اللمعات العربية
— 490 —

النكتة الرابعة

تخص اسم اللّٰه
الفرد
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
قل هو اللّٰه أحد
(الإخلاص:١)
بينما أنا نزيل سجن "أسكي شهر" في شهر شوال إذ تراءت لي نكتة دقيقة من النكات اللطيفة لهذه الآية الجليلة، ولاح لي قبسٌ من أنوار اسم اللّٰه الأعظم: "الفرد" -أو هو أحد أنواره الستة- الذي يتضمن اسمَي "الواحد والأحد" من الأسماء الإلهية الحسنى.
سنبين هنا باختصار شديد التوحيد الحقيقي الذي يُظهره ذلك التجلي الأعظم. وذلك في سبع إشارات موجزة.
الإشارة الأولى: لقد وضع اسمُ اللّٰه الأعظم "الفرد" بتجليه الأعظم على الكون كلِّه بصماتِ التوحيد المميز، وأختامَ الوحدانية الواضحة، على مجموع الكون، وعلى كل نوعٍ فيه، وعلى كل فردٍ فيه. ولما كانت "الكلمة الثانية والعشرون" و"المكتوب الثالث والثلاثون" قد تناولا بيان ذلك التجلي بشيء من التفصيل، نكتفي بالإشارة فقط إلى ثلاث بصماتٍ وأختام منها دالّة على التوحيد:
الختم الأول: إن التجلي الأعظم للفردية قد طبع على وجه "الكون" كلِّه طابعًا مميزًا للتوحيد، وختمًا واضحًا للوحدانية وضوحًا حوّل الكون كلَّه بحُكم "الكل" الذي لا يقبل التجزئة مطلقًا بحيث إن مَن لا يقْدِر على أن يتصرف في الكون كلِّه لا يمكن أن يكون مالكًا مُلكًا حقيقيًا لأي جزء منه. ولنوضح هذا الختم المميز:
— 491 —
إنَّ موجودات الكون، بأنواعها المختلفة، تتعاون فيما بينها تعاونًا وثيقًا، ويسعى كلّ جزء منها لتكملة مهمةِ الآخر وكأنها تمثل بمجموعها وأجزائها تروسَ معمل بديع ودواليبَه -الذي يشاهد فيه هذا التعاون بوضوح- فهذا التساند، وهذا التعاون بين الأجزاء، وهذه الاستجابة في إسعاف كلٍّ منها لطلب الآخر، وإمداد كلِّ جزء للجزء الآخر، بل هذا التعانق والاندماج بين الأجزاء، يجعل من أجزاء الكون كله وحدةً متحدة تستعصي على الانقسام والانفكاك. يشبه في هذا وحدةَ أجزاء جسم الإنسان الذي لا يمكن فكّ بعضها عن البعض الآخر.
نفهم من هذا أن الذي يمسك زمام عنصر واحد في الوجود، إنْ لم يكن زمام جميع العناصر بيده لا يستطيع أن يسيطر على ذلك العنصر الواحد أيضًا. إذن فی"التعاون" و"التساند" و"التجاوب" و"التعانق" الواضحة على وجه الكون، إنما هي أختامٌ كبرى وبصمات ساطعة للتوحيد.
الختم الثاني: إنَّ التجلي الباهر لاسم اللّٰه "الفرد" يجعلنا نُشاهد -على وجه الأرض ولاسيما في الربيع- ختمًا لامعًا للأحدية، وآيةً جلية للوحدانية بحيث إن من لا يدير جميع الأحياء على وجه الأرض كلها بأفرادها وأحوالها وشؤونها كافة، والذي لا يرى ولا يخلق ولا يعلم جميعها معًا، لا يمكن أن يكون له تدخل في أي شيء من حيث الإيجاد. فلنوضح هذا الختم:
تأمل في هذه البُسُط المفروشة على الأرض التي لُحمتُها وسَداها مائتا ألف طائفة ونوع من أنواع الحيوانات وطوائف النباتات بأفرادها المتنوعة التي لا تعد ولا تحصى والتي تضفي الزينة وتنثر البهجة على نسيج الحياة على سطح الأرض -وبخاصة في الربيع- تأمّلها جيدًا وأدِم النظر فيها، فإنها مع اختلاف أشكالها، وتباين وظائفها، واختلاف أرزاقها وتنوع أجهزتها، وامتزاجها بعضها مع البعض الآخر تشاهِد: أنَّ رزق كل ذي حياة يأتيه رغدًا من كل مكان ومن حيث لا يحتسب، بلا سهو ولا نسيان، بلا انشغال ولا ارتباك، بلا خطأ ولا التباس.. فيُعطى بميزان دقيق حساس كل ما يحتاجه الفرد، في وقته المناسب، من دون تكلف ولا تكليف، مع تمييز لكلٍ منها، وهو يموج في هذا الامتزاج الهائل وفي هذا الخضم من
— 492 —
الموجودات المتداخلة، فضلًا عما يُخْبئ باطنُ الأرض من آيات التوحيد الرائعة المتلمعة من انتظام المعادن والعناصر الجامدة.
لذا فإن هذا "التدبير والإدارة" المشاهد في هذا الأمر الدائب على وجه الأرض وباطنها إنما هو آية ساطعة للأحدية، وختمٌ واضح للوحدانية، بحيث إن مَن لم يكن خالقًا لجميع تلك الموجودات من العدم، ومدبّرًا لجميع شؤونها في آن واحد، لا يقدر على التدخل -من حيث الربوبية والإيجاد- في شيء منها، لأنه لو تدخل لأفسد تلك الإدارة المتوازنة الواسعة. إلّا ما يؤديه الإنسان من وظيفة ظاهرية -بإذن إلهي أيضًا- لحسن سير تلك القوانين الربانية.
