— 266 —
الخاتمة
يقول "رجل الطبيعة" وقد ترك وراءه فكره وتصوراته، ودخل "حظيرة الإيمان" بفكر إيماني جديد:
الحمد للّٰه.. أشهد أنّ شبهاتي قد زالت كلها، ولكن مازال في النفس ما يحيرني ويثير المزيد من هواجسي، مما يرد على خاطري من أسئلة لا أعرف جوابًا عنها.
السؤال الأول: نسمع من كثير من الكسالى المتقاعسين عن العبادات، ومن تاركي الصلاة بخاصة، أنهم يقولون:
ما حاجة الرب سبحانه وتعالى -الغني بذاته- إلى عبادتنا حتى يزجرنا في مُحكم كتابه الكريم، ويتوعّدنا بأشد العذاب في نار جهنم، فكيف يتساوق هذا الأسلوب -التهديدي الصاعق في مثل هذا الخطأ الجزئي التافه- مع أسلوبه الإعجازي اللين الهادئ الرقيق في المواضع الأخرى؟
الجواب: حقًا إن اللّٰه سبحانه وتعالى -الغني بذاته- لا حاجة له قط إلى عبادتك أنت -أيها الإنسان- بل هو سبحانه لا حاجة له لشيء قط، ولكنك أنت المحتاج إلى العبادة، وأنت المفتقر إليها. فأنت مريضٌ معنًى، والعبادة هي البلسم الشافي لجراحات روحك، وأوجاع ذاتك، وقد أثبتنا هذا الكلام في عديد من الرسائل.
تُرى لو خاطب مريضٌ طبيبًا رحيمًا يشفق عليه ويصر عليه ليتناول دواءً شافيًا يخص مرضه، لو خاطبه تجاه إصراره عليه قائلًا: ما حاجتك أنت إلى هذا الدواء حتى تلحّ عليّ هذا الإلحاح الشديد بتناول الدواء؟ ألا يفهم من كلامه مدى تفاهته وسخفه وغباء منطقه؟
أما نذير القرآن الكريم فيما يخص ترك العبادة وتهديده المخيف بعقابٍ أليم، فإليك تفسيره: فكما أنَّ سلطانًا يعاقب شخصًا سافلًا يرتكب جريمةً تمس حقوق الآخرين بعقابٍ صارمٍ لأجل الحفاظ على حقوق رعاياه، كذلك سلطان الأزل والأبد يعاقب تارك العبادة والصلاة عقابًا صارمًا، لأنه يتجاوز تجاوزًا صارخًا على حقوق الموجودات ويظلمها ظلمًا
— 267 —
معنويًّا بشعًا ويهضم حقوقها هضمًا مجحفًا، تلك الموجودات التي هي رعاياه وخلقه. وذلك لأن كمالاتها تتظاهر على صورة تسبيح وعبادة في وجهها المتوجه إلى البارئ الحكيم سبحانه. فتارك العبادة لا يرى عبادة الموجودات ولن يراها، بل ينكرها وفي هذا بخس عظيم لقيمة الموجودات التي كلّ منها مكتوب سامٍ صمداني، قد خطّ بآيات العبادة والتسبيح وهو متوجه بآياته وتسبيحه نحو الموجد الخالق جلّ وعلا.. وكل منها -أيضًا- مرآة لتجلي الأسماء الربانية المشعة بالأنوار.. فينزل هذه الموجودات -بهذا الإنكار- من مقامها الرفيع السامي، ولا يرى في وجودها سوى العبث الخالي من المعنى، ويجردها من وظائفها الخلقية، ويظنها شيئًا هامدًا ضائعًا لا أهمية له، فيكون بذلك قد استهان بالموجودات واستخف بها، وأهان كرامتها وأنكر كمالاتها. وتعدى على مصداقية وجودها.
نعم، إن كل إنسان إنما ينظر إلى الكون بمنظاره الخاص وعلى وفق ما تصوره له مرآته الخاصة، فلقد خلقه البارئ المصور سبحانه على صورة يستطيع قياس الكون عليها، ويزنه بميزانها. فمنحه عالمًا خاصًا به من هذا العالم العظيم فيصطبغ عالمه الخاص بحسب ما يعتقده الإنسان من عقيدة في قلبه.
فالإنسان الحزين اليائس الباكي يرى الموجودات باكية بائسة، بينما السعيد الجذلان يراها مبتسمة ضاحكة ومسرورة.
