِ بَعضَهُما في الفُسُوقِ والفَحشاءِ، فيَتَسابَقانِ في دَفعِ أَحَدِهِما الآخَرَ في النّارِ!
الحِكمةُ الثّالثةُ:
إنَّ سَعادةَ العائِلةِ في الحَياةِ واستِمرارَها إنَّما هي بالثِّقةِ المُتَبادَلةِ بينَ الزَّوجَينِ، والِاحتِرامِ اللّائِقِ والوُدِّ الصّادِقِ بَينَهُما، إلّا أنَّ التَّیبَیرُّجَ والتَّیكشُّفَ يُخِلُّ بتِلك الثِّقةِ ويُفسِدُ ذلك الِاحتِرامَ والمَحَبّةَ المُتَبادَلةَ، حَيثُ تُلاقِي تِسعةٌ مِن عَشَرةِ مُتَبَرِّجاتٍ أَمامَهُنَّ رِجالًا يَفُوقُونَ أَزواجَهُنَّ جَمالًا؛ بَينَما لا تَرَى غَيرُ واحِدةٍ مِنهُنَّ مَن هو أَقلُّ جَمالًا مِن زَوجِها ولا تُحَبِّبُ نَفسَها إلَيْه.
والأَمرُ كَذلِك في الرِّجالِ، فلا يَرَى إلّا واحِدٌ مِن كلِّ عِشرِينَ مِنهُم مَن هي أَقلُّ جَمالًا مِن زَوجَتِه، بَينَما الباقُونَ يَرَوْنَ أَمامَهُم مَن يَفُقْنَ زَوجاتِهِنَّ حُسنًا وجَمالًا.. فهَذِه الحالةُ قد تُؤدِّي إلى انبِعاثِ إِحساسٍ دَنِيءٍ وشُعُورٍ سافِلٍ قَبِيحٍ في النَّفِس، فَضْلًا عَمّا تُسبِّبُه مِن زَوالِ ذلك الحُبِّ الخالِصِ، وفِقْدانِ ذلك الِاحتِرامِ، وذلك:
— 290 —
إنَّ الإنسانَ لا يُمكِنُه أن يَحمِلَ فِطْرةً شُعُورًا دَنِيئًا حَيَوانيًّا تِجاهَ المَحارِمِ یی كالأُختِ یی لِأنَّ سِيماءَ المَحارِم تُشعِرُ بالرَّأفةِ والمَحَبّةِ المَشرُوعةِ النّابِعَينِ مِن صِلةِ القُربَى.. فهَذا الشُّعُورُ النَّبِيلُ يَحُدُّ مِن مُيُولِ النَّفسِ الشَّهَوِيّةِ، إلّا أنَّ كَشفَ ما لا يَجُوزُ كَشفُه لِلمَحارِمِ أَيضًا كالسّاقِ، قد يُثِيرُ لَدَى النُّفُوسِ الدَّنِيئةِ حِسًّا سافِلًا خَبِيثًا لِزَوالِ الشُّعُورِ بالحُرمةِ، حَيثُ إنَّ مَلامِحَ المَحارِمِ تُشعِرُ بصِلةِ القَرابةِ، وكَونِها مَحْرَمًا، وتَتَميَّزُ عن غَيرِهِم؛ لِذا فكَشْفُ تلك المَواضِعِ مِنَ الجَسَدِ يَتَساوَى فيه المَحرَمُ وغَيرُه، لِعَدَمِ وُجُودِ تلك العَلاماتِ الفارِقةِ الَّتي تَستَوجِبُ الِامتِناعَ عنِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ، ولَرُبَّما يُهَيِّجُ لَدَى بعضِ المَحارِمِ السّافِلِينَ هَوَى النَّظْرةِ الحَيَوانيّةِ! فمِثلُ هذه النَّظْرةِ سُقُوطٌ مُرِيعٌ لِلإِنسانيّةِ تَقشَعِرُّ مِن بَشاعَتِها الجُلُودُ.
الحِكمةُ الرّابعةُ:
مِنَ المَعلُومِ أنَّ كَثْرةَ النَّسلِ مَرغُوبٌ فيها لَدَى الجَمِيعِ، فلَيسَ هُنالِك أُمّةٌ ولا دَوْلةٌ لا تَدعُو إلى كَثْرةِ النَّسلِ، وقد قالَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ (ص): «تَناكَحُوا تَكثُرُوا، فإنِّي أُباهِي بكُمُ الأُمَمَ يَومَ القِيامةِ» ، بَيْدَ أنَّ رَفعَ الحِجابِ وإِفساحَ المَجالِ أَمامَ التَّبَرُّجِ والتَّكشُّفِ يَحُدُّ مِنَ الزَّواجِ، بل يُقلِّلُ مِنَ التَّكاثُرِ كَثِيرًا، لِأنَّ الشّابَّ مَهْما بَلَغ فُسُوقُه وتَحَلُّلُه، فإنَّه يَرغَبُ في أن تكُونَ صاحِبَتُه في الحَياةِ مَصُونةً عَفِيفةً، ولا يُرِيدُها أن تكُونَ مُتَبَذِّلةً مِثلَه، أي: مُتَكشِّفةً سافِرةً؛ لِذا تَجِدُه يُفضِّلُ العُزُوبةَ على الزَّواجِ، ورُبَّما يَنساقُ إلى الفَسادِ.
أمَّا المَرأةُ فهِي لَيسَت كالرَّجُلِ، حَيثُ لا تَتَمكَّنُ مِن أن تُحَدِّدَ اختِيارَ زَوجِها؛ والمَرأةُ مِن حَيثُ كَونُها مُدبِّرةً لِشُؤُونِ البَيتِ الدّاخِلِيّةِ، ومَأمُورةً بالحِفاظِ على أَولادِ زَوجِها وأَموالِه وكلِّ ما يَخُصُّه، فإنَّ أَعظَمَ خِصالِها: الوَفاءُ والثِّقةُ؛ إلّا أنَّ تَبَرُّجَها وتَكشُّفَها يُفسِدُ هذا الوَفاءَ ويُزَعزِعُ ثِقةَ الزَّوجِ بها، فتُجَرِّعُ الزَّوجَ آلامًا مَعنَوِيّةً وعَذابًا وِجْدانيًّا.
حتَّى إنَّ الشَّجاعةَ والسَّخاءَ یی وهُما خَصْلَتانِ مَحمُودَتانِ لَدَى الرِّجال یی إذا ما وُجِدَتا في النِّساءِ عُدَّتَا مِنَ الأَخلاقِ المَذمُومةِ، لِإخلالِهِما بتِلك الثِّقةِ والوَفاءِ، إذ تُفضِيانِ
— 291 —
إلى الوَقاحةِ والإِسرافِ.. وحَيثُ إنَّ وَظِيفةَ الزَّوجِ غيرُ قاصِرةٍ على الِائتِمانِ على أَموالِها، وعلى الِارتِباطِ بها، بل تَشمَلُ حِمايَتَها والرَّحمةَ بها والِاحتِرامَ لها، فلا يَلزَمُه ما يَلزَمُ الزَّوجةَ، أي: لا يُقيِّدُ اختِيارَه بزَوجةٍ واحِدةٍ، ويُمكِنُه أن يَنكِحَ غَيرَها مِنَ النِّساءِ.
إنَّ بِلادَنا لا تُقاسُ بِبُلدانِ أَورُوبّا، فهُناك وَسائِلُ صارِمةٌ لِلحِفاظِ یی إلى حَدٍّ مّا یی على الشَّرَفِ والعَفافِ في وَسَطٍ مُتبَرِّجٍ مُتَكشِّفٍ، مِنها المُبارَزةُ وأَمثالُها؛ فالَّذي يَنظُرُ بخُبثٍ إلى زَوجةِ أَحَدِ الشُّرَفاءِ علَيْه أن يُعلِّقَ كَفَنَه في عُنُقِه مُقدَّمًا؛ هذا فَضْلًا عن أنَّ طَبائِعَ الأَورُوبِّيّينَ بارِدةٌ جامِدةٌ كمُناخِهِم، أمّا هُنا في بِلادِ العالَمِ الإِسلامِيِّ خاصّةً فهِي مِنَ البُلدانِ الحارّةِ قِياسًا على أَورُوبّا، ومَعلُومٌ مَدَى تَأثِيرِ البِيئةِ في أَخلاقِ الإِنسانِ، ففي تلك الأَصقاعِ البارِدةِ، ولَدَى أُناسٍ بارِدِينَ قد لا يُؤَدِّي التَّبَرُّجُ الَّذي يُثِيرُ الهَوَى الحَيَوانِيَّ ويُهيِّجُ الرَّغَباتِ الشَّهَوانيّةَ إلى تَجاوُزِ الحُدُودِ مِثلَما يُؤدِّي إلى الإِفراطِ والإِسرافِ في أُناسٍ حَسّاسِينَ يُثارُونَ بسُرعةٍ في المَناطِقِ الحارّةِ.
فالتَّبَرُّجُ وعَدَمُ الحِجابِ الَّذي يُثِيرُ هَوَى النَّفسِ، ويُطلِقُ الشَّهَواتِ مِن عِقالِها، يُؤدِّي حَتْمًا إلى الإِفراطِ وتَجاوُزِ الحُدُودِ، وإلى ضَعفِ النَّسلِ وانهِيارِ القُوّةِ؛ حَيثُ إنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُمكِنُه أن يَقضِيَ وَطَرَه الفِطْرِيَّ في شَهرٍ أو في عِشرِينَ يَومًا، يَظُنُّ نَفسَه مُضطَرًّا إلى دَفعِه كلَّ بِضعةِ أيّامٍ.. وحَيثُ إنَّ هُنالِك عَوارِضَ فِطْرِيّةً یی كالحَيضِ یی تُجَنِّبُه عن أَهلِه وقد تَطُولُ خَمسةَ عَشَرَ يَومًا، تَراه يَنساقُ إلى الفُحشِ إن كانَ مَغلُوبًا لِنَفسِه.
ثمَّ إنَّ أَهلَ المُدُنِ لا يَنبَغِي لَهُم أن يُقَلِّدُوا أَهلَ القُرَى والأَريافِ في حَياتِهِمُ الِاجتِماعِيّةِ ويَرفَعُوا الحِجابَ فيما بَينَهُم، لِأنَّ أَهلَ القُرَى يَشغَلُهُم شاغِلُ العَيشِ، وهُم مُضطَرُّونَ إلى صَرفِ جُهُودٍ بَدَنيّةٍ قَوِيّةٍ لِكَسبِ مَعِيشَتِهِم، وكَثِيرًا ما تَشتَرِكُ النِّساءُ في أَشغالٍ مُتعِبةٍ، لِذا لا يُهَيِّجُ ما قد يَنكَشِفُ مِن أَجزاءِ أَجسامِهِنَّ الخَشِنةِ شَهَواتٍ حَيَوانيّةً لَدَى الآخَرِينَ، فَضْلًا عن أنَّه لا يُوجَدُ في القُرَى سُفَهاءُ عاطِلُونَ بقَدْرِ ما هو مَوجُودٌ في المُدُنِ، فلا تَبلُغُ مَفاسِدُها إلى عُشْرِ ما في المَدِينةِ، لِهذا لا تُقاسُ المُدُنُ على القُرَى والأَريافِ.
٭ ٭ ٭
— 292 —
بِاسمِهِ سُبحانَهُ
حوارٌ مع المؤمنات، أخَواتي في الآخرة
حِينَما كُنتُ أُشاهِدُ في عَدَدٍ مِنَ الوِلاياتِ اهتِمامَ النِّساءِ برَسائِلِ النُّورِ اهتِمامًا حارًّا خالِصًا، وعَلِمتُ اعتِمادَهُنَّ على دُرُوسِي الَّتي تَخُصُّ النُّورَ بما يَفُوقُ حَدِّي بكَثِيرٍ، جِئتُ مَرّةً ثالِثةً إلى مَدرَسةِ الزَّهراءِ المَعنَوِيّةِ، هذه المَدِينةِ المُبارَكةِ "إِسبارْطةَ"، فسَمِعتُ أنَّ أُولَئِك النِّساءَ الطَّيِّباتِ المُبارَكاتِ، أَخَواتِي في الآخِرةِ، يَنتَظِرنَ مِنِّي أن أُلقِيَ علَيهِنَّ دَرْسًا، على غِرارِ ما يُلقَى في المَساجِدِ مِن دُرُوسِ الوَعظِ والإِرشادِ.. بَيْدَ أنِّي أُعانِي أَمراضًا عِدّةً، معَ ضَعفٍ وإِنهاكٍ شَدِيدَينِ حتَّى لا أَستَطِيعُ الكَلامَ ولا التَّفكُّرَ، ومعَ ذلك فقد سَنَحَت بقَلبِي هذه اللَّيلةَ خاطِرةٌ قَوِيّةٌ، هي: "إنَّك قد كَتَبتَ قَبلَ خَمسَ عَشْرةَ سَنةً رِسالةَ "مُرشِدُ الشَّبابِ" بطَلَبٍ مِنَ الشَّباب أَنفُسِهِم، وقدِ استَفادَ مِنها الكَثِيرُونَ، بَينَما النِّساءُ هُنَّ أَحوَجُ إلى مِثلِ هذا "المُرشِدِ" في هذا الزَّمانِ"، فإِزاءَ هذه الخاطِرةِ وعلى الرَّغمِ مِمّا أُعانِيه مِنِ اضطِرابٍ ومِن عَجزٍ وضَعفٍ، كَتَبتُ في غايةِ الِاختِصارِ لِأَخَواتِي المُبارَكاتِ ولِبَناتِي المَعنَوِيّاتِ الشّابّاتِ بَعضَ ما يَلزَمُهُنَّ مِن مَسائِلَ، ضِمنَ نِكاتٍ ثَلاثٍ:
النُّكتة الأُولَى:
لَمّا كانَ أَهَمُّ أَساسٍ مِن أُسُسِ رَسائلِ النُّورِ هو "الشَّفَقةَ"، وأنَّ النِّساءَ هُنَّ رائِداتُ الشَّفَقةِ وبَطَلاتُ الحَنانِ، فقد أَصبَحْنَ أَكثَرَ ارتِباطًا برَسائِلِ النُّورِ فِطْرةً؛ فهذه العَلاقةُ الفِطْريّةُ تُحِسُّ بها في كَثِيرٍ مِنَ الأَماكِنِ وللهِ الحَمدُ والمِنّةُ.
ولَقَد غَدَتِ التَّضحِيةُ الَّتي تَنطَوِي علَيْها الشَّفَقةُ والحَنانُ ذاتَ أَهَمِّيّةٍ عُظمَى في زَمانِنا هذا، إذ إنَّها تُعبِّیرُ عن إِخلاصٍ حَقِيقيٍّ وفِداءٍ دُونَ عِوَضٍ ومُقابِلٍ.
نعم، إنَّ افتِداءَ الأُمِّ برُوحِها إِنقاذًا لِوَلَدِها مِنَ الهَلاكِ مِن دُونِ انتِظارٍ لِأَجرٍ، وتَضحِيَتَها بنَفسِها بإِخلاصٍ حَقِيقيٍّ لِأَولادِها باعتِبارِ وَظِيفَتِها الفِطْرِيّةِ، تَدُلّانِ على
— 293 —
وُجُودِ بُطُولةٍ سامِيةٍ رَفِيعةٍ في النِّساءِ، بحَيثُ يَستَطِعنَ أن يُنقِذنَ حَياتَهُنَّ الدُّنيَوِيّةَ والأُخرَوِيّةَ بِنَماءِ هذه البُطُولةِ وانجِلائِها في أَنفُسِهِنَّ، إلّا أنَّ تَيّاراتٍ فاسِدةً تَحُولُ دُونَ تَنامِي تلك السَّجِيّةِ القَيِّمةِ القَوِيمةِ، أو تَصرِفُ تلك التَّيّاراتُ هذه السَّجِيّةَ الطَّيِّبةَ إلى غَيرِ مَحالِّها، فتُسِيءُ استِعمالَها.
نُورِدُ هُنا مِثالًا واحِدًا مِن مِئاتِ أَمثِلَتِها:
إنَّ الوالِدةَ الحَنُونَ تَضَعُ نُصْبَ عَينِها كلَّ فِداءٍ وتَضحِيةٍ لِتَمنَعَ عن وَلَدِها المَصائِبَ والهَلاكَ، وتَجعَلَه سَلِيمًا مُعافًى في الدُّنيا؛ فتُربِّي وَلَدَها على هذا الأَساسِ، فتُنفِقُ جَمِيعَ أَموالِها لِيَكُونَ ابنُها عَظِيمًا وسَيِّدًا آمِرًا، فتَراها تَأخُذُ وَلَدَها مِنَ المَدارِسِ العِلمِيّةِ الدِّينيّةِ وتُرسِلُه إلى أَورُوبّا، مِن دُونِ أن تُفكِّرَ في حَياةِ وَلَدِها الأَبدِيّةِ الَّتي تُصبِحُ مُهَدَّدةً بالخَطَرِ؛ فهِي إذْ تَسعَى لِتُنقِذَه مِن سِجنٍ دُنيَوِيٍّ، لا تَهتَمُّ بوُقُوعِه في سِجنِ جَهَنَّمَ الأَبدِيِّ، فتَتَصرَّفُ تَصَرُّفًا مُخالِفًا لِفِطْرَتِها مُخالَفةً كُلِّيّةً، إذ بَدَلًا مِن أن تَجعَلَ وَلَدَها البَرِيءَ شَفِيعًا لها يَومَ القِيامةِ تَجعَلُه مُدَّعِيًا علَيْها، إذ سيَشكُو ذلك الوَلَدُ هُناك قائِلًا لها: "لِمَ لَمْ تُقَوِّي إِيمانِي حتَّى تَسَبَّبتِ في هَلاكِي هذا؟!"، وحَيثُ إنَّه لم يَأخُذ قِسطًا وافِرًا مِنَ التَّربِيةِ الإِسلامِيّةِ، فلا يُبالِي بشَفَقةِ والِدَتِه الخارِقةِ، بل قد يُقَصِّرُ في حَقِّها كَثِيرًا.
ولكِن إذا ما سَعَت تلك الوالِدةُ إلى إِنقاذِ وَلَدِها الضَّعِيفِ مِنَ السِّجنِ الأَبدِيِّ الَّذي هو جَهَنَّمُ، ومِنَ الإِعدامِ الأَبدِيِّ الَّذي هو المَوتُ في الضَّلالةِ، بشَفَقَتِها الحَقِيقيّةِ المَوهُوبةِ دُونَ الإِساءةِ في استِعمالِها، فإنَّ وَلَدَها سيُوصِلُ الأَنوارَ دَوْمًا إلى رُوحِها بعدَ وَفاتِها، إذ يُسَجَّلُ في صَحِيفةِ أَعمالِها مِثلُ جَمِيعِ الحَسَناتِ الَّتي يَعمَلُها الوَلَدُ؛ كما سيَكُونُ لها وَلَدًا طَيِّبًا مُبارَكًا يَنعَمانِ مَعًا في حَياةٍ خالِدةٍ، شَفِيعًا لها عِندَ اللهِ ما وَسِعَتْه الشَّفاعةُ، لا شاكِيًا مِنها ولا مُدَّعِيًا علَيْها.
نعم، إنَّ أوَّلَ أُستاذٍ لِلإِنسانِ وأَكثَرَ مَن يُؤثِّرُ فيه تَعلِيمًا، إنَّما هُو والِدَتُه.
سأُبيِّنُ بهذه المُناسَبةِ هذا المَعنَى الَّذي أَتحَسَّسُه دائِمًا إِحساسًا قاطِعًا في شَخصِي، وهو: أُقسِمُ باللهِ أنَّ أَرسَخَ دَرسٍ تَلقَّيتُه، وكَأنَّه يَتَجدَّدُ عَلَيَّ، إنَّما هو تَلقِيناتُ والِدَتِي
— 294 —
رَحِمَها اللهُ ودُرُوسُها المَعنَوِيّةُ، حتَّى استَقَرَّت في أَعماقِ فِطْرَتِي وأَصبَحَت كالبُذُورِ في جَسَدِي، في غُضُونِ عُمُرِي الَّذي يُناهِزُ الثَّمانِينَ، رَغمَ أنِّي قد أَخَذتُ دُرُوسًا مِن ثَمانِينَ أَلفَ شَخصٍ، بل أَرَى يَقِينًا أنَّ سائِرَ الدُّرُوسِ إنَّما تُبنَى على تلك البُذُورِ.
بمَعنَى أنِّي أُشاهِدُ دَرسَ والِدَتي یی رَحِمَها اللهُ یی وتَلقِيناتِها لِفِطْرَتي ورُوحِي وأنا في السَّنةِ الأُولَى مِن عُمُرِي، بُذُورَ أَساسٍ ضِمنَ الحَقائِقِ العَظِيمةِ الَّتي أَراها الآنَ وأنا في الثَّمانِينَ مِن عُمُرِي.
مِثالُ ذلك: إنَّ "الشَّفَقةَ" الَّتي هي أَهَمُّ أَساسٍ مِنَ الأُسُسِ الأَربَعةِ في مَسلَكِي ومَشرَبِي.. وإنَّ "الرَّأفةَ والرَّحمةَ" الَّتي هي أَيضًا حَقِيقةٌ عُظمَى مِن حَقائِقِ رَسائِلِ النُّورِ، أُشاهِدُهُما يَقِينًا بأنَّهُما نابِعَتانِ مِن أَفعالِ تلك الوالِدةِ الرَّؤُوفِ ومِن أَحوالِها الشَّفِيقةِ ومِن دُرُوسِها المَعنَوِيّةِ.
نعم، إنَّ الشَّفَقةَ والحَنانَ الكامِنَينِ في الأُمُومةِ والَّتي تَحمِلُها بإِخلاصٍ حَقِيقيٍّ وتَضحِيةٍ وفِداءٍ قد أُسِيءَ استِعمالُها في الوَقتِ الحاضِرِ، إذ لا تُفكِّرُ الأُمُّ بما سيَنالُ وَلَدُها في الآخِرةِ مِن كُنُوزٍ هي أَثمَنُ مِنَ الأَلماسِ، بل تَصرِفُ وَجْهَه إلى هذه الدُّنيا الَّتي لا تَعدِلُ قِطَعًا زُجاجِيّةً فانِيةً، ثمَّ تُشفِقُ على وَلَدِها وتَحنُو علَيْه في هذا الجانِبِ مِنَ الحَياةِ.. وما هذا إلّا إِساءةٌ في استِعمالِ تلك الشَّفَقةِ.
إنَّ مِمّا يُثبِتُ بُطُولةَ النِّساءِ في تَضحِيَتِهِنَّ العَظِيمةِ دُونَ انتِظارٍ لِأَجرٍ ولا عِوَضٍ، مِن دُونِ فائِدةٍ يَجنِينَها لِأَنفُسِهِنَّ، ومِن دُونِ رِياءٍ وتَسوِيقٍ لِأَنفُسِهِنَّ، هو: استِعدادُهُنَّ لِلفِداءِ بأَرواحِهِنَّ لِأَجلِ الوَلَدِ، ودَلِيلُ ذلك ما نَراه في الدَّجاجة الَّتي تَحمِلُ مِثالًا مُصَغَّرًا مِن تلك الشَّفَقةِ: شَفَقةِ الأُمُومةِ وحَنانِها، فهِي تُهاجِمُ الأَسَدَ، وتَفدِي برُوحِها، حِفاظًا على فِراخِها الصِّغارِ.
وفي الوَقتِ الحاضِرِ: إنَّ أَلزَمَ شَيءٍ وأَهَمَّ أَساسٍ في التَّربِيةِ الإِسلامِيّةِ وأَعمالِ الآخِرةِ، إنَّما هو "الإِخلاصُ"، فمِثلُ هذه البُطُولةِ الفائِقةِ في الشَّفَقةِ تَضُمُّ بينَ جَوانِحِها الإِخلاصَ الحَقِيقيَّ.
— 295 —
فإذا ما بَدَأَت هاتانِ النُّقطَتانِ بِالتَّنامِي في تلك الطّائِفةِ المُبارَكةِ: طائِفةِ النِّساءِ، فإنَّهُما سيَكُونانِ مَدارَ سَعادةٍ عُظمَى في المُحِيطِ الإِسلامِيِّ.
أمّا تَضحِيةُ الرِّجالِ فلا تكُونُ دُونَ عِوَضٍ قَطْعًا، وإنَّما تَطلُبُ الأَجرَ والمُقابِلَ مِن جِهاتٍ كَثِيرةٍ تَبلُغُ المِئةَ، وفي الأَقلِّ تَطلُبُ الفَخرَ والسُّمعةَ؛ ولكِن معَ الأَسَفِ فإنَّ النِّساءَ المُبارَكاتِ يُدخِلْنَ الرِّياءَ والتَّمَلُّقَ بطِرازٍ آخَرَ وبنَوعٍ آخَرَ نَتِيجةَ ضَعفِهِنَّ وعَجزِهِنَّ، وذلك خَلاصًا مِن شَرِّ أَزواجِهِنَّ الظَّلَمةِ وتَسَلُّطِهِم علَيْهِنَّ.
النُّكتةُ الثانيةُ:
لَمّا كُنتُ في هذه السَّنةِ مُعتَزِلًا النّاسَ مُبتَعِدًا عنِ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ، نَظَرتُ إلى الدُّنيا نُزُولًا عِندَ رَغبةِ إِخوةٍ وأَخَواتٍ مِنَ النُّورِيِّينَ، فسَمِعتُ مِن أَغلَبِ مَن قابَلَني مِنَ الأَصدِقاءِ، شَكاوَى عن حَياتِهِمُ الأُسَرِيّةِ؛ فتَأَسَّفتُ مِنَ الأَعماقِ وقُلتُ: إنَّ الحَياةَ الأُسَرِيّةَ هي قَلعةُ الإِنسانِ الحَصِينةُ، ولا سِيَّما المُسلِمَ، فهِي كجَنَّتِه المُصَغَّرةِ ودُنياه الصَّغِيرةِ، أَوَدَبَّ الفَسادُ في هذه الحَياةِ أَيضًا؟!
فتَّشْتُ عنِ السَّبَبِ الَّذي أَدَّى إلى فَسادِها، وعَلِمتُ أنَّ هُنالِك مُنَظَّماتٍ سِرِّيّةً تَسعَى لِإِضلالِ الشَّبابِ وإِفسادِهِم بتَذلِيلِ سُبُلِ الشَّهَواتِ أَمامَهُم، وسَوقِهِم إلى السَّفاهةِ والغَوايةِ لِإفسادِ المُجتَمَعِ الإِسلامِيِّ والإِضرارِ بالدِّينِ الإِسلاميِّ، كما أَحسَستُ أنَّ مُنَظَّماتٍ أَيضًا تَعمَلُ في الخَفاءِ وتَسعَى سَعْيًا جادًّا مُؤَثِّرًا لِدَفعِ الغافِلاتِ مِنَ النِّساءِ اللَّطِيفاتِ إلى طُرُقٍ خاطِئةٍ آثِمةٍ؛ وأَدرَكتُ أنَّ ضَربةً قاصِمةً على هذه الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ تَأتِي مِن تلك الجِهةِ.
فأَنا أُبيِّنُ بَيانًا قاطِعًا، يا أَخَواتِي ويا بَناتِي المَعنَوِيّاتِ الشّابّاتِ..
إنَّ العِلاجَ النّاجِعَ لِإنقاذِ سَعادةِ النِّساءِ مِنَ الإِفسادِ في دُنياهُنَّ وأُخراهُنَّ مَعًا، وإنَّ الوَسِيلةَ الوَحِيدةَ لِصَونِ سَجاياهُنَّ الرّاقِيةِ اللّاتِي في فِطْرَتِهِنَّ مِنَ الفَسادِ، ليس إلّا في تَربِيَتِهِنَّ تَربِيةً دِينِيّةً ضِمنَ نِطاقِ الإِسلامِ الشّامِلِ.
— 296 —
إنَّكُنَّ تَسمَعنَ ما آلَت إلَيْه حالُ تلك الطّائِفةِ المُبارَكةِ في رُوسْيا!
وقد قِيلَ في جُزءٍ مِن "رَسائِلِ النُّورِ":
إنَّ الزَّوجَ الرَّشِيدَ لا يَبنِي مَحَبَّتَه لِزَوجَتِه على جَمالٍ ظاهِرِيٍّ زائِلٍ لا يَدُومُ عَشرَ سَنَواتٍ، بل علَيْه أن يَبنِيَ مَوَدَّتَه لها على شَفَقَتِها الَّتي هي أَجمَلُ مَحاسِنِ النِّساءِ وأَدوَمُها، ويُوثِقَها بحُسنِ سِيرَتِها الخاصّةِ بأُنُوثَتِها، كي تَدُومَ مَحَبَّتُه لها كُلَّما شابَت تلك الزَّوجةُ الضَّعِيفةُ، إذ هي لَيسَت صاحِبَتَه ورَفِيقَتَه في حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ مُؤَقَّتةٍ فحَسْبُ، وإنَّما هي رَفِيقَتُه المَحبُوبةُ في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ؛ فيَلزَمُ أن يَتَحابّا بِاحتِرامٍ أَزيَدَ ورَحمةٍ أَوسَعَ، كلَّما تَقَدَّما في العُمُرِ.. أمّا حَياةُ الأُسرةِ الَّتي تَتَربَّى في أَحضانِ المَدَنيّةِ الحَدِيثةِ فهِي مُعرَّضةٌ لِلِانْهِيارِ والفَسادِ، حَيثُ تُبنَى العَلاقةُ فيها على صُحبةٍ مُؤَقَّتةٍ يَعقُبُها فِراقٌ أَبدِيٌّ.
وكَذلِك قِيلَ في جُزءٍ مِن "رَسائِلِ النُّورِ":
إنَّ السَّعِيدَ هو ذلك الزَّوجُ الَّذي يُقَلِّدُ زَوجَتَه الصّالِحةَ، فيَكُونُ صالِحًا مِثلَها، لِئَلّا يَفقِدَ رَفِيقَتَه في حَياةٍ أَبدِيّةٍ خالِدةٍ.
وكم هِي سَعِيدةٌ تلك الزَّوجةُ الَّتي تَرَى زَوجَها مُتَديِّنًا فتَتَمسَّكُ بأَهدابِ الدِّينِ لِئَلّا تَفقِدَ رَفِيقَها الأَبدِيَّ، فتَفُوزُ بسَعادةِ آخِرَتِها ضِمنَ سَعادةِ دُنياها!
وكم هُو شَقِيٌّ ذلك الزَّوجُ الَّذي يَتبَعُ زَوجَتَه الَّتي ارْتَمَت في أَحضانِ السَّفاهةِ فيُشارِكُها ولا يَسعَى لِإنقاذِها!
وما أَشقاها تلك الزَّوجةَ الَّتي تَنظُرُ إلى فُجُورِ زَوجِها وفِسقِه وتُقَلِّدُه بصُورةٍ أُخرَى!
والوَيلُ ثمَّ الوَيلُ لِذَينِك الزَّوجَينِ اللَّذَينِ يُعِينُ كلٌّ مِنهُما الآخَرَ في دَفعِه إلى النّارِ، أي: يُغرِي كلٌّ مِنهُما الآخَرَ لِلِانغِماسِ في زَخارِفِ المَدَنيّةِ.
وفَحْوَى هذه الجُمَلِ الَّتي وَرَدَت بهذا المَعنَى في "رَسائِلِ النُّورِ" أنَّه لا يُمكِنُ أن يكُونَ یی في هذا الزَّمانِ یی تَنَعُّمٌ بحَياةٍ عائِلِيّةٍ، وبُلُوغٌ لِسَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ، وانكِشافٌ لِسَجايا راقِيةٍ في النِّساءِ إلّا بالتَّأَدُّبِ بالآدابِ الإِسلامِيّةِ الَّتي تُحَدِّدُها الشَّرِيعةُ الغَرَّاءُ.
— 297 —
إنَّ أَهَمَّ نُقطةٍ وجانِبٍ في حَياةِ الأُسَرِ في الوَقتِ الحاضِرِ هي أنَّه إذا ما شاهَدَتِ الزَّوجةُ فَسادًا في زَوجِها وخِيانةً مِنه وعَدَمَ وَفاءٍ، فقامَت هي كَذلِك یی عِنادًا له یی بتَركِ وَظِيفَتِها الأُسَرِيّةِ وهِي الوَفاءُ والثِّقةُ فأَفسَدَتْهُما، عِندَئذٍ يَختَلُّ نِظامُ تلك الأُسرةِ كُلِّیيًّا ويَذهَبُ هَباءً مَنثُورًا، كالإِخلالِ بالنِّظامِ في الجَيشِ.
فلا بُدَّ لِلزَّوجةِ أن تَسعَى جادّةً لِإكمالِ نَقصِ زَوجِها وإِصلاحِ تَقصِيرِه كي تُنقِذَ صاحِبَها الأَبدِيَّ، وإلّا فهِي تَخسَرُ وتَتَضرَّرُ في كلِّ جانِبٍ إذا ما حاوَلَت إِظهارَ نَفسِها وتَحبِيبَها لِلآخَرِينَ بالتَّیكشُّفِ والتَّبَرُّجِ، لِأنَّ الَّذي يَتَخلَّى عنِ الوَفاءِ يَجِدُ جَزاءَه في الدُّنيا أَيضًا، لِأنَّ فِطْرَتَها تَتَجنَّبُ غَيرَ المَحارِمِ وتَشمَئِزُّ مِنهُم، فهِي تَحتَرِزُ مِن ثَمانِيَ عَشْرةَ شَخصًا مِن كلِّ عِشرِينَ شَخصًا أَجنَبِيًّا، بَينَما الرَّجُلُ قد لا يَشمَئِزُّ مِنَ النَّظَرِ إلى امرَأةٍ واحِدةٍ مِن كلِّ مِئةٍ أَجنَبِيّةٍ.
فكَما أنَّ الزَّوجةَ تُعانِي مِنَ العَذابِ مِن هذه الجِهةِ، فهِي تَضَعُ نَفسَها مَوضِعَ اتِّهامٍ أَيضًا بعَدَمِ الوَفاءِ وفِقدانِ الثِّقةِ والوَفاءِ، فلا تَستَطِيعُ الحِفاظَ على حُقُوقِها فَضْلًا عن ضَعفِها.
حاصِلُ الكَلامِ: كما أنَّ النِّساءَ لا يُشبِهنَ الرِّجالَ یی مِن حَيثُ الشَّفَقةُ والحَنانُ یی في التَّضحِيةِ ولا في الإِخلاصِ، وأنَّ الرِّجالَ لا يَبلُغُونَ شَأْوَهُنَّ في التَّضحِيةِ والفِداءِ؛ كَذلِك لا تُدرِكُ المَرأةُ الرَّجُلَ في السَّفاهةِ والغَيِّ بأَيِّ وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِذا فهِي تَخافُ كَثِيرًا بفِطْرَتِها وخِلقَتِها الضَّعِيفةِ مِن غَيرِ المَحارِمِ، وتَجِدُ نَفسَها مُضطَرّةً إلى الِاحتِماءِ بالحِجابِ، ذلك لِأنَّ الرَّجُلَ إذا غَوَى لِأَجلِ تَلَذُّذِ ثَماني دَقائِقَ لا يَتَضرَّرُ إلّا بِضعَ لَيراتٍ، بَينَما المَرأةُ تُجازَى على ثَمانِي دَقائِقَ مِنَ اللَّذّةِ بثِقَلِ ثَمانيةِ أَشهُرٍ، وتَتَحمَّلُ تَكالِيفَ تَربِيةِ طِفلٍ لا حامِيَ له طَوالَ ثَمانِي سَنَواتٍ؛ بمَعنَى أنَّ المَرأةَ لا تَبلُغُ مَبلَغَ الرِّجالِ في السَّفاهةِ، وتُعاقَبُ علَيْها أَضعافَ أَضعافِ عِقابِ الرَّجُلِ.
إنَّ هذه الحَوادِثَ لَيسَت نادِرةً، وهِي تَدُلُّ على أنَّ النِّساءَ مَخلُوقاتٌ مُبارَكاتٌ، خُلِقنَ لِيَكُنَّ مَنشَأً لِلأَخلاقِ الفاضِلةِ، إذ تَكادُ تَنعَدِمُ فِيهِنَّ قابِلِيّةُ الفِسقِ والفُجُورِ لِلتَّمَتُّعِ
— 298 —
بأَذواقِ الدُّنيا؛ بمَعنَى أنَّ النِّساءَ نَوعٌ مِن مَخلُوقاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكاتٍ، خُلِقنَ لِأَجلِ قَضاءِ حَياةٍ أُسَرِيّةٍ سَعِيدةٍ ضِمنَ نِطاقِ التَّربِيةِ الإِسلاميّةِ.
فتَبًّا وسُحقًا لِتِلك المُنَظَّماتِ الَّتي تَسعَى لِإفسادِ هَؤُلاءِ الطَّيِّباتِ.
وأَسأَلُه تَعالَى أن يَحفَظَ أَخَواتِي مِن شُرُورِ هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الفاسِدِينَ.. آمِينَ..
أَخَواتِي.. أَقُولُ لَكُنَّ هذا الكَلامَ بشَكلٍ خاصٍّ:
اِعْمَلْنَ على كَسْبِ نَفَقاتِكُنَّ بعَمَلِ أَيدِيكُنَّ كما تَفعَلُ نِساءُ القُرَى الطَّيِّباتُ، واكْتَفِينَ بالِاقتِصادِ والقَناعةِ المَغرُوزَتَينِ في فِطْرَتِكُنَّ؛ وهذا أَولَى مِنِ امتِهانِ أَنفُسِكُنَّ بسَبَبِ هُمُومِ العَيشِ بالرُّضُوخِ لِسَيطَرةِ زَوجٍ فاسِدٍ، سَيِّئِ الخُلُقِ، مُتَفرنِجٍ.. وإذا ما كانَ حَظُّ إِحداكُنَّ وقِسمَتُها زَوجًا لا يُلائِمُها، فلْتَرْضَ بقِسمَتِها ولْتَقْنَعْ، فعَسَى اللهُ أن يُصلِحَ زَوجَها برِضاها وقَناعَتِها، وإلّا ستُراجِعُ المَحاكِمَ لِأَجلِ الطَّلاقِ یی كما أَسمَعُ في الوَقتِ الحاضِرِ یی وهذا لا يَلِيقُ قَطعًا بعِزّةِ الإِسلامِ وشَرَفِ الأُمّةِ.
النُّكتةُ الثّالثة:
أَخَواتِي العَزِيزاتِ.. اِعلَمْنَ قَطعًا أنَّ الأَذواقَ والمُتَعَ الخارِجةَ عن حُدُودِ الشَّرعِ، فيها مِنَ الآلامِ والمَتاعِبِ أَضعافُ أَضعافِ لَذائِذِها؛ وقد أَثبَتَت "رَسائِلُ النُّورِ" هذه الحَقِيقةَ بمِئاتٍ مِنَ الدَّلائِلِ القَوِيّةِ والحَوادِثِ القاطِعةِ، ويُمكِنُكُنَّ أن تَجِدْنَ تَفاصِيلَها في "رَسائِلِ النُّورِ".
فمَثلًا: الكَلِمةُ السّادِسةُ والسّابِعةُ والثّامِنةُ مِنَ "الكَلِماتِ الصَّغِيرةِ" و"مُرشِدِ الشَّبابِ" تُبيِّنُ لَكُنَّ هذه الحَقِيقةِ بوُضُوحٍ تامٍّ نِيابةً عنِّي.. فعَلَيكُنَّ إِذًا بالقَناعةِ والِاطمِئنانِ والِاكتِفاءِ بما في حُدُودِ الشَّرعِ مِن أَذواقٍ ولَذائِذَ، فمُلاطَفةُ أَولادِكُنَّ الأَبرِياءِ ومُداعَبَتُهُم ومُجالَسَتُهُم في بُيُوتِكُنَّ مُتعةٌ نَزِيهةٌ تَفضُلُ مِئاتِ المَرّاتِ مُتعةَ السِّينِما.
واعْلَمْنَ يَقِينًا أنَّ اللَّذّةَ الحَقِيقيّةَ في هذه الدُّنيا إنَّما هي في الإِيمانِ وفي حُدُودِ الإِيمانِ، وأنَّ في كلِّ عَمَلٍ صالِحٍ لَذّةً مَعنَوِيّةً، بَينَما في الضَّلالةِ والغَيِّ آلامٌ مُنَغِّصةٌ في
— 299 —
هذه الدُّنيا أَيضًا.. هذه الحَقِيقةُ أَثبَتَتْها "رَسائلُ النُّورِ" بمِئاتٍ مِنَ الأَدِلّةِ القاطِعةِ، فأَنا شَخصِيًّا شاهَدتُ بعَينِ اليَقِينِ عَبْرَ تَجارِبَ كَثِيرةٍ وحَوادِثَ عَدِيدةٍ: أنَّ في الإِيمانِ بِذْرةَ جَنّةٍ، وفي الضَّلالةِ والسَّفَهِ بِذْرةَ جَهَنَّمَ، وقد كَتَبتُ هذه الحَقِيقةَ مِرارًا في "رَسائِلِ النُّورِ" حتَّى عَجَز أَعتَى المُعانِدِينَ والخُبَراءُ الرَّسمِيُّونَ والمَحاكِمُ عن جَرحِ هذه الحَقِيقةِ.
فلْتَكُنِ الآنَ "رِسالةُ الحِجابِ" في المُقدِّمةِ و"مُرشِدُ الشَّبابِ" و"الكَلِماتُ الصَّغِيرةُ" نائِبةً عنِّي في إِلقاءِ الدَّرسِ علَيكُنَّ يا أَخَواتِي الطَّيِّباتِ المُبارَكاتِ ويا مَن هُنَّ بمَثابةِ بَناتِي الصَّغِيراتِ.
فلَقَد سَمِعتُ أنَّكُنَّ تَرغَبنَ في أن أُلقِيَ علَيكُنَّ دَرسًا في الجامِعِ، ولكِنَّ مَرَضِي الشَّدِيدَ، إضافةً إلى ضَعفِي الشَّدِيدِ، وأَسبابٍ أُخرَى، تَحُولُ دُونَ ذلك.. لِذا فقد قَرَّرتُ أن أَجعَلَكُنَّ يا أَخَواتِي اللّاتِي تَقْرَأْنَ دَرسِي هذا الَّذي كَتَبتُه لَكُنَّ مُشارِكاتٍ لي في جَمِيعٍ مَكاسِبِي المَعنَوِيّةِ وفي دَعَواتِي، كطُلّابِ النُّورِ.
وإذا استَطَعتُنَّ الحُصُولَ على رَسائِلِ النُّورِ یی ولَو على بَعضٍ مِنها یی وقِراءَتَها أوِ الِاستِماعَ إلَيْها نِيابةً عَنِّي، فإِنَّكُنَّ تُصبِحْنَ مُشارِكاتٍ لِإِخوانِكُنَّ طُلّابِ النُّورِ في جَمِيعِ مَكاسِبِهمُ المَعنَوِيّةِ وأَدعِيَتِهِم حَسَبَ قاعِدَتِنا المُقرَّرةِ.
كُنتُ أَرغَبُ أن أَكتُبَ إِلَيكُنَّ أَكثَرَ مِن هذا، ولكِنِ اكتَفَيتُ بهذا القَدْرِ لِمَرَضِي وضَعفِي الشَّدِيدِ وشَيخُوخَتِي وهَرَمِي، وواجِباتٍ كَثِيرةٍ تَنتَظِرُني كتَصحِيحِ الرَّسائِلِ.
الباقي هو الباقي
أَخُوكُنَّ المُحتاجُ إلى دُعائِكُنَّ
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
— 300 —