الختم الثالث: في وجه الإنسان
إنَّ شعار التوحيد وختمَه واضح وضوحًا بينًا لكل مَن يتأمل وجهَ أي إنسان كان، وذلك: أنَّ لكل إنسان علامةً فارقة في وجهه تُميِّزه عن غيره. فالذي لا يستطيع أن يضع تلك العلامات في كل وجه، ولا يكون مطّلعًا على جميع الوجوه السابقة واللاحقة منذ آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، لا يمكنه أن يمدّ يدَه من حيث الخلق والإيجاد ليضع تلك الفوارق المميّزة الهائلة في ذلك الوجه الصغير لإنسان واحد.
نعم، إنَّ الذي وضع في وجهِ الإنسان ذلك الطابع المميز وتلك الآية الجلية بتلك العلامات الفارقة، لا بد أن أفراد البشر كافة هم تحت نظره وشهوده، وضمنَ دائرة علمه حتى يضع ذلك الختمَ للتوحيد في ذلك الوجه. بحيث إنه مع التشابه الظاهر بين الأعضاء الأساس -كالعيون والأنوف وغيرها من الأعضاء- لا تتشابه تشابهًا تامًا، بسبب علامات فارقة في كلٍ منها. وكما أن تشابه الأعضاء -من عيون وأنوف- في وجوه البشر كافة دليل قاطع على وحدانية خالق البشر سبحانه وتعالى، كذلك فإن العلامات الفارقة الموضوعة على كل وجهٍ -لصيانة حقوق كل فرد في المجتمع، ولمنع الالتباس، وللتمييز، ولحِكَم أخرى كثيرة- هي الأخرى دليلٌ واضح على الإرادة المطلقة والمشيئة الكاملة لذلك الخالق الواحد سبحانه وتعالى، وآيةٌ بديعة جلية أيضًا للأحدية، بحيث إن من لا يَقدر على خلق جميع البشر والحيوانات والنباتات بل جميع الكون لا يمكنه أن يضع تلك السمة المميزة في أحد.
— 493 —
الإشارة الثانية: إنَّ عوالم الكائنات المختلفة وأنواعها المتنوعة وعناصرها المتباينة قد اندمجت اندماجًا كليًا وتداخل بعضُها مع البعض الآخر، بحيث إنَّ مَن لم يكن مالكًا لجميع الكون لا يمكنه أن يتصرف بنوعٍ منه أو عنصر فيه تصرفًا حقيقيًا، لأن تجلي نورِ التوحيد لاسم اللّٰه "الفرد" قد أضاء أرجاء الكون كله، فضمّ أجزاءها كافة في وحدة متحدة، وجعل كل جزء منه يعلن تلك الوحدانية.
فمثلًا: كما أن كون الشمس مصباحًا واحدًا لهذه الكائنات يشير إلى أن الكائنات بأجمعها ملكٌ لواحد، فإن كونَ الهواء هواءً واحدًا يسعى لخدمة الأحياء كلها.. وكونَ النار نارًا واحدة توقد بها الحاجات كلها.. وكون السحاب واحدًا يسقي الأرض.. وكون الأمطار واحدة تأتي لإغاثة الأحياء كافة.. وانتشار أغلب الأحياء من نباتات وحيوانات انتشارًا طليقًا في أرجاء الأرض كافة مع وحدة نوعيتها، ووحدة مسكنها.. كل ذلك إشارات قاطعة وشهادات صادقة على أن تلك الموجوداتِ ومساكنَها ومواضعَها إنما هي ملكٌ لمالك واحدٍ أحد.
ففي ضوء هذا وقياسًا عليه نرى: أن تداخل الأنواع المختلفة للكائنات واندماجها الشديد ببعضها قد جعل مجموعَها بمثابة كلٍ واحد لا يقبل التجزئة قطعًا من حيث الإيجاد. فالذي لا يستطيع أن يُنفّذ حكمَه على جميع الكون لا يمكنه -من حيث الخلق والربوبية- أن يُخضِع لربوبيته أيَّ شيء فيه، حتى لو كان ذلك الشيء ذرةً أو أصغر منها.
الإشارة الثالثة: لقد تحوّل الكون كلُّه بالتجلي الأعظم لاسم اللّٰه "الفرد" إلى ما يشبه رسائل صمدانية ومكاتيب ربانية متداخلة بعضها في البعض الآخر، تزخر كلُّ رسالة منها بآيات الوحدانية وأختام التوحيد، وتحمل كل رسالة بصماتِ الأحدية بعدد كلماتها، بل إن كل كلمة فيها تُفصح عن وحدانية كاتبها؛ إذ كما يدل الختمُ أو التوقيع في الرسالة على كاتبها، فإن كل زهرة وكل ثمرة، وكل عشب، وكل حيوان، وكل شجر، إنما يمثل ختمَ الأحدية وطغراء الصمدانية وكأنها أختام لمواضعها التي تتخذ هيئة الرسائل فتبين كاتبَها. فزهرةٌ صفراء -مثلًا- في حديقةٍ ما. هذه الزهرة هي بمثابة ختمٍ يدل بوضوح على مصوِّر الحديقة، فمَنْ كان مالكًا لذلك الختم
— 494 —
-الزهرة- فهو مالكٌ لجميع أنواع تلك الزهرة ومثيلاتها المبثوثة على الأرض كافة، ويدل أيضًا على أن تلك الحديقة كتابتُه. أي إن كل شيء يُسْنِدُ جميع الأشياء إلى خالقه ويشير إلى تجلٍ باهر عظيم لوحدانيته سبحانه.