كذلك الذي يؤدي العبادة والأذكار بصورة جادّة وبشعور تام وبتفكر وتأمل، فإنه يكشف شيئًا من عبادة الموجودات وتسابيحها بل قد يراها وهي حقيقة موجودة ثابتة، أما الذي يترك العبادة غافلًا أو منكرًا لها فإنه يتوهم الموجودات توهمًا خاطئًا جدًّا ومنافيًا كليًا ومخالفًا مخالفة تامة لحقيقة كمالاتها، فيكون متعديًا على حقوقها معنًى.
زد على ذلك، فإن تارك الصلاة يظلم نفسه كذلك بتركه الصلاة، حيث إنه غير مالك لذات نفسه، فهي -أي النفس- عبدٌ مملوك لدى مالكها ومولاها وخالقها وفاطرها، لذا ينذره مولاه الحق إنذارًا شديدًا ويهدده بعنف ليأخذ حقّ عبده ذاك من نفسه الأمّارة بالسوء، فضلًا عن أنه عندما ترك العبادة التي هي نتيجة خلقته وغاية فطرته يكون متجاوزًا حدّه تجاه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، لذا يعاقب على هذا عقابًا شديدًا.
— 268 —
نحصل مما تقدم: أنَّ تارك العبادة مثلما أنه يظلم نفسه، والنفس مملوك الحق سبحانه وعبده فهو يتعدى على حقوق كمالات الكائنات ويظلمها أيضًا. نعم، فكما أنَّ الكفر استهانة بالموجودات واستخفاف بها، فتركُ العبادة إنكار لكمالات الكائنات، وتجاوزٌ على الحكمة الإلهية، لذا يستحق تاركها تهديدًا عنيفًا، وعقابًا صارمًا.
ومن هنا يختار القرآن الكريم أُسلوب التهديد والإنذار ليُعَبّر عن هذا الاستحقاق وعن هذه الحقيقة المذكورة آنفًا، فيكون الأسلوب حقًا ومطابقًا تمامًا لمقتضى الحال الذي هو البلاغة بعينها.
السؤال الثاني: يقول صاحبنا الذي نبذ فكرة "الطبيعة" وتبرأ منها، وشَرُفَ بالإيمان باللّٰه:
إنَّ انقياد كل موجود، في كل شأن من شؤونه، وفي كل جزء من جزئياته، وفي كل ما يقوم به وينجزه، انقيادًا مطلقًا للمشيئة الإلهية، والقدرة الربانية، هو حقيقة عظيمة جليلة، فهي لعظمتها وسعتها لا تستوعبها أذهاننا الكليلة القاصرة، علمًا أننا نطالع عيانًا وفرةً متناهيةً من الموجودات، وسهولة مطلقة في خلق الأشياء، وقد تحقق أن "السهولة في الإيجاد" التي هي من مستلزمات "الوحدانية" بما أقمتموه من براهين وحجج قاطعة، فضلًا عن أن القرآن الكريم قد قرر السهولة المطلقة صراحة في آيات كريمة كثيرة أمثال:
﴿ مَا خَلقُكمْ ولا بَعثُكمْ الّا كنَفسٍ واحدةٍ ﴾
(لقمان: ٢٨).
﴿ ومَا اَمرُ الساعَةِ إلّا كلمحِ البَصرِ او هوَ اقرَبُ ﴾
(النحل: ٧٧).
كل ذلك يجعل تلك الحقيقة العظيمة "سهولة الإيجاد" مسألة مقبولة جدًّا ومستساغة عقلًا، فأين يكمن سرُّ هذه السهولة يا ترى وما الحكمة من ورائها؟
الجواب: لقد وضح ذلك السرّ وضوحًا تامًّا ومقنعًا في "المكتوب العشرين" عند شرحه الآية الكريمة:
﴿ وَهُوَ على كُلِ شَيءٍ قَديرٌ ﴾
بما يفي بالغرض، وبخاصة في ذيله، حيث جاء التوضيح وافيًا وشافيًا جدًّا، ومقنعًا بالدليل والبرهان والإثبات القاطع، وخلاصته:
— 269 —
أنه عندما يسند إيجاد الموجودات جميعها إلى الصانع الواحد، يسهل الأمر كسهولة إيجاد مخلوق واحد، بينما إذا أُسند للكثرة يصعبُ -على هذه الكثرة- أمر إيجاد مخلوق واحد بقدر صعوبة إيجاد جميع الموجودات.. فيكون خلق بذرة واحدة صعبًا ومشكلًا كخلق شجرة.. ولكن إذا أُسند "الإيجاد" إلى صانعه الحق سبحانه، يسهل الأمر حتى يصبح إيجاد الكائنات كلها كإيجاد شجرة واحدة، والشجرة كالبذرة، والجنة كالربيع، والربيع كالزهرة، فالأمر يسهل ويكون هينًا.