اللمعة الخامسة والعشرون

وهي خمسة وعشرون دواءً
هي عِيادةٌ للمريض، وبَلسَمٌ للمَرضَى، ومَرهَمُ تسليةٍ ووَصفةٌ معنويّة لهم، وقد كُتِبت بمثابة القَولِ المَأثُور: "ذَهَب البَأْسُ، وحَمْدًا لله على السَّلامة".
تنبيهٌ و اعتِذارٌ
تمَّ تَألِيفُ هذه الوَصْفةِ المَعنَوِيّةِ بسُرعةٍ تَفُوقُ جَمِيعَ ما كَتَبْناه،
(حاشية): نعم، نَشهَدُ أنَّ تأليفَ هذه الرِّسالة قد تمَّ خِلالَ أَربَعِ ساعاتٍ ونِصفِ السّاعةِ.
رُشدِي، رَأفَت، خُسرَو، سَعِيدٌ
ولِضِيقِ الوَقتِ كان تَصحِيحُها وتَدقِيقُها یی بخِلافِ الجَمِيعِ یی بنَظْرةٍ خاطِفةٍ في غايةِ السُّرعةِ كتَأْلِيفِها، فظَلَّت مُشَوَّشةً كالمُسَوَّدةِ الأُولَى، ولم نَرَ حاجةً لِلقِيامِ بتَدقِيقاتٍ جَدِيدةٍ، حَيثُ إنَّ الخَواطِرَ الَّتي تَرِدُ القَلبَ فِطْريًّا لا يَنبَغِي إِفسادُها بزُخرُفِ القَولِ والتَّفنُّنِ والتَّدقِيقِ، فالرَّجاءُ مِنَ القُرّاءِ وبخاصّةٍ المَرضَى مِنهُم ألّا يَضجَرُوا مِنَ العِباراتِ غَيرِ المَأْنُوسةِ والجُمَلِ الصَّعبةِ، وأن يَدْعُوا لي بظَهرِ الغَيبِ.
سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ
٭ ٭ ٭
— 301 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ٭ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
في هذه اللَّمْعةِ نُبيِّنُ خَمْسةً وعِشرِينَ دَواءً بَيانًا مُجمَلًا، تلك الأَدوِيةَ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ تَسلِيةً حَقِيقيّةً وعِلاجًا نافِعًا لِأَهلِ البَلاءِ والمَصائِبِ ولِلمَرضَى العَلِيلِينَ الَّذِينَ هُم عُشرُ أَقسامِ البَشَرِيّةِ.

الدَّواءُ الأوَّل

أيُّها المَرِيضُ العاجِزُ، لا تَقلَق، اِصبِرْ.. فإنَّ مَرَضَك ليس عِلّةً لك، بل هو نَوعٌ مِنَ الدَّواءِ، ذلك لِأنَّ العُمُرَ رَأسُ مالٍ يَتَلاشَى، فإن لم يُستَثمَر فسيَضِيعُ كلُّ شَيءٍ، وبخاصّةٍ إذا انقَضَى بالرّاحةِ والغَفْلةِ فيَحُثُّ الخُطا إلى نِهايَتِه، أَمّا المَرَضُ فيُكسِبُ رَأسَ مالِك المَذكُورَ أَرباحًا طائِلةً، ولا يَسمَحُ بمُضِيِّه سَرِيعًا، فهُو يُبطِئُ خُطُواتِ العُمُرِ، ويُمسِكُه، ويُطَوِّلُه، حتَّى يُؤتِيَ ثِمارَه، ثمَّ يَغدُو إلى شَأْنِه.. وقد ذَهَب طُولُ العُمُرِ بالأَمراضِ مَثلًا، فقِيلَ: ألا ما أَطْولَ زَمَنَ النَّوائِبِ، وما أَقصَرَ زَمَنَ الهَناءِ!

الدَّواءُ الثَّاني

أيُّها المَرِيضُ الجَزِعُ، تَجَمَّلْ بالصَّبْرِ، بل تَجَمَّلْ بالشُّكرِ، فإنَّ مَرَضَك هذا يُمكِنُه أن يَجعَلَ مِن دَقائِقِ عُمُرِك في حُكْمِ ساعاتٍ مِنَ العِبادةِ، ذلك لِأنَّ العِبادةَ قِسمانِ:
الأُولَى: العِبادةُ الإِيجابِيّةُ المُتَجَسِّدةُ في إِقامةِ الصَّلاةِ والدُّعاءِ وأَمثالِها.
الثّانيةُ: العِبادةُ السَّلبِيّةُ الَّتي يَتَضرَّعُ فيها المُصابُ مُلتَجِئًا إلى خالِقِه الرَّحِيمِ، مُستَجِيرًا به مُتَوسِّلًا إلَيْه، مُنطَلِقًا مِن أَحاسِيسِه الَّتي تُشعِرُه بعَجْزِه وضَعْفِه أَمامَ تلك
— 302 —
الأَمراضِ والمَصائِبِ.. فيَنالُ بذلك التَّضَرُّعِ عِبادةً مَعنَوِيّةً خالِصةً مُتَجرِّدةً مِن كلِّ أَنواعِ الرِّياءِ.
نعم، هُناك رِواياتٌ صَحِيحةٌ على أنَّ العُمُرَ المَمزُوجَ بالمَرَضِ والسَّقَمِ يُعَدُّ لِلمُؤمِنِ عِبادةً على شَرطِ عَدَمِ الشَّكوَى مِنَ اللهِ سُبحانَه، بل هو ثابِتٌ بعِدّةِ رِواياتٍ صَحِيحةٍ وكَشْفِيّاتٍ صادِقةٍ أنَّ دَقِيقةً واحِدةً مِن مَرَضِ قِسمٍ مِنَ الشّاكِرِينَ الصّابِرِينَ هي بحُكْمِ ساعةِ عِبادةٍ كامِلةٍ لَهُم، وأنَّ دَقِيقةً مِنه لِقِسمٍ مِنَ الكامِلِينَ هي بمَثابةِ يَومِ عِبادةٍ كامِلةٍ لَهُم.. فلا تَشْكُ یی يا أَخِي یی مِن مَرَضٍ يَجعَلُ دَقِيقةً مِن عُمُرِك في حُكمِ أَلفِ دَقِيقةٍ ويُمِدُّك بعُمُرٍ طَوِيلٍ مَدِيدٍ! بل كُن شاكِرًا له.

الدَّواءُ الثَّالثُ

أيُّها المَرِيضُ الضَّجُورُ، إنَّ الإِنسانَ لم يَأْتِ إلى هذه الدُّنيا لِلتَّمتُّعِ والتَّلذُّذِ، والشَّاهِدُ على ذلك: رَحِيلُ كلِّ آتٍ، ومَشِيبُ الشَّبابِ، وتَدَحرُجُ الجَمِيعِ في دَوَّامةِ الزَّوالِ والفِراقِ؛ وبَيْنا تَرَى الإِنسانَ أَكمَلَ الأَحياءِ وأَسماها وأَغناها أَجهِزةً بل هو السَّيِّدُ علَيْها جَمِيعًا، إذا به بالتَّفكُّرِ في لَذَّاتِ الماضِي وبَلايا المُستَقبَلِ، يَقضِي حَياتَه في كَدَرٍ ومَشَقّةٍ، هاوِيًا بنَفسِه إلى دَرَكاتٍ أَدنَى مِنَ الحَيَوانِ.
فالإِنسانُ إِذًا لم يَأْتِ إلى هذه الدُّنيا لِقَضاءِ عَيشٍ ناعِمٍ جَمِيلٍ مَغمُورٍ بنَسَماتِ الرّاحةِ والصَّفاءِ، بل جاءَ إلى هنا لِيَغنَمَ سَعادةَ حَياةٍ أَبدِيّةٍ دائِمةٍ بما يُسِّر له مِن سُبُلِ التِّجارةِ برَأْسِ مالِه العَظِيمِ الَّذي هو العُمُرُ؛ فإذا انعَدَم المَرَضُ وَقَع الإِنسانُ في الغَفْلةِ نَتِيجةَ الصِّحّةِ والعافِيةِ، وبَدَتِ الدُّنيا في عَينَيه حُلوةً خَضِرةً لَذِيذةً، فيُصِيبُه عِندَئِذٍ مَرَضُ نِسيانِ الآخِرةِ، فيَرغَبُ عن ذِكرِ المَوتِ والقَبْرِ، ويُهدِرُ رَأسَ مالِ عُمُرِه الثَّمِينَ هَباءً مَنثُورًا.. في حِينِ أنَّ المَرَضَ سَرْعانَ ما يُوقِظُه مُفتِّحًا عَينَيه، قائِلًا له: "أَنتَ لَستَ خالِدًا ولَستَ سائِبًا، بل أَنتَ مُسَخَّرٌ لِوَظِيفةٍ، دَعْ عنك الغُرُورَ، اُذكُرْ خالِقَك.. واعْلَمْ أَنَّك ماضٍ إلى القَبْرِ، وهَيِّئْ نَفسَك وجَهِّزْها هكذا".
— 303 —
فالمَرَضُ إِذًا يَقُومُ بدَورِ مُرشِدٍ ناصِحٍ أَمِينٍ مُوقِظٍ، فلا داعِيَ بَعدُ إلى الشَّكوَى مِنه، بل يَجِبُ التَّفيُّؤُ في ظِلالِ الشُّكرِ مِن هذه النّاحِيةِ، وإذا ما اشتَدَّت وَطْأتُه كَثِيرًا فعَلَيْك بطَلَبِ الصَّبْرِ مِنه تَعالَى.

الدَّواءُ الرَّابعُ

أيُّها المَرِيضُ الشّاكِي، اِعلَمْ أنَّه ليس لك حَقٌّ في الشَّكوَى، بل علَيْك الشُّكرُ، علَيْك الصَّبْرُ، لِأنَّ جَسَدَك وأَعضاءَك وأَجهِزَتَك لَيسَت بمُلكِك أَنتَ، فأَنتَ لم تَصنَعْها بنَفسِك، وأَنتَ لم تَبتَعْها مِن أيّةِ شَرِكةٍ أو مَصنَعٍ ابتِياعًا، فهِي إِذًا مُلكٌ لِغَيرِك، ومالِكُ تلك الأَشياءِ يَتَصرَّفُ في مُلكِه كَيفَ يَشاءُ، كما وَرَد ذلك في مِثالٍ في "الكَلِمةِ السّادِسةِ والعِشرِينَ" الخاصّةِ بالقَدَرِ، وهُو: أنَّ صانِعًا ثَرِيًّا ماهِرًا يُكلِّفُ رَجُلًا فَقِيرًا لِقاءَ أُجرةٍ مُعيَّنةٍ لِيَقُومَ له لِمُدّةِ ساعةٍ بدَوْرِ "العارِض" النَّمُوذَج.
فلِأَجلِ إِظهارِ صَنْعَتِه الجَمِيلةِ وثَروَتِه القَيِّمةِ يُلبِسُه القَمِيصَ المُزَرْكَشَ الَّذي حاكَه، والحُلّةَ القَشِيبةَ المُرَصَّعةَ الَّتي نَسَجَها في غايةِ الجَمالِ والصَّنعةِ، ويُنجِزُ علَيْه أَعمالًا ويُظهِرُ أَوْضاعًا وأَشكالًا شَتَّى، لِبَيانِ خَوارِقِ صَنْعَتِه وبَدائِعِ مَهارَتِه، فيَقُصُّ ويُبدِّلُ، ويُطوِّلُ ويُقصِّرُ، وهكذا..
فيا تُرَى أَيَحِقُّ لِذلِك الفَقِيرِ الأَجِيرِ أن يقُولَ لِذلِك الصّانِعِ الماهِرِ: "إنَّك تُتعِبُني وتُرهِقُني وتُضَيِّقُ علَيَّ بطَلَبِك مِنِّي الِانحِناءَ مَرّةً والِاعتِدالَ أُخرَى.. وإنَّك تُشَوِّه الجَمالَ المُتَألِّقَ على هذا القَمِيصِ الَّذي يُجَمِّلُ هِندامِي ويُزيِّنُ قامَتِي بقَصِّك وتَقصِيرِك له.. إنَّك تَظلِمُني ولا تُنصِفُني!".
وكَذلِك الحالُ بالنِّسبةِ لِلصّانِعِ الجَلِيلِ سُبحانَه وتَعالَى یی وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى یی الَّذي أَلبَسَك أيُّها المَرِيضُ قَمِيصَ الجَسَدِ، وأَوْدَع فيه الحَواسَّ النُّورانيّةَ المُرَصَّعةَ كالعَينِ والأُذُنِ والعَقلِ، فلِأَجلِ إِظهارِ نُقُوشِ أَسمائِه الحُسنَى، يُبَدِّلُك ضِمنَ حالاتٍ
— 304 —
مُتَنوِّعةٍ ويَضَعُك في أَوضاعٍ مُختَلِفةٍ.. فكما أنَّك تَتَعرَّفُ على اسمِه "الرَّزَّاقِ" بتَجَرُّعِك مَرارةَ الجُوعِ، تَتَعرَّفُ على اسمِه "الشَّافي" بمَرَضِك.
ونَظَرًا لِظُهُورِ قِسمٍ مِن أَحكامِ أَسمائِه الحُسنَى بالآلامِ وانكِشافِه بالمَصائِبِ، ففيها لَمَعاتُ الحِكْمةِ وشُعاعاتُ الرَّحمةِ وأَنوارُ الجَمالِ؛ فإذا ما رُفِعَ الحِجابُ فستَجِدُ فيما وَراءَ مَرَضِك الَّذي تَستَوحِشُ مِنه وتَنفِرُ، مَعانِيَ عَمِيقةً جَمِيلةً مُحَبَّبةً تَرتاحُ إلَيْها، تلك الَّتي كانَت تَنزَوِي خَلفَ حِجابِ المَرَضِ.

الدَّواءُ الخامِسُ

أيُّها المُبتَلَى بالمَرَض، لقد تَوافَرَت لَدَيَّ القَناعةُ التّامّةُ خِلالَ تَجرِبَتِي في هذا الزَّمانِ، بأنَّ المَرَضَ نَوعٌ مِنَ الإِحسانِ الإِلٰهِيِّ والهَدِيّةِ الرَّحمانيّةِ لِقِسمٍ مِنَ النَّاسِ، فقدِ الْتَقانِي بَعضُ الشَّبابِ في هذه السَّنَواتِ الثَّماني أوِ التِّسعِ، لِمُعاناتِهِمُ المَرَضَ، ابتِغاءَ دُعائي لَهُم، رَغمَ أنِّي لَستُ أَهلًا لِذلِك، فلاحَظتُ أنَّ مَن كانَ مِنهُم يُعانِي مَرَضًا هو أَكثَرُ تَفَكُّرًا في الآخِرةِ وتَذَكُّرًا لها، وليس ثَمِلًا بغَفْلةِ الشَّبابِ، بل كانَ يَقِي نَفسَه یی إلى حَدٍّ مّا یی تَحتَ أَوْجاعِ المَرَضِ وأَوْصابِه، ويُحافِظُ علَيْها مِنَ الشَّهَواتِ الحَيَوانيّةِ.
وكُنتُ أُذكِّرُهُم بأنِّي أَرَى أنَّ أَمراضَهُم هذه، ضِمنَ قابِليَّتِهِم على التَّحَمُّلِ إنَّما هي إِحسانٌ إِلٰهِيٌّ وهِبةٌ مِنه سُبحانَه؛ وكُنتُ أَقُولُ: "يا أَخِي، أنا لَستُ ضِدَّ مَرَضِك هذا ولا علَيْه، فلا أَشعُرُ بشَفَقةٍ علَيْك ورَأْفةٍ لِأَجلِ مَرَضِك، كي أَقُومَ بالدُّعاءِ لك، فحاوِلِ التَّجَمُّلَ بالصَّبْرِ والثَّباتِ أَمامَ هذا المَرَضِ، حتَّى تَتَحقَّق لك الإِفاقةُ والصَّحْوةُ؛ إذ بَعدَ أن يُنهِيَ المَرَضُ مَهامَّه سيَشفِيك الخالِقُ الرَّحِيمُ إن شاءَ".
وكُنتُ أَقُولُ أَيضًا: "إنَّ قِسمًا مِن أَمثالِك يُزَعزِعُونَ حَياتَهُمُ الأَبدِيّةَ بل يَهدِمُونَها مُقابِلَ مَتاعٍ ظاهِرِيٍّ لِساعةٍ مِن حَياةٍ دُنيَوِيّةٍ، وذلك لِمُضِيِّهِم سادِرِينَ في الغَفْلةِ النّاشِئةِ مِن بَلاءِ الصِّحّةِ، هاجِرِينَ الصَّلاةَ ناسِينَ المَوتَ وغافِلِينَ عنِ اللهِ عزَّ وجَلَّ.. أمّا أَنتَ فتَرَى بعَينِ المَرَضِ القَبْرَ الَّذي هو مَنزِلُك الَّذي لا مَناصَ مِنَ الذَّهابِ إلَيْه، وتَرَى
— 305 —
كَذلِك ما وَراءَه مِنَ المَنازِلِ الأُخرَوِيّةِ الأُخرَى، ومِن ثَمَّ تَتَحرَّكُ وتَتَصرَّفُ على وَفقِ ذلك، فمَرَضُك إِذًا إنَّما هو بمَثابةِ صِحّةٍ لك، والصِّحّةُ الَّتي يَتَمتَّعُ بها قِسمٌ مِن أَمثالِك إنَّما هي بمَثابةِ مَرَضٍ لَهُم".

الدَّواءُ السَّادسُ

أيُّها المَرِيضُ الشّاكي مِنَ الأَلمِ، أَسأَلُك أن تُعِيدَ في نَفسِك ما مَضَى مِن عُمُرِك، وأن تَتَذكَّرَ الأَيّامَ الهانِئةَ اللَّذِيذةَ السّابِقةَ مِن ذلك العُمُرِ، والأَوقاتَ العَصِيبةَ والأَلِيمةَ الَّتي فيه.
فلا جَرَمَ أنَّك ستَنطِقُ لِسانًا أو قَلبًا: إمّا بی"أَوَّه" أو "آه"، أي: إمّا ستَتَنفَّسُ الصُّعَداءَ وتقُولُ: "الحَمدُ للهِ والشُّكرُ له"، أو ستَتَنهَّدُ عَمِيقًا قائِلًا: "وا حَسْرَتاه! وا أَسَفاه!".. فانظُر كَيفَ أنَّ الآلامَ والنَّوائِبَ الَّتي عانَيْتَ مِنها سابِقًا عِندَما خَطَرَتْ بذِهنِك غَمَرَتْك بلَذّةٍ مَعنَوِيّةٍ، حتَّى هاجَ قَلبُك بی"الحَمدُ للهِ والشُّكرُ له"، ذلك لِأنَّ زَوالَ الأَلَمِ يُولِّدُ لَذّةً وشُعُورًا بالفَرَحِ.
ولِأنَّ تلك الآلامَ والمَصائِبَ قد غَرَسَت بزَوالِها لَذّةً كامِنةً في الرُّوحِ سالَتْ بتَخَطُّرِها على البالِ وخُرُوجِها مِن مَكْمَنِها حَلاوةً وسُرُورًا، وتَقَطَّرَت حَمْدًا وشُكرًا.. أمّا حالاتُ اللَّذّةِ والصَّفاءِ الَّتي قَضَيتَها والَّتي تَنفُثُ علَيْها الآنَ دُخانَ الأَلَمِ بقَولِك: "وا أَسَفاه! واحَسْرَتاه!" فإنَّها بزَوالِها غَرَسَت في رُوحِك أَلمًا مُضمَرًا دائِمًا، وها هُو ذا الأَلمُ تَتَجدَّدُ غُصّاتُه الآنَ بأَقلِّ تَفَكُّرٍ في غِيابِ تلك اللَّذّاتِ، فتَنهَمِرُ دُمُوعُ الأَسَفِ والحَسْرةِ.
فما دامَتِ اللَّذّةُ غَيرُ المَشرُوعةِ لِيَومٍ واحِدٍ تُذِيقُ الإِنسانَ یی أَحيانًا یی أَلمًا مَعنَوِيًّا طَوالَ سَنةٍ كامِلةٍ، وأنَّ الأَلمَ النّاتِجَ مِن يَومِ مَرَضٍ مُؤَقَّتٍ يُوفِّرُ لَذّةً مَعنَوِيّةً لِثَوابِ أيّامٍ عِدّةٍ فَضْلًا عنِ اللَّذّةِ المَعنَوِيّةِ النّابِعةِ مِنَ الخَلاصِ مِنه، فتَذَكَّر جَيِّدًا نَتِيجةَ المَرَضِ المُؤَقَّتِ الَّذي تُعانيه، وفَكِّرْ في الثَّوابِ المَرجُوِّ المُنتَشِرِ في ثَناياه، وتَشَبَّثْ بالشُّكرِ وتَرَفَّعْ عنِ الشَّكوَى، وقُل: "يا هذا.. كلُّ حالٍ يَزُولُ..".
— 306 —

الدَّواءُ السَّادِسُ

(حاشية): نَظَرًا لِوُرُودِ هذه اللَّمعةِ فِطْريًّا دُونَ تكلُّفٍ وتَعمُّدٍ، فقد كُتِبَت في المَرتَبةِ السَّادسةِ دَواءَينِ، وإِحجامًا عنِ الإِقحامِ في فِطرِيَّتِها، تَرَكناها كما هي، ولم نَجرُؤ على تَبدِيلِ شَيءٍ مِنها خَوْفًا مِن وُجُودِ سِرٍّ في المَسأَلةِ.
أيُّها الأَخُ المُضطَرِبُ مِنَ المَرَضِ بتَذَكُّرِ أَذْواقِ الدُّنيا ولَذائِذِها.. لو كانَت هذه الدُّنيا دائِمةً فِعلًا، ولَوِ انزاحَ المَوتُ عن طَرِيقِنا فِعلًا، ولوِ انقَطَعَت أَعاصِيرُ الفِراقِ والزَّوالِ عنِ الهُبُوبِ بَعدَ الآنَ، ولو تَفَرَّغَ المُستَقبَلُ العاصِفُ بالنَّوائِبِ عن مَواسِمِ الشِّتاءِ المَعنَوِيّةِ، لَانخَرَطتُ في صَفِّك ولَرثَيتُك باكِيًا لِحالِك؛ ولكِن ما دامَتِ الدُّنيا ستُخرِجُنا مِنها قائِلةً: "هَيّا اخرُجُوا..!" صامّةً آذانَها عن صُراخِنا واستِنجادِنا، فعَلَيْنا نَحنُ قبلَ أن تَطرُدَنا هي نابِذةً لنا، أن نَهجُرَ عِشقَها والإِخلادَ إلَيْها مِنَ الآنَ، بإِيقاظاتِ الأَمراضِ، وأَن نَسعَى لِأَجلِ التَّخَلِّي عنِ الدُّنيا قَلْبًا ووِجْدانًا قَبلَ أن تَتَخلَّى هي عَنّا.
نعم، إنَّ المَرَضَ بتَذكِيرِه إِيّانا هذا المَعنَى اللَّطِيفَ والعَمِيقَ، يَهمِسُ في سَرائِرِ قُلُوبِنا قائِلًا:
"بُنْيَتُك لَيسَت مِنَ الصُّلبِ والحَدِيدِ، بل مِن مَوادَّ مُتَبايِنةٍ مُرَكَّبةٍ فيك، مُلائِمةٍ كلَّ التَّلاؤُمِ لِلتَّحَلُّلِ والتَّفسُّخِ والتَّفرُّقِ حالًا.. دَعْ عَنك الغُرُورَ وأَدرِكْ عَجْزَك وتَعَرَّفْ على مالِكِك، وافْهَمْ ما وَظِيفَتُك، وتَعَلَّمْ ما الحِكْمةُ والغايةُ مِن مَجِيئِك إلى الدُّنيا؟".
ثمَّ ما دامَتْ أَذْواقُ الدُّنيا ولَذّاتُها لا تَدُومُ، وبخاصّةٍ إذا كانَت غَيرَ مَشرُوعةٍ، بل تَبعَثُ في النَّفسِ الأَلَمَ وتُكسِبُها ذَنبًا وجَرِيرةً، فلا تَبْكِ على فَقْدِك ذلك الذَّوقَ بحُجّةِ المَرَضِ، بل تَفَكَّرْ في مَعنَى العِبادةِ المَعنَوِيّةِ الَّتي يَتَضمَّنُها مَرَضُك والثَّوابُ الأُخرَوِيُّ الَّذي يُخفِيه لك، واسْعَ لِتَنالَ ذلك الذَّوقَ الخالِصَ الزَّكيَّ.
— 307 —

الدَّواءُ السَّابعُ

أيُّها المَرِيضُ الفاقِدُ لِنِعمةِ الصِّحّةِ.. إنَّ مَرَضَك لا يَذهَبُ بلَذّةِ النِّعمةِ الإِلٰهِيّةِ في الصِّحّة، بل على العَكسِ، إنَّه يُذِيقُك إيّاها ويُطَيِّیبُها ويَزِيدُها لَذّةً، ذلك أنَّ شَيْئًا مّا إذا دامَ واستَمَرَّ على حالِه يَفقِدُ طَعْمَه وتَأثِيرَه.. حتَّى اتَّفَق أَهلُ الحَقِّ على القَولِ: "إنَّما الأَشياءُ تُعرَفُ بأَضدادِها.."، فمَثلًا: لَوْلا الظُّلمةُ لَمَا عُرِفَ النُّورُ ولَظَلَّ دُونَ لَذّةٍ، ولَوْلا البُرُودةُ لَما عُرِفَتِ الحَرارةُ ولَبَقِيَت دُونَ استِساغةٍ، ولَوْلا الجُوعُ لَمَا أَعطَى الأَكلُ لَذّتَه وطَعْمَه، ولَوْلا حَرارةُ المَعِدةِ لَمَا وَهَبَنا ارتِشافُ الماءِ ذَوْقًا، ولَوْلا العِلّةُ لَكانَتِ العافِيةُ بلا ذَوقٍ، ولَوْلا المَرَضُ لَباتَتِ الصِّحّةُ عَدِيمةَ اللَّذّةِ.
إنَّ الفاطِرَ الحَكِيمَ لَمَّا أَرادَ إِشعارَ الإِنسانِ وإِحساسَه بمُختَلِفِ إِحساناتِه، وإِذاقَتَه أَنواعَ نِعَمِه سَوقًا مِنه إلى الشُّكرِ الدّائِمِ، جَهَّزَه بأَجهِزةٍ في غايةِ الكَثْرةِ لتُقبِلَ على تَذَوُّقِ تلك الآلافِ المُؤَلَّفةِ مِن أَنواعِ النِّعَمِ المُختَلِفةِ، لِذا فلا بُدَّ مِن أنَّه سيُنزِلُ الأَمراضَ والأَسقامَ والعِلَلَ أَيضًا مِثلَما يَلطُفُ ويَرزُقُ بالصِّحّةِ والعافِيةِ.
وأَسأَلُك: "لو لم يَكُن هذا المَرَضُ الَّذي أَصابَ رَأسَك أو يَدَك أو مَعِدَتَك.. هل كانَ بمَقدُورِك أن تَتَحسَّسَ اللَّذّةَ الكامِنةَ في الصِّحّةِ الَّتي كانَت باسِطةً ظِلالَها على رَأسِك أو يَدِك أو مَعِدَتِك؟ وهل كُنتَ تَتَمكَّنُ مِن أن تَتَذوَّقَ وتَشكُرَ النِّعمةَ الإِلٰهِيّةَ الَّتي جَسَّدَتْها تلك النِّعمةُ؟ بل كانَ الغالِبُ علَيْك النِّسيانُ بَدَلًا مِنَ الشُّكرِ، أو لَكُنتَ تَصرِفُ تلك الصِّحّةَ بطُغْيانِ الغَفْلةِ إلى سَفاهةٍ دُونَ شُعُورٍ!".

الدَّواءُ الثَّامنُ

أيُّها المَرِيضُ الذَّاكِرُ لِآخِرَتِه.. إنَّ مَرَضَك كمَفعُولِ الصَّابُونِ، يُطَهِّرُ أَدْرانَك، ويَمسَحُ عنك ذُنُوبَك، ويُنقِّيك مِن خَطاياك؛ فقد ثَبَت أنَّ الأَمراضَ كَفَّاراتٌ لِلذُّنُوبِ والمَعاصِي، ووَرَد في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "ما مِن مُسلِمٍ يُصِيبُه أَذًى إلّا حَاتَّ اللهُ عَنْه
— 308 —
خَطاياه كما تَحاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ"، والذُّنُوبُ هي أَمراضٌ دائِمةٌ في الحَياةِ الأَبدِيّةِ، وهِي في هذه الحَياةِ الدُّنيا أَيضًا أَمراضٌ مَعنَوِيّةٌ في القَلبِ والوِجدانِ والرُّوحِ.
فإذا كُنتَ صابِرًا لا تَشكُو نَجَوْتَ بنَفسِك إِذًا بهذا المَرَضِ العابِرِ مِن أَمراضٍ دائِمةٍ كَثِيرةٍ جِدًّا، وإذا كُنتَ لاهِيًا عن ذُنُوبِك، ناسِيًا آخِرَتَك غافِلًا عن رَبِّك، فإنِّي أُؤَكِّدُ مَعاناتَك مِن داءٍ خَطِيرٍ، هو أَخطَرُ وأَفتَكُ وأَكبَرُ بمِليُونِ مِرّةٍ مِن هذه الأَمراضِ المُوَقَّتةِ، ففِرَّ مِنه واصْرُخْ..! لِأنَّ قَلبَك ورُوحَك ونَفسَك كلَّها مُرتَبِطةٌ بمَوجُوداتِ الدُّنيا قاطِبةً، فتِلك الأَواصِرُ تَنقَطِعُ دَوْمًا بسُيُوفِ الفِراقِ والزَّوالِ فاتِحةً فيك جُرُوحًا عَمِيقةً، وبخاصَّةٍ أنَّك تَتَخيَّلُ المَوتَ إِعدامًا أَبَدِيًّا لِعَدَمِ مَعرِفَتِك بالآخِرةِ. فكَأنَّ لك كِيانًا مَرِيضًا ذا جُرُوحٍ وشُرُوخٍ بحَجمِ الدُّنيا، مِمّا يُحَتِّمُ علَيْك قَبلَ كلِّ شَيءٍ أنْ تَبحَثَ عنِ العِلاجِ التَّامِّ والشِّفاءِ الحَقِيقيِّ لِكِيانِك المَعنَوِيِّ الكَبِيرِ الَّذي تُفَسِّخُه العِلَلُ غَيرُ المَحدُودةِ والكُلُومُ غَيرُ المَعدُودةِ..
فما أَظُنُّك تَجِدُها إلّا في عِلاجِ الإِيمانِ وبَلسَمِه الشَّافي، واعْلَمْ أنَّ أَقصَرَ طَرِيقٍ لِبُلُوغِ ذلك العِلاجِ هو مَعرِفةُ قُدرةِ القادِرِ ذِي الجَلالِ ورَحمَتِه الواسِعةِ، مِن خِلالِ نافِذَتَيِ "العَجزِ والفَقرِ" اللَّتَينِ تَتَفتَّحانِ بتَمزِيقِ المَرَضِ المادِّيِّ لِحِجابِ الغَفْلةِ.
نعم، إنَّ الَّذي لا يَعرِفُ اللهَ يَحمِلُ فَوقَ رَأسِه هُمُومًا وبَلايا بسَعَةِ الدُّنيا وما فيها، ولكِنَّ الَّذي عَرَف رَبَّه تَمتَلِئُ دُنياه نُورًا وسُرُورًا مَعنَوِيًّا، وهُو يَشعُرُ بذلك بما لَدَيْه مِن قُوّةِ الإِيمانِ كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه.. نعم، إنَّ أَلَمَ الأَمراضِ المادِّيّةِ الجُزئيّةِ يَذُوبُ ويَنسَحِقُ تَحتَ وابِلِ السُّرُورِ المَعنَوِيِّ والشِّفاءِ اللَّذِيذِ القادِمَينِ مِنَ الإِيمانِ.