الإشارة الرابعة: لقد أوضحت "رسائل النور" في أجزائها الكثيرة ببراهين متعددة أن التجلي الأعظم لاسم اللّٰه الفرد مع أنه واضحٌ وضوح الشمس، فهو مقبول في الأعماق إلى حدّ السهولة المطلقة، وهو مستساغ عقلًا ومنطقًا إلى حدّ الوجوب والبداهة. وبعكسه الشرك المنافي لذلك التجلي، فهو معقّد إلى أقصى حدود التعقيد، وغير منطقي إطلاقًا، وهو بعيد جدًّا عن المعقول إلى حدّ المحال والامتناع. سنبين هنا ثلاث نقاط من تلك الأدلة فقط، ونحيل تفاصيلها إلى الرسائل الأخرى.
النقطة الأولى: لقد أثبتنا ببراهين قاطعة في ختام "الكلمة العاشرة" وفي "الكلمة التاسعة والعشرين" إثباتًا مجملًا، وفي ختام "المكتوب العشرين" مفصلًا أنه: من السهولة واليسر على قدرة "الأحد الفرد" سبحانه، خَلقُ أعظم جِرم، وخلقُ أصغرِ شيء على حدّ سواء، فهو سبحانه يخلق الربيعَ الشاسع بيُسرِ خلقِ زهرةٍ واحدة، ويُحدِث في كل ربيع بسهولة بالغة آلافًا من نماذج الحشر والنشور -كما هو مشاهَد- ويُراعي شجرة ضخمة باسقة بيُسر مراعاته فاكهةً صغيرة. فلو أُسنِد أيٌّ من ذلك إلى الأسباب المتعددة، لأصبح خلقُ كلِّ زهرةٍ فيه من المشكلات ما للربيع الشاسع، وفي خَلقِ كل ثمرةٍ فيه من الصعوبات ما للشجرة الباسقة.
نعم، إن كان تجهيزُ الجيش بأكمله بالمؤَن والعتاد بأمر صادر من قائد واحد، من مصدر واحد، سهلًا وبسيطًا كتجهيز جندي واحد، بينما يكون صعبًا بل ممتنعًا أن يكون كل جندي يتجهز من معامل متفرقة ويتلقى الأوامر من إدارات متعددة كثيرة، إذ عندئذٍ يحتاج كل جندي إلى معامل بقدر أفراد الجيش بأكمله!!
فكما أن الأمرَ يسهل بالوحدة ويصعب بالكثرة هكذا، كذلك إذا أُسنِد الخلقُ والإيجاد إلى "الفرد الأحد" جل وعلا، فإن خلقَ أفراد غير محدودة لنوعٍ واحد يكون سهلًا كخلق فرد
— 495 —
واحد، بينما لو أُسنِد إلى الأسباب، فإن خلقَ كلّ فردٍ يكون مُعضلًا وصعبًا كخلق النوع الواسع الكثير.
أجل، إن الوحدانية والتفرد تجعل كلَّ شيء منتسبًا ومستندًا إلى الذات الإلهية الواحدة، ويصبح هذا الانتساب والاستناد قوةً لا حدّ لها لذلك الشيء، حتى يمكنه أن يُنجز من الأعمال الجسيمة، ويولّد من النتائج العظيمة ما يفوق قوتَه الذاتية ألوفَ المرات معتمدًا على سر ذلك الاستناد والانتساب. أما الذي لا يستند ولا ينتسب إلى صاحب تلك القوة العظمى ومالكِها "الفرد الأحد" فسينجز من الأعمال ما تتحمله قوتُه الذاتية المحدودة جدًّا، وتنحسر نتائجُها تبعًا لذلك.
فمثلًا: إن الذي انتسب إلى قائد عظيم واستند إليه بصفة الجندية، يصبح له هذا الانتساب والاستناد بمثابة قوةٍ ممدّة لا تنفد، فلا يضطر إلى حمل ذخيرته وعتاده معه، لذا قد يُقدِم على أسر قائد جيش العدو المغلوب مع آلافٍ ممن معه، بينما السائب الذي لم ينخرط في الجندية، مضطرٌّ إلى حمل ذخيرته وعتاده معه، ومهما بلغ من الشجاعة فلا يستطيع أن يقاوم بتلك القوة إلّا بضعةَ أفراد من العدو، وقد لا يثبت أمامهم إلّا لفترة قليلة.
ومن هنا نرى أن قوة الاستناد والانتساب -التي في الفردية والوحدانية- تجعل النملة الصغيرة تقدم على إهلاك فرعون عنيد، وتجعل البعوضة الرقيقة تجهز على نمرود طاغية، وتجعل الميكروب البسيط يدمر باغيًا أثيمًا.. كما تمدّ البذرة الصغيرة لتحمِل على ظهرها شجرة صنوبر باسقة شاهقة.. كل ذلك باسم ذلك الانتساب وبسر ذلك الاستناد.
نعم، إن قائدًا عظيمًا شهمًا يستطيع أن يستنفر جميعَ جنوده ويحشّدهم لإنقاذ جندي واحد وإمداده، والجندي بدوره يستشعر كأن جيشًا جرارًا يسنده ويمدّه بقوة معنوية عالية حتى تمكّنه من أن ينهض بأعمال جسام باسم القائد. فاللّٰه سبحانه وتعالى (وله المثل الأعلى) لأنه فرد واحد أحد - فلا حاجة في أية جهة إلى أحد غيره، وإذا افترضت الحاجة في جهة ما- فإنه يستنفر الموجودات كلها لإمداد ذلك الشيء وإسناده، فيحشر سبحانه الكون كله لأجله.
وهكذا يستند كلُّ شيء إلى قوة عظيمة هائلة تملك مقاليد الكون بأسره.. وهكذا يستمد
— 496 —
كلُّ شيء في الوجود قوتَه من تلك القوة الإلهية العظيمة المطلقة.. من ذلك "الفرد الأحد" جلّ وعلا.