وسنشير هنا إشارة مختصرة إلى دليل أو دليلين من بين مئات الأدلة التي أوضحناها بالتفصيل في رسائل أخرى، تلك الأدلة التي تبين ما يدور من الأسرار والحِكم الكامنة فيما نشاهده من وفرة الموجودات التي لا حصر لها ورخصها، وكثرة أفراد كل نوع منها، وورودها إلى الوجود منتظمةً، متقنةً، وبكل سهولة ويسر.
مثال هذا: إن إدارة مائة جندي تحت إمرة ضابط واحد، أسهل بمائة ضعف من إدارة جندي واحد تحت إمرة مائة ضابط. وعندما يُودَعُ أمرُ تجهيز جيش كامل باللوازم العسكرية، من مركز واحد، وبقانون واحد، ومن مصنعٍ واحد، إلى أمرٍ يصدره قائد واحد، فإن ذلك يكون سهلًا وهينًا من حيث الكمية والوفرة، بسهولة تجهيز جندي واحد. بينما يكون إيداع أمر تجهيز جندي واحد باللوازم العسكرية الكاملة من مراكز متعددة ومصانع متعددة، إلى قواد عديدين مشكلًا وصعبًا من حيث الكمية والوفرة أيضًا بصعوبة تجهيز جيش كامل. إذ ينبغي عندئذ وجود مصانع كثيرة للتجهيزات بعدد ما يلزم جيشًا كاملًا، لأجل تجهيز الجندي الواحد.
ويشاهد أيضًا أن الشجرة الواحدة، التي تتزود بالمواد الضرورية لها من جذر واحد، ومن مركز واحد، وعلى وفق قانون واحد، تثمر ألوف الثمرات، ويتم ذلك بسهولة ويسر كأن للشجرة ثمرة واحدة. بينما إذا استبدلت الكثرة بالوحدة، وسُلكَ طريق الكثرة عوضًا عن طريق الوحدة، فزوّدت كل ثمرة بالمواد الضرورية للحياة من مراكز مختلفة، وجذور متباينة، يكون إيجاد ثمرة واحدة مشكلًا وصعبًا كإيجاد الشجرة نفسها، بل قد يكون إيجاد البذرة التي هي أنموذج الشجرة وفهرستها - صعبًا ومعضلًا كإيجاد الشجرة نفسها. لأنَّ ما يلزم حياة الشجرة من مواد ضرورية يلزم البذرة أيضًا.
— 270 —
فهناك المئات من أمثال هذه الأمثلة، وكلها تبين أن ورود ألوف الموجودات بسهولة مطلقة إلى الوجود -في الوحدة- أسهل من ورود موجود واحد إلى الوجود بالتعدد والكثرة.
ولما كنا قد أثبتنا هذه الحقيقة في رسائل أخرى بيقين قاطع نحيل إليها، ولكننا نبين هنا فقط سرًا عظيمًا يتعلق بهذه السهولة واليسر من زاوية نظر العلم الإلهي، والقدر الإلهي، والقدرة الربانية، وهذا السر هو:
أنت موجود من الموجودات فإذا سلّمتَ نفسك إلى يد القدير المطلق القدرة، فإنه يخلقك بأمر واحد وبقدرته المطلقة بلمح البصر من العدم، من غير شيء. ولكن إنْ لم تسلم نفسك إليه، بل أسندتها إلى "الطبيعة" وأسلَمتها إلى الأسباب المادية، فيلزم عندئذ لإيجادك أنت، عملية بحث دقيق -لجمع جميع المواد التي في وجودك- في أقطار العالم كله، والتفتيش عنها في زوايا الكون كله، وإمرارها في مصافٍ واختبارات دقيقة جدًّا، ووزنها بموازين حساسة، ذلك لأنك خلاصة منتظمة للكون، وثمرته اليانعة، وفهرستته المصغرة، ومحفظته المنطوية على مواد الكون كله.