الدَّواءُ التَّاسِعُ

أيُّها المَرِيضُ المُؤمِنُ بخالِقِه.. إنَّ سَبَبَ التَّألُّمِ مِنَ الأَمراضِ والخَوفِ والفَزَعِ مِنها يَنبَعُ مِن كَونِ المَرَضِ أَحيانًا وَسِيلةً لِلمَوتِ والهَلاكِ، ولِكَونِ المَوتِ یی بنَظَرِ
— 309 —
الغَفْلةِ یی مُرعِبًا مُخِيفًا ظاهِرًا، فإنَّ الأَمراضَ الَّتي يُمكِنُ أن تكُونَ وَسائِلَ له تَبعَثُ على القَلَقِ والِاضطِرابِ.. فاعْلَمْ:
أوَّلًا: آمِنْ قَطْعًا أنَّ الأَجَل مُقَدَّرٌ لا يَتَغيَّیرُ، فقد حَدَث أنْ ماتَ أُولَئِك الباكُونَ عِندَ المُحتَضَرِينَ في مَرَضِهِم، معَ أنَّهُم كانُوا يَتَمتَّعُونَ بصِحّةٍ وعافِيةٍ، وشُفِيَ أُولَئِك المَرضَى الَّذِينَ كانَت حالَتُهُم خَطِرةً، وعاشُوا بَعدَ ذلك أَحياءً يُرزَقُونَ.
ثانيًا: إنَّ المَوتَ ليس مُخِيفًا في ذاتِه كما يَبدُو لنا في صُورَتِه الظّاهِرِيّةِ، وقد أَثبَتْنا في رَسائِلَ كَثِيرةٍ إِثباتًا قاطِعًا یی دُونَ أن يَتْرُكَ شَكًّا ولا شُبهةً یی بمُوحِياتِ نُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ: أنَّ المَوتَ لِلمُؤمِنِ إِعفاءٌ وإِنهاءٌ مِن كُلفةِ وَظِيفةِ الحَياةِ ومَشَقَّتِها.. وهُو تَسرِيحٌ مِنَ العُبُودِيّةِ الَّتي هي تَعلِيمٌ وتَدرِيبٌ في مَيدانِ ابتِلاءِ الدُّنيا.. وهُو بابُ وِصالٍ لِالتِقاءِ تِسعةٍ وتَسعِينَ مِنَ الأَحِبّةِ والخُلّانِ الرَّاحِلِينَ إلى العالَمِ الآخَرِ.. وهُو وَسِيلةٌ لِلدُّخُولِ في رِحابِ الوَطَنِ الحَقِيقيِّ والمُقامِ الأَبدِيِّ لِلسَّعادةِ الخالِدةِ.. وهُو دَعوةٌ لِلِانتِقالِ مِن زِنزانةِ الدُّنيا إلى بَساتِينِ الجَنّةِ وحَدائِقِها.. وهُو الفُرصةُ الواجِبةُ لِتَسلُّمِ الأُجرةِ إِزاءَ الخِدْمةِ المُؤَدّاةِ، تلك الأُجرةِ الَّتي تُغدَقُ سَخِيّةً مِن خَزِينةِ فَضلِ الخالِقِ الرَّحِيمِ.
فما دامَت هذه هي ماهِيّةَ المَوتِ مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ، فلا يَنبَغِي أن يُنظَرَ إلَيْه كأنَّه شَيءٌ مُخِيفٌ، بل يَجِبُ اعتِبارُه تَباشِيرَ الرَّحمةِ والسَّعادةِ؛ حتَّى إنَّ قِسمًا مِن "أَهلِ اللهِ" لم يَكُن خَوفُهُم مِنَ المَوتِ بسَبَبِ وَحْشةِ المَوتِ ودَهْشَتِه، وإنَّما بسَبَبِ رَغبَتِهِم في كَسْبِ المَزِيدِ مِنَ الخَيرِ والحَسَناتِ بإِدامةِ وَظِيفةِ الحَياةِ.
نعم، إنَّ المَوتَ لِأَهلِ الإِيمانِ بابُ الرَّحمةِ، وهُو لِأَهلِ الضَّلالةِ بِئرٌ مُظلِمةٌ ظَلامًا أَبدِيًّا.

الدَّواءُ العاشِرُ

أيُّها المَرِيضُ القَلِقُ دُونَ داعٍ لِلقَلَقِ.. أَنتَ قَلِقٌ مِن وَطْأةِ المَرَضِ وشِدَّتِه، فقَلَقُك هذا يَزِيدُ ثِقَلَ المَرَضِ علَيْك؛ فإذا كُنتَ تُرِيدُ أن تُخَفِّف المَرَضَ عنك، فاسْعَ جاهِدًا
— 310 —
لِلِابتِعادِ عنِ القَلَقِ، أي: تَفَكَّرْ في فَوائِدِ المَرَضِ، وفي ثَوابِه، وفي حَثِّه الخُطا إلى الشِّفاءِ، فاجتَثَّ جُذُورَ القَلَقِ مِن نَفسِك لِتَجتَثَّ المَرَضَ مِن جُذُورِه.
نعم، إنَّ القَلَقَ (أوِ الوَسْوَسةَ) يُضاعِفُ مَرَضَك ويَجعَلُه مَرَضَينِ، لِأنَّ القَلَقَ يَبُثُّ في القَلبِ یی تَحتَ وَطْأةِ المَرَضِ المادِّيِّ یی مَرَضًا مَعنَوِيًّا، فيَدُومُ المَرَضُ المادِّيُّ مُستَنِدًا إلَيْه، فإذا ما أَذهَبتَ عنك القَلَقَ والهَواجِسَ بتَسلِيمِ الأَمرِ للهِ والرِّضَا بقَضائِه، وباستِحضارِ حِكْمةِ المَرَضِ، فإنَّ مَرَضَك المادِّيَّ سيَفقِدُ فَرْعًاداُهِمًّا مِن جُذُورِه فيُخَفَّفُ، وقِسمٌ مِنه يَزُولُ، وإذا ما رافَقَتِ المَرَضَ المادِّيَّ أَوهامٌ وهَواجِسُ فقد يَكبُرُ عُشرَ مِعشارِ تلك الأَوْهامِ بواسِطةِ القَلَقِ إلى مِعشارٍ، ولكِن بانقِطاعِ القَلَقِ يَزُولُ تِسعةٌ مِن عَشَرةٍ مِن مَفعُولِ ذلك المَرَضِ.
وكما أنَّ القَلَقَ يَزِيدُ المَرَضَ، كَذلِك يَجعَلُ المَرِيضَ كأنّه يَتَّهِمُ الحِكْمةَ الإِلٰهِيّةَ ويَنتَقِدُ الرَّحمةَ الإِلٰهِيّةَ ويَشكُو مِن خالِقِه الرَّحِيمِ، لِذا يُؤدَّبُ المَرِيضُ بلَطَماتِ التَّأدِيبِ یی بخِلافِ ما يَقصِدُه هو یی مِمَّا يَزِيدُ مَرَضَه، إذ كما أنَّ الشُّكرَ يَزِيدُ النِّعَمَ فالشَّكوَى كَذلِك تَزِيدُ المَرَضَ والمُصِيبةَ.
هذا، وإنَّ القَلَق في حَدِّ ذاتِه مَرَضٌ، وعِلاجُه إنَّما هو في مَعرِفةِ حِكْمةِ المَرَضِ؛ وإذا ما عَرَفتَ حِكْمَتَه وفائِدَتَه، فامْسَحْ قَلَقَك بذلك المَرهَمِ وانْجُ بنَفسِك، وقُل بَدَلًا مِن "وا أَسَفاهْ!": "الحَمدُ للهِ على كلِّ حالٍ".

الدَّواءُ الحادِيَ عَشَرَ

أيُّها الأَخُ المَرِيضُ الجَزُوعُ.. معَ أنَّ المَرَضَ يُعطِيك أَلَمًا حاضِرًا، فهُو يَمنَحُك في الوَقتِ نَفسِه لَذّةً مَعنَوِيّةً مُستَدَرّةً مِن زَوالِ مَرَضِك السّابِقِ، معَ لَذّةٍ رُوحِيّةٍ نابِعةٍ مِنَ الثَّوابِ الحاصِلِ مِن جَرّاءِ ذلك المَرَضِ؛ فالزَّمانُ القابِلُ بَعدَ اليَومِ، بل بَعدَ هذه السَّاعةِ لا يَحمِلُ مَرَضًا.
ولا شَكَّ أنَّه لا أَلَمَ مِن غَيرِ شَيءٍ، وما لم يَكُن هُنالِك أَلَمٌ فلا تَوَجُّعَ ولا شَكْوَى؛ ولكِن لِأنَّك تَتَوهَّمُ تَوَهُّمًا خَطَأً فإنَّ الجَزَع يَنتابُك، إذ معَ زَوالِ فَتْرةِ المَرَضِ المادِّيِّ قد
— 311 —
ذابَ أَلَمُ تلك الفَتْرةِ أَيضًا، وثَبَت ثَوابُ المَرَضِ، وبَقِيَت لَذّةُ زَوالِه.. فمِنَ البَلاهةِ بل مِنَ الجُنُونِ أنْ تَتَذكَّر بَعدَ الآنَ المَرَضَ السَّابِقَ وتَتَألَّمَ مِنه، فتَفقِدَ صَبْرَك ويَنفَدَ مِنك، في حِينِ يَلزَمُك الِانشِراحُ بذَهابِه والِارتِياحُ بثَوابِه.
أمَّا الأَيَّامُ القابِلةُ فإنَّها لم تَأتِ بَعدُ، أَليسَ مِنَ البَلاهةِ إِشغالُ النَّفسِ مِنَ الآنَ بالتَّفكُّرِ في يَومٍ لم يُولَد بَعدُ، وفي مَرَضٍ لم يَنزِل بَعدُ وفي أَلَمٍ لم يَقَع بَعدُ؟! فهذا النَّوعُ مِنَ التَّوهُّمِ یی نَتِيجةَ التَّفكُّرِ المَرِيرِ وتَحمِيلِ النَّفسِ أَلَمًا مُوجِعًا یی يَدفَعُ إلى فِقْدانِ الصَّبْرِ ويَصبِغُ ثَلاثةَ أَنواعٍ مِنَ العَدَمِ بثَلاثِ مَراتِبَ مِنَ الوُجُودِ.. أَليسَ هذا جُنُونًا؟! فما دامَت أَزمِنةُ المَرَضِ الَّتي سَبَقَت هذه السَّاعةَ تَبعَثُ على النَّشوةِ والحُبُورِ، وما دامَ الزَّمانُ القابِلُ بعدَ هذه السّاعةِ مَعدُومًا، فالمَرَضُ مَعدُومٌ والأَلَمُ مَعدُومٌ.
فلا تُبذِّر يا أَخِي ما وَهَب لك الحَقُّ سُبحانَه وتَعالَى مِن قُوّةِ الصَّبْرِ يَمِينًا وشِمالًا، بل احْشُدْها جَمِيعًا مُقابِلَ الأَلَمِ الَّذي يَعتَرِيك في هذه السَّاعةِ وقُل: "يا صَبُورُ"، وتَحَمَّلْ صابِرًا مُحتَسِبًا!..

الدَّواءُ الثَّانِيَ عَشَرَ

أيُّها المَرِيضُ المَحرُومُ مِنَ العِبادةِ ومِن أَوْرادِه بسَبَبِ المَرَضِ.. ويا أيُّها الآسِفُ على ذلك الحِرمانِ.. اعْلَمْ أنَّه ثابِتٌ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعْناه: "أنَّ المُؤمِنَ التَّقِيَّ يَأتيه ثَوابُ ما كانَ يُؤدِّيه مِنَ العِبادةِ حتَّى في أَثناءِ مَرَضِه"، فالمَرَضُ لا يَمنَعُ ثَوابَه، فإنَّ المَرِيضَ المُؤَدِّيَ لِلفَرائِضِ یی على قَدْرِ استِطاعَتِه یی سيَنُوبُ المَرَضُ عن سائِرِ السُّنَنِ ويَحُلُّ مَحَلَّها أَثناءَ شِدّةِ المَرَضِ نِيابةً خالِصةً، لِمَا يَتَجمَّلُ به ذلك المَرِيضُ مِنَ الصَّبْرِ والتَّوكُّلِ والقِيامِ بالفَرائِضِ، وكذا يُشعِرُ المَرَضُ الإِنسانَ بعَجزِه وضَعفِه، فيَتَضرَّعُ المَرِيضُ بذلك العَجزِ وذلك الضَّعفِ بالدُّعاءِ حالًا وقَولًا.. ولم يُودِعِ اللهُ سُبحانَه وتَعالَى في الإِنسانِ عَجْزًا غَيرَ مَحدُودٍ وضَعْفًا غَيرَ مُتَناهٍ إلّا لِيَلتَجِئَ دائِمًا إلى الحَضْرةِ الإِلٰهِيّةِ بالدُّعاءِ سائِلًا راجِيًا، حَيثُ إنَّ الحِكْمةَ مِن خَلقِ الإِنسانِ والسَّبَبَ الأَساسَ لِأَهمِّيَّتِه هو الدُّعاءُ الخالِصُ بمَضمُونِ الآيةِ الكَرِيمةِ: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ،
— 312 —
ولِكَونِ المَرَضِ سَبَبًا لِلدُّعاءِ الخالِصِ، فلا تَصِحُّ الشَّكوَى مِنه، بل يَجِبُ الشُّكرُ لله، ولا يَنبَغِي أن تُجَفَّف يَنابِيعُ الدُّعاءِ الَّتي فَجَّرَها المَرَضُ عِندَ كَسبِ العافِيةِ.

الدَّواءُ الثَّالثَ عَشَرَ

أيُّها المِسكِينُ الشّاكِي مِنَ المَرَضِ، إنَّ المَرَضَ يَغدُو كَنزًا عَظِيمًا لِبَعضِ النّاسِ، وهَدِيّةً إِلٰهِيّةً ثَمِينةً لَهُم؛ وباستِطاعةِ كلِّ مَرِيضٍ أن يَتَصوَّرَ مَرَضَه مِن هذا النَّوعِ، حَيثُ إنَّ الحِكْمةَ الإِلٰهِيّةَ اقتَضَت أنْ يكُونَ الأَجَلُ مَجهُولًا وَقْتُه، إِنقاذًا لِلإِنسانِ مِنَ اليَأسِ المُطلَقِ ومِنَ الغَفْلةِ المُطلَقةِ، وإِبقاءً له بَينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، حِفظًا لِدُنياه وآخِرَتِه مِنَ السُّقُوطِ في هاوِيةِ الخُسرانِ.. أي: أنَّ الأَجَلَ مُتَوقَّعٌ مَجِيئُه كلَّ حِينٍ، فإن تَمَكَّن مِنَ الإِنسانِ وهُو سادِرٌ في غَفْلَتِه يُكبِّدُه خَسائِرَ فادِحةً في حَياتِه الأُخرَوِيّةِ الأَبدِيّةِ؛ فالمَرَضُ يُبدِّدُ تلك الغَفْلةَ ويُشَتِّیتُها، وبالتّالي يُذَكِّرُ بالآخِرةِ ويَستَحضِرُ المَوتَ في الذِّهنِ فيَتَأهَّبُ له، بل يَحدُثُ أن يُرْبِحَه رِبحًا عَظِيمًا، فيَفُوزَ خِلالَ عِشرِينَ يَومًا بما قد يَستَعصِي استِحصالُه خِلالَ عِشرِينَ سَنةً كامِلةً.. فعلى سَبِيلِ المِثالِ:
كانَ هُناك فَتَيانِ یی يَرحَمُهُما اللهُ یی أَحَدُهُما يُدعَى "صَبْرِي" مِن قَريةِ "إِيلاما" والآخَرُ "مُصطَفَى وَزِير زادَه" مِن "إِسلام كُوْي"، ورَغمَ كَونِهِما أُمِّيَّينِ مِن بَينِ طُلَّابِي، فقد كُنتُ أَلحَظُ بإِعجابٍ مَوقِعَهُما في الصَّفِّ الأَوَّلِ في الوَفاءِ والصِّدقِ وفي خِدْمةِ الإِيمانِ، فلم أُدرِك حِكْمةَ ذلك في حِينِها، ولكِن بَعدَ وَفاتِهِما عَلِمتُ أنَّهُما كانا يُعانِيانِ مِن داءَينِ عُضالَينِ، وبإِرشادٍ مِن ذلك المَرَضِ أَصبَحا على تَقوَى عَظِيمةٍ يَسعَيانِ في خِدْمةٍ راقِيةٍ، وفي وَضْعٍ نافِعٍ لِآخِرَتِهما، على خِلافِ سائِرِ الشَّبابِ الغافِلِينَ التّارِكِينَ لِلفَرائِضِ.. فنَسأَلُ اللهَ أن تكُونَ سَنَتا المَرَضِ والمُعاناةِ اللَّتانِ قَضَياهُما في الحَياةِ الدُّنيا قد تَحَوَّلَتا إلى مَلايِينِ السِّنِينَ مِن سَعادةِ الحَياةِ الأَبدِيّةِ.
والآنَ فقط أَفهَمُ أنَّ دُعائِي لَهُما بالشِّفاءِ قد أَصبَحَ دُعاءً علَيْهِما مِن زاوِيةِ الدُّنيا، ولكِن أَرجُو اللهَ أن يكُونَ دُعائِي مُستَجابًا لِصِحَّتِهِما الأُخرَوِيّةِ.
— 313 —
وهكَذا استَطاعَ هذانِ الشَّخصانِ یی حَسَبَ اعتِقادِي یی الحُصُولَ على رِبحٍ يُساوِي الكَسبَ الَّذي يُحَقِّقُه الإِنسانُ بالسَّعيِ والتَّقوَى لِعَشرِ سِنِينَ في الأَقلِّ، فلو كانا مُتَباهِيَينِ بصِحَّتِهِما كبَعضِ الشَّبابِ وسائِقَينِ لِنَفسَيهِما إلى شِراكِ الغَفْلةِ والسَّفاهةِ حتَّى يَأتِيَهُما المَوتُ المُتَرصَّدُ، وهُما يَتَخبَّطانِ في أَوْحالِ الخَطايا وظُلُماتِها، لَكان قَبراهُما جُحُورَ العَقارِبِ والأَفاعِي بَدَلًا مِن كَونِهِما الآنَ دَفائِنَ النُّورِ وكُنُوزَ البَهْجةِ.
فما دامَتِ الأَمراضُ تَحمِلُ في مَضامِينِها هذه المَنافِعَ الكَبِيرةَ فلا يَجُوزُ الشَّكوَى مِنها، بل يَجِبُ الِاعتِمادُ على الرَّحمةِ الإِلٰهِيّةِ بالتَّوَكُّلِ والصَّبْرِ، بل بالحَمدِ والشُّكرِ.

الدَّواءُ الرَّابعَ عَشَرَ

أيُّها المَرِيضُ المُسدَلُ على عَينَيه، إذا أَدرَكْتَ أنَّ هُنالِك نُورًا، وأيُّ نُورٍ! وعَينًا مَعنَوِيّةً تَحتَ ذلك الحِجابِ المُسدَلِ على أَعيُنِ أَهلِ الإِيمانِ، فستَقُولُ: "شُكرًا وأَلفُ شُكرٍ لِرَبِّي الرَّحِيمِ"، وتَوضِيحًا لِهذا المَرهَمِ سأُورِدُ الحادِثةَ الآتِيةَ:
لقد أُصِيبَت عَمَّةُ "سُلَيْمانَ" یی وهُو مِن "بارْلا" یی الَّذي ظَلَّ يَخدُمُني دُونَ أن يَمَلَّني يَومًا أو أَتَضايَقَ بشَيءٍ مِنه طَوالَ ثَمانِي سَنَواتٍ خِدمةً مَقرُونةً بكَمالِ الوَفاءِ والِاحتِرامِ.. أُصِيبَت هذه المِسكِينةُ بالعَمَى فانطَفَأ نُورُ عَينِها، ولِفَرْطِ حُسنِ ظَنِّ تلك المَرأةِ الصّالِحةِ بي أَكثَرَ مِمّا أَستَحِقُّ بكَثِيرٍ تَشَبَّثَت بي وأنا أُغادِرُ المَسجِدَ قائِلةً: "باللهِ علَيْك ادْعُ اللهَ لي مِن أَجلِ عَينِي"، وأنا بِدَوْرِي جَعَلتُ صَلاحَ تلك المَرأةِ المُبارَكةِ المُؤمِنةِ قَرِينًا وشَفِيعًا لِدُعائِي، فدَعَوتُ اللهَ بتَضَرُّعٍ وتَوَسُّلٍ قائِلًا: "اللَّهُمَّ يا رَبَّنا بحُرمةِ صَلاحِها اكْشِفْ عن بَصَرِها".
وفي اليَومِ التّالي جاءَ طَبِيبٌ مِن وِلايةِ "بُورْدُور" القَرِيبةِ، وهُو مُختَصٌّ بالعُيُونِ، فعالَجَها، فرَدَّ اللهُ علَيْها بَصَرَها، وبَعدَ أَربَعِينَ يَومًا عادَت عَينُها إلى حالَتِها الأُولَى، فتَألَّمتُ لِذلِك كَثِيرًا ودَعَوتُ دُعاءً كَثِيرًا، وأَرجُو أن يكُونَ دُعائي مُستَجابًا على حِسابِ آخِرَتِها، وإلّا فإنَّ دُعائي ذلك سيُصبِحُ یی خَطَأً یی دُعاءً علَيْها، حَيثُ قد بَقِيَت لِتَستَوفِيَ أَجَلَها أَربَعِينَ يَومًا فقط؛ إذ بَعدَ أَربَعِينَ يَومًا مَضَت إلى رَحْمةِ اللهِ.
— 314 —
وهكذا، فإنَّ حِرمانَ هذه المَرأةِ المَرجُوِّ لَها الرَّحْمةُ مِن نِعمِة النَّظَرِ ببَصَرِ الشَّيخُوخةِ العَطُوفِ والِاستِمتاعِ بجَمالِ الحَدائِقِ الحَزِينةِ لی"بارْلا" وإِسدالِ الحِجابِ بَينَها وبَينَ المُرُوجِ اللَّطِيفةِ خِلالَ أَربَعِينَ يَومًا، قد عَوَّض عنها الآنَ في قَبْرِها: إِطلالُها على الجَنّةِ ومُشاهِدةُ أَلفافِ حَدائِقِها الخَضراءِ لِأَربَعِينَ أَلفَ يَومٍ ويَومٍ.. ذلك لِأنَّ إِيمانَها كان راسِخًا عَمِيقًا وصَلاحَها كان مُشِعًّا عَظِيمًا.
نعم، المُؤمِنُ إذا ما أُسدِلَ على عَينَيه حِجابٌ ودَخَل القَبْرَ هكَذا، فإنَّه يَستَطِيعُ أن يُشاهِدَ عالَمَ النُّورِ یی حَسَبَ دَرَجَتِه یی بنَظَرٍ أَوسَعَ مِن نَظَرِ أَهلِ القُبُورِ؛ إذ كما أنَّنا نَرَى بعُيُونِنا أَكثَرَ الأَشياءِ في هذه الدُّنيا، والمُؤمِنُونَ العُميانُ لا يَستَطِيعُونَ رُؤيَتَها، ففي القَبْرِ أَيضًا سيَیرَى أُولَئِك العُميانُ یی بتِلك الدَّرَجةِ یی إن كانُوا أَصحابَ إِيمانٍ أَكثَرَ مِمّا يَراه أَهلُ القُبُورِ، وسيُشاهِدُونَ بَساتِينَ الجَنّةِ ونَعِيمَها كأنَّهُم مُزَوَّدُونَ بمَراصِدَ یی كلٌّ حَسَبَ دَرَجَتِه یی تَلتَقِطُ مَناظِرَ الجَنّةِ الرّائِعةَ وتَعرِضُها كالشَّاشةِ السِّينَمائيّةِ أَمامَ أَعيُنِ أُولَئِك المَكفُوفِينَ الَّذِينَ حُرِمُوا مِن نُورِ أَبصارِهِم في الدُّنيا.
فبِإمكانِك أيُّها الأَخُ الحُصُولُ على هذه العَينِ النُّورانيّةِ الَّتي تَكشِفُ عنِ الجَنّةِ فيما فَوقَ السَّماواتِ العُلا وأَنتَ بَعدُ تَحتَ الثَّرَى، وذلك بالصَّبرِ والشُّكرِ على ذلك الحِجابِ المُسدَلِ على عَينَيك، واعْلَمْ أنَّ الحَكِيمَ المُختَصَّ بالعَينِ والقادِرَ على رَفعِ ذلك الحِجابِ عن عَينَيك لِتَرى بتلك العَينِ النُّورانيّةِ، إنَّما هو القُرآنُ الحَكِيمُ.

الدَّواءُ الخامِسَ عَشَرَ

أيُّها المَرِيضُ المُتَأوِّهُ بالأَنينِ.. لا تَتَأوَّهْ أَبدًا ولا تَئِنَّ ناظِرًا إلى صُورةِ المَرَضِ القَبِيحةِ المَذمُومةِ، بلِ انظُرْ إلى مَعناه وفَحْواه وانبَسِطْ قائِلًا: "الحَمدُ للهِ".
فلو لم يَكُن مَعنَى المَرَضِ شَيئًا جَمِيلًا لَمَا كانَ الخالِقُ الرَّحِيمُ يَبتَلِي أَحَبَّ أَحِبّائِه مِن عِبادِه بالأَمراضِ والأَسقام، فقد جاءَ في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «أَشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنبِياءُ، ثمَّ الأَولياءُ، ثمَّ الأَمثَلُ فالأَمثَلُ» أو كما قال. ويَقِفُ في مُقدِّمةِ المُبتَلَينَ النَّبِيُّ الصّابِرُ
— 315 —
أَيُّوبُ عَلَيهِ السَّلَام، ثمَّ الأَنبِياءُ الباقُونَ عَلَيهِم السَّلَام، ثمَّ الأَولِياءُ ثمَّ الصّالِحُونَ. وقد تَلَقَّوا جَمِيعًا تلك الأَمراضَ الَّتي قاسَوْها عِبادةً خالِصةً وهَدِيّةً رَحْمانيّةً، فأَدَّوُا الشُّكرَ مِن خِلالِ الصَّبرِ، وكانُوا يَرَونَها نَوعًا مِنَ العَمَلِيّاتِ الجِراحِيّةِ تُمنَحُ لَهُم مِن لَدُنِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ.
فأَنتَ أَيُّها المَرِيضُ المُتَأوِّهُ المُتَألِّمُ: إنْ كُنتَ تَرُومُ الِالتِحاقَ بهذه القافِلةِ النُّورانيّةِ، فأَدِّ الشُّكرَ في ثَنايا الصَّبْرِ، وإلّا فإنَّ شَكْواك ستَجعَلُهُم يُحجِمُونَ عن ضَمِّك إلى قافِلَتِهِم، وستَهوِي بنَفسِك في هُوّةِ الغافِلِينَ! وستَسلُكُ دَرْبًا تُخَيِّمُ علَيْه الظُّلُماتُ.
نعم، هُنالِك أَمراضٌ إذا أَعقَبَتْها المَنِيّةُ، يُكَلَّلُ صاحِبُها بشَهادةٍ مَعنَوِيّةٍ تَجعَلُه يُحرِزُ مَقامَ الوِلايةِ للهِ، وهِي تلك الأَمراضُ الَّتي تَتَمخَّضُ عنِ الوِلادةِ (حاشية): يَمتَدُّ كَسبُ هذا المَرَضِ لِلشَّهادةِ المَعنَوِيّة لِغايةِ انتِهاءِ مُدّةِ النِّفاسِ، وهِي أَربَعُونَ يَومًا. وغُصَصِ البَطنِ، والغَرَقِ والحَرقِ والطَّاعُونِ، فهذه الأَمراضُ إذا ماتَ بها صاحِبُها فإنَّه سيَرتَفِعُ إلى دَرَجةِ الشَّهِيدِ المَعنَوِيِّ. فهُنالِك أَمراضٌ كَثِيرةٌ ذاتُ بَرَكةٍ تُكسِبُ صاحِبَها دَرَجةَ الوِلايةِ بالمَوتِ الَّذي تَنتَهِي به؛ ولَمّا كانَ المَرَضُ يُخَفِّفُ مِن شِدّةِ حُبِّ الدُّنيا وغَلْوائِها ومِن عِشقِها والعَلاقةِ الشَّدِيدةِ بها؛ فهُو يُخَفِّفُ كَذلِك الفِراقَ الأَلِيمَ والمُرَّ لِأَهلِ الدُّنيا وهُم يُغادِرُونَها بالمَوتِ بل قد يُحبِّبُه إلَيْهِم.

الدَّواءُ السّادِسَ عَشَرَ

أيُّها المَرِيضُ الشَّاكِي مِنَ الضَّجَرِ.. إنَّ المَرَض يُلقِّنُ صاحِبَه أَهَمَّ عُرَى الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ والإِنسانيّةِ وأَجمَلَ أَواصِرَها، وهُما الِاحتِرامُ والمَحَبّةُ، لِأنَّه يُنقِذُ الإِنسانَ مِنَ الِاستِغناءِ عنِ الآخَرِينَ، ذلك الِاستِغناءِ الَّذي يَسُوقُ إلى الوَحْشةِ ويُجَرِّدُ الإِنسانَ مِنَ الرَّحمةِ، لِأنَّه كما يَتَبيَّنُ مِنَ الآيةِ الكَرِيمةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ٭ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى أنَّ النَّفسَ الأَمّارةَ الواقِعةَ في شِباكِ الِاستِغناءِ یی النَّاجِمِ عنِ الصِّحّةِ والعافِيةِ یی لن تَشعُرَ بالِاحتِرامِ اللَّائِقِ تِجاهَ العَلاقاتِ الأَخَوِيّةِ، ولن تُحِسَّ بالرَّحمةِ والرَّأفةِ بالمُبتَلَينَ بالمَصائِبِ والأَمراضِ الجَدِيرِينَ بالرَّحمةِ والعَطفِ.
— 316 —
ولكِن مَتَى ما انتابَ الإِنسانَ المَرَضُ وأَدرَك مَدَى عَجْزِه، ومَدَى فَقْرِه، تَحتَ ضُغُوطِ المَرَضِ وآلامِه وأَثقالِه، فإنَّه يَشعُرُ بالِاحتِرامِ لِإخوانِه المُؤمِنِينَ اللّائِقِينَ بالِاحتِرامِ، الَّذِينَ يَقُومُونَ برِعايتِه، أوِ الَّذِينَ يَأتُونَ لِعِيادَتِه، ويَشعُرُ كَذلِك بالرَّأفةِ الإِنسانيّةِ وهِي خَصْلةٌ إِسلاميّةٌ تِجاهَ أَهلِ المَصائِبِ والبَلايا یی قِياسًا على نَفسِه یی فتَفِيضُ مِن قَلبِه الرَّحمةُ والرَّأفةُ بكُلِّ مَعانيهِما تِجاهَهُم، وتَضطَرِمُ عِندَه الشَّفَقةُ حارّةً إِزاءَهُم، وإذا استَطاعَ قَدَّم لَهُم يَدَ العَوْنِ، وإن لم يَقدِر علَيْه شَرَع بالدُّعاءِ لَهُم، أو بزِيارَتِهِم والِاستِفسارِ عن راحَتِهِم وأَحوالِهِم، مُؤَدِّيًا بذلك سُنّةً مَشرُوعةً كاسِبًا ثَوابَها العَظِيمَ.