فلولا "الفردية".. لفقَد كل شيء هذه القوة الجبارة، ولسقط إلى العدم وتلاشت نتائجُه. فما تراه من ظهور نتائج عظيمة هائلة من أشياء بسيطة تافهة، ترشدنا بالبداهة إلى الفردية والأحدية. ولولاها لبقيت نتائجُ كلِّ شيء وثمارُه منحصرةً في قوته ومادته الضئيلة، وتصغر عندئذٍ النتائجُ بل تزول. ألا ترى الأشياء الثمينة النفيسة كالفواكه والخضر وغيرها مبذولة ومتوافرة أمامنا. ما ذلك إلّا بسر الوحدانية والانتساب وحشر جميع القوى، فلولا "الفردية" لما كنا نحصل بآلاف الدراهم ما نحصله اليوم من بطيخ أو رمان بدراهم معدودة. فكل ما نشاهده من سهولة الأمور والأشياء ورخصها وتوفرها إنما هي من نتائج الوحدانية وتشهد بالفردية.
النقطة الثانية: إن الموجودات تُخلَق وتظهر إلى الوجود بوجهين:
الأول: الخلق من العدم، وهو ما يعبَّر عنه بی"الإبداع والاختراع".
الثاني: إنشاؤها من عناصر موجودة، وتركيبُها ومنحُ الوجود لها من أشياء حاضرة، أي بی"التركيب والإنشاء".
فإذا نظرنا إلى الموجودات من زاوية سر الأحدية وتجلي الفردية، نرى أن خلقَها وإيجادَها يكون سهلًا وهيّنًا إلى حدّ الوجوب والبداهة، بينما إن لم يُفوَّض أمرُ الخلق والإيجاد إلى الفردية والوحدانية، فستتعقد الأمور وتتشابك، وتظهر أمورٌ غير معقولة وغير منطقية إلى حدّ المحال والامتناع. وحيث إننا نرى الموجودات قاطبة تظهر إلى الوجود من دون صعوبة وتكلف، ومن غير عناء، وعلى أتم صورة وكيفية، يثبت لنا بداهة إذن تجلي الفردية، ويتبين لنا: أن كل شيء في الوجود إنما هو من إبداع "الأحد الفرد" ذي الجلال والإكرام.
نعم، إن أُسند أمرُ الخلق إلى "الفرد الواحد الأحد" يخلق كل شيء من العدم في لمح البصر وبكل سهولة ويسر، وبقدرته المطلقة العظيمة بآثارها المشهودة. ويقدّر لكل شيء بعلمِه المحيط المطلق ما يشبه قوالب معنوية وتصاميم غيبية.. فكل شيء عنده بمقدار.
— 497 —
فكما أن الجنود المطيعين في الجيش المنظم يُساقون لأخذ مواضعهم بأمر من القائد وحسب خطته الموضوعة في علمه، كذلك الذراتُ المطيعة للأوامر الربانية فإنها تساق بالقدرة الربانية -بكل سهولة ويسر- لتأخذ مواقعها وتحافظ عليها حسب تصميمٍ موجود، وصورةٍ موجودة، في مرآة العلم الإلهي الأزلي. حتى لو لزم جمعُ الذرات من الأنحاء المختلفة، فإن جميع الذرات المرتبطة بقانون العلم الإلهي المحيط، والموثوقة الصلة بدساتير القدرة الإلهية، تصبح بمثابة الجنود المنقادين في الجيش المنظم، فتأتي مسرعة بذلك القانون وبسَوق القدرة لأخذ مواقعها في ذلك القالب العلمي والمقدار القدري المحيطين بوجود ذلك الشيء. بل كما تظهر الصورةُ المثالية المتمثلة في المرآة على الورقة الحساسة في آله التصوير وتلبس وجودًا محسوسًا خارجيًا، وكما تظهر وتشاهَد الكتابة المخفية السرية بإمرار مادة كيماوية عليها. كذلك الأمر في صورة جميع الموجودات، وماهية جميع الأشياء الموجودة في مرآة العلم الإلهي الفرد الأحد، فإن القدرة الإلهية المطلقة تُلبسها -بكل سهولة ويسر- وجودًا خارجيًا محسوسًا، فتظهر للعيان في عالم الشهادة، بعد أن كانت في عالم المعنى والغيب.
ولكن إن لم يُسند أمر الخلق إلى الفرد الأحد فعندئذٍ يلزم لخلق ذبابة واحدة مسحُ سطح الأرض وتفتيشها وغربلة عناصرها جميعًا وذراتِها المعينة لوجودٍ معيّن ثم وزنها بميزان دقيق حساس، لوضع كل ذرة في موضعها المخصص لها، حسب قوالب مادية بعدد أجهزتها وأعضائها المتقنة، وذلك لكي يأخذ كل شيء مكانه اللائق به، فضلًا عن جلب المشاعر والأحاسيس الروحية الدقيقة واللطائف المعنوية من العوالم المعنوية والروحية بعد وزنها أيضًا بميزان دقيق حسب حاجة الذبابة!!
ألا يكون -بهذا الاعتبار- خلقُ ذبابة واحدة صعبًا ممتنعًا كإيجاد جميع الكائنات؟! أليس فيه الصعوبات تلو الصعوبات والمحالات ضمن المحالات؟! ذلك لأنه قد اتفق جميعُ أهل الإيمان والعلم: أنه لا يخلق من العدم إلّا الخالقُ الفرد سبحانه وتعالى. ولهذا لو فُوّض الأمر إلى الأسباب والطبيعة استلزم لوجود شيء واحد الجمعُ من أكثر الأشياء.
النقطة الثالثة: لقد أوردنا أمثلة كثيرة في رسائل شتى تشير إلى: أن إسناد الخلق إلى "الفرد الواحد الأحد" يجعل خلق جميع الأشياء سهلًا كالشيء الواحد، وبعكسه إذا أُسنِد إلى الطبيعة والأسباب فخلقُ الشيء الواحد يكون صعبًا ممتنعًا كخلق جميع الأشياء.