لأنَّ الأسباب المادية ليس لها إلّا التركيب والجمع، إذ هو ثابت لدى أرباب العقول أنه لا يمكن للأسباب المادية إيجاد ما لا يوجد فيها، من العدم ومن غير شيء، لذا فهي مضطرة إلى جمع المواد اللازمة لجسم كائن حي صغير من أقطار العالم كله.
فافهم من هذا مدى السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد. ومدى الصعوبات والمشكلات في الشرك والضلالة.
ثانيها: أنَّ هناك سهولة مطلقة في الخلق والإيجاد تنبع من زاوية نظر "العلم الإلهي" وتفصيلها كالآتي:
إنَّ القدر الإلهي هو نوع من العلم الإلهي، يعيّن مقدار كل شيء كأنه قالب معنوي له وخاص به، فيكون ذلك المقدار القَدَري بمثابة خطّة لذلك الشيء، وبحكم "موديل" أنموذج له، فعندما توجده "القدرة الإلهية" توجده على ذلك المقدار القَدري بكل سهولة ويسر.
فإن لم يُنسب إيجاد ذلك الشيء إلى مَن له علم محيط مطلق أزلي وهو اللّٰه القدير ذو
— 271 —
الجلال لا تحصل ألوف المشكلات فحسب، بل تقع مئات المحالات أيضًا -كما ذكر آنفًا- لأنه إن لم يكن هناك ذلك المقدار القَدري، والمقدار العلمي، يلزم استعمال أُلوف القوالب المادية والخارجية للجسم الصغير للحيوان!
فافهم من هذا سرًا من أسرار السهولة المطلقة في الوحدة والتوحيد وكثرة المشكلات غير المتناهية في التعدد والكثرة والشرك.
واعلم مدى الحقيقة السامية الصائبة التي تعبر عنها الآية الكريمة:
﴿ ومَا اَمرُ الساعَةِ إلّا كلمحِ البَصرِ او هوَ اقرَبُ ﴾
السؤال الثالث: يقول الذي كان يعادي سابقًا ووُفّق إلى الإيمان الآن واهتدى: ما بال بعض الفلاسفة المغالين في عصرنا هذا يطلقون مقولة: "لا يُستحدث شيءٌ من العدم ولا يفنى شيء من الوجود" وان ما يدير هذا الكون، إنما هو تركيب المادة وتحليلها ليس إلّا !
الجواب: إنَّ هؤلاء الفلاسفة الذين لم يتسنّ لهم النظر إلى الموجودات بنور القرآن المبين، عندما نظروا إليها بمنظار "الطبيعة" و "الأسباب" توصلوا إلى أن وجود هذه الموجودات، وافتراض تشكلها بعوامل "الطبيعة" و "الأسباب" مسألة تطرح مشكلات عويصة بدرجة الامتناع -على غرار ما ذكرناه في بيان الاحتمالات ومحالاتها- فانقسم هؤلاء الفلاسفة إزاء هذه العقبة الكأداء إلى قسمين:
قسم منهم صاروا سوفسطائيين وعافوا العقل الذي هو خاصة الإنسان وسقطوا إلى درك أدنى من الحيوانات، إذ وصل بهم أمر فكرهم إلى إنكار الوجود عمومًا، بل حتى إنكار وجودهم، وذلك عندما رأوا أن هذا الإنكار أجدى على العقل وأيسر عليه وأسلم من تصور "الطبيعة" و "الأسباب" مالكة لزمام الإيجاد، فأنكروا وجود أنفسهم ووجود الموجودات جميعًا، فسقطوا في هاوية الجهل المطلق.
أما القسم الثاني: فقد نظروا إلى الموجودات أنها لو سلّم إيجادها إلى "الأسباب" و"الطبيعة" كما هو شأن أهل الضلالة فإن إيجاد شيء صغير جدًّا كالبعوضة أو البذرة فيه
— 272 —
من المشكلات ما لا يحد، ويقتضي قدرة عظيمة لا يبلغ مداها العقل، فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى إنكار "الإيجاد" نفسه، فقالوا: "لا يستحدث شيء من العدم " ورأوا أن إعدام الشيء محال أيضًا فقرروا أنه "لا يفنى الموجود". وتخيلوا جملة من الأوضاع الاعتبارية ساريةً ما بين تحليل وتركيب وتفريق وتجميع، ناتجة عن حركات الذرات، وسيل المصادفات!