الدَّواءُ السَّابِعَ عَشَرَ

أيُّها المَرِيضُ الشّاكِي مِنَ العَجزِ عنِ القِيامِ بأَعمالِ البِرِّ.. كُن شاكِرًا، فإنِّي أُبَشِّرُك بأنَّ الَّذي يَفتَحُ أَبوابَ أَخلَصِ الخَيراتِ إنَّما هو المَرَضُ نَفسُه، فالمَرَضُ فَضلًا عن أنَّه يُورِثُ ثَوابًا مُستَمِرًّا لِلمَرِيضِ ولِلَّذِينَ يَرعَوْنَه لوَجهِ اللهِ، فهُو يُمثِّلُ أَهَمَّ وَسِيلةٍ لِقَبُولِ الدُّعاءِ.
نعم، إنَّ رِعايةَ المَرضَى تَجلُبُ لِأَهلِ الإِيمانِ ثَوابًا عَظِيمًا، وإنَّ زِيارَتَهُم والسُّؤالَ عن صِحَّتِهِم وراحَتِهِم بشَرطِ عَدَمِ تَنغِيصِهِم لَهِيَ مِنَ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ، وهِي كَفّارةٌ لِلذُّنُوبِ في الوَقتِ نَفسِه.. وقد وَرَد حَدِيثٌ بهذا المَعنَى: "اُطلُبُوا دُعاءَ المَرِيضِ فدُعاؤُه مُستَجابٌ"، وبخاصّةٍ إنْ كانَ المَرِيضُ مِنَ الأَقرَبِينَ، وبخاصّةٍ إن كانَ والِدًا أو والِدةً، فإنَّ خِدْمَتَهُما هي عِبادةٌ مُهِمّةٌ وهِي مَثُوبةٌ كُبرَى أَيضًا.. وإنَّ تَطمِينَ أَفئِدةِ المَرضَى وبَثَّ السُّلوانِ في قُلُوبِهِم، يُعتَبَرُ بحُكْمِ صَدَقةٍ مُهِمّةٍ.. فما أَسعَدَ أُولَئِك الأَبناءَ الَّذِينَ يَقُومُونَ برِعايةِ آبائِهِم أو أُمَّهاتِهِم عِندَ مَرَضِهِم، ويُدخِلُونَ البَهْجةَ في قُلُوبِهِمُ الرَّقيقةِ المُرهَفةِ، فيَفُوزُونَ بدُعاءِ الوالِدَينِ لَهُم.
نعم، إنَّ الحَقِيقةَ الَّتي تَستَحِقُّ احتِرامًا أَكثَرَ ومَكانةً أَسمَى في الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ هي شَفَقةُ الوالِدَينِ، وتَعوِيضُ الأَبناءِ الطَّيِّبِينَ لِتِلك الشَّفَقةِ، بتَوجِيهِ الِاحتِرامِ اللّائِقِ والعاطِفةِ البارّةِ الزَّكِيّةِ إلَيْهِما حِينَما يُعانُونَ مِن مَرَضٍ.. وهِي لَوْحةٌ وَفِيّةٌ تُظهِرُ الوَضْعَ
— 317 —
الجَيِّدَ لِلأَبناءِ وسُمُوَّ الإِنسانيّةِ بحَيثُ تُثِيرُ إِعجابَ كلِّ المَخلُوقاتِ حتَّى المَلائِكةَ، فيُحَيُّونَها مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ وهاتِفِينَ: "ما شاءَ اللهُ! بارَكَ اللهُ!".
نعم، إنَّ العَواطِفَ والرَّأفةَ والرَّحْمةَ المُحَلِّقةَ حَوالَيِ المَرِيضِ لَتُذِيبُ أَلَمَ المَرِيضِ وتُحَوِّلُه إلى لَذّاتٍ حُلْوةٍ مُفرِحةٍ.
إنَّ قَبُولَ دُعاءِ المَرِيضِ والِاستِجابةَ له مَسأَلةٌ مُهِمّةٌ جَدِيرةٌ بالِاهتِمامِ، فمُنذُ حَوالَيْ أَربَعِينَ سَنةً كُنتُ أَدعُو لِلشِّفاءِ مِن مَرَضٍ في ظَهْرِي، ثمَّ أَدرَكتُ أنَّ المَرَضَ يُمنَحُ لِأَجلِ الدُّعاءِ، ولِأَنَّ الدُّعاءَ لا يَرفَعُ دُعاءً، أي: أنَّ الدُّعاءَ لِعَدَمِ تَمَكُّنِه مِن إِزالةِ نَفسِه فإنَّ نَتِيجَتَه أُخرَوِيّةٌ. (حاشية): أجل، مع أنَّ قِسمًا مِنَ الأَمراضِ يُشكِّلُ عِلّةً لِوُجُودِ الدُّعاءِ، إلّا أنَّه إذا أَصبَحَ الدُّعاءُ سَببًا لِعَدَمِ المَرَضِ، فكَأنَّ الدُّعاءَ يُصبِحُ سَببًا لِعَدَمِ نَفسِه، وهذا لا يُمكِن. والدُّعاءُ بذاتِه نَوعٌ مِنَ العِبادةِ، إذ يَلتَجِئُ المَرِيضُ إلى المَلاذِ الإِلٰهِيِّ عِندَ إِدراكِه لِعَجْزِه.
ولِهذا فإنَّ عَدَمَ القَبُولِ الظّاهِرِيَّ لِدَعوَتِي بالشِّفاءِ مِن مَرَضِي طَوالَ ثَلاثِينَ سَنةً لم يَصرِفْني أَبدًا إلى التَّفكِيرِ في يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ بتَركِه والتَّخَلِّي عنه، ذلك لِأنَّ المَرَضَ أَوانُ الدُّعاءِ ووَقتُه، والشِّفاءَ ليس نَتِيجةَ الدُّعاءِ، بل إذا وَهَب اللهُ سُبحانَه یی وهُو الحَكِيمُ الرَّحِيمُ یی الشِّفاءَ فإنَّه يَهَبُه مِن فَضلِه وكَرَمِه، وإنَّ عَدَم قَبُولِ الدُّعاءِ بالشَّكلِ الَّذي نُرِيدُه لا يَقُودُنا إلى القَولِ بأنَّ الدُّعاءَ لم يُستَجَب، فالخالِقُ الحَكِيمُ يَعلَمُ أَفضَلَ مِنّا ونَحنُ نَجهَلُ، وأنَّه سُبحانَه يَسُوقُ إلَيْنا ما هو خَيرٌ لنا وأَنفَعُ، وأنَّه يَدَّخِرُ لنا الأَدعِيةَ الخاصّةَ بدُنيانا أَحيانًا لِتَنفَعَنا في أُخرانا، وهكذا يَقبَلُ الدُّعاءَ.
— 317 —
غِي أن يَستَفِيدُوا مِن هذا الدُّعاءِ.
— 318 —

الدَّواءُ الثَّامِنَ عَشَر

أيُّها المَرِيضُ التَّارِكُ لِلشُّكرِ والمُستَسلِمُ لِلشَّكوَى..
الشَّكوَى تكُونُ نابِعةً مِن وُجُودِ حَقٍّ يَعُودُ إِلَيْك، وأَنتَ لم يَذهَب حَقُّك سُدًى حتَّى تَشكُوَ، بل علَيْك حُقُوقٌ كَثِيرةٌ لم تُؤَدِّ بَعدُ شُكرَها.. إنَّك لم تُؤَدِّ حَقَّ اللهِ علَيْك، وفَوقَ ذلك تَقُومُ بالشَّكوَى بالباطِلِ وكأَنَّك على حَقٍّ، فلَيسَ لك أن تَشكُوَ ناظِرًا إلى مَن هو أَعلَى مِنك مَرتَبةً مِنَ الأَصِحّاءِ، بل علَيْك النَّظَرُ إلى أُولَئِك العاجِزِينَ مِنَ المَرضَى الَّذِينَ هُم أَدنَى مِنك دَرَجةً مِن زاوِيةِ الصِّحّةِ.
فأَنتَ مُكلَّفٌ إِذًا بالشُّكرِ الجَزِيلِ، فإذا كانَت يَدُك مَكسُورةً فتَأَمَّلِ الأَيدِيَ المَبتُورةَ، وإذا كُنتَ ذا عَينٍ واحِدةٍ فتَأَمَّلِ الفاقِدِينَ لِكِلتا العَينَينِ.. حتَّى تَشكُرَ اللهَ سُبحانَه.
نعم، فلَيسَ لِأَحَدٍ في زاوِيةِ النِّعمةِ حَقٌّ بمَدِّ البَصَرِ إلى مَن هو فَوقَه، لِتَتَأجَّجَ نارُ الشَّكوَى المُحرِقةُ عِندَه، وعِندَ المُصِيبةِ يَتَحتَّمُ على المَرءِ النَّظَرُ إلى مَن هو أَشَدُّ مِنه مُصِيبةً وأَعظَمُ مَرَضًا لِيَشكُرَ بعدَ ذلك قانِعًا بما هو فيه.. وقد وُضِّحَ هذا السِّرُّ في بَعضِ الرَّسائِلِ بمِثالٍ مَقتَضاه كالآتي:
شَخصٌ يَأخُذُ بِيَدِ مِسكِينٍ ليُصعِدَهُ إلى قِمّةِ مَنارةٍ، ويُهدِي إلَيْه في كلِّ دَرَجةٍ مِن دَرَجاتِ المَنارةِ هَدِيّةً، وأَخِيرًا يَختِمُ تلك الهَدايا بأَعظَمِ هَدِيّةٍ يَهَبُها له عِندَ قِمّةِ المَنارةِ.. وإذ كانَ المَفرُوضُ على هذا المِسكِينِ أن يُقدِّمَ الشُّكرَ والِامتِنانَ إِزاءَ الهَدايا المُتَنوِّعةِ، تَراه يَتَناسَى كلَّ تلك الهَدايا الَّتي أَخَذَها عِندَ تلك الدَّرَجاتِ، أو يَعُدُّها غَيرَ ذاتِ بالٍ، فلا يَشكُرُ، رافِعًا بَصَرَه إلى مَن هو أَعلَى مِنه شاكِيًا قائِلًا: "لو كانَت هذه المَنارةُ أَعلَى مِمّا هي علَيْه، لِأَبلُغَ أَعلَى دَرَجةٍ مِن هذه الدَّرَجاتِ! لِمَ لم تُصبِحْ مِثلَ ذلك الجَبَلِ الشّاهِقِ ارتفِاعًا أوِ المَنارةِ المُجاوِرةِ؟!".
وهكذا إذا قامَ هذا الرَّجُلُ بهذه الشَّكوَى، فما أَعظَمَ ما يَرتَكِبُه مِن كُفْرانٍ بالنِّعمةِ! وما أَعظَمَ ما يَقتَرِفُ مِن تَجاوُزٍ على الحَقِّ!
— 319 —
وكذا حالُ الإِنسانِ الَّذي أَتَى إلى الوُجُودِ مِنَ العَدَمِ ولم يُصبِح حَجَرًا ولا شَجَرًا ولا حَيَوانًا، بل إِنسانًا مُسلِمًا، وقد تَمَتَّع كَثِيرًا بالصِّحّةِ والعافِيةِ، ونالَ دَرَجةً مِنَ النِّعمةِ سامِيةً.. معَ هذا يَأتِي هذا الإِنسانُ ويُظهِرُ الشَّكوَى مِن عَدَمِ تَمَتُّعِه بالصِّحّةِ والعافِيةِ نَتِيجةَ بَعضِ العَوارِضِ، أو لِإضاعَتِه النِّعَمَ بسُوءِ اختِيارِه، أو مِن سُوءِ الِاستِعمالِ، أو لِعَجْزِه عنِ الوُصُولِ إلَيْها، ثمَّ يقُولُ: "يا وَيْلَتا! ماذا جَنَيتُ حتَّى حَلَّ بي ما حَلَّ"، ناطِقًا بما يَشِي بانتِقادٍ لِلرُّبُوبيّةِ الإِلٰهِيّةِ. فهذه الحالةُ هي مَرَضٌ مَعنَوِيٌّ ومُصِيبةٌ أَكبَرُ مِنَ المَرَضِ المادِّيِّ والمُصِيبةِ الَّتي هو فيها، فهُو يَزِيدُ مَرَضَه بالشَّكوَى كمَن يُصارِعُ ويَدُه مَرضُوضةٌ؛ لكِنَّ العاقِلَ هو الَّذي يُسَلِّمُ الأَمرَ للهِ صابِرًا بِسِرِّ: لِكُلِّ مُصِيبةٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ حتَّى يَنتَهِيَ ذلك المَرَضُ مِن أَداءِ وَظِيفَتِه ويَمضِيَ إلى شَأْنِه.

الدَّواءُ التَّاسِعَ عشَرَ

إنَّ التَّعبِيرَ الصَّمَدانِيَّ بإِطلاقِ "الأَسماءِ الحُسنَى" على جَمِيعِ أَسماءِ اللهِ الجَمِيلِ ذِي الجَلالِ يَدُلُّ على أنَّ تلك الأَسماءَ جَمِيلةٌ كُلُّها، وحَيثُ إنَّ الحَياةَ هي أَجمَلُ مِرآةٍ صَمَدِيّةٍ وأَلطَفُها وأَجمَعُها في المَوجُوداتِ، وإنَّ مِرآةَ الجَمِيلِ جَمِيلةٌ أَيضًا، وإنَّ المِرآةَ الَّتي تَعكِسُ مَحاسِنَ الجَمِيلِ تُصبِحُ جَمِيلةً أَيضًا، وإنَّ كلَّ شَيءٍ يُصِيبُ تلك المِرآةَ مِن ذلك الجَمِيلِ هو جَمِيلٌ كَذلِك، فكُلُّ ما يُصِيبُ الحَياةَ جَمِيلٌ أَيضًا مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ، ذلك لِأنَّه يُظهِرُ النُّقُوشَ الجَمِيلةَ لِتِلك "الأَسماءِ الحُسنَى" الجَمِيلةِ.
فلو مَضَتِ الحَياةُ بالصِّحّةِ والعافيةِ على نَسَقٍ واحِدٍ، لَأَصبَحَت مِرآةً ناقِصةً، بل قد تُشعِرُ یی في جِهةٍ مّا یی بالعَدَمِ والعَبَثِ، فتُذِيقُ العَذابَ والضِّيقَ، وتَهبِطُ قِيمةُ الحَياةِ، وتَنقَلِبُ لَذّةُ العُمُرِ وهَناؤُه إلى أَلَمٍ وغُصّةٍ، فيُلقِي الإِنسانُ بنَفسِه إمّا إلى أَوْحالِ السَّفاهةِ أو إلى أَوْكارِ اللَّهوِ والعَربَدةِ لِيَقضِيَ وَقتَه سَرِيعًا، مَثَلُه كمَثَلِ المَسجُونِ الَّذي يُعادِي عُمُرَه الثَّمِينَ ويَقتُلُه بسُرعةٍ، بُغْيةَ إِنهاءِ مُدّةِ السِّجنِ؛ ولكِنَّ الحَياةَ الَّتي تَمضِي بالتَّحَوُّلاتِ والحَرَكةِ وتَقضِي أَطْوارًا شَتَّى فإنَّها تُشعِرُ أنَّ لها قِيمةً ووَزْنًا، وتُنتِجُ یی هذه الحَياةُ یی لِلعُمُرِ أَهَمِّيّةً
— 320 —
وتُكسِبُه لَذّةً، حتَّى إنَّ الإِنسانَ لا يَرغَبُ في أن يَمضِيَ عُمُرُه، رَغمَ ما يُعانِيه مِن أَصنافِ المَشاقِّ والمَصائِبِ، ولا يَتَأوَّهُ ولا يَتَحسَّرُ قائِلًا: "أنَّى لِلشَّمسِ أن تَغِيبَ، وأنَّى لِلَّيْلِ أن يَنجَلِيَ!".
نعم، إنْ شِئتَ فاسْأَلْ شَخْصًا ثَرِيًّا عاطِلًا، كلُّ شَيءٍ عِندَه على ما يُرامُ، اسْأَلْه: كَيفَ حالُك؟ فستَسمَعُ مِنه حَتْمًا عِباراتٍ أَلِيمةً وحَسْرةً مِثلَ: آهٍ مِن هذا الوَقتِ.. إنَه لا يَمُرُّ.. ألا تَأتِي لِنَبحَثَ عن لَهْوٍ نَقضِي به الوَقتَ؟ هلُمَّ لِنَلعَبَ النَّردَ قلِيلًا..!. أو تَسمَعُ شَكاوَى ناجِمةً عن طُولِ الأَمَلِ مِثلَ: إنَّ أَمرِي الفُلانِيَّ ناقِصٌ.. لَيتَنِي أَفعَلُ كذا وكذا.. أمّا إذا سَأَلتَ فَقِيرًا غارِقًا في المَصائِبِ أو عامِلًا كادِحًا: كَيفَ حالُك؟ فإنْ كانَ رَشِيدًا فسيَقُولُ لك: إنِّي بخَيرٍ والحَمدُ للهِ، وأَلفُ شُكرٍ لِرَبِّي، فإنِّي في سَعيٍ دائِمٍ.. يا حَبَّذا لو لم تَغرُبِ الشَّمسُ بسُرعةٍ لِأَقضِيَ ما في يَدِي مِن عَمَل؛ فالوَقتُ يَمُرُّ حَثِيثًا والعُمُرُ يَمضِي دُونَ تَوَقُّفٍ، ورَغمَ أنِّي مُنهَمِكٌ في الواقِعِ، إلّا أنَّ هذا سيَمضِي أَيضًا.. فكُلُّ شَيءٍ يَحُثُّ خُطاه على هذا المِنوالِ..!! فهُو بهذه الأَقوالِ إنَّما يُعبِّیرُ عن قِيمةِ العُمُرِ وأَهَمِّيَّتِه ضِمنَ أَسَفِه على العُمُرِ الَّذي يَهرُبُ مِنه، آسِفًا على ذلك.. فهُو يُدرِكُ لَذَّةَ العُمُرِ وقِيمةَ الحَياةِ بواسِطةِ الكَدِّ والمَشَقّةِ، أمّا الرّاحةُ والدَّعةُ والصِّحّةُ والعافِيةُ فهِي تَجعَلُ العُمُرَ مُرًّا، وتُثقِلُه بحَيثُ يَتَمنَّى المَرءُ الخَلاصَ مِنه بسُرعةٍ.
أيُّها الأَخُ المَرِيضُ، اِعلَمْ أنَّ أَصلَ المَصائِبِ والشُّرُورِ یی بل حتَّى الذُّنوبِ یی إنَّما هو العَدَمُ كما أُثبِتَ ذلك إِثباتًا قاطِعًا ومُفَصَّلًا في سائِرِ الرَّسائِلِ؛ والعَدَمُ هو شَرٌّ مَحضٌ وظُلمةٌ تامّةٌ؛ فالتَّوَقُّفُ والرَّاحةُ والسُّكُونُ على نَسَقٍ واحِدٍ ووَتيرةٍ واحِدةٍ حالاتٌ قَرِيبةٌ جِدًّا مِنَ العَدَمِ والعَبَثِ، ودُنُوُّها هذا هو الَّذي يُشعِرُ بالظُّلمةِ المَوجُودةِ في العَدَمِ ويُورِثُ ضَجَرًا وضِيقًا؛ أمَّا الحَرَكةُ والتَّحَوُّلُ فهُما وُجُودانِ ويُشعِرانِ بالوُجُودِ، والوُجُودُ هو خَيرٌ خالِصٌ ونُورٌ.
فما دامَتِ الحَقِيقةُ هكذا، فإنَّ المَرَضَ الَّذي فيكَ إنَّما هو ضَيفٌ مُرسَلٌ إلَيْك لِيُؤَدِّيَ وَظائِفَه الكَثِيرةَ، فهُو يَقُومُ بتَصفِيةِ حَياتِك القَيِّمةِ وتَقوِيَتِها، ويَرتَقِي بها ويُوَجِّهُ
— 321 —
سائِرَ الأَجهِزةِ الإِنسانيّةِ الأُخرَى في جَسَدِك إلى مُعاوَنةِ ذلك العُضوِ العَلِيلِ، ويُبْرِزُ نُقُوشَ أَسماءِ الصَّانِعِ الحَكِيمِ، وسيَنتَهِي مِن وَظِيفَتِه قَرِيبًا إن شاءَ اللهُ ويَمضِي إلى شَأْنِه مُخاطِبًا العافِيةَ: تَعالَيِ الآنَ لِتَمكُثِي مَكاني دائِمًا، وتُراقِبِي أَداءَ وَظِيفَتِكِ مِن جَدِيدٍ، فهذا مَكانُكِ، تَسَلَّمِيه واسْكُنِيه.. هَنِيئًا.

الدَّواءُ العِشرُونَ

أيُّها المَرِيضُ الباحِثُ عن دَوائِه.. اِعْلَمْ أنَّ المَرَضَ قِسمانِ: قِسمٌ حَقِيقيٌّ، وقِسمٌ آخَرُ وَهْمِيٌّ.
أمّا القِسمُ الحَقِيقيُّ: فقد جَعَل الشّافي الحَكِيمُ الجَلِيلُ جَلَّ وعلا لِكُلِّ داءٍ دَواءً، وخَزَنَه في صَيْدليَّتِه الكُبْرَى الَّتي هي الكُرةُ الأَرضِيّةُ، فتِلك الأَدوِيةُ تَستَدعِي الأَدْواءَ، وقد خَلَق سُبحانَه لِكُلِّ داءٍ دَواءً، فاستِعمالُ العِلاجِ وتَناوُلُه لِغَرَضِ التَّداوِي مَشرُوعٌ أَصلًا؛ ولكِن يَجِبُ العِلمُ بأنَّ الشِّفاءَ وتَأثِيرَ الدَّواءِ لا يكُونانِ إلّا مِنَ الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى، فمِثْلَما أنَّه سُبحانَه يَهَبُ الدَّواءَ فهُو أَيضًا يَهَبُ الشِّفاءَ.
وإِنَّ الِامتِثالَ لِإِرشادِ الأَطِبَّاءِ الحاذِقِينَ المُتدَيِّنِينَ والأَخذَ بِنَصائِحِهِم عِلاجٌ مُهِمٌّ، لِأنَّ أَكثَرَ الأَمراضِ تَتَولَّدُ مِن سُوءِ الِاستِعمالِ، وعَدَمِ الحِمْيةِ، وإِهمالِ الإِرشادِ، والإِسرافِ، والذُّنُوبِ، والسَّفاهةِ، وعَدَمِ الحَذَرِ؛ فالطَّبِيبُ المُتَديِّنُ لا شَكَّ أنَّه يَنصَحُ ضِمنَ الدّائِرةِ المَشرُوعةِ، ويُقدِّمُ وَصاياه، ويُحَذِّرُ مِن سُوءِ الِاستِعمالِ والإِسرافِ، ويَبُثُّ في نَفسِ المَرِيضِ التَّسلِيةَ والأَمَلَ؛ والمَرِيضُ بدَوْرِه اعتِمادًا على تلك الوَصايا والسُّلوانِ يَخِفُّ مَرَضُه ويَغمُرُه الفَرَحُ بَدَلًا مِنَ الضِّيقِ والضَّجَرِ.
أمّا القِسمُ الوَهمِيُّ مِنَ المَرَضِ: فإنَّ عِلاجَه المُؤثِّرَ النَاجعَ هو: "الإِهمالُ"، إذ يَكبُیرُ الوَهْمُ بالِاهتِمامِ ويَنتَفِشُ، وإذا لم يُعبَأ به فإنَّه يَصغُرُ ويَنزَوِي ويَتَلاشَى؛ فكما أنَّ الإِنسانَ إذا تَعَرَّضَ لِوَكْرِ الزَّنابِيرِ فإنَّها تَتَجمَّعُ وتَهجُمُ علَيْه، وإن لم يَهتَمَّ تَتَفرَّقْ عنه وتَتَشتَّتْ..
— 322 —
وكما أنَّ الَّذي يُلاحِقُ باهتِمامٍ خَيالًا في الظُّلُماتِ مِن حَبلٍ مُتَدلٍّ، سيَكبُرُ أَمامَه ذلك الخَيالُ حتَّى قد يُوصِلُه إلى الفِرارِ كالمَعتُوهِ، وإذا لم يَهتَمَّ فسيَنكَشِفُ له أنَّ ذلك إنَّما هو حَبلٌ وليس بثُعبانٍ، ويَبدَأُ بالسُّخرِيةِ مِنِ اضطِرابِ ذِهنِه وتَوَهُّمِه.. فهذا المَرَضُ الوَهمِيُّ كَذلِك إذا دامَ كَثِيرًا فسيَنقَلِبُ إلى مَرَضٍ حَقِيقيٍّ، فالوَهْمُ عِندَ مُرهَفِ الحِسِّ عَصَبِيِّ المِزاجِ مَرَضٌ وَبِيلٌ جِدًّا، حَيثُ يَستَهْوِلُه ويَجعَلُ له الحَبَّة قُبّةً، فتَنهارُ قُوَّتُه المَعنَوِيّةُ، وبخاصّةٍ إذا صادَفَ أَنصافَ الأَطِبّاءِ ذَوِي القُلُوبِ الغِلاظِ الخالِيةِ مِنَ الرَّحْمةِ، أوِ الأَطِبّاءَ غَيرَ المُنصِفِينَ، الَّذِينَ يُثيرُونَ أَوْهامَه ويُحرِّكُونَها أَكثَرَ مِن ذِي قَبلُ حتَّى تَذهَبَ أَموالُه وتَنضُبَ إن كانَ غَنِيًّا، أو يَفقِدَ عَقلَه أو يَخسَرَ صِحَّتَه تَمامًا.

الدَّواءُ الحادِي والعِشرُون

أيُّها الأَخُ المَرِيضُ، حَقًّا إنَّ في مَرَضِك أَلَمًا مادِّيًّا، إلّا أنَّ لَذّةً مَعنَوِيّةً مُهِمّةً تُحِيطُ بك، تَمحُو كلَّ آثارِ ذلك الأَلَمِ المادِّيِّ، فإِنَّ أَلَمَك المادِّيَّ لا يَفُوقُ تلك الرَّأْفةَ أوِ الشَّفَقةَ اللَّذِيذةَ الَّتي نَسِيتَها مُنذُ الصِّغَرِ، والَّتي تَتَفجَّرُ الآنَ مِن جَدِيدٍ في أَكبادِ والِدَيك وأَقارِبِك نَحوَك إنْ كانَ لك والِدانِ وأَقارِبُ؛ حَيثُ ستَستَعِيدُ تلك العَواطِفَ والنَّظَراتِ الأَبَوِيّةَ الحَنُونةَ الحُلْوةَ الَّتي كانَت تَتَوجَّهُ إلَيْك في الطُّفُولةِ، ويَنكَشِفُ الحِجابُ عن أَحِبّائِك مِن حَوالَيْك لِيَرعَوْك مِن جَدِيدٍ ويَنطَلِقُوا إلَيْك بمَحَبَّتِهم ورَأْفَتِهِم بجاذِبِيّةِ المَرَضِ الَّتي أَثارَت تلك العَواطِفَ الدّاخِلِيّةَ.
فما أَرخَصَ تلك الآلامَ المادِّيّةَ الَّتي تُعاني مِنها أَمامَ ما يُؤَدِّيه لك مِن خِدْماتٍ جَلِيلةٍ مَمزُوجةٍ بالرَّحْمةِ والرَّأْفةِ بحُكْمِ مَرَضِك مِن أُولَئِك الَّذِينَ سَعَيتَ أنتَ یی بكُلِّ فَخرٍ یی لِخِدمَتِهِم ونَيلِ رِضاهُم! فأَصبَحتَ بذلك سَيِّدًا وآمِرًا علَيْهِم، وفُزتَ أَيضًا بمَرَضِك في كَسْبِ المَزِيدِ مِنَ الأَحِبّةِ المُعاوِنينَ والأَخِلّاءِ المُشفِقِينَ.. فتَضُمُّهُم إلَيْك الرِّقّةُ والرَّأْفةُ الإِنسانيّةُ اللَّتانِ جُبِلَ علَيْهِما الإِنسانُ.
— 323 —
ثمَّ إنَّك قد أَخَذتَ بمَرَضِك هذا إِجازةً مِنَ الوَظائِفِ الشّاقّةِ المُهلِكةِ، فأَنتَ الآنَ في غِنًى عنها وفي راحةٍ مِنها.. فلا يَنبَغِي أن يَسُوقَك أَلَمُك الجُزئيُّ إلى الشَّكْوَى، بل إلى الشُّكرِ تِجاهَ هذه اللَّذّاتِ المَعنَوِيّةِ.

الدَّواءُ الثَّاني والعِشرُونَ

أيُّها الأَخُ المَرِيضُ بِداءٍ عُضالٍ كالشَّلَلِ، إِنَّني أُبَشِّرُك أوَّلًا بأنَّ الشَّلَلَ يُعَدُّ مِنَ الأَمراضِ المُبارَكةِ لِلمُؤمِنِ.. لقد كُنتُ أَسمَعُ هذا مُنذُ مُدّةٍ مِنَ الأَوْلياءِ الصّالِحِينَ، فكُنتُ أَجهَلُ سِرَّه، ويَخطُرُ الآنَ أَحَدُ أَسرارِه على قَلبِي هكَذا:
إنَّ أَهلَ الوِلايةِ قد تَعَقَّبُوا بإِرادَتِهِم أَساسَينِ مُهِمَّينِ لِلوُصُولِ إلى الحَقِّ تَبارَك وتَعالَى نَجاةً مِن أَخطارٍ مَعنَوِيّةٍ عَظِيمةٍ تَرِدُ مِنَ الدُّنيا وضَمانًا لِلسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، والأَساسانِ:
أوَّلُهُما: رابِطةُ المَوتِ، أي: إنَّهُم سَعَوْا لِأَجلِ سَعادَتِهِم في الحَياةِ الأَبَدِيّةِ بالتَّفكُّرِ في فَناءِ الدُّنيا، وبأنَّهُم ضُيُوفٌ يُستَخدَمُونَ لِوَظائِفَ مُوَقَّتةٍ.
وثانيهِما: إِماتةُ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ بالمُجاهَداتِ والرِّياضةِ الرُّوحِيّةِ لِأَجلِ الخَلاصِ مِن مَهالِكِ تلك النَّفسِ، والأَحاسِيسِ الَّتي لا تَرَى العُقبَى.
فيا أَخِي الَّذي فَقَد صِحّةَ نِصفِ كِيانِه، لقد أُودِعَ فيك دُونَ اختِيارٍ مِنك أَساسانِ قَصِيرانِ سَهْلانِ، يُمَهِّدانِ لك السَّبِيلَ إلى سَعادَتِك الأَبدِيّةِ، ويُذَكِّرانِك دائِمًا بزَوالِ الدُّنيا وفَناءِ الإِنسانِ؛ فلا تَتَمكَّنُ الدُّنيا بَعدَئِذٍ مِن حَبسِ أَنفاسِك وخَنْقِك، ولا تَجرُؤُ الغَفْلةُ على غَشَيانِ عُيُونِك؛ فالنَّفسُ الأَمّارةُ لا تَتَمكَّنُ بالشَّهَواتِ الرَّذِيلةِ مِن أَنْ تَخدَع مَن هو نِصفُ إِنسانٍ، فيَنجُوَ مِن بَلائِها وشَرِّها بسُرعةٍ؛ والمُؤمِنُ بسِرِّ الإِيمانِ والِاستِسلامِ والتَّوَكُّلِ يَستَفِيدُ مِن داءٍ عُضالٍ كالشَّلَلِ بأَقصَرِ وَقتٍ استِفادةَ المُجاهِدِينَ مِن أَهلِ الوِلايةِ بالرِّياضةِ في المُعتَكَفاتِ، فيَخِفُّ علَيْه ذلك الدّاءُ.
— 324 —

الدَّواءُ الثَّالِثُ والعِشرُونَ

أيُّها المَرِيضُ الوَحِيدُ الغَرِيبُ العاجِزُ، إنْ كانَت غُربَتُك وعَدَمُ وُجُودِ مَن يُعِيلُك فَضْلًا عن مَرَضِك سَببًا في لَفْتِ القُلُوبِ القاسِيةِ نَحوَك وامتِلائِها بالرِّقّةِ علَيْك، فكَيفَ بنَظَرِ رَحْمةِ خالِقِك الرَّحِيمِ الَّذي يُقَدِّمُ نَفسَه إلَيْك في بَدءِ سُوَرِ القُرآنِ بصِفَتِه الجَلِيلةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والَّذي يَجعَلُ جَمِيعَ الأُمَّهاتِ یی بلَمْعةٍ مِن لَمَعاتِ شَفَقَتِه ورَأْفَتِه الخارِقةِ یی يَقُمْنَ بتَربِيةِ أَوْلادِهِنَّ.. والَّذي يَملَأُ وَجْهَ الدُّنيا ويَصبِغُه في كلِّ رَبِيعٍ بتَجَلٍّ مِن رَحْمَتِه ويَملَؤُه بأَنواعِ نِعَمِه وفَضْلِه.. وبتَجَلٍّ مِن رَحْمَتِه كَذلِك تَتَجسَّمُ الجَنّةُ الزّاخِرةُ بكُلِّ مَحاسِنِها. فانتِسابُك إلَيْه بالإِيمانِ والِالتِجاءُ إلَيْه بلِسانِ العَجْزِ المُنبَعِثِ مِن مَرَضِك، ورَجاؤُك مِنه وتَضَرُّعُك إلَيْه يَجعَلُ مِن مَرَضِك في وَحْدَتِك وغُربَتِك وَسِيلةً تَجلُبُ إلَيْك نَظَرَ الرَّحْمةِ مِنه سُبحانَه، تلك النَّظرةَ الَّتي تُساوِي كلَّ شَيءٍ.
فما دامَ هو مَوجُودًا يَنظُرُ إلَيْك فكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٌ لك. والغَرِيبُ حَقًّا والوَحِيدُ أَصلًا هو ذلك الَّذي لا يَنتَسِبُ إلَيْه بالإِيمانِ والتَّسلِيمِ، أو لا يَهتَمُّ بِذَلِك الِانتِسابِ.

الدَّواءُ الرَّابعُ والعِشرُونَ

أيُّها المُمَرِّضُونَ المُعتَنُونَ بالأَطفالِ المَرضَى الأَبرِياءِ وبالشُّيُوخِ الَّذِينَ هم بحُكْمِ الأَطفالِ عَجْزًا وضَعْفًا.. إنَّ بَينَ أَيدِيكُم تِجارةً أُخرَوِيّةً مُهِمّةً، فاغتَنِمُوا تلك التِّجارةَ، وليَكُن شَوْقُكُم إلَيْها عَظِيمًا وسَعيُكُم حَثِيثًا.. إنَّ أَمراضَ الأَطفالِ الأَبرِياءِ هي حُقْناتُ تَربِيةٍ رَبّانيّةٍ لِأَجسادِهِمُ الرَّقيقةِ لِمُقاوَمةِ مَشَقّاتِ الحَياةِ في المُستَقبَلِ، وهِي تَحمِلُ حِكَمًا وفَوائِدَ تَعُودُ علَيْهِم في حَياتِهِمُ الدُّنيَوِيّةِ وفي حَياتِهمُ الرُّوحِيّةِ، فتُصَفِّي حَياةَ الصِّغارِ تَصْفِيةً مَعنَوِيّةً مِثلَما تُصَفَّى حَياةُ الكِبارِ بكَفّارةِ الذُّنُوبِ.. فهذه الحُقَنُ أُسُسٌ لِلرُّقيِّ المَعنَوِيِّ ومَدارُه في مُستَقبَلِ أُولَئِك الصِّغارِ أو في آخِرَتِهِم.
— 325 —
والثَّوابُ الحاصِلُ مِن مِثلِ هذه الأَمراضِ يُدرَجُ في صَحِيفةِ أَعمالِ الوالِدَينِ أو في صَحِيفةِ حَسَناتِ الوالِدةِ الَّتي تُفَضِّلُ صِحّةَ وَلَدِها یی بسِرِّ الشَّفَقةِ یی على نَفسِها، كما هو ثابِتٌ لَدَى أَهلِ الحَقِيقةِ.
أمّا رِعايةُ الشُّيُوخِ والِاعتِناءُ بهم یی فَضْلًا عن كَوْنِه مَدارًا لِثَوابٍ عَظِيمٍ وبخاصّةٍ الوالِدَينِ والظَّفرِ بدُعائِهِم وإِسعادِ قُلُوبِهِم والقِيامِ بخِدْمَتِهِم بوَفاءٍ وإِخلاصٍ یی فهُو يَقُودُ صاحِبَه إلى سَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ، كما هو ثابِتٌ برِواياتٍ صَحِيحةٍ وفي حَوادِثَ تارِيخِيّةٍ كَثِيرةٍ.. فالوَلَدُ السَّعِيدُ البارُّ بوالِدَيه العاجِزَينِ سيَرَى الطّاعةَ نَفسَها مِن أَبنائِه، بَينَما الوَلَدُ العاقُّ المُؤْذِي لِأَبَوَيه معَ ارتِدادِه إلى العَذابِ الأُخرَوِيِّ سيَجِدُ كَذلِك في الدُّنيا مَهالِكَ كَثِيرةً.
نعم، إنَّه لَيسَت رِعايةُ الشُّيُوخِ والعَجائِزِ والأَبرِياءِ مِنَ الأَقرَبِينَ وَحْدَهُم، بل حتَّى إذا صادَفَ المُؤمِنُ شَيخًا مَرِيضًا ذا حاجةٍ جَدِيرًا بالِاحتِرامِ فعَلَيْه القِيامُ بخِدْمَتِه بهِمّةٍ وإِخلاصٍ، ما دامَت هُنالِك أُخُوّةٌ إِيمانيّةٌ حَقِيقيّةٌ، وهذا مِمّا يَقتَضِيه الإِسلامُ.