— 498 —
نقتصر منها هنا على ثلاثة أمثلة فقط:
المثال الأول: إذا أُحيلت إدارة ألف جندي إلى ضابط واحد، وأُحيلت إدارةُ جندي واحد إلى عشرة ضباط، فإن إدارةَ هذا الجندي تكون ذات مشكلات وصعوبات بمقدار عشرة أضعاف إدارة تلك الفرقة من الجنود. وذلك: لأن الأمراء العديدين سيعادي بعضُهم بعضًا، وستتعارض أوامرُهم حتمًا، فلا يجد ذلك الجندي راحةً بين منازعة أمرائه. بعكسه تمامًا ذلك الضابط الذي يدير بأوامره فرقة كاملة من الجنود وكأنه يدير جنديًا واحدًا، وينفّذ خطته وما يريده من الفرقة بتدبيره كل شيء بسهولة ويسر، علمًا أنه يتعذر الوصول إلى هذه النتيجة إذا تُرك الأمر إلى جنود سائبين.
المثال الثاني: إذا سُلّم أمر بناء قبة جامع أيا صوفيا إلى بنّاء ماهر، فإنه يقوم به بكل سهولة ويسر، بينما إذا سُلّم بناؤها إلى أحجارها، لزم أن يكون كلُّ حجرٍ حاكمًا مطلقًا على سائر الأحجار، ومحكومًا لها في الوقت نفسه كي تأخذ القبةُ المعلقة الشامخة شكلَها! فبينما كان البنّاء الماهر يصرف جهدًا قليلًا -لسهولة الأمر لديه- تصرف الآن مئات من البنّائين -الأحجار- أضعاف أضعاف ذلك الجهد من دون الحصول على نتيجة!!.
المثال الثالث: إنَّ الكرة الأرضية مأمورةٌ وموظفة من لدن "الفرد الواحد" سبحانه، وهي كالجندي المطيع للّٰه الواحد الأحد، فحينما تستلم الأمر الواحد، الصادر من آمرها الأحد، تهبّ منتشية بأمر مولاها وتنغمر في جذبات وظيفتها في شوق عارم، وتدور كالمريد المولوي العاشق -عند قيامه للسماع- فتكون وسيلةً لحصول المواسم الأربعة، واختلاف الليل والنهار وظهور الحركات الرفيعة العظيمة، والكشف عن مناظر خلابة لقبة السماء المهيبة وتبديلها باستمرار كتبدل المشاهد السينمائية.. وتكون سببًا لحصول أمثال هذه النتائج الجليلة، حتى لكأنَّ الأرضَ هي القائد لتلك المناورة العسكرية المهيبة بين نجوم الكون.
ولكن إنْ لم يُسند الأمرُ إلى "الفرد الأحد" الذي أحاط بحاكمية ألوهيته وسلطان ربوبيته الكون كله، والذي ينفذ حكمُه وأمره في كل صغيرة وكبيرة في الوجود، فعندئذٍ يلزم وجودُ ملايين النجوم التي تكبر الأرض بألوف المرات، ولابد من أن تسير هذه النجومُ في مدار أكبر
— 499 —
وأوسع بملايين المرات من مدار الأرض كي تظهر تلك المناورة السماوية والأرضية وتلك النتائج نفسها التي تتولد من حركتي الأرض السنوية واليومية بكل سهولة ويسر.
وهكذا فإنَّ حصول هذه النتائج الجليلة الناشئة من حركتي الأرض حول محورها ومدارها -حركة تشبه حركات المولوي العاشق- يظهر لنا مدى السهولة والفطرية والبساطة في "الأحدية والفردية"، ويبين لنا في الوقت نفسه كم هي مملوءةٌ طريقُ الشرك والكفر بالمحالات التي لا حدَّ لها وبالأمور الباطلة غير المعقولة.
وبعد.. فلاحظ الآن بمنظار هذا المثال الآتي جهلَ المتشدقين بالطبيعة وعبّاد الأسباب، لتعلم في أي دَرَك من وحل الحماقة يتمرغون وفي أي بيداءِ وهمٍ يتيهون، وقِسْ عليه مدى بُعدِهم كل البعد عن ميدان المنطق والعقل السليم:
معمل عظيم.. كتاب رائع.. قصر مشيد.. ساعة دقيقة.. لا شك أن الذي صنع كلًا من هذه قد نظّمه ونسّقه بدقة وعناية، ويجيد إدارته ويرعاه، ولا شك أنه أراد في صنع كل منها إظهارَ محاسن صنعته وإبراز بدائع عمله. فإن أحال أحدُهم إدارة المعمل العظيم إلى دواليب المعمل نفسه، وفوّض بناءَ القصر المنيف إلى أحجار القصر نفسه، وأسند معاني الكتاب الجميلة إلى الحروف نفسها، فكأنه قد جعل كل جزء من أجزاء المعمل ذا قدرة عظيمة لتنظيم نفسه وغيره! وجعل كلَّ حرف من حروف الكتاب بل الورق والقلم شيئًا خارقًا يبدع الكتاب نفسه! أي إنه يحيل روعةَ الانتظام في المعمل إلى دواليب المعمل، ويسند جمالَ المعنى في الكتاب إلى توافق الحروف من تلقاء نفسها!!
