— 245 —
اللمعة الثالثة والعشرون
"رسالة الطبيعة"
كانت هذه الرسالة هي المذكّرة السادسة عشرة من "اللمعة السابعة عشرة" إلّا أن أهميتها الفائقة جعلَتها "اللمعة الثالثة والعشرين" فهي تُبيد تيار الكفر النابع من مفهوم "الطبيعة" إبادة تامة وتُفتّت حجر زاوية الكفر وتحطّم ركيزته الأساس.
تنبيه لقد بيَّنَت هذه المذكرة ماهيةَ المذهب الذي يسلكه الجاحدون من الطبيعيين، وأوضحَت مدى بُعد مسلكهم عن موازين العقل، ومدى سماجته وخرافيته، وذلك من خلال تسعة محالات مستخلَصة من تسعين محالًا في الأقل. ولما كان قسمٌ من تلك المحالات قد وضّح في رسائل أخرى فقد جاء هنا مدرجًا ضمن محالات أخرى، أو جاء مختصرًا بعضَ الشيء.
والسؤال الذي يرد للخاطر هو: كيف ارتضى فلاسفةٌ مشهورون وعلماء معروفون بهذه الخرافة الفاضحة وسلّموا لها زمام عقولهم؟!
والجواب: إنَّ أولئك لم يتبينوا حقيقةَ مسلكهم،
(٭): إنَّ الداعي الأشد إلحاحًا إلى تأليف هذه الرسالة هو ما لمسته من هجوم صارخ على القرآن الكريم، والتجاوز الشنيع على الحقائق الإيمانية بتزييفها، وربط أواصر الإلحاد بالطبيعة، وإلصاق نعت "الخرافة" على كل ما لا تدركه عقولهم القاصرة العفنة... وقد أثار هذا الهجوم غيظًا شديدًا في القلب ففجر فيه حممًا سرت إلى أسلوب الرسالة، فأنزلت هذه الحمم والصفعات على أولئك الملحدين وذوي المذاهب الباطلة المعرضين عن الحق، وإلّا فليس من دأب "رسائل النور" إلّا القول الليّن في الخطاب والرفق في الكلام. (المؤلف).
ولا باطنَ مذهبهم، ولم يدركوا ما يقتضيه
— 246 —
مسلكهم من "محالات" وما يستلزمه مذهبهم من أمور فاسدة وممتنعة عقلًا، والتي ذكرت في بداية كل محال يرد في هذه الرسالة.
وأنا على استعداد كامل لإقامة البراهين الدامغة ونصب الحجج البديهية الواضحة لإثبات ذلك لكل مَن يساوره الشك، وأبينها لهم بإسهاب وتفصيل.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ قَالتْ رُسُلُهم أفي اللّٰه شكٌ فاطِرِ السَمواتِ والارض ﴾
(إبراهيم: ١٠).
هذه الآية الكريمة بما فيها من استفهام إنكاري تدل دلالة قاطعة على وجود اللّٰه ووحدانيته بوضوح وجلاء بدرجة البداهة.
وقبل أن نوضح هذا السرّ نودّ أن ننبه إلى ما يأتي:
دعيتُ لزيارة "أنقرة" سنة ١٣٣٨(١٩٢٢م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلّا أنني أبصرتُ -خلال موجة الفرح هذه- زندقةً رهيبة تدبّ بخبثٍ ومكرٍ، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.. فتأسفتُ من أعماق روحي، وصرختُ مستغيثًا باللّٰه العلي القدير ومعتصمًا بسُور هذه الآية الكريمة، من هذا الغول الرهيب الذي يريد أن يتعرض لأركان الإيمان، فكتبتُ برهانًا قويًا حادًا يقطع رأس تلك الزندقة، في رسالة باللغة العربية واستقيت معانيها وأفكارها من نور هذه الآية الكريمة لإثبات بداهة وجود اللّٰه سبحانه ووضوح وحدانيته، وقد طبعتها في مطبعة "يَني كون" في أنقرة.. إلّا أنني لم ألمس آثار البرهان الرصين في مقاومة الزندقة وإيقاف زحفها إلى أذهان الناس. وسبب ذلك كونه مختصرًا ومجملًا جدًّا، فضلًا عن قلة الذين يُتقنون العربية في تركيا وندرة المهتمين بها آنذاك، لذا فقد انتشرت أوهامُ ذلك الإلحاد واستشرت في صفوف الناس مع الأسف الشديد، مما اضطرني إلى إعادة كتابة تلك الرسالة ببراهينها بالتركية، مع شيء من البيان والتوضيح فكانت هذه الرسالة.
ولما كان بعض أقسام تلك البراهين قد وضّحت توضيحًا كافيًا في بعض "رسائل النور" فسنذكرها هنا مجملة، كما أن البعض من البراهين الأخرى المبثوثة في ثنايا رسائل أخرى تبدو مندرجةً في هذه الرسالة، وكأن كل برهان منها جزء من هذه الرسالة.