الدَّواءُ الخامِسُ والعِشرُونَ

أيُّها الإِخوانُ المَرضَى، إذا كُنتُم تَشعُرُونَ بحاجةٍ إلى عِلاجٍ قُدسِيٍّ نافِعٍ جِدًّا، وإلى دَواءٍ لِكُلِّ داءٍ يَحوِي لَذّةً حَقِيقيّةً، فمُدُّوا إِيمانَكُم بالقُوّةِ واصْقُلُوه، أي: تَناوَلُوا بالتَّوبةِ والِاستِغفارِ والصَّلاةِ والعِبادةِ العِلاجَ القُدسِيَّ المُتَمثِّلَ في الإِيمانِ.
نعم، إنَّ الغافِلِينَ بسَبَبِ حُبِّهِم لِلدُّنيا والتَّعَلُّقِ بها بشِدّةٍ كأَنَّهُم قد أَصبَحُوا يَملِكُونَ كِيانًا مَعنَوِيًّا عَلِيلًا بحَجْمِ الدُّنيا كُلِّها، فيَتَقدَّمُ الإِيمانُ ويُقَدِّمُ لِهذا الكِيانِ العَلِيلِ المَكلُومِ بضَرَباتِ الزَّوالِ والفِراقِ، مَرْهَمَ شِفائِه مُنقِذًا إِيّاه مِن تلك الجُرُوح والشُّرُوخِ، وقد أَثبَتْنا في رَسائِلَ عِدّةٍ بأنَّ الإِيمانَ يَهَبُ شِفاءً حَقِيقيًّا، وتَجَنُّبًا لِلإِطالةِ أُوجِزُ قَولِي:
— 326 —
فإِنَّ عِلاجَ الإِيمانِ يَتبَيَّنُ تَأثِيرُه بأَداءِ الفَرائِضِ ومُراعاةِ تَنفِيذِها ما استَطاعَ الإِنسانُ إلَيْها سَبِيلًا، وإنَّ الغَفْلةَ والسَّفاهةَ وهَوَى النَّفسِ واللَّهْوَ غَيرَ المَشرُوعِ يُبطِلُ مَفعُولَ ذلك العِلاجِ وتَأثِيرَه.. فما دامَ المَرَضُ يُزِيلُ الغِشاوةَ، ويَقطَعُ دابِرَ الِاشتِهاءِ، ويَمنَعُ وُلُوجَ اللَّذّاتِ غَيرِ المَشرُوعةِ، فاستَفِيدُوا مِنه واستَعمِلُوا عِلاجَ الإِيمانِ الحَقِيقيِّ وأَنوارَه القُدسِيّةَ بالتَّوبةِ والِاستِغفارِ والدُّعاءِ والرَّجاءِ.. مَنَحَكُمُ الحَقُّ تَبارَك وتَعالَى الشِّفاءَ وجَعَل مِن أَمراضِكُم مُكَفِّراتٍ لِلذُّنُوبِ.. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مُحمَّدٍ، طِبِّ القُلُوبِ ودَوائِها، وعافِيةِ الأَبدانِ وشِفائِها، ونُورِ الأَبصارِ وضِيائِها، وعلى آلِه وصَحْبِه وسَلِّمْ.
٭ ٭ ٭
— 327 —

"وَهُوَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ"

أي: هذا الكِتابُ دَواءٌ لِكُلِّ داءٍ..
ومِنَ التَّوافُقاتِ اللَّطِيفةِ أنَّنا حَسَبْنا أَحرُفَ الأَلِفِ في بِداياتِ أَسطُرِ كلٍّ مِنَ النُّسخةِ المُسَوَّدةِ الأُولَى الَّتي كتَبَها "رَأفَت بِك" على عَجَلٍ، والنُّسخةِ الأُخرَى الَّتي كتَبَها "خُسرَو"، فوَجَدْنا أنَّ العَدَد يَتَوافَقُ معَ جُملةِ: "وَهُوَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ"، (حاشية-١): لم يُؤخَذ بالحُسبانِ حَرفَا الألفِ في التَّنبيه الذي أُلِّف فيما بعدُ. عِلْمًا أنَّ كِتَابتَهما تلك ورَدَت بغَيرِ قَصدٍ ودُونَ أن يُلقِيا بالًا لِهذا الأَمرِ! كما أنَّ العَدَد يَتَوافَقُ معَ اسمِ "سَعِيدٍ" مُؤلِّفِ هذه الرِّسالةِ معَ فارِقٍ واحِدٍ فَقَط، وهُو عَدَمُ احتِسابِ حَرفِ الأَلِفِ الَّذي أَضافاه في عُنوانِ هذه الرِّسالةِ. (حاشية-٢): ما دام حرفُ الألف وُضِع بكَراماتٍ عَلَويّةٍ وغَوْثيّةٍ في نِهايةِ "سَعِيد" لأجل النِّداء، فأَصبَحَ "سَعِيدًا"، فرُبَّما الألِفُ الزّائدةُ هذه تتَوَجَّه إلى تلك الألِفِ. رأفت، خسرو
ومِنَ المُثِيرِ لِلعَجَبِ: أنَّ النُّسخةَ الَّتي كتَبَها "سُلَيْمانُ رُشْدِي" فيها (٤١١) حَرفَ أَلِفٍ، دُونَ أن يَخطُرَ هذا الحَرفُ بالخاطِرِ أو أن يُفَكِّرَ به، وهذا العَدَدُ يَتَوافَقُ معَ عَدَدِ سُوَرِ القُرآنِ الَّذي يَتَضمَّنُ (٤١١) دَواءً قُدسِيًّا، كما أنَّه يَتَوافَقُ معَ العَدَدِ (٤١١) الَّذي هو ناتِجُ جَمعِ حُرُوفِ: "وَهُوَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ" إِذا ما حُسِبَتِ اللّامُ المُشَدَّدةُ حَرفًا واحِدًا.
٭ ٭ ٭

ذيل اللمعة الخامسة والعشرين

وهُو "المَكتُوبُ السّابعَ عَشَرَ" أُدرِجَ ضِمنَ "المَكتُوباتِ"، لِذا لم يُدرَج هنا.
٭ ٭ ٭
— 328 —

اللمعة السادسة والعشرون

رسالة الشيوخ
(هذه اللَّمعة عبارةٌ عن سِتّة وعشرين نورَ رَجاءٍ وضِياءَ تَسَلٍّ)
تنبيهٌ: إنَّ السَّبَبَ الَّذي دَعانِي إلى تَسجِيلِ ما كُنتُ أُعانيه مِن آلامٍ مَعنَوِيّةٍ في مُستَهَلِّ كلِّ رَجاءٍ بأُسلُوبٍ مُؤَثِّرٍ جِدًّا إلى حَدٍّ يُثِيرُ فيكُمُ الأَلَمَ أَيضًا، إنَّما هو لِبَيانِ مَدَى قُوّةِ مَفعُولِ العِلاجِ الوارِدِ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ وشِدّةِ تَأْثيرِه الخارِقِ.
بَيْدَ أنَّ هذه "اللَّمْعةَ" الَّتي تَخُصُّ الشُّيُوخَ لم تُحافِظ على حُسنِ البَيانِ، وجَمالِ الإِفادةِ لِعِدّةِ أَسبابٍ:
أوَّلُها: لِأنَّها تَخُصُّ أَحداثَ حَياتِي الشَّخصِيّةِ ووَقائِعَها، فالذَّهابُ عَبْرَ الخَيالِ إلى تلك الأَزمِنةِ، ومُعايَشةُ أَحداثِها، ومِن ثَمَّ تَناوُلُها بالكِتابةِ بتلك الحالةِ، سَبَّب عَدَمَ المُحافَظةِ على الِانتِظامِ في البَيانِ والتَّعبِيرِ.
ثانيها: اعتَرَى البَيانَ شَيءٌ مِنَ الِاضطِرابِ، لِأنَّ الكِتابةَ كانَت بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ، حَيثُ كُنتُ أَشعُرُ حِينَها بتَعَبٍ وإِنهاكٍ شَدِيدَينِ، فَضْلًا عنِ الِاضطِرارِ إلى الإِسراعِ في الكِتابةِ.
ثالثُها: لم يَكُن لَدَيْنا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقتِ لِلقِيامِ بالتَّصحِيحِ الكامِلِ، فالكاتِبُ الَّذي مَعِي كانَ مُرهَقًا بأَربَعةِ أو خَمْسةِ تَكالِيفَ تخصُّ "رَسائِلِ النُّورِ"، وكَثِيرًا ما كانَ يَعتَذِرُ عنِ الحُضُورِ، مِمّا أَفقَدَ المَضمُونَ التَّناسُقَ المَطلُوبَ.
— 329 —
رابعُها: لم نَستَطِع إلّا الِاكتِفاءَ بالتَّصحِيحاتِ والتَّعدِيلاتِ العابِرةِ دُونَ التَّوَغُّلِ في أَعماقِ المَعانِي؛ لِمَا كُنّا نُحِسُّ به مِن تَعَبٍ ونَصَبٍ عَقِبَ التَّأليفِ، فلا جَرَمَ أنْ رافَقَ المَوضُوعَ شَيءٌ مِنَ التَّقصِيرِ في التَّعبِيرِ والأَداءِ.
لِذا نُهِيبُ بالشُّيُوخِ الكِرامِ أن يَنظُرُوا بعَينِ الصَّفْحِ والسَّماحِ إلى قُصُورِي في الأَداءِ، وأن يَجعَلُونِي ضِمنَ دَعَواتِهِم عِندَما يَرفَعُونَ أَكُفَّهُم مُتَضَرِّعِينَ إلى اللهِ الرَّحِيمِ الَّذي لا يَرُدُّ دَعَواتِ الشُّيُوخِ الطَّيِّبِينَ..
٭ ٭ ٭
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كهيعص ٭ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ٭ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ٭ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
(هذه اللَّمعة عبارة عن سِتّة وعشرين رجاءً)

الرَّجاءُ الأوَّل

يا مَن بَلَغتُم سِنَّ الكَمالِ، أيُّها الإِخوةُ الشُّيُوخُ الأَعِزّاءُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ المُحتَرَماتُ.. إنَّني مِثلُكُم شَيخٌ كَبِيرٌ، سأَكتُبُ لَكُم بَعضَ ما مَرَّ علَيَّ مِن أَحوالٍ، وما وَجَدتُه بَينَ حَينٍ وآخَرَ مِن أَبوابِ الأَمَلِ وبَوارِقِ الرَّجاءِ في عَهدِ الشَّيخُوخةِ، لَعَلَّكُم تُشارِكُونَني في أَنوارِ السَّلْوةِ المُشِعّةِ مِن تِلكُمُ الرَّجايا والآمالِ.. إنَّ ما رَأَيتُه مِنَ الضِّياءِ، وما فَتَحَه اللهُ علَيَّ مِن أَبوابِ النُّورِ والرَّجاءِ، إنَّما شاهَدتُه حَسَبَ استِعدادِي النّاقِصِ وقابِلِيّاتِي المُشَوَّشةِ، وستَجعَلُ استِعداداتُكُمُ الخالِصةُ الصّافِيةُ یی بإِذنِ اللهِ یی ذلك الضِّياءَ أَسطَعَ وأَبهَرَ مِمّا رَأَيتُه، وذلِكُمُ الرَّجاءَ أَقوَى وأَمتَنَ مِمّا وَجَدتُه.
ولا رَيبَ أنَّ مَنبَعَ ما سنَذكُرُه مِنَ الأَضواءِ ومَصدَرَ ما سنُورِدُه مِنَ الرَّجايا ما هو إلّا "الإِيمانُ".
— 330 —

الرَّجاءُ الثَّاني

حِينَما شارَفتُ على الشَّيخُوخةَ، وفي أَحَدِ أَيّامِ الخَرِيفِ، وفي وَقتِ العَصرِ، نَظَرتُ إلى الدُّنيا مِن فَوقِ ذِرْوةِ جَبَلٍ، فشَعَرتُ فَجْأةً حالةً في غايةِ الرِّقّةِ والحُزنِ معَ ظَلامٍ يَكتَنِفُها، تَدِبُّ في أَعماقِي.. رَأَيتُ نَفسِي: أنَّني بَلَغتُ مِنَ العُمُرِ عِتِيًّا، والنَّهارُ قد غَدا شَيْخًا، والسَّنةُ قدِ اكتَهَلَت، والدُّنيا قد هَرِمَت.. فهَزَّنِي هذا الهَرَمُ الَّذي يَغشَى كلَّ شَيءٍ حَوْلي هَزًّا عَنِيفًا.. فلَقَد دَنا أَوانُ فِراقِ الدُّنيا، وأَوْشَك أَوانُ فِراقِ الأَحبابِ أن يَحُلَّ.. وبَينَما أَتَمَلمَلُ يائِسًا حَزِينًا إذا بالرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ تَنكَشِفُ أَمامي انكِشافًا حَوَّل ذلك الحُزنَ المُؤلِمَ إلى فَرْحةٍ قَلبِيّةٍ مُشرِقةٍ، وبَدَّل ذلك الفِراقَ المُؤلِمَ لِلأَحبابِ إلى عَزاءٍ يُضِيءُ جَنَباتِ النَّفسِ كُلَّها.
نعم يا أَمثالِي مِنَ الشُّيُوخِ، إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالَى الَّذي يُقدِّمُ ذاتَه الجَلِيلةَ إلَيْنا، ويُعرِّفُها لنا في أَكثَرَ مِن مِئةِ مَوضِعٍ في القُرآنِ الكَرِيمِ، بصِفةِ "الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ".. والَّذي يُرسِلُ رَحْمَتَه بما يُسبِغُ على وَجهِ الأَرضِ دَوْمًا من النِّعَم، مَدَدًا وعَوْنًا لِمَن استَرحَمَه مِن ذَوِي الحَياةِ، والَّذي يَبعَثُ بهَداياه مِن عالَمِ الغَيبِ فيَغمُرُ الرَّبِيعَ كلَّ سَنةٍ بنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، يَبعَثُها إلَيْنا نَحنُ المُحتاجِينَ إلى الرِّزقِ، مُظهِرًا بها بجَلاءٍ تَجَلِّياتِ رَحْمَتِه العَمِيمةِ، وَفقَ مَراتِبِ الضَّعفِ ودَرَجاتِ العَجزِ الكامِنةِ فينا.. فرَحْمةُ خالِقِنا الرَّحِيمِ هذه أَعظَمُ رَجاءٍ، وأَكبَرُ أَمَلٍ في عَهدِ شَيخُوخَتِنا هذه، بل هي أَسطَعُ نُورٍ لنا.
إنَّ إِدراكَ تلك الرَّحْمةِ والظَّفَرَ بها إنَّما يكُونُ بالِانتِسابِ إلى ذلك "الرَّحمٰنِ" بالإِيمانِ، وبالطَّاعةِ له سُبحانَه بأَداءِ الفَرائِضِ والواجِباتِ.

الرَّجاءُ الثّالثُ

حِينَما أَفَقتُ على صُبْحِ المَشِيبِ، مِن نَومِ لِيلِ الشَّبابِ، نَظَرتُ إلى نَفسِي مُتَأمِّلًا فيها، فوَجَدتُها كأَنَّها تَنحَدِرُ نُزُولًا مِن عَلٍ إلى سَواءِ القَبْرِ، مِثلَما وَصَفَها نِيازِي المِصرِيُّ:
بِناءُ العُمرِ يَذْوِي حَجَرًا إِثرَ حَجَر غافِلًا، تَغرَقُ الرُّوحُ وبِناؤُه قدِ اندَثَر
— 331 —
فجِسمِي الَّذي هو مَأْوَى رُوحِي، بَدَأ يَتَداعَى ويَتَساقَطُ حَجَرًا إِثرَ حَجَرٍ على مَرِّ الأَيّامِ.. وآمالي الَّتي كانَت تَشُدُّني بقُوّةٍ إلى الدُّنيا، بَدَأَت أَوْثاقُها تَنفَصِمُ وتَنقَطِعُ؛ فدَبَّ فِيَّ شُعُورٌ بدُنُوِّ وَقتِ مُفارَقةِ ما لا يُحصَى مِنَ الأَحِبّةِ والأَصدِقاءِ، فأَخَذتُ أَبحَثُ عن ضِمادٍ لِهذا الجُرحِ المَعنَوِيِّ الغائِرِ، الَّذي لا يُرجَى له دَواءٌ ناجِعٌ كما يَبدُو! فلم أَستَطِع أن أَعثُرَ له على عِلاج، فقُلتُ أَيضًا كما قال نِيازِي المِصرِيُّ:
حِكْمةُ الإِلٰهِ تَقضِي فَناءَ الجَسَدْ، والقَلبُ تَوّاقٌ إلى الأَبَدْ
لَهْفَ نَفسِي مِن بَلاءٍ وكَمَدْ، حارَ لُقْمانُ في إِيجادِ الضَّمَدْ
وبَينَما كُنتُ في هذه الحالةِ، إذا بنُورِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ (ص) الَّذي هو رَحْمةُ اللهِ على العالَمِينَ، ومِثالُها الَّذي يُعِبِّرُ عنها، والدّاعِي إلَيْها، والنّاطِقُ بها، وإذا بشَفاعَتِه، وبما أَتَى به مِن هَدِيّةِ الهِدايةِ إلى البَشَرِيّةِ، يُصبِحُ بَلْسَمًا شافِيًا، ودَواءً ناجِعًا لِذَلِك الدّاءِ الوَخِيمِ الَّذي ظَنَنتُه بلا دَواءٍ، ويُبَدِّلُ ذلك اليَأْسَ القاتِمَ الَّذي أَحاطَ بي إلى نُورِ الرَّجاءِ السّاطِعِ.
أَجَل، أيُّها الشُّيُوخُ وأَيَّتُها العَجائِزُ المُوَقَّرُونَ، ويا مَن تَشعُرُونَ كُلُّكُم بالشَّيخُوخةِ مِثلِي! إِنَّنا راحِلُونَ ولا مَناصَ مِن ذلك.. ولن يُسمَحَ لنا بالمُكُوثِ هُنا بمُخادَعةِ النَّفسِ وإِغماضِ العَينِ، فنَحنُ مُساقُونَ إلى المَصِيرِ المَحتُومِ؛ ولكِنَّ عالَمَ البَرزَخِ ليس هو كما يَتَراءَى لنا بظُلُماتِ الأَوْهامِ النّاشِئةِ مِنَ الغَفْلةِ، وبما قد يُصَوِّرُه أَهلُ الضَّلالةِ، فلَيسَ هو بعالَمِ الفِراقِ، ولا بعالَمٍ مُظلِمٍ، بل هو مَجمَعُ الأَحبابِ، وعالَمُ اللِّقاءِ معَ الأَحِبّةِ والأَخِلّاءِ، وفي طَلِيعَتِهِم حَبِيبُ رَبِّ العالَمِينَ وشَفِيعُنا عِندَه يَومَ القِيامةِ علَيْه أَفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ.
نعم، إنَّ مَن هو سُلْطانُ ثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ مِليُونًا مِنَ النّاسِ في كلِّ عَصرٍ، عَبْرَ أَلفٍ وثَلاثِ مِئةٍ وخَمسِينَ سَنةً وهُو مُرَبِّي أَرْواحِهِم، ومُرشِدُ عُقُولِهِم، ومَحبُوبُ قُلُوبِهِم، والَّذي يُرفَعُ إلى صَحِيفةِ حَسَناتِه يَومِيًّا أَمثالُ ما قَدَّمَت أُمَّتُه مِن حَسَناتٍ، إذِ "السَّبَبُ كالفاعِلِ"، والَّذي هو مَدارُ المَقاصِدِ الرَّبّانيّةِ، ومِحْوَرُ الغاياتِ الإِلٰهِيّةِ السّامِيةِ
— 332 —
في الكَونِ، والَّذي هو السَّبَبُ لِرُقيِّ قِيمةِ المَوجُوداتِ وسُمُوِّها، ذلك الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص)، فكما أنَّه قال في الدَّقائِقِ الأُولَى الَّتي تَشَرَّفَ العالَمُ به: "أُمَّتِي.. أُمَّتِي.." كما وَرَد في الرِّواياتِ الصَّحِيحةِ والكَشْفِيّاتِ الصّادِقةِ، فإنَّه (ص) يَقُولُ في المَحشَرِ أَيضًا: "أُمَّتِي.. أُمَّتِي.."، ويَسعَى بشَفاعَتِه إلى إِمدادِ أُمَّتِه وإِغاثَتِها بأَعظَمِ رَحْمةٍ وأَسماها وأَقدَسِها وأَعلاها، في الوَقتِ الَّذي يَقُولُ كلُّ فَردٍ مِنَ الجُمُوعِ العَظِيمةِ: "نَفسِي.. نَفسِي".
فنَحنُ إِذًا ذاهِبُونَ إلى العالَمِ الَّذي ارتَحَل إلَيْه هذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ، راحِلُونَ إلى العالَمِ الَّذي استَنَارَ بنُورِ ذلك السِّراجِ المُنِيرِ وبمَن حَوْلَه مِن نُجُومِ الأَصفِياءِ والأَوْلياءِ الَّذِينَ لا يَحصُرُهُمُ العَدُّ.
نعم، إِنَّ اتِّباعَ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (ص) هو الَّذي يَقُودُ إلى الِانضِواءِ تَحتَ لِواءِ شَفاعَتِه والِاقتِباسِ مِن أَنوارِه، والنَّجاةِ مِن ظُلُماتِ البَرزَخِ.

الرَّجاءُ الرَّابعُ

حِينَما وَطِئَتْ قَدَمايَ عَتَبةَ الشَّيخُوخةِ، كانَت صِحَّتِي الجَسَدِيّةُ الَّتي تُرخِي عِنانَ الغَفْلةِ وتُمِدُّها قدِ اعتَلَّت أَيضًا، فاتَّفَقَتِ الشَّيخُوخةُ والمَرَضُ مَعًا على شَنِّ الهُجُومِ عَلَيَّ، وما زالا يَكِيلانِ على رَأْسِي الضَّرَباتِ تِلْوَ الضَّرَباتِ حتَّى أَذهَبَا نَوْمَ الغَفْلةِ عَنِّي؛ ولم يَكُن لي ثَمّةَ ما يَربِطُني بالدُّنيا مِن مالٍ وبَنِينَ وما شابَهَهُما، فوَجَدتُ أنَّ عُصارةَ عُمُرِي الَّذي أَضَعتُه بغَفْلةِ الشَّبابِ، إنَّما هي آثامٌ وذُنُوبٌ، فاستَغَثتُ صائِحًا مِثلَما صاحَ نِيازِي المِصرِيُّ:
ذَهَب العُمُرُ هَباءً، لم أَفُز فيه بشَيءٍ.. ولَقَد جِئتُ أَسِيرُ الدَّرْبَ، لَكِنْ
رَحَل الرَّكبُ بَعِيدًا.. وبَقِيت
ذلك النّائي الغَرِيب.. وبَكَيت
هِمْتُ وَحْدِي تائِهًا أَطْوِي الطَّرِيق.. وبعَينَيَّ يَنابِيعُ الدُّمُوع
وبصَدْرِي حُرْقةُ الشَّوق.. حارَ عَقْلِي..!
— 333 —
كُنتُ حِينَها في غُربةٍ مُضنِيةٍ، فشَعَرتُ بحُزنٍ يائِسٍ، وأَسَفٍ نادِمٍ، وحَسْرةٍ مُلْتاعةٍ على ما فاتَ مِنَ العُمُرِ.. صَرَختُ مِن أَعماقي أَطلُبُ إِمدادَ العَوْنِ، وضِياءَ الرَّجاءِ.. وإذا بالقُرآنِ الحَكِيمِ المُعجِزِ البَيانِ يُمِدُّني، ويُسعِفُني، ويَفتَحُ أَمامي بابَ رَجاءٍ عَظِيمٍ، ويَمنَحُني نُورًا ساطِعًا مِنَ الأَمَلِ والرَّجاءِ يَستَطِيعُ أن يُزِيلَ أَضعافَ أَضعافِ يَأْسِي، ويُمكِنُه أن يُبَدِّدَ تلك الظُّلُماتِ القاتِمةَ مِن حَوْلي.
نعم، أيُّها الشُّيُوخُ وأيَّتُها العَجائِزُ المُحتَرَمُونَ، يا مَن بَدَأَت أَوْثاقُ صِلَتِهِم بالِانفِصامِ عنِ الدُّنيا مِثلِي! إنَّ الصَّانِعَ ذا الجَلالِ الَّذي خَلَق هذه الدُّنيا أَكمَلَ مَدِينةٍ وأَنظَمَها، حتَّى كأَنَّها قَصرٌ مُنِيفٌ، هل يُمكِنُ لهذا الخالِقِ الكَرِيمِ ألّا يَتَیكلَّمَ معَ أَحِبَّائِه وأَكرَمِ ضُيُوفِه في هذه المَدِينةِ أو في هذا القَصْرِ؟ وهل يُمكِنُ ألّا يُقابِلَهُم؟!
فما دامَ قد خَلَق هذا القَصْرَ الشّامِخَ بعِلم، ونَظَّمَه بإِرادةٍ، وزَيَّنَه باختِيارٍ، فلا بُدَّ أنَّه يَتَكلَّمُ؛ إذ كما أنَّ البانِيَ يَعلَمُ، فالعالِمُ يَتَكلَّمُ.. وما دامَ قد جَعَل هذا القَصْرَ دارَ ضِيافةٍ جَمِيلةٍ بَهِيجةٍ، وهذه المَدِينةَ مَتْجَرًا رائِعًا، فلا بُدَّ أنْ يكُونَ له كُتُبٌ وصُحُفٌ يُبيِّنُ فيها ما يُرِيدُه مِنّا، ويُوضِّحُ عَلاقاتِه مَعَنا.
ولا شَكَّ أنَّ أَكمَلَ كِتابٍ مِن تلك الكُتُبِ المُقَدَّسةِ الَّتي أَنزَلَها، إنَّما هو القُرآنُ الحَكِيمُ المُعجِزُ، الَّذي ثَبَت إِعجازُه بأَربَعِينَ وَجْهًا مِن وُجُوهِ الإِعجازِ، والَّذي يُتلَى في كلِّ دَقِيقةٍ بأَلسِنةِ مِئةِ مِليُونِ شَخصٍ في الأَقلِّ، والَّذي يَنشُرُ النُّورَ ويَهْدِي السَّبِيلَ، والَّذي في كلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِه عَشرُ حَسَناتٍ، وعَشرُ مَثُوباتٍ في الأَقلِّ، وأَحيانًا عَشَرةُ آلافِ حَسَنةٍ، بل ثَلاثُونَ أَلفَ حَسَنةٍ، كما في لَيْلةِ القَدْرِ.. وهكذا يَمنَحُ مِن ثِمارِ الجَنّةِ ونُورِ البَرزَخِ ما شاءَ اللهُ أن يَمنَح.. فهل في الكَونِ أَجمَعَ كِتابٌ يُناظِرُه في هذا المَقامِ؟ وهل يُمكِنُ أن يَدَّعِيَ ذلك أَحَدٌ قَطُّ؟
فما دامَ هذا القُرآنُ الكَرِيمُ الَّذي بَينَ أَيدِينا هو كَلامَ رَبِّ العالَمِينَ، وهُو أَمرُه المُبَلَّغُ إلَيْنا، وهُو مَنبَعُ رَحْمَتِه الَّتي وَسِعَت كلَّ شَيءٍ، وهُو صادِرٌ مِن خالِقِ السَّماواتِ والأَرضِ ذي الجَلالِ، مِن جِهةِ رُبُوبيَّتِه المُطلَقةِ، ومِن جِهةِ عَظَمةِ أُلُوهِيَّتِه، ومِن جانِبِ
— 334 —
رَحْمَتِه المُحِيطةِ الواسِعةِ، فاستَمْسِكْ به واعتَصِمْ، ففِيه دَواءٌ لِكُلِّ داءٍ، ونُورٌ لِكُلِّ ظَلامٍ، ورَجاءٌ لِكُلِّ يَأْسٍ.. وما مِفتاحُ هذه الخَزِينةِ الأَبَدِيّةِ إلّا الإِيمانُ والتَّسلِيمُ، والِاستِماعُ إلَيْه، والِانقِيادُ له، والِاستِمتاعُ بتِلاوَتِه.

الرَّجاءُ الخامِسُ

في بِدايةِ شَيخُوخَتِي ومُستَهَلِّها، ورَغبةً مِنِّي في الِانزِواءِ والِاعتِزالِ عنِ النّاسِ، بَحثَتْ رُوحِي عن راحةٍ في الوَحْدةِ والعُزْلةِ على تلِّ "يُوشَع" المُطِلِّ على "البُوسفُور"، فلَمّا كُنتُ یی ذاتَ يَومٍ یی أَسرَحُ بنَظَرِي إلى الأُفُقِ مِن على ذلك التَّلِّ المُرتَفِعِ، رَأَيتُ بنَذِيرِ الشَّيخُوخةِ لَوْحةً مِن لَوْحاتِ الزَّوالِ والفِراقِ تَتَقطَّرُ حُزنًا ورِقّةً، حَيثُ جُلْتُ بنَظَرِي مِن قِمّةِ شَجَرةِ عُمُرِي، مِنَ الغُصنِ الخامِسِ والأَربَعِينَ مِنها، إلى أنِ انتَهَيتُ إلى أَعماقِ الطَّبَقاتِ السُّفلَى لِحَياتي، فرَأَيتُ أنَّ في كلِّ غُصنٍ مِن تلك الأَغصانِ الكائِنةِ هُناك ضِمنَ كلِّ سَنةٍ، جَنائِزَ لا تُحصَرُ مِن جَنائِزِ أَحبابِي وأَصدِقائِي وكلِّ مَن له عَلاقةٌ مَعِي، فتَأَثَّرتُ بالِغَ التَّأثُّرِ مِن فِراقِ الأَحبابِ وافتِراقِهِم، وتَرَنَّمتُ بأَنينِ "فُضُولِي البَغدِاديّ" عِندَ مُفارَقَتِه الأَحبابَ قائِلًا:
كُلَّما حَنَّ الوِصال عَذُبَ دَمعِي ما دامَ الشَّهِيق
لقد بَحَثتُ مِن خِلالِ تلك الحَسَراتِ الغائِرةِ عن بابِ رَجاءٍ، وعن نافِذةِ نُورٍ، أُسَلِّي بها نَفسِي، فإذا بنُورِ الإِيمانِ بالآخِرةِ يُغِيثُني ويُمِدُّني بنُورٍ باهِرٍ.. لقد مَنَحَنِي نُورًا لا يَنطَفِئُ أَبدًا، ورَجاءً لا يَخِيبُ مُطْلَقًا.
أَجَل يا إِخوانِي الشُّيُوخَ ويا أَخَواتِي العَجائِزَ، ما دامَتِ الآخِرةُ مَوجُودةً، وما دامَت هي باقِيةً خالِدةً، وما دامَت هي أَجمَلَ مِنَ الدُّنيا، وما دامَ الَّذي خَلَقَنا حَكِيمًا ورَحِيمًا، فما عَلَيْنا إِذًا إلّا عَدَمُ الشَّكْوَى مِنَ الشَّيخُوخةِ، وعَدَمُ التَّضَجُّرِ مِنها؛ ذلك لِأنَّ الشَّيخُوخةَ المُشْرَبةَ بالإِيمانِ والعِبادةِ، والمُوصِلةَ إلى سِنِّ الكَمالِ، ما هي إلّا
— 335 —
عَلامةُ انتِهاءِ واجِباتِ الحَياةِ ووَظائِفِها، وإِشارةُ ارتِحالٍ إلى عالَمِ الرَّحْمةِ لِلخُلُودِ إلى الرّاحةِ.. فلا بُدَّ إِذًا مِنَ الرِّضَا بها أَشَدَّ الرِّضَا.
نعم، إنَّ إخبارَ مِئةٍ وأَربعةٍ وعِشرين أَلفًا مِنَ المُصطَفَينَ الأَخيارِ وهُمُ الأَنبِياءُ والمُرسَلُون عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ یی كما نصَّ عليه الحَديثُ یی إخبارًا بالإجماعِ والتَّواتُرِ مُستَنِدين إلى الشُّهُودِ عندَ بَعضِهم وإلى حَقِّ اليَقينِ عندَ آخَرين، عن وُجُودِ الدّارِ الآخِرةِ، وإعلانَهم بالإجماعِ أنَّ النّاسَ سيُساقُون إلَيها، وأنَّ الخالِقَ سُبحانَه وتَعالَى سيَأتي بالدّارِ الآخِرةِ بلا رَيبٍ، مِثلَما وَعَد بذلك وَعدًا قاطِعًا.
وإنَّ تَصدِيقَ مِئةٍ وأَربعةٍ وعِشرين مِليُونًا مِنَ الأَولياءِ كَشْفًا وشُهُودًا ما أَخبَرَ به هؤلاء الأَنبِياءُ عَلَيهِم السَّلَام، وشَهادَتَهم على وُجُودِ الآخِرةِ بعِلمِ اليَقينِ، دَليلٌ قاطِعٌ وأيُّ دَليلٍ على وُجُودِ الآخِرةِ..
وكذا، فإن تَجَلِّياتِ جَميعِ الأَسماءِ الحُسنَى لِخالِقِ الكَوْنِ المُتَجَلِّيةِ في أَرجاءِ العالَمِ كلِّه، تَقتَضِي بالبَداهةِ وُجُودَ عالَمٍ آخَرَ خالِدٍ، وتَدُلُّ دَلالةً واضِحةً على وُجُودِ الآخِرةِ.
وكذا القُدرةُ الإِلٰهِيّةُ وحِكمَتُها المُطلَقةُ، الَّتي لا إسرافَ فيها ولا عَبَثَ، والَّتي تُحيِي جَنائِزَ الأَشجارِ المَيِّتةِ وهَياكِلَها المُنتَصِبةَ، تُحيِيها وهي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى على سَطْحِ الأَرضِ في كلِّ رَبيعٍ، وفي كلِّ سنةٍ، بأَمرِ: "كُنْ فيَكُونُ" وتَجعَلُها علامةً على "البَعثِ بعدَ المَوتِ"، فتَحشُرُ ثلاثَ مِئةِ أَلفِ نَوعٍ مِن طَوائفِ النَّباتاتِ وأُمَمِ الحَيَواناتِ وتَنشُرُها، مُظهِرةً بذلك مِئاتِ الأُلُوفِ مِن نَماذِجِ الحَشرِ والنُّشُورِ ودَلائلِ وُجُودِ الآخِرةِ.
وكذا الرَّحمةُ الواسِعةُ الَّتي تُدِيمُ حَياةَ جَميعِ ذَوِي الأَرواحِ المُحتاجةِ إلى الرِّزقِ، وتُعِيشُها بكَمالِ الرَّأفةِ عِيشةً خارِقةً للغايةِ؛ والعِنايةُ الدّائمةُ الَّتي تُظهِرُ أَنواعَ الزِّينةِ والمَحاسِنِ بما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، في مُدّةٍ قَصيرةٍ جِدًّا في كلِّ رَبيعٍ.. لا شَكَّ أنَّهما تَستَلزِمانِ وُجُودَ الآخِرةِ بَداهةً.
— 336 —
وكذا عِشقُ البَقاءِ، والشَّوقُ إلى الأَبَديّةِ وآمالُ السَّرمَدِيّةِ الشَّديدةُ المَغرُوزةُ غَرْزًا لا انفِصامَ له في فِطرةِ هذا الإنسانِ الَّذي هو أَكمَلُ ثَمَرةٍ لهذا الكَونِ، وأَحَبُّ مَخلُوقٍ إلى خالِقِ الكَونِ، وهو أَوْثَقُ صِلةً معَ مَوجُوداتِ الكَونِ كُلِّه، لا شَكَّ أنَّه يُشِيرُ بالبَداهةِ إلى وُجُودِ عالَم باقٍ بعدَ هذا العالَم الفاني، وإلى وُجُودِ عالَمِ الآخِرةِ ودارِ السَّعادةِ الأَبَديّةِ.
فجَميعُ هذه الدَّلائلِ تُثبِتُ بقَطعِيّةٍ تامّةٍ یی إلى حَدٍّ يَستَلزِمُ القَبُولَ یی وُجُودَ الآخِرةِ بمِثلِ بَداهةِ وُجُودِ الدُّنيا.
(حاشية): أجل، إن مَدَى السُّهولة في إخبارِ "الأمر الثُّیبُوتي" ومَدَى الصُّعوبة والإشكال في "نَفْي وإنكار" ذلك، يَظهَر في المثال الآتي:إذا قال أحدُهم: إن هناك یی على سطح الأرض یی حديقةً خارقةً جدًّا، ثِمارُها كعُلَبِ الحليبِ. وأنكر عليه الآخَرُ قولَه هذا قائلًا: لا، لا تُوجَد مثلُ هذه الحديقة. فالأولُ يستطيعُ بكلِّ سُهولة أن يُثبِت دعواه، بمُجرَّد إراءةِ مكانِ تلك الحديقة أو بعضِ ثِمارِها. أما الثاني (أي: المُنكِر) فعليه أن يَرَى ويُرِيَ جميعَ أنحاء الكُرةِ الأرضية لأجل أن يُثبِتَ نَفيَه، وهو عدمُ وُجود مثل هذه الحديقة.. وهكذا الأمر في الذين يُخبِرون عن الجنّةِ، فإنهم يُظهِرون مئاتِ الآلافِ من تَرَشُّحاتِها، ويُبيِّنُون ثِمارَها وآثارَها، علمًا أن شاهدَينِ صادِقَينِ منهم كافيان لإثبات دعواهم، بينما المُنكِرون لوُجُودِها، لا يَسَعُهم إثباتُ دعواهم إلَّا بعد مُشاهَدةِ الكون غيرِ المَحدُود، والزَّمَنِ غير المَحدُود، مع سَبْرِ غَوْرِهما بالبحثِ والتفتيشِ، وعند عدم رُؤيَتِهم لها، يُمكِنُهم إثباتُ دعواهم! فيا مَن بَلَغ به الكِبْرُ عِتِيًّا ويا أيُّها الإخوةُ.. اعلَموا ما أَعظَمَ قُوّةَ الإيمان بالآخرة وما أَشَدَّ رَصانَتَه!.
فما دامَ أَهَمُّ دَرسٍ يُلَقِّنُنا القُرآنُ إيّاه هو "الإيمانَ بالآخِرة"، وهذا الإِيمانُ رَصينٌ ومَتينٌ إلى هذه الدَّرَجةِ، وفي ذلك الإيمانِ نُورٌ باهِرٌ ورَجاءٌ شَديدٌ وسُلوانٌ عَظِيمٌ ما لوِ اجْتَمَعَت مِئةُ أَلفِ شَيخُوخةٍ في شَخصٍ واحِدٍ لكَفاها ذلك النُّورُ، وذلك الرَّجاءُ، وذلك السُّلْوانُ النّابِعُ مِن هذا الإيمانِ؛ لذا عَلَينا نحنُ الشُّيُوخَ أن نَفرَحَ بشَيخُوخَتِنا ونَبتَهِجَ قائِلِين: "الحَمدُ للهِ على كَمالِ الإيمانِ".
— 337 —