أيّ هذرٍ هذا! وأيّ وَهْم! أليس الذي يتفوّه به بعيدًا كل البُعد عن سلامة العقل؟ فالذين يحيلون أمر الخلق والإيجاد في هذا الكون البديع إلى الأسباب وإلى الطبيعة يهوون في جهل مركّب سحيق كهذا. وذلك لأن مظاهرَ الإبداع واضحة على الأسباب والطبيعة نفسها، فهي مخلوقةٌ كسائر المخلوقات. فالذي خلقها -على هذه الصورة البديعة- هو الذي يخلق آثارَها ونتائجها أيضًا، ويظهرها معًا.. فالذي خلق البذرة هو الذي أنشأ عليها شجرتَها، وهو الذي يخرج أثمارَها وأزهارها من أكمامها.. بينما إن لم يُسنَد خلقُ الأسباب والطبيعة مع آثارهما إلى "الواحد الأحد"، يلزم لوجود أنواع الأسباب وأنماط الطبيعة المختلفة، أنواعٌ من الأسباب
— 500 —
والطبيعة المنتظمة المنسقة المختلفة . وهكذا تستمر سلسلةُ موهومة ممتنعة لا معنى لها ولا نهاية! وهذا من أعجب عجائب الجهل وأتعسه!!
الإشارة الخامسة: لقد أثبتنا في مواضع متعددة من الرسائل وببراهين دامغة: أن الاستقلال والانفراد من أخص خصائص الحاكمية، حتى إن هذا الإنسانَ الذي هو عاجزٌ عجزًا شديدًا، ولا يملك من الحاكمية سوى ظل باهت، نراه يردّ بكل قوة أيَّ فضول كان من الآخرين، ويرفض بكل شدة أي تدخل كان منهم في شؤونه، صونًا منه لاستقلاله وانفراده في الأمر. بل ذُكِر في التاريخ أن كثيرًا من السلاطين قد سفكوا دماءً زكية لأبنائهم الأبرياء وإخوانهم الطيبين حينما شعروا بتدخلٍ منهم في شؤونهم.
إذن فالاستقلال والانفراد ورفضُ مداخلة الآخرين هو من أخصّ خصائص الحاكمية الحقة، لا فكاك لها عنه. بل هو لازمها ومقتضاها الدائم. فالحاكمية الإلٰهية التي هي في درجة الربوبية المطلقة تردّ بكل شدة الشرك والاشتراك مهما كان نوعه، ولا تقبل تدخلًا ما من سواها قط. ومن هنا نرى القرآن الكريم يفيض في بيان التوحيد الخالص ويردّ الشرك والمشاركة بأسلوب شديد وبتهديد مروّع..
فكما اقتضت الحاكمية الإلهية -التي هي في الربوبية المطلقة- التوحيدَ والوحدانية بقطعية تامة، وأظهرت مقتضًى شديدًا وداعيًا قويًا لها، كذلك النظامُ المتقن والانسجامُ البديع المشاهَدان في الكون -ابتداءً من النجوم والنباتات والحيوانات والأرض والمعادن وانتهاء بالجزئيات والأفراد والذرات- كلٌّ منهما شاهدُ عدلٍ، وبرهان باهر على تلك الوحدانية والفردية، فلا يسمح قط لريبة أو لشبهة، إذ لو كان هناك تدخل مما سوى الواحد الأحد، لفسد هذا النظام البديع الرصين، واختل هذا التوازن المحكم المشاهَد في جميع أجزاء الكون، فصدق اللّٰه العظيم الذي قال:
﴿ لو كانَ فيهما آلِهةٌ إلّا اللّٰه لَفَسَدتا ﴾
(الأنبياء: ٢٢)
نعم، لو كان هناك أي تدخل مهما كان لظهرت آثارُه باديةً، إلّا أن الدعوة الصريحة في الآية الكريمة:
﴿ فارجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ﴾
(الملك: ٣) تريك هذا النظام البديع بكل وضوح وجلاء حتى لا ترى ثغرةً ولا لبسًا ولا نقصًا في جهة من الجهات ابتداءً من الذرات إلى المجرات.
— 501 —
إذن فالنظامُ الرصين في الكون، والانتظام الرائع في المخلوقات كافة، والموازنة الدقيقة بين الموجودات.. يظهر لنا التجليَ الأعظم لاسم الفرد ويشهد شهادةً واضحة على الوحدانية.
ثم إن أي مخلوق مهما كان صغيرًا، إنما هو مثالٌ مصغر للكون كله ونموذجُه، وفهرسُه المختصر، بمقتضى تجلي الأحدية. فلا يكون مالكًا لذلك المخلوق الحي الصغير إلّا مَن كان بيده زمام الكون كله وله الأمر جميعًا. وحيث إن كل بذرة متناهية في الصغر ليست بأقلَّ إبداعًا في الخلق من شجرة ضخمة، وأن كل شجرة باسقة تضاهي في خلقها خلقَ الكائنات، وكل كائن حي صغير إنما هو بحكم عالَمٍ مصغّر وكونٍ صغير، فإن تجلي الأحدية هذا يجعل الشرك والاشتراك محالًا ممتنعًا.
ثم إن هذا الكون في ضوء هذا السر -سر الأحدية- ليس كلًا يستعصي على التجزئة وحدها، بل أيضًا هو كلّيٌّ من حيث الماهية، لا يقبل الانقسام والاشتراك والتجزئة وتدخّل الأيدي المتعددة قط. فإن كل جزء فيه بحكم جزئيٍّ وفردٍ منه، وكلُّ الكون هو بحكم الكلّي، فليس فيه موضع للاشتراك في أية جهة كانت.
فهذا التجلي الأعظم لاسم الفرد يثبت حقيقة التوحيد بهذا السر للأحدية، بدرجة البداهة.