فتأمل في هؤلاء الذين يظنون أنفسهم في ذروة العقل، قد سقطوا في حضيض من الحماقة والجهل، واعلم من هذا كيف تضع الضلالة هذا الإنسان المكرّم -حين يلغي إيمانه- موضع سخرية وازدراء من كل أحد..
وبدورنا نسأل هؤلاء: ترى كيف يمكن استبعاد إيجاد شيء ما من القدرة المطلقة التي توجِدُ على سطح الأرض في كل سنة أربعمائة ألف نوع من الأحياء؟ والتي خلقت السماوات والأرض في ستة أيام؟ والتي تنشئ في كل ربيع تحت بصر الإنسان وسمعه، على سطح الأرض كونًا حيًا من النبات والحيوان هو أظهر إتقانًا وأجلى حكمةً من الكون كله، في ستة أسابيع؟ كيف يستبعد منها أن تخلق الموجودات العلمية -التي تعينت خططها ومقاديرها ضمن دائرة العلم الأزلي- فتخلقها بسهولة مطلقة سهولة إظهار الكتابة غير المنظورة بإمرار مادة كيمياوية عليها. فاستبعاد إضفاء الوجود الخارجي على الموجودات العلمية -والتي هي معدومات خارجيًا- من تلك القدرة الأزلية، ثم إنكار الإيجاد نفسه لهو حماقة وجهالة أشد من حماقة السوفسطائيين المعروفين وجهالتهم!
وحيث إنَّ نفوس هؤلاء التعساء المتفرعنة العاجزة عجزًا مطلقًا والتي لا تملك إلّا جزءًا يسيرًا من الاختيار غير قادرة على إفناء أي شيء كان وإعدامه، وإيجاد أية ذرة كانت أو مادة من غير شيء ومن العدم.. ولما كانت الطبيعة والأسباب التي يفخرون بعبوديتهم لها عاجزة هي الأخرى وليس في طوقها أمر "الإيجاد" من غير شيء.. نراهم يصدرون حُكمًا عامًا: "أن المادة لا تُفنى ولا تُستحدث" ويحاولون أن يُعمموا حُكم هذه القاعدة الباطلة الخاطئة حتى على قدرة القدير المطلق القدرة سبحانه.
— 273 —
نعم، إنَّ القدير المطلق ذا الجلال له طرازان من الإيجاد:
الأول: هو بالاختراع والإبداع، أي إنه سبحانه يُبْدع الوجود من العدم إبداعًا من غير شيء، ويوجِدُ كل ما يلزم -هذا الوجود- من أشياء من العدم ويسلّمها إياه.
الآخر: هو بالإنشاء والصنعة والإتقان. أي يُنشئ قسمًا من الموجودات من عناصر الكون نفسه، إظهارًا لكمال حكمته، وتبيانًا لتجليات أسمائه الحسنى.. وأمثالها من الحكم الدقيقة، فيرسل إلى تلك الموجودات الذرات والمواد المنقادة إلى أوامره ضمن سُنن الرزاقية الكونية، ويسخرها لها ليكمل إنشاء هذا الوجود، وهكذا فالقدير المطلق القدرة له أسلوبان من الإيجاد وصورهما:
الإبداع.. والإنشاء..
فإفناء الموجود، وإيجاد المعدوم، أمرٌ سهلٌ جدًّا لديه، وهيّنٌ جدًّا بل هو قانونه الدائم العام.
فالذي يستبعد من القدرة الفاطرة التي تخلق من العدم ثلاث مائة ألف نوع من المخلوقات والأحياء، وتمنحها أشكالها وصفاتها وكيفياتها وأحوالها مما سوى ذراتها. ويقول: "إنها لن تقدر على إيجاد المعدوم" لابد أن يهوي في ظلمة العدم.
يقول الذي نَبَذَ "الطبيعة" ونفذ إلى طريق الحقيقة:
الحمد للّٰه حمدًا كثيرًا بعدد الذرات، الذي وفقني للفوز بكمال الإيمان، وأنقذني من الأوهام والضلالات، فزالت بفضله جميع ما لديّ من شبهات وريب.
الحمد للّٰه على دين الإسلام وكمال الإيمان
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