الرَّجاءُ السَّادِسُ

حِينَما كُنتُ في مَنْفايَ یی ذلك الأَسْرِ الأَلِيمِ یی بَقِيتُ وَحْدِي مُنفَرِدًا مُنعَزِلًا عنِ النّاسِ على قِمّةِ جَبَلِ "چام" المُطِلّةِ على مَراعِي "بارْلا".. كُنتُ أَبحَثُ عن نُورٍ في تلك العُزْلةِ؛ وذاتَ لَيْلةٍ، في تلك الغُرفةِ الصَّغِيرِة غَيرِ المُسَقَّفةِ، المَنصُوبةِ على شَجَرةِ صَنَوبَرٍ عالِيةٍ على قِمّةِ ذلك المُرتَفَعِ، إذا بشَيخُوخَتِي تُشعِرُني بأَلوانٍ وأَنواعٍ مِنَ الغُرْبةِ المُتَداخِلةِ یی كما جاءَ ذلك في "المَكتُوبِ السّادِسِ" بوُضُوحٍ یی ففي سُكُونِ تلك اللَّيْلةِ حَيثُ لا أَثَرَ ولا صَوْتَ سِوَى ذلك الصَّدَى الحَزِينِ لِحَفِيفِ الأَشجارِ وهَمْهَمَتِها.. أَحسَسْتُ بأنَّ ذلك الصَّدَى الأَلِيمَ قد أَصابَ صَمِيمَ مَشاعِرِي، ومَسَّ أَعماقَ شَيخُوخَتِي وغُربَتِي، فهَمَسَتِ الشَّيخُوخةُ في أُذُني مُنذِرةً:
كما أنَّ النَّهارَ قد تَبَدَّلَ إلى هذا القَبْرِ الحالِكِ، ولَبِسَتِ الدُّنيا كَفَنَها الأَسوَدَ، فسَوفَ يَتَبدَّلُ نَهارُ عُمُرِك إلى لَيلٍ، وسَوفَ يَنقَلِبُ نَهارُ الدُّنيا إلى لَيلِ البَرزَخِ، وسَوفَ يَتَحوَّلُ نَهارُ صَيفِ الحَياةِ إلى لَيلِ شِتاءِ المَوتِ.
فأَجابَتْها نَفسِي على مَضَضٍ:
نعم، كما أنَّني غَرِيبةٌ هُنا عن بَلدَتي ونائِيةٌ عن مَوطِنِي، فإنَّ مُفارَقَتِي لِأَحِبّائي الكَثِيرِينَ خِلالَ عُمُرِي الَّذي ناهَزَ الخَمسِينَ ولا أَملِكُ سِوَى تَذْرافِ الدُّمُوعِ وَراءَهُم، هي غُرْبةٌ تَفُوقُ غُرْبَتي عن مَوطِنِي.. وإنِّي لَأَشعُرُ في هذه اللَّيْلةِ غُرْبةً أَكثَرَ حُزنًا وأَشَدَّ أَلَمًا مِن غُربَتِي على هذا الجَبَلِ الَّذي تَوَشَّح بالغُرْبةِ والحُزْنِ، فشَيخُوخَتِي تُنذِرُني بدُنُوِّي مِن مَوعِدِ فِراقٍ نِهائِيٍّ عنِ الدُّنيا وما فيها، ففي هذه الغُرْبةِ المُكْتَنِفةِ بالحُزْنِ، ومِن خِلالِ هذا الحُزْنِ الَّذي يُمازِجُه الحُزنُ، بَدَأتُ أَبحَثُ عن نُورٍ، وعن قَبَسِ أَمَلٍ، وعن بابِ رَجاءٍ، وسَرْعانَ ما جاءَ "الإِيمانُ باللهِ" لِنَجْدَتِي ولِشَدِّ أَزْرِي، ومَنَحَني أُنسًا عَظِيمًا بحَيثُ لو تَضاعَفَتْ آلامِي ووَحْشَتِي أَضْعافًا مُضاعَفةً لَكانَ ذلك الأُنسُ كافِيًا لِإِزالَتِها.
— 338 —
نعم، أَيُّها الشُّيُوخُ، ويا أَيَّتُها العَجائِزُ.. فما دامَ لَنا خالِقٌ رَحِيمٌ، فلا غُرْبةَ لنا إِذًا أَبَدًا.. وما دامَ سُبحانَه مَوجُودًا فكُلُّ شَيءٍ لنا مَوجُودٌ إِذًا.. وما دامَ هو مَوجُودًا ومَلائِكتُه مَوجُودةً، فهذه الدُّنيا إِذًا لَيسَت خالِيةً لا أَنِيسَ فيها ولا حَسِيسَ، وهذه الجِبالُ الخاوِيةُ وتلك الصَّحارَى المُقفِرةُ كُلُّها عامِرةٌ ومَأْهُولةٌ بعِبادِ اللهِ المُكْرَمِينَ، بالمَلائِكةِ الكِرامِ.
نعم، إنَّ نُورَ الإِيمانِ باللهِ سُبحانَه، والنَّظْرةَ إلى الكَونِ لِأَجْلهِ، يَجعَلُ الأَشجارَ بل حتَّى الأَحجارَ كأَنَّها أَصدِقاءُ مُؤْنِسُونَ فَضْلًا عن ذَوِي الشُّعُورِ مِن عِبادِه، حَيثُ يُمكِنُ لِتِلك المَوجُوداتِ أن تَتَكلَّمَ مَعَنا یی بلِسانِ الحالِ یی بما يُسَلِّينا ويُرَوِّحُ عَنّا.
نعم، إنَّ الدَّلائِلَ على وُجُودِه سُبحانَه بعَدَدِ مَوجُوداتِ هذا الكَونِ، وبعَدَدِ حُرُوفِ كِتابِ العالَمِ الكَبِيرِ هذا، وهُناك دَلائِلُ وشَواهِدُ على رَحْمَتِه بعَدَدِ أَجهِزةِ ذَوِي الأَرْواحِ وما خَصَّهُم مِن نِعَمِه ومَطعُوماتِه الَّتي هي مِحْوَرُ الشَّفَقةِ والرَّحْمةِ والعِنايةِ، فجَمِيعُها تَدُلُّ على بابِ خالِقِنا الرَّحِيمِ والكَرِيمِ، وصانِعِنا الأَنِيسِ، وحامِينا الوَدُودِ؛ ولا شَكَّ أنَّ العَجْزَ والضَّعْفَ هُما أَرجَى شَفِيعَينِ عِندَ ذلك البابِ السّامِي، وأنَّ عَهْدَ الشَّيْبِ أَوانُهُما، ووَقتُ ظُهُورِهِما، فعَلَيْنا إِذًا أن نَوَدَّ الشَّيخُوخةَ، وأن نُحِبَّها، لا أن نُعرِضَ عَنْها؛ إذ هي شَفِيعٌ مُرتَجًى أَمامَ ذلك البابِ الرَّفِيعِ.

الرَّجاءُ السَّابعُ

حِينَما تَبَدَّلَت نَشْوةُ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" وابتِساماتُه إلى نَحِيبِ "سَعِيدٍ الجَدِيدِ" وبُكائِه، وذلك في بِدايةِ المَشِيبِ، دَعاني أَرْبابُ الدُّنيا في "أَنقَرةَ" إلَيْها، ظَنًّا مِنهُم أَنَّني "سَعِيدٌ القَدِيمُ"، فاستَجَبتُ لِلدَّعْوةِ.
فذاتَ يَومٍ مِنَ الأَيّامِ الأَخِيرةِ لِلخَرِيفِ، صَعِدتُ إلى قِمّةِ "قَلْعةِ أَنقَرةَ" الَّتي أَصابَها الكِبَرُ والبِلَى أَكثَرَ مِنِّي، فتَمَثَّلَتْ تلك القَلْعةُ أَمامِي كأَنَّها حَوادِثُ تارِيخِيّةٌ مُتَحَجِّرةٌ، واعْتَراني حُزنٌ شَدِيدٌ وأَسًى عَمِيقٌ مِن شَيْبِ السَّنةِ في مَوْسِمِ الخَرِيفِ، ومِن
— 339 —
شَيْبِي أنا، ومِن هَرَمِ القَلْعةِ، ومِن هَرَمِ البَشَرِيّةِ، ومِن شَيْخُوخةِ الدَّوْلةِ العُثْمانيّةِ العَلِيّةِ، ومِن وَفاةِ سَلْطَنةِ الخِلافةِ، ومِن شَيْخُوخةِ الدُّنيا.. فاضْطَرَّتْني تلك الحالةُ إلى النَّظَرِ مِن ذِرْوةِ تلك القَلْعةِ المُرتَفِعةِ إلى أَوْدِيةِ الماضِي وشَواهِقِ المُستَقبَلِ، أُنقِّبُ عن نُورٍ، وأَبحَثُ عن رَجاءٍ وعَزاءٍ يُنِيرُ ما كُنتُ أُحِسُّ به مِن أَكثَفِ الظُّلُماتِ الَّتي غَشِيَت رُوحِي هُناك وهِي غارِقةٌ في لَيْلِ هذا الهَرَمِ المُتَداخِلِ المُحِيطِ. (حاشية): ورَدَت هذه الحالةُ الرُّوحِيّةُ على صُورةِ مُناجاةٍ إلى القَلبِ باللُّغةِ الفارِسيّةِ، فكَتَبتُها كما ورَدَت، ثمَّ طُبِعَت ضِمنَ رِسالةِ "حَباب" في أَنقَرة.
فحِينَما نَظَرتُ إلى اليَمِينِ الَّذي هو الماضِي باحِثًا عن نُورٍ ورَجاءٍ، بَدَت لي تلك الجِهةُ مِن بَعِيدٍ على هَيْئةِ مَقبَرةٍ كُبْرَى لِأَبي وأَجْدادِي والنَّوعِ الإِنسانِيِّ، فأَوْحَشَتْني بَدَلًا مِن أن تُسَلِّيَني.
ثمَّ نَظَرتُ إلى اليَسارِ الَّذي هو المُستَقبَلُ مُفَتِّشًا عنِ الدَّواءِ، فتَراءَى لي على صُورةِ مَقبَرةٍ كُبْرَى مُظلِمةٍ لي ولِأَمثالي ولِلجِيلِ القابِلِ، فأَدْهَشَني عِوَضًا مِن أن يُؤْنِسَني.
ثمَّ نَظَرتُ إلى زَمَنِي الحاضِرِ بَعدَ أنِ امْتَلَأ قَلبِي بالوَحْشةِ مِنَ اليَمِينِ واليَسارِ، فبَدا ذلك اليَومُ لِنَظَرِي الحَسِيرِ ونَظْرَتي التّارِيخِيّةِ على شَكْلِ نَعْشٍ لِجِنازةِ جِسمِي المُضطَرِبِ كالمَذبُوحِ بَينَ المَوتِ والحَياةِ.
فلَمّا يَئِستُ مِن هذه الجِهةِ أَيضًا، رَفَعتُ رَأْسِي ونَظَرتُ إلى قِمّةِ شَجَرةِ عُمُرِي، فرَأَيتُ أنَّ على تلك الشَّجَرةِ ثَمَرةً واحِدةً فقط، وهِي تَنظُرُ إِليَّ، تلك هي جِنازَتي، فطَأْطَأْتُ رَأْسِي ناظِرًا إلى جُذُورِ شَجَرةِ عُمُرِي، فرَأَيتُ أنَّ التُّرابَ الَّذي هُناك ما هو إلّا رَمِيمُ عِظامِي، وتُرابُ مَبدَأِ خِلْقَتِي قدِ اختَلَطا مَعًا وامْتَزَجا، وهُما يُداسانِ تَحتَ الأَقدامِ، فأَضافا إلى دائِي داءً مِن دُونِ أن يَمنَحانِي دَواءً.
ثمَّ حَوَّلتُ نَظَرِي على مَضَضٍ إلى ما وَرائي، فرَأَيتُ أنَّ هذه الدُّنيا الفانِيةَ الزّائِلةَ تَتَدحرَجُ في أَوْدِيةِ العَبَثِ، وتَنحَدِرُ في ظُلُماتِ العَدَمِ، فسَكَبَتْ هذه النَّظْرةُ السُّمَّ على جُرُوحِي بَدَلًا مِن أن تُواسِيَها بالمَرْهَمِ والعِلاجِ الشَّافي.
— 340 —
ولَمَّا لم أَجِد في تلك الجِهةِ خَيْرًا ولا أَمَلًا، وَلَّيْتُ وَجْهِي شَطْرَ الأَمامِ ورَنَوْتُ بنَظَرِي بَعِيدًا، فرَأَيتُ أنَّ القَبْرَ واقِفٌ لي بالمِرصادِ على قارِعةِ الطَّرِيقِ، فاغِرًا فاهُ، يُحدِقُ بي، وخَلْفَه الصِّراطُ المُمتَدُّ إلى حَيثُ الأَبَدُ، وتَتَراءَى القَوافِلُ البَشَرِيّةُ السّائِرةُ على ذلك الصِّراطِ مِن بَعِيدٍ؛ ولَيسَ لي مِن نُقطةِ استِنادٍ أَمامَ هذه المَصائِبِ المُدهِشةِ الَّتي تَأْتِيني مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ، ولا أَملِكُ سِلاحًا يَدفَعُ عَنِّي غَيرَ جُزءٍ ضَئِيلٍ مِنَ الإِرادةِ الجُزئيّةِ.. فلَيسَ لي إِذًا أَمامَ كلِّ أُولَئِك الأَعداءِ الَّذِينَ لا حَصْرَ لَهُم، والأَشياءِ المُضِرّةِ غَيرِ المَحصُورةِ، سِوَى السِّلاحِ الإِنسانِيِّ الوَحِيدِ، وهُو الجُزءُ الِاختِيارِيُّ.
ولكِن لَمَّا كان هذا السِّلاحُ ناقِصًا وقاصِرًا وعاجِزًا، ولا قُوّةَ له على إِيجادِ شَيءٍ، ولَيسَ في طَوْقِه إلّا الكَسْبُ فحَسْبُ، حَيثُ لا يَستَطِيعُ أن يَمضِيَ إلى الزَّمانِ الماضِي كي يَذُبَّ عَنِّي الأَحْزانَ ويُسكِتَها، ولا يُمكِنُه أن يَنطَلِقَ إلى المُستَقبَلِ حتَّى يَمنَعَ عَنِّي الأَهوالَ والمَخاوِفَ الوارِدةَ مِنه، أَيقَنتُ أن لا جَدْوَى مِنه فيما يُحِيطُ بي مِن آلامِ الماضِي وآمالِ المُستَقبَلِ.
وبَينَما كُنتُ مُضطَرِبًا وَسْطَ الجِهاتِ السِّتِّ، تَتَوالَى عَلَيَّ مِنها صُنُوفُ الوَحْشةِ والدَّهْشةِ واليَأْسِ والظُّلْمةِ، إذا بأَنوارِ الإِيمانِ المُتَألِّقةِ في وَجْهِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، تُمِدُّني وتُضِيءُ تلك الجِهاتِ السِّتَّ وتُنَوِّرُها بأَنوارٍ باهِرةٍ ساطِعةٍ ما لو تَضاعَفَ ما انْتابَنِي مِن صُنُوفِ الوَحْشةِ وأَنواعِ الظُّلُماتِ مِئةَ مَرّةٍ، لَكانَت تلك الأَنوارُ كافِيةً ووافِيةً لِإِحاطَتِها.
فبَدَّلَت یی تلك الأَنوارُ یی السِّلسِلةَ الطَّوِيلةَ مِنَ الوَحْشةِ إلى سُلْوانٍ ورَجاءٍ، وحَوَّلَت كلَّ المَخاوِفِ إلى أُنسِ القَلْبِ، وأَمَلِ الرُّوحِ، الواحِدةَ تِلْوَ الأُخرَى.
نعم، إنَّ الإِيمانَ قد مَزَّق تلك الصُّورةَ الرَّهِيبةَ لِلماضِي وهِي كالمَقبَرةِ الكُبْرَى، وحَوَّلَها إلى مَجلِسٍ مُنَوَّرٍ مُؤْنِسٍ، وإلى مُلتَقَى الأَحبابِ، وأَظهَرَ ذلك بعَينِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ..
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد أَظهَرَ بعِلمِ اليَقِينِ أنَّ المُستَقبَلَ الَّذي يَتَراءَى لَنا بنَظَرِ الغَفْلةِ كقَبْرٍ واسِعٍ كَبِيرٍ، مّا هو إلّا مَجلِسُ ضِيافةٍ رَحْمانيّةٍ أُعِدَّت في قُصُورِ السَّعادةِ الخالِدةِ.
— 341 —
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد حَطَّم صُورةَ التّابُوتِ والنَّعْشِ لِلزَّمَنِ الحاضِرِ الَّتي تَبدُو هكَذا بنَظَرِ الغَفْلةِ، وأَشْهَدَني أنَّ اليَومَ الحاضِرَ إنَّما هو مَتْجَرٌ أُخرَوِيٌّ، ودارُ ضِيافةٍ رائِعةٌ لِلرَّحمٰنِ.
ثمَّ إنَّ الإِيمانِ قد بَصَّرَني بعِلمِ اليَقِينِ أنَّ ما يَبدُو بنَظَرِ الغَفْلةِ مِنَ الثَّمَرةِ الوَحِيدةِ الَّتي هي فَوقَ شَجَرةِ العُمُرِ على شَكْلِ نَعشٍ وجِنازةٍ: أنَّها لَيسَت كَذَلِك، وإنَّما هي انطِلاقٌ لِرُوحِي الَّتي هي مُؤَهَّلةٌ لِلحَياةِ الأَبَدِيّةِ ومُرَشَّحةٌ لِلسَّعادةِ الأَبَدِيّةِ، مِن وَكْرِها القَدِيمِ إلى حَيثُ آفاقُ النُّجُومِ لِلسِّياحةِ والِارْتِيادِ.
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد بَيَّن بأَسرارِه أنَّ عِظامِي ورَمِيمَها وتُرابَ بِدايةِ خِلْقَتِي، لَيسَا عِظامًا حَقِيرةً فانِيةً تُداسُ تَحتَ الأَقدامِ، وإنَّما ذلك التُّرابُ بابٌ لِلرَّحْمةِ، وسِتارٌ لِسُرادِقِ الجَنّةِ.
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ أَراني بفَضْلِ أَسرارِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ أَحْوالَ الدُّنيا وأَوْضاعَها المُنهارةَ في ظُلُماتِ العَدَمِ بنَظَرِ الغَفْلةِ، لا تَتَدحْرَجُ هكَذا في غَياهِبِ العَدَمِ یی كما ظُنَّ في بادِئِ الأَمرِ یی بل إِنَّها نَوعٌ مِن رَسائِلَ رَبّانيّةٍ ومَكاتِيبَ صَمَدانيّةٍ، وصَحائِفِ نُقُوشٍ لِلأَسماءِ السُّبْحانيّةِ قد أَتمَّت مَهامَّها، وأَفادَت مَعانيَها، وأَخْلَفَت عنها نَتائِجَها في الوُجُودِ، فأَعْلَمَني الإِيمانُ بذلك ماهِيّةَ الدُّنيا عِلمَ اليَقِينِ.
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ قد أَوْضَحَ لي بِنُورِ القُرآنِ أنَّ ذلك القَبْرَ الَّذي أَحدَقَ بي ناظِرًا ومُنتَظِرًا لَيسَ هو بفَوْهةِ بِئرٍ، وإِنَّما هو بابٌ لِعالَمِ النُّورِ، وأنَّ ذلك الطَّرِيقَ المُؤَدِّيَ إلى الأَبَدِ لَيسَ طَرِيقًا مُمْتَدًّا ومُنتَهِيًا بالظُّلُماتِ والعَدَمِ، بل إنَّه سَبِيلٌ سَوِيٌّ إلى عالَمِ النُّورِ، وعالَمِ الوُجُودِ وعالَمِ السَّعادةِ الخالِدةِ.. وهكَذا أَصبَحَت هذه الأَحوالُ دَواءً لِدائِي، ومَرهَمًا له، حَيثُ قد بَدَت واضِحةً جَلِيّةً فأَقنَعَتْني قَناعةً تامّةً.
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ يَمنَحُ ذلك الجُزءَ الضَّئِيلَ مِنَ الجُزءِ الِاختِيارِيِّ الَّذي يَملِكُ كَسْبًا جُزئِيًّا لِلغايةِ، وَثِيقةً يَستَنِدُ بها إلى قُدرةٍ مُطلَقةٍ، ويَنتَسِبُ بها إلى رَحْمةٍ واسِعةٍ، ضِدَّ تلك الكَثْرةِ الكاثِرةِ مِنَ الأَعداءِ والظُّلُماتِ المُحِيطةِ، بل إنَّ الإِيمانَ نَفسَه يكُونُ وَثيقةً بِيَدِ
— 342 —
الجُزءِ الِاختِيارِيِّ؛ ثمَّ إنَّ هذا الجُزءَ الِاختِيارِيَّ الَّذي هو السِّلاحُ الإِنسانِيُّ، وإن كانَ في حَدِّ ذاتِه ناقِصًا عاجِزًا قاصِرًا، إلّا أنَّه إذا استُعْمِلَ بِاسمِ الحَقِّ سُبحانَه، وبُذِلَ في سَبِيلِه، ولِأَجلِه، يُمكِنُ أن يُنالَ به یی بمُقتَضَى الإِيمانِ یی جَنّةٌ أَبَدِيّةٌ بسَعَةِ خَمسِ مِئةِ سَنةٍ، مَثَلُ المُؤمِنِ في ذلك مَثَلُ الجُندِيِّ إذا استَعمَلَ قُوَّتَه الجُزئيّةَ بِاسمِ الدَّوْلةِ فإنَّه يَسهُلُ علَيْه أن يُؤَدِّيَ أَعمالًا تَفُوقُ قُوَّتَه الشَّخصِيّةَ بأُلُوفِ المَرّاتِ.
وكما أنَّ الإِيمانَ يَمنَحُ الجُزءَ الِاختِيارِيَّ وَثيقةً، فإنَّه يَسلُبُ زِمامَه مِن قَبْضةِ الجِسمِ الَّذي لا يَستَطِيعُ النُّفُوذَ في الماضِي ولا في المُستَقبَلِ، ويُسَلِّمُه إلى القَلبِ والرُّوحِ، ولِعَدَمِ انحِصارِ دائِرةِ حَياةِ الرُّوحِ والقَلبِ في الزَّمَنِ الحاضِرِ كما هو في الجَسَدِ، ولِدُخُولِ سَنَواتٍ عِدّةٍ مِنَ الماضِي وسَنَواتٍ مِثلِها مِنَ المُستَقبَلِ في دائِرةِ تلك الحَياةِ، فإنَّ ذلك الجُزءَ الِاختِيارِيَّ يَنبَثِقُ مِنَ الجُزئيّةِ مُكتَسِبًا الكُلِّيّةَ.. فكَما أنَّه يَدخُلُ بقُوّةِ الإِيمانِ في أَعمَقِ أَوْدِيةِ الماضِي مُبَدِّدًا ظُلُماتِ الأَحْزانِ، كَذلِك يَصعَدُ مُحَلِّقًا بنُورِ الإِيمانِ إلى أَبعَدِ شَواهِقِ المُستَقبَلِ، مُزِيلًا أَهْوالَه ومَخاوِفَه.
فيا أيُّها الإِخوانُ الشُّيُوخُ، ويا أيَّتُها الأَخَواتُ العَجائِزُ، ويا مَن تَتَألَّمُونَ مِثلِي مِن تَعَبِ المَشِيبِ.. ما دُمْنا والحَمدُ للهِ مِن أَهلِ الإِيمانِ، والإِيمانُ فيه خَزائِنُ حُلْوةٌ نَيِّرةٌ لَذِيذةٌ مَحبُوبةٌ إلى هذا الحَدِّ، وأنَّ شَيْبَنا يَدفَعُنا إلى هذه الخَزائِنِ دَفْعًا أَكثَرَ، فلَيسَ لنا التَّشَكِّي مِنَ الشَّيخُوخةِ إِذًا، بل يَجِبُ علَيْنا أن نُقَدِّمَ أَلفَ شُكرٍ وشُكرٍ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأن نَحمَدَه تَعالَى على شَيْبِنا المُنَوَّرِ بالإِيمانِ.

الرَّجاءُ الثَّامِنُ

حِينَما خالَطَ بَعضَ شَعَراتِ رَأْسِي البَياضُ الَّذي هو عَلامةُ الشَّيخُوخةِ، وكانَت أَهْوالُ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى وما خَلَّفَه الأَسْرُ لَدَى الرُّوسِ مِن آثارٍ عَمِيقةٍ في حَياتِي عَمَّقَت فِيَّ نَومَ غَفْلةِ الشَّبابِ؛ وتَلا ذلك استِقبالٌ رائِعٌ عِندَ عَوْدَتِي مِنَ الأَسْرِ إلى إسطَنبُولَ، سَواءٌ مِن قِبَلِ الخَلِيفةِ أو شَيخِ الإِسلامِ، أوِ القائِدِ العامِّ، أو مِن قِبَل طَلَبةِ
— 343 —
العُلُومِ الشَّرعِيّةِ، وما قُوبِلتُ به مِن تَكرِيمٍ وحَفاوةٍ أَكثَرَ مِمّا أَستَحِقُّ بكَثِيرٍ.. كلُّ ذلك وَلَّد عِندِي حالةً رُوحِيّةً فَضْلًا عن سَكْرةِ الشَّبابِ وغَفْلَتِه، وعَمَّقَتْ فِيَّ ذلك النَّومَ أَكثَرَ، حتَّى تَصَوَّرتُ مَعَها أنَّ الدُّنيا دائِمةٌ باقِيةٌ، ورَأَيتُ نَفسِي في حالةٍ عَجِيبةٍ مِنَ الِالتِصاقِ بالدُّنيا كأَنَّني لا أَمُوتُ.
ففي هذا الوَقْتِ، ذَهَبتُ إلى جامِع "بايَزِيدَ" في إسطَنبُولَ، وذلك في شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ لِأَستَمِعَ إلى القُرآنِ الكَرِيمِ مِنَ الحُفّاظِ المُخلِصِينَ، فاستَمَعتُ مِن لِسانِ أُولَئِك الحُفّاظِ ما أَعلَنَه القُرآنُ المُعجِزُ بقُوّةٍ وشِدّةٍ، بخِطابِه السَّماوِيِّ الرَّفِيعِ في مَوتِ الإِنسانِ وزَوالِه، ووَفاةِ ذَوِي الحَياةِ ومَوتِهِم، وذلك بنَصِّ الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، نَفَذَ هذا الإِعلانُ الدّاوِي صِماخَ أُذُني مُختَرِقًا ومُمَزِّقًا طَبَقاتِ النَّومِ والغَفْلةِ والسَّكْرةِ الكَثِيفةِ الغَلِيظةِ حتَّى استَقَرَّ في أَعماقِ أَعماقِ قَلبِي.. فخَرَجتُ مِنَ الجامِعِ، ورَأَيتُ نَفسِي لِبِضْعةِ أَيّامٍ، كأنَّ إِعصارًا هائِلًا يَضطَرِمُ في رَأْسِي بما بَقِيَ مِن آثارِ ذلك النَّومِ العَمِيقِ المُستَقِرِّ فِيَّ مُنذُ أَمَدٍ طَوِيلٍ، ورَأَيتُني كالسَّفِينةِ التّائِهةِ بَينَ أَمواجِ البَحرِ.. كانَت نَفسِي تَتَأجَّجُ بنارٍ ذاتِ دُخانِ كَثِيفٍ، وكُلَّما كُنتُ أَنظُرُ إلى المِرآةِ، كانَت تلك الشَّعَراتُ البَيضاءُ تُخاطِبُني قائِلةً: انتَبِهْ!!
نعم، إنَّ الأُمُورَ تَوَضَّحَت عِندِي بظُهُورِ تلك الشَّعَراتِ البَيْضاءِ وتَذكِيرِها إِيّايَ، حَيثُ شاهَدتُ أنَّ الشَّبابَ الَّذي كُنتُ أَغتَرُّ به كَثِيرًا، بل كُنتُ مَفتُونًا بأَذْواقِه يقُولُ لي: الوَداعَ! وأنَّ الحَياةَ الدُّنيا الَّتي كُنتُ أَرتَبِطُ بحُبِّها بَدَأَت بالِانطِفاءِ رُوَيدًا رُوَيدًا، وبَدَت لي الدُّنيا الَّتي كُنتُ أَتَشبَّثُ بها، بل كُنتُ مُشتاقًا إِلَيْها وعاشِقًا لها، رَأَيتُها تَقُولُ لي: الوَداعَ!! الوَداعَ!! مُشعِرةً إِيّايَ بأَنَّني سأَرحَلُ مِن دارِ الضِّيافةِ هذه، وسأُغادِرُها عَمّا قَرِيبٍ؛ ورَأَيتُها یی أي: الدُّنيا یی هي الأُخرَى تَقُولُ: الوَداعَ! وتَتَهيَّأُ لِلرَّحِيلِ.. وانفَتَح لِلقَلبِ مِن كُلِّيّةِ هذه الآيةِ الكَرِيمةِ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ومِن إِشاراتِها هذا المَعنَى:
إِنَّ البَشَرِيّةَ قاطِبةً إنَّما هي كالنَّفسِ الواحِدةِ، فلا بُدَّ أنَّها ستَمُوتُ كي تُبعَثَ مِن جَدِيدٍ؛ وإنَّ الكُرةَ الأَرضِيّةَ كَذلِك نَفسٌ، فلا بُدَّ أنَّها سَوفَ تَمُوتُ ويُصِيبُها البَوارُ كي
— 344 —
تَتَّخِذَ صُورةً باقِيةً؛ وإنَّ الدُّنيا هي الأُخرَى نَفسٌ وسَوفَ تَمُوتُ وتَنقَضِي كي تَتَشكَّلَ بصُورةِ "الآخِرةِ".
فَكَّرتُ فيما أنا فيه.. فرَأَيتُ أنَّ الشَّبابَ الَّذي هو مَدارُ الأَذْواقِ واللَّذائِذِ، ذاهِبٌ نَحوَ الزَّوالِ، تارِكٌ مَكانَه لِلشَّيخُوخةِ الَّتي هي مَنشَأُ الأَحزانِ؛ وأنَّ الحَياةَ السّاطِعةَ الباهِرةَ لَفِي ارْتِحالٍ، ويَتَهيَّأُ المَوتُ المُظلِمُ المُخِيفُ یی ظاهِرًا یی لِيَحُلَّ مَحَلَّها.
ورَأَيتُ الدُّنيا الَّتي هي مَحبُوبةٌ وحُلْوةٌ ومَعشُوقةُ الغُفَاةِ ويُظَنُّ أنَّها دائِمةٌ، رَأَيتُها تَجرِي مُسرِعةً إلى الفَناءِ؛ ولِكَي أَنغَمِسَ في الغَفْلةِ وأُخادِعَ نَفسِي وَلَّيتُ نَظَرِي شَطْرَ أَذْواقِ المَنزِلةِ الِاجتِماعِيّةِ ومَقامِها الرَّفِيعِ الَّذي حَظِيتُ به في إسطَنبُولَ والَّذي خُدِعَت به نَفسِي وهُو فَوقَ حَدِّي وطَوْقي، مِن حَفاوةٍ وإِكرامٍ وسُلْوانٍ وإِقبالٍ وإِعجابٍ.. فرَأَيتُ أنَّ جَمِيعَها لا تُصاحِبُني إلّا إلى حَدِّ بابِ القَبْرِ القَرِيبِ مِنِّي، وعِندَه تَنطَفِئُ.
ورَأَيتُ أنَّ رِياءً ثَقِيلًا، وأَثَرَةً بارِدةً وغَفْلةً مُؤَقَّتةً، تَكمُنُ تَحتَ السِّتارِ المُزَرْكَشِ لِلسُّمْعةِ والصِّيتِ، الَّتي هي المَثَلُ الأَعلَى لِأَربابِ الشُّهْرةِ وعُشّاقِها، ففَهِمتُ أنَّ هذه الأُمُورَ الَّتي خَدَعَتْني حتَّى الآنَ لن تَمنَحَنِي أيَّ سُلْوانٍ، ولا يُمكِنُ أن أَتلَمَّسَ فيها أيَّ قَبَسٍ مِن نُورٍ.
ولِكَي أَستَيقِظَ مِن غَفْلَتِي مَرّةً أُخرَى وأَنتَبِهَ مِنها نِهائِيًّا، بَدَأتُ بالِاستِماعِ كَذلِك لِأُولَئِك الحُفّاظِ الكِرامِ في جامِعِ "بايَزِيدَ" لِأَتلَقَّى الدَّرسَ السَّماوِيَّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ.. وعِندَها سَمِعتُ بِشاراتِ ذلك الإِرشادِ السَّماوِيِّ مِن خِلالِ الأَوامِرِ الرَّبّانيّةِ المُقَدَّسةِ في قَولِه تَعالَى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا....
وبالفَيضِ الَّذي أَخَذتُهُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ تَحَرَّيتُ عنِ السَّلْوةِ والرَّجاءِ والنُّورِ في تلك الأُمُورِ الَّتي أَدْهَشَتْني وحَيَّرَتْني وأَوْقَعَتْني في يَأْسٍ ووَحْشةٍ، دُونَ البَحثِ عنها في غَيرِها مِنَ الأُمُورِ.. فأَلفُ شُكرٍ وشُكرٍ لِلخالِقِ الكَرِيمِ على ما وَفَّقَني لِأَنْ أَجِدَ الدَّواءَ في الدّاءِ نَفسِه، وأن أَرَى النُّورَ في الظُّلْمةِ نَفسِها، وأَنْ أَشعُرَ بالسُّلْوانِ في الأَلَمِ والرُّعبِ ذاتِهِما.
— 345 —
فنَظَرتُ أَوَّلَ ما نَظَرتُ إلى ذلك الوَجْهِ الَّذي يُرعِبُ الجَمِيعَ ويُتَوَهَّمُ أنَّه مُخِيفٌ جِدًّا یی وهُو وَجْهُ "المَوتِ" یی فوَجَدتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ الوَجْهَ الحَقِيقيَّ لِلمَوتِ بالنِّسبةِ لِلمُؤمِنِ صَبُوحٌ مُنَوَّرٌ، على الرَّغمِ مِن أنَّ حِجابَه مُظلِمٌ والسِّترَ الَّذي يُخفِيه يَكتَنِفُه السَّوادُ القَبِيحُ المُرعِبُ.. وقد أَثْبَتْنا وأَوْضَحْنا هذه الحَقِيقةَ بصُورةٍ قاطِعةٍ في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ وبخاصّةٍ في "الكَلِمةِ الثّامِنةِ" و"المَكتُوبِ العِشرِينَ" أنَّ المَوتَ: لَيسَ إِعدامًا، ولا هو فِراقٌ أبديٌّ، وإنَّما مُقدِّمةٌ وتَمهِيدٌ لِلحَياةِ الأَبدِيّةِ وبِدايةٌ لها، وهُو إِنهاءٌ لِأَعباءِ مُهِمّةِ الحَياةِ ووَظائِفِها ورُخْصةٌ مِنها وراحةٌ وإِعفاءٌ، وهو تَبدِيلُ مَكانٍ بمَكانٍ، وهُو وِصالٌ ولِقاءٌ مَعَ قافِلةِ الأَحبابِ الَّذِينَ ارتَحَلُوا إلى عالَمِ البَرزَخِ.. وهكذا، بمِثلِ هذه الحَقائِقِ شاهَدتُ وَجْهَ المَوتِ المَلِيحِ الصَّبُوحِ.. فلا غَرْوَ لم أَنظُر إلَيْه خائِفًا وَجِلًا، وإنَّما نَظَرتُ إلَيْه بشَيءٍ مِنَ الِاشتِياقِ یی مِن جِهةٍ یی وعَرَفتُ في حِينِها سِرًّا مِن أَسرارِ "رابِطةِ المَوتِ" الَّتي يُزاوِلُها أَهلُ الطُّرُقِ الصُّوفيّةِ.
ثمَّ تَأَمَّلتُ في "عَهْدِ الشَّبابِ" الَّذي يُحزِنُ الجَمِيعَ بزَوالِه، ويَجعَلُ الكُلَّ يَشتاقُونَ إلَيْه ويَنبَهِرُونَ به، والَّذي يَمُرُّ بالغَفْلةِ والآثام، وقد مَرَّ شَبابِي هكذا! فرَأَيتُ أنَّ ثَمّةَ وَجْهًا دَمِيمًا جِدًّا وسَكرانَ طائِشًا تَحتَ الحُلَّةِ القَشِيبةِ الفَضْفاضةِ المُلْقیاةِ علَيْه، فلو لم أَكُن مُدرِكًا كُنهَه لَكانَ يُبكِينِي ويُحزِنُني طَوالَ حَياتِي الدُّنيا، حتَّى لو عَمَرتُ مِئةَ سَنةٍ حِيالَ بِضعِ سِنِينَ تَمضِي بنَشْوةٍ وابتِسامةٍ، كما قالَ الشّاعِرُ الباكِي على شَبابِه بحَسْرةٍ مَرِيرةٍ:
فيا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَومًا فأُخبِرَه بِما فَعَل المَشِيبُ
نعم، إنَّ الَّذِينَ لم يَتَبيَّنُوا سِرَّ الشَّبابِ وماهِيَّتَه مِنَ الشُّيُوخ يَقضُونَ شَيخُوخَتَهُم بالحَسْرةِ والنَّحِيبِ على عَهدِ شَبابِهِم كَهذا الشّاعِرِ؛ والحالُ أنَّ فُتُوّةَ الشَّبابِ ونَضارَتَه إذا ما حَلَّت في المُؤمِنِ المُطْمَئِنِّ الحَصِيفِ ذِي القَلبِ السَّاكِنِ الوَقُورِ، وإذا ما صُرِفَت طاقةُ الشَّبابِ وقُوَّتُه إلى العِبادةِ والأَعمالِ الصَّالِحةِ والتِّجارةِ الأُخرَوِيّةِ، فإِنَّها تُصبِحُ أَعظَمَ قُوّةٍ لِلخَيرِ، وتَغدُو أَفضَلَ وَسِيلةٍ لِلتِّجارةِ، وأَجمَلَ وَاسِطةٍ لِلحَسَناتِ بل أَلَذَّها.
— 346 —
نعم، إنَّ عَهْدَ الشَّبابِ نَفِيسٌ حَقًّا وثَمِينٌ جِدًّا، وهُو نِعمةٌ إِلٰهِيّةٌ عُظمَى، ونَشْوةٌ لَذِيذةٌ لِمَن عَرَف واجِبَه الدِّينِيَّ ولِمَن لم يُسِئِ استِعمالَه؛ ولكِنَّ الشَّبابَ إن لم تَصحَبْه الِاستِقامةُ، ولم تُرافِقْه العِفّةُ والتَّقوَى، فدُونَه المَهالِكُ الوَبِيلةُ، إذ يُصَدِّعُ طَيْشُه ونَزَواتُه سَعادةَ صاحِبِه الأَبدِيّةَ، وحَياتَه الأُخرَوِيّةَ، ورُبَّما يُحَطِّمُ حَياتَه الدُّنيا أَيضًا، فيُجَرِّعُه الآلامَ غُصَصًا طَوالَ مَرحَلةِ الهَرَمِ والشَّيخُوخةِ لِمَا أَخَذَه في بِضعِ سِنِينَ مِن أَذْواقٍ ولَذائِذَ.
ولَمَّا كانَ عَهدُ الشَّبابِ لا يَخلُو مِنَ الضَّرَرِ عِندَ أَغلَبِ النّاسِ، فعَلَيْنا إِذًا یی نَحنُ الشُّيُوخَ یی أن نَشكُرَ اللهَ شُكْرًا كَثِيرًا على ما نَجَّانا مِن مَهالِكِ الشَّبابِ وأَضْرارِه.. هذا وإنَّ لَذّاتِ الشَّبابِ زائِلةٌ لا مَحالةَ، كما تَزُولُ جَمِيعُ الأَشْياءِ.. فلَئِن صُرِفَ عَهدُ الشَّبابِ لِلعِبادةِ، وبُذِلَ لِلخَيرِ والصَّلاحِ لَكانَ دُونَه ثِمارُه الباقِيةُ الدّائِمةُ، ولَأَصبَحَ وَسِيلةً لِلفَوزِ بشَبابٍ دائِمٍ وخالِدٍ في حَياةٍ أَبدِيّةٍ.
ثمَّ نَظَرتُ إلى "الدُّنيا" الَّتي عَشِقَها أَكثَرُ النّاسِ، وابتُلُوا بها، فرَأَيتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ هُنالك ثَلاثَ دُنًى كُلِّيّةٍ قد تَداخَلَ بَعضُها في بَعضٍ:
الأُولَى: هي الدُّنيا المُتَوجِّهةُ إلى الأَسماءِ الإِلٰهِيّةِ الحُسنَى، فهِي مِرآةٌ لَها.
الثَّانيةُ: هي الدُّنيا المُتَوجِّهةُ نَحوَ الآخِرةِ، فهِي مَزرَعَتُها.
الثّالثةُ: هي الدُّنيا المُتَوجِّهةُ إلى أَربابِ الدُّنيا وأَهلِ الضَّلالةِ، فهِي مَلعَبُ أَهلِ الغَفْلةِ ولَهْوُهُم.
ورَأَيتُ كَذلِك أنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ في هذه الدُّنيا دُنيا عَظِيمةً خاصّةً به، فهُنالك إِذًا دُنًى مُتَداخِلةٌ بعَدَدِ البَشَرِ؛ غَيرَ أنَّ دُنيا كلِّ شَخصٍ قائِمةٌ على حَياتِه الشَّخصِيّةِ، فمَتَى انْهارَ جِسمُه فإنَّ دُنياه تَتَهدَّمُ وقِيامَتَه تَقُومُ.. وحَيثُ إنَّ الغافِلِينَ لا يُدرِكُونَ انْهِدامَ دُنياهُمُ الخاصّةِ بهذه السُّرعةِ الخاطِفةِ، فهُم يُفتَنُونَ بها، إِذ يَظُنُّونَها كالدُّنيا العامّةِ المُستَقِرّةِ مِن حَوْلِهِم.
— 347 —
فتَأَمَّلتُ قائِلًا: لا شَكَّ أنَّ لي أَيضًا دُنيا خاصّةً یی كدُنيا غَيرِي یی تَتَهدَّمُ بسُرعةٍ، فما فائِدةُ هذه الدُّنيا الخاصّةِ إِذًا في عُمُرِي القَصِيرِ جِدًّا؟! فرَأَيتُ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ أنَّ هذه الدُّنيا بالنِّسبةِ لي ولِغَيرِي ما هِي إلّا مَتْجَرٌ مُؤَقَّتٌ، ودارُ ضِيافةٍ تُملَأُ كلَّ يَومٍ وتُخْلَى، وهِي سُوقٌ مُقامةٌ على الطَّرِيقِ لِتِجارةِ الغادِينَ والرّائِحِينَ، وهِي كِتابٌ مَفتُوحٌ يَتَجدَّدُ لِلبارِئِ المُصَوِّرِ، فيَمحُو فيه ما يَشاءُ ويُثْبِتُه بحِكْمةٍ؛ وكُلُّ رَبِيعٍ فيها رِسالةٌ مُرَصَّعةٌ مُذَهَّبةٌ، وكلُّ صَيفٍ فيها قَصِيدةٌ مَنظُومةٌ رائِعةٌ، وهِي مَرايا تَتَجدَّدُ مُظهِرةً تَجَلِّياتِ الأَسماءِ الحُسنَى لِلصّانِعِ الجَلِيلِ، وهِي مَزرَعةٌ لِغِراسِ الآخِرةِ، وهِي مَزهَرةُ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ، وهِي مَصنَعٌ مُوَقَّتٌ لِتَجهِيزِ اللَّوْحاتِ الرَّبّانيّةِ الخالِدةِ الَّتي ستَظهَرُ في عالَمِ البَقاءِ والخُلُودِ.. فشَكَرتُ اللهَ الخالِقَ الكَرِيمَ أَجزَلَ شُكرٍ على خَلْقِه الدُّنيا بهذه الصُّورةِ.. بَيْدَ أنَّ الإِنسانَ الَّذي مُنِحَ حُبًّا مُقبِلًا إلى وَجْهَيِ الدُّنيا الحَقِيقِيَّينِ المَلِيحَينِ المُتَوجِّهَينِ إلى الأَسماءِ الحُسنَى وإلى الآخِرةِ، أَخْطَأَ المَرمَى وجانَبَ الصَّوابَ عِندَما استَعمَلَ تلك المَحَبّةَ في غَيرِ مَحَلِّها، فصَرَفَها إلى الوَجْهِ الفانِي القَبِيحِ ذِي الغَفْلةِ والضَّرَرِ حَتَّى حَقَّ علَيْه الحَدِيثُ الشَّرِيفُ: «حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئةٍ».
فيا أَيُّها الشُّيُوخُ، ويا أَيَّتُها العَجائِزُ..
إِنَّني رَأَيتُ هذه الحَقِيقةَ بنُورِ القُرآنِ الحَكِيمِ، وبتَذكِيرٍ مِن شَيخُوخَتِي، وبما مَنَحَنِي الإِيمانُ مِن بَصِيرةٍ، وقد أَثبَتُّها في رَسائِلَ كَثِيرةٍ معَ بَراهِينَ دامِغةٍ.. رَأَيتُ أنَّ هذه الحَقِيقةَ هي السُّلوانُ الحَقِيقيُّ لي، وهِي الرَّجاءُ القَوِيُّ والضِّياءُ السّاطِعُ.. فرَضِيتُ بشَيخُوخَتِي وهَرَمِي، وسُرِرتُ مِن رَحِيلِ الشَّبابِ.
فلا تَحزَنُوا إِذًا، ولا تَبكُوا يا إِخوَتِي الشُّيُوخَ على شَيخُوخَتِكُم، بلِ احْمَدُوا اللهَ واشْكُرُوه؛ وما دُمتُم تَملِكُونَ الإِيمانَ، والحَقِيقةُ هي هكَذا، فلْيَبْكِ أُولَئِك الغافِلُونَ، ولْيَحْزَنِ الضّالُّونَ ولْيَنتَحِبُوا..
— 348 —

