— 202 —
النكتة السابعة
إنَّ الإسراف ينتج الحرصَ، والحرصُ يوَلّد ثلاث نتائج:
أولاها: عدم القناعة.
وعدم القناعة هذا يُثنى الشوقَ عن السعي وعن العمل، بما يبثّ في نفس الحريص من الشكوى بدلًا من الشكر، قاذفًا به إلى أحضان الكسل، فيترك المالَ الزهيد النابع من الكسب الحلال (٭): إذ بسبب الابتعاد عن الاقتصاد، يكثر المستهلكون، ويقل المستحصلون، ويبدأ الجميع يشدون نظرهم إلى باب الحكومة، وحينها تنتكس وتتناقص الصناعة والتجارة والزراعة التي هي محور الحياة الاجتماعية ومدارها، وينهار المجتمع ويتدنى بدوره ويغدو فقيرًا معدمًا. (المؤلف). ويبادر بالبحث عما لا مشقة ولا تكليف فيه من مال غير مشروع، فيهدر في هذه السبيل عزتَه بل كرامته.
النتيجة الثانية للحرص: الخيبة والخسران.
إذ يفوت مقصودُ الحريص ويتعرض للاستثقال ويُحرَم من التيسير والمعاونة حتى يكون مصداق القول المشهور: "الحريصُ خائب خاسر".
إنَّ تأثير الحرص والقناعة يجري في عالم الأحياء على وفق دستور شامل وسنّة مطّردة فمثلًا: إنَّ وصول أرزاق النباتات المضطرة إلى الرزق إليها هو لقناعتها الفطرية، وسعي الحيوانات بنفسها بالحرص وراء الحصول على رزقها في عناء ونقص، يبديان مدى الضرر الجسيم الكامن في الحرص، ومدى النفع العظيم الكامن في القناعة.
وإنَّ سيلان الحليب -ذلك الغذاء اللطيف- إلى أفواه الصغار الضعفاء عامة ومن حيث لا يحتسبون بما يبدونه من قناعة ينطق بها لسانُ حالهم، وانقضاض الوحوش بحرص وجشع على أرزاقها الناقصة الملوّثة، يثبت ما ندّعيه إثباتًا ساطعًا.
وإنَّ أوضاع الأسماك البدينة البليدة التي تنمّ عن القناعة الباعثة لوصول أرزاقها إليها كاملة وعجزَ الحيوانات الذكية كالثعالب والقردة عن تحصيل غذائها كاملًا مع حرصها سعيًا وراءها وبقاءها هزيلة نحيفة، ليبيّن كذلك مدى ما يسببه الحرص من المشقة والعناء ومدى ما تسببه القناعة من الراحة والهناء.
— 203 —
كما أن حصول اليهود على أرزاقهم كفافًا بطرق غير مشروعة ممزوجًا بالذل والمسكنة بسبب حرصهم وتعاملهم بالربا واتباعهم أساليبَ المكر والخداع، وحصول البدويين المتحلّين بالقناعة على رزقهم الكافي وعيشهم العيش الكريم العزيز يؤيد دعوانا أيضًا تأييدًا كاملًا.
كما أن تردّي كثيرٍ من العلماء
(٭): سأل أنوشيروان حاكم إيران العادل الحكيم بُزُرْجْمِهْر: لماذا يشاهَد العلماء بأبواب الأمراء ولا يُشاهد الأمراء بأبواب العلماء والعلم يفوق الإمارة؟ فأجاب: ذلك من علم العلماء، وجهل الأمراء. أي إن الأمراء لا يعلمون قدر العلم، فلا يأتون أبواب العلماء لطلبه بينما العلماء يعلمون قدره، فيطلبون قيمته بأبواب الأمراء فهذا الجواب اللطيف تأويل ظريف لحرص العلماء النابع من ذكائهم المؤدي بهم إلى الذل والفقر. (خسرو).
والأدباء (٭): هناك حادثة تؤيد هذا الحكم؛ إن الأدباء في فرنسا يُمنحون وثيقة التسول لإجادتهم له. (سليمان رشدي). بما يمنحهم ذكاؤهم ودهاؤهم من الحرص في فقر مدقع وعيش كفاف، وغناء أكثر الأغبياء العاجزين وإثرائهم لما لهم من حالة فطرية قنوعة ليثبت إثباتًا قاطعًا: أن الرزق الحلال يأتي حسب العجز والافتقار لا بالاقتدار والاختيار. بل هو يتناسب تناسبًا عكسيًا مع الاقتدار والاختيار. ذلك أن أرزاق الأطفال تتضاءل وتبتعد ويصعب الوصول إليها كلما ازدادوا اختيارًا وإرادةً واقتدارًا.
نعم، إن القناعة كنز للعيش الهنيء الرغيد ومبعث الراحة في الحياة، بينما الحرص معدن الخسران والسفالة كما يتبين ذلك من الحديث الشريف: (الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى). [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٧/٨٤؛ البيهقي، الزهد ٢/٨٨.
النتيجة الثالثة: إنَّ الحرص يتلف الإخلاص ويفسد العمل الأخروي؛ لأنه لو وُجد حرصٌ في مؤمن تقي لرغب في توجه الناس وإقبالهم إليه، ومن يرقب توجه الناس وينتظره لا يبلغ الإخلاصَ التام قطعًا ولا يمكنه الحصول عليه. فهذه النتيجة ذات أهمية عظمى جديرة بالدقة والملاحظة.
محصل الكلام: إنَّ الإسراف ينتج عدم القناعة أي الطمع، أما الطمع فيُخبت وهجَ الشوق والتطلع إلى العمل ويقذف بالإنسان إلى التقاعس والكسل، ويفتح أمامه أبواب الشكوى والحسرة في حياته حتى ليجعله يئن دومًا تحت مضض الشكوى والسأم.
(٭): نعم، إذا قابلت مسرفًا فستسمع منه حتمًا الشكاوي العريضة، ومهما كان غنيًا فلسانه يشكو لا محالة، بينما إذا قابلت فقيرًا قانعًا فلا تسمع منه إلّا الحمد والشكر للّٰه. (المؤلف).
كما أنه يفسد إخلاصه ويفتح دونه بابًا للرياء والتصنع فيكسر عزته ويريه طريق الاستجداء والاستخذاء.
— 204 —
أما الاقتصاد فإنه يثمر القناعة، والقناعة تنتج العزة، استنادًا إلى الحديث الشريف: (عزّ مَن قنع وذلّ مَن طمع). [٭]: انظر: ابن الأثير، النهاية في غرائب الحديث ٤/١١٤؛ الزبيدي، تاج العروس مادة (ق ن ع). كما أنه يشحذ الشوقَ بالسعي والعملَ ويحث عليهما ويسوق سوقًا إلى الكدّ وبذل الجهد فيهما؛ لأنه إذا ما سعى المرء في يوم ما وتقاضى أجره مساءً فسيسعى في اليوم التالي له بسر القناعة التي توافرت لديه. أما المسرف فإنه لا يسعى في يومه الثاني لعدم قناعته وحتى إذا سعى فإنه يسعى دون شوق.
وهكذا فإن القناعة المستفاضة من الاقتصاد تفتح باب الشكر وتوصد باب الشكوى، فيظل الإنسان في شكر وحمدٍ مدى حياته. وبالقناعة لا يلتفت إلى توجه الناس إليه لاستغنائه عنهم، فينفتح أمامه باب الإخلاص وينغلق بابُ الرياء.
ولقد شاهدت الأضرار الجسيمة والخسائر الفادحة التي تسفر عن الإسراف وعدم الاقتصاد شاهدتها متجسدة في نطاق واسع ممتد وهي كما يأتي:
جئت إلى مدينة مباركة -قبل تسع سنوات- كان الموسم شتاءً فلم أَتمكن من رؤية منابع الثروة وجوانب الإنتاج في تلك المدينة، فقال لي مُفتيها رحمه اللّٰه: إن أَهالينا فقراء مساكين. أَعاد قوله هذا مرارًا. أثّر فيّ هذا القول تأثيرًا بالغًا مما أَجاش عطفي، فبت أَسترحم وأَتأَلم لأهالي تلك المدينة فيما يقرب من ست سنوات. وبعد ثماني سنوات عدتُ إليها وهي في أَجواء الصيف، وأَجلتُ نظري في بساتينها فتذكرت قول المفتي رحمه اللّٰه، وقلت متعجبًا:
- سبحان اللّٰه! إن محاصيل هذه البساتين وغلاتها تفوق حاجة المدينة بأسرها كثيرًا، وكان حريًا بأهاليها أن يكونوا أثرياء جدًّا! بقيت في حيرة من هذا الأمر.. ولكن أدركت بتخطر ذو حقيقة لم تخدعني عنها المظاهر، فهي تخطر استرشد بها في إدراك الحقائق، وهي: أن البركة قد رُفعت من هذه المدينة بسبب الإسراف وعدم الاقتصاد. مما حدا بالمفتي رحمه اللّٰه إلى القول: "إن أهالينا فقراء ومساكين"، برغم هذا القدر الواسع من منابع الثروة وكنوز الموارد.
نعم، إنه ثابت بالتجربة وبالرجوع إلى وقائع لا تحد بأن دفعَ الزكاة، والأخذ بالاقتصاد سببان للبركة والاستزادة. [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/١٢٨؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٢/١٦١، ٢٧٤؛ البيهقي، السنن الكبرى ٣/٣٨٢، ٤٨٤. بينما الإسراف ومنع الزكاة يرفعان البركة.
— 205 —
ولقد فسّر "ابن سينا" وهو أفلاطون فلاسفة المسلمين وشيخ الأطباء وأستاذ الفلاسفة فسّر هذه الآية الكريمة:
﴿ وكلوا واشربوا ولا تُسرفوا ﴾
(الأعراف: ٣١). من زاوية نظر الطب فقط بالأبيات الآتية:
جَمَعْتُ الطِّبَّ فِي بَيْتَیيْنِ جَمْعًاوَحُسْنُ الْقَوْلِ فِى قِصَرِ الْكَلَامِ
فَقَلِّلْ إنْ أكَلْتَ وَبَیییییعْییییدَ أكْلٍتَجَنَّبْ وَالشِّییفَیاءُ فِى اْلاِنْهِضَییامِ
وَلَيْسَ عَلَى النُّفُوسِ أشَدُّ حَالًا مِنْ ادْخَالِ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ.
(٭): أي إن أضر شيء للجسم هو عدم إعطاء مهلة بين وجبات الطعام تتراوح بين أربع أو خمس ساعات، أو إملاء المعدة بإدخال الطعام بالتعاقب لأجل التلذذ. (المؤلف).
وإليكم هذا التوافق الغريب الباعث على الحيرة والجالب للعبرة:
إنه مع قيام خمسة وستة من المستنسخين المختلفين -ثلاثة منهم لا يتقنون الكتابة- باستنساخ "رسالة الاقتصاد" فقد توافق كل (واحد وخمسين) ألفًا من ألفات كل نسخة -خالية من الدعاء- وكل (ثلاثة وخمسين) ألفًا -مع دعاء- رغم اختلاف أمكنة أولئك المستنسخين واختلاف النسخ التي كانوا ينقلون منها واختلاف خطهم في الكتابة ومع عدم التفكر في تلكم الألفات إطلاقًا!. فإن توافق عدد الألفات مع تاريخ تأليف "رسالة الاقتصاد" واستنساخها وهو بالتاريخ الرومي واحدة وخمسون (١٣٥١) وبالتاريخ الهجري ثلاث وخمسون (١٣٥٣) لا يمكن أن يحال ذلك إلى الصدفة دون ريب، بل هو إشارة إلى صعود البركة الكامنة في (الاقتصاد) إلى درجة الكرامة. وأنه لحريّ حقًا أن يطلق على هذا العام "عام الاقتصاد".
نعم لقد أَثبت الزمان فعلًا هذه الكرامة الاقتصادية وذلك عندما شهدت البشرية بعد عامين الحرب العالمية الثانية... تلك الحرب التي بثت الجوع والتخريب وضروب الإسراف المقيت في كل أنحاء العالم مما أرغم البشرية على التشبث بالاقتصاد والالتفاف حوله عنوةً.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