— 419 —
اللمعة التاسعة والعشرون
رسالة التفكر الإيماني الرفيع
والمعرفة التوحيدية السامية
[٭]: كتب الأستاذ النورسي هذه الرسالة باللغة العربية، سوى المقدمات والهوامش التي كتبها بالتركية، واستنسخها المستنسخون مع ضبط الحروف ووضع الحركات تسهيلًا لقراءتها قراءة صحيحة، ولاسيما لغير قراء العربية. وقد احتفظنا بالنص كما هو مع ترجمة المقدمات والهوامش.
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
إخوتي!
إنَّ رسالة التفكر هذه جليلة القدر، وإن إطلاق الإمام علي رضي اللّٰه عنه عليها -من جهة- اسمَ الآية الكبرى يبين قيمتَها الرفيعة تمامًا.
فهي رسالةُ معرفةٍ إيمانية وردت إلى القلب بعين اليقين، في أثناء أذكار الصلاة. وأثمرت كثيرًا من الرسائل. وأصبحت غذاءً للعقل والفكر وعلاجًا لهما طوال ثلاثين سنة. فمن الأنسب أن تُدرَج ضمن "اللمعات" وأن يُطبع منها أربعون أو خمسون نسخة مستقلة.
سعيد النورسي
هذه اللمعة كُتبت في التجريد المطلق في سجن "أسكي شهر" قبل عشرين سنة.
— 420 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
وبه نستعين
الحمد للّٰه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إيضاح
لقد امتزج قلبي بعقلي منذ ثلاثة عشر عامًا ضمن انتهاج مسلك التفكر الذي يأمر به القرآنُ المعجز البيان كقوله تعالى لعلكم تتفكرون (البقرة:٢١٩) لعلهم يتفكرون (الأعراف:١٧٦) أوَ لم يتفكروا في انفسهم ماخلق اللّٰه السموات والارض وما بينهما إلا بالحق (الروم:٨) لآيات لقوم يتفكرون (الروم:٢١) وأمثالها من الآيات التي تحث على التفكر مثلما يحث عليه حثًّا عظيمًا الحديث الشريف كقوله (ص) (تفكر ساعة خير من عبادة سنة). [٭]: انظر: العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧١.
ولقد تواردت في غضون هذه السنوات الثلاثين على عقلي وقلبي ضمن انتهاج مسلك التفكر، أنوارٌ عظيمة وحقائقُ متسلسلة طويلة. فوضعتُ بضعَ كلمات -من قبيل الإشارات- لا للدلالة على تلك الأنوار، بل للإشارة إلى وجودها ولتسهيل التفكر فيها وللمحافظة على انتظامها.
وكنت أُردّد بيني وبين نفسي تلك الكلمات لسانًا بعبارات عربية في غاية الاختلاف. وعلى الرغم من تكراري لها آلاف المرات خلال هذه الفترة الطويلة وأنا أنتهج هذا التفكر لم يطرأ عليّ السأمُ ولم يعتر تذوّقَها النقصُ، ولم تنتف حاجةُ الروح إليها. لأن ذلك التفكر لمعاتٌ تلمعت من آيات القرآن الكريم فتمثلت فيه جلوةٌ من خصائص الآيات، تلك هي عدمُ الاستشعار بالسأم والملل والحفاظ على حلاوتها وطراوتها.
— 421 —
وقد رأيت في الآونة الأخيرة أن العقدة الحياتية القوية والأنوارَ الساطعة التي تحتويها أجزاء "رسائل النور" ما هي إلّا لمعاتُ سلسلةِ ذلك التفكر، فنويتُ كتابة مجموعها في أخريات أيام عمري، على أمل تأثيرها في غيري مثلما أثّرت فيّ. وستكون لمجموعها قوة وقيمة أخرى وإن أدرجت أهم أجزائها في الرسائل.
ولما كان آخر المطاف في رحلة العمر غير معيّن. وأن أوضاعي في سجن "أسكي شهر" قد بلغت حدًا أشد من الموت بكثير، فقد كتبتُ تلك السلسلة من التفكر دون انتظار لآخر الحياة، ودون تغيير فيها، وبناءً على رغبة إخوة النور وإصرارهم بقصد استفادتهم. وجعلتُها في سبعة أبواب.
ولما كانت الأكثرية المطلقة من هذا النوع من الحقائق تخطر بالبال في أثناء أذكار الصلاة، وأن كل كلمة من كلمات الأذكار بمثابة منبع تلك الحقائق. كان ينبغي أن تُكتب على وفق ترتيبها وتسلسلها في أذكار الصلاة، أي (سبحان اللّٰه والحمد للّٰه واللّٰه أكبر ولا إله إلّا اللّٰه) إلّا أن ظروف السجن الانفرادي المضطربة آنذاك قد أخلّت بذلك الترتيب.
أما الآن فستكون الأبواب على النحو الآتي:
الباب الأول: في (سبحان اللّٰه)
والباب الثاني: في (الحمد للّٰه)
والباب الثالث: في (اللّٰه أكبر)
والباب الرابع: في (لا اله إلّا اللّٰه).
وذلك لأن معظم الشافعية يذكرون: (لا إله إلّا اللّٰه) ثلاثًا وثلاثين مرة بعد ذكرهم كلًّا من سبحان اللّٰه، والحمد للّٰه، واللّٰه أكبر ثلاثًا وثلاثين مرة.
سعيد النورسي