الرَّجاءُ التَّاسِعُ

كُنتُ أَسِيرًا في أَثناءِ الحَربِ العالَمِيّةِ الأُولَى في مَدِينةٍ قَصِيّةٍ، في شَمالِ شَرقِيِّ رُوسْيا تُدعَى "قُوصْتْرُوما"، كان هُناك جامِعٌ صَغِيرٌ لِلتَّتارِ على حافّةِ نَهرِ "فُولْغَا" المَشهُورِ.. كُنتُ ضَجِرًا بَينَ زُمَلائِي الضُّبَّاطِ الأَسْرَى، فآثَرتُ العُزْلةَ، إلّا أنَّه لم يَكُن يُسمَحُ لي بالتَّجوالِ في الخارِجِ دُونَ إِذنٍ ورُخْصةٍ، ثمَّ سُمِحَ لي بأَن أَظلَّ في ذلك الجامِعِ بضَمانةِ أَهلِ حَيِّ التَّتارِ وكَفالَتِهِم، فكُنتُ أَنامُ فيه وَحِيدًا، وقدِ اقْتَرَب الرَّبِيعُ، وكانَتِ اللَّيالِي طَوِيلةً جِدًّا في تلك البُقْعةِ النّائيةِ..
كان الأَرَقُ يُصِيبُني كَثِيرًا في تلك اللَّيالي الحالِكةِ السَّوادِ، المُتَسَربِلةِ بأَحزانِ الغُربةِ القاتِمةِ، حَيثُ لا يُسمَعُ إلّا الخَرِيرُ الحَزِينُ لِنَهرِ "فُولْغَا"، والأَصْواتُ الرَّقيقةُ لِقَطَراتِ الأَمطارِ، ولَوْعةُ الفِراقِ في صَفِيرِ الرِّياحِ.. كلُّ ذلك أَيقَظَنِي یی مُؤَقَّتًا یی مِن نَومِ الغَفْلةِ العَمِيقِ..
ورَغمَ أنَّني لم أَكُن أَعُدُّ نَفسِي شَيخًا بَعدُ، ولكِن مَن يَرَى الحَربَ العالَمِيّةَ يَشِيخُ، حَيثُ أيّامُها يَشِيبُ مِن هَوْلِها الوِلْدانُ، وكأَنَّ سِرًّا مِن أَسرارِ الآيةِ الكَرِيمةِ: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا قد سَرَى فيها! ومعَ أنَّني كُنتُ قَرِيبًا مِنَ الأَربَعِينَ إلّا أنَّني وَجَدتُ نَفسِي كأَنَّني في الثَّمانِينَ مِن عُمُرِي..
في تلك اللَّيالِي المُظلِمةِ الطَّوِيلةِ الحَزِينةِ، وفي ذلك الجَوِّ الغامِرِ بأَسَى الغُرْبةِ، ومِن واقِعِي المُؤلِمِ الأَليمِ، جَثَم على صَدْرِي يَأْسٌ ثَقِيلٌ نَحوَ حَياتِي ومَوطِنِي، فكُلَّما الْتَفَتُّ إلى عَجْزِي وانفِرادِي انقَطَعَ رَجائِي وأَمَلِي؛ ولكِن جاءَني المَدَدُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ.. فرَدَّدَ لِسانِي: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وقالَ قَلبِي باكِيًا:
أنا غَرِيبٌ.. أنا وَحِيدٌ.. أنا ضَعِيفٌ.. أنا عاجِزٌ.. أَنشُدُ الأَمانَ.. أَطلُبُ العَفْوَ.. أَخطُبُ العَوْنَ.. في بابِك يا إِلٰهِي.
— 349 —
أمّا رُوحِي الَّتي تَذَكَّرَت أَحبابِي القُدامَى في بَلَدِي، وتَخَيَّلَت مَوتِي في هذه الغُربةِ، فقد تَمَثَّلَت بأَبياتِ نِيازِي المِصرِيّ، وهِي الَّتي تَبحَثُ عن صَدِيقٍ:
مَرَرتُ بأَحزانِ الدُّنيا، وأَطلَقتُ جَناحِي لِلحِرمانِ..
طائِرًا في شَوقٍ، صائِحًا في كلِّ لَحْظةٍ:
صَدِيق!.. صَدِيق..!
على أَيّةِ حالٍ.. فقد أَصبَحَ "عَجْزِي" و"ضَعْفِي" في تلك اللَّيالي المُحزِنةِ الطَّوِيلةِ والحالِكةِ بالفُرقةِ والرِّقّةِ والغُربةِ وَسِيلَتَينِ لِلتَّقَرُّبِ إلى عَتَبةِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ، وشَفِيعَينِ لَدَى الحَضْرةِ الإِلٰهِيّة، حتَّى إنَّني لا أَزالُ مُندَهِشًا كَيفَ استَطَعتُ الفِرارَ بَعدَ أيّامٍ قَلِيلةٍ، وقَطَعتُ بصُورةٍ غَيرِ مُتَوقَّعةٍ مَسافةً لا يُمكِنُ قَطْعُها مَشْيًا على الأَقدامِ إلّا في عامٍ كامِلٍ، ولم أَكُن مُلِمًّا باللُّغةِ الرُّوسِيّةِ، فلَقَد تَخَلَّصتُ مِنَ الأَسرِ بصُورةٍ عَجِيبةٍ مُحَيِّرةٍ، بفَضْلِ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ الَّتي أَدْرَكَتْني بِناءً على عَجْزِي وضَعْفِي، ووَصَلتُ إِسطَنبُولَ مارًّا بی"وارْسُو" و"فيينّا".. وهكَذا نَجَوتُ مِن ذلك الأَسْرِ بسُهُولةٍ تَدعُو إلى الدَّهشةِ، حَيثُ أَكمَلتُ سِياحةَ الفِرارِ الطَّوِيلةَ بسُهُولةٍ ويُسْرٍ كَبِيرَينِ، بحَيثُ لم يَكُن لِيُنجِزَها أَشجَعُ الأَشخاصِ وأَذكاهُم وأَمكَرُهُم ومِمَّن يُلِمُّونَ باللُّغةِ الرُّوسِيّةِ.
ولكِنَّ حالَتِي في تلك اللَّيلةِ الَّتي قَضَيتُها في الجامِعِ على ضِفافِ "فُولْغَا" قد أَلهَمَتْني هذا القَرارَ:
"سأَقْضِي بَقِيّةَ عُمُرِي في الكُهُوفِ والمَغاراتِ مُعتَزِلًا النّاسِ.. كَفانِي تَدَخُّلًا في أُمُورِهِم! ولَمّا كانَت نِهايةُ المَطافِ دُخُولَ القَبْرِ مُنفَرِدًا وَحِيدًا، فسأَختارُ الِانفِرادَ والعُزْلةَ مِنَ الآنَ، لِأُعَوِّدَ نَفسِي علَيْها!".
نعم، هكَذا قَرَّرتُ.. ولكِن یی ويا لَلأَسَف! یی فإنَّ أَحبابِي الكَثِيرِينَ المُخلِصِينَ في إسطَنبُولَ، والحَياةَ الِاجتِماعِيّةَ البَهِيجةَ البَرّاقةَ فيها، ولا سِيَّما ما لا طائِلَ مِنه مِن إِقبالِ النّاسِ والشُّهْرةِ والصِّيتِ.. كلُّ ذلك أَنسانِي قَرارِي ذاك لِمُدّةٍ قَصِيرةٍ؛ فكَأنَّ لَيْلةَ الغُرْبةِ
— 350 —
تلك هي السَّوادُ المُنَیوِّرُ البَصِيرُ لِعَينِ حَياتِي، وكَأنَّ النَّهارَ البَهِيجَ لِحَياةِ إِسطَنبُولَ هي البَياضُ غَيرُ البَصِيرِ لِعَينِ حَياتِي؛ فلم تَتَمكَّن تلك العَينُ مِن رُؤْيةِ البَعِيدِ، بل غَطَّت ثانيةً في نَومٍ عَمِيقٍ، حتَّى فَتَحَها الشَّيخُ الكَيْلانِيُّ بكِتابِه "فُتُوح الغَيبِ" بَعدَ سَنَتَينِ.
وهكَذا أيُّها الشُّيُوخُ، وأَيَّتُها العَجائِزُ.. اعْلَمُوا أنَّ ما في الشَّيخُوخةِ مِنَ العَجْزِ والضَّعْفِ لَيْسا إِلّا وَسِيلَتَينِ لِدَرِّ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّة وجَلْبِ العِنايةِ الرَّبّانيّةِ.. فإِنَّني شاهِدٌ على هذه الحَقِيقةِ في كَثِيرٍ مِن حَوادِثِ حَياتِي، وإنَّ تَجَلِّيَ الرَّحْمةِ على سَطْحِ الأَرضِ يُظهِرُها كَذلِك بشَكلٍ واضِحٍ أَبلَجَ، لِأنَّ أَعجَزَ الحَيَواناتِ وأَضعَفَها هي صِغارُها، والحالُ أنَّ أَلطَفَ حالاتِ الرَّحْمةِ وأَلَذَّها وأَجمَلَها تَتَجلَّى في تلك الصِّغارِ، فعَجْزُ الفَرْخِ السّاكِنِ في عُشِّه على شَجَرةٍ باسِقةٍ، يَستَخدِمُ والِدَتَه یی بتَجَلِّي الرَّحْمةِ یی كأَنَّها جُندِيّةٌ تَنتَظِرُ الأَوامِرَ، فتَحُومُ حَولَ الزُّرُوعِ الخُضْرِ لِتَجلُبَ الرِّزقَ الوَفِيرَ لِفَرخِها الصَّغِيرِ، ولكِن ما إن يَنسَى الفَرخُ الصَّغِيرُ عَجْزَه یی بنُمُوِّ جَناحَيْه وتَكامُلِه یی حتَّى تَقُولَ له والِدَتُه: علَيْك أن تَبحَثَ عن رِزقِك بنَفسِك. فلا تَعُودُ لإِجابةِ نِدائِه بَعدَ ذلك.
فكَما يَجرِي سِرُّ الرَّحْمةِ هذا على هذه الصُّورةِ بحَقِّ الصِّغارِ، يَجرِي كَذلِك مِن زاوِيةِ الضَّعفِ والعَجزِ بحَقِّ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَصبَحُوا في حُكْمِ الصِّغارِ.
ولَقَد أَورَثَتْني تَجارِبِي الخاصَّةُ القَناعةَ التَّامَّةَ أنَّ رِزقَ الصِّغارِ مِثلَما يَأْتِي بِناءً على عَجْزِهِم، وتُرسِلُه الرَّحْمةُ الإِلٰهِيّةُ لَهُم بشَكلٍ خارِقٍ، فتُفَجِّرُ يَنابِيعَ الأَثداءِ وتُسِيلُها لَهُم سَيْلًا، فإنَّ رِزقَ الشُّيُوخِ المُؤمِنينَ الَّذِينَ اكتَسَبُوا العِصْمةَ يُرسَلُ إلَيْهِم مِن قِبَلِ الرَّحْمةِ على صُورةِ بَرَكةٍ، وأنَّ عَمُودَ البَرَكةِ لِأَيِّ بَيتٍ وسَنَدَها إنَّما هو أُولَئِك الشُّيُوخُ الَّذِينَ يَأْهَلُونَه، وأنَّ الَّذي يَحفَظُ ذلك البَيتَ مِنَ البَلايا والمَصائِبِ إنَّما هم أُولَئِك الشُّيُوخُ الرُّكَّعُ الَّذِينَ يَعمُرُونَه.. يُثبِتُ هذه الحَقِيقةَ إِثباتًا كامِلًا جُزءٌ مِن حَدِيثٍ شَرِيفٍ: «لَوْلا الشُّيُوخُ الرُّكَّعُ لَصُبَّ علَيْكُمُ البَلاءُ صَبًّا». (حاشية): تتمّة الحديث: "ولَولا البَهائمُ الرُّتَّعُ والصِّبيانُ الرُّضَّعُ.. إلخ" أو كما قال.
— 351 —
وهكَذا، فما دامَ الضَّعفُ والعَجزُ اللَّذانِ في الشَّيخُوخةِ يُصبِحانِ مِحْوَرَينِ لِجَلْبِ الرَّحْمةِ الإِلٰهِيّةِ الواسِعةِ، وأنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ يَدعُو الأَولادَ إلى الِاحتِرامِ والرَّأفةِ بالوالِدَينِ في خَمسِ مَراتِبَ، وبأُسلُوبٍ في غايةِ الإِعجازِ، في قَولِه تَعالَى:
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ٭ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
وما دامَ الإِسلامُ يَأمُرُ بتَوقِيرِ الشُّيُوخِ والرَّحْمةِ بهم، والفِطْرةُ الإِنسانيّةُ تَقضِي الِاحتِرامَ والرَّحْمةَ تِجاهَ الشُّيُوخِ.. فلا بُدَّ لنا یی نَحنُ الشُّيُوخَ یی ألّا نَستَبدِلَ شَيخُوخَتَنا هذه بمِئةِ عَهدٍ مِن عُهُودِ الشَّبابِ، ذلك لأنَّ لنا فيها أَذْواقًا مَعنَوِيّةً دائِمةً جَدِيرةً، بَدَلًا مِنَ الذَّوقِ المادِّيِّ النّاشِئِ مِن نَزْوةِ الشَّبابِ، حَيثُ نَأخُذُ أَذْواقًا رُوحِيّةً نابِعةً مِنَ الرَّحْمةِ الصّادِرةِ مِنَ العِنايةِ الإِلٰهِيّةِ، ومِنَ الِاحتِرامِ النّابِعِ مِن فِطْرةِ الإِنسانيّةِ.
نعم، إنِّي أُطَمْئِنُكُم بأنَّه لو أُعطِيتُ عَشرَ سَنَواتٍ مِن عَهدِ شَبابِ "سَعِيدٍ القَدِيمِ" فلن أَستَبدِلَها بسَنةٍ واحِدةٍ مِن شَيبِ "سَعِيدٍ الجَدِيدِ"، فأنا راضٍ عن شَيخُوخَتِي، فارْضَوْا عنها أَنتُم كَذلِك..

الرَّجاءُ العاشِرُ

بَعدَما رَجَعتُ مِنَ الأَسرِ، سَيطَرَتِ الغَفْلةُ عَلَيَّ مَرّةً أُخرَى طَوالَ سَنَتَينِ مِن حَياتِي في إِسطَنبُولَ، حَيثُ الأَجواءُ السِّياسِيّةُ وتَيّاراتُها صَرَفَت نَظَرِي عنِ التَّأمُّلِ في نَفسِي، وأَحدَثَت تَشتُّتًا في ذِهنِي وفِكرِي.
فحِينَما كُنتُ جالِسًا ذاتَ يَومٍ في مَقبَرةِ أبي أيُّوبَ الأَنصارِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ وعلى مُرتَفَع مُطِلٍّ على وادٍ سَحِيقٍ، مُستَغرِقًا في تَأمُّلِ الآفاقِ المُحِيطةِ بِإسطَنبُولَ، إذا بي أَرَى كأنَّ دُنيايَ الخاصّةَ أَوشَكَت على الوَفاةِ، حتَّى شَعَرتُ یی خَيالًا یی كأنَّ الرُّوحَ تَنسَلُّ مِنها
— 352 —
انسِلالًا مِن بَعضِ نَواحِيَّ، فقُلتُ: تُرَى! هلِ الكِتاباتُ المَوجُودةُ على شَواهِدِ هذه القُبُورِ هي الَّتي دَعَتْني إلى هذا الخَيالِ؟
أَشَحْتُ نَظَرِي عنِ الخارِجِ، وأَنعَمتُ النَّظَرَ في المَقبَرةِ دُونَ الآفاقِ البَعِيدةِ، فأُلقِيَ في رُوعِي: "أنَّ هذه المَقبَرةَ المُحِيطةَ بك تَضُمُّ مِئةَ إِسطَنبُولَ! حَيثُ إنَّ إِسطَنبُولَ قد أُفرِغَت فيها مِئةَ مَرّةٍ، فلن تُستَثْنَى أَنتَ وَحْدَك مِن حُكمِ الحاكِمِ القَدِيرِ الَّذي أَفرَغَ جَمِيعَ أَهالي إِسطَنبُولَ هنا، فأَنتَ راحِلٌ مِثلَهُم لا مَحالةَ..!".
غادَرتُ المَقبَرةَ وأنا أَحمِلُ هذا الخَيالَ المُخِيفَ، ودَخَلتُ الغُرفةَ الصَّغِيرةَ في مَحفِلِ جامِعِ أبي أيُّوبَ الأَنصارِيِّ رَضِيَ الله عَنهُ والَّتي كُنتُ أَدخُلُها مِرارًا في السّابِقِ، فاستَغرَقتُ في التَّفكِيرِ في نَفسِي: إنَّما أنا ضَيفٌ! وضَيفٌ مِن ثَلاثةِ أَوجُهٍ؛ إذ كما أنَّني ضَيفٌ في هذه الغُرفةِ الصَّغِيرةِ، فأنا ضَيفٌ كَذلِك في إِسطَنبُولَ، بل أنا ضَيفٌ في الدُّنيا وراحِلٌ عنها كَذلِك، وعلى المُسافِرِ أن يُفكِّرَ في سَبِيلِه ودَربِه.
نعم، كما أنَّني سَوفَ أَخرُجُ مِن هذه الغُرفةِ وأُغادِرُها، فسَوفَ أَترُكُ إِسطَنبُولَ ذاتَ يَومٍ وأُغادِرُها، وسَوفَ أَخرُجُ مِنَ الدُّنيا كَذلِك.
وهكَذا جَثَمَتْ على قَلبِي وفِكرِي وأنا في هذه الحالةِ، حالةٌ أَلِيمةٌ مُحزِنةٌ مُكَدِّرةٌ، فلا غَرْوَ أنَّني لا أَترُكُ أَحبابًا قَلِيلينَ وَحْدَهُم، بل سأُفارِقُ أَيضًا آلافَ الأَحِبّةِ في إِسطَنبُولَ، بل سأُغادِرُ إِسطَنبُولَ الحَبِيبةَ نَفسَها، وسأَفتَرِقُ عن مِئاتِ الآلافِ مِنَ الأَحِبّةِ كما أَفتَرِقُ عنِ الدُّنيا الجَمِيلةِ الَّتي ابتُلِيتُ بِها.
ذَهَبتُ إلى المَكانِ المُرتَفِعِ نَفسِه في المَقبَرةِ مَرّةً أُخرَى، فبَدا لي أَهالي إسطَنبُولَ جِنائزَ يَمشُونَ قائِمِينَ مِثلَما يَظهَرُ الَّذِينَ ماتُوا شُخُوصًا مُتَحرِّكةً في الأَفلامِ السِّينِمائيّةِ، فقد كُنتُ أَترَدَّدُ إلَيْها أَحْيانًا لِلعِبرةِ! فقالَ لي خَيالي: ما دامَ قِسمٌ مِنَ الرّاقِدِينَ في هذه المَقبَرةِ يُمكِنُ أن يَظهَرُوا مُتَحرِّكينَ كالشُّخُوصِ السَّينِمائيّةِ، ففَكِّر في هَؤُلاءِ النّاسِ الَّذِينَ سيَدخُلُونَ هذه المَقبَرةِ حَتْمًا، واعتَبِرهُم داخِلِينَ فيها مِنَ الآنَ، فإنَّهُم جَنائِزُ أَيضًا يَتَحرَّكُونَ.
— 353 —
وبَينَما كُنتُ أَتَقلَّبُ في تلك الحالةِ المُحزِنةِ المُؤلِمةِ، إذا بنُورٍ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ وبإِرشادٍ مِنَ الشَّيخِ الكَيْلانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّه) يَقلِبُ تلك الحالةَ المُحزِنةَ ويُحَوِّلُها إلى حالةٍ مُفرِحةٍ مُبهِجةٍ، ذاتِ نَشْوةٍ ولَذّةٍ، حَيثُ ذَكَّرَني النُّورُ القادِمُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ ونبَّهَني إلى ما يَأْتِي:
كانَ لك صَدِيقٌ أو صَدِيقانِ مِنَ الضُّبّاطِ الأَسرَى عِندَ أَسْرِك في "قُوصْتْرُوما" في شَمالِ شَرقيِّ رُوسْيا، وكُنتَ تَعلَمُ حَتْمًا أنَّهُما سيَرجِعانِ إلى إِسطَنبُولَ؛ ولو خَيَّرك أَحدُهُم قائِلًا: أَتَذهَبُ إلى إِسطَنبُولَ أم تُرِيدُ أن تَبقَى هُنا؟ فلا جَرَمَ أنَّك كُنتَ تَختارُ الذَّهابَ إلى إِسطَنبُولَ بفَرَحٍ وسُرُورٍ لو كانَ لك مُسْكةٌ مِن عَقلٍ، حَيثُ إنَّ تِسعَ مِئةٍ وتِسعةً وتِسعِينَ مِن أَلفِ حَبِيبٍ وحَبِيبٍ لك هُمُ الآنَ في إِسطَنبُولَ، ولَيسَ لك هُنا إلّا واحِدٌ أوِ اثنانِ، وهُم بدَوْرِهِم سيَرحَلُونَ إلى هُناك.
فالذَّهابُ إلى إِسطَنبُولَ بالنِّسبةِ لك إِذًا ليس بفِراقٍ حَزِينٍ، ولا بافتِراقٍ أَليمٍ.. وها أَنتَ ذا قد أَتَيتَ إلَيْها، ألم تُصبِح راضِيًا شاكِرًا؟ فلَقَد نَجَوتَ مِن بَلَدِ الأَعداءِ، مِن لَيالِيها الطِّوالِ السَّوداءِ، ومِن شِتائِها القارِسِ العاصِفِ، وقَدِمتَ إِسطَنبُولَ الزّاهِيةَ الجَمِيلةَ، كأنَّها جَنّةُ الدُّنيا! وهكَذا الأَمرُ حَيثُ إنَّ تِسعًا وتِسعِينَ مِن مِئةِ شَخصٍ مِمَّن تُحِبُّهُم مُنذُ صِغَرِك حتَّى الآنَ، قدِ ارتَحَلُوا إلى المَقبَرةِ، تلك الَّتي تَبدُو لك مُوحِشةً مُدهِشةً، ولم يَظَلَّ مِنهُم في هذه الدُّنيا إلّا واحِدٌ أوِ اثنانِ، وهُم في طَرِيقِهِم إلَيْها كَذلِك؛ فوَفاتُك في الدُّنيا إِذًا لَيسَت بفِراقٍ، ولا بافتِراقٍ، وإنَّما هي وِصالٌ ولِقاءٌ معَ أُولَئِك الأَحِبّةِ الأَعِزّاءِ.
نعم، إنَّ أُولَئِك یی أي: الأَرواحَ الباقيةَ یی قد تَرَكُوا مَأْواهُم وعُشَّهُمُ المُندَرِسَ تَحتَ الأَرضِ، فيَسرَحُ قِسمٌ مِنهُم في النُّجُومِ، وقِسمٌ آخَرُ في طَبَقاتِ عالَمِ البَرزَخِ.. وهكَذا ذَكَّرَني ذلك النُّورُ القُرآنِيُّ.
ولَقَد أَثبَتَ هذه الحَقِيقةَ إِثباتًا قاطِعًا كلٌّ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، والإِيمانِ، بحَيثُ إنَّ مَن لم يَفقِد قَلبَه ورُوحَه، أو لم تُغرِقْه الضَّلالةُ، لا بُدَّ أن يُصَدِّق بها كأنَّه يَراها، ذلك
— 354 —
لِأنَّ الَّذي زَيَّن هذه الدُّنيا بأَنواعِ أَلطافِه الَّتي لا تُحَدُّ وبأَشكالِ آلائِه الَّتي لا تُعَدُّ، مُظهِرًا بها رُبُوبيَّتَه الكَرِيمةَ الشَّفِيقةَ، حَفِيظًا حتَّى على الأَشياءِ الصَّغِيرةِ الجُزئيّةِ جِدًّا یی كالبُذُورِ مَثلًا یی ذلك الصّانِعَ الكَرِيمَ الرَّحِيمَ، لا بُدَّ یی بل بالبَداهةِ یی لا يُفنِي هذا الإِنسانَ الَّذي هو أَكمَلُ مَخلُوقاتِه وأَكرَمُها وأَجمَعُها وأَهَمُّها وأَحبُّها إلَيْه، ولا يَمحُوه بالفَناءِ والإِعدامِ النِّهائيِّ، بلا رَحْمةٍ وبلا عاقِبةٍ یی كما يَبدُو ظاهِرًا یی ولا يُضَيِّعُه أَبدًا.. بل يَضَعُ الخالِقُ الرَّحِيمُ ذلك المَخلُوقَ المَحبُوبَ تَحتَ التُّرابِ الَّذي هو بابُ الرَّحْمةِ مُوَقَّتًا، كي يُعطِيَ ثِمارَه في حَياةٍ أُخرَى، كما يَبذُرُ الفَلّاحُ البُذُورَ على الأَرضِ. (حاشية): لقد أُثبِتَتْ هذه الحَقِيقةُ بصُورةٍ قاطِعةٍ كقَطعِيّةِ (اثنَينِ في اثنَينِ يُساوي أَربعًا) في سائرِ الرَّسائلِ، ولا سِيَّما "الكَلِمةِ العاشِرةِ" و"الكَلِمةِ التّاسِعةِ والعِشرِين".
وبَعدَ أن تَلقَّيتُ هذا التَّنبِيهَ القُرآنِيَّ، باتَت تلك المَقبَرةُ عِندِي مُؤنِسةً أَكثرَ مِن إسطَنبُولَ نَفسِها، وأَصبَحَتِ الخَلوةُ والعُزلةُ عِندِي أَكثرَ لَطافةً مِنَ المُعاشَرةِ والمُؤانَسةِ، مِمّا حَدا بي أن أَجِدَ مَكانًا لِلعُزلةِ في "صارِى يَرْ" على البُوسفُور؛ وغَدا الشَّيخُ الكَيْلانِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ أُستاذًا لي وطَبِيبًا ومُرشِدًا بكِتابِه "فُتُوحُ الغَيبِ"، وصارَ الإِمامُ الرَّبّانِيُّ رَضِيَ الله عَنهُ كَذلِك بمَثابةِ أُستاذٍ أَنيسٍ ورَؤُوفٍ شَفِيقٍ بكِتابِه "مَكتُوباتٌ"، فأَصبَحتُ راضِيًا كُلِّیيًّا ومُمتَنًّا مِن دُخُولي المَشِيبَ، ومِن عُزُوفي عن مَظاهِرِ الحَضارةِ البَرّاقةِ ومُتَعِها الزّائِفةِ، ومِنِ انسِلالي مِنَ الحَياةِ الِاجتِماعِيّةِ وانسِحابِي مِنها، فشَكَرتُ اللهَ على ذلك كَثِيرًا.
فيا مَن يَدلِفُ إلى المَشِيبِ مِثلِي.. ويا مَن يَتَذكَّرُ المَوتَ بنَذِيرِ الشَّيبِ.. إنَّ علَيْنا أن نَرضَى بالشَّيخُوخةِ وبالمَوتِ وبالمَرَضِ، ونَراها لَطِيفةً بنُورِ الإِيمانِ الَّذي أَتَى به القُرآنُ الكَرِيمُ، بل علَيْنا أن نُحِبَّها یی مِن جِهةٍ یی فما دُمْنا نَملِكُ إِيمانًا وهُو النِّعمةُ الكُبْرَى، فالشَّيخُوخةُ إِذًا طَيِّبةٌ والمَرَضُ طَيِّبٌ، والمَوتُ طَيِّبٌ أَيضًا.. ولَيسَ هُناك شَيءٌ قَبِيحٌ في حَقِيقةِ الأَمرِ إلَّا الإِثمَ والسَّفَهَ والبِدَعَ والضَّلالةَ.
— 355 —