نعم، كما أنَّ اندماجَ أنواعِ الكائنات واندغامَها فيما بينها، وتوجّهَ وظيفة كلٍّ منها إلى عموم الكائنات مثلما يجعل الكونَ كلًّا واحدًا يستعصي على التجزئة قطعًا، من حيث الخلق والربوبية. كذلك الأفعال العمومية المحيطة بالكائنات والتي تظهر أثارُها وفعالياتُها في الكائنات عمومًا تجعل الكونَ أيضًا كلًاّ واحدًا -من حيث تداخلها ببعضها- حتى يرفض التجزئةَ ويردّها ردًّا قويًا. ولتوضيح ذلك نسوق المثال الآتي:
حالما تُوهب الحياةُ للكائن يظهر فعلُ الإعاشة والإرزاق فيه مباشرة. وضمن أفعال الإعاشة والإحياء هذه، يشاهَد مباشرةً فعلُ تنظيمِ جسدِ ذلك الكائن وتنسيق أعضائه، وتجهيزه بما يحتاج ويلزم. وحينما تظهر أفعالُ الإعاشةِ والإحياء والتنظيم والتجهيز يفعل التصويرُ والتربية والتدبير فعلَه في الوقت نفسه.. وهكذا.
فتداخلُ أمثال هذه الأفعال المحيطة العامة بعضِها بالبعض الآخر، واتحادُها ببعضها،
— 502 —
وامتزاجُها كامتزاج الألوان السبعة في الطيف الشمسي، ثم إحاطةُ كل فعل من تلك الأفعال وشمولُه -مع وحدته من حيث الماهية- للموجودات كلها في وحدة واحدة، وكونُ كل فعلٍ منها فعلًا وحدانيًا.. يدل دلالة واضحة على أن فاعلَه واحدٌ أحد فرد..
وكما أن استيلاءَ كل فعل -من تلك الأفعال- وهيمنتَه على الكائنات قاطبة، واتحادَه مع سائر الأفعال في تعاون وثيق، يجعل الكون كلًّا غير قابل للتجزئة.. كذلك فإن كل مخلوق حي من حيث كونه بمثابة بذرةِ الكون وفهرسِه ونموذجِه يجعل الكون كليًا غير قابل للانقسام والتجزئة -من حيث الربوبية- بل يجعل انقسامه محالًا وخارجًا عن الإمكان، أي أن الكون بهذا هو كلٌّ لا يتجزأ، فلا يكون إذن ربُّ الجزء إلّا من كان ربًّا للكل. وهو كليٌّ أيضًا بحيث يكون كلُّ جزء منه بحكم فرد، فلا يكون ربًّا للفرد الواحد إلّا من كان زمام ذلك الكلي بيده.
الإشارة السادسة: كما أن انفراد اللّٰه سبحانه وتعالى بالربوبية، وتوحيدَه بالألوهية هو أساس جميع الكمالات
(٭): حتى إن التوحيد هو نفسه أوضح برهان، وأسطع دليل على الكمال والجمال الإلهي، لأنه إذا عُرف أن صانع الكون واحد أحد، فسيُعرف جميع أنواع الكمال والجمال المشاهدة في الوجود، بأنها ظلال وتجليات وعلامات لأنواع الكمال المقدس وأنماط الجمال المنزّه لذلك الصانع الواحد الأحد. بينما إذا لم يُعرف الصانعُ الواحد، فستحال تلك الكمالات وأنواع الجمال إلى الأسباب التي لا شعور لها وإلى مخلوقات عاجزة، وعندها يحار العقل البشري أمام خزائن الكمال والجمال السرمديين، لأنه فقد مفتاح تلك الكنوز الخالدة. (المؤلف).
ومنشأ المقاصد السامية، ومنبع الحِكَم المودَعة في خلق الكون، كذلك هو الغايةُ القصوى، والبلسمُ الشافي، لتطمين رغبات كل ذي شعور وذي عقل ولاسيما الإنسان، فلولا "الفردية" لانطفأت شعلةُ رغباته ومطالبه كلِّها وانمحت جميعُ الحِكَم المودَعة في خلق الكون، وتلاشت أكثرُ الكمالات الموجودة والثابتة وانعدمت.
فمثلا: إنَّ رغبة حبِّ البقاء بل عشقه، عميقةٌ في الإنسان.. هذه الرغبة العريقة لا يحققها ولا يسكّنها ويُطمئنُها إلّا مَن هو مالك لمقاليد الكون، الذي يفتح باب البقاء السرمدي أمام الإنسان بالآخرة، بعد أن يُنهي هذه الدنيا الفانية ويغلق أبوابَها كسهولة غلق غرفة وفتح أخرى.
وهناك رغبات أخرى كثيرة جدًّا للإنسان أمثال هذه الرغبة، كلُّها ممتدة إلى غير نهاية معلومة ومتشعبة في ثنايا الكائنات جميعًا.. فهذه الرغبات جميعُها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا
— 503 —
بحقيقة التوحيد، ومشدودة مع سر "الفردية". فلولا ذلك السرّ لبقيت هذه الرغبات عقيمةً دون نتائج، قاصرةً عن بلوغ مداها، مبتورة منكمشة. ولولا تصرف الواحد الأحد في الكون كله لما اطمأنّت ولا حصلت تلك الرغبات، ولو حصلت حصلت مبتورة.
فالإيمان بالوحدانية، وبقدرة "الفرد الواحد الأحد" المطلقة إذن هو وحدَه الكفيل بإحلال الطمأنينة والسكون في تلك الرغبات المتأججة لدى الإنسان. من أجل هذا السر العظيم نرى القرآن الكريم يذكر التوحيد والوحدانية بكل حرارة وشوق، ويكررها بكل حلاوة وذوق، وأن الأنبياء -عليهم السلام- والأصفياء والأولياء الصالحين يجدون بغيتهم وذوقهم السامي، بل منتهى سعادتهم في أفضل ما قالوه: "لا إله إلّا هو".
الإشارة السابعة: إنَّ هذا التوحيد الحقيقي، بجميع مراتبه، وبأتمّ صورته الكاملة، قد أثبته وأعلنه وفهّمه وبلّغه محمد(ص)، فلابد أن رسالته ثابتةٌ وقاطعة كقطعية ثبوت التوحيد نفسه؛ لأنه: لما كان التوحيدُ هو أعظم حقيقة في عالم الوجود، وأن الرسول الأعظم (ص) هو الذي تولى تبليغَه وتعليمه بجميع حقائقه، فلابد أن جميع البراهين التي تثبت التوحيد، تكون بدورها براهينَ لإثبات رسالته وأدلةً على صدق نبوته وأحقّية دعوته (ص)، فرسالةٌ كهذه الرسالة العظمى التي تضم أُلوفًا من أمثال هذه الحقائق السامية وتكشف عن حقيقة التوحيد وترشد إليه وتلقنه، لا شك أنها رسالة يقتضيها ذلك التوحيد وتلك الفردية. فمَن ذا غيرُ محمد (ص) الذي أدّى الأمانة على أفضل وجه وبلّغ الرسالة على أجمل صورة؟.
سنذكر ثلاثة نماذج، مثالًا لتلك الأدلة الكثيرة والأسباب العديدة التي تشهد بعظمة الشخصية المعنوية لهذا النبي الكريم (ص) وتدل على علوّ منیزلته الرفيعة، وتبيّن أنه السراج المنير لهذه الكائنات وشمسها الساطعة.
الدليل الأول: إنَّ ثواب جميع الحسنات التي ينالها جميعُ أفراد الأمة، وعلى مدى جميع العصور، مكتوبٌ مثلُه في صحيفة حسناته (ص)، إذ هو السبب في نيل كل ثواب تناله أمتُه إلى يوم القيامة، حيث "السبب كالفاعل".. تأمل في هذا ثم فكّر في المقام المعظم اللائق الذي يقتضيه مجموعُ الأدعية غير المحدودة من الصلوات المقبولة المرفوعة يوميًّا من الأمة كافة..
— 504 —
تدرك عندئذٍ، درجته العالية الرفيعة وتفهم أن شخصيته المعنوية شمسُ الكائنات والسراج المنير للخلق أجمعين.
الدليل الثاني: إنَّ بذرة الشجرة الوارفة للإسلام، ومنشأها، وحياتَها، ومنبعها إنما هي حقيقة الماهية المحمدية، بما تملك من فطرة سامية، وخلقة كاملة. فتذكّر هذا ثم فكّر في الرقي الروحي لهذا الرسول الحبيب (ص) النابع من استشعاره الكامل الأتم لجميع معاني عبادته، وأذكاره، وكلماته الشريفة ومراتبها، والتي تمثل بمجموعها روحَ الإسلام وحقيقتَه. لتعلم مدى علو مرتبة ولاية عبوديته (ص) إلى الدرجة الرفيعة، درجة الحبيبية. وافهم مبلغَ سموّها.
ولقد فتح اللّٰه عليّ يومًا في سجدةٍ في صلاةٍ، بعض المعاني والأنوار المشعة من كلمة (سبحان ربي الأعلى) بما يقرب من فهم الصحابة رضوان اللّٰه عليهم أجمعين من هذه الكلمة المقدسة. فتبين لي يقينًا أنها خيرٌ من عبادة شهر، فأدركتُ بها المنیزلة العظيمة والدرجة العالية التي يحظى بها الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين.
نعم، إنَّ الأنوار التي تشعها الكلماتُ المقدسة، وفيوضاتُها في بدء الإسلام لها مزايا خاصة، وذلك لجدّتها، ولها من اللطافة والطراوة واللذة ما تتناقص بمرور الزمن وتتستر تحت ستار الغفلة.
والآن، وفي ضوء ما سبق تأمل مكانة الرسول الكريم (ص) الذي تناول الكلام المقدس، ورَشَفَه من المنبع الأقدس، واستوعب أنواره بالوحي الإلهي بكامل جدّتِه وطراوته ولطافته. مع ما فُطر عليه من استعداد كامل.. فالأنوار والفيوضات الكامنة في تسبيحةٍ واحدة منه (ص) هي خيرٌ وأعمّ من جميع الأنوار التي تملأ أرجاء عبادة سنة كاملة عند غيره.!.
قِس على هذا المنوال، كي تعلم كم بلغ رسولُنا الحبيب (ص) من درجات الكمال التي لا حدّ لها ولا نهاية.
الدليل الثالث: إنَّ الإنسان يمثل أعظم مقصد من المقاصد الإلهية في الكون، وهو المؤهَّل لإدراك الخطاب الرباني. وقد اختاره سبحانه من بين مخلوقاته، واصطفى من بين الإنسان المكرّم مَن هو أكملُ وأفضل وأعظم إنسان بأعماله وآثاره الكاملة، ليكون موضعَ خطابه الجليل باسم النوع الإنساني كافة، بل باسم الكائنات جميعًا. فلا ريب أن اللّٰه سبحانه
— 505 —
الفرد الجليل الذي هيأ رسوله الحبيب (ص) لهذه المرتبة اللائقة به قد منحه من الأنوار والكمالات ما لا يحد بحدود.
وهكذا وبمثل هذه الدلائل الثلاثة ودلائل أخرى كثيرة يَثبت لدينا يقينًا: إن الشخصية المعنوية للرسول الكريم (ص)، شمس معنوية ساطعة للكائنات. وسراج منير لامع لها، كما أنها الآية العظمى من قرآن الكون، والاسم الأعظم للفرقان الأعظم، ومرآة صافية للتجلي الأعظم لأنوار اسم "الفرد" عزّ وجل.
فاللهم يا أحدُ، يا فردُ، يا صمدُ، أنزِل من بركات خزينة رحمتك التي لا تنفد صلواتٍ وسلامًا على تلك الذات النبوية الشريفة، بعدد ذرات الكون مضروبًا بعدد عاشرات جميع أزمنة الكون.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