— 99 —
اللمعة الثالثة عشرة
حكمة الاستعاذة
تخص حكمة "أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم"
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
وقل ربِّ اعیوذ بك من همزات الشياطين ٭ واعیوذ بك ربِّ ان يحضرون
(المؤمنون: ٩٧-٩٨)
هذا البحث يخصّ حكمة الاستعاذة من الشيطان. ستُكتب ثلاث عشرة إشارة بشكل مجمل، حيث إن قسمًا منها قد اُثبتت ووضحت في "الكلمة السادسة والعشرين" وفي رسائل أخرى بصورة متفرقة.
الإشارة الأولى
سؤال: إنَّ الشياطين ليس لهم تدخلٌ في شؤون الخلق والإيجاد في الكون، وإن اللّٰه سبحانه وتعالى -برحمته وعنايته- ظهيرٌ لأهل الحق، فضلًا عن أنَّ جمالَ الحق وحُسنَه يشوّق أهلَه ويؤيدُهم، بعكس الضلالة المستهجَنة بقبحها المنفِّر، فما الحكمة في أن حزبَ الشيطان هو الغالب في أكثر الأحوال، وما السر في استعاذة أهل الحق في كلِّ حين باللّٰه سبحانه من شرّ الشيطان؟.
— 100 —
الجواب: السرّ والحكمة هما كما يأتي:
إنَّ الضلالة والشرّ بأكثريتها المطلقة شيءٌ عدَمي وسلبي وغير أصيل، وهي إخلالٌ وتخريب. أما الهدايةُ والخير فهي بأكثريتها المطلقة ذات وجود وشيء إيجابي وأصيل وهي إعمارٌ وبناء. ومن المعلوم أنه يتمكن رجلٌ واحد في يوم واحد أن يهدم ما بناه عشرون رجلًا في عشرين يومًا،. وأن حياة الإنسان التي تبقى باستمرار أعضائه الأساس ضمن شرائط الحياة، مع أنها تخصّ قدرةَ الخالق جلّ وعلا، إلّا أنها تتعرض للموت -الذي هو عدمٌ بالنسبة لها- إذا ما قَطع ظالمٌ عضوًا من جسم ذلك الإنسان. ولهذا سار المَثل: "التخريبُ أسهلُ" من التعمير.
فهذا هو السرّ في أن أهلَ الضلالة بقدرتهم الضعيفة حقًا يغلبون أحيانًا أهلَ الحق الأقوياء جدًّا.
ولكن لأهل الحق قلعةٌ منيعة ما إن يتحصنوا بها ويلوذوا بها، فلا يجرؤ أنْ يتقربَ إليهم أولئك الأعداءُ المخيفون ولا يمكنهم أن يمسوهم بسوء. ولئن أصابهم شيءٌ منهم -مؤقتًا- فالفوز والثواب الأبدي الذي ينتظرهم في بشرى القرآن الكريم
﴿ والعاقِبَةُ للمُتّقينَ ﴾
(الأعراف: ١٢٨) يُذهِب أثرَ ذلك الضرّ والقرح.
وتلك القلعة الشامخة، وذلك الحصن المنيع هي الشريعة الإلهية وسنّة النبي (ص).
الإشارة الثانية
وهي المسألة التي تخطر في أذهان الكثيرين:
إنَّ خلقَ الشياطين وهم الشر المحض وتسليطَهم على أهل الإيمان، وسوقَهم كثيرًا من الناس إلى الكفر ودخولَهم النارَ بمكايدهم، هو قبحٌ ظاهر. وأمرٌ مُرعب. فيا تُرى كيف ترضى رحمةُ ذلك الرحيم المطلق، ويسمح جمالُ ذلك الجميل المطلق وهو الرحمنُ ذو الجمال، بهذا القُبح غير المتناهي والمصيبة العظمى؟!.
الجواب: إنه إزاء الشرور الجزئية للشياطين، تكمن في وجودهم كثيرٌ من المقاصد الخيّرة الكلية وكمالات، ترقى بالإنسان في سلّم الكمال.
— 101 —
نعم، كما أن هناك مراتب كثيرة بدءًا من البذرة إلى الشجرة الباسقة، كذلك للاستعدادات الفطرية الكامنة في ماهية الإنسان من المراتب والدرجات ما تفوق ذلك، بل قد تصل إلى المراتب الموجودة بين الذرة والشمس. ولكي تظهر هذه الاستعداداتُ وتنبسط لابد لها من حركة، ولابد لها من تفاعل وتعامل. فحركةُ لولب الرقيّ ونابضِ السموّ في ذلك التعامل هي "المجاهدة". ولا تحصل هذه "المجاهدة" إلّا بوجود الشياطين والأشياء المضرّة، إذ لولا تلك "المجاهدة" لظلّت مرتبةُ الإنسان ثابتةً كالملائكة، وعندها ما كانت لتظهر تلك الأصناف السامية من الناس التي هي بحكم الآلاف من الأنواع في النوع الإنساني. وحيث إنه ليس من الحكمة والعدالة بشيء أن يُترك الخيرُ الكثير جدًّا تجنبًا لحصول شرٍّ جزئي، فإن انزلاق كثير من الناس باتباع خطوات الشيطان، لا يحمل أهميةً كبيرة مادام التقويمُ والأهمية يأخذ "النوعية" بنظر الاعتبار ولا يُنظر إلى الكمية إلّا قليلًا، بل قد لا يُنظر إليها.
مثال ذلك: شخص لديه ألفٌ وعشرٌ من البذور، زرعَها في التراب، فجعلها تتعرض للتفاعلات الكيمياوية. فإذا أنبتت عشرٌ من تلك البذور وأينعت، فإن المنافعَ الحاصلة منها تفوق -بلا شك- خسارةَ الألفِ بذرة التي تعرضت للتلف والفساد.
وهكذا، فإن المنافعَ والمنزلة والأهمية التي حازتها البشرية من عشرة أشخاص كاملين يتلألأون كالنجوم في سمائها، والذين أخذوا بيد الإنسانية إلى مراقي الفلاح، وأضاءوا السُبُل أمامَهم وأخرجوهم إلى النور بمجاهدتهم للنفس والشيطان.. لاشك أنها تزيل ما يلحق بها من أثر الضرر الناجم من كثرة الداخلين في حمأة الكفر من الضالين الذين يُعدّون من جنس الحشرات لتفاهتهم ودناءتهم. لهذا فقد رضيت الرحمة والحكمة الربانية وسمحت العدالة الإلٰهية بوجود الشياطين وتسلّطها.
فيا معشر أهل الإيمان! إنَّ درعكم المنيع لصد أولئك الأعداء، هو التقوى المصنوعة في دوحة القرآن الكريم. وإن خنادقكم الحصينة هي سُنّة نبيّكم عليه أفضل الصلاة والسلام. وأما سلاحكم فهو الاستعاذةُ والاستغفار والالتجاء إلى الحرزِ الإلهي.