الرَّجاءُ الحادِيَ عشَرَ

عِندَما رَجَعتُ مِنَ الأَسْرِ، كُنتُ أَسكُنُ معَ ابنِ أَخِي "عَبدِ الرَّحمَنِ" في قَصرٍ على قِمّةِ "چامْلِجَة" في إِسطَنبُولَ.. ويُمكِنُ أَن تُعَدَّ هذه الحَياةُ الَّتي كُنتُ أَحياها حَياةً مِثاليّةً مِنَ النّاحِيةِ الدُّنيَوِيّةِ بالنِّسبةِ لِأَمثالِنا؛ ذلك لِأنَّني كُنتُ قد نَجَوتُ مِنَ الأَسْرِ، وكانَت وَسائِلُ النَّشرِ مَفتُوحةً أَمامِي في "دارِ الحِكْمةِ الإِسلامِيّةِ" وبما يُناسِبُ مِهنَتِي العِلمِيّةَ، وأنَّ الشُّهْرةَ والصِّيتَ والإِقبالَ علَيَّ تَحُفُّ بي بدَرَجةٍ لا أَستَحِقُّها، وأنا ساكِنٌ في أَجمَلِ بُقعةٍ مِن إِسطَنبُولَ "چامْلِجَة"، وكلُّ شَيءٍ بالنِّسبةِ إلَيَّ على ما يُرامُ، حَيثُ إنَّ ابنَ أَخِي "عَبدَ الرَّحمَنِ" یی رَحِمه اللهُ یی مَعِي، وهُو في مُنتَهَى الذَّكاءِ والفِطْنةِ، فهُو تِلمِيذٌ ومُضَحٍّ وخادِمٌ وكاتِبٌ مَعًا، حتَّى كُنتُ أَعُدُّه ابنًا مَعنَوِيًّا لي.
وبَينَما كُنتُ أُحِسُّ بأَنِّي أَسعَدُ إِنسانٍ في العالَمِ، نَظَرتُ إلى المِرآةِ، ورَأَيتُ شُعَيراتٍ بَيضاءَ في رَأسِي وفي لِحيَتِي، وإذا بتِلك الصَّحْوةِ الرُّوحِيّةِ الَّتي أَحسَسْتُ بها في الأَسْرِ في جامِعِ "قُوصْتْرُوما" تَبدَأُ بالظُّهُورِ، فأَخَذتُ أُنعِمُ النَّظَرَ وأُفكِّرُ مُدَقِّقًا في تلك الحالاتِ الَّتي كُنتُ أَرتَبِطُ بها قَلبِيًّا، وكُنتُ أَظنُّها مَدارَ السَّعادةِ الدُّنيَوِيّةِ، فما مِن حالةٍ أو سَبَبٍ دَقَّقتُ النَّظَرَ فيه إلّا رَأَيتُ أنَّه سَبَبٌ تافِهٌ وخادِعٌ، لا يَستَحِقُّ التَّعلُّقَ به، ولا الِارتِباطَ مَعَه؛ فَضْلًا عن ذلك وَجَدتُ في تلك الأَثناءِ عَدَمَ الوَفاءِ وفِقدانَ الصَّداقةِ مِن صَدِيقٍ حَمِيمٍ، يُعَدُّ مِن أَوْفَى الأَصدِقاءِ لي، وبشَكلٍ غَيرِ مُتَوقَّعٍ وبصُورةٍ لا تَخطُرُ على بالٍ.. كلُّ ذلك أَدَّى إلى النَّفْرةِ والِامتِعاضِ مِنَ الحَياةِ الدُّنيا، فقُلتُ لِقَلبِي:
يا تُرَى! هل أنا مُنخَدِعٌ كُلِّیيًّا، فأَرَى الكَثِيرِينَ يَنظُرُونَ إلى حَياتِنا الَّتي يُرثَى لها مِن زاوِيةِ الحَقِيقةِ نَظَرَ الغِبْطةِ؟ فهل جُنَّ جُنُونُ جَمِيعِ هَؤُلاءِ النّاسِ؟ أم أنا في طَرِيقِي إلى الجُنُونِ، لِرُؤيَتِي هَؤُلاءِ المَفتُونينَ بالدُّنيا مَجانِينَ بُلَهاءَ؟! وعلى كلِّ حالٍ.. فالصَّحْوةُ الشَّدِيدةُ الَّتي صَحَوتُها برُؤْيةِ الشَّيبِ جَعَلَتْني أَرَى أوَّلًا: فَناءَ ما أَرتَبِطُ به مِنَ الأَشياءِ المُعَرَّضةِ لِلفَناءِ والزَّوالِ!!
— 356 —
ثمَّ الْتَفَتُّ إلى نَفسِي، فوَجَدتُها في مُنتَهَى العَجْزِ.. عِندَها صَرَخَت رُوحِي وهِي الَّتي تَنشُدُ البَقاءَ وتَتَشبَّثُ بالأَشياءِ الفانِيةِ مُتَوهِّمةً فيها البَقاءَ، صَرَخَت مِن أَعماقِها: "ما دُمتُ فانِيةً جِسمًا فأَيُّ فائِدةٍ أَرجُوها مِن هذه الفانِياتِ؟ وما دُمتُ عاجِزةً فماذا أَنتَظِرُ مِنَ العاجِزِينَ؟! فلَيسَ لِدائِي دَواءٌ إلّا عِندَ الباقِي السَّرمَدِيِّ، عِندَ القَدِيرِ الأَزَليِّ"، فبَدَأتُ أَبحَثُ وأَستَقصِي.. راجَعتُ أوَّلَ ما راجَعتُ، تلك العُلُومَ الَّتي اكتَسَبْتُها سابِقًا، أَبحَثُ فيها السَّلْوةَ والرَّجاءَ، ولكِن كُنتُ یی ويا لَلأَسَفِ یی إلى ذلك الوَقتِ مُغتَرِفًا مِنَ العُلُومِ الإِسلاميّةِ معَ العُلُومِ الفَلسَفِيّةِ ظَنًّا مِنِّي یی ظَنًّا خَطَأً جِدًّا یی أنَّ تلك العُلُومَ الفَلسَفِيّةَ هي مَصدَرُ الرُّقيِّ والتَّكامُلِ، ومِحْوَرُ الثَّقافةِ وتَنَوُّرِ الفِكرِ، والحالُ أنَّ تلك المَسائِلَ الفَلسَفِيّةَ كانَت قد لَوَّثَت رُوحِي كَثِيرًا، بل أَصبَحَت عائِقةً أَمامَ سُمُوِّي المَعنَوِيِّ.
نعم، بَينَما كُنتُ في هذه الحالةِ، إذا بحِكْمةِ القُرآنِ المُقدَّسةِ تُسعِفُني، رَحْمةً مِنَ العَلِيِّ القَدِيرِ، وفَضْلًا وكَرَمًا مِن عِندِه سُبحانَه؛ فغَسَلَتْ أَدْرانَ تلك المَسائِلِ الفَلسَفِيّةِ، وطَهَّرتُ رُوحِي مِنها یی كما هو مُبيَّنٌ في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ یی إذ كان الظَّلامُ الرُّوحِيُّ المُنبَثِقُ مِنَ العُلُومِ الفَلسَفِيّةِ يُغرِقُ رُوحِي ويَطمِسُها في الكائِناتِ، فأَينَما كُنتُ أَتَوجَّهُ بنَظَرِي في تلك المَسائِلِ لا أَرَى نُورًا ولا أَجِدُ قَبَسًا، ولم أَتَمكَّن مِنَ التَّنفُّسِ والِانشِراحِ، حتَّى جاءَ نُورُ التَّوحِيدِ السّاطِعُ النّابِعُ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ الَّذي يُلقَّنُ بِجُملةِ «لا إلٰهَ إلّا هُو» فمَزَّق ذلك الظَّلامَ وبَدَّدَه، فانشَرَح صَدْرِي وتَنفَّسَ بكلِّ راحةٍ واطْمِئْنانٍ.. ولكِنَّ النَّفسَ والشَّيطانَ شَنّا هُجُومًا عَنِيفًا على العَقلِ والقَلبِ، وذلك بما أَخَذاه مِن تَعلِيماتٍ وتَلقَّياه مِن دُرُوسٍ مِن أَهلِ الضَّلالةِ والفَلسَفةِ.. فبَدَأَتِ المُناظَرةُ النَّفسِيّةُ في هذا الهُجُومِ حتَّى اختُتِمَت یی وللهِ الحَمدُ والمِنّةُ یی بانتِصارِ القَلبِ وفَوزِه.
ولَمَّا كانَ قِسمٌ مِن تلك المُناظَراتِ قد وَرَد في أَغلَبِ الرَّسائِلِ، فنَحنُ نَكتَفِي به، إلّا أنَّنا نُبيِّنُ هُنا بُرهانًا واحِدًا فَقَط مِن بَينِ آلافِ البَراهِينِ، لِنُبيِّنَ انتِصارَ القَلبِ وفَوزَه على النَّفسِ والشَّيطانِ، ولِيَقُومَ ذلك البُرهانُ بتَطهِيرِ أَرواحِ أُولَئِك الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَوَّثُوا أَرواحَهُم في شَبابِهم، وأَسقَمُوا قُلُوبَهُم، وأَطغَوْا أَنفُسَهُم، حتَّى تَجاوَزَت حُدُودَها، تارةً
— 357 —
بالضَّلالةِ، وتارةً بما لا يَعنِيهِم مِن أُمُورٍ تَتَستَّرُ تَحتَ سِتارِ العُلُومِ الأَجنَبِيّةِ والفُنُونِ الحَضارِيّةِ، ولِيَنجُوا یی بإِذنِ اللهِ یی في حَقِّ التَّوحِيدِ، مِن شُرُورِ النَّفسِ والشَّيطانِ.. والمُناظَرةُ هي كالآتِي:
قالَت نَفسِي مُستَفسِرةً بِاسمِ العُلُومِ الفَلسَفِيّةِ المادِّيّةِ: "إنَّ الأَشياءَ المَوجُودةَ في الكَونِ، بطَبِيعَتِها تَتَدخَّلُ في المَوجُوداتِ، فكُلُّ شَيءٍ مُتَوجِّهٌ إلى سَبَبٍ وصادِرٌ مِنه، فالثَّمَرةُ تُؤخَذُ مِنَ الشَّجَرةِ، والحُبُوبُ تُطلَبُ مِنَ التُّرابِ، فماذا يَعنِي التَّضَرُّعُ إلى الله وطَلَبُ أَصغَرِ شَيءٍ وأَكثَرِه جُزئيّةً مِنه سُبحانَه؟!".
انكَشَف حالًا سِرُّ التَّوحِيدِ بنُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ بالصُّورةِ الآتِيةِ:
أَجابَ قَلبِي لِنَفسِي المُتَفَلسِفةِ: إنَّ أَصغَرَ شَيءٍ وأَكثَرَه جُزئيّةً كأَكبَرِ شَيءٍ وأَعظَمِه، يَصدُرُ مِن قُدرةِ خالِقِ الكائِناتِ مُباشَرةً، ويَأتِي مِن خَزِينَتِه سُبحانَه.. فلَيسَ هُناك صُورةٌ أُخرَى قَطُّ، وما الأَسبابُ إلّا سَتائِرُ؛ ذلك لِأنَّ أَصغَرَ المَخلُوقاتِ وأَتفَهَها یی حَسَبَ ظَنِّنا یی قد يكُونُ أَعظَمَ مِن أَكبَرِ المَخلُوقاتِ وأَضخَمِها، مِن حَيثُ الخِلْقةُ والصَّنْعةُ والإِتقانُ، فالذُّبابُ مَثلًا: إن لم يَكُن أَدَقَّ وأَرقَى مِن حَيثُ الصَّنْعةُ مِنَ الدَّجاجِ فلَيسَ هو بقاصِرٍ عَنْها، لِهذا لا يُمكِنُ التَّميِيزُ بَينَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِن حَيثُ الخِلْقةُ والصَّنْعةُ، فإِمّا أن يُنسَبَ خَلقُ الجَمِيعِ یی صَغِيرُه وكَبِيرُه یی إلى الأَسبابِ المادِّيّةِ، وإمّا أن يُسنَدَ الخَلقُ جَمِيعًا إلى الواحِدِ الأَحَدِ؛ ومِثلَما أنَّ الشِّقَّ الأوَّلَ مُحالٌ في مُحالٍ، فإنَّ الشِّقَّ الثّانِيَ واجِبٌ الِاعتِقادُ به وضَرُورِيٌّ، لِأنَّه:
ما دامَ عِلمُ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى یی الَّذي هو ثابِتٌ وُجُودُه بشَكلٍ قاطِعٍ بانتِظامِ جَمِيعِ المَوجُوداتِ والحِكَمِ الَّتي فيها یی يُحِيطُ بكلِّ شَيءٍ.. وما دامَ كلُّ شَيءٍ يَتَعيَّنُ مِقدارُه في عِلمِه سُبحانَه.. وما دامَتِ المَصنُوعاتُ والمَخلُوقاتُ وهِي في مُنتَهَى الرَّوْعةِ والإِتقانِ تَأتِي بمُنتَهَى السُّهُولةِ إلى الوُجُودِ مِنَ العَدَمِ كلَّ حِينٍ كما هو مُشاهَدٌ.. وما دامَ ذلك القَدِيرُ العَلِيمُ يَملِكُ قُدْرةً مُطلَقةً يُمكِنُه أن يُوجِدَ كلَّ شَيءٍ بأَمرِ "كُن فيَكُونُ" بِسُهُولةٍ كلَمْحِ البَصَرِ، كما بَيَّنّا ذلك في كَثِيرٍ مِنَ الرَّسائِلِ بدَلائِلَ قاطِعةٍ ولا سِيَّما في
— 358 —
"المَكتُوبِ العِشرِينَ" وخِتامِ "اللَّمْعةِ الثّالثةِ والعِشرِينَ".. فلا بُدَّ أنَّ السُّهُولةَ المُطلَقةَ المُشاهَدةَ، والخارِقةَ لِلعادةِ، ما هي إلّا مِن تلك الإِحاطةِ العِلمِيّةِ ومِن عَظَمةِ تلك القُدْرةِ المُطلَقةِ.
مَثلًا: كما أنَّه إذا أَمْرَرْتَ مادّةً كِيمْياوِيّةً مُعَيَّنةً على كِتابٍ كُتِبَ بحِبْرٍ كِيمْياوِيٍّ لا يُرَى، فإنَّ ذلك الكِتابَ الضَّخْمَ يَظهَرُ عِيانًا حتَّى يَستَقرِئَ كلَّ ناظِرٍ الَيْه، كَذلِك يَتَعيَّنُ مِقدارُ كلِّ شَيءٍ وصُورَتُه الخاصّةُ به في العِلمِ المُحِيطِ لِلقَدِيرِ الأَزَليِّ، فيُمَرِّرُ القَدِيرُ المُطلَقُ قُوَّتَه یی الَّتي هي تَجَلٍّ مِن قُدرَتِه یی بكُلِّ سُهُولةٍ ويُسْرٍ، كإِمرارِ تلك المادّةِ في المِثالِ، على تلك الماهِيّةِ العِلمِيّةِ، يُمَرِّرُها بأَمرِ "كُنْ فيَكُونُ"، وبقُدرَتِه المُطلَقةِ تلك، وبإِرادَتِه النّافِذةِ.. فيُعطِي سُبحانَه ذلك الشَّيءَ وُجُودًا خارِجِيًّا، مُظهِرًا إِيّاه أَمامَ الأَشهادِ، مِمّا يَجعَلُهُم يَقرَؤُونَ ما فيه مِن نُقُوشِ حِكْمَتِه..
ولكِن إنْ لم يُسنَد خَلقُ جَمِيعِ الأَشياءِ معًا إلى العَلِيمِ المُطلَقِ وإلى القَدِيرِ الأَزلِيِّ، فإنَّ خَلقَ أَصغَرِ شَيءٍ عِندَئِذٍ یی كالذُّبابِ مَثلًا یی يَستَلزِمُ جَمْعَ جَمِيعِ ما له عَلاقةٌ بالذُّبابِ مِن أَكثَرِ أَنواعِ العالَمِ، جَمْعَه بمِيزانٍ خاصٍّ ودَقِيقٍ جِدًّا، أي: جَمْعَ كلِّ ذلك في جِسمِ الذُّبابِ، بل يَنبَغِي أن تكُونَ كلُّ ذَرّةٍ عامِلةٍ في جِسمِ الذُّبابِ عالِمةً تَمامَ العِلمِ بسِرِّ خَلقِ الذُّبابِ وحِكْمةِ وُجُودِه، بل يَنبَغِي أن تكُونَ مُتقِنةً لِرَوْعةِ الصَّنعةِ الَّتي فيها بدَقائِقِها وتَفاصِيلِها كافّةً.
ولَمّا كانَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ والطَّبِيعِيّةُ لا يُمكِنُها أن تَخلُقَ شَيئًا مِنَ العَدَمِ مُطلَقًا كما هو بَدَهِيٌّ ومُتَّفَقٌ علَيْه عِندَ أَربابِ العُقُولِ؛ لِذا فإنَّ تلك الأَسبابَ حتَّى لو تَمَكَّنَت مِنَ الإِيجادِ فإنَّها لا تَتَمكَّنُ مِن ذلك إلّا بالجَمْعِ.. فما دامَت ستَقُومُ بالجَمْعِ، وإنَّ الكائِنَ الحَيَّ یی أيًّا كانَ یی يَنطَوِي على أَغلَبِ نَماذِجِ ما في العالَمِ مِن عَناصِرَ وأَنواعٍ، وكأَنَّه خُلاصةُ الكائِناتِ أو بِذْرَتُها، فلا بُدَّ إِذًا مِن جَمْعِ ذَرّاتِ البِذْرةِ مِن شَجَرةٍ كامِلةٍ، وجَمْعِ عَناصِرِ الكائِنِ الحَيِّ وذَرّاتِه مِن أَرجاءِ العالَمِ أَجمَعَ، وذلك بَعدَ تَصفِيَتِها وتَنظِيمِها وتَقدِيرِها بدِقّةٍ وإِتقانٍ حَسَبَ مَوازِينَ خاصّةٍ ووَفْقَ مَصافٍ حَسّاسةٍ ودَقِيقةٍ جِدًّا..
— 359 —
ولِكَونِ الأَسبابِ المادِّيّةِ الطَّبِيعيّةِ جاهِلةً وجامِدةً، فلا عِلمَ لَها مُطلَقًا كي تُقَدِّرَ خُطّةً، وتُنَظِّمَ مِنهاجًا، وتُنَسِّقَ فِهْرِسًا، وكي تَتَعامَلَ معَ الذَّرّاتِ وَفْقَ قَوالِبَ مَعنَوِيّةٍ، مُصهِرةً إِيّاها في تلك القَوالِبِ لِتَمنَعَها مِنَ التَّفرُّقِ والتَّشَتُّتِ واختِلالِ النِّظامِ؛ بَينَما يُمكِنُ أن يكُونَ شَكلُ كلِّ شَيءٍ وهَيئَتُه ضِمنَ أَنماطٍ لا تُحَدُّ.. لِذا فإنَّ إِعطاءَ شَكلٍ مُعيَّنٍ واحِدٍ مِن بَينِ تلك الأَشكالِ غَيرِ المَحدُودةِ، وتَنظِيمَ ذلك الشَّيءِ بمِقدارٍ مُعَيَّنٍ ضِمنَ تلك المَقادِيرِ غَيرِ المَعدُودةِ، دُونَ أن تَتَبعثَرَ ذَرّاتُ العَناصِرِ الجارِيةِ كالسَّيلِ وبانتِظامٍ كامِلٍ، ثمَّ بِناءَها وعِمارَتَها بَعضَها فَوقَ بَعضٍ بلا قَوالِبَ خاصّةٍ وبلا تَعيِينِ المَقادِيرِ، ثمَّ إِعطاءَ الكائِنِ الحَيِّ وُجُودًا مُنتَظِمًا مُنَسَّقًا.. كلُّ هذا أَمرٌ واضِحٌ أنَّه خارِجٌ عن حُدُودِ الإِمكانِ، بل خارِجٌ عن حُدُودِ العَقلِ والِاحتِمالِ! فالَّذي لم يَفقِدْ بَصِيرَتَه يَرَى ذلك بجَلاءٍ!
نعم، وتَوضِيحًا لِهذه الحَقِيقةِ فقد جاءَ في القُرآنِ الكَرِيمِ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، أي: إذا اجتَمَعَتِ الأَسبابُ المادِّيّةُ كافّةً لا يُمكِنُها أن تَجمَعَ وتُنسِّقَ جِسمَ ذُبابةٍ واحِدةٍ وأَجهِزَتَها وَفقَ مَوازِينَ دَقِيقةٍ خاصّةٍ حتَّى لو أُوتِيَت تلك الأَسبابُ إِرادةً واختِيارًا، بل حتَّى لو تَمَكَّنَت مِن تَكوِينِ جِسمِ ذُبابٍ وجَمْعِه، فإنَّها لا تَستَطِيعُ إِبقاءَه وإِدامَتَه على مِقْدارِه المُعَيَّنِ له، بل حتَّى لو تَمَكَّنَت مِن إِبقائِه بالمِقدارِ المُعيَّنِ، فلن تَستَطِيعَ أن تُحرِّكَ بانتِظامٍ تلك الذَّرّاتِ الَّتي تَتَجدَّدُ دَوْمًا وتَرِدُ إلى ذلك الوُجُودِ لِتَسعَى فيه.. لِذا فمِنَ البَداهةِ أنَّ الأَسبابَ لن تكُونَ مالِكةً لِهذِه الأَشياءِ ولن تكُونَ صاحِبَتَها مُطلَقًا، إنَّما صاحِبُها الحَقِيقيُّ هو غَيرُ الأَسبابِ.
نعم، إنَّ لها مالِكًا وصاحِبًا حَقِيقيًّا بحَيثُ إنَّ إِحياءَ ما على الأَرضِ مِن كائِناتٍ سَهْلٌ علَيْه ويَسِيرٌ، كإِحياءِ ذُبابةٍ واحِدةٍ؛ وإِيجادَ الرَّبِيعِ عِندَه سَهْلٌ وهَيِّنٌ كسُهُولةِ إِيجادِ زَهْرةٍ واحِدةٍ.. كما تُبيِّنُه الآيةُ الكَرِيمةُ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ذلك لِأنَّه غَيرُ مُحتاج إلى الجَمْعِ، حَيثُ إنَّه مالِكٌ لِأَمرِ كُنْ فَيَكُونُ.. ولِأنَّه يَخلُقُ مِنَ العَدَمِ في كلِّ رَبِيع أَحوالَ مَوجُوداتِ الرَّبِيعِ وصِفاتِها وأَشكالَها، مِمّا سِوَى مَوادِّ عَناصِرِها.. ولِأنَّ خُطّةَ كلِّ شَيءٍ ونَمُوذَجَه وفِهرِسَه ومُخَطَّطَه مُتَعيِّنٌ في عِلْمِه سُبحانَه..
— 360 —
ولِأنَّ جَمِيعَ الذَّرّاتِ لا تَتَحرَّكُ إلّا ضِمنَ دائِرةِ عِلمِه وقُدرَتِه؛ لِذا فإنَّه يَخلُقُ كلَّ شَيءٍ ويُوجِدُه بِسُهُولةٍ كلَمْحِ البَصَرِ وفي مُنتَهَى اليُسْرِ، ولن يَحِيدَ شَيءٌ عَمّا أُنِيطَ به في حَرَكَتِه ولو بمِقدارِ ذَرّةٍ، فتَغدُو الكَواكِبُ السَّيّارةُ جَيشًا مُنَظَّمًا طائِعًا له، وتُصبِحُ الذَّرّاتُ جُنُودًا مُطِيعِينَ لِأَمرِه، وحَيثُ إنَّ الجَمِيعَ يَسِيرُونَ على وَفقِ تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ ويَتَحرَّكُونَ وَفقَ دَساتِيرِ ذلك العِلمِ الأَزَليِّ؛ لِذا فإنَّ هذه الآثارَ تَأتِي إلى الوُجُودِ حَسَبَ تلك القُدْرةِ، فلا تَصغُرُ تلك الآثارُ بالنَّظَرِ إلى شَخصِيّةِ أَسبابِها التّافِهةِ، إذِ الذُّبابةُ المُنتَسِبةُ إلى تلك القُدْرةِ تُهلِكُ نَمرُودًا، والنَّملةُ تُدمِّرُ قَصرَ فِرعَونَ، وبِذْرةُ الصَّنَوبَرِ المُتَناهِيةُ في الصِّغَرِ تَحمِلُ على أَكتافِها ثِقْلَ شَجَرةِ الصَّنَوبَرِ الضَّخْمةِ كالجَبَل.
فكَما أنَّنا أَثْبتَنْا هذه الحَقِيقةَ في رَسائِلَ كَثِيرةٍ، فإنَّنا نقُولُ هُنا كَذلِك: إنَّ الجُندِيَّ المُنتَسِبَ إلى السُّلطانِ بالجُندِيّةِ يُمكِنُه أن يقُومَ بأَعمالٍ تَفُوقُ طاقَتَه أَلفَ مَرّةٍ، كأَنْ يَأسِرَ مَثلًا قائِدًا عَظِيمًا لِلعَدُوِّ بانتِسابِه؛ كَذلِك فإنَّ كلَّ شَيءٍ بانتِسابِه إلى تلك القُدْرةِ الأَزَليّةِ يكُونُ مَصْدرًا لِمُعجِزاتِ الصَّنْعةِ والإِتقانِ بما يَفُوقُ تلك الأَسبابَ الطَّبِيعيّةَ بمِئةِ أَلفِ مَرّةٍ.
الخُلاصةُ: إنَّ الصَّنْعةَ المُتقَنةَ البَدِيعةَ لِكُلِّ شَيءٍ، والسُّهُولةَ المُطلَقةَ في إِيجادِه، تُظهِرانِ مَعًا أنَّ ذلك الشَّيءَ مِن آثارِ القَدِيرِ الأَزَليِّ ذِي العِلمِ المُحِيطِ، وإلّا فهُو مُحالٌ في مِئةِ مُحالٍ وُرُودُ ذلك الشَّيءِ إلى الوُجُودِ، بل يكُونُ یی عِندَئذٍ یی خارِجًا عن دائِرةِ الإِمكانِ وداخِلًا في دائِرةِ الِامتِناعِ، بل خارِجًا مِن صُورةِ المُمكِنِ وداخِلًا في ماهِيّةِ المُمتَنِعِ، ولَن يَرِدَ شَيءٌ أَصلًا إلى الوُجُودِ، بل سيَكُونُ ظُهُورُه إلى الوُجُودِ مُحالًا.
وهكَذا، فإنَّ هذا البُرهانَ یی وهُو في مُنتَهَى القُوّةِ والدِّقّةِ، ومُنتَهَى العُمْقِ والوُضُوحِ یی قد أَسكَتَ نَفسِي الَّتي أَصبَحَت تِلمِيذةً مُؤَقَّتةً لِلشَّيطانِ، ووَكِيلةً لِأَهلِ الضَّلالةِ والفَلْسَفةِ، حتَّى آمَنَتْ یی وللهِ الحَمدُ یی إِيمانًا راسِخًا، وقالَت:
نعم، إنَّه يَنبَغِي أن يكُونَ لي رَبٌّ خالِقٌ يَعلَمُ ويَسمَعُ أَدَقَّ خَواطِرِ قَلبِي وأَخفَى رَجائِي ودُعائِي، ويكُونَ ذا قُدْرةٍ مُطلَقةٍ فيُسعِفَ أَخفَى حاجاتِ رُوحِي، ويَستَبدِلَ
— 361 —
كَذلِك الآخِرةَ بهذه الدُّنيا الضَّخْمةِ لِيُسعِدَني سَعادةً أَبَدِيّةً فيُقِيمَ الآخِرةَ بَعدَما يَرفَعُ هذه الدُّنيا؛ وكما أنَّه يَخلُقُ الذُّبابَ فإنَّه يُوجِدُ السَّماواتِ أَيضًا، وكما أنَّه يُرَصِّعُ وَجْهَ السَّماءِ بعَينِ الشَّمسِ فإنَّه يَجعَلُ مِنَ الذَّرّةِ تَرصِيعًا في بُؤْبُؤِ عَيْني؛ وإِلّا فإنَّ الَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَخلُقَ ذُبابًا لا يُمكِنُه أن يَتَدخَّلَ في خَواطِرِ قَلبِي، ولن يَسمَعَ تَضَرُّعَ رُوحِي، وإنَّ الَّذي لا يَستَطِيعُ أن يَخلُقَ السَّماواتِ لا يُمكِنُه أن يَهَبَني السَّعادةَ الأَبَدِيّةَ، لِذا فإنَّ رَبِّي إنَّما هو الَّذي يَسمَعُ یی بل يُصلِحُ یی خَواطِرَ قَلبِي، فمِثلَما أنَّه يَملَأُ جَوَّ السَّماءِ بالغُيُومِ ويُفرِغُها مِنه خِلالَ ساعةٍ، فإنَّه سيُبَدِّلُ الآخِرةَ بهذه الدُّنيا ويُوجِدُ الجَنّةَ ويَفتَحُ أَبوابَها لي قائِلًا: هَيّا ادْخُلْ!
فيا إِخوَتِي الشُّيُوخَ، ويا مَن صَرَفْتُم جُزءًا مِن عُمُرِكُم بسُوءِ حَظِّ النَّفسِ وشَقائِها یی مِثلَ نَفسِي یی في مُغالَطاتِ العُلُومِ الأَجنَبِيّةِ والفَلسَفةِ المُظلِمةِ.. اعْلَمُوا أنَّ الَّذي يُرَدِّدُه القُرآنُ دَوْمًا مِن "لا إِلٰهَ إلّا هُو" یی ذلك الأَمرَ القُدسِيَّ یی رُكنٌ إِيمانِيٌّ لا يَتَزَلزَلُ ولا يَتَصدَّعُ ولا يَتَغيَّرُ أَبدًا!! فما أَقْواه وما أَصْوَبَه! حَيثُ يُبدِّدُ جَمِيعَ الظُّلُماتِ ويُضَمِّدُ الجِراحاتِ المَعنَوِيّةَ.
هذا، وإنَّ دَرْجَ هذه الحادِثةِ المُطَوَّلةِ ضِمنَ أَبوابِ الرَّجاءِ والأَملِ لِشَيخُوخَتِي، لم يكُن باختِيارِي، بل لم أَكُن أَرغَبُ دَرْجَها هُنا، تَحاشِيًا مِنَ المَلَلِ، إلّا أنَّني أَستَطِيعُ أن أَقُولَ: قدِ استُكْتِبتُها وأُملِيَتْ عَلَيَّ.. وعلى كلٍّ.. لِنَرجِعْ إلى المَوضُوعِ الَّذي نَحنُ بصَدَدِه:
نعم، هكَذا جاءَنِي النُّفُورُ مِن تلك الحَياةِ الدُّنيَوِيّةِ البَهِيجةِ في إسطَنبُولَ الَّتي ظاهِرُها اللَّذّةُ، مِن ذلك التَّأمُّلِ والنَّظَرِ في شُعَيراتٍ بَيضاءَ لِرَأسِي ولِحيَتِي، ومِن عَدَمِ الوَفاءِ الَّذي بَدَر مِنَ الصَّدِيقِ الوَفِيِّ المُخلِصِ.. حتَّى بَدَأَتِ النَّفسُ بالبَحثِ والتَّحَرِّي عن أَذْواقٍ مَعنَوِيّةٍ بَدَلًا عَمّا افتُتِنَتْ به مِن أَذْواقٍ، فطَلَبَت نُورًا وسُلْوانًا في هذه الشَّيخُوخةِ الَّتي تَبدُو ثَقِيلةً ومُزعِجةً ومَقِيتةً في نَظَرِ الغافِلِينَ.. فلِلَّهِ الحَمدُ والمِنّةُ وأَلفُ شُكرٍ وشُكرٍ له سُبحانَه أن وَفَّقَني لِوِجْدانِ تلك الأَذْواقِ الإِيمانيّةِ الحَقِيقيّةِ الدّائِمةِ في
— 362 —
"لا إِلٰهَ إلّا هو"، وفي نُورِ التَّوحِيدِ بَدَلًا مِن تلك الأَذْواقِ الدُّنيَوِيّةِ الَّتي لا حَقِيقةَ لها ولا لَذّةَ فيها، بل لا خَيرَ في عُقْباها؛ وله الحَمدُ أن وَفَّقَني كَذلِك لِأَجِدَ الشَّيخُوخةَ خَفِيفةَ الظِّلِّ أَتَنعَّمُ بدِفئِها ونُورِها بخِلافِ ما يَراه أَهلُ الغَفْلةِ مِن ثِقَلٍ وبُرُودةٍ.
نعم يا إِخوَتِي، فما دُمتُم تَملِكُونَ الإِيمانَ، وما دامَت لَدَيكُمُ الصَّلَواتُ والدُّعاءُ اللَّذانِ يُنَوِّرانِ الإِيمانَ، بل يُنَمِّيانِه ويَصقُلانِه.. فإنَّكُم تَستَطِيعُونَ إِذًا أن تَنظُرُوا إلى شَيخُوخَتِكُم كأنَّها شَبابٌ دائِمٌ، إذ يُمكِنُكُم أَن تَنالُوا بِها شَبابًا أَبدِيًّا، أَمّا الشَّيخُوخةُ البارِدةُ حَقًّا، والثَّقِيلةُ جِدًّا، والقَبِيحةُ، بلِ المُظلِمةُ والمُؤلِمةُ تَمامًا، فلَيسَت إلّا شَيخُوخةَ أَهلِ الضَّلالةِ، بل رُبَّما عَهْدُ شَبابِهِم كَذلِك.. فلْيَبكِ هَؤُلاءِ.. ولْيَنتَحِبُوا.. ولْيَقُولُوا: وا أَسَفاهْ.. وا حَسْرَتاهْ!!
أمّا أَنتُم أيُّها الشُّيُوخُ المُؤمِنُونَ المُوَقَّرُونَ، فعَلَيكُم أن تَشكُرُوا رَبَّكُم بكلِّ فَرَحٍ وسُرُورٍ قائِلِينَ: "الحَمدُ للهِ على كلِّ حالٍ!".

الرَّجاءُ الثَّانِيَ عشَرَ

بَينَما كُنتُ وَحِيدًا بلا مُعِينٍ في "بارْلا" تلك النّاحِيةِ التّابِعةِ لِمُحافَظةِ "إِسبارْطةَ" أُعانِي الأَسْرَ المُعَذِّبَ المُسَمَّى بالنَّفيِ، مَمنُوعًا مِنَ الِاختِلاطِ بالنَّاسِ، بل حتَّى مِنَ المُراسَلةِ معَ أيٍّ كانَ، فَوقَ ما كُنتُ فيه مِنَ المَرَضِ والشَّيخُوخةِ والغُرْبةِ.. فبَينَما كُنتُ أَضطَرِبُ مِن هذه الحالةِ وأُقاسِي الحُزنَ المَرِيرَ إذا بنُورٍ مُسَلٍّ يُشِعُّ مِنَ الأَسرارِ اللَّطِيفةِ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ ومِن نِكاتِه الدَّقيقةِ، يَتَفضَّلُ الحَقُّ سُبحانَه به عَلَيَّ برَحْمَتِه الكامِلةِ الواسِعةِ، فكُنتُ أَعمَلُ جاهِدًا بذَلِك النُّورِ لِتَناسِي ما أنا فيه مِنَ الحالةِ المُؤلِمةِ المُحزِنةِ، حتَّى استَطَعتُ نِسيانَ بَلدَتِي وأَحِبَّتي وأَقارِبِي.. ولكِن یی يا حَسْرَتاهْ یی لم أَتَمكَّن مِن نِسيانِ واحِدٍ مِنهُم أَبدًا وهُو ابنُ أَخِي، بلِ ابنِي المَعنَوِيُّ، وتِلمِيذِي المُخلِصُ وصَدِيقِي الشُّجاعُ "عَبدُ الرَّحمَنِ" یی تَغَمَّدَه اللهُ برَحْمَتِه یی الَّذي فارَقَنِي قَبلَ حَوالَيْ سَبعِ سَنَواتٍ، ولا أَعلَمُ حالَه كي أُراسِلَه وأَتَحَدَّثَ مَعَه ونَتَشارَكَ في الآلامِ، ولا هو يَعلَمُ مَكانِي كي