— 191 —
المذكِّرة الخامسة عشرة
وهي ثلاث مسائل.
المسألة الأولى: [٭]: أما المسألة الثانية والثالثة من هذه المذكرة، وكذلك المذكرات الباقية، فلم يدرجها الأستاذ المؤلف ضمن هذه الرسالة بل جعل كلًا منها في رسالة خاصة في "اللمعات" وهي: الإخلاص، والحجاب، والطبيعة، والإشارات الثلاث وغيرها. يا مَن يريد أن يرى دليلًا على حقيقة الآيتين الكريمتين:
﴿ فمَن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيرًا يَره ٭ ومَن يعمل مثقال ذرةٍ شرًا يَره ﴾
(الزلزال:٧-٨) اللتين تشيران إلى التجلي الأتم لاسم اللّٰه "الحفيظ".
إن التجلي الأعظم لاسم اللّٰه الحفيظ ونظير الحقيقة الكبرى لهاتين الآيتين مبثوثٌ في الأرجاء كافة، يمكنك أن تجده بالنظر والتأمل في صحائف كتاب الكائنات، ذلك الكتاب المكتوب على مِسطر الكتاب المبين وعلى موازينه ومقاييسه.
خذ -مثلًا- غَرْفةً بقبضتك من أشتات بذور الأزهار والأشجار، تلك البذيرات المختلطة والحبّات المختلفة الأجناس والأنواع وهي المتشابهة في الأشكال والأجرام، ادفن هذه البُذيرات في ظلمات تراب بسيط جامد، ثم اسقها بالماء الذي لا ميزان له ولا يميز بين الأشياء فأينما توجهه يسيل ويذهب. ثم عُدْ إليه عند الربيع الذي هو ميدان الحشر السنوي، وانظر وتأمل كيف أن مَلَك "الرعد" ينفخُ في صُوره في الربيع كنفخ إسرافيل، مُناديًا المطر ومُبشرًا البذيرات المدفونة تحت الأرض بالبعث بعد الموت. فأنت ترى أن تلك البذيرات التي هي في منتهى الاختلاط والامتزاج مع غاية التشابه تمتثل تحت أنوار تجلّي اسم "الحفيظ"، امتثالًا تامًا بلا خطأ الأوامر التكوينية الآتية إليها من بارئها الحكيم. فتلائم أعمالَها وتوافق حركاتِها مع تلك الأوامر بحيث تستشف منها لمعان كمال الحكمة والعلم والإرادة والقصد والشعور.
ألا ترى كيف تتمايز تلك البذيرات المتماثلة، ويفترق بعضها عن البعض الآخر. فهذه البُذيرة قد صارت شجرة تينٍ تنشر نِعم الفاطر الحكيم فوق رؤوسنا وتنثرها وتمدّها إلينا بأيدي أغصانها. وهاتان البُذيرتان المتشابهتان بها قد صارتا زهرة الشمس وزهرة البنفسج.. وأمثالها كثير من الأزهار الجميلة التي تتزين لأجلنا وتواجهنا بوجه طليق مبتسم متوددةً إلينا.. وهناك بذيراتٌ أخرى قد صارت فواكه طيبة نشتهيها، وسنابل ملآى، وأشجارًا يافعة، تثير شهيتنا بطعومها الطيبة، وروائحها الزكية، وأشكالها البديعة فتدعونا إلى أنفسها، وتُفديها إلينا،
— 192 —
كي تصعد من مرتبة الحياة النباتية إلى مرتبة الحياة الحيوانية.
حتى نمت تلك البذيرات نموًا واسعًا إلى حدّ صارت تلك الغرفةُ منها -بإذن خالقها- حديقة غنّاء وجنةً فيحاء مزدهرة بالأزهار المتنوعة والأشجار المختلفة، فانظر هل ترى خطأً أو فطورًا
﴿ فارجع البصر هل ترى من فطور ﴾
(المُلك: ٣).
لقد أظهرت كلُ بذرة بتجلي اسم اللّٰه "الحفيظ" وإحسانه ما ورثَته من ميراث أبيها وأصلها بلا نقصان وبلا التباس.
فالحفيظ الذي يفعل هذا الحفظ المعجِز يشير به إلى إظهار التجلي الأكبر للحفيظية يوم الحشر الأكبر والقيامة العظمى.
نعم، إن إظهار كمال الحفظ والعناية في مثل هذه الأمور الزائلة التافهة بلا قصور، لهو حجةٌ بالغة على محافظة ومحاسبة ما له أهمية عظيمة وتأثير أبدي كأفعال خلفاء الأرض وآثارهم، وأعمال حملة الأمانة وأقوالهم، وحسنات عبدة الواحد الأحد وسيئاتهم..
﴿ أيحسَبُ الانسانُ أنْ يُترَكَ سُدًى ﴾
(القيامة: ٣٦) بلى إنه لمبعوثٌ إلى الأبد، ومرشّحٌ للسعادة الأبدية أو الشقاء الدائم، فيحاسَبُ على السَبَد واللَّبَد [٭]: السَبَد: جمع أسباد: القليل من الشعر، يقال: "ما له سبدٌ ولا لَبَد" أي لا شعر ولا صوف، يقال: لمن لا شيء له (انظر: مجمع الأمثال للميداني). فإما الثواب وإما العقاب.
وهكذا فهناك ما لا يحد ولا يُعد من دلائل التجلي لاسم اللّٰه الحفيظ، وشواهد حقيقة الآية المذكورة.
فهذا المثال الذي تنسج على منواله ليس إلّا قبضة من صُبرة، [٭]: الصُبرة: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن. أو غرفة من بحر، أو حبة من رمال الدهناء، ونقطة من تلال الفيفاء، [٭]: الفيفاء: الصحراء الملساء، والجمع: الفيافي. وقطرة من زلال السماء، فسبحانه من حفيظ رقيب وشهيد حسيب.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اللمعة الثامنة عشرة
ستدرج بإذن اللّٰه ضمن مجموعة أخرى